Contents

الواجهة
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد
مقدمة
باب الألف
باب الثاء
باب الجيم
باب الحاء
باب الخاء
باب الدال
باب الراء
باب الزاي
تابع باب الزاء
تابع لحرف الزاء
تابع لحرف الزاء
باب الطاء
باب الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع حرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
باب النون
باب الصاد
باب الضاد
باب العين
تابع لحرف العين
تابع حرف العين
تابع لحرف العين
تابع لحرف العين
باب القاف
باب السين
باب الشين
باب الهاء
باب الواو
باب الياء
تابع باب الياء
باب الكني
باب بلاغات مالك ومرسلاته
باب مافي هذا الديوان من حديث مالك الذي ثبتت عليه أبوابه خاصة
الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج
الديباج - جزء 1
الديباج - جزء 2
الديباج - جزء 3
الديباج - جزء 4
الديباج - جزء 5
الديباج - جزء 6
المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج
المنهاج - مقدمة
المنهاج - الإيمان
المنهاج - الطهارة
المنهاج - الحيض
المنهاج - الصَّلَاة
المنهاج - المساجد ومواضع الصلاة
المنهاج - صلاة المسافرين وقصرها
المنهاج - بَاب صَلَاة الْجُمُعَة
المنهاج - بَاب صَلَاة الْعِيدَيْنِ
المنهاج - بَاب الدُّعَاء فِي صَلَاة الِاسْتِسْقَاء
المنهاج - بَاب صَلَاة الْكُسُوف
المنهاج - كِتَاب الْجَنَائِز
المنهاج - الزكاة
المنهاج - كِتَاب الصِّيَام
المنهاج - كِتَاب الِاعْتِكَاف
المنهاج - كِتَاب الْحَجّ
المنهاج - كِتَاب النِّكَاح
المنهاج - الرضاعة
المنهاج - الطلاق
المنهاج - اللِّعَان
المنهاج - العتق
المنهاج - البيوع
المنهاج - المساقاة
المنهاج - الفرائض
المنهاج - الهبات
المنهاج - الوصية
المنهاج - النذر
المنهاج - الأيمان
المنهاج - القسامة
المنهاج - الحدود
المنهاج - الأقضية
المنهاج - اللقطة
المنهاج - الجهاد والسير
المنهاج - الإمارة
المنهاج - الصيد والذبائح
المنهاج - كِتَاب الْأَضْاحَي
المنهاج - الأشربة
المنهاج - اللباس والزينة
المنهاج - الآداب
المنهاج - السلام
المنهاج - الألفاظ من الأدب وغيرها
المنهاج - الشعر
المنهاج - الرؤيا
المنهاج - الفضائل
المنهاج - فضائل الصحابة
المنهاج - البر والصلة والآداب
المنهاج - القدر
المنهاج - العلم
المنهاج - الذكر والدعاء
المنهاج - التوبة
المنهاج - صفات المنافقين
المنهاج - صفة القيامة والجنة والنار
المنهاج - الجنة وصفة نعيمها وأهلها
المنهاج - الفتن وأشراط الساعة
المنهاج - الزهد والرقائق
المنهاج - التفسير
تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي
أبواب الطهارة
أبواب الصلاة
تابع أبواب الصلاة
أبواب الوتر
أبواب الجمعة
تابع لأبواب الجمعة
أبواب العيدين
أبواب السفر
ابواب الزكاة
أبواب الصوم
أبواب الحج
تابع أبواب الحج
أبواب الجنائز
أبواب النكاح
أبواب الرضاع
أبواب الطلاق واللعان
ابواب البيوع
أبواب الأحكام
أبواب الديات
ابواب الحدود
تابع أبواب الحدود
أبواب الصيد
أبواب الأضاحي
أبواب النذور والأيمان
أبواب السير
أبواب الجهاد
أبواب اللباس
أبواب الأطعمة
أبواب الأشربة
تابع أبواب الأشربة
أبواب البر و الصله عن رسول الله صلى الله عليه و آله سلم
أبواب الطب عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الفرائض عن الرسول صلى الله عليه و سلم
أبواب الوصايا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الولاء و الهبة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب القدر عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم
أبواب الفتن عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الرؤيا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الشهادات عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
تابع لأبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صِفَةُ القِيامَة
أبواب صفة الجنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صفة جهنم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإيمان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب العلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإستئذان والآداب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب العلم
أبواب الأمثال
أبواب فضائل القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب القراءات عن رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم
أبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الدعوات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أحاديث شتى من أبواب الدعوات
المناقب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
مناقب الصحابة رضوان الله عليهم
تنوير الحوالك شرح موطأ مالك
كتاب وقوت الصلاة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب السهو
كتاب الجمعة
كتاب الصلاة في رمضان
كتاب صلاة الليل
كتاب صلاة الجماعة
كتاب قصر الصلاة في السفر
كتاب العيدين
كتاب صلاة الخوف
كتاب صلاة الكسوف
كتاب الاستسقاء
كتاب القبلة
كتاب القرآن
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب الجهاد
كتاب النذور و الأيمان
كتاب الضحايا
كتاب الذبائح
كتاب الصيد
كتاب العقيقة
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الرضاع
كتاب البيوع
كتاب القراض
كتاب المساقاة - كتاب كراء الأرض
كتاب الشفعة - كتاب الأقضية
كتاب الوصية - كتاب العتق والولاء
كتاب المكاتب - كتاب المدبر
كتاب الحدود
كتاب الأشربة - كتاب العقول
كتاب القسامة - كتاب الجامع
كتاب القدر - كتاب حسن الخلق
كتاب اللباس - كتاب صفة النبي
كتاب العين - كتاب الشعر
كتاب الرؤيا - كتاب السلام
كتاب الاستئذان والتشميت والصور والتماثيل وغيرها
كتاب البيعة - كتاب الكلام والعينة والتقى
كتاب جهنم - كتاب الصدقة
كتاب العلم - كتاب دعوة المظلوم - كتاب أسماء النبي
حاشية السندي على سنن ابن ماجة
المقدمة
الطَّهَارَة وَسُنَنهَا
الصلاة
الْأَذَان
المساجد والجماعات
أَبْوَاب إِقَامَة الصَّلَاة
الجنائز
الصوم
الزكاة
النكاح
الطلاق
الكفارات
التجارات
الأحكام
الحدود
الديات
الوصايا
الْفَرَائِض
الجهاد
المناسك
الْأَضَاحِيّ
الذبائح
الصيد
الأطعمة
الأشربة
الطب
اللباس
الْآدَاب
الدُّعَاء
تعبير الرؤيا
الْفِتَن
الزُّهْد
شرح سنن ابن ماجه لمغلطاي
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح رياض الصالحين
شرح رياض الصالحين - 01
شرح رياض الصالحين - 02
شرح رياض الصالحين - 03
شرح رياض الصالحين - 04
شرح سنن أبي داود للعيني
مقدمة التحقيق
كتاب الطهارة
كِتابُ الصَلاَةِ
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
عون المعبود شرح سنن أبي داود
كتاب الطهارة
تابع كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
كتاب الزكاة
تابع لكتاب الزكاة
كتاب اللقطة
كتاب المناسك
تابع لكتاب المناسك
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الصيام
تابع لكتاب الصيام
أول كتاب الجهاد
أول كتاب الضحايا
تابع كتاب الضحايا
أول كتاب الصيد
أول كتاب الوصايا
أول كتاب الفرائض
أول كتاب الخراج والفيء والإمارة
أول كتاب الجنائز
تابع لكتاب الجنائز
كتاب الأيمان والنذور
كتاب البيوع
كتاب الإجارة
كتاب القضاء
تابع لكتاب القضاء
كتاب العلم
كتاب الأشربة
كتاب الأطعمة
كتاب الطب
كتاب الكهانة والتطير
كتاب العتق
أول كتاب الحروف والقراءات
أول كتاب الحمام
أول كتاب اللباس
أول كتاب الترجل
أول كتاب الخاتم
أول كتاب الفتن والملاحم
أول كتاب المهدي
أول كتاب الملاحم
أول كتاب الحدود
أول كتاب الديات
أول كتاب السنة
تابع لكتاب السنة
أول كتاب الأدب
أبواب السلام
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن حجر
فتح الباري - هدي الساري مقدمة فتح الباري
فتح الباري - كتاب بدء الوحي
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب العلم
فتح الباري - كتاب الوضوء
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
فتح الباري - كتاب مواقيت الصلاة
فتح الباري - كتاب الأذان
فتح الباري - كتاب الجمعة
فتح الباري - كتاب الخوف
فتح الباري - كتاب العيدين
فتح الباري - كتاب الوتر
فتح الباري - كتاب الاستسقاء
فتح الباري - كتاب الكسوف
فتح الباري - كتاب سجود القرآن
فتح الباري - كتاب تقصير الصلاة
فتح الباري - كتاب التهجد
فتح الباري - كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة
فتح الباري - كتاب العمل في الصلاة
فتح الباري - كتاب السهو
فتح الباري - كتاب الجنائز
فتح الباري - كتاب الزكاة
فتح الباري - كتاب الحج
فتح الباري - كتاب العمرة
فتح الباري - كتاب المحصر
فتح الباري - كتاب جزاء الصيد
فتح الباري - كتاب فضائل المدينة
فتح الباري - كتاب الصوم
فتح الباري - كتاب صلاة التراويح
فتح الباري - كتاب فضل ليلة القدر
فتح الباري - كتاب الإعتكاف
فتح الباري - كتاب البيوع
فتح الباري - كتاب السلم
فتح الباري - كتاب الشفعة
فتح الباري - كتاب الإجارة
فتح الباري - كتاب الحرث والمزارعة
فتح الباري - كتاب المساقاة
فتح الباري - كتاب الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس
فتح الباري - كتاب الخصومات
فتح الباري - كتاب اللقطة
فتح الباري - كتاب المظالم
فتح الباري - كتاب الشركة
فتح الباري - كتاب الرهن
فتح الباري - كتاب العتق
فتح الباري - كتاب المكاتب
فتح الباري - كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها
فتح الباري - كتاب الشهادات
فتح الباري - كتاب الصلح
فتح الباري - كتاب الشروط
فتح الباري - كتاب الوصايا
فتح الباري - كتاب الجهاد و السير
فتح الباري - كتاب فرض الخمس
فتح الباري - كتاب الجزية و الموادعة
فتح الباري - كتاب بدء الخلق
فتح الباري - كتاب أحاديث الأنبياء
فتح الباري - كتاب المناقب
فتح الباري - كتاب فضائل الصحابة
فتح الباري - كتاب مناقب الأنصار
فتح الباري - كتاب المغازي
فتح الباري - كتاب التفسير
فتح الباري - كتاب فضائل القرآن
فتح الباري - كتاب النكاح
فتح الباري - كتاب الطلاق
فتح الباري - كتاب النفقات
فتح الباري - كتاب الأطعمة
فتح الباري - كتاب العقيقة
فتح الباري - كتاب الذبائح والصيد
فتح الباري - كتاب الأضاحي
فتح الباري - كتاب الأشربة
فتح الباري - كتاب المرضى
فتح الباري - كتاب الطب
فتح الباري - كتاب اللباس
فتح الباري - كتاب الأدب
فتح الباري - كتاب الإستئذان
فتح الباري - كتاب الدعوات
فتح الباري - كتاب الرقاق
فتح الباري - كتاب القدر
فتح الباري - كتاب الأيمان والنذور
فتح الباري - كتاب كفارات الأيمان
فتح الباري - كتاب الفرائض
فتح الباري - كتاب الحدود
فتح الباري - كتاب الديات
فتح الباري - كتاب استتابة المرتدين
فتح الباري - كتاب الإكراه
فتح الباري - كتاب الحيل
فتح الباري - كتاب التعبير
فتح الباري - كتاب الفتن
فتح الباري - كتاب الأحكام
فتح الباري - كتاب التمني
فتح الباري - كتاب أخبار الأحاد
فتح الباري - كتاب الإعتصام بالسنة
فتح الباري - كتاب التوحيد
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن رجب
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
مقدمة
خطبة الكتاب
كتاب الإيمان
كتاب العلم
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصوم
كتاب فضائل القرآن
كتاب الدعوات
كتاب المناسك
كتاب البيوع
كتاب الفرائض والوصايا
كتاب النكاح
كتاب العتق
كتاب القصاص
كتاب الديات
كتاب الحدود
كتاب الإمارة والقضاء
كتاب الجهاد
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأطعمة
كتاب اللباس
كتاب الطب والرقى
كتاب الرؤيا
كتاب الآداب
كتاب الرقاق
كتاب الفتن
كتاب صفة القيامة والجنة والنار
كتاب الفضائل والشمائل
كتاب المناقب

 
عودة لموقع هاني الطنبور
هاني الطنبور
الصفحة السابقة الصفحة التالية
 
 

 

التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد

باب الزاي
زيد بن أسلم
مدخل
...
باب الزاي زيد بن أسلم
مولى عمر بن الخطاب رضي الله عنه
قال أبو عمر:
زيد بن أسلم يكنى أبا أسامة وأبوه أسلم يكنى أبا خالد بابنه خالد بن أسلم وهو من سبي عين التمر وهو أول سبي دخل المدينة في خلافة أبي بكر بعث به خالد بن الوليد فأسلموا وأنجبوا كلهم منهم حمران بن أبان ويسار مولى قيس بن مخرمة وأفلح مولى أبي أيوب وأسلم مولى عمر.
وكان أسلم من جلة الموالي علما ودينا وثقة.
وزيد بن أسلم أحد ثقات أهل المدينة وكان من العلماء العباد الفضلاء وزعموا أنه كان أعلم أهل المدينة بتأويل القرآن بعد محمد بن كعب القرظي.
وقد كان زيد بن أسلم يشاور في زمن القاسم وسالم

(3/240)


روى ابن وهب قال أخبرني أسامة بن زيد بن أسلم أنه كان جالسا عند أبيه إذ أتاه رسول من النصارى وكان أميرا لهم فقال إن الأمير يقول لك كم عدة الأمة تحت الحر وكم طلاقه إياها وكم عدة الحرة تحت العبد وكم طلاقه إياها
قال أبي عدة الأمة المطلقة حيضتان وطلاق الحر الأمة ثلاث وطلاق العبد الحرة تطليقتان وعدتها ثلاث حيض ثم قام الرسول فقال أبي إلى أين تذهب فقال أمرني أن آتي القاسم بن محمد وسالم بن عبد الله فأسألهما فقال أبي أقسمت عليك إلا ما رجعت إلي فأخبرتني بما يقولان لك قال فذهب ثم رجع فأخبره أنهما قالا كما قال وقال الرسول قالا قل له ليس في كتاب الله ولا سنة من رسول الله ولكن عمل به المسلمون.
وقال مالك كان زيد بن أسلم من العلماء الذين يخشون الله وكان ينبسط إلي وكان يقول "ابن آدم اتق الله يحبك الناس وإن كرهوا"
قال أبو عمر:
توفي زيد بن أسلم سنة ست وثلاثين ومائة في عشر ذي الحجة وفي هذه السنة استخلف أبو جعفر المنصور

(3/241)


وكان علي بن حسين بن علي يتخطى الخلق إلى زيد بن أسلم وكان نافع بن جبير يثقل ذلك عليه فرآه ذات يوم يتخطى إليه فقال أتتخطى مجالس قومك إلى عبد آل عمر بن الخطاب فقال علي بن حسين إنما يجالس الرجل من ينفعه في دينه.
وكان عمر بن عبد العزيز رحمه الله يدني زيد بن أسلم ويقربه ويجالسه وحجب الأحوص الشاعر يوما فقال:
خليلي أبا حفص هل أنت مخبري
أفي الحق أن أقصى ويدني ابن أسلما
فقال عمر ذلك الحق اه.
أخبرنا عبد الله بن محمد بن يحيى قال حدثنا محمد بن أحمد بن محمد بن عمرو القاضي المالكي قال حدثنا محمد بن علي قال حدثنا بن أبي شيبة قال حدثنا إبراهيم بن المنذر الخزاعي قال أخبرني زيد بن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه قال "لما وضع مالك الموطأ جعل أحاديث زيد بن أسلم في آخر الأبواب فأتيته فقلت أخرت أحاديث زيد بن أسلم جعلتها في آخر الأبواب فقال إنها كالسراج تضيء لما قبلها"

(3/242)


لمالك عن زيد بن اسلم من مرفوعات الموطأ أحد وخمسون حديثا:
منها مسندة ثلاثة وعشرون حديثا ومنها حديث منقطع: قصة معاوية مع أبي الدرداء تتمة أربعة وعشرين.
ومنها مرسلة سبعة وعشرون حديثا: من مراسيل سعيد بن المسيب واحد ومن مراسيل عطاء بن يسار خمسة عشر ومن مراسليه عن نفسه أحد عشر حديثا

(3/243)


حديث أول لزيد بن أسلم مسند صحيح عن ابن عمر
مالك عن نافع وعبد الله بن دينار وزيد بن أسلم كلهم يخبره عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "لا ينظر الله عز وجل يوم القيامة إلى من جر ثوبه خيلاء"
قال أبو عمر:
الخيلاء: التكبر وهي الخيلاء والمخيلة يقال منه رجل خال ومختال شديد الخيلاء وكل ذلك من البطر والكبر والله لا يحب المتكبرين ولا يحب كل مختال فخور.
وهذا الحديث يدل على أن من جر إزاره من غير خيلاء ولا بطر أنه لا يلحقه الوعيد المذكور غير أن جر الإزار والقميص وسائر الثياب مذموم على كل حال.
وأما المستكبر الذي يجر ثوبه فهو الذي ورد فيه ذلك الوعيد الشديد

(3/244)


يروى عن النبي عليه السلام فيما يحكي عن ربه عز وجل أنه قال "الكبرياء ردائي والعظمة إزاري من نازعني واحدة منهما أدخلته النار".
روى كريب بن إبراهيم عن أبي ريحانة سمعه يقول "سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لا يدخل شيء من الكبر الجنة".
وترك التكبر واجب فرضا وهيئة اللباس سنة.
قال صلى الله عليه وسلم "أزرة المؤمن إلى أنصاف ساقيه ولا جناح عليه فيما بين ذلك إلى الكعبين ما أسفل من ذلك ففي النار".
يعني أن هذا مستحق من فعل ذلك وهو عالم بالنهي مستخف بما جاءه عن نبيه صلى الله عليه وسلم وإن عفا الله عنه فهو أهل العفو وأهل المغفرة

(3/245)


ومما يدل على أن جر الإزار مذموم على كل حال ما ذكره أبو زرعة قال حدثنا محمد بن أبي عمر عن سفيان بن عيينة أنه أخبرهم عن زيد بن أسلم قال سمعت عبد الله بن عمر يقول لابن ابنه عبد الله بن واقد "يا بني ارفع إزارك فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لا ينظر الله يوم القيامة إلى من جر ثوبه خيلاء".
ألا ترى أن ابن عمر لم يقل لابن ابنه هل تجره خيلاء بل أرسل ذلك إرسالا خوفا منه أن يكون ذلك خيلاء ولو صح أنه ليس خيلاء لدينه إن شاء الله.
وذكر الحسن الحلواني قال حدثنا خالد بن خداش قال حدثنا حماد بن زيد قال كان قميص أيوب يسم الأرض هروي جيد.
وقد زعم أبو جعفر الطحاوي أن زيد بن أسلم لم يسمع من ابن عمر وهذا غلط وقد بان لك في حديث ابن عيينة هذا

(3/246)


سماعه ومما يدل على ذلك أيضا ما ذكره ابن وهب في كتاب المجالس قال أخبرنا ابن زيد عن أبيه أن أباه أسلم أرسله إلى عبد الله بن عمر يكتب له إلى قيمه بخيبر أن يصنع له خصفتين للأقط قال فجئته فقلت أألج فقال أدخل فلما دخلت قال مرحبا بابن أخي لا تقل أألج ولكن قل السلام عليكم فإذا قالوا وعليك فقل آدخل فإذا قالوا أدخل فادخل فقال له زيد إن أبي يقرأ عليك السلام ويقول أكتب إلى قيمك بخيبر أن يصنع له خصفتين للأقط فقال نعم وكرامة اكتب يا غلام فكتب إلى قيمه يأمره أن يصنع لي خصفتين جيدتين حسنتين فلم يأل قال زيد فبينما هو يكتب إذ دخل عليه عبد الله ابن واقد بن ابنه وهو ملتحف مرخ ثوبه فقال له ارفع ثوبك فرفع فقال ارفع فرفع فقال ارفع فرفع وقال إن في رجلي قروحا فقال وإن فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "لا ينظر الله عز وجل إلى من يجر ثوبه الخيلاء يوم القيامة".
وهذا واضح في كراهية ابن عمر لجر الإنسان ثوبه على كل حال لأن عبد الله بن واقد أخبره أن في رجليه قروحا فقال وإن

(3/247)


وقد روى هذا الحديث عن ابن عمر جماعة لم يختلفوا فيه منهم نافع وسالم وعبد الله بن دينار وعبد الله بن واقد وزيد بن أسلم ومحارب بن دثار وجبير بن أبي سليمان وغيرهم.
ورواه عن النبي صلى الله عليه وسلم جماعة منهم ابن عمر وأبو هريرة وأبو سعيد الخدري.
حدثنا خلف بن سعيد قال حدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا أحمد بن خالد قال حدثنا علي بن عبد العزيز قال حدثنا أبو نعيم قال حدثنا عبادة بن مسلم الفزاري قال حدثني جبير بن أبي سليمان بن جبير بن مطعم وزعم أنه كان جالسا مع ابن عمر إذ مر به فتى شاب عليه جبة صنعانية يجرها مسبلا فقال يا فتى هلم فقال له الفتى ما حاجتك يا أبا عبد الرحمن قال ويحك أتحب أن ينظر الله إليك يوم القيامة قال سبحان الله وما يمنعني من ذلك قال إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "لا ينظر الله إلى عبد يوم القيامة يجر إزاره خيلاء" قال فلم ير الفتى إلا مشمرا بعد ذلك اليوم حتى مات

(3/248)


وقد ظن قوم أن جر الثوب إذا لم يكن خيلاء فلا بأس به واحتجوا لذلك بما حدثناه عبد الله بن محمد بن أسد قال حدثنا سعيد بن عثمان بن السكن قال حدثنا محمد بن يوسف قال حدثنا البخاري قال أخبرنا ابن مقاتل قال أخبرنا عبد الله قال أخبرنا موسى بن عقبة عن سالم بن عبد الله عن عبد الله ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة" فقال أبو بكر إن أحد شقي ليسترخي إلا أن أتعاهد ذلك منه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إنك لست تصنع ذلك خيلاء".
قال موسى قلت لسالم أذكر عبد الله من جر إزاره قال لم أسمعه إلا ذكر ثوبه وهذا إنما فيه أن أحد شقي ثوبه يسترخي لا أنه تعمد ذلك خيلاء.
فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم لست ممن يرضى ذلك ولا يتعمده ولا يظن بك ذلك وقد مضى ما فيه كفاية في هذا المعنى وسنزيده بيانا في باب العلاء إن شاء الله.
وذكر موسى بن هارون الحمال قال حدثنا محمد بن بكار قال حدثنا أبو معشر عن أبي حازم قال إن الله تبارك وتعالى لا ينظر إلى عبد يجر ثوبه من الخيلاء حتى يضع ذلك الثوب وإن كان الله يحب ذلك العبد

(3/249)


قال أبو عمر:
روى زيد بن أسلم عن ابن عمر أحاديث منها هذا.
ومنها حديث ابن عمر عن صهيب عن النبي صلى الله عليه وسلم في رد السلام في الصلاة بالإشارة.
ومنها: إن من البيان لسحرا.
ومنها: من نزع يدا من طاعة.
ومنها: في حل الأزرار.
ومنها: تشقيق الكلام من الشيطان.
كلها عن النبي عليه السلام وكلها سمعها زيد بن أسلم من عبد الله بن عمر.
ولم يذكر في هذا الموضع من هذا الكتاب حديث مالك عن زيد بن أسلم عن ابن عمر عن النبي عليه السلام خطب رجلان فعجب الناس لبيانهما فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن من البيان لسحرا" أو إن بعض البيان لسحر.
وذكرناه في مراسل زيد بن أسلم من هذا الكتاب لأن يحيى أرسله ولم يذكر فيه ابن عمر ولم يتابع يحيى على ذلك والله أعلم.

(3/250)


حديث ثان لزيد بن أسلم مسند حسن عن جابر
قال أبو عمر:
قال قوم: لم يسمع زيد بن أسلم من جابر بن عبد الله وقال آخرون سمع منه وسماعه من جابر غير مدفوع عندي وقد سمع من ابن عمر وتوفي ابن عمر قبل جابر بن عبد الله بنحو أربعة أعوام.
توفي جابر سنة ثمان وسبعين وتوفي ابن عمر سنة أربع وسبعين.
مالك عن زيد بن أسلم عن جابر بن عبد الله الأنصاري أنه قال "خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة بني أنمار قال جابر فبينا أنا نازل تحت شجرة إذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فقلت يا رسول الله هلم إلى الظل قال فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقمت إلى غرارة لنا

(3/251)


فالتمست فيها فوجدت جرو قثاء فكسرته ثم قربته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال من أين لكم هذا فقلت خرجنا به يا رسول الله من المدينة قال جابر وعندنا صاحب لنا نجهزه يذهب يرعى ظهرنا قال فجهزته ثم أدبر يذهب في الظهر وعليه بردان له قد خلقا قال فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أما له ثوبان غير هذين فقلت بلى يا رسول الله ثوبان في العيبة كسوته إياهما قال فادعه فمره فيلبسهما قال فدعوته فلبسهما ثم ولى يذهب قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما له ضرب الله عنقه أليس هذا خيرا قال فسمعه الرجل فقال يا رسول الله في سبيل الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبيل الله فقتل الرجل في سبيل الله".
هكذا هذا الحديث في الموطأ لم يختلف فيه الرواة.
وقد حدث أبو نعيم الحلبي عبيد بن هشام عن ابن

(3/252)


المبارك عن مالك بحديث هو عندهم خطأ إن أراد حديث زيد بن أسلم هذا.
حدثنا خلف بن قاسم قال حدثنا أبو الحسين علي بن الحسين بن بندار قال حدثنا أبو عثمان سعيد بن عبد العزيز قال حدثنا أبو نعيم فلهذا قال حدثنا ابن المبارك عن مالك عن محمد بن المنكدر عن أنس "أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لرجل يا فلان ضرب الله عنقك قال في سبيل الله يا رسول الله قال في سبيل الله قال وهي كانت نية رسول الله صلى الله عليه وسلم".
رواه عن أبي نعيم الحلبي جماعة هكذا بهذا الإسناد منهم أبو عمران موسى بن محمد الأنطاكي وسعيد بن عبد العزيز بن مروان الحلبي.
في هذا الحديث إباحة طلب الظل والراحة وإن الوقوف للشمس مع وجود الظل ليس من البر في غزو كان ذلك أو غيره لأنهم كانوا غازين مجاهدين حينئذ.
وفيه الخروج بالزاد وفي ذلك رد على من قال من الصوفية لا يدخر لغد.
وفيه إكرام الرجل الجليل السيد بيسير الطعام وقبول الجلة ليسير ما يدعون إليه.
وفيه أن للرجل أن يسأل من أين هذا الطعام إذا خاف منه شيئا أو خاف من صاحب غفلة لمعنى معهود فينبهه على ذلك وكان جابر يومئذ حدثا والله أعلم بمعنى سؤال رسول الله

(3/253)


صلى الله عليه وسلم إياه عن ذلك ولم يكن جابر ممن يتهم ولكن رسول الله بعث معلما صلى الله عليه وسلم.
وفيه أن من وسع الله عليه لم يجز له إدمان لبس الخلق من الثياب وقال صلى الله عليه وسلم "إذا أنعم الله على عبد بنعمة أحب أن يرى أثرها عليه".
وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه "إذا وسع الله عليكم فأوسعوا على أنفسكم جمع الرجل عليه ثيابه" اه.
حدثنا إسماعيل بن عبد الرحمن قال حدثنا محمد بن العباس الحلبي قال حدثنا علي بن عبد الحميد الغضائري قال حدثنا سفيان بن وكيع قال حدثني أبي عن أشعث عن بكر المزني عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده"

(3/254)


وهذا الحديث يعارض ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال "البذاذة من الإيمان".
والبذاذة: رثاثة الهيئة.
وفيه إباحة الكلام بالمعاريض وبما فحواه يسمع إذا كان المتكلم به يريد به وجها محمودا ألا ترى إلى قوله ماله ضرب الله عنقه وهو يريد بذلك الشهادة له وكان صلى الله عليه وسلم قلما يقول مثل هذا إلا كان كما قال.
ألا ترى إلى ما روي عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم قالوا حين بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثة إلى مؤتة وأمر عليهم زيد بن حارثة فقال "إن قتل فجعفر بن أبي طالب فإن قتل جعفر فعبد الله بن رواحة قالوا فلما قال ذلك علمنا أنهم سيقتلون".
ومثل هذا ما حدثناه سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن وضاح قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا هاشم بن القاسم قال حدثنا عكرمة بن عمار قال حدثني إياس بن سلمة بن الأكوع قال أخبرني أبي في حديث ذكره "أن عامر بن الأكوع حين خرج إلى خيبر جعل يرتجز بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم

(3/255)


وفيهم النبي صلى الله عليه وسلم فجعل يسوق بهم الركاب وهو يقول:
تالله لولا الله ما اهتدينا
...
ولا تصدقنا ولا صلينا
إن الذين قد بغوا علينا
...
إذا أرادوا فتنة أبينا
ونحن عن فضلك ما استغنينا
...
فثبت الأقدام أن لا قينا
وأنزلن سكينة علينا
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا قالوا عامر يا رسول الله قال غفر لك ربك قال وما استغفر لإنسان قط يخصه إلا استشهد".
قال فلما سمع ذلك عمر بن الخطاب قال "يا رسول الله لو متعتنا بعامر فقام عامر إلى الحرب فبارزه مرحب اليهودي فاستشهد" وذكر تمام الحديث ألا ترى إلى قوله وما استغفر لإنسان يخصه إلا استشهد وإلى قول عمر لو متعتنا بعامر وهذا كله في معنى قوله ماله ضرب الله عنقه.
وفيه إجابة دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعاؤه كله عندنا مجاب إن شاء الله.
وسيأتي القول في معنى حديثه صلى الله عليه وسلم "فاختبأت دعوتي شفاعة لأمتي" في موضعه من كتابنا هذا إن شاء الله تعالى

(3/256)


حديث ثالث لزيد بن اسلم متصل صحصح مسند
...
حديث ثالث لزيد بن أسلم متصل صحيح مسند
مالك عن زيد بن أسلم عن أبيه أنه قال سمعت عمر بن الخطاب وهو يقول "حملت على فرس عتيق في سبيل الله وكان الرجل الذي هو عنده قد أضاعه فأردت أن أشتريه منه وظنت أنه بائعه برخص فسألت عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لا تشتره وإن أعطاكه بدرهم واحد فإن العائد في صدقته كالكلب يعود في قيئه".
روى هذا الحديث ابن عيينة عن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر مثله وقال فيه لا تشتره ولا شيئا من نتاجه ذكره الشافعي والحميدي عن ابن عيينة
قال أبو عمر:
الفرس العتيق هو الفاره عندنا وقال صاحب العين عتقت الفرس تعتق إذا سبقت وفرس عتيق رائع.
وفي هذا الحديث من الفقه إجازة تحبيس الخيل في سبيل الله

(3/257)


وفيه إن حمل على فرس في سبيل الله وغزا به فله أن يفعل به بعد ذلك ما يفعل في سائر ماله ألا ترى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ينكر على بائعه بيعه وأنكر على عمر شراءه ولذلك قال ابن عمر إذا بلغت به وادي القرى فشأنك به.
وقال سعيد بن المسيب إذا بلغ به رأس مغزاته فهو له.
ويحتمل أن يكون هذا الفرس ضاع حتى عجز عن اللحاق بالخيل وضعف عن ذلك ونزل عن مراتب الخيل التي يقاتل عليها فأجيز له بيعه لذلك.
ومن أهل العلم من يقول يضع ثمنه ذلك في فرس عتيق إن وجده وإلا أعان به في مثل ذلك.
ومنهم من يقول: أنه له كسائر ماله إذا غزا عليه.
وأما اختلاف الفقهاء في هذا المعنى فقال مالك إذا أعطى فرسا في سبيل الله فقيل له هو لك في سبيل الله فله أن يبيعه وإن قيل هو في سبيل الله ركبه ورده.
وقال الشافعي وأبو حنيفة: الفرس المحمول عليها في سبيل الله هي لمن يحمل عليها تمليك قالوا ولو قال له إذا بلغت به رأس مغزاك فهو لك كان تمليكا على مخاطرة ولم يجز.
وقال الليث بن سعد: من أعطى فرسا في سبيل الله لم يبعه حتى يبلغ مغزاه ثم يصنع به ما شاء إلا أن يكون حبسا فلا يباع.
وقال عبيد الله بن الحسن: إذا قال هو لك في سبيل الله فرجع به رده حتى يجعله في سبيل الله

(3/258)


وسيأتي هذا في باب نافع والحمد لله.
وفيه أن كل من يجوز تصرفه في ماله وبيعه وشراؤه فجائز له بيع ما شاء من ماله بما شاء من قليل الثمن وكثيره كان مما يتغابن الناس به أو لم يكن إذا كان ذلك ماله ولم يكن وكيلا ولا وصيا لقوله صلى الله عليه وسلم في مثل هذا الحديث ولو أعطاكه بدرهم.
واختلف الفقهاء في كراهية شراء الرجل لصدقته الفرض والتطوع إذا أخرجها عن يده لوجهها ثم أراد شراءها من الذي صارت إليه.
فقال مالك: إذا حمل على فرس فباعه الذي حمل عليه فوجده الحامل في يد المشتري فلا يشتره أبدا وكذلك الدراهم والثوب
قال أبو عمر:
ذكره ابن عبد الحكم عنه وقال في موضع آخر من كتابه ومن حمل على فرس فباعه ثم وجده الحامل في يد الذي اشتراه فترك شرائه أفضل
قال أبو عمر:
كره ذلك مالك والليث والحسن بن حي والشافعي

(3/259)


ولم يروا لأحد أن يشتري صدقته فإن اشترى أحد صدقته لم يفسخوا العقد ولم يردوا البيع ورأوا التنزه عنها.
وكذلك قولهم في شراء الإنسان ما يخرجه من كفارة اليمين مثل الصدقة سواء
قال أبو عمر:
إنما كرهوا بيعها لهذا الحديث ولم يفسخوها لأنها راجعة إليه بغير ذلك المعنى وقد بينا هذا الحديث في قصة هدية بريرة بما تصدق به عليها.
ويحتمل هذا الحديث أن يكون على وجه التنزه وقطع الذريعة إلى بيع الصدقة قبل إخراجها أو يكون موقوفا على التطوع في التنزه.
وقال أبو حنيفة وأصحابه والأوزاعي لا بأس لمن أخرج زكاته وكفارة يمينه أن يشتريه بثمن يدفعه إليه.
وقال أبو جعفر الطحاوي المصير إلى حديث عمر في الفرس أولى من قول من أباح شراء صدقته.
وقال قتادة البيع في ذلك فاسد مردود لأني لا أعلم الفيء إلا حراما.
وكل العلماء يقولون: إذا رجعت إليه بالميراث طابت له إلا ابن عمر فإنه كان لا يحبسها إذا رجعت إليه بالميراث

(3/260)


وتابعه الحسن بن حي فقال إذا رجعت إليه بالميراث وجهها فيما كان وجهها فيه إذا كانت صدقة.
وأما الهبة فلا يكره الرجوع فيها اه
قال أبو عمر:
يحتمل فعل ابن عمر في رد ما رجع إليه من صدقاته بالميراث أن يكون على سبيل الورع والتبرع لأنه كان يرى ذلك واجبا عليه وكثيرا ما كان يدع الحلال ورعا.
ولعله لم يصح عنده ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك ولم يعلمه وقد وردت السنة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بإباحة ما رده الميراث من الصدقات.
وقد ذكرناها في باب ربيعة في قصة لحم بريرة وأوضحنا المعنى في ذلك بما لا وجه لإعادته ها هنا.
وأكل رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أهدى إليه من الصدقة وقوله أن الصدقة تحل لمن اشتراها بماله من الأغنياء يوضح ما ذكرنا لأن الصدقة لا تحل لغني إلا لخمسة أحدهم رجل اشتراها بماله فكما جاز له أن يشتريها بماله وهي صدقة غيره فكذلك شراء صدقته لأن الشراء لها ليس برجوع فيها في المعنى على ما بينا في قصة لحم بريرة وإنما الرجوع فيها أن يتصرف فيما فعله من صدقته أو هبته دون أن يبتاع ذلك

(3/261)


ولكن حديث عمر هذا أولى أن يوقف عنده لأنه خص المتصدق بها فنهي عن شرائها وذلك نهي تنزه إن شاء الله.
وأما قوله عليه السلام "لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة" فسيأتي ذكره فيما يأتي من حديث زيد بن أسلم من كتابنا هذا وبالله توفيقنا.

