Contents

الواجهة
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد
مقدمة
باب الألف
باب الثاء
باب الجيم
باب الحاء
باب الخاء
باب الدال
باب الراء
باب الزاي
تابع باب الزاء
تابع لحرف الزاء
تابع لحرف الزاء
باب الطاء
باب الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع حرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
باب النون
باب الصاد
باب الضاد
باب العين
تابع لحرف العين
تابع حرف العين
تابع لحرف العين
تابع لحرف العين
باب القاف
باب السين
باب الشين
باب الهاء
باب الواو
باب الياء
تابع باب الياء
باب الكني
باب بلاغات مالك ومرسلاته
باب مافي هذا الديوان من حديث مالك الذي ثبتت عليه أبوابه خاصة
الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج
الديباج - جزء 1
الديباج - جزء 2
الديباج - جزء 3
الديباج - جزء 4
الديباج - جزء 5
الديباج - جزء 6
المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج
المنهاج - مقدمة
المنهاج - الإيمان
المنهاج - الطهارة
المنهاج - الحيض
المنهاج - الصَّلَاة
المنهاج - المساجد ومواضع الصلاة
المنهاج - صلاة المسافرين وقصرها
المنهاج - بَاب صَلَاة الْجُمُعَة
المنهاج - بَاب صَلَاة الْعِيدَيْنِ
المنهاج - بَاب الدُّعَاء فِي صَلَاة الِاسْتِسْقَاء
المنهاج - بَاب صَلَاة الْكُسُوف
المنهاج - كِتَاب الْجَنَائِز
المنهاج - الزكاة
المنهاج - كِتَاب الصِّيَام
المنهاج - كِتَاب الِاعْتِكَاف
المنهاج - كِتَاب الْحَجّ
المنهاج - كِتَاب النِّكَاح
المنهاج - الرضاعة
المنهاج - الطلاق
المنهاج - اللِّعَان
المنهاج - العتق
المنهاج - البيوع
المنهاج - المساقاة
المنهاج - الفرائض
المنهاج - الهبات
المنهاج - الوصية
المنهاج - النذر
المنهاج - الأيمان
المنهاج - القسامة
المنهاج - الحدود
المنهاج - الأقضية
المنهاج - اللقطة
المنهاج - الجهاد والسير
المنهاج - الإمارة
المنهاج - الصيد والذبائح
المنهاج - كِتَاب الْأَضْاحَي
المنهاج - الأشربة
المنهاج - اللباس والزينة
المنهاج - الآداب
المنهاج - السلام
المنهاج - الألفاظ من الأدب وغيرها
المنهاج - الشعر
المنهاج - الرؤيا
المنهاج - الفضائل
المنهاج - فضائل الصحابة
المنهاج - البر والصلة والآداب
المنهاج - القدر
المنهاج - العلم
المنهاج - الذكر والدعاء
المنهاج - التوبة
المنهاج - صفات المنافقين
المنهاج - صفة القيامة والجنة والنار
المنهاج - الجنة وصفة نعيمها وأهلها
المنهاج - الفتن وأشراط الساعة
المنهاج - الزهد والرقائق
المنهاج - التفسير
تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي
أبواب الطهارة
أبواب الصلاة
تابع أبواب الصلاة
أبواب الوتر
أبواب الجمعة
تابع لأبواب الجمعة
أبواب العيدين
أبواب السفر
ابواب الزكاة
أبواب الصوم
أبواب الحج
تابع أبواب الحج
أبواب الجنائز
أبواب النكاح
أبواب الرضاع
أبواب الطلاق واللعان
ابواب البيوع
أبواب الأحكام
أبواب الديات
ابواب الحدود
تابع أبواب الحدود
أبواب الصيد
أبواب الأضاحي
أبواب النذور والأيمان
أبواب السير
أبواب الجهاد
أبواب اللباس
أبواب الأطعمة
أبواب الأشربة
تابع أبواب الأشربة
أبواب البر و الصله عن رسول الله صلى الله عليه و آله سلم
أبواب الطب عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الفرائض عن الرسول صلى الله عليه و سلم
أبواب الوصايا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الولاء و الهبة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب القدر عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم
أبواب الفتن عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الرؤيا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الشهادات عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
تابع لأبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صِفَةُ القِيامَة
أبواب صفة الجنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صفة جهنم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإيمان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب العلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإستئذان والآداب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب العلم
أبواب الأمثال
أبواب فضائل القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب القراءات عن رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم
أبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الدعوات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أحاديث شتى من أبواب الدعوات
المناقب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
مناقب الصحابة رضوان الله عليهم
تنوير الحوالك شرح موطأ مالك
كتاب وقوت الصلاة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب السهو
كتاب الجمعة
كتاب الصلاة في رمضان
كتاب صلاة الليل
كتاب صلاة الجماعة
كتاب قصر الصلاة في السفر
كتاب العيدين
كتاب صلاة الخوف
كتاب صلاة الكسوف
كتاب الاستسقاء
كتاب القبلة
كتاب القرآن
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب الجهاد
كتاب النذور و الأيمان
كتاب الضحايا
كتاب الذبائح
كتاب الصيد
كتاب العقيقة
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الرضاع
كتاب البيوع
كتاب القراض
كتاب المساقاة - كتاب كراء الأرض
كتاب الشفعة - كتاب الأقضية
كتاب الوصية - كتاب العتق والولاء
كتاب المكاتب - كتاب المدبر
كتاب الحدود
كتاب الأشربة - كتاب العقول
كتاب القسامة - كتاب الجامع
كتاب القدر - كتاب حسن الخلق
كتاب اللباس - كتاب صفة النبي
كتاب العين - كتاب الشعر
كتاب الرؤيا - كتاب السلام
كتاب الاستئذان والتشميت والصور والتماثيل وغيرها
كتاب البيعة - كتاب الكلام والعينة والتقى
كتاب جهنم - كتاب الصدقة
كتاب العلم - كتاب دعوة المظلوم - كتاب أسماء النبي
حاشية السندي على سنن ابن ماجة
المقدمة
الطَّهَارَة وَسُنَنهَا
الصلاة
الْأَذَان
المساجد والجماعات
أَبْوَاب إِقَامَة الصَّلَاة
الجنائز
الصوم
الزكاة
النكاح
الطلاق
الكفارات
التجارات
الأحكام
الحدود
الديات
الوصايا
الْفَرَائِض
الجهاد
المناسك
الْأَضَاحِيّ
الذبائح
الصيد
الأطعمة
الأشربة
الطب
اللباس
الْآدَاب
الدُّعَاء
تعبير الرؤيا
الْفِتَن
الزُّهْد
شرح سنن ابن ماجه لمغلطاي
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح رياض الصالحين
شرح رياض الصالحين - 01
شرح رياض الصالحين - 02
شرح رياض الصالحين - 03
شرح رياض الصالحين - 04
شرح سنن أبي داود للعيني
مقدمة التحقيق
كتاب الطهارة
كِتابُ الصَلاَةِ
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
عون المعبود شرح سنن أبي داود
كتاب الطهارة
تابع كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
كتاب الزكاة
تابع لكتاب الزكاة
كتاب اللقطة
كتاب المناسك
تابع لكتاب المناسك
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الصيام
تابع لكتاب الصيام
أول كتاب الجهاد
أول كتاب الضحايا
تابع كتاب الضحايا
أول كتاب الصيد
أول كتاب الوصايا
أول كتاب الفرائض
أول كتاب الخراج والفيء والإمارة
أول كتاب الجنائز
تابع لكتاب الجنائز
كتاب الأيمان والنذور
كتاب البيوع
كتاب الإجارة
كتاب القضاء
تابع لكتاب القضاء
كتاب العلم
كتاب الأشربة
كتاب الأطعمة
كتاب الطب
كتاب الكهانة والتطير
كتاب العتق
أول كتاب الحروف والقراءات
أول كتاب الحمام
أول كتاب اللباس
أول كتاب الترجل
أول كتاب الخاتم
أول كتاب الفتن والملاحم
أول كتاب المهدي
أول كتاب الملاحم
أول كتاب الحدود
أول كتاب الديات
أول كتاب السنة
تابع لكتاب السنة
أول كتاب الأدب
أبواب السلام
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن حجر
فتح الباري - هدي الساري مقدمة فتح الباري
فتح الباري - كتاب بدء الوحي
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب العلم
فتح الباري - كتاب الوضوء
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
فتح الباري - كتاب مواقيت الصلاة
فتح الباري - كتاب الأذان
فتح الباري - كتاب الجمعة
فتح الباري - كتاب الخوف
فتح الباري - كتاب العيدين
فتح الباري - كتاب الوتر
فتح الباري - كتاب الاستسقاء
فتح الباري - كتاب الكسوف
فتح الباري - كتاب سجود القرآن
فتح الباري - كتاب تقصير الصلاة
فتح الباري - كتاب التهجد
فتح الباري - كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة
فتح الباري - كتاب العمل في الصلاة
فتح الباري - كتاب السهو
فتح الباري - كتاب الجنائز
فتح الباري - كتاب الزكاة
فتح الباري - كتاب الحج
فتح الباري - كتاب العمرة
فتح الباري - كتاب المحصر
فتح الباري - كتاب جزاء الصيد
فتح الباري - كتاب فضائل المدينة
فتح الباري - كتاب الصوم
فتح الباري - كتاب صلاة التراويح
فتح الباري - كتاب فضل ليلة القدر
فتح الباري - كتاب الإعتكاف
فتح الباري - كتاب البيوع
فتح الباري - كتاب السلم
فتح الباري - كتاب الشفعة
فتح الباري - كتاب الإجارة
فتح الباري - كتاب الحرث والمزارعة
فتح الباري - كتاب المساقاة
فتح الباري - كتاب الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس
فتح الباري - كتاب الخصومات
فتح الباري - كتاب اللقطة
فتح الباري - كتاب المظالم
فتح الباري - كتاب الشركة
فتح الباري - كتاب الرهن
فتح الباري - كتاب العتق
فتح الباري - كتاب المكاتب
فتح الباري - كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها
فتح الباري - كتاب الشهادات
فتح الباري - كتاب الصلح
فتح الباري - كتاب الشروط
فتح الباري - كتاب الوصايا
فتح الباري - كتاب الجهاد و السير
فتح الباري - كتاب فرض الخمس
فتح الباري - كتاب الجزية و الموادعة
فتح الباري - كتاب بدء الخلق
فتح الباري - كتاب أحاديث الأنبياء
فتح الباري - كتاب المناقب
فتح الباري - كتاب فضائل الصحابة
فتح الباري - كتاب مناقب الأنصار
فتح الباري - كتاب المغازي
فتح الباري - كتاب التفسير
فتح الباري - كتاب فضائل القرآن
فتح الباري - كتاب النكاح
فتح الباري - كتاب الطلاق
فتح الباري - كتاب النفقات
فتح الباري - كتاب الأطعمة
فتح الباري - كتاب العقيقة
فتح الباري - كتاب الذبائح والصيد
فتح الباري - كتاب الأضاحي
فتح الباري - كتاب الأشربة
فتح الباري - كتاب المرضى
فتح الباري - كتاب الطب
فتح الباري - كتاب اللباس
فتح الباري - كتاب الأدب
فتح الباري - كتاب الإستئذان
فتح الباري - كتاب الدعوات
فتح الباري - كتاب الرقاق
فتح الباري - كتاب القدر
فتح الباري - كتاب الأيمان والنذور
فتح الباري - كتاب كفارات الأيمان
فتح الباري - كتاب الفرائض
فتح الباري - كتاب الحدود
فتح الباري - كتاب الديات
فتح الباري - كتاب استتابة المرتدين
فتح الباري - كتاب الإكراه
فتح الباري - كتاب الحيل
فتح الباري - كتاب التعبير
فتح الباري - كتاب الفتن
فتح الباري - كتاب الأحكام
فتح الباري - كتاب التمني
فتح الباري - كتاب أخبار الأحاد
فتح الباري - كتاب الإعتصام بالسنة
فتح الباري - كتاب التوحيد
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن رجب
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
مقدمة
خطبة الكتاب
كتاب الإيمان
كتاب العلم
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصوم
كتاب فضائل القرآن
كتاب الدعوات
كتاب المناسك
كتاب البيوع
كتاب الفرائض والوصايا
كتاب النكاح
كتاب العتق
كتاب القصاص
كتاب الديات
كتاب الحدود
كتاب الإمارة والقضاء
كتاب الجهاد
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأطعمة
كتاب اللباس
كتاب الطب والرقى
كتاب الرؤيا
كتاب الآداب
كتاب الرقاق
كتاب الفتن
كتاب صفة القيامة والجنة والنار
كتاب الفضائل والشمائل
كتاب المناقب

 
عودة لموقع هاني الطنبور
هاني الطنبور
الصفحة السابقة الصفحة التالية
 
 

 

التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد

باب الحاء
حميد الطويل
الحديث الأول
...
باب الحاء
حميد الطويل أبو عبيدة بصري وهو حميد بن أبي حميد مولى طلحة الطلحات وهو طلحة بن عبد الله الخزاعي قيل كان حميد من سبي سجتان وقيل من سبي كابل واختلف في اسم أبيه أبي حميد فقيل طرخان وقيل مهران وقيل حميد الطويل هو حميد بن شرويه قاله أبو نعيم وقال غيره هو حميد بن ثيرويه.
قال أبو عمر:
سمع من أنس بن مالك والحسن بن أبي الحسن وأكثر روايته عن أنس أخذها عن ثابت البناني عن أنس وعن قتادة عن أنس وقد سمع من أنس توفي في جمادى سنة أربعين ومائة وقيل سنة اثنتين أو ثلاث وأربعين ومائة قاله ابن إبراهيم بن حميد وهو ابن خمس وسبعين سنة وكان ثقة روى عنه جماعة من الأئمة وذكر الحلواني قال حدثنا عفان قال حدثنا يزيد بن زريع قال تناول رجل حميدا الطويل عند يونس بن عبيد فقال أكثر الله فينا أمثاله قال عفان كان حميد الطويل فقيها وكان هو والبتي

(2/167)


يفتيان فأما البتي فكان يقضي وأما حميد فكان يصلح فقال حميد للبتي إذا جاءك الرجلان فلا تخبرهما بمر الحق ولكن أصلح بينهما أحمل على هذا وأحمل على هذا فقال عثمان البتي أنا لا أحسن سحرك وكان حميد رفيقا وقال الأصمعي رأيت حميدا الطويل ولم يكن بالطويل كان طويل اليدين.
لمالك عنه من مرفوعات الموطأ سبعة أحاديث مسندات وواحد موقوف لم يسنده عن مالك خاصة إلا من لا يوثق بحفظه

(2/168)


حديث أول لمالك عن حميد الطويل مسند صحيح
مالك عن حميد الطويل عن أنس بن مالك قال "سافرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان فلم يعب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم" هذا حديث متصل صحيح وبلغني عن ابن وضاح رحمه الله أنه كان يقول إن مالكا لم يتابع عليه في لفظه وزعم أن غيره يرويه عن حميد عن أنس أنه قال كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يسافرون فيصوم بعضهم ويفطر بعضهم فلا يعيب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم ليس فيه ذكر رسول الله ولا أنه كان يشاهدهم في حالهم هذه وهذا عندي قلة اتساع في علم الأثر وقد تابع على ذلك مالكا جماعة من الحفاظ منهم أبو إسحاق الفزاري وأبو ضمرة أنس بن عياض ومحمد بن عبد الله الأنصاري وعبد الوهاب الثقفي كلهم رووه عن حميد عن أنس بمعنى حديث مالك "سافرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سواء" وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه مثل ذلك من وجوه منها حديث ابن عباس وحديث أبي سعيد الخدري وحديث أنس هو حديث صحيح ثابت وبالله التوفيق وما أعلم أحدا روى حديث أنس هذا على ما قال ابن وضاح إلا ما رواه محمد بن مسعود عن القطان عن حميد عن أنس قال "كنا نسافر مع أصحاب

(2/169)


رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أعلمه قال إلا في رمضان منا الصائم ومنا المفطر فلا يعيب هذا على هذا" هكذا حدث به ابن وضاح قال حدثنا محمد بن مسعود قال حدثنا يحيى بن سعيد القطان عن حميد عن أنس فذكره.
قال أبو عمر:
ليس هذا بشيء والذي عليه الرواة ما ذكره مالك وسائر من سميناه من الحفاظ عن حميد عن أنس قال سافرنا مع رسول الله وهو الصواب إن شاء الله وسنذكر الآثار في ذلك بالأسانيد الجياد في آخر هذا الباب بعد الفراغ من القول في معانيه واختلاف العلماء فيه بعون الله إن شاء الله.
وفيه من الفقه وجوه كثيرة منها رد قول من زعم أن الصائم في رمضان في السفر لا يجزئه كما روي عن عمر وأبي هريرة وابن عباس وقال بذلك قوم من أهل الظاهر وروي عن ابن عمر أنه قال من صام في السفر قضى في الحضر وروي عن عبد الرحمن بن عوف أن الصائم في السفر كالمفطر وروي عن ابن عباس أيضا والحسن أنهما قالا أن الفطر في السفر عزمة لا ينبغي تركها وحديث هذا الباب يرد هذه الأقاويل ويبطلها كلها وقد روي عن ابن عباس في هذه المسألة خذ بيسر الله وهذا منه إباحة للصوم والفطر للمسافر خلاف القولين اللذين ذكرناهما عنه وعلى إباحة الصوم والفطر للمسافر جماعة العلماء وأئمة الفقه بجميع الأمصار إلا ما ذكرت لك عمن قدمنا ذكره ولا حجة في أحد مع السنة الثابتة هذا إن ثبت ما ذكرناه عنهم وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه أنه صام في السفر وأنه لم يعب على من أفطر ولا على من صام فثبتت حجته ولزم التسليم له وإنما اختلف الفقهاء في الأفضل من الفطر في السفر أو الصوم فيه لمن قدر عليه فروينا

(2/170)


عن عثمان بن أبي العاص الثقفي وأنس بن مالك صاحبي رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهما قالا "الصوم في السفر أفضل لمن قدر عليه" وهو قول أبي حنيفة وأصحابه ونحو ذلك قول مالك والثوري لأنهما قالا الصوم في السفر أحب إلينا لمن قدر عليه فاستدللنا أنهم لم يستحسنوه إلا أنه أفضل عندهم وقال الشافعي ومن اتبعه هو مخير ولم يفضل وكذلك قال ابن علية وقد روي عن الشافعي أن الصوم أحب إليه ولم يختلف عن ابن علية أنه لا يفضل وهو ظاهر حديث أنس هذا وروي عن ابن عمر وابن عباس الرخصة أفضل وبه قال سعيد بن المسيب والشعبي ومحمد بن عبد العزيز ومجاهد وقتادة والأوزاعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهوية كل هؤلاء يقولون أن الفطر أفضل لقول الله عز وجل {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} وروي عن ابن عباس من وجوه إن شاء صام وإن شاء أفطر وهو الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث أنس وابن عباس وأبي سعيد وحمزة بن عمرو الأسلمي حدثنا خلف بن سعيد قال حدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا أحمد بن خالد قال حدثنا علي بن عبد العزيز قال حدثنا مالك بن إسماعيل قال حدثنا إسرائيل عن منصور عن مجاهد عن طاووس عن ابن عباس قال "قد صام رسول الله صلى الله عليه وسلم في السفر فمن شاء صام ومن شاء أفطر" قال علي وكذلك رواه أبو عوانة عن منصور بإسناده حدثناه فضل بن عوف قال حدثنا أبو عوانة عن منصور عن مجاهد عن طاووس عن ابن عباس عن النبي عليه السلام فذكر الحديث قال ورواه شعبة عن

(2/171)


منصور عن مجاهد عن ابن عباس لم يذكر طاووسا حدثنا مسلم قال حدثنا شعبة فذكره.
قال أبو عمر:
كان حذيفة رحمه الله وسعيد بن جبير والشعبي وأبو جعفر محمد بن علي لا يصومون في السفر وكان عمرو بن ميمون والأسود بن يزيد وأبو وائل يصومون في السفر وكان ابن عمر يكره الصيام في السفر وعن سعيد بن جبير مثله.
حدثنا إبراهيم بن شاكر قال حدثنا عبد الله بن محمد بن عثمان قال حدثنا سعيد بن عثمان قال حدثنا أحمد بن عبد الله بن صالح قال حدثنا عبد الله بن جعفر الرقى قال حدثنا عبيد الله بن عمرو عن عبد الكريم عن طاووس عن ابن عباس قال إنما أراد الله برخصة الفطر في السفر التيسير عليكم فمن تيسر عليه الصوم فليصم ومن تيسر عليه الفطر فليفطر فإن قال قائل ممن يميل إلى قول أهل الظاهر في هذه المسألة قد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال "ليس البر أو ليس من البر الصيام في السفر" وما لم يكن من البر فهو من الإثم واستدل بهذا على أن صوم رمضان في السفر لا يجزئ فالجواب عن ذلك أن هذا الحديث خرج لفظه على شخص معين وهو رجل رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو صائم قد ظلل عليه وهو يجود

(2/172)


بنفسه فقال ذلك القول أي ليس البر أن يبلغ الإنسان بنفسه ذلك المبلغ والله قد رخص له في الفطر.
والدليل على صحة هذا التأويل صوم رسول الله صلى الله عليه وسلم في السفر ولو كان الصوم إثما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أبعد الناس منه حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا أحمد بن دحيم قال حدثنا إبراهيم بن حماد قال حدثني عمي إسماعيل بن إسحاق قال حدثنا إبراهيم بن حمزة قال حدثنا عبد العزيز بن محمد عن عمارة بن غزية عن محمد بن عبد الرحمن ابن عبد الله بن سعد بن زرارة قال قال جابر بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم عام تبوك ليسير بعد أن أضحى إذا هو بجماعة في ظل شجرة فقال ما هذه الجماعة فقالوا رجل صام فجهده الصوم فقال رسول الله "ليس البر أن تصوموا في السفر" قال إسماعيل وحدثنا حفص بن عمر قال حدثنا شعبة عن محمد بن عبد الرحمن عن محمد بن عمرو بن حسن أو ابن حسين عن جابر بن عبد الله نحوه وأخبرنا عبد الرحمن بن مروان قال حدثنا أبو محمد الحسن بن يحيى القلزمي قال حدثنا

(2/173)


عبد الله بن علي ابن الجارود قال حدثنا عبد الله ابن هاشم قال حدثنا يحيى بن سعيد عن شعبة قال حدثنا محمد بن عبد الرحمن عن محمد بن عمرو بن الحسن عن جابر بن عبد الله "إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في سفر فرأى رجلا عليه زحام وقد ظلل عليه فقال ما هذا قالوا صائم قال ليس من البر أو ليس البر أن تصوموا في السفر" هكذا قال محمد بن عمرو بن الحسن ويحتمل قوله صلى الله عليه وسلم ليس البر الصيام في السفر أي ليس هو أبر البر لأنه قد يكون الإفطار أبر منه إذا كان في حج أو جهاد ليقوى عليه وقد يكون الفطر في السفر المباح برا لأن الله أباحه ونظير هذا من كلامه صلى الله عليه وسلم قوله "ليس المسكين الطواف الذي ترده التمرة والتمرتان واللقمة واللقمتان قيل فمن المسكين قال الذي لا يسأل ولا يجد ما يغنيه ولا يفطن له فيتصدق عليه" ومعلوم أن الطواف مسكين وأنه من أهل الصدقة إذا لم يكن له تطوافه وقد قال صلى الله عليه وسلم "ردوا المسكين ولو بكراع محرق وردوا السائل ولو بظلف محرق" وقالت عائشة أن المسكين ليقف على بابي الحديث وقال عز وجل {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ} وأجمعوا أن الطواف منهم فعلم أن قوله صلى الله عليه وسلم ليس المسكين بالطواف عليكم معناه ليس السائل بأشد الناس مسكنة لأن المتعفف الذي لا يسأل الناس ولا يفطن له أشد مسكنة منه فكذلك قوله "ليس البر الصيام في السفر" معناه ليس البر كله في

(2/174)


