Contents

الواجهة
أسرار البلاغة
مقدمة
القول في التجنيس
تعريف الاستعارة
التشبيه والتمثيل
الفرق بين الاستعارة والتمثيل
الأخذ والسرقة
الفرق بين التشبيه والاستعارة
الاتّفاق في الأَخْذ والسَّرقة
حَدّي الحقيقة والمجاز
المجاز العقلي والمجاز اللغوي
هذا كلام في ذكر المجاز وفي بيان معناه وحقيقته
اصلاح المنطق
اصلاح المنطق
المقتضب
الجزء الأول
الجزء الثاني
الجزء الثالث
الجزء الرابع
مغني اللبيب عن كتب الأعاريب
مغني اللبيب عن كتب الأعاريب
الجنى الداني في حروف المعاني
الجنى الداني في حروف المعاني
الدرة البهية نظم الآجرومية
الدرة البهية نظم الآجرومية
الكتاب
الجزء الأول
الجزء الثاني
الجزء الثالث
الجزء الرابع
توضيح المقاصد والمسالك بشرح ألفية ابن مالك
المجلد الأول
المجلد الثاني
المجلد الثالث
جمهرة اللغة
باب الثنائي الصحيح
أبواب الثنائي الملحق ببناء الرباعي المكرر
أبواب الثلاثي الصحيح وما تشعب منه
أبواب ما لحق بالثلاثي الصحيح بحرف من حروف اللين
باب النوادر في الهمز
أبواب الرباعي الصحيح
أبواب الرباعي المعتل
أبواب ما يلحق بالرباعي بحرف من حروف الزوائد
أبواب الخماسي
باب ما يكون الواحد والجمع فيه سواء في النعوت
شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك
المجلد الأول
المجلد الثاني
المجلد الثالث
المجلد الرابع
شرح شذور الذهب في معرفة كلام العرب
المجلد الأول
المجلد الثاني
مختصر مغني اللبيب عن كتاب الأعاريب
مختصر مغني اللبيب عن كتاب الأعاريب
أسئلة وأجوبة في إعراب القرآن
أسئلة وأجوبة في إعراب القرآن
طلبة الطلبة في الاصطلاحات الفقهية
طلبة الطلبة في الاصطلاحات الفقهية
الأصول في النحو
المقدمة
ابن السراج
أقسام الكلم العربي
باب مواقع الحروف
ذكر العوامل من الكلم الثلاثة
ذكر الأسماء المرتفعة
ذكر الفعل الذي لا يتصرف
باب نعم وبئس
باب الأسماء التي أعملت عمل الفعل
باب المعرفة والنكرة
ذكر الأسماء المنصوبات
باب التمييز
باب كسر ألف إن وفتحها
ذكر ما يكون المنصوب فيه في اللفظ غير المرفوع, والمنصوب بعض المرفوع وهو المستثنى
باب الاستثناء المنقطع من الأول
باب تمييز المقادير
باب تمييز الأعداد
باب كم
باب النداء
باب النفي بلا
ذكر الجر والأسماء المجرورة
باب الأسماء المخفوضة في القسم
فهرس
المجرور بالإِضافة
هذه توابع الأسماء في إعرابها
ذكر ما ينصرف من الأسماء وما لا ينصرف
باب ما يحكى من الكلم إذا سمي به وما لا يجوز أن يحكى
ذكر الأسماء المبنية التي تضارع المعرب:شرح الأول من المعرب
أقسام الأسماء المبنيات المفردات
باب إعراب الأفعال وبنائها
باب الأفعال المبنية
باب الحروف التي جاءت للمعاني
باب التقديم والتأخير
الاتساع
باب الزيادة والإلغاء
باب ما جاز أن يكون خبرًا
باب ما تخبر فيه بالذي ولا يجوز أن تخبر فيه بالألف واللام, وما يجوز بالألف واللام
ذكر ما يحرك من السواكن في أواخر الكلم، وما يسكن من المتحركات
باب "من" وأي إذا كنت مستفهمًا عن نكرة
ذكر الهمز وتخفيفه
باب المذكر والمؤنث - ذكر المقصور والممدود
ذكر التثنية والجمع الذي على حد التثنية - ذكر العدد
ذكر جمع التكسير - فهرست الموضوعات
بَابُ التحقيرِ
ذِكرُ النَّسَبِ
بابُ المَصادِر وأَسماءُ الفَاعلينَ
ذِكْرُ المشتقِّ مِنْ ذواتِ الثلاثةِ علَى مثالِ المضارعِ مما أَولُه ميمٌ
بابُ الإِمالةُ
الأبينةُ بأَقسامها
ذِكرُ التصريفِ
ذِكْرُ ما يتم ويُصححُ ولا يُعَلُّ
باَبُ اجتماعِ الحروفِ المعتلةِ في كلمةٍ
بَابُ الإِدغامِ
بابُ: الحرفِ الذي يُضارعُ بهِ حرفٌ من موضعهِ
المصادر والمراجع - فهرس
الإملاء والترقيم في الكتابة العربية
مقدمة
الباب الأول: الإملاء في المجال التربوي
الباب الثاني: الهمزة
الباب الثالث: الألف اللينة
الباب الرابع: الحروف التي تحذف من الكتابة
الباب الخامس: الحروف التي تزاد في الكتابة
الباب السادس: ما يوصل بغيره من الكلمات في الكتابة وما يكتب منفصلا عن غيره
الباب السابع: هاء التأنيث وتاؤه
الباب الثامن: علامات الترقيم
الباب التاسع: قواعد الإملاء على بساط البحث
الفهرس
الإيضاح في علوم البلاغة
الكلمة الأولى
مقدمات
أول كتاب الإيضاح
الفن الأول: علم المعاني
نشأة البيان العربي
تطبيقات - فهرست الجزء الأول
القول في أحوال المسند إليه
القول في أحوال المسند
القول في متعلقات أحوال الفعل
البلاغة والتجديد
تطبيقات بلاغية - فهرست الجزء الثاني
القول في القصر
القول في الإنشاء
القول في الوصل والفصل
القول في الإيجاز والإطناب والمساواة
ملحق للجزء الثالث - فهرست الجزء الثالث
التوقيف على مهمات التعاريف
مقدمات
باب الألف
باب الباء
باب التاء - باب الثاء
باب الجيم
باب الحاء
باب الخاء
باب الدال
باب الذال
باب الراء
باب الزاي
باب السين
باب الشين
باب الصاد
باب الضاد
باب الظاء
باب العين
باب الغين
باب الفاء
باب القاف
باب الكاف
باب اللام
باب الميم
باب النون
باب الواو
باب الهاء
باب الياء
كشاف عام
الغريب المصنف
مقدمة
كتاب خلق الإنسان
الممتع الكبير في التصريف
مقدمات
باب تمييز ما يدخله التصريف مما لا يدخله
باب: تبيين الحروف الزوائد
باب: أبنية الأسماء
باب: أبنية الأفعال
ذكر معاني أبنية الأفعال
حُرُوفُ الزِّيادَة
الإبدال
القَلْب وَالحَذْف وَالنَّقْل
القلب والحذف على غير قياس
باب الإدغام
مسائل التمرين
الفهارس الفنية
المنصف لابن جني
مقدمة
باب الأسماء والأفعال
باب ما تجعله زائدا من حروف الزيادة
باب ما قِيسَ من الصحيح على ما جاء من الصحيح من كلام العرب
باب الياء والواو اللتين هما فاءات
باب من مسائل الياء والواو اللتين هما فاءات
باب ما الياء والواو فيه ثانية, وهما في موضع العين من الفعل
باب ما لحقته الزوائد من هذه الأفعال من بنات الثلاثة
باب ما جاء من الأسماء ليس في أوله زيادة من الواو والياء اللتين هما عينان له مثال في الفعل الذي ليس في أوله زيادة
باب ما تقلب فيه الواو ياء
التعليقات والشروح
الفهارس
تابع قلب الواو ياء في فعل إذا كان جمعا
هذا باب ما يكسر عليه الواحد مما ذكرنا
هذا باب ما اللام منه همزة من بنات الياء والواو، اللتين هما عينان
هذا باب الواو والياء اللتين هما لامان
هذا باب تقلب فيه الياء واوا ليفرق بين الاسم والصفة
هذا باب تقلب الواو فيه إلى الياء إذا كانت "فَعَلْتُ" على أربعة أحرف فصاعدا
هذا باب التضعيف في بنات الياء
باب التضعيف في بنات الواو
هذا باب ما قيس من المعتل ولم يجئ مثاله إلا من الصحيح
هذا باب ما تقلب فيه تاء افتعل عن أصلها
الشروح والتعليقات
الفهارس
أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك
مقدمات
باب شرح الكلام
باب المعرب والمبني
الباب الأول: الأسماء الستة وشروط إعرابها
الباب الثاني: إعراب المثني وما ألحق به
الباب الثالث: إعراب جمع المذكر السالم وما ألحق به
الباب الرابع: إعراب الجمع بالألف والتاء الزائدتين
الباب الخامس: إعراب الاسم الذي لا ينصرف
الباب السادس: إعراب الأفعال الخمسة
الباب السابع: إعراب الفعل المضارع المعتل الآخر
النكرة والمعرفة
باب العَلَم
باب اسم الإشارة
باب الموصول
باب المعرفة بالأداة
باب المبتدأ والخبر
باب نواسخ الابتداء: كان وأخواتها
باب أفعال المقاربة
باب الأحرف المشبهة بالفعل
باب لا العاملة عمل إن
باب ظن وأخواتها
باب الأفعال التي تنصب ثلاثة مفاعيل
باب الفاعل
باب النائب عن الفاعل
باب الاشتغال
باب اللازم والمتعدي
باب التنازع في العمل
باب المفعول المطلق
باب المفعول له
باب المفعول فيه
باب المفعول معه
باب المستثنى
باب الحال
باب التمييز
باب حروف الجر
باب الإضافة
باب إعمال المصدر واسم المصدر
باب إعمال اسم الفاعل
باب إعمال اسم المفعول
باب أبنية مصادر الثلاثي
باب مصدر غير الثلاثي
باب أبنية أسماء الفاعلين والصفات المشبهات بها
باب أبنية أسماء المفعولين
باب إعمال الصفة المشبهة باسم الفاعل المتعدي إلى واحد
باب التعجب
باب نعم وبئس
باب أفعل التفضيل
باب النعت
باب التوكيد
باب العطف
باب عطف النسق
باب البدل
باب النداء
باب في أسماء لازمت النداء
باب الاستغاثة
باب الندبة
باب الترخيم
باب المنصوب على الاختصاص
باب التحذير
باب الإغراء
باب أسماء الأفعال
باب أسماء الأصوات
باب نوني التوكيد
باب ما لا ينصرف
باب إعراب الفعل
باب جوازم المضارع
باب الإخبار بالذي وفروعه وبالألف واللام
باب العدد
باب كنايات العدد
باب الحكاية
باب التأنيث
باب المقصور والممدود
باب كيفية التثنية
باب كيفية جمع الاسم المذكر السالم
باب كيفية جمع الاسم جمع المؤنث السالم
باب جمع التكسير
باب التصغير
باب النسب
باب الوقف
باب الإمالة
باب التصريف
باب الإبدال
باب نقل حركة الحرف المتحرك المعتل إلى الساكن الصحيح قبله
باب الحذف
باب الإدغام
المسارد الفنية
خزانة الأدب وغاية الأرب
الجزء الأول
الجزء الثاني
شرح الأشموني على ألفية ابن مالك
ترجمة ابن مالك وترجمة الأشموني
مدخل
الْكَلاَمُ وَمَا يَتَأَلَّفُ مِنْهُ
الْمُعْرَبُ وَالْمَبْنِي
النَّكِرةُ وَالْمَعْرِفَةُ
الْعَلَمُ
اسم الإشارة
الْمَوْصُولُ
الْمُعَرَّفُ بِأَدَاةِ الْتَّعرِيفِ
الابْتِدَاءِ
كَانَ وَأَخَوَاتُهَا
فصل في "ما" و"لا" و"لات" و"إن" المشبهات بـ"ليس"
أفعال المقاربة
إنَّ وَأَخَوَاتها
"لا" التي لنفي الجنس
"ظن" وأخواتها
"أعلم" و"أرى" وأخواتهما
الفاعل
النائب عن الفاعل
اشتغال العامل عن المعمول
تعدي الفعل ولزومه
التنازع في العمل
المفعول المطلق
المفعول له
المفعول فيه وهو المسمى ظرفا
المفعول معه
الاستثناء
الحال
التمييز
حروف الجر
الإضافة
المضاف إلى ياء المتكلم
إعمال المصدر
إعمال اسم الفاعل
إعمال اسم المفعول
أبنية المصادر
أبنية أسماء الفاعلين والمفعولين والصفات المشبهة بها
الصفة المشبهة باسم الفاعل
التعجب
"نعم" و"بئس" وما جرى مجراهما
أفعل التفضيل
النعت
التوكيد
العطف
عطف النسق
البدل
النداء
المنادى المضاف إلى ياء المتكلم
أسماء لازمت النداء
الندبة
الترخيم
الاِخْتِصَاصُ
التَّحْذِيرُ وَالإغْرَاءُ
أسماءُ الأفعالِ والأصواتِ
نُونَا التَّوكِيدِ
مَا لاَ يَنْصَرِف
إعرابُ الفعلِ
عَوَامِلُ الْجَزْمِ - فصل "لو"
أمَّا، وَلَوْلاَ، وَلَوْمَا
الإخْبَارُ بِـ"الَّذِي" والألفِ واللامِ
العَدَدُ
كَمْ وَكأَيِّنْ، وكذا
الحِكَايَةُ
التَّأنِيثُ
المَقْصُورُ والمَمْدُودُ
كيفِية تَثنيةِ المَقصورِ والمَمدودِ وجَمعهما تَصْحيحًا
التصغير
النَّسَبُ
الوَقْفُ
الإمالة
التصريف
فصل في زيادة همزة الوصل
الإبدال
قلب فاء المثال تاء في الافتعال وفروعه
فصل في الإدغام
الفهارس
حاشية الصبان
مقدمات
الكلام وما يتألف منه
المعرب والمبني
النكرة والمعرفة
العلم
اسم الإشارة
الموصول
المعرف بأداة التعريف
الابتداء
كان وأخواتها
أفعال المقاربة
إن وأخواتها
لا التي لنفي الجنس - ظن وأخواتها
الفاعل
النائب عن الفاعل
اشتغال العامل عن المعمول
تعدي الفعل ولزومه
التنازع في العمل
المفعول المطلق
المفعول له
المفعول معه
الاستثناء
الحال
التمييز
حروف الجر
الإضافة
المضاف إلى ياء المتكلم
إعمال المصدر
إعمال اسم الفاعل
أبنية المصادر
الصفة المشبهة باسم الفاعل
التَّعجُّب
نعم وبئس وما جرى مجراهما
أَفْعَلُ التَّفْضِيلِ
النعت
التوكيد
العطف
عَطْف النسق
البدل
النداء
الاستغاثة
النُّدْبَة
الترخيم
الاختصاص
التحذير والإغراء
أسماء الأفعال والأصوات
نونا التوكيد
ما لا ينصرف
إعراب الفعل
عوامل الجزم
فصل "لو" - أَمَّا ولولا ولوما
الإخبار بالذي والألف واللام
العدد
كم وكأين وكذا
الحكاية
التأنيث
المقصور والممدود
جمع التكسير
التصغير
النسب
الوقف
الإمالة
التصريف
الإبدال
الإدغام
متن الأجرومية
متن الأجرومية
متن قطر الندى وبل الصدى
متن قطر الندى وبل الصدى
معجم المسائل النحوية والصرفية الواردة في القرآن الكريم
معجم المسائل النحوية والصرفية الواردة في القرآن الكريم
البديع
الفصل الأول: البيان قبل ابن المعتز
الفصل الثاني: ابن المعتز وجهوده في دراسات البيان
الفصل الثالث: كتاب "البديع" لابن المعتز
مقدمة ابن المعتز لكتاب البديع
الباب الأول من البديع وهو الاستعارة
الباب الثاني من البديع وهو التجنيس
الباب الثالث من البديع وهو المطابقة
الباب الرابع من البديع وهو رد العجز على الصدر
الباب الخامس من البديع وهو المذهب الكلامي
محاسن الكلام والشعر
إيجاز التعريف في علم التصريف
مقدمة التحقيق
دراسة المؤلف
دراسة الكتاب
النص المحقق

 
عودة لموقع هاني الطنبور
هاني الطنبور
الصفحة السابقة الصفحة التالية
 
 

 

 

الكتاب : توضيح المقاصد والمسالك بشرح ألفية ابن مالك
المؤلف : أبو محمد بدر الدين حسن بن قاسم بن عبد الله بن عليّ المرادي المصري المالكي (المتوفى : 749هـ)

المجلد الثالث
تابع القسم الثاني: تحقيق شرح الفية ابن مالك
الجزء الرابع
أسماء لازمت النداء:
معنى ملازمتها النداء أنها لم تستعمل في غيره إلا "في"1 ضرورة. وهي ضربان: مسموع، ومقيس.
فمن المسموع: "يا أبت" و"يا أمت" و"اللهم"2 وقد تقدمت. و"هناه" بالضم والكسر.
كقوله3:
وقد رابني قولها يا هناه ... ....................
واختلفوا في مادة هذه الكلمة على قولين:
أحدهما: أن أصل مادته "هـ. ن. و" ثم اختلف القائلون بهذا على أربعة مذاهب:
__________
1 ب.
2 أ، ج.
3 قائله: هو امرؤ القيس بن حجر الكندي.
وتمامه:
ويحك ألحقت شرا بشر
للغة: "رابني" من راب إذا أوقع في الريبة بلا شك "يا هناه" هناه اسم من أسماء النداء لا تستعمل فيما سواه، وهو كناية عن رجل، بمنزلة يا رجل يا إنسان، وأكثر ما تستعمل عند الجفاء والغلظة "ألحقت شرا بشر" معناه كنت متهما فلما صرت إلينا ألحقت تهمة بتهمة؛ لأن التهمة شر وتحققها شر منها.
الإعراب: "وقد" الواو عاطفة، وقد حرف تحقق "رابني" فعل ماض والنون للوقاية والياء مفعول "قولها" فاعل، وها مضاف إليه "يا هناه" حرف نداء ومنادى مقصور "ويحك" ويح مصدر والكاف في محل خفض بالإضافة "ألحقت" فعل وفاعل "شرا" مفعول به، والجملة في محل نصب مقول القول "بشر" جار ومجرور متعلق بألحقت.
الشاهد فيه: "يا هناه" حيث بناه على فعال؛ لأن أصله الهاء وأدخلت عليه الألف لمد الصوت في النداء.

(3/1103)


الأول: أن الهاء في "هناه" بدل من لام الكلمة، والأصل هناو، وهو مذهب أكثر البصرين.
والثاني: أنها بدل من همزة مبدلة من الواو فهي بدل "بدل"1 اللام، وهو مذهب ابن جني.
والثالث: أن اللام محذوفة والألف والهاء زائدتان في نفس البناء على حد زيادة الهمزة في أحمر.
والرابع: أن اللام محذوفة "أيضا"2 والألف هي التي تلحق المنادى البعيد والمندوب والهاء للسكت، وهو مذهب الفراء واختيار المصنف وابن عصفور، ويدل على صحته كسرها، لالتقاء الساكنين.
والقول الآخر: أن أصل مادته "هـ. ن. ة" فهو من باب سلس، وهو مذهب أبي زيد.
قال الشيخ أبو حيان: ولو ذهب ذاهب إلى أن أصل "هن" ومادته "هـ. ن. ن" مستدلا بما حكاه أبو الخطاب من قولهم: "يا هنانان" في التثنية يريد: "يا هنان" لكان مذهبا.
ومن المسموع: "فُلُ" وقد أشار إليه بقوله:
وفُلُ بعض ما يُخَص بالندا
يقال: "يا فل" للرجل، و"يا فلة" للمرأة.
واختلف فيهما، وفمذهب سيبويه أنهما كناية عن نكرتين، ففُلُ: كناية عن رجل، وفُلَةُ: كناية عن امرأة.
وذهب الكوفيون إلى أن أصلهما فلان وفلانة فرخما، ورد بأنه لو كان مرخما لقيل فيه "فلا"، ولما قيل في التأنيث فلة.
__________
1 أ، ج، وفي ب "مبدلة".
2 أ، ج.

(3/1104)


وذهب الشلوبين وابن عصفور وصاحب البسيط: إلى أن "فل" كناية عن العَلَم بمعنى يا فلان، وهذا مذهب الناظم، فإنه صرح في شرح التسهيل وغيره، بأن "يا فل" بمعنى يا فلان. و"يا فلة" بمعنى يا فلانة، قال: وهما الأصل، ولا يستعملان منقوصَيْن في غير نداء إلا في ضرورة.
قلت: وهو موافق لمذهب الكوفيين في أنهما بمعنى فلان وفلانة، مخالف له في الترخيم.
فإن قلت: قوله: وهما الأصل "يعني"1 موافقة الكوفيين "في الترخيم"2.
"قلت: قد رد المصنف مذهب الكوفيين في أنهما ترخيم"3 فلان وفلانة بالوجهين السابقين، فعلم أنه غير موافق لهم على ذلك، بل هما عنده من "قبيل"4 ما حذف منه لغير ترخيم.
ومن المسموع: "لُؤمان" و"نَومان" وقد نبه عليهما بقوله:
................ ... لُؤْمَان نَوْمَان كذا
أي: مختصان بالنداء.
أما "لؤمان" -بالهمز وضم اللام- فمعناه يا عظيم اللؤم، ومثله:
"يا مَلأمُ" و"يا مَلأمَان"5.
وأما "نومان" -بفتح النون- فمعناه يا كثير النوم6.
"تنبيهان":
الأول: الأكثر في بناء "مَفْعَلان" نحو "مَلْأَمَان" أن يأتي في الذم. وقد جاء في المدح "يا مَكْرَمَان"7. حكاه سيبويه والأخفش، و"يا مَطْيَبَان".
__________
1 أ، ج.
2 أ، ج.
3 أ، ج.
4 ب، وفي أ، ج "قبل".
5 أ، ج.
6 أ، ج.
7 بفتح الراء، هو العزيز المكرم.

(3/1105)


وزعم ابن السيد: أنه مختص بالذم، وأن "مَكْرَمَان" تصحيف "مَكْذَبان". وليس بشيء.
الثاني: قال في شرح الكافية -بعد أن ذكر ملأم، ولؤمان، وملأمان، ومكرمان:
وهذه الصفات مقصورات على السماع بإجماع. انتهى. وتبعه الشارح، وهو صحيح في غير "مَفْعَلان"، فإن فيه خلافا أجاز بعضهم القياس عليه، فنقول: "يا مَخْبَثان"، وفي الأنثى "يا مَخْبَثانة".
ثم انتقل إلى المقيس فقال:
............................ ... ..................... واطردا
في سب الأنثى وَزْنُ يا خَبَاثِ ... ............................
اطراده مشروط بشرطين:
أحدهما: أن يكون في السب.
والثاني: أن يكون من ثلاثي كالنوع الذي يليه.
وسبب بنائه على الكسر شبهه بنزال عدلا وزنة وتأنيثا.
تنبيه:
كلام المصنف في الكافية والتسهيل وكلام الشارح يوهم أن في القياس عليه خلافا؛ لنصه على سيبويه وحده.
قال الشيخ أبو حيان: ولا أعلم فيه خلافا، وفي الارتشاف -في باب ما لا ينصرف- قال بعضهم: لا يقاس، فلا يقال: "يا قباح" قياسا على "فساق".
ثم استطرد فقال:
....................... ... والأمر هكذا من الثلاثي
يعني أن بناء "فَعَال" للأمر مطرد من كل فعل ثلاثي نحو "نَزَالِ" و"تَرَاكِ" هذا مذهب سيبويه، وخالفه المبرد فقال: "لا يقال منه إلا"1 ما سمع.
__________
1 أ، ج.

(3/1106)


فإن قلت: أهمل المصنف من شروط القياس على هذا النوع أربعة شروط:
الأول: أن يكن مجردا، فأما غير المجرد فلا يقال منه إلا ما سمع نحو: دراك.
والثاني: أن يكون تاما، فلا يُبنى من الناقص.
والثالث: أن يكون متصرفا.
والرابع: أن يكون كامل التصرف، لا يُبنى من يذر ويَدعُ.
قلت: اشتراط بعض هذه الشروط واضح، فلم يتعرض له، وقوله: "ثلاثي" محمول على المجرد كما تقدم في التعجب.
ثم رجع إلى المسموع فقال:
وشاع في سب الذكور فُعَلُ ... ولا تَقِسْ.................
يعني: أن ما عدل إلى فُعَل في سب الذكور نحو" يا خُبَث" و"يا فُسَق" و"يا غُدَر" و"يا لُكَع" شائع، ومع شياعه لا يقاس عليه، قيل: والمسموع منه هذه الأربعة.
ونص المغاربة "على"1 أنه ينقاس عليه، ونقله في البسيط عن سيبويه، ومن قاس عليه فبالشروط السابقة.
ثم نبه على أن بعض هذه الألفاظ قد استعمل في غير النداء ضرورة، بقوله:
................. ... وجُرّ في الشعر فُلُ
يعني في قول الراجز2:
__________
1 ب.
2 قائله: هو ابو النجم العجلي، يصف إبلا قد أقبلت متزاحمة وأثارت غبارا.
وتمامه:
تضل منه إبلي بالهوجل
في لجة............... ... وهو من الرجز.
وصدره في الأشموني والعين:
تدافع الشيب ولم تقتل =

(3/1107)


أمسك فلانا عن فُلِ
تنبيهان:
الأول: الحاصل من كلام سيبويه أن "فل" في الرجز محذوف من فلان؛ لضرورة الشعر، وليس هو المختص بالنداء، بل هو غيره، ومعناهما مختلف؛ لأن المختص كناية عن اسم جنس، وهذا كناية عن علم، ومادتهما مختلفة.
فالمختص مادته "ف. ل. ي"، وهو محذوف اللام، فلو صغر قلت فيه: "فُلَيٌّ".
وهذا مادته "ف. ل. ن"، فلو صغر قلت فيه: "فُلَيْنٌ" وتقدم ما ذهب إليه المصنف.
الثاني: ليس مراده أنه لم يستعمل في غير النداء من الألفاظ المذكورة إلا "فل".
__________
اللغة: "الهوجل" المراد هنا المفازة الواسعة التي لا أعلام بها، ويطلق على الرجل الأهوج "لجة" -بفتح اللام وتشديد الجيم- الجلبة واختلاط الأصوات في الحرب.
المعنى: شبه تزاحم الإبل ومدافعة بعضها بعضا بقوم شيوخ في لجة وشر يدفع بعضهم بعضا فيقال: أمسك فلانا عن فلان. أي: احجز بينهم.
وخص الشيوخ لأن الشبان فيهم التسرع إلى القتال.
الإعراب: "تضل" فعل مضارع "منه" جار ومجرور متعلق بتضل "إبلي" فاعل تضل والياء مضاف إليه "بالهوجل" جار ومجرور متعلق به "في لجة" جار ومجرور متعلق به أيضا "أمسك" فعل أمر وفاعله ضمير مستتر فيه، والجملة مقول لقول محذوف. أي: يقال فيها: أمسك... إلخ "فلانا" مفعول به "عن فل" جار ومجرور متعلق بأمسك.
الشاهد فيه: "فل" قد استعمل في غير النداء، وجرها بحرف الجر.
مواضعه: ذكره من شراح الألفية الأشموني 460/ 2، وابن هشام 249/ 3، وابن عقيل 206/ 2، والمكودي ص129 وابن الناظم.
وذكر سيبويه 333/ 1، 122/ 2، والسيوطي في الهمع 177/ 1.

(3/1108)


بل "ذكرها"1. تنبيها على ورود نظيره، ومنه قوله2:
............ قَعِيدَته لَكَاعِ
وخرجه بعضهم على تقديم: يقال لها: يا لكاع، فحذف القول وحرف النداء.
__________
1 ب، وفي أ، ج "ذكر".
2 قائله: الخطيئة -واسمه جرول- يهجو امرأته -وهو من الوافر- وتمامه:
أُطوِّف ما أطوف ثم آوِى ... إلى البيت...............
اللغة: "أطوف" أكثر الدوران "آوي" مضارع أوى إلى منزله "قعيدته" قعيدة البيت المرأة؛ لأنها تطيل القعود فيها "لكاع" متناهية في الخبث.
المعنى: أنا أكثر دوراني وارتيادي الأماكن عامة النهار في طلب الرزق وتحصيل القوت، ثم أعود إلى بيتي فلا تقع عيني فيه إلا على امرأة شديدة الخبث متناهية في الدناءة واللوم.
الإعراب: "أطوف" فعل مضارع وفاعله ضمير مستتر فيه "ما" مصدرية "أطوف" فعل مضارع وفاعله مستتر فيه. وما وما دخلت عليه في تأويل مصدر مفعول مطلق قوله أطوف الأولى "ثم" حرف عطف "آوي" فعل مضارع وفاعله مستتر فيه "إلى بيت" جار ومجرور متعلق بآوي "قعيدته" مبتدأ والضمير مضاف إليه "لكاع" خبر المبتدأ، والجملة في محل جر نعت لقوله: بيت.
الشاهد: "لكاع" على وزن فَعَالِ، وقد استعمل في غير النداء للضرورة.
مواضعه: ذكره من شراح الألفية: ابن هشام 215/ 3، وابن عقيل 78/ 1، وابن الناظم، والشاهد 149 في الخزانة.

(3/1109)


الاستغاثة:
هي نداء من يخلِّص من شدة، أو يعين على مشقة.
وللمستغاث ثلاثة أحوال:
أحدها: أن يجر بلام مفتوحة، وهذا أكثر أحواله.
الثانية: أن يجاء في آخره بألف معاقبة للام.
الثالثة: أن يجرد من اللام والألف ويجعل كالمنادى المطلق نحو: "يا زيد لعمرو" وهذه أقلها. ومنها قوله1:
ألا يا قوم لِلعجَبِ العجيبِ ... .........................
__________
1 قائله: لم أقف على اسم قائله وهو من الوافر.
وتمامه:
......................... ... ولِلغفلات تَعْرِضُ للأَرِيبِ
اللغة: "الغفلات" جمع غفلة -مصدر غفل عن الشيء- لم يلتفت إليه ولم يلقَ إليه باله "تعرض له" تنزل به "الأريب" العالم بالأمور البصير بالعواقب.
المعنى: أستغيث وأدعو قومي ليعجبوا العجب كله، وينظروا كيف تحدث الغفلة وعدم الانتباه للبصير بالأمور الخبير العواقب.
الإعراب: "ألا" أداء تنبيه "قومي" مستغاث به منادى، منصوب بالفتحة المقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة اجتزاء بكسر الميم، ويجوز أن يكون مبنيا على الضم إذا قدر قطعه عن الإضافة "للعجب" جار ومجرور مستغاث لأجله -متعلق بيا- أو بالفعل المحذوف "العجيب" صفة للعجب "وللغفلات" معطوف عليه "تعرض" فعل مضارع مرفوع بالضمة الظاهرة وفاعله مستتر فيه وهو يعود على الغفلات، والجملة من الفعل المضارع وفاعله في محل نصب حال من الغفلات "للأريب" جار ومجرور متعلق بقوله: تعرض.
الشاهد فيه: "يا قوم" حيث جاء بالمستغاث به خاليا من اللام المفتوحة في أوله، ومن الألف في آخره.
مواضعه: ذكره من شراح الألفية: ابن هشام 25/ 3، وابن الناظم، والسيوطي ص105.

(3/1110)


وقد ذكر الثلاثة في الكافية، واقتصر هنا على الأولين كالتسهيل؛ لقلة الثالث. فأشار إلى الأول بقوله:
إذا استُغيث اسمٌ منادى خُفِضَا ... باللام مفتوحا كَيَا للمُرْتَضَى
إنما جر المستغاث باللام للتنصيص على الاستغاثة، وفتحت لوقوعه موقع المضمر، ولكونه منادى، وليحصل بذلك فرق بينه وبين المستغاث من أجله، وإنما أعرب مع كونه منادى مفردا معرفة؛ لأن "تركيبه"1 مع اللام أعطاه شبها بالمضاف. وقد فهم من النظم فوائد:
الأولى: أن "استغاث" متعد بنفسه لقوله: "إذا استُغيث اسم منادى".
والنحويون يقولون: مستغاث به.
قال في شرح التسهيل: وكلام العرب بخلاف ذلك، والمعروف في اللغة تعدي فعله بنفسه.
قال الله تعالى: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ} 2.
وقيل: بل هو يتعدى بوجهين، وقد جاء "تعديه"3 بالباء في أبيات.
الثانية: أن المستغاث معرب؛ لقوله: "خفضا" وتقدم بيانه.
الثالثة: أنه يجوز أن يكون بأل، وإن كان منادى؛ لأن حرف النداء لم يباشرها. فُهِمَ "ذلك"4 من تمثيله، وهو مجمع عليه.
فإن قلت: يرد على عبارته ثلاثة أشياء:
الأول: أنه قال: "اسم منادى" وأطلق فأوهم أنه يجوز نداؤه بغير ياء، وذلك غير جائز، فإن المستغاث لا يُنادى إلا بيا.
__________
1 "أ" وفي ب، ج "تركبه".
2 من الآية 9 من سورة الأنفال.
3 ب، ج، وفي أ "تعديته".
4 ب، وفي أ، ج "بذلك".

(3/1111)


والثاني: أنه قال "خفضا باللام" بصيغة الجزم، وقد تقدم أنه ليس بلازم، وبل هو الأكثر.
والثالث: أنه قال: "مفتوحا" وأطلق، وثَمَّ موضع يكسر فيه وهو مع ياء المتكلم في نحو "يَالِي". وقد أجاز أبو الفتح في قوله1:
فَيَا شَوْقِ ما أبقى ويَالِي من النَّوَى
أن يكون استغاث بنفسه "وأن يكون استغاث لنفسه"2.
قلت: الجواب على الأول أن قوله بعد: "إِنْ كرَّرْتَ يا" يرشد إلى ذلك؛ إذ لم يقل: إن كررت حرف النداء.
وعن الثاني: أن قوله بعد: "ولامُ ما استُغيث عَاقَبَتْ أَلِفْ" يوضح أن جره باللام ليس بلازم.
__________
1 قائله: هو أبو الطيب -أحمد بن الحسين- المتنبي، وهو من الطويل.
وتمامه:
ويا دَمْعُ ما أجرى ويا قلب ما أصْبى
اللغة: "النوى" -بفتح النون والواو مقصورا- البعد "ما أصبى" من صبا يصبو إذا مال، ومنه الصبى؛ لأنه يميل إلى كل شيء.
الإعراب: "فيا" يا حرف نداء والمنادى محذوف. أي: فيا قوم شوقي ما أبقاه، أو تكون يا لمجرد التنبيه "شوق" مبتدأ وأصله شوفي بياء المتكلم فحذفت اكتفاء بالكسر "ما أبقى" ما للتعجب في محل رفع بالابتداء، وجملة أبقى في محل رفع خبره، والعائد محذوف ما أبقاه، ونفس الكلام تقوله في: ويا دمع ما أجرى، وفي: يا قلب ما أصبى "يا" حرف نداء واستغاثة "لي" جار ومجرور متعلقان بفعل ومحذوف تقديره: أدعو نابت عنه "يا" عند الجمهور، إن كان مستغاثا به، أو بيا نفسها عند الفارسي وابن جني، وإن كان مستغاثا لأجله فالجار والمجرور متعلقان بوصف محذوف حال من المنادى، والتقدير: يا لزيد مدعوا إلى.
الشاهد فيه: "ويالي من النوى" فإن اللام فيه لام الاستغاثة وهي مكسورة.
مواضعه: ذكره الأشموني في شرحه للألفية 461/ 2، وابن هشام في المغني.
2 أ، ج.

(3/1112)


وعن الثالث: أن كسر اللام مع ياء المتكلم معلوم وجوبه في كل موضع فهو "يقيد"1 الإطلاق، على أن ان عصفور قال: الصحيح عندي أن "يالي" حيث وقع مستغاث له، والمستغاث به محذوف.
وعلل ذلك بأن العامل في المستغاث فعل النداء المضمر، فيصير التقدير: يا أدعو لي، وذلك غير جائز في غير "ظننت" وما حمل عليها، إلا أن في لزوم هذا لابن جني نظرا؛ لأن اللام تتعلق عنده بحرف النداء.
تنبيهان:
الأول: اختلفوا في اللام الداخلة على المستغاث، فقيل: هي بقية آل، والأصل: يا آل زيد، وزيد مخفوض بالإضافة، ونقله المصنف عن الكوفيين، ونقله صاحب النهاية عن الفراء. وفي نسبته إلى الفراء نظر.
لأن الفراء "حكى"2 أن من الناس من زعم أنها بقية من آل، فظاهر حكايته أنه ليس مذهبا له.
وذهب الجمهور إلى أنها لام الجر، ثم اختلفوا فقيل: زائدة فلا تتعلق بشيء، وهو اختيار ابن خروف، وقيل: ليس بزائدة فتتعلق، وفيما تتعلق به على هذا قولان:
أحدهما: أنها تتعلق بالفعل المحذوف، وهو مذهب سيبويه، واختيار ابن عصفور.
الثاني: أنها تتعلق بحرف النداء، وهو مذهب ابن جني.
الثالث: إذا وصف المستغاث جرت صفته نحو: "يَا لزيد الشجاع لِلمظلوم"، وفي النهاية لا يبعد نصب الصفة حملا على الموضع؛ لأن الجار والمجرور لا بد له من شيء يتعلق به.
__________
1 أ، ج وفي ب "مقيد".
2 أ، وفي ب، وج "حكم".

(3/1113)


وقوله:
وافْتَحْ مع المعطوفِ إِنْ كررْتَ يا ... وفي سِوَى ذلك بالكسر ائْتِيَا
إذا عطف على المستغاث فإما أن تتكرر "يا" أو لا.
فإن تكررت فتحت اللام كقوله1:
يا لَقومي ويا لأمثال قومي ... لأناس عُتُوُّهُمْ في ازدياد
وإن ولم تتكرر كسرت نحو2:
__________
1 قائله: لم أقف على قائله، وقال العيني: أنشده الفراء ولم يعزه إلى قائل، وهو من الخفيف.
اللغة: "عتوهم" العتو: الاستكبار "في ازدياد" زيد يوما بعد يوم.
المعنى: أستغيث بقومي وبأمثالهم في النجدة والشجاعة ليمنعوني من قوم يزدادون علوا واستكبارا عليَّ، ويظلمونني بغير سبب.
الإعراب: "يا" حرف نداء واستغاثة "لقومي" اللام حرف جر أصلي وهي مقتوحة وقومي مجرور بها، والجار والمجرور في محل نصب متعلق بأدعو، وقيل: اللام زائدة لا يتعلق بشيء. والمستغاث منصوب بفتحة مقدرة منع منها حرف الجر الزائد، وذهب الكوفيون إلى أن اللام اسم مضاف لما بعده وأن الأصل يا آل فحذفت الهمزة للتخفيف وإحدى الألفين لالتقاء الساكنين "ويا لأمثال" إعرابه كذلك "قومي" مضاف إليه "لأناس" متعلق بمحذوف؛ أي: أدعوكم لأناس "عتوهم" مبتدأ ومضاف إليه "في ازدياد" جار ومجرور خبر، والجملة في محل جر صفة لأناس.
الشاهد فيه: "يا لقومي" و"يا لأمثال" حيث فتحت اللام فيه.
مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني 462/ 2، والمكودي ص129، والسيوطي ص104، وابن هشام 254/ 3، وفي القطر ص220.
2 قائله: لم أقف على قائله، وهو من البسيط.
وصدره:
يبكيك ناء بعيد الدار مغترب
اللغة: "يبكيك" يبكي عليك "ناء" اسم فاعل من نأى ينأى بمعنى بعد "مغترب" غريب "الكهول" -جمع كهل- وهو من جاوز الثلاثين، وقيل: الأربعين.
المعنى: يبكيك ويحزن لفقدك الأباعد الغرباء، حينما كنت تسدي إليهم من معروف، وقد يسر الأقارب لما يرثونه منك بعد فقدك، فهيا معشر الكهول والشبان لمشاركتنا في العجب من ذلك. =

(3/1114)


.......................... ... يالَلْكَهُولِ وَلِلشُّبَّانِ لِلْعَجَبِ
وإنما كسرت لأمن اللبس.
فإن قلت: فهل هي لازمة في المعطوف؟
قلت: لا؛ لقوله1:
يا لَعَطَّافِنَا ويَالرباح ... وأبي الحشرج الفتى النَّفَّاح
فجمع بين الأمرين.
واعلم أن قوله: "سوى ذلك" يعني به سوى ما ذكر من المستغاث والمعطوف المعاد معه "يا" فشمل شيئين:
__________
= الإعراب: "يبكيك" فعل ومفعول "ناء" فاعل يبكي "بعيد الدار" صفة لناء وإضافته للدار غير محضة؛ ولذلك وقع صفة للنكرة "مغترب" صفة ثانية "يا للكهول" يا حرف نداء واستغاثة واللام حرف جر والكهول مجرور بها والجار والمجرور متعلق بمحذوف -كما سبق- وهو مستغاث له.
الشاهد فيه: "للشبان" حيث كسرت فيه اللام وإن كان القياس فتحها؛ لكونها معطوفة على اللام الأولى، لكن لما زال اللبس ولم يتكرر حرف النداء كسرت، وأيضا "للعجب".
مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني 462/ 2، وابن هشام 256/ 3، وفي القطر ص221، والسيوطي ص104، وفي الهمع 180/ 1، والشاهد 107 في الخزانة.
1 قائله: هو من أبيات سيبويه المجهولة، وهو من الخفيف.
اللغة: "عطاف" و"رباح" و"أبي الحشرج" -أسماء الشاعر- فالشاعر يرثي هؤلاء "النفاح" -بالنون والفاء المشددة-الكثير العطاء.
الإعراب: "يا لعطافنا" يا حرف نداء واللام مفتوحة، وأبي الحشرج عطف على ما قبله، والتقدير: يا لأبي الحشرج "الفتى" بدل من أبي الحشرج "النفاح" صفته.
الشاهد فيه:
1- "يا لرباح" حيث فتحت فيه اللام لتكرار "يا".
2- ترك اللام في المعطوف كما في قوله: "وأبى الحشرج" إذ أصله ويا لأبي الحشرج.
مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني 462/ 2، وذكره سيبويه 319/ 1، وابن يعيش 131/ 1، والسيوطي في الهمع 180/ 1، والشاهد 108 في الخزانة.

(3/1115)


أحدهما: المعطوف الذي لم تعد معه "يا" كما تقدم، والآخر المستغاث من أجله.
تنبيهات:
الأول: ما ذكره عن كسر اللام مع المستغاث من أجله، إنما هو في الأسماء الظاهرة، فأما الضمير فتفتح اللام معه إلا مع الياء نحو: "يا لَزيد لك".
وإذا قلت: "يا لك" احتمل الأمرين، وقيل في قوله1:
فيَا لَك من ليل كأن نجومه
......................... ... إن اللام فيه للاستغاثة.
الثاني: اختلف فيما تتعلق به اللام الجارة للمستغاث من أجله، فقيل: بحرف النداء.
وقيل: بفعل محذوف؛ أي أدعوك لزيد2، وقيل: بحال محذوفة؛ أي مدعوا لزيد.
وقد علم بهذا أن قول ابن عصفور أنها تتعلق بفعل مضمر تقديره: أدعوك قولا واحدا ليس كما قال.
__________
1 قائله: هو امرؤ القيس بن حجر الكندي، وهو من الطويل.
وتمامه:
بكل مُغَار الفَتْل شدَّتْ بِيَذْبُلِ
اللغة: "مغار الفتل" محكم الفتل "بيذبل" -بفتح الياء وسكون الذال وضم الباء- اسم جبل.
الإعراب: "فيا لك" يا حرف نداء، واللام في لك للاستغاثة. كأنه قال: يا ليل ما أطولك "من ليل"، من حرف جر وليل مستغاث من أجله وجر بمن؛ لأنها للتعليل "كأن" للتشبيه "نجومه" اسم كأن والهاء مضاف إليه "شدت بيذبل" جملة في محل رفع خبر كأن.
الشاهد فيه: "فيا لك" حيث جاءت اللام فيه للاستغاثة، وفتحت اللام فيه مع أنه مستغاث من أجله.
مواضعه: ذكره الأشموني في شرحه للألفية 463/ 2.
2 بفعل محذوف؛ أي: مقدر بعد المستغاث، والكلام على هذا جملتان بخلافه على الأول والثالث.

(3/1116)


الثالث: قد يجر المستغاث من أجله بمن لأنها قد تأتي للتعليل بمعنى اللام كقوله1:
يا لَلرجال ذوي الألباب من نَفَر ... لا يَبرحُ السفه الْمُرْدي لَهم دينا
الرابع: قد يحذف المستغاث قيل "يا" المستغاث من أجله؛ لكونه غير صالح لأن يكون مستغاثا كقوله2:
يا لأُنَاس أَبَوْا إلا مُثابرة ... على التوغل في بَغْيٍ وعدوان
الخامس: قد يكون المستغاث مستغاثا من أجله نحو: "يا لَزيد لزيد" أي: أدعوك لتنصف من نفسك.
ثم أشار إلى ثاني أحوال المستغاث بقوله:
__________
1 قائله: لم أقف على اسم قائله، وهو من البسيط.
اللغة: "ذوي الألباب" -جمع لُب بضم اللام- وهو العقل "النفر" الرجال من ثلاثة إلى عشرة "السفه" خفة العقل "المردي" فاعل من أردى من الإرداء، وهي الدناءة.
الإعراب: "يا للرجال" يا حرف نداء واللام للاستغاثة، وهي مفتوحة، والرجال مجرور بها "ذوي" صفة للرجال "الألباب" مضاف إليه "من نفر" من حرف جر ونفر مستغاث من أجله "لا يبرح" بمعنى لا يزال من أخوات كان "السفه" اسمه "المردي" صفته "دينا" خبره، والجملة في محل الجر؛ لأنها صفة لنفر.
الشاهد فيه: "من نفر" حيث جر المستغاث من أجله بكلمة "من".
مواضعه: ذكره الأشموني 463/ 2، والسيوطي في الهمع 180/ 1.
2 قائله: لم أقف على اسم قائله، وهو من البسيط.
اللغة: "أبوا" -من الإباء- وهو الامتناع "مثابرة" مواظبة ومداومة "التوغل" -بتشديد الغين- وهو التعمق في الدخول في الشيء "البغي" الظلم.
الإعرب: "يا لأناس" يا حرف نداء واللام في لأناس مكسورة وهو مستغاث له، والمستغاث به محذوف، تقديره: يا لقومي لأناس "أبوا" جملة من الفعل والفاعل "إلا" أداة استثناء "مثابرة" منصوب على الاستثناء "على التوغل" جار ومجرور متعلق بمثابرة "في بغي" جار ومجرور متعلق بالتوغل "وعدوان" عطف على بغي.
الشاهد فيه: "يا لأناس" فإنه مستغاث به اتصل بيا، مجرورا باللام المكسورة وحذف منه المستغاث "يا لقومي لأناس".
مواضعه: ذكره الأشموني 464/ 2، والسيوطي في الهمع 181/ 1.

(3/1117)


ولام ما استغيث عاقبت ألف ... ...........................
يعني: أن الألف تعاقب لام الاستغاثة فلا يجتمعان، تقول: "يا لزيد" و"زيدا" ولا يجوز "يا لزيدا".
ومن وروده بالألف قوله1:
يا يزيدا لآمل نيل عز
وقوله:
........................... ... ومثله اسم ذو تعجب ألف
يعني: أن المتعجب منه إذا نودي عومل معاملة المستغاث من غير فرق، فيجوز جره بلام مفتوحة نحو قولهم: "يا لَلماء" و"يا لَلعجب".
ويجوز الاستغناء عن اللام بالألف نحو: "يا عجبا"، وقد يخلو منهما، نحو: "يا عجب".
تنبيهات:
الأول: جاء عن العرب في نحو: "يا للعجب" فتح اللام باعتبار استغاثته، وكسرها باعتبار الاستغاثة من أجله، وكون المستغاث محذوفا.
الثاني: التعجب بالنداء على وجهين:
__________
1 قائله: لم أقف على اسم قائله، وهو من الخفيف.
وتمامه:
وغنى بعد فاقة وهوان
اللغة: "آمل" اسم الفاعل من الأمل، وهو الرجاء والتوقع "نيل" حصول "فاقة" فقر وحاجة "هوان" مذلة واحتقار.
المعنى: أستغيث بك يا يزيد، وأدعوك لمن يرجو الثراء والقوة، بعد الفقر والذلة.
الإعراب: "يا" حرف نداء واستغاثة "يزيدا" منادى مستغاث به مبني على ضم مقدر منع منه حركة مناسبة ألف الاستغاثة في محل نصب، والألف عوض عن لام الاستغاثة "لآمل" متعلق بيا أو بالفعل المحذوف "نيل" مفعول لآمل "عز" مضاف إليه، وفيه ضمير هو فاعله؛ لأنه اسم فاعل "وغنى" معطوف على عز "بعد" منصوب على الظرفية "فاقة" مجرور بالإضافة "وهوان" عطف عليه.
الشاهد فيه: يا يزيدا، فإنه مستغاث به اختتم بالألف، ولم يؤتَ معه باللام المفتوحة التي تدخل عليه.
مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني 463/ 2، وابن هشام 257/ 3، والسيوطي ص104، وابن الناظم.

(3/1118)


أحدهما: أن ترى أمرا عظيما فتنادي جنسه نحو: "يا للماء".
ثانيهما: أن ترى أمرا تستعظمه فتنادي مَن له نسبة إليه ومكنة فيه نحو: "يا للعلماء".
والثالث: إذا وقفت على المستغاث أو المتعجب منه حالة إلحاق الألف جاز الوقف بهاء السكت.

(3/1119)


الندبة:
هي نداء المتفجع عليه أو المتوجع منه، وهي من كلام النساء غالبا، والمندوب هو المذكور بعد "يا" أو "وا" تفجعا لفقده حقيقة؛ كقول جرير يرثي عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه1:
.......................... ... وقُمتَ فيه بأمر الله يا عُمَرا
أو حكما؛ كقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "واعمراه واعمراه" حين أُعلم بجدب شديد أصاب قوما من العرب.
أو توجعا؛ لكونه محل ألم، نحو قوله2:
فواكبدا من حب من لا يحبني ... ومن عبرات ما لهن فناء
__________
1 البيت من البسيط وصدره:
حُمِّلتَ أمرا عظيما فاصطبرت له
اللغة: "حملت" بالبناء للمجهول مع تشديد الميم -أي: كلفت أمرا عظيما، أراد به الخلافة "اصطبرت" بالغت في الصبر والاحتمال.
المعنى: كلفت الخلافة وعهد إليك بشئون المسلمين في وقت عم فيه الظلم وفشا الجور فصبرت على تلك المشاق وقمت بما أمرك به الله ونشرت العدل بين الناس.
الإعراب: "حملت" فعل ماض مبني للمجهول والتاء نائب فاعل مفعول أول "أمرا" مفعول ثان "فاصطبرت" معطوف على حملت "له" جار ومجرور متعلق في محل نصب مفعول فاصطبرت "يا عمرا" يا حرف نداء وندبة وعمرا منادى مندوب مبني على الضم المقدر منع ممن ظهوره فتحة مناسبة ألف الندبة.
مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني 464/ 2، وابن هشام 260، 218/ 3.
2 قائله: لم أقف على قائله، وهو من الطويل.
الإعراب: "واكبدا" وا للندبة، كبدا مندوب "من حب" جار ومجرور "من" اسم موضول مضاف إليه "لا يحبني" لا نافية، ويحبني عل مضارع والنون للوقاية والياء مفعول والفاعل ضمير، والجملة لا محل لها صلة الموصول "ومن عبرات" جار ومجرور "ما" نافية للجنس "لهن" جار ومجرور خبرها مقدم "فناء" اسمها.
الشاهد: قوله "واكبدا" حيث ختم بألف الندبة للتوجع.
مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني 464/ 2.

(3/1120)


أو سببه كقوله1:
وتقول سلمى وازيتيه
وحكم المندوب حكم المنادى، فلهذا قال: ما للمنادى اجعل لمندوب .
يعني: أنه يضم إذا كان مفردا نحو "وازيد" وينصب إذا كان مضافا أو مطولا نحو: "واعبد الله" و"واضربا عمرا"2.
وإذا اضطر شاعر إلى "تنوينه"3 جاز ضمه ونصبه كقوله4:
__________
1 قائله: عبد الله بن قيس الرقيات يرثي قوما من قريش قتلوا بالمدينة يوم الحرة.
وصدره:
تبكيهم أسماء معولة
وهو من الكامل.
اللغة: "معولة" من أعولت المرأة إعوالا: الصياح "وارزيتيه" الرزية: المصيبة.
الإعراب: "تبكيهم" تبكي فعل مضارع والضمير مفعول "أسماء" فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة "معولة" -بالنصب- حال من أسماء "تقول" فعل مضارع "سلمى" فاعل مرفوع بضمة مقدرة "وارزيتيه" وا للندبة والهاء للسكت، مقول القول.
الشاهد: قوله: "وارزيتيه" حيث أغنى عن اسم المندوب ذكر لفظ الرزية.
مواضعه: ذكره سيبويه 321/ 1.
2 أ، ج. وفي ب "وضاربا عمرا".
3 ب، ج. وفي أ "تنويه".
4 قائله: لم اقف على اسم راجزه، ونسبه الكسائي إلى رجل من بنى أسد، وهو من الرجز.
وعجزه:
أإبلي يأخذها كرَوَّس
اللغة: "فقعس" اسم حي من أسد "كروس" -بفتح الكاف والراء وتشديد الواو- وفي الأصل الكروس الرجل الغليظ، وكان كروس أغار على إبل الشاعر؛ فلذلك ندب بقوله: "وافقعسا".
الإعراب: "وافقعسا" وا للندبة "أين" اسم استفهام خبر مقدم "مني" جار ومجرور متعلق بمحذوف تقديره: أين صار مني فقعس "فقعس" مبتدأ مؤخر "أإبلى" الهمزة للاستفهام، إبلى مبتدأ والياء مضاف إليه "يأخذها" فعل مضارع ومفعوله "كروس" فاعل مرفوع بالضمة، والجملة في محل رفع خبر المبتدأ.
الشاهد: قوله: "وافقعسا" حيث نونه بالنصب للضرورة ويجوز ضمه أيضا.
مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني 464/ 2، وابن الناظم.

(3/1121)


وافقْعَسا وأين مني فَقْعَسُ ... .......................
ثم نبه على ما لا تصح ندبته بقوله:
وما نُكِّر لم يُندب ولا ما أُبهما
الغرض من الندبة الإعلام بعظمة المصاب؛ فلذلك لا يندب إلا المعرفة السالم من إبهام، فلا تندب النكرة.
وأجاز الرياشي ندبة اسم الجنس المفرد، وقد جاء في الأثر: "واجبلاه" وهو نادر.
ولا يندب المبهم كاسم الإشارة والموصول بصلة لا تعينه، لا يقال: "واهذاه"1.
ولا "وامن ذَهَباه" لأن ذلك لا يقع به العذر للمتفجع.
ويجوز أن يندب الموصول بصلة تعينه لشهرتها. وإلى هذا أشار بقوله:
ويُندب الموصول بالذي اشْتَهَرْ ... كبئر زمزم يلي وامَنْ حَفَرْ
فتقول: "وامن حفر بئر زمزم" لأنه في الشهرة كالعلم.
ثم نبه على ما يلحق آخر المندوب فقال:
ومُنتهى المندوب صله بالألف
يشتمل منتهى المندوب آخر المفرد نحو: "وازيدا"، أو المضاف نحو: "واعبدا الملكا" وما طول به نحو: "واثلاثة وثلاثينا" والصلة نحو: "وامن حفر بئر زمزما" وعجز المركب نحو: "وامعدي كربا".
وقوله: "صله" يعني جوازا؛ لأن المندوب له استعمالان:
أحدهما: أن يجري مجرى غيره من المناديات كما تقدم.
والآخر: أن يوصل بالألف المذكورة.
فإن قلت: أطلق في وصل المندوب بالألف وقيده في التسهيل2 بألا يكون
__________
1 ب، ج. وفي أ "يا هذاه".
2 التسهيل ص185.

(3/1122)


في آخره ألف وهاء، فلا يقال: "واعبد اللاهاه" ولا "واجهجاهاه في عبد الله" و"جهجاه"1.
قلت: إطلاقه هنا موافق لإطلاق النحويين، وصرح بعض المغاربة بجوازه وفي ألفية ابن معطي.
وفي المضاف: "يا عبيد اللاهاه".
ولا يخلو ما قبل ألف الندبة من أن يكون ساكنا أو مفتوحا أو مكسورا أو مضموما، فإن كان ساكنا فتح للألف نحو: "وامن يغزواه" و"وامن يرمياه" ما لم يكن ألفا أو تنوينا أو ياء ساكنة مضافا إليها المندوب أو واوا أو ياء لا يقبلان الحركة، فإن كان ألفا حذفت لتعذر تحريكها نحو:
"واموساه".
وأشار إليه بقوله:
مَتْلُوها إن كان مثلها حُذف
أي: متلو ألف الندبة، يعني: الحرف الذي قبلها إن كان ألفا مثلها حذف لما تقدم، وأجاز الكوفيون قياسا قلب الألف فقالوا: "وامُوسياه"، وإن كان تنوينا حذف أيضا؛ لأنه لاحظ له في الحركة وفتح ما قبله، فتقول: "واغلام زيداه" وهذا مذهب سيبويه والبصريين.
وأجاز الكوفيون فيه مع الحذف وجهين: فتحه، فتقول: "واغلام زيدناه" وكسره مع قلب الألف ياء فتقول: "واغلام زيدنيه".
قال المصنف: وما رأوه حسن لو عضده سماع، لكن السماع فيه لم يثبت.
وقال ابن عصفور: أهل الكوفة يحركون التنوين فيقولون: "واغلام زيدناه"، وزعموا أنه سُمع. انتهى.
__________
1 ب، ج.

(3/1123)


وأجاز الفراء وجها ثالثا، وهو حذفه مع إبقاء الكسرة وقلب الألف ياء؛ فتقول: "واغلام زيديه".
ولا يجيز البصريون إلا الأول.
فإن كان الياء المشار إليها فسيأتي الكلام عليها.
وإن كان واوا لا تقبل الحركة كواو الصلة في نحو: "غلامه" أو ياء كذلك نحو: "غلامه" حذفا، وقلبت الألف إلى مجانس ما قبلها.
وإن كان ما قبل الألف مفتوحا استصحب فتحة نحو: "واعبد يغوثاه" وإن كان ما قبلها مكسورا أو مضموما، فإما أن يوقع فتحه في لبس أو لا، فإن لم يوقع فتحه في لبس وجب فتحه كقولك في عبد الملك: "واعبد الملكاه" وفي من اسمه "قام الرجل" وقام الرجلاه، وإنما فتح لتسلم الألف.
فإن أوقع "في لبس"1 قلبت ألف الندبة ياء بعد الكسرة، وواوا بعد الضمة. فتقول في ندبة "غلام" مضافا إلى ضمير المخاطبة. "واغلامكيه" وفي ندبته مضافا إلى ضمير الغائب "واغلامهوه"؛ إذ لو قلت: "واغلامكاه" لالتبس بالمذكر، ولو قلت: "واغلامهاه" لالتبس بالغائبة.
وذلك مفهوم من قوله:
والشكل حتما أوله مُجانسا ... إن يكن الفتح بِوَهْمٍ لابسا
الشكل: الحركة، ومجانس الكسرة: الياء، ومجانس الضمة: الواو.
وأشار بقوله: "حتما" إلى وجوب ذلك دفعا للبس.
وفهم من الشروط أن الألف لا تغير إذا كان الفتح لا يلبس كما تقدم.
وهذا مذهب البصريين، وأجاز الكوفيون إتباع الألف للكسرة في المثنى نحو: "وازيدانيه" وفي "المفرد"2 نحو: "واعبد الملكيه" وفي نحو: "رَقاش" "وارقاشيه"3.
قوله:
__________
1 أ، ج.
2 أ، وفي ب، ج "المعرب".
3 رقاش: اسم امرأة.

(3/1124)


وواقفا زِدْ هاء سَكْتٍ إن تُرِدْ ... وإن تشأ فالمد والها لا تَزِدْ
إذا وقف على المندوب زيد بعد ألفه أو بدلها هاء السكت، وليست بلازمة بل غالبة؛ لأنه يجوز الاقتصار على المد فيقال: "وازيدا".
وهذا معنى قوله: "وإن تشأ فالمد والها لا تزد" أي: إن تشأ ألا تزيد الهاء فالمد كافٍ وهو كالتنصيص على ما فهم من قوله: "إن ترد" ولو قيل: فالمد بالنصب لأفاد جواز تجريده من المد أيضا، أي: وإن تشأ فلا تزد المد والهاء، بل تجعله كالمنادى غير المندوب وقد تقدم بيانه أول الباب. وقد فهم من قوله: "وواقفا" أن هذه الهاء لا تثبت وصلا، وربما ثبتت في الضرورة مضمومة ومكسورة، وأجاز الفراء إثباتها في الوصل بالوجهين. قوله:
وقائلٌ واعبديا واعبدا ... مَن في الندا اليا ذا سكون أبدَى
تقدم أن "في"1 المنادى المضاف إلى ياء المتكلم "نحو: "يا عبد""2 ست لغات:
فإذا ندبت على لغة من يقول: "يا عبد" -بالكسر- أو "يا عبد" -بالفتح- أو "يا عبد" -بالضم- أو "يا عبدا" -بالألف.
قلت: "واعبدا" لما علمت، وإذا ندبت على لغة من أثبت الياء مفتوحة قلت: "واعبديا". وإذا "ندبت"3 على لغة من أثبتها ساكنة وهو المشار إليه في البيت فوجهان:
أحدهما: أن تحذفها لالتقاء الساكنين، وتفتح ما قبلها فتقول: "واعبدا".
والثاني: أن تفتحها لقبولها الحركة فتقول: "واعبديا".
والحذف مذهب المبرد، والفتح مذهب سيبويه.
__________
1 ب، ج.
2 ب، ج.
3 ب. وفي أ، ج "قلت".

(3/1125)


الترخيم:
الترخيم في اللغة: ترقيق الصوت وتليينه، يقال: صوت رخيم، أي رقيق. وفي الاصطلاح: حذف بعض الكلمة على وجه مخصوص.
وهو على ثلاثة أنواع: ترخيم النداء، وترخيم الضرورة، وترخيم التصغير، والمذكور في هذا الباب الأولان، ويأتي الثالث في بابه إن شاء الله تعالى.
أما ترخيم النداء، فهو حذف آخر المنادى تخفيفا، وقد أشار إليه بقوله:
ترخيما احذف المنادى
ثم مثله بقوله:
كيا سُعا فيمن دعَا سُعَادَا
في قوله من دعا "سعاد"1 فحذف المضاف.
فإن قلت: فما وجه نصبه ترخيما؟
قلت: أجاز "فيه"2 الشارح أن يكون مفعولا له أو مصدرا في موضع الحال، أو ظرفا على حذف مضاف3. فهذه ثلاثة أوجه.
ويحتمل رابعا: وهو أن يكون مفعولا مطلقا وناصبه احذف؛ لأنه يلاقيه في المعنى4.
ثم أخذ في بيان ما يجوز ترخيمه فقال:
__________
1 أ.
2 أ، ج.
3 أي: وقت ترخيم، وهو وقت اجتماع شروط الترخيم.
4 وأجاز المكودي وجها خامسا، وهو أن يكون مفعولا مطلقا لعامل محذوف، أي: رخم ترخيما.

(3/1126)


وجَوِّزْنَه مطلقا في كل ما ... أنت بالها..............
المنادى ضربان: مؤنث بالهاء ومجرد منها.
فالمؤنث بها يجوز ترخيمه مطلقا، أي: بلا شرط فيرخم علما وغير علم، وثلاثيا وأزيد نحو1:
أفاطمُ مَهلا بعض هذا التدلل ... ..........................
__________
1 قائله: هو امرؤ القيس، وهو من الطويل.
وعجزه:
وإن كُنْتِ قد أزمعتِ صَرْمِي فأَجْمِلِي
اللغة: "أفاطم" فاطمة بنت العبيد بن ثعلبة من عذرة "أزمعت" عزمت ووطنت نفسها "صرمي" هجري وقطيعتي "أجملي" أحسني.
المعنى: ترفقي بي يا فاطمة واتركي الدلال وإظهار الهجر، وإن كنت قد اعتزمت هجري حقا، ووطنت نفسك عليه، فأحسني في ذلك.
الإعراب: "أفاطم" الهمزة للنداء وفاطم منادى مرخم بحذف التاء "مهلا" مفعول مطلق منصوب بمحذوف "بعض" مفعول به لمحذوف أيضا، أي دعي بعض "هذا" مضاف إليه "التدلل" بدل أو عطف بيان من اسم الإشارة "وإن كنت" شرط وفعله والتاء اسم كان "قد أزمعت صرمي" الجملة خبر كان "فأجملي" الفاء واقعة في جواب الشرط، وأجملي فعل أمر مبني على حذف النون والياء فاعل.
الشاهد فيه: قوله "أفاطم" فهو اسم مؤنث مرخم بحذف التاء.
مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني 467/ 2، وابن هشام 276/ 3، والمغني 1/ 9، وسيبويه 172/ 2.

(3/1127)


ونحو1:
جارِيَ لا تستنكري عَذيري
و"يا شا ادجُنِي" أي: أقيمي2 يقال: دَجَنَ بالمكان يَدْجُن دُجُونا: أقام به. فإن قلت: كيف قال مطلقا، ولترخيمه خمسة شروط:
الأول: أن يكون معينا، فلا يجوز ترخيم النكرة غير المقصودة كقول الأعمى: "يا امرأة خُذي بيدي"3.
__________
1 قائله: هو العجاج بن رؤبة يخاطب امرأته، وهو من الرجز.
وعجزه:
سَيْرِي وإشفاقي على بعيري
اللغة: "لا تستنكري" لا تعديه أمرا منكرا "عذيري" بفتح العين وكسر الذال وسكون الياء، العذير: ما يعذر الإنسان في عمله، والمراد هنا: الحال التي يزاولها.
المعنى: يا جارية لا تنكري على تأهبي للسفر والذهاب في الأرض للبحث عن العيش، وإشفاقي على بعيري، فالسعي واجب على كل إنسان، والعطف على الحيوان من الإيمان.
الإعراب: "جاري" منادى مرخم بحذف التاء؛ لأنه نكرة مقصودة، أي: يا جارية "لا" ناهية "تستنكري" مضارع مجزوم بلا وعلامة جزمه حذف النون والياء فاعل "عذيري" مفعول وياء المتكلم مضاف إليه "سيري" بدل تفصيل من عذيري "وإشفاقي" معطوف عليه، أو الواو بمعنى مع.
الشاهد: قوله "جاريَ" منادى مرخم بحذف التاء والتقدير: يا جارية، وحذف منه حرف النداء؛ وذلك ضرورة.
مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني 468/ 2، وابن هشام 268/ 3، والمكودي ص131، وسيبويه 330/ 1.
2 أي: ياشاة أقيمي بالمكان، وهو مثال للثلاثي.
3 في ب: سقطت امرأة.

(3/1128)


والثاني: ألا يكون مضافا، فلا يجوز ترخيم نحو: "يا طلحة الخير"، وأما نحو قوله1:
يا علقم الخير قد طالت إقامتنا
فنادر.
والثالث: ألا يكون مختصا بالنداء فلا يرخم فلة.
والرابع: ألا يكون مندوبا "فإن المندوب"2 لا يجوز ترخيمه، لحقته علامة الندبة أو لم تلحقه، نص عليه سيبويه.
والخامس: ألا يكون مستغاثا به، فإنه لا يجوز ترخيمه.
قلت: وقد يجاب بأن معنى قوله: مطلقا، أي: بلا شرط من الشروط التي تخص المجرد كالعلمية.
وأما هذه الشروط فاشترك فيها النوعان إلا أن "اشتراطه للإضافة"3 في المجرد يوهم عدم اشتراطها في المؤنث بالهاء، فيقوى السؤال، وقد استغنى عن الأولين في التسهيل4 باشتراط "البناء"5 ولم يذكر "الثالث"6.
__________
1 قائله: لم ينسب لقائل، وهذا الشطر من البسيط.
الإعراب: "يا علقم" يا حرف نداء علقم منادى مرخم وأصله يا علقمة وهو منصوب "الخير" مضاف إليه "قد" حرف تحقيق "طالت" فعل ماض والتاء للتأنيث "إقامتنا" فاعل مرفوع بالضمة ونا مضاف إليه.
الشاهد: قوله: "يا علقم الخير" فإن الشاعر رخم علقمة، والحال أنه مضاف، والخير مضاف إليه.
مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني 468/ 2.
2 ب.
3 ب، ج.
4 راجع التسهيل ص189.
5 ب، ج.
6 وفي أ "الثلاثة".

(3/1129)


تنبيهات:
الأول: شرط المبرد في ترخيم المؤنث بالهاء العلمية؛ فمنع ترخيم النكرة المقصودة، والصحيح جوازه لما تقدم1.
الثاني: منع ابن عصفور ترخيم "صلعمة بن قلعمة" لأنه كناية عن المجهول الذي لا يعرف، وإطلاق النحاة بخلافه، فليس كونه كناية عن المجهول بمانع؛ لأنه علم جنس.
الثالث: إذا ناديت طلحة ونحوه ورخمت قلت: يا طلحَ ويا طلحُ بالفتح والضم كما سيأتي، وإن لم ترخم قلت: "يا طلحةُ" بضم التاء.
وقد سمع وجه رابع، وهو "يا طلحةَ" بفتح التاء، قال النابغة2:
__________
1 أي: في قوله: أو غير علم مع تمثيله بجاري وياشا.
2 قائله: هو النابغة الذبياني -زياد بن معاوية- من قصيدة يمدح بها عمرو بن الحارث الأعرج حين هرب إلى الشام، لما بلغه سعي مرة بن ربيعة به إلى النعمان وخافه، وهو من الطويل.
وعجزه:
وليل أقاسيه بطيء الكواكب
اللغة: "كليني" -بكسر الكاف- دعيني "أميمة" اسم امرأة "ناصب" بمعنى منصب من النصب وهو التعب "أقاسيه" أكابده.
المعنى: إنه يقول: دعيني لهذا الهم الناصب ومقاساة الليل البطيء الكواكب حتى كأن راعيها ليس بآيب.
الإعراب: "كليني" جملة من فعل وفاعل ومفعول والنون للوقاية "لهم" جار ومجرور متعلق بالفعل "ناصب" -بالجر- صفة لهم "يا أميمة" يا حرف نداء وأميمة منادى مبنى على الفتح، وهو معترض بين الصفة والموصوف "وليل" عطف على هم "أقاسيه" أقاسي فعل مضارع والفاعل ضمير مستتر فيه والهاء مفعول به، والجملة في محل جر صفة لليل "بطيء" صفة لليل "الكواكب" مضاف إليه. وكيف يوصف الليل -وهو نكرة- بالمعرفة وهو بطيء الكواكب؛ لأن الإضافة في نية الانفصال.
الشاهد: قوله: "يا أميمةَ" حيث جاءت بفتح التاء.
مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني 469/ 2، وذكر السيوطي في الهمع 185/ 1، وسيبويه 346/ 1، والشاهد 137 في الخزانة، وشرح المفصل 107/ 2.

(3/1130)


كليني لهم يا أميمةَ نَاصِبِ ... .......................
فاختلف النحويون فيه، فقال قوم: ليس بمرخم، ثم اختلفوا؛ فقيل: هو معرب نُصب على أصل المنادى ولم ينون لأنه غير منصوب، وقيل: هو مبني على الفتح؛ لأن منهم من يبني المنادى المفرد على الفتح؛ لأنها1 حركة تشاكل حركة إعرابه لو أعرب.
فهو نظير "لا رجلَ في الدار"، وأنشد هذا القائل2:
يا ريحَ من نحو الشمال هُبِّي
بالفتح، وذهب أكثرهم إلى أنه مرخم فصار في التقدير "يا أميمُ" ثم أقحم التاء غير معتد بها وفتحها؛ لأنها واقعة موقع ما يستحق الفتح وهو ما قبل هاء التأنيث3، وهذا ظاهر كلام سيبويه.
قلت: فعلى هذا تكون مقحمة بين الحاء والتاء المحذوفة المنوية.
وللفارسي قولان:
أحدهما: أنها زيدت ثم فتحت إتباعا لحركة الحاء.
والثاني: أنها أقحمت بين الحاء وفتحها، فالفتحة التي في التاء هي فتحة الحاء ثم فتحت الحاء إتباعا لحركة التاء.
وقال في شرح التسهيل بعد ذكره مذهب سيبويه: وأسهل من هذا عندي ان تكون فتحة التاء إتباعا لفتحة ما قبلها.
__________
1 أي الفتح وأنثه باعتبار الخبر وهو "حركة".
2 قائله: لم ينسب إلى قائل، وهو شطر من الرجز، وقيل: هذا ليس بشعر.
الإعراب: "يا" حرف نداء "ريح" منادى مفرد مفتوح "من نحو" جار ومجرور متعلق بهبي "الشمال" مضاف إليه "هبي" -بضم الهاء- فعل أمر والفاعل ضمير مستتر فيه.
الشاهد: قوله: "يا ريحَ" فإنه منادى مفرد، وكان حقه أن يضم ولكنه مفتوح.
مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني 469/ 2.
3 المحذوفة المنوية.

(3/1131)


قلت: هذا يوافق أحد قولي أبي علي في الإتباع، لكن ظاهر كلامه في الشرح أن التاء هي الأولى لا تاء زيدت بعد حذف الأولى فهي قول آخر.
الرابع: أجاز قوم منهم الفراء إلحاق ألف التأنيث الممدودة بتائه في الفتح فأجازوا "يا أسماء أقبلي" وليس بصحيح؛ لأنه غير مسوغ. ومقيس على ما ترك فيه مقتضى الدليل.
الخامس: إذا وقف على المرخم بحذف الهاء فالغالب أن تلحقه هاء ساكنة؛ فتقول في الوقف على "يا طلح"1: "يا طلحهْ".
واختلفوا في هذه الهاء. فقيل: هاء السكت وهو ظاهر كلام سيبويه، وقيل: هي التاء المحذوفة أعيدت لبيان الحركة، وإليه ذهب المصنف. قال "في"2 التسهيل3: ولا يستغنى غالبا في الوقف على المرخم بحذفها عن إعادتها أو تعويض ألف منها، وأشار بالتعويض إلى قوله4:
__________
1 وفي أ "في المرخم".
2 أ.
3 التسهيل ص189.
4 قائله: هو القطامي واسمه عمير بن شبيم، وهو من الوافر.
وعجزه:
ولا يَكُ موقفٌ منكِ الوَداعا
اللغة: ضباعا: أراد ضباعة بنت زفر بن الحارث.
الإعراب: "قفي" فعل أمر وفاعله، من وقف "قبل" ظرف منصوب على الظرفية "التفرق" مضاف إليه "يا ضباعا" يا حرف نداء وضباعا منادى مفرد معرفة مرخم وأصله ضباعة "ولايك" أصله ولا يكن، فحذفت النون للتخفيف "موقف" اسم يكن مرفوع بالضمة الظاهرة "منك" جار ومجرور متعلق بمحذوف صفة لموقف في محل رفع، والتقدير: موقف حاصل منك "الوداعا" خبر يكن.
الشاهد: قوله: "يا ضباعا" حيث عوض الألف فيه عن الهاء، وأصله: ضباعة.
مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني 468/ 2، وذكر السيوطي في الهمع 185/ 1، وسيبويه 331/ 1، والشاهد 143 في الخزانة.

(3/1132)


قِفِي قبل التفرُّقِ يا ضُبَاعَا ... ........................
فجعل ألف الإطلاق عوضا "عن"1 الهاء، ونص سيبويه وابن عصفور على أن ذلك لا يجوز إلا في الضرورة.
وأشار بقوله: "غالبا" إلى أن بعض العرب يقف بلا هاء ولا عوض، حكى سيبويه "يا حَرْمَل" في الوقف بغير هاء.
قال الشيخ أبو حيان: أطلقوا في لحاق هذه الهاء، ونقول: إن كان الترخيم على لغة من لا ينتظر لم تلحق.
ثم قال:
....................... ... ....... والذي قد رُخِّمَا
بحذفها وفره........... ... ......................
أي: لا تحذف منه شيئا بعد حذف الهاء.
فعلم أن قوله: "ومع الآخر احذف الذي تلا" خاص بالمجرد منها.
وما ذكره هو مذهب عامة النحويين، وأجاز سيبويه أن يرخم ثانيا بعد حذف التاء على لغة من لم يراعِ المحذوف، ومنه قوله2:
__________
1 أ. وفي ب، ج "من".
2 قائله: هو أنس بن زنيم يخاطب به الحارث بن بدر الغداني حين ولاه عبيد الله بن زيادة سرّق "إحدى كور الأهواز"، وهو من الطويل.
وعجزه:
............................ ... فكُنْ جُرَذًا فيها تَخُونُ وتَسْرقُ
اللغة: "جرذا" -بضم الجيم وفتح الراء- وهو ضرب من الفأر ويجمع على جرذان.
الأعراب: "أحار" الهمزة حرف نداء وحار منادى مفرد معرفة مرخم، والتقدير: يا حارثة بن بدر "بن" مبني على الفتح مع المنادى وبدر مضاف إليه "قد" حرف تحقيق "وليت" فعل وفاعل "ولاية" منصوب على المفعولية "فكن" أمر من كان واسمه ضمير مستتر فيه "جرذا" خبره منصوب بالفتحة الظاهرة "فيها" جار ومجرور يعود على الولاية "تخون" فعل مضارع مرفوع بالضمة والفاعل ضمير مستتر فيه والجملة صفة لجرذان "وتسرق" فعل مضارع والفاعل ضمير مستتر فيه وهي عطف على تخون. الشاهد: قوله: "أحار" حيث أريد به حارثة، فأولا رخمه بحذف الهاء على لغة من لم ينوِ رد المحذوف وثانيا بحذف التاء على لغة من نوى رد المحذوف.
مواضعه: ذكره م شراح الألفية: الأشموني 469/ 2، والسيوطي في الهمع 183/ 1.
وعجزه:
والمرء يستحيي إذا لم يَصْدُقِ

(3/1133)


أحَارُ بنَ بدر قَد وَليتَ ولاية ... ..........................
يريد: أحارثةُ.
وقول الآخر1:
يا أَرْطُ إنَّكَ فاعل ما قلْتَهُ ... .......................
يخاطب أرطاة بن سهية.
قال الشيخ أبو حيان: ولو ذهب ذاهب إلى أن المؤنث يجوز في ترخيمه وجهان:
أحدهما: حذف التاء وهو الكثير.
__________
1 قائله: هو زميل بن الحارث يخاطب أرطاة بن سهية، وهو من الكامل.
الإعراب: "يا أرط" يا حرف نداء أرط منادى مفرد معرفة مرخم أصله يا أرطاة "إنك" إن حرف توكيد والكاف اسم إن "فاعل" خبر إن مرفوع بالضمة الظاهرة "ما قلته" ما موصولة قلته فعل وفاعل ومفعول، والجملة لا محل لها صلة الموصول "المرء" مبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة "يستحيي" فعل مضارع والفاعل ضمير والجملة في محل رفع خبر المبتدأ "إذا" للشرط "لم" حرف نفي وجزم وقلب "يصدق" فعل مضارع مجزوم بلم وهو فعل الشرط وجواب الشرط محذوف دل عليه الكلام السابق، والتقدير: إذا لم يصدق يستحيي.
الشاهد: قوله: "يا أرط" حيث أريد يا أرطاة، فأولا رخمه بحذف التاء على لغة من لم ينوِ رد المحذوف، وثانيا رخمه بحذف الألف على لغة من نوى رد المحذوف وهو الألف.
مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني 470/ 2، والسيوطي في الهمع 84/ 1.

(3/1134)


والآخر: حذفها مع ما قبلها كالحذف في منصور، لكان قولا. وتقدير أن الشاعر في البيت الواحد نوى الترخيم أولا ثم نوى الترخيم ثانيا في الكلمة الواحدة حال النطق بها -يحتاج إلى وحي يسفر عن هذا التقدير. انتهى.
ثم انتقل إلى المجرد فقال:
...................... واحظُلا ... ترخيم ما من هذه الها قد خَلا
إلا الرباعي فما فوق العَلم ... دون إضافة وإسناد مُتم
أي: امنع ترخيم ما خلا من الهاء إلا ما اجتمعت فيه أربعة شروط:
الأول: أن يكون زائدا على الثلاثة فلا يجوز ترخيم الثلاثي تحرك وسطه نحو: "حَكَم"، أو سُكِّن نحو: "بَكْر" هذا مذهب الجمهور، وأجاز الفراء والأخفش ترخيم المحرك الوسط1، ونقل عن الكوفيين، وفيه نظر؛ لأنه "قد"2 نقل عن الكسائي المنع إلا "أن"3 يثبت له قولان.
وأما الساكن الوسط فقال ابن عصفور: لا يجوز ترخيمه قولا واحدا. وقال في الكافية: ولم يرخم نحو بكر أحد، وليس كما قالا بل فيه خلاف؛ حكي عن الأخفش وبعض الكوفيين إجازة ترخيمه، ونقل الخلاف فيه أبو البقاء العكبري وصاحب النهاية وابن هشام4 وابن الخشاب.
قلت: وفصل بعض المتأخرين بين لازم السكون وعارضه، فقال: لو سمى "بضرب" -المبني للمعفول- ثم سكن لما امتنع ترخيمه، ولو سمى به بعد الإسكان لم يجز ذلك.
الثاني: أن يكون علما، وأجاز بعضهم ترخيم النكرة المقصودة نحو: "يا غَضَنْفَ" في غضنفر قياسا على قولهم: "أطرق كَرَا" و"يا صاح".
__________
1 أي: تنزيلا لحركة الوسط منزلة الحرف الرابع؛ ولهذا كان نحو سقر غير مصروف.
2 ب.
3 ب، ج.
4 ابن هشام، الخضراوي.

(3/1135)


الثالث: ألا يكون ذا إسناد فلا يجوز ترخيم "بَرَقَ نحرُه" ونحوه، وسيأتي الكلام عليه.
الرابع: ألا يكون ذا إضافة، خلافا للكوفيين في إجازتهم ترخيم المضاف إليه كقوله1:
خُذُوا حظكم يا آل عِكْرمَ واذكروا
هذا عند البصريين نادر، وأندر منه حذف المضاف إليه بأسره، كقوله2:
يا عبدَ هل تَذْكُرني ساعة ... .......................
يريد: يا عبد هند، وعبد هند. علم له، وتقدم أن ترخيم المضاف نادر أيضا في قوله: يا علقم الخير.
فإن قلت: أهمل المصنف من شروط ترخيم المجرد ثلاثة:
__________
1 قائله: هو زهير بن أبي سُلمى، من قصيدة قالها حين بلغة أن بني سليم أرادوا الإغارة على بني غطفان، وهو من الطويل.
وعجزه:
أواصرنا والرحم بالغيب تُذكر
اللغة: "حظكم" نصيبكم "أواصرنا" الأواصر: القرابات، الواحدة الآصرة.
المعنى: خذوا حظكم من مودتنا ومسالمتنا، وكانوا قد عزموا على غزو قومه.
الإعراب: "خذوا" فعل وفاعل "حظكم" مفعول منصوب بالفتحة، والضمير مضاف إليه "يا آل" يا حرف نداء آل منادى منصوب "عكرم" مضاف إليه، وأصله يا عكرمة "واذكروا" فعل وفاعل عطف على خذوا "أواصرنا " مفعول به منصوب بالفتحة ونا مضاف إليه "والرحم" مبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة "بالغيب" جار ومجرور متعلق بتذكر "تذكر" جملة في محل رفع خبر المبتدأ.
الشاهد: قوله "يا آل عكرمَ" حيث رخم المضاف إليه من المنادى وأصله: يا آل عكرمة.
مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني 470/ 2، وذكره السيوطي في الهمع 181/ 1، وفي شرح المفصل 20/ 2، والإنصاف 215/ 1، وسيبويه 343/ 1، والشاهد 138 في الخزانة.
2 قائله: هو عدي بن زيد، وهو من السريع.
وعجزه:
........................ ... في موكب أورائدا للقنيص =

(3/1136)


أحدها: ألا يكون مختصا بالنداء1.
والثاني: ألا يكون مندوبا.
والثالث: ألا يكون مستغاثا.
قلت: أما الأول فلم ينبه عليه، وأما الثاني والثالث فقد تقدم ما يرشد إليهما وهو نصه على التزام حرف النداء معهما؛ لأن علة التزامه هي علة منع ترخيمهما، وأجاز ابن خروف ترخيم المستغاث إذا لم يكن فيه اللام.
كقوله2:
........................ ... أَعَام بْنَ صعصعةَ بْنِ سعْدِ
قال ابن الصايغ: وهذا ضرورة، وقد ناداه بغير يا، وذلك ممنوع وقد سمع ترخيمه.
__________
= اللغة: "موكب" -بفتح الميم وسكون الواو وكسر الكاف- والموكب القوم الركوب على الإبل، والجمع مواكب "رائدا" من الرود وهو الطلب، يقال: بعثنا رائدا يرود لنا الكلأ أن ينظر ويطلب "القنيص" -بفتح القاف وكسر النون- هو الصيد.
الإعراب: "يا عبد" يا حرف نداء وعبد منادى مرخم مضاف إذ أصله عبد هند "هل" للاستفهام "تذكرني" فعل وفاعل ومفعول والنون للوقاية "ساعة" منصوب على الظريفة "في موكب" جار ومجرور في محل نصب على الحال من الضمير المرفوع في تذكرني "أو رائدا" نصب على الحال أيضا "للقنيص" متعلق به.
الشاهد: قوله "يا عبد" فإنه منادى مضاف مرخم؛ لأن أصله يا عبد هند فرخمه بحذف المضاف إليه.
مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني 470/ 2.
1 فلا يرخم نحو فل وفلة.
2 قائله: هو الأحوص بن شريح الكلابي، وهو من الوافر.
وصدره:
تمنَّاني ليقتُلَني لقيط ... .................
اللغة: "تمناني" تمنى فعل ماض والنون للوقاية والياء مفعول "لقيط" فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة "ليقتلني" اللام للتعليل ويقتل فعل مضارع منصوب بأن بعد لام التعليل والنون للوقاية والياء مفعول والفاعل ضمير مستتر فيه "أعام" الهمزة للنداء عام منادى مستغاث به مرخم وأصله يا عامر "بن" صفة لعامر "صعصعة" مضاف إليه. الشاهد: قوله "أعام" فإنه منادى مستغاث به وليس فيه لام الاستغاثة، وقد رخم إذ أصله "أعامر".
مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني 471/ 2، وذكره السيوطي في الهمع 181/ 2.