(3/262)


حديث رابع لزيد بن أسلم مسند يجري مجرى المتصل
مالك عن زيد بن أسلم عن أبيه "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسير في بعض أسفاره وعمر بن الخطاب يسير معه ليلا فسأله عمر عن شيء فلم يجبه ثم سأله فلم يجبه ثم سأله فلم يجبه فقال عمر ثكلتك أمك يا عمر نزرت رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات كل ذلك لا يجيبك قال عمر فحركت بعيري حتى إذا كنت أمام الناس وخشيت أن ينزل في قرآن فما نشبت أن سمعت صارخا يصرخ بي قال فقلت لقد خشيت أن يكون نزل في قرآن قال فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلمت عليه فقال أنزل علي هذه الليلة سورة لهي أحب إلي مما طلعت عليه الشمس ثم قرأ {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً}.
هذا الحديث عندنا على الاتصال لأن أسلم رواه عن عمر

(3/263)


وسماع أسلم من مولاه عمر رضي الله عنه صحيح لا ريب فيه وقد رواه محمد بن حرب عن مالك كما ذكرنا اه.
أخبرنا خلف بن القاسم وعلي بن إبراهيم قالا حدثنا الحسن بن رشيق قال حدثنا محمد بن زريق بن جامع وحدثنا عبد الرحمن بن مروان قال حدثنا الحسن بن علي بن داود قال حدثنا محمد بن زيان قالا حدثنا عبدة بن عبد الرحيم المروزي قال أخبرنا محمد بن حرب عن مالك بن أنس عن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسير في بعض أسفاره وعمر يسير معه ليلا فسأله عمر عن شيء فلم يجبه ثم سأله فلم يجبه ثم سأله فلم يجبه ثلاثا فقال عمر ثكلتك أمك عمر نزرت رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات كل ذلك لا يجيبك قال عمر فحركت بعيري حتى تقدمت أمام الناس وخشيت أن ينزل في قرآن فما نشبت أن سمعت

(3/264)


صارخا يصرخ بي قال فقلت له لقد خشيت أن يكون ينزل في قرآن فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلمت عليه فقال لي لقد أنزل الله علي الليلة سورة لهي أحب إلي مما طلعت عليه الشمس ثم قرأ {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ}".
وهكذا رواه مسندا روح بن عبادة ومحمد بن خالد بن عثمة جميعا أيضا عن مالك كرواية محمد بن حرب سواء ذكره النسائي عن محمد بن عبد الله بن المبارك.
في هذا الحديث السفر بالليل والمشي على الدواب بالليل وذلك عند الحاجة مع استعمال الرفق لأنها بهائم عجم وقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالرفق بها والإحسان إليها وفيه أن العالم إذا سئل عن شيء لا يجب الجواب فيه أن يسكت ولا يجيب بنعم ولا بلا ورب كلام جوابه السكوت.
وفيه من الأدب أن سكوت العالم عن الجواب يوجب على المتعلم ترك الإلحاح عليه.
وفيه الندم على الإلحاح على العالم خوف غضبه وحرمان فائدته فيما يستأنف وقلما أغضب عالم إلا احترمت فائدته.
قال أبو سلمة بن عبد الرحمن لو رفقت بابن عباس لاستخرجت منه علما اه.
وفيه ما كان عمر عليه من التقوى والوجل لأنه خشي أن يكون عاصيا بسؤاله رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات

(3/265)


كل ذلك لا يجيبه إذ المعهود إن سكوت المرء عن الجواب وهو قادر عليه عالم به دليل على كراهية السؤال.
وفيه ما يدل على أن السكوت عن السائل يعز عليه وهذا موجود في طباع الناس ولهذا أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم في عمر يؤنسه ويبشره والله أعلم.
وفيه أوضح الدليل على منزلة عمر من قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم موضعه منه ومكانته عنده.
وفيه أن غفران الذنوب خير للإنسان مما طلعت عليه الشمس لو أعطي ذلك وذلك تحقير منه صلى الله عليه وسلم للدنيا وتعظيم للآخرة وهكذا ينبغي للعالم أن يحقر ما حقر الله من الدنيا ويزهد فيها ويعظم ما عظم الله من الآخرة ويرغب فيها.
وإذا كان غفران الذنوب للإنسان خيرا مما طلعت عليه الشمس ومعلوم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكفر عنه إلا الصغائر من الذنوب لأنه لم يأت قط كبيرة لا هو ولا أحد من أنبياء الله لأنهم معصومون من الكبائر صلوات الله عليهم فعلى هذا الصلوات الخمس خير للإنسان من الدنيا وما فيها لأنها تكفر الصغائر وبالله التوفيق.
وفيه أن نزول القرآن كان حيث شاء الله من حضر وسفر وليل ونهار.
والسفر المذكور في هذا الحديث الذي نزلت فيه سورة الفتح منصرفه من الحديبية لا أعلم بين أهل العلم في ذلك خلافا

(3/266)


قال أبو عمر:
قال معمر عن قتادة نزلت عليه {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} مرجعه من الحديبية فقال النبي صلى الله عليه وسلم قد نزلت علي آية أحب إلي مما على الأرض ثم قرأ عليهم فقالوا هنيئا مريئا يا رسول الله قد بين الله لك ما يفعل بك فماذا يفعل بنا فنزلت {لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ} إلى قوله {فَوْزاً عَظِيماً}.
وقال ابن جريج نحو ذلك وزاد فنزل ما في الأحزاب {وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلاً كَبِيراً} وأنزل {لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ} الآيتين إلى قوله {غَفُوراً رَحِيماً}.
وقال غير ابن جريج فقال المنافقون وماذا يفعل بنا فنزلت {بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً ونزلت وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ} إلى قوله {وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً}.
فقال عبد الله بن أبي وأصحابه يزعم محمد أنه غفر له ذنبه وإن يفتح الله عليه وينصره نصرا عزيزا هيهات هيهات الذي بقي له أكثر فارس والروم أيظن محمد أنهم مثل من نزل بين ظهريه فنزلت {وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ} بأنه لا ينصر فبئس ما ظنوا ونزلت {وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} الآية

(3/267)


قال أبو عمر:
اختلف أهل العلم في قوله {فَتْحاً مُبِيناً}.
فقال قوم: خيبر.
وقال قوم: الحديبية منحره وحلقه.
وقال ابن جريج {فَتَحْنَا لَكَ} حكمنا لك حكما بينا حين ارتحل من الحديبية راجعا قال وقد كان شق عليهم أن صدوا عن البيت.
وقال {لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} وقال أوله وآخره.
{وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً} قال يريد بذلك فتح مكة والطائف وحنين العرب ولم يكن بقي في العرب غيرهم.
وقال قتادة ومجاهد {فَتَحْنَا لَكَ} قضينا لك قضاء مبينا منحره وحلقه بالحديبية ذكره معمر عن قتادة وذكره ورقاء عن بن أبي نجيح عن مجاهد.
وروى شعبة عن قتادة عن أنس {فَتْحاً مُبِيناً} قال: الحديبية.
وذكر وكيع عن أبي جعفر الرازي عن قتادة عن أنس قال خيبر وكذلك اختلف في ذلك قول مجاهد أيضا

(3/268)


وأما قوله في الحديث نزرت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ابن وهب معناه أكرهت رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمسألة أي أتيته بما يكره.
وقال ابن حبيب معناه ألححت وكررت السؤال وأبرمت رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وذكر حبيب عن مالك قال نزرت: راجعته.
وقال الأخفش: نزرت: وأنزرت البئر أكثرت الاستقاء منها حتى يقل ماؤها قاله أبو عمر ودفع نزور أي يأتي منها الشيء منقطعا قال ومعنى هذا الحديث أنه سأله حتى قطع عنه كلامه لأنه تبرم به

(3/269)


حديث خامس لزيد بن أسلم متصل صحيح مسند
مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار وعن بسر بن سعيد وعن الأعرج كلهم يحدثه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر"
قال أبو عمر:
عطاء بن يسار قد تقدم ذكره والخبر عنه في باب إسماعيل بن أبي حكيم وذكر الحسن بن علي الحلواني قال حدثنا أحمد ابن صالح قال حدثنا ابن وهب قال حدثنا أبو صخر

(3/270)


عن هلال بن أسامة قال "كان عطاء بن يسار إذا جلس يكون زيد بن أسلم عن يمينه وكنت عن يساره".
وأما بسر بن سعيد فإنه كان مولى لحضر موت من أهل المدينة وكان ثقة فاضلا مسنا سمع سعد بن أبي وقاص وجالسه كثيرا ولم ينكر يحيى القطان أن يكون سمع زيد بن ثابت.
قال علي بن المديني قلت ليحيى بن سعيد يعني القطان بسر بن سعيد لقي زيد بن ثابت قال وما تنكر أن يكون لقيه قلت قد روى عن أبي صالح عبيد مولى السفاح عن زيد بن ثابت فقال قد روى سفيان عن رجل عن عبد الله
قال أبو عمر:
الحديث الذي رواه بسر بن سعيد عن أبي صالح عبيد مولى السفاح عن زيد بن ثابت وهو حديث عجل لي وأضع عنك ذكره مالك وغيره.
وكان مالك رحمه الله يثني على بسر بن سعيد ويفضله ويرفع به في ورعه وفضله

(3/271)


وذكر علي بن المديني قال سمعت يحيى بن سعيد يقول بسر بن سعيد أحب إلي من عطاء بن يسار.
قال يحيى كان بسر بن سعيد يذكر بخير بسر بن سعيد مولى الحضرميين كان من أهل الفضل روى عن أصحاب النبي عليه السلام.
مات في خلافة عمر بن عبد العزيز.
وأما الأعرج فهو عبد الرحمن بن هرمز كان صاحب قرآن وحديث قرأ عليه نافع القارئ وكان ثقة مأمونا قال مصعب بن عبد الله: عبد الرحمن بن هرمز الأعرج مولى محمد بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب يكنى أبا داود.
روى عنه ابن شهاب وأبو الزناد ويحيى بن سعيد وغيرهم توفي بالإسكندرية سنة سبع عشرة ومائة.
وقال المدائني مات أبو داود عبد الرحمن الأعرج مولى محمد بن ربيعة بالإسكندرية سنة تسع عشرة ومائة.
وأما أبو هريرة رضي الله عنه فمذكور في كتابنا في الصحابة بما يجب أن يذكر به وبالله التوفيق وقد قيل إن زيد بن أسلم روى هذا الحديث أيضا عن أبي صالح مع هؤلاء كلهم عن أبي هريرة.
وحدثني خلف بن القاسم قال حدثنا إبراهيم بن محمد الديلي قال حدثنا محمد بن علي ابن زيد الجوهري قال حدثنا

(3/272)


سعيد بن منصور قال حدثنا حفص بن ميسرة الصنعاني عن زيد بن أسلم عن الأعرج وبسر بن سعيد وأبي صالح عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من أدرك ركعة من صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس فلم تفته ومن أدرك ركعة من صلاة العصر قبل أن تغرب الشمس فلم تفته"
قال أبو عمر:
الإدراك في هذا الحديث إدراك الوقت لا أن ركعة من الصلاة من أدركها من ذلك الوقت أجزأته من تمام صلاته.
وهذا إجماع من المسلمين لا يختلفون في أن هذا المصلي فرض عليه واجب أن يأتي بتمام صلاة الصبح وتمام صلاة العصر فأغنى ذلك عن الإكثار وبان بذلك أن قوله صلى الله عليه وسلم فقد أدرك الصلاة يريد فقد أدرك وقت الصلاة إلا أن ثم أدلة تدل على أن الوقت المختار في هاتين الصلاتين غير ذلك الوقت
منها قوله صلى الله عليه وسلم في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص وآخر وقت العصر ما لم تصفر الشمس يعني آخر الوقت المختار لئلا تتعارض الأحاديث

(3/273)


ومثل ذلك حديث العلاء عن أنس مرفوعا "تلك صلاة المنافقين يجلس أحدهم حتى إذا اصفرت الشمس وكانت بين قرني الشيطان قام فنقر أربعا لا يذكر الله فيها إلا قليلا" وهذا التغليظ على من ترك اختيار رسول الله لأمته في الوقت ورغب عن ذلك ولم يكن له عذر مقبول.
والآثار في تعجيل العصر كثيرة جدا ومعناها كلها ما ذكرناه وبهذا كتب عمر بن الخطاب إلى عماله "أن صلوا العصر والشمس بيضاء نقية قبل أن تدخلها صفرة" هذا كله على الاختيار بدليل حديث أبي هريرة المذكور في هذا الباب.
حدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا عبد الحميد بن أحمد قال حدثنا الخضر قال حدثنا الأثرم قال قيل لأحمد بن حنبل قوله صلى الله عليه وسلم من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقال هذا على الفوات ليس على أن يترك العصر إلى هذا الوقت.
وذكر حديث قتادة عن أبي أيوب عن عبد الله بن عمرو قال

(3/274)


قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ووقت العصر ما لم تصفر الشمس".
فالأوقات في ترتيب السنن والله أعلم وقتان.
في الحضر وقت رفاهية وسعة ووقت عذر ضرورة يبين لك ذلك ما ذكرنا من الآثار ويزيد لك في ذلك بيانا أقاويل فقهاء أئمة الأمصار فنذكر هنا أقاويلهم في وقت الصبح والعصر إذ لم يتضمن حديث هذا الباب ذكر غيرهما من الصلوات.
ونذكر في باب ابن شهاب عن عروة جملة مواقيت الصلاة ونبسط ذلك ونمهده هنالك إن شاء الله.
أجمع العلماء على أن أول وقت صلاة الصبح طلوع الفجر الثاني إذا تبين طلوعه وهو البياض المنتشر من أفق المشرق والذي لا ظلمة بعده.
وقد ذكرنا أسماء الفجر في اللغة وشواهد الشعر على ذلك والمعنى فيه عند الفقهاء في أول حديث من مراسيل عطاء ومن باب يزيد أيضا والحمد لله.
واختلفوا في آخر وقتها فذكر ابن وهب عن مالك قال وقت الصبح من حين يطلع الفجر إلى طلوع الشمس.
وقال ابن القاسم عن مالك وقت الصبح الإغلاس والنجوم بادية مشتبكة وآخر وقتها إذا أسفر

(3/275)


قال أبو عمر:
هذا عندنا على الوقت المختار لأن مالكا لم يختلف قوله فيمن أدرك ركعة منها قبل طلوع الشمس ممن له عذر في سقوط الصلاة عند خروج الوقت مثل الحائض تطهر ومن جرى مجراها أن تلك الصلاة واجبة عليها بإدراك مقدار ركعة من وقتها وإن صلت الركعة الثانية مع الطلوع أو بعده.
وقال الثوري آخر وقتها ما لم تطلع الشمس وكانوا يستحبون أن يسفروا بها ومثل قول الثوري قال أبو حنيفة وأصحابه.
وكذلك قال الشافعي آخر وقتها طلوع الشمس إلا أنه يستحب التغليس بها ولا تفوت عنده حتى تطلع الشمس قبل أن يصلي منها ركعة بسجدتيها فمن لم يكمل منها ركعة بسجدتيها قبل طلوع الشمس فقد فاتته.
وقال أحمد بن حنبل مثل قول الشافعي سواء قال وقت الصبح من طلوع الفجر إلى أن تطلع الشمس ومن أدرك منها ركعة قبل طلوع الشمس فقد أدركها مع الضرورة وهذا كقول الشافعي سواء.
ولا خلاف بين العلماء في ذلك إلا أن منهم من جعل آخر وقتها إدراك ركعة منها قبل طلوع الشمس لضرورة وغير ضرورة وهو قول داود وإسحاق.
وأما سائر العلماء فجعلوا هذا وقتا لأصحاب العذر والضرورات وممن ذهب إلى هذا مالك والشافعي والأوزاعي وأحمد بن حنبل

(3/276)


واختلفوا في أول وقت العصر وآخره فقال مالك أول وقت العصر إذا كان الظل قامة بعد القدر الذي زالت عنه الشمس ويستحب لمساجد الجماعات أن يؤخروا ذلك قليلا قال وآخر وقتها أن يكون ظل كل شيء مثليه.
هذه حكاية ابن عبد الحكم وابن القاسم عنه وهذا عندنا على وقت الاختيار لأنه قد روي عنه أن لا خلاف عندنا في مدرك ركعة منها قبل الغروب ممن كانت الصلاة لا تجب عليه لو خرج وقتها لحالة كالمغمى عليه عنده والحائض ومن كان مثلهما تجب عليه صلاة العصر فرضا بإدراك مقدار ركعة منها قبل غروب الشمس فدل ذلك على أن وقتها عنده إلى غروب الشمس وكذلك ذكر ابن وهب أيضا عن مالك وقت الظهر والعصر إلى غروب الشمس.
وهذا عندنا أيضا على أصحاب الضرورات لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع بين الصلاتين في السفر في وقت إحداهما لضرورة السفر فكل ضرورة وعذر فكذلك وسنذكر وجه الجمع بين الصلاتين في السفر والمطر في باب أبي الزبير إن شاء الله.
وقد قال الأوزاعي إن ركع ركعة من العصر قبل غروب الشمس وركعة بعد غروبها فقد أدركها والصبح عنده كذلك قال الثوري أول وقت العصر إذا كان ظلك مثلك وإن أخرتها ما لم تغير الشمس أجزأك

(3/277)


وقال الشافعي أول وقتها في الصيف إذا جاوز ظل كل شيء مثله بشيء ما كان ومن أخر العصر حتى يجاوز ظل كل شيء مثليه في الصيف أو قدر ذلك في الشتاء فقد فاته وقت الاختيار ولا يجوز أن يقال قد فاته وقت العصر مطلقا كما جاز على الذي أخر الظهر إلى أن جاوز ظل كل شيء مثله قال وإنما قلت ذلك لحديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدركها
قال أبو عمر:
قول الشافعي ها هنا في وقت الظهر ينفي الاشتراك بينها وبين العصر في ظاهر كلامه وهو شيء ينقضه ما بنى عليه مذهبه في الحائض تطهر والمغمى عليه يفيق والكافر يسلم والصبي يحتلم لأنه يوجب على كل واحد منهم إذا أدرك ركعة واحدة قبل الغروب أن يصلي الظهر والعصر جميعا وفي بعض أقاويله إذا أدرك أحد هؤلاء مقدار تكبيرة واحدة قبل الغروب لزمه الظهر والعصر جميعا.
فكيف يسوغ لمن هذا مذهبه أن يقول أن الظهر يفوت فواتا صحيحا بمجاوزة ظل كل شيء مثله أكثر من فوات العصر بمجاوزة ظل كل شيء مثليه.
وأما قوله في وقت العصر إذا جاوز ظل كل شيء مثليه فقد جاوز وقت الاختيار فهذا أيضا فيه شيء لأنه هو وغيره من العلماء يقولون من صلى العصر والشمس بيضاء نقية فقد صلاها في وقتها المختار لا أعلمهم يختلفون في ذلك

(3/278)


فقف على ما وصفت لك يتبين لك بذلك سعة الوقت المختار أيضا وبالله التوفيق.
قال أبو ثور أول وقتها إذا صار ظل كل شيء مثله بعد الزوال وزاد على الظل زيادة تتبين إلى أن تصفر الشمس وهو قول داود
قال أبو عمر:
أما قول الشافعي وأبي ثور في أن وقت العصر لا يدخل حتى يزيد الظل على القامة زيادة تظهر فمخالف لحديث إمامة جبريل عليه السلام لأن حديث إمامة جبريل يقتضي أن يكون آخر وقت الظهر هو أول وقت العصر بلا فصل ولكنه مأخوذ من حديث أبي قتادة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إنما التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يدخل وقت الأخرى.
وقد بينا اختلاف العلماء في هذا المعنى وذكرنا علل أقاويلهم فيه في باب ابن شهاب عن عروة من هذا الكتاب.
وقال أحمد بن حنبل في هذه المسألة مثل قول الشافعي أيضا قال وإذا زاد ظل كل شيء مثليه خرج وقت الاختيار ومن أدرك منها ركعة قبل أن تغرب

(3/279)


الشمس فقد أدركها قال وهذا مع الضرورة هذه حكاية الخزفي عنه.
وأما الأثر فقال سمعت أبا عبد الله يقول آخر وقت الظهر هو أول وقت العصر قال لي ذلك غير مرة وسمعته يقول آخر وقت العصر تغير الشمس قيل له ولا تقل بالمثل والمثلين قال لا هذا أكثر عندي.
وقال أبو حنيفة لا يدخل وقت العصر حتى يصير ظل كل شيء مثليه فخالف الآثار وجماعة العلماء في ذلك وجعل وقت الظهر إلى أن يصير ظل كل شيء مثله وجعل بينهما واسطة ليست منهما وهذا لم يقله أحد هذه رواية أبي يوسف عنه.
وللحسين بن زياد اللؤلؤي أن الظل إذا صار مثله خرج وقت الظهر وإذا خرج تلاه وقت العصر إلى غروب الشمس
وقال أبو يوسف ومحمد وزفر آخر وقت الظهر أن يصير ظل كل شيء مثله وهو أول وقت العصر إلى أن تتغير الشمس.
وقال إسحاق بن راهويه آخر وقت العصر أن يدرك المصلي منها ركعة قبل الغروب وهو قول داود لكل الناس معذور

(3/280)


وغير معذور والأفضل عندهما أول الوقت
قال أبو عمر:
فقد بان بما ذكرنا من أقاويل أئمة فقهاء الأمصار وما روينا من الآثار في هذا الباب أن أول الوقت منه مختار في الحضر للسعة والرفاهية ومنه وقت ضرورة وعذر ولا يلحق الإثم واللوم حتى يخرج الوقت كله والله أعلم.
وقد أفادنا قوله صلى الله عليه وسلم "من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر", معاني ووجوها:
منها أن المدرك لركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس أو لركعة من العصر قبل غروبها كالمدرك لوقت الصبح ولوقت العصر الوقت الذي يأثم بالتأخير إليه كأنه قد أدرك الوقت من أوله وهذا لمن كان له عذر من نسيان أو ضرورة على ما قدمنا ذكره.
ومنها جواز صلاة من صلى ذلك الوقت فرضه ممن نام عن صلاة أو نسيها لأنه المراد بالخطاب المذكور والمأمور بالبدار إلى إدراك بقية الوقت وإن كان غيره يدخل في ذلك الخطاب بالمعنى فإن هذا هو المشار إليه فيه بالنص إن شاء الله والله أعلم

(3/281)


ومنها أنه أفادنا في حكم من أسلم من الكفار أو بلغ من الصبيان أو طهر من الحيض في ذلك الوقت أنه كمن أدرك الوقت بكماله في وجوب صلاة ذلك الوقت وتلزمه تلك الصلاة بكمالها كما لو أدرك وقتها من أوله ففرط فيها وكذلك حكم المسافر يقدم الحضر وحكم الحضري يخرج مسافرا في بقية من الوقت أو بعد دخول الوقت وحكم المغمى عليه يفيق.
وهذا الحديث أصل هذا الباب كله فقف عليه إلا أن الفقهاء اختلفوا هاهنا.
فذهب مالك وأصحابه إلى ظاهر هذا الحديث فقالوا من خرج مسافرا وقد بقي عليه من النهار مقدار ركعة بعد أن جاوز بيوت مصره أو قريته صلى العصر ركعتين ولو خرج وقد بقي عليه مقدار ثلاث ركعات ولم يكن صلى الظهر والعصر صلاهما جميعا مقصورتين.
وهذا عنده حكم المغرب والعشاء يراعي منهما مقدار ركعة من كل واحدة منهما على أصله فيمن سافر وقد بقي عليه مقدار ركعة أنه يقصر تلك الصلاة ولو قدم في ذلك الوقت من سفره أتم.
وقال أبو حنيفة وأصحابه والثوري والأوزاعي إذا خرج من مصره قبل خروج الوقت صلى ركعتين وإن قدم قبل خروج الوقت أتم وهذا قول مالك.
وقال زفر: إن جاوز بيوت القرية والمصر ولم يبق من الوقت إلا ركعة فإنه مفرط وعليه أن يصلي العصر أربعا وإن قدم من

(3/282)


سفره ودخل مصره ولم يبق من الوقت إلا ركعة أتم الصلاة
وقال الحسن بن حي والليث والشافعي إذا خرج بعد دخول الوقت أتم وكذلك إن قدم المسافر قبل خروج الوقت أتم وستأتي زيادة في هذا المعنى عن الشافعي والليث ومن تابعهما في آخر هذا الباب.
وأما اختلاف الفقهاء في صلاة الحائض والمغمى عليه ومن جرى مجراهما:
فقال مالك: إذا طهرت المرأة قبل الغروب فإن كان بقي عليها من النهار ما تصلي خمس ركعات صلت الظهر والعصر وإن لم يكن بقي من النهار ما تصلي خمس ركعات صلت العصر.
وإذا طهرت قبل الفجر وكان ما بقي عليها من الليل قدر ما تصلي أربع ركعات ثلاثا للمغرب وركعة من العشاء صلت المغرب والعشاء وإن لم يبق عليها إلا ما تصلي فيه ثلاث ركعات صلت العشاء ذكره أشهب وابن عبد الحكم وابن القاسم وابن وهب عن مالك.
قال أشهب: وسئل مالك عن النصراني يسلم والمغمى عليه يفيق أهما مثل الحائض تطهر قال نعم يقضي كل واحد منهما ما لم يفت وقته وما فات وقته لم يقضه.
قال ابن وهب: سألت مالكا عن المرأة تنسى وتغفل عن صلاة الظهر فلا تصليها حتى تغشاها الحيضة قبل غروب الشمس

(3/283)


قال مالك لا أرى عليها قضاء إلا أن تحيض بعد غروب الشمس ولم تكن صلت الظهر والعصر رأيت عليها القضاء.
وقال مالك إذا طهرت قبل غروب الشمس فاشتغلت بالغسل فلم تزل مجتهدة حتى غربت الشمس لا أرى أن تصلي شيئا من صلاة النهار.
قال مالك إذا طهرت قبل غروب الشمس لا أرى أن تصلي شيئا من صلاة النهار وقال المرأة الطاهر تنسى الظهر والعصر حتى تصفر الشمس ثم تحيض فليس عليها قضاؤهما فإن لم تحض حتى غابت الشمس فعليها القضاء ناسية كانت أو متعمدة.
قال مالك: إذا رأت الطهر عند الغروب فأرى أن تغتسل فإن فرغت من غسلها قبل غروب الشمس فإن كان فيما أدركت ما تصلي الظهر وركعة من العصر فلتصل الظهر والعصر وإن كان الذي بقي من النهار ليس فيه إلا قدر صلاة واحدة صلت العصر وإن لم يكن بقي من النهار إلا قدر ركعة واحدة فلتصل تلك الركعة ثم تقضي ما بقي من تلك الصلاة.
وقال مالك من أغمي عليه في وقت صلاة فلم يفق حتى ذهب وقتها ظهرا كانت أو عصرا قال والظهر والعصر وقتهما في هذا إلى مغيب الشمس فلا إعادة عليه قال وكذلك المغرب والعشاء وقتهما الليل كله

(3/284)


وقول الليث بن سعد في الحائض والمغمى عليه كقول مالك هذا سواء.
وقال الأوزاعي وقد سئل عن الحائض تصلي ركعتين ثم تحيض وكيف وإن كانت أخرت الصلاة قال إن أدركها المحيض في صلاة انصرفت عنها ولا شيء عليها وإن كانت أخرت الصلاة ولم يذهب الوقت فلا شيء عليها.
قال وإذا طهرت المرأة بعد العصر فأخذت في غسلها فلم تفرغ منه حتى غابت الشمس فلا شيء عليها ذكره الوليد بن يزيد عن الأوزاعي.
وقال الشافعي إذا طهرت المرأة قبل مغيب الشمس بركعة أعادت الظهر والعصر وكذلك إن طهرت قبل الفجر بركعة أعادت المغرب والعشاء.
واحتج بقول النبي صلى الله عليه وسلم "من أدرك ركعة من الصبح ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر" وبجمعه صلى الله عليه وسلم بين الصلاتين في أسفاره وبعرفة وبالمزدلفة في وقت إحداهما يعني صلاتي الليل وصلاتي النهار الظهر والعصر والمغرب والعشاء.
وهذا القول للشافعي في هذه المسألة أشهر أقاويله عند أصحابه فيها وأصحها عندهم وهو الذي لم يذكر البويطي غيره وللشافعي في هذه المسألة قولان آخران.
أحدهما مثل قول مالك سواء في مراعاة قدر خمس ركعات

(3/285)


للظهر والعصر وما دون إلى ركعة للعصر ومقدار أربع ركعات للمغرب والعشاء وما دون ذلك للعشاء وآخر الوقت عنده في هذا القول لآخر الصلاتين.
والقول الآخر قاله في الكتاب المصري قال في المغمى عليه أنه إذا أفاق وقد بقي عليه من النهار قدر ما يكبر فيه تكبيرة الإحرام أعاد الظهر والعصر ولم يعد ما قبلهما لا صبحا ولا مغربا ولا عشاء.
قال وإذا أفاق وقد بقي عليه من الليل قبل أن يطلع الفجر قدر تكبيرة واحدة قضى المغرب والعشاء وإذا أفاق قبل طلوع الشمس بقدر تكبيرة قضى الصبح وإذا طلعت الشمس قبل أن يفيق لم يقضها.
قال وكذلك الحائض والرجل يسلم.
وقال فيمن جن بأمر لا يكون به عاصيا فذهب عقله لا قضاء عليه ومن كان زوال عقله بما يكون به عاصيا قضى كل صلاة فاتته في حال زوال عقل وذلك مثل السكران وشارب السم والسكران عامدا لإذهاب عقله
قال أبو عمر:
قوله صلى الله عليه وسلم من أدرك ركعة من الصبح أو من العصر على ما في هذا الحديث يقتضي فساد قول من قال من أدرك تكبيرة لأن دليل الخطاب في ذلك أن من لم يدرك من الوقت مقدار ركعة فقد فاته ومن فاته الوقت بعذر يسقط عنه فيه الصلاة كالحائض وشبهها فلا شيء عليه والله أعلم

(3/286)


وما احتج به بعض أصحاب الشافعي بهذه القولة حيث قالوا إنما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم بذكر الركعة البعض من الصلاة لأنه قد روي عنه من أدرك ركعتين من العصر فأشار إلى بعض الصلاة مرة بركعة ومرة بركعتين والتكبير في حكم الركعة لأنه بعض الصلاة فمن أدركها فكأنه أدرك ركعة من الصلاة فليس بشيء لأنه ينتقض عليه أصله في الجمعة ولم يختلف قوله فيها أن من لم يدرك منها ركعة تامة فلم يدركها وهو ظاهر الخبر لأن قوله في جماعة أصحابه من لم يدرك من صلاة الجمعة ركعة بسجدتيها أتمها ظهرا وهذا يقضي عليه على سائر أقواله وهو أصحها والله أعلم.
وقال أبو حنيفة وأصحابه وهو قول ابن علية من طهر من الحيض أو بلغ أو أسلم من الكفار لم يكن عليه أن يصلي شيئا مما فات وقته وإنما يقضي ما أدرك وقته بمقدار ركعة فما زاد وهم لا يقولون بالاشتراك في الأوقات لا في صلاتي الليل ولا في صلاتي النهار ولا يرون لأحد الجمع بين الصلاتين لا لمسافر ولا لمريض ولا لعذر من الأعذار في وقت إحداهما لا يجوز ذلك عندهم في غير عرفة والمزدلفة.
وسيأتي ذكر مذاهب العلماء في الجمع بين الصلاتين في باب أبي الزبير إن شاء الله.
وقول حماد بن أبي سليمان في هذه المسألة كقول أبي

(3/287)


حنيفة ذكره غندر عن شعبة قال سألت حمادا عن المرأة تطهر في وقت العصر قال تصلي العصر فقط.
وقال أبو حنيفة وأصحابه فيمن أغمي عليه خمس صلوات فأقل منها ثم أفاق أنه يقضيها ومن أغمي عليه أكثر من ذلك ثم أفاق لم يقضه وهذا قول الثوري إلا أنه قال أحب إلي أن يقضي.
وقال الحسن بن حي إذا أغمي عليه خمس صلوات فما دونها قضى ذلك كله إذا أفاق وإن أغمي عليه أياما قضى خمس صلوات فقط ينظر حتى يفيق فيقضي ما يليه.
وقال زفر في المغمى عليه يفيق والحائض تطهر والنصراني يسلم والصبي يحتلم أنه لا يجب على واحد منهم قضاء صلاة إلا بأن يدركوا من وقتها مقدار الصلاة كلها بكمالها كما لا يجب عليه من الصيام إلا ما أدرك وقته بكماله
قال أبو عمر:
قوله صلى الله عليه وسلم من أدرك ركعة على ما في حديث هذا الباب يرد قول زفر هذا والله المستعان.
وقال أبو ثور في المغمى عليه لا يقضي إلا صلاة وقته مثل أن يفيق نهارا قبل غروب الشمس فيقضي الظهر والعصر ولا يصلي الفجر وإن أفاق قبل الفجر صلى المغرب والعشاء لا غير وإن أفاق بعد طلوع الفجر لم يجب عليه من صلاة الليل شيء

(3/288)


فإن أفاق بعد طلوع الشمس فليس عليه صلاة الصبح.
وقال أحمد بن حنبل إذا طهرت الحائض أو أسلم الكافر أو بلغ الصبي قبل أن تغرب الشمس صلوا الظهر والعصر.
وإن كان ذلك قبل أن يطلع الفجر صلى المغرب والعشاء.
وقال أحمد بن حنبل أيضا في المغمى عليه فإنه يجب عليه عنده أن يقضي الصلوات كلها التي كانت في إغمائه وهو قول عبيد الله بن الحسن العنبري قاضي البصرة لا فرق عندهما بين النائم وبين المغمى عليه في أن كل واحد منهما يقضي جميع ما فاته وقته وإن كثر وهو قول عطاء بن أبي رباح وروى ذلك عن عمار بن ياسر وعمران بن حصين.
وروى ابن رستم عن محمد بن الحسن أن النائم إذا نام أكثر من يوم وليلة فلا قضاء عليه
قال أبو عمر:
لا أعلم أحدا قال هذا القول في النائم غير محمد بن الحسن فإن صح هذا عنه فهو خلاف السنة لأنه قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال "من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها"

(3/289)


وأجمعوا أن من نام عن خمس صلوات قضاها فكذلك في القياس ما زاد عليها.
وأما قول من قال يقضي المغمى عليه إذا أغمي عليه خمس صلوات فدون ولا يقضي أكثر فقول ضعيف لا وجه له في النظر لأنه تحكم لا يجب امتثاله إلا لو كان قول من يجب التسليم له.
وأصح ما في هذا الباب في المغمى عليه يفيق أنه لا قضاء عليه لما فاته وقته وبه قال ابن شهاب والحسن وابن سيرين وربيعة ومالك والشافعي وأبو ثور وهو مذهب عبد الله بن عمر أغمي عليه فلم يقض شيئا مما فات وقته وهذا هو القياس عندي والله أعلم لأن الصلاة تجب للوقت فإذا فات الوقت لم تجب إلا بدليل لا تنازع فيه ومن لم يدرك من الوقت مقدار ركعة وفاته ذلك بقدر من الله فلا قضاء عليه.
والأصول مختلفة في قضاء ما يجب من الأعمال في أوقات معينة إذا فاتت أوقاتها.
فمنها أن صوم رمضان في وقت بعينه فإذا منع المسلم من صيامه علة كان عليه أن يأتي بعدته من أيام أخر.
ومنها أن أعمال الحج أوقات معينة فإذا فات وقتها لم تعمل في غيرها كالوقوف بعرفة وبالمزدلفة وغير ذلك من أعمال الحج وكرمي الجمار في أيامها وكالضحايا في أيامها لا يعمل

(3/290)


شيء من ذلك في غيرها قام دليل الإجماع على ذلك وقام الدليل من القرآن على ما ذكرنا في قضاء الصيام فلما احتملت الصلاة الوجهين جميعا طلبنا الدليل على ذلك فوجدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بين مراد الله منها فيمن نام أو نسي أنه يقضي ورأينا العاجز عن القيام في الصلاة أنه يسقط عنه وكذلك إن عجز عن الجلوس وغيره حتى يومئ إيماء فإذا لم يقدر على الإيماء فهو المغمى عليه ووجب سقوط ذلك عنه بخروج الوقت ودليل آخر من الإجماع وذلك أنهم أجمعوا على أن المجنون المطبق لا شيء عليه بخروج الوقت من صلاة ولا صيام إذا أفاق من جنونه وإطباقه وكان المغمى عليه أشبه به منه بالنائم إذ لا يجتذبه غير هذين الأصلين ووجدناه لا ينتبه إذا نبه وكان ذلك فرقا بينه وبين النائم.
وفرق آخر أن النوم لذة ونعمة والإغماء علة ومرض من الأمراض فحاله بحال من يجن أشبه منه بحال النائم.
ولقول أحمد بن حنبل وعبيد الله بن الحسن وجوه في القياس أيضا مع الاحتياط واتباع رجلين من الصحابة.
وأما قول من قال يقضي خمس صلوات ولا يقضي ما زاد فقول لا برهان له به ولا وجه يجب التسليم له.
وقالت طائفة من العلماء منهم ابن علية وهو أحد أقوال الشافعي وهو المشهور عنه في البويطي وغيره إذا طهرت الحائض في وقت صلاة وأخذت في غسلها فلم تفرغ حتى خرج وقت تلك الصلاة

(3/291)


وجب عليها قضاء تلك الصلاة لأنها في وقتها غير حائض وليس فوت الوقت عن الرجل بمسقط عنه الصلاة إن اشتغل بوضوئه أو غسله حتى فاته الوقت وكذلك الحائض إذا طهرت لا تسقط عنها الصلاة من أجل غسلها لأن شغلها بالاغتسال لا يضيع عنها ما لزمها من فرض الصلاة وإنما تسقط الصلاة عن الحائض ما دامت حائضا فإذا طهرت فهي كالجنب ولزمها صلاة وقتها التي طهرت فيه.
قال الشافعي وكذلك المغمى عليه يفيق والنصراني يسلم قبل غروب الشمس أو قبل طلوع الفجر أو قبل طلوع الشمس بركعة ثم اشتغل بالوضوء حتى خرج الوقت قال ولا يقضي أحد من هؤلاء شيئا من الصلوات التي فات وقتها.
وقال الشافعي وابن علية لو أن امرأة حاضت في أول وقت الظهر بمقدار ما يمكنها فيه صلاة الظهر ولم تكن صلت لزمها قضاء صلاة الظهر لأن الصلاة تجب بأول الوقت وليس تسقط عنها لما كان لها من تأخير الصلاة إلى آخر وقتها ما وجب عليها من الصلاة بأوله.
قالوا والدليل على أن الصلاة تجب بأول الوقت أن مسافرا لو صلى في أول الوقت قبل أن يدخل المصر ثم دخل المصر في وقته أجزأه.
فإن حاضت وقد مضى من الوقت قدر ما لا يمكنها فيه الصلاة بتمامها لم يجب قضاؤها لأنه لم يأت عليها من الوقت ما يمكنها

(3/292)


فيه الصلاة كما لو حاضت وهي في الصلاة في أول وقتها لم تكن عليها إعادتها لأن الله منعها أن تصلي وهي حائض.
وقال بعض أصحاب الشافعي لم يجز أن يجعل أول الوقت ها هنا كآخره فيلزمها بإدراك ركعة الصلاة كلها أو الصلاتان لأن البناء في آخر الوقت يتهيأ على الركعة ولا يتهيأ البناء في أول الوقت لأن تقديم ذلك قبل دخول الوقت لا يجوز.
وروى ابن وهب عن الليث في الرجل يزول عليه الشمس وهو يريد سفرا فلا يصلي حتى يخرج قال يصلي صلاة المقيم لأن الوقت دخل عليه قبل الخروج ولو شاء أن يصلي صلى
والكلام في تعليل هذه المسائل يطول وقد ذكرنا منها أصول معانيه وما مداره عليه والحمد لله.
وقال مالك وأبو حنيفة والأوزاعي وأصحابهم لا شيء على المرأة إذا حاضت في بقية من الوقت على ما قدمنا عنهم أن الحائض لا صلاة عليها وقد كانت موسعا لها في الوقت.
ومسائل هذا الباب تكثر جدا وهذه أصولها التي تضبط بها وأصل هذا الباب كله الحديث المذكور في أوله وبالله العون والتوقيف لا شريك له.
وأما الوجه الثالث من معاني حديث هذا الباب وهو جواز من صلى صلاة الصبح عند طلوع الشمس أو العصر عند غروب الشمس ممن نام أو نسي فإن العلماء اختلفوا في ذلك

(3/293)


فقال الكوفيون أبو حنيفة وأصحابه لا يقضي أحد صلاة عند طلوع الشمس ولا عند قيام قائم الظهيرة ولا عند غروب الشمس غير عصر يومه خاصة فإنه لا بأس أن يصليها عند غروب الشمس من يومه لأنه يخرج إلى وقت تجوز فيه الصلاة.
قالوا ولو دخل في صلاة الفجر فلم يكملها حتى طلعت عليه الشمس بطلت عليه واستقبلها بعد ارتفاع الشمس.
ولو دخل في صلاة العصر فاصفرت الشمس أتمها إذا كانت عصر يومه خاصة.
واحتجوا لما ذهبوا إليه في هذا الباب بحديث الصنابحي وحديث عمرو بن عبسة وحديث عقبة بن عامر عن النبي صلى الله عليه وسلم في النهي عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها وعند استوائها.
وجعلوا نهيه عن الصلاة في هذه الأوقات نهي عموم كنهيه عن صيام يوم الفطر ويوم النحر لأنه لا يجوز لأحد أن يقضي فيها فرضا من صيام ولا يتطوع بصيامها وهذا إجماع.
قالوا فكذلك نهيه عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها واستوائها يقتضي صلاة النافلة والفريضة.
ومنهم من زعم أن حديث هذا الباب منسوخ بأحاديث النهي عن الصلاة في تلك الأوقات.
واحتجوا أيضا بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نام عن الصلاة واستيقظ في حين طلوع الشمس أخر الصلاة حتى ارتفعت

(3/294)


قالوا وبهذا تبين أن نهيه عن الصلاة في تلك الأوقات ناسخ لحديث الباب.
فذكروا حديث الثوري عن سعيد بن إسحاق بن كعب بن عجرة عن رجل من ولد كعب بن عجرة أنه نام عن الفجر حتى طلعت الشمس قال فقمت أصلي فدعاني فأجلسني أعني كعب بن عجرة حتى ارتفعت الشمس وابيضت ثم قال قم فصل.
وحديث معمر والثوري عن أيوب عن ابن سيرين أن أبا بكرة أتاهم في بستان لهم فنام عن العصر قال فرأيناه أنه صلى ولم يكن صلى فقام فتوضأ ولم يصل حتى غابت الشمس
قال أبو عمر:
أما الخبر عن كعب بن عجرة فلا تقوم به حجة لأنه عن رجل مجهول من ولده.
وأما حديث أبي بكرة فهم يخالفونه في عصر يومه ويرون جواز ذلك.
وقد أجمعوا أن السنة لا ينسخها إلا سنة مثلها ولا تنسخ سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم بقول غيره لأنه مأمور باتباعه ومحظور من مخالفته.
وقال مالك والشافعي وأصحابهما والثوري والأوزاعي وداود والطبري من نام عن صلاة أو نسيها أو فاتته بأي

(3/295)


سبب كان فليصلها بعد الصبح وبعد العصر وعند الطلوع وعند الاستواء وعند الغروب وفي كل وقت ذكرها فيه.
وهو قول أكثر التابعين بالحجاز واليمن والعراق.
وذكر عبد الرزاق عن الثوري عن مغيرة عن إبراهيم قال صلها حين تذكرها وإن كان ذلك في وقت تكره فيه الصلاة.
وحجتهم قوله صلى الله عليه وسلم "من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر ومن أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح"
فهذا الحديث يبيح الصلاة في حين الطلوع والغروب لمن ذكر صلاة بعد نسيان أو غفلة أو تفريط.
ويؤيد هذا الظاهر أيضا قوله صلى الله عليه وسلم من نام عن صلاة أو نسيها فيصلها إذا ذكرها" ولم يخص وقتا من وقت فذلك على كل حال وقت لمن نام أو نسي.
حدثنا أحمد بن عاصم بن عبد الرحمن وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا الحارث بن أبي أسامة قال حدثنا روح بن عبادة قال حدثنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن خلاس عن أبي رافع عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "من صلى من الصبح ركعة قبل

(3/296)


أن تطلع الشمس وطلعت فليصل إليها أخرى".
وهذا نص في إبطال قول أبي حنيفة ومن تابعه.
وحدثنا عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن قال حدثنا محمد بن بكر بن داسة قال حدثنا أبو داود قال حدثنا محمد بن كثير قال حدثنا همام عن قتادة عن أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك.
ولا وجه لقول من ادعى النسخ في هذا الباب لأن النسخ إنما يكون فيما يتعارض ويتضاد ولو جاز لقائل أن يقول إن نهيه عن الصلاة في تلك الأوقات ناسخ لقوله من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر وناسخ لقوله من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها ولا يأتي على ذلك بدليل لا معارض له لجاز لقائل أن يقول إن هذين الحديثين قد نسخا نهيه عن الصلاة في تلك الأوقات وهذا لا يجوز لأحد أن يدعي النسخ فيما ثبت بالإجماع وبدليل لا معارض له فلهذا صح قول من قال أن النهي إنما ورد في النوافل دون الفرائض ليصح استعمال الآثار كلها ولا يدفع بعضها ببعض وقد أمكن استعمالها

(3/297)


ألا ترى أنه صلى الله عليه وسلم لو قال في مجلس واحد لا صلاة بعد العصر ولا بعد الصبح ولا عند طلوع الشمس وعند استوائها وغروبها إلا من نسي صلاة وجبت عليه أو نام عنها ثم فزع إليها لم يكن في هذا الكلام تناقض ولا تعارض وكذلك هو إذا ورد هذا اللفظ في حديثين لا فرق بينه وبين أن يرد في حديث واحد ولا فرق أن يكون ذلك في وقت أو وقتين.
فمن حمل قوله صلى الله عليه وسلم من أدرك ركعة من العصر أو الصبح قبل الطلوع والغروب فقد أدرك على الفرائض ورتبه على ذلك وجعل نهيه عن الصلوات في تلك الأوقات مرتبا على النوافل فقد استعمل جميع الآثار والسنن ولم ينسب إليه أنه رد سنة من سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وعلى هذا التأويل في هذه الآثار عامة علماء الحجاز وفقهاؤهم وجميع أهل الأثر.
وهذا أصل عظيم جسيم في ترتيب السنن والآثار فتدبره وقف عليه ورد كل ما يرد عليك من بابه إليه.
ومن قبيح غلطهم في ادعائهم النسخ في هذا الباب أنهم أجازوا لمن غفل أو نام عن عصر يومه أن يصليها في الوقت المنهي عنه فلم يقودوا أصلهم في النسخ ولا فرق بين عصر يومه وغير يومه في نظر ولا أثر.
ولو صح النسخ دخل فيه عصر يومه وغير يومه وفي قولهم هذا إقرار منهم بالخصوص في أحاديث النهي والخصوص

(3/298)


أن يقتصر بها على التطوع دون ما عداه من الصلوات المنسيات المكتوبات.
هذا قول مالك وأصحابه وزاد الشافعي وأصحابه المسنونات.
وأما قولهم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخر الفائتة حين انتبه عند طلوع الشمس فليس كما ظنوا لأنا قد روينا أنهم لم ينتبهوا يومئذ إلا لحر الشمس والشمس لا تكون لها حرارة إلا في وقت تحل فيه الصلاة إن شاء الله.
أخبرنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا ابن وضاح قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا عفان قال حدثنا حماد بن سلمة عن عمرو بن دينار عن نافع بن جبير بن مطعم عن أبيه "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في سفر فقال من يكلؤنا الليلة لا نرقد عن صلاة الفجر فقال بلال أنا فاستقبل مطلع الشمس فضرب على آذانهم حتى أيقظهم حر الشمس ثم قاموا فقادوا ركابهم فتوضئوا ثم أذن بلال ثم صلوا ركعتي الفجر ثم صلوا الفجر".
وسنذكر أحاديث النوم عن الصلاة في باب مرسل زيد بن أسلم وباب ابن شهاب عن ابن المسيب إن شاء الله

(3/299)


ونذكر أحاديث النهي عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها واستوائها في باب زيد ابن أسلم عن عطاء بن يسار عن الصنابحي ونبين معناها عند العلماء.
ونذكر حديث نهيه عن الصلاة بعد الصبح وبعد العصر في باب محمد بن يحيى بن حبان ونذكر أحاديث النوم عن الصلاة في باب مرسل زيد بن أسلم ونورد في كل باب من هذه الأبواب ما للعلماء في ذلك من المذاهب والتنازع إن شاء الله

(3/300)


حديث سادس لزيد بن أسلم مرسل صحيح
مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن عبد الله بن عباس أنه قال "خسفت الشمس فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس معه فقام قياما طويلا قال نحوا من سورة البقرة قال ثم ركع ركوعا طويلا ثم رفع رأسه من الركوع فقام قياما طويلا وهو دون القيام الأول ثم ركع ركوعا طويلا وهو دون الركوع الأول ثم سجد ثم قام قياما طويلا وهو دون القيام الأول ثم ركع ركوعا طويلا وهو دون الركوع الأول ثم رفع فقام قياما طويلا وهو دون القيام الأول ثم ركع ركوعا طويلا وهو دون الركوع الأول ثم سجد ثم انصرف وقد تجلت الشمس فقال إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته فإذا رأيتم ذلك فاذكروا الله قالوا يا رسول الله رأيناك تناولت شيئا في مقامك هذا ثم رأيناك تكعكعت فقال إني رأيت الجنة فتناولت منها عنقودا ولو أخذته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا ورأيت النار فلم أر كاليوم منظرا قط ورأيت أكثر

(3/301)


أهلها النساء قالوا ولم يا رسول الله قال لكفرهن قالوا أيكفرن بالله قال يكفرن العشير ويكفرن الإحسان لو أحسنت إلى إحداهن الدهر كله ثم رأت منك شيئا قالت ما رأيت منك خيرا قط".
هذا من أصح حديث يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الكسوف وهي ركعتان في كل ركعة ركوعان فحصلت أربع ركعات وأربع سجدات وكذلك روى ابن شهاب عن كثير بن عباس عن عبد الله بن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وكذلك روت عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم وحديثها أيضا في ذلك أثبت حديث وأصحه رواه مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة وعن يحيى بن سعيد عن عمرة عن عائشة بمعنى واحد عن النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الكسوف ركعتان في كل ركعة ركوعان.
وكذلك رواه ابن شهاب عن عروة عن عائشة وبه يقول مالك والشافعي وأصحابهما وهو قول أهل الحجاز وقول الليث بن سعد وبه قال أحمد بن حنبل وأبو ثور.
فأما قوله في هذا الحديث وهو دون القيام الأول فإنه أراد بقوله أن القيام الأول أطول من الثاني وكذلك الركوع الأول

(3/302)


أطول من الثاني في الركعة الأولى وأراد والله أعلم في الركعة الثانية أن القيام الأول فيها دون القيام الأول في الركعة الأولى والركوع الأول فيها دون الركوع الأول في الركعة الأولى وأراد والله أعلم بقوله في القيام الأول فيها وكذلك ركوعه الثاني فيها دون ركوعه الأول فيها وقد قيل غير هذا وهذا أصح ما قيل في ذلك عندي والله أعلم لتكون الركعتان معتدلتين في أنفسهما وكما نقص القيام الثاني في الركعة الأولى عن القيام الأول فيها والركوع الثاني في الأولى عن الركوع الأول فيها نفسها فكذلك يجب أن تكون الركعة الثانية ينقص قيامها الثاني عن قيامها الأول وركوعها الثاني عن ركوعها الأول فيها نفسها ويكون قيامها الأول دون القيام الأول في الركعة الأولى وركوعها الأول دون الركوع الأول في الركعة الأولى وجائز على هذا القياس أن يكون القيام الأول في الركعة الثانية مثل القيام الثاني في الركعة الأولى وجائز أن يكون دونه وحسبه أن يكون دون القيام الأول في الركعة الأولى والقول في الركوع على هذا القياس فتدبره وبالله التوفيق.
وقال مالك لم أسمع أن السجود يطول في صلاة الكسوف وهو مذهب الشافعي

(3/303)


ورأت فرقة من أهل الحديث تطويل السجود في ذلك وروته عن ابن عمر.
وقال العراقيون منهم أبو حنيفة وأصحابه والثوري صلاة الكسوف كهيئة صلاتنا ركعتان نحو صلاة الصبح ثم الدعاء حتى تنجلي وهو قول إبراهيم النخعي
قال أبو عمر:
روي نحو قول العراقيين عن النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الكسوف من حديث أبي بكرة وسمرة بن جندب و عبد الله بن عمر وقبيصة الهلالي والنعمان بن بشير و عبد الرحمن بن سمرة.
حدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا أحمد بن أبي شعيب

(3/304)


قال حدثنا الحارث بن عمير البصري عن أيوب السختياني عن أبي قلابة عن النعمان بن بشير قال "كسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل يصلي ركعتين ركعتين ويسلم حتى تجلت الشمس".
حدثنا عبد الوارث قال حدثنا قاسم بن أحمد بن زهير قال حدثنا عبد الله بن جعفر قال حدثنا عبيد الله بن عمرو عن أيوب عن أبي قلابة عن قبيصة الهلالي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "إذا انكسفت الشمس أو القمر فصلوا كأحدث صلاة صليتموها مكتوبة"
قال أبو عمر:
الأحاديث في هذا الوجه في بعضها اضطراب تركت ذلك لشهرته عند أهل الحديث ولكراهة التطويل والمصير إلى حديث ابن عباس وعائشة من رواية مالك أولى لأنهما أصح ما روي في هذا الباب من جهة الإسناد ولأن فيها زيادة في كيفية

(3/305)


الصلاة يجب قبولها واستعمال فائدتها ولأنهما قد وصفا صلاة الكسوف وصفا يرتفع معه الإشكال والوهم.
فإن قيل إن طاووسا روى عن ابن عباس أنه صلى في صلاة الكسوف ركعتين في كل ركعة ثلاث ركعات ثم سجد وإن عبيد بن عمير روى عن عائشة مثل ذلك وإن عطاء روى عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الكسوف ست ركعات في أربع سجدات وإن أبا العالية روى عن أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم عشر ركعات في ركعتي الكسوف وأربع سجدات فلم يكن المصير عندك إلى زيادة هؤلاء أولى قيل له إنما تقبل الزيادة من الحافظ إذا ثبتت عنه وكان أحفظ وأتقن ممن قصر أو مثله في الحفظ لأنه كأنه حديث آخر مستأنف.
وأما إذا كانت الزيادة من غير حافظ ولا متقن فإنها لا يلتفت إليها وحديث طاووس هذا مضطرب ضعيف رواه وكيع عن الثوري عن حبيب بن أبي ثابت عن طاووس عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا ورواه غير الثوري عن حبيب بن أبي ثابت عن ابن عباس لم يذكر طاووسا ووقفه ابن عيينة عن سليمان الأحول عن طاووس عن ابن عباس فعله ولم يرفعه وهذا الاضطراب يوجب طرحه واختلف أيضا في متنه فقوم يقولون أربع ركعات في ركعة وقوم يقولون ثلاث ركعات في ركعة ولا يقوم بهذا الاختلاف حجة

(3/306)


وأما حديث جابر فرواه أبو الزبير عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم "أربع ركعات في أربع سجدات" مثل حديث ابن عباس هذا ذكره أبو داود قال حدثنا مؤمل بن هشام قال حدثنا إسماعيل بن علية قال حدثنا هشام قال حدثنا أبو الزبير.
وأما حديث أبي بن كعب فإنما يدور على أبي جعفر الرازي عن الربيع عن أنس عن أبي العالية وليس هذا الإسناد عندهم بالقوي.
وأما حديث عبيد بن عمير عن عائشة "أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى صلاة الكسوف ثلاث ركعات وسجدتين في كل ركعة" فإنما يرويه قتادة عن عطاء عن عبيد بن عمير عن عائشة وسماع قتادة عندهم من عطاء غير صحيح وقتادة إذا لم يقل سمعت وخولف في نقله فلا تقوم به حجة لأنه يدلس كثيرا عمن من لم يسمع منه وربما كان بينهما غير ثقة وليس مثل هذه الأسانيد يعارض بها حديث عروة وعمرة عن عائشة ولا حديث عطاء بن يسار عن ابن عباس لأنها من الآثار التي لا مطعن لأحد فيها وقد كان أبو داود الطيالسي يروي حديث قتادة هذا عن هشام عن قتادة عن عطاء عن عبيد بن عمير عن عائشة موقوفا لا يرفعه

(3/307)


حدثنا محمد بن إبراهيم ومحمد بن حكم قالا حدثنا محمد بن معاوية قال حدثنا الفضل بن الحباب القاضي قال حدثنا أحمد بن الفرات أبو مسعود قال حدثنا أبو داود قال حدثنا هشام عن قتادة عن عطاء عن عبيد بن عمير عن عائشة قالت "صلاة الآيات ست ركعات وأربع سجدات".
قال أبو مسعود ولم يرفعه أبو داود ورفعه معاذ بن هشام
قال أبو عمر:
قول ابن عباس في حديثنا المذكور في هذا الباب حيث قال نحوا من سورة البقرة دليل على سنة القراءة في صلاة الكسوف أن تكون سرا.
وكذلك روى ابن إسحاق عن هشام بن عروة وعبد الله بن أبي سلمة عن عروة عن عائشة قالت كسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج فصلى بالناس فأقام فأطال القيام فحزرت قراءته فرأيت أنه قرأ سورة البقرة وساق الحديث وسجد سجدتين ثم قام فحزرت قراءته فرأيت أنه قرأ سورة آل عمران

(3/308)


وهذا يدل على أن قراءته كانت سرا ولذلك روى سمرة بن جندب عن النبي صلى الله عليه وسلم "أنه لم يسمع له صوت في صلاة الكسوف" وبذلك قال مالك والشافعي وأصحابهما وهو قول أبي حنيفة والليث بن سعد والحجة لهم ما ذكرنا.
أخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا أحمد بن يونس قال حدثنا زهير قال حدثنا الأسود بن قيس قال حدثني ثعلبة بن عباد العبدي من أهل البصرة أنه شهد خطبة يوما لسمرة فذكر حديث الكسوف بتمامه وفيه فصلى بنا فقام كأطول ما قام بنا قط لا نسمع له صوتا وذكر الحديث.
أخبرنا عبد الله بن إبراهيم بن أسد قال حدثنا حمزة بن محمد بن أحمد بن شعيب بن علي قال أخبرنا عمرو بن منصور قال أخبرنا أبو نعيم قال حدثنا سفيان عن الأسود بن قيس عن

(3/309)


ثعلبة بن عباد عن سمرة بن جندب "أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بهم كسوف الشمس لا يسمع له صوت".
وقد روي عن ابن عباس أنه قال في صلاة الخسوف كنت إلى جنب النبي صلى الله عليه وسلم فما سمعت منه حرفا.
ومن حجة من ذهب إلى هذا المذهب ما جاء في الخبر صلاة النهار عجماء.
وروي عن علي رضي الله عنه أنهم حزروا قراءته بالروم ويس أو العنكبوت.
وروي عن أبان بن عثمان أنه قرأ في صلاة الكسوف سأل سائل والذي استحسن مالك والشافعي أن يقرأ في الأولى بالبقرة وفي الثانية بآل عمران وفي الثالثة بقدر مائة آية وخمسين آية من البقرة وفي الرابعة بقدر خمسين آية من البقرة وفي كل واحدة أم القرآن لا بد وكل ذلك لا يسمع للقارئ وقال أبو يوسف ومحمد بن الحسن يجهر بالقراءة في صلاة الكسوف وروي عن علي بن أبي طالب أنه جهر وعن زيد بن أرقم والبراء بن عازب والعلاء بن يزيد مثله وبه قال أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه

(3/310)


واحتجوا أيضا بحديث سفيان بن حسين عن الزهري عن عروة عن عائشة "أن النبي صلى الله عليه وسلم جهر بالقراءة في كسوف الشمس" وفي حديث أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم "أنه قرأ بسورة من الطول ثم ركع خمس ركعات وسجد سجدتين ثم قام إلى الثانية فقرأ بسورة من الطول ثم ركع خمس ركعات وسجد سجدتين ثم جلس كما يدعو ثم انجلى كسوفها" وقد يحتمل أن يكون قوله سورة من الطول في تقديره والظاهر فيه الجهر والله أعلم ولكنه حديث يدور على أبي جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية عن أبي وقد تكلم في هذا الإسناد وسفيان بن حسين في الزهري ليس بالقوي وقد تابعة على ذلك عن الزهري عبد الرحمن بن نمير وسليمان بن كثير وكلهم لين الحديث عن الزهري

(3/311)


ومن حجة من قال بالجهر في صلاة الكسوف إجماع العلماء على أن كل صلاة سنتها أن تصلى في جماعة من صلوات السنن سنتها الجهر كالعيدين والاستسقاء وكذلك الخسوف.
وقال الطبري إن شاء جهر في صلاة الكسوف وإن شاء أسر وإن شاء قرأ في كل ركعة مرتين وركع فيها ركوعين وإن شاء أربع قراءات وركع أربع ركعات وإن شاء ثلاث ركعات في ركعة وإن شاء ركعتين كصلاة النافلة.
واختلف الفقهاء أيضا في صلاة الكسوف هل هي في كل النهار أم لا فروى ابن وهب عن مالك قال لا يصلى الكسوف إلا في حين صلاة قال فإن كسفت في غير حين الصلاة ثم جاء حين الصلاة والشمس لم تنجل صلوا فإن تجلت قبل ذلك لم يصلوا.
وروى ابن القاسم عنه قال لا أرى أن يصلى الكسوف بعد الزوال وإنما سنتها تصلى ضحى إلى الزوال وقال الليث بن سعد يصلى الكسوف نصف النهار لأن نصف النهار لا يثبت لسرعة الشمس وقال الليث حججت سنة ثلاث عشرة ومائة وعلى الموسم سليمان بن هشام وبمكة عطاء بن أبي رباح وابن شهاب وابن أبي مليكة وعكرمة بن خالد وعمرو بن شعيب وقتادة وأيوب بن موسى وإسماعيل بن أمية فكسفت الشمس بعد العصر فقاموا قياما يدعون الله بعد العصر في

(3/312)


المسجد فقلت لأيوب بن موسى ما لهم لا يصلون وقد صلى النبي صلى الله عليه وسلم في الكسوف فقال النهي قد جاء عن الصلاة بعد العصر فلذلك لا يصلون والنهي يقطع الأمر ذكره الحلواني عن ابن أبي مريم وأبي صالح كاتب الليث جميعا عن الليث وقال أبو حنيفة وأصحابه والطبري لا تصلى صلاة الكسوف في الأوقات المنهي عن الصلاة فيها وقال الشافعي تصلى نصف النهار وبعد العصر وفي كل وقت وهو قول أبي ثور وقال إسحاق تصلى في كل وقت إلا في حين الطلوع والغروب والنهي عند الشافعي عن الصلاة بعد العصر في كل وقت وهو قول أبي ثور إنما هو على التطوع المبتدأ
فأما الفرائض والسنن وما كان من عادة المرء أن يصليه فلا وسيأتي اختلافهم في هذا المعنى في موضعه من هذا الكتاب إن شاء الله بحجة كل واحد منهم ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وقال إسحاق بن راهويه في صلاة الكسوف إن شاء أربع ركعات في ركعتين وإن شاء ست ركعات في ركعتين كل ذلك مؤتلف يصدق بعضه بعضا لأنه إنما كان يزيد في الركوع إذا لم ير الشمس قد تجلت فإذا تجلت سجد قال فمن ها هنا زيادة الركعات ولا يجاوز بذلك أربع ركعات في كل ركعة لأنه لم يأتنا عن النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من ذلك

(3/313)


قال أبو عمر:
قد روي من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم "خمس ركعات في كل ركعة" على ما قدمنا ذكره في كل ركعة وهو حديث لين ومثله روي عن علي رحمه الله أنه صلى في الكسوف خمس ركعات وسجد سجدتين ثم قام ففعل في الركعة الثانية مثل ذلك وروي عن الحسن مثل ذلك وأصح شيء في هذا الباب حديث ابن عباس وعائشة أربع ركعات في أربع سجدات والله أعلم وقد روي عن أحمد بن حنبل وقاله جماعة من أصحاب الشافعي أن الآثار المروية عن النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الكسوف كلها حسان وبأيها عمل الناس جاز عنهم إلا أن الاختيار عندهم ما في حديث ابن عباس هذا وما كان مثله واختلفوا أيضا في صلاة كسوف القمر فقال العراقيون ومالك وأصحابه لا يجمع في صلاة القمر ولكن يصلي الناس أفذاذا ركعتين كسائر الصلوات والحجة لهم قوله صلى الله عليه وسلم "صلاة المرء في بيته أفضل إلا المكتوبة" وخص صلاة كسوف الشمس بالجمع لها ولم يفعل ذلك في

(3/314)


كسوف القمر فخرجت صلاة كسوف الشمس بدليلها وما ورد من التوفيق فيها وبقيت صلاة كسوف القمر على أصل ما عليه النوافل.
وقال الليث بن سعد لا يجمع في صلاة القمر ولكن الصلاة فيها كهيئة الصلاة في كسوف الشمس وهو قول عبد العزيز بن أبي سلمة ذكره ابن وهب عنه وقال ذلك لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم "إذا رأيتم ذلك بهما فافزعوا إلى الصلاة" وقال الشافعي وأصحابه وأهل الحديث وأحمد وإسحاق وأبو ثور وداود والطبري الصلاة في كسوف القمر كهي في كسوف الشمس سواء وهو قول الحسن وإبراهيم وعطاء وحجتهم في ذلك قوله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث "إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته فإذا رأيتم ذلك فاذكروا الله" قال الشافعي رحمه الله فكان الذكر الذي فزع إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم عند كسوف الشمس هو الصلاة المذكورة فكذلك خسوف القمر يجمع الصلاة عنده على حسب الصلاة عند كسوف الشمس لأنه صلى الله عليه وسلم قد جمع بينهما في الذكر

(3/315)


ولم يخص إحداهما من الأخرى بشيء وقال صلى الله عليه وسلم "إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يخسفا لموت أحد ولا لحياته فإذا رأيتم ذلك فصلوا وادعوا" وروى عبد الله بن عباس عنه أنه قال فافزعوا إلى الصلاة إذا رأيتم ذلك وعرفنا كيف الصلاة عند إحداهما فكان دليلا على الصلاة عند الأخرى اه
قال أبو عمر:
روي عن ابن عباس وعثمان بن عفان أنهما صليا في القمر جماعة ركعتين في كل ركعة ركوعان مثل قول الشافعي على حديث ابن عباس المذكور في هذا الباب
وأخبرنا عبد الله بن محمد الجهني قال حدثنا حمزة بن محمد الكناني قال حدثنا أحمد بن شعيب النسوي قال حدثنا عمران بن موسى قال حدثنا عبد الوارث قال حدثنا يونس عن الحسن عن أبي بكرة قال "كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فانكسفت الشمس فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يجر رداءه حتى انتهى إلى المسجد وثاب إليه الناس فصلى ركعتين فلما انكسفت الشمس قال إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله يخوف بهما الله عباده وإنهما لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته فإذا رأيتم ذلك فصلوا حتى

(3/316)


ينكشف ما بكم" وذلك أن ابنا له مات يقال له إبراهيم فقال ناس في ذلك.
وقد روي عن مالك أنه قال ليس في صلاة كسوف القمر سنة ولا صلاة فيها إلا لمن شاء وهذا شيء لم يقله أحد من العلماء غيره والله أعلم وسائر العلماء يرون صلاة كسوف القمر سنة كل على مذهبه.
واختلفوا أيضا بعد صلاة الكسوف فقال الشافعي ومن اتبعه وهو قول إسحاق والطبري يخطب بعد الصلاة في الكسوف كالعيدين والاستسقاء.
واحتج الشافعي بحديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة في حديث الكسوف وفيه "ثم انصرف وقد تجلت الشمس فخطب الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله" الحديث وبه احتج كل من رأى الخطبة في الكسوف.
وقال مالك وأبو حنيفة وأصحابهما لا خطبة في الكسوف واحتج بعضهم في ذلك بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما خطب الناس لأنهم قالوا إن الشمس كسفت لموت إبراهيم بن النبي صلى الله عليه وسلم فلذلك خطبهم يعرفهم أن الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته وكان مالك والشافعي لا يريان الصلاة عند الزلزلة ولا عند الظلمة والريح الشديدة ورآها جماعة من أهل العلم منهم أحمد وإسحاق وأبو ثور وروى عن ابن عباس إنه صلى في زلزلة

(3/317)


قال ابن مسعود: إذا سمعتم هذا من السماء فافزعوا إلى الصلاة.
وقال أبو حنيفة من فعل فحسن ومن لا فلا حرج
قال أبو عمر:
لم يأت عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجه صحيح أن الزلزلة كانت في عصره ولا صحت عنه فيها سنة وقد كانت أول ما كانت في الإسلام على عهد عمر فأنكرها فقال أحدثتم والله لئن عادت لأخرجن من بين أظهركم رواه ابن عيينة عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن صفية قالت زلزلت المدينة على عهد عمر حتى اصطكت السرر فقام فحمد الله وأثنى عليه ثم قال ما أسرع ما أحدثتم والله لئن عادت لأخرجن من بين أظهركم.
روى حماد بن سلمة عن قتادة عن عبد الله بن الحارث قال زلزلت الأرض بالبصرة فقال ابن عباس والله ما أدري أزلزلت الأرض أم بي أرض فقام بالناس فصلى يعني صلاة الكسوف اه.
أما قوله في الحديث رأيناك تكعكعت فمعناه عند أهل اللغة أخنست وتأخرت وقال الفقهاء معناه تقهقرت والأمر كله قريب

(3/318)


وقال متمم بن نويرة:
ولكنني أمضي على ذاك مقدما ... إذا بعض من لاقى الخطوب تكعكعا
وأما قوله عليه السلام "إني رأيت الجنة ورأيت النار" فإن الآثار في رؤيته لهما صلى الله عليه وسلم كثيرة وقد رآهما مرارا والله أعلم على ما جاءت به الأحاديث وعند الله علم كيفية رؤيته لهما صلى الله عليه وسلم فيمكن أن يمثلا له فينظر إليهما بعيني وجهه كما مثل له بيت المقدس حين كذبه الكفار بالإسراء فنظر إليه وجعل يخبرهم عنه وممكن أن يكون ذلك برؤية القلب قال الله عز وجل {وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ} واختلف أهل التفسير في ذلك فقال مجاهد فرجت له السموات فنظر إلى ما فيهن حتى انتهى بصره إلى العرش وفرجت له الأرضون السبع فنظر إلى ما فيهن اه.
ذكره حجاج عن ابن جريج قال أخبرني القاسم بن أبي بزة عن مجاهد وذكره معمر عن قتادة قال ملكوت السموات الشمس والقمر والنجوم وملكوت الأرض الجبال والشجر والبحار والظاهر في هذا الحديث أنه رأى الجنة والنار رؤية عين والله أعلم وتناول من الجنة عنقودا على ما ذكر صلى الله عليه وسلم ويؤيد ذلك قوله فلم أر كاليوم منظرا قط فالظاهر

(3/319)


الأغلب أنها رؤية عين لأن الرؤية والنظر إذا أطلقا فحقهما أن يضافا إلى رؤية العين إلا بدليل لا يحتمل تأويلا وإلا فظاهر الكلام وحقيقته أولى إذا لم يمنع منه مانع دليل يجب التسليم له وفي الحديث أيضا من ذكر الجنة والنار دليل على أنهما مخلوقتان وعلى ذلك جماعة أهل العلم وأنهما لا يبيدان من بين سائر المخلوقات وأهل البدع ينكرون ذلك.
وأما قوله في العنقود ولو أخذته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا فكما قال صلى الله عليه وسلم.
حدثني أحمد بن عمر قال حدثنا عبد الله بن محمد بن علي قال حدثنا محمد بن فطيس قال حدثنا محمد بن إسحاق السجسي قال حدثنا عبد الرزاق قال أخبرنا معمر عن يحيى بن أبي كثير عن عمرو بن يزيد البكالي عن عتبة بن عبد السلمي قال "جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله عن الجنة وذكر الحوض

(3/320)


فقال قال فيها فاكهة قال نعم شجرة تدعى طوبى قال يا رسول الله أي شجر أرضنا تشبه قال لا تشبه شيئا من شجر أرضك ائت الشام هناك شجرة تدعى الجوزة تنبت على ساق يفترش أعلاها قال يا رسول الله فما عظم أصلها قال لو ارتحلت جذعة من إبل أهلك ما أحاطت بأصلها حتى تنكسر ترقوتها هرما قال هل فيها عنب قال نعم قال فما عظم العنقود منها قال مسيرة الغراب شهر إلا يقع ولا يفتر قال فما عظم حبها قال أما عمد أبوك وأهلك إلى جذعة فذبحها وسلخ إهابها فقال افروا لنا منها دلوا فقال رسول الله أن تلك الحبة لتشبعني وأهل بيتي قال نعم وأهل عشيرتك"
قال أبو عمر:
روينا عن بعض الصحابة لا أقف على اسمه في وقتي هذا أنه قال كان يسرنا أن تأتي الأعراب يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنهم كانوا يسألون عن أشياء لا نقدم نحن على السؤال عنها أو نحو هذا وقال بعض أهل العلم ليس في الدنيا شيء مما في الجنة إلا الأسماء وأما قوله فرأيت النار فلم أر

(3/321)


كاليوم منظرا قط ورأيت أكثر أهلها النساء فإنه قد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم من وجوه أنه قال "اطلعت في الجنة فرأيت أكثر أهلها المساكين واطلعت في النار فرأيت أكثر أهلها النساء".
حدثني أحمد بن قاسم بن عبد الرحمن قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا الحارث بن أبي أسامة وحدثني عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن إسماعيل الترمذي قالا جميعا حدثنا هوذة بن خليفة قال حدثنا سليمان التيمي عن أبي عثمان النهدي عن أسامة بن زيد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "قمت على باب الجنة فإذا عامة من دخلها المساكين وإذا أصحاب الجد محبوسون إلا أصحاب النار فقد أمر بهم إلى النار وقمت على باب النار فإذا عامة من دخلها النساء وأما قوله في الحديث قالوا لم يا رسول الله قال لكفرهن قيل أيكفرن بالله قال ويكفرن العشير ويكفرن الإحسان" وهكذا رواه يحيى بن يحيى ويكفرن العشير بالواو قالوا وقد تابعه بعض

(3/322)


من نقد عليه ذلك أيضا غلطا كما عد على يحيى والمحفوظ فيه عن مالك من رواية ابن القاسم وابن وهب والقعنبي وعامة رواة الموطأ قال يكفرن العشير بغير واو وهو الصحيح في المعنى وأما رواية يحيى فالوجه فيها والله أعلم أن يكون السائل لما قال أيكفرن بالله لم يجبه عن هذا جوابا مكشوفا لإحاطة العلم بأن من النساء من يكفرن بالله كما أن من الرجال من يكفر بالله فلم يحتج إلى ذلك لأن المقصود في الحديث إلى غير ذلك كأنه قال وإن كان من النساء من يكفرن بالله فإنهن كلهن في الغالب من أمرهن يكفرن الإحسان ألا ترى إلى قوله صلى الله عليه وسلم للنساء المؤمنات "تصدقن فإني رأيتكن أكثر أهل النار".
وقرأت على خلف بن القاسم أن الحسين بن جعفر الزيات حدثهم بمصر قال حدثنا يوسف بن يزيد قال حدثنا حجاج بن إبراهيم قال حدثنا إسماعيل بن جعفر عن عمرو بن أبي عمرو عن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة "أن النبي صلى الله عليه وسلم انصرف من صلاة الصبح فأتى النساء في المسجد فوقف عليهن فقال يا معشر النساء تصدقن فما رأيت من نواقص عقل قط أو دين أذهب لقلوب ذوي الألباب

(3/323)


منكن وإني رأيتكن أكثر أهل النار يوم القيامة فتقربن إلى الله بما استطعتن وكان في النساء امرأة ابن مسعود" فساق الحديث فقالت فما نقصان ديننا وعقولنا يا رسول الله قال "أما ما ذكرت من نقصان دينكن فالحيضة التي تصيبكن تمكث إحداكن ما شاء الله أن تمكث لا تصلي ولا تصوم فذلك نقصان دينكن وأما ما ذكرت من نقصان عقولكن فشهادة المرأة نصف شهادة الرجل".
وأما قوله يكفرن العشير ويكفرن الإحسان فالعشير في هذا الموضع عند أهل العلم الزوج والمعنى عندهم في ذلك كفر النساء لحسن معاشرة الزوج ثم عطف على ذلك كفرهن بالإحسان جملة في الزوج وغيره وقال أهل اللغة العشير المخالط من المعاشرة ومنه قول الله عز وجل {لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ}.
قال الشاعر:
وتلك التي لم يشكها في خليقة ... عشير وهل يشكو الكريم عشير
وقال آخر:
سلاهل قلاني من عشير صحبته ... وهل ذم رحلي في الرفاق دخيل

(3/324)


حدثني سعيد بن نصر قراءة عليه أن قاسم بن أصبغ حدثهم قال حدثنا محمد بن إسماعيل قال حدثنا الحميدي قال حدثنا سفيان قال حدثنا منصور قال حدثنا ذر الهمداني عن وائل بن مهانة عن عبد الله بن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "تصدقن يا معشر النساء ولو من حليكن فإنكن من أكثر أهل النار فقامت امرأة ليست من علية النساء فقالت لم يا رسول الله فقال لأنكن تكثرن اللعن وتكفرن العشير" ثم قال عبد الله بن مسعود ما وجد من ناقص العقل والدين أغلب للرجال ذوي الرأي على أمورهم من النساء قال فقيل يا أبا عبد الرحمن فما نقصان عقلها ودينها فقال أما نقصان عقلها فجعل الله شهادة امرأتين كشهادة رجل وأما نقصان دينها فإنها تمكث كذا وكذا يوما لا تصلي لله فيه سجدة
قال أبو عمر:
رواه شعبة عن الحكم عن وائل بن مهانة عن عبد الله عن النبي عليه السلام نحوه قال وقال عبد الله "وما رأيت من ناقصات الدين والعقل أغلب للرجال ذوي الأمر منهن" ثم ذكره إلى آخره ورواه المسعودي عن الحكم عن ذر عن وائل بن مهانة عن عبد الله موقوفا والصواب

(3/325)


فيه رواية منصور عن ذر والله أعلم.
وقد روي كلام ابن مسعود هذا مرفوعا وقد ذكرناه من حديث المغيرة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ورواه الدراوردي عن سهيل عن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب فوعظ ثم قال يا معشر النساء تصدقن فإني رأيتكن أكثر أهل النار فقالت له امرأة ولم ذلك يا رسول الله قال بكثرة لعنكن وكفركن العشير وما رأيت ناقصات عقل ودين أغلب لألباب ذوي الرأي منكن فقالت امرأة يا رسول الله وما نقصان عقولنا وديننا فقال شهادة امرأتين منكن شهادة رجل ونقصان دينهن الحيضة تمكث إحداكن الثلاث والأربع لا تصلي".
وروى الليث بن سعد وبكر بن مضر عن ابن الهادي عن عبد الله بن دينار وعن عبد الله بن عمر "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يا معشر النساء تصدقن وأكثرن من الاستغفار فإني رأيتكن أكثر أهل النار قالت امرأة منهن وما لنا يا رسول الله أكثر أهل النار قال تكثرن اللعن وتكفرن العشير ما رأيت من ناقصات عقل ودين أغلب لذي لب منكن قالت يا رسول الله وما نقصان قال أما نقصان العقل فشهادة امرأتين تعدل شهادة رجل فهذا من نقصان العقل وتمكث ليالي ما تصلي وتفطر في رمضان فهذا نقصان الدين".
هذا الحديث يدل على أن نقصان الدين قد يقع ضرورة لا تدفع ألا ترى أن الله جبلهن على ما يكون نقصا فيهن قال الله عز وجل {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى

(3/326)


بَعْضٍ} وقد فضل الله أيضا بعض الرجال على بعض وبعض النساء على بعض وبعض الأنبياء على بعض لا يسأل عما يفعل وهو الحكيم العليم اه.
حدثنا خلف بن سعيد قال حدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا أحمد بن خالد قال حدثنا عبد الله بن محمد بن أسد قال حدثنا أحمد بن خالد قال حدثنا علي بن عبد العزيز قال حدثنا عبد الله بن رجاء الغداني قال أخبرنا عمران القطان عن قتادة عن سعيد بن المسيب عن عبد الله بن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا ينظر الله عز وجل يوم القيامة إلى امرأة لا تشكر لزوجها وهي لا تستغني عنه" وكذلك رواه سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن سعيد بن المسيب عن عبد الله بن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا ينظر الله إلى امرأة لا تعرف حق زوجها وهي لا تستغني عنه" رواه شعبة عن قتادة عن سعيد بن المسيب عن عبد الله بن عمر موقوفا حدثناه عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا عمرو بن مرزوق قال حدثنا شعبة عن قتادة عن سعيد بن المسيب عن عبد الله بن عمر قال "لا ينظر الله إلى امرأة لا تشكر لزوجها وهي لا

(3/327)


تستغني عنه
وحدثنا خلف بن قاسم قال حدثنا أبو طالب محمد بن زكرياء ببيت المقدس قال حدثنا محمد بن يعقوب بن الفرج قال حدثنا علي بن المديني قال حدثنا هشام بن يوسف قال حدثنا القاسم بن فياض عن خلاد ابن عبد الرحمن بن جعدة عن سعيد بن المسيب أنه سمع ابن عباس يقول "إن امرأة قالت يا رسول الله ما خير ما أعدت المرأة قال الطاعة للزوج والاعتراف بحقه"

(3/328)


حديث سابع لزيد بن أسلم مسند صحيح
مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن عبد الله بن عباس "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أكل كتف شاة ثم صلى ولم يتوضأ".
عند عطاء بن يسار في هذا الباب أيضا حديث عن أم سلمة عن النبي صلى الله عليه وسلم ذكره عبد الرزاق قال أخبرنا ابن جريج قال حدثني محمد بن يوسف أن عطاء بن يسار أخبره "أن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أخبرته أنها قربت لرسول الله صلى الله عليه وسلم جنبا مشويا فأكل منه ثم قام إلى الصلاة ولم يتوضأ" وليس هذا باختلاف على عطاء بن يسار في الإسناد وهما حديثان صحيحان

(3/329)


قال أبو عمر:
روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال "توضؤا مما غيرت النار وتوضئوا مما مست النار" وذهب بعض من تكلم في تفسير حديث النبي عليه السلام إلى أن قوله عليه السلام توضئوا مما مست النار أنه عنى به غسل اليد لأن الوضوء مأخوذ من الوضاءة وهي النظافة فكأنه قال فنظفوا أيديكم من غمر ما مست النار ومن دسم ما مست النار وهذا لا معنى له عند أهل العلم ولو كان كما ظن هذا القائل لكان دسم ما لم تسمه النار وودك ما لم تمسه النار لا يتنظف منه ولا تغسل منه اليد وهذا لا يصح عند ذي لب
وتأويله هذا يدل على ضعف نظره وقلة علمه بما جاء عن السلف في هذه المسألة اه.والله أعلم.
وقوله صلى الله عليه وسلم توضئوا مما مست النار أمر منه بالوضوء المعهود للصلاة لمن أكل طعاما مسته النار وذلك عند أكثر العلماء وعند جماعة أئمة الفقهاء منسوخ بأكله صلى الله عليه وسلم طعاما مسته النار وصلاته بعد ذلك دون أن يحدث وضوءا فاستدل العلماء بذلك على أن أمره بالوضوء مما

(3/330)


مست النار منسوخ وأشكل ذلك على طائفة كثيرة من أهل العلم بالمدينة والبصرة ولم يقفوا على الناسخ في ذلك من المنسوخ أو لم يعرفوا غير الوجه الواحد فكانوا يوجبون الوضوء مما مست النار ويتوضئون من ذلك وممن روى عنه ذلك زيد بن ثابت وابن عمرو وأبو موسى وأبو هريرة وعائشة وأم حبيبة أما المؤمنين واختلف فيه عن أبي طلحة الأنصاري وعن ابن عمر وأنس بن مالك وبه قال خارجة بن زيد بن ثابت وأبو بكر بن عبد الرحمن وابنه عبد الملك ومحمد ابن المنكدر وعمر بن عبد العزيز وابن شهاب الزهري فهؤلاء كلهم مدنيون.
وقال به من أهل العراق أبو قلابة وأبو مخلد والحسن البصري ويحيى بن يعمر وهؤلاء كلهم بصريون

(3/331)


وكان ابن شهاب رحمه الله قد عرف الوجهين جميعا في ذلك وروى الحديثين المتعارضين في هذا الباب وكان يذهب إلى أن قوله صلى الله عليه وسلم توضئوا مما غيرت النار ناسخ لفعله المذكور في حديث ابن عباس هذا ومثله وهذا مما غلط فيه الزهري مع سعة علمه وقد ناظره أصحابه في ذلك فقالوا كيف يذهب الناسخ على أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وهم الخلفاء الراشدون فأجابهم بأن قال أعيى الفقهاء أن يعرفوا ناسخ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم من منسوخه.
حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا هارون بن معروف قال حدثنا ضمرة عن رجاء بن أبي سلمة عن أبي رزين قال سمعت الزهري يقول أعيى الفقهاء وأعجزهم أن يعرفوا ناسخ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم من منسوخه.
وروى أبو عاصم النبيل وهو الضحاك بن مخلد عن بن أبي ذئب عن ابن شهاب عن عبد الملك بن أبي بكر عن خارجة بن زيد بن ثابت عن أبيه زيد بن ثابت قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "توضؤا مما غيرت النار".
وجاء عن أبي هريرة في هذا الباب نحو مذهب ابن شهاب لأن أبا هريرة ممن روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال "توضئوا مما مست النار" وروي عنه أيضا أنه أكل كتف شاة فمضمض وغسل يديه وصلى فكان أبو هريرة يتوضأ مما مست النار فدل ذلك على أن مذهبه ومذهب ابن شهاب في ذلك

(3/332)


سواء وأنه أعتقد أن الناسخ قوله صلى الله عليه وسلم "توضئوا مما مست النار".
فأما حديثه في الرخصة في ذلك فرواه سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم "أكل كتف شاة فمضمض وغسل يديه وصلى" ذكره الأثرم قال حدثنا عفان قال حدثنا وهيب قال حدثنا سهيل وذكر عبد الرزاق عن ابن جريج عن محمد بن يوسف عن سليمان بن يسار عن أبي هريرة أنه كان يتوضأ مما مست النار.
وأخبرنا أحمد بن عبد الله وأحمد بن سعيد قالا حدثنا مسلم بن القاسم قال حدثنا أبو الحسن العباس بن محمد الجوهري ببغداد قال حدثنا عمي القاسم بن محمد قال حدثنا سعيد بن سليمان قال حدثنا فليح بن سليمان قال سألنا الزهري عن الوضوء مما غيرت النار فذكر فيه عن أبي هريرة وخارجة بن زيد وعمر بن عبد العزيز وعبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن وغيرهم أنهم كانوا يتوضئون ما غيرت النار فقلت له إن ها هنا شيخا من قريش يقال له عبد الله بن محمد بن عقيل يحدث عن جابر بن عبد الله يقول "خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهل سعد بن الربيع فأتينا بخبز ولحم فأكل وأكلنا فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم

(3/333)


يتوضأ وأنه رجع مع أبي بكر في خلافته بعد المغرب فأتى أهله فابتغى عشاء فقيل ما عندنا عشاء إلا أن هذه الشاة ولدت فاحتلب لنا من لبنها ثم طبخ فأكل وأكلنا فقال لي ما قال لك يعني النبي صلى الله عليه وسلم قال قال لي إذا جاءنا مال أعطيناك هكذا وهكذا وهكذا فحفن لي ثلاث حفنات ثم قمنا إلى الصلاة فصلينا ولم يمس أحد منا ماء".
وكان عمر بن الخطاب ربما صنع لنا في ولايته الخبز واللحم فأكل وما يتوضأ أحد منا فقال الزهري أهذا تريدون حدثني علي بن عبد الله بن عباس أن أباه أخبره أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم "أكل عضوا وصلى ولم يتوضأ" قال وحدثني جعفر بن عمرو بن أمية الضمري عن أبيه "أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم أكل عضوا وصلى ولم يتوضأ" فقلت للزهري فما بعد هذا قال أنه يكون الأمر ثم يكون بعده الأمر
قال أبو عمر:
فهذا يدلك على أن ابن شهاب كان يذهب إلى أن الناسخ في هذا الباب أمره صلى الله عليه وسلم بالوضوء مما مست النار وأظنه كان يقول أن أمهات المؤمنين لا يخفى عليهن الآخر من فعله صلى الله عليه وسلم فبهذا استدل والله أعلم على

(3/334)


أنه الناسخ وقد كان عنده في ذلك ما ذكره عبد الرزاق عن معمر وابن جريج عن الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي سفيان بن المغيرة بن الأخنس أنه دخل على أم حبيبة فسقته سويقا ثم قام يصلي فقالت توضأ يا ابن أخي فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "توضئوا مما مست النار" قال معمر قال الزهري وبلغني أن زيد بن ثابت وعائشة "كانا يتوضئان مما مست النار"
قال أبو عمر:
وجاء عن عائشة رضي الله عنها مثل مذهب ابن شهاب في أن الناسخ أمره بالوضوء مما مست النار
قرأت على خلف بن القاسم أن عبد الله بن جعفر بن الورد حدثهم قال حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحيم البرقي قال حدثنا عبد الله بن يوسف قال حدثنا سعيد بن عبد العزيز عن عبد العزيز بن عمران عن ابن لعبد الرحمن بن عوف عن عائشة قالت "كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم الوضوء

(3/335)


مما مست النار" فهذا كله يعضد مذهب ابن شهاب في هذا الباب.
ذكر ابن وهب عن يونس بن يزيد وعبد الرزاق عن معمر جمعيا عن ابن شهاب عن سالم عن أبيه أنه كان يتوضأ مما مست النار وذكر عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن نافع عن ابن عمر مثله وعن ابن جريج قال أخبرني نافع عن ابن عمر "كان لا يطعم طعاما مسته النار أو لم تمسه إلا توضأ وإن شرب سويقا توضأ"
قال أبو عمر:
كان ابن عمر يتوضأ لكل صلاة وقد روي عن ابن عمر ترك الوضوء مما مست النار ذكره أبو بكر بن أبي شيبة عن هشيم عن حصين عن مجاهد عن ابن عمر وعن وكيع عن مسعر عن ابن عمر ورواية أهل المدينة عنه أصح وذكر عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة أنها كانت تتوضأ مما مست النار وعن معمر عن الزهري أن عمر بن عبد العزيز كان يتوضأ مما مست النار حتى كان يتوضأ من السكر قال عبد الرزاق وكان معمر والزهري يتوضآن مما مست النار وذكر ابن وهب عن يونس بن يزيد قال قال لي ابن شهاب أطعني وتوضأ مما غيرت النار فقلت لا أطيعك وادع سعيد بن المسيب فسكت

(3/336)


أخبرني أبو القاسم خلف بن القاسم الحافظ قال حدثنا عبد الرحمن بن عمر بن راشد بدمشق قال حدثنا أبو زرعة قال حدثني أبو الوليد بن عتبة عن أبي صالح عن الليث بن سعد عن يونس قال قال لي ابن شهاب أطعني وتوضأ مما مست النار قال قلت لا أطيعك وادع سعيد بن المسيب.
وأخبرني خلف بن القاسم قال حدثنا عبد الرحمن بن عمر قال حدثنا أبو زرعة قال حدثنا علي بن عباس قال حدثنا شعيب بن أبي حمزة قال مشيت بين الزهري ومحمد بن المنكدر في الوضوء مما مست النار وكان الزهري يراه وابن المنكدر لا يراه واحتج الزهري بأحاديث فلم أزل اختلف بينهما حتى رجع ابن المنكدر إلى قول الزهري.
وأخبرني أبو محمد عبد الله بن محمد بن يحيى قال حدثنا أبو بكر أحمد بن سليمان بن الحسن النجار الفقيه ببغداد قال حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال حدثني أبي قال أخبرنا عبد الرزاق قال "كان معمر يتوضأ مما غيرت النار فقال له ابن جريج أنت شهابي يا أبا عروة وقد روى عفان عن همام عن قتادة قال قال لي سليمان بن هشام إن هذا يعني الزهري لا يدعنا إن كان شيء أمرنا أن نتوضأ يعني مما مست النار فقلت له سألت سعيد بن المسيب فقال إذا أكلته فهو طيب ليس عليك فيه وضوء فإذا خرج وجب عليك فيه الوضوء.
حدثنا عبد الرحمن بن يحيى قال حدثنا أحمد بن معبد قال حدثنا محمد بن زيان قال حدثنا زكرياء بن يحيى كاتب العمري قال حدثنا الفضل بن فضالة عن عياش بن عباس

(3/337)


القتباني أنه كتب إلى يحيى بن سعيد يسأله هل يتوضأ مما مسته النار فكتب إليه هذا مما يختلف فيه وقد بلغنا عن أبي بكر وعمر أنهما أكلا مما مست النار ثم صليا ولم يتوضآ وأما عمر بن عبد العزيز فإنه كان عنده في هذا الباب ما رواه معمر وابن جريح عن الزهري عن عمر بن عبد العزيز عن إبراهيم بن عبد الله بن قازظ قال مررت بأبي هريرة وهو يتوضأ فقال أتدري مم أتوضأ أتوضأ من أثوار أقط أكلتها لأني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "توضؤا مما مست النار" ولعل عمر بن عبد العزيز لم يرو في هذا الباب غير هذا الحديث فذهب إليه ولعله كان وضوؤه من ذلك ابتغاء الفضل وهروبا من الخلاف مع شدة احتياطه في الدين
قال أبو عمر:
لقوة الاختلاف في هذه المسألة بالمدينة بين علمائها أشبع مالك رحمه الله في موطئه في هذا الباب وشده وقواه فذكر فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث ابن عباس وسويد بن النعمان وهما إسنادان صحيحان وذكر فيه عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي و عبد الله بن عباس وعامر بن ربيعة وأبي طلحة الأنصاري وجابر بن عبد الله وأبي بن كعب "أنهم كانوا لا يتوضئون مما مست النار"

(3/338)


وما ذكره مالك في موطئه عن أبي طلحة يدل على أن المنسوخ أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالوضوء مما مست النار لأن أبا طلحة روى الأمر بالوضوء من ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم وكان لا يتوضأ فدل على أنه منسوخ عنده لأنه يستحيل أن يأخذ بالمنسوخ ويدع الناسخ وقد علمه.
ورواية أبي طلحة في ذلك ما حدثنا أحمد بن فتح قال حدثنا حمزة بن محمد قال حدثنا محمد بن علي بن القاسم البصري بالبصرة قال حدثنا حاتم بن بكير بن بلال بن غيلان قال حدثنا بشر بن عمر الزهراني قال حدثنا همام عن مطر الوراق عن الحسن عن أنس بن مالك عن أبي طلحة الأنصاري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "توضئوا مما غيرت النار".
وحدثني خلف بن سعيد قال حدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا أحمد بن خالد قال حدثنا علي بن عبد العزيز قال حدثنا الحوضي أبو عمر حفص بن عمر قال حدثنا همام قال قيل لمطر وأنا عنده عمن أخذ الحسن الوضوء مما غيرت النار فقال أخذه الحسن عن أنس وأخذه أنس عن أبي طلحة وأخذه أبو طلحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم

(3/339)


وهذا يحتمل أن يكون معناه ممن أخذ الحسن الحديث الذي كان يحدث به عن النبي صلى الله عليه وسلم في الوضوء مما غيرت النار فقال له أخذه الحسن عن أنس وأخذه أنس عن أبي طلحة وأخذه أبو طلحة عن النبي صلى الله عليه وسلم وليس في هذا ما يدل على أن أبا طلحة عمل به بعد النبي صلى الله عليه وسلم هذا على أن مطرا الوراق ليس ممن يحتج به ويعضد هذا التأويل ما ذكره مالك في موطئه عن موسى بن عقبة عن عبد الرحمن بن زيد الأنصاري عن أنس أن أبا طلحة وأبى بن كعب أنكرا عليه الوضوء مما غيرت النار فلو أن هذا الحديث عند أبي طلحة غير منسوخ لم ينكر ذلك على أنس والله أعلم.
وقد روى هذه القصة عن عبد الرحمن بن زيد جماعة من أهل المدينة.
أخبرنا أحمد بن عبد الله بن محمد بن علي قال أخبرني أبي قال حدثنا محمد بن فطيس قال حدثنا بحر بن نصر قال حدثنا بشر بن بكر قال حدثنا الأوزاعي قال حدثني أسامة بن زيد الليثي قال حدثني عبد الرحمن بن زيد الأنصاري قال حدثني أنس بن مالك قال بينا أنا وأبو طلحة الأنصاري وأبي بن كعب أتينا بطعام سخن فأكلت ثم قمت فتوضأت فقال أحدهما لصاحبه أعراقية ثم انتهراني فقلت أنهما أفقه مني

(3/340)


وذكر الطحاوي قال حدثنا إبراهيم بن أبي داود قال حدثنا سعيد بن أبي مريم قال حدثنا يحيى بن أيوب قال حدثنا إسماعيل بن رافع عن عبد الرحمن بن زيد الأنصاري عن أنس بن مالك قال أكلت أنا وأبو طلحة وأبو أيوب الأنصاري طعاما قد مسته النار فقمت لأتوضأ فقالا لي أتوضأ من الطيبات لقد جئت بها عراقية هكذا ذكر الطحاوي هذا الخبر بهذا الإسناد فقال فيه وأبو أيوب والمحفوظ من رواية الثقات وأبي بن كعب كما قال مالك والأوزاعي وأظن الوهم فيه من يحيى بن أيوب أو من إسماعيل بن رافع والله أعلم وقد روي عن أنس أنه لم يكن يتوضأ من الطعام مثل وضوئه للصلاة وذكر العقيلي قال حدثنا أحمد بن محمد النوفلي قال حدثنا الحسين بن الحسن المروزي قال حدثنا الهيثم بن جبل قال حدثنا غالب بن فرقد قال صليت مع أنس بن مالك المغرب فلما انصرفنا دعا بمائدة فتعشى ثم دعا بوضوء فغسل يديه ومضمض فاه وغسل يديه وذراعيه ووجهه ثم جلسنا حتى حضرت العتمة فصلى بذلك الوضوء ولم يغسل رجليه فهذا يدل على أن ذلك لم يكن عنده حدثا ينقض الوضوء وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم ترك

(3/341)


الوضوء مما مسته النار أم سلمة وميمونة وأبو سعيد الخدري وابن مسعود وضباعة ابنة الزبير وأبو رافع وجابر وعمرو بن أمية وأم عامر بنت يزيد بن السكن وكانت من المبايعات وابن عباس وسويد بن النعمان وكثير من رجال الصحابة كل هؤلاء رووه عن النبي صلى الله عليه وسلم وروى أيضا من حديث أبي هريرة وقد ذكرناه.
ومما يستبين به أن الأمر بالوضوء مما غيرت النار منسوخ أن عبد الله بن عباس "شهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أكل لحما وخبزا وصلى ولم يتوضأ".
ومعلوم أن حفظ ابن عباس من رسول الله صلى الله عليه وسلم متأخر

(3/342)


أخبرنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا إسماعيل بن إسحاق قال حدثنا سليمان بن حرب قال حدثنا حماد بن زيد عن أيوب عن محمد عن ابن عباس "أن النبي صلى الله عليه وسلم تعرق كتفا ثم قام فصلى ولم يتوضأ" وأخبرنا أحمد بن عبد الله بن محمد بن علي أن أباه أخبره قال حدثنا أحمد بن خالد قال حدثنا علي بن عبد العزيز قال حدثنا حجاج قال حدثنا حماد بن سلمة عن محمد بن إسحاق عن محمد بن عمرو بن عطاء عن ابن عباس قال "كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيت ميمونة فجاء بلال فأذنه بالصلاة فخرج وخرجنا معه فاستقبلتنا هدية من خبز ولحم فرجع ورجعنا معه وأكل وأكلنا ثم خرجنا إلى الصلاة ولم يمس ماء".
وذكر حماد بن سلمة أيضا عن هشام بن عروة عن أبي نعيم وهب بن كيسان عن محمد بن عمرو بن عطاء عن ابن عباس نحوه وذكر عبد الرزاق عن ابن جريج قال سمعت محمد بن إسحاق يحدث عن خالد قال كان ابن عباس يوم الجمعة يبسط له في بيت خالته ميمونة فيحدث فقال له أخبرني عما مست النار فقال ابن عباس "لا أخبرك إلا بما رأيت من رسول الله صلى الله عليه وسلم كان هو وأصحابه في بيته فجاءه المؤذن فقام إلى الصلاة حتى إذا كان بالباب لقي بصحفة فيها خبز ولحم

(3/343)


فرجع بأصحابه فأكل وأكلوا ثم رجع إلى الصلاة ولم يتوضأ" أخبرنا عبد الله بن محمد بن أسد قال حدثنا بكر بن محمد بن العلاء قال حدثنا عثمان بن عمر قال حدثنا مسدد قال حدثنا يحيى عن حسين قال حدثني أبو عون عن عبد الله بن شداد قال قال أبو هريرة الوضوء مما غيرت النار قال مروان إلى أم سلمة فقالت "جاءني رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد توضأ وضوءه للصلاة فناولته لحما فأكل ثم خرج إلى الصلاة" حدثنا عبد الله قال قال حدثنا مسدد عن جعفر بن محمد عن علي بن حسين عن زينب بنت أم سلمة "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أكل كتفا فجاء بلال فخرج إلى الصلاة ولم يمس ماء".
يقولون أن خال محمد بن إسحاق محمد بن عمرو ابن حلحلة الديلي فإن كان كذلك فبين محمد بن إسحاق وبين محمد بن عمرو بن عطاء العامري في هذا الحديث محمد

(3/344)


بن عمرو بن حلحلة ولمحمد بن عمرو بن حلحلة عن محمد بن عمرو بن عطاء أحاديث.
وذكر عبد الرزاق أيضا عن ابن جريج قال أخبرني محمد بن يوسف أن سليمان بن يسار أخبره أنه سمع أبا هريرة وابن عباس ورأى أبا هريرة يتوضأ ثم قال أبو هريرة بني عباس أتدري بني عباس مم أتوضأ توضأت من أثوار أقط أكلتها فقال ابن عباس ما أبالي مما توضأت "أشهد لرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أكل كتف لحم ثم قام إلى الصلاة وما توضأ".
وقد روى هذا الحديث عن ابن عباس عطاء بن يسار وسليمان بن يسار ومحمد بن عمرو بن عطاء وعمر بن عطاء بن أبي الخوار وابنه على بن عبد الله بن عباس

(3/345)


وعكرمة مولاه ومحمد بن سيرين وغيرهم إلا أن عكرمة ذكر في هذا الحديث لفظة زائدة.
حدثنا خلف بن سعيد قال حدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا أحمد بن خالد وحدثنا عبد الله بن محمد بن أسد قال حدثنا ابن جامع قالا حدثنا علي بن عبد العزيز قال حدثنا ابن الأصبهاني قال حدثنا شريك بن سماك عن عكرمة عن ابن عباس "أن النبي صلى الله عليه وسلم أكل كتفا مهرية يعني نضجة ثم مسح يده ثم صلى" هكذا جاء في هذا الحديث تفسير مهرية وهو أولى ما قيل في ذلك إن شاء الله وذكر أبو عبيد مؤربة بالهمز وفسرها أنها موفرة ثم قال هو مأخوذ من الإرب يعني العضو.
فهذه طرق حديث ابن عباس أو بعضها وهو حديث قد رواه معه من تقدم ذكرنا له من وجوه صحاح كلها والحمد لله وقد قال جابر أن الناسخ في هذا الباب ترك الوضوء مما مست النار وخالفته في ذلك عائشة اه.
أخبرنا خلف بن القاسم قال حدثنا بن أبي العقب بدمشق

(3/346)


قال حدثنا أبو زرعة عبد الرحمن بن عمرو الدمشقي قال حدثنا على بن عياش قال حدثنا شعيب بن أبي حمزة عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله قال "كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما غيرت النار" وقد ذكرنا حديث محمد بن المنكدر بما يجب القول فيه في كتابنا هذا في باب محمد بن المنكدر لأن مالكا أرسله عنه ووصله غيره وقد ذكرناه على شرطنا وبالله التوفيق فهذا وجه القول في هذا الباب من جهة الآثار.
وأما طريق النظر فإن الأصل أن لا ينتقض وضوء مجتمع عليه إلا بحديث مجتمع عليه أو بدليل من كتاب أو سنة لا معارض له.
حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا هارون بن معروف قال حدثنا ضمرة عن رجاء قال سألت الوليد بن هشام

(3/347)


عما غيرت النار فقال إني لست بالذي أسأل قلت على ذلك قال كان مكحول وكان أعظم فقها يتوضأ منه فلقي من أثبت له الحديث أنه ليس فيه وضوء فترك الوضوء.
أخبرنا أحمد بن قاسم قال حدثنا محمد بن عيسى قال حدثنا بكر بن سهل قال حدثنا عمرو بن هشام البيروتي قال سمعت الأوزاعي يقول سألت ابن شهاب عن الوضوء مما غيرت النار فقال لي توضأ قلت عمن قال عن ابن عمر وأبي سعيد الخدري وأبي هريرة وزيد بن ثابت وأنس بن مالك وعائشة وأم سلمة قلت فأبو بكر قال لم يكن يتوضأ قلت فعمر قال لم يكن يتوضأ قلت فعثمان قال لم يكن يتوضأ قلت فعلي قال لم يكن يتوضأ قلت فابن عباس قال لم يكن يتوضأ قال فقلت له أرأيت إن سألتك رجالا مثل رجالي فقال إذا لأتيتك بهم حدثنا أبو الفضل أحمد بن قاسم بن عبد الرحمن وأبو عثمان يعيش بن سعيد بن محمد الوراق الإمام وأبو عبد الله محمد بن حكم قالوا أخبرنا أبو بكر محمد بن معاوية القرشي قال حدثنا أبو خليفة الفضل بن الحباب الجمحي قال حدثنا عبد الله ابن قال حدثنا عبد العزيز بن مسلم القسملي عن اليزيد بن أبي زياد عن مقسم قال بينما نحن عند ابن عباس إذ أتي بجفنة فيها ثريد قال خذوا باسم الله وكلوا من نواحيها وذروا الذروة فإن في الذروة البركة فأكلنا ثم دعا بماء فشربه ثم قام إلى الصلاة فقلت يا ابن عباس إن الناس يقولون إن فيما غيرت النار من الطعام الوضوء فقال لولا النار ما أكلناه وما زادته النار إلا

(3/348)


طيبا وإنما الوضوء فيما يخرج وليس فيما يدخل وصلى بنا على بساط".
وممن قال بإسقاط الوضوء مما مست النار أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس وعامر بن ربيعة وأبي بن كعب وأبو الدرداء وأبو أمامة وقال بذلك من فقهاء الأمصار مالك فيمن قال بقوله من أهل المدينة وغيرهم وسفيان الثوري وأبو حنيفة وأصحابه والحسن بن حي وسائر أهل الكوفة والأوزاعي في أهل الشام والليث بن سعد والشافعي ومن اتبعه وأحمد بن حنبل وأبو ثور وإسحاق بن راهويه وأبو عبيد وداود بن علي ومحمد بن جرير الطبري وجماعة أهل الأثر إلا أن أحمد بن حنبل وطائفة من أهل الحديث يقولون من أكل لحم الجزور خاصة فقد وجب عليه الوضوء وليس ذلك عليه في شيء مسته النار غير لحم الجزور.
وقال أحمد فيه حديثان صحيحان حديث البراء وحديث جابر بن سمرة يعني عن النبي صلى الله عليه وسلم وكذلك قال إسحاق بن راهويه ذكره الأثرم عن أحمد وذكره إسحاق بن منصور والكوسج عن إسحاق

(3/349)


قال أبو عمر:
حديث البراء حدثناه سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن وضاح قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن عبد الله بن عبد الله الرازي عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن البراء بن عازب قال "سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الوضوء من لحوم الإبل فقال توضئوا منها".
وحديث جابر بن سمرة عن النبي صلى الله عليه وسلم رواه أبو عوانة عن عثمان بن عبد الله بن موهب عن جعفر بن أبي ثور عن جابر بن سمرة "أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أتوضأ من لحوم الغنم قال إن شئت فتوضأ وإن شئت فلا تتوضأ قال أتوضأ من لحوم الإبل قال نعم توضأ من لحوم الإبل" رواه شعبة وزائدة عن سماك

(3/350)


ابن حرب عن جعفر بن أبي ثور عن جابر بن سمرة عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه وحدثنا عبد الله بن محمد بن يوسف قال حدثنا محمد بن أحمد بن يحيى قال حدثنا شيبان بن عبد الله بن شيبان قال حدثنا محمد بن عبد الله بن سابق الحضرمي قال حدثنا محمد بن عمران بن أبي ليلى قال حدثنا ابن أبي ليلى عن عيسى عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن جابر بن سمرة "أن أعرابيا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال أتوضأ من لحوم الإبل قال نعم قال أصلي في مباركها قال لا قال أتوضأ من لحوم الغنم قال لا قال أصلي في مرابضها قال نعم".
وممن قال بقول أحمد هذا في لحم الإبل خاصة إسحاق بن راهويه وأبو ثور ويحيى بن يحيى النيسابوري وأبو خيثمة وهو قول محمد بن إسحاق وأما قول مالك والشافعي وأبي حنيفة والثوري والليث والأوزاعي فكلهم في شيء مسته النار وضوءا على من أكله سواء عندهم لحم الإبل في ذلك وغير الإبل لأن في الأحاديث الثابتة "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أكل خبزا ولحما وأكل كتفا" ونحو هذا كثير ولم يخص لحم جزور من غيره وصلى ولم يتوضأ وهذا ناسخ رافع عندهم لما عارضه على ما تقدم ذكرنا له وبالله التوفيق

(3/351)


قال أبو عمر:
قد تأول بعض الناس في هذا الحديث أن قوله صلى الله عليه وسلم "توضئوا مما مست النار" أنه أريد به غسل اليد قال فلما سمع أبو هريرة قوله هذا ورآه صلى الله عليه وسلم يتوضأ لكل صلاة ظن أن ذلك أريد به الوضوء للصلاة
قال أبو عمر:
هذا ليس بشيء وقد تقدم رد هذا القول ودفع هذا التأويل وقد اجتنبنا في هذا الباب ما تبين به جهل هذا المتكلف في تأويله هذا وبالله التوفيق اه.
حدثني أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد قال حدثنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن صالح الأبهري قال حدثنا أحمد بن عمير قال حدثنا عمرو قال حدثنا عقبة بن علقمة قال حدثنا الأوزاعي قال "كان مكحول يتوضأ مما مست النار حتى لقي عطاء بن أبي رباح فأخبره عن جابر بن عبد

(3/352)


الله أن أبا بكر الصديق أكل ذراعا أو كتفا ثم صلى ولم يتوضأ فترك مكحول الوضوء فقيل له أتركت الوضوء مما مست النار فقال لأن يقع أبو بكر من السماء إلى الأرض أحب إليه من أن يخالف رسول الله صلى الله عليه وسلم" وذكر الحسن بن علي الحلواني قال حدثنا عارم وسليمان بن حرب قالا حدثنا حماد بن زيد قال سمعت أيوب يقول لعثمان البتي إذا سمعت أمرا عن النبي عليه السلام أو بلغك فانظر ما كان عليه أبو بكر وعمر فشد به يديك.
قال وحدثنا عارم قال حدثنا حماد بن زيد عن خالد الحذاء قال كانوا يرون الناسخ من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان عليه أبو بكر وعمر رضي الله عنهما قال حماد وكان رأي خالد أحب إلينا من حديثه قال وحدثنا عبد الله بن صالح قال حدثنا الليث عن يحيى بن سعيد قال كان أبو بكر وعمر أتبع الناس لهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وروى محمد بن الحسن عن مالك بن أنس أنه قال إذا جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثان مختلفان وبلغنا أن أبا بكر وعمر عملا بأحد الحديثين وتركا الآخر كان في ذلك دلالة أن الحق فيما عملا به

(3/353)


وقد روى عكراش بن ذوئب عن النبي صلى الله عليه وسلم صفة الوضوء مما غيرت النار ولم أر لذكره معنى لأن إسناده ضعيف لا يحتج بمثله وأهل العلم ينكرونه.

(3/354)