Contents

الواجهة
أحاديث في الفتن و الحوادث
أحاديث في الفتن و الحوادث
أحكام الصلاة
أحكام الصلاة
آداب المشي إلى الصلاة
آداب المشي إلى الصلاة
أربع قواعد تدور الأحكام عليها
أربع قواعد تدور الأحكام عليها
أصول الإيمان
أصول الإيمان
منسك الحج
منسك الحج
الجواهر المضية
الجواهر المضية
الخطب المنبرية
الخطب المنبرية
الرسائل الشخصية
الرسائل الشخصية
الرسالة المفيدة
الرسالة المفيدة
الطهارة
الطهارة
القواعد الأربعة
القواعد الأربعة
الكبائر
الكبائر
مسائل الجاهلية
المسائل التي خالف فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل الجاهلية
بعض فوائد صلح الحديبية
بعض فوائد صلح الحديبية
تفسير آيات من القرآن الكريم
تفسير آيات من القرآن الكريم
ثلاثة أصول
ثلاثة أصول
مجموعة الحديث على أبواب الفقه
مجموعة الحديث - الجزء الأول
مجموعة الحديث - الجزء الثاني
مجموعة الحديث - الجزء الثالث
مجموعة الحديث - الجزء الرابع
رسالة في الرد على الرافضة
رسالة في الرد على الرافضة
شروط الصلاة وأركانها وواجباتها
شروط الصلاة وأركانها وواجباتها
فتاوى ومسائل
فتاوى ومسائل
فضائل القرآن
فضائل القرآن
فضل الإسلام
فضل الإسلام
كتاب التوحيد
كتاب التوحيد
كشف الشبهات
كشف الشبهات
مبحث الاجتهاد والخلاف
مبحث الاجتهاد والخلاف
مجموعة رسائل في التوحيد والإيمان
مجموعة رسائل في التوحيد والإيمان
مختصر الإنصاف والشرح الكبير
مختصر الإنصاف والشرح الكبير
مختصر تفسير سورة الأنفال
مختصر تفسير سورة الأنفال
مختصر زاد المعاد لابن قيم الجوزية
مختصر زاد المعاد لابن قيم الجوزية
مختصر سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم
مختصر سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم
مسائل لخصها الشيخ من كلام ابن تيمية
مسائل لخصها الشيخ محمد بن عبد الوهاب من كلام ابن تيمية
مفيد المستفيد في كفر تارك التوحيد
مفيد المستفيد في كفر تارك التوحيد

 
عودة لموقع هاني الطنبور
هاني الطنبور
الصفحة السابقة الصفحة التالية
 
 

مختصر الإنصاف والشرح الكبير

 مختصر الإنصاف والشرح الكبير

ص -3-           مختصر الإنصاف والشرح الكبير
تأليف: أبي عبد الله الشيخ محمد بن عبدالوهاب

المقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحابته ومن دعا بدعوته واهتدى بهداه. أما بعد، فإن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله وأكرم مثواه، (1115-1206هـ)، قد جدد ما اندرس من عقيدة التوحيد في البلاد النجدية، كما هو معلوم مشهـود من حال الناس قبل قيامه لله داعياً إلى الدين الخالص، وما آلت إليه حالهم بدعوته المباركة، حيث صفت عقائدهم من شوائب الشرك، وتحقق ما أراد الله على يديه من خير لهذه البلاد. فبجهاده ومؤازرة الإمام (محمد بن سعود) له، انقشعت غيوم الشرك المتراكمة على سماء العقيدة، وأشرقت شمس الحق بنور التوحيد، فمزقت سحب الجهل، وبددت فلول الباطل؛ فلا مكان لطاغوت مضل، أو قبر يُعبد، أو وثن له يسجد. ولا قرار لمشعوذ يستخف عقول الناس، ويروج أباطيل الخرافة.
ولقد امتدت آثار هذه الدعوة الميمونة إلى الأقطار، فمدت ظلالها على ربوع تلك الديار التي كانت هي الأخرى تعاني من فساد المعتقد، وتتخبط في ليل غابت نجومهن واعتكر ظلامهن لا يهتدي السائر فيه سبيلاً، ولا يجد الحائر إلى غايته دليلاً.
ولئن كان الشيخ، يرحمه الله، معنياً بالدرجة الأولى بتصحيح تصور الناس نحو العقيدة، وتثبيت قواعدها، وتجريدها من الشوائب التي أُدخلت عليها، حتى ظن أنها من الدين، لئن كان يولي هذا الأمر جل اهتمامه، فإن له، أيضاً، المؤلفات والفتاوى والردود في المسائل الفروعية،

 

ص -4-           وإليه يرجع فيها، وعلى ما قرره يعوّل. وكان من أبعد الناس عن التعصب والتقليد الأعمى، يدعو إلى التحاكم إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، يتوخى الدليل، ويرى الاقتداء بالأئمة فيما لم يقم الدليل على خلافه من اجتهاداتهم. والناظر في مؤلفاته يرى أنها على قسمين: منها ما ألّفه ابتداء، ومنها ما اختصره من أصوله المطولة لتيسير الانتفاع به. وقد اتجهت الرغبة منه، رحمه الله، إلى اختصار كتابين من أشهر وأوسع ما صنف في الفقه الحنبلي، لما رأى في زمنه من الحاجة لذلك. هذان الكتابان هما: "الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف" على مذهب الإمام أحمد ابن حنبل. ومؤلفه العلامة الفقيه علاء الدين علي بن سليمان المرداوي الحنبلي (817-885هـ). والثاني: "الشرح الكبير" ومؤلفه شمس الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن أبي عمر بن قدامة المقدسي (597-682 هـ). وكلا الكتابين شرح لكتاب "المقنع" لموفق الدين عبد الله بن قدامة المقدسي (541-620 هـ). وتم ما أراده، رحمه الله، بمختصر لطيف، بدأ كل باب منه بما اختاره الشرح، وختمه بما استدركه من الإنصاف.
وبحق، لقد أحسنت جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية حين تفضلت بطباعة ما تيسر من مؤلفات هذا الإمام، انطلاقاً من سياستها القائمة على الدعوة إلى الإسلام، والعناية بكل ما يهم المسلمين، ويربطهم بدينهم عقيدة وسلوكاً ومنهـج حياة. فجزى الله القائمين عليها خيراً، ووفقهم لما فيه صلاح المسلمين.
ثم إنه عهـد إلينا من قِبل "أمانة أسبوع الشيخ محمد بن عبد الوهاب" بتصحيح كتاب "مختصر الإنصاف والشرح الكبير"، فلم نجد بداً من الإسهام

 

ص -5-           بهذا العمل بقدر المستطاع. وهذا الكتاب قد طبع طبعته الأولى بالمطبعة السلفية بمصر عن نسخة خطية، ذكر ناشره محب الدين الخطيب في مقدمته أنه أرسلها إليه الشيخ عبد الرحمن بن الشيخ محمد بن عبد اللطيف، وأنها معاصرة للطبقة الأولى من أبناء الشيخ، رحمه الله، كتبها سعد بن محمد الأخ الرشيد مرشد بن أحمد بن هوين، وفرغ من كتابتها يوم الثلاثاء لثلاث وعشرين خلون من جمادى الآخرة، أحد شهـور سنة (1224هـ). وفي آخرها أيضاً، ذكر اسم كاتبها وتاريخ الكتابة، إلا أنه قال: "بقلم... عبده سعد بن محمد، كتبه للأخ الرشيد... بن هوير" فليحرر. كما وجد لهذا الكتاب أصل مخطوط بالمكتبة السعودية بالرياض برقم (465/86) يقع في (312) 1 صفحة من الحجم المتوسط، على صفحة الغلاف اسم الكتاب ومؤلفه. وفي أعلى الصفحة الأولى: "سم الله الرحمن الرحيم، هذا منقول من الشرح الكبير والإنصاف أول كل باب من الشرح وآخر كل باب من الإنصاف". وفي آخره النص التالي: "آخره والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم، بلغ مقابلة في ملكه عبد الرحمن بن أحمد بن قاسم، غفر الله له ولوالديه". لذا كان عملنا في جملته لا يعدو مقابلة إحدى النسختين على الأخرى، واستدراك ما أهمل في الطبعة السلفية مما تقتضيه أصول الطباعة الحديثة، وتلافي أخطاء الطباعة فيها، مع ترقيم الآيات، وتصويب الأخطاء الإملائية مما لم تخل منه النسختان. وقد تبين لنا نقص في مواضع متعددة من المطبوعة أثبتناه بين قوسين ونبهنا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 بين لنا أثناء المقابلة سقط بين صحيفتي 311، 312 بما يعادل ورقتين تقريباً تلافيناه من المطبوعة ومخطوطة أخرى مخرومة توجد في المكتبة السعودية برقم (89/86).

 

ص -6-           عليه في الحاشية، إما بقولنا: "ساقط من النسخة السلفية أو زيادة من المخطوطة". وعند الاشتباه أو التردد في لفظ أو جملة، نرجع إلى الأصل فنثبت عبارته، ما لم يكن أدخل عليها شيء من التصرف، فعندئذٍ نترك عبارة المختصر على ما هي عليه، وننقل عبارة الأصل في الهامش، وننبه إلى أننا حينما نطلق كلمة "الأصل" نعنى بها "الشرح الكبير" أو "الإنصاف"، كما نعني بالمطبوعة: نسخة المطبعة السلفية، وبالمخطوطة أو المختصر: نسخة المكتبة السعودية المنوه عنها، والتي اعتمدت أصلاً في طباعة هذا الكتاب.
نسأل الله بأسمائه وصفاته أن يجزي مؤلفي الأصلين والمختصر خيراً، وأن ينفع بعلومهم، كما نسأله أن يجعل العمل خالصاً لوجهه الكريم، وأن يغفر لنا الزلات، ويتجاوز عن السيئات. وهو حسبنا ونعم الوكيل، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وآله وسلم إلى يوم الدين.
عبد العزيز بن زيد الرومي     صالح بن محمد الحسن
الرياض في 22/ 1/ 1398 هـ

 

ص -7-           باب المياه 1
وهي ثلاثة: طهور، وهو الباقي على خلقته. وجملته أن كل صفة خلق عليها الماء وبقي عليها فهو طهور، لقوله صلى الله عليه وسلم
: "اللّهم طهّرني بالثلج والبرد والماء البارد"، 2 وفي البحر: "هو الطهور ماؤه، الحلُّ ميتته" 3.
وهذا قول أهل العلم إلا ما روي عن ابن عمرو في ماء البحر: "التيمم أعجب إليَّ منه"، والأول أولى، لقوله تعالى:
{فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً}، 4 وهذا واجد للماء.
قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه: أن الوضوء بالماء الآجن جائز، سوى ابن سيرين، فإنه كره ذلك.
والماء المتغير بورق الشجر، وما ينبت في الماء، أو تحمله الريح أو السيول، أو ما تغير في آنية الأدم والنحاس ونحوه، يعفى عن ذلك كله، لأنه يشق التحرز منه، أو ما يخالطه كالعود والدهن والعنبر إذا لم يستهلك فيه ولم يتحلل، لأنه تغير عن مجاورة، أو ما أصله الماء كالملح البحري، فإن كان معدنياً فهو كالزعفران، وكذلك الماء المتغير بالتراب، لأنه يوافق الماء في صفته أشبه الملح، أو ما تروح بريح ميتة إلى جانبه، لا نعلم في ذلك خلافاً، أو سخن بالشمس.
وقال الشافعي: تكره الطهارة بماء قصد تشميسه، لحديث:
"لا تفعلي فإنه يورث البرص"، رواه الدارقطني وقال: يرويه خالد بن إسماعيل، وهو متروك، وعمرو الأعسم، وهو منكر الحديث، ولأنه لو كره لأجل الضرر لما اختلف

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 أول كل باب ملخص من الشرح الكبير، وآخره من الإنصاف.
2 مسلم: الصلاة (476), والترمذي: الدعوات (3547), والنسائي: الغسل والتيمم (402، 403), وأحمد (4/354).
3 الترمذي: الطهارة (69), والنسائي: المياه (332) والصيد والذبائح (4350), وأبو داود: الطهارة (83), وابن ماجة: الطهارة وسننها (386) والصيد (3246), وأحمد (2/237, 2/361, 2/378), ومالك: الطهارة (43), والدارمي: الطهارة (729).
4سورة المائدة آية: 6.

 

ص -8-           بقصد التشميس وعدمه، أو بطاهر كالحطب ونحوه، فلا يكره، لا نعلم فيه خلافاً، إلا ما روي عن مجاهد أنه كره الوضوء بالمسخن. وإن سخن بنجاسة فهل يكره؟ على روايتين. ولا يكره الغسل والوضوء بماء زمزم، لحديث أسامة، وعنه: يكره، لقول العباس: "لا أحلّها لمغتسل".
وإذا خالط الماء طاهر لم يغيره، لم يمنع الطهارة. قال شيخنا: لا نعلم فيه خلافاً. وإذا وقع فيه ماء مستعمل عُفي عن يسيره، وهذا ظاهر حاله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، "لأنهم يتوضؤون من الأقداح". فإن كثر مُنع في إحدى الروايتين؛ وقال أصحاب الشافعي: إن كان الأكثر المستعمل مُنع، وإلا فلا. فإن كان معه ماء لا يكفيه لطهارته فكمله بمائع آخر لم يغيره، جاز الوضوء به، في إحدى الروايتين.
الثاني: طاهر غير مطهر: وهو كل ماء خالطه طاهر، فغير اسمه حتى صار صبغاً أو خلاً، أو طُبخ فيه فصار مرقاً، فلا يجوز الوضوء به، لا نعلم فيه خلافاً؛ إلا أنه حكي عن أصحاب الشافعي وجه في ماء الباقلاء المغلي أنه يجوز الوضوء به. وحكي عن ابن أبي ليلى جواز الوضوء بالمياه المعتصرة، وسائر أهل العلم على خلافه، لأن هذا لا يقع عليه اسم الماء. فإن غيّر أحد أوصافه ففيه روايتان:
إحداهما: أنه غير مطهّر، وهو قول مالك والشافعي، أشبه ماء الباقلاء المغلي. إذا ثبت هذا، فإن أصحابنا لا يفرّقون بين المذرور كالزعفران والأشنان وبين الحبوب من الباقلاء ونحوه. وقال الشافعية: ما كان مذروراً منع إذا غيّر،

 

ص -9-           وما عداه لا يمنع، إلا أن ينحلّ في الماء، ووافقهم أصحابنا في الخشب والعيدان، وخالفوهم فيما ذكرنا. وشرط الخرقي الكثرة في الرائحة، لسرعة سرايتها، ولكونها تحصل عن مجاورة، فاعتبرت الكثرة ليعلم أنها عن مخالطة.
والرواية الثانية: أنه باق على طهوريته؛ نقلها عن أحمد جماعة، وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه، لأن اللّه تعالى قال
:{فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً}1 وهذا عام في كل ماء، لأنه نكرة في سياق النفي، و"لأن الصحابة كانوا يسافرون وغالب أسقيتهم الأدم، وهي تغيّر أوصاف الماء عادة، ولم يكونوا يتيممون معها".
واختلف في المنفصل من المتوضئ عن الحدث والمغتسل من الجنابة، فروي أنه طاهر غير مطهّر، وهو المشهور من مذهب أبي حنيفة والشافعي، وإحدى الروايتين عن مالك، لقوله صلى الله عليه وسلم:
"لا يبولنّ أحدكم في الماء الدائم، ولا يغتسل فيه من الجنابة"، 2 رواه أبو داود، ولولا أنه يفيد منعاً لم ينه عنه، ولأنه أزال به مانعاً من الصلاة.
والثانية: أنه مطهّر، وهو قول الحسن وعطاء والنخعي، وإحدى الروايتين عن مالك، والقول الثاني للشافعي. وهو قول ابن المنذر. وروي عن علي وابن عمر: "فيمن نسي مسح رأسه، إذا وجد بللاً في لحيته: أجزأه أن يمسح رأسه به"، لما روي عنه صلى الله عليه وسلم:
"الماء لا يجنب"، 3 و"أنه اغتسل من الجنابة فرأى لمعة لم يصبها الماء، فعصر شعره عليها"، رواه أحمد، ولأنه أدى به فرضاً، فجاز أن يؤدي به غيره، كالثوب يصلي فيه مراراً. وقال أبو يوسف:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 سورة المائدة آية: 6.
2 البخاري: الوضوء (239), ومسلم: الطهارة (282, 283), والترمذي: الطهارة (68), والنسائي: الطهارة (57, 58, 220, 221) والغسل والتيمم (397, 398, 399, 400), وأبو داود: الطهارة (70), وابن ماجة: الطهارة وسننها (344, 605), وأحمد (2/259, 2/265, 2/288, 2/316, 2/346, 2/362, 2/394, 2/433, 2/464, 2/529, 2/532), والدارمي: الطهارة (730).
3 الترمذي: الطهارة (65), وابن ماجة: الطهارة وسننها (370).

 

ص -10-         هو نجس لأنه يسمى طهارة، وهي لا تعقل إلا عن نجاسة، وتطهير الطاهر محال، ووجه طهارته: "أن النبي صلى الله عليه وسلم صبّ على جابر من وضوئه"، والدليل على طهارة أعضاء المحدث: قول النبي صلى الله عليه وسلم: "المؤمن لا ينجس".
وأما المستعمل في طهارة مشروعة كالتجديد، ففيه روايتان، أو غمس فيه يد قائم من نوم الليل قبل غسلها ثلاثاً، فهل يسلب طهوريته؟ على روايتين:
إحداهما: لا يسلبه، وهو الصحيح، لأن الماء قبله طهور فبقي على الأصل، والنهي عن الغمس إن كان لوهم النجاسة، فالوهم لا يزيل الطهورية، وإن كان تعبداً اقتصر على النص.
والثانية: يسلبه للنهي، فلولا أنه يفيد منعاً لم ينه عنه، وروي عن أحمد: أحب إلي أن يريقه إذا غمس يده فيه. وهل يكون غمس بعض اليد كالجميع؟ فيه وجهان. ولا يجب غسلهما عند القيام من نوم النهار، وسوَّى الحسن بينهما، ولنا: قوله:
"فإنّ أحدكم لا يدري أين باتت يده"، 1 والمبيت يكون في الليل خاصة. وإن كان القائم صبياً، ففيه وجهان. واختلفوا في النوم الذي يتعلق به هذا: فذكر القاضي أنه الذي ينقض الوضوء، وقال ابن عقيل: هو ما زاد على نصف الليل.
وتجب النية للغسل في أحد الوجهين، والثاني: لا يفتقر، لأنه علل بوهم النجاسة. ولا يفتقر الغسل إلى تسمية، وقال أبو الخطاب: يفتقر، قياساً على الوضوء، وهو بعيد، لأنها لو وجبت في الوضوء وجبت تعبداً. وإذا وجد ماء قليلاً ولم يمكنه الاغتراف، ويداه نجستان، فإن أمكنه الاغتراف بفيه ويصب

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 البخاري: الوضوء (162).

 

ص -11-         عليهما فَعل، وإلا تيمم. وإن كانتا بعد نوم الليل، فمن قال: إن غمسهما لا يؤثر، قال: يتوضأ. ومن جعله مؤثراً، قال: يتوضأ ويتمم معه. فإن توضأ من ماء كثير أو اغتسل منه بغمس أعضائه ولم ينو غسل اليد، فعند من أوجب النية له يرتفع حدثه، ولا يجزيه عن غسل اليد، لأن غسلهما إما تعبداً وإما لوهم النجاسة، وبقاء النجاسة على العضو لا يمنع ارتفاع الحدث. وإذا انغمس الجنب أو المحدث في ماء دون القلتين ينوي رفع الحدث، صار مستعملاً ولم يرتفع حدثه؛ وقال الشافعي: يصير مستعملاً ويرتفع حدثه، لأنه إنما يصير مستعملاً بارتفاع الحدث. ولنا: قوله: "لا يغتسلنّ أحدكم في الماء الدائم وهو جنب"، 1 والنهي يقتضي الفساد. وإذا اجتمع ماء مستعمل إلى قلتين، صار الكل طهوراً. وإن بلغ قلتين باجتماعه، فيحتمل أن يزول المنع بحديث القلتين. وإن انضم مستعمل إلى مستعمل وبلغ قلتين، ففيه احتمالان. وإن أزيلت به النجاسة فانفصل غير متغير بعد زوالها، فهو طاهر، رواية واحدة، إن كان المحل أرضاً. وقال أبو بكر: إنما يحكم بطهارته إذا نشفت أعيان البول، فإن كانت قائمة فجرى الماء عليها فطهّرها، ففي المنفصل روايتان، كغير الأرض. ولنا: قوله: "صبّوا على بول الإعرابي ذنوباً من ماء"، فلو كان المنفصل نجسا،ً لكان تكثيراً للنجاسة، ولم يفرّق بين نشافه وعدمه. والظاهر أنه إنما أمر عقيب البول. وإن كان غير الأرض، فهو طاهر في أصح الوجهين؛ وهو مذهب الشافعي. وإن خلت بالطهارة منه امرأة فهو طهور، ولا يجوز للرجل الطهارة به، لحديث الحكم بن عمرو. قال أحمد: جماعة كرهوه.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 مسلم: الطهارة (283), والنسائي: الطهارة (220) والغسل والتيمم (396), وأبو داود: الطهارة (70), وابن ماجة: الطهارة وسننها (605).

 

ص -12-         وخصصناه بالخلوة لقول عبد اللّه بن سرجس: "توضأ أنت ههنا، وهي ههنا. فأما إذا خلت به فلا تقربنه". وفيه رواية: "يجوز، لحديث ميمونة". فإن خلت به في إزالة النجاسة، ففيه وجهان. وإن خلت به في بعض أعضائها أو تجديد أو استنجاء، فوجهان. وإن خلت به الذمية في غسل الحيض، فوجهان: أحدهما: المنع لأنها أبعد عن الطهارة، وقد تعلق به إباحة وطئها. والثاني: الجواز، لأن طهارتها لا تصح. ويجوز للرجل والمرأة أن يغتسلا ويتوضآ من إناء واحد من غير كراهة.
ولا يجوز رفع الحدث إلا بالماء. وقال عكرمة: النبيذ وضوء من لم يجد الماء. وعن أبي حنيفة كقول عكرمة، لحديث ابن مسعود: "ثمرة طيبة وماء طهور". 1 ولنا: قوله تعالى:
{فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا}، 2 أوجب الانتقال إلى التيمم عند عدم الماء، وحديثهم لا يثبت. فأما غير النبيذ، فلا نعلم بين أهل العلم خلافاً أنه لا يجوز الوضوء به، غير ما ذكرنا في الماء المعتصر.
القسم الثالث: نجس، وهو ما تغير بمخالطة النجاسة؛ فهو نجس بالإجماع؛ حكاه ابن المنذر. فإن لم يتغير، وهو يسير، فهل ينجس؟ على روايتين:
إحداهما: ينجس، لحديث القلتين، وتحديده بهما يدل على نجاسة ما دونهما وإلا لم يكن مفيداً، "ونهى النبي صلى الله عليه وسلم القائم من نومه عن غسل يده في الماء"، فدل على أنه يفيد منعاً، و"أمر بغسل الإناء من ولوغ الكلب وإراقة سؤره"، ولم يفرق بين ما تغير وبين ما لم يتغير.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 الترمذي: الطهارة (88), وأبو داود: الطهارة (84), وابن ماجة: الطهارة وسننها (384), وأحمد (1/449).
2 سورة المائدة آية: 6.

 

ص -13-         والثانية: "لا ينجس الماء إلا بالتغير، روي عن حذيفة وأبي هريرة وابن عباس والحسن". وهو مذهب الثوري وابن المنذر، لحديث بضاعة.
وذهب أبو حنيفة إلى أن الكثير ينجس بالنجاسة من غير تغيّر، إلا أن يبلغ حداً يغلب على الظن أن النجاسة لا تصل إليه. واختلفوا في حده لقوله:
"لا يبولنّ أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري، ثم يغتسل منه"، 1 ولم يفرّق بين قليله وكثيره. ولنا: خبر القلتين وبئر بضاعة. وحديثهم لا بد من تخصيصه بما زاد على الحد الذي ذكروه؛ فتخصيصه بقول النبي صلى الله عليه وسلم أولى من تخصيصه بالرأي والتحكم من غير أصل. وما ذكروه من الحد تقدير من غير توقيف، ولا يصار إليه من غير نص ولا إجماع، مع أن حديثهم خاص بالبول، وهو قولنا في إحدى الروايتين جمعاً بين الحديثين؛ فنقصر الحكم على ما تناوله النص وهو البول، لأن له من التأكيد والانتشار ما ليس لغيره، إلا أن تكون النجاسة بولاً أو عذرة مائعة، ففيه روايتان:
إحداهما: لا ينجس، وهو مذهب الشافعي وأكثر أهل العلم، لحديث القلتين. وحديث النهي عن البول فيه لا بد من تخصيصه بما لا يمكن نزحه إجماعاً. فتخصيصه بخبر القلتين أولى من تخصيصه بالرأي والتحكم.
والأخرى: ينجس، لحديث النهي عن البول فيه، وإن كوثر النجس بماء يسير أو بغير الماء كالتراب ونحوه، فأزال التغير، لم يطهر في أحد الوجهين، والثاني يطهر لأن علة النجاسة زالت.
فأما غير الماء إذا وقعت فيه نجاسة، ففيه ثلاث روايات:
إحداهن: ينجس وإن كثر، لقوله:
"وإن كان مائعاً، فلا تقربوه"، 2 ولم يفرق بين قليله وكثيره.
الثانية: أنها كالماء، لا ينجس منها ما بلغ قلتين إلا بالتغير، قياساً على الماء.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 البخاري: الوضوء (239), ومسلم: الطهارة (282, 283), والنسائي: الطهارة (58, 221) والغسل والتيمم (397, 398, 399), وأبو داود: الطهارة (70), وابن ماجة: الطهارة وسننها (344), وأحمد (2/316, 2/346, 2/362, 2/394, 2/433, 2/464), والدارمي: الطهارة (730).
2 النسائي: الفرع والعتيرة (4260), وأبو داود: الأطعمة (3842).

 

ص -14-         قال حرب: سألت أحمد قلت: كلب ولغ في سمن أو زيت، قال: إذا كان في آنية كبيرة، مثل حُب أو نحوه، رجوت أن لا يكون به بأسٌ، يؤكل. وإن كان في آنية صغيرة، فلا يعجبني.
والثالثة: أن ما أصله الماء كالخل التمري، يدفع النجاسة، وما لا فلا.
والماء المستعمل في رفع الحدث وما كان طاهراً غير مطهِّر، ففيه احتمالان، ولا فرق بين يسير النجاسة وكثيرها، وما أدركه الطرف وما لم يدركه. وعن الشافعي: أن ما لا يدركه الطرف معفى عنه للمشقة، ولنا: أن دليل التنجس لا يفرق بين قليل النجاسة وكثيرها؛ فالتفريق تحكم، وما ذكروه من المشقة ممنوع، لأنا إنما نحكم بالنجاسة إذا علمنا وصولها، ثم إن المشقة بمجردها حكمة لا يجوز تعلق الحكم بها بمجردها، وجعل ما يدركه الطرف ضابطاً لها إنما يصحُّ بالتوقيف أو باعتبار الشرع له في موضع واحد، ولم يوجد واحد منهما.
والقلتان: خمسمائة رطل بالعراقي، وعنه: أربعمائة رطل، وهل ذلك تقريب أو تحديد؟ على وجهين.
ونقل عن أحمد التفريق بين الجاري والواقف، فإنه قال في حوض الحمام: قد قيل إنه بمنـزلة الماء الجاري، وقال في البئر: تكون لها مادة وهو واقف ليس هو بمنـزلة الجاري، فعلى هذا لا ينجس إلا بالتغير لأن الأصل طهارته، ولأنه بمجموعه يزيد على القلتين. فإن قيل فالجرية لا تبلغهما، قيل: تخصيص الجرية بهذا التقدير تحكم، وهذا اختيار شيخنا، وهو الصحيح إن شاء اللّه تعالى.
وإن اشتبهت ثيابٌ طاهرة بنجسة، صلى في كل ثوب صلاةن بعدد النجس، وزاد صلاة. وقال أبو ثور: لا يصلي في شيء منهما. وقال أبو حنيفة والشافعي: يتحرى، كقولهما في الأواني والقبلة.

 

ص -15-         فإن سقط عليه من طريقٍ ماء، لم يلزمه السؤال عنه. قال عمر: "يا صاحب الحوض لا تخبرنا؛ فإنا نرِد عليها وترد علينا"، رواه في الموطإ. قال ابن عقيل: لا يلزم ردّ الجواب، لخبر عمر.
قال شيخنا: يحتمل أن يلزمه، لأنه سئل عن شرط الصلاة، كما لو سئل عن القبلة؛ وخبر عمر يدل على أن سؤر السباع طاهر.
ومن هنا إلى آخر الباب: من "الإنصاف":
وعند الشيخ: أن كل ما هو طاهر تحصل به الطهارة. وقال في ماء زمزم: وعنه: يكره الغسل وحده، اختاره الشيخ. وذكر عنه أيضاً في الماء المستعمل والمغموسة به يد القائم من نوم الليل: ولو نوى جنب بانغماسه كله أو بعضه في ماء قليل راكد رفْعَ حدثه، لم يرتفع، وقيل: يرتفع، اختاره الشيخ.
والماء في محل التطهير لا يؤثر تغيّره، وقيل: يؤثر، اختاره الشيخ وقال: التفريق بينهما بوصف غير مؤثر لغة وشرعاً. وإن لم يتغير وهو يسير، فهل ينجس؟ الرواية الثانية: لا ينجس، اختارها الشيخ. وقيل بالفرق بين يسير الرائحة وغيرها، فيعفى عن يسير الرائحة، ذكره ابن البنا، ونصره ابن رجب في شرح البخاري. وأظن أنه اختيار الشيخ وابن القيم.
وإذا لاقت النجاسة مائعاً، فاختار الشيخ أن حكمه حكم الماء. واختار أن الثياب الطاهرة والنجسة إذا اشتبهت، صلى في واحد منها بالتحري.

 

ص -16-         باب الآنية
جميع الآنية الطاهرة يباح استعمالها، سواء كانت ثمينة أو لا، في قول عامة أهل العلم، إلا أنه روي عن ابن عمر أنه كره الوضوء في الصفر والنحاس والرصاص. وروي أن الملائكة تكره ريح النحاس. وقال الشافعي في أحد قوليه: ما كان ثميناً لنفاسة جوهره حرُم، لأن فيه نوع سرف، ولأن تحريم آنية الذهب والفضة تنبيه على تحريم ما هو أنفس منها. ولنا: ما روى البخاري: "أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ من تور من صفر". 1 وأما الجواهر فلا يصح قياسها على الأثمان، لأنها لا تُتخذ إلا نادراً. وجاز استعمال القصب من الثياب، وإن زادت قيمته على الحرير.
ولو جعل فص خاتمه جوهرة ثمينة جاز، ولو جعله ذهباً لم يجز. قال: ولا يختلف المذهب في تحريم اتخاذ آنية الذهب والفضة، وحكي عن الشافعي إباحته لتخصيص النهي بالاستعمال كاتخاذ ثياب الحرير.
وأما المضبب بهما، فإن كان كثيراً حرُم بكل حال. وقال أبو حنيفة: يباح لأنه تابع للمباح. ولنا: حديث
: "من شرب في إناء من ذهب أو فضة أو إناء فيه شيء من ذلك..." الحديث رواه الدارقطني، 2 إلا أن تكون الضبة يسيرة من الفضة، كتشعيب القدح إذا لم يباشرها بالاستعمال؛ وممن رخص فيه طاووس وإسحاق وابن المنذر. و"كان ابن عمر لا يشرب

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 البخاري: الوضوء (197).
2 في هامش الأصل: ذكر ابن تيمية أن الحديث ضعيف.

 

ص -17-         من قدح فيه فضة ولا ضبة". وكره الشرب في الإناء المفضض عطاء وسالم، ولعلهم كرهوا ما قصد به الزينة أو كان كثيراً.
ويباح طعام أهل الكتاب واستعمال آنيتهم، قال: وهل يكره؟ على روايتين:
إحداهما: لا يكره لقوله:
{وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ}، 1 وحديث ابن المغفل، و"توضأ عمرُ من جرة نصرانية".
والثانية: يُكره، لحديث أبي ثعلبة المتفق عليه. وأما ثيابهم، فما ولي عوراتهم كالسراويل فروي عن أحمد أنه قال: أحب إلي أن يعيد إذا صلى فيه. وأما غير أهل الكتاب، فحكم ثيابهم حكم ثياب أهل الذمة عملاً بالأصل. وأما أوانيهم، فمذهب الشافعي أن حكمها حكم أواني أهل الكتاب، "لأنه صلى الله عليه وسلم توضأ من مزادة مشركة". وقال القاضي: "لا يستعمل ما استعملوه منها إلا بعد غسله"، لحديث أبي ثعلبة. ولا نعلم خلافاً في إباحة الثوب الذي نسجوه. وتباح الصلاة في ثياب الصبيان والمربيات وثوب المرأة الذي تحيض فيه، "لصلاته صلى الله عليه وسلم وهو حامل أمامة"، والتوقي لذلك أوْلى لاحتمال النجاسة.
ولأبي داود عن عائشة: "كان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم لا يصلّي في شعرنا ولحفنا". 2 ولا يجب غسل الثوب المصبوغ في حُب الصبّاغ، مسلماً كان أو كتابياً؛ فإن علمت نجاسته طهر بالغسل ولو بقي اللون، لقوله في الدم:
"الماء يكفيك، ولا يضرّك أثره". 3 رواه أبو داود. ويستحب تخمير الأواني وإيكاء الأسقية، للحديث.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 سورة المائدة آية: 5.
2 الترمذي: الجمعة (600), والنسائي: الزينة (5366), وأبو داود: الصلاة (645), وأحمد (6/129).
3 أبو داود: الطهارة (365), وأحمد (2/364).

 

ص -18-         ولا يطهر جلد الميتة بالدباغ. وعنه: يطهر منها جلد ما كان طاهراً في الحياة. قال بعض أصحابنا: يطهر جلد مأكول اللحم؛ وهو مذهب الأوزاعي وإسحاق، لقوله: "ذكاة الأديم: دباغه"؛ 1 والذكاة إنما تُعمل في مأكول اللحم. والأول ظاهر كلام أحمد، لأن قوله: "أيما إهاب دُبغ، فقد طهر" 2 يتناول المأكول وغيره، خرج منه ما كان نجساً في الحياة، لكون الدبغ إنما يرفع نجاسة حادثة بالموت، وحديثهم يحتمل أنه أراد بالذكاة: الطيبة، كقولهم: رائحة ذكية. ويحتمل أنه أراد بها الطهارة؛ يدل عليه أنه لو أراد بالذكاة الذبح، لأضافه إلى الحيوان كله لا إلى الجلد. فأمّا جلود السباع، فلا يجوز الانتفاع بها، وبه قال الأوزاعي وإسحاق. وروي عن ابن سيرين وعروة: الرخصة في الركوب على جلود النمور. ومذهب الشافعي طهارة جلود الحيوانات كلها، إلا الكلب والخنـزير. وحكي عن أبي يوسف طهارة كل جلد. وحكي عن مالك، لعموم: "أيما إهاب دُبغ، فقد طهر". 3 ولنا: "نهيه صلى الله عليه وسلم عن ركوب جلود النمور". رواه أبو داود.
وله في حديث آخر: "نهى عن جلود السباع والركوب عليها". وإذا قلنا بطهارته بالدباغ، لم يحل أكله. فظاهر كلام الشافعي أنه إن كان من مأكول جاز، لأن الدباغ ذكاة، والأول أصح، لقوله:
"إنما حرّم أكلها". 4 ولا يلزم من الطهارة إباحة الأكل. ولا يجوز بيعه قبل الدبغ، لا نعلم فيه خلافاً، وهل يطهر بالدبغ قبل الغسل؟ قيل: لا، لقوله:   "يطهِّرها الماء والقرظ". 5 رواه أبو داود. وقيل: بلى، لقوله: "أيما أهاب دُبغ، فقد طهر". 6 ولا يطهر جلد غير المأكول بالذكاة، وقال مالك: يطهر، لقوله: "ذكاة الأديم دباغه"، ولنا: أن النهي عن جلود السباع عام، ولأنه ذبح لا يبيح اللحم؛ وقياس الذكاة على الدبغ لا يصح لأنه أقوى.
ولبن الميتة نجسٌ لأنه مائع في وعاء نجس،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 أحمد (3/476).
2 مسلم: الحيض (366), والترمذي: اللباس (1728), والنسائي: الفرع والعتيرة (4241), وأبو داود: اللباس (4123), وابن ماجة: اللباس (3609), وأحمد (1/219), ومالك: الصيد (1079), والدارمي: الأضاحي (1985).
3 مسلم: الحيض (366), والترمذي: اللباس (1728), والنسائي: الفرع والعتيرة (4241), وأبو داود: اللباس (4123), وابن ماجة: اللباس (3609), وأحمد (1/219), ومالك: الصيد (1079), والدارمي: الأضاحي (1985).
4 مسلم: الحيض (363), والنسائي: الفرع والعتيرة (4234), وأبو داود: اللباس (4120), وابن ماجة: اللباس (3610), وأحمد (6/329).
5 النسائي: الفرع والعتيرة (4248), وأبو داود: اللباس (4126).
6 الترمذي: اللباس (1728), والنسائي: الفرع والعتيرة (4241), وأبو داود: اللباس  (4123), وابن ماجة: اللباس (3609), وأحمد (1/219), والدارمي: الأضاحي (1985).

 

ص -19-         وكذلك أنفحتها، وروي أنها طاهرة؛ وهو قول أبي حنيفة وداود، لأن الصحابة أكلوا الجبن لما دخلوا المدائن، وهو يُعمل بالأنفحة، وذبائحهم ميتة. والأول أوْلى لأنه قيل: إن جزارهم اليهود والنصارى، ولو لم ينقل ذلك لكان الاحتمال كافياً؛ فإنه قد كان فيهم اليهود والنصارى.
وقد روي "أن الصحابة لما قدموا العراق كسروا جيشاً منهم بعد أن وضعوا طعامهم، فلما فرغ المسلمون أكلوه"، وهو لا يخلو من اللحم ظاهراً. فلو حكم بنجاسة ما ذبح في بلدهم، لما أكلوا من لحمهم. وإن ماتت الدجاجة وفيها بيضة قد صلب قشرها، فهي طاهرة؛ وهو قول ابن المنذر. و"كرهها علي وابن عمر ومالك". وعظام الميتة نجسة، وهو قول مالك والشافعي. ورخص في الانتفاع بعظام الفيلة: ابن سيرين وابن جريج. وقال مالك: إن ذُكِّي الفيل فعظمه طاهر، لأنه مأكول عنده. وقال الثوري وأبو حنيفة: عظام الميتة طاهرة لأن الموت لا يحلها.
ولنا: قوله
:{حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ}1 وتحريم كلِّ ذي ناب من السباع، وقولهم: العظام لا يحلها الموت ممنوع، لقوله: {مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ}الآية 2، ولأن دليل الحياة: الإحساس والألم، وهو في العظم أشد منه في اللحم. والقرن والظفر والحافر كالعظم، لقوله: "ما يُقطع من البهيمة وهي حية، فهو كميته". 3 قال الترمذي: حسن غريب. ويحتمل أن هذا طاهر، والخبر أريد به ما يُقطع مما فيه حياة فيموت بفصله، بدليل الشعر. وصوفها وشعرها وريشها طاهر، وبه قال مالك وابن المنذر. وقال الشافعي: هو نجس لأنه ينمي من الحياة، فينجس بموته كأعضائه؛ وهذا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 سورة المائدة آية: 3.
2 سورة يس آية: 78.
3 الترمذي: الأطعمة (1480), وأبو داود: الصيد (2858).

 

ص -20-         منتقض بالبيض. وشعر الآدمي طاهر في الحياة والموت. وقال الشافعي في أحد قوليه: ينجس بفصله. ولهم في شعر النبي صلى الله عليه وسلم وجهان. ولنا: "أنه صلى الله عليه وسلم فرّق شعره بين أصحابه"، وما كان طاهراً منه، كان طاهراً من غيره. وهل يجوز الخرز بشعر الخنـزير؟ فيه روايتان. ورخص فيه الحسن ومالك والأوزاعي. وعن أحمد أنه قال: لا بأس به؛ ولعله قال ذلك لأنه لا يسلم منه الناس، وفي تكليف غسله إتلاف أموال الناس.
ومن هنا إلى آخر الباب: من "الإنصاف":
حكى ابن عقيل عن أبي الحسن التميمي أنه قال: إذا اتخذ مسعطاً أو قنديلاً أو نعلين أو مجمرة أو مدخنة ذهباً أو فضة كره، ولم يحرم.
وفي الضبة أربع مسائل: كونها يسيرة بالشروط المتقدمة فتباح، وكبيرة لغير حاجة فلا تباح. واختار الشيخ الإباحة إذا كانت أقل مما فيه، وكبيرة لحاجة، ويسيرة لغير حاجة فلا تباح. وقيل: لا تحرم، اختاره الشيخ. وقال أبو بكر: يباح يسير الذهب، واختاره الشيخ وقال: قد غلط طائفة من الأصحاب حيث حكت قولا بإباحة يسير الذهب تبعاً في الآنية عن أبي بكر، وأبو بكر إنما قال ذلك في باب اللباس والتحلي وهما أوسع. وقال الشيخ أيضاً: يباح الاكتحال بميل الذهب والفضة، لأنها حاجةٌ. وإذا قلنا: يطهر جلد الميتة بالدباغ، فهل يختص بالمأكول أو ما كان طاهراً في حال الحياة؟ فيه وجهان: أحدهما: يشمل، اختاره الشيخ، واختار في الفتاوى المصرية اختصاصه بالمأكول. وعلى القول بأن الدباغ لا يطهر اختار الشيخ الانتفاع به في المائعات إن لم ينجس العين.

 

 

ص -21-         ولا يطهر جلد غير المأكول بالذكاة، ولا يجوز ذبحه لأجل ذلك. قال الشيخ: ولو كان في النـزع. وما طهر بدبغه جاز بيعه. وأطلق أبو الخطاب جواز بيعه مع نجاسته، قال في الفروع: فيتوجه منه جواز بيع نجاسة يجوز الانتفاع بها، ولا فرق ولا إجماع كما قيل. قال ابن قاسم المالكي: لا بأس ببيع الزبل. قال اللخمي: هذا من قوله يدل على بيع العذرة، وقال ابن الماجشون: لا بأس ببيع العذرة، لأنه من منافع الناس.
ولبن الميتة وأنفحتها نجس. وعنه: أنه طاهر مباح، اختاره الشيخ. واختار طهارة عظمها وقرنها وظفرها، نقل الميموني: صوف الميتة ما أعلم أحداً كرهه.

 

ص -22-         باب الاستنجاء
يستحب لمن أراد دخول الخلاء أن يقول: "بسم اللّه"، لحديث علي، رواه ابن ماجة. ويقول: "اللّهم إني أعوذ بك من الرجس النجس، الخبيث المخبث، الشيطان الرجيم"، لحديث أبي أمامة، رواه ابن ماجة، ويقول: "اللّهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث"، لحديث أنس، متفق عليه، قال أبو عبيدة: الخبْث بسكون الباء: الشر، وبضمها وبضم الخاء: جمع خبيث، والخبائث: جمع خبيثة. استعاذ من ذكران الشياطين وإناثهم. ولا يدخله بشيء فيه ذكر اللّه، "لأنه صلى الله عليه وسلم كان إذا دخله وضع خاتمه"، 1 قال الترمذي: صحيح غريب.
ويقدم اليسرى في الدخول واليمنى في الخروج، ولا يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض، ولا يتكلم "لأنه صلى الله عليه وسلم لم يرد السلام في هذه الحال". رواه مسلم.
ولا يذكر اللّه بلسانه، "روي كراهته عن ابن عباس". وعن ابن سيرين: لا بأس به. ولنا: "أنه صلى الله عليه وسلم لم يرد السلام الذي يجب رده". فإن عطس، حمد اللّه بقلبه ولم يتكلم. وفي رواية: يحمد اللّه بلسانه.
وإذا خرج قال:
"غفرانك"، لحديث الترمذي وحسنه، ويقولُ:  "الحمد للّه الذي أذهب عني الأذى وعافاني"، لحديث ابن ماجة. ولا بأس أن يبول في الإناء، لحديث أميمة، رواه أبو داود.
وإن كان في الفضاء، أبعد، لما روى أبو داود في الاستتار والارتياد:  "أنه صلى الله عليه وسلم إذا أراد البراز انطلق حتى لا يراه أحد، واستتر، وارتاد مكاناً رخواً". 2 ويستحب أن يبول قاعداً، قال

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 الترمذي: اللباس (1746), والنسائي: الزينة (5213), وأبو داود: الطهارة (19), وابن ماجة: الطهارة وسننها (303).
2 أبو داود: الطهارة (2).

 

ص -23-         ابن مسعود: "من الجفاء أن تبول وأنت قائم"، و"رويت فيه الرخصة عن عمر وغيره"، لحديث حذيفة، ولعله فعله ليبين الجواز، أو كان في موضع لا يتمكن من الجلوس فيه.
ولا يبول في شق ولا سرب ولا طريق ولا ظل نافع ولا تحت شجرة مثمرة، ومثلها موارد الماء، لما روى أبو داود: "أنه صلى الله عليه وسلم نهى أن يبال في الجحر"، 1 قال قتادة: يقال: إنها مساكن الجن، ولأنه صلى الله عليه وسلم قال:
"اتقوا الملاعن الثلاثة: البراز في الموارد، وقارعة الطريق، والظل"، 2 والبول تحت الشجرة المثمرة ينجس الثمرة.
ويكره البول في الماء الراكد للنهي عنه، ولا يبول في المغتسل لما روى أبو داود عن رجل صحب النبي صلى الله عليه وسلم قال: "نهى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أن يمتشط أحدنا كل يوم، أو يبول في مغتسله". 3 وقد رُوي أن عامة الوسواس منه. قال أحمد: إن صب عليه الماء فجرى في البالوعة، فلا بأس. ولا يستقبل الريح لئلا يتنجس.
ولا يجوز أن يستقبل القبلة في الفضاء، وهذا قول أكثر أهل العلم، وفي استدبارها فيه واستقبالها في البنيان روايتان. ثم ذكر في النهي حديث أبي أيوب المتفق عليه وحديث أبي هريرة عند مسلم إلى أن قال: والثالثة: يجوز في البنيان، ولا يجوز في الفضاء، وهو الصحيح. ثم ذكر حديث مروان الأصغر عن ابن عمر، رواه أبو داود وقال: هذا تفسير للنهي العام، وفيه جمع بين الأحاديث. فإذا فرغ مسح بيسراه من أصل ذكره إلى رأسه، ثم ينتره ثلاثاً، لحديث:
"إذا بال أحدكم، فلينتر ذكره ثلاث مرات". 4 رواه أحمد. ولا يمسح ذكره بيمينه ولا يستجمر بها، لحديث: "لا يمسكن أحدكم ذكره بيمينه وهو يبول، ولا يتمسح من الخلاء بيمينه" 5.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 أبو داود: الطهارة (29), وأحمد (5/82).
2 أبو داود: الطهارة (26), وابن ماجة: الطهارة وسننها (328).
3 النسائي: الطهارة (238), وأبو داود: الطهارة (28), وأحمد (4/110, 5/369).
4 ابن ماجة: الطهارة وسننها (326), وأحمد (4/347).
5 البخاري:الوضوء (153, 154) والأشربة (5630), ومسلم: الطهارة (267), والترمذي: الطهارة (15), والنسائي: الطهارة (24, 25, 47), وأبو داود: الطهارة (31), وابن ماجة: الطهارة وسننها (310), وأحمد (4/383, 5/295, 5/296, 5/300, 5/309, 5/310, 5/311), والدارمي: الطهارة (673).

 

ص -24-         متفق عليه. وإن فعل لغير حاجة أجزأه عند الأكثر. وحكي عن بعض أهل الظاهر أنه لا يجزئه، للنهي، كما لو استنجى بالروث. والأول أولى، لأن الروث آلة الاستجمار، وبشرطه: واليد إنما يتناول بها الحجر الملاقي للمحل.
والجمع بين الحجر والماء أفضل، قال أحمد: هو أحب إليَّ، لقول عائشة: "مرن أزواجكن أن يتبعوا الحجارة الماء من أثر الغائط والبول، فإني أستحييهم، وأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعله". 1 قال الترمذي: حديث صحيح. ويجزئه أحدهما في قول الأكثر. وحكي عن سعد بن أبي وقاص وابن الزبير "أنهما أنكرا الاستنجاء بالماء"، قال ابن المسيب: وهل يفعل ذلك إلا النساء، وقال عطاء: غسل الدبر محدث.
وأما الاقتصار على الاستجمار فجائز بغير خلاف، إلا أن يعدو الخارج موضع العادة، فلا يجزئ إلا الماء، وبهذا قال الشافعي وابن المنذر. والثيب إن تعدى بولها إلى مخرج الحيض، فقال أصحابنا: يجب غسله، قال شيخنا: ويحتمل أن لا يجب، لأنه لو لزم لبينه صلى الله عليه وسلم لأزواجه.
و"إذا استنجى بالماء استحب له دلك يده بالأرض، لأنه صلى الله عليه وسلم فعله". رواه البخاري. قال حنبل: سألت أحمد قلت: أتوضأ وأستبرئ وأجد في نفسي أني قد أحدثت بعد، قال: إذا توضأت فاستبرئ، ثم خذ كفاً من ماء فرُشّه في فرجك ولا تلتفت إليه، فإنه يذهب إن شاء اللّه.
و الاستجمار بالخشب والخرق وما في معناهما مما ينقي جائز في قول الأكثر، وعنه: لا يجزئ إلا الأحجار، وهو مذهب داود، وفي حديث سلمان عند مسلم: "نهانا أن نستنجي برجيع أو عظم"، وتخصيصهما بالنهي يدل على أنه أراد الحجارة وما قام مقامها. ويشترط فيما يستجمر به أن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 الترمذي: الطهارة (19), والنسائي: الطهارة (46).

 

ص -25-         يكون طاهراً، فإن كان نجساً لم يجزئه، وبه قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: يجزئه، ولنا: قوله في الروث: "هذا ركس" يعني: نجساً، رواه الترمذي.
ولا يجوز بالروث والعظم. وقال أبو حنيفة: يجوز، وأباح مالك الاستنجاء بالطاهر منها. ولنا: ما روى مسلم عن ابن مسعود، وكذلك الطعام لأنه علل النهي عن العظم والروث، بأنه زاد الجن، فزادنا أولى.
ولا يجزي أقل من ثلاث مسحات، إما بحجر ذي شعب أو ثلاثة أحجار، وعنه: لا يجزئ أقل من ثلاثة أحجار وهو قول ابن المنذر ويشترط الإنقاء وهو إزالة النجاسة وبلِّها، وقال مالك: يجزئ دون العدد إذا حصل الإنقاء، ولنا: حديث سلمان. ويقطع على وتر، لحديث أبي هريرة. ويجزئ في النادر كالمعتاد. ولأصحاب الشافعي وجه: أنه لا يجزئ في النادر; لأنه أمر بغسل الذكر من المذي.
ويجب من كل خارج إلا الريح، وهذا قول أكثر أهل العلم، أعني: وجوب الاستنجاء في الجملة. وحكي عن ابن سيرين فيمن صلى بقوم ولم يستنج: لا أعلم به بأساً، وهذا مذهب أبي حنيفة. فإن توضأ قبله، فهل يصح وضوؤه؟ على روايتين. الثانية: يصح، وهي أصح، وهو مذهب الشافعي.
ومن هنا إلى آخر الباب: من "الإنصاف":
قال أحمد في الدرهم إذا كان فيه اسم اللّه أو مكتوباً عليه
{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ}1 يكره أن يدخل اسم اللّه الخلاء. ولا يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض، يحتمل الكراهة إذا لم تكن حاجة؛ جزم به الشيخ في شرح العمدة. ويحتمل التحريم، وهي رواية عن أحمد.
وحَمْدُ العاطس وإجابة المؤذن بقلبه، ويكره بلفظ؛ وعنه: لا يكره. قال الشيخ: يجيب المؤذن في الخلاء.
ولا يستقبل الشمس ولا القمر،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 سورة الإخلاص آية: 1.

 

ص -26-         وقيل: لا يكره، اختاره في الفائق. ويحرم استقبال القبلة واستدبارها في الفضاء والبنيان، اختاره الشيخ وابن القيم، ويكفي انحرافه. وظاهر كلام صاحب المحرر وحفيد: لا يكفي. وإذا فرغ مسح... إلخ. وقال الشيخ: يكره السلت والنتر.
وظاهر كلام المصنف: لا يتنحنح، ولا يمشي بعد فراغه وقبل الاستنجاء، قال الشيخ: كل ذلك بدعة. واختار أنه يستجمر في الصفحتين والحشفة وغير ذلك، للعموم. ولا يجب غسل ما أمكن من داخل فرج ثيب من نجاسة وجنابة، نص عليه، واختاره المجد وحفيده. وأثر الاستجمار نجس يعفى عن يسيره، وعنه: طاهر.
وظاهر كلام المصنف: جواز الاستجمار بالمغصوب، واختاره الشيخ في قواعده1. واختار الإجزاء بالروث والعظام، قال: لأنه لم ينه عنه لكونه لا ينقى، بل لإفساده. فإذا قيل يزول بطعامنا مع التحريم، فهذا أولى. واختار في قواعده الإجزاء بالمطعوم ونحوه.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 اختيار الشيخ في الإنصاف اشتراط إباحة المستجمر به.

 

ص -27-         باب السواك وسنة الوضوء
والسواك مسنون في جميع الأوقات، لا نعلم خلافاً في استحبابه وتأكده، إلا للصائم بعد الزوال، ولا نعلم أحداً، قال بوجوبه إلا إسحاق وداود.
و"يتأكد استحبابه عند الصلاة وعند القيام من النوم"، لحديث حذيفة، وعند تغير رائحة الفم. ويستاك على أسنانه ولسانه، لقول أبي موسى: "رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يستاك على لسانه"1. متفق عليه.
فإن استاك بأصبعه أو خرقة، فهل يصيب السنة؟ على وجهين: أحدهما: لا يصيب. والثاني: يصيب بقدر ما يحصل من الإنقاء. ولا يترك القليل من السنة للعجز عن كثيرها، وهو الصحيح، لحديث أنس، مرفوعاً: "يجزئ من السواك الأصابع". رواه البيهقي، قال محمد بن عبد الواحد الحافظ: هذا إسناده لا أرى به بأساً.
ويستاك عرضاً، فإن استاك على لسانه طولاً، فلا بأس، لحديث أبي موسى: "دخلت عليه وهو واضع طرف السواك على لسانه، يستن إلى فوق".
ويدّهن غباً، لنهيه عن الترجل إلا غباً، قال أحمد: معناه يدهن يوماً ويوماً، ولأبي داود عنه صلى الله عليه وسلم:
"من اكتحل فليوتر، من فعل فقد أحسن، ومن لا فلا حرج" 2.
فصول في الفطرة.
روى أبو هريرة قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم:
"الفطرة خمس: الختان، الاستحداد، وقص الشارب، وتقليم الأظافر، ونتف الإبط"3.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 مسلم: الطهارة (254), والنسائي: الطهارة (3), وأبو داود: الطهارة (49), وأحمد (4/416).
2 أبو داود: الطهارة (35), وأحمد (2/351, 2/356, 2/371), والدارمي: الطهارة  (662).
3 البخاري: اللباس (5891), ومسلم: الطهارة (257).

 

ص -28-         متفق عليه. ثم ذكر حديث ابن الزبير عن عائشة، مرفوعاً: "عشر من الفطرة". 1 أخرجه مسلم.
وسئل أحمد عن الرجل يأخذ من شعره وأظفاره، أيدفنه أم يلقيه؟ قال: يدفنه. قيل له: بلغك فيه شيء؟ قال: "كان ابن عمر يدفنه".
قيل لأحمد: ترى أن يأخذ الرجل سفلته - أي عانته – بالمقراض، وإن لم يستقص؟ قال: أرجو أن يجزيه، إن شاء اللّه.
ويستحب إعفاء اللحية، وهل يكره أخذ ما زاد على القبضة; فيه وجهان: أحدهما: يكره، لحديث ابن عمر، مرفوعاً:
"خالفوا المشركين، احفو الشوارب وأوفوا اللحى". 2 متفق عليه. والثاني: "لا يكره، لأن ابن عمر كان يفعله"، رواه البخاري.
وسئل أحمد عن: الرجل يتخذ الشعر؟ قال: سنة حسنة، لو أمكننا اتخذناه. وقال: "كان للنبي صلى الله عليه وسلم جمة". و"يستحب أن يكون شعر الإنسان على صفة شعر النبي صلى الله عليه وسلم إذا طال فإلى المنكب، وإذا قصر فإلى شحمة الأذن". وإن طوّله فلا بأس نص عليه. وقال أبو عبيدة: "كان له عقيصتان، وعثمان كان له عقيصتان". ويستحب ترجيل الشعر وإكرامه، لقوله صلى الله عليه وسلم:
"من كان له شعر فليكرمه". 3 رواه أبو داود. ويستحب فرقه، "لأنه صلى الله عليه وسلم فرق وذكره في الفطرة".
وهل يكره حلق الرأس في غير الحج والعمرة؟ فيه روايتان: إحداهما: يكره، لقوله في الخوارج:
"سيماهم التحليق". 4 والثانية: لا، "لنهيه صلى الله عليه وسلم عن القزع"، وقال: "احلقه كله، أو دعه كله". رواه أبو داود، قال ابن عبد البر: أجمع العلماء في جميع الأمصار على إباحة الحلق، وكفى بهذا حجة.
فأما أخذه بالمقراض، فلا بأس، رواية واحدة؛ قال أحمد: إنما كرهوا الحلق بالموسى، وأما المقراض فليس به بأس. وحلقه للمرأة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 مسلم: الطهارة (261), والترمذي: الأدب (2757), والنسائي: الزينة (5040, 5041، 5042) , وأبو داود: الطهارة (53), وابن ماجة: الطهارة وسننها (293), وأحمد (6/137).
2 مسلم: الطهارة (259).
3 أبو داود: الترجل (4163).
4 البخاري: التوحيد (7562).

 

ص -29-         مكروه، رواية واحدة إلا لضرورة. قيل لأحمد: لا نقدر على الدهن وما يصلحه يقع فيه الدواب، فقال: إن كان لضرورة، فأرجو أن لا يكون به بأس.
ويكره نتف الشيب، لحديث عمرو بن شعيب، وروي عنه صلى الله عليه وسلم: "أنه لعن الواصلة والمستوصلة، والنامصة والمتنمصة، والواشرة والمستوشرة"، فهذه الخصال محرمة لأن النبي صلى الله عليه وسلم لعن فاعلها. وأما الواصلة بغير الشعر، فإن كان مما يشد به فلا بأس، وإن كان أكثر من ذلك ففيه روايتان.
والنامصة: التي تنتف الشعر من الوجه. وإن حلقه فلا بأس، لأن الخبر ورد في النتف، نص عليه. والواشرة: التي تبرد الأسنان لتحددها وتفلجها وتحسنها. وفي خبر آخر:
"لعن اللّه الواشمة والمستوشمة" 1 ."ويستحب الطيب لأنه يعجبه صلى الله عليه وسلم".
والنظر في المرآة، قال حنبل: كان لأبي عبد اللّه صينية فيها مرآة ومكحلة ومشط، فإذا فرغ من قراءة حزبه نظر في المرآة واكتحل وامتشط. ولأحمد عن أبي أيوب، مرفوعا:ً
"أربع من سنن المرسلين: الحياء والتعطر والسواك والنكاح" 2.
ويستحب خضاب الشيب بغير السواد. قيل لأحمد: تكره الخضاب بالسواد؟ قال: إي واللّه، لقوله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي بكر:
"وجنبوه السواد". ويكره القزع وهو: حلق بعض الرأس، لنهيه عنه. ويجب الختان ما لم يخف على نفسه، لقوله لرجل أسلم: "ألق عنك شعر الكفر، واختتن". 3 رواه أبو داود، قال أحمد: "كان ابن عباس يشدد

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 البخاري: الطلاق (5347), وأحمد (4/308).
2 الترمذي: النكاح (1080), وأحمد (5/421).
3 أبو داود: الطهارة (356), وأحمد (3/415).

 

ص -30-         في أمره". وروي عنه: "لا حج له ولا صلاة". 1 ورخص الحسن في تركه قال: "قد أسلم الأسود والأبيض ولم يفتش واحد منهم، ولم يختتنوا". ويشرع في حق النساء، بقوله: "إذا التقى الختانان وجب الغسل". 2 قال مالك: يختتن يوم أسبوعه، وقال أحمد: لم أسمع فيه شيئاً. قال ابن المنذر: ليس فيه خبر حتى يرجع إليه ولا سنة تتبع، والأشياء على الإباحة.
ويتيامن في سواكه وطهوره وانتعاله ودخوله المسجد، لقول عائشة: "كان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يحب التيمن في تنعله وترجله وطهوره، وفي شأنه كله". 3 متفق عليه.
(فصل): وسنن الوضوء عشر:
السواك،
لقوله:
"لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم مع كل وضوء بسواك". 4 رواه أحمد.
والتسمية، وعنه: أنها واجبة مع الذكر، لقوله
: "لا وضوء لمن لم يذكر اسم اللّه عليه". 5 رواه أبو داود، وقال أحمد: ليس في هذا حديث.
وغسل الكفين إن لم يكن قائما من نوم الليل، وإلا ففي وجوبه روايتان، لأن الذين وصفوا وضوءه صلى الله عليه وسلم ذكروا: "أنه غسَل كفيه ثلاثاً"، وأما عند القيام من نوم الليل، فروي عنه: أنه مستحب، وهو قول مالك والشافعي وابن المنذر، لأن اللّه قال:
{إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ}6 الآية.والحديث محمول على الاستحباب. وهذا هو الصحيح إن شاء اللّه.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 ابن ماجة: إقامة الصلاة والسنة فيها (1081).
2 الترمذي: الطهارة (109), وأحمد (6/47, 6/97, 6/112, 6/123, 6/135, 6/161, 6/227, 6/239), ومالك: الطهارة (104, 105, 106).
3 صحيح البخاري: كتاب الوضوء (168), وصحيح مسلم: كتاب الطهارة (268).
4 أحمد (2/460).
5 الترمذي: الطهارة (25), وابن ماجة: الطهارة وسننها (398).
6 سورة المائدة آية: 6.

 

ص -31-         والبداءة بالمضمضة والاستنشاق والمبالغة فيهما، إلا أن يكون صائماً، لأن الذين وصفوا وضوءه صلى الله عليه وسلم ذكروا ذلك - أي الابتداء بهما - قبل الوجه.
والمبالغة سنة، لقوله:
"أسبغ الوضوء، وخلل الأصابع، وبالغ في الاستنشاق، إلا أن تكون صائماً". 1 صححه الترمذي، وقسنا عليه المضمضة، لأنها من الإسباغ.
ويستحب المبالغة في سائر الأعضاء بالتخليل ودلك المواضع التي ينبو عنها الماء. و"يستحب مجاوزة موضع الوجوب بالغسل"، لحديث أبي هريرة، وتخليل اللحية، لحديث عثمان: "أنه صلى الله عليه وسلم كان يخلل لحيته". 2 صححه الترمذي. ويستحب أن يتعهد بقية شعور وجهه، ويمسح مآقيه، 3 لما روى أبو داود: "كان النبي صلى الله عليه وسلم يمسح المأقين"، 4 وتخليل أصابع اليدين والرجلين، لما تقدم، وهو في الرجلين آكد، لقول المستورد: "رأيت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم إذا توضأ دلك أصابع رجليه بخنصره". 5 رواه أبو داود. وذكر ابن عقيل في استحباب تخليل أصابع اليدين روايتين: إحداهما: يستحب، لقوله:
"إذا توضأت فخلل أصابع يديك ورجليك". 6 حسنه الترمذي.
و"لا خلاف في استحباب البداءة باليمنى"، لحديث عائشة، قال أحمد: أنا أستحب أن يأخذ لأذنيه ماء جديداً؛ وهو قول مالك والشافعي. وقال ابن المنذر: ليس بمسنون. وحكى رواية عن أحمد، لأنه غير موجود في الأخبار، ولأن في حديث الرُّبيع: "مسح برأسه وأذنيه مرة واحدة". 7 رواه أبو داود. والغسلة الثانية والثالثة، أي: سنة وليس بواجب، لأنه توضأ مرة مرة. رواه البخاري

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 الترمذي: الصوم (788), والنسائي: الطهارة (87, 114), وابن ماجة: الطهارة وسننها (407, 448), والدارمي: الطهارة (705).
2 الترمذي: الطهارة (31), وابن ماجة: الطهارة وسننها (430).
3 مأق العين: مقدمها. وجمعه مآق. ومؤقها: مؤخرها. وجمعه آماق.
4 أبو داود: الطهارة (134), وابن ماجة: الطهارة وسننها (444).
5 الترمذي: الطهارة (40), وأبو داود: الطهارة (148), وابن ماجة: الطهارة وسننها (446), وأحمد (4/229).
6 الترمذي: الطهارة (39).
7 الترمذي: الطهارة (34), وأبو داود: الطهارة (129).

 

ص -32-         ومن هنا إلى آخر الباب: من "الإنصاف".
إلا لصائم بعد الزوال، وعنه: يستحب، اختاره الشيخ. قوله: ويدهن غباً، واختار الشيخ فعل الأصلح بالبدن، كالغسل بماء حار في بلد رطب.
وقال: يجب الختان إذا وجبت الطهارة والصلاة. وكره أحمد الحجامة يوم السبت والأربعاء، وعنه: الوقف في الجمعة.
قال في الفروع: ويتوجه احتمال: تكره يوم الثلاثاء، لخبر أبي بكرة، وفيه ضعف، قال: ولعله اختيار أبي داود، لاقتصاره على روايته، والصحيح أنه يستاك بيساره. قال الشيخ: ما علمت إماماً خالف فيه كانتثاره. وغسلهما تعبد، 1 وقيل: لوهم النجاسة، كالحدث بالنوم، وقيل: معلل بمبيت يده ملابسة للشيطان، ويغسلان لمعنى فيهما.
وذكر أبو الحسين رواية: أنه لأجل إدخالهما الإناء، فيصح وضوؤه ولم يفسد الماء إذا استعمله من غير إدخال. قوله: "أخذ ماء جديداً للأذنين". وعنه: لا يستحب، بل يمسحان بماء الرأس، اختاره الشيخ.
قال ابن القيم: الأذكار التي تقولها العامة عند كل عضو لا أصل لها.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 أي يدي القائم من نوم الليل.

 

ص -33-         باب فروض الوضوء وصفته
فروضه ستة: غسل الوجه بالإجماع، للآية. وغسل اليدين، وهو الفرض الثاني. ومسح الرأس وهو الثالث. وغسل الرجلين وهو الرابع. والترتيب على ما ذكر اللّه وهو الخامس، ومذهب مالك: لا يجب، اختاره ابن المنذر، لأن اللّه عطف بواو الجمع، وأما ترتيب اليمنى على اليسرى فلا يجب بالإجماع، لأن اللّه ذكر مخرجهما واحداً، قال:
{وَأَيْدِيَكُمْ}،   {وَأَرْجُلَكُمْ}. 1 وإن اجتمع الحدثان، سقط الترتيب والموالاة. والموالاة وهي السادس، وعنه: أنها غير واجبة، اختاره ابن المنذر. ووجه الأولى: حديث صاحب اللمعة، رواه أبو داود. والنية شرط لطهارة الأحداث كلها والتيمم، وقال الثوري: تشترط في التيمم دون طهارة الماء للآية.
ولنا:
"إنما الأعمال بالنيات". 2 والآية حجة لنا، فإن قوله: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا} 3 أي: لها، كما يقال: إذا لقيت الأمير فترجل، أي: له، وقولهم مقتضى الأمر حصول الإجزاء به، قلنا: بل مقتضاه وجوب الفعل، ولا يمنع أن يشترط له شرطا آخر كآية التيمم. وقولهم: إنها طهارة، قلنا: إنها عبادة. ويستحب أن يتمضمض ويستنشق بيمينه ثم يستنثره بيساره، لما روي "أن عثمان غسل يديه ثلاثاً، ثم غرف بيمينه

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 سورة المائدة آية: 6.
2 البخاري: بدء الوحي (1), ومسلم: الإمارة (1907), والترمذي: فضائل الجهاد (1647), والنسائي: الطهارة (75) والطلاق (3437) والأيمان والنذور (3794), وأبو داود: الطلاق (2201), وابن ماجة: الزهد (4227), وأحمد (1/25, 1/43).
3 سورة المائدة آية: 6.

 

ص -34-         فتمضمض واستنشق بكف واحدة، واستنثر بيساره. فعل ذلك ثلاثاً. ثم ذكر سائر الوضوء. ثم قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ لنا كما توضأت لكم" رواه سعيد.
ولا يجب الترتيب بينهما وبين الوجه، لكن يستحب، لأن الذين وصفوا وضوءه صلى الله عليه وسلم ذكروا أنه بدأ بهما إلا شيئا نادراً.
وهل يجب الترتيب بينهما وبين سائر الأعضاء؟ على روايتين: إحداهما: يجب. والثانية: لا، لما روى المقدام: أنه صلى الله عليه وسلم أتي بوضوء فذكره، وفيه: "أنه تمضمض واستنشق بعد غسل الوجه واليدين". رواه أبو داود. وهما واجبان في الطهارتين. وعنه: الواجب الاستنشاق وحده فيهما، وبه قال ابن المنذر لقوله:
"إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماء ثم لينثر". 1 متفق عليه. وعنه: واجبان في الكبرى دون الصغرى. وقال مالك والشافعي: مسنونان فيهما، لحديث: "عشر من الفطرة"، 2 والفطرة: السنة. ولنا: حديث لقيط: "إذا توضأت فتمضمض". رواه أبو داود. وكل من وصف وضوءه ذكر "أنه فعلهما"، ومداومته تدل على وجوبهما، لأن فعله يصلح أن يكون بياناً لأمر اللّه، وكونهما من الفطرة لا ينفي وجوبهما، كالختان.
ثم يغسل وجهه ثلاثاً، وحدّه: من منابت شعر الرأس إلى ما انحدر من اللحيين والذقن طولاً مع ما استرسل من اللحية، ومن الأذن إلى الأذن عرضاً. ولا اعتبار بالأصلع الذي ينحسر شعره عن مقدم رأسه، ولا بالأقرع الذي نزل شعره إلى وجهه، بل بغالب الناس.
وقال مالك: ما بين اللحية والأذن ليس من الوجه، ولا يجب غسله. قال ابن عبد البر: لا أعلم أحداً من فقهاء الأمصار قال بقول مالك هذا.
ويدخل في الوجه العذار وهو: الشعر الذي على العظم الناتيء سمت صماخ الأذن، والعارض الذي تحته نابت على الخد واللحيين، والذقن الذي على مجمع اللحيي؛، فهذه الشعور الثلاثة من الوجه. فأما الصدغ وهو: الذي فوق العذار فالصحيح أنه من

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 البخاري: الوضوء (162), ومسلم: الطهارة (237), والنسائي: الطهارة (88), وأحمد (2/242, 2/289, 2/316, 2/401), ومالك: الطهارة (33).
2 مسلم: الطهارة (261), والترمذي: الأدب (2757), والنسائي: الزينة (5040, 5041، 5042), وأبو داود: الطهارة (53), وابن ماجة: الطهارة وسننها (293), وأحمد (6/137).

 

ص -35-         الرأس لأن في حديث الرُّبيع: "أنه مسح برأسه وصدغيه وأذنيه مرة واحدة". 1 رواه أبو داود.
وعن أبي حنيفة: لا يجب غسل اللحية الكثيفة وما تحتها من البشرة، قال الخلال: الذي ثبت عن أبي عبد اللّه في اللحية: أنه لا يغسلها، وليست من الوجه؛ وظاهر هذا كمذهب أبي حنيفة، والمشهور في المذهب: وجوب غسلها، وما روي عن أحمد يحتمل أنه أراد غسل باطنها. وإن كان شعرها خفيفاً يصف البشرة وجب غسلها معه، وإن كان كثيفاً أجزأ غسل ظاهره، ويستحب تخليله ولا يجب؛ وهو قول أكثر أهل العلم، لأن اللّه لم يذكر التخليل، ولأن أكثر من حكى وضوءه صلى الله عليه وسلم لم يحكه، وهو كثيف اللحية؛ وفعله بعض الأحيان يدل على استحبابه. وقال إسحاق: إذا تركه عامداً أعاد الوضوء، لحديث أنس:
"أنه صلى الله عليه وسلم أخذ كفاً من ماء فأدخله تحت حنكه وخلل به لحيته، وقال: هكذا أمرني ربي عز وجل". 2 رواه أبو داود. وقال عطاء: يجب غسل ما تحت الشعور الكثيفة في الوضوء، قياساً على الجنابة، وقول الجمهور أولى، والفرْق أنه يشق في الوضوء لتكرره.
ولا يستحب غسل داخل العينين في وضوء ولا غسل، لأنه صلى الله عليه وسلم لم يفعله ولا أمر به وفيه ضرر، وذكر عن أحمد: استحبابه في الغسل، وذكره أبو الخطاب من سنن الوضوء، لفعل ابن عمر. وما ذكره عنه يدل على كراهته لكونه ذهب ببصره. ويستحب التكثير في ماء الوجه، لأن فيه غضوناً ليصل الماء إلى جميعه. وروي عن علي في صفة وضوء النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ثم أدخل يديه في الإناء جميعاً، فأخذ بهما حفنة من ماء فضرب بهما على وجهه، ثم الثانية ثم الثالثة مثل ذلك. ثم أخذ بكفه اليمنى قبضة من ماء فتركها تستن على وجهه". 3 رواه أبو داود، يعني: تسيل وتنصب.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 الترمذي: الطهارة (34), وأبو داود: الطهارة (129).
2 أبو داود: الطهارة (145).

 

ص -36-         (فصل): ثم يغسل يديه إلى المرفقين، ويدخلهما في الغسل، في قول الأكثر، وحكي عن بعض المالكية: لا يجب لقوله: {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ}، 1 و "إلى" لانتهاء الغاية. ولنا: أنها تستعمل بمعنى "مع" كقوله: {قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ}، 2 {وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ}. 3 وقال المبرد: إذا كان الحدّ من جنس المحدود دخل فيه، كقولهم بعت الثوب من هذا الطرف إلى هذا الطرف.
وإذا كان تحت أظفاره وسخ يمنع وصول الماء، فقيل: لا تصح الطهارة حتى يزيله، قال شيخنا: ويحتمل أن لا يجب، لأن هذا يستتر عادة؛ فلو كان واجباً لبيّنه النبي صلى الله عليه وسلم. و"قد عاب عليهم كونهم يدخلون عليه قلحاً، ورفغ أحدهم بين أنملته وظفره"، يعني: أن وسخ أرفاغهم تحت أظفارهم يصل إليه رائحة نتنها، ولو كان مبطلاً للطهارة لكان أهم من نتن الريح. ومن كان يتوضأ من ماء يسير يغترف منه، فغرف منه بيديه عند غسلهما لم يؤثر في الماء، وقال أصحاب الشافعي: يصير مستعملاً، لأنه موضع غسل اليد. ولنا: حديث عثمان، ولو كان هذا يفسد لكان النبي صلى الله عليه وسلم أحق بمعرفته ولبيّنه.
ثم يمسح رأسه، وهو فرض بالإجماع، للآية: "يبدأ بيديه من مقدمه، ثم يمرهما إلى قفاه، ثم يردّهما إلى مقدمه"، كما روى عبد اللّه بن زيد في صفة مسحه صلى الله عليه وسلم. فإن كان ذا شعر يخاف أن ينتفش بردّ يديه لم يردّهما، نص عليه أحمد، لأنه قد روي عن الرُّبَيِّع: "أن رسول اللّه صلى الله

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 سورة البقرة آية: 187.
2 سورة هود آية: 52.
3 سورة النساء آية: 2.

 

ص -37-         عليه وسلم توضأ عندها، فمسح الرأس كله من فوق الشعر كل ناحية لمصب الشعر، لا يحرك الشعر عن هيئته". 1 رواه أبو داود.
وسئل أحمد: كيف تمسح المرأة؟ فقال: هكذا، ووضع يده على وسط رأسه، ثم جرها إلى مقدمه، ثم رفعها حيث منه بدأ، ثم جرها إلى مؤخره. قال القاضي: روي عنه: أنه يأخذ للردة ماء جديداً، وليس بصحيح. ويجب مسح جميعه مع الأذنين، وعنه: يجزئ مسح أكثره، اختلفت الرواية في قدر الواجب، فروى عنه الجميع في حق كل أحد، وهو مذهب مالك، لقوله: 
{وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ}، 2 والباء للإلصاق، فكأنه قال: وامسحوا رؤوسكم، وصار كقوله سبحانه في التيمم: {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ}، 3 ولأن الذين وصفوا وضوءه صلى الله عليه وسلم ذكروا "أنه مسح برأسه كله"، وهو يصلح أن يكون بياناً للمأمور به. وعنه: يجزئ بعضه، ونقل عن سلمة بن الأكوع: "أنه كان يمسح مقدم رأسه، وابن عمر مسح اليافوخ".
والظاهر عن أحمد في الرجل: وجوب الاستيعاب، والمرأة يجزيها مسح مقدم رأسها، "لأن عائشة كانت تمسح مقدم رأسها"، واحتج من أجاز مسح البعض بقول المغيرة: "رأيت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم توضأ، فمسح بناصيته وعلى العمامة والخفين". 4 رواه مسلم. وقال أنس: "رأيته صلى الله عليه وسلم يتوضأ وعليه عمامة قطرية، فأدخل يده من تحت العمامة فمسح مقدمة رأسه، ولم ينقض العمامة". 5 رواه أبو داود، وبأن من مسح بعضه يقال: مسح برأسه، كما يقال: مسح برأس اليتيم. واختلفوا في قدر المجز:، فقال أحمد: لا يجزئه إلا الأكثر، وقال أبو حنيفة: ربعه، وقال الشافعي: ما يقع

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 أحمد (6/359).
2 سورة المائدة آية: 6.
3 سورة المائدة آية: 6.
4 مسلم: الطهارة (274), والترمذي: الطهارة (100), والنسائي: الطهارة (109), وأبو داود: الطهارة (150).
5 أبو داود: الطهارة (147), وابن ماجة: الطهارة وسننها (564).

 

ص -38-         عليه الاسم، حكي عنه: ثلاث شعرات.
ويجب مسح الأذنين، وعنه: لا، قال الخلال: كلهم حكوا فيمن تركهما عامداً أنه يجزيه، لأنهما منه على وجه التبع، ولا يفهم من الإطلاق دخولهما فيه. ويستحب أن يدخل سبابتيه في صماخي أذنيه، لأن في حديث الرُّبيع: "فأدخل إصبعيه في جحري أذنيه". 1 رواه أبو داود.
ولا يجب مسح ما نزل عن الرأس من الشعر. ويمسح رأسه بماء جديد، والعمل عليه عند أكثر أهل العلم، قاله الترمذي. وجوز الحسن وعروة وابن المنذر مسحه بفضل ذراعيه، لما روي عن عثمان "أنه مسح مقدم رأسه بيده مرة واحدة ولم يستأنف له ماء جديدا حين حكى وضوء النبي صلى الله عليه وسلم". رواه سعيد.
وهل يستحب مسح العنق؟ فيه روايتان: إحداهما: يستحب، لما في المسند: أنه مسح حتى بلغ القذال وما يليه من مقدم العنق. والثانية: لا يستحب، لأن اللّه لم يأمر به، والذين حكوا وضوءه صلى الله عليه وسلم لم يذكروه، ولم يثبت فيه حديث. ولا يستحب تكراره، قال الترمذي: "العمل عليه عند أكثر أهل العلم من أصحاب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ومن بعدهم"، وعنه: يستحب، لما روى أبو داود في حديث عثمان. ووجه الأولى: أحاديث الذين وصفوا وضوءه، وأحاديثهم لا يصح منها شيء، قال أبو داود: أحاديث عثمان الصحاح كلها تدل على أن مسح الرأس مرة، فإن قيل: يجوز أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح مرة ومسح ثلاثاً ليبين الأفضل. قلنا: قول الراوي: هذا طهور رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، يدل على الدوام لأنهم وصفوه لمن سألهم، فلو شاهدوا صفة أخرى لم يطلقوا هذا الإطلاق.
ثم يغسل رجليه إلى الكعبين ثلاثاً، ويدخلهما في الغسل. فإن كان أقطع غسل ما بقي من محل الفرض، فإن لم يبق شيء سقط. ويستحب أن يمس محل القطع

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 أبو داود: الطهارة (131), وابن ماجة: الطهارة وسننها (441).

 

ص -39-         بالماء لئلا يخلو العضو من طهارة.
ثم "يرفع نظره إلى السماء ويقول: أشهد أن لا إله إلا اللّه، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله"، لما روى مسلم من حديث عمر، رواه الترمذي، وزاد فيه:
"اللّهم اجعلني من التّوابين واجعلني من المتطهرين"1. ورواه أبو داود، وفي بعض رواياته: "فأحسن الوضوء ثم رفع نظره إلى السماء".
والوضوء مرة مرة يجزي، والثلاث أفضل؛ وهذا قول أكثر أهل العلم، إلا أن مالكاً لم يوقت مرة ولا ثلاثاً، قال: إنما قال اللّه:
{فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ}، 2 وقال الأوزاعي: الوضوء ثلاثاً ثلاثاً، إلا الرجلين فإنه ينقيهما.
والأول أولى، لما ذكرنا من الأحاديث. وإن غسل بعض أعضائه أكثر من بعض فحسن، لحديث عبد اللّه بن زيد. وتكره الزيادة على الثلاث، لحديث أبي داود والنسائي، وفيه: "فمن زاد على هذا فقد أساء وظلم". 3 وتباح معونته، لحديث المغيرة: "أنه أفرغ على النبي صلى الله عليه وسلم في وضوئه". رواه مسلم.
وروي عن أحمد أنه قال: "ما أحب أن يعينني على وضوئي أحد، لأن عمر قال ذلك".
ويباح تنشيف أعضائه، و"ممن روي عنه أخذ المنديل بعد الوضوء: عثمان وأنس" وكثير من أهل العلم. وروي عن ابن عباس: "أنه كرهه في الوضوء، ورويت الكراهة عن جابر وابن المسيب"، لحديث ميمونة، وفيه: "فأتيته بمنديل، فلم يردْها، وجعل ينفض الماء بيديه". 4 متفق عليه، والأول أصح، وهذه قضية عين، ولا يكره نفض الماء عن بدنه بيديه.
و"يستحب تجديد الوضوء"، وعنه: أنه لا فضل فيه، والأول أصح، لحديث أنس، رواه البخاري. ولا بأس أن يصلي الصلوات بالوضوء الواحد، لا نعلم فيه خلافاً. ولا بأس بالوضوء

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 الترمذي: الطهارة (55), والنسائي: الطهارة (148), وابن ماجة: الطهارة وسننها (470).
2 سورة المائدة آية: 6.
3 النسائي: الطهارة (140), وأبو داود: الطهارة (135), وابن ماجة: الطهارة وسننها  (422).
4 البخاري: الغسل (259, 274), وأبو داود: الطهارة (245).

 

ص -40-         في المسجد إذا لم يؤذ أحداً ولم يؤذ المسجد. قال ابن المنذر: أباح ذلك كل من نحفظ عنه من علماء الأمصار، وروي عن أحمد: أنه كرهه صيانة للمسجد عن البصاق وما يخرج من فضلات الوضوء.
ومن هنا إلى آخر الباب: من "الإنصاف":
قال الشيخ: تسقط الموالاة بالعذر، وقال: هو أشبه بأصول الشريعة وقواعد أحمد، وقوى ذلك وطرده في الترتيب، وقال: لو قيل بسقوطه للعذر - كما إذا ترك غسل وجهه فقط لمرض ونحوه،ثم زال قبل انتقاض وضوئه فغسله – لتوجه. ولو كان تحت أظفاره يسير وسخ يمنع وصول الماء، وألحق به كل يسير منع حيث كان من البدن، كدم وعجين ونحوهما. وقال: يجوز الاقتصار على البياض الذي فوق الأذنين دون الشعر، إذا قلنا يجزئ مسح بعض الرأس.
ويستحب الزيادة على الفرض، وعنه: لا، قال أحمد: لا يغسل ما فوق المرفق، قال في الفائق: اختاره شيخنا. وقال الشيخ: لا يغسل في المسجد ميت. قال: ويجوز عمل مكان فيه للوضوء للمصلحة بلا محذور.

 

ص -41-         باب المسح على الخفين
قال ابن المبارك: ليس في المسح على الخفين اختلاف، وعن جرير قال: "رأيت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بال، ثم توضأ ومسح على خفيه". 1 متفق عليه.
قال إبراهيم: كان يعجبهم هذا الحديث، لأن إسلام جرير كان بعد نزول المائدة. قال أحمد: ليس في قلبي من المسح شيء; فيه أربعون حديثاً عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، وقال: هو أفضل من الغسل، لأنه صلى الله عليه وسلم وأصحابه إنما طلبوا الأفضل؛ وهو مذهب الشافعي وإسحاق، لحديث:
"إن اللّه يحب أن يؤخذ برُخصه"، 2 ولأن فيه مخالفة أهل البدع، وعنه: الغسل أفضل، لأنه المذكور في كتاب اللّه تعالى، والمسح رخصة.
ويجوز المسحُ على الجرموقين، والجرموق مثال الخف، إلا أنه يلبس فوق الخف والجوربين. قال ابن المنذر: يروى إباحة المسح على الجوربين عن تسعة من الصحابة، وبه قال ابن المسيب والثوري وإسحاق. وقال أبو حنيفة ومالك والشافعي: لا يجوز إلا أن ينعلا، لأنه لا يمكن متابعة المشي فيهما. ولنا: قول المغيرة: "مسح رسول اللّه صلى الله عليه وسلم على الجوربين والنعلين". 3 رواه أبو داود والترمذي وصححه. وهذا يدل على أنهما لم يكونا منعولين، لأنه لو كانا كذلك لم يذكر النعلين، فإنه لا يقال: مسح على الخف ونعله، و"لأن الصحابة فعلوه" ولم يعرف لهم مخالف في عصرهم.
وسئل أحمد عن: جورب الخرق؟ فكره المسح عليه، ولعله إنما كرهه لأن الغالب فيه الخفة، وأنه

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 البخاري: الصلاة (387), ومسلم: الطهارة (272), والترمذي: الطهارة (93, 94) والجمعة (611), والنسائي: الطهارة (118), وأبو داود: الطهارة (154), وابن ماجة: الطهارة وسننها (543), وأحمد (4/358).
2 أحمد (2/108).
3 الترمذي: الطهارة (99), وأبو داود: الطهارة (159), وابن ماجة: الطهارة وسننها (559).

 

ص -42-         لا يثبت بنفسه. وإن كان مثل جورب الصوف في الصفاقة فلا فرق، فإن كان لا يثبت إلا بالنعل، أبيح المسح عليه ما دام في النعل، لحديث المغيرة. قال القاضي: يمسح على الجورب والنعل، كما في الحديث، والظاهر "أنه صلى الله عليه وسلم إنما مسح على سيور النعل التي على ظاهر القدم"، فأما أسفله وعقبه فلا يسن مسحه من الخف، فكذلك من النعل.
و"ممن قال بجواز المسح على العمامة أبو بكر وعمر"، وهو قول ابن المنذر. وقال مالك والشافعي وأصحاب الرأي: لا يمسح عليها، لقوله تعالى:
{وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ} 1. ولنا: قول المغيرة: "توضأ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ومسح على الخفين والعمامة". 2 صححه الترمذي. وروى مسلم أيضاً معناه. وروى البخاري معناه أيضاً عن عمر وابن أمية، مرفوعاً، ولأنه قول من سمينا من الصحابة، ولم يعرف لهم مخالف في عصرهم. والآية لا تنفي ما ذكرنا، فإنه صلى الله عليه وسلم مبين لكلام اللّه، ومسحه يدل على أن المراد المسح على الرأس أو حائله.
ويجوز المسح على الجبائر، لحديث صاحب الشجة، رواه أبو داود؛ وهذا قول مالك وأصحاب الرأي، وقال الشافعي في أحد قوليه: يعيد الصلاة لأن اللّه أمر بالغسل ولم يأت به. ووجه الأولى: ما ذكرنا، ولأنه مسح على حائل أبيح له المسح عليه، فلم تجب الإعادة.
وفي المسح على القلانس وخمر النساء المدارة تحت حلوقهن روايتان، أراد: القلانس المبطنات كدنيات القضاة، فأما الكلتة فلا يجوز المسح عليها، لا نعلم فيه خلافاً، لأنها لا تستر جميع الرأس عادة ولا تدوم عليه. فأما القلانس التي ذكرنا، فعنه: لا يجوز المسح عليها،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 سورة المائدة آية: 6.
2 مسلم: الطهارة (274), والترمذي: الطهارة (100), والنسائي: الطهارة (124), وأحمد (4/244).

 

ص -43-         وبه قال مالك والشافعي والنعمان. قال ابن المنذر: لا نعلم أحداً قال به، إلا أنه روي عن أنس:  "أنه مسح على قلنسيته"، وعنه: يجوز، وهو اختيار الخلال، قال: لأنه روي عن صحابيين بأسانيد صحاح. وفي الخُمر روايتان، إحداهما: "يجوز، روي عن أم سلمة"، حكاه ابن المنذر. والثانية: لا يجوز، وهو قول مالك والشافعي.
ولا نعلم خلافاً في اشتراط تقدم الطهارة لكل ما يجوز المسح عليه، إلا الجبيرة، ووجهه: حديث المغيرة، وفيه
: "دعهما، فإني أدخلتهما طاهرتين". 1 متفق عليه. فأما إن غسل إحداهما ثم لبس الخف، ثم غسل الأخرى وأدخلها الخف، لم يجز، وعنه: يجوز. واختلفت الرواية في الجبيرة، فعنه: لا يشترط تقدم الطهارة لها، لحديث صاحب الشجة، لأنه لم يذكر الطهارة، ويحتمل أن يشترط التيمم عند العجز عن الطهارة، لأن فيه: "إنما يكفيه أن يتيمم ويعصب على جرحه، ثم يمسح عليها". 2 وعنه: يشترط الطهارة لها. فعليها، إذا خاف من نزعها تيمم، ولا يحتاج مع مسحها إلى التيمم. قال شيخنا: يحتمل أن يتيمم مع المسح فيما إذا تجاوز بها موضع الحاجة، لأن ما يمسح على موضع الحاجة يقتضي المسح، والزائد يقتضي التيمم. وكذا إذا شدها على غير طهارة، لأنه مختلف في جواز المسح عليها، فإذا جمع بينهما خرج من الخلاف. وللشافعي في الجمع بينهما قولان في الجملة، لحديث صاحب الشجة. ولنا: أنه محل واحد، فلا يجمع بين بدلين كالخف. وإن وضع على جرحه دواء وخاف من نزعه، مسح عليه، لما روى الأثرم عن ابن عمر: "أنه خرج بإبهامه قرحة فألقمها مرارة. وكان يتوضأ عليها". وإن كان في رجله شق وجعل فيه قير، فقال أحمد: ينـزعه، هذا أهون، هذا لا يخاف منه؛ وتعليله يقتضي أنه متى خاف منه جاز المسح عليه. قال مالك في الظفر يسقط: يكسوه مصطكاً ويمسح عليه، فإن لم يكن على

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 البخاري: الوضوء (206), ومسلم: الطهارة (274), وأبو داود: الطهارة (151), وأحمد (4/245), والدارمي: الطهارة (713).
2 أبو داود: الطهارة (336).

 

ص -44-         الجرح عصابة، غسل الصحيح، وتيمم للجريح ولم يمسح. وروى حنبل عن أحمد في المجروح والمجدور يخاف عليه: يمسح موضع الجرح ويغسل ما حوله، يعني: يمسح إذا لم يكن عصابة.
ويمسح المقيم يوماً وليلة، والمسافر ثلاثة أيام ولياليهن، لا نعلم فيه خلافاً في المذهب. وقال الليث: يمسح ما بدا له، وكذلك قال مالك في المسافر، وعنه في المقيم روايتان، لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: "أنه قيل له: أنمسح على الخفين؟ قال: نعم. قيل: يوماً؟ قال: ويومين. قيل: وثلاثة؟ قال: ما شئت". رواه أبو داود. ولنا: حديث علي، رواه مسلم. وعن عوف بن مالك:
"أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالمسح على الخفين في غزوة تبوك ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر، ويوماً وليلة للمقيم". 1 رواه أحمد، وقال: هذا أجود حديث في المسح، لأنه في آخر غزوة غزاها النبي صلى الله عليه وسلم، وحديثهم ليس بالقوي، وقد اختلف في إسناده، قاله أبو داود.
وابتداء المدة: من الحدث بعد اللبس، وعنه: من المسح، وهو اختيار ابن المنذر، لقوله
: "يمسح المسافر ثلاثة أيام"، ووجه الأول ما نقل في حديث صفوان: من الحدث إلى الحدث.
ومن مسح مسافراً ثم أقام، أتم مسح مقيم، لا نعلم فيه خلافاً. وإن مسح مقيم ثم سافر، أتم مسح مقيم. وعنه: مسح مسافر، لحديث:
"يمسح المسافر ثلاثة أيام ولياليهن"، وهذا مسافر. وإن أحدث ثم سافر قبل المسح، أتم مسح مسافر، لا نعلم فيه خلافاً. ولا يجوز إلا على ما يستر محل الفرض ويثبت بنفسه.
وحكي عن الأوزاعي ومالك: جواز المسح على المقطوع دون الكعبين، فأما ما يسقط إذا مشى، فلا يشق نزعه، ولا يحتاج إلى المسح عليه. وقال الثوري وإسحاق وابن المنذر: يجوز المسح على كل خف، يعني: وإن ظهر بعض القدم. وقال الأوزاعي:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 أحمد (6/27).

 

ص -45-         يمسح على المخروق وعلى ما ظهر من رجله. وقال مالك: إن كثر وتفاحش لم يجز، وإلا جاز، وتعلقوا بعموم الحديث.
ولا يجوز المسح على اللفائف والخرق، لا نعلم فيه خلافاً. وإن لبس خفاً فلم يحدث حتى لبس عليه آخر، جاز المسح على الفوقاني. ومنع منه مالك والشافعي في أحد قوليهما، لأن الحاجة لا تدعو إلى لبسه في الغالب فلم يتعلق به رخصة عامة كالجبيرة. فأما إن لبس الفوقاني بعد أن أحدث، لم يجز المسح، لأنه لبس على غير طهارة. وقال بعض أصحاب الشافعي: يجوز.
ويمسح أعلى الخف دون أسفله وعقبه: فيضع يده على الأصابع، ثم يمسح إلى ساقه، رواه الخلال من حديث المغيرة، قال أحمد: كيفما فعلت فهو جائز، باليد الواحدة أو باليدين. ولا يسن مسح أسفله ولا عقبه. و"روي مسح ظاهرهما وباطنهما عن سعد بن أبي وقاص وغيره لقول المغيرة: مسح أعلى الخف وأسفله". رواه أبو داود. ولنا: حديث علي: "لو كان الدِّين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من ظاهره. وقد رأيت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يمسح ظاهر خفَّيه". 1 رواه أبو داود. وحديثهم معلول، قاله الترمذي، قال: سألت أبا زرعة ومحمداً عنه، فقالا: ليس بصحيح. قال أحمد: هذا من وجه ضعيف، ولا خلاف أنه يجزئ الاقتصار على مسح ظاهرهما، حكاه ابن المنذر، والمجزئ أن يمسح أكثر مقدمه. وقال الشافعي: يجزئ القليل، لأنه أطلق ولم ينقل فيه تقدير. ولا يستحب التكرار، لأن في حديث المغيرة مسحة واحدة. والمستحب أن يفرج أصابعه إذا مسح.
ومن شرط جواز المسح على العمامة: أن تكون ساترة لجميع الرأس، إلا ما جرت العادة بكشفه. ومتى كانت محنكة جاز المسح، رواية واحدة،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 أبو داود: الطهارة (162).

 

ص -46-         سواء كان لها ذؤابة أو لا، لأن هذه عمائم العرب. ولا يجوز على غير المحنكة إلا ذات الذؤابة، فيجوز في أحد الوجهين، لأنها لا تشبه عمائم أهل الذمة، إذ ليس من عادتهم الذؤابة. والثاني: لا يجوز، وهو الأظهر، "لأنه صلى الله عليه وسلم أمر بالتلحي، ونهى عن الاقتطاط". رواه أبو عبيد، قال: والاقتطاط: أن لا يكون تحت الحنك منها شيء.
وما جرت العادة بكشفه من الرأس، استحب أن يمسح عليه مع العمامة، "لأنه صلى الله عليه وسلم مسح بناصيته وعمامته" في حديث المغيرة، وهل يجب؟ فيه وجهان. ولا يجب مسح الأذنين معها، لا نعلم خلافاً. واختلفت الرواية في وجوب استيعابها بالمسح، فروي ما يدل على أنه يجزئ مسح أكثرها.
ويمسح على الجبيرة إذا لم يتجاوز قدر الحاجة، لأنه لا يشق المسح عليها كلها، بخلاف الخف. فإن شدها على مكان يستغنى عن شدها عليه لم يجز، وروي عنه: أنه سهل فيه في مسألة الميموني والمروذي، لأن هذا لا ينضبط وهو شديد جداً؛ فعليه، لا بأس بالمسح على العصائب كيف شدها.
ومتى ظهر قدم الماسح أو رأسه، أو انقضت المدة، استأنف الطهارة، وعنه: يجزئ مسح رأسه وغسل قدميه. وقال الحسن وقتادة: لا يتوضأ ولا يغسل قدميه، اختاره ابن المنذر. وإذا انقضت المدة لزمه الخلع واستئناف الطهارة على الأولى. وعلى الثانية: يجزيه مسح رأسه وغسل قدميه.
ونزع أحد الخفين كنـزعهما، في قول أكثر أهل العلم، وقال الزهري: يغسل القدم الذي نزع منه الخف ويمسح الآخر. فإن أخرج قدمه إلى ساق الخف فهو كخلعه. وقال الشافعي: لا يتبين لي أن عليه الوضوء إلا أن يظهر بعضها، قال أحمد: إذا زالت العمامة عن هامته لا بأس، ما لم ينقضها أو يفحش ذلك. ولا مدخل لحائل

 

ص -47-         في الطهارة الكبرى إلا الجبيرة، لحديث صفوان إلا من جنابة، فأما الجبيرة فيجوز، لحديث صاحب الشجة.
ومن هنا إلى آخر الباب: من "الإنصاف":
قال الشيخ: وفصل الخطاب: أن الأفضل في حق كل واحد ما هو الموافق لحال قدمه؛ فالأفضل لمن قدماه مكشوفتان: غسلهما، ولا يتحرى لبس الخف ليمسح، كما "كان عليه أفضل الصلاة والسلام يغسل قدميه إن كانتا مكشوفتين، ويمسح إذا كان لابساً للخف". ويلبس بعد كمال الطهارة. وعنه: لا يشترط كمالها، اختاره الشيخ وصاحب الفائق، وقال: وعنه: لا تشترط الطهارة لمسح العمامة، ذكره ابن هبيرة. وحكى أبو الفرج رواية بعدم اشتراط تقدم الطهارة رأساً؛ فلو لبس محدثاً ثم توضأ وغسل رجليه في الخف جاز له المسح. قال الزركشي: وهو غريب بعيد. قلت: اختاره الشيخ وقال: يتوجه أن العمامة لا يشترط لها ابتداء اللبس على الطهارة، ويكفي فيها الطهارة المستدامة لأن العادة أن من توضأ مسح رأسه ورفع العمامة ثم أعادها، ولا يبقى مكشوف الرأس إلى آخر الوضوء.
وقوله: ويمسح المقيم يوماً وليلة، والمسافر ثلاثة أيام، وقيل: يمسح كالجبيرة؛ اختاره الشيخ. وفي الاختيارات: لا تتوقت مدة المسح في حق المسافر الذي يشق اشتغاله بالخلع واللبس، كالبريد المجهز في مصلحة المسلمين.
واختار الشيخ أيضاً جواز المسح على المخرق، إلا أن يتخرق أكثره، 1 ما دام اسمه باقياً،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 في الإنصاف: "قال في الاختيارات ويجوز المسح على الخف المخرق مادام اسمه باقياً والمشي فيه ممكن".

 

ص -48-         والمشي فيه ممكن. واختار أيضاً جواز المسح على الملبوس، ولو كان دون الكعبين. قوله: أو شد لفائفاً لم يجز المسح عليه، وجعله أبو البركات إجماعاً، وفيه وجه يجوز، اختاره الشيخ. واختار أيضاً جواز المسح على القدم ونعلها التي يشق نزعها إلا بيد أو رجل، كما جاءت به الآثار. قال: والاكتفاء هنا بأكثر القدم نفسها أو الظاهر منها، غسلاً أو مسحاً، أولى من مسح بعض الخف، ولهذا لا يتوقت كمسح العمامة.
قال: ويجوز المسح على الخف المخرق، إلا أن يتخرق أكثره، فكالنعل. ويجوز أيضاً على ملبوس دون النعل. انتهى. قوله: إلا أن تكون ذات ذؤابة فيجوز، وهو مقتضى اختيار الشيخ، فإنه اختار جواز المسح على العمامة الصماء، فذات الذؤابة أوْلى، وقال في الصماء: هي كالقلانس.
قوله: ومتى ظهر قدم الماسح... إلخ، واختار الشيخ أن الطهارة لا تبطل كإزالة الشعر الممسوح عليه، ولو زالت الجبيرة فهي كالخف. واختار الشيخ بقاءها قبل البرء وبعده، كإزالة الشعر

 

ص -49-         باب نواقض الوضوء
 (الأول): الخارج من السبيلين إن كان معتاداً، كالمذي والودي والريح، نقض إجماعاً. ودم الاستحاضة ينقض في قول عامة أهل العلم، إلا ربيعة. وإن كان نادراً كالدم والدود فينقض أيضاً. وقال مالك: ليس في الدود الذي يخرج من الدبر وضوء؛ وروي عن مالك أنه لم يوجب الوضوء من هذا الضرب، لأنه نادر.
ولنا: "أنه صلى الله عليه وسلم أمر المستحاضة بالوضوء لكل صلاة"، ودمها غير معتاد. وسئل أحمد: عن رجل ربما ظهرت مقعدته، قال: إن علم أنه يظهر معها ندى توضأ، وإلا فلا شيء عليه. قال شيخنا: يحتمل أنه أراد ندى ينفصل؛ فأما الرطوبة اللازمة، فلا تنقض، لأنها لا تنفك عن رطوبة.
والمذي ينقض إجماعاً، وهل يجب غسل الذكر والأنثيين منه؟ فيه روايتان:
إحداهما: يجب، لما في حديث علي:
"توضأْ، وانضح فرجك". 1 رواه مسلم. ولأبي داود: يغسل ذكره وأنثييه ويتوضأ؛ فعلى هذا يجزئه غسلة واحدة لقوله: "انضح فرجك"، سواء غسله قبل الوضوء أو بعده.
والثانية: "لا يوجب إلا الاستنجاء والوضوء"، روي ذلك عن ابن عباس؛ وهو قول أكثر أهل العلم، لحديث سهل بن حنيف:
"إنما يجزيك من ذلك الوضوء". 2 صححه الترمذي.
و"الغسل في حديث علي محمول على الاستحباب". وقوله:
"إنما يجزيك... إلخ" صريح في حصول الإجزاء به.
(الثاني): "الخارج النجس من غير السبيلين، غير البول والغائط، ينقض

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 مسلم: الحيض (303), والنسائي: الغسل والتيمم (438), وأحمد (1/104).
2 الترمذي: الطهارة (115), وأبو داود: الطهارة (210), وابن ماجة: الطهارة وسننها  (506), وأحمد (3/485), والدارمي: الطهارة (723).

 

ص -50-         كثيره"، روي عن ابن عباس وابن عمر. وقال مالك والشافعي وابن المنذر: لا وضوء فيه، كالبصاق.
ولنا: حديث ثوبان؛ قيل لأحمد: ثبت عندك؟ قال: نعم. ولأنه صلى الله عليه وسلم قال لفاطمة:
"إنه دم عِرق، فتوضئي لكل صلاة". رواه الترمذي، علل بكونه دم عرق، وهذا كذلك؛ فأما القليل فلا ينقض، حكاه القاضي رواية واحدة. وقيل: ينقض، وهو قول أبي حنيفة وسعيد بن جبير، فيما إذا سال الدم. ووجه الأولى أنه قد روي عن جماعة من الصحابة. قال أبو عبد اللّه: عدة من الصحابة تكلموا فيه. "أبو هريرة كان يدخل أصابعه في أنفه. وابن عمر عصر بثرة فخرج دم، فصلى ولم يتوضأ. وابن أبي أوفى عصر دملاً. وابن عباس قال: إذا كان فاحشاً فعليه الإعادة. وجابر أدخل أصابعه في أنفه". قيل لأحمد: ما الفاحش؟ قال: ما فحش في قلبك. والقيح والصديد كالدم فيما ذكرنا. قال أحمد: هما أخف حكماً من الدم.
(الثالث): زوال العقل على ضربين: نوم وغيره. فأما الجنون والإغماء والسكْر ونحوه، فينقض إجماعاً. وأما النوم فينقض في الجملة في قول عامة أهل العلم، إلا ما حكي عن أبي موسى الأشعري وأبي مجلز. وعن سعيد بن المسيب أنه كان ينام مراراً مضطجعاً ينتظر الصلاة، ثم يصلي ولا يعيد الوضوء. ولعلهم ذهبوا إلى أنه ليس بحدث في نفسه، والحدث مشكوك فيه، فلا يزول اليقين بالشك. ولنا: حديث صفوان بن عسال:
"لكن من غائط وبول ونوم". حديث صحيح.
ونوم المضطجع ينقض يسيره عند جميع القائلين بنقض الوضوء بالنوم. ونوم القاعد إن كان يسيراً لم ينقض، وهذا قول مالك. وقيل: متى خالط النوم القلب نقض بكل حال، وهذا قول إسحاق وأبي عبيد وابن المنذر،

 

ص -51-         لعموم الأحاديث. ولنا: ما روى مسلم عن أنس قال: "كان أصحاب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ينامون، ثم يصلون ولا يتوضؤون". ولأبي داود:   "ينتظرون العشاء الآخرة حتى تخفق رؤوسهم". وقال الشافعي: "لا ينقض وإن كثر، إذا كان قاعداً متمكناً مفضياً بمحل الحدث إلى الأرض"، لحديثي أنس، وبهما يتخصص العموم. ولنا: العموم وخصصناه بحديث أنس، وليس فيه بيان كثرة ولا قلة، فحملناه على اليقين. وأما نوم القائم والراكع والساجد ففيه روايتان: إحداهما: ينقض، وهو قول الشافعي، لأنه ليس في معنى المنصوص عليه. والثانية: حكمه حكم الجالس قياساً، وهذا قول سفيان وأصحاب الرأي، لحديث ابن عباس: "فجعلت إذا أغفيت يأخذ بشحمة أذني". رواه مسلم.
واختلفت الرواية في المستنِد والمحتبي، واختلفت في حد اليسير. قال شيخنا: الصحيح أنه لا حد له، لأن التحديد إنما يُعلم بالتوقيف.
(الرابع) مس الذكر: واختلفت الرواية فيه على ثلاث:
إحداها: "لا ينقض"، روي عن علي وعمار وابن مسعود وأصحاب الرأي وابن المنذر، لحديث:
"إنما هو بضعة منك". 1 رواه أبو داود والترمذي وأحمد.
والثانية: "ينقض بكل حال"، وهو مذهب ابن عمر وابن المسيب والشافعي، والمشهور عن مالك، لحديث بسرة، صححه الترمذي وأحمد. فأمّا حديث قيس، فقال أبو زرعة وأبو حاتم: قيس مما لا تقوم بروايته حجة ووهّناه ولم يثبتاه.
والثالثة: لا ينقض إلا أن يقصد مسّه. وقال الشافعي ومالك: لا ينقض مسّه بظاهر الكف. ولا فرق بين ذكره وذكر غيره، خلافاً لداود. قال الزهري والأوزاعي: لا ينقض مسّ ذكر الصغير لأنه يجوز مسه والنظر إليه. ولنا: عموم الأحاديث.
وفي مس الدبر ومس المرأة فرجها روايتان: إحداهما: ينقض لعموم قوله:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 الترمذي: الطهارة (85), والنسائي: الطهارة (165), وأبو داود: الطهارة (182), وابن ماجة: الطهارة وسننها (483), وأحمد (4/22).

 

ص -52-         "مَن مسّ فرجه فليتوضأ". 1 رواه ابن ماجة عن أم حبيبة. قال أحمد وأبو زرعة: حديث أم حبيبة صحيح.
(الخامس) أن تمس بشرته بشرة أنثى لشهوة: وعنه: لا ينقض. قال ابن مسعود: "القبلة من اللمس، وفيها الوضوء"، رواه الأثرم. وعن أحمد: "لا ينقض بحال"، يروى عن ابن عباس، وقول عائشة: "فإذا سجد غمزني فقبضت رجلي"، متفق عليه، و"الآية أريد بها الجماع"، قاله ابن عباس. والرواية الثالثة: ينقض لشهوة، جمعاً بين الآية والأخبار؛ وهو مذهب مالك وإسحاق. فإن لمسها من وراء حائل لم ينقض، في قول أكثر أهل العلم. وقال مالك: ينقض إذا كان ثوباً رقيقاً، وكذا قال ربيعة: إذا غمزها من وراء ثوب رقيق لشهوة.
وسئل أحمد: عن المرأة إذا مست زوجها؟ قال: ما سمعت فيه شيئاً، ولكن هي شقيقة الرجل، يعجبني أن تتوضأ. ولا ينقض لمس شعر المرأة، ويتخرج أن ينقض إذا كان لشهوة. وفي نقض وضوء الملموس روايتان.
(السادس) غسل الميت: "لأن ابن عمر وابن عباس كانا يأمران غاسله بالوضوء". قال أبو هريرة: "أقل ما فيه الوضوء"، ولا نعلم لهم مخالفاًًً في الصحابة. وقيل: لا ينقض، وهو قول أكثر العلماء. قال شيخنا: وهو الصحيح لأنه لم يرد فيه نص، ولا هو في معنى المنصوص عليه. وكلام أحمد يدل على أنه مستحب، فإنه قال: أحب إليّ أن يتوضأ، وعلل نفي الوجوب بكون الخبر موقوفا على أبي هريرة.
(السابع) أكل لحم الجزور: وقال مالك والشافعي وأصحاب الرأي: لا وضوء عليه. ومن العجب أنهم أوجبوا الوضوء بأحاديث ضعيفة تخالف الأصول، فأبو حنيفة أوجبه بالقهقهة في الصلاة دون خارجها، بحديث مرسل

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 الترمذي: الطهارة (82), والنسائي: الغسل والتيمم (444), وأبو داود: الطهارة (181), وابن ماجة: الطهارة وسننها (479), وأحمد (6/406), ومالك: الطهارة (91), والدارمي: الطهارة (724, 725).

 

ص -53-         من مراسيل أبي العالية. ومالك والشافعي أوجباه بمس الذكر، بحديث مختلف فيه معارض بمثله. فإن شرب من لبنها فعلى روايتين: إحداهما ينقض، لحديث أسيد بن حضير، رواه أحمد. وعن ابن عمر مثله. والثانية: لا وضوء عليه، لأن حديث أسيد فيه الحجاج بن أرطاة، وحديث ابن عمر فيه عطاء بن السائب، وقد اختلط في آخر عمره.
وإن أكل من كبدها وطحالها، فعلى وجهين: أحدهما: لا ينقض. والثانية: ينقض، لأن اللحم يعبر به عن جملة الحيوان، كلحم الخنـزير.
(الثامن) الردة عن الإسلام: قال ابن المنذر: أجمع من نحفظ قوله على أن القذف وقول الزور لا ينقض. وقد روينا عن غير واحد من الأوائل أنهم أمروا بالوضوء من الكلام الخبيث، وذلك استحباب. وثبت أنه صلى الله عليه وسلم قال: "من حلف باللات، فليقلْ: لا إله إلا اللّه"، 1 ولم يأمره بالوضوء.
ومن تيقن الطهارة وشك في الحدث، أو تيقن الحدث وشك في الطهارة، بنى على اليقين؛ وبهذا قال عامة أهل العلم. وقال مالك: إذا شك في الحدث، إن كان يلحقه كثيراً فهو على وضوئه، وإلا توضأ؛ ولا يدخل في الصلاة مع الشك. ولنا: حديث أبي هريرة، وفيه:
"فلا يخرج من المسجد حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً". 2 رواه مسلم.
ومن أحدث حرُم عليه مسّ المصحف، وأباحه داود، لأنه صلى الله عليه وسلم كتب إلى قيصر آية. ولنا: قوله:
{لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ}. 3 وفي كتاب عمرو بن حزم: "أن لا تمس القرآن إلا وأنت طاهر". ويجوز تقليبه بعود ومسّه به وكتب المصحف بيده من غير أن يمسّه. وذكر ابن عقيل في ذلك كله، وفي حمله بعلاقته روايتين، والصحيح

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 البخاري: تفسير القرآن (4860) والأدب (6107) والاستئذان (6301) والأيمان والنذور (6650), ومسلم: الأيمان (1647), والترمذي: النذور والأيمان (1545), والنسائي: الأيمان والنذور (3775), وأبو داود: الأيمان والنذور (3247), وابن ماجة: الكفارات (2096), وأحمد (2/309).
2 مسلم: الحيض (362), والترمذي: الطهارة (75), وأبو داود: الطهارة (177), وأحمد (2/330, 2/414), والدارمي: الطهارة (721).
3 سورة الواقعة آية: 79.

 

ص -54-         الجواز، لأن النهي إنما تناول مسه. وفي مس الصبيان ألواحهم التي فيها القرآن وجهان. و"لا تجوز المسافرة بالمصحف إلى دار الحرب"، لحديث ابن عمر.
ومن هنا إلى آخر الباب: من "الإنصاف":
قوله: (الثاني) خروج سائر النجاسات من سائر البدن، واختار الشيخ: لا ينقض الكثير مطلقاً، وعنه: لا ينقض نوم الجالس وإن كان كثيراً، واختاره الشيخ. ونقل الميموني لا ينقض النوم بحال، واختاره الشيخ إن ظن بقاء طهره.
الرابع: مس الذكر: وعنه: لا ينقض، بل يستحب الوضوء منه؛ اختاره الشيخ.
الخامس: مس أنثى لشهوة: وعنه: لا ينقض مطلقاً، اختاره الشيخ. وحيث قلنا: لا ينقض، استحب الوضوء مطلقاً. وقال الشيخ: يستحب إن لمسها لشهوة، وإلا فلا.
السادس: غسل الميت: وعنه: لا ينقض؛ اختاره الشيخ.
السابع: أكل لحم الجزور: وعنه: لا ينقض؛ اختاره الشيخ. وعنه: لا يعيد إن طالت المدة. وقيل: لا يعيد متأول. وعنه: إن علم النهي نقض. فعليها عدم العلم بالنهي هو عدم العلم بالحديث، قاله الشيخ؛ فمن علم لا يعذر. وعنه: بلى، مع التأويل. وقال الشيخ: أما لحم الخبيث المباح للضرورة، كلحم السباع، فينبني الخلاف فيه على أن النقض بلحم الإبل تعبدي، فلا يتعدى، أو معقول المعنى، فيعطى حكمه، بل هو أبلغ منه. والصحيح من المذهب: أنه تعبدي. وقيل: معلل؛ فقد قيل: إنها من الشياطين كما جاء في الحديث الصحيح، رواه أبو داود؛ فإذا أكل منها أورث ذلك قوة شيطانية، فشرع الوضوء منها ليذهب سَورَة الشيطان. وفي حديث آخر:
"على ذروة كل بعير شيطان". 1 و الطواف يشترط له الطهارة، وعنه: يجزئه بلا طهارة ويجبره بدم. وعنه: وكذا الحائض؛ واختاره الشيخ، وقال: لا دم عليها لعذر.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 أحمد (3/494), والدارمي: الاستئذان (2667).

 

ص -55-         باب الغسل
وموجباته سبعة:
أحدها: خروج المني الدافق بلذة من الرجل والمرأة، في اليقظة والنوم: هذا قول عامة الفقهاء، حكاه الترمذي، ولا نعلم فيه خلافاً. فإن خرج لمرض أو برودة من غير شهوة، لم يوجب. وقال الشافعي: يجب، لقوله: 
"إذا رأت الماء". ولنا: أنه صلى الله عليه وسلم وصف المني الموجب بأنه غليظ أبيض، وقال لعلي: "إذا فضخت الماء فاغتسل". 1 رواه أبو داود. والفضخ: خروجه على وجه الشدة. وقال إبراهيم الحربي: بالعجلة. وقوله: "إذا رأت الماء" في الاحتلام. وهو إنما يخرج لشهوة، فإن رأى أنه احتلم ولم يجد بللاً، فلا غسل عليه؛ حكاه ابن المنذر إجماعاً. وإن انتبه فرأى منياً ولم يذكر احتلاماً، اغتسل؛ لا نعلم فيه اختلافاً. وإن انتبه فوجد بللاً لا يدري أمني أم غيره، فقد توقف أحمد فيها. فإن رأى في ثوبه منياً وكان لا ينام فيه غيره، اغتسل، "لأن عمر وعثمان اغتسلا حين رأياه في ثوبيهما". فإن أحس بانتقاله فأمسك ذكره فلم يخرج، فعلى روايتين. فإن خرج بعد الغسل، وقلنا: لا يجب بالانتقال، لزمه الغسل.
الثاني: التقاء الختانين: وهو تغييب الحشفة في الفرج، ولو مس الختان الختان من غير إيلاج لم يجب الغسل إجماعاً. وإذا كان الواطئ أو الموطوءة صغيراً، فقال أحمد: يجب عليهما الغسل، وحمله القاضي على الاستحباب؛ وهو قول أصحاب الرأي. ولا يصح حمل كلامه على الاستحباب لتصريحه

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 النسائي: الطهارة (193), وأبو داود: الطهارة (206), وأحمد (1/109).

 

ص -56-         بالوجوب، وذمه قول أصحاب الرأي بقوله: هو قول سوء. وقولهم: الصغير ليس من أهل التكليف، فليس معنى الوجوب في حقه التأثيم بتركه، بل أنه شرط لصحة الصلاة والطواف والقراءة.
الثالث: إسلام الكافر: وهو قول مالك وابن المنذر. وقال أبو حنيفة: لا يجب، لأنه لو أمر كل من أسلم بالغسل، لنقل نقلاً متواتراً. ولنا: "أنه صلى الله عليه وسلم أمر قيس بن عاصم لما أسلم أن يغتسل بماء وسدر". 1 قال الترمذي: حديث حسن. وقد روي أن مصعب بن عمير قال لسعد وأسيد لما سألاه: كيف تصنعون إذا دخلتم في هذا الأمر؟ قال: "نغتسل ونشهد شهادة الحق". فإن أجنب الكافر ثم أسلم لم يلزمه غسل الجنابة، وهذا قول من أوجب غسل الإسلام، وقول أبي حنيفة. وقال الشافعي: عليه الغسل. ويستحب أن يغتسل بماء وسدر، لما في حديث قيس. ويستحب أن يلقي شعره، لقوله:
"ألق عنك شعر الكفر واختتن". 2 رواه أبو داود.
الرابع: الموت.
الخامس: الحيض.
السادس: النفاس، وسيذكر في أبوابه.
ومن لزمه الغسل، حرم عليه قراءة آية فصاعدا، وفي بعض آية روايتان. وقال الأوزاعي: لا يقرأ إلا آية الركوب والنـزول:
{سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ}، 3 {وقل رب أمزلني منزلا مبارك}. 4 وقال

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 الترمذي: الجمعة (605), وأبو داود: الطهارة (355), وأحمد (5/61).
2 أبو داود: الطهارة (356), وأحمد (3/415).
3 سورة الزخرف آية: 13.
4 سورة المؤمنون آية: 29.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 سورة النساء آية: 29.
2 سورة النساء آية: 29.

 

ص -57-         ابن عباس: "يقرأ ورده". وقال ابن المسيب: يقرأ القرآن؛ أليس هو في جوفه؟ وحكي عن مالك جواز القراءة للحائض دون الجنب. ولنا: "أنه صلى الله عليه وسلم لم يكن يحجبه من قراءة القرآن شيء، ليس الجنابة". 1 قال الترمذي: حسن صحيح. ويجوز له العبور في المسجد، ويحرم اللبث فيه إلا أن يتوضأ لقوله: {وَلا جُنُباً إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ} الآية، 2 ولقوله صلى الله عليه وسلم: "لا أُحلّ المسجد لحائض ولا جنب". 3 رواه أبو داود.، فإن خاف أو لم يمكنه الخروج، تيمم وأقام فيه، لأنه روي عن علي وابن عباس في الآية:  "يعني: مسافرين لا يجدون ماء فيتيممون". وقال بعض أصحابنا: يلبث بغير تيمم، لأنه لا يرفع الحدث، وهو غير صحيح لمخالفته قول الصحابة. وقال الثوري وإسحاق: لا يمر في المسجد إلا أن لا يجد بداً، فيتيمم؛ وهو قول أصحاب الرأي، لقوله: "لا أُحلّ المسجد لحائض ولا جنب". 4 ولنا: الآية، وقوله لعائشة: لما قال: "ناوليني الخمرة من المسجد. قالت: إني حائض. قال: حيضتك ليست في يدك". 5 وعن زيد بن أسلم قال:  "كان أصحاب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يمشون في المسجد وهم جنب". رواه ابن المنذر، وهذا إشارة إلى جميعهم، فيكون إجماعاً. فإن توضأ، فله اللبث فيه، وهو قول إسحاق. وقال الأكثرون: لا يجوز، للآية والخبر. ووجه الأولى قول زيد بن أسلم: "كان أصحاب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يتحدثون في المسجد على غير وضوء، وكان الرجل يكون جنباً فيتوضأ ثم يدخل فيتحدث معهم"، وهذا إشارة إلى جميعهم، فيخص عموم الحديث. وعن عطاء بن يسار قال: "رأيت رجالاً من أصحاب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يجلسون في المسجد وهم مجنبون، إذا توضؤوا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 النسائي: الطهارة (265), وأبو داود: الطهارة (229), وابن ماجة: الطهارة وسننها  (594), وأحمد (1/107).
2 سورة النساء آية: 43.
3 أبو داود: الطهارة (232).
4 أبو داود: الطهارة (232).
5 مسلم: الحيض (298), والترمذي: الطهارة (134), والنسائي: الطهارة (271) والحيض والاستحاضة (384), وأبو داود: الطهارة (261), وابن ماجة: الطهارة وسننها (632), وأحمد (6/45, 6/114, 6/229, 6/245).

 

ص -58-         وضوء الصلاة". رواه سعيد والأثرم.
وحكم الحائض إذا انقطع حيضها حكم الجنب، وأما قبله فلا، لأن وضوءها لا يصح. وأما المستحاضة ومن به سلس البول، فلهم اللبث فيه إذا أمنوا تلويثه، لأن بعض أزواجه صلى الله عليه وسلم اعتكفت معه وهي مستحاضة، رواه البخاري. فإن خاف التلويث، حرم لأن المسجد يُصان عن هذا.
و الأغسال المستحبة ثلاثة عشر:
(أحدها):
للجمعة بغير خلاف، وفيه آثار كثيرة صحيحة، وليس بواجب؛ حكاه ابن عبد البر إجماعاً.
(الثاني): للعيدين، لحديث ابن ماجة.
(الثالث): الاستسقاء، لأنه عبادة يجتمع لها.
(الرابع): الكسوف، لأنه كالاستسقاء.
(الخامس): "من غسل الميت"، روي ذلك عن ابن عباس والشافعي وإسحاق وابن المنذر. وروي عن علي وأبي هريرة أنهما قالا: "من غسل ميتا فليغتسل". قال ابن المنذر: ليس فيه حديث يثبت، وكذلك لم يعمل به في وجوب الوضوء على حامله، لا نعلم به قائلاً. وحديث علي، قال الجوزجاني: ليس فيه أن علياً غسل أبا طالب.
(السادس): الغسل من الإغماء والجنون، "لأنه صلى الله عليه وسلم اغتسل من الإغماء"، متفق عليه. ولا يجب، حكاه ابن المنذر إجماعاً.
(السابع): غسل المستحاضة.
(الثامن): الغسل للإحرام.

 

ص -59-         (التاسع): دخول مكة.
(العاشر): الوقوف بعرفة.
(الحادي عشر): المبيت بمزدلفة.
(الثاني عشر): رمي الجمار.
(الثالث عشر): الطواف.
وصفة الغسل الكامل: أن يأتي فيه بعشرة أشياء: النية، والتسمية، وغسل يديه ثلاثاً، وغسل ما به من أذى، وقد ذكرنا الدليل على ذلك، والوضوء، ويحثي على رأسه ثلاثاً يروي بها أصول الشعر، ويبدأ بشقه الأيمن، ويدلك بدنه بيديه، وينتقل من موضع غسله فيغسل قدميه، ويخلل أصول شعر رأسه ولحيته بماء قبل إفاضته عليه، ووجهه: قول عائشة: "كان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم إذا اغتسل من الجنابة غسل يديه ثلاثاً، وتوضأ وضوءه للصلاة. ثم يخلل شعره بيديه، حتى إذا ظن أنه قد أروى بشرته، أفاض عليه الماء ثلاث مرات. ثم غسل سائر جسده". 1 متفق عليه. وحديث ميمونة متفق عليه. ففي هذين الحديثين كثير من الخصال المسماة.
والبداءة بشقه الأيمن، لقول عائشة: "كان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم إذا اغتسل من الجنابة دعا بشيء نحو الحلاب، فأخذ بكفيه فبدأ بشق رأسه الأيمن، ثم الأيسر. ثم أخذ بكفيه فقال بهما على رأسه". 2 متفق عليه.
واختلف عن أحمد في غسل الرجلين، فقال في رواية: بعد الوضوء، على حديث ميمونة. وقال في رواية: العمل على حديث عائشة. وقال في موضع غسل رجليه: في موضعه وبعده وقبله سواء.
والمجزئ: أن يغسل ما به من أذى، وينوي

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 البخاري: الغسل (273), ومسلم: الحيض (316).
2 البخاري: الغسل (258), ومسلم: الحيض (318), والنسائي: الغسل والتيمم (424), وأبو داود: الطهارة (240).

 

ص -60-         ويعمم بدنه بالغسل، لقوله تعالى: {كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا}، 1 وقوله: {حَتَّى تَغْتَسِلُوا}. 2 ويستحب إمرار يده على بدنه، ولا يجب إذا تيقن وغلب على ظنه وصول الماء؛ وهذا قول الشافعي وأصحاب الرأي.
وقال مالك: إمرار يده إلى حيث تنال واجب، ونحوه قال أبو العالية. قالوا: لأن اللّه تعالى قال:
{حتى تغتسلوا}، ولا يقال: اغتسل إلا لمن دلك، ولنا: قوله: "إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات، ثم تفيضين عليك الماء؛ فتطهرين". 3 رواه مسلم.
وما ذكروه ممنوع، فإنه يقال: غسل الإناء، وإن لم يدلكه. ولا يجب الترتيب فيه لقوله: {فاطهروا}، وقوله:
{حَتَّى تَغْتَسِلُوا}، ولا نعلم في هذا خلافاً. ولا يجب فيه موالاة، نص عليه؛ وهو قول أكثر أهل العلم. وقال ربيعة: من تعمَّده أعاد الغسل، وهو قول الليث.
وإذا بقيت لمعة لم يصبها الماء، فمسحها بيده أو شعره، فروي عن أحمد أنه سئل: عن حديث العلاء بن زياد: "أنه صلى الله عليه وسلم اغتسل فرأى لمعة لم يصبها الماء، فدلكها بشعره"، 4 فقال: نعم، أخذ به. وروي عنه: يأخذ لها ماء جديداً، فيه حديث لا يثبت، يعصر شعره. وذكر له حديث ابن عباس:  "أنه صلى الله عليه وسلم عصر لمته على لمعة"، فضعّفه ولم يصححه.
ونص أحمد على أنها تنقض الشعر في غسل الحيض. قيل له: كيف، وهي لا تنقضه من الجنابة؟ قال: حديث أسماء "عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: تنقضه". وهو قول طاووس والحسن وأكثر العلماء، لحديث عائشة. وللبخاري فيه: "انقضي رأسك وامتشطي". 5 وقيل: "مستحب"، روي عن عائشة وأم سلمة؛ وهو قول مالك والشافعي وأصحاب

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 سورة المائدة آية رقم: 6.
2 سورة النساء آية رقم: 43.
3 مسلم: الحيض (330), والترمذي: الطهارة (105), والنسائي: الطهارة (241), وأبو داود: الطهارة (251), وابن ماجة: الطهارة وسننها (603), وأحمد (6/289, 6/314), والدارمي: الطهارة (1157).
4 ابن ماجة: الطهارة وسننها (663), وأحمد (1/243).
5 البخاري: الحيض (316), ومسلم: الحج (1211), وأحمد (6/163, 6/177).

 

ص -61-         الرأي وأكثر العلماء، وهو الصحيح لأن في بعض ألفاظ حديث أم سلمة: "أفأنقضه للحيضة؟ قال: لا"، رواه مسلم. وحديث عائشة ليس فيه حجة، لأنه ليس في غسل الحيض، إنما هو للإحرام في حال الحيض. ولو ثبت الأمر حمل على الاستحباب، جمعاً بين الحديثين، ولأن فيه ما يدل على الاستحباب، وهو المشط والسدر. وغسل الحيض كغسل الجنابة، إلا أنه يستحب أن تغتسل بماء وسدر، وتأخذ فرصة ممسكة فتتبع بها مجرى الدم والموضع الذي يصل إليه الماء من فرجها، ليزول عنها زفورة الدم، فإن لم تجد مسكاً فغيره من الطيب. والفرصة القطعة من كل شيء.
ويتوضأ بالمدّ، ويغتسل بالصاع؛ فإن أسبغ بدونهما أجزأه، وهذا مذهب أكثر أهل العلم. وقيل: لا يجزئ في الغسل والوضوء دون ذلك. وحكي عن أبي حنيفة لقوله: يجزئ من الوضوء مدّ، ومن الجنابة صاع. ولنا: أن اللّه تعالى أمر بالغسل وقد أتى به، وعن عائشة: "أنها كانت تغتسل هي والنبي صلى الله عليه وسلم من إناء واحد يسع ثلاثة أمداد أو قريباً من ذلك". 1 فإن زاد على المد في الوضوء، وعلى الصاع في الغسل، جاز، فإن عائشة قالت: "كنت أغتسل أنا والنبي صلى الله عليه وسلم من إناء واحد في قدح يقال له: الفرق". 2 والفرق: ثلاثة آصع. وقال أنس: "كان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد". 3 متفق عليه.
ويكره الإسراف في الماء، للآثار. قال ابن عبد البر: المغتسل إذا عم بدنه ولم يتوضأ، فقد أدى ما عليه، لأن اللّه تعالى إنما افترض عليه الغسل؛ وهذا إجماع لا خلاف فيه، إلا أنهم أجمعوا على استحباب الوضوء فيه تأسياً به صلى الله عليه وسلم.
ويستحب له إذا أراد النوم أو الأكل أو الوطء ثانياً،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 مسلم: الحيض (321).
2 البخاري: الغسل (250), والنسائي: الطهارة (231).
3 البخاري: الوضوء (201), ومسلم: الحيض (325).

 

ص -62-         أن يغسل فرجه ويتوضأ. "وكان ابن عمر يتوضأ إلا غسل قدميه". وقال ابن المسيب: إذا أراد أن يأكل يغسل كفيه ويتمضمض، وحكي نحوه عن إمامنا وإسحاق. وقال مجاهد: يغسل كفيه، لما روي عن عائشة: "أنه كان إذا أراد أن يأكل وهو جنب، غسل يديه"، 1 رواه أبو داود. وقال ابن المسيب وأصحاب الرأي: "ينام ولا يمس ماء"، لحديث عائشة، رواه أبو داود. ولنا: "أن عمر سأل النبي صلى الله عليه وسلم: أيرقد أحدنا وهو جنب؟ قال: نعم إذا توضأ فليرقد". 2 متفق عليه. ولمسلم من حديث أبي سعيد: "إذا أتى أحدكم أهله ثم أراد أن يعود، فليتوضأ". 3 وعن عائشة: "كان إذا أراد أن يأكل أو ينام توضأ"، يعني: وهو جنب، رواه أبو داود.
فأما أحاديثهم فأحاديثنا أصح، ويمكن الجمع بحمل أحاديثنا على الاستحباب. وإذا غمست الحائض أو الجنب أو الكافر أيديهم في الماء فهو طاهر. قال ابن المنذر: أجمع عوام أهل العلم على أن عرَق الجنب طاهر. وسئل أحمد عن جنب أدخل يده في ماء ينظر حره من برده، قال: إن كان إصبعاً فأرجو أن لا يكون به بأس، وإن كان اليد أجمع فكأنه كرهه. وقال في الجنب والحائض يغمس يده في الإناء: إن كانتا نظيفتين، فلا بأس به. وقال في موضع: كنت لا أرى به بأساً، ثم حدثت عن شعبة عن محارب بن دثار عن ابن عمر، وكأني تهيبته.
وبناء الحمّام وبيعه وشراؤه وكراؤه: مكروه عند أبي عبد اللّه، لما فيه من كشف العورات ودخول النساء. قال أحمد: إن علمت أن كل من في الحمام عليه إزار فادخلْه، وإلا فلا تدخل. فأما النساء فليس لهن دخوله إلا لعذر، ثم ذكر حديثين رواهما ابن ماجة في نهي النساء.
ومن اغتسل عرياناً بين الناس لم يجز، أو إن كان وحده جاز، لأن موسى

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 النسائي: الطهارة (255, 256, 257), وأبو داود: الطهارة (224), وابن ماجة: الطهارة وسننها (593), وأحمد (6/102, 6/119, 6/126, 6/279).
2 البخاري: الغسل (287), ومسلم: الحيض (306), والترمذي: الطهارة (120), وأحمد (2/17, 2/102).
3 مسلم: الحيض (308), والترمذي: الطهارة (141), والنسائي: الطهارة (262), وأبو داود: الطهارة (220), وابن ماجة: الطهارة وسننها (587), وأحمد (3/21, 3/28).

 

ص -63-         عليه السلام اغتسل عرياناً، وكذلك أيوب، رواهما البخاري. وقال أحمد: لا يعجبني أن يدخل الماء إلا مستتراً، إن للماء سكاناً. ولا بأس بذكر اللّه في الحمام، لأنه صلى الله عليه وسلم كان يذكر اللّه على كل أحيانه، رواه مسلم. فأما قراءة القرآن فيه، فكرهها أبو وائل والشعبي، ولم يكرهها النخعي ومالك لأنه لا نعلم حجة توجب الكراهة. فأما رد السلام، فقال أحمد: ما سمعت فيه شيئاً، والأولى جوازه من غير كراهة، لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: "أفشوا السلام بينكم"، 1 ولأنه لم يرد فيه نص؛ والأشياء على الإباحة.
ومن هنا إلى آخر الباب: من "الإنصاف":
يجب على الصبي الوضوء بموجباته، وجعله الشيخ مثل مسأله الغسل، إلزامه باستجمار ونحوه. وأن الرواية الثانية: لا غسل على الكافر، يعني: إذا أسلم، إلا إن وجد سببه قبله. ولو اغتسل في حال كفره أعاد. وقال الشيخ: لا إعادة إن اعتقد وجوبه، بناء على أنه يثاب على الطاعة في حال كفره إذا أسلم، كمن تزوج مطلقته ثلاثاً معتقداً حلها.
وقيل: لا تمنع الحائض من قراءة القرآن مطلقاً، اختاره الشيخ. وكره الشيخ الذكر للجنب، لا لها. وأوجبه الشيخ على من له عرق أو ريح يتأذى به الناس، أي: غسل الجمعة. واختار عدم استحباب الغسل للوقوف وطواف الوداع والمبيت والرمي، قال: ولو قلنا باستحباب الغسل لدخول مكة، كان الغسل للطواف بعده فيه نوع عبث لا معنى له. واختار أنه لا يستحب لدخولها. ويجوز أن يتيمم لما يستحب الغسل له للحاجة، نقله صالح في الإحرام. ويستحب لما يستحب الوضوء له لعذر، وظاهر ما قدمه

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 مسلم: الإيمان (54), والترمذي: الاستئذان والآداب (2688), وأبو داود: الأدب   (5193), وابن ماجة: المقدمة (68) والأدب (3692), وأحمد (2/391, 2/442, 2/477, 2/495, 2/512).

 

ص -64-         في الرعاية: لا، قال في الفروع: وتيممه صلى الله عليه وسلم يحتمل عدم الماء.
قال: ويتوجه احتمال في رد السلام، لفعله صلى الله عليه وسلم لئلا يفوت المقصود، وهو الرد على الفور. وجوز المجد وغيره التيمم لما يستحب الوضوء له مطلقاً، لأنها مستحبة، فخف أمرها. ويحثي على رأسه ثلاثاً، يروي بها أصول الشعر، يحتمل أنه يروي بمجموع الغرفات، وأن يروي بكل مرة. واستحب المصنف وغيره تخليل أصول شعر رأسه ولحيته قبل إفاضة الماء. ويفيض الماء على سائر جسده ثلاثاً، وقيل: مرة، اختاره الشيخ. وقال الزركشي: هو ظاهر الأحاديث.
وإذا نوى الكبرى فقط، لا يجزي عن الصغرى. وقال الشيخ: يرفع الأصغر أيضاً. ويستحب للجنب إذا أراد النوم أن يغسل فرجه ويتوضأ. وعنه: يستحب للرجل فقط. قال ابن رجب في شرح البخاري: وهذا المنصوص عن أحمد. وقال الشيخ: في كلام أحمد ما ظاهره وجوبه. ولو أحدث بعد الوضوء لم يعده، وظاهر كلام الشيخ أنه يعيد حتى يبيت على إحدى الطهارتين، وقال:
"لا تدخل الملائكة بيتاً فيه جنب". 1 رواه أبو داود.
ويكره بناء الحمّام وبيعه وإجارته، وحرّمه القاضي، وحمله الشيخ على غير البلاد الباردة. وللمرأة دخوله لعذر، وقيل: يجوز لضرر يلحقها بتركه لنظافة بدنها، اختاره الشيخ.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 أبو داود: الطهارة (227), والدارمي: الاستئذان (2663).

 

ص -65-         باب التيمم
يشترط له ثلاثة:

أحدها: دخول الوقت، وهذا قول مالك والشافعي، لأنه مستغن عنه، أشبه التيمم عند وجود الماء. وقال أبو حنيفة: يصح. وروي عن أحمد أنه قال: القياس أن التيمم بمنـزلة الطهارة، حتى يجد الماء أو يحدث، فعليها يجوز قبل دخول الوقت.
الثاني: العجز عن استعمال الماء لعدمه، لمن تيمم لعذر عدم الماء.
الثالث: طلب الماء، وفيه خلاف نذكره، إن شاء اللّه تعالى. وعدم الماء يبيح التيمم في السفر الطويل والقصير؛ وهذا قول مالك والشافعي. وقال قوم: لا يباح إلا في الطويل، قياساً على سائر رخص السفر، ولنا: قوله: 
{وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى} الآية، 1 فدل على إباحته في كل سفر. وقياسهم لا يصح، لأنه يباح في الحضر، ولأنه عزيمة. فإن عدم الماء في الحضر تيمم، وهذا قول مالك والشافعي. وقال أبو حنيفة في رواية: لا يصح، لأن اللّه شرط له السفر. ولنا: قوله: "الصعيد الطيب طهور المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين". 2 صححه الترمذي. وهذا عام. ولعل ذكر السفر في الآية خرج مخرج الغالب، كذكر السفر وعدم الكاتب في الرهن. وأبو حنيفة لا يقول بدليل الخطاب

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 سورة النساء آية: 43.
2 الترمذي: الطهارة (124), والنسائي: الطهارة (322), وأبو داود: الطهارة (332, 333), وأحمد (5/180).

 

ص -66-         على نفسه، تيمم ولا إعادة إجماعاً. وإن خاف على رفيقه أو بهائمه، فكذلك. وإن وجد عطشاناً يخاف تلفه، لزمه سقيه وتيمم. وقال القاضي: لا يلزمه بذله، لأنه محتاج إليه. ولنا: أن حرمة الآدمي تُقدم على الصلاة، إذا رأى حريقاً أو غريقاً عند ضيق الوقت، وقد غفر اللّه لبغيٍّ سقت كلباً، فالآدمي أولى.
وإن خاف على نفسه أو ماله في طلب الماء، كمن بينه وبينه لص أو عدو، فهو كالعادم. ومن كان مريضاً لا يقدر على الحركة ولا على من يناوله، فكالعادم. وإن وجد من يناوله قبل خروج الوقت، فكالواجد. وقال الحسن: يتيمم ولا إعادة، لأنه عادم في الوقت. وإن وجد الماء، إلا أنه إن اشتغل بتحصيله فات الوقت، لم يتيمم، في قول أكثر أهل العلم. وعن الأوزاعي والثوري: يتيمم. ولنا: قوله:
{فلم تجدوا ماء}، 1 وهذا واجد للماء، وقوله: "التراب كافيك ما لم تجد الماء". وإن وجد الماء بثمن مثله، لزمه شراؤه لأنه قادر، وكذلك إن كان بزيادة يسيرة. وقال الشافعي: لا يلزمه الشراء مع الزيادة، قليلة كانت أو كثيرة، لأن عليه ضرراً في الزياة، كخوف اللص. ولنا: قوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً}، ولأن ضرر المال دون ضرر النفس، وقد قالوا في المريض: يلزمه الغسل ما لم يخف التلف، فتحمل الضرر اليسير في الماء أحرى.
والجريح والمريض إذا أمكنه غسل البعض، غسل ما أمكنه وتيمم للباقي؛ وهو قول الشافعي. وقال مالك: إن كان أكثر بدنه صحيحاً غسله ولا يتيمم، وإن كان أكثره جريحاً تيمم ولا غسل عليه، لأن الجمع بين البدل والمبدل منه لا يجب، كالصيام والإطعام. ولنا: حديث صاحب الشجة، ولأنه من شروط الصلاة، فالعجز عن بعضها لا يسقط جميعها، كالسترة، وما ذكره ينتقض

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1سورة النساء آية: 43.

 

ص -67-         المسح على الحفين، وقياسهم جمع بين البدل والمبدل منه في محل واحد. وكل ما لا يمكن غسله من الصحيح إلا بانتشار الماء إلى الجريح، حكمه حكم الجريح.
ولا يلزمه أن يمسح على الجرح بالماء إذا أمكنه، سواء كان معصوباً أو لا. ونص أحمد في المجروح: إذا خاف مَسَحَ موضع الجرح، مسح وغسل ما حوله، لأن المسح بعض الغسل. ووجه الأولى أنه محل واحد، فلا يجمع بين المسح والتيمم كالجبيرة. وإذا قلنا: يجب المسح فهل يتيمم؟ على روايتين: إحداهما: لا يتيمم، كالجرح المعصوب عليه، والجبيرة على الكسر. والثانية: يتيمم، لأن المسح بعض الغسل، فيتيمم للباقي. والجبيرة الفرض انتقل فيها إلى الحائل فهو كالخفين. وإذا كان الجريح جنباً، فإن شاء قدم التيمم، وإن شاء أخره، بخلاف المتيمم لعدم ما يكفيه، فإنه يلزمه الغسل أولاً، لأن التيمم للعدم، ولا يتحقق مع وجود الماء، ولأن الجريح يعلم أن التيمم بدل عن غسل الجرح، والعادم لا يعلم القدر الذي تيمم له إلا بعد الغسل.
وإن تيمم الجريح للحدث الأصغر، فذكر القاضي أنه يلزمه الترتيب. وقال شيخنا: يحتمل أن لا يجب هذا الترتيب، لأن التيمم طهارة مفردة، كما لو كان الجريح جنباً، ولأن فيه حرجاً فيندفع بقوله:
{ما جعل عليكم في الدين من حرج}. 1 وحكى الماوردي عن مذهب الشافعي مثل هذا. وإن وجد ما يكفي بعض بدنه، لزمه استعماله، وتيمم للباقي إن كان جنباً، نص عليه. وفيمن وجد ما يكفيه لوضوئه وهو جنب، قال: يتوضأ ويتيمم؛ وهذا قول عطاء وأحد قولي الشافعي، وبه قال الحسن والزهري ومالك وابن المنذر. والقول الثاني للشافعي: يتيمم ويتركه، لأنه لا يطهره كالمستعمل. ولنا: قوله: {فلم تجدو ماء}، 2 وخبر أبي ذرّ: "فإذا وجدته

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 سورة الحج آية: 78.
2سورة النساء: آية: 43.

 

ص -69-         فأمسّه بشرتك"، وقوله: "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم". 1 فإن وجده المحدث الحدث الأصغر، فقيل: يلزمه لما ذكرنا في الجنب. والثاني: لا يلزمه، لأن الموالاة شرط فيه؛ والصحيح أنه يلزمه.
والمشهور عن أحمد: اشتراط طلب الماء لصحة التيمم، وهو مذهب الشافعي. وعنه: لا يشترط، وهو مذهب أبي حنيفة، لقوله:
"التراب كافيك ما لم تجد الماء". ووجه الأولى: قوله: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً}، ولا يقال: لم يجد إلا لمن طلب، فأما إن تيقن أن لا ماء فلا يجب الطلب، قولاً واحداً، قاله أبو العباس. وإن أراق الماء قبل الوقت، تيمم من غير إعادة، وبه قال الشافعي. وقال الأوزاعي: إن ظن أنه يدرك الماء في الوقت، كقولنا، وإلا تيمم وأعاد لأنه مفرط. فأما إن إراقه في الوقت، أو مر به فلم يستعمله عمداً، مع أنه لا يرجو وجوده، فقد عصى بذلك، فيتيمم ويصلي. وفي الإعادة وجهان.
وإن نسي الماء وتيمم، لم يجزئه، نص عليه، وقال: هذا واجد للماء. وعنه: التوقف في هذه المسألة. وقال أبو حنيفة وابن المنذر: يجزئه. وعن مالك كالمذهبين. وعنه: يعيد ما دام في الوقت. ويجوز التيمم لجميع الأحداث، وللنجاسة على جرح يضره إزالتها. و"كان ابن مسعود لا يرى التيمم للجنب". وقال الثوري وأبو ثور: إذا عجز عن غسل النجاسة على بدنه، مسحها بالتراب وصلى. وقال أكثر الفقهاء: لا يتيمم للنجاسة، لأن الشرع إنما ورد في الحدث. ووجه الأولى: قوله:
"الصعيد الطيب طهور المسلم"، 2 وقوله: "جُعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً". 3 وإن اجتمع عليه نجاسة وحدث، ومعه ما يكفي أحدهما، قدم غسل النجاسة، نص عليه، ولا نعلم فيه خلافاً. فإن عدم الماء والتراب، صلى على حسب حاله، وهو

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 البخاري: الاعتصام بالكتاب والسنة (7288), ومسلم: الحج (1337), والنسائي: مناسك الحج (2619), وابن ماجة: المقدمة (2), وأحمد (2/247, 2/258, 2/313, 2/355, 2/428, 2/447, 2/456, 2/467, 2/482, 2/495, 2/508, 2/517).
2 الترمذي: الطهارة (124), والنسائي: الطهارة (322), وأبو داود: الطهارة (332, 333), وأحمد (5/180).
3 البخاري: التيمم (335), ومسلم: المساجد ومواضع الصلاة (521), والنسائي: الغسل والتيمم (432) والمساجد (736), وأحمد (3/304), والدارمي: الصلاة (1389).

 

ص -70-         قول الشافعي. وروي عن أحمد: لا يصلي حتى يقدر على أحدهما، وهو قول أبي حنيفة والثوري. وقال مالك: لا يصلي ولا يقضي، كالحائض. قال ابن عبد البر: هذه رواية منكرة عنه. ولنا: حديث القلادة وفيه: "فصلّوا بغير وضوء، فلم ينكرن ولا أمر بالإعادة". 1 وقياس أبي حنيفة على الحائض في تأخير الصيام لا يصح، لأن الصوم يدخله التأخير، لأن المسافر يؤخره، ولأن عدم الماء لو كان كالحيض لأسقط الصلاة، وقياس الصلاة على جنسها أولى من قياسها على الصوم. وقياس مالك لا يصح، لمخالفته لقوله: "إذا أمرتكم بأمر، فأتوا منه ما استطعتم". 2 وقياس الطهارة على شرائط الصلاة أولى من قياسها على الحيض، والحيض معتاد، والعجز هنا نادر لأنه يشق إيجاب قضاء المعتاد.
ولا يتيمم إلا بطاهر له غبار يعلق باليد، للآية. قال ابن عباس:  "الصعيد تراب الحرث، والطيب الطاهر"، وقال:
"{فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ}، 3 وما لا غبار له، لا يمسح بشيء منه"، وبه قال الشافعي. وقال مالك وأبو حنيفة: يجوز بكل ما كان من جنس الأرض، كالنورة والزرنيخ والحجارة. وقال الأوزاعي: الرمل من الصعيد. وقال حماد: يتيمم بالرخام، لقوله: "جُعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً". ولنا: الأمر بالصعيد، وهو التراب، وقوله: {مِنْهُ}. فأما السبخة، فعنه: يجوز، وقاله الشافعي وابن المنذر، لقوله: "وجُعلت تربتها طهوراً". وعنه: في النورة والحصى والرمل ونحوه، وعنه: يجوز ذلك مع الاضطرار خاصة، وإن ضرب بيده على لبد أو شعير ونحوه، فعلق به غبار، جاز، نص عليه  "لأنه صلى الله عليه وسلم ضرب بيده على الحائط، فمسح بها وجهه ويديه".

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 البخاري: المناقب (3773), ومسلم: الحيض (367), وابن ماجة: الطهارة وسننها (568), وأحمد (6/57), والدارمي: الطهارة (746).
2 البخاري: الاعتصام بالكتاب والسنة (7288), ومسلم: الحج (1337), والنسائي: مناسك الحج (2619), وابن ماجة: المقدمة (2), وأحمد (2/247, 2/258, 2/313, 2/355, 2/428, 2/447, 2/456, 2/467, 2/482, 2/495, 2/508).
3 سورة المائدة آية: 6.

 

ص -71-         وأجاز مالك التيمم بالثلج والحشيش وكل ما تصاعد على وجه الأرض، ومنع من التيمم بغبار اللبد والثوب، لأنه صلى الله عليه وسلم لما ضرب بيديه نفخهما. ولنا: الآية والنفخ لا يزيل الغبار الملاصق. وروى الأثرم عن ابن عمر أنه قال: "لا يتيمم بالثلج فإن لم يجد فصفحة فرسه أو معرفة دابته". فأما التراب النجسن فلا يجوز، لا نعلم فيه خلافاً.
ويجوز أن يتيمم جماعة في موضع واحد بغير خلاف. وإن كان في الطين، فحكي عن ابن عباس: "أنه يطلي به جسده، فإذا جف تيمم به".
ولا خلاف في وجوب مسح الوجه والكفين، للآية؛ وهذا قول الشافعي، يعني: أنه لا يجزي البعض. وقال سليمان بن داود: يجزيه إذا لم يصب إلا بعض وجهه. ولنا: قوله:
{فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ}، 1 والباء للإلصاق.
والنية شرط للتيمم في قول أكثر أهل العلم، لا نعلم فيه خلافاً، إلا ما حكي عن الأوزاعي والحسن بن صالح. وإن نوى نفلاً، لم يصلّ إلا نفلاً. وقال أبو حنيفة: له أن يصلي بها ما يشاء.
ويبطل بخروج الوقت، ووجود الماء، ومبطلات الوضوء. "روي بطلانه بخروج الوقت عن علي وابن عمر"، وهو قول مالك والشافعي. وقيل: لا يبطل، وهو مذهب ابن المسيب والحسن والزهري والثوري وأصحاب الرأي. ولنا: أنه روي عن علي وابن عمر أنه قال: "يتيمم لكل صلاة". وأما وجود الماء فلا نعلم فيه خلافاً. وإن وجده في الصلاة بطلت. وعنه: لا تبطل، قاله مالك والشافعي وابن المنذر. وإن تيمم وعليه ما يجوز المسح عليه، ثم خلعه، بطل. والصحيح ما اختاره شيخنا: أنه لا يبطل، وهو قول سائر الفقهاء. ويجوز التيمم لكل ما يتطهر له. وقال أبو مجلز: لا يتيمم

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 سورة النساء آية: 43.

 

ص -72-         إلا لمكتوبة. وكره الأوزاعي أن يمس المتيمم المصحف. ولنا: حديث أبي ذر وقوله: "جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً". 1 وإن وجد الماء في الوقت، لم يعد، وهو قول مالك والشافعي. وقال طاووس وابن سيرين والزهري: يعيد. ولنا: ما روى أبو داود عن أبي سعيد: "أن رجلين خرجا في سفر فحضرت الصلاة وليس معهما ماء، فتيمما صعيداً فصليا. ثم وجد الماء في الوقت، فأعاد أحدهما ولم يُعد الآخر. ثم أتيا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فذكرا له ذلك، فقال للذي لم يُعد: أصبت السنة، وأجزأتك صلاتك. وقال للذي أعاد: لك أجرك مرتين" 2.
واحتج أحمد بـ"أن ابن عمر تيمم وهو يرى بيوت المدينة، فصلى العصر. ثم دخل المدينة والشمس مرتفعة، فلم يعد". والمصلي على حسب حاله إذا وجد الماء أو تراباً، خرج منها بكل حال، ويحتمل أن لا يخرج كالمتيمم إذا وجد الماء في الصلاة. و"يستحب تأخير التيمم إلى آخر الوقت لمن يرجو وجود الماء"، وروي عن علي وعطاء والحسن وأصحاب الرأي. وقال الشافعي في أحد قوليه: التقديم أفضل.
والمسنون عن أحمد: التيمم بضربة واحدة. قال أحمد: من قال بضربتين إنما هو شيء زاده. قال الترمذي: وهو قول غير واحد من أهل العلم من أصحاب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وغيرهم. وقال الشافعي: لا يجزئ إلا ضربتان للوجه واليدين إلى المرفقين. ولنا: حديث عمار، ولأنه حكم علق على مطلق اليد، فلم يدخل فيه الذراع، كقطع يد السارق. وقد احتج ابن عباس بهذا. وأما أحاديثهم فضعيفة، لم يرو منها أهل السنن إلا حديث ابن عمر. وقال أحمد: ليس بصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهو عندهم حديث منكر. وحديث ابن الصمة صحيح، لكن إنما جاء في المتفق عليه: "فمسح وجهه ويديه"، فهو حجة لنا. ثم أحاديثهم

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 البخاري: التيمم (335), ومسلم: المساجد ومواضع الصلاة (521), والنسائي: الغسل والتيمم (432) والمساجد (736), وأحمد (3/304), والدارمي: الصلاة (1389).
2 أبو داود: الطهارة (338), والدارمي: الطهارة (744).

 

ص -73-         لا تعارض حديثنا، لأنها تدل على جوازه بضربتين، لا نفي جواز التيمم بضربة، كما أن وضوءه صلى الله عليه وسلم ثلاثاً لا ينفي الإجزاء بمرة. فإن قيل: روي في حديث عمار: "إلى المرفقين"، قيل: لا يعوّل عليه، إنما رواه سلمة وشك فيه، ذكره النسائي، مع أنه أنكر عليه وخالفه فيه سائر الرواة الثقات. ولا يختلف المذهب أنه يجزئ بضربة وبضربتين. وإذا [كان] علا يديه غبار كثير، لم يكره نفخه، لحديث عمار. وقيل: يُكره.
ولا يجوز لواجد الماء التيمم، خوفاً من فوات المكتوبة ولا الجنازة. وعنه: يجوز للجنازة. وعن الأوزاعي والثوري: له التيمم إذا خاف خروج الوقت، وإن خاف فوات العيد فكذلك. وقال الأوزاعي والثوري: له التيمم. ووجه الأولى: قوله:
{فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً}. 1 و"التيمم لفوات الجنازة يروى عن ابن عمر وابن عباس"، وبه قال إسحاق وأصحاب الرأي. وقال الشعبي: يصلي عليها من غير وضوء، أشبهت الدعاء في غير الصلاة. ولنا: قوله: "لا يقبل اللّه صلاة بغير طهور". 2 ولا يكره للعادم جماع زوجته إذا لم يخف العنت، وفيه رواية: يكره. قال إسحاق بن راهويه: هو سنة مسنونة عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي ذر وعمار وغيرهما.
ومن هنا إلى آخر الباب: من "الإنصاف":
ولا يكره لعادم الماء وطء زوجته، اختاره الشيخ؛ وهو بدل لكل ما يفعله بالماء من الصلاة وغيرها، ولوطء حائض انقطع دمها، وقيل: يحرم الوطء

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 لفظ "كان" زيادة في الطبعة السلفية، وفي المخطوط والشرح: وإذا علا.
2 النسائي: الطهارة (139), وأبو داود: الطهارة (59), وابن ماجة: الطهارة وسننها (271), وأحمد (5/74, 5/75), والدارمي: الطهارة (686).

 

ص -74-         والحالة هذه، اختاره الشيخ. وإذا وجد عطشاناً يخاف تلفه، لزمه سقيه وتيمم، جزم به الشيخ. وقال: يلزمه قبول الماء قرضاً، وكذا ثمنه وله ما يوفيه. وقال: ولو كان به جرح يخاف من غسله، فمسحه بالماء أولى من مسح الجبيرة. انتهى.
ولو كان على الجرح عصابة أو لصوق، أجزأ المسح على الصحيح، وعنه: يتيمم معه. ولو كان الجرح في بعض أعضاء الوضوء لزمه الترتيب. قال الشيخ: ينبغي أن لا يرتب، وقال: لا يلزمه مراعاة الترتيب، وهو الصحيح من مذهب أحمد وغيره. وقال: الفصل بين أعضاء الوضوء بتيمم بدعة.
ويجوز التيمم للنجاسة، وفي وجه: لا يجب التيمم لنجاسة البدن مطلقاً، نصره الشيخ. ولو عدم الماء والتراب، صلى على حسب حاله، ولا يزيد على ما يجزئ. وقال الشيخ: يتوجه له فعل ما شاء لأنه لا تحريم مع العجز، ولأن له أن يزيد على ما يجزئ في ظاهر قولهم، وقال: له فعل ذلك على أصح القولين.
ولا يتيمم إلا بتراب له غبار، وعنه: بالسبخة، وعنه: وبالرمل أيضاً، اختاره الشيخ. واختار جواز التيمم بغير تراب من أجزاء الأرض، إذا لم يجد تراباً، وهي رواية عن أحمد. وأعجب أحمد حمل التراب عند التيمم، وعند الشيخ لا يحمله.
ويبطل بخروج الوقت. وهو مبيح لا رافع. وعنه: أنه رافع؛ فيصلي به إلى حدثه، اختاره الشيخ. وقال في الفتاوى المصرية: التيمم لوقت كل صلاة، إلى أن يدخل وقت الأخرى، أعدل الأقوال.
وإن تيمم وعليه ما يجوز المسح عليه، ثم خلعه، لم يبطل تيممه، اختاره الشيخ. واختار فيمن استيقظ آخر الوقت وهو جنب، وخاف إن اغتسل خرج

 

ص -75-         الوقت، أو نسيها وذكرها آخر الوقت، أن يغتسل أو يتوضأ ويصلي خارج الوقت، كالمذهب. وإن استيقظ أول الوقت، وخاف إن اشتغل بتحصيل الماء يفوت الوقت، أن يتيمم ولا يفوِّت الوقت. وإن من أمكنه الذهاب إلى الحمام لكن بفوات الوقت، أن يتيمم ويصلي خارج الحمام، لأن الصلاة في الحمام وخارج الوقت منهي عنها، كمن انتقض وضوءه وهو في المسجد. واختار أيضاً جواز التيمم من فوات الجمعة، فإنه أولى من الجنازة - إلى أن قال - وعنه: يجوز لجنازة، اختاره الشيخ.
ولو كان الماء لأحدهم لزمه استعماله، وذكر ابن القيم في الهدي: أنه لا يمتنع أن يؤثر بالماء، ويتيمم هو.

 

 

ص -76-         باب إزالة النجاسة
لا تجوز بغير الماء، وبه قال مالك. وروي عن أحمد ما يدل على أنها تزال بكل مائع طاهر، مزيل للعين والأثر، كالخل وماء الورد؛ وقاله أبو حنيفة، لقوله:
"إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم، فليغسلْه سبعاً". 1 ولنا: الأحاديث مثل قوله: "ثم لتنضحْه بماء"، ومثل أمره بذنوب من ماء تصب على البول. فأما ما لا يزيل، كاللبن والدهن، فلا خلاف أن النجاسة لا تزال به.
ويجب غسل نجاسة الكلب والخنـزير سبعاً، إحداهن بالتراب، لا يختلف المذهب في نجاستهما وما توالد منهما، عينه وسؤره وعرقه وكل ما خرج منه؛ وبه قال الشافعي، وبه قال أبو حنيفة في السؤر. وقال مالك: سؤرهما طاهر. وقال الزهري: يتوضأ منه إذا لم يجد غيره. قال مالك: يغسل الإناء تعبداً. واحتج بعضهم على طهارته بقوله تعالى:
{فكلوا مما أمسكن عليكم}، 2 ولم يأمر بغسل أثر فمه. ونجاسة الخنـزير بالتنبيه لأنه شر منه. وممن قال: "يغسل سبع مرات": ابن عباس والشافعي وابن المنذر. وقال عطاء: قد سمعت ثلاثاً وخمساً وسبعاً، وعن أحمد ثمانياً، إحداهن بالتراب، لقوله: "إذا ولغ الكلب في الإناء، فاغسلوه سبعاً، وعفروه الثامنة بالتراب". 3 رواه مسلم. وحديث أبي هريرة أصح، ويحتمل أنه عدّ التراب ثامنة، جمعاً بينهما. وإن جعل مكان التراب أشناناً ونحوه، فقيل: لا يجزئ، للأمر بالتراب. وقيل: بلى، لأنه أبلغ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 البخاري: الوضوء (172), ومسلم: الطهارة (279), والترمذي: الطهارة (91), والنسائي: الطهارة (63, 64, 66) والمياه (335, 338, 339), وأبو داود: الطهارة  (71, 73), وابن ماجة: الطهارة وسننها (363, 364), وأحمد (2/245, 2/253, 2/265, 2/271, 2/314, 2/398, 2/424, 2/427, 2/460, 2/480, 2/482, 2/489, 2/507), ومالك: الطهارة (67).
2 سورة المائدة آية: 4.
3 مسلم: الطهارة (280), والنسائي: الطهارة (67) والمياه (336, 337), وأبو داود: الطهارة (74), وابن ماجة: الطهارة وسننها (365), وأحمد (4/86), والدارمي: الطهارة (737).

 

ص -77-         من التراب. ويستحب جعله في الأولى، لموافقته لفظ الخبر، وليأت الماء بعده فينظفه. ومتى غسل به أجزأه، لقوله: "إحداهن بالتراب"، وفي لفظ آخر: "في الثامنة".
وفي سائر النجاسات، ثلاث روايات: إحداهن: يجب سبعاً. والثانية: ثلاثاً. والثالثة: تكاثر بالماء من غير عدد، كالنجاسات كلها، إذا كانت على الأرض، لقول ابن عمر: "أُمرنا أن نغسل الأنجاس سبعاً". والثانية، لحديث القائم من نوم الليل. والثالثة، قوله لأسماء: "اغسليه بالماء"، 1 ولم يذكر عدداً.
وإذا أصاب ثوب المرأة دم الحيض، استحب أن تحتّه بظفرها لتذهب خشونته، ثم تقرصه بريقها ليلين للغسل، ثم تغسله، لقوله لأسماء:
"حتّيه، ثم اقرصيه، ثم اغسليه بالماء"، 2 وإن لم يزل لونه، وكانت إزالته تشق أو تضر بالثوب، لقوله: "ولا يضرك أثره". 3 رواه أبو داود.
وإن استعملت شيئاً يزيله كالملح وغيره، فحسن، لحديث الغفارية التي أردفها. قال الخطابي: فيه من الفقه: جواز استعمال الملح وهو مطعوم في غسل الثوب من الدم. فعلى هذا، يجوز غسل الثوب بالعسل إذا كان الصابون يفسده، وبالخل إذا أصابه الحبر، والتدلك بالنخالة وغسل الأيدي بها، وبالبطيخ ودقيق الباقلاء وغيرها، مما له قوة الجلاء.
ومتى تنجست الأرض بنجاسة مائعة، أيَّ نجاسة كانت، فطهورها: غمرُها بالماء حتى يذهب لون النجاسة وريحها. فإن لم يزل إلا بمشقة، سقط ذلك كما قلنا في الثوب، لحديث الأعرابي، ولا نعلم في ذلك خلافاً.
وسئل أحمد عن ماء المطر يصيب الثوب، فلم ير بأساً، إلا أن يكون بيل فيه بعد المطر، وقال: كل ما نزل من السماء إلى الأرض فهو نظيف، داسته الدواب أو لم تدسه. وقال في الميزاب: إذا كان في الموضع النظيف لا بأس بما قطر عليك من المطر إذا لم تعلم. قيل: أفأسأل عنه؟ قال: لا.
واحتج في طهارة طين المطر بحديث

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 النسائي: الطهارة (292) والحيض والاستحاضة (395), وأبو داود: الطهارة (363), وابن ماجة: الطهارة وسننها (628), وأحمد (6/355), والدارمي: الطهارة (1019).
2 البخاري: الوضوء (227), ومسلم: الطهارة (291), والترمذي: الطهارة (138), والنسائي: الطهارة (293), وأبو داود: الطهارة (360, 361), وابن ماجة: الطهارة وسننها (629), وأحمد (6/345, 6/346, 6/353), ومالك: الطهارة (136), والدارمي: الطهارة (772, 1016, 1018).
3 أبو داود: الطهارة (365), وأحمد (2/364, 2/380).

 

ص -78-         الأعرابي، وبـ"أن الصحابة والتابعين يخوضون المطر في الطرقات، فلا يغسلون أرجلهم"، روي عن ابن عمر وعلي. قال ابن مسعود: "كنا لا نتوضأ من موطئ"، ونحوه عن ابن عباس؛ وهذا قول عوام أهل العلم.
ولا تطهر الأرض النجسة بشمس ولا ريح، روي عن ابن المنذر والشافعي في أحد قوليه. وقال أبو حنيفة ومحمد: تطهر إذا أذهب أثر النجاسة. وقال أبو قلابة: جفاف الأرض طهورها، لأن ابن عمر روى: "أن الكلاب تقبل وتدبر وتبول في المسجد، فلم يكونوا يرشّون شيئاً من ذلك". رواه أبو داود. ولنا: حديث الأعرابي، وحديث ابن عمر رواه البخاري، ولم يذكر البول... ولا تطهر الاستحالة إلا الخمرة إذا انقلبت بنفسها، لنهيه صلى الله عليه وسلم عن أكل الجلالة وألبانها. وإذا خفيت النجاسة، لزم غسل ما تيقن به من إزالتها؛ هذا قول مالك والشافعي وابن المنذر. وقال ابن شبرمة: يتحرى مكان النجاسة فيغسله. وقال عطاء: إذا خفيت في الثوب، نضحَه كله، لحديث سهل في المذي، فأمر بالتحري والنضح. ولنا: أنه تيقن المانع من الصلاة، فلم تبح له الصلاة إلا بتيقن، والحديث مخصوص بالمذي لمشقة الاحتراز منه. ويجزئ في بول الذي لم يأكل الطعام: النضح؛ وهو غمره بالماء وإن لم يزل عنه، ولا يحتاج إلى عصر. وحكي عن الحسن أن بول الجارية ينضح ما لم تطعم، كالصبي. وقال الثوري: "يغسلان"، ثم ذكر حديث أم قيس وحديث علي وقال: هذه نصوص صحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم، فاتباعها أولى من القياس، وقوله صلى الله عليه وسلم مقدم على من خالفه.
وإذا تنجس أسفل الحذاء أو الخف، وجب غسله. وعنه: يجزئ دلكه، وعنه: يغسل من البول والغائط، ويدلك من غيرهما. والأولى: أن يجزئ الدلك مطلقاً، للأحاديث. فـ"أما الدم والقيح،

 

ص -79-         فأكثر أهل العلم يرون العفو عن يسيره"، روي عن ابن عباس وأبي هريرة وغيرهما. وروي عن الحسن وسليمان التيمي: لا يعفى عنه. ولنا: قول عائشة: "يكون لإحدانا الدرع فيه تحيض، تم ترى فيه قطرة من الدم، فتقصعه بريقها"، 1 وفي رواية: "تبلّه بريقها، ثم تقصعه بظفرها". رواه أبو داود. وهذا يدل على العفو، لأن الريق لا يطهره، ويتنجس به ظفرها. وهو إخبار عن دوام الفعل؛ ومثل هذا لا يخفى على النبي صلى الله عليه وسلم، ولأنه قول مَن سمينا من الصحابة، ولم يعرف لهم مخالف. والقيح والصديد مثله، إلا أن أحمد قال: هو أسهل. وقال أبو مجلز في الصديد: إنما ذكر اللّه الدم المسفوح. وقال أُميّ بن ربيعة: رأيت طاووساً كان إزاره نطعاً، من قروح كانت برجليه، ونحوه عن مجاهد.
ودم ما لا نفس له سائلة، كالذباب ونحوه، طاهر، لأنه لو كان نجساً لنجس الماء اليسير إذا مات فيه، ولأن اللّه سبحانه إنما حرم الدم المسفوح.
والأجسام الصقيلة يعفى عن كثير النجاسة فيها بعد المسح. وعنه: في المذي والقيء وريق البغل والحمار وسباع البهائم والطير، وعرَقها وبول الأخفاش، والنبيذ والمني، أنه كالدم. وعنه: في المذي يجزئ فيه النضح. وروى الخلال بإسناده قال: سئل ابن المسيب وعروة وأبو سلمة وسليمان بن يسار عن المذي، فكلهم قال: إنه بمنـزلة القرحة، فما علمت منه فاغسله، وما غلبك منه فدعْه. وعنه: في ريق البغل والحمار وعرَقهما: من يسلم من هذا ممن يركب الحمير؟ وقال الشعبي والحكم: لا بأس ببول الخفافيش، وكذلك الخطاف، لأنه يشق التحرز منه، فإنه كثير في المساجد. وقال أبو حنيفة: يعفى عن يسير جميع النجاسات. ولنا: قوله
: "تنـزّهوا من البول". وما لا نفس له سائلة، لا ينجس بالموت، ولا ينجس الماء إذا مات فيه، قال ابن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 أبو داود: الطهارة (364), والدارمي: الطهارة (1009).

 

ص -80-         المنذر: لا أعلم في ذلك خلافاً، إلا ما كان من الشافعي في أحد قوليه؛ فإن عنده في تنجيس الماء قولان، فأما الحيوان فهو نجس عنده قولاً واحداً. ولنا: حديث الذباب والضفدع ينجس بالموت وينجس الماء القليل. وقال مالك: لا يفسد الماء لأنه يعيش فيه كالسمك. وسباع البهائم والطير والبغل والحمار نجسة، وعنه: أنها طاهرة. وسؤر الهر وما دونه في الخلقة طاهر، في قول أكثر أهل العلم من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، إلا أبا حنيفة، فإنه كره الوضوء بسؤر الهر؛ فإن فعل أجزأه. و"رويت كراهته عن ابن عمر ويحيى الأنصاري"، وقال ابن المسيب: يغسل مرة أو مرتين. وقال طاووس: يغسل سبعاً كالكلب. ولنا: حديث أبي قتادة، دل بلفظه على نفي الكراهة عن سؤر الهر، وبتعليله على نفي الكراهة عما دونهما مما يطوف علينا.
ومن هنا إلى آخر الباب: من "الإنصاف":
لا تزول النجاسة بغير الماء، وعنه: ما يدل على أنها تزال بكل مائع طاهر مزيل، اختاره الشيخ. واختار طهارة شعر الكلب والخنـزير. وفي سائر النجاسات ثلاث روايات: الثالثة: تكاثر بالماء من غير عدد، اختاره الشيخ. واختار إجزاء المسح في المتنجس الذي يضره الغسل، كثياب الحرير والورق، قال: وأصله الخلاف في إزالة النجاسة بغير الماء. واختار أن الشمس تطهر، وكذا الريح والجفاف. قال: وإحالة التراب ونحوه للنجاسة كالشمس، وقال: إذا أزالها التراب عن النعل فعن نفسه إذا خالطته أولى. واختار أيضاً أن الاستحالة تطهر، وأن الجسم الصقيل يطهر بالمسح.
وإذا خفي موضع النجاسة غسل حتى يتيقن، وعند الشيخ: يكفي الظن في غسل المذي وغيره

 

ص -81-         من النجاسات. واختار طهارة أسفل الخف والحذاء بالدلك، وأن ذيل المرأة بمروره على طهارة يزيلها، وأن الرِّجل كالخف والحذاء، وأن القيح والصديد طاهر ولم يقم دليل على نجاسته، وأن المذي يجزئ فيه النضح ويصير طاهراً به. واختار أيضاً: العفو عن يسير جميع النجاسات مطلقاً، في الأطعمة وغيرها، حتى بعر الفأر، وأن تراب الشارع طاهر، ومال إلى طهارة سباع البهائم والطير والبغل والحمار.

 

ص -82-         باب الحيض
قال أحمد: الحيض يدور على ثلاثة أحاديث: حديث فاطمة، وأم حبيبة، وحمنة، وفي رواية: حديث أم سلمة مكان حديث أم حبيبة. وهو يوجب البلوغ لقوله صلى الله عليه وسلم:
"لا يقبل اللّه صلاة حائض إلا بخمار" 1. وحرم وطؤها قبل الغسل، قال ابن المنذر: هذا كالإجماع. وقال أبو حنيفة: إن انقطع لأكثر الحيض حل وطؤها. الاستمتاع بما فوق السرة وتحت الركبة جائز بالنص والإجماع، والوطء محرم بهما. واختلف في الاستمتاع بما بينهما، فذهب إمامنا إلى جوازه، وهو قول عطاء والشعبي والثوري وإسحاق. وقال أبو حنيفة ومالك والشافعي: لا يباح، لحديث: "كان يأمرني فأتّزر... إلخ" 2. ولنا: قوله تعالى: {فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ}. 3 فتخصيصه يدل على إباحة ما عداه. ولما نزلت، قال صلى الله عليه وسلم: "اصنعوا كل شيء غير النكاح". 4 رواه مسلم. فإن وطئها فعليه نصف دينار كفارة، وعنه: ليس عليه إلا التوبة، لأنه سئل عن الحديث فقيل: في نفسك منه شي؟ قال: نعم.
وإذا استحيضت المعتادة، لم تخل من أربعة أقسام: أحدها: أن لا يكون لها تمييز لكون الدم على صفة واحدة، أو أن الذي يصلح للحيض ينقص عن أقله أو يزيد على أكثره، فهذه تجلس أيام عادتها، ثم تغتسل وتتوضأ لوقت كل صلاة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 الترمذي: الصلاة (377), وأبو داود: الصلاة (641), وابن ماجة: الطهارة وسننها (655), وأحمد (6/150, 6/218, 6/259).
2 مسلم: الحيض (293), والترمذي: الطهارة (132), وأحمد (6/55), والدارمي: الطهارة (1037).
3 سورة البقرة آية: 222.
4 مسلم: الحيض (302), والترمذي: تفسير القرآن (2977), والنسائي: الطهارة (288) والحيض والاستحاضة (369), وأبو داود: النكاح (2165), وابن ماجة: الطهارة وسننها (644), وأحمد (3/132, 3/246), والدارمي: الطهارة (1053).

 

ص -83-         وتصلي؛ وهذا القول للشافعي. وقال مالك: لا اعتبار بالعادة، بل بالتمييز؛ فإن لم يكن استظهرت بعد عادتها بثلاثة أيام إن لم تتجاوز خمسة عشر، ثم هي مستحاضة، واحتج بحديث فاطمة. ولنا: حديث أم سلمة: "أن امرأة تهراق الدماء، فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: لتنظر عدد الأيام والليالي التي كانت تحيضهن... إلخ". 1 وروي في حديث فاطمة: "دَعِي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين". 2 متفق عليه. وفي حديث أم حبيبة: "امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك". رواه مسلم. ولا حجة له في الحديث على ترك العادة في حق من لا تمييز لها.
وإن كان لها عادة وتمييز، فإن كان الدم الذي يصلح للحيض في زمن العادة، فقد اتفقت العادة والتمييز. وإن كان أكثر من العادة أو أقل، ولم ينقص عن أقل الحيض ولا زاد على أكثره، ففيه روايتان: إحداهما: يقدم التمييز، وهو ظاهر مذهب الشافعي لما ذكرنا من الأدلة. والثانية: تقدم العادة، وهو قول أكثر الأصحاب، لأنه صلى الله عليه وسلم رد أم حبيبة والتي استفتت لها أم سلمة إلى العادة، ولم يستفصل. وحديث فاطمة روي فيه أنه ردها إلى العادة أيضاً، فتعارضت روايتاه، وبقيت أحاديثنا لا معارض لها، على أنها قضية في عين يحتمل أنها أخبرته أن لا عادة لها.
وإن نسيت العادة، عملت بالتمييز. وقال أبو حنيفة: لا اعتبار بالتمييز، لحديث أم سلمة. ولنا: حديث فاطمة، وحديث أم سلمة يدل على اعتبار العادة، وهذه لا عادة لها. فإن لم يكن لها تمييز، جلست غالب الحيض من كل شهر، وعنه: أقله، لحديث حمنة:
"تحيضي ستة أيام أو سبعة أيام، ثم اغتسلي". 3 وقال الشافعي: لا حيض لها بيقين، وجميع زمنها مشكوك فيه، تغتسل لكل صلاة وتصلي وتصوم ولا يأتيها زوجها. وعن عائشة: "أن أم حبيبة استحيضت سبع سنين، فسألت النبي صلى الله عليه وسلم

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 النسائي: الطهارة (208), وأبو داود: الطهارة (274), وأحمد (6/320, 6/322), ومالك: الطهارة (138), والدارمي: الطهارة (780).
2 البخاري: الحيض (325), والترمذي: الطهارة (125), والنسائي: الحيض والاستحاضة (366), وأبو داود: الطهارة (282, 298), وابن ماجة: الطهارة وسننها (621, 624), وأحمد (6/41, 6/194, 6/204, 6/262), ومالك: الطهارة (137), والدارمي: الطهارة (774, 779).
3 الترمذي: الطهارة (128), وأبو داود: الطهارة (287), وابن ماجة: الطهارة وسننها  (627), وأحمد (6/439).

 

ص -84-         فقال: إنما ذلك عِرق، فاغتسلي ثم صلي". 1 فكانت تغتسل عند كل صلاة. متفق عليه. ولنا: حديث حمنة، وهو بظاهره يثبت الحكم في حق الناسية، لأنه لم يستفصل ولم يسألها عن التمييز، لأن في كلامها من تكثير الدم وصفته ما أغنى عن السؤال، ولم يسألها عن العادة لاستغنائه عن ذلك بعلمه إياه، إذ كان مشتهراً، وقد أمر أختها أم حبيبة، فلم يبق إلا أن تكون ناسية، وأم حبيبة لها عادة لما روى مسلم أنه قال لها: "امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك، ثم اغتسلي"، 2 فكانت تغتسل عند كل صلاة. فدل على أنها تغتسل لكل صلاة في غير وقت الحيض.
وإن علمت عدد أيامها ونسيت موضعها، جلستها من أول كل شهر، لقوله:
"تحيضي ستة أيام أو سبعة أيام في علم اللّه، ثم اغتسلي وصلي"، 3 فقدم حيضها على الطهر، ثم أمرها بالصلاة. واختار ابن أبي موسى أنها تجلس بالتحري، لأنه ردها إلى اجتهادها في القدر، فكذلك في الوقت، وإن طهرت في أثناء عادتها، اغتسلت وصلّت.
وإن عاودها الدم في العادة، فهل تلتفت إليه؟ على روايتين؛ و"لم يفرق أصحابنا بين قليل الطهر وكثيره"، لقول ابن عباس. أما من رأت الطهر ساعة فلتغتسل، فإن كان النقاء أقل من ساعة فالظاهر أنه ليس بطهر. قالت عائشة
: "لا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء". قال أحمد: القصة شيء يتبع الحيضة أبيض، لا يكون فيه صفرة ولا كدرة. وقال الأزهري: القُصة بضم القاف: القطنة التي تحشوها المرأة، فإذا خرجت بيضاء لا تغير عليها، فهي القصة البيضاء.
وروي عن أحمد: أن النفساء إذا رأت النقاء دون يوم، لا يثبت لها أحكام

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 البخاري: الحيض (327), ومسلم: الحيض (334), والترمذي: الطهارة (129), والنسائي: الطهارة (206), وأبو داود: الطهارة (285), وأحمد (6/82, 6/141), والدارمي: الطهارة (782).
2 مسلم: الحيض (334), والنسائي: الطهارة (207), وأبو داود: الطهارة (279), وأحمد (6/222).
3 الترمذي: الطهارة (128), وأبو داود: الطهارة (287), وأحمد (6/439).

 

ص -85-         الطهارة، قال شيخنا: وهو الصحيح، إن شاء اللّه، لأن في إيجاب الغسل على من تطهر ساعة بعد ساعة حرج.
وقال أبو حنيفة: ليس النقاء بين الدمين طهراً، ولا يجب عليها فيه صلاة، ولا يأتيها زوجها؛ وهو أحد قولي الشافعي. ولنا: قوله تعالى:
{قُلْ هُوَ أَذىً}، 1 وقال ابن عباس: "إذا رأت الطهر ساعة، فلتغتسل"، وقالت عائشة: "لا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء"، ولأنها صامت وهي طاهرة فلم يلزمها القضاء. وقولهم: إن الدم يجري تارة وينقطع أخرى، قلنا: لا عبرة بالانقطاع اليسير، وإنما إذا وجد انقطاعٌ كثير يمكن فيه الصلاة والصيام. وإن عاودها الدم في العادة ولم يتجاوزها، ففيه روايتان: إحداهما: أنه من حيضها، وهو مذهب الثوري وأصحاب الرأي. والثانية: ليس بحيض، فإن تجاوز العادة وعبر أكثر الحيض فليس بحيض. والصفرة والكدرة في أيام الحيض: حيض، وبعده لا تعتد به، نص عليه؛ وهو مذهب مالك والشافعي. وقال أبو يوسف وأبو ثور: لا يكون حيض إلا أن يتقدمه دم أسود، لقول أم عطية: "كنا لا نعدّ الصفرة بعد الغسل شيئاً". رواه أبو داود. ولنا: قوله: {قُلْ هُوَ أَذىً}، 2 وهذا يتناول الصفرة والكدرة، ولقول عائشة: "لا تعجلن... إلخ". وقول أم عطية إنما يتناولُ ما بعد الطهر والاغتسال، ونحن نقول به، ويدل عليه قول عائشة: "ما كنا نعد الصفرة والكدرة حيضاً"، مع قولها المتقدم. وروى البخاري بإسناده عن فاطمة عن أسماء قالت: "كنا في حجرها مع بنات بنتها، فكانت إحدانا تطهر ثم تكسر بصفرة يسيرة، فنسألها فتقول: اعتزلن الصلاة حتى لا ترين إلا البياض". قال القاضي: معناه لا تلتفت إليه قبل التكرار، وقول أسماء فيما إذا تكرر، جمع بين الأخبار.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 سورة البقرة آية: 222.
2 سورة البقرة آية: 222.

 

ص -86-         والمستحاضة تغسل فرجها وتعصبه، وتتوضأ لوقت كل صلاة، وتصلي ما شاءت، وكذا من به سلس البول والمذي والريح، والجريح الذي لا يرقأ دمه، لحديث حمنة وأم سلمة. ثم إن خرج لرخاوة الشد، أعادت الشد والوضوء، وإن كان لغلبة الخارج لم تبطل الطهارة، لقول عائشة:   "اعتكفت مع رسول اللّه صلى الله عليه وسلم امرأة من أزواجه، فكانت ترى الدم والصفرة، والطست تحتها وهي تصلي". 1 رواه البخاري. وفي لفظ: "وإن قطر الدم على الحصير". "وصلى عمر وجرحه يثعب دماً". وقال مالك: لا يجب الوضوء على المستحاضة.
واستحب مالك لمن به سلس البول أن يتوضأ لكل صلاة، إلا أن يؤذيه البرد. واحتج أحمد بقوله لفاطمة: "فاغتسلي وصلّي"، ولم يأمرها بالوضوء. ولنا: أن في حديث فاطمة:
"وتوضئي لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت". 2 صححه الترمذي، وفي حديث عدي بن ثابت في المستحاضة: "وتتوضأ عند كل صلاة". 3 رواه أبو داود. قال أحمد: إنما أمرها أن تتوضأ لكل صلاة، وتصلي بذلك النافلة والصلاة الفائتة، حتى يدخل وقت الأخرى. وقال الشافعي: لا تجمع بين فرضين بطهارة واحدة، لقوله: "توضئي لكل صلاة". ولنا: أن في حديث فاطمة: "توضئي لوقت كل صلاة"، وحديثهم محمول على الوقت لقوله صلى الله عليه وسلم: "أينما أدركتك الصلاة فصلِّ"، 4 أي: وقتها، و"لأنه صلى الله عليه وسلم أمر حمنة بالجمع بين الصلاتين بغسل واحد"، وأمر به سهلة، ولم يأمرها بالوضوء. قال أحمد بن القاسم: سألت أبا عبد اللّه قلت: إن هؤلاء يتكلمون بكلام كثير ويوقتون بوقت، يقولون: إذا توضأت وقد انقطع الدم ثم سال قبل أن تدخل في الصلاة، تعيد الوضوء. وإذا تطهرت والدم سائل ثم انقطع قولاً آخر، قال: لست أنظر في انقطاعه حين توضأت، سال الدم

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 البخاري: الحيض (310), وأبو داود: الصوم (2476), وابن ماجة: الصيام (1780), وأحمد (6/131), والدارمي: الطهارة (877).
2 البخاري: الوضوء (228), ومسلم: الحيض (333), والترمذي: الطهارة (125), والنسائي: الحيض والاستحاضة (359, 364, 365), وأبو داود: الطهارة (282), وابن ماجة: الطهارة وسننها (621, 624), وأحمد (6/41, 6/194, 6/204, 6/262), والدارمي: الطهارة (774, 779).
3 الترمذي: الطهارة (126), وأبو داود: الطهارة (297), وابن ماجة: الطهارة وسننها  (625), والدارمي: الطهارة (793).
4 البخاري: أحاديث الأنبياء (3366), ومسلم: المساجد ومواضع الصلاة (520), وأحمد (5/156, 5/160).

 

ص -87-         أو لم يسل، إنما أمرها أن تتوضأ لكل صلاة، فتصلي بذلك النافلة والفائتة، حتى يدخل وقت الأخرى.
ويستحب لها أن تغتسل لكل صلاة، وذهب بعضهم إلى وجوبه. وقيل: "لكل يوم غسلاً"، روي عن عائشة وابن عمر. وقيل: تجمع بين كل صلاتي جمع بغسل، وتغتسل للصبح، لأمره حمنة وسهلة بذلك. وأكثر أهل العلم على أنها تغتسل عند انقطاع الحيض، ثم عليها الوضوء لكل صلاة، لقوله:
"فاغسلي عنك الدم وصلّي" 1، وكذلك حديث عدي بن ثابت؛ وهذا يدل على أن الغسل المأمور به استحباباً جمعاً بين الأحاديث.
والغسل لكل صلاة أفضل. ويليه الغسل مع الجمع، لقوله: وهو أعجب الأمرين إليّ. ويليه الغسل كل يوم مرة، ثم بعده الغسل عند الانقطاع، والوضوء لكل صلاة.
وهل يباح وطؤها؟ على روايتين: إحداهما: لا يباح، وهو مذهب ابن سيرين. والثانية: يباح، وهو قول أكثر أهل العلم، لحديث حمنة وأم حبيبة. وأكثر النفاس: أربعون، وهو قول أكثر أهل العلم. وقال مالك والشافعي: أكثره: ستون، ولا حد لأقله. وقال أبو عبيد: أقله: خمسة وعشرون يوماً. ولنا: أنه لم يرد تحديده، فيرجع إلى الوجود. ويستحب أن لا يقربها في الأربعين، لحديث عثمان بن أبي العاص. وإن عاد في الأربعين فهو نفاس، وعنه: مشكوك فيه. وقال مالك: إن رأته بعد يومين أو ثلاثة، فهو نفاس، وإن تباعد فحيض.
ومن هنا إلى آخر الباب: من "الإنصاف":
يخرج الكفارة من أي ذهب كان، واختار الشيخ: لا يجزئ إلا المضروب، لأن الدينار اسم للمضروب خاصة، وأنه لا حد لأقل الحيض ولا لأكثره، ولا للطهر بين الحيضتين؛ بل كل ما استقر عادة للمرأة فهو حيض، وإن نقص

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 البخاري: الحيض (306), والترمذي: الطهارة (125), والنسائي: الحيض والاستحاضة (359, 364, 365, 367), وأبو داود: الطهارة (282), وابن ماجة: الطهارة وسننها (621, 624), وأحمد (6/41, 6/194, 6/204, 6/262), ومالك: الطهارة (137), والدارمي: الطهارة (774, 779).

 

ص -88-         عن يوم أو زاد على السبعة عشر يوماً، ما لم تصر مستحاضة. واختار أن المبتدأة تجلس في الثانية ولا تعيد. انتهى.
ولا تلتفت لما خرج عن العادة حتى يتكرر ثلاثاً، وعند الشيخ: تصير إليه من غير تكرار.
واختار أن الصفرة والكدرة بعد زمن الحيض ليستا بحيض، ولو تكررتا. وقال: لا حد لأكثر النفاس، ولو زاد على السبعين وانقطع، لكن إن اتصل فهو دم فساد؛ وحينئذ فالأربعون منتهى الغالب. وقال: الأحوط أن المرأة لا تستعمل دواء يمنع نفوذ المني في مجاري الحبل.

 

ص -89-         كتاب الصلاة
لا نعلم خلافاً في وجوبها على النائم، بمعنى: أنه يقضيها، لقوله:
"من نام عن صلاة أو نسيها، فليصلِّها إذا ذكرها". 1 رواه مسلم. وكذلك السكران، لأنه إذا وجب بالنوم المباح فبالمحرم أولى. وحكم المغمى عليه حكم النائم، يروى ذلك عن عمار وغيره. وعن ابن عمر: "لا يقضي". وقال مالك والشافعي: لا يقضي إلا أن يفيق في جزء من وقتها. وقال أصحاب الرأي: إن أغمي عليه أكثر من خمس صلوات، لم يقض شيئاً، وإلا قضى الجميع. ولنا: أن الإغماء لا يسقط فرض الصيام، ولا تطول مدته غالباً، أشبه النوم، وقياسه على الجنون لا يصح، لأنه تطول مدته ويسقط عنه الصوم، أما المجنون فلا قضاء عليه إلا أن يفيق في وقتها، لا نعلم فيه خلافاً.
ومن هنا إلى آخر الباب: من "الإنصاف":
ويقضيها مسلم قبل بلوغ الشرع، وقيل: لا؛ اختاره الشيخ بناء على أن الشرائع لا تلزم إلا بعد العلم. قال: والوجهان في كل من ترك واجباً قبل بلوغ الشرع، كمن لم يتيمم عند عدم الماء، ولم يزك أو أكل حتى يتبين له الخيط الأبيض من الخيط الأسود، لظنه ذلك، أو لم تصل مستحاضة، ونحوه. قال: والأصح لا قضاء. قال في الفروع: ومراده: ولم يقض وإلا أثم، وكذلك من عامل بربا أو نكاح فاسد ثم تبين التحريم.
وتجب على من زال عقله بمحرم، واختار الشيخ عدم الوجوب في ذلك كله، وقال في الفتاوى المصرية: تلزمه

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 مسلم: المساجد ومواضع الصلاة (684), والنسائي: المواقيت (614), وابن ماجة: الصلاة (695), وأحمد (3/184), والدارمي: الصلاة (1229).

 

ص -90-         بلا نزاع، وقال: اختار الأكثر أن الردة لا تبطل العمل إلا بالموت عليها.
وقال: شرط الصلاة تقدم الشهادة المسبوقة بالإسلام، فإذا تقرب بالصلاة يكون مسلماً بها وإن كان محدثاً، وعلى هذا عليه أن يعيدها. انتهى.
وثوابُ صلاة المميز وعمله لنفسه، اختاره الشيخ، وقال بعض الأصحاب: ثوابه لوالديه، وإن بلغ في أثنائها أو بعدها في وقتها، لزمه إعادتها. وقيل: لا، اختاره الشيخ. والاشتغال بشرطها على قسمين: قسم لا يحصل إلا بعد زمن طويل، فهذه لا يجوز له تأخيرها. وقسم يحصل بعد زمن قريب، فأكثر الأصحاب يجوّزونه. قال الشيخ: وقول بعض الأصحاب: لا يجوز تأخيرها إلا لناوٍ جمعها، أو مشتغل بشرطها، فلم يقله أحد قبله من الأصحاب، بل ولا من سائر طوائف المسلمين، إلا أن يكون بعض أصحاب الشافعي، فهذا أشك فيه. ولا ريب أنه ليس على عمومه، وإنما أرادوا صوراً معروفة، كما إذا أمكن الواصل إلى البئر أن يصنع حبلاً يستقي به، أو أمكن العريان أن يخيط ثوباً. ويؤيد ما ذكرنا أن العريان لو أمكنه أن يذهب إلى قرية يشتري ثوباً ولا يصلي إلا بعد الوقت، لا يجوز له التأخير بلا نزاع. وكذا العاجز عن تعلم التكبير والتشهد الأخير، إذا ضاق الوقت صلى على حسب حاله. وكذا المستحاضة إذا كان دمها ينقطع بعد الوقت. انتهى.
وقال الشيخ أيضاً: فرض متأخرو الفقهاء مسألة يمتنع وقوعها، وهو: أن المقرّ بوجوب الصلاة ودعي إليها ثلاثاً فامتنع، مع تهديده بالقتل فقُتل، هل يموت كافراً أو فاسقاً؟ على قولين: وهذا الفرض باطل ممتنع، ولا يفعله أحد قط. قلتُ: والعقل يشهد بما قال ويقطع به، وهو عين الصواب الذي لا شك فيه، وأنه لا يقتل إلا كافر.

 

ص -91-         باب الأذان والإقامة
أجمعت الأمة على أن الأذان والإقامة مشروعة للخمس، ولا يشرعان لغيرها، لأن المقصود منه: الإعلام بوقت المفروضة على الأعيان.
"وليس على النساء أذان ولا إقامة"، قاله ابن عمر وأنس وغيرهما، ولا نعلم من غيرهم خلافهم. واختلفوا هل يسن لهن ذلك: فعن أحمد: إن فعلن لا بأس. وعن جابر: أنها تقيم، وبه قال عطاء ومجاهد. وقال الشافعي: إن أذّنّ وأقمن، فلا بأس، روي عن عائشة: "أنها كانت تؤذن وتقيم". وعنه: لا يشرع لها.
قال ابن المنذر: الأذان والإقامة واجبان على كل جماعة في الحضر والسفر، لأنه صلى الله عليه وسلم أمر به مالك بن الحويرث وصاحبه؛ والأمر يقتضي الوجوب، وداوم عليه وأصحابه، ولأنه من شعائر الإسلام الظاهرة. وظاهر كلام الخرقي أنه غير واجب، وهو قول الشافعي. وعلى كلا القولين، إن تركهما صحت صلاته، لما روي عن علقمة والأسود قالا: "صلى بنا عبد اللّه بلا أذان ولا إقامة". قال شيخنا: لا أعلم أحداً خالف في ذلك، إلا عطاء قال: من نسي الإقامة يعيد، ونحوه عن الأوزاعي. ومن أوجبه من أصحابنا فعلى أهل المصر، فأما المسافرون فلا يجب عليهم.
وقال مالك: إنما يجب النداء في مساجد الجماعة، ويكفي مؤذن المصر إذا كان يسمعهم، ويجزئ بقيتهم الإقامة. قال أحمد في الذي يصلي في بيته: يجزيه أذان المصر. وقال مالك: تكفيه الإقامة، لأنه صلى الله عليه وسلم قال للذي علّمه الصلاة:
"إذا أردت

 

ص -92-         الصلاة فأحسن الوضوء، ثم استقبل القبلة وكبِّر"، 1 وفي لفظ للنسائي: "فأقم ثم كبِّر"، والأفضل لكل مصل أن يؤذن ويقيم.
وإن كان في الوقت في بادية أو نحوها، استحب له الجهر، لحديث أبي سعيد، رفعه: "إذا كنت في غنمك أو باديتك... إلخ"، 2 "وكان ابن عمر يقيم لكل صلاة، إلا الصبح فإنه يؤذّن ويقيم، ويقول: إنما الأذان على الإمام والأمير الذي يجمع الناس"، وعنه: أنه لا يقيم في أرض تقام فيها الصلاة. ولنا: "أنه صلى الله عليه وسلم يؤذّن له حضراً وسفراً، وأمر به مالك بن الحويرث وصاحبه"، وما نقل عن السلف، فالظاهر أنهم أرادوا وحده، كما قال إبراهيم، "والأذان مع ذلك أفضل"، لحديث أبي سعيد وأنس في صاحب المعز.
ولا يجوز أخذ الأجرة عليهما، في أظهر الروايتين، لقوله لعثمان بن أبي العاص: "واتخذ مؤذناً لا يأخذ على أذانه أجرا"، 3 حسنه الترمذي. ورخص فيه مالك، ولا نعلم خلافاً في جواز أخذ الرزق، لكن قال الشافعي: لا يرزق إلا من خمس الخمس، سهم النبي صلى الله عليه وسلم.
وينبغي أن يكون المؤذن صيتاً، لقوله:
"ألقه على بلال، فإنه أندى صوتاً منك". 4 والأذان خمس عشرة كلمة، لا ترجيع فيه؛ وبه قال الثوري وإسحاق وابن المنذر. وقال مالك والشافعي: الأذان المسنون أذان أبي محذورة، وهو كأذان عبد اللّه بن زيد ويزيد ترجيعاً؛ وهو: أن يذكر الشهادتين مرتين مرتين، يخفض بذلك، ثم يعيدهما رافعاً بهما صوته، إلا أن مالكاً قال: التكبير في أوله مرتان حسبُ، فيكون عنده سبع عشرة، وعند الشافعي تسع عشرة. واحتجوا بما روى أبو محذورة: "أنه صلى الله عليه وسلم علّمه الأذان، وفيه يقول: أشهد أن لا إله إلا اللّه، أشهد أن لا إله إلا اللّه. أشهد أن محمداً رسول اللّه،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 النسائي: التطبيق (1053).
2 البخاري: الأذان (609), والنسائي: الأذان (644), وابن ماجة: الأذان والسنة فيه (723), وأحمد (3/6, 3/35, 3/43), ومالك: النداء للصلاة (153).
3 الترمذي: الصلاة (209), والنسائي: الأذان (672), وأبو داود: الصلاة (531), وابن ماجة: الأذان والسنة فيه (714), وأحمد (4/21, 4/217).
4 الترمذي: الصلاة (189), وأبو داود: الصلاة (499, 512), وابن ماجة: الأذان والسنة فيه (706), وأحمد (4/42, 4/43), والدارمي: الصلاة (1187).

 

ص -93-         أشهد أن محمداً رسول اللّه. تخفض بهما صوتك. ثم ترفع صوتك بالشهادة: أشهد أن لا إله إلا اللّه، أشهد أن لا إله إلا الله. أشهد أن محمداً رسول اللّه، أشهد أن محمداً رسول اللّه". 1 ثم ذكر سائر الأذان. أخرجه مسلم. واحتج مالك قال: كان الأذان الذي يؤذن به أبو محذورة: "اللّه أكبر. اللّه أكبر. أشهد أن لا إله إلا اللّه". 2 رواه مسلم. ولنا: حديث عبد اللّه بن زيد، وأقر صلى الله عليه وسلم بلالاً عليه، بعد أذان أبي محذورة.
والإقامة إحدى عشرة، فإن رجّع في الأذان أو ثنى في الإقامة، فلا بأس. وقال الثوري: الإقامة مثل الأذان، ويزيد: "قد قامت الصلاة" مرتين، لما روى عبد اللّه بن زيد قال: "كان أذان النبي صلى الله عليه وسلم شفعاً شفعاً في الأذان والإقامة". 3 رواه الترمذي. وعن أبي محذورة: "أن النبي صلى الله عليه وسلم علّمه الأذان تسع عشرة كلمة، والإقامة سبع عشرة كلمة". 4 قال الترمذي: حسن صحيح. وقال مالك: الإقامة عشر كلمات، لقوله: "قد قامت الصلاة" مرة، لقول أنس: "أمر بلالاً أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة". 5 ولنا: قول ابن عمر: "إنما كان الأذان على عهد رسول اللّه صلى الله عليه وسلم مرتين مرتين، والإقامة مرة مرة، إلا أنه يقول: قد قامت الصلاة. قد قامت الصلاة". 6 رواه أبو داود والنسائي. وفي حديث عبد اللّه بن زيد أنه وصف الإقامة كما ذكرنا، وما احتجوا به من حديث عبد اللّه بن زيد، رواه عنه ابن أبي ليلى، وقال الترمذي: لم يسمع، وقال: الصحيح مثل ما روينا. والذي احتج به مالك حجة لنا مجمل فسره ابن عمر، وخبر أبي محذورة متروك بالإجماع، لأن الشافعي لم يعمل به في الإقامة، وأبو حنيفة لم يعمل به في الأذان.
والتثويب في أذان الصبح مستحب، وبه قال مالك والشافعي. وقال أبو حنيفة: التثويب بين الأذان والإقامة: أن يقول: "حي على الصلاة" مرتين، "حيّ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 مسلم: الصلاة (379), والترمذي: الصلاة (191, 192), والنسائي: الأذان (629, 630, 631, 632, 633), وأبو داود: الصلاة (500, 502, 503, 504), وابن ماجة: الأذان والسنة فيه (708, 709), وأحمد (3/408, 3/409), والدارمي: الصلاة (1196).
2 مسلم: الصلاة (379), والنسائي: الأذان (629, 631, 632, 633), وأبو داود: الصلاة (500, 502, 503), وابن ماجة: الأذان والسنة فيه (708, 709), وأحمد (3/408, 3/409), والدارمي: الصلاة (1196).
3 الترمذي: الصلاة (194).
4 الترمذي: الصلاة (192), والنسائي: الأذان (630), وأبو داود: الصلاة (502), وابن ماجة: الأذان والسنة فيه (709), وأحمد (6/401).
5 البخاري: الأذان (603, 605, 606, 607) وأحاديث الأنبياء (3457), ومسلم: الصلاة (378), والترمذي: الصلاة (193), والنسائي: الأذان (627), وأبو داود: الصلاة (508), وابن ماجة: الأذان والسنة فيه (729, 730), وأحمد (3/103, 3/189), والدارمي: الصلاة (1194).
6 النسائي: الأذان (628), وأبو داود: الصلاة (510), وأحمد (2/85), والدارمي: الصلاة (1193).

 

ص -94-         على الفلاح" مرتين. ولنا: ما روى أبو داود والنسائي عن أبي محذورة قال: "فإن كان في صلاة الصبح، قلت: الصلاة خير من النوم. الصلاة خير من النوم. اللّه أكبر. اللّه أكبر. لا إله إلا اللّه"، وما ذكروه قال ابن إسحاق: هذا أحدثه الناس، قال الترمذي: هذا التثويب الذي كرهه أهل العلم.
ولا يجوز الخروج من المسجد بعد الأذان إلا لعذر، قال الترمذي: وعلى هذا العمل من أصحاب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ومن بعدهم، ألا يخرج أحد من المسجد بعد الأذان إلا من عذر، ثم ذكر حديث أبي هريرة: "أما هذا فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم". رواه مسلم.
ويستحب أن يترسل في الأذان ويحدر الإقامة. الترسل: التأني، والحدر: ضده، وبه قال الثوري والشافعي وإسحاق، ولا نعلم عن غيرهم خلافهم. قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه: أن من السنة أن يؤذن قائماً، فإن أذّن قاعداً لعذر، فلا بأس. قال الحسن العبدي: "رأيت أبا زيد صاحب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يؤذن قاعداً، وكان رجله قد أصيبت في سبيل اللّه". رواه الأثرم. ويجوز على الراحلة، قال ابن المنذر: ثبت "أن ابن عمر كان يؤذن على البعير، فينـزل فيقيم"، وبه قال مالك والثوري والأوزاعي، إلا أن مالكاً قال: لا يقيم وهو راكب. يستحبُّ أن يؤذن متطهراً، لقول أبي هريرة: "لا يؤذن إلا متوضئ"، فإن أذّن محدثاً جاز، لأنه لا يزيد على القراءة، وهو قول الشافعي وأبي حنيفة. وقال مالك: يؤذّن على غير وضوء، ولا يقيم إلا على وضوء. وإن أذّن جنباً فروايتان: الإجزاء في قول أكثر أهل العلم.
ويستحب أن يؤذن على موضع عال، لقول الأنصارية: "كان بيتي من أطول بيت حول المسجد، فكان بلال يأتيني يؤذّن عليه... إلخ"، لا نعلم خلافاً في استحبابه. قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن من السنة أن يستقبل

 

ص -95-         القبلة بالأذان. وسئل أحمد: عن الرجل يؤذن وهو يمشي؟ قال: نعم، أمر الأذان عندي سهل. وسئل: عن المؤذن يمشي وهو يقيم؟ قال: يعجبني أن يفرغ ثم يمشي، فإذا بلغ الحيعلة التفت يميناً وشمالاً ولم يستدر. وذكر عن أحمد فيمن أذن في المنارة روايتان: إحداهما: لا يدور، للخبر. والثانية: لا يحصل بدونه، وتحصيل المقصود مع الإخلال بالأدب أولى من العكس، وهذا قول إسحاق.
ويجعل أصبعيه في أذنيه، هذا المشهور عن أحمد، وعليه العمل عند أهل العلم، وكذلك قال الترمذي، لفعل بلال، صححه الترمذي. وعن أحمد: أحب إلي أن يجعل يديه على أذنيه، على حديث أبي محذورة. والأول أصح، لصحة الحديث وشهرته، وعمل أهل العلم به. ويتولاهما معاً، وهو قول الشافعي. وقال مالك: لا فرق بينه وبين غيره، لأن في حديث عبد اللّه بن زيد: "لما أذّن بلال، قال لعبد اللّه: أقم أنت". ولنا: قول النبي صلى الله عليه وسلم:
"إن أخا صدّاء قد أذّن، ومن أذّن فهو يقيم". 1 وما ذكر يدل على الجواز، وهذا على الاستحباب، فإن سبق المؤذن بالأذان فأراد المؤذن أن يقيم، فقال أحمد: له لو أعاد الأذان كما صنع أبو محذورة، فإن أقام بغير إعادة فلا بأس، لما ذكرنا في حديث عبد اللّه بن زيد.
ويستحب للمؤذن أن يقيم في موضع أذانه، لقول بلال: "لا تسبقني بآمين"، وقول ابن عمر: "كنا إذا سمعنا الإقامة توضأنا".
ولا يقيم إلا بإذن الإمام، لما في حديث الصدّائي: "فجعلت أقول له صلى الله عليه وسلم: أقيم؟ أقيم؟".
وكره طائفة من أهل العلم: الكلام في أثناء الأذان، قال الأوزاعي: لا نعلم أحداً يقتدَى به فعَله. ورخص فيه سليمان بن صرد وغيره. قيل لأحمد: الرجل يتكلم في أذانه؟ قال: نعم، قيل: وفي الإقامة؟ قال: لا. وعن الزهري: إذا تكلم في الإقامة أعادها، وأكثر أهل العلم على أنه يجزئه، قياساً

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 الترمذي: الصلاة (199), وأبو داود: الصلاة (514), وابن ماجة: الأذان والسنة فيه  (717), وأحمد (4/169).

 

ص -96-         على الأذان. ولا يصح إلا بعد دخول الوقت، إلا الفجر، أما غير الفجر فلا يجزئ بغير خلاف نعلمه. وأما الفجر فيشرع قبل الوقت، وهو قول مالك والشافعي. وقال الثوري: لا يجوز. وقال طائفة من أهل الحديث: إذا كان له مؤذنان: يؤذّن أحدهما قبل طلوع الفجر، والآخر بعده، فلا بأس. ولنا: حديث الصدائي: "أمره صلى الله عليه وسلم بالأذان قبل طلوع الفجر".
ويستحب أن يفصل بين الأذان والإقامة بقدر الوضوء وصلاة ركعتين، لقوله لبلال:
"اجعل بين أذانك وإقامتك قدر ما يفرغ الآكل من أكله...". 1 ومن جمع بين صلاتين، أذّن للأولى وأقام للثانية. وقال مالك: يؤذن ويقيم لكل منهما، وهو مخالف للأحاديث الصحيحة.  فـ"إن كثرت الفوائت، أذن وأقام للأولى، ثم أقام لكل صلاة"، لحديث ابن مسعود في قصة الخندق.
ومن دخل مسجداً قد صُلي فيه، فـ"إن شاء أذّن وأقام، كما فعل أنس"، وإن شاء تركها، وهو قول الحسن والشعبي. وهل يصح أذان المميز للبالغين؟ على روايتين: إحداهما: "يصح"، وهو قول الشافعي وابن المنذر، لما روي عن عبد اللّه بن أبي بكر بن أنس. والثانية: لا يصح، لأنه شرع للإعلام، وهو لا يقبل خبره. ولا يؤذن قبل الراتب، إلا أن يتأخر، كما أذن زياد حين غاب بلال؛ فأما مع حضوره فلا، لأن مؤذني النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن أحد يسبقهم بالأذان.
قال أحمد في الرجل يؤذن في الليل على غير وضوء، فيدخل المنـزل ويدع المسجد: أرجو أن يكون موسعاً عليه. ولكن إذا أذن وهو متوضئ في وقت الصلاة، فلا أرى له أن يخرج من المسجد حتى يصلي، إلا أن يكون لحاجة.
وروي عنه في الذي يؤذن في بيته وبينه وبين المسجد طريق يسمع الناس: أرجو أن لا يكون به بأس. وقال في رواية الحربي،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 الترمذي: الصلاة (195).

 

ص -97-         فيمن يؤذن في بيته على سطح: معاذ اللّه، ما سمعنا أن أحداً يفعل هذا؛ فحمل الأول على القريب من المسجد والثاني على البعيد.
و"يستحب اتخاذ المساجد في الدور وتطييبها وتنظيفها"، لحديث عائشة. و"يستحب تخليقه"، لحديث أنس في النخامة، و"تسريحه"، لحديث ميمونة في بيت المقدس.
"ويباح النوم فيه لفعل ابن عمر، ويباح للمريض، لقصة سعد بن معاذ، ودخول البعير لطوافه صلى الله عليه وسلم عليه". ولا بأس بالاجتماع فيه والأكل والاستلقاء، لحديث أبي واقد، وفيه: "فأما أحدهما فرأى فرجة..." الحديث، ولحديث عبد اللّه بن زيد في الاستلقاء. ويجوز إنشاد الشعر واللعان فيه، لما روي في ذلك.
ومن هنا إلى آخر الباب: من "الإنصاف":
وإذا اتفق أهل بلد على تركهما، قاتلهم الإمام. وإذا قلنا: إنهما سنة، لم يقاتَلوا، وقيل: بلى؛ اختاره الشيخ.
ولا يجوز أخذ الأجرة عليهما، وقيل: يجوز مع الفقر لا مع الغنى، اختاره الشيخ، قال: وكذا كل قربة، ومال إلى عدم إجزاء أذان القاعد.
ومن جمع بين صلاتين أو قضاء فوائت، أذن للأولى وأقام، ثم أقام لكل صلاة. وعنه: تجزئ الإقامة لكل صلاة من غير أذان، اختاره الشيخ. وقال: أما صحة أذان المميز في الجملة وكونه جائزاً إذا أذن غيره فلا خلاف في جوازه، ومن الأصحاب من أطلق الخلاف، والأشبه أن الذي يسقط الفرض عن أهل القرية ويعتمد في وقت الصلاة والصيام، لا يجوز أن يباشره صبي، قولاً واحداً، ولا يسقط الفرض ولا يعتمد في مواقيت الصلاة، وأما الذي هو سنة مؤكدة في مثل المساجد التي في المصر ونحو ذلك، فهذا فيه الروايتان، والصحيح جوازه. اهـ.

 

ص -98-         ويستحب إجابة مؤذن ثان وثالث، اختاره الشيخ، وقال: محله إذا كان الأذان مشروعاً، وقال: يجيبه المصلي والمتخلي. قوله: "وابعثه المقام المحمود". 1 هكذا ورد في لفظ رواه النسائي وغيره، والصحيح التنكير. ورد ابن القيم الأول من خمسة أوجه.
ولا يجوز الخروج من المسجد بعد الأذان... إلخ. قال الشيخ: إلا أن يكون للفجر قبل الوقت، فلا يكره الخروج، نص عليه.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 البخاري: الأذان (614), والترمذي: الصلاة (211), والنسائي: الأذان (680), وأبو داود: الصلاة (529), وابن ماجة: الأذان والسنة فيه (722), وأحمد (3/354).

 

ص -99-         باب شروط الصلاة
أولها: الوقت. والظهر هي الأولى، ووقتها: من الزوال إلى أن يصير ظل كل شيء مثله بعد ظل الزوال. وقال عطاء: لا تفريط للظهر حتى تدخل الشمس صفرة. وقال طاووس: وقت الظهر والعصر إلى الليل، وتعجيلها في غير الحر والغيم أفضل، بغير خلاف علمناه.
ويستحب تأخيرها في شدة الحر. وقال القاضي: إنما يستحب الإبراد بثلاثة شروط: شدة الحر، وأن يكون في البلدان الحارة، ومساجد الجماعات؛ فأما من صلى في مسجد بفناء بيته، فالأفضل تعجيلها، وهذا مذهب الشافعي. فأما الجمعة، فلم ينقل أنه صلى الله عليه وسلم أخرها، بل كان يعجلها.
ثم العصر، وهي الوسطى في قول أكثر أهل العلم من الصحابة وغيرهم. وأول وقتها: من خروج وقت الظهر. وقال إسحاق: آخر وقت الظهر أول وقت العصر، يشتركان في قدر الصلاة. وحكى عن ابن المبارك لما في حديث ابن عباس: "وصلى في المرة الثانية الظهر لوقت العصر بالأمس". وآخره اختلفت الرواية فيه، فعنه: إذا صار ظل كل شيء مثليه، وهو قول مالك والشافعي، لقوله:
"الوقت ما بين هذين". 1 وعنه: "ما لم تصفرّ الشمس"، لحديث ابن عمر. وقال ابن المنذر: أجمع العلماء على أن من صلى العصر والشمس بيضاء نقية، فقد صلاها في وقتها، وتعجيلها أفضل بكل حال. و"روي عن أبي هريرة وابن مسعود أنهما كانا يؤخرانها"، وبه قال أصحاب الرأي.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 الترمذي: الصلاة (149), وأبو داود: الصلاة (393), وأحمد (1/333, 1/354).

 

ص -100-      ثم المغرب، ولا خلاف في دخول وقتها بالغروب. وآخره: إذا غاب الشفق. وقال مالك والشافعي في أحد قوليه: ليس لها إلا وقت واحد،  "لأن جبرائيل صلاها بالنبي صلى الله عليه وسلم في اليومين لوقت واحد". 1 وعن عطاء: لا تفوت المغرب حتى النهار. ولنا: حديث بريدة وأبي موسى، رواهما مسلم وقال: "وقت المغرب ما لم يغب الشفق". 2 رواه مسلم. وهذه نصوص صحيحة لا يجوز مخالفتها بشيء محتمل. وأحاديثهم محمولة على تأكيد فعلها في أول وقتها، ولو تعارضت وجب النسخ، لأنها في أول فرض الصلاة، وأحاديثنا بالمدينة.
"والشفق: الحمرة"، هذا قول ابن عمر وابن عباس ومالك والشافعي. و"عن أنس ما يدل على أنه البياض"، اختاره ابن المنذر، لحديث ابن بشير أنه يصلي العشاء لسقوط القمر لثالثة. ولنا: قوله صلى الله عليه وسلم:  "وقت المغرب ما لم يسقط فور الشفق". 3 رواه أبو داود. وروي: "  ثور الشفق"، وفوره: فورانه، وثوره: ثوران حمرته. وما رووه ليس فيه أنه أول الوقت، ولا نعلم خلافاً في استحباب تعجيلها، إلا ما ذكرنا من اختلافهم في الغيم.
ثم العشاء، ولا خلاف في دخول وقتها بغيبوبة الشفق، وإنما اختلفوا في الشفق. وآخره: ثلث الليل، لما في حديث جبرائيل وبريدة. وعنه: نصف الليل، وهو قول المبارك وإسحاق، لما في حديث ابن عمر، رواه مسلم، وفي المتفق عليه من حديث أنس: "أخر صلى الله عليه وسلم العشاء إلى نصف الليل". 4 ويبقى وقت الضرورة إلى طلوع الفجر. وتأخيرها أفضل، ما لم يشق، اختاره أكثر أهل العلم.
وحكي عن الشافعي: أن الأفضل تقديمها، لقوله: "الأول رضوان اللّه، والآخر عفو اللّه". وعن أم فروة، مرفوعاً:
"سئل عن أفضل الأعمال؟ فقال:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 الترمذي: الصلاة (151), والنسائي: المواقيت (502), وأحمد (2/232).
2 مسلم: المساجد ومواضع الصلاة (612), والنسائي: المواقيت (522), وأبو داود: الصلاة (396), وأحمد (2/210, 2/213, 2/223).
3 مسلم: المساجد ومواضع الصلاة (612), والنسائي: المواقيت (522), وأبو داود: الصلاة (396), وأحمد (2/210, 2/213, 2/223).
4 البخاري: مواقيت الصلاة (572), ومسلم: المساجد ومواضع الصلاة (640), والنسائي: المواقيت (539) والزينة (5202), وابن ماجة: الصلاة (692), وأحمد (3/182, 3/189, 3/200 ,3/267).

ص -101-      الصلاة لأول وقتها". 1 رواه أبو داود. ولنا: الأحاديث الصحيحة، وأحاديثهم ضعيفة. أما خبر أول الوقت فيرويه العمري وهو ضعيف، وحديث أم فروة، قال الترمذي: لا يُروى إلا من حديث العمري. ولو ثبت فهي عامة، وأحاديثنا خاصة. قال الأثرم: قلت لأبي عبد اللّه: كم قدر تأخير العشاء؟ قال: يؤخرها بعد أن لا يشق على المأمومين. وقد ترك النبي صلى الله عليه وسلم الأمر بتأخيرها، كراهة المشقة. وروي عنه: "من شق على أمتي، شق اللّه عليه". ولا يستحب تسميتها: "العتمة". "وكان ابن عمر إذا سمع من يقول: "العتمة"، صاح وغضب وقال: إنما هو العِشاء".
ثم الفجر، وتعجيلها أفضل. وعنه: الاعتبار بحال المأمومي؛: فإن أسفروا فالإسفار أفضل، لفعله صلى الله عليه وسلم في العشاء. وقال الثوري: الأفضل الإسفار، لقوله:
"أسفروا بالفجر... إلخ". 2 ولنا: الأحاديث الصحيحة، والإسفار في حديثهم: أن ينكشف ضوء الصبح ويتبين، من قولهم: أسفرت المرأة عن وجهها، إذا كشفته.
ومن أدرك ركعة من الصلاة قبل خروج الوقت، فقد أدرك الصلاة، سواء أخرها لعذر كحائض، أو لغيره. وقال أصحاب الرأي فيمن طلعت الشمس وقد صلى ركعة: تفسد، لأنه قد صار في وقت نهي. ولنا: المتفق عليه:
"من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس، فقد أدرك الصبح". 3 وإنما نهي عن النافلة بدليل ما قبل الطلوع. وهل يدرك بدون الركعة؟ فيه روايتان: إحداهما: لا، وهو مذهب مالك، لظاهر الخبر. والثانية: يدرك بإدراك جزء منها، أي جزء، وهذا قول الشافعي، لقوله:  "من أدرك سجدة... إلخ".
ومتى شك في الوقت، لم يصلّ حتى يتيقن دخوله، أو يغلب على ظنه،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 الترمذي: الصلاة (170), وأبو داود: الصلاة (426).
2 الترمذي: الصلاة (154), والنسائي: المواقيت (548, 549), وأحمد (4/142, 4/143) , والدارمي: الصلاة (1217).
3 البخاري: مواقيت الصلاة (556, 579), ومسلم: المساجد ومواضع الصلاة (608), والترمذي: الصلاة (186), والنسائي: المواقيت (514, 515, 516, 517), وأبو داود: الصلاة (412), وابن ماجة: الصلاة (699), وأحمد (2/236, 2/254, 2/282, 2/306, 2/347, 2/348, 2/399, 2/459, 2/462, 2/474, 2/489, 2/521), ومالك: وقوت الصلاة (5), والدارمي: الصلاة (1222).

 

ص -102-      إلا صلاة العصر في الغيم، لحديث بريدة. قال شيخنا: معناه - واللّه أعلم -: إذا حل فعلها ليقين أو غلبة ظن، لأن وقتها المختار في الشتاء ضيق.
وإذا سمع الأذان من ثقة عالم بالوقت، فله تقليده، لقوله:
"المؤذن مؤتمن". 1 ولم يزل الناس يجتمعون في مساجدهم، ويبنون على قول المؤذن، من غير نكير.
ومن صلى قبل الوقت لم يجز، في قول أكثر أهل العلم. وعن ابن عباس: "في مسافر صلى الظهر قبل الزوال، يجزئه"، ونحوه قول الحسن والشعبي وعن مالك كقولنا. وعنه فيمن صلى العشاء قبل مغيب الشفق، جاهلاً أو ناسياً: يعيد في الوقت. فإن ذهب الوقت قبل علْمه أو ذكره، فلا شيء عليه.
وإن بلغ صبي، أو أسلم كافر، أو طهرت حائض، قبل طلوع الشمس بقدر تكبيرة، لزمهم الصبح. وإن كان قبل غروب الشمس، لزمهم الظهر والعصر. و"إن كان قبل طلوع الفجر، لزمهم المغرب والعشاء؛ روي هذا في الحائض عن عبد الرحمن بن عوف وابن عباس". قال أحمد: عامة التابعين، إلا الحسن وحده قال: لا يجب إلا الصلاة التي تطهرت في وقتها وحدها، وهو قول أصحاب الرأي. وحكي عن مالك: إن أدركت قدر خمس ركعات من وقت الثانية، وجبت الأولى؛ والقدر الذي يتعلق به الوجوب: قدر تكبيرة الإحرام. وقال الشافعي: "قدر ركعة، لأنه الذي روي عن عبد الرحمن وابن عباس في الحائض". فإن أدرك من وقت الأولى من صلاتي الجمع قدراً تجب به، ثم طرأ عليه العذر، ثم زال بعد خروج وقتهما، وجبت الأولى. وهل يجب قضاء الثانية؟ على روايتين.
ومن فاتته صلوات، لزمه قضاؤها على الفور مرتباً، قلّت أو كثرت. و"روي عن ابن عمر ما يدل على وجوب الترتيب"، ونحوه عن الزهري ومالك.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 الترمذي: الصلاة (207), وأبو داود: الصلاة (517), وأحمد (2/377)

 

ص -103-      وقال الشافعي: لا يجب. ولنا: "أنه صلى الله عليه وسلم فاتته أربع صلوات، فقضاهن مرتباً، وقال: صلوا كما رأيتموني أصلي". 1 ولأحمد حديث أبي جمعة: "أنه صلى الله عليه وسلم عام الأحزاب صلى المغرب، فلما فرغ أخبروه أنه لم يصل العصر، فأمر المؤذن،فأقام فصلى العصر، ثم أعاد المغرب". 2 وقال مالك وأبو حنيفة: لا يجب الترتيب في أكثر من صلاة يوم وليلة، فإن ذكر أن عليه صلاة وهو في أخرى، والوقت متسع، أتمها وقضى الفائتة، ثم أعاد الصلاة التي كان فيها؛ وهذا قول مالك والليث وإسحق في المأموم. وعن أحمد في المنفرد روايتان: إحداهما: يقطع الصلاة. والثانية: يتم، فإن حضرت جماعة في صلاة الحاضرة، فقال أحمد في رواية أبي داود، فيمن عليه صلوات فأدركته الظهر: يصلي مع الإمام الظهر، ويحسبها من الفوائت، ويصلي الظهر في آخر الوقت. وفيه رواية ثالثة، إذا كثرت الفوائت بحيث لا يتسع لها وقت الحاضرة: أنه يصلي الحاضرة في أول وقتها. وذكر ابن عقيل فيمن عليه فائتة وخشي فوات الجماعة، روايتين.
ويجب القضاء على الفور، وإن كثرت، ما لم يلحقه مشقة. ولا يصلي سننها، لأنه لم ينقل عنه صلى الله عليه وسلم يوم الخندق. فإن كانت صلاة واحدة، فلا بأس بقضاء سنتها، "لأنه صلى الله عليه وسلم لما فاتته صلاة الفجر، صلى سنتها قبلها". وقال مالك: يبدأ بالمكتوبة. والأول أولى لما ذكرنا من الحديث.
ومن أسلم في دار الحرب فترك صلاة أو صياماً لا يعلم وجوبه، لزمه قضاؤه. وقال أبو حنيفة: لا يلزمه. وإن صلى الحاضرة ناسياً للفائتة، ولم يذكرها حتى فرغ، فليس عليه إعادة. وقال مالك: يجب الترتيب مع النسيان، لحديث أبي جمعة. ولنا: قوله:
"عُفي لأمتي الخطأ والنسيان". وحديث أبي جمعة فيه ابن لهيعة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 البخاري: الأذان (631), ومسلم: المساجد ومواضع الصلاة (674), والنسائي: الأذان (635), وأحمد (3/436, 5/52), والدارمي: الصلاة (1253).
2 أحمد (4/106).

 

ص -104-      ومن هنا إلى آخر الباب: من "الإنصاف":
وقال الشيخ: الأشهر عندنا: إنما يكره الإكثار حتى يغلب على الاسم، وإن مثلها في الخلاف تسمية المغرب بالعشاء، يعني: تسمية العشاء العتمة. وقال: يعمل بقول المؤذن في دخول الوقت، مع إمكان العلم بدخول الوقت، وهو مذهب أحمد وسائر العلماء المعتبرين، كما شهدت به النصوص. انتهى.
ومن أدرك قدر تكبيرة... إلخ، وعنه: لا بد أن يمكنه الأداء، اختاره الشيخ. واختار أنه لا تترتب الأحكام إلا أن يتضايق الوقت عن فعل الصلاة، ثم يوجد المانع، وذكر الخلاف فيما إذا طرأ مانع أو تكليف، هل يعتبر بتكبيرة أو ركعة، واختار بركعة في التكليف. وقال ابن رجب في شرح البخاري: وقع في كلام طائفة من أصحابنا المتقدمين أنه لا يجزئ فعل الصلاة إذا تركها عمداً، منهم الجوزجاني وأبو محمد البربهاري وابن بطة.

 

ص -105-      باب ستر العورة
وعورة الرجل والأمة: ما بين السرة والركبة. وعنه: أنها الفرجان، قال البخاري: حديث أنس أسند، وحديث جرهد أحوط. وأما الأمة فعورتها: ما بين السرة والركبة، وهو مذهب الشافعي. وقال الحسن في الأمة إذا تزوجت أو اتخذها الرجل لنفسه: يجب عليها الخمار. ولنا: "أن عمر نهى الإماء عن التقنع"، واشتهر فلم ينكر. وذكر أبو الخطاب رواية: أن عورتها: الفرجان، كما ذكر شيخنا في الكتاب المشروح.
و الحرة كلها عورة، إلا الوجه. وفي الكفين روايتان.
أما وجه الحرة فإنه يجوز كشفه في الصلاة، بغير خلاف نعلمه. وعنه في الكفين: تكشفهما، وهو قول مالك والشافعي، لما روي عن ابن عباس وعائشة في قوله:
{إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا}: 1 "الوجه والكفين". وعنه: أنهما من العورة، لقوله صلى الله عليه وسلم: "المرأة عورة". 2 صححه الترمذي. وقول ابن عباس وعائشة خالفه ابن مسعود فقال: "الثياب وما سوى الوجه والكفين، يجب ستره في الصلاة"، وهو قول مالك والشافعي.
وقال أبو حنيفة: القدمان ليسا من العورة، ولنا: قوله تعالى:
{وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا}، 3 وحديث أم سلمة، وفيه: "نعم، إذا كان سابغاً يغطي ظهور قدميها"، وما عدا ما ذكر، فعورة بالإجماع، لقوله: "لا يقبل اللّه صلاة حائض إلا بخمار". 4

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 سورة النور آية: 31.
2 الترمذي: الرضاع (1173).
3 سورة النور آية: 31.
4 الترمذي: الصلاة (377), وأبو داود: الصلاة (641), وابن ماجة: الطهارة وسننها (655), وأحمد (6/150, 6/218, 6/259).

 

ص -106-      ويستحب أن يصلي في ثوبين، لقول عمر: "إذا وسّع اللّه عليكم فوسّعوا، صلّى رجل في إزار ورداء... إلخ".
ولا يجزئ إلا ما ستر العورة عن غيره ونفسه، فلو كان القميص واسع الجيب، يرى عورته إذا ركع أو سجد، لم تصح، لقوله:
"ازرره، ولو بشوكة". ويجب عليه أن يضع على عاتقه شيئاً من اللباس مع القدرة، اختاره ابن المنذر، وأكثر أهل العلم على خلافه. ولنا: قوله صلى الله عليه وسلم: "لا يصلّ الرجل في الثوب الواحد، ليس على عاتقه منه شيء". 1 رواه مسلم. وقال القاضي وأبو الخطاب: يجب ستر المنكبين، لقوله: "إذا صلى أحدكم في ثوب واحد، فليخالف بين طرفيه على عاتقيه". 2 صحيح.
و"يستحب للمرأة أن تصلي في درع وخمار وملحفة"، روي ذلك عن عمر وابنه وعائشة. قال أحمد: اتفق عامتهم على درع وخمار، وما زاد فهو خير وأستر. ويكره لها النقاب وهي تصلي، قال ابن عبد البر أجمعوا على أن على المرأة أن تكشف وجهها في الصلاة والإحرام.
وإذا انكشف من العورة يسير لا يفحش، لم تبطل. وقال التميمي: إن بدت وقتاً واستترت وقتاً لم يعد، لحديث عمرو بن سلمة، فلم يشترط اليسير.
ومن لم يجد إلا ثوباً نجساً، صلى فيه، لأن ستر العورة آكد من إزالة النجاسة. وقال الشافعي: يصلي عرياناً، فإن عدم صلى جالساً يومئ إيماء، وإن صلى قائماً جاز. وعنه: يصلي قائماً ويسجد بالأرض، وقاله مالك والشافعي وابن المنذر، لقوله:
"فإن لم تستطع فقاعداً". 3 ويصلي العراة جماعة، وإمامهم وسطهم، وقال مالك: يصلون أفراداً، ويتباعد بعضهم عن بعض، وإن كانوا في ظلمة صلوا جماعة ويقدمهم إمامهم.
ويكره في الصلاة السدل، وهو أن يطرح على كتفيه ثوباً ولا يرد طرفيه

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 البخاري: الصلاة (359), ومسلم: الصلاة (516), والنسائي: القبلة (769), وأبو داود: الصلاة (626), وأحمد (2/243, 2/255, 2/464), والدارمي: الصلاة (1371).
2 البخاري: الصلاة (359), ومسلم: الصلاة (516), والنسائي: القبلة (769), وأبو داود: الصلاة (626), وأحمد (2/255), والدارمي: الصلاة (1371).
3 البخاري: الجمعة (1117), وأبو داود: الصلاة (952).

 

ص -107-      على الكتف الأخرى، لقول أبي هريرة: "إنه صلى الله عليه وسلم نهى عن السدل في الصلاة". 1 رواه أبو داود. فإن رد أحد طرفيه على الكتف الأخرى، أو ضم طرفيه بيديه، لم يكره. وروي عن جابر وابن عمر: "الرخصة في السدل". قال ابن المنذر: لا أعلم حديثاً يثبت، وحكاه الترمذي عن أحمد.
ويكره اشتمال الصماء، وهو أن يضطبع بثوب ليس عليه غيره. وعنه: يكره، وإن كان عليه غيره. و"يكره تغطية الأنف، قياساً على الفم"، روي عن ابن عمر. وعنه: لا يكره لتخصيص النهي بالفم.
ويكره لف الكم، لقوله:
"ولا أكف شعراً ولا ثوباً". 2 ويكره شد الوسط بما يشبه شد الزنار، فأما ما لا يشبه فلا يكره. قال أحمد: لا بأس به، أليس قد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا يصلّ أحدكم إلا وهو محتزم". 3؟ وسئل عن: الرجل يصلي وعليه القميص، يأتزر بالمنديل فوقه؟ قال: نعم، "فعل ذلك ابن عمر". ولا يجوز لبس ما فيه صورة حيوان، لقوله: "لا تدخل الملائكة بيتاً فيه كلبٌ ولا صورة". 4 وقيل: لا يحرم، لأن في آخر الخبر: "إلا رقماً في ثوب". متفق عليه.
و"يكره التصليب في الثوب"، لحديث عائشة. وإن لبس الحرير لمرض أو حكة، أو في الحرب، أو لبسه الصبي، فعلى روايتين. و"لا بأس بلبس الخز"، روي عن عمران وأنس وأبي هريرة والحسن بن علي وابن عباس وغيرهم.
ويكره للرجل لبس المزعفر والمعصفر، "فأما الأحمر فقيل: يكره، وهو مذهب ابن عمر". والصحيح: لا بأس به، لقوله: "رأيت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم في حلة حمراء". 5 وحديث رافع في إسناده مجهول، ويحتمل أنها معصفرة، ولو قدر التعارض، فأحاديثنا أصح.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 الترمذي: الصلاة (378), وأبو داود: الصلاة (643), وأحمد (2/295), والدارمي: الصلاة (1379).
2 البخاري: الأذان (816), ومسلم: الصلاة (490), والترمذي: الصلاة (273), والنسائي: التطبيق (1093, 1096, 1097, 1098, 1113, 1115), وأبو داود: الصلاة (889, 890), وابن ماجة: إقامة الصلاة والسنة فيها (883, 884, 1040), وأحمد (1/221, 1/255, 1/270, 1/279, 1/285, 1/292, 1/305, 1/324), والدارمي: الصلاة (1318, 1319).
3 أحمد (2/458).
4 البخاري: بدء الخلق (3225), ومسلم: اللباس والزينة (2106), والترمذي: الأدب  (2804), والنسائي: الصيد والذبائح (4282) والزينة (5347, 5348, 5350), وأبو داود: اللباس (4153 ,4155), وابن ماجة: اللباس (3649), وأحمد (4/28, 4/29, 4/30).
5 البخاري: المناقب (3551), ومسلم: الفضائل (2337), والترمذي: اللباس (1724) والمناقب (3635), والنسائي: الزينة (5060, 5062, 5233, 5314), وأبو داود: الترجل (4183), وأحمد (4/290, 4/300).

 

ص -108-      ومن هنا إلى آخر الباب: من "الإنصاف":
ولا يلزم سترها بالطين، قال الشيخ: وهو الصواب المقطوع به. وقال: لا يختلف المذهب أن ما بين السرة والركبة من الأمة عورة. وحكى جماعة أصحابنا أنها السوأتان فقط، وهذا غلط قبيح فاحش، خصوصاً وعلى الشريعة عموماً.
قوله: إلا الوجه، قال الشيخ: التحقيق أنه ليس بعورة في الصلاة، وهو عورة في باب النظر، إذ لم يجز.
وفي الكفين روايتان: الثانية: ليسا بعورة، اختاره الشيخ. واختار أن القدمين ليسا بعورة. ولا يصح نفل آبق، قال الشيخ: بطلان فرضه قوي، ولو غير هيئة مسجد فكغصب. وإن منعه غيره أو زحمه وصلى مكانه، ففي الصحة وجهان، قال الشيخ: الأقوى البطلان.
وقال الشيخ: يحرم لبس شهرة، وهو ما قصد به الارتفاع، أو إظهار التواضع، لكراهة السلف لذلك. وحرم أيضاً الإسراف في المباح. واختار جواز لبس الحرير للكافر. قال: وعلى قياسه: بيع آنية الذهب والفضة لهم، وإذا جاز بيعها لهم جاز صنعها لبيعها لهم، وعملها لهم بالأجرة، فإذا استوى وما نسج معه فعلى وجهين، قال الشيخ: الأشبه يحرم، لعموم الخبر. انتهى.
وظاهر كلام المصنف: دخول الخز في الخلاف، والصحيح من المذهب: إباحة الخز، نص عليه. وفرّق أحمد بأنه لبس الصحابة، وبأنه لا سرف فيه ولا خيلاء. وقال أبو بكر: يباح العلَم وإن كان مذهّبا، وهو رواية اختارها الشيخ. وقال: إطالة الذؤابة كثيراً من الإسبال. وقال: الأفضل مع القميص السراويل، من غير حاجة إلى الإزار والرداء.

 

ص -109-      باب اجتناب النجاسة
الطهارة في بدن المصلي وثوبه شرط للصلاة، في قول أكثر أهل العلم. وروي عن ابن عباس: "ليس على ثوبٍ جنابة"، ونحوه عن أبي مجلز والنخعي. وسئل سعيد بن جبير عن الرجل يرى في ثوبه الأذى وقد صلى فيه قال: "اقرأ عليَّ الآية التي فيها غسل الثياب". ولنا: حديث القبرين، وحديث أسماء: "سئل عن ثوب الحائض إذا طهرت تصلي فيه؟ قال: تنظر، فإن رأت فيه دماً فلتقرصه بشيء من ماء، ولتنضح ما لم تره". 1 رواه أبو داود. فإن حمل صبياً، لم تبطل لحمله أمامة، لأن ما فيه من النجاسة، كالذي في جوف المصلي.
وإنْ طيّن الأرض النجسة، أو بسط عليها شيئاً طاهراً، صحت صلاته مع الكراهة، وهو قول مالك والشافعي. ولا بأس بالصلاة على الحصير والبسط من الصوف والشعر وسائر الطاهرات، في قول عوام أهل العلم. وعن جابر: "أنه كره الصلاة على كل شيء من الحيوان، واستحب الصلاة على كل شيء من نبات الأرض"، ونحوه عن مالك، إلا أنه قال في بساط الصوف: إذا كان سجوده على الأرض لم أر بالقيام عليه بأساً. ومتى وجد عليه نجاسة لا يعلم هل كانت في الصلاة أم لا، صحت. وإن علم أنها كانت فيها، لكن جهلها أو نسيها، ففيه روايتان: إحداهما: "لا تفسد صلاته"، وهو قول ابن عمر وعطاء وابن المسيب وابن المنذر. والثانية: يعيد،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 أبو داود: الطهارة (360), والدارمي: الطهارة (1018).

 

ص -110-      وهو قول الشافعي. وقال مالك: يعيد ما دام في الوقت. ووجه الأولى: حديث النعلين؛ فإن علم بها في أثناء الصلاة وأمكنه إزالتها من غير عمل كثير، أزالها، وإلا بطلت.
ولا تصح الصلاة في المقبرة والحمام والحش وأعطان الإبل والمغصوب. وعنه: تصح مع التحريم. ومذهب الشافعي: الصحة، لقوله:
"جُعلت لي الأرض مسجداً... إلخ". 1 وأحاديث النهي خاصة تقدم على العموم. قال أحمد: تُصلى الجمعة في موضع الغصب، يعني: إذا كان الجامع مغصوباً وصلى الإمام فيه، فامتنع الناس، فاتتهم الجمعة، ومن امتنع فاتته. وقال بعض أصحابنا: "حكم المجزرة والمزبلة وقارعة الطريق وأسطحتها كذلك"، لحديث ابن عمر، رواه ابن ماجة. والصحيح: جواز الصلاة فيها، وهو قول أكثر أهل العلم، لقوله: "جُعلت لي الأرض مسجداً"، استثنى منه المقبرة والحمام ومعاطن الإبل، بأحاديث صحيحة؛ فيبقى ما عداها على العموم. فأما أسطحتها، فالصحيح قصر النهي على ما تناوله النص.
ومن هنا إلى آخر الباب: من "الإنصاف":
ولو علم أنها كانت في الصلاة، لكن جهلها أو نسيها، فاختار الشيخ: لا يعيد. ولا يضر قبر ولا قبران، وقيل: يضر، اختاره الشيخ. وفي الهدي: لو وضع المسجد والقبر معاً، لم يجز ولم تصح الصلاة ولا الوقف. واختار الشيخ أن الصلاة لا تصح إلى المقبرة والحش. وعنه: يكره دخول بيعة وكنيسة مع الصور. وظاهر كلام جماعة: يحرم دخوله معها، قال الشيخ: هي كالمسجد على القبر، قال: وليست ملكاً لأحد، وليس لهم منع من يعبد اللّه، لأنا صالحناهم عليه.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 البخاري: التيمم (335), ومسلم: المساجد ومواضع الصلاة (521), والنسائي: الغسل والتيمم (432) والمساجد (736), وأحمد (3/304), والدارمي: الصلاة (1389).

 

ص -111-      باب استقبال القبلة
الأصل فيها: قوله تعالى: {وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ} 1 أي: نحوه كما أنشدوا:

ألا مــن مبلّــغ عمراً رسـولا    وما تغــني الرسـالة شطر عمرو

أي: نحوه، وتقول العرب: لا تشاطروننا، إذا كانت بيوتهم تقابل بيوتهم.
ولا نعلم خلافاً في إباحة التطوع على الراحلة في السفر الطويل، وأما القصير فتباح فيه أيضاً، وهو مذهب الشافعي. وقال مالك: لا تباح إلا في الطويل، ولنا: قوله تعالى:
{ولله المشرف والمغرب} الآية. 2 قال ابن عمر: "نزلتْ في التطوع خاصة، حيث توجّه بك بعيرك". ولا تباح للماشي في حال مشيه، قال أحمد: ما أعلم أحداً قال في الماشي يصلي، إلا عطاء. وعنه: يصلي ماشياً فيفتتح الصلاة إلى القبلة، ثم ينحرف إلى جهة سيره، وهذا مذهب الشافعي، ويركع ويسجد بالأرض.
وإن أمكنه معاينة الكعبة،ففرضه الصلاة إلى عينها، لا نعلم فيه خلافاً. قال أحمد: ما بين المشرق والمغرب قبلة، يعني: فمن بعد، فإن انحرف قليلاً لم يعدّ. وقال الشافعي في أحد قوليه: فرضه إصابة العين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 سورة البقرة آية: 144.
2 سورة البقرة آية: 115.

 

ص -112-      باب النية
لا تنعقد الصلاة إلا بها لقوله تعالى:
{وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} 1.
والإخلاص عمل القلب، وهو أن يقصد بعمله اللّه تعالى وحده دون غيره، وينوي الأداء في الحاضرة والقضاء في الفائتة؛ وهل يجب ذلك؟ على وجهين. ويأتي بالنية عند تكبيرة الإحرام، فإن تقدمت بزمن يسير جاز. وقال الشافعي وابن المنذر: يشترط مقارنتها للتكبيرة، للآية المتقدمة، أي: مخلصين حال العبادة.
وإن أحرم منفرداً ثم نوى الائتمام، لم يصح في أصح الروايتين. وإن نوى الإمامة صح في النفل ولم يصح في الفرض، ويحتمل أن يصح وهو أصح عندي، لأنه ثبت في النفل بحديث ابن عباس، والأصل المساواة. ومما يقويه حديث جابر وجبار في الفرض. وإن أحرم مأموماً ثم نوى الانفراد لعذر، جاز، لقصة معاذ.
و"إذا سبق الإمام الحدثُ، فله أن يستخلف من يتم بهم الصلاة"، روي ذلك عن عمر وعلي، وهو قول الشافعي. فإن لم يستخلف وصلّوا وحداناً، جاز، لحديث معاوية. قال الزهري في إمام ينوبه الدم أو يرعف: ينصرف، وليقلْ: أتموا صلاتكم. فإن فعل ما يفسدها عامداً بطلت صلاتهم، وإن كان عن غير عمد لم تفسد صلاتهم. وأما هو إذا سبقه الحدث فيستأنفها، لحديث

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 سورة البينة آية: 5.

 

ص -113-      علي بن طلق: "إذا فسا أحدكم في صلاته، فلينصرف فليتوضأ، وليعِد صلاته". 1 رواه أبو داود. وعنه: "يتوضأ ويبني"، روي عن ابن عمر وابن عباس. وعنه: إن كان الحدث من السبيلين ابتدأ، وإن كان من غيرهما بنى، لأن الأثر إنما ورد في غيرهما.
وإن أحرم إمام لغيبة إمام الحي، ثم حضر الإمام في أثناء الصلاة فأحرم بهم وبنى على صلاة خليفته، وصار الإمام مأموماً، فهل يصح ؟ على وجهين: روي عنه فيها ثلاث روايات: إحداهن: يصح، لحديث سهل، وما فعله صلى الله عليه وسلم جائز لأمته، ما لم يقم دليل الاختصاص. وعنه: يجوز للخليفة دون بقية الأئمة. وعنه: لا يصح لاحتمال الاختصاص، ولهذا قال أبو بكر: "ما كان لابن أبي قحافة أن يتقدم بين يدي رسول اللّه صلى الله عليه وسلم".
ومن هنا إلى آخر الباب: من "الإنصاف":
فإن تقدمت بالزمن اليسير، جاز، وقيل: وبطوله ما لم يفسخها، اختاره الشيخ.
وقال: يحرم خروجه لشكه في النية، للعلم بأنه ما دخل إلا بالنية. وإذا أحرم منفرداً ثم نوى الإمامة صح في النفل، واختاره الشيخ في الفرض والنفل. وإن عين إماماً فأخطأ لم يصح، وإن عين جنازة فأخطأ فوجهان. وقال الشيخ: إن عين وقصده خلف من حضر وعلى من حضر صح وإلا فلا، ولو لم يستخلف الإمام وصلّوا وحداناً صح. واحتج أحمد بأن معاوية 2 لما طعن صلّوا وحداناً. قال المجد: لا تختلف الرواية عن أحمد: "أنه صلى الله عليه وسلم لما خرج في مرضه بعد دخول أبي بكر في الصلاة، أنه كان إماماً لأبي بكر، وأبو بكر كان إماماً للناس" 3.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 أبو داود: الصلاة (1005).
2 كذا في النسخة الخطية 465/86 في المكتبة السعودية بالرياض ولعل صوابه: عمر.
3 البخاري: الأذان (683), ومسلم: الصلاة (418), والترمذي: الصلاة (362), وابن ماجة: إقامة الصلاة والسنة فيها (1232, 1233), وأحمد (6/159).

 

ص -114-      باب صفة الصلاة
ومن هنا نقلته من المغني: ويستحب أن يقبل إليها بخوف وخشوع، وعليه السكينة والوقار. وإن سمع الإقامة لم يسعَ إليها، قال أحمد: لا بأس إذا طمع أن يدرك التكبيرة الأولى أن يسرع شيئاً ما لم تكن عجلة تقبح، هكذا جاء الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم. ويستحب أن يقارب بين خطاه لتكثر حسناته، لحديث زيد بن ثابت.
ويكره أن يشبك بين أصابعه، لحديث كعب بن عجرة.
ويستحب أن يقول ما روى ابن عباس:
"أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج إلى الصلاة وهو يقول: اللّهم اجعل في قلبي نوراً، وفي لساني نوراً. واجعل في سمعي نوراً. واجعل في بصري نوراً. واجعل من خلفي نوراً، ومن أمامي نوراً. واجعل من فوقي نوراً، ومن تحتي نوراً. وأعطني نوراً" 1. رواه مسلم.
وإذا دخل المسجد قدّم رجله اليمنى، وقال ما رواه مسلم عن أبي حميد - أو أبي أسيد - قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم:
"إذا دخل أحدكم المسجد فليقلْ: اللّهم افتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج قال: اللّهم إني أسألك من فضلك". 2 ولا يجلس حتى يصلي ركعتين، لحديث أبي قتادة.
و إذا أقيمت الصلاة لم يشتغل بنافلة، سواء خشي فوات الركعة الأولى أو لم يخش، وبه قال الشافعي. وعن ابن مسعود: "أنه دخل والإمام في صلاة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 مسلم: صلاة المسافرين وقصرها (763), وأبو داود: الصلاة (1353), وأحمد (1/373).
2 مسلم: صلاة المسافرين وقصرها (713), والنسائي: المساجد (729), وأبو داود: الصلاة (465), وابن ماجة: المساجد والجماعات (772), وأحمد (3/497, 5/425), والدارمي: الصلاة (1394) والاستئذان (2691).

 

ص -115-      الصبح، فركع ركعتي الفجر"، وهذا مذهب الحسن ومجاهد. وقال مالك: إن لم يخف فوات الركعة، ركعهما خارج المسجد. وقال أبو حنيفة: يركعهما، إلا أن يخاف فوات الركعة الأخيرة. ولنا: قوله صلى الله عليه وسلم:  "إذا أقيمت الصلاة، فلا صلاة إلا المكتوبة". 1 رواه مسلم.
قال ابن عبد البر في هذه المسألة: الحجة عند التنازع: السنة؛ فمن أدلى بها فقد أفلح، ومن استعملها فقد نجا. انتهى.
وإن أقيمت وهو في النافلة ولم يخش فوات الجماعة، أتمها.
وقيل لأحمد: تقول قبل التكبير شيئاً؟ قال: لا. يعني: ليس قبله دعاء مسنون. ويستحب أن يقوم عند قوله: "قد قامت الصلاة"؛ وبه قال مالك. وقال الشافعي: إذا فرغ من الإقامة. وكان الزهري وغيره يقومون عند بدئه في الإقامة. وقال أبو حنيفة: يقوم إذا قال: "حيّ على الصلاة"، فإذا قال: "قد قامت الصلاة"، كبّر. وكان أصحاب عبد اللّه يكبّرون إذا قال المؤذن: "قد قامت الصلاة"، واحتجوا بقول بلال: "لا تسبقني بآمين"، فدل على أنه يكبّر قبل فراغه. ولا يستحب عندنا أن يكبّر إلا بعد فراغه، وهو قول الشافعي وأبي يوسف، وعليه جمهور أئمة الأمصار. وإنما كان النبي صلى الله عليه وسلم يكبر بعد فراغه، يدل على أنه كان يعدل الصفوف بعد الإقامة، كما في حديث أنس وغيره: "أُقيمت الصلاة، فأقبل علينا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم... إلخ " 2.
ويقول في الإقامة مثل قول المؤذن، لما روى أبو داود:
"أن بلالاً لما قال: قد قامت الصلاة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: أقامها اللّه وأدامها"، 3 وقال في سائر الإقامة كنحو حديث عمر في الأذان. فأما أحاديثهم فإن بلالاً كان يقيم في موضع أذانه، وإلا فليس في الفراغ منها ما يفوت آمين، وإنما

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 مسلم: صلاة المسافرين وقصرها (710), والترمذي: الصلاة (421), والنسائي: الإمامة (865, 866), وأبو داود: الصلاة (1266), وابن ماجة: إقامة الصلاة والسنة فيها  (1151), وأحمد (2/352, 2/455, 2/517, 2/531), والدارمي: الصلاة (1448).
2 البخاري: الأذان (719), والنسائي: الإمامة (814, 845), وأحمد (3/263).
3 أبو داود: الصلاة (528).

 

ص -116-      كانوا يقومون إذا كان الإمام في المسجد أو قريباً منه. قال أحمد: أذهب إلى حديث أبي هريرة: "خرج علينا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وقد أقمنا الصفوف"، إسناده جيد: الزهري عن أبي سلمة عنه. وفي لفظ:"ينبغي أن تقام الصفوف قبل أن يدخل الإمام"، فلا يحتاج أن يقف.
ويستحب للإمام تسوية الصفوف، فليلتفت عن يمينه فيقول: استووا رحمكم اللّه، وعن يساره كذلك. ولا تنعقد إلا بقول: "اللّه أكبر"، وعليه عوام أهل العلم. وقال أبو حنيفة: تنعقد بكل اسم للّه على وجه التعظيم، وهذا يخالف الأخبار.
وتكبيرة الإحرام ركن، لا تسقط عمداً ولا سهواً، وهذا قول مالك والشافعي. وعن الحكم والأوزاعي: من نسيها، كفاه تكبيرة الركوع. ويستحب للإمام الجهر بالتكبير ليسمع من خلفه، لحديث جابر: "فإذا كبّر رسول اللّه، كبّر أبو بكر ليسمعنا". 1 فإن مدّ ألف "اللّه" بحيث يجعله استفهاماً، أو باء "أكبر" بحيث يصير جمع كبر وهو الطبل، لم يجز. ولا يجزيه التكبيرة بغير العربية، وقال أبو حنيفة: يجزيه، لقوله:
{وذكر اسم ربه فصلى}. 2 وعليه أن يأتي بالتكبير قائماً، فإن انحنى بحيث يصير راكعاً لم تنعقد. ولا يكبر حتى يفرغ إمامه من التكبير، وقال أبو حنيفة: يكبّر معه. ولا نعلم خلافاً في استحباب رفع اليدين عند افتتاح الصلاة، وهو مخير في رفعهما إلى فروع أذنيه أو حذو منكبيه؛ وميل أحمد إليه أكثر، لأن رواته أكثر وأقرب إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وجوّز الأول لأن صحة روايته تدل على أنه فعله.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 مسلم: الصلاة (413), والنسائي: الإمامة (798) والسهو (1200), وابن ماجة: إقامة الصلاة والسنة فيها (1240), وأحمد (3/334).
2 سورة الأعلى آية: 15.

 

ص -117-      ويمد أصابعه ويضم بعضها إلى بعض، لحديث: "رفع يديه مداً". وقال الشافعي: يفرق أصابعه، لحديث: "كان ينشر أصابعه للتكبير". ولنا: ما ذكرنا، وحديثهم: قال الترمذي: هذا خطأ، ولو صح فمعناه المد، قال أحمد: أهل العربية قالوا: هذا الضم، وضم أصابعه وهذا المد، ومد أصابعه وهذا التفريق، وفرق أصابعه.
وإن كانت يداه في ثوبه رفعهما بحيث يمكن، لحديث وائل ابن حجر.
وفي المرأة روايتان: فروى عن أم الدرداء وحفصة بنت سيرين أنهما يرفعان، قال أحمد: رفع دون رفع.
ومن سننها: وضع اليمنى على اليسرى في قول كثير من أهل العلم. و"يستحب أن يضعها على كوعه وما يقاربه"، لحديث وائل،   و"يضعهما تحت السرة"، لحديث علي، وعنه: فوق السرة، لحديث وائل، وفيه: "فوضع يديه على صدره".
والاستفتاح من سننها في قول أكثر أهل العلم. وكان مالك لا يراه، لحديث أنس: "كان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر يستفتحون الصلاة بـ
{الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}". ولنا: "أنه صلى الله عليه وسلم كان يستفتح"، وعمل به الصحابة. و"كان عمر يجهر به ليعلمه الناس". و"أنس أراد القراءة كما في قوله: قسمت الصلاة... إلخ"، وقولُ عائشة: "كان يفتتح الصلاة بالتكبير والقراءة بـ{الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}". 1 ويتعين هذا لأنه ثبت عن الذي روى عنهم أنس الاستفتاح. وذهب أحمد إلى قوله: "سبحانك اللّهم وبحمدك... إلخ"، 2 وقال: إن استفتح بغيره مما روي عنه صلى الله عليه وسلم كان حسناً؛ وهذا قول أكثر أهل العلم. وذهب الشافعي إلى حديث علي: "وجهت وجهي... إلخ"، وبعض رواته يقول في صلاة الليل، ولا نعلم أحدًا يستفتح به كله. وقراءة "الفاتحة" ركن لا تصح إلا بها لحديث عبادة.
ويبتدئها بالبسملة، في قول

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 مسلم: الصلاة (498), وأبو داود: الصلاة (783), وأحمد (6/31, 6/171, 6/194), والدارمي: الصلاة (1236).
2 الترمذي: الصلاة (243), وابن ماجة: إقامة الصلاة والسنة فيها (806).

 

ص -118-      أكثر أهل العلم. وقال مالك: "لا يقرأها"، لحديث أنس وابن المغفل؛ وهما محمولان على ترك الجهر، جمعاً بين الأخبار. والجهر بها غير مسنون، قال الترمذي: وعليه العمل عند أكثر أهل العلم من أصحاب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ومن بعدهم من التابعين. وقال الشافعي: يجهر بها. ولنا: حديث أنس وابن المغفل وعائشة وغيرهم، وأخبار الجهر ضعيفة، فإن رواتها هم رواة الإخفاء، وإسناد الإخفاء صحيح.
واختلفت الرواية عن أحمد، هل هي آية من "الفاتحة" تجب قراءتها أو لا؟ وعنه: أنها آية مفردة تنـزل بين كل سورتين. والمستحب أن يأتي بها مرتلة معربة، يقف عند كل آية، لقوله تعالى:
{وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً}، 1 ولحديث أم سلمة وأنس. قال أحمد: يعجبني من قراءة القرآن السهلة، [وقال:] 2 قوله: "زينوا القرآن بأصواتكم" قال: يحسّنه بصوته من غير تكلف.
وتجب قراءة "الفاتحة" في كل ركعة، وهو مذهب مالك والشافعي. وعن أحمد أنها لا تجب إلا في ركعتين من الصلاة، ونحوه عن الثوري. وعن الحسن: إن قرأ في ركعة واحدة أجزأه، لقوله:
{فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ}.3 ولنا: "أنه صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الأوليين من الظهر بأم الكتاب وسورتين، ويطولّ الأولى ويقصر الثانية، ويسمع الآية أحياناً، وفي الركعتين الأخريين بأم الكتاب". 4 متفق عليه. وقال: "صلوا كما رأيتموني أصلي". 5 فإن لم يحسن "الفاتحة"، وكان يحفظ غيرها من القرآن، قرأ منه بقدرها، لا يجزئه غير، لقوله في حديث رفاعة: "فإن كان معك قرآن فاقرأ به، وإلا فاحمد اللّه وهلِّله وكبره". 6

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 سورة المزمل آية: 4.
2 النسائي: الافتتاح (1015), وأبو داود: الصلاة (1468), وابن ماجة: إقامة الصلاة والسنة فيها (1342), وأحمد (4/283, 4/285, 4/296, 4/304), والدارمي: فضائل القرآن (3500).
3 ما بين القوسين زيادة من المخطوطة 465/86 (المكتبة السعودية) بالرياض.
4 البخاري: الأذان (776), ومسلم: الصلاة (451), والنسائي: الافتتاح (977), وأبو داود: الصلاة (798), وأحمد (5/307), والدارمي: الصلاة (1293).
5 البخاري: الأذان (631), ومسلم: المساجد ومواضع الصلاة (674), والنسائي: الأذان (635), وأحمد (3/436, 5/52), والدارمي: الصلاة (1253).
6 الترمذي: الصلاة (302), والنسائي: التطبيق (1053) والسهو (1313, 1314), وأبو داود: الصلاة (856), وأحمد (4/340), والدارمي: الصلاة (1329).

 

ص -119-      فإن لم يحسن شيئاً من القرآن ولا أمكنه التعلم قبل خروج الوقت، لزمه أن يقول: سبحان اللّه، والحمد للّه، ولا إله إلا اللّه، واللّه أكبر، ولا حول ولا قوة إلا باللّه، لحديث أبي داود؛ ويحتمل أن يجزئه الحمد والتهليل والتكبير، للحديث المتقدم.
والتأمين عند فراغ "الفاتحة" سنة للإمام والمأموم، وبه قال الشافعي. وقال أصحاب مالك: لا يسن للإمام، لحديث: "إذا قال الإمام:
{غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ} فقولوا آمين ". 1 ولنا: قوله: "إذا أمّن الإمام فأمّنوا". 2 متفق عليه، وحديثهم لا حجة فيه، وإنما فيه تعريف موضع التأمين، وقوله: "إذا أمّن الإمام" أي: شرع في التأمين.
ويسن أن يجهر به الإمام والمأموم فيما يجهر فيه، وإخفاؤه فيما يخفى فيه. وقال أبو حنيفة: يسن إخفاؤه لأنه دعاء. ولنا: "أنه صلى الله عليه وسلم قال:
"آمين"، ورفع بها صوته"، 3 ولأنه أمر بالتأمين عند تأمين الإمام، وما ذكره يبطل بآخر "الفاتحة" فإنه دعاء. ويستحب أن يسكت الإمام عقيب "الفاتحة" سكتة يستريح فيها، وكرهه مالك، ولنا: حديث سمرة.
ولا نعلم خلافاً في أنه يسن قراءة سورة مع "الفاتحة" في الأوليين، ويفتتح السورة بالبسملة. ووافق مالك على هذا، والخلاف هنا كالخلاف في البسملة في أول "الفاتحة".
ولا يكره قراءة أواخر السور وأواسطها، ونقل عنه: الرجل يقرأ من أواسط السور وآخرها؛ قال: أما آخرها فأرجو، وأما أوسطها فلا. ولعله ذهب في آخر السور إلى ما روي عن عبد اللّه وأصحابه، ولم ينقل مثله في أوسطها.
فأما أوائل السور، فلا خلاف أنه غير مكروه؛ "فإنه صلى الله عليه وسلم قرأ من "المؤمنين" إلى ذكر موسى وهارون، ثم أخذته سعلة فركع، وقرأ سورة "الأعراف" في المغرب، فرقها مرتين". 4 رواه النسائي.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 البخاري: الأذان (782), ومسلم: الصلاة (410), والترمذي: الصلاة (250), والنسائي: الافتتاح (927, 928, 929, 930), وأبو داود: الصلاة (935, 936), وابن ماجة: إقامة الصلاة والسنة فيها (851, 853), وأحمد (2/233, 2/238, 2/270, 2/312, 2/449, 2/459), ومالك: النداء للصلاة (195, 196, 197), والدارمي: الصلاة  (1246).
2 البخاري: الأذان (780), ومسلم: الصلاة (410), والترمذي: الصلاة (250), والنسائي: الافتتاح (928), وأبو داود: الصلاة (936), وابن ماجة: إقامة الصلاة والسنة فيها (851), وأحمد (2/238, 2/459), ومالك: النداء للصلاة (195).
3 الترمذي: الصلاة (248), وأبو داود: الصلاة (932), وابن ماجة: إقامة الصلاة والسنة فيها (855), والدارمي: الصلاة (1247).
4 مسلم: الصلاة (455), والنسائي: الافتتاح (1007), وأبو داود: الصلاة (649), وابن ماجة: إقامة الصلاة والسنة فيها (820), وأحمد (3/410, 3/411).

 

ص -120-      ولا بأس بالجمع بين السور في النافلة، وأما الفرض فالمستحب الاقتصار على سورة، لأنه صلى الله عليه وسلم كان يصلي هكذا. وإن جمع بين سورتين ففيه روايتان. وإن قرأ سورة ثم أعادها في الثانية، فلا بأس، لحديث الجهني رواه أبو داود. والمستحب أن يقرأ في الثانية سورة بعد التي قبلها في النظم، لأنه هو المنقول عنه صلى الله عليه وسلم. وروي عن ابن مسعود: "أنه سئل عمن يقرأ القرآن منكوساً، قال: ذاك منكوس القلب"، فسره أبو عبيد: بأن يقرأ سورة ثم يقرأ بعدها أخرى هي قبلها في النظم؛ فإن قرأ بخلاف ذلك فلا بأس، قال أحمد: أليس يعلّم الصبي على هذا؟
"وقرأ الأحنف بـ"الكهف" في الأولى، وفي الثانية بـ"يوسف"، وذكر أنه صلى مع عمر الصبح بهما"، استشهد به البخاري. قال أحمد: إذا فرغ من القراءة ثبت قائماً حتى يرجع إليه نفسه، جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم:  "أنه كان له سكتتان سكتة عند افتتاح الصلاة وسكتة إذا فرغ من القراءة" 1.
والركوع واجب بالإجماع، وأكثرهم يرون ابتداءه بالتكبير، وأن يكبر في كل رفع وخفض. وروي عن سالم والقاسم وغيرهما أنهم لا يتمون التكبير، ولعلهم يحتجون أنه لم يعلمه المسيء في صلاته، أو لم تبلغهم السنة في ذلك.
ويرفع يديه كرفعه الأول، وبه قال الشافعي ومالك. وقال الثوري وأبو حنيفة: لا يرفع يديه إلا في الافتتاح.
ويستحب للراكع أن يضع يديه على ركبتيه، وذهب قوم من السلف إلى التطبيق؛ وكان في أول الإسلام ثم نسخ. قال أحمد: ينبغي إذا ركع أن يلقم راحتيه ركبتيه، ويفرق بين أصابعه، ويعتمد على ضبعيه وساعديه، ويسوي ظهره، ولا يرفع رأسه ولا ينكسه، جاء الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 الترمذي: الصلاة (251), وأبو داود: الصلاة (777), وابن ماجة: إقامة الصلاة والسنة فيها (845), وأحمد (5/15, 5/20, 5/21), والدارمي: الصلاة (1243).

 

ص -121-      "إذا ركع، لو كان قدح ماء على ظهره ما تحرك". ويستحب أن يجافي عضديه عن جنبيه، لحديث أبي حميد. ويجب أن يطمئن، وقال أبو حنيفة: الطمأنينة غير واجبة، لقوله: {ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا}، 1 وهي حجة لنا لأنه صلى الله عليه وسلم فسرها بفعله.
وقوله: [ويقول:] 2 "سبحان ربي العظيم". ثلاثاً؛ وإن قالها مرة أجزأ. وجملة ذلك أنه يشرع أن يقول في ركوعه: "سبحان ربي العظيم"، وبه قال الشافعي وأصحاب الرأي. وقال مالك: ليس عندنا في الركوع والسجود شيء محدود، وقد سمعت أن التسبيح في الركوع والسجود. ولنا: حديث عقبة بن عامر. وتجزئ تسبيحة واحدة، لأمره به في حديث عقبة، ولم يذكر عدداً. وإن قال: "سبحان ربي العظيم وبحمده" فلا بأس، قال أحمد: جاء هذا وهذا، وهو في بعض طرق حديث حذيفة. والمشهور عن أحمد أن التكبير والتسبيح وقول: "سمع اللّه لمن حمده"، وقول: "ربنا ولك الحمد"، وقول: "رب اغفر لي"، والتشهد الأول، واجب. وعنه: أنه غير واجب، وهو قول الأكثر. ولنا: أنه صلى الله عليه وسلم أمر به، وأمْره للوجوب، وفعله وقال: 
"صلوا كما رأيتموني أصلي"، 3 وأيضاً ما روى أبو داود عن علي بن يحيى بن خلاد عن عمه، مرفوعاً: "لا تتم الصلاة لأحد من الناس حتى يتوضأ"، 4 إلى قوله: "ثم يكبر، ثم يركع حتى تطمئن مفاصله" 5 الحديث.
و"يكره أن يقرأ في الركوع والسجود"، لحديث علي.
ومن أدرك الإمام في الركوع أدرك الركعة، وعليه أن يأتي بالتكبير

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 سورة الحج آية: 77.
2 زيادة من المخطوطة.
3 البخاري: الأذان (631), ومسلم: المساجد ومواضع الصلاة (674), والنسائي: الأذان (635), وأحمد (3/436, 5/52), والدارمي: الصلاة (1253).
4 أبو داود: الصلاة (856).
5 البخاري: الأذان (757) والاستئذان (6251) والأيمان والنذور (6667), ومسلم: الصلاة (397), والترمذي: الصلاة (302, 303), والنسائي: الافتتاح (884) والتطبيق (1053, 1136) والسهو (1313, 1314), وأبو داود: الصلاة (856), وابن ماجة: إقامة الصلاة والسنة فيها (1060), وأحمد (2/437, 4/340), والدارمي: الصلاة (1329).

 

ص -122-      منتصباً، ثم يأتي بتكبيرة أخرى للركوع، والمنصوص عن أحمد أنها تسقط هنا.
و"يجزئه تكبيرة واحدة، لأنه نقل عن زيد بن ثابت وابن عمر"، ولا يعرف لهما مخالف. قال أحمد في رواية صالح فيمن جاء والإمام راكع: كبر تكبيرة واحدة، قيل: إن نوى بها الافتتاح؟ قال: نوى أو لم ينو، أليس قد جاء وهو يريد الصلاة؟ وقال أحمد: إن كبر تكبيرتين ليس فيه اختلاف.
ويستحب لمن أدرك الإمام في حال، متابعته فيه، وإن لم يعتدَّ له به، لحديث أبي هريرة، مرفوعاً: "إذا جئتم [إلى الصلاة] 1 ونحن سجود فاسجدوا، ولا تعتدّوها شيئاً". رواه أبو داود؛ والعمل على هذا عند أهل العلم. وقال بعضهم: لعله لا يرفع رأسه من السجود حتى يغفر له.
ثم يقول: "سمع اللّه لمن حمده" ويرفع يديه كرفعه الأول. وفي موضع الرفع روايتان: إحداهما: بعد اعتداله، لأن في حديث ابن عمر: "إذا افتتح رفع يديه، وإذا ركع، وبعد ما يرفع رأسه من الركوع". 2 والثانية: يبتدئه حين يبتدئ رفع رأسه، لظاهر حديث أبي حميد. ولا تختلف الرواية أن المأموم يبتدئه عند رفع رأسه، لأنه ليس في حقه ذكر بعد الاعتدال والرفع، إنما جعل هيئة للذكر. وهذا الرفع والاعتدال واجب، وبه قال الشافعي. وقال أبو حنيفة وبعض أصحاب مالك: لا يجب، لأن اللّه لم يأمر به. ولنا: أنه أمر به المسيء، وداوم على فعله، وقد أمر اللّه بالقيام، وهذا قيام.
وشرع قول: "ربنا ولك الحمد" في حق كل مصلّ، وهو قول أكثر أهل العلم. وعنه: لا يقوله المنفرد، لأن الخبر لم يرد به في حقه. وقال مالك: لا يشرع للإمام ولا للمنفرد، لقوله: "إذا قال الإمام: "سمع اللّه لمن حمده"، فقولوا: "اللّهم ربنا ولك الحمد"". 3 ولنا: أن أبا هريرة صرَّح بذكره في الرواية الأخرى، وحديثهم لو انفرد لم يكن فيه حجة، فكيف تترك الأحاديث الصحيحة؟

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 زيادة من المخطوطة السابقة.
2 البخاري: الأذان (739), ومسلم: الصلاة (390), والترمذي: الصلاة (255), والنسائي: الافتتاح (877), وابن ماجة: إقامة الصلاة والسنة فيها (858), وأحمد (2/62), ومالك: النداء للصلاة (165).
3 البخاري: الأذان (796), ومسلم: الصلاة (409), والترمذي: الصلاة (267), والنسائي: التطبيق (1063), وأبو داود: الصلاة (848), وابن ماجة: إقامة الصلاة والسنة فيها (875), وأحمد (2/230, 2/314, 2/341, 2/376, 2/386, 2/411, 2/416).

 

ص -123-      والصحيح أن المنفرد يقوله، وصح أنه صلى الله عليه وسلم يقوله، رواه أبو هريرة وغيره، ولم تفرق الرواة بين كونه إماماً ومنفرداً.
والسنة أن يقول: "ربنا ولك الحمد"، وعنه: "ربنا لك الحمد". وقال الشافعي: هو السنة، لأنه ليس هنا شيء يعطف عليه. ولنا: أن السنة: الاقتداء به صلى الله عليه وسلم، ولأن الواو تتضمن الحمد مقدراً ومظهراً، أي: ربنا حمدناك ولك الحمد؛ وكل ذلك حسن، لأن الكل قد وردت به السنة. ولا أعلم خلافاً في المذهب أنه لا يشرع للمأموم التسميع. وقال الشافعي: يقوله كالإمام. ولنا: قوله: "إذا قال الإمام سمع اللّه لمن حمده" الحديث.
وأما قوله:
"ملء السماء... إلخ"، فنص أحمد أنه لا يسن للمأموم، لأنه اقتصر على أمرهم بالتحميد. وعنه: ما يدل على أنه سنّة، وهو مذهب الشافعي. ونقل أبو الحارث: إن شاء قال: "أهل الثناء والمجد... إلخ". وعنه: أما أنا فأقول هذا إلى "ما شئت من شيء بعد"، فظاهره: لا يستحب في الفريضة، عملاً بأكثر الأحاديث الصحيحة.
ثم يكبر للسجود ولا يرفع يديه، وعنه: يرفع، لقوله: "في كل خفض"، والصحيح الأول، لقول ابن عمر: "ولا يفعل ذلك في السجود".
ويكون أول ما يقع ركبتاه، ثم يداه، ثم جبهته وأنفه. وعنه: أنه يضع يديه قبل ركبتيه، وإليه ذهب مالك، لقوله:
"فليضعْ يديه قبل ركبتيه... إلخ" 1. ولنا: حديث وائل، قال الخطابي: هو أصح من حديث أبي هريرة. وروى الأثرم حديث أبي هريرة: "ليبدأ بركبتيه قبل يديه، ولا يبرك بروك الفحل". والسجود على هذه الأعضاء واجب إلا الأنف، وقال مالك: لا يجب السجود على غير الجبهة، لقوله: "سجد وجهي... إلخ". ولنا: قوله: "أمرت أن أسجد على سبعة أعظم... إلخ"، 2 وسجود الوجه لا ينفي سجود ما عداه. وأما الأنف ففيه روايتان:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 النسائي: التطبيق (1091), وأبو داود: الصلاة (840), وأحمد (2/381), والدارمي: الصلاة (1321).
2 البخاري: الأذان (812), ومسلم: الصلاة (490), والترمذي: الصلاة (273), والنسائي: التطبيق (1093, 1097, 1115), وابن ماجة: إقامة الصلاة والسنة فيها (883), وأحمد (1/279, 1/292, 1/305), والدارمي: الصلاة (1319).

 

ص -124-      إحداهما: يجب، لأن في حديث الجبهة: "وأشار بيده إلى أنفه". متفق عليه. وفي لفظ للنسائي: "أُمرت أن أسجد على سبعة أعظم: الجبهة والأنف..." 1 الحديث.
والثانية: لا يجب، وهو قول الشافعي، لأنه صلى الله عليه وسلم لم يذكره. وعن أبي حنيفة إن سجد على أنفه دون جبهته أجزأ، قال ابن المنذر لا أعلم أحداً سبقه إلى هذا؛ وهذا يخالف الحديث والإجماع الذي قبله. ولا يجب مباشرة المصلى بشيء منها، وهو مذهب مالك، وعنه: ما يحتمل المنع في الجبهة وهو مذهب الشافعي، لحديث: "شكونا إليه حر الرمضاء، فلم يشكنا". 2 ولنا: حديث أنس: "كنا نصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم، فيضع أحدنا طرف الثوب من شدة الحر في مكان السجود". 3 متفق عليه. والحديث الأول الظاهر أنهم طلبوا تأخير الصلاة أو تسقيف المسجد أو نحو ذلك، لأن الفقراء لم يكن لهم يومئذ عمائم ولا أكمام يتقون بها حر الشمس.
ويستحب مباشرة المصلى بالجبهة واليدين، قال أحمد: لا يعجبني إلا في الحر والبرد. "وكان ابن عمر يكره السجود على كور العمامة". ويكون في السجود معتدلاً، قال الترمذي: أهل العلم يختارون الاعتدال في السجود. وعن جابر، رفعه:
"إذا سجد أحدكم فليعتدلْ، ولا يفترش ذراعيه افتراش الكلب". 4 والافتراش: أن يضع ذراعيه على الأرض كما تفعل السباع. ومن السنة أن يجافي عضديه عن جنبيه وبطنه عن فخذيه، قال أحمد: جاء عنه صلى الله عليه وسلم: "أنه كان إذا سجد لو مرت بهمة لنفذت"، وذلك لشدة مبالغته في رفع مرفقيه وعضديه. قال أحمد: ويفتح أصابع رجليه لتكون أصابعها إلى القبلة.
ويسجد على صدور قدميه لقوله:
"أمرت أن أسجد

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 البخاري: الأذان (812), ومسلم: الصلاة (490), والترمذي: الصلاة (273), والنسائي: التطبيق (1093, 1097, 1115), وابن ماجة: إقامة الصلاة والسنة فيها (883), وأحمد (1/279, 1/292, 1/305), والدارمي: الصلاة (1319).
2 مسلم: المساجد ومواضع الصلاة (619), والنسائي: المواقيت (497), وابن ماجة: الصلاة (675), وأحمد (5/108, 5/110).
3 البخاري: الصلاة (385), ومسلم: المساجد ومواضع الصلاة (620), وأبو داود: الصلاة (660), وابن ماجة: إقامة الصلاة والسنة فيها (1033).
4 الترمذي: الصلاة (275), وابن ماجة: إقامة الصلاة والسنة فيها (891).

 

ص -125-      على سبعة..." 1 ذكر منها أطراف القدمين. وللبخاري: "واستقبل بأصابع رجليه القبلة". 2 وللترمذي: "وفتح أصابع رجليه"، وهذا معناه.
ويستحب أن يضع راحتيه على الأرض مبسوطتين، مضمومتي الأصابع بعضها إلى بعض، مستقبلاً بهما القبلة، حذو منكبيه. وروى الأثرم قال: رأيت أبا عبد اللّه يسجد ويداه بحذاء أذنيه، وذلك لحديث وائل؛ والجميع حسن.
ويستحب أن يفرق بين ركبتيه ورجليه، لحديث أبي حميد، وإذا سجد فرج بين فخذيه غير حامل بطنه على شيء من فخذيه.
ثم يرفع رأسه مكبراً، وهذا الرفع والاعتدال واجب، وبه قال الشافعي. وقال مالك وأبو حنيفة: ليس بواجب، بل يكفي عند أبي حنيفة أن يرفع رأسه مثل حد السيف، لأنها جلسة فصل بين متشاكلين فلم تكن واجبة. ولنا: قوله للمسيء: "ثم ارفع حتى تطمئن جالساً"، 3 ولم ينقل أنه صلى الله عليه وسلم أخلّ به. قال الأثرم: تفقدت أبا عبد اللّه، فرأيته يفتح أصابع رجله اليمنى فيستقبل بها القبلة. وروى بإسناده عن عبد الرحمن بن زيد قال: "كنا نعلّم إذا جلسنا في الصلاة أن يفرش الرجل منا قدمه اليسرى، وينصب قدمه اليمنى على صدر قدمه، وإن كان إبهام أحدنا لتنثني فيدخل يده حتى يعدّلها".
ويكره الإقعاء، وهو: أن يفرش قدميه ويجلس على عقبيه، هكذا فسره الإمام أحمد، وقال: هذا قول أهل الحديث. والإقعاء عند العرب: جلوس الرجل على إليته، ناصبا فخذيه، مثل إقعاء الكلب والسبع. وأما الأول فكرهه علي وأبو هريرة ومالك والشافعي، و"فعله ابن عمر وقال: لا تقتدوا بي فإني قد كبرْت". وعنه: لا أفعله ولا أعيب مَن فعَله. وقال: العبادلة كانوا يفعلونه. قال طاووس: قلنا لابن عباس في الإقعاء على القدمين، قال:  "هي السنة. قلنا: إنّا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 البخاري: الأذان (812), ومسلم: الصلاة (490), والترمذي: الصلاة (273), والنسائي: التطبيق (1093, 1097, 1115), وابن ماجة: إقامة الصلاة والسنة فيها (883), وأحمد (1/279, 1/292, 1/305), والدارمي: الصلاة (1319).
2 البخاري: الأذان (828).
3 البخاري: الأذان (757), ومسلم: الصلاة (397), والترمذي: الصلاة (303), والنسائي: الافتتاح (884), وأبو داود: الصلاة (856), وابن ماجة: إقامة الصلاة والسنة فيها (1060) والأدب (3695), وأحمد (2/437).

 

ص -126-      لنراه جفاء بالرجل. قال: هي سنة نبيك". 1 رواه مسلم. ولنا: حديث أبي حميد وغيره، وهي أكثر وأصح.
والمستحب أن يكون شروع المأموم في أفعال الصلاة بعد فراغ الإمام، ويكره معه، في قول أكثر أهل العلم. واستحب مالك أن يكون معه. ولنا: حديث البراء وأبي موسى وغيرهما. ولا يجوز أن يسبقه.
وعن ابن مسعود: "أنه نظر إلى من سبق الإمام فقال: لا وحدك صليت، ولا بإمامك اقتديت". وعن ابن عمر نحوه، قال: "فأمره بالإعادة". وإن سبق الإمام المأموم بركن كامل، مثل إن ركع ورفع قبل ركوع المأموم، لعذر من نعاس أو زحام، فعل ما سبق به وأدرك إمامه، ولا شيء عليه، نص عليه، ولا أعلم فيه خلافاً.
وإن سبقه بركعة كاملة أو أكثر، اتبعه وقضى ما سبق به، قال أحمد في رجل نعس خلف الإمام حتى صلى ركعتين قال: كأنه أدرك ركعتين. وإن سبقه بأكثر من ركن وأقل من ركعة، ثم زال عذره، فنص أحمد أنه يتبع إمامه ولا يعتد بتلك الركعة. وقال أصحابنا: من زحم عن السجود يوم الجمعة، انتظر زوال الزحام، ثم سجد وتبع إمامه، ما لم يخف فوات الركوع في الثانية مع الإمام؛ وهذا يقتضي أنه يفعل ما فاته وإن كان أكثر من ركن، وهو قول الشافعي، "لأنه صلى الله عليه وسلم فعله بأصحابه في صلاة عسفان حين أقامهم خلفه صفين، فسجد بالصف الأول، والصف الثاني قائم حتى قام إلى ثانية، فسجد الصف الثاني ثم تبعه". وجاز للعذر، وهذا مثله.
وقال مالك: إن أدركهم المسبوق في أول سجودهم، سجد معهم واعتد بها، وإن علم أنه لا يقدر على الركوع وإدراكهم في السجود حتى يستووا قياماً، فليتبعهم فيما بقي، ثم يقضي ركعة. والأولى في هذا، واللّه

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 مسلم: المساجد ومواضع الصلاة (536), والترمذي: الصلاة (283), وأبو داود: الصلاة (845), وأحمد (1/313).

 

ص -127-      أعلم، ما كان على قياس فعل النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الخوف، فإن ما لا نص فيه يرد إلى أقرب الأشياء به من المنصوص عليه، وإذا قضى سجدته الثانية نهض مكبراً.
واختلف عن أحمد هل يجلس للاستراحة؟ فعنه: لا، وبه قال مالك. قال أحمد: أكثر الأحاديث على هذا، قال الترمذي: وعليه العمل عند أهل العلم. وعنه: بلى، لحديث مالك بن الحويرث، وذكره أيضاً أبو حميد. وقيل: إن كان ضعيفاً جلس، وإن كان قوياً لم يجلس، وحمل جلوسه صلى الله عليه وسلم أنه كان في آخر عمره، وهذا فيه جمع بين الأخبار. وعلى كلا القولين، ينهض على صدور قدميه معتمداً على ركبتيه لا على يديه. وقال مالك والشافعي: السنة أن يعتمد على يديه في النهوض، لأنه في حديث مالك بن الحويرث. ولنا: حديث وائل، وفيه: "وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه". 1. رواه النسائي والأثرم. وفي لفظ: "وإذا نهض نهض على ركبتيه، واعتمد على فخذيه"، 2 وعن ابن عمر قال: "نهى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أن يعتمد الرجل على يديه إذا نهض في الصلاة". 3 رواهما أبو داود. وروى الأثرم عن علي قال: "إن من السنّة في الصلاة المكتوبة إذا نهض الرجل في الركعتين الأوليين أن لا يعتمد بيديه على الأرض، إلا أن يكون شيخاً كبيراً لا يستطيع". وقال أحمد: بذلك جاء الأثر عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، وحديث مالك محمول على مشقة القيام عليه لكبره، فإنه صلى الله عليه وسلم قال: "
إني قد بدنت، فلا تسبقوني بالركوع ولا بالسجود". 4
فأما الاستعاذة، فاختلفت الرواية فيها. فعنه: يختص بالركعة الأولى، وهو قول الثوري، لحديث: "كان إذا نهض للثانية استفتح
بـ{الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 الترمذي: الصلاة (268), والنسائي: التطبيق (1089, 1154), وأبو داود: الصلاة  (838), وابن ماجة: إقامة الصلاة والسنة فيها (882), والدارمي: الصلاة (1320).
2 الترمذي: الصلاة (268), والنسائي: التطبيق (1089, 1154), وأبو داود: الصلاة  (838), والدارمي: الصلاة (1320).
3 أبو داود: الصلاة (992).
4 أبو داود: الصلاة (619), وابن ماجة: إقامة الصلاة والسنة فيها (963), وأحمد (4/92, 4/98), والدارمي: الصلاة (1315).

 

ص -128-      ولم يسكت"، 1 وعنه: في كل ركعة، وهو قول الشافعي، للآية؛ فيقتضي ذلك تكريرها عند تكرير القراءة.
وإذا صلى ركعتين، جلس للتشهد الأول، وهذا التشهد والجلوس له مشروعان واجبان، وهو مذهب الليث وإسحاق. وعنه: لا، وهو قول مالك والشافعي لأنهما يسقطان بالسهو أشبها السنن. ولنا: أنه صلى الله عليه وسلم داوم عليه، وأمر به في حديث ابن عباس، فقال
: "قولوا: "التحيات للّه"، وسجد حين نسيه". وإنما سقط بالسهو إلى بدل، كجبران الحج.
و صفة الجلوس له كالجلوس بين السجدتين، مفترشاً، وبه قال الثوري وإسحاق. وقال مالك: يتورك على كل حال، لما روى ابن مسعود: "أنه صلى الله عليه وسلم يجلس في آخر الصلاة وفي وسطها متوركاً". وقال الشافعي: إن كان متوسطاً كقولنا، وإن كان آخرها كقول مالك، ولنا: حديث أبي حميد وحديث وائل، وهما متأخران عن ابن مسعود، وإنما يؤخذ بالآخر؛ فالآخر من أمره صلى الله عليه وسلم، وقد بين أبو حميد الفرق بين التشهدين، والأخذ بالزيادة واجب.
ويستحب له وضع اليسرى على الفخذ اليسرى، مبسوطة مضمومة الأصابع، مستقبلاً بها القبلة، ويضع اليمنى على الفخذ اليمنى، يقبض الخنصر والبنصر ويحلق الإبهام مع الوسطى، ويشير بالسبابة، لحديث وائل. وعنه: يجمع أصابعه الثلاث، ويعقد الإبهام كعقد الخمسين، لقول ابن عمر: "وضع صلى الله عليه وسلم يده اليمنى على ركبته اليمنى، وعقد ثلاثا وخمسين، وأشار بالسبابة". 2 رواه مسلم.
و"يشير بالسبابة عند ذكر اللّه، ولا يحركها"، لحديث ابن الزبير. ويتشهد بتشهد ابن مسعود، وعليه أكثر أهل العلم من الصحابة فمن بعدهم. وقال مالك: الأفضل تشهد عمر: "التحيات للّه. الزاكيات للّه. الصلوات للّه". 3 وسائر تشهده

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 مسلم: المساجد ومواضع الصلاة (599).
2 مسلم: المساجد ومواضع الصلاة (580), والترمذي: الصلاة (294), والنسائي: التطبيق (1160) والسهو (1266, 1267, 1269), وأبو داود: الصلاة (987), وابن ماجة: إقامة الصلاة والسنة فيها (913), وأحمد (2/131), ومالك: النداء للصلاة (199), والدارمي: الصلاة (1339).
3 مالك: النداء للصلاة (204).

 

ص -129-      كتشهد ابن مسعود، لأنه قاله على المنبر فلم ينكر. وقال الشافعي: الأفضل تشهد ابن عباس، وقد انفرد به واختلف عنه في بعض ألفاظه، ولا يستحب الزيادة عليه. وعن ابن عمر: "أنه أباح الدعاء فيه بما بدا له". وقال مالك: ذلك واسع. "وسمع ابن عباس رجلاً يقول: بسم اللّه، فانتهره". وبه قال الشافعي، وهو الصحيح، لحديث ابن مسعود: "أنه صلى الله عليه وسلم يجلس في الأوليين كأنه على الرضف". 1 ولم تصح التسمية ولا غيرها عند أهل الحديث مما وقع الخلاف فيه.
ثم "ينهض من التشهد كنهوضه من السجود، ولا يقدم إحدى رجليه"، كذلك قال ابن عباس، ورخص فيه مجاهد وإسحاق للشيخ.
ويتورك في التشهد الأخير، وإليه ذهب مالك والشافعي. وقال الثوري وأصحاب الرأي: يفترش كالأول، لحديث وائل وأبي حميد. ولنا: بيان أبي حميد للفرق، وهو راوي حديثهم.
وهذا التشهد والجلوس له من الأركان، وبه قال الشافعي، ولم يوجبه مالك ولا أبو حنيفة، إلا أنه أوجب الجلوس بقدر التشهد، وتعلقاً بأنه صلى الله عليه وسلم لم يعلّمه المسيء في صلاته. ولنا: أنه صلى الله عليه وسلم أمر به وداوم عليه، وروي في حديث ابن مسعود: "كنا نقول قبل أن يفرض علينا التشهد: السلام على اللّه... إلخ"، وهذا يدل على أنه فرض بعد أن لم يكن مفروضاً، وحديث الأعرابي يحتمل أنه قبل أن يفرض، وأن يكون تركه لأنه لم يسئ فيه. ولا يتورك إلا في صلاة فيها تشهدان، في الأخير منهما. وقال الشافعي: يتورك في كل تشهد يسلم فيه. ولنا: حديث وائل وحديث عائشة: "كان يقول: في كل ركعتين التحيات، وكان يفرش اليسرى وينصب اليمنى". 2 رواه مسلم.
ولا يجوز أن يدعو في صلاته بما يقصد به ملاذ الدنيا، وقال الشافعي:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 الترمذي: الصلاة (366), وأبو داود: الصلاة (995), وأحمد (1/410, 1/436).
2 مسلم: الصلاة (498), وأبو داود: الصلاة (783).

 

ص -130-      يدعو بما أحب، لقوله: "ثم ليتخيّر بعد من المسألة ما شاء، أو ما أحب" 1 ولنا: قوله: "إن صلاتنا لا يصلح فيها شيء من كلام الناس... إلخ" 2.
وهل يدعو لإنسان بعينه؟ على روايتين، وكرهه عطاء والنخعي. ويستحب له إذا مرت به آية رحمة أن يسألها، أو آية عذاب أن يستعيذ منها، لحديث حذيفة. ولا يستحبُّ في الفريضة، لأنه لم ينقل عنه صلى الله عليه وسلم، مع كثرة من وصف قراءته فيها.
وإذا فرغ، سلّم عن يمينه ويساره "السلام عليكم ورحمة اللّه"، وهذا واجب لا يقوم غيره مقامه؛ وبه قال مالك والشافعي. وقال أبو حنيفة: لا يتعين للخروج، بل إذا خرج بما ينافيها من عمل أو حدث جاز. والسلام سنة، لأنه لم يعلّمه المسيء. ولنا: قوله:
"تحليلها التسليم"، ولأنه صلى الله عليه وسلم لم يخلّ به.
ويشرع تسليمتان، وبه قال الشافعي. وقال مالك: يسلّم واحدة، لحديث عائشة: "كان يسلِّم واحدة تلقاء وجهه"، 3 وعن سلمة قال: "رأيته صلى الله عليه وسلم صّلى فسلّم مرّة". 4 رواهما ابن ماجة. ولنا: حديث ابن مسعود وجابر بن سمرة، رواهما مسلم. وحديث عائشة، أنكره أبو حاتم وغيره؛ وبين أحمد أن معناه يسمعهم التسليمة الواحدة. قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه: أن صلاة من اقتصر على تسليمة واحدة جائزة. وقال القاضي: فيه رواية: أن الثانية واجبة، وليس عنه تصريح بالوجوب، وإنما قال: " التسليمتان أصح عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم"، حديث ابن مسعود وغيره أذهب إليه، ويجوز أن يذهب إليه في المشروعية دون الإيجاب، وقوله في حديث جابر:
"إنما يكفي أحدكم..." أي: في إصابة السنة، بدليل أنه قال: "يضع يده على فخذه، ثم يسلّم على أخيه عن يمينه وشماله". 5 وإن زاد: "وبركاته" فحسن،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 مسلم: الصلاة (402), والنسائي: التطبيق (1163) والسهو (1298), وأبو داود: الصلاة (968), وأحمد (1/382, 1/413, 1/427), والدارمي: الصلاة (1340).
2 مسلم: المساجد ومواضع الصلاة (537), والنسائي: السهو (1218), وأبو داود: الصلاة (930, 931), وأحمد (5/447), والدارمي: الصلاة (1502).
3 الترمذي: الصلاة (296), وابن ماجة: إقامة الصلاة والسنة فيها (919).
4 ابن ماجة: إقامة الصلاة والسنة فيها (920).
5 مسلم: الصلاة (431), والنسائي: السهو (1318).

 

ص -131-      والأول أحسن، لأن رواته أكثر وطرقه أصح. وإن قال: "السلام عليكم" ولم يزد، فظاهر كلام أحمد: يجزئ، وهو قول الشافعي، لقوله: "تحليلها التسليم"، لأنه روي أنه يسلم عن يمينه وشماله: "السلام عليكم ورحمة اللّه، السلام عليكم ورحمة اللّه". 1 رواه أبو داود.
و"يستحب أن يلتفت عن يمينه في الأولى، وعن يساره في الثانية"، كما جاء في حديث ابن مسعود وجابر وغيرهما، ويكون التفاته في الثانية أكثر لحديث عمار. وروي عن أحمد أن الأولى أرفع من الثانية، وحمل عليه حديث عائشة.
ويستحب حذف السلام، وهو أن لا يمده ويطول به صوته، لحديث:
"حذف السلام سنة". 2 صححه الترمذي، وعليه أهل العلم. وينوي به الخروج من الصلاة. وإن نوى الرد على الملكين أو على من معه فلا بأس، نص عليه. ومذهب الشافعي: أنه سنة، أي: السلام على من معه، لحديث جابر بن سمرة.
ويستحب الذكر عقيب الصلاة بما ورد به الأثر، مثل حديث المغيرة وثوبان وأبي هريرة وغيرهم.
وإذا كان مع الإمام رجال ونساء، فالمستحب أن يثبت الرجال بقدر انصرافهن. فإن لم يقم الإمام، استحب أن ينصرف عن القبلة، لحديث جابر بن سمرة وغيره. ويستحب لهم أن لا يقوموا قبل الإمام، لقوله:
"لا تسبقوني بالسجود، ولا بالركوع، ولا بالانصراف". 3 رواه مسلم. و"ينصرف حيث شاء عن يمينه وشماله"، لحديث ابن مسعود. و"يكره أن يتطوع الإمام في موضع صلاته"، لحديث المغيرة، إلا أن أحمد قال: لا أعرف ذلك عن غير علي.
والمأموم إذا سمع قراءة الإمام، فلا يقرأ بالحمد ولا غيرها، وبه قال مالك وكثير من السلف. وقال الشافعي: يقرأها، لقوله:
"لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 مسلم: الصلاة (431), والنسائي: السهو (1326), وأبو داود: الصلاة (998, 1000), وأحمد (5/86, 5/88, 5/101, 5/107).
2 الترمذي: الصلاة (297), وأبو داود: الصلاة (1004), وأحمد (2/532).
3 مسلم: الصلاة (426), والنسائي: السهو (1363), وأحمد (3/102).

 

ص -132-      الكتاب"، 1 ولحديث عبادة، رفعه: "لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب"، 2 رواه أبو داود، ولقول أبي هريرة: "إقرأ بها في نفسك". ولنا: قوله تعالى: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا} الآية 3، قال أحمد: الناس على أن هذا في الصلاة، وفي لفظ: أجمع الناس، ولقوله صلى الله عليه وسلم:"وإذا قرأ فأنصتوا"، 4 رواه مسلم، ولأنه إجماعٌ، قال أحمد: ما سمعت أن أحداً من أهل الإسلام يقول: إن الإمام إذا جهر بالقراءة لا تجزئ صلاة من خلفه إذا لم يقرأ. وقال: هذا النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه والتابعون، وهذا مالك في أهل الحجاز، وهذا الثوري في أهل العراق، وهذا الأوزاعي في أهل الشام، وهذا الليث في أهل مصر، ما قالوا في رجل صلى خلف الإمام قرأ إمامه أو لم يقرأ: صلاته باطلة، وحديث عبادة في الصحيح محمول على غير المأموم، وكذلك حديث أبي هريرة، وقد جاء مصرحاً به عن جابر، مرفوعاً: "كل صلاة لم يقرأ فيها بأم الكتاب فهي خداج، إلا وراء الإمام". رواه الخلال. وقوله: "اقرأ بها في نفسك" من قول أبي هريرة، والذي رواه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا قرأ فأنصتوا" 5 أولى، وقد خالفه تسعة من الصحابة، قال ابن مسعود: "وددت أن الذي يقرأ خلف الإمام مُلئ فوه تراباً"، وحديث عبادة الآخر لم يروه عنه إلا إسحاق ونافع بن محمود، وهو أدنى حالاً من ابن إسحاق. والاستحباب: أن يقرأ في سكتات الإمام، وفيما لا يجهر فيه؛ هذا قول كثير من أهل العلم. وقالت طائفة: لا يقرأ في الجهر ولا في الإسرار. قال إبراهيم: إنما أحدث الناس القراءة زمان المختار، لأنه كان يصلي بهم صلاة النهار ولا يصلي بهم صلاة الليل، فاتهموه فقرؤوا خلفه، وهذا قول الثوري وابن عيينة وأصحاب

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 البخاري: الأذان (756), ومسلم: الصلاة (394), والترمذي: الصلاة (247), والنسائي: الافتتاح (910, 911), وأبو داود: الصلاة (822), وابن ماجة: إقامة الصلاة والسنة فيها (837), وأحمد (5/321), والدارمي: الصلاة (1242).
2 أبو داود: الصلاة (823), وأحمد (5/316, 5/322).
3 سورة الأعراف آية: 204.
4 مسلم: الصلاة (404), والنسائي: التطبيق (1064, 1172) والسهو (1280), وابن ماجة: إقامة الصلاة والسنة فيها (901), وأحمد (4/392, 4/401, 4/405), والدارمي: الصلاة (1312).
5 النسائي: الافتتاح (921), وابن ماجة: إقامة الصلاة والسنة فيها (846), وأحمد (2/376).

 

ص -133-      الرأي لقوله: "من كان له إمام، فقراءة الإمام له قراءة". 1 ولنا: قوله: فانتهى الناس أن يقرؤوا فيما يجهر فيه. قيل لأحمد: رجل فاتته ركعة من المغرب أو العشاء مع الإمام، أيجهر أم يخافت؟ فقال: إن شاء جهر وإن شاء خافت. ثم قال: إنما الجهر للجماعة. قال الشافعي: يسن الجهر، لأنه غير مأمور بالإنصات.
ويستحب أن يطيل الأولى من كل صلاة ليلحقه القاصد، وقال الشافعي: تكون الأوليان سواء، لحديث أبي سعيد: "حزرنا قيامه في الأوليين من الظهر قدر ثلاثين آية". 2 ووافقنا أبو حنيفة في الصبح، ووافق الشافعي في الباقي. ولنا: حديث أبي قتادة، وفيه: "يطوّل الأولى ويقصر الثانية"، وحديث أبي سعيد، رواه ابن ماجة. وفي الركعة الأخرى قدر النصف من ذلك، وهذا أولى لموافقته الأحاديث الصحيحة، ولو قدر التعارض قدم حديث أبي قتادة، لأنه أصح، ويتضمن ضبط التفريق بين الركعتين.
وسئل أحمد عن الرجل يقرأ بسورة ثم يقرأ بها في الركعة الأخرى، قال: وما بأس بذلك. وقيل له: الرجلُ يقرأ على التأليف في الصلاة، اليوم سورة وغداً التي تليها، قال: ليس في هذا شيء، إلا أنه روي عن عثمان أنه فعل ذلك في المفصّل. وأكثر أهل العلم لا يرون الزيادة على "الفاتحة" في غير الأوليين. وعن الشافعي: يقرأ، "لأن أبا بكر قرأ في [الثالثة] 3 من المغرب
: {رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا} 4" ولنا: حديث أبي قتادة، وفعل أبي بكر قصد في الدعاء.
وإذا حضرت الصلاة والعَشاء، بدأ بالعَشاء. قال ابن عباس: "لا نقوم إلى الصلاة وفي أنفسنا شيء". وقال مالك: يبدأ بالصلاة، إلا أن يكون طعاماً خفيفاً. ولنا: حديث أنس وعائشة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 ابن ماجة: إقامة الصلاة والسنة فيها (850), وأحمد (3/339).
2 مسلم: الصلاة (452), والنسائي: الصلاة (475), وأبو داود: الصلاة (804).
3 في الطبعة السلفية (الثانية)، وصوابه: (الثالثة)، كما في المخطوطة.
4 سورة آل عمران آية: 8.

 

ص -134-      وابن عمر، رواهن مسلم. ولا فرق بين أن يخشى فوات الجماعة أو لم يخش، فإن بدأ بالصلاة صحت. قال ابن عبد البر: أجمعوا على أنه لو صلى بحضرة الطعام فأكمل صلاته، أنها تجزيه. وكذلك إذا صلى حاقناً. قال الطحاوي: لا يختلفون أنه لو شغل قلبه بشيء من الدنيا، أنه لا يستحب له الإعادة، كذلك إذا شغله البول.
وإذا حضرت الجماعة وهو يحتاج إلى الخلاء، بدأ به ولو خاف فوات الجماعة، لا نعلم فيه خلافاً. وعن ثوبان، رفعه:
"لا يحل لامرئ أن ينظر في جوف بيت امرئ حتى يستأذن، ولا يقوم إلى الصلاة وهو حاقن". 1 حسنه الترمذي. فإن فعل صحت صلاته. وقال مالك: أحب أن يعيد إذا شغله ذلك، وحديث ثوبان قال ابن عبد البر: لا تقوم به حجة عند أهل العلم.
و المشروع في الصلاة قسمان: واجب، ومسنون: والواجب نوعان:
أحدهما: لا يسقط عمداً ولا سهواً، وهو عشرة: تكبيرة الإحرام، والقيام، والفاتحة، والركوع حتى يطمئن، والاعتدال حتى يطمئن، والسجود حتي يطمئن، والاعتدال بين السجدتين حتى يطمئن، والتشهد الأخير، والجلوس له، والسلام، والترتيب.
وقد دل على وجوب أكثرها حديث المسيء، فإنها لو سقطت لسقطت عن الأعرابي لجهله، والجاهل كالناسي. فإن ترك منها شيئاً سهواً ثم ذكره في الصلاة أتى به. وإن لم يذكره حتى سلّم وطال الفصل بطلت. وإن لم يطل بنى على ما مضى من صلاته، نص أحمد على هذا؛ وبه قال الشافعي. وعن مكحول ومحمد بن أسلم الطوسي في المصلي ينسى سجدة أو ركعة: يصليها متى ذكرها، ويسجد سجدتي السهو.
النوع الثاني: من الواجبات ما يسقط سهواً وتبطل الصلاة بتركه عمداً،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 الترمذي: الصلاة (357), وأحمد (5/280).

 

ص -135-      وهي ثمانية: التكبير غير الإحرام، والتسبيح في الركوع والسجود، والتسميع، والتحميد، وقول: "رب اغفر لي"، والتشهد الأول، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد الأخير. وعنه: أن هذه الثمانية ليست بواجبة، وهو قول أكثر الفقهاء.
والنوع الثاني من المشروع: (السنن)، وهي قسمان: سنن الأقوال. وسنن الأفعال. فلا تبطل بتركها عمداً، ولا يشرع السجود لتركها سهواً.
ويستحب أن يجعل نظره إلى موضع سجوده، قال أحمد: الخشوع في الصلاة أن ينظر إلى موضع سجوده. و"يستحب أن يفرج بين قدميه، ويراوح بينهما إذا طال قيامه"، لحديث ابن مسعود، ولا يكثر من ذلك، لقول عطاء: إني لأحب أن يقل التحريك.
ويكره أن يلتفت لغير حاجة، فإن كان لها لم يكره، لحديث سهل بن حنظلة. قال ابن عبد البر: جمهور الفقهاء على أن الالتفات لا يفسد الصلاة إذا كان يسيراً. و"يكره النظر إلى ما يلهيه"، لحديث عائشة في خميصة أبي جهم وقوله:
"أميطي عنا قرامك... إلخ" 1.
و"يكره رفع البصر، لحديث أنس، وأن يصلي ويده على خاصرته، لحديث أبي هريرة، وأن يصلي وهو معقوص أو مكتوف"، لحديث ابن عباس.
و"يكره أن يكف شعره وثيابه، وأن يعتمد على يده في الجلوس"، لحديث ابن عمر،
و"أن يمس الحصى"، لحديث أبي ذرّ ومعيقب. ويكره العبث كله وما يشغله عن الصلاة، لا نعلم بين أهل العلم خلافاً في كراهة هذا كله.
وكره أحمد الترويح، إلا من الغم الشديد. ورخص فيه ابن سيرين وغيره. ويكره أن يغمض عينيه، نص عليه، وقال: هو فعل اليهود. ولا بأس بعدِّ الآي، وكرهه الشافعي. ولنا: أنه إجماع التابعين. ولا بأس بالإشارة بالعين واليد، لحديث جابر وغيره.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 البخاري: الصلاة (374), وأحمد (3/151, 3/283).

 

ص -136-      ولا بأس بقتل الحية والعقرب، "لأنه صلى الله عليه وسلم أمر بقتلهما في الصلاة". رواه أبو داود. وكرهه إبراهيم. و"يجوز قتل القمل، لأن عمر وأنساً والحسن فعلوه".
و"لا بأس بالعمل اليسير للحاجة، لحديث فتح الباب لعائشة".
وإذا بدره البصاق بصق في ثوبه وحك بعضه ببعض، وإن كان في غير المسجد فإن أحب فعل ذلك، وإن أحب بصق عن يساره أو تحت قدمه.
قال ابن المنذر أجمع أهل العلم على أن من تكلم في صلاته عامداً لا يريد إصلاح صلاته، أن صلاته فاسدة. و"إن تكلم جاهلاً بتحريمه، فيحتمل أن لا تبطل"، لحديث ابن مسعود وزيد بن أرقم؛ وعليه يدل حديث معاوية بن الحكم، فإنه لم يأمره بالإعادة. وهذا مذهب الشافعي. وفي الناسي روايتان: إحداهما: لا تبطل، وهو قول مالك والشافعي، لحديث معاوية. وإن ظن أن صلاته تمت فتكلم، فإن كان سلاماً لم تبطل، رواية واحدة، لأنه صلى الله عليه وسلم وأصحابه فعلوه وبنوا على صلاتهم. وإن لم يكن سلاماً، فعنه: إن كان لمصلحتها لم تفسد. و"ممن تكلم بعد أن سلم: الزبير، وابناه عبد اللّه وعروة، وصوّبه ابن عباس"، ولا نعلم عن غيرهم خلافهم. وعنه: تفسد بكل حال، لعموم الأخبار في المنع من الكلام. وعنه: لا تفسد بالكلام في تلك الحال، سواء كان من شأن الصلاة أو لم يكن، وهذا مذهب مالك والشافعي، لأنه نوع من النسيان، أشبه المتكلم جاهلاً. وإن تكلم مغلوباً مثل أن يخرج الحروف بغير اختياره، مثل أن يتثاءب فيقول: هاه، أو يتنفس فيقول: آه، أو يسعل فينطق بحرفين، أو يغلط في القراءة، أو يجيئه البكاء ولا يقدر على رده، فلا تفسد، نص عليه في البكاء، وقال: "قد كان عمر يبكي حتى يسمع له نشيج". وإن نام فتكلم، فقد توقف

 

ص -137-      أحمد. وينبغي أن لا تبطل لرفع القلم عنه.
وإن تكلم بكلام واجب، مثل أن يخشى على ضرير أو صبي وقوعه في هلكة، أو يرى ناراً يخاف أن تشتعل في شيء، ونحو هذا، ولا يمكن التنبيه بالتسبيح، فقال أصحابنا: تبطل، ويحتمل أن لا تبطل؛ وهو ظاهر مذهب الشافعي.
وإن ضحك فبان حرفانن فسدت. وكذلك إن قهقه ولم يبن حرفان، وبه قال جابر وعطاء والشافعي، ولا نعلم فيه مخالفاًً. قال ابن المنذر: أجمعوا على أن الضحك يفسد الصلاة. وأكثر أهل العلم على أن التبسم لا يفسدها.
فأما النفخ، فإن انتظم حرفان فسدت. وعنه: أكرهه، ولا أقول يقطع الصلاة. وروي عن ابن مسعود وغيره، لحديث الكسوف، وفيه:
"ثم نفخ فقال: أف. أف.". 1 رواه أبو داود. وقال مهنا: رأيت أبا عبد اللّه يتنحنح في صلاته، قال أصحابنا: هذا محمول على أنه لم ينتظم حرفان. وظاهر حال أحمد أنه لم يعتبر ذلك، لأن النحنحة لا تسمى كلاماً.
وإن أتى بذكر مشروع لينبه غيره، فهو ثلاثة أنواع:
الأول: مشروع له، مثل أن يسهو إمامه فيسبح به، أو يترك الإمام ذكراً فيرفع المأموم صوته ليذكره به، أو ينوبه شيء فيسبح ليعلمه أنه في صلاة، فهذا لا يؤثر في قول أكثر أهل العلم. وحكي عن أبي حنيفة من أفهم غير إمامه بالتسبيح، فسدت صلاته، لأنه خطاب آدمي. ولنا: قوله:
"من نابه شيء في الصلاة، فليقل: "سبحان اللّه""، 2 وهو عام في كل ما ينوبه. وفي معنى هذا: "الفتح على إمامه إذا أرتج عليه أو غلط"، روي ذلك عن عثمان وعلي، و"كرهه ابن مسعود". وقال أبو حنيفة: تبطل الصلاة به، لحديث علي، مرفوعاً: "لا تفتح على الإمام". 3 ولنا: "قوله لأبيّ: أصليت معنا؟ قال: نعم. قال: فما منعك؟". 4

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 أبو داود: الصلاة (1194).
2 البخاري: الجمعة (1218), ومسلم: الصلاة (421), والنسائي: الإمامة (784) وآداب القضاة (5413), وأحمد (5/330), ومالك: النداء للصلاة (392).
3 أبو داود: الصلاة (908), وأحمد (1/146).
4 أبو داود: الصلاة (907).

 

ص -138-      رواه أبو داود، قال الخطابي: إسناده جيد. وحديث علي يرويه الحارث. وقد قال على نفسه: "إذا استطعمك الإمام فأطعمه".
الثاني: ما لا يتعلق به تنبيه، إلا أنه لسبب من غير الصلاة، مثل حمد العاطس والاسترجاع، فلا يبطل، نص عليه، وذكر حديث على حين أجاب الخارجي. وقال أبو حنيفة: تفسد صلاته. ولنا: ما روى عامر بن ربيعة قال:
"عطس رجل من الأنصار خلف رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فقال: الحمد للّه حمداً كثيرا طيباً مباركاً فيه، حتى يرضى ربنا، وبعد ما يرضى من أمر الدنيا والآخرة. فلما انصرف رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال: من القائل الكلمة؟ فإنه لم يقل بأساً. فقال: يارسول الله، أنا قلتها، لم أرد بها إلا خيراً، ما تناهت دون العرش". 1 رواه أبو داود. وقال الخلال: اتفق الجميع عن أبي عبد اللّه: أنه لا يرفع صوته، يعني: العاطس، وإن رفع فلا بأس، لحديث الأنصاري.
الثالث: أن يقرأ بقصد تنبيه آدمي، مثل أن يقول:
{ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ}، 2 يريد الإذن، أو لرجل اسمه يحيى: {يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ}، 3 فعنه: تبطل، وهو مذهب أبي حنيفة. وعنه: ما يدل على الصحة، واحتج بحديث علي حين أجاب الخارجي.
ويكره أن يفتح المصلي على من هو في صلاة أخرى، وإن فعل لم تبطل. ولا بأس أن يفتح على المصلي من ليس في صلاة.
وإذا سلم على المصلي، لم يرد بالكلام، فإن فعل بطلت؛ وبه قال مالك والشافعي. وعن أبي هريرة أنه أمر

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 البخاري: الأذان (799), والنسائي: الافتتاح (931) والتطبيق (1062), وأبو داود: الصلاة (770), وأحمد (4/340), ومالك: النداء للصلاة (491).
2 سورة الحجر آية: 46.
3 سورة مريم آية: 12.

 

ص -139-      بذلك. ولنا: حديث جابر، وفيه: "أنه لم يمنعني أن أرد عليك السلام إلا أني كنت أصلي"، وحديث ابن مسعود: "يا رسول اللّه، كنا نسلم عليك في الصلاة فترد علينا. قال: إن في الصلاة لشغلاً". 1 رواهما مسلم.
ويرد السلام بالإشارة، وهذا قول مالك والشافعي. وإن رد بعد الصلاة فحسن، لحديث ابن مسعود، وفيه: "فرد عليه السلام".
وسئل أحمد: أيسلّم على المصلي؟ قال: نعم، وكرهه عطاء وغيره. ومن ذهب إلى تجويزه احتج بقوله تعالى:
{فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم} 2 أي: على أهل دينكم، و"لأنه صلى الله عليه وسلم حين سلموا عليه رد عليم إشارة ولم ينكر عليهم".
وقال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن المصلي ممنوع عن الأكل والشرب. وأجمع كل من نحفظ عنه: أن من أكل أو شرب في الفرض عامداً أن عليه الإعادة، فإن كان في التطوع أبطله في الصحيح من المذهب، وهو قول أكثر الفقهاء، وعنه: لا يبطلها.
ومن هنا إلى آخر الباب: من "الإنصاف":
الصحيحك أن تسوية الصفوف سنّة، وظاهر كلام الشيخ وجوبه، وقال: مراد من حكاه إجماعاً استحبابه، لا نفي وجوبه. والأخرس يكبر بقلبه ولا يحرك لسانه، قال الشيخ: ولو قيل ببطلان الصلاة بذلك لكان أقرب.
ويجب على المصلي أن يسمع نفسه، واختار الشيخ الاكتفاء بالإتيان بالحروف وإن لم يسمعها، ثم يقول: "سبحانك اللّهم وبحمدك... إلخ"، واختار إجزاء الاستفتاح بخبر علي. واختار الشيخ أنه يقول هذا تارة وهذا أخرى.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 البخاري: المناقب (3875), ومسلم: المساجد ومواضع الصلاة (538), وأحمد (1/376).
2 سورة النور آية: 61.

 

ص -140-      ولا يجهر بالبسملة، واختار الشيخ أنه يجهر بها وبالتعوذ والفاتحة في الجنازة ونحوها أحياناً، وقال: هو المنصوص، تعليماً للسنة. قال: ويستحب ذلك للتأليف، كما استحب أحمد ترك القنوت في الوتر، تأليفاً للمأموم.
والمرأة لا ترفع صوتها أي: بالقراءة، قال الشيخ: تجهر إن صلت بنساء، ولا تجهر إن صلت وحدها. وإن قرأ بخارج عن المصحف لم تصح، وعنه: تصح، إذا صح سنده لصلاة الصحابة بعضهم خلف بعض، اختارها الشيخ وقال: قول أئمة السلف وغيرهم: مصحف عثمان أحد الحروف السبعة.
وإن كان مأموماً لم يزد على: "ربنا ولك الحمد"، وعنه: يزيد "ملء السماء... إلخ"، اختاره الشيخ، ثم يصلي الثانية كالأولى.
وفي الاستعاذة روايتان: الثانية: يتعوذ، اختارها الشيخ وقال: آله: أهل بيته، والمختار دخول أزواجه فيهم. وتجوز الصلاة على غير الأنبياء منفرداً، وقيل: يحرم، اختاره الشيخ مع الشعار. وإذا نهض من التشهد الأول لا يرفع يديه، وعنه: يرفعهما، اختاره الشيخ.
قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه: أن صلاة من اقتصر على تسليمة واحدة جائزة. قلت: هذا مبالغة، وليس بإجماع.
قال ابن القيم: وهذه عادته، إذا رأى قول أكثر أهل العلم حكاه إجماعاً.

 

ص -141-      باب سجود السهو
قال أحمد: يحفظ عن النبي صلى الله عليه وسلم خمسة أشياء: سلّم من اثنتين فسجد، وسلّم من ثلاث فسجد، وفي الزيادة والنقصان، وقام من اثنتين ولم يتشهد، قال الخطابي: المعتمد عليه عند أهل العلم هذه الأحاديث الخمسة، يعني: حديث ابن مسعود وأبي سعيد وأبي هريرة وابن بحينة.
ومن سلّم قبل تمام صلاته ساهياً، ثم علم قبل طول الفصل، أتى بما بقي ثم يتشهد، ويسلم ثم يسجد. فإن لم يذكر حتى قام جلس لينهض، فإن هذا القيام واجب للصلاة، ولا نعلم في جواز إتمام الصلاة، خلافاً في حق من نسي ركعة فما زاد؛ والأصل في هذا: حديث أبي هريرة قال: "صلى بنا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم إحدى صلاتي العشاء"، 1 قال ابن سيرين: سماها لنا أبو هريرة... الحديث، وفي آخره: فسألوه عن التشهد فقال: لم أسمعه، وأَحب إليَّ أن يتشهد. رواه أبو داود. فإن طال الفصل، استأنف الصلاة، وكذا قال مالك والشافعي. وقال الليث والأوزاعي: يبني ما لم ينتقض وضوؤه، فإن لم يذكر حتى شرع في أخرى فطال الفصل، بطلت الأولى، وإلا عاد إلى الأولى فأتمها، وبه قال الشافعي. وقال الحسن: إن شرع في تطوع بطلت المكتوبة، وقال مالك: أحب إلي أن يبتدئها.
و"من كان إماماً فشك كم صلى، بنى على أكثر وهمه، ثم سجد بعد السلام"، كما روى ابن مسعود. وعنه: يبني على ذلك ولو منفرداً، قال في رواية الأثرم:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 البخاري: الصلاة (482).

 

ص -142-      بين التحري واليقين فرق. أما حديث عبد الرحمن بن عوف: "إذا لم يدر ثلاثاً صلى أو اثنتين، جعلها اثنتين"، 1 فهذا عمل على اليقين، والذي يتحرى يكون قد صلى ثلاثاً فيدخل قلبه شك، إنما صلى اثنتين إلا أن أكثر ما في نفسه أنه صلى ثلاثاً، فـ"هذا يتحرى أصوب ذلك، ويسجد بعد السلام". وروي هذا عن علي وابن مسعود، وقاله أصحاب الرأي. إن تكرر ذلك عليه، وإن كان أول ما أصابه، أعاد الصلاة، لقوله: "لا غرار في صلاة، ولا تسليم". 2
والرواية الثانية: "يبني على اليقين، ويسجد قبل السلام، إماماً كان أو منفرداً". وهو قول مالك والشافعي، لحديث أبي سعيد وعبد الرحمن. والأولى هي المشهورة عن أحمد، لحديث ابن مسعود. وإنما حملناه على الإمام لأن له من ينبهه، والمنفرد ليس كذلك؛ فيبني على اليقين ليحصل له تمام صلاته، ولا يكون مغرراً بها؛ وهو معنى قوله:
"لا غرار في صلاة". وعلى الرواية الثانية، يحمل حديث أبي سعيد وعبد الرحمن، على من لا ظن له، وقول أصحاب الرأي يخالف السنة الثابتة. ومعنى: "لا غرار" أي: لا نقص من صلاته، ويحتمل أنه أراد: لا يخرج منها وهو شاك في تمامها.
ومن بنى على اليقين لم يشك، وكذا من بنى على غالب ظنه ووافقه المأمومون أو ردوا عليه. وإذا سها الإمامُ لزم المأمومين تنبيهُهُ؛ فإن كانوا رجالاً سبحوا، وإن كانوا نساءً صفقن، وبه قال الشافعي. وقال مالك: التسبيح للكل لقوله:
"من نابه شيء في صلاته فليقل: "سبحان اللّه"". 3 ولنا: حديث أبي هريرة: "التسبيح للرجال، والتصفيق للنساء". 4 وحديث مالك في حق الرجال، فإن حديثنا يفسره.
وإذا سبح به اثنان يثق بقولهما، لزمه قبوله، سواء غلب على ظنه صوابهما أو خلافه. وقال الشافعي: إن غلب على ظنه خطؤهما، لم يعمل بقولهما. وإن كان على يقين من

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 الترمذي: الصلاة (398).
2 أبو داود: الصلاة (928).
3 البخاري: الجمعة (1218), ومسلم: الصلاة (421), والنسائي: الإمامة (784, 793) والسهو (1183) وآداب القضاة (5413), وأبو داود: الصلاة (940), وأحمد (5/336), ومالك: النداء للصلاة (392).
4 البخاري: الجمعة (1203), ومسلم: الصلاة (422), والترمذي: الصلاة (369), والنسائي: السهو (1207, 1208, 1209, 1210), وأبو داود: الصلاة (939), وابن ماجة: إقامة الصلاة والسنة فيها (1034), وأحمد (2/241, 2/261, 2/317, 2/376, 2/432, 2/440, 2/473, 2/479, 2/493, 2/507, 2/529), والدارمي: الصلاة (1363).

 

ص -143-      صوابه لم يتابعهم. فإن لم يرجع حيث يلزمه الرجوع، بطلت صلاته وصلاة من تبعه عالماً. وعنه: يتبعونه في القيام استحباباً. وعنه: لا يتبعونه، لكن ينتظرونه ليسلم بهم. وإن تابعوه جهلاً بالتحريم، فصلاتهم صحيحة، "لأن الصحابة تابعوه في التسليم وفي الخامسة" في حديث ابن مسعود. فإن سبح به واحد لم يرجع، إلا أن يغلب على ظنه صدقه.
والسجود كله عند أحمد قبل السلام، إلا في الموضعين اللذيْن ورد النص بهما، وهما: إذا سلم من نقص، أو تحرى الإمام فبنى على غالب ظنه. قال القاضي: لا يختلف قوله في هذين، واختلف قوله فيمن صلى خمساً هل يسجد قبل السلام أو بعده؟ وحكى أبو الخطاب رواية: "أن السجود كله قبل السلام"، وروي عن أبي هريرة؛ وهو مذهب الشافعي، لحديث ابن بحينة وأبي سعيد. وقال الزهري: كان آخر الأمرين السجود قبل السلام. وعنه: "ما كان من نقص فقبل السلام"، لحديث ابن بحينة، و
"ما كان من زيادة سجد له بعد السلام"، لحديث ابن مسعود؛ وهو مذهب مالك. وقال أصحاب الرأي: "السجود كله بعد السلام"، لحديث ذي اليدين وابن مسعود. وروي عن أنس والحسن والنخعي، لحديث ثوبان رواه سعيد وحديث عبد اللّه بن جعفر، رواهما أبو داود. ولنا: "أنه ثبت عنه صلى الله عليه وسلم قبل وبعد"، ففي ما ذكرنا عمل بالجميع، وحديث ثوبان وابن جعفر قال الأثرم: لا يثبت واحد منهما، وأكثر أهل العلم يرون أنه إذا قام في موضع جلوس أو جلس في موضع قيام، أنه يسجد. وكان علقمة والأسود لا يسجدان لذلك. ولنا: قوله صلى الله عليه وسلم: "إذا زاد الرجل أو نقص فليسجد سجدتين". 1 رواه مسلم عن ابن مسعود، وقوله عليه السلام: "لكل سهو سجدتان بعد التسليم". 2 رواه أبو داود.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 البخاري: الصلاة (401), ومسلم: المساجد ومواضع الصلاة (572), والنسائي: السهو (1243), وأحمد (1/424).
2 أبو داود: الصلاة (1038), وابن ماجة: إقامة الصلاة والسنة فيها (1219), وأحمد (5/280).

 

ص -144-      وإن قام عن التشهد الأول، فذكر قبل اعتداله، رجع، وبه قال الشافعي وابن المنذر. وقال مالك: إن فارقت إليتاه الأرض مضى. ولنا: حديث المغيرة: "إذا قام أحدكم في الركعتين فلم يستتم قائماً، فليجلس". 1 الحديث رواه أبو داود. وقال النخعي: يرجع ما لم يستفتح القراءة. ولنا: حديث المغيرة. وقال الحسن: يرجع ما لم يركع.
وإن قام من السجدة الأولى، ولم يجلس للفصل [بين السجدتين]، 2 فقد ترك ركنين. فإن ذكر قبل الشروع في القراءة، لزمه الرجوع، لا أعلم فيه خلافاً. فإذا رجع، جلس ثم يسجد الثانية. وإن قام عن التشهد الأخير إلى زائدة، جلس له متى ذكره.
والزيادات على ضربين: أقوال وأفعال.
فزيادة الأفعال: قسمان:
أحدهما: من جنس الصلاة، مثل قيامه في موضع جلوسه أو عكسه، فهذا تبطل بعمده، ويسجد لسهوه.
الثاني: من غير جنسها، كالحك والمشي، فهذا تبطل بكثيره عمداً كان أو سهواً. والأقوال قسمان:
أحدهما: ما يبطل عمده الصلاة، كالسلام والكلام، فإذا أتى به سهواً، سجد.
الثاني: ما لا يبطل عمده، وهو نوعان: أحدهما: أن يأتي بذكر مشروع فيها في غير محله، كالقراءة في الركوع والتشهد في القيام، فهل يشرع له سجود إذا فعله؟ على روايتين: إحداهما:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 أبو داود: الصلاة (1036), وابن ماجة: إقامة الصلاة والسنة فيها (1208), وأحمد (4/253).
2 زيادة من المخطوطة 465/86.

 

ص -145-      لا يشرع، لأنها لا تبطل بعمده. والثانية: يشرع، لقوله: "إذا نسى أحدكم، فليسجد سجدتين وهو جالس". 1 رواه مسلم. فإن قلنا: يشرع، فهو مستحب. قال أحمد: إنما السهو الذي يجب فيه السجود ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم. الثاني: أن يأتي بذكر أو دعاء لم يشرع، كقوله: "آمين رب العالمين" و"اللّه أكبر كبيراً"، فلا يشرع له سجود، "لأنه صلى الله عليه وسلم سمع رجلاً يقول: "الحمد للّه حمداً كثيراً مباركاً فيه، كما يحب ربنا ويرضى"، فلم يأمره بالسجود". وإذا جلس للتشهد في غير موضعه قدر جلسة الاستراحة، فقال القاضي: يلزمه السجود، ويحتمل ألا يلزمه، لأنه لا يبطل عمده. والجهر والإخفات في غير موضعه فيه روايتان: إحداهما: لا يشرع السجود لسهوه، وهو مذهب الشافعي. "وجهر أنسٌ في الظهر والعصر، فلم يسجد". والثانية: يشرع، وهو مذهب مالك في الإمام، لقوله: "إذا نسى أحدكم، فليسجد سجدتين". 2 فإن قلنا بها، فالسجود غير واجب، قال الأثرم: سمعت أبا عبد اللّه يُسْأَل عمن سها فجهر فيما يخافت فيه، هل عليه سجود؟ قال: أما عليه، فلا أقول عليه، ولكن إن شاء سجد، وذكر حديثاً عن عمر أو غيره أنه كان سمع منه نغمة في صلاة الظهر، قال: "وأنس جهر فلم يسجد وقال: إنما السهو الذي يجب فيه السجود ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم".
وإن قام إلى خامسة في رباعية، أو رابعة في المغرب، رجع متى ذكر، فإن كان قد تشهد عقيب الركعة التي تمت بها صلاته، سجد للسهو ثم سلّم، وإلا تشهد وسجد وسلّم. فإن لم يذكر حتى فرغ، سجد وصحت صلاته، وبه قال مالك والشافعي. وقال الأوزاعي، فيمن صلى المغرب أربعاً: يضيف إليها أخرى، فتكون الركعتان

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 مسلم: المساجد ومواضع الصلاة (572), والنسائي: السهو (1242, 1243, 1244, 1245, 1246), وابن ماجة: إقامة الصلاة والسنة فيها (1203), وأحمد (1/379, 1/424).
2 مسلم: المساجد ومواضع الصلاة (572), والنسائي: السهو (1242, 1243, 1244, 1245, 1246), وابن ماجة: إقامة الصلاة والسنة فيها (1203), وأحمد (1/379, 1/424).

 

ص -146-      تطوعاً، لقوله في حديث أبي سعيد: "فإن كان صلاته تامة، كانت الركعة نافلة والسجدتين"، 1 وفي رواية: "فإن كان صلى خمساً، شفعن له صلاته". 2 ولنا: حديث ابن مسعود حين صلى خمساً، والظاهر أنه صلى الله عليه وسلم لم يجلس عقيب الرابعة، فلم تبطل صلاته، ولم يضف إلى الخامسة أخرى.
وقال أبو حنيفة: إن لم يكن جلس في الرابعة بطل فرضه، وحديث أبي سعيد حجة عليهم، فإنه جعل الزائدة نافلة من غير أن يفصل بينها وبين التي قبلها بجلوس، وجعل السجدتين يشفعها بها، ولم يضف إليها ركعة أخرى؛ وهذا كله خلاف ما قالوه، فخالفوا الخبرين، وقولنا يوافقهما جميعاً.
وإذا نسي السجود ثم ذكر بعد طول الفصل في المسجد، سجد سواء تكلم أو لا، وبه قال مالك والشافعي. وقال أبو حنيفة: إن تكلم بعد الصلاة سقط عنه سجود السهو. وكان الحسن وابن سيرين يقولان: "إذا صرف وجهه عن القبلة، لم يبين ولم يسجد". ولنا: حديث ابن مسعود: "أنه صلى الله عليه وسلم سجد بعد السلام والكلام"، 3 وحديثه الآخر، وفيه: "فلما انفتل توشوش القوم بينهم... إلخ".
فإن خرج من المسجد لم يسجد، نص عليه. وقال الشافعي: يُرجع في طول الفصل وقصره إلى العادة، "لأنه صلى الله عليه وسلم رجع إلى المسجد بعد خروجه منه" في حديث عمران بن حصين، وعنه رواية أخرى: يسجد وإن خرج وتباعد، وهو قول ثان للشافعي.
ويكبر للسجود والرفع منه، وإن كان بعد السلام، تشهد وسلّم وبه، قال الشافعي في التشهد والتسليم. وقال أنس والحسن: "ليس فيهما تشهد ولا تسليم". وقال ابن سيرين وابن المنذر: فيهما تسليم بغير تشهد. قال ابن المنذر: التسليم فيهما ثابت من غير وجه، وأما التشهد ففي ثبوته نظر. ولنا: على التكبير حديث ابن بحينة، وقول أبي هريرة: "ثم كبر وسجد"، والتسليم ذكره عمران بن حصين

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 أبو داود: الصلاة (1024).
2 مسلم: المساجد ومواضع الصلاة (571), والنسائي: السهو (1238, 1239), وأبو داود: الصلاة (1024, 1026), وأحمد (3/72, 3/83, 3/84, 3/87), ومالك: النداء للصلاة (214), والدارمي: الصلاة (1495).
3 مسلم: المساجد ومواضع الصلاة (572), والترمذي: الصلاة (393), وأحمد (1/456).

 

ص -147-      عند مسلم، وفي حديث ابن مسعود: "ثم سجد سجدتين، ثم سلّم". ولأبي داود في حديث عمران: "ثم تشهد ثم سلم". قال الترمذي: حسن غريب. ويحتمل أن لا يجب التشهد لأن ظاهر الحديثين الأولين أنه سلم من غير تشهد، وهما أصح من هذه الرواية.
وإذا نسيه حتى طال الفصل، لم تبطل الصلاة، وبه قال الشافعي. وعن أحمد: إن خرج عن المسجد، أعاد الصلاة؛ وهو قول مالك فيما قبل السلام.
وسجود السهو لما يبطل عمده الصلاة واجب، وعنه: أنه غير واجب؛ وهذا قول الشافعي، لقوله: "
كانت الركعة والسجدتان نافلة له". 1 ولنا: أنه أمر به وفعله، وقوله: "نافلة" أي: له ثواب، كما سمى الركعة نافلة، وهي واجبة على الشاك بلا خلاف.
فأما ما لا يبطل عمده فغير واجب، قال أحمد: إنما يجب السجود فيما روي عنه صلى الله عليه وسلم، يعني: وما في معناه؛ فنقيس على زيادة خامسة سائر زيادات الأفعال من جنسها، وعلى ترك التشهد [الأول]2 ترك غيره من الواجبات، وعلى التسليم من نقصان زيادات الأقوال المبطلة عمداً، فإن ترك الواجب عمداً، فإن كان قبل السلام بطلت، وإن كان بعده لم تبطل، وعنه: ما يدل على البطلان، وعنه: التوقف.
إذا سها سهوين أو أكثر من جنس، كفاه سجدتان، لا نعلم أحداً خالف فيه. وإن كان من جنسين فكذلك، وهو قول أكثر أهل العلم. وقال الأوزاعي: يسجد سجودين، لقوله:
"لكل سهو سجدتان". 3 ولنا: قوله: "إذا نسي أحدكم، فليسجد سجدتين"، 4 "ولأنه صلى الله عليه وسلم سها فسلّم وتكلم بعد سلامه، فسجد سجوداً واحداً"، وحديثهم في إسناده مقال، ثم المراد به كل سهو في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 أبو داود: الصلاة (1024).
2 زيادة من المخطوطة 465/86.
3 أبو داود: الصلاة (1038), وابن ماجة: إقامة الصلاة والسنة فيها (1219), وأحمد (5/280).
4 البخاري: الصلاة (401) والأيمان والنذور (6671), ومسلم: المساجد ومواضع الصلاة (572), والنسائي: السهو (1242, 1243, 1244, 1245, 1246), وأبو داود: الصلاة (1020, 1022), وابن ماجة: إقامة الصلاة والسنة فيها (1203, 1212), وأحمد (1/379, 1/424).

 

ص -148-      صلاة، والسهو وإن كثر فهو داخل في لفظ السهو لأنه اسم جنس، ولذلك قال: "لكل سهو سجدتان بعد السلام" 1 هكذا في رواية أبي داود، [ولا]2 يلزمه بعد السلام سجودان، ومعنى الجنسين: أن يكون أحدهما قبل السلام والآخر بعده.
وليس على المأموم سجود سهو، إلا أن يسهو إمامه فيسجد، في قول عامة أهل العلم. وعن مكحول أنه قام عن قعود إمامه فسجد. ولنا: حديث معاوية بن الحكم. وإذا سها الإمام، فعلى المأموم متابعته، حكاه ابن المنذر إجماعاً.
وإذا كان مسبوقاً فسها الإمام فيما لم يدركه فيه، فعليه متابعته. وقال ابن سيرين وإسحاق: يقضي ثم يسجد. وقال مالك والشافعي في السجود قبل السلام كقولنا، وبعده كقول ابن سيرين. ولنا: قوله: "
فإذا سجد فاسجدوا"، 3 وقوله: "فإن سها إمامه فعليه وعلى من خلفه". إذا ثبت هذا، فمتى قضى ففي إعادة السجود روايتان: إحداهما: يعيده، لأنه مع إمامه متابعاً له. والثانية: لا يلزمه السجود، لأن سجود إمامه قد كملت به الصلاة في حقهما.
فإن نسي الإمام السجود، سجد المسبوق في آخر صلاته، رواية واحدة. إذا سها المأموم فيما ينفرد فيه بالقضاء، سجد، رواية واحدة.
وهكذا لو سها فسلّم مع إمامه، قام فأتم، ثم سجد بعد السلام. فأما غير المسبوق إذا سها إمامه فلم يسجد، فهل يسجد؟ فيه روايتان: إحداهما: يسجد، وهو قول مالك والشافعي. والثانية: لا يسجد، روي عن عطاء والحسن والقاسم وأصحاب الرأي.
وإذا قام المأموم لقضاء ما فاته، فسجد إمامه بعد السلام، فحكمه حكم القائم عن التشهد الأول، نص عليه.
وليس على المسبوق ببعض الصلاة سجود، في قول أكثر أهل

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 أبو داود: الصلاة (1038), وابن ماجة: إقامة الصلاة والسنة فيها (1219), وأحمد (5/280).
2 لفظ: (لا) زيادة من المخطوطة 465/86.
3 البخاري: الصلاة (378), ومسلم: الصلاة (411), والترمذي: الصلاة (361), والنسائي: الإمامة (794), وابن ماجة: إقامة الصلاة والسنة فيها (1238).

 

ص -149-      العلم. ويروى عن ابن عمر وابن الزبير وإسحاق: "فيمن أدرك وتراً من صلاة إمامه، سجد للسهو، لأنه يجلس للتشهد في غير موضعه". ولنا: قوله: "وما فاتكم فأتموا"، 1 ولم يأمر بالسجود، وقد "فاته صلى الله عليه وسلم بعض الصلاة مع عبد الرحمن بن عوف، فقضى"، ولم يكن لذلك سجود، والحديث رواه مسلم، وقد جلس في غير موضع تشهده.
ولا يشرع السجود لشيء تركه أو فعله عمداً. وقال الشافعي: يسجد لترك التشهد والقنوت عمداً.
وحكم النافلة حكم الفرض، في قول عامة أهل العلم، إلا ابن سيرين، وهو يخالف عموم الأمر به.
ولو قام إلى ثالثة في صلاة الليل، كالقيام إلى ثالثة لفجر، نص عليه. وقال مالك: يتمها أربعاً ويسجد. وقال الأوزاعي في صلاة النهار كقوله، وفي صلاة الليل: إن ذكر قبل ركوعه في الثالثة جلس، وإلا أتمها أربعاً. ولنا: قوله:
"صلاة الليل مثنى مثنى" 2.
ولا يُشْرَع في صلاة جنازة وسجود تلاوة وسجود سهو، قال إسحاق: هو إجماع.
ومن هنا إلى آخر الباب: من "الإنصاف":
ظاهر كلام الأصحاب: لا يرجع إلى فعل المأموم. ونقل أبو طالب: إذا صلى بقوم تحرى ونظر إلى من خلفه، فإن قاموا تحرى وقام، وإن سبحوا به، تحرى وفعل ما يفعلون.
واختار المجد: لا تبطل بالعمل الكثير سهواً، لقصة ذي اليدين، فإنه مشى وتكلم ودخل منـزله، وبنى على ما تقدم من صلاته. وإن تكلم في صلبها بطلت، عمداً أو سهواً، وعنه: لا تبطل [في السهو]، 3 اختاره الشيخ. ولو نام فتكلم، أو سبق على لسانه حال قراءة، أو غلبة سعال أو

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 البخاري: الأذان (635), ومسلم: المساجد ومواضع الصلاة (603), وأحمد (5/306), والدارمي: الصلاة (1283).
2 البخاري: الجمعة (991), ومسلم: صلاة المسافرين وقصرها (749), والترمذي: الصلاة (437), والنسائي: قيام الليل وتطوع النهار (1666, 1667, 1668, 1669, 1670, 1671, 1672, 1673, 1674, 1692, 1694), وأبو داود: الصلاة (1421), وابن ماجة: إقامة الصلاة والسنة فيها (1174, 1175, 1322), وأحمد (2/26, 2/44, 2/51, 2/58, 2/71, 2/76, 2/81, 2/100, 2/102, 2/113, 2/119, 2/133, 2/134, 2/141, 2/148, 2/154), ومالك: النداء للصلاة (269), والدارمي: الصلاة (1458).
3 من المخطوطة السابقة.

 

ص -150-      عطاس أو تثاؤب ونحوه، فبان حرفان، لم تبطل. وإن لم يغلبه، بطلت، وقال الشيخ: هو كالنفخ وأولى. وإن قهقه فبان حرفان فكالكلام، وعنه: كالكلام ولو لم يبن حرفان، اختاره الشيخ. واختار أن النفخ ليس كالكلام، ولو بان حرفان فأكثر لا تبطل به.
ومن شك في عدد الركعات بنى على اليقين، وعنه: على غالب ظنه، اختاره الشيخ، [وقال:] 1 على هذا عامة أمور الشرع؛ وإن مثله يقال في طواف وسعي ورمي جمار وغير ذلك.
والسجود قبل السلام أو بعده، لا خلاف في جواز الأمرين، قاله القاضي. وإنما الكلام في الأفضل. وذكره بعض المالكية والشافعية إجماعاً، وقيل: محله وجوباً، اختاره الشيخ. وقال: عليه يدل كلام أحمد، وإن نسيه قبل السلام قضاه ما لم يطل الفصل. وعنه: يسجد وإن بعد، اختاره الشيخ. وعنه: ما كان من زيادة فهو بعد السلام، وما كان من نقص كان قبله، فيسجد من أخذ باليقين قبل السلام، ومن أخذ بظنه بعده، اختاره الشيخ.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 من المخطوطة السابقة.

 

ص -151-      باب صلاة التطوع
التطوع قسمان: تطوع في ليل، فلا يجوز إلا مثنى، هذا قول أكثر أهل العلم. وقال أبو حنيفة: إن شئت ركعتين، وإن شئت أربعاً [وإن شئت ستاً]. 1 ولنا: حديث عائشة، متفق عليه.
وتطوع النهار الأفضل فيه مثنى مثنى، لحديث علي البارقي:
"صلاة الليل والنهار مثنى مثنى". رواه أبو داود، ولأنه أشبه بتطوعاته صلى الله عليه وسلم.
وذهب مالك والشافعي إلى أن الليل والنهار مثنى مثنى، والصحيح: أنه "إن تطوع في النهار أربعاً فلا بأس، فعله ابن عمر". وكان إسحاق يقول: صلاة النهار أربعاً، وإن صلى ركعتين جاز. ومفهوم الحديث المتفق عليه يدل على جواز الأربع، لا تفضيلها. وأما حديث البارقي، فتفرد بزيادة النهار، ورواه عن ابن عمر نحو من خمس عشرة نفساً، لم يقله أحد سواه. "وكان ابن عمر يصلي أربعاً".
والتطوع قسمان:
أحدهما: ما تسن له الجماعة، كالكسوف والتراويح.
والثاني: ما يفعل على الانفراد، وهي قسمان: سنة معيّنة، ونافلة مطلقة.
فأما المعيّنة: فأنواع، منها الرواتب وهي عشر. وقال الشافعي: "قبل الظهر أربع"، لحديث عائشة، رواه مسلم. وآكدها: ركعتا الفجر، لما ورد، و"يستحب

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 زيادة من المخطوطة السابقة.

 

ص -152-      تخفيفهما"، لحديث عائشة، و"يقرأ فيهما: {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} 1 و{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ}، 2" لحديث أبي هريرة، وحديث ابن عباس، في آيتي "البقرة" و"آل عمران"، رواه مسلم.
ويستحب الاضطجاع بعدها على جنبه الأيمن. وعنه: "ليس بسنة، لأن ابن مسعود أنكره"، ولنا: حديث عائشة: "ويقرأ في الركعتين بعد المغرب بسورتي الإخلاص"، 3 لحديث ابن مسعود، رواه الترمذي.
ويستحب فعل السنن في البيت، قال أحمد: ليس ههنا آكد من الركعتين بعد المغرب، وذكر حديث ابن إسحاق
: "صلوا هاتين الركعتين في بيوتكم"، 4 وقال: لم يبلغنا أنه صلى الله عليه وسلم قضى شيئاً من التطوع، إلا ركعتي الفجر، والركعتين بعد العصر؛ قال ابن حامد: وقسنا الباقي عليه.
وأما الركعتان بعد أذان المغرب، فظاهر كلام أحمد: أنهما جائزتان وليستا سنة، وقال: فيهما أحاديث جياد. وأما الركعتان بعد الوتر، فقال: أرجو إن فعله إنسان ألا يضيق عليه، ولكن وهو جالس. قيل له: تفعله أنت؟ قال: لا. والصحيح أنهما ليستا بسنة، لأن أكثر من وصف تهجده صلى الله عليه وسلم لم يذكرهما، وأكثر الصحابة ومن بعدهم على تركهما.
وصلاة الضحى مستحبة، لحديث أبي هريرة وأبي الدرداء، رواهما مسلم. وأقلهما: ركعتان، للخبر. و[أفضل] 5 وقتها: إذا علت الشمس واشتد حرها، لقوله:
"صلاة الأوابين حين ترمض الفصال". 6 رواه مسلم.
ويسن لمن دخل المسجد أن لا يجلس حتى يصلي ركعتين.
فأما النوافل المطلقة، فتشرع، إلا في أوقات النهي.
وتطوع الليل أفضل، قال أحمد ليس بعد المكتوبة عندي أفضل من

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 سورة الكافرون آية: 1.
2 سورة الإخلاص آية: 1.
3 الترمذي: الصلاة (431), وابن ماجة: إقامة الصلاة والسنة فيها (1166).
4 ابن ماجة: إقامة الصلاة والسنة فيها (1165).
5 زيادة من المخطوطة السابقة.
6 مسلم: صلاة المسافرين وقصرها (748), وأحمد (4/366, 4/367, 4/372, 4/374), والدارمي: الصلاة (1457).

 

ص -153-      قيام الليل. وعن أبي هريرة، رفعه: "أفضل الصلاة بعد الفريضة، صلاة الليل". 1 رواه مسلم.
و"أفضل التهجد جوف الليل الآخر"، لحديث عائشة وابن عباس، قال أحمد: إذا أغفى، يعني: بعد التهجد، فإنه لا يبين عليه أثر السهر، وإذا لم يغف يبين عليه. ويستحب أن يتسوك، يعني: إذا قام من الليل، لحديث حذيفة، وأن يفتتح تهجده بركعتين خفيفتين، لحديث أبي هريرة.   و"يستحب أن يقرأ جزءاً من القرآن في تهجده، لأنه صلى الله عليه وسلم كان يفعله. وهو مخير بين الجهر والإسرار"، لحديث عائشة.
ومن كان له تهجد ففاته، استحب له قضاؤه بين صلاة الفجر والظهر، للحديث.
و"يجوز التطوع جماعة وفرادى، لأنه صلى الله عليه وسلم فعل الأمرين".
ولا نعلم خلافاً في إباحة التطوع جالساً، وأن القيام أفضل. و"هو مخير في الركوع والسجود، إن شاء من قيام، وإن شاء من قعود، لأنه صلى الله عليه وسلم فعل الأمرين"، قال أحمد: العمل على كلا الحديثين.
والوتر ركعة، نص عليه، وهو مذهب مالك والشافعي. وقال هؤلاء: يصلي ركعتين ثم يسلم، ثم يوتر بركعة. قال أحمد: أنا أذهب في الوتر إلى ركعة، ومن أوتر بثلاث أو أكثر فلا بأس.
والقنوت مسنون في جميع السنة، وعنه: في النصف الأخير من رمضان، وبه قال مالك والشافعي. وعنه: لا يقنت في صلاة بحال، ويقنت بعد الركوع، نص عليه، وبه قال الشافعي. وعنه: أنا أذهب إلى أنه بعد الركوع، وإن قنت قبله فلا بأس.
وقال مالك: قبل الركوع. ولنا: حديث أبي هريرة وأنس وغير واحد، وحديث ابن مسعود يرويه أبان بن أبي عياش، وهو متروك، وحديث أُبيّ قد تُكُلِّم فيه، وقيل: ذكر القنوت فيه غير صحيح. ويستحب

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 مسلم: الصيام (1163), والترمذي: الصلاة (438), وأبو داود: الصوم (2429), وأحمد (2/303, 2/329, 2/342, 2/344, 2/535).

 

ص -154-      أن يقول في قنوت الوتر ما روى الحسن بن علي. وعن عمر: "أنه قنت بسورتي أبي"، قال ابن قتيبة: نحفد: نبادر، والجد، أي: الحق لا اللعب، وملحِق، بكسر الحاء: لاحق؛ هكذا يروى. يقال: لحقت القوم وألحقتهم بمعنى واحد. ومن فتح الحاء، أراد: أن اللّه ملحقهم إياه، وهو معنى صحيح، غير أن الرواية هي الأولى. ويؤمّن من خلف الإمام، لا نعلم فيه خلافاً، قاله إسحاق. وقال الأثرم: كان أحمد يرفع يديه في القنوت إلى صدره، واحتج بأن "ابن مسعود رفع يديه إلى صدره في القنوت"، أنكره مالك.
وهل يمسح وجهه بيديه إذا فرغ؟ فيه روايتان: إحداهما: لا، قال أحمد: ما سمعت فيه بشيء. ولا يسن القنوت قي الصبح ولا غيرها، سوى الوتر. وعن مالك والشافعي: يقنت في الصبح، ولنا: حديث أنس وأبي هريرة، قال إبراهيم: "أول من قنت: عليّ في صلاة الغداة"، وذلك أنه كان محارباً يدعو على أعدائه، وقنوت عمر يحتمل أنه في النوازل، فإن أكثر الروايات عنه: أنه لم يكن يقنت.
قال أحمد: إذا نزل بالمسلمين أمر، قنت الإمام في الفجر، وأمّن من خلفه، ثم قال: مثل ما نزل بالمسلمين من هذا الكافر، يعني: بابك. قال عبد اللّه عن أبيه: "كل شيء ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في القنوت، فإنما هو في الفجر، ولا يقنت إلا في الفجر إذا كان مستنصراً يدعو للمسلمين". وقال أبو الخطاب: يقنت في الفجر والمغرب.
والذي اختار أحمد: أن تفصل ركعة الوتر مما قبلها، وقال: إن أوتر بثلاث لم يسلّم فيهن، لم يضيق عليه. وحجة من لم يفصل: قول عائشة: "أنه كان يوتر بأربع وثلاث، وست وثلاث، وثمان وثلاث"، 1 وقولها: "كان يصلي أربعاً، فلا تسأل عن حسنهن وطولهن. ثم يصلي أربعاً كذلك، ثم يصلي ثلاثاً". 2 وقالت: "كان يوتر بخمس، لا يجلس إلا في آخرهن". 3 رواه مسلم. ولنا: قولها: "كان يسلّم بين كل ركعتين، ويوتر بواحدة"، 4 وقوله:
"صلاة الليل

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 أبو داود: الصلاة (1362).
2 البخاري: الجمعة (1147), ومسلم: صلاة المسافرين وقصرها (738), والترمذي: الصلاة (439), والنسائي: قيام الليل وتطوع النهار (1697), وأبو داود: الصلاة (1341), وأحمد (6/36, 6/39, 6/73, 6/104), ومالك: النداء للصلاة (265).
3 النسائي: قيام الليل وتطوع النهار (1717).
4 مسلم: صلاة المسافرين وقصرها (736), والنسائي: الأذان (685), وابن ماجة: إقامة الصلاة والسنة فيها (1358), وأحمد (6/143, 6/215), والدارمي: الصلاة (1447, 1473, 1585).

 

ص -155-      مثنى مثنى، فإذا خشيت الصبح فأوتر بواحدة"، 1 وقال: "الوتر ركعة من آخر الليل". 2 رواه مسلم. وحديثها الذي ذكروه ليس فيه تصريح بأنها بتسليم واحد، وأما إذا أوتر بخمس فيأتي.
وقال أحمد فيمن يوتر فيسلّم من الثنتين، فيكرهونه أهل المسجد: فلو صار إلى ما يريدون. يعني: لا تضر موافقتهم.
ويجوز أن يوتر بإحدى عشرة، وبتسع، وبسبع، وبخمس، وبثلاث، وبواحدة. فإن أوتر بإحدى عشرة سلّم من ركعتين، وإن أوتر بثلاث سلّم من الثنتين وأوتر بواحدة، وإن أوتر بخمس لم يجلس إلا في آخرهنَّ، وإن أوتر بسبع جلس عقيب السادسة فتشهد ولم يسلّم، ثم يجلس بعد السابعة فيتشهد ويسلم. وإن أوتر بتسع لم يجلس إلا عقيب الثامنة، فيتشهد [ثم يقوم ويأتي 3 بالتاسعة]، ويسلم. ونحوه قال إسحاق، ثم ذكر حديث زيد بن ثابت في الخمس، وكذلك حديث عائشة. وأما التسع والسبع فذكر فيهن حديث سعيد بن هشام عن عائشة. وقال القاضي في السبع: لا يجلس إلا في آخرهن كالخمس، ولعله يحتج بحديث ابن عباس: "صلى سبعاً أو خمساً، لم يجلس إلا في آخرهن". وعن أم سلمة نحوه، رواه ابن ماجة، وكلا الحديثين فيه شك في السبع، وليس في واحد منهما أنه لا يجلس عقيب السادسة.
والوتر غير واجب، وبه قال مالك والشافعي، وأوجبه أبو حنيفة، لأنه صلى الله عليه وسلم أمر به، ولحديث بريدة، مرفوعاً:
"من لم يوتر فليس منا". 4 رواه أحمد. ولنا: حديث عبادة، وفيه: كذب أبو محمد، سمعت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يقول: "خمس صلوات كتبهن اللّه... إلخ"، 5 وحديث ضمام، وأحاديثهم قد تكلم فيها. ثم المراد بها تأكيد فضيلته، والأفضل فعله آخر الليل. و"من كان له تهجد، جعله بعده، لفعله صلى الله عليه وسلم".

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 البخاري: الجمعة (991), ومسلم: صلاة المسافرين وقصرها (749), والترمذي: الصلاة (437), والنسائي: قيام الليل وتطوع النهار (1666, 1667, 1668, 1669, 1670, 1671, 1672, 1673, 1674, 1692, 1694), وأبو داود: الصلاة (1421), وابن ماجة: إقامة الصلاة والسنة فيها (1174, 1175, 1322), وأحمد (2/26, 2/44, 2/51, 2/58, 2/71, 2/76, 2/81, 2/100, 2/102, 2/113, 2/119, 2/133, 2/134, 2/141, 2/148, 2/154), ومالك: النداء للصلاة (269), والدارمي: الصلاة (1458).
2 مسلم: صلاة المسافرين وقصرها (752), والنسائي: قيام الليل وتطوع النهار (1689, 1690, 1691), وأبو داود: الصلاة (1421), وابن ماجة: إقامة الصلاة والسنة فيها  (1175), وأحمد (2/43).
3 زيادة من المخطوطة السابقة.
4 أبو داود: الصلاة (1419), وأحمد (5/357).
5 النسائي: الصلاة (461), وأبو داود: الصلاة (425, 1420), وابن ماجة: إقامة الصلاة والسنة فيها (1401), وأحمد (5/315, 5/317, 5/319, 5/322), ومالك: النداء للصلاة (270), والدارمي: الصلاة (1577).

 

ص -156-      فإن خاف ألا يقوم من آخر الليل، استحب له أن يوتر أوله، لأنه صلى الله عليه وسلم أوصى أبا هريرة وغيره بالوتر قبل النوم وقال: "من خاف أن لا يقوم آخر الليل، فليوتر من أوله". 1 وكلها صحاح. وأي وقت أوتر من الليل بعد العشاء أجزأ، لا نعلم فيه خلافاً.
[فأما] 2 من أوتر ثم قام للتهجد، فالأفضل أن يصلي مثنى مثنى، ولا ينقض وتره؛ وبه قال مالك. قيل لأحمد: لا ترى نقض الوتر؟ قال: لا، ثم قال: وإن ذهب إليه رجل فأرجو، لأنه قد فعله جماعة، وهو قول إسحاق؛ ولعلهم ذهبوا إلى قوله:
"اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً". 3 ولنا: حديث طلق بن علي، رفعه: "لا وتران في ليلة". 4 حسنه الترمذي.
فإن صلى مع الإمام وأحب متابعته، لم يسلم وقام فصلى ركعة شفع بها صلاته، نص عليه، وقال: إن شاء قام على وتره وشفع إذا قام، وإن شاء صلى مثنى. قال: ويشفع مع الإمام بركعة أحب إلي.
ويستحب أن يقرأ في ركعات الوتر الثلاث: في الأولى بـ"سبح"، وفي الثانية
{قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ}، 5 وفي الثالثة {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ}. 6 وقال الشافعي: "يقرأ في الثالثة: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ}، 7 والمعوذتين"، لحديث عائشة، رواه ابن ماجة. ولنا: حديث أبيّ بن كعب، وحديث عائشة لا يثبت. وقد أنكر أحمد ويحيى بن معين زيادة المعوذتين. قال أحمد: الأحاديث التي جاءت: "أن النبي صلى الله عليه وسلم أوتر بركعة كان قبلها صلاة متقدمة، قيل له: أيوتر في السفر بواحدة؟ قال: يصلي قبلها ركعتين".
قيل لأحمد: رجل قام يتطوع، ثم بدا له فجعل تلك الركعة وتراً، قال: لا. وكيف يكون؟ هذا قد قلب نيته. قيل له: أيبتدئ الوتر؟ قال: نعم. انتهى من الشرح.
وقال: إذا قنت قبل الركوع، كبر ثم أخذ في القنوت. وقد روي عن عمر: "أنه إذا فرغ من القراءة كبر، ثم قنت، ثم كبر حين يركع"، روي ذلك

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 مسلم: صلاة المسافرين وقصرها (755), وابن ماجة: إقامة الصلاة والسنة فيها (1187), وأحمد (3/337, 3/348, 3/389).
2 كذا في المخطوطة، وفي نسخة: (و).
3 البخاري: الجمعة (998), ومسلم: صلاة المسافرين وقصرها (751), وأبو داود: الصلاة (1438).
4 الترمذي: الصلاة (470), والنسائي: قيام الليل وتطوع النهار (1679), وأبو داود: الصلاة (1439).
5 سورة الكافرون آية: 1.
6 سورة الإخلاص آية: 1.
7 سورة الإخلاص آية: 1.

 

ص -157-      عن علي وابن مسعود، ولا نعلم فيه مخالفاًً. و"يستحب أن يقول بعد وتره: "سبحان الملك القدوس" ثلاثاً، ويمد صوته في الثالثة"، لحديث أبيّ بن كعب وابن أبزى.
و"صلاة التراويح سنّة مؤكدة سنّها رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، وتنسب إلى عمر، لأنه جمع الناس على أبيّ بن كعب". والمختار عند أحمد: عشرون ركعة، وبه قال الشافعي. وقال مالك: ستة وثلاثون. ولنا: "أنّ عمر لما جمع الناس على أبيّ، كان يصلي بهم عشرين ركعة". وأما ما رواه صالح، فإن صالحاً ضعيف، ثم ما ندري مَنِ الناس الذين روى عنهم، وما كان عليه الصحابة أولى؟
والمختار عند أحمد: فعلها في الجماعة، وقال: إن كان رجل يقتدي به فصلاها في بيته، خفت أن يقتدى به. وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: 
"اقتدوا بالخلفاء". وقال مالك والشافعي: هي لمن قوي في البيت أحب إلينا، لحديث زيد بن ثابت: "احتجز رسول اللّه صلى الله عليه وسلم حجيرة، فجاء رجال يصلّون بصلاته"، فيه: "فعليكم بالصلاة في بيوتكم، فإن خير صلاة المرء في بيته، إلا المكتوبة". 1 رواه مسلم. ولنا: إجماع الصحابة، وجمع النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه وأهله، وقال في حديث أبي ذر: "إن القوم إذا صلَّوا مع الإمام حتى ينصرف، كتب لهم قيام تلك الليلة"، 2 وهذا خاص في قيام رمضان، فيقدم على عموم ما احتجوا به.
وقال أحمد: يقرأ بالقوم في رمضان ما يخف على الناس، ولا يشق عليهم. وقال: يعجبني أن يصلي مع الإمام ويوتر معه، لقوله:
"إذا قام مع الإمام حتى ينصرف، كتب له قيام ليلته". 3 وقيل له: تؤخر القيام في التراويح إلى آخر الليل؟ قال: لا، سنة المسلمين أحب إليّ. وكره أحمد التطوع بين التراويح، وقال: فيه عن ثلاثة من الصحابة. قيل: فيه رخصة عن بعض الصحابة؟ قال: هذا باطل، إنما فيه عن الحسن وسعيد بن جبير وعن أبي الدرداء: "أنه بصر من يصلي بين التراويح، فقال: أتصلي وإمامك بين يديك؟ ليس

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 البخاري: الأدب (6113), ومسلم: صلاة المسافرين وقصرها (781), والنسائي: قيام الليل وتطوع النهار (1599), وأبو داود: الصلاة (1447), وأحمد (5/182), والدارمي: الصلاة (1366).
2 الترمذي: الصوم (806), والنسائي: السهو (1364), والدارمي: الصوم (1777).
3 الترمذي: الصوم (806), والنسائي: السهو (1364), وأبو داود: الصلاة (1375), وابن ماجة: إقامة الصلاة والسنة فيها (1327), وأحمد (5/159, 5/163), والدارمي: الصوم (1777).

 

ص -158-      منا من رغب عنا"، وقال: "من قلة فقه الرجل: أن يُرى أنه في المسجد وليس في صلاة". وأما التعقيب وهو: أن يصلي بعد التراويح نافلة أخرى في جماعة، أو التراويح في جماعة أخرى، فعنه: لا بأس، لأن أنساً قال: "ما يرجعون إلاّ لخير يرجونه، أو لشر يحذرونه".
وسئل أحمد: عن ختم القرآن في الوتر أو التراويح، فقال: في التراويح حتى يكون لنا دعاءان. وقال حنبل: سمعته يقول: إذا فرغت من قراءة
{قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ}، 1 فارفع يديك في الدعاء قبل الركوع. فقلت: إلى أي شيء تذهب؟ قال: رأيت أهل مكة يفعلونه، وابن عيينة يفعله معهم. قال العباس بن عبد العظيم: وكذلك أدركت الناس بمكة والبصرة. ويروي أهل المدينة في هذا أشياء. وذكر عن عثمان بن عفان. وسئل أحمد: إذا قرأ سورة "الناس"، هل يقرأ من "البقرة" شيئاً؟ قال: لا. وقال: "كان أنس إذا ختم القرآن جمع أهله وولده". واستحسن أحمد التكبير عند آخر كل سورة من "الضحى".
وسئل: عن الإمام في رمضان يدع الآيات من السورة، ينبغي لمن خلفه أن يقرأها؟ قال: نعم. ينبغي له أن يفعل. قد كانوا بمكة يوكلون رجلاً يكتب ما ترك الإمام من الحروف وغيرها، فإذا كان ليلة الختمة أعاده؛ وإنما استحب ذلك لتتم الختمة.
ولا بأس بالقراءة في الطريق، والإنسان مضطجع. وعن إبراهيم التيمي قال: "كنت أقرأ على أبي موسى وهو يمشي في الطريق، فإذا قرأت سجدة قلت له: أسجد في الطريق؟ قال: نعم".
و"يستحب أن يختم في كل سبعة أيام"، لحديث عبد اللّه بن عمرو وحديث أوس بن حذيفة، رواه أبو داود.
وعنه: أنه غير مقدر على حسب النشاط والقوة، "لأن عثمان كان يختمه في ليلة"، والترتيل أفضل،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 سورة الناس آية: 1.

 

ص -159-      لقوله: {وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً}. 1 وكره أحمد القراءة بالألحان، وقال: هي بدعة؛ وكلامه يحمل على الإفراط، وجعل الحركات حروفاً، فأما ما يحسن القراءة والترجيع فغير ما رواه، لحديث ابن المغفل وغيره في قراءة سورة "الفتح".
ويجوز قضاء الفرائض في أوقات النهي، روي ذلك عن غير واحد من الصحابة؛ وبه قال مالك والشافعي. وقال أصحاب الرأي: لا تقضى في الأوقات الثلاثة التي في حديث عقبة بن عامر، إلا عصر يومه يصليها قبل غروب الشمس، لعموم النهي، و "لأنه صلى الله عليه وسلم لما نام عن الفجر حتى طلعت الشمس، أخّرها حتى ابيضت". 2 ولنا: قوله:
"من نام عن صلاة أو نسيها، فليصلّها إذا ذكرها". 3 وفي حديث أبي قتادة: "فليصلّها حين ينتبه". متفق عليهما، وخبر النهي مخصوص بالقضاء في الوقتين الآخرين وبعصر يومه، وحديث أبي قتادة يدل على جواز التأخير، لا على تحريم الفعل. ويركع للطواف، وهذا مذهب الشافعي، وأنكره مالك لعموم النهي. ولنا: حديث جبير بن مطعم: "يا بني عبد مناف" الحديث صححه الترمذي، وحديثهم مخصوص بالفوائت، وحديثنا لا تخصيص فيه.
وأما صلاة الجنازة بعد الصبح والعصر، فلا خلاف فيه، قاله ابن المنذر. وأما في الأوقات الثلاثة، فلا يجوز، قال أحمد: لا يعجبني، ثم ذكر حديث عقبة بن عامر؛ قال الخطابي: هذا قول أكثر أهل العلم. وعنه: تجوز في جميع أوقات النهي، وهو مذهب الشافعي. ولنا: حديث عقبة بن عامر، وذكره للصلاة مقروناً بالدفن دليل على إرادة صلاة الجنازة.
ومن صلى فرضه، ثم أدرك تلك الصلاة في جماعة، استحب له إعادتها أي صلاة كانت، بشرط أن تقام وهو في المسجد، أو يدخل وهم يصلون، وهذا قول للشافعي. فإن أقيمت وهو خارج المسجد،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 سورة المزمل آية: 4.
2 البخاري: التوحيد (7471), ومسلم: المساجد ومواضع الصلاة (681), والنسائي: الإمامة (846), وأبو داود: الصلاة (437), وأحمد (5/298, 5/302).
3 مسلم: المساجد ومواضع الصلاة (684), والنسائي: المواقيت (614), وابن ماجة: الصلاة (695), وأحمد (3/184), والدارمي: الصلاة (1229).

 

ص -160-      لم يستحب له الدخول. واشترط القاضي أن يكون مع إمام الحي، وكلام أحمد يدل على أن إمام الحي وغيره سواء. قال الأثرم: سألته عمن صلى في جماعة ثم دخل المسجد وهم يصلون، يصلي معهم؟ قال: نعم. وذكر حديث أبي هريرة: "أما هذا فقد عصى أبا القاسم". إنما هي نافلة فلا يدخل، فإن دخل صلى، وإن كان قد صلى في جماعة. قيل له: والمغرب؟ قال: نعم، إلا أنه في المغرب يشفع. وقال مالك: إن صلى وحده، أعاد المغرب. وإن صلى جماعة لم يعدها، لأن الحديث: "صلّينا في رحلنا". وقال أبو حنيفة: لا تعاد الفجر والعصر، لأجل وقت النهي، ولا المغرب، لأن التطوع لا يكون بوتر. ولنا: حديث يزيد بن الأسود، وحديث أبي ذرّ: "صل معهم، فإنها لك نافلة". وهذه الأحاديث بعمومها تدل على محل النـزاع، وحديث يزيد صريح في إعادة الفجر، والأحاديث بإطلاقها تدل على الإعادة مع إمام الحي أو غيره، أو صلى وحده أو في جماعة.
وإذا أعاد المغرب شفعها برابعة، وهذا مذهب الشافعي. وعن حذيفة أنه قال لما أعاد المغرب: "ذهبت أقوم في الثالثة، فأجلسني"، وهذا يحتمل أنه أمره بالاقتصار على ركعتين، أو أمره بمثل صلاة الإمام.
ولا تجب الإعادة، وقيل: "تجب مع إمام الحي، لأنه صلى الله عليه وسلم أمر بها". ولنا: أنها نافلة، وقال صلى الله عليه وسلم:
"لا تصلى صلاة في يوم مرتين". 1 رواه أبو داود، ومعناه: واجبتان.
وإن لم يدرك إلا ركعتين، فقيل: يسلم معهم، لأنها نافلة، ويستحب أن يتمها. ونص أحمد أنه يتمها أربعاً، لقوله:
"وما فاتكم فأتموا". 2 والأوقات الخمسة منهي عن الصلاة فيها، وهو قول الشافعي. وقال ابن المنذر: المنهي عنه في الأوقات الثلاثة التي في حديث عقبة، وقول عائشة: "وهم عمر، إنما نهى أن يتحرى طلوع الشمس وغروبها". 3 ولنا: الأحاديث الصحيحة االصريحة، والتخصيص في بعض لا يعارض العموم الموافق له، بل يدل على

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 أبو داود: الصلاة (579), وأحمد (2/19, 2/41).
2 البخاري: الأذان (635), ومسلم: المساجد ومواضع الصلاة (603), وأحمد (5/306), والدارمي: الصلاة (1283).
3 مسلم: صلاة المسافرين وقصرها (833), والنسائي: المواقيت (570).

 

ص -161-      تأكيد الحكم فيما خصه. وقول عائشة غير مقبول لأن عمر مثبت، وقد رواه عمرو بن عبسة وأبو هريرة وابن عمر وغيرهم. والنهي عن الصلاة بعد العصر متعلق بالصلاة، لا نعلم فيه خلافاً، وأما بعد الفجر فيتعلق بطلوع الفجر، وبه قال ابن المسيب وأصحاب الرأي. قال النخعي: كانوا يكرهون ذلك، يعني: التطوع بعد طلوع الفجر. وعنه: النهي متعلق بفعل الصلاة، روي عن الحسن والشافعي.
ولا أعلم خلافاً في المذهب أنه لا يجوز أن يبتدئ صلاة التطوع في هذه الأوقات، غير ذات سبب، وهو قول الشافعي. وقال ابن المنذر: رخصت طائفة في الصلاة بعد العصر. وحكي عن أحمد: لا نفعله ولا نعيب فاعله، لقول عائشة: "ما ترك ركعتين بعد العصر عندي قط"، 1 ولا الأحاديث الصحيحة الصريحة، وحديث عائشة روي عنها أنه خاص به صلى الله عليه وسلم.
وأما التطوع لسبب، فالمنصوص عن أحمد: أن الوتر يفعل قبل صلاة الفجر، وبه قال مالك والشافعي، وأنكره عطاء والنخعي، واحتجوا بعموم النهي. ولنا: حديث أبي بصرة، مرفوعاً: "
إن اللّه زادكم صلاة، فصلوها ما بين العشاء إلى صلاة الصبح". 2 احتج به أحمد. وأحاديث النهي الصحيحة ليست صريحة في النهي بعد الفجر.
وأما قضاء سنة الفجر بعدها فجائز، إلا أن أحمد اختار أن يقضيها من الضحى، وقال: إن صلاها بعد الفجر أجزأه. وقال الشافعي: يقضيهما بعدها، لحديث قيس بن فهد، وسكوته صلى الله عليه وسلم يدل على الجواز. وقال أصحاب الرأي: لا يجوز لعموم النهي.
وأما قضاء السنن الراتبة بعد العصر، فالصحيح جوازه، لفعله صلى الله عليه وسلم. ومنعه أصحاب الرأي.
وأما قضاء السنن في سائر أوقات النهي، وفعل ما له سبب، كتحية المسجد وسجود التلاوة، ففيه روايتان: إحداهما: لا يجوز، لعموم النهي.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 البخاري: مواقيت الصلاة (591), ومسلم: صلاة المسافرين وقصرها (835), والنسائي: المواقيت (574), وأبو داود: الصلاة (1279), وأحمد (6/96, 6/109, 6/113, 6/169, 6/200, 6/253), والدارمي: الصلاة (1435).
2 أحمد (6/7).

 

ص -162-      والثانية: تجوز، لأن قوله في تحية المسجد والكسوف خاص في هذه الصلاة، فيقدم على النهي العام، ولا فرق بين مكة وغيرها. وقال الشافعي: لا يمنع. ولنا: عموم النهي، وحديث جبير أراد به الطواف، ولا فرق في وقت الزوال بين يوم الجمعة وغيره، ورخص فيه الحسن وطاووس والشافعي، لحديث أبي سعيد: "نهى عن الصلاة نصف النهار، إلا يوم الجمعة". 1 ولنا: عموم النهي، وذكر لأحمد الرخصة في نصف النهار يوم الجمعة، فقال: في حديث النبي صلى الله عليه وسلم من ثلاثة وجوه: حديث عمرو بن عبسة، وحديث عقبة بن عامر، وحديث الصنابحي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الشمس تطلع معها قرن الشيطان، فإذا ارتفعت فارقها. ثم إذا استوت قارنها، وإذا دنت للغروب قارنها. فإذا غربت فارقها". 2 ونهى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عن الصلاة في تلك الساعات، وحديثهم ضعيف.
ومن هنا إلى آخر الباب: من "الإنصاف":
 وقال الشيخ لما ذكر تفضيل أحمد للجهاد، والشافعي للصلاة، ومالك للذكر: والتحقيق لا بد لكل من الآخرين، وقد يكون كل واحد أفضل في حال، وإن الطواف أفضل من الصلاة في المسجد الحرام، وذكره عن جمهور العلماء. وعن ابن عباس: "الطواف لأهل العراق، والصلاة لأهل مكة"، وذكره أحمد عن عطاء والحسن ومجاهد.
وليس الوتر بواجب، واختار الشيخ وجوبه على من يتهجد بالليل، وأدنى الكمال: ثلاث بتسليمين، وخير الشيخ بين الفصل والوصل.
وفي دعاء القنوت بين فعله وتركه، وأنه إن صلى بهم قيام رمضان فقنت جميع الشهر أو نصفه أو لم يقنت، فقد أحسن. قوله: إلا أن ينـزل بالمسلمين نازلة، فلإمام خاصة القنوت، وعنه: ونائبه. وعنه:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 أبو داود: الصلاة (1083).
2 النسائي: المواقيت (559), وابن ماجة: إقامة الصلاة والسنة فيها (1253), وأحمد (4/348), ومالك: النداء للصلاة (510).

 

ص -163-      ويقنت إمام جماعة. وعنه: وكل مصلّ، اختاره الشيخ. وقوله: في صلاة الفجر، وعنه: في الفجر والمغرب فقط. وعنه: يقنت في جميع المكتوبات، خلا الجمعة، اختاره الشيخ.
قوله: ركعتان قبل الظهر، وعند الشيخ: أربع قبلها، ويقضي الوتر. وعنه: لا يقضي، اختاره الشيخ.
والتراويح: عشرون ركعة، قال أحمد: روي في ذلك ألوان، ولم يقض فيه بشيء، قال الشيخ: كل ذلك، أو إحدى عشرة، أو ثلاث عشرة، حسن، كما نص عليه أحمد، لعدم التوقيت؛ فيكون تقليل الركعات وتكثيرها بحسب طول القيام وقصره. وقال: من صلاها قبل العشاء فقد سلك سبيل المبتدعة المخالفين للسنة.
وقال: لا يجوز التطوع مضجعها لغير عذر، وتجويزه قول شاذ لا أعرف له أصلاً في السلف.
وكثرة الركوع والسجود أفضل، وعنه: طول القيام أفضل، وعنه: التساوي، اختاره الشيخ. وقال: التحقيق أن ذكر القيام وهو القرآن، أفضل من ذكر الركوع والسجود، وأما نفس الركوع والسجود فأفضل من نفس القيام، فاعتدلا؛ ولهذا كانت صلاته عليه الصلاة والسلام معتدلة: إذا أطال القيام أطال الركوع والسجود بحسب ذلك حتى يتقاربا. ولا يداوم على صلاة الضحى، واختار الشيخ المداومة عليها لمن لم يقم الليل؛ وله قاعدة في ذلك وهي: ما ليس براتب لا يداوم عليه كالراتب. واختار أن سجود التلاوة وسجود الشكر خارج الصلاة لا يفتقر إلى وضوء، وبالوضوء أفضل. وسجود التلاوة سنة، وعنه: واجب في الصلاة، وعنه: واجب مطلقاً، اختاره الشيخ.
ولا يقوم ركوع ولا سجود عن سجدة التلاوة في الصلاة، وعنه: تقوم سجدة الصلاة عنه. والأفضل أن يكون سجوده عن

 

ص -164-      قيام، واختاره الشيخ، وعنه: يسجد وهو قاعد. قوله: وعند قيامها حتى تزول، وظاهر كلام الخرقي: أنه ليس بوقت نهي، واختاره الشيخ في يوم الجمعة خاص. واختار فعل ركعتي الطواف، وإعادة الجماعة في الأوقات كلها، وصلاة الجنازة، وذوات الأسباب كلها، كالصلاة بعد الوضوء وصلاة الاستخارة، فيما يفوت.

 

ص -165-      باب صلاة الجماعة
هي: واجبة على الرجال المكلفين، وقال مالك والشافعي: لا تجب لحديث:
"صلاة الجماعة تفضل... إلخ". 1 ولنا: أنها لو لم تجب لأرخص فيها في حال الخوف، ولم يجز الإخلال بالواجبات من أجلها. وليست شرطاً، وقيل: شرط. ولا نعلم من أوجب الإعادة على من صلى وحده، إلا أنه روي عن جماعة من الصحابة منهم ابن مسعود: "من سمع النداء ثم لم يجب من غير عذر، فلا صلاة له". وتنعقد باثنين بغير خلاف. وله فعلها في بيته، وعنه: أن حضور المسجد واجب على القريب منه، والأفضل المسجد الذي لا تقام فيه إلا بحضوره، وكذا إن كان في قصد غيره كسر قلب إمامه أو جماعته، ثم ما كان أكثر جماعة، لحديث: "ما كان أكثر جماعة، فهو أحب إلى اللّه". 2 رواه أحمد. والأبعد أفضل، لقوله: "أعظم الناس أجراً في الصلاة: أبعدهم فأبعدهم ممشى". 3 رواه البخاري. ولا يؤم في مسجد قبل إمامه الراتب إلا بإذنه، إلا أن يتأخر، لفعل أبي بكر. فإن صلى وأقيمت وهو في المسجد، استحب له إعادتها، إلا المغرب، وعنه: يعيدها ويشفعها بركعة، لحديث أبي ذر ويزيد بن الأسود. ولا تجب الإعادة، وقيل: بلى، مع إمام الحي الظاهر الأمر. ولا تكره الإعادة في غير المساجد الثلاثة. وقال مالك والشافعي: لا تعاد في مسجد له إمام راتب في غير ممر الناس، لئلا يفضي إلى اختلاف القلوب والتهاون بها مع الإمام. فأما الثلاثة، فروي عن أحمد الكراهة، لئلا يتوانى الناس عن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 البخاري: الأذان (645), ومسلم: المساجد ومواضع الصلاة (650), والترمذي: الصلاة (215), والنسائي: الإمامة (837), وابن ماجة: المساجد والجماعات (789), وأحمد (2/17, 2/65, 2/102, 2/112, 2/156), ومالك: النداء للصلاة (290).
2 النسائي: الإمامة (843), وأبو داود: الصلاة (554), وأحمد (5/140).
3 البخاري: الأذان (651), ومسلم: المساجد ومواضع الصلاة (662).

 

ص -166-      الراتب. وإذا أقيمت الصلاة، فلا صلاة إلا المكتوبة. وقال مالك: إن لم يخف فوات الركعة ركع، فإن أقيمت وهو في نافلة، أتمها خفيفة.
و"من أدرك الركوع أدرك الركعة"، لحديث أبي داود، و"أجزأته تكبيرة واحدة"، لأنه روي عن يزيد وابن عمر، ولا يعرف لهما مخالف من الصحابة. وقال أحمد: إن كبر اثنتين ليس فيه اختلاف.
ويستحب لمن أدرك الإمام في حال متابعته وإن لم يعتدّ به، لحديث أبي هريرة، وما أدرك فهو آخر صلاته، وعنه: أولها.
قال شيخنا: لا أعلم خلافاً بين الأربعة في أنه يقرأ "الفاتحة" وسورة، وهذا مما يقوي الأول. فإن لم يدرك إلا ركعة من المغرب أو الرباعية، ففي موضع تشهّده، روايتان: إحداهما: يستفتح، ويأتي بركعتين متواليتين، ثم يتشهد. والثانية: "يقرأ "الحمد" وسورة، ثم يجلس، ثم يقوم فيأتي بأخرى يقرأ "الحمد" وحدها"، وبه قال ابن مسعود. ولا تجب القراءة على المأموم في قول الأكثر، وأوجبها الشافعي، لقول أبي هريرة: "إقرأ بها في نفسك"، ولحديث عبادة عند أبي داود:
"لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب". 1 ولنا: قوله: "من كان له إمام، فقراءة الإمام له قراءة"، 2 وقول أبي هريرة من رأيه، وخالفه غيره من الصحابة، وحديث عبادة لم يروه غير ابن إسحاق ونافع بن محمود، وهو أدنى حالاً منه.
و"يستحب أن يقرأ في سكتات الإمام، وفيما لا يجهر فيه، أو لا يسمعه لبعده"، روي عن ابن عمر وغيره. ومن ركع أو سجد قبل إمامه، رجع فأتى به بعده، فإن لم يفعل عمداً بطلت، فإن ركع قبله عمداً فهل تبطل؟ على وجهين. وإن كان جاهلاً أو ناسياً لم تبطل، للحديث، وهل تبطل الركعة؟ فيه روايتان. فإن تخلف لعذر، من نعاس أو غفلة أو زحام أو عجلة إمام، فعل ما سبق به وأدرك إمامه،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 أبو داود: الصلاة (823), وأحمد (5/316, 5/322).
2 ابن ماجة: إقامة الصلاة والسنة فيها (850), وأحمد (3/339).

 

ص -167-      ولا شيء عليه، قال شيخنا: لا أعلم فيه خلافاً. وإن كان بركعة كاملة أو أكثر، تبع إمامه وقضى ما سبق به، وعنه: يعيد. وإن سبقه بأكثر من ركن وأقل من ركعة، لم يعتدّ بتلك الركعة، قاله أحمد. وقال الشافعي: يفعل ما فاته وإن كان أكثر من ركن، "لأنه صلى الله عليه وسلم فعله بعسفان في صلاة الخوف: سجد الصف الأول والثاني قيام" 1.
و"يستحب للإمام تخفيف الصلاة مع إتمامها، لفعله صلى الله عليه وسلم، وتطويل الأولى أكثر من الثانية"، لحديث أبي قتادة، متفق عليه.
ويستحب انتظار الداخل، إذا لم يشق على من خلفه، وكرهه الأوزاعي لأنه تشريك في العبادة. ولنا: "أنه صلى الله عليه وسلم يطيل الأولى حتى لا يسمع وقع قدم. وأطال السجود لما ركب الحسن على ظهره لئلا يعجله". وإذا استأذنت المرأة في المسجد، كره منعها، وبيتها خير لها، للحديث.
والسنة أن يؤم القوم أقرؤهم، وقال الشافعي: يقدم الأفقه إن كان يقرأ ما يكفي، ولنا: قوله:
"وإن كانوا في القراءة سواء، فأعلمهم بالسنة" 2. وإن أقيمت الجماعة في بيت، فصاحبه أحق إذا كان ممن تصلح إمامته، فإن كان فيه ذو سلطان قدِّم، لأن ولايته على البيت وصاحبه، وكذلك إمام المسجد الراتب أولى من غيره. وإذا قدَّم المستحقُّ غيره جاز، لقوله: "إلا بإذنه". وهل تصح إمامة الفاسق والأقلف؟ على روايتين.
وإذا أقيمت وهو في المسجد والإمام لا يصلح، فإن شاء صلى خلفه وأعاد، وإن نوى الانفراد ووافقه في أفعالها صح، وعنه: يعيد.
وفي إمامة أقطع اليدين روايتان. وأما أقطع الرجلين، فلا تصح لعجزه عن القيام.
وإذا صلى خلف من يشك في إسلامه صح.
ولا تصح إمامة العاجز عن شيء من أركان الأفعال بالقادر عليه، وأجازه

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 البخاري: المغازي (4130), ومسلم: صلاة المسافرين وقصرها (841, 842, 843), والترمذي: الجمعة (565), والنسائي: صلاة الخوف (1536, 1537, 1552, 1554), وأبو داود: الصلاة (1237, 1238, 1239), وابن ماجة: إقامة الصلاة والسنة فيها  (1259), وأحمد (3/348), ومالك: النداء للصلاة (440, 441).
2 مسلم: المساجد ومواضع الصلاة (673), والترمذي: الصلاة (235), والنسائي: الإمامة (780), وأبو داود: الصلاة (582), وابن ماجة: إقامة الصلاة والسنة فيها (980), وأحمد (4/117, 4/121, 5/272).

 

ص -168-      الشافعي، إلا إمام الحي المرجو زوال علته، إذا عجز عن القيام، فإن صلوا خلفه قياماً صحت، وقيل: لا تصح، أومأ إليه أحمد.
فإن استخلف بعض الأئمة ثم حضر، فهل يفعل كفعله صلى الله عليه وسلم مع أبي بكر؟ فية ثلاث روايات: إحداهن: ليس له، لأنه خاص بالنبي. والثانية: يجوز لأن ما فعله صلى الله عليه وسلم جائز لأمته، ما لم يقم دليل على الخصوصية. والثالثة: يجوز للخليفة خاصة.
ولا تصح إمامة صبي لبالغ في فرض، وعنه: تصح، لقوله:
"يؤم القوم أقرؤهم... إلخ". 1 وحديث عمرو بن سلمة رواه البخاري، وهو ابن سبع أو ثمان سنين. فـ"إن صلى الإمام محدثاً جاهلاً هو والمأمومين حتى سلموا، صحت صلاتهم دون الإمام"، يروى عن عمر وعثمان. فإن علمه في الصلاة، استأنفوا الصلاة؛ وقال الشافعي: يبنون على ما مضى.
ولا تصح إمامة الأمي - وهو من لا يحسن "الفاتحة"، أو يحيل المعنى - إلا بمثله، وأجازه الشافعي. و"يكره أن يؤم قوماً أكثرهم له كارهون"، لحديث أبي أمامة وابن عمر، رواه أبو داود؛ قال أحمد: إذا كرهه اثنان أو ثلاثة، فلا بأس، حتى يكرهه أكثرهم. قال منصور: أما إنا سألنا عن ذلك فقيل: عني به الظلمة، فأما من أقام السنة، فالإثم على من كرهه.
ويصح ائتمام من يؤدي الصلاة بمن يقضيها، نص عليه، وكذا عكسه. ويصح ائتمام المفترض بالمتنفل، ومن يصلي الظهر بمن يصلي العصر، في إحدى الروايتين.
و السنة أن يقف المأمومون خلف الإمام، "لأن أصحابه صلى الله عليه وسلم يقفون خلفه، وأخر جابراً وجباراً لما وقفا عن يمينه وشماله"، وحديث ابن مسعود يدل على جواز ذلك. فإن كان أحدهما صبياً، فكذلك إن كانت تطوعاً، ويحتمل أن يصح في الفرض، وإن كان واحداً وقف عن يمينه. فإن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 مسلم: المساجد ومواضع الصلاة (673), والترمذي: الصلاة (235), والنسائي: الإمامة (780), وأبو داود: الصلاة (582), وابن ماجة: إقامة الصلاة والسنة فيها (980), وأحمد (4/117, 4/121, 5/272).

 

ص -169-      وقفوا قدامه لم يصح، وهذا قول أبي حنيفة والشافعي. وقال مالك وإسحاق: يصح. ولنا: قوله: "إنما جعل الإمام ليؤتم به" 1.
ومن صلى وحده خلف الإمام ركعة كاملة، لم تصح صلاته، لأمره من فعله بالإعادة، قال ابن المنذر: ثبت الحديث. و"إن أمَّ امرأة، وقفت خلفه"، لحديث أنس، رواه مسلم.
و"السنة أن يتقدم في الصف الأول أولو الفضل والدين، ويلي الإمام أكملهم"، لحديث ابن مسعود وغيره. و"الصف الأول للرجال، والنساء بالعكس"، للحديث، رواه أبو داود. و"ميامن الصفوف أفضل"، لحديث عائشة.
و"يستحب توسط الصف للإمام"، للحديث، رواه أبو داود.
وإذا رأى المأمومون مَنْ وراء الإمام صحت صلاتهم إذا اتصلت الصفوف، وإن لم يروهم لم تصح، وعنه: تصح إذا كانوا في المسجد. وإن كان بينهما حائل يمنع رؤية الإمام ومَن وراءه، ففيه روايتان. وإن كان بينهما طريق أو نهر، فروايتان.
ولا يكون الإمام أعلى من المأموم، ولو أراد تعليمهم، وقال الشافعي: له ذلك إن أراد تعليمهم، لحديث سهل. ولنا: "أن عماراً صلى بالمدائن فقام على دكان، والناس أسفل منه. فأخذ حذيفة بيده، فاتبعه عمار حتى أنزله. فلما فرغ قال: ألم تعلم أن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال:
إذا أمّ رجل قوماً فلا يقومنّ في مقام أرفع من مقامهم؟ قال عمار: لذلك اتبعتك حين أخذتَ بيدي". رواه أبو داود، وحديث سهل الظاهر أنه صلى الله عليه وسلم على الدرجة السفلى، فيكون ارتفاعاً يسيراً لا بأس به، جمعاً بين الأخبار.
فإن كان المأموم أعلى فلا بأس، "لأن أبا هريرة صلى على سطح المسجد بصلاة الإمام".
و"يكره للإمام أن يدخل في الطاق، كرهه ابن مسعود وغيره"، لأنه ستر عن بعض المأمومين، وفعله سعيد بن جبير وأبو

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 البخاري: الصلاة (378), ومسلم: الصلاة (411), والترمذي: الصلاة (361), والنسائي: الإمامة (794, 832) والتطبيق (1061), وأبو داود: الصلاة (601), وابن ماجة: إقامة الصلاة والسنة فيها (1238), ومالك: النداء للصلاة (306), والدارمي: الصلاة (1256).

 

ص -170-      عبد الرحمن السلمي. ولا يكره لحاجة، كضيق المسجد. و"يكره للإمام أن يتطوع في موضع المكتوبة"، قال أحمد: كذا قال علي. ويكره للمأمومين الوقوف بين السواري إذا قطعت الصفوف، "كرهه ابن مسعود"، وأرخص فيه مالك وغيره. وعند ابن ماجة حديث في النهي عنه.
ويكره للإمام إطالة القعود بعد الصلاة مستقبل القبلة، لأنهم لا ينصرفون قبله، فإذا أطال ذلك شق عليهم. "فإن كان معه نساء، لبث قليلاً لينصرفن. ولا يجلسن بعد الصلاة لئلا يختلطن بالرجال. وينصرف الإمام حيث شاء"، لقول ابن مسعود، رواه مسلم.
واختلفت الرواية، هل يستحب للمرأة أن تصلي بالنساء جماعة، وكرهه مالك وغيره. "وأذن صلى الله عليه وسلم لأم ورقة أن تؤم أهل دارها". 1 رواه أبو داود، وتقوم وسطهن، لا نعلم فيه خلافاً.
قال ابن المنذر: لا أعلم خلافاً أن للمريض ترك الجماعة، و"يعذر من يدافع أحد الأخبثين أو بحضرة طعام محتاج إليه"، لحديث عائشة، سواء خاف فوات الجماعة أو لا، والخائف من ضياع ماله، أو خاف ضرراً من سلطان، أو ملازمة غريم ولا شيء معه، لأن في أمره بالصلاة في الرحال لأجل الطين والمطر تنبيهاً على الجواز، وكذا إن خاف موت قريبه ولا يشهده، فهذا كله عذر في ترك الجمعة والجماعة، ولا نعلم فيه خلافاً،  "لفعل ابن عمر لما مات سعيد بن زيد"، وكذا خوف فوات رفقته، أو غلبة النعاس، أو تأذٍّ بالمطر والوحل والريح الشديدة في الليلة المظلمة الباردة، لأن الذي انفرد عن معاذ لما طوّل لم ينكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 أبو داود: الصلاة (591).

 

ص -171-      ومن هنا إلى آخر الباب: من "الإنصاف":
وعنه: أن الجماعة شرط لصحة الصلاة، اختاره الشيخ، ولو صلّى منفرداً لعذر لم ينقص أجره. وقال: خبر التفضيل في المعذور الذي يباح له الصلاة وحده، واختار أنه لا يدرك الجماعة إلا بركعة، وأن المأموم يقرأ إذا لم يسمع قراءة الإمام لبعده. واختار كراهة الاستفتاح والاستعاذة للمأموم.
وقال: يلزم الإمام مراعاة المأموم إن تضرر بالصلاة أول الوقت أو آخره ونحوه، وقال: ليس له أن يزيد على القدر المشروع، ويفعل غالباً ما كان صلى الله عليه وسلم يفعله غالباً، ويزيد وينقص للمصلحة كفعله صلى الله عليه وسلم.
واختار صحة إمامة عاجز عن ركن أو شرط، وقال: الروايات عن أحمد في ترك الإمام ما يجوز عنده دون المأموم لا توجب اختلافاً، وإنما ظواهرها أن كل موضع يقطع فيه بخطإ الإمام يوجب الإعادة وإلا فلا، وهو الذي تدل عليه السنة والآثار والقياس.
وقال: لا بأس بقراءة اللحّان عجزاً. وقال: الذي يؤم قوماً أكثرهم له كارهون أتى بواجب ومحرم مقاوم صلاته فلم تقبل، إذ الصلاة المقبولة ما يثاب عليها صاحبها. وقال: إذا كان بينهم معاداة من جنس معاداة أهل الأهواء والمذاهب، لم ينبغ أن يؤمهم، لأن المقصود بالصلاة جماعة إنما يتم بالائتلاف.
واختار صحة ائتمام المفترض بالمتنفل، وصحة ائتمام من يصلي الظهر بمن يصلي العصر أو غيرها. واختار صحة وقوف المأموم قدام الإمام في الجمعة والعيد والجنازة ونحوها لعذر.
وقال: تصح الفذ لعذر، وحيث صحت الصلاة عن يسار الإمام كُرهت إلا لعذر. والمأموم إذا كان بينه وبين الإمام ما يمنع الرؤية والاستطراق صحت صلاته إذا كان لعذر، وهو قول في مذهب أحمد، بل نص أحمد وغيره.

 

ص -172-      باب صلاة أهل الأعذار
أجمع أهل العلم على أن من لا يطيق القيام، له أن يصلي جالساً. وإن أمكنه القيام، إلا أنه يخشى زيادة مرض أو شق عليه مشقة شديدة، صلّى قاعداً أو نحوه، قال مالك وقال ميمون بن مهران: إذا لم يستطع أن يقوم لدنياه صلّى جالساً. وروي عن أحمد نحوه. ولنا: قوله تعالى:
{وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ}، 1 "ولأنه صلى الله عليه وسلم صلّى جالساً لما جحش شقّه"، والظاهر أنه لم يعجز عن القيام بالكلية.
وإن قدر على القيام بأن يتكئ على عصا أو حائط، لزمه. وإن قدَر عليه كهيئة الراكع، كمن هو في بيت قصير السقف لا يمكنه الخروج، أو خائف إذا رفع رأسه، فإن كان لحدب أو كِبرٍ لزمه القيام، وإن كان لغير ذلك احتمل أن يلزمه واحتمل أن لا يلزمه، لقوله:
"فإن لم تستطعْ فقاعداً" 2.
ومن قدر على القيام وعجز عن الركوع والسجود، لم يسقط عنه القيام، فيومئ بالركوع، ثم يجلس فيومئ بالسجود، وبه قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: يسقط القيام، كصلاة النافلة على الراحلة. ولنا: قوله:
{وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ}، 3 وقوله: "صلِّ قائماً... إلخ". 4 وإن قدر على القيام وحده لا مع الإمام، احتمل أن يلزمه ويصلي وحده لأنه ركن، واحتمل أنه مخير بين

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 سورة الحج آية: 78.
2 البخاري: الجمعة (1117), وأبو داود: الصلاة (952).
3 سورة البقرة آية: 238.
4 البخاري: الجمعة (1117), وأبو داود: الصلاة (952).

 

ص -173-      الأمرين، لأنا أبحنا له ترك القيام المقدور عليه مع إمام الحي، ولأن الأجر يتضاعف بالجماعة أكثر من تضاعفه بالقيام؛ وهذا أحسن وهو مذهب الشافعي.
فإن عجز قاعداً، صلّى على جنبه مستقبل القبلة بوجهه، وهذا قول مالك والشافعي. وقال أصحاب الرأي: يصلّي مستلقياً ورجلاه إلى القبلة. ولنا: قوله:
"فإن لم تستطعْ، فعلى جنب". 1 والمستحب أن يصلّي على جنبه الأيمن، فإن صلى على الأيسر جاز، لأنه صلى الله عليه وسلم لم يعيِّن جنباً.
وإن عجز صلى مستلقياً، للخبر. وإن كان في عينيه مرض، فقال ثقات من الأطباء: إن صليتَ مستلقياً أمكن مداواتك، فقال القاضي: قياس المذهب جوازه، وهو قول الثوري. وقال مالك: لا يجوز، لما روي عن ابن عباس: "أنه لما كفّ بصره أتاه رجل فقال: لو صبرت عليّ سبعة أيام لم تصلِّ إلا مستلقياً داويت عينك، ورجوت أن تبرأ. فأرسل في ذلك إلى عائشة وأبي هريرة وغيرهما من أصحاب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، فكلّ قال له: إن متّ في هذه الأيام ما تصنع بالصلاة؟ فترك معالجة عينه". ولنا: "أنه صلى الله عليه وسلم صلّى جالسا لَمّا جحش شقّه" لأجل المشقة أو خوف ضرر، وأيهما قدر فهو حجة على الجواز ههنا. ودلت الأخبار على جواز الصلاة على الراحلة خوفاً من ضرر الطين في ثيابه وبدنه، وجاز ترك الجمعة والجماعة صيانة لنفسه ولثيابه من البلل والتلوث بالطين. وجاز ترك القيام اتباعاً لإمام الحي والصلاة على جنبه ومستلقياً في حال الخوف، وخبر ابن عباس إن صح فيحتمل أن المخبر لم يخبر عن يقين، وإنما قال: أرجو، ولكونه مجهول الحال بخلاف مَسْأَلتنا.
وإن عجز عن الركوع والسجود أومأ بهما، ويجعل السجود أخفض. وإن عجز عن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 البخاري: الجمعة (1117), وأبو داود: الصلاة (952).

 

ص -174-      السجود ركع وأومأ بالسجود. وإن وضع بين يديه شيئاً عالياً جاز، إذا لم يمكنه أكثر من ذلك. وحكى ابن المنذر عن أحمد قال: أختار السجود على المرفقة، وهو أحب إلي من الإيماء. وكذلك قال إسحاق، وجوّزه الشافعي، ورخص فيه ابن عباس. و"سجدت أم سلمة على المرفقة"، وكرهه ابن مسعود وقال: "يومئ إيماء، ولا يرفع إلى وجهه شيئاً". وعن جابر وابن عمر وأنس مثله، وهو مذهب مالك.
وإن لم يقدر على الإيماء برأسه أومأ بطرفه ونوى بقلبه، ولا تسقط الصلاة ما دام عقله حاضراً. وحكي عن أبي حنيفة أن الصلاة تسقط. وذكر القاضي أنه ظاهر كلام أحمد في رواية محمد بن يزيد، لما روي عن أبي سعيد الخدري: "أنه قيل له في مرضه: الصلاة، فقال: قد كفاني. إنما العمل في الصحة". ولنا: [ما ذكر] 1 من حديث عمران.
ومتى قدر في أثنائها على ما كان عاجزاً عنه انتقل إليه، وبنى على ما مضى من صلاته. واللّه أعلم.
ومذهب أحمد "أن القصر لا يجوز في أقل من ستة عشر فرسخاً، مسيرة يومين"، وهو قول ابن عباس وابن عمر. وهو مذهب مالك والشافعي. وقال ابن المنذر: ثبت: "أن ابن عمر كان يقصر إلى أرض له هي ثلاثون ميلاً"، ونحوه عن ابن عباس، فإنه قال: "يقصر في اليوم، لا ما دونه"؛ وإليه ذهب الأوزاعي. وقال ابن المنذر: عامة العلماء يقولون: مسيرة يوم تام، وبه نأخذ.
وروي عن جماعة من السلف ما يدل على جواز القصر في أقل من يوم. قال الأوزاعي: "كان أنس يقصر فيما بينه وبين خمسة فراسخ". وعن دحية: "أنه خرج من قرية من دمشق مرة إلى قدر ثلاثة أميال في رمضان، ثم إنه أفطر. وأفطر معه أناس كثير، وكره آخرون أن يفطروا. فلما رجع إلى

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 زيادة من المخطوطة 465/86.

 

ص -175-      قريته قال: واللّه لقد رأيت اليوم أمراً ما كنت أظن أني أراه: إن قوماً رغبوا عن هدى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم؛ يقول ذلك للذين صاموا". رواه أبو داود. قال الموفق: ولا أرى لما صار إليه الأئمة حجة، لأن أقوال الصحابة مختلفة متعارضة، ولا حجة فيها مع الاختلاف، لأنه مخالف لسنة النبي صلى الله عليه وسلم، ولأن ظاهر القرآن إباحة القصر لمن ضرب في أرض، لقوله تعالى: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ} الآية، وليس له أصل يُرد إليه؛ والحجة مع من أباح القصْر لكل مسافر، إلا أن ينعقد الإجماع على خلافه.
وليس لمن نوى السفر القصرُ حتى يخرج من بيوت قريته، وبهذا قال مالك والشافعي. وحكي عن عطاء أنه أباح القصر في البلد لمن نوى السفر. وعن الحارث بن ربيعة: "أنه أراد سفراً، فصلى بهم في منـزله ركعتين، وفيهم الأسود بن يزيد وغير واحد من أصحاب عبد الله". ولنا: قوله تعالى:
{وإذا ضربتم في الأرض} الآية، 1 ولا يكون ضارباً حتى يخرج، ولحديث أنس: "صلينا مع النبي صلى الله عليه وسلم الظهر بالمدينة أربعاً وبذي الحليفة ركعتين". 2 متفق عليه. إذا ثبت هذا، فإنه يجوز وإن كان قريباً من البيوت. قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه: أن الذي يريد السفر له أن يقصر إذا خرج من بيوت القرية التي يخرج منها. ولا تباح هذه الرخص في سفر المعصية، نص عليه, وقال الأوزاعي وأبو حنيفة: له ذلك. قال ابن المنذر: أجمعوا على أن لا يقصر في صلاة المغرب والصبح.
والجمع بين الصلاتين جائز في قول الأكثر. وقال الحسن وابن سيرين وأصحاب الرأي: لا يجوز إلا في يوم عرفة بعرفة، وليلة المزدلفة بها؛ وهو رواية

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 سورة النساء آية: 101.
2 البخاري: الجمعة (1089), والدارمي: الصلاة (1507).

 

ص -176-      عن مالك، لأن المواقيت ثبتت بالتواتر، فلا يجوز تركها بخبر واحد. ولنا: ما روى نافع عن ابن عمر: "أنه كان إذا جد به السير جمع بين المغرب والعشاء، ويقول: إن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم كان إذا جدّ به السير جمع بينهما"، 1 ولحديث أنس، متفق عليهما. وقولهم: لا نترك الأخبار المتواترة... إلخ، قلنا: لا نتركها، وإنما نخصصها؛ وتخصيص المتواتر بالخبر الصحيح جائز بالإجماع.
وظاهر كلام الخرقي: إنما يجوز الجمع إذا كان سائراً في وقت الأولى، فيؤخر إلى وقت الثانية ثم يجمع بينهما. وروي عن أحمد جواز تقديم الثانية، وهو الصحيح، إن شاء اللّه.
وإن أحب الجمع، جاز نازلاً وسائراً مقيماً في بلد إقامة لا تمنع القصر، وبه قال عطاء وجمهور علماء المدينة والشافعي وإسحاق، لحديث معاذ في غزوة تبوك، رواه أبو داود والترمذي وحسنه. وروى مالك في الموطإ عن معاذ: "أنهم خرجوا مع رسول اللّه صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، فكان يجمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء. قال: فأخر الصلاة يوماً ثم خرج فصلى الظهر والعصر جميعاً، ثم دخل ثم خرج فصلى المغرب والعشاء جميعاً". 2 قال ابن عبد البر: حديث صحيح. وفي هذا الحديث أوضح الدلائل وأقوى الحجج في الرد على من قال: لا يجمع بين الصلاتين إلا إذا جدّ به السير، "لأنه عليه السلام يجمع وهو نازل غير سائر، ماكث في خبائه، يخرج فيصلي الصلاتين جميعاً، ثم ينصرف إلى خبائه". رواه مسلم؛ والأخذ بهذا الحديث متعين لثبوته. واللّه أعلم.
والمرض الذي يلحقه بترك الجمع، فيه مشقة وضعف، نص أحمد على جواز الجمع للمريض. ويجوز الجمع للمستحاضة، ومن به سلس البول، وما في معناهما، لما في الحديث، والمطر الذي يبل الثياب، إلا أن جمع المطر يختص

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 مسلم: صلاة المسافرين وقصرها (703), والنسائي: المواقيت (592, 598), وأحمد (2/54), ومالك: النداء للصلاة (331), والدارمي: الصلاة (1517).
2 مسلم: صلاة المسافرين وقصرها (706), والنسائي: المواقيت (587), وأبو داود: الصلاة (1206), وأحمد (5/237), ومالك: النداء للصلاة (330), والدارمي: الصلاة (1515).

 

ص -177-      بالعِشاءين. فأما الجمع لأجل المطر بين الظهر والعصر، فالصحيح أنه لا يجوز؛ قيل لأحمد: الجمع بين الظهر والعصر في المطر؟ قال: لا. ما سمعته. والمطر المبيح للجمع هو: ما يبل الثياب وتلحق المشقة بالخروج فيه. والثلج والبرد في ذلك كالمطر. فأما الوحل، فقال القاضي: هو عذر، لأن المشقة تلحق به في النعال والثياب كالمطر، وهو قول مال؛. وقيل: لا يبيح، وهو مذهب الشافعي، والأول أصح لأنه يساوي المطر في ترك الجمعة والجماعة.
فأما الريح الشديدة في الليلة المظلمة الباردة، فقيل: تبيح الجمع، وهو قول عمر بن عبد العزيز. وقيل: لا، لأن المشقة فيه دون المشقة في المطر.
وهل يجوز الجمع للمنفرد، أو من كان طريقه إلى المسجد في ظلال يمنع المطر، أو من كان مقامه في المسجد؟ على وجهين: أحدهما: الجواز، لأن العذر إذا وجد استوى فيه حال المشقة وعدمها، كالسفر، ولأن الحاجة العامة إذا وجدت ثبت الحكم فيمن ليس له حاجة، كالسلم وإباحة اقتناء الكلب للصيد والماشية لمن لا يحتاج إليهما، ولأنه روي: "أنه صلى الله عليه وسلم جمع في مطر"، وليس بين حجرته والمسجد شيء. والثاني: المنع، لأن الجمع لأجل المشقة.
ويجوز الجمع لمرض، وهو قول عطاء ومالك. وقال الشافعي: لا يجوز، لأن أخبار التوقيت لا تترك بأمر محتمل. ولنا: قوله: "جمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، من غير خوف ولا مطر"، 1 وفي رواية: "مِن غير خوف ولا سفر". 2 رواه مسلم. وقد أجمعنا على أن الجمع لا يجوز لغير عذر، فثبت أنه كان لمرض. وروي عن أحمد في حديث ابن عباس هذا، قال: فيه رخصة عندي للمريض والمرضع، وقد "أمر سهلة وحمنة بالجمع لأجل الاستحاضة"، وأخبار المواقيت مخصوصة بالصور التي أجمعنا عليها.
وسئل أحمد عن الجمع بين الصلاتين في المطر،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 مسلم: صلاة المسافرين وقصرها (705), والترمذي: الصلاة (187), والنسائي: المواقيت (602), وأبو داود: الصلاة (1210, 1211), وأحمد (1/283), ومالك: النداء للصلاة (332).
2 مسلم: صلاة المسافرين وقصرها (705), والترمذي: الصلاة (187), والنسائي: المواقيت (601, 602), وأبو داود: الصلاة (1210, 1211), وأحمد (1/223, 1/283, 1/354), ومالك: النداء للصلاة (332).

 

ص -178-      قال: "يجمع بينهما إذا اختلط الظلام قبل أن يغيب الشفق، كذا صنع ابن عمر". وقال الأثرم: حدثنا أبو أسامة حدثنا عبيد الله عن نافع قال: "كان أمراؤنا إذا كانت الليلة المطيرة أبطؤوا بالمغرب، وعجلوا العشاء قبل أن يغيب الشفق، فكان ابن عمر يصلي معهم". قال عبيد الله: ورأيت القاسم وسالماً يصليان معهم. قيل لأحمد: فكأن سنة الجمع في المطر عندك قبل أن يغيب الشفق، وفي السفر نؤخر حتى يغيب الشفق؟ قال: نعم.
ولا يجوز الجمع لغير ما ذكرنا، وقال ابن شبرمة: "يجوز إذا كان حاجة أو شيء، ما لم يتخذ عادة، لحديث ابن عباس، وفيه: أراد أن لا يحرج أمته".
وإذا سافر بعد دخول وقت الصلاة، قال ابن عقيل: فيه روايتان: إحداهما: له. قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه: أن له قصرها، وإذا دخل مع مقيم أتم. قال الأثرم: سألت أحمد عن المسافر يدخل في تشهده المقيم؟ قال: "يصلي أربعاً"، روي ذلك عن ابن عمر وابن عباس، وبه قال الشافعي. وقال إسحاق: له القصر. وقال مالك: إن أدرك ركعة من الصلاة أتم، وإن أدرك دونها قصر، لقوله:
"من أدرك ركعة من الصلاة، فقد أدركها". 1 ولنا: ما روي عن ابن عباس: "قيل له: ما بال المسافر يصلي ركعتين في حال الانفراد، وأربعاً إذا ائتمَّ بمقيم؟ قال: تلك السنة". رواه أحمد. "وكان ابن عمر إذا صلى مع الإمام صلى أربعاً". رواه مسلم، ولقوله: "إنما جُعل الإمام ليؤتم به؛ فلا تختلفوا عليه" 2.
وأجمع أهل العلم على أن المقيم إذا ائتمَّ بمسافر، وسلم المسافر من ركعتين، أنّ على المقيم الإتمام. وإذا أمّ المسافر المقيمين فأتم، فصلاتهم صحيحة، وبه قال الشافعي. وقال الثوري: تفسد صلاة المقيمين، لأن الآخرتين نفل من الإمام.
والمشهور عن أحمد أن المدة التي يلزم المسافر الإتمام بنية الإقامة فيها

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 البخاري: مواقيت الصلاة (580), ومسلم: المساجد ومواضع الصلاة (607), والترمذي: الجمعة (524), والنسائي: المواقيت (553, 554, 555, 556), وأبو داود: الصلاة  (1121), وابن ماجة: إقامة الصلاة والسنة فيها (1122), وأحمد (2/241, 2/265, 2/270, 2/280, 2/375), ومالك: وقوت الصلاة (15), والدارمي: الصلاة (1220).
2 البخاري: الصلاة (378), ومسلم: الصلاة (411), والترمذي: الصلاة (361), والنسائي: الإمامة (794, 832) والتطبيق (1061), وأبو داود: الصلاة (601), وابن ماجة: إقامة الصلاة والسنة فيها (1238), ومالك: النداء للصلاة (306), والدارمي: الصلاة (1256).

 

ص -179-      هي: ما كان أكثر من إحدى وعشرين صلاة. وعنه: إن نوى إقامة أكثر من أربعة أيام أتم، وهو قول مالك والشافعي، لأن الثلاث حد القلة، ولقوله: "يقيم المهاجر بعد قضاء نسكه ثلاثاً". 1 وقال الثوري: "إن أقام خمسة عشر يوماً مع اليوم الذي يخرج فيه، أتم". روي ذلك عن ابن عمر وسعيد بن جبير والليث. وعن ابن عباس: "أقام رسول اللّه صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره تسعة عشر يصلي ركعتين، فنحن إذا أقمناها نصلي ركعتين، وإن زدنا أتممنا". 2 رواه البخاري. وقال الحسن: "صل ركعتين، إلا أن تقدم مصراً". ولنا: "أنه صلى الله عليه وسلم أقام بمكة عشراً يقصر". متفق عليه. وذكر أحمد حديث جابر وابن عباس: "أنه صلى الله عليه وسلم قدم لصبح رابعة، فأقام الرابع والخامس والسادس والسابع، وصلى الفجر بالأبطح يوم الثامن، وكان يقصر في هذه الأيام". وقد أجمع على إقامتها. فإذا أجمع أن يقيم كما أقام صلى الله عليه وسلم قصر، وإذا أجمع على أكثر من ذلك أتم. قال: وحديث أنس كلام ليس يفقهه كل أحد: قوله: "أقام عشراً يقصر، قدم لصبح رابعة وخامسة وسادسة وسابعة. ثم قال: وثامنة يوم التروية وتاسعة وعاشرة"، فإنما وجه حديث أنس أنه حسب مقامه بمنى ومكة. وإن مرَّ في طريقه على بلد له فيه أهل أو مال، فقال أحمد في موضع: يتم، وقال في موضع: يتم، إلا أن يكون ماراً. وقال الشافعي وابن المنذر: يقصر ما لم يجمع على إقامة أربع.
ومن لم يجمع الإقامة مدة تزيد على ما ذكرنا، فله القصر، ولو أقام سنين، حكاه ابن المنذر إجماعاً.
ولا بأس بالتطوع، نازلاً وسائراً على الراحلة، ويصلي ركعتي الفجر والوتر، وأما سائر السنن والتطوعات، فقال أحمد: أرجو أن لا يكون بالتطوع في السفر بأس. وعن الحسن: "كان أصحاب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يسافرون،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 مسلم: الحج (1352), والترمذي: الحج (949), والنسائي: تقصير الصلاة في السفر  (1455), وأحمد (4/339, 5/52), والدارمي: الصلاة (1511, 1512).
2 البخاري: الجمعة (1081), ومسلم: صلاة المسافرين وقصرها (693), والترمذي: الجمعة (548), والنسائي: تقصير الصلاة في السفر (1438, 1452), وأبو داود: الصلاة (1233), وابن ماجة: إقامة الصلاة والسنة فيها (1077), والدارمي: الصلاة (1510).

 

ص -180-      فيتطوعون قبل المكتوبة وبعدها"، وهو قول مالك والشافعي. "وكان ابن عمر لا يتطوع إلا من جوف الليل"، ونقل عن ابن المسيب وسعيد بن جبير وعلي بن الحسين.
والخوف لا يؤثر في عدد الركعات للإمام والمأموم جميعاً، فإذا كان في سفر يبيح القصر صلى بهم ركعتين، بكل طائفة ركعة، وتتم لأنفسها أخرى، ويطيل التشهد حتى يتموا التشهد، ويسلم بهم.
قال القاضي: من شرطها: كون العدو في غير جهة القبلة، ونص أحمد على خلاف ذلك. قال الأثرم: قلت: حديث سهل نستعمله مستقبلين القبلة أو مستدبرين؟ قال: نعم. هو إنكاء، لأن العدو قد يكون في جهة القبلة على وجه لا يمكن أن يصلي بهم صلاة عُسفان، لانتشارهم أو خوف كمين.
ويقرأ ويتشهد ويطيل حال الانتظار، وقال الشافعي في أحد قوليه: لا يقرأ حال الانتظار، بل يؤخر القراءة ليقرأ بالطائفة الثانية، ليسوي بين الطائفتين. ولنا: أن الصلاة ليس فيها محل سكوت، والقيام محل القراءة كالتشهد إذا انتظرهم فله يتشهد ولا يسكت، وإذا جلس للتشهد قاموا فصلّوا ركعة أخرى، وأطال حتى يدركوه ويسلّم بهم.
وقال مالك: يتشهدون معه، فإذا سلم قاموا فقضوا؛ وما ذكرناه أولى، لقوله:
{وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ}، وهو يدل على أن صلاتهم كلها معه. وفي حديث سهل: "أنه صلى الله عليه وسلم قعد حتى صلى الذين خلفه ركعة، ثم سلّم". 1 رواه أبو داود. وروي: "أنه سلّم بالطائفة الثانية"، وبه قال مالك والشافعي، إلا فيما ذكرنا. وقال أبو حنيفة: يصلي كما روى ابن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 أبو داود: الصلاة (1237).

 

ص -181-      عمر قال: "صلى النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف بإحدى الطائفتين ركعة وسجدتين، والطائفة الأخرى مواجهة العدو. ثم انصرفوا وقاموا في مقام أصحابهم مقبلين على العدوّ، وجاء أولئك ثم صلى بهم النبي صلى الله عليه وسلم ركعة، ثم سلّم. ثم قضى هؤلاء ركعة، وهؤلاء ركعة". 1 متفق عليه.
وقال أبو حنيفة: يصلي بإحدى الطائفتين ركعة، والأخرى مواجهة العدوّ. ثم تنصرف التي صلت معه إلى وجه العدو وهي في صلاتها، ثم تجيء الأخرى فتصلي معه الركعة الثانية. ثم يسلم الإمام، وترجع إلى وجه العدو وهى في الصلاة. ثم تأتي الطائفة الأولى إلى موضع صلاتها فتصلي ركعة منفردة لا تقرأ فيها، لأنها في حكم الائتمام. ثم تنصرف إلى وجه العدو. ثم تأتي الأخرى فتفعل كذلك، إلا أنها تقرأ لأنها فارقت الإمام.
ولنا: ما روى صالح بن خوات عمن صلّى مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم ذات الرقاع صلاة الخوف: "أن طائفة صفّت معه وطائفة وجاه العدوّ، فصلى بالتي معه ركعة، ثم ثبت قائماً، وأتموا لأنفسهم ثم انصرفوا، وصفّوا وجاه العدو. وجاءت الطائفة الأخرى، فصلى بهم الركعة التي بقيت من صلاته، ثم ثبت جالساً، وأتموا لأنفسهم. ثم سلم بهم". 2 رواه مسلم. وروى سهل بن أبي حثمة مثله.
وهذا أشبه بكتاب اللّه، فإن قوله تعالى:
{وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ} 3 يقتضي أن جميع صلاتها معه. وعنده: تصلي ركعة معه فقط، وعندنا: جميع صلاتها معه: إحدى الركعتين توافقه في أفعاله، والثانية تأتي بها قبل سلامه ثم تسلم معه.
ومن مفهوم قوله:
{لَمْ يُصَلُّوا} أن الأولى قد صلّت جميع صلاتها، وعلى قولهم لم تصلّ إلا بعضها.
وإن خاف وهو مقيم، صلى بكل طائفة ركعتين. وصلاة الخوف جائزة في الحضر، وبه قال الشافعي. وعن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 مسلم: صلاة المسافرين وقصرها (839), والترمذي: الجمعة (564), والنسائي: صلاة الخوف (1540), وأحمد (2/150).
2 البخاري: المغازي (4131), ومسلم: صلاة المسافرين وقصرها (842), والترمذي: الجمعة (565), والنسائي: صلاة الخوف (1536, 1553), وأبو داود: الصلاة (1238), وابن ماجة: إقامة الصلاة والسنة فيها (1259), وأحمد (3/448), ومالك: النداء للصلاة (441), والدارمي: الصلاة (1522).
3 سورة النساء آية: 102.

 

ص -182-      مالك: لا تجوز في الحضر، لأن الآية إنما دلت على ركعتين، ولأنه صلى الله عليه وسلم لم يفعلها في الحضر. ولنا: قوله تعالى: {وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ}، 1 وهو عام في كل حال، وتركه صلى الله عليه وسلم لفعلها في الحضر لغنائه عنها.
قولهم: إنما دلت على ركعتين، قلنا: قد يكون في الحضر الصبح والجمعة، وإذا صلى بهم الرباعية صلى بكل طائفة ركعتين، فهل تفارقه الأولى في التشهد أو حين يقوم إلى الثالثة؟ الثاني: قول مالك، لأنه يحتاج إلى التطويل من أجل الانتظار، والتشهد الأول يستحب تخفيفه. وإن كانت الصلاة مغرباً صلى بالطائفة الأولى ركعتين وأتمت لأنفسها ركعة، وبالأخرى ركعة وأتمت لأنفسها ركعتين، وبه قال مالك والشافعي في أحد قوليه. وفي الآخر: يصلي بالأولى ركعة وبالثانية ركعتين، لأنه روي عن علي: "أنه صلى ليلة الهرير هكذا".
ويستحب أن يحمل السلاح فيها، لقوله تعالى:
{وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ}، 2 ولأنهم لا يأمنون أن يفجأهم العدو فيميلون عليه ميلة واحدة كما في الآية. ولا يجب حمله في قول أكثر أهل العلم، ويحتمل الوجوب، وبه قال داود والشافعي في أحد قوليه؛ والحجة معهم لأن ظاهر الأمر الوجوب. وقد اقترن به قوله: {وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذىً} الآية 3. فإن كان بهم لم يجب بغير خلاف، لتصريح النص به.
ويجوز أن يصلي على كل صفة صلاها النبي صلى الله عليه وسلم، قال أحمد: كل حديث يروى في أبواب صلاة الخوف فالعمل به جائز. وقال: ستة وجوه أو سبعة تروى فيها، كلها جائزة. قال الأثرم قلت له: تقول

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 سورة النساء آية: 102.
2 سورة النساء آية: 102.
3 سورة النساء آية: 102.

 

ص -183-      بالأحاديث، كل حديث في موضعه، أو تختار واحداً منها؟ قال: من ذهب إليها كلها فحسن، وأنا أختار حديث سهل. وقد ذكرنا منها وجهين: حديث سهل وحديث ابن عمر.
والثالث: صلاة عُسفان: "قام رسول اللّه صلى الله عليه وسلم مستقبل القبلة والمشركون أمامه، فصف خلفه صف، وصف خلف ذلك الصف صف. فركع رسول اللّه، وركعوا جميعاً. ثم سجد، وسجد الصف الذي يليه، وقام الآخر يحرس. فلما صلى بهؤلاء السجدتين وقاموا، سجد الذين خلفهم. ثم تأخر الصف الأول إلى مقام الآخرين، وتقدم الصف الآخر إلى مقام الصف الأول. ثم ركع وركعوا جميعاً. ثم سجد وسجد الصف الذي يليه، وقام الآخرون يحرسون. فلما جلس والذي يليه، سجد الآخرون. ثم جلسوا جميعاً، فسلّم عليهم. فصلاها بعسفان، وصلاها يوم بني سليم". رواه أبو داود. و"روى جابر عنه صلى الله عليه وسلم نحوه"، أخرجه مسلم.
الوجه الرابع: أن يصلي بكل طائفة صلاة منفردة، ويسلّم بها، كما رواه أبو بكرة، أخرجه أبو داود؛ وهذه حسنة قليلة الكلفة، وهي مذهب الحسن؛ ليس فيها أكثر من أن الإمام في الثانية متنفل يؤم مفترضين.
الوجه الخامس: أن يصلي بالطائفة الأولى ركعتين ولا يسلم، ثم تسلم الطائفة وتنصرف ولا تقضي شيئاً. وتأتي الأخرى فيصلي بها ركعتين ويسلم بها، ولا تقضي شيئا. و"هذا مثل الذي قبله، إلا أن الإمام لا يسلِّم في الأوليين"، لحديث جابر في ذات الرقاع، متفق عليه. وتأوله القاضي على أنه صلى بهم كصلاة الحضر، وأن كل طائفة قضت ركعتين؛ وهذا ظاهر الفساد لأنه صفة الرواية وقول أحمد.

 

ص -184-      والوجه السادس: أن يصلي بكل طائفة ركعة ولا تقضي شيئاً، لحديث ابن عباس يوم ذي قرد، رواه الأثرم. ولأبي داود نحوه من حديث حذيفة، وروي مثله عن زيد بن ثابت وأبي هريرة. قال أبو داود في السنن: هو مذهب ابن عباس وجابر. قال جابر: "إنما القصر ركعة عند القتال". وقال طاووس والحسن ومجاهد وقتادة: ركعة في شدة الخوف يومئ إيماء. وقال إسحاق: يجزيك عند الشدة ركعة تومئ إيماء، فإن لم تقدر فسجدة واحدة، فإن لم تقدر فتكبيرة. وهذه الصلاة يقتضي عموم كلام أحمد جوازها، لأنه ذكر ستة أوجه، ولا أعلم وجهاً سادساً سواها، وأصحابنا ينكرون ذلك، قال القاضي: لا تأثير للخوف في عدد الركعات، وهذا قول أكثر أهل العلم، والذي قال: ركعة، إنما جعلها عند شدة القتال.
وإذا كان الخوف شديداً وهم في حال المسايفة، صلوا رجالاً وركباناً، إلى القبلة وإلى غيرها، يؤمئون إيماء، ويكرّون ويفرُّون، ولا يؤخرون الصلاة؛ وهذا قول أكثر أهل العلم. وقال أبو حنيفة: لا يصلي مع المسايفة ولا مع المشي، "لأنه صلى الله عليه وسلم لم يصلّ يوم الخندق، وأخّرها". ولنا: قوله تعالى:
{فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً}، 1 قال ابن عمر: "فإن كان خوفاً أشد من ذلك، صلّوا رجالاً قياماً على أقدامهم، وركباناً، مستقبلي القبلة وغير مستقبليها". متفق عليه، "ولأنه صلى الله عليه وسلم أمرهم بالمشي إلى وجاه العدو، ثم يعودون لما بقي"؛ وهذا مشي كثير وعمل طويل واستدبار القبلة. ومن العجب أن أبا حنيفة اختار هذا الوجه دون سائر الوجوه التي لا تشتمل على العمل وسوَّغه، مع إمكان الصلاة بدونه، ثم منعه في حال لا يقدر إلا عليه‍! وكان

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 سورة البقرة آية: 239.

 

ص -185-      العكس أولى، لا سيما مع نص اللّه سبحانه على الرخصة في هذه الحال. وأما تأخيره يوم الخندق، فروى أبو سعيد: أنه قبل نزول صلاة الخوف. ويحتمل أنه نسي الصلاة، فقد نقل عنه ما يدل على ذلك.
وإن هرب من عدو هرباً مباحاً، أو سيل أو سبع لا يمكنه التخلص بدون الهرب، صلى صلاة شدة الخوف، سواء خاف على نفسه أو أهله أو ماله، نص عليه أحمد في الأسير.
ومن هنا إلى آخر الباب: من "الإنصاف":
قال الشيخ: ولو عجز المريض عن الإيماء برأسه، سقطت عنه الصلاة، ولا يلزمه الإيماء بطرفه. واختار جواز القصر في سفر المعصية، وجوز القصر في مسافة فرسخ، وقال: إن حد فتحديده ببريد أجود، قال: ولا حجة للتحديد، بل الحجة مع من أباح القصر لكل مسافر، إلا أن ينعقد الإجماع على خلافه. واختار كراهة الإتمام للمسافر.
وقال: يسن ترك التطوع بغير الوتر وسنة الفجر، ونقل ابن هاني: يتطوع أفضل، واختاره الشيخ في غير الرواتب. واختار أن الجمع والقصر لا يحتاج إلى نية. وقال في البلغة: إقامة الجيش للغزو لا تمنع الترخص وإن طالت، لفعله صلى الله عليه وسلم. واختار الشيخ أن المسافر له القصر والفطر ما لم يجمع على إقامة ويستوطن، وقال: الجمع بين الصلاتين في السفر يختص بمحل الحاجة، لأنه من رخص السفر المطلقة، كالقصر.
واختار الشيخ جواز الجمع للطباخ والخباز ونحوهما، ممن يخشى فساد ماله أو مال غيره بترك الجمع.
قال أحمد: الجمع في الحضر إذا كان من ضرورة،

 

ص -186-      مثل مرض أو شغل، واختار الشيخ أن الجمع بين الظهر والعصر يجوز للمطر. واختار جواز الجمع لتحصيل الجماعة، والصلاة في حمام مع جوازها فيه، خوف فوات الوقت، ولخوف يخرج في تركه أي مشقة، وأن الأفضل: فعل الأرفق به من تقديم وتأخير. واختار في جمع التقديم عدم اشتراط الموالاة. ويجوز للخائف فوات وقت الوقوف بعرفة صلاة 1 الخوف. [اختاره الشيخ 2].

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 في الطبعة السلفية: (صلاة شدة الخوف).
2 زيادة من المخطوطة.

 

ص -187-      باب صلاة الجمعة
المستحب إقامتها بعد الزوال، لفعله صلى الله عليه وسلم. ويصعد للخطبة على المنبر ليسمع الناس، وليس بواجب، "لأنه صلى الله عليه وسلم كان يقوم على الأرض قبل أن يصنع المنبر".
ويستحب إذا خرج أن يسلّم على الناس، ثم إذا صعد المنبر فاستقبلهم سلّم عليهم. ويجلس إلى فراغ المؤذن، وبه قال الشافعي. وقال مالك: لا يسلّم عقيب الاستقبال، لأنه سلّم حال خروجه.
وأما مشروعية الأذان عقيب صعود الإمام، فلا خلاف فيه؛ وهو الذي يمنع البيع، ويلزم السعي، لأنه الذي كان على عهده صلى الله عليه وسلم، فتعلق الحكم به. وتحريم البيع مختص بالمخاطبين، وحكي في غيرهم روايتان؛ والصحيح ما ذكرنا، فإن اللّه نهى من أمره بالسعي.
وكلما بكر من أول النهار فهو أفضل، وهذا مذهب الشافعي. وقال مالك: لا يستحب قبل الزوال. ولنا: حديث أبي هريرة في الساعات، وروى الترمذي وحسنه: "
من غسل واغتسل، وبكّر وابتكر، كان له بكل خطوة يخطوها أجر سنة، صيامها وقيامها". 1 ورواه ابن ماجة وزاد: "ومشى ولم يركب، ودنا من الإمام، فاستمع ولم يلْغُ". 2 وقوله: بكّر: خرج في بكرة النهار، وابتكر: بالغ في التبكير، وقيل: معناه: ابتكر العبادة مع بكورها. وقيل: ابتكر الخطبة، أي حضرها، من باكورة الثمرة أي: أولها. وغير هذا أجود، لأن من جاء أول النهار لزم أن يحضر أول الخطبة. قال أحمد: "من غسّل" مشددة يريد: من غسل أهله. وكان غير واحد من التابعين يستحبه ليكون

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 الترمذي: الجمعة (496), والنسائي: الجمعة (1381), وابن ماجة: إقامة الصلاة والسنة فيها
(1087), وأحمد (4/104), والدارمي: الصلاة (1547).
2 الترمذي: الجمعة (496), والنسائي: الجمعة (1381, 1384, 1398), وأبو داود: الطهارة (345), وابن ماجة: إقامة الصلاة والسنة فيها (1087), وأحمد (4/8, 4/9, 4/10, 4/104), والدارمي: الصلاة (1547).

 

ص -188-      أسكن لنفسه. وقيل: غسل رأسه، واغتسل في بدنه، حكي عن ابن المبارك. وقوله: غسل الجنابة على هذا، أي: كغسل الجنابة.
والمستحب: أن يمشي، لقوله:
"ومشى ولم يركب". وتجب ولو كان من يقيمها مبتدعاً، نص عليه. ولا تعاد، والظاهر من حال الصحابة أنهم لم يكونوا يعيدونها.
والخطبة شرط، لا تصح بدونها، ولا نعلم فيه مخالفاًً إلا الحسن، قال: تجزيهم جمعتهم، خطب أو لم يخطب. ولنا: قوله تعالى:
{فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ}، 1 والذكر: الخطبة.
وسئل أحمد عن الخطبة قاعداً، فلم تعجبه، قال: قال اللّه تعالى: 
{وَتَرَكُوكَ قَائِماً}. 2 ويستحب لهم أن يستقبلوه إذا خطب، قال ابن المنذر: هذا كالإجماع. وعن الحسن: أنه استقبل القبلة ولم ينحرف إلى الإمام.
ويشترط للجمعة خطبتان، وهو مذهب الشافعي. وقال مالك: يجزئه خطبة واحدة. ويشترط لكل واحدة منهما حمد اللّه، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، ويحتمل أن لا تجب الصلاة عليه، لأنها لم تذكر في خطبته.
وأما القراءة، فقال القاضي: يحتمل أن تشترط. قال أصحابنا: ولا يكفي أقل من آية، وظاهر كلام أحمد: لا يشترط ذلك، لأنه قال: القراءة في الخطبة ليس فيها شيء مؤقت.
وقال: إن خطب وهو جنب، ثم اغتسل وصلى بهم، أجزأه؛ والجنب ممنوع من قراءة آية. ويحتمل أن لا يجب سوى حمد اللّه والموعظة، لأنه يسمى خطبة، وما عداهما ليس على اشتراطه دليل، ولكن "يستحب أن يقرأ آيات لما ذكرنا عن النبي صلى الله عليه وسلم".
ويستحب أن يجلس بين الخطبتين جلسة خفيفة، وقال الشافعي: "هي واجبة لأنه صلى الله

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 سورة الجمعة آية: 9.
2 سورة الجمعة آية: 11.

 

ص -189-      عليه وسلم يجلسها". ولنا: "أنه سرد الخطبة جماعة من الصحابة، منهم المغيرة وأبيّ بن كعب"، قاله أحمد. والسنة: أن يخطب متطهراً، وعنه: أنه من شرائطها.
ويسن أن يتولى الصلاة من يتولى الخطبة، وإن خطب رجل وصلى آخر جاز، لكن قال أحمد: لا يعجبني لغير عذر. وهل يشترط أن يكون المصلي ممن حضر الخطبة؟ فيه روايتان.
من السنة أن يقصد تلقاء وجهه، لأنه لو التفت لأعرض عن الجانب الآخر. ويستحب أن يرفع صوته، لقول جابر: "كان إذا خطب احمرت عيناه، وعلا صوته، واشتد غضبه، حتى كأنه منذر جيش يقول:
صبّحكم ومسّاكم" 1.
ويستحب تقصيرها، لحديث عمار وغيره، وأن يعتمد على عصا أو قوس أو سيف، لحديث الحكم، وفيه: "فقام متوكئاً على عصا أو قوس". 2 رواه أبو داود.
وسئل أحمد: عمن قرأ سورة الحج على المنبر؟ قال: لا. لم يزل الناس يخطبون بالثناء على اللّه، والصلاة على رسوله.
و"إن قرأ السجدة في أثناء الخطبة، فإن شاء نزل فسجد، وإن شاء ترك؛ فعل عمر وترك"، وبه قال الشافعي. "ونزل عثمان وأبو موسى وغيرهما"، وبه قال أصحاب الرأي، لأن السجود عندهم واجب. وقال مالك: لا ينـزل، لأنها تطوع فلا يشتغل بها في أثناء الخطبة. ولنا: فعل عمر وتركه، وفعل مَن سمّينا من الصحابة.
ويستحب أن يدعو للمؤمنين والمؤمنات ولنفسه وللحاضرين، وإن دعا لسلطان المسلمين بالصلاح فحسنٌ. وروى ضبة بن محصن: "أن أبا موسى إذا خطب فحمد اللّه وصلى على النبي، يدعو لعمر، فأنكر عليه ضبة البدأة بعمر قبل الدعاء لأبي بكر، فرفع إلى عمر. فقال لضبة: أنت أوفق منه وأرشد". وقال عطاء: هو محدث.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 مسلم: الجمعة (867), وابن ماجة: المقدمة (45), وأحمد (3/337, 3/371).
2 أبو داود: الصلاة (1096), وأحمد (4/212).

 

ص -190-      وصلاة الجمعة ركعتان، يقرأ في كل ركعة بـ"الحمد" وسورة، ويجهرُ بالقراءة، لا خلاف في ذلك كله. و"يستحبُّ أن يقرأ فيهما بـ"الجمعة" و"المنافقين"، لحديث أبي هريرة"، رواه مسلم، "أو "سبح" و"الغاشية""، لحديث النعمان بن بشير، رواه مسلم.
وأكثر أهل العلم يرون أن من أدرك مع الإمام ركعة من الجمعة، فهو مدرك لها؛ يضيف إليها أخرى وتجزئه. وقال عطاء وغيره: "من لم يدرك الخطبة صلى أربعاً". ولنا: حديث أبي هريرة، ولأنه قول ابن مسعود وأنس وابن عمر؛ ولا مخالف لهم في عصرهم. ومن أدرك أقل بنى عليها ظهراً، إذا دخل بنية الظهر؛ وهو قول جميع من ذكرنا في التي قبلها. وقال حماد والحكم: يدرك بأي قدر أدركه. ولنا: حديث أبي هريرة المتقدم، ولأنه قول مّن سمّينا من الصحابة والتابعين، ولا مخالف لهم في عصرهم؛ فيكون إجماعاً.
ومن أحرم مع الإمام، ثم زحم فلم يقدر على السجود والركوع حتى سلّم الإمام، فعنه: يكون مدركاً، ويصلي ركعتين؛ وهو قول الحسن والأوزاعي. وعنه: يصلي أربعاً، وهو قول الشافعي وابن المنذر. فإن قدر على السجود على ظهر إنسان أو قدميه، لزمه وأجزأه، وبه قال الشافعي وابن المنذر. وقال مالك: لا يفعل، وتبطل به الصلاة، لقوله: "مكّن جبهتك من الأرض". ولنا: قول عمر: "إذا اشتد الزحام، فليسجد على ظهر أخيه". رواه سعيد. قاله بمحضر من الصحابة في يوم جمعة.
و"من دخل والإمام يخطب، لم يجلس حتى يركع ركعتين يوجز فيهما"، وبه قال الشافعي، لحديث جابر، رواه مسلم. وقال مالك: يجلس ولا يركع، لقوله:
"اجلس! فقد آذيت"، 1 وهي قضية عين، الظاهر أنه أمره ليكفّ أذاه عن الناس.
و يجب الإنصات من حين يأخذ في الخطبة، وكره الكلام حينئذ عامة أهل العلم،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 النسائي: الجمعة (1399), وأبو داود: الصلاة (1118).

 

ص -191-      وعنه: لا يحرم الكلام. "وكان سعيد بن جبير والنخعي والشعبي يتكلمون والحجاج يخطب"، وقال بعضهم: "إنا لا نؤمر أن ننصت لهذا". واحتج من أجازه بحديث أنس: "أن رجلاً قال لرسول اللّه وهو يخطب: هلك الكراع، هلك الشاء؛ فادع اللّه!". 1 الحديث متفق عليه. ولنا: قوله: "إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة والإمام يخطب: أنصت! فقد لغوت". 2 متفق عليه، وما احتجوا به يحتمل أنه مختص بمن كلّم الإمام. ولا يحرم الكلام على الخطيب، ولا على من سأله الخطيب، "لأنه صلى الله عليه وسلم سأل سليكا: أصلّيتَ؟ قال: لا". 3 "وعمر سأل عثمان". وإذا سمع متكلماً لم ينهه بالكلام، لحديث أبي هريرة، ولكن بالإشارة. نص عليه.وكره طاووس الإشارة. وسئل أحمد: عن رد السلام، وتشميت العاطس، والإمام يخطب؟ فقال: نعم. قد فعله غير واحد. وعنه: إن كان يسمع الخطبة فلا.
وللبعيد أن يذكر اللّه ولا يرفع صوته، ورخص له في الذكر والقراءة عطاء وغيره. ولا يكره الكلام قبل الخطبة ولا بعدها، وبه قال عطاء وغيره، وقال ابن عبد البر: "ابن عمر وابن عباس يكرهان الكلام بعد خروج الإمام"، ولا مخالف لهما في الصحابة. وقد ذكرنا عن عمومهم خلاف هذا، وقوله:
"إذا قلت لصاحبك والإمام يخطب..." 4 الحديث، وروى ثعلبة: "أنهم كانوا يتحدثون يوم الجمعة إذا جلس عمر على المنبر" الحديث.
فأما الكلام في الجلسة بينهما، فيحتمل جوازه، وهو قول الحسن، ويحتمل المنع، وهو قول مالك والشافعي. وهل يسوغ الكلام إذا كان في دعاء؟ احتمالان.
ويكره العبث وهو يخطب، لقوله:
"مَن مسّ الحصى فقد لغا". 5 ويكره الشرب والإمام يخطب، وبه قال مالك، ورخص فيه الشافعي. قال أحمد: لا يتصدق على السائل والإمام يخطب، و"إن حصبه كان أعجب إليّ، لفعل

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 البخاري: الجمعة (932) والمناقب (3582), وأبو داود: الصلاة (1174).
2 البخاري: الجمعة (934), ومسلم: الجمعة (851), والترمذي: الجمعة (512), والنسائي: الجمعة (1401, 1402), وأبو داود: الصلاة (1112), وابن ماجة: إقامة الصلاة والسنة فيها (1110), وأحمد (2/244), ومالك: النداء للصلاة (232), والدارمي: الصلاة  (1548, 1549).
3 مسلم: الجمعة (875), وابن ماجة: إقامة الصلاة والسنة فيها (1112).
4 البخاري: الجمعة (934), ومسلم: الجمعة (851), والترمذي: الجمعة (512), والنسائي: الجمعة (1401, 1402), وأبو داود: الصلاة (1112), وابن ماجة: إقامة الصلاة والسنة فيها (1110), وأحمد (2/280), ومالك: النداء للصلاة (232), والدارمي: الصلاة  (1548, 1549).
5 مسلم: الجمعة (857), والترمذي: الجمعة (498), وأبو داود: الصلاة (1050), وابن ماجة: إقامة الصلاة والسنة فيها (1090), وأحمد (2/424).

 

ص -192-      ابن عمر". و لا بأس بالاحتباء والإمام يخطب، روي عن جماعة من الصحابة، قال أبو داود: لم يبلغني أن أحداً كرهه، إلا عبادة بن نسي، لأن سهل بن معاذ روى: "أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن الحبوة يوم الجمعة والإمام يخطب". 1 رواه أبو داود، وفي إسناده مقال. قال ابن المنذر: الأوْلى تركه، لأجل الخبر وإن كان ضعيفاً.
وإنما تجب بشروط سبعة: القرية، والأربعين، والذكورية، والبلوغ، والعقل، والإسلام، والاستيطان. وهذا قول أكثر أهل العلم.
فأما القرية فيعتبر أن تكون مبنية بما جرت العادة به، من طين أو قصب أو شجر ونحوه. فأما أهل الخيام وبيوت الشعر، فلا جمعة عليهم ولا تصح منهم، لأن ذلك لا ينصب للاستيطان غالباً؛ ولذلك كان الذين حول المدينة لم يقيموا جمعة، ولا أمرهم بها صلى الله عليه وسلم. ومتى كانت القرية لا تجب على أهلها الجمعة فسمعوا النداء من المصر أو من قرية تقام فيها، لزمهم السعي إليها، لعموم الآية.
والأربعون شرط لصحة الجمعة، وهو مذهب مالك والشافعي. وعنه: تنعقد بثلاثة، وهو قول الأوزاعي وأبي ثور. وقال ربيعة: تنعقد باثني عشر، لحديث جابر: "فلم يبق إلا اثنا عشر رجلاً". 2 رواه مسلم. ولنا: حديث كعب بن مالك، وفيه: "كم كنتم يومئذ؟ قال: أربعون". 3 فأما الثلاثة والأربعة فتحكم بالرأي فيما لا مدخل له فيه، فإن التقديرات بابها التوقيف.
وإذن الإمام ليس بشرط، وبه قال مالك والشافعي. وعن الحسن وأبي حنيفة: لا يقيمُها إلا الأئمة في كل عصر، فكان إجماعاً. ولنا: "أن علياً صلى الجمعة بالناس، وعثمان محصور، فلم ينكر. وصوّبه عثمان، وأمر بالصلاة معه". رواه البخاري عن عبيد الله بن عدي. قال أحمد: وقعت الفتنة بالشام تسع سنين، فكانوا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 الترمذي: الجمعة (514), وأبو داود: الصلاة (1110), وأحمد (3/439).
2 البخاري: الجمعة (936), ومسلم: الجمعة (863), والترمذي: تفسير القرآن (3311), وأحمد (3/313, 3/370).
3 البخاري: المغازي (4152), والدارمي: المقدمة (27).

 

ص -193-      يجمعون.
ولا يشترط لها المصر، وبه قال مالك والشافعي. وعن أبي حنيفة: لا جمعة ولا تشريق إلا في مصر جامع. ولنا: قول كعب بن مالك: "أول من جمع بنا: أسعد بن زرارة في هزم النبيت، من حرة بني بياضة، في نقيع يقال له: الخضمات". رواه أبو داود. قال ابن جريج: قلت لعطاء: أكان بأمر النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم. قال الخطابي: حرة بني بياضة: قرية على ميل من المدينة. وحديث ابن عباس: "في جواثا".
ولا يشترط لها البنيان، فتجوز فيما قاربه من الصحراء. وقال الشافعي: لا تجوز. ولنا: "أن مصعبا جمع بهم في نقيع الخضمات"، والنقيع: بطن من الأرض يستنقع الماء فيه مدة، فإذا نضب نبت الكلأ.
وإذا كان البلد كبيرا يحتاج إلى جوامع، فصلاة الجمعة فيها جائزة، وأجازه أبو يوسف في بغداد دون غيرها، لأن الحدود تقام فيها في موضعين. وقال أبو حنيفة ومالك والشافعي: "لا تجوز في بلد واحد إلا في موضع واحد، لأنه صلى الله عليه وسلم والخلفاء بعده لم يجمعوا إلا في واحد". ولنا:  "أن علياً كان يستخلف أبا مسعود (البدري) يوم العيد، يصلي بضعفة الناس". ولما دعت الحاجة إلى ذلك في الأمصار، صُليت في أماكن فلم ينكر، فكان إجماعاً. قال أحمد: يقام بالمدينة قدمها مصعب بن عمير وهم مختبئون في دار، فجمع بهم وهم أربعون. فأما مع عدم الحاجة فلا يجوز، لا نعلم فيه خلافاً، إلا أن عطاء قيل له: إن أهل البصرة لا يسعهم المسجد الأكبر. قال: لكل قوم مسجد يجمعون فيه.
قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه: أن لا جمعة على النساء. فأما المسافر فأكثر أهل العلم يرون أن لا جمعة عليه. وحكي عن النخعي أنها تجب. ولنا: "أنه صلى الله عليه وسلم لم يصلّها في سفر، ولا

 

ص -194-      خلفاؤه"، وكذلك غيرهم من الصحابة. قال إبراهيم: "كانوا يقيمون بالري السنة وأكثر من ذلك، وبسجستان السنتين، لا يجمعون ولا يشرقون"، وأما العيد ففيه روايتان.
قال ابن المنذر: أجمعوا على أن لا جمعة على النساء، وأجمعوا على أنهن إذا حضرن فصلين الجمعة، أن ذلك يجزئ عنهن.
ولا تنعقد الجمعة بمن لا تجب عليه ولا يصح أن يكون إماماً فيها، وقال أبو حنيفة والشافعي: يجوز أن يكون العبد والمسافر إماماً فيها، ووافقهم مالك في المسافر.
وإن ظن أنه لا يدرك الجمعة، انتظر حتى يصلي الإمام، ثم يصلي الظهر؛ وبه قال مالك والشافعي في الجديد. وقال في القديم، وأبو حنيفة: يصلي ظهراً. فأما من لا تجب عليه، فله أن يصلي قبل الإمام، في قول الأكثر.
و"لا يكره لمن فاتته الجمعة أو لم يكن من أهل فرضها، أن يصلي جماعة إذا أمن أن ينسب إلى مخالفة الإمام، فعله ابن مسعود وغيره"؛ وهو قول الشافعي. وكرهه مالك. ولنا: حديث فضل الجماعة. "وفاتت الجمعة عبد الله، فصلى بعلقمة والأسود". احتج به أحمدُ وقال: ما أعجب الناس! ينكرون هذا!
و يستحب لمن ظهر للجمعة أن يغتسل ويلبس ثوبين نظيفين ويتطيب، ولا خلاف في هذا كله؛ وفيه آثار صحيحة، وليس بواجب [في قول الأكثر. قال ابن المنذر: أجمع المسلمون قديماً وحديثاً: ليس غسل الجمعة بفرض واجب 1]. وعنه: أنه واجب. ولنا: قوله:
"ومن اغتسل فالغسل أفضل"، 2 وقصة عمر عن عثمان.
ووقت الغسل بعد طلوع الفجر، وهو قول الشافعي. وعن مالك: لا يجزيه إلا أن يتعقبه الرواح. وإن أحدث بعده، أجزأه الغسل وكفاه الوضوء، وبه قال مالك والشافعي. واستحب طاووس وغيره إعادة الغسل.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 ما بين القوسين زيادة من النسخة الخطية.
2 الترمذي: الجمعة (497), والنسائي: الجمعة (1380), وأبو داود: الطهارة (354), وأحمد (5/8, 5/11, 5/15, 5/16, 5/22), والدارمي: الصلاة (1540).

 

ص -195-      ومن لا يأتي الجمعة لا غسل فيه. "وكان ابن عمر لا يغتسل". وكان عطاء لا يغتسل، "وكان طلحة يغتسل". وروي عن مجاهد وطاووس ولعلهم أخذوا بالعموم. ولنا: قوله: "من أتى الجمعة فليغتسل". 1 ويستحب أن يلبس ثوبين نظيفين، لحديث عبد الله بن سلام، رواه مسلم. والتطيب مندوب إليه والسواك، لما ورد.
ولا يتخطى رقاب الناس، ولا يفرّق بين اثنين، لما ورد، فإن رأى فرجة لا يصل إليها إلا بالتخطي، فروايتان. قال الحسن: يتخطى رقاب الذين يجلسون على أبواب المساجد، فإنهم لا حرمة لهم. وعنه: إن كان يتخطى الواحد والاثنين فلا بأس، وإن كثر كرهناه. ولعل الرواية الأولى وكلام الحسن فيما إذا تركوا مكاناً واسعاً، والثاني فيمن لم يفرط.
وإذا جلس في مكان فبدت له حاجة، أو احتاج إلى الوضوء، فله الخروج، لحديث عقبة في قسمة التبر، وفيه: "قام مسرعاً يتخطى رقاب الناس". 2 رواه البخاري. ثم إذا رجع، فهو أحق بمجلسه، لقوله:
"من قام من مجلسه ثم رجع إليه، فهو أحق به". 3 رواه مسلم.
و"ليس له أن يقيم إنساناً ويجلس في موضعه"، لحديث ابن عمر. فإن قدم رجلاً، حتى إذا جاء قام، جاز، لأنه يقوم باختياره. وعن ابن سيرين: "أنه يرسل غلاماً له يوم الجمعة فيجلس مكانه، فإذا جاء محمد قام الغلام، وجلس فيه".
ويستحب له الدنو من الإمام، لقوله:
"ودنا من الإمام"، ولحديث سمرة: "احضروا الذكر، وادنوا من الإمام؛ فإن الرجل لا يزال يتباعد حتى يؤخر في الجنة، وإن دخلها". 4 رواه أبو داود.
وتكره الصلاة في المقصورة التي تحمى، نص عليه، "ورخص فيه أنس وغيره". وقال أحمد: ما أدري هل الصف الأول الذي يقطعه المنبر أو الذي يليه. و"يستحب لمن نعس يوم الجمعة أن يتحول من

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 البخاري: الجمعة (877, 894, 919), ومسلم: الجمعة (844), والترمذي: الجمعة  (492), والنسائي: الجمعة (1376, 1405, 1407), وابن ماجة: إقامة الصلاة والسنة فيها (1088), وأحمد (2/3, 2/9, 2/35, 2/37, 2/41, 2/42, 2/47, 2/48, 2/51, 2/53, 2/55, 2/57, 2/64, 2/75, 2/77, 2/78, 2/101, 2/105, 2/115, 2/120, 2/141, 2/145, 2/149), ومالك: النداء للصلاة (231), والدارمي: الصلاة (1536).
2 البخاري: الأذان (851).
3 مسلم: السلام (2179), وأبو داود: الأدب (4853), وابن ماجة: الأدب (3717), وأحمد (2/263, 2/283, 2/342, 2/389, 2/446, 2/447, 2/483, 2/527, 2/537), والدارمي: الاستئذان (2654).
4 أبو داود: الصلاة (1108), وأحمد (5/11).

 

ص -196-      موضعه"، لحديث ابن عمر. ويكثر من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة، لحديث أوس، وفيه: "أكثروا عليَّ من الصلاة فيه، فإن صلاتكم معروضة عليَّ". 1 رواه أبو داود.
و يستحب قراءة الكهف في يومها، والإكثار من الدعاء ليوافق ساعة الإجابة.
وإن صلوا الجمعة في الساعة السادسة قبل الزوال أجزأتهم، "روي عن ابن مسعود وغيره أنهم صلوها قبل الزوال". وعنه: تجوز في وقت صلاة العيد، وقال أكثر أهل العلم: وقتها وقت الظهر، إلا أنه يستحب تعجيلها. ولنا على جوازها في السادسة: قول جابر: "كان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يصلي - يعني: 2 الجمعة - ثم نذهب إلى جمالنا، فنريحها حين تزول الشمس". رواه مسلم. وعن سهل قال: "ما كنا نقيل ولا نتغدى إلا بعد الجمعة، في عهد رسول اللّه صلى الله عليه وسلم". متفق عليه. قال ابن قتيبة: لا يسمى غداء ولا قائلة إلا بعد الزوال، وأما في أول النهار فلا تجوز، كما ذكر أكثر أهل العلم؛ والأولى أن لا يصلي إلا بعد الزوال، كصلاته صلى الله عليه وسلم في غالب أوقاته.
فإن اتفق عيد ويوم الجمعة، سقط حضور الجمعة عمن صلى العيد، إلا الإمام، وهو قول النخعي والشعبي والأوزاعي. وقال أكثر الفقهاء: تجب الجمعة لعموم الأخبار، وعموم الآية. ولنا: حديث زيد بن أرقم، وما احتجوا به مخصوص بما روينا، وأما الإمام فلا تسقط عنه، لقوله صلى الله عليه وسلم: 
"وإنا مجمعون". وإن قدم الجمعة فصلاها في وقت العيد، فعنه: يجزئه، ولا يلزمه شيء إلى العصر، لفعل ابن الزبير. قال الخطابي: هذا لا يحمل إلا على قول من يجوز تقديم الجمعة قبل الزوال.
وتجب على من بينه وبين الجامع فرسخ، في غير أهل المصر. قال أحمد: أما أهل المصر فلا بد لهم من شهودها، سمعوا النداء أو لم يسمعوا؛ وهذا قول مالك.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 النسائي: الجمعة (1374), وأبو داود: الصلاة (1047, 1531), وابن ماجة: ما جاء في الجنائز (1636), وأحمد (4/8), والدارمي: الصلاة (1572).
2 هكذا في الأصل وفي الطبعة السلفية: (معنا)، وفي المخطوطة: (يوم)، وكلها ظاهرة المعنى.

 

ص -197-      وعن عبد اللّه بن عمر: "الجمعة على من سمع النداء"، وهو قول الشافعي. وعن ابن عمر وغيره: "الجمعة على من أواه الليل إلى أهله". وقال أصحاب الرأي: لا جمعة على من كان خارج المصر، "لأن عثمان صلى العيد يوم الجمعة، وأرخص لأهل العوالي". ولنا: الآية، وإرخاص عثمان لاجتماع العيدين، كما قررناه.
ومن تجب عليه الجمعة لا يجوز له السفر بعد دخول وقتها، وبه قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: يجوز، لقول عمر: "الجمعة لا تحبس عن سفر". و"روي عن ابنه وعائشة ما يدل على الكراهة"، فيعارض قوله. وإن سافر قبل الوقت، فعنه: يجوز، وهو قول أكثر أهل العلم. وذكر أبو الخطاب أن الوقت الذي يمنع ويختلف فيما قبل زوال الشمس.
قال أحمد: إن شاء صلى بعد الجمعة ركعتين، وإن شاء صلى أربعاً، وفي رواية: "إن شاء ستاً"، لحديث أبي هريرة في الأربع، رواه مسلم، وحديث ابن عمر في الركعتين، متفق عليه. وقال أحمد: "لو صلى مع الإمام ثم لم يصل شيئاً حتى العصر جاز"، قد فعله عمران بن حصين.
و"يستحب لمن أراد الركوع يوم الجمعة، أن يفصل بينها وبينه بكلام أو قيام من مكانه"، لحديث معاوية، رواه مسلم. قال أحمد: إذا قرؤوا الكتاب يوم الجمعة على الناس بعد الصلاة أعجب إلي أن يسمع، إذا كان فتحاً من فتوح المسلمين، أو فيه شيء من أمور المسلمين. وإن كان إنما فيه ذكرهم فلا يستمع. وقال: الذين يصلون في الطرقات إذا لم يكن بينهم باب مغلق، فلا بأس. وسئل أحمد: عن الرجل يصلي خارج المسجد يوم الجمعة وأبواب المسجد مغلقة؟ قال: أرجو أن لا يكون به بأس.
و"يستحب أن يقرأ في صلاة الصبح يوم الجمعة بـ"الم السجدة" و"هل أتى [على الإنسان]""، لحديث أبي هريرة وابن عباس، رواهما مسلم. قال أحمد:

 

ص -198-      ولا أحب أن يداوم عليها، لئلا يظن أنها مفضلة بسجدة.
ومن هنا إلى آخر الباب: من "الإنصاف":
قوله: مستوطناً ببناء، واختار الشيخ وجوبها على المستوطنين بعمود أو خيام، لكن اشترط في موضع آخر أن يكونوا يزرعون كما يزرع أهل القرية.
و لا تجب على مسافر، وقال الشيخ: يحتمل أن تلزمه تبعاً للمقيمين.
واختار انعقادها بثلاثة، وأن الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم واجبة لا شرط؛ وأوجبها مع الدعاء الواجب، وتقديمها عليه لوجوب تقديمها على النفس. واختار وجوب الشهادتين في الخطبة، وأن الخطبة لا يكفي فيها ذم الدنيا وذكر الموت، لأنه لا بد من اسم الخطبة عرفاً.
يقرأ في فجرها بـ"(الم) السجدة"، و"هل أتى"، قال الشيخ: لتضمنهما ابتداء خلق السموات والأرض وابتداء خلق الإنسان، إلى أن يدخل الجنة أو النار، قال: ويكره تحريه قراءة سجدة غيرها.
قال: والصلاة قبل الجمعة حسنة وليست سنة راتب، فمن فعل أو ترك لم ينكر عليه، وهذا أعدل الأقوال، وحينئذ فقد يكون الترك أفضل، إذا اعتقد الجهلة أنها سنة راتبة.
وأوجب الغسل للجمعة على من به عرَق أو ريح يتأذى به الناسُ. واختار تحريم التخطي إذا لم يجد فرجة، قال: وليس لأحد أن يتخطى رقاب الناس ليدخل في الصف إذا لم يكن بين يديه فرجة، لا يوم الجمعة ولا غيره. قال أحمد: أكثر الأحاديث أن ساعة الإجابة بعد العصر، وإن وجد مصلى مفروشاً، فقال الشيخ: له رفعه، في أظهر قولي العلماء، قال: وليس له فرشه.

 

ص -199-      باب صلاة العيدين
الأصل فيها: الكتاب والسنة والإجماع. أما الكتاب، فقوله تعالى:  {فصل لربك وانحر}، 1 المشهور: أن المراد: صلاة العيد، وهي فرض كفاية، وقيل: فرض عين. وقال مالك: سنّة مؤكدة، لقوله في الخمس:  "هل عليَّ غيرها؟ قال: لا". 2 ولنا على وجوبها في الجملة: مداومته صلى الله عليه وسلم، ولأنها من الأعلام الظاهرة، والحديث لا حجة لهم فيه، لأن الأعراب لا جمعة عليهم، فالعيد أولى، وأيضاً وجوب الخمس وتكررها لا ينفي وجوب غيرها نادراً، كصلاة الجنازة والمنذورة.
ويستحب إظهار التكبير في ليلتي العيد في المساجد والمنازل والطرق، للمقيم والمسافر، قال أحمد: "كان ابن عمر يكبّر في العيدين جميعاً"، وأوجبه داود في الفطر، لظاهر الآية، وليس فيها أمر، وإنما أخبر عن إرادته تعالى.
ويستحب التكبير في أيام العشر كلها، قال البخاري: "كان ابن عمر وأبو هريرة يخرجان إلى السوق في أيام العشر، يكبّران، ويكبّر الناس بتكبيرهما". ويستحب الاجتهاد في عمل الخير، لحديث ابن عباس.
ولا خلاف أن التكبير مشروع في عيد النحر، واختلفوا في مدته. فذهب أحمد إلى "أنه من صلاة الفجر يوم عرفة إلى العصر من آخر أيام التشريق"، لحديث جابر. وقيل

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 سورة الكوثر آية: 2.
2 البخاري: الإيمان (46), ومسلم: الإيمان (11), والنسائي: الصلاة (458) والصيام  (2090) والإيمان وشرائعه (5028), وأبو داود: الصلاة (391), ومالك: النداء للصلاة (425), والدارمي: الصلاة (1578).

 

ص -200-          لأحمد: بأي حديث تذهب إلى ذلك؟ قال: بإجماع عمر وعلي وابن عباس وابن مسعود، والمشروع التكبير عقيب الفرائض في الجماعات. قيل لأحمد: تذهب إلى فعل ابن عمر "أنه لا يكبر إذا صلى وحده"؟ قال: نعم. وقال مالك: لا يكبر عقيب النوافل، ويكبر عقيب الفرائض كلها. وقال الشافعي: يكبر عقيب الفريضة والنافلة، والمسافر كالمقيم، وكذا النساء يكبرن خلف أبان بن عثمان وعمر بن عبد العزيز. والمسبوق يكبر إذا فرغ، في قول الأكثر، وقال الحسن: يكبر ثم يقضي.
ويستحب أن يغتسل للعيد، وبه قال مالك والشافعي وابن المنذر، ويتنظف ويتطيب ويلبس أحسن ما يجد. قال مالك: أهل العلم يستحبون الطيب والزينة في كل عيد. وقال أحمد: طاووس يأمر بزينة الثياب، وعطاء قال: هو يوم تخشع واستحسِنُهما جميعاً.
ويستحب للمعتكف الخروج في ثياب اعتكافه، والسنة أن يأكل في الفطر قبل الصلاة، ولا يأكل في الأضحى حتى يصلي، لا نعلم فيه خلافاً. "ويفطر على التمر ويأكلهن وتراً"، لحديث أنس، رواه البخاري. قال أحمد: والأضحى لا يأكل فيه حتى يرجع إذا كان له ذبح، وإذا لم يكن له ذبح لم يبال أن يأكل.
و يصلي العيد في المصلى، وحكي عن الشافعي إذا كان المسجد واسعاً فهو أولى لأنه خير البقاع. ولنا: أنه صلى الله عليه وسلم لم يترك الأفضل مع قربه، ويتكلف الناقص مع بعده، ولا يشرع لأمته ترك الفضائل. والنفل في البيت أفضل مع شرف المسجد. و"يستخلف من يصلي بضعفة الناس كما فعل علي". وإن كان عذر من مطر أو غيره يمنع الخروج، صلوا في المسجد، لحديث أبي هريرة، رواه أبو داود.

ص -201-      ويستحب التبكير بعد صلاة الصبح إلا الإمام، فيتأخر إلى وقت الصلاة، لأنه صلى الله عليه وسلم كان يفعله، قال أبو سعيد: "كان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يخرج إلى المصلى، فأول شيء يبدأ به: الصلاة". 1 رواه مسلم. ويخرج ماشياً وعليه السكينة والوقار، قال علي: "إن من السنة أن يأتي العيد ماشياً"، حسنه الترمذي. وإن ركب لعذر فلا بأس. ويكبّر في الطريق ويرفع صوته بالتكبير، قال أحمد: يكبّر جهراً إذا خرج من بيته حتى يأتي المصلى. وقال أبو حنيفة: لا يكبّر مع الفطر، لأن "ابن عباس سمع التكبير يوم الفطر فقال: أمجانين الناس؟!". ولنا: أنه فعله ناس من الصحابة، وأما ابن عباس فكان يقول: "يكبّرون مع الإمام ولا يكبرون وحدهم"، وهو خلاف مذهبه.
ولا بأس بخروج النساء إلى المصلى، وقال ابن حامد: يستحب.  "وكان ابن عمر يخرج من استطاع من أهله في العيدين". قالت أم عطية: "كنا نؤمر أن نخرج يوم العيد، حتى تخرج البكر من خدرها، وحتى تخرج الحيض فيكنّ خلف الناس، فيكبرون بتكبيرهم ويدعون بدعائهم، يرجون بركة ذلك اليوم وطهرته". رواه البخاري. ويخرجن تفلات ولا يخالطن الرجال.
ووقتها: من ارتفاع الشمس إلى أن يقوم قائم الظهيرة، وقال أصحاب الشافعي: أول وقتها: إذا طلعت الشمس، لحديث ابن بسر، وفيه: "إنا كنا قد فرغنا ساعتنا هذه وذلك حين صلاة التسبيح". رواه أبو داود. ولنا: أنه وقت نهي عن الصلاة فيه، ولأنه صلى الله عليه وسلم ومن بعده لم يصلوا حتى ارتفعت، بدليل الإجماع على أنه أفضل، ولا يفعل إلا الأفضل. ولو كان لها وقت قبل ذلك لكان تقييده بطلوع الشمس تحكماً، ولعل عبد اللّه بن بسر أنكر إبطاء الإمام عن وقتها المجمع عليه.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 البخاري: الجمعة (956), ومسلم: صلاة العيدين (889), وأحمد (3/56).

 

ص -202-      ويسن تقديم الأضحى ليتسع وقت التضحية، وتأخير الفطر ليتسع وقت إخراج صدقة الفطر، ولا أعلم فيه خلافاً.
بلا أذان ولا إقامة، لا نعلم فيه خلافاً يعتدّ به. وقال الشافعي: ينادي لها: "الصلاة جامعة"، وسنة رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أحق أن تتبع. ولا نعلم خلافاً أنه يقرأ "الفاتحة" وسورة في ركعة، وأنه يسن الجهر. و"يستحب أن يقرأ في الأولى بـ"سبح" وفي الثانية بـ"الغاشية""، نص عليه، لحديث النعمان بن بشير، رواه مسلم. وقال الشافعي: "بـ"ق" و"اقتربت""، لحديث أبي واقد، رواه مسلم.
ويكبر في الأولى سبعاً، وفي الثانية خمساً. وقال الشافعي: "يكبر في الأولى سبعاً سوى تكبيرة الافتتاح"، لحديث عائشة. وقال الثوري: "في الأولى والثانية ثلاثاً"، لحديث أبي موسى. ولنا: حديث كثير وعبد اللّه بن عمر وعائشة. قال ابن عبد البر: روي عنه صلى الله عليه وسلم من طرق كثيرة حسان: "أنه كبّر في الأولى سبعاً، وفي الثانية خمساً"، 1 ولم يرو عنه من وجه قوي خلافه. وتكون القراءة بعد التكبير في الركعتين، نص عليه. وقيل: يكبّر في الثانية بعد القراءة، لحديث أبي موسى: "كان رسول اللّه يكبر تكبيرة على الجنازة، ويوالي بين القراءتين"، رواه أبو داود. قال الخطابي: ضعيف، وليس في رواية أبي داود أنه والى بين القراءتين، ثم يحمل على قراءة "الفاتحة" والسورة.
ويرفع يديه في حال تكبيره، وقال مالك: لا يرفعهما في ما عدا تكبيرة الإحرام. ولنا: "أنه صلى الله عليه وسلم يرفع يديه مع التكبيرة". 2 قال أحمد: أما أنا، أرى أن الحديث يدخل فيه هذا كله.
ويستفتح في أولها، ويحمد اللّه ويثني عليه، ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم بين كل تكبيرتين. وعنه: أن الاستفتاح بعد التكبير، لئلا يفصل بينه وبين الاستعاذة. وقال مالك: يكبر متوالياً، لأنه لو كان بينهما ذكر مشروع

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 ابن ماجة: إقامة الصلاة والسنة فيها (1277), والدارمي: الصلاة (1606).
2 أبو داود: الصلاة (725).

 

ص -203-      لنقل. ولنا: ما نقل عن عبد اللّه وأبي موسى وحذيفة، رواه الأثرم. والتكبيرات وما بينها سنة، لا تبطل الصلاة بتركه، لا أعلم فيه خلافاً، فإن نسيه حتى شرع في القراءة لم يعد إليه، وقال مالك: يعود إليه.
و الخطبة بعد الصلاة، لا نعلم فيه خلافاً، إلا عن بني أمية؛ ولا يعتد بخلافهم، لأنه أُنكر وعُدّ بدعة. ويجلس عقيب صعوده المنبر، وقيل: لا، لأنها يوم الجمعة للأذان، ولا أذان هنا.
والخطبتان سنة، لا يجب حضورهما، لقوله
: "من أحب أن يذهب، فليذهبْ". 1 قال أبو داود: مرسل. وعن الحسن وابن سيرين أنهما كرها الكلام يوم العيد والإمام يخطب. وقال إبراهيم: يخطب بقدر رجوع النساء إلى بيوتهن. وهذا يدل على أنه لا يستحب لهن الجلوس، وموعظته صلى الله عليه وسلم لهن تدل على جلوسهن؛ والسنة أولى بالاتباع. وتكره الصلاة قبلها وبعدها في موضعها، قال أحمد: أهل المدينة لا يتطوعون قبلها ولا بعدها. وأهل البصرة يتطوعون قبلها وبعدها. وأهل الكوفة لا يتطوعون قبلها ويتطوعون بعدها.
وقال الشافعي: يكره التطوع للإمام دون المأموم. قال الأثرم: قلتُ لأحمد: قال سليمان بن حرب: إنما ترك النبي صلى الله عليه وسلم التطوع لأنه كان إماماً، قال أحمد: فالذين رووا عنه لم يتطوعوا. ثم قال: ابن عمر وابن عباس روياه، وعملا به.
وإذا غدا من طريق رجع من غيره لفعله صلى الله عليه وسلم.
ومن فاتته، صلى أربعاً، قال أحمد: يقوي ذلك حديث علي: "أنه أمر رجلاً يصلي بضعفة الناس أربعاً ولا يخطب"، وإن شاء كصلاة العيد، لما روي عن أنس: "أنه إذا لم يشهدها مع الإمام بالبصرة جمع أهله ومواليه، ثم قام عبد اللّه بن أبي عتبة مولاه فصلى بهم ركعتين يكبر فيهما". وإذا لم يعلم بالعيد إلا بعد

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 النسائي: صلاة العيدين (1571), وأبو داود: الصلاة (1155), وابن ماجة: إقامة الصلاة والسنة فيها (1290).

 

ص -204-      الزوال، خرج من الغد فصلى بهم. وعن أبي حنيفة: لا يقضي. وقال الشافعي إن علم بعد غروب الشمس خرج، فإن علم بعد الزوال لم يصل. ولنا: حديث أبي عمير: "أن ركباً جاؤوا فشهدوا أنهم رأوا الهلال بالأمس، فأمرهم أن يفطروا، فإذا أصبحوا أن يغدوا إلى مصلاهم". رواه أبو داود، وقال الخطابي: سنة رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أولى، وحديث أبي عمير صحيح، فالمصير إليه واجب. ويشترط الاستيطان "لأنه صلى الله عليه وسلم لم يصلّها في سفر".
ومن هنا إلى آخر الباب: من "الإنصاف":
هي فرض كفاية، وعنه: فرض عين، اختاره الشيخ، وقال: قد يقال بوجوبها على النساء. وقال: يسن التزين للإمام الأعظم، وإن خرج من المعتكف. قال: ولا يستحب قضاؤها لمن فاتته. واختار الشيخ افتتاح خطبة العيد بالحمد، واختار أن التكبير في الأضحى آكد، ونصره بأدلة كثيرة. ولم ير التعريف لغير من بعرفة، وأنه لا نزاع فيه بين العلماء، وأنه منكر وفاعله ضال.

 

ص -205-      باب صلاة الكسوف
لا نعلم خلافاً في مشروعيتها لكسوف الشمس، والأكثر على مشروعيتها لكسوف القمر. وقال مالك: ليس لكسوف القمر سنة. ولنا: قوله صلى الله عليه وسلم:
"إن الشمس والقمر آيتان... إلخ" 1.
وتسن جماعة وفرادى، وقال الثوري: إن صلى الإمام صلّوا معه، وإلا فلا. ولنا: قوله
: "فإذا رأيتموهما فصلّوا". 2 وتسن في الحضر والسفر، بإذن الإمام وبغير إذنه. وقال أبو بكر: هي كالعيد، فيها روايتان. ولنا: قوله: "فإذا رأيتموهما فصلّوا". 3 و"يسن أن ينادى لها: "الصلاة جامعة""، لحديث ابن عمر، متفق عليه.
وحكي عن مالك والشافعي أنهما قالا: لا يطيل السجود، وقالا: لا يجهر في كسوف الشمس. ولنا: أن في حديث عائشة: "ثم سجد سجوداً طويلاً"، 4 وترك ذكره في الحديث لا يمنع مشروعيته إذا ثبت. وعن عائشة: "أنه صلى الله عليه وسلم جهر في صلاة الخسوف". متفق عليه. وقال أبو حنيفة: يصلي ركعتين كصلاة التطوع. وقال الشافعي: يخطب لها كخطبتي الجمعة، لما في حديث عائشة: "فخطب الناس".

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 البخاري: الجمعة (1040), والنسائي: الكسوف (1459, 1463, 1502), وأحمد (5/37).
2 البخاري: الجمعة (1040), والنسائي: الكسوف (1463, 1491, 1502), وأحمد (5/37).
3 البخاري: الجمعة (1040), والنسائي: الكسوف (1463, 1491, 1502), وأحمد (5/37).
4 البخاري: الجمعة (1047), ومسلم: الكسوف (901), والترمذي: الجمعة (561), والنسائي: الكسوف (1470, 1472, 1474, 1475, 1476), وأبو داود: الصلاة  (1177, 1180), وابن ماجة: إقامة الصلاة والسنة فيها (1263), وأحمد (6/32, 6/44, 6/53, 6/76, 6/81, 6/87, 6/98, 6/158, 6/164, 6/168, 6/238), ومالك: النداء للصلاة (444, 446), والدارمي: الصلاة (1527).

 

ص -206-      باب صلاة الاستسقاء
قال أبو القاسم: إذا أجدبت الأرض واحتبس المطر، خرجوا مع الإمام، فكانوا في خروجهم كما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: "أنه إذا خرج للاستسقاء خرج متبذلاً متخشعاً متذللاً متضرعاً".
ولا يستحب إخراج البهائم، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعله. ولا نعلم خلافاً في أنها ركعتان. واختلفت الرواية هل يكبر بتكبير العيد أم لا؟ قال ابن المنذر: ثبت "أنه صلى الله عليه وسلم صلى صلاة الاستسقاء وخطب"، وبه قال عوام أهل العلم، إلا أبا حنيفة، وخالفه صاحباه فوافقا سائر العلماء؛ والسنة يستغنى بها عن كل قول.
ويسن أن يجهر بالقراءة، لحديث عبد اللّه بن زيد، متفق عليه. ولا يسن لها أذان ولا إقامة، لا نعلم فيه خلافاً.
ولا وقت لها، إلا أنها لا تفعل في وقت النهي بلا خلاف؛ والأولى وقت صلاة العيد، لقول عائشة: "خرج رسول اللّه صلى الله عليه وسلم حين بدا حاجب الشمس". 1 رواه أبو داود.
والمشهور من الروايات: أن لها خطبة كالعيد، والصحيح بعد الصلاة، وبه قال مالك والشافعي. قال ابن عبد البر: عليه جماعة الفقهاء، لقول أبي هريرة: "صلى ركعتين ثم خطبنا". والثانية: "يخطب قبلها"، روي عن ابن عمر وابن الزبير، وإليه ذهب الليث وابن المنذر، لحديث عبد اللّه بن زيد وفيه: "ثم صلى ركعتين". والثالثة: مخير، لورود الأخبار بكلا الأمرين. والرابعة: لا يخطب، بل يدعو ويتضرع، لقول ابن عباس: "لم يخطب كخطبتكم هذه لكنه لم يزل في الدعاء والتضرع

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 أبو داود: الصلاة (1173).

 

ص -207-      والتكبير". والأوْلى: أن يخطب بعدها، فإن أغيثوا لم يحتاجوا إلى الصلاة في المطر، وقول ابن عباس نفي للصفة، لا لأصل الخطبة.
ويستحب للخطيب استقبال القبلة في أثناء الخطبة، لما روي عبد اللّه بن زيد: "أنه صلى الله عليه وسلم خرج يستسقي، فحوّل إلى الناس ظهره، واستقبل القبلة يدعو" 1.
ويستحب أن يحوّل رداءه في حال استقبال القبلة، للإمام والمأموم، في قول أكثر أهل العلم. وقال أبو حنيفة: لا يسن؛ والسنة أحق أن تتبع. وحكي عن ابن المسيب أن تحويل الرداء مختص بالإمام؛ وصفته: أن يجعل ما على الأيمن على اليسرى وبالعكس. وكان الشافعي يقول به، ثم رجع فقال: يجعل أعلاه أسفله، "لأنه صلى الله عليه وسلم أراد أن يفعله، فلما ثقل عليه جعل العطاف الذي على الأيسر على عاتقه الأيمن وعكسه". ولنا: فعله صلى الله عليه وسلم، وتلك إن ثبتت فهي ظن من الراوي، لا يترك لها فعله.
و"يستحب رفع اليدين في دعاء الاستسقاء"، لحديث أنس، رواه البخاري، ويدعو ويدعون ويكثرون الاستغفار. وعن عمر بن عبد العزيز أنه كتب إلى ميمون بن مهران: قد كتبت إلى البلدان أن يخرجوا إلى الاستسقاء إلى موضع كذا، وأمرتهم بالصدقة والصلاة، قال اللّه:
{قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى}، 2 وأمرتهم أن يقولوا كما قال أبوهم آدم: {رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا} الآية. 3 ثم ذكر دعوة نوح ويونس وموسى: {رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي}. 4 وهل من شرطها إذن الإمام؟ على روايتين: إحداهما:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 البخاري: الجمعة (1025), ومسلم: صلاة الاستسقاء (894).
2 سورة آية: 14-15.
3 سورة الأعراف آية: 23.
4 سورة القصص آية: 16.

 

ص -208-      لا يستحبُّ إلا بخروجه، أو رجل من قِبله. قال أبو بكر: إذا خرجوا من غير إذنه دعوا وانصرفوا. وعنه: يصلون لأنفسهم، ويخطب أحدهم. ووجه الأولى: "أنه صلى الله عليه وسلم لم يأمر بها"، وإنما فعلها على صفة فلا نتعداها. فإن سقوا وإلا عادوا في اليوم الثاني والثالث، وبه قال مالك والشافعي. وقال إسحاق: لا يخرجون إلا مرة، "لأنه صلى الله عليه وسلم لم يخرج إلا مرة". ولنا: أنه سبحانه يحب الملحين، وكونه لم يخرج ثانياً فلاستغنائه بالإجابة.
ومن هنا إلى آخر الباب: من "الإنصاف":
وجعل الشيخ مسألة التوسل به صلى الله عليه وسلم كمسألة اليمين به، قال: والتوسل بالإيمان به وطاعته ومحبته وبدعائه وشفاعته ونحوه مما هو فعله أو أفعال العباد المأمور بها في حقه، مشروع إجماعاً؛ وهو من الوسيلة
المأمور بها في قوله تعالى: {رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي}. 1 وقال الإمام أحمد وغيره من العلماء، في قوله: "أعوذ بكلمات اللّه التامات من شر ما خلق": 2 الاستعاذة لا تكون بمخلوق.
ويرفع يديه، بلا نزاع، وظهورهما نحو السماء، واختار الشيخ بطونهما وقال: صار كفهما نحو السماء لشدة الرفع لا قصداً منه، وإنما كان يوجه بطونهما مع القصد. ويستقبل القبلة في أثناء الخطبة، وقيل: بعدها.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 سورة المائدة آية: 35.
2 مسلم: الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار (2708), والترمذي: الدعوات (3437), وابن ماجة: الطب (3547), وأحمد (6/377, 6/378, 6/409), والدارمي: الاستئذان  (2680).

 

ص -209-      كتاب الجنائز
يستحب ذكر الموت والاستعداد له، لقوله صلى الله عليه وسلم:
"أكثروا من ذكر هادم اللذات". 1 رواه البخاري.
ويكره الأنين، لما روي عن عطاء أنه كرهه. ولا يتمنى الموت لضر نزل به، للحديث، صححه الترمذي. و"يحسن الظن بربه"، لحديث جابر، رواه أبو داود. وقال معتمر عن أبيه: "أنه قال له عند موته: حدثني بالرخص".
ويستحب عيادة المريض، وإذا دخل على المريض دعا له ورقاه، لحديث ثابت عن أنس:
"اللّهم رب الناس مذهب الباس... إلخ"، 2 وحديث أبي سعيد في رقية جبرائيل، قال أبو زرعة: كلا الحديثين صحيح.
ويلقن إذا نزل به: "لا إله إلا الله"، لقوله صلى الله عليه وسلم:
"لقنوا موتاكم: "لا إله إلا اللّه"". 3 رواه مسلم. وقال الحسن: "سئل النبي صلى الله عليه وسلم: أي الأعمال أفضل؟ قال: أن تموت يوم تموت، ولسانك رطب من ذكر اللّه". رواه سعيد. ولا يكرر عليه ولا يضجره، إلا أن يتكلم بشيء فيعيد تلقينه، لتكون "لا إله إلا اللّه" آخر كلامه، نص عليه. قال أحمد: ويقرؤون عند الميت إذا حضر ليخفف عنه بالقرآن، ويقرأ "يس"، وأمر بقراءة "الفاتحة". ويوجه إلى القبلة، واستحبه مالك وأهل المدينة والأوزاعي وأهل الشام، وأنكره ابن المسيب؛ فإنهم لما أرادوا أن يحولوه إليها، قال: ألم أكن على القبلة إلى يومي هذا؟ والأول أوْلى، لأن حذيفة قال: "وجهوني إلى القبلة".  و"تغمض عيناه"، لحديث أم سلمة، رواه مسلم.
ويسارع إلى تجهيزه إذا تيقن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 الترمذي: الزهد (2307), والنسائي: الجنائز (1824), وابن ماجة: الزهد (4258), وأحمد (2/292).
2 البخاري: الطب (5742), والترمذي: الجنائز (973), وأبو داود: الطب (3890), وأحمد (3/151, 3/267).
3 مسلم: الجنائز (916), والترمذي: الجنائز (976), والنسائي: الجنائز (1826), وأبو داود: الجنائز (3117), وابن ماجة: ما جاء في الجنائز (1445), وأحمد (3/3).

 

ص -210-      موته، لحديث: "لا ينبغي لجيفة مسلم أن تُحبس بين ظهراني أهله". 1 رواه أبو داود.
وإذا اشتبه الميت، اعتبر بظهور أمارات الموت، من استرخاء رجليه، وانفصال كفيه، وميل أنفه. وإن مات فجأة انتظر حتى يتيقن موته.
ويسارع في قضاء ديْنه، لقوله عليه السلام:
"نفس المؤمن معلقة بديْنه حتى يُقضى". 2 حسنه الترمذي. وإن تعذر استحب لوارثه أو غيره أن يتكفل به عنه، كفعل أبي قتادة. و"يسجى بثوب يستر جميعه"، لقول عائشة: "سُجي رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بثوب حبرة" 3.
ويستحب تجريده عند غسله، وستر عورته، لا نعلم فيه خلافاً. وقال الشافعي: "يغسل في قميص، كما فعل به صلى الله عليه وسلم". ولنا: قول عائشة:  "نجرده كما نجرد موتانا". قال ابن عبد البر: روي عنها من وجه صحيح. قيل لأحمد: أيستر الصبي؟ قال: ليست عورته بعورة، وتغسله النساء.
والاستحباب: أن لا يغسل تحت السماء. وكان ابن سيرين يستحب أن يكون الذي يغسل فيه مظلماً، ذكره أحمد. وقال أحمد: لا يعصر بطنه في الأولى، ولكن في الثانية، لأن الميت لا يلين حتى يصيبه الماء. ويلف الغاسل على يديه خرقة ينجيه بها، لأن النظر إلى العورة حرام، فمسها أولى. ويزيل ما على بدنه من نجاسة، لأن الحي يبدأ بذلك في الجنابة. ويوضيه، لقوله صلى الله عليه وسلم للنساء اللاتي غسلن ابنته:
"ابدأن بميامنها". 4 ولا يدخل الماء في فيه ولا أنفه، في قول الأكثر.
ويكون في كل الغسلات شيء من السدر. وذكر عن عطاء أنه قيل له: إنه يبقى الشيء من السدر إذا غسله به كل مرة، قال: هو طهور. واحتج أحمد بحديث أم عطية، أنه قال حين توفيت ابنته:
"اغسلنها ثلاثاً أو خمساً أو أكثر من ذلك إن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 أبو داود: الجنائز (3159).
2 الترمذي: الجنائز (1078), وابن ماجة: الأحكام (2413), وأحمد (2/440, 2/475), والدارمي: البيوع (2591).
3 البخاري: اللباس (5814), ومسلم: الجنائز (942), وأبو داود: الجنائز (3120, 3149), وأحمد (6/89, 6/153, 6/161).
4 البخاري: الوضوء (167), ومسلم: الجنائز (939), والترمذي: الجنائز (990), والنسائي: الجنائز (1884), وأبو داود: الجنائز (3145), وأحمد (6/407).

 

ص -211-      رأيتن، بماء وسدر"، 1 وقال: "إذا طال فينا المريض، غسل بالأشنان"، يعني: أنه يكثر وسخه. ويجعل في الغسلة الأخيرة كافوراً ليشده ويبرده ويطيبه، لقوله: "واجعلن في الغسلة الأخيرة كافوراً". 2 وإن رأى الزيادة على الثلاث، لكونه لم ينق أو لغير ذلك، فعل. ويقطع على وتر، لحديث أم عطية. قال أحمد: ولا يزاد على سبْع، خرج منه شيء أو لم يخرج، ولكن يغسل النجاسة ويحشو مخرجها بالقطن.
والحائض والجنب كغيرهما، قال ابن المنذر: هو قول من نحفظ عنه. وعن الحسن: يغسل غسلين. قال أحمد: لا يعجبني أن يغسل واحدة، وهذا على سبيل الكراهة دون الإجزاء، لأن في حديث المحرم:
"اغسلوه بماء وسدر"، 3 ولم يذكر عدداً.
ويكفّن الرجل في ثلاث لفائف بيض، ليس فيها قميص ولا عمامة، ولا يزيد عليها ولا ينقص منها، قال الترمذي: العمل عليه عند أكثر أهل العلم.
وإن كفن قميصه فلا بأس، "لأنه صلى الله عليه وسلم كفّن في قميصه، وألبس ابن أبيّ قميصه"، ويجوز في ثوبين، لقوله في المحرم:
"كفّنوه في ثوبين". 4 وأقل ما يجزئ: ثوب يستر جميعه، لقول أم عطية: "فلما فرغنا ألقى علينا حقوه فقال: أشعرنها إياه. ولم يزد على ذلك". رواه البخاري، وقوله: "أشعرنها" أي: الففنها فيه.
ولا خلاف أن الصبي يجزئه ثوب، وإن كفّن في ثلاثة أثواب فلا بأس. "وأوصى أبو سعيد وابن عباس أن تجمر أكفانهم بالعود، وكان ابن عمر يتبع مغابن الميت ومرافقه بالمسك". فإن لم يجد ما يستر جميعه، ستر رأسه وجعل على رجليه حشيشاً أو ورقاً. فإن لم يجد إلا ما يستر العورة سترها لأنها أهم. وإن خرج منه يسير بعد تكفينه لم يُعد الغسل، لا نعلم فيه خلافاً، لأن فيه مشقة شديدة. وإن كان فاحشاً، فروي عن أحمد أنه يعاد الغسل قبل تمام السابعة،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 البخاري: الجنائز (1253), ومسلم: الجنائز (939), والترمذي: الجنائز (990), والنسائي: الجنائز (1884), وأبو داود: الجنائز (3145), وابن ماجة: ما جاء في الجنائز (1459), وأحمد (6/407).
2 البخاري: الجنائز (1263), ومسلم: الجنائز (939), والترمذي: الجنائز (990), وابن ماجة: ما جاء في الجنائز (1459), وأحمد (6/407).
3 البخاري: الجنائز (1267), ومسلم: الحج (1206), والترمذي: الحج (951), والنسائي: الجنائز (1904) ومناسك الحج (2854, 2855, 2856, 2857), وأبو داود: الجنائز (3238, 3241), وابن ماجة: المناسك (3084), وأحمد (1/215, 1/220, 1/266, 1/286, 1/328, 1/333, 1/346), والدارمي: المناسك (1852).
4 البخاري: الجنائز (1265), ومسلم: الحج (1206), والترمذي: الحج (951), والنسائي: الجنائز (1904) ومناسك الحج (2854, 2855, 2857), وأبو داود: الجنائز (3238), وابن ماجة: المناسك (3084), وأحمد (1/215, 1/220, 1/286, 1/328, 1/333), والدارمي: المناسك (1852).

 

ص -212-      وأصحابه كلهم رووا عنه: لا يعاد الغسل بحال. وإن أحب أهله أن يروه لم يمنعوا، "لأنه صلى الله عليه وسلم قبل عثمان بن مظعون"، ولحديث جابر: "أنه قبّل أباه"، والحديثان صحيحان.
قال ابن المنذر: أكثر من نحفظ عنه: يرون أن تكفن المرأة في خمسة أثواب، والذي عليه أكثر أصحابنا أنها: إزار ودرع وخمار ولفافتان، لما روى أبو داود عن ليلى بنت قائف قالت: "كنت فيمن غسل أم كلثوم، فكان أول ما أعطانا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم الحقاء، ثم الدرع، ثم الخمار، ثم الملحفة. ثم أدرجت بعد ذلك في الثوب الآخر". 1 قال أحمد: لا يعجبني أن تكفن في شيء من الحرير، وكرهه الحسن وابن المبارك وإسحاق. قال ابن المنذر: لا أحفظ عن غيرهم خلافه. ويضفر شعر المرأة ثلاثة قرون، ويرسل من خلفها. وقال الأوزاعي: لا يضفر، ولكن يرسل مع خديها. ولنا: حديث أم عطية: "فضفرنا شعرها ثلاثة قرون، فجعلناه مِن خلفها". وأما التسريح فكرهه أحمد. وفي حديث أم عطية: أمشطناها ثلاثة قرون. قال أحمد: إنما ضفرن، وأنكر المشط؛ فكأنه تأول: مشطناها: ضفرناها.
ولا خلاف في استحباب الإسراع بالجنازة، وبه ورد النص، ولا يخرج عن المشي المعتاد. وقال أصحاب الرأي: يخبُّ به ويرمل، لحديث أبي بكرة: "لقد رأيتنا نرمل ترملاً". رواه أبو دواد. ولنا: قوله لمن فعل ذلك:  "عليكم بالقصد في جنائزكم". رواه في المسند. وعن ابن مسعود:
"سألنا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عن المشي في الجنازة، فقال: ما دون الخبب". 2 رواه أبو داود والترمذي وقال: يرويه أبو ماجد، وهو مجهول.
واتباعها سنة، وهو على ثلاثة أضرب: أحدها: يصلي وينصرف؛ قال زيد بن ثابت: إذا صليت فقد

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 أبو داود: الجنائز (3157), وأحمد (6/380).
2 الترمذي: الجنائز (1011), وأبو داود: الجنائز (3184).

 

ص -213-      قضيت الذي عليك. الثاني: أن يتبعها إلى القبر، لحديث القيراطين. الثالث: "أن يقف بعد الدفن، فيسأل اللّه له التثبيت، كما روى أبو داود عنه صلى الله عليه وسلم".
ويستحب لمتبعها أن يكون متخشعاً متفكراً في مآله. ورأى بعض السلف رجلاً يضحك في جنازة، فقال: لا كلمتك أبداً. وأكثر العلماء يرون المشي أمامها أفضل. وقال الأوزاعي: "خلفها أفضل"، لحديث علي وحديث ابن مسعود. ولنا: "أنه صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر يمشون أمامها". قال ابن المنذر: ثبت ذلك، وحديث ابن مسعود يرويه أبو ماجد، والآخر قال أهل السنن: هو ضعيف. قال الخطابي في الراكب: لا أعلمهم يختلفون أنه يكون خلفها، لقوله صلى الله عليه وسلم
"الراكب خلف الجنازة، والماشي حيث شاء منها. والطفل يصلَّى عليه". 1 صححه الترمذي.
ويكره الركوب في اتباعها، لحديث ثوبان، رواه الترمذي، ولا بأس في الرجوع، لحديث جابر: "أنه صلى الله عليه وسلم خرج في جنازة ابن الدحداح ماشياً، ورجع على فرس". 2 صححه الترمذي.
ويكره رفع الصوت عندها، لنهيه صلى الله عليه وسلم أن تتبع بصوت. قال ابن المنذر: روينا عن قيس بن عباد قال: "كان أصحاب رسول اللّه يكرهون رفع الصوت عند ثلاث: عند الجنازة وعند الذكر وعند القتال". و"سمع ابن عمر رجلاً يقول: أستغفر اللّه. فقال: لا غفر اللّه لك"، رواه سعيد.
ويكره اتباعها بنار، قال ابن المنذر: يكرهه كل من نحفظ عنه، فإن دفن ليلاً فاحتاجوا إلى ضوء فلا بأس، إنما كره المجامر فيها البخور.   "ودخل صلى الله عليه وسلم قبراً ليلاً فأُسرج له سراج". 3 حسنه الترمذي.
ويكره اتباعها للنساء، لحديث أم عطية. وإن كان معها منكر لا يقدر على إزالته، فهل

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 الترمذي: الجنائز (1031), والنسائي: الجنائز (1943), وابن ماجة: ما جاء في الجنائز (1507), وأحمد (4/247, 4/248, 4/249, 4/252).
2 الترمذي: الجنائز (1014), والنسائي: الجنائز (2026).
3 الترمذي: الجنائز (1057), وابن ماجة: ما جاء في الجنائز (1520).

 

ص -214-      يرجع أو يتبعها؟ فيه وجهان. و"التربيع سنة في حملها"، لحديث ابن مسعود، رواه سعيد. قال ابن المنذر: روينا عن عثمان وغيره: "أنهم حملوا بين عمودي السرير"، وكرهه إسحاق؛ والصحيح: الأول، لأن الصحابة فعلوه. قال مالك: وليس في حمله توقيف؛ يحمل من حيث شاء، ونحوه قال الأوزاعي.
ولا يستحب القيام لها، لأنه آخر الأمرين. قال أحمد: إن قام لم أعبه، وإن قعد فلا بأس. "يستحب أن لا يجلس حتى توضع"، لحديث أبي سعيد، رواه مسلم. ورأى الشافعي أنه منسوخ بحديث علي: "قام ثم قعد". قال إسحاق: معنى قول علي: "كان رسول اللّه إذا رأى الجنازة قام، ثم ترك ذلك بعد"، 1 وعلى هذا، لا يصح، لأن قوله: قعد أي: ترك القيام لها، فلم يجز النسخ بأمر محتمل. وأظهر الروايتين أنه الوضع عن أعناق الرجال لقوله: "حتى توضع بالأرض". وروى أبو معاوية: "حتى توضع في اللحد"، وحديث سفيان أصح.
فأما من تقدمها فلا بأس أن يجلس قبل أن تنتهي إليه، قال الترمذي: روي عن بعض الصحابة "أنهم يتقدمون الجنازة فيجلسون قبل أن تنتهي إليهم". وأحق الناس بالصلاة عليه: الوصي، لأنه إجماع الصحابة. وأكثر أهل العلم يرون تقديم الأمير على الأقارب. قال أحمد: ليس على الميت دعاء موقت. وروى الجوزجاني عن زيد بن أرقم: "أن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم كان يكبّر أربعاً، ثم يقوم ما شاء اللّه، ثم ينصرف". قال الجوزجاني كنت أحب هذه الوقفة ليكبر آخر الصفوف، فإنه إذا كبر ثم سلم خفتُ أن يكون تسليمه قبل أن يكبر آخرهم، فإن كان هكذا فاللّه عز وجل الموفق له، فإن كان غير ذلك فإني أبرأ إلى اللّه عز وجل أن أتأول على رسوله أمراً لم يرده أو أراد

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 الترمذي: الجنائز (1044), وأبو داود: الجنائز (3175), وأحمد (1/82), ومالك: الجنائز (549).

 

ص -215-      خلافه. وأهل العلم على أنه يرفع يديه مع كل تكبيرة، وقال مالك: لا يرفعهما إلا في الأولى.
و"السنة تسليمة واحدة عن يمينه، قال أحمد: عن ستة من الصحابة"، وليس فيه اختلاف إلا عن إبراهيم. قال الجوزجاني: هذا عندنا ليس فيه اختلاف، لأن الاختلاف من الأقران؛ أما إذا اجتمع الناس واتفقت الرواية عن الصحابة والتابعين، فشذ عنهم رجل واحد، لم يقل لهذا: اختلاف. قال أحمد: يسلم واحدة، قيل له: تلقاء وجهه؟ قال: كل هذا وأكثر ما فيه عن يمينه. قيل: خُفْيه؟ قال: نعم. الكل جائز.
قال مجاهد: "رأيت ابن عمر لا يبرح مصلاه حتى يراها على أيدي الرجال".
قال أحمد: أحب إذا كان فيهم قلة أن يجعلهم ثلاثة صفوف، ويستحب تسوية الصفوف، نص عليه. ولم يعجبه قول عطاء، "لأنه صلى الله عليه وسلم لما نعى النجاشي صف بهم".
ولا بأس بالصلاة عليه في المسجد إذا لم يخف تلويثه، وكرهه مالك، لحديث: "من صلى على جنازة في المسجد، فلا شيء له"، 1 يرويه صالح مولى التوأمة، قالت عائشة: "ما صلى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم على سهيل بن بيضاء إلا في المسجد". 2 رواه مسلم وغيره.
والصلاة عليها في المقبرة فيها روايتان: إحداهما: لا بأس به، قال ابن المنذر: ذكر نافع "أنه صلى على عائشة وأم سلمة وسط قبور البقيع، وحضر ذلك ابن عمر"، وفعله عمر بن عبد العزيز. والثانية: "يكره"، روي عن علي وابن عباس. ويسن للمسبوق قضاء ما فاته من التكبير، قاله ابن المسيب والزهري ومالك والشافعي. فإن سلم قبل القضاء فلا بأس. قال أحمد: إذا لم يقض لم يبال، العمري عن نافع عن ابن عمر: "أنه لا يقضي". وإن كبر متتابعاً فلا بأس، كذا قال إبراهيم. وقال أيضاً: يبادر بالتكبير قبل أن ترفع.
وإذا أدرك الإمام بين التكبيرتين، فهل ينتظره حتى يكبر معه أو يكبر؟

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 أبو داود: الجنائز (3191), وابن ماجة: ما جاء في الجنائز (1517), وأحمد (2/444, 2/455, 2/505).
2 مسلم: الجنائز (973), والترمذي: الجنائز (1033), والنسائي: الجنائز (1967, 1968), وأبو داود: الجنائز (3189, 3190), وابن ماجة: ما جاء في الجنائز (1518), وأحمد (6/79), ومالك: الجنائز (538).

 

ص -216-      قال ابن المنذر: سهل أحمد في القولين جميعاً.
و"المستحب وضع رأس الميت عند رجلي القبر، ثم يسل سلاً إلى القبر"، روي عن ابن عمر وغيره، وعن أبي حنيفة أنه يوضع على جانب القبر مما يلي القبلة، ثم يدخل معترضاً. قال أحمد: كله لا بأس به. قال أحمد: يعمق القبر إلى الصدر. قال الشافعي: قدر قامة وبسطة، "لأن ابن عمر أوصى بذلك"، ولو صح عند أحمد لم يعدل عنه.
قال أحمد: ولا أحب الشق، ومعناه: أن يشق في الأرض يسقف عليه 1. وعن أحمد أنه حضر جنازة فلما ألقي عليه التراب، قام إلى القبر فحثى عليه ثلاث حثيات، ثم رجع إلى مكانه، وقال: "قد جاء عن عليّ".
ويقول حين يضعه في قبره: "بسم اللّه، وعلى ملة رسول اللّه". 2 رواه الترمذي من حديث ابن عمر، وقال: حسن غريب.
وإذا مات في سفينة، قال أحمد: إن رجوْا أن يجدوا موضعاً للدفن، حبسوه يوماً أو يومين ما لم يخافوا عليه الفساد. وإن لم يجدوا، غُسل وكُفن وحُنط وصُلي عليه، ويثقل بشيء ويلقى في الماء، وبه قال الحسن وعطاء.
ويستحب تخمير قبر المرأة بثوب، لا نعلم فيه خلافاً. و"يكره للرجل، لأن فعل علي وأنس يدل على كراهته".
ولا خلاف أن أولى الناس بإدخال المرأة قبرها: محرمها. فإن لم يكن، فروي عن أحمد: أحب إلي أن يدخلها النساء. وعنه: أن النساء لا يستطعن أن يدخلن القبر ولا يدفنَّ، وهذا أصح وأحسن، "لأنه صلى الله عليه وسلم أمر أبا طلحة فنـزل في قبر ابنته".
ويستحب حل العُقد، لأنها خوف الانتشار، وقد أُمن بدفنه. ولا يدخل القبر آجراً ولا خشباً ولا شيئاً مسته النار. وقال إبراهيم: وكانوا يستحبون اللبن ويكرهون الخشب.
ويرفع القبر عن الأرض قدر شبر، ليعلم أنه قبر فيتوقى، ولا يرفع بأكثر من ترابه نص عليه.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 هكذا في المخطوطة، وعبارة الأصل: "ومعناه أن يحفر في أرض القبر شقاً، ويسقفه عليه".
2 الترمذي: الجنائز (1046), وأبو داود: الجنائز (3213), وابن ماجة: ما جاء في الجنائز (1550, 1553), وأحمد (2/27, 2/40, 2/59, 2/69, 2/127).

 

ص -217-      وروي بإسناده عن عقبة بن عامر أنه قال: "لا تجعلوا في القبر من التراب أكثر مما خرج"، وقوله: "ولا قبراً مشرفاً إلا سويته" 1 المشرف: ما رفع كثيراً، بدليل قول القاسم في قبره صلى الله عليه وسلم وصاحبيه: لا مشرفة ولا لاطئة. ويستحب رش الماء عليه ليلزق ترابه، وفيه حديث رواه ابن ماجة.
قال أحمد: لا بأس أن يعلّم القبر بعلامة يُعرف بها، ثم ذكر "وضعه صلى الله عليه وسلم الحجر عند قبر عثمان بن مظعون"، رواه أبو داود.
وتسنيمه أفضل. وقال الشافعي: تسطيحه أفضل، وبلغنا: "أنه صلى الله عليه وسلم سطح قبر ابنه إبراهيم". ولنا: ما روى سفيان قال: رأيت قبر النبي صلى الله عليه وسلم مسنّماً. رواه البخاري، وهذا أثبت من حديثهم وأصح.
وسئل أحمد: عن الوقوف على القبر - بعد ما يدفن – بالدعاء؟ قال: لا بأس به، "قد وقف علي والأحنف".
وسئل أحمد عن تطيين القبر قال: أرجو أن لا يكون به بأس. ويكره البناء عليه وتجصيصه والكتابة عليه، لحديث مسلم؛ وفيه دليل على الرخصة في التطيين لتخصيصه بالنهي.
ويكره الجلوس عليه والاتكاء والاستناد، والمشي عليه، وذكر لأحمد أن مالكاً يتأول النهي عن الجلوس على القبر أي: للخلاء، فقال: ليس بشيء، ولم يعجبه.
ولا يجوز اتخاذ السرج على القبور، ولو أبيح لم يلعن النبي صلى الله عليه وسلم من فعله، ولأنه يشبه تعظيم الأصنام بالسجود لها والتقريب إليها.
ولا يجوز اتخاذ المساجد عليها، للخبر، ولأن تخصيص هذه الصلاة عندها يشبه تعظيم الأصنام بالسجود لها والتقرب؛ وقد روينا أن ابتداء عبادة الأصنام تعظيم الأموات باتخاذ صورهم ومسحها والصلاة عندها.
ويستحب الدفن في المقبرة التي يدفن فيها الصالحون والشهداء، "لأن موسى عليه السلام لما حضره

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 مسلم: الجنائز (969), والترمذي: الجنائز (1049), والنسائي: الجنائز (2031), وأبو داود: الجنائز (3218), وأحمد (1/89, 1/96, 1/111, 1/128, 1/138, 1/145).

 

ص -218-      الموت، سأل ربه أن يدنيه من الأرض المقدسة رمية حجر". 1 متفق عليه.
وجمع الأقارب حسن، لقوله في عثمان بن مظعون: "أدفن إليه من مات من أهلي". قال أحمد: أما القتلى، فعلى حديث النبي صلى الله عليه وسلم:
"ادفنوا القتلى في مصارعهم"، 2 وأما غيرهم، فلا ينقل من بلده إلا لغرض صحيح. وسئل الزهري عن ذلك، فقال: "حُمل سعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد من العقيق إلى المدينة". وسئل أحمد: عمن أوصى أن يدفن في داره؟ قال: يدفن في مقابر المسلمين. وقال: لا بأس أن يشتري موضع قبره، ويوصي أن يدفن فيه، "فَعله عثمان بن عفان وعائشة وعمر بن عبد العزيز". وسئل عن: إخراج الميت من قبره؟ قال: إذا كان شيء يؤذيه، "قد حُوِّل طلحة وحُوِّلت عائشة".
ومن فاتته الصلاة على الجنازة، صلى عليها ما لم تدفن. فإن دفنت صلى إلى شهر، هذا قول أكثر أهل العلم. قال أحمد: ومن يشك في الصلاة على القبر، "يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم من ستة وجوه كلها حسان، ويصلي على القبر وتعاد الصلاة عليه قبل الدفن، جماعة وفرادى، نص عليه، وقال: قد فعله عدة من الصحابة". ومن صلى مرة لم تسن له الإعادة.
ولا يجوز الزيادة على سبع تكبيرات، ولا النقص من أربع، واختلفت الرواية فيما بين ذلك. فعنه: إذا كبر الإمام خمساً تابعه المأموم. وعنه: لا يتابعه، وهو مذهب مالك والشافعي. وإن زاد على خمس، فعنه: يكبر إلى سبع ولا يسلم إلا مع الإمام، ولا يزيد على سبع. وقال ابن مسعود: "كبر ما كبر إمامك". قال أحمد: لا أعلم أحداً قال بالزيادة على سبع، إلا عبد اللّه، فإن علقمة روى: "أن أصحابه قالوا: إن أصحاب معاذ يكبرون على الجنازة خمساً، فلو وقّتَّ لنا وقتاً، فقال: إذا تقدمكم إمامكم فكبروا ما يكبر، فإنه لا وقت ولا عدد". وإن زاد على سبع فلا يسلم إلا معه.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 البخاري: أحاديث الأنبياء (3407), ومسلم: الفضائل (2372), والنسائي: الجنائز (2089).
2 الترمذي: الجهاد (1717), والنسائي: الجنائز (2005), وأبو داود: الجنائز (3165), وأحمد (3/308).

 

ص -219-      وقال الثوري: ينصرف، قال أحمد: ما أعجب حال الكوفيين، سفيان ينصرف إذا كبّر الخامسة، "والنبي صلى الله عليه وسلم يكبر خمساً! والأفضل أن لا يزيد على أربع، لأن عمر جمع الناس عليها"، ولا يجوز النقصان عنها. وعن ابن عباس: " أنه كبر ثلاثاً". ولم يعجب أحمد، وقال: "كبر أنس ثلاثاً ناسياً، فأعاد".
قال أحمد: يكبر على الجنازة فيجيئون بأخرى، يكبر إلى سبع، ثم يقطع؛ لا يزيد الأربع حتى ترفع. إذا تقرر هذا، فإنه يقرأ في التكبيرة الخامسة: "الفاتحة"، والسادسة يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، ويدعو في السابعة. وذكر ابن عقيل وجهاً: أنه يكبر ما زاد على الأربع متتابعاً، لأنه صلى الله عليه وسلم كبر سبعاً، ولم يرو عنه أنه قرأ قراءتين.
ولا يختلف المذهبُ أن السنة أن يقوم الإمام عند صدر الرجل ووسط المرأة. وإذا اجتمع رجال ونساء ففيه روايتان: إحداهما: "يسوي بين رؤوسهم"، لأنه يروى عن ابن عمر. والثانية: يصفُّ الرجال صفاً، والنساء صفاً، ويجعل وسط النساء عند صدور الرجال؛ وهذا قول سعيد بن جبير. ولا يصلي على القبر بعد شهر، قال أحمد: أكثر ما سمعنا: "أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على قبر أم سعد بعد شهر".
ويستحب تحسين الكفن وتكفينه في البياض، وأن يكفن في جديد، إلا إن أوصى الميت بغيره، كما روي عن أبي بكر أنه قال: "كفنوني في ثوبيّ هذين؛ فإن الحي أحوج للجديد من الميت، وإنما هو للمهلة والتراب".
وذهب ابن عقيل إلى أن التكفين في الخلق أفضل، لهذا الخبر، والأول أولى بدليل قوله صلى الله عليه وسلم. والكفن مقدم على الديْن والوصية والميراث، لخبر حمزة ومصعب، ولأن لباس المفلس مقدّم على دَيْنه.
قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن الطفل إذا عرفت حياته واستهل

 

ص -220-      صُلي عليه. فإن لم يستهل، فقال أحمد: إذا أتى عليه أربعة أشهر، غسل وصلي عليه.
"وصلى ابن عمر على ابن لابنه وُلد ميتاً"، وقال مالك: لا يصلى عليه حتى يستهل. ولنا: حديث المغيرة.
والسقط يصلّى عليه، رواه أبو داود والترمذي، وصححه، واحتج به أحمد، وحديثهم قال الترمذي: اضطرب الناس فيه، ورواه بعضهم موقوفاً، وكأنه أصح من المرفوع.
من لم يأت عليه أربعة أشهر، فإنه لا يغسل ولا يصلّى عليه، ويلف في خرقة ويدفن لا نعلم فيه خلافاً، إلا عن ابن سيرين فإنه قال: يصلّى عليه إذا علم أنه نفخ فيه الروح؛ والحديث يدل على أنه لا نفخ إلا بعد الأربعة الأشهر.
قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن المرأة تغسل زوجها إذا مات، والمشهور عن أحمد: أن للرجل غسل زوجته؛ وهو قول مالك والشافعي. وعنه: لا. وهو قول الثوري. وقال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم أن المرأة تغسل الصبي. قال أحمد: يغسلن من له دون سبع سنين. وقال الحسن إذا كان فطيماً أو فوقه. وقال الأوزاعي: ابن أربع أو خمس. وأما الجارية إذا لم تبلغ، فقال القاضي وأبو الخطاب يجوز للرجال غسلها.
وكره غسل الرجل الصغيرة سعيد والزهري، قال الخلال: القياس التسوية بين الغلام والجارية، لولا أن التابعين فرقوا بينهما، فكرهه أحمد لذلك.
و لا يغسل المسلم قريبه الكافر، ولا يتولى دفنه، وبه قال مالك. وقيل: له غسل قريبه الكافر ودفنه، وبه قال الشافعي. قال أحمد في يهودي أو نصراني وله ولد مسلم: "فليركب دابته ويسير وراء جنازته، وإذا أراد أن يدفن رجع، مثل قول عمر".
وإذا مات الشهيد في المعركة لم يغسل، رواية واحدة، لا نعلم فيه خلافاً، إلا عن الحسن وابن المسيب؛ والصحيح: أنه لا يصلى عليه، وهو قول مالك والشافعي. وعنه: يصلى عليه، وهو قول الثوري. ولنا: حديث جابر في شهداء أحد، متفق عليه.
وإن كان جنباً

 

ص -221-      غسل، لحديث حنظلة. وقال مالك: لا يغسل، لعموم الخبر. فإن أسلم ثم استشهد لم يغسل، لخبر الأصيرم.
ويدفن في ثيابه، لا نعلم فيه خلافاً، وينـزع عنه الخف والجلد والفرو. وقال مالك: لا ينـزع لعموم الخبر. وعن ابن عباس: "أمر بقتلى أُحُد أن ينـزع عنهم الحديد والجلود". 1 رواه أبو داود.
وظاهر كلام الخرقي: أنه متى طالت حياته بعد حمله غسل وصلي عليه، ["لأنه صلى الله عليه وسلم غسّل سعد بن معاذ، وصلى عليه"، ونحوه قال مالك وأصحاب الرأي والشافعي: إن مات حال الحرب لم يُغَسل ولم يُصَل عليه 2]. والصحيح: التحديد بطول الفصل، لخبر سعد بن الربيع والأصيرم. فإن سقط عن دابته ووجد ميتاً ولا أثر به، غسل، نص عليه، وتأول قوله:  "ادفنوهم بكلومهم". وقال الشافعي: لا يغسل لاحتمال موته بسبب القتال. ولنا: أن الأصل وجوب الغسل، فلا يسقط بالاحتمال.
ومن قُتل من أهل العدل، فحكمه حكم من قتله المشركرن، "لأن علياً لم يغسل من قتل معه". قال أحمد: قد أوصى أصحاب الجمل:  "إنا مستشهدون، فلا تنـزعوا ثوباً، ولا تغسلوا عنا دماً". وقال الشافعي في أحد قوليه: يغسل "لأن أسماء غسلت ابن الزبير"، والأول أولى. وأما ابن الزبير فإنه أُخذ وصُلب، فهو كالمقتول ظلماً.
وأما من قُتل دون ماله أو نفسه أو أهله، ففيه روايتان. فأما الشهيد بغير قتل، كالمبطون والمطعون، فيغسل، لا نعلم فيه خلافاً، إلا ما حكي عن الحسن: لا يصلى على النفساء لأنها شهيدة. ولنا: "أنه صلى الله عليه وسلم صلى على امرأة ماتت في نفاسها"، 3 و"صلى المسلمون على عمر وعلي وهما شهيدان".
وإن سقط من الميت شيء، غسل وجعل معه في أكفانه، فعلته أسماء بابنها.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 أبو داود: الجنائز (3134), وابن ماجة: ما جاء في الجنائز (1515), وأحمد (1/247).
2 ما بين العلامتين مثبت بالنسخة الخطية.
3 البخاري: الجنائز (1331), ومسلم: الجنائز (964), والنسائي: الحيض والاستحاضة  (393) والجنائز (1976, 1979), وأبو داود: الجنائز (3195), وابن ماجة: ما جاء في الجنائز (1493), وأحمد (5/14, 5/19).

 

ص -222-      وإن لم يوجد إلا بعض الميت، غسل وصلي عليه. وقال مالك: إن وجد الأكثر صلي عليه وإلا فلا. ولنا: إجماع الصحابة. قال أحمد: "صلى أبو أيوب على رِجل، وصلى عمر على عظام بالشام، وصلى أبو عبيدة على رؤوس بالشام". رواهما عبد اللّه بن أحمد. وقال الشافعي: "ألقى طائر يداً بمكة عرفت بالخاتم، فكانت يد عبد الرحمن بن عتاب، فصلى عليها أهل مكة".
ويستحب تعزية أهل الميت، لا نعلم فيه خلافاً، إلا أن الثوري قال: لا يستحب بعد الدفن.
ولا يشق بطن المرأة لإخراج ولدها الحي، لكن تسطو عليه القوابل، أي: يدخلن أيديهن في فرجها فيخرجنه. وإن لم يوجد نساء، تركت حتى يتيقن موته. ومذهب مالك قريب من هذا. وقال الشافعي: يشق البطن إذا غلب على الظن حياته.
وإن دفن من غير غسل، أو إلى غير القبلة، نُبش. وقال أبو حنيفة: لا ينبش، لأنه مثلة وقد نُهي عنها؟ وإن دفن قبل الصلاة عليه فروايتان: إحداهما: إن صلى على القبر جاز، وإن دفن بغير كفن فوجهان.
وإن حضرت الجنازة والمكتوبة بدئ بالمكتوبة إلا الفجر والعصر، لأن ما بعدهما وقت نهي. وروي عن مجاهد والحسن وابن المسيب أنهم قالوا: أبدأ بالمكتوبة. قال أحمد: تكره الصلاة على الميت في ثلاثة أوقات، وذكر حديث عقبة بن عامر، قال ابن المبارك: يعني: أن نقبر فيهن موتانا، لا الصلاة على الجنازة. قيل لأحمد: الشمس مصفرة؟ قال: يصلى ما لم تدلى للغروب. وعنه: أن ذلك جائز، وهو قول الشافعي، قياساً على الوقتين؛ والأول أصح، لحديث عقبة بن عامر، ولا يصح القياس عليهما لطول مدتهما. وكره أحمد دفن الميت في هذه الأوقات، لحديث عقبه.
وأما الدفن ليلاً، فقال أحمد: وما بأس بذلك. "أبو بكر دُفن ليلاً، وعلي دفن فاطمة ليلاً"، وكرهه الحسن، لما

 

ص -223-      روى مسلم: "أنه صلى الله عليه وسلم زجر أن يُقبر الرجل بالليل، إلا أن يضطر إلى ذلك". 1 ولنا: حديث ابن مسعود في قصة ذي البجادين وغيره، والزجر محمول على التأديب، فإن الدفن نهاراً أولى، لأنه أسهل على المتبعين وأكثر للمصلين.
ولا يصلي الإمام على الغالّ، ولا على قاتل نفسه، ويصلي عليهما سائر الناس. وقال الأوزاعي: لا يصلى على قاتل نفسه بحال، وقال عطاء والنخعي: يصلي الإمام وغيره على كل مسلم. قال أحمد: لا أشهد الرافضة ولا الجهمية، ويشهد من شاء، قد ترك النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة على أقل من ذلك. وقال: أهل البدع لا يُعادُون إن مرضوا، ولا تُشهد جنائزهم إن ماتوا. قال ابن عبد البر: وسائر العلماء يصلّون على أهل البدع.
ولا خلاف في المذهب أنه إذا اجتمع مع الرجال غيرهم، جعل الرجال مما يلي الإمام، والنساء يلين القبلة.
ولا خلاف في الصلاة على الجنائز دفعة واحدة، فإن انفرد كل جنازة بصلاة جاز، ولا يدفن اثنان في قبر إلا لضرورة.
ويخلع النعل إذا دخل المقبرة، لحديث صاحب السبتيتين، قال أحمد: إسناده جيد، أذهب إليه إلا من علة، وأكثر أهل العلم لا يرى بأساً. واحتج بعضهم بحديث: أنه يسمع قرع نعالهم، وقيل: يكره للرجل المشي في تلك النعلين، لأنهما من لباس أهل التنعيم والخيلاء، وإخباره بسمعه قرع نعالهم لا ينفي الكراهة.
ولا نعلم خلافاً في إباحة زيارة القبور للرجال، واختلفت الرواية في النساء، فرويت الكراهة، لحديث أم عطية: "نهينا عن زيارة القبور، ولم يعزم علينا". والنهي المنسوخ يحتمل أنه خاص بالرجال، فدار بين الحظر والإباحة، فأقل أحواله الكراهة. والثانية: لا يكره، لعموم قوله
: "كنت نهيتكم... إلخ".
ويكره النعي، وهو: أن ينادي مناد:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 مسلم: الجنائز (943), والنسائي: الجنائز (1895, 2014), وأبو داود: الجنائز (3148), وأحمد (3/295).

 

ص -224-      "إن فلاناً قد مات"، ليشهدوا جنازته. واستحب جماعة من أهل العلم أن لا يعلم الناس بجنائزهم، منهم عبد اللّه، وأصحابه: علقمة والربيع وعمرو بن شرحبيل. وقال كثبر من أهل العلم: لا بأس أن يعلم إخوانه ومعارفه من غير نداء، لقوله صلى الله عليه وسلم: "ألا آذنتموني"، و"نعى النجاشي في اليوم الذي مات فيه".
ومن هنا إلى آخر الباب: من "الإنصاف":
قال الشيخ: الذي يقتضيه النص: وجوب عيادة المريض، فيقال: هو واجب على الكفاية. ونص أحمد: لا يعاد المبتدع، وعنه: الداعية فقط، واعتبر الشيخ المصلحة في ذلك.
ونص أحمد بكونه خوفه ورجاؤه واحد، فأيهما غلب صاحبه هلك، قال الشيخ: هذا العدل. وقال الشيخ: من ظن أن غيره لا يقوم بالتكفين، تعيّن عليه.
ولم يوجب القراءة في صلاة الجنازة، بل استحبها، وقال: لا يعيد الصلاة عليها إلا لسبب، مثل أن يعيد غيره فيعيد معهم، أو يكون أحق بالإمامة من الطائفة الثانية فيصلي بهم. ويصلي على غائب، وقيل: إن لم يكن صلي عليه، وإلا فلا، اختاره الشيخ. واختار استحباب القيام لها، ولو كانت كافرة.
ولا يدفن فيه اثنان إلا لضرورة، ظاهره التحريم، وهو المذهب. وعنه: يُكره، اختاره الشيخ. واختار كراهة القراءة على القبر، إلا وقت الدفن. وقال المجد: يستحب إهداء القُرَب للنبي صلى الله عليه وسلم، ومنع منه الشيخ، فلم ير لمن فعله ثواباً بسبب ذلك كأجر العامل كالنبي صلى الله عليه وسلم ومعلم الخير.
وقال في الشرح: لا نعلم خلافاً في استحباب زيارة القبور للرجال، قال جامع الاختيارات: ظاهر كلام الشيخ: ترجيح التحريم للنساء، لاحتجاجه بحديث اللعنة وتصحيحه إياه.

 

ص -225-      قال الشيخ: ويجوز زيارة قبر الكافر للاعتبار. وذكر أن البكاء يستحب، رحمة للميت، وأنه أكمل من الفرح، كفرح الفضيل.
وقطع المجد أنه لا بأس بيسير الندب، إذا كان صدقاً، ولم يخرج مخرج النوح، ولا قصد نظمه، كفعل أبي بكر وفاطمة. قال الشيخ: ما هيج المصيبة من وعظ وإنشاد شعر فمن النياحة. وحرم الذبح عند القبر والتضحية عنده، وقال: إخراج الصدقة مع الجنازة بدعة مكروهة.

 

ص -226-      كتاب الزكاة
تجب الزكاة في أربعة أصناف من المال: السائمة من بهيمة الأنعام، والخارج من الأرض، والأثمان، والعروض. ولا تجب في غيرها، لأن الأصل عدم الوجوب؛ وهذا قول الأكثر. وقال أبو حنيفة: في الخيل زكاة. ولنا: قوله صلى الله عليه وسلم: "ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة". 1 متفق عليه، وحديث جابر ضعيف، وعمر أخذ شيئاً تبرعوا به، كذلك رواه أحمد.
ولا تجب إلا بشروط خمسة:
الأول: الإسلام.
والثاني: الحرية.
فلا تجب على الكافر، لحديث معاذ:
"إنك تأتي قوماً... إلخ"، ولا على عبد في قول الأكثر، ولا على مكاتَب، لا نعلم أحداً خالف فيه، إلا أبا ثور. فإن ملّك السيدُ عبده مالاً، فاختلفت الرواية عن أحمد، فروي عنه: زكاته على سيده، وهو مذهب سفيان وإسحاق. وعنه: "لا زكاة على واحد منهما". قال ابن المنذر: هذا قول ابن عمر وجابر ومالك.
الثالث: ملك نصاب؛ فإن نقص فلا زكاة فيه، إلا أن يكون يسيراً كالحبة والحبتين. وفيما زاد على النصاب بالحساب، إلا في السائمة. وقال ابن المسيب

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 البخاري: الزكاة (1463, 1464), ومسلم: الزكاة (982), والترمذي: الزكاة (628), والنسائي: الزكاة (2467, 2468, 2469, 2470, 2471, 2472), وأبو داود: الزكاة (1595), وابن ماجة: الزكاة (1812), وأحمد (2/242, 2/249, 2/254, 2/279, 2/407, 2/410, 2/432, 2/469, 2/470, 2/477), ومالك: الزكاة  (612), والدارمي: الزكاة (1632).

 

ص -227-      وعطاء: لا زكاة في زيادة الدراهم حتى تبلغ أربعين، ولا في زيادة الذهب حتى تبلغ أربعة دنانير، لقوله: "في كل أربعين درهماً". 1 ولنا: أن قولنا روي عن علي وابن عمر، ولا يعرف لهما مخالف من الصحابة.
الرابع: تمام الملك؛ فلا زكاة في دين المكاتب، بغير خلاف علمناه، ولا في السائمة الموقوفة، ولا في حصة المضارب قبل القسمة. ونقل عن مهنا عن أحمد ما يدل على الوجوب، لعموم قوله:
"في كل أربعين شاة: شاة". 2 فأما حصة المضارب قبل القسمة، فلا تجب فيها، نص عليه. واختار أبو الخطاب وجوب الزكاة فيها إذا كملت نصاباً، أو قلنا: إن الخلطة تؤثر في غير الماشية. وإذا دفع إلى رجل ألفاً مضاربة على النصف، فحال الحول وقد ربح ألفين، فعلى رب المال زكاة ألفين. وقال الشافعي في أحد قوليه: عليه زكاة الجميع، أو يخرج الزكاة من المال، لأنها من مؤنته وتحسب من الربح.
و"من كان له دَين على مليء من صداق أو غيره، زكاه إذا قبضه لما مضى"، وبه قال علي والثوري. وقال عثمان وابن عمر والشافعي وإسحاق وأبو عبيد: "عليه إخراج الزكاة في الحال وإن لم يقبضه". وعن عائشة: "ليس في الدَّين زكاة". وعن ابن المسيب: يزكيه إذا قبضه لسنة واحدة.
وفي الدين على غير المليء والمؤجل والمجحود والمغصوب والضائع روايتان: إحداهما: لا يجب، وهو قول إسحاق وأهل العراق. والثانية: يزكيه إذا قبضه لما مضى، وهو قول الثوري وأبي عبيد، لقول علي في الدَّين المظنون: "إن كان صادقاً، فليزكه إذا قبضه لما مضى". وعن ابن عباس نحوه، رواهما أبو عبيد. وللشافعي قولان. وعن مالك: يزكيه إذا قبضه لعام واحد.
قال أحمد: إذا وهبت المرأة مهرها لزوجها، وقد مضى عليه عشر سنين، فالزكاة على المرأة. وإذا وهب رجل لرجل مالاً، فحال

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 أبو داود: الزكاة (1574), وابن ماجة: الزكاة (1790), وأحمد (1/132), والدارمي: الزكاة (1629).
2 أبو داود: الزكاة (1572).

 

ص -228-      الحول ثم ارتجعه الواهب، فالزكاة على الذي كان عنده. وقال في رجل باع شريكه نصيبه من داره ولم يعطه شيئاً، فلما كان بعد سنة قال: ليس عندي دراهم فأقلني، فأقاله. قال: عليه أن يزكي، لأنه قد ملكه حولاً.
والدَّين يمنع وجوب الزكاة في الأموال الباطنة، رواية واحدة، وهي الأثمان والعروض؛ وبه قال عطاء والحسن ومالك والأوزاعي وأصحاب الرأي، لحديث عثمان. وقال الشافعي في الجديد: لا يمنع. فأما الأموال الظاهرة ففيها روايتان: إحداهما: يمنع، وهو قول إسحاق. والثانية: لا يمنع، وهو قول مالك والشافعي. وروي عن أحمد أنه قال: قد اختلف ابن عمر وابن عباس: فقال ابن عمر: "يخرج ما استدان على ثمرته ونفقة أهله ويزكي ما بقي"، وقال الآخر: "يخرج ما استدان على ثمرته ويزكي ما بقي"، وإليه أذهب، لأن المصدق إذا جاء فوجد إبلاً أو غنماً لم يسأل أي شيء على صاحبها من الدين؟ فظاهر هذا، أن هذه رواية ثالثة: أنه لا يمنع من الأموال الظاهرة إلا ما استدان في الإنفاق على الزرع والثمرة.
الخامس: مضيُّ الحول؛ لا نعلم فيه خلافاً، إلا في المستفاد على ما نذكره، وإلا في الخارج من الزرع والثمرة والمعدن.
وأما المستفاد فإن كان من جنس النصاب، كربح التجارة ونتاج السائمة، فهذا يضم إلى أصله في الحول. وإن لم يكن من جنسه، فلا يضم إليه؛ بل إن كان نصاباً استقبل به حولاً، وإلا فلا شيء فيه؛ وهذا قول الجمهور. قال ابن عبد البر: الخلاف فيه شذوذ لم يقل به أحد من أهل الفتوى. فإن كان من جنس نصاب عنده، كمن عنده أربعون من الغنم فمضى عليها بعض الحول، فيشتري أو يتهب أو يرث مائة، فلا تجب فيه حتى يمضي عليه

 

ص -229-      حول أيضاً؛ وبه قال الشافعي. ولا يبني الوارث على حول الموروث، وهو أحد القولين للشافعي. والثاني: يبني على حول موروثه. وقال أبو حنيفة: يضمهما إلى ما عنده في الحول، فيزكيهما جميعاً عند تمام الحول، إلا أن يكون عوضاً من مال مزكى. وقال به مالك في السائمة، دفعاً للتشقيص في الواجب، وكقولنا في الأثمان.
وإن ملك نصاباً صغاراً انعقد عليه الحول من حين ملكه، وعنه: لا، حتى يبلغ سناً يجزئ مثله في الزكاة؛ والأول أولى، لعموم قوله:
"في كل خمس من الإبل: شاة". 1 ومتى نقص النصاب في بعض الحول، أو باعه أو أبدله بغير جنسه، انقطع الحول، إلا أن يقصد الفرار. وقال أبو حنيفة والشافعي: تسقط. ولنا: قوله: {إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ} الآيات 2.
ويجوز التصرف في النصاب الذي وجبت فيه، بالبيع وغيره. وقال الشافعي في أحد قوليه: لا يصح، لأنها إن تعلقت بالعين فقد باع ما لا يملك، وإن تعلقت بالذمة فقدر الزكاة مرتهن بها، وبيع الرهن لا يجوز. ولنا: النهي عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها، وهو عام فيما يجب فيه الزكاة وغيرها. فإن عجز بقيت في ذمته، ويحتمل أن يفسخ البيع في قدرها ويرجع المشتري عليه بقدرها، لأن على الفقراء ضرراً، لقوله:
"لا ضرر ولا ضرار". 3 وإن أبدله بنصاب من جنسه، بنى على حوله؛ وبه قال مالك، ويتخرج أن ينقطع، وبه قال الشافعي.
وسئل أحمد: عن الرجل يكون عنده غنم سائمة فيبيعها بنصفها من الغنم، أيزكيها كلها؟ قال: نعم، على حديث عمر في السخلة يروح بها الراعي، قيل له: فإن كانت للتجارة؟ قال: يزكيها كلها، على حديث حماس.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 الترمذي: الزكاة (621), وأبو داود: الزكاة (1568), وابن ماجة: الزكاة (1798), وأحمد (2/14, 2/15), والدارمي: الزكاة (1626).
2 سورة القلم آية: 17.
3 ابن ماجة: الأحكام (2340).

 

ص -230-      وتجب بحولان الحول، وإن لم يتمكن من الأداء؛ وهو أحد قولي الشافعي. وفي الآخر، هو شرط، وبه قال مالك حتى لو أتلف الماشية بعد الحول قبل إمكان الأداء، فلا زكاة عليه إذا لم يقصد الفرار. ولنا: قوله: "لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول". 1 ولا تسقط بتلف المال، وعنه: تسقط إذا لم يفرط.
وإذا مضى حولان على نصاب لم يؤد زكاتهما، فعليه زكاة واحدة إن قلنا: تجب في العين، وزكاتان إن قلنا تجب في الذمة، إلا ما كان زكاته الغنم من الإبل، فإن عليه لكل حول زكاة.
وإذا مات من عليه الزكاة، أُخذت من تركته. فإن كان عليه دين، اقتسموا بالحصص؛ وبه قال مالك والشافعي.
ومن هنا إلى آخر الباب: من "الإنصاف":
ومن كان له دين على مليء أو غيره، فعليه زكاته إذا قبضه، قال في الفائق: وعنه: يلزمه في الحال، وهو المختار. وأول حول الصداق من حين العقد، وعنه: من حين القبض. وكذا الحكم خلافاً ومذهباً في اعتبار القبض في كل دَين إذا كان في غير مقابلة مال أو مال زكويّ عند الكل، كموصى به وموروث وثمن مسكن. وعنه: لا حول لأجرة فيزكيه في الحال كمعدن، اختاره الشيخ.
وإن أسقط الدَّين ربه زكاه، وعنه: يزكيه المبرأ من الدَّين، وقيل: لا زكاة عليهما، اختاره الشيخ. واختار الشيخ أن الدين على غير المليء والمؤجل والمجحود والمغصوب والضائع لا زكاة فيه، وعنه: ما لا يؤمل رجوعه كالمسروق والمغصوب لا زكاة فيه، وما يؤمل رجوعه كالدين على المفلس أو الغائب المنقطع خبره فيه الزكاة. قال الشيخ: هذا أقرب. وفي المحرر: الخراج ملحق من دَين اللّه، وقال الشيخ: هو ملحق بديون الآدميين، والزكاة في عين المال، وعنه: في الذمة. وقيل: تجب في الذمة وتتعلق بالنصاب، اختاره الشيخ. واختار أيضاً أن النصاب إذا تلف بغير تفريط من المالك، لم يضمن الزكاة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 ابن ماجة: الزكاة (1792).

 

ص -231-      باب زكاة بهيمة الأنعام
لا تجب إلا في السائمة، قال أحمد: ليس في العوامل زكاة، وأهل المدينة يرون فيها الصدقة، وليس عندهم في هذا أصل. ولنا: قوله:
"في كل سائمة في أربعين: بنت لبون"، 1 وحديثهم: "في كل خمس: شاة" 2 مطلق، فيُحمل على المقيد، وهي التي ترعى أكثر الحول. واعتبره الشافعي في جميع الحول. ولنا: عموم النص في الماشية، واسم السوم لا يزول بالعلف اليسير، كالسقي بغير كلفة في الزرع والثمار.
وهي ثلاثة أنواع:
(أحدها): الإبل، فلا زكاة فيها حتى تبلغ خمساً ففيها: شاة. ولا يجزئ في الغنم المخرجة إلا الجذع من الضأن، وهو: ما له ستة أشهر، والثني من المعز وهو: ما له سنة؛ وأيهما أخرج أجزأ، وتكون أنثى، فلا يجزئ ذكر. وتكون الشاة المخرجة كحال الإبل في الجودة والرداءة والتوسط. فإن أخرج بعيراً لم يجزه. وقال الشافعي: يجزئ في العشرين فما دونها. وفي العشر: شاتان، وفي خمس عشرة: ثلاث شياه، وفي العشرين أربع شياه. هذا كله مجمع عليه. فإذا بلغت خمساً وعشرين، ففيها بنت مخاض، وهي التي لها سنة، حكاه ابن المنذر إجماعاً. وإن لم تكن عنده أجزأه ابن لبون، وهو الذي له سنتان. فإن لم يكن عنده وأراد الشراء، لزمه بنت مخاض، وقاله مالك. وقال الشافعي: يجزئه ابن لبون. وإن لم يجد إلا معيبة، انتقل إلى ابن لبون، لقوله في حديث

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 النسائي: الزكاة (2444, 2449), وأبو داود: الزكاة (1575), والدارمي: الزكاة  (1677).
2 البخاري: الزكاة (1454), والنسائي: الزكاة (2455), وأبو داود: الزكاة (1567), وأحمد (1/11).

 

ص -232-      أبي بكر: "فإن لم يكن ابنة مخاض على وجهها وعنده ابن لبون، فإنه يقبل منه وليس معه شيء"، ولا يجبر نقص الذكورية بزيادة سن إلا في هذا الموضع، لأن تخصيصه بالذكر دون غيره يدل على الاختصاص.
وفي ست وثلاثين: بنت لبون، وفي ست وأربعين: حقة، وهي: التي لها ثلاث سنين. وفي إحدى وستين: جذعة، وهي: التي لها أربع سنين. وفي ست وسبعين: ابنتا لبون. وفي إحدى وتسعين: حقتان، إلى مائة وعشرين. هذا كله مجمع عليه. فإذا زاد واحدة، ففيها: ثلاث بنات لبون، ثم في كل أربعين: بنت لبون، وفي كل خمسين: حقة. وعنه: لا يتغير الفرض إلى ثلاثين ومائة، فيكون فيها: حقة وبنتا لبون؛ وهو مذهب أبي عبيد. ولنا: قوله: "فإذا زادت على عشرين ومائة، ففي كل أربعين: بنت لبون، والواحدة زيادة". وجاء مصرحاً به في حديث الصدقات الذي عند آل عمر بن الخطاب، حسنه الترمذي. وقال ابن عبد البر: هو أحسن شيء روي في حديث الصدقات، فإن فيه:
"إذا كانت إحدى وعشرين ومائة، ففيها: ثلاث بنات لبون". وقال الثوري: إذا زادت على عشرين ومائة استؤنفت الفريضة: في كل خمس شاة، إلى خمس وأربعين ومائة، لأنه في كتاب عمرو بن حزم. ولنا: أن في حديث الصدقات الذي كتبه أبو بكر لأنس، والذي عند آل عمر، مثل ما ذكرنا. وأما كتاب عمرو بن حزم فاختلف في صفته، فرواه الأثرم في سننه مثل مذهبنا. فإذا بلغت مائة وثلاثين ففيها: حقة وبنتا لبون. وفي مائة وأربعين: حقتان وبنت لبون. وفي مائة وخمسين: ثلاث حقاق. وفي مائة وستين: أربع بنات لبون. ثم كلما زادت عشراً أبدلت بنت لبون بحقة: ففي مائة وسبعين: حقة وثلاث بنات لبون، وفي مائة وثمانين: حقتان وبنتا لبون، وفي مائة وتسعين: ثلاث حقاق وبنت لبون.
فإذا بلغت مائتين اتفق الفرضان، فإن شاء أخرج أربع حقاق، وإن شاء خمس بنات لبون. وقال

 

ص -233-      الشافعي: الخيرة إلى الساعي، ومقتضاه أن رب المال إذا أخرج لزمه أعلى الفرضين، لقوله تعالى {وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ} الآية 1. ولنا: أن في الكتاب الذي عند آل عمر: "فإذا كانت مائتين، ففيها: أربع حقاق أو خمس بنات لبون؛ أيّ الشيئين وجدت أخذت". ومن وجبت عليه سن فعدمها، أخرج سناً أسفل منها ومعها شاتين أو عشرين درهماً، وإن شاء أخرج أعلى منها وأخذ مثل ذلك من الساعي. وقال أصحاب الرأي: يدفع قيمة ما وجب عليه أو دون السن الواجبة وفضل ما بينهما دراهم. ولنا: ما ذكرنا في كتاب الصدقات الذي كتبه أبو بكر لأنس، وهو نص فلا يلتفت إلى ما سواه. ولا مدخل للجبران في غير الإبل.
(الثاني): البقر، ولا شيء فيها حتى تبلغ ثلاثين، فيجب فيها: تبيع أو تبيعة، وهي التي لها سنة. وفي أربعين: مسنة، وهي: التي لها سنتان. وفي الستين: تبيعان. ثم في كل ثلاثين: تبيع. وفي كل أربعين: مسنة.
(الثالث): الغنم، ولا شيء فيها حتى تبلغ أربعين، فيجب فيها: شاة، إلى مائة وعشرين. فإذا زادت واحدة ففيها: شاتان إلى مائتين. فإذا زادت واحدة ففيها: ثلاث شياه. ثم في كل مائة: شاة؛ وهذا مجمع عليه، ولا يتغير حتى تبلغ أربعمائة، وهذا قول أكثر العلماء. وعنه: أنها إذا زادت على ثلاث المائة واحدة ففيها: أربع شياه. ثم لا يتغير حتى تبلغ خمسمائة، فيكون في كل مائة: شاة. ولنا: قوله:
"فإذا زادت واحدة، ففي كل مائة شاة" يقتضي أن لا يجب فيما دون المائة شيء. وفي كتاب آل عمر التصريح بذلك، ولا يجوز خلافه.
ويؤخذ من المعز الثني، ومن الضأن الجذل. وقال أبو حنيفة: لا يجزئ إلا الثنية منهما،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 سورة البقرة آية: 267.

 

ص -234-      وقال مالك يجزئ الجذعة منهما، لقوله: "إنما حقنا في الجذعة أو الثنية". ولنا على أبي حنيفة: هذا الخبر، وحديث سعد بن ديلم: "أتاني رجلان على بعير فقالا: إنا رسولا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم إليك لتؤدي صدقة غنمك. قلت: فأي شيء تأخذون؟ قالا: عناقاً أو ثنية". 1 رواه أبو داود. ولنا على مالك: قول سويد بن غفلة: "أتانا مصدق النبي صلى الله عليه وسلم وقال: أمرنا أن نأخذ الجذعة من الضأن، والثنية من المعز"، 2 وفيه بيان للمطلق في الحديثين قبله. ولا يؤخذ تيس ولا هرمة ولا معيبة، لقوله تعالى: {وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ}، 3 ولأن ذلك في كتاب أنس، وفيه: "إلا ما شاء المصدق" – أي: العامل -. فإن رأى المصدق ذلك بأن يكون المال من جنسه، فله أخذه. وقال مالك والشافعي: إن رأى أن أخذ ذلك خير للفقراء، أخذه للاستثناء، ولا الرُّبى وهي التي تربى، ولا الماخض وهي التي حان ولادها، ولا كريم المال إلا أن يشاء ربه. قال الزهري: إذا جاء المصدق قسم الغنم أثلاثاً، وأخذ من الوسط. ولا يجوز إخراج القيمة، وعنه: يجوز. وإن أخرج سناً أعلى من الفرض من جنسه جاز، لا نعلم فيه خلافاً. وإذا اختلط نفسان فأكثر في نصاب من الماشية حولاً، فحكمها حكم الواحد، سواء كان مشاعاً بينهما أو متميزاً فخلطاه فاشتركا في المراح والمشرب والمسرح والراعي والفحل. وقال مالك: إنما تؤثر الخلطة إذا كان لكل واحد منهما نصاب. ولنا: قوله: "لا يجمع بين متفرق ولا يفرّق بين مجتمع خشية الصدقة، وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بالسوية". 4 رواه البخاري. ولا تراجع إلا في خلطة الأوصاف. وقوله: "لا يجمع بين متفرق" إنما يكون هذا إذا كان لجماعة؛ فإن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 النسائي: الزكاة (2462), وأبو داود: الزكاة (1581), وأحمد (3/414).
2 النسائي: الزكاة (2457), وأبو داود: الزكاة (1580), وابن ماجة: الزكاة (1801), وأحمد (4/315), والدارمي: الزكاة (1630).
3 سورة البقرة آية: 267.
4 البخاري: الزكاة (1450), والنسائي: الزكاة (2455).

 

ص -235-      الواحد يضم بعض ماله إلى بعض وإن كان في أماكن. وهكذا قوله: "لا يفرق بين مجتمع". ويشترط لها أن يكونا من أهل الزكاة، فإن كان أحدهما مكاتباً أو ذمياً لم يعتدّ بخلطته، وأن يختلطا في نصاب، وأن يختلطا في جميع الحول. وقال مالك: لا يعتبر اختلاطهم في أول الحول، لقوله: "لا يجمع بين متفرق، ولا يفرق بين مجتمع... إلخ" 1 يعني: في وقت الزكاة. ويشترط في خلطة الأوصاف اشتراكهما في المراح وما بعده.
وقال بعض أصحاب مالك: لا يعتبر إلا الراعي والمرعى، لقوله:
"لا يفرق بين مجتمع"، والاجتماع يحصل بهذا. وحكي عن:أحمد أنه لا يعتبر إلا الحوض والراعي والمراح. ولا تؤثر الخلطة في غير السائمة. وعنه: أنها تؤثر، وهذا قول الأوزاعي وإسحاق في الحب والتمر. ويجوز للساعي أخذ الفرض من مال أيهما شاء، ويرجع على خليطه بحصته من القيمة.
ومن هنا إلى آخر الباب: من "الإنصاف":
لا يجوز إخراج القيمة، وعنه: يجوز، اختاره الشيخ. واختار أيضاً جوازه للمصلحة. وإن اختلفا في القيمة، فالقول قول المرجوع عليه مع يمينه، قال الشيخ: يتوجه أن القول قول المعطى لأنه كالأمين. وإذا أخذ الساعي أكثر من الفرض ظلماً، لم يرجع بالزيادة على خليطه، قال الشيخ: الأظهر أنه يرجع.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 البخاري: الزكاة (1450), والنسائي: الزكاة (2455).

 

ص -236-      باب زكاة الخارج من الأرض
تجب الزكاة فيما اجتمع فيه الكيل والادخار، من الحب والتمر، ولا زكاة في سائر الفواكه. وقال مالك والشافعي: لا زكاة في ثمر إلا التمر والزبيب، ولا في حب إلا ما كان قوتاً في حال الاختيار، إلا في الزيتون على اختلاف.
وعن أحمد: لا زكاة إلا في الحنطة والشعير والتمر والزبيب، وهو قول عمر والحسن والشعبي، ووافقهم إبراهيم وزاد: الذرة. و"وافقهم ابن عباس وزاد:
الزيتون"، لأن ما عداه لا نص فيها ولا إجماع. ولنا: عموم قوله: "فيما سقت السماء: العشر"، 1 وقوله لمعاذ: "خذ الحب من الحب"، 2 خرج منه ما لا يكال وما ليس بحب، لمفهوم قوله: "ليس في حب ولا تمر صدقة، حتى تبلغ خمسة أوسق". 3 رواه مسلم.
ولا تجب فيما ليس بحب ولا تمر سواء وجد فيه الكيل والادخار أو لا؛ فلا تجب في الزعفران والقطن، وعنه: تجب فيهما. واختلفت الرواية في الزيتون، فعنه: تجب فيه إذا بلغ خمسة أوسق، وهو قول مالك لقوله: 
{وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ}، 4 وعنه: لا زكاة فيه، والآية مكية والزكاة فرضت بالمدينة، ولهذا ذكر الرمان ولا عشر فيه.
ولا يضم جنس إلى جنس في تكميل النصاب، وعنه: أن الحبوب بعضها يضم إلى بعض، وعنه: تضم الحنطة إلى الشعير. وممن يرى الخرص: عمر وسهل بن أبي حثمة والقاسم بن محمد ومالك والشافعي وأكثر أهل العلم. وقال أصحاب الرأي:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 البخاري: الزكاة (1483), والترمذي: الزكاة (640), والنسائي: الزكاة (2488), وأبو داود: الزكاة (1596), وابن ماجة: الزكاة (1817).
2 أبو داود: الزكاة (1599), وابن ماجة: الزكاة (1814).
3 مسلم: الزكاة (979), والنسائي: الزكاة (2485), وأحمد (3/73).
4 سورة الأنعام آية: 141.

 

ص -237-      الخرص ظن لا يلزم به حكم. ويخرص النخل والكرم ولا يخرص الزرع. ويجب أن يترك في الخرص الثلث أو الربع. ويجتمع العشر والخراج في كل أرض فتحت عنوة، وقال أصحاب الرأي: لا عشر في الخراجية. قال ابن المبارك: يقول اللّه: {وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ}، 1 نترك القرآن لقول أبي حنيفة ؟!
ومن هنا إلى آخر الباب: من "الإنصاف":
اختار الشيخ وجوب الزكاة في التين. قوله: ويترك لرب المال الثلث... إلخ، قال الآمدي وابن عقيل: يترك قدر أكلهم وهديتهم بالمعروف، بلا تحديد. قال ابن القيم: وهو أصح. قال ابن الجوزي في دفين عليه علامة الإسلام: لقطة وإلا ركاز. وألحق الشيخ بالمدفون حكماً الموجود ظاهراً بخراب جاهلي أو طريق غير مسلوك.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 سورة البقرة آية: 267.

 

ص -238-      باب زكاة الأثمان
وهي: الذهب والفضة، أجمعوا على أن في مائتي درهم: خمسة دراهم، وعلى أن الذهب إذا كان عشرين مثقالاً قيمتها مائتا درهم، أن الزكاة تجب فيه، إلا ما حكي عن الحسن أنه قال: لا شيء فيها حتى تبلغ أربعين. وأجمعوا على أنه إذا كان أقل من عشرين مثقالاً، ولا تبلغ قيمته مائتي درهم، فلا زكاة فيه. وقال عامة الفقهاء: نصاب الذهب: عشرون مثقالاً، من غير اعتبار قيمتها. وحكي عن عطاء وغيره: أنه معتبر بالفضة، لأنه لم يثبت تقدير نصابه فحمل على الفضة. ولا زكاة في مغشوشهما حتى تبلغ قدر ما فيه نصاباً. ويخرج عن الجيد الصحيح من جنسه، وعن كل نوع من جنسه. وقال أبو حنيفة: يجوز إخراج الرديء عن الجيد. ولنا: قوله:
{وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ} الآية. 1 فإن أخرج مكسراً أو بهرجاً زاد قدر ما بينهما من الفضل. وقال الشافعي: يخرج الجيد ولا يرجع فيما أخرجه من المعيب، لأنه أخرج معيباً في حق اللّه؛ أشبه ما لو أخرج مريضة عن صحاح.
ونقل عن أحمد في ضم الذهب إلى الفضة روايتان: إحداهما: لا يضم، وهو قول الشافعي، لقوله:
"ليس فيما دون خمس أواق صدقة". 2 والثانية: يضم، وهو قول مالك، لأن أحدهما يضم إلى الآخر كأنواع الجنس، والحديث مخصوص بعرض التجارة فنقيس عليه. وهل يخرج أحدهما عن الآخر؟ فيه

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 سورة البقرة آية: 267.
2 البخاري: الزكاة (1405), ومسلم: الزكاة (979), والنسائي: الزكاة (2445, 2446, 2473, 2474, 2475, 2476, 2485, 2487), وأبو داود: الزكاة (1558), وابن ماجة: الزكاة (1793), وأحمد (3/6, 3/30, 3/44, 3/60, 3/73, 3/74, 3/79, 3/86), ومالك: الزكاة (575, 576), والدارمي: الزكاة (1633)

 

ص -239-      روايتان. ويكون الضم بالأجزاء، وهو قول مالك، وقيل: بالقيمة، وهو قول أبي حنيفة. وتضم قيمة العروض إلى كل واحد منهما، قال شيخنا: لا أعلم فيه خلافاً.
ولا زكاة في الحلي المباح المعد للاستعمال، قال أحمد: "خمسة من أصحاب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يقولون: ليس في الحلي زكاة؛ زكاته عاريته". قال الترمذي: ليس يصح في هذا الباب شيء، يعني: إيجاب الزكاة في الحلي. ويحتمل أنه أراد بالزكاة: العارية، كما ذهب إليه جماعة من الصحابة. واعتبار النصاب في الحلي المحرم أو الآنية بالوزن، للخبر. وما كان مباح الصناعة كحلي التجارة، فاعتبار النصاب بوزنه، وفي الإخراج بقيمته. ويباح للرجل خاتم الفضة وقبيعة السيف، للخبر. وفي تحلية السيف بالذهب روايتان.
ومن هنا إلى آخر الباب: من "الإنصاف":
قوله:لا زكاة في الذهب حتى يبلغ عشرين مثقالاً... إلخ، هذا المذهب، وعليه الأصحاب، إلا الشيخ فإنه قال في نصاب الأثمان: هو المتعارف في كل زمان من خالص ومغشوش وصغير وكبير؛ كذا قال في نصاب السرقة وغيرها، وله قاعدة في ذلك.
فأما الحلي المحرم، قال الشيخ: وكذا المكروه، ففيه الزكاة. واختار إباحة فص الخاتم من الذهب إذا كان يسيراً، وقيل: يباح في الذهب السلاح، اختاره الشيخ قال: "كان في سيف عمر سبائك من ذهب". وقال الشيخ: لبس الفضة، إذا لم يكن فيه نص عام بالتحريم، لم يكن لأحد أن يحرم منه إلا ما قام الدليل الشرعي على تحريمه؛ فإذا أباحت السنة دل على إباحة ما في معناه، وما هو أولى منه بالإباحة. وما لم يكن كذلك، فيحتاج إلى نظر في تحليله وتحريمه؛ والتحريم يفتقر إلى دليل، والأصل عدمه.

 

ص -240-      باب زكاة العروض
تجب الزكاة في عروض التجارة إذا بلغت قيمتها نصاباً، حكاه ابن المنذر إجماعاً. وحكي عن مالك وداود: لا زكاة فيها. والواجب فيه: ربع عشر قيمته كل حول، وقال مالك: لا يزكيه إلا لحول واحد، إلا أن يكون مدبراً. وتقوّم العروض عند الحول بما هو أحظ للمساكين من عين أو ورق.
وإن اشترى أرضاً أو نخلاً للتجارة، فأثمرت النخل أو زرعت الأرض واتفق حولاهما، فعليه العشر، ويزكي الأصل للتجارة. وإذا دفع إلى رجل ألفاً مضاربة، على أن الربح بينهما، فحال الحول وهو ثلاثة آلاف، فعلى رب المال زكاة ألفين، لأن ربح التجارة حوله حول أصله. وقال الشافعي في أحد قوليه: عليه زكاة الجميع، لأن الأصل له، والربح نماء ماله.
ومن هنا إلى آخر الباب: من "الإنصاف":
ويؤخذ منهما لا من العروض، قال الشيخ: ويجوز الأخذ من عينها أيضاً.

 

ص -241-      باب زكاة الفطر
قال ابن المنذر: أجمعوا على أنها فرض. وتجب على اليتيم، ويخرج عنه وليّه من ماله، ولا نعلم أحداً خالف فيه، إلا محمد بن الحسن؛ "وعموم حديث ابن عمر يقتضي وجوبها عليه". وتجب على أهل البادية في قول أكثر أهل العلم، وقال عطاء: لا صدقة عليهم. ولنا: عموم الحديث.
ولا يعتبر لها النصاب، وبه قال مالك والشافعي. وقال أصحاب الرأي: لا تجب إلا على من ملك نصاباً، لقوله:
"لا صدقة إلا عن ظهر غنى". 1 وهو محمول على زكاة المال. فإن لم يجد إلا صاعاً، أخرجه عن نفسه، لقوله: "ابدأ بنفسك، ثم بمن تعول". وقال ابن المنذر: كل من نحفظ عنه لا يوجبها على الجنين، وتستحب، "لأن عثمان أخرجها عنه". ومن تكفل بمؤنة شخص في رمضان، لم تلزمه فطرته، في قول الأكثر، وعنه: تلزمه؛ وهو محمول على الاستحباب. ولا يمنع الديْن وجوب الفطرة، إلا أن يكون مطالباً به، بدليل وجوبها على الفقير.
ويجوز إخراجها قبل العيد بيوم أو يومين، ولا يجوز قبل ذلك. وقال الشافعي: يجوز من أول الشهر. ولنا: أن المقصود منها الإغناء في وقت مخصوص، فلم يجز تقديمها قبله. والأفضل إخراجها يوم العيد قبل الصلاة، فإن أخرها عن يوم العيد أثم. وحكي عن ابن سيرين الرخصة في تأخيرها، وحكي عن أحمد، واتباع السنة أولى.
والواجب: صاع عن كل إنسان، من جميع الأجناس المخرجة، وبه قال

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 البخاري: الزكاة (1426, 1428) والنفقات (5355, 5356), والنسائي: الزكاة  (2534, 2544), وأبو داود: الزكاة (1676), وأحمد (2/230), والدارمي: الزكاة  (1651).

 

ص -242-      مالك والشافعي. وروي عن معاوية وابن الزبير: "يجزئ نصف صاع من البر"، وهو قول عطاء وطاووس وغيرهما. ولا يجوز العدول عن الأجناس المذكورة مع القدرة. وقال مالك: يخرج من غالب قوت البلد. قال أحمد: كان ابن سيرين يحب أن ينقي الطعام، وهو أحب إليّ ليكون على الكمال. ويجوز إخراج صاع إذا كان من الأجناس المنصوص عليها.
ويجوز أن يعطي الجماعة ما يلزم الواحد، لا نعلم فيه خلافاً، فأما إعطاء الواحد ما يلزم الجماعة فظاهر المذهب الجواز، وبه قال مالك وأصحاب الرأي وابن المنذر.
ومن هنا إلى آخر الباب: من "الإنصاف":
اختار الشيخ إجزاء نصف صاع من بر، واختار أنه يجزئ من قوت البلدة مثل الأرز وغيره، وذكر أنه قول أكثر العلماء، ولو قدر على الأصناف المذكورة. واختار أنها لا تدفع إلا لمن يستحق الكفارة؛ فلا تدفع في المؤلفة والرقاب وغير ذلك.

 

ص -243-      باب إخراج الزكاة
لا يجوز تأخير إخراجها إذا لم يخش ضرراً، وبه قال الشافعي. فإن خشي إن أخرجها أخذها الساعي منه مرة أخرى، فله تأخيرها. فإن أخرها ليدفعها إلى من هو أحق بها، فإن كان شيئا يسيراً فلا بأس. وفي تعجيلها لأكثر من حول روايتان: إحداهما: لا يجوز، لأن النص لم يرد إلا به. والثانية: يجوز، لأن في حديث العباس: "هي عليّ ومثلها"، ولأحمد:  "إنا استسلفنا زكاة عامين". فأما ما زاد عن حولين، فقال ابن عقيل: لا يجوز، رواية واحدة، لأن التعجيل على خلاف الأصل؛ وإنما جاز في عامين، للنص. وإن عجل زكاة ماله ثم مات، فأراد الوارث الاحتساب بها عن زكاة حوله، لم يجز. وإن عجلها ثم هلك المال، لم يرجع على الآخذ.
ومن هنا إلى آخر الباب: من "الإنصاف":
ليس للإمام أن يقاتل على عدم دفعها إليه، وقال الشيخ: من جّوز القتال على عدم طاعته، جوّزه هنا، ومن لم يجوّزه إلا على ترك طاعة اللّه ورسوله، لم يجوّزه. وإذا أخذها الإمام قهراً وأخرجها ناويا للزكاة ولم ينوها ربها، أجزأت عن ربها. وقال الشيخ: لا يجزيه. ولو دفعها إلى الإمام طائعاً، ونواها الإمام دون ربها، لم تجزئه، اختاره الشيخ.
ولا يجوز نقلها إلى بلد تقصر فيه الصلاة، وقيل: تنقل لمصلحة راجحة

 

ص -244-      كقريب محتاج ونحوه، اختاره الشيخ. وقال: تحديد المنع بمسافة القصر ليس عليه دليل شرعي، وجعل محل ذلك الأقاليم؛ فلا تنقل من إقليم إلى إقليم. ولو أخذ الساعي فوق حقه من رب المال، اعتد بالزيادة في سنة ثانية، قال أحمد: يحسب ما أهداه للعامل من الزكاة، وعنه: لا يعتدّ بذلك. وقال الشيخ: ما أخذه باسم الزكاة، ولو فوق الواجب بلا تأويل، اعتدّ به وإلا فلا.

 

ص -245-      باب أهل الزكاة
وهم ثمانية سماهم اللّه تعالى، ولا نعلم خلافاً أنه لا يجوز دفعها إلى غيرهم، إلا ما روي عن أنس والحسن: "ما أعطيت في الجسور والطرق، فهي صدقة قاضية".
و (الفقراء) و(المساكين) صنفان فيها، وصنف في سائر الأحكام. وإذا ملك ما لا تتم به كفايته من غير الأثمان، لم يمنع من أخذها، نص عليه، ولا نعلم فيه خلافاً. وذكر أحمد قول عمر: "أعطوهم وإن راحت عليهم من الإبل كذا وكذا". وقال أصحاب الرأي: إن ملك نصاباً زكوياً لا تتم به كفايته، كالمواشي والحبوب، فليس له الأخذ، لأنها تجب عليه الزكاة، لحديث معاذ:
"تؤخذ من أغنيائهم، وتُرد على فقرائهم... إلخ". 1 ويجوز أن يكون الغنى الموجب للزكاة غير الغنى المانع عنها، جمعاً بين الأدلة. وإن ملك من غير الأثمان ما يقوم بكفايته، كمكسب أو أجرة عقار أو غيره، فلا يأخذ. وقال أبو حنيفة وأصحابه: إن كان المال مما لا تجب فيه الزكاة، جاز الدفع إليه. ولنا: قوله صلى الله عليه وسلم: "لا حظَّ فيها لغني، ولا لقوي مكتسب". 2 قال أحمد: ما أجوده من حديث! وإن كان من الأثمان فاختلف فيه، فعنه: خمسون درهماً أو قيمتها من الذهب، أو وجود ما تحصل به الكفاية على الدوام، من مكسب أو تجارة أو أجرة عقار ونحو ذلك. ولو ملك من الحبوب أو العروض أو العقار أو السائمة ما لا تحصل به الكفاية، لم يكن غنياً، وبه قال

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 البخاري: الزكاة (1395), ومسلم: الإيمان (19), والترمذي: الزكاة (625), والنسائي: الزكاة (2435), وأبو داود: الزكاة (1584), وابن ماجة: الزكاة (1783), وأحمد (1/233), والدارمي: الزكاة (1614).
2 النسائي: الزكاة (2598), وأبو داود: الزكاة (1633), وأحمد (4/224, 5/362).

 

ص -246-      مالك والشافعي، لحديث: "لا تحل المسألة إلا لثلاثة... إلخ"، 1 وحديث: "خمسين درهماً أو قيمتها" 2 فيه ضعف. ويجوز أن تحرم المسألة لا الأخذ. وقال أبو عبيد: الغنى أوقية، وهي: أربعون درهماً، لقوله عليه السلام: "من سأل وله قيمة أوقية، فقد ألحف". 3 وقال أصحاب الرأي: الغنى المانع منها هو الموجب لها، لحديث معاذ. ووجه الرواية الأولى: الجمع بين الحديثين، وهو: أن يكون الغنى المانع غير الغنى الموجب.
الثالث: (العاملون عليها)، وهم الذين يبعثهم الإمام لأخذها وحفظها، ومن يعينهم على ذلك. ولا يشترط كونهم فقراء، لأن اللّه جعلهم غير الفقراء والمساكين. وعنه: في قدر ما يعطى الثمن، وعنه: قدر عمالته.
الرابع: (المؤلفة قلوبهم)، وقال أبو حنيفة: انقطع سهمهم، لما روي:  "أن مشركاً جاء يلتمس من عمر مالاً، فلم يعطه، وقال: من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر"، ولأنه لم ينقل عن عثمان ولا عن علي. ولنا: الآية، ومخالفة كتاب اللّه وسنة رسوله واطراحهما بلا حجة، لا يجوز. ولا يثبت النسخ بترك عمر وعثمان وعلي، فلعلهم تركوه لعدم الحاجة، لا لسقوط سهمهم؛، وهذا في الكفار، وأما المسلمون، كمثل سادات المسلمين الذين لهم نظراء في الكفار، فإذا أعطوا رجي إسلام نظرائهم، كما "أعطى أبو بكر عدي بن حاتم والزبرقان"، مع حسن نياتهما وإسلامهما، ومثل من يرجى قوة إيمانه ومناصحته في الجهاد، كما "أعطى النبي صلى الله عليه وسلم عيينة بن حصن والأقرع بن حابس والطلقاء".
الخامس: (الرقاب)، لا نعلم فيه خلافاً. والمكاتبون منهم على قول الجمهور، وقال مالك: إنما يصرف في إعتاق العبيد. ويجوز أن يشتري بها

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 مسلم: الزكاة (1044), والنسائي: الزكاة (2579), وأبو داود: الزكاة (1640), وأحمد (3/477, 5/60), والدارمي: الزكاة (1678).
2 الترمذي: الزكاة (650), والنسائي: الزكاة (2592), وأبو داود: الزكاة (1626), وابن ماجة: الزكاة (1840), وأحمد (1/388, 1/441, 1/466), والدارمي: الزكاة (1640).
3 النسائي: الزكاة (2595), وأبو داود: الزكاة (1628), وأحمد (3/9).

 

ص -247-      أسيراً مسلماً نص عليه. وهل يجوز أن يشتري منها رقبة يعتقها؟ فعنه:  "يجوز"، وبه قال ابن عباس ومالك، لعموم قوله: {وَفِي الرِّقَابِ}. 1 وعنه: لا، وهو قول الشافعين لأن الآية تقتضي صرفها إلى الرقاب، والعبد لا يدفع إليه شيء. قال أحمد: كنت أقولُ: يعتق من الزكاة، ولكن أهابه اليوم لأنه يجر الولاء. قيل له: فما يعجبك من ذلك؟ قال: يعين في ثمنها، فهو أسلم. وبه قال أبو حنيفة وصاحباه، لأنه ينتفع بالولاء، ولا يجوز أن يشتري منها من يعتق عليه، وأجازه الحسن.
السادس: (الغارمون)، وهم المدينون؛ فالغارمون لإصلاح نفوسهم لا خلاف في استحقاقهم، وأن العاجز عن وفاء ديْنه منهم. لكن من غرم في معصية، لم تدفع إليه قبل التوبة. والغارمون لإصلاح ذات البين، مثل من يحمل الدماء والأموال، وكانت العرب تعرف ذلك، فورد الشرع بإباحة المسألة فيها، وفي حديث أبي سعيد:
"لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة"، 2 فذكر منهم الغارم.
السابع: (في سبيل اللّه)، ولا خلاف فيهم، ولا خلاف أنهم الغزاة؛ وإنما يستحقه الذين لا ديوان لهم. قال أحمد: يعطى ثمن الفرس، ولا يتولى مخرج الزكاة شراء الفرس بنفسه، لأن الواجب إيتاء الزكاة؛ فإذا اشترى بنفسه فما أعطي إلا فرساً. وقال في موضع آخر: إن دفع ثمن الفرس والسيف، فهو أعجب إلي، وإن اشتراه رجوت أن يجزئه. وقال: لا يشتري فرساً يصير حبيسا في سبيل اللّه، ولا دارا ولا ضيعة للرباط، لأنه لم يؤت الزكاة لأحد،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 سورة التوبة آية: 60.
2 أبو داود: الزكاة (1635), وابن ماجة: الزكاة (1841), وأحمد (3/56), ومالك: الزكاة (604).

 

ص -248-      ولا يغزو على الفرس الذي أخرجه من الزكاة. واختلفت الرواية عنه: هل يعطي منها في الحج؟
الثامن: (ابن السبيل)، ولا خلاف فيه، وهو: المسافر الذي ليس له ما يرجع به إلى بلده، وإن كان ذا يسار في بلده. وقال الشافعي: ومن يريد إنشاء السفر أيضاً يدفع إليه. ولنا: أن السبيل هو الطريق، وابنه الكائن فيه، ولا يفهم من ابن السبيل إلا الغريب. وإن كان يريد غير بلده، فقال أصحابنا: يدفع إليه، لكن بشرط كون السفر مباحاً. وإن كان للنـزهة ففيه وجهان، قال شيخنا: ويقوى عندي أنه لا يجوز الدفع في السفر إلى غير بلده، لأنه لا نص فيه.
ويعطى الفقير والمسكين ما يكفي حولاً، والغارم والمكاتب ما يقضيان به ديْنهما، والغازي ما يحتاج إليه لغزوه. وإن أخرجها فضاعت قبل دفعها إلى الفقير، لم تسقط، وقال مالك: أراها تجزئه إذا أخرجها في محلها، وإن أخرجها بعده ضمن. وإن منعها أخذت منه وعُزر. وقال أبو بكر: يأخذها وشطر ماله، وبه قال إسحاق، لحديث:
"إنا آخذوها وشطر ماله". 1 قال أحمد: صالح الإسناد.
والصبي والمجنون يخرج عنهما وليهما. وحكي عن الثوري والأوزاعي: تجب، ولا تخرج حتى يبلغ الصبي ويفيق المجنون. وقال أبو حنيفة: لا تجب الزكاة في أموالهما، إلا العشر وصدقة الفطر، لقولهصلى الله عليه وسلم:
"رفع القلم عن ثلاثة"، 2 والحديث أريد به رفع الإثم بدليل وجوب العشر وصدقة الفطر، وهي حق يتعلق بالمال أشبه أرش الجناية ونفقة الزوجة والأقارب. ويستحب له تفريقها بنفسه، وله دفعها إلى الساعي، وعنه:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 النسائي: الزكاة (2444, 2449), وأبو داود: الزكاة (1575), والدارمي: الزكاة  (1677).
2 الترمذي: الحدود (1423), وابن ماجة: الطلاق (2042), وأحمد (1/116, 1/118, 1/140, 1/158).

 

ص -249-      يستحب أن يدفع إليه العشر ويتولى تفريق الباقي. قال أحمد: "قيل لابن عمر: إنهم يقلدون بها الكلاب، ويشربون بها الخمور، قال: ادفعها إليهم". ومن قال: يدفعها إلى الإمام: الشعبي والأوزاعي. "وكان ابن عمر يدفع زكاته إلى من جاءه من سعاة ابن الزبير أو نجدة الحروري". وقال مالك وأبو حنيفة: لا يفرق الأموال الظاهرة إلا الإمام، لأن أبا بكر طالبهم بها وقاتلهم عليها، وقال: "واللّه لو منعوني عناقاً كانوا يؤدونها إلى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، لقاتلتهم على منعها". وقال أصحاب الرأي: إذا مر على الخوارج فعشروه لا يجزئ عن زكاته، ويجزئ فيما غلبوا عليه. وقال أبو عبيد: على من أخذوا منه الزكاة الإعادة، لأنهم ليسوا بأئمة، أشبهوا قطاع الطريق. ولنا: قول الصحابة من غير خلاف علمناه في عصرهم.
ولا يعطى أحد مع الغنى إلا أربعة: العامل، والمؤلف، والغارم لإصلاح ذات البين، والغازي؛ وبه قال مالك والشافعي. وقال أبو حنيفة: لا تدفع إلا لفقير، لعموم حديث معاذ. وابن السبيل تعتبر حاجته في مكانه وإن كان له مال في بلده. وإن أراد دفع الزكاة إلى الغارم سلمها إليه، فإن دفعها للغريم عن المدين، ففيه روايتان. ويحتمل أن تحمل رواية المنع على الاستحباب. وإن ادعى الفقر من عُرف بالغنى، لم يقبل قوله إلاّ ببينة، وهل يعتبر في البينة ثلاثة؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم. والثاني: يقبل اثنان، لأن الخبر ورد في حل المسألة فيقتصر عليه. وإن ادعى الفقر من لم يُعرف بالغنى قبل قوله، فإن رأوه جلداً وذكر أنه لا كسب له، أعطاه من غير يمين بعد أن يخبره أنه لا حظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب.
ومن غرم أو سافر في معصية، لم تدفع إليه، وإن تاب فعلى وجهين. ويستحب صرفها

 

ص -250-      إلى جميع الأصناف، أو من أمكن منهم، للخروج من الخلاف. فـ"إن اقتصر على واحد أجزأه"، وهذا قول ابن عمر وابن عباس وغيرهما. وقال النخعي: إن كان المال كثيراً يحتمل الأصناف، قسمه عليهم، وإن كان قليلاً جاز. وقال مالك: يتحرى موضع الحاجة منهم، ويقدم الأوْلى فالأولى. وقال الشافعي: يجب أن تقسم زكاة كل صنف على الموجودين من الأصناف الستة على السواء، ثم حصة كل صنف لا تصرف إلى أقل من ثلاثة إن وجدوا، فإن لم يوجد إلا واحد، صرف حصة ذلك الصنف إليه. وروي عن أحمد مثله. ولنا: قوله تعالى: {إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ} الآية، 1 وحديث معاذ؛ ولم يذكر في الآية والخبر إلا صنفاً واحداً. و"أمر صلى الله عليه وسلم بني زريق بدفع صدقاتهم إلى سلمة بن صخر، وقال لقبيصة: أقم حتى تأتينا الصدقة، فنأمر لك بها"، 2 وما بلغنا أنه صلى الله عليه وسلم فعل هذا ولا أحد من خلفائه، ولو فعلوه مع مشقة لنقل. والآية سيقت لبيان من يجوز الصرف إليه، بدليل أنه لا يجب تعميم كل صنف بها.
قال ابن المنذر: أجمعوا على أن الذمي لا يعطى من الزكاة، لحديث معاذ، ولا يعطى الكافر ولا المملوك، لا نعلم فيه خلافاً، إلا أن يكون الكافر مؤلفاً.
وقال ابن المنذر: أجمعوا على أنها لا تدفع إلى الوالدين في الحال التي يجبر على النفقة عليهم، ولا إلى الزوجة. ولا نعلم خلافاً أن بني هاشم لا تحل لهم، وحكم مواليهم كذلك عند أحمد؛ وقال أكثر أهل العلم: يجوز. ولنا: حديث أبي رافع:
"إنا لا تحل لنا الصدقة، وإن موالي القوم منهم". 3 صححه الترمذي. ولهم الأخذ من صدقة التطوع ووصايا الفقراء والنذر، وفي الكفارة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 سورة البقرة آية: 271.
2 مسلم: الزكاة (1044), وأبو داود: الزكاة (1640), وأحمد (5/60), والدارمي: الزكاة (1678).
3 الترمذي: الزكاة (657), والنسائي: الزكاة (2612), وأبو داود: الزكاة (1650), وأحمد (6/390).

 

ص -251-      وجهان. ولو أهدى المسكين منها إلى الهاشمي حل، "لأنه صلى الله عليه وسلم أكل مما تُصُدِّق به على أم عطية، وقال: إنها قد بلغت محلها". 1 متفق عليه.
وكل من حرم عليه صدقة الفرض من الأغنياء وقرابة المتصدق والكافر وغيرهم، تجوز له صدقة التطوع، قال اللّه تعالى:
{وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ} الآية، 2 ولم يكن الأسير يومئذ إلا كافراً، وقال لسعد: "إن نفقتك على أهلك: صدقة". 3 متفق عليه. والأقارب غير الوالدين من لا يرث منهم، يجوز دفع الزكاة إليه.
الثاني: من يرث، كالأخوين اللذيْن يرث أحدهما الآخر، ففيه روايتان: إحداهما: يجوز، وهذا قول أكثر أهل العلم، لقوله: "وهي لذي الرحم: صدقة وصلة"، فلم يشترط نافلة ولا فرضاً. والثانية: لا، لأن على الوارث مؤنته. فإذا كان في عائلته من لا تجب عليه نفقته كاليتيم، فظاهر كلام أحمد أنه لا يجوز. وفي دفعها إلى الزوج روايتان: إحداهما: "يجوز"، لحديث ابن مسعود وامرأته. والثانية: لا. وحديث ابن مسعود وزوجته في صدقة التطوع، لقولها: أردت أن أتصدق بحلي لي، وقوله
: "زوجك وولدك أحق"، 4 والولد لا تدفع إليه الزكاة.
وهل يجوز دفعها إلى بني المطلب؟ على روايتين. وإن دفعها إلى من لا يستحقها وهو لا يعلم، ثم علم، لم تجزه، إلا لغني إذا ظنه فقيراً، في إحدى الروايتين؛ وبه قال أبو حنيفة وأبو عبيد،
"لأنه صلى الله عليه وسلم أعطى الجلدين، وقال للذي سأله من الصدقة: إن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك"، 5 ولو اعتبر حقيقة الغنى لما اكتفى بقولهم.
ويستحب أن يخص بالصدقة من اشتدت حاجته، لقوله:
{أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ}. 6 فإن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 البخاري: الزكاة (1494), ومسلم: الزكاة (1076), وأحمد (6/407).
2 سورة الإنسان آية: 8.
3 أحمد (1/168).
4 البخاري: الزكاة (1462).
5 أبو داود: الزكاة (1630).
6 سورة البلد آية: 16.

 

ص -252-      تصدق بما ينقص مؤنة من تلزمه مؤنته أثم، لقوله:  "كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يقوت"، 1 فإن وافقوه على الإيثار فهو أفضل، لقوله: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ}، 2 وقوله صلى الله عليه وسلم: "أفضل الصدقة: جهد من مقلٍّ إلى فقير في السر". ومن أراد الصدقة بماله كله وكان وحده، أو كان لمن يمونه كفايتهم، أو كان مكتسبا، أو واثقا من نفسه بحسن التوكل والتعفف من المسألة، فله ذلك لما ذكرنا من الآية والخبر، ولقصة أبي بكر، و"إلا كره ذلك، لحديث جابر في الذي جاء بمثل بيضة من ذهب..." الحديث.
ومن هنا إلى آخر الباب: من "الإنصاف":
قال الشيخ: الفقر والمسكنة صفتان لموصوف واحد. واختار جواز الأخذ لشراء كتب علم لا بد لمصلحة دينه ودنياه منها. و الذي يقبض للصغير من الزكاة والهبة والكفارة: وليه من أب ووصي وحاكم. قال في الفروع: لم أجد عن أحمد تصريحاً بأنه لا يصح قبض غير الولي مع عدمه، مع أن الموفق قال: لا نعلم فيه خلافاً، ثم ذكر أنه يحتمل أنه يصح قبض من يليه من أم وقريب وغيرهما عند عدم الولي. وذكر المجد: أنه منصوص أحمد. نقل هارون الحمال في الصغار يعطى أولياؤهم، فقلت له: ليس لهم ولي، قال: يعطى من يُعنى بأمرهم.
ويصح من المميز قبض الزكاة، قال المروذي: قلتُ لأحمد: يعطى غلاماً يتيماً من الزكاة؟ قال: نعم. يدفعها إلى الغلام. قلت: أخاف أن يضيعه. قال: يدفعه إلى من يقوم بأمره.
قيل لأحمد: يكون عنده الزرع ليس عنده ما يحصده، أيأخذ من الزكاة؟ قال: نعم. قال الشيخ: وفي معناه: ما يحتاج إليه لإقامة مؤنته؛

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 مسلم: الزكاة (996), وأبو داود: الزكاة (1692), وأحمد (2/160, 2/193, 2/194، 2/195).
2 سورة الحشر آية: 9.

 

ص -253-      ومن أبيح له أخذ شيء أبيح له سؤاله. وعنه: يحرم السؤال لا الأخذ، على من له غداء أو عشاء. قال الأصحاب: إذا عمل الإمام أو نائبه، لم يكن له أخذ شيء، لأنه يأخذ رزقه من بيت المال. ونقل صالح: العامل هو السلطان الذي جعل اللّه له الثمن في كتابه، ونقل عبد اللّه نحوه. ولا يقضي منها ديْن ميت غرم لمصلحة نفسه أو غيره، واختار الشيخ الجواز، لأنه لا يشترط تمليكه، لأن اللّه قال: {وَالْغَارِمِينَ}، 1 ولم يقل: وللغارمين. ولو دفع المالك إلى الغريم بلا إذن الفقير، فكلام الشيخ يقتضي الجواز. واختار جواز الأخذ من الزكاة للفقير ما يصير به غنياً وإن كثر. واختار أنه إذا أسقط عن غريمه زكاة ذلك الديْن منه جاز، لأن الزكاة مواساة.
واختار جواز إعطاء عمودي نسبه إذا كان لغرم نفسه أو لكتابة أو ابن سبيل. وقال: بنو هاشم إذا منعوا خمس الخمس، جاز لهم الأخذ منها. وقال: يجوز لهم الأخذ من زكاة الهاشميين. انتهى. وقال: وفي تحريم الصدقة على أزواجه صلى الله عليه وسلم وكونهن من أهل بيته روايتان: أصحهما: التحريم، وكونهن من أهل بيته. واختار أنه يعطى يتيماً تبرع بنفقته.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 سورة التوبة آية: 60.

 

ص -254-      كتاب الصيام
يجب الصوم بإحدى ثلاثة:
الأول: رؤية الهلال، إجماعاً.
الثاني: كمال شعبان ثلاثين، لا نعلم فيه خلافاً. ويستحب ترائي الهلال ليلة الثلاثين من شعبان، وفي الترمذي:
"احصوا هلال شعبان لرمضان".
الثالث: أن يحول دون منظره غيم أو قتر، فيجب صومه، وعنه: لا يجب، ولا يجزئه عن رمضان إن صامه؛ وهو قول أبي حنيفة ومالك والشافعي. وعنه: الناس تبع للإمام، فإذا رؤي نهاراً قبل الزوال أو بعده، فهو لليلة المقبلة. وقال الثوري وأبو يوسف: إن رؤي قبل الزوال، فهو للماضية، لقوله: "
صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته"، 1 وقد رأوه فيجب الصوم والفطر. ولنا: قول عمر وابنه وغيرهما من الصحابة، والخبر محمول على ما إذا رئي عشية، بدليل ما لو رئي بعد الزوال. ثم إن الخبر إنما يقتضي الصوم والفطر من الغد، بدليل ما لو رئي عشية. وعنه: إن كان في أول رمضان، فهو للماضية؛ فعليها، يلزم قضاء ذلك اليوم وإمساك بقيته.
فإذا رآه أهل بلد لزم الناس كلهم الصوم. وعن عكرمة: لأهل كل بلد رؤيتهم، وهو مذهب إسحاق، لحديث كريب عن ابن عباس، رواه مسلم. ولنا: قوله
{فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ}، 2 وقد ثبت أن هذا منه في سائر الأحكام - من وقوع الطلاق

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 البخاري: الصوم (1909), ومسلم: الصيام (1081), والترمذي: الصوم (684), والنسائي: الصيام (2117, 2118), وأحمد (2/497), والدارمي: الصوم (1685).
2 سورة البقرة آية: 185.

 

ص -255-      والعتاق وغير ذلك -، فوجب صيامه بالنص والإجماع. وحديث كريب دل على أنهم لا يفطرون بقول كريب، ونحن نقول به.
ويقبل في هلال رمضان قول عدل، وفي سائر الشهور عدلان. وعن عثمان: "لا يقبل إلا شهادة اثنين"، وهو مذهب مالك، لحديث عبد الرحمن بن الخطاب. ولنا: حديث ابن عباس، وحديثهم إنما يدل بمفهومه، وإن صاموا بشهادة اثنين ثلاثين فلم يروه، أفطروا، لحديث عبد الرحمن بن زيد. وإن صاموا بشهادة واحد، فعلى وجهين: أحدهما لا يفطرون، لحديث عبد الرحمن.
ومن رأى هلال رمضان فردت شهادته لزمه الصوم، وقاله مالك والشافعي. وقال إسحاق: لا يصوم. وإن رأى هلال شوال وحده، لم يفطر؛ روي عن مالك والليث. وقال الشافعي: يحل له أن يأكل بحيث لا يراه أحد. وإن قامت البينة بالرؤية، لزمهم الإمساك والقضاء. وقال عطاء: لا يجب الإمساك. قال ابن عبد البر: لا نعلم أحداً قاله غير عطاء. وإن طهرت حائض أو نفساء، أو قدم المسافر مفطراً، لزمهم القضاء؛ وفي الإمساك روايتان.
و"من عجز عن الصوم لكِبر أو مرض لا يرجى برؤه أفطر، وأطعم عن كل يوم مسكيناً"، وهذا قول علي وابن عباس وغيرهما. وقال مالك: لا يجب عليه شيء. ولنا: الآية، قال ابن عباس في تفسيرها: "نزلت رخصة للشيخ الكبير".
وقال أبو عبيد وأبو مجلز: لا يفطر من سافر بعد دخول الشهر، لقوله تعالى:
{فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ}. 1 ولنا: "أنه صلى الله عليه وسلم خرج عام الفتح في رمضان، فصام حتى بلغ الكديد. ثم أفطر، وأفطر الناس معه". 2 متفق

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 سورة البقرة آية: 185.
2 البخاري: الصوم (1944), ومسلم: الصيام (1113), وأحمد (1/348), والدارمي: الصوم (1708).

 

ص -256-      عليه.
ومن نوى الصوم في سفره فله الفطر، وقال الشافعي: إن صح حديث الكديد، لم أر به بأساً. وقال مالك: إن أفطر، فعليه القضاء والكفارة.
وإن نوى الحاضر صوم يوم، ثم سافر في أثنائه فله الفطر. وقال مالك والشافعي وأصحاب الرأي: لا يفطر. ولنا: حديث أبي بصرة الغفاري، رواه أبو داود. وقال الحسن: يفطر في بيته إن شاء، لما روى محمد بن كعب قال: "أتيت أنس بن مالك في رمضان وهو يريد السفر، وقد رحلت له راحلته، فدعا بطعام فأكل، فقلت له: سنّة؟ فقال: سنّة. ثم ركب". حسنه الترمذي؛ ويحتمل أنه كان نزل خارجاً منه، فأتاه ابن كعب في ذلك المنـزل. قال ابن عبد البر: قول الحسن شاذ، ويروى عنه خلافه.
والحامل والمرضع إذا خافتا على أنفسهما، أفطرتا وقضتا لا غير، لا نعلم فيه خلافاً. وإن خافتا على ولديهما، أفطرتا وأطعمتا. وقال الليث: الكفارة على المرضع، لأنه يمكنها أن تسترضع لولدها.
وقال النخعي وأبو حنيفة: لا كفارة عليها. ولنا: قوله تعالى:
{وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ}، 1"وهما داخلتان في عموم الآية". وروي عن ابن عمر وابن عباس، ولا مخالف لهما من الصحابة. ويجب عليهما القضاء، وقال ابن عمر وابن عباس: "لا قضاء عليهما لأن الآية تناولتهما". ولنا: أنهما يطيقان. قال أحمد: أذهب إلى حديث أبي هريرة، يعني: ولا أقول بقول ابن عمر وابن عباس في منع القضاء. ولا نعلم خلافاً في وجوب القضاء على المغمى عليه، فأما المجنون فلا يقضي، وقال مالك: يقضي.
ولا يصح صومٌ واجب إلا أن ينويه من الليل، وهو مذهب مالك والشافعي، وقال أبو حنيفة: يجزى صيام رمضان، وكل صوم بنية من النهار، لأنه صلى الله

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 سورة البقرة آية: 184.

 

ص -257-      عليه وسلم أرسل غداة عاشوراء إلى قرى الأنصار التي حول المدينة: "من كان أصبح صائماً فليتم صومه، ومن كان أصبح مفطراً فليصم بقية يومه، ومن لم يكن أكل فليصم"، 1 وكان واجباً. ولنا: حديث حفصة، مرفوعاً: "من لم يبيِّت الصيام من الليل، فلا صيام له". 2 رواه أبو داود والترمذي والنسائي.
وأما يوم عاشوراء، فإنما سمي الإمساك صياماً تجوزاً، كما في البخاري:
"من كان أكل، فليصمْ بقية يومه". 3 والإمساك بعد الأكل ليس بصيام شرعي، ولو ثبت أنه صيام عاشوراء، فوجوبه تجدد في أثناء النهار.
ويصح صوم النفل بنية من النهار، بعد الزوال وقبله. وقال مالك: لا يجزئ إلا بنية من الليل، لحديث حفصة. ولنا: حديث عائشة عند مسلم، وحديثهم نخصه به، ولو تعارضا قدم حديثنا لأنه أصح. والمشهور من قولي الشافعي: أن النية لا تجزئ بعد الزوال، فإن فعل قبل النية ما يفطره لم يجز الصيام، بغير خلاف نعلمه.
ومن هنا إلى آخر الباب: من "الإنصاف":
وإن حال دون منظره غيم أو قتر وجب صومه، وعنه: لا يجب. قال الشيخ: هذا مذهب أحمد المنصوص الصريح عنه، فلا أصل للوجوب في كلامه ولا كلام أحد من الصحابة؛ فعليها، يباح صومه، اختاره الشيخ. قوله: إذا رآه أهل بلد... إلخ، إذا كانت المطالع متفقة لزمهم الصوم، قال الشيخ: تختلف المطالع باتفاق أهل المعرفة، فإن اتفقت لزمهم الصوم وإلا فلا. واختار أن من رآه فرُدت شهادته، لا يلزمه الصوم ولا الأحكام المعلقة بالهلال من طلاق وغيره. وإن رأى هلال شوال وحده، لم يفطر. قال الشيخ: النـزاع مبني على أصل، وهو أن الهلال هل هو اسم لما يطلع في السماء وإن لم يشتهر ولم

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 البخاري: الصوم (1960), ومسلم: الصيام (1136).
2 الترمذي: الصوم (730), والنسائي: الصيام (2334), وأبو داود: الصوم (2454), وأحمد (6/287), والدارمي: الصوم (1698).
3 البخاري: الصوم (2007), ومسلم: الصيام (1135), والنسائي: الصيام (2321), وأحمد (4/47, 4/48), والدارمي: الصوم (1761).

 

ص -258-      يظهر، أو أنه لا يسمى هلالاً إلا بالاشتهار والظهور، كما يدل عليه الكتاب والسنة والاعتبار.
وإن قامت البينة في أثناء النهار، لزم الإمساك والقضاء، وقال الشيخ: يمسك ولا يقضي، وأنه لو لم يعلم بالرؤية إلا بعد الغروب لم يلزمه القضاء. وإن أسلم كافر أو أفاق مجنون أو بلغ صبي فكذلك، وعنه: لا يجب الإمساك ولا القضاء، واختار الشيخ: يجب الإمساك دون القضاء. وقال: لو تبرع إنسان بالصوم عمن لا يطيقه لكِبر ونحوه أو عن ميت، وهما معسران، توجه جوازه، لأنه أقرب إلى المماثلة من المال. واختار الفطر للتقوّي على الجهاد، وفعله هو وأمر به لما نزل العدوّ دمشق، وقال: يباح للمسافر الفطر ولو كان السفر قصيراً.
قوله: ولا يصح صوم واجب إلا أن ينويه من الليل، معيناً من رمضان أو قضائه أو نذره أو كفارته، وعنه: لا يجب تعيين النية لرمضان، ولا يصح بنية مقيدة بنذر أو غيره، لأنه ناو تركه، اختاره الشيخ إن كان جاهلاً، ومن كان عالماً فلا.
وإن نوى: إن كان غداً من رمضان ففرض وإلا فنفل، لم يجزئه، وعنه: يجزئه، اختاره الشيخ. قال في الروضة: الأكل والشرب بنية الصوم نية، وكذا قال الشيخ.

 

ص -259-      باب ما يفسد الصوم ويوجب الكفارة
أجمعوا على أن الإفطار بالأكل والشرب لما يُتغذى به، فأما ما لا يتغذى به فيفطر، في قول عامة أهل العلم. وقال الحسن بن صالح: لا يفطر فيما ليس بطعام ولا شراب. وحكي عن أبي طلحة: "أنه كان يأكل البرد في الصوم". وقال مالك: لا يفطر بالسعوط إلا أن يصل إلى حلقه، واختلف عنه في الحقنة. وإن وجد طعم الكحل في حلقه، أو علم وصوله إليه، فطّره وإلا فلا. وقال الشافعي: لا يفطر الكحل.
قال ابن المنذر: أجمعوا على إبطال صوم من استقاء عامداً، وقليل القيء وكثيره سواء، وعنه: لا يفطر إلا بملء الفم؛ والأول أولى، لظاهر حديث أبي هريرة، حسنه الترمذي.
وإن قبّل أو لمس فأمنى أو أمذى أفطر، لإيماء الخبر إليه، يعني: قولها:  "كان أملككم لإربه". وقال الشافعي: لا يفطر بالمذي، أو كرر النظر فأنزل، يعني: يفطر، وقال الشافعي وابن المنذر: لا يفطر.
والحجامة يفطر بها الحاجم والمحجوم، وبه قال إسحاق وابن المنذر وابن خزيمة. وقال مالك: لا يفطر، (وإنما) يفطر بما ذكرنا إذا فعله ذاكراً لصومه. وروي عن عليّ: "لا شيء على من أَكل ناسياً"، وهو قول أبي هريرة وابن عمر، وقال مالك: يفطر.
وإذا دخل حلقه غبار أو ذباب من غير قصد، أو رش عليه الماء فيدخل

 

ص -260-      مسامعه أو حلقه، أو يلقى في ماء فيصل إلى جوفه، فلا يفسد صومه، لا نعلم فيه خلافاً.
ومن أكل معتقداً أنه ليل فبان نهاراً، فعليه القضاء، هذا قول أكثر أهل العلم، وحكي عن عروة ومجاهد والحسن وإسحاق: لا قضاء عليه.
وإذا جامع في نهار رمضان، فعليه القضاء والكفارة، وعنه: لا كفارة مع الإكراه أو النسيان. وقال الشافعي: لا يجب القضاء مع الكفارة. ولنا: أنه صلى الله عليه وسلم قال للمُجامع:
"وصم يوماً مكانه". 1 رواه أبو داود. وإن جامع فيما دون الفرج أفطر، بغير خلاف علمناه، وفي الكفارة روايتان.
وإن قبّل أو لمس فأنزل فسد صومه، وفي الكفارة روايتان.
والكفارة: عتق رقبة، فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً، وعنه: على التخيير، لما روى مالك وابن جريج عن الزهري في الحديث: "أمره أن يكفِّر بعتق رقبة، أو صيام شهرين متتابعين، أو إطعام ستين مسكيناً". ووجه الأولى: الحديث الصحيح، رواه يونس ومعمر والأوزاعي والليث وموسى بن عقبة وعبيد اللّه بن عمير وعراك بن مالك وغيرهم، عن الزهري بلفظ الترتيب؛ والأخذ به أولى، لأن أصحاب الزهري اتفقوا عليه، سوى مالك وابن جريج، ولأن الترتيب زيادة، ولأن حديثنا لفظه صلى الله عليه وسلم، وحديثهم لفظ الراوي، ويحتمل أنه رواه بأوْ لاعتقاده أن معنى اللفظين سواء.
ومن هنا إلى آخر الباب: من "الإنصاف":
اختار الشيخ عدم الإفطار بمداواة جائفة ومأمومة وبحقنة. وقال ابن أبي موسى: الاكتحال بما يجد طعمه كصبر يفطر، ولا يفطر الإثمد غير المطيب

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 البخاري: الصوم (1936, 1937) والهبة وفضلها والتحريض عليها (2600) وكفارات الأيمان (6710, 6711), ومسلم: الصيام (1111), والترمذي: الصوم (724), وابن ماجة: الصيام (1671), وأحمد (2/208, 2/241), والدارمي: الصوم (1716).

 

ص -261-      إذا كان يسيراً، واختار الشيخ: لا يفطر بذلك كله.
قوله: أو قبّل أو لمس فأمنى... إلخ، ووجه في الفروع احتمالا بأنه لا يفطر، ومال إليه ورد ما احتج به المصنف والمجد. وإذا قبّل أو لمس فأمذى، فسد صومه، وقيل: لا يفطر، اختاره الشيخ. واختار أن الحاجم إن مص القارورة أفطر وإلا فلا، ويفطر المحجوم عنده إن خرج الدم وإلا فلا، وأنه لا يفطر الفاصد، وأن المشروط يفطر الشارط، وأنه يفطر بإخراج دمه برعاف أو غيره.
واختار أنه لا قضاء على من أكل أو جامع معتقداً أنه ليل فبان نهاراً. وإن جامع فيما دون الفرج فأنزل أفطر، ووجه في الفروع احتمالاً: لا يفطر إذا باشر دون الفرج، ومال إليه. واختار الشيخ أنه لا يفطر إذا أمذى بالمباشرة. واختار أن المجامع إذا طلع عليه الفجر فنـزع في الحال، أنه لا قضاء عليه ولا كفارة، ولو كفّر عنه غيره بإذنه فله أخذها، وقيل: وبدون إذنه.
وذكر ابن أبي موسى: هل يجوز له أكلها أم كان خاصا بذلك الرجل الأعرابي؟ على روايتين، وحكم أكله من الكفارات بتكفير غيره عنه حكم كفارة رمضان، وعنه: جواز أكله مخصوص بكفارة رمضان، ولو ملكه ما يكفّر به، وقلنا: له أخذه هناك، فله أكله، وإلا أخرجه عن نفسه، وقيل: هل له أكله أو يلزمه التكفير به؟ على روايتين.

 

ص -262-      باب ما يكره ويستحب، وحكم القضاء
يكره للصائم أن يجمع ريقه فيبتلعه، وإذا بلع ريق غيره أفطر؛ فإن قيل: "كان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يقبّل عائشة وهو صائم، ويمص لسانها"، قيل: قال أبو داود: ليس إسناده صحيحاً، ويجوز أن يقبلها في الصوم، ويمص لسانها في غيره.
وإذا ابتلع النخامة، فنقل حنبل: يفطر، ونقل المروذي: لا يفطر. قال أحمد: أحب إلي أن يجتنب ذوق الطعام، فإن فعل لم يضره، لقول ابن عباس: "لا بأس بذوق الطعام والخل، والشيء يريد شراءه"، والحسن كان يمضغ الجوز لابن ابنه وهو صائم. والمنقول عن أحمد: كراهة مضغ العلك. "ورخصت فيه عائشة".
وتكره القبلة إلا لمن لا تحرك شهوته. و"إن شُتم استحب أن يقول: "إني صائم""، للحديث.
ويستحب تعجيل الإفطار وتأخير السحور، ولا نعلم خلافاً في استحباب السحور.
ويستحب أن يفطر على رطبات، فإن لم يكن فعلى تمرات، فإن لم يكن فعلى الماء. ولا نعلم خلافاً في استحباب التتابع في قضاء صوم رمضان، وحكي وجوبه عن النخعي والشعبي. وإذا تأخر القضاء حتى أدركه رمضان آخر، فليس عليه إلا القضاء، لعموم الآية. و"إن كان لغير عذر، فعليه مع القضاء إطعام مسكين لكل يوم"، يروى عن ابن عباس وابن عمر، وقال الحسن:

 

ص -263-      لا فدية عليه. ولنا: أنه قول مَن سمّينا من الصحابة، ولم يرو عن غيرهم خلافهم.
ومن مات وعليه صيام قبل إمكان الصيام، إما لضيق وقت أو مرض أو سفر، فلا شيء عليه، في قول أكثر أهل العلم. و"إن أخّره لغير عذر مع إمكان القضاء فمات، أطعم عنه لكل يوم مسكيناً"؛ وهذا قول أكثر أهل العلم، روي ذلك عن عائشة وابن عباس، وبه قال مالك والأوزاعي والثوري والشافعي. وقال أبو ثور: يصام عنه، وهو قول الشافعي، لحديث:
"من مات وعليه صيام، صام عنه وليّه". 1 ولنا: أنه قول ابن عمر وابن عباس وعائشة، وهي راوية الحديث، والحديث في النذر.
واختلفت الرواية في جواز التطوع بالصوم ممن عليه صوم فرض، وفي كراهة القضاء في عشر ذي الحجة، ومن مات وعليه صوم منذور أو حج أو اعتكاف فعله عنه وليه، وإن كان صلاة منذورة فعلى روايتين. وقال مالك والثوري: يطعم عنه وليه. ولنا: الأحاديث وسنة رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أحق بالاتباع، وفيها غنى عن كل قول. ولا يختص بالولي، بل كل من قضى عنه أو صام عنه أجزأه.
ومن هنا إلى آخر الباب: من "الإنصاف":
قوله: فإن شُتم استحب أن يقول: "إني صائم"، يحتمل أن يقوله مع نفسه، ويحتمل أن يكون جهراً، اختاره الشيخ. ومن فطر صائماً، فله مثل أجره، قال الشيخ: المراد إشباعه.
واختار أن من أفطر متعمداً بلا عذر لا يقضي، وكذلك الصلاة، وقال: وليس في الأدلة ما يخالف هذا. وقال في المستوعب: يصح أن يفعل عنه كل ما عليه من نذر طاعة، إلا الصلاة فعلى روايتين. وقال المجد: قصة سعد تدل على أن كل نذر يقضى، وترجم عليه في المنتقى: يقضى كل المنذورات عن الميت، ولا كفارة مع الصوم عنه أو الإطعام. واختار الشيخ أن الصوم بدل مجزئ بلا كفارة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 البخاري: الصوم (1952), ومسلم: الصيام (1147), وأبو داود: الصوم (2400) والأيمان والنذور (3311), وأحمد (6/69).

 

ص -264-      باب صوم التطوع
أفضله: صيام داود. ويستحب صيام أيام البيض من كل شهر، وصوم الاثنين والخميس، وصيام ثلاثة من كل شهر، لا نعلم في استحبابه خلافاً، وصوم ستة أيام من شوال مستحب، وكرهه مالك. قال أحمد: "هو من ثلاثة أوجه عن النبي صلى الله عليه وسلم"، ولا فرق بين كونها متتابعة أو متفرقة، وصيام يوم عاشوراء كفارة سنة، ويوم عرفة كفارة سنتين، ولا يستحب لمن كان بعرفة.
ويستحب صيام عشر ذي الحجة. وأفضل الصيام بعد رمضان: شهر اللّه المحرم. ويكره إفراد رجب، قال أحمد: لا يصومه متوالياً بل يفطر فيه، ولا يشبهه برمضان.
ويكره إفراد الجمعة والسبت ويوم الشك ويوم النيروز والمهرجان، إلا أن يوافق عادة، قال أحمد: أما صيام يوم السبت يفرد، فقد جاء فيه حديث الصماء. والوصال مكروه في قول أكثر أهل العلم، وظاهر قول الشافعي: أنه حرام. ولنا: أن النهي رفقاً بهم، ولهذا لم يفهم منه الصحابة التحريم. وفي البخاري
"لا تواصلوا، فأيكم أراد أن يواصل، فليواصل إلى السحر". 1 وقال أبو الخطاب: إنما يكره صوم الدهر إذا دخل فيه العيدان وأيام التشريق، لأن أحمد قال: إذا أفطر يومَي العيد وأيام التشريق، رجوت أن لا يكون به بأس، وهو قول الشافعي، لأن جماعة من الصحابة كانوا يسردون الصوم. قال شيخنا: إنما كره صوم الدهر لما فيه من المشقة، وشبه التبتل المنهي عنه، وفي حديث عبد اللّه بن عمر:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 البخاري: الصوم (1967), وأبو داود: الصوم (2361), وأحمد (3/8, 3/57, 3/87, 3/96), والدارمي: الصوم (1705).

 

ص -265-      "وإنك إذا فعلت ذلك، هجمت له عينك... إلخ"، 1 ولو لم يفطر في العيدين وأيام التشريق، فقد فعل مكروهاً، وإن أفطر فيها.
ويكره استقبال رمضان باليوم واليومين، ويدل الحديث بمفهومه على جواز التقديم بأكثر من يومين، وفي حديث أبي هريرة:
"إذا كان النصف من شعبان، فأمسكوا... إلخ"؛ 2 فيحمل الأول على الجواز، وهذا على نفي الفضيلة، جمعاً بينهما. ولا يجوز صيام العيدين وأيام التشريق.
ومن شرع في صلاة أو صوم تطوعاً استحب له إتمامه، ولا يلزمه. وعنه: إذا أجمع على الصيام فأوجبه على نفسه، فأفطر من غير عذر، أعاد ذلك اليوم. وقال النخعي ومالك: يلزم بالشروع فيه، فإن خرج قضى، لحديث عائشة، وفيه:
"اقضيا يوماً مكانه". 3 ولنا: حديث عائشة عند مسلم، وخبرهم، قال أبو داود: لا يثبت، وضعفه الجوزجاني وغيره. وعن أحمد ما يدل على أن الصلاة تلزم بالشروع، ومال الجوزجاني إلى هذا وقال: الصلاة ذات إحرام وإحلال، فلزمت بالشروع كالحج.
وأكثرُ أصحابنا على "أنها لا تلزم"، وهو قول ابن عباس؛ فإن دخل في صوم واجب لم يجز له الخروج، بلا خلاف.
وتطلب ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان، وليالي الوتر آكد، وأرجاها ليلة سبع وعشرين. قال أبيّ بن كعب وابن عباس: "هي ليلة سبع وعشرين".
ومن هنا إلى آخر الباب: من "الإنصاف":
إذا أفطر أيام النهي، جاز صوم الدهر ولم يكره، ورواية الأثرم: يكره، قال الشيخ: الصواب قول من جعله تركاً للأوْلى أو كرها، وإن فرق ست شوال جاز، اختاره الشيخ.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 البخاري: أحاديث الأنبياء (3419).
2 الترمذي: الصوم (738), وأبو داود: الصوم (2337), وابن ماجة: الصيام (1651), وأحمد (2/442), والدارمي: الصوم (1740).
3 الترمذي: الصوم (735), وأبو داود: الصوم (2457), وأحمد (6/263), ومالك: الصيام (682).

 

ص -266-      (تنبيه): عدم استحباب صوم يوم عرفة لمن بعرفة ليتقوى على الدعاء، وعن الشيخ: لأنه يوم عيد. وقال: لا يكره إفراد العاشر من المحرم بالصيام، واختار أنه كان واجباً ثم نسخ. وحكى في إفراد رجب بالصوم وجهين. وقال: لا يجوز صوم يوم الجمعة. واختار أنه لا يكره صوم يوم السبت مفرداً، وأن الحديث شاذ أو منسوخ، وقال: لا يجوز تخصيص أعياد الكفار بالصوم. وذكر ابن عبد البر الإجماع على أنه إذا دخل في الاعتكاف وقد نواه مدة، لزمته يقضيها، ورد المصنف والمجد كلامه في دعوى الإجماع. قال الشيخ: الوتر باعتبار الماضي، فطلب ليلة القدر ليلة إحدى وعشرين وثلاث وعشرين... إلخ؛ ويكون باعتبار الباقي، لقوله: "في تاسعة تبقى" الحديث. فإذا كان الشهر ثلاثين، تكون تلك ليالي الإشفاع: فليلة الثانية والعشرين: تاسعة تبقى، وليلة أربع: سابعة تبقى، كما فسره أبو سعيد الخدري. وإن كان الشهر تسعة وعشرين، كان التاريخ بالباقي، كالتاريخ بالماضي.
وقال الشيخ: ليلة الإسراء في حقه صلى الله عليه وسلم أفضل من ليلة القدر. وقال: يوم الجمعة أفضل أيام الأسبوع، ويوم النحر أفضل أيام العام. واللّه أعلم.

 

ص -267-      كتاب الاعتكاف
لا نعلم خلافاً في استحبابه، قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن الاعتكاف لا يجب على الناس فرضاً، إلا أن يوجب المرءُ على نفسه الاعتكاف نذراً فيجب عليه. فإن نوى الاعتكاف مدة لم تلزمه، فإن شرع فيها فله إتمامها والخروج منها متى شاء. وقال مالك: يلزمه بالنية مع الدخول فيه، فإن قطعه فعليه قضاؤه. قال ابن عبد البر: لا يختلف في ذلك الفقهاء، ويلزم القضاء عند جميع العلماء، واحتجوا بحديث عائشة "في ضرب أزواجه الأخبية، فرجع، فلما أفطر اعتكف عشراً من شوال"، وما ذكره ليس بشيء، فإن هذا ليس بإجماع، ولا يعرف هذا القول عن أحد سواه؛ والحديث حجة عليه، لأنه صلى الله عليه وسلم ترك اعتكافه، وأزواجه تركنه ولا أمرن بالقضاء.
وأما قضاؤه صلى الله عليه وسلم، فإنه كان إذا عمل عملاً أثبته تطوعاً، ويصح بغير صوم، وعنه: لا يصح؛ فعليها، لا يصح في ليلة مفردة ولا بعض يوم، ولا يجوز إلا في مسجد، لا نعلم فيه خلافاً، وتقام فيه الجماعة. وعن الشافعي: وتقام فيه الجمعة، ولا يتعين شيء من المساجد بالنذر إلا الثلاثة، لحديث شد الرحال، ولو تعين غيرها لزم المضي إليه، واحتاج إلى شد رحل. وقال الشافعي في أحد قوليه: لا يتعين المسجد الأقصى، لقوله:
"صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه، إلا المسجد الحرام"، 1 وهذا يدل على التسوية بين ما عدا هذين المسجدين، وما ذكره لا يلزم فإنه إذا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 البخاري: الجمعة (1190), ومسلم: الحج (1394), والترمذي: الصلاة (325), والنسائي: المساجد (694) ومناسك الحج (2899), وابن ماجة: إقامة الصلاة والسنة فيها (1404), وأحمد (2/239, 2/251, 2/256, 2/277, 2/386, 2/466, 2/468, 2/473, 2/484, 2/485, 2/499), ومالك: النداء للصلاة (461).

 

ص -268-      فضل الفاضل بألف، فقد فضل المفضول بها أيضاً. وأفضلها: المسجد الحرام، ثم مسجد المدينة، ثم المسجد الأقصى. فإن نذر في الأفضل لم يكن له فعله في غيره، فإن نذره في غيره فله فعله فيه.
ومن هنا إلى آخر الباب: من "الإنصاف":
قال ابن عقيل: الأحكام المتعلقة بمسجده صلى الله عليه وسلم بما كان في زمانه، لقوله: "في مسجدي هذا"، واختار الشيخ أن حكم الزائد حكم المزيد عليه؛ ظاهر كلام المصنف: أنه سواء نذر الاعتكاف أو الصلاة في مسجد قريب أو بعيد، عتيق أو جديد، امتاز بمزية شرعية أو لا، واختار الشيخ تعيين ما امتاز بمزية شرعية، كقدم أو كثرة جمع، فإن أراد الذهاب إلى ما عيّنه بنذر، فاختار المصنف الإباحة في السفر القصير، ولم يجوّزه الشيخ.
ولا يجوز أن يجعل القرآن بدلاً من الكلام، وقال الشيخ: إذا قرأ عند الحكم الذي أنزل اللّه أو ما يناسبه، فحسن كقوله لمن دعاه إلى ذنب تاب منه:
{مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا}، 1 وقوله عندما أهمه: {إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ}. 2 وينبغي لمن قصد المسجد أن ينوي الاعتكاف مدَّة لبثه، ولم يره الشيخ. واللّه أعلم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 سورة النور آية: 16.
2 سورة يوسف آية: 86.

 

ص -269-      كتاب المناسك
تجب العمرة على من يجب عليه الحج، وعنه: ليست بواجبة، وبه قال مالك، "لأنه صلى الله عليه وسلم سئل عنها: أواجبة هي؟ قال: لا". صححه الترمذي، وقال الشافعي: ضعيف، لا تقوم بمثله الحجة.
وليس فيها شيء ثابت بأنها تطوع، قال ابن عبد البر: روي ذلك بأسانيد لا تصح. وليس على أهل مكة عمرة، نص عليه. وقال: "كان ابن عباس يراها واجبة ويقول: يا أهل مكة ليس عليكم عمرة إنما عمرتكم طوافكم بالبيت"، ووجهه: أن ركنها الطواف، وهم يفعلونه.
ولو حج الصبي والعبد صح، ولم يجزهما عن حجة الإسلام، حكاه الترمذي إجماعاً، فإن بلغ الصبي وأعتق العبد بعرفة أو قبلها غير محرمين، فأحرما ووقفا وأتما المناسك، أجزأ بغير خلاف، وإن كان وهما محرمان أجزأ. وقال مالك: لا يجزئ، اختاره ابن المنذر. قال أحمد: قال ابن عباس: "إذا أعتق العبد بعرفة، أجزأت عنه حجته، فإن أعتق بجمع لم تجزئ عنه". وهؤلاء يقولون: لا يجزئ، ومالك يقوله أيضاً؛ وكيف لا يجزئه؟ وهو لو أحرم تلك الساعة كان حجه تاماً، وما أعلم أحداً قال: لا يجزئه، إلا هؤلاء.
والصبي إن كان مميزاً أحرم بإذن وليه، وإن لم يكن مميزاً أحرم عنه، وبه قال مالك والشافعي، ومعناه: أن يعقد له الإحرام؛ فيصح للصبي دون الولي، كالنكاح. فإن أحرمت عنه أمه صح، لقوله صلى الله عليه وسلم: "ولك أجر"، ولا يضاف إليها إلا لكونه

 

ص -270-      تبعاً لها. وما عجز عنه، فعَله الولي عنه، لقول جابر: "فأحرمنا عن الصبيان"، وفي لفظ: "فلبينا عن الصبيان ورمينا عنهم". قال ابن المنذر: كل من نحفظ عنه: يرى الرمي عن الصبي الذي لا يقدر، "كان ابن عمر يفعله". وأما الطواف، فإن أمكنه المشي وإلا طيف به محمولاً، وتعتبر النية من الطائف. ويجرد كما يجرد الكبير، قال عطاء: يفعل به كما يفعل الكبير، ويشهد المناسك، إلا أنه لا يصلى عنه.
وليس للرجل منع امرأته من حج الفرض، ولا تحليلها إن أحرمت، بغير خلاف، حكاه ابن المنذر إجماعاً.
و (الاستطاعة): ملك الزاد والراحلة، قال ابن المنذر: العمل عليه عند أهل العلم. وقال عكرمة: هي الصحة. وقال الضحاك: إن كان شاباً فليؤجر نفسه بمأكله وعقبه. وعن مالك: إن كان يمكنه المشي وعادته السؤال، لزمه الحج. فإن تكلفه من لا يلزمه من غير ضرر يلحق بغيره، مثل من يمشي ويتكسب بصناعة ولا يسأل الناس، استحب له، لقوله تعالى: 
{يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ}، 1 فقدم الرجال.
ويجب الحج على الفور، وبه قال مالك. وقال الشافعي: يجب الحج وجوباً موسعاً، وله تأخيره، "لأنه صلى الله عليه وسلم أمر أبا بكر، وتخلف هو وأكثر المسلمين". فإن عجز عنه لكبر أو مرض لا يرجى برؤه، لزمه أن يقيم من يحج عنه ويعتمر من بلده. وقال مالك: لا حج عليه إلا أن يستطع بنفسه، ولا أرى له ذلك. ويجوز أن تنوب المرأة عن الرجل، وكرهه الحسن بن صالح. وقال ابن المنذر: هذه غفلة عن ظاهر السنة، فـ"إنه صلى الله عليه وسلم أمر المرأة أن تحج عن أبيها"، وعليه يعتمد من أجاز حج المرأة عن الرجل.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 سورة الحج آية: 27.

 

ص -271-      ولا يجوز الحج والعمرة عن الحي إلا بإذنه.
ومن مات وعليه حج، أخرج عنه من ماله ما يحج به عنه، وبه قال الشافعي. وقال مالك: يسقط بالموت، فإن أوصى بها فهي من الثلث. ويستحب أن يحج عن أبويه إذا كانا عاجزين أو ميتين، "لأمره به صلى الله عليه وسلم أبا رزين والمرأة".
ويشترط لوجوبه على المرأة وجود محرم، وهذا قول إسحاق وابن المنذر. وقال مالك والشافعي: ليس المحرم شرطاً، قال ابن المنذر: تركوا القول بظاهر الحديث، واشترط كل واحد شرطاً لا حجة معه عليه، واحتجوا بحديث الزاد والراحلة، وبحديث عدي:
"يوشك أن تخرج الظعينة تؤم البيت... إلخ"؛ والأول محمول على الرجل بدليل أنهم شرطوا معها غيرها، فجعله المحرم الذي بينه صلى الله عليه وسلم في أحاديثنا أولى، وكذلك اشترطوا قضاء الدين ونفقة العيال وغير ذلك، وهو غير مذكور في الحديث، واشترط كل واحد شرطاً في محل النـزاع من عند نفسه، لا من كتاب ولا من سنة. وحديث عدي يدل على وجود السفر لا على جوازه، وكذلك لم يجز في غير الحج المفروض، ولم يذكر خروج غيرها معها.
ومن هنا إلى آخر الباب: من "الإنصاف":
الصحيح من المذهب: أن العمرة تجب، واختار الشيخ أنها سنة، وعنه: على الأفقي، قال الشيخ: عليها نصوص. وتلزم طاعة الوالدين في غير معصية، قال الشيخ: هذا مما فيه نفع لهما ولا ضرر عليه، فإن شق عليه ولم يضره وجب عليه وإلا فلا. قال ابن الجوزي: من أمكنه المشي والتكسب بالصنعة فعليه الحج، واختار الشيخ عبد الحليم ولد المجد ووالد الشيخ تقي الدين بالقدرة على التكسب، وقال: هذا ظاهر على أصلنا، فإن عندنا: يجبر المفلس

 

ص -272-      على الكسب لا على المسألة، ولو قيل بوجوب الحج عليه إذا كان قادراً على الكسب وإن بعدت المسافة، كان متوجهاً على أصلنا.
واختار الشيخ وجوب الكف عن طريق يستوي فيه احتمال السلامة والهلاك، وقال: فإن لم يكف، فيكون أعان على نفسه، فلا يكون شهيداً. وقال: الخفارة تجوز عند الحاجة إليها في الدفع عن المخفر، ولا يجوز عند عدمها كما يأخذه السلطان من الرعايا. واختار أن كل امرأة آمنة تحج مع عدم محرم، وقوله: بنسب أو سبب مباح. واختار الشيخ يكون محرماً بوطء الشبهة، وذكره قول أكثر العلماء، قال أحمد: لا يعجبني أن يأخذ دراهم ويحج عن غيره.

 

ص -273-      باب المواقيت
للحج ميقاتان: ميقات زمان، وميقات مكان.
أما المكان فالخمسة المذكورة، وأجمعوا على أربعة منها، واتفق أهل النقل على صحة الحديث فيها. وذات عرق ميقات أهل المشرق في قول الأكثر؛ قال ابن عبد البر أجمعوا على أن إحرام العراقي من ذات عرق إحرام من الميقات. روي عن أنس: "أنه كان يحرم من العقيق"، واستحسنه الشافعي وابن المنذر. وكان الحسن بن صالح يحرم من الربذة. وعن ابن عباس: "أن النبي صلى الله عليه وسلم وقّت لأهل المشرق العقيق". 1 حسنه الترمذي. قال ابن عبد البر: هو أحوط من ذات عرق، وذات عرق ميقاتهم بالإجماع.
واختلفوا فيمن وقتها، ففي صحيح مسلم أنه صلى الله عليه وسلم وقّتها وكذا في السنن من حديث عائشة. وقال آخرون: "إنما وقّتها عمر"، رواه البخاري. ويجوز أن عمر لم يعلم بتوقيت النبي صلى الله عليه وسلم فوقّتها برأيه فأصاب. ومن مر على ميقات بلد صار ميقاتاً له. سئل أحمد: عن الشامي يمر بالمدينة؟ فقال: يهلّ من ذي الحليفة. قيل: فإن بعض الناس يقول: يهلّ من ميقاته من الجحفة. قال: سبحان اللّه. أليس يروي ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم:
"هن لهن ومن أتى عليهن من غير أهلهنَّ"؟ 2 فإن مر من غير طريق ذي الحليفة، فميقاته الجحفة، مدنياً كان أو شامياً، لحديث: "يهلّ أهل المدينة من ذي الحليفة"، 3 والطريق الآخر من الجحفة. رواه مسلم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 الترمذي: الحج (832), وأبو داود: المناسك (1740).
2 البخاري: الحج (1524), ومسلم: الحج (1181), والنسائي: مناسك الحج (2654, 2658).
3 البخاري: العلم (133), والترمذي: الحج (831), والنسائي: مناسك الحج (2651, 2652, 2655), وابن ماجة: المناسك (2914), وأحمد (2/48), ومالك: الحج (732).

 

ص -274-      ومَن منـزله دون الميقات، فمِن موضعه، هذا قول الأكثر. وعن مجاهد: يهلّ من مكة، والصحيح الأول، فإن في حديث ابن عباس: "فمن كان دونهن، فمهلّه من أهله". 1 وكل ميقات فخذوه بمنـزلته. ثم إن كان منـزله في الحل فإحرامه منه، وإن كان في الحرم فإحرامه للعمرة من الحل، ليجمع في النسك بين الحل والحرم. وأما الحج فينبغي أن يجوز له الإحرام من أي الحرم كالمكي، لأن أفعال العمرة كلها في الحرم، بخلاف الحج؛ قال جابر: "أمرنا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أن نحرم إذا توجهنا من الأبطح". 2 فلا فرق بين قاطني مكة وغيرهم. ومن لم يكن طريقه على ميقات، فإذا جاء أقرب المواقيت إليه أحرم، لقول عمر: "انظروا حذوها من طريقكم، فوقت لهم ذات عرق".
فإن تجاوز الميقات وهو لا يريد الحرم، لم يلزمه الإحرام بغير خلاف. فإن بدا له الإحرام أحرم من موضعه، وبه قال مالك والشافعي. وحكى ابن المنذر عن أحمد: أنه يرجع إلى الميقات فيحرم، وبه قال إسحاق؛ والأول أصح، وكلام أحمد يحمل على من تجاوزه وهو يجب عليه الإحرام، لقوله صلى الله عليه وسلم:
"ممن كان يريد الحج والعمرة" 3.
فإن أراد أن يدخل مكة لقتال مباح، أو لحاجة كالحطاب وناقل الميرة، فلا إحرام عليهم، "لأنه صلى الله عليه وسلم دخل يوم الفتح وهو حلال، وعلى رأسه المغفر وكذلك أصحابه". وقال أبو حنيفة: لا يجوز لأحد أن يدخل الحرم بغير إحرام، إلا من كان دون الميقات.
ومن لا يجب عليه الحج، كالعبد والصبي والكافر إذا أعتق أو بلغ أو أسلم، بعد تجاوز الميقات، فإنهم يحرمون من موضعهم، ولا دم عليهم؛ وبه قال مالك وإسحاق. والمكلف الذي يدخل لغير قتال أو حاجة مكررة، لا يجوز له تجاوز الميقات غير محرم؛ وعنه: ما يدل على أنه لا يجب، لما روي "أن ابن عمر دخلها بغير

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 البخاري: الحج (1526), ومسلم: الحج (1181), وأحمد (1/332).
2 مسلم: الحج (1214).
3 البخاري: الحج (1529), ومسلم: الحج (1181), وأحمد (1/249, 1/252, 1/332, 1/339), والدارمي: المناسك (1792).

 

ص -275-      إحرام"، ولأن الوجوب من الشارع، ولم يرد به إيجاب. ومن جاوز الميقات يريد النسك غير محرم، رجع إلى الميقات فأحرم منه، فإن أحرم من موضعه فعليه دم؛ وعن عطاء: لا شيء عليه. ولنا: قوله: "من ترك نسكاً فعليه دم". ويكره الإحرام قبل الميقات. وقال أبو حنيفة: الأفضل الإحرام من بلده، وكان علقمة والأسود يحرمان من بيوتهما. ولنا: "أنه صلى الله عليه وسلم وأصحابه أحرموا من الميق