Contents

الواجهة
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد
مقدمة
باب الألف
باب الثاء
باب الجيم
باب الحاء
باب الخاء
باب الدال
باب الراء
باب الزاي
تابع باب الزاء
تابع لحرف الزاء
تابع لحرف الزاء
باب الطاء
باب الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع حرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
باب النون
باب الصاد
باب الضاد
باب العين
تابع لحرف العين
تابع حرف العين
تابع لحرف العين
تابع لحرف العين
باب القاف
باب السين
باب الشين
باب الهاء
باب الواو
باب الياء
تابع باب الياء
باب الكني
باب بلاغات مالك ومرسلاته
باب مافي هذا الديوان من حديث مالك الذي ثبتت عليه أبوابه خاصة
الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج
الديباج - جزء 1
الديباج - جزء 2
الديباج - جزء 3
الديباج - جزء 4
الديباج - جزء 5
الديباج - جزء 6
المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج
المنهاج - مقدمة
المنهاج - الإيمان
المنهاج - الطهارة
المنهاج - الحيض
المنهاج - الصَّلَاة
المنهاج - المساجد ومواضع الصلاة
المنهاج - صلاة المسافرين وقصرها
المنهاج - بَاب صَلَاة الْجُمُعَة
المنهاج - بَاب صَلَاة الْعِيدَيْنِ
المنهاج - بَاب الدُّعَاء فِي صَلَاة الِاسْتِسْقَاء
المنهاج - بَاب صَلَاة الْكُسُوف
المنهاج - كِتَاب الْجَنَائِز
المنهاج - الزكاة
المنهاج - كِتَاب الصِّيَام
المنهاج - كِتَاب الِاعْتِكَاف
المنهاج - كِتَاب الْحَجّ
المنهاج - كِتَاب النِّكَاح
المنهاج - الرضاعة
المنهاج - الطلاق
المنهاج - اللِّعَان
المنهاج - العتق
المنهاج - البيوع
المنهاج - المساقاة
المنهاج - الفرائض
المنهاج - الهبات
المنهاج - الوصية
المنهاج - النذر
المنهاج - الأيمان
المنهاج - القسامة
المنهاج - الحدود
المنهاج - الأقضية
المنهاج - اللقطة
المنهاج - الجهاد والسير
المنهاج - الإمارة
المنهاج - الصيد والذبائح
المنهاج - كِتَاب الْأَضْاحَي
المنهاج - الأشربة
المنهاج - اللباس والزينة
المنهاج - الآداب
المنهاج - السلام
المنهاج - الألفاظ من الأدب وغيرها
المنهاج - الشعر
المنهاج - الرؤيا
المنهاج - الفضائل
المنهاج - فضائل الصحابة
المنهاج - البر والصلة والآداب
المنهاج - القدر
المنهاج - العلم
المنهاج - الذكر والدعاء
المنهاج - التوبة
المنهاج - صفات المنافقين
المنهاج - صفة القيامة والجنة والنار
المنهاج - الجنة وصفة نعيمها وأهلها
المنهاج - الفتن وأشراط الساعة
المنهاج - الزهد والرقائق
المنهاج - التفسير
تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي
أبواب الطهارة
أبواب الصلاة
تابع أبواب الصلاة
أبواب الوتر
أبواب الجمعة
تابع لأبواب الجمعة
أبواب العيدين
أبواب السفر
ابواب الزكاة
أبواب الصوم
أبواب الحج
تابع أبواب الحج
أبواب الجنائز
أبواب النكاح
أبواب الرضاع
أبواب الطلاق واللعان
ابواب البيوع
أبواب الأحكام
أبواب الديات
ابواب الحدود
تابع أبواب الحدود
أبواب الصيد
أبواب الأضاحي
أبواب النذور والأيمان
أبواب السير
أبواب الجهاد
أبواب اللباس
أبواب الأطعمة
أبواب الأشربة
تابع أبواب الأشربة
أبواب البر و الصله عن رسول الله صلى الله عليه و آله سلم
أبواب الطب عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الفرائض عن الرسول صلى الله عليه و سلم
أبواب الوصايا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الولاء و الهبة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب القدر عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم
أبواب الفتن عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الرؤيا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الشهادات عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
تابع لأبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صِفَةُ القِيامَة
أبواب صفة الجنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صفة جهنم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإيمان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب العلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإستئذان والآداب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب العلم
أبواب الأمثال
أبواب فضائل القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب القراءات عن رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم
أبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الدعوات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أحاديث شتى من أبواب الدعوات
المناقب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
مناقب الصحابة رضوان الله عليهم
تنوير الحوالك شرح موطأ مالك
كتاب وقوت الصلاة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب السهو
كتاب الجمعة
كتاب الصلاة في رمضان
كتاب صلاة الليل
كتاب صلاة الجماعة
كتاب قصر الصلاة في السفر
كتاب العيدين
كتاب صلاة الخوف
كتاب صلاة الكسوف
كتاب الاستسقاء
كتاب القبلة
كتاب القرآن
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب الجهاد
كتاب النذور و الأيمان
كتاب الضحايا
كتاب الذبائح
كتاب الصيد
كتاب العقيقة
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الرضاع
كتاب البيوع
كتاب القراض
كتاب المساقاة - كتاب كراء الأرض
كتاب الشفعة - كتاب الأقضية
كتاب الوصية - كتاب العتق والولاء
كتاب المكاتب - كتاب المدبر
كتاب الحدود
كتاب الأشربة - كتاب العقول
كتاب القسامة - كتاب الجامع
كتاب القدر - كتاب حسن الخلق
كتاب اللباس - كتاب صفة النبي
كتاب العين - كتاب الشعر
كتاب الرؤيا - كتاب السلام
كتاب الاستئذان والتشميت والصور والتماثيل وغيرها
كتاب البيعة - كتاب الكلام والعينة والتقى
كتاب جهنم - كتاب الصدقة
كتاب العلم - كتاب دعوة المظلوم - كتاب أسماء النبي
حاشية السندي على سنن ابن ماجة
المقدمة
الطَّهَارَة وَسُنَنهَا
الصلاة
الْأَذَان
المساجد والجماعات
أَبْوَاب إِقَامَة الصَّلَاة
الجنائز
الصوم
الزكاة
النكاح
الطلاق
الكفارات
التجارات
الأحكام
الحدود
الديات
الوصايا
الْفَرَائِض
الجهاد
المناسك
الْأَضَاحِيّ
الذبائح
الصيد
الأطعمة
الأشربة
الطب
اللباس
الْآدَاب
الدُّعَاء
تعبير الرؤيا
الْفِتَن
الزُّهْد
شرح سنن ابن ماجه لمغلطاي
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح رياض الصالحين
شرح رياض الصالحين - 01
شرح رياض الصالحين - 02
شرح رياض الصالحين - 03
شرح رياض الصالحين - 04
شرح سنن أبي داود للعيني
مقدمة التحقيق
كتاب الطهارة
كِتابُ الصَلاَةِ
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
عون المعبود شرح سنن أبي داود
كتاب الطهارة
تابع كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
كتاب الزكاة
تابع لكتاب الزكاة
كتاب اللقطة
كتاب المناسك
تابع لكتاب المناسك
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الصيام
تابع لكتاب الصيام
أول كتاب الجهاد
أول كتاب الضحايا
تابع كتاب الضحايا
أول كتاب الصيد
أول كتاب الوصايا
أول كتاب الفرائض
أول كتاب الخراج والفيء والإمارة
أول كتاب الجنائز
تابع لكتاب الجنائز
كتاب الأيمان والنذور
كتاب البيوع
كتاب الإجارة
كتاب القضاء
تابع لكتاب القضاء
كتاب العلم
كتاب الأشربة
كتاب الأطعمة
كتاب الطب
كتاب الكهانة والتطير
كتاب العتق
أول كتاب الحروف والقراءات
أول كتاب الحمام
أول كتاب اللباس
أول كتاب الترجل
أول كتاب الخاتم
أول كتاب الفتن والملاحم
أول كتاب المهدي
أول كتاب الملاحم
أول كتاب الحدود
أول كتاب الديات
أول كتاب السنة
تابع لكتاب السنة
أول كتاب الأدب
أبواب السلام
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن حجر
فتح الباري - هدي الساري مقدمة فتح الباري
فتح الباري - كتاب بدء الوحي
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب العلم
فتح الباري - كتاب الوضوء
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
فتح الباري - كتاب مواقيت الصلاة
فتح الباري - كتاب الأذان
فتح الباري - كتاب الجمعة
فتح الباري - كتاب الخوف
فتح الباري - كتاب العيدين
فتح الباري - كتاب الوتر
فتح الباري - كتاب الاستسقاء
فتح الباري - كتاب الكسوف
فتح الباري - كتاب سجود القرآن
فتح الباري - كتاب تقصير الصلاة
فتح الباري - كتاب التهجد
فتح الباري - كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة
فتح الباري - كتاب العمل في الصلاة
فتح الباري - كتاب السهو
فتح الباري - كتاب الجنائز
فتح الباري - كتاب الزكاة
فتح الباري - كتاب الحج
فتح الباري - كتاب العمرة
فتح الباري - كتاب المحصر
فتح الباري - كتاب جزاء الصيد
فتح الباري - كتاب فضائل المدينة
فتح الباري - كتاب الصوم
فتح الباري - كتاب صلاة التراويح
فتح الباري - كتاب فضل ليلة القدر
فتح الباري - كتاب الإعتكاف
فتح الباري - كتاب البيوع
فتح الباري - كتاب السلم
فتح الباري - كتاب الشفعة
فتح الباري - كتاب الإجارة
فتح الباري - كتاب الحرث والمزارعة
فتح الباري - كتاب المساقاة
فتح الباري - كتاب الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس
فتح الباري - كتاب الخصومات
فتح الباري - كتاب اللقطة
فتح الباري - كتاب المظالم
فتح الباري - كتاب الشركة
فتح الباري - كتاب الرهن
فتح الباري - كتاب العتق
فتح الباري - كتاب المكاتب
فتح الباري - كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها
فتح الباري - كتاب الشهادات
فتح الباري - كتاب الصلح
فتح الباري - كتاب الشروط
فتح الباري - كتاب الوصايا
فتح الباري - كتاب الجهاد و السير
فتح الباري - كتاب فرض الخمس
فتح الباري - كتاب الجزية و الموادعة
فتح الباري - كتاب بدء الخلق
فتح الباري - كتاب أحاديث الأنبياء
فتح الباري - كتاب المناقب
فتح الباري - كتاب فضائل الصحابة
فتح الباري - كتاب مناقب الأنصار
فتح الباري - كتاب المغازي
فتح الباري - كتاب التفسير
فتح الباري - كتاب فضائل القرآن
فتح الباري - كتاب النكاح
فتح الباري - كتاب الطلاق
فتح الباري - كتاب النفقات
فتح الباري - كتاب الأطعمة
فتح الباري - كتاب العقيقة
فتح الباري - كتاب الذبائح والصيد
فتح الباري - كتاب الأضاحي
فتح الباري - كتاب الأشربة
فتح الباري - كتاب المرضى
فتح الباري - كتاب الطب
فتح الباري - كتاب اللباس
فتح الباري - كتاب الأدب
فتح الباري - كتاب الإستئذان
فتح الباري - كتاب الدعوات
فتح الباري - كتاب الرقاق
فتح الباري - كتاب القدر
فتح الباري - كتاب الأيمان والنذور
فتح الباري - كتاب كفارات الأيمان
فتح الباري - كتاب الفرائض
فتح الباري - كتاب الحدود
فتح الباري - كتاب الديات
فتح الباري - كتاب استتابة المرتدين
فتح الباري - كتاب الإكراه
فتح الباري - كتاب الحيل
فتح الباري - كتاب التعبير
فتح الباري - كتاب الفتن
فتح الباري - كتاب الأحكام
فتح الباري - كتاب التمني
فتح الباري - كتاب أخبار الأحاد
فتح الباري - كتاب الإعتصام بالسنة
فتح الباري - كتاب التوحيد
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن رجب
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
مقدمة
خطبة الكتاب
كتاب الإيمان
كتاب العلم
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصوم
كتاب فضائل القرآن
كتاب الدعوات
كتاب المناسك
كتاب البيوع
كتاب الفرائض والوصايا
كتاب النكاح
كتاب العتق
كتاب القصاص
كتاب الديات
كتاب الحدود
كتاب الإمارة والقضاء
كتاب الجهاد
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأطعمة
كتاب اللباس
كتاب الطب والرقى
كتاب الرؤيا
كتاب الآداب
كتاب الرقاق
كتاب الفتن
كتاب صفة القيامة والجنة والنار
كتاب الفضائل والشمائل
كتاب المناقب

 
عودة لموقع هاني الطنبور
هاني الطنبور
الصفحة السابقة الصفحة التالية
 
 

 

التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد

المجلد التاسع
تابع لحرف الميم
تابع لمحمد بن شهاب الزهري
مدخل
...
ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الهذلي من هذيل بن مدركة بن إلياس بن مضر:
أحد عشر حديثا منها واحد مرسل وعشرة متصلة مسندة قد ذكرنا نسب عبيد الله هذا عند ذكر نسب جده عتبة بن مسعود في كتابنا في الصحابة فأغنى عن ذكره ههنا.
وعبيد الله هذا يكنى أبا عبد الله كان أحد الفقهاء العشرة ثم السبعة الذين عليهم كانت الفتوى تدور بالمدينة وكان عالما فاضلا مقدما في الفقه شاعرا محسنا لم يكن بعد الصحابة إلى يومنا هذا فيما علمت فقيه أشعر منه ولا شاعر أفقه منه في الذين لا علم لهم غير الشعر وصناعته من يقدم عليه فيه وللزبير بن بكار القاضي في أشعاره كتاب مفرد.
حدثنا عبد الوارث بن سفيان حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا أحمد بن زهير حدثنا الزبير بن بكار حدثنا سفيان بن عيينة عن ابن شهاب قال: سمعت من العلم شيئا كثيرا حتى ظننت أني قد اكتفيت فلما لقيت عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود فإذا ليس في يدي من العلم شيء.

(9/7)


أخبرنا عبد الله بن محمد قال حدثنا إسماعيل بن محمد الصفار وأحمد بن جعفر بن حمدان بن مالك قالا حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: حدثني أبي قال حدثنا يونس بن محمد قال حدثنا حماد بن زيد عن معمر عن الزهري قال: كان عبيد الله بن عبد الله يلطف بابن عباس فكان يعزه عزا.
حدثنا أحمد بن محمد حدثنا أحمد بن الفضل حدثنا محمد بن جرير حدثنا محمد بن حميد حدثنا جرير عن مغيرة قال: كان عبيد الله بن عبد الله من أعلم الناس قال مغيرة وقال عمر بن عبد العزيز لما ولي الخلافة: لو كان عبيد الله حيا لهان علي ما أنا فيه.
وحدثنا عبد الوارث حدثنا قاسم حدثنا أحمد بن أبي خيثمة حدثنا أحمد بن حنبل حدثنا عبد الرزاق عن معمر قال: سمعت الزهري يقول أدركت أربعة بحور عبيد الله بن عبد الله أحدهم.
وذكر الحسن بن علي الحلواني في كتاب المعرفة له حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن الزهري قال: كان عبيد الله بن عبد الله قد

(9/8)


تفرس في عمر بن عبد العزيز فكان يحدثه الحديث ويقول له أنا أحدثك لعل الله ينفعك به يوما "ما" فلما ولي عمر الخلافة كان يقول وددت أن لي مجلسا من عبيد الله بدية.
قال: وحدثنا علي بن المديني حدثنا سفيان حدثنا علي بن زيد بن جدعان أنه سمع عمر بن عبد العزيز يقول ما أصبت من عبيد الله مثل ما أصبت من جميع الناس فليت لي اليوم مجلسا منه بدية قال: وحدثنا أحمد بن صالح حدثنا ابن وهب أخبرني يعقوب بن عبد الرحمن عن أبيه عن عبيد الله بن عبد الله قال: ما سمعت بحديث قط فأشاء أن أعيه إلا وعيته.
قال: وحدثنا عبد الله بن صالح عن يعقوب بن عبد الرحمن عن أبيه عن عبيد الله مثله وزاد قال: يعقوب وقال: عمر بن عبد العزيز لو كان عبيد الله حيا ما صدرت إلا عن رأيه ولوددت أن علي بيوم من عبيد الله غرما قال ذلك في خلافته.
قال: وحدثنا أحمد بن صالح قال حدثنا ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب قال: صحبت عبيد الله بن عبد الله فما رأيت أعرب حديثا منه.

(9/9)


حدثنا عبد الوارث حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا أحمد بن زهير حدثنا الزبير بن بكار وإبراهيم بن حمزة الزبيري عن ابن عيينة قال: قيل لعبيد الله بن عبد الله بن عتبة تقول الشعر وأنت فقيه قال: هل يستطيع الذي به الصدر إلا أن ينفث.
حدثني أحمد بن محمد وعبد الرحمن بن يحيى قالا حدثنا أحمد بن سعيد حدثنا أحمد بن محمد بن زياد الأعرابي حدثنا أبو عبد الرحمن القاسم بن حبيش بن سليمان بن برد حدثنا أحمد بن سعيد الفهري حدثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي حدثنا إسماعيل بن يعقوب التيمي عن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه قال: قدمت امرأة من هذيل من ناحية مكة ـ المدينة وكانت جميلة فخطبها جماعة من أشراف أهل المدينة فأبت أن تتزوج وكان معها بني لها فبلغ عبيد الله بن عبد الله بن عتبة امتناعها فعرض للقوم فقال:
أحبك حبا لا يحبك مثله ... قريب ولا في العاشقين بعيد
أحبك حبا لو شعرت ببعضه ... لجدت ولم يصعب عليك شديد
وحبك يا أم الصبي مدلهى ... شهيدي أبو بكر فنعم شهيد

(9/10)


ويعلم ما أخفى سليمان علمه ... وخارجة يبدي بنا ويعيد
متى تسألي عما أقول فتخبري ... فللحب عندي طارف وتليد
وحدثنا عبد الوارث حدثنا قاسم حدثنا أحمد بن زهير حدثنا الزبير بن بكار حدثنا سليمان بن داود المخزومي عن أبيه. عن إسماعيل بن يعقوب التيمي عن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه قال: قدمت امرأة المدينة من ناحية مكة وكانت من هذيل وكانت جميلة فرغب الناس فيها فخطبوها وكادت تذهب بعقول أكثرهم فقال: عبيد الله بن عبد الله فيها.
احبك حبا فذكر الأبيات سواء إلى آخرها وزاد فقال: سعيد بن المسيب أما والله لقد أمنت أن تسألنا وما رجوت إن سألتنا أن نشهد لك بزور.
قال أبو عمر:
يريد أبا بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام والقاسم بن محمد بن أبي بكر وعروة بن الزبير وسعيد بن المسيب وسليمان بن يسار وخارجة بن زيد بن ثابت وهؤلاء الستة هم فقهاء وقتهم بالمدينة وهو سابعهم.

(9/11)


وذكر محمد بن خلف المعروف بوكيع صاحب التاريخ والأخبار قال حدثنا علي بن حرب الموصلي حدثنا إسماعيل بن ريان الطائي قال: سمعت ابن إدريس يقول كان عراك بن مالك وأبو بكر بن حزم وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة يتجالسون بالمدينة زمانا ثم إن ابن حزم صار إلى الإمارة فمرا بعبيد الله ولم يسلما ولم يقفا به وكان ضريرا فأخبر بذلك فأنشأ يقول:
ألا أبلغا عني عراك بن مالك ... ولا تدعا أن تثنيا بأبي بكر
لقد جعلت تبدو شواكل منكما ... كأنكما بي موقران من الصخر
فكيف تريدان ابن ستين حجة ... على ما أتى وهو ابن عشرين أو عشر
فمسا تراب الأرض منها خلقتما ... وفيها المعاد والمصير إلى الحشر
ولا تعجبا أن تؤتيا وتكلما ... فما خشي الأقوام شرا من الكبر
لقد علقت دلوا كما دلو حول ... من القوم لا وغل المراس ولا مزر
فطاوعتما بي عاذلا ذا معاكسة ... لعمري لقد أورى وما مثله يورى
فلولا اتقاء الله من قيل فيكما ... للمتكما لوما أحر من الجمر
يقال: أورى عليه صدره بالحقد وهي أبيات أكثر من هذه منهم من يجعلها كلها له في أبي بكر بن حزم وعراك بن مالك ومنهم من

(9/12)


يجعل منهما أربعة أبيات أو خمسة في عمر بن عبد العزيز وعبد الله بن عمرو بن عثمان كذلك ذكرها أبو زيد عمر بن شبة عن إبراهيم بن المنذر وقال: إنما أدخلت معها لاتفاق القافية وإنها لرجل واحد.
وقال: عمر بن شبة حدثنا إبراهيم بن المنذر حدثنا إبراهيم بن محمد بن عبد العزيز عن أبيه عن ابن شهاب قال: أتيت عبيد الله بن عبد الله يوما فوجدته ينفخ وهو مغتاظ فقلت مالك فقال: جئت أميركم آنفا! يعني عمر بن عبد العزيز فسلمت عليه وعلى عبد الله بن عمرو بن عثمان فلم يردا علي فقلت:
فمسا تراب الأرض منها خلقتما ... وفيها المعاد والمصير إلى الحشر
ولا تأنفا أن تؤتيا فتكلما ... فما خشي الأقوام شرا من الكبر
فلو شئت أن ألقى عدوا وطاعنا ... للاقيته أو قال: عندي في السر
فإن أنا لم آمر ولم أنه عنكما ... ضحكت له حتى يلج ويستشري
قال: فقلت له تقول الشعر في فضلك ونسكك فقال: إن المصدور إذا نفث برأ.
قال أبو عمر:
هكذا في خبر وكيع أبو بكر بن حزم وهو غلط والله أعلم وهذه القصة لم تكن إلا في إمارة عمر لا في خلافته وأبو بكر المذكور في هذه الأبيات في قوله:
ولا تدعا أن تثنيا بأبي بكر هو أبو بكر بن سليمان بن أبي حثمة

(9/13)


وما ذكره أيضا عمر بن شبة في خبره أن عبيد الله مر بعمر وعبد الله بن عمرو بن عثمان فسلم عليهما فلم يردا عليه.
والصحيح في ذلك ما حدثناه عبد الوارث حدثنا قاسم حدثنا أحمد بن زهير حدثنا الزبير بن بكار حدثنا إسماعيل بن أبي أويس حدثني بكار بن محمد بن جارست عن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن هشام بن عروة عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أنه جاء إلى عمر بن عبد العزيز يستأذن عليه في إمرته قال: وكان عمر يجله إجلالا شديدا فرده الحاحب وكان عنده عبد الله بن عمرو بن عثمان مختليا به قال: فانصرف عبد الله غضبان وكان في صلاحه ربما قال: الأبيات فأخبر عمر بأبياته فبعث أبا بكر بن سليمان بن أبي حثمة وعراك بن مالك يعذرانه عنده ويقولان إن عمر يقسم بالله ما علم بإتيانك ولا برد الحاجب إياك فقال لعمرو وصاحبه:
ألا أبلغا عني عراك بن مالك ... ولا تدعا أن تثنيا بأبي بكر
قال أحمد بن زهير فأخبرنا إبراهيم بن عبد الله قال حدثنا ابن إدريس قال: أنشدني القاسم بن معن وابن أبي الزناد لعبيد الله بن عبد الله يعاتب رجلين مرا به:
ألا أبلغا عني عراك بن مالك ... ولا تدعا أن تثنيا بأبي بكر
فذكر الأبيات كما تقدم نسقا حرفا بحرف وزاد:

(9/14)


ولو شئت أدلى فيكما غير واحد ... علانية أو قال عندي في السر
فإن أنا لم آمر ولم أنه عنكما ... ضحكت له حتى يلج ويستشري
قال أبو عمر:
أشعاره كثيرة جدا في غير ما معنى منها في الغزل بزوجته عثمة أظن أكثره بعد طلاقه إياها ذكر إبراهيم بن المنذر عن عبد الملك بن الماجشون قال: أبيات عبيد الله بن عبد الله التي أولها :
لعمري لئن شطت بعثمة دارها ... لقد كدت من وشك الفراق أليح
أروح بهم ثم أغدو بمثله ... ويحسب أني في الثياب صحيح
قالها في زوجة كانت له تسمى عثمة عتب عليها في بعض الأمر فطلقها وله فيها أشعار كثيرة منها قوله: كتمت الهوى حتى أضر بك الكتم
ذكر الزبير بن بكار قال: حدثني عبد الملك بن عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون قال: أنشدني خالي يوسف بن الماجشون لعبيد الله بن عبد الله بن عتبة:

(9/15)


كتمت الهوى حتى أضربك الكتم ... ولامك أقوام ولومهم ظلم
ونم عليك الكاشحون وقبلهم ... عليك الهوى قد نم لو ينفع النم
وزادك إغراء بها طول هجرها ... قديما وأبلى لحم أعظمك الهم
وأصبحت كالهندي إذ مات حسرة ... على إثر هند أو كمن سقي السم
ألا من لنفس لا تموت فينقضي ... عناها ولا تحيا حياة لها طعم
تجنيت إتيان الحبيب تأثما ... إلا أن هجران الحبيب هو الإثم
فذق هجرها قد كنت تزعم أنه ... رشاد ألا يا زاعما كذب الزعم
ومن أشعاره في عثمة:
عفت أطلال عثمة بالغميم ... فأضحت وهي موحشة الرسوم
وهي أبيات ذوات عدد
وفيها يقول أيضا:
تغلغل حب عثمة في فؤادي ... فباديه مع الخافي يسير
تغلغل حيث لم يبلغ سراب ... ولا حزن ولم يبلغ سرور
أكاد إذا ذكرت العهد منها ... أطير لو أن إنسانا يطير
وهي أبيات أيضا "ذوات" عدد أنشدها ابن أبي الزناد وغيره وقيل له تقول مثل هذا فقال: في اللدود راحة المفئود.

(9/16)


وهو القائل أيضا في قصة جرت بين عمر بن عبد العزيز وعروة بن الزبير وهي أبيات منها:
وما الحق أن تهوى فتسعف في الذي ... هويت إذا ما كان ليس بأعدل
أبى الله والأحساب أن يحمل القذى ... جفون عيون بالقذى لم توكل
ومن شعره أيضا يخاطب عمر بن عبد العزيز:
أبن لي فكن مثلي أو ابتغ صاحبا ... كمثلك إني مبتغ صاحبا مثلي
عزيز إخائي ما ينال مودتي ... من الناس إلا مسلم كامل العقل
وما يلبث الإخوان أن يتفرقوا ... إذا لم يؤلف روح شكل إلى شكل
وهي أبيات كثيرة ومن قوله أيضا يخاطب ابن شهاب:
إذا شئت أن تلقى خليلا مصافيا ... لقيت وإخوان الثقات قليل
ومن جيد شعره أيضا قوله:
أعاذل عاجل ما اشتهى ... أحب إلي من الرائث
سأنفق مالي في حقه ... وأوثر نفسي على الوارث

(9/17)


وقال عبيد الله أيضا:
إذا كان لي سر فحدثته العدا ... وضاق به صدري فللناس أعذر
هو السر ما استودعته وكتمته ... وليس سر حين يفشو ويظهر
حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا عبد الله بن إدريس عن حمزة أبي عمارة قال: قال عمر بن عبد العزيز لعبيد الله بن عبد الله مالك وللشعر فقال: وهل يستطيع المصدور إلا أن ينفث.
حدثنا عبد الوارث حدثنا قاسم حدثنا أحمد بن زهير قال: سمعت يحيى بن معين يقول مات عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود سنة اثنتين ومائة ويقال: سنة تسع وتسعين.
قال أبو عمر:
وقد قيل سنة ثمان وتسعين قاله الواقدي.

(9/18)


الحديث الأول
...
حديث أول لابن شهاب عن عبيد الله مسند
مالك عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن عبد الله بن عباس أنه قال: أقبلت راكبا على أتان وأنا يومئذ قد ناهزت الاحتلام ورسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بالناس بمنى فمررت بين يدي بعض الصف فنزلت وأرسلت الأتان ترتع ودخلت في الصف فلم ينكر ذلك علي أحد.
هكذا روى هذا الحديث جماعة رواة الموطأ فيما علمت وقال: فيه الواقدي عن مالك وذلك في حجة الوداع وأنا قد راهقت الاحتلام وقال: فيه ابن عيينة عن الزهري فلم يقل لنا النبي صلى الله عليه وسلم شيئا.
حدثنا محمد بن عبد الملك قال حدثنا أبو سعيد بن الأعرابي قال حدثنا الحسن بن محمد الزعفراني قال حدثنا سفيان بن عيينة عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله سمع ابن عباس يقول جئت "أنا" والفضل بن عباس يوم عرفة ورسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي

(9/19)


بالناس ونحن على أتان لنا فمررنا ببعض الصف فنزلنا عنها وتركناها ترتع فلم يقل لنا النبي صلى الله عليه وسلم شيئا.
وفي هذا الحديث من الفقه أن المرور بين يدي المصلي إذا كان وراء الإمام لا يضر المصلي ولا حرج فيه على المار أيضا وقد تقدم في باب زيد بن أسلم من حكم السترة وحكم المار بين يدي المصلي وإن الصلاة لا يقطعها شيء ومضى هناك من الآثار في ذلك ما فيه غنى وكفاية فلا وجه لإعادة ذلك هاهنا.
وفي الحديث دليل واضح على أن الإمام سترة لمن خلفه فلا حرج على من مر وراءه بين أيدي الصفوف وقد استدل قوم بأن هذا الحديث دليل على أن الحمار لا يقطع الصلاة مروره بين يدي المصلي وردوا به قول من زعم أن الحمار يقطع الصلاة وانفصل منهم مخالفهم بأن مرور الأتان كان خلف الإمام بين يدي الصف فلا دليل فيه من رواية مالك هذه وما كان مثلها وقد روي حديث ابن عباس هذا بلفظ هو حجة لمن قال: الحمار لا يقطع الصلاة أخبرنا إبراهيم بن شاكر حدثنا محمد ابن أحمد بن يحيى حدثنا محمد بن أيوب بن حبيب حدثنا أحمد بن عمرو البزار حدثنا بشر بن آدم حدثنا أبو عاصم عن ابن جريج قال:

(9/20)


أخبرنا عبد الكريم أن مجاهدا أخبره عن ابن عباس قال: أتيت أنا والفضل على أتان فمررنا بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرفة.
وفيه إجازة شهادة من علم الشيء صغيرا وأداه كبيرا وهو أمر لا خلاف فيه وقياسه العبد يشهد في عبوديته على ما يؤدي الشهادة فيه بعد عتقه وكذلك الكافر والفاسق إذا أداها كل واحد منهم في حال تجوز الشهادة فيه وهذا كله مجتمع عليه عند العلماء إلا أنهم اختلفوا في هؤلاء لو شهدوا بها فردت لأحوالهم الناقصة ثم شهدوا بها في حال تمام شروط الشهادة على ما قد أوضحناه في موضعه من هذا الكتاب.

(9/21)


الحديث الثاني
...
حديث ثان لابن شهاب عن عبيد الله مسند
مالك عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس أنه قال: أن أم الفضل بنت الحارث سمعته وهو يقرأ {وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً} فقالت: يا بني لقد أذكرتني بقرائتك هذه السورة إنها لآخر ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ بها في المغرب.
أم الفضل هذه هي أم ابن عباس واسمها لبابة تكنى أم الفضل بابنها الفضل ابن عباس وهي أخت ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قد أتينا من نسبها وأحوالها في كتاب النساء من كتاب الصحابة بما فيه كفاية.
وليس في هذا الحديث أكثر من أن القراءة في الصلاة ليس فيها توقيت وأن القراءة بالمرسلات ومثلها جائز في صلاة المغرب وسيأتي القول فيما يستحب من القراءة وما يجب منها في المغرب وغيرها في أولى المواضع بذلك من كتابنا هذا إن شاء الله.

(9/22)


حدثني خلف بن القاسم قال حدثنا مؤمل بن يحيى قال حدثنا محمد بن جعفر الإمام قال حدثنا علي ابن المديني قال حدثنا موسى بن داود قال حدثنا عبد العزيز بن أبي سلمة عن حميد الطويل عن أنس عن أم الفضل بنت الحارث قالت صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته في مرضه متوشحا في ثوب المغرب فقرأ بالمرسلات عرفا فلم يصل صلاة بعدها حتى قبض صلى الله عليه وسلم.

(9/23)


الحديث الثالث
...
حديث ثالث لابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة مسند
مالك عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن ابن عباس أن سعد بن عبادة استفتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن أمي ماتت وعليها نذر لم تقضه فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم "اقضه عنها" .
ليس عن مالك ولا عن ابن شهاب اختلاف في إسناد هذا الحديث فيما علمت.
وقد أخبرني محمد حدثنا علي بن عمر الحافظ قال: حدثني أبو محمد عبد العزيز بن محمد بن الواثق بالله حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز حدثنا شجاع بن مخلد حدثنا حماد حدثنا مالك عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس أن سعدا

(9/24)


قال: يا رسول الله أينفع أمي أن أتصدق عنها وقد ماتت قال: "نعم" قال: فما تأمرني قال: "اسق الماء"
قال ابن منيع: الصحيح في هذا الإسناد حديث النذر وحماد بن خالد ثقة ولكنه كان أميا قال علي بن عمر: لا أعلم روى هذا غير شجاع بن مخلد عن حماد بن خالد.
قال أبو عمر:
قد روى هذا الحديث هشام بن عروة عن ابن شهاب حدث به الدراوردي عن هشام بن عروة عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس أن سعد بن عبادة سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن أمي هلكت وعليها نذر لم تقضه أفأ قضيه عنها قال: "نعم".
وروى عبدة بن سليمان هذا الحديث عن هشام بن عروة عن بكر بن وائل بن داود عن الزهري بإسناده مثله.

(9/25)


واختلف أهل العلم في النذر وفي حكمه فقال أهل الظاهر كل من كان عليه نذر وتوفي ولم يقضه كان على أقعد أوليائه قضاؤه عنه واجبا بظاهر هذا الحديث وسواء كان في بدن أو مال.
وقال فقهاء الأمصار: ليس ذلك على وليه إلا أن يوصي به ومحمل هذا الحديث عندهم على الندب لا على الإيجاب.
واختلفوا في النذر الذي كان على أم سعد بن عبادة المذكور في هذا الحديث فقالت فرقة كان ذلك صياما نذرته فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقضيه عنها واستدل من قال ذلك بحديث الأعمش عن مسلم البطين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن أمي ماتت وعليها صوم أفأ صوم عنها فقال: "أرأيت لو كان عليها دين أكنت تقضيه" قال: نعم قال: "فدين الله أحق أن يقضى".
قال أبو عمر:
هذا حديث قد اختلف فيه عن الأعمش في إسناده ومتنه فقال: فيه جماعة من رواته عنه بإسناده عن ابن عباس قال: جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت إن أختي ماتت وعليها صيام وبعضهم يقول في حديث ابن عباس هذا إن امرأة جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت إن أمي ماتت وعليها صوم وفي هذا ما

(9/26)


يدلك على أن هذا الحديث ليس ذلك الحديث وأن الرجل المذكور فيه ليس سعد بن عبادة والله أعلم. على أن هذا الحديث مضطرب وقد كان ابن عباس يفتي بخلافة فدل على أنه غير صحيح عنه حدثنا محمد بن إبراهيم قال حدثنا محمد بن معاوية قال حدثنا احمد بن شعيب قال حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال حدثنا يزيد بن زريع قال حدثنا حجاج الأحول قال حدثنا أيوب بن موسى عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس قال: لا يصلي أحد عن أحد ولا يصوم أحد عن أحد ولكن يطعم عنه مكان كل يوم مدا من حنطة. واختلف الفقهاء فيمن مات وعليه صيام من قضاء رمضان أو من نذره وقد كان قادرا على صيامه فقال مالك لا يصوم عنه وليه في الوجهين جميعا ولا يصوم أحد عن أحد قال مالك وهذا أمر مجتمع عليه عندنا.
وتحصيل مذهبه أن الإطعام في ذلك واجب على الميت وغير واجب على الورثة وإن أوصى بذلك الميت كان في ثلثه.
وقال أبو حنيفة وأصحابه إن أمكنه القضاء فلم يفعل أطعم عنه ورثته في النذر وفي قضاء رمضان جميعا وهو قول الثوري والأوزاعي والشافعي وقد روي عن هؤلاء أنه إن لم يجد ما يطعم عنه صام عنه

(9/27)


وليه والمشهور عنهم الإطعام دون الصيام وهو المعروف من مذهب الشافعي وبه قال الحسن بن حي وابن علية: "أن لا يصوم أحد عن أحد والإطعام عند أبي حنيفة والثوري والشافعي والأوزاعي والحسن بن حي" وابن علية واجب في رأس ماله أوصى به أو لم يوص وقال الليث ابن سعد وأحمد بن حنبل وأبو عبيد يصوم عنه وليه في النذر ويطعم عنه في قضاء رمضان مدا من حنطة عن كل يوم والإطعام عندهم واجب في مال الميت.
وقال أبو ثور يصوم عنه وليه في قضاء رمضان وفي النذر جميعا وحجة أبي ثور حديث عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: من مات وعليه صيام صام عنه وليه رواه عمرو بن الحارث عن عبيد الله بن أبي جعفر عن محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة عن عائشة.
وروى عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله لم يخص نذرا من غير نذر.

(9/28)


واحتج من فرق بين النذر وقضاء رمضان بأن سعيد بن جبير روى عن ابن عباس في قضاء رمضان يطعم عنه وفي النذر يصام عنه وهو راوي الحديث وهو أعلم بتأويله.
واحتج من قال: لا يصام عنه في وجه من الوجوه بما قدمنا من قول ابن عباس لا يصوم أحد عن أحد مطلقا وبما روى محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان عن ابن عباس فيهما جميعا الإطعام وفي فتوى ابن عباس بخلافه ما يوهنه عند الكوفي والمدني قالوا لأنه لو صح عنه أو عنده لم يخالفه وكذلك حديث عائشة سواء لأنها أفتت بخلافه روى عبد العزيز بن رفيع عن امرأة منهم يقال لها عمرة عن عائشة من قولها يطعم عنه في قضاء رمضان ولا يصام وقد أجمعوا أن لا يصلي أحد عن أحد والصوم في القياس مثله فإن ادعوا فيه أثرا عورضوا بما ذكرنا من علل الأثر في ذلك ولا أعلمه يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير هذين الوجهين والله أعلم وأما مذهب الشافعي وأبي ثور وأحمد في مثل هذا الأصل فالمصير إلى المسند عندهم أولى من قول الصاحب وفتواه عندهم بخلاف ما رواه لا حجة فيه وهذا الأصل قد أوضحناه في غير هذا الموضع.
وقال بعض أهل العلم إن النذر الذي كان على أم سعد بن عبادة كان عتقا وكل ما كان في مال الإنسان واجبا فجائز أن يؤديه عنه

(9/29)


غيره واستدل قائل هذا القول بحديث القاسم بن محمد أن سعد بن عبادة قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم إن أمي هلكت فهل ينفعها أن أعتق عنها؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "نعم" قال: فهذا تفسير النذر المجمل الذي ذكره ابن عباس في حديثه.
وقال منهم قائلون: أن النذر الذي كان على أم سعد بن عبادة كان صدقة ورووا في ذلك آثارا قد ذكرنا بعضها وأكثرها في باب سعيد بن عمرو بن شرحبيل بن سعيد بن سعد بن عبادة وفي باب عبد الرحمن بن أبي عمرة من كتابنا هذا.
وقال آخرون: بل كان نذرا مطلقا على ظاهر حديث ابن عباس ومن جعل على نفسه نذرا هكذا مجملا مبهما فكفارته كفارة يمين عند أكثر العلماء وروي ذلك أيضا عن عائشة وابن عباس وجابر بن عبد الله وقد روي عن ابن عمر ليس للنذر إلا الوفاء به.
وعن سعيد بن المسيب مثل ذلك وهذا عند أهل العلم على ما قد سمي من النذر.
وروى الثوري عن أبي سلمة عن أبي معشر عن سعيد بن جبير عن ابن عمر أنه سئل عن النذر فقال: أفضل الأيمان فإن لم يجد فالتي تليها فإن لم يجد فالتي تليها يقول الرقبة والكسوة فالطعام

(9/30)


وروى ابن عيينة عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: النذر إذا لم يسمه صاحبه فهو أغلظ الأيمان وله أغلظ الكفارة بعتق رقبة وقد روي عن ابن عباس في النذر كفارة يمين ولم يقل مغلظة وعن جابر بن عبد الله وعائشة مثله.
وقال معمر عن قتادة اليمين المغلظة عتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكينا وروى ابن عيينة عن إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي أني لأعجب ممن يقول أن النذر يمين مغلظة قال الشعبي يجزيه إطعام عشرة مساكين وقاله الحسن وذكر عبد الرزاق عن الثوري عن هشيم عن مغيرة عن إبراهيم قال: في النذر كفارة يمين قال: وقال إبراهيم يجزئه من النذر صيام ثلاثة أيام قال الثوري عن حماد عن إبراهيم قال: سواء قال علي نذر أو لله علي نذر هي يمين.