الصيام في السفر لأن الفطر في السفر بر أيضا لمن شاء أن يأخذ برخصة الله تعالى ذكره وأما قوله ليس من البر فهو كقوله ليس البر ومن قد تكون زائدة كقولهم ما جاءني من أحد أي ما جاءني أحد والله أعلم فأما من احتج بقول الله عز وجل {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} وزعم أن ذلك عزمة فلا دليل معه على ذلك لأن ظاهر الكلام وسياقه إنما يدل على الرخصة والتخيير والدليل على ذلك قوله عز وجل {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} ودليل آخر وهو إجماعهم أن المريض إذا تحامل على نفسه فصام وأتم يومه إن ذلك مجزئ عنه فدل على أن ذلك رخصة له والمسافر في التلاوة وفي المعنى مثله والكلام في هذا أوضح من أن يحتاج فيه إلى إكثار والله المستعان.
وحدثني أبو القاسم خلف بن القاسم قال حدثنا أبو الفوارس أحمد بن محمد بن الحسين بن السندي قال حدثنا أبو الفضل قاسم بن محمد بن الخياط قال حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري قال حدثنا حميد الطويل عن أنس بن مالك قال "سافرنا مع رسول الله فصام قوم وأفطر قوم فلم يعب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم" وحدثنا أحمد بن عبد الله بن محمد بن علي قال حدثنا الميمون بن حمزة الحسيني قال حدثنا أبو جعفر الطحاوي قال حدثنا المزني قال حدثنا الشافعي قال أخبرنا عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي عن حميد الطويل عن أنس بن مالك قال "سافرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فمنا

(2/175)


الصائم ومنا المفطر لا يعيب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم" وبه عن الشافعي قال وحدثنا عبد الوهاب بن عبد المجيد عن الجريري عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري قال "كنا نسافر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم منا الصائم ومنا المفطر لا يجد الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم يرون أنه من وجد قوة فصام أن ذلك حسن جميل ومن وجد ضعفا فأفطر فكذلك حسن جميل" حدثنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن حكم قال حدثنا محمد بن معاوية قال حدثنا أبو خليفة الفضل بن الحباب قال حدثنا هشام بن عبد الملك قال حدثنا شعبة عن قتادة عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري قال "خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حين فتح مكة لسبع عشرة أو لتسع عشرة بقين من رمضان فصام صائمون وأفطر مفطرون فلم يعب على هؤلاء ولم يعب على هؤلاء" قال أبو عمر:
هذا معنى حسن لأنه أضاف الإباحة إلى النبي عليه السلام وأنه لم يعب على واحدة من الطائفتين وهو من أصح إسناد جاء في هذا الحديث ورواه سعيد بن أبي عروبة عن قتادة بإسناده فقال فيه "خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم لثنتي عشرة" وقال هشام عن قتادة فيه بإسناده لثمان عشرة وقد حدثنا خلف بن القاسم قال حدثنا ابن أبي العقب بدمشق قال حدثنا أبو زرعة قال حدثنا أبو مسهر قال حدثنا سعيد بن عبد العزيز عن عطية بن

(2/176)


قيس عن قزعة عن أبي سعيد الخدري قال "أذننا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالرحيل عام الفتح لليلتين خلتا من رمضان فخرجنا صواما حتى بلغنا الكديد فأمرنا بالفطر فأصبح الناس منهم الصائم ومنهم المفطر حتى بلغنا مر الظهران فأذننا بلقاء العدو وأمرنا بالفطر فأفطرنا جميعا"
قال أبو عمر:
عند سعيد بن عبد العزيز في هذا الباب حديثان أحدهما هذا عن عطية والآخر عن إسماعيل بن عبيد الله عن أم الدرداء عن أبي الدرداء وهما صحيحان وفي هذا الباب مسائل الفقهاء قد اختلفوا فيها وقد ذكرتها في باب ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله والحمد لله على ذلك كثيرا

(2/177)


الحديث الثاني
...
حديث ثان لحميد الطويل عن أنس مسند صحيح متصل
مالك عن حميد الطويل عن أنس بن مالك "أن عبد الرحمن بن عوف جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وبه أثر صفرة فسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره أنه تزوج فقال رسول الله كم سقت إليها قال زنة نواة من ذهب فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم أولم ولو بشاة" .
قال أبو عمر:
هكذا هذا الحديث في الموطأ عند جماعة رواته فيما علمت من مسند أنس بن مالك ورواه روح بن عبادة عن مالك عن حميد عن أنس عن عبد الرحمن بن عوف أنه جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعله من مسند عبد الرحمن بن عوف وقد ذكرنا عبد الرحمن بن عوف بما يجب من ذكره وما ينبغي مما يحتاج إليه من خبره في كتابنا في الصحابة وذكرنا هناك نساءه وذريته وقال الزبير بن بكار المرأة التي قال رسول الله فيها لعبد الرحمن بن عوف حين تزوجها : "ماذا أصدقتها فقال زنة نواة من ذهب فقال له رسول الله أولم ولو بشاة" هي ابنة أنس بن رافع ابن امرئ القيس بن زيد بن عبد الأشهل الأنصارية ولدت له القاسم وأبا عثمان قال واسم أبي عثمان عبد الله وأما قوله وبه

(2/178)


أثر صفرة فيروى أن الصفرة كانت من الزعفران وإذا كان ذلك كذلك فلا يجوز أن تكون إلا في ثيابه والله أعلم لأن العلماء لم يختلفوا فيما علمت أنه مكروه للرجل أن يخلق جسده بخلوق الزعفران وقد اختلفوا في لباس الرجل للثياب المزعفرة فأجازها أهل المدينة وإلى ذلك ذهب مالك وأصحابه وكره ذلك العراقيون وإليه ذهب الشافعي ولكل واحد منهم آثار مروية بما ذهب إليه عن السلف وآثار مرفوعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأما الرواية بأن الصفرة كانت على عبد الرحمن بن عوف زعفرانا فحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا إسماعيل بن إسحاق قال حدثنا محمد بن كثير قال حدثنا سفيان بن سعيد عن حميد الطويل قال سمعت أنس بن مالك يقول "قدم عبد الرحمن بن عوف المدينة فآخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينه وبين سعد بن الربيع فأتى السوق فربح شيئا من أقط وسمن فرآه النبي صلى الله عليه وسلم بعد أيام وعليه وضر صفرة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم مهيم فقال عبد الرحمن تزوجت امرأة من الأنصار قال فما سقت إليها قال وزن نواة من ذهب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أولم ولو بشاة" .
وحدثنا عبد الله بن محمد حدثنا محمد بن بكر حدثنا أبو داود حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت البناني وحميد الطويل عن أنس بن مالك "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى عبد الرحمن بن عوف وعليه ردع زعفران فقال له النبي صلى

(2/179)


الله عليه وسلم ميهم قال يا رسول الله تزوجت امرأة قال ما أصدقتها قال وزن نواة من ذهب قال أولم ولو بشاة" .
قال أبو عمر:
فقد بان في هذه الآثار من نقل الأئمة أن الصفرة التي رأى رسول الله بعبد الرحمن كانت زعفرانا والوضر معروف في الثياب والردع صبغ الثياب بالزعفران قال الخليل الردع الفعل والرادعة والمردعة قميص قد لمع بالزعفران أو بالطيب في مواضع وليس مصبوغا كله إنما هو مبلق كما تدرع الجارية جيبها بالزعفران بلمىء كفها وقال الشاعر:
رادعة بالمسك أردانها
وقال الأعشى:
ورادعة بالمسك صفراء عندنا ... لحسن الندامى في يد الدرع مفتق
يعني جارية قد جعلت على ثيابها في مواضع زعفرانا وأما الردغ بالغين المنقوطة فإنما هو من الطين والحماة وأما اختلاف العلماء في لباس الثياب المصبوغة بالزعفران فقال مالك لا بأس بلباس الثوب المزعفر وقد كنت ألبسه وفي موطأ مالك عن نافع أن ابن عمر كان يلبس الثوب المصبوغ بالمشق والمصبوغ بالزعفران وتأول مالك وجماعة معه حديثه عن سعيد ابن أبي سعيد عن عبيد بن جريح عن ابن عمر أن النبي عليه السلام كان يصبغ بالصفرة "أنه كان يصبغ ثيابه بصفرة الزعفران" وقد ذكرنا من خالفه في تأويله ذلك في باب سعيد بن أبي

(2/180)


سعد وقد حدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا إسماعيل بن إسحاق قال حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي قال حدثنا عبد الله بن زيد بن أسلم عن أبيه أن ابن عمر كان يصبغ ثيابه بالزعفران فقيل له في ذلك فقال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصبغ به ورأيته أحب الطيب إليه وذكر ابن وهب عن عمر بن محمد عن زيد بن أسلم عن أبيه أن ابن عمر كان يصبغ ثيابه بالزعفران فقيل له في ذلك فقال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصبغ به ورأيته أحب الطيب إليه وذكر ابن وهب عن عمر بن محمد عن زيد بن أسلم قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصبغ ثيابه كلها بالزعفران حتى العمامة وذكر أيضا عن هشام بن سعد عن يحيى بن عبد الله بن مالك الدار قال "كان النبي عليه السلام يبعث بقميصه وردائه إلى بعض أزواجه فتصبغ له بالزعفران" .
حدثنا خلف بن قاسم قال حدثنا محمد ابن ابن القاسم بن شعبان قال حدثنا الحسين بن محمد بن الضحاك قال حدثنا أبو مروان العثماني قال حدثنا إبراهيم بن سعد بن إبراهيم قال سألت ابن شهاب عن الخلوق فقال قد كان أصحاب رسول الله يتخلقون

(2/181)


ولا يرون بالخلوق بأسا قال ابن شعبان هذا خاص عند أصحابنا في الثياب دون الجسد.
قال أبو عمر:
هو كما قال ابن شعبان وقد كره التزعفر للرجال في الجسد والثياب جماعة من سلف أهل العراق وإليه ذهب أبو حنيفة والشافعي وأصحابه لآثار رويت في ذلك أصحها حديث أنس بن مالك حدثنا عبد الوارث بن سفيان حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا أحمد بن محمد البرتي ببغداد حدثنا أبو معمر حدثنا عبد الوارث قال حدثنا عبد العزيز بن صهيب عن أنس بن مالك قال "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتزعفر الرجل" ورواه حماد بن زيد وابن عليه عن عبد العزيز بن صهيب عن أنس مثله سواء إلا أنهما قالا "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتزعفر الرجال" والمعنى واحد أخبرنا عبد الله حدثنا محمد حدثنا أبو داود حدثنا مسدد أن حماد بن زيد وإسماعيل بن إبراهيم حدثاهم عن عبد العزيز بن صهيب عن أنس قال "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن التزعفر للرجال" .
قال أبو عمر:
حملوا هذا على الثياب وغيرها وأما الجسد فلا خلاف علمته فيه والله أعلم أخبرنا عبد الله بن محمد حدثنا محمد بن بكر حدثنا أبو داود حدثنا زهير بن حرب قال أخبرنا محمد بن عبد الله

(2/182)


الأسدي قال حدثنا أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن جديه قالا سمعنا أبا موسى يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا يقبل الله صلاة رجل في جسده شيء من خلوق" وروى يحيى بن يعمر عن عمار بن ياسر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له وقد رأى عليه خلوق زعفران قد خلقه به أهله فقال له "اذهب فاغسل هذا عنك فإن الملائكة لا تحضر جنازة الكافر ولا المتضمخ بالزعفران ولا الجنب" ورخص للجنب في أن يتوضأ إذا أراد النوم ولم يسمعه يحيى بن يعمر من عمار بن ياسر بينهما رجل ورواه الحسن بن أبي الحسن عن عمار أيضا ولم يسمع منه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "ثلاثة لا تقربهم الملائكة جيفة الكافر والمتضمخ بالخلوق والجنب إلا أن يتوضأ" ذكر حديث عمار أبو داود وغيره وذكروا أيضا حديث الوليد بن عقبة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة كان يؤتى بالصبيان فيمسح رؤوسهم ويدعوا لهم بالبركة قال فجيء بي إليه وأنا مخلق فلم يمسني من أجل الخلوق وحدثنا سعيد بن نصر حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا محمد بن وضاح حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال

(2/183)


حدثنا سعيد بن سليمان قال حدثنا أبو بكر عبد الله بن حكيم عن يوسف بن صهيب عن ابن بريدة عن أبيه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ثلاثة لا تقربهم الملائكة المتخلق والسكران والجنب" .
قال أبو عمر:
عبد الله بن حكيم هو أبو بكر الداهري مدني مجتمع على ضعفه حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا أحمد بن محمد البرتي حدثنا أبو معمر حدثنا عبد الوارث قال حدثنا عطاء بن السائب قال حدثني يعلى بن مرة هكذا في كتاب قاسم وقد حدثنا عبد الوارث في ذلك الكتاب قال حدثنا قاسم حدثنا أحمد بن زهير حدثنا أبي حدثنا يحيى بن أبي بكير قال حدثنا شعبة عن عطاء بن السائب قال سمعت رجلا من آل أبي عقيل يكنى أبا حفص بن عمرو عن يعلى بن مرة

(2/184)


أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رآه متخلقا فقال: "ألك امرأة قال قلت لا قال اذهب فاغسله عنك ثم اغسله ثم اغسله" قال فذهبت فغسلته ثم غسلته ثم غسلته ثم لم أعد حتى الساعة.
قال أبو عمر:
هذا هو الصواب وأما عطاء بن السائب فلم يسمع من يعلى بن مرة حدثنا عبد الله بن محمد حدثنا محمد بن بكير حدثنا أبو داود قال حدثنا مخلد بن خالد قال حدثنا روح قال حدثنا سعيد ابن أبي عروبة عن قتادة عن الحسن عن عمران بن حصين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا أركب الأرجوان ولا ألبس المعصفر ولا ألبس القميص المكفف بالحرير قال وأومأ الحسن إلى جيب قميصه وقال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا وطيب الرجال ريح لا لون له إلا وطيب النساء لون لا ريح له قال سعيد أراه قال إنما حملوا قوله في طيب النساء على أنها إذا أرادت أن تخرج فأما إذا كانت عند زوجها فلتطيب بما شاءت.
قال أبو عمر:
احتج بحديث عمران بن حصين هذا من كره الخلوق للرجال لأن لونه ظاهر فهذا ما بلغنا في الخلوق للرجال من الآثار المرفوعة وقد ذكرنا مذاهب الفقهاء في ذلك وأما المعصفر المقدم المشبع وغيره فسيأتي ذكره وما للعلماء فيه من الرواية والمذاهب في باب نافع من هذا الكتاب إن شاء الله عند نهيه صلى الله عليه وسلم عن تختم

(2/185)


الذهب ولبس القسى ولبس المعصفر وقراءة القرآن في الركوع.
وفي هذا الحديث دليل على أن من فعل ما يجوز له فعله دون أن يشاور السلطان خليفة كان أو غيره فلا حرج ولا تثريب عليه ألا ترى أن عبد الرحمن بن عوف تزوج ولم يشاور رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أعلمه بذلك ولم يكن من رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه إنكار ولا عتاب وكان على خلق عظيم من الحلم والتجاوز صلى الله عليه وسلم وأما قوله حين أخبره أنه تزوج كم سقت إليها قال زنة نواة من ذهب فالنواة فيما قال أهل العلم اسم لحد من الأوزان وهو خمسة دراهم كما أن الأوقية أربعون درهما والنش عشرون درهما ولا أعلم في شيء من ذلك كله خلافا إلا في النواة فالأكثر أنها خمسة دراهم وقال أحمد بن حنبل وزن النواة ثلاثة دراهم وثلث وقال إسحاق بل وزنها خمسة دراهم وقد قيل أن النواة المذكورة في هذا الحديث نواة التمرة وأراد وزنها وهذا عندي لا وجه له لأن وزنها مجهول وأجمعوا أن الصداق لا يكون إلا معلوما لأنه من باب المعاوضات وقال بعض المالكيين وزنه النواة بالمدينة ربع دينار واحتج بحديث يروى عن الحجاج بن أرطأة عن قتادة عن أنس أن عبد الرحمن بن عوف تزوج امرأة من الأنصار وأصدقها زنة نواة من ذهب قومت ثلاثة دراهم وربعا وهذا حديث لا تقوم به حجة لضعف إسناده وأجمع العلماء على أنه لا تحديد في أكثر الصداق لقول الله تعالى {وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً} واختلفوا في أقل الصداق فقال مالك لا يكون الصداق أقل من ربع دينار ذهبا أو ثلاثة دراهم كيلا واعتل بعض أصحابنا لذلك بأنها أقل ما بلغه في الصداق فلم يتعده وجعله حدا إذا لم يكن فيه بد من الحد لأنه لو ترك الناس وقليل الصداق كما تركوا وكثيره لكان الفلس والدانق ثمنا للبضع وهذا لا يصلح لأنه لا يسمى طولا ولا يشبه الطول قال الله عز وجل {وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ

(2/186)


مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ} الآية ولو كان الطول فلسا ونحوه لكان كل أحد مستطيعا له.
وفي الآية دليل على منع استباحة الفروج باليسير ثم جاء حديث عبد الرحمن بن عوف في وزن النواة فجعله حدا لا يتجاوز لما يعضده من القياس لأن الفروج لا تستباح بغير بدل ولم يكن بد من الصداق المقدر كالنفس التي لا تستباح بغير بدل فقدرت ديتها وكان أشبه الأشياء بذلك قطع اليد لأن البضع عضو واليد عضو يستباح بمقدر من المال وذلك ربع دينار فرد مالك البضع قياسا على اليد وقال لا يجوز صداق أقل من ربع دينار لأن اليد لا تقطع عنده من السارق في أقل من ربع دينار.
قال أبو عمر:
قد تقدمه إلى هذا أبو حنيفة فقاس الصداق على قطع اليد واليد عنده لا تقطع إلا في دينار ذهبا أو عشرة دراهم كيلا ولا صداق عنده أقل من ذلك وعلى ذلك جماعة أصحابه وأهل مذهبه وهو قول أكثر أهل بلده في قطع اليد لا في أقل الصداق وقد قال الدراوردي لمالك رحمه الله إذ قال لا صداق أقل من ربع دينار تعرقت فيها يا أبا عبد الله أي سلكت فيها سبيل أهل العراق وقال جمهور أهل العلم من أهل المدينة وغيرهم لا حد في قليل الصداق كما لا حد في كثيره وممن قال ذلك سعيد بن المسيب والقاسم بن محمد وسليمان بن يسار ويحيى بن سعيد الأنصاري وربيعة وأبو الزناد ويزيد بن قسيط وابن أبي ذيب وهؤلاء أئمة أهل المدينة قال سعيد بن المسيب لو أصدقها سوطا حلت وأنكح ابنته من عبد الله بن وداعة بدرهمين وقال ربيعة يجوز النكاح بصداق درهم وقال أبو الزناد ما تراضى به الأهلون وقال يحيى بن سعيد الثوب والسوط والنعلان صداق إذا رضيت به وأجاز الصداق بقليل المال وكثيره من غير حد الحسن البصري وعمرو بن

(2/187)


دينار وعثمان البتي وابن أبي ليلى وسفيان الثوري والليث بن سعد والأوزاعي والشافعي وأصحابه والحسن بن حي وعبيد بن الحسن وجماعة أهل الحديث منهم وكيع ويحيى بن سعيد القطان وعبد الله بن وهب صاحب مالك كانوا يجيزون النكاح بدرهم ونصف درهم وكان ابن شبرمة لا يجيز أن يكون الصداق أقل من خمسة دراهم ولا تقطع اليد عنده في أقل من ذلك قال الشافعي وأصحابه ما جاز أن يكون لشيء أو ثمنا له جاز أن يكون صداقا قياسا على الإجارات لأنها منافع طارئة على أعيان باقية وأشبه الأشياء بالإجارات الاستمتاع بالبضع قالوا وهذا أولى من قياسه قطع اليد قالوا ولا معنى لمن شبه المهر اليسير بمهر البغي لأن مهر البغي لو كان قنطارا لم يجز ولم يحل لأن الزنى ليس على شروط النكاح بالشهود والولي والصداق المعلوم وما يجب للزوجات من حقوق العصمة وأحكام الزوجية.
وأنشد بعضهم لبعض الأعراب:
يقولون تزويج وأشهد أنه ... هو البيع إلا أن من شاء يكذب
وسنزيد هذا الباب بيانا في باب أبي حازم عند قول رسول الله صلى الله عليه وسلم "التمس ولو خاتما من حديد" إن شاء الله
أخبرنا أحمد بن قاسم وأحمد بن سعيد قالا حدثنا ابن أبي دليم قال حدثنا ابن وضاح قال سمعت أبا بكر بن شيبة يقول كان وكيع بن الجراح يرى التزويج بدرهم قال ابن وضاح وكان ابن وهب يرى التزويج بدرهم وروي في هذا الباب عن سعيد بن

(2/188)


جبير وإبراهيم اضطراب منهم من قال أربعون درهما أقل الصداق ومنهم من قال خمسون درهما وهذه الأقاويل لا دليل عليها من كتاب ولا سنة ولا اتفاق وما خرج من هذه الأصول ومعانيها فليس بعلم وبالله التوفيق.
وفي هذا الحديث دليل على أن الوليمة من السنة لقوله صلى الله عليه وسلم "أولم ولو بشاة" وقد اختلف أهل العلم في وجوبها فذهب فقهاء الأمصار إلى أنها سنة مسنونة وليست بواجبة لقوله "أولم ولو بشاة" ولو كانت واجبة لكانت مقدرة معلوم مبلغها كسائر ما أوجب الله ورسوله من الطعام في الكفارات وغيرها قالوا فلما لم يكن مقدرا خرج من حد الوجوب إلى حد الندب وأشبه الطعام لحادث السرور كطعام الختان والقدوم من السفر وما صنع شكرا لله عز وجل.
وقال أهل الظاهر الوليمة واجبة فرضا لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بها وفعلها وأوعد من تخلف عنها وقد أوضحنا هذا المعنى في باب ابن شهاب عند قوله صلى الله عليه وسلم "شر الطعام طعام الوليمة يدعى لها الأغنياء ويترك المساكين ومن لم يأت الدعوة فقد عصى الله ورسوله" والحمد لله.