(3/1137)


ومع اللام كقوله1:
كلما نادى مُنادٍ منهم ... يا لتَيْمِ الله قُلنا يا لَمالِ
ثم اعلم أن الخالي من تاء التأنيث إذا استوفى شروط الترخيم فالمحذوف منه للترخيم إما حرف وإما حرفان وإما كلمة، فالذي يحذف منه حرف نحو: "حارث" و"مالك" فتقول: "يا حار" و"يا مال" وأما الذي يحذف منه حرفان فقد أشار إليه بقوله:
ومَعَ الآخِرِ احذفِ الذي تَلا
أي: احذف مع الآخر ما قبله بخمسة شروط:
الأول: أن يكون حرف لين، فلو كان حرفا صحيحا حذف الآخر وحده، فتقول في "سفرجل وقِمَطْر" يا سفرج ويا قِمَط، خلافا للفراء في نحو "قمطر" فإنه يقول: يا قِمَ بحذف حرفين.
الثاني: أن يكون ساكنا، لو كان متحركا لم يحذف فتقول في "هَبَيَّخ" و"قَنَوَّر"2: يا هَبيَّ ويا قنوَّ، بحذف الآخر وحده.
__________
1 قائله: هو مرة بن الوراغ من بين سعد، وهو من الرمل.
الإعراب: "كلما" منصوب على الظرفية وناصبها الفعل قلنا وجاءتها الظرفية من ما، فإنها تحتمل أن تكون مصدرية والجملة بعدها صلة فلا محل لها، وأن تكون اسما نكرة بمعنى وقت والجملة بعدها في موضع خفض على الصفة "نادى" فعل ماض "مناد" فاعل "منهم" جار ومجرور في محل رفع صفة لمناد "يا" حرف نداء "لتيم الله" منادى مستغاث به "قلنا" فعل ماض ونا فاعله، والجملة وقعت جوابا لقوله كلما "يا لمال" يا حرف نداء لمال منادى مستغاث به وهو مرخم؛ إذ أصله: يا لمالك.
الشاهد: قوله "يا لمال" فإنه منادى مرخم مستغاث به وفيه اللام.
مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني 471/ 2.
2 هبيخ بفتح الهاء وتشديد الياء: الغلام الممتلئ، أي: السمين، وقنور بفتح القاف والنون وتشديد الواو: الصعب اليبوس من كل شيء.

(3/1138)


الثالث: أن يكون زائدا، فلو كان أصليا لم يحذف فتقول في "مختار": يا مختا، ولا تحذف الألف؛ لأنها بدل العين، وعن الأخفش أنه يحذف مع الآخر، وأجاز الجرمي في "منقاد": يا منق.
الرابع: أن يكون رابعا فصاعدا، فلو كان ثالثا نحو: "عماد" و"سعيد" و"ثمود" فمذهب البصريين أنه يرخم بحذف آخره فقط، ونقل المصنف عن الفراء أنه أجاز في نحو "عماد" و"سعيد" وجهين: حذف الآخر وحده كالبصريين، وحذفه مع الألف والياء فتقول: يا عم وياسع، وأما في ثمود فيحذف الحرفين ولا يجيز يا ثمو؛ لأن بقاء الواو يستلزم عدم النظير، ونقل غيره عن الفراء أنه يحذف الحرفين في ثمود ويحذف الآخر فقط في عماد وسعيد.
الخامس: أن يكون قبله حركة مجانسة، فلو كان قبل الواو والياء فتحة نحو: "غُرنَيْق"1 و"فرعون"، فمذهب الجرمي والفراء أنه يحذف مع الآخر كالذي قبله حركة مجانسة لا يفرقان بين النوعين. قال في شرح الكافية: وغيرهما لا يرى ذلك بل يقولون: يا فرعو، ويا غرني. قلت: وذكر الجرمي أن ما ذهب إليه هو مذهب الأكثرين.
وإلى هذا الخلاف أشار بقوله:
.......... والخلف في ... واو وياء بهما فتح قُفي
فإن قلت: إطلاقه يوهم إجراء الخلاف في نحو "مصطَفَوْنَ" -علما- لأن واوه قبلها فتحة، وليس كذلك، بل يقولون في ترخيمه: يا مُصْطَف وجها واحدا، وقد نبه في شرح الكافية على ذلك.
__________
1 غرنيق بضم الغين وسكون الراء وفتح النون: طير من طيور الماء طويل العنق.

(3/1139)


قلت: الواو في مصطفون ونحوه من الجمع بعد الضمة مقدرة؛ لأن أصله مصطفيون فأعل على ما اقتضاه التصريف1، فليست الواو في التقدير بعد فتح، وإلى هذا أشار بقوله في التسهيل2: مسبوق بحركة مجانسة ظاهرة أو مقدرة.
ومثال ما حذف منه حرفان؛ لاجتماع الشروط المذكورة: عمران وحماد وأسماء وزيدان ومسلمات -علمين- وحمدون ومنصور وزيدون وملكوت -علمين- "وجعفر ومسكين"3 وغسلين وعفريت -أعلاما.
ثم أشار إلى ما يحذف منه كلمة بقوله:
والعَجْزَ احذِفْ من مركَّب
إذا رخم المركب حذف عجزه نحو: "يا بعلَ" و"يا سيبَ" في بعلبك وسيبويه، وفي خمسة عشر -علما- يا خمسةَ، ومنع الفراء ترخيم المركب من العدد إذا سُمي به، ومنه أكثر الكوفيين ترخيم ما آخره ويه، وذهب الفراء إلى أن لا يحذف منه إلا الهاء فتقول: يا سيبوَيْ، وقال ابن كيسان: لا يجوز حذف الثاني من المركب بل إن حذفت الحرف أو الحرفين فقلت: يا بعلبَ ويا حضرمَ، لم أرَ به بأسا، والمنقول أن العرب لم ترخم4؛ وإنما أجازه النحويون.
تنبيه:
إذا رخمت "اثنا عشر، واثنتا عشرة" -علمين- حذفت العجز مع الألف قبله "يا اثنَ، ويا اثنتَ" كما يقال في ترخيمهما لو لم يركبا، نص على ذلك سيبويه وعلته أن عجزهما بمنزلة النون؛ ولذلك أعرابا.
وقوله:
..................... وَقَلْ ... تَرخِيمُ جُملةٍ وذا عمروٌ نَقلْ
__________
1 وإنما جعله بالياء مع أنه واوي؛ لأن آخر المقصور يقلب ياء في المثنى والجمع على حدة، وإنما كان واويا لأنه من الصفوة.
2 التسهيل ص188.
3 ب، ج.
4 أي: لم ترخم المركب.

(3/1140)


قال المصنف: أكثر النحويين لا يجيزون ترخيم المركب المضمن إسنادا كتأبط شرا، وهو جائز؛ لأنه سيبويه حكى ذلك في "بعض"1 أبواب النسب فقال: تقول في النسب إلى تأبط شرا تأبطي؛ لأن من العرب من يقول: يا تأبط، ومنع ترخيمه في باب الترخيم، فعُلم بذلك أن منع ترخيمه كثير، وجواز ترخيمه قليل، وقال الشارح:
فعلم أن جوازه على لغة قليلة، وإلى هذا أشار بقوله: "وذا عمرو نقل" وعمرو هو اسم سيبويه.
قال الشيخ أبو حيان: وهوغير صحيح؛ لأن سيبويه لم ينص على ترخيمه، بل قال: من العرب من يفرد فيقول: "تأبط أقبل" فيجعل الأول مفردا، وليس مناقضا لما قرره من أن المحكي لا يرخم، بل أراد أن من العرب من يفردها لا على جهة الترخيم.
ولذلك قال من يفرد ولم يقل من يرحم، ولا نعلم خلافا عن أحد من النحويين أن المحكي لا يرخم.
واعلم أن في ترخيم المنادى لغتين:
الأولى: أن ينوي المحذوف.
والثانية: ألا ينوي.
وقد أشار إلى الأول بقوله:
وإِنْ نويتَ بعد حذفٍ ما حُذِفْ ... فالباقيَ استعملْ بما فيه أُلِفْ
أي: إذا نويت ثبوت المحذوف بعد حذفه للترخيم تركت ما قبله على حاله قبل الحذف واستعملته بما فيه من حركة نحو: "يا حارِ، ويا جعفَ، ويا منصُ" في حارث وجعفر ومنصور، أو يكون "يا قمطْ" في "نحو"2 يا قمطر، خلافا للكوفيين؛ فإنهم لا يرخمون قمطرا أو نحوه مما قبل آخره ساكن إلا على لغة من لم ينو، وتقدم مذهب الفراء في حذفه.
__________
1 ب، ج.
2 ب، ج.

(3/1141)


تنبيه:
مقتضى قوله: "بما فيه ألف" ألا يغير ما بقي عن شيء مما كان عليه قبل الحذف. ويرد على إطلاقه مسألتان:
الأولى: ما كان مدغما في المحذوف وهو بعد ألف، فإنه إن كانت له حركة في الأصل حركت بها نحو: "مُضارّ، وتَحاجّ"، فتقول فيهما: يا مضار -بالكسر- إن كان اسم فاعل، وبالفتح وإن كان اسم مفعول، ويا تحاج -بالضم- لأن أصله تحاجُج.
وإن كان أصلي السكون حرك بالفتحة؛ لأنها أقرب الحركات إليه نحو: "أسحار" اسم نبت، تقول فيه: "يا أسحار" -بفتح الراء- هذا مذهب سيبويه.
ثم اختلف عنه فقال السيرافي: يتحتم الفتح، وقال الشلوبين: يختاره ويحيز الكسر، ونقل ابن عصفور عن الفراء أنه يكسر على أصل التقاء الساكنين، وهو مذهب الزجاج. ونقل عنه أيضا صاحب رءوس المسائل أنه يسقط كل ساكن يبقى بعد الآخر حتى ينتهي إلى متحرك، فعلى هذا تقول: "يا أسْحَ".
الثانية: ما حذف لواو الجمع نحو: "قاضون" فإنه إذا رخم بحذف الواو والنون رد إليه ما حذف منه؛ لزوال سبب الحذف، هذا مذهب الأكثرين، واختار في التسهيل عدم الرد.
ثم أشار إلى الثانية بقوله:
واجْعَلْهُ إن لم تنوِ محذوفا كما ... لو كان بالآخِر وضعا تُمِّمَا
أي: إذا لم تنوِ المحذوف، فاجعل الباقي بعد الحذف كالاسم التام المصوغ على تلك الصيغة فيعطي آخره من البناء على الضم وغير ذلك من الصحة والإعلال ما يستحقه لو كان آخرا في الوضع فتقول: "يا حارُ، ويا جعفُ، ويا منصُ، ويا قمطُ" -بالضم- في الجميع كما لو كانت أسماء تامة لم يحذف منها شيء.

(3/1142)


تنبيهان:
الأول: لو كان ما قبل المحذوف معتلا قدرت فيه الضمة على هذه اللغة، فتقول في "ناجية": يا ناجي -بالإسكان- وهو علامة تقدير ضمها.
الثاني: يجوز في نحو: "يا حر بن عمر" على هذه اللغة -ضم الراء وفتحها- كما جاز ذلك في نحو: "يا زيد بن عمرو"، ثم فرع على الوجهين المذكورين فقال:
فَقُلْ على الأول في ثمود يا ... ثَمُو ويا ثَمِي على الثاني بيا
يعني بالأول لغة من ينوي، وبالثاني لغة من لا ينوي، فتقول في ترخيم ثمود على الأول يا ثمو؛ لأن الواو محكوم لها بحكم الحشو، فلم يلزم مخالفة النظير، وعلى الثاني يا ثمي بقلب الواو ياء، لتطرفها بعد الضمة كما فعل في أدل ونحوه؛ وذلك لأن بقاءها على هذا التقدير مستلزم عدم النظير؛ إذ ليس في الأسماء المتمكنة ما آخره واو قبلها ضمة، وإذا رخمت "صَمَيان، وكَروان"1 قلت على الأول: يا صمي ويا كرو، وعلى الثاني: يا صما ويا كرا، بقلب الياء والواو ألفا؛ لتحركهما وانفتاح ما قبلهما، ولا مانع.
وإذا رخمت "سقاية وعلاوة"2 قلت على الأول: يا سقايُ ويا علاو، وعلى الثاني: يا سقاءُ ويا علاءُ، بإبدال الياء والواو "همزة"3 لتطرفهما بعد ألف زائدة.
وأما نحو "غاوٍ" فتقول فيه على الأول: يا غاوِ، وعلى الثاني: يا غاوُ، ولا تبدلها همزة لوجهين:
أحدهما: ألا يتوالى إعلالان؛ لأن لامه أعلت.
والثاني: "أنه"4 صار كاسم تام على ثلاثة أحرف، وما كان كذلك لا تقلب واوه همزة نحو "واو" ذكر ذلك الشيخ أبو حيان.
__________
1 الصميان في الأصل هو التقلب والتوثب، ويقال: رجل صميان أي: شجاع.
2 عِلاوة بكسر العين: ما علقته على العير بعد تمام الوقر.
3 ب، ج.
4 أ.

(3/1143)


وإذا رخمت "شاة" قلت على الأول: ياشا، وعلى الثاني: يا شاة، برد اللام، لبقائها على حرفين ثانيهما حرف علة، ولا يكون كذلك اسم متمكن.
وإذا رخمت "ذات" قلت على الأول: يا ذا، وعلى الثاني: يا ذوا، برد المحذوف لا ذكر في شاة.
وإذا رخمت "لات" قلت على الأول: يالا، وعلى الثاني: يالا، برد اللام؛ لأنه لا يعلم له ثالث فيرد.
وإذا رخمت "سُفيرج" تصغير سفرجل قلت على الأول: يا سفيرِ، وعلى الثاني: يا سفيرُ "عند الأكثرين"1.
وقال الأخفش: يا سفيرلُ، برد اللام المحذوفة، لأجل التصغير، وفروع الباب كثيرة، وفيما ذكرناه كفاية.
ثم أشار إلى ما يلزم فيه الوجه الأول بقوله:
والتَزِمِ الأولَ في كمُسْلِمَهْ ... وجَوَّزِ الوجهينِ في كَمَسْلَمَهْ
يعني أن الوجه الأول وهو الترخيم على لغة من نوى يلتزم في الصفات المؤنثة بالتاء الفارقة بين المذكر والمؤنث نحو: "مسلمة" فيقال فيه: يا مسلمَ -بالفتح- ولا يجوز ترخيمه على الوجه الثاني؛ لأنه لو قيل "فيه"2: يا مسلمُ -بالضم- لالتبس بالمذكر، بخلاف العلم نحو: مسلمة، فإنه يجوز ترخيمه على الوجهين؛ لأن التاء فيه ليست للفرق.
قيل: وكلامه في التسهيل يدل على اعتبار اللبس في العلم، وقد فهم من ذلك أن نحو: "ربعة" يجوز ترخيمه على الوجهين وإن كان صفة؛ لأن التاء فيه ليست للفرق.
__________
1 أ، ج.
2 أ.

(3/1144)


تنبيه:
لالتزام الوجه الأول سببان:
أحدهما: ما ذكر، والثاني: لزوم عدم النظير بتقدير التمام، فيمتنع الوجه الثاني في أمثلة منها "طيلسان" -بكسر اللام- إذ لو رخم على "تقدير التام لزم"1 وجود فَيْعِل -بكسر العين- في الصحيح، وهو مفقود إلا ما ندر من "صيقل" -اسم امرأة- وبَيْئِس في قراءة2، ومنها: حبلوى وحمراوى، فإنهما لو رخما على هذا الوجه، لقيل فيهما: يا حبلى ويا حمرا، فيلزم من ذلك ثبوت ما لا نظير له. وهو كون ألف فعلى وهمزة فعلاء مبدلتين من واو، وهما لا يكونان إلا للتأنيث، ومنها "عُرقوة، وحذرية" فإنهما لو رخما على هذا الوجه لقيل فيهما: يا عرقى ويا حذرى، فيلزم وجود فُعلى وفعلى، وهما بناءان مهملان.
فإن قلت: لم أهمل هاهنا ذكر السبب الثاني، وقد ذكره في الكافية والتسهيل؟ قلت: هو سبب مختلف فيه. وممن ذهب إلى اعتباره الأخفش والمازني والمبرد ونقل عنهم في ترخيم حبلوى، ونقل عن الأخفش في طيلسان، ونقله ابن أصبغ عن كثير من النحويين.
وذهب السيرافي وغيره إلى عدم "عدم"3 اعتباره، فأجاز الترخيم في المسائل المتقدمة، فلعله تركه "لذلك"4 وقوله:
ولاضطرار رَخَّمُوا دون نِدَا ... ما للنِّدَا يَصْلُحُ نحو أحمدا
يرخم في الضرورة ما ليس منادى بشرط أن يكون صالحا لأن يُنادى نحو "أحمد" فتقول فيه: يا أحم.
__________
1 ب. وفي أ، ج "لغة من لم ينو للزم".
2 قراءة شعبة عن عاصم، وبعذاب بيئس: بياء ساكنة قبل همزة مكسورة.
3 أ، ج.
4 ب، ج. وفي أ "كذلك".

(3/1145)


وقد فهم من عدم تقييده جواز ترخيمه على الوجهين: "أما جواز ترخيمه"1 على تقدير التمام فمجمع على جوازه كقوله2:
لَنعْمَ الفتى تعشو إلى ضوء ناره ... طريفُ بنُ مالٍ ليلة الجوع والخَصَرْ
يعني: ابن مالك.
وأما ترخيمه على نية المحذوف فأجازه سيبويه ومنعه المبرد، وهو محجوج بالقياس على النداء وبالسماع كقوله3:
__________
1 أ، وفي ج "أما ترخيمه".
2 قائله: هو امرؤ القيس بن حجر الكندى، وهو من الطويل.
اللغة: "الفتى" المراد به هنا الرجل الكريم "تعشو" ترى ناره من بعيد فتقصدها "الخصر" -بفتح الخاء والصاد- شدة البرد.
المعنى: يمدح طريف بن مالك بأنه رجل كريم يوقد النيران ليلا ليراها السائرون فيقصدوا نحوها. ويفعل ذلك إذا نزل القحط بالناس واشتد البرد.
الإعراب: "لنعم" اللام للتوكيد ونعم فعل ماض "الفتى" فاعل "تعشو" فعل مضارع وفاعله ضمير مستتر والجملة في محل نصب حال من فاعل نعم "إلى ضوء" جار ومجرور متعلق بتعشو "ناره" مضاف لضوء والهاء مضاف إليه "طريف" خبر لمبتدأ محذوف وجوبا، أي هو طريف، ويجوز أن يكون مبتدأ خبره جملة "نعم الفتى" "بن" صفة لطريف "مال" مضاف إليه وأصله مالك، فحذفت الكاف ضرورة "ليلة" متعلق بتعشو "الجوع" مضاف إليه "والخصر" معطوف على الجوع.
الشاهد: "ابن مال" فإن أصله: ابن مالك، رخمه في غير نداء للضرورة.
مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني 477/ 2، وابن هشام 277/ 3، ابن عقيل 219/ 2، وابن الناظم، والسيوطي ص106، وسيبويه 336، 445/ 1، والسيوطي في الهمع 181/ 1.
3 قائله: هو أوس التيمي، وهو من البسيط.
الإعراب: "إن" حرف توكيد ونصب "ابن اسم إن "حارث" مضاف إليه "إن" حرف شرط "أشتق" فعل الشرط والفاعل ضمير وأصله أشتاق فحذفت منه الألف لالتقاء الساكنين "لرؤيته" جار ومجرور متعلق بأشتق "أو" عاطفة "أمتدحه" فعل ومفعول والفاعل ضمير وهو عطف على جملة أشتق "فإن" الفاء واقعة في جواب الشرط وإن حرف توكيد ونصب "الناس" اسم إن منصوب بالفتحة الظاهرة "قد" حرف تحقيق "علموا" فعل وفاعل والجملة في محل رفع خبر إن ومفعول علموا محذوف تقديره: قد علموا ذلك مني.
الشاهد: قوله: "حارث" فإن أصله حارثة فرخمه في غير النداء على نية الحذف لأجل الضرورة.
مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني 477/ 2، وابن الناظم، وسيبويه 343/ 1.

(3/1146)


إن ابن حارث إن أشتقْ لرؤيته
أو أمتدحْه فإن الناس قد عَلمُوا
وقوله1:
........................... ... وأضْحَتْ منك شَاسِعَةً أُمَامَا
أنشدهما سيبويه، وأنشد المبرد2:
__________
1 قائله: هو جرير بن عطية الخطفي، وهو من الوافر.
وصدره:
ألا أضحت حبالُكم رِماما
اللغة: "أضحت" صارت وتحولت "حبالكم" -جمع حبل- وهو العهد "رماما" جمع رمة وهو القطعة البالية من الحبل "شاسعة" بعيدة بعدا كثيرا "أماما" اسم امرأة.
المعنى: إنه يقول: ما كان بيني وبينكم من أسباب التواصل قد انقطع. ثم رجع إلى نفسه يخاطبها: وأصبحت محبوبتي أمامة بعيدة عني ليس في وصلها مطمع.
الإعراب: "ألا" حرف تنبيه "أضحت" فعل ماض ناقص من أخوات كان والتاء للتأنيث "حبالكم" اسم أضحى والضمير مضاف إليه "رماما" خبر أضحت الأولى "أضحت" فعل ماض ناقص "منك" جار ومجرور متعلق بها "شاسعة" خبر أضحت مقدم "أماما" اسمها مؤخر مرفوع على التاء المحذوفة للترخيم، والألف للإطلاق.
الشاهد: قوله: "أماما" حيث رخمت في غير النداء للضرورة بحذف التاء وأصلها أمامة ورخمت على لغة من ينتظر، ولو رخمت على لغة من لا ينتظر لقيل: أمامُ بالرفع.
مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني 477/ 2، وابن هشام 28/ 3، وابن الناظم، وذكره سيبويه 343/ 1، والإنصاف 217/ 1، والشاهد 142 في الخزانة.
2 قائله: جرير بن عطية أيضا، وهو من الوافر.
روي البيت السابق برواية أخرى فيكون "أماما" منادى مرخما ولا يكون في البيت حينئذ شاهد على هذه الرواية الثانية، وهذه الرواية أليق بنظم البيت؛ لأنه ذكر العهد في صدر البيت ثم رد العجز على الصدر.

(3/1147)


.......................... ... وما عهدى كعهدك يا أمَامَا
قال في شرح الكافية: والإنصاف يقتضي تقرير الروايتين، ولا تدفع إحداهما بالأخرى.
وفهم من الشرط المذكور أن المعرف بأل لا يرخم في غير النداء؛ لعدم صلاحيته للنداء؛ ولهذا خطئ من جعل "من"1 ترخيم الضرورة قول العجاج2:
أوَالِفَا مكة من وُرْقِ الحمي
فإن قلت: فهل يشترط في ترخيم الضرورة عِلِّيَّة أو تأنيث بالهاء؟
قلت: لا. ونص على ذلك في التسهيل3 وهو المفهوم من إطلاقه هنا.
ومن ترخيم النكرة "قوله"4 5:
__________
1 ب، ج.
2 قائله: هو العجاج بن رؤبة، وهو من الرجز.
اللغة: "أوالفا" جمع آلفة من ألف يألف ألفة، ويرى قواطنا جمع قاطنة يعني مقيمة "ورق" -بضم الواو وسكون الراء- جمع ورقاء، وهي التي في لونها بياض إلى سواد يقال: جمل أورق "الحمي" -بفتح الحاء وكسر الميم- أصله الحمام فحذفت الألف؛ لأنها زائدة وأبدل إحدى الميمين ياء.
الإعراب: "أوالفا" نصب على الحال من قوله: "القاطنات" قبله "القاطنات البيت غير الديم" "مكة" نصب على أنه مفعول أوالفا "من" بيانية "ورق" مجرور به "الحمي" مضاف إليه.
الشاهد: قوله "الحمي" فإن أصله الحمام فقيل: إنه رخمه للضرورة، ورد بأنه لا يصلح للضرورة لكونه بأل، وإنما هو حذف لا على طريق الترخيم.
مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني 467/ 2، وابن عقيل 89/ 2، وابن الناظم، والسيوطي ص106، وفي همعه 181/ 1، 157/ 2، وذكره سيبويه 8، 56/ 1، وشرح المفصل 75/ 6، والإنصاف 299/ 2.
3 التسهيل 189.
4 أ.
5 قائله: هو عبيد الأبرص، وهو من الخفيف.
وبعده:
ليس رسم على الدفين بيال
فلوى ذروة فجنى ذيال =

(3/1148)


ليس حي على المنون بخالِ
يعني: بخالد.
__________
= الإعراب: "ليس" فعل ماض ناقص "حي" اسمها "على المنون" جار ومجرور صفة لحي "بخالِ" الباء حرف جر زائد وخال خبر ليس.
الشاهد: قوله "بخالِ" حيث إنه رخم النكرة وأصله بخالد.
مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني 476/ 2، والسيوطي في الهمع 181/ 1.

(3/1149)


الاختصاص:
الاختصاص كنداء دون يا ... كأيها الفتى بإثر ارجونيا
الاختصاص: ما جيء به على صورة هي لغيره توسعا، كما يرد الأمر بصيغة الخبر والخبر بصيغة الأمر1.
والباعث على الاختصاص فخر أو تواضع أو زيادة بيان.
والمخصوص اسم ظاهر بعد ضمير متكلم يخصه أو يشارك فيه، وذلك الاسم ثلاثة أنواع:
الأول: أيها وأيتها نحو: "أنا أفعل كذا أيها الرجل" و"اللهم اغفر لنا أيتها العصابة"2 وأي هنا مبنية على الضم، ويلزم وصفها باسم جنس معرف بأل واجب الرفع على ما تقدم في النداء.
الثاني: المعرف بالإضافة؛ كقوله صلى الله عليه وسلم "نحن معاشر الأنبياء لا نُورَثُ" 3.
قال سيبويه: أكثر الأسماء دخولا في هذا الباب بنو فلان ومعشر مضافة وأهل البيت وآل فلان.
الثالث: المعرف بأل كقولهم: "نحن العربَ أقرى من الناس للضيف"، وقد يكون علما كقول رؤبة4:
بنَا تميما يُكْشَفُ الضَّبَابُ
__________
1 الأمر على صورة الخبر نحو قوله تعالى: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ} أي: ليرضعن، والخبر على صورة الأمر نحو: "أحسن بزيد" فإن صورته صورة الأمر وهو خبر على المشهور؛ إذ هو في تقدير ما أحسنه.
2 العصابة -بكسر العين- الجماعة الذين أمرهم واحد، وجملة الاختصاص في المثالين في موضع نصب على الحال، والمعنى: أنا أفعل ذلك مخصوصا من بين الرجال، واللهم اغفر لنا مخصوصين من بين العصائب.
3 هذا جزء من حديث وتمامه: "ما تركناه صدقة" رواه البزار بلفظ: نحن، ورواه الكسائي بلفظ: إنا.
4 قائله: هو رؤبة بن العجاج، وهو من الرجز. =

(3/1150)


ولا يدخل في هذا الباب نكرة ولا اسم إشارة.
قال سيبويه: ولا يجوز أن يذكر إلا اسما معروفا، ولم يقع المختص مبنيا إلا بلفظ أيها وأيتها، وأما غيرهما فالمنصوب والناصب واجب الإضمار تقديره أخص.
وأما أيها وأيتها فمذهب الجمهور أنهما في موضع نصب بأخص مضمرا أيضا.
وذهب الأخفش إلى أنه منادى. قال: ولا ينكر أن ينادي الإنسانُ نفسَه، ألا ترى إلى قول عمر رضي الله عنه: "كل الناس أفقه منك يا عمر".
وذهب السيرافي إلى أن "أيا" في الاختصاص معربة، وزعم أنها تحتمل وجهين:
أحدهما: أن يكون خبرا لمبتدأ محذوف، والتقدير: أنا أفعل كذا، هو أيها الرجل، أي: المخصوص به.
والثاني: أن يكون مبتدأ والخبر محذوف، والتقدير: أيها الرجل المخصوص أنا المذكور.
والأكثر في هذا الاختصاص أن يلي ضمير متكلم كما سبق، وقد يلي ضمير مخاطب كقولهم: "بك اللهَ نرجو الفضلَ" و"سبحانك الله العظيمَ"، ولا يكون بعد ضمير غائب.
__________
= اللغة: "الضباب" -بفتح الضاد وتخفيف الباء- هو شيء كالغبار يكون في أطراف السماء.
المعنى: ضرب الضباب مثلا لغمة الأمر وشدته أي: بنا تكشف الشدائد في الحرب وغيره.
الإعراب: "بنا" جار ومجرور متعلق بيكشف "تميما" منصوب على الاختصاص، والتقدير: أخص تميما "يكشف" فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع بالضمة الظاهرة "الضباب" نائب فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة.
الشاهد: قوله: "تميما" فإنه منصوب على الاختصاص، والتقدير: أخص تميما.
مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني 479/ 2، وذكره سيبويه 255، 327/ 1 والسيوطي في الهمع 171/ 1، والشاهد 150 في الخزانة.

(3/1151)


وأما ما وقع في الكتاب "على المضارب الوضيعة أيها البائع"1 فقال الفارسي: لا علم لي بوجه ذلك، وفي كتاب الصفَّار: أن هذا فساد وقع في الكتاب وقد أول بأنه وضع الظاهر موضع المضمر، ويكون المعنى: عليَّ الوضيعة أيها البائع، وقد روي كذلك.
ولما ذكر أن الاختصاص كالنداء في الصورة نبه على أنه قد خالف النداء من ثلاثة أوجه:
الأول: أنه لا يستعمل معه "يا" ولا غيرها من حروف النداء، وإلى هذا أشار بقوله: "دون يا".
الثاني: أنه لا يستعمل مبدوءا به، فهم ذلك من قوله: "بإثر ارجونيا".
الثالث: أنه استعمل معرفا بأل، وإلى هذا اشار بقوله:
وقد يُرى ذا دون أي تِلْوَ أل ... كمثل نحنُ العرب أسخى مَن بَذَلْ
إنما قال "دون أي" لأن استعمال المعرف بأل صفة لأي مشترك بين النداء والاختصاص نحو: "يأيها الرجل".
قلت: وجه رابع، وهو أن "أيا" توصف في النداء باسم الإشارة، وهنا لا توصف باسم الإشارة.
ووجه خامس: وهو أن المازني أجاز نصب صفة أي في النداء، ولم يحكوا هنا خلافا في وجوب رفع صفتها، وفي الارتشاف: لا خلاف في متبوعها أنه مرفوع.
__________
1 فالمضارب لفظ غيبة لأنه ظاهر؛ لكنه في معنى على أو عليك. قاله الهمع.

(3/1152)


التحذير والإغراء:
إياك والشرَّ ونحوَه نَصَبْ ... مُحذِّرٌ بما استتارُه وَجَبْ
إنما ذكر التحذير والإغراء بعد باب النداء؛ لأن الاسم في التحذير والإغراء مفعول به بفعل لا يجوز إظهاره كالمنادى، على تفصيل سيأتي.
والتحذير: هو تنبيه المخاطب على مكروه يجب الاحتراز منه، ويكون بثلاثة أشياء: بإياك وأخواته، وبما ناب عنها من الأسماء المضافة إلى ضمير المخاطب، وبذكر المحذر منه.
فإن كان بإياك وأخواته وجب إضمار ناصبه مطلقا، أعني في إفراده وتكراره والعطف عليه، وقد مثل العطف "عليه"1 بقوله: "إياك والشر" فإياك مفعول بفعل واجب الإضمار تقديره: اتق، ونحوه.
فإن قلت: هل يقدر قبل إياك أو بعده؟
قلت: قيل: يجب تقديره بعده؛ لأنه لو قدر قبله لاتصل به فيلزم تعدي فعل المضمر المتصل إلى ضميره المتصل، وذلك خاص بأفعال القلوب وما ألحق بها.
وقيل: كان الأصل: اتقِ نفسك، فلما حذف الفعل استغني عن النفس وانفصل الضمير.
واختلف في إعراب ما بعد الواو. فقيل: هو معطوف على إياك، والتقدير: اتقِ نفسك أن تدنو من الشر والشر أن يدنو منك. "وهذا"2 مذهب كثير منهم السيرافي واختاره ابن عصفور.
فإن قلت: كيف جاز عطفه على إياك وهما مختلفان في الحكم؛ لأن الأول محذر والثاني محذر منه؟
__________
1 أ، ج.
2 أ وفي ب، ج "وهو".

(3/1153)


قلت: الجواب أنه لا يلزم اشتراك المعطوف والمعطوف عليه إلا في المعنى الذي كان إعرابه بسببه، والتقدير السابق يوضح ذلك.
وذهب ابن طاهر وابن خروف إلى أن الثاني منصوب بفعل آخر مضمر، فهو عندهما من قبيل عطف الجمل، واختار في شرح التسهيل مذهبا ثالثا وهو أن الثاني معطوف عطف مفرد لا على التقدير الأول، بل على تقدير: اتقِ تلاقي نفسك والشر، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، قال: ولا شك في أن هذا أقل تكلفا فكان أولى.
ومثال التكرار: "إياك إياك من الشر"، ومثال الإفراد: "إياك من الشر".
وقد نبه على وجوب إضمار ناصب "إيا" في الإفراد بقوله:
ودون عطف ذا لإيا انْسُبْ ... ........................
وإن كان التحذير بغير "إيا" لم يلزم الإضمار إلا مع العطف نحو: "مازِ رأسك والسيف، والشيطان وكيده".
أو التكرار نحو: "رأسك رأسك" و"الأسد الأسد".
فإن عدم العطف والتكرار جاز الإظهار والإضمار نحو: "رأسك" وإن شئت: قِ رأسك والأسد، وإن شئت: احذر الأسد، وإلى هذا أشار بقوله:
................... وما ... سواه سَتْرُ فعله لن يلزما
إلا مع العطف أو التكرار
ومثل التكرار بقوله:
............................. ... كالضيغمَ الضيغمَ يا ذا الساري
والضيغم: الأسد.
فإن قلت: ما علة التزام الإضمار مع "إيا" مطلقا، ومع غيرها في العطف والتكرار؟
قلت: علة التزامه مع "إيا" كثرة الاستعمال فشابهت بذلك الأمثال، وغيرها ليس كذلك، إلا أن العطف والتكرار جعلا كالبدل من اللفظ بالفعل؛ فذلك وجب إضماره معهما.

(3/1154)


تنبيهات:
الأول: أجاز بعضهم إظهار العامل مع المكرر، وقال الجزولي: يقبح ولا متنع.
الثاني: شمل قوله: "وما سواه" يعني: النوعين المتقدم ذكرهما، أعني: ما ناب عن إيا من الأسماء المضافة إلى ضمير المخاطب منه.
وكلامه في الكافية وشرحها يقتضي عدم لزوم الإضمار مع التكرار في الأول من هذين النوعين، فإنه قال:
ونحوُ رأسَك كإياك جُعل ... إذا الذي يُحْذَرُ معطوفا وُصِلْ
وقال في الشرح: فلو لم يذكر المعطوف جاز الإظهار والإضمار، وقد صرح الشارح بوجوب الإضمار في نحو "رأسك" رأسك؛ لأجل التكرار.
الثالث: لا يعطف في هذا الباب إلا بالواو1.
الرابع: لا يحذف العاطف بعد إياك إلا والمحذور مجرور بمن نحو: "إياك من الشر" "وتقديرها مع أن تفعل"2 كاف نحو: "إياك أن تفعل" أي: من أن تفعل.
فأما بيت الكتاب وهو3:
فإياكَ إياكَ المراءَ فإنه ... إلى الشر دَعَّاءٌ وللشر جَالِبُ
__________
1 وكون ما بعدها مفعولا معه جائز، فإذا قلت: "إياك وزيدا أن تفعل كذا" صح أن تكون الواو مع. هـ أشموني.
2 أ، ج. وفي ب "وتقريرها مع أن".
3 قائله: هو الفضل بن عبد الرحمن القرشي، وهو من الطويل.
اللغة: "المراء" الجدال والمعارضة بالباطل "دعاء" صيغة مبالغة من دعا فلان فلانا: إذا طلب حضوره "جالب" مسبب له، من جلبه: إذا ساقه وجاء به.
المعنى: أحذرك الجدال والمعارضة مع الناس من غير وجه حق، فإن ذلك كثيرا ما يجر إلى الشرور ويسبب للإنسان متاعب.
الإعراب: "فإياك" منصوب على التحذير بفعل محذوف وجوبا "إياك" الثانية توكيد للأول. "المراء" مفعول ثانٍ لفعل التحذير المحذوف -أي: أحذر المراء- "فإنه" الفاء للتعليل وإن واسمها "إلى الشر" متعلق بدعاء الواقع خبرا لإن "وللشر" جار ومجرور متعلق بجالب المعطوف بالواو على دعاء.
الشاهد: قوله "إياك" فإنه تحذير ومعناه احذر.
مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني 480/ 2، وابن هشام 148/ 3، وذكره سيبويه 141/ 2، وشرح المفصل 25/ 2، وفي المغني 190/ 2، والشاهد 167 في الخزانة.

(3/1155)


فقيل: هو على حذف الجار للضرورة، وقيل: على حذف العاطف للضرورة أيضا، وقيل: إنه بدل من إياك، وقيل: أضمر له ناصب آخر بعد إياك، فقوله: إياك إياك مستقل بنفسه، ثم أضمر بعد إياك فعلا تقديره: اتقِ المراء، على هذا حمله سيبويه.
قال في شرح التسهيل: وعلى كل حال فلا يجوز مثل هذا إلا في الشعر. انتهى.
وقوله: في باب التحذير من التسهيل1: ولا يحذف العاطف بعد إيا إلا والمحذر منصوب بإضمار فعل أو مجرور بمن. يقتضي جواز إياك المراء ونحوه على إضمار فعل؛ لتسويته بينه وبين الجر بمن.
قال أبو البقاء العكبري: في نحو: "إياك الشر" المختار عندي أن يضمر له فعل يتعدى إلى مفعولين نحو: "جنب نفسك الشر" "فإياك في موضع نفسك"2، ومثل الشارح إفراد إيا بقوله: "إياك الشر" وقال: تقديره أحذرك الشر، وهو نظير "إياك المراء" وظاهر تقديره أن الناصب لهما فعل واحد متعد إلى اثنين فهو نحو مما قاله أبو البقاء.
فإن قلت: إذا جعل ناصب المراء فعلا مضمرا بعد إياك فهل يكون إضماره واجبا أم جائزا؟
قلت: قال ابن عصفور: إن حذفت الواو لم يلزم إضمار الفعل نحو: "فإياك إياك المراء".
تقديره: دَعِ المراء، ولو كان في الكلام لجاز إظهار هذا الفعل. انتهى.
وشذ إياي، وإياه أشذ ... ....................
__________
1 التسهيل ص192.
2 ب، ج.

(3/1156)


الشائع في التحذير أن يراد به المخاطب.
وقد ورد للمتكلم كقول من قال: "إيايَ وأن يحذِفَ أحدُكم الأرنبَ"1 أي: إياى نح عن حذف الأرنب ونح حذف الأرنب عن حضرتي، فعلى هذا هو جملة واحدة. وقال الزجاج: إن ذلك جملتان، والتقدير: إياي وحذف الأرنب وإياكم وحذف أحدكم الأرنب، فحذف من الأول ما أثبت نظيره في الثاني "وحذف"2 من الثاني ما أثبت نظيره في الأول، وقال بعضهم: إياي ليس على "معنى فعل أمر بل على معنى"3 إياي باعد، فجعله خبرا. وقد ورد للغائب في قولهم: "إذا بلغ أحدكم الستين فإياه وإيا الشواب"4، وإليه أشار بقوله: "وإياه أشذ" أي: أشذ من إياي، وفي هذا المثل شذوذ من وجه آخر، وهو إضافة "إيا" إلى الظاهر.
وعن سبيل القَصْد مَنْ قاس انتبَذْ
يقتضي منع القياس "على إياي وعلى إياه فلا يستعمل إلا حيث سمع"5.
"قلت: ظاهر كلامه في التسهيل جواز القياس"6 على المتكلم؛ لأنه قال بنصب تحذير إياي وإيانا معطوفا عليه المحذور،فلم يصرح بشذوذه، وذكر إيانا معه.
وكمُحذِّرٍ بلا إيا اجْعَلا ... مُغْرًى به في كل ما قصد فُصِّلا
الإغراء: إلزام المخاطب العكوف على ما يُحمد عليه، والمغرى به: منصوب بفعل مضمر، وحكم ناصبه في وجوب الإضمار وجوازه كحكم ناصب المحذر به، فيجب إضماره مع العطف نحو: "الأهل والولد" والتكرار نحو7:
__________
1 ينهى عن حذف الأرنب وغيره بنحو حجر، فإن ذلك لا يحله.
2 أ، ج.
3 أ، ج وفي ب "فعل أمر على معنى".
4 قول سمع عن العرب كما قال سيبويه، والشواب: جمع شابة، ومعناه: إذا بلغ الرجل ستين سنة فلا ينبغي له أن يولع بشابة.
5 ب.
6 ب.
7 قائله: هو مسكين الدارمي، وهو من الطويل.
وتمامه:
........... إن من لا أخا له ... كساعٍ إلى الهيجا بغير سلاح =

(3/1157)


أخاكَ أخاكَ ........... ... .......................
ولا يجب مع الإفراد بل يجوز إظهاره نحو: الزم أخاك. إلا أن الإغراء لا يكون بلفظ إياك وأخواته، فلهذا قال: بلا إيا.
تنبيه:
قد يرفع المكرر في الإغراء والتحذير كقوله1:
لجديرون بالوفاء إذا قا ... ل أخو النجدة السلاحُ السلاحُ
وأجاز الفراء الرفع في قوله: {نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا} 2 على إضمار هذه.
__________
= اللغة: "الهيجا" الحرب، وهي تمد وتقصر.
المعنى: الزم أخاك ولا تفارقه واحرص عليه، فالشخص الذي ليس له أخ يعينه ويقصده كمن يذهب إلى الحرب وليس معه عدتها ولا أداتها.
الإعراب: "أخاك" منصوب على الإغراء بتقدير الزم محذوفا وجوبا للتكرار "أخاك" الثاني توكيد "من" اسم موصول اسم إن "لا" نافية للجنس "أخا" اسمها مبني على فتح مقدر على الألف "له "جار ومجرور خبرها، وقيل: الأحسن أن يكون خبر لا محذوفا و"أخا" مضاف إلى ضمير "له" واللام زائدة، أي: إن لا أخاه موجود، والجملة ومعمولاها صلة الموصول "كساع" متعلق بمحذوف خبر إن "إلى الهيجا" متعلق به.
الشاهد: قوله: "أخاك" فإنه نصب على الإغراء بعامل واجب الحذف لأنه مكرر، أي: الزم أخاك.
مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني 482/ 2، وابن هشام 288/ 3، والسيوطي ص170/ 1، وفي شذور الذهب ص23، والقطر ص296، والشاهد 176 في الخزانة.
1 قائله: لم أقف على اسم قائله، وهو من الخفيف.
وقبله:
إن قوما منهم عمير وأشبا ... ه عمير ومنهم السفاح
اللغة: "لجديرون" لائقون حريون "أشباه" أمثال "بالوفاء" ويروى باللقاء "النجدة" الشجاعة.
الإعراب: "لجديرون" اللام للتوكيد وجديرون خبر إن -في البيت قبله- "بالوفاء" جار ومجرور متعلق بجديرون "إذا" للشرط "قال" فعل ماض "أخو" فاعل مرفوع بالواو "النجدة" مضاف إليه، وجواب الشرط محذوف دل عليه قوله لجديرون "السلاح" مقول القول.
الشاهد: قوله: "السلاح" إذ أصله خذ السلاح؛ لأن مقول القول يكون جملة ثم رفع؛ لأن العرب ترفع ما فيه معنى التحذير، وإن كان حقه النصب.
2 من الآية 13 من سورة الشمس.

(3/1158)


أسماء الأفعال والأصوات:
الكلام على أسماء الأفعال يحتاج إلى مقدمة تشمل ثلاث مسائل:
الأولى: مذهب جمهور البصريين أنها أسماء، وقال بعض البصريين: أفعال استعملت استعمال الأسماء، وذهب الكوفيون إلى أنها أفعال حقيقية، والصحيح أنها أسماء لقبولها بعض علامات الأسماء كالتنوين والتصريف، ولعدم قبولها علامات الأفعال، ولورودها على أوزان تخالف أوزان الأفعال.
الثانية: اختلف القائلون باسميتها في مدلولها، فقيل: مدلولها لفظ الفعل لا الحدث والزمان، بل تدل على ما يدل على الحدث والزمان، وقيل: مدلولها المصادر إلا أنها دخلها معنى الأمر ومعنى الوقوع بالمشاهدة. ودلالة الحال في غير الأمر فتبعه الزمان، وقيل: إنها دالة على ما يدل عليه الأفعال من الحدث والزمان، إلا أن دلالتها على الزمان بالوضع لا بالصيغة. قيل: وهو ظاهر مذهب سيبويه وأبي علي وجماعة. فهذه ثلاثة مذاهب، فصَهْ مثلا على الأول اسم للفظ اسكت، وعلى الثاني اسم لقولك سكوتا، وعلى الثالث اسم لمعنى الفعل، إلا أن دلالة الفعل على الزمان بالصيغة، ودلالتها على الزمان بالوضع.
الثالثة: ذهب كثير منهم الأخفش إلى أن أسماء الأفعال لا موضع لا من الإعراب، وهو مذهب المصنف ونسبه بعضهم إلى الجمهور، وذهب المازني ومن وافقه إلى أنها في موضع نصب، ونقل عن سيبويه وعن الفارسي القولان، وذهب بعض النحويين إلى أنها في موضع رفع بالابتداء، وأغنى مرفوعها عن الخبر كما أغنى في "أقائم الزيدان" وقد عرفهما بقوله:
ما ناب عن فعل كشَتَّان وصَهْ ... هو اسم فعل وكذا أوَّهْ ومَهْ
قوله: "ما ناب عن فعل" جنس يشمل اسم الفعل وغيره مما ينوب عن الفعل، وقوله: "كشتان وصه" يعني كونه غير معمول ولا فضلة، وهو تمثيل تمم به الحد، فخرج به ما ناب عن الفعل وهو معمول كالمصدر العامل، أو فضلة كالحرف العامل عمل الفعل، فإنهما ليسا كشتان وصه، وهذا قوله في الكافية: نائب فعل غير معمول ولا فضلة اسم الفعل.

(3/1159)


تنبيه:
اسم الفعل نوعان: أحدهما: ما كان في الأصل ظرفا "ومجروره"1 أو حرف جر ومجروره، وسيأتي. والآخر: ما ليس كذلك، وهو ضربان: ضرب مختلف في القياس عليه، وضرب مقصور على السماع.
فالمختلف في قياسه ثلاثة أنواع:
الأول: بناء فعال من الثلاثي المجرد. مذهب سيبويه والأخفش أنه مقيس، ومذهب المبرد أنه لا يقاس عليه.
الثاني: بناء فعال من أفعل أجاز ابن طلحة القياس عليه، كما أجاز البناء منه في التعجب، وقد سمع منه دراك من أدرك.
الثالث: بناء فعلال من الرباعي أجازه الأخفش قياسا على ما سمع من قولهم: "قَرْقار" و"عَرْعَار"2. ومذهب سيبويه أن ذلك لا يقاس عليه، وهو الصحيح لقلته، وأنكر المبرد سماع اسم الفعل من الرباعي، وذهب إلى أن "قرقار" و"عرعار" حكايتا صوت.
وأما المتفق على قصره على السماع. فما عدا هذه الأنواع، وهو ألفاظ كثيرة، وأنا أشرح منها ما اشتمل عليه النظم إن شاء الله تعالى.
وقد اشتمل هذا البيت على أربعة ألفاظ "منها"3 وهي: شتان، وصه، وأوه، ومه.
فأما "شتان" فهي اسم فعل بمعنى تباعد أو افتراق، وذهب أبو حاتم والزجاج إلى أن "شتان" مصدر جاء على فعلان، وهو واقع موقع الفعل، فيقال: "شتان زيد وعمرو" و"شتان ما زيد وعمرو" بزيادة "ما" و"شتان ما بين زيد وعمرو". ونقل ابن عصفور وغيره أن الأصمعي منع "شتان ما بين زيد وعمرو"، ورد عليه
__________
1 ب، ج.
2 قرقار بمعنى قرقر، أي: صوت، وعرعار بمعنى عرعر أي: العب.
3 أ.

(3/1160)


بأنه مسموع، ونقل صاحب البسيط أن الأصمعي جوَّز أن يكون بمعنى بَعُد، فتقول: "شتان ما بين زيد وعمرو"، وإن غيره منع ذلك.
وأما "صه" فاسم فعل بمعنى اسكت، ويقال: صِهْ بكسر الهاء غير منونة، وصهٍ بالتنوين.
وسيأتي أن ما نون فهو نكرة وما لم ينون فهو معرفة، وقد يقال: صاه بالألف قبل الهاء الساكنة.
وأما "أوه" فاسم فعل بمعنى أتوجع، وفيه لغات أخر:
أوَّهْ، أوِّهِ، آوْهْ، أوَّهِ، أوَّتَاهْ، آوَّتَاهُ، آهْ، آهِ، أَوِّ، آوِّ، أووه، أَوَأَهْ.
وإذا صرف الفعل منه قيل: أوَّه وتأوه.
وأما "مه" فاسم فعل بمعنى انكفف لا بمعنى اكفف؛ لأنه متعد ومه لا يتعدى، ويقال: مِهِ بالكسر، ومِهٍ بالتنوين، كما تقدم في صه.
وما بمعنى افْعَلْ كآمينَ كَثُرْ ... وغيرُهُ كَويْ وهيهات نَزُرْ
اسم الفعل ثلاثة أضرب: ضرب بمعنى الأمر وهو كثير، وضرب بمعنى المضارع، وضرب بمعنى الماضي، وكلا هذين الضربين قليل، ومن الذي بمعنى الأمر مقيس كما تقدم، وليس في الذي بمعنى المضارع والماضي شيء يقاس عليه، ومثل الأمر بآمين والمضارع بوي والماضي بهيهات.
أما "آمين" فاسم فعل بمعنى استجب، وفيه لغتان المد والقصر خلافا لابن درستويه في تخصيصه القصر بالضرورة، وإذا مد فقيل وزنه فايل وهو أعجمي. وقيل: أصله القصر ووزنه فعيل والمد إشباع؛ لأنه ليس في كلام العرب أفعيل ولا فاعيل ولا فيعيل. حكي ذلك عن أبي علي، وحكى القاضي عياض عن الداودي آمين -بالمد والتشديد- وقال: إنها لغة شاذة، وذكر ثعلب وغيره أن تشديد الميم خطأ.
وأما "وَيْ" فهو اسم فعل بمعنى أعجب و"أن"1 مثلها وا، وواهَا.
__________
1 أ.

(3/1161)


قال في شرح الكافية: ووي ووا وواها بمعنى أعجب، وقال غيره: وي بمعنى أعجب وفيها تندم. ووا بمعنى التعجب والاستحسان.
قال1:
وَا بأبي أنْت وفُوكِ الأشْنَبُ
وتلحق وي كاف الخطاب كقول عنترة2:
قيل الفوارس وَيْكَ عنتر أقدم
__________
1 قائله: ينسب لراجز من تميم، وهو من الرجز.
وبعده:
كأنما ذُرَّ عليه الزرنب ... أو زنجبيل وهو عندي أطيب
اللغة: "فوك" فمك "الأشنب" من الشنب وهو عذوبة ماء الفم مع رقة الأسنان "ذر" فرق ورش "الزرنب" نبت من نبات البادية طيب الرائحة.
المعنى: يعجب من جمال محبوبته ويقول لها: أفديك بأبي ويصف فمها بالعذوبة ورقة الأسنان والرائحة الطيبة.
الإعراب: "وا" اسم فعل مضارع بمعنى أعجب والفاعل أنا "بأبي" جار ومجرور خبر مقدم "أنت" مبتدأ مؤخر "وفوك" الواو للاستئناف فوك مبتدأ مرفوع بالواو والكاف مضاف إليه "الأشنب" صفة له "كأنما" كأن حرف تشبيه ونصب "ما" كافة "ذر" فعل ماض مبني للمجهول "عليه" جار ومجرور متعلق بذر "الزرنب" نائب فاعل والجملة خبر فوك.
الشاهد: قوله "وا" فإنه اسم فعل مضارع بمعنى أعجب.
مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني 486/ 2، وابن هشام 292/ 3، وذكره السيوطي في الهمع 160/ 2.
2 قائله: هو عنترة بن شداد العبسي، وهو من الكامل.
وصدره:
ولقد شَفَى نفسي وأبرأ سُقْمَها
اللغة: "قيل" بكسر القاف بمعنى يقول، ويروى: "قول الفوارس".
الإعراب: "ولقد" اللام للتأكيد وقد للتحقيق "شفى" فعل ماض "نفسي" مفعول به والياء مضاف إليه "وأبرأ" فعل ماض عطف على شفى "سقمها" مفعول به والهاء مضاف إليه "قيل" تنازع فيه الفعلان شفى وأبرأ فأعمل الثاني وأضمر في الأول "الفوارس" مضاف إليه "ويك" أصله ويلك والكاف للخطاب مجرورة بالإضافة "عنتر" منادى مرخم يا عنترة فحذف منه حرف النداء "أقدم" أمر من قدُم يقدُم بالضم فيهما.
الشاهد: قوله: "ويك" حيث دخلت على "وي" كاف الخطاب.
مواضعه: ذكره الأشموني في 486/ 2، وفي شرح المفصل 77/ 4.

(3/1162)


وزعم الكسائي أن ويك محذوفة من ويلك، فالكاف على قوله ضمير مجرور، وأما قوله تعالى: {وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ} 1.
قال الخليل وسيبويه: هي وي، ثم قال: كأن الله يبسط، وقال أبو الحسن: هي ويك بمعنى أعجب كأن الله "يبسط".
وأما "هيهات" فاسم فعل بمعنى بَعُدَ خلافا لأبي إسحاق2؛ إذ جعلها بمعنى البعد، وزعم أنها في موضع رفع نحو قوله تعالى: {هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ} 3 وخلافا للمبرد إذ زعم أنها ظرف غير متمكن وبنى لإبهامه، وتأويله عنده في البعد4. ويفتح الحجازيون "تا" هيهات فيقفون بالهاء، ويكسرها تميم وأسد ويقفون بالتاء وبعضهم يضمها، وإذا ضمت فمذهب أبي علي أنها تكتب بالتاء، ومذهب ابن جني أنها تكتب بالهاء، وحكى الصغاني5 فيها ستا وثلاثين لغة: هيهات، وأيهات، وهيان، وأيهان، وهيهاه، وأيهاه، وكل واحدة من هذه الستة مضمومة الآخر ومفتوحته ومكسورته، وكل واحدة منها منونة وغير منونة، فتلك ستة وثلاثون وجها.
وحكى غيره "فيها"6 هيهاتا وإيهاك، والكاف للخطاب، وأيهاه وأيها وهيهاه، وقرأ عيسى بن عمر الهمداني
"هيهات هيهات" على نية الوقف.
والفعل من أسمائه عليكا ... وهكذا دونك مع إليكا
يعني: أن من اسم الفعل نوعا هو في الأصل جار ومجرور أو ظرف ومجروره، فالأول عليك وكذاك وكما أنت.
__________
1 من الآية 82 من سورة القصص.
2 إبراهيم بن أحمد بن يعقوب أبو إسحاق شيخ النحاة والقراء، ولد بإشبيلية سنة إحدى وأربعين وستمائة ومات سنة عشر وسبعمائة.
3 من الآية 36 من سورة المؤمنون.
4 يعني أن معنى هيهات عند المبرد: في البعد، وهيهات على هذا خبر مقدم واللام زائدة وما مبتدأ مؤخر والتقدير: ما توعدون مستقر في البعد.
5 هو الحسن بن محمد بن الحسن الصغاني حامل لواء اللغة في زمانه، ولد سنة سبع وسبعين وخمسمائة وتوفي سنة خمسين وستمائة.
6 ب، ج.

(3/1163)


والثاني: عندك ولديك ودونك ووراءك وأمامك ومكانك وبعدك، هذا هو المسموع.
فعليك بمعنى الزم ويتعدى بنفسه، قال الله تعالى: {عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ} 1 وبالباء تقول: "عليك بزيد".
وإليك بمعنى تَنَحَّ، وهو لازم عند البصرين، وزعم ابن السكيت والكوفيون أنها تتعدى فتقول: "إليك زيدا" أي: أمسك زيدا، وكذاك بمعنى أمسك.
كقوله2:
......................... ... كذاك القول إن عليك عينا
وكما أنت بمعنى انتظر، حكى الكسائي "كما أنت زيدا" أي: انتظر زيدا، وكما أنتني أي: انتظرني، وعندك بمعنى خذ، وهي متعدية وترد بمعنى توقف، فتكون لازمة، ولديك بمعنى خذ، وهي متعدية تقول: "لديك زيدا".
ودونك بمعنى خذ فتتعدى، وبمعنى تأخر أيضا، ولا يتعدى، ووراءك بمعنى تأخر، وأمامك بمعنى تقدم، ومكانك بمعنى اثبت. وسمع الفراء مكانني أي: انتظرني، فتكون ذات تعد ولزوم، وبعدك بمعنى تأخر، وحكى الكسائي الإغراء ببين، وسمع من كلامهم: "بينكما البعير فخذاه" ولا حجة فيه لجواز أن يكون من باب الاشتغال.
__________
1 من الآية 105 من سورة المائدة.
2 قائله: هو جرير بن عطية من قصيدة يهجو فيها الفرزدق والبعيث، وهو من الوافر.
وصدره:
يَقُلْن وقد تلاحقت المطايا
الإعراب: "يقلن" فعل وفاعل "وقد" الواو حالية قد حرف تحقيق "تلاحقت" فعل ماض والتاء للتأنيث "المطايا" فاعل والجملة في محل نصب حال "كذاك" اسم فعل "القول" مفعول كذاك "إن" حرف توكيد ونصب "عليك" جار ومجرور خبر مقدم لإن "عينا" اسم منصوب.
الشاهد: قوله: "كذاك" فإنه اسم فعل ومعناه أمسك.

(3/1164)


تنبيهات:
الأول: لا يُستعمل هذا النوع في الغالب إلا متصلا بضمير المخاطب، وشذ عليَّ بمعنى أولني، وإلي معنى أتنحى، وعليه بمعنى ليلزم.
الثاني: أجاز الكسائي قياس بقية الظروف على المسموع بشرط الخطاب نحو: خلفك وقدامك، ونقله بعضهم عن الكوفيين، ومذهب البصريين قصر ذلك على السماع.
الثالث: اختلف في كاف عليك وأخواته فذهب الكسائي أنها في موضع نصب، ومذهب الفراء أنها في موضع رفع، ومذهب البصريين أنها في موضع جر، وهو الصحيح لأن الأخفش روى عن عرب فصحاء "عَليَّ عبدِ الله زيدًا" بجر عبد الله، فتبين أن الضمير مجرور الموضع، وذهب ابن بابشاذ إلى أنها حرف خطاب، فلا موضع لها من الإعراب.
الرابع: في كل واحد من هذه الأسماء مع الضمير "المجرور"1 ضمير رفع مستتر هو الفاعل، فلك في التوكيد أن تؤكد الكاف بالمجرور فتقول: "عليك نفسك" وأن تؤكد المستتر بالمرفوع فتقول: "عليك أنت نفسك" ولا بد من تأكيده بالمرفوع المنفصل.
كذا رُوَيْدَ بَلْهَ نَاصِبَيْنِ ... ويَعَمْلانِ الخفضَ مصدَرَيْنِ
"رويد" يستعمل أمرا وغير أمر، فإذا استعمل أمرا فله حالان:
أحدهما: أن يكو مبنيا على الفتح، وإن وليه مفعول نصب نحو "رُويدَ زيدا" فهو هاهنا اسم فعل بمعنى أمهل؛ لأنه لو كان مصدرا لكان معربا، وذكر بعضهم أنه يرد بمعنى دع، ومنه: لو أردت الدراهم لأعطيتك رويد الشعر -أي: فدع الشعر- وما زائدة، ويجوز ألا تزاد كما قال2:
رويدَ بني شيبان بعض وعيدكم ... .............................
__________
1 أ، ج وفي ب "المجرد".
2 قائله: هو ودَاك بن نميل المازني، وهو من الطويل.
وتمامه:
تلاقُوا غدًا خَيْلي على سَفَوانِ =

(3/1165)


والآخر: أن يكون معربا منصوبا إما مضافا نحو: "رُويدَ زيد"، وإما منونا منصوبا نحو: "رويدًا زيدًا" فهو هاهنا مصدر؛ لأنه لو كان اسم فعل لكان مبنيا.
وإذا أضيف فتارة يضاف إلى فاعله نحو: "رويد زيد عمرًا" وتارة إلى مفعوله نحو: "رويد زيدٍ".
قيل: ومن الإضافة إلى فاعله قولهم: "رويدك زيدًا" ويحتمل أن يكون اسم فعل، والكاف للخطاب.
وإذا نون نصب المفعول، ومنع المبرد النصب "به"1؛ لكونه مصغرا ورويد تصغير إرواد مصدر رود أي: أمهله تصغير ترخيم، وذهب الفراء إلى أن تصغير رَوْدِ بمعنى المهل، ورد بأن رويدًا يتعدى.
وإذا استعمل غير أمر فله حالان:
أحدهما: أن يكون حالا كقولهم: "ساروا رويدا" فقيل: هو حال من الفاعل أي: مُرْوِدِين.
وقيل: من ضمير المصدر المحذوف أي: ساروه رويدا.
والآخر: أن يكون نعتا إما لمصدر مذكور نحو: "ساروا سيرا رويدا" وإما لمصدر محذوف نحو: "ساروا رويدا" وضعف كونه نعتا لمصدر محذوف؛ لأنه صفة غير خاصة بالموصوف.
واختلفوا في "رويد" الواقع نعتا، فقيل: هو الذي يستعمل مصدرا وصف به كما وصف برضى.
__________
= اللغة: "رويد" دع أو اترك "سفوان" بفتح السين والفاء: اسم موضع.
الإعراب: "رويد" معناه أميل ومعناه هنا دع أو اترك والفاعل ضمير "بنى" منادى منصوب حذف منه حرف النداء "شيبان" مضاف إليه -نداء جيء به بين الفعل ومعموله- "بعض" مفعول به لوريد "وعيدكم" مضاف إليه وكم مضاف إلى وعيد "تلاقوا" فعل مضارع وفاعله وهو مجزوم في جواب الأمر "غدا" منصوب على الظرفية "خيلي" مفعول به لتلاقوا والياء مضاف إليه "على سفوان" متعلق بتلاقوا.
الشاهد: قوله: "رويد بني شيبان" حيث جاء رويد من غير زيادة كلمة ما بعده.
مواضعه: ذكره ابن هشام في المغني 86/ 2، وفي شرح المفصل 41/ 4.
1 أ، ج.

(3/1166)


وقيل: تصغير رَوْد تصغير الترخيم وليس بمصدر.
وأما "بله" فيكون اسم فعل بمعنى دع وهو مبني نحو: "بله زيدا" وتكون مصدرا بمعنى ترك النائب عن اترك، فتستعمل مضافة نحو: "بله زيد" وهو مضاف إلى المفعول، وقال أبو علي: إلى الفاعل، وروى أبو زيد فيه القلب إذا كان مصدرا تقول: "بَهْلَ زيد" وحكى أبو الحسن الهيثم فتح الهاء واللام فتقول: "بَهْلَ زيدٍ" وأجاز قطرب وأبو الحسن أن يكون بمعنى كيف فتقول: "بله زيد" ويروى1:
....................... ... بَلْهَ الأكفَّ كأنها لم تُخْلَق
بالنصب على أنها اسم فعل، وبالجر على أنها مصدر، وبالرفع، فقيل: هي اسم فعل بمعنى اترك.
وقيل: بمعنى كيف، وأنكر أبو علي الرفع بعدها، وذهب بعض الكوفيين إلى أن "بله" بمعنى غير، فمعنى: بله الأكف غير الأكف، وذهب الأخفش إلى أنها حرف جر، وعدها الكوفيون والبغداديون من أدوات الاستثناء، فأجازوا النصب بعدها على الاستثناء.
وما لِمَا تنوبُ عنه مِن عَمَلْ ... لها وأخِّرْ ما لذِي فيه العَمَلْ
__________
1 قائله: هو كعب بن مالك الأنصاري يصف السيوف، وهو من الكامل.
وصدره:
تذَرُ الجماجمَ ضاحيًا هاماتُها
اللغة: "تذر" تترك وتدع "الجماجم" -جمع جمجمة- وهي عظام الرأس "بله الأكف" أي: اتركها ولا تذكرها في كلامك لأنها طائحة لا محالة.
الإعراب: "تذر" فعل مضارع فاعله ضمير مستتر جوازا تقديره هي يعود إلى السيوف في بيت قبله "الجماجم" مفعول به "ضاحيا" حال من المفعول به "هاماتها" هامات فاعل بضاح وضمير الغائبة العائد إلى الجماجم مضاف إليه "بله" اسم فعل أمر وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت "الأكف" مفعول به لبله "كأنها" كأن حرف تشبيه ونصب والضمير العائد إلى الأكف اسم كأن "لم" نافية جازمة "تخلق" فعل مضارع مبني للمجهول مجزوم بلم وعلامة جزمه السكون، وحرك بالكسر لأجل الروي، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هي يعود إلى الأكف، وجملة الفعل ونائب الفاعل في محل رفع خبر كأن.
الشاهد: قوله: "بله الأكف" حيث استعمل بله اسم فعل أمر ونصب ما بعده على أنه مفعول به.
مواضعه: ذكره الأشموني 488/ 2، وابن هشام في الشذور ص414، وفي المغني 105/ 1، وشرح المفصل 47/ 4، والشاهد 456 في الخزانة.

(3/1167)


يعني: أن أسماء الأفعال تعمل عمل الأفعال التي تنوب عنها فترفع الفاعل ظاهرا نحو: "هيهات زيد" ومضمرا نحو: "نزال"، وتنصب المفعول إن نابت عن متعد، وتتعدى إليه بحرف الجر إن نابت عما يتعدى به، وينبغي أن يقول: غالبا، كما قال في التسهيل احترازا من "آمين" فإنها لم يحفظ لها مفعول، وفعلها يتعدى.
وقوله: "وأخر ما لذى فيه العمل" يعني: أنه يجب تأخير معمول أسماء الأفعال، ولا يسوى بينها وبين أفعالها في جواز التقديم، فلا يقال: "زيدا دراكِ" قال الشارح: هذا مذهب جميع النحويين إلا الكسائي فإنه أجاز فيه ما يجوز في الفعل من التقديم والتأخير. انتهى.
ونقله بعضهم عن الكوفيين.
تنبيه:
مذهب المصنف جواز إعمال اسم الفعل مضمرا، وقال في شرح الكافية: إن إضمار اسم الفعل مقدما لدلالة متأخر عليه جائز عند سيبويه. انتهى.
ومنع كثير من النحويين حذفه وإبقاء معموله، وتأول كلام سيبويه.
واحْكُم بتنكير الذي يُنون ... منها وتعريف سواه بَيِّنُ
ما نون من أسماء الأفعال فهو نكرة وما لم ينون فهو معرفة وهي ثلاثة أقسام: لازم التعريف كنزال وآمين، ولازم التنكير كواها بمعنى أعجب وويها بمعنى أغْرِ وذو وجهين نحو صه ومه، وذهب قوم إلى أن أسماء الأفعال كلها معارف ما نون منها وما لم ينون تعريف علم جنس، والأول هو المشهور.
ولما فرغ من أسماء الأفعال انتقل إلى أسماء الأصوات، وهي ألفاظ أشبهت أسماء الأفعال في الاكتفاء بها، وهي نوعان:
أحدهما: ما خوطب به ما لا يعقل إما لزجر كهلا للخيل، وعدَسْ للبغل، وإما لدعاء كأو للفرس ودَوْه للربع1، وإلى هذا النوع أشار بقوله:
وما به خوطب ما لا يعقل
من مُشبه اسم الفعل صوتا يُجعل
والثاني: ما وضع لحكاية صوت يحوان نحو "غاقِ" للغراب، و"ماء" للظبية، أو غير حيوان نحو "قبْ" لوقع "السيف"2، و"طَق" لوقوع الحجر. وغلى هذا النوع أشار بقوله:
كذا الذي أجدى حكاية كقَبْ
أي: أفهم حكاية.
__________
1 الرُّبَع بضم الراء وفتح الباء: وهو الفصيل.
2 ب، وفي أ، ج "السقف".

(3/1168)


ثم قال:
والزَمْ بنا النوعين فهو قد وَجَبْ
يحتمل أن يريد بالنوعين أسماء الأفعال والأصوات، ويحتمل أن يريد نوعي الأصوات، وعلة بناء أسماء الأفعال شبهها بالحروف؛ لأنها عاملة غير معمولة كما تقدم أول الكتاب، وعلة بناء أسماء الأصوات أنها ليست عاملة ولا معمولة فأشبهت الحروف المهملة فهي أحق بالبناء من أسماء الأفعال.
تنبيه:
هذه الأصوات لا ضمير فيها، بخلاف أسماء الأفعال؛ فهي من قبيل المفردات، وأسماء الأفعال من قبيل المركبات.

(3/1169)


نونا التوكيد:
للفعل توكيدٌ بنونين هُما ... كنوني اذهبنَّ واقصدنهما
للتوكيد نونان ثقيلة كنون "اذهبن" وخفيفة كنون "اقصدنَهما" وهما أصلان عند البصريين لتخالف بعض أحكامهما، ومذهب الكوفيين أن الخفيفة فرع الثقلية، وذكر الخليل أن التوكيد بالثقيلة أشد من الخفيفة.
وفهم من قوله: "للفعل" اختصاصه بهما، وندر توكيد اسم الفاعل كقوله1:
أقائلُنَّ أحضروا الشهودا
يؤكدان افعل ويفعل آتيا ... ذا طلب أو شرطا إما تاليا
نونا التوكيد يؤكدان الأمر والمضارع دون الماضي؛ وقد جاء توكيد الماضي؛ لكونه مستقبل المعنى في قوله2:
دامَنَّ سعْدُكِ إن رَحمْتِ متَيَّمَا ... ...........................
__________
1 قائله: هو رؤبة بن العجاج وقيل: لشاعر من هذيل، وهو من الرجز.
وقبله:
أريتَ إن جاءت به أملودا ... مرجَّلا ويَلبسُ البرودا
اللغة: "الأملود" الناعم "مرجلا" ترجيل الشعر وإرساله بالمشط "البرود" جمع برد نوع من الثياب.
المعنى: أخبرني إن جاءت هذه المرأة بشاب حسن القوام كالغصن الناعم مرجل الشعر ليتزوجها، ولكنه فقير معدم، أأنت راض عن ذلك، آمر بإحضار الشهود لعقد نكاحها، والاستفهام إنكاري للتهكم.
الإعراب: "أقائلن" الهمزة للاستفهام قائلن خبر لمبتدأ محذوف تقديره: أفأنت قائلن، وهو مرفوع بالواو المحذوفة للتخلص من التقاء الساكنين والنون المحذوفة لتوالي الأمثال عوض عن التنوين في الاسم المفرد "أحضروا" فعل وفاعله "الشهودا" مفعول به، والجملة من الفعل والفاعل والمفعول في محل نصب مقول القول، وجملة المبتدأ والخبر في محل جزم جواب الشرط الذي هو "إن جاءت به".
الشاهد: قوله: "أقائلن" حيث دخلت فيه نون التوكيد، وهو اسم فاعل.
مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني 501/ 2، 16/ 1، وابن هشام 23/ 1، وابن الناظم، والسيوطي ص109، وفي همعه 79/ 2، والشاهد 950 في الخزانة.
2 قائله: لم أقف على اسم قائله، وهو من الكامل.
وتمامه:
لولاكِ لم يكُ للصبابة جانِحا =

(3/1170)


فأما الأمر فيؤكدانه بلا شرط نحو "اضربن" وكذا الدعاء نحو1:
وأَنْزِلَنْ سكينةً عَلَيْنَا
وتوكيد الأمر بالنون جائز لا واجب.
وأما المضارع فإن كان حالا لم تدخل عليه النون؛ ولهذا قال: "آتيا"، وإن كان مستقبلا أكد بها لا مطلقا بل في مواضع مخصوصة:
__________
= اللغة: "دامن" من الدوام. ودخله نون التوكيد على وجه الشذوذ "سعدك" خطاب لمحبوبته "المتيم" -بالتشديد- من تيمه الحب إذا عبده "الصبابة" المحبة والعشق "الجانح" من جنح إذا مال.
المعنى: أدام الله سعدك إن رحمت المتيم ولولا أنتِ موجودة لم يكن المتيم مائلا للصبابة.
الإعراب: "دامن" فعل ماض والنون للتوكيد "سعدك" فاعل والكاف مضاف إليه "إن" شرطية "رحمت" فعل وفاعل -وقعت فعل الشرط- "متيما" مفعول، وجواب الشرط محذوف تقديره: أدام الله سعدك "لولاك" لولا لربط امتناع الثانية بوجود الأولى، وهي عند الجمهور جارة للضمير وموضع المجرور رفع الابتداء، والخبر محذوف وقد سد مسده جواب لولا وهي الجملة التي بعده.
وقال الخليل: لولا لا تجر، ولكنهم أنابوا الضمير المخفوض عن المرفوع "لم يك" جواب لولا ولم حرف نفي وجزم وقلب وأصله لم يكن فحذفت النون تخفيفا والضمير المستتر فيه العائد إلى المتيم هو اسم يكن "للصبابة" متعلق بجانحا "جانحا" خبر يكن.
الشاهد: قوله: "دامن" حيث دخلت فيه نون التوكيد وهو ماض.
مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني 495/ 2، والشاطبي، وذكره ابن هشام في المغني 22/ 2، والسيوطي في الهمع 99/ 2، والشاهد 83 في الخزانة.
1 قائله: هو عبد الله بن رواحة، وقيل: لعامر بن الأكوع، وقيل: كعب بن مال، وهو من الرجز.
وصدره:
فثبت الأقدام إن لاقينا
المعنى: ثبتنا على الإسلام بإظهار دينك ونصر رسولك حتى تسكن نفوسنا إلى ذلك وتزداد إيمانا بك.
الإعراب: "ثبت" فعل أمر والفاعل ضمير مستتر "الأقدام" مفعول به "إن" شرطية "لاقينا" لاقى فعل ماض فعل الشرط ونا فاعل "وأنزلن" الواو عاطفة "وأنزلن" فعل أمر جاء للدعاء ونون للتوكيد، والفاعل ضمير مستتر "سكينة" مفعول به "علينا" جار ومجرور، وجواب الشرط محذوف دل عليه الكلام.
الشاهد: قوله: "أنزلن" حيث دخلت نون التوكيد الحفيفة على الأمر.
مواضعه: ذكره الأشموني 495/ 2، والسيوطي في الهمع 78/ 2، وسيبويه 150/ 2.

(3/1171)


أولها: أن يكون بعدما يقتضي طلبا من لام أمر أو لا نهي أو أداة تحضيض أو عرض أو تمن أو استفهام بحرف أو باسم خلافا لمن خص ذلك بالهمزة وهل1، وقد أشار إلى هذا بقوله: "ذا طلب".
الثاني: أن يكون شرطا لأن مقرونة بما الزائدة نحو: {وَإِمَّا تَخَافَنَّ} 2.
وإلى هذا أشار بقوله: "أو شرطا إما تاليا" واحترز من الواقع شرطا لغير إما فإن توكيده قليل كما سنذكر.
الثالث: أن يكون جوابا لقسم بخمسة شروط:
الأول: أن يكون مستقبلا، فإن الحال لا يؤكد بالنون كما سبق، فإذا أقسم على فعل الحال صدر باللام وحدها كقراءة ابن كثير: "لَا أُقْسِمْ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ"3. ومن منع الإقسام على فعل الحال أول الآية على إضمار مبتدأ، أي: لأنا أقسم، والمنع مذهب البصريين.
الثاني: أن يكون مثبتا، فإن كان منفيا لم تدخله النون نحو: "والله لا يقوم زيد".
وقد جاء توكيد المنفي في قوله4:
تالله لا يُحمدنَّ المرءُ مُجْتَنِبَا ... فِعْلَ الكرامِ ولو فَاقَ الورَى حَسبَا
__________
1 الأمثلة: لام الأمر نحو: "ليقومن محمد" والنهي نحو قوله تعالى: {وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا} والتحضيض نحو:
هلا تُمننَّ بوعد غير مخلفة ... كما عهدتك في أيام ذي سلم
والعرض نحو: "ألا تنزلن عندنا" والتمني نحو قوله:
فليتك يوم الملتقى ترينني ... لكي تعلمي أني امرؤ بك هائمُ
والاستفهام نحو:
وهل يمنعني ارتيادي البلا ... د من حذر الموت أن يأتينْ
فأقبلْ على رهطي ورهطك نبتحث ... مساعينا حتى ترى كيف نفصلا
2 من الآية 58 من سورة الأنفال.
3 من الآية 1 من سورة القيامة.
4 قائله: لم أقف على قائله، وهو من البسيط.
الإعراب: "تالله" التاء حرف قسم ولفظ الجلالة مقسم به "لا يحمدن" لا نافية ويحمدن فعل مضارع مبني للمجهول، وهو مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد "المرء" نائب فاعل "مجتنبا" حال "فعل" مفعول مجتنبا "الكرام" مضاف إليه "ولو فاق" لو حرف امتناع وفاق فعل ماض والفاعل ضمير مستتر فيه "حسبا" تمييز.
الشاهد: قوله: "لا يحمدن" حيث أكد الفعل المنفي.
مواضعه: ذكره الأشموني 496/ 2.

(3/1172)


الثالث: أن يكون غير مقرون بحرف تنفيس، فإنه لا يدخله النون نحو: {وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى} 1.
الرابع: ألا يكون مقدم المعمول كقوله تعالى: {وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ} 2.
فإنه لا تدخله النون.
الخامس: ألا يقترن بقد نحو: "والله لقد أظن زيدا منطلقا"، فإنه لا يجوز توكيده "بالنون"3.
وإلى هذا أشار بقوله:
أو مثبتا في قَسَم مُستقبلا ... .......................
لكنه أخل بشتراط الثلاثة المتأخرة.
وقد نبه في الكافية والتسهيل على الثالث والرابع.
تنبيه:
توكيد المضارع بعد الطلب ليس بواجب اتفاقا، وأما بعد إما فمذهب سيبويه أنه ليس بلازم ولكنه أحسن؛ ولذا لم يجئ في القرآن بعدها إلا مؤكدا، وإليه ذهب الفارسي وأكثر المتأخرين، وهو الصحيح، وقد كثر في الشعر مجيئه غير مؤكد4.
وذهب المبرد والزجاج إلى لزوم نون التوكيد بعد إما، وزعما أن حذفها ضرورة.
__________
1 سورة الضحى: 5.
2 سورة آل عمران: 158.
3 ب.
4 ومن ذلك قول الشاعر:
فإما تَرَيْنِي وَلِي لِمَّةٌ ... فإن الحوادثَ أودَى بها

(3/1173)


وأما بعد القسم فهو واجب عند البصريين بالشروط المذكورة، فلا بد عندهم من اللام والنون، وأجاز الكوفيون تعاقبهما، وقد ورد في الشعر.
وقوله:
وقَلَّ بعد ما ولم وبعد لا
يعني: أن التوكيد بالنون قَلَّ بعد هذه الأربعة:
الأول: "ما" والمراد بها الزائدة كقولهم:
"بعَيْنٍ ما أَرَيَنَّكَ وبِجُهْدٍ ما تَبْلُغَنْ"1.
وقوله2:
ومن عِضَةٍ ما يَنْبُتنَّ شَكيرُهَا
وقوله3:
قليلا به ما يَحْمَدَنَّك وارِثٌ
__________
1 "بعين ما أرينك" تقول لمن يخفي أمرا أنت به بصير "وبجهد ما تبلغن" تقوله لمن حملته فعلا فأباه أي: لا بد لك من فعله مع مشقة.
2 قائله: لم ينسب لقائل -وهو مثل عربي يضرب للفرع الذي ينشأ كأصله- وهو من الطويل.
وصدره:
إذا مات منهم سيِّدٌ سَرق ابنه
اللغة: "عضة" شجر ذات شوك من أشجار البادية، والجمع عضاه "شكيرها" الشكير: ما ينبت حول الشجرة من أصلها.
المعنى: إذا مات من هؤلاء القوم شخص سرق ابنه صفاته وخلاله وأصبح مثله، وإنما يجيء الفرع وفق أصله.
الإعراب: "إذا" ظرف للمستقبل "مات" فعل ماض "منهم" جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من سيد "سيد" فاعل والجملة في محل جر بإضافة إذا "ابنه" فاعل سرق "ومن عضة" جار ومجرور متعلق بينبتن "ما" زائدة "شكيرها" فاعل ينبتن والهاء مضاف إليه.
الشاهد: قوله "ينبتن" فقد أكد بالنون الثقيلة لوقوعه بعد "ما" الزائدة غير المسبوقة بإن الشرطية.
مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني 497/ 2، وابن هشام 310/ 3، وذكره سيبويه 153/ 2، والشاهد 947 في الخزانة.
3 قائله: هو حاتم الطائي، وهو من الطويل.
وتمامه:
إذا نال مما كنتَ تجمع مَغْنما =

(3/1174)


وجعل بعضهم في قوله: "ما يحمدنك وارث" نافية، وقال: هو نادر أو ضرورة يندرج في إطلاقه ما الكافة لرب، حكى سيبويه: "ربما يقولن ذلك".
وأما قوله1:
رُبَّما أَوْفَيْتَ فِي عَلَم ... تَرْفَعْنَ ثَوبِي شَمَالاتُ
فبعيد جدا.
فإن قلت: فقد ذكر في الكافية أن التوكيد بعد "ما" الزائدة شاع، وقال في شرحها: وإنما كثر هذا التوكيد بعد "ما" الزائدة لشبهها بلازم القسم. قال سيبويه: ولا تقع بعد هذه الحروف "إلا" و"ما" زائدة، فأشبهت لام القسم عندهم. انتهى.
__________
= اللغة: "مغنما" غنيمة - وهو الحصول على الشيء بدون مشقة.
المعنى: قلما يحمد الوارث من ورثه مع أنه يستولي على ما جمعه من المال، وأفنى عمره في الحصول عليه. فلينظر الإنسان في خير ما ينفق فيه ماله.
الإعراب: "قليلا" صفة لمصدر محذوف منصوب بمحذوف يدل عليه يحمدانك؛ أي: يحمدنك حمدا قليلا ولم يجعل المصدر معمولا ليحمدنك الآتي؛ لأن معمول الفعل المؤكد لا يتقدم عليه "ما" زائدة "به" متعلق بيحمدنك "وارث" فاعل "مغنما" مفعول نال.
والشاهد: قوله: "يحمدنك" حيث أكده الشاعر بالنون الثقيلة بعد "ما" الزائدة.
مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني 479/ 2، وابن هشام 310/ 3، وابن الناظم، والسيوطي ص109، وفي همعه 78/ 2.
1 قائله: هو جذيمة الأبرش، وهو من المديد.
اللغة: "أوفيت" نزلت "علم" -بفتح اللام- جبل "في" بمعنى على "شمالات" رياح الشمال.
المعنى: كثيرا ما أنزل على الجبال العالية في مهب الرياح العاتية متحملا المصاعب لأرقب الأعداء، يفتخر بأنه يرقب الطليعة بنفسه متحملا المشاق ولا يعتمد على غيره.
الإعراب: "ربما" رب حرف جر شبيه بالزائد "ما" كافة "أوفيت" فعل وفاعل "في علم" متعلق بأوفيت وفي بمعنى على "ترفعن" فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الخفيفة "ثوبي" مفعول ترفعن "شمالات" فاعله.
الشاهد: قوله: "ترفعن" حيث أكده بالنون الخفيفة.
مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني 498/ 2، وابن هشام 278/ 2، وابن الناظم، والسيوطي ص109، وفي همعه 78/ 2، وسيبويه 153/ 2، وشرح المفصل 40/ 9، والمغني 119/ 1، 9/ 2.

(3/1175)


فكيف قال هنا: قد قلَّت؟ قلَّته إنما هو بالنسبة إلى المواضع السابقة فلا ينافي كونه شائعا.
فإن قلت: فهل هو مطرد؟
قلت: ظاهر كلام المصنف اطراده، وقال بعضهم: لا يقاس على هذه الأمثلة المذكورة.
فإن قلت: فهل يطرد بعد ربما؟
قلت: قال في الكافية: وشذ بعد ربما، وعلل بأن الفعل بعدها ماضي المعنى، ونص بعضهم على أن إلحاق النون بعدها ضرورة، وظاهر كلام سيبويه يشعر بأنه لا يختص بالضرورة، وهو ظاهر التسهيل ومثاله بعد "لم" قوله1:
يحسَبُه الجاهلُ ما لم يَعْلَمَا ... .......................
وهو قليل، ونص سيبويه على أنه ضرورة؛ لأن الفعل بعد لم ماضي المعنى كما كان بعد ربما.
__________
1 قائله: هو أبو الصماء مساور بن هند العبسي، يصف سقاء لبن، وقيل: لأبي حيان الفقعسي.
وتمامه:
شيخا على كرسيه مُعَمَّمَا
وهو من الرجز.
اللغة: "يحسبه" يظنه "معمما" لابسا عمامة.
المعنى: يصف الشاعر قعب لبن علته رغوة حتى امتلأ، يظنه الجاهل الذي لا يعلم الحقيقة شيخا لابسا عمامته وقد جلس وتربع فوق كرسيه.
الإعراب: "يحسبه" فعل مضارع والهاء مفعول أول "الجاهل" فاعل "ما" مصدرية "لم" نافية جازمة "يعلما" فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد المنقلبة ألفا للوقف في محل جزم "شيخا" مفعول ثانٍ ليحسب "على كرسيه" جار ومجرور متعلق بمحذوف صفة لقوله شيخا "معمما" صفة ثانية لشيخا.
الشاهد: قوله: "لم يعلما" حيث أكده بالنون الخفيفة المنقلبة ألفا بعد "لم".
مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني 498/ 2، وابن هشام 311/ 3، وابن عقيل 299/ 2، وابن الناظم والمكودي ص136، والسيوطي ص109، في همعه 78/ 2، وذكره سيبويه 152/ 2، وشرح المفصل 42/ 9، والإنصاف 385/ 2، والشاهد 949 في الخزانة.

(3/1176)


قال في شرح الكافية: وهو بعد ربما أحسن. ومثاله بعد "لا" والمراد بها النافية قوله تعالى: {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ} 1 وذلك لشبهها بالناهية.
ومذهب الجمهور منع التوكيد بالنون بعد "لا" النافية إلا في الضرورة، وأجازه المصنف وابن جني.
وتأول المانعون الآية فقيل: "لا" ناهية والجملة محكية بقول: "محذوف هو"2 صفة "فتنة" فتكون نظير3:
جاءوا بِمذْقٍ هَلْ رأيتَ الذِّئْبَ قَطْ
وقيل: "لا" ناهية أيضا وتم الكلام عند قوله: {وَاتَّقُوا فِتْنَةً} ثم ابتدأ نَهْيَ الظلمة خاصة عن "التعرض"4 للظلم فتصيبهم الفتنة خاصة، وأخرج النهي "عن"5 إسناده للفتنة، فهو نهي محول كما قالوا: "لا أريَنَّك هاهنا"6 وهذا تخريج المبرد والفراء والزجاج، وقال الأخفش الصغير: "لا تصيبنّ" هو على معنى الدعاء، وقيل: "لا تصيبن" جواب قسم، والجملة موجبة، والأصل "لتُصيبَنّ" كقراءة ابن مسعود وغيره، ثم أشبعت اللام، وهو ضعيف؛ لأن الإشباع بابه الشعر، وقيل: جواب قسم، ولا: نافية ودخلت النون تشبيها بالموجب وكما دخلت في قوله7:
تالله لا يحمدن المرء مجتنبا
وقال الفراء: الجملة جواب الأمر، كقولك: "انزل عن الدابة لا تطرَحَنَّكَ" "ولا: نافية ومَن منع النون بعد دخول "لا" النافية منع "انزل عن الدابة
__________
1 من الآية 25 من سورة الأنفال.
2 ب، ج.
3 مضى هذا البيت في باب النعت.
4 ب، ج.
5 ب، ج، وفي أ "على".
6 "لا أرينك" هو نهي محول عن إسناده للمخاطب إلى إسناده للمتكلم، والأصل: لا تأتِ، فحول النهي عن الإتيان الذي هو سبب لرؤيته إلى المسبب الذي هو الرؤية. هـ صبان.
7 مضى هذا البيت في نفس الباب.

(3/1177)


لا تطرحنك""1 ويؤيد ما ذهب إليه المصنف ورود النون بعد النافية، وقد فصل بينها وبين الفعل بمعموله كقولك2:
فلا ذا نعيم يَتْرُكَنْ لنَعِيمِهِ ... .......................
أو بمعمول مفسره كقوله3:
فلا الجارة الدنيا لها تَلْحَينَّهَا ... ..........................
فتوكيد "لا تصيبن" أحق بالجواز؛ لاتصاله بلا.
فإن قلت: فهل يطرد التوكيد بعد "لا" مع الفصل؟
قلت: نص غير المصنف على أن ذلك ضرورة.
__________
1 ب.
2 قائله: لم أعثر على قائله ولا تتمته، وفي الدرر اللوامع "ولم أعثر على قائله ولا تتمته"، وهو من الطويل.
الإعراب: "لا" نافية "ذا نعيم" ذا مفعول ونعيم مضاف إليه "يتركن" فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد وهي حرف "لنعيمه" جار ومجرور متعلق بالفعل.
الشاهد: قوله: "يتركن" دخول نون التوكيد على الفعل بعد "لا" النافية.
مواضعه: ذكره السيوطي في الهمع 78/ 2.
3 قائله: هو النمر بن تولب العلكي، وهو من الطويل.
وتمامه:
ولا الضيفُ فيها إنْ أناخَ مُحَوَّلُ
اللغة: "الدنيا" القريبة "تلحينها" من لحيته لحيا إذا لمته ولاحيته ملاحاة إذا نازعته "أناخ" برك راحلته "محول" -بضم الميم- من التحول.
المعنى: يشير بهذا إلى كرم الممدوحة بأن جارتها لا تلومها ولا تنازعها ولا هي تمنع ضيفها إذا برك عندها.
الإعراب: "فلا" الفاء عاطفة ولا نافية "الجارة" مبتدأ -بالرفع- "الدنيا" صفة للجارة "لها" جار ومجرور في محل نصب على الحال "تلحينها" فعل والفاعل ضمير مستتر والمفعول هو الضمير المنصوب، والجملة في محل رفع خبر المبتدأ "ولا الضيف" الضيف مبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة "فيها" جار ومجرور متعلق بمحول "إن" شرطية "أناخ" فعل ماض فعل الشرط "محول" خبر المبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة، وجواب الشرط محذوف والتقدير: ولا الضيف محول عنها إن أناخ راحلته عندها لا يتحول إلى غيرها لحسن قيامها بالضيف.
الشاهد: قوله: "تلحينها" حيث أدخل الشاعر فيها نون التوكيد بعد "لا" النافية تشبيها لها باللفظ بلا الناهية.
مواضعه: ذكر الأشموني 498/ 2، وابن الناظم.

(3/1178)


وقوله:
وغير إما من طوالِبِ الْجَزا
يشمل "إن" مجردة وغيرها1.
ويشمل كلامه الشرط كقوله2:
مَنْ نَثْقَفَنْ منهم فليس بآيبٍ
والجواب كقولك3:
__________
1 أي: يشمل إن المجردة عن ما وغيرها.
2 قائله: هو لابنة مرة الحارثي. ضمن ثلاثة أبيات ترثي بها أباها وكان باهلة قد قتلته.
وتمامه:
أبدًا وقَتْلُ بني قتيبة شافي
وهو من الكامل.
اللغة: "نثقفن" نجدن ويروى بالتاء تجدن وبالياء يوجدن "آئب" اسم فاعل من آب يئوب أي: رجع "بني قتيبة" فرع من باهلة.
المعنى: من يوجد من بني قتيبة فسيقتل حتما ولن يرجع أبدا إلى قومه، فإن قتلهم يشفي الغلة، ويطفئ جذوة الغضب بسبب ما سفكوا من دماء.
الإعراب: "من" اسم شرط مبتدأ "تثقفن" فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد في محل جزم فعل الشرط وفاعله ضمير مستتر "منهم" جار ومجرور متعلق بتثقفن "فليس" الفاء واقعة في جواب الشرط وليس فعل ماض ناقص واسمه ضمير مستتر فيه "بآيب" الباء حرف جر زائد وآيب خبر ليس منصوب بفتحة مقدرة والجملة في محل جزم جواب الشرط، وجملة الشرط وحدها أو جملة الجواب وحدها أو الجملتان معها في محل رفع خبر المبتدأ على الخلاف "أبدا" منصوب على الظرفية "قتل" مبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة "بني" مضاف إليه "قتيبة" مضاف إليه "شافي" خبر المبتدأ.
الشاهد: قوله: "يثقفن" حيث أكده بالنون الخفيفة بعد "من" الشرطية.
مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني 500/ 2، وابن هشام 311/ 3، وابن عقيل 320/ 2، وابن الناظم، وذكره السيوطي في الهمع 79/ 2، وسيبويه 152/ 2، والشاهد 947 في الخزانة.
3 قائله: هو النجاشي، هجا قوما فوصفهم بحدثان النعمة، وهو من الطويل.
وتمامه:
نَبتُّمْ نبات الخيْرَزَانِّي في الوغَى ... حديثا .....................
اللغة: "الخيرزاني" كل نبت ناعم "الوغى" -بفتح الغين- الحرب، وفي رواية "الثرى" وهي الأرض "الخير" المال.
الإعراب: "نبتم" فعل ماض والتاء فاعل "نبات" منصوب بنزع الخافض والتقدير: كنبات "الخيرزاني" مضاف إليه "في الوغى" جار ومجرور "حديثا" منصوب بفعل محذوف تقديره: حدث حديثا "متى" شرطية "ما" زائدة "يأتك" فعل مضارع فعل الشرط والكاف مفعول "الخير" فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة "ينفعا" فعل مضارع والجملة جواب الشرط.
الشاهد: قوله "ينفعا" حيث دخلت فيه نون التوكيد المنقلبة ألفا بعد الشرط.
مواضعه: ذكره الأشموني 500/ 2، وسيبويه 152/ 2، والشاهد 946 في الخزانة.

(3/1179)


................... ... متى يأتِك الخيرُ يَنْفَعَا
ودخولها في غير شرط إما وجواب الشرط مطلقا ضرورة.
قال سيبويه: بعد إنشاد -فمها تشأ منه فزارة تُعْطِكُم1: وهو قليل في الشعر. قال في التسهيل2: وقد تلحق جواب الشرط اختيارا. انتهى. ولم يخص لحاقها جواب الشرط بالضرورة.
تنبيه:
جاء توكيد المضارع في غير ما ذكر لضرورة الشعر، وهو غاية من الندور؛ لذلك لم يتعرض لذكره.
ومنه قوله3:
لَيْتَ شِعْرِي وأشْعُرَنَّ إذا ما ... قرَّبُوها مَنْشُورةً ودُعِيتُ
__________
1 قائله: هو الكميت بن معروف، وقال ابن الأعرابي: الكميت بن ثعلبة الفقعسي.
وتمامه:
ومهما تشَا منه فزارةُ تَمْنَعا
وهو من الطويل.
اللغة: "فزارة" -بفتح الفاء- من غطفان وهو فزارة بن ذبيان.
المعنى: مهما تشأ إعطاء تعطكم ومهما تشأ منعه تمنعكم.
الإعراب: "فمهما" الفاء عاطفة ومهما اسم يتضمن معنى الشرط "تشأ" فعل الشرط مجزوم بالسكون "منه" متعلق بتشأ "فزارة" فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة "تعطكم" فعل مضارع والفاعل ضمير يرجع إلى فزارة والكاف مفعول وهو جواب الشرط، والكلام في الشطر الثاني كالأول، والضمير في منه يعود إلى ابن دارة في بيت قبله.
الشاهد: قوله: "تمنعا" اصله تمنعن مؤكدا بالنون الخفيفة ثم أبدلت ألفا للوقف بعد الشرط.
مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني 500/ 2، وابن الناظم والمكودي ص136، والسيوطي ص109، وفي همعه 79/ 2، وسيبويه 152/ 2، والشاهد 945 في الخزانة.
2 التسهيل ص216.
3 قائله: هو السموءل الغساني اليهودي، وهو من الخفيف.
اللغة: "قربوها" الضمير يرجع إلى صحيفة أعماله.
الإعراب: "ليت شعري" شعري مصدر شعرت أشعر شعرا إذا فطن وعلم وهو مضاف إلى الفاعل ومعنى ليت شعري ليت علمي، والمعنى: ليتني أشعر، فأشعر هو الخبر فناب شعري الذي هو المصدر عن أشعر ونابت الياء في شعري عن اسم ليت التي في قولك: ليتني "وأشعرن" بالنون الخفيفة: فعل مضارع والفاعل ضمير مستتر فيه "إذا ما" إذا ظرفية وما زائدة "قربوها" جملة من فعل وفاعل ومفعول "منشورة" منصوبة على الحال "دعيت" بصيغة المجهول جملة حالية أيضا بتقدير قد.
الشاهد: قوله: "أشعرن" حيث أكده بالنون الخفيفة وهو مثبت عارٍ عن معنى الطلب والشرط.
مواضعه: ذكره الأشموني 500/ 2، وابن الناظم، والسيوطي في الهمع 279/ 2.

(3/1180)


ولما فرغ من ذكر ما تدخله النون "على اختلاف أحواله"1 أخذ في بيان ما ينشأ عن دخولها في التغيير فقال:
وآخِرَ المؤكدِ افتحْ كابرُزَا
أمر بفتح آخر الفعل المؤكد أمرا كان أو مضارعا نحو: "ابرزنّ" و"لا تبرزنّ" وشمل كلامه الصحيح كما مثل، والمعتل بالواو كاغزونّ، وبالياء نحو: ارمينّ، وبالألف نحو: اسعينّ -بعد قلب الألف ياء.
فإن قلت: ومن أين يؤخذ من كلامه "قلب الألف"2؟
قلت: مما سيذكر.
تنبيهات:
الأول: أطلق في قوله: "آخر المؤكد" ومراده المجرد من الضمير البارز، علم ذلك مما سيأتي.
الثاني: ذهب قوم إلى أن فتحة آخر المؤكد عارضة لالتقاء الساكنين، ونسبه الزجاج إلى سيبويه، وذهب قوم منهم المبرد وابن السراج إلى أنها فتحة بناء، ونسبه إلى سيبويه أيضا، وهو ظاهر مذهب المصنف، وقال في الغرة: إنه هو الصحيح.
الثالث: لغة فزارة حذف الآخر إذا كان ياء تلي كسرة نحو: "ارمِنَّ يا زيد"، ومنه3:
__________
1 ب، ج.
2 ب، ج.
3 قائله: قال أبو علي القالي في أماليه: وحدثنا الأخفش قال: أنبأني أبو فياض بن أبي شراعة عن أبي شراعة قال: حدثني عبد الله بن بشير البصري قال: علق أبي جارية لبعض الهاشميين فبعثت إليه أمي تعاتبه فكتب إليها قصيدة أولها هذا البيت. =

(3/1181)


ولا تُقاسِنّ بعدي الهم والجزَعَا
ثم انتقل إلى رافع الضمير البارز فقال:
واشْكلهُ قبل مضمر لين بما ... جَانسَ من تَحرُّكٍ قد عُلِمَا
فأمر بتحريك آخر المؤكد قبل المضمر اللين بحركة تجانسه، والمضمر اللين هو ألف الاثنين وواو الجمع وياء المخاطبة. فيفتح آخر المؤكد قبل الألف ويضم قبل الواو ويكسر قبل الياء.
وأما حكم المضمر في نفسه، فإن كان ألفا أقرت لخفتها، وإن كان واو أو ياء حذف وتركت الحركة المجانسة دليلا عليهما، وإلى هذا أشار بقوله:
والمضمرَ احذفنَّهُ إلا الألفْ
فعلم أن الألف تقر نحو: "هل تضربان؟"، وأن الياء والواو يحذفان نحو: "هل تضربُن يا زيدون؟" و"هل تضرِبن يا هند؟".
هذا حكم الصحيح، "وأما"1 المعتل بالواو والياء فتقول: اغزن وارمن، بحذف الواو وإبقاء الضمة دليلا عليها، واغزن وارمن، بحذف الياء وإبقاء الكسرة دليلا عليها كما فعلت في الصحيح.
فإن قلت: ليس المعتل بالواو والياء كالصحيح؛ لأن المعتل بهما يحذف آخره، ويجعل الحركة المجانسة على ما قبله بخلاف الصحيح.
قلت: حذف آخر المعتل إنما هو لإسناده إلى الواو والياء، لا لتوكيده، فهو مساوٍ للصحيح في التغيير الناشئ عن التوكيد؛ ولذلك لم يتعرض له الناظم.
وأما المعتل بالألف فليس كالصحيح فيما ذكر؛ بل له حكم آخر نه عليه بقوله:
__________
= وصدره:
لا تُتْبِعِنْ لوعة إثرى ولا هَلَعَا
وهو من البسيط.
الإعراب: "لا تقاسن" نافية وفعل مضارع مسند لياء المخاطبة وحذفت للتخلص من التقاء الساكنين والنون للتوكيد والفاعل ضمير مستتر "بعدي" ظرف والياء مضاف إليه "اللهم" مفعول به "والجزعا" عطف عليه.
الشاهد: قوله: "ولا تقاسن" حيث حذف آخر الفعل؛ لأنه ياء ولي كسرة في لغة فزارة.
مواضعه: ذكره الأشموني 501/ 2، والسيوطي في الهمع 59/ 2.
1 أ، ج.

(3/1182)


وإنْ يكُن في آخرِ الفعل ألِفْ ... فاجعله منه رافعا غيرَ اليَا
والواو ياء كاسعيَنَّ سَعْيَا
الضمير في "اجعله" للألف التي هي آخر الفعل، والضمير في منه للفعل وياء ثاني مفعولي اجعل أي: اجعل الألف التي هي آخر الفعل ياء إن كان رافعا غير الياء والواو، فيشمل ثلاثة أنواع: رافع الألف نحو: "اسعيان"، ورافع نون الإناث نحو: "اسعينان"، والمجرد من الضمير البارز نحو: "اسعينّ يا زيد".
ثم ذكر حكم رافع الواو والياء فقال:
واحذفه من رافع هاتين وفي
أي: واحذف الألف من رافع الياء والواو وتبقى الفتحة قبلها دليلا عليها.
ثم ذكر حكم الواو والياء بعد حذف الألف فقال:
واو ويا شكْلٌ مُجانِسٌ قفِي
يعني: أن الواو تضم والياء تكسر، وإنما احتيج إلى تحريكهما ولم يحذفا؛ لأن قبلها حركة غير مجانسة، أعني: فتحة الألف المحذوفة، فلو حذفا لم يبقَ ما يدل عليهما. ثم مثل فقال:
نَحْوُ اخْشِينْ يا هِنْدُ بالكَسْرِ ويَا ... قَوْمُ اخْشُونْ واضْمُمْ وقِسْ مُسَوِّيَا
قوله: "واضمم" يعني الواو.
تنبيهان:
الأول: أجاز الكوفيون حذف الياء المفتوح ما قبلها نحو: "اخْشَينَّ" فتقول: "اخشِنَّ يا هند"، وحكى الفراء أنها لغة طيئ.
الثاني: فرض المصنف الكلام على الضمير، وحكم الألف والواو اللذين هما علامة1 كحكم الضمير، وهذا واضح.
ولم تقع خفيفة بعد الألف ... لكن شديدة ............
قال في شرح الكافية: لو كان المسند إليه ألفا لم يجز أن يؤتى بالنون إلا مشددة، هذا مذهب سيبويه وغيره من البصريين إلا يونس، فإنه يجوز أن يؤتى
__________
1 أي: بأن أسند الفعل إلى الظاهر على لغة أكلوني البراغيث.

(3/1183)


بعد الألف بالنون الخفيفة مكسورة، ويعضد قوله قراءة بعض القراء: "فدَمَّرَانِهم تدميرا"1 حكاها ابن جني.
ويمكن أن يكون من هذا قراءة ابن ذكوان: "وَلَا تَتَّبِعَانِ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ"2.
ومذهب يونس كمذهب الكوفيين في وقوع الخفيفة بعد الألف. انتهى.
قلت: وفي كلام بعضهم ما يدل على أنهم يلحقونها ساكنة لا مكسورة وهو ظاهر كلام سيبويه.
قال: وأما يونس وناس من النحويين فيقولون: اضربان واضربنان زيدا، فهذا لم تقله العرب، وليس له نظير في كلامها؛ إذ لا يقع بعد الألف ساكن إلا أن يدغم. انتهى.
فإن قلت: إذا كان بعدها ما تدغم فيه، فهل يجوز لحاقها على مذهب البصريين لزوال المانع نحو: "اضربان نعمان"؟
قلت: قال الشيخ أبو حيان: نص بعضهم على المنع، ويمكن أن يقال: يجوز. انتهى، وقد صرح سيبويه بمنع ذلك.
وقوله: "وكسرها ألف" يعني: أن النون الشديدة إذا وقعت بعد الألف كسرت، وإن كانت في غير ذلك مفتوحة، وإنما كسروا مع الألف فرارا من اجتماع الأمثال.
وألفًا زِدْ قبلها مُؤَكِّدا ... فِعلا إلى نون الإناثِ أُسْنِدَا
فتقول: "اضربنان" وإنما زيدت هذه الألف للفصل بين الأمثال.
والخلاف في التوكيد بالخفيفة بعد الألف كالخلاف بعد ألف الاثنين.
واحذِفْ خفيفةً لساكنٍ رَدِفْ ... وبعدَ غيرِ فتحةٍ إذا تَقِفْ
يعني: أن الخفيفة تحذف وهي مرادة لأمرين:
__________
1 من الآية 36 من سورة الفرقان، وذلك على أنه فعل أمر لاثنين والألف ضمير الاثنين والنون المكسورة نون توكيد خفيفة.
2 سورة يونس 89.

(3/1184)


أحدهما: أن يليها ساكن نحو: "اضربَ الرجلَ" تريد: اضرِبَنْ.
ومنه قوله1:
لا تُهينَ الفقير علَّك أَنْ ... تركع يوما والدهرُ قد رفعَهْ
لأنها لما لم تصلح للحركة عوملت معاملة حرف المد2.
وإذا وليها ساكن وهي بعد ألف على مذهب المجيز، فزعم يونس أنها تبدل همزة وتفتح فتقول: "اضرباء الغلام" و"اضربناء الغلام" قال سيبويه: وهذا لم تقله العرب، قال: والقياس "اضرب الغلام، واضربن الغلام"3 يعني: بحذف الألف والنون.
__________
1 قائله: هو الأضبط بن قريع السعدي، وهو من المنسرح.
اللغة: "تهين" فعل مضارع من الإهانة "علك" لغة من لعلك "تركع" تخضع وتنقاد، والمراد انحطاط الحال.
المعنى: لا تحتقر الفقير ولا تهنه وتستخف به فربما يتبدل الحال -والدهر قلب- فيخفضك الزمان ويرفعه عليك.
الإعراب: "لا تهين" لا ناهية وتهين فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد المحذوفة لوقوع الساكن بعدها -وهي لام الفقير- في محل جزم والفاعل ضمير مستتر فيه "الفقير" مفعول به "علك" علَّ حرف ترج ونصب والكاف اسمها "أن" حرف مصدري "تركع" فعل مضارع منصوب بأن والفاعل ضمير وأن وما دخلت عليه في تأويل مصدر خبر لعل -على تأويله باسم الفاعل- أو على حذف مضاف "يوما" ظرف زمان "والدهر" الواو حالية والدهر مبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة "قد رفعه" قد حرف تحقيق رفع فعل ماض والفاعل ضمير والهاء مفعول والجملة في محل نصب حال من الضمير المستتر في تركع.
الشاهد: قوله: "لا تهين" -بكسر الهاء وسكون الياء- حيث حذفت نون التوكيد الخفيفة للتخلص من التقاء الساكنين، وهما النون واللام في الفقير، وأصله "لا تهينن" -نونين- أولهما مفتوحة فحذف النون الخفيفة لما استقبلها ساكن.
مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني 504/ 2، وابن هشام 318/ 3، وابن عقيل 235/ 2، وابن الناظم، والمكودي ص137، والسيوطي ص110، وفي همعه 111/ 1، وفي خزانة الأدب الشاهد 954، وشرح المفصل 43/ 9، والإنصاف 136/ 1، والمغني 135/ 1، 173/ 2.
2 فحذفت لالتقاء الساكنين.
3 أ، ج وفي ب "اضربا الغلام واضربنا الغلام".

(3/1185)


والثاني: أن يوقف عليها بعد غير فتحة، يعني: بعد ضمة أو كسرة، فإنها تحذف إذ ذاك كما يحذف التنوين، ويرد ما حذف لأجلها، أعني: واو الضمير وياءه ونون الرفع أيضا وفي المعرب.
وقد نبه على رد المحذوف بقوله:
واردُدْ إذا حَذَفْتَهَا في الوقف ما ... من أَجْلِهَا في الوَصْلِ كَان عُدِمَا
يعني: أنه يرد إلى الفعل الموقوف عليه بعد حذفها ما حذف في الوصل لأجلها فتقول: "اضربن يا زيدون" و"اضربن يا هند" فإذا وقفت عليهما "قلت"1: اضربوا واضربي، برد واو الضمير ويائه، وتقول في "هل تضربن؟" و"هل تضربين؟" إذا وقفت "عليهما"2: هل تضربون؟ وهل تضربين؟ برد الواو والياء ونون الرفع؛ لزوال سبب الحذف. ثم نبه على حكمها بعد الفتحة فقال:
وأبدِلَنْهَا بعد فَتْحٍ أَلِفَا ... وقْفًا كما تَقُولُ في قِفَن قِفَا
وذلك لشبهها بالتنوين، وقد ندر حذفها لغير ساكن ولا وقف كقوله3:
اضربَ عنكَ الهمومَ طارقَها
__________
1 ب، ج.
2 ب.
3 قائله: هو طرفة بن العبد، وقال ابن بري: مصنوع عليه، وهو من المنسرح.
وتمامه:
ضربك بالسيف قونس الفرس
اللغة: "طارقها" من طرق الرجل إذا أتى أهله ليلا "قونس" بفتح القاف وسكون الواو وفتح النون وهو العظم الناتئ بين أذني الفرس.
الإعراب: "اضرب" فعل أمر والفاعل ضمير مستتر فيه "عنك" جار ومجرور متعلق باضرب "الهموم" مفعول به لاضرب منصوب بالفتحة الظاهرة "طارقها" بالنصب بدل من الهموم "ضربك" مصدر نوعي مضاف إلى فاعله، وانتصابه بنزع الخافض أي: كضربك بالسيف والباء للاستعانة "قونس" مفعول للمصدر "الفرس" مضاف إليه.
الشاهد: قوله "اضرب" بفتح الباء؛ لأن أصله اضربن بالنون الخفيفة فحذفت النون وبقيت الفتحة قبلها للضرورة.
مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني 505/ 2، وابن الناظم والسيوطي ص110، وذكره المغني 173/ 2، وشرح المفصل 44/ 9، والإنصاف 332/ 2.

(3/1186)


وكقوله1:
كما قِيلَ قَبْلَ اليومِ خَالفَ تُذْكَرَا
فإن قلت: ما ذكر من حذف الخفيفة "للوقف"2 بعد غير الفتحة ينافي معنى التوكيد الذي جاءت لأجله؛ إذ لا دليل عليها بعد الحذف.
فينبغي أن يقال: إن التوكيد بها إنما يكون في الوصل خاصة كما أشار إليه بعضهم.
قلت: يرده قلبها بعد الفتحة ألفا في الوقف، فعلم بذلك أن التوكيد بها لا يختص بالوصل.
تنبيهات:
الأول: اختلف في الفعل المعرب إذا أكد بالنون على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه مبني، والثاني: أنه معرب، والثالث: التفصيل بين أن تباشر فيكون مبنيا، أو لا تباشر فيكون معربا، وهو الصحيح -كما تقدم أول الكتاب- ويدل على صحته رد نون الرفع عند حذف نون التوكيد في الوقف. فدل على أنها مقدرة في الوصل.
__________
1 قائله: لم أعثر على قائله، وهو من الطويل.
وصدره:
خلافا لقولي من فيَالةِ رأيه
اللغة: "فيالة" -بفتح الفاء والياء واللام- ضعف في رأيه "تذكرا" أصله تتذكرا؛ لأنه مضارع تذكر من باب تفعل، فحذفت إحدى التاءين للتخفيف.
المعنى: إن خالفت تذكرت ذلك يعني: رأيت بعد ذلك سوء المخالفة أو جوزيت به.
الإعراب: "خلافا" منصوب بفعل محذوف تقديره خالف خلافا "لقولي" جار ومجرور متعلق بالفعل المحذوف "من" تعليلية؛ أي: لأجل فيالة رأيه "كما" يجوز أن يتكون الكاف للتعليل وما مصدرية، والمعنى: خالف لأجل ما قيل له؛ أي: لأجل القول الذي قيل له قبل اليوم بما فيه خير وصلاح له. والأظهر أن الكاف للتشبيه وما مصدرية والمعنى خالف من ضعف رأيه لقولي "قيل" فعل ماض مبني للمجهول "خالف" فعل أمر.
الشاهد: قوله "خالف" حيث حذف منه نون التوكيد ففتح الفاء؛ إذ أصله خالفن.
مواضعه: ذكره الأشموني 505/ 2.
2 ب، ج.

(3/1187)


والثاني: أجاز سيبويه إبدالها واوا أو ياء نحو: اخشَوُنْ واخْشَينْ.
فتقول: اخشَوُوا واخْشَيي، وغيره يقول: "اخشوا واخشي". وقد نقل عنه إبدالها واوا بعد الضمة وياء بعد الكسرة مطلقا.
قلت: وكلام سيبويه يدل على أن يونس إنما قال بذلك في المعتل، فإنه قال: وأما يونس فيقول: اخشَيي واخْشَوُوا، يزيد الواو والياء بدلا من النون الخفيفة من أجل الضمة والكسرة.
وقال الخليل: لا أرى ذلك إلا على قول من قال: هذا عمرو ومررت بعمري - ثم قال: وينبغي لمن قال بقول يونس في اخشي واخشيوا- إذا أراد الخفيفة أن يقول: هل تضربوا؟ بجعل الواو مكان الخفيفة.
والثالث: إذا وقف على المؤكد بالخفيفة بعد الألف على مذهب يونس والكوفيين أبدلت ألفا، ونص سيبويه على ذلك عن يونس ومَنْ وافقه، ثم قيل: يجمع بين الألفين فيمد بمقدارهما، وقيل: بل ينبغي أن تحذف إحداهما ويقدر بقاء المبدلة من النون وحذف الأولى.
وفي الغرة إذا وقفت على "اضربان" على مذهب يونس زدت ألفا عوض النون، فاجتمع ألفان، فهمزت الثانية فقلت: اضرباء. انتهى. وقياسه في اضرِبْنان اضربنَاءْ.

(3/1188)


ما لا ينصرف:
الأصل في الاسم أن يكون "معربا"1 منصرفا، وإنما يخرجه عن أصله شبهه بالفعل أو بالحرف، فإن شابه الحرف بلا "معاند"2 بُني، وإن أشبه الفعل بكونه فرعا من وجهين من الوجوه الآتية مُنع الصرف.
ولما أراد بيان ما يمنع الصرف بدأ بتعريف الصرف فقال:
الصرفُ تنوينٌ أتَى مُبَيِّنَا ... معنًى به يكونُ الاسمُ أمْكَنَا
فقوله: "تنوين" جنس يشمل جميع أقسام التنوين، وقد تقدمت أول الكتاب، وقوله: "أتى مبنيا... إلخ" مُخرج لسائر أقسام التنوين غير المعبر عنه بالصرف والمراد بالمعنى الذي يكون به الاسم أمكن بقاؤه على أصالته، ومعنى بقاؤه على أصالته سلامته من شبه الحرف وشبه الفعل، فكأنه يقول: الصرف تنوين يبين كون الاسم باقيا على أصالته، أي: غير مشابه فعلا ولا حرفا، فإن هذا هو المعنى الذي يكون الاسم به أمكن؛ أي: زائد في التمكن.
قيل3: وهو أفعل تفضيل من التمكن، وهو شاذ.
تنبيهات:
الأول: مذهب المحققين أن الصرف هو التنوين المذكور؛ أعني: تنوين التمكين وحده، وقيل: "الصرف"4 هو الجر والتنوين معا.
الثاني: تخصيص تنوين التمكين بالصرف هو المشهور، وقد يطلق على غيره من تنوين التنكير والعوض والمقابلة صرفا.
الثالث: فهم من تعريفه الصرف أن المنصرف ما يدخله التنوين المسمى بالصرف، وأن غير المنصرف ما لا يدخله ذلك التنوين.
__________
1 ب، ج وفي أ "منونا".
2 ب، ج وفي أ "معارض".
3 ب.
4 ب، ج.

(3/1189)


قال الشارح: وفي هذا التعريف مسامحة، فإن من جملة ما لا يدخله التنوين الدال على الأمكنية "باب"1 مسلمات قبل التسمية، وليس من المتمكن أن يقول: إنه غير مصروف؛ لما سنعرفه بعد.
الرابع: اختلف في اشتقاق المنصرف، فقيل: "هو"2 من الصريف، وهو الصوت؛ لأن في آخره التنوين وهو صوت، وقيل: من الانصراف في جهات الحركات، "وقيل: من الانصراف"3 وهو الرجوع، كأنه انصرف عن شبه الفعل.
وقال في شرح الكافية: سمي منصرفا لانقياده إلى ما يصرفه عن عدم تنوين إلى تنوين، وعن وجه من وجوه الإعراب إلى غيره .
الخامس: جميع ما لا ينصرف اثنا عشر نوعا، منها خمسة لا تنصرف في تعريف ولا تنكير، وسبعة لا تنصرف في التعريف وتنصرف في التنكير، وستأتي مفصلة إن شاء الله تعالى.
ولما شرع في بيان موانع الصرف بدأ بما يمنع في الحالتين فقال:
فألفُ التأنيثِ مُطلقا مَنَعْ ... صَرْفَ الذي حواه كيفما وَقَعْ
يعني: أن ألف التأنيث مطلقا -مقصورة كانت أو ممدودة- تمنع صرف ما هي فيه كيفما وقع من كونه نكرة أو معرفة، مفردا أو جمعا، اسما أو صفة.
فالمقصورة نحو: ذكرى وسلمى ومرضى وسكرى، والممدودة نحو: صحراء وزكرياء وأشياء وحمراء.
وإنما استقلت الألف بالمنع؛ لأنها قائمة مقام "شيئين"4؛ وذلك لأنها لازمة لما هي فيه، بخلاف التاء فإنها في الغالب مقدرة الانفصال، فهي المؤنث بالألف فرعية من جهة التأنيث، وفرعية من جهة لزوم علامته، بخلاف المؤنث بالتاء.
__________
1 ب، ج.
2 ب، ج وفي أ "تا".
3 ب، ج.
4 ب، ج وفي أ "سببين".

(3/1190)


فرعان:
الأول: إذا سُمي بكلتا من قولك: "قامت كلتا جارتيك" منعت الصرف؛ لأن ألفها للتأنيث، وإن سميت بها من قولك: "رأيت كلتيهما أو كلتي المرأتين" على لغة كنانة صرفت؛ لأن ألفها إذ ذاك منقلبة وليست للتأنيث.
الثاني: إذا رخمت حبلوى على لغة الاستقلال عند من أجازه وقلت: يا حبلى1 ثم سميت به صرفت، ولما ذلك في كلتا. ثم قال:
وزائدا فَعْلانِ في وَصْفٍ سَلِمْ ... مِنْ أن يُرَى بتاء تأنيثٍ خُتِمْ
أي: ويمنع صرف الاسم أيضا زائدا فعلان، وهما الألف والنون في مثال فعلان صفة لا تختم بتاء التأنيث، وذلك يشمل نوعين:
أحدهما: ما مؤنث فعلى نحو: سكران وسكرى، وهو متفق على منع صرفه.
والآخر: ما لا مؤنث له، نحو: لحيان لكبيرة اللحية، وهذا فيه خلاف، والصحيح منع صرفه؛ لأنه وإن لم يكن له فعلى وجودا فله فعلى تقديرا؛ لأنا لو فرضنا له مؤنثا لكان فعلى أولى به من فعلانة؛ لأن باب سكران أوسع من باب ندمان، والتقدير في حكم الوجود بدليل الإجماع على منع صرف أكمر وآدر2 مع أنه لا مؤنث له.
واحترز من فعلان الذي مؤنثه فعلانة؛ لأنه مصروف نحو: ندمان وندمانة.
وقد جمع المصنف ما جاء على فعلان ومؤنثه فعلانة في قوله:
أجِز فعلى لفعلانه ... إذا استثنيت حبلانا
ودَخْنَانا وسَخْنَانا ... وسَيْفانا وصَيْحانا
وصَوْجَانا وعَلانا ... وقَشْوانا ومصانا
وموتانا وندمانا ... وأبتعهن نصرانا
__________
1 حذفت ياء النسب المشددة للترخيم، ثم قلبت الواو ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، وإنما صرفت لأن الألف ليست للتأنيث، بل هي منقلبة عن الواو.
2 أكمر: لعظيم الكمرة -بفتح الميم- وهي الحشفة، وآدر -بالمد- لكبير الأنثيين.

(3/1191)


واستدرك عليه لفظان، وهما: خَمْصَان لغة في خُمصان، وأليان في "نحو"1 "كبش أليان"2، وقد ذيلت أبياته بقولي:
وزد فيهن خمصانا ... على لغة وأليانا
ولا بد من شرح هذه الألفاظ، فالحبلان: العظيم البطن، وقيل: الممتلئ غيظا، والدخنان: اليوم المظلم، والسخنان: اليوم الحار، والسيفان: الرجل الطويل الممشوق، والصحيان: اليوم الذي لا غيم فيه، والصوجان3: البعير اليابس الظهر، والعلان: الكثير النسيان، وقيل: الرجل الحقير، والقشوان: الدقيق الساقين، والمصان: اللئيم، والموتان: البليد الميت القلب، والندمان: المنادم4، والنصران: واحد النصارى.
فإن قلت: ولِمَ صرف ما مؤنثه فعلانة مع أن فيه ما في سكران من الزيادتين والوصف؟
قلت: لم يمتنع الصرف بزيادتي فعلان لذاتها بل لشبهها بزيادتي حمراء في وجوه منها: أنهما لا تلحقهما تاء التأنيث، وهذا مفقود فيما مؤنثه فعلانة؛ فلذلك صرف.
تنبيهات:
الأول: فهم من قوله: "زائدا فعلان" أنهما لا يمنعان في غيره من الأوزان كفعلان -بضم الفاء- نحو: خُمصان؛ لعدم شبههما في غيره بألفي التأنيث.
الثاني: لغة بني أسد صرف سكران وبابه؛ لأنهم يقولون في مؤنثه فعلانة، فهو عندهم كندمان.
الثالث: ما تقدم من أن المنع بزيادتي فعلان لشبههما بألفي التأنيث في حمراء، هذا مذهب سيبويه، وزعم المبرد أنه امتنع؛ لكون النون بعد الألف مبدلة من ألف التأنيث، والقولان عن أبي علي.
__________
1 ب.
2 أي: كبير الإلية.
3 الصوجان: فاؤه صاد أو ضاد معجمة ولامه جيم في الحالين.
4 أما ندمان من الندم فغير مصروف؛ إذ مؤنثه ندمى.

(3/1192)


ومذهب الكوفين أنهما منعا لكونهما زائدتين لا تقبلان الهاء، لا للتشبيه بألفي التأنيث.
ووصفٌ أصلي ووَزْنُ أَفْعَلا ... ممنوعُ تأنيثٍ بتا كأَشْهَلا
أي: ويمنع الصرف أيضا اجتماع الوصف الأصلي ووزن أفعل بشرط أن يمنع من التأنيث بالتاء، وذلك يشمل ثلاثة أنواع:
أحدها: ما مؤنثه فعلاء نحو: أشهل وشهلاء.
والثاني: ما مؤنثة فعلى نحو: أفضل وفضلى.
والثالث: ما لا مؤنثة له نحو: أكمر -العظيم الكمرة.
فهذه الأنواع الثلاثة ممنوعة من الصرف للوصف الأصلي ووزن أفعل، فإن وزن الفعل به أولى؛ لأن أوله زيادة تدل على معنى في الفعل دون الاسم، فكان لذلك أصلا في الفعل؛ لأن ما زيادته لمعنى أولى مما زيادته لغير معنى، فإن أنث بالتاء انصرف، نحو أرمل بمعنى فقير، فإن مؤنثه أرملة1 خلافا للأخفش فإنه يمنع صرف أرمل بمعنى فقير، "فإنه يجريه"2 مجرى أحمر؛ لأنه صفة وعلى وزنه، وأما قولهم: "عام أرمل"3 فغير منصرف؛ لأن يعقوب حكى فيه "سنة رملاء" واحترز بالأصلي عن العارض فإنه "لا يعتد به"4 كما سيأتي.
تنبيهان:
الأول: مثل الشارح ما تلحقه التاء بأرمل وأباتر -وهو القاطع لرحمه- وأدابر -وهو الذي لا يقبل نصحا- فإن مؤنثهما أباترة وأدابرة، أما أرمل فواضح، وأما أباتر وأدابر فلا يحتاج هنا إلى ذكرهما؛ إذ لم يشملهما كلام الناظم فإنه علق "المنع"5 على وزن أفعل، وإنما ذكرهما في شرح الكافية؛ لأنه علق المنع بوزن الفعل ولم يخصه بأفعل؛ ولذلك احترز أيضا من يَعْمَل6 -الجمل السريع.
__________
1 لضعف شبهه بلفظ المضارع؛ لأن تاء التأنيث لا تلحقه.
2 ب، وفي أ، ج "لجريه".
3 أي: قليل المطر والنفع.
4 ب، ج وفي أ "لا يفيد".
5 ب، ج وفي أ "النظم".
6 يعمل: بوزن يفرح ومؤنثه يعمله.

(3/1193)


الثاني: الأولى تعليق الحكم على وزن الفعل الذي هو به أولى، لا على وزن أفعل ليشمل نحو: أحيمر وأفيضل من المصغر، فإنه لا ينصرف لكونه على وزن الفعل نحو: أبطر، وإن لم يكن حال التصغير على وزن أفعل.
ثم صرح بمفهوم قوله أصلي فقال:
وألغينَّ عارض الوصفيَّهْ ... كأربع وعارض الإسميَّهْ
فالأقسام ثلاثة:
فالأول: ما وصفيته أصلية باقية نحو: أشهل، ولا إشكال في منعه.
والثاني: ما وصفيته عارضة نحو: "مررت برجل أرنب" أي: ذليل "وبنسوة أربع".
فهذا يصرف إلغاء للوصفية العارضة، وأربع أحق بالصرف؛ لأن فيه تاء التأنيث أيضا.
والثالث: ما وصفيته اصلية فغلبت عليه الاسمية، فهذا يمنع إلغاء للاسمية العارضة واعتبارا للأصل، وقد مثل بقوله:
فالأدهم القيد لكونه وُضع ... في الأصل وصفا انصرافُه مُنِع
أدهم: للقيد، وأسود: للحية، وأرقم: لحية فيها نقط كالرقم.
فهذه أوصاف في الأصل غلبت عليها الاسمية، وهي غير منصرفة نظرا إلى أصلها، وذكر سيبويه أن كل العرب لا تصرفها كما لم تصرف أبطح وأبرق وأجرع1، وأن العرب لم تختلف في منع هذه الستة من الصرف، وإن استعملت استعمال الأسماء، وحكى غيره أن من العرب من يصرف أبطح وأبرق وأجرع ملاحظة للاسمية، وقد نبه على ذلك في التسهيل وذكر ابن جني أن هذه الأسماء كلها قد تصرف، ثم قال:
وأجدل وأخيل وأفعى ... مصروفة وقد ينلن المنعا
__________
1 أبطح: هو سيل واسع فيه دقاق الحصى، وأجرع: هو المكان المستوى، وأبرق: هو أرض خشنة فيها حجارة وطين ورمل مختلطة.

(3/1194)


أكثر العرب تصرف أجدلا وهو الصقر، وأخيلا وهو طائر عليه نقط كالخيلان، وأما أفعى فلا مادة له في الاشتقاق، لكن ذكره يقارنه تصور إيذائها فأشبهت المشتق.
تنبيه:
اختلف في وزن أفعى فقيل: أفعل، فالهمزة زائدة لقولهم مفعاة وألفها عن واو لقولهم أفعوان، وقال الفارسي: هو مقلوب وأصله أيفع هو من يافع، وقال أبو الفتح: مقلوب وأصله أفوع وهو من فوعة السم.
ومَنعُ عدلٍ مع وصف مُعْتَبَرْ ... في لفظ مثنى وثُلاث وأُخَره
العدل صرف لفظ أولي بالمسمى إلى لفظ آخر، وهو يمنع الصرف مع الوصف في موضعين:
أحدهما: المعدول في العدد إلى مفعل نحو مثنى، أو فعال نحو ثلاث.
والثاني: أخر مقابل آخرين.
أما المعدول في العدد في مفعل أو فعال فالمانع له عند سيبويه والجمهور العدل والوصف.
أما العدل فعن أسماء العدد، فأحاد وموحد معدولان عن واحد واحد ومثنى وثُناء معدولان عن اثنين اثنين، وكذا سائرها، وأما الوصف. فلأن هذه الألفاظ لم تستعمل إلا نكرات، إما نعتا نحو: {أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ} 1 وإما حالا نحو: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ} 2 وإما خبرا نحو: "صلاة الليل مثنى مثنى" 3، ولا تدخلها أل، قال في الارتشاف: وإضافتها قليلة، وذهب الزجاج إلى أن المانع لها العدل في اللفظ وفي المعنى.
أما في اللفظ فظاهر، وأما في المعنى فلأن مفهوماتها تضعيف أصولها فصار فيها عدلان.
__________
1 من الآية 1 من سورة فاطر.
2 من الآية 3 من سورة النساء.
3 وإنما كرر لقصد التأكيد لا لإفادة التكرير. "مثنى" الأولى خبر "صلاة" والثانية للتوكيد.

(3/1195)


وأما "أخر" المعدول وهو جمع أخرى أنثى آخَر بفتح الخاء1، فالمانع له أيضا العدل والوصف.
أما الوصف فظاهر، وأما العدل فقال أكثر النحويين: إنه معدول عن الألف واللام؛ لأنه من باب أفعل التفضيل، فحقه ألا يُجمع إلا مقرونا بأل كالصغر والكبر.
والتحقيق: أنه معدول عن أخر مرادا به جمع المؤنث؛ لأن حقه أن يستغنى فيه بأفعل عن فُعَل لتجرده من أل، كما يستغنى بأكبر عن كبر في نحو: "رأيتُها مع نساء أكبر منها".
تنبيه:
قد يكون "أخر" جمع أخرى بمعنى آخرة فيصرف؛ لانتفاء العدل2.
والفرق بين أخرى أنثى آخر، وأخرى بمعنى آخرة أن تلك لا تدل على الانتهاء، ويعطف عليها مثلها من صنف واحد "نحو: جاءت امرأة أخرى وأخرى"3 وأما أخرى بمعنى آخرة فتدل على الانتهاء ولا يُعطف عليها مثلها من جنس واحد، وهي المقابلة "الأولى"4 في قوله تعالى: {قَالَتْ أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ} 5 وكان ينبغي أن يحترز عنها كما احترز في الكافية والتسهيل بقوله مقابل آخرين6.
ووزنُ مَثْنَى وثُلاثَ كهُما ... مِن واحدٍ لأربع فليُعْلَمَا
يعني: أن ما وازن مثنى وثلاث من المعدول من واحد إلى أربع، فهو مثلها في امتناعه من الصرف للعدل والوصف، فهذه ثمانية ألفاظ متفق على سماعها وهي: أحاد وموحد وثناه ومثنى وثلاث ومثلث ورباع ومربع؛ ولذلك اقتصر عليها، قال في شرح الكافية: وروي عن بعض العرب: "مخمس وعشار ومعشر".
__________
1 بمعنى مغاير.
2 لأن مذكرها آخر -بالكسر- بدليل: {وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى} ، {ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ} فليست من باب أفعل التفضيل. هـ516/ 2 أشموني.
3 أ، ب.
4 ب، ج وفي أ "الأولى".
5 من الآية 39 من سورة الأعراف.
6 قال:
ومنع الوصف وعدل أخرا ... مقابلا لآخرين فاحصرا

(3/1196)


ولم يرد غير ذلك، وظاهر كلامه في التسهيل أنه قد سمع خماس أيضا، واختلف فيما لم يسمع على ثلاثة مذاهب:
أحدها: أنه يقاس على ما سمع وهو مذهب الكوفيين والزجاج، ووافقهم الناظم في بعض نسخ التسهيل، وخالفهم في بعضها.
والثاني: أنه لا يقاس عليه، بل يقتصر على المسموع، وهو مذهب جمهور البصريين.
والثالث: أنه لا يقاس على فُعال لكثرته، لا على مَفْعَل.
قال أبو حيان: والصحيح أن البناءين مسموعان من واحد إلى عشرة، وحكى البناءين أبو عمرو الشيباني. وحكى أبو حاتم وابن السكيت من أحاد إلى عُشار، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ.
تنبيه:
أجاز الفراء صرف هذه الألفاظ مذهوبا بها مذهب الأسماء قال: تقول العرب: "ادخلوا ثُلاث ثُلاث، وثُلاثا ثُلاثا" والوجه ألا نجري، انتهى، ومنع ذلك غيره.
وكُنْ لجمْعٍ مُشْبِه مَفاعِلا ... أو المفاعيل بمنعٍ كَافِلا
الجمع المشبه مفاعل أو مفاعيل هو الجمع الذي لا نظير له في الآحاد وهو كألف التأنيث في أنه يستقل بمنع الصرف وحده لقيامه مقام شيئين، فإن فيه فرعية من جهة الجمع وفرعية من جهة عدم النظير.
ويعني بالشبه أن يكون أوله مفتوحا وثالثه ألفا بعدها حرفان أو ثلاثة أوسطها ساكن، وما يلي الألف مكسور لفظا أو تقديرا، ولا يشترط أن يكون أوله ميما، بل يدخل فيه ما أوله ميم نحو: مساجد ومصابيح، وما أوله غير ميم نحو: دراهم ودنانير؛ لأن المعتبر موافقته لمفاعل ومفاعيل في الهيئة لا في الوزن.
وفهم من تقييد أوسط الثلاثة بأنه ساكن أن نحو صياقلة منصرف لتحركه، وإنما كان منصرفا لأن له في الآحاد نظيرا، وذلك طواغية وكراهية ونحوهما.

(3/1197)


وفهم من تقييد "تالي" الألف بأن يكون مكسورا أن ما ليس كذلك منصرف نحو عبال -جمع عبالة- على حد ثمرة وثمر؛ لأن الساكن الذي يلي الألف في عبال لاحظ له في الحركة، والعبالة: الثقل، يقال ألقى عليه عبالته أي: ثقله، هذا مذهب سيبويه والجمهور، أعني: اشتراط حركة ما بعد الألف.
قال في الارتشاف: وذهب الزجاج إلى أنه لا يشترط ذلك، فأجاز في تكسير هبيّ أن تقول: هبايّ -بالإدغام- قال: وأصل الياء عندي السكون ولولا ذلك لأظهرتها، انتهى، وظهر من ذكر التقييد أن نحو دواب غير منصرف؛ لأن أصله دوابب، فهو على مثال مفاعل تقديرا.
وذا اعتلالٍ منه كالجواري ... رفعا وجرا أجرِهِ كَسَارِي
ما كان من الجمع الموازن مفاعل معتلا فله حالتان:
إحداهما: أن يكون آخره ياء قبلها كسرة نحو جوار.
والأخرى: أن تقلب ياؤه ألفا نحو عذارى.
فإن كان آخره ياء قبلها كسرها أجري في رفعه وجره مجرى سارٍ ونحوه من المنقوص "المنصرف" فتقول: "هؤلاء جوارٍ" و"مررت بجوارٍ" بالتنوين وحذف الياء، كما تقول: "هو سارٍ" و"مررت بسارٍ".
وأما في نصبه فيجري مجرى موازنة الصحيح فتقول: "رأيت جواري" -بفتح آخره من غير تنوين- كما تقول: "رأيت مساجد"، فإن قلبت ياؤه ألفا قدر إعرابه ولم ينون بحال، ولا خلاف في ذلك.
فإن قلت: لم ينبه في النظم على هذا، بل في قوله: "وذا اعتلال".
قلت: قيد بقوله: "كالجواري".
تنبيهات:
الأول: اختلف في تنوين جوار ونحوه رفعا وجرا، فذهب سيبويه إلى أنه تنوين عوض عن الياء المحذوفة، لا تنوين صرف، وذهب المبرد والزجاج إلى أنه تنوين عوض عن الياء ثم حذفت الياء لالتقاء الساكنين، وذهب الأخفش إلى أنه

(3/1198)


تنوين صرف؛ لأن الياء لما حذفت تخفيفا زالت صيغة مفاعل، وبقي اللفظ كجناح فانصرف، والصحيح مذهب سيبويه.
وأما جعله عوضا عن الحركة فضعيف؛ لأنه لو كان عوضا عن الحركة لكان ذو الألف أولى به من ذي الياء؛ لأن حاجة المتعذر إلى التعويض أشد ولألحق مع الألف واللام كما أحلق معهما تنوين الترنم.
وأما كونه للصرف فضعيف؛ لأن الياء حذفت تخفيفا وثبوتها منوي؛ ولذلك بقيت الكسرة دليلا عليها، ولو لم تكن منوية لجعل ما قبلها حرف إعراب.
فإن قلت: إذا جعل عوضا عن الياء، فما سبب حذفها أولا؟
قلت: قال في شرح الكافية: لما كانت ياء المنقوص قد تحذف تخفيفا ويكتفى بالكسرة التي قبلها، وكان المنقوص الذي لا ينصرف أثقل، التزموا فيه من الحذف ما كان جائزا في الأدنى ثقلا؛ ليكون لزيادة الثقل زيادة أثر؛ إذ ليس بعد الجواز إلا اللزوم. انتهى، وقال الشارح: ذهب المبرد إلى أن فيما لا ينصرف تنوينا مقدرا، بدليل الرجوع إليه في الشعر، وحكموا له في جوار ونحوه بحكم الموجود، وحذفوا لأجله الياء في الرفع والجر لتوهم التقاء الساكنين، ثم عوضوا عما حذف التنوين، وهو بعيد؛ لأن الحذف لملاقاة ساكن متوهم الوجود مما لم يوجد له نظير، ولا يحسن ارتكاب مثله. انتهى.
قلت: المشهور عن المبرد أن التنوين عنده عوض من الحركة كما نقل في شرح الكافية.
الثاني: ما ذكر من تنوين جوار ونحوه في الجمع في رفعه وجره متفق عليه، نص على ذلك المصنف وغيره، وما ذكره أبو علي من أن يونس ومن وافقه ذهبوا إلى أنه لا ينون، ولا تحذف ياؤه، وأنه يجر بفتحة ظاهرة وَهْمٌ، وإنما قالوا ذلك في العلم، وسيأتي بيانه.
الثالث: إذ قلت: "مررت بجوار" فعلامة جره فتحة مقدرة على الياء؛ لأن غير منصرف، وإنما قدرت مع خفة الفتحة؛ لأنها نابت عن الكسرة، فاستثقلت لنيابتها عن المستثقل.

(3/1199)


الرابع: اعلم أن باب جوار وإن جرى مجرى سار في الجر والرفع فهو يخالفه من وجهين؛ أحدهما: أن جره بفتحة مقدرة وجر سار بكسرة مقدرة. والآخر: أن تنوين جوار تنوين عوض، وتنوين سار تنوين صرف، وتقدم بيانه.
فإن قلت: قوله: "أجره كساري" يوهم أن علامة جرهما واحد، وأن تنوينهما واحد.
قلت: إنما أراد: "أجره كساري" في اللفظ فقط، وإن كان التقدير مختلفا.
ولسراويلَ بهذا الجمع ... شَبَهٌ اقتضى عُمُومَ المنْعِ
اعلم أن سراويل اسم مفرد أعجمي جاء على وزن مفاعيل، فمنع من الصرف لشبهه بالجمع في الصيغة المعتبرة؛ وذلك أن بناء مفاعل ومفاعيل لا يكونان في كلام العرب إلا لجمع أو منقول عن جمع، فحق ما وازنهما أن يمنع الصرف وإن فقدت منه "الجمعية"1 ولكن بثلاثة شروط:
الأول: ألا تكون ألفه عوضا عن إحدى ياءي النسب تحقيقا نحو: يمان وشآم، فإن أصلهما يمني وشامي، فحذفت إحدى الياءين وعوض منها الألف، أو تقديرا نحو: تهام وثمان، فإن ألفهما موجودة قبل، فكأنهم نسبوا إلى فَعَل أو فَعْل ثم حذفوا إحدى الياءين وعوضوا الألف.
فهذه الألفاظ مصروفة وإن كانت على مثال مفاعيل؛ لأن ألفها عوض ففارقت الجمع بذلك لأن ألفه لا تكون عوضا.
الثاني: ألا تكون كسرة ما يلي الألف عارضة نحو: توان وتدان؛ لأن وزنهما في الأصل تفاعل -بالضم- فجعل مكان الضم كسرة لتصح الياء. فهذا أيضا منصرف؛ لأنه خالف الجمع بعروض الكسرة.
الثالث: ألا يكون "بعد الكسرة"2 ياء مشددة عارضة نحو حواري -وهو الناصر- وظفاري3 فإن ياء النسب في ذلك مقدرة الانفصال فخالف بذلك
__________
1 ب، ج وفي أ "الصرفية الجمعية".
2 أ، ج وفي ب "بدل الكسرة".
3 نسبة إلى ظفار بوزن قطام مدينة باليمن.

(3/1200)


الجمع؛ لأن ما بعد ألفه غير مقدر الانفصال، وأما بخاتي -جمع بختي- فغير منصرف؛ لأن ما بعد الألف ليس بعارض، ولو نسب إلى بخاتي لا تصرف لعروض ياءي النسب.
وضابط ذلك أن الياء إن تقدم وجودها على الألف وجب المنع وإلا صرف سواء سبق وجود الألف كظفاري، أو كانا غير منفكين كحواري.
إذا تقدر هذا فاعلم أن سراويل اسم "مفرد"1 أعجمي جاء على مثال مفاعيل فمنع الصرف؛ لوجود صيغة الجمع فيه؛ ولهذا أشار بقوله: "وسراويل بهذا الجمع شبه" ونبه بقوله: "اقتضى عموم المنع" إلى أنه ممنوع من الصرف وجها واحدا خلافا لمن زعم أن فيه وجهين: المنع والصرف.
وقال المصنف: إن صرفه لم يثبت عن العرب.
قلت: نقل الأخفش أن بعض العرب يصرفه في النكرة إذا جعل اسما مفردا.
تنبيهات:
الأول: ذهب بعضهم إلى أن سراويل عربي، وأنه جمع سروالة في التقدير، ثم أطلق اسم جنس على هذه الآلة المفردة، ورد بأن سروالة لم يسمع.
وأما قوله2:
__________
1 أ، ب.
2 قائله: لم أعثر على قائله، وقيل: البيت مصنوع، وهو من المتقارب.
اللغة: "اللؤم" -بضم اللام- وهو الدناءة في الأصل والخساسة في الفعل "لمستعطف" طالب العطف وهو الشفقة.
الإعراب: "عليه" جار ومجرور خبر مقدم "من اللؤم" جار ومجرور متعلق بمحذوف "سروالة" مبتدأ مؤخر مرفوع بالضمة الظاهرة والتقدير: سروالة كائنة عليه من اللؤم "فليس" الفاء للتعليل وليس فعل ماض ناقص واسمها ضمير مستتر فيه "يرق" فعل مضارع والفاعل ضمير مستتر فيه، والجملة في محل نصب خبر ليس "لمستعطف" جار ومجرور متعلق به.
الشاهد: قوله "سروالة" حيث احتج به من قال: إن سراويل جمع سروالة، وإن سراويل منع من الصرف لكونه جمعا.
مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني 522/ 2، وابن الناظم، والسيوطي في همع الهوامع 25/ 1.

(3/1201)


عليه من اللؤم سروالةٌ ... فليس يرق لمستعطف
فشاذ، لا حجة فيه.
قلت: ذكر الأخفش أنه سمع من العرب سروالة، وقال أبو حاتم: من العرب من يقول: سروال، والذي يرد به هذا القول وجهان:
أحدهما: أن سروالة لغة في سراويل؛ لأنها بمعناه وليس جمعا لها كما ذكر في شرح الكافية.
والآخر: أن النقل لم يثبت في أسماء الأجناس، وإنما يثبت في الأعلام.
الثاني: سراويل مؤنث فلو سُمي به ثم صغر امتنع صرفه للعلمية والتأنيث وإن زالت صيغة الجمع بالتصغير.
الثالث: شذ منع صرف ثمان تشبيها له بجوار في قوله1:
يَحْدُو ثماني مُولَعا بلقاحها ... ........................
والمعروف فيه الصرف، وقيل هما لغتان.
__________
1 قائله: قال العيني: قائله أعرابي قاله أبو الخطاب ولم ينسبه، ونسبه السيرافي لابن ميادة، وهو من الكامل.
وعجزه:
حتى هممن بزيفة الإرتاج
اللغة: "يحدو" من الحدو وهو سوق الإبل والغناء لها "مولعا" بفتح اللام من أولع بالشيء إذا أغرم به "اللقاح" -بفتح اللام- وهو ماء الفحل، وهو المراد هنا، وأما اللقاح -بكسر اللام- فهو جمع لقوح، وهي الناقة التي تحلب "الزيفة" -بفتح الزاي- الميلة "الإرتاج" -بالكسر- من أرتجت الناقة إذا أغلقت رحمها على الماء "هممن" أي: قصدن بالميل عن الإرتاج.
الإعراب: "يحدو" فعل مضارع والفاعل ضمير مستتر فيه "مولعا" حال من الضمير الذي في يحدو "بلقاحها" جار ومجرور "حتى" للغاية "هممن" جملة من الفعل والفاعل "بزيفة" في محل نصب على المفعولية "الإرتاج" مضاف إليه.
الشاهد: قوله: "ثماني" حيث منع صرفه للضرورة تشبيها له بمساجد.
مواضعه: ذكره الأشموني 522/ 2، وابن الناظم.

(3/1202)


وإِنْ به سُمِّيَ أو بما لَحِقْ ... به فالانصرافُ منعُهُ يَحِقُّ
يعني: أن ما سُمي به من الجمع الذي على مفاعل أو مفاعيل أو بما ألحق به كسراويل فحقه أن يمنع من الصرف، سواء كان منقولا عن جمع محقق كمساجد -اسم رجل- و مقدر كشراحيل1.
قال الشارح: والعلة في منع صرفه ما فيه من الصيغة مع أصالة الجمعية أو قيام العلمية مقامها، فلو طرأ تنكيره انصرف على مقتضى التعليل الثاني دون الأول. انتهى.
قلت: مذهب سيبويه أنه لا ينصرف بعد التنكير لشبهه بأصله، ومذهب المبرد صرفه لذهاب الجمعية، وعن الأخفش القولان، والصحيح قول سيبويه؛ لأنهم منعوا سراويل من الصرف وهو نكرة وليس جمعا على الصحيح.
والعَلَمَ امْنَعْ صَرْفَهُ مُرَكَّبَا ... تَرْكِيْبَ مَزْجٍ نحو مَعْدِيكَرِبا
قد تقدم أن ما لا ينصرف على ضربين:
أحدهما: ما لا ينصرف لا في تنكير ولا تعريف.
والثاني: ما لا ينصرف في التعريف وينصرف في التنكير.
وقد فرغ من الكلام عن الضرب الأول، فشرع في الثاني وهو سبعة أقسام:
الأول: المركب تركيب المزج، والمراد به جعل الاسمين اسما واحدا لا "بإضافة ولا بإسناد"2، بل ينزل ثانيهما من الأول منزلة تاء التأنيث، وهو نوعان:
النوع الأول: ما ختم بويه فهو مبني على الأشهر.
فإن قلت: فلِمَ لَمْ يحترز عنه هنا؟
قلت: عن ذلك أجوبة:
أحدها: أن قوله: "معديكربا" يقيد إطلاقه.
والثاني: أشار إلى أنه مبني في باب العلم فاكتفى بذلك.
__________
1 اسم لعدة أشخاص، من المحدثين والصحابة.
2 أ، ج.

(3/1203)


والثالث: أن يكون أطلق ليدخل في إطلاقه ما ختم بويه على لغة من أعربه، ولا يرد على لغة من بناه؛ لأن باب الصرف إنما وضع للمعربات، وقد تقدم ذكره في العلم.
والنوع الثاني: ما ختم بغير ويه، فهذا فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: وهو الأصح أن يعرب إعراب ما لا ينصرف، ويبني صدره على الفتح، نحو: "بعلبك" إلا أن يكون ياء نحو: "معدي كرب" فإنها تسكن، قيل: أو نونا نحو: "باذنجانة" وإنما بني على الفتح لتنزل عجزه منزلة تاء التأنيث، وإنما لم تفتح الياء وإن كانت تفتح قبل تاء التأنيث؛ لأن التركيب مزيد ثقل فخص بمزيد خفة.
والوجه الثاني: أن يضاف صدره إلى عجزه فيعرب صدره بما تقتضيه العوامل، ويعرب عجزه بالجر للإضافة ويجعل العجز على هذه اللغة كالمستقل فإن كان فيه مع العلمية سبب يؤثر منع الصرف كهرمز من رام هرمز؛ فإن فيه العجمة وإلا صرف نحو: موت من حضرموت.
فأما كرب من "معدي كرب" فمصروف في اللغة المشهورة، وبعض العرب لا يصرفه بجعله مؤنثا.
تنبيه:
إذا كان آخر الصدر1 ياء نحو: "معدي كرب" وأضيف صدره إلى عجزه على هذه اللغة استصحب سكون يائه في كل الأحوال الثلاثة.
قال المصنف: لأن من العرب من يسكن هذه الياء في النصب مع الإفراد تشبيها بالألف، فالتزم في التركيب لزيادة الثقل ما كان جائزا في الإفراد. انتهى.
وقال بعضهم: تفتح في النصب وتسكن في الرفع والجر.
والوجه الثالث: أن يبني صدره وعجزه على الفتح ما لم يعتل الأول فيسكن تشبيها بخمسة عشر، وأنكر بعضهم هذه اللغة، وقد نقلها الإثبات2.
__________
1 أ، ج وفي ب "العجز".
2 الأثبات: جمع ثَبْت -بفتح المثلثة وسكون الموحدة- وهو الثقة.

(3/1204)


تنبيهات:
الأول: احترز بقوله: "تركيب مزج" من تركيب الإضافة وتركيب الإسناد، وقد تقدم حملها في العلم.
وأما تركيب العدد نحو: "خمسة عشر" فمتحتم البناء عن البصريين، وأجاز "فيه"1 الكوفيون إضافة صدره إلى عجزه، وسيأتي في بابه، فإن سمي به ففيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أن تقره على حاله.
والثاني: أن تعربه إعراب ما لا ينصرف.
والثالث: أن يضاف صدره إلى عجزه.
وأما تركيب الأحوال والظروف نحو: "شغر بغر، وبيت بيت، وصباح مساء"2. إذا سمي به أضيف صدره إلى عجزه وزال التركيب، هذا رأي سيبويه وقيل: يجوز فيه التركيب والبناء.
كَذاكَ حَاوِي زَائِدَيْ فَعْلانا ... كغَطَفَان وكأَصْبَهَانَا
يعني: أن زائدي فعلان يمنعان "الصرف" مع العلمية في وزن فعلان وفي غيره نحو: حمدان وعثمان وعمران وغطفان وأصبهان، وقد نبه على التعميم بالتمثيل.
__________
1 أ، ج.
2 شغر بغر -بفتح الغين مع فتح أوله وكسره- يقال: ذهب القوم شغر بغر؛ أي: متفرقين من أشغر في البلد أبعد، وبغر النجم: سقط؛ لأنهم بتفرقهم يباعد بعضهم عن بعض.
بيت بيت: تقول: هو جاري بيت بيت، وأصله بيتنا ملاصقا لبيته، فحذف الجار وهو اللام وركب الاسمان وعامل الحال ما في قوله جاري من معنى الفعل، فإنه في معنى مجاوري، وجوزوا أن يكون الجار المقدر إلى وألا يقدر جار أصلا بل العاطف صباح مساء؛ تقول: فلان يأتينا صباح مساء؛ أي: كل صباح ومساء فحذف العاطف وركب الظرفان قصدا للتخفيف، ولو أضفت فقلت صباح مساء لجاز أي: صباحا مقترنا بمساء. اهـ صبان.

(3/1205)


تنبيهات:
الأول: قد يكون في النون اعتباران، فإن قدرت النون زائدة منع الصرف، وإن قدرت أصلية صرف نحو: "حسان" إن جعل من الحس امتنع أو من الحسن انصرف1.
وشيطان: إن جعل من شاط امتنع، أو من شطن انصرف.
ولو سميت برمان فذهب الخليل وسيبويه إلى منع الصرف؛ لكثرة زيادة النون في نحو ذلك، وذهب الأخفش إلى صرفه؛ لأن فعالا في النبات أكثر، ويؤيده قول بعضهم: "أرض مرمنة"2، ويأتي الكلام على زيادة النون في التصريف إن شاء الله تعالى.
الثاني: إذا أبدل من النون الزائدة لام منع الصرف، إعطاء للبدل حكم المبدل، مثال ذلك "أصيلال" فإن أصله أصيلان، فلو سمي به منع الصرف ولو أبدل من حرف أصلي نون صرف، بعكس أصيلان، ومثال ذلك "حنان" في حناء، أبدلت همزته نونا.
والثالث: ذهب الفراء إلى منع الصرف للعلمية وزيادة ألف قبل نون أصلية، تشبيها لها بالزائدة، نحو: "سنان" و"بيان"، والصحيح صرف ذلك.
كَذَا مؤنَّثٌ بهاء مطلقا ... وشَرْطُ مَنْعِ العار كَوْنُهُ ارْتَقَى
فَوْقَ الثَّلاثِ أو كَجُور أو سَقَرْ ... أو زَيْدٍ اسم امرأة لا اسمَ ذَكَرْ
من موانع الصرف التأنيث، وهو ضربان: لفظي ومعنوي:
فاللفظي: إن كان بالألف فقد تقدم حكمه، وإن كان بالتاء منع مع العلمية مطلقا نحو: عائشة وطلحة وهبة.
والمعنوي: أيضا يمنع مع العلمية ولكن يشترط في تحتم منعه أن يكون زائدا على ثلاثة أحرف نحو زينب؛ لأن الرابع منه ينزل منزلة هاء التأنيث أو متحرك الوسط نحو سقر؛ لأن الحركة قامت مقام الرابع خلافا لابن الأنباري، فإنه جعله
__________
1 من الحس وزنه فعلان؛ ومن الحسن وزنه فعال.
2 وفي نسخة ب: رمنة. والمعنى: كثيرة الرمان.

(3/1206)


ذا وجهين، وما ذكره في البسيط من أن سقر ممنوع الصرف باتفاق، ليس كذلك، أو يكون أعجميا نحو جور -اسم بلد- لأن العجمة لما انضمت إلى التانيث والعلمية تحتم المنع، وإن كانت العجمة لا تمنع صرف الثلاثي لأنها هنا لم تؤثر منع الصرف، وإنما أثرت تحتم المنع، وحكى بعضهم فيه الخلاف فيجعل جور مثل هند في جواز الوجهين، أو منقولا من مذكر نحو زيد -إذا سمي به امرأة- لأنه حصل بنقله إلى التأنيث نقل عادل خفة اللفظ. هذا مذهب سيبويه والجمهور، وذهب عيسى بن عمر وأبو زيد والجرمي والمبرد إلى أنه ذو وجهين. واختلف النقل عن يونس.
ثم نبه على أن الثلاثي الساكن الوسط إذا لم يكن أعجميا ولا منقولا عن مذكر يجوز فيه المنع والصرف بقوله:
وجهان في العادم تذكيرا سَبَقْ ... وعُجمة كهندَ والمنع أحق
فمن صرفه نظر إلى خفة السكون، ومن لم يصرفه نظر إلى وجود السببين ولم يعتبر الخفة.
وقد صرح بأن منعه أحق من صرفه وهذا مذهب الجمهور، وقال أبو علي: الصرف أفصح، قال ابن هشام: وهو غلط جلي، وذهب الزجاج -قيل: والأخفش- إلى أنه متحتم المنع. قال الزجاج: لأن السكون لا يغير حكما أوجبه اجتماع علتين يمنعان الصرف، وذهب الفراء إلى أن ما كان اسم بلد لا يجوز صرفه نحو: "فيد"؛ لأنهم لا يرددون اسم البلدة على غيرها1، فلم يكثر في الكلام بخلاف هند.
تنبيهات:
الأول: لا فرق في ذلك بين ما سكونه أصلي كهند، أو عارض بعد التسمية كفخذ أو الإعلال كدار، ففي ذلك وجهان، أجودهما المنع.
__________
1 مراده بقوله: "لأنهم لا يرددون اسم البلدة على غيرها" أن الاشتراك اللفظي في أسماء البلدان قليل، فهم لا يطلقون اسم بلدة على بلدة أخرى إلا نادرا، بخلاف الأناسي، فإن الاشتراك في أسمائهم كثير.

(3/1207)


الثاني: إذا كان المؤنث ثنائيا نحو يد جاز فيه الوجان ذكرهما سيبويه. وظاهر التسهيل أن المنع أجود كما في هند، وقول صاحب البسيط في يد صرفت بلا خلاف غير صحيح.
الثالث: إذا صغر نحو هند تحتم منعه لظهور التاء نحو هنيدة، فإن صغر بغير تاء نحو حريب -وهي ألفاظ مسموعة- انصرف.
الرابع: إذا سُمي مذكر بمؤنث، فإن كان ثلاثيا صرف مطلقا خلافا للفراء وثعلب؛ إذ ذهبا إلى أنه لا ينصرف سواء تحرك وسطه نحو فخذ أم سكن نحو حرب.
ولابن خروف في متحرك الوسط - وإن كان زائدا على الثلاثة لفظا نحو سعاد، أو تقديرا كلفظ نحو جيل مخفف جيأل1 بالنقل منع من الصرف.
فإن قلت: مذهب سيبويه والبصريين أن علامة التأنيث تاء، والهاء عندهم بدل التاء في الوقف فلم عدل عن التعبير بالياء في قوله: "كذا مؤنث بهاء مطلقا"؟
قلت: كأن عدل إلى الهاء احترازا من تاء بنت وأخت، فإنهما تاء إلحاق بنيت الكلمة عليها، فليس حكمها حكم الهاء.
وقد نص سيبويه على أن بنتا وأختا إذا سُمي بهما رجل مصروفان، وقياس هذا أنهما إذا سُمي بهما امرأة يجوز فيهما الوجهان كهند، وقد ذهب قوم إلى أن تاء بنت وأخت للتأنيث فمنعوهما الصرف في المعرفة، ونقله بعضهم عن الفراء.
فإن قلت: قد تقرر أن المؤنث بلا علامة ظاهرة فيه تاء مقدرة؛ ولذلك ترد في التصغير، فيقال: هنيدة، فكيف سماه عاريا في قوله: "وشرط منع العار"؟
قلت: يعني: العاري من العلامة لفظا، وهو واضح.
والعَجَميُّ الوضع والتعريف مع ... زيد على الثلاث صرفه امتنع
من موانع الصرف العجمة مع العلمية، فإذا كان الاسم من أوضاع العجم وهو علم امتنع صرفه بشرطين:
__________
1 اسم للضبع الأنثى، ويقال للذكر: ضبعان.

(3/1208)


أحدهما: أن يكون عجمي التعريف أيضا أعني: بكونه علما في لغتهم.
الثاني: أن يكون زائدا على ثلاثة أحرف، وذلك نحو: إبراهيم وإسماعيل وإسحاق، واحترز بالشرط الأول عن نوعين:
أحدهما: ما نقل من لسانهم وهو نكرة نحو لجام1 فلا أثر للعجمة فيه؛ لأن عجمته جنسية فألحق بالأمثلة العربية.
والآخر: ما كان في لسان العجم نكرة ثم نقل في أول أحواله علما نحو بندار2.
وهذا فيه خلاف. وذهب قوم منهم الشلوبين وابن عصفور إلى أنه لا ينصرف؛ لأنهم لا يشترطون أن يكون علما في لغة العجم، وذهب قوم إلى أنه منصرف؛ لأنهم يشترطون أن يكون علما في لغة العجم، وإليه ذهب المصنف، وهو ظاهر كلام سيبويه.
واحترز بالشرط الثاني عن الثلاثي، فإنه ينصرف؛ لأن العجمة سبب ضعيف فلا تؤثر في الثلاثي بخلاف التأنيث.
قال في شرح الكافية: قولا واحدا في لغة جميع العرب، ولا التفات إلى من جعله ذا وجهين مع السكون، ومتحتم المنع مع الحركة.
قال: وممن صرح بإلغاء عجمة الثلاثي مطلقا السيرافي وابن برهان وابن خروف، ولا أعلم لهم من المتقدمين مخالفا. انتهى.
قلت: نقل عن عيسى بن عمرو وتبعه ابن قتيبة والجرجاني جواز المنع والصرف في الثلاثي الساكن الوسط.
ويتحصل في الثلاثي ثلاثة أقوال:
__________
1 اللجام -بالجيم- وضعه العجم اسم جنس للآلة التي تجعل في فم الفرس.
2 بندار -بضم الباء -وهو في لغة العجم اسم جنس للتاجر الذي يلزم المعادن ولمن يخزن البضائع للغلاء، وجمعه بنادرة.

(3/1209)


أحدها: أن العجمة لا أثر لها فيه مطلقا، وهو الصحيح.
الثاني: ما تحرك وسطه نحو "لمك" -اسم رجل- لا ينصرف، وما سكن وسطه فيه وجهان، وقد تقدم القائلون به.
والثالث: ما تحرك وسطه لا ينصرف وما سكن وسطه منصرف، وبه جزم ابن الحاجب.
تنبيهات:
الأول: قوله: "زيد" "هو"1 مصدر زاد "يزيد"2 زيدا وزيادة وزيدانا.
الثاني: المراد بالعجمي ما نقل من لسان غير العرب، ولا يختص بلغة الفرس.
الثالث: إذا كان الأعجمي رباعيا وأحد حروفه ياء التصغير انصرف ولم يعتد بالياء.
الرابع: تعرف عجمة الاسم بوجوه:
أحدها: نقل الأئمة.
والثاني: خروجه عن أوزان الأسماء العربية نحو إبراهيم.
والثالث: أن يعرى من حروف الذلاقة، وهو خماسي أو رباعي، فإن كان في الرباعي السين، فقد يكون عربيا نحو "عسجد"3 وهو قليل، وحروف الذلاقة ستة يجمعها: "مر بنفل".
والرابع: أن يجتمع فيه من الحروف ما لا يجتمع في كلام العرب كالجيم والقاف بغير فاصل نحو: "قج وجق"4 والصاد والجيم نحو: "صلوجان"5، والكاف
__________
1 ب، ج.
2 ب، ج.
3 العسجد: هو الذهب والجوهر والبعير الضخم. هـ قاموس.
4 قج -بقاف مفتوحة وجيم مشوبة بالشين ساكنة- لغة تركية بمعنى اهرب، وبمعنى كم الاستفهامية، وأما بكسر القاف فبمعنى الرجل.
جق -بكسر الجيم وسكون القاف- بمعنى اخرج، وفي القاموس: الجقة -بالكسر- الناقة الهرمة.
5 صولجان -بفتح الصاد واللام- المحجن وجمعه صوالجة.

(3/1210)


والجيم نحو: "أسكرجة"1، "وتبعية الراء للنون"2 أول كلمة نحو: "نرجس" والزاي بعد الدال نحو: "مهندز".
كذاك ذو وزن يخص الفِعْلا ... أو غَالِبٍ كأحمد ويَعْلَى
مما يمنع الصرف مع العلمية وزن الفعل، بشرط أن يكون مختصا به، أو غالبا فيه.
والمراد بالمختص: ما لا يوجد في غير فعل إلا في نادر أو علم أو أعجمي، كصيغة الماضي المفتتح بتاء المطاوعة3 أو همزة وصل4.
وما سلم من المصوغ للمفعول وبناء فعل وما صيغ للأمر من غير فاعل والثلاثي5، وما سوى أفعل ونفعل وتفعل ويفعل من أوزان المضارع.
واحترز من النادر نحو: "دئل" لدويبة، وينجلب لخرزة، وتبشر لطائر.
وبالعلم نحو: "خضم" لرجل و"شمر" لفرس، وبالعجمي من نحو: "بقم، وإستبرق"6، فلا يمنع وجدان هذه7 اختصاص أوزانها بالفعل؛ لأن النادر والعجمي لا حكم لهما، والعلم منقول من فعل، فالاختصاص باقٍ.
والمراد بالغالب: ما كان الفعل به أولى، إما لكثرته فيه كإثمد وإصبع وأبلم8. فإن أوزانها تقل في الاسم وتكثر في الأمر من الثلاثي، إما لأن زيادته
__________
1 أسكرجة -بسكون السين وضم الكاف وضم الراء المشددة- اسم لوعاء مخصوص.
2 ب، ج وفي أ "الراء والنون".
3 نحو تعلم.
4 نحو انطلق.
5 نحو انطلق ودحرج.
6 البقم -بفتح الباء وتشديد القاف مفتوحة- صبغ معروف وهو العندم، وإستبرق: الديباج الغليظ.
7 أي الأسماء.
8 إثمد: بكسر الهمزة وسكون المثلثة وبالدال المهملة.
إصبع -بكسر الهمزة وفتح الباء- واحدة الأصابع، وفيها عشر لغات حاصلة من ضرب ثلاثة أحوال الهمزة في ثلاثة أحوال الباء والعاشرة أصبوع.
أبلم -بضم الهمزة والام وسكون الباء-سعف المقل.

(3/1211)


تدل على معنى في الفعل ولا تدل على معنى في الاسم كأفكل وأكلب1، فإن "نظائرهما"2 تكثر في الأسماء والأفعال، لكن الهمزة من أفعل وأفعل تدل على معنى في الفعل3 ولا تدل على معنى في الاسم، فكان المفتتح بأحدهما من الأفعال أصلا للمفتتح بأحدهما من الأسماء.
وقد يجتمع الأمران في نحو: "يرمغ، وتنضب"4، فإنهما كإثمد في كونه على وزن يكثر في الأفعال ويقل في الأسماء، وكأفكل في كونه مفتتحا بما يدل على وزن يكثر في الفعل دون الاسم.
تنبيهات:
الأول: قد اتضح بما ذكر أن التعبير عن هذا النوع بأن يقال: "أو ما أصله الفعل" كما فعل في الكافية. أو ما هو به أولى كما فعل في التسهيل. أجود من التعبير عنه بالغالب.
الثاني: قد فهم من قوله: "يخص الفعل أو غالب" أن الوزن المشترك غير الغالب لا يمنع الصرف نحو: ضرب ودحرج. خلافا لعيسى بن عمر فيما نقل من فعل فإنه لا يصرفه متمسكا بقوله5:
__________
1 أفكل: الرعدة. أكلب: جمع كلب.
2 ب، ج وفي أ "نظائر هذا" فمن نظائر أفكل من الأسماء أبيض وأسود وأفضل، ومن الأفعال أذهب وأعلم وأسمع. ومن نظائر أكلب من الأسماء أبحر وأوجه وأعين، ومن الأفعال أنصر وأدخل وأخرج.
3 نحو أذهب وأكتب.
4 يرمغ -بتحتية فراء فميم فغين- بوزن يضرب، اسم لحجارة بيض دقاق تلمع. تنضب -بفوقية فنون فضاد فباء بوزن تنصر- اسم شجرة. اهـ صبان.
5 قائله: هو سحيم بن وئيل اليربوعي، وقيل: المثقب العبدي، وقيل: أبو زيد. ونسبه بعضهم إلى الحجاج بن يوسف الثقفي. وليس بصحيح، وإنما أنشده على المنبر لما قدم الكوفة واليا عليها، وهو من الوافر.
وعجزه:
متى أضع العمامة تعرفوني
اللغة: "جلا" كشف "طلاع" صيغة مبالغة من الطلوع وهو الصعود "الثنايا" جمع ثنية وهي العقبة، والمراد مقتحم الشدائد "العمامة" يريد ما تلبس في الحرب وتوضع في السلم، وهي البيضة. =

(3/1212)


أنا ابنُ جَلا وطَلَّاع الثَّنَايَا ... .......................
ولا حجة فيه؛ لأنه يحتمل أن يكون فيه ضمير الفاعل، فيكون محكيا لأنه منقول من جملة، أو يكون حذف الموصوف وأقام صفته مقامه.
أي: أنا ابن رجل جلا.
وقد ذهب بعضهم إلى أن الفعل قد يحكى مسمى به، وإن كان غير مسند إلى ضمير متمسكا بهذا البيت.
ونقل عن الفراء ما يقرب من مذهب عيسى، قال: الأمثلة التي تكون للأسماء والأفعال إن غلبت للأفعال فلا تجره في المعرفة نحو رجل اسمه "ضرب" فإن هذا اللفظ وإن كان اسما للعسل الأبيض هو الأشهر في الفعل.
فإن غلب في الاسم فأجره في المعرفة والنكرة نحو رجل مسمى بحجر؛ لأنه يكون فعلا تقول: "حجر عليه القاضي" ولكنه أشهر في الاسم. انتهى.
الثالث: يشرتط في الوزن المانع للصرف شرطان:
أحدهما: أن يكون لازما.
والثاني: ألا يخرج بالتغيير إلى مثال هو للاسم.
فخرج بالأول نحو امرئ، فإنه لو سمي به انصرف، وإن كان في النصب شبيها بالأمر من علم. وفي الجر شبيها بالأمر من ضرب، وفي الرفع شبيها بالأمر
__________
= المعنى: أنا ابن رجل كشف الأمور ومقتحم صعابها متى أضع على رأسي عمامة الحب تعرفون شجاعتي.
الإعراب: "أنا" مبتدأ "ابن" خبره "جلا" مضاف إليه ممنوع من الصرف للعلمية ووزن الفعل، وهو علم منقول من الفعل، أو "جلا" فعل ماض وفاعله يعود على "رجل" مقدر بعد ابن مضاف إليه، والجملة صفة لرجل المقدر. أي: أنا ابن رجل جلا الأمور "وطلاع" معطوف على ابن "الثنايا" مضاف إليه "متى" اسم شرط جازم "أضع" فعل مضارع مجزوم فعل الشرط "العمامة" مفعول به "تعرفوني" فعل مضارع جواب الشرط وعلامة جزمه حذف النون وواو الجماعة فاعله والنون للوقاية وياء المتكلم مفعول به لتعرفوا.
الشاهد: قوله: "جلا" فقد استدل به عيسى بن عمر على أنه علم منقول من الفعل الماضي.
مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني 531/ 2، وابن الناظم، وابن هشام 345/ 3، وذكر في القطر ص84، وسيبويه 7/ 2، وابن يعيش 61/ 1.

(3/1213)


من خرج؛ لأنه خالف الأفعال بكون عينه لا تلزم حركة واحدة، فلم تعتبر فيه الموازنة.
وخرج بالثاني نحو: "رد، وقيل" فإن أصلهما رُدِدَ وقُوِل، ولكن الإدغام والإعلال أخرجاهما إلى مشابهة يرد وقيل، فلم يعتبر فيهما الوزن الأصلي.
وشمل قولنا: "إلى مثال هو للاسم" قسمين:
أحدهما: ما خرج إلى مثال غير نادر، ولا إشكال في صرفه نحو: "رُدَّ، وقيل".
والآخر: ما خرج إلى مثال نادر نحو "انْطلقَ" إذا سكنت لامه، فإنه خرج إلى مثال إنْقَحْل1 وهو نادر، وهذا فيه خلاف، وجوز فيه ابن خروف الصرف والمنع.
وقد فهم من ذلك أن ما دخله إعلال ولم يخرجه إلى وزن الاسم نحو يزيد امتنع صرفه.
الرابع: اختلف في سكون التخفيف العارض بعد "التسمية"2 نحو ضُرْبَ3، فمذهب سيبويه أنه كالسكون اللازم فينصرف، وهو اختيار المصنف، وذهب المازني والمبرد ومن وافقهما إلى أنه يمنع الصرف، فلو خفف قبل التسمية انصرف قولا واحدا.
وما يصير علما من ذي أَلِفْ ... زِيدَتْ لإلحاق فليس يَنْصَرِفْ
ألف الإلحاق المقصورة تمنع الصرف مع العلمية؛ لشبهها بألف التأنيث من وجهين لا يوجدان في ألف الإلحاق الممدودة، فلذلك لم تمنع الصرف لوجهين:
أحدهما: أنها زائدة ليست مبدلة من شيء، بخلاف الممدودة فإنها مبدلة من ياء.
__________
1 الإنقحل: بوزن جردحل، الرجل الذي يبس جلده على عظمه. وتقول: قحل الرجل على وزن قرح، فهو قحل مثل شهم وقحل مثل فرح.
2 أ، ج وفي ب "الاسمية".
3 بسكون العين مخففا من ضرب المجهول.

(3/1214)


الثاني: أنها تقع في مثال صالح لألف التأنيث نحو أرطى1، فهو على مثال سكرى بخلاف الممدودة.
تنبيه:
حكم ألف التكثير كحكم ألف الإلحاق في أنها تمنع من العلمية نحو "قبعثرى"2 ذكره بعضهم.
والعَلَمَ امْنَعْ صرفَه إن عُدِلا ... كفُعَلِ التوكيد أو كَثُعْلا
العدل يمنع الصرف مع العلمية في أربعة مواضع، وقد اشتمل هذا البيت على موضعين "منها"3:
الأول: فُعَل في التوكيد، والمراد به جُمَع وتوابعه كقولك: "مررت بالهندات جمع" والمانع له من الصرف التعريف والعدل.
أما تعريفه فبالإضافة المنوية فشابه بذلك العلم؛ لكونه معرفة بغير قرينة لفظية، هذا ظاهر كلام سيبويه وهو اختيار ابن عصفور، وذهب بعضهم إلى أنه علم، وهو المفهوم من كلام الناظم هنا.
قلت: وإلى الأول ذهب في الكافية، وقال في شرحها: لأن العلم إما شخصي وإما جنسي.
فالشخصي مخصوص ببعض الأشخاص فلا يصلح لغيره.
والجنسي مخصوص ببعض الأجناس فلا يصلح لغيره، وجمع بخلاف ذلك، فالحكم بعلميته باطل. انتهى.
وقال في التسهيل: والمانع العدل مع شبه العلمية أو الوصفية في فُعَل توكيدا.
قال الشيخ أبو حيان: وتجويز ابن مالك أن العدل يمنع مع شبه الصفة في باب جُمَع لا أعرف له فيه سلفا. انتهى.
__________
1 أرطى: شجر له نَوَر وثمر كالعناب.
2 القبعثرى: الجمل العظيم والفصيل المهزول.
3 أ.

(3/1215)


وأما عدله ففيه أقوال: قيل: إنه معدول عن فعلاوات؛ لأنه جمع فعلاء مؤنث أفعل وقد جمع المذكر بالواو والنون فكان حق المؤنث أن يجمع بالألف والتاء، وهو اختيار المصنف.
وقيل: معدول عن فُعْل؛ لأن قياس أفعل فعلاء أن يجمع مذكره ومؤنثه على فُعْل نحو: حُمْر في أحمر وحمراء، وهو قول الأخفش والسيرافي واختاره ابن عصفور.
وقيل: إنه معدول عن فعاليّ؛ لأن جمعاء اسم كصحراء.
الثاني: علم المذكر المعدول إلى فعل نحو: عمر، وطريق العلم بعدل هذا النوع سماعه "غير"1 مصروف عاريا من سائر الموانع ومنه: زفر ومضر وثعل وهبل وزحل وعظم وجثم وقثم وجمح وقزح ودلف وبلغ -بطن من قضاعة.
فإن ورد فعل مصروفا وهو علم علمنا أنه ليس بمعدول، وذلك نحو: أدد.
وهو عند سيبويه من الود فهمزته عن واو، وعند غيره من الأد2 فهمزته أصلية، فإن وجد في فعل مانع مع العلمية لم يجعل معدولا نحو طُويّ، فإن منعه للتأنيث والعلمية ونحو "تُتل" اسم أعجمي3 فالمانع له العجمة والعلمية عند من يرى منع الثلاثي مع العجمة.
تنبيهات:
الأول: فُعَل المذكور معدول عن فاعل، فعمر عن عامر وكذلك سائرها، قيل: وبعضها معدول عن أفعل وهو ثُعَل.
الثاني: إنما جعل هذا النوع معدولا لأمرين:
أحدهما: أنه لو لم يقدر عدله لزم ترتيب المنع على علة واحدة. وليس فيه من الموانع غير العلمية.
__________
1 أ.
2 وهو العظيم.
3 اسم لبعض عظماء الترك.

(3/1216)


والآخر: أن الأعلام يغلب "عليها"1 النقل، فجعل عمر معدولا عن عامر العلم المنقول من الصفة ولم يجعل مرتجلا.
الثالث: ذكر بعضهم لعدله فائدتين: إحداهما: لفظية وهي التخفيف. والأخرى: معنوية وهي تمحيض العلمية؛ إذ لو قيل: "عامر" لتوهم أنه صفة.
الرابع: ذكر بعضهم عن فُعَل علم جنس قالوا: "جاء بعلق وفلق" ولا يصرف وهو غريب.
الخامس: من الممنوع الصرف للعدل والتعريف فلا يصلح لغيره علما من المعدول إلى فعل في النداء كغدر وفسق فحكمه حكم عمر.
قال المصنف: وهو أحق من عمر بمنع الصرف؛ لأن عدله محقق وعدل عمر مقدر. انتهى.
وهو مذهب سيبويه. وذهب الأخفش وتبعه ابن السيد إلى صرفه ثم انتقل إلى الموضع الثالث فقال:
والعدلُ والتعريفُ مانعا سَحَرْ ... إذا به التعيينُ قَصْدا يُعْتَبَرْ
إذا قصد بسحر سحر يوم بعينه، فالأصل أن يعرف بأل أو بالإضافة.
فإن تجرد منهما مع قصد التعيين فهو حينئذ ظرف لا يتصرف، ولا ينصرف، نحو: "جئت يوم الجمعة سحر" والمانع له من الصرف العدل والتعريف.
أما العدل فعن اللفظ بأل وكان الأصل أن يعرف بها.
وأما التعريف فقيل: بالعلمية؛ لأنه جعل علما لهذا الوقت. وصرح به في التسهيل.
وقيل: بشبه العلمية؛ لأنه تعرف "بغير أداة ظاهرة"2 كالعَلَم.
وهو اختيار ابن عصفور. وقوله هنا: "والتعريف" يومئ إليه؛ إذ لم يقل: والعلمية.
__________
1 أ، ج.
2 أ، وفي ب، ج "بأداة مقدرة".

(3/1217)


وذهب صدر الأفاضل -وهو أبو الفتح ناصر بن أبي المكارم المطرزي1- إلى أنه مبني على الفتح؛ لتضمنه معنى حرف التعريف كأمس.
وذهب ابن الطراوة إلى أنه مبني لا لتضمنه معنى الحرف بل لعدم "التقارب"2.
وذهب السهيلي إلى أنه معرب، وإنما حذف تنوينه لنية الإضافة.
وذهب الشلوبين الصغير إلى أنه معرب أيضا، وإنما حذف تنوينه لنية أل.
وعلى هذين القولين فهو من قبيل المنصرف، والصحيح ما ذهب إليه الجمهور.
تنبيه:
نظير سحر في امتناعه من الصرف أمس عند بني تميم، فإن منهم من يعربه في الرفع غير منصرف. ويبنيه على الكسر في الجر والنصب. ومنهم من يعربه إعراب ما لا ينصرف في الأحوال الثلاث. خلافا لمن أنكر ذلك. وغير بني تميم يبنونه على الكسر.
وحكى ابن الربيع أن بني تميم يعربونه إعراب ما لا ينصرف إذا رفع أو جر بمذ أو منذ فقط، وزعم الزجاج أن من العرب من يبنيه على الفتح، واستشهد بقول الراجز3:
__________
1 هو ناصر بن عبد السيد علي بن المطرز أبو الفتح النحوي المشهور بالمطرزي من أهل خوارزم، قرأ على الزمخشري وغيره وبرع في النحو واللغة، ولد في رجب سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة وصنف وشرح المقامات والمعرب في لغة الفقه ومختصر المصباح في النحو وغير ذلك. ومات بخوارزم في يوم الثلاثاء حادي عشرين جمادى الأولى سنة عشر وستمائة.
2 أ، وفي ب، ج "النقار".
3 قائله: لم أعثر على قائله، وهو من الرجز.
وعجزه:
عجائزا مثل السعالي خمسا
اللغة: "عجبا" هو انفعال النفس بسبب وصف زائد في المتعجب منه "عجائزا" جمع عجوز، وهي التي هرمت من النساء "السعالي" حمع سعلاة بكسر السين، وهي أخبث الغيلان، وقيل: هي ساحرة الجن. =

(3/1218)


لقد رأيتُ عجبا مذ أمسا ... ........................
قال في شرح التسهيل: ومدَّعاه غير صحيح؛ لامتناع الفتح في مواضع الرفع، ولأن سيبويه استشهد بالرجز على أن الفتح في "أمسا" فتح إعراب، وأبو القاسم لم يأخذ البيت من غير كتاب سيبويه.
فقد غلط فيما ذهب إليه، واستحق ألا يعول عليه. انتهى.
وأجاز الخليل في "لقيته أمس" أن يكون التقدير: بالأمس، فحذف الباء وأل فتكون الكسرة إعراب، ولأمس أحكام أخر ليس هذا موضع ذكرها.
ثم انتقل إلى الموضع الرابع فقال:
وابْنِ على الكسر فَعَالِ عَلما ... مؤنثا وهو نظير جُشَمَا
عند تميم ............. ... ......................
لغة الحجازيين بناء فَعال علما لمؤنث نحو: "حذام" على الكسر مطلقا، وفي سبب بنائه أقوال:
أحدهما: شبهه بنزال وزنا وتعريفا وعدلا وتأنيثا.
والثاني: تضمنه معنى "هاء"1 التأنيث، وإليه ذهب الربعي.
__________
= المعنى: والله لقد رأيت من أمس أمرا يتعجب منه، وذلك أني رأيت نسوة كبارا في السن مثل الغيلان في القبح وعدتهن خمس.
الإعراب: "لقد" اللام واقعة في جواب قسم محذوف، قد حرف تحقيق "رأيت" فعل وفاعل "عجبا" مفعول به، واصله صفة لموصوف محذوف.
والتقدير: لقد رأيت شيئا عجبا ثم حذف الموصوف وأقام الصفة مقامه "مذ" حرف جر "أمسا" مجرور بمذ وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه اسم لا ينصرف والمانع له من الصرف العلمية والعدل عن الأمس والجار والمجرور متعلق برأى "عجائزا" صرفه للضرورة وهو بدل من قوله عجبا "مثل" صفة لعجائز "السعالي" مضاف إليه مجرور بكسرة مقدرة على الياء منع من ظهورها الثقل "خمسا" صفة لعجائز.
الشاهد: قوله: "أمسا" حيث أعرب إعراب ما لا ينصرف وجر بالفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه لا ينصرف للعلمية والعدل.
مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني 537/ 2، وابن هشام 352/ 2، وابن الناظم. وذكره ابن هشام في قطر الندى ص9، والشذور ص104، وسيبويه 44/ 2.
1 أ، ج وفي ب "تاء".

(3/1219)


والثالث: توالي العلل، وليس بعد منع الصرف إلا البناء، قاله المبرد.
والأول هو المشهور1.
وأما بنو تميم ففصل أكثرهم بين ما آخره راء نحو حضار فبنوه على الكسر، وبين ما ليس آخره راء فمنعوه الصرف، وبعضهم أعرب النوعين إعراب ما لا ينصرف.
وإنما وافق أكثرهم فيما آخره راء؛ لأن مذهبهم الإمالة، فإذا كسروا توصلوا إليها ولو منعوه الصرف لامتنعت، وقد جمع الأعشى بين اللغتين في قوله2:
ومرَّ دهرٌ على وَبَارِ ... فهَلَكَتْ جَهْرَةً وبار
ويحتمل أن يكون وباروا فعلا ماضيا والواو ضمير جمع.
واختلف في منع صرفه عند تميم فذهب سيبويه إلى أن المانع له العدل عن فاعله وللعلمية.
وذهب المبرد إلى أن المانع له التأنيث والعلمية، وليس بمعدول ووافق على أنها معدولة إذا بنيت.
__________
1 تقول: هذه حذام ووبار، ورأيت حذام ووبار، ومررت بحذام ووبار.
2 قائله: هو الأعشى ميمون بن قيس، وهو من البسيط.
وقبله:
ألم تروا إرما وعادا ... أودى بها الليل والنهار
اللغة: "إرم" اسم البلدة "وعاد" اسم القبيلة "أودى بها" ذهب بها وأهلكها "وبار" اسم أمة قديمة بائدة كانت تسكن اليمن.
الإعراب: "ومر" الواو عاطفة، مر فعل ماض "دهر" فاعل "على وبار" جار ومجرور متعلق بمر "فهلكت" الفاء عاطفة هلك فعل ماض والتاء للتأنيث "جهرة" منصوب على الظرفية عاملة هلكت "وبار" فاعل هلكت مرفوع بالضمة الظاهرة.
الشاهد: قوله: "وبار" حيث بناه على الكسر في الأول على لغة الأكثرين، وأعربه في الثاني على رأي القلة وعند جعل وبار الثانية غير علم. أي: وباروا بمعنى هلكوا فعل ماض والواو للجماعة فالجملة معطوفة على "هلكت" وأنث هلكت على إرادة القبيلة.
مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني 538/ 2، وابن الناظم وابن هشام 350/ 2، وذكره في الشذور ص101، وسيبويه 41/ 2، وابن يعيش 64/ 3.

(3/1220)


فإن قلت: مذهب المبرد هو الظاهر؛ لأن التأنيث محقق والعدل مقدر، وأيضا فلا حاجة إلى تقدير عدلها؛ لأن تقدير العدل في باب عمر إنما ارتبك لأنه لو لم يقدر لزم ترتيب المنع على العلمية وحدها، ولا يلزم من ذلك هنا.
قلت: قال بعضهم: الظاهر مذهب سيبويه؛ لأن الغالب على الأعلام أن تكون منقولة؛ فلهذا جعلت معدولة عن فاعلة المنقولة "عن"1 صفة كما تقدم في عمر.
وعلى مذهب المبرد تكون مرتجلة.
تنبيهات:
الأول: أطلق في قوله: "عند تميم" وإنما هو عند بعضهم.
الثاني: فهم من قوله: "نظير جشما" أن المانع له العدل والعلمية وفاقا لسيبويه.
الثالث: أفهم قوله: "مؤنثا" أن حذام وبابه لو سمي به مذكر لم يبن؛ ولكن يمنع الصرف للعلمية عن مؤنث، ويجوز صرفه؛ لأنه إنما كان مؤنثا لإرادتك به ما عدل عنه، فلما زال العدل زال التأنيث بزواله.
الرابع: فَعَال يكون معدولا وغير معدول؛ فالمعدول إما علم مؤنث كحذام وتقدم حكمه، وإما أمر نحو نزال، وإما مصدر نحو حَمَاد، وإما حال نحو2:
__________
1 ب، ج وفي أ "من".
2 قائله: عوف بن عطية يخاطب لقيط بن زرارة حين فر يوم رحرحان وأسر أخوه معبد. وقيل: للأحوص بن جعفر، وقيل: النابغة، وهو من الكامل.
وصدره:
وذكرتَ من لبنِ المحلق شربةً
اللغة: "الملحق" -بكسر اللام- قطيع إبل وسم بمثل الحلق "بداد" -بفتح الباء- يقال: جاءت الخيل بداد: أي: متبددة "الصعيد" وجه الأرض.
الإعراب: "وذكرت" فعل وفاعل "من لبن" جار ومجرور متعلق بذكرت "المحلق" مضاف إليه "شربة" مفعول "الخيل" مبتدأ "تعدو" فعل مضارع والفاعل ضمير مستتر فيه والجملة في محل رفع خبر المبتدأ "في الصعيد" جار ومجرور متعلق بتعدو "بداد" حال.
الشاهد: "بداد" وقعت حالا هاهنا على وزن فعال وبُني على الكسر لأنه معدول عن المصدر وهو البدد.
مواضعه: ذكره الأشموني 538/ 2، والسيوطي في الهمع 29/ 1، وسيبويه 39/ 2، وابن يعيش 54/ 3.

(3/1221)


........................... ... والخيل تعدو في الصعيد بداد
وإما صفة جارية مجرى الأعلام نحو حَلاق -للمنية- وإما صفة ملازمة للنداء نحو يا خباث، فهذه خمسة أنواع كلها تبني على الكسر معدولة عن مؤنث، فإن سمي بها مذكر ففيه وجهان: أرجحهما منع الصرف كعناق إذا سمي به1. والآخر: الصرف فيجعل كصَبَاح2.
ولا يجوز البناء خلافا لابن بابشاذ، وغير المعدول يكون اسما كجناح ومصدرا كذهاب وصفة نحو جواد وجنسا نحو سحاب، فلو سمي بشيء من هذه مذكر انصرف قولا واحدا إلا ما كان مؤنثا كعناق.
وقوله:
......... واصرِفَنْ ما نُكِّرَا ... من كل ما التعريف فيه أُثِرَا
يعني: أن ما أثر فيه التعريف إذا نكر صرف لذهاب جزء العلة، والمراد بذلك الأنواع السبعة المتأخرة، وهي: ما امتنع للعلمية والتركيب أو الألف والنون الزائدتين، أو التأنيث بغير الألف، أو العجمة، أو وزن الفعل، أو ألف الإلحاق، أو العدل.
فتقول: ربَّ معديكربٍ وعمرانٍ وطلحةٍ وإبراهيمٍ وأحمدٍ وأرطًى وعمرٍ لقيتهم، فتصرف لذهاب العلمية.
وأما الأنواع الخمسة المتقدمة، وهي ما امتنع لألف التأنيث، أو للوصف والزيادتين، أو للوصف ووزن الفعل، أو للوصف والعدل، أو للجمع المشبه مفاعل أو مفاعيل.
فهذه لا تنصرف وهي نكرة، فلو سمي بشيء منهما لم ينصرف أيضا، أما ما فيه ألف التأنيث فلأنها كافية في منع الصرف، ووهم من قال في "حواء": امتنع للتأنيث والعلمية.
__________
1 كعناق: يريد أنه معرب ممنوع من الصرف.
2 كصباح: يريد أنه معرب مصروف.

(3/1222)


وأما ما فيه الوصف مع زيادتي فَعْلان، أو وزن أفعل؛ فلأن العلمية تخلُف الوصف فيصير منعه للعلمية والزيادتين، أو للعلمية ووزن أفعل؛ أما ما فيه الوصف والعدل؛ وذلك أخَرُ وفُعال ومَفْعل نحو أحاد ومَوْحَد، فمذهب سيبويه أنها إذا سمي بها امتنعت من الصرف للعلمية والعدل.
وكل معدول سمي به فعدله باقٍ، إلا سَحَر وأمسِ في لغة بني تميم1.
هذا مذهب سيبويه. وذهب الأخفش وأبو علي وابن برهان وابن بابشاذ إلى صرف العدل المعدول مسمى به، قالوا: لأن العدل يزول بالتسمية.
والصحيح مذهب سيبويه؛ لأن العدل باقٍ ولا أثر لزوال معناه.
وأما الجمع الموازن مفاعل أو مفاعيل؛ فقد تقدم الكلام على التسمية به.
وإذا نكر شيء من هذه الأنواع الخمسة بعد التسمية لم ينصرف أيضا، أما ذو ألف التأنيث فللألف، وأما ذو الوصف مع زيادتي فعلان أو وزن أفعل أو العدل إلى مَفعل أو فُعال؛ فلأنها لما نكرت شابهت حالها قبل التسمية فمنعت الصرف لشبه الوصف مع هذه العلل، هذا مذهب سيبويه، وخالف الأخفش في باب سكران فصرفه2.
وأما باب أحمر ففيه أربعة مذاهب:
الأول: منع الصرف، وهو الصحيح.
والثاني: الصرف، وهو مذهب المبرد والأخفش في أحد قوليه، ثم وافق سيبويه في كتابه الأوسط.
قال في شرح الكافية: وأكثر المصنفين لا يذكرون إلا مخالفته.
وذِكرُ موافقته أولى؛ لأنها آخر قوليه.
والثالث: إن سمي بأحمر رجل أحمر لم ينصرف بعد التنكير، وإن سمي به أسود أو نحوه انصرف. وهو مذهب الفراء وابن الأنباري.
__________
1 فإن عدلهما يزول بالتسمية فيصرفان، بخلاف غيرهما من المعدولات، فإن عدله بالتسمية باقٍ، فيجب منع صرفه للعدل والعلمية عددا كان أو غيره. اهـ أشموني.
2 أي: عند قصد تنكيره.

(3/1223)


والرابع: أنه يجوز صرفه. قاله الفارسي في بعض كتبه.
وأما المعدول إلى مفعل أو فعال فمن صرف أحمر بعد التسمية صرفه، وقد تقدم الخلاف في الجمع إذا نكر بعد التسمية.
تنبيه:
إذا سمي بأفعل التفضيل مجردا من "من" ثم نكر بعد التسمية انصرف اتفاقا؛ لأنه لم يبقَ فيه شبه الوصف إذا لم يستعمل صفة إلا بمن ظاهرة أو مقدرة.
فإن سمي به مع "من" ثم نكر امتنع الصرف قولا واحدا، وسقط خلاف الأخفش؛ لأنك إن لم تلحظ أصله خرجت عن كلام العرب.
قلت: وكلامه في الكافية وشرحها يقتضي إجراء الخلاف فيه، فإنه قال:
وذو التفضيل منعه رجح ... إن قارنته من ..........
وقال في شرحها: وحكمه حكم أحمر.
وما يكون منه منقوصا ففي ... إعرابه نهج جَوارٍ يَقْتَفِي
تقدم أن الجمع الموازن لمفاعل، إذا كان منقوصا أجري في الرفع والجر مجرى سار، وفي النصب مجرى نظيره من الصحيح، ولا خلاف في ذلك، وقد سبق تغليط من حكى فيه الخلاف.
وأما غير الجمع المنقوص الذي نظيره من الصحيح غير مصروف، فإن كان غير علم جرى مجرى جوار ونحوه فيما ذكر بلا خلاف. نحو "أعيم" تصغير أعمى. فتقول: "هذا أعيمٍ. ومررت بأعيمٍ. ورأيت أعيمَى" وتنوينه في الرفع والجر تنوين العوض كما سبق، وإن كان علما وهو المشار إليه بالبيت ففيه خلاف.
مذهب الخليل وسيبويه وأبي عمرو وابن أبي إسحاق أنه كذلك فتقول في "يُعَيل" تصغير يُعْلَى، هذا يعيل ومررت بيعيل ورأيت يعيلى.

(3/1224)


وذهب يونس وأبو زيد وعيسى والكسائي إلى أنه يجري مجرى الصحيح في ترك تنوينه وجره بفتحة ظاهرة، واحتجوا بقوله1:
قد عَجِبَت مني ومن يُعيليا ... ........................
والصحيح الأول؛ لأنه نظير جوار، وأما قوله: "يُعيليا" فهو عند غيرهم للضرورة.
ولاضطرار أو تناسب صُرف
ذو المنع والمصروف قد لا يَنْصَرِفْ
أما صرف ما يستحق المنع للضرورة فمتفق على جوازه، ومنه قوله2:
__________
1 قائله: نسبه الشيخ خالد للفرزدق، وهو من الرجز.
وعجزه:
لما رأتني خَلقًا مُقُلولِيَا
اللغة: "يعيليا" مصغر يعلى -علم لرجل- "خلقا" عتيقا بالياء، والمراد رث الهيئة "مقلوليا" متجافيا منكمشا، والمراد دميم الخلقة.
المعنى: عجبت هذه المرأة مني ومن يعلى حين رأتني رث الهيئة دميم الخلقة.
الإعراب: "قد" حرف تحقيق "عجبت" فعل ماض والتاء للتأنيث والفاعل ضمير مستتر فيه "مني" جار ومجرور متعلق بالفعل "من" حرف جر "يعيليا" مجرور بمن ممنوع من الصرف للعلمية ووزن الفعل، والألف للإطلاق "لما" ظرف زمان بمعنى حين "رأتني" فعل ماض والتاء للتأنيث والفاعل ضمير والنون للوقاية والياء مفعول أول "خلقا" مفعول ثانٍ لرأتني "مقلوليا" نعت قوله خلقا، أو معطوف عليه بحذف العاطف.
الشاهد: قوله: "يعيليا" فإنه علم مصغر موازن للفعل ممنوع من الصرف وهو منقوص. وقد عومل معاملة الصحيح، وفتحت ياؤه ولم ينون.
مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني 541/ 2، وابن هشام 357/ 3، وابن الناظم. وذكره سيبويه 59/ 2.
2 قائله: هو أمية بن أبي الصلت الثقفي، وهو من الخفيف.
اللغة: أتاها، الضمير يرجع إلى ناقة صالح عليه السلام "أحيمر" أراد الذي عقر الناقة واسمه قدار بن سالف وكان أحمر أزرق أصهب "عضب" -بفتح العين وسكون الضاد- السيف القاطع.
الإعراب: "أتاها" فعل ومفعول "أحيمر" فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة "كأخي" الكاف للتشبيه والتقدير: أتاها مثل السهم بعضب وقيل: التقدير: أتاها بعضب كأخي السهم، أي: كمثل السهم، فعلى الأول محل الكاف النصب وعلى الثاني الجر "بعضب" جار ومجرور متعلق بأتاها "فقال" فعل ماض والفاعل ضمير مستتر فيه "كوني عقيرا" جملة وقعت مقول القول، الياء اسم كان -والخطاب للناقة- عقيرا خبر كان يستوي فيه المذكر والمؤنث.
الشاهد: قوله: "أحيمر" حيث نونه مع أنه يستحق المنع؛ وذلك لأجل الضرورة.
مواضعه: ذكره الأشموني 541/ 2.

(3/1225)


وأتاها أحيمرٌ كأخي السهم ... بعَضْب فقال: كوني عقيرا
وهو كثير، وقد اختلف في نوعين:
أحدهما: ما فيه ألف التأنيث المقصورة، فمنع بعضهم صرفه للضرورة، وقال: إنه لا فائدة فيه؛ إذ يزيد بقدر ما ينقص.
ورد بقول المسلم بن رباح المري1:
إني مقَسِّمُ ما ملكت فجاعلٌ ... جرما لآخرتي ودنيًا تنفع
أنشده ابن الأعرابي بتنوين "دنيا".
وقال بعضهم في رد هذا القول: إن الألف قد تلتقي بساكن بعده فيحتاج الشاعر إلى كسر الأول لإقامة الوزن فينون ثم يكسر.
قلت: ومقتضى هذا أنه إذا لم يحتج إلى تنوينه لم ينون، وهو تفصيل حسن.
والثاني: "أفْعل من" منع الكوفيون صرفه للضرورة، قالوا: لأن حذف تنوينه إنما هو لأجل "من" فلا يجمع بينه وبينها، ومذهب البصريين جوازه؛ لأن المانع له الوزن والوصف كأحمر لا "من" بدليل صرف "خير منه وشر منه" لزوال الوزن.
__________
1 قائله: المسلم بن رباح المري، وهو من الكامل.
الإعراب: "إني" حرف توكيد ونصب والياء اسمها "مقسم" خبر إن مرفوع بالضمة الظاهرة "ما ملكت" ما موصولة وملكت فعل وفاعل والجملة صلة ما والعائد محذوف تقديره: ما ملكته، ومقسم مضاف وما ملكت مضاف إليه "فجاعل" الفاء عاطفة للمفصل على المجمل "جاعل" مبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة وخبره محذوف تقديره: فمنه جاعل " أجرا" منصوب بجاعل "لآخرتي" جار ومجرور متعلق بمحذوف تقديره: أجرا كائنا لآخرتي "ودنيا" عطف على أجرا، وفيه حذف تقديره: ومنه جاعل دنيا "تنفع" فعل مضارع والفاعل ضمير مستتر فيه والجملة صفة لدنيا.
الشاهد: قوله: "دنيا" حيث نونه الشاعر.
مواضعه: ذكره الأشموني 542/ 2.

(3/1226)


ومثال صرفه للتناسب قوله تعالى: {سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا} 1 وقرأ ابن مهران: "ولا يغوثًا ويعوقا ونسرا"2.
وأجاز قوم صرف الجمع الذي لا نظير له في الآحاد اختيارا، وزعم قوم أن صرف ما لا ينصرف مطلقا لغة، قال الأخفش: وكأن هذه لغة الشعراء؛ لأنهم اضطروا إليه في الشعر "فجرت"3 ألسنتهم على ذلك في الكلام.
وأما من منع صرف المستحق للصرف للضرورة، ففي جوازه خلاف:
مذهب أكثر البصريين منعه، وأكثر الكوفيين والأخفش والفارسي جوازه، واختاره المصنف، وهو الصحيح، لثبوت سماعه فمنه4:د
وما كان حصنٌ ولا حابسٌ ... يفوقان مرداس في مَجمع
وأبيات أخر5.
وفصل بعض المتأخرين بين ما فيه العلمية فأجاز منعه لوجود إحدى العلتين وبين ما ليس كذلك فصرفه، ويؤيده أن ذلك لم يسمع إلا من العلم.
وأجاز قوم منهم أحمد بن يحيى منع صرف المنصرف اختيارا.
__________
1 من الآية 4 من سورة الإنسان، نافع والكسائي.
2 من الآية 23 من سورة نوح.
3 ب، ج وفي أ "فجرى".
4 قائله: هو العباس بن مرداس الصحابي، وهو من المتقارب.
اللغة: "حصن" والد عيينه "حابس" والد الأقرع.
الإعراب: "ما" نافية "كان" فعل ماض ناقص "حصن" اسم كان مرفوع بالضمة الظاهرة "ولا حابس" عطف على اسم كان "يفوقان" فعل مضارع مرفوع بثبوت النون وألف الاثنين فاعل، والجملة في محل نصب خبر كان "مرداس" مفعول به "في مجمع" جار ومجرور متعلق بيفوقان.
الشاهد: قوله: "مرداس" حيث منعه من الصرف وهو اسم مصروف للضرورة.
مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني 453/ 2، وابن الناظم، والسيوطي ص143، وذكره في الهمع 37/ 1، وابن يعيش 68/ 1.
5 منها قوله:
وقائلة: ما بال دَوْسر بَعْدنا ... صحا قلبه عن آل ليلى وعن هند؟
وقوله:
طلب الأرازق بالكتائب إذ هوت ... بشبيبَ غائلة النفوس غَدورُ

(3/1227)


إعراب الفعل:
ارْفَعْ مُضارعا إذا يُجَرَّدُ ... من ناصبٍ وجازمٍ كتَسْعَدُ
يعني المضارع الذي لم "تباشره"1 نون التوكيد ولا نون الإناث، وإنما لم يقيده اكتفاء بتقديم ذلك في باب الإعراب.
وفهم من كلامه أنه يجب رفع المضارع "المعرب"2 إذا لم يدخل عليه ناصب ولا جازم نحو: "أنت تسعد"، ولم ينص هنا على رافعه، وفيه أقوال:
الأول: أن رافعه وقوعه موقع الاسم، وهو قول البصريين.
والثاني: أن رافعه تجرده من الناصب والجازم، وهو "قول حذاق"3 الكوفيين منهم الفراء.
والثالث: أن رافعه نفس المضارعة، وهو قول ثعلب.
والرابع: أن رافعه حروف المضارعة، ونسب إلى الكسائي.
واختار المصنف الثاني؛ لسلامته من النقض، بخلاف مذهب البصريين، فإنه ينتقض بنحو: "هلا تفعل"4.
ورد مذهب الفراء بأن التعري عدم فلا يكون عاملا، وأجاب الشارح بأنا لا نسلم أن التجرد من الناصب والجازم عدمي؛ لأنه عبارة عن استعمال المضارع على أول أحواله مخلصا عن لفظ يقتضي تغييره، واستعمال الشيء والمجيء به على صفة ما ليس بعدمي. انتهى.
ولما ذكر أن رفعه مشروط بتجريده من الناصب والجازم أخذ يبينهما فقال:
وبِلَن انصبْه وكي كذا بأَنْ
__________
1 أ، ج وفي ب "يباشر".
2 أ، ج وفي ب: "المعري".
3 أ، ج وفي ب "مذهب".
4 لأن أداة التحضيض مختصة بالفعل.

(3/1228)


الأدوات التي تنصب المضارع أربعة، وهي الثلاثة المذكورة في هذا البيت وإذن وستأتي.
فأما "لن" فحرف نفي ينصب المضارع ويخلصه للاستقبال ولا يلزم أن يكون مؤبدا، خلافا للزمخشري، ذكر ذلك في أنموذجه، وقال في غيره: إن "لن" لتأكيد ما تعطيه "لا" من نفي المستقبل.
قال ابن عصفور: وما ذهب إليه دعوى لا دليل عليها، بل قد يكون النفي بلا آكد من النفي بلن؛ لأن النفي بلا قد يكون جوابا للقسم، والنفي بلن لا يكون جوابا له، ونفي الفعل إذا أقسم عليه آكد.
تنبيهات:
الأول: مذهب سيبويه والجمهور أن "لن" بسيطة، وذهب الخليل والكسائي إلى أنها مركبة وأصلها "لا أن" حذفت همزة أن تخفيفا، ثم حذفت الألف لالتقاء الساكنين. ورد سيبويه بجواز تقديم معمول معمولها عليها نحو: "زيدا لن أضرب".
وأجيب بأنه قد يحدث بعد التركيب ما لم يكن قبله، ومنع الأخفش الصغير تقديم معمول معمولها عليها.
وذهب الفراء إلى أن "لن" هي "لا" أبدلت ألفها نونا، وهو ضعيف.
الثاني: ذهب قوم منهم ابن السراج إلى أنه يجوز أن يكون الفعل بعدها دعاء، واختاره ابن عصفور، وجعلوا منه قوله تعالى: {فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ} 1.
والصحيح: أنه لم يستعمل من حروف النفي في الدعاء إلا "لا" خاصة.
الثالث: حكى بعضهم أن الجزم بلن لغة لبعض العرب.
وأما "كي" فلفظ مشترك يكون اسما مخففا من كيف فيليها اسم أو فعل ماض أو مضارع مرفوع؛ كقوله2:
__________
1 من الآية 17 من سورة القصص.
2 قائله: لم ينسب لقائل، وهو من البسيط. =

(3/1229)


كي تجنحون إلى سلْم وما ثُئرت ... قتلاكم ولَظَى الهيجاء تضطرمُ
وتكون حرفا جارا للتعليل بمعنى اللام، وحرفا مصدريا فيتعين الأول في ثلاثة مواضع:
أحدها: أن تدخل على "ما" الاستفهامية كقولهم: "كيمه"1.
والثاني: أن تدخل على "ما" المصدرية كقوله2:
................ ... كَيْمَا يَضرُّ وينفعُ
__________
= اللغة: "تجنحون" من جنح إذا مال "سلم" -بكسر السين- والفتح أحسن "ما ثئرت" صيغة مجهول من ثأرت القتيل وبالقتل ثأرا وثؤرة أي: قتلت قاتله "لظى" النار "الهيجاء" الحرب تمد وتقصر "تضطرم" تلتهب.
الإعراب: "كي" أي: كيف للاستفهام "تجنحون" فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل "إلى سلم" جار ومجرور متعلق بالفعل "ما ثئرت" ما نافية "ثئرت" صيغة المبني للمجهول "قتلاكم" نائب فاعل مرفوع وكم مضاف إليه "ولظى" الواو حالية ولظى مبتدأ "الهيجاء" مضاف إليه "تضطرم" فعل مضارع مرفوع بالضمة والفاعل ضمير مستتر فيه والجملة في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة وقعت حالا.
الشاهد: قوله "كي" فإنه بمعنى كيف.
مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني 549/ 3، وابن الناظم.
1 بمعنى لمه.
2 قائله: هو النابغة، وقيل: قيس بن الخطيم، وهو من الطويل.
وتمامه:
إذا أنت لم تنفع فضر فإنما ... يرجى الفتى .............
المعنى: إذا لم يكن في مقدورك أن تنفع من يستحق النفع والعون فضر من يستحق الضرر والإيذاء، فإن الإنسان لا يقصد منه في الحياة غير هذين العملين.
الإعراب: "إذا" ظرف متضمن معنى الشرط في محل نصب "أنت" فاعل لفعل محذوف وهو فعل الشرط يفسره المذكور "لم تنفع" فعل مضارع مجزوم بلم والفاعل ضمير، والجملة مفسرة "فضر" الفاء واقعة في جواب إذا وضر فعل أمر "فإنما" الفاء للتعليل وإنما أداة حصر "يرجى" فعل مضارع مبني للمجهول "الفتى" نائب فاعل "كيما" جارة تعليلية بمنزلة اللام وما مصدرية، وهي وما بعدها في تأويل مصدر مجرور بكى.
الشاهد: قوله: "كيما" حيث دخلت "ما" المصدرية على "كي".
مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني 549/ 3، وابن هشام في حروف الجر 245/ 2، وابن الناظم، وذكره السيوطي في الهمع 5/ 2، والشاهد 656 في خزانة الأدب.

(3/1230)


والثالث: أن تقع اللام بعدها كقوله1:
فأوقدت ناري كي ليُبْصَرَ ضَوؤُها
فهي هنا حرف جر واللام تأكيد لها وأن مضمرة بعدها، ولا يجوز كونها مصدرية لفصل اللام، وهذا التركيب نادر، ويتعين الثاني إذا وقعت بعد اللام ولم تقع أن بعدها نحو: "جئت لكي أقرأ".
ولا يجوز أن تكون حرف جر؛ لدخول حرف الجر عليها، فإن وقع بعدها "أن" ولا يكون ذلك إلا في الضرورة، كقوله2:
__________
1 قائله: هو حاتم بن عدي الطائي، وهو من الطويل.
وعجزه:
وأخرجت كلبي وهو في البيت داخله
الإعراب: "فأوقدت" الفاء عاطفة، أو قدت فعل ماض والتاء فاعل، "ناري" مفعول به والياء مضاف إليه "كي" للتعليل "ليبصر" اللام للتعليل ويبصر فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل، وهو مبني للمجهول "ضوؤها" نائب فاعل والهاء مضاف إليه "وأخرجت" الواو عطف على فأوقدت وأخرجت فعل وفاعل "كلبي" مفعول به والياء مضاف إليه "وهو" الواو حالية وهو مبتدأ "في البيت" جار ومجرور متعلق بداخله "داخله" خبر المبتدأ مرفوع والجملة حالية.
الشاهد: قوله: "كي ليبصر" فإن كي هنا تتعين أن تكون حرفا جارا للتعليل بمعنى اللام؛ لظهور اللام بعدها، وإنما جمع بينهما للتأكيد، وهذا التركيب نادر.
مواضعه: ذكره الأشموني في شرحه الألفية 550/ 3.
2 قائله: لم أعثر على قائله، وهو من الطويل.
وتمامه:
فتتركها شنا ببيداء بلقع
اللغة: "تطير" تذهب بسرعة "شنا" -بفتح الشين وتشديد النون- القربة الخلق البالي "بيداء" المفازة "بلقع" -بفتح الباء وسكون اللام وفتح القاف- قفر خالية من كل شيء.
المعنى: يخاطب الشاعر طائرا جارحا أو سارقا ماهرا، فيقول: رغبت أن تأخذ قربتي بسرعة وتتركها قطعة ممزقة بصحراء لا يصل إليها إنسان.
الإعراب: "أردت" فعل وفاعل "لكيما" اللام حرف جر وتعليل وكي إما جارة تعليلية مؤكدة للام وأن ناصبة أو مصدرية مؤكدة بأن واللام جارة وما زائدة "أن" حرف مصدري ونصب "تطير" فعل مضارع منصوب بأن وعلامة نصبه الفتحة والفاعل ضمير مستتر فيه "بقربتي" جار ومجرور متعلق بتطير "فتتركها" الفاء عاطفة على تطير وتترك فعل مضارع والفاعل ضمير مستتر فيه والهاء مفعول أول "شنا" مفعول ثان لتترك أو حال على التأويل "ببيداء" جار ومجرور متعلق بتترك "بلقع" صفة لبيداء. =

(3/1231)


أردت لكيما أن تطير بقِرْبَتي ... ..........................
ترجح كونها حرف جر مؤكدة للام، ويحتمل أن تكون مصدرية مؤكدة بأن. وإنما يترجح كونها جارة لأوجه:
أحدها: أن "أن" أم الباب، فلو جعلت مؤكدة لكي لكانت كي هي الناصبة1.
والثاني: أن ما كان أصلا في بابه لا يجعل مؤكدا لغيره.
والثالث: أن "أن" وليَت الفعل فترجح أن تكون العاملة، ويجوز الأمران في نحو: "جئت كي تفعل" فإن جعلت جارة كانت "أن" مقدرة بعدها، وإن جعلت ناصبة كانت اللام مقدرة قبلها.
تنبيهات:
الأول: ما ذكرته من أن "كي" تكون حرف جر ومصدرية هو مذهب سيبويه وجمهور البصريين، وذهب الكوفيون إلى أنها2 ناصبة للفعل دائما، وتأولوا كيمه على تقدير "كي" تفعل ماذا.
وذهب قوم إلى أنها حرف جر دائما، ونقل عن الأخفش.
الثاني: إذا كانت "كي" حرف جر ودخلت على الاسم، فهي بمعنى لام التعليل، وإذا دخلت على الفعل دلت على العلة الغائية فقط، فهي أخص من اللام.
الثالث: أجاز الكسائي تقديم معمول معمولها عليها نحو: "جئت النحو كي أتعلم".
__________
= الشاهد: قوله: "لكيما أن تطير" حيث يجوز أن تكون كي مصدرية وأن مؤكدة لها، وأن تكون تعليلية مؤكدة للام، ولولا "أن" لوجب أن تكون "كي" مصدرية ولولا وجود اللام لوجب أن تكون تعليلية.
مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني 549/ 3، وابن هشام 363/ 3، والإنصاف 341/ 2، وابن يعيش 19/ 7، والشاهد 635 في الخزانة.
1 فيلزم تقديم الفرع على الأصل.
2 ب، ج.

(3/1232)


ومذهب الجمهور منع ذلك.
الرابع: إذا فصل بين "كي" والفعل لم يبطل عملها، خلافا للكسائي نحو: "جئت كي فيك أرغب" والكسائي يجيزه بالرفع لا بالنصب. قيل: والصحيح أن الفصل بينها وبين الفعل لا يجوز في الاختيار.
والخامس: زعم الفارسي أن أصل كما في قوله1:
وطَرْفُك إما جئتنا فاحبسنه ... كما يَحسبوا أن الهوى حيثُ تنظر
أي: "كيما" فحذفت الياء ونصب بها، وذهب المصنف إلى أنها كاف التشبيه كفت بما ودخلها معنى التعليل فنصبت، وذلك قليل.
وقد جاء الفعل بعدها مرفوعا في قوله2:
__________
1 قائله: هو جميل بن معمر، وقيل: لبيد العامري، وهو من الطويل.
اللغة: "طرفك" -بفتح الطاء- الطرف العين والمعنى وعينك.
الإعراب: "طرفك" طرف مبتدأ والكاف مضاف إليه "إما" أصله إِنْ مَا وإن للشرط وما زائدة و"جئتنا" فعل وفاعل ومفعول وهو فعل الشرط "فاصرفنه" الفاء واقعة في جواب الشرط والضمير المنصوب يرجع إلى الطرف والجملة كلها في موضع الرفع على الخبرية -و"أن" بفتح الهمزة- "الهوى" اسم أن "حيث تنظر" خبر أن، وأن مع اسمها وخبرها سد مسد المفعولين ليحسب.
الشاهد: قوله: "كما يحسبوا" حيث إن "كما" تنصب بنفسها بمعنى "كيما" واستدل به الكوفيون والمبرد، وعلامة النصب سقوط النون من يحسبوا، والصحيح ما ذهب إليه البصريون وهو المنع؛ لأنه لو كانت ناصبة مثل كيما لكثر في كلام العرب، ويحتمل أن تكون النون حذفت للضرورة، أو يكون الأصل كيما فحذفت الياء للضرورة.
مواضعه: ذكره الأشموني 550/ 3، والإنصاف 344/ 2، والسيوطي في الهمع 6/ 2.
2 قائله: هو رؤبة بن العجاج، وهو من الرجز.
المعنى: أنك إن شتمت شتمت وإذا لم تشتم لا تشتم ولعلك إن لم تشتم لا تشتم.
الإعراب: "لا" ناهية "تشتم" فعل مضارع مجزوم بلا وحرك بالكسر لالتقاء الساكنين والفاعل ضمير مستتر فيه "الناس" مفعول به "كما" ما كافة "تشتم" فعل مضارع مرفوع بالضمة الظاهرة والفاعل ضمير مستتر فيه.
الشاهد: قوله "كما لا تشتم" حيث رفع الفعل بعد قوله "كما" ولم ينصب، فقال الكوفيون: لأنها لم تكن بمعنى كيما؛ فلذلك لم تنصب، وقال البصريون: هذا على أصله؛ لأن "كما" ليست من النواصب.
مواضعه: ذكره الأشموني 551/ 3، وذكره سيبويه 459/ 1، والإنصاف 345/ 2.

(3/1233)


لا تَشْتِمِّ الناس كما لا تشتم ... ..........................
وإما أن تكون زائدة ومفسرة ومصدرية، فالزائدة: هي التي دخولها في الكلام كخروجها فيطرد زيادتها بعد "لما" نحو: {فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ} 1 وبين القسم ولو.
نحو2:
أما والله أن لو كنت حرا
ووقع لابن عصفور أن هذه رابطة والجواب "لو" وما دخلت عليه. وشذت زيادتها بعد كاف الجر في قوله3:
........................ ... كأَنْ ظبيةٍ ..............
__________
1 من الآية 96 من سورة يوسف.
2 قائله: لم أعثر على قائله، وأنشده سيبويه ولم يعزه إلى أحد، وهو من الوافر.
وعجزه:
وما بالحر أنت ولا العتيق
الإعراب: "أما" -بفتح الهمزة وتخفيف الميم- حرف استفتاح بمنزلة ألا ويكثر قبل القسم "والله" حرف قسم ومقسم به "أن" رابطة أو زائدة "لو" شرطية "كنت" كان واسمها "حرا" خبر كان والجملة فعل الشرط وجواب الشرط محذوف تقديره: لقاومتك.
الشاهد: قوله: "أن لو كنت" فإن أن فيه جعل حرفا يربط جملة القسم بجملة المقسم عليه. والذي ذهب إليه سيبويه أنها زائدة - بين القسم ولو.
مواضعه: ذكره أيضا السيوطي في الهمع 18/ 2.
3 قائله: هو لباعث بن صريم -بفتح الصاد- اليشكري، هو من الطويل.
وتمامه:
ويوما توافينا بوجه مقسم ... ...... تعطو إلى وارق السلم
اللغة: "مقسم" محسن وأصله من التقسمات وهي مجاري الدموع في أعالي الوجه "تعطو" قال الأعلم: العاطية: التي تتناول أطراف الشجر مرتعية "وارق" المورق -وفعله أوراق- وهو نادر "السلم" شجر بعينه.
المعنى: قال الأعلم: وصف امرأة حسنة الوجه فشبهها بظبية مخصبة.
الإعراب: "يوما" ظرف متعلق بالفعل بعده "توافينا" فعل مضارع فاعله ضمير مستتر عائد إلى المرأة الموصوفة ونا: مفعول "بوجه" متعلق بتوافي "مقسم" صفة لوجه "كأن" على رواة الجر الكاف حرف تشبيه وجر وأن زائدة "ظبية" مجرور بالكاف "تعطو" فعل مضارع وفاعله ضمير مستتر عائد إلى الظبية "إلى وارق" جار ومجرور متعلق بتعطو "السلم" مضاف إليه مجرور بالكسرة، وإنما سكن لأجل الوقف وجملة تعطو في محل رفع صفة لظبية.
الشاهد: قوله: "كأن ظبية" حيث وقعت أن زائدة بين الكاف ومجرورها.
مواضعه: راجعها في باب إن.

(3/1234)


في رواية الجر.
وفائدة زيادتها التوكيد، وزعم الزمخشري والشلوبين أنه ينجر مع التوكيد معنى آخر وهو أن الجواب يكون بعقب الفعل الذي يليها فتنبه على السببية والاتصال، وليست مثقلة في الأصل خلافا لزاعمه.
والمفسرة: وهي التي يحسن في موضعها أي. وعلامتها: أن تقع بعد جملة فيها معنى القول دون حروفه نحو: {فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا} 1.
فلو كان الذي قبلها غير جملة حكم عليها بأنها المصدرية نحو: "إشارتي إليك أن اصبر" ولا تقع المفسرة بعد صريح القول خلافا لبعضهم.
ومذهب الكوفيين أن التفسير ليس من معاني "أن" وهي عندهم الناصبة للفعل والمصدرية هي التي تؤول مع صلتها بمصدر، وتنقسم إلى مخففة من "أن" وناصبة للمضارع فإن كان العامل فيها فعل علم وجب أن تكون المخففة نحو: {عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ} 2 وتقدم ذكرها في بابها.
وإن كان فعل ظن جاز فيها الأمران، وجاز في الفعل بعدها الرفع والنصب بالاعتبارين، إلا أن النصب هو الأكثر؛ ولذلك أجمع عليه في قوله تعالى: {أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا} 3 وقرئ بالوجهين: {وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ} 4.
وإن كان العامل فيها غير العلم والظن وجب أن تكون الناصبة للفعل نحو: "أريد أن تفعل" وإلى هذا التقسيم أشار بقوله:
........................... ... لا بَعْدَ عِلْمٍ والتي من بَعْدِ ظَنْ
فانْصِبْ بها والرَّفْعَ صَحِّحْ واعْتَقِدْ ... تَخْفِيفَها مِنْ أنَّ فهو مُطَّرِدْ
أي: فاعتقد تخفيفها من "أن" إذا رفعت الفعل بعدها.
__________
1 من الآية 27 من سورة المؤمنون.
2 من الآية 20 من سورة المزمل.
3 من الآية 2 من سورة العنكبوت.
4 من الآية 71 من سورة المائدة.

(3/1235)


تنبيهات:
الأول: إذا أول العلم بغيره جاز وقوع الناصبة بعده؛ ولذلك أجاز سيبويه "ما علمت إلا أن تقوم" -بالنصب- قال: لأنه كلام خرج مخرج الإشارة، فجرى مجرى قولك: "أشير عليك أن تقوم".
وعن أبي العباس: أن الناصبة لا تأتي بعد لفظ العلم أصلا.
الثاني: أجاز سيبويه والأخفش إجراءها بعد الخوف مجراها بعد العلم لتيقن المخوف نحو: "خفت أن لا تفعل" أو "خشيت أن تقوم" -بالرفع- ومنع ذلك المبرد.
الثالث: أجاز الفراء وابن الأنباري أن تنصب بعد العلم غير المؤول، ومذهب الجمهور المنع.
الرابع: أجاز الفراء تقديم معمول معمولها عليها، مستشهدا بقوله1:
ربَّيتُه حتى إذا تَمَعْدَدَا ... كان جزائِي بالعصا أن أُجْلَدَا
قال في التسهيل: ولا حجة فيما استشهد به لندوره، أو إمكان تقدير عامل مضمر.
__________
1 قائله: لم أعثر على قائله، وهو من الرجز.
اللغة: "تمعدد" غلظ وشب.
المعنى: ربيت ابني حتى إذا غلظ وشب وكان جزائي أن أجلد بالعصا.
الإعراب: "ربيته" فعل وفاعل ومفعول "حتى" حرف ابتداء "إذا" ظرفية شرطية "تمعددا" فعل ماض في موضع الشرط والفاعل ضمير مستتر والألف للإطلاق وإذا منصوبة بشرطها أو جوابها "كان" فعل ماض ناقص "جزائي" اسم كان والياء مضاف إليه، وكان جزائي في موضع الجواب وجملة أن أجلدا في محل نصب خبر كان والألف للإطلاق.
الشاهد: قوله: "بالعصا أن أجلدا" فإن قوله "بالعصا" يتعلق بأجلد، وأجلد معمول أن وصلتها، وقوله "بالعصا" معمول معمول أن، وأجب بأنه نادر لا يقاس عليه، أو تؤول بأن، التقدير: كان جزائي أن أجلد بالعصا أن أجلد، فحذف من الأول لدلالة الثاني عليه.
مواضعه: ذكره الأشموني 522/ 3، والسيوطي في الهمع 88، 112/ 1، والشاهد 643 في الخزانة.

(3/1236)


الخامس: أجاز الأخفش أن تعمل وهي زائدة، واستدل بالسماع كقوله تعالى: {وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ}1 وبالقياس على حرف الجر الزائد.
ولا حجة في ذلك؛ لأنها في الآية ونحوها مصدرية دخلت بعد "ما لنا" لتأوله بما منعنا. والفرق بينها وبين حرف الجر أن اختصاص باقٍ مع الزيادة بخلاف "أن" فإنها قد وليها الاسم في "كأن ظبية".
السادس: إذا وصلت "أن" بالماضي والأمر فهي التي تنصب المضارع خلافا لابن طاهر فإنه جعلها غيرها.
السابع: جملة ما ذكر لأن عشرة أقسام: ناصبة للمضارع ومخففة، وزائدة، ومفسرة، وشرطية، وبمعنى لا، وبمعنى لئلا، وبمعنى إذ، وبمعنى أن المخففة، وجازمة.
وقد تقدم الكلام عن الأربعة الأُول ولم يثبت ما سواها.
وأما الجازمة، فقال في التسهيل: ولا يجزم بها خلافا لبعض الكوفيين، انتهى. ووافقهم أبو عبيدة. وحكى اللحياني2 أنها لغة بني صباح؛ وقال الرؤاسي3: فصحاء العرب تنصب بأن وأخواتها الفعل، ودونهم قوم يرفعون بها، ودونهم قوم يجزمون بها، وقد أنشدوا على ذلك أبياتا:
وبعضُهم أهملَ أَنْ حَمْلا علَى ... ما أخْتِها حيث استحقَّتْ عَمَلا
يعني: أن بعض العرب أهمل أن الناصبة حيث استحقت العمل، وذلك إذا لم يتقدمها علم أو ظن كقوله4:
أَنْ تَقْرآنِ على أسماءَ ويْحَكُمَا ... مني السلام وأن لا تُشْعِرَا أَحَدَا
__________
1 من الآية 246 من سورة البقرة.
2 هو علي بن المبارك اللحياني من بني لحيان، وقيل: سمي به لعظم لحيته، وأخذ عن الكسائي وأبي عمرو الشيباني وغيرهما، وله النوادر المشهورة.
3 محمد بن الحسن الرؤاسي النحوي، سمى الرؤاسي لأنه كان كبير الرأس، وهو أول من وضع من الكوفيين كتابا في النحو، وهو أستاذ الكسائي والفراء، وله من الكتب: الفيصل، الوقف والابتداء الكبير، وغير ذلك.
4 قائله: لم أعثر على قائله، وهو من البسيط. =

(3/1237)


فإن الأولى والثانية مصدريتان غير مخففتين وقد أعملت إحداهما وأهملت الأخرى، ومنه قراءة بعضهم: "لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمُّ الرَّضَاعَة"1.
ووجه إهمالها حملها على "ما" أختها، أعني: ما المصدرية، هذا مذهب البصريين، وأما الكوفيون فهي عندهم "المخففة من الثقيلة"2، وقوله في التسهيل: كونها المخففة أو المحمولة عليها أو على المصدرية يقتضي قولا ثالثا.
فإن قلت: هل يقاس على ذلك؟
قلت: ظاهر كلام المصنف أن إهمالها مقيس.
قال في شرح الكافية: ثم نبهت على أن من العرب من يجيز الرفع بعد أن الناصبة السالمة من سبق علم أو ظن.
ونَصَبُوا بإِذَنِ المسْتَقْبَلا ... إن صُدِّرَتْ والفعلُ بعدُ مُوصَلا
"إذن" حرف ينصب المضارع بثلاثة شروط:
الأول: أن يكون مستقبلا، فإن كان حالا رفع؛ لأن النواصب تخلص للاستقبال.
__________
= اللغة: "تقرآن" تبلغان وتقولان "ويحكما" مصدر معناه رحمة لكما.
المعنى: أرجو يا صاحبي أن تبلغا محبوبتي أسماء تحيتي وألا تخبرا بذلك أحدا.
الإعراب: "أن" مصدرية مهملة "تقرآن" فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والألف فاعل، وهو في محل نصب بدل من حاجة في بيت قبله، أو في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف عائد إلى حاجة، أي: هي أن تقرآن "ويحكما" منصوب بفعل محذوف من معناه، وهو مصدر مضاف إلى ضمير المخاطبين "مني" متعلق بتقرآن "السلام" مفعول تقرآن "وأن لا" أن مصدرية ناصبة ولا نافية "تشعران" فعل مضارع منصوب بأن والألف فاعل "أحدا" مفعول.
الشاهد: قوله: "أن تقرآن" حيث أهملت "أن" عن العمل حملا على أختها ما المصدرية، ورفع الفعل.
مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني 553/ 2، وابن هشام 365/ 3، والمكودي ص144، وابن الناظم، وذكره ابن هشام في المغني 201/ 2، وابن يعيش 15/ 7، والإنصاف 229/ 2، والشاهد 642 في الخزانة.
1 من الآية 233 من سورة البقر، وهي قراءة ابن محيصن.
2 ب، ج.

(3/1238)


الثاني: أن تكون مصدرة، فإن تأخرت ألغيت حتما، نحو: "أكرمك إذن" وإن توسطت وافتقر ما قبلها لما بعدها فكذلك.
قال في شرح الكافية: وشذ النصب بإذن بين خبر وذي خبر في قول الراجز1:
لا تَتْرُكَنِّي فيهم شَطِيرَا ... إني إِذَنْ أُهْلَكَ أو أَطِيرَا
قلت: نقل جواز ذلك عن بعض الكوفيين، وتأوله البصريون على حذف الخبر، والتقدير: إني لا أقدر على ذلك، ثم استأنف بإذن فنصب. وإن تقدمها حرف عطف فسيأتي.
والثالث: ألا يفصل بينها وبين الفعل بغير القسم، فإن فصل بينهما بغيره ألغيت نحو: "إذن زيد يكرمك"، وإن فصل به لم يعد حاجزا نحو: "إذن والله أكرمك".
تنبيه:
أجاز ابن عصفور الفصل بالظرف نحو: "إذن غدا أكرمك" وأجاز ابن بابشاذ: الفصل بالنداء والدعاء نحو: "إذن يا زيد أحسن إليك" و"إذن يغفر الله لك يدخلك الجنة" ولم يسمع شيء من ذلك، فالصحيح منعه.
__________
1 قائله: لم أعثر على قائله، وهو من الرجز.
اللغة: "شطيرا" -بفتح الشين وكسر الطاء- غريبا أو بعيدا "أطير" أذهب بعيدا.
المعنى: لا تتركني وتصيرني مثل البعيد والغريب بين هؤلاء، فإني إذن أموت أو أرحل بعيدا عنهم.
الإعراب: "لا تتركني" ناهية وفعل مضارع مؤكد بالنون الثقيلة، والنون للوقاية والياء مفعول أول "فيهم" جار ومجرور متعلق بشطير "شطيرا" مفعول ثان أو حال "إني" إن واسمها "أهلك" فعل مضارع منصوب بإذن، والفاعل ضمير مستتر فيه والجملة في محل رفع خبر إن "أو أطيرا" عطف على أهلك.
الشاهد: قوله: "إذن أهلك" حيث نصب إذن المضارع وإذن غير واقعة في صدر الجملة؛ لأنها معترضة بين اسم إن وخبرها. ويخرج على أنه ضرورة أو على أن خبر "إن" محذوف؛ أي: لا أقدر على ذلك ثم استأنف بعده، فتكون إذن في صدر جملة مستأنفة.
مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني 554/ 3، وابن هشام 370، وابن الناظم، والشاهد 649 في الخزانة.

(3/1239)


وأجاز الكسائي وهشام الفصل بمعمول الفعل، وفي الفعل1 حينئذ وجهان.
والاختيار عند الكسائي النصب، وعند هشام الرفع.
وقد اشتمل البيت على "ذكر"2 الشروط الثلاثة، ثم أشار إلى أن الفصل بالقسم مغتفر بقوله:
أو قبله اليمينُ
ثم نبه على حكمها بعد العاطف فقال:
........... وانْصِبْ وارْفَعَا ... إِذَا إِذَنْ من بعد عَطْفٍ وَقَعَا
والرفع أجود الوجهين وبه قرأ السبعة، وفي الشواذ: "وَإِذًا لَا يَلْبَثُوا"3 على الإعمال.
تنبيهات:
الأول: أطلق في العطف، وفصل بعضهم فقال: إن كان العطف على ماله محل ألغيت نحو: "إن تزرني أزرك وإن أحسن إليك" بجزم أحسن عطفا على جواب الشرط.
وإن كان على ما لا محل له، فالأكثر الإلغاء كالآية.
الثاني: إلغاء إذن مع استيفاء الشروط لغة نادرة حكاها عيسى وسيبويه ولا يقبل قول من أنكرها.
الثالث: مذهب الجمهور أن "إذن" حرف. وذهب بعض الكوفيين إلى أنها اسم وأصلها "إذًا" والأصل أن تقول: "إذا جئتني أكرمك" فحذف ما يضاف إليه وعوض منه التنوين، والصحيح مذهب الجمهور.
ثم اختلف القائلون بحرفيتها؛ فقال الأكثرون: إنها بسيطة، وذهب الخليل في أحد أقواله إلى أنها مركبة من "إذ" و"إن".
__________
1 أ، ج وفي ب "الفصل".
2 أ، ج.
3 من الآية 76 من سورة الإسراء.

(3/1240)


ثم اختلف القائلون بأنها بسيطة، فذهب الأكثرون إلى أنها ناصبة بنفسها.
وذهب الخليل فيما روى عنه أبو عبيدة أنها ليست ناصبة بنفسها، وأن مضمرة بعدها، وإليه ذهب الزجاج والفارسي.
الرابع: إذا وقع بعدها الماضي مصحوبا باللام كقوله تعالى: {إِذًا لَأَذَقْنَاكَ} 1. فالظاهر أن اللام جواب قسم مقدر قبل إذن. وقال افراء: لو مقدرة قبل إذن. والتقدير: لو ركنت إليهم لأذقناك، وقدر في كل موضع ما يليق به.
الخامس: قال سيبويه: معناها الجواب والجزاء "يعني إذن"2 وحمله الشلوبين على ظاهره، وأنها للجواب والجزاء في كل موضع، وتكلف تخريج ما خفي فيه ذلك.
وذهب الفارسي إلى أنها قد ترد لهما، وهو الأكثر، وقد تكون للجواب وحده نحو أن يقول القائل: "أحبك" فتقول: "إذن أظنك صادقا" فلا يتصور هنا الجزاء. وحمل كلام سيبويه على ذلك كما قال في نعم: إنها عدة وتصديق باعتبار حالين.
وقال بعضهم: إذن وإن دلت على أن ما بعدها متسبب عما قبلها على وجهين؛ أحدهما: أن تدل على إنشاء الارتباط بحيث لا يفهم من غيرها. والثاني: أن تكون "واردة"3 جوابا ارتبط بمتقدم أو منبهة على سبب "حصل"4 في الحال نحو: "إن أتيتني إذن آتيك" أو "إذن أظنك صادقا" تقوله لمن يحدثك "وهي في الحالين غير عاملة"5.
وبَيْنَ لا ولام جر التُزِمْ ... إظهارُ أن ناصبة وإن عُدِمْ
لا فأَنَ اعْمِلْ مُظهِرا أو مُضْمَرا ... وبعد نفي كان حتما أُضْمِرَا
__________
1 من الآية 75 من سورة الإسراء.
2 ب، ج.
3 أ، وفي ب، ج "مؤكدة".
4 أ، وفي ب، ج "حصل".
5 أ، ج.

(3/1241)


"اعلم" أن أقوى نواصب الفعل "أن" لاختصاصها به ولشبهها بأن الناصبة للاسم؛ فلذلك عملت مظهرة ومضمرة بخلاف أخواتها، وإضمارها على ثلاثة أضرب: واجب، وجائز، وشاذ.
فالواجب بعد ستة أشياء؛ أولها: "كي" الجارة. وثانيها: لام الجحود. وثالثها: "أو" بمعنى إلى أو إلا. ورابعها: حتى. وخامسها: فاء الجواب. وسادسها: واو المصاحبة.
والجائز بعد شيئين؛ الأول: لام كي إذا لم يكن معها لا. والثاني: العاطف على اسم خالص.
والشاذ: إعمالها مضمرة في غير هذه المواضع.
والحاصل: أنها لا تعمل مضمرة باطراد إلا بعد حرف جر أو حرف عطف على ما سيأتي بيانه.
فأما "كي" الجارة، فلم ينبه في النظم عليها؛ بل ظاهر كلامه هنا موافقة من يقول: إنها ناصبة بنفسها دائما؛ لأنه ذكرها مع النواصب، ولم يذكرها غير ذلك. وقد ذكر لها في الكافية وغيرها الحالين.
وقد اشتمل هذان البيتان على حكم "أن" بعد لام كي ولام الجحود.
فأما لام كي فهي لام التعليل، ولأن بعدها حالان، حال يجب فيه إظهارها وذلك مع الفعل المقرون بلا النافية أو الزائدة، كقوله تعالى: {لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ} 1.
وحال يجوز فيه إظهارها وإضمارها، وذلك مع الفعل غير المقرون بلا نحو: "جئت لتكرمني".
ولو أظهرت فقلت: لأن تكرمني، لجاز.
فإن قلت: فهل يجوز أن يكون النصب بعدها بإضمار كي؟
__________
1 من الآية 29 من سورة الحديد.

(3/1242)


قلت: أجاز ذلك ابن كيسان والسيرافي، ومذهب الجمهور أن كي لا تضمر؛ لأنه لم يثبت إضمارها في غير هذا الموضع.
فإن قلت: لِمَ سميت لام كي؟
قلت: لأنها للسبب كما أن كي للسبب.
وأما لام الجحود، فهي الواقعة بعد كان المنفية الناقصة الماضية لفظا أو معنى نحو: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ} 1 و {لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ} 2.
والفعل بعدها منصوب بأن مضمرة واجبة الإضمار، وعلل ذلك بأن إيجاب "ما كان زيد ليفعل" "كان زيد سيفعل" جعلت اللام في مقابلة السين، فكما أنه لا يجمع بين أن والسين كذلك لا يجمع بين أن واللام.
فإن قلت: حاصل كلام الناظم أن لأن بعد لام الجر ثلاثة أحوال: وجوب إظهارها مع المقرون بلا، ووجوب إضمارها بعد نفي كان، وجواز الأمرين فيما عدا ذلك، وهذا غير محرر من ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه لم يقيد بالناقصة، فأوهم أنه يجب الإضمار أيضا بعد التامة، وليس كذلك؛ لأن اللام بعدها ليست لام الجحود.
الثاني: أنه يوهم "أن"3 اختصاص هذا الحكم بالماضية لفظا، وقد تقدم أن الماضية معنى كالماضية لفظا.
والثالث: أنه أطلق فشمل إطلاقه النفي بكل نافٍ، وليس كذلك؛ لأن النفي هنا لا يكون إلا بما أو بلم ولا يكون بأن ولا بلما ولا بلا ولا بلن. نص على ذلك في الارتشاف.
قلت: قد يجاب عن الأول بأن استعمال الناقصة أكثر، وذكرها في أبواب النحو أشهر فتوجه كلامه إليها، وتعين حمله عند عدم التقييد عليها.
__________
1 من الآية 179 من سورة آل عمران.
2 من الآية 137 من سورة النساء.
3 ب، ج.

(3/1243)


وعن الثاني: بأنه لم يكن مندرجا في قوله: "ونفى كان" لأن المراد نفي الماضي، ولم تنف الماضي، على أن من النحويين من يرى أنها تصرف لفظ الماضي دون معناه.
وعن الثالث: أن قوله: "نفي كان" لا يشمل كل نافٍ، بل يشمل كل ما ينفي الماضي فخرجت "لن" لأنها تختص بالمستقبل، وكذلك "لا" فإن نفي غير المستقبل بها قليل، وأما لما فإنها وإن كانت تنفي الماضي تدل على اتصال نفيه بالحال بخلاف "لم" وأما "أن" فهي بمعنى "ما" وإطلاقه يشملها، وفي استثنائها نظر.
بل الظاهر أن لام الجحود تقع بعد النفي بها، ويدل على ذلك قراءة غير الكسائي: {وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ} 1، ونص بعضهم على أن اللام في غير قراءته لام الجحود.
وفي هذه الآية رد على من زعم أن الفعل بعد لام الجحود لا يرفع إلا ضمير الاسم السابق.
وقد فهم من النظم فوائد:
الأول: أن ذلك لا يكون في أخوات كان؛ لتخصيص الحكم بها خلافا لمن أجازه قياسا في أخواتها، ولمن أجازه في ظننت.
والثانية: أن الفعل معها لا يكون موجبا، فلا يقال: "ما كان زيد إلا ليفعل" لأنها إذ ذاك بعد إيجاب لا بعد نفي كان.
الثالثة: أن إظهار أن بعد لام الجحود ممتنع؛ لقوله: "حتما أضمرا"، وهذا مذهب البصريين.
وأما الكوفيون فحكى ابن الأنباري عنهم منع ذلك، وحكى غيره عن بعضهم جواز إظهار أن بعدها توكيدا.
__________
1 سورة إبراهيم الآية 46. أما قراءة الكسائي فهي بفتح اللام ورفع الفعل بأن مخففة من الثقيلة واللام للفصل، أي: وإن مكرهم لنزول منه الأمور المشبهة في عظمها بالجبال كبأس أعدائهم الكثيرين.

(3/1244)


تنبيهات:
الأول: أجاز بعض النحويين حذف لام الجحود وإظهار أن مستدلا بقوله تعالى: {وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى} 1.
واضطراب ابن عصفور فمرة أجاز ومرة منع، والصحيح المنع، ولا حجة لهم في الآية؛ لأن "أن يفترى" في تأويل مصدر هو الخبر.
الثاني: قد فهم مما تقدم أن لام الجر التي ينصب الفعل بعدها قسمان: لام كي ولام الجحود.
أما لام الجحود فقد تقدم ضابطها.
وأما لام كي فهي ما عداها، وقسم بعضهم ما عدا لام الجحود إلى ثلاثة أقسام كما فعل الشارح: لام كي نحو: "جئت لتحسن إلي" ولام العاقبة نحو: {فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا} 2 ولام زيادة نحو: {يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ} 3.
وأن بعد هذه الثلاثة يجوز إظهارها وإضمارها.
قلت: أما لام العاقبة، وتسمى أيضا لام الصيرورة، ولام المآل، فقد أثبتها الكوفيون والأخفش وذكرها في التسهيل، وتأول جمهور البصريين ما أوهم ذلك، وردوه إلى لام كي.
وأما الزيادة، فذهب قوم إلى أن اللام في نحو: {يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا} 4 {وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ} 5 زائدة وأن مقدرة بعدها.
وقال الفراء: العرب تجعل لام كي في موضع أن في أردت وأمرت، والمختار أنها لام كي.
__________
1 من الآية 37 من سورة يونس.
2 من الآية 8 من سورة القصص.
3 من الآية 26 من سورة النساء.
4 من الآية 8 من سورة الصف.
5 من الآية 71 من سورة الأنعام.

(3/1245)


والتقدير: يريدون ما يريدون من الكفر ليطفئوا، وأمرنا بما أمرنا لنسلم.
الثالث: ما ذكر من أن اللام التي "تنصب الفعل"1 بعدها هي لام الجر، والنصب بأن مضمرة، هو مذهب البصريين، وذهب الكوفيون إلى أن اللام ناصبة بنفسها، وذهب ثعلب إلى أن اللام ناصبة بنفسها لقيامها مقام أن، والخلاف في اللامين -أعني: لام كي ولام الجحود- واحد.
الرابع: اختلف في الفعل الواقع بعدم اللام، فذهب الكوفيون إلى أنه خبر "كان" واللام للتوكيد. وذهب البصريون إلى أن الخبر محذوف، واللام متعلقة بذلك الخبر المحذوف وقدروه: "ما كان زيد مريدا ليفعل"، وإنما ذهبوا إلى ذلك لأن اللام جارة عندهم، وما بعدها في تأويل مصدر، وصرح المصنف بأنها مؤكدة لنفي الخبر -وظاهره موافقة الكوفيين- إلا أن الناصب عنده أن مضمرة، فهو قول ثالث، قال الشيخ أبو حيان: ليس بقول بصري ولا كوفي، ومقتضى قوله مؤكدة أنها زائدة. وصرح به الشارح، وقال في شرحه لهذا الموضع من التسهيل: سميت مؤكدة لصحة الكلام بدونها، لا لأنها زائدة، إذ لو كانت زائدة لم يكن لنصب الفعل بعدها وجه صحيح، وإنما هي لام اختصاص دخلت على الفعل لقصد ما كان زيد مقدرا أوهاما أو مستعدا لأن يفعل.
قلت: ما نقل عن البصريين من أنها متعلقة بالخبر المحذوف يقتضي أنها ليست بزائدة وتقدرهم مريدا يقتضي أنها زائدة مقوية للعامل. فليتأمل.
الخامس: ذكر في التسهيل أن فتح اللام الجارة الداخلة على الفعل لغة عكل وبلعنبر.
وقال أبو زيد: سمعت من يقرأ: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ} 2.
ثم انتقل إلى "أو" فقال:
كَذاكَ بعد أو إذا يَصْلحُ في ... موضِعِها حتى أَوِ الَّا أَنْ خَفى
__________
1 ب، ج وفي أ "ينصب".
2 من الآية 33 من سورة الأنفال.

(3/1246)


يعني: أن "أن" يجب إضمارها بعد "أو" إذا صلح في موضعها حتى أو إلا كما وجب إضمارها بعد لام الجحود.
فإن قلت: حتى "تكون"1 بمعنى إلى وبمعنى كي فأيهما أراد؟
قلت: قال الشارح: حتى التي بمعنى إلى لا التي بمعنى كي، فإن كان ما قبلها ينقضي شيئا فشيئا فهي بمعنى إلى وإلا فهي بمعنى إلا. انتهى.
يحتمل أن يريد المعنيين معا، وذلك أن بعضهم قدرها بكي، وبعضهم قدرها بإلى.
وأما سيبويه فقدرها بإلا، فكأنه أشار إلى الأولين بذكر حتى، ويصلح للتقديرات الثلاثة قولهم: "لألزمنك أو تقضيني حقي" فإنه يصلح للتعليل وللغاية وللاستثناء من الأزمان.
ويتعين الأول في نحو: "لأطيعن الله أو يغفر لي". والثاني في نحو: "لأنتظرنه أو يجيء"، والثالث في نحو: "لأقتلن الكافر أو يسلم"، وبذلك "يضعف"2 قول من قال: إن تقديرا "بإلا مطرد، وقول من قال: إن تقديرها"3 بكي أو إلى مطرد، ويؤيد الاحتمال الثاني أنه لو أراد حتى التي بمعنى إلى فقط لصرح بإلى والوزن موات له على ذلك.
تنبيهات:
الأول: احترز بقوله: "إذا يصلح في موضعها "حتى أو إلا " من التي لا يصلح في موضعها"4 أحد الحرفين، فإن المضارع إذا ورد بعدها منصوبا جاز إظهار أن كقوله5:
__________
1 أ، ج.
2 ب، ج.
3 ب، ج.
4 أ.
5 قائله: هو الحصين بن حمام المري، وهو من الطويل. =

(3/1247)


ولولا رجالٌ من رِزَامٍ أعزةٌ ... وآلُ سُبيع أو أسوءَك عَلْقَمَا
الثاني: ما ذكر من تقدير حتى أو إلا في مكان أو تقدير لحظ فيه المعنى دون الإعراب، والتقدير الإعرابي المرتب على اللفظ أن يقدر قبل "أو" مصدر وبعدها "أن" الناصبة للفعل، وهما في تأويل مصدر معطوف بأو على المقدر قبلها فتقدير "لأنتظرنه أو يقدم": ليكونن انتظارٌ أو قدومٌ.
الثالث: ذهب الكسائي إلى أن "أو" المذكورة ناصبة بنفسها، وذهب الفراء ومن وافقه من الكوفيين إلى أن الفعل انتصب بالمخالفة، والصحيح أن النصب بأن مضمرة بعدها؛ لأن "أو" حرف عطف فلا عمل لها ولكنها عطفت مصدرا مقدرا على مصدر متوهم، ومن ثَمَّ لزم إضمار أَنْ بعدها.
الرابع: قوله: "إذا يصلح في موضعها حتى أو إلا" أجود من قول الشارح بعد أو بمعنى إلى أو إلا، فإنه يوهم أن "أو" ترادف الحرفين، وليس كذلك، بل هي أو العاطفة التي لأحد الشيئين.
ثم انتقل إلى حتى فقال:
وبعد حتى هكذا إضمارُ أن ... حَتْمٌ كجُدْ تَسُرَّ ذا حَزَنْ
حتى في الكلام على ثلاثة أضرب: عاطفة، وابتدائية، وجارة.
فالعاطفة: تعطف بعضا على كل، وتقدمت في حروف العطف.
__________
= اللغة: "رزام" -بكسر الراء وتخفيف الزاي- هو أبو حي من تميم واسمه رزام بن مالك بن عمرو بن تميم.
الإعراب: "ولولا" الواو للعطف ولولا حرف امتناع لوجود "رجال" مبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة "من رزام" جار ومجرور صفة لرجال والتقدير: لولا رجال كائنون من رزام "أعزة" صفة أخرى وخبر المبتدأ محذوف أي: كائنون "وآل" عطف عليه "سبيع" مضاف إليه "أو أسوءك" فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد أو العاطفة والفاعل ضمير مستتر فيه والكاف مفعول "علقما" منادى مرخم تقديره: يا علقمة، فحذف حرف النداء فصار علقمة ثم رخمه فصار علقم -بفتح الميم- على ما كان ثم أشبع الفتحة ألفا.
الشاهد: قوله "أو أسوءك" حيث نصب الفعل بعد أو بتقدير أن.
مواضعه: ذكره الأشموني 559/ 3، والسيوطي في الهمع 10/ 2، وسيبويه 429/ 1.

(3/1248)


والابتدائية: تدخل على جملة مضمونها غاية لشيء قبلها كقوله1:
.......... حتى ماءُ دجلةَ أَشْكَلُ
وليس المعنى أنه يجب أن يكون بعدها المبتدأ والخبر، بل المعنى على الصلاحية، فمتى كان بعدها جملة فعلية مصدرة بماض نحو: {حَتَّى عَفَوْا} 2 أو بمضارع مرفوع تقول: "شربت الإبل حتى يجيء البعير يجر بطنه" أطلق عليها حرف ابتداء.
والجارة: تدخل على الاسم الصريح بمعنى إلى وتقدمت في حروف الجر، وتدخل على المضارع ويجب حيئنذ إضمار أن بعدها ناصبة؛ لتكون مع الفعل في تأويل مصدر مجرور بحتى ولا يجوز إظهار أن بعدها.
تنبيهات:
الأول: قال في شرح التسهيل عند ذكر حتى الجارة ومجرورها إما اسم صريح نحو: {حَتَّى حِينٍ} 3 أو مصدر مؤول من أن وفعل ماض نحو: {حَتَّى عَفَوْا} أو مضارع نحو: {حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ} 4.
ونوزع في الماضي فإن حتى قبله ابتدائية وأن غير مضمرة.
__________
1 قائله: هو جرير بن عطية الخطفي من قصيدة يهجو بها الأخطل، وهو من الطويل.
وتمامه:
فما زالت القتلى تمج دماءها ... بدجلة ....................
اللغة: "القتلى" جمع قتيل "تمج" ترمي وتقذف "دجلة" -بكسر الدال- نهر العراق "أشكل" ماء أشكل إذا خالطه دم، والأشكل الذي يخالطه حمرة.
الإعراب: "فما" الفاء عاطفة وما نافية "زالت" من أخوات كان "القتلى" اسم ما زالت "تمج" فعل مضارع والفاعل ضمير مستتر فيه "دماءها" مفعول به والهاء مضاف إليه والجملة في محل نصب خبر ما زال "بدجلة" الباء ظرفية، أي: في دجلة "حتى" حرف ابتداء "ماء" مبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة "دجلة" مضاف إليه "أشكل" خبر المبتدأ.
الشاهد: قوله: "حتى" حيث دخلت على الجملة الاسمية؛ لأنها حرف ابتداء.
مواضعه: ذكره الأشموني في شرحه للألفية 562/ 3، وابن الناظم.
2 من الآية 95 من سورة الأعراف.
3 من الآية 35 من سورة يوسف.
4 من الآية 214 من سورة البقرة.

(3/1249)


الثاني: ذهب الكوفيون إلى أن حتى ناصبة بنفسها وأجازوا إظهار أن بعدها توكيدا كما أجازوا ذلك بعد لام الجحود.
الثالث: إذا انتصب المضارع بعد حتى، فالغالب أن تكون للغاية؛ كقوله تعالى: {لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى} 1 وعلامتها "أن يصلح في موضعها إلى، وقد تكون للتعليل نحو: "جد حتى تسر ذا حزن" وعلامتها"2 أن يحسن في موضعها كي، وزاد في التسهيل: أنها تكون بمعنى إلا أن، كقوله3:
ليس العطاءُ من الفضول سماحةً ... حتى تجودَ وما لديك قليلُ
وهذا معنى غريب، وممن ذكره ابن هشام وحكاه في البسيط عن بعضهم. ولا حجة في البيت لإمكان جعلها فيه بمعنى إلى.
ثم نبه على أن "الفعل بعدها لا يكون إلا مستقبلا حقيقة"4 أو حكما.
وتِلوَ حتى حالا أو مؤولا ... به ارفعَنَّ وانصب المستقبلا
مثال الحال قولهم: "سألت عنك حتى لا أحتاج إلى سؤال"، ومثال المؤول بالحال كقراءة نافع: {وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ}5.
__________
1 من الآية 91 من سورة طه.
2 ب، ج.
3 قائله: قال العيني: لم ينسب لقائل، وفي الدرر اللوامع قال: للمقنع الكندي، وهو من الكامل.
اللغة: "الفضول" المال الزائد "سماحة" الجود والكرم.
الإعراب: "ليس" فعل ماض ناقص "العطاء" اسمها مرفوع بالضمة الظاهرة "من الفضول" جار ومجرور في محل رفع صفة للعطاء "سماحة" خبر ليس، والتقدير: ليس العطاء الحاصل من فضول المال سماحة وجودا "حتى" للغاية "تجود" فعل مضارع منصوب بتقدير أن "وما لديك قليل" جملة حالية.
الشاهد: قوله: "حتى تجود" فإن حتى فيه بمعنى إلا أن، فحتى هنا بمعنى الاستثناء.
مواضعه: ذكره الأشموني 560/ 3، والسيوطي في الهمع 9/ 2.
4 ب، ج وفي أ "منصوب الفعل لا يكون بعدها إلا مستقبلا حقيقة".
5 من الآية 214 من سورة البقرة.

(3/1250)


والمراد بالمؤول بالحال أن يكون الفعل قد وقع فيقدر اتصافه بالدخول فيه فيرفع؛ لأنه حال بالنسبة إلى تلك الحال، وقوله: "وانصب المستقبلا" يعني: حقيقة أو بتأويل. فالمستقبل حقيقة نحو: "لأسيرن حتى أدخل المدينة" والمؤول كقراءة غير نافع: {وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ} "والمراد"1 به أن يكون الفعل قد وقع فيقدر المخبر به اتصافه بالعزم فينصب؛ لأنه "مستقبل بالنسبة إلى تلك الحال"2.
تنبيهات:
الأول: إذا كان الفعل حالا أو مؤولا به فحتى ابتدائية وإذا كان مستقبلا أو مؤولا به فهي الجارة وأن مضمرة بعدها كما تقدم.
الثاني: علامة كونه حالا أو مؤولا به صلاحية جعل الفاء في موضع حتى، ويجب حينئذ أن يكون ما بعدها فضلة مسببا عما قبلها.
الثالث: قد فهم مما ذكر أن الرفع يمتنع في نحو: "كان سيري حتى أدخلها" إذا جعلت ناقصة؛ لأنه لو رفع لكانت حتى ابتدائية، فتبقى كان بلا خبر، وفي نحو: "سرت حتى تطلع الشمس" لانتفاء السببية خلافا للكوفيين، وفي نحو: "ما سرت أو أسرت حتى تدخل المدينة" مما يدل على حدث غير واجب؛ لأنه لو رفع لزم أن يكون مستأنفا مقطوعا بوقوعه وما قبلها سبب له، وذلك لا يصح لأن ما قبلها منفي في "ما سرت" ومشكوك في وقوعه في "أسرت" فيلزم وقوع المسبب مع نفي السبب أو الشك فيه، وأجاز الأخفش الرفع في نحو: "ما سرت حتى أدخل المدينة" فقيل: هي مسألة خلاف بينه وبين سيبويه، وقيل: إنما أجازه على أن يكون أصل الكلام واجبا ثم أدخلت أداة النفي على الكلام بأسره، فنفيت أن يكون سير كان عنه دخول.
قال ابن عصفور: وهذا الذي قاله جيد وينبغي ألا يعد هذا خلافا.
الرابع: ذهب أبو الحسن إلى أن حتى إذا كانت بمعنى الفاء فهي عاطفة وتعطف الفعل على الفعل، وذلك إذا دخلت على الماضي أو المستقبل على جهة السبب نحو: "ضربت زيدا حتى بكى" و"لأضربنه حتى يبكي".
__________
1 ب، ج.
2 ب.

(3/1251)


ومذهب الجمهور أنها ابتدائية كما سبق؛ لأنها إنما تعطف المفردات.
وثمرة الخلاف أن الأخفش يجيز الرفع في يبكي على العطف، والجمهور لا يجيزون فيه إلا النصب، ثم انتقل إلى فاء الجواب فقال:
وبَعْدَ فَا جوابِ نَفْي أو طَلَبْ ... مَحْضَيْنِ أَنْ وسَتْرُهَا حَتْمٌ نَصَبْ
يعني: أن "أن" تنصب الفعل مضمرة بعد فاء جواب نفي نحو: {لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا} 1 أو طلب وهو أمر أو نهي أو دعاء أو استفهام أو عرض أو تحضيض أو تمن، فالأمر نحو: "اضرب زيدا فيستقيم" والنهي: {لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ} 2 والدعاء: {رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا} 3 والاستفهام: {فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا} 4 والعرض قول بعض العرب: "ألا تقع الماء فتسبح" يريد: في الماء. والتحضيض: "هلا أمرت فتطاع" والتمني: {يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ} 5.
والتمني يكون بليت كما مثل أو بألا نحو: "ألا رسول لنا منا فيخبرنا"، وبلو كقوله6: لو نُعان فننهدا.
__________
1 من الآية 36 من سورة فاطر.
2 من الآية 61 من سورة طه.
3 من الآية 88 من سورة يونس.
4 من الآية 53 من سورة الأعراف.
5 من الآية 73 من سورة النساء.
6 قائله: لم أقف على اسم قائله، وهو من الطويل.
وتمامه:
سرينا إليهم في جموع كأنها ... جبال شرورى ...........
اللغة "جموع" جمع جمع، وهو الجماعة "شرورى" اسم جبل لبني سليم "نعان" -على صيغة المبني للمجهول- من العون "فننهدا" من نهد إلى العدو ينهد -بالفتح فيهما- أي: نهض، ومنه المناهد في الحرب، وهي المناهضة.
الإعراب: "سرينا" فعل وفاعل "إليهم" جار ومجرور متعلق بسرينا "في جموع" جار ومجرور في محل نصب على الحال، والتقدير: سرينا إلى هؤلاء القوم ونحن في جماعة "كأنها" كأن واسمها "جبال" خبر كأن مرفوع بالضمة الظاهرة "شرورى" مضاف إليه "لو نعان" نعان فعل مضارع مبني للمجهول ونائب الفاعل ضمير "فننهدا" مضارع منصوب بأن مضمرة بعد الفاء وفاعله ضمير مستتر فيه.
الشاهد: قوله: "لو نعان" فإن "لو" هنا للتمني، ونصب الفعل بعدها بإضمار "أن" وهو فننهدا؛ أي: فأن ننهدا.

(3/1252)


ومنع المصنف كون لو للتمني وقال: التقدير: وددنا لو نعان، فهو جواب تمن إنشائي كجواب ليت.
وقد فهم من كلامه أنه لا يجوز النصب بعد شيء من ذلك إلا بشرطين:
أحدهما: أن تكون الفاء مقصودا بها "الجواب"1 لإضافتها إلى الجواب احترازا من الفاء التي لمجرد العطف كقولك: "ما تأتينا فتحدثنا" بمعنى: ما تأتينا فما تحدثنا؛ فيكون الفعلان مقصودا نفيهما، وبمعنى: ما تأتينا فأنت تحدثنا، على إضمار مبتدأ، فيكون المقصود نفي الإتيان وإثبات الحديث، وإذا قصد بها معنى الجزاء والسببية لم يكن الفعل بعدها إلا منصوبا على معنى: ما تأتينا محدثا، فيكون المقصود نفي اجتماعهما أو على معنى: ما تأتينا فكيف تحدثنا، فيكون المقصود نفي الثاني لانتفاء الأول.
الثاني: أن يكون النفي والطلب محضين، واحترز بذلك "عن"2 النفي الذي ليس بمحض نحو: "ما أنت تأتينا إلا فتحدثنا" و"ما تزال تأتينا فتحدثنا". ومن الطلب الذي ليس بمحض، والمراد بالطلب المحض أن يكون بفعل أصل في ذلك، فاحترز من أن يكون بمصدر نحو: "سقيا" أو باسم فعل نحو: "صه" أو بلفظ الخبر نحو: "رحم الله زيدا" فلا يكون لشيء من ذلك جواب منصوب، وسيأتي الخلاف في بعض ذلك.
تنبيهات:
الأول: قال في شرح الكافية: النفي الذي لا جواب له منصوب لكونه ليس نفيا خالصا بأربعة أمثلة: "ما أنت إلا تأتينا فتحدثنا" و"ما تزال تأتينا فتحدثنا" و"ما قام فيأكل إلا طعامه" وقول الشاعر3:
__________
1 أ، ج وفي ب "الجزاء".
2 ب، ج وفي أ "من".
3 قائله: هو الفرزدق، وهو من الطويل. =

(3/1253)


وما قام مِنَّا قائمٌ في ندينا ... فينطِقُ إلا بالتي هيَ أعرفُ
وتبعه الشارح في التمثيل بها، فأما الأولان فالتمثيل بهما صحيح، وأما الآخران فالنصب فيهما جائز، فإن النفي إذا انتقض بإلا بعد الفاء جاز النصب. نص على ذلك سيبويه، وعلى النصب أنشد:
فينطِقَ إلا بالتي هي أعرفُ
الثاني: ذهب بعض الكوفيين إلى أن ما بعد الفاء منصوب بالمخالفة، وبعضهم إلى أن الفاء هي الناصبة كما تقدم في أو، والصحيح مذهب البصريين؛ لأن الفاء عاطفة فلا عمل لها؛ لأنها في ذلك عاطفة لمصدر مقدر على مصدر متوهم، والتقدير في نحو: "ما تأتينا فتحدثنا" ما يكون منك إتيان فحديث، وكذلك يقدر في جميع المواضع.
الثالث: شرط في التسهيل في نصب جواب الاستفهام ألا يتضمن وقوع الفعل احترازا من نحو: "لِمَ ضربتَ زيدا فيجازيك؟" لأن الضرب قد وقع فلم يمكن سبك مصدر مستقبل منه، وهو مذهب أبي علي، ولم يشترط ذلك المغاربة، وحكى ابن كيسان "أين ذهب زيد فتتبعَه؟" بالنصب، والفعل في ذلك محقق
__________
= اللغة: "ندينا" -بفتح النون وكسر الدال وتشديد الياء- على وزن غني: مجلس القوم ومكان حديثهم "إلا بالتي هي أعرف" أي: بالأشياء التي هي معروفة.
المعنى: إذا نطق منا ناطق في مجلس جماعة عرف صواب قوله فلم ترد مقالته.
الإعراب: "وما قام" الواو عاطفة وما نافية "قام" فعل ماض "منا" جار ومجرور في محل رفع صفة لقائم "قائم" فاعل لقام، والتقدير: وما قام قائم كائن منا، والأحسن أن يكون "منا" في محل نصب على الحال "في ندينا" جار ومجرور متعلق بمحذوف؛ أي: كائن في ندينا أو كائنا على الحال "فينطق" -بالرفع- عطفا على قوله "قام" وإنما لم ينصب؛ لأن النفي ليس بخالص "إلا" أداة استثناء من النفي فيكون إثباتا "بالتي" اسم موصول صفة لمحذوف؛ أي: بالأشياء التي "هي" ضمير منفصل مبتدأ "أعرف" خبر المبتدأ والجملة من المبتدأ والخبر لا محل لها من الإعراب صلة الموصول.
الشاهد: قوله: "فينطق" حيث رفعه الشاعر؛ لأن من شرط النصب بعد النفي أن يكون النفي خالصا، وهاهنا ليس كذلك.
مواضعه: ذكره الأشموني 564/ 3، وابن الناظم، وسيبويه 420/ 1، والشاهد 666 في الخزانة.

(3/1254)


الوقوع، فإذا لم يمكن سبك مصدر من الجملة سبكناه من لازمها، والتقدير: ليكن منك إعلام بذهاب زيد فاتباع منا.
ثم انتقل إلى الواو فقال:
والواوُ كالفَا إن تُفِدْ مفهومَ مَعْ ... كَلا تكُنْ جَلْدًا وتُظْهِرَ الجزَعْ
يعني: أن الواو تضمر أن بعدها وجوبا بعد النفي والطلب بشرطهما، كما أضمرت بعد الفاء بشرط أن تفيد المعية، كقوله: "لا تكن جلدا وتظهر الجزع" أي: لا تجمع بين الأمرين، وهي يومئذ عاطفة لمصدر مقدر على مصدر متوهم كما تقدم في الفاء وأو.
واحترز من أن يقصد التشريك بين الفعلين فتكون عاطفة فعلا على فعل نحو: "لا تأكل السمك وتشرب اللبن" بالجزم أو بقصد الاستئناف نحو: "لا تأكل السمك وتشرب اللبن" -بالرفع- وأمثلة النصب بعد الواو معلومة من أمثلة الفاء، فلا نطول بذكرها.
قال الشيخ أبو حيان: ولا أحفظ النصب جاء بعد الواو في الدعاء ولا العرض ولا التحضيض ولا الرجاء، ولا ينبغي أن يقدم على ذلك إلا بسماع.
تنبيهات:
الأول: الخلاف في الواو كالخلاف في الفاء، وقد تقدم.
الثاني: قد علم أن النصب بعد الواو ليس على معنى النصب بعد الفاء، وقولهم: تقع الواو في جواب كذا وكذا تجوز ظاهر، وزعم بعضهم أن النصب بعد الواو، وهو على معنى الجواب، وليس بصحيح.
وبعدَ غيرِ النفي جَزْمًا اعْتَمِدْ ... إنْ تسقُطِ الفا والجزاءُ قد قُصِدْ
انفردت الفاء بأن الفعل بعدها سنجزم عند سقوطها بشرط أن يقصد الجزاء نحو1:
__________
1 قائله: هو امرؤ القيس، وهو من الطويل.
وعجزه:
بسِقْطِ اللوى بين الدَّخُولِ فَحَوْمَلِ =

(3/1255)


قِفَا نبكِ من ذكرى حبيبٍ ومنزلِ
وذلك إنما يكون بعد الطلب، والأمثلة ظاهرة.
وأما النفي فليس له جواب مجزوم، فإنه يقتضي تحقيق عدم الوقوع كما يقتضي الإيجاب تحقق الوقوع، فلا يجوز بعده كما في الإيجاب؛ ولذلك قال: وبعد غير النفي جزما.
واحترز من ألا يقصد الجزاء، فإنه لا يجزم بل يرفع، إما مقصودا به الوصف نحو: "ليت لي مالا أنفق منه" أو الحال أو الاستئناف "ويحتملها"1 قوله تعالى: {فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا} 2.
تنبيه:
إذا جزم الفعل بعد سقوط الفاء، ففي جازمه أقوال:
الأول: أن لفظ الطلب ضمن معنى حرف الشرط فجزم، وإليه ذهب ابن خروف، واختاره المصنف ونسبه إليه الخليل وسيبويه.
والثاني: أن الأمر والنهي وباقيها نابت عن الشرط؛ أي: حذفت جملة الشرط وأنيبت هذه في العمل منابها فجزمت، وهو مذهب السيرافي والفارسي وابن عصفور.
__________
= اللغة: "بسقط اللوى" -بكسر السين وسكون القاف- منقطع الرمل، واللوى -بكسر اللام- حيث يلتوي الرمل ويرق.
وإنما خص منقطع الرمل وملتواه؛ لأنهم كانوا لا ينزلون إلا في صلابة من الأرض؛ ليكون ذلك أثبت لأوتاد الأبنية "والدخول والحومل" بلدان.
المعنى: يأمر صاحبيه أن يقفا معه ليعاوناه على البكاء عند منازل أحبابه التي كان يلقاهم فيها وليجدد الذكريات القديمة.
الإعراب: "قفا" فعل أمر مبني على حذف النون وألف الاثنين فاعل "نبك" فعل مضارع مجزوم في جواب الأمر وعلامة جزمه حذف الياء والكسرة قبلها دليل عليها والفاعل ضمير مستتر تقديره نحن "من ذكرى" جار ومجرور متعلق بنبكي "حبيب" مضاف إليه "ومنزل" عطف على حبيب "بسقط" جار ومجرور متعلق بقفا "اللوى" مضاف إليه "بين" ظرف مكان "الدخول" مضاف إليه "فحومل" عطف على الدخول.
الشاهد: قوله: "نبكِ" فإنه جواب الأمر فلذلك جزم وهو غير مقترن بالفاء.
مواضعه: ذكره الأشموني 567/ 3، وابن هشام في القطر ص78.
1 ب، ج وفي أ "ويحتملها".
2 من الآية 77 من سورة طه.

(3/1256)


والثالث: أن الجزم بشرط مقدر دل عليه الطلب، وإليه ذهب أكثر المتأخرين.
والرابع: أن الجزم بلام مقدرة، فإذا قال: "ألا تنزل تُصِبْ خيرا".
"فمعناه: لتصب خيرا"، وهو ضعيف، ولا يطرد إلا بتجوز وتكلف.
والمختار القول الثالث، لا ما اختاره المصنف لأربعة أوجه:
أحدها: أن ما ذهب إليه يستلزم أن يكون العامل جملة، وذلك لا يوجد في موضع.
والثاني: أن الإضمار أسهل من التضمين؛ لأن التضمين زيادة بتغيير الوضع، والإضمار زيادة بغير تغيير، فهو أسهل.
والثالث: أن التضمين لا يكون إلا لفائدة، ولا فائدة في تضمين الطلب معنى الشرط؛ لأنه يدل عليه بالالتزام.
والرابع: أن الشرط لا بد له من فعل، ولا يجوز أن يكون هو الطلب بنفسه ولا مضمنا له "مع معنى"1 حرف الشرط؛ لما في ذلك من التعسف، ولا مقدرا بعده لقبح إظهار بدون حرف الشرط، بخلاف إظهاره معه.
وشَرْطُ جَزمٍ بعد نهي أَنْ تَضَعْ ... إِنْ قَبْلَ لا دونَ تَخالُفٍ يَقَعْ
يعني: أن شرط جزم الجواب بعد النهي أن يصح إقامة شرط منفي مقامه، وعلامة ذلك أن يصح المعنى بتقدير إن قبل لا النافية نحو: "لا تدنُ من الأسد تسلم" "فهذا يصح جزمه لأن المعنى: إن لا تدن من الأسد تسلم"2 بخلاف "لا تدن من الأسد يأكلك" فإن هذا لا يصح جزمه لعدم صحة المعنى بتقدير إن لا تدن، هذا مذهب الجمهور، وأجاز الكسائي جزم جواب النهي مطلقا، ولا يشترط تقدير إن قبل لا، بل يقدر: إن تدن من الأسد يأكلك.
وذكر في شرح الكافية أن غير الكسائي لا يجيز ذلك.
قلت: وقد نسب "ذلك"3 إلى الكوفيين.
__________
1 ب.
2 ب، ج.
3 ب، ج.

(3/1257)


واستدل الكسائي بالقياس على النصب؛ لأن المنصوب بعد الفاء جاء فيه ذلك كقوله تعالى: {لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا} 1 وبالسماع قول النبي صلى الله عليه وسلم: "فلا يقربنَّ مسجدنا يُؤذِنا بريح الثوم" ، وقوله عليه الصلاة والسلام: "لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض" ، وقول أبي طلحة لرسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تشرفْ يُصبْك سهمٌ".
وأجيب بأن القياس على المنصوب لا يحسن؛ لأن النصب بعد الفاء يكون في النفي ولا جزم فيه.
وأما السماع فمحمول على إبدال الفعل من الفعل مع أن الرواية المشهورة "يؤذينا" و"يضرب" -بالرفع- ويحتمل أن يكون يضرب بعضكم على الإدغام نحو: {وَيَجْعَلْ لَكُمْ} 2.
تنبيه:
شرط الجزم بعد الأمر بتقدير إن تفعل، كما أن شرطه بعد النهي بتقدير إن لا تفعل فيمتنع الجزم في نحو: "أحْسِن إليّ لا أحسن إليك" فإنه لا يجوز: "إِنْ تُحسنْ إليّ لا أحسن إليك" لكونه غير مناسب، وكلام التسهيل يوهم إجراء خلاف الكسائي فيه.
والأمرُ إِنْ كَانَ بِغَيْرِ افْعَلْ فَلا ... تَنْصِبْ جَوَابَهُ وجَزْمَهُ اقْبَلا
إذا دل على الأمر بخبر بفعل ماض أو مضارع أو باسم فعل أو باسم غيره جاز جزم الجواب اتفاقا، كقولهم: "اتقي الله امرؤٌ فَعَلَ خيرا يُثَبْ عليه"، وقوله تعالى: {تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، يَغْفِرْ لَكُمْ} 3، وقول الشاعر4:
__________
1 سورة طه 61.
2 من الآية 28 من سورة الحديد، وسورة نوح 12.
3 من الآية 11، 12 سورة الصف.
4 قائله: هو عمرو ابن الإطنابة الخزرجي -والإطنابة اسم أمه، واسم أبيه: زيد بن مناة- وهو من الوافر.
وصدره:
وقَوْلي كُلما جَشَأتْ وجَاشَتْ
اللغة: "جشأت" ثارت ونهضت من فزع أو حزن، والضمير للنفس "جاشت" فزعت وغلت من حمل الأثقال كما تغلي القدر "تحمدي" يحمدك الناس. =

(3/1258)


مكانَكِ تُحْمَدِي أو تَسْتريحي
وقولهم: "حسبُك ينم الناس"؛ لأن المعنى: ليتق وآمنوا واثبتي واكفف.
وأجاز الكسائي النصب نحو: "صه فأحدثك" و"حسبك فينام الناس".
ومذهب الجمهور منع ذلك؛ لأن النصب إنما هو بإضمار "أن" والفاء عاطفة على مصدر متوهم، وحسبك وصه ونحوها لا تدل على المصدر؛ لأنها غير مشتقة؛ ولذلك قال: فلا تنصب جوابه.
تنبيهات:
الأول: ذكر في شرح الكافية: أن الكسائي انفرد بجواز النصب بعد الفاء المجاب بها اسم أمر نحو: "صه" أو خبر
بمعنى الأمر نحو: "حسبك".
قلت: وافقه ابن عصفور في جواز نصب جواب نزال ونحوه من اسم الفعل المشتق، وحكاه ابن هشام عن ابن جني، والذي انفرد به الكسائي ما سوى ذلك.
الثاني: أجاز الكسائي "أيضا"1 نصب جواب الدعاء المدلول عليه بالخبر نحو: "غفر الله لزيد فيُدخلَه الجنةَ".
__________
= المعنى: إن همتي وشجاعتي جعلتني أقول لنفسي: كلما فزعت وضجرت من مشقات الحرب اثبتي تحمدي بالصبر والشجاعة، أو تستريحي عن عناء الدنيا بالقتل في موطن الشرف والفخار.
الإعراب: "وقولي" الواو عاطفة وقولي مبتدأ مرفوع بضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم وياء المتكلم مضاف إليه "كلما" ظرف زمان متعلق بقولي منصوب و"ما" حرف مصدري "جشأت" فعل ماض والتاء للتأنيث والفاعل ضمير مستتر فيه "وجاشت" فعل ماض والتاء للتأنيث والفاعل ضمير مستتر فيه "مكانك" اسم فعل أمر بمعنى اثبتي والفاعل أنت والكاف حرف خطاب، أو اسم مضاف إليه باعتبار ما قبل النقل، والجملة مقول القول خبر المبتدأ "تحمدي" فعل مضارع مجزوم في جواب الطلب وعلامة جزمه حذف النون وياء المخاطبة فاعل "أو تستريحي" أو حرف عطف تستريحي فعل مضارع معطوف على تحمدي مجزوم بحذف النون والياء فاعل.
الشاهد: قوله "تحمدي" حيث جزم النون لوقوعه في جواب الأمر.
مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني 569/ 3، وابن هشام 384/ 3، والمكودي ص146، وذكره ابن هشام في الشذور ص360، والقطر ص263.
1 أ، ج.

(3/1259)


الثالث: "حسبك" في قولك: "حسبك ينم الناس" مبتدأ وخبره محذوف؛ أي: حسبك السكوت، وهو لا يظهر، والجملة متضمنة معنى اكفف، وزعمت جماعة -منهم ابن طاهر- أنه مبتدأ بلا خبر؛ لأنه في معنى ما لا يخبر عنه، وقال بعضهم: لو قيل: إنه اسم فعل مبني والكاف للخطاب، وضم لأنه كان معربا فحمل في البناء على قبل وبعد، لم يبعد.
والفعلُ بعد الفاء في الرَّجَا نُصِبْ ... كنَصْبِ ما إلى التمني يَنْتَسِبْ
قال في شرح الكافية: ألحق الفراء الرجاء بالتمني فجعل له جوابا منصوبا، وبقوله أقول: لثبوت ذلك سماعا، ومنه قراءة حفص عن عاصم: {لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ، أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ} 1 انتهى، وكذلك قوله تعالى: {لَعَلَّهُ يَزَّكَّى، أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى} 2.
ومذهب البصريين أن الرجاء ليس له جواب منصوب، وتأولوا ذلك بما فيه بُعد.
وقول أبي موسى: وقد أشْرَبَها معنى ليت مَن قرأ: "فأطلعَ" نصبا يقتضي تفصيلا3.
فإن قلت: فهل يجوز جزم جواب الترجي إذا أسقطت الفاء عند مَن أجاز نصبه؟
قلت: نعم، وفي الارتشاف، وسمع الجزم بعد الترجي فدل على صحة مذهب الكوفيين.
وإِنْ على اسمٍ خالصٍ فعلٌ عُطِفْ
تَنْصِبُهُ أن ثابتًا أو مُنْحَذِفْ
قد تقدم أن "أن" تضمر جوازا في موضعين:
__________
1 من الآية 36، 37 من سورة غافر، فأطلع -بالنصب- في جواب قوله تعالى: {أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ، أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ} .
2 من الآية 3، 4 من سورة عبس.
3 يريد بالتفصيل أن الرجاء إذا أشرب معنى التمني نصب الفعل التالي للفاء في جوابه، وإن لم يشرب معنى التمني لم ينصب.

(3/1260)


أحدهما: بعد لام كي إذا لم يكن معها "لا" وقد سبق بيانه.
والآخر: بعد العاطف على اسم خالص، وهو المذكور في البيت، والعاطف المذكور هو: "الواو" و"الفاء" و"ثم" و"أو".
فالواو كقوله1:
لَلُبْسُ عباءةٍ وتَقَرَّ عَيْنِي
والفاء كقوله2:
__________
1 قائلته: هي ميسون بنت بحدل زوج معاوية بن أبي سفيان، وهو من الوافر.
وعجزه:
أحب إليَّ من لبس الشفوف
اللغة: "عباءة" -بفتح العين- جبة من الصوف "تقر عيني" كناية عن سكون النفس وعدم طموحها إلى ما ليس في يدها "الشفوف" جمع شف -بكسر الشين وفتحها- وهو ثوب رقيق يستشف ما وراءه.
المعنى: ولبس كساء غليظ من صوف مع سروري وفرحي أحب إلى نفسي من لبس الثياب الرفيعة القيمة مع استيلاء الهموم عليَّ.
الإعراب: "ولبس" مبتدأ "عباءة" مضاف إليه "وتقر" فعل مضارع منصوب بأن مضمرة جوازا بعد الواو العاطفة على اسم خالص من التقدير بالفعل "عيني" فاعل تقر وياء المتكلم مضاف إليه "أحب" خبر المبتدأ "إلي" جار ومجرور متعلق بأحب "من لبس" جار ومجرور متعلق بأحب أيضا "الشفوف" مضاف إلى لبس.
الشاهد: قولها: "وتقر" حيث نصب الفعل المضارع بأن مضمرة جوازا بعد واو العطف التي تقدمها اسم خالص من التقدير بالفعل.
مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني 751/ 3، وابن عقيل 66/ 2، وابن الناظم، والسيوطي ص116، والمكودي ص147، وابن هشام 387/ 3،وفي الشذور ص328، والقطر ص61، والمغني 34/ 2، وفي شرح المفصل 24/ 3، والشاهد 658 في الخزانة.
2 قائله: لم ينسب لقائل، وهو من البسيط.
وعجزه:
ما كنتُ أوثر إترابا على تَرَب
اللغة: "توقع" انتظار "المعتر" -بتشديد الراء- الفقير "إترابا" الإتراب وهو الغنى وكثرة المال، وهي مصدر أترب الرجل إذا استغنى "ترب" الفقر والعوز، وأصله لصوق اليد بالتراب.
المعنى: يقول: لولا أنني أرتقب أن يتعرض لي ذو حاجة فأقضيها له ما كنت أفضل الغنى عن الفقر.
الإعراب: "لولا" حرف امتناع لوجود "توقع" مبتدأ وخبره محذوف وجوبا "معتر" مضاف إليه من إضافة المصدر لمفعوله "فأرضيه" الفاء عاطفة أرضيه فعل مضارع منصوب بأن مضمرة جوازا بعد الفاء العاطفة وفاعله ضمير مستتر والهاء مفعوله "ما" نافية "كنت" =

(3/1261)


لولا توقُّعُ مُعترٍّ فأرضِيَهُ
وأو كقراءة غير نافع: { أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا} 1.
وثم كقوله2:
إني وقَتْلِي سُلَيْكًا ثم أَعْقِلَهُ ... ........................
ونص بعضهم أن ذلك لا يجوز في غير هذه الأحرف.
__________
= فعل ماض ناقص واسمه "أوثر" فعل مضارع وفاعله ضمير والجملة في محل نصب خبر كان وجملة كان واسمه وخبره جواب لولا "إترابا" مفعول لأوثر "على ترب" متعلق بأوثر.
الشاهد: قوله: "فأرضيه" حيث نصب الفعل بأن مضمرة جوازا بعد الفاء التي تقدم عليها اسم صريح وهو توقع.
مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني 571/ 3، وابن عقيل 267/ 2، وابن الناظم، والسيوطي ص116، والمكودي ص147، وابن هشام 388/ 3، وفي الشذور ص329.
1 من الآية 51 من سورة الشورى، بالنصب عطفا على "وحيا".
2 قائله: هو أنس بن مدركة الخثعمي، وهو من البسيط.
وعجزه:
كالثور يُضرَبُ لما عافَتِ البقرُ
اللغة: "سليكا" -بضم السين- اسم رجل، وسبب هذا أن سليكا مر في بعض غزواته ببيت من خثعم وأهله خلوف فرأى فيهن امرأة بضة شابة فنال منها، فعلم أنس بذلك فأدركه فقتله، وأنشد هذا البيت "أعقله" من عقلت القتيل - أعطيت الدية "عافت البقر" كرهت وامتنعت.
المعنى: يشبه نفسه إذ قتل سليكا ثم وداه بالثور يضربه الراعي لتشرب الإناث من البقر، والجامع بينهما تلبس كل منهما بالأذى؛ لينتفع سواه.
الإعراب: "إني" حرف توكيد ونصب وياء المتكلم اسمه "وقتلى" عاطفة على اسم إن وياء المتكلم مضاف إليه من إضافة المصدر لفاعله "سليكا" مفعول قتل "ثم" عاطفة "أعقله" فعل مضارع منصوب بأن مضمرة جوازا بعد ثم، وفاعله مستتر فيه والهاء مفعول "كالثور" متعلق بمحذوف خبر إن "يضرب" فعل مضارع مبني للمجهول ونائب الفاعل ضمير مستتر يعود على الثور، والجملة في محل نصب حال من الثور "لما" حرف ربط "عافت" فعل ماض والتاء للتأنيث "البقرة" فاعل عاف.
الشاهد: قوله: "أعقله" حيث نصب بعد ثم العاطفة بأن مضمرة جوازا، وقد عطفت فعلا على اسم صريح في الاسمية وهو "قتلى".
مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني 571/ 3، وابن عقيل 266/ 2، وابن الناظم، والمكودي ص147، والسيوطي ص116، وابن هشام 389/ 3، وفي الشذور ص330.

(3/1262)


تنبيهات:
الأول: إنما قال على اسم ولم يقل على مصدر، كما قال بعضهم: ليشمل غير المصدر، فإن ذلك لا يختص به، فتقول: "لولا زيدٌ ويُحْسِنَ إليَّ لهلكتُ".
الثاني: المراد بالخالص ما ليس مؤولا بالفعل، واحترز من نحو: "الطائرُ فيغضبُ زيد الذباب" فإنه معطوف على اسم، ولا ينصب لأن الطائر بمعنى الذي يطير، ويخرج أيضا بذكر الخالص العطف على مصدر متوهم، فإنه يجب "فيه"1 إضمار أن كما تقدم.
الثالث: تجوز في قوله: "فعل عطف" فإن المعطوف في الحقيقة إنما هو المصدر.
الرابع: أشار بقوله: "ثابتا أو منحذف" إلى جواز إظهار أن وإضمارها بعد العاطف المذكور.
الخامس: أطلق في العاطف ولم يسمع في غير الأحرف الأربعة "المذكورة"2 كما تقدم.
وشذَّ حذفُ أن ونَصْبٌ في سوَى ... ما مرَّ فاقبلْ منه ما عَدْلٌ رَوَى
يعني: أن حذف "أن" مع النصب في غير المواضع المنصوبة المذكورة شاذ لا يقبل منه إلا ما نقله العدول، كقول العرب: "خذ اللص قبل يأخذك" و"مُرْهُ يحفرَها" وقرأ الحسن: "أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدَ"3، ومنه قول الشاعر4:
ونَهْنَهْتُ نفسي بعدما كِدْت أفْعَلَه
__________
1 أ، ج.
2 أ، ج.
3 من الآية 61 من سورة الزمر.
4 قائله: هو عامر بن جوين الطائي، وهو من الطويل.
وصدره:
فلم أرَ مثلها خُبَاسَةَ واجد
اللغة: "خباسة" بضم الخاء وتخفيف الباء -المغنم، قاله الجوهري "نهنهت نفسي" زجرتها وكففتها.
المعنى: قال الأعلم: وصف ظلامة هم بها ثم صرف نفسه عنها. اهـ.
الإعراب: "فلم" حرف نفي "أرَ" فعل مجزوم بحذف حرف العلة فإن كانت الرؤية علمية كانت "مثلها" في موضع المفعول الثاني، وإن كانت بصرية جاز لك وجهان؛ أحدهما: =

(3/1263)


تنبيهات:
الأول: فهم من قوله: "فاقبل منه ما عدل روى" أنه مقصور على السماع، ولا يقاس عليه، ونص على ذلك في غير هذا الموضع، وقال في التسهيل: وفي القياس عليه خلاف. انتهى.
والجواز مذهب الكوفيين ومَن وافقهم، والصحيح قصره على السماع؛ لقلته.
الثاني: قد يفهم من قوله: "وشذ حذف أن ونصب" أن حذفها ورفع الفعل ليس بشاذ، وهو ظاهر كلامه في شرح التسهيل، فإن جعل منه قوله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا} 1 قال: ويريكم صلة لأن حذفت وبقي يريكم مرفوعا، وهذا هو القياس؛ لأن الحرف عامل ضعيف، فإذا حذف بَطَلَ عمله. انتهى.
وهذا مذهب أبي الحسن، أجاز "أن" ورفع الفعل دون نصبه، وجعل منه قوله تعالى: {قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ} ، وذهب قوم إلى أن حذف "أن" مقصور على السماع مطلقا، فلا ينصب ولا يرفع بعد الحذف إلا ما سمع، وإليه ذهب متأخرو المغاربة، قيل: وهو الصحيح.
والثالث: ما ذكره من أن حذف "أن" والنصب في غير ما مر شاذ، ليس على إطلاقه؛ بل هو مقيد بالنصب بعد الفاء والواو وبعد الشرط والجزاء، وسيأتي2.
__________
= أن يكون مفعولا، وقوله: "خباسة واجد" بدل من مثلها ومضاف إليه. والآخر: أن يكون مثلها صفة خباسة ولكن لما تقدم عليها انتصب على الحال "نهنهت" فعل وفاعل "نفسي" مفعول به والياء مضاف إليه "بعد" منصوب على الظرفية "ما" مصدرية "كدت" كاد واسمها "أفعله" جملة في محل نصب خبر كاد.
الشاهد: قوله: "أفعله" حيث حذفت "أن" وبقي عملها وهو نصب أفعله؛ لأن أصله أن أفعله.
مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني 572/ 3، وابن الناظم، والمكودي ص147، والهمع 33/ 1، وسيبويه 155/ 1، والإنصاف 328/ 2.
1 من الآية 24 من سورة الروم.
2 وفي هامش المخطوطة نسخة أ قوله: "بل هو مقيد بالنصب... إلخ "كذا"" في عدة نسخ، ولعل صواب العبارة بغير النصب كما يعلم بالتأمل، شيخنا. اهـ.

(3/1264)


عوامل الجزم:
هي ضربان: أحدهما: يطلب فعلا واحدا، والآخر: يطلب فعلين.
فالأول أربعة أحرف ذكرها في قوله:
بلا ولامٍ طالبا جَزْما ... في الفعل هكذا بلَمْ ولَمَّا
أما "لا" فتكون للنهي نحو: {لَا تَحْزَنْ} 1 وللدعاء نحو: {لا تُؤَاخِذْنَا} 2.
وأما "اللام" فتكون للأمر نحو: {لِيُنْفِقْ} 3 والدعاء نحو: {لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ} 4.
ولذلك قال "طالبا" فشمل الأمر والنهي والدعاء، واحترز به من "لا" غير الطلبية وهي النافية والزائدة، ومن لام غير طلبية كاللام التي ينتصب المضارع بعدها.
فأما "لا" فقال الشارح: تصحب فعل المخاطب والغائب كثيرا، وقد تصحب فعل المتكلم، فسوى بين المخاطب والغائب في الكثرة، ولم يفصل في المتكلم بين فعل الدعاء "وفعل"5 المفعول، وهو موافق لظاهر الكافية والتسهيل، وفصل بعضهم فقال: إذا بنى الفعل للمفعول جاز دخول "لا" عليه سواء كان لمتكلم أو لمخاطب أو لغائب، وإذا بنى للفاعل فالأكثر أن يكون للمخاطب ويضعف للمتكلم نحو6:
لا أعْرِفَن رَبْرَبا حُورا مَدَامِعُها
__________
1 من الآية 40 من سورة التوبة.
2 من الآية 286 من سورة البقرة.
3 من الآية 7 من سورة الطلاق.
4 من الآية 77 من سورة الزخرف.
5 أ، ب.
6 قائله: هو النابغة الذبياني، يخوف بني فزارة من النعمان بن الحارث الغساني، ويحذرهم بأسه، وكانوا قد نزلوا أرضا يحميها، وهو من البسيط.
وعجزه:
مُردِفَات على أعقَابِ أكْوَارِ=

(3/1265)


والغالب نحو: "لا يخرج زيد".
وأما "اللام" فتدخل على فعل المفعول مطلقا نحو: "لأعن بحاجتك ولتعن بحاجتي وليعن زيد بالأمر".
وتدخل على فعل الفاعل مسندا إلى الغالب نحو: {لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ} 1 وإلى المتكلم مشاركا نحو: {وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ} 2 أو مفردا كقوله في الحديث: "قوموا فلأصَلِّ لكم" وذكر الشارح: أن دخولها على مضارع الغائب والمتكلم كثير، وذكر في الكافية: أن دخولها على مضارع المتكلم قليل، لكن أكثر من دخول "لا".
وأما مضارع المخاطب المبني للفاعل فدخولها عليه قليل استغناء بصيغة أفعل، قالوا: وهي لغة رديئة.
وقال الزجاجي: هي لغة جيدة، ومن دخولها قراءة عثمان وأبي وأنس: "فَبِذَلِكَ فَلْتَفْرَحُوا"3.
__________
= المعنى: لا يكن نساء جميلات تشبه الغزلان أو بقر الوحش في الرشاقة وخفة الحركة وحور العين فأعرفها، قد ركبن خلف الراكبين على مؤخَّر الرحل، فأقيم المسبب مقام السبب، وكان عادة العرب أن يجعلوا النساء المسببات مردفات خلف من استباهن.
اللغة: "ربربا" اسم للقطيع من بقر الوحش أو الظباء "حورا" جمع حوراء من الحور وهو شدة سواد العين مع شدة بياضها "مدامعها" جمع مدمع -اسم مكان- والمراد العيون؛ لأنها أماكن الدمع "مردفات" مركبات خلف الراكبين "أكوار" -جمع كور- وهو الرحل بأداته "أعقاب" -جمع عقب- وهو المؤخر من كل شيء.
الإعراب: "لا" ناهية "أعرفن" فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد في محل جزم بلا والفاعل ضمير مستتر، ويجوز جعل "لا" النافية "ربربا" مفعول أعرفن "حورا" صفة لها "مدامعها" مرفوع بحورا ومضاف إليه "مردفات" حال من "ربربا" أو صفة ثانية "على أعقاب" جار ومجرور متعلق بمردفات "أكوار" مضاف إليه.
الشاهد: قوله: "لا أعرفن" فإن لا ناهية والمضارع المجزوم بها محلا للمتكلم، وهو مبني للمعلوم، وذلك شاذ.
مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني 573/ 3، وابن هشام 391/ 3، وابن الناظم، وذكره ابن هشام في مغني اللبيب 199/ 1.
1 من الآية 7 من سورة الطلاق.
2 من الآية 12 من سورة العنكبوت.
3 من الآية 58 من سورة يونس.

(3/1266)


وقوله في الحديث: "لتأخذوا مصَافكُمْ" .
تنبيهات:
الأول: زعم بعصهم أن أصل "لا" الطلبية لام الأمر زيدت عليها ألف فانفتحت، وزعم السهيلي: أنها لا النافية، والجزم بعدها بلام الأمر مضمرة قبلها، وحذفت كراهة اجتماع لامين في اللفظ وهما زعمان ضعيفان.
الثاني: لا يفصل بين "لا" ومجزومها "بمعموله"1 إلا في ضرورة كقوله2:
....................... ... ولا ذا حَقَّ قومِكَ تَظْلِمِ
أراد: ولا تظلم ذا حق قومك.
قال في شرح الكافية: وهذا رديء؛ لأنه شبيه بالفصل بين الجار والمجرور. انتهى.
قال في التسهيل: وقد يليها معمول مجزومها "ولم ينبه على اختصاصه بالضرورة، وقد أجازه بعضهم في قليل من الكلام نحو: "لا اليومَ تضرِب زيدًا"".
الثالث: في كلام ابن عصفور والأبدي ما يدل على جواز حذف "مجزومها"3 إذا دل عليه دليل "قالا"4 كقولك: "اضرب زيدا إن أساء" وإلا فلا، أي: فلا تضربه.
__________
1 ب، ج وفي أ "بمعمولها".
2 قائله: لم أقف على اسم قائله، وهو من الطويل.
وتمامه:
وقالوا أخانا لا تخشع لظالم ... عزيز ....................
الإعراب: "قالوا" فعل وفاعل "أخانا" منادى بحرف نداء محذوف ومضاف إليه "لا تخشع" جملة من الفعل والفاعل وقعت مقول القول "لظالم" جاز ومجرور متعلق بالفعل "عزيز" صفة لظالم "لا" ناهية "تظلم" مجزوم بلا "حق قومك" حق مفعول به لتظلم تقدم عليه وقوم مضاف إليه "ذا" اسم إشارة منادى بحرف نداء محذوف، وأصل الكلام: ولا تظلم حق قومك يا هذا، وقال العيني: ذا حق قومك مفعولان لتظلم.
الشاهد: قوله: "ولا ذا حق قومك تظلم" حيث فصل بين لا ومجزومها.
مواضعه: ذكره الأشموني في شرحه للألفية 574/ 3، وذكره السيوطي في همع الهوامع 56/ 2.
3 أ.
4 أ وفي ب "بالا" وفي ج "فلا".

(3/1267)


قال في الارتشاف: ويحتاج إلى سماع.
الرابع: حركة لام الطلب الكسرة، قال في التسهيل: وفتحها لغة.
قلت: فتحها حكاه الفراء عن بني سليم، فحكي عنه مطلقا كما في التسهيل، وعنه تفتح لفتحة الياء بعدها، فظاهر هذا أنها لا تفتح إذا انضم ما بعدها نحو: "ليكرم" أو انكسر نحو: "لتأذن"، وعنه أيضا ما نص عليه في سورة النساء، وهو قوله: وبنو سليم يفتحونها إذا استؤنفت، يريد: أنهم لا يفتحونها إلا إذا لم يكن قبلها واو أو فاء أو ثم.
الخامس: يجوز تسكين لام الطلب بعد الواو والفاء وثم، وتسكينها بعد الواو والفاء أكثر من تحريكها، وليس بضعيف بعد ثم، ولا ضرورة، خلافا لمن زعم ذلك.
ومذهب الأكثرين أن تسكينها حمل على عين فَعِل، ورده المصنف بأن ذلك إجراء منفصل مجرى متصل، ومثله لا يكاد يوجد مع قلته إلا في الاضطرار، وهو عند رجوع إلى الأصل؛ لأن لهذا اللام الأصالة في السكون من وجهين؛ أحدهما: مشترك، وهو كون السكون مقدما على الحركة. والثاني: مختص، وهو أن يكون لفظها مشاكلا لعملها كما فعل بباء الجر.
السادس: مذهب الجمهور أن لام الأمر لا تحذف إلا في الشعر، ومنع المبرد حذفها في الشعر أيضا وإن كان النحويون أنشدوا1:
مُحمدُ تَفْدِ نفسَك كلُّ نفسٍ
__________
1 قائله: هو من شواهد سيبويه ولم ينسبه ولكن منهم من نسبه إلى أبي طالب، ومن الناس من ينسبه إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وهو من الوافر.
وعجزه:
إذا ما خِفْتَ من شيء تَبَالا
اللغة: "التبال" سوء العاقبة أو الهلاك، وهو بفتح التاء.
الإعراب: "محمد" منادى بحرف نداء محذوف يا محمد "تفد" فعل مضارع مجزوم بلام دعاء محذوفة وعلامة جزمه حذف الياء والكسرة قبلها دليل عليها "نفسك" مفعول به وضمير المخاطب مضاف إليه "كل" فاعل تفد "نفس" مضاف إليه "إذا" ظرفية تضمنت معنى الشرط "ما" زائدة "خفت" فعل وفاعل، والجملة في محل جر بإضافة إذا إليها "من أمر" جار ومجرور متعلق بخاف "تبالا" مفعول به لخاف، وجواب إذا محذوف يدل عليه سابق الكلام.
الشاهد: قوله: "تفد" فعل مضارع لم يتقدمه ناصب لا جازم، ولكن جاء على صورة المجزوم، فقدره العلماء مجزوما بلام أمر محذوفة وأصله لتفد.
مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني 57/ 3، وابن الناظم، وذكره السيوطي في الهمع 55/ 2، وابن هشام في الشذور ص222، وسيبويه 408/ 1، والشاهد 680 في الخزانة.

(3/1268)


فإنه لا يعرف قائله، ويحتمل أن يكون خبرا وحذفت الياء استغناء بالكسرة، وأجاز الكسائي حذفها بعد الأمر بالقول كقوله تعالى: {قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ} 1. وذكر في شرح الكافية: أن حذف لام الأمر وإبقاء عملها على ثلاثة أضرب:
كثير مطرد، وهو حذفها بعد أمر بقول كالآية.
وقليل جائز في الاختيار، وهو حذفها بعد قول غير أمر، كقوله2:
قلتُ لبوَّابٍ لديه دارُها ... تِيذَنْ فإني حَمُوها وجارُهَا
قال: وليس مضطرا؛ لتمكنه من أن يقول: ائذن، وليس لقائل أن يقول: إن هذا من تسكين المتحرك، على أن يكون الفعل مستحقا للرفع، فسكن اضطرارا؛ لأن الراجز لو قصد الرفع لتوصل إليه مستغنيا عن الفاء، فكان يقول: "تأذَن إني".
وقليل مخصوص بالاضطرار، وهو الحذف دون تقدم قول بصيغة أمر ولا بخلافه، كقول الشاعر3:
__________
1 من الآية 31 من سورة إبراهيم.
2 قائله: هو منصور بن مرثد الأسدي، وهو من الرجز.
الإعراب: "قلت" فعل وفاعل "لبواب" جار ومجرور متعلق بالفعل "لديه" في محل رفع خبر مقدم "دارها" مبتدأ مؤخر ومضاف إليه والجملة في محل جر صفة لبواب "تيذن" -بكسر التاء- مقول القول "فإني" الفاء للتعليل وإن حرف توكيد ونصب والضمير المتصل بها اسمها "حموها" خبر إن ومضاف إليه "وجارها" عطف على حموها.
الشاهد: قوله: "تيذن" إذ أصله: لتيذن، فحذف اللام وأبقى عملها، وليس هذا بضرورة لتمكنه من أن يقول: إيذن.
مواضعه: ذكره الأشموني في شرحه للألفية 575/ 3، والسيوطي في الهمع 56/ 2.
3 قائله: لم أقف على اسم قائله -يخاطب الشاعر به ابنه لما تمنى موته- وهو من الطويل.
الإعراب: "فلا" الفاء عاطفة ولا ناهية "تستطل" فعل وفاعله ضمير مستتر فيه "مني" جار ومجرور متعلق بالفعل "بقائي" مفعول به للفعل والياء مضاف إليه "ومدتي" عطف على =

(3/1269)


فلا تَسْتَطِلْ مني بقائي ومُدَّتِي ... ولكن يكنْ للخير منكَ نَصِيبُ
وقال في التسهيل: ويلزم في النثر في فعل غير الفاعل المخاطب، وفي بعض النسخ مطلقا، خلافا لمن أجاز حذفها في "نحو"1: "قل له لِيفعل" وهو خلاف ما في الكافية وشرحها.
وأما "لم" و"لما" أختها، فينفيان المضارع ويصرفان معناه إلى المضي وفاقا للمبرد وأكثر المتأخرين، لا لفظ الماضي إلى المضارع خلافا لأبي موسى ومَن وافقه، "وقد"2 نسب إلى سيبويه.
ويختلفان في أمور:
الأول: أن النفي بلم لا يلزم اتصاله اتصاله بالحال، بل قد يكون منقطعا نحو: {هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا}3، وقد يكون متصلا نحو: {وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا}4 بخلاف "لما" فإنه يجب اتصال نفيها بالحال.
الثاني: أن الفعل بعد "لما" حذفه اختيارا، وهو أحسن ما تخرج عليه قراءة: {وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا}5، ولا يجوز حذفه بعد "لم" إلا في الضرورة، كقوله6:
__________
= ما قبله وقيل: إن بقائي بيان لقوله: مني أو بدل منه "ولكن" لاستدراك "يكن" أصله ليكن وهو فعل مضارع من كان الناقصة "للخير" جار ومجرور خبر يكن تقدم على اسمه "نصيب" اسم يكن مرفوع بالضمة الظاهرة "منك" في موضع النصب على الحال من نصيب، والتقدير: حال كون النصيب منك، ويجوز أن يكون في محل رفع صفة لنصيب، والتقدير: ليكن نصيب كائن منك لأجل الخير.
الشاهد: قوله: "يكن" أصله ليكن فحذفت لام الأمر للضرورة وأبقى عمله.
مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني 575/ 3، وابن الناظم.
1 ب، ج.
2 ب، ج وفي أ "وهذا".
3 من الآية1 من سورة الإنسان.
4 من الآية 4 من سورة مريم.
5 من الآية 111 من سورة هود، قال ابن الحاجب: لما هذه جازمة حذف مجزومها، والتقدير: وإن كلا لما يهملوا، وقال ابن هشام: الأولى أن يكون التقدير: وإن كلا لما يوفوا أعمالهم، أي: أنهم إلى الآن لم يوفوها وسيوفونها.
6 قائله: هو إبراهيم بن هرمة القرشي، وهرمة جده الأعلى، وهو من الكامل. =

(3/1270)


احفَظْ وديعتَك التي استُودِعْتَها ... يَوْمَ الأعازِبِ إن وصَلْتَ وإن لَمِ
الثالث: إن "لم" تصحب أدوات الشرط نحو "إن لم" و"لو لم" بخلاف "لما".
الرابع: إن "لم" قد يفصل بينها وبين مجزومها اضطرارا، كقوله1:
.................................. ... كأن لم سِوَى أهل من الوحش تُؤْهَلِ
قال في التسهيل: وقد يلي لم معمول مجزومها اضطرارا، ولم يذكر ذلك في "لما".
وقال في شرح الكافية وانفردت "لم" بأشياء:
__________
= اللغة: "يوم الأعازب" يوم معهود من أيام العرب.
الإعراب: "احفظ" فعل أمر وفاعله ضمير مستتر فيه "وديعتك" مفعول به ومضاف إليه "التي" اسم موصول نعت للوديعة "استودعتها" ماض مبني للمجهول والتاء نائب فاعل، وهي مفعوله الأول و"ها" مفعول ثان "يوم" منصوب على الظرفية "الأعازب" مضاف إليه "إن" شرطية "وصلت" فعل الشرط -روي بالبناء للمجهول وللمعلوم، وجواب الشرط محذوف دل عليه ما قبله "وإن" الواو عاطفة إن حرف شرط جازم "لم" جازمة أو نافية.
الشاهد: قوله: "وإن لم" حيث حذف الفعل الذي دخلت عليه لم، والتقدير: وإن لم تصل.
مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني 576/ 3، وابن هشام 294/ 3، وفي المغني 280/ 1، وذكره السيوطي في الهمع 56/ 2.
1 قائله: هو ذو الرمة غيلان، وهو من الطويل.
وصدره:
فأضحَتْ مغانيها قفارا رسومُها
اللغة: "مغانيها" جمع مغنى وهو المنزل "قفارا" -بكسر القاف- جمع قفر وهو الأرض الخالية "تؤهل" من أهل الدار نزلها.
الإعراب: "فأضحت" الفاء للعطف وأضحى فعل ماض ناقص والتاء للتأنيث "مغانيها" اسم أضحى والهاء مضاف إليه "قفارا" خبرها منصوب بالفتحة الظاهرة "رسومها" بالرفع بدل من مغنيها "كأن" مخففة من كأن التي للتشبيه "لم" حرف جزم "سوى" ظرف فصل بين لم ومجزومها "أهل" مضاف إليه "تؤهل" مجزوم لم، والتقدير: كأن لم تؤهل الدار سوى أهل من الوحش، ومن بيانية.
الشاهد: قوله: "لم سوى.... تؤهل" حيث فصل بين لم ومجزومها بالظرف للضرورة.
مواضعه: ذكره الأشموني في شرحه للألفية 576/ 3، والسيوطي في الهمع 56/ 2، وابن هشام في المغني 278/ 1، والشاهد 677 في الخزانة.

(3/1271)


منها أن الفصل بينها وبين مجزومها اضطرارا، فهذا تصريح بانفراد "لم" بذلك، وفي الارتشاف: ولا يفصل بينها وبين معمولها إلا في الشعر.
قلت: ذكر المصنف في باب الاشتغال من شرح التسهيل أن "لن" و"لم" و"لما" الجازمة لا يلي الاسم واحدا منها إلا في ضرورة، وحكمه حينئذ أن يضمر له على سبيل الوجوب فعل يفسره ما بعده كما قال1:
ظُنِنتُ فقيرا ذا غنًى ثم نِلتُه ... فلم ذا رجاء ألقه غيرَ واهبِ
فسوى بين الثلاثة في الفصل باسم الاشتغال للضرورة.
الخامس: أن "لم" قد تلغى فلا يجزم بها، قال في التسهيل: حملا على "لا" وفي شرح الكافية: حمل على "ما" وهو أحسن "لأن ما"2 ينفي بها الماضي كثيرا، بخلاف "لا".
وأنشد الأخفش على إهمالها3:
__________
1 قائله: هو ذو الرمة، وهو الطويل.
المعنى: يعني: أنه في حال فقره كان متعففا فكنى عن ذلك بظنه ذاغني، وأنه حين صار غنيا يعطي كل راج لقيه ما يرجوه.
الإعراب: "ظننت" -بالبناء للمجهول والتكلم- فعل ناسخ ينصب مفعولين ونائب الفاعل هو المفعول الأول "فقيرا" حال من نائب الفاعل "ذا غنى" مفعول ثان لظن ومضاف إليه "ثم" عاطفة "نلته" فعل وفاعل ومفعول -والضمير يعود على الغنى- "لم" حرف جزم ونفي "ذا" مفعول لفعل محذوف مفسر بألقى "ألقه" فعل ماض والفاعل ضمير والهاء مفعوله "غير" حال من الفاعل "واهب" مضاف إليه.
الشاهد: قوله: "فلم ذا رجاء ألقه" حيث دخلت لم على الاسم ضرورة.
مواضعه: ذكره ابن هشام في مغني اللبيب 278/ 1، والعيني في خزانة الأدب 627/ 3.
2 ب، ج وفي أ "لأنها".
3 قائله: لم أقف على اسم قائله، وهو من البسيط.
اللغة: "الفوارس" جمع فارس على غير قياس "ذهل" حي من بكر "أسرتهم" أسرة الرجل -بالضم- رهطه "الصليفاء" -بضم الصاد المهملة وبالفاء والمد- اسم موضع.
الإعراب: "لولا" امتناع لوجود "فوارس" مبتدأ "من ذهل" جار ومجرور في محل رفع صفة فوارس وخبر المبتدأ محذوف تقديره: لولا فوارس كائنون من ذهل موجودون "وأسرتهم" بالرفع عطف على فوارس "يوم" منصوب على الظرفية "الصليفاء" مضاف إليه "لم يوفون بالجار" جواب لولا.
الشاهد: قوله: "لم يوفون" حيث إن "لم" قد تهمل فلا تجزم، والفعل بعدها ثبتت فيه النون.
مواضعه: ذكره الأشموني في شرحه للألفية 576/ 3، وابن هشام في المغني 277/ 1، والسيوطي في الهمع 56/ 2، والشاهد 676 في الخزانة.

(3/1272)


لولا فوارسُ من ذُهْل وأسرتهم ... يوم الصُّليفاء لَمْ يُوفُون بالجارِ
ولم يذكر ذلك في "لما".
فإن قلت: فهل إهمال "لم" ضرورة أو لغة؟
قلت: نص بعض النحويين على أنه ضرورة، وقال في الكافية: وشذ، وفي التسهيل: وقد لا يجزم بها فلم يخصه بالضرورة، وصرح في أول شرح التسهيل بأن الرفع لغة قوم.
تنبيهات:
الأول: قال في التسهيل: ومنها "لم" ولما أختها، يعني من الجوازم، فقيد لما بقوله: "أختها" احترازا من "لما" بمعنى "إلا" ومن "لما" التي هي حرف وجود لوجود، وكذلك فعل الشارح، فقال: احترزت بقولي: أختها، من لما الحينية نحو: {وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا} 1، ومن "لما" بمعنى "إلا" نحو: "عزمت عليك لما فعلت" أي: إلا فعلت. المعنى: ما أسألك إلا فعلت "قوله: الحينية"2 هو على مذهب الفارسي.
فإن قلت: فهلا قيد في النظم؟
قلت: لا يحتاج إليه؛ لأن التي بمعنى "إلا" يليها ماضي اللفظ مستقبل المعنى، والتي هي حرف وجود لوجود يليها ماضي اللفظ والمعنى، وقد ذكر ذلك في شرح التسهيل، فلا يحتاج إلى التقييد؛ لأنهما لا يليهما مضارع.
الثاني: حكى اللحياني عن بعض العرب أنه ينصب بلم، وقال في شرح الكافية: زعم بعض الناس أن النصب بلم لغة؛ اغترارا بقراءة بعض السلف: "أَلَمْ نَشْرَحَ لَكَ صَدْرَكَ"3 -بفتح الحاء- وبقول الراجز4:
__________
1 من الآية 94 من سورة هود.
2 ب، ج.
3 من الآية 1 من سورة الشرح.
4 قائله: هو علي بن أبي طالب رضي الله عنه يتمثل به، وهو من الرجز. =

(3/1273)


في أيّ يَومَى من الموت أفِر ... أيَومَ لم يقدَرَ أم يوم قُدِر
وهو عند العلماء محمول على أن الفعل مؤكد بالنون الخفيفة، ففتح لها ما قبله، ثم حذفت ونويت.
الثالث: اختلف في "لما" فقيل: مركبة من لم وما، وهو مذهب الجمهور، وقيل: بسيطة.
ثم انتقل إلى ما يطلب فعلين من الجوازم فقال:
واجْزِمْ بإِنْ ومَنْ وما ومهما ... أيٍّ متى أيانَ أينَ إِذْمَا
وحيثما أنَّى وحَرفٌ إذْمَا ... كإِنْ وباقي الأدوات اسْمَا
هذه أدوات الشرط الجازمة، وهي كَلِمٌ وضعت لتعليق جملة بجملة تكون الأولى سببا والثانية مسببا. وهذه الكلم حرف واسم.
فالحرف إن وهي أم الباب وإذما عند سيبويه، وذهب المبرد في أحد قوليه وابن السراج والفارسي إلى أنها ظرف زمان زيد عليها ما. قال في شرح الكافية: والصحيح ما ذهب إليه سيبويه، فعلى مذهب سيبويه تكون إذما كإن في "أنهما موضوعان"1 للتعليق المذكور من غير إشعار بأمر آخر.
وعلى مذهب القائلين بأنها الظرفية تكون مشعرة بالزمان، ويجزم بها في الاختيار خلافا لمن خص ذلك بالضرورة.
والاسم ظرف وغير ظرف، فغير الظرف من وما ومهما، فمن لتعميم أولي العلم، وما لتعميم ما تدل عليه وهي موصولة، وكلتاهما مبهمة في أزمان الربط، ومهما بمعنى ما ولا تخرج عن الاسمية خلافا لمن زعم أنها تكون حرفا، ولا عن
__________
= الإعراب: "في أي" جار ومجرور متعلق بأفر "يوميّ" مثنى. فأي مضاف ويومي مضاف إليه "من الموت" جار ومجرور متعلق بأفر "أيوم" الهمزة للاستفهام ويوم منصوب على الظرفية "لم يقدر" نصب الفعل بعد لم على لغة "قدر" فعل ماض مبني للمجهول ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه.
الشاهد: قوله "لم يقدر" -بنصب الراء- وذلك لغة بعض العرب ينصبون بلم.
مواضعه: ذكره الأشموني في شرحه للألفية 578/ 3، وابن هشام في المغني 277/ 1.
1 أ، ج.

(3/1274)


الشرطية خلافا لمن زعم أنها تكون استفهاما، ولا تجر بإضافة ولا حرف جر بخلاف من وما، وقد وهم ابن عصفور فزعم أنه يجوز أن يدخل عليها حرف الجر، وذكر في الكافية وفي التسهيل أن ما ومهما مثل من في لزوم التجرد عن الظرفية مع أن استعمالهما ظرفين ثابت في أشعار الفصحاء من العرب، وأنشد أبياتا1.
قال ابنه بدر الدين: ولا أرى في هذه الأبيات حجة؛ لأنه يصح تقديرها بالمصدر.
وقال الزمخشري: هذه الكلمة في عداد الكلمات التي يحرفها من لا يد له في علم العربية فيضعها غير موضعها ويحسب مهما بمعنى متى ما، ويقول: "مهما جئتني أعطيتك" وهذا من وضعه وليس من كلام واضح العربية في شيء، ثم يذهب فيفسر: {مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ} 2 بمعنى الوقف، فيلحد في آيات الله وهو لا يشعر، وهذا وأمثاله مما يوجب الجثو بين النظار في كتاب سيبويه، انتهى.
واختلف في "مهما" فقيل: إنها بسيطة وإنها فعلى وألفها إما للتأنيث وإما "للإلحاق"3 وزال التنوين للبناء فهي على هذا من باب سلس، وقال ابن إياز: لو قيل: إنها مفعل تحاميا لذلك، لم أرَ به بأسا. وقال الخليل: مركبة من ماما الأولى للجزاء والثانية التي تزاد بعد الجزاء، فأبدلوا من ألف الأولى هاء كراهة التكرير. وقال الأخفش والزجاج ومن وافقهما: مركبة من مَهْ بمعنى اكفف وما الشرطية، وأجازه سيبويه.
وأما "أي" فهي عامة في ذوي العلم وغيرهم، وهي بحسب ما تضاف إليه، فإن أضيفت إلى ظرف مكان كانت ظرف مكان، أو إلى ظرف زمان كانت ظرف زمان، أو إلى غيرهما لم تكن ظرفا، والظرف: مكاني وزماني.
__________
1 منها قول الفرزدق في ما:
وما تَحيَ لا أرهَبْ وإن كنت جارِما
ولو عَد أعدائي عليَّ لهم ذَحلا
وفي مهما قول حاتم:
وإنك مهما تعطِ بطنك سُؤله
وفرجَك نالا منتهى الذم أجمعا
2 من الآية 132 من سورة الأعراف.
3 ب، ج وفي أ "للإطلاق".

(3/1275)


فالزماني: متى، وأيان، فمتى لتعميم الأزمنة، وأيان كمتى، وقد تستعمل في الأزمنة التي تقع فيها الأمور العظام، وكسر همزة أيان لغة سليم، وقرئ بها شاذا، والجزم بها محفوظ خلافا لمن أنكره، ولم يحفظه سيبويه لقلته.
وأما المكاني: أين وحيثما، هما لتعميم الأمكنة، وأنَّى ذكروها في ظروف المكان بمعنى أين. وقال بعضهم: هي لتعميم الأحوال.
تنبيهات:
الأول: "قد"1 فهم من كلامه أن حيث وإذ لا يجزمان إلا مقترنين بما كما لفظ بهما، وأجاز الفراء الجزم بإذ وحيث دون ما، وأما غيرهما فقسمان:
قسم لا تلحقه "ما" "وهو": مَنْ وما ومهما وأنَّى.
وقسم يجوز فيه الأمران وهي: إن وأي ومتى وأين وأيان، وأجاز الكوفيون زيادة "ما" بعد من وأنى، ومنع بعض النحويين زيادتها بعد أيان، والصحيح ما تقدم.
الثاني: ذكر في الكافية والتسهيل: أَنَّ "إِنْ" قد تهمل حملا على لو، كقراءة طلحة: "فَإِمَّا تَريْنَ"2 بياء ساكنة ونون مفتوحة، وإن متى قد تهمل حملا على إذا ومثل بها بحديث: "إن أبا بكر رجل أسيف، وإنه متى يقوم مقامك لا يُسمع الناس" 3. وفي الارتشاف: ولا تهمل حملا على إذا خلافا لمن زعم ذلك ويعني متى.
الثالث: لم يذكر هنا من الجوازم إذا وكيف ولو.
أما إذا فالمشهور أنه لا يجزم بها إلا في الشعر لا في قليل من الكلام ولا في الكلام إذا زيد بعدها ما، خلافا لزاعم ذلك، وقوله في التسهيل: وقد يجزم بإذا
__________
1 ب، وفي أ "قال".
2 من الآية 26 من سورة مريم.
3 أسيف: أي ذو أسف وحزن، وقوله: يقوم مقامك: أي في الصلاة، وقوله: لا يسمع الناس: أي لبكائه.

(3/1276)


الاستقبالية حملا على متى يقتضي ظاهره جواز ذلك في قليل من الكلام، وقال في الكافية1:
وذَا في النثر لن يُسْتَعْمَلا
وأما "كيف" فيجازى بها معنى لا عملا، خلافا للكوفيين، فإنهم أجازوا الجزم بها قياسا، ووافقهم قطرب.
وأما "لو" فذهب قوم منهم ابن الشجري إلى أنها يجزم بها في الشعر، ورده المصنف في الكافية2.
وقال في التسهيل في آخر عوامل الجزم: والأصح امتناع حمل لو على إن، وقال في فصل: لو لم يجزم بها إلا اضطرارا، وزعم اطراد ذلك على لغة، فظاهره موافقة ابن الشجري ويتحصل فيه ثلاثة مذاهب، وذكر بعضهم أن من الجوازم "مهمن"3، وقال قطرب: لم يحمل الجزم "بها"4 عن فصيح.
فِعلَيْنِ يَقْتَضِينَ شرطٌ قُدِّما ... يتلو الجزاءُ وجوابًا وُسِمَا
يعني: أن كلا من أدوات الشرط تقتضي جملتين تسمى الأولى شرطا والثانية جزاء وجوابا أيضا. ويجب كون الأولى فعلية، وأما الثانية: فمنها "أيضا" أن تكون فعلية، وقد تكون اسمية، وسيأتي.
فإن قلت: فلمَ قال "فعلين" ولم يقل جملتين؟
قلت: للتنبيه على أن حق الشرط والجزاء أن يكونا فعلين، وإن كان ذلك لا يلزم في الجزاء.
تنبيهان:
الأول: فهم من قوله: "يتلو الجزاء" أنه لا يتقدم، وإن تقدم على أداة الشرط شبيه بالجواب فهو دليل عليه، وليس إياه، هذا مذهب جمهور البصريين، وذهب الكوفيون والمبرد وأبو زيد إلى أنه الجواب نفسه، والصحيح الأول.
__________
1 تمام بيت الكافية:
وشاع جزمٌ بإذا حملا على ... متى .....................
2 بقوله:
وجوِّز الجزمَ بها في الشعر ... ذو حُجة ضعَّفها من يَدْرِي
3 في أ "مهمن" وفي ب، ج "كم".
4 أ، ج.

(3/1277)


الثاني: قد يؤخذ من قوله: "يقتضين" أن أداة الشرط هي الجازمة للشرط والجزاء معا لاقتضائها لهما، أما الشرط فنقل الاتفاق على أن الأداة جازمة له.
وشذ المازني: فعنه في قول: إنه مبني هو وفعل الجزاء، وفي قوله: إنه معرب وفعل الجزاء مبني.
وأما الجزاء ففيه أربعة أقوال:
الأول: أن الأداة هي الجازمة له، قيل: وهو مذهب المحققين من البصريين وعزاه السيرافي إلى سيبويه، وذهب الأخفش إلى أن الجزم بفعل الشرط، واختاره في التسهيل، وقيل: بالأداة والفعل معا، ونسب إلى سيبويه والخليل، وقيل: بالجواز، وهو مذهب الكوفيين.
وماضِيَيْنِ أو مُضارعَيْنِ ... تُلفِيهِمَا أو مُتخالِفَيْنِ
إذا كان الشرط والجزاء فعلين فلهما تسع صور؛ لأن الشرط له ثلاثة أحوال:
أحدها: أن يكون ماضي اللفظ أو مضارعا عاريا من لم ومصحوبا بها، والجزاء كذلك.
والحاصل من ضرب ثلاثة في ثلاثة تسعة منها ثمانية تجوز في الاختيار وواحد مختلفين فيه، وهو أن يكون الشرط مضارعا، والجزاء ماضيا عاريا من لم، فمذهب الجمهور أنه لا يجوز إلا في الشعر، ومذهب الفراء والمصنف جوازه في الاختيار، واستدل المصنف بقوله صلى الله عليه وسلم: "من يقم ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر" ، ويورد ذلك في أبيات لم يضطر قائلها إلى ذلك1.
ثم تلك الثمانية الجائزة في الاختيار منها راجح ومرجوح، فإن كونهما ماضيين وضعا أو بمصاحبة لم أحدهما أو كلاهما، أو مضارعين دون لم، أَوْلَى من سوى ذلك.
__________
1 منها قوله:
من يكدني بسيئ كنت منه ... كالشَّجا بين حلقه والوريد
وقوله:
إن تصرمونا وصلناكم وإن تصلوا ... ملأتم أنفُسَ الأعداء إرهابا

(3/1278)


وبَعْدَ ماضٍ رفعُك الجزا حَسَنْ ... ورفعُه بعد مضارعٍ وَهَنْ
يعني: أن الجزاء إذا كان مضارعا والشرط ماضيا جاز جزمه ورفعه، ومن الجزم قوله تعالى: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ} 1.
ومن الرفع قول زهير2:
وإن أتاه خليلٌ يوم مسغبة ... يقول: لا غائبٌ مالي ولا حرِمُ
ونص الأئمة على جوازه في الاختيار مطلقا، وزعم بعضهم أنه لا يجيء في الكلام الفصيح إلا مع كان.
وقال بعض المتأخرين: لا أعلمه جاء في الكلام، وقد صرح الناظم بأن الرفع حسن.
فإن قلت: فأي الوجهين أحسن؟
قلت: زعم بعض المتأخرين أن الرفع أحسن من الجزم، والصواب عكسه، وقال في شرح الكافية: الجزم مختار، والرفع جائز كثير.
__________
1 من الآية 20 من سورة الشورى.
2 قائله: هو زهير بن أبي سلمى من قصيدة يمدح فيها هرم بن سنان، وهو من البسيط.
اللغة: "خليل" المراد هنا: الفقير ذو الحاجة، من الخلة وهي الفقر والحاجة "مسغبة" مجاعة، من سغب فلان: إذا اشتد به الجوع "حرم" ممنوع وحرام.
المعنى: يصف هرما بالكرم والجود وأنه لا يرد سائلا فيقول: إذا جاء ذو حاجة قد أخذ منه الجوع لا يعتذر بضيق ماله وعدم استطاعته عن الحصول عليه، ولا يقول للسائل المحتاج: أنت ممنوع محروم.
الإعراب: "إن" حرف شرط يجزم فعلين "أتاه" فعل ماض في محل جزم فعل الشرط والهاء مفعوله "خليل" فاعله "يوم" ظرف متعلق بقوله أتاه "مسألة" مضاف إلى يوم "يقول" فعل مضارع جواب الشرط مرفوع "لا" نافية عاملة عمل ليس "غائب" اسم لا مرفوع بها "مالي" فاعل لغائب سد مسد خبر لا "ولا" الواو عاطفة، لا زائدة لتأكيد النفي "حرم" معطوف على غائب.
الشاهد: قوله: "يقول" حيث رفع وهو جواب الشرط؛ لأن فعل الشرط ماضٍ.
مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني 585/ 2، وابن هشام 398/ 3، وابن عقيل 278/ 2، وابن الناظم، والسيوطي ص117، والمكودي ص148، والسيوطي في الهمع 60/ 2، وسيبويه 436/ 1.

(3/1279)


فائدة:
اختلف النحويون في تخريج الرفع، فذهب سيبويه إلى أنه على تقدير التقديم وجواب الشرط محذوف، وذهب الكوفيون والمبرد إلى أنه على تقدير الفاء وهو الجواب، وذهب قوم إلى أنه ليس على التقديم والتأخير، ولا على حذف الفاء، بل لما لم يظهر لأداءة الشرط تأثير في فعل الشرط؛ لكونه ماضيا ضعف عن العمل في الجواب.
وإذا كان الشرط والجزاء مضارعين وجب جزمهما نحو: {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ} 1.
وقد يجيء الجواب مرفوعا والشرط مضارع مجزوم كقوله2:
يا أقرعُ بن حابس يا أقرعُ ... إنك إن يُصرَعْ أخوك تُصرَعُ
وإليه الإشارة بقوله: "ورفعه بعد مضارع وهن" أي: ضعف.
فإن قلت: فهل يطرد أم يخص بالضرورة؟
قلت: نصوا على أنه ضرورة، وهو ظاهر كلام سيبويه، فإنه قال: وقد جاء في الشعر.
__________
1 من الآية 284 من سورة البقرة.
2 قائله: هو عمرو بن خثارم البجلي، وأنشد في المنافرة التي كانت بين جرير بن عبد الله البجلي وخالد بن أرطاة الكلبي، وكانا قد تنافرا إلى الأقرع بين حابس ليحكم بينهما وذلك قبل إسلامه، وهو من الرجز.
الإعراب: "يا" حرف نداء "أقرع" منادى مبني على الضم في محل نصب "بن" نعت لأقرع بمراعاة محله "حابس" مضاف إليه "يا أقرع" توكيد للنداء الأول "إنك" حرف توكيد ونصب والكاف اسمه "إن" شرطية "يصرع" فعل مضارع مبني للمجهول فعل الشرط "أخوك" نائب فاعل والكاف مضاف إليه "تصرع" فعل مضارع مبني للمجهول جواب الشرط ونائب الفعل ضمير مستتر فيه.
الشاهد: قوله: "إن يصرع... تصرع" حيث وقع جواب الشرط مضارعا مرفوعا، وفعل الشرط مضارع.
مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني 586/ 3، وابن عقيل 279/ 2ن وابن الناظم، والسيوطي ص117، والمكودي ص148، والسيوطي في الهمع 61/ 2، وسيبويه 436/ 1، والشاهد رقم 990 في الخزانة.

(3/1280)


وقال ابن الأنباري: في "إن تزرني أزرك" الاختيار الجزم، وإنما يحسن الرفع هنا إذا تقدم ما يطلب الجزاء قبل "إن" كقولهم: "طعامك إن تزرنا نأكل" وتقديره: طعامك نأكل إن تزرنا. انتهى.
وصرح في بعض نسخ التسهيل: أنه ضرورة، وفي بعضها بقتله، ولم يخصه بالضرورة، وقال في شرح الكافية: وقد يجيء الجواب مرفوعا والشرط مضارع مجزوم، ومنه قراءة طلحة بن سليمان: "أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ الْمَوْتُ"1.
تنبيهات:
الأول: اختلف في تخريج الرفع بعد المضارع، فذهب المبرد إلى أنه على حذف الفاء مطلقا، وفصل سيبويه بين أن يكون قبله ما يمكن أن يطلبه نحو: "إنك" في البيت، فالأولى أن يكون على التقديم والتأخير، وبين أن يكون قبله ما يمكن أن يطلبه، فالأولى أن يكون على حذف الفاء، وجوز العكس، وقيل: إن كانت الأداة اسم شرط فعلى إضمار الفاء، وإلا فعلى التقديم والتأخير.
الثاني: أطلق في قوله: بعد مضارع، وقيد في بعض نسخ التسهيل بألا يكون منفيا بلم، وجعل رفع الجزاء بعد المنفي بلم كثيرا؛ لرفعه بعد الماضي.
الثالث: قد يظهر من قوله: "رفعك الجزا" موافقة المبرد في أنه على تقدير الفاء لتسميته جزاء، ويحتمل أن يكون سماه جزاء باعتباره حالة الجزم وإن لم يكن جزاء إذا رفع.
واقْرُنْ بفا حَتْمًا جوابا لو جُعِلْ ... شرطا لإِنْ أو غيرها لم يَنْجَعِلْ
أصل جواب الشرط أن يكون فعلا صالحا لجعله شرطا، فإذا جاء على الأصل لم يحتج إلى فاء يقترن بها، وذلك إذا كان ماضيا متصرفا مجردا من قد وغيرها، أو مضارعا مجردا أو منفيا بلا ولم.
قال الشارح: ويجوز اقترانه بها، فإن كان مضارعا رفع، وذلك نحو قوله تعالى: {إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ} 2 وقوله تعالى: {فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا} 3. انتهى.
__________
1 من الآية 78 من سورة النساء، برفع "يدرككم" وهي شاذة.
2 من الآية 26 من سورة يوسف.
3 من الآية 13 من سورة الجن.

(3/1281)


وهو معترض من ثلاثة أوجه:
الأول: أن قوله: "ويجوز اقترانه بها" يقتضي ظاهره أن الفعل هو الجواب مع اقترانه بالفاء.
والتحقيق حينئذ أن الفعل خبر مبتدأ محذوف، والجواب جملة اسمية، قال في شرح الكافية: فإن اقترن بها فعلى خلاف الأصل، وينبغي أن يكون الفعل خبر مبتدأ، ولولا ذلك لحكمنا بزيادة الفاء وجزم الفعل إن كان مضارعا.
وقال الشيخ أبو حيان: ولو قيل: ربط الجملة الشرطية بالمضارع له طريقان:
أحدهما: بجزمه، والآخر: بالفاء ورفعه، لكان قولا.
والثاني: أن ظاهر كلامه جواز اقتران الماضي مطلقا، وليس كذلك، بل الماضي المنصرف المجرد على ثلاثة أضرب:
ضرب لا يجوز اقترانه بالفاء، وهو ما كان مستقبلا معنى ولم يقصد به وعد أو وعيد نحو: "إن قام زيد قام عمرو".
وضرب يجب اقترانه بالفاء، وهو ما كان ماضيا لفظا ومعنى نحو: {إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ} وقد معه مقدرة.
وضرب يجوز اقترانه بالفاء، وهو ما كان مستقبلا معنى وقصد به وعد أو وعيد نحو: {وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ} 1.
وقد نص المصنف على هذا التفصيل في شرح الكافية.
والثالث: أنه مثل ما يجوز اقترانه بالفاء بقوله تعالى: {فَصَدَقَتْ} وليس كذلك، بل هو مثال الواجب، وإذا كان الجواب لا يصلح لأن يجعل شرطا وجب اقترانه بالفاء؛ ليعلم ارتباطها بالأداة.
وذلك إذا كان جملة اسمية أو فعلية طلبية، أو فعلا غير متصرف أو مقرونا بالسين أو سوف أو قد منفية بما أو لن أو إن، أو يكون قسما أو مقرونا برب2.
__________
1 من الآية 90 من سورة النمل.
2 نظمها بعضهم في قوله:
طلبية واسمية وبجامد
وبما وقد وبلن وبالتنفيس
قال الصبان: وزاد الكمال ابن الهمام تصديره برب والقسم، والدنوشري تصديره بأداة شرط نحو: {وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ} الآية. اهـ.

(3/1282)


فهذه الأجوبة تلزمها الفاء؛ لأنها لا يصلح جعلها شرطا، وخطب التمثيل سهل.
وقد تحذف الفاء الواجب ذكرها للضرورة كقوله1:
مَنْ يفعلِ الحساتِ اللهُ يشكرها ... .............................
وقال الشارح: لا يجوز تركها إلا في الضرورة أو ندور، ومثل الندور بما أخرجه البخاري من قوله صلى الله عليه وسلم لأبي بن كعب: "فإن جاء صاحبها وإلا استمتع بها" 2، وعن المبرد إجازة حذفها في الاختيار، وقد جاء حذفها وحذف المبتدأ في قوله3:
__________
1 قائله: هو عبد الرحمن بن سيدنا حسان بن ثابت، وهو من شواهد سيبويه.
وعجزه:
والشر بالشر عند الله مثلان
وهو من البسيط.
المعنى: من يفعل الخير والمعروف يحظَ برضاء الله وشكره والجزاء المضاعف، ومن يفعل الشر يجازى مثله.
الإعراب: "من" اسم شرط جازم يجزم فعلين -مبتدأ- "يفعل" فعل الشرط مجزوم وحرك بالكسر للتخلص من الساكنين، وفاعله يعود على من "المحسنات" مفعوله منصوب بالكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم "الله" مبتدأ "يشكرها" الجملة خير المبتدأ في محل رفع، وجملة المبتدأ والخبر جواب الشرط، وجملة الشرط وجوابه خبر المبتدأ "من" "الشر" مبتدأ والباء في بالشر للمقابلة "عند" منصوب على الظرفية "الله" مضاف إليه "مثلان" خبر المبتدأ.
الشاهد: قوله: "الله يشكرها" فإنها جملة اسمية، وقد وقعت جوابا للشرط، وكان يجب أن تقترن بالفاء، ولكنها حذفت للضرورة.
مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني 587/ 3، وابن هشام 401/ 3، وابن الناظم، والسيوطي ص117، وفي الهمع 6/ 2، وفي المغني 65/ 1، وسيبويه 435/ 1، والشاهد 691 في الخزانة.
2 أي: في شأن اللقطة، وجواب الشرط الأول محذوف للعلم به أي: فأدها إليه.
3 قائله: هو فلان الأسدي، وهو من الطويل.
وصدره:
بنى ثعل لا تنكعوا العنزَ شربها
اللغة: "ثعل" قبيلة من طيئ "ينكح العنز" من نكعت الناقة: جهدتها حلبا "العنز" الماعزة، وهي الأنثى من المعز "شربها" -بكسر الشين- وهو الحظ من الماء. =

(3/1283)


بني ثُعَل من ينكَعِ العنزَ ظالم
فإن قلت: ما هذه الفاء التي في جواب الشرط؟
قلت: هي فاء السبب الكامنة في نحو: "يقوم زيد فيقوم عمرو" وتعينت هنا للربط لا للتشريك، وزعم بعضهم أنها عاطفة جملة على جملة، ولا تخرج عن العطف، وهو بعيد.
وتَخْلُفُ الفاءَ إِذَا المفاجَأَهْ ... كإِنْ تَجُدْ إذا لنا مُكَافَأَهْ
يعني: أن إذا المفاجأة قد تقوم مقام الفاء وتخلفها في الربط ولا يكون ذلك إلا في الجملة الاسمية.
وقد فهم من قوله: "وتخلف الفاء" فائدتان:
الأول: أن الربط بإذا نفسها خلافا لمن ذهب أن الربط بألف مقدرها قبلها.
والثانية: أنه لا يجوز الجمع بين الفاء وإذا في الجواب، وإن كان ذلك جائزا في غيره؛ لكونها نائبة عنها كما نص عليه بعض النحويين.
فإن قلت: أطلق في قوله: "تخلف الفاء" وإنما يكون ذلك في الجملة الاسمية، لا مطلقا، بل بثلاثة شروط:
الأول: ألا تكون طلبية نحو: "إن عصى زيد فويل له".
والثاني: ألا يدخل عليها أداة نفي نحو: "إن قام زيد فما عمرو بقائم".
والثالث: ألا يدخل عليها إن نحو: "إن قام زيد فإن عمرًا قائم".
فكل ذلك لا بد له من الفاء، وذكر الثلاثة في الارتشاف.
__________
= الإعراب: "بني ثعل" منادى مضاف منصوب وحذف منه حرف النداء والتقدير: يا بني ثعل "من" شرطية "ينكع" جملة من الفعل والفاعل وهو الضمير الذي يرجع إلى من، وقعت فعل الشرط "العنز" مفعول به منصوب بالفتحة الظاهرة "ظالم" مرفوع على أنه خبر لمبتدأ محذوف أي: فهو ظالم.
الشاهد: قوله: "ظالم" حيث حذف منه المبتدأ مع الفاء التي هي جواب الشرط أي: فهو ظالم.
مواضعه: ذكره الأشموني في شرحه للألفية 885/ 3، وسيبويه 436/ 1.

(3/1284)


قلت: مثاله يرشد إلى أن ذلك في الجملة الاسمية "وأيضا فقد تقرر أن إذا الفجائية لا تليها غالبا إلا الجملة الاسمية"1، فلم تحتج إلى التنبيه عليها لوضوحه.
وأما الشروط فمثاله قد حازها إلا أنه ليس في كلامه ما يدل على اشتراطها، وقد ذكر الأول في التسهيل.
فإن قلت: ظاهر كلامه أن "إذا" يربط بها بعد "إن" وغيرها من أدوات الشرط، وفي بعض نسخ التسهيل: "وقد تنوب بعد إن إذا المفاجأة عن الفاء" فخصه بإن.
قلت: نصوص النحويين على الإطلاق.
قال الشيخ أبو حيان: ومورد السماع إن، وقد جاءت بعد إذا الشرطية كقوله تعالى: {فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ} 2.
والفِعْلُ من بعد الجزَا إن يَقْتَرِنْ ... بالفا أو الواو بتَثْليثٍ قَمِنْ
إذا أخذت أداة الشرط جوابها، وذكر بعده مضارع مقرون بالفاء أو الواو جاز جزمه عطفا على الجواب ورفعه على الاستئناف ونصبه على إضمار أن، وقرئ بالثلاثة قوله تعالى: {يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ} 3 فالنصب يروى عن ابن عباس، وإنما جاز بعد الجزاء لأن مضمونه لم يتحقق وقوعه فأشبه الواقع بعده الواقع بعد الاستفهام.
تنبيه:
قوله: "من بعد الجزا" يشمل المجزوم وغيره، وقول الشارح: إذا كان بعد جواب الشرط المجزوم يوهم أن الجزم شرط في جواز الأوجه الثلاثة، وقد قرئ بالثلاثة قوله تعالى: {وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ} 4.
__________
1 ب، ج.
2 من الآية 48 من سورة الروم.
3 من الآية 284 من سورة البقرة.
4 من الآية 271 من سورة البقرة.

(3/1285)


وجَزْمٌ أو نَصْبٌ لفعل إِثْر فَا ... أو واوٍ إِنْ بالجملتَيْنِ اكتُنفا
إذا وقع المضارع المقرون بالفاء أو الواو بين الشرط وجوابه جاز جزمه عطفا على فعل الشرط ونصبه بإضمار إن، وامتنع الرفع إذ "لا يصح"1 الاستئناف قبل الجزاء.
تنبيه:
ألحق الكوفيون ثم بالفاء والواو، فأجازوا النصب بعدها، واستدلوا بقراءة الحسن: {وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ} 2، وزاد بعضهم أو.
والشرطُ يُغني عن جواب قد عُلم ... والعكس قد يأتي إِنِ المعنى فُهم
مثال حذف الجواب للعلم به استغناء بالشرط قوله تعالى: {أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ} 3 تقديره -والله أعلم: تطيرتم، وهو كثير، ومثال عكسه قول الشاعر4:
فطلِّقْهَا فلست لها بكُفْءٍ ... وإلا يَعْلُ مِفْرقك الحسامُ
__________
1 ب، ج وفي أ "لا يصح".
2 من الآية 110 من سورة النساء.
3 من الآية 19 من سورة يس.
4 قائله: هو الأحوص الأنصاري -يخاطب مطرا، وكان دميما وتحته امراة حسناء- وهو من الوافر.
اللغة: "بكفء" بماسوٍ ومماثل في الحسب وغيره مما يعتبر لازما للتكافؤ بين الزوجين "مفرقك" والمفرق: وسط الرأس حيث يفرق الشعر "الحسام" السيف القاطع.
الإعراب: "فطلقها" الفاء عاطفة وطلق فعل أمر والفاعل ضمير مستتر فيه وها مفعوله "فلست" الفاء تعليلية، ليس فعل ماض ناقص والتاء اسمه "لها" جار ومجرور متعلق بكفء "بكفء" الباء زائدة، كفء خبر ليس منصوب بفتحة مقدرة "وإلا" الواو عاطفة إن شرطية أدغمت في لا النافية، وفعل الشرط محذوف يدل عليه ما قبله؛ أي: وإن لا تطلقها "يعل" فعل مضارع جواب الشرط مجزوم بحذف الواو "مفرقك" مفعول والكاف مضاف إليه "الحسام" فاعل.
الشاهد: قوله: "وإلا يعل" حيث حذف الشرط؛ لأن الأداة إن مقرونة بلا؛ أي: وإلا تطلقها.
مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني 591/ 3، وابن هشام 406/ 3، وابن عقيل 384/ 2، وبن الناظم، والمكودي ص150، والسيوطي ص118، وفي الهمع 62/ 2.

(3/1286)


أي: وإلا تطلقها.
تنبيه:
فهم من النظم فوائد:
الأولى: أن ما لم يعلم من شرط أو جواب؛ لكونه لا دليل عليه لا يجوز حذفه، وذلك واضح.
والثانية: أن حذف الشرط أقل من حذف الجواب؛ لقوله: "لقد يأتي" فإن قد هنا للتقليل، وقد نص على ذلك في شرح الكافية.
والثالثة: أنه لا يشترط في حذف الشرط أن يكون مع إن، وفي الارتشاف: لا أحفظ إلا في إن وحدها.
وقال الشارح: حذفه بدون إن قليل، وحذفه معها كثير، وأنشد على حذفه مع غيرها1:
مَتَى تُؤخَذُوا قَسْرًا بظِنَّةِ عامرٍ ... ولا ينجُ إلا في الصِّفَادِ يَزِيدُ
أراد: متى تثقفوا تؤخذوا.
والرابعة: أنه لا يشترط في حذف فعل الشرط تعويض لا من الفعل المحذوف خلافا لابن عصفور والأبدي فإنهما قالا: لا يجوز حذف فعل الشرط في الكلام إلا بشرط تعويض لا من الفعل المحذوف.
__________
1 قائله: لم أقف على اسم قائله، وهو من الطويل.
اللغة: "قسرا" -بفتح القاف وسكون السين- قهرا وغصبا "بظنة" -بكسر الظاء- التهمة "الصفاد" -بكسر الصاد وتخفيف الفاء- وهو ما يوثق به الأسير من قيد وغل.
المعنى: أراد الشاعر تحذير هؤلاء القوم الذين عامر كبيرهم حيث يقول: ما آخذتم لا ينج أحد منكم غير يزيد، فإنه أيضا يقيد في الصفاد.
الإعراب: "متى" شرطية "تؤخذوا" جواب الشرط وفعل الشرط محذوف أي: متى تثقفوا تؤخذوا "قسرا" منصوب على التمييز "بظنة" جار ومجرور متعلق بقوله: تؤخذوا "عامر" مضاف إليه "ولا ينج" التقدير: ولا ينج يزيد إلا وهو في الصفاد، فيزيد فاعل وإلا ملغاة.
الشاهد: قوله: "متى تؤخذوا" حيث حذف فيه فعل الشرط؛ إذ أصله متى تثقفوا تؤخذوا.
مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني 592/ 3، وابن الناظم، وذكره السيوطي في الهمع 63/ 2.

(3/1287)


وقال في الارتشاف: قولهما ليس بشيء. انتهى. وقد حذف وهو مثبت في نحو قوله تعالى: {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ} 1.
قلت: وفي بعض نسخ التسهيل: وكذا الشرط المنفي بلا تالية إن فظاهره اشتراط الأمرين.
تنبيهان:
الأول: قال في التسهيل: ويحذفان بعد إن في الضرورة، يعني الشرط والجزاء.
كقوله2:
.............................. ... ................... قالت وإننْ
وفي كلام بعضهم ما يدل على جوازه في الاختيار على قلة.
__________
1 من الآية 6 من سورة التوبة.
2 قائله: نسبه النحاة لرؤبة بن العجاج، وهو من الرجز.
وتمامه:
قالت بنات العم يا سلمى وإننْ
كان فقيرا معدما قالت وإننْ
اللغة: "معدما" شديد الفقر لا شيء عنده.
المعنى: قالت بنات عم سلمى لها: أترضين بهذا البعل وإن كان شديد الفقر لا مال له؟ فأجابتهن: نعم رضيت به وإن كان كذلك.
الإعراب: "قالت" فعل ماض والتاء للتأنيث "بنات" فاعل "العم" مضاف إليه "يا" حرف نداء "سلمى" منادى وإن شرطية جازمة وحركت بالكسر للساكنين والنون الزائدة حرف "كان" فعل ماض ناقص فعل الشرط واسمها ضمير مستتر "فقيرا" خبر كان "معدما" صفة لخبر كان أو خبر ثان لها وجواب الشرط محذوف دل عليه معنى الكلام وتقديره: وإن كان فقيرا معدما ترضين به، و"قالت" فعل ماض والتاء للتأنيث "وإن" الواو عاطفة على مثال السابقة، إن شرطية حذف شرطها وجوابها لدلالة شرط السابقة وجوابها عليهما وجملتا الشرط والجواب في الموضعين في محل نصب مقول القول.
الشاهد: قوله: "وإنن" حيث حذف فيه الشرط والجزاء جميعا؛ لأن التقدير: وإن كان فقيرا معدما رضيته.
مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني 592/ 3، وفي باب الكلام، وابن هشام 29/ 1، والسيوطي ص118، وفي الهمع 62/ 2، والشاهد 687 في الخزانة.

(3/1288)


والثاني: لا يجوز حذف إن ولا غيرها من أدوات الشرط خلافا لمن جوز ذلك في إن. قال: ويرتفع الفعل بحذفها، وجعل منه1.
وإنسانُ عيني يحسرُ الماءُ تارة ... فيبدو .....................
وهو ضعيف.
واحذِفْ لدى اجتماعِ شرطٍ وقَسَمْ ... جَوَابَ ما أخَّرْتَ فهو مُلْتَزَمْ
القسم كالشرط في احتياجه إلى جواب إلا أن جوابه مؤكد باللام أو إن أو منفي، فإذا اجتمع الشرط والقسم حذف جواب المتأخر منهما استغناء بجواب المتقدم، مثال تقدم الشرط: إن قام زيد والله أكرمه، ومثال تقدم القسم: "والله إن قام زيد لأكرمنه".
هذا إذا لم يتقدم عليهما ذو خبر، فإن تقدم جعل الجواب للشرط مطلقا وحذف جواب القسم تقدم أو تأخر، وقد نبه على ذلك بقوله:
وإن تَوَاليَا وقبل ذُو خَبَرْ ... فالشرطُ رَجِّحْ مطلقا بلا حَذَرْ
مثال ذلك: "زيد والله إن يقم يكرمك" و"زيد إن يقم والله يكرمك" فجواب القسم محذوف في المثالين استغناء بجواب الشرط.
وإنما جعل الجواب للشرط مع تقدم ذي خبر؛ لأن سقوطه مخل بمعنى الجملة التي هو منها، بخلاف القسم، فإنه مسوق لمجرد التأكيد.
والمراد بذي الخبر ما يطلب خبرا من مبتدأ أو اسم كان ونحوه.
__________
1 هذا البيت مضى شرحه في باب المبتدأ والخبر.
إعرابه: "إنسان" مبتدأ "عين" مضاف إليه "يحسر" فعل مضارع مرفوع بالضمة "الماء" فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة والجملة خبر المبتدأ "تارة" مفعول مطلق "فيبدو" الفاء عاطفة ويبدو فعل مضارع وفاعله ضمير مستتر يعود إلى "إنسان عيني" الواقع مبتدأ "وتارات" معطوف على تارة "يجم" فعل مضارع مرفوع بالضمة وفاعله ضمير مستتر يعود إلى الماء، والجملة في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف، والتقدير: وتارات هو -أي: إنسان عيني- يجم الماء "فيغرق" الفاء عاطفة "يغرق" فعل مضارع وفاعله ضمير مستتر يعود إلى ضمير "إنسان عيني" والجملة في محل رفع معطوفة على جملة الخبر.
الشاهد: قوله: "يحسر" حيث حذفت الأداة فارتفع الفعل.

(3/1289)


تنبيه:
وقوله: "رجح" يقتضي أن ذلك ليس على سبيل التحتم، فعلى هذا يجوز أن يجعل الجواب للقسم المتقدم مع تقدم ذي خبر كما ذكر ابن عصفور وغيره، ونص في الكافي والتسهيل على أن ذلك على سبيل التحتم، وليس في كلام سيبويه ما يدل على التحتم. ثم قال:
ورُبَّما رُجِّحَ بَعْدَ قَسَم ... شَرْطٌ بلا ذي خَبَرٍ مُقَدَّم
هذا مذهب الفراء. أجاز جعل الجواب للشرط المتأخر وإن لم يتقدم ذو خبر، وتبعه المصنف مستشهدا بقول الأعشى1:
لئن مُنِيتَ بنا عن غِبِّ مَعْرَكةٍ ... لا تُلْفِنَا عن دماءِ القومِ ننفتل
وأبيات أُخَر، ومنع ذلك الجمهور وتأولوا البيت ونحوه على جعل اللام زائدة، وجعل الزمخشري قوله تعالى: {مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ} 2 جواب الشرط في قوله: "لئن".
قال في شرح الكافية: فتثبت المزية للشرط من ثلاثة أوجه:
__________
1 قائله: هو الأعشى ميمون بن قيس، وهو من البسيط.
اللغة: "منيت" ابتليت، والخطاب ليزيد بن مسهر الشيباني "عن غب" عن -هنا- ظرف بمعنى بعد، وغب -بكسر الغين- أي: عاقبة، ويروى: عن جد، والجد -بكسر الجيم- المجاهدة أو الشدة "لا تلفنا" لا تجدنا "ننفتل" نتخلص.
الإعراب: "لئن" اللام موطئة للقسم أي: والله لئن، إن شرطية "منيت" فعل ماض مبني للمجهول، فعل الشرط، وتاء المخاطب نائب فاعل "بنا" متعلق بمنيت "عن" ظرف بمعنى بعد متعلق بمنيت أيضا "غب" مضاف إليه "معركة" مضاف إلى غب "لا" نافية "تلفنا" فعل مضارع جواب الشرط مجزوم بحذف الياء، والفاعل ضمير مستتر فيه "نا" مفعول أول "عن دماء" جار ومجرور متعلق بقوله: ننفتل "القوم" مضاف إلى دماء "ننفتل" فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه، والجملة في محل نصب مفعول ثانٍ لنلفي.
الشاهد: قوله: "لا تلفنا" حث أوقعه جوابا للشرط مع تقديم القسم عليه وحذف جواب القسم لدلالة جواب الشرط عليه، ولو أنه أوقعه جوابا للقسم لجاء به مرفوعا لا مجزوما.
مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني 594/ 3، وابن عقيل 287/ 2، وابن الناظم، والمكودي ص150.
2 من الآية 28 من سورة المائدة.

(3/1290)


أحدها: لزوم الاستغناء بجوابه عند تقدم ذي خبر.
والثاني: لزوم الاستغناء بجوابه عند تقدمه وعدم تقدم ذي خبر.
والثالث: جواز الاستغناء بجوابه عند تأخره وتقدم ذي خبر.
تنبيهات:
الأول: أطلق في قوله: "واحذف لدى اجتماع شرط" وقيده في التسهيل بغير الامتناعي احترازا من نحو: لو ولولا؛ لأنه يتعين الاستغناء بجوابهما تقدما على القسم أو تأخرا كقوله1:
فأُقْسِم لو أندى الندِيُّ سوادَه ... لَمَا مَسَحَتْ تلك المسالاتِ عامرُ
وكقوله2:
والله لولا الله ما اهتدينا ... ......................
__________
1 قائله: لم أعثر على قائله، وهو من الطويل.
اللغة: "أندى" أحضر ورواية الشواهد "أبدى" من الإبداء وهو الإظهار "الندى" -بفتح النون وكسر الدال وتشديد الياء- على وزن فعيل وهو مجلس القوم ومتحدثهم "سواده" أي: شخصه والضمير فيه يرجع إلى الممدوح "المسالات" -بضم الميم وتخفيف السين- وهي جمع مسالة. قال الجوهري: مسالا الرجل جانبا لحيته "عامر" أراد به قبيلة في قريش.
المعني: أن الشاعر يحلف أن الممدوح لو حضر مجلس القوم لما قدر عامر أن يمسحوا شواربهم من هيبته وسطوته على الناس.
الإعراب: "فأقسم" الفاء للعطف وأقسم فعل مضارع والفاعل ضمير "لو" للشرط "أبدى" فعل ماض "الندى" فاعله "سواده" مفعول به والهاء مضاف إليه والجملة وقعت فعل الشرط "لما مسحت" جواب لو واكتفى عن جواب القسم "عامر" فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة "تلك المسالات" مفعول به.
الشاهد: قوله: "لما مسحت" فقد اكتفى بجواب واحد لقسم وشرط.
مواضعه: ذكره الأشموني في شرحه للألفية 593/ 3.
2 قائله: هو عامر بن الأكوع رضي الله عنه، وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يقوله يوم الخندق، وهو من الرجز.
الإعراب: "والله" الواو حرف قسم ولفظ الجلالة مجرور بواو القسم "لولا" لربط امتناع الثانية بوجود الأولى "الله" لفظ الجلالة مبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة وخبره محذوف والتقدير: لولا الله موجود "ما اهتدينا" جواب القسم ولولا. "ولا تصدقنا" فعل ماض وفاعله "ولا صلينا" عطف عليه.
الشاهد: قوله: "ما اهتدينا" فإنه اكتفى به لجواب القسم ولولا، ولا يجوز هنا حذف القسم لأن الجواب منفي.
مواضعه: ذكره الأشموني 593/ 3.

(3/1291)


وقد نص على ذلك في الكافية أيضا، وهو الصحيح، وذهب ابن عصفور إلى أن الجواب في ذلك للقسم؛ لتقدمه، ولزوم كونه ماضيا؛ لأنه مغنٍ عن جواب لو ولولا، وجوابهما لا يكون إلا ماضيا، وقوله في باب القسم في التسهيل: "وتصدر -يعني جملة الجواب- في الشرط الامتناعي بلو أو لولا يقتضي أن لو ولولا وما" دخلتا عليه جواب القسم، وكلامه في الفصل الأول من باب عوامل الجزم يقتضي أن جواب القسم محذوف استغناء بجواب لو ولولا، والعذر له في عدم التنبيه هنا على لو ولولا أن الباب موضوع للشرط غير الامتناعي فلم يشملهما كلامه.
والمغاربة لا يسمون "لولا" شرطا ولا "لو" إلا إذا كانت بمعنى إن.
الثاني: إذا تأخر القسم وقرن بالفاء وجب جعل الجواب له، والجملة القسمية حينئذ هي الجواب.
وقوله في الكافية: وبجواب القسم أغنى إن وصل بالفاء.
وفي التسهيل أيضا: فيغني جوابه، يوهم أن جواب الشرط محذوف، وليس كذلك.
الثالث: أجاز ابن السراج أن تنوي الفاء فيعطي القسم المتأخر مع نيتها ما أعطيه مع اللفظ بها، فأجاز "إن تقم يعلم الله لأزورنك" على تقدير: فيعلم الله، ولم يذكر شاهدا.
وينبغي ألا يجوز ذلك؛ لأن حذف فاء جواب الشرط لا يجوز عند الجمهور إلا في الضرورة.
الرابع: إذا حذف جواب الشرط لم يكن الشرط حينئذ إلا ماضيا أو مقرونا بلم. قال في التسهيل: إلا قليلا. انتهى، وقد ورد في الشعر مضارعا مجردا من لم، ومنه1:
__________
1 قائله: هو عبد الله بن عتمة الضبي، وهو من الكامل. =

(3/1292)


........................... ... ولديكَ إِنْ هو يستزدكَ مَزِيدُ
وأجاز ذلك الكوفيون إلا الفراء.
الخامس: لم ينبه هنا على اجتماع الشرطين، فنذكره مختصرا.
إذا توالى شرطان دون عطف فالجواب لأولهما، والثاني مقيد للأول كتقييده بحال واقعة موقعه، كقوله1:
وإن تَستغيثوا بنا إن تُذْعَرُوا تَجِدوا ... منا معاقلَ عِزٍّ زَانَها كَرَمُ
__________
= وصدره:
يثني عليك وأنت أهل ثنائه
المعنى: هو يثني عليك ويشكر نعمتك ولو عاد إليك لوجد معادا؛ إذ لا تضجر ولا تسأم من الأفضال والجود.
الإعراب: "يثني" فعل مضارع وفاعله ضمير مستتر فيه "عليك" جار ومجرور متعلق بالفعل "وأنت" الواو للحال وأنت مبتدأ "أهل" خبره "ثنائه" مضاف إليه "ولديك" ظرف خبر مقدم "إن" شرطية "هو" فاعل لفعل محذوف يفسره ما بعده "يستزدك" فعل مضارع مجزوم إعطاء للمفسِّر -بالكسر- حكم المفسر -بالفتح- والفاعل ضمير والكاف مفعول به "مزيد" مبتدأ مؤخر مرفوع بالضمة الظاهرة، وهو دليل الجواب.
الشاهد: قوله "يستزدك" حيث جاء الفعل المضارع مجردا من "لم".
مواضعه: ذكره الأشموني 590/ 3، والسيوطي في الهمع 59/ 2، والشاهد رقم 689 في الخزانة.
1 قائله: لم أقف على قائله، وهو من البسيط.
اللغة: "تستغيثوا" من الاستغاثة "تذعروا" على صيغة المجهول من الذعر وهو الفزع والخوف "معاقل" جمع معقل، وهو الملجأ.
الإعراب: "إن" للشرط "تستغيثوا" مجزوم بحذف النون والواو فاعل -وهو فعل الشرط- "بنا" جار ومجرور متعلق بالفعل "إن" للشرط "تذعروا" فعل مضارع، فعل الشرط مجزوم بحذف النون وهو مبني للمجهول "تجدوا" فعل مضارع مجزوم بحذف النون وهو جواب للشرطين "معاقل" مفعول به لتجدوا "عز" مضاف إليه "زانها" فعل ماض والهاء مفعول به "كرم" فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة، والجملة صفة لمعاقل.
الشاهد: قوله: "إن تستغيثوا.. إن تذعروا.. تجدوا" حيث اكتفى بجواب واحد للشرطين وهو "تجدوا".
مواضعة: ذكره الأشموني في شرحه للألفية 596/ 3، والسيوطي في الهمع 63/ 2.

(3/1293)


وإن تواليا بعطف فالجواب لهما معا، كذا قال المصنف، ومثل له بقوله تعالى: {وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ، إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا} 1.
وقال غيره: إن توالَى الشرطان بعطف بالواو فالجواب لهما نحو: "إن تأتني وإن تحسن إليَّ أحسن إليك" أو بأو فالجواب لأحدهما نحو: "إن جاء زيد أو إن جاءت هند فأكرمه، أو فأكرمها" أو بالفاء، فنصوا على أن الجواب للثاني، والثاني جوابه جواب الأول، وعلى هذا فإطلاق المصنف محمول على العطف بالواو.
__________
1 الآيتان 36، 37 من سورة محمد.

(3/1294)


فصل لو:
على ثلاثة أضرب: شرطية، ومصدرية، وللتمني.
فالشرطية: هي المذكورة في هذا الفصل، وهي قسمان: امتناعية وهي للتعليق في الماضي، وبمعنى إن، وهي للتعليق في المستقبل، وسيأتي الكلام على القسمين.
وأما المصدرية: فلم يذكرها الجمهور، وممن ذكرها أبو علي والفراء، ومن المتأخرين التبريزي وأبو البقاء وتبعهم المصنف، وعلامتها: أن يصلح في موضعها أن كقوله تعالى: {يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ} 1 ومن أنكر كونها مصدرية تأول الآية ونحوها على حذف مفعول يود وجواب لو؛ أي: يود أحدهم طول العمر لو يعمر ألف سنة لسر بذلك.
وأما التي للتمني: فذكرها كثير من النحويين، وجعل الزمخشري لو في قوله تعالى: {لَوْ يُعَمَّرُ} للتمني، وهو حكاية لودادتهم ولا إشكال، فإن لو قد ترد في مقام التمني؛ ولذلك ينصب الفعل بعد الفاء في جوابها كما ينصب في جواب ليت كقوله تعالى: {فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ} 2، ولكن هل هي قسم برأسه أو راجعة إلى أحد القسمين السابقين، في ذلك خلاف، نص ابن الصائغ وابن هشام الخضراوي على أنها قسم برأسه، فلا تجاب بجواب الامتناعية، وذكر غيرهما أنها الامتناعية أشربت معنى التمني. قيل: وهو الصحيح، وقد جاء جوابها باللام بعد جوابها بالفاء في قوله3:
__________
1 من الآية 96 من سورة البقرة.
2 من الآية 102 من سورة الشعراء.
3 قائلهما: مهلهل بن ربيعة واسمه امرؤ القيس، وهما من الوافر.
اللغة: "زير" الزير -بكسر الزاي- من يكثر زيارة النساء "الشعثمين" أراد شعثما وشعيبا ابني معاوية بن عمرو، وقال القالي: الشعثمان موضع معروف "كليب" أخوه "بالذنائب" الباء بمعنى في، وهو ثلاث هضبات بنجد فيها قبر كليب.
الإعراب: "فلو" الفاء للعطف ولو للشرط "نبش" ماض مبني للمجهول "المقابر" نائب فاعل "عن كليب" جار ومجرور متعلق بالفعل "فيخبر" بالنصب جواب لو بتقدير أن =

(3/1295)


فلو نُبِشَ المقابرُ عن كلَيْب ... فيُخْبَرَ بالذنائب أيُّ زِيرِ
بيوم الشَّعْثَمَيْنِ لقَرَّ عينا ... وكيف لقاءُ مَنْ تحت القبورِ؟
وذهب المصنف إلى أنها مصدرية أغنت عن التمني، بكونها لا تقع غالبا إلا بعد مفهم تمن، قال في التسهيل بعد ذكر المصدرية: وتغني عن التمني، فينصب بعدها الفعل مقرونا بالفاء.
وقال في شرحه: أشرت إلى نحو قول الشاعر1:
سَرَينا إليهم في جموع كأنها ... جبالُ شَرَوْرَى لو تُعانُ فتَنْهدا
قال: فلك في "تنهدا" أن تقول: نصب لأنه جواب تمن إنشائي كجواب ليت؛ لأن الأصل وددنا لو تعان، فحذف فعل التمني لدلالة لو عليه، فأشبهت ليت في الإشعار بمعنى التمني دون لفظه، فكان لها جواب كجواب ليت، وهذا عندي هو المختار، ولك أن تقول: ليس هذا من باب الجواب بالفاء، بل من باب العطف على المصدر؛ لأن لو والفعل في تأويل مصدر. انتهى.
ونص على أن لو في قوله تعالى: {فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً} مصدرية. واعتذر عن الجمع بينها وبين أن المصدرية بوجهين:
أحدهما: أن التقدير: لو ثبت أن. والآخر: أن يكون من باب التوكيد.
__________
= "بالذنائب" الباء بمعنى في أي: فيها "أي زير" أي: مبتدأ وزير مضاف إليه وخبره محذوف والتقدير: أي: زير أنا، ويجوز أن يكون أنا مبتدأ وأي زير مقدما خبره "بيوم الشعثمين" جار ومجرور ومضاف إليه في محل نصب حال من أنا المحذوف "لقر" جواب لو بعد جواب آخر بالفاء، وهي جملة من الفعل والفاعل، وهو الضمير المستتر فيه الراجع إلى كليب "عينا" تمييز "كيف" للاستفهام، ولكنه أخرج مخرج التعجب ومحله الرفع على أنه خبر مقدم "لقاء" مبتدأ مؤخر "من" موصولة مضافة إلى لقاء "تحت القبور" جملة محذوفة الصدر تقديره: من هو تحت القبور، فهو مبتدأ وتحت ظرف خبره والقبور مضاف إليه، والجملة صلة الموصول.
الشاهد: قوله: "لقر" حيث إن جواب لو قد جاء باللام بعد جوابها وهو فيخبر.
مواضعه: ذكره الأشموني في شرحه للألفية 597/ 3، وابن هشام في المغني 267/ 1.
1 مضى شرح هذا البيت في باب إعراب الفعل.

(3/1296)


وقد بسطت الكلام على هذه المسألة في غير هذا الكتاب، والغرض هنا شرح النظم، فقوله:
لَوْ حَرْفُ شَرْطٍ في مُضِيٍّ ... .......................
هذا هو القسم الأول من قسمي الشرطية، وهي الامتناعية. يعني: أن لو الامتناعية حرف يدل على تعليق فعل بفعل فيما مضى، فيلزم من تقدير حصول شرطها حصول جوابها، ويلزم كون شرطها محكوما بامتناعه؛ إذ لو قُدر حصوله لكان الجواب كذلك، ولم تكن للتعليق في المعنى، بل للإيجاب، فتخرج عن معناها.
وأما جوابها فلا يلزم كونه ممتنعا على كل تقدير؛ لأنه قد يكون ثابتا مع امتناع الشرط، كقوله: "نعم المرءُ صهيبٌ لو لم يخفِ الله لم يَعْصِهِ"1. ولكن الأكثر أن يكون ممتنعا، فلذلك كان قولهم: لو حرف امتناع لامتناع عبارة ظاهرها الفساد؛ لأنها تقتضي كون الجواب ممتنعا في كل موضع، وليس كذلك.
والحاصل: أن لو تدل على امتناع شرطها، وعلى كونه مستلزما لجوابها، ولا يتعرض لامتناع الجواب في نفس الأمر ولا لثبوته، قال في شرح الكافية: العبارة الجيدة في لو أن يقال: حرف يدل على امتناع تالٍ يلزم لثبوته ثبوت تاليه، فقيام زيد من قولك: "لو قام زيد لقام عمرو" محكوم بانتفائه فيما مضى، وكونه مستلزما ثبوته لثبوت قيام عمرو، وهل لعمرو قيام آخر غير اللازم عن قيام زيد أو ليس له؟ لا يتعرض لذلك، بل الأكثر كون الأول والثاني غير واقعين.
وقال في التسهيل: لو حرف شرط يقتضي امتناع ما يليه واستلزامه لتاليه. وفي بعض النسخ: لو حرف يقتضي نفي ما يلزم لثبوته ثبوت غيره، وعباراته الثلاث بمعنى واحد، قال ابن المصنف: ولا شك أن ما قاله -يعني ما قاله أبوه- في تفسير لو أحسن وأدل على معنى لو، غير أن ما قالوه عندي تفسير صحيح وافٍ بشرح معنى لو، وهو الذي قصده سيبويه من قوله: لما كان سيقع لوقوع غيره.
__________
1 هو من كلام عمر وجعله من كلام النبي -صلى الله عليه وسلم- وهم، وإنما الوارد عنه -صلى الله عليه وسلم- ما رواه أبو نعيم في الحلية أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال في سالم مولى أبي حذيفة أنه شديد الحب لله، لو كان لا يخاف الله ما عصاه. صبان 25/ 4.

(3/1297)


يعني: أنها تقتضي فعلا ماضيا كان يتوقع ثبوته لثبوت غيره والمتوقع غير واقع، فكأنه قال: لو تقتضي فعلا امتنع لامتناع ما كان يثبت لثبوته، وهو نحو مما قاله غيره، فلنرجع إلى بيان صحته، فنقول: قولهم لم تدل على امتناع الثاني لامتناع الأول يستقيم على وجهين:
الأول: أن يكون المراد أن جواب لو ممتنع لامتناع الشرط غير ثابت لثبوت غيره بناء منهم على مفهوم الشرط في حكم اللغة لا في حكم العقل.
والثاني: أن يكون المراد أن جواب لو ممتنع لامتناع شرطه، وقد يكون ثابتا لثبوت غيره؛ لأنها إذا كانت تقتضي نفي تاليها أو استلزامه لتاليه فقد دلت على امتناع الثاني لامتناع الأول؛ لأنه متى انتفى شيء انتفى مساويه في اللزوم مع احتمال أن يكون ثابتا لثبوت آخر. انتهى مختصرا.
وهذا الوجه الثاني هو الذي قرره في شرح الألفية.
................. ويقل ... إيلاؤُه مُستقبَلا لَكِنْ قُبِلْ
أي: يقل إيلاء لو فعلا مستقبل المعنى، وما كان من حقها أن يليها، لكن قيل: لورود السماع به كقوله تعالى: {وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ} 1.
وقد ذكر ابن عصفور وغيره من النحويين أن لو "قد"2 ترد بمعنى أن، وتعقب ذلك ابن الحاجب على ابن عصفور وقال وقال: هذا خطأ. قال الشارح: وعندي أن لو لا تكون لغير الشرط في الماضي، وما تمسكوا به من نحو قوله تعالى: {وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ} وقول الشاعر3:
ولو أن ليلى الأخيلية سلَّمتْ
__________
1 من الآية 9 من سورة النساء.
2 ب، ج.
3 قائله: توبة بن الحمير -بضم الحاء فتح الميم وتشديد الياء- وهو من الطويل.
وتمامه:
عليَّ ودوني جندل وصفائحُ =

(3/1298)


لا حجة فيه لصحة حمله على المعنى.
ثم نبه بقوله:
وَهْيَ في الاختصاصِ بالفعلِ كإِنْ ... ...............................
على أن لو لا يليها إلا فعل أو معمول فعل مضمر يفسره فعل ظاهر بعد الاسم، كقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "لو غيرُك قالها يا أبا عبيدة"1، وقال ابن عصفور: لا يليها فعل مضمر، إلا في الضرورة، كقوله2:
__________
= وبعده:
لسلمت تسليم البشاشة أو زَقا ... إليا صَدى من جانب القبر صائحُ
اللغة: "جندل" -بفتحتين بينهما سكون- أي حجر "صفائح" هي الحجارة العراض التي تكون على القبور "البشاشة" طلاقة الوجه "زقا" صاح "الصدى" ذكر البوم.
المعنى: يريد أن ليلى لو سلمت عليه بعد موته وقد حجبته عنها الجنادل والأحجار العريضة، لسلم عليها وأجابها تسليم ذوي البشاشة، أو لناب عنه في تحيتها صدى يصيح من جانب القبر.
الإعراب: "لو" حرف امتناع "أن" حرف توكيد ونصب "ليلى" اسم أن "الأخيلية" نعت لليلى "سلمت" فعل ماض والتاء للتأنيث، والفاعل ضمير مستتر فيه والجملة في محل رفع خبر أن، وأن ومعمولها في تأويل مصدر: إما فاعل لفعل محذوف، والتقدير: لو ثبت تسليم ليلى، وإما أن يكون المصدر مبتدأ والخبر محذوف والتقدير: ولو تسليم ليلى حاصل، مثلا، على أية حال فهذه الجملة هي جملة الشرط "عليَّ" جار ومجرور متعلق بسلمت "ودوني" الواو للحال ودوني ظرف متعلق بمحذوف خبر مقدم وياء المتكلم مضاف إليه "جندل" مبتدأ مؤخر "وصفائح" عطف عليه، والجملة في محل نصب حال.
الشاهد: وقوع الفعل المستقبل في معناه بعد "لو" وهذا قليل.
مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني 600/ 3، وابن عقيل 288/ 2، وابن الناظم، والسيوطي ص119، وفي الهمع 64/ 2، وابن هشام في المغني 261/ 1.
1 الضمير المنصوب يعود إلى كلمة أبي عبيدة، وذلك أن عمر -رضي الله عنه- لما توجه في زمن خلافته بالجيش إلى الشام بلغه أثناء الطريق أنه وقع بها وباء فأجمع رأيه على الرجوع بعد أن أشار به جمع من الصحابة، فقال أبو عبيدة: أفرارا من قدر الله تعالى؟ فقال له عمر رضي الله عنه: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة، نعم، نفر من قدر الله إلى قدر الله. وجواب لو محذوف أي: لعددتها.
2 قائله: أبو الغطمش الضبي، وهو من الطويل.
وعجزه:
عَتبتُ ولكن ما على الموت مَعتَبُ
اللغة: "أخلاي" جمع خليل، وهو الصديق "الحمام" الموت "معتب" مصدر ميمي بمعنى العتاب، من عتب عليه. =

(3/1299)


أخلايَ لو غيرُ الحِمَامِ أصابكُم ... ............................
أو نادر، كقول حاتم: "لو ذاتُ سِوارِ لطَمتْني"1.
والظاهر أن ذلك لا يختص بالضرورة والنادر، بل يكون في فصيح الكلام، كقوله تعالى: {لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي} 2 حذف الفعل فانفصل الضمير.
ثم نبه على ما تنفرد به لو من مباشرة أن، فقال:
...................... ... لكِنَّ لو أنَّ بها قد تَقْتَرِنْ
وهو كثير، كقوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا} 3 واختلف في موضع أن بعد لو، فذهب سيبويه إلى أنها في موضع رفع بالابتداء، وشبه شذوذ ذلك بانتصاب غدوة بعد لدن.
وذهب الكوفيون والمبرد والزجاج وجماعة إلى أنها فاعل يثبت مقدرا، وهو أقيس؛ إبقاء للاختصاص، وقوله في شرح الكافية: وزعم الزمخشري أن بين لو وأن ثبت مقدرا، قد يوهم انفراده بذلك.
فإن قلت: إذا جعلت مبتدأ فما الخبر؟
__________
= المعنى: لو أصابكم أحد غير الموت لسخطت عليه ووجدت، وكان لي معه شأن آخر، ولكن الذي أصابكم الموت، ولا عتاب عليه ولا سخط؛ لأنه قدر لا مفر منه.
الإعراب: "أخلاي" منادى منصوب بفتحة مقدرة على ما قبل الياء والياء مضافة إليه "لو" شرطية غير جازمة "غير" مبتدأ خبره بعده أو فاعل لفعل محذوف يفسره أصابكم "الحمام" مضاف إليه "أصابكم" فعل ومفعول والفاعل ضمير "عتبت" فعل وفاعل والجملة جواب لو "ولكن" عطف واستدراك "ما" نافية "على الدهر" جار ومجرور خبر مقدم "معتب" مبتدأ مؤخر.
الشاهد: وقوع الاسم وهو "غير" بعد "لو" الشرطية، وذلك قليل.
مواضعه: ذكره الأشموني 601/ 3، وابن هشام 420/ 3، وابن الناظم.
1 قاله حين لطمته جارية، وسبب اللطمة أن صاحبة المنزل أمرته أن يفصد ناقة لها لتأكل دمها فنحرها، فقيل له في ذلك فقال: هذا فصدي، فلطمته الجارية فقال: لو ذات سوار لطمتني، وذات السوار الحرة؛ لأن الإماء لا تلبس السوار، وجواب لو محذوف: لهان.
2 من الآية 100 من سورة الإسراء.
3 من الآية 5 من سورة الحجرات.

(3/1300)


قلت: قال ابن هشام الخضراوي: مذهب سيبويه والبصريين أن الخبر محذوف، وقال غيره: مذهب سيبويه أنها لا تحتاج إلى خبر؛ لانتظام المخبر عنه والخبر بعد أن.
فإن قلت: هل يفهم من قوله: "لكن لو" موافقة سيبويه؟
قلت: ظاهره موافقته في جعلها مبتدأ؛ إذ لو كان الفعل مقدرا لكان الاختصاص باقيا، ولم يكن حاجة إلى الاستدراك. ويحتمل أن يكون استدراك للتنبيه على أنها تنفرد بمباشرة أن لا غير، فيحتمل المذهبين.
فإن قلت: ظاهر كلامه أن لولا يليها غير ما ذكر، وقد ذكر في غير هذا الموضع أنها قد وليها مبتدأ وخبر في قول الشاعر1:
لو بغير الماء حَلْقي شَرِقٌ ... .......................
قلت: إنما ساغ ذلك في الضرورة، ولقلته لم يذكره هنا، وقد تأول ابن خروف البيت على إضمار "كان" الشانية، وتأوله الفارسي على أن حلقى فاعل فعل مقدر يفسره شرق، وشرق خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هو شرق، وفيه تكلف.
__________
1 قائله: هو عدي بن زيد التميمي، وهو من الوافر.
وعجزه:
كنت كالغصان بالماء اعتصاري
اللغة: "شرق" بفتح الشين وكسر الراء "كالغصان" فعلان من الغصة وهو الذي غص أي: شرق، والمراد: بغير الماء "اعتصاري" نجاتي وملجئي. قال أبو عبيدة: الاعتصار: الملجأ.
المعنى: لو شرقت بغير الماء أسغت شرقي بالماء، فإن غصصت بالماء فبمَ أسيغه؟
الإعراب: "لو" للشرط "حلقي" مبتدأ "شرق" خبره "بغير الماء" متعلق به "كنت" كان فعل ماض ناقص والتاء اسمه، وهي جواب لو "كالغصان" جار ومجرور في محل نصب خبر كان "اعتصاري" مبتدأ والياء مضاف إليه "بالماء" جار ومجرور خبر مقدم.
الشاهد: قوله: "لو بغير الماء" وذلك لأن شرط لو أن تكون مختصة بالفعل، وليس هاهنا كذلك.
مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني 601/ 3، وابن الناظم، وذكره السيوطي في الهمع 66/ 2، وابن هشام في المغني 267/ 1، وسيبويه 462/ 1.

(3/1301)


تنبيه:
قال في شرح الكافية: وقد حمل الزمخشري ادعاءه إضمار ثبت بين لو وأن على التزام كون الخبر فعلا، ومنعه أن يكون اسما، ولو كان بمعنى فعل نحو: "لو أن زيد حاضر" وما منعه شائع ذائع في كلام العرب، كقوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ} 1 وكقول الراجز2:
لو أن حيا مُدركُ الفلاح ... .......................
قلت: وقد نُقل ذلك عن السيرافي، وأقول: الذي ينبغي أن يحمل عليه كلام الزمخشري أن يمنع كون خبرها اسما مشتقا، ويلتزم الفعل حينئذ؛ لإمكان صوغه قضاء لحق طلبها بالفعل، وأما إذا كان الاسم جامدا فيجوز لتعذر صوغ الفعل منه كما فعل الشيخ أبو عمرو.
ألا ترى قوله في المفصل، لو قلت: "لو أن زيدا حاضر لأكرمته" لم يجز؟
ولم يتعرض لغير المشتق، وإذا حمل على هذا لم يرد عليه قوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ} .
ولا نحو3:
ولو أنها عصفورة.......... ... ..........................
__________
1 من الآية 27 من سورة لقمان.
2 قائله: هو لبيد بن عامر العامري، وهو من الرجز.
وعجزه:
أدركه مُلاعبُ الرماح
اللغة: "الفلاح" النجاة والفوز والبقاء "ملاعب الرماح" أراد به أبا براء عامر بن مالك الذي يقال له: ملاعب الأسنة، وإنما قال لبيد: ملاعب الرماح؛ لضرورة القافية.
الإعراب: "لو" للشرط "أن" حرف توكيد ونصب "حيا" اسم أن "مدرك" خبر أن مرفوع بالضمة "الفلاح" مضاف إليه "أدركه" فعل ماض والهاء مفعول والضمير يرجع إلى الفلاح "ملاعب" فاعل أدرك مرفوع بالضمة الظاهرة "الرماح" مضاف إليه وجملة أدرك وقعت جوابا للو.
الشاهد: قوله: "مدرك الفلاح" حيث وقع خبرا لأن الواقعة بعد لو وهو اسم.
مواضعه: ذكره الأشموني 603/ 2، والسيوطي ص119، وابن هشام في المغني 270/ 1.
3 قائله: هو العوام بن شوذب، وهو من الطويل.
وتمامه:
................ لحسبتها ... مُسومة تدعو عُبيدا وأزْنَما =

(3/1302)


وإنما يرد عليه نحو: لو أن حيا مدركُ الفَلاحِ.
وله أن يجيب بأنه نادر.
وإِنْ مضارعٌ تلاها صُرِفَا ... إلى المضيِّ نَحْوُ لو يَفِي كَفَى
"يعني أن المضارع إذا وقع بعد لو صرف معناه إلى المضي. فمعنى لو يفي كفى: لو وفا كفى"1، ومثله2:
لو يسمعونَ كما سمعتُ حديثَها ... خَرُّوا لعزة رُكعا وسُجُودا
__________
= اللغة: "لحسبتها" لظننتها "مسومة" معلمة "عبيدا" -بضم العين- بطن من الأوس "أزنما" بطن من بني يربوع، إليهم تنسب الإبل الأزتمية.
الإعراب: "ولو" للعطف والشرط "أنها" أن حرف توكيد ونصب والهاء اسمها "عصفورة" خبر أن مرفوع بالضمة الظاهرة، والضمير يرجع إلى الأسودة التي ترى من بعيد "لحسبتها" فعل ماض والتاء فاعل والهاء مفعول أول لحسبت "مسومة" مفعول ثانٍ والجملة وقعت جوابا للو "تدعو" جملة من الفعل والفاعل في محل النصب على الحال من الضمير المنصوب "عبيدا" مفعول به "وأزنما" عطف على عبيدا، والألف للإشباع لأجل القافية.
الشاهد: قوله: "عصفورة" حيث وقع خبرا لأن الواقعة بعد لو وهو اسم جامد.
مواضعه: ذكره الأشموني 603/ 3، وابن هشام في المغني 27/ 1.
1 أ، ج.
2 قائله: هو كثير عزة، هو من الكامل.
اللغة: "خروا" من الخرور وهو السقوط "عزة" اسم محبوبته "ركعا" -بضم الراء- جمع راكع "سجودا" بضم السين جمع ساجد.
الإعراب: "لو" حرف امتناع "يسمعون" فعل مضارع وواو الجماعة فاعل والنون علامة الرفع والجملة شرط لو لا محل لها "كما" الكاف جارة وما مصدرية "سمعت" فعل وفاعل وما وما دخلت عليه في تأويل مصدر مجرور بالكاف والجار والمجرور متعلق بمحذوف نعت لمصدر محذوف أي: سماعا مثل سماعي "حديثها" تنازعه الفعلان قبله، وكل منهما يطلبه مفعولا وها مضاف إليه "خروا" فعل ماض وواو الجماعة فاعل، والجملة جواب لو لا محل لها من الإعراب "لعزة" جار ومجرور متعلق بقوله: خروا "ركعا" حال من الواو في خروا "وسجودا" معطوف عليه.
الشاهد: قوله: "لو يسمعون" حيث وقع الفعل المضارع بعد "لو" فصرفت معناه إلى المضي، فهو في قوة قولك: "لو سمعوا".
مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني 603/ 3، وابن الناظم، وابن عقيل 291/ 2، والمكودي ص151.

(3/1303)


تنبيهان:
الأول: "لو" الصارفة إلى المضي هي الامتناعية.
وأما التي بمعنى إن فتصرف الماضي إلى المستقبل، فإذا وقع بعدها مضارع فهو مستقبل المعنى، كقوله1:
لا يُلْفِكَ الرَّاجُوك إلا مُظهِرا ... خُلُقَ الكرام ولو تكونُ عَدِيمَا
الثاني: لا يكون جواب لو إلا فعلا ماضيا مثبتا أو منفيا بما أو مضارعا مجزوما بلم.
والأكثر في الماضي المثبت اقترانه باللام، وقد تحذف كقوله تعالى: {لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا} 2 وقد تصحب المنفي بما، كقول الشاعر3:
كذبتُ وبيت الله لو كنتَ صادقا ... لما سَبَقتْنِي بالبكاءِ حمائمُ
وإن ورد ما ظاهره خلاف ذلك جعل الجواب محذوفا.
__________
1 قائله: لم أقف على اسم قائله، وهو من الكامل.
اللغة: "لا يلفك" لا يجدك من ألفى يلفي إذا وجد "الكرام" جمع كريم "العديم" المعدوم وهو الذي لا يملك شيئا.
المعنى: يمدح به الشاعر شخصا يقول: لا يجدك أحد من السائلين إلا وأنت مظهر لهم خلقا كريما مثل أخلاق الكرماء ولو كنت لا تملك شيئا.
الإعراب: "لا يلفك" لا ناهية يلفي فعل مضارع والكاف مفعول أول "الراجوك" فاعل "مظهرا" مفعول ثان "خلق " مفعول لمظهرا "الكرام" مضاف إليه "لو" حرف شرط "تكون" فعل مضارع ناقص واسمها ضمير مستتر "عديما" خبر تكون.
الشاهد: قوله: "لو تكون" فإن لو شرط في المستقبل مع أنه لم يجزم؛ لأن لو بمعنى إن لا يجزم ولكن إذا دخل على الماضي يصرفه للمستقبل، وإذا وقع بعده مضارع فهو مستقبل المعنى.
مواضعه: ذكره الأشموني 600/ 3، وابن هشام في المغني 261/ 1.
2 من الآية 70 من سورة الواقعة.
3 قائله: هو مجنون بني عامر -وعن أبي عمرو الشيباني أن المجنون كان ذات ليلة جالسا مع أصحاب له من بني عمه، وهو واله يتلظى ويتململ وهم يعظونه حتى هتفت حمامة من سرحة كانت بإزائهم فوثب قائما وقال أبياتا فيها هذا البيت- وهو من الطويل.
اللغة: "كنت صادقا"، ويروى: "لو كنت عاشقا" "حمائم" جمع حمامة.
الإعراب: "كذبت" فعل ماض والتاء فاعل -أراد كذبت في دعواي عشق ليلى- "وبيت الله" قسم "لو" للشرط "كنت" فعل ماض ناقص والتاء اسمها "صادقا" خبر كان، والجملة وقعت فعل الشرط "لما سبقتني" فعل ماض والياء مفعول "بالبكاء" جار ومجرور متعلق بالفعل "حمائم" فاعل سبقتني، وجملة سبقتني وقعت جواب الشرط.
الشاهد: قوله: "لما سبقتني" فإنه جواب لو، وقد صحب اللام فيه حرف النفي.

(3/1304)


فصل أمَّا ولَوْلا ولَوْمَا:
أمَّا كمهما يكُ من شيء وَفَا ... لتِلْوِ تلوها وُجُوبا ألِفَا
أما حرف بسيط فيه معنى الشرط يؤول بمعنى: مهما يك من شيء؛ لأنه قائم مقام أداة الشرط وفعل الشرط، ولا بد بعده من جملة هي جواب له، فالأصل في قولك: "أما زيد فمنطلق" مهما يكن من شيء فزيد منطلق، فحذف فعل الشرط وأداته، وأقيمت أما مقامهما، وكان الأصل أن يقال: أما زيد منطلق، فتجعل الفاء في صدر الجواب، وإنما أخرت لضرب من إصلاح اللفظ. وإلى هذا أشار بقوله:
............. وفا ... لتلو تلوها .......
تنبيهات:
الأول: يؤخذ من قوله: "لتلو تلوها" أنه لا يجوز أن يتقدم الفاء أكثر من اسم واحد، فلو قلت: "أما زيد طعامه فلا تأكل" لم يجز، كما نص عليه غيره.
الثاني: لا يفصل بين "أما" والفاء بجملة تامة، إلا إن كان دعاء، بشرط أن يتقدم الجملة فاصل نحو: "أما اليوم رحمك الله فالأمر كذا".
الثالث: قول الشارح: يفصلون بين أما والفاء بجزء من الجواب، فإن كان الجواب شرطيا فصل بجملة الشرط، وإن كان غير شرطي فصل بمبتدأ أو خبر أو معمول فعل أو شبهه أو معمول مفسر به يقتضي ظاهره أنه لا يفصل بغير ذلك، وليس كذلك، بل قد يفصل بالظرف والمجرور والحال والمفعول له معمولا لأما أو لفعل الشرط المحذوف.
الرابع: ما ذكر من قوله: "أما كمهما يك" لا يعني به أن معنى أما كمعنى مهما وشرطها؛ لأن أما حرف فكيف يصح أن تكون بمعنى اسم وفعل؟ وإنما المراد أن موضعها صالح لهما، وهي قائمة "مقامهما"1؛ لتضمنها "معنى الشرط"2.
__________
1 ب، ج، وفي أ "مقامها".
2 أ، ب وفي ج "معنى حرف الشرط".

(3/1305)


الخامس: تقديرها بمهما كما ذكر قول الجمهور. وقال بعض النحويين: إذا قلت: "أما زيد فمنطلق" فالأصل إن أردت معرفة حال زيد فزيد منطلق، حذفت أداء الشرط وأنيبت أما مناب ذلك.
السادس: قال في التسهيل: أما حرف تفصيل، وكذا قال كثير من النحويين، ولم يذكروا لها غير هذا المعنى، وقال بعضهم: "وقد ترد حيث لا تفصل نحو: "أما زيد فمنطلق" وقال بعضهم"1: وهي حرف إخبار مضمن معنى الشرط. وقوله "وجوبا" يعني: في غير ما سيذكر في قوله:
وحَذْفُ ذي الفا قّلَّ في نَثْرٍ إذَا ... لم يكُ قَوْلٌ معها قد نُبِذَا
يعني: أن حذف هذه الفاء في النثر قليل وكثير.
فالكثير: أن تحذف مع قول استغنى عنه بمحكيه كقوله تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ} 2 أي: فيقال لهم: أكفرتم.
والقليل: أن تحذف لا مع قول نحو ما خرجه البخاري من نحو قوله صلى الله عليه وسلم: "أما بعد، ما بالُ جالٍ" .
قد فهم من قوله: في نثر، أنها تحذف للضرورة كقوله3:
__________
1 ب، ج.
2 من الآية 106 من سورة آل عمران.
3 قائله: هو الحارث بن خالد المخزومي يهجو به بني أسيد، وهو من الطويل.
وعجزه:
ولكن سَيْرا في عِرَاضِ المواكبِ
اللغة: "عراض" جمع عُرض -بالضم- وهو الناحية والشق "المواكب" جمع موكب، وهو الجماعة من الناس ركبانا أو مشاة، وقيل: هم الراكبون على الإبل والخيل للزينة خاصة.
المعنى: يصف الشاعر بني أسيد بالجبن والضعف، وأنهم لا يقدرون على القتال ومنازلة الشجعان، ولكنهم يسيرون في جانب المواكب للزينة لا غير.
الإعراب: "أما" شرطية نائبة عن مهما وفعل الشرط "القتال" مبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة "لا" نافية للجنس "قتال" اسم لا "لديكم" ظرف متعلق بمحذوف خبر لا، والضمير مضاف إليه وجملة لا واسمها وخبرها في محل رفع خبر المبتدأ "ولكن" الواو حرف عطف لكن حرف استدراك ونصب واسمها ضمير مخاطبين محذوف "سيرا" مفعول مطلق لفعل محذوف تقع جملته خبرا للكن، وتقدير الكلام: ولكنكم تسيرون سيرا، وقيل: إن =

(3/1306)


فأما القتالُ لا قتالَ لديكُمُ ... ........................
والحاصل أن حذفها على ثلاثة أضرب كثير، ونادر، وضرورة.
تنبيه:
لم ينبه في الكافية والتسهيل على ندور حذفها في النثر دون قول، فهو من زيادات الألفية:
لولا ولوما يلزمان الابتدا ... إذا امتناعا بوجود عَقَدَا
للولا ولوما حالان:
أحدهما: يختصان فيه بالأسماء، وذلك إذا دلا على امتناع شيء لوجود غيره. "وقد"1 يقال أيضا: لوجوب غيره، وهذا معنى قوله: "إذا امتناعا بوجود عقدا" أي: إذا ربطا امتناع شيء بوجود غيره، وفهم من قوله: "يلزمان الابتدا" فائدتان:
الأولى: أنهما لا يليهما الفعل.
والثانية: أن الاسم بعدهما مرفوع بالابتداء، وتقدم الكلام على خبره في باب الابتداء.
فإن قلت: فقد ولي لولا الفعل في قوله2:
__________
= "سيرا" هو اسم للكن وخبرها هو المحذوف، وتقدير الكلام على هذا: ولكن لكم سيرا "في" حرف جر "عراض" مجرور بفي، والجار والمجرور متعلق بسير، وعراض مضاف و"المواكب" مضاف إليه مجرور بالكسرة.
الشاهد: قوله: "لا قتال لديكم" حيث حذف الفاء من جواب "أما" مع أن الكلام ليس على تضمن قول محذوف، وذلك ضرورة.
مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني 605/ 3، وابن هشام 425/ 3، وابن عقيل 292/ 2، وابن الناظم، والمكودي ص151، وذكره السيوطي في الهمع 671/ 2، وابن هشام في المغني 56/ 1.
1 أ.
2 قائله: هو أبو ذؤيب الهذلي، وهو من الطويل.
وصدره:
ألا زعَمتْ أسماءُ أن لا أحبُّها
الإعراب: "ألا" أداء استفتاح "زعمت" فعل ماض والتاء للتأنيث "أسماء" فاعل "أن" مخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن "لا" نافية "أحبها" فعل مضارع والفاعل ضمير =

(3/1307)


............................ ... فقلت بلى لولا يُنازعني شُغْلي
قلت: يُؤول على وجهين:
أحدهما: أن لولا مؤولة بلو وليست مركبة، بل لو على حالها ولا نافية للماضي.
والآخر: أن تكون المختصة بالابتداء وإن مقدرة بعدها وموضعها رفع بالابتداء.
وثاني الحالين: يختصان فيه بالأفعال، وذلك إذا دلا على التحضيض "ويشاركهما في ذلك الأحرف المذكورة في قوله"1:
وبهما التحضيضَ مِزْ وَهَلا ... ألَّا، ألا وأولِيَنْها الفِعْلا
المشهور أن حروف التحضيض أربعة وهي: لولا، ولوما، وهلا وألا -بالتشديد- وأما ألَا -بالتخفيف- فهي حرف عرض، وذكره لها مع حروف التحضيض يحتمل وجهين:
أحدهما: أن يريد "به"2 أنها تكون للتحضيض بمعنى هلَّا في بعض المواضع لا مطلقا؛ لأنه ذكر في غير هذا الموضع أنها تكون للعرض.
والثاني: أن يكون ذكرها مع أدوات التحضيض لمشاركتها لهن في الاختصاص بالفعل "وقرب معناها من معناهن، وإن لم تكن موضوعة لمعناهن". ويؤيده قوله في شرح الكافية وألحق بحروف التحضيض في الاختصاص بالفعل3: "ألا تزورنا" ثم قال:
__________
= والهاء مفعوله والجملة في محل رفع خبر أن "فقلت" فعل وفاعل "بلى" حرف جواب "لولا" حرف امتناع لوجود "ينازعني" فعل مضارع والنون للوقاية والياء مفعول به "شغلي" فاعل والياء مضاف إليه.
الشاهد: قوله: "لولا ينازعني" حيث ولي لولا الفعل.
مواضعه: ذكره ابن هشام في مغني اللبيب 276/ 2.
1 أ، ج.
2 أ.
3 أ.

(3/1308)


وقَدْ يليها اسْمٌ بفِعْلٍ مُضْمَرِ ... عُلِّقَ أو بظاهرٍ مُؤخَّرِ
مثال الأول: "هلَّا زيدًا تضربه" فزيدًا علق بفعل مضمر، بمعنى أنه معمول للفعل المضمر.
ومثال الثاني: "هلَّا زيدًا تضربُ" فزيدًا علق بفعل ظاهر مؤخر، بمعنى أنه معمول للفعل الذي بعده؛ لأنه مفرغ له.
فإن قلت: ظاهر كلامه أن حروف التحضيض لا يليها إلا فعل أو معمول فعل مضمر أو فعل مؤخر.
تنبيه:
قال في شرح الكافية: وربما ولي حرف التحضيض مبتدأ وخبر كقول الشاعر1:
...................... ... فهلَّا نفسُ ليلى شفيعُهَا
قال: والأجود أن ينوي بعدها "كان" الشأنية.
__________
1 قائله: هو قيس بن الملوح، وقيل: للصمة بن عبيد الله القشيري، وهو من الطويل.
وصدره:
ونُبئْتُ لَيْلى أرسَلت بشفاعَة ... إليَّ .......................
اللغة: "نبئت" -بالبناء للمجهول- أُخبرت "أرسلت بشفاعة" الشفاعة هو التوسل ابتغاء الخير، والذي يكون منه التوسل يسمى الشفيع، والذي أراده من الشفاعة هو الأمر الذي حمله رسولها، فلذلك عدي
الفعل بالباء.
الإعراب: "نبئت" نبئ فعل ماض ينصب ثلاثة مفاعيل مبني للمجهول مبني على فتح مقدر على آخره لا محل له من الإعراب وتاء المتكلم نائب فاعله وهو المفعول الأول "ليلى" مفعول ثان "أرسلت" فعل ماض والتاء للتأنيث وفاعله ضمير مستتر فيه يعود على ليلى، وجملة الفعل وفاعله في محل نصب مفعول ثالث لنبئ "بشفاعة" جار ومجرور متعلق بأرسل "إليَّ" جار ومجرور متعلق بأرسل "فهلا" الفاء حرف دال على السببية وهلا حرف تحضيض "نفس" مبتدأ مرفوع بالضمة "ليلى" مضاف إليه "شفيعها" خبر المبتدأ، وهو مضاف والضمير مضاف إليه، وجملة المبتدأ وخبره في محل نصب خبر لكان المحذوفة مع اسمها، واسمها المحذوف ضمير شأن، والتقدير: فهلا كان هو -الحال والشأن- نفس ليلى شفيعها.
الشاهد: قوله: "فلا نفس ليلى" فإن قوله: "نفس ليلى" مبتدأ وشفيعها خبر، وهذه الجملة في محل نصب خبر لكان المضمرة مع اسمها.
مواضعه: ذكره الأشموني 610/ 3، وابن هشام في باب الإضافة، وابن الناظم.

(3/1309)


قلت: وعلى هذا "الوجه"1 خرجه ابن طاهر، وخرجه بعضه على جعل ما بعدها فاعلا بفعل مقدر تقديره: فهلا شفعت نفس ليلى، وشفيعها خبر مبتدأ محذوف، أي: هي شفيعها، وفيه تكلف.
__________
1 ب، ج.

(3/1310)


الإخبار بالذي والألف واللام:
الباء في قوله: "الإخبار بالذي" باء السببية لا باء التعدية؛ لأن "الذي" يجعل في هذا الباب مبتدأ، لا خبرا، كما ستقف عليه، فهو في الحقيقة مخبر عنه، وباب الإخبار وضع للاختبار كمسائل التمرين في التصريف. قال الشارح: وكثيرا ما يصار إلى هذا الإخبار لقصد الاختصاص، أو تقوي الحكم، أو تشويق السامع، أو إجابة الممتحن.
ولما شرع في هذا الباب بدأ بكيفية الإخبار فقال:
ما قِيلَ أخبر عنه بالذي خَبَرْ ... عن الذي مبتدأ قَبْلُ استقَرْ
وما سواهما فوسِّطهُ صِلَهْ ... عائدُها خلفُ مُعْطِي التَّكْمِلَهْ
أي: إذا عين لك اسم من جملة، وقيل "لك"1 أخبر عنه بالذي فصدر الجملة بالموصول مبتدأ وأخر ذلك الاسم، واجعله خبرا عن الموصول المتقدم، وما سوى الموصول وخبره فوسطه بينهما فيكون صلة للموصول، واجعل في موضع الاسم الذي أخرته وجعلته خبرا ضميرا عائدا على الموصول.
فقد علم بما ذكر أن المخبر عنه في هذا الباب هو المجعول خبرا، قال ابن السراج: وإنما قال النحويون: أخبر عنه وهو في اللفظ خبر؛ لأنه في المعنى مخبر عنه و"ما" في قوله: "ما قيل" موصولة وهي مبتدأ.
وقوله: "خبر" هو "خبرها"2، وقوله: "مبتدأ" حال من الذي، وقوله: "عائدها خلف معطي التكملة" معناه عائد الصلة، هو الضمير الذي خلف الاسم المجعول خبرا وهو "معطي التكملة" ثم فقال:
نحوُ الذي ضربتُه زيدٌ فَذَا
ضربتُ زيدا كان فادْرِ المأخَذَا
__________
1 ب، ج.
2 ب، ج وفي أ "خبر ما".

(3/1311)


إذا أخبر عن "زيد" من قولك: "ضربت زيدا" قلت: "الذي ضربته زيد" فصدرت الجملة بالذي مبتدأ وأخرت "زيدا" وهو المخبر عنه فجعلته خبرا عن الذي، وجعلت ما بينهما صلة الذي وجعلت "في"1 موضع زيد الذي أخرته ضميرا عائدا على الموصول.
وإذا أخبرت عن التاء من قولك: "ضربت زيدا" قلت: "الذي ضرب زيدا أنا" ففعلت فيه ما ذكر، إلا أن التاء ضمير متصل لا يمكن تأخيرها مع بقاء الاتصال ففصلت الضمير وأخرته، فلذلك قلت: أنا.
فإن قلت: كان ينبغي أن يقول: ما قيل أخبر عنه بالذي خبر هو أو خلفه. كما قال في التسهيل: وتأخير الاسم أو خلفه خبرا؛ ليشمل الضمير المتصل.
قلت: لا يخفى أن الضمير المتصل لا يمكن تأخيره إلا بعد انفصاله، فلم يحتج هنا إلى التنبيه عليه لوضوحه، واستكن الضمير الغائب الذي جعلته موضع التاء في ضرب، ومنع بعضهم الإخبار عن الفاعل إذا كان ضمير متكلم أو مخاطب، والصحيح الجواز.
وباللذَيْنِ والذِينَ والتي ... أخبِرْ مراعيا وِفَاقَ الْمُثْبَتِ
يعني: أن المخبر عنه في هذا الباب إذا كان مثنى أو مجموعا أو مؤنثا جيء بالموصول مطابقا له؛ لكونه خبره، فإذا أخبرت عن الزيدين من نحو: "بلَّغَ الزيدانِ العمرَيْنِ رسالةً".
قلت: "اللذان بلغ العمرين رسالة الزيدان".
أو عن العمرين قلت: "الذين بلغهم الزيدان رسالة العمرون".
أو عن الرسالة قلت: "التي بلغها الزيدان العمرِين رسالة".
وقد فهم من النظم فوائد:
الأولى: أن حكم باب الإخبار تقديم المبتدأ على الخبر لقوله: "قبل استقر".
فإن قلت: فهل ذلك على سبيل الوجوب؟
__________
1 أ.

(3/1312)


قلت: الذي يدل عليه كلام النحويين أن ذلك على سبيل الوجوب؛ لاشتراطهم في المخبر عنه قبول التأخير، ونص بعضهم على جواز تقديم المبتدأ في هذا الباب. وممن نص عليه الشارح، وفي البسيط أن ذلك على جهة الأولى والأحسن، وأنه يصح أن يقال: "زيد الذي ضرب عمرًا" فنجعل زيدا خبرا عن الذي إما مقدما وإما مؤخرا، وجوزه المبرد.
والثانية: أن الضمير الذي يخلف الاسم المتأخر لا بد من مطابقته الموصول لكونه عائدا، ويلزم كونه غائبا. ولو خالف ضمير متكلم أو مخاطب، وأجاز أبو ذر الخشني جعله مطابقا للخبر في الخطاب والتكلم، فتقول في الإخبار عن التاء في "ضربت الذي ضربت أنت" وعن التاء في "ضربت الذي ضربت أنا" ومذهب الجمهور منع ذلك.
الثالثة: أن هذا الضمير ينوب عن الاسم المتأخر في إعرابه الذي كان له؛ لكونه خلفه في موضعه فاستحق إعرابه.
ولما بين كيفية الإخبار شرع في شروط المخبر عنه فقال:
قبولُ تأخيرٍ وتعريفٍ لِمَا ... أُخْبِرَ عنه هاهنا قد حُتِمَا
كذا الغِنَى عنه بأجنبي اوْ ... بمضمرٍ شَرْطٌ فَرَاعِ ما رَعَوْا
هذه أربعة شروط:
الأول: قبول التأخير، فلا يخبر عن اسم يلزم صدر الكلام كضمير الشأن واسم الشرط واسم الاستفهام وكم الخبرية.
الثاني: قبلو التعريف، فلا يخبر عن الحال والتمييز؛ لأنهما ملازمان للتنكير.
الثالث: قبول الاستغناء بأجنبي، فلا يخبر عن اسم لا يجوز الاستغناء عنه بأجنبي، ضميرا كان أو ظاهرا، فالضمير كالهاء من قولك: "زيد ضربته" فإنها عائدة قبل ذكر الموصول على بعض الجملة، فلو أخبرت عنها لخلفها مثلها في العود إلى ما كانت تعود عليه، فيلزم إما بقاء الموصول بلا عائد، وإما عود ضمير واحد على شيئين، وكلاهما محال.

(3/1313)


والظاهر كاسم إشارة نحو: {وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ}1 وغيره مما حصل به الربط، فإنه لو أخبر عنه لزم المحذوف السابق.
تنبيه:
فهم من قوله: "كذا الغنى عنه بأجنبي" "أنه يجوز الإخبار عن ضمير الغائب الذي يجوز الاستغناء عنه بأجنبي"2 وله صورتان:
إحداهما: أن يكون عائدا إلى اسم جملة أخرى نحو أن يذكر إنسان فتقول: لقيته، فيجوز الإخبار عن الهاء فيقال: الذي لقيته هو. صرح المصنف بجواز الإخبار في هذه الصورة وفاقا للشلوبين وابن عصفور، وذهب الشلوبين الصغير إلى منع ذلك، وهو ظاهر كلام الجزولي.
قال الشيخ أبو حيان: ونكتة هذا الخلاف: هل شرط هذا الضمير ألا يكون عائدا على شيء قبله أو شرطه ألا يكون رابطا؟
والأخرى: أن يكون عائدا على بعض الجملة إلا أنه غير محتاج إليه للربط نحو: "ضرب زيد غلامه".
فلا يمتنع على مقتضى كلام الناظم الإخبار عن الهاء في المثال فتقول: "الذي ضرب زيد غلامه هو" لأن الهاء في المثال يجوز أن يخلفها الأجنبي، فتقول: "ضرب زيد غلام عمرو" فلا يلزم من الإخبار عنها المحذوف المتقدم ذكره، وقد مثل الشارح بهذا لما يمتنع الإخبار عنه لكونه لا يستغنى عنه بالأجنبي، وليس كذلك.
فإن قلت: ظاهر كلامه في شرح الكافية منعها، فإنه قال: وباشتراط جواز الاستغناء عنه بأجنبي على امتناع الإخبار عن ضمير عائد على بعض الجملة؛ يعني: ونبهت باشتراط.
قلت: لا حجة في ذلك، بل الظاهر أن مراده ما كان متعينا للربط؛ لأن تعليله يرشد إليه وتمثيله يساعد عليه.
فإن قلت: فهل يجري فيها خلاف من تقدم؟
__________
1 من الآية 26 من سورة الأعراف.
2 أ وفي ب، ج "عدم امتناع الإخبار عن العائد".

(3/1314)


قلت: لا إشكال أن من منع الأولى فامتناع هذه عنده أولى.
الرابع: جواز الاستغناء "عنه بضمير، فلا يخبر عن مصدر عامل دون معموله، ولا موصوف دون صفته، ولا صفة دون موصوفها، ولا مضاف دون المضاف إليه؛ إذ لا يجوز الاستغناء"1 عن هذه الأشياء بضمير.
فإن قلت: هذا الشرط الرابع مُغْنٍ عن اشتراط الثاني؛ لأن ما لا يقبل التعريف لا يقبل الإضمار.
قلت: هو كذلك، وقد نبه في شرح الكافية على أن ذكره زيادة في البيان.
فإن قلت: كلام الناظم يقتضي أن الشروط المذكورة ثلاثة: قبول التأخير، وقبول التعريف، والغناء عنه بأحد أمرين: بأجنبي إن كان ضميرا، أو بضمير إن كان ظاهرا؛ إذ لا فائدة لاشتراط الاستغناء بالأجنبي في الظاهر ولا لاشتراط الاستغناء بالضمير في المضمر، ويدل على ذلك عطفه بأو.
قلت: بل هي أربعة: ولا يستقيم حمل كلامه على ما ذكرت؛ لأن اشتراط الاستغناء بالأجنبي مقيد في الضمير والظاهر كما تقدم، فلو كان الشرط لأحدهما لجاز الإخبار عن الظاهر إذا جاز الاستغناء عنه بالضمير، وإن لم يجز الاستغناء عنه بأجنبي، وليس كذلك كما سبق.
تنبيهات:
الأول: علة اشتراط هذه الشروط على سبيل الإجمال، أن كيفية الإخبار المذكورة لا تتأتى بدونها.
الثاني: بقي من شروط المخبر عنه في هذا الباب أربعة شروط أُخر لم يذكرها هنا وقد ذكرتها في غير هذا الكتاب:
أولها: جواز استعمال مرفوعا، فلا يخبر عن لازم الرفع نحو: "ايمن الله"، ولا عن لازم النصب نحو: "سبحان الله" وسحر معينا.
__________
1 أ، ج.

(3/1315)


وثانيها: جواز استعماله مثبتا، فلا يخبر عن "أحد وديار" ونحوهما من الأسماء الملازمة للنفي.
وثالثها: أن يكون بعض ما يوصف به1 "من"2 جملة أو جملتين في حكم جملة واحدة كالشرط والجزاء؛ فلا يخبر عن اسم في جملة طلبية؛ لأن الجملة بعد الإخبار تجعل صلة، فيشترط أن تكون صالحة لأن يوصل بها.
ورابعها: إمكان الاستفادة، فلا يخبر عن اسم ليس تحته معنى، كثواني الأعلام نحو بكر من أبي بكر؛ إذ لا يمكن أن يكون خبرا عن شيء، وذكر هذا الشرط في الفصل في التسهيل، وفيه خلاف، أجاز المازني الإخبار عن الاسم الذي ليس تحته معنى مستدلا بقوله الشاعر3:
فكأنما نظروا إلى قمر ... أو حيث عَلَّق قَوْسَه قُزَح
ورد بأن قزح اسم الشيطان.
وأخْبَرُوا هنا بأل عن بعضِ مَا ... يكونُ فيه الفِعْلُ قد تَقَدَّمَا
يجوز الإخبار بالذي وفروعه في الجملتين: الاسمية والفعلية. ويجوز بالألف واللام في الفعلية خاصة لا مطلقا بل بشرطين:
أحدهما: أن يكون الفعل متصرفا يمكن صوغ صلة منه للألف واللام، فلا يجوز الإخبار بأل في جملة مصدرة بليس ونحوها.
والثاني: أن يكون الفعل موجبا، فإن كان منفيا لم يجز الإخبار؛ لتعذر صوغ صلتها من المنفي.
__________
1 وفي هامش المخطوطة "أ" "هل صوابه ما يوصل به شيخنام؟".
2 أ، ج وفي ب "في جملة".
3 قائله: هو شقيق بن سليك الأسدي، وهو من الكامل.
الإعراب: "فكأنما" الفاء للعطف وكأن حرف تشبيه وبطل عملها بما الكافة "نظروا" فعل ماض وفاعله "إلى قمر" جار ومجرور متعلق بنظروا وهو في محل نصب على المفعولية "أو" عاطفة "حيث" عطف على قوله "إلى قمر" "علق" فعل ماض "قوسه" مفعول به "قزح" فاعله.
الشاهد: المازني احتج به على جواز الإخبار عن الاسم الذي تحته معنى.

(3/1316)


وقد أشار إلى الأول بقوله:
إن صح صوغُ صلةٍ منه لألْ
ثم مثل فقال:
كصوغ واقٍ من وَقَى الله البَطَلْ
فإن أخبرت عن الفاعل قلت: "الواقي البطلَ اللهُ" أو عن المفعول قلت: "الواقيه اللهُ البطلُ". ونبه عن الثاني في التسهيل.
وإن يَكُنْ ما رَفَعَتْ صلة أل ... ضميرَ غيرِها أُبِينَ وانْفَصَلْ
إذا رفعت صلة أل ظاهرا كالمثال "السابق"1 فلا إشكال فيه، وإن رفعت ضميرا، فإن كان لأل وجب استتاره، وإن كان لغيرها وجب إبرازه.
فإذا أخبرت عن التاء من قولك: "ضربت زيدا".
قلت: الضارب زيد أنا، فيستكن مرفوع الصلة؛ لكونه لأل.
وإذا أخبرت عن زيد من المثال قلت: الضاربه أنا زيد، فتبرزه لكونه لغيرها؛ لأن الصفة متى جرت على غير من هي له يستكن مرفوعها.
تنبيه:
ذكر الأخفش مسألتن يخبر فيهما بأل ولا يصح الإخبار فيهما بالذي.
الأولى: "قامت جاريتا زيد لا قعدتا" فإذا أخبر عن زيد قلت: القائم جاريتاه لا القاعدتان زيد.
ولو أخبرت بالذي فقلت: "الذي قامت جاريتاه لا الذي قعدتا زيد" لم يجز؛ لأنه لا ضمير يعود على الجملة المعطوفة، وقد أجاز بعض النحويين: "مررت بالذي قام أبواه لا الذي قعدا".
فعلى هذا يجوز في الإخبار في المسألة بالذي أيضا.
الثانية: "المضروب الوجه زيد" ولا يجوز "الذي ضرب الوجه زيد".
قلت: وينبغي أن يجيزه من أجاز تشبيه الفعل اللازم بالمتعدي.
واعلم أن باب الإخبار طويل، فلنكتف بما تقدم.
__________
1 ب، ج.

(3/1317)


العدد:
ثلاثةً بالتاء قُلْ للعشَرهْ ... في عَدِّ ما آحادُه مذَكَّرَهْ
في الضِّدِّ جَرِّدْ ......... ... .......................
للثلاثة والعشرة وما بينهما ثلاثة أحوال:
الأولى: أن يقصد بها العدد المطلق.
الثانية: أن يقصد بها معدود ويذكر.
والثالث: أن يقصد بها معدود ولا يذكر.
فإذا قصد بها العدد المطلق كانت كلها بالتاء نحو: "ثلاثةٌ نصفُ ستةٍ" ولا تتصرف لأنها أعلام خلافا لبعضهم.
وإن قصد بها معدود وذكر في اللفظ استعملت بالتاء إن كان واحد "المعدود"1 مذكرا، وجردت من التاء إن كان واحده مؤنثا حقيقيا أو مجازيا كقوله تعالى: {سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا} 2.
وإذا قصد بها معدود ولم يذكر في اللفظ "فالفصيح"3 أن يكون بالتاء للمذكر وبعدمها في المؤنث كما لو ذكر المعدود، فتقول: "صمت خمسة" تريد أياما، و"سرت خمسا" تريد ليالي، ويجوز أن تحذف التاء في المذكر، وحكى الكسائي عن أبي الجراح "صمنا من الشهر خمسا"، وحكى الفراء "أفطرنا خمسا وصمنا خمسا وصمنا عشرا من رمضان" وتضافرت الروايات على حذف التاء من قوله صلى الله عليه وسلم: $"ثم أتبعه بست من شوال".
وبهذا يظهر ضعف قول بعضهم: ما حكاه الكسائي لا يصح عن فصيح ولا يلتفت إليه، وقيل: لما استمر في التاريخ الاستغناء بالليالي عن الأيام التزم في غيره
__________
1 أ، ج، وفي ب "العدد".
2 من الآية 7 من سورة الحافة.
3 أ، ج وفي ب "فالصحيح".

(3/1318)


بشرط أمن اللبس كقوله تعالى: {يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} 1 ومنه: "وأتبعه بست من شوال" ، وقال الزمخشري: تقول: "صمت عشرا" ولو ذكرت لخرجت "عن"2 كلامهم، ورد بأن التذكير الأكثر الفصيح.
واختلف في علة إثبات التاء في العدد المذكر وإسقاطها في عدد المؤنث، فقال في شرح التسهيل ما معناه: إن الثلاثة وأخواتها أسماء جماعات كزمرة وأمة وفرقة، فالأصل أن يكون بالتاء لتوافق نظائرها فاستصحب الأصل من المذكر لتقدم رتبته وحذفت مع المؤنث فرقا لتأخير رتبته، وقد ذكر غيره هذا المعنى من النحويين، وهو حسن فلنكتف به.
تنبيهات:
الأول: شمل كلام الناظم الصورتين الأخيرتين إذا لم يشترط اللفظ بالمعدود وخرجت منه الصورة الأولى في قوله: "ما آحاده مذكرا".
الثاني: فهم من قوله: "ما آحاده" أن المعتبر تذكير الواحد وتأنيثه، لا تذكير الجمع وتأنيثه؛ فلذلك تقول: "ثلاثة حمامات" خلافا لأهل بغداد فإنهم يقولون: "ثلاث حمامات" فيعتبرون لفظ الجمع. وقال الكسائي: تقول: "مررت بثلاث حمامات" وتقول: "رأيت ثلاث سجلات" بغير هاء، وإن كان الواحد مذكرا، وقاس عليه ما كان مثله ولم يقل به الفراء.
الثالث: اعتبار التأنيث في واحد المعدود إن كان اسما في لفظه فتقول: "ثلاثة أشخاص" قاصد نسوة، و"ثلاث أعين" قاصد رجال؛ لأن لفظ شخص مذكر ولفظ عين مؤنث.
ما لم يتصل بالكلام ما يقوي المعنى أو يكثر قصد المعنى، فيجوز حينئذ اعتباره.
فالأول كقوله3:
__________
1 من الآية 234 من سورة البقرة.
2 ب وفي أ، ج "من".
3 قائله: هو عمرو بن أبي ربيعة المخزومي، وهو من الطويل. =

(3/1319)


ثلاثُ شخوصٍ كاعبانِ ومُعْصِر
فتقوى المعنى بقوله: "كاعبان ومعصر".
والثاني كقوله1:
ثلاثةُ أنفسٍ وثلاثُ ذَوْدٍ
__________
= وصدره:
فكان مجني دون من كنت أتقي
اللغة: "مجني" المجن: أصله الترس وجمعه مجان، ويريد به هنا ما يتقى به الرقباء "أتقي" أجانب وأحذر "شخوص" جمع شخص، وأصله الشبح الذي يُرى من بعد - والمراد هنا: الإنسان "كاعبان" مثنى كاعب، وهي الجارية حتى يبدو ثديها "معصر" الجارية أول ما تدرك وتدخل عصر الشباب.
المعنى: كان سترى وحصني دون من كنت أتقيه وأخافه من الرقباء، هؤلاء الثلاثة اللواتي مشيت بينهن متنكرا وساعدتني على ذلك.
الإعراب: "فكان" الفاء عاطفة وكان فعل ماض ناقص "مجني" خبر كان مقدم والياء مضاف إليه "دون" منصوب على الظرفية به لما فيه من معنى الواقي "من" اسم موصول مضاف إليه "كنت" كان واسمها "أتقي" فعل مضارع والفاعل ضمير والجملة في محل نصب خبر كان، وجملة كنت أتقي صلة الموصول والعائد محذوف؛ أي: أتقيه "ثلاث" اسم كان مؤخر "شخوص" مضاف إليه "كاعبان" بدل من ثلاث "ومعصر" معطوف عليه.
الشاهد: قوله: "ثلاث شخوص" فإن القياس فيه ثلاثة شخوص؛ لكنه كنى بالشخوص عن النساء.
مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني 620/ 3، وابن هشام 19/ 4، وابن الناظم.
1 قائله: هو الحطيئة، من أبيات يشكو فيها ما نزل به من بلاء، وذلك أنه كان في سفر ومعه امرأته وبنتاه، فسرح إبله فافتقد منها ناقة، وهو من الوافر.
وعجزه:
......................... ... لقد جارَ الزمانُ على عيالي
اللغة: "ذود" الذود من الإبل: ما بين الثلاثة إلى العشرة، وهي مؤنثة لا واحد لها من لفظها، وقيل غير ذلك.
الإعراب: "ثلاثة" خبر لمبتدأ محذوف أو العكس "أنفس" مضاف إليه؛ أي: نحن ثلاثة أنفس، ولنا ثلاث ذود، قال المبرد: أراد بثلاث ذود ثلاث نوق، كما تدل على ذلك القصة، فثلاث ذود عطف على ثلاثة أنفس "لقد" اللام موطئة للقسم قد للتحقيق "جار" فعل ماض "الزمان" فاعل "على عيالي" جار ومجرور.
الشاهد: قوله: "ثلاثة أنفس" وكان القياس: ثلاث أنفس؛ لأن النفس مؤنث.
مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني 620/ 3، وابن هشام 17/ 4، وابن الناظم، وذكره السيوطي في الهمع 253/ 1، والشاهد 542 في الخزانة.

(3/1320)


فغلب المعنى؛ لأن النفس كثر استعمالها مقصودا بها إنسان.
وإن كان صفة فبموصوفها المنوي لا بها كقوله تعالى: {فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا} 1 أي: عشر حسنات، وتقول: "ثلاث دواب" إذا قصدت ذكورا، وقال بعض العرب: "ثلاث دواب" لأنها جرت مجرى الأسماء الجامدة.
الرابع: ما ذكر من اعتبار تذكير الواحد وتأنيثه إنما هو في الجمع، وأما اسم الجنس نحو "غنم" واسم الجمع نحو "قوم" فيعتبر حكم لفظه ما لم يفصل بينه وبين العدد صفة دالة على المعنى أو يكن نائبا عن جمع المذكر، فالأول كقولك: "عندي ثلاثة ذكور من البط" وقال بعض المتأخرين: ويجوز حذفه التاء فلا يلحظ الوصف ولكن الأولى أن تلحظه، والثاني كقولهم: "ثلاثة أشياء" لأنه نائب من جمع شيء على أفعال، ولا أثر للوصف المتأخر كقولك: "ثلاث من البط ذكور".
والخامس: لا تعتبر أيضا تأنيث لفظ المفرد إذا كان علما نحو طلحة.
ثم ذكر حكم المميز فقال:
.......... والمميِّزْ اجرُرِ ... جمعا بلفظ قلة في الأكثرِ
اعلم أن مميز الثلاثة وأخواتها إن كان اسم جنس أو اسم جمع جر بمن نحو: {فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ} 2 وقد أضيف إليه في قوله تعالى: {تِسْعَةُ رَهْطٍ} 3 وقوله عليه الصلاة السلام: "خمس ذود" 4.
فإن قلت: فهل يقاس على الأمرين؟
قلت: أما جره بمن فمتفق عليه، وأما الإضافة إليه ففيها مذاهب:
أحدها: الجواز على قلة، وهو ظاهر كلام ابن عصفور.
والثاني: الاقتصار على ما سمع، وهو مذهب الأكثرين، وإليه ذهب المصنف، قال في التسهيل: وإن ندر مضافا إليه لم يُقس عليه، وصرح سيبويه بأنه لا يقال: "ثلاث غنم".
__________
1 من الآية 160 من سورة الأنعام.
2 من الآية 260 من سورة البقرة.
3 من الآية 48 من سورة النمل.
4 "ليس فيما دون خمس ذود صدقة" .

(3/1321)


والثالث: التفصيل، فإن كان مما يستعمل من اسم الجمع للقلة نحو: نفر ورهط وذود جاز، وإن كان مما يستعمل للقليل والكثير لم يجز، وإليه ذهب ابن عصفور في بعض كتبه، وحكاه الفارسي عن أبي عثمان، وإن كان غيرهما أضيف العدد إليه مجموعا على مثال قلة من جموع التكسير نحو: "ثلاثة أعبد، وثلاث آمٍ" هذا إذا وجد للاسم جمع قلة وجمع كثرة، فإن أهمل أحدهما أضيف إلى الموجود نحو: "ثلاثة أرجل، وثلاثة رجال".
وأشار بقوله: "في الأكثر" إلى أنه قد يؤثر مثال كثرة على مثال قلة، إما لقلة استعمال مثال القلة أو لخروجه عن القياس.
فالأول: نحو قولهم: "ثلاثة شسوع"1 فأوثر على أشساع لقلة استعماله.
والثاني: {ثَلاثَةَ قُرُوءٍ} 2 فأوثر على أقراء؛ لأن واحده قرء كفلس وجمع مثله على أفعال شاذ قاله المصنف، وذكر غيره أنه جمع قرء -بضم القاف- فلا يكون شاذا ولا يؤثر جمع قلة في غير ذلك إلا نادرا.
وأجاز المبرد "ثلاثة كلاب" ونحوه إذا أريد به ثلاثة من الكلاب وجعل من ذلك "ثلاثة قروء" وقال في شرح التسهيل: ولو جاز هذا لم يكن معنى في الحجة بجمع القلة؛ لأن كل جمع كثرة صالح لأن يراد به مثل هذا.
تنبيهات:
الأول: قال: "بلفظ قلة" يعني من أمثلة التكسير التي هي أفعل وأفعال وأفعلة وفعلة.
وأما جمع التصحيح فلا يضاف إليه غالبا إلا إن أهمل غيره أو جاور ما أهمل أو قل استعمال غيره.
فالأول: نحو: "سبع بقرات" وفي هذا ونحوه يتعين التصحيح لإهمال غيره.
والثاني: نحو: "سبع سنبلات" ففي هذا ونحوه تجوز إضافته إلى التصحيح لمجاورته ما أهمل تكسيره وهو بقرات.
__________
1 شسوع: جمع شسع -بكسر أوله وسكون ثانيه- أحد سيور النعل.
2 من الآية 228 من سورة البقرة.

(3/1322)


والثالث: نحو: "ثلاث سعادات" فيجوز لقلة سعائد أيضا، ويختار التصحيح في هذين الموضعين فإن كثر استعمال غيره ولم يجاور ما أهمل تكسيره لم يضف إليه إلا قليلا نحو: "ثلاثة أحمدين" و"ثلاث زينبات"، وإلى هذا أشرت بقولي: غالبا، وقال ابن عصفور: وكذلك أيضا يضاف إلى جموع السلامة إذا لم تكن صفات يقول: "ثلاثة زيدين، وأربع هندات". انتهى.
والإضافة إلى الصفة ضعيفة نحو: "ثلاثة صالحين"، والأحسن الإتباع على النعت ثم النصب على الحال.
الثاني: إذا كان تمييز الثلاثة وأخواتها مائة لم يجمع إلا في شذوذ كقوله1:
ثلاثُ مئينَ للملوك وفَى بها
قيل: ويظهر من كلام سيبويه جواز جمع المائة في الكلام وتميز بالمائة ثلاث وتسع وما بينهما، ولا يقال: عشرة مائة استغناء بالألف، ذكر ذلك في شرح التسهيل، وحكى الفراء أن بعض العرب يقولون: عشر مائة، وأن أهل هذه اللغة هم الذين يقولون: "ثلاث مئين وأربع مئين" فيجمعون.
__________
1 قائله: الفرزدق، وهو من الطويل.
وعجزه:
.............................. ... ردائي وجلت عن وجوه الأهاتم
اللغة: "ثلاث مئين" أي: ثلثمائة بعير "ردائي" الرداء: هو ما يلبس، قيل: والمراد به هنا السيف "جلت" كشفت "وجوه" عظماء وأعيان "الأهاتم" جمع أهتم، وهم بنو سنان الأهتم.
المعنى: يقول: إن ردائي أو سيفي وفَى بديات ثلاث ملوك قتلوا -وكانت ديتهم ثلثمائة بعير- وأزال العبء عن عظماء هذه القبيلة، وكان قد رهن رداءه أو سيفه في ذلك.
الإعراب: "ثلاث" مبتدأ "مئين" مضاف إليه مجرور بالياء؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم "للملوك" جار ومجرور متعلق بمحذوف صفة لثلاث مئين "وفَى" فعل ماض "بها" متعلق بالفعل "ردائي" فاعل والياء مضاف إليه "جلت" فعل ماض والفاعل ضمير مستتر يعود على ردائي "عن وجوه" متعلق بالفعل.
الشاهد: قوله: "ثلاث مئين" حيث جمع المائة مع أنها تمييز الثلاث، وهو شاذ.
مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني 622/ 3، وبن هشام 21/ 4، وابن الناظم، واذكره ابن يعيش 2/ 6، والشاهد 543 في الخزانة.

(3/1323)


وفي كتاب الصفار عن الفراء: لا تقول: ثلاث مئين، إلا من لا يقول ألف، وإنما يقول: عشر مئين. وقوله: "ومائة والألف لمفرد أضف" يعني: أن المائة والألف يضافان إلى المعدود مفردا نحو: "مائة رجل وألف رجل" وتثنيتهما وجمعهما كذلك. وقوله: "ومائة بالجمع نزرا قد ردف".
أشار به إلى قراءة حمزة والكسائي: "ثلثمائة سنين"1، وأشار بقوله: "نزرا" إلى تقليله، وقال بجوازه الفراء، وقال المبرد: هو خطأ في الكلام وإنما يجوز في الشعر للضرورة وكلامه مردود بالقراءة المتواترة.
تنبيه:
قد شذ تمييز المائة بمفرد منصوب، كقول الربيع2:
إذا عاشَ الفتَى مائتينِ عامَا
ولا يقاس عليه عند الجمهور، وأجاز ابن كيسان نصب تمييز المائة والألف فتقول: "المائة دينارا، والألف درهما" ثم شرع في بيان تركيب العشرة مع ما دونها فقال:
__________
1 من الآية 25 من سورة الكهف.
2 قائله: هو الربيع بن ضبع الفزاري -أحد المعمرين- وهو من الوافر.
وعجزه:
....................... ... فقد ذهبَ المسرةُ والفتَاءُ
اللغة: "المسرة" ما يسر به الإنسان، والجمع مسار "الفتاء" الشباب، يقال: فتى فتاء فهو فتي؛ أي: بيِّن الفتاء.
المعنى: إذا بلغ الإنسان هذا السن فقد ذهبت ملذاته التي يسر بها، وولى عنه شبابه الذي يتيه فيه.
الإعراب: "إذا" للشرط "عاش" فعل ماض "الفتى" فاعل "مائتين" مفعوله "عاما" تمييز "فقد" حرف تحقيق "ذهب" فعل ماض "المسرة" فاعل والجملة وقعت جوابا للشرط "والفتاء" عطف على المسرة.
الشاهد: قوله: "مائتن عاما" حيث نصب تمييز مائتين وكان حقه الجر بالإضافة فيقول: مائتي عام.
مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني 623/ 3، وابن هشام 22/ 4، وابن الناظم، والسيوطي ص121، والشاهد 545 في الخزانة، وابن عيش 21/ 6، وسيبويه 106، 293/ 1.

(3/1324)


وأحَدَ اذْكُرْ وصِلْنهُ بعَشَرْ ... مركَّبا قاصِدَ معدود ذَكَرْ
فتقول: "عندي أحد عشر درهما" بتجريد عشر من التاء، وهمزة أحد هذا مبدلة من واو، وقد قيل: وحد عشر على الأصل، وهو قليل، وقد يقال: واحد عشر على أصل العدد، ثم قال:
وقُلْ لدى التأنيث إحدى عَشْرَهْ
فتقول: إحدى عشرة امرأة، بإثبات التاء في عشرة، وقد يقال: واحدةَ عشرة. وقوله: "والشين فيها عن تميم كسْرَهْ".
يعني في التأنيث، فيقولون: "إحدى عشرة، واثنتا عشرة، وكذا في سائرها، وبلغتهم قراءة بعضهم: {اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا} 1 قال في التسهيل: وقد تفتح يعني في المؤنث، وبالفتح قرأ الأعمش، قال الزمخشري: وهي لغة، انتهى، والفتح هو الأصل إلا أن الأفصح التسكين وهي لغة الحجازيين، وأما في التذكير فالشين مفتوحة،
وقد تسكن عين عشر فيقال: "أحد عشْر" وكذا أخواته؛ لتوالي الحركات، وبها قرأ أبو جعفر وقرأ هبيرة صاحب حفص {اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا} 2 وفيها جمع بين ساكنين، وقوله:
ومع غير أحَدٍ وإحدَى ... ما معْهُما فعلتَ فافعَلْ قَصْدَا
يشير به إلى جعل ثاني "جزأي المركب عشر في التذكير وعشرة في التأنيث، والحاصل أن للعشرة في التركيب عكس ما لها قبله فتحذف التاء في التذكير وتثبت في التأنيث"3 وقوله:
ولثلاثة وتسعة وما ... بينهما إن رُكبا ما قُدِّمَا
يشير به إلى أن حكم الثلاثة والتسعة وما بينهما إذا ركبا أن تثبت التاء في التذكير وتحذف في التأنيث كما كان يفعل بهما في الإفراد، وقوله:
وأَوْلِ عَشْرَةَ اثنتَيْ وعَشَرَا ... اثنَيْ إذا أُنثى تَشَا أو ذَكَرا
__________
1 من الآية 160 من سورة الأعراف، ومن الآية 60 من سورة البقرة.
2 من الآية 36 من سورة التوبة.
3 أ، ج.

(3/1325)


يعني أنه يقال في تركيب اثنين واثنتين اثنا عشر في المذكر فتحذف نون اثني وتوليه عشر، واثنتا عشرة في المؤنث فتحذف نون اثنتين وتلويه عشرة. وقوله:
واليَا لغير الرَّفعِ وارفَعْ بالألِفْ
يعني به: أنه يقول: اثنا عشر واثنتا عشرة بالألف في الرفع، واثني عشر واثنتي عشرة بالياء في الجر والنصب، بإعراب الصدر إعراب المثنى وبناء العجز.
ثم نبه على أن غيرهما لا حظ له في الإعراب بقوله:
والفتحُ في جزأَيْ سواهُما أُلِفْ
أما العجز فعلة بنائه تضمنه معنى حرف العطف، وأما الصدر فعلة بنائه وقوع العجز منه موقع تاء التأنيث؛ ولذلك أعرب صدر اثني عشر واثنتي عشرة؛ لوقوع العجز منه موقع النون، وما قبل النون محل إعراب لا بناء، ولوقوع العجز منهما موقع النون لم يضافا بخلاف غيرهما فيقال: "أحد عشرك" ولا يقال: "اثنا عشرك" وذهب ابن درستويه وابن كيسان إلى أنهما مبنيان كسائر أخواتهما، ورد بتغييرهما بالألف والياء.
تنبيهان:
الأول: بناء أحد عشر وغيره من المركب لازم، وأجاز الكوفيون إضافة صدره إلى عجزه فيقولون: "هذه خمسةُ عشرِ" واستحسنوا ذلك إذا أضيف نحو: "خمسة عشرِكَ".
الثاني: قال في التسهيل: وتجعل العشرة مع النيِّف اسما واحدا مبنيا على الفتح ما لم يظهر العاطف. انتهى. فإن ظهر منع التركيب والبناء نحو: خمسة وعشرة، قال الشيخ أبو حيان: ويحتاج في إثبات نحو: "عندي خمسة وعشرة رجلا، وخمس وعشر امرأة" إلى سماع من العرب.
وميِّزِ العشرينَ للتسعينَا ... بواحدٍ كأربعينَ حِينا
العقود الثمانية يستوي فيها المذكر والمؤنث وتعطف على النيف كقولك: "ثلاثة وعشرون" في المذكر "وثلاث وعشرون" في المؤنث، وتميز بمفرد منصوب نحو قولك: "عشرون رجلا وعشرون امرأة".
وقد فهم من كلامه فائدتان:
الأولى: أن مميز العشرين وأخواته لا يجمع وهذا مذهب الجمهور، وأجاز الفراء جمعه فتقول: عشرون رجالا؛ ولذلك أجاز جمع تمييز أحد عشر وأخواته، وأجاز بعضهم أن يقال: عندي عشرون دراهم لعشرين رجلا، قاصدا أن لكل "واحد"1 منهم عشرين، قال في شرح التسهيل: وهذا إذا دعت الحاجة إليه فاستعماله حسن، وإن لم تستعمله العرب؛ لأنه استعمال لا يفهم معناه بغيره، ولا يجمع مميز عشرين وبابه في غير هذا النوع. فإن وقع موقع تمييز شيء منها فهو حال أو تابع، انتهى.
والثانية: أن تمييز العشرين وبابه لا يكون إلا منصوبا كما مثل، وحكى الكسائي أن من العرب من يضيف العشرين وأخواته إلى المفسر منكرا أو معرفا فتقول: عشرو درهم وعشرو ثوب، وهذا عند الأكثرين من الشاذ الذي لا تبنى على مثله القواعد.
__________
1 أ، ج.

(3/1326)


تمييز المركب:
وميزُوا مركبا بمثل ما ... مُيِّزَ عشرون فسوِّينهُمَا
يعني: بواحد منصوب وتقدم خلاف الفراء، وأجاز بعضهم أن يميز بجمع صادق على الواحد منه، وجعل الزمخشري منه قوله تعالى: {وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا} 1.
والمراد: وقطعناهم اثنتي عشرة قبيلة كل قبيلة أسباط لا سبط فأوقع أسباطا موقع قبيلة، قال في شرح التسهيل: ومقتضى ما ذهب إليه أن يقال: "رأيت أحد عشرة أنعاما" إذا أريد أحد عشرة جماعة كل جماعة أنعام، ولا بأس برأيه هذا لو ساعده استعماله، ولكن قوله: إن كل قبيلة أسباط لا سبط، مخالف لما يقوله أهل اللغة: إن السبط في بني إسرائيل بمنزلة القبيلة في العرب، وعلى هذا فأسباط واقع موقع قبائل، فلا يصح كونه تمييزا بل هو بدل والتمييز محذوف، انتهى.
__________
1 من الآية 160 من سورة الأعراف.

(3/1327)


قلت: كلامه في شرح الكافية مخالف لما ذكره هنا، فإنه قال عند ذكر تذكير التمييز وتأنيثه فإن اتصل به ما يراد به المعنى كقوله تعالى: {وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا} فبذكر أمم ترجح حكم التأنيث ولولا ذلك لقيل: اثنا عشر أسباطا؛ لأن السبط مذكر، انتهى.
وقال الجرمي: يجوز أن تكون أسباطا نعتا لفرقة ثم حذف الموصوف وأقيمت الصفة مقامه، وأمما نعت الأسباط وأنث العدد وهو واقع على الأسباط وهو مذكر؛ لأنه بمعنى فرقة أو أمة كما قال ثلاثة أنفس يعني رجالا وعشر أبطن بالنظر إلى القبيلة. انتهى.
تنبيه:
إذا نعت تمييز العشرين وبابه جاز فيه الحمل على اللفظ فتقول: عندي عشرون درهما وازنا، والحمل على المعنى فتقول: وازنة، ومنه قول عنترة1:
فيها اثنتانِ وأربعون حَلُوبة ... سُودًا كخَافيةِ الغُرابِ الأسْحَمِ
__________
1 هذا البيت من الكامل.
اللغة: "حلوبة" أي: محلوبة، وهو في الأصل صفة لموصوف محذوف، والحلوبة تستعمل بلفظ واحد، للواحد والجمع، ويروى في مكانه "خلية" والخلية: أن يعطف على الحوار ثلاث نياق ثم يتخلى الراعي بواحدة منهن، فتلك الخلية "سودا" يروى بالرفع والنصب "كخافية" للطائر أربع خواف، وهي ريش الجناح مما يلي الظهر "الأسحم" الأسود.
الإعراب: "فيها" جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم "اثنتان" مبتدأ مؤخر "وأربعون" معطوف عليه "حلوبة" تمييز "سودا" من رواه بالنصب فهو يحتمل ثلاثة أوجه:
الأول: أن يكون صفة لحلوبة.
والثاني: أن يكون حالا من العدد.
والثالث: أن يكون حالا من حلوبة.
ومن رواه بالرفع فهو نعت لقوله: اثنتان وأربعون، قال التبريزي: فإن قيل: كيف جاز أن ينعتهما أحدهما معطوف على صاحبه؟ قيل: لأنهما قد اجتمعا فصار بمنزلة قولك: جاءني زيد وعمرو الظريفان. اهـ. "كخافية" جار ومجرور متعلق بمحذوف صفة لسود "الغراب" مضاف إليه "الأسحم" نعت الغراب.
الشاهد: قوله: "سودا" فإنها نعت لقوله: حلوبة، وروعي فيها اللفظ.
مواضعه: ذكره الأشموني 625/ 3، وابن هشام في شذور الذهب ص263، وابن يعيش 24/ 6، والشاهد 546 في الخزانة.

(3/1328)


وهذا المعنى هو الذي لحظه الجرمي في جعله أسباطا نعتا لفرقة.
وإِنْ أُضيفَ عددٌ مُركَّبُ ... يَبْقَ البِنَا وعجزُه قد يُعْربُ
إذا أضيف العدد المركب ففيه ثلاثة أوجه:
الأول: أن يبقى بناؤه وهو الأكثر كما يبقى مع الألف واللام بإجماع.
والثاني: أن يعرب عجزه مع بقاء التركيب كبعلبك، وحكاه سيبويه عن بعض العرب فتقول: "أحد عشرك مع أحد عشر زيد" واستحسنه الأخفش، واختاره ابن عصفور، وزعم أنه الأفصح، ووجه ذلك بأن الإضافة ترد الأسماء إلى أصلها من الإعراب، ومنع في التسهيل القياس عليه، وقال في الشرح: لا وجه لاستحسانه؛ لأن المبني قد يضاف نحو: "كم رجل عندك؟" و {مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ} 1.
قلت: قال بعضهم: وهي لغة ضعيفة عند سيبويه، وإذا ثبت كونها لغة لم يمتنع القياس عليها، وإن كانت ضعيفة.
والثالث: أن يضاف صدره إلى عجزه مزالا بناؤهما، حكى الفراء أنه سمع من أبي فقعس الأسدي وأبي الهيثم العقيلي: "ما فعلت خمسة عشرك".
وذكر في التسهيل أنه لا يقاس عليه خلافا للفراء، وحكى ابن عصفور هذا الوجه في بعض كتبه عن الكوفيين وفي بعضها عن الفراء، ورد بأنه لم يسمع، وهذا الرد مردود بما تقدم.
تنبيه:
قال في التسهيل: ولا يجوز بإجماع "ثماني عشرة" إلا في الشعر يعني بإضافة صدره إلى عجزه دون إضافة كقول الراجز2:
__________
1 من الآية 1 من سورة هود.
2 قائله: ينسب لنفيع بن طارق، وقيل: أنشده في أرجوزة ليست له، وهو من الرجز.
اللغة: "كلف" ماض مبني للمجهول بالتشديد، من التكليف وهو تحمل ما فيه كلفة ومشقة "عنائه" العناء: التعب والجهد "شقوته" الشقاء والعشرة "من حجته" من عامه ذلك. =

(3/1329)


كُلِّف من عنائه وشِقْوَتِهْ ... بنتَ ثماني عَشْرة من حِجَّتِهْ
وحكى غيره مع الكوفيين أنهم أجازوا ذلك مطلقا في الشعر وغيره في ثماني عشرة وغيرهما، فليس نقل الإجماع بصحيح.
وصُغْ من اثنينِ فما فوق إلى
عَشرةٍ كفاعلٍ من فَعَلا
يعني: أنه يصاغ من اثنين فما فوق إلى العشرة موازن فاعل نحو ثاني إلى عشرة كما يصاغ اسم الفاعل من فعل نحو ضرب فهو ضارب.
فإن قلت: لِمَ قال "من اثنين" وترك ذكر واحد وقد ذكره بعضهم من اسم الفاعل المشتق من العدد؟
قلت: واحد من أسماء العدد ولس المراد العدد فيذكر، وإنما المراد الصفة وهو وإن كان على زنة فاعل لا يمكن أن يراد به التصيير؛ إذ لا عدد أقل منه بخلاف الثاني فما فوقه:
واحْتِمْهُ في التأنيث بالتا ومتى ... ذَكَّرْتَ فاذكُرْ فاعلا بغيرِ تَا
فتقول في التأنيث ثانية إلى عشرة وفي التذكير ثان إلى عاشر، كما يفعل في اسم الفاعل من نحو ضارب، وإنما نبه على هذا مع وضوحه لئلا يتوهم أنه يسلك به سبيل العدد الذي صيغ منه.
وإن تُرِدْ بعضَ الذي منه بُنِي ... تُضِفْ إليه مثل بَعْضٍ بَيِّنِ
لاسم الفاعل المصوغ من العدد ثلاثة أحوال:
الأول: أن يستعمل مفردا ولا إشكال فيه.
__________
= المعنى: أن هذا الرجل تحمل وتكلف -لأجل تعبه وشقائه- مشقة حب بنت سنها ثماني عشرة في عامه ذلك.
الإعراب: "كلف" فعل ماض مبني للمجهول "من" للتعليل "عنائه" مجرور بمن ومضاف إلى الهاء "وشقوته" عطف على عنائه "بنت" مفعول ثان لكلف، والمفعول الأول نائب الفاعل "ثماني عشرة" مضاف إليه "من" جارة بمعنى في "حجته" مجرور بمن.
الشاهد: قوله: "ثماني عشرة" حيث أضيف صدره إلى عجزه بدون إضافة عشرة إلى شيء آخر.
مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني 627/ 3، وابن هشام 29/ 4.

(3/1330)


والثاني: أن يستعمل مع موافق كثاني مع اثنين فيجب إضافته عند الجمهور فتقول في التذكير: ثاني اثنين إلى عاشر عشرة، وفي التأنيث: ثانية اثنتين إلى عاشرة عشرة، وإنما لم ينصب لأنه ليس في معنى ما يعمل ولا مفرعا على فعل فالتزمت إضافته لكونه واحدا من العدد كما يلتزم إضافة البعض، وإلى هذا أشار بقوله: "مثل بعض بين" هذا مذهب الجمهور، وذهب الأخفش والكسائي وقطرب وثعلب إلى جواز إعماله فتقول: ثان اثنين وثالثُ ثلاثةَ، وفصل بعضهم فقال: يعمل ثان، ولا يعمل ثالث وما بعده، وإليه ذهب في التسهيل، قال: لأن العرب تقول: "ثَنَيْتُ الرجلين" إذا كنت الثاني منهما فمن قال: ثانِ اثنين بهذا المعنى عُذر؛ لأن له فعلا، ومن قال: ثالث ثلاثة لم يُعذر؛ لأنه لا فعل له، فهذه ثلاثة أقوال.
تنبيه:
قال في الكافية:
وثعلبٌ أجاز نحو رابع ... وأربعة وما له متابعُ
وقال في شرحها: ولا يجوز تنوينه والنصب به، وأجاز ذلك ثعلب وحده، ولا حجة له في ذلك. انتهى. فعمم المنع، وقد فصل في التسهيل وخص الجواز بثعلب، وقد نقله فيه عن الأخفش، ونقله غيره عن الكسائي وقطرب كما تقدم.
والثالث: أن يستعمل مع مخالفه ولا يكون إلا للعدد الذي تحته، فهذا يجوز أن يضاف وأن ينون وينصب لأنه اسم فالع حقيقة، فإنه يقال: "ثلثتُ الرجلين" إذا انضممت إليهما فصرتم ثلاثة، وكذلك "ربعت الثلاثة" إلى "عشرت التسعة" وقد أشار إلى هذا بقوله:
وإن تُردْ جَعْلَ الأقل مثلَ مَا ... فوق فحُكْمَ جاعلٍ له احْكُمَا
يعني: أن حكمه حكم اسم الفاعل، فإن كان بمعنى المضي وجبت إضافته. وإن كان بمعنى الحال والاستقبال جازت إضافته وجاز تنوينه وإعماله كما يفعل جاعل أو غيره من أسماء الفاعلين.
فإن قلت: هل لاختصاص جاعل بالتمثيل به فائدة؟
قلت: نعم، وهي التنبيه على معنى اسم فاعل العدد إذا استعمل مع ما تحته معنى جاعل، فإذا قلت: رابع ثلاثة فمعناه جاعل الثلاثة أي: مصيِّرهم أربعة.

(3/1331)


تنبيهان:
الأول: قال الشارح في البيت: معناه وإن ترد بالمصوغ من اثنين فما فوقه أنه جعل ما هو أقل عددا مما اشتق منه مساويا له فاحكم لذلك المصوغ بحكم جاعل. انتهى.
وفيه تصريح بأن ثاني يستعمل بمعنى جاعل فيقال: ثاني واحد، وهو خلاف التسهيل؛ لأنه خص المصوغ من الاثنين بالإضافة إلى الموافق بمعنى بعض أصله، ونص سيبويه على أنه لا يقال: ثاني واحد، وقال الكسائي: بعض العرب يقول: ثاني واحد، وحكاه الجوهري أيضا وقال: ثاني واحد، والمعنى: هذا ثني واحدا.
والثاني: قال في التسهيل: وإن قصد بفاعل المصوغ من ثلاثة إلى عشرة، وهذه العبارة -كما قال في شرحه- تقريب على المتعلم، والحقيقة أنه من الثلث إلى العشر وهي مصادر ثلثت الاثنين إلى عشرت التسعة.
وإِنْ أردت مثل ثانِي اثنينِ ... مركبا فجِيءَ بتركيبينِ
إذا قصد صوغ الفاعل من المركب بمعنى بعض أصله كثاني اثنين.
ففي استعماله ثلاثة أوجه:
الأول: وهو الأصل أن يجاء بتركيبين صدر أولهما فاعل في التذكير وفاعلة في التأنيث وصدر ثانيهما الاسم المشتق منه، وعجزهما عشر في التذكير وعشرة في التأنيث.
فتقول في التذكير: "ثاني عشر اثني عشر" إلى "تاسع عَشَر تسعةَ عشَر"، وفي التأنيث: "ثانية عشر اثنتي عشرة" إلى "تاسعةَ عشَرة تِسْعَ عشَرة" بأربع كلمات مبنية، وأول التركيبين مضاف إلى ثانيهما إضافة ثاني إلى اثنين.
الثاني: أن يقتصر على صدر الأول، فيعرب لعدم التركيب ويضاف إلى المركب باقيا بناؤه، وإليه أشار بقوله:
أو فاعلا بحالتيه أَضِفْ ... إلى مركب بما تَنْوِي يَفِي
حالتاه هما التذكير والتأنيث فتقول في التذكير: "ثاني اثني عشر" إلى "تاسع تسعة عشر"، وفي الثأنيث: "ثانية اثنتي عشرة" إلى "تاسعة تسعَ عشرة".

(3/1332)


الثالث: أن يقتصر على التركيب الأول، وإليه أشار بقوله:
وشاع الاستغنا بحادي عَشَرَا ... ونحوه ....................
وفيه حينئذ ثلاثة أوجه:
الأول: أن يُبنى صدره وعجزه وهو الأعرف.
والثاني: أن يعرب صدره مضافا إلى عجزه مبنيا، حكاه ابن السكيت وابن كيسان. ووجهه أنه حذف عجز الأول فأعربه لزوال التركيب، ونوى صدر الثاني فبناه.
والثالث: أن تعربهما معا مقدرا حذف عجز الأول وصدر الثاني، وهذا الوجه أجازه بعض النحويين.
تنبيهان:
الأول: مثل في النظم بحادي عشر ولم يمثل بثاني عشر، قال الشارح: ليتضمن التمثيل فائدة التنبيه على ما التزموه حين صاغوا أحدا وإحدى على فاعل وفاعلة من القلب وجعل الفاء بعد اللام فقال: "حادي عشر، وحادية عشرة" والأصل واحد وواحدة.
قلت: وحكى الكسائي عن بعض العرب "واحد عشر" على الأصل فلم يلتزم القلب كل العرب.
الثاني: لم يذكر هنا صوغ اسم الفاعل من المركب بمعنى جاعل؛ لكونه لم يسمع، إلا أن سيبويه وجماعة من المتقدمين أجازوه قياسا "فيقولون": "هذا رابع عشر ثلاثة عشر" أو "رابع ثلاثة عشر" وإنما أجازوه بشرط الإضافة ولا يجوز أن ينصب ما بعده، وأجاز بعض النحويين "هذا ثان أحد عشر، وثالث اثني عشر" بالتنوين، وذهب الكوفيون وأكثر البصريين إلى منع بنائه بهذا المعنى، وقوله:
.................. ... وقبل عشرين اذكرا
وبابه الفاعل من لفظ العدد ... بحالتَيْهِ قبل واو يُعْتَمَدْ

(3/1333)


يعني: أن العشرين وبابه يعني بقية العقود يعطف على اسم الفاعل بحالتيه يعني التذكير والتأنيث فتقول: "الحادي والعشرون" إلى "التاسع والتسعين" و"الحادية والعشرون" إلى "التاسعة والتسعين" ولا يستعمل الحادي والحادية إلا في تنييف.
تنبيه:
لم يسمع بناء اسم الفاعل من العقود الثمانية أعني عشرين وبابه إلا أن بعضهم حكى "عاشر عشرين" فقاس عليه الكسائي. وقال سيبويه والفراء: "هذا الجزء العشرون" على معنى تمام العشرين فحذف.
وقال بعضهم: تقول: "هذا متمم عشرين أو مكمل عشرين" ورُد بأنه يلزم أن يتمم نفسه أو يكمل نفسه. وقال أبو علي: هو الموفى عشرين.
قال بعضهم: والصحيح أن يقال: هو كمال العشرين، أو تمام العشرين، أو تأتي بألفاظ العقود فتقول: العشرين إلى التسعين، والله أعلم.

(3/1334)


كم وكأين وكذا:
هذه ألفاظ يكنى بها عن العدد؛ فلذلك أردف بها باب العدد.
أما "كم" فاسم لعدد مبهم الجنس والمقدار، وليست مركبة خلافا للكسائي والفراء فإنها مركبة عندهما من كاف التشبيه وما الاستفهامية محذوفة الألف وسكنت ميمها لكثرة الاستعمال.
وكم قسمان: استفهامية وخبرية، وكل منهما مفتقر إلى تمييز، وقد أشار إلى الاستفهامية بقوله:
ميِّزْ في الاستفهام كم بمثل ما ... ميَّزْتَ عشرين ككم شخصا سَمَا
يعني: أن تمييز الاستفهامية كتمييز العشرين في الإفراد والنصب نحو: "كم شخصا؟". أما إفراده فلازم خلافا للكوفيين فإنهم يجيزون جمعه نحو: "كم شهودا لك؟" ولو سمع مثل هذا لم يكن لهم فيه حجة لصحة حمله على الحال، وجعل التمييز محذوفا. وأجاز بعضهم جمعه إذا كان السؤال عن الجماعات نحو: "كم غلمانا لك؟" إذا أردت أصنافا من الغلمان، وهو مذهب الأخفش، فتحصل في جمعه ثلاثة مذاهب، وأما نصبه ففيه أيضا ثلاثة مذاهب:
أحدهما: أنه لازم ولا يجوز جره، وهو مذهب بعض النحويين.
والثاني: أنه ليس بلازم بل يجوز جره مطلقا حملا على الخبرية، وإليه ذهب الفراء والزجاج والسيرافي، وعليه حمل أكثرهم1:
كم عمةٍ لك يا جريرُ وخالةٍ
__________
1 قائله: هو الفرزدق يهجو جريرا، وهو من الكامل.
وعجزه:
............................ ... فَدْعَاء قد حلبت علي عشاري
اللغة: "فدعاء" وصف من الفدع، وهو اعوجاج الرسغ من اليد أو الرجل حتى ينقلب الكف أو القدم إلى أنسيهما "حلبت علي" أي: على كره مني "عشاري" جمع عُشَراء، وهي الناقة التي مضى على حملها عشرة أشهر. =

(3/1335)


والثالث: أنه لازم إن لم يدخل على كم حرف جر، وراجح على الجر إن دخل عليها حرف جر، وهو المشهور، ولم يذكر سيبويه جره إلا إذا دخل على كم حرف جر، وإلى هذا أشار بقوله:
وأجِزْ أن تَجُرَّهُ من مُضْمَرا ... إن وَلِيتْ كم حَرْفَ جر مُظهَرا
فيجوز في نحو: "بكم درهم اشتريت؟" النصب على الأصل، وهو الأجود والأكثر، والجر أيضا وفيه قولان:
أحدهما: أنه بمن مقدرة كما ذكر، وهو مذهب الخليل وسيبويه والفراء وجماعة.
والثاني: أنه بإضافة كم إليه، وهو قول الزجاج، وزعم ابن بابشاذ أن الأول ليس مذهب المحققين "ورد بأنه نص من كلامهم إلا الزجاج"1، ورد مذهب الزجاج بوجهين:
أحدهما: أنه بمنزلة عدد ينصب ما بعده قولا واحدا فلا يمكن الخفض بها، قاله ابن خروف.
__________
= المعنى: على الإخبار: كثير من عماتك وخالاتك يا جرير، كن من جملة خدمي وقد تعوجت أرساغهن من كثرة حلبهن نياقي على كره مني.
وعلى الاستفهام: أخبرني يا جرير، بعدد عماتك وخالاتك اللاتي كن يخدمنني ويحلبن نياقي حتى تعوجت أرساغهن من كثرة الحلب، فقد نسيت عددهن.
الإعراب: "كم" خبرية مبتدأ أو استفهامية مقصود بها التهكم والسخرية "عمة" بالجر، تمييز لكم على الخبرية وبالنصب على الاستفهامية "لك" جار ومجرور صفة لعمة "وخالة" معطوفة على عمة "فدعاء" صفة لعمة وخالة، منصوب بالفتحة على رواية النصب، وعلى رواية الجر: بالفتحة نيابة عن الكسرة لمنعه من الصرف "قد حلبت" قد حرف تحقيق حلب فعل ماض والفاعل ضمير والجملة خبركم التي وقعت مبتدأ "عليَّ" جار ومجرور متعلق بحلبت "عشاري" مفعول حلبت.
الشاهد: قوله: "كم عمة" حيث رُوي بالجر.
مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني 633/ 3، وفي باب الابتداء، وابن هشام 43/ 4، وابن عقيل 128/ 1، وفي الهمع 254/ 1، وفي المغني 185/ 1، وسيبويه 553، 295/ 1، والشاهد 492 في الخزانة.
1 أ، ج.

(3/1336)


والآخر: أن الجر لو كان بالإضافة لم يشترط دخول حرف الجر على كم ليكون عوضا من إظهار من.
قلت: وفي لزوم هذا للزجاج نظر؛ لأنه نقل عنه أنه يجيز الجر مطلقا كما تقدم.
ثم أشار إلى الخبرية بقوله:
واسْتَعْمِلنَهَا مُخبرًا كعَشَرَهْ ... أو مائةٍ ككَمْ رِجالٍ أو مَرَهْ
يعني: أن كم الخبرية تستعمل تارة استعمال عشرة فيكون تمييزها جمعا مجرورا نحو: "كم رجالٍ" وتارة استعمال مائة فيكون تمييزها مفردا مجرورا نحو: "كم مرةً" ومن الجمع قول الشاعر1:
كَمْ ملوكٍ باد ملكُهم
ومن الإفراد قول الراجز2:
__________
1 قائله: لم أقف على اسم قائله، وهو من المديد.
وعجزه:
ونعيم سوقة بادوا
اللغة: "باد" هلك من باد يبيد "سوقة" السوقة -بضم السين وسكون الواو وفتح القاف- جمع سوقي، وهم أهل السوق، وقيل: هم ما دون الملك، وهو الأظهر.
الإعراب: "كم" خبرية "ملوك" -بالجر- مميزه "باد" فعل ماض "ملكهم" فاعل وهم مضاف إليه والجملة في محل رفع خبر المبتدأ وهو كم "ونعيم" -بالجر- عطف على ملوك تقديره: كم باد نعيم سوقة "بادوا" جملة في محل جر صفة لسوقة.
الشاهد: قوله: "كم ملوك" فإن تمييز كم جاء مجموعا مجرورا.
مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني 634/ 3، وذكره السيوطي في الهمع 254/ 1، وابن هشام في المغني 185/ 1.
2 قائله: لم أقف على اسم قائله، وهو من الطويل.
وتمامه:
........................... ... بناحية الحجلين منعمة القلب
اللغة: "غير آثم" غير سكران "الحجلين" موضع.
الإعراب: "وكم" الواو للعطف وكم خبرية "ليلة" -بالجر- مميزه "قد" حرف تحقيق "بتها" أي: قد بت فيها، وهي جملة من الفعل والفاعل والمفعول في محل جر صفة لليلة "غير" منصوب على الحال "آثم" مضاف إليه وغير حال من الضمير المرفوع الذي قد بتها "بناحية" جار ومجرور متعلق بقوله بتها "الحجلين" مضاف إليه "منعمة القلب" كلام إضافي حال أيضا.
الشاهد: قوله: "كم ليلة" حيث جاء التمييز فيه مفردا مجرورا.
مواضعه: ذكره الأشموني 643/ 3.

(3/1337)


وكم ليلةٍ قد بِتُّها غير آثِم
تنبيهات:
الأول: إفراد تمييز الخبرية أكثر وأفصح من جمعها، وليس الجمع بشاذ كما زعم بعضهم، وقيل: الجمع على معنى الواحد فكم رجال على معنى كم جماعة من الرجال.
الثاني: ذهب الفراء إلى أن الجر بعد الخبرية بمن مقدرة، ونقله عن الكوفيين، والصحيح أنه بإضافة كم؛ إذ لا مانع من إضافتها.
الثالث: شرط جر تمييز الخبرية الاتصال، فإن فُصل نصب، حملا على الاستفهامية، وقد جاء مجرورا مع الفصل بظرف أو بجار ومجرور.
فالأول: كقوله1:
كم دون مَيَّة مَومَاةٍ يُهالُ لها ... إذا تيمَّمها الخريت ذُو الجلدِ
وقوله2:
__________
1 قائله: قيل: ذو الرمة، وهو من البسيط.
اللغة: "مية" اسم محبوبته "موماة" -بفتح الميم وسكون الواو- المفازة "يهال" للمجهول أي: يفزع منها "تيممها" قصدها "الخريت" -بكسر الخاء وتشديد الراء- الماهر الحاذق "ذو الجلد" -بفتح الجيم واللام- أي: ذو قوة، ويجوز أن يكون بالخاء أي ذو بال قوي.
الإعراب: "كم" خبرية "دون" منصوب على الظرفية "مية" مضاف إليه "موماة" ألجبر مميزكم "يهال" فعل مضارع مبني للمجهول "لها" أي: للموماة أي: لأجلها أو تكون اللام بمعنى من أوفى "إذا" ظرف يتضمن معنى الشرط "تيممها" جملة من الفعل والفاعل وهو الضمير المستتر فيه الذي يرجع إلى الخريت، والمفعول وهو الضمير المنصوب الذي يرجع إلى الموماة "الخريت" نائب فاعل، وجواب إذا محذوف دل عليه صدر الكلام "ذو الجلد" صفة الخريت.
الشاهد: "كم دون مية موماة" حيث فصل بين كم ومميزه المجرور بالظرف وهو دون مية.
مواضعه: ذكره الأشموني 635/ 3.
2 قائله: هو أنس بن زنيم -من قصيدة قالها لعبيد الله بن زياد- وهو من المديد.
وعجزه:
.................... ... وكريم بخله قد وضعه =

(3/1338)


كم بجودٍ مُقْرِفٍ نالَ العلا ... ........................
وفيه مذاهب:
أحدها: أنه لا يجوز إلا في الشعر، وهو مذهب جمهور البصريين، وإليه ذهب المصنف.
والثاني: أنه يجوز في الاختيار، وهو مذهب الكوفيين.
والثالث: أنه يجوز إذا كان الفصل بناقص نحو: "كم اليوم جائع أتاني" و"كم بك مأخوذ جاءني" لا إن كان بتام، وهو مذهب يونس.
فإن كان الفصل بجملة نحو1:
__________
= اللغة: "بجود" بكرم وسخاوة "مقرف" -بضم الميم وسكون القاف وكسر الراء- الرجل الذي ليس له أصالة من جهة الأب "نال العلا" أي: بلغ المنزلة العالية "كريم" أراد به الأصل من الطرفين "وضعه" من الوضيع وهو الدنيء من الناس والهاء عوض من الواو.
الإعراب: "كم" خبرية "بجود" جار ومجرور فصل به بين كم ومميزه "مقرف" مميز كم "نال العلا" جملة في محل رفع على أنها خبر لكم "وكريم" أي: وكم كريم "بخله" مبتدأ والهاء مضاف إليه "قد وضعه" جملة في محل رفع خبر المبتدأ والجملة خبر لكم المحذوفة.
الشاهد: قوله: "كم بجود مقرف" حيث فصل بين كم ومميزه بالجار والمجرور.
ومواضعه: ذكره الأشموني 635/ 3، وابن الناظم، والسيوطي في الهمع 255/ 1، والشاهد 489 في الخزانة، وسيبويه 296/ 1.
1 قائله: هو القطامي، وهو من البسيط.
وعجزه:
إذ لا أكاد من الإقتار أجتمل
اللغة: "من الإقتار" من أقتر الرجل إذا افتقر "أجتمل" من اجتملت الشحم جملا: إذا أذبته، ورُوي أحتمل -بالحاء- من الاحتمال، وما أظنه صحيحا.
المعنى: يقول: أنعموا عليَّ وأفضلوا عند عدمي حين يبلغ مني الجهد إلى ألا أقدر على الارتحال لطلب الرزق.
الإعراب: "كم" خبرية ظرف زمان، أي: كم مرة أو كم يوما "نالني" فعل ماض والنون للوقاية والياء مفعول "فضلا" مميز كم "على عدم" جار ومجرور متعلق بنالني، ويجوز في "فضلا" الرفع على أنه فاعل نالني، والجر على لغة من جر مع الفصل، والنصب هو الأظهر "إذ" بمعنى حين "لا أكاد" من أفعال المقاربة والضمير المستتر فيه اسمه أجتمل، خبره "من الإقتار" جار ومجرور متعلق بأجتمل.
الشاهد: قوله: "كم نالني منهم فضلا" حيث فصل بين كم ومميزها بجملة، وهي نالني منهم.
مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني 636/ 3، وابن الناظم، وذكره السيوطي في الهمع 255/ 1، والشاهد 491 في الخزانة، وسيبويه 295/ 1.

(3/1339)


كم نالني منهم فضلا على عدم
أو بظرف أو جار ومجرور معا نحو1:
تؤُمُّ سنانا وكم دونه ... من الأرض محدَودِبا غارُها
تعين النصب، قال المصنف: وهو مذهب سيبويه. وظاهر كلام المبرد جواز جر المفصول بجملة في الشعر، وحكي عن الكوفيين جوازه في الكلام.
وقد رُوي خفض "فضلا" من قوله: "كم نالني منهم فضل على عدم".
الرابع: ذكر سيبويه أن بعض العرب ينصب مميز الخبرية مع الاتصال حملا على الاستفهامية. وحكاه المصنف في غير هذا الكتاب عن تميم، وجزم هنا باللغة الفصحى.
الخامس: إذا نصب هنا مع الاتصال على هذه اللغة، فقال الشلوبين: لا يكون إلا مفردا، والصحيح أنه تجوز فيه "هنا"2 الإفراد والجمع على هذه اللغة كما ذكره في شرح الكافية، نص على ذلك السيرافي.
السادس: قد علم مما تقدم أن الاستفهامية والخبرية تتفقان في أحكام وتفترقان في أحكام. فلنذكر طرفا من ذلك فنقول: يتفقان في ستة أشياء:
أولها: أنهما اسمان خلافا لمن قال: إن الخبرية حرف، ودليل اسميتها واضح.
__________
1 قائله: هو زهير بن أبي سلمى، وقيل: ابنه كعب، وليس موجودا في ديوانيهما، وهو من الوافر.
اللغة: "تؤم" تقصد "سنان" وسنان هو ابن أبي حارثة المري "محدودبا" من الحدب وهو ما ارتفع من الأرض "غارها" بالغين أصلها غائرها، فحذف عين الفعل كما حذف في رجل شاك أصله شائك، وهو الأرض الغائر المطمئن.
المعنى: وصف ناقته فيقول: تؤم سنانا هذا الممدوح على بعد المسافة بينها وبينه.
الإعراب: "تؤم" فعل مضارع والفاعل ضمير مستتر فيه الراجع إلى الناقة "سنانا" مفعوله "وكم" الواو للحال وكم خبرية "دونه" منصوب على الظرفية "من الأرض" جار ومجرور يتعلق بحذوف "محدودبا" مميز كم "غارها" مرفوع به.
الشاهد: قوله: "كم دونه من الأرض محدودبا" حيث فصل بين كم ومميزها بظرف وجار ومجرور معا.
مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني 636/ 3، وابن الناظم، وسيبويه 295/ 1.
2 أ.

(3/1340)


وثانيها: أنهما مبنيان، أما الاستفهامية فلتضمنها معنى حرفه، وأما الخبرية فقيل: لشبهها بها، وقيل: لمناسبة رب التي للتكثير، وقيل: حملا على رب، وإن كانت للتقليل؛ لأن الشيء يحمل على نقيضه كما يحمل على نظيره.
قلت: والتعليل بالشبه الوضعي كافٍ في بنائهما.
ورابعهما: أن مميزهما قد يحذف إذا دل عليه دليل خلافا لمن منع حذف تمييز الخبرية، وقال بعضهم: يقبح حذف مميز الخبرية إلا إن قدر منصوبا، قال في الارتشاف: وبنبغي أن يقال: إن قدر تمييز الخبرية منصوبا أو مجرورا بمن جاز حذفه، أو بالإضافة فلا يجوز.
وخامسها: أنهما يلزمان الصدر، أما الاستفهامية فواضح، وأما الخبرية فللحمل على رب، فلا يعمل فيهما ما قبلهما إلا المضاف وحرف الجر، وحكى الأخفش أن بعض العرب يقدم العامل على كم الخبرية، فتقول على هذا: "ملكت كم غلام" فقيل: هي من القلة بحيث لا يقاس عليها، والصحيح أنه يجوز القياس عليها، وأنها لغة.
وسادسها: أنهما يشتركان في وجوه الإعراب، وهذا تقييد في إعراب كم إن تقدم عليها حرف جر أو مضاف، فهي مجرورة وإلا فإن كانت كناية عن مصدر أو ظرف فهي منصوبة على المصدر أو على الظرف، وإلا فإن لم يلها فعل أو وليها فعل وهو لازم أو متعد رافع ضميرها أو سببها فهي مبتدأ، وإن وليها فعل متعد ولم يأخذ مفعوله، وإن أخذه فهي مبتدأ، إلا أن يكون ضميرا يعود عليها، ففيها الابتداء، والنصب على الاشتغال.
ويفترقان في ستة أشياء:
أولها: أن تمييز الاستفهامية أصله النصب وتمييز الخبرية أصله الجر.
وثانيها: أن تمييز الاستفهامية مفرد وتمييز الخبرية يكون مفردا وجمعا.
وثالثها: أن الفصل بين الاستفهامية ومميزها جائز في السعة، ولا يفصل بين الخبرية ومميزها إلا في الضرورة، نص المصنف على ذلك، وتقدم ما يقتضي الإطلاق.
ورابعها: أن الاستفهامية لا تدل على تكثير -خلافا لبعضهم- والخبرية للتكثير خلافا لابن طاهر وتلميذه ابن خروف.

(3/1341)


وخامسها: أن الاستفهامية تحتاج إلى جواب بخلاف الخبرية، والأجود في جوابها أن يكون على حسب موضعها في الإعراب، ولو رفع مطلقا لجاز.
وسادسها: أن الاستفهامية لا يعطف عليها بلا، خلاف الخبرية، فتقول: كم رجل جاءني لا رجل ولا رجلان.
ثم انتقل إلى كأين وكذا فقال:
كَكَمْ كَأَيِّنْ وكذَا وينْتَصِبْ ... تَمييزُ ذَينِ أو به صِلْ من تُصِبْ
يعني: أن كأين وكذا مثل كم الخبرية في الدلالة على تكثير عدد مبهم الجنس والمقدار إلا أن تمييزها منصوب بخلاف تمييز كم الخبرية، فتقول: كأين رجلا رأيت، ورأيت كذا رجلا، والأكثر بعد كأين جره بمن كقوله تعالى: {وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ} 1 {وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ} 2 وخطئ ابن عصفور في قوله: إن من تلزم تمييز كأين.
تنبيهات:
الأول: المشبه به في قوله "ككم" هي الخبرية؛ لأن كأين وكذا لا يستفهم بهما، أما كذا فبالاتفاق، وأما كأين فذهب المصنف إلى أنها قد يستفهم بها مستدلا بقول أبي بن كعب لعب الله بن مسعود رضي الله عنهما: "كأين تقرأ سورة الأحزاب آية".
ونصوص النحويين على أنها لا تكون إلا خبرية.
فإن قلت: فأي قرينة ترشد إلى أن مراده الخبرية؟
قلت: القرينة أنها المذكورة ثانيا.
الثاني: وجه الشبه إنما هو في الدلالة على تكثير عدد مبهم لا في جميع الأحكام؛ لأن كأين لا يحفظ كون مميزها جمعا بخلاف "الدلالة على"3 كم،
__________
1 من الآية 146 من سورة آل عمران.
2 من الآية 105 من سورة يوسف.
3 أ.

(3/1342)


ولأن كذا لا تلزم الصدر ولأن كأين لا تجر بحرف ولا بإضافة، وأجاز ابن قتيبة1 وابن عصفور جرها بالحرف.
الثالث: فهم من تشبيه كأين وكذا بكم الخبرية أنهما للتكثير، وقد صرح المصنف بذلك في غير هذا الموضع، ونوزع في "كذا" فإن الذي يظهر أنها لم توضع للتكثير.
الرابع: قد فهم من قوله: "وينتصب" أن تمييزها لا يجوز جره بإضافتهما إليه بخلاف كم.
فإن قلت: كان حقهما أن يضافا كما تضاف كم؛ لكونهما بمعناها.
قلت: منع من ذلك أن المحكي لا يضاف، وأن في آخر كأين تنوينا وفي آخر كذا اسم الإشارة، وهما مانعان من الإضافة.
الخامس: خطأ الفارسي والزجاج وابن أبي الربيع وابن عصفور من جر التمييز بعد كذا في نحو: "كذا درهم"، وأجازه بعضهم على الإضافة وبعضهم على البدل، والصحيح أنه لا يجوز ولم يسمع.
قال ابن العلج: "وأما الرفع"2 بعد كذا فخطأ؛ لأنه لم يسمع.
السادس: ظاهر قوله: "أو به صل من تصب" جواز جر تمييز كذا بمن، وكلامه في غير هذا الموضع يقتضي وجوب نصبه.
السابع: ظاهر قوله: "وكذا" أنها تستعمل كناية عن العدد وهي مفردة، قال بعضهم: ولا يحفظ فيها إذا كانت كناية عن العدد إلا كونها مكررة بالعطف كقوله3:
__________
1 هو أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري النحوي اللغوي الكاتب، كان رأسا في العربية واللغة والأخبار وأيام الناس، وقد سكن بغداد وحدث بها، وروى عنه كثير من العلماء منهم ابن درستويه، وله مؤلفات كثيرة؛ منها: إعراب القرآن، وجامع النحو، وعيون الأخبار. وتوفي سنة 286هـ على الأصح.
2 ب وفي أ، ج "وما نحو تجويزهم الرفع".
3 قائله: لم أقف على اسم قائله، وهو من الطويل.
اللغة: "نُعمى" -بضم النون- النعمة "بؤساك" -بضم الباء- الشدة "الْجَهد" بالفتح: الطاقة، وبالضم: المشقة. =

(3/1343)


عِدِ النفس نُعمى بعد بُؤساك ذَاكِرَا ... كذا وكذا لُطفا به نُسي الْجَهد
وقال في التسهيل: وقلَّ ورود "كذا" مفردا أو مكررا بلا واو، وذلك يدل على ورود الأمرين، ولم يذكر لهما شاهدا، ونازع ابن خروف في إفرادها وزعم أنه غير مستعمل.
الثامن: مذهب البصريين أن تمييز كذا لا يكون إلا مفردا ومنصوبا سواء كانت مفردة أو مكررة كما تقدم، وذهب الكوفيون إلى أنها تعامل معاملة ما يكنى بها "عنه"1 فكذا أعبد كناية عن ثلاثة إلى عشرة، وكذا عبد "من"2 مائة فصاعدا، وكذا وكذا عبدا من أحد عشر إلى تسعة عشر، وكذا عبدا من عشرين إلى تسعين، وكذا وكذا عبدا من واحد وعشرين إلى تسعة وتسعين، ووافقهم على ذلك المبرد وابن الدهان وابن معط، ونقله صاحب البسيط عن الأخفش، قال في شرح التسهيل: ومستند هذا التفصيل الرأي لا الرواية، وذهب ابن عصفور إلى مذهب ثالث وهو موافقتهم في المركب والعقد والمعطوف ومخالفتهم في المضاف وهو الثلاثة إلى العشرة، فيفسر بجمع معروف بالألف واللام مجرور بمن، وزعم أنه مذهب البصريين بناء على ما نقله ابن السيد من أن البصريين والكوفيين اتفقوا على أن كذا وكذا كناية عن الأعداد المعطوفة، وأن كذا كذا كناية عن الأعداد المركبة، وليس كما نقل.
__________
= الإعراب: "عد" أمر من وعد يعد والفاعل ضمير مستتر فيه "النفس" مفعول به "نعمى" مفعول ثان بنزع الخافض تقديره بنعمى "بعد" ظرف "بؤساك" كلام إضافي مجرور بالإضافة "ذاكرا" حال من الضمير الذي في عد "كذا" مفعول ذاكرا "وكذا" عطف عليه "لطفا" منصوب على التمييز "به" جار ومجرور متعلق بنُسي "نسي" فعل بني للمجهول "الجهد" نائب فاعل والضمير في به يرجع إلى لطفا، وحملة نسي الجهد في محل نصب على أنها صفة لطفا.
الشاهد: قوله: "كذا وكذا" حيث استعمل مكررا بالعطف لكونه كناية عن العدد.
مواضعه: ذكره الأشموني 638/ 3، وذكره السيوطي في الهمع 256/ 1، وفي المغني 188/ 1.
1 أ، ج وفي ب "فيه".
2 أ، ج وفي ب "عن".

(3/1344)


التاسع: كأين مركبة من كاف التشبيه وأي، قيل: الاستفهامية، وحكيت فصارت كيزيد مسمى به يحكى ويحكم على موضعه بالإعراب، وقال ابن عصفور: الكاف فيها زائدة لا تتعلق بشيء، وأجاز ابن خروف أن تكون مركبة من الكاف التي هي اسم ومن أي اسم على وزن فيعل، ولم يستعمل هذا الاسم مفردا بل مركبا مع الكاف، وهو مبني على السكون من حيث استعمل في معنى كم، وقال بعض المغاربة: ويحتمل أن تكون بسيطة.
العاشر: في كأين خمس لغات أفصحها كأين وبها قرأ أكثر القراء، وثانيها كائن وبها قرأ ابن كثير، وثالثها كأن وحكاها المبرد، ورابعها كأين وبها قرأ ابن محيصن والأشهب العقيلي، والخامسة كيئن.
الحادي عشر: اختلف في الوقف على كأين في اللغة المشهورة، فذهب الفارسي والسيرافي وجماعة من البصريين إلى أنه تخذف النون، وذهب ابن كيسان وابن خروف إلى أنه بإقرار النون.
والوجهان منقولان عن أبي عمرو والكسائي.
قلت: وقف أكثر القراء بالنون إتباعا للرسم، ووقف أبو عمرو بالياء، واختلف أيضا في الوقف على كائن وهي التي قرأ بها ابن كثير، فوقف المبرد وابن كيسان بالنون، ووقف جماعة بحذفها، وقد أغرب من جعلها اسم فاعل من كان، ومن علها من كاء يكيء كيئا إذا رجع وارتدع.
الثاني عشر: كذا مركبة من كاف التشبيه وذا الإشارية، وتكون كناية عن العدد كما تقدم، وعن غيره. وإذا كانت كناية عن غير عدد فتكون مفردة ومعطوفة، ويكنى بها عن المعرفة والنكرة.

(3/1345)


الحكاية:
هذا باب للحكاية بأي، وبمن في الاستثبات، لا مطلق الحكاية.
احْكِ بأيٍّ ما لمنكور سُئِلْ ... عنه بها في الوَقْفِ وحين تَصِلْ
إذا سئل بأي حكي بها ما للمسئول عنه بشرطين:
أحدهما: أن يكون السؤال عن مذكور، الثاني: أن يكون نكرة.
وفي الحكاية بها بهذين الشرطين لغتان:
الأولى: أن يحكى بها ما للمسئول عنه من إعراب وتذكير وإفراد وفروعهما، فتقول لمن قال: قام رجل أي أو رجلان أيان أو رجلا أيون أو امرأة أية أو امرأتان أيتان أو نساء أيات، ولا يحكى بها إلا جمع تصحيح موجود في المسئول عنه أو صالح لأن يوصف به نحو رجال، فإنه يوصف بجمع التصحيح فتقول: "رجال مسلمون"، وهذه اللغة هي الفصحى وبها جزم هنا.
والثانية: أن يحكى بها ما له من إعراب وتذكير وتأنيث فقط ولا يثنى ولا يجمع. فتقول: أي لمن قال: قام رجل أو رجلان أو رجال وأية لمن قال: قامت امرأة أو امرأتان أو نساء. وقوله: "في الوقف أو حين تصل" يعني: أن أيا يحكي بها في الحالين بخلاف من.
تنبيه:
اختلف في الحركات اللاحقة لأي، فقيل: هي حركات حكاية وأي بمنزلة من في موضع رفع بالابتداء أو الخبر، ولا يبعد أن تكون مفعولة محلا، وقيل: هي حركات إعراب فهي في الرفع على قياس قول البصريين مبتدأ وخبرها محذوف تقديره: أي قام، وإنما لم يقدم لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله، وأجاز الكوفيون رفعها بفعل مضمر قبلها، ولو أظهر لجاز.
وأما في النصب والجر فهي محمولة على فعل مقدر بعدها تقديره: أيا ضربت وبأي مررت، ويجب ذكره مؤخرا، وأجاز بعضهم أن يؤتى به قبل أي

(3/1346)


واعترض من قال: إنها إعراب؛ لأنه يلزمه إضمار حرف الجر في نحو أي، والتزم بعضهم إدخال حرف الجر فيقول: بأي.
ثم انتقل إلى من فقال:
ووقْفًا احْكِ ما لمنكور بِمَنْ ... والنونَ حرِّكْ مطلقا وأشبِعَنْ
إذا سئل بمن عن منكور حكي بها في الوقف دون الوصل ما للمسئول عنه من إعراب وإفراد وتذكير وفروعهما، وتشبع الحركة في نونها حال الإفراد فتقول لمن قال: قام رجل مَنُو، ولمن قال: رأيت رجلا منا، ولمنقال: مررت برجل مني.
تنبيهات:
الأول: الحكاية بمن مشروطة بالشرطين المذكورين في الحكاية بأي. أعني: كون المسئول عنه مذكورا منكورا.
الثاني: فهم من كلامه أن "أيا" تخالف من في أمرين؛ أحدهما: أن "أيا" يحكى بها وصلا ووقفا ولا يحكى بمن إلا وقفا. والآخر: أن "أيا" لا تشبع حركاتها في الوقف بخلاف من.
الثالث: اختلف في هذه الأحرف اللاحقة لمن فقال أبو علي: ألحقت إرادة الحكاية وحركت النون إتباعا لها، وذهب السيرافي إلى أن الحكاية وقعت بالحركات ثم أشبعت فنشأت عنها الحروف؛ ليوقف عليها، وبهذا يشعر قول الناظم: "وأشبعن"، وذهب قوم إلى أن هذه الأحرف مبدلة من التنوين.
ثم اعلم أن المحكي ستة أقسام؛ لأنه إما مذكر وإما مؤنث وكل منهما إما مفرد وإما مثنى وإما جمع، وقد تقدم حكاية المفرد المذكر.
ثم انتقل إلى المثنى المذكر فقال:
وقُلْ مَنَانِ ومنَيْنِ بعدَ لِي ... إِلْفانِ بابنيْنِ وسكن تَعْدِلِ
أي: تقول: منان في الرفع ومنين في النصب والجر والنون فيهما ساكنة، وإنما كسرها لإقامة الوزن اضطرارا، ونبه على ما يلزم في غير الضرورة بقوله: "وسكن تعدل". ثم انتقل إلى المفرد المؤنث فقال:

(3/1347)


وقُلْ لمن قال أتَتْ بِنتٌ مَنَهْ
أي: تقول في حكاية المؤنث منه -بفتح النون وقلب التاء هاء- وقد يقال: "منت" -بإسكان النون وسلامة التاء- ثم انتقل إلى المثنى المؤنث فقال:
والنونُ قبل تا المثنى مُسْكَنَهْ
أي تقول: في حكاية المثنى المؤنث منتان -بإسكان النون التي قبل التاء والنون التي بعد الألف.
وفي الجر والنصب منتين -بإسكان النونين- وبعضهم يحرك النون قبل التاء فيقول: منتان ومنتين، وإليه أشار بقوله: "والفتح نزر".
فإن قلت: لِمَ كان الفتح في المفرد أشهر والإسكان في التثنية أشهر؟
قلت: لأن التاء في مَنَه متطرفة فهي ساكنة للوقف فحرك ما قبلها لئلا يلتقي ساكنان ولا كذلك منتان، ثم انتقل إلى جمع المؤنث فقال:
..... وصِلِ التا والألفْ ... بمَنْ بإثْرِ ذا بنسوةٍ كلفْ
أي: تقول في حكاية جمع المؤنث منات -بإسكان التاء- ثم كمل الأقسام بجمع المذكر فقال:
وقُلْ منونَ ومنينَ مُسْكِنَا ... إِنْ قيل جَا قَومٌ لقومٍ فُطَنَا
أي: تقول في حكاية جمع المذكر منون رفعا ومنين نصبا وجرا، والنون ساكنة للوقف كما سبق.
تنبيه:
في الحكاية بمن لغتان:
إحداهما: وهي الفصحى، أن يحكى بها للمسئول عنه من إعراب وإفراد وتذكير وفروعهما على ما تقدم من التفصيل، ولم يذكر المصنف غيرها.
والآخر: أن يحكى بها إعراب المسئول عنه فقط، فتقول لمن قال: قام رجل أو رجلان أو رجال أو امرأة أو امرأتان أو نساء: منو، وفي النصب: منا، وفي الجر: مني، وقوله: "وإن تصل فلفظ من لا يختلف" تصريح بمفهوم قوله: "وقفا

(3/1348)


احك" فتقول: "من يا فتى؟" في الأحوال كلها، وأجاز يونس إثبات الزوائد وصلا، فتقول: "منو يا فتى" وتشير إلى الحركة في "منت" ولا تنون وتكسر نون المثنى وتفتح نون الجمع، وتنون مناتٍ -ضما وكسرا- وهو مذهب حكاه يونس عن بعض العرب، وحمل عليه قول الشاعر1:
أَتَوْا نارِي فقلت: مَنونُ أنتم؟ ... فقالوا: الجن قُلت عِمُوا ظلاما
وهذا شاذ عند سيبويه والجمهور من وجهين:
أحدهما: إثبات العلامة وصلا، والآخر: أنه حكي مقدرا غير مذكور.
وإلى البيت أشار بقوله:
ونادرٌ مَنُونَ في نَظْمٍ عُرِفْ
وهو لتأبط شرا، ويقال: لشمر الغساني، ورواه بعضهم: فقلت عموا صباحا، وغلط الزجاج من رواه كذلك؛ لأن القصيدة ميمية، وقال ابن السيد: ليس ما أنكره بخطأ، فإنه وقع في شعر آخر منسوبا إلى خديج بن سنان الغساني في قصيدة حائية، ثم ذكر حكاية العلم فقال:
__________
1 قائله: هو جذع بن سنان الغساني، وقيل: لشمر بن الحارث الضبي، وقيل: لتأبط شرا، وهو من الوافر.
اللغة: "أتوا" حضروا وجاءوا "ناري" المراد: النار التي توقد لإرشاد السائرين "منون أنتم" أي: من أنتم؟ "عموا ظلاما" تحية من تحايا العرب الجاهليين.
المعنى: هذا البيت من أوهام العرب وأكاذيبهم في الجن، يقول الشاعر: حضر الجن إليَّ فقلت عند ذلك تحية لهم: نعم ظلامكم.
الإعراب: "أتوا" فعل وفاعل "ناري" مفعول وياء المتكلم مضاف إليه، فقلت: الفاء للترتيب الذكري "قلت" فعل وفاعل "منون" اسم استفهام مبتدأ "أنتم" خبره، والجملة في محل نصب مقول القول "فقالوا" فعل وفاعل "الجن" خبر مبتدأ محذوف؛ أي: فقالوا نحن الجن، والجملة في محل نصب مقول القول "قلت" فعل وفاعل "عموا" فعل وفاعل، والجملة في محل نصب مقول القول "ظلاما" يجوز أن يكون تمييزا محولا عن الفاعل، والأصل لينعم ظلامكم، ويجوز أن يكون منصوبا على الظرفية؛ أي: في ظلامكم.
الشاهد: قوله: "منون" حيث لحقته الواو والنون في الوصل، وذلك شاذ.
مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني 642/ 3، وابن هشام 52/ 4، وابن عقيل 397/ 2، وابن الناظم، والسيوطي ص124، والمكودي ص58، وسيبويه 402/ 1.

(3/1349)


والعَلَمَ احكينَّهُ من بَعْدِ مَنْ ... إن عَرِيَتْ من عَاطِفٍ بها اقْتَرَنْ
إذا سئل بمن علم مذكور لم يتيقن نفي الاشتراك فيه، ففيه لغتان:
إحداهما: أن يحكى فيه بعد من إعراب الأول، فتقول: لمن قال قام زيد: مَن زيد؟ ورأيت زيدا: من زيدا؟ ومررت بزيد: من زيدٍ؟ وهذه لغة الحجازيين.
وأما غيرهم فلا يحكون، بل يجيئون بالعلم المسئول عنه بعد من مرفوعا؛ لأنه مبتدأ خبره من، أو خبر مبتدؤه من، فإن اقترنت بعاطف كقولك: "ومن زيد؟" تعين الرفع عند جميع العرب.
تنبيهات:
الأول: أجاز يونس حكاية سائر المعارف قياسا على العلم.
الثاني: جزم المصنف في التسهيل عن الحجازيين بالحكاية بشرطها، وحكى غيره عنهم جواز الإعراب أيضا.
الثالث: فهم من قوله: "احكينه" أي: حركاته حركات حكاية، وأن إعرابه مقدر كما صرح به في غير هذا الموضع، ومذهب الجمهور أن من مبتدأ وزيدا خبره كانت حركته ضمة أو فتحة أو كسرة، وحركة إعرابه مقدرة؛ لاشتغال آخره بحركة الحكاية.
وقيل: الحركة في حال الرفع إعراب بخلاف النصب والجر، وذهب كثير من الكوفيين إلى أنها محمولة على عامل مقدر يدل عليه العامل في الاسم المستفهم عنه والواقع بعد من مبدل منه، وقيل غير ذلك، والصحيح الأول. والله أعلم.

(3/1350)


الجزء الخامس:
التأنيث:
علامة التأنيث تاء أو ألف ... ........................
التذكير هو الأصل فلم يفتقر إلى علامة بخلاف التأنيث. وللتأنيث كما ذكر علامتان: التاء والألف، هذا مذهب سيبويه والجمهور، وذهب الكوفيون والزجاج إلى أن علامات التأنيث ثلاث: التاء والألف والهمزة في حمراء ونحوه، وذهب بعضهم إلى أن الهمزة والألف قبلها معا علامتا التأنيث، ومذهب الجمهور أن الهمزة في حمراء ونحوه بدل من ألف التأنيث؛ وذلك أنهم لما أرادوا تأنيث ما آخره ألف بألف التأنيث لم يمكنهم الجمع بين ألفين فأبدلت المتطرفة همزة.
تنبيه:
إنما قال "تاء" ولم يقل هاء؛ لأن مذهب البصريين أن التاء هي الأصل والهاء المبدلة في الوقف فرعها، وعكس الكوفيون:
.......................... ... وفي أسامٍ قدروا التاكالكتف
يعني: أن المؤنث بالتاء نوعان: نوع ظهرت فيه التاء ونوع قدرت فيه، فالأول ثلاثة أقسام: مؤنث المعنى نحو عائشة لا يذكر إلا ضرورة، ومذكر نحو حمزة، فهذا لا يؤنث إلا ضرورة، كقوله1:
أبُوكَ خليفةٌ وَلَدَتْه أخرى ... .......................
وما ليس معناه مذكرا حقيقة ولا مؤنثا حقيقة نحو خشبة، فهذا يؤنث نظرا إلى لفظه: خشبة واحدة.
تنبيه:
هذا التقسيم إنما هو فيما يمتاز مذكره من مؤنثه، فإن لم يميز نحو: "نملة"
__________
1 نشده الفراء -وهو من الوافر- وتمامه:
........................ ... وأنت خليفة ذاك الكمال
الإعراب: أبوك مبتدأ والكاف مضاف إليه، خليفة خبره، ولدته فعل ومفعول، أخرى فاعل، وأنت مبتدأ، خليفة خبره، ذاك مبتدأ، الكمال خبره.
الشاهد: قوله: "خليفة" حيث أنثه.

(3/1353)


أنت مطلقا؛ ولهذا وهم من استدل على تأنيث نملة سليمان عليه أفضل الصلاة والسلام بقوله تعالى: {قَالَتْ نَمْلَةٌ} 1.
وأما الثاني: وهو ما تاؤه مقدرة نحو: كتف ويد وعين، ومأخذه السماع.
فإن قلت: ما الدليل على أن فيه تاء مقدرة؟
قلت: لرجوعها في التصغير نحو: كتيفة ويدية وعيينة، ثم أشار إلى ما يعرف به التقدير بقوله:
ويُعْرَفُ التقديرُ بالضَّميرِ ... ونَحْوِهِ كالردِّ في التَّصْغِيرِ
فالضمير نحو: "الكتف نهشتها" والرد في التصغير نحو: "كتيفة" ونحو ذلك كتأنيث خبره أو نعته أو حاله أو عدده أو الإشارة إليه أو جمعه على مثال يخص المؤنث نحو: هندات، أو يغلب فيه نحو: عقاب وأعقب.
ثم اعلم أن التاء تأتي لفوائد كثيرة لا حاجة هنا إلى ذكرها، فإن الناظم لم يتعرض هنا لتنبيه عليها، والغرض الأصلي من زيادتها الفرق بين المذكر والمؤنث، ويكثر ذلك في الصفات نحو: ضارب وضاربة، ويقل في الأسماء نحو: رجل ورجلة، وقد اتسع في صفات فلم تلحقها تاء الفرق وهي خمسة:
الأول: فعول بمعنى فاعل نحو: صبور وشكور، وإليه أشار بقوله:
ولا تَلِي فارقةً فَعُولا ... أَصْلا ولا المِفْعَال والمِفْعِيلا
كَذاكَ مِفْعَلٌ............ ... .......................
أي: بمعنى فاعل؛ لأن بنية الفاعل أصل، وقال الشارح: لأنه أكثر من فعول بمعنى مفعول فهو أصل له. انتهى. واحترز بذلك عن فعول بمعنى مفعول؛ لأنه قد تلحقه التاء نحو: أكولة بمعنى مأكولة، وركوبة بمعنى مركوبة، وحلوبة بمعنى محلوبة، وربما حذفوها فقالوا: ركوب وحلوب.
والثاني: مفعال نحو: مكسال ومهذار ومذكار2.
__________
1 من الآية 18 من سورة النمل.
2 مهذار: الكثير الهذر، والهذر: الكلام الذي لا يعبأ به. ومذكار: بمعنى ذكر، وإن لم يستعمل.

(3/1354)


والثالث: مِفْعِيل نحو: معطير ومنطيق1.
والرابع: مِفْعَل نحو: مِغْشَم2.
تنبيهان:
الأول: فهم من قوله: "ولا تلي فارقة" أنها قد تلي غير فارقة كقولهم: "ملولة وفروقة" فإن التاء فيهما للمبالغة؛ ولذلك تدخل في المؤنث والمذكر.
الثاني: أشار بقوله:
.................. وما تليهِ ... تَا الفَرْقِ من ذي فشُذُوذٌ فِيهِ
إلى أن تاء الفرق قد تلحق بعض هذه الأوزان شذوذا كقولهم: "عدو وعدوة وميقان وميقانة ومسكين ومسكينة"3، وحكي عن بعض العرب: "امرأة مسكين" على القياس.
والخامس: فعيل بمعنى مفعول نحو: "قتيل وجريح" فتقول: رأيت رجلا قتيلا وامرأة قتيلا، وإلى تقييده بمعنى مفعول أشار بقوله: "كقتيل". واحترز من فعيل بمعنى فاعل نحو: شريف وظريف، فإنه تلحقه التاء، وقد يشبه بالذي بمعنى مفعول فلا تلحقه كقوله: {وَهِيَ رَمِيمٌ} 4.
وقوله:
............... إِنْ تَبِعْ ... مَوْصُوفَه غالبا التَّا تَمْتَنِعْ
شرط في تجريد فعيل من التاء الفارقة، واحترز بذلك من أن يحذف موصوفه فتلحقه التاء نحو: "رأيت قتيلا وقتيلة" فرارا من اللبس، قال في التسهيل: ما لم يحذف موصوف فعيل فتلحقه.
تنبيه:
ذكر أبو حاتم أنه إذا جيء بما يبين أنه مؤنث لم تلحقه التاء لأمن اللبس نحو: "رأيت قتيلا من النساء" قيل: وعلى هذا فإطلاق المصنف ليس بجيد.
__________
1 معطير: كثير التعطر.
2 المغشم: بغين وشين، وهو الذي لا ينتهي عما يريده ويهواه لشجاعته.
3 ميقان: من اليقين، وهو عدم التردد، يقال: رجل ميقان أي: لا يسمع شيئا إلا أيقنه.
4 من الآية 78 من سورة يس.

(3/1355)


قلت: يمكن أن يحمل كلامه على أن المراد بقوله: ما لا لم يحذف موصوف فعيل، أن يستعمل استعمال الأسماء غير جار على موصوف ظاهر ولا منوي لدليل، فحينئذ تلحقه التاء نحو: "رأيت قتيلة وأكيلة السبع". وقد أشار إلى هذا المعنى في شرح الكافية.
وقوله: "غالبا" إلى أنه قد تلحقه تاء الفرق حملا على الذي بمعنى فاعل، كقول العرب: صفة ذميمة، وخلة حميدة، فقد حمل كل منهما على الآخر.
ثم انتقل إلى ألف التأنيث فقال:
وألفُ التأنيثِ ذَاتُ قَصْرِ ... وذاتُ مدٍّ نحو أُنثى الغُرِّ
تقدم أن المقصورة أصل الممدودة وأنثى الغر غراء، ثم قال:
والاشتهارُ في مبانِي الأُولَى
يعني بالأولى: المقصورة، وذكر لها من الأبنية المشتهرة اثني عشر بناء، وهي ضربان: ضرب يختص بها، وضرب يشركها فيه الممدودة، وسأنبه على ذلك إن شاء الله تعالى.
الأولى: فُعْلَى نحو: أُرْبَى -للداهية- ولم ترد إلا اسما، وهو بناء مشترك، ومثال الممدود: خُشَشَاء -لعظم خلف الأذن- وعُشَرَاء.
الثاني: فُعْلَى، وهو مختص بالمقصورة، ويكون اسما غير مصدر كبُهْمَى1 ومصدرا كرجعي وصفة كطُولى، وأما قولهم بهماة فشاذ، وقيل: جعلت الألف للتكثير أو للإلحاق على من يثبت بناء فعلل، وما رواه ابن الأعرابي من صرف دنيا شاذ.
الثالث: فَعَلَى، وهو مشترك، فمثال المقصورة اسما بَرَدَى، وصفة كحَيَدَى، ومصدرا نحو مرطى2.
__________
1 اسم لنبت، يطلق على الواحد والجمع، أو واحدته بهماة، يقال: أبهمت الأرض: أثبتت البهمى.
2 لنهر بدمشق، وحيدى: يقال حمار حيدى؛ أي: يحيد عن ظله لنشاطه، ومرطى: مرطت الناقة: أي أسرعت.

(3/1356)


ومثال الممدودة: قرماء وجنفاء -وهما موضعان- وابن دَاثَاء1، ولا يحفظ غيرها.
الرابع: إذا كان جمعا نحو: جرحى، أو مصدرا نحو: دعوى، أو صفة نحو: شبعى، فإن كان فعلى اسما لم يتعين كون ألفه للتأنيث، بل ألفه صالحة للتأنيث والإلحاق، ومما فيه وجهان: أَرْطَى وعلقى وتترى2.
الخامس: فُعَالَى، وهو مختص بالمقصورة نحو حبارى -لطائر- ولم يجئ صفة إلا جمعا نحو: سكارى، وزعم الزبيدي أنه جاء صفة مفردا، وحكى قولهم: جمل عُلادَى3.
السادس: فُعَّلَى، وهو مختص بالمقصور نحو قولهم: السُّمَّهَى -للباطل.
السابع: فِعَلَّى، وهو مختص بالمقصورة نحو: سبطرى ودفقى- وهما لضربين من المشي.
الثامن: فِعْلَى، وهو مختص بالمقصورة نحو: ذكرى.
تنبيه:
أطلق في قوله فِعلى، وكان ينبغي أن يفصل كما فصل في فَعْلَى؛ وذلك أن فِعلى -بكسر الفاء- إن كان مصدرا نحو: ذكرى، أو جمعا نحو: حجلى أو ظربى4 ولا ثالث لهما، فألفه للتأنيث، وإن لم يكن مصدرا ولا جمعا، لم يلزم كون ألفه للتأنيث، بل إن لم ينون في التنكير فهي للتأنيث نحو ضئزى -بالهمزة- وهي القسمة الجائرة، وإن نُون فألفه للإلحاق نحو: رجل كِيصَى -وهو المولع بالأكل وحده- وإن كان يُنون في لغة ففي ألفه وجهان نحو: ذفرى، والأكثر في ذفرى منع الصرف.
__________
1 وهي الأمة.
2 الأرطى: شجر ينبت في الرمل يدبغ به الأديم، والعلقى: نبت، والتترى: قال في القاموس: جاءوا تترى، وينون.
3 علادى: أي شديد.
4 حجلى: جمعا للحجل -بفتحتين- اسما لطائر، وظربى: جمعا لظربان -بفتح أوله وكسر ثانيه- وهي دويبة شبه الهرة منتنة الفسو.

(3/1357)


التاسع: فِعِّيلَى، وهو مشترك، فالمقصورة نحو: حثيثى وهجيرى1 ولم يجئ إلا مصدرا، والممدودة: فخيراء وخصيصاء ومكناء2، وهذه الثلاثة تمد وتقصر ولا رابع لها، والكسائي يقيس على ما سمع من فعيلاء فيمد جميع الباب، وغيره يقصره على السماع.
والعاشر: فُعُلَّى، وهو مختص بالمقصورة نحو: "كفرى"، وهو وعاء الطلع بفتح الفاء وضمها، وحكى الفراء سلحفاة3، وظاهره أن ألف سلحفاة ليست للتأنيث إلا أن تجعل شاذا مثل بهماة، وحكى في التسهيل: سلحفاء -بالمد- وحكاه ابن القطاع4، فعلى هذا يكون من الأبنية المشتركة.
الحادي عشر: فُعَّيْلى، وهو مشترك، فالمقصورة نحو: خليطى5، والممدودة نحو قولهم: هو عالم بدخيلاته -أي: بباطن أمره- ولا يحفظ غيره.
الثاني عشر: فُعَّالى، وهو مختص بالمقصورة نحو: شقارى -وهو نبت.
وقوله:
...................... ... واعز لغير هذه استندارا
يعني: أن ما لم يذكره هنا من أبنية ألف التأنيث المقصورة مستندر، وفيه نظر. ثم شرع في ذكر أبنية الممدودة مقتصرا على الأوزان المشتهرة كما فعل في المقصورة، وجملة ما ذكره سبعة عشر وزنا، وهي أيضا ضربان: مختص بالممدود ومشترك، ويتبين بالتفصيل:
الأول: فَعْلاء، كيف أتى اسما كصحراء، أو مصدر كرغباء6، أو جمعا في المعنى كطرفاء، أو صفة أنثى أفعل كحمراء أو غيره كديمة هطلاء7، وهو قليل.
__________
1 حثيثى: مصدر للفعل: حث على الشيء إذا حض عليه، ولم يجئ إلا مصدرا. وهجيرى: للعادة.
2 فخيراء: للفخر، وخصيصاء: للاختصاص، ومكيناء: للتمكن.
3 دويبة معروفة.
4 هو علي بن جعفر بن محمد بن عبد الله المعروف بالقطاع. قال ياقوت: كان إمام وقته بمصر في علم العربية، ولد في العاشر من صفر سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة.
ومن مؤلفاته: أبنية الأسماء وحواشي الصحاح وغيرهما، ومات في صفر سنة خمس عشرة، وقيل: أربع عشرة وخمسمائة. ودفن بقرب ضريح الإمام الشافعي.
5 خليطى: للاختلاط.
6 رغباء: مصدر رغب إليه إذا أراد ما عنده.
7 أو غيره: أي: لغير أنثى أفعل. وديمة هطلاء: الديمة: المطر الذي ليس فيه رعد ولا برق، وهطلاء: متتباعة المطر.

(3/1358)


الثاني والثالث والرابع: أفعلاء -بفتح العين وكسرها وضمها- وإليه أشار بقوله:
............ أفعلاء ... مثلث العين.......
ومثالها قولهم لليوم الرابع من أيام الأسبوع: أربَعاء وأربِعاء وأربُعاء -بفتح الباء وكسرها وضمها- وأفعلاء بفتح العين مشترك، ومثال المقصورة قولهم: أجفلى -لدعوة الجماعة.
الخامس: فَعْلَلاءُ، وهو مشترك، فالممدودة: عقرباء وحرملاء -لمكانين- ذكرهما سيبويه، والمقصورة: فرتنى -اسم امرأة- وقرقرى -اسم موضع- ولا يكون هذا الوزن إلا اسما مدا وقصرا.
السادس: فِعالاء، وهو مختص بالممدودة ومثاله قصاصاء -وهو القصاص- حكاه ابن دريد، ولا يحفظ غيره.
السابع: فُعْلُلاء، نحو: قعد القرفصاء ولم يجئ إلا اسما، وهو قليل، وحكى ابن القطاع أنه يقال: قعد القرفصى -بالقصر- فعلى هذا يكون مشتركا.
الثامن: فَاعُولاء، نحو: عاشوراء، وهو مشترك، ومثال المقصورة بادولى -وهو اسم موضع.
التاسع: فَاعِلاء، نحو: قاصعاء1، وهو مختص بالممدودة.
العاشر: فِعْلِياء، نحو: كبرياء، وهو مختص بالممدودة.
الحادي عشر: مَفْعولاء -نحو مشيوخاء- وهو جماعة الشيوخ، وهو مختص بالممدودة.
الثاني عشر: فَعالاء، نحو: براساء، يقال: ما أدرى أي البراساء هو، أي: أي الناس هو، وقد أثبت ابن القطاع فعالى مقصورا في ألفاظ؛ منها: خزازى -اسم جبل- فعلى هذا يكون مشتركا.
الثالث عشر: فعِيلاء، نحو: كثيراء، وهو مشترك. ومثال المقصورة: كثيرى2 أيضا.
الرابع عشر: فَعُولاء، نحو: دبوقاء، وحروراء3، وجعله في التسهيل من
__________
1 قاصعاء: لأحد بابي جحرة اليربوع.
2 كثيرى: اسم البزر.
3 دبوقاء: اسم للعذرة. وحروراء: اسم لموضع تنسب إليه الحرورية، وهم طائفة من الخوارج.

(3/1359)


الأبنية المختصة بألف التأنيث المقصورة، وإلى ذلك ذهب ابن عصفور وابن القطاع إلى إثبات فعولى، وأورد من ذلك "عبد سنوطى" اسم أو لقب، وحضورى -موضع- وديوقى -للعذرة- ودقوقى -قرية بالبحرين- وقطورى -قبيلة في جرهم.
وفي شعر امرئ القيس1: عُقَابُ تَنُوفى.
وعلى هذا فهو مشترك، وهو الصحيح.
وقد أشار إلى هذه الأوزان الثلاثة بقوله:
ومطلق العين فعالا.... ... .....................
ويعني بالإطلاق: أن يحركها بالفتح مع الألف وبالضم مع الواو وبالكسر مع الياء.
__________
1 جزء بيت من الطويل.
وتمامه:
كأن دثارا حلقت بلبونه ... .... لا عقاب القواعل
اللغة: دثارا -بكسر الدال- اسم رجل كان راعيا لامرئ القيس، وهو دثار بن فقعس بن طريف أحد بني أسد، حلقت -بتضعيف اللام- ارتفعت، لبونه -بفتح اللام- الإبل ذوات اللبن، عقاب -بضم العين- طائر من الكواسر، تنوفى -بفتح التاء وضم النون- اسم موضع في جبال طيئ، ورواه أبو سعيد تنوف مثل رسول، ورواه أبو عبيدة تنوفِي -بكسر الفاء- ورواه أبو حاتم تنوفى -بفتح الفاء بعدها ألف مقصورة- القواعل: موضع مما يلي تنوفى.
المعنى: وصف هذا الشاعر راعي إبله وقد أغار أعداؤه عليها فتفرقت وشردت، فهو يقول: كأن عقابا قد طارت بهذه الإبل فصعدت بها فوق جبل تنوفى فلا يقدر على الوصول إليها لارتفاعه.
الإعراب: "كأن" حرف تشبيه ونصب "دثارا" اسم كأن منصوب بالفتحة "حلقت" فعل ماض والتاء للتأنيث "بلبونه" جار ومجرور متعلق بحلقت وضمير الغائب العائد إلى دثار مضاف إليه "عقاب" فاعل حلقت "تنوفى" مضاف إليه، وجملة حلقت في محل رفع خبر كأن "لا" حرف عطف "عقاب" معطوف على عقاب الأول "القواعل" مضاف إليه مجرور بالكسرة.
الشاهد: قوله: "تنوفى" على وزن فعولى.
مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني 653/ 3، وفي باب عطف النسق، وابن هشام في عطف النسق.

(3/1360)


الخامس عشر: فَعَلاء، نحو: جنفاء -اسم موضع- وهو مشترك كما تقدم في أبنية المقصورة.
السادس عشر: فِعَلاء، نحو: سِيَراء -وهو ثوب مخطط يعمل من القز- وهو مختص بالممدودة.
السابع عشر: فُعَلاء، نحو: عشراء1 ونفساء، وهو مشترك كما تقدم في المقصورة.
وقد أشار إلى هذه الثلاثة بقوله:
.............. وكذا ... مطلق فاء فَعَلاء أُخِذَا
والله أعلم.
__________
1 عشراء: للناقة المرضع.

(3/1361)


المقصور والممدود:
المقصور: هو الاسم الذي حرف إعرابه ألف لازمة.
والممدود: هو الذي حرف إعرابه همزة قبلها ألف زائدة.
وكلاهما مقيس ومسموع، وقد أشار إلى ضابط المقصور القياسي بقوله:
إذا اسمٌ استوجَبَ من قبل الطرَفْ ... فَتْحًا وكان ذا نظيرٍ كالأَسَفْ
فَلِنَظِيره الْمُعَلِّ الآخِرِ ... ثُبوتُ قصرٍ بقياس ظاهِرِ
اعلم أن القصر والمد لا يكونان إلا في المعتل الآخر، فكل اسم معتل الآخر له نظير من الصحيح، يطرد فتح ما قبل آخره، فهو مقصور كقولك: جَوِيَ جَوّى، فإن نظيره من الصحيح: أسف أسفا، وهو يطرد فتح ما قبل آخره؛ لأن فَعِلَ اللازم قياس مصدره فعَل.
فقوله: "إذا اسم" يعني: من الصحيح، وقوله: "وكان ذا نظير" يعني: من المعتل، وقوله: "كالأسف" مثال للصحيح الذي استوجب من قبل الطرف فتحا.
فإن قلت: قوله: "استوجب" ليس بجيد؛ لأنه يقتضي أن شرط ذلك أن يلزم فتحه فلا يكفي غلبة الفتح، وليس كذلك، بل هي كافية، قال في التسهيل: كل المعتل الآخر فتح ما قبل آخر نظيره الصحيح لزوما أو غلبة فقصره مقيس. انتهى. فمثال ما فتح لزوما اسم مفعول ما زاد على الثلاثة، ومثال ما فتح غلبة مصدر فعل اللازم، فإنه قد جاء على فعالة نحو: شكس شكاسة، وعلى مفعول نحو: صهب صهوبة، وعلى فعل نحو: سكر سكرا.
قلت: معنى قوله: "استوجب" أنه استحق ذلك في القياس فيشمل القسمين، ألا ترى أن مصدر فعل اللازم يتوجب فتح ما قبل آخره في القياس، وإن كان السماع قد ورد في بعضه بخلاف ذلك، والذي يوضح لك أن هذا معنى كلامه تمثيله بالأسف للمستوجب الفتح، وهذا واضح.
كفِعَلْ وفُعَلْ في جَمْع مَا ... كفِعْلةٍ وفُعْلةٍ نحو الدُّمَى
هذان من أمثلة المقصور المقيس، ففعل جمع فعلة نحو: مرية ومرى، وفعل

(3/1362)


جمع فُعلة نحو: دمية ودمى1، وإنما وجب قصرهما لأن نظيرهما من الصحيح قِرب جمع قِربة، وقُرب جمع قُربة، ثم شرع في بيان ضابط الممدود فقال:
وما استَحقَّ قبل آخر ألفْ ... فالمد في نظيره حَتْمًا عُرِفْ
يعني: أن الاسم الصحيح إذا استحق زيادة الألف قبل آخره، فإن نظيره المعتل واجب المد قياسا، فالمدود المقيس إذا كان معتل الآخر له نظيره في الصحيح يطرد زيادة الألف قبل آخره، وقوله: "استحق" يعني: في القياس سواء لزم ذلك كمصدر ما أوله همزة وصل كما سيذكر أو غلب ولم يلزم كمفعال صفة نحو: مهداء2، فإن نظيره من الصحيح مهذار، وقد جاء منه شيء على مفعل نحو: مدعس3.
وقوله:
كمصدر الفعل الذي قد بُدئا ... بهمز وصل كارْعَوَى وكارْتَأَى
هذا مما يجب مده قياسا؛ لأن نظيره من الصحيح تجب زيادة ألف قبل آخره، فتقول: ارعواء وارتياء -بالمد- لأن نظيرهما احمرار واقتدار، ثم قال:
والعادمُ النظير ذا قَصْرٍ وذَا ... مَدٍّ بنَقْلٍ كالحِجَا وكالحِذَا
يعني: أن ما كان معتل الآخر ولا نظير له من الصحيح يطرد فتح ما قبل آخره، أو زيادة ألف قبل آخره، فلا يؤخذ قصره ومده إلا من السماع.
فمن المقصور سماعا: الحجا -وهو العقل- ومن الممدود سماعا: الحذاء وهو النعل، وقد صنف الناس في ذلك كتبا فلا نطول بكثرة الأمثلة.
تنبيه:
كلامه مخصص كما قيل مما تقدم ذكره من ألفي التأنيث. ثم ختم الباب بالكلام على قصر الممدود ومد المقصور فقال:
وقَصْرُ ذي المد اضطرارا مُجْمَعُ ... عليه والعَكْسُ بخُلْفٍ يَقَعُ
قصر الممدود للضرورة يشبه صرف ما لا ينصرف، فلذلك أجمع على جوازه، ومد المقصور شبيه بمنع ما يستحق الصرف؛ فلذلك اختلف فيه فمنعه
__________
1 الدمية -بضم الدال- وهي الصورة من العاج ونحوه والصنم، والمراد بها هنا الصورة، وربما تستعار للذات الجميلة.
2 المهداء: المرأة الكثيرة الإهداء.
3 المدعس: الرمح الذي يطعن به.

(3/1363)


جمهور البصريين مطلقا، وأجازه جمهور الكوفيين مطلقا، وفصل الفراء فأجاز مد ما لا موجب لقصره كالعنى، ومنع مد ما له موجب قصر كسكرى، والظاهر جوازه لوروده، كقول العجاج1:
والمرء يُبليه بِلاءَ السِّربالْ ... تَعاقُبُ الإهلالِ بعد الإهلالْ
وقول الآخر2:
يا لك من تَمْر ومن شِيشَاء ... يَنشَبُ في المسْعَل واللَّهاء
فمد اللهاء، وهي مقصورة.
__________
1 البيت من السريع.
اللغة: "يبليه" من بلي الثوب يَبْلَى إذا خَلَق ومعناه هنا يمتحنه "تعاقب الإهلال" أي: توارده، وهو من أهل الشهر إهلالا.
الإعراب: "المرء" مبتدأ، وخبره الجملة التي بعده وهي "يبليه" وهي جملة من الفعل والمفعول والفاعل هو قوله: "تعاقب" و"الإهلال" مضاف إليه "بلاء" منصوب على المصدرية و"السربال" مضاف إليه، والمعنى ييليه بلي كبلى السربال، وهو في الحقيقة منصوب بنزع الخافض والجملة صفة للمصدر المحذوف "بعد" ظرف "الإهلال" مضاف إليه.
الشاهد: قوله: "بلاء" حيث مد بلاء، وهو المقصور.
وإنما يصح الاستشهاد به إذا كان بكسر الباء وأما إذا فتحها فلا استشهاد.
مواضعه: ذكره الأشموني 31658، والمكودي ص161.
2 قائله: قال العيني: قائله أعرابي من أهل البادية، ونسبه أبو عبد الله البكري في اللآلئ لأبي المقدام الراجز، وهو من الرجز المسدس.
اللغة: "شيشاء" -بشينين أولاهما مكسورة بينهما ياء- وهو الشيص أي التمر الذي لم يشتد "ينشب" -بفتح الشين- يتعلق "المسعل" موضع السعال من الحلق "واللهاء" جمع لهاة كالحصى جمع حصاة مد للضرورة. واللهاة: لحمة مطبقة في أقصى سقف الحنك.
وقبله:
قد علمت أخت بني السعلاء ... وعلمت ذاك مع الجزاء
أن نعم مأكولا على الخواء ... .........................
الإعراب: "يا" حرف نداء وقصد به هنا التنبيه "لك" جار ومجرور خبر لمبتدأ محذوف، أي: لك شيء من تمر "من" للبيان وقيل: من زائدة وتمر مبتدأ ولك خبره مقدما، وفي زيادة من في الإثبات خلاف "ومن شيشاء" عطف عليه "ينشب" فعل مضارع والفاعل ضمير، والجملة في محل الجر على الوصفية "في المسعل" جار ومجرور "واللهاء" عطف عليه.
الشاهد: قوله: "اللهاء" حيث مده للضرورة.
مواضعه: ذكره الأشموني 31659، وابن الناظم، وابن عقيل 21329.

(3/1364)


وقال طرفة1:
لها كَبدٌ ملساءُ ذاتُ أسِرَّة ... وكشحان لم ينقص طواءَهما الحبل
وممن وافق الكوفيين على جواز ذلك ابن ولاد وابن خروف، وزعما أن سيبويه استدل على جوازه في الشعر بقوله: وربما مدوا فقالوا منابير.
قال ابن ولاد: فزيادة الألف قبل آخر المقصور كزيادة هذه الياء، وأما قراءة طلحة: "يَكَادُ سَنَاء بَرْقِهِ"2 -بالمد- فشاذ؛ إذ لم تثبت لغة، ويمكن أن يكون أراد العلو لا الضوء.
فإن قلت: حُكي الإجماع على قصر الممدود، فليس كذلك؛ لأن مذهب الفراء منعه فيما له قياس يوجب مده نحو فعلاء أفعل.
قلت: هو مجمع على جوازه في الجملة وإن وقع الخلاف في بعض المواضع، والصحيح جوازه مطلقا.
ورد مذهب الفراء بقول الشاعر3:
وأنتِ لَوْ بَاكَرْتِ مشمولةً ... صَفْرَا كَلَونِ الفرس الأشْقَرِ
__________
1 قائله: هو طرفة بن العبد البكري، وهو من الطويل.
اللغة: "كبد" أي: بطن ووسط، ومنه كبد القوس، وهو مقبضها "ملساء" وهو تأنيث أملس، وهو اللين، من الملاسة، وهو ضد الخشونة "أسرة" أراد بها الخطوط التي تكون على البطن، كما يكون في الكف والجبهة واحدها سِرَ ر-بكسرالسين وفتح الراء- "كشحان" تثنية كشح، وهو ما بين الخاصرة إلى الضع الخلفي، وقال الأعلم: الكشحان ما انضمت عليه الأضلاع من الجنين "لم ينقص طواءهما" أراد أنها خميصة البطن ليست بمفاضة، وأصل الحبل: الامتلاء.
الإعراب: "لها" جار ومجرور خبر مقدم "كبد" مبتدأ مؤخر "ملساء" صفة لكبد "ذات" صفة بعد صفة "أسرة" مضاف إليه "وكشحان" عطف على قوله: كبد، أي: ولها كشحان "لم" حرف نفي وجزم وقلب "ينقص" فعل مضارع مجزوم بلم "طواءهما" مفعول به ومضاف إليه "الحبل" فاعل ينقص.
الشاهد: قوله: "طواءهما" حيث مد الطواء، والمعروف فيه القصر.
2 من الآية 43 من سورة النور.
3 قائله: هو الأقيشر، واسمه المغيرة بن عبد الله، وهو من الطويل.
اللغة: "لو باكرت" لو بادرت وأسرعت "مشمولة" أراد بها الخمر، إذا كانت باردة الطعم "صفرا" ويروى: صهباء "وأنت" وروي: فقلت. =

(3/1365)


كيفية تثنية المقصور والممدود وجمعهما تصحيحا:
تقدم حد المقصور والممدود، وإنما اقتصر عليهما لوضوح تثنية غيرهما وجمعه، قال في شرح الكافية: إذا قصدت تثنية اسم ولم يكن مقصورا ولا ممدودا فتح آخره ووصل بإحدى العلامتين المذكورتين في باب الإعراب.
آخِرَ مقصورٍ تُثَنِّي اجعلْهُ يَا ... إِنْ كَانَ عن ثلاثةٍ مرتَقِيَا
شمل الألف الرابعة نحو: معطى، والخامسة نحو: منتمى، والسادسة نحو: مستدعى، فتقول: معطيان ومنتميان ومستدعيان بقلب الألف ياء في جميع ذلك ولا نظر إلى أصلها، ثم قال:
كذا الذي اليا أصله نحو الفتى ... والجامدُ الذي أُميل كمتى
إذا وقعت ألف المقصور ثالثة فلها أربعة أقسام: منقلبة عن الياء نحو: الفتى، ومنقلبة عن واو نحو: العصا، وأصلية وهي: إذا ومتى، والمراد بها: كل ألف في حرف أو شبهه، ومجهولة الأصل نحو: الددا -وهو اللهو- فإن ألفه لا يُدرى هل هي عن ياء أو عن واو؟ لأن الألف في الثلاثي المعرب لا تكون إلا منقلبة عن أحدهما.
فأما المنقلبة عن الياء فتنقلب في التثنية ياء ردا إلى أصلها نحو قولك: فتيان، وأما المنقلبة عن الواو فتقلب واوا ردا إلى أصلها أيضا نحو قولك: عصوان.
وأما الأصلية والمجهولة ففيها ثلاثة مذاهب:
الأول: -وهو المشهور- أن يعتبر حالهما بالإمالة فإن أميلا ثنيا بالياء، نحو: بلى ومتى، فتقول: بليان ومتيان، وإن لم يمالا فبالواو نحو: على، وإذا مسمى بهما علوان وإذوان، وهذا مذهب سيبويه، وبه جزم هنا.
__________
= الإعراب: "فقلت" فعل وفاعل، عطف على قوله تقول في بيت سابق "لو" للشرط "باكرت" فعل وفاعل "مشمولة" مفعوله "صفرا" صفة لمشمولة "كلون" الكاف للتشبيه ولون مجرور بها "الفرس" مضاف إليه "الأشقر" صفة للفرس وجواب لو هو قوله: رحت وفي رجليك -في بيت بعده.
الشاهد: قوله: "صفرا" حيث قصرها وهي ممدودة.
مواضعه: ذكره الأشموني 658/ 3.

(3/1366)


والثاني: أن ألفهما إن أميلت أو قلبت ياء في موضع ما ثنيت بالياء، وإلا فبالواو، وهذا اختيار ابن عصفور، وبه جزم في الكافية. فعلى هذا يثنى على وإلى ولدى بالياء لانقلاب ألفهن ياء مع الضمير، وعلى الأول يثنيان بالواو، والقولان عن الأخفش.
والثالث: أن الألف الأصلية والمجهولة يقلبان ياء مطلقا.
تنبيهان:
الأول: قوله: "جامد" يشمل الألفين، فإن الجامد هنا ما لم يعرف له اشتقاق، وقد عبر بعضهم عن الأصلية بالمجهولة.
والثاني: مثل في شرح التسهيل المجهولة بخسا -بمعنى فرد- ولقا بمعنى ملقى لا يعبأ به، ونوزع في المثالين، أما خسا فقال في المخصص يكتب في الألف من خساء مهموزا، وأما لقى فنص ابن جني على أن ألفه عن ياء وهو بمعنى ملقى فهو فعل بمعنى مفعول، والمعنى أنه لخساسته وكونه تافها يلقاه كل أحد فلا يأخذه.
وقوله:
في غَيْرِ ذا تُقْلَبُ واوا الألِفْ
الإشارة إلى الأنواع التي تقلب ألفها ياء وهي ما كانت ألفه رابعة فصاعدا أو ثالثة منقلبة عن ياء أو أصلية أو مجهولة وأميلت، وما عدا ذلك تقلب ألفه واوا، وهو نوعان؛ أحدهما: ما ألفه ثالثة منقلبة عن واو. والآخر: ما ألفه أصلية أو مجهولة ولم تمل، وتقدم تمثيل ذلك.
وقوله:
وأَوْلِهَا ما كان قَبْلُ قد أُلفْ
يعني: من العلامة المذكورة في باب الإعراب، ثم انتقل إلى الممدود فقال:
وما كصحراء بواو ثنيا
يعني: أن ما كانت همزته للتأنيث فإذا ثني تقلبها واوا فتقول في صحراء صحراوان، وكذلك ما أشبهه.
وقوله:
....................... ... ونحو علباء كساء وحياء
بواو أو همز............ ... .......................
يعني: أن ما همزته للإلحاق نحو علباء1 أو منقلبة عن أصل نحو كساء وحياء فهمزة كساء عن واو وأصله كساو، وهمزة حياء عن ياء وأصله حياي، فهذان النوعان يجوز في همزتهما وجهان: قلبهما واوا وتصحيحهما، فتقول عن الأول: علباوان وكساوان وحياوان، وعلى الثاني: علباءان وكساءان وحياءان.
__________
1 العلباء: اسم لبعض أعصاب صفة العنق.

(3/1367)


فإن قلت: أي الوجهين أجود؟
قلت: ذكر المصنف وفاقا لبعضهم أن قلب التي للإلحاق أولى من تصحيحها والمنقلبة عن أصل بالعكس. ونص سيبويه والأخفش على أن إقرار الهمزة فيهما أحسن إلا أن سيبويه ذكر أن القلب في التي للإلحاق أكثر منه في المنقلبة عن أصل، مع اشتراكهما في القلة، وقوله:
.......... وغير ما ذكر ... صحح ................
يعني: أن غير ما ذكر من أقسام الممدود تصحح همزته في التثنية، ويعني بذلك ما همزته أصلية نحو: قَرَّاء ووَضَّاء، فإنه لم يبقَ من أقسام الممدود غيره، فتقول فيهما: قراءان ووضاءان1.
والحاصل أن الممدود أربعة أقسام؛ لأن همزته إما أصلية أو مبدلة من أصل أو مبدلة من ياء الإلحاق أو مبدلة من ألف التأنيث، وقد عرفت أحكامها.
تنبيه:
قال الشارح: الممدود على أربعة أضرب؛ لأن همزته إما زائدة وإما أصلية، والزائدة إما للتأنيث نحو حمراء وصحراء وإما للإلحاق كعلباء وقوباء2، والأصلية إما بدل نحو كساء ورداء وحياء، وإما غير بدل نحو قراء ووضاء. انتهى. وفيه تجوُّز؛ لأن الهمزة في حمراء ونحوه ليست زائدة للتأنيث، بل مبدلة من الألف الزائدة للتأنيث عند الجمهور، وكذلك الهمزة في علباء ونحوه إنما هي مبدلة من الياء الزائدة للإلحاق، وتسمية همزة كساء ونحوه أصلية إنما هو باعتبار ما نشأت عنه. وقوله:
........................... ... ..... وما شذ على نقل قُصِرْ
يشير به إلى أن الذي يقاس عليه في تثنية المقصور والممدود هو ما سبق ذكره، وما ورد بخلافه فهو شاذ لا يقاس عليه.
أما الذي شذ في المقصور فثلاثة أشياء:
الأول: قولهم مِذْرَوان -وهما طرفا الألية- وقد يطلقان على جانب الرأس ونحوه، والقياس مِذْرَيان؛ لأن ألفه رابعة، وعلة تصحيحه أنه لم يستعملها مثنى،
__________
1 القراء: الناسك أي: المتعبد، والوضاء: الوضيء أي: الحسن الوجه.
2 القوباء: مرض جلدي معروف، يظهر على الجلد على شكل بقع بيضاء مستديرة صغيرة ثم تتسع.

(3/1368)


قال أبو علي: التالي لا يفرد ألبتة، وحكى أبو عبيد عن أبي عمرو مذري مفردا، وحكي عن أبي عبيدة مذري ومذريان على القياس.
والثاني: حذف ألف المقصور خامسة فصاعدا لقولهم: خَوْزَلان وضَغْطَران في خوزلي1 وضغطري -وهو الأحمق- ولا يقاس على ذلك خلافا للكوفيين.
والثالث: قوله بعضهم: رضيان في رضى وقياسه رضوان؛ لأنه من ذوات الواو، وقاس الكسائي على ما ندر من ذلك، فأجاز تثنية نحو رضى وعلا من ذوات الواو المكسورة الأول والمضمومة بالياء.
وأما الذي شذ في الممدود فخمسة أشياء:
الأول: إقرار همزة التأنيث كقولهم: حمراءان.
والثاني: قلبها ياء نحو حمرايان. قال المصنف: وكلاهما نادر، انتهى. وحكى النحاس أن الكوفيين أجازوا فيها الإقرار، وحكى غيره أن قلبها ياء لغة فزارة.
والثالث: حذف الألف والهمزة من قاصعاء ونحوه، قالوا: قاصعان، وقاس عليه الكوفيون.
والرابع: قلب همزة كساء ونحوه ياء، وفي التسهيل: ولا يقاس عليه خلافا للكسائي. انتهى، ونقله أبوزيد لغة عن فزارة.
والخامس: قلب الأصلية واوا، قال في التسهيل: وربما قلبت قلبت الأصلية واوا. انتهى. وفي كلام بعضهم ما يقتضي أنه لم يسمع، وقال في شرح التسهيل: والحاصل أن المقيس عليه قلب المبدلة من ألف التأنيث واوا وسلامة الأصلية وإجازة وجهين في الملحقة مع ترجيح القلب، وإجازة وجهين في المبدلة من أصل مع ترجيح السلامة، وما سوى ذلك يحفظ ولا يقاس عليه إلا عند الكسائي، وقد تبين ذلك.
واحْذِفْ من المقصورِ في جَمْعٍ عَلَى ... حَدِّ المثنى ما به تَكَمَّلا
__________
1 الخوزلى: مشية فيها تثاقل وتبختر.

(3/1369)


الجمع الذي على حد المثنى هو الجمع المذكر السالم، فإذا جمع الاسم هذا الجمع وكان مقصورا حذف لالتقاء الساكنين وأبقيت الفتحة التي كانت قبل الألف لتشعر بالألف المحذوفة، فتقول: جاء الأعلون ورأيت الأعلين، وقد أشار إلى إبقاء الفتحة، وعلة إبقائها بقوله:
والفتحَ أبقِ مُشْعِرًا بما حُذِفْ
وقد فهم من إطلاقه أنه لا فرق فيما ألفه زائدة وما ألفه غير زائدة، وهذا مذهب البصريين، وأما الكوفيون فنقل عنهم أنهم أجازوا ضم ما قبل الياء مطلقا، ونقله المصنف عنهم في ذي الألف الزائدة نحو حبلى -مسمى به- قال في شرح التسهيل: فإن كان أعجميا نحو عيسى أجازوا فيه الوجهين؛ لاحتمال الزيادة وعدمها.
تنبيه:
ظاهر كلامه في التسهيل وشرحه أن الكوفيين يجزمون في ذي الألف الزائدة بما ذكر من الضم والكسر، وقال في شرح الكافية: وأجاز الكوفيون ضم ما قبل الواو وكسر ما قبل الياء في المقصور الذي ألفه زائدة، فظاهره أنهم يجيزون الوجهين، وهو الظاهر من نقل غيره.
فإن قلت: لم يذكر هنا حكم غير المقصور إذا جمع على حد المثنى.
قلت: قد تقدم أول الباب الاعتذار عن اقتصاره هنا على المقصور والممدود، ولما كان حكم همزة الممدود في جمع التصحيح كحكمها في التثنية لم يعد ذكره في الجمع إحالة على التثنية، وكان ينبغي أن ينبه على أن ياء المنقوص تحذف في الجمع على حد المثنى، ويضم ما قبل الواو ويكسر ما قبل الياء فتقول: "جاء القاضون ورأيت القاضين".
والحاصل أن حكم المجموع على حد المثنى في الصحة والتغيير كحكم المثنى إلا المقصور والمنقوص، فإن آخرهما يحذف.
ثم انتقل إلى الجمع بالألف والتاء فقال:
.................... ... وإِنْ جَمَعْتَهُ بتاءٍ وأَلِفْ
فالألفَ اقلِبْ قلبَها في التثنيهْ ... ..........................

(3/1370)


الضمير في قوله: "وإن جمعته" للمقصور، ومعنى قوله: "قلبها في التثنية" أنها إن كانت رابعة فصاعدا قلبت ياء، وإن كانت ثالثة فعلى التفصيل المتقدم.
فإن قلت: ما حكم الممدود والمنقوص إذا جمعا بالألف والتاء؟ قلت: كحكمهما إذا ثنيا.
فالحاصل أن حكم المجموع بالألف والتاء كحكم المثنى مطلقا إلا في حذف تاء التأنيث مما هي فيه، كما سيأتي.
فإن قلت: لم ذكر حكم المقصور إذا جمع بالألف والتاء ولم يذكر حكم الممدود وكلاهما موافق للتثنية، فكان حقه أن يترك ذكرهما استغناء بما تقدم في التثنية أو يذكرهما إيضاحا؟
قلت: لما كان حكم الممدود في جمعي التصحيح واحدا لم يذكره استغناء بذكره في التثنية بخلاف المقصور فإنه خالف التثنية في أحد الجمعين ووافقهما في الآخر.
وقوله:
....................... ... وتاءَ ذي التا أَلزِمَنَّ تَنْحِيَهْ
يعني: أن تاء التأنيث تحذف عند تصحيح ما هي فيه؛ لئلا يجمع بين علامتي التأنيث، ويعامل الاسم بعد حذفها معاملة العاري منها فتقول في مسلمة: مسلمات، وإذا كان قبلها ألف قلبت على حد قلبها في التثنية، فتقول في فتاة: فتيات؛ لأنها عن ياء، وفي قطاة: قطوات؛ لأنها عن واو، وفي معطاة: معطيات؛ لأنها رابعة، وإذا كان قبلها همزة تلي ألفا زائدة صححت إذا كانت أصلية نحو قراءة وقراءات، وجاز فيها القلب والتصحيح إن كانت بدلا من أصل نحو نباءة فيقال: نباءات ونباوات، كما يفعل في التثنية.
والسالِمَ العَيْن الثلاثي اسمًا أنِلْ ... إتْباعَ عين فاءَه بما شُكِلْ
إنْ ساكن العين مؤنثا بَدَا ... مُختتما بالتاء أو مُجردَا
يعني: أن ما جمع بالألف والتاء وحاز الشروط المذكورة في هذين البيتين تتبع عينه فاءه في الحركة، فتفتح إن كانت الفاء مفتوحة وتضم إن كانت الفاء مضمومة وتكسر إن كانت الفاء مكسورة.

(3/1371)


والشروط المذكورة خمسة، وأنا أذكرها على ترتيبها:
الأول: أن يكون سالم العين، واحترز به من نوعين: أحدهما المشددة نحو جَنة وجِنة وجُنة1 فليس فيه إلا التسكين. والآخر: ما عينه حرف علة، وهو ضربان: ضرب قبل حرف العلة فيه حركة تجانسه نحو تارة ودولة وديمة، فهذا يبقى على حاله، وذكر ابن الخباز في سورة الفتح ونسب إلى الوهم، وفي المصباح: هذيل تقول ديمات -بالفتح- في جميع الباب. وضرب قبل حرف العلة فيه فتحة نحو جَوْزة وبيضة، وهذا فيه لغتان: لغة هذيل الإتباع، ولغة غيرهم الإسكان، وسيأتي ذكره عند إشارة الناظم إليه.
الثاني: أن يكون ثلاثيا، واحترز به من الرباعي نحو جيأل -علم للضبع فإنه يبقى على حاله.
الثالث: أن يكون اسما، واحترز به من الصفة نحو ضخمة وجِلْفة2 وحلوة، فليس فيها إلا التسكين.
الرابع: أن يكون ساكن العين، واحترز به من متحرك العين، نحو شجرة ونِبقة وسمُرة، فإنه لا يغير.
الخامس: أن يكون مؤنثا، واحترز به من المذكر نحو بكر، فإنه لا يجمع بالألف والتاء فلا يكون الإتباع المذكور، ولا يشترط أن يكون فيه تاء التأنيث، فلذلك سوى بين المختتم بتاء التأنيث والمجرد منها، فمثال المختتم بالتاء جفنة وسدرة وغرفة، ومثال المجرد منها دعد وهند وجُمْل، فإذا جمعت هذه المثل ونحوها بالألف والتاء تبعت عينها فاءها لجمعها للشروط المذكورة فتقول: جفنات وسدرات وغرفات ودعدات وهندات وجملات.
تنبيه:
منع الفراء إتباع الكسرة إلا أن يسمع فيحفظ ولا يقاس عليه، وحجته أن فعلات تتضمن فعلا وهو وزن أهمل إلا ما ندر كإبل، ورد بأنه أخف من فعل، فإن تصرف أدى إلى استعماله فلا ينبغي أن يجتنب.
__________
1 الجنة: بفتح الجيم البستان، وبكسرها: الجنون والجن، وبضمها: الوقاية.
2 جلفة: بكسر الجيم -مؤنث جلف- وهو الرجل الجافي.

(3/1372)


وقوله:
وسَكِّنْ التالي غيرَ الفتحِ أوْ ... خفِّفْهُ بالفتح فكُلًّا قد رَوَوْا
يعني: أنه يجوز في العين بعد الفاء المضمومة أو المكسورة وجهان مع الإتباع، وهما الإسكان والفتح، فاتضح بذلك أن في نحو سدرة وهند من مكسور الفاء وجمل وغرفة من مضموم الفاء ثلاث لغات: الإتباع والإسكان والفتح. وأما نحو جفنة ودعد فلا يجوز فيه إلا الإتباع، ولا يسكن إلا في الضرورة، وذكر في التسهيل أنه يجوز فيه الإسكان اختيارا لأمرين؛ أحدهما: اعتلال لامه نحو ظبيان، والآخر: شبه الصفة نحو أهل وأهلات، ولم يستثنِ أكثرهم هذين النوعين، والأول حكاه ابن جني عن قوم من العرب، فإذا صح النقل وجب قبوله.
تنبيهان:
الأول: أشار بقوله: "فكلا قد رووا" إلى ثبوت هذه اللغات نقلا عن العرب خلافا لمن زعم أن الفتح في نحو غرفات إنما هو على أنه جمع غرف، ورُدَّ بأن العدول إلى الفتح تخفيفا أسهل من ادعاء جمع الجمع، ورده السيرافي بقولهم: "ثلاث غُرَفات" -بالفتح.
الثاني: مذهب أبي علي والجماعة أن السكون في نحو غرفات تخفيف عن الضم وليس على الأصل، واستدل أبو علي بأن السكون لم يجئ في المفتوح على الأصل إلا نادرا في الشعر فلا يحمل عليه الشائع الكثير، وكذلك الفتح عندهم تخفيفا عن الضم، عدلوا عن الضم إليه، وذهب بعضهم إلى الفتح إتباع لما بعد، وان التسكين تسليم للمجموع، واستدل بقول سيبويه: ومن العرب من يدع العين ساكنة، فهذا دليل على أنه سكون الأصل، وظاهر قوله: "وسكن التالي الفتح أو خففه بالفتح" موافقة أبي علي والجماعة.
ومنعوا إِتْباع نحو ذروه ... وزبية................
يعني: أن العرب منعوا إتباع الكسرة فيما لامه واو، وإتباع الضمة فيما لامه ياء؛ لاستثقال الكسرة قبل الواو والضمة قبل الياء، ولا خلاف في ذلك.
وقوله:

(3/1373)


...................... ... ..... وشذ كسر جروه
إشارة إلى قولهم: جِروات -بكسر الراء- حكاه يونس وهو في غاية الشذوذ؛ لما فيه من الكسر قبل الواو.
تنبيهات:
الأول: قد ظهر بهذا أن لإتباع الكسرة والضمة شرطا آخر غير الشروط السابقة.
الثاني: فهم من كلامه جواز الإسكان والفتح في نحو ذِرْوَة وزُبْيَة1؛ إذ لم يتعرض لمنع غير الإتباع.
الثالث: فهم أيضا من إطلاقه جواز اللغات الثلاث، في نحو خطوة ولحية، ومنع بعض البصريين الإتباع في نحو لحية؛ لأن فيه توالي الحركات مرتين قبل الياء قال ابن عصفور: كما لم يحفلوا باجتماع ضمتين والواو، كذلك لم يحفلوا باجتماع كسرتين والياء.
ونَادِرٌ أو ذو اضطرارٍ غير ما ... قَدَّمْتُه أو لأناس انْتَمَى
يعني: أن ما ورد من هذا الباب مخالفا لما تقدم فهو إما نادر، وإما ضرورة، وإما لغة قوم من العرب، فمن النادر قول بعضهم: كَهَلات -بالفتح2- وقياسه الإسكان؛ لأنه صفة، ولا يقاس عليه، خلافا لقطرب، ومنه قول جميع العرب: "عِيَرات" -بكسر العين وفتح الياء- جمع عير وهي الدابة التي يحمل عليها، والعير مؤنث، وذهب المبرد والزجاج إلى أنه "عَيرات" بفتح العين، قال المبرد: جمع عَيْر -وهو الحمار- وقال الزجاج: جمع عير، الذي في الكتف أو القدم3 وهو مؤنث، ومنه جروات كما تقدم.
__________
1 ذروة: بكسر الذال وضمها كما في القاموس، وهو أعلى الشيء.
وزبية: بضم الزاي وسكون الباء وفتح الياء، وهي حفرة الأسد.
2 كهلات: جمع كهلة، وهي التي جاوزت ثلاثين سنة.
3 وهو العظم الناتئ في وسط الكتف أو وسط القدم.

(3/1374)


ومن الضرورة قوله1:
فتستريح النفسُ من زَفْراتِهَا
وقياسه الفتح.
ومن المنتمي إلى قوم من العرب فتح العين المعتلة بعد الفاء المفتوحة نحو: جوْزة وبيضة، فإنها لغة هذيل. قال شاعرهم2:
__________
1 قائله: لم أقف على اسم راجزه، وهو من الرجز.
وقبله:
عل صروف الدهر أو دولاتها
تدلننا اللمة من لماتها
اللغة: "عل" لغة في لعل "الدولات" -بضم الدال- جمع دولة في المال، وبالفتح في الحرب، وقيل: هما واحد "تدلننا" من الإدالة، وهي الغلبة "اللمة" بالفتح الشدة "زفراتها" -جمع زفر- وهي الشدة.
الإعراب: "عل" حرف من الحروف المشبهة بالفعل "صروف" اسم لعل "الدهر" مضاف إليه "أو" حرف عطف "دولاتها" عطف عليها "تدلننا" جملة من الفعل والفاعل والمفعول خبر لعل "اللمة" -بالنصب- مفعول ثان لتدلننا "من لماتها" جار ومجرور في محل نصب صفة لقوله اللمة تقديرها: اللمة الكائنة من لماتها "فتستريح" -بالنصب- فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد الفاء "النفس" فاعل "من زفراتها" جار ومجرور متعلق بنستريج.
الشاهد: قوله: "زفراتها" حيث سكن الفاء فيها لإقامة الوزن، والقياس تحريكها.
مواضعه: ذكره الأشموني 668/ 3، وابن الناظم، والسيوطي ص129، والمكودي ص164.
2 قائله: هو شاعر من هذيل يمدح جمله، وهو من الطويل.
وعجزه:
رفيق بمسح المنكبين سبوح
اللغة: "أخو بيضات" أي: صاحب بيضات وملازم لها وهو جمع بيضة "رائح" اسم فاعل من راح يروح رواحا، والرواح: السير وقت العشي، والمراد راجع إلى عشه "متأوب" اسم فاعل من تأوب، إذا جاء في أول الليل "رفيق بمسح" عليم بتحريكهما في السير "سبوح" حسن الجري.
المعنى: يمدح الشاعر الهذلي جمله فيقول: إن جملي في سرعة سيره كذكر النعام الذي له بيضات يحرص عليها. فهو يسعى ليلا ونهارا بسرعة ومهارة؛ ليصل إليها ويطمئن عليها.
الإعراب: "أخو" خبر لمبتدأ محذوف، أي: هو أخو "بيضات" مضاف إليه "رائح متأوب" صفتان لأخ وكذلك "رفيق وسبوح" ويجوز في سبوح أن تجعل خبرا ثانيا للمبتدأ.
الشاهد: قوله: "بيضات" حيث فتح العين إتباعا لحركة الفاء، والاسم ثلاثي معتل العين.
مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني 668/ 3، وابن هشام 91/ 4، وابن الناظم، والمكودي ص164.

(3/1375)


أخو بيضات رائح متأوب
وبلغتهم قرئ: {ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ} 1، ومنه إسكان العين في نحو ظبية؛ لاعتلال لامه كما تقدم. والله أعلم.
__________
1 من الآية 58 من سورة النور.

(3/1376)


جمع التكسير:
وهو الاسم الدال على أكثر من اثنين بتغيير ظاهر أو مقدر. وقسَّم المصنف التغيير إلى ستة أقسام؛ لأنه إما بزيادة نحو صِنْو وصنون1، أو بنقص كتخمة وتُخَم، أو تبديل شكل نحو أَسَد وأُسْد، أو بزيادة وتبديل شكل نحو رجل ورجال، أو بنقص وتبديل شكل نحو قضيب وقُضُب، أو بهن كغلام وغلمان.
واعترض بأنه لا تحرير فيه؛ لأن صنوان من زيادة وتبديل شكل، وتخم من نقص وتبديل شكل؛ لأن الحركات التي في الجمع غير الحركات التي في المفرد.
والتغيير المقدر في نحو فُلْك ودِلاص وهِجَان وشِمال للخِلْقة2 قيل: ولم يرد غير هذه الأربعة.
قلت: وليس كذلك، بل ذكر في شرح الكافية من ذلك قولهم: "رجل عِفْتَان" -وهو القوي الجافي- "ورجال عفتان"، وحكى ابن سيده "ناقة كِنَاز" و"نوق كناز"3 فتكون منها، ومذهب سيبويه أن فلكا وبابه جمع تكسير، فيقدر في ذلك زوال حركات المفرد وتبدلها بحركات مشعرة بالجمع، ففلك إذا كان مفردا كقُفْل، وإذا كان جمعا كبُدْن، وكذلك تقول في سائرها، ودعانا إلى ذلك أنهم قالوا في تثنيته فلكان، فعلم أنهم لم يقصدوا به ما قصدوا بجُنُب ونحوه مما اشترك فيه الواحد وغيره، حين قالوا: هذا جنب، وهذان جنب، وهؤلاء جُنُب، فالفارق عنده بين ما يقدر تغييره وما لا يقدر تغييره وجود التثنية وعدمها، وقال المصنف في باب أمثلة الجمع من التسهيل: والأصح كونه -يعني باب فلك- اسم جمع مستغنيا عن تقدير التغيير.
فإن قلت: يرد على حد جمع التكسير نحو: "جَفَنات، ومُصْطفيْن" فإن واحده قد تغير للجمع.
__________
1 صنو وصنوان: إذا خرج نخلتان أو ثلاث من أصل واحد فكل واحدة منهن صنو. والاثنان صنوان -بكسر النون- غير منون، والجمع صنوان بتحريك النون بحسب العامل منونة.
2 دلاص: أي براق، يقال: للواحد ولجمع من الدروع. وهجان: يقال للواحد والجمع من الإبل. والخلقة: أي الطبيعة.
3 كناز: أي: مكتنزة اللحم، ويستوي فيه المذكر والمؤنث.

(3/1377)


قلت: ليست الجمعية مستفادة من فتح فاء جفنات وحذف ألف مصطفى، فإن تقدير السلامة فيها لا يخل بالجمعية.
وجمع التكسير على ضربين: ضرب للقلة، وضرب للكثرة.
فمدلول جمع القلة بطريق الحقيقة من ثلاثة إلى عشرة، ومدلول جمع الكثرة بطريق الحقيقة ما فوق العشرة إلى ما لا نهاية له، وبدأ بأبنية القلة فقال:
أَفْعِلَةٌ أفَعُلُ ثم فِعْلَهْ ... ثُمَّت أفعالٌ جموعُ قِلَّهْ
أمثلتها على الترتيب: أرغفة، أبحر، فتية، أجمال.
وقد فهم من هذا أن ما بقي من أبنية جمع التكسير فهو للكثرة، وليس من أبنية القلة فُعَل نحو ظُلَم، ولا فِعَل نحو نِعَم، ولا فِعَلة نحو قِرَدة خلافا للفراء، ولا فَعَلة نحو بَرَرة، خلافا لبعضهم، نقله عنه ابن الدهان، ولا أفعِلاء نحو أصدقاء خلافا لأبي زيد الأنصاري، نقله عنه أبو زكريا التبريزي، والصحيح أن هذه كلها من جموع الكثرة.
تنبيهات:
الأول: ذهب ابن السراج إلى أن فِعْلة اسم جمع، لا جمع تكسير، وشبهته أنه لم يطرد.
الثاني: يشارك أفعلة وأخواته في الدلالة على القلة جمع التصحيح للمذكر والمؤنث، ونقل ابن إياز عن ابن خروف: أنه قال في شرح الجمل: هو مشترك بينهما؛ وذلك لأنه مستعمل فيهما، والأصل الحقيقة، قال ابن إياز: واستضعفه بعض الأشياخ؛ لأن اللفظ إذا دار بين المجاز والاشتراك كان المجاز راجحا.
الثالث: إذا قُرِنَ جمع القلة بأل التي للاستغراق، أو أضيف إلى ما يدل على الكثرة انصرف بذلك إلى الكثرة كما في قوله تعالى: {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ} 1 وقد جمع الأمرين قول حسان2:
__________
1 من الآية 35 من سورة الأحزاب.
2 قائله: هو حسان بن ثابت الأنصاري، وهو من الطويل. =

(3/1378)


لنا الْجَفناتُ الغر يَلْمعنَ في الضحى ... وأسيافنا يقْطُرن من نَجْدَة دمَا
وبعضُ ذي بكَثْرة وَضْعا يَفِي ... كأرْجُل والعكس جاء كالصُّفِي
قد يستغنى بوضع مثال القلة عن مثال الكثرة، كقوله في رِجْل: أرجُل، ولم يجمعوه على مثال كثرة، ونظيره عُنُق وأعناق، وفؤاد وأفئدة.
وقد يستغنى بوضع مثال الكثرة عن مثال القلة كقولهم في صَفَاة صُفِي1 ولم يجمعوه على مثال القلة، ونظيره قَلْب وقلوب ورجُل ورجال.
وقد يستغنى بأحدهما عن الآخر في الاستعمال لقرينة مجازا نحو: {ثَلاثَةَ قُرُوءٍ} 2. واعلم أن للكلام على جمع التكسير طريقتين:
الأولى: وهي طريق سيبويه وأكثر النحويين، أن يتكلم على بنية المفرد فيقال مثلا فَعْل يجمع في القلة على كذا وفي الكثرة على كذا.
والثانية: وهي طريق المصنف أن يتكلم على بنية الجمع فيقول مثلا أفعل يطرد في كذا ويحفظ في كذا.
ولما شرع في التفصيل على هذه الطريقة قال:
لفِعْلٍ اسمًا صَحَّ عينًا أفعُلُ ... وللرباعي اسما أيضا يُجعَلُ
__________
= اللغة: "الجفنات" جمع جفنة وهي القصعة "الغُر" -بضم الغين- جمع غراء وهي البيضاء "يلمعن" من لمع إذا أضاء ومن للبيان "من نجدة" أي: من شجاعة وشدة "دما" واحد وضع موضع الجمع لأنه جنس.
الإعراب: "لنا" جار ومجرور خبر مقدم "الجفنات" مبتدأ مؤخر مرفوع بالضمة الظاهرة "الغر" صفة للجفنات "يلمعن" جملة من الفعل والفاعل في محل نصب حال من الجفنات "في الضحى" جار ومجرور، وروي: بالضحى، فالباء ظرفية بمعنى في "وأسيافنا" أسياف مبتدأ ونا مضاف إليه "يقطرن" جملة من الفعل والفاعل في محل خبر المبتدأ "من نجدة" جار ومجرور، ومن للبيان والتبعيض.
الشاهد: قوله: "الجفنات" حيث جمعت بالألف والتاء في القلة، وأيضا "أسيافنا" فإن المراد بها التكثير، وقال الركني: القياس الجفان والسيوف.
مواضعه: ذكره الأشموني 671/ 3، والشاهد 594 في الخزانة، وابن يعيش 10/ 5، وسيبويه 181/ 2.
1 صفاة: الصخرة الملساء.
2 من الآية 228 من سورة البقرة.

(3/1379)


يعني أن أفعُلا أحد جموع القلة يطرد في نوعين من المفردات:
الأول: ما كان على فَعْل بشرطين؛ أحدهما: أن يكون اسما، وأن يكون صحيح العين.
فشمل نحو: فَلْس وكَف ودَلْو وظَبْي ووَجْه، فتقول في هذه: أفْلُس وأَكف وأَدْل وأظب1 وأوجه.
واحترز بقوله: "اسما" من الصفة، فلا يجمع على أَفْعُل، وندر أعبد في عبد؛ لأنه صفة، وسهله غلبة الاسمية.
واحترز بقوله: "صح عينا" من معتل العين، فلا يجمع على أفعل إلا نادرا كقولهم: أعين وأثوب.
والثاني: ما كان رباعيا، بأربعة شروط: أن يكون اسما، وأن يكون بمدة ثالثة، وأن يكون مؤنثا، وأن يكون بلا علامة نحو: "عَنَاق"2 وذرِاع، وعُقاب، ويمين، فتقول فيها: أعنُق، وأذرُع، وأعقُب، وأيمُن.
فإن كان صفة نحو شجاع، أو بلا مدة نحو خِنْصَر، أو مذكرا نحو حمار، أو بعلامة التأنيث نحو سحابة لم يجمع على أفعُل، وندر من المذكر طِحَال وأطحُل، وغُراب وأغرُب، وعَتَاد وأعتُد، ونحوها.
وقد أشار إلى هذه الشروط بقوله:
إِنْ كان كالعنَاقِ والذِّراعِ في ... مدٍّ وتأنيثٍ وعَدِّ الأحرُفِ
تنبيهات:
الأول: فهم من تمثيله أن حركة الأول لا يشترط كونها فتحة أو غيرها لتمثيله بالمفتوح والمكسور.
__________
1 أدل وأظب: أصلهما أدلو وأظبي فقلبت ضمة اللام والباء كسرة والواو ياء وحذفت الياء الأصلية في أظبي والمنقبلة في أدلو على حد الحذف في قاض وغاز.
2 العناق: أنثى المعز والجمع أعنق وعنوق.

(3/1380)


الثاني: فهم من إطلاقه "في مد" أن الألف وغيرها من أحرف المد في ذلك سواء.
الثالث: فائدة قوله: "وعد الأحرف" التنبيه على الشرط الرابع -وهو التعري من العلامة- ولولا التنبيه على هذا لم يكن له فائدة؛ لأنه صرح أولا بالرباعي.
وغيرُ ما أفعُلُ فيه مطَّرِدْ ... من الثلاثي اسمًا بأفعالٍ يَرِدْ
يعني: أن أفعالا يطرد في جمع اسم ثلاثي لم يطرد فيه أفعُل، وهو فَعْل الصحيح العين، فاندرج في ذلك فَعْل المعتل نحو ثوب وسيف، وغير فَعْل من أوزان الثلاثي، وهي فِعْل نحو حزب وأحزاب، وفُعْل نحو صُلْب وأصلاب1، وفَعَل نحو جَمَل وأجمال، وفَعِل نحو وعل وأوعال2، وفَعُل نحو عضد وأعضاد، وفُعُل عنق وأعناق، وفُعَل نحو رطب وأرطاب، وفِعِل نحو إبل وآبال، وفِعَل نحو ضِلَع وأضلاع.
وأما فَعْل الصحيح العين، وهو الذي يطرد فيه أفعل، فلا يجمع على أفعال إلا نادرا نحو: فَرْخ وأفراخ، وزَنْد وأزناد3، وسمع من ذلك شيء كثير، حتى لو قيل: ذهب ذاهب إلى اقتباسه، لذهب مذهبا حسنا، وذهب الفراء إلى أنه ينقاس فيما فاؤه واو نحو وهم وأوهام، أو همزة نحو ألف وآلاف ومذهب الجمهور أنه لا ينقاس فيهما ولا في غيرهما. وذكر في شرح الكافية أن أفعالا أكثر من أفعُل في فَعْل الذي فاؤه واو نحو: وقت وأوقات ووهم وأوهام، والمضاعف نحو: عم وأعمام وجد وأجداد، وذكر أن جمع الذي فاؤه واو على أفعل شاذ نحو: وجه وأوجه، وأن المضاعف لم يسمع فيه أفعل إلا نادرا.
قلت: وهذا يؤيد مذهب الفراء فيما فاؤه واو، بل يقتضي ألا يكون أفعل مطردا في هذين النوعين، وقد صرح في التسهيل بمخالفة الفراء.
وغالبًا أغناهُمُ فِعْلانُ ... في فُعَل كقولهم صِرْدَانُ
__________
1 الصُّلْب -بضم الصاد- كل ظهر له فقار، والغليظ الشديد.
2 الوَعِل -بفتح الواو وكسر العين- التيس الجبلي.
3 الزند: العود الأعلى الذي يقدح به النار. والزندة -بالهاء- العود الأسفل. والزند: موصل طرف الذراع في الكف.

(3/1381)


يعني: أن الغالب في فُعَل أن يجمع على فِعْلان -بكسر الفاء- كقولهم في صُرَد: صِرْدان، وفي نُغَز: نِغْزان1، وقد جاء بعضه على أفعال نحو: رطب وأرطاب، وإليه أشار بقوله: "غالبا"، ونص في التسهيل على أن أفعالا فيه نادر.
قلت: فلا ينبغي أن يمثل به فيما يطرد فيه أفعال.
في اسمٍ مذكرٍ رباعيٍّ بِمَدّ ... ثالثٍ أفعِلَةُ عنهُمُ اطَّرَدْ
يعني: أن أفعلة يطرد في جمع اسم مذكر رباعي بمدة ثالثة نحو: طعام وأطعمة، ورغيف وأرغفة، وعمود وأعمدة، وقال المهاباذي2: وربما شذ شيء من هذا فلم يستعملوا فيه أفعلة قالوا: كتاب وكتب، ولم يقولوا: أكتبة. واحترز بالاسم من الصفة وبالمذكر من المؤنث، وبالرباعي من الثلاثي، وبالمدة الثالثة من العاري عنه، فلا يجمع شيء من ذلك على أفعلة، إلا ما ندر من قولهم: شحيح وأشِحَّة -وهو صفة- وعقاب وأعقبة -وهو مؤنث، وإنما قياسه أفعل- وقدح وأقدحة -وهو ثلاثي- وجائز وأجوزة -وليست مدته ثالثة- والجائز: الخشبة الممتدة في أعلى السقف.
والزَمْهُ في فَعَالٍ أو فِعَالِ ... مُصَاحِبي تضعيف أو إعلالِ
يعني: أن أفعل ملتزم في جمع فَعال -بفتح الفاء- وفِعال -بكسرها- مضاعفين نحو: بتات3 وأبتة، وزمام وأزمة، أو معتل اللام نحو: قَباء وأقبية، وإناء وآنية، فإن قلت قد شذ قولهم: عِنَان وعُنُن، وحَجَاج وحُجُج4، وقالوا في جمع سماء بمعنى المطر: سُمِيّ، والقياس: أسمية، وهو مسموع أيضا، فكان ينبغي أن يقول: "والزمه في غير شذوذ".
__________
1 النغز: طير كالعصفور أحمر اللون يسمى البلبل، والأنثى نغزة. والصرد: طائر ضخم الرأس يصطاد العصافير.
2 هو أحمد بن عبد الله المهاباذي الضرير. قال ياقوت: من تلاميذ عبد القاهر الجرجاني، له شرح اللمع.
3 بتات: متاع البيت، وأبتة: أصله أبتتة، فالتقى مثلان فنقلت حركة أولهما إلى الساكن قبله ثم أدغم أحد المثلين في الآخر، وكذا يقال في أزمة.
4 عِنَان -بكسر العين- ما يقاد به الفرس، وبفتحها السحاب.
وحجاج -بفتح الحاء وكسرها- العظم الذي ينبت عليه الحاجب.

(3/1382)


قلت: وقد أشار إلى ذلك بعد بقوله:
ما لم يُضاعَفْ في الأعم ذو الألف
وسيأتي.
فُعْلٌ لنحو أحْمَر وحَمْرَا
من أمثلة جمع الكثرة فُعْل، وهو مطرد في أفل فعلاء، صفتين متقابلتين نحو أحمر وحمراء فتقول فيهما: حمر. ومنفردين لمانع في الخلقة، نحو رجل أكمر -للعظيم الكمرة1- وامرأة عفلاء2 فتقول فيهما: كُمْر وعُفْل، فإن كانا منفردين لمانع في الاستعمال خاصة نحو: رجل آلى3 وامرأة عجزاء4 ولم يقولوا: رجل أعجز ولا امرأة ألياء في أشهر اللغات؛ ففي اطراد فُعْل في هذا النوع خلاف. ونص في شرح الكافية على اطراده، وتبعه الشارح، ونص في التسهيل على أن فُعْلا فيه محفوظ.
فإن قلت: فما المفهوم من كلامه هنا؟
قلت: موافقة شرح الكافية؛ لأنه أحال على التمثيل بأحمر وحمراء، فكل ما شابهه في الوزن والوصف جمع جمعها، وإن خص كلامه بالمتقابلين لخصوصية المثال لم يستقم لخروج المنفردين لمانع، فتعين التعميم.
تنبيهان:
الأول: يجب كسر فاء هذا الجمع فيما عينه ياء نحو بيض؛ لما سيذكر في التصريف.
الثاني: يجوز في الضرورة ضم عين هذا الجمع بثلاثة شروط: صحة عينه، وصحة كلامه، وعدم التضعيف، كقوله5:
............................ ... وأنكرَتْنِي ذواتُ الأعين النُّجُلِ
__________
1 مانع خلقي بأن تكون خلقة المذكر أو المؤنث غير قابلة للوصف.
والأكمر: العظيم الكمرة وهي حشفة الذكر.
2 عفلاء: العفل: شيء يجتمع في قبل المرأة يشبه الأدرة للرجل، والأدرة: الخصية المنتفخة.
3 آلى: كبير الألية، والأصل أألى بهمزتين ثانيتهما ساكنة، فقلبت الهمزة الثانية ألفا، وكذا الياء لتحركها وانفتاح ما قبلها.
4 عجزاء: أي كبيرة العجز.
5 قائله: لم أقف على اسم قائله، وهو من البسيط.
وصدره:
طوى الجديدان ما قد كنت أنشره =

(3/1383)


وهو كثير، فإن اعتلت عينه نحو بيض وسود، أو لامه نحو عُمْي وعُشْو، أو كان مضاعفا نحو غُر جمع أغَرّ، لم يجز الضم.
..................... ... وفَعْلَةٌ جمعًا بنقلٍ يُدْرَى
هذا هو رابع جمع القلة، ولم يطرد في شيء من الأبنية، بل هو محفوظ في ستة أوزان: فَعيل نحو صبي وصبية، وفَعَل نحو فتى وفتية، وفَعْل نحو شيخ وشيخة، وفُعَال نحو غلام وغلمة، وفَعَال نحو غزال وغزلة، وفِعَل نحو ثِنَى وثنية على وزن عِدَى حكاه الفارسي، والثِّنى: هو الثاني في السيادة. فإن قلت: فما فائدة قوله: "وفعلة جمعا" وقد علم بذكره أولا أنه جمع؟
قلت: التعريض بقول ابن السراج؛ ولذلك لم يقل مثل هذا في غيره من جموع القلة؛ "إذ لا خلاف فيها"1.
تنبيه:
لو قدم قوله: "وفعلة جمعا بنقل يدرَى" على قوله: "فعل لنحو أحمر وحمرا" لتوالت جموع القلة.
وفَعُلٌ لاسم رُباعي بمد ... قد زِيدَ قبل لامٍ اعلالا فَقَدْ
ما لم يُضاعَفْ في الأعم ذُو الأَلِفْ ... ...............................
من أمثلة جمع الكثرة فعل، وهو مطرد في اسم رباعي بمد قبل لامه صحيح اللام، فإن كانت مدته ياء أو واوا ولم يشترط فيه غير ذلك نحو: قضيب وقُضُب، وعمود وعُمُد. فإن كانت ألفا اشترط فيه مع ذلك ألا يكون مضاعفا نحو: قَزَال وقُذُل2 وحِمَار وحُمُر.
__________
= اللغة: "الجديدان" الليل والنهار "الأعين" جمع عين "النجل" بضم النون جمع نجلاء من النجل وهو سعة شق العين، والرجل أنجل والعين نجلاء.
الإعراب: "طوى" فعل ماض "الجديدان" فاعل "ما" موصولة في محل نصب مفعول "قد" حرف تحقيق "كنت" كان واسمها "أنشره" جملة في محل نصب خبر كان، وجملة كان واسمها وخبرها لا محل لها صلة الموصول "أنكرتني" فعل ماض والتاء للتأنيث والنون للوقاية والياء مفعول "ذوات" فاعل "الأعين" مضاف إليه "النجل" صفة الأعين.
الشاهد: قوله: "النجل" فإنه حرك الجيم للضرورة، والقياس تسكينها.
مواضعه: ذكره الأشموني 677/ 3، والسيوطي في الهمع 175/ 2.
1 ب، ج.
2 القذال: جماع مؤخر الرأس، ومعقد العذار من الفرس خلف الناصية.

(3/1384)


واحترز بالاسم من الصفة فإنها لا تجمع على فُعُل، وشذ في وصف على فَعال نحو: صَناع وصُنَع، وفِعال نحو: ناقة كِنَاز ونوق كُنُز، وذهب بعضهم إلى أنه قياس فيهما وبالرباعي من غيره، وشذ نحو: رهن ورهن ونَمِر ونُمُر، قال1:
فيها عيَايِيلُ أُسُودٍ ونُمُرْ
وقيل: يجوز أن يكون قصره من نمور ضرورة. وبالمد من العاري منها، وبصحة اللام من المعتلها نحو سقاء، فإنه لا يجمع على فُعُل، وسبب ذلك أنه لو جمع عليه لأدى إلى قلب الياء واوا فيصير إلى سُقُو، وقياسه حينئذ قلب الواو ياء والضمة كسرة فيصير إلى سُقِي، وهو بناء تنكبته العرب، وبعدم التضعيف في ذي الألف عن نحو: بتَات وزِمام، فإن قياسه أفعلة، وأشار بقوله: في الأعم، إلى شذوذ قولهم: عِنان وعُنُن وحِجاج وحُجُج، وفهم من تخصيص ذلك بذي الألف أن المضاعف من ذي الياء نحو سرير، وذي الواو نحو ذلول، يجمع على فعل نحو: سرير وسرر وذلول وذُلُل.
تنبيهات:
الأول: لا فرق في الاسم الرباعي الجامع للشروط بين أن يكون مذكرا كما مُثِّلَ، أو مؤنثا نحو: أتان وأُتن، وقَلوص وقُلص2، فكلاهما يطرد فيه فُعُل.
__________
1 قائله: أنشده سيبويه لحكيم بن معية الربعي من تميم يصف فتاة نبتت في موضع محفوف بالجبال والشجر، وهو من الرجز.
وقبله:
حفت بأطواد جبال وسمر ... في أشب الغيطان ملتف الحظر
اللغة: "حفت" أحيطت "بأطواد" جمع طود وأصله الجبل العالي، والمراد هنا الشديد الارتفاع "الحظر" الموضع الذي حوله شجر كالحظيرة "أشب" ملتف ومختلط "الغيطان" جمع غوط وهي الأرض المطمئنة الواسعة "عياييل" جمع عيل -واحد العيال- والمراد أشبال السباع.
الإعراب: "فيها" جار ومجرور خبر مقدم والضمير عائد إلى الغيطان "عياييل" مبتدأ مؤخر "أسود" بدل من عياييل أو بيان لها. وروي بالجر على الإضافة، ويكون من إضافة الصفة إلى الموصوف.
الشاهد: قوله: "نمر" جمع نمر على نمر، والقياس: نمور.
مواضعه: ذكره ابن هشام في شرح الألفية 112/ 4، وابن يعيش 18/ 5.
2 القلوص -بفتح القاف- الناقة الشابة.

(3/1385)


الثاني: ما مدته ألف ثلاثة أقسام: مفتوح الأول، ومكسوره، ومضمومه.
أما الأول والثاني ففُعُل فيهما مطرد، وتقدم تمثيلهما، وأما الثالث فظاهر إطلاقه هنا اطراد فُعُل فيه، وصرح بذلك في شرح الكافية، فإنه مثل بقُراد وقُرُد، وكُراع وكُرُع في المطرد، وتبعه الشارح، وذكر في التسهيل أن فُعُلا نادر في فُعَال وهو الصحيح؛ فلا يقال في غراب: غُرُب، ولا في عُقاب: عُقُب.
وإذا قلنا باطراده فيشترط ألا يكون مضاعفا كما شرط ذلك في أخويه.
الثالث: يجب في غير الضرورة تسكين عين هذا الجمع إن كانت واوا نحو: سِوار وسور، ومن ضمها في الضرورة قوله1:
أغَرُّ الثنايا أحم اللِّثَاتِ ... يحسِّنُها سُوُكُ الإِسْحِلِ
قال الفراء: وربما قالوا: عون كرسل، فعلوا ذلك فرقا بين العوان والعانة، أي: بين جمعهما، والبصريون لا يجيزون ضم هذه الواو إلا في الشعر، ويجوز تسكين عينه إن لم تكن واوا نحو: قُذْل وحُمْر في قذل وحمر، وإن كانت ياء كسرت الفاء عند التسكين فتقول في سيال: سُيُل وسيل2، فإن كان مضاعفا لم يجز تسكينه، لما يؤدي إليه من إدغام، وندر قولهم: ذُباب وذُبُّ، والأصل: ذُبُب.
الرابع: اطرد عند تميم وبعض كلب فتح عين فعل المضاف تخفيفا فقيل في الاسم فقط، فلا يصح في ثياب جدد إلا الضم، وقيل: مطلقا في الاسم
__________
1 قائله: لم أقف على اسم قائله، وهو من المتقارب.
اللغة: "أغر" أبيض "الثنايا" جمع ثنية وهي الأسنان الأربعة التي يليها الرباعيات "أحم" من الحمة وهو لون بين الدهمة والكمتة "اللثات" جمع لثة، وهي اللحمة المركبة فيها الأسنان "يحسنها" يجملها "سوك" جمع سواك "الإسحل" -بكسر الهمزة- شجر يتخذ منه المساويك.
الإعراب: "أغر" مرفوع على أنه خبر لمبتدأ محذوف أي: هو أغر "الثنايا" مضاف إليه "أحم" خبر بعد خبر "اللثات" مضاف إليه "يحسنها" فعل مضارع والهاء مفعوله "سوك" فاعل "الإسحل" مضاف إليه.
الشاهد: قوله: "سوك" حيث ضم فيه الواو، والقياس: تسكينها.
مواضعه: ذكره الأشموني 669/ 3.
2 السيال: ضرب من الشجر له شوك.

(3/1386)


والصفة، وإلى الأول ذهب ابن قتيبة وغيره من أئمة اللغة، واختاره ابن الصائغ، وإلى الثاني ذهب أبو الفتح والشلوبين.
الخامس: ذكر في الكافية والتسهيل أن فُعُلا طرد في نوعين: أحدهما المتقدم، والآخر فُعُول بمعنى فاعل نحو: صبور وصُبُر، فإن كان بمعنى مفعول لم يجمع على فُعُل نحو رَكوب، ولم يذكره هنا، فأوهم أنه غير مقيس، وليس كذلك.
..................... ... وفُعَلٌ جمعا لفُعلة عُرِف
ونحوِ كُبرى .......... ... ......................
من أمثلة جمع الكثرة فُعل، ويطرد في نوعين:
الأول: فُعْلة - اسما نحو: غُرفة وغُرَف، فإن كانت صفة نحو ضُحكة1 لم يجمع على فُعَل.
الثاني: الفُعْلَى - أنثى الأفعل نحو: الكُبَرى والكبر، فإن لم تكن أنثى الأفعل نحو بُهمَى ورُجعَى لم يجمع على فُعَل.
تنبيهات:
الأول: قوله: "ونحو" بالجر معطوف على فاعله، أي ولنحو.
الثاني: فهم من تمثيله بكبرى أن مراده أنثى الأفعل، احترازا من غيرها كما سبق.
الثالث: أخل هنا باشتراط الاسمية من فُعْلة، وهو شرط كما تقدم فلو قال: "فُعَل لفُعلة اسما عرف" لأجاد.
الرابع: اقتصر هنا وفي الكافية على هذين النوعين، أعني فعلة اسما والفُعلَى أثنى الأفعل، وقال في شرح الكافية بعد ذكرهما: وشذ فيما سوى ذلك، يعني فُعَلا، وزاد في التسهيل نوعا ثالثا وهو فُعُلَة اسما نحو: جُمُعة وجُمَع، فإن
__________
1 ضحكة -بضم فسكون- وهو من يُضحك منه كثيرا، وأما بضم ففتح فهو مَن يضحك كثيرا.

(3/1387)


كان صفة نحو امرأة شُلُلة -وهي السريعة- لم يجمع على فُعَل. وتقدم رابع يطرد فيه فُعَل عند بعض تميم وكلب.
الخامس: اختلف في ثلاثة أنواع أخر؛ الأول: فُعْلى مصدرا نحو رُجْعى، والثاني: فَعْلة -بفتح الفاء- فيما ثانيه واو ساكنة نحو جَوْزَة، فقاسه الفراء في هذين النوعين فتقول: رُجَع وجُوَز كما قالوا في رؤيا ونوبة: رُؤًى ونُوَب. وغيره يجعل رُؤًى ونوب مما يحفظ ولا يقاس عليه. والثالث: فُعْل مؤنثا بغير تاء نحو جُمْل، فهذا يجمع على فُعَل قياسا عند المبرد، وغيره يقصره إن جاء على السماع. وقوله في الكافية: وجُمْل مثل بُرُمة في فُعَل - يقتضي موافقة المبرد.
............... ولفِعلَةٍ فعَلْ ... ..........................
من أمثلة جمع الكثرة فِعْلٌ، وهو مطرد في فعلة، قال في التسهيل: اسما تاما، نحو فرقة وفرق، واحترز بالاسم من الصفة كقولهم: صِغرَة وكِبرَة وعِجزَة في ألفاظ ذكرت في المخصص، وذكر أنها تكون هكذا للمفرد وللمثنى والمجموع، وبالتام من نحو رِقَة فإن أصله ورق، لكن حذفت فاؤه.
فإن قلت: فقد أخل هنا بالشرطين.
قلت: أما اشتراط الاسمية فإنه أخل به في فعلة كما أخل به في فعلة، ولو قال: لفعلة اسما، وجاء بعضه على فعل لأوضح.
وأما الثاني: فقد أجاب عنه بأن نحو رقة بعد الحذف لم يبقَ على وزن فعلة، وإنما ذلك باعتبار أصله.
فإن قلت: قد زعم بعض النحويين أن فعلة لم يجئ صفة فلعله إنما لم يعتد بالاسمية بناء على هذا كما تقدم.
قلت: تقييده بالاسمية في التسهيل يرد ذلك، وأيضا فقد ثبت ورود فعله صفة "فليس نفيه بصحيح"1.
فإن قلت: ما حكم فُعلة -بضم الفاء- إذا حذفت فاؤه؟
__________
1 ب، ج. وفي أ بإسقاط فليس.

(3/1388)


قلت: لم يشترط في التسهيل التمام إلا في فِعلة -بكسر الفاء- والقياس يقتضي تساويهما، فلعله إنما لم يذكر ذلك في فعلة -بضم الفاء- لأنه قليل جدا قالوا: في وصله صلة.
تنبيه:
قاس الفراء فِعَلا في فِعْلى اسما نحو: ذكرى وذِكَر، وفَعْلة يائي العين نحو: ضيعة وضِيَع، كما قاس فُعَلا في نحو: رُؤْيا ونَوْبة، وقاسه الفراء في نحو هند، كما قاس فُعَلا نحو جُمْل، ومذهب الجمهور أنه إن ورد لم يقس عليه هذه الأنواع، وقوله في الكافية: وهند مثل كِسْرةٍ في فِعَل.
يقتضي موافقة المبرد كما في نحو جمل "وقد يجيء جمعه على فُعَل" يعني أن فِعلة -بكسر الفاء- قد تجمع على فعل كقولهم: حِلية وحُلى، ولِحية ولِحى، وهو شاذ، وقال بعضهم: حِلى ولِحى -بالكسر- على القياس.
تنبيه:
كما ناب فُعَل عن فِعَل في حلية ولحية ناب فِعَل عن فُعَل في صورة وقوة قالوا: صِوَر وقِوى، بكسر أولهما شذوذا.
في نحو رامٍ ذُو اطراد فُعَلَه
من أمثلة جمع الكثير فُعلة -بضم الفاء- وهو مطرد في فاعل وصفا لمذكر عاقل معتل اللام نحو: رام ورُماة وقاض وقُضاة، وإلى هذه الشروط بقوله في التمثيل برام، فاحترز بفاعل من وصف على غير فاعل، وبالصفة من نحو واد، وبالمذكر من نحو رامية، وبالعاقل من نحو أسد ضارٍ1، وبالمعتل من نحو ضارب، فلا يجمع شيء من ذلك على فُعَلة، وشذ في صفة على غير فاعل نحو كمي وكماة، وفي فاعل اسما نحو بازٍ وبُزاة، وفيه شذوذ من وجه آخر؛ لأنه غير عاقل، وفي وصف على فاعل صحيح اللام قالوا: هادر وهُدَرَة -بالدال المهملة- وهو الرجل الذي لا يعتد به.
__________
1 ضار -بتخفيف الراء- من الضراوة لا بتشديدها من الضرر.

(3/1389)


تنبيه:
اختلف النحويون في وزن رماة ونحوه، فذهب الجمهور إلى أنه فعلة، وهو مما انفرد به المعتل إلا ما ندر، أعني هدرة، وذهب الفراء إلى أن وزنه فعّل نحو شاهد وشهد بدليل مجيء بعض ذلك كقولهم: غُزّى جمع غاز والهاء فيه عوض من ذهاب التضعيف، وذهب بعضهم إلى أن وزنه فعلة -بالفتح- نحو حملة، وضمت فاؤه فرقا بين الصحيح والمعتل.
....................... ... وشاعَ نحوُ كاملٍ وكَمَلَهْ
ومن أمثلة جمع الكثرة فعلة -بفتح الفاء- وهو مطرد في فاعل وصفا لمذكر عاقل صحيح اللام نحو: كامِل وكَمَلة وبارّ وبَرَرَة، وأشار بالمثل أيضا إلى الشروط.
واحترز من غير فاعل ومن فاعل اسما أو مؤنثا أو غير عاقل أو معتل اللام، ولا يجمع شيء من ذلك على فعلة باطراد، وشذ في غير فاعل نحو: سيِّد وسادَة، وقل في غير العاقل نحو: ناعق ونَعَقَة -وهي الغربان.
تنبيه:
لو قال كذاك نحو: كامل وكملة، لكان أنصّ؛ لأن الشياع لا يلزم منه الاطراد.
فَعْلَى لوصفٍ كقتيلٍ وزَمِنْ ... وهالك ومَيِّت به قَمِنْ
من أمثلة جمع الكثرة فَعْلَى، وهو مطرد في وصف على فَعِيل بمعنى مفعول دال على هلك أو توجع، قال في شرح الكافية: أو تشتت نحو: قتيل وقتلى وجريح وجرحى وأسير وأسرى، ويُحمَل عليه ما أشبه في المعنى من فَعِل كزَمِن وزَمْنَى، وفاعل كهالك وهلكى، وفَيْعل كميت وموتى، وزاد في الكافية والتسهيل فعيل بمعنى فاعل كمريض ومَرْضى، وأَفْعَل كأحمق وحَمْقى، وفَعْلان كسكران وسَكْرَى، قال: وبه قرأ حمزة والكسائي: "وَتَرَى النَّاسَ سَكْرَى وَمَا هُمْ بِسَكْرَى"1 قال: وما سوى ذلك محفوظ، كقولهم: كيس وكيسى، فإنه ليس فيه ذلك المعنى.
لفعلٍ اسما صَحَّ لامًا فِعَلَهْ ... والوضعُ في فَعْلِ وفِعْلٍ قَلَّلهْ
__________
1 من الآية 2 من سورة الحج.

(3/1390)


من أمثلة جمع الكثرة فَعِلة، وهو لاسم صحيح اللام على فُعْل نحو: دُرْج ودِرَجة1 وكُوز وكِوزة، ودُب ودِبَبة، وعلى فعْل وفِعْل قليلا، فالأول نحو: غَرْد وغِردَة2 وزَوْج وزِوَجة، والثاني قِرْد وقِرَدة وحِسْل وحِسَلة وهو الضب، وهو محفوظ في هذين كما يحفظ في غيرهما نحو هادِر وهِدَرة.
واحترز بالاسم من الصفة، وبالصحيح اللام من المعتل نحوى مدى وظبى ونِحْي3 فإنه لا يجمع شيء من ذلك على فِعَلة، وندر في عِلْج عِلَجَة4 لأنه صفة.
وفُعَّلٌ لفاعل وفاعِلَهْ ... وصفَيْنِ نحوُ عاذِلٍ وعاذِلَهْ
من أمثلة جمع الكثرة فُعَّل، وهو مطرد في وصف صحيح اللام على فاعل وفاعلة نحو: عاذل وعذل، وعاذلة وعذل، واحترز بالوصفين من الاسمين نحو: حاجب العين، وجائزة البيت، ولا يجمعان على فعل.
من أمثلة جمع الكثرة فُعَّال وهو مثل فُعَّل في المذكر خاصة، أي: يطرد في وصف صحيح اللام على فاعل نحو: عاذل وعُذَّال، وندر في المؤنث كقوله5:
__________
1 درج -بضم الدال وسكون الراء- وهو وعاء المغازل.
2 غرد -بفتح الغين وسكون الراء- وهو نوع من الكمأة.
3 نحي -بكسر النون وسكون الحاء- وهو وعاء السمن.
4 علج -بكسر فسكون- الرجل من كفار العجم، وهو أيضا الشديد الغليظ.
5 قائله: هو عمير بن شييم -المعروف بالقطامي- وهو من البسيط.
اللغة: "أبصارهن" جمع بصر، والمراد العين مائلة متجهة "صداد" من الصد وهو الإعراض.
المعنى: إن عيون هؤلاء الغواني متجهة إلى الشبان، والحال أنهن لم يعرضن عني ولم ينسينني.
الإعراب: "أبصارهن" مبتدأ وضمير النسوة مضاف إليه "إلى الشبان" جار ومجرور متعلق بقوله مائلة "مائلة" خبر المبتدأ "وقد" حرف تحقيق "أراهن" فعل مضارع وفاعله ضمير مستتر فيه والضمير البارز مفعول أول، "عني" جار ومجرور متعلق بقوله صداد وساغ تقديم معمول المضاف إليه على المضاف لأمرين؛ أولهما: أن المعمول جار ومجرور فيتوسع فيه، والثاني: أن المضاف يشبه حرف النفي، فكأنه ليس في الكلام إضافة "غير" مفعول ثان لأرى "صداد" مضاف إليه. =

(3/1391)


أبصارُهن إلى الشبان مائلةٌ ... وقد أراهُن عني غير صُدَّادِ
وتأوله بعضهم على أن صداد في البيت جمع صاد، وجعل الضمير للأبصار؛ لأنه يقال: بصر صادّ، كما يقال: بصر حادّ.
تنبيه:
قال بعض النحويين: ينظر ما سمع من فعل وفعال في فاعل المذكور فيتبع فإن لم يسمع جمع تصحيحا، فإن فقد شروط التصحيح جمعت بأيهما شئت، وهذا خلاف المفهوم من كلام المصنف. وقوله: "وذان" الإشارة إلى فُعَّل وفُعَّال، يعني: أنهما ندرا في جمع فاعل المعتل اللام نحو: غاز وغُزَّى، فعلم أن شرط اطرادهما صحة اللام.
فَعْلٌ وفَعْلَةٌ فِعَالٌ لَهُمَا ... وقَلَّ فيما عينُه اليَا مِنْهُمَا
من أمثلة جمع الكثرة فِعَال، وهو مطرد في فعل وفعلة اسمين أو وصفين نحو: كعب وكعاب، وصعب وصعاب، وقصعة وقصاع، وخَدْلة وخدال1، بشرط ألا تكون عينهما ياء، فهم ذلك من قوله: "وقل فيما عينه اليا منهما".
ومن القليل: ضيف وضِياف.
تنبيه:
بقي شرط آخر وهو ألا يكون فاؤهما ياء، وندر قولهم: يِعار جمع يَعْر -وهو الجدي- وقد ذكر هذا في غير هذا الكتاب.
وفَعَلٌ أيضا له فِعَالُ ... ما لم يكن في لامه اعتلالُ
يعني: أن فعال أيضا يطرد في فَعَل نحو: جبل وجبال بثلاثة شروط:
__________
= الشاهد: قوله: "صداد" فإنه جمع صادة بدليل التأنيث في أبصارهن وأراهن وذلك نادر؛ لأن فعال جمع لفاعل لا لفاعلة.
مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني 684/ 3، وابن هشام 109/ 4. وابن عقيل 344/ 2.
1 خدلة: أي ممتلئة الساقين والذراعين.

(3/1392)


الأول: ألا تكون لامه معتلة، احترازا من نحو فتى.
والثاني: ألا يكون مضعفا، احترازا من نحو طلل.
والثالث: أن يكون اسما لا صفة، ونص على الثاني بقوله: "أو يك مضعفا" وأما الثالث فقد ذكره في التسهيل "ومثل فَعَل ذو التا" يعني: أن فَعلة يجمع على فعال باطراد كفعل نحو: رقبة ورقاب، ويشترط فيه ما اشترط في فعل. والله أعلم. وقوله: "وفِعْلٌ مع فُعْل فاقبل" يعني: أن فعالا يطرد فيها أيضا نحو: قِدْح وقِدَاح ورُمْح ورِمَاح.
تنبيه:
يشترط في هذين الوزنين أن يكونا اسمين احترازا من نحو: جِلْف وجلوف1. ويشترط في ثانيهما ألا يكون واوي العين كحوت، ولا يائي اللام كمُدْي2.
وفي فَعِيلٍ وَصْفَ فاعلٍ وَرَدْ ... كذاك في أُنْثَاهُ أيضا اطَّرَدْ
يطرد فعال أيضا في فعيل بمعنى فاعل وفعيلة مؤنثة نحو ظريف وظريفة يجمعان على ظراف. واحترز من فعيل بمعنى مفعول ومؤنثه نحو: جريح وجريحة، فلا يقال فيهما: جِراح.
تنبيهات:
الأول: يشترط في فعيل بمعنى فاعل وأنثاه أن يكونا صحيحي اللام، ذكره في التسهيل.
الثاني: زعم العبدي3 أن فعالا يختص بجمع فعيلة المؤنث وهو خطأ، بل يشترط فيه المذكر والمؤنث.
__________
1 جلف: وهو الشاة المسلوخة بلا رأس ولا قوائم، ومنه الرجل الجافي في خلقه.
2 المدي: هو القفيز الشامي، وهو غير المد، وقياس جمعه: أمداء.
3 هو أحمد بن بكر بن أحمد العبدي أبو طالب، أحد أئمة النحاة المشهورين، قال ياقوت: كان نحويا لغويا قرأ على السيرافي والرماني والفارسي، وله شرح الإيضاح، شرح كتاب الجرمي، ومات يوم الخميس العاشر من شهر رمضان سنة ست وأربعمائة.

(3/1393)


الثالث: قد اتضح بما تقدم أن فعالا مطرد في ثمانية أوزان:
فَعْل، وفَعْلة، وفَعَل، وفَعَلَة، وفِعْل، وفُعْل، وفَعِيل، وفَعِيلة - بالشروط المذكورة.
وشاع في وصف على فَعْلانا ... أو أنثييه ...................
أي: كثر فِعال في وصف على فَعلان نحو: غضبان وغِضاب، وندمان ونِدام، أو على فعلى نحو: غضبى وغِضاب أيضا، أو على فعلانة نحو: ندمانة ونِدام، وهما أنثيا فعلان؛ لأن مؤنثه يكون على فعلى وفعلانة، وقوله: "أو على فعلانا" -بضم الفاء- نحو: خُمصان وخِماص1، وكذلك فعلانة أنثاء نحو: خُمصانة وخِماص أيضا، وإليها أشار بقوله:
........................ ... .......... أو على فعلانا
فهذه خمسة أوزان: فَعْلان، وفَعْلى، وفَعْلانة، وفُعْلان وفعلانة - كثر فيها فعال.
فإن قلت: فهل يطرد فيها؟
قلت: صرح في شرح الكافية بعدم الاطراد فيها فقال: وشاع دون اطراد، وظاهر التسهيل اطراده، وقوله:
ومثلُه فُعلانة والزمْه في ... نحو طويل وطويلة تَفِي
أي: التزم فعالا فيما عينه واو ولامه صحيحة من فعيل بمعنى فاعل وفعيلة أنثاه نحو طويل وطويلة، فنقول فيهما: طوال، ولم تجاوزه فيهما إلا إلى التصحيح2.
وبفُعُول فَعِل نحو كَبِدْ ... يُخَصُّ غالبا ........
من أمثلة الكثرة فُعُول، وهو مطرد في اسم على فَعِل نحو: كبد وكُبُود ونمر ونُمُور، ولم يجاوزوا فُعُولا في جمع فعل إلى غيره من جموع الكثرة غالبا، وإلى هذا أشار بقوله: "يخص غالبا".
وأشار بقوله: "غالبا" إلى أنه قد يجمع على غير فُعُول نادرا، نحو: نَمِر ونُمُر،
__________
1 الخمصة: الجوعة، وخمص البط -مثلثة- خلا، ورجل خمصان وخميص الحشا: ضامر البطن، وهي خمصانة، والجمع خماص.
2 نحو: طويلين وطويلات.

(3/1394)