(9/31)


وعن ابن عيينة عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: النذر يمين وعن ابن جريج قال: قلت لعطاء ما قول الناس علي نذر لله قال: يمين فإن سمى نذرا فهو ما سمى قال ابن جريج أخبرني عطاء أنه سمع أبا الشعثاء يقول إن نذر الرجل ليفعلن شيئا فهو يمين ما لم يسم النذر وهو قول مالك والفقهاء.

(9/32)


الحديث الرابع
...
حديث رابع لابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله مسند
مالك عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن ابن عباس عن ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الفأرة تقع في السمن فقال: "انزعوها وما حولها فاطرحوه" .
هكذا روى يحيى هذا الحديث فجود إسناده وأتقنه عن مالك عن ابن شهاب عن عبيد الله عن ابن عباس عن ميمونة وتابعه جماعة من الحفاظ منهم عبد الرحمن بن مهدي وعبد الله بن نافع والشافعي وإسماعيل بن أبي أويس وسعيد بن أبي مريم وزيد بن يحيى بن عبيد الدمشقي وأشهب بن عبد العزيز وإبراهيم بن طهمان وزياد بن يونس ومطرف بن عبد الله وسعيد بن داود الزبيري وإسحاق ين عيسى الطباع وعبيد بن حيان كل هؤلاء يروونه عن مالك عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس عن ميمونة عن النبي صلى الله عليه وسلم.
ورواه ابن وهب عن مالك عن ابن شهاب عن عبيد الله عن ميمونة لم يذكر ابن عباس.

(9/33)


هكذا رواه عن ابن وهب يونس بن عبد الأعلى وأبو الطاهر والحارث بن مسكين ورواه القعنبي والتنيسي وعثمان بن عمر ومعن بن عيسى وإسحاق بن سليمان الرازي وخالد بن مخلد ومحمد بن الحسن وأبو قرة موسى بن طارق وإسحاق بن محمد الفروي كل هؤلاء رووه عن مالك عن ابن شهاب عن عبيد الله عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم لم يذكروا ميمونة ورواه يحيى القطان وجويرية عن مالك عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس أن ميمونة استفتت النبي صلى الله عليه وسلم.
ورواه ابن بكير وأبو مصعب عن مالك عن ابن شهاب عن عبيد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم مقطوعا وهذا اضطراب شديد عن مالك في إسناد هذا الحديث والله اعلم والصواب فيه ما قاله يحيى ومن تابعه والله أعلم.
واختلف في هذا الحديث أيضا أصحاب ابن شهاب فرواه ابن عيينة ومعمر عن ابن شهاب عن عبيد الله عن ابن عباس عن ميمونة كما روى يحيى وعنه معمر خاصة من بين أصحاب ابن شهاب في هذا الحديث إسناد آخر عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن فأرة وقعت في سمن فقال: إن كان جامدا فخذوها وما حولها فألقوه.

(9/34)


قال عبد الرزاق في هذا الحديث بهذا الإسناد وإن كان مائعا فلا تقربوه وقال عنه عبد الواحد بن يزيد وإن كان ذائبا أو مائعا فاستصبحوا به أو قال: انتفعوا به وروى الأوزاعي هذا الحديث عن ابن شهاب عن عبيد الله عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم لم يذكر ميمونة بنحو حديث مالك وتابعه على هذا الإسناد عبد الرحمن بن إسحاق عن ابن شهاب عن عبيد الله عن ابن عباس لم يذكر ميمونة ورواه عقيل عن ابن شهاب عن عبيد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استفتي في فأرة وقعت في سمن مقطوعا لم يذكر ابن عباس ولا ميمونة والصحيح في إسناد هذا الحديث ما قاله مالك في رواية يحيى ومن تابعه كما ذكرنا.
قال محمد بن يحيى النيسابوري وحديث معمر أيضا عن الزهري عن سعيد عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم محفوظ قال: والطريقان عندنا محفوظان إن شاء الله قال: لكن المشهور حديث ابن شهاب عن عبيد الله قال: وصوابه عن ابن عباس عن ميمونة كما قال مالك وابن عيينة.

(9/35)


وقال البخاري حديث عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن ابن المسيب عن أبي هريرة في هذا غير محفوظ قال محمد بن يحيى ورواه عبد الجبار بن عمر عن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله عن عبد الله ابن عمر أنه كان عند رسول الله صلى الله عليه وسلم حين جاءه رجل فسأله عن فأرة وقعت في ودك لهم قال: وهذا الإسناد عندنا غير محفوظ وهو خطأ ولا يعرف هذا الحديث من حديث سالم وعبد الجبار ضعيف جدا.
قال أبو عمر:
حديث ابن عمر هذا ذكره ابن وهب في موطئه عن عبد الجبار ابن عمر بإسناده هذا فأما رواية ابن عيينة لهذا الحديث فحدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن إسماعيل الترمذي قال حدثنا الحميدي قال حدثنا سفيان قال حدثنا الزهري قال: أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أنه سمع ابن عباس يحدث عن ميمونة أن فأرة وقعت في سمن فماتت فسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: القوها وما حولها وكلوا هذا مثل إسناد يحيى عن مالك في هذا الحديث سواء.

(9/36)


وحدثنا خلف بن قاسم حدثنا أحمد بن محمد بن الحسين العسكري حدثنا إبراهيم بن أبي داود البرلسي حدثنا سعيد بن أبي مريم عن مالك بن أنس وسفيان بن عيينة عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس عن ميمونة أن فأرة وقعت في سمن فقال النبي صلى الله عليه وسلم القوها وما حولها وكلوه.
وحدثنا خلف حدثنا أحمد بن محمد بن الحسين حدثنا يونس بن عبد الأعلى حدثنا أشهب بن عبد العزيز حدثنا مالك حدثني ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس عن ميمونة قالت سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن فأرة وقعت في سمن فقال: "خذوها وما حولها فألقوه".
وأما رواية معمر فأخبرنا خلف بن سعيد أخبرنا عبد الله بن محمد حدثنا أحمد بن خالد حدثنا عبد الرزاق قال أخبرنا معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن فأرة وقعت في سمن فقال: "إن كان جامدا فخذوها وما حولها فألقوه وإن كان مائعا فلا تقربوه".
وأخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا أحمد بن صالح والحسن بن علي وهذا لفظ الحسن قال حدثنا عبد الرزاق قال أخبرنا معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله

(9/37)


صلى الله عليه وسلم إذا وقعت الفأرة في السمن فإن كان جامدا فألقوه وما حولها وإن كان مائعا فلا تقربوه.
قال الحسن قال عبد الرزاق وربما حدث به معمر عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس عن ميمونة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال أبو داود وحدثنا أحمد بن صالح قال حدثنا عبد الرزاق قال حدثنا عبد الرحمن بن بوذوية عن معمر عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس عن ميمونة عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثل حديث الزهري عن سعيد بن المسيب هكذا قال عبد الرزاق عن معمر عن سعيد عن أبي هريرة بهذا الإسناد وإن كان مائعا فلا تقربوه.
وقال: فيه عبد الواحد بن زياد عن معمر أيضا بهذا الإسناد عن الزهري عن سعيد عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم وإن كان ذائبا أو قال: مائعا لم يؤكل هذه رواية مسدد عن عبد الواحد.
حدثنا بذلك عبد الوارث حدثنا قاسم حدثنا بكر حدثنا مسدد حدثنا عبد الواحد قال أخبرنا معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن

(9/38)


فأرة وقعت في سمن فقال: إن كان جامدا ألقيت وما حولها وإن كان ذائبا أو مائعا لم يؤكل.
وغير مسدد يقول فيه عن عبد الواحد عن معمر بهذا الإسناد وإن كان مائعا فانتفعوا به واستصبحوا وقد يحتمل أن يكون المعنى في رواية مسدد وغيره عن عبد الواحد في ذلك سواء ويحمل قوله لم يؤكل في رواية مسدد على تخصيص الأكل كأنه قال: لم يؤكل ولكنه يستصبح به وينتفع فلا تتعارض الرواية عنه في ذلك.
وأما عبد الأعلى فرواه عن معمر عن الزهري عن سعيد عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن فأرة وقعت في سمن فأمر بها أن تؤخذ وما حولها فتطرح هكذا قال لم يذكر حكم المائع بشيء وكل هؤلاء ليس عنده عن معمر في هذا الحديث إلا هذا الإسناد عن الزهري عن سعيد عن أبي هريرة.
وقال محمد بن يحيى النيسابوري بعد ذكره هذا الحديث قال: وحدثنا عبد الرزاق قال أخبرنا عبد الرحمن بن بوذوية وكان من مثبتيهم أن معمرا كان يرويه أيضا عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس عن ميمونة قال محمد بن يحيى ومما يصحح حديث معمر عن الزهري عن سعيد أن عبد الله بن صالح حدثني

(9/39)


قال: حدثني الليث قال: حدثني خالد بن يزيد عن سعيد بن أبي هلال عن ابن شهاب قال: قال ابن المسيب بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن فأرة وقعت في سمن قال محمد بن يحيى فقد وجدنا ذكر سعيد بن المسيب في هذا الحديث رواية معمر فالحديثان محفوظان.
قال أبو عمر:
في هذا الحديث معان من الفقه منها ما اجتمع عليه ومنها ما اختلف فيه فأما ما اجتمع عليه العلماء من ذلك أن الفأرة ومثلها من الحيوان كله يموت في سمن جامد أو ما كان مثله من الجامدات أنها تطرح وما حولها من ذلك الجامد ويؤكل سائره إذا استيقن أنه لم تصل الميتة إليه وكذلك أجمعوا أن السمن وما كان مثله إذا كان مائعا ذائبا فماتت فيه فأرة أو وقعت وهي ميتة أنه قد نجس كله وسواء وقعت فيه ميتة أو حية فماتت يتنجس بذلك قليلا كان أو كثيرا هذا قول جمهور الفقهاء وجماعة العلماء.
وقد شذ قوم فجعلوا المائع كله كالماء ولا وجه للاشتغال بشذوذهم في ذلك ولا هم عند أهل العلم ممن يعد خلافا وسلك داود بن علي سبيلهم في ذلك إلا في السمن الجامد والذائب فإنه قال: فيه بظاهر حديث هذا الباب عدا معناه في العسل والخل والمري والزيت.

(9/40)


وسائر المائعات فجعلها كالماء في لحوق النجاسة إياها بما ظهر منها فيها فشذ أيضا ويلزمه أن لا يتعدى الفأرة كما لم يتعد السمن والحية قوله وقول بعض أصحابه ويلزمهم أيضا ألا يعتبروا إلقاءها في السمن حتى تكون هي تقع بنفسها وكفى بقول يؤول إلى هذا قود أصله قبحا وفسادا.
وأما سائر العلماء وجماعة أئمة الأمصار في الفتوى فالفأرة والوزعة والدجاجة وما يؤكل وما لا يؤكل عندهم سواء إذا مات في السمن أو الزيت أو وقع فيه وهو ميت إذا كان له دم ولم يكن كالبعوض الذي لا دم له والدود وشبه ذلك.
وأجمعوا أن المائعات كلها من الأطعمة والأشربة ما خلا الماء سواء إذا وقعت فيها الميتة نجست المائع كله ولم يجز أكله ولا شربه عند الجميع إلا فرقة شذت على ما ذكرنا منهم داود.
واختلفوا في الزيت تقع فيه الميتة بعد إجماعهم على نجاسته هل يستصبح به؟ وهل يباع وينتفع به في غير الأكل فقالت طائفة من العلماء لا يستصبح به ولا يباع ولا ينتفع بشيء منه.
وممن قال ذلك منهم الحسن بن صالح وأحمد بن حنبل ومن حجة من ذهب هذا المذهب قوله صلى الله عليه وسلم في السمن تقع فيه

(9/41)


الفأرة خذوها وما حولها فألقوه وإن كان مائعا فلا تقربوه قالوا فلما أمر بإلقاء الجامد وحكم له بحكم الفأرة الميتة وجب أن يلقى أبدا ولا ينتفع به في شيء كما لا ينتفع بالفأرة ولو كان بينهما فرق لبينه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولما أمر بإلقاء شيء يمكن الانتفاع به قالوا وكذلك المائع يلقى أيضا كله ولا يقرب ولا ينتفع بشيء منه هذا لو لم يكن في المائع نص فكيف وقد قال عبد الرزاق في هذا الحديث وإن كان مائعا فلا تقربوه.
واحتجوا أيضا بعموم تحريم الميتة في الكتاب والسنة فمن ذلك ما حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن اصبغ قال حدثنا مطلب بن شعيب قال حدثنا عبد الله بن صالح قال: حدثني الليث عن يزيد بن أبي حبيب قال: قال عطاء بن أبي رباح سمعت جابر بن عبد الله يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح بمكة "أن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام" قيل له يا رسول الله أرأيت شحوم الميتة فإنه يدهن بها السفن والجلود ويستصبح بها الناس فقال: "لا هي حرام" ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "قاتل الله اليهود لما حرم عليهم الشحم جملوه فباعوه وأكلوا ثمنه" فحذر أمته أن يفعلوا مثل ذلك وذكره البخاري قال حدثنا

(9/42)


قتيبة قال حدثنا الليث عن يزيد بن أبي حبيب عن عطاء بن أبي رباح عن جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله.
وذكره ابن أبي شيبة عن أبي أسامة عن عبد الحميد بن جعفر عن يزيد بن أبي حبيب عن عطاء عن جابر مرفوعا مثله وقال آخرون: يجوز الاستصباح بالزيت تقع فيه الميتة وينتفع به في الصابون وشبهه وفي كل شيء ما لم يبع ولم يؤكل فإنه لا يجوز بيعه ولا أكله بحال وممن قال ذلك مالك والشافعي وأصحابهما والثوري.
قال أبو عمر:
أما أكله فمجمتع على تحريمه إلا الشذوذ الذي ذكرنا.
وأما الاستصباح به فقد روي عن علي بن أبي طالب وعبد الله بن عمر إجازه ذلك روى الحارث عن علي قال: استنفع به للسراج ولا تأكله وروى سفيان بن عيينة عن أيوب بن موسى عن نافع عن صفية بنت أبي عبيد أن فأرة وقعت في أفران زيت لآل عبد الله بن عمر فأمرهم ابن عمر أن يستصبحوا به ويدهنوا به الأدم وروى ابن عيينة والثوري ومعمر عن أيوب السختياني عن نافع عن ابن عمر مثله.
وروى ابن وهب قال: أخبرني أسامة بن زيد عن نافع أن امرأة عبد الله بن عمر أخبرته أنه كان لعبد الله بن عمر جرة ضخمة ملأى

(9/43)


سمنا فوجد فيها فأرة ميتة فأبى أن يأكل منها ومنع أهله وأمرهم أن يستصبحوا به وأن يدهنوا به أدما كان لهم.
قال ابن وهب: وأخبرني أنس بن عياض عن عبد الله بن محمد بن أبي مريم الثقفي أنه قال: سالت سعيد بن المسيب عن جرتين وقعت فيهما فأرتان فأما الواحدة فأخرجنا منها الفأرة حية فقال سعيد لا بأس بزيتها فكلوه وأما الأخرى فعالجنا بالفأرة التي فيها حتى ماتت فقال: لا تأكلوا ما خرج روحها فيها.
ومن حجة هؤلاء في تحريم بيعه ما حدثنا خلف بن سعيد حدثنا عبد الله بن محمد حدثنا أحمد بن خالد حدثنا علي بن عبد العزيز حدثنا عمرو بن عون قال أخبرنا هشيم عن خالد يعنى الحذاء عن بركة أبي الوليد عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها وأن الله إذا حرم أكل شيء حرم ثمنه".
واحتجوا أيضا بحديث زيد بن أسلم عن ابن وعلة عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله في الخمر "أن الذي حرم شربها حرم بيعها" وقد مضى هذا الحديث بطرقه في باب زيد من كتابنا هذا والحمد لله.

(9/44)


قالوا: فهذه نصوص صحاح في أنه لا يجوز بيع شيء لا يحل أكله من الطعام والشراب.
وقال آخرون: ينتفع بالزيت الذي تقع فيه الميتة بالبيع وبكل شيء ما عدا الأكل فإنه لا يؤكل قالوا وجائز أن يبيعه ويبين له وممن قال ذلك أبو حنيفة وأصحابه والليث بن سعد وقد روي عن أبي موسى الأشعري قال: لا تأكلوه وبيعوه وبينوا لمن تبيعونه منه ولا تبيعوه من المسلمين.
وعن القاسم وسالم يبيعونه ويبينون له ولا يؤكل.
ذكر ابن وهب عن ابن لهيعة وحيوة بن شريح عن خالد بن أبي عمران أنه قال: سألت القاسم وسالما عن الزيت تموت فيه الفأرة هل يصلح أن يؤكل منه؟ فقالا: لا قلت أفيبيعه؟ قالا: نعم ثم كلوا ثمنه وبينوا لمن يشتريه ما وقع ومن حجة من ذهب إلى هذا المذهب ما ذكره عبد الواحد عن معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في الفأرة تقع في السمن قال: إن كان جامدا فألقوها وما حولها وإن كان مائعا فاستصبحوا به وانتفعوا قالوا والبيع من باب الانتفاع قالوا وأما قوله في حديث عبد الرزاق إن كان مائعا فلا تقربوه فإنه يحتمل أن يريد لا تقربوه للأكل قالوا وقد أجرى رسول الله صلى الله عليه وسلم التحريم في شحوم الميتة في كل وجه ومنع من الانتفاع بشيء منها.

(9/45)


وذكروا حديث يزيد بن أبي حبيب عن عطاء عن جابر المذكور قالوا وأباح رسول الله صلى الله عليه وسلم في السمن تقع فيه الميتة الانتفاع به فدل على جواز وجوه سائر الانتفاع غير الأكل قالوا والبيع من الانتفاع قالوا والنظر يدل على ذلك لأن شحوم الميتة محرمة العين والذات.
وأما الزيت تقع فيه الميتة فإنما تنجس بالمجاورة وما تنجس بالمجاورة فبيعه جائز كالثوب تصيبه النجاسة من الدم وغيره وفرقوا بينه وبين أمهات الأولاد بأن الزيت النجس تجوز هبته والصدقة به وليس يجوز ذلك في أمهات الأولاد قالوا وما جاز تمليكه جاز البيع فيه قالوا وأما قوله عليه الصلاة والسلام إن الله إذا حرم أكل شيء حرم ثمنه فإنما هو كلام خرج على شحوم الميتة التي حرم أكلها ولم يبح الانتفاع بشيء منها وكذلك الخمر والمعنى في ذلك أن الله تعالى إذا حرم أكل شيء ولم يبح الانتفاع به حرم ثمنه وأما ما أباح الانتفاع به فليس مما عني بقوله إن الله إذا حرم أكل شيء حرم ثمنه بدليل إجماعهم على بيع الهر والسباع والفهود المتخذة للصيد والحمر الأهلية قالوا وكل ما يجوز الانتفاع به يجوز بيعه.

(9/46)


قال أبو عمر: أجاز بعض أصحابنا وهو عبد الله بن نافع فيما ذكر عنه غسل ألبان تقع فيه الميتة ومثله الزيت تقع فيه الميتة وقد روي عن مالك أيضا مثل ذلك وذلك أن يعمد إلى قصاع ثلاث أو أكثر فيجعل الزيت النجس في واحد منها حتى يكون نصفها أو نحو ذلك ثم يصب عليها الماء حتى يمتلئ ثم يؤخذ الزيت من على الماء ثم يجعل في أخرى ويعمل به كذلك ثم في ثالثة ويعمل به كذلك حكيت لنا هذه الصفة في غسل الزيت عن محمد بن أحمد العتبي وهو قول ليس لقائله سلف ولا تسكن إليه النفس لأنه لو كان جائزا ما خفي على المتقدمين ولعملوا به مع أنه لا يصح غسل مالا يرى عند أولي النهي وقد روي عن عطاء بن أبي رباح في شحوم الميتة قول لم يقله أحد من علماء المسلمين غيره فيما علمت.
ذكر عبد الرزاق عن ابن جريج قال: أخبرني عطاء قال: ذكروا أنه يستفيد بشحوم الميتة ويدهن به السفن ولا يمس ولكن يؤخذ بعود فقلت فيدهن به غير السفن قال: لم أعلم قلت وأين يدهن به من السفن قال: ظهورها ولا يدهن بطونها قلت فلا بد أن يمس ودكها بالمصباح فتناله اليد قال: فليغسل يده إذا مسه.

(9/47)


قال أبو عمر:
قول عطاء هذا شذوذ وخروج عن تأويل العلماء لا يصح به أثر ولا مدخل له في النظر لأن الله حرم الميتة تحريما مطلقا فصارت نجسة الذات محرمة العين لا يجوز الانتفاع بشيء منها إلا ما خصت السنة من الإهاب بعد الدباغ ولا فرق بين الشحم واللحم في قياس ولا أثر.
وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم خلاف قول عطاء نصا من حديثه عن جابر وقد تقدم ذكره في هذا الباب وما أدري كيف جاز له الفتوى بخلاف ما روى إلا أنهم يقولون أن يزيد بن أبي حبيب لم يسمع حديثه ذلك من عطاء وقد حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن إسماعيل الترمذي قال حدثنا أبو نعيم قال حدثنا زمعة بن صالح قال حدثنا أبو الزبير قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسا فجاءه أناس من أهل البحرين فقالوا يا رسول الله إنا نعمل في البحر ولنا سفينة قد احتاجت إلى الدهن وقد وجدنا ناقة ميتة كثيرة الشحم وقد أردنا أن ندهن به سفينتنا فإنما هو عود وإنما تجري في البحر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا تنتفعوا بشحم الميتة أو قال بشيء من الميتة".

(9/48)


الحديث الخامس
...
حديث خامس لابن شهاب عن عبيد الله مسند
مالك عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس قال: مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بشاة ميتة كان أعطاها مولى لميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "ألا انتفعتم بجلدها" فقالوا يا رسول الله إنها ميتة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إنما حرم أكلها".
هكذا روى يحيى هذا الحديث فجود إسناده أيضا وأتقنه وتابعه على ذلك ابن وهب وابن القاسم والشافعي ورواه القعنبي وابن بكير وجويرية ومحمد بن الحسن عن مالك عن ابن شهاب عن عبيد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا والصحيح فيه اتصاله وإسناده وكذلك رواه معمر ويونس والزبيدي وعقيل كلهم عن ابن شهاب عن عبيد الله عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل رواية يحيى ومن تابعه عن مالك سواء وكان ابن عيينة يقول مرارا كذلك ومرارا يقول فيه عن ابن عباس عن ميمونة وكذلك رواه سليمان بن كثير عن

(9/49)


الزهري عن عبيد الله عن ابن عباس عن ميمونة قالت أعطيت مولاة لي من الصدقة فذكر الحديث وزاد ودباغ أهابها طهورها.
واتفق معمر ومالك ويونس على قوله إنما حرم أكلها إلا أن معمرا قال: لحمها وذلك سواء ولم يذكر واحد منهم الدباغ وكان ابن عيينة يقول لم اسمع أحدا يقول إنما حرم أكلها إلا الزهري واتفق الزبيدي وعقيل وسليمان بن كثير على ذكر الدباغ في هذا الحديث عن الزهري وكان ابن عيينة مرة يذكره فيه ومرة لا يذكره ومرة يجعل الحديث عن ابن عباس عن ميمونة ومرة عن ابن عباس فقط قال محمد ابن يحيى النيسابوري لست اعتمد في هذا الحديث على ابن عيينة لاضطرابه فيه.
قال: وأما ذكر الدباغ فيه فلا يوجد إلا من رواية يحيى بن أيوب عن عقيل ومن رواية بقية عن الزبيدي ويحيى وبقية ليسا بالقويين ولم يذكر مالك ولا معمر ولا يونس الدباغ وهو الصحيح في حديث الزهري وبه كان يفتي قال: وأما من غير رواية الزهري فذلك محفوظ صحيح عن ابن عباس.
قال أبو عمر:
قد ذكرنا في باب زيد بن أسلم رواية ابن وعلة وعطاء وابن أبي الجعد عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم دباغ الإهاب

(9/50)


طهوره وذكرنا هناك في هذا الباب من الآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم وما قاله العلماء في ذلك ووجوه اختلافهم فيما اختلفوا فيه من هذا الباب بأبسط ما يكون من القول وأعظمه فائدة والحمد لله وكل ما يجب من القول في هذا الباب فقد مضى ممهدا بما للعلماء في ذلك من إذنه في باب زيد بن أسلم عن ابن وعلة فلا معنى لإعادة ذلك ههنا والقول الذي قاله النيسابوري عن ابن عيينة من اضطرابه عن الزهري في هذا الحديث قد قاله غيره عن ابن شهاب واضطراب ابن شهاب في هذا الحديث وفي حديث ذي اليدين كثير جادا وهذا الحديث من غير رواية ابن شهاب أصح وثبوت الدباغ في جلود الميتة عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه كثيرة صحاح ثابتة قد ذكرناها في باب زيد بن أسلم من كتابنا هذا وبينا الحجة على من أنكر الدباغ بما فيه كفاية من جهة النظر والأثر وبالله التوفيق.
وفي الباب قبل هذا في قصة الفأرة تقع في السمن ما يدخل في معنى هذا الباب ويفسر المنع من بيع مالا يحل أكله ويقضي على أن المأكول كله من الميتة حرام وفي ذلك كشف معنى قوله في هذا الحديث إنما حرم أكلها ومعلوم أن العظم حكمه حكم اللحم لأنه لا يقطع ولا ينزع من البهيمة وهي حية كما يصنع بالصوف وإنما يحرم بالموت ما حرم قطعه من الحي إلا ترى إلى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قطع من حي فهو ميتة.

(9/51)


وأجمع العلماء على أن جز الصوف عن الشاة وهي حية حلال وفي هذا بيان ما ذكرنا.
وأما قوله عليه الصلاة والسلام لا تنتفعوا من الميتة بإهاب فإن معناه حتى يدبغ بدليل أحاديث الدباغ وقد أوضحنا هذا في باب زيد بن أسلم والحمد لله.
ومن أجاز عظم الميتة كالعاج وشبهه في الأمشاط وغيرها زعم أن الميتة ما جرى فيه الدم وليس كذلك العظم واحتجوا بقوله في هذا الحديث إنما حرم أكلها وليس العظم مما يؤكل.
قالوا: فكل ما لا يؤكل من الميتة جائز الانتفاع به لقوله إنما حرم أكلها وممن رخص في أمشاط العاج وما يصنع من أنياب الفيلة وعظام الميتة ابن سيرين وعروة بن الزبير وأبو حنيفة وأصحابه قالوا تغسل وينتفع بها وتباع وتشتري وبه قال الليث بن سعد إلا أنه قال: تغلى بالماء والنار حتى يذهب ما فيها من الدسم وممن كره العاج وسائر عظام الميتة ولم يرخص في بيعها ولا الانتفاع بها عطاء وطاووس وعمر بن عبد العزيز ومالك ابن أنس والشافعي واختلف فيها عن الحسن البصري.

(9/52)


ومن حجتهم أن الميتة محرمة بالكتاب والسنة المجتمع عليهما والعظم ميتة بدليل قوله تعالى: {مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ} وإنه لا يؤخذ من الحي ولهم في ذلك ما يطول ذكره.

(9/53)


الحديث السادس
...
حديث سادس لابن شهاب عن عبيد الله مسند
مالك عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن عبد الله بن عباس عن الصعب بن جثامة أنه أهدى لرسول الله صلى الله عليه وسلم حمار وحش وهو بالأبواء أو بودان فرده عليه رسول الله صلى الله وسلم قال: فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما في وجهي قال: إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم".
هذا حديث لم يختلف في إسناده على مالك ولا على ابن شهاب وكل من في إسناده فقد سمعه بعضهم من بعض سماعا كذلك في الإملاء عن ابن شهاب قال: أخبرني عبيد الله قال: سمعت ابن عباس قال: أخبرني الصعب بن جثامة وقد قلنا في السند المعنعن في أول كتابنا ما فيه كفاية وممن رواه عن ابن شهاب كما رواه مالك معمر وابن جريج وعبد الرحمن بن الحرث وصالح بن كيسان وابن أخي ابن

(9/54)


شهاب والليث بن سعد ويونس بن يزيد ومحمد بن عمرو بن علقمة كلهم قالوا فيه أهديت لرسول الله صلى الله عليه وسلم حمار وحش كما قال مالك وخالفهم ابن عيينة ومحمد بن إسحاق فقالا فيه أهدي لرسول الله صلى الله عليه وسلم لحم حمار وحش وقال ابن جريج في حديثه قلت لابن شهاب الحمار عقير قلت لا أدري فقد بين أبي جريج أن ابن شهاب شك فلم يدر هل كان عقيرا أم لا إلا أن في مساق حديثه أهديت لرسول الله صلى الله عليه وسلم حمار وحش فرده علي وروى حماد بن زيد هذا الحديث عن صالح بن كيسان عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس عن الصعب بن جثامة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقبل حتى إذا كان بقديد أهدي إليه بعض حمار فرده عليه وقال: إنا حرم لا نأكل الصيد هكذا قال حماد بن زيد عن صالح بن كيسان عن عبيد الله لم يذكر ابن شهاب وقال: بعض حمار ذكره إسماعيل القاضي عن سليمان بن حرب عن حماد بن زيد وعند حماد بن زيد في هذا أيضا إسناد آخر عن عمرو بن دينار عن ابن عباس عن الصعب بن جثامة أنه أتي النبي صلى الله عليه وسلم بحمار وحش فرده عليه وقال: إنا حرم لا نأكل الصيد هكذا قال في هذا الإسناد بحمار وحش.
ورواه إبراهيم بن سعد عن صالح بن كيسان عن ابن شهاب كما قدمنا ذكره وهو أولى بالصواب عند أهل العلم فهذا ما في حديث

(9/55)


ابن شهاب وقد روي عن ابن عباس من حديث سعيد بن جبير ومقسم وعطاء وطاووس أن الصعب بن جثامة أهدى لرسول الله صلى الله عليه وسلم لحم حمار وحش قال سعيد بن جبير في حديثه عجز حمار وحش فرده يقطر دما رواه شعبة عن الحكم عن سعيد بن جبير وقال مقسم في حديثه رجل حمار وحش رواه هشيم عن يزيد بن أبي زياد عن مقسم ذكره إسماعيل القاضي عن إبراهيم الهروي عن هشيم وقال عطاء في حديثه أهدي له عضد صيد فلم يقبله وقال: إنا حرم رواه حماد بن سلمة عن قيس عن عطاء وقال طاووس في حديثه عضوا من لحم صيد حدث به إسماعيل عن علي بن المديني عن يحيى بن سعيد عن ابن جريج عن الحسن بن مسلم عن طاووس عن ابن عباس إلا أن منهم من يجعله عن ابن عباس عن زيد بن أرقم.
أخبرناه عبد الرحمن بن يحيى حدثنا أحمد بن سعيد حدثنا محمد بن محمد الباهلي حدثنا إسحاق بن أبي إسرائيل حدثنا هشام بن يوسف القاضي عن ابن جريج قال: أخبرني حسن بن مسلم عن طاووس عن ابن عباس قال: قدم زيد بن أرقم فقال له: ابن عباس يستذكره كيف أخبرتني عن لحم أهدي للنبي صلى الله عليه وسلم حراما قال: نعم أهدى له رجلا عضوا من لحم فرده عليه وقال: إنا لا

(9/56)


نأكله إنا حرم وكذلك رواه أبو عاصم عن ابن جريج بإسناده.
"هذا" مثله ورواه حماد بن سلمة عن قيس بن سعد عن عطاء عن ابن عباس أنه قال لزيد بن أرقم أما علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهدي له عضو من صيد وهو محرم فلم يقبله قال: بلى قال إسماعيل سمعت سليمان بن حرب يتأول هذا الحديث على أنه صيد من أجل النبي صلى الله عليه وسلم ولولا ذلك كان أكله جائزا.
قال سليمان ومما يدل على أنه صيد من أجله قولهم في هذا الحديث فرده يقطر دما كأنه صيد في ذلك الوقت قال إسماعيل وإنما تأول سليمان بن حرب الحديث الذي فيه أنه أهدي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لحم حمار وهو موضع يحتاج إلى تأويل.
وأما رواية مالك أن الذي أهدي إليه حمار وحش فلا يحتاج إلى تأويل لأن المحرم لا يجوز له أن يمسك صيدا حيا ولا يذكيه وإنما يحتاج إلى التأويل قول أن الذي أهدي هو بعض الحمار قال إسماعيل وعلى تأويل سليمان بن حرب تكون الأحاديث كلها المرفوعة غير مختلفة.

(9/57)


قال أبو عمر: الأحاديث المرفوعة في هذا الباب منها حديث عمير بن سلمة في قصة البهزي وحماره العقير رواه مالك عن يحيى بن سعيد عن محمد بن إبراهيم عن عيسى بن طلحة عن عمير ومنها حديث أبي قتادة روي من وجوه وممن روى قصة أبي قتادة جابر وأبو سعيد وسنذكر حديث أبي قتادة في باب النضر بن سالم من كتابنا هذا إن شاء الله ومنها حديث الصعب بن جثامة المذكور في هذا الباب من حديث ابن عباس على تواتر الإشارة واختلاف ألفاظه.
ومنها حديث علي بن أبي طالب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهدي إليه رجل حمار وحش فأبى أن يأكله.
وحديث المطلب عن جابر يفسره قوله صلى الله عليه وسلم صيد البر لكم حلال ما لم تصيدوه أو يصاد لكم.
وأجمع العلماء على أنه لا يجوز للمحرم قبول صيد وهب له ولا يجوز له شراؤه ولا اصطياده ولا استحداث ملكه بوجه من الوجوه لا خلاف بين علماء المسلمين في ذلك لعموم قول الله عز وجل: {وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً} ولحديث الصعب بن جثامة في

(9/58)


قصة الحمار ولأهل العلم قولان في المحرم يشتري الصيد أحدهما أن الشراء فاسد والثاني صحيح وعليه أن يرسله.
واختلف العلماء فيمن أحرم وفي يده صيد أو في بيته عند أهل فقال مالك إن كان في يده فعليه إرساله وإن كان في أهله فليس عليه أن يرسله وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد وأحمد بن حنبل وقال ابن أبي ليلى والثوري والحسن بن صالح سواء كان في بيته أو في يده عليه أن يرسله فإن لم يرسله ضمن وهو أحد قولي الشافعي وقال أبو ثور والشافعي في أحد قوليه سواء كان في يده أبو في أهله ليس عليه أن يرسله وعن مجاهد وعبد الله بن الحارث مثل ذلك.
واختلفوا أيضا فيما صيد للمحرمين أو من أجلهم فقال مالك لا بأس أن يأكل المحرم الصيد إذا لم يصد له ولا من أجله فإن صيد له أو من أجله لم يأكله فإن أكل محرم من صيد صيد من أجله فداه وهو قول الأوزاعي والحسن بن حي قال مالك فأما ما ذبحه المحرم فهو ميتة لا يحل لمحرم ولا لحلال وقد اختلف قوله فيما صيد لمحرم بعينه كالأمير وشبهه هل لغير ذلك الذي صيد من أجله أن يأكله هو وسائر من معه من المحرمين والمشهور من مذهبه عند أصحابه أن المحرم لا يأكل ما صيد لمحرم معين أو غير معين ولم يأخذ بقول عثمان لأصحابه حين أتى بلحم صيد وهو محرم كلوا فلستم مثلي لأنه صيد من

(9/59)


أجلي وقال أبو حنيفة إذا ذبحه الحلال فلا بأس بأكله للمحرم وغيره وإن ذبحه محرم لم يجز لأحد أكله وروي عن الثوري كراهية أكله إذا ذبح من أجل المحرمين وروي عن إباحته وروي عنه أيضا إباحة ما ذبحه المحرم للحلال وللشافعي فيه قولان أحدهما أنه لا يجوز للمحرم أكل ما صيد من أجله وعليه الجزاء إن أكله مثل قول مالك وقول أخر لا جزاء عليه وما ذبحه المحرم لم يجز أكله لأحد إلا لمن تحل له الميتة وروي عن علي بن أبي طالب وابن عباس وابن عمر أنه لا يجوز للمحرم أكل لحم صيد على حال من الأحوال سواء صيد من أجله أو لم يصد لعموم قول الله عز وجل: {وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً} وقال ابن عباس هي مبهمة وبهذا القول قال طاووس وجابر بن زيد أبو الشعثاء وروى ذلك عن الثوري وبه قال إسحاق بن راهويه وكان عمر بن الخطاب وأبو هريرة والزبير بن العوام ومجاهد وعطاء وسعيد بن جبير يرون للمحرم أكل الصيد على

(9/60)


كل حال إذا اصطاده الحلال سواء صيد من أجله أو لم يصد وبه قال أبو حنيفة وأصحابه لظاهر قول الله عز وجل: {لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} فحرم صيده وقتله على المحرمين دون ما صاد غيرهم.
وذهب مالك والشافعي وأحمد بن حنبل وأبو ثور إلى أن ما صيد من أجل المحرم لم يجز أكله وما لم يصد من أجله جاز له أكله وروي هذا القول عن عثمان بن عفان وبه قال عطاء في رواية وإسحاق في رواية وقد روي عن عطاء وعن أبي عباس أيضا أنهما قالا ما ذبح وأنت محرم لم يحل لك أكله وهو عليك حرام وما ذبح من الصيد قبل أن تحرم فلا شيء في أكله.
قال أبو عمر:
من أجاز أكل لحم صيد للمحرم إذا اصطاده الحلال فحجتهم حديث البهزي عن النبي صلى الله عليه وسلم في حمار الوحش العقير أنه أمر به أبا بكر فقسمه بين الرفاق من حديث مالك وغيره وسيأتي ذكره في باب يحيى بن سعيد إن شاء الله وحديث أبي قتادة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :"إنما هي طعمة أطعمكموها الله" من حديث مالك وغيره وحجة من لم يجزه حديث الصعب بن جثامة

(9/61)


المذكور في هذا الباب من حديث ابن عباس وحجة مالك والشافعي حديث المطلب عن جابر.
حدثنا عبد الله بن محمد بن أسد قال حدثنا حمزة بن محمد قال حدثنا أحمد بن شعيب قال أخبرنا قتيبة بن سعيد قال حدثنا يعقوب عن عمرو عن المطلب عن جابر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "صيد البر لكم حلال ما لم تصيدوه أو يصطاد لكم" وقد روى عبد الله بن إدريس الأودي الكوفي وهو إمام في الحديث ثقة جليل عن مالك بهذا الإسناد أحاديث في نسق واحد.
حدثنا عبد الرحمن بن يحيى حدثنا الحسن بن الخضر حدثنا أحمد بن شعيب حدثنا محمد بن العلاء أخبرنا ابن إدريس عن مالك عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس عن الصعب بن جثامة أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "لا حمى إلا لله ولرسوله" وسئل عن القوم يبيتون فيصيبون الولدان قال: هم منهم وأهدي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأبواء حمار فرده.

(9/62)


أما قصة الحمار بالأبواء ففي الموطأ وأما حديث التبييت وقوله لا حمى فصحيح عن ابن شهاب غريب عن مالك.

(9/63)


الحديث السابع
...
حديث سابع لابن شهاب عن عبيد الله
مالك عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى مكة عام الفتح في رمضان فصام حتى بلغ الكديد ثم أفطر فأفطر الناس وكانوا يأخذون بالأحدث فالأحدث من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال أبو عمر:
قوله في هذا الحديث وكانوا يأخذون بالأحدث فالأحدث من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون إنه من كلام ابن شهاب.