(2/189)


الحديث الثالث
...
حديث ثالث لحميد عن أنس مسند صحيح
مالك عن حميد الطويل عن أنس بن مالك "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الثمار حتى تزهي فقيل يا رسول الله وما تزهي قال حتى تحمر " وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أرأيت إن منع الله الثمرة ففيم يأخذ أحدكم مال أخيه" هكذا روى هذا الحديث جماعة الرواة في الموطأ لم يختلفوا فيه فيما علمت وقوله في هذا الحديث حتى تحمر يدل على أن الثمار إذا بدا فيها الاحمرار وكانت مما تطيب إذا احمرت مثل ثمر النخل وشبهها حل بيعها وقبل ذلك لا يجوز بيعها إلا على القطع في الحين على اختلاف في ذلك نذكره إن شاء الله واحمرار الثمرة في النخل هو بدو صلاحها وهو وقت للأمن من العاهات عليها في الأغلب وقوله صلى الله عليه وسلم "أزهت واحمرت وبدا صلاحها" ألفاظ مختلفة وردت في الأحاديث الثابتة معانيها كلها متفقة وذلك إذا بدا طيبها ونضجها وكذلك سائر الثمار إذا بدا صلاح الجنس منها وطاب ما يؤكل منها الطيب المعهود في التين والعنب وسائر الثمار جاز بيعها على الترك في شجرها حتى ينقضي أوانها ولا يجوز بيع شيء من الثمار ولا الزرع قبل بدو صلاحه إلا على القطع وقد اختلف الفقهاء قديما وحديثا في ذلك وقد أرجأنا القول فيه إلى باب نافع فهناك تراه إن شاء الله وأما قوله أرأيت إن منع الله الثمرة ففيم يأخذ أحدكم مال أخيه فيزعم قوم أنه من قول أنس بن مالك وهذا باطل بما رواه مالك وغيره من الحفاظ في هذا الحديث إذ جعلوه مرفوعا من قول النبي صلى الله عليه وسلم وقد روى

(2/190)


أبو الزبير عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله وتنازع العلماء في تأويل هذا الحديث فقال قوم فيه دليل على إبطال قول من قال بوضع الجوائح لأن نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الثمرة قبل بدو صلاحها وقوله مع ذلك أرأيت إن منع الله الثمرة أي إذا بعتم الثمرة قبل بدو طيبها ومنعها الله كنتم قد ركبتم الغرر وأخذتم مال المبتاع بالباطل لأن الأغلب في الثمار أن تلحقها الجوائح قبل ظهور الطيب فيها فإذا طابت أو طاب أولها أمنت عليها العاهة في الأغلب وجاز بيعها لأن الأغلب من أمرها السلامة فإن لحقتها جائحة حينئذ لم يكن لها حكم وكانت كالدار تباع فتنهدم بعد البيع قبل أن ينتفع المبتاع بشيء منها أو الحيوان يباع فيموت بأثر قبض مبتاعه له أو سائر العروض لأن الأغلب من هذا كله السلامة فما خرج من ذلك نادرا لم يلتفت إليه ولم يعرج عليه وكانت المصيبة من مبتاعه وكذلك الثمرة إذا بيعت بعد بدو صلاحها لم يلتفت إلى ما لحقها من الجوائح لأنهم قد سلموا من عظم الغرر ولا يكاد شيء من البيوع يسلم من قليل الغرر فكان معفوا عنه قالوا فإذا بيعت الثمرة في وقت يحل بيعها ثم لحقتها جائحة كان ذلك كما لو جذب فتلفت كانت مصيبتها من المبتاع واحتجوا بحديث أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم "نهى عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها قيل له وما بدو صلاحها يا رسول الله فقال إذا بدا صلاحها ذهبت عاهتها" وبحديث مالك عن أبي الرجال عن أمه عمرة بنت عبد الرحمن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم "نهى عن بيع الثمار حتى تنجو من العاهة" وهذا معنى قول ابن شهاب ذكر الليث بن

(2/191)


سعد عن يونس عن ابن شهاب قال لو أن رجلا ابتاع ثمرا قبل أن يبدو صلاحه ثم أصابته عاهة كان ما أصابه على ربه.
أخبرني سالم بن عبد الله عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "لا تتبايعوا الثمر حتى يبدو صلاحها ولا تبيعوا الثمر بالثمر" وأخبرنا أحمد بن عبد الله قال أخبرنا الميمون بن حمزة قال حدثنا أحمد بن محمد بن سلامة الطحاوي قال حدثنا إسماعيل بن يحيى قال حدثنا الشافعي قال أخبرنا محمد بن إسماعيل عن ابن أبي ذئيب عن عثمان بن عبد الله بن عمر "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الثمار حتى تذهب العاهة" قال محمد بن سراقة فسألت ابن عمر متى ذلك فقال طلوع الثريا وروى المعلى بن أسد قال حدثنا وهيب عن عسل بن سفيان عن عطاء عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إذا طلعت الثريا صباحا رفعت العاهة عن أهل البلد" حدثنا عبد الوارث بن سفيان حدثنا قاسم

(2/192)


ابن أصبغ حدثنا محمد بن غالب قال حدثنا حرمي وعفان قالا حدثنا وهيب بن خالد عن عسل بن سفيان عن عطاء عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "ما طلع النجم صباحا قط وبقوم عاهة إلا رفعت عنهم أو خفت" .
قال أبو عمر:
هذا كله على الأغلب وما وقع نادرا فليس بأصل يبني عليه في شيء والنجم هو الثريا لا خلاف ها هنا في ذلك وطلوعها صباحا لا ثنتي عشرة ليلة تمضي من شهر أيار وهو شهر ماي فنهى رسول الله عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها معناه عندهم لأنه من بيوع الغرر لا غير فإذا بدأ صلاحها ارتفع الغرر في الأغلب عنها كسائر البيوع وكانت المصيبة فيها من المبتاع إذا قبضها على أصولهم في المبيع أنه مضمون على البائع حتى يقبضه المبتاع طعاما كان أو غيره وهذا كله قول الشافعي وأصحابه والثوري وقول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد فيمن ابتاع ثمرة من نخل أو سائر الفواكه والثمرات فقبض ذلك بما يقبض به مثله فأصابته جائحة فأهلكته كله أو بعضه كان ثلثا أو أقل أو أكثر فالمصيبة في ذلك كله قل أو أكثر من مال المشتري وقد كان الشافعي رحمه الله في العراق يقول بوضع الجوائح ثم رجع إلى هذا القول بمصر وهو المشهور عند أصحابه من مذهبه لحديث حميد الطويل عن أنس بن مالك المذكور في هذا الباب ولأن حديث سليمان بن عتيق عن جابر لم يثبت عنده في أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بموضع

(2/193)


الجوائح قال الشافعي كان ابن عيينة يحدثنا بحديث حميد بن قيس عن سليمان بن عتيق عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع السنين ولا يذكر فيه وضع الجائحة قال ثم حدثنا بذلك غير مرة كذلك ثم زاد فيه وضع الجوائح فذكرنا له ذلك فقال هو في الحديث واضطرب لنا فيه قال الشافعي ولم يثبت عندي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بوضع الجوائح ولو ثبت لم أعده قال ولو كنت قائلا بوضع الجوائح لوضعتها في القليل والكثير قال والأصل المجتمع عليه إن كل من ابتاع ما يجوز بيعه وقبضه كانت المصيبة منه ولم يثبت عندنا وضع الجوائح فيخرجه من تلك الجملة.
قال أبو عمر:
اختلف أصحاب ابن عيينة عنه في ذكر الجوائح في حديث سليمان بن عتبق عن جابر فبعضهم ذكر ذلك عنه فيه وبعضهم لم يذكره وممن ذكره عنه في ذلك الحديث أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وعلي بن حرب الطائي وغيرهم وقالت طائفة من أهل العلم في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم "أرأيت إن منع الله الثمرة فيم يأخذ أحدكم مال أخيه" دليل واضح على أن الثمرة إذا منعت لم يستحق البائع ثمنا لأن المبتاع قد منع مما ابتاعه قالوا وهذا هو المفهوم من هذا الخطاب قالوا وحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا في الثمار أصل في نفسه مخالف لحكمه في سائر السلع يجب

(2/194)


التسليم له واحتجوا بحديث أبي الزبير عن جابر في ذلك وهو ما حدثناه عبد الرحمن بن يحيى وخلف بن احمد قالا حدثنا أحمد بن مطرف بن عبد الرحمن قال حدثنا سعيد بن عثمان الاعناقي قال حدثنا محمد بن تميم القفصي قال حدثنا أنس بن عياض قال أخبرني ابن جريج قال أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن بعت من أخيك ثمرا فأصابته جائحة فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئا بم تأخذ مال أخيك بغير حق" قالوا وهذا الحديث لم ينسق على النهي عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها فيحتمل من التأويل ما احتمله حديث أنس بل ظاهره يدل في قوله إن بعت من أخيك ثمرا أنه البيع المباح بعد الإزهاء وبدو الصلاح لا يحتمل ظاهره غير ذلك وهو أوضح وأبين من أن يحتاج فيه إلى الإكثار واحتجوا أيضا بحديث سليمان بن عتيق عن جابر وهو ما حدثناه احمد بن قاسم بن عبد الرحمن قال حدثنا محمد بن معاوية بن عبد الرحمن الأموي وحدثنا أحمد بن محمد بن أحمد قال حدثنا أحمد بن الفضل بن العباس قالا جميعا حدثنا أحمد بن الحسن بن عبد الجبار الصوفي قال حدثنا يحيى بن معين قال حدثنا سفيان بن عيينة عن حميد الأعرج عن سليمان بن عتيق عن جابر بن عبد الله "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بوضع الجوائح ونهى عن بيع السنين" وحدثناه أبو محمد عبد الله بن محمد بن يحيى قال حدثنا محمد بن يحيى بن عمر بن علي قال حدثنا علي بن حرب قال حدثنا سفيان بن عيينة عن حميد الأعرج عن سليمان بن عتيق عن جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم "نهى عن بيع السنين وأمر بوضع الجوائح" وممن قال بوضع الجوائح هكذا مجملا أكثر أهل المدينة منهم يحيى بن سعيد الأنصاري ومالك بن أنس وأصحابه وهو قول عمر بن عبد العزيز وبوضع الجوائح كان يقضي رضي الله عنه وبه قال أحمد بن حنبل وسائر أصحاب الحديث وأهل

(2/195)


الظاهر إلا أن مالكا وأصحابه وجمهور أهل المدينة يراعون الجائحة ويعتبرون فيها أن تبلغ ثلث الثمرة فصاعدا فإن بلغت الثلث فصاعدا حكموا بها على البائع وجعلوا المصيبة منه وما كان دون الثلث ألغوه وكانت المصيبة عندهم فيه من المبتاع وجعلوا ما دون الثلث تبعا لا يلتفت إليه وهو عندهم في حكم التافه اليسير إذ لا تخلو ثمرة من أن يتعذر القليل من طيبها وإن يلحقها في اليسير منها فساد فلما لم يراع الجميع ذلك التافه الحقير كان ما دون الثلث عندهم كذلك وذكر عبد الرزاق عن معمر قال كاد أهل المدينة أن لا يستقيموا في الجائحة يقولون ما كان دون الثلث فهو على المشتري إلى الثلث فإذا كان فوق ذلك فهي جائحة قال وما رأيتهم يجعلون الجائحة إلا في الثمار وقال وذلك إني ذكرت لهم البز يحترق والرقيق يموتون قال معمر وأخبرني من سمع الزهري قال قلت له ما الجائحة قال النصف وروى حسين بن عبد الله بن ضميرة عن أبيه عن جده عن علي قال والجائحة الريح والمطر والجراد والحريق والمراعاة عند مالك وأصحابه ثلث الثمرة لا ثلث الثمن ولو كان ما بقي من الثمرة وفاء لرأسماله وأضعاف ذلك وإذا كانت الجائحة أقل من ثلث الثمرة فمصيبتها عندهم من المشتري ولو لم يكن في ثمن ما بقي إلا درهم واحد وأما أحمد بن حنبل وسائر من قال بوضع الجوائح من العلماء فإنهم وضعوها عن المبتاع في القليل والكثير وقالوا المصيبة في كل ما أصابت الجائحة من الثمار على البائع قليلا كان ذلك أو كثيرا ولا معنى عندهم لتحديد الثلث لأن الخبر الوارد بذلك ليس فيه ما يدل على خصوص شيء دون شيء وهو حديث جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم من رواية أبي الزبير ورواية سليمان بن عتيق وقد ذكرناهما.
قال أبو عمر:
كان بعض من لم ير وضع الجوائح يتأول حديث سليمان بن

(2/196)


عتيق عن جابر أنه على الندب ويقول هو كحديث عمرة في الذي تبين له النقصان فيما ابتاعه من ثمر الحائط حين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم تالي إلا يفعل خيرا يعني رب الحائط وكان يتأول في حديث أبي الزبير عن جابر أنه محمول على بيع ما لم يقبض وما لم يقبض فمصيبته عندهم من بائعه وكان بعضهم يتأول ذلك في وضع الخراج خراج الأرض يريد كراءها عمن أصاب ثمره أو زرعه آفة وقال بعضهم معناه معنى حديث أنس سواء إلا أن أنسا ساقه على وجهه وفهمه بتمامه وهذه التأويلات كلها خلاف الظاهر والظاهر يوجب وضع الجوائح إن ثبت حديث سليمان بن عتيق وأما الأصول فتشهد لتأويل الشافعي وبالله التوفيق.
وأما جملة قول مالك وأصحابه في الحوائج فذكر ابن القاسم وغيره عن مالك فيمن ابتاع ثمرة فأصابتها أنها من ضمان البائع إذا كانت الثلث فصاعدا وإذا كانت أقل من الثلث لم توضع عن المشتري وكانت المصيبة منه في النخل والعنب ونحوهما قال وأما الورد والياسمين والرمان والتفاح والخوخ والأترج والموز وكل ما يجنى بطنا بعد بطن من المقاثي وما أشبهها إذا أصابت شيئا من ذلك الجائحة فإنه ينظر إلى المقثاة كم نباتها من أول ما يشترى إلى آخر ما ينقطع ثمرتها في المتعارف وينظر إلى قيمتها في كل زمان على قدر نفاقه في الأسواق ثم يمتثل فيه أن يقسم الثمن على ذلك واختلف أصحاب مالك في الحائط يكون فيه أنواع من الثمار فيجاح منها نوع واحد فكان أشهب وأصبغ يقولان لا ينظر فيه إلى الثمرة ولكن إلى القيمة فإن كانت القيمة الثلث فصاعدا وضع عنه قال ابن القاسم بل ينظر إلى الثمرة على ما قدمنا عنهم وكان ابن القاسم أيضا يرى السرق جائحة وخالفه أصحابه والناس وقال ابن عبد الحكم عن مالك من اشترى حوائط

(2/197)


في صفقات مختلفة فأصيب منها ثلث حائط فإنها توضع عنه ولو اشتراها في صفقة واحدة فلا وضعية له إلا أن يكون ما أصابت الجائحة ثلث ثمر جميع الحوائط وقال مالك في البقول كلها والبصل والجرز والكراث والفجل وما أشبه ذلك إذا اشتراه رجل فأصابته جائحة فإنه يوضع عن المشتري كل شيء أصابته به الجائحة قل أو كثر قال وكل ما يبس فصار تمرا أو زبيبا وأمكن قطافه فلا جائحة فيه قال والجراد والنار والبرد والمطر والطير الغالب والعفن وماء السماء المترادف المفسد والسموم وانقطاع ماء العيون كلها من الجوائح إلا الماء فيما يسقى فإنه يوضع قليل ذلك وكثيره لأن الماء من سبب ما يباع ولا جائحة في الثمر إذا يبس قال ابن عبد الحكم عن مالك لا جائحة في ثمر عند جذاذه ولا في زرع عند حصاده قال ومن اشترى زرعا قد استحصد فتلف فالمصيبة من المشتري وإن كان لم يحصده حدثني أحمد بن سعيد بن بشر قال حدثنا محمد بن عبد الله بن أبي دليم قال حدثنا ابن وضاح قال سمعت سحنونا قال في الذي يشتري الكرم وقد طاب فيؤخر قطافه إلى آخر السنة ليكون أكثر لثمنه فتصيبه جائحة أنه لا جائحة فيه ولا يوضع عن المشتري فيه شيء قال وكذلك الثمر إذا طاب كله وتركه للغلاء في ثمنه قال وليس التين كذلك لأنه يطيب شيئا بعد شيء وما طاب شيئا بعد شيء وضع عنه.
قال أبو عمر:
أجاز مالك رحمه الله وأصحابه بيع المقاثي إذا بدا صلاح أولها وبيع الباذنجان والياسمين والموز وأما أشبه ذلك استدلالا بإجازة رسول الله صلى الله عليه وسلم بيع الثمار حين يبدو صلاحها ومعناه عند الجميع أن يطيب أولها أو يبدو صلاح بعضها وإذا جاز ذلك عند الجميع في الثمار كانت المقاثي وما أشبهها مما يخلق شيئا بعد شيء ويخرج بطنا بعد بطن كذلك قياسا ونظرا لأنه لما كان ما لم

(2/198)


يبد صلاحه من الحائط ومن ثمر الشجر تبعا لما بدا صلاحه في البيع من ذلك كان كذلك بيع ما لم يخلق من المقاثي وما أشبهها تبعا لما خلق وطاب وقياسا أيضا على بيع منافع الدار وهي مخلوقة ولأن الضرورة تؤدي إلى إجازته وقول المزني في ذلك كقول مالك وأصحابه سواء وأما العراقيون والشافعي وأصحابه وأحمد بن حنبل وداود بن علي فإنهم لا يجيزون بيع المقاثي ولا بيع شيء مما يخرج بطنا بعد بطن بوجه من الوجوه والبيع عند جميعهم في ذلك مفسوخ إلا أن يقع البيع فيما ظهر وأحاط المبتاع برؤيته وطاب بعضه وحجتهم في ذلك نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع ما لم يخلق ونهيه عن بيع ما ليس عندك ولأنها عيان مقصودة بالشراء ليست مرئية ولا مستقرة في ذمة فأشبهت بيع السنين المنهي عنه وبالله التوفيق.

(2/199)


الحديث الرابع
...
حديث رابع لحميد الطويل عن أنس
مالك عن حميد الطويل عن أنس بن مالك قال "خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إني أريت هذه الليلة في رمضان فتلاحى رجلان فرفعت فالتمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة" هكذا روى مالك هذا الحديث لا خلاف عنه في إسناده ومتنه وفيه عن أنس "خرج علينا رسول الله" وإنما الحديث لأنس عن عبادة بن الصامت حدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا ابن وضاح قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا عبد الوهاب عن أنس عن عبادة قال "خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يريد أن يخبر بليلة القدر فتلاحى رجلان فقال إني خرجت أن أخبركم بليلة القدر فتلاحى فلان وفلان ولعل ذلك أن يكون خيرا فالتمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة" .
قال أبو عمر:
في حديث مالك فرفعت وليس في هذا فرفعت وهي لفظة محفوظة عند الحفاظ في حديث حميد هذا والله أعلم بمعنى ما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله ذلك وإلا ظهر من معانيه أنه رفع علم تلك الليلة عنه فأنسيها بعد أن كان علمها ولم ترفع رفعا لا تعود بعده لأن في حديث أبي ذر أنها في كل رمضان وأنها إلى يوم القيامة ويدل على ذلك من هذا الحديث قوله فالتمسوها إلا أنه يحتمل أن يكون معنى قوله التمسوها في سائر الأعوام أو في العام المقبل فإنها رفعت في هذا العام ويحتمل أن يكون رفعت في تلك

(2/200)


الليلة من ذلك الشهر ثم تعود فيه في غيرها وفي ذلك دليل على أنها ليس لها ليلة معينة لا تعدوها والله أعلم وكان سبب رفع علمها عنه ما كان من التلاحي بين الرجلين والله أعلم وأما الملاحاة فهي التشاجر ورفع الأصوات والمراجعة بالقول الذي لا يصلح على حال الغضب وذلك شؤم والله أعلم وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها وعن المراء أشد النهي وروي عنه عليه السلام أنه قال نهاني ربي عن ملاحاة الرجال وقال الملاحاة السب يقال تلاحيا إذا استبا ولحاني أسمعني ما أكره من قبيح الكلام وأنشد:
ألا أيها اللاحي بأن أحضر الوغى ... وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي
وقد ينشد هذا البيت على غير هذا:
ألا أيها ذا اللائمي أحضر الوغى
ومن شؤم الملاحاة أنهم حرموا بركة ليلة القدر في تلك الليلة وهذا مما سبق في علم الله ولم يحرموها في ذلك العام لأن قوله التمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة يدل على ذلك ويحتمل أن يكون النبي عليه السلام منعهم الإخبار بها في ذلك الوقت تأديبا لهم في الملاحاة ويحتمل أن يكون اشتغل باله بتشاجرهما فنسيها وقد روي نحو ذلك منصوصا من حديث أبي سعيد الخدري حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا بكر بن حماد قال حدثنا مسدد قال حدثنا يزيد بن زريع عن الجريري عن أبي نضرة عن أبي سعيد قال "اعتكف رسول الله صلى الله عليه وسلم العشر الأواسط من رمضان وهو يلتمس ليلة القدر قبل أن تبان له فلما انقضين أمر بالبناء يعني فرفع فأبينت له أنها في العشر الأواخر من رمضان فأعاد البناء واعتكف العشر الأواخر من رمضان فخرج إلى الناس فقال يا أيها الناس إني أبينت لي ليلة القدر فخرجت أخبركم بها فجاء رجلان يختصمان ومعهما الشيطان

(2/201)


فنسيتها فالتمسوها في العشر الأواخر من رمضان والتمسوها في التاسعة والتمسوها في السابعة والتمسوها في الخامسة" وذكر عبد الرزاق أخبرنا ابن جريج قال أخبرني يونس بن يوسف أنه سمع سعيد بن المسيب يقول كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفر من أصحابه فقال "ألا أخبركم بليلة القدر قالوا بلى يا رسول الله فسكت ساعة فقال لقد قلت لكم ما قلت آنفا وأنا أعلمها أو أني لأعلمها ثم أنسيتها" فذكر الحديث وفيه فاستقام ملأ القوم على أنها ليلة ثلاث وعشرين وأما قوله التمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة فقد اختلف العلماء في ذلك فقال قوم هي تاسعة تبقى يعنون ليلة إحدى وعشرين وسابعة تبقى ليلة ثلاث وعشرين وخامسة تبقى ليلة خمس وعشرين وممن قال ذلك مالك رحمه الله وروى سعيد بن داود بن أبي زنبر عن مالك أنه سئل ما وجه تفسير قول النبي عليه السلام التمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة فقال أرى والله أعلم أنه أراد بالتاسعة ليلة إحدى وعشرين والسابعة ليلة ثلاث وعشرين وبالخامسة ليلة خمس وعشرين وقال ابن القاسم رجع مالك عن ذلك وقال هو حديث مشرقي لا أعلمه وما حكاه ابن القاسم فليس بشيء وقد قال مالك وغيره من العلماء ما وصفت لك واستدلوا على ذلك بأنه قد روى منصوصا مثل قولهم هذا وبتقديم رسول الله صلى الله عليه وسلم التاسعة على السابعة والسابعة على الخامسة وأما الحديث في ذلك فحدثناه عبد الله بن محمد قال أخبرنا محمد بن بكر قال أخبرنا أبو داود قال حدثنا موسى بن إسماعيل قال حدثنا وهيب قال حدثنا أيوب عن عكرمة عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "التمسوها في العشر الأواخر من رمضان في تاسعة تبقى وفي سابعة تبقى وفي خامسة تبقى" وإلى هذا ذهب أيوب رحمه الله ذكر ذلك عنه معمر وروى أبو

(2/202)


نضرة عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "التمسوها في العشر الأواخر من رمضان والتمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة" قال قلت يا أبا سعيد إنكم أعلم بالعدد منا قال أجل قلت ما التاسعة والسابعة والخامسة قال إذا مضت إحدى وعشرون فالتي تليها التاسعة وإذا مضت ثلاث وعشرون فالتي تليها السابعة وإذا مضت خمس وعشرون فالتي تليها الخامسة ذكره أبو داود عن ابن المثنى عن عبد الأعلى عن سعيد عن أبي نضرة هكذا جاء في هذا الباب مراعاة التي تليها وذلك الأولى من التسع البواقي والأولى من السبع البواقي والأولى من الخمس البواقي وهذا يدل على اعتباره كمال العدد ثلاثين يوما وهو الأصل والأغلب وما خالفه فإنما يعرف بنزوله لا بأصله وروى معمر عن أيوب عن نافع عن ابن عمر قال جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إني رأيت في النوم ليلة القدر كأنها ليلة سابعة فقال النبي "أرى رؤياكم قد تواطت أنها في ليلة سابعة فمن كان متحريها منكم فليتحرها في ليلة سابعة" قال معمر فكان أيوب يغتسل في ليلة ثلاث وعشرين ويمس طيبا قوله فمن كان منكم متحريها دليل على أن قيام ليلة القدر فضيلة لا فريضة وبالله التوفيق وقال آخرون إنما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله هذا التاسعة من العشر الأواخر والسابعة منه والخامسة منه يعنون ليلة تسع وعشرين وليلة سبع وعشرين وليلة خمس وعشرين واحتجوا بقوله صلى الله عليه وسلم في حديث

(2/203)


عبد الله بن دينار عن ابن عمر "التمسوها في السبع الأواخر" قالوا فيدخل في ذلك ليلة تسع وعشرين فغير نكير أن تكون تلك التاسعة المذكورة في الحديث وكذلك تكون السابعة ليلة سبع وعشرين والخامسة ليلة خمس وعشرين قالوا وليس في تقديمه لها في لفظه وعطفه ببعضها على بعض بالواو ما يدل على تقديم ولا تأخير.
قال أبو عمر:
كل ما قالوه من ذلك يحتمل إلا أن قوله صلى الله عليه وسلم تاسعة تبقى وسابعة تبقى وخامسة تبقى يقضي للقول الأول وقال صلى الله عليه وسلم "التمسوها في العشر الأواخر والتمسوها في كل وتر" وهذا أعم من ذلك لما فيه من الزيادة في الليالي التي تكون وترا وفيه دليل على انتقالها والله أعلم وأنها ليست في ليلة واحدة معينة في كل شهر رمضان فربما كانت ليلة إحدى وعشرين وربما كانت ليلة خمس وعشرين وربما كانت ليلة سبع وعشرين وربما كانت ليلة تسع وعشرين وقوله في كل وتر يقتضي ذلك وذكر عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن أبي قلابة قال ليلة القدر تنتقل في العشر الأواخر في كل وتر.
قال أبو عمر:
في ليلة إحدى وعشرين حديث أبي سعيد الخدري وفي ليلة ثلاث وعشرين حديث عبد الله بن أنيس الجهني وفي

(2/204)


ليلة سبع وعشرين حديث أبي بن كعب وحديث معاوية بن أبي سفيان وهي كلها صحاح فأما حديث أبي سعيد الخدري فمن رواية مالك في الموطأ فأغنى عن ذكره ها هنا لأنه سيأتي في موضعه من كتابنا في باب يزيد بن الهادي وهو محفوظ مشهور رواه عن أبي سلمة بن عبد الرحمن جماعة وأما حديث عبد الله بن أنيس الجهني فهو مشهور وأكثر ما يأتي منقطعا وقد وصله جماعة من وجوه كثيرة قد ذكرناها في باب أبي النضر سالم من كتابنا هذا والحمد لله وروى عباد بن إسحاق عن الزهري عن ضمرة بن عبد الله بن أنيس عن أبيه "أنه أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أرسلني إليك رهط من بني سلمة يسألونك عن ليلة القدر فقال كم الليلة قال اثنان وعشرون قال هي الليلة ثم رجع فقال أو القابلة يريد ليلة ثلاث وعشرين" ففي هذا الحديث دليل على جواز كونها ليلة اثنتين وعشرين وإذا كان هذا كذلك جاز أن تكون في غير وتر وممن ذهب إلى هذا الحسن البصري رحمه الله ذكر معمر عمن سمع الحسن يقول نظرت الشمس عشرين سنة فرأيتها تطلع صباح أربع وعشرين من رمضان ليس لها شعاع وروى ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الخير عن الصنابحي عن بلال أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "ليلة القدر ليلة أربع وعشرين" وهذا عندنا على ذلك العام وممكن أن تكون في مثله بعد إلا أن أكثر الأحاديث أنها في الوتر من العشر الأواخر وأكثر ما جاء أيضا في حديث عبد الله بن أنيس أنها ليلة ثلاث وعشرين بلا شك وسترى ذلك في باب أبي النضر

(2/205)


إن شاء الله وروى محمد بن إبراهيم بن الحرث التيمي عن ابن عبد الله بن أنيس عن أبيه أنه قال "يا رسول الله أن لي بادية أكون فيها وأنا أصلي فيها بحمد الله فمرني بليلة أنزلها إلى هذا المسجد فقال أنزل ليلة ثلاث وعشرين" وكان محمد بن إبراهيم يجتهد ليلة ثلاث وعشرين وفي ليلة ثلاث وعشرين حديث ابن عباس يأتي في باب أبي النضر وفي ليلة ثلاث وعشرين قصة زهرة بن معبد تأتي في باب أبي النضر إن شاء الله وروى جعفر بن محمد عن أبيه أن علي بن أبي طالب كان يتحرى ليلة القدر ليلة تسع عشرة وإحدى وعشرين وثلاث وعشرين والثوري عن الأعمش عن إبراهيم عن الأسود قال قال عبد الله بن مسعود تحروا ليلة القدر ليلة سبع عشرة صبيحة بدر أو إحدى وعشرين أو ثلاث وعشرين فهذا علي وابن مسعود رضي الله عنهما قد جاز عندهما أن تكون العشر الأواخر في الوتر من العشر الأوسط وروي عن ابن مسعود قوله هذا مرفوعا رواه زيد بن أبي أنيسة عن أبي إسحاق عن عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه قال قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم "أطلبوها ليلة سبع عشرة وليلة إحدى وعشرين وليلة ثلاث وعشرين ثم سكت" وهذا الحديث يرد عن ابن مسعود ما حدثناه

(2/206)


سعيد بن نصر حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا ابن وضاح حدثنا أبو بكر حدثنا أبو الأحوص عن أبي يعفور عن أبي الصلت عن أبي عقرب الأسدي قال أتينا عبد الله بن مسعود في داره فوجدناه فوق البيت قال فسمعناه يقول قبل أن ينزل صدق الله ورسوله فلما نزل قلت يا أبا عبد الله سمعناك تقول صدق الله ورسوله قال فقال ليلة القدر في النصف من السبع الأواخر وذلك أن الشمس تطلع يومئذ بيضاء لا شعاع لها فنظرت إلى الشمس فرأيتها كما حدثت فكبرت.
قال أبو عمر:
أبو الصلت في هذا الإسناد مجهول وإسناد الأسود بن يزيد أثبت من هذا والله أعلم وأبو عقرب الأسدي اسمه خويلد بن خالد له صحبة وهو والد نوفل بن أبي عقرب فإن صح هذا الخبر فمعناه ليلة خمس وعشرين والله أعلم وأما حديث الزهري عن سالم عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "أرى رؤياكم قد تواطأت على العشر الأواخر فالتمسوها في تسع في كل وتر" فيحتمل أن تكون أيضا في ذلك العام فلا يكون فيه خلاف لما ذهب إليه علي وابن مسعود على أن حديث عمر اختلف في ألفاظه فلفظ عبد الله بن دينار غير لفظ نافع ولفظ نافع غير لفظ سالم ومعناها متقارب أنها في السبع الغوابر أو السبع الأواخر فالله أعلم وأما حديث أبي بن كعب في سبع وعشرين فأخبرنا عبد الله بن محمد قال أخبرنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا سليمان بن حرب ومسدد قالا حدثنا حماد عن عاصم عن زر قال قلت لأبي بن كعب أخبرني عن ليلة القدر يا أبا المنذر فإن صاحبنا سئل عنها فقال من يقم الحول يصبها فقال رحم الله أبا عبد الرحمن والله لقد علم أنها في رمضان زاد مسدد ولكن كره أن يتكلوا أو أحب أن لا يتكلوا ثم اتفقا والله إنها لفي رمضان ليلة سبع وعشرين لا يستثنى قلت يا أبا المنذر أني علمت ذلك قال بالآية التي أخبرنا

(2/207)


رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت لزر ما الآية قال تطلع الشمس صبيحة تلك الليلة مثل الطست ليس لها شعاع حتى ترتفع.
قال أبو عمر:
جاء في هذا الحديث كما ترى عن ابن مسعود أنه من يقم الحول يصب ليلة القدر والذي تأوله عليه أبي بن كعب رضي الله عنه عليه جمهور العلماء وهو الذي لا يجوز عليه غيره لأنه قد جاء عنه بأقوى من هذا الإسناد أنه قال تحروا ليلة القدر ليلة سبع عشرة وإحدى وعشرين وثلاث وعشرين وأظنه أراد بما حكى عنه زر بن حبيش الاجتهاد في العمل سائر العام بقيام الليل والله أعلم وقد ثبت عن أربعة من الصحابة رضي الله عنهم أنها في كل رمضان ولا أعلم لهم مخالفا وذكر الجوزجاني عن أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد أنهم قالوا ليلة القدر في السنة كلها كأنهم ذهبوا إلى قول ابن مسعود من يقم الحول يصبها وقال مالك والشافعي وأبو ثور وأحمد هي في العشر الأواخر من رمضان إن شاء الله وروى سفيان وشعبة عن أبي إسحاق عن سعيد بن جبير عن ابن عمر أنه سئل عن ليلة القدر فقال هي في كل رمضان ورواه موسى بن عقبة عن أبي إسحاق عن سعيد بن جبير عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم مرفوعا وقد قال بعض رواة أبي إسحاق في حديث ابن عمر هذا هي في رمضان كله وجاء عن أبي ذر أنه سئل عن ليلة القدر أرفعت قال بل هي في كل رمضان وبعضهم يرويه عن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم وروى ابن جريج قال أخبرني داود بن أبي عاصم عن عبد الله بن يحنس قال قلت لأبي هريرة زعموا أن ليلة القدر قد رفعت قال كذب من

(2/208)


قال ذلك قال قلت فهي في كل رمضان استقبله قال نعم وروى داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس أنه قال ليلة القدر في كل رمضان يأتي وذكر إسماعيل بن إسحاق قال أخبرنا حجاج قال أخبرنا حماد بن سلمة قال أخبرنا ربيعة بن كلثوم قال سأل رجل الحسن وأنا عنده فقال يا أبا سعيد أرأيت ليلة القدر أفي كل رمضان هي قال أي والذي لا إله إلا هو أنها لفي كل رمضان أنها لليلة فيها يفرق كل أمر حكيم فيها يقضي الله كل خلق وأجل ورزق وعمل إلى مثلها.
أخبرنا محمد بن عبد المالك قال أخبرنا أحمد بن محمد بن زياد قال حدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا إسحاق الأزرق قال أخبرنا عبد الملك عن سعيد بن جبير قال كان ناس من المهاجرين وجدوا على عمر في إدنائه ابن عباس دونهم قال وكان يسأله فقال عمر أما إني سأريكم اليوم منه شيئا فتعرفون فضله فسألهم عن هذه السورة {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً} قال بعضهم أمر الله نبيه إذا رأى الناس يدخلون في دين الله أفواجا جاء يحمده ويستغفره فقال عمر يا ابن عباس ألا تكلم فقال أعلمه متى يموت إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا فالموت آتيك فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توبا قال ثم سألهم عن ليلة القدر فأكثروا فيها فقال بعضهم كنا نراها في العشر الأواسط ثم بلغنا

(2/209)


أنها في العشر الأواخر فأكثروا فيها فقال بعضهم ليلة إحدى وعشرين وقال بعضهم ليلة ثلاث وعشرين وقال بعضهم ليلة سبع وعشرين فقال عمر يا ابن عباس إلا تكلم قال الله أعلم قال قد نعلم أن الله يعلم وإنما نسألك عن علمك فقال ابن عباس إن الله وتر يحب الوتر خلق من خلقه سبع سموات فاستوى عليهن وخلق الأرض سبعا وجعل عدة الأيام سبعا ورمي الجمار سبعا وخلق الإنسان من سبع وجعل رزقه من سبع فقال عمر خلق الإنسان من سبع وجعل رزقه من سبع هذا أمر ما فهمته فقال أن الله يقول {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً} حتى بلغ آخر الآيات وقرأ {أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبّاً ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقّاً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبّاً وَعِنَباً} إلى {وَلِأَنْعَامِكُمْ} ثم قال والأب للأنعام قرأت على سعيد بن نصر أن قاسم بن أصبغ حدثهم قال حدثنا ابن وضاح قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا عبد الله بن إدريس عن عاصم بن كليب عن أبيه قال ذكرت هذا الحديث لابن عباس يعني في ليلة القدر فقال وما أعجبك سأل عمر بن الخطاب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان يسألني مع الأكابر منهم وكان يقول لا تكلم حتى يتكلموا قال لقد علمتم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في ليلة القدر "اطلبوها في العشر الأواخر وترا" ففي أي الوتر فأكثر القوم في الوتر فقال مالك لا تتكلم يا ابن عباس قال قلت إن شئت تكلمت قال ما دعوتك إلا لتتكلم فقلت رأيت الله أكثر من ذكر السبع فذكر السماوات سبعا والأرضين سبعا والطواف سبعا والجمار سبعا وذكر ما شاء الله من ذلك وخلق الإنسان من سبع وجعل رزقه في سبعة قال كل ما ذكرت قد عرفته فما قولك خلق

(2/210)


الإنسان من سبعة وجعل رزقه في سبعة قال {خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ} ثم قال {ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} ثم قرأت {أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبّاً ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقّاً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبّاً وَعِنَباً وَقَضْباً وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً وَحَدَائِقَ غُلْباً وَفَاكِهَةً وَأَبّاً} والأب ما تنبته الأرض مما لا يأكل الناس وما أراها إلا ليلة ثلاث وعشرين لسبع يبقين فقال عمر أعييتموني أن تأتوا بمثل ما جاء به هذا الغلام الذي لم تجتمع شؤون رأسه أخبرني عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا أحمد بن سعيد وحدثنا خلف بن سعيد قال حدثنا عبد الله بن محمد قالا حدثنا أحمد بن خالد قال حدثنا إسحاق بن إبراهيم قال أخبرنا عبد الرزاق قال أخبرنا معمر عن عاصم بن أبي النجود عن زر بن حبيش عن أبي بن كعب قال من قام ليلة سبع وعشرين فقد أصاب ليلة القدر قال وأخبرنا معمر عن عاصم بن أبي النجود عن زر بن حبيش قال قلت لأبي بن كعب يا أبا المنذر أخبرني عن ليلة القدر فإن ابن أم عبد يقول من يقم الحول يصبها فقال يرحم الله أبا عبد الرحمن وذكر الحديث نحو ما تقدم من حديث حماد عن عاصم سواء إلى آخره قال وأخبرنا معمر عن قتادة وعاصم أنهما سمعا عكرمة يقول قال ابن عباس دعا عمر أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فسألهم عن ليلة القدر فاجتمعوا أنها في العشر الأواخر قال ابن عباس فقلت لعمر إني لأعلم أو أني لأظن أي ليلة هي قال عمر فأي ليلة هي

(2/211)


فقلت سابعة تمضي أو سابعة تبقى من العشر الأواخر فقال عمر من أين علمت ذلك قال ابن عباس فقلت خلق الله سبع سموات وسبع أرضين وسبعة أيام وإن الدهر يدور على سبع وخلق الإنسان من سبع ويأكل من سبع ويسجد على سبع والطواف بالبيت سبع ورمي الجمار سبع لأشياء ذكرها قال فقال عمر لقد فطنت لأمر ما فطنا له وكان قتادة يزيد على ابن عباس في قوله يأكل من سبع قال هو قول الله تبارك وتعالى {فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبّاً وَعِنَباً وَقَضْباً} الآية.
قال أبو عمر:
قوله في هذا الحديث دعا عمر أصحاب محمد فسألهم عن ليلة القدر فأجمعوا أنها في العشر الأواخر أولى ما قيل به في هذا الباب وأصحه لأن ما أجمعوا عليه سكن القلب إليه وكذلك النفس أميل إلى أنها في الأغلب ليلة ثلاث وعشرين أو ليلة سبع وعشرين على ما قال ابن عباس في هذا الحديث أنها سابعة تمضي أو سابعة تبقى وأكثر الآثار الثابتة الصحاح تدل على ذلك والله أعلم.
وفيها دليل على أنها في كل رمضان والله أعلم وفي كل ما أوردنا من الآثار في هذا الباب ما يدل على أنها لا علامة لها في نفسها تعرف بها معرفة حقيقية كما تقول العامة حدثنا سعيد بن نصر حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا محمد بن وضاح حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا وكيع عن سفيان عن الأوزاعي عن مرثد بن أبي مرثد عن أبيه قال كنت مع أبي ذر عند الجمرة الوسطى

(2/212)


فسألته عن ليلة القدر فقال كان أسأل الناس عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا قلت يا رسول الله ليلة القدر كانت تكون على عهد الأنبياء فإذا ذهبوا رفعت قال: "لا ولكنها تكون إلى يوم القيامة" قلت يا رسول الله فأخبرنا بها قال "لو أذن لي فيها لأخبرتكم ولكن التمسوها في إحدى السبعين ثم لا تسألني عنها بعد مقامك ومقامي" ثم أخذ في حديث فلما انبسط قلت "يا رسول الله أقسمت عليك إلا حدثتني بها فغضب علي غضبة لم يغضب علي قبلها مثلها ولا بعدها مثلها" هكذا قال الأوزاعي عن مرثد بن أبي مرثد وهو خطأ وإنما هو مالك بن مرثد عن أبيه ولم يقم الأوزاعي إسناد هذا الحديث ولا ساقه سياقة أهل الحفظ له حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا بكر بن حماد حدثنا مسدد حدثنا يحيى بن سعيد عن عكرمة بن عمار قال حدثني أبو زميل سماك الحنفي قال حدثني مالك بن مرثد قال حدثني أبي مرثد قال سألت أبا ذر قلت كنت سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ليلة القدر فقال أنا كنت أسأل الناس عنها قال فقلت "يا نبي الله أخبرني عن ليلة القدر في رمضان هي أم رمضان قال بل هي في رمضان قلت تكون مع الأنبياء إذا كانوا فإذا قبضوا رفعت قال بل هي إلى يوم القيامة قلت في أي رمضان قال التمسوها في العشر الأول والعشر

(2/213)


الأواخر لا تسألني عن شيء بعدها ثم حدث رسول الله وحدث ثم اهتبلت غفلته فقلت يا رسول الله أخبرني في أي العشرين هي قال التمسوها في الأواخر لا تسألني عن شيء بعدها ثم حدث رسول الله وحدث ثم اهتبلت غفلته فقلت يا رسول الله أقسمت عليك بحقي عليك لما أخبرتني في أي العشر هي فغضب غضبا ما رأيته غضب مثله" قال يحيى قال عكرمة كلمة لم أحفظها ثم قال التمسوها في السبع البواقي لا تسألني عن شيء بعدها ففي حديث أبي ذر هذا ما يدل على أنها في رمضان كله وإنها أحرى أن تكون في العشر وفي السبع البواقي وجائز أن تكون في العشر الأول وقد قال الله عز وجل {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ} وقال {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} وهذا يدل على أنه لا يدفع أن تكون في رمضان كله والله أعلم لكنها في الوتر من العشر أو السبع البواقي تكون أكثر على ما تدل عليه الآثار وجملة القول في ليلة القدر أنها ليلة عظيم شأنها وبركتها وجليل قدرها هي خير من ألف شهر تدرك فيها هذه الأمة ما فاتهم من طول أعمال من سلف قبلهم من الأمم في العمل والمحروم من حرم خيرها نسأل الله برحمته أن يوفقنا لها وأن لا يحرمنا خيرها آمين وقال سعيد بن المسيب رحمه الله من شهد العشاء ليلة القدر في جماعة فقد أخذ بحظه منها فسبحان المتفضل على عباده بما شاء لا شريك له المنان المفضل

(2/214)


الحديث الخامس
...
حديث خامس لحميد الطويل عن أنس متصل صحيح
مالك عن حميد الطويل عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين خرج إلى خيبر أتاها ليلا وكان إذا أتى قوما بليل لم يغر حتى يصبح فلما أصبح خرجت يهود بمساحيهم ومكاتلهم فلما رأوه قالوا محمد والله محمد والخميس فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "الله أكبر خربت خيبر أنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين" في هذا الحديث إباحة المشي بالليل فإذا كان ذلك كذلك جاز الاستخدام بالمماليك والأحرار إذا اشترط ذلك عليهم وكانت ضرورة وفيه إتعاب الدواب بالليل عند الحاجة إلى ذلك ما لم يكن سرمدا لأن العلم محيط أنهم لم يخلوا من مملوك يخدمهم وأجير ونحو ذلك وفيه أن الغارة على العدو إنما ينبغي أن تكون في وجه الصباح لما في ذلك من التبيين والنجاح في البكور وفيه أن من بلغته الدعوة من الكفار لم يلزم دعاؤه وجازت الغارة عليه وطلب غفلته وغرته وقد اختلف العلماء في دعاء العدو قبل القتال إذا كانوا قد بلغتهم الدعوة فكان مالك رحمه الله يقول الدعوة أصوب بلغهم ذلك أو لم يبلغهم إلا أن يعجلوا المسلمين أن يدعوهم وقال عنه ابن القاسم لا يبيتوا حتى يدعو وذكر الربيع عن الشافعي في كتاب البويطي مثل ذلك لا يقاتل العدو حتى يدعوا إلا أن يعجلوا عن ذلك فإن لم يفعل فقد بلغتهم الدعوة وحكى المزني عن الشافعي من لم تبلغهم الدعوة لم يقاتلوا حتى تبلغهم الدعوة يدعون إلى الإيمان قال وإن قتل منهم أحد قبل ذلك فعلى قاتله

(2/215)


الدية وقال المزني عنه أيضا في موضع آخر من بلغتهم الدعوة فلا بأس أن يغار عليهم بلا دعوة وقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد إن دعوهم قبل القتال فحسن ولا بأس أن يغيروا عليهم وقال الحسن بن صالح بن حي يعجبني كل ما حدث إمام بعد إمام أحدث دعوة لأهل الشرك.
قال أبو عمر:
هذا قول حسن والدعاء قبل القتال على كل حال حسن لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأمر سراياه بذلك وكان يدعو كل من يقاتله مع اشتهار كلمته ودينه في جزيرة العرب وعلمهم بمنابذته إياهم ومحاربته لمن خالفه ما أظنه أغار على خيبر وعلى بني المصطلق إلا بأثر دعوته لهم في فور ذلك أو قريب منه مع يأسه عن إجابتهم إياه وكذلك كان تبييته وتبييت جيوشه لمن بيتوا من المشركين على هذا الوجه والله أعلم وفي التبييت حديث الصعب بن جثامة وحديث سلمة بن الأكوع قال "أمر علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر فغزونا ناسا فبيتناهم وقتلناهم قال وكان شعارنا في تلك الليلة أمت أمت" قال سلمة فقتلت بيدي تلك الليلة سبعة أبيات من المشركين قال أبو عمر:
هذا والله أعلم ومثله لقوم أظهروا العناد والأدنى للمسلمين ويئس من إنابتهم وخيرهم والله أعلم أخبرنا أبو محمد عبد الله

(2/216)


بن محمد قال أخبرنا محمد بن عمر أخبرنا علي بن حرب الطائي قال حدثنا سفيان بن عيينة عن ابن أبي نجيح عن أبيه عن ابن عباس قال ما قاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم قوما حتى يدعوهم وهذا يحتمل ممن لم تبلغهم الدعوة ويحتمل من كل كافر محارب حدثني سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا ابن وضاح قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا وكيع عن سفيان عن علقمة بن مرثد عن سليمان بن بريدة عن أبيه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بعث أميرا على سرية أو جيش أوصاه في خاصة نفسه بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيرا ثم قال "اغزوا بسم الله وفي سبيل الله تقاتلون من كفر بالله اغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدا وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى إحدى ثلاث خصال أو خلال فأيها أجابوك إليها فاقبل منهم وكف عنهم أدعهم إلى الإسلام فإن أجابوك فاقبل منهم ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين وأعلمهم أنهم إن فعلوا فإن لهم ما للمهاجرين وعليهم ما على المهاجرين فإن أبوا واختاروا دارهم فأعلمهم أنهم كأعراب المسلمين يجري عليهم حكم الله كما يجري على المؤمنين ولا يكون لهم في الفيء والغنيمة نصيب إلا أن يجاهدوا مع المسلمين فإن أبوا فادعهم إلى إعطاء الجزية فإن أجابوا فاقبل منهم وكف عنهم فإن أبوا فاستعن بالله وقاتلهم"

(2/217)


قال أبو عمر:
هذا من أحسن حديث يروى في معناه إلا أن فيه التحول عن الدار وذلك منسوخ نسخه رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله "لا هجرة بعد الفتح" وإنما كان هذا منه صلى الله عليه وسلم قبل فتح مكة فلما فتح الله عليه مكة قال لهم "قد انقطعت الهجرة ولكن جهاد ونية إلى يوم القيامة" حدثنا أحمد بن قاسم بن عيسى المقرئ قال حدثنا عبيد الله بن محمد بن إسحاق بن حبابة ببغداد قال حدثنا عبد الله بن محمد بن عبدالعزيز البغوي قال حدثنا خلف بن هشام البزار قال حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم عن أبيه عن سهل بن سعد "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم خيبر لأعطين الراية رجلا يفتح الله على يديه فذكر أن الناس طمعوا في ذلك فلما كان من الغد قال أين علي فقال على رسلك أنفذ حتى تنزل بساحتهم فإذا أنزلت بساحتهم فادعهم إلى الإسلام وأخبرهم بما يجب عليهم منه من الحق أو من حق الله فوالله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم" .
قال أبو عمر:
هذا حديث ثابت في خيبر أنهم لم يقاتلهم حينئذ حتى دعاهم وهو شيء قصر عنه أنس في حديثه وذكره سهل بن سعد وقد روى عن أنس "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر عليا أن لا يقاتل

(2/218)


قوما حتى يدعوهم" رواه ابن عيينة عن عمر بن ذر عن ابن أخي أنس بن مالك عن عمه عدا أبو إسحاق الفزاري ابن عيينة في إسناد هذا الحديث وابن عيينة أحفظ إن شاء الله.
قال أبو عمر:
فلهذه الآثار قلنا أن الدعاء أحسن وأصوب فإن أغار عليهم ولم يدعهم ولم يشعرهم وكانوا قد بلغتهم الدعوة فمباح جائز لما رواه نافع عن ابن عمر "أن النبي صلى الله عليه وسلم أغار على بني المصطلق وهم غارون وأنعامهم على الماء فقتل مقاتلتهم وسبى ذريتهم وكانت فيهم جويرية" أخبرنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر التمار بالبصرة قال حدثنا أبو داود قال حدثنا سعيد بن منصور قال حدثنا إسماعيل بن علية قال أخبرنا ابن عون قال كتبت إلى نافع أسأله عن دعاء المشركين عند القتال فكتب إلي أن ذلك كان في أول الإسلام وقد أغار نبي الله صلى الله عليه وسلم على بني المصطلق وهم غارون وأنعامهم تسقى على الماء فقتل مقاتلهم وسبى سبيهم وأصاب يومئذ جويرية بنت الحرث حدثني بذلك عبد الله وكان في ذلك الجيش قال أبو داود هذا حديث نبيل رواه ابن عون عن نافع لم يشركه فيه أحد وروى صالح بن أبي الأخضر عن الزهري عن عروة أن أسامة بن زيد حدثه "أن رسول

(2/219)


الله صلى الله عليه وسلم عهد إليه فقال أغر على ابني صباحا وحرق" حدثناه عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا ابن الأصبهاني قال أخبرنا ابن المبارك وعيسى بن يونس عن صالح بن أبي الأخضر عن الزهري عن عروة عن أسامة عن النبي صلى الله عليه وسلم فذكره سواء وحدثناه عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا هناد بن السري عن ابن المبارك عن صالح بإسناده مثله قال أبو داود وحدثنا محمد بن عمرو الغزي قال سمعت أبا مسهر يقول وقيل له ابنى فقال نحن أعلم هي يبنى فلسطين.
قال أبو عمر:
قد روي هذا الحديث عن صالح بن أبي الأخضر وكيع وعيسى بن يونس فقالا فيه يبني كما قال أبو مسهر حدثناه سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن وضاح قال حدثنا أبو بكر قال حدثنا وكيع عن صالح بن أبي الأخضر عن الزهري عن عروة عن أسامة بن زيد "أن النبي صلى الله عليه وسلم بعثه إلى قرية يقال لها يبنى فقال ائتها صباحا ثم حرق" وحدثنا عبد الوارث قال حدثنا قاسم قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا يعقوب بن كعب حدثنا عيسى بن يونس عن صالح بن أبي الأخضر عن الزهري عن عروة قال فحدثني أسامة بن زيد "أن رسول الله

(2/220)


صلى الله عليه وسلم قال أغر على يبنى ذا صباح وحرق" وروى حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس قال "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغير على العدو عند صلاة الصبح ويستمع فإن سمع أذانا أمسك وإلا أغار" فهذا كله دليل على أنه ربما لم يدع وذلك فيمن بلغته الدعوة فأما من لم تبلغه الدعوة لبعد داره فلا بد من دعائه قال الله عز وجل وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا وهذا الحديث مما رواه يحيى القطان عن حماد بن سلمة حدثناه أحمد بن قاسم بن عيسى المقرئ قال حدثنا ابن حبابة قال حدثنا البغوي قال حدثنا زهير بن حرب قال حدثنا يحيى بن سعيد القطان عن حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس الحديث بتمامه وهذا يرد قول من قال أن القطان لا يحدث عن حماد بن سلمة وحدثناه عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد قال حدثنا أبو الحسن علي بن محمد بن أحمد بن نصير بن لؤلؤ البغدادي بمدينة السلام قال حدثنا جعفر بن محمد الفريابي قال حدثنا هدبة بن خالد قال حدثنا حماد بن سلمة فذكره وروى عصام المزني عن النبي عليه السلام مثل حديث حماد عن ثابت بن أنس في ذلك وأما قوله في حديث مالك عن حميد عن أنس بمساحيهم ومكاتلهم فإنه يعني المحافر والقفاف كانوا يخرجون لأعمالهم وأما قولهم محمد والخميس فالخميس العسكر والجيش قال حميد بن ثور الهلالي فيما ذكر بعض أهل الخبر ولا يصح له

(2/221)


حتى إذا رفع اللواء رأيته ... تحت اللواء على الخميس زعيما
ويروى هذا البيت لليلى الأخيلية وهو صحيح لها وهذه القصيدة مذهبتها فيها قولها:
ومخرق عنه القميص تخاله ... عند اللقاء من الحياء سقيما
حتى إذا رفع اللواء رأيته ... يوم الهياج على الخيمس زعيما
والزعيم في هذا الموضع الرئيس ومنه قول الشاعر:
ولكن الزعامة للغلام
يعني الرئاسة والزعيم في غير هذا الكفيل والضامن من قول الله عز وجل {وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ} وقال أبو الحسن ابن لنكك في مقصورته:
فزادهم منا خميس جحفل ... تعثر منه الخيل عثرا بالقنا
وقال بكر بن حماد في قصيدة له يرثي بها حبيب بن أويس الطائي يخاطب أخاه سهم بن أوس
أنسيت يوم الجسر خلة وده ... والدهر غض بالسرور المقبل
أيام سار أبو سعيد واليا ... نحو الجزيرة في خميس جحفل

(2/222)


وأما قوله إذا نزل بساحة قوم فالساحة والسحسحة عرصة الدار أخبرني خلف بن سعيد قال حدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا أحمد بن خالد قال حدثنا علي بن عبد العزيز قال مسلم بن إبراهيم قال حدثنا سليمان بن المغيرة عن ثابت عن أنس عن أبي طلحة قال "كنت رديف النبي صلى الله عليه وسلم فلو قلت أن ركبتي تمس ركبته صدقت يعني عام خيبر قال فسكت عنهم حتى إذا كان عند السحر وذهب ذو الضرع إلى ضرعه وذو الزرع إلى زرعه أغار عليهم" وقال "إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين" .
قال أبو عمر:
قد كان دعاهم وذلك موجود في حديث سهل بن سعد في قصة علي ولا يشك في بلوغ دعوته خيبر لقرب الديار من الديار وفي هذا الحديث إباحة الاستشهاد بالقرآن فيما يحسن ويجمل

(2/223)


الحديث السادس
...
حديث سادس لحميد الطويل عن أنس متصل صحيح
مالك عن حميد الطويل عن أنس بن مالك أنه قال احتجم رسول الله صلى الله عليه وسلم حجمه أبو طيبة فأمر له رسول الله صلى الله عليه وسلم بصاع من تمر وأمر أهله أن يخففوا عنه من خراجه هذا يدل على أن كسب الحجام طيب لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يوكل إلا ما يحل أكله ولا يجعل ثمنا ولا عوضا ولا جعلا بشيء من الباطل واختلف العلماء في هذا المعنى فقال قوم حديث أنس هذا وما جاء في معناه من إعطاء رسول الله صلى الله عليه وسلم الحجام أجره ناسخ لما حرمه من ثمن الدم وناسخ لما كرهه من أكل إجارة الحجام حدثنا أحمد بن قاسم المقرئ قال حدثنا عبيد الله بن محمد بن إسحاق بن حبابة ببغداد قال حدثنا عبد الله بن محمد البغوي قال حدثنا علي بن الجعد قال أخبرنا شعبة عن عون بن أبي جحيفة عن أبيه أنه اشترى غلاما حجاما فكسر محاجمة أو أمر بها فكسرت وقال "إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن ثمن الدم" وهذا حديث صحيح وظاهره عندي على غير ما تأوله أبو جحيفة بدليل ما في حديث أنس هذا لأن نهيه صلى الله عليه وسلم عن ثمن الدم ليس من أجرة الحجام في شيء وإنما هو كنهيه عن ثمن الكلب وثمن الخمر والخنزير وثمن الميتة ونحو

(2/224)


ذلك ولما لم يكن نهيه عن ثمن الكلب تحريما لصيده كذلك ليس تحريم ثمن الدم تحريما لأجرة الحجام لأنه إنما أخذ أجرة تعبه وعمله وكل ما ينتفع به فجائر بيعه والإجارة عليه وقد قال صلى الله عليه وسلم "من السنة قص الشارب" وقال "احفوا الشوارب وأعفوا اللحى" وأمر بحلق الرأس في الحج فكيف تحرم الإجارة فيما أباحه الله ورسوله قولا وعملا فلا سبيل إلى تسليم ما تأوله أبو جحيفة وإن كانت له صحبة لأن الأصول الصحاح ترده فلو كان على ما تأوله أبو جحيفة كان منسوخا بما ذكرنا وبالله توفيقنا.
وقال آخرون كسب الحجام كسب فيه دناءة وليس بحرام وسلم واحتجوا بحديث ابن محيصة أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرخص له في أكله وأمره أن يعلفه نواضجه ويطعمه رقيقه وكذلك روى رفاعة بن نافع قال نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كسب الحجام وأمرنا أن نطعمه نواضحنا فهذا يدل على أنه نزههم عن أكله ولو كان حراما لم يأمرهم أن يطعموه رقيقهم لأنهم متعبدون فيهم كما تعبدوا في أنفسهم هذا قول الشافعي وأتباعه وأظن الكراهة منهم في ذلك من أجل أنه ليس يخرج مخرج الإجارة لأنه غير مقدر ولا معلوم وإنما هو عمل يعطى عليه عامله ما تطيب به نفس معمول له وربما لم تطب نفس العامل بذلك فكأنه شيء قد نسخ بسنة الإجارة والبيوع والجعل المقدر المعلوم وهكذا دخول الحمام عند بعضهم وقد بلغني أن طائفة من الشافعين كرهوا دخول الحمام إلا بشيء معروف وإناء معلوم وشيء

(2/225)


محدود يوقف عليه من تناول الماء وغيره وهذا شديد جدا وفي تواتر العمل بالأمصار في دخول الحمام وأجرة الحجام ما يرد قولهم وحديث أنس هذا شاهد على تجويز أجرة الحجام بغير سوم ولا شيء معلوم قبل العلم لأنه لم يذكر ذلك فيه ولو ذكر لنقل وحسبك بهذا حجة وإذا صح هذا كان أصلا في نفسه وفيما كان مثله ولم يجز لأحد رده والله أعلم أخبرنا سعيد بن سيد وعبد الله بن محمد بن يوسف قالا حدثنا عبد الله بن محمد بن علي قال حدثنا محمد بن قاسم قال حدثنا ابن وضاح قال سمعت أبا جعفر السبتي يقول لم يكن نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن كسب الحجام لتحريم إنما كان على التنزه وكانت قريش تكره أن تأكل من كسب غلمانها في الحجامة وكان الرجل في أول الإسلام يأخذ من شعر أخيه ولحيته ولا يأخذ منه على ذلك شيئا حدثنا عبد الله بن محمد حدثنا محمد بن بكر حدثنا أبو داود حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا أبان عن يحيى عن إبراهيم بن عبد الله بن قارظ عن السائب بن يزيد عن رافع بن خديج أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "كسب الحجام خبيث وثمن الكلب خبيث ومهر البغي خبيث" وهذا الحديث لا يخلو أن يكون منسوخا منه كسب الحجام بحديث أنس وابن عباس والإجماع على

(2/226)


ذلك أو يكون على جهة التنزه كما ذكرنا وليس في عطف ثمن الكلب ومهر البغي عليه ما يتعلق به في تحريم كسب الحجام لأنه قد يعطف الشيء على الشيء وحكمه مختلف وقد بينا ذلك في غير هذا الموضع والحمد لله.
حدثنا عبد الرحمن بن يحيى حدثنا أحمد بن سعيد حدثنا محمد بن عبد الله المهراني حدثنا محمد بن الوليد القرشي حدثنا عبد الوهاب بن عبد المجيد حدثنا خالد الحذاء عن محمد بن سيرين عن ابن عباس "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم احتجم وأعطى الحجام أجره" قال ابن عباس ولو كان به بأس لم يعطه هكذا قال خالد الحذاء عن محمد بن سيرين عن ابن عباس وحدثنا عبد الله بن محمد حدثنا محمد بن بكر حدثنا أبو داود حدثنا مسدد حدثنا يزيد بن زريع حدثنا خالد الحذاء عن عكرمة عن ابن عباس قال "احتجم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعطى الحجام أجره" ولو علمه خبيثا لم يعطه وفي هذا الحديث إباحة الحجامة وفي معناها إباحة التداوي كله بما يؤلم وبما لا يؤلم إذا كان يرجى نفعه وقد بينا ما للعلماء في إباحة التداوي والرقى من الاختلاف والتنازع وما في ذلك من الآثار في باب زيد بن أسلم والحمد لله

(2/227)


الحديث السابع
...
حديث سابع لحميد الطويل عن أنس
هو موقوف في الموطأ وأسندته طائفة عن مالك ليسوا في الحفظ هناك
مالك عن حميد الطويل عن أنس بن مالك قال "قمت وراء أبي بكر وعمر وعثمان فكلهم كان لا يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم إذا افتتح الصلاة" هكذا هو في الموطأ عند جماعة رواته فيما علمت موقوفا وروته طائفة عن مالك فرفعته ذكرت فيه النبي عليه السلام وليس ذلك بمحفوظ فيه عن مالك وممن رواه مرفوعا عن مالك الوليد بن مسلم حدثنا خلف بن قاسم حدثنا أحمد بن إبراهيم حدثنا محمد بن سليمان حدثنا محمد بن وزير حدثنا الوليد بن مسلم حدثنا مالك عن حميد عن أنس قال صليت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبى بكر وعمر وعثمان فكلهم كان لا يقرأ بسم الله الرحمان الرحيم إذا افتتح الصلاة وذكره أبو بكر عبد الله بن أبي داود سليمان بن الأشعث فقال حدثنا محمد بن الوزير الدمشقي حدثنا الوليد بن مسلم عن مالك بن أنس عن حميد عن أنس قال "صليت خلف النبي صلى الله عليه وسلم وأبى بكر وعمر وعثمان فكانوا يفتتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم" وروى عن أبي قرة موسى بن طارق عن مالك أيضا مرفوعا حدثنا محمد حدثنا علي بن عمر حدثنا

(2/228)


إبراهيم بن محمد بن يحيى حدثنا أحمد بن محمد بن الأزهر حدثنا محمد بن يوسف حدثنا أبو قرة عن مالك عن حميد عن أنس قال: "صليت خلف رسول الله وأبي بكر وعمر فلم يكونوا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم" وهذا خطأ كله خلاف ما في الموطأ ورواه إسماعيل بن موسى السدى عن مالك مرفوعا أيضا إلا انه اختلف عنه في لفظه حدثنا محمد حدثنا علي بن عمر حدثنا أبو سعيد محمد بن عبد الله بن إبراهيم بن مشكان المروزي حدثنا عبد الله بن محمود المروزي حدثنا إسماعيل بن موسى السدي أخبرنا مالك عن حميد عن أنس "أن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر وعثمان كانوا يفتتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين" أخبرنا محمد حدثنا علي بن عمر حدثنا أبو بكر الشافعي من كتابه حدثنا محمد بن الليث الجوهري حدثنا إسماعيل ابن موسى حدثنا مالك عن حميد عن أنس "أن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر وعثمان كانوا لا يستفتحون ببسم الله الرحمان الرحيم" ورفعه أيضا ابن أخي ابن وهب عن ابن وهب عن مالك حدثنا خلف بن قاسم حدثنا أبو بكر أحمد بن صالح المقرئ حدثنا عبد الله بن أبي داود السجستاني حدثنا أحمد بن عبد الرحمن بن وهب حدثنا عمي عبد الله بن وهب حدثنا عبد الله بن عمر ومالك بن أنس وسفيان بن عيينة عن حميد عن أنس

(2/229)


"أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يجهر في القراءة ببسم الله الرحمن الرحيم" فهذا ما بلغنا من الاختلاف على مالك في إسناد هذا الحديث ولفظه وهو في الموطأ موقوف ليس فيه ذكر النبي صلى الله عليه وسلم وقد روى هذا الحديث عن أنس قتادة وثابت البناني وغيرهما كلهم أسنده وذكر فيه النبي صلى الله عليه وسلم إلا أنهم اختلف عليهم في لفظه اختلافا كثيرا مضطربا متدافعا منهم من يقول فيه كانوا لا يقرؤون بسم الله الرحمن الرحيم ومنهم من يقول كانوا لا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم ومنهم من قال كانوا لا يتركون بسم الله الرحمن الرحيم ومنهم من قال كانوا يفتتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين وهذا اضطراب لا يقوم معه حجة لأحد من الفقهاء وقد روى عن أنس انه سئل عن هذا الحديث فقال كبرنا ونسينا وقد أوضحنا ما للعلماء في قراءة بسم الله الرحمن الرحيم في فاتحة الكتاب وغيرها بوجوه اعتلالهم وآثارهم وما نزعوا به في ذلك في كتاب جمعته في ذلك وهو كتاب الإنصاف فيما بين علماء المسلمين في قراءة بسم الله الرحمن الرحيم في فاتحة الكتاب من الاختلاف ومضى في ذلك أيضا ما يكفى ويشفى في هذا الكتاب عند قوله صلى الله عليه وسلم في حديث مالك عن العلاء بن عبد الرحمن "قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين فنصفها لي ونصفها لعبدي ولعبدي ما سأل اقرءوا يقول العبد الحمد لله رب العالمين الحديث بتمامه إلى آخر السورة" وهو أقطع حديث في ترك بسم الله الرحمن الرحيم والله أعلم لأن غيره من الأحاديث قد تأولوا فيها فأكثروا التشغيب والمنازعة وبالله التوفيق.
قال أبو عمر:
الاختلاف في بسم الله الرحمن الرحيم على أوجه أحدها هل هي من القرآن في غير سورة النمل والآخر هل هي آية من فاتحة الكتاب أو هي آية من أول كل سورة من القرآن والثالث هل

(2/230)


تصح الصلاة دون أن يقرأ بها مع فاتحة الكتاب والرابع هل تقرأ في النوافل دون الفرائض ونختصر القول في القراءة بها ها هنا لأنا قد استوعبنا القول في ذلك كله ومهدناه في كتاب الإنصاف فيما بين العلماء من الاختلاف في ذلك قال مالك لا تقرأ في المكتوبة سرا ولا جهرا وفي النافلة إن شاء فعل وإن شاء ترك وهو قول الطبري وقال الثوري وأبو حنيفة وابن أبي ليلى وأحمد بن حنبل تقرأ مع أم القرآن في كل ركعة إلا أن ابن أبي ليلى قال إن شاء جهر بها وإن شاء أخفاها وقال سائرهم يخفيها وقال الشافعي هي آية من فاتحة الكتاب يخفيها إذا أخفى ويجهر بها إذا جهر واختلف قوله هل هي آية في أول كل سورة أم لا على قولين أحدهما هي وهو قول ابن المبارك والثاني لا إلا في فاتحة الكتاب وقد أشبعنا هذا الباب وبسطناه بحجة كل فرقة في كتاب الإنصاف وفي باب العلاء من هذا الكتاب والحمد لله ومما هو موقوف في الموطأ وقد أسنده عن مالك من لا يوثق بحفظه أيضا ما أخبرناه محمد حدثنا علي بن عمر حدثنا علي بن أحمد بن حامد المعدل حدثنا إبراهيم بن ميمون قال قرئ على محمد بن عبد الله بن عبد الحكم أخبركم ابن وهب حدثني مالك بن أنس وعبد الله بن عمر ويحيى بن أيوب عن حميد عن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ثلاث للثيب وسبع للبكر" لم يسنده غير ابن وهب إن صح عنه وهو في الموطأ عند جميعهم موقوف وقد ذكرنا معنى هذا الحديث مجودا مبسوطا ممهدا بما فيه للعلماء من المذاهب في باب عبد الله بن أبي بكر والحمد لله.

(2/231)


حميد بن قيس الأعرج المكي
الحديث الأول
...
باب حميد الأعرج المكي
وهو حميد بن قيس مولى بني فزارة ومن نسبه إلى ولاء بني فزارة قال هو مولى آل منظور بن سيار وقيل مولى عفراء بنت سيار بن منظور وقال مصعب الزبيري مولى أم هاشم بنت سيار بن منظور الفزاري امرأة عبد الله بن الزبير فنسب إلى الزبير ويقال مولى بني أسد وآل الزبير أسديون أسد قريش وحميد بن قيس مكي ثقة صاحب قرآن يكنى أبا صفوان وقيل أبا عبد الرحمن وإليه يسند كثير من أهل مكة قراءتهم وإلى عبد الله بن كثير وابن محيصن وأخوه عمر بن قيس هو المعروف بسندل مكي ضعيف عندهم حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا ابن أبي أويس قال حدثني أبي عن حميد بن قيس المكي مولى بني أسد بن عبد العزى قال أحمد بن زهير وسمعت يحيى بن معين يقول حميد بن قيس مكي ثقة.
قال أبو عمر:
لمالك عنه ستة أحاديث مرفوعة في الموطأ منها حديثان متصلان مسندان ومنها حديث ظاهره موقوف ومنها ثلاثة منقطعات أحدها شركه فيه ثور بن زيد وقد تقدم ذكره في باب ثور بن زيد وتأتي الخمسة في بابه هذا إن شاء الله

(2/232)


حديث أول لحميد بن قيس
مالك عن حميد بن قيس عن مجاهد أبي الحجاج عن أبن أبي ليلى عن كعب بن عجرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له "لعلك أذاك هوامك قال فقلت نعم يا رسول الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أحلق رأسك وصم ثلاثة أيام أو اطعم ستة مساكين أو انسك بشاة" هكذا روى يحيى هذا الحديث عن مالك بهذا الإسناد متصلا وتابعه القعنبي والشافعي وابن عبد ا لحكم وعتيق ابن يعقوب الزبيري وابن بكير وأبو مصعب وأكثر الرواة وهو الصواب ورواه ابن وهب وابن القاسم وابن عفير عن مالك عن حميد بن قيس عن مجاهد عن كعب بن عجرة لم يذكروا ابن أبي ليلى وكذلك اخلتف الرواة عن مالك في حديثه عن عبد الكريم الجزري في حديث كعب بن عجرة هذا وسنذكر لك في بابه من كتابنا هذا إن شاء الله والحديث لمجاهد عن ابن أبي ليلى صحيح لا شك فيه عند أهل العلم بالحديث رواه ابن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن أبي ليلى عن كعب بن عجرة وكذلك رواه أبو بشر وأيوب وابن عون وغيرهم عن مجاهد عن ابن أبي ليلى عن كعب بن عجرة وهو الصحيح من رواية حميد بن قيس وعبد الكريم الجزري عن مجاهد عن أبن أبي ليلى عن كعب بن عجرة وابن أبي ليلى هذا هو عبد الرحمن بن أبي ليلى من كبار تابعي الكوفة

(2/233)


وهو والد محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى فقيه الكوفة وقاضيها ولأبيه أبي ليلى صحبة وقد ذكرناه في كتابنا من كتاب الصحابة بما يغنى عن ذكره ها هنا.
قال أبو عمر:
لم يذكر حميد بن قيس في هذا الحديث كم الإطعام وقد رواه جماعة عن مجاهد كذلك لم يذكروه وذكره جماعة عن مجاهد ومنهم عبد الكريم الجزري من رواية مالك وذكره من غير رواية مالك من حديث مجاهد وغيره جماعة ومن ذكره حجة على من لم يذكره ولم يذكر حميد أيضا في هذا الحديث العلة التي أوجبت ذلك القول من رسول الله صلى الله عليه وسلم لكعب بن عجرة ولا الموضع الذي قال له ذلك فيه وكان ذلك القول منه لكعب وهو محرم زمن الحديبية ذكر ذلك جماعة من حديث مجاهد وغيره وروى مالك عن عبد الكريم بن مالك الجزري عن مجاهد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن كعب بن عجرة أنه كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محرم فأذاه القمل في رأسه "فأمره رسول الله أن يحلق رأسه وقال صم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين مدين مدين أو انسك شاة أي ذلك فعلت أجزا عنك" أخبرنا عبد الله بن محمد حدثنا محمد بن بكر حدثنا أبو داود حدثنا محمد بن منصور حدثنا يعقوب بن إبراهيم قال حدثنا أبي عن ابن إسحاق قال حدثنا أبان يعني ابن صالح عن الحكم بن عتيبة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن كعب بن عجرة الأنصاري قال أصابني هوام في

(2/234)


رأسي وأنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية حتى تخوفت على بصري قال فانزل الله عز وجل {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} الآية فدعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال "أحلق راسك وصم ثلاثة أيام أو اطعم ستة مساكين فرقا من زبيب أو انسك شاة" فحلقت رأسي ثم نسكت حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أبو قلابة الرقاشي قال حدثنا بشر بن عمر قال حدثنا شعبة عن أبي بشر عن مجاهد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن كعب بن عجرة قال : "ملت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والقمل تتناثر على وجهي فقال يا أبا كعب ما كنت أرى أن الجهد بلغ بك ما أرى فأمرني أن أحلق رأسي وأنسك نسيكة أو أطعم ستة مساكين أو أصوم ثلاثة أيام" وفي رواية ابن أبي نجيح عن ابن أبي ليلى عن كعب بن عجرة قال: "صم ثلاثة أيام أو اطعم فرقا بين ستة مساكين" ورواه أبو قلابة "أو اذبح شاة " من حديث معمر وسيف بن سليمان وورقاء وابن عيينة عن ابن أبي نجيح وكذلك رواه معمر عن أيوب عن مجاهد عن ابن أبي ليلى عن كعب بن عجرة قال فيه "أو تطعم فرقا بين ستة مساكين" ورواه أبو قلابة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن كعب بن عجرة قال فيه "فاحلق شعرك واذبح شاة أو صم ثلاثة أيام أو تصدق بثلاثة آصع تمر بين ستة مساكين" وكذلك قال سليمان بن قرم عن عبد الرحمن بن

(2/235)


الأصبهاني عن عبد الله بن معقل المزني سمع كعب بن عجرة في هذا الحديث قال أتقدر على نسك قال لا قال فصم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع من تمر ورواه أبو عوانة عن عبد الرحمن بن الأصبهاني بإسناده مثله سواء وكذلك روى أشعث عن الشعبي عن عبد الله بن معقل عن كعب بن عجرة إطعام ثلاثة آصع تمر بين ستة مساكين ورواه شعبة عن عبد الرحمن بن الأصبهاني سمع عبد الله بن معقل سمع كعب بن عجرة في هذا الحديث قال أو اطعم ستة مساكين كل مسكين نصف صاع من طعام هكذا يقول شعبة في هذا الحديث بهذا الإسناد من طعام لم يقل من تمر قال أبو عمر:
من روى الحديث عن أبي قلابة عن كعب بن عجرة أو عن الشعبي عن كعب بن عجرة فليس بشيء والصحيح فيه عن أبي قلابة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن كعب بن عجرة وأما الشعبي فاختلف فيه عليه فرواه بعضهم عنه عن عبد الرحمن عن كعب بن عجرة وبعضهم جعله عن الشعبي عن كعب بن عجرة وبعضهم عنه عن عبد الله بن مغفل عن كعب بن عجرة وبعضهم جعله عن الشعبي عن كعب بن عجرة ولم يسمع الشعبي من كعب بن عجرة ولا سمعه أبو قلابة من كعب بن عجرة والله أعلم.

(2/236)


قال أبو عمر:
كل من ذكر النسك في هذا الحديث مفسرا فإنما ذكره بشاة وهو أمر لا خلاف فيه بين العلماء وأما الصوم والإطعام فاختلفوا فيه فجمهور فقهاء المسلمين على أن الصوم ثلاثة أيام وهو محفوظ صحيح في حديث كعب بن عجرة وجاء عن الحسن وعكرمة ونافع أنهم قالوا الصوم في فدية الأذى عشرة أيام والإطعام عشرة مساكين ولم يقل بهذا احد من فقهاء الأمصار ولا أئمة الحديث حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا أحمد بن دحيم قال حدثنا إبراهيم بن حماد قال حدثني عمي إسماعيل بن إسحاق قال حدثنا مسدد قال حدثنا بشر بن المفضل قال حدثنا إبراهيم بن عون عن مجاهد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال قال كعب بن عجرة "في أنزلت هذه الآية أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقال أدنه فدنوت مرتين أو ثلاثا فقال أتؤذيك هوامك قال ابن عون وأحسبه قال نعم قال فأمرني بصيام أو صدقة أو نسك مما تيسر" قال إسماعيل وحدثنا سليمان بن حرب قال حدثنا حماد بن زيد عن أيوب عن مجاهد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن كعب بن عجرة قال "أتى علي رسول الله صلى الله عليه وسلم زمن الحديبية وأنا أوقد تحت برمة لي والقمل يتناثر على وجهي فقال أتؤذيك هوام رأسك قلت نعم قال "احلق وصم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين أو أنسك نسيكة" قال أيوب لا أدري بأيها بدأ وحدثناه عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا بكر بن حماد قال حدثنا مسدد قال حدثنا حماد بن زيد عن أيوب قال سمعت مجاهدا يحدث عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن كعب بن عجرة قال " أتى على رسول الله صلى الله عليه وسلم زمن الحديبية فذكره حرفا بحرف" ورواه أبو الزبير عن مجاهد حدثناه سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال

(2/237)


حدثنا جعفر بن محمد الصائغ قال حدثنا محمد بن سابق قال حدثنا إبراهيم بن طهمان عن أبي الزبير عن مجاهد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن كعب بن عجرة الأنصاري أنه حدثه أنه كان أهل في ذي القعدة وأنه قمل رأسه فأتى عليه النبي صلى الله عليه وسلم وهو يوقد تحت قدر له فقال له كأنك تؤذيك هوام رأسك قال أجل قال "أحلق وأهد هديا فقال ما أجد هديا قال فاطعم ستة مساكين فقال ما أجد فقال صم ثلاثة أيام" .
قال أبو عمر:
كأن ظاهر هذا الحديث على الترتيب وليس كذلك ولو صح هذا كان معناه الاختيار أولا فأولا وعامة الآثار عن كعب بن عجرة وردت بلفظ التخيير وهو نص القرآن وعليه مضى عمل العلماء في كل الأمصار وفتواهم وبالله التوفيق.
واختلف الفقهاء في الإطعام في فدية الأذى فقال مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابهم الإطعام في ذلك مدان مدان بمد النبي صلى الله عليه وسلم وهو قول أبي ثور وداود وروى عن الثوري أنه قال في الفدية من البر نصف صاع ومن التمر والشعير والزبيب صاع وروى عن أبي حنيفة أيضا مثله جعل نصف صاع بر عدل صاع تمر وهذا على أصله في ذلك وقال أحمد بن حنبل مرة كما قال مالك والشافعي ومرة قال إن أطعم برا فمد لكل مسكين وإن اطعم تمرا فنصف صاع.
قال أبو عمر:
لم يختلف الفقهاء إن الإطعام إنما هو لستة مساكين إلا ما ذكرنا عن الحسن وعكرمة ونافع وهو قول لا يعرج عليه لأن

(2/238)


السنة الثابتة تدفعه وقال مالك رحمه الله لا يجزئه أن يغدي المساكين ويعشيهم في كفارة الأذى حتى يعطي كل مسكين مدين مدين بمد النبي صلى الله عليه وسلم وبذلك قال الثوري والشافعي ومحمد ابن الحسن وقال أبو يوسف يجزئه أن يغديهم ويعشيهم.
قال أبو عمر:
قال الله عز وجل {وَلا تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} قال ابن عباس المرض أن يكون برأسه قروح والأذى القمل وقال عطاء المرض الصداع والقمل وغيره وحديث كعب بن عجرة أوضح شيء في هذا وأصحه وأولى ما عول عليه في هذا الباب وهو الأصل حدثنا خلف بن القاسم حدثنا محمد بن أحمد بن كامل حدثنا أحمد بن محمد بن الحجاج بن رشدين قال سمعت أحمد بن صالح يعني المصري يقول حديث كعب بن عجرة في الفدية سنة معمول بها لم يروها أحد من الصحابة غيره ولا رواها عن كعب بن عجرة إلا رجلان عبد الرحمن بن أبي ليلى وعبد الله بن معقل وهذه سنة أخذها أهل المدينة وغيرهم عن أهل الكوفة قال أحمد قال ابن شهاب سألت عنها علماءنا كلهم حتى سعيد بن المسيب فلم يثبتوا كم عدد المساكين وأجمعوا أن الفدية واجبة على من حلق رأسه من عذر وضرورة وأنه مخير فيما نص الله ورسوله عليه مما ذكرنا على حسب ما تقدم ذكره واختلفوا فيمن حلق رأسه من غير ضرورة عامدا أو تطيب لغير ضرورة عامدا أو لبس لغير عذر عامدا فقال مالك بئس ما فعل وعليه الفدية وهو مخير فيها إن شاء صام ثلاثة أيام وإن شاء ذبح شاة وإن شاء أطعم ستة مساكين مدين مدين من قوته أي ذلك شاء فعل وسواء عنده العمد في ذلك والخطأ لضرورة وغير ضرورة وهو مخير في ذلك عنده وقال الشافعي وأبو حنيفة وأصحابهما وأبو ثور ليس

(2/239)


بمخير إلا في الضرورة لأن الله يقول "فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ" فأما إذا حلق عامدا أو تطيب عامدا لغير عذر فليس بمخير وعليه دم لا غير واختلفوا فيمن حلق أو لبس أو تطيب ناسيا فقال مالك رحمه الله العامد والناسي في ذلك سواء في وجوب الفدية وهو قول أبي حنيفة والثوري والليث وللشافعي في هذه المسألة قولان أحدهما لا فدية عليه والآخر عليه الفدية وقال داود وإسحاق لا فدية عليه في شيء من ذلك إن صنعه ناسيا وأكثر العلماء يوجبون الفدية على المحرم إذا حلق شعر جسده أو أطلا أو حلق موضع المحاجم وبعضهم يجعل عليه في كل شيء من ذلك دما وقال داود لاشيء عليه في حلق شعر جسده واختلفوا في موضع الفدية المذكورة فقال مالك يفعل ذلك أين شاء إن شاء بمكة وإن شاء ببلده وذبح النسك والإطعام والصيام عنده سواء يفعل ما شاء من ذلك أين شاء وهو قول مجاهد والذبح ها هنا عند مالك نسك وليس بهدي قال والنسك يكون حيث شاء والهدى لا يكون إلا بمكة وحجته في أن النسك يكون بغير مكة حديثه عن يحيى بن سعيد عن يعقوب بن خالد المخزومي عن أبي أسماء مولى عبد الله بن جعفر أنه أخبره أنه كان مع عبد الله بن جعفر وخرج معه من المدينة فمروا على حسين بن علي وهو مريض بالسقيا فأقام عليه عبد الله بن جعفر حتى إذا خاف الموت خرج وبعث إلى علي بن أبي طالب وأسماء بنت عميس وهما بالمدينة فقدما عليه ثم إن حسينا أشار إلى رأسه فأمر علي بن أبي طالب برأسه فحلق ثم نسك عنه بالسقيا فنحر عنه بعيرا قال مالك قال يحيى بن سعيد وكان حسين خرج مع عثمان في سفره إلى مكة فهذا واضح في أن الذبح في فدية الأذى جائز بغير مكة وجائز عند مالك في الهدي إذا نحر في الحرم أن يعطاه غير أهل الحرم لأن البغية فيه إطعام مساكين

(2/240)


المسلمين قال ولما جاز الصوم أن يؤتى به في غير الحرم جاز إطعام غير أهل الحرم وقال أبو حنيفة والشافعي الدم والإطعام لا يجزي إلا بمكة والصوم حيث شاء وهو قول طاووس قال الشافعي الصوم مخالف للإطعام والذبح لان الصوم لا منفعة فيه لأهل الحرم وقد قال الله {هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ} رفقا لمساكين الحرم جيران بيته والله أعلم وقد قال عطاء ما كان من دم فبمكة وما كان من إطعام أو صيام فحيث شاء وعن أبي حنيفة وأصحابه أيضا مثل قول عطاء وعن الحسن أن الدم بمكة ذكر إسماعيل القاضي حديث علي حين حلق رأس حسين ابنه بالسقيا ونسك عنه في موضعه من حديث مالك وغيره عن يحيى بن سعيد ثم قال هذا أبين ما جاء في هذا الباب وأصحه وفيه جواز الذبح في فدية الأذى بغير مكة.
قال أبو عمر:
الحجة في ذلك قول الله عز وجل {وَلا تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ} ثم قال {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} ولم يقل في موضع دون موضع فالظاهر أنه حيث ما فعل أجزا وقد سمى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يذبح في فدية الأذى نسكا ولم يسمه هديا فلا يلزمنا أن نرده قياسا على الهدى ولا أن نعتبره بالهدى مع ما جاء في ذلك عن علي رضي الله عنه ومع استعمال ظاهر الحديث في ذلك والله أعلم

(2/241)


الحديث الثاني
...
حديث ثان لحميد بن قيس متصل
مالك عن حميد بن قيس الملكي عن مجاهد أنه قال كنت مع عبد ا لله بن عمر فجاءه صائغ فقال يا أبا عبد الرحمن إني أصوغ الذهب ثم أبيع الشيء من ذلك بأكثر من وزنه فاستفضل في ذلك قدر عمل يدي فنهاه عبد الله بن عمر عن ذلك فجعل الصائغ يردد عليه المسألة وعبد الله ينهاه عن ذلك حتى انتهى إلى باب المسجد أو إلى دابة يريد أن يركبها فقال عبد الله بن عمر "الدينار بالدينار والدرهم بالدرهم لا فضل بينهما هذا عهد نبينا إلينا وعهدنا إليكم" .
في هذا الحديث النهى عن التفاضل في الدنانير والدراهم إذا بيع شيء منها بجنسه وقوله فيه الدينار بالدينار والدرهم بالدرهم إشارة إلى جنس الأصل لا إلى المضروب دون غيره بدليل إرسال ابن عمر الحديث على سؤال الصائغ له عن الذهب المصوغ وبدليل قوله صلى الله عليه وسلم "الفضة بالفضة والذهب بالذهب مثلا بمثل وزنا بوزن" ولا أعلم أحدا من العلماء حرم التفاضل في المضروب العين من الذهب والفضة المدرهمة دون التبر والمصوغ منهما إلا شيء جاء عن معاوية بن أبي سفيان روي عنه من وجوه وقد أجمعوا على خلافه فأغنى إجماعهم على ذلك عن الاستشهاد فيه بغيره وفي قصة معاوية مع أبي الدرداء إذ باع معاوية السقاية بأكثر من وزنها بيان أن الربا في المصوغ وغير المصوغ والمضروب وغير المضروب

(2/242)


قال أبو عمر:
فالفضة السوداء والبيضاء والذهب الأحمر والأصفر كل ذلك لا يجوز بيع بعضه ببعض إلا مثلا بمثل وزنا بوزن سواء بسواء على كل حال إلا أن تكون إحدى الفضتين أو إحدى الذهبين فيه دخل من غير جنسه فإن كانت كذلك لم يجز بيع بعضها ببعض البتة على حال إلا أن يحيط العلم أن الدخل فيهما سواء نحو السكة الواحدة لعدم المماثلة لأنا إذا عدمنا حقيقة المماثلة لم نأمن التفاضل وقد ورد الشرع بتحريم الازدياد في ذلك فوجب المنع حتى تصح المماثلة وروى مالك عن نافع عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل ولا تشفوا بعضها على بعض ولا تبيعوا الورق بالورق إلا مثلا بمثل ولا تشفوا بعضها على بعض ولا تبيعوا منها غائبا بناجز" وسيأتي القول في معنى هذا الحديث في باب نافع إن شاء الله.
قال أبو عمر:
المماثلة في الموزونات الوزن لا غير وفي المكيلات الكيل ولو وزن المكيل رجوت أن يكون مماثلة إن شاء الله وقد روي عن ابن عباس رضي الله عنه وعن بعض أصحابه في هذا الباب شيء لا يصح عنه إن شاء الله لأنه قد روي عنه من وجوه خلافه وهو الذي عليه علماء الأمصار فلم أر وجها في ذلك للإكثار.
أخبرنا خلف بن سعيد قال حدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا أحمد بن خالد قال حدثنا علي بن عبد العزيز قال حدثنا أبو نعيم الفضل بن دكين قال حدثنا عبد السلام عن مغيرة عن عبد الرحمن بن أبي نعيم أن أبا سعيد لقي ابن عباس فشهد

(2/243)


على رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال "الفضة بالفضة والذهب بالذهب مثلا بمثل فمن زاد فقد أربا" فقال ابن عباس أتوب إلى الله فيما كنت أفتي به ورجع عنه قال علي وحدثنا داود بن عمرو الضبي قال حدثنا محمد بن مسلم عن عمرو بن دينار عن ذكوان أبي صالح عن أبي سعيد الخدري قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "الدينار بالدينار والدرهم بالدرهم لا زيادة" وبلغه قول ابن عباس قال أبو سعيد فقلت لابن عباس ما هذا الحديث الذي تحدث به أشيء سمعته من رسول الله أو شيء وجدته في كتاب الله فقال ابن عباس ما وجدته في كتاب الله ولا سمعته من رسول الله ولأنتم أعلم برسول الله صلى الله عليه وسلم مني ولكن أسامة بن زيد حدثني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "الربا في النسيئة" قال علي وحدثنا عتيق بن يعقوب الزبيري قال حدثني عبد العزيز بن محمد عن إبراهيم بن طهمان عن أبي الزبير المكي قال سمعت أبا أسيد الساعدي وابن عباس يفتي في الدينار بالدينارين فأغلظ له أبو أسيد فقال له

(2/244)


ابن عباس ما كنت أظن أن أحدا يعرف قرابتي من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لي مثل هذا يا أبا أسيد فقال أبو أسيد أشهد لسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "الدينار بالدينار والدرهم بالدرهم وصاع حنطة بصاع حنطة وصاع شعير بصاع شعير وصاع ملح بصاع ملح لا فضل بين شيء من ذلك" فقال عبد الله بن عباس هذا شيء إنما كنت أقوله برأيي ولم أسمع فيه شيئا حدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا إسماعيل بن إسحاق قال حدثنا سليمان بن حرب قال حدثنا حماد بن زيد قال حدثنا سليمان بن علي الربعي عن أبي الجوزاء عن ابن عباس أنه رجع عن الصرف وقال إنما كان ذلك رأيا مني وهذا أبو سعيد يحدث به عن النبي صلى الله عليه وسلم وروى ابن وهب قال أخبرني مخرمة بن بكير عن أبيه قال سمعت سليمان بن يسار يزعم أنه سمع مالك بن أبي عامر يحدث عن عثمان بن عفان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "لا تبيعوا الدينار بالدينارين ولا الدرهم بالدرهمين" .
قال أبو عمر:
لم أر ذكر ما روى ابن عباس ومن تابعه في الصرف ولم أعده خلافا لما روي عنه من رجوعه عن ذلك وفي رجوعه إلى خبر أبي سعيد المفسر وتركه القول بخبر أسامة بن زيد المجمل ضروب من

(2/245)


الفقه ليس هذا موضع ذكرها ومن تدبرها ووفق لفهمها أدركها وبالله التوفيق وقد روي عن كثير من أصحاب مالك وبعضهم يرويه عن مالك في التاجر يحفزه الخروج وبه حاجة إلى دراهم مضروبة أو دنانير مضروبة فيأتي دار الضرب بفضته أو ذهبه فيقول للضراب خذ فضتي هذه أو ذهبي وخذ قدر عمل يدك وادفع إلي دنانير مضروبة في ذهبي أو دراهم مضروبة في فضتي هذه لأني محفوز للخروج وأخاف أن يفوتني من أخرج معه إن ذلك جائز للضرورة وإنه قد عمل به بعض الناس.
قال أبو عمر:
هذا مما يرسله العالم عن غير تدبر ولا رواية وربما حكاه لمعنى قاده إلى حكايته فيتوهم السامع أنه مذهبه فيحمله عنه وهذا عين الربا لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "من زاد أو ازداد فقد أربى" وقال ابن عمر للصائغ لا في مثل هذه المسألة سواء ونهاه عنها وقال "هذا عهد نبينا إلينا وعهدنا إليكم" وهذا قد باع فضة بفضة أكثر منها وأخذ في المضروب زيادة على غير المضروب وهو الربا المجتمع عليه لأنه لا يجوز مضروب الفضة ومصوغها بتبرها ولا مضروب الذهب ومصوغه بتبره وعينه إلا وزنا بوزن عند جميع الفقهاء وعلى ذلك تواترت السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم حدثنا عبد الله بن محمد حدثنا محمد بن بكر حدثنا أبو داود حدثنا الحسن بن علي حدثنا بشر بن عمر حدثنا همام عن قتادة عن أبي الخليل عن مسلم المكي عن أبي الأشعث

(2/246)


الصنعاني عن عبادة بن الصامت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "الذهب بالذهب تبره وعينه والفضة بالفضة تبرها وعينها يعني وزنا بوزن مثلا بمثل يدا بيد من زاد أو ازداد فقد أربى" مختصرا قال أبو داود ورواه سعيد بن أبي عروبة وهشام عن قتادة عن مسلم بن يسار وقد ذكرنا خبر عبادة بكثير من طرقه في مواضع من هذا الكتاب وقد رد ابن وهب هذه المسألة عن مالك وأنكرها وزعم الأبهري أن ذلك من باب الرفق لطلب التجارة ولئلا يفوت السوق قال وليس الربا إلا على من أراد أن يربي ممن يقصد إلى ذلك ويبتغيه ونسي الأبهري أصله في قطع الذرائع وقوله فيمن باع ثوبا بنسيئة وهو لا نية له في شرائه ثم يجده في السوق أنه لا يجوز له أن يبتاعه منه بدون ما به باعه وإن لم يقصد إلى ذلك ولم يبتعه ومثل هذا كثير ولو لم يكن الربا إلا على من قصده ما حرم إلا على الفقهاء خاصة وقد قال عمر لا يتجر في سوقنا إلا من فقه وإلا أكل الربا والأمر في هذا بين لمن رزق الإنصاف وألهم رشده حدثنا أحمد بن عبد الله قال حدثنا الميمون بن حمزة الحسيني قال حدثنا الطحاوي قال حدثنا المزني قال حدثنا الشافعي قال حدثنا سفيان بن عيينة عن وردان الرومي أنه سأل ابن عمر فقال إني رجل أصوغ الحلي ثم أبيعه وأستفضل فيه قدر أجرتي أو عمل يدي فقال ابن عمر الذهب بالذهب لا فضل بينهما هذا عهد صاحبنا إلينا وعهدنا إليكم قال الشافعي يعني بقوله صاحبنا عمر بن الخطاب قال وقول حميد عن مجاهد عن ابن عمر عهد نبينا خطا

(2/247)


قال أبو عمر:
قول الشافعي عندي غلط على أصله لأن حديث ابن عيينة في قوله صاحبنا مجمل يحتمل أن يكون أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الأظهر فيه ويحتمل أن يكون أراد عمر فلما قال مجاهد عن ابن عمر هذا عهد نبينا فسر ما أجمل وردان الرومي وهذا أصل ما يعتمد عليه الشافعي في الآثار ولكن الناس لا يسلم منهم أحد من الغلط وإنما دخلت الداخلة على الناس من قبل التقليد لأنهم إذا تكلم العالم عند من لا ينعم النظر بشيء كتبه وجعله دينا يرد به ما خالفه دون أن يعرف الوجه فيه فيقع الخلل وبالله التوفيق.

(2/248)


الحديث الثالث
...
حديث ثالث لحميد بن قيس مرسل
مالك عن حميد بن قيس عن عطاء بن أبي رباح أن أعرابيا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بحنين وعلى الأعرابي قميص وبه أثر صفرة فقال يا رسول الله إني أهللت بعمرة فكيف تأمرني أن أصنع فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم "أنزع قميصك هذا واغسل هذه الصفرة عنك وافعل في عمرتك ما تفعل في حجك" هذا حديث مرسل عند جميع رواة الموطأ فيما علمت ولكنه يتصل من غير رواية مالك من طرق صحيحة ثابتة عن عطاء بن أبي رباح وهو محفوظ من حديث يعلى ابن أمية عن النبي صلى الله عليه وسلم رواه عن عطاء بن أبي رباح جماعة منهم أبو الزبير وعمرو بن دينار وقتادة وابن جريح وقيس بن سعد وهمام بن يحيى ومطر وإبراهيم بن يزيد وعبد الملك بن أبي سليمان ومنصور وابن أبي ليلى والليث بن سعد وأحسنهم رواية له عن عطاء وأتقنهم ابن جريح وعمرو بن دينار وإبراهيم بن يزيد وقيس بن سعد وهمام بن يحيى فإن هؤلاء كلهم رووه عن عطاء عن صفوان بن يعلى بن أمية عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو الصواب فيه وغيرهم رواه عن عطاء عن يعلى وليس بشيء

(2/249)


حدثنا عبد الله ابن محمد بن أسد قال حدثنا سعيد بن عثمان بن السكن قال حدثنا محمد بن يوسف قال حدثنا محمد بن إسماعيل البخاري وحدثنا سعيد بن نصر واللفظ بحديثه قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن وضاح قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قالا حدثنا أبو نعيم الفضل بن دكين قال حدثنا همام قال حدثنا عطاء قال حدثنا صفوان بن يعلى بن أمية عن أبيه أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم وهو بالجعرانة وعليه جبة وعليه أثر الخلوق أو قال صفرة فقال كيف تأمرني أن أصنع في عمرتي قال فأنزل على النبي صلى الله عليه وسلم واستتر بثوب قال وكان يعلى يقول وددت أني قد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أنزل عليه الوحي فقال عمر يا يعلى أيسرك أن تنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أنزل عليه قال قلت نعم فرفع طرف الثوب فنظرت إليه فإذا له غطيط وأحسبه كغطيط البكر قال فلما سري عنه قال "أين السائل عن العمرة اخلع عنك الجبة واغسل عنك أثر الخلوق أو قال أثر الصفرة واصنع في عمرتك كما صنعت في حجك" قال "وأتاه رجل آخر قد عض يد رجل فانتزع يده فسقطت ثنيته التي عض بها فأبطله النبي صلى الله عليه وسلم" حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن بن يحيى قال حدثنا محمد بن بكر بن عبد الرزاق التمار قال حدثنا أبو داود قال حدثنا محمد بن كثير قال حدثنا همام قال سمعت عطاء قال أخبرنا صفوان بن يعلى بن أمية عن أبيه أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم وهو بالجعرانة فذكره سواء وذكر عبد الرزاق قال أخبرنا إبراهيم بن يزيد أنه سمع عطاء يقول أخبرني صفوان بن يعلى بن أمية أن يعلى قال لعمر وددت أني رأيت رسول الله حين يوحى إليه فلما كان بالجعرانة أتاه أعرابي وعليه جبة وهو متضمخ بخلوق وقد أحرم بعمرة فقال أفتني يا رسول الله وأوحي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر مثل حديث همام بن يحيى

(2/250)


في هذه القصة إلى آخرها ولم يذكر قصة العاض يد الرجل أخبرني أبو محمد عبد الله بن محمد بن أسد قال حدثنا حضرة بن محمد بن علي قال حدثنا محمد بن شعيب بن علي قال أخبرني محمد بن إسماعيل بن إبراهيم قال حدثنا وهب بن جرير قال حدثني أبي قال سمعت قيس بن سعد يحدث عن عطاء عن صفوان بن يعلى عن أبيه قال أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل وهو بالجعرانة وعليه جبة وهو مصفر لحيته ورأسه فقال يا رسول الله إني أحرمت بعمرة وأنا كما ترى قال "انزع عنك الجبة واغسل عنك الصفرة وما كنت صانعا في حجك فاصنعه في عمرتك" حدثنا سعيد بن نصر قراءة مني عليه أن قاسم بن أصبغ حدثهم قال حدثنا جعفر بن محمد الصائغ قال حدثنا محمد بن سابق قال حدثنا إبراهيم بن طهمان عن أبي الزبير عن عطاء عن صفوان بن أمية أنه قال جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم متضمخا بالخلوق وعليه مقطعات فقال كيف تأمرني يا رسول الله في عمرتي قال فأنزل الله {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أين السائل عن العمرة فقال له ألق عنك ثيابك واغتسل واستنق ما استطعت وما كنت صانعه في حجك فاصنعه في عمرتك" هكذا جاء في هذا الحديث صفوان بن أمية نسبة إلى جده وهو صفوان بن يعلى بن أمية رجل تميمي وليس بصفوان بن أمية الجمحي وقد نسبناهما في كتاب الصحابة والحمد لله وحدثنا

(2/251)


سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن إسماعيل الترمذي قال حدثنا الحميدي قال حدثنا سفيان بن عيينة قال حدثنا عمرو بن دينار عن عطاء بن أبي رباح عن صفوان بن يعلى بن أمية عن أبيه قال كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم بالجعرانة فأتاه رجل عليه مقطعة يعني جبة وهو متضمخ بالخلوق فقال يا رسول الله إني وعلي هذه فقال النبي صلى الله عليه وسلم "ما كنت تصنع في حجك قال كنت أنزع هذه وأغسلها بالخلوق فقال النبي صلى الله عليه وسلم ما كنت صانعا في حجك فاصنعه في عمرتك" حدثنا عبد الرحمن بن مروان قال حدثنا الحسن بن يحيى القاضي القلزمي بالقلزم قال حدثنا عبد الله بن علي بن الجارود قال حدثنا علي بن خشرم قال حدثنا عيسى بن يونس عن ابن جريح عن عطاء أن صفوان بن يعلى بن أمية أخبره أن يعلى بن أمية كان يقول لعمر بن الخطاب ليتني أرى رسول الله حين ينزل عليه فبينا هو مع رسول الله في ناس من أصحابه فيهم عمر بن الخطاب إذ جاءه رجل عليه جبة وهو متضمخ بطيب فقال يا رسول الله كيف ترى في رجل أحرم بعمرة في جبة معه بعدما تضمخ بطيب فسكت ساعة فجاءه الوحي فأشار عمر إلى يعلى بيده أن تعال فجاءه وأدخل رأسه فإذا النبي عليه السلام محمر الوجه يغط كذلك ساعة ثم سري عنه فقال أين السائل عن العمرة فالتمس الرجل فأتى به فقال النبي صلى الله عليه وسلم "أما الطيب الذي بك فاغسله ثلاث مرات وأما الجبة فانزعها ثم اصنع في عمرتك كما تصنع في حجك" قال ابن جريح كان عطاء يأخذ في الطيب بهذا الحديث فكان يكره الطيب عند الإحرام ويقول إن كان به شيء منه فليغسله وكان يأخذ بشأن صاحب الجبة وكان صاحب الجبة قبل حجة

(2/252)


الوداع قال ابن جريح والآخر فالآخر من أمر رسول الله أحق وأخبرنا عبد الرحمن بن مروان قال أخبرنا الحسين بن يحيى قال أخبرنا ابن الجارود قال حدثنا محمد بن يحيى قال حدثنا عثمان بن الهيثم قال حدثنا ابن جريح قال كان عطاء يأخذ بشأن صاحب الجبة وكان شأن صاحب الجبة قبل حجة الوداع قال والآخر فالآخر من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أحق قال ابن جريح وكان شأن صاحب الجبة أن عطاء أخبرني أن صفوان بن يعلى بن أمية أخبره أن يعلى كان يقول لعمر ليتني أرى نبي الله حين ينزل عليه فلما كان النبي عليه السلام بالجعرانة وعلى النبي عليه السلام ثوب قد ظلل به ومعه ناس من أصحابه إذ جاءه رجل عليه جبة متضمخ بطيب فذكر الحديث بتمامه.
قال أبو عمر:
روى هذا الحديث عن ابن جريح جماعة منهم يحيى بن سعيد القطان وقال فيه نوح بن حبيب عن القطان عن ابن جريح بإسناده كما ذكرنا وأما الجبة فاخلعها وأما الطيب فاغسله ثم أحدث إحراما ذكره أحمد بن شعيب النسائي عن نوح بن حبيب وقال لا أعلم أحدا قال في هذا الحديث ثم أحدث إحراما غير نوح بن حبيب قال ولا أحسبه محفوظا والله أعلم.
قال أبو عمر:
أما قوله في حديث مالك أن أعرابيا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم

(2/253)


وهو بحنين فالمراد منصرفه من غزوة حنين والموضع الذي لقي فيه الأعرابي رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الجعرانة وهو بطريق حنين بقرب ذلك معروف وفيه قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم غنائم حنين والآثار المذكورة كلها تدلك على ما ذكرناه ولا تنازع في ذلك إن شاء الله وأما قوله وعلى الأعرابي قميص فالقميص المذكور في حديث مالك هو الجبة المذكورة في حديث غيره ولا خلاف بين العلماء أن المخيط كله من الثياب لا يجوز لباسه للمحرم لنهي رسول الله صلى الله عليه وسلم المحرم عن لباس القمص والسراويلات وسيأتي ذكر هذا المعنى في حديث نافع إن شاء الله وأما قوله وبه أثر صفرة فقد بان بما ذكرنا من الآثار أنها كانت صفرة خلوق وهو طيب معمول من الزعفران وقد نهى رسول الله المحرم عن لباس ثوب مسه ورس أو زعفران وأجمع العلماء على أن الطيب كله محرم على الحاج والمعتمر بعد إحرامه وكذلك لباس الثياب واختلفوا في جواز الطيب للمحرم قبل الإحرام بما يبقى عليه بعد الإحرام فأجاز ذلك قوم وكرهه آخرون واحتج بهذا الحديث كل من كره الطيب عند الإحرام وقالوا لا يجوز لأحد إذا أراد الإحرام أن يتطيب قبل أن يحرم ثم يحرم لأنه كما لا يجوز للمحرم بإجماع أن يمس طيبا بعد أن يحرم فكذلك لا يجوز له أن يتطيب ثم يحرم لأن بقاء الطيب عليه كابتدائه له بعد إحرامه سواء لا فرق بينهما واحتجوا بأن عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعبدا لله بن عمر وعثمان بن أبي العاص كرهوا أن يوجد من المحرم شيء من ريح الطيب ولم يرخصوا لأحد أن يتطيب عند إحرامه ثم يحرم وممن قال بهذا من العلماء عطاء بن أبي رباح وسالم بن عبد الله على اختلاف عنه ومالك بن أنس وأصحابه ومحمد بن الحسن

(2/254)


رواه ابن سماعة عنه وهو اختيار أبي جعفر الطحاوي ومن حجة من قال بهذا القول من طريق النظر أن الإحرام يمنع من لبس القمص والسراويلات والخفاف والعمائم ويمنع من الطيب ومن قتل الصيد وإمساكه فلما أجمعوا أن الرجل إذا لبس قميصا أو سراويل قبل أن يحرم ثم أحرم وهو عليه أنه يؤمر بنزعه وإن لم ينزعه وتركه كان كمن لبسه بعد إحرامه لبسا مستقبلا ويجب عليه في ذلك ما يجب عليه لو استأنف لبسه بعد إحرامه وكذلك لو اصطاد صيدا في الحل وهو حلال فأمسكه في يده ثم أحرم وهو في يده أمر بتخليته وإن لم يخله كان إمساكه له بعد أن أحرم كابتدائه الصيد وإمساكه في إحرامه قالوا فلما كان ما ذكرنا وكان الطيب محرما على المحرم بعد إحرامه كحرمة هذه الأشياء كان ثبوت الطيب عليه بعد إحرامه وإن كان قد تطيب به قبل إحرامه كتطيبه بعد إحرامه ولا يجوز في القياس والنظر عندهم غير هذا واعتلوا في دفع ظاهر حديث عائشة بما رواه إبراهيم بن محمد بن المنتشر عن أبيه قال سألت ابن عمر عن الطيب عند الإحرام فقال لأن أطلى بالقطران أحب إلي من أن أصبح محرما تنضخ مني ريح الطيب قال فدخلت على عائشة فأخبرتها بقول ابن عمر فقالت طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم فطاف على نسائه ثم أصبح محرما قالوا فقد بان بهذا في حديث عائشة أن رسول الله

(2/255)


صلى الله عليه وسلم طاف على نسائه بعد التطيب وإذا طاف عليهن اغتسل لا محالة فكان بين إحرامه وتطيبه غسل قالوا فكان عائشة إنما أرادت بهذا الحديث الاحتجاج على من كره أن يوجد من المحرم بعد إحرامه ريح الطيب كما كره ذلك ابن عمر وأما بقاء نفس الطيب على المحرم فلا.
قال أبو عمر:
هذا ما احتج به من كره الطيب للمحرم من طريق الآثار ومن طريق النظر وقال جماعة من أهل العلم لا بأس أن يتطيب المحرم عند إحرامه قبل أن يحرم بما شاء من الطيب مما يبقى عليه بعد أحرامه ومما لا يبقى وممن قال بهذا من العلماء أبو حنيفة وأبو يوسف والثوري والشافعي وأصحابه وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأبو ثور وجماعة وجاء ذلك أيضا عن جماعة من الصحابة منهم سعد بن أبي وقاص وابن عباس وأبو سعيد الخدري وعائشة وأم حبيبة وعبد الله بن الزبير ومعاوية فثبت الخلاف في هذه المسألة بين الصحابة ومن بعدهم وكان عروة بن الزبير وإبراهيم النخعي وسعيد بن جبير والحسن البصري وخارجة بن زيد لا يرون بالطيب كله عند الإحرام بأسا والحجة لمن ذهب هذا المذهب حديث عائشة قالت طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم لحرمه قبل أن يحرم ولحله قبل أن يطوف بالبيت هذا لفظ القاسم بن محمد عن عائشة ومثله رواية عطاء عن عائشة في ذلك وقال الأسود عن عائشة أنها كانت تطيب النبي صلى الله عليه وسلم بأطيب ما تجد من الطيب قالت حتى أني لأرى وبيص الطيب في رأسه ولحيته وروى موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر عن عائشة قالت "كنت أطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم بالغالية الجيدة عند إحرامه" رواه

(2/256)


أبو زيد بن أبي الغمر عن يعقوب بن عبد الرحمن الزهري عن موسى بن عقبة وروى هشام بن عروة عن أخيه عثمان بن أبي عروة عن أبيه عروة بن الزبير عن عائشة قالت طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم عند إحرامه بأطيب ما أجد وربما قالت بأطيب الطيب لحرمه وحله وقالوا لا معنى لحديث بن المنتشر لأنه ليس ممن يعارض به هؤلاء الأئمة فلو كان مما يحتج به ما كان في لفظه حجة لأن قوله طاف على نسائه يحتمل أن يكون طوافه لغير جماع وجائز أن يكون طوافه عليهن ليعلمهن كيف يحرمن أو لغير ذلك والدليل على ذلك ما رواه إبراهيم عن الأسود عن عائشة قالت كان يرى وبيص الطيب في مفارق رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ثلاث وهو محرم قالوا والصحيح في حديث ابن المنتشر ما رواه شعبة عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر عن أبيه أنه سأل ابن عمر عن الطيب عند الإحرام فقال لأن أتطيب بقطران أحب إلي من أن أفعل قال فذكرته لعائشة فقالت يرحم الله أبا عبد الرحمن قد كنت أطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيطوف على نسائه ثم يصبح محرما ينضخ طيبا قالوا والنضخ في كلام العرب اللطخ والجري والظهور قال الله عز وجل {فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ} قال النابغة:
من كل نهكتة نضخ العبير بها ... لا الفحش يعرف من فيها ولا الزور
يريد لطخ العبير بها قالوا ولا معنى لحديث الأعرابي في هذا لمعان.
منها أنه يحتمل أن يكون الأعرابي تطيب بعد ما أحرم ومنها أنه كان عام حنين وتطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم عند إحرامه

(2/257)


في حجة الوداع فلو كان ما تطيب به الأعرابي يومئذ مباحا للرجال في حال الإحلال محظرا عليهم في الإحرام كان ذلك منسوخا بفعله عام حجة الوداع صلى الله عليه وسلم قالوا وقد صح وعلم أن الطيب الذي كان على الأعرابي يومئذ كان خلوقا والخلوق لا يجوز للرجال في حال الحل ولا في حال الإحرام واحتجوا فيما ذهبوا إليه من هذا بحديث عبد العزيز بن صهيب عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن يتزعفر الرجل رواه حماد بن زيد وشعبة وإسماعيل بن علية وهشيم كلهم عن عبد العزيز بن صهيب واحتجوا أيضا في ذلك بما رواه أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن جديه قالا سمعنا أبا موسى الأشعري يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا تقبل صلاة رجل في جسده شيء من خلوق" وبما رواه يوسف بن صهيب عن ابن بريدة عن أبيه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ثلاثة لا تقربهم الملائكة المتخلق والسكران والجنب" وبحديث الحسن عن عمران بن حصين قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ألا وطيب الرجال ريح لا لون وطيب النساء لون لا ريح" وروى حميد عن أنس عن النبي عليه السلام مثله ونحوه.
قال أبو عمر:
أما مالك رحمه الله فلم ير بلبس الثياب المزعفرة بأسا للرجال والنساء ذكر ابن القاسم عن مالك قال رأيت محمد بن المنكدر يلبس المصبوغ بالزعفران والثوب المورد ورأيت ابن هرمز يلبس الثوب

(2/258)


بالزعفران والحجة لهؤلاء في ذلك حديث مالك عن سعيد المقبري عن عبيد بن جريح أنه قال لابن عمر ورأيتك تصبغ بالصفرة يعني ثيابك فقال ابن عمر رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصبغ بها وسيأتي هذا الحديث وما للعلماء في ذلك من القول في باب سعيد بن أبي سعيد إن شاء الله وقد ذكرنا الاختلاف في لباس الثياب المزعفرة للرجال فيما تقدم من كتابنا هذا في باب حميد الطويل وسيأتي منه ذكر صالح في باب سعيد بن أبي سعيد إن شاء الله قالوا وما روي عن عمر رحمه الله في كراهيته للطيب على المحرم فيحتمل أن يكون لئلا يراه جاهل فيظن أنه تطيب بعد الإحرام فيستجيز بذلك الطيب بعد الإحرام وكان عمر كثير الاحتياط في مثل هذا ألا ترى أنه نهى طلحة بن عبيد الله عن لبس الثوب المصبوغ بالمدر خوفا أن يراه جاهل فيتسجيز بذلك لبس الثياب المصبغة قالوا وفي لفظ عمر لمعاوية عزمت عليك لترجعن إلى أم حبيبة فلتغسله عنك دليل على أنه لم يكن ذلك عنده محرما لأن من أتى ما لا يحل ليس يقال له عزمت عليك لتتركن ما لا يحل لك لا سيما في عمر ومعاوية فقد كان عمر يضرب بالدرة على أقل من هذا أجل من معاوية وأسن قالوا ولو صح عن عمر ما ذهب إليه من كره الطيب عند الإحرام لم تكن فيه حجة لوجود الاختلاف بين الصحابة في ذلك والمصير إلى السنة فيه وروى سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن سالم بن عبد الله أنه ذكر قول عمر في الطيب ثم قال قالت عائشة أنا طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم لإحرامه قال سالم وسنة رسول الله أحق أن تتبع وروى الثوري عن منصور عن سعيد بن جبير قال كان ابن عمر لا يدهن إلا بالزيت حين يريد أن يحرم قال منصور فذكرت ذلك لإبراهيم فقال ما تصنع بهذا

(2/259)


حدثني الأسود عن عائشة أنها قالت "كان يرى وبيص الطيب في مفارق رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محرم" وروى مالك عن يحيى بن سعيد وعبد الله بن أبي بكر وربيعة بن أبي عبد الرحمن أن الوليد بن عبد الملك سأل سالم بن عبد الله وخارجة بن زيد بن ثابت بعد أن رمى الجمرة وحلق رأسه وقبل أن يفيض عن الطيب فنهاه سالم وأرخص له خارجة بن زيد قال إسماعيل بن إسحاق جاء عن عائشة بالإسناد الصحيح أنها قالت "كنت أطيب رسول الله لحرمه قبل أن يحرم ولحله قبل أن يطوف بالبيت" وقد كانت عائشة تفتي بذلك بعد النبي صلى الله عليه وسلم حدثنا إبراهيم بن الحجاج حدثنا عبد العزيز بن المختار عن موسى بن عقبة عن عبد الله بن عبد الله بن عمر أن أباه كان يكره الطيب عند الإحرام وكان يعلم أن عائشة كانت تفتي بأنه لا بأس بالطيب عند الإحرام قال إسماعيل وجاء عن عمر بالأسانيد الصحاح أنه كره الطيب عند الإحرام وبعد رمي الجمرة

(2/260)


قبل الطواف بالبيت وأمر معاوية أن تغسل أم حبيبة عنه الطيب وقال في خطبته بعرفة "إذا رميتم الجمرة ونحرتم فقد حل لكم ما حرم عليكم إلا النساء والطيب لا يمس أحد طيبا ولا نساء حتى يطوف بالبيت" وهذا بمحضر جماعة الصحابة فما رد قوله ذلك عليه أحد ولا أنكره منكر وجاء عن عثمان في ذلك مثل مذهب عمر وعن ابن عمر مثل ذلك ولا يقع في القلب أنهم جهلوا ما روت عائشة ولا أنهم يقصدون لخلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكنه يمكن أن يكون علموا نسخ ذلك وإذا كان ذلك ممكنا فالاحتياط التوقف فمن اتقى ذلك فقد احتاط لنفسه قال وأما التابعون فاختلفوا في ذلك أيضا فذهبت جماعة منهم إلى ما روي عن عائشة وجماعة إلى ما روي عن عمر وقال أبو ثابت قلت لابن القاسم هل كان مالك يكره أن يتطيب إذا رمى جمرة العقبة قبل أن يفيض قال نعم قلت فإن فعل أترى عليه الفدية قال لا أرى عليه شيئا لما جاء فيه وقال مالك لا بأس أن يدهن المحرم قبل أن يحرم وقبل أن يفيض بالزيت المطيب مما لا ريح له.
قال أبو عمر:
لا معنى لمن قاس الطيب على الثياب والصيد لأن السنة قد فرقت بين ذلك فأجازت التطيب عند الإحرام بما يرى بعد الإحرام في المفارق والشعر ويوجد ريحه من المحرم وحظرت على المحرم أن يحرم وعليه شيء من المخيط أو بيده شيء من الصيد ومن جعل الطيب قياسا على الثياب والصيد فقد جمع بين ما فرق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأكثر المسلمين بينه وقد شبه بعض الفقهاء الطيب قبل الإحرام بالواطئ قبل الفجر يصبح جنبا بعد الفجر ولم يكن له أن ينشئ الجنابة بعد الفجر وهو قياس صحيح إن شاء الله ولكن إنكاره للمحرم أن يشم الطيب بعد إحرامه إذا أجاز التطيب قبل الإحرام مناقض تارك للقياس لأن الاستمتاع من رائحة الطيب لمن

(2/261)


تطيب قبل إحرامه أكثر من شمه من غيره والله أعلم وهم لا يجيزون مس الطيب اليابس ولا حمله في الخرق إذا ظهر ريحه وهذا كله دليل على صحة قول من كره الطيب للمحرم وهو الاحتياط وبالله التوفيق واختلف الفقهاء فيمن تطيب بعد إحرامه جاهلا أو ناسيا فكان مالك يرى الفدية على كل من قصد إلى التطيب بعد إحرامه عامدا أو ناسيا أو جاهلا إذا تعلق بيده أو ببدنه شيء منه والطيب المسك والكافور والزعفران والورس وكل ما كان معروفا عند الناس بأنه طيب لطيب رائحته وأما شم الرياحين والمرور في سوق الطيب وإن كان ذلك مكروها عنده فإنه لا شيء على من وصل إليه رائحته إذا لم يعلق بيديه أو بدنه منه شيء وقال الشافعي إن تطيب جاهلا أو ناسيا فلا شيء عليه وإن تطيب عامدا فعليه الفدية قال والفرق في التطيب بين الجاهل والعامد أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر الأعرابي وقد أحرم وعليه خلوق بنزع الجبة وغسل الصفرة ولم يأمره بفدية ولو كانت عليه فدية لأمره بها كما أمره بنزع الجبة لم يختلف قول الشافعي في الجاهل واختلف قوله في الناسي يلبس أو يتطيب ناسيا فمرة أوجب عليه الفدية ومرة لم ير عليه فدية وفي هذا الحديث رد على من زعم من العلماء أن الرجل إذا أحرم وعليه قميص كان عليه أن يشقه وقالوا لا ينبغي أن ينزعه كما ينزع الحلال قميصه لأنه إذا فعل ذلك غطى رأسه وذلك لا يجوز له فلذلك أمر بشقه وممن قال بهذا من العلماء الحسن والشعبي والنخعي وأبو قلابة وسعيد بن جبير على اختلاف عنه ذكر سعيد بن منصور قال حدثنا هشيم قال أخبرنا يونس عن الحسن قال هشيم وأخبرني مغيرة عن إبراهيم والشعبي أنهم قالوا إذا أحرم الرجل وعليه قميصه فليخرقه حتى يخرج منه وروى شعبة عن المغيرة عن إبراهيم قال إذا أحرم الرجل وعليه قميص فليخرقه قال أحدهما يشقه وقال الآخر

(2/262)


يخلعه من قبل رجليه وذكر الطحاوي قال حدثنا روح بن الفرج قال حدثنا يوسف بن عدي قال حدثنا شريك عن سالم عن سعيد بن جبير قال يخرقه ولا ينزعه هكذا قال وهو عندي خطأ لأن الثوري روى عن سالم الأفطس عن سعيد بن جبير قال ينزع ثيابه ولا يخرقها وهو الصحيح إن شاء الله عن سعيد بن جبير ذكره عبد الرزاق وغيره عن الثوري وذكر عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن أبي قلابة قال إن أحرم في قميص شقه.
قال أبو عمر:
احتج من ذهب إلى هذا المذهب بما رواه عبد الرحمن بن عطاء بن أبي لبيبة أنه سمع ابني جابر يحدثان عن أبيهما بينا النبي صلى الله عليه وسلم جالس مع أصحابه شق قميصه حتى خرج منه فقيل له فقال واعدتهم يقلدون هديي اليوم فنسيت ذكره عبد ا لرزاق عن داود بن قيس عن عبد الرحمن بن عطاء ورواه أسد بن موسى عن حاتم بن إسماعيل عن عبد الرحمن بن عطاء بن أبي لبيبة عن عبد الملك بن جابر عن جابر بن عبد الله قال كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم جالسا فقد قميصه من جيبه حتى إذا أخرجه من رجليه فنظر القوم إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال إني أمرت ببدني التي بعثت بها أن تقلد اليوم وتشعر على كذا وكذا فلبست قميصي ونسيت فلم أكن لأخرج قميصي من رأسي وكان

(2/263)


بعث ببدنه وأقام بالمدينة وقال جمهور فقهاء الأمصار ليس على من نسي فأحرم وعليه قميصه أن يخرقه ولا يشقه وممن قال ذلك مالك وأصحابه والشافعي ومن سلك سبيله وأبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد والثوري وسائر فقهاء الأمصار وأصحاب الآثار وحجتهم في ذلك حديث عطاء عن صفوان بن يعلى بن أمية عن أبيه في قصة الأعرابي الذي أحرم وعليه جبة فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينزعها وهو الحديث المذكور في هذا الباب ولا خلاف بين أهل العلم بالحديث أنه حديث ثابت صحيح وحديث جابر الذي يرويه عبد الرحمن بن عطاء بن أبي لبيبة عندهم حديث ضعيف لا يحتج به وهو عندهم أيضا مع ضعفه مردود بالثابت عن عائشة أنها قالت كنت أفتل قلائد هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يقلده ويبعث به فلا يحرم عليه شيء أحله الله له حتى ينحر الهدي وإن كان جماعة العلماء قالوا إذا أشعر هديه أو قلده فقد أحرم وقال آخرون إذا كان يريد بذلك الإحرام وسنذكر هذا المعنى مجردا في باب عبد الله بن أبي بكر إن شاء الله ذكر عبد الرزاق عن معمر عن قتادة عن صفوان بن يعلى بن أمية عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لرجل أحرم في قميص "أنزع عنك القميص واغسل عنك الطيب حسبته قال ثلاث مرات" قال قتادة فقلت لعطاء أن ناسا يقولون إذا أحرم في قميصه فليشقه قال لا لينزعه إن الله لا يحب الفساد وروى سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن عطاء بإسناده مثله سواء وذكر عبد الرزاق قال أخبرنا معمر عن ابن طاووس عن أبيه قال من أحرم في قميص فلينزعه ولا يشقه.
قال أبو عمر:
ليس نزع القميص بمنزلة اللباس في أثر ولا نظر فأما الأثر فقد ذكرناه في قصة الأعرابي وأما النظر فإن المحرم لو حمل على رأسه شيئا لم يعد ذلك معد لبس القلنسوة وكذلك من تردى بإزار وحلل

(2/264)


به بدنه لم يحكم له بحكم لباس المخيط وفي هذا دليل على أنه إنما نهى عن لباس الرأس القلنسوة في حال الإحرام اللباس المعهود وعن لباس الرجل القميص اللباس المعهود وعلم أن النهي إنما وقع في ذلك وقصد به إلى من قصد وتعمد فعل ما نهى عنه من اللباس في حال إحرامه اللباس المعهود في حال إحلاله فخرج بما ذكرنا ما أصاب الرأس من القميص المنزوع هذا ما يوجب النظر إن شاء الله وأما قوله وافعل في عمرتك ما تفعل في حجك فكلام خرج على لفظ العموم والمراد به الخصوص وقد تبين ذلك في سياقة ابن عيينة له عن عمرو بن دينار حيث قال فقال له النبي عليه السلام ما كنت تصنع في حجك قال كنت أنزع هذه يعنى الجبة وأغسل هذا الخلوق فقال النبي صلى الله عليه وسلم "ما كنت صانعا في حجك فاصنعه في عمرتك" أي من هذا الذي ذكرت من نزع القميص وغسل الطيب فخرج كلامه صلى الله عليه وسلم في حديث مالك وما كان مثله على جواب السائل فيما قصده بالسؤال عنه وهذا إجماع من العلماء أنه لا يصنع المعتمر عمل الحج كله وإنما عليه أن يتم عمل عمرته وذلك الطواف والسعي والحلاق والسنن كلها والإجماع يدلك على أن قوله في هذا الحديث وافعل في عمرتك ما تفعل في حجك كلام ليس على ظاهره وأنه لفظ عموم أريد به الخصوص على ما وصفنا من الاقتصار به على جواب السائل في مراده وبالله التوفيق.
تم السفر الأول من كتاب التمهيد بحمد الله وعونه إن شاء الله تعالى حديث رابع لحميد بن قيس منقطع والله المعين برحمته

(2/265)


الحديث الرابع
...
حديث رابع لحميد بن قيس منقطع
مالك عن حميد بن قيس المكي أنه قال دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم بابني جعفر بن أبي طالب فقال لحاضنتهما ما لي أراهما ضارعين فقالت حاضنتهما يا رسول الله أنه تسرع إليهما العين ولم يمنعنا أن نسترقي لهما إلا أنا لا ندري ما يوافقك من ذلك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "استرقوا لهما فإنه لو سبق شيء القدر لسبقته العين" هكذا جاء هذا الحديث في الموطأ عند جميع الرواة فيما علمت وذكره ابن وهب في جامعه فقال حدثني مالك بن أنس عن حميد بن قيس عن عكرمة بن خالد قال دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر مثله سواء وهو مع هذا كله منقطع ولكنه محفوظ لأسماء بنت عميس الخثعمية عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه ثابتة متصلة صحاح وهي أمهما وقد يجوز والله أعلم أن تكون مع ذلك حاضنتها المذكورة في حديث مالك هذا وكانت أسماء بنت عميس رحمها الله تحت جعفر ابن أبي طالب وهاجرت معه إلى الحبشة وولدت هناك عبد الله بن جعفر ومحمد بن جعفر وعون بن جعفر وهلك عنها جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه قتل يوم مؤتة بمؤتة من أرض الروم فخلف عليها بعده أبو بكر الصديق فولدت له محمد بن أبي بكر بالبيداء

(2/266)


بذي الحليفة على ما روي من اختلاف ألفاظ ذلك الحديث عام حجة الوداع فأمرها أن تغتسل ثم لتهل ثم توفي أبو بكر رضي الله عنه فخلف عليها بعده علي بن أبي طالب فولدت له يحيى بن علي وقد ذكرنا خبرها مستوعبا في كتاب النساء من كتابنا في الصحابة وجائز أن تكون حاضنتهما غيرها وقد رويت قصة أسماء بنت عميس في ابني جعفر بن أبي طالب والاسترقاء لهما من حديثها ومن حديث جابر بن عبد الله وقوله في الحديث مالي أراهما ضارعين يقول ما لي أراهما ضعيفين ضئيلين ناحلين وللضرع في اللغة وجوه منها الضعف قال صاحب كتاب العين الضرع الصغير الضعيف قال والضرع والضراعة أيضا التذلل يقال قد ضرع يضرع وأضرعته الحاجة وأما الحاضن فهو الذي يضم الشيء إلى نفسه ويستره ويكنفه وأصله من الحضن والمحتضن وهو ما دون الإبط إلى الكشح تقول العرب الحمامة تحضن بيضها حدثني أبو عثمان سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن إسماعيل قال حدثنا الحميدي قال حدثنا سفيان قال حدثنا عمرو يعني ابن دينار قال أخبرني عروة بن عامر عن عبيد بن رفاعة عن أسماء بنت عميس أنها قالت يا رسول الله إن ابني جعفر يصيبهما العين أفأ سترقي لهما "قال نعم لو كان شيء سابق القدر لسبقته العين" .
قال أبو عمر:
عروة بن عامر روى عن ابن عباس وعبيد بن رفاعة روى عنه عمرو بن دينار وحبيب بن أبي ثابت والقاسم بن أبي بزة وله أخ يسمى عبيد الله بن عامر روى عن ابن عمر وروى عنه ابن أبي نجيح ولهما أخ ثالث أصغر منهما اسمه عبد الرحمن بن عامر

(2/267)


روى عنه سفيان بن عيينة وهم مكيون ثقات أخبرني أحمد بن قاسم بن عيسى المقرئ قال حدثنا ابن حبابة ببغداد قال حدثنا البغوي قال حدثنا علي بن الجعد قال حدثنا زهير بن معاوية قال حدثنا محمد بن إسحاق عن عبد الله بن أبي نجيح عن ابن باباه عن أسماء بنت عميس أنها قالت يا رسول الله فذكر مثله سواء وحدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد قال حدثنا إبراهيم بن علي بن غالب التمار قال حدثنا محمد بن الربيع بن سليمان قال حدثنا يوسف بن سعيد بن مسلم قال حدثنا حجاج عن ابن جريح قال أخبرني عطاء عن أسماء بنت عميس أن النبي صلى الله عليه وسلم نظر إلى بنيها بني جعفر فقال "ما لي أرى أجسامهم ضارعة قالت يا نبي الله إن العين تسرع إليهم أفأر قيهم قال وبماذا فعرضت عليه كلاما ليس به بأس فقال أرقيهم به" وبه عن حجاج عن ابن جريح قال أخبرني أبو الزبير قال سمعت جابر بن عبد الله يقول "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرخص لبني عمرو بن حزم في رقية الحمة" قال وقال لأسماء بنت عميس "ما شأن أجسام بني أخي ضارعة

(2/268)


أتصيبهم حاجة قالت لا ولكن تسرع إليهم العين أفنرقيهم قال وبماذا فعرضت عليه فقال أرقيهم" وحدثنا أحمد بن قاسم وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا الحارث بن أسامة قال حدثنا روح قال حدثنا ابن جريح قال أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول إن النبي صلى الله عليه وسلم يقول لأسماء بنت عميس "ما شأن أجسام بني أخي ضارعة" فذكر مثله سواء حدثنا خلف بن قاسم حدثنا ابن المفسر حدثنا أحمد بن علي حدثنا يحيى بن معين حدثنا حجاج عن ابن جريح عن أبي الزبير عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأسماء بنت عميس "مالي أرى أجسام بني أخي ضارعة أتصيبهم الحاجة قالت لا ولكن العين تسرع إليهم أفأرقيهم قال بماذا فعرضت عليه كلاما قال لا بأس به فارقيهم" وفي هذا الحديث إباحة الرقى للعين وفي ذلك دليل على أن الرقى مما يستدفع به أنواع من البلاء إذا أذن الله في ذلك وقضى به وفيه أيضا دليل على أن العين تسرع إلى قوم فوق إسراعها إلى آخرين وأنها تؤثر في الإنسان بقضاء الله وقدرته وتضرعه في أشياء كثيرة قد فهمته العامة والخاصة فأغنى ذلك عن الكلام فيه وإنما يسترقى من العين إذا لم يعرف العائن وأما إذا عرف الذي أصابه بعينه فإنه يؤمر بالوضوء على حسب ما يأتي ذكره وشرحه وبيانه في باب ابن شهاب عن ابن أبي أمامة من هذا الكتاب ثم يصب ذلك الماء على المعين على حسب ما فسره الزهري مما قد ذكرناه هنالك فإن لم يعرف العائن استرقي حينئذ

(2/269)


للمعين فإن الرقى مما يستشفى به من العين وغيرها وأسعد الناس من ذلك من صحبه اليقين وما توفيقي إلا بالله وفي إباحة الرقى إجازة أخذ العوض عليه لأن كل ما انتفع به جاز أخذ البدل منه ومن احتسب ولم يأخذ على ذلك شيئا كان له الفضل وفي قوله لو سبق شيء القدر لسبقته العين دليل على أن الصحة والسقم قد جف بذلك كله القلم ولكن النفس تطيب بالتداوي وتأنس بالعلاج ولعله يوافق قدرا وكما أنه من أعطى الدعاء وفتح عليه فلم يكد يحرم الإجابة كذلك الرقى والتداوي من الهم شيئا من ذلك وفعله ربما كان ذلك سببا لفرجه ومنزلة الذين لا يكتبون ولا يسترقون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون أرفع وأسنى ولا حرج على من استرقى وتداوى وقد ذكرنا اختلاف الناس في هذا الباب عند ذكر حديث زيد بن أسلم من كتابنا هذا وبينا الحجة لكل فريق منهم وبالله التوفيق حدثنا سعيد بن نصر وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي قال حدثنا علي بن المديني قال حدثنا سفيان عن الزهري عن أبي خزامة عن أبيه أنه قال "يا رسول الله أرأيت رقى نسترقيها وتقى نتقيها وأدوية نتداوى بها هل ترد من القدر أو تغني من القدر شيئا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنها من القدر" قال إسماعيل ورواه يونس بن يزيد عن ابن شهاب عن أبي خزامة أحد بني الحارث بن سعد عن أبيه أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم مثله سواء هكذا حدث به سليمان

(2/270)


بن بلال عن يونس ورواه عثمان بن عمر عن يونس عن الزهري عن أبي خزامة أن الحرث بن سعد أخبره أن أباه أخبره قال إسماعيل والصواب ما قاله سليمان عن يونس.
قال أبو عمر:
ورواه يزيد بن زريع عن عبد الرحمن بن إسحاق عن الزهري عن أبي خزامة عن أبيه كما قال ابن عيينة سواء لم ينسبه ورواه حماد بن سلمة عن عبد الرحمن بن إسحاق عن الزهري عن رجل من بني سعد عن أبيه قال قلت يا رسول الله أرأيت رقى نسترقيها مثله سواء لم يذكر اسمه ولا كنيته.
قال أبو عمر:
قد روى ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم نحو حديث أسماء بنت عميس في هذا الباب حدثناه خلف بن سعيد قال حدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا أحمد بن خالد قال حدثنا علي بن عبد العزيز وأخبرنا عبد الله بن محمد بن أسد قال أخبرنا أحمد بن إبراهيم بن جامع قال حدثنا علي قال حدثنا مسلم بن إبراهيم قال حدثنا وهيب قال حدثنا ابن طاووس عن أبيه عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "العين حق ولو كان شيء يسبق القدر لسبقته العين وإذا استغسلتم فاغسلوا" .
قال أبو عمر:
قوله وإذا استغسلتم فاغسلوا يعني غسل المعاين المصاب بالعين

(2/271)


وسترى معنى ذلك مجودا في كتابنا هذا عند ذكر حديث ابن شهاب عن أبي أمامة بعون الله تعالى.
أخبرنا عبد الرحمن حدثنا علي حدثنا أحمد حدثنا سحنون حدثنا ابن وهب قال أخبرني سفيان الثوري عن منصور عن المنهال عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعوذ حسنا وحسينا أعيذكما بكلمة الله التامة من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامة ثم يقول هكذا كان أبي إبراهيم يعوذ إسماعيل وإسحاق"
حدثنا عبد الرحمن بن يحيى قال حدثنا علي بن محمد قال حدثنا أحمد بن داود قال حدثنا ابن وهب قال أخبرني معاوية بن صالح عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه عن عوف بن مالك الأشجعي قال كنا نرقي في الجاهلية فقلنا يا رسول الله كيف ترى في ذلك قال "أعرضوا على رقاكم لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شرك" .
قال أبو عمر:
سيأتي للرقى ذكر في مواضع من هذا الديوان على حسب تكرار أحاديث مالك في ذلك وفي كل باب منها نذكر من الأثر ما ليس في غيره إن شاء الله.

(2/272)


الحديث الخامس
...
حديث خامس لحميد بن قيس يدخل في المرفوع بالدليل
مالك عن حميد بن قيس المكي عن طاووس اليماني "أن معاذ بن جبل الأنصاري أخذ من ثلاثين بقرة تبيعا ومن أربعين بقرة مسنة وأتى بما دون ذلك فأبى أن يأخذ منه شيئا وقال لم أسمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه شيئا حتى ألقاه فأسأله" فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يقدم معاذ بن جبل.
هذا الحديث ظاهره الوقوف على معاذ بن جبل من قوله إلا أن في قوله أنه لم يسمع من النبي صلى الله عليه وسلم فيما دون الثلاثين والأربعين من البقر شيئا دليلا واضحا على أنه قد سمع منه صلى الله عليه وسلم في الثلاثين والأربعين ما عمل به في ذلك مع أنه لا يكون مثله رأيا وإنما هو توقيف ممن أمر بأخذ الزكاة من المؤمنين يطهرهم ويزكيهم بها صلى الله عليه وسلم ولا خلاف بين العلماء أن السنة في زكاة البقر عن النبي صلى الله عليه وسلم

(2/273)


وأصحابه ما قال معاذ بن جبل في ثلاثين بقرة تبيع وفي أربعين مسنة والتبيع والتبيعة في ذلك عندهم سواء قال الخليل التبيع العجل من ولد البقر وحديث طاووس عندهم عن معاذ غير متصل ويقولون أن طاووسا لم يسمع من معاذ شيئا وقد رواه قوم عن طاووس عن ابن عباس عن معاذ إلا أن الذين أرسلوه أثبت من الذين أسندوه.
أخبرنا إبراهيم بن شاكر قال حدثنا محمد بن أحمد قال حدثنا محمد بن أيوب قال حدثنا احمد بن عمرو البزار قال حدثنا أحمد بن عبد الله بن شبوية المروزي قال حدثنا حيوة بن شريح بن يزيد قال حدثنا بقية عن المسعودي عن الحكم عن طاووس عن ابن عباس قال لما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم معاذ بن جبل إلى اليمن أمره أن يأخذ من كل ثلاثين بقرة تبيعا أو تبيعة جذعا أو جذعة ومن كل أربعين بقرة مسنة قالوا فالأوقاص قال ما أمرت فيها بشيء وسأسال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قدمت عليه فلما قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم سأله فقال ليس فيها شيء قال أبو عمر:
لم يسنده عن المسعودي عن الحكم غير بقية بن الوليد وقد اختلفوا في الاحتجاج بما ينفرد به بقية عن الثقة وله روايات عن مجهولين لا يعرج عليهم وقد رواه الحسن بن عمارة عن الحكم عن

(2/274)


طاووس عن ابن عباس عن معاذ كما رواه بقية عن المسعودي عن الحكم والحسن مجتمع على ضعفه وقد روي عن معاذ هذا الخبر بإسناد متصل صحيح ثابت من غير رواية طاووس ذكره عبد الرزاق قال أخبرنا معمر والثوري عن الأعمش عن أبي وائل عن مسروق عن معاذ بن جبل قال بعثه النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليمن فأمره أن يأخذ من كل ثلاثين بقرة تبيعا أو تبيعة ومن كل أربعين مسنة ومن كل حالم دينارا أو عدله معافر.
وذكر عبد الرزاق أيضا عن معمر والثوري عن أبي إسحاق عن عاصم بن ضمرة عن علي قال وفي البقر من كل ثلاثين بقرة تبيع حولي وفي كل أربعين مسنة وكذلك في كتاب النبي صلى الله عليه وسلم لعمرو بن حزم وكذلك في كتاب الصدقات لأبي بكر وعمر وعلي ذلك مضى جماعة الخلفاء ولم يختلف في ذلك العلماء إلا شيء روي عن سعيد بن المسيب وأبي قلابة والزهري وقتادة ولو ثبت عنهم لم يلتفت إليه لخلاف الفقهاء له من أهل الرأي والأثر بالحجاز والعراق والشام وسائر أمصار المسلمين إلى اليوم الذي جاء في ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه على ما في حديث معاذ هذا وفيه ما يرد قولهم لأنهم يوجبون في كل خمس من البقر شاة إلى ثلاثين واختلف الفقهاء من هذا الباب فيما زاد على الأربعين فذهب مالك والشافعي والأوزاعي والثوري وأحمد وإسحاق وأبو ثور وداود والطبري وجماعة أهل الفقه من أهل الرأي والحديث إلى أن لا شيء في ما زاد على الأربعين من البقر حتى تبلغ ستين فإذا بلغت ستين ففيها تبيعان إلى سبعين فإذا بلغت سبعين ففيها مسنة وتبيع إلى ثمانين فتكون فيها

(2/275)


مسنتان إلى تسعين فيكون فيها ثلاثة تبابيع إلى مائة فيكون فيها تبيعان ومسنة ثم هكذا أبدا في كل ثلاثين تبيع وفي كل أربعين مسنة وبهذا كله أيضا قال ابن أبي ليلى وأبو يوسف ومحمد بن الحسن وقال أبو حنيفة ما زاد على الأربعين فبحساب ذلك وتفسير ذلك على مذهبه أن يكون في خمس وأربعين مسنة وثمن وفي خمسين مسنة وربع وعلى هذا كل ما زاد قل أو كثر هذه الرواية المشهورة عن أبي حنيفة وقد روى أسد بن عمرو عن أبي حنيفة مثل قول أبي يوسف ومحمد ومالك والشافعي وسائر الفقهاء وكان إبراهيم النخعي يقول في ثلاثين بقرة تبيع وفي أربعين مسنة وفي خمسين مسنة وربع وفي الستين تبيعان وكان الحكم وحماد يقولان إذا بلغت خمسين فبحساب ما زاد.
قال أبو عمر:
لا أقول في هذا الباب إلا ما قاله مالك ومن تابعه وهم الجمهور والله الموفق للصواب وذكر عبد الرزاق عن ابن جريح قال أخبرني عمرو بن دينار أن طاووسا أخبره أن معاذا قال لست آخذ في أوقاص البقر شيئا حتى آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يأمرني فيها بشيء قال ابن جريج وقال عمرو بن شعيب أن معاذ بن جبل لم يزل بالجند منذ بعثه النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليمن حتى مات النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر ثم قدم على عمر فرده على ما كان فيه عليه.
قال أبو عمر:
الجند من اليمن هو بلد طاووس وتوفي طاووس سنة ست ومائة وتوفي معاذ سنة خمس عشرة أو أربع عشرة في طاعون

(2/276)


عمواس بالشام وقيل سنة ثمان عشرة وهو الصحيح وهو قول جمهورهم في طاعون عمواس أنه سنة ثمان عشرة وفي طاعون عمواس مات معاذ وأبو عبيدة بن الجراح ويزيد بن أبي سفيان وقد ذكرنا خبره ووفاته في كتاب الصحابة والحمد لله على ذلك كثيرا.

(2/277)