Contents

الواجهة
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد
مقدمة
باب الألف
باب الثاء
باب الجيم
باب الحاء
باب الخاء
باب الدال
باب الراء
باب الزاي
تابع باب الزاء
تابع لحرف الزاء
تابع لحرف الزاء
باب الطاء
باب الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع حرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
باب النون
باب الصاد
باب الضاد
باب العين
تابع لحرف العين
تابع حرف العين
تابع لحرف العين
تابع لحرف العين
باب القاف
باب السين
باب الشين
باب الهاء
باب الواو
باب الياء
تابع باب الياء
باب الكني
باب بلاغات مالك ومرسلاته
باب مافي هذا الديوان من حديث مالك الذي ثبتت عليه أبوابه خاصة
الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج
الديباج - جزء 1
الديباج - جزء 2
الديباج - جزء 3
الديباج - جزء 4
الديباج - جزء 5
الديباج - جزء 6
المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج
المنهاج - مقدمة
المنهاج - الإيمان
المنهاج - الطهارة
المنهاج - الحيض
المنهاج - الصَّلَاة
المنهاج - المساجد ومواضع الصلاة
المنهاج - صلاة المسافرين وقصرها
المنهاج - بَاب صَلَاة الْجُمُعَة
المنهاج - بَاب صَلَاة الْعِيدَيْنِ
المنهاج - بَاب الدُّعَاء فِي صَلَاة الِاسْتِسْقَاء
المنهاج - بَاب صَلَاة الْكُسُوف
المنهاج - كِتَاب الْجَنَائِز
المنهاج - الزكاة
المنهاج - كِتَاب الصِّيَام
المنهاج - كِتَاب الِاعْتِكَاف
المنهاج - كِتَاب الْحَجّ
المنهاج - كِتَاب النِّكَاح
المنهاج - الرضاعة
المنهاج - الطلاق
المنهاج - اللِّعَان
المنهاج - العتق
المنهاج - البيوع
المنهاج - المساقاة
المنهاج - الفرائض
المنهاج - الهبات
المنهاج - الوصية
المنهاج - النذر
المنهاج - الأيمان
المنهاج - القسامة
المنهاج - الحدود
المنهاج - الأقضية
المنهاج - اللقطة
المنهاج - الجهاد والسير
المنهاج - الإمارة
المنهاج - الصيد والذبائح
المنهاج - كِتَاب الْأَضْاحَي
المنهاج - الأشربة
المنهاج - اللباس والزينة
المنهاج - الآداب
المنهاج - السلام
المنهاج - الألفاظ من الأدب وغيرها
المنهاج - الشعر
المنهاج - الرؤيا
المنهاج - الفضائل
المنهاج - فضائل الصحابة
المنهاج - البر والصلة والآداب
المنهاج - القدر
المنهاج - العلم
المنهاج - الذكر والدعاء
المنهاج - التوبة
المنهاج - صفات المنافقين
المنهاج - صفة القيامة والجنة والنار
المنهاج - الجنة وصفة نعيمها وأهلها
المنهاج - الفتن وأشراط الساعة
المنهاج - الزهد والرقائق
المنهاج - التفسير
تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي
أبواب الطهارة
أبواب الصلاة
تابع أبواب الصلاة
أبواب الوتر
أبواب الجمعة
تابع لأبواب الجمعة
أبواب العيدين
أبواب السفر
ابواب الزكاة
أبواب الصوم
أبواب الحج
تابع أبواب الحج
أبواب الجنائز
أبواب النكاح
أبواب الرضاع
أبواب الطلاق واللعان
ابواب البيوع
أبواب الأحكام
أبواب الديات
ابواب الحدود
تابع أبواب الحدود
أبواب الصيد
أبواب الأضاحي
أبواب النذور والأيمان
أبواب السير
أبواب الجهاد
أبواب اللباس
أبواب الأطعمة
أبواب الأشربة
تابع أبواب الأشربة
أبواب البر و الصله عن رسول الله صلى الله عليه و آله سلم
أبواب الطب عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الفرائض عن الرسول صلى الله عليه و سلم
أبواب الوصايا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الولاء و الهبة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب القدر عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم
أبواب الفتن عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الرؤيا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الشهادات عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
تابع لأبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صِفَةُ القِيامَة
أبواب صفة الجنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صفة جهنم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإيمان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب العلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإستئذان والآداب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب العلم
أبواب الأمثال
أبواب فضائل القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب القراءات عن رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم
أبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الدعوات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أحاديث شتى من أبواب الدعوات
المناقب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
مناقب الصحابة رضوان الله عليهم
تنوير الحوالك شرح موطأ مالك
كتاب وقوت الصلاة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب السهو
كتاب الجمعة
كتاب الصلاة في رمضان
كتاب صلاة الليل
كتاب صلاة الجماعة
كتاب قصر الصلاة في السفر
كتاب العيدين
كتاب صلاة الخوف
كتاب صلاة الكسوف
كتاب الاستسقاء
كتاب القبلة
كتاب القرآن
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب الجهاد
كتاب النذور و الأيمان
كتاب الضحايا
كتاب الذبائح
كتاب الصيد
كتاب العقيقة
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الرضاع
كتاب البيوع
كتاب القراض
كتاب المساقاة - كتاب كراء الأرض
كتاب الشفعة - كتاب الأقضية
كتاب الوصية - كتاب العتق والولاء
كتاب المكاتب - كتاب المدبر
كتاب الحدود
كتاب الأشربة - كتاب العقول
كتاب القسامة - كتاب الجامع
كتاب القدر - كتاب حسن الخلق
كتاب اللباس - كتاب صفة النبي
كتاب العين - كتاب الشعر
كتاب الرؤيا - كتاب السلام
كتاب الاستئذان والتشميت والصور والتماثيل وغيرها
كتاب البيعة - كتاب الكلام والعينة والتقى
كتاب جهنم - كتاب الصدقة
كتاب العلم - كتاب دعوة المظلوم - كتاب أسماء النبي
حاشية السندي على سنن ابن ماجة
المقدمة
الطَّهَارَة وَسُنَنهَا
الصلاة
الْأَذَان
المساجد والجماعات
أَبْوَاب إِقَامَة الصَّلَاة
الجنائز
الصوم
الزكاة
النكاح
الطلاق
الكفارات
التجارات
الأحكام
الحدود
الديات
الوصايا
الْفَرَائِض
الجهاد
المناسك
الْأَضَاحِيّ
الذبائح
الصيد
الأطعمة
الأشربة
الطب
اللباس
الْآدَاب
الدُّعَاء
تعبير الرؤيا
الْفِتَن
الزُّهْد
شرح سنن ابن ماجه لمغلطاي
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح رياض الصالحين
شرح رياض الصالحين - 01
شرح رياض الصالحين - 02
شرح رياض الصالحين - 03
شرح رياض الصالحين - 04
شرح سنن أبي داود للعيني
مقدمة التحقيق
كتاب الطهارة
كِتابُ الصَلاَةِ
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
عون المعبود شرح سنن أبي داود
كتاب الطهارة
تابع كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
كتاب الزكاة
تابع لكتاب الزكاة
كتاب اللقطة
كتاب المناسك
تابع لكتاب المناسك
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الصيام
تابع لكتاب الصيام
أول كتاب الجهاد
أول كتاب الضحايا
تابع كتاب الضحايا
أول كتاب الصيد
أول كتاب الوصايا
أول كتاب الفرائض
أول كتاب الخراج والفيء والإمارة
أول كتاب الجنائز
تابع لكتاب الجنائز
كتاب الأيمان والنذور
كتاب البيوع
كتاب الإجارة
كتاب القضاء
تابع لكتاب القضاء
كتاب العلم
كتاب الأشربة
كتاب الأطعمة
كتاب الطب
كتاب الكهانة والتطير
كتاب العتق
أول كتاب الحروف والقراءات
أول كتاب الحمام
أول كتاب اللباس
أول كتاب الترجل
أول كتاب الخاتم
أول كتاب الفتن والملاحم
أول كتاب المهدي
أول كتاب الملاحم
أول كتاب الحدود
أول كتاب الديات
أول كتاب السنة
تابع لكتاب السنة
أول كتاب الأدب
أبواب السلام
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن حجر
فتح الباري - هدي الساري مقدمة فتح الباري
فتح الباري - كتاب بدء الوحي
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب العلم
فتح الباري - كتاب الوضوء
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
فتح الباري - كتاب مواقيت الصلاة
فتح الباري - كتاب الأذان
فتح الباري - كتاب الجمعة
فتح الباري - كتاب الخوف
فتح الباري - كتاب العيدين
فتح الباري - كتاب الوتر
فتح الباري - كتاب الاستسقاء
فتح الباري - كتاب الكسوف
فتح الباري - كتاب سجود القرآن
فتح الباري - كتاب تقصير الصلاة
فتح الباري - كتاب التهجد
فتح الباري - كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة
فتح الباري - كتاب العمل في الصلاة
فتح الباري - كتاب السهو
فتح الباري - كتاب الجنائز
فتح الباري - كتاب الزكاة
فتح الباري - كتاب الحج
فتح الباري - كتاب العمرة
فتح الباري - كتاب المحصر
فتح الباري - كتاب جزاء الصيد
فتح الباري - كتاب فضائل المدينة
فتح الباري - كتاب الصوم
فتح الباري - كتاب صلاة التراويح
فتح الباري - كتاب فضل ليلة القدر
فتح الباري - كتاب الإعتكاف
فتح الباري - كتاب البيوع
فتح الباري - كتاب السلم
فتح الباري - كتاب الشفعة
فتح الباري - كتاب الإجارة
فتح الباري - كتاب الحرث والمزارعة
فتح الباري - كتاب المساقاة
فتح الباري - كتاب الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس
فتح الباري - كتاب الخصومات
فتح الباري - كتاب اللقطة
فتح الباري - كتاب المظالم
فتح الباري - كتاب الشركة
فتح الباري - كتاب الرهن
فتح الباري - كتاب العتق
فتح الباري - كتاب المكاتب
فتح الباري - كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها
فتح الباري - كتاب الشهادات
فتح الباري - كتاب الصلح
فتح الباري - كتاب الشروط
فتح الباري - كتاب الوصايا
فتح الباري - كتاب الجهاد و السير
فتح الباري - كتاب فرض الخمس
فتح الباري - كتاب الجزية و الموادعة
فتح الباري - كتاب بدء الخلق
فتح الباري - كتاب أحاديث الأنبياء
فتح الباري - كتاب المناقب
فتح الباري - كتاب فضائل الصحابة
فتح الباري - كتاب مناقب الأنصار
فتح الباري - كتاب المغازي
فتح الباري - كتاب التفسير
فتح الباري - كتاب فضائل القرآن
فتح الباري - كتاب النكاح
فتح الباري - كتاب الطلاق
فتح الباري - كتاب النفقات
فتح الباري - كتاب الأطعمة
فتح الباري - كتاب العقيقة
فتح الباري - كتاب الذبائح والصيد
فتح الباري - كتاب الأضاحي
فتح الباري - كتاب الأشربة
فتح الباري - كتاب المرضى
فتح الباري - كتاب الطب
فتح الباري - كتاب اللباس
فتح الباري - كتاب الأدب
فتح الباري - كتاب الإستئذان
فتح الباري - كتاب الدعوات
فتح الباري - كتاب الرقاق
فتح الباري - كتاب القدر
فتح الباري - كتاب الأيمان والنذور
فتح الباري - كتاب كفارات الأيمان
فتح الباري - كتاب الفرائض
فتح الباري - كتاب الحدود
فتح الباري - كتاب الديات
فتح الباري - كتاب استتابة المرتدين
فتح الباري - كتاب الإكراه
فتح الباري - كتاب الحيل
فتح الباري - كتاب التعبير
فتح الباري - كتاب الفتن
فتح الباري - كتاب الأحكام
فتح الباري - كتاب التمني
فتح الباري - كتاب أخبار الأحاد
فتح الباري - كتاب الإعتصام بالسنة
فتح الباري - كتاب التوحيد
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن رجب
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
مقدمة
خطبة الكتاب
كتاب الإيمان
كتاب العلم
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصوم
كتاب فضائل القرآن
كتاب الدعوات
كتاب المناسك
كتاب البيوع
كتاب الفرائض والوصايا
كتاب النكاح
كتاب العتق
كتاب القصاص
كتاب الديات
كتاب الحدود
كتاب الإمارة والقضاء
كتاب الجهاد
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأطعمة
كتاب اللباس
كتاب الطب والرقى
كتاب الرؤيا
كتاب الآداب
كتاب الرقاق
كتاب الفتن
كتاب صفة القيامة والجنة والنار
كتاب الفضائل والشمائل
كتاب المناقب

 
عودة لموقع هاني الطنبور
هاني الطنبور
الصفحة السابقة الصفحة التالية
 
 

 

التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد

المجلد الثاني
باب الثاء
ثور بن زيد
الحديث الأول
...
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه
باب الثاء
ثور بن زيد الديلي هو من أهل المدينة صدوق روى عنه مالك بن أنس وسليمان بن بلال وأبو أويس والدراوردي لم يتهمه أحد بالكذب وكان ينسب إلى رأي الخوارج والقول بالقدر ولم يكن يدعو إلى شيء من ذلك قال أحمد بن حنبل هو صالح الحديث وقد روى عنه مالك
قال أبو عمر:
كأنه يقول حسبك برواية مالك عنه وتوفي ثور بن زيد هذا سنة خمس وثلاثين ومائة لا يختلفون في ذلك وذكر الحسن بن علي الحلواني عن علي بن المديني قال كان يحيى بن سعيد يأبى إلا أن يوثق ثور بن زيد وقال إنما كان رأيه وأما الحديث فإنه ثقة.

(2/1)


قال أبو عمر:
لمالك عنه في الموطأ من حديث النبي صلى الله عليه وسلم أربعة أحاديث أحدها مسند متصل والثلاثة منقطعة يشركه في أحد الثلاثة حميد بن قيس قال البخاري سمع ثور ابن زيد الديلي المدني من عكرمة وأبي الغيث.
قال أبو عمر:
أبو الغيث مولى ابن مطيع يسمى سالما وهو مولى عبد الله بن مطيع بن الأسود القرشي العدوى أحد بني عدي بن كعب

(2/2)


"حديث أول لثور بن زيد مسند"
مالك عن ثور بن زيد الديلي عن أبي الغيث سالم مولى ابن مطيع عن أبي هريرة أنه قال "خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام خيبر فلم نغنم ذهبا ولا ورقا إلا الأموال الثياب والمتاع قال فأهدى رفاعة بن زيد لرسول الله صلى الله عليه وسلم غلاما أسود يقال له مدعم فوجه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى وادي القرى حتى إذا كانوا بوادي القرى بينما مدعم يحط رحل رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاءه سهم عائر فأصابه فقتله فقال الناس هنيئا له الجنة فقال رسول الله كلا والذي نفسي بيده أن الشملة التي أخذ يوم خيبر من المغانم لم تصبها المقاسم لتشتعل عليه نارا قال فلما سمع الناس ذلك جاء رجل بشراك أو شراكين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله شراك أو شراكان من نار"

(2/3)


هكذا قال يحيى خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام خيبر وتابعه على ذلك عن مالك قوم منهم الشافعي وابن القاسم والقعنبي وقال جماعة من الرواة عن مالك في هذا الحديث خرجنا مع رسول الله عام حنين والله أعلم بالصواب وقال يحيى إلا الأموال الثياب والمتاع وتابعه قوم وقال ابن القاسم إلا الأموال والثياب والمتاع وكذلك قال الشافعي فلم نغنم ذهبا ولا ورقا إلا الثياب والمتاع والأموال وروى هذا الحديث أبو إسحاق الفزاري عن مالك قال حدثني ثور بن زيد قال حدثني سالم مولى ابن مطيع أنه سمع أبا هريرة يقول افتتحنا خيبر فلم نغنم ذهبا ولا فضة إنما غنمنا الإبل والبقر والمتاع والحوائط فجود أبو إسحاق مع جلالته إسناد هذا الحديث بسماع بعضهم من بعض وقضى بأنها خيبر لا حنين ورفع الإشكال.
ففي هذا الحديث أن بعض العرب وهي دوس لا تسمى العين مالا وإنما الأموال عندهم الثياب والمتاع والعروض وعند غيرهم المال الصامت من الذهب والورق وذكر ابن الأنباري عن أحمد بن يحيى النحوي قال ما قصر عن بلوغ ما يجب فيه الزكاة من الذهب والورق والماشية فليس بمال وأنشد

(2/4)


والله ما بلغت بي قط ماشية ... حد الزكاة ولا إبل ولا مال
قال وأنشد أحمد بن يحيى أيضا:
ملأت يدي من الدنيا مرارا ... فما طمع العواذل في اقتصادي
ولا وجبت على زكاة مال ... وهل تجب الزكاة على جواد
وهذان البيتان أنشدهما الزبير بن بكار عن محمد بن عيسى لفليح بن إسماعيل
قال أبو عمر:
المعروف من كلام العرب أن كل ما تمول وتملك فهو مال ألا ترى إلى قول أبي قتادة السلمي فابتعت يعني بسلب القتيل الذي قتلته يوم حنين مخرفا في بني سلمة فإنه لأول مال تأثلته في الإسلام وقال الله عز وجل خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وأجمعوا أن العين مما تؤخذ منه الصدقة وإن الثياب والمتاع لا يؤخذ منها الصدقة إلا في قول من رأى زكاة العروض للمدير التاجر نض له في عامه شيء من العين أو لم ينض وقال صلى الله عليه وسلم "يقول ابن آدم مالي مالي وإنما له من ماله ما أكل فأفنى أو تصدق فأمضى أو لبس فأبلي" وهذا أبين من أن يحتاج فيه إلى استشهاد فمن حلف بصدقة ماله فذلك على كل نوع من ماله سواء كان مما تجب فيه الزكاة أو لم يكن إلا أن ينوى شيئا بعينه فيكون على ما نوى ولا معنى لقول من قال إن ذلك على أموال الزكوات لأن العلم محيط

(2/5)


واللسان شاهد في إن ما تملك وتمول يسمى مالا وسنذكر اختلاف العلماء فيمن حلف بصدقة ماله في باب عثمان من هذا الكتاب إن شاء الله
أخبرنا خلف بن سعيد قال حدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا أحمد بن خالد وأخبرنا عبد الله بن محمد بن أسد قال حدثنا أحمد بن محمد بن أبي الموت وحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا محمد بن عيسى قالوا حدثنا علي بن عبد العزيز قال حدثنا أبو عبيد قال حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان عن أبي إسحاق عن حارثة بن مضرب قال جاء ناس من أهل الشام إلى عمر فقالوا إنا أصبنا أموالا خيلا ورقيقا نحب أن يكون لنا منها زكاة وذكر الحديث وفيه إباحة قبول الهدية للخليفة إلا أن ذلك لا يجوز لغير النبي عليه السلام إذا كان منه قبولها على جهة الاستبداد بها دون رعيته وروى حبيب عن مالك عن الزهري عن أنس قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية ويثيب عليها وهذا الحديث وإن كان إسناده غير صحيح لتفرد حبيب به عن مالك فإن قبول رسول الله صلى الله عليه وسلم الهدايا أشهر

(2/6)


وأعرف وأكثر من أن تحصى الآثار في ذلك لكنه كان صلى الله عليه وسلم مخصوصا بما أفاء الله عليه من غير قتال من أموال الكفار أن يكون له خاصة دون سائر الناس ومن بعده من الأئمة حكمه في ذلك خلاف حكمه لأن ذلك لا يكون له خاصة دون المسلمين بإجماع لأنه فيء وفي حديث أبي حميد الساعدي في قصة ابن اللتبية ما يدل على أن العامل لا يجوز له أن يستأثر بهدية أهديت إليه بسبب ولايته لأنها للمسلمين
حدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن وضاح قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا سفيان بن عيينة عن الزهري عن عروة عن أبي حميد الساعدي قال استعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا من الأزد يقال له ابن اللتبية فلما قدم قال هذا لكم وهذا أهدي إلي فقام النبي عليه السلام على المنبر فحمد الله وأثنى عليه وقال "ما بال عامل أبعثه فيقول هذا لكم وهذا أهدي إلي أفلا قعد في بيت أبيه أو بيت أمه حتى ينظر أيهدي إليه أم لا والذي نفس محمد بيده لا ينال أحد منكم شيئا إلا جاء به يوم القيامة يحمله على عنقه بعير له رغاء أو بقرة لها خوار أو شاة تبعر ثم رفع يديه حتى رأينا عفرتي إبطيه ثم قال اللهم هل بلغت"

(2/7)


ورواه هشام بن عروة وأبو الزناد عن عروة بن الزبير عن أبي حميد الساعدي عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله بمعناه.
روى وكيع وغيره عن الأعمش عن شقيق قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد استعمل معاذ بن جبل على اليمن فلما استخلف أبو بكر بعث عمر على الموسم في تلك السنة وقدم معاذ من اليمن برقيق فلقي عمر بعرفة فقال له عمر ما هؤلاء قال هؤلاء لأبي بكر وهؤلاء لي فقال له عمر أرى أن تأتي بهم إلى أبي بكر فتدفعهم إليه فإن سلمهم لك وإلا فهو أحق بهم فقال وما لي أدفع رقيقي إلى أبي بكر لا أعطيه هديتي فانصرف بهم إلى منزله فلما كان من الغد جاء إلى عمر فقال يا ابن الخطاب لقد رأيتني الليلة أشرف على نار قد أوقدت فأكاد أتقحمها وأهوى فيها وأنت آخذ بحجزتي ولا أراني إلا مطيعك قال فذهب إلى أبي بكر فقال هؤلاء لك وهؤلاء أهدوا لي قال فأنا قد سلمنا لك هديتك فرجع معاذ إلى منزله فصلى فإذا هم خلفه يصلون قال ما بالكم قالوا نصلي قال لمن قالوا لله قال فاذهبوا فأنتم لله فأعتقهم وذكر يعقوب بن شيبة قال حدثنا محمد بن يحيى النيسابوري قال حدثنا عبد الرزاق قال أخبرنا معمر عن الزهري عن ابن لكعب بن مالك قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم معاذا إلى اليمن أميرا وكان أول من تجر في مال الله فمكث حتى أصاب مالا وقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قدم معاذ

(2/8)


فقال عمر لأبي بكر أرسل إلى هذا الرجل فدع له ما يعيش به وخذ سائره منه فقال أبو بكر إنما بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم ليجبره ولست بآخذ منه شيئا إلا أن يعطيني وفي قوله في هذا الحديث إلا جاء به يوم القيامة يحمله على عنقه دليل على أنه غلول حرام نار قال الله عز وجل {وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} وقال النبي صلى الله عليه وسلم "هدايا الأمراء غلول" ومن ذلك قوله صلى الله عليه في حديث ثور بن زيد هذا "إن الشملة التي أخذ يوم خيبر من المغانم لم تصبها المقاسم لتشتعل عليه نارا" فكل من غل شيئا في سبيل الله أو خان شيئا من مال الله جاء به يوم القيامة إن شاء الله والغلول من حقوق الآدميين ولا بد فيه من القصاص بالحسنات والسيئات ثم صاحبه في المشيئة وسنذكر ما للعلماء في عقوبة الغال بعد هذا في هذا الباب إن شاء الله
وذكر سنيد عن مبشر عن صفوان بن عمرو عن حبيب ابن عبيد عن عوف بن مالك إن حبيب بن مسلمة أتى برجل قد غل ومعه غلوله فوجد الناس من ذلك وكان أول غلول رأوه في غزوهم بالشام فقام عوف بن مالك في الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أيها الناس إياكم وما لا كفارة له من الذنوب إن الرجل ليزني ثم يتوب فيتوب الله عليه وإن

(2/9)


الرجل ليسرق ثم يتوب فيتوب الله عليه وإنهما لذنبان لا كفارة لهما صاحب الغلول وآكل الربا قال الله تبارك وتعالى {وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} فلا كفارة لصاحب الغلول حتى يأتي الله به يوم القيامة وآكل الربا يبعثه الله يوم القيامة مختنقا يختنق قال سنيد وحدثنا عبدة بن سليمان عن إسماعيل بن مسلم عن الحسن عن جابر بن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "هدايا الأمراء غلول" حدثنا سعيد حدثنا قاسم حدثنا محمد حدثنا أبو بكر حدثنا عبد الرحيم بن سليمان عن أبي حيان عن أبي زرعة عن أبي هريرة قال "قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فينا خطيبا فذكر الغلول فعظمه وعظم أمره ثم قال يا أيها الناس لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء فيقول يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك شيئا قد أبلغتك لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته شاة لها ثغاء يقول يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك شيئا قد أبلغتك لا ألفين أحدكم يوم القيامة على رقبته بقرة لها خوار يقول يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك شيئا قد بلغتك ولا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته رقاع تخفق يقول

(2/10)


يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك شيئا قد بلغتك ولا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته صامت يقول يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك شيئا قد بلغتك ولا ألفين أحدكم يجيء على رقبته نفس لها صياح فيقول يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك شيئا قد بلغتك" فهذا ما في الغلول وقد يدخل فيه منع الزكوات لأنها من حقوق المسلمين أيضا بالمعنى والله أعلم.
وأما النص في هدايا المشركين فروى قتادة عن يزيد بن الشخير عن عياض بن حماد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن زبد المشركين يعني هداياهم ورفدهم أخبرنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي قالا أخبرنا عمرو بن مرزوق قال أخبرنا عمران القطان عن قتادة عن يزيد بن عبد الله بن الشخير عن عياض بن حماد قال أهديت لرسول الله صلى الله

(2/11)


عليه وسلم ناقة أو قال هدية فقال أسلمت قلت لا قال "إني نهيت عن زبد المشركين".
أخبرنا أبو عمر أحمد بن محمد بن أحمد قال حدثنا وهب ابن مسرة قال حدثنا ابن وضاح قال حدثنا يوسف بن عدي قال أخبرنا ابن المبارك عن يونس ومعمر عن الزهري عن عبد الرحمن ابن مالك عن عامر بن مالك الذي يقال له ملاعب الأسنة قال قدمت على النبي عليه السلام بهدية فقال إنا لن نقبل هدية مشرك واختلف العلماء في معنى هذين الحديثين فقال منهم قائلون فيهما النسخ لما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم من قبول الهدية من أهل الشرك مثل أكيدر دومة وفروة بن نفاثة والمقوقس وغيرهم وقال آخرون ليس فيهما ناسخ ولا منسوخ والمعنى فيهما أنه كان لا يقبل هدية من يطمع بالظهور عليه وأخذ بلده أو دخوله في الإسلام فعن مثل هذا نهى أن يقبل هديته ويهادنه ويقره على دينه مع قدرته عليه أو طمعه في هدايته لأن في قبول هديته حملا على الكف عنه وقد أمر أن يقاتل الكفار حتى يقولوا لا إله إلا الله وقال آخرون كان مخيرا في قبول هديتهم وترك قبولها لأنه كان من خلقه صلى الله عليه وسلم أن يثيب على الهدية بأحسن منها فلذلك لم يقبل هدية مشرك ليلا يثيبه بأفضل منها والله أعلم.
أخبرنا علي بن إبراهيم قال حدثنا الحسن بن رشيق قال حدثنا أبو بكر أحمد بن محمد بن سلام البغدادي قال حدثنا داود بن رشيد قال حدثنا إبراهيم قال حدثنا الحسن بن رشيق قال حدثنا أبو بكر أحمد بن محمد بن سلام البغدادي قال حدثنا داود بن رشيد قال حدثنا عيسى بن يونس عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت "كان

(2/12)


رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية ويثيب عليها" وقد قيل أنه إنما ترك ذلك تنزها ونهى عن زبد المشركين لما في التهادي والزبد من التحاب وتليين القلوب والله عز وجل يقول {لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} الآية والله أعلم بما أراد رسوله بقوله ذلك وقد قبل صلى الله عليه وسلم هدية قوم من المشركين وأجاز قبولها جماعة من الفقهاء على وجوه نذكر منها ما حضر ذكره إن شاء الله.
حدثنا عبد الوارث بن سفيان قراءة مني عليه أن قاسم بن أصبغ حدثهم قال حدثنا عبيد بن عبد الواحد قال حدثنا محبوب ابن موسى ح وقرأت عليه أيضا أن قاسم بن أصبغ حدثهم قال حدثنا ابن وضاح قال حدثنا عبد الملك بن حبيب المصيصي قالا جميعا حدثنا أبو إسحاق الفزاري قال قلت للأوزاعي أرأيت لو أن صاحب الروم أهدى إلى أمير المؤمنين هدية أترى بأسا أن يقبلها قال لا أرى بذلك بأسا قلت فما حالها إذا قبلها قال تكون بين المسلمين قلت وما وجه ذلك قال أليس إنما أهداها له لأنه وإلى عهد المسلمين لا يكون أحق بها منهم ويكافيه بمثلها من بيت مال المسلمين قلت للأوزاعي فلو أن صاحب الباب أهدى له صاحب العدو هدية أو صاحب ملطية أيقبلها أحب إليك أو يردها قال يردها أحب إلي فإن قبلها فهي بين المسلمين ويكافيه بمثلها قلت فصاحب الصائفة إذا دخل فأهدى له صاحب

(2/13)


الروم هدية قال تكون بين ذلك الجيش فما كان من طعام قسمه بينهم وما كان سوى ذلك جعله في غنائم المسلمين.
قال أبو عمر:
ليس أحد من أئمة الفقهاء زعموا أعلم بمسائل الجهاد من الأوزاعي وقوله هذا هو قولنا وروى عيسى عن ابن القاسم في الإمام يكون في أرض العدو فيهدي له العدو أتكون له خالصة أم للجيش قال لا أراها لجماعة الجيش قال لأنه إنما أهداها خوفا إلا أن يعلم أن ذلك إنما هو من قبل قرابة أو مكافأة فأراه له خالصا قيل فالرجل من أهل الجيش تأتيه الهدية قال هذه له خالصة لا شك فيه مثل أن يكون له قريب أو صديق فيهدي له فهو له خالص وقال الربيع عن الشافعي في كتاب الزكاة إذا أهدى واحد من القوم للوالي هدية فإن كانت لشيء نال منه حقا أو باطلا فحرام على الوالي أخذها لأنه حرام عليه أن يستجعل على الحق وقد ألزمه الله ذلك وحرام عليه أن يأخذ لهم باطلا والجعل عليه حرام قال وإن أهدى إليه أحد من أهل ولايته على غير هذين المعنيين تفضلا أو تشكرا بحسن كان منه في العامة فلا يقبلها وإن قبلها كانت في الصدقات ولا يسعه عندي غيره إلا أن يكافيه من ماله عليه بقدر ما يسعه به أن يتمولها قال

(2/14)


وإن أهديت هدية إلى رجل ليس بذي سلطان شكرا على حسن كان منه فأحب إلي أن لا يقبلها ولا تحرم عليه عندي إن قبلها وأخذها وأحب إلي أن يدع قبولها ولا يأخذها على الحسن مكافأة هذا كله هو المشهور من قول الشافعي في كتبه الظاهرة عند أصحابه وقد روى عنه أن الحاكم إذا أهديت إليه هدية من أجل حكمه فحكم بالحق على وجهه لم تحرم عليه وأما العراقيون فقال أبو يوسف ما أهدى ملك الروم إلى أمير الجيش فهو له خاصة وكذلك ما يعطى الرسول.
قال أبو عمر:
احتج بعض من ذهب هذا المذهب وقال إن الهدية تكون ملكا للمهدي له وإن كان واليا ولا تكون فيئا احتج بإجماعهم على أن للإمام أن لا يقبل هدية الكفار قالوا ولو كانت فيئا لما كان له أن لا يقبلها ويردها على الحربيين.
قال أبو عمر:
هذا لا حجة فيه لأن تخييرهم الإمام في قبول هدية الكفار إنما هو من أجل أنه إن قبلها كان عليه أن يكافئ عليها من بيت المال لا أنها لا تكون فيئا وإذا كان عليه أن يثيب عليها كان مخيرا في قبولها ومعلوم أنه إنما أهديت إليه بسبب ولايته فاستحال أن تكون له دون المسلمين والحجة في هذا عندي حديث أبي حميد الساعدي في قصة ابن اللتبية
أخبرنا خلف بن سعيد قال أخبرنا عبد الله

(2/15)


ابن محمد قال أخبرنا أحمد بن خالد قال حدثنا عبيد بن محمد قال حدثنا محمد بن يوسف قال حدثنا عبد الرزاق وعبد الملك بن الصباح عن الثوري عن أبان عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "الهدايا للأمراء غلول" وبه عن عبد الرزاق وعبد الملك جميعا عن الثوري عن عاصم عن زر بن حبيش قال قال ابن مسعود الرشوة في الدين سحت قال سفيان يعني في الحكم وبه عن عبد الرزاق قال أخبرنا معمر عن الزهري قال جمع اليهود لابن رواحة حين خرص عليهم حليا من حلي نسائهم

(2/16)


فأهدوه له فقال هذه الرشوة سحت وإنا لا نأكلها وذكر وكيع عن معاذ بن العلاء أخي أبي عمرو بن العلاء عن أبيه عن جده قال خطبنا علي بالكوفة وبيده قارورة وعليه سراويل ونعلان فقال ما أصبت منذ دخلتها غير هذه القارورة أهداها ليدهقان وعن أبي البختري عن علي بن ربيعة أن عليا استعمل رجلا فلما جاء قال يا أمير المؤمنين أنه أهدي لي في عملي أشياء وقد أتيت بها فإن كان حلالا أخذته وإلا جئتك به فجاءه به فقبضه علي رضي الله عنه وقال إني أحسبه كان غلولا وأما هدية غير الكفار إلى من لم تكن له ولاية فمأخوذة من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم "أجيبوا الداعي ولا تردوا الهدية" وقال صلى الله عليه وسلم "ما أتاك مسألة فكله وتموله" وهذا إذا لم تكن الهدية على شرط أداء حق قد وجب عليه كالشهادة ونحوها فإن كانت كذلك فهي سحت ورشوة وشر من ذلك الأخذ على الباطل وبالله التوفيق.
قرأت على أحمد بن قاسم بن عبد الرحمن أن محمد بن معاوية حدثهم قال حدثنا أحمد بن الحسن بن عبد الجبار الصوفي قال حدثنا الهيثم بن خارجة قال حدثنا إسماعيل بن

(2/17)


عياش عن عمرو بن مهاجر قال اشتهى عمر بن عبد العزيز تفاحا فقال لو كان عندنا شيء من تفاح فإنه طيب الريح طيب الطعم فقام رجل من أهل بيته فأهدى إليه تفاحا فلما جاء به الرسول قال عمر بن عبد العزيز ما أطيب ريحه وطعمه يا غلام أرجعه وأقرأ فلانا السلام وقل له هديتك قد وقعت عندنا بحيث تحب قال عمرو بن مهاجر فقلت يا أمير المؤمنين ابن عمك ورجل من أهل بيتك وقد بلغك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة فقال إن الهدية كانت للنبي صلى الله عليه وسلم هدية وهي لنا اليوم رشوة.
قال أبو عمر:
كان عمر رضي الله عنه في حين هذا الخبر خليفة وقد تقدم القول فيما للخلفاء والأمراء وسائر الولاة من الحكم في الهدية ويحتمل أن يكون ذلك الرجل من أهل بيته قد علم في كسبه شيئا أوجب التنزه عن هديته وأما قوله في الحديث شراك أو شراكان من نار وقوله في حديث عمرو بن شعيب أدوا الخيط والمخيط فيدل على أن القليل والكثير لا يحل لأحد أخذه في الغزو قبل المقاسم إلا ما أجمعوا عليه من أكل الطعام في أرض العدو من الاحتطاب والاصطياد وهذا أولى ما قيل به في هذا الباب وما خالفه مما جاء عن بعض أصحابنا وغيرهم فليس بشيء لأن عموم قول الله عز وجل {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ} يوجب أن يكون الجميع غنيمة خمسها لمن سمى الله وأربعة أخمساها لمن شهد القتال من البالغين الأحرار الذكور فلا يحل

(2/18)


لأحد منها شيء إلا سهمه الذي يقع له في المقاسم بعد إخراج الخمس المذكور إلا أن الطعام خرج بدليل إخراج رسول الله صلى الله عليه وسلم له عن جملة ذلك فمن ذلك حديث عبد الله بن مغفل في الجراب بالشحم وحديث عتبة بن غزوان في السفينة المملوءة بالجوز وحديث ابن أبي أوفى "كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر يأتي أحدنا إلى الطعام من الغنيمة فيأخذ منه حاجته" وأجمع العلماء على أن أكل الطعام في دار الحرب مباح وكذلك العلف ما داموا في دار الحرب فدل على أنه لم يدخل في مراد الله من الآية التي تلونا وما عدا الطعام فهو داخل تحت عموم قوله {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ} الآية إلا أن للأرض حكما سنذكره في غير هذا الموضع من كتابنا هذا إن شاء الله وقد روي عن الزهري أنه قال لا يؤخذ الطعام في أرض العدو إلا بإذن الإمام وهذا لا أصل له لأن الآثار المرفوعة تخالفه ولم يقل به فيما علمت غيره ومن الآثار في ذلك ما ذكره البخاري قال حدثنا مسدد قال حدثنا حماد بن زيد عن أيوب عن

(2/19)


نافع عن ابن عمر قال كنا نصيب في مغازينا العسل والعنب فنأكله ولا نرفعه.
قال أبو عمر:
ما يخرج به من الطعام إلى دار الإسلام وكان له قيمة فهو غنيمة وكذلك قليل وكثير غير الطعام فهو غنيمة لأنهم لم يجمعوا على شيء منه وروى ثوبان عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال "من فارق الروح منه الجسد وهو برئ من ثلاث دخل الجنة الكبر والغلول والدين" .
حدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن وضاح قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا عفان قال حدثنا أبان العطار وهمام عن قتادة عن سالم بن أبي الجعد عن معدان بن أبي طلحة عن ثوبان عن النبي عليه السلام أنه قال "من فارق منه الروح الجسد وهو برئ من ثلاث دخل الجنة الكبر والغلول والدين"

(2/20)


وروى رويفع بن ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يأخذ دابة من المغنم فيركبها حتى إذا أنقضها ردها في المغانم ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يلبس ثوبا من المغنم حتى إذا أخلقه رده في المغانم" وهذا غاية في التحذير والمنع وأما قوله صلى الله عليه وسلم "والذي نفسي بيده أن الشملة التي أخذها يوم خيبر من المغانم لم تصبها المقاسم لتشتعل عليه نارا ثم قال للذي جاء بالشراك أو الشراكين شراك أو شراكان من نار" ففي قوله هذا كله دليل على تعظيم الغلول وتعظيم الذنب فيه وأظن حقوق الأميين كلها كذلك في التعظيم وإن لم يقطع على أنه يأتي به حاملا له كما يأتي بالغلول والله أعلم.
وقد ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة على الرجل الذي غل الخرزات وهي لا تساوي درهمين عقوبة له وسيأتي هذا الحديث في باب يحيى بن سعيد إن شاء الله وأما الشملة فكساء مخمل وقال الخليل اشتمل بالثوب أداره على جسده قال والاسم الشملة قال والشملة كساء ذو خمل وقال الأخفش الشملة الإزار من الصوف وفي هذا الحديث أيضا دليل على أن الغال لا يجب عليه حرق متاعه لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يحرق رحل الذي أخذ الشملة ولا متاعه ولا أحرق متاع صاحب الخرزات ولو كان حرق متاعه واجبا لفعله صلى الله عليه وسلم حينئذ ولو فعله لنقل ذلك في الحديث وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال

(2/21)


"من غل فأحرقوا متاعه وأضربوه" رواه أسد بن موسى وغيره عن الدراوردي عن صالح بن محمد بن زائدة عن سالم عن ابن عمر وقال بعض رواة هذا الحديث فيه فاضربوا عنقه وأحرقوا متاعه وهو حديث يدور على صالح بن محمد بن زائدة وهو ضعيف لا يحتج به.
وقد اختلف العلماء في عقوبة الغال فذهب مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابهم والليث بن سعد إلى أن الغال يعاقب بالتعزير ولا يحرق متاعه وقال الشافعي وداود بن علي إن كان عالما بالنهي عوقب وهو قول الليث قال الشافعي وإنما يعاقب الرجل في بدنه لا في ماله.
قال أبو عمر:
اختلاف العلماء في العقوبة في المال دون البدن أو البدن دون المال قد ذكرناه في غير هذا المكان وقال الأوزاعي يحرق متاع الغال كله إلا سلاحه وثيابه التي عليه وسرجه ولا تنتزع منه دابته ويحرق سائر متاعه كله إلا الشيء الذي غل فإنه لا يحرق ويعاقب مع ذلك وقول أحمد وإسحاق كقول الأوزاعي في هذا الباب كله وروي عن الحسن البصري إنه قال يحرق رحله

(2/22)


كله إلا أن يكون حيوانا أو مصحفا وممن قال يحرق رحل الغال ومتاعه مكحول وسعيد بن عبد العزيز وحجة من ذهب إلى هذا القول حديث صالح المذكور وهو عندنا حديث لا يجب به انتهاك حرمة ولا إنفاذ حكم مع ما يعارضه من الآثار التي هي أقوى منه فأما رواية من روى فاضربوا عنقه واحرقوا متاعه فإنه يعارضه قوله صلى الله عليه وسلم "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث" الحديث وهو ينفي القتل في الغلول وروى ابن الزبير عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "ليس على الخائن ولا على المنتهب ولا على المختلس قطع" وهذا أيضا يعارض حديث صالح بن محمد بن زائدة وهو أقوى من حجة الإسناد والغال خائن في اللغة والشريعة وقال الطحاوي لو صح حديث صالح المذكور احتمل أن يكون كان حين كانت العقوبات في الأموال كما قال في مانع الزكاة إنا آخذوها وشطر ماله عزمة من عزمات الله وكما روى أبو هريرة في ضالة الإبل المكتومة فيها عزامتها ومثلها معها وكما روى عبد الله بن عمرو بن العاص في الثمر المعلق غرامة مثلية وجلدات نكال وهذا كله منسوخ.
قال أبو عمر:
الذي ذهب إليه مالك والشافعي وأبو حنيفة ومن تابعهم في هذه المسألة أولى من جهة النظر وصحيح الأثر والله أعلم وأجمع العلماء على أن على الغال أن يرد ما غل إلى صاحب المقاسم إن وجد

(2/23)


السبيل إلى ذلك وإنه إذا فعل ذلك فهي توبة له وخروج عن ذنبه واختلفوا فيما يفعل بما غل إذا افترق أهل العسكر ولم يصل إليهم فقال جماعة من أهل العلم يدفع إلى الإمام خمسه ويتصدق بالباقي وهذا مذهب الزهري ومالك والأوزاعي والليث والثوري وروي ذلك عن عبادة بن الصامت ومعاوية بن أبي سفيان والحسن البصري وهو يشبه مذهب ابن مسعود وابن عباس لأنهما كانا يريان أن يتصدق بالمال الذي لا يعرف صاحبه وذكر بعض الناس عن الشافعي أنه كان لا يرى الصدقة بالمال الذي لا يعرف صاحبه وقال كيف يتصدق بمال غيره وهذا عندي معناه فيما يمكن وجود صاحبه والوصول إليه أو إلى ورثته وأما إن لم يمكن شيء من ذلك فإن الشافعي رحمه الله لا يكره الصدقة به حينئذ إن شاء الله ذكر سنيد حدثنا أبو فضالة عن أزهر بن عبد الله قال غزا مالك بن عبد الله الخثعمي أرض الروم فغل

(2/24)


رجل مائة دينار فأتى بها معاوية بن أبي سفيان فأبى أن يقبلها وقال قد نفر الجيش وتفرق فخرج فلقي عبادة بن الصامت فذكر ذلك له فقال أرجع إليه فقل له خذ خمسها أنت ثم تصدق أنت بالبقية فإن الله عالم بهم جميعا فأتى معاوية فأخبره فقال لأن كنت أنا أفتيتك بهذا كان أحب إلي من كذا وكذا وقد أجمعوا في اللقطة على جواز الصدقة بها بعد التعريف وانقطاع صاحبها وجعلوه إذا جاء مخيرا بين الأجر والضمان وكذلك الغصوب وبالله والتوفيق.

(2/25)


الحديث الثاني
...
حديث ثان لثور بن زيد مقطوع
مالك عن ثور بن زيد الديلي عن عبد الله بن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر رمضان فقال "لا تصوموا حتى تروا الهلال ولا تفطروا حتى تروه فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين"
هكذا هذا الحديث في الموطأ عند جماعة الرواة عن مالك عن ثور بن زيد عن ابن عباس ليس فيه ذكر عكرمة والحديث محفوظ لعكرمة عن ابن عباس وإنما رواه ثور عن عكرمة وقد روى عن روح بن عبادة هذا الحديث عن مالك عن ثور عن عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله ص ذكر رمضان ثم ساقه إلى آخره سواء وليس في الموطأ في هذا الإسناد عكرمة وزعموا أن مالكا أسقط ذكر عكرمة منه لأنه كره أن يكون في كتابه لكلام سعيد بن المسيب وغيره فيه ولا أدري صحة هذا لأن مالكا قد ذكره في كتاب الحج وصرح باسمه ومال إلى روايته عن ابن عباس وترك رواية عطاء في تلك المسألة وعطاء أجل التابعين في علم المناسك والثقة والأمانة روى مالك عن أبي الزبير المكي عن عطاء بن أبي رباح عن عبد الله بن عباس أنه سئل عن رجل وقع على امرأته وهو بمنى قبل أن يفيض فأمره أن ينحر بدنة وروى مالك أيضا عن ثور بن زيد الديلي عن عكرمة مولى ابن عباس قال أظنه عن ابن عباس أنه قال "الذي يصيب أهله قبل أن يفيض يعتمر ويهدي" وبه قال مالك

(2/26)


قال أبو عمر:
عكرمة مولى ابن عباس من جلة العلماء لا يقدح فيه كلام من تكلم فيه لأنه لا حجة مع أحد تكلم فيه وقد يحتمل أن يكون مالك جبن عن الرواية عنه لأنه بلغه أن سعيد بن المسيب كان يرميه بالكذب ويحتمل أن يكون لما نسب إليه من رأي الخوارج وكل ذلك باطل عليه إن شاء الله وقد قال الشافعي في بعض كتبه نحن نتقي حديث عكرمة وقد روى الشافعي عن إبراهيم بن أبي يحيى والقاسم العمري وإسحاق بن أبي فروة وهم ضعفاء متروكون وهؤلاء كانوا أولى أن يتقى حديثهم ولكنه لم يحتج بهم في حكم وكل أحد من خلق الله يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عبد الله بن أحمد بن حنبل عن أبيه عن إسحاق الطباع قال سألت مالك بن أنس قلت أبلغك أن ابن عمر قال لنافع لا تكذب علي كما كذب عكرمة على ابن عباس

(2/27)


قال لا ولكن بلغني أن سعيد بن المسيب قال ذلك لبرد مولاه وقيل لابن أبي أويس لم لم يكتب مالك حديث عكرمة مولى ابن عباس قال لأنه كان يرى رأي الإباضية وأما قول سعيد بن المسيب فيه فقد ذكر العلة الموجبة للعداوة بينهما أبو عبد الله محمد بن نصر المروزي في كتاب الانتفاع بجلود الميتة وقد ذكرت ذلك وأشباهه في كتابي كتاب جامع بيان أخذ العلم وفضله وما ينبغي في روايته وحمله في باب قول العلماء بعضهم في بعض فأغنى ذلك عن إعادته ها هنا وتكلم فيه ابن سيرين ولا خلاف أعلمه بين نقاد أهل العلم أنه أعلم بكتاب الله من ابن سيرين وقد يظن الإنسان ظنا يغضب له ولا يملك نفسه ذكر الحلواني عن زيد بن الحباب قال سمعت الثوري يقول خذوا تفسير القرآن عن أربعة عن عكرمة وسعيد بن جبير ومجاهد والضحاك فبدأ

(2/28)


بعكرمة وقال ابن علية عن أيوب عن عمرو بن دينار قال دفع إلى جابر بن زيد مسائل اسأل عنها عكرمة قال فجعل جابر يقول هذا عكرمة هذا مولى ابن عباس هذا البحر فاسألوه وقال سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار قال أعطاني جابر بن زيد صحيفة فيها مسائل فقال سل عنها عكرمة قال فكأني تبطأت فانتزعها من يدي وقال هذا عكرمة هذا مولى ابن عباس هذا أعلم الناس وقال جرير عن مغيرة عن إبراهيم قال قيل لسعيد بن جبير تعلم أحدا أعلم منك قال نعم عكرمة قال فلما قتل سعيد بن جبير قال إبراهيم ما خلف بعده مثله قال أبو عبد الله المروزي وحدثنا يحيى بن يحيى قال حدثنا إسماعيل

(2/29)


ابن علية عن أيوب قال نبئت عن سعيد بن جبير أنه قال لو كف عنهم عكرمة من حديثه لشدت إليه المطايا قال وحدثنا إسحاق ابن راهويه قال أخبرنا يحيى بن ضريس عن أبي سنان عن حبيب بن أبي ثابت قال أجتمع عندي خمسة لا يجتمع عندي مثلهم أبدا عطاء وطاووس ومجاهد وسعيد ابن جبير وعكرمة فتذاكروا التفسير فأقبل مجاهد وسعيد بن جبير على عكرمة يسألانه عن التفسير وهو يجيبهما قال وحدثنا محمد بن عبيد قال حدثنا حماد بن زيد عن أيوب قال اجتمع عكرمة وسعيد بن جبير وطاووس وعدة من أصحاب ابن عباس فكان عكرمة صاحب الحديث قال وأخبرنا محمد بن يحيى قال حدثنا سليمان بن حرب قال حدثنا حماد بن زيد قال قال رجل لأيوب كان عكرمة يتهم فسكت هنيئة ثم قال أما أنا فإني لم أكن أتهمه وبه عن أيوب قال قال عكرمة أرأيت هؤلاء الذين يكذبونني من خلفي أفلا يكذبونني في وجهي قال وحدثنا الحلواني قال حدثنا مسلم بن إبراهيم قال حدثنا سلام بن مسكين قال سمعت قتادة يقول كان الحسن من أعلم الناس بالحلال والحرام

(2/30)


وكان عطاء من أعلم الناس بالمناسك وكان عكرمة من أعلم الناس بالتفسير قال وحدثنا الحلواني قال حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم الصنعاني قال حدثنا عبد الصمد بن معقل أن عكرمة قدم على طاووس اليمن فحمله طاووس على نجيب وأعطاه ثمانين دينارا فقيل لطاووس في ذلك فقال ألا اشتري علم ابن عباس لعبد الله بن طاووس بنجيب وثمانين دينارا وذكر عباس عن يحيى بن معين قال حدثنا محمد بن فضيل قال حدثنا عثمان بن حكيم قال جاء عكرمة إلى أبي أمامة بن سهل وأنا جالس فقال يا أبا أمامة أسمعت بن عباس يقول ما حدثكم به عكرمة فصدقوه فإنه لم يكذب علي قال نعم وقد روينا أن عبد الله بن عباس قال له أخرج يا عكرمة فافت الناس ومن سألك عما لا يعنيه فلا تفته فإنك تطرح عن نفسك ثلثي مؤنة الناس قال عباس قال يحيى بن معين مات ابن عباس وعكرمة عبد فباعه على ابن عبد الله فقيل له تبيع علم أبيك فاسترجعه وقال عثمان

(2/31)


ابن سعيد قلت ليحيى بن معين عكرمة أحب إليك أو سعيد ابن جبير فقال ثقة وثقة قلت فعكرمة أو عبيد الله بن عبد الله فقال كلاهما ولم يختر وقال أبو الحسن أحمد بن عبد الله بن صالح الكوفي عكرمة مولى ابن عباس ثقة وهو بريء مما رماه الناس به من الحرورية وذكر عيسى بن مسكين عن محمد بن الحجاج بن رشدين عن أحمد بن صالح المصري قال عكرمة مولى ابن عباس بربري من المغرب وقال أبو العرب سمعت قدامة بن محمد يقول كان خلفاء بني أمية يرسلون إلى المغرب يطلبون جلود الخرفان التي لم تولد بعد العسلية قال فربما ذبحت المائة شاة فلا يوجد في بطنها إلا واحد عسلي كانوا يتخذون منها الفراء فكان عكرمة يستعظم ذلك ويقول هذا كفر

(2/32)


هذا شرك فأخذ ذلك عنه الصفرية والإباضية فكفروا الناس بالذنوب.
قال أبو عمر:
لهذا كان سحنون يقول يزعمون أن عكرمة مولى ابن عباس أضل المغرب.
قال أبو عمر:
نزل عكرمة مولى ابن عباس المغرب ومكث بالقيروان برهة ومن الناس من يقول أنه مات بها والصحيح أنه مات بالمدينة هو وكثير عزة الشاعر في يوم واحد وذكر ابن أبي مريم لهيعة عن أبي الأسود قال أنا مدحت المغرب لعكرمة مولى ابن عباس ذكرت له حال أهلها فخرج إلى المغرب فمات بها قال أبو عبد الله المروزي قد أجمع عامة أهل العلم على الاحتجاج بحديث عكرمة واتفق على ذلك رؤساء أهل العلم بالحديث من أهل عصرنا منهم أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأبو ثور ويحيى بن معين ولقد سألت إسحاق بن راهويه عن الاحتجاج بحديثه فقال لي عكرمة عندنا أمام الدنيا وتعجب من سؤالي إياه قال وأخبرني غير واحد أنهم شهدوا يحيى بن معين وسأله بعض الناس عن الاحتجاج بحديث عكرمة فأظهر التعجب قال المروزي وعكرمة قد ثبتت عدالته بصحبة ابن عباس وملازمته إياه وبأن غير واحد من أهل العلم رووا عنه وعدلوه وما زال أهل العلم بعدهم يروون عنه قال وممن روى عنه من جلة التابعين محمد بن سيرين وجابر بن زيد وطاووس والزهري وعمرو بن دينار ويحيى بن سعيد الأنصاري وغيرهم قال أبو عبد الله المروزي وكل رجل ثبتت عدالته برواية أهل العلم

(2/33)


عنه وحملهم حديثه فلن يقبل فيه تجريح أحد جرحه حتى يثبت ذلك عليه بأمر لا يجهل أن يكون جرحة فأما قولهم فلان كذاب فليس مما يثبت به جرح حتى يتبين ما قاله حدثنا محمد بن إبراهيم حدثنا محمد بن أحمد بن يحيى حدثنا محمد بن أيوب الرقي قال سمعت أبا بكر أحمد بن عمرو والبزار يقول روى عن عكرمة مائة وثلاثون أو قال قريب من مائة وثلاثين رجلا من وجوه البلدان بين مكي ومدني وكوفي وبصري ومن سائر البلدان كلهم روى عنه ورضي به.
قال أبو عمر:
جماعة الفقهاء وأئمة الحديث الذين لهم بصر بالفقه والنظر هذا قولهم أنه لا يقبل من ابن معين ولا من غيره فيمن اشتهر بالعلم وعرف به وصحت عدالته وفهمه إلا أن يتبين الوجه الذي يجرحه به على حسب ما يجوز من تجريح العدل المبرز العدالة في الشهادات وهذا الذي لا يصح أن يعتقد غيره ولا يحل أن يلتفت إلى ما خالفه وقد ذكرنا بيان ذلك في باب قول العلماء بعضهم في بعض من كتابنا كتاب العلم فأغنى ذلك عن إعادته ها هنا وبالله توفيقنا

(2/34)


وذكر الزبير قال حدثني عمي مصعب قال حدثني الواقدي قال حدثني خالد بن القاسم البياضي قال مات عكرمة مولى ابن عباس وكثير بن عبد الرحمن الخزاعي صاحب عزة في يوم واحد في سنة خمس ومائة فرأيتهما جميعا صلي عليهما بعد الظهر في مسجد الجنائز فقال الناس مات اليوم أفقه الناس وأشعر الناس وقال المفضل بن فضالة مات عكرمة وكثير عزة في يوم واحد فأخرج جنازتاهما فما علمته تخلف رجل ولا امرأة بالمدينة عن جنازتيهما قال وقيل مات اليوم أعلم الناس وأشعر الناس قال وغلب النساء على جنازة كثير يبكينه ويذكرن عزة في ندبتهن إياه وهذا الحديث صحيح لعكرمة عن ابن عباس حدثنا أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن سعيد قال حدثنا محمد بن معاوية قال حدثنا أحمد بن شعيب قال حدثنا قتيبة بن سعيد ح وحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا بكر بن حماد قال حدثنا مسدد قالا جميعا حدثنا أبو الأحوص قال حدثنا سماك عن عكرمة عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا تصوموا قبل رمضان صوموا للرؤية وأفطروا للرؤية فإن حالت دونه غياية فأكلموا ثلاثين" ورواه شعبة وأبو عوانة وحاتم بن أبي صغيرة عن سماك مثله

(2/35)


أخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن قال حدثنا عبد الحميد بن أحمد الوراق قال حدثنا الخضر بن داود قال حدثنا أبو بكر الأثرم قال حدثنا عبد الله بن بكر السهمي ح وأخبرنا عبد الله بن محمد بن أسد الجهني قال حدثنا حمزة بن محمد قال حدثنا أحمد بن شعيب قال أخبرنا إسحاق بن إبراهيم قال أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم قالا جميعا حدثنا حاتم بن أبي صغيرة عن سماك قال سمعت عكرمة يقول سمعت ابن عباس يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن حال بينكم وبينه سحابة أو غياية فأكملوا العدة ولا تستقبلوا الشهر استقبالا لا تستقبلوا رمضان بيوم من شعبان" اللفظ بحديث ابن عبد المؤمن وقرأت على أحمد بن قاسم التميمي أن قاسم بن أصبغ حدثهم قال حدثنا الحرث بن أبي أسامة قال حدثنا عبد الله بن بكر قال حدثنا حاتم عن سماك قال دخلت على عكرمة في يوم وقد أشكل على أمره أمن رمضان هو أم من شعبان فأصبحت صائما وقلت إن كان من رمضان لم يسبقني وإن كان من شعبان كان تطوعا فدخلت على عكرمة وهو يأكل خبزا وبقلا ولبنا فقال هلم إلى الغداء فقلت إني صائم فقال أحلف عليك لتفطرنه فقلت سبحان الله فقال أحلف بالله لتفطرنه قال فلما رأيته لا يستثنى أفطرت فعدت لبعض الشيء وأنا شبعان فقلت هات فقال سمعت ابن عباس يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن حال بينكم وبينه سحابة أو غياية فكملوا العدة ولا تستقبلوا الشهر استقبالا لا

(2/36)


تستقبلوا رمضان بيوم من شعبان" وروى هذا الحديث حماد بن سلمة عن عمرو بن دينار عن ابن عباس ولم يسمعه عمرو من ابن عباس وإنما يرويه عمرو بن دينار عن محمد بن حنين عن ابن عباس عن النبي عليه السلام مثله حدثنا عبد الوارث بن سفيان وأحمد بن قاسم قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا الحرث بن أبي أسامة قال حدثنا روح بن عبادة قال حدثنا زكريا ابن إسحاق قال حدثنا عمرو بن دينار أن محمد بن حنين أخبره أنه سمع ابن عباس يقول إني لأعجب من هؤلاء الذين يصومون قبل رمضان إنما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إذا رأيتم الهلال فصوموا وإذا رأيتموه فأفطروا فان غم عليكم فعدوا ثلاثين" أما قوله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث إذ ذكر رمضان لا تصوموا حتى ترو الهلال فالصيام لاسمه معنيان أحدهما لغوي والآخر شرعي تعبد الله به عبادة فأما معنى الصيام في اللغة فمعناه الإمساك عما كان يصنعه الإنسان من حركة أو كلام أو أكل أو شرب أو مشى ونحو ذلك من سائر الحركات فإذا أمسك عما كان يصنعه سمى صائما في اللغة وليس ذلك معنى الصيام المأمور به المسلمون في القرآن والسنة والدليل على أن الإمساك يسمى صوما قول الله عز وجل حاكيا عن مريم {إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيّاً} أي إمساكا عن الكلام وقال المفسرون أي صمتا وتقول العرب خيل صائمة إذا كانت واقفة دون أكل ولا رعى قال الشاعر:
خيل صيام وخيل غير صائمة ... تحت العجاج وخيل تعلك اللجما
يقول خيل ممسكة عن الأكل وخيل آكلة

(2/37)


وقال امرؤ القيس
فدعها وسل الهم عنك بجسرة ... ذمول إذا صام النهار وسجرا
ومعناه إذا أمسكت الشمس عن الجري واستوت في كبد السماء
وقال بشر بن أبي حازم
نعاما بوجرة صفر الخدود ... ما تطعم النوم إلا صياما
وأما الصيام في الشريعة فالإمساك عن الأكل والشرب والجماع من اطلاع الفجر إلى غروب الشمس وفرائض الصوم خمس وهي العلم بدخول الشهر والنية والإمساك عن الطعام والشراب والجماع واستغراق طرفي النهار المفترض صيامه وسنن الصيام أن لا يرفث الصائم ولا يغتاب أحدا وسنذكر ذلك في موضعه إن شاء الله وأما قوله فإن غم عليكم فذلك من الغيم والغمام وهو السحاب يقال منه يوم غم وليلة غمة وذلك أن تكون السماء مغيمة وفي الآثار المذكورة في هذا الباب ما يوضح لك ذلك والحمد لله.
وروى هذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم كما رواه ابن عباس وأبو هريرة من حديث أبي سلمة عنه ومن حديث محمد ابن زياد عنه ومن حديث سعيد بن المسيب عنه ومن

(2/38)


حديث الأعرج عنه وحذيفة بن اليمان من رواية جرير عن منصور عن ربعي عن حذيفة ورواه ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله إلا أنه قال فإن غم عليكم فاقدروا له وحديث ابن عباس يفسر حديث ابن عمر في قوله فاقدروا له وكذلك جعله مالك في كتابه بعده مفسرا له وقد كان ابن عمر يذهب في قوله فاقدروا له مذهبا سنذكره عنه في باب حديث نافع من كتابنا هذا إن شاء الله ونذكر من تابعه على تأويله ذلك ومن خالفه فيه ونذكر هنا كثيرا من معاني هذا الباب إن شاء الله ولا قوة إلا بالله.
وفي حديث ابن عباس هذا من الفقه أن الشهر قد يكون تسعا وعشرين وفيه أن الله تعبد عباده في الصوم برؤية الهلال لرمضان أو باستكمال شعبان ثلاثين يوما وفيه تأويل لقول الله عز وجل {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْه} إن شهوده رؤيته أو العلم برؤيته وفيه أن اليقين لا يزيله الشك ولا يزيله إلا يقين مثله لأنه صلى الله عليه وسلم أمر الناس ألا يدعوا ما هم عليه من يقين شعبان إلا بيقين رؤية واستكمال العدة وإن الشك لا يعمل في ذلك شيئا ولهذا نهى عن صوم يوم الشك اطراحا لأعمال الشك وإعلاما أن الأحكام لا تجب إلا بيقين لا شك فيه وهذا أصل عظيم من الفقه أن لا يدع الإنسان ما هو عليه من الحال المتيقنة إلا بيقين من انتقالها وقوله صلى الله عليه وسلم فإن غم عليكم فأكملوا العدد ثلاثين يوما يقتضي استكمال شعبان قبل الصيام

(2/39)


واستكمال رمضان أيضا وفيه دليل على أنه لا يجوز صيام يوم الشك خوفا أن يكون من رمضان وقد ذكرنا في باب نافع عن ابن عمر من كتابنا هذا اختلاف الفقهاء في صيام يوم الشك على أنه من رمضان بأتم من ذلك ها هنا لأن ذلك الموضع أولى به لقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عمر فاقدروا له واختلف العلماء في صوم آخر يوم من شعبان تطوعا فأجازه مالك وأصحابه والشافعي وأصحابه وأبو حنيفة وأصحابه وأكثر الفقهاء إذا كان تطوعا ولم يكن خوفا ولا احتياطا أن يكون من رمضان ولا يجوز عندهم صومه على الشك قال مالك إن تيقن انه من شعبان جاز صومه تطوعا وهو قول الشافعي وقال أبو حنيفة لا يصام يوم الشك إلا تطوعا وقال الثوري لا يتلوم يوم الشك ولا يصوم أحد يوم الشك وسيأتي القول فيمن صامه على الشك هل يجزئه من رمضان عند قوله فأقدروا له في باب نافع إن شاء الله.
وقال بعض أهل العلم من أهل الحديث أنه لا يجوز صيام يومين قبل رمضان من آخر شعبان إلا لمن كان له عادة صيام شعبان واحتجوا بحديث النبي صلى الله عليه وسلم "ج" "لا يقدم "د" أحدكم رمضان بيوم ولا يومين إلا أن يكون صوما كان يصومه أحدكم فليتم صومه" رواه يحيى بن أبي كثير ومحمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي

(2/40)


صلى الله عليه وسلم قالوا وفي قوله ولا يومين دليل على أن ذلك تطوع لأنه لا يجوز أن يكون الشك في يومين.
قال أبو عمر:
زعم بعض أصحابنا أن في صوم رسول الله صلى الله عليه وسلم شعبان تطوعا دليلا على أن نهيه عن صوم يوم الشك إنما هو على الخوف أن يكون من رمضان وإن هذا هو المكروه حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن إسماعيل قال حدثنا صالح قال حدثني معاوية بن صالح أن عبد الله بن قيس حدثه انه سمع عائشة تقول "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم شعبان ويصله برمضان" وروى سالم بن أبي الجعد عن أبي سلمة عن أم سلمة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه "كان يصوم شعبان ويصله برمضان" رواه عن سالم جماعة لم يختلفوا عليه وروى يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم "كان يصوم شعبان كله" قال وهذه الآثار كلها تدل على

(2/41)


أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما كان يصوم يوم الشك تطوعا لا خوفا أن يكون من رمضان.
قال أبو عمر:
ليس في صيامه لشعبان تطوعا دفع لما تأوله أولائك في النهي عن صوم يوم الشك تطوعا لأن في الحديث ألا أن يكون في صوم يصومه وفي ذلك دلالة على أن النهي عن تقدم رمضان بيوم أو يومين إنما هو على ذلك الوجه والله أعلم وأما قوله صلى الله عليه وسلم "صوموا لرؤيته " فمعناه صوموا اليوم الذي يلي ليلة رؤيته من أوله ولم يرد صوموا من وقت رؤيته لأن الليل ليس بموضع صيام وإذا رؤى الهلال نهارا فإنما هو لليلة التي تأتي هذا هو الصحيح إن شاء الله.
وقد اختلفت الرواية في هذه المسألة عن عمر رضي الله عنه ذكر عبد الرزاق عن معمر عن الأعمش عن أبي وائل قال كتب إلينا عمر ونحن بخانقين إذا رأيتم الهلال نهارا فلا تفطروا حتى يشهد رجلان أنهما رأياه بالأمس ففي هذا الخبر عن عمر اعتبار شهادة رجلين على رؤية الهلال ولم يخص عشيا من غير عشي وقد ذكرنا مسألة الشهادة على الهلال في باب نافع حدثنا أحمد بن قاسم المقرئ قال حدثنا عبيد الله بن محمد

(2/42)


ابن حبابة قال حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي قال حدثنا علي بن الجعد قال حدثنا زهير بن معاوية عن الأعمش عن شقيق بن سلمة قال كتب إلينا عمر بن الخطاب ونحن بخانقين أن الأهلة بعضها أكبر من بعض فإذا رأيتم الهلال نهارا فلا تفطروا حتى يشهد عدلان أنهما رأياه بالأمس وروى عن علي بن أبي طالب مثل ذلك ذكره عبد الرزاق عن الحسن بن عمارة عن الحكم عن يحيى بن الجزار عن علي وقد روى من حديث أبي إسحاق عن الحرث أن هلال الفطر ريء نهارا فلم يأمر علي بن أبي طالب الناس أن يفطروا من يومهم ذلك وروى الزهري عن سالم عن ابن عمر قال لا تفطروا حتى يرى من موضعه وعن ابن مسعود وأنس بن مالك

(2/43)


مثل ذلك وهو قول مالك والشافعي وأبي حنيفة ومحمد بن الحسن والليث بن سعد والأوزاعي وبه قال أحمد وإسحاق كل هؤلاء يقول إذا ريء الهلال نهارا قبل الزوال أو بعد الزوال فهو لليلة المستقبلة وقال سفيان الثوري وأبو يوسف أن ريء بعد الزوال فهو لليلة التي تأتي وإن ريء قبل الزوال فهو لليلة الماضية وروى مثل ذلك عن عمر ذكر عبد الرزاق وغيره عن الثوري عن مغيرة عن شباك عن إبراهيم قال كتب عمر إلى عتبة بن فرقد إذا رأيتم الهلال نهارا قبل أن تزول الشمس لتمام ثلاثين فافطروا وإذا رأيتموه بعد ما تزول الشمس فلا تفطروا حتى تمسوا وذكر أبو بكر بن أبي شيبة عن أسباط بن محمد عن مطرف عن أبي إسحاق عن الحرث عن علي مثل ذلك ولا يصح في هذه المسألة من جهة الإسناد شيء عن علي رحمه الله وروى عن سلمان بن ربيعة

(2/44)


مثل قول الثوري وإليه ذهب عبد الملك بن حبيب واختلف عن عمر بن عبد العزيز في هذه المسألة فروى عنه ما يدل على الوجهين جميعا والحديث عن عمر بمعنى ما ذهب إليه مالك والشافعي وأبو حنيفة ومن تابعهم متصل والحديث الذي روى عنه بمذهب الثوري وأبي يوسف منقطع والمصير إلى المتصل أولى وعليه أكثر العلماء حدثنا سعيد بن نصر وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن وضاح قال حدثنا هشام بن خالد قال حدثنا الوليد بن مسلم قال سألت مالكا والليث والأوزاعي عن الهلال يرى من أول النهار فقالوا هو لليلة التي تجيء قال الأوزاعي وكتب بذلك عمر بن الخطاب وأما قوله صلى الله عليه وسلم ولا تفطروا حتى تروا الهلال ففيه رد لتأويل من تأول قوله صلى الله عليه وسلم شهرا عيد لا ينقصان رمضان وذوا الحجة أنهما لا ينقصان من ثلاثين ثلاثين يوما لأن قوله ولا تفطروا حتى تروه فإن غم عليكم فاكملوا العدة ثلاثين دليل على جواز كون رمضان من تسع وعشرين ومع هذا الدليل فإن المشاهدة تثبت ما قلنا وكفى بها حجة لما ذكرنا.
وأما الحديث فحدثناه عبد الله بن محمد بن عبد المومن قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا مسدد أن

(2/45)


يزيد بن زريع حدثهم قال حدثنا خالد الحذاء عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه عن النبي عليه السلام قال شهرا عيد لا ينقصان رمضان وذو الحجة ورواه حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله ورواه سالم أبو عبيد الله بن سالم عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن النبي عليه السلام مثله سواء وهذا معناه عندنا والله أعلم أنهما لا ينقصان في الأجر وتكفير الخطايا سواء كانا من تسع وعشرين أو من ثلاثين وأن ما وعد الله صائم رمضان على لسان نبيه عليه السلام من الأجر فهو منجزه له سواء كان شهره ثلاثين أو تسعا وعشرين وأما حديث أبي بكرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال "كل شهر حرام ثلاثون يوما وثلاثون ليلة" فإنه حديث لا يحتج بمثله لأنه يدور على عبد الرحمن بن إسحاق وهو ضعيف حدثناه خلف بن قاسم قال حدثنا أحمد بن إبراهيم بن أحمد البغدادي المعروف بابن الحداد بمصر قال حدثنا زكريا بن يحيى

(2/46)


السجزي قال حدثنا يوسف بن سليمان قال حدثنا مروان ابن معاوية قال حدثنا عبد الرحمن بن إسحاق القرشي قال حدثنا عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "كل شهر حرام ثلاثون يوما وثلاثون ليلة" .
قال أبو عمر:
الأشهر الحرم أربعة: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب وقد حدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا أحمد بن منيع عن ابن أبي زائدة عن عيسى بن دينار عن أبيه عن عمرو بن الحرث بن أبي ضرار عن ابن مسعود قال لما صمنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم تسعا وعشرين أكثر مما صمنا معه ثلاثين وهذا أيضا يدفع التأويل المذكور في قوله شهرا عيد لا ينقصان ويوضح لك أن رمضان قد يكون تسعا وعشرين وفيما يدرك من ذلك معاينة ومشاهدة كفاية وبالله التوفيق.
وسيأتي ذكر الاختلاف في الشهادة على رؤية هلال رمضان وذكر رؤية هلال رمضان وهلال الفطر في بلد دون بلد في باب نافع إن شاء الله

(2/47)


الحديث الثالث
...
"حديث ثالث لثور بن زيد مرسل".
مالك عن ثور بن زيد الديلي أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أيما دار أو أرض قسمت في الجاهلية فهي على قسم الجاهلية وأيما دار أو أرض أدركها الإسلام ولم تقسم فهي على قسم الإسلام هكذا هذا الحديث في الموطأ لم يتجاوز به ثور بن زيد أنه بلغه عند جماعة رواة الموطأ والله أعلم ورواه إبراهيم بن طهمان عن مالك عن ثور بن زيد عن عكرمة عن ابن عباس تفرد به عن مالك بهذا الإسناد وهو ثقة وقد روى هذا الحديث مسندا من حديث ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم رواه محمد بن مسلم الطائفي عن عمرو بن دينار عن أبي الشعثاء عن ابن عباس ورواه ابن عيينة عن عمرو عن النبي عليه السلام مرسلا.
أخبرنا عبيد بن محمد قال حدثنا عبد الله بن مسرور قال حدثنا عيسى بن مسكين قال حدثنا ابن سنجر قال حدثنا موسى ابن داود قال حدثنا محمد بن مسلم الطائفي عن عمرو بن

(2/48)


دينار عن أبي الشعثاء عن ابن عباس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "كل قسم قسم في الجاهلية فهو على قسم الجاهلية وكل شيء أدركه الإسلام ولم يقسم فهو على قسم الإسلام" وأخبرنا عبد الله بن محمد بن يحيى قال أخبرنا محمد بن عمر بن علي بن حرب قال أخبرنا علي بن حرب قال حدثنا سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار قال قال النبي عليه السلام "أيما ميراث من الجاهلية أقتسم في الجاهلية فهو على قسم الجاهلية وما أدرك الإسلام فهو على قسم الإسلام" .
أخبرنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا إبراهيم بن عبد الرحيم قال حدثنا موسى بن داود قال حدثنا محمد بن مسلم الطائفي عن عمرو بن دينار عن أبي الشعثاء عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "كل قسم قسم في الجاهلية فهو على ما قسم وكل قسم أدركه الإسلام ولم يقسم فهو على قسم الإسلام" .
قال أبو عمر:
قال المزني سألت الشافعي عن أهل دار الحرب يقتسمون ميراثا من العقار وغيره ويملك بعضهم على بعض بذلك القسم ثم يسلمون فيريد بعضهم أن ينقض ذلك القسم ويقسم على قسم الإسلام فقال ليس ذلك له فقلت له وما الحجة في ذلك فقال الاستدلال بمعنى الإجماع والسنة قلت وأين ذلك فذكر حديث مالك عن ثور بن زيد هذا قال ونحن نرويه متصلا ثابتا بهذا المعنى قال وأما الإجماع فإن أهل دار الحرب إذا سبا بعضهم بعضا وقتل بعضهم بعضا ثم أسلموا أهدرت الدماء وملك

(2/49)


كل واحد منهم ما كان قد ملكه قبل الإسلام من الرقيق الذين استرقهم وسائر الأموال فما ملكوه بالقسم في الجاهلية أحق وأولى أن يثبت من ملك الغصب والاسترقاق لمن كان حرا وقال ابن وهب سألت مالكا عن تفسير حديث النبي صلى الله عليه وسلم "أيما دار أو أرض قسمت في الجاهلية فهي على قسم الجاهلية" فقال لي هو كذلك أيما دار في الجاهلية قسمت ثم أسلم أهلها فهم على قسمتهم يومئذ وأيما دار في الجاهلية لم تزل بأيدي أصحابها لم يقتسموها حتى كان الإسلام فاقتمسوها في الإسلام فهو على قسم الإسلام فقلت لمالك أرأيت النصراني يموت ويترك ولدا نصرانيا ثم يموت فيسلم بعض ولده قبل قسم ميراثهم فقال مالك ليس هذا من هذا في شيء إنما يقسم هؤلاء من أسلم مهم ومن لم يسلم على حال قسمهم يوم مات أبوهم وقال إسماعيل بن إسحاق في كتاب الفرائض له معنى هذا الحديث والله أعلم أن أهل الجاهلية كانوا يقتسمون المواريث على خلاف فرائضنا فإذا اقتسموا ميراثا في الجاهلية ثم أسلموا بعد ذلك فهم على ما أسلموا عليه كما يسلم على ما صار في يد كل واحد منهم وحازه من الغصوب والدماء وغير ذلك فكذلك كلما اقتسموا من المواريث فإذا أسلموا قبل أن يبرموا في ذلك شيئا عملوا فيه بأحكام المسلمين وأما مواريث أهل الإسلام فقد استقر حكمها يوم مات الميت قسمت أو لم تقسم وهم فيما لم يقسم على حسب شركتهم وعلى قدر سهامهم قال إسماعيل

(2/50)


وأحسب أهل الجاهلية لم يكونوا يعطون الزوجة ما نعطيها ولا يعطون البنات ما نعطيهن وربما لم تكن لهم مواريث معلومة يعملون عليها قال وقد حدثنا أبو ثابت عن ابن القاسم قال سألنا مالكا عن الحديث الذي جاء أيما دار قسمت في الجاهلية فهي على قسم الجاهلية وأيما دار أدركها الإسلام ولم تقسم فهي على قسم الإسلام فقال مالك الحديث لغير أهل الكتاب وأما النصارى واليهود فهم على مواريثهم لا ينقل الإسلام مواريثهم التي كانوا عليها قال إسماعيل قول مالك هذا على أن النصارى واليهود لهم مواريث قد تراضوا عليها وإن كانت ظلما فإذا اسلموا على ميراث قد مضى فهم كما لو اصطلحوا عليه ثم يكون ما يحدث من مواريثهم بعد الإسلام على حكم الإسلام.
حدثنا خلف بن قاسم قال حدثنا محمد بن أحمد بن كامل قال حدثنا أحمد بن محمد بن الحجاج قال حدثنا زيد بن البشر قال حدثنا ابن وهب قال سمعت الليث يقول في قول النبي صلى الله عليه وسلم "ما كان على قسم الجاهلية فهو على قسم الجاهلية وما كان من قسم أدركه الإسلام قبل أن يقسم فهو على قسم الإسلام"

(2/51)


إن ذلك يكون أبدا في الإسلام فلو أن نصرانيا هلك وترك ولدا له نصرانيا ثم أسلموا جميعا قبل القسم قسم بينهم الميراث على قسم مواريث المسلمين ولو أنهم اقتسموا قبل أن يسلموا لكانت مواريثهم على قسم الجاهلية قال وإن أسلم بعضهم ولم يسلم بعض فإن القسم بينهم على قسم الجاهلية لأنهم إنما ورثوه يوم مات وهم على دينهم.
قال أبو عمر:
اختلف أصحاب مالك في معنى هذا الحديث فروى ابن القاسم عن مالك أنه قال إنما ذلك في مشركي العرب والمجوس فقط وأما اليهود والنصارى فهم على قسمتهم.
قال أبو عمر:
فالوثني والمجوسي ومن لا كتاب له عنده في هذه الرواية إذا مات وله ورثة على دينه فلم يقتسموا ميراثه حتى أسلموا اقتسموه على شريعة الإسلام لأنهم في وقت القسمة مسلمون ولا كتاب لهم فيقتسمون ما وجب لهم من ميراثهم عليه وأما الكتابي على هذه الرواية إذا مات وله ورثة على دينه فلم يقتسموا ميراثه حتى أسلموا فإنهم يقتسمونه على حسب ما وجب لكل واحد منهم في دينه وشريعته في حين موت موروثهم لأن الميراث حينئذ وجب واستحق كل واحد منهم ما استحقه بموت موروثه لا يزاح أحد منهم عما استحقه في دينه الذي قد أقررناه عليه وروى ابن نافع وأشهب وعبد الملك بن عبد العزيز

(2/52)


ومطرف عن مالك أن ذلك في الكفار كلهم المجوس ومشركي العرب وأهل الكتاب وجميع أهل الملل وهذا أولى لما فيه من استعمال الحديث على عمومه في أهل الجاهلية ولأن الكفر لا تفترق أحكامه لاختلاف أديانه ألا ترى أن من أسلم من جميعهم أقر على نكاحه ولحقه ولده وعند مالك وجميع أصحابه أن أهل الكفر كلهم سواء مجوسا كانوا أو كتابيين في مقاتلتهم وضرب الجزية عليهم وقبولهم منهم وإقرارهم على دينهم وقد جمعهم الله عز وجل في الوعيد والتخليد في النار وشملهم اسم الكفر فلا يفرق بين شيء من أحكامهم إلا ما قام الدليل عليه فيكون مخصوصا بذلك الدليل الذي خصه كأكل ذبائح الكتابين ومناكحتهم دون سائر أهل الكفر بما نص عليه من ذلك ومحال أن يكونوا جماعة مؤمنين كلهم يقتسمون ميراثهم على شريعة الطاغوت ومنهاج الكفر وهذا قول ابن شهاب وجماعة أهل الحجاز وجمهور أهل العلم والحديث وكل من قال بهذا الحديث لم يفرق بين الكتابيين وغيرهم إلا ما ذكرنا وقد أبي قوم من القول به والحجة تلزمهم به لأنه حديث قد وصله من ليس به بأس وهو معمول به عند أهل المدينة ومكة وقد روى أصبغ عن ابن القاسم أنه سئل عن قول رسول الله صلى الله عليه وسلم "أيما دار قسمت في الجاهلية فهي على قسم الجاهلية وأيما دار أدركها الإسلام ولم تقسم فهي على قسم الإسلام" قلت أيريد بهذا مشركي العرب أم يكون في اليهود والنصارى فقال تفسيره عندي أن كل ورثة ورثوا دارا على مجوسية أو يهودية أو نصرانية فلم يقسموا حتى أسلموا فإن مواريثهم ترجع في قسم الدار على سنة

(2/53)


فرائض الإسلام وإن كانوا قد اقتسموا وهم على يهوديتهم أو مجوسيتهم مضى ذلك القسم ولم يعد بينهم إتباعا للحديث وأخذا به قلت له فإن أسلم بعضهم قبل أن يقتسموا فدعا من اسلم منهم إلى أن يقتسموا على فرائض الإسلام ودعا من لم يسلم منهم إلى التمسك بفرائض أهل دينهم كيف الحكم بينهم فقال يقرون على قسم أهل دينهم ما بقي منهم واحد لم يسلم ولا يجبرون على غير ذلك إلا أن يتراضوا على حكم من حكام المسلمين فحكم بينهم بكتاب الله هكذا ذكره ورواه مطروح بن محمد بن شاكر عن أصبغ وروى ابن وهب قال قلت لمالك النصراني يموت وله ولد نصارى فيسلم بعض ولده بعد موته قبل قسم الميراث فقال من أسلم منهم ومن لم يسلم على حال واحدة في قسمتهم يوم مات أبوهم إن كان للذكر في قسمتهم مثل حظ الأنثى لم يكن لمن أسلم إلا ذالك إنما يقسمون على قسم النصرانية وإن كان قد أسلم بعضهم فلا يقسم لمن أسلم منهم إلا ما وجب له قبل أن يسلم يوم مات أبوه قال وقال مالك في النصراني يموت وله أولاد مسلمون ونصارى فيسلم النصراني منهم قبل قسم الميراث فقال إنما يكون ميراثه لمن كان على دينه يوم مات وليس لمن كان مسلما قبل موته شيء ولو أسلم النصراني وله أولاد مسلمون ونصارى ثم مات فاسلم ولده النصارى بعد موته قبل القسم لم يكن لهم من ميراثه شيء فقلت لمالك والعتاقة كذلك فقال نعم من اعتق بعد الموت فلا شيء له وإن كان قبل القسم

(2/54)


قال أبو عمر:
بهذا قال الشافعي وجمهور أهل العلم وروى ذلك عن علي بن أبي طالب وسعيد بن المسيب وإبراهيم النخعي وسليمان بن يسار والزهري كلهم يقول من أسلم أو أعتق بعد الموت فلا ميراث له ولا قسم لأن الميراث قد وجب في حين الموت لمن وجب من عصبة أو بيت مال المسلمين أو سائر ورثته وهو قول الكوفيين والحجازيين وجمهور العلماء أن الميراث إنما يقع ويجب بموت الموروث في حين موته كالرجل المسلم يموت وله أولاد نصارى ثم يسلمون بعد فلا حق لهم في ميراثه وقد وجب بموته لوارث مسلم إن كان له غيرهم وإلا فلبيت مال المسلمين إلا ما روى عن أبي الشعثاء جابر بن زيد البصرى وطائفة من فقهاء التابعين بالبصرة خاصة فإن ابن أبي عمر ذكر عن ابن عيينة قال حدثنا عمرو بن دينار قال سمعت أبا الشعثاء يقول إذا مات الرجل وترك ابنا له مملوكا فاعتق أو نصرانيا فاسلم من قبل أن يقتسم ميراثه ورثته قال سفيان سمعت عمرو بن دينار يقول أظن أبا الشعثاء أخذه من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم "أيما ميراث من ميراث الجاهلية أقتسم في الجاهلية فهو على قسم الجاهلية وما أدرك الإسلام فهو على قسم الإسلام" قال سفيان بن عيينة حدثنا داود بن أبي هند قال سألت سعيد بن المسيب عن الميراث إذا أسلم أو أعتق الوارث بعد الموت فقال سعيد يرد الميراث إلى أهله يقول لا يرث وإن اعتق قبل أن يقسم الميراث لأن أباه وهو عبد مملوك

(2/55)


وحدثنا عبد الوارث بن سفيان قراءة مني عليه أن قاسم بن أصبغ حدثهم قال حدثنا محمد بن عبد السلام قال حدثنا محمد بن بشار قال حدثنا عبد الرحمن بن مهدي قال حدثنا شعبة قال سألت الحكم وحمادا عن رجل أسلم على ميراث فقالا ليس له شيء وذكر عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء وابن أبي ليلى إن مات مسلم وله ولد نصارى ثم أسلموا ولم يقسم ميراثه حتى أسلموا فلا حق لهم وقعت المواريث قبل أن يسلموا قال وأخبرنا معمر عن الزهري سمعه يقول إذا وقعت المواريث فمن أسلم على ميراث فلا شيء له ومن حديث شعبة قال أخبرني حصين قال رأيت شيخا يتوكأ على عصا فقيل لي هذا وارث صفية بنت حيي بن أخطب أسلم على ميراثها بعد موتها قبل ان يقسم فلم يورث.
قال أبو عمر:
على هذا مذهب مالك والشافعي وأبي حنيفة والثوري والأوزاعي والليث ومن قال بقولهم وقد جاء عن عمر وعثمان رضي الله عنهما في هذا الباب شيء موافق لقول أبي الشعثاء ليس عليه العمل عند الفقهاء فيما علمت وهو حديث حدثناه احمد بن فتح قال حدثنا ابن أبي رافع قال حدثنا إسماعيل بن إسحاق قال حدثنا حجاج قال حدثنا حماد بن زيد عن أيوب عن

(2/56)


أبي قلابة عن حسان بن بلال المزني عن يزيد بن قتادة إن إنسانا مات من أهله وهو على غير دين الإسلام قال فورثته ابنته دوني وكانت على دينه ثم إن جدي أسلم وشهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حنينا فتوفى وترك نخلا فأسلمت فخاصمتني في الميراث إلى عثمان بن عفان فحدث عبد الله بن الأرقم أن عمر قضى أنه من أسلم على ميراث قيل أن يقسم فإنه يصيبه فقضى له عثمان فذهبت بالأولى وشاركتني في الآخرة قال إسماعيل هذا حكم لا يحتمل فيه على مثل حسان ابن بلال ويزيد بن قتادة لأن فقهاء الأمصار من أهل المدينة والكوفة على خلافه ولأن ظاهر القرآن يدل على أن الميراث يجب لأهله في حين موت الميت.
قال أبو عمر:
كان عثمان رحمه الله يقول في هذا الباب بما عليه الفقهاء اليوم حتى حدثه عبد الله بن أرقم عن عمر بن الخطاب أنه ورث قوما أسلموا قبل قسم الميراث وبعد موت الموروث فرجع إلى هذا القول وقال به وتابعه على ذلك ثلاثة من فقهاء التابعين بالبصرة وهم الحسن وجابر بن زيد وقتادة وقال الحسن فإن قسم بعض

(2/57)


الميراث ثم أسلم ورث مما لم يقسم ولم يرث مما قسم وحجة من قال هذا القول حديث هذا الباب وقد رواه سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن حسان بن بلال عن يزيد بن قتادة العنزى عن عبد الله بن الأرقم كاتب عمر أن عمر بن الخطاب قال من أسلم على ميراث قبل أن يقسم صار الميراث له بإسلامه واجبا وروى عبد الوارث عن كثير بن شنظير عن عطاء أن رجلا أسلم على ميراث على عهد النبي عليه السلام قبل أن يقسم فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم نصيبه منه وروى يزيد بن زريع عن خالد الحذاء عن أبي قلابة عن زيد بن قتادة قال توفيت أمنا مسلمة ولي أخوة نصارى فأسلموا قبل أن يقسم الميراث فدخلنا على عثمان فسأل كيف قضى في ذلك عمر فأخبر فأشرك بيننا وروى وهيب عن يونس عن الحسن قال من أسلم على ميراث قبل أن يقتسم فهو أحق به.
قال أبو عمر:
حكم من اعتق عندهم قبل القسم كحكم من أسلم واختلف في ذلك عن الحسن فقال مرة هو بمنزلة من أسلم وقال مرة أخرى من اسلم ورث ومن اعتق لم يرث لأن الحديث إنما جاء

(2/58)


فيمن أدرك الإسلام وهو قول إياس بن معاوية وحميد وروى أبو زرعة الرازي قال حدثنا موسى بن إسماعيل قال حدثنا حماد عن حميد عن الحسن قال العبد إذا اعتق على ميراث قبل أن يقسم فهو أحق به وبه قال أبو زرعة فيمن أسلم على ميراث قبل أن يقسم أنه له وخالفه أبو حاتم فقال ليس له من الميراث شيء وروى أبو نعيم عن محمد بن راشد عن مكحول في المملوك يموت ذو قرابته ثم يعتق قبل أن يقسم الميراث فإنه يرثه وروى ابن أبي شيبة عن عبد الأعلى عن معمر عن الزهري في العبد يعتق على الميراث قال ليس له شيء وروى حماد بن سلمة عن حميد قال كان إياس بن معاوية يقول أما النصراني يسلم فنعم وأما العبد يعتق فلا قال وبه قال حميد فيمن أعتق أو أسلم على ميراث قبل أن يقسم يعني أنه فرق بين العتق والإسلام في ذلك.
قال أبو عمر:
لا حجة في هذا الحديث لمن قال بقول جابر ابن زيد لأنه إنما ورد في كيفية قسمة من أسلم على ميراث لا في توريث من لا يجب له ميراث وقد قال صلى الله عليه وسلم "لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم" وعلى هذا الحديث العمل عند جماعة الفقهاء

(2/59)


بالحجاز والعراق والشام والمغرب وسيأتي ذكر هذا الحديث في باب ابن شهاب عن علي بن حسين من هذا الكتاب إن شاء الله وذكر إسماعيل قال حدثنا محمد بن المنهال قال حدثنا يزيد بن زريع قال حدثنا سعيد عن أبي معشر عن إبراهيم قال من أسلم على ميراث قبل أن يقسم أو اعتق على ميراث قبل أن يقسم فليس لواحد منهما شيء وجبت الحقوق لأهلها حيث مات قال وحدثنا حجاج بن منهال قال حدثنا يزيد بن زريع قال حدثنا داود عن سعيد بن المسيب قال إذا مات الميت يرد الميراث لأهله.
قال أبو عمر:
وحكم العين والمتاع وسائر الأموال حكم العقار المذكور في حديث مالك الدار والأرض لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في غير حديث مالك مما قد ذكرناه في هذا الباب وأيما شيء وأيما ميراث من ميراث الجاهلية وذلك عام في كل ما وقع عليه اسم شيء واسم ميراث وهذا لا خلاف فيه بين العلماء فأغنى ذلك عن الكلام فيه :

(2/60)


الحديث الرابع
...
حديث رابع لثور بن زيد مرسل شركه فيه حميد بن قيس
مالك عن حميد بن قيس وثور بن زيد أنهما أخبراه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحدهما يزيد في الحديث على صاحبه "إن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلا قائما في الشمس فقال ما بال هذا قالوا نذر ألا يتلكم ولا يستظل ولا يجلس ويصوم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم مروه فليتكلم وليستظل وليجلس وليتم صيامه" قال مالك ولم أسمع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره بكفارة وقد أمره أن يتم ما كان لله طاعة وأن يترك ما كان لله معصية.
قال أبو عمر:
هذا الحديث يتصل عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه منها حديث جابر وابن عباس ومن حديث قيس بن أبي حازم عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم ومن حديث طاووس عن أبي إسرائيل رجل من أصحاب النبي عليه

(2/61)


السلام وأظن والله أعلم أن حديث جابر هو هذا لأن مجاهدا رواه عن جابر وحميد بن قيس صاحب مجاهد وفيه دليل على أن السكوت عن المباح أو عن ذكر الله ليس من طاعة الله وكذلك الجلوس للشمس وفي معناه كل ما يتأذى به الإنسان مما لا طاعة فيه بنص كتاب أو سنة وكذلك الحفا وغيره مما لم ترد الشريعة بعمله لا طاعة لله فيه ولا قربة وإنما الطاعة ما أمر الله به ورسوله بالتقرب بعمله إلى الله تبارك اسمه وقد جاء عن مالك في هذا الباب مسألة ذكرها في موطأه في الرجل يقول للرجل أنا أحملك إلى بيت الله قال إن نوى أن يحمله على رقبته يريد بذلك المشقة فليس ذلك عليه وليمش على رجليه وليهد وإن لم يكن نوى شيئا من ذلك فليحج وليركب وليحج به معه إن أطاعه وأن أبى فلا شيء عليه وقد أنكر قوم على مالك إيجاب الهدى في هذه المسألة على الذي نوى أن يحمله على رقبته وقالوا ليس هذا أصله فيمن ترك الوفاء بما لا طاعة فيه من نذره أن يكفر بهدي أو غيره لأن حمله على رقبته ليس لله فيه طاعة وهو يشبه نذر الذي نذر أن لا يتكلم ولا يستظل وقد سئل إسماعيل القاضي عن هذا فقال لو قدر أن يحمله لكان طاعة قال ومن هنا وجب عليه الهدى عند مالك ولم يجعله كالمستظل والمتكلم بعد نذره أن لا يستظل ولا يتكلم.
قال أبو عمر:
أصل مالك الذي لم يخالفه فيه أحد من أصحابه أن من نذر ما فيه لله طاعة بما لا طاعة فيه لزمه الوفاء بما فيه طاعة وترك ما سواه ولا شيء عليه لتركه وذلك كمن نذر أن يمشي إلى بيت المقدس للصلاة فيه فينبغي له أن يقصد بيت المقدس لما في ذلك من الطاعة وليس عليه قصده ماشيا إذ المشي لا طاعة فيه ولا هدي عليه وهذا يقضي على المسألة الأولى ويقضي على أن من

(2/62)


نذر المشي إلى الكعبة حافيا أنه ينتعل ولا شيء عليه وإن كان مالك في هذه كان يستحسن الهدى أيضا وليس بشيء حدثني احمد بن محمد بن أحمد قال أخبرنا أحمد بن الفضل الخفاف قال حدثنا محمد بن جرير قال حدثنا محمد بن حميد قال حدثنا سلمة بن الفضل عن ابن إسحاق عن أبان ابن صالح عن مجاهد عن جابر بن عبد الله قال كان أبو إسرائيل رجلا من بني فهر فنذر ليقومن في الشمس حتى يصلي النبي عليه السلام الجمعة وليصومن ذلك اليوم فرآه النبي عليه السلام فقال ما شأنه فأخبروه فأمره أن يجلس ويستظل ويصوم ولم يأمره بكفارة وهذا الحديث يدل على أن كل ما ليس لله بطاعة حكمه حكم المعصية في أنه لا يلزم الوفاء ولا الكفارة عنه فإن ظن ظان إن إيجاب الكفارة بالهدي أو غيره احتياط قيل له لا مدخل للاحتياط في إيجاب شيء لم يوجبه الله في ذمة بريئة بل الاحتياط الكف عن إيجاب ما لم يأذن الله بإيجابه وفي هذا الحديث أيضا دليل على فساد قول من قال إن من نذر معصية كان

(2/63)


عليه مع تركها كفارة يمين فإن احتج محتج بحديث عمران بن حصين وحديث أبي هريرة جميعا عن النبي عليه السلام أنه قال "لا نذر في معصية الله وكفارته كفارة يمين" قيل له هذان حديثان مضطربان لا أصل لهما عند أهل الحديث لأن حديث أبي هريرة إنما يدور على سليمان بن أرقم وسليمان بن أرقم متروك الحديث وحديث عمران بن حصين يدور على زهير بن محمد عن أبيه وأبوه مجهول لم يرو عنه غير ابنه زهير وزهير أيضا عنده مناكير وقد بينا العلة في هذين الحديثين في باب طلحة بن عبد الملك من كتابنا هذا ويدل هذا الحديث أيضا على صحة قول من ذهب إلى أن من نذر أن ينحر ابنه أنه لا شيء عليه من كفارة ولا غيرها وقد قاله مالك على اختلاف عنه وهو الصحيح إن شاء الله لأنه لا معصية أعظم من إراقة دم امرئ مسلم بغير حق ولا معنى لإيجاب كفارة يمين على من نذر ذلك ولا للاعتبار في ذلك بكفارة الظهار في قول المنكر والزور لأن الظهار ليس بنذر والمنذر في المعصية قد جاء فيه نص عن النبي صلى الله عليه وسلم قولا وعملا فأما العمل فهو ما في حديث جابر هذا وأما القول فحديث عائشة عن النبي عليه السلام أنه قال "من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه"
وقد ذكرنا في كتابنا هذا في باب طلحة بن عبد الملك

(2/64)


أخبرنا عبد الله بن محمد بن أسد الجهني قال حدثنا سعيد بن السكن قال حدثنا محمد بن يوسف قال حدثنا محمد بن إسماعيل البخاري قال حدثنا موسى بن إسماعيل قال حدثنا وهيب قال حدثنا أيوب عن ابن عباس قال بينما النبي عليه السلام يخطب إذا هو برجل قائم فسأل عنه فقالوا يا رسول الله أبو إسرائيل نذر أن يقوم ولا يقعد ولا يستظل ولا يتكلم ويصوم فقال النبي صلى الله عليه وسلم " مروه فليتكلم وليستظل وليقعد وليتم صومه" قال البخاري وقال عبد الوهاب حدثنا أيوب عن عكرمة عن النبي عليه السلام.
قال أبو عمر:
سيأتي في باب طلحة بن عبد الملك ما ينضاف إلى هذا الباب ويليق به إن شاء الله.

(2/65)