(9/64)


وفيه دليل على أن في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ناسخا ومنسوخا وهذا أمر مجمع عليه واحتج من ذهب إلى الفطر في السفر بأن آخر فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم الفطر في السفر وبقوله: "ليس من البر الصيام في السفر".
وقد أوضحنا هذا المعنى في باب حميد الطويل فلا معنى لإعادة ذلك ههنا.
ورواية ابن جريج لهذا الحديث عن ابن شهاب كرواية مالك سواء وقال: فيه معمر قال الزهري فكان الفطر آخر الأمرين.
وفي هذا الحديث من الفقه إباحة السفر في رمضان وفي ذلك رد قول من قال: ليس لمن ابتدأ صيام رمضان في الحضر أن يسافر فيفطر لقول الله تعالى: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} ورد قول من قال: إن المسافر في رمضان إن صام بعضه في الحضر لم يجز له الفطر في سفره.

(9/65)


روى حماد بن سلمة عن قتادة عن محمد بن سيرين عن عبيدة عن علي رضي الله عنه قال: من أدركه رمضان وهو مقيم ثم سافر بعد لزمه الصوم لأن الله تعالى يقول: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} وهو قول عبيدة وطائفة معه ورواه حماد بن زيد عن أيوب عن محمد عن عبيدة قوله وتأول من ذهب مذهب هؤلاء في قوله: {أَوْ عَلَى سَفَرٍ} من أدركه رمضان وهو مسافر ففي الحديث ما يبطل هذا القول كله لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم سافر في رمضان بعد أن صام بعضه في الحضر مقيما وكان خروجه بعد مدة منه قد ذكرناها وذكرنا اختلاف الآثار فيها في باب حميد الطويل والحمد لله.
وفيه جواز الصوم في السفر وجواز الفطر في السفر وفي ذلك رد على من ذهب إلى أن الصوم في السفر لا يجوز وإن من فعل ذلك لم يجزه وزعم أن الفطر عزمة من الله في قوله: {وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} وهو قول يروى عن ابن عباس وأبي هريرة وقد ذكرنا في باب حميد الطويل من كتابنا هذا عن ابن عباس خلافه من وجوه صحاح وروي عن ابن عمر أنه قال: إن صام في السفر

(9/66)


قضى في الحضر وعن عبد الرحمن بن عوف أنه قال: الصائم في السفر كالمفطر في الحضر وجمهور العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من الخالفين على خلاف هذا الحديث وشبهه عن النبي صلى الله عليه وسلم مما قدمنا ذكره في باب حميد منها حديث أنس سافرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فمنا الصائم ومنا المفطر فلم يعب هذا على هذا ولا هذا على هذا وحديث حمزة بن عمرو الأسلمي إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له في السفر إن شئت فصم وإن شئت فأفطر وهو مذكور في باب هشام بن عروة.
وذكرنا في باب سمي حديث ابن عباس وأبي سعيد الخدري خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس مختلفون فصائم ومفطر والآثار بهذا كثيرة جدا.
وأجمع الفقهاء أن المسافر بالخيار إن شاء صام وإن شاء أفطر إلا أنهم اختلفوا في الأفضل من ذلك وقد مضى القول فيه في باب حميد والله أعلم.
واختلف الفقهاء في الفطر المذكور في هذا الحديث فقال قوم معناه إن أصبح مفطرا نوى الفطر فتمادى عليه في أيام سفره واحتجوا بحديث العلاء بن المسيبب عن الحكم ابن عيينة عن مجاهد عن ابن عباس قال: صام رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة حتى أتى

(9/67)


قديدا ثم أفطر حتى أتى إلى مكة وهذا لا بيان فيه لما تأولوه.
وقال آخرون: معناه أنه أفطر في نهاره بعد ما مضى منه صدر وإن الصائم جائز له أن يفعل ذلك في سفره.
واحتج من قال هذا القول بحديث جعفر بن محمد عن أمه عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى مكة عام الفتح في رمضان وصام حتى بلغ كراع الغميم فصام الناس وهم مشاة وركبان فقيل له إن الناس قد شق عليهم الصوم وإنما ينظرون إلى ما فعلت فدعا بقدح من ماء فرفعه حتى نظر إليه الناس ثم شرب فأفطر بعض الناس وصام بعض فقيل للنبي صلى الله عليه وسلم أن بعضهم قد صام قال: أولئك العصاة.
حدثناه عبد الوارث بن سفيان حدثنا أحمد بن دحيم حدثنا إبراهيم بن حماد قال حدثنا عمي إسماعيل بن إسحاق قال حدثنا عبد الواحد بن غياث قال حدثنا عبد العزيز بن المختار قال حدثنا جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر فذكر الحديث.

(9/68)


أخبرنا محمد بن إبراهيم قال حدثنا محمد بن معاوية قال حدثنا أحمد بن شعيب قال: أنبأنا محمد بن رافع قال حدثنا يحيى بن آدم قال حدثنا مفضل عن منصور عن مجاهد عن طاووس عن ابن عباس قال: سافر رسول الله صلى الله عليه وسلم فصام حتى بلغ عسفان ثم دعا بإناء فشرب نهارا ليراه الناس ثم أفطر حتى دخل مكة وافتتح مكة في رمضان.
قال ابن عباس فصام رسول الله صلى الله عليه وسلم في السفر وأفطر فمن شاء صام ومن شاء أفطر واختلف الفقهاء في المسافر يفطر بعد دخوله في الصوم فقال مالك عليه القضاء والكفارة لأنه كان مخيرا في الصوم والفطر فلما اختار الصوم صار من أهله ولم يكن له أن يفطر وهو قول الليث عليه الكفارة ثم قال مالك مرة لا كفارة عليه وهو قول المخزومي وأشهب وابن كنانة ومطرف وقال ابن الماجشون إن أفطر بجماع كفر لأنه لا يقوى بذلك على سفره ولا عذر له وقال أبو حنيفة والشافعي وداود والطبري والأوزاعي والثوري لا كفارة عليه وكلهم يقول ليس له أن يفطر إلا البويطي حكى عن الشافعي.

(9/69)


من أصبح صائما في الحضر ثم سافر لم يكن له أن يفطر وكذلك من صام في سفره ليس له أن يفطر إلا أن يثبت حديث النبي صلى الله عليه وسلم أنه أفطر يوم الكديد فإن ثبت كان لهما جميعا أن يفطرا.
واختلفوا أيضا في الذي يخرج في سفره وقد يبيت الصوم فقال مالك من أصبح في رمضان مقيما صائما ثم سافر فأفطر فعليه القضاء ولا كفارة وبه قال أبو حنيفة والشافعي وداود والطبري والأوزاعي وللشافعي قول آخر أنه يكفر إن جامع وكره مالك للذي يصبح صائما في الحضر ثم يسافر أن يفطر ولم يره إثما إن أفطر وكذلك قال داود والمزني.
وقال أبو حنيفة والشافعي في رواية المزني لا يجوز له أن يفطر فإن فعل فقد أساء ولا كفارة عليه وقال المخزومي وابن كنانة عليه القضاء والكفارة وقولهما شذوذ في ذلك عن جماعة أهل العلم.
وقال أحمد وإسحاق وداود يفطر إذا برز مسافرا وهو قول ابن عمر والشعبي وجماعة وستأتي مسائل هذا الباب بأشد استيعاب في باب سمي من هذا الكتاب إن شاء الله.

(9/70)


الحديث الثامن
...
حديث ثامن لابن شهاب عن عبيد الله
مالك عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني أنهما أخبراه أن رجلين اختصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أحدهما يا رسول الله اقض بيننا بكتاب الله وقال الآخر وهو أفقههما أجل يا رسول الله اقض بيننا بكتاب الله وائذن لي "في" أن أتكلم قال: تكلم قال: إن ابني كان عسيفا على هذا فزنى بامرأته فأخبرني أن على ابني الرجم فافتديت منه بمائة شاة وبجارية لي ثم إني سألت أهل العلم فأخبروني أن ما على ابني جلد مائة وتغريب عام وأخبروني إنما الرجم على امرأته فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أما والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله أما غنمك وجاريتك فرد عليك وجلد ابنه مائة وغربه عاما،

(9/71)


وأمر أنيسا الأسلمي أن يأتي امرأة الآخر فإن اعترفت رجمها فاعترفت فرجمها قال مالك والعسيف الأجير.
هكذا قال يحيى فأخبرني أن على ابني الرجم فافتديت منه وكذلك قال ابن القاسم وهو الصواب والله أعلم. وقال القعنبي فأخبروني أن على ابني الرجم ولا خلاف عن مالك في إسناد هذا الحديث إلا أن أبا عاصم النبيل رواه عن مالك عن ابن شهاب عن عبيد الله عن زيد بن خالد لم يذكر أبا هريرة والصحيح فيه عن مالك ذكر أبي هريرة مع زيد بن خالد كذلك عنه عند جماعة رواة الموطأ منهم القعنبي وابن وهب وابن القاسم وعبد الله بن يوسف وابن بكير وأبو مصعب وابن عفير.
وأما حديث أبي عاصم فحدثنا خلف بن قاسم حدثنا محمد بن محبوب بن سليمان الرملي وأبو الطاهر محمد بن عبد الله القاضي قالا حدثنا أبو مسلم إبراهيم بن عبيد الله الكسي البصري قال حدثنا

(9/72)


أبو عاصم النبيل الضحاك بن مخلد حدثنا مالك بن أنس عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله عن زيد بن خالد أن رجلين أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أحدهما وذكر الحديث.
وقد تابع أبا عاصم على إفراد زيد بهذا الحديث طائفة عن مالك ذكرهم الدار قطني. واختلف أصحاب ابن شهاب في ذلك فرواه معمر والليث بن سعد وابن جريج ويحيى بن سعيد عن ابن شهاب بإسناد مالك سواء عن أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني وساقوا الحديث بمعنى حديث مالك سواء إلا أن في حديث ابن جريج والليث بالإسناد المذكور عن أبي هريرة وزيد بن خالد قالا إن رجلا من الأعراب جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أنشدك الله إلا قضيت بيننا بكتاب الله وساقا الحديث إلى آخره.
ورواه شعيب بن أبي حمزة عن الزهري قال: أخبرني عبيد الله بن عبد الله أن أبا هريرة قال: بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه و سلم قام رجل من الأعراب فقال: يا رسول الله اقض بيننا بكتاب الله فقام خصمه فقال: صدق يا رسول الله اقض له بكتاب الله وائذن لي فقال له النبي صلى الله عليه وسلم "قل" فقال: إن ابني كان عسيفا على هذا والعسيف الأجير فزنى بامرأته وساق الحديث بمثل حديث مالك سواء.
ورواه عبد العزيز بن أبي سلمة وصالح بن كيسان والليث عن عقيل عن ابن شهاب عن عبيد الله عن زيد بن خالد الجهني قال:

(9/73)


سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يأمر فيمن زنى ولم يحصن بجلد مائة وتغريب عام هكذا مختصرا لم يزيدوا حرفا ولم يذكروا أبا هريرة.
ورواه يحيى بن سعيد ومعمر ومالك وشعيب بن أبي حمزة والليث بن سعد وابن جريج عن ابن شهاب بكماله إلا أن شعيبا لم يذكر زيد بن خالد اختصره ومن ضم إليه أبا هريرة استقصى الحديث وساقه كما ساقه مالك سواء.
ورواه ابن عيينة عن الزهري عن عبيد الله عن أبي هريرة وزيد بن خالد وشبل قالوا كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم وساق الحديث بتمامه وذكره في هذا الحديث شبلا خطأ عند جميع أهل العلم بالحديث ولا مدخل لشبل في هذا الحديث بوجه من الوجوه وقال يحيى بن معين ذكر ابن عيينة في هذا الحديث شبلا خطأ لم يسمع شبل من النبي صلى الله عليه وسلم شيئا وقال محمد بن

(9/74)


يحيى النيسابوري وهم ابن عيينة في ذكر شبل في هذا الحديث وإنما ذكر شبل في حديث خالد الأمة إذا زنت قال: ولم يقم ابن عيينة إسناد ذلك الحديث أيضا وقد أخطأ فيهما جميعا.
قال أبو عمر:
سنذكر ما صنع ابن عيينة وغيره من أصحاب ابن شهاب في حديث الأمة إذا زنت بعد إكمالنا القول في حديثنا هذا بعون الله وأما قول مالك العسيف الأجير فإنه ههنا كما قال أبو عمرو الشيباني في نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قتل العسفاء والوصفاء إذ بعث السرية قال: العسفاء الأجراء وقد يكون العسيف العبد ويكون السائل قال: المرار الجلي يصف كلبا:
ألف الناس فما ينجهم ... من عسيف يبتغي الخير وحر

(9/75)


قال أبو عبيد وقد يكون الأسيف الحزين ويكون العبد وأما في هذا الحديث فالعسيف المذكور فيه الأجير كما قال مالك ليس فيه اختلاف وفي هذا الحديث ضروب من العلم منها أن أولى الناس بالقضاء الخليفة إذا كان عالما بوجوه القضاء ومنها أن المدعي أولى بالقول والطالب أحق أن يتقدم بالكلام وإن بدأ المطلوب ومنها أن الباطل من القضايا مردود وما خالف السنة الواضحة من ذلك فباطل ومنها إن قبض من قضي له ما قضى له به إذا كان خطأ وجورا وخلافا للسنة الثابتة لا يدخله قبضه في ملكه ولا يصحح ذلك له وعليه رده ومنها أن للعالم أن يفتى في مصر فيه من هو أعلم منه إذا أفتى بعلم ألا ترى أن الصحابة كانوا يفتون في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم روى عكرمة بن خالد عن ابن عمر أنه سئل عمن كان يفتى في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أبو بكر وعمر ولا أعلم غيرهما وقال القاسم بن محمد كان أبو بكر وعمر وعثمان وعلي يفتون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وروى موسى بن ميسرة عن محمد بن سهل بن أبي حثمة عن أبيه قال: كان الذين يفتون على عهد

(9/76)


رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة من المهاجرين عمر وعثمان وعلي وثلاثة من الأنصار أبي بن كعب ومعاذ بن جبل وزيد بن ثابت.
وفيه أن يمين رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت والذي نفسي بيده وفي ذلك رد على الخوارج والمعتزلة.
وأما قوله في الحديث لأقضين بينكما بكتاب الله فلأهل العلم في ذلك قولان أحدهما أن الرجم في كتاب الله على مذهب من قال: إن من القرآن ما نسخ خطه وثبت حكمه وقد اجمعوا أن من "القرآن" ما نسخ حكمه وثبت خطه وهذا في القياس مثله.
وقد ذكرنا وجوه نسخ القرآن في باب زيد بن أسلم من كتابنا هذا فأغنى ذلك عن ذكره ههنا ومن ذهب هذا المذهب احتج بقول عمر بن الخطاب الرجم في كتاب الله حق على من زنى من الرجال والنساء إذا أحصن وقوله لولا أن يقال أن عمر زاد في كتاب الله لكتبتها الشيخ والشيخة "إذا زنيا" فارجموهما البتة فإنا قد قرأناها وسنبين ما لأهل العلم من التأويل في قول عمر هذا بما يجب في باب يحيى بن سعيد من كتابنا هذا إن شاء الله.

(9/77)


ومن حجته أيضا ظاهر هذا الحديث قوله صلى الله عليه وسلم والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله ثم قال لأنيس الأسلمي إن اعترفت امرأة هذا فارجمها فاعترفت فرجمها وأهل السنة والجماعة مجمعون على أن الرجم من حكم الله عز وجل على من أحصن. والقول الآخر أن معنى قوله عليه السلام: "لأقضين بينكما بكتاب الله عز وجل أي لأحكمن بينكما بحكم الله ولأقضين بينكما بقضاء الله" وهذا جائز في اللغة قال الله عزّ وحلّ: {كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ} أي حكمه فيكم وقضاؤه عليكم على أن كل ما قضى به رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو حكم الله قال الله عزّ وحلّ: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} وقال: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى}.
وقد ذكرنا قبل أن من الوحي قرآنا وغير قرآن ومن حجة من قال بهذا القول قول علي بن أبي طالب في شراحة الهمدانية جلدتها بكتاب الله ورجمتها بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا لفظ حديث قتادة عن علي وهو منقطع وفيه أن الزاني إذا لم يحصن حده الجلد دون الرجم وهذا لا خلاف بين أحد من أمة محمد صلى الله عليه وسلم فيه.

(9/78)


قال الله عزّ وحلّ: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} فاجمعوا أن الأبكار داخلون في هذا الخطاب.
وأجمع فقهاء المسلمين وعلماؤهم من أهل الفقه والأثر من لدن الصحابة إلى يومنا هذا أن المحصن حده الرجم.
واختلفوا هل عليه مع ذلك جلد أم لا فقال جمهورهم لا جلد على المحصن وإنما عليه الرجم فقط وممن قال ذلك مالك وأبو حنيفة والشافعي وأصحابهم والثوري والأوزاعي والليث بن سعد والحسن بن صالح وابن أبي ليلى وابن شبرمة وأحمد وإسحاق وأبو ثور والطبري كل هؤلاء يقولون لا يجتمع جلد ورجم.
وقال الحسن البصري وإسحاق بن راهويه وداود بن علي الزاني المحصن يجلد ثم يرجم وحجتهم عموم الآية في الزنا بقوله: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} فعم الزناة ولم يخص محصنا من غير محصن.
وحديث عبادة بن الصامت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام والثيب بالثيب جلد مائة والرجم بالحجارة" وروى

(9/79)


أبو حصين وإسماعيل بن أبي خالد وعلقمة بن مرثد وغيرهم عن الشعبي قال: أتي علي بزانية فجلدها يوم الخميس ورجمها يوم الجمعة ثم قال: الرجم رجمان رجم سر ورجم علانية فأما رجم العلانية فالشهود ثم الإمام ثم الناس وأما رجم السر فالاعتراف فالإمام ثم الناس.
وحجة الجمهور أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رجم ماعزا الأسلمي ورجم يهوديا ورجم امرأة ولم يجلد واحدا منهم وقيل امرأتين.
روى عبد الرزاق عن ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر سمعه يقول رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا من أسلم ورجلا من اليهود وامرأة فدل ذلك على أن الآية قصد بها من لم يحصن من الزناة ورجم أبو بكر وعمر ولم يجلدا.
روى الحجاج بن منهال عن حماد بن سلمة قال أخبرنا الحجاج عن الحسن بن سعد عن عبد الله بن شداد أن عمر رجم في الزنا رجلا ولم يجلده وحديث مالك عن يحيى بن سعيد عن سليمان بن يسار عن أبي واقد الليثي إذ بعثه عمر إلى امرأة الرجل التي زعم أنه وجد

(9/80)


معها رجلا فاعترفت وأبت أن تنزع وتمادت على الاعتراف فأمر بها عمر فرجمت ولم يذكر جلدا.
ورواه الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن أبي واقد الليثي أن ذلك كان من عمر مقدمه الشام بالجابية وروى ابن وهب عن عبد الله بن عمر العمري عن نافع أن عمر بن الخطاب رجم امرأة ولم يجلدها بالشام.
وروى مخرمة بن بكير عن أبيه قال: سمعت سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار يقولان أن عمر بن الخطاب كان يقول إن آية الرجم نزلت وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم رجم ورجمنا بعده فقال عمر عند ذلك ارجموا الثيب واجلدوا البكر وسيأتي من معاني الرجم ذكر صالح في باب يحيى بن سعيد إن شاء الله.
وأما حديث علي في قصة شراحة فليس بالقوي لأنهم يقولون إن الشعبي لم يسمع منه وهو مشهور قد رواه ابن أبي ليلى وغيره عنه ومن أوضح شيء فيما ذهب إليه جمهور العلماء حديث ابن شهاب المذكور في هذا الباب قوله لأنيس أن يأتي امرأة الآخر فإن اعترفت رجمها فاعترفت فرجمها ولم يذكروا جلدا.
وأما حديث عبادة بن الصامت عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله الثيب بالثيب جلد مائة والرجم فإنما كان هذا في أول نزول آية

(9/81)


الجلد وذلك أن الزناة كانت عقوبتهم إذا شهد عليهم أربعة من العدول في أول الإسلام أن يمسكوا في البيوت إلى الموت أو يجعل الله لهم سبيلا فلما نزلت آية الجلد التي في سورة النور قوله عز وجل: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} الآية قام صلى الله عليه وسلم فقال: "خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام والثيب بالثيب جلد مائة والرجم بالحجارة" فكان هذا في أول الأمر ثم رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم جماعة ولم يجلدهم فعلمنا أن هذا حكم أحدثه الله نسخ به ما قبله ومثل هذا كثير في أحكامه وأحكام رسوله ليبتلى عباده وإنما يؤخذ بالأحدث فالأحدث من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ذكر عبد الرزاق عن معمر عن الزهري أنه كان ينكر الجلد مع الرجم ويقول رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يجلد.
وعن الثوري عن مغيرة عن إبراهيم قال: ليس على المرجوم جلد بلغنا أن عمر رجم ولم يجلد.
وفي هذه المسألة قول ثالث وهو أن الشيب من الزناة كان شابا رجم وإن كان شيخا جلد ورجم.

(9/82)


روي ذلك عن مسروق وقالت به فرقة من أهل الحديث أخبرنا أحمد بن قاسم بن عبد الرحمن قال حدثنا محمد بن معاوية قال حدثنا محمد ابن يحيى المروزي قال حدثنا خلف بن هشام البزار قال حدثنا أبو شهاب عن الأعمش عن مسلم عن مسروق قال: البكران يجلدان وينفيان سنة والثيبان يرجمان والشيخان يجلدان ويرجمان فهذا ما لأهل السنة من الأقاويل في هذا الباب.
وأما أهل البدع فأكثرهم ينكر الرجم ويدفعه ولا يقول به في شيء من الزناة ثيبا ولا غير ثيب عصمنا الله من الخذلان برحمته.
حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا بكر بن حماد قال حدثنا مسدد قال حدثنا حماد بن زيد عن علي بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس قال: سمعت عمر بن الخطاب يخطب فقال: أيها الناس إن الرجم حق فلا تخدعن عنه فإن آية ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد رجم وأن أبا بكر قد رجم وأنا قد رجمنا بعدهما وسيكون قوم من هذه الأمة يكذبون بالرجم ويكذبون بالدجال ويكذبون بطلوع الشمس من مغربها ويكذبون بعذاب القبر ويكذبون بالشفاعة ويكذبون بقوم يخرجون من النار بعدما امتحشوا.

(9/83)


قال أبو عمر:
الخوارج وبعض المعتزلة يكذبون بهذا كله وليس كتابنا هذا موضعا للرد عليهم والحمد لله الذي عافانا مما ابتلاهم به.
وروي عن علي بن حماد بن سلمة وحماد بن زيد والمبارك بن فضالة وأشعب وهشام كلهم بإسناده ومعناه وقال أحمد بن حنبل حدثنا عفان حدثنا حماد بن زيد قال: سمعت علي بن زيد يقول كنا نشبه حفظ يوسف بن مهران بحفظ عمرو بن دينار.
واختلف الفقهاء في الإحصان الموجب للرجم فجملة قول مالك ومذهبه أن يكون الزاني حرا مسلما بالغا عاقلا قد وطئ وطئا مباحا في عقد نكاح ثم زنى بعد هذا والكافر عنده والعبد لا يثبت لواحد منهما إحصان في نفسه وكذلك العقد الفاسد لا يثبت به إحصان وكذلك الوطء المحظور كالوطء في الإحرام أو في الصيام أو في الاعتكاف أو في الحيض لا يثبت بشيء من ذلك إحصان إلا أن الأمة والكافرة والصغيرة يحصن الحر المسلم عنده ولا يحصنهن هذا كله تحصيل مذهب مالك وأصحابه وحد الحصانة في مذهب أبي حنيفة وأصحابه على ضربين احدهما إحصان يوجب الرجم يتعلق بسبع شرائط الحرية والبلوغ والعقل والإسلام والنكاح الصحيح والدخول والآخر إحصان يتعلق به حد القذف له خمس شرائط في المقذوف الحرية والبلوغ والعقل والإسلام والعفة.

(9/84)


وقد روي عن أبي يوسف في الإملاء أن المسلم يحصن النصرانية ولا تحصنه وروي عنه أيضا أن النصراني إذا دخل بامرأته النصرانية ثم أسلما أنهما محصنان بذلك الدخول.
وروى بشر بن الوليد عن أبي يوسف قال: قال ابن أبي ليلى إذا زنى اليهودي والنصراني بعدما أحصنا فعليهما الرجم قال أبو يوسف وبه نأخذ وقال الشافعي إذا دخل بامرأته وهما حران ووطئها فهذا إحصان كافرين كانا أو مسلمين.
واختلف أصحاب الشافعي على أربعة أوجه فقال بعضهم إذا تزوج العبد أو الصبي ووطئا فذلك إحصان وقال بعضهم لا يكون واحد منهما محصنا كما قال مالك وقال بعضهم إذا تزوج الصبي أحصن إذا وطئ فإن بلغ وزنى كان عليهما الرجم والعبد لا يحصن.
وقال بعضهم إذا تزوج الصبي لا يحصن وإذا تزوج العبد أحصن.
وقالوا: جميعا الوطء الفاسد لا يقع به إحصان وقال مالك تحصن الأمة الحر ويحصن العبد الحرة ولا تحصن الحرة العبد ولا الحر الأمة وتحصن اليهودية والنصرانية المسلم وتحصن الصبية الرجل وتحصن المجنونة العاقل ولا يحصن الصبي المرأة ولا يحصن العبد الأمة ولا تحصنه إذا جامعها في حال الرق قال: وإذا تزوجت المرأة خصيا وهي لا تعلم أنه خصي فوطئها ثم علمت أنه خصي فلها أن تختار فراقه ولا يكون ذلك الوطء إحصانا.

(9/85)


وقال الثوري لا يحصن بالنصرانية ولا بالمملوكة وهو قول الحسن بن حي زاد الحسن بن حي وتحصن المشركة بالمسلم ويحصن المشركان كل واحد منها بصاحبه وقال الليث بن سعد في الزوجين المملوكين لا يكونان محصنين حتى يدخل بها بعد عتقهما وكذلك النصرانيان لا يكونان محصنين حتى يدخل بها بعد إسلامهما قال: وإن تزوج امرأة في عدتها فوطئها ثم فرق بينهما فهو إحصان وقال الأوزاعي في العبد تحته الحرة إذا زنى فعليه الرجم وإن كان تحته أمة وأعتق ثم زنى فليس عليه الرجم حتى ينكح غيرها وقال في الصغيرة التي لم تحصن أنها تحصن الرجل والغلام الذي لم يحتلم لا يحصن المرأة قال: ولو تزوج امرأة فإذا هي أخته من الرضاعة فهذا إحصان.
قال أبو عمر:
إيجاب الأوزاعي الرجم على المملوكة تحت الحر وعلى العبد تحت الحرة لا وجه له لأن الله تعالى يقول فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب والرجم لا يتنصف وقد قال صلى الله عليه وسلم في الأمة إذا زنت فاجلدوها وقال مالك في حديثه ذلك ولم يحصن وسنبين ذلك بعد تمام القول في هذا

(9/86)


الحديث إن شاء الله وأما قوله في الحديث وجلد ابنه مائة جلدة وغربه عاما فلا خلاف بين علماء المسلمين أن ابنه ذلك كان بكرا وأن الجلد جلد البكر مائة جلدة.
واختلفوا في التغريب فقال مالك ينفي الرجل ولا تنفى المرأة ولا العبد ومن نفي حبس في الموضع الذي ينفى إليه وقال الأوزاعي ينفى الرجل ولا تنفى المرأة وقال أبو حنيفة وأصحابه لا نفى على زان وإنما عليه الحد رجلا كان أو امرأة حرا كان أو عبدا وقال الثوري والشافعي والحسن بن حي ينفى الزاني إذا جلد امرأة كان أو رجلا واختلف قول الشافعي في نفي العبد فقال مرة استخير الله في تغريب العبيد وقال مرة ينفى العبد نصف سنة وقال مرة أخرى سنة بلده وبه قال الطبري.
قال أبو عمر:
من حجة من غرب الزناة مع حديثنا هذا حديث عبادة بن الصامت البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام لم يخص عبدا من حر ولا أنثى من ذكر حدثني أحمد بن قاسم قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا الحرث بن أبي أسامة ومحمد بن الجهم قالا حدثنا عبد الوهاب بن عطاء قال أخبرنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن الحسن عن حطان بن عبد الله الرقاشي عن عبادة بن الصامت وحدثنا

(9/87)


عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أحمد بن زهير وبكر بن حماد قال أحمد حدثنا أبي وقال بكر حدثنا مسدد قالا حدثنا يحيى القطان عن ابن أبي عروبة عن قتادة عن الحسن عن حطان بن عبد الله عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم خذوا عني خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا الثيب جلد مائة ورجم بالحجارة والبكر جلد مائة ثم نفي سنة.
ومن حجتهم أيضا ما حدثناه عبد الرحمن بن مروان قال حدثنا الحسن بن علي بن داود قال حدثنا موسى بن الحسن الكوفي قال حدثنا أبو كريب قال حدثنا ابن إدريس عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ضرب وغرب وأن أبا بكر ضرب وغرب وأن عمر ضرب وغرب وحجة من لم ير النفي على العبيد حديث أبي هريرة في الأمة عن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر فيه الحد دون النفي ومن رأى نفي العبيد زعم أن حديث الأمة معناه التأديب لا الحد وسنوضح القول في ذلك في الباب بعد هذا إن شاء الله.
ومن حجة من لم ير نفي النساء ما يخشى عليهن من الفتنة وقد روي عن أبي بكر وعمر تغريب المرأة البكر وروي عن علي أنه لم ير

(9/88)


نفي النساء وروى عبد الرزاق عن أبي حنيفة عن حماد عن إبراهيم قال: قال عبد الله في البكر يزنى بالبكر يجلدان مائة وينفيان سنة.
قال: وقال علي: حسبهما من الفتنة أن ينفيا عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن ابن المسيب قال: غرب عمر ربيعة بن أمية بن خلف في الخمر إلى خيبر فلحق بهرقل فتنصر فقال عمر لا أغرب مسلما بعد هذا أبدا قالوا ولو كان النفي حدا لله ما تركه عمر بعد ولا كان علي يكرهه وهو قول الكوفيين وأما أهل المدينة فعلى ما ذكرنا عنهم قال معمر وسمعت الزهري وسئل إلى كم ينفى الزاني قال: نفاه عمر من المدينة إلى البصرة ومن المدينة إلى خيبر عبد الرزاق عن ابن جريج قال: سمعت ابن شهاب وسئل بمثله سواء أيوب وعبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر أن عمر نفى إلى فدك وأن ابن عمر نفى إلى فدك الثوري عن أبي إسحاق أن عليا

(9/89)


نفى من الكوفة إلى البصرة وقال ابن جريج قلت لعطاء نفى من مكة إلى الطائف قال: حسبه ذلك وأما قول الرجل أن ابني كان عسيفا على هذا فزنى بامرأته مع قول أبي هريرة فجلد ابنه مائة جلدة وغربه عاما فيدل على أن ابن الرجل المتكلم أقر على نفسه بما لا يؤخذ أبوه أو صدقه في قوله ذلك عليه ولولا ذلك لما أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم الحد لأن من شريعته صلى الله عليه وسلم أن لا يؤخذ أحد بإقرار غيره عليه قال الله عزّ وحلّ: {وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} {وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا} "لا على غيرها" وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي رمثة في ابنه "إنك لا تجني عليه ولا يجني عليك" وهذا كله يوضح لك أنه إنما جلده بإقراره وكسبه على نفسه لا بإقرار أبيه عليه ولولا إقراره بذلك على نفسه لكان أبوه قاذفا له وهذا ما لا خلاف في شيء منه عند العلماء والحمد لله.

(9/90)


واختلفوا فيمن أقر بالزنى بامرأة بعينها وجحدت هي فقال مالك يقام عليه حد الزنا ولو طلبت حد القذف لأقيم عليه أيضا قال: وكذلك لو قالت زنى بي فلان وأنكر حدت للقذف ثم للزنا وبهذا قال الطبري وقال أبو حنيفة لا حد عليه للزنا وعليه حد القذف وعليها مثل ذلك إن قالت له ذلك وقال أبو يوسف ومحمد والشافعي يحد من أقر منهما للزنا فقط لأنا قد أحطنا علما أنه لا يجب عليه الحدان جميعا لأنه إن كان زانيا فلا حد على قاذفه فإذا أقيم عليه حد الزنا لم يقم عليه حد القذف وقال الأوزاعي يحد للقذف ولا يحد للزنا وقال ابن أبي ليلى إذا أقر هو وجحدت هي جلد وإن كان محصنا ولم يرجم.
وفيه رد ما قضى به من الجهالات قال صلى الله عليه وسلم "كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد" وقال عمر ردوا الجهالات إلى السنة وأجمع العلماء أن الجور البين والخطأ الواضح المخالف للإجماع والسنة الثابتة المشهورة التي لا معارض لها مردود على كل من قضى به ذكر

(9/91)


مالك عن يحيى بن سعيد وربيعة أن عمر بن عبد العزيز كان يقول ما من طيبة أهون علي منا ولا كتاب أهون علي ردا من كتاب قضيت به ثم أبصرت أن الحق في خلافه أو قال في غيره.
وفي هذا الحديث أيضا إن اعتراف الزاني مرة واحدة بالزنا يوجب عليه الحد ما لم يرجع ألا ترى إلى قوله صلى الله عليه وسلم فإن اعترفت فارجمها ولم يقل إن اعترفت أربع مرات.
وسنبين هذا في باب مرسل ابن شهاب من هذا الكتاب إن شاء الله.
وفي هذا الحديث أيضا إثبات خبر الواحد وإيجاب العمل به في الحدود وإذا وجب ذلك في الحدود فسائر الأحكام أحرى بذلك.
وفيه أن للإمام أن يسأل المقذوف فإن اعترف حكم عليه بالواجب وإن لم يعترف وطالب القاذف أخذ له بحده وهذا موضع اختلف فيه الفقهاء فقال مالك لا يحد الإمام القاذف حتى يطالبه المقذوف إلا أن يكون الإمام سمعه فيجلده إن كان معه شهود عدول قال: ولو أن الإمام شهد عنده شهود عدول على قاذف لم يقم الحد حتى يرسل إلى المقذوف وينظر ما يقول لعله يريد سترا على نفسه.
وقال أبو حنيفة وأصحابه والأوزاعي والشافعي لا يحد إلا بمطالبة المقذوف.

(9/92)


وقال ابن أبي ليلى: يحده الإمام وإن لم يطالبه المقذوف.
وفيه أن يكون الرسول في حكم الدين واحدا كما أن الحكم واحد وذلك كله قوة في العمل بخبر الواحد وفي هذا الحديث دليل على أن الحاكم يقضي بما يقر به عنه المقر وإن لم يحضره أحد لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقل له احمل معك من يسمع اعترافها.
وفي ذلك إيجاب القضاء بما علم القاضي وهو حاكم وسيأتي القول في قضاء القاضي بعلمه واختلاف العلماء في ذلك ووجوه أقوالهم وما نزعوا به في باب حديث هشام بن عروة عن أبيه عن زينب بنت أبي سلمة عن أم سلمة من كتابنا هذا إن شاء الله والله المستعان.

(9/93)


الحديث التاسع
...
حديث تاسع لابن شهاب عن عبيد الله
مالك عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله عن أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الأمة إذا زنت ولم تحصن فقال: إن زنت فاجلدوها ثم إن زنت فاجلدوها ثم إن زنت فاجلدوها ثم بيعوها ولو بضفير قال ابن شهاب لا أدري أبعد الثالثة أم الرابعة هكذا روى مالك هذا الحديث عن ابن شهاب بهذا الإسناد وتابعه على إسناده عن ابن شهاب يونس بن يزيد ويحيى بن سعيد ورواه عقيل والزبيدي وابن أخي الزهري عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله أن شبلا أو شبل بن خالد المزني أخبره أن عبد الله بن مالك الأوسي أخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الأمة وذكروا الحديث إلا أن عقيلا وحده قال مالك بن عبد الله الأوسي وقال الزبيدي وابن أخي الزهري عبد الله بن مالك وكذلك قال يونس بن يزيد عن ابن شهاب عن شبل عن حامد المزني عن عبد الله بن مالك الأوسي فجمع يونس بن يزيد

(9/94)


الإسنادين جميعا في هذا الحديث وانفرد مالك فيه بإسناد واحد عن ابن شهاب عن عبيد الله عن أبي هريرة وزيد وعند عقيل والزبيدي وابن أخي الزهري فيه أيضا إسناد واحد عن ابن شهاب عن عبيد الله عن شبل عن عبد الله بن مالك وجمع يونس الحديثين جميعا ورواه ابن عيينة عن ابن شهاب عن عبيد الله عن أبي هريرة وزيد بن خالد وشبل أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الأمة إذا زنت ولم تحصن فقال: إذا زنت فاجلدوها وذكر الحديث هكذا قال ابن عيينة في هذا الحديث فجعل شبلا مع أبي هريرة وزيد بن خالد فأخطأ وأدخل إسناد حديث في آخر ولم يقم حديث شبل قال أحمد بن زهير سمعت يحيى بن معين يقول شبل هذا لم يسمع من النبي صلى الله عليه وسلم شيئا وقال عباس سمعت يحيى بن معين يقول ليس لشبل صحبه يقال أنه شبل بن معبد ويقال شبل بن حامد قال: وأهل مصر يقولون شبل بن حامد عن عبد الله بن مالك الأوسي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال يحيى بن معين وهذا عندي أشبه لأن شبلا ليس له صحبة وقال محمد بن يحيى النيسابوري جمع ابن عيينة في حديثه هذا أبا هريرة وزيد بن خالد وشبلا وأخطأ في ضمه شبلا إلى أبي هريرة وزيد بن خالد في هذا الحديث قال: وإن كان عبيد الله بن عبد الله قد جمعهم في حديث الأمة فإنه رواه عن أبي

(9/95)


هريرة وزيد عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن شبل عن عبد الله بن مالك الأوسي عن النبي صلى الله عليه وسلم فترك ابن عيينة عبد الله بن مالك وضم شبلا إلى أبي هريرة وزيد فجعله حديثا واحدا وإنما هذا حديث وذاك حديث قد ميزهما يونس بن يزيد قال: وتفرد معمر ومالك بحديث أبي هريرة وزيد بن خالد قال: وروى الزبيدي وعقيل وابن أخي الزهري حديث شبل فاجتمعوا على خلاف ابن عيينة.
قال أبو عمر:
هكذا قال محمد بن يحيى أن معمرا ومالكا انفردا بحديث أبي هريرة وزيد ابن خالد وأقول أن قد تابعهما يحيى بن سعيد الأنصاري من رواية الأوسي حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن إسماعيل قال حدثنا أيوب بن سليمان بن بلال قال: حدثني أبو بكر بن أبي أويس عن سليمان بن بلال قال: قال يحيى وأخبرني ابن شهاب أن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة حدثه أن أبا هريرة وزيد بن خالد حدثاه أنهما سمعا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يسأل عن الأمة إذا زنت ولم تحصن فذكر الحديث.
قال أبو عمر:
وزعم الطحاوي أنه لم يقل أحد في هذا الحديث ولم يحصن إلا مالك وليس كما ذكر لأنا قد وجدنا أن ابن عيينة قد تابعه على ذلك.

