Contents

الواجهة
أحاديث في الفتن و الحوادث
أحاديث في الفتن و الحوادث
أحكام الصلاة
أحكام الصلاة
آداب المشي إلى الصلاة
آداب المشي إلى الصلاة
أربع قواعد تدور الأحكام عليها
أربع قواعد تدور الأحكام عليها
أصول الإيمان
أصول الإيمان
منسك الحج
منسك الحج
الجواهر المضية
الجواهر المضية
الخطب المنبرية
الخطب المنبرية
الرسائل الشخصية
الرسائل الشخصية
الرسالة المفيدة
الرسالة المفيدة
الطهارة
الطهارة
القواعد الأربعة
القواعد الأربعة
الكبائر
الكبائر
مسائل الجاهلية
المسائل التي خالف فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل الجاهلية
بعض فوائد صلح الحديبية
بعض فوائد صلح الحديبية
تفسير آيات من القرآن الكريم
تفسير آيات من القرآن الكريم
ثلاثة أصول
ثلاثة أصول
مجموعة الحديث على أبواب الفقه
مجموعة الحديث - الجزء الأول
مجموعة الحديث - الجزء الثاني
مجموعة الحديث - الجزء الثالث
مجموعة الحديث - الجزء الرابع
رسالة في الرد على الرافضة
رسالة في الرد على الرافضة
شروط الصلاة وأركانها وواجباتها
شروط الصلاة وأركانها وواجباتها
فتاوى ومسائل
فتاوى ومسائل
فضائل القرآن
فضائل القرآن
فضل الإسلام
فضل الإسلام
كتاب التوحيد
كتاب التوحيد
كشف الشبهات
كشف الشبهات
مبحث الاجتهاد والخلاف
مبحث الاجتهاد والخلاف
مجموعة رسائل في التوحيد والإيمان
مجموعة رسائل في التوحيد والإيمان
مختصر الإنصاف والشرح الكبير
مختصر الإنصاف والشرح الكبير
مختصر تفسير سورة الأنفال
مختصر تفسير سورة الأنفال
مختصر زاد المعاد لابن قيم الجوزية
مختصر زاد المعاد لابن قيم الجوزية
مختصر سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم
مختصر سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم
مسائل لخصها الشيخ من كلام ابن تيمية
مسائل لخصها الشيخ محمد بن عبد الوهاب من كلام ابن تيمية
مفيد المستفيد في كفر تارك التوحيد
مفيد المستفيد في كفر تارك التوحيد

 
عودة لموقع هاني الطنبور
هاني الطنبور
الصفحة السابقة الصفحة التالية
 
 

مبحث الاجتهاد والخلاف

 مبحث الاجتهاد والخلاف

ص -3-           مبحث الاجتهاد والخلاف
تأليف: الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد، فهذه رسالة في مبحث الاجتهاد والخلاف لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله تعالى - وهي منقولة باختصار من كتاب أعلام الموقعين 1 لابن القيم - رحمه الله - وقد وجدنا بآخرها صفحة وربع الصفحة يبحث في العقيدة وما يتصل بذلك من صفات الله، ولا صلة له بموضوع الرسالة، فآثرنا تركه، ومن أحب الرجوع إليه فليرجع إلى الصورة التي نقلنا منها هذه الرسالة، وهي موجودة بالمكتبة السعودية بالرياض التابعة لرئاسة إدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد تحت رقم، 772 – 86. وقد كتب على الصفحة الأولى منها بخط الناسخ هذه العبارة: "هذه الرسالة تأليف الشيخ محمد بن عبد الوهاب النجدي وهي مبحث الاجتهاد والخلاف". كما يوجد على هذه الصفحة بعض الحروف اللاتينية التي قد تدل القارئ الكريم إلى موضع النسخة لمن أراد الاطلاع على النسخة الأصلية.
وقد قمنا عند نقل وتصحيح هذه الرسالة بمقابلة هذه الصورة بكتاب "إعلام الموقعين" لابن القيم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 1 ج 4 ص 119 نشر مكتبة الكليات الأزهرية.

 

ص -4-           هذا ولا يفوتنا أن ننبه إلى أن الرسالة لها تتمة، يدل ذلك الكلمة المكتوبة في آخر الصفحة التي انتهينا إليها والتي تشير إلى بداية صفحة جديدة لم نجدها.
والله نسأل أن يرزقنا العلم النافع والعمل به، إنه جواد كريم، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
عبد الرحمن بن محمد السدحان
عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين

 

ص -5-           بسم الله الرحمن الرحيم
قال ابن القيم في إعلام الموقعين ": إذا قال الصحابي قولا، فإما أن يخالفه صحابي آخر أو لا، فإن خالفه مثله لم يكن قول أحدهما حجة على الآخر، وإن خالفه أعلم منه كالخلفاء الراشدين أو بعضهم، فهل يكون الشق الذي فيه الخلفاء أو بعضهم حجة على الآخرين؟ فيه قولان للعلماء، هما روايتان عن أحمد، والصحيح أنه أرجح. فإن كان الأربعة في شق فلا شك أنه الصواب، وإن كان أكثرهم في شق فالصواب فيه أغلب، فإن كانوا اثنين واثنين فشق أبي بكر وعمر أقرب إلى الصواب، فإن اختلفا فالصواب مع أبي بكر. وهذه جملة لا يعرف تفصيلها إلا من له خبرة وإطلاع، ويكفي في ذلك معرفة رجحان قول الصديق في الجد والإخوة، وكون الطلاق بفم واحد مرة واحدة، وإن تلفظ فيه بالثلاث، وجواز بيع أمهات الأولاد. ولا يحفظ للصديق خلاف نص واحد أبدا، ولا فتوى ولا حكم مأخذهما ضعيف أبدا.
وإن لم يخالف الصحابي صحابي آخر فإما أن يشتهر قوله في الصحابة أوْ لا; فإن اشتهر فالذي عليه جماهير الطوائف من الفقهاء أنه إجماع وحجة، وقالت طائفة منهم: هو حجة وليس بإجماع، وقال بعض الفقهاء المتأخرين، لا يكون إجماعا ولا حجة. وإن لم يشتهر أو لم يعلم هل اشتهر أم لا، فاختلف الناس هل يكون حجة؟

 

ص -6-           فالذي عليه جمهور الأمة أنه حجة، هذا قول جمهور الحنفية، صرح به محمد بن الحسن، وهو مذهب مالك وأصحابه، وإسحاق وأبي عبيد ومنصوص أحمد ومنصوص الشافعي في القديم والجديد.
والذين قالوا ليس بحجة قالوا: لأن الصحابي مجتهد يجوز عليه الخطأ، ولأن الأدلة الدالة على بطلان التقليد تعم تقليد الصحابي ومن دونه، ولأن التابعي إذا أدرك عمر الصحابة اعتد بخلافه، فكيف يكون قول الواحد حجة عليه، ولأن الأدلة قد انحصرت في الكتاب والسنة والإجماع والقياس والاستصحاب، وقول الصحابي ليس واحدا منها، ولأن امتيازه بكونه أفضل وأعلم لا يوجب وجوب اتباعه على مجتهد آخر من التابعين.
فنقول: الكلام في مقامين:
أحدهما: في الأدلة الدالة على وجوب اتباع الصحابة رضي الله عنهم
الثاني: في الجواب عن شبه النفاة.
أما الأول فمن وجوه:-
الوجه الأول:
 ما احتج به مالك، وهو قوله تعالى:
{وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ } 1 الآية، فوجه الدلالة أن الله سبحانه أثنى على من اتبعهم، فإذا قالوا قولا فاتبعهم متبع عليه قبل أن يعرف صحته فهو متبع لهم، ولو كان تقليدا محضا كتقليد بعض

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 1 سورة التوبة آية: 100.

 

ص -7-           المفتين لم يستحق من اتبعهم الرضوان إلا أن يكون عاميا، فأما العلماء فلا يجوز لهم اتباعهم.
فإن قيل: اتباعهم هو أن يقول ما قالوا بالدليل، والدليل قوله: (بِإِحْسَانٍ)، ومن قلدهم لم يتبعهم بإحسان، لأنه لو كان مطلق الاتباع محمودا لم يفرق، وأيضا فيجوز أن يراد به اتباعهم في أصول الدين، وقوله: (بِإِحْسَانٍ) أي بالتزام الفرائض واجتناب المحارم، ويكون المقصود أن السابقين قد وجب لهم الرضوان وإن أساؤوا; لقوله: "وما يدريك أن الله قد اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم" 1 وأيضا فالثناء على من اتبعهم كلهم، وذلك اتباعهم فيما أجمعوا عليه، وأيضا فالثناء على من اتبعهم لا يقتضي وجوبه وإنما يدل على جواز تقليدهم، وذلك دليل على جواز تقليد العالم كما هو مذهب طائفة، أو الأعلم كقول أخرى، أما الدليل على وجوب اتباعهم فليس في الآية ما يقتضيه.
فالجواب من وجوه:
أحدها: أن الاتباع لا يستلزم الاجتهاد لوجوه:
أحدها: أن الاتباع المأمور به في القرآن كقوله:
{فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} 2 {وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} 3 {وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ} 4 ونحوه لا يتوقف على الاستدلال على صحة القول مع الاستغناء عن القائل.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 1 متفق عليه عن علي رضي الله عنه.
 2 سورة آل عمران آية: 31.
 3 سورة الأعراف آية: 158.
 4 سورة النساء آية: 115.

 

ص -8-           الثاني: أنه لو كان المراد اتباعهم في الاستدلال لم يكن فرق بين السابقين وبين جميع الخلائق، لأن اتباع موجب الدليل يجب أن يتبعه 1 كل أحد.
الثالث: أنه إما أن تجوز مخالفتهم في قولهم بعد الاستدلال أو لا، فإن لم تجز فهو المطلوب، وإن جازت فقد خولفوا في تخصيص الحكم واتبعوا في حسن الاستدلال، فليس جعل من فعل ذلك متبعا لموافقتهم في الاستدلال بأولى من جعله مخالفا لمخالفته في عين الحكم.
الرابع: أن من خالفهم في الحكم الذي أفتوا به لا يكون متبعا لهم أصلا، بدليل أن من خالف مجتهدا لا يصح أن يقال اتبعه، وإن أطلق ذلك فلا بد من تقييده بأن يقال: اتبعه في الاستدلال أو الاجتهاد.
الخامس: أن الاتباع افتعال من التبع، وكون الإنسان تابعا لغيره نوع افتقار إليه ومشي خلفه، وكل واحد من المجتهدين ليس متبعا للآخر.
السادس: أن الآية قصد بها مدح السابقين والثناء عليهم، وبيان استحقاقهم أن يكونوا أئمة متبوعين، وبتقدير ألا يكون قولهم موجبا للموافقة ولا مانعا من المخالفة لا يكون لهم هذا المنصب.
السابع: أن من خالفهم في خصوص الحكم لم يتبعهم في ذلك الحكم ولا فيما استدلوا به عليه، فلا يكون متبعا لهم بمجرد مشاركتهم في صفة عامة وهي مطلق الاستدلال والاجتهاد، لا سيما وتلك لا اختصاص لها به،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 1 كذا في الأصل, وفي إعلام الموقعين: أن يتبع فيه.

 

ص -9-           لأن ما ينفي الاتباع، أخص مما يثبته، وإذا وجد الفارق الأخص والجامع الأعم وكلاهما مؤثر، كان التفريق أولى.
وأما قوله:
{بِإِحْسَانٍ} فليس المراد به أن يجتهد، وافق أو خالف، لأنه إذا خالف لم يتبع فضلا عن أن يكون بإحسان، ولأن مطلق الاجتهاد ليس فيه اتباع لهم، لكن الاتباع لهم اسم يدخل فيه كل من وافقهم في الاعتقاد والقول، فلا بد مع ذلك أن يكون المتبع محسنا بأداء الفرائض واجتناب المحارم، لئلا يقع اغترار بمجرد الموافقة قولا، وأيضا فلا بد أن يحسن المتبع لهم القول فيهم، اشترط الله ذلك لعلمه بأن سيكون أقوام ينالون منهم، وهذا مثل قوله بعد أن ذكر المهاجرين والأنصار {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ} 1 الآية. وأما تخصيص اتباعهم بأصول الدين دون فروعه فلا يصح، لأن الاتباع عام، ولأن من اتبعهم في أصول الدين فقط لو كان متبعا لهم على الإطلاق لكنا متبعين للمؤمنين من أهل الكتابين، ولم يكن فرق بين اتباع السابقين من هذه الأمة وغيرها.
وأيضا فإنه إذا قيل: فلان يتبع فلانا، ولم يقيد ذلك بقرينة لفظية ولا حالية، فإنه يقتضي اتباعه في كل الأمور التي يتأتى فيها الاتباع، لأن من اتبعه في حال وخالفه في أخرى لم يكن وصفه بأنه متبع بأولى من وصفه بأنه مخالف، ولأن الرضوان حكم تعلق باتباعهم فيكون الاتباع سببا له، لأن الحكم المعلق بما هو مشتق يقتضي أن ما منه الاشتقاق سبب، وإذا كان اتباعهم سببا للرضوان اقتضى الحكم في جميع موارده، ولأن الاتباع يؤذن بكون

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 1 سورة الحشر آية: 10.

 

ص -10-         الإنسان تبعا لغيره وفرعا عليه، وأصول الدين ليست كذلك، ولأن الآية تضمنت الثناء عليهم وجعلهم أئمة لمن بعدهم، فلو لم يتناول إلا اتباعهم في أصول الدين لم يكونوا أئمة في ذلك لأن ذلك معلوم مع قطع النظر عن اتباعهم.
وأما قولهم إن الثناء على من اتبعهم كلهم، فنقول: الآية اقتضت الثناء على كل من اتبع كل واحد منهم، كما أن قوله:
{(وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ} 1 {وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ} يقتضي حصول الرضوان لكل واحد من السابقين والذين اتبعوهم في قوله: {رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي} 2 وكذلك في قوله: {اتَّبَعُوهُمْ} لأنه حكم علق عليهم في هذه الآية، فقد تناولهم مجتمعين ومنفردين.
وأيضا فإن الأصل في الأحكام المعلقة بأسماء عامة ثبوتها لكل فرد فرد من تلك المسميات كقوله:
{وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ} وقوله: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ} 3 وقوله {وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} 4.
وأيضا فإن الأحكام المعلقة على المجموع يؤتى فيها باسم يتناول المجموع دون الأفراد، كقوله تعالى:
{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً} 5 وقوله {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ} 6 وقوله {يَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ} 7 فإن لفظ (الأمة)    

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 1 سورة التوبة آية: 100.
 2 سورة التوبة آية: 100.
 3 سورة الفتح آية: 18.
 4 سورة التوبة آية: 119.
 5 سورة البقرة آية: 143.
 6 سورة آل عمران آية: 110.
 7 سورة النساء آية: 115.

 

ص -11-         ولفظ (سبيل المؤمنين) لا يمكن توزيعه على أفراد الأمة وأفراد المؤمنين، بخلاف لفظ (السابقين) فإنه يتناول كل فرد من السابقين.
وأيضا فالآية تعم اتباعهم مجتمعين ومنفردين في كل ممكن، فمن اتبع جماعتهم إذا اجتمعوا، واتبع آحادهم فيما وجد عنهم مما لم يخالفه فيه غيره منهم، فقد صدق عليه أنه اتبع السابقين، أما من خالف بعض السابقين فلا يصح أن يقال اتبع السابقين، لوجود مخالفته لبعضهم، لا سيما إذا خالف هذا مرة وهذا مرة. وبهذا يظهر الجواب عن اتباعهم إذا اختلفوا، فإن اتباعهم هناك قول بعض تلك الأقوال باجتهاد واستدلال، إذ هم مجتمعون على تسويغ كل واحد من الأقوال لمن أدى اجتهاده إليه، فقد قصد اتباعهم أيضا.
أما إذا قال قولا ولم يخالفه غيره فلا يعلم أن السابقين سوغوا خلاف ذلك القول. وأيضا فالآية تقتضي اتباعهم مطلقا، فلو فرضنا أن الطالب عثر على نص يخالف قول أحد منهم، فقد علمنا أنه لو ظفر بذلك النص لم يعدل عنه، أما إذا رأينا رأيا، فقد يجوز أن يخالف ذلك الرأي.
وأيضا فلو لم يكن اتباعهم إلا فيما أجمعوا عليه، لم يحصل اتباعهم إلا فيما قد علم أنه من دين الإسلام بالاضطرار، لأن السابقين الأولين خلق عظيم، ولم يعلم أنهم أجمعوا إلا على ذلك، فيكون هذا الوجه هو الذي قبله، وقد تقدم بطلانه، إذ الاتباع في هذا غير مؤثر.
وأيضا فجميع السابقين قد مات منهم أناس في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم وحينئذ فلا يحتاج في ذلك إلى اتباعهم للاستغناء عنه بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم.

 

ص -12-         ثم لو فرضنا أحدا يتبعهم إذ ذاك لكان من السابقين، فحاصله أن التابعين لا يمكنهم اتباع جميع السابقين، وأيضا فإن معرفة قول جميع السابقين كالمتعذر، وأيضا فإنهم إنما استحقوا منصب الإمامة بكونهم هم السابقين، وهذه صفة موجودة في كل واحد منهم، فوجب أن يكون إماما للمتقين كما استوجب الرضوان والجنة.
وأما قولهم: ليس فيها ما يوجب اتباعهم، فنقول: الآية تقتضي الرضوان عمن اتبعهم بإحسان، وقد قام الدليل على أن القول في الدين بغير علم حرام، فلا يكون اتباعهم قولا بغير علم، بل قولا بعلم، وهو المقصود، وحينئذ فسواء يسمى تقليدا أو اجتهادا.
وأيضا فإن كان تقليد العالم للعالم حراما كما هو قول الشافعية والحنابلة فاتباعهم ليس بتقليد، لأنه مرضي، وإن كان تقليدهم جائزا أو مستثنى من التقليد المحرم، فلم يقل أحد إن تقليد العلماء من موجبات الرضوان، فعلم أن تقليدهم خارج عن هذا، لأن تقليد العالم وإن كان جائزا فتركه إلى قول غيره أو إلى اجتهاد جائز بالاتفاق، والشيء المباح لا يستحق به الرضوان، وأيضا فإن رضوان الله غاية المطالب ولا ينال إلا بأفضل الأعمال، ومعلوم أن التقليد ليس بأفضل الأعمال، بل الاجتهاد أفضل منه، فعلم أن اتباعهم هو أفضل ما يكون في مسألة اختلفوا فيها هم ومن بعدهم، وأن اتباعهم دون من بعدهم هو الموجب لرضوان الله، فلا ريب أن رجحان أحد القولين يوجب اتباعه، وقولهم أرجح بلا شك.

 

ص -13-         وأيضا فإن الله أثنى على الذين اتبعوهم بإحسان، والتقليد وظيفة العامة، فلو أريد التقليد الذي يجوز خلافه لكان للعامة النصيب الأوفى، وكان حظ علماء الأمة من هذه الآية أبخس الحظوظ.
وأيضا فإذا كان اتباعهم موجب الرضوان لم يكن تركه موجب الرضوان، لأن الجزاء لا يقتضيه وجود الشيء وضده.
وأيضا فإن طلب رضوان الله واجب، لأنه إذا لم يوجب رضوانه فإما سخطه أو عفوه، والعفو بعد انعقاد سبب الخطيئة. وأيضا فإنه إنما أثنى على المتبع بالرضوان، ولم يصرح بالوجوب، لأن إيجاب الاتباع يدخل فيه الاتباع بالأفعال، ويقتضي تحريم مخالفتهم مطلقا، فيقتضي ذم المخطئ، وليس كذلك، أما الأقوال فلا وجه لمخالفتهم فيها بعد أن ثبت أن فيها رضي الله.
وأيضا فإن القول إذا ثبت أن فيه رضى الله لم يكن رضى الله في ضده بخلاف الأفعال، وقد يكون رضى الله في الأفعال المختلفة وفي الترك بحسب قصدين وحالين، أما الاعتقادات والأقوال فليست كذلك، فإذا ثبت أن في قولهم رضى الله لم يكن الحق إلا هو، فوجب اتباعه. فإن قيل: السابقون هم الذين صلوا إلى القبلتين، أو هم أهل بيعة الرضوان ومن قبلهم، فما الدليل على اتباع من أسلم بعد ذلك؟
قيل: إذا ثبت وجوب اتباع أهل بيعة الرضوان فهو أكبر المقصود، على أنه لا قائل بالفرق، وكل الصحابة سابق بالنسبة إلى من بعدهم.

 

ص -14-         الوجه الثاني: 1
 قوله تعالى:
{اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْأَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُهْتَدُونَ} 2 هذا قصه الله سبحانه عن صاحب (يس) على سبيل الرضى بهذه المقالة، والثناء على قائلها، والإقرار له عليها، وكل الصحابة رضي الله عنهم لم يسألنا أجرا، وهم مهتدون، بدليل قوله تعالى: {وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ} 3 الآية و "لعل" من الله واجب، وقوله {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدىً} 4، وقوله: {سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ} 5، وقوله: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} 6، وكل منهم قاتل في سبيل الله، وجاهد إما بيده أو بلسانه، فيكون الله قد هداهم، ومن هداه فهو مهتد، فيجب اتباعه للآية.
الوجه الثالث:
 قوله سبحانه وتعالى:
{وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ} 7 وكل من الصحابة منيب إلى الله، فيجب اتباع سبيله، وأقواله واعتقاداته من أكبر سبيله، والدليل عن أنهم منيبون إلى الله أن الله سبحانه قد هداهم، وقد قال تعالى: {وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ} 8.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 1 أي من الأوجه الدالة على وجوب اتباع الصحابة رضي الله عنهم, كما في ص 6.
 2 سورة يس آية: 21.
 3 سورة آل عمران آية: 103.
 4 سورة محمد آية: 17.
 5 سورة محمد آية: 5.
 6 سورة العنكبوت آية: 69.
 7 سورة لقمان آية: 15.
 8 سورة الشورى آية: 13.

 

ص -15-         الوجه الرابع:
قوله تعالى:
{قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي} 1 فأخبر سبحانه أن من اتبع الرسول يدعو إلى الله على بصيرة، ومن دعا إلى الله على بصيرة وجب اتباعه، لقوله تعالى فيما حكاه عن الجن ورضيه: {يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ} 2.
الوجه الخامس:
قوله سبحانه وتعالى:
{قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى} 3 قال ابن عباس في رواية أبي مالك: هم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، والدليل عليه قوله تعالى: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا} 4 وحقيقة الاصطفاء افتعال من التصفية، فيكون قد صفاهم من الأكدار، والخطأ من الأكدار، فيكونون مصفين منه، ولا ينتقض هذا بما إذا اختلفوا، لأن الحق لم يعدهم، ولا يكون قول بعضهم كدرا، لأن مخالفة الكدر وبيانه يزيل كونه كدرا.
الوجه السادس:
 أن الله سبحانه شهد لهم أنهم أوتوا العلم، بقوله تعالى:
{وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ} 5 وقوله: {حَتَّى إِذَا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 1 سورة يوسف آية: 108.
 2 سورة الأحقاف آية: 31.
 3 سورة النمل آية: 59.
 4 سورة فاطر آية: 32.
 5 سورة سبأ آية: 6.

 

ص -16-         خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفاً} 1 وقوله: {رْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} 2 واللام في العلم ليست للاستغراق، وإنما هي للعهد، أي العلم الذي بعث الله به نبيه صلى الله عليه وسلم، وإذا كانوا قد أوتوا هذا العلم، كان اتباعهم واجبا.
الوجه السابع:
قوله تعالى:
{كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} 3 الآية. شهد لهم سبحانه أنهم يأمرون بكل معروف، وينهون عن كل منكر، فلو كانت الحادثة في زمانهم لم يفت فيها إلا من أخطأ منهم، لم يكن أحد منهم قد أمر فيها بمعروف، ولا نهى فيها عن منكر، إذ الصواب معروف، والخطأ منكر من بعض الوجوه، ولولا ذلك لما صح التمسك بهذه الآية على أن الإجماع حجة.
الوجه الثامن:
قوله تعالى
:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} 4. قال غير واحد من السلف: هم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ولا ريب أنهم أئمة الصادقين، وكل صادق بعدهم فبهم يأتم في صدقه، بل حقيقة صدقه اتباعه لهم، وكونه معهم، ومعلوم أن من خالفهم في شيء وإن وافقهم في غيره لم يكن معهم فيما خالفهم فيه، فتنتفي عنه المعية

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 1 سورة محمد آية: 16.
 2 سورة المجادلة آية: 11.
 3 سورة آل عمران آية: 110.
 4 سورة التوبة آية: 119.

 

ص -17-         المطلقة، وإن ثبت له قسط من المعية فيما وافقهم فيه، فلا يصدق عليه أنه معهم بهذا القسط. وهذا كما نفى الله ورسوله الإيمان المطلق عن الزاني والشارب والسارق، وهذا كما أن اسم الفقيه والعالم عند الإطلاق لا يقال لمن معه مسألة أو مسألتان، وإن قيل: معه شيء من العلم. ففرق بين المعية المطلقة ومطلق المعية، ومعلوم أن المأمور به الأول لا الثاني، فإن الله سبحانه لم يرد منا أن نكون معهم في شيء من الأشياء، وأن نحصل من المعية ما يصدق عليه الاسم، وهذا غلط عظيم في فهم مراد الرب من أوامره، فإذا أمرنا بالتقوى والبر والصدق والعفة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد ونحو ذلك، لم يرد منا أن نأتي من ذلك بأقل ما يطلق عليه الاسم.
الوجه التاسع:
قوله تعالى:
{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً} 1. ووجه الاستدلال بالآية أنه سبحانه وتعالى أخبر أنه جعلهم أمة خيارا عدلا، هذا حقيقة الوسط، فهم خير الأمم وأعدلها في أقوالهم وأعمالهم وإراداتهم ونياتهم، وبهذا استحقوا أن يكونوا شهداء للرسل على أممهم يوم القيامة، والله سبحانه يقبل شهادتهم عليهم فهم شهداؤه، ولهذا نوَّه بهم، ورفع ذكرهم، وأثنى عليهم، لأنه سبحانه لما اتخذهم شهداء أعلم خلقه من الملائكة وغيرهم بحال هؤلاء الشهداء، وأمر ملائكته أن تصلي عليهم، وتدعو لهم، وتستغفر لهم. والشاهد المقبول عند الله هو الذي يشهد بعلم وصدق، فيخبر بالحق،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 1 سورة البقرة آية: 143.

 

ص -18-         مستندا إلى علمه به، كما قال تعالى: {إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} 1. فقد يخبر الإنسان بالحق اتفاقا من غير علمه به، وقد يعلمه ولا يخبر به، فالشاهد المقبول عند الله هو الذي يخبر به عن علم. فلو كان علمهم أن يفتي أحدهم بفتوى وتكون خطأ مخالفة لحكم الله ورسوله، ولا يفتي غيره بالحق، كانت هذه الأمة العدل قد أطبقت على خلاف الحق، بل انقسموا قسمين: قسما أفتى بالباطل، وقسما سكت.
الوجه العاشر:
قوله تبارك وتعالى:
{وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} 2 الآية. فأخبر سبحانه وتعالى أنه اجتباهم، والاجتباء كالاصطفاء، وهو افتعال من جبى الشيء يجبيه إذا ضمه إليه، فهم الذين اجتباهم الله إليه، وجعلهم أهله وخاصته، ولهذا أمرهم سبحانه أن يجاهدوا فيه حق جهاده فيبذلوا له أنفسهم، ويفردوه بالمحبة والعبودية، ويختاروه وحده إلها معبودا محبوبا على كل ما سواه كما اختارهم على من سواهم، ثم أخبر سبحانه أنه يسر عليهم دينه غاية التيسير، ولم يجعل عليهم من حرج ألبئة، لكمال محبته لهم ورأفته ورحمته وحنانه بهم، ثم أمرهم بلزوم ملة إمام الحنفاء أبيهم إبراهيم وهي إفراده سبحانه وحده بالعبودية والتعظيم والحب

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 1 سورة الزخرف آية: 86.
 2 سورة الحج آية: 78.

 

ص -19-         والخوف والرجاء والتوكل والإنابة والتفويض والاستسلام، فيكون تعلق ذلك من قلوبهم به وحده لا بغيره، ثم أخبر سبحانه أنه نوه بهم وأثنى عليهم قبل وجودهم، وسماهم عباده المسلمين قبل أن يظهرهم، ثم نوه بهم، وسماهم كذلك بعد أن أوجدهم اعتناء بهم، ورفعة لشأنهم، وإعلاء لقدرهم، ثم أخبر سبحانه أنه فعل ذلك ليشهد عليهم رسوله، ويشهدوا هم على الناس. فيكون مشهودا لهم بشهادة الرسول صلى الله عليه وسلم شاهدين على الأمم بقيام حجة الله عليهم، فكان هذا التنويه وإشادة الذكر بهذين الأمرين الجليلين، ولهاتين الحكمتين العظيمتين. والمقصود: أنهم إذا كانوا بهذه المنزلة عنده سبحانه فمن المحال أن يحرمهم كلهم الصواب في مسألة، فيفتي بعضهم بالخطأ، ولا يفتي غيره بالصواب، ويظفر به من بعدهم، والله المستعان.
الوجه الحادي عشر:
قوله تبارك وتعالى:
{وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} 1. أخبر سبحانه عن المعتصمين به أنهم قد هدوا إلى الحق، والصحابة معتصمون بالله، لقوله تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ} 2 ومعلوم كمال تولي الله سبحانه لهم ونصره إياهم أتم نصر، وهذا يدل على أنهم اعتصموا به أتم اعتصام.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 1 سورة آل عمران آية: 101.
 2 سورة الحج آية: 78.

 

ص -20-         الوجه الثاني عشر:
قوله تعالى عن أصحاب موسى:
{وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ} 1. فأخبر سبحانه أنه جعل منهم أئمة يأتم بهم من بعدهم، لصبرهم ويقينهم، إذ بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين، فإن الداعي إلى الله لا يتم له أمره إلا بيقينه للحق الذي يدعو إليه، وبصيرته به، وصبره على تنفيذ الدعوة إلى الله باحتمال مشاق الدعوة، وكف النفس عما يوهن عزمه؛ فمن كان بهذه المثابة كان من الأئمة الذين يهدون بأمره سبحانه، وأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أحق وأولى بهذا الوصف من أصحاب موسى، فهم أولى بمنصب هذه الإمامة.
الوجه الثالث عشر.
قوله تبارك وتعالى:
{وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً} 2. وإمام بمعنى قدوة، وهو يصلح للواحد والجمع، كالأمة والأسوة، وقد قيل: هو جمع آمم كصاحب وصحاب وراجل ورجال وتاجر وتجار، وقيل: مصدر كقتال وضراب، أي ذوى إمام، والصواب الوجه الأول، فكل من كان من المتقين وجب عليه أن يأتم بهم، والتقوى واجبة فالائتمام بهم واجب.
الوجه الرابع عشر.
ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصحاح أنه قال:
"خير القرون القرن الذي بعثت فيه، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم" 3 فأخبر

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 1 سورة السجدة آية: 24.
 2 سورة الفرقان آية: 74.
 3 أحمد (4/276).

 

ص -21-         صلى الله عليه وسلم أن خير القرون قرنه مطلقا، وذلك يقتضي تقديمهم في كل باب من أبواب الخير، وإلا لكانوا خيرا من بعض الوجوه، فلا يكونون خير القرون مطلقا، ثم هذا يتعدد في مسائل عدة، لأن من يقول ليس بحجة، يجوز عنده أن يكون من بعدهم أصاب في كل مسألة قال فيها الصحابي قولا، ولم يخالفه صحابي آخر، وهذا يأتي في مسائل كثيرة تفوق العد والإحصاء.
الوجه الخامس عشر:
 ما روى مسلم في صحيحه من حديث أبي موسى، قال
: "صليت المغرب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلنا: لو جلسنا حتى نصلي معه العشاء، جلسنا، فخرج علينا، قال: ما زلتم هاهنا ؟ قلنا: يا رسول الله صلينا معك المغرب، ثم جلسنا حتى نصلي معك العشاء، قال: أحسنتم وأصبتم ورفع رأسه إلى السماء، وكان كثيرا ما يرفع رأسه إلى السماء، فقال: النجوم أمنة للسماء، فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد، وأنا أمنة لأصحابي، فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنة لأمتي، فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون" 1 ووجه الاستدلال بالحديث أنه جعل نسبة أصحابه إلى من بعدهم كنسبته إلى أصحابه، ومعلوم أن هذا يعطي من وجوب الاهتداء بهم ما هو نظير اهتدائهم بنبيهم صلى الله عليه وسلم ونظير اهتداء أهل الأرض بالنجوم. وأيضا فإنه جعل بقاءهم بين الأمة أمنة لهم وحرزا من الشر وأسبابه.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 1 مسلم: فضائل الصحابة (2531) , وأحمد (4/398).

 

ص -22-         الوجه السادس عشر:
ما رواه أبو عبد الله بن بطة من حديث الحسن عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
: "إن مثل أصحابي في أمتي كمثل الملح في الطعام، لا يصلح الطعام إلا بالملح". قال الحسن: فقد ذهب ملحنا فكيف نصلح. وروى ابن بطة أيضا بإسنادين إلى عبد الرزاق، أخبرنا معمر عمن سمع الحسن يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مثل أصحابي في الناس كمثل الملح في الطعام". ثم يقول الحسن: هيهات! ذهب ملح القوم. وقال الإمام أحمد: حدثنا حسن بن علي الجعفي عن أبي موسى - يعني إسرائيل- عن الحسن، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مثل أصحابي كمثل الملح في الطعام". قال: يقول الحسن: هل يطيب الطعام إلا بالملح؟، ويقول الحسن: فكيف بقوم ذهب ملحهم؟. ووجه الاستدلال أنه شبه أصحابه في صلاح دين الأمة بهم بالملح الذي صلاح الطعام به، فلو جاز أن يفتوا بالخطأ، ويظفر بالصواب من بعدهم، لكان من بعدهم ملحا لهم. يوضحه: أن الملح كما أنه صلاح الطعام فالصواب به صلاح الأنام، فلو أخطؤوا لاحتاج ذلك إلى ملح يصلحه.
الوجه السابع عشر:
ما روى البخاري عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
: "لا تسبوا أصحابي، فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مدّ

 

ص -23-         أحدهم ولا نصيفه" 1. وفي لفظ: "فوالذي نفسي بيده". وهذا خطاب منه لخالد بن الوليد ولأقرانه من مسلمة الفتح والحديبية; فإذا كان مد أحد أصحابه ونصيفه أفضل عند الله من مثل أحد ذهبا من مثل خالد وأضرابه من الصحابة، فكيف يجوز أن يحرمهم الله الصواب، ويظفر به من بعدهم؟
الوجه الثامن عشر:
ما روى الحميدي، حدثنا محمد بن طلحة، حدثني عبد الرحمن بن سالم ابن عبد الرحمن بن عويم بن ساعدة عن أبيه عن جده، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله اختارني، واختار لي أصحابا، فجعل لي منهم وزراء وأنصارا وأصهارا" الحديث، ومن المحال أن يحرم الله الصواب من اختارهم لرسوله، ويعطيه من بعدهم.
الوجه التاسع عشر:
ما رواه أبو داود الطيالسي، حدثنا المسعودي عن عاصم عن أبي وائل عن ابن مسعود، قال: "إن الله نظر في قلوب العباد فوجد قلب محمد صلى الله عليه وسلم خير قلوب العباد، فبعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد صلى الله عليه وسلم فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد، فاختارهم لصحبة نبيه ونصرة دينه، فما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن، وما رآه المسلمون قبيحا فهو عند الله قبيح". ومن المحال أن يخطئ الحق خير قلوب العباد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ويظفر به من بعدهم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 1 البخاري: المناقب (3673) , ومسلم: فضائل الصحابة (2541) , والترمذي: المناقب (3861) , وأبو داود: السنة (4658) , وابن ماجه: المقدمة (161) , وأحمد (3/11 ,3/54 ,3/63).

 

ص -24-         وأيضا فإن ما أفتى به أحدهم، وسكت عنه الباقون، فإما أن يروه حسنا أو قبيحا، فإن رأوه حسنا فهو حسن عند الله، وإن رأوه قبيحا ولم ينكروه لم تكن قلوبهم من خير قلوب العباد، وكان من أنكره بعدهم خيرا منهم وأعلم، وهذا من أبين المحال.
الوجه العشرون:
ما رواه أحمد وغيره عن ابن مسعود أنه قال: "من كان متأسيا فليتأس بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فإنهم كانوا أبر هذه الأمة قلوبا، وأعمقها علما، وأقلها تكلفا، وأقومها هديا، وأحسنها حالا، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه، وإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم، واتبعوا آثارهم، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم".
الوجه الحادي والعشرون:
ما رواه الطبراني وأبو نعيم وغيرهما، عن حذيفة بن اليمان، أنه قال: "يا معشر القراء، خذوا طريق من كان قبلكم، فوالله لئن استقمتم لقد سبقتم سبقا بعيدا، ولئن تركتموه يمينا وشمالا لقد ضللتم ضلالا بعيدا".
الوجه الثاني والعشرون:
ما قاله جندب بن عبد الله لفرقة دخلت عليه من الخوارج; فقالوا: ندعوك إلى كتاب الله، قال: أنتم؟ قالوا: نحن، فقال: "يا أخابث خلق الله، في اتباعنا تختارون الضلالة، أم في غير سنتنا تلتمسون الهدى؟ اخرجوا عني".

 

ص -25-         الوجه الثالث والعشرون:
ما رواه الترمذي من حديث العرباض بن سارية قال
: "وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة بليغة، ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، فقال قائل: يا رسول الله، كأنها موعظة مودع، فماذا تعهد إلينا؟ فقال: عليكم بالسمع والطاعة، وإن تأمر عليكم عبد حبشي" 1 الحديث، وهذا حديث حسن، إسناده لا بأس به، فقرن سنة الخلفاء بسنته، وأمر باتباعها، وبالغ في الأمر بها، وهذا يتناول ما أفتوا به، وسنوه للأمة، وإن لم يتقدم من نبيهم فيه شيء، وإلا كان ذلك سنته، ويتناول ما أفتى به جميعهم، أو أكثرهم، أو بعضهم، لأنه علق ذلك بما سنه الخلفاء الراشدون؛ ومعلوم أنهم لم يسنوا ذلك وهم خلفاء في آن واحد، فعلم أن ما سنه كل واحد منهم في وقته فهو من سنة الخلفاء الراشدين.
الوجه الرابع والعشرون:
ما رواه الترمذي من حديث الثوري، عن عبد الملك بن عمير عن هلال مولى ربعي بن حراش، عن ربعي، عن حذيفة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"اقتدوا باللذيْن من بعدي أبي بكر وعمر، واهتدوا بهدي عمار، وتمسكوا بعهد ابن أم عبد" 2 قال الترمذي: هذا حديث حسن.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 1 أبو داود: السنة (4607) , والدارمي: المقدمة (95).
 2 هو عبد الله بن سعود.

 

ص -26-         الوجه الخامس والعشرون:
ما رواه مسلم في صحيحه عن أبي قتادة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن يطع القوم أبا بكر وعمر يرشدوا" 1، وهو في حديث الميضأة الطويل 2.
الوجه السادس والعشرون:
أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر وعمر في شأن تأمير القعقاع والأقرع
: "لو اتفقتما على شيء لم أخالفكما" 3.
الوجه السابع والعشرون:
أن النبي صلى الله عليه وسلم نظر إلى أبي بكر وعمر فقال:
"هذان السمع والبصر"4، أي هما مني بمنزلة السمع والبصر، أو هما من الدين بمنزلة السمع والبصر.
الوجه الثامن والعشرون:
ما رواه أبو داود عن أبي ذر، قال: "
مر فتى على عمر، فقال عمر: نعم الفتى، فتبعه أبو ذر، فقال: يا فتى، استغفر لي، فقال: يا أبا ذر، أستغفر لك وأنت صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: استغفر لي، قال: لا، أو تخبرني، قال: إنك مررت على عمر، فقال: نعم

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 1 مسلم: المساجد ومواضع الصلاة (681) , وأحمد (5/298).
 2 انظر حديث الميضأة في صحيح مسلم بشرح النووي ج 5 ص 185.
 3 رواه أحمد عن عبد الرحمن بن غنم بلفظ "لو اجتمعتما في مشورة ما خالفتكما" المسند 4 ص 227.
 4 أخرجه الترمذي عن عبد الله بن حنطب.

 

ص -27-         الفتى، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم: يقول: إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه".
الوجه التاسع والعشرون:
ما رواه مسلم عن عائشة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
"قد كان فيمن خلا من الأمم أناس محدثون، فإن يكن في أمتي أحد منهم فهو عمر" 1 وهو في المسند والترمذي من حديث أبي هريرة، والمحدث هو المكلم الذي يلقي الله في روعه الصواب، يحدثه به الملك عن الله.
الوجه الثلاثون:
ما رواه الترمذي عن عقبة بن عامر مرفوعا: "لو كان بعدي نبي لكان عمر" 2، وفي لفظ: "لو لم أبعث فيكم لبعث فيكم عمر". قال الترمذي: حديث حسن.
الوجه الحادي والثلاثون:
ما روى ابن أبي خالد عن الشعبي أن عليا ( قال: "ما كنا نبعد أن السكينة تنطق على لسان عمر". ورواه عمرو بن ميمون عن زر عن علي.
الوجه الثاني والثلاثون:
 ما رواه واصل الأحدب عن أبي وائل عن ابن مسعود، قال: "ما رأيت عمر إلا وكأن ملكا بين عينيه يسدده".

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 1 مسلم: فضائل الصحابة (2398) , والترمذي: المناقب (3693) , وأحمد (6/55).
 2 الترمذي: المناقب (3686) , وأحمد (4/154).

 

ص -28-         الوجه الثالث والثلاثون:
ما رواه الأعمش عن شقيق، قال: قال عبد الله: "والله لو أن علم عمر وضع في كفة ميزان، وجعل علم أهل الأرض في كفة لرجح علم عمر، فذكرت ذلك لإبراهيم النخعي، فقال: قال عبد الله: والله إني لأحسب عمر ذهب بتسعة أعشار العلم".
الوجه الرابع والثلاثون:
ما رواه ابن عيينة عن عبد الله بن أبي يزيد، قال: "كان ابن عباس إذا سئل عن شيء فكان في القرآن أو السنة قال به، وإلا قال بما قال به أبو بكر وعمر، فإن لم يكن قال برأيه".
الوجه الخامس والثلاثون:
ما رواه منصور عن زيد بن وهب عن عبد الله، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"رضيت لأمتي ما رضي لها ابن أم عبد". كذا رواه يحيى بن يعلى المحاربي عن زائدة 1 عن منصور، والصواب ما رواه إسرائيل وسفيان عن منصور عن القاسم بن عبد الرحمن عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا، ثم ذكر من حديث عمرو بن حريث نحوه.
الوجه السادس والثلاثون:
ما رواه أبو إسحاق عن حارثة بن مضرب، قال: "كتب عمر إلى أهل الكوفة: قد بعثت إليكم عمار بن ياسر أميرا، وابن مسعود معلما ووزيرا،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 1 كذا بالأصل, وفي إعلام الموقعين ج 4 ص 143 نشر مكتبة الكليات الأزهرية: عن زيد.

 

ص -29-         وهما من النجباء من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم من أهل بدر، فاقتدوا بهما، واسمعوا قولهما، وقد آثرتكم بعبد الله على نفسي".
الوجه السابع والثلاثون:
ما قاله عبادة بن الصامت وغيره: "بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن نقول بالحق حيث كنا، ولا نخاف في الله لومة لائم".
الوجه الثامن والثلاثون:
ما ثبت في الصحيح من حديث أبي سعيد الخدري، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رقى المنبر، فقال:
"إن عبدا خيره الله بين الدنيا وبين ما عنده، فاختار ما عنده..." 1 إلخ.
الوجه التاسع والثلاثون:
ما رواه زائدة عن عاصم عن زر عن عبد الله قال:
"لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت الأنصار: منا أمير ومنكم أمير، فأتاهم عمر، فقال: ألستم تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أبا بكر أن يؤم الناس؟ قالوا: بلى. قال: فأيكم تطيب نفسه أن يتقدم أبا بكر؟ فقالوا: نعوذ بالله أن نتقدم أبا بكر" إلخ.
الوجه الأربعون:
ما ثبت في الصحيح عن ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
"بينما أنا نائم إذ أُتيت بقدح لبن، فقيل لي: اشرب، فشربت منه حتى إني لأرى الري يجري في أظفاري، ثم أعطيت فضلي عمر 2 قالوا: فما أولت ذلك؟ قال: العلم".

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 1 البخاري: الصلاة (466) , ومسلم: فضائل الصحابة (2382) , والترمذي: المناقب (3660) , وأحمد (3/18) , والدارمي: المقدمة (77).
 2 البخاري: التعبير (7027) , ومسلم: فضائل الصحابة (2391) , والترمذي: الرؤيا (2284) والمناقب (3687) , وأحمد (2/83 ,2/108 ,2/130 ,2/147 ,2/154) , والدارمي: الرؤيا (2154).

 

ص -30-         الوجه الحادي والأربعون:
ما ثبت في الصحيح عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
"اللهم فقهه في الدين" 1.
الوجه الثاني والأربعون:
أن صورة المسألة ما إذا لم يكن في الواقعة حديث، ولا اختلاف بين الصحابة وإنما قال بعضهم فيها قولا ولم يعلم أنه اشتهر في الباقين، ولا أنهم خالفوه، فنقول: من تأمل المسائل الفقهية، وتصرف في مداركها وارتوى من مواردها، علم قطعا أن كثيرا منها قد تشتبه فيها وجوه الرأي، بحيث لا يوثق فيها بظاهر مراد أو قياس صحيح ينشرح له الصدر، بل تتعارض فيها الظواهر والأقيسة على وجه يقف المجتهد في أكثر المواضع، لا سيما إذا اختلف الفقهاء، فإن عقولهم من أكمل العقول، فإذا وجد قول لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين هم سادات الأمة، وأعلم الناس، وقد شاهدوا التنزيل، وعرفوا التأويل، كان الظن والحالة هذه بأن الصواب في جهته من أقوى الظنون، وإذا كان المطلوب في الحادثة إنما هو ظن راجح، فلا شك أن الظن الذي يحصل لنا به أرجح من كثير من الظنون.
الوجه الثالث والأربعون:
أن الصحابي إذا قال قولا فله مدارك ينفرد بها عنا، ومدارك نشاركه فيها، فأما ما يختص به فيجوز أن يكون سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم شفاها أو من صحابي آخر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن ما انفردوا به من العلم عنا أكثر من أن يحاط به، فلم يرو كل منهم

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 1 صحيح البخاري: كتاب الوضوء (143) , ومسند أحمد (1/266 ,1/314).

 

ص -31-         كل ما سمع، وأين ما سمعه الصديق والفاروق وغيرهما من كبار الصحابة رضي الله عنهم إلى ما رووه؟ فلم يرو عنه صديق الأمة مائة حديث، وهو لم يغب عن النبي صلى الله عليه وسلم في شيء من مشاهده، بل صحبه من حين بعث، بل قبل البعث إلى أن توفي.
فقول القائل: لو كان عند الصحابي في هذه الواقعة شيء عن النبي صلى الله عليه وسلم لذكره، قول من لم يعرف سيرة القوم وأحوالهم، فإنهم كانوا يهابون الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ويعظمونها، ويقللونها خوف الزيادة والنقص، ويحدثون بالشيء سمعوه من النبي صلى الله عليه وسلم مرارا، ولا يصرحون بالسماع. فتلك الفتوى لا تخرج عن ستة أوجه:-
أحدها: أن يكون سمعها من النبي صلى الله عليه وسلم.
الثاني: أن يكون سمعها ممن سمعها منه.
الثالث: أن يكون فهمها من كتاب الله فهما خفي علينا.
الرابع: أن يكون قد اتفق عليها ملؤهم، ولم ينقل إلينا إلا قول المفتي.
الخامس: أن يكون لكمال علمه باللغة ودلالة اللفظ على الوجه الذي انفرد به عنا، أو لقرائن حالية اقترنت بالخطاب، أو لمجموع أمور فهموها على طول الزمان، من رؤية النبي صلى الله عليه وسلم ومشاهدة أفعاله وأحواله وسيرته، وعلى هذه التقادير يكون حجة يجب اتباعها.
السادس: أن يكون فهم ما لم يرده الرسول صلى الله عليه وسلم،

 

ص -32-         وأخطأ في فهمه، ومعلوم أن وقوع احتمال من خمسة أغلب على الظن من وقوع احتمال واحد معين، وليس المطلوب إلا الظن الغالب. هذا فيما انفردوا به عنا، أما المدارك التي شاركناهم فيها من دلالة الألفاظ والأقيسة، فلا ريب أنهم كانوا أبر قلوبا، وأعمق علما، وأقل تكلفا، وأقرب إلى أن يوفقوا لما لم نوفق له نحن، لما خصهم الله به من توقد الأذهان، وفصاحة اللسان، وسعة العلم، وسهولة الأخذ، وحسن الإدراك، وقلة المعارض أو عدمه، وحسن القصد وتقوى الرب. وأما المتأخرون فقلوبهم 1 متفرقة، فالعربية وتوابعها قد أخذت من قوى أذهانهم شعبة، والأصول شعبة، وعلم الإسناد وأحوال الرواة شعبة، وفكرهم في كلام شيوخهم شعبة، إلى غير ذلك من الأمور، فإذا وصلوا إلى النصوص النبوية - إن كان لهم همم تسافر إليها- وصلوا إليها بقلوب وأذهان قد كلت من السير، وهذا شأن من استفرغ قواه في الأعمال غير المشروعة، تضعف قوته عند العمل المشروع.
الوجه الرابع والأربعون:
أن النبي صلى الله عليه وسلم: قال:
"لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق"2. وقال علي (: "لن تخلو الأرض من قائم لله بحجة، لكيلا تبطل حجج الله وبيناته". فلو جاز أن يخطئ الصحابي في حكم

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 1 كذا بالأصل, وفي إعلام الموقعين ج 4 ص 149 نشر مكتبة الكليات الأزهرية: فقواهم.
 2 رواه مسلم عن ثوبان.

 

ص -33-         ولا يكون في العصر ناطق بالصواب، لم يكن في الأمة قائم بالحق في ذلك الحكم.
الوجه الخامس والأربعون:
إذا قالوا قولا أو بعضهم، ثم خالفهم مخالف من غيرهم كان مبتدئا لذلك القول ومبتدعا له، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة" 1 وقال ابن مسعود: "اتبعوا، ولا تبتدعوا، فقد كفيتم، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة". وقال أيضا: "إنا نقتدي ولا نبتدي، ونتبع ولا نبتدع، ولن نضل ما تمسكنا بالأثر". وقال أيضا: "أنا لغير الدجال أخوف عليكم من الدجال، أمور تكون من كبرائكم، فأيما مُرَيّة أو رجيل أدرك ذلك الزمان، فالسمت الأول، فالسمت الأول، فأنا اليوم على السنة". وقال عمر بن عبد العزيز كلاما كان مالك بن أنس وغيره من الأئمة يستحسنونه ويحدثون به دائما، قال: "سن رسول الله صلى الله عليه وسلم وولاة الأمر بعده سننا الأخذ بها تصديق لكتاب الله واستكمال طاعته وقوة على دينه، ليس لأحد تغييرها ولا تبديلها، ولا النظر في رأي من خالفها، فمن اقتدى بما سنوا اهتدى، ومن استنصر بها منصور، ومن خالفها واتبع غير سبيل المؤمنين ولاه الله ما تولى، وأصلاه جهنم وساءت مصيرا".

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 1 الترمذي: العلم (2676) , وأبو داود: السنة (4607) , وابن ماجه: المقدمة (42) , وأحمد (4/126) , والدارمي: المقدمة (95).

 

ص -34-         الوجه السادس والأربعون:
 أنه لم يزل أهل العلم في كل عصر ومصر يحتجون بما هذا سبيله ولا ينكره منكر، وتصانيف العلماء شاهدة بذلك، ويمتنع إطباق هؤلاء كلهم على الاحتجاج بما لم يشرع الله ورسوله الاحتجاج به. فإن قيل: فما تقولون في أقوالهم في تفسير القرآن، هل هي حجة؟ قيل: لا ريب أن أقوالهم في التفسير أصوب من أقوال من بعدهم. فإن قيل: فنحن نجد لبعضهم أقوالا في التفسير تخالف الأحاديث المرفوعة الصحاح، كما فسر علي قوله تعالى:
{وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ} 1 الآية أنها في الحامل والحائل، والسنة الصحيحة بخلافه، وفسر ابن مسعود {وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ}2 بأن الصفة ل (نسائكم) الأولى والثانية، فلا تحرم أم المرأة حتى يدخل بها، والصحيح خلاف قوله، والصفة راجعة إلى قوله: (وَرَبَائِبُكُمُ) الآية، وهو قول جمهور الصحابة، وكما فسر ابن عباس (السجل)3 بأنه كاتب للنبي صلى الله عليه وسلم يسمى السجل، وإنما السجل الصحيفة المكتوبة، واللام مثلها في قوله {وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ}4
وفي قوله:
فخر صريعا لليدين وللفم

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 1 سورة البقرة آية: 234.
 2 سورة النساء آية: 23.
 3 في قوله تعالى في سورة الأنبياء يوم نطوي السماء كطي السجل آية: 104.
 4 سورة الصافات آية: 103.

 

ص -35-         أي يطوي السماء كما يطوي السجل على ما فيه من الكتاب؟ قيل: الكلام في تفسيره كالكلام في فتواه وصورتها، إلا أن يكون في المسألة نص يخالفه، ويقول في الآية قولا لا يخالفه فيه أحد من الصحابة، علم اشتهاره أو لم يعلم، وما ذكر من هذه الأمثلة فُقِد فيه الأمران، وهو نظير ما روي عن بعضهم من الفتاوى التي تخالف النص، وهم مختلفون فيها. فإن قيل: لو كان قوله حجة بنفسه لما أخطأ، ولكان معصوما، وإذا كان يفتي بالصواب تارة وبغيره أخرى، فمن أين لكم أن هذه من قسم الصواب؟. قيل: الأدلة المتقدمة تدل كل انحصار الصواب في قوله في الصورة المفروضة الواقعة، وهو أن من المقنع أن يقولوا في كتاب الله ( الخطأ المحض، ويمسك الباقون عن الصواب، فإن قولهم لم يكن بمجرده حجة، بل بما انضاف إليه من القرائن.
فإن قيل: فبعض ما ذكرتم يقتضي أن التابعي إذا قال قولا، ولم يخالفه صحابي ولا تابعي أن يكون حجة؟
فالجواب: أن التابعين انتشروا انتشارا لا ينضبط، ولا يكاد يغلب على الظن عدم المخالف.
وقد اختلف السلف: فمنهم من يقول: يجب اتباع التابعي فيما أفتى به كذلك، ومن تأمل كتب الأئمة ومن بعدهم، وجدها مشحونة بالاحتجاج بتفسير التابعي.

 

ص -36-         وقال ابن القيم أيضا 1 إذا سئل عن مسألة فيها نص أو إجماع، فعليه أن يبلغه بحسب الإمكان، فمن علم علما فكتمه، ألجمه الله بلجام من نار، فإن لم يأمن غائلة الفتوى، وخاف أن يترتب عليها شيء أكبر من الإمساك عنها أمسك ترجيحا لدفع أعلى المفسدتين، وقد أمسك النبي صلى الله عليه وسلم عن نقض الكعبة لأجل حدثان عهد قريش بالإسلام، وأن ذلك ربما نفرهم عنه بعد الدخول فيه.
وكذلك إن كان عقل السائل لا يحتمل الجواب، كما قال ابن عباس لرجل سأله عن تفسير آية: وما يؤمنك أني لو أخبرتك بتفسيرها كفرت به؟ أي جحدته وأنكرته فكفرت به، ولم يرد أنك تكفر بالله تعالى ورسوله.
ويجوز أن يعدل عن جواب المستفتي عما سأل عنه إلى ما هو أنفع له، ولا سيما إذا تضمن جواب ما سأل عنه، قال تعالى:
{يَسْأَلونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ} 2 فسألوه عن المنفق، فأجابهم بذكر المصرف، إذ هو أهم مما سألوا عنه، ونبههم عليه بالسياق، مع ذكره لهم في موضع آخر، وهو قوله تعالى: {قُلِ الْعَفْوَ} 3، وهو ما سهل عليهم إنفاقه، ولم يضرهم إخراجه، وقد ظن بعضهم أن من ذلك قوله:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 1 في إعلام الموقعين ج 4 ص 157 نشر مكتبة الكليات الأزهرية.
 2 سورة البقرة آية: 215.
 3 سورة البقرة آية: 219.

 

ص -37-         {يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ} 1 الآية، فسألوه عن سبب ظهور الهلال خفيا، ثم لا يزال يتزايد فيه النور على التدريج، حتى يكمل، ثم يأخذ في النقصان، فأجابهم عن حكمة ذلك من ظهور مواقيت الناس التي بها تمام مصالحهم في أحوالهم ومعاشهم، ومواقيت أكبر عباداتهم، وهو الحج، فإن كانوا قد سألوا عن السبب، فقد أجيبوا بما هو أنفع لهم مما سألوا عنه، وإن كانوا إنما سألوا عن حكمة ذلك، فقد أجيبوا عن عين ما سألوا عنه، ولفظ سؤالهم محتمل، فإنهم قالوا: ما بال الهلال يبدو دقيقا، ثم يأخذ في الزيادة حتى يتم، ثم يأخذ في النقص؟
ومن فقه المفتي إذا سأله عن شيء فمنعه أن يدله على ما هو عوض منه، ورأيت شيخنا يتحرى ذلك في فتاويه، وقد منع النبي صلى الله عليه وسلم بلالا أن يشتري صاعا من التمر الجيد بصاعين من الرديء، ثم دله على الطريق المباح. ولما سأله عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث، والفضل بن عباس أن يستعملهما في الزكاة، ليصيبا ما يتزوجان به، منعهما من ذلك، وأمر محمية ابن جزء - وكان على الخمس - أن يعطيهما منه، وهذا اقتداء منه بربه تبارك وتعالى، فإنه يسأله عبده الحاجة، فيمنعه إياها، ويعطيه ما هو أصلح له، وهذا غاية الكرم والحكمة.
وينبغي أن ينبهه على ما يذهب إليه الوهم من خلاف الصواب، مثال هذا: قوله تعالى لنساء نبيه صلى الله عليه وسلم:
{يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 1 سورة البقرة آية: 189.

 

ص -38-         مِنَ النِّسَاءِ} 1 الآية. ومنه: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ} 2 الآية، لما أخبر سبحانه بإلحاق الذرية - ولا عمل لهم - بآبائهم في الدرجة، فربما توهم متوهم أنه يحط الآباء إلى درجة الذرية، فرفع هذا التوهم بقوله: {وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ} 3 أي ما نقصنا الآباء من أجور أعمالهم، بل رفعنا ذريتهم إلى درجتهم، ولم نحطهم من درجتهم، ولما كان الوهم قد يذهب إلى أنه يفعل ذلك بأهل النار، قطع هذا تبارك وتعالى بقوله: {كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ} 4.
ومن هذا قوله تبارك وتعالى: {إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ} 5 فلما كان ذكر ربوبيته البلد الحرام قد يوهم الاختصاص، عقبه بقوله: {وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ} 6 ومن ذلك قوله تبارك وتعالى: {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً} 7 فلما ذكر كفايته للمتوكل عليه، فربما أوهم ذلك تعجل الكفاية وقت التوكل، فعقبه بقوله: {قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً} 8 أي وقتا لا يتعداه، أي فهو يسوقه إلى وقته الذي قدره له، فلا يستعجل المتوكل فيقول: قد توكلت ودعوت فلم أر شيئا. فالله بالغ أمره في وقته الذي قدره، وهذا كثير جدا في القرآن والسنة، وهو باب لطيف من أبواب فهم النصوص.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 1 سورة الأحزاب آية: 32.
 2 سورة الطور آية: 21.
 3 سورة الطور آية: 21.
 4 سورة الطور آية: 21.
 5 سورة النمل آية: 91.
 6 سورة النمل آية: 91.
 7 سورة الطلاق آية: 3.
 8 سورة الطلاق آية: 3.

 

ص -39-         وينبغي أن يذكر دليل الحكم ومأخذه، ومن تأمل فتاوى النبي صلى الله عليه وسلم الذي قوله حجة بنفسه، رآها مشتملة على التنبيه على حكمة الحكم ونظيره، كما سئل عن بيع الرطب بالتمر، فقال: "أينقص الرطب إذا جف؟ قالوا: نعم 1. فزجر عنه"، ومن المعلوم أنه كان يعلم نقصانه بالجفاف، ولكن نبههم على علة التحريم.
ومن هذا قوله لعمر وقد سأله عن قبلة امرأته، وهو صائم، قال: "أرأيت لو تمضمضت، ثم مججته " 2 ؟ فنبه على أن مقدمة المحظور لا يلزم أن تكون محظورة.
ومن هذا قوله صلى الله عليه وسلم:
"لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها، فإنكم إذا فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم" 3، ومن ذلك قوله لأبي النعمان ابن بشير: "أيسرك أن يكونوا لك في البر سواء؟ قال: نعم، قال: فاتقوا الله واعدلوا بين أولادكم" 4، وقوله: "أما السن فعظم، وأما الظفر فمدى الحبشة" 5، فنبه على علة المنع بكون أحدهما عظما، وهذا تنبيه على عدم التذكية بالعظام.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 1 رواه مالك والترمذي وأبو داود والنسائي عن سعد بن أبي وقاص.
 2 رواه أبو داود والنسائي عن جابر رضي الله عنه.
 3 رواه الطبراني عن ابن عباس ولأبي داود نحوه في المراسيل عن عيسى بن طلحة.
 4 رواه مسلم وغيره عن النعمان بن بشير رضي الله عنه.
 5 أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما عن رافع بن خديج رضي الله عنه.