(9/96)


وكذلك في رواية يحيى بن سعيد عن ابن شهاب لهذا الحديث إذا زنت ولم تحصن على ما قدمنا بالإسناد المذكور وسائر من روى هذا الحديث عن ابن شهاب بالإسنادين جميعا لم يقل أحد منهم فيه ولم تحصن غير مالك وابن عيينة ويحيى بن سعيد الأنصاري.
وقد روى هذا الحديث سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة عن النبي عليه السلام لم يذكر فيه ولم تحصن رواه جماعة عن سعيد بن أبي سعيد لم يذكروا ذلك فيه.
وممن رواه عن سعيد بن أبي سعيد الليث بن سعد وأسامة بن زيد وعبد الرحمن بن إسحاق وأيوب بن موسى وعبيد الله بن عمر وإسماعيل بن أمية حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا بكر بن حماد قال حدثنا مسدد قال حدثنا يحيى القطان عن عبيد الله يعني ابن عمر قال: حدثني سعيد بن أبي سعيد عن أبي هريرة عن النبي عليه السلام قال: "إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها ولا يعيرها ثلاث مرات فإن عادت في الرابعة فليجلدها وليبعها بضفير أو بحبل من شعر" وفي رواية إسماعيل بن أمية إذا زنت وليدة أحدكم فتبين زناها وفي رواية أيوب بن موسى

(9/97)


فليجلدها الحد ولا نعلم أحدا ذكر فيه الحد غيره وكلهم قال فيه ولا يعيرها ولا يثرب عليها وروى هذا الحديث عن ابن شهاب عمارة ابن أبي فروة وإسحاق بن راشد فأخطأ فيه قال: فيه عمارة بن أبي فروة عن ابن شهاب عن عروة وعمرة عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا زنت الأمة فاجلدوها" وقال: فيه إسحاق بن راشد عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة والطريقان جميعا خطأ والصواب فيه قول مالك ومن تابعه وقول عقيل ومن تابعه إسناد آخر. وروى حديث عمارة الليث عن زيد بن أبي حبيب عن عمارة ومن أصحاب الليث بن سعد من يقول فيه عن عروة عن عمرة عن عائشة.
وأجمع العلماء على أن الأمة إذا تزوجت فزنت أن عليها نصف ما على الحرة البكر من الجلد لقول الله عز وجل: {فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ} والإحصان في كلام العرب على وجوه منها الإسلام ومنها العفة ومنها التزويج ومنها الحرية إلا أنه في الإماء ههنا على وجهين منهم من يقول فإذا أحصن زوجن أو تزوجن ومنهم من يقول أحصانها إسلامها فمن قرأ أحصن بفتح الألف فمعناه تزوجن أو أسلمن على مذهب من قال ذلك وأما من قرأ بضم الألف فمعناه زوجن أي أحصن بالأزواج

(9/98)


يريد أحصنهن غيرهن يعني الأزواج بالنكاح وقد قيل أحصن بالإسلام فالزوج يحصنها والإسلام يحصنها والمعنيان متداخلان في القولين فممن قرأ بضم الألف وكسر الصاد في أحصن ابن عباس وأبو الدراداء وسعيد بن جبير ومجاهد وطاووس وعكرمة وابن كثير والأعرج وأبو جعفر ونافع وسلام والقاسم وأبو عبد الرحمن السلمي وأبو رجاء ومحمد بن سيرين على اختلاف عنه وأبو عمرو وقتادة وعيسى وسلام ويعقوب وأيوب بن المتوكل وابن عامر وأبو عبد الرحمن المقرئ.
واختلف في ذلك عن الحسن وعاصم فروى عنهما الوجهان جميعا وكان ابن عباس يقول إذا أحصن بالأزواج وكان يقول ليس على الأمة حد حتى تحصن بزوج وروى عطية بن قيس عن أم الدرداء عن أبي الدرداء مثله وهو مذهب كل من قرأ بهذه القراءة وروى أهل مكة عن عمر بن الخطاب ما يضارع هذا المذهب روى عمرو بن دينار وعطاء بن أبي رباح عن الحرث بن عبد الله بن أبي ربيعة عن أبيه أنه سأل عمر بن الخطاب عن الأمة كم حدها فقال: ألقت فروتها وراء الدار قال أبو عبيد لم يرد عمر رحمه الله بقوله هذا الفروة.

(9/99)


بعينها لأن الفروة جلدة الرأس كذا قال الأصمعي وكيف تلقى جلدة رأسها من وراء الدار ولكن إنما أراد بالفروة القناع يقول ليس عليها قناع ولا حجاب لأنها تخرج إلى كل موضع يرسلها أهلها إليه لا تقدر على الامتناع من ذلك ولذلك لا تكاد تقدر على الامتناع من الفجور فكأنه رأى أن لا حد عليها إذا فجرت بهذا المعنى قال: وقد روى تصديق هذا في حديث مفسر حدثناه يزيد عن جرير بن حازم عن عيسى بن عاصم قال: تذاكرنا يوما قول عمر هذا فقال سعيد بن حرملة إنما ذلك من قول عمر في الرعايا فأما اللواتي قد أحصنهن مواليهن فإنهن إذا أحدثن جردن قال أبو عبيد أما الحديث فرعايا وأما العربية فرواعي.
قال أبو عمر:
ظاهر حديث عمر أن لا حد على الأمة إلا أن تحصن بالتزويج وقد قيل أن معناه أن لا حد على الأمة كانت ذات زوج أو لم تكن لأنها لا حجاب عليها ولا قناع وإن كانت ذات زوج.

(9/100)


وقد روي عن ابن عباس أن لا حد على عبد ولا ذمي وهو محتمل يحتمل التأويل وروي عنه أيضا أن ليس على الأمة حد حتى تحصن بحر رواه ابن عيينة عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عنه وهو قول طاووس وعطاء روى ابن جريج عن ابن طاووس عن أبيه أنه كان لا يرى على العبد حدا إلا أن ينكح الأمة حر فيحصنها فيجب عليها شطر الجلد قال ابن جريج قلت لعطاء فزنى عبد ولم يحصن قال: جلد غير حد.
قال أبو عمر:
هذا مذهب كل من لا يرى على الأمة حدا حتى تنكح أنها تؤدب وتجلد دون الحد إذا زنت وتأولوا حديث أبي هريرة وزيد بن خالد على هذا المعنى وممن قرأ بفتح الألف والصاد أحصن علي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر وشيبة بن نصاح ومسلم بن جندب والزهري وعطاء والشعبي وزر بن حبيش والأسود بن يزيد وإبراهيم النخعي ويحيى بن وثاب والأعمش وطلحة بن مصرف ونصف الكوفي وطلحة بن سليمان وخلف بن هشام وابن أبي ليلى وإبان بن ثعلب وعاصم الحجدري وعمرو بن ميمون والحكم بن عتيبة ويونس بن عبيد وحمزة والكسائي وابن إدريس.

(9/101)


واختلف في ذلك عن عاصم والحسن وابن سيرين وكل الحد على الأمة إذا زنت وهي مسلمة ذات زوج كانت أو غير ذات زوج خمسين جلدة وتأويل أحصن عند هؤلاء من أهل العلم على وجهين أحدهما أسلمن والثاني عففن وليس عففن بشيء لأنه يستحيل أن يكون عففن فإن أتين بفاحشة يعني الزنا والله أعلم.
أخبرنا عبد الله بن محمد قال حدثنا أحمد بن جعفر بن مالك قال حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: حدثني أبي قال حدثنا حجاج قال هارون أخبرني معمر عن الزهري قال: سألته عنها فقال: تقرأ أحصن مفتوحة الألف وتفسيره على وجهين على أسلمن وعففن. ورواه وهيب عن هارون فجعل التفسير من قول هارون قال وهيب أخبرنا هارون عن معمر عن الزهري فإذا أحصن منصوبة قال هارون وتفسير هذا على وجهين بعضهم يقول إذا أسلمن وبعضهم يقول إذا عففن.
وروى الثوري عن حماد عن إبراهيم أن معقل بن مقرن المزني جاء إلى عبد الله بن مسعود فقال: أن جارية لي زنت قال: اجلدها خمسين قال: ليس لها زوج قال: إسلامها إحصانها وروى أبو إسحاق عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه أنه كان يقرأ فإذا أحصن يقول فإذا أسلمن.

(9/102)


وروى أهل المدينة عن عمر بن الخطاب ما وافق هذا المعنى وهو أصح إن شاء الله.
رواه يحيى بن سعيد الأنصاري عن سليمان بن يسار قال: أخبرني عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة قال: أحدث ولائد من رقيق الإمارة فأمر بهن عمر بن الخطاب وأمر شبابا من شباب قريش فجلدوهن الحد قال: فكنت فيمن جلدوهن رواه عن يحيى ابن سعيد مالك وابن جريج وابن عيينة وغيرهم وروى معمر عن الزهري أن عمر بن الخطاب جلد ولائد من الخمس أبكارا في الزنا.
قال أبو عمر:
فهذا خلاف حديث ألقت فروتها من وراء الدار عن عمر وهو أثبت واختلف عن أنس في هذه المسألة فروى سلام بن مسكين عن حبيب بن أبي فضالة عن صالح بن كريز عن أنس أنه قال في أمة له لا تجلدوها وما كان عليك من ذنب فعلي.
وروى هشيم عن داود عن ثمامة بن عبد الله بن أنس قال: شهدت أنس بن مالك يضرب إماءه الحد إذا زنين تزوجن أو لم يتزوجن وروى معمر عن الزهري عن سالم عن ابن عمر في الأمة إذا زنت قال: إذا

(9/103)


كانت ليست ذات زوج جلدها سيدها نصف ما على المحصنات من العذاب وإن كانت ذات زوج رفع أمرها إلى السلطان.
قال أبو عمر:
ظاهر قول الله عز وجل يقضي أن لا حد على الأمة وإن كانت مسلمة إلا بعد التزويج ثم جاءت السنة بجلدها وإن لم تحصن فكان ذلك زيادة بيان.
قال الله عزّ وحلّ: {ومن وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ} فوصفهن بالإيمان ثم قال: {فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ}.
والإحصان التزويج ههنا لأن ذكر الإيمان قد تقدم ثم جاءت السنة في الأمة إذا زنت ولم تحصن فقيل جلد دون الحد وقيل بل الحد ويكون زيادة بيان كنكاح المرأة على عمتها وخالتها ونحو ذلك مما يطول ذكره وقد مضى مكررا هذا المعنى في غير موضع من كتابنا هذا والحمد لله قال الزهري مضت السنة أن يحد العبد والأمة أهلوهم في الزنا إلا أن يرفع أمرهم إلى السلطان فليس لأحد أن يفتات عليه.

(9/104)


قال أبو عمر:
روى الثوري عن عبد الأعلى عن ميسرة عن علي أن النبي عليه السلام قال: أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم.
واختلف الفقهاء في القول بهذا الحديث فقال مالك يحد المولى عبده وأمته في الزنا وشرب الخمر والقذف إذا شهد عنده الشهود ولا يقطعه في السرقة وإنما يقطعه الإمام وهو قول الليث وقال أبو حنيفة يقيم الحدود على العبيد والإماء السلطان دون المولى في الزنا وفي سائر الحدود وهو قول الحسن بن حي وقال الثوري في رواية الأشجعي عنه يحده المولى في الزنا وهو قول الأوزاعي وقال الشافعي يحده المولى في كل حد ويقطعه وحجته قول رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها وقوله صلى الله عليه وسلم أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم.
وروى عن جماعة من الصحابة أنهم أقاموا الحدود على عبيدهم منهم ابن عمر وابن مسعود وأنس ولا مخالف لهم من الصحابة وروي عن ابن أبي ليلى قال: أدركت بقايا الأنصار يضربون الوليدة من ولائدهم إذا زنت في مجالسهم.
وحجة أبي حنيفة ومن قال: بقوله ما روي عن الحسن وعبد الله بن محيريز ومسلم بن يسار أنهم قالوا الجمعة والزكاة والحدود والفيء والحكم إلى السلطان وروي عن الأعمش أنه ذكر له إقامة عبد الله بن مسعود حدا بالشام فقال الأعمش هم أمراء حيثما كانوا.

(9/105)


وأما قوله صلى الله عليه وسلم في حديثنا المذكور في هذا الباب ثم ليبعها ولو بضفير فهذا على وجه الاختيار والحض على مباعدة الزانية لما في ذلك من الاطلاع ربما على المنكر والمكروه ومن العون على الخبث قالت أم سلمة: يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون قال: نعم إذا كثر الخبث وتفسيره عند أهل العلم أولاد الزنا.
وقد احتج بهذا الحديث من لم ير نفي الإماء بعد إقامة الحد عليهن لقوله صلى الله عليه وسلم "ثم إن زنت فاجلدوها ثم بيعوها" ولم يقل فانفوها وقد تقدم اختلاف العلماء في نفي الزناة في الباب قبل هذا والحمد لله.
وأجمع الفقهاء أن الأمة الزانية ليس بيعها بواجب لازم على ربها وإن اختاروا له ذلك وقال أهل الظاهر بوجوب بيعها إذا زنت في الرابعة منهم داود وغيره.
وفي هذا الحديث دليل على أن التغابن في البيع وأن المالك الصحيح الملك جائز له أن يبيع ما له القدر الكبير بالتافه اليسر وهذا لا خلاف فيه بين العلماء إذا عرف قدر ذلك واختلفوا فيه إذا لم يعرف قدر ذلك فقال قوم إذا عرف قدر ذلك جاز كما تجوز الهبة لو وهب وقال آخرون: عرف قدر ذلك أو لم يعرف فهو جائز إذا كان رشيدا حرا بالغا.

(9/106)


والحجة لمن ذهب هذا المذهب قوله صلى الله عليه وسلم: "دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض ولا يبع حاضر لباد" وسنوضح هذا المعنى في أولى المواضع به من كتابنا هذا إن شاء الله والضفير الحبل قيل من سعف النخيل وقيل حبل الشعر "والله أعلم بالصواب".

(9/107)


الحديث العاشر
...
حديث عاشر لابن شهاب عن عبيد الله
مالك عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله عن أم قيس بنت محصن أنها أتت بابن لها صغير لم يأكل الطعام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأجلسه في حجره فبال على ثوبه فدعا بماء فنضحه ولم يغسله.
أم قيس هذه اسمها جذامة بنت وهب بن محصن أخت عكاشة بن وهب بن محصن وقد ذكرناها في الصحابيات من كتابنا في الصحابة.
قال أبو عمر:
النضح في هذا الموضع صب الماء من غير عرك وفي قوله ولم يغسله دليل على ذلك إن شاء الله وفي هذا الحديث أن الماء إذا غلب على النجاسات وغمرها طهرها وكان الحكم له لا لها ولو كان إذا اختلط بالنجاسات لحقته النجاسة "ما" كان طهورا ولا وصل به أحد إلى الطهارة وهذا مردود بأن الله عز وجل سماه طهورا وأجمع المسلمون على ذلك في كثيره وإن اختلفوا في معان من قليله وقد مضى القول-

(9/108)


واضحا في الماء في باب إسحاق بن أبي طلحة عند ذكر حديث ولوغ الهرة في الإناء فأغنى ذلك عن إعادته ههنا.
قال أبو عمر:
أجمع المسلمون على أن بول كل آدمي يأكل الطعام نجس واختلف العلماء في بول الصبي والصبية إذا كانا مرضعين لا يأكلان الطعام فقال مالك وأبو حنيفة وأصحابهما: بول الصبي والصبية كبول الرجل وهو قول الثوري والحسن بن حي وقال الأوزاعي: لا بأس ببول الصبي ما دام يشرب اللبن ولا يأكل الطعام وهو قول عبد الله بن وهب صاحب مالك وقال الشافعي: بول الصبي ليس بنجس حتى يأكل الطعام ولا يبين لي فرق ما بينه وبين الصبية ولو غسل كان أحب إلي وقال الطبري: بول الصبي يتبع ماء وبول الصبية يغسل غسلا وهو قول الحسن البصري وقال سعيد بن المسيب: الرش بالرش والصب بالصب من الأبوال كلها.
قال أبو عمر:
احتج من ذهب مذهب الأوزاعي والشافعي بهذا الحديث ولا حجة فيه لأن النضح يحتمل أن يكون أراد به صب الماء ولم يرد به الرش وهو الظاهر من معنى الحديث لأن الرش لا يزيد النجاسة إلا شرا ومن الدليل على أن النضح قد يكون صب الماء والغسل من غير عرك قول العرب غسلتني السماء وما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه

(9/109)


قال: إني لأعلم أرضا يقال لها عمان ينضح بناحيتها البحر بها حي من العرب لو أتاهم رسولي ما رموه بسهم ولا حجر وقد جاءت عن النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث فيها التفرقة بين بول الغلام والجارية منها ما رواه قتادة عن أبي حرب بن أبي الأسود عن أبيه عن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "يغسل بول الجارية وينضح على بول الغلام".
قال قتادة: ما لم يطعما الطعام فإذا أطعما الطعام غسلا جميعا ومنها ما رواه سماك بن حرب عن قابوس بن أبي المخارق عن لبابة بنت الحرث أن الحسن بن علي بال على النبي صلى الله عليه وسلم فقلت أعطني ثوبك أغسله فقال: "إنما يغسل من الأنثى وينضح من بول الذكر".
وهذا عند جميعهم ما لم يأكل الطعام فقال جماعة من أهل الحديث: فالتفرقة بين بول الغلام والجارية ما لم يأكلا الطعام على هذه الآثار وما كان مثلها والنضح على بول الغلام عندهم الرش ومن حجتهم ما رواه عبد الرحمن بن مهدي قال حدثنا يحيى بن الوليد

(9/110)


قال حدثنا محل بن خليفة قال: حدثني أبو السمح خادم النبي عليه السلام أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بحسن أو حسين فبال عليه قال: فجئت لأغسله فقال يغسل من بول الجارية ويرش من بول الغلام.
قال أبو عمر:
القياس: أن لا فرق بين بول الغلام والجارية كما أنه لا فرق بين بول الرجل والمرأة إلا أن هذه الآثار إن صحت ولم يعارضها عنه صلى الله عليه وسلم مثلها وجب القول بها إلا أن رواية من روى الصب على بول الصبي وإتباعه الماء أصح وأولى وأحسن شيء عندي في هذا الباب ما قالته أم سلمة: حدثني أحمد بن قاسم بن عيسى قال حدثني عبيد الله بن حبابة قال حدثني البغوي قال حدثنا علي بن الجعد قال: أخبرني المبارك بن فضالة عن الحسن عن أبيه عن أم سلمة قال: بول الغلام يصب عليه الماء صبا وبول الجارية يغسل طعمت أو لم تطعم.

(9/111)


وهذا حديث مفسر للأحاديث كلها مستعمل لها حاشا حديث المحل بن خليفة الذي ذكر فيه الرش وهو حديث لا تقوم به حجة والمحل ضعيف وإذا صب على بول الغلام وغسل بول الجارية وقد علمنا أن الصب قد يسمى نضحا كان الفرق بين بول الغلام والجارية الرضيعين ما بين الصب والعرك تعبدا كان وجها حسنا وهو أولى ما قيل به في هذا الباب على ما روي عن أم سلمة وبالله التوفيق وقد كان الحسن البصري لصحة هذا الحديث عنده وهو روايته يعتمد عليه ويفتي به روى حميد الطويل عن الحسن أنه قال في بول الصبية يغسل غسلا وبول الصبي: يتبع بالماء وهو أولى ما قيل به في هذا الباب والله الموفق للصواب.

(9/112)


الحديث الحادي عشر
...
حديث حادي عشر لابن شهاب عن عبيد الله
مالك عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود أن رجلا من الأنصار جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بجارية له سوداء فقال: يا رسول الله إن علي رقبة مؤمنة فإن كنت تراها مؤمنة أعتقها فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أتشهدين أن لا إله إلا الله" قالت نعم قال: "فتشهدين أن محمدا رسول الله" قالت نعم قال: "أتوقنين بالبعث" قالت: نعم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أعتقها".
هكذا روى "يحيى" هذا الحديث فجود لفظه ورواه ابن بكير وابن القاسم بإسناده مثله إلا أنهما لم يذكرا فإن كنت تراها مؤمنة قالا: يا رسول الله علي رقبة مؤمنة أفأعتق هذه.
ورواه القعنبي بإسناده مثله وحذف منه أن علي رقبة مؤمنة وقال أن رجلا من الأنصار أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بجارية له سوداء فقال: يا رسول الله أأعتقها فقال له: ا رسول الله صلى الله عليه وسلم أتشهدين؟ وذكر الحديث.

(9/113)


وفائدة الحديث قوله إن علي رقبة مؤمنة ولم يذكره القعنبي ورواه ابن وهب عن يونس بن يزيد ومالك بن أنس عن ابن شهاب عن عبيد الله أن رجلا من الأنصار أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بجارية له سوداء فقال: يا رسول الله إن علي رقبة مؤمنة أفأعتق هذه وساق الحديث إلى آخره مثل رواية ابن القاسم وابن بكير سواء لم يقل فإن كنت تراها مؤمنة أعتقها ولم يختلف رواة الموطأ في إرسال هذا الحديث ورواه الحسين بن الوليد عن مالك عن ابن شهاب عن عبيد الله عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم بلفظ حديث الموطأ سواء وجعله متصلا عن أبي هريرة مسندا ورواه الحسين هذا أيضا عن المسعودي عن عون بن عبد الله بن عتبة عن عبيد الله بن عتبة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله إلا أنه زاد في حديث المسعودي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أعتقها فإنها مؤمنة وليس في الموطأ فإنها مؤمنة وهذا الحديث وإن كان ظاهره الانقطاع في رواية مالك فإنه محمول على الاتصال للقاء عبيد الله جماعة من الصحابة

(9/114)


وقد رواه معمر عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله عن رجل من الأنصار أنه جاء بأمة له سوداء فقال: يا رسول الله إن علي رقبة مؤمنة فإن كنت ترى هذه مؤمنة أعتقتها وساق الحديث بمثل رواية يحيى إلى آخرها ورواية معمر ظاهرها الاتصال.
وروى هذا الحديث عن عبيد الله عون بن عبد الله أخوه فجعله عن أبي هريرة وخالف في لفظه وفي معناه حدثني أحمد بن قاسم عن عبد الرحمن قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا الحرث بن أبي أسامة قال حدثنا عاصم بن علي وحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أبو بكر محمد بن العوام قال حدثنا يزيد بن هارون قال أخبرنا المسعودي عن عون بن عبد الله عن عبيد الله بن عتبة عن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بجارية أعجمية فقال: يا رسول الله إن علي رقبة مؤمنة أفأعتق هذه فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم "أين الله" فأشارت إلى السماء فقال لها "فمن أنا" فأشارت إليه وإلى السماء أي أنت رسول الله قال: "أعتقها فإنها مؤمنة".

(9/115)


وهذا المعنى رواه مالك عن هلال بن أسامة وسيأتي القول فيه في باب هلال إن شاء الله.
وفي حديث مالك هذا من الفقه إن من شرط الشهادة التي بها يخرج من الكفر إلى الإيمان مع الإقرار بأن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله الإقرار بالبعث بعد الموت وقد أجمع المسلمون على أن من أنكر البعث فلا إيمان له ولا شهادة وفي ذلك ما يغني ويكفي مع ما في القرآن من تأكيد الإقرار بالبعث بعد الموت فلا وجه للإنكار في ذلك وفيه أن من جعل على نفسه مؤمنة رقبة نذر أن يعتقها أو وجبت عليه من كفارة قتل لم يجزه غير مؤمنة وإنما قلنا من نذر أو كفارة قتل لأن كفارة الظهار والإيمان قد اختلف في ذلك فقيل أنه يجزي فيها غير مؤمنة وللكلام في ذلك موضع غير هذا.
وروى يزيد بن هارون عن هشام عن الحسن قال: كل شيء في كتاب الله فتحرير رقبة مؤمنة فمن قد صام وصلى وعقل وإذا قال: فتحرير رقبة فما شاء.
وفي هذا الحديث دليل على أن من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فهو مؤمن إذا كان قلبه مصدقا لما ينطق به لسانه.

(9/116)


وفيه دليل على أن من شهد بهذه الشهادة جاز عتقه عمن عليه رقبة مؤمنة وإن لم يكن صام وصلى وكذلك الطفل بين أبوين مسلمين لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يسأل الجارية عن غير الشهادة لما في الحديث.
وقد احتج بهذا الحديث من قال: أن الإيمان قول وإقرار دون عمل وظاهره فيه دليل على ذلك لكن ههنا دلائل غير هذا الحديث تدل على أن الإيمان قول وعمل يأتي ذكرها في باب ابن شهاب عن سالم إن شاء الله وأما قول من قال: من أهل العلم إن من كانت عليه رقبة مؤمنة من كفارة قتل أو غير ذلك فإنه لا يجزئ فيه إلا من صام وصلى وعقل الإيمان فمحمل ذلك عند أهل العلم مدافعة جواز عتق الطفل في كفارة القتل وممن روي عنه أنه لا يجزئ في كفارة القتل إلا من صام وصلى وعقل الإيمان وأنه لا يجزئ الطفل وإن كان أبواه مؤمنين ابن عباس والشعبي والحسن والنخعي وقتادة وروي عن عطاء قال: كل رقبة ولدت في الإسلام فهي تجزئ وهو قول الزهري فيمن أحد أبويه مسلم قال: الأوزاعي سألت الزهري أيجزئ عتق الصبي المرضع في كفارة الدم قال: نعم لأنه ولد على الفطرة وهو قول الأوزاعي وقال: أبو حنيفة إذا كان أحد أبويه مؤمنا جاز عتقه في كفارة القتل وهو قول الشافعي إلا أن الشافعي يستحب أن لا يعتق إلا من يتكلم بالإيمان واختلف قول

(9/117)


مالك وأصحابه على هذين القولين إلا أن مالكا يراعي إسلام الأب ولا يلتفت إلى الأم وأما الصبي من السبي فسنذكر حكمه في الصلاة عليه إذا مات في باب أبي الزناد إن شاء الله وقال: سفيان الثوري فيما روى عنه الأشجعي قال: لا يجزي في كفارة القتل الصبي ولا يجزي إلا رقبة مسلمة من صام وصلى.
قال أبو عمر:
وأجمع علماء المسلمين أن من ولد بين أبوين مسلمين وإن لم يبلغ حد الاختيار والتمييز فحكمه حكم الإيمان في الموارثة والصلاة عليه إن مات وما يجب له وعليه في الجنايات والمناكحات وحدثني خلف بن القاسم قال حدثنا عبد الله بن جعفر بن الورد وعمر بن محمد بن القاسم قالا حدثنا بكر ابن سهل قال حدثنا عبد الله بن صالح قال حدثنا معاوية بن صالح عن علي ابن أبي طلحة عن ابن عباس فتحرير رقبة مؤمنة قال: من قد عقل الإيمان وصام وصلى.
حدثنا عبد الوارث قال حدثنا قاسم قال حدثنا محمد بن وضاح قال حدثنا محمد بن سليمان وموسى بن معاوية قالا حدثنا وكيع عن الأعمش عن إبراهيم قال: ما كان في القرآن من رقبة مؤمنة فلا يجزئ إلا من صام وصلى وما كان في القرآن رقبة ليست مؤمنة فالصبي "يجزئ" وعبد الرزاق عن الثوري عن الأعمش عن إبراهيم مثله إلا أنه قال: قد صلى وما لم تكن مؤمنة فيجزئ ما لم يصل لم يذكر الصيام والذي عليه الفقهاء أن عتق الصبي الذي أبواه مؤمنان يجزئ وأن استحبوا البالغ.

(9/118)


الحديث الثاني عشر
...
ابن شهاب عن سليمان بن يسار حديثان أحدهما مرسل
وسليمان بن يسار يكنى أبا عبد الرحمن مولى ميمونة الهلالية زوج النبي صلى الله عليه وسلم أعتقته وأعتقت إخوته عطاء وعبد الملك وعبد الله بني يسار مواليها فولاؤهم لها وكان سليمان أحد الفقهاء الذين عليهم مدار الفتوى بالمدينة وقد قيل إنه يكنى أبا أيوب والأكثر على أن كنيته أبو عبد الرحمن.
وقال مصعب بن عبد الله الزبيري كان سليمان بن يسار مقدما في الفقه والعلم وكان نظيرا لسعيد بن المسيب وكان مكاتبا لميمونة بنت الحرث بن حزن زوج النبي صلى الله عليه وسلم فأدى فعتق ووهبت ميمونة ولاءه لعبد الله بن عباس وكانت خالته.
قال أبو عمر:
قد ذكر ابن عيينة أيضا عن عمرو بن دينار أن ميمونة وهبت ولاء سليمان بن يسار لابن عباس وهذا مشهور عند العلماء من فعلها لكنه مردود عندهم بنهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الولاء وعن هبته وبقوله عليه السلام الولاء كالنسب لا يباع ولا يوهب قال مصعب الزبيري وولي سليمان بن يسار سوق المدينة

(9/119)


لعمر بن عبد العزيز سنة واحدة في زمان الوليد بن عبد الملك وروي عن الحسن بن محمد بن علي بن أبي طالب أنه قال: سليمان بن ابن المسيب وروى أشهب.
قال أبو عمر:
هذا إسراف وإفراط وليس سليمان كسعيد بن المسيب في الفقه عند أهل العلم بالفقه والسير ولم يقل هذا القول غير الحسن بن محمد وأصح من هذا القول ميمون بن مهران قدمت المدينة فسألت عن أفقه أهلها فقيل سعيد بن المسيب وقيل للزهري ومكحول من أفقه من أدركتما فقالا سعيد بن المسيب وقد كان سليمان بن يسار يسأل سعيد بن المسيب وروى الحرث بن مسكين عن ابن وهب عن مالك أنه سمعه يقول كان سليمان بن يسار من أعلم الناس عندنا بعد سعيد بن المسيب وروى أشهب عن مالك قال: كان سليمان بن يسار أفقه رجل كان ملزما بعد سعيد بن المسيب وكثيرا ما كان يتفقان في القول وكان إذا ارتفع الصوت في مجلسه أو سمع فيه سواء قام عنه ذكر الحلواني قال حدثنا عارم قال حدثنا حماد بن زيد عن يزيد بن حازم قال: اختلف سليمان بن يسار وعلي بن حسين في بيع الثمرة فقال لي قم فسل سعيد بن المسيب عنها فأتيته فقلت يا أبا محمد

(9/120)


أرسلني إليك سليمان بن يسار يسألك متى تباع الثمرة قال: إذا بدا صلاحها فأتيت سليمان فأخبرته فقال: ائته فاسأله متى يتبين صلاحها فأتيته فقلت قال سليمان متى يتبين صلاحها قال: إذا سنبل الزرع واحمر الزهر.
قال أبو عمر:
وسليمان فقيه عالم ورع نبيل كانت له جلالة وقدر بالمدينة ذكر ابن أبي خيثمة عن ابن الأصبهاني عن ابن عيينة عن يحيى بن سعيد عن سليمان بن يسار قال: أدركت بضعة عشر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يقولون إنه لم يروه عن يحيى بن سعيد غير ابن عيينة قال ابن أبي خيثمة وسمعت يحيى بن معين يقول مات سليمان بن يسار سنة سبع ومائة وقال: غيره سنة أربع وتسعين قال: وأخبرني مصعب "الزبيري" قال: مات سليمان بن يسار سنة سبع ومائة وهو ابن ثلاث وسبعين سنة وسئل يحيى بن معين عن حديث الزهري عن أبي عبد الرحمن عن زيد بن ثابت في الذي يطلق امرأته ثلاثا ثم يشتريها قال: لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره فقال: يقال أبو عبد الرحمن هذا سليمان بن يسار.
قال أبو عمر:
قد قال غيره إنه طاووس والأول أصح.

(9/121)


الحديث الثالث عشر
...
حديث أول لابن شهاب عن سليمان بن يسار
مالك عن ابن شهاب عن سليمان بن يسار عن عبد الله بن عباس قال: كان الفضل رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاءت امرأة من خثعم تستفتيه فجعل الفضل ينظر إليها وتنظر إليه فجعل رسول الله يصرف وجه الفضل إلى الشق الآخر فقالت يا رسول الله إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخا كبيرا لا يستطيع أن يثبت على الراحلة أفأحج عنه قال: نعم وذلك في حجة الوداع.
هذا حديث صحيح ثابت لم يختلف في إسناده وقد سمعه سليمان بن يسار من ابن عباس كذلك قال: الأوزاعي عن الزهري عن سليمان بن يسار أن عبد الله بن عباس أخبره أن امرأة من خثعم استفتت رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع والفضل بن عباس رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله إن فريضة الله فذكر الحديث وكذلك رواية ابن عيينة عن الزهري حدثني سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن إسماعيل قال حدثنا الحميدي وحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا نصر بن حماد قال حدثنا مسدد قالا جمعيا

(9/122)


حدثنا سفيان قال حدثنا الزهري قال: سمعت سليمان بن يسار يقول سمعت ابن عباس يقول إن امرأة من خثعم سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم غداة النحر والفضل ردفه فقالت إن فريضة الله في الحج على عباده أدركت أبي وهو شيخ كبير لا يستطيع أن يتمسك على الراحلة فهل ترى أن أحج عنه قال: نعم.
قال الحميدي: وحدثنا سفيان قال: كان عمرو بن دينار حدثناه أولا عن الزهري عن سليمان بن يسار عن ابن عباس وزاد فيه فقالت يا رسول الله أو ينفعه ذلك قال: نعم كما لو كان على أحدكم دين فقضاه فلما جاءنا الزهري تفقدت هذا فلم يقله.
واختلف العلماء في تأويل هذا الحديث ومعناه ونحن نذكر ذلك إن شاء الله ونبينه ولا قوة إلا بالله.
وفيه من الفقه إباحة ركوب نفسين على دابة وهذا ما لا خلاف في جوازه إذا أطاقت الدابة ذلك وفيه إباحة الارتداف وذلك من التواضع والجليل من الرجال جميل به الارتداف والأنفة منه تجبر وتكبر حبب الله إلينا الطاعة برحمته.
وفيه بيان ما ركب في الآدميين من شهوات النساء وما يخاف من النظر إليهن وكان الفضل بن عباس من شبان بني هاشم بل كان أجمل "أهله" زمانه فيما ذكروا.

(9/123)


وفيه دليل على أن الإمام يجب عليه أن يحول بين الرجال والنساء في التأمل والنظر وفي معنى هذا منع النساء اللواتي لا يؤمن عليهن ومنهن الفتنة من الخروج والمشي في الحواضر والأسواق وحيث ينظرن إلى الرجال قال: صلى الله عليه وسلم ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء وفي قول الله عز وجل: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ} الآية ما يكفي لمن تدبر كتاب الله ووفق للعمل به.
حدثنا أحمد حدثنا مسلمة حدثنا جعفر حدثنا يوسف بن حبيب حدثنا أبو داود الطيالسي قال حدثنا سكين بن عبد العزيز قال: حدثني أبي عن ابن عباس أن الفضل كان رديف النبي صلى الله عليه وسلم يوم عرفة فجعل يلحظ إلى امرأة فقال: النبي صلى الله عليه وسلم مه يا غلام فإن هذا يوم من حفظ فيه بصره غفر له.
وفيه دليل على أن إحرام المرأة في وجهها وهذا ما لم يختلف فيه الفقهاء وفيه دليل على أن المرأة تحج وإن لم يكن معها ذو محرم لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للخثعمية حجي عن أبيك ولم يقل إن كان معك ذو محرم وفي ذلك دليل على أن المحرم ليس من السبيل والله أعلم وستأتي هذه المسألة واختلاف العلماء فيها في باب سعيد بن أبي سعيد إن شاء الله.
وأما اختلاف أهل العلم في معنى هذا الحديث فإن جماعة منهم ذهبوا إلى أن هذا الحديث مخصوص به أبو الخثعمية لا يجوز أن

(9/124)


يتعدى به إلى غيره بدليل قول الله عز وجل: {مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً} وكان أبو الخثعمية ممن لا يستطيع فلم يكن عليه الحج فلما لم يكن ذلك عليه لعدم استطاعته كانت ابنته مخصوصة بذلك الجواب وممن قال ذلك مالك بن أنس وأصحابه وجعلوا أبا الخثعمية مخصوصا بالحج عنه كما كان سالم مولى أبي حذيفة عندهم وعند من خالفهم في هذه المسألة مخصوصا برضاعه في حال الكبر مع اشتراط الله عز وجل تمام الرضاعة في الحولين فكذلك أبو الخثعمية مع شرط الله في وجوب الحج الاستطاعة وهي القدرة وذهب آخرون إلى أن الاستطاعة تكون بالبدن والقدرة وتكون أيضا في المال لمن لم يستطع ببدنه واستدلوا بهذا الحديث ومثله وممن قال: ذلك الشافعي.
واختلف العلماء في الاستطاعة التي عنى الله عز وجل بقوله: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً} فروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: السبيل الزاد والراحلة وهذا الحديث لو صح لكان فرض الحج في المال والبدن نصا كما قال الشافعي ومن تابعه ولكنه حديث انفرد به إبراهيم بن يزيد الخوزي

(9/125)


وهو ضعيف روى عبد الرزاق وغيره قال حدثنا إبراهيم بن يزيد قال: سمعت محمد بن عباد بن جعفر يحدث عن ابن عمر قال: قام رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: من الحاج يا رسول الله قال: الشعث التفل فقام رجل آخر فقال: أي الحج أفضل يا رسول الله قال: العج والثج فقام رجل آخر فقال: ما السبيل يا رسول الله قال: الزاد والراحلة وروي عن عمر بن الخطاب وعبد الله بن عباس أنهما قالا السبيل الزاد والراحلة.
وروى معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: {مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً} قال: السبيل أن يصح بدن العبد ويكون له ثمن زاد وراحلة من غير أن يجحف به وبه قال: الحسن البصري وسعيد بن جبير ومجاهد وإليه ذهب الشافعي وأبو حنيفة وأصحابهما وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه قال: أبو حنيفة والشافعي لا يجب الحج إلا على من ملك زادا وراحلة من الأحرار البالغين وعند أبي حنيفة وأصحابه وأحمد وطائفة ذو المحرم في المرأة من السبيل وسنبين هذا في باب سعيد بن أبي سعيد إن شاء

(9/126)


الله والذي عول عليه الشافعي وأصحابه في هذا الباب حديث ابن عباس في قصة الخثعمية وبه استدلوا على أن الحج فرض واجب في المال قالوا وأما البدن فمجتمع عليه والنكتة التي بها استدلوا وعليها عولوا قول المرأة في هذا الحديث أن فريضة الله في الحج على عباده أدركت أبي شيخا كبيرا لا يستطيع أن يثبت على الراحلة فأخبرته أن الحج إذا فرض على المسلمين كان أبوها في حال لا يستطيعه ببدنه فاخبرها رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يجزئه أن تحج عنه وأعلمها أن ذلك كالدين تقضيه عنه فكان في هذا الكلام معان منها أن الحج وجب عليه كوجوب الدين ومعلوم أن الدين واجب في المال لا في البدن ومنها أن عملها في ذلك يجزئ عنه فدل على أن ذلك ليس كالصلاة التي لا يعملها أحد عن أحد ومنها أن الاستطاعة تكون بالمال كما تكون بالبدن واحتجوا من الآثار بكل ما ذكر فيه تشبيه الحج بالدين وسنذكرها في هذا الباب إن شاء الله وأجمع علماء المسلمين أن الحج غير واجب على من لم يبلغ من الرجال والنساء.
وقال: داود الحج على العبد واجب وقال: سائر الفقهاء لا حج عليه وقال: الشافعي الاستطاعة على وجهين أحدهما أن يكون مستطيعا ببدنه واجدا من ماله ما يبلغه الحج بزاد وراحلة واحتج بحديث النبي صلى الله عليه وسلم المذكور قال: الوجه الآخر أن

(9/127)


يكون معضوبا ببدنه لا يقدر أن يثبت على ركب بحال وهو قادر على من يطيعه إذا أمره أن يحج عنه بطاعته له أو من يستأجره فيكون هذا ممن لزمه فرض الحج لأنه قادر بهذا الوجه قال: ومعروف من لسان العرب أن يقول الرجال أنا مستطيع أن ابني دارا أو أخيط ثوبا يعني بالإجارة أو بمن أطاعه واحتج بحديث الخثعمية حديث ابن عباس هذا المذكور في هذا الباب.
وقال مالك كل من قدر على التوصل إلى البيت وإقامة المناسك بأي وجه قدر بزاد وراحلة أو ماشيا على رجليه فقد لزمه فرض الحج ومن لم يستطع بمرض أو زمانة فليس بمخاطب في الحج.
هذا مذهب أصحابه واتفق مالك وأبو حنيفة أن المعضوب الذي لا يتمسك على الراحلة ليس عليه الحج وممن روى عنه مثل قول مالك عكرمة والضحاك بن مزاحم.
والمعضوب الضعيف الهرم الذي لا يقدر على النهوض وقال: الخليل رجل معضوب كأنما لوي ليا والمعضوب الذي كادت أعضاؤه تنتشر جزعا أخبرني أبو عبد الله محمد بن خليفة قال حدثنا أبو الحسن محمد بن نافع المكي قال حدثنا إسحاق بن أحمد الخزاعي قال حدثنا ابن المقرئ قال: حدثني أبي قال حدثنا حيوة وابن لهيعة

(9/128)


قالا حدثنا شرحبيل بن شريك قال: سمعت عكرمة مولى ابن عباس يقول في قول الله عز وجل: {مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً} قال: السبيل الصحة وقال: الضحاك إذا كان شابا فليواجر نفسه بأكلة وعقبة حتى يقضي نسكه.
ومن حجة مالك أيضا ومن ذهب مذهبه عموم قول الله عز وجل: {مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً} فبأي وجه استطاع ذلك بنفسه وقدر فقد لزمه الحج وليس استطاعة غيره استطاعة له و الحج عنده وعند أصحابه من عمل الأبدان فلا ينوب فيه أحد عن أحد قياسا على الصلاة وحمل بعضهم حديث الخثعمية على أن ذلك على الاستحباب لمن شاء لا على أداء واجب.
واحتجوا بحديث عبد الرزاق عن الثوري عن سليمان الشيباني عن يزيد عن ابن عباس أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أحج عن أبي قال: نعم أن لم تزده خيرا لم تزده شرا.
قال أبو عمر:
أما هذا الحديث فقد حملوا فيه على عبد الرزاق لانفراده به عن الثوري من بين سائر أصحابه وقالوا هذا حديث لا يوجد في الدنيا عند أحد بهذا الإسناد إلا في كتاب عبد الرزاق أو في كتاب من أخرجه من كتاب عبد الرزاق ولم يروه أحد عن الثوري غيره وقد خطئوه فيه وهو عندهم خطأ فقالوا هذا لفظ منكر لا تشبهه ألفاظ النبي صلى

(9/129)


الله عليه وسلم أن يأمر بما لا يدري هل ينفع أم لا ينفع حدثني خلف بن سعيد قال حدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا أحمد بن خالد قال حدثنا عبيد بن محمد الكشوري قال: لم يرو حديث الشيباني عن يزيد بن الأصم عن ابن عباس أحد غير عبد الرزاق عن الثوري ولم يروه عن الثوري لا كوفي ولا بصري ولا أحد.
قال أبو عمر:
أما ظاهر إسناد هذا الحديث فظاهر جميل لأن الشيباني ثقة وهو سليمان بن أبي سليمان وروى عنه شعبة والثوري وهشيم وكذلك يزيد بن الأصم ثقة ولكنه حديث لا يوجد عند أصحاب الثوري الذين هم أعلم بالثوري من عبد الرزاق مثل القطان وابن مهدي وابن المبارك ووكيع وأبي نعيم وهؤلاء جلة أصحاب الثوري في الحديث وعبد الرزاق ثقة فإن صح هذا الخبر ففيه حجة لمالك وأصحابه فيما تأولوه في حديث الخثعمية ويدخل عليهم منه لأنهم لم يجعلوه أصلا يقيسون عليه ولا يجيزون صلاة أحد من أحد ولا يقولون فيها أنها إن لم تزد المصلى عنه خيرا لم تزده شرا كما في هذا الخبر في الحج.

(9/130)


ومن حجة مالك وأصحابه أيضا الإجماع على أن الفقير إذا وصل إلى البيت بخدمة الناس أو بالسؤال أو بأي وجه وصل إليه فقد تعين عليه الفرض ووجب عليه الحج وأنه إذا أيسر فلا قضاء عليه ومن قول مالك وأصحابه أيضا أن الذي لا زاد له ليس عليه الحج وإن كان قادرا على المشي إذا لم يكن من عادته السؤال والتبذل فإن حج أجزأه فإن قيل أن الفقير إذا وصل إلى البيت فقد تعين عليه الفرض ولزمه لأنه مستطيع حينئذ قيل له لو كان الحج لا يجب فرضا إلا على من ملك زادا أو راحلة لما تعين فرضه على الفقير بدخوله مكة كما لا يتعين فرضه على العبد بدخوله مكة ولو كان الزاد والراحلة من شرائط الوجوب لا ستوى فيه حاضرو المسجد الحرام وغيرهم كما استووا في الحرية والبلوغ الذي لا يجوز الحج إلا بهما ويدخل على قائلي هذا القول إن العلة في العبيد باقية لم تزل وهي الرق وعلة الذي لم يستطع ثم استطاع قد زالت.
ومن حجة الشافعي ومن قال: بقوله حديث شعبة عن النعمان بن سالم عن عمرو بن أوس عن أبي رزين العامري أنه قال: يا رسول

(9/131)


الله أن أبي شيخ كبير لا يستطيع الحج والعمرة قال: احجج عن أبيك واعتمر.
وروى معمر عن الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال: رجل يا نبي الله أن أبي مات ولم يحج أفأحج عنه قال: أرأيت لو كان على أبيك دين أكنت قاضيه قال: نعم قال: فدين الله أحق.
وأخبرنا عبد الله بن محمد بن أسد قال حدثنا حمزة بن محمد قال حدثنا أحمد بن شعيب قال أخبرنا إسحاق بن إبراهيم قال حدثنا جرير عن منصور عن مجاهد عن يوسف بن الزبير عن عبد الله بن الزبير قال: جاء رجل من خثعم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن أبي شيخ كبير لا يستطيع الركوب وأدركته فريضة الحج فهل يجزئ أن أحج عنه قال: "أنت أكبر ولده" قال: نعم قال: "أرأيت لو كان عليه دين أكنت تقضيه" قال: نعم قال: "فحج عنه".

(9/132)


وروى هشيم عن يحيى بن أبي إسحاق عن سليمان بن يسار عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم ثم مثل حديث ابن الزبير هذا سواء.
وروى عبد الرزاق عن هشيم بن بشير عن جعفر بن أبي وحشية عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: أتى رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن أختي نذرت أن تحج وأنها ماتت قال: أرأيت لو كان عليها دين أكنت قاضيه قال: نعم قال: فاقضوا الله فهو أحق بالوفاء.
قالوا: وتشبيهه صلى الله عليه وسلم ذلك بالدين دليل على وجوب الحج على من ببدنه عن الامتساك على الدؤبة وكان له مال يستأجر به قالوا وكذلك هو واجب على من مات قبل أن يؤديه إذا استطاع ذلك ببدنه أو بماله.
قال أبو عمر:
حجة أصحاب مالك في تشبيهه الحج بالدين أن ذلك أيضا خصوص للخثعمية كما خص أبوها بأن يعمل عنه ما لم يجب عليه وكذلك خصت بالعمل عنه لتؤجر ويلحقه ثواب عملها بدليل القرآن في الاستطاعة وبدليل الإجماع أنه لا يصلي أحد عن أحد فرضا وجب عليه وقد يعمل عنه ما لم يجب عليه ويشركه في ثوابه هذا معنى قولهم،

(9/133)


وجعلوا حج الخثعمية عن أبيها كالحج بالصبي الذي أريد به التبرك لا الفرض وأدخل بعض من يحتج لمالك على أصحاب الشافعي أن قال: لو ثبت تشبيه الحج بالدين لكنت مخالفا له لأنك زعمت أن من حج عنه ثم وجد قوة أنه لا يجزئه وليس الدين كذلك لأنه إذا أدى لم يحتج أن يؤدي ثانية وانفصل من ذلك أصحاب الشافعي بأنه إنما أمر بالحج عنه لعدمه الاستطاعة ببدنه فلما صح كان حينئذ قد توجه إليه فرض الحج ولزمه قضاؤه عن نفسه لقدرته على ذلك ببدنه فأشار على المعتدة بالشهور يطرأ عليها الحيض فتعود إليه وأدخل بعض أصحاب الشافعي أن مالكا يجيز أن يحج الرجل عن الميت إذا أوصى بذلك ولا يجيز الصلاة ولا الصيام أن يعملهما أحد عن أحد غيره ميت ولا حي وفي ذلك دليل على خلاف الحج للصلاة وأعمال البدن ولبعضهم على بعض تشغيب يطول ذكره ولا يجمل اجتلابه.
وفي هذا الحديث أيضا دليل على جواز حج الرجل عن غيره.
واختلف الفقهاء في ذلك فقال: الحسن بن صالح بن حي لا يحج أحد عن أحد إلا عن ميت لم يحج حجة الإسلام وهو قول مالك والليث
وقال أبو حنيفة للصحيح أن يأمر من يحج عنه ويكون ذلك تطوعا وقال: للمريض أن يأمر من يحج عنه حجة الإسلام فإن مات.

(9/134)


كان ذلك مسقطا لفرضه وإن أوصى أن يحج عنه كان ذلك في ثلثه وإن تطوع رجل بالحج عنه بعد الموت أجزأه ولا يجوز عنده أن يواجر أحد نفسه في الحج.
وقال الثوري نحو قول أبي حنيفة أخبرنا إبراهيم بن شاكر قال حدثنا عبد الله بن عثمان قال حدثنا طاهر بن عبد العزيز قال حدثنا عباد بن محمد قال حدثنا يزيد بن أبي حكيم قال: سمعت سفيان قال: إذا مات الرجل ولم يحج فليوص أن يحج "عنه" فإن هو لم يوص فحج عنه ولده فحسن إنما هو دين يقضيه وقد كان يستحب لذي القرابة أن يحج عن قرابته فإن كان لا قرابة له فمواليه إن كان فإن ذلك يستحب فإن أحجوا عنه رجلا تطوعا فلا بأس قال: وإذا أوصى الرجل أن يحج عنه فليحج عنه من قد حج ولا ينبغي لرجل أن يحج عن غيره إذا لم يحج وإن لم يجد ما يحج به قال: وإذا كان الرجل عليه دين ولم يحج فليبدأ بدينه فإن كان عنده فضل يحج به حج وإن كان عنده قدر ما إن حج به أضر بعياله فلينفق على عياله ولا بأس أن يحج الرجل بدين إذا كان له عروض إن مات ترك وفاء وإن لم يكن للرجل شيء ولم يحج فلا يعجبني إن يستقرض ويسأل الناس فيحج به فإن فعل أو آجر نفسه أجزآه من حجة الإسلام قال: وإذا كان عنده ما يحج به ولم يكن حج حجة الإسلام فأراد أن يتزوج

(9/135)


وخشي على نفسه فلا بأس أن يتزوج ويحج بعد أن يوسر هذا كله قول الثوري رحمه الله وقال: ابن القاسم عن مالك ينبغي للأعزب إذا أفاد مالا أن يحج قبل أن ينكح قال: وحجه أولى من قضائه دينا عن أبيه قال: وقال: مالك ولتخرج المرأة مع وليها فإن أبي ولم يكن لها ولي ووجدت من يخرج معها من الرجال أو نساء مأمونين فلتخرج وهو قول الشافعي وسنذكر ما للعلماء من إذنه في المرأة التي لا محرم لها يخرج معها عند ذكر حديث سعيد المقبري إن شاء الله.
وقال ابن أبي ليلى والأوزاعي والشافعي: يحج عن الميت وإن لم يوص ويجزيه قال: الشافعي ويكون ذلك من رأس المال.
وقال مالك يجوز أن يحج عن الميت من لم يحج قط ولكن الاختيار أن يحج عن نفسه أولا وهو قول أبي حنيفة والثوري والأوزاعي وقال الحسن بن صالح لا يحج عن الميت إلا من قد حج عن نفسه ويكره أن تحج المرأة عن الرجل ولا يكره أن يحج الرجل عن المرأة لأن المرأة تلبس والرجل لا يلبس.
وقال الشافعي لا يحج عن الميت إلا من قد حج عن نفسه فإن حج عن الميت صرورة كانت نيته للنفل لغوا وقال الشافعي جائز أن يواجر نفسه في الحج ولست أكرهه.

(9/136)


وقال مالك أكره أن يواجر نفسه في الحج فإن فعل جاز وهو قول الشافعي في رواية وعند أبي حنيفة لا يجوز ومن حجته أن الحج قربة إلى الله عز وجل ولا يصح أن يعمله غير المتقرب به.
وقال بعض أصحابه ألا ترى أنه لا يجوز بإجماع أن يستأجر الذمي أن يحج عن مسلم وذلك لأنه قربة للمسلم.
ومن حجة مالك والشافعي على جواز ذلك إجماعهم على كتاب المصحف وبناء المساجد وحفر القبور وصحة الاستئجار في ذلك وهو قربة إلى الله فكذلك عمل الحج عن الغير والصدقات قربة إلى الله عز وجل.
وقد أباح للعامل عليها أن يأخذ منها على قدر عمله ولا معنى لاعتبار الإجماع على أن الذمي لا يجوز استئجاره في ذلك لأنهم قد أجمعوا أن الذمي لا يحج عن المسلم تطوعا وأن ذلك جائز في المسلم.
وفي حديث الخثعمية هذا رد على الحسن بن صالح بن حي في قوله أن المرأة لا يجوز أن تحج عن الرجل وحجة لمن أجاز ذلك.
وأما حجة من أبى جواز حج الرجل عن الرجل وهو صرورة لم يحج عن نفسه فحديث ابن عباس حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا إسحاق بن إسماعيل الطالقاني قال حدثنا عبدة بن سليمان عن ابن أبي عروبة عن قتادة عن عزرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أن

(9/137)


النبي صلى الله عليه وسلم سمع رجلا يقول لبيك عن شبرمة فقال: من شبرمة؟ قال: أخ لي أو قريب لي فقال: حججت عن نفسك؟ قال: لا قال: فحج عن نفسك ثم حج عن شبرمة.
ومن أبى القول بهذا الحديث علله بأنه قد روي هذا الحديث موقوفا على ابن عباس وبعضهم يجعله عن قتادة عن سعيد بن جبير لا يذكر عزرة وليست هذه عللا يجب بها التوقف عن القول بالحديث لأن زيادة الحافظ مقبولة حكمها حكم الحديث نفسه لو لم يجيء به غيره وبالله التوفيق.

(9/138)


الحديث الرابع عشر
...
حديث ثان لابن شهاب عن سليمان بن يسار
مالك عن ابن شهاب عن سليمان بن يسار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يبعث عبد الله بن رواحة يخرص بينه وبين يهود خيبر قال: فجمعوا له حليا من حلي نسائهم فقالوا: هذا لك فخفف عنا وتجاوز في القسم فقال عبد الله بن رواحة يا معشر اليهود والله إنكم لمن أبغض خلق الله إلي وما ذلك بحاملي على أن أحيف عنكم فأما ما عرضتم من الرشوة فإنها سحت وإنا لا نأكلها فقالوا: بهذا قامت السماوات والأرض.
هذا الحديث مرسل في جميع الموطآت عن مالك بهذا الإسناد وقد تقدم القول في معناه مستوعبا في باب حديث ابن شهاب عن سعيد بن المسيب من كتابنا هذا فلا وجه لإعادة القول في ذلك وقد يستند معنى هذا الحديث من رواية ابن عباس وجابر وغيرهما عن النبي صلى الله عليه وسلم وسماع سليمان بن يسار من ابن عباس صحيح وقال: معمر عن الزهري في هذا الحديث خمس رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر ولم يكن له ولا لأصحابه عمال يعملونها ويزرعونها فدعا يهود خيبر وقد كانوا أخرجوا منها فدفع إليهم خيبر على أن يعملوها على النصف يؤدونه للنبي صلى الله عليه وسلم وقال لهم أقركم على ذلك بما أقركم الله فكان يبعث إليهم عبد الله بن

(9/139)


رواحة فيخرص النخل حين يطيب أوله ثم يخير يهود يأخدونها بذلك أو يدفعونها بذلك الخرص وإنما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بالخرص في ذلك لكي تحصى الزكاة في ذلك قبل أن تؤكل الثمرة.
وفيه من الفقه إثبات خبر الواحد ألا ترى أن عبد الله بن رواحة قدم على أهل خيبر وهو واحد فأخبرهم عن النبي صلى الله عليه وسلم بحكم كبير في الشريعة فلم يقولوا له إنك واحد لا نصدقك على رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو كان خبره واحدا لا يجب به الحكم ما بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم وحده.
وفيه أن المؤمن وإن أبغض في الله لا يحمله بغضه على ظلم من أبغضه والظالم نفسه يظلم قال صلى الله عليه وسلم الظلم ظلمات يوم القيامة.
وفيه دليل على أن كل ما أخذه الحاكم والشاهد على الحكم بالحق أو الشهادة بالحق سحت وكل رشوة سحت وكل سحت حرام ولا يحل لمسلم أكله وهذا ما لا خلاف فيه بين علماء المسلمين وقال جماعة أهل

(9/140)


التفسير في قول الله عز وجل: {أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ} قالوا السحت الرشوة في الحكم وفي السحت كل ما لا يحل كسبه.
وفي هذا الحديث دليل على أن السحت وهو الرشوة عند اليهود حرام ولا يحل ألا ترى إلى قولهم بهذا قامت السماوات والأرض ولولا أن السحت محرم عليهم في كتابهم ما عيرهم الله في القرآن بأكله فالسحت محرم عند جميع أهل الكتاب أعاذنا الله منه برحمته آمين أنشدنا غير واحد لمنصور الفقيه رحمه الله:
إذا رشوة من باب بيت تقمحت ... لتدخل فيه والأمانة فيه
سعت هربا منها وولت كأنها ... حليم تنحى عن جوار سفيه
حدثني أحمد بن عبد الله بن محمد بن علي قال: حدثني أبي قال حدثنا محمد ابن قاسم قال حدثنا أبو عبد الله مالك بن عيسى بن نصر القفصي الحافظ بقفصه وحدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود سليمان بن الأشعث قالا حدثنا علي بن سهل الرملي قال حدثنا زيد بن أبي الزرقاء عن جعفر بن برقان.

(9/141)


وحدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا إسماعيل بن إسحاق قال حدثنا أحمد بن يونس قال حدثنا المعافي بن عمران قال حدثنا جعفر بن برقان عن ميمون بن مهران عن مقسم بن أبي القاسم عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين افتتح خيبر واشترط عليهم أن له الأرض وكل صفراء وبيضاء يعني الذهب والفضة فقال له: أهل خيبر نحن أعلم بالأرض فأعطناها على أن نعمل ولنا نصف الثمرة ولكم النصف فزعم أنه أعطاهم على ذلك فلما كان حين تصرم النخل بعث إليهم عبد الله بن رواحة فحزر النخل وهو الذي يدعوه أهل المدينة الخرص فقال: هي كذا وكذا فقالوا: أكثر علينا وفي حديث المعافي فقال: في ذا كذا وكذا فقالوا: أكثرت يا ابن رواحة قال: فأنا أعطيكم النصف الذي قلت: قالوا: هذا الحق وبه قامت السماوات والأرض وقد رضينا أن نأخذه بالذي قلت وفي حديث زيد بن أبي الزرقاء أكثرت علينا يا ابن رواحة قال: فأنا إلى جذاذ النخل وأعطيكم نصف الذي قلت قالوا: هذا الحق وبه قامت السماوات والأرض وقد رضينا أن نأخذه بالذي قلت قد تقدم في باب ربيعة من

(9/142)


القول في ذكر الأرض وفي باب ابن شهاب من معاني الخرص ومعاني أرض خيبر ما فيه إشراف على معاني ذلك كله والحمد لله وقال: أبو بكر الأصم عبد الرحمن بن كيسان كان أعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر على النصف مما تخرج أرضها وثمرها خصوصا له صلى الله عليه وسلم لأن اليهود كانوا له كالعبيد وللسيد أن يأخذ مال عبده كيف شاء ويبيع منه الدرهم بالدرهمين فرخص رسول الله صلى الله عليه وسلم في دفع الأرض إلى اليهود بالنظر لتلك العلة ولا يجوز ذلك لغيره لما ثبت من تنبيه عن مثل ذلك في كراء الأرض وفي بيع الثمار قبل بدو صلاحها.
ولما أجمعوا عليه أن المجهول لا يكون بمثل لشيء ولا يجوز بيعه وقرأت على سعيد بن نصر أن قاسم بن أصبغ حدثهم قال حدثنا جعفر بن محمد الصائغ قال حدثنا محمد بن سابق قال حدثنا إبراهيم بن طهمان عن أبي الزبير عن جابر أنه قال: أفاء الله خيبر على رسوله فأقرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها وجعلها بينه وبينهم فبعث عبد الله بن رواحة فخرصها عليهم ثم قال: يا معشر اليهود أنتم أبغض الخلق إلي قتلتم أنبياء الله وكذبتم على الله وليس يحملني بغضي إياكم على أن أحيف عليكم قد خرصت عشرين ألف وسق من تمر فإن شئتم فلكم وإن شئتم فلي فقالوا بهذا قامت السماوات والأرض قد أخذنا فاخرجوا عنا فقال: أبو الزبير أن عمر بن الخطاب إنما أخرجهم منها بعد ذلك لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا تقروا في جزيرة العرب من ليس منا أو قال: من ليس من المسلمين.

(9/143)


الحديث الخامس عشر
...
ابن شهاب عن محمد بن جبير بن مطعم
حديثان أحدهما مرسل عند أكثر رواة الموطأ
وهو محمد بن جبير بن مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف بن قصي القرشي النوفلي يكنى أبا سعيد.
قد ذكرنا أباه وشيئا من أخباره في كتابنا في الصحابة وكان محمد بن جبير بن مطعم من أعلم أهل وقته بالنسب وأيام العرب أخذ ذلك عن أبيه.
دخل يوما على عبد الملك بن مروان فقال له: يا أبا سعيد ألم نكن نحن وأنتم يعني عبد شمس وبني نوفل في حلف الفضول قال: أمير المؤمنين أعلم فقال له عبد الملك لتخبرني يا أبا سعيد فقال: لا والله يا أمير المؤمنين لقد خرجنا نحن وأنتم منهم قال: صدقت.
وتوفي محمد بن جبير ابن مطعم سنة مائة في خلافة عمر بن عبد العزيز وتوفي أخوه أبو محمد نافع بن جبير بن مطعم بالمدينة سنة ست وتسعين وقيل في خلافة سليمان بن عبد الملك.

(9/144)


الحديث السادس عشر
...
حديث أول لابن شهاب عن محمد بن جبير مسند
مالك عن ابن شهاب عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ في المغرب بـ"والطور".
هكذا رواه مالك وجماعة أصحاب ابن شهاب عنه عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه ورواه محمد بن عمرو عن ابن شهاب عن نافع بن جبير والصواب فيه محمد بن جبير.
وفي هذا الحديث دليل على أن في وقت المغرب سعة وأنه ليس يضيق وقد مضى القول في وقت المغرب في باب ابن شهاب عن عروة مستوعبا وفي سائر أوقات الصلاة والحمد لله. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأ في المغرب "المص" من حديث عروة عن ابن الزبير عن مروان بن الحكم عن زيد بن ثابت وقد روى هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة مثل ذلك والإسناد الأول أصح وفي ذلك دليل على سعة وقت المغرب كما ذكرنا.
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأ بـ"الصافات" في المغرب وأنه قرأ فيها بحم الدخان وأنه قرأ فيها بـ"سبح اسم ربك الأعلى" وأنه قرأ فيها بـ"التين والزيتون" وأنه قرأ فيها بـ"المعوذتين".

(9/145)


وأنه قرأ فيها بـ"المرسلات" وأنه كان يقرأ فيها بقصار المفصل وهي آثار صحاح مشهورة لم أر لذكرها وجها خشية الإطالة وفي ذلك كله دليل على أن لا توقيت في القراءة في صلاة المغرب وكذلك غيرها بدلائل يطول ذكرها وأهل العلم يستحبون فيها قراء السور القصار ولعل ذلك أن يكون آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم أو يكون إباحة وتخييرا منه صلى الله عليه وسلم فيكون دليل العلماء على استحباب ما استحبوا من ذلك قوله صلى الله عليه وسلم من أم الناس فليقصر وليخفف والحمد لله الذي جعل في ديننا سعة ويسرا وتخفيفا لا شريك له.
وفي هذا الحديث شيء سقط من رواية مالك في الموطأ لم يذكره أحد من رواته عنه فيه وذكره غيره من رواة ابن شهاب وهو معنى بديع حسن من الفقه وذلك أن جبير بن مطعم سمع هذا الحديث من النبي صلى الله عليه وسلم وهو كافر وحدث به عنه وهو مسلم وقد مضى القول في هذا المعنى فيما سلف من كتابنا هذا وقد روى هذه القصة فيه عن مالك علي بن الربيع بن الركين وإبراهيم بن علي التميمي المقرئي جميعا عن مالك عن الزهري عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم في فداء أسارى بدر فسمعته يقرأ في المغرب بـ"الطور" ولم أسلم يومئذ فكأنما صدع

(9/146)


قلبي وقال: لو كان مطعم حيا وكلمني في هؤلاء النفر لأعتقتهم هذا لفظ علي بن الربيع وقال: إبراهيم وكلمني في هؤلاء النتنى لتركتهم له ولم يتابع هذان على سياقة هذا الحديث بهذا اللفظ عن مالك وقد رواه كذلك عن ابن شهاب جماعة من أصحابه وممن روى ذكر ذلك عن ابن شهاب عن محمد بن جبير أسامة بن زيد الليثي وغيره.
وروى ابن وهب عن ابن شهاب عن أسامة بن زيد عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه أنه جاء في فداء أسارى أهل بدر قال: فوافقت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في صلاة المغرب بـ"والطور وكتاب مسطور" فأخذني من قراءته كالكرب فكان ذلك أول ما سمعته من أمر الإسلام وأسلم جبير بن مطعم عام الفتح ويقال: عام خيبر.
وقد ذكرنا من خبره في كتابنا في الصحابة ما فيه كفاية وحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا حامد بن يحيى البلخي قال حدثنا

(9/147)


سفيان بن عيينة قال: سمعت الزهري يحدث عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في المغرب بـ"الطور".
قال سفيان فسمعته يقول: {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ} قال: فكاد يطير قلبي وحدثنا سعيد بن النصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن إسماعيل قال حدثنا الحميدي قال حدثنا سفيان قال: سمعت الزهري يحدث عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في المغرب بـ"الطور" قال: سفيان فقالوا في هذا الحديث أن جبيرا قال: سمعتها من النبي عليه السلام وأنا مشرك فكاد قلبي يطير حين قرأ: {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ} ؟ ولم يقله لنا الزهري. وحدثنا عبد الله بن محمد بن أسد قال حدثنا سعيد بن عثمان ابن السكن قال حدثنا محمد بن يوسف قال حدثنا محمد بن إسماعيل البخاري قال حدثنا الحميدي قال حدثنا سفيان قال: حدثني عن الزهري عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه قال: سمعت النبي عليه السلام يقرأ في المغرب "والطور" فلما بلغ هذه الآية: {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ} كاد قلبي يطير.
قال سفيان فأما أنا فإني سمعت الزهري يحدث عن محمد بن جبير عن أبيه سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في المغرب ب

(9/148)


"والطور" ولم أسمعه زاد الذي قالوا لي ورواه يزيد بن أبي حبيب عن ابن شهاب فجعل في موضع المغرب العتمة إلا أنه من رواية ابن لهيعة.
وجدت في أصل سماع أبي بخطه رحمه الله أن محمد بن أحمد بن قاسم حدثهم قال حدثنا سعيد بن عثمان قال حدثنا نصر بن مرزوق حدثنا أسد بن موسى قال حدثنا لهيعة قال حدثنا يزيد بن أبي حبيب أن ابن شهاب كتب إليه قال: حدثني محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه قال: قدمت على النبي صلى الله عليه وسلم في فداء أسارى بدر فسمعته يقرأ في العتمة بـ"والطور" ورواه سفيان بن حسين عن الزهري على الشك في العتمة أو المغرب..
حدثنا خلف بن سعيد قال حدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا أحمد بن خالد قال حدثنا علي بن عبد العزيز وأجازه لنا أبو محمد بن أسد عن ابن جامع عن علي بن عبد العزيز قال حدثنا أبو عبيد قال حدثنا هشيم قال حدثنا سفيان بن حسين عن الزهري قال هشيم ولا أظنني إلا وقد سمعته من الزهري عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه جبير بن مطعم قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم لأكلمه في أسارى بدر فوافقته وهو يصلي المغرب أو العتمة فسمعته وهو يقول ويقرأ وقد خرج صوته من المسجد: {إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ} قال: فكأنما صدع قلبي فلما فرغ من صلاته كلمته في أسارى

(9/149)


بدر فقال: شيخك أو الشيخ لو كان أتانا فيهم شفعناه يعني أباه المطعم بن عدي.
قال أبو عبيد قال هشيم وغيره وكانت له عند رسول الله صلى الله عليه وسلم يد.
قال أبو عمر:
كانت يد المطعم بن عدي عند رسول الله صلى الله عليه وسلم قيامه في شأن الصحيفة التي كتبها قريش على بني هاشم وبني المطلب وهو أيضا أجار النبي صلى الله عليه وسلم حين قدم من الطائف من دعاء ثقيف أجاره هو ومن كان معه يومئذ وخبره بكماله في المغازي والسير.

(9/150)


الحديث السابع عشر
...
حديث ثان لابن شهاب عن محمد بن جبير بن مطعم مرسل
يتصل من وجوه
مالك عن ابن شهاب عن محمد بن جبير بن مطعم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لي خمسة أسماء أنا محمد وأنا أحمد وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي وأنا العاقب.
هكذا روى هذا الحديث يحيى مرسلا لم يقل عن أبيه وتابعه على ذلك أكثر الرواة للموطأ وممن تابعه على ذلك القعنبي وابن بكير وابن وهب وابن القاسم وعبد الله بن يوسف وابن أبي أويس وأسنده عن مالك معن بن عيسى ومحمد بن المبارك الصوري ومحمد بن عبد الرحيم وابن شروس الصنعاني "وعبد الله بن مسلم" الدمشقي وإبراهيم بن طهمان وحبيب ومحمد بن حرب وأبو حذافة وعبد الله بن نافع وأبو المصعب كل هؤلاء رواه عن مالك مسندا عن ابن شهاب عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه.

(9/151)


حدثنا محمد حدثنا علي بن عمر حدثنا أبو بكر النيسابوري حدثنا إسحاق بن الحسن الطحان بمصر حدثنا محمد بن المبارك الصوري قال: سمعت رجلا يقول لمالك بن أنس أحدثك ابن شهاب عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه. أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لي خمسة أسماء أنا محمد وأنا أحمد وأنا الماحي وأنا الحاشر وأنا العاقب؟ قال: نعم.
وأخبرنا علي بن إبراهيم حدثنا الحسن بن رشيق حدثنا العباس بن محمد بن العباس البصري حدثنا أحمد بن صالح قال: قرأت على ابن نافع قال: حدثني مالك بن أنس عن ابن شهاب عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن لي خمسة أسماء أنا محمد وأنا أحمد وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي وأنا العاقب والعاقب الذي ليس بعده أحد".
هكذا قال: في تفسير العاقب في نسق الحديث وذكره الدار قطني عن محمد بن عبد الله بن زكرياء والحسن بن خضر والحسن بن رشيق كلهم عن العباس بن محمد عن أحمد بن صالح مثله سواء.

(9/152)


وحدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا سعيد بن عثمان قال حدثنا محمد ابن يوسف قال حدثنا البخاري قال حدثنا إبراهيم بن المنذر قال حدثنا معن عن مالك عن ابن شهاب عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه قال: قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم لي خمسة أسماء أنا محمد وأحمد وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي وأنا العاقب.
وكذلك رواه أصحاب ابن شهاب عن ابن شهاب عن محمد بن جبير عن أبيه مسندا حدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال: "حدثنا" محمد بن إسماعيل الترمذي قال حدثنا الحميدي وحدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن يحيى بن عمر بن علي قال حدثنا علي بن حرب قالا جميعا حدثنا سفيان بن عيينة عن الزهري عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إني أنا محمد وأنا أحمد وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر وأنا الحاشر الذي أحشر الناس وأنا العاقب الذي ليس بعدي نبي" .

(9/153)


وكذلك رواه شعيب بن أبي حمزة عن الزهري لم يقل خمسة أسماء والأسماء هنا والصفات سواء فمحمد مفعل من الحمد وكذلك أحمد أفعل من الحمد قال بعض الشعراء:
وشق له من اسمه ليجعله ... فذو العرش محمود وهذا محمد
حدثني عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أبو إسماعيل محمد بن إسماعيل الترمذي قال حدثنا قتيبة بن سعيد أبو رجاء المعلالي قال حدثنا سفيان بن عيينة عن علي بن زيد بن جدعان قال: أحسن بيت قيل فيما قالوا قول عبدالمطلب أو قول أبي طالب الشك من أبي إسماعيل:
وشق له من اسمه ليجله ... فذو العرش محمود وهذا محمد
والقول في الاسم والمسمى ليس هذا موضعه وقد اختلف في ذلك أهل العلم وسائر فرق الإسلام وأكثروا من القول في ذلك بما لم أر في ذكره ههنا وجها ومعنى قوله يحشر الناس على قدمي أي قدامي وأمامي أي أنهم يجتمعون إليه وينضمون حوله ويكونون أمامه يوم

(9/154)


القيامة وروى الخليل بن أحمد حشرتهم السنة إذا ضمتهم من النواحي وهذا الحديث أيضا مطابق لكتاب الله في قوله عز وجل: {مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ} وقال: صلى الله عليه وسلم "أنا العاقب الذي ليس بعدي نبي" حدثني خلف بن أحمد قال حدثنا أحمد بن مطرف قال حدثنا أحمد بن خالد قال حدثنا يحيى بن عمر قال حدثنا يوسف بن عمر قال أخبرنا ابن وهب عن مالك قال: ختم الله به الأنبياء وختم بمسجده هذه المساجد يعني مالك بذلك مساجد الأنبياء.
وقال أبو عبيد سألت سفيان يعني ابن عيينة عن العاقب فقال لي آخر الأنبياء قال أبو عبيد وكذلك كل شيء خلف بعد شيء فهو عاقب وقد عقب يعقب عقبا ولهذا قيل لولد الرجل بعده عقبة وكذلك آخر كل شيء عقبه.

(9/155)


الحديث الثامن عشر
...
ابن شهاب عن علي بن حسين بن علي ثلاثة أحاديث
أحدها مسند والآخران مرسلان يستندان من وجوه من غير رواية مالك.
وهو علي بن حسين بن علي بن أبي طالب ويكنى أبا الحسن أمه غزالة أم ولد وهو علي الأصغر بن حسين بن علي بن أبي طالب وكان لحسين بن علي ابنان يسميان بعلي فعلي بن حسين الأكبر قتل بكربلاء مع أبيه وليس له عقب ويقال: أمه ليلى بنت أبي مرة بن عروة بن مسعود الثقفي وأما علي بن حسين هذا فكان أفضل بني هاشم كذلك قال ابن شهاب ما رأيت هاشميا أفضل منه وقال يحيى بن سعيد سمعت علي بن حسين وكان أفضل هاشمي أدركته وقيل بل كان أفضل أهل زمانه وقال أهل النسب أنه ليس لحسين بن علي عقب إلا من علي بن حسين هذا الأصغر وأما أخوه علي بن الأكبر المقتول مع أبيه بكربلاء فلا عقب له وشهد علي بن حسين هذا الأصغر مع أبيه كربلاء واختلف في سنه في ذلك الوقت فقال قوم كان ذلك الوقت لم ينبت وقال آخرون: كان ابن ثلاث وعشرين سنة وقال آخرون: كان ابن أربع وعشرين سنة وقال أبو جعفر الطبري ليس قول من قال: أنه كان صغيرا لم ينبت بشيء قال: وكيف يكون

(9/156)


ذلك وقد ولد له محمد بن علي بن حسين أبو جعفر وسمع محمد بن جابر وروى عنه علما كثيرا ومات جابر سنة ثمان وسبعين قال: وإنما لم يقاتل علي بن حسين هذا يومئذ مع أبيه لأنه كان مريضا على فراش لا أنه كان صغيرا.
قال أبو عمر:
روى أهل العلم بالأخبار والسير أنه كان يومئذ مريضا مضطجعا على فراش فلما قتل الحسين قال شمر بن ذي الجوشن اقتلوا هذا فقال له رجل من أصحابه سبحان الله أنقتل حدثا مريضا لم يقاتل وجاء عمر بن سعد فقال: لا تعرضوا لهؤلاء النسوة ولا لهذا المريض قال علي بن حسين فلما أدخلت على ابن زياد قال: ما اسمك قلت علي بن حسين قال: أو لم يقتل الله عليا قال: قلت كان لي أخ يقال له علي أكبر مني قتله الناس قال: بل الله قتله قلت: {اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا} فأمر بقتله فصاحت زينب ابنة علي يا ابن زياد حسبك من دمائنا أسألك بالله إن قتلته إلا قتلتني معه.
ويقال: إن قريشا رغبت في أمهات الأولاد واتخاذهن حين ولد علي بن الحسين والقاسم بن محمد وسالم بن عبد الله وكلهم لأم ولد.
واختلف في وقت وفاة علي بن حسين هذا فالأكثر يقولون إنه توفي سنة أربع وتسعين.

(9/157)


قال: ابن نمير مات علي بن الحسين وسعيد بن المسيب وعروة بن الزبير وأبو بكر بن عبد الرحمن سنة أربع وتسعين.
قال الواقدي وكان يقال: سنة الفقهاء وقيل سنة ثلاث وتسعين.
وقال أبو نعيم الفضل بن دكين توفي علي بن حسين سنة اثنتين وتسعين وقال علي بن محمد المدائني توفي علي بن حسين سنة مائة قال المدائني ويقال: سنة تسع وتسعين.
قال: أبو عمر
لا أعلم خلافا أنه توفي وهو ابن ثمان وخمسين سنة ذكر ذلك ابن عيينة عن جعفر بن محمد قال: مات علي بن حسين وهو ابن ثمان وخمسين سنة وهو القائل ما يسرني أن لي بنصيبي من الذل حمر النعم.
قال أبو عمر:
وكان ذا عقل وفهم "وعلم" ودين وله أخبار صالحة حسان تركتها خشية الإطالة منها ما روى جرير عن شيبة بن نعامة قال: كان علي بن حسين يبخل فلما مات وجدوه يعول مائة بيت بالمدينة في السر ومنها ما حدثناه عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا إبراهيم بن المنذر قال حدثنا حسين بن زيد قال حدثنا عمر بن علي أن علي بن حسين

(9/158)


كان يلبس كساء خز بخمسين دينارا يلبسه في الشتاء فإذا كان الصيف تصدق به أو باعه فتصدق بثمنه قال: وكان يلبس في الصيف ثوبين من متاع مصر ممشقين ويلبس ما دون ذلك من الثياب ويقول: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ} إلى آخر الآية.

(9/159)


الحديث التاسع عشر
...
حديث أول لابن شهاب عن علي بن حسين:
مالك عن ابن شهاب عن علي بن حسين بن علي عن عمر بن عثمان عن أسامة بن يزيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا يرث المسلم الكافر".
هكذا قال مالك عمر بن عثمان وسائر أصحاب ابن شهاب يقولون عمرو بن عثمان وقد رواه ابن بكير عن مالك على الشك فقال: فيه عن عمر بن عثمان أو عمرو بن عثمان والثابت عن مالك عمر بن عثمان كما روى يحيى وتابعه القعنبي وأكثر الرواة.
وقال ابن القاسم فيه عن عمرو بن عثمان وذكر ابن معين عن عبد الرحمن بن مهدي أنه قال له قال لي مالك ابن أنس تراني لا أعرف عمر من عمرو هذه دار عمر وهذه دار عمرو.
قال أبو عمر:
أما أهل النسب فلا يختلفون أن لعثمان بن عفان ابنا يسمى عمر وله أيضا ابن يسمى عمرا وله أيضا أبان والوليد وسعيد وكلهم بنو عثمان بن عفان.

(9/160)


وقد روى الحديث عن عمر وعمرو وأبان وكان سعيد قد ولي خراسان وهو الذي عنى مالك "ابن" الريب في قوله:
ألم ترني بعت الضلالة بالهدى ... وأصبحت في جيش ابن عفان غازيا
وكان الوليد بن عثمان أحد رجال قريش وكان أبان بن عثمان جليلا أيضا في قريش ولي المدينة مرة وروى عن أبيه فليس الاختلاف في أن لعثمان ابنا يسمى عمرا وإنما الاختلاف في هذا الحديث هل هو لعمر أو عمرو فأصحاب ابن شهاب غير مالك يقولون في هذا الحديث عن علي بن حسين عن عمرو بن عثمان عن أسامة بن زيد.
ومالك يقول فيه عن ابن شهاب عن علي بن حسين عن عمر بن عثمان عن أسامة وقد وافقه الشافعي ويحيى بن سعيد القطان على ذلك فقال: هو عمر وأبى أن يرجع وقال: قد كان لعثمان ابن يقال له عمر وهذه داره.
ومالك لا يكاد يقاس به غيره حفظا وإتقانا لكن الغلط لا يسلم منه أحد وأهل الحديث يأبون أن يكون في هذا الإسناد إلا عمرو

(9/161)


بالواو وقال علي بن المديني عن سفيان بن عيينة أنه قيل له إن مالكا يقول في حديث لا يرث المسلم الكافر عمر بن عثمان فقال سفيان لقد سمعته من الزهري كذا وكذا مرة وتفقدته منه فما قال إلا عمرو بن عثمان.
قال أبو عمر:
وممن تابع ابن عيينة على قوله عمرو بن عثمان معمر وابن جريج وعقيل ويونس بن يزيد وشعيب بن أبي حمزة والأوزاعي والجماعة أولى أن يسلم لها وكلهم يقولون في هذا الحديث ولا الكافر المسلم ولقد أحسن ابن وهب في هذا الحديث رواه عن يونس ومالك جميعا وقال قال مالك عمر وقال يونس عمرو.
حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا مصعب بن عبد الله قال حدثنا مالك عن ابن شهاب عن علي بن حسين عن عمر بن عثمان عن أسامة بن زيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "لا يرث المسلم الكافر" قال أحمد بن زهير خالف مالك الناس في هذا فقال عمر بن عثمان.
قال أبو عمر:
أما زيادة من زاد في هذا الحديث ولا الكافر المسلم فلا مدخل للقول في ذلك لأنه إجماع من المسلمين كافة عن كافة أن الكافر لا

(9/162)


يرث المسلم وهي الحجة القاطعة الرافعة للشبهة وأما اقتصار مالك على قوله: لا يرث المسلم الكافر فهذا موضع اختلف فيه السلف فكأن مالك رحمه الله قصد إلى النكتة التي للقول فيها مدخل فقطع ذلك بما رواه من صحيح الأثر فيه وذلك أن معاذ بن جبل ومعاوية وسعيد بن المسيب ويحيى بن بشر ومسروق بن الأجدع ومحمد بن الحنفية وأبا جعفر محمد بن علي وعبد الله بن نفيل وفرقة قالت بقولهم منهم إسحاق بن راهويه على اختلاف عنه في ذلك كل هؤلاء ذهبوا إلى أن المسلم يرث الكافر بقرابته وأن الكافر لا يرث المسلم وقالوا نرثهم ولا يرثوننا وننكح نساءهم ولا ينكحون نساءنا.
وقد روي عن عمر بن الخطاب مثل ذلك من حديث الثوري عن حماد عن إبراهيم أن عمر قال أهل الشرك نرثهم ولا يرثوننا وقد روي عن عمر بن الخطاب مثل قول الجمهور لا نرثهم ولا يرثوننا ذكر مالك في الموطأ عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب أن عمر بن الخطاب قال لا نرث أهل الملل ولا يرثونا وقوله في عمة

(9/163)


الأشعث بن قيس يرثها أهل دينها مشهور فيه أيضا رواه ابن جريج ومالك وابن عيينة وغيرهم عن يحيى بن سعيد عن سليمان بن يسار عن محمد بن الأشعث.
ورواه ابن جريج أيضا عن ميمون بن مهران عن العرس بن قيس عن عمر بن الخطاب في عمة الأشعث بن قيس يرثها أهل دينها.
والحجة فيما تنازع فيه المسلمون كتاب الله فإن لم يوجد فيه بيان ذلك فسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال "لا يرث المسلم الكافر" من نقل الأئمة الحفاظ الثقات فكل من خالف ذلك محجوج به والذي عليه سائر الصحابة والتابعين وفقهاء الأمصار مثل مالك والليث والثوري والأوزاعي وأبي حنيفة والشافعي وسائر من تكلم في الفقه من أهل الحديث أن المسلم لا يرث الكافر كما أن الكافر لا يرث المسلم اتباعا لهذا الحديث وأخذا به وبالله التوفيق إلا أن الفقهاء اختلفوا في معنى هذا الحديث من ميراث المرتد فذهب أبو حنيفة وأصحابه وهو قول الثوري في رواية أن المرتد يرثه ورثته من المسلمين ولا يرث المرتد أحدا.

(9/164)


وروى عبد الرزاق عن الثوري في المرتد قال إذا قتل فماله لورثته وإذا لحق بأرض الحرب فماله للمسلمين إلا أن يكون له وارث على دينه في أرض الحرب فهو أحق به وقال قتادة وجماعة ميراثه لأهل دينه الذي ارتد إليه وذكر عبد الرزاق قال أخبرنا ابن جريج قال الناس فريقان فريق منهم يقول ميراث المرتد للمسلمين لأنه ساعة يكفر توقف عنه فلا يقدر من منه على شيء حتى ينتظر أيسلم أم يكفر منهم النخعي والشعبي والحكم بن عتيبة وفريق يقول لأهل دينه.
قال أبو عمر:
ليس هذا موضع ذكر الحكم في مال المرتد وغرضنا القول في ميراثه فقط وحجة أبي حنيفة ومن قال بقوله في أنه يرثه ورثته المسلمون لأن قرابة المرتد من المسلمين قد جمعوا سببين القرابة والإسلام وسائر المسلمين انفردوا بالإسلام والأصل في المواريث أن من أدلى بسببين كان أولى بالميراث ومن حجتهم أيضا أن عليا رضي الله عنه قتل المستورد العجلي على الردة وورث ورثته ماله حديثه هذا عند أصحاب الأعمش الثقات عن الأعمش عن أبي عمرو

(9/165)


الشيباني قال أتى علي المستورد العجلي وقد ارتد فعرض عليه الإسلام فأبى فضرب عنقه وجعل ميراثه لورثته من المسلمين وعن ابن مسعود مثل قول علي وقد روي عن علي في غير المستورد مثل ذلك ورواه معمر عن الأعمش عن أبي عمرو الشيباني قال أتي علي بشيخ كان نصرانيا فأسلم ثم ارتد عن الإسلام فقال له: علي لعلك إنما ارتددت لأن تصيب ميراثا ثم ترجع إلى الإسلام قال لا قال لعلك خطبت امرأة فأبوا أن ينكحوكها فأردت أن تزوجها ثم تعود إلى الإسلام قال لا قال فارجع إلى الإسلام قال أما حتى ألقى المسيح فلا فأمر به علي فضربت عنقه ودفع ماله إلى ولده المسلمين.
وروى ابن عيينة عن موسى بن أبي كثير قال سئل سعيد بن المسيب عن المرتد فقال نرثهم ولا يرثونا وروى عبد الرزاق أخبرنا معمر عن إسحاق بن راشد أن عمر بن عبد العزيز كتب في رجل من المسلمين أسر فتنصر إذا علم ذلك برئت منه امرأته واعتدت منه ثلاثة قروء ودفع ماله إلى ورثته من المسلمين وروى هشام بن عبد الله عن ابن المبارك عن سفيان الثوري قال مال المرتد لورثته المسلمين.

(9/166)


وما أصاب في ارتداده فهو للمسلمين قال وإن ولد له ولد في ارتداده لم يرثه وقال يحيى بن آدم المرتدون لا يرثون أحدا من المسلمين والمشركين ولا يرث بعضهم بعضا ويرثهم أولادهم أو ورثتهم المسلمون وتأول من قال بهذا القول في قول النبي صلى الله عليه وسلم لا يرث المسلم الكافر أنه أراد الكافر الذي يقر على دينه ويكون دينه ملة يقر عليها ومما يوضح ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم لا يتوارث أهل ملتين "وأما المرتد فليس كذلك".
وقال مالك والشافعي المرتد لا يرث ولا يورث فإن قتل على ردته فماله في بيت مال المسلمين يجري مجرى الفيء وهو قول زيد بن ثابت وربيعة والحجة لمن ذهب هذا المذهب ظاهر القرآن في قطع ولاية الكفار من المؤمنين وعمموا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا يرث المسلم الكافر" فلم يخص كافرا مستقر الدين أو مرتدا وليس يصير ميراثه في بيت المال من جهة الميراث ولكن سلك به سبيل كل مال يرجع على المسلمين لا مستحق له وهو فيء لأنه كافر لا عهد له ولا حجة لهم في قول علي لأن زيد بن ثابت يخالفه وإذا وجد الخلاف وجب النظر وطلب الحجة والحجة قائمة لقوله صلى الله عليه وسلم لا يرث المسلم الكافر قولا عاما مطلقا والمرتد كافر لا محالة وقد يجوز أن يكون علي بن أبي طالب صرف مال ذلك المرتد إلى ورثته لما رأى

(9/167)


في ذلك من المصلحة لأن ما صرف إلى بيت المال من الأموال فسبيله أن يصرف في المصالح.
وقد روى معمر عمن سمع الحسن قال في المرتد ميراثه للمسلمين وقد كانوا يطيبونه لورثته وروى الثوري عن عمرو بن عبيد عن الحسن قال كان المسلمون يطيبون لورثة المرتد ميراثه وقد أخبرنا إبراهيم بن شاكر قال حدثنا عبد الله بن عثمان قال حدثنا طاهر بن عبد العزيز قال حدثنا عباد بن محمد بن عباد قال حدثنا يزيد بن أبي حكيم قال حدثنا سفيان الثوري عن أبي إسحاق عن الحارث عن علي قال لا يرث المسلم الكافر ولا يرث الكافر المسلم إلا أن يكون عبدا له فيرثه وروى الثوري عن مولى بن أبي كثير قال سألت سعيد بن المسيب عن المرتد كم تعتد امرأته قال ثلاثة قروء قلت إنه قتل قال فأربعة أشهر وعشرا قلت أيوصل ميراثه قال ما يوصل ميراثه قلت يرثه بنوه قال نرثهم ولا يرثونا.
وحدثنا عبد الوارث قال حدثنا قاسم حدثنا ابن أبي خيثمة حدثنا موسى حدثنا سليمان بن المثنى عن أبي الصباح قال سألت سعيد بن المسيب عن ميراث المرتد فقال نرثهم ولا يرثونا.

(9/168)


قال أبو عمر:
قول سعيد هذا يحتمل التأويل لأنه ممكن أن يكون أراد أن يثبت المال في أمره كالميراث وفي مال المرتد قول ثالث إن ما اكتسبه قبل الردة فلورثته وما اكتسبه بعد ردته فهو في بيت مال المسلمين وقد تقدم هذا القول عن الثوري وفيه قول رابع روى شعبة عن قتادة أنه كان يقول في المرتد ميراثه لأهل دينه الذي تولى وروى مطر الوراق عن قتادة نحوه والقول في أحكام المرتد وتصرفه في ماله وتوقيفه عنه وحكم امرأته وأمهات أولاده واستتابته وغير ذلك من أحكامه يطول ذكره وليس هذا موضعه وإنما ذكرنا من ذلك ههنا ما كان في معنى لفظ حديثنا على ما شرطنا وقد مضى حكم من ارتد في استتابته وقتله مجودا في باب زيد بن أسلم عند قوله صلى الله عليه وسلم من بدل دينه فاضربوا عنقه وفي معنى حديثنا هذا ميراث الكافر من الكافر وقد اختلف العلماء في توريث اليهودي من النصراني ومن المجوسي على قولين فقالت طائفة الكفر كله ملة واحدة وجائز أن يرث الكافر الكافر كان على شريعته أو لم يكن لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما منع من ميراث المسلم الكافر ولم

(9/169)


يمنع ميراث الكافر الكافر وتأول من قال هذا القول في قوله صلى الله عليه وسلم "لا يتوارث أهل ملتين شتى" قال الكفر كله ملة والإسلام ملة وممن قال هذا القول الثوري والشافعي وأبو حنيفة وأصحابهم وابن شبرمة وأكثر الكوفيين وهو قول إبراهيم وقال يحيى بن آدم الإسلام ملة واليهودي والنصراني والمجوسي والصابئ وعبدة النيران وعبدة الأوثان كل ذلك ملة واحدة يعني في قول أكثر أهل الكوفة واختلف فيه عن الثوري.
وقال آخرون: لا يجوز أن يرث اليهودي النصراني ولا النصراني اليهودي ولا المجوسي واحدا منهما لقوله صلى الله عليه وسلم "لا يتوارث أهل ملتين شتى" وممن قال هذا مالك وأصحابه وفقهاء البصريين وطائفة من أهل الحديث وهو قول ابن شهاب وربيعة والحسن وشريك ورواته عن الثوري.
قالوا: الكفر كله ملل مفترقة لا يرث أهل ملة أهل ملة أخرى وقال شريح وابن أبي ليلى الكفر ثلاث ملل فاليهود ملة والنصارى ملة وسائر ملل الكفر من المجوس وغيرهم ملة واحدة لأنهم لا كتاب لهم.

(9/170)


قال أبو عمر:
إن توفي النصراني الذمي وترك ابنين أحدهما حربي والآخر ذمي فإن الشافعي قال المال بينهما بنصفين وكذلك لو كان الميت حربيا وترك ابنين أحدهما حربي والآخر ذمي وقال أبو حنيفة وأصحابه وبعض أصحاب مالك إن كان ذميا ورثه الذمي دون الحربي وإن كان حربيا ورثه الحربي دون الذمي.
قال أبو عمر:
أما قوله صلى الله عليه وسلم "لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم" فصحيح عنه ثابت لا مدفع فيه عند أحد من أهل العلم بالنقل وهو حديث ابن شهاب هذا عن علي بن حسين عن عمرو بن عثمان عن أسامة بن زيد وكذلك رواه جماعة أصحاب ابن شهاب عنه ورواه هشيم بن بشير الواسطي عن ابن شهاب بإسناده فيه فقال فيه لا يتوارث أهل ملتين وهشيم ليس في ابن شهاب بحجة وحديثه حدثناه عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن إسماعيل الترمذي قال حدثنا الحسين بن سوار قال حدثنا هشيم بن بشير عن الزهري عن علي بن حسين عن عمرو بن عثمان عن أسامة بن زيد قال قال النبي عليه السلام "لا يتوارث أهل ملتين ولا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم" ورواه عمرو بن مرزوق عن مالك بلفظ هشيم ولا يصح ذلك عن مالك وحديث عمرو بن مرزوق حدثناه خلف بن قاسم حدثنا أبو الطاهر أحمد بن عبيد الله حدثنا أبو

(9/171)


عمرو محمد بن بكر بن زياد بن العلاء المهراني حدثنا عمرو بن مرزوق أخبرنا مالك عن الزهري عن علي بن حسين عن عمرو بن عثمان عن أسامة بن زيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "لا يتوارث أهل ملتين".
وهكذا قال عمرو بن عثمان ولا يصح ذلك لمالك وروي من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال "لا يتوارث أهل ملتين شتى" وليس دون عمرو بن شعيب في هذا الحديث من يحتج به وبالله التوفيق.

(9/172)


الحديث العشرون
...
حديث ثان لابن شهاب عن علي بن حسين مرسل
يتصل من وجوه صحاح
مالك عن ابن شهاب عن علي بن حسين بن علي بن أبي طالب قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكبر في الصلاة كلما خفض ورفع فلم تزل تلك صلاته حتى لقي الله.
ولا أعلم بين رواة الموطأ خلافا في إرسال هذا الحديث ورواه عبد الوهاب بن عطاء عن مالك عن ابن شهاب عن علي بن الحسين عن أبيه ورواه عبد الرحمن بن خالد بن نجيح عن أبيه عن مالك عن ابن شهاب عن علي بن الحسين عن علي بن أبي طالب ولا يصح فيه إلا ما في الموطأ مرسل وقد أخطأ فيه أيضا محمد بن مصعب القرقساني فرواه عن مالك عن الزهري عن سالم عن أبيه ولا يصح فيه هذا الإسناد والصواب عندهم ما في الموطأ.
أما معنى هذا الحديث فقد تقدم القول فيه في باب ابن شهاب عن أبي سلمة وأما الآثار التي رويت مسندة في معنى هذا الحديث فكثيرة ونحن نذكر منها ما يقف "به" الناظر في كتابنا هذا على المراد إن شاء الله.

(9/173)


وحدثني محمد بن إبراهيم قال حدثنا محمد بن معاوية قال حدثنا أحمد بن شعيب قال أخبرنا سويد بن نصر قال حدثنا عبد الله بن المبارك عن يونس عن الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أن أبا هريرة حين استخلفه مروان على المدينة كان إذا قام إلى الصلاة المكتوبة كبر ثم يكبر ثم يرفع فإذا رفع رأسه من الركوع قال سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد ثم يكبر حين يهوي ساجدا ثم يكبر حين يقوم من الاثنتين بعد التشهد ثم يفعل مثل ذلك حتى يقضي صلاته فإذا قضى صلاته وسلم أقبل على أهل المسجد فقال والذي نفسي بيده إني لأشبهكم صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم وروى هذا الحديث الليث عن عقيل عن ابن شهاب عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحرث بن هشام عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ذكره البخاري عن ابن بكير عن الليث وأخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا عمرو بن عثمان قال حدثني أبي وبقية عن شعيب عن الزهري قال أخبرني أبو بكر بن عبد الرحمن وأبو سلمة أن أبا هريرة كان يكبر في كل صلاة من المكتوبة وغيرها فيكبر حين يقوم ثم يكبر حين يركع ثم يقول سمع الله لمن حمده ثم يقول ربنا ولك الحمد

(9/174)


قبل أن يسجد ثم يقول الله أكبر حين يهوي ساجدا ثم يكبر حين يرفع رأسه ثم يكبر حين يسجد ثم يكبر حين يرفع رأسه ثم يكبر حين يقوم من الجلوس في اثنتين فيفعل ذلك في كل ركعة حتى يفرغ من الصلاة ثم يقول حين ينصرف والذي نفسي بيده إني لأقربكم شبها بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم إن كانت هذه لصلاته حتى فارق الدنيا.
قال أبو داود هذا الكلام الأخير يجعله مالك والزبيدي وغيرهما عن الزهري عن علي بن حسين ووافق عبد الأعلى عن معمر شعيب بن أبي حمزة عن الزهري.
أخبرنا محمد بن إبراهيم وأحمد بن قاسم قالا حدثنا محمد بن معاوية حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي حدثنا داود بن عمرو الضبي حدثنا سلام بن سليم أخبرنا أبو إسحاق عن يزيد بن أبي مريم عن أبي موسى الأشعري قال صلى بنا علي يوم الجمل صلاة أذكرنا بها صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يكبر في كل خفض ورفع وقيام وقعود قال أبو موسى فإما نسيناها وإما تركناها عمدا خالف سلام بن سليم في هذا الحديث إسرائيل.
حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم ابن أصبغ قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا أبو نعيم قال حدثنا إسرائيل عن

(9/175)


أبي إسحاق عن يزيد عن أبي موسى الأشعري قال لقد ذكرنا علي صلاة كنا نصليها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إما نسيناها وإما تركناها عمدا فكان يكبر كلما رفع وكلما وضع وكلما سجد وحدثنا عبد الله ابن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا سليمان بن حرب وحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا بكر بن حماد قال مسدد قالا جميعا حدثنا حماد بن زيد عن غيلان بن جرير عن مطرف قال صليت أنا وعمران بن حصين خلف علي بن أبي طالب فكان إذا سجد كبر وإذا رفع رأسه كبر وإذا رفع من الركعتين كبر فلما قضى الصلاة وانصرفنا أخذ عمران بيدي فقال لقد ذكرني هذا صلاة محمد صلى الله عليه وسلم ولقد صلى بنا هذا مثل صلاة محمد صلى الله عليه وسلم.
وحدثني سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن وضاح قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا محمد بن كثير قال حدثنا شعبة عن قتادة عن شهر بن حوشب عن عبد الرحمن بن غنم عن أبي مالك الأشعري أنه جمع قومه فقال اجتمعوا حتى أصلي لكم صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فاجتمعوا فصلى لهم صلاة الظهر فكبر بهم اثنتين وعشرين تكبيرة سوى تكبيرة الافتتاح.

(9/176)


يكبر إذا سجد وإذا رفع رأسه وقرأ في الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب أو قال أم القرآن وأسمع من يليه.
أخبرنا عبد الله بن محمد قال حدثنا سعيد بن السكن قال حدثنا محمد بن يوسف قال حدثنا البخاري قال حدثنا عمرو بن ميمون قال حدثنا هشيم عن أبي بشر عن عكرمة قال صليت خلف شيخ بمكة اثنتين وعشرين تكبيرة فقلت لابن عباس إنه أحمق فقال ثكلتك أمك سنة أبي القاسم صلى الله عليه وسلم.
قال البخاري: وحدثنا آدم قال حدثنا ابن أبي ذئب عن سعيد المقبري عن أبي هريرة قال كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قال "سمع الله لمن حمده" قال "اللهم ربنا ولك الحمد" وكان النبي عليه السلام إذا ركع وإذا رفع رأسه يكبر وإذا قام من السجدتين قال الله أكبر وحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أحمد بن محمد البرتي قال حدثنا أبو معمر قال حدثنا عبد الوارث قال حدثنا ليث عن عبد الرحمن يعني الأصم عن أنس بن

(9/177)


مالك قال صليت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان فكلهم يكبر إذا رفع رأسه وإذا خفضه.
قال أبو عمر:
إنما ذكرنا هذا الخبر لأنه معارض لما روي عن عمر بن الخطاب أنه كان لا يتم التكبير وقد كان عمر بن عبد العزيز والقاسم بن محمد وسالم بن عبد الله وسعيد بن جبير لا يتمون التكبير حدثنا خلف بن القاسم قال حدثنا أبو الميمون البجلي بدمشق قال حدثنا أبو زرعة قال حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم قال حدثنا الوليد بن مسلم قال حدثنا سعيد بن عبد العزيز عن الزهري قال قلت لعمر بن عبد العزيز ما يمنعك أن تتم التكبير وهذا عاملك عبد الحميد بن عبد الرحمن يتمه قال تلك الصلاة الأولى وأبى أن يقبل مني ومن حديث شعبة عن الحسن بن عمران الهاشمي عن سعيد بن عبد الرحمن ابن أبزى عن أبيه قال صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم فكان لا يتم التكبير ذكره ابن أبي شيبة عن أبي داود الطيالسي عن شعبة ورواه محمود ابن غيلان عن أبي داود عن شعبة عن الحسن بن عمران قال سمعت سعيد ابن عبد الرحمن بن أبزى يحدث عن أبيه أنه صلى خلف النبي صلى الله عليه وسلم فكان لا يكبر إذا خفض يعني بين السجدتين ورواه أبو عاصم وعمرو بن مرزوق عن شعبة عن

(9/178)


الحسن بن عمران عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه أنه صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم فلم يكن يتم التكبير هذا لفظ أبي عاصم واتفقا على عبد الله بن عبد الرحمن وأما ابن أبي شيبة ومحمود بن غيلان فقالا فيه سعيد بن عبد الرحمن وعبد الله وسعيد أخوان وكلاهما يروي عن أبيه عبد الرحمن بن أبزى وروى هذا الخبر بندار عن أبي داود الطيالسي عن شعبة عن الحسن بن عمران عن ابن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه قال صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم فلم يتم التكبير وصليت مع عمر بن عبد العزيز فلم يتم التكبير وذكر ابن أبي شيبة قال حدثنا جرير عن منصور عن إبراهيم قال أول من نقص التكبير زياد.
أخبرنا أحمد بن محمد بن أحمد حدثنا أبو علي الحسن بن سلمة بن المعلى حدثنا أبو محمد بن الجارود حدثنا إسحاق بن منصور قال سمعت أحمد بن حنبل يقول يروى عن ابن عمر أنه كان لا يكبر إذا صلى وحده قال وكان قتادة يكبر إذا صلى وحده قال أحمد وأحب إلي أن يكبر من صلى وحده في الفرض فأما التطوع فلا

(9/179)


قال إسحاق بن منصور قلت لأحمد ما الذي نقصوا من التكبير قال إذا انحط إلى السجود من الركوع وإذا أراد أن يسجد السجدة الثانية من كل ركعة قال إسحاق بن منصور وقال لي إسحاق بن راهويه نقصان التكبير هو إذا انحط إلى السجود فقط وقد ذكرنا نقصان التكبير ومضى القول في ذلك في باب ابن شهاب عن أبي سلمة بما فيه شفاء إن شاء الله وقرأت على سعيد بن نصر أن قاسم بن أصبغ حدثهم قال حدثنا جعفر بن محمد بن شاكر قال حدثنا محمد بن سابق قال حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن عبد الرحمن الأسود عن أبيه وعلقمة عن عبد الله بن مسعود قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكبر في كل ركوع وسجود ورفع ووضع وأبو بكر وعمر ويسلمون على أيمانهم وعن شمائلهم السلام عليكم ورحمة الله وروى أشهب عن مالك أنه سمعه يحدث عن ابن شهاب عن سالم عن أبيه أنه كان يكبر كلما خفض ورفع يخفض بذلك صوته انفرد به أشهب بهذا الإسناد موقوفا وذكره الدار قطني عن أبي بكر النيسابوري عن يونس عن ابن شهاب وقد روي عن ابن عمر مسندا ما يرد قول من قال عنه أنه كان لا يتم التكبير لأنه محال أن يكون عنده في ذلك عن النبي عليه السلام شيء ويخالفه ولو كان مباحا ولا سيما ابن عمر.
حدثنا أحمد بن قاسم بن عبد الرحمن قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا الحرث بن أبي أسامة قال حدثنا روح بن عبادة قال حدثنا ابن جريج قال أخبرني عمرو بن يحيى عن محمد بن

(9/180)


يحيى بن حبان عن عمه واسع أنه سأل عبد الله بن عمر عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال الله أكبر كلما وضع وكلما رفع ثم يقول "السلام عليكم ورحمة الله" عن يمينه والسلام عليكم ورحمة الله عن يساره.
قال أبو عمر:
وللقول في أحاديث التسليمتين والتسليمة الواحدة موضع غيرهذا والتكبير كله في الصلاة سنة مسنونة لا ينبغي تركها وكذلك قال أبو بكر الأبهري في ذلك قال والسنن في الصلاة خمس عشرة سنة أولها الإقامة ورفع اليدين والسورة مع أم القرآن والتكبير كله سوى تكبيرة الإحرام وذكر سائرها كما قد ذكرنا عنه في باب ابن شهاب عن أبي سلمة فإن ترك التكبير كله أو بعضه تارك وكبر تكبيرة الإحرام فإن أهل العلم مختلفون في ذلك فالذي عليه جمهور العلماء وجماعة الفقهاء أنه لا شيء عليه إذا كبر تكبيرة الإحرام إلا أنه عندهم مسيء لا يحمد له فعله ولا ينبغي أن يفعل ذلك ولا يتعمده فإن فعله ساهيا سجد لسهوه عند غير الشافعي فإنه لا يرى السجود إلا في السهو عن عمل البدن لا عن الذكر فإن لم يفعل لم تبطل صلاته وحجتهم في ذلك ما ذكرناه من الآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن جماعة من الصحابة في تركهم التكبير المذكور دون أن يعيب

(9/181)


بعضهم على بعض ذلك وهذه المسائل تعد من المسائل التي ترك فيها مالك العمل للحديث وأما وجوب تكبيرة الإحرام دون غيرها من التكبير فلقوله صلى الله عليه وسلم تحريمها التكبير وأثبت شيء في ذلك عندي أيضا ما حدثنا محمد بن خليفة قال حدثنا محمد بن الحسين قال حدثنا جعفر بن محمد الفريابي قال حدثنا قتيبة بن سعيد قال حدثنا بكر بن مضر عن ابن عجلان عن علي بن يحيى الزرقي عن أبيه عن عمه وكان بدريا قال كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ دخل رجل فقام ناحية المسجد فصلى رسول الله يرمقه ولا يشعر ثم انصرف فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فرد عليه السلام ثم قال "ارجع فصل فإنك لم تصل" قال لا أدري في الثانية أو في الثالثة قال والذي أنزل عليك الكتاب لقد جهدت وحرصت فعلمني وأرني فقال "إذا أردت أن تصلي فتوضأ فأحسن الوضوء ثم استقبل القبلة ثم كبر ثم اقرأ ثم اركع حتى تطمئن راكعا ثم ارفع حتى تعتدل قائما ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا ثم ارفع حتى تعتدل قاعدا ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا فإذا صنعت ذلك فقد قضيت صلاتك وما انتقصت من ذلك فإنما انتقصته من صلاتك".

(9/182)


وحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا بكر بن حماد قال حدثنا مسدد قال حدثا يحيى عن ابن عجلان قال حدثني علي بن يحيى بن خلاد عن أبيه عن عمه وكان بدريا قال "كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد فدخل رجل فصلى في ناحية المسجد وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يرمقه فصلى ثم جاء فسلم فرد عليه السلام وقال ارجع فصل فإنك لم تصل فعل ذلك ثلاث مرات فقال في الثانية أو في الثالثة والذي بعثك بالحق لقد اجتهدت في نفسي فعلمني وأرني فقال إذا أردت أن تصلي فتوضأ فأحسن وضوءك ثم استقبل القبلة ثم كبر ثم اقرأ ثم اركع حتى تطمئن راكعا" ثم ارفع حتى تطمئن قائما ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا ثم قم وذكر الحديث وأخبرنا محمد بن إبراهيم قال حدثنا محمد بن معاوية قال حدثنا أحمد بن شعيب قال حدثنا محمد بن المثنى قال حدثنا يحيى قال حدثنا عبيد الله بن عمر قال حدثني سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل المسجد فدخل رجل فصلى فذكر مثله بمعناه.
وهذا الحديث ذكر فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم فرائض الصلاة دون سننها وليس فيها ذكر تكبير غير تكبيرة الإحرام ففي ذلك

(9/183)


أوضح الدلائل على وجوب تكبيرة الإحرام وسقوط ما سواها من التكبير من جهة الفرض وهي تشهد لصحة رواية من روى تحريمها التكبير وهو حديث روي من وجوه من حديث علي بن أبي طالب وأبي سعيد الخدري وأحسنها حديث علي رضي الله عنه وسنذكره فيما بعد من هذا الباب إن شاء الله وكان ابن القاسم يقول من أسقط من التكبير في الصلاة ثلاث تكبيرات فما فوقها سجد للسهو قبل السلام فإن لم يسجد بطلت صلاته وهذا يدل على أن عظم التكبير عنده وجملته فرض وأن اليسير منه متجاوز عنه نحو التكبيرة والتكبيرتين وقال أصبغ بن الفرج وعبد الله بن الحكم من رأيه ليس على من لم يكبر "في الصلاة" من أولها إلى آخرها شيء إذا كبر تكبيرة الإحرام ولو فعل ذلك أحد ساهيا استحب له سجود السهو فإذا لم يسجد فلا شيء عليه قالا ولا ينبغي لأحد أن يترك التكبير عامدا لأنه سنة من سنن الصلاة فإن فعل فقد أساء وصلاته ماضية وعلى هذا القول جماعة فقهاء الأمصار من الشافعيين والكوفيين وأهل الحديث واختلف الفقهاء في تكبيرة الإحرام.

(9/184)


فذهب مالك في أكثر الروايات عنه والشافعي وأبو حنيفة وأصحابهم إلى أن تكبيرة الإحرام فرض واجب من فروض الصلاة وحجتهم عندي الحديث الذي ذكرنا من حديث أبي هريرة ورفاعة بن رافع جميعا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال للرجل إذا أردت الصلاة فأسبغ الوضوء ثم استقبل القبلة ثم كبر ثم اقرأ ثم اركع وذكر الحديث فعلمه ما كان واجبا وسكت له عن رفع اليدين وعن سائر الذكر المسنون والمستحب فبان بذلك أن تكبيرة الإحرام واجب فعلها في الصلاة مع قوله صلى الله عليه وسلم تحريم الصلاة التكبير وتحليلها التسليم.
وأخبرنا عبد الله بن محمد حدثنا محمد بن بكر حدثنا أبو داود حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا وكيع عن سفيان عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن محمد بن الحنفية عن علي بن أبي طالب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "مفتاح الصلاة الطهور وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم".

(9/185)


أخبرنا عبد الوارث قال حدثنا قاسم قال حدثنا ابن وضاح قال حدثنا "هشام" بن عمار قال سمعت وكيعا يقول إذا رأيت الرجل لا يقيم تكبيرة الإحرام فأي شيء ترجو منه وقال عبد الرحمن بن مهدي ولو افتتح الرجل صلاته بسبعين اسما من أسماء الله عز وجل ولم يكبر تكبيرة الإحرام لم يجزه وإن أحدث قبل أن يسلم لم يجزه وهذا تصحيح من عبد الرحمن بن مهدي لحديث تحريمها التكبير وتحليلها التسليم وتدين منه به وهو إمام في علم الحديث وقال الزهري والأوزاعي وطائفة أيضا تكبيرة الإحرام ليست بواجبة وقد روي عن مالك في المأموم ما يدل على هذا القول ولم يختلف قوله في الإمام والمنفرد أن تكبيرة الإحرام واجبة عليه وأن الإمام إذا لم يكبرها بطلت صلاته وصلاة من خلفه فرضا وهذا يقضي على قوله في المأموم فافهم والصحيح عندي قول من أوجب تكبيرة الإحرام بما ذكرنا وبالله توفيقنا.

(9/186)


واختلف الفقهاء في حال تكبيرة الإمام والمأموم في الإحرام فذكر ابن خواز بنداد قال قال مالك إذا كبر الإمام كبر المأموم بعده ويكره له أن يكبر في حال تكبيره وإن كبر في حال تكبيره أجزاه وإن كبر قبله لم يجزه قال وقال أبو حنيفة وزفر ومحمد والثوري وعبيد الله بن الحسين يكبر مع تكبير الإمام قال محمد بن الحسن فإن فرغ المأموم من التكبير قبل الإمام لم يجزه وقال الثوري يجزيه وقال أبو يوسف والشافعي في أشهر قوليه لا يكبر المأموم حتى يفرغ الإمام من التكبير وقال أصحاب الشافعي إن كبر قبل الإمام أجزاه وعندهم أنه لو افتتح الصلاة لنفسه ثم أراد أن يدخل في صلاة الإمام كان ذلك له على أحد قولي الشافعي وقالت طائفة من أصحاب داود وغيرهم إن تقدم جزء من تكبير المأموم في الإحرام تكبيرة الإمام لم يجزه وإنما يجزئه أن يكون تكبيره في الإحرام بعد إمامه وإلى هذا ذهب الطحاوي واحتج بأن المأموم إنما أمر أن يدخل في صلاة الإمام بالتكبيرة والإمام إنما يصير داخلا فيها بعد الفراغ من التكبير فكيف يصح دخول المأموم في صلاة لم يدخل فيها إمامه بعد واحتج أيضا لمن

(9/187)


أجاز من أصحابه تكبيرهما معا بقوله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي موسى وغيره إذا كبر الإمام فكبروا قال وهذا يدل على أنهم يكبرون معا لقوله فإذا ركع فاركعوا وهم يركعون معا والقول الأول عنده أصح وهو قول أبي يوسف وأحد قولي الشافعي واختلفوا في الوقت الذي يكبر فيه الإمام للإحرام فقال مالك والشافعي وأبو يوسف ومحمد بن الحسن لا يكبر حتى يفرغ المؤذن من الإقامة وبعد أن تعتدل الصفوف ويقوم الناس مقاماتهم.
والحجة لهم حديث أنس أقبل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يكبر في الصلاة فقال أقيموا صفوفكم وتراصوا فإني أراكم من وراء ظهري.
وعن عمر وعثمان مثل هذا في تأخير التكبير للإحرام حتى تفرغ الإقامة وتستوي الصفوف.
وقال أبو حنيفة والثوري وزفر: لا يكبر الإمام قبل فراغ المؤذن من الإقامة ويستحسنون أن يكون تكبير الإمام في الإحرام إذا قال المؤذن قد قامت الصلاة وحجتهم حديث الثوري عن عاصم الأحول،

(9/188)


عن أبي عثمان النهدي عن بلال قال قلت يا رسول الله لا تسبقني بآمين.
أخبرنا عبد الله بن محمد حدثنا محمد بن بكر حدثنا أبو داود حدثنا إسحاق بن إبراهيم حدثنا وكيع عن سفيان عن عاصم عن أبي عثمان عن بلال أنه قال يا رسول الله لا تسبقني بآمين قالوا وهذا يدل على أنه كان يكبر قبل فراغ من الإقامة.
واختلفوا في حين قيام المأموم إلى الصلاة فكان مالك لا يحد في ذلك حدا وقال لم أسمع فيه بحد وأرى أن ذلك على قدر طاقة الناس لاختلافهم في أحوالهم فمنهم الخفيف والثقيل وقال أبو حنيفة وأصحابه إذا لم يكن الإمام معهم في المسجد وأنهم لا يقومون حتى يروا الإمام وهو قول الشافعي وداود وحجتهم حديث أبي قتادة الأنصاري عن النبي عليه السلام أنه قال إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني.
وهو حديث ثابت صحيح رواه يحيى بن كثير عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم رواه عن يحيى جماعة منهم أيوب السختياني والحجاج الصواف ومعمر بن راشد.

(9/189)


وشيبان ذكره البخاري عن أبي نعيم عن شيبان ورواه ابن عيينة عن معمر وحدث به مسدد وغيره عن حماد بن زيد عن أيوب والحجاج جميعا عن يحيى بن أبي كثير وقال أبو حنيفة وأصحابه إذا كان الإمام معهم في المسجد فإنهم يقومون في الصف إذا قال المؤذن حي على الفلاح.
وقال الشافعي وأصحابه وداود: البدار في القيام إلى الصلاة أولى في أول أخذ المؤذن في الإقامة لأنه بدار إلى فعل بر وليس في ذلك شيء محدود عندهم.
وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: سألت أبي عن الإمام أيكبر إذا قال المؤذن قد قامت الصلاة أو حيث يفرغ من الإقامة فقال حديث أبي قتادة عن النبي صلى الله عليه وسلم "إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني".
وقد روي عن عمر أنه كان يبعث إلى الصفوف فإذا استوت كبر وحديث لا تسبقني بآمين وأرجو أن لا يضيق ذلك إن شاء الله.
وقال أبو بكر الأثرم: قلت لأحمد بن حنبل حديث أبي قتادة عن النبي عليه السلام "إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني" فقال أنا أذهب إلى حديث أبي هريرة رواه الزهري عن أبي سلمة عن أبي

(9/190)


هريرة خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أقيمت الصفوف فأقبل يمشي حتى أتى مقامه فذكر أنه لم يغتسل ولا أدفع حديث أبي قتادة وقال حديث أبي هريرة إسناده جيد.
قال أبو عمر:
قد تقدم حديث أبي هريرة في باب إسماعيل بن أبي حكيم في الجنب يصلي بالقوم وهو ناس كما ذكر محمد الزبيدي ويونس ومعمر والأوزاعي عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة وقد ذكرنا الاختلاف فيه عن الزهري في باب إسماعيل بن أبي حكم وذكر الأثرم قال حدثنا الحسن بن عرفة قال حدثنا إسماعيل بن عياش عن عمرو بن مهاجر قال رأيت عمر ابن عبد العزيز ومحمد بن كعب القرظي وسالم بن عبد الله وأبا قلابة وعراك بن مالك الغفاري ومحمد بن مسلم الزهري وسليمان بن حبيب يقومون إلى الصلاة في أول بدء من الإقامة.

(9/191)


حدثنا أحمد بن قاسم قراءة مني عليه قال حدثنا محمد بن معاوية قال حدثنا أحمد بن الحسن بن عبد الجبار الصوفي قال حدثنا الهيثم بن خارجة قال حدثنا إسماعيل بن عياش عن عمرو بن مهاجر قال سمعت عمر بن عبد العزيز يقول إذا سمعت النداء بالإقامة فكن أول من أجاب قال ورأيت عمر بن عبد العزيز وسالم بن عبد الله وأبا قلابة وعراك بن مالك الغفاري ومحمد بن كعب القرظي والزهري يقومون إلى الصلاة في أول بدء من الإقامة قال وكان عمر بن عبد العزيز إذا قال المؤذن قد قامت الصلاة عدل الصفوف بيده عن يمينه ويساره فإذا فرغ المؤذن كبر.
أخبرنا عبد الله حدثنا عبد الحميد حدثنا الخضر حدثنا أبو بكر الأثرم حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا سفيان بن عيينة عن ابن عجلان عن أبي عبيد قال سمعت عمر بن عبد العزيز بخناصرة يقول حين يقول المؤذن قد قامت الصلاة قوموا قد قامت الصلاة قال وحدثنا عثمان بن أبي شيبة قال حدثنا ابن المبارك عن عبد

(9/192)


الرحمن بن يزيد بن جابر يقول سمعت الزهري يقول ما كان المؤذن يقول قد قامت الصلاة حتى تعتدل الصفوف قال وحدثنا عثمان بن أبي شيبة قال حدثنا ابن المبارك عن أبي يعلى قال رأيت أنس بن مالك إذا قيل قد قامت الصلاة قام فوثب قال وحدثنا أبو بكر بن أبي الأسود قال حدثنا معتمر بن سليمان عن هشام عن الحسن وابن سيرين أنهما كانا يكرهان أن يقوما حتى يقول المؤذن قد قامت الصلاة قال وحدثنا عفان قال حدثنا المبارك بن فضالة قال سمعت فرقد السبخي قال للحسن وأنا عنده أرأيت إذا أخذ المؤذن في الإقامة أأقوم أم حتى يقول قد قامت الصلاة فقال الحسن أي ذلك شئت.
حدثنا أحمد بن سعيد بن بشر قال حدثنا ابن أبي دليم قال حدثنا ابن وضاح قال حدثنا عبد الله بن ذكوان قال حدثنا الوليد بن مسلم قال حدثنا كلثوم بن زياد المحاربي عن الزهري عن ابن المسيب قال إذا قال المؤذن الله أكبر وجب القيام وإذا قال حي على الصلاة اعتدلت الصفوف وإذا قال لا إله إلا الله كبر الإمام.
واختلف الفقهاء في التكبير فيما عدا الإحرام هل يكون مع العمل أو بعده فذهب مالك وأصحابه إلى أن التكبير يكون في حال الرفع

(9/193)


والخفض حين ينحط إلى الركوع وإلى السجود وحين يرفع منهما إلا في القيام من اثنتين من الجلسة الأولى فإن الإمام وغيره لا يكبر حتى يستقيم قائما فإذا اعتدل فإنما كبر ولا يكبر إلا واقفا كما لا يكبر في الإحرام إلا واقفا ما لم تكن ضرورة وقد روي نحو ذلك عن عمر بن عبد العزيز وقال أبو حنيفة والثوري وجمهور العلماء التكبير في القيام من اثنتين وغيرهما سواء يكبر في حال الخفض والرفع والقيام والقعود على ظاهر حديث ابن مسعود وغيره في ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يكبر كلما خفض ورفع وفي كل خفض ورفع وقيام وقعود.
حدثنا عبد الوارث قال حدثنا قاسم حدثنا ابن وضاح قال حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم دحيم قال أخبرنا الوليد قال سألت الأوزاعي عن تكبيرة السجدة التي بعد سمع الله لمن حمده فقال كان مكحول يكبرها وهو قائم ثم يهوي إلى السجود وكان القاسم بن محمد يكبرها وهو يهوي إلى السجود فقيل للقاسم أن مكحولا يكبرها وهو قائم قال وما يدري مكحول ما هذا!

(9/194)


الحديث الحادي والعشرون
...
حديث ثالث لابن شهاب عن علي بن الحسين مرسل
مالك عن ابن شهاب عن علي بن حسين عن علي بن أبي طالب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه".
هكذا رواه جماعة رواة الموطأ عن مالك فيما علمت إلا خالد بن عبد الرحمن الخراساني فإنه رواه عن مالك عن ابن شهاب عن علي بن الحسين عن أبيه وكان يحيى بن سفيان يثني على خالد بن عبد الرحمن الخراساني خيرا وقد تابعه موسى بن داود الضبي قاضي طرسوس فقال فيه أيضا عن أبيه وهما جميعا لا بأس بهما إلا أنهما ليس بالحجة على جماعة رواة الموطأ الذين لم يقولوا فيه عن أبيه.
فأما رواية خالد بن عبد الرحمن فحدثنا أحمد بن عبد الله بن محمد بن علي قال حدثني أبي قال حدثنا محمد بن قاسم وحدثنا خلف بن قاسم قال حدثنا الحسن بن رشيق قالا حدثنا إسحاق بن

(9/195)


إبراهيم بن يونس قال حدثنا بحر بن نصر قال حدثنا خالد بن عبد الرحمن الخراساني قال حدثنا مالك عن الزهري عن علي بن حسين عن أبيه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه".
وحدثنا خلف بن القاسم حدثنا محمد بن عبد الله بن أحمد القاضي حدثنا أحمد بن عمرو بن جابر وأبو جمعة قالا حدثنا محمد بن إبراهيم بن كثير أخبرنا محمد حدثنا علي بن عمر حدثنا أبو "هريرة" محمد بن علي بن حمزة الأنطاكي حدثنا محمد بن إبراهيم بن كثير قال حدثنا خالد بن عبد الرحمن الخراساني حدثنا مالك عن الزهري عن علي بن حسين عن أبيه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه".
أخبرنا محمد حدثنا علي بن عمر حدثنا أبو بكر عبد الله بن محمد بن زياد النيسابوري حدثنا بحر بن نصر بن سابق وسعد بن عبد الله بن عبد الحكم بن أعين مولى عثمان بن عفان قال حدثنا خالد بن عبد الرحمن الخراساني قال حدثنا مالك بن أنس زاد سعد وعبد الله بن عمر العمري عن الزهري عن علي بن حسين عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه".

(9/196)


وأما رواية موسى بن داود فأخبرنا محمد حدثنا علي بن عمر قال حدثنا محمد بن مخلد بن حفص حدثنا إبراهيم بن محمد بن مروان بن كنانة قال حدثنا موسى بن داود قال حدثنا مالك بن أنس وعبد الله بن عمر العمري عن ابن شهاب عن علي بن حسين عن أبيه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه".
قال أبو عمر:
إنما أوتي فيه خالد بن عبد الرحمن وموسى بن داود والله أعلم لأنهما حملا حديث مالك في ذلك على حديث العمري عن الزهري فيه ورواه زياد بن سعد عن الزهري واختلف في حديثه علي بن المقري حدثني عبد الرحمن بن يحيى قال أحمد بن سعيد قال حدثنا عبد الجبار بن أحمد السمرقندي قال حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقري قال حدثنا سفيان بن عيينة عن زياد بن سعد عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه".
حدثني محمد بن خليفة حدثنا محمد بن الحسن حدثنا أبو سعيد المفضل بن محمد الجندي قال حدثنا ابن المقري قال حدثنا ابن عيينة عن زياد بن سعد عن الزهري عن علي بن حسين قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه".

(9/197)


وكذلك رواه ابن المبارك عن ابن عيينة عن زياد بن سعد عن الزهري عن علي بن حسين مرسلا.
وأما عبد الجبار فقد أخطأ فيه وأعضل ولا مدخل لسعيد بن المسيب في هذا الحديث ولا يصح فيه عن الزهري إلا إسنادان أحدهما ما رواه مالك ومن تابعه وهم أكثر أصحاب الزهري عن علي بن حسين مرسلا والآخر ما رواه الأوزاعي عن قرة بن حيوئيل عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة مسندا والمرسل عن علي بن حسين أشهر وأكثر وما عدا هذين الإسنادين فخطأ لا يعرج عليه.
وأما حديث قرة بن حيوئيل فحدثنا خلف بن قاسم قال حدثنا سعيد بن عثمان بن السكن قال حدثنا أحمد بن الحسين أبو الجهم الدمشقي قال حدثنا أحمد بن أبي الجواري قال حدثنا أبو مسهر قال حدثنا إسماعيل بن عبد الله بن سماعة قال حدثنا الأوزاعي عن قرة بن حيوئيل عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه".
وحدثنا محمد بن خليفة قال حدثنا محمد بن الحسين قال حدثنا جعفر بن محمد الفريابي وحدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد قال حدثنا علي بن محمد بن لؤلؤ البغدادي قال حدثنا الأوزاعي عن قرة بن حيوئيل عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه".
حدثنا أحمد بن محمد بن أحمد قال حدثنا أحمد بن الفضل قال حدثنا النحاس قال حدثنا الحسن بن علي الرافقي قال حدثنا

(9/198)


العباس بن الوليد بن يزيد قال حدثني أبي قال حدثني الأوزاعي قال حدثني قرة بن عبد الرحمن بن حيوئيل قال حدثني الزهري قال حدثني أبو سلمة قال حدثني أبو هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه".
قال أبو عمر:
كلامه هذا صلى الله عليه وسلم من الكلام الجامع للمعاني الكثيرة الجليلة في الألفاظ القليلة وهو مما لم يقله أحد قبله والله أعلم إلا أنه قد روي عنه عليه السلام أنه قال في صحف إبراهيم من عد كلامه من عمله قل كلامه إلا فيما يعنيه حدثنا محمد بن خليفة قال حدثنا محمد بن الحسين الفريابي حدثني إبراهيم بن هشام بن يحيى الغساني قال حدثني "أبي عن" جدي عن أبي إدريس الخولاني عن أبي ذر قال قلت يا رسول الله ما كانت صحف إبراهيم عليه السلام قال "كانت أمثالا كلها" فذكر الحديث قال وكان فيها وعلى العاقل أن يكون بصيرا بزمانه مقبلا على شأنه حافظا للسانه ومن حسب كلامه من عمله قل كلامه إلا فيما يعنيه.
وحدثنا محمد بن خليفة قال حدثنا محمد بن الحسين قال حدثنا أبو بكر بن أبي داود قال حدثنا محمود بن خالد قال حدثنا عمر بن عبد الواحد قال حدثنا سعيد بن عبد العزيز قال

(9/199)


وقف رجل على لقمان الحكيم وهو في حلقة عظيمة فقال ألست عبد بني الحسحاس فقال بلى قال فأنى بلغت ما أرى قال قدر الله وصدق الحديث وتركي ما لا يعنيني. وذكر مالك في موطئه أنه بلغه أنه قيل للقمان ما بلغ بك ما نرى يريدون الفضل فقال لقمان صدق الحديث وأداء الأمانة وترك ما لا يعنيني.
وروى أبو عبيدة عن الحسن قال من علامة إعراض الله عز وجل عن العبد أن يجعل شغله فيما لا يعنيه وقال سابق :
والنفس إن طلبت ما ليس يعنيها ... جهلا وسخفا تقع فيما يعنيها
وقال الحسن بن حميد :
إذا عقل الفتى استحيا واتقى ... وقلت من مقالته الفضول

(9/200)


قال أبو عمر:
روينا عن أبي داود السجستاني رحمه الله أنه قال أصول السنن في كل فن أربعة أحاديث أحدها حديث عمر بن الخطاب عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال "إنما الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى" والثاني حديث النعمان بن بشير عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال "الحلال بين والحرام بين وبين ذلك أمور مشتبهات فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه" الحديث والثالث حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه" والرابع حديث سهل بن سعد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال "ازهد في الدنيا يحبك الله وازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس".

(9/201)


حدثنا أحمد بن محمد قال حدثنا علي بن محمد بن مسرور قال حدثنا أحمد بن أبي سليمان قال حدثنا سحنون قال حدثنا ابن وهب قال أخبرني سحبل بن محمد الأسلمي قال سمعت محمد بن عجلان يقول إنما الكلام أربعة أن تذكر الله أو تقرأ القرآن أو تسأل عن علم فتخبر به أو تتكلم فيما يعنيك من أمر دنياك.

(9/202)


الحديث الثاني والعشرون
...
ابن شهاب عن عباد بن تميم الأنصاري حديث واحد
وهو عباد بن تميم بن زيد بن عاصم الأنصاري من بني مازن بن النجار قد ذكرنا أباه وعمه عبد الله بن زيد في كتابنا في الصحابة بما أغنى عن ذكر نسبه ههنا وعباد بن تميم أحد ثقات التابعين بالمدينة روى عن عمه وأبي هريرة وروى عنه الزهري وأبو بكر بن عمرو بن حزم وابنه عبد الله بن أبي بكر وغيرهم من علماء أهل المدينة.
مالك عن ابن شهاب عن عباد بن تميم عن عمه أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم مستلقيا في المسجد واضعا إحدى رجليه على الأخرى.
هكذا رواه مالك وسائر أصحاب ابن شهاب عنه عن عباد بن تميم عن عمه ووهم فيه عبد العزيز بن أبي سلمة فرواه عن ابن شهاب عن

(9/203)


محمود بن لبيد عن عباد بن تميم عن عمه قال وكانت له صحبته أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يستلقي ثم ينصب إحدى رجليه ويعرض عليها الأخرى.
حدثنا أحمد بن قاسم بن عيسى المقري قال حدثنا عبيد الله بن محمد بن حبابة قال حدثنا البغوي قال حدثنا علي بن الجعد وبشر بن الوليد قالا حدثنا عبد العزيز بن أبي سلمة فذكره ولا وجه لذكر محمود بن لبيد في هذا الإسناد وهو من الوهم البين عند أهل العلم وأظن والله أعلم أن السبب الموجب لإدخال مالك هذا الحديث في موطئه ما بأيدي العلماء من النهي عن مثل هذا المعنى وذلك أن الليث بن سعد وابن جريج وحماد بن سلمة رووا عن أبي الزبير عن جابر قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يضع الرجل إحدى رجليه على الأخرى وهو مستلق على ظهره.
وروى محمد بن مسلم الطائفي عن عمرو بن دينار عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يضع الرجل إحدى رجليه على الأخرى ويستلقي.
حدثنا خلف بن القاسم حدثنا محمد بن الحسين السبيعي الحلبي حدثنا البغوي حدثنا محمد بن عبد الوهاب حدثنا محمد بن مسلم الطائفي فذكره فنرى والله أعلم أن مالكا بلغه هذا الحديث وكان عنده عن ابن شهاب حديث عبد بن تميم هذا يحدث به على وجه

(9/204)


الدفع لذلك ثم أردف هذا الحديث في موطئه بما رواه عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب أن أبا بكر وعمر كانا يفعلان ذلك فكأنه ذهب إلى أن نهيه عن ذلك منسوخ بفعله واستدل على نسخه بعمل الخليفتين بعده وهما لا يجوز أن يخفى عليهما النسخ في ذلك وغيره من المنسوخ من سائر سننه عليه السلام ومن أوضح الدلائل على أن المتأخر من ذلك عمل الخلفاء والعلماء بما عملوا به فيه ولو لم يوجد على ذلك دليل يتبين الناسخ منه من المنسوخ لكان النظر يشهد لحديث مالك لأن الأمور أصلها الإباحة حتى يثبت الحظر ولا يثبت حكم على مسلم إلا بدليل لا معارض له وبالله التوفيق.
أخبرنا عبد الرحمن حدثنا علي حدثنا أحمد حدثنا سحنون حدثنا ابن وهب قال أخبرني يونس عن ابن شهاب عن عباد بن تميم عن عمه أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم مستلقيا في المسجد واضعا إحدى رجليه على الأخرى قال وأخبرني يونس عن ابن

(9/205)


شهاب عن عباد بن تميم أن عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان كانا يفعلان ذلك.
قال وأخبرنا مالك عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب مثل ذلك.
هكذا ذكره ابن وهب في جامعه وهو خلاف ما في الموطأ من إسناده وفي ذكر موضع أبي بكر وعثمان قال ابن وهب وأخبرني يونس عن ابن شهاب قال حدثني عمر بن عبد العزيز أن محمد بن نوفل أخبره أنه رأى أسامة بن زيد بن حارثة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك قال وأخبرني أسامة بن زيد الليثي عن نافع أنه رأى ابن عمر يفعل ذلك.

(9/206)


الحديث الثالث والعشرون
...
ابن شهاب عن سالم بن عبد الله بن عمر تسعة أحاديث
منها ثلاثة مرسلة وغيرها متصلة مسندة ومنها حديث واحد شرك سالما فيه أخوه حمزة بن عبد الله بن عمر وسالم يكنى أبا عمرو كان أشبه ولد عبد الله بن عمر بعبد الله بن عمر وذكر مالك عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب قال كان أشبه ولد عمر بن الخطاب به عبد الله بن عمر وكان أشبه ولد عبد الله بن عمر به سالم.
قال أبو عمر: كان عبد الله بن عمر محبا في سالم فيما ذكروا وكان يفرط في حبه فيلام أحيانا في ذلك فكان يقول.
يلومونني في سالم وألومهم ... وجلدة بين العين والأنف سالم
ويروى.
يديرونني في سالم وأديرهم ... وجلدة بين العين والأنف سالم
وكان سالم ناسكا يلبس الصوف وكان فقيها جليلا أحد الفقهاء العشرة من التابعين بالمدينة وكان حسن الخلق مداعبا له أخبار ظريفة مع أشعب الطماع وكان أسمر شديد السمرة يخضب بالحناء

(9/207)


أمه أم ولد روى عنه القاسم بن محمد ذكر الحسن الحلواني قال حدثنا عثمان بن الهيثم قال حدثنا حنظلة عن القاسم أن سالما بن عبد الله قال لو فاتني من الجمعة ركعة ما زدت على أن أركع إليها ركعة أخرى وكان سالم سريع الكلام وذكر الحلواني عن سليمان بن حرب عن حماد بن زيد عن أيوب قال سمعت سالما يسأل عن التيمم فقال ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين وكان سريع الكلام.
قال الحلواني: وحدثنا المعلى بن أسد قال حدثنا عبد العزيز بن مختار عن علي بن زيد عن سعيد بن المسيب قال قال لي عبد الله بن عمر هل تدري لما سميت ابني سالما قلت لا قال باسم سالم مولى أبي حذيفة وهل تدري لم سميت ابني واقدا قلت لا قال باسم واقد بن عبد الله اليربوعي وهل تدري لم سميت ابني عبد الله قلت لا قال باسم عبد الله بن رواحة.
حدثنا عبد الرحمن بن يحيى حدثنا أحمد بن سعيد قال حدثنا ابن الأعرابي حدثنا أبو داود قال قرأ علي الحرث بن مسكين

(9/208)


وأنا شاهد أخبركم ابن وهب قال أخبرني مالك قال أن فتيا ابن شهاب ووجه ما كان يأخذ به إلى قول سالم وسعيد بن المسيب وتوفي سالم سنة ست ومائة بالمدينة لم ينتقل عنها حتى مات فيها وصلى عليه هشام بن عبد الملك كان حج تلك السنة ثم قدم المدينة زائرا فوافق موت سالم فصلى عليه واختلف في موضع صلاته عليه فقال قوم صلى عليه بالبقيع ذكر ذلك الواقدي عن أفلح بن حميد وخالد بن القاسم وقال آخرون: صلي عليه في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر ذلك ابن أبي خيثمة عن موسى بن إسماعيل عن حماد بن سلمة عن حميد الطويل قال صلينا على سالم بن عبد الله عند مسجد النبي صلى الله عليه وسلم ولم يختلفوا في سائر ما ذكرت لك والله أعلم.
إلا أن وهب بن جرير قال توفي سالم سنة ثمان ومائة وقال غيره توفي سنة ست ومائة وكذلك قال ضمرة عن ابن شوذب شهدت جنازة سالم بن عبد الله سنة ست ومائة قال حمزة عن ابن شوذب حج هشام بن عبد الملك سنة ست ومائة فمر بالمدينة فعاد سالم بن عبد الله وكان مريضا ثم انصرف فوجده قد مات فصلى عليه وذلك سنة ست ومائة.

(9/209)


الحديث الرابع والعشرون
...
حديث أول لابن شهاب عن سالم مسند.
مالك عن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا افتتح الصلاة رفع يديه حذو منكبيه وإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما كذلك وقال سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد وكان لا يفعل ذلك في السجود.
هكذا رواه يحيى عن مالك لم يذكر فيه الرفع عند الانحطاط إلى الركوع وتابعه على ذلك جماعة من الرواة للموطأ عن مالك منهم القعنبي وأبو مصعب وابن بكير وسعيد بن الحكم بن أبي مريم ومعن بن عيسى والشافعي ويحيى بن يحيى النيسابوري وإسحاق بن الطباع وروح بن عبادة وعبد الله بن نافع الزبيري وكامل بن طلحة وإسحاق بن إبراهيم الحنيني وأبو حذافة أحمد بن إسماعيل وابن وهب في رواية ابن أخيه عنه ورواه ابن وهب وابن القاسم ويحيى بن سعيد القطان وابن أبي أويس وعبد الرحمن بن مهدي وجويرية بن أسماء وإبراهيم بن طهمان وعبد الله بن المبارك وبشر بن عمر وعثمان بن عمر وعبد الله بن يوسف التنيسي وخالد بن مخلد

(9/210)


ومكي بن إبراهيم ومحمد بن الحسن الشيباني وخارجة بن مصعب وعبد الملك بن زياد النصيبي وعبد الله بن نافع الصائغ وأبو قرة موسى بن طارق ومطرف بن عبد الله وقتيبة بن سعيد كل هؤلاء رووه عن مالك فذكروا فيه الرفع عند الانحطاط إلى الركوع قالوا: فيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة حذو منكبيه وإذا ركع وإذا رفع رأسه من الركوع.
ذكر الدار قطني الطرق عن أكثرهم عن مالك كما ذكرنا وهو الصواب وكذلك رواه سائر من رواه عن ابن شهاب وممن روينا ذلك عنه من أصحاب ابن شهاب الزبيدي ومعمر والأوزاعي ومحمد بن إسحاق وسفيان بن حسين وعقيل بن خالد وشعيب بن أبي حمزة وابن عيينة ويونس بن يزيد ويحيى بن سعيد الأنصاري وعبد الله بن عمر كلهم رووا هذا الحديث عن ابن شهاب عن سالم عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم كما رواه ابن وهب ومن ذكرنا معه من أصحاب مالك وقد ذكرنا طرق هذا الخبرفي غير هذا الكتاب وتركنا الأسانيد عن هؤلاء في ذلك ههنا خشية الإطالة وقال جماعة من أهل العلم أن إسقاط ذكر الرفع عند الانحطاط في هذا الحديث إما أتى من مالك

(9/211)


وهو الذي كان ربما وهم فيه لأن جماعة حفاظا رووا عنه الوجهين جميعا.
قال أبو عمر:
هذا الحديث أحد الأحاديث الأربعة التي رفعها سالم عن أبيه عن النبي عليه السلام وأوقفها نافع على ابن عمر فمنها ما جعله من قول ابن عمر وفعله ومنها ما جعله عن ابن عمر عن عمر والقول فيها قول سالم ولم يلتفت الناس فيها إلى نافع فهذا أحدها والثاني من باع عبدا وله مال جعله نافع عن ابن عمر عن عمر قوله والحديث الثالث الناس كإبل مائة لا تكاد تجد فيها راحلة والرابع فيما سقت السماء والعيون أو كان بعلا العشر وما سقي بالنضح نصف العشر.
وفي هذا الحديث من الفقه رفع اليدين في المواضع المذكورة فيه وذلك عند أهل العلم تعظيم لله وابتهال إليه واستسلام له وخضوع للوقوف بين يديه واتباع لسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
واختلف العلماء في رفع اليدين في الصلاة فروى ابن القاسم وغيره عن مالك أنه كان يرى رفع اليدين في الصلاة ضعيفا إلا في تكبيرة الإحرام وحدها وتعلق بهذه الرواية عن مالك أكثر المالكيين وهو قول

(9/212)


الكوفيين سفيان الثوري وأبي حنيفة وأصحابه والحسن بن حي وسائر فقهاء الكوفة قديما وحديثا.
قال أبو عبد الله محمد بن نصر المروزي رحمه الله في كتابه في رفع اليدين من الكتاب الكبير لا نعلم مصرا من الأمصار ينسب إلى أهله العلم قديما تركوا بإجماعهم رفع اليدين عند الخفض والرفع في الصلاة إلا أهل الكوفة.
وروى ابن وهب والوليد بن مسلم وسعيد بن أبي مريم وأشهب وأبو المصعب عن مالك أنه كان يرفع يديه على حديث ابن عمر هذا إلى أن مات فالله أعلم وبهذا قال الأوزاعي وسفيان بن عيينة والشافعي وجماعة أهل الحديث وهو قول أحمد بن حنبل وأبي عبيد وأبي إسحاق بن راهويه وأبي ثور وابن المبارك وأبي جعفر محمد بن جرير الطبري وقال دواد بن علي الرفع عند تكبيرة الإحرام واجب ركن من أركان الصلاة واختلف أصحابه فقال بعضهم الرفع عند الإحرام والركوع والرفع من الركوع واجب وقال بعضهم لا يجب الرفع إلا عند الإحرام وقال بعضهم لا يجب لا عند الإحرام ولا غيره لأنه فعله ولم يأمر به وقال بعضهم هو كله واجب لقول رسول الله: صلوا كما رأيتموني أصلي.

(9/213)


وذكر ابن خواز بنداد قال اختلفت الرواية عن مالك في رفع اليدين عند الخفض والرفع في الصلاة فقال يرفع في كل خفض ورفع على حديث ابن عمر عن النبي عليه السلام وقد قال لا يرفع إلا في تكبيرة الإحرام وهذا قال لا يرفع أصلا قال والذي عليه أصحابنا الرفع عند الإحرام لا غير وحجة من ذهب مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك ومذهب الكوفيين الموافقين له في ذلك حديث البراء بن عازب وحديث عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة ثم لا يرفع بعد.
حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا أبو نعيم قال حدثنا موسى بن محمد الأنصاري عن يزيد بن أبي زياد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن البراء بن عازب قال صليت خلف النبي صلى الله عليه وسلم فكبر فرفع يديه حتى حاذى أذنيه في أول مرة لم يزد عليها قال أحمد بن زهير سئل يحيى بن معين عن يزيد بن أبي زياد فقال ليس بذاك.

(9/214)


وأخبرنا أحمد بن محمد بن أحمد قال حدثنا أحمد بن الفضل بن العباس قال حدثنا محمد بن جرير قال حدثنا إسماعيل بن موسى الرازي قال حدثنا شريك عن يزيد بن أبي زياد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن البراء بن عازب قال كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا افتتح الصلاة رفع يديه حتى تحاذي أذنيه ثم لا يعود.
قال أبو عمر:
قال محمد بن عبد الله بن نمير لم يكن يزيد بن أبي زياد بالحافظ.
حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال حدثني أبي قال حدثنا وكيع عن عاصم بن كليب عن عبد الرحمن بن الأسود عن علقمة قال قال ابن مسعود ألا أصلي بكم صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فصلى فلم يرفع يديه إلا مرة وهذان حديثان معلولان عند أهل العلم بالحديث مرفوعان عند أهل الصحة عندهم وسنذكر العلة فيهما عنهم فيما بعد من هذا الباب إن شاء الله.
وحجتهم أيضا ما رواه نعيم المجمر وأبو جعفر القاري عن أبي هريرة أنه كان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة ويكبر كلما خفض ورفع ويقول أنا أشبهكم صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم.

(9/215)


قال أبو عمر:
وحجة من رأى الرفع عند كل خفض ورفع حديث ابن عمر المذكور في هذا الباب وهو حديث ثابت لا مطعن فيه عند أحد من أهل العلم بالحديث ورواه عن النبي صلى الله عليه وسلم كما رواه ابن عمر ثلاثة عشر رجلا من الصحابة رحمهم الله ذكر ذلك جماعة من المصنفين وأهل الحديث منهم أبو داود وأحمد بن شعيب والبخاري ومسلم وغيرهم وأفرد لذلك بابا أبو بكر أحمد بن عمر البزار وصنف فيه كتابا أبو عبد الله محمد بن نصر المروزي وروي ذلك عن جماعة من الصحابة سنذكر منهم ما حضرنا ذكره عندهم ولم يرو عن أحد من الصحابة ترك الرفع عند كل خفض ورفع ممن لم يختلف عنه فيه إلا عبد الله بن مسعود وحده وروى الكوفيون عن علي رضي الله عنه مثل ذلك وروى المدنيون عنه الرفع من حديث عبيد الله بن أبي رافع عنه وكذلك اختلف عن أبي هريرة فروى عنه نعيم المجمر وأبو جعفر القاري أنه كان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة وروى عنه عبد الرحمن بن هرمز الأعرج أنه كان يرفع يديه إذا ركع وإذا رفع رأسه من الركوع ورواية الأعرج مفسرة ورواية نعيم مجملة محتملة للتأويل لأنه ليس فيها أنه لم يرفع في غير الإحرام وقوله أنا أشبهكم صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم إنما حكاه عنه أبو سلمة وغيره في التكبير في كل خفض ورفع ولا يقاس نعيم وأبو جعفر بأبي سلمة

(9/216)


وقد مضى ذكر حديث أبي سلمة فيما مر من هذا الكتاب وروي الرفع عند الخفض والرفع أيضا عن جماعة من التابعين بالحجاز والعراق والشام يطول الكتاب بذكرهم فذكر أبو عبد الله محمد بن نصر المروزي أكثرهم وذكر بعضهم ابن المنذر.
وذكر أبو بكر الأثرم عن أحمد بن حنبل وغيره من ذلك ما أخبرناه عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن قال حدثنا عبد الحميد بن أحمد بن عيسى الوراق قال حدثنا الخضر بن داود قال حدثنا أبو بكر أحمد بن محمد بن هانئ الأثرم قال حدثنا أحمد بن حنبل قال حدثنا إسماعيل بن علية عن محمد بن إسحاق عن الأعرج قال رأيت أبا هريرة يرفع يديه إذا ركع وإذا رفع رأسه من الركوع قال حدثنا أبو حذيفة قال حدثنا إبراهيم بن طهمان عن أبي الزبير قال كان جابر بن عبد الله إذا كبر رفع يديه وإذا رفع رأسه من الركوع رفع يديه وزعم أن النبي عليه السلام كان يفعل ذلك.
قال وحدثنا أحمد بن حنبل حدثنا روح بن عبادة عن زكريا بن إسحاق عن أبي الزبير قال رأيت ابن عمر وابن الزبير يرفعان أيديهما إذا ركعا وإذا رفعا قال وحدثنا أحمد بن حنبل قال حدثنا معاذ بن معاذ وابن أبي عدي وغندر عن شعبة عن قتادة عن الحسن قال كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يرفعون أيديهم في الصلاة إذا ركعوا وإذا رفعوا كأنها المراوح.

(9/217)


قال وحدثنا أحمد قال حدثنا يحيى بن آدم عن ابن المبارك عن عكرمة بن عمار قال رأيت القاسم بن محمد وسالم بن عبد الله يرفعان أيديهما إذا ركعا وإذا رفعا رؤوسهما. قال وحدثنا سليمان بن حرث حدثنا حماد بن زيد عن هشام بن الحسن ومحمد بن سيرين أنهما كانا يرفعان أيديهما إذا كبرا وإذا ركعا وإذا رفعا.
قال محمد بن سيرين هو من تمام الصلاة.
قال أبو بكر وسمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل يقول حدثنا أبو النصر عن الربيع بن صبيح قال رأيت عطاء وطاووسا ومجاهدا والحسن وابن سيرين ونافعا وابن أبي نجيح والحسن بن مسلم وقتادة يرفعون أيديهم عند الركوع وعند الرفع منه قال وسمعت أبا عبد الله يعني أحمد بن حنبل يقول رأيت معمر بن سليمان ويحيى بن سعيد وعبد الرحمن بن مهدي وإسماعيل بن علية يرفعون أيديهم عند الركوع وإذا رفعوا رؤوسهم.
قال أبو عمر:
هذا يدلك من نقل الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله أن أهل الحجاز والشام والبصرة يرفعون ويشهد لما قاله أبو عبد الله المروزي أنه لا يعلم مصرا من أمصار المسلمين لا يرفعون أيديهم في الصلاة في غير الافتتاح إلا أهل الكوفة.

(9/218)


وروي عن أبي سعيد الخدري وأبي موسى الأشعري وأنس وأبي الدرداء أنهم كانوا يرفعون وحسبك بما تقدم أنه لم يرو عن أحد من الصحابة ترك الرفع ممن لم يختلف عنه فيه إلا ابن مسعود.
وحدثنا خلف بن قاسم قال حدثنا أبو الميمون البجلي بدمشق قال حدثنا أبو زرعة الدمشقي حدثنا أبو مسهر حدثنا عبد الله بن العلا بن زيد عن عمرو بن مهاجر عن عمر بن عبد العزيز قال إن كنا لنؤدب عليها بالمدينة يعني إذا لم يرفعوا أيديهم في الصلاة وقال عمر بن عبد العزيز في ذلك سالم قد حفظ عن أبيه.
قال أبو عمر:
أما حديث ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان لا يرفع يديه في الصلاة إلا مرة في أول شيء فهو حديث انفرد به عاصم بن كليب واختلف عليه في ألفاظه وقد ضعف الحديث أحمد بن حنبل وعلله ورمى به وقال وكيع يقول فيه عن سفيان عن عاصم بن كليب ثم لا يعود ومرة يقول لم يرفع يديه إلا مرة وإنما يقوله من قبل نفسه لأن ابن إدريس رواه عن عاصم بن كليب فلم يزد على أن قال كبر ورفع يديه ثم ركع ولفظه غير لفظ وكيع وضعف أحمد الحديث.
ذكره عبد الله بن أحمد بن حنبل عن أبيه حدثناه عبد الوارث عن قاسم في مصنفه عن عبد الله وذكره الأثرم وغيره عن أحمد وأما حديث البراء بن عازب في ذلك فإنه انفرد يزيد بن أبي زياد عن

(9/219)


عبد الرحمن بن أبي ليلى عن البراء فرواه عنه الثقات الحفاظ منهم شعبة والثوري وابن عيينة وهشيم وخالد بن عبد الله الواسطي لم يذكر واحد منهم عنه فيه قوله ثم لا يعود وإنما قاله فيه عنه من لا يحتج به على هؤلاء.
وحكى ابن عيينة عنه أنه حدثهم به قديما وليس فيه ثم لا يعود ثم حدثهم به بعد ذلك فذكر فيه ثم لا يعود قال فنظرته فإذا ملحق بين سطرين ذكره أحمد بن حنبل والحميدي عن ابن عيينة وذكره أبو داود.
قال أبو عمر:
المحفوظ في حديث يزيد بن أبي زياد عن ابن أبي ليلى عن البراء كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا افتتح الصلاة رفع يديه في أول مرة.
وقال بعضهم فيه مرة واحدة وأما قول من قال فيه ثم لا يعود فخطأ عند أهل الحديث. وقال أبو داود في حديث عاصم بن كليب عن عبد الرحمن بن الأسود عن علقمة عن ابن مسعود قال ألا أصلي بكم صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى فلم يرفع يديه إلا مرة واحدة.
هذا حديث يختصر من حديث طويل وليس بصحيح على هذا المعنى.
وقال أبو بكر أحمد بن عمر البزار وهو حديث لا يثبت ولا يحتج به.

(9/220)


قال أبو بكر سمعت البزار يقوله.
وحدثنا أحمد بن محمد بن أحمد حدثنا أحمد بن سعيد حدثنا سعيد بن عثمان قال سمعت محمد بن وضاح يقول الأحاديث التي تروى عن النبي صلى الله عليه وسلم في رفع اليدين ثم لا يعود ضعيفة كلها.
وقد احتج بعض المتأخرين للكوفيين ومن ذهب مذهبهم في رفع اليدين بما حدثنا أحمد بن محمد حدثنا أحمد بن الفضل حدثنا أبو بكر محمد بن بكار بن يزيد الدمشقي قال حدثنا محمد بن إسماعيل بن علية القاضي بدمشق في شوال سنة اثنتين وستين ومائتين قال حدثنا أبو معاوية الضرير قال حدثنا الأعمش عن تميم ابن طرفة عن جابر بن سمرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم مالي أراكم رافعي أيديكم كأنها أذناب خيل شمس اسكنوا في الصلاة.
وهذا لا حجة فيه لأن الذي نهاهم عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم غير الذي كان يفعله لأنه محال أن ينهاهم عما سن لهم وإنما رأى أقواما يعبثون بأيديهم ويرفعونها في غير مواضع الرفع فنهاهم عن ذلك.
وكان في العرب القادمين والأعراب من لا يعرف حدود دينه في الصلاة وغيرها وبعث صلى الله عليه وسلم معلما فلما رآهم يعبثون

(9/221)


بأيديهم في الصلاة نهاهم وأمرهم بالسكون فيها وليس هذا من هذا الباب في شيء والله أعلم.
وأما الرواية عن مالك كما ذكرنا عنه مما يخالف رواية ابن القاسم فحدثنا عبد الوارث بن سفيان حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا أبو عبيدة بن أحمد حدثنا يونس بن عبد الأعلى حدثنا أشهب بن عبد العزيز قال صحبت مالك بن أنس قبل موته بسنة فما مات إلا وهو يرفع يديه فقيل ليونس وصف أشهب رفع اليدين عن مالك قال سئل أشهب عنه غير مرة فكان يقول يرفع يديه إذا أحرم وإذا أراد أن يركع وإذا قال سمع الله لمن حمده.
قال يونس وحدثني ابن وهب قال صحبت مالك في طريق الحج فلما كان بموضع ذكره يونس دنت ناقتي من ناقته فقلت يا أبا عبد الله كيف يرفع المصلي يديه في الصلاة فقال وعن هذا تسألني ما أحب أن أسمعه منك ثم قال إذا أحرم وإذا أراد أن يركع وإذا قال سمع الله لمن حمده.
قال أبو عبيدة سمعت هذا من يونس غير مرة.
وفي المستخرجة من سماع أشهب وابن نافع عن مالك قال يرفع المصلي يديه إذا رفع رأسه من الركوع وقال سمع الله لمن حمده قال وليس الرفع بلازم وفي ذلك سعة.
وذكر الطبري قال حدثنا يونس بن عبد الأعلى عن أشهب عن مالك مثل ذلك ويرفع من وراء الإمام لرفعه إذا قال سمع الله لمن حمده قال وليس رفع اليدين باللازم وفي ذلك سعة.

(9/222)


حدثنا أحمد بن محمد حدثنا وهب ابن مسرة حدثنا ابن وضاح قال حدثنا أبو الطاهر أحمد بن عمرو قال حدثنا ابن وهب قال رأيت مالك بن أنس يرفع يديه في كل خفض ورفع أو قال كلما خفض ولم تزل تلك صلاته.
وحدثنا أحمد حدثنا أحمد بن سعيد قال حدثنا أحمد بن خالد وسعيد بن عثمان أنهما سمعا يحيى بن عمر يقول سمعت أبا المصعب الزهري يقول رأيت مالك بن أنس يرفع يديه إذا قال سمع الله لمن حمده على حديث ابن عمر قال أحمد بن خالد وكان عندنا جماعة من علمائنا يرفعون أيديهم في الصلاة على حديث ابن عمر.
ورواية من روى ذلك عن مالك وجماعة لا يرفعون إلا في الإحرام على رواية ابن القاسم فما عاب هؤلاء على هؤلاء ولا هؤلاء على هؤلاء.
وسمعت شيخنا أبا عمر أحمد بن عبد الملك بن هاشم رحمه الله يقول كان أبو إبراهيم إسحاق ابن إبراهيم شيخنا يرفع يديه كلما خفض ورفع على حديث ابن عمر في الموطأ وكان أفضل من رأيت وأفقههم وأصحهم علما ودينا فقلت له فلم لا ترفع أنت فنقتدي بك قال لي لا أخالف رواية ابن القاسم لأن الجماعة لدينا اليوم عليها ومخالفة الجماعة فيما قد أبيح لنا ليس من شيم الأئمة.
وقال محمد بن عبد الله بن عبد الحكم الذي آخذ به في رفع اليدين أن أرفع على حديث ابن عمر قال ولم يرو أحد عن مالك مثل رواية ابن القاسم في رفع اليدين.

(9/223)


أخبرنا عبد الله بن محمد حدثنا عبد الحميد حدثنا الخضر حدثنا الأثرم قال حضرت أحمد بن حنبل وقال له رجل غريب رأيتك ترفع يديك إذا أردت الركوع ونحن عندنا لا نفعل ذلك أفتراه ينقص من الصلاة إذا لم نفعل فقال ما أدري أما نحن فنفعله وهو الأكثر عندنا وأثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وقال بعض أصحابه له بكل إشارة عشر حسنات بكل أصبع حسنة.
قيل لأبي عبد الله نذهب لرفع اليدين في القيام من اثنتين أيضا قال لا أنا أذهب إلى حديث سالم عن أبيه ولا أذهب إلى حديث وائل بن حجر لأنه مختلف في ألفاظه حديث عاصم بن كليب خلاف حديث عمرو بن مرة.
قال الأثرم وسمعته غير مرة يسأل عن رفع اليدين عند الركوع وإذا رفع رأسه قال ومن شك في ذلك كان ابن عمر إذا رأى من لا يرفع حصبه.
قال وحدثنا أبو عبد الله يعني أحمد بن حنبل قال حدثنا الوليد بن مسلم قال سمعت زيد ابن واقد قال سمعت نافعا قال كان ابن عمر إذا رأى رجلا لا يرفع يديه حصبه وأمره أن يرفع.

(9/224)


قال أبو عبد الله: وقد روى غير واحد عن ابن لهيعة عن عبد الله بن هبيرة عن مشرح بن هاعان عن عقبة بن عامر قال له بكل إشارة عشر حسنات قال إلا أن ابن المبارك قال عن ابن لهيعة عن مشرح عن عقبة ليس بين ابن لهيعة ومشرح أحد ثم قال أبو عبد الله هؤلاء يكرهون ذلك كالمغتاظ يعني أصحاب أبي حنيفة.
قال أبو بكر الأثرم حدثنا علي بن أحمد بن القاسم الباهلي قال أخبرنا عبد الله بن وهب قال أخبرني عياض بن عبد الله الفهري أن عبد الله بن عمر كان يقول لكل شيء زينة وزينة الصلاة التكبير ورفع الأيدي فيها.
قال وحدثنا سعيد بن عبيد قال حدثنا ابن لهيعة عن ابن عجلان عن النعمان بن أبي عياش قال كان يقال لكل شيء زينة وزينة الصلاة رفع الأيدي عند الافتتاح وحين يريد أن يركع وحين يريد أن يرفع.
قال أبو عمر:
هذا يدلك على أن رفع اليدين ليس من أركان الصلاة ولا من الواجب فيها وأنه على ما قدمنا في أول الباب خضوع واستكانة واستسلام وزينة الصلاة كما وصفنا وهو قول الجمهور وقد روي عن الأوزاعي وذهب إلى ذلك الحميدي فيمن لم يرفع يديه على حديث ابن عمر أن الصلاة فاسدة أو ناقصة.

(9/225)


ورأى بعضهم عليه الإعادة وليس هذا بصحيح عندنا لما ذكرنا لأن إيجاب الإعادة إيجاب فرض والفرائض لا تثبت إلا بحجة أو سنة لا معارض لها أو إجماع من الأمة.
وقد ذكرنا فرائض الصلاة وسننها فيما تقدم من كتابنا هذا ودللنا على ذلك من حديث أبي هريرة وحديث رفاعة بن رافع بما أغنى عن ذكره ههنا.
وذكر الطبري قال حدثنا العباس بن الوليد بن يزيد عن أبيه عن الأوزاعي قال بلغنا أن من السنة فيما أجمع عليه علماء الحجاز والبصرة والشام أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه حذو منكبيه حين يكبر لاستفتاح الصلاة وحين يكبر للركوع ويهوي ساجدا وحين يرفع رأسه من الركوع إلا أهل الكوفة فإنهم خالفوا في ذلك أمتهم قيل للأوزاعي فإن نقص من ذلك شيئا قال ذلك نقص من صلاته وفيما أجاز لنا قاسم بن أحمد وعباس بن أصبغ عن محمد بن عبد الملك بن أيمن عن عبد الله بن أحمد بن حنبل قال سمعت أبي يقول من رفع يديه فهو أفضل قال وكان يحيى بن سعيد وابن علية ويزيد بن هارون يرفعون قال وكان ابن عيينة ربما فعله وربما لم يفعله قال وينبغي لكل مصل أن يفعله فإنه من السنة ومما يدل على أن رفع اليدين ليس بواجب ما أخبر به الحسن عن الصحابة أن من رفع منهم لم يعب على من تركه.

(9/226)


حدثنا عبد الوارث بن سفيان حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا أحمد بن محمد البرتي القاضي ببغداد حدثنا أبو منعم حدثنا عبد الوارث بن سعيد حدثنا محمد بن جحادة حدثني عبد الجبار بن وائل بن حجر قال كنت غلاما لا أعقل صلاة أبي فحدثني وائل بن علقمة عن أبي وائل بن حجر قال صليت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان إذا دخل في الصلاة كبر ورفع يديه ثم التحف وأدخل يديه في ثوبه فأخذ شماله بيمينه وإذا أراد أن يركع أخرج يديه من ثوبه ثم رفعهما وكبر وسجد ووضع وجهه بين كفيه وإذا رفع رأسه من السجود رفع يديه فلم يزل يفعله كذلك حتى فرغ من صلاته قال محمد بن مجادة فذكرت ذلك للحسن بن أبي الحسن فقال هي صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فعله من فعله وتركه من تركه ففي هذا الحديث دليل على أن منهم من تركه ولم يعب عليه من فعله والله أعلم.
قال أبو عمر:
زيادة وائل بن حجر في حديثه رفع اليدين بين السجدتين قد عارضه في ذلك ابن عمر بقوله وكان لا يرفع بين السجدتين والسنن لا تثبت إذا تعارضت وتدافعت ووائل بن حجر إنما رآه أياما قليلة في قدومه عليه وابن عمر صحبه إلى أن توفي صلى الله عليه وسلم فحديث ابن عمر أصح عندهم وأولى أن يعمل به من حديث وائل بن حجر وعليه العمل عند جماعة فقهاء الأمصار القائلين بالرفع.

(9/227)


قال أبو بكر الأثرم: قيل لأحمد بن حنبل: رفع اليدين من السجدتين فذكر حديث سالم عن ابن عمر ولا يرفع بين السجدتين ثم قال نحن نذهب إلى حديث ابن عمر وقال الربيع عن الشافعي كل تكبير كان في افتتاح أو في قيام ففيه رفع اليدين.
حدثنا خلف بن سعيد قال حدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا أحمد بن خالد قال حدثنا إسحاق بن إبراهيم وأخبرنا إسحاق بن الحسن بن علي البلخي قال حدثنا الحسن بن محمد بن عبد الأعلى بن محمد بن الحسن بن عبد الأعلى قال حدثنا جدي عبد الأعلى ابن محمد قال حدثني جدي الحسن بن عبد الأعلى قالوا: جميعا أخبرنا عبد الرزاق قال أخبرنا داود بن إبراهيم قال رأيت وهب بن منبه يرفع يديه في الصلاة إذا كبر وإذا ركع رفع يديه وإذا رفع رأسه من الركوع رفع يديه ولا يفعل ذلك في السجود وكان طاووس مولى ابن عمر وأيوب السختياني يرفعون أيديهم بين السجدتين وروي عن ابن عمر أنه كان يرفع في كل تكبيرة وما فعله مالك أصح عنه إن شاء الله.
وقد أكثر أهل العلم بالكلام في هذا الباب وأفرط بعضهم في عيب من لم يرفع ولا وجه للإكثار فيه.
حدثنا عبد الوارث بن سفيان حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا أحمد بن زهير حدثنا محمد بن زيد الرفاعي قال حدثني داود بن

(9/228)


يحيى بن يمان الثقة المأمون عن ابن المبارك قال صليت إلى جنب سفيان وأنا أريد أن أرفع يدي إذا ركعت وإذا رفعت فهممت بتركه وقلت ينهاني سفيان ثم قلت شيء أدين الله به لا أدعه ففعلت فلم ينهني وروي عن ابن المبارك قال صليت إلى جنب أبي حنيفة فرفعت يدي عند الركوع وعند الرفع منه فلما انقضت صلاتي قال لي أردت أن تطير فقلت له وهل من رفع في الأولى يريد أن يطير فسكت.
حدثنا عبد الوارث حدثنا قاسم حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا محمد بن يزيد قال حدثنا حفص بن غياث قال سمعت سفيان الثوري يقول إذا رأيت الرجل يعمل بعمل قد اختلف فيه وأنت ترى غيره فلا تنهه.
قال أبو عمر:
اختلفت الآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن الصحابة ومن بعدهم في كيفية رفع اليدين في الصلاة فروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يرفع يديه مدا فوق أذنيه مع رأسه.
وروي عنه أنه كان يرفع يديه حذو أذنيه وروي عنه أنه كان يرفعهما إلى صدره وكلها آثار محفوظة مشهورة وأثبت شيء في ذلك عند أهل العلم بالحديث حديث ابن عمر هذا وفيه الرفع حذو المنكبين وعليه جمهور الفقهاء بالأمصار وأهل الحديث وقد روي عن ابن عمر أنه كان يرفع يديه في الإحرام حذو منكبيه وفي غير الإحرام دون ذلك قليلا وكل ذلك واسع حسن وابن عمر روى هذا الحديث وهو أعلم بتأويله ومخرجه.

(9/229)


وذكر الأثرم قال حدثنا أبو حذيفة قال حدثنا عكرمة بن عمار قال رأيت سالما والقاسم وطاووسا وعطاء ونافعا وعبد الله بن الزبير ومكحولا يرفعون أيديهم في استفتاح الصلاة وعند الركوع وعند رفع الرأس من الركوع حذو المنكبين وكان أحمد بن حنبل يختار ذلك.
قال أبو عمر:
وهو اختيار مالك والشافعي وأصحابهما وعليه العمل عند الجمهور وأما قوله في هذا الحديث إذا رفع رأسه من الركوع رفعهما كذلك وقال سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد فإن أهل العلم اختلفوا في الإمام هل يقول سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد أم يقتصر على سمع الله لمن حمده فقط فذهب مالك وأبو حنيفة ومن قال بقولهما إلى أن الإمام لا يقول ربنا ولك الحمد وإنما يقول سمع الله لمن حمده لا غير وحجتهم في ذلك حديث الزهري عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله في الإمام إذا ركع فاركعوا وإذا رفع فارفعوا وإذا قال سمع الله لمن حمده فقولوا ربنا ولك الحمد وقد تقدم هذا الحديث في باب ابن شهاب عن أنس من كتابنا هذا.
وروى أبو صالح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله وفيه دليل على أن الإمام يقتصر على قول سمع الله لمن حمده والمأموم يقتصر على ربنا ولك الحمد.
وقال الشافعي وأبو يوسف ومحمد بن الحسن وجماعة من أهل الحديث يقول الإمام سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد وقال مالك يقولها المنفرد.

(9/230)


وحجتهم في ذلك حديث ابن عمر هذا وما كان مثله وممن روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد كما رواه ابن عمر وأبو هريرة من حديث ابن شهاب عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحرث بن هشام وأبي سلمة وعبد الرحمن بن عوف عن أبي هريرة ومن حديث أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة ورواه أبو سعيد الخدري وعبد الله بن أبي أوفى كلهم رووا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد.
وأما المأموم فقال مالك وأبو حنيفة وأصحابهما والثوري لا يقول المأموم سمع الله لمن حمده وإنما يقول ربنا ولك الحمد فقط.
وقال الشافعي يقول المأموم سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد كما يقولها الإمام والمنفرد تأسيا برسول الله صلى الله عليه وسلم واتباعا لفعل إمامه وفي حديث ابن شهاب الزهري عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم حجة لمالك في ذلك على الشافعي وقد مضى ذكره في بابه من هذا الكتاب فأغنى عن إعادته ههنا والحمد لله.

(9/231)


الحديث الخامس والعشرون
...
حديث ثان لابن شهاب عن سالم مسند
مالك عن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر على رجل وهو يعظ أخاه في الحياء فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "دعه فإن الحياء من الإيمان".
هكذا روى هذا الحديث كل من رواه عن مالك فيما علمت في الموطأ وغيره بهذا الإسناد إلا رواية جاءت عن أبي مصعب الزهري وعبد الله بن يوسف التنيسي مرسلة والصحيح عندنا ما في إسناده الإيصال وكذلك رواه أصحاب ابن شهاب عنه بهذا الإسناد وأخطأ فيه جويرية عن مالك فرواه عن مالك عن الزهري عن علي بن حسين وقال محمد بن يحيى النيسابوري وهم جويرية وأظنه أراد من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه.

(9/232)


قال أبو عمر:
لا يصح فيه إلا إسناد الموطأ وكذلك رواه يحيى القطان وغيره عن مالك.
حدثنا خلف بن قاسم حدثنا أبو علي الحسين بن الفتح بن محمد بن عبد الله ابن عبد السلام الأزدي إملاء قال حدثنا معاذ بن المثنى بن معاذ العنبري حدثنا مسدد بن مسرهد حدثنا يحيى وهو القطان حدثنا مالك عن ابن شهاب عن سالم عن أبيه عبد الله بن عمر أن رجلا جعل يعظ أخاه في الحياء فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "دعه فإن الحياء من الإيمان".
وحدثنا خلف ابن القاسم حدثنا عبد الله بن جعفر بن الورد حدثنا يحيى بن أيوب حدثنا سعيد بن أبي مريم أخبرنا مالك وسفيان بن عيينة عن الزهري عن سالم بن عبد الله عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر على رجل من الأنصار وهو يعظ أخاه في الحياء فقال له: رسول الله صلى الله عليه وسلم "دعه فإن الحياء من الإيمان".
وهكذا هذا الحديث بهذه الألفاظ المختصة عند مالك في رواية كل من رأينا روايته في الموطأ وغيره عن مالك.

(9/233)


وكذلك رواه أصحاب ابن شهاب إلا أن عبد العزيز بن أبي سلمة زاد فيه عن ابن شهاب ألفاظا.
حدثنا أحمد بن فتح بن عبد الله قال حدثنا علي بن فارس بن شجاع البغدادي أبو العباس بمصر قال حدثنا أبو جعفر محمد بن صالح قال حدثنا بشر بن الوليد الكندي قال حدثنا عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون عن الزهري عن سالم عن عبد الله بن عمر قال سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا يعاتب أخاه في الحياء يقول إنك لتستحي حتى أنه قد أضر بك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "دعه فإن الحياء من الإيمان".
ومعنى هذا الحديث والله أعلم أن الحياء يمنع من كثير من الفحش والفواحش ويشتمل على كثير من أعمال البر وبهذا صار جزءا وشعبة من الإيمان لأنه وإن كان غريزة مركبة في المرء فإن المستحي يندفع بالحياء عن كثير من المعاصي كما يندفع بالإيمان عنها إذا عصمه الله فكأنه شعبة منه لأنه يعمل عمله فلما صار الحياء والإيمان يعملان عملا واحدا جعلا كالشيء الواحد وإن كان الإيمان اكتسابا والحياء غريزة والإيمان شعب كثيرة.
حدثنا أبو عبد الله محمد بن عبد الملك رحمه الله قال حدثنا عبد الله ابن مسرور قال حدثنا عيسى بن مسكين قال حدثنا محمد

(9/234)


ابن عبد الله بن سنجر الجرجاني حدثنا أبو نعيم الفضل بن دكين قال حدثنا سفيان الثوري عن سهيل بن أبي صالح عن عبد الله بن دينار عن أبي صالح عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال الإيمان بضع وسبعون شعبة أعظمها لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان.
وحدثنا سعيد بن نصر حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا جعفر بن محمد حدثنا عفان حدثنا حماد بن سلمة عن سهيل بن أبي صالح "عن عبد الله بن دينار عن أبي صالح" عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال الإيمان بضع وسبعون شعبة أفضلها لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان.
حدثنا عبد الوارث بن سفيان حدثنا قاسم ابن أصبغ حدثنا محمد بن إسماعيل الترمذي حدثنا أبو صالح عبد الله بن صالح حدثني الليث قال حدثني محمد بن العجلان وأخبرنا أحمد بن محمد حدثنا وهب بن مسرة قال حدثنا ابن وضاح حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا أبو خالد الأحمر عن ابن العجلان قالا جميعا عن عبد

(9/235)


الله بن دينار عن أبي صالح السمان عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "الإيمان ستون أو بضعة أو أحد العددين بابا أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء من الإيمان" ولما كان من لا يستحي راكبا الفواحش مرتكبا للقبيح لا يحجزه عن ذلك حياء ولا دين كما قال في النبوة الأولى مكتوب إذا لم تستحي فاصنع ما شئت.
وقد روينا عن سعيد بن المسيب أنه قال قلة الحياء كفر وبعضهم يرفعه عنه وهذا صحيح المعنى على الضد لأن من لا يستحي لا يبالي من العار والمعاصي ما يأتي كان المستحي من أجل حيائه مرتدعا عن الفواحش والعار والكبائر فصار الحياء من الإيمان لأن الإيمان عندنا مع التصديق الطاعات وأعمال البر ولذلك صار الخلق الحسن من كمال الإيمان وتمامه على هذا المعنى لأن صاحبه يصبر فلا يشفي غيظه بما يسخط ربه ويحلم فلا يفحش ولا ينتصر بلسان ولا يد ونحو هذا مما لا يخرج عن معنى ما وصفنا.

(9/236)


حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا جعفر بن محمد قال حدثنا عفان قال حدثنا حماد بن سلمة عن محمد بن زياد قال سمعت أبا هريرة يقول أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن أكملكم إيمانا أحاسنكم أخلاقا إذا فقهوا.
وحدثنا عبد الوارث قال حدثنا قاسم قال حدثنا محمد بن الجهم قال حدثنا عبد الوهاب قال أخبرنا محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال "أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا".
حدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن إسماعيل قال حدثنا الحميدي قال حدثنا سفيان قال حدثنا عمرو بن دينار عن ابن أبي مليكة عن يعلى بن مملك عن أم الدرداء عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إن أثقل شيء في الميزان خلق حسن والله عز وجل يبغض الفاحش البذيء.
وحدثنا عبد الوارث حدثنا قاسم حدثنا محمد بن عبد السلام حدثنا محمد بن بشار حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة قال

(9/237)


سمعت القاسم بن أبي بزة يحدث عن عطاء الكيخاراني عن أم الدرداء عن أبي الدرداء أو عن أم الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما شيء أثقل في الميزان من الخلق الحسن ورواه ميمون بن مهران عن أم الدرداء قال لها سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت: نعم.
قال أبو عمر:
القول في الإيمان عند أهل السنة وهم أهل الأثر من المتفقهة والنقلة وعند من خالفهم من أهل القبلة في العبارة عنه اختلاف وسنذكر منه في هذا الباب ما فيه مقنع وهداية لأولي الألباب.
أجمع أهل الفقه والحديث على أن الإيمان قول وعمل ولا عمل إلا بنية والإيمان عندهم يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية والطاعات كلها عندهم إيمان إلا ما ذكر عن أبي حنيفة وأصحابه فإنهم ذهبوا إلى أن الطاعات لا تسمى إيمانا قالوا: إنما الإيمان التصديق والإقرار ومنهم من زاد والمعرفة قالوا: وهو المعروف من لسان العرب ومن ألسنة المجتمع عليه ألا ترى إلى قول الله عز وجل حاكيا عن بني يعقوب عليه السلام: {وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ} أي:

(9/238)


بمصدق لنا قالوا: وإنما أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم حين بعثه إلى الخلق أن يدعوهم إلى الإيمان به ولهم الجنة على ذلك فدعاهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله يقولون ذلك ويقرون به ويصدقونه فيما جاء به فكان كل من قال ذلك وصدق به مؤمنا مستكمل الإيمان ثم نزلت الفرائض بعد ذلك وكل من مات من الصحابة قبل نزول الفرائض وقبل عملها كان مؤمنا لا محالة كامل الإيمان قالوا فالطاعات لا تسمى إيمانا كما أن المعاصي لا تسمى كفرا وذكر بعضهم حديث النبي عليه السلام إذ سئل عن الإيمان فقال أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت.
واحتجوا من الآثار المرفوعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك بما حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا جعفر بن محمد بن شاكر وأحمد ابن زهير بن حرب قالا حدثنا سليمان بن داود الهاشمي قال أخبرنا إبراهيم ابن سعد عن ابن شهاب قال أخبرني محمود بن الربيع أنه سمع عتبان بن مالك يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر الحديث في قصة مالك بن الدخشم بطوله وفيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم

(9/239)


قال ألا تراه قال لا إله إلا الله يبتغي بها وجه الله فقالوا الله ورسوله أعلم أما نحن فو الله ما نرى وجهه وحديثه إلا إلى المنافقين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "فإن الله قد حرم على النار أن تأكل من قال لا إله إلا الله يبتغي بها وجه الله" قال ابن شهاب ولكنا أدركنا الفقهاء وهم يرون أن ذلك كان قبل أن تنزل موجبات الفرائض فإن الله قد أوجب على أهل هذه الكلمة التي ذكرها رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر النجاة بها فرائض في كتابه فنحن نخشى أن يكون الأمر قد صار إليها فمن استطاع أن لا يغير فلا يغير.
وذكر عبد الرزاق عن معمر عن الزهري قال حدثني محمود بن الربيع عن عتبان بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لن يوافى عبد يوم القيامة وهو يقول لا إله إلا الله يبتغي بها وجه الله إلا حرمه الله على النار قال الزهري ثم نزلت بعد ذلك فرائض وأمور نرى الآخر انتهى إليها فمن استطاع أن لا يغير فلا يغيره وهذا الحديث قد رواه أنس بن مالك عن محمود بن الربيع عن عتبان بن مالك بمعناه وهو في رواية الصحابة عن التابعين والكبار عن الصغار وهذا المعنى أيضا رواه أنس بن مالك عن معاذ بن جبل حدثنا عبد الوارث بن سفيان حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا بكر ابن حماد حدثنا مسدد حدثنا حماد بن زيد عن عبد العزيز بن صهيب عن أنس بن

(9/240)


مالك عن معاذ بن جبل قال لبيك يا رسول الله وسعديك قالها ثلاثا قال "بشر الناس أنه من قال لا إله إلا الله دخل الجنة".
وحدثنا سعيد بن نصر حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا عبد الله بن روح حدثنا عثمان بن عمر أخبرنا شعبة عن قتادة قال سمعت أنس بن مالك يحدث عن معاذ بن جبل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله دخل الجنة" . ورواه عن معاذ أيضا جابر بن عبد الله وعبد الرحمن بن سمرة وعمرو بن ميمون وغيرهم ورواه أبو ذر وأبو الدرداء فقالا جميعا فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم وإن زنى وإن سرق.
حدثنا عبد الوارث ابن سفيان حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا أحمد بن محمد القاضي البرتي وإسحاق بن الحسن الحدبي قالا أخبرنا أبو معمر عبد الله بن عمرو قال حدثنا عبد الوارث بن سعيد عن الحسن المعلم عن ابن بريدة أن يحيى بن يعمر حدثه أن أبا الأسود الدؤلي حدثه أن أبا ذر حدثه قال قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم "ما من عبد قال لا إله إلا الله ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة" قلت وإن زنى وإن سرق قال "وإن زنى وإن سرق على رغم أنف أبي ذر" ولم يقل الحدبي وإن زنى وإن سرق إلا مرة واحدة. وحدثنا إبراهيم بن شاكر حدثنا محمد بن أحمد بن يحيى حدثنا محمد بن أيوب حدثنا أحمد بن عمر البزار أخبرنا محمد بن

(9/241)


نعيم حدثنا أبو هاشم المغيرة بن سلمة حدثنا عبد الواحد بن زياد حدثنا الحسن بن عبيد الله حدثنا زيد بن وهب قال سمعت أبا الدرداء يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة قلت وإن زنى وإن سرق قال وإن زنى وإن سرق قال وإن رغم أنف أبي الدرداء.
وقرأت على عبد الوارث بن سفيان أن قاسم بن أصبغ حدثهم قال حدثنا بكر بن حماد حدثنا مسدد حدثنا يحيى بن سعيد حدثنا نعيم بن حكيم حدثنا أبو مريم قال سمعت أبا الدرداء يحدث عن النبي عليه السلام قال "ما من رجل يشهد أن لا إله إلا الله ومات لا يشرك بالله إلا دخل الجنة أو لم يدخل النار" قلت وإن زنى وإن سرق قال "وإن زنى وإن سرق وإن رغم أنف أبي الدرداء".
واحتجوا أيضا بقول الله عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ} قال ومعلوم أن امتحانهم إياهن إنما هو مطالبة لهن بالإقرار بالشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للذي جاءه بالأمة السوداء فقال له: يا رسول الله إن علي رقبة مؤمنة فإن كنت ترى هذه يا رسول الله مؤمنة أعتقها فقال له: ا رسول الله "أتشهدين أن لا إله إلا الله وأني رسول الله" قالت نعم قال "أعتقها فإنها

(9/242)


مؤمنة" وقد ذكرنا هذا الخبر فيما تقدم من كتابنا هذا قالوا فهذا هو الإيمان المعروف في اللغة وصريح السنة الإقرار والتصديق وأما فرائض الأعمال فلا تسمى إيمانا كما لا تسمى الذنوب كفرا قالوا ولما لم تكن المعصية كفرا لم تكن الطاعة إيمانا هذا يحمله ما عولوا عليه فيما ذهبوا من ذلك إليه.
وأما سائر الفقهاء من أهل الرأي والآثار بالحجاز والعراق والشام ومصر منهم مالك بن أنس والليث ابن سعد وسفيان الثوري والأوزاعي والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأبو عبيد القاسم بن سلام وداود بن علي وأبو جعفر الطبري ومن سلك سبيلهم فقالوا الإيمان قول وعمل قول باللسان وهو الإقرار اعتقاد بالقلب وعمل بالجوارح مع الإخلاص بالنية الصادقة قالوا وكل ما يطاع الله عز وجل به من فريضة ونافلة فهو من الإيمان والإيمان يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي وأهل الذنوب عندهم مؤمنون غير مستكملي الإيمان من أجل ذنوبهم وإنما صاروا ناقصي الإيمان بارتكابهم الكبائر ألا ترى إلى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن" يريد مستكمل الإيمان ولم يرد به نفي جميع الإيمان عن فاعل ذلك بدليل الإجماع على توريث الزاني والسارق وشارب الخمر إذا صلوا للقبلة وانتحلوا دعوة الإسلام من قرابتهم المؤمنين الذين آمنوا بتلك الأحوال وفي إجماعهم على ذلك مع

(9/243)


إجماعهم على أن الكافر لا يرث المسلم أوضح الدلائل على صحة قولنا أن مرتكب الذنوب ناقص الإيمان بفعله ذلك وليس بكافر كما زعمت الخوارج في تكفيرهم المذنبين وقد جعل الله في ارتكاب الكبائر حدودا جعلها كفارة وتطهيرا كما جاء في حديث عبادة عن النبي صلى الله عليه وسلم فمن واقع منها شيئا يعني من الكبائر وأقيم عليه الحد فهو له كفارة ومن لا فأمره إلى الله إن شاء غفر له وإن شاء عذبه وليس هذا حكم الكافر لأن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء.
والإيمان مراتب بعضها فوق بعض فليس الناقص فيها كالكامل قال الله عزّ وحلّ: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً} أي إنما المؤمن حق الإيمان من كانت هذه صفته ولذلك قال {أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً}.
ومثل هذه الآية في القرآن كثير وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده والمؤمن من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم إن هو المؤمن المسلم حقا ومن هذا قوله صلى الله عليه وسلم أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا ومعلوم

(9/244)


معمول أنه لا يكون هذا أكمل حتى يكون غيره أنقص وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله وقوله لا إيمان لمن لا صلاة له ولا من لا أمانة له كل ذلك يدل على أنه ليس بإيمان كامل وأن بعض الإيمان أوثق عروة وأكمل من بعض كما قال ليس المسكين بالطواف عليكم الحديث يريد ليس الطواف بالمسكين حقا لأن ثم من هو أشد مسكنة منه وهو الذي لا يسأل الناس ويتعفف.
ويدلك على ذلك قول عائشة أن المسكين ليقف على بابي الحديث وروى مجاهد بن جبر وأبو صالح السمان جميعا عن عبد الله بن جمرة عن كعب قال من أحب في الله وأبغض في الله وأعطى في الله ومنح لله فقد استكمل الإيمان ومن الدلائل على أن الإيمان قول وعمل كما قالت الجماعة والجمهور قول الله عز وجل: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} لم يختلف المفسرون أنه أراد صلاتكم إلى بيت المقدس فسمى الصلاة إيمانا ومثل هذا قوله: {لَيْسَ

(9/245)


الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} الآية إلى قوله: {أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ}
وأما من السنة فكثير جدا من ذلك قوله صلى الله عليه وسلم بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة والحج وصوم رمضان وقد كان معاذ بن جبل يقول لأصحابه تعالوا بنا ساعة نؤمن أن نذكر الله فجعل ذكر الله من الإيمان ومثل هذا حديث طلحة بن عبيد الله أن أعرابيا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الإسلام فقال "خمس صلوات" الحديث ويأتي في باب مالك عن عمه أبي سهيل إن شاء الله.
حدثنا محمد بن عبد الملك حدثنا عبد الله بن مسرور حدثنا عيسى بن مسكين حدثنا محمد بن عبد الله بن سنجر حدثنا الحجاج بن منهال حدثنا حماد بن سلمة عن أيوب عن أبي قلابة عن رجل عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له أسلم قال وما الإسلام قال أن تسلم قلبك لله وأن يسلم المسلمون من لسانك ويدك قال فأي الإسلام أفضل قال "الإيمان" قال وما الإيمان قال "أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسوله والبعث بعد الموت" قال فأي

(9/246)


الأعمال أفضل قال الهجرة قال وما الهجرة قال أن تهجر السوء قال فأي الهجرة أفضل قال أن تجاهد المشركين إذا لقيتهم ثم لا تغل ولا تجبن.
وكذلك رواه حماد بن زيد عن أيوب كما رواه حماد بن سلمة سواء بالشهادة ورواه عن حماد بن زيد جماعة من أصحابه منهم أبو عمر الضرير ومؤمل بن إسماعيل وسليمان بن حرب وغيرهم وهذا لفظ حديث مؤمل عن حماد بن زيد قال كلمت أبا حنيفة في الأرجاء فجعل يقول وأقول فقلت له حدثنا أيوب عن أبي قلابة قال حدثني رجل من أهل الشام عن أبيه ثم ذكر الحديث سواء إلى آخره قال حماد فقلت لأبي حنيفة ألا تراه يقول أي الإسلام أفضل قال والإيمان ثم جعل الهجرة والجهاد من الإيمان قال فسكت أبو حنيفة فقال بعض أصحابه ألا تجيبه يا أبا حنيفة قال لا أجيبه وهو يحدثني بهذا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي رواية مؤمل وغيره في هذا الحديث عن حماد بن زيد قال كنت بمكة مع أبي حنيفة فجاءه رجل فسأله عن الإيمان وعن الإسلام فقال الإسلام والإيمان واحد فقلت له يا أبا حنيفة حدثنا أيوب عن أبي قلابة وذكره.
قال أبو عمر:
أكثر أصحاب مالك على أن الإسلام والإيمان شيء واحد ذكر ذلك ابن بكير في الأحكام واحتج بقول الله عز وجل: {فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ} أي غير بيت منهم.

(9/247)


قالوا وأما قوله جل وعز: {قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا} فأسلمنا هنا بمعنى استسلمنا مخافة السنان والقتل كذلك قال مجاهد وغيره قال إسماعيل والدليل على ذلك في الآية قوله: {وَلَمَّا يَدْخُلِ الْأِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ} قال قتادة ليس كل الأعراب كذلك لأن الله قال {وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ} الآية.
وأما الأحاديث في معنى حديث أبي قلابة المذكور في أن الإسلام وصف بغير ما وصفه به الإيمان فكثيرة جدا منها ما حدثنا أبو عبد الله محمد بن خليفة رحمه الله قال حدثنا محمد بن الحسين قال حدثنا جعفر بن محمد الفريابي قال حدثنا إسحاق بن راهويه قال حدثنا النضر بن شميل قال حدثنا كهمس بن الحسن قال حدثنا عبد الله بن بريدة عن يحيى بن يعمر أنه سمع عبد الله بن عمر يقول حدثني عمر بن الخطاب قال بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر لا يرى عليه أثر السفر ولا يعرفه منا أحد حتى جلس إلى النبي عليه السلام فأسند ركبته إلى ركبته ووضع كفيه على فخذيه ثم قال يا محمد أخبرني عن الإسلام قال الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا قال صدقت فعجبنا أنه يسأله ويصدقه قال فأخبرني عن الإيمان قال أن تؤمن

(9/248)


بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره قال صدقت فعجبنا أنه يسأله ويصدقه وذكر تمام الحديث وأنا اختصرت منه صدرا ليس في معنى هذا الباب.
وروي هذا الحديث عن عبد الله بن بريدة كما رواه كهمس عن يحيى بن يعمر عن ابن عمر عن عمر جماعة منهم عبد الله بن عطاء ومطر الوراق وعثمان بن غياث والجريري وعطاء بن السائب.
ورواه سليمان بن بريدة عن يحيى بن يعمر عن ابن عمر عن النبي عليه السلام معنى حديث عبد الله بن بريدة سواء إلا أنه جعله من مسند ابن عمر لم يذكر عمر رواه عن سليمان بن بريدة علقمة بن مربد وغيره ورواه إسحاق ابن سويد وعلي بن زيد عن يحيى بن يعمر عن ابن عمر مثله معناه لم يذكرا عمر.
وقد روى المطالب بن زياد عن منصور عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عمر مثله سواء مسندا بتمامه لم يذكر عمر ورواه عبد الملك ابن قدامة الجمحي عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر مثله.
وروي من حديث المغيرة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله وقد ذهبت طائفة من أهل الحديث إلى أن الإيمان والإسلام معنيان بهذا الحديث وما كان مثله وبحديث ابن شهاب عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قسم قسما فأعطى قوما ومنع بعضهم قال فقلت يا رسول الله أعطيت فلانا وفلانا ومنعت فلانا والله إني لا أراه مؤمنا فقال لا تقل مؤمنا ولكن قل مسلما.

(9/249)


روى هذا الحديث عن ابن شهاب جماعة منهم معمر وابن أبي ذئب وصالح بن كيسان وابن أخي ابن شهاب بألفاظ مختلفة ومعنى واحد قال وقال معمر قال ابن شهاب: {قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا} قال ابن شهاب فيرى أن الإسلام الكلمة والإيمان العمل وهذا الذي قاله ابن شهاب أن الإسلام الكلمة والإيمان العمل خلاف ما تقدم من الآثار المرفوعة في الإسلام وما بني عليه على ما مضى في هذا الباب لأن هذا يدل على أن الإسلام العمل والإيمان الكلمة إلا أن في تلك الأحاديث كلها في الإسلام شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فعلى هذا خرج الكلام ابن شهاب والله أعلم على إيقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان والحج والمعنى في ذلك كله متقارب إلا أن الذي عليه جماعة أهل الفقه والنظر أن الإيمان والإسلام سواء بدليل ما ذكرنا من كتاب الله عز وجل قوله: {فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ} وعلى القول بأن الإيمان هو الإسلام جمهور أصحابنا وغيرهم من الشافعيين والمالكيين وهو قول داود وأصحابه وأكثر أهل السنة والنظر المتبعين للسلف والأثر.
وقد روي عن أبي جعفر محمد بن علي بن حسين رضي الله عنهم أنه قال هذا الإيمان ودور دارة وهذا الإسلام ودور دارة خلف الدارة الأولى قال فإذا أذنبنا خرجنا من الدارة إلى الإسلام وإذا أحسنا رجعنا إلى الإيمان فلا نخرج من الإسلام إلى الشرك وقال بهذا طوائف من عوام أهل الحديث وهو قول الشيعة والصحيح عندنا ما

(9/250)


ذكرت لك وهو كله متقارب المعنى متفق الأصل وربما يختلفون في التسمية والألقاب ولا يكفرون أحدا بذنب إلا أنهم اختلفوا في تارك الصلاة وهو مقر بها فكفره منهم من ذكرنا قوله في باب زيد بن أسلم عن بسر بن محجن وأبى الجمهور أن يكفروه إلا بالجحد والإنكار الذي هو ضد التصديق والإقرار على ما ذكرنا هناك والحمد لله.
فهذا ما بين أهل السنة والجماعة في الإيمان وأما المعتزلة فالإيمان عندهم جماع الطاعات ومن قصر منها عن شيء فهو فاسق لا مؤمن ولا كافر وسواهم المتحققون بالاعتزال أصحاب المنزلة بين المنزلتين ومنهم من قال في ذلك بقول الخوارج المذنب كافر غير مؤمن إلا أن الصفرية تجعله كالمشرك وتجعل دار المذنب المخالف لهم دار حرب وأما الإباضية فتجعله كافر نعمة ولكنهم يخلدونه في النار إن لم يتب من الكبيرة ولا يستحلون ماله كما يستحله الصفرية ولهم ظواهر آيات يبرهنون بها قد فسرتها السنة وقد مضى على ما فسرت السنة في ذلك علماء الأمة.
روينا عن جابر بن عبد الله صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قيل له أكنتم تعدون شيئا من الذنوب كفرا أو شركا أو نفاقا قال معاذ الله ولكنا نقول مؤمنين مذنبين ولولا أن كتابنا هذا كتاب شرح معاني السنن الثابتة في الموطأ لحددنا الرد عليهم هنا وقد أكثر العلماء من الرد عليهم وكسر أقوالهم وكذلك أكثر أهل الحديث من رواية الآثار في الإيمان ومدار الباب كله عند جميعهم على ما ذكرت لك {وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ}.

(9/251)


وأما الآيات التي نزع بها العلماء في أن الإيمان يزيد وينقص فمنها قول الله عز وجل: {فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ} وقوله: {فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} وقوله: {زَادَهُمْ هُدىً وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ} {وَزِدْنَاهُمْ هُدىً} ومثل هذا كثير وعلى أن الإيمان يزيد وينقص يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية جماعة أهل الآثار والفقهاء أهل الفتوى بالأمصار.
وقد روى ابن القاسم عن مالك أن الإيمان يزيد ووقف في نقصانه وروى عنه عبد الرزاق ومعمر بن عيسى وابن نافع وابن وهب أنه يزيد وينقص يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية وعلى هذا مذهب الجماعة من أهل الحديث والحمد لله.
حدثنا أحمد بن فتح حدثنا إسحاق ابن إبراهيم حدثنا أحمد بن خالد حدثنا عبيد بن محمد الكشوري بصنعاء حدثنا سلمة بن شبيب قال سمعت عبد الرزاق يقول سمعت سفيان الثوري ومعمر وابن جريج ومالك بن أنس وسفيان بن عيينة يقولون الإيمان قول وعمل يزيد وينقص فقلنا لعبد الرزاق فما تقول أنت قال أقول الإيمان قول وعمل يزيد وينقص فإن لم أقل هذا فقد ضللت إذا وما أنا من المهتدين قال أحمد بن خالد وحدثنا عيسى بن محمد الكشوري.

(9/252)


قال حدثنا محمد بن يزيد قال سمعت عبد الرزاق وسئل عن الإيمان فقال أدركت أصحابنا سفيان الثوري وابن جريج وعبد الله بن عمر ومالك بن أنس ومعمر "بن راشد" والأوزاعي وسفيان بن عيينة يقولون الإيمان قول وعمل يزيد وينقص فقال له بعض القوم فما تقول أنت يا أبا بكر قال إن خالفتهم فقد ضللت إذا وما أنا من المهتدين.
قال أحمد وحدثنا عبيد بن محمد قال حدثنا عبد الرزاق قال كان معمر وابن جريج وسفيان الثوري ومالك بن أنس يكرهون أن يقولوا أنا مستكمل الإيمان على إيمان جبريل وميكائل.
حدثنا خلف بن قاسم حدثنا عبد الله بن جعفر بن الورد حدثنا عبدوس بن ذي رقيبة حدثنا إبراهيم بن المنذر حدثنا معن بن عيسى قال سمعت مالك بن أنس وسأله رجل عن الإيمان فقال الإيمان قول وعمل.
حدثنا محمد بن عبد الملك حدثنا عبد الله بن مسرور حدثنا عيسى بن مسكين حدثنا ابن سنجر حدثنا الحميدي قال حدثنا يحيى بن سليم قال سألت عشرة من الفقهاء عن الإيمان فقالوا قول وعمل سألت سفيان الثوري ومالك بن أنس وابن جريج وهشام بن حسان ومحمد ابن عمرو بن عثمان وفضيل بن عياض وسفيان بن عيينة ومحمد بن سالم الطائفي والمثنى بن الصباح ونافع بن عمر الجمحي فكلهم قال لي الإيمان قول وعمل.

(9/253)


قال الحميدي وسمعت سفيان بن عيينة يقول الإيمان يزيد وينقص فقال له: أخوه إبراهيم بن عيينة لا تقل ينقص فغضب وقال اسكت يا صبي بل ينقص حتى لا يبقى منه شيء وقال سفيان بن عيينة نحن نقول الإيمان قول وعمل والمرجئة تقول الإيمان قول وجعلوا ترك الفرائض ذنبا بمنزلة ركوب المحارم وليس كذلك إن ترك الفرائض من غير جهل ولا عذر كفر وركوب المحارم عمدا من غير استحلال معصية وبيان ذلك أمر آدم وإبليس وذلك أن الله حرم على آدم الشجرة ونهاه عن الأكل منها فأكل منها فسماه عاصيا وأمر إبليس بالسجود فأبى واستكبر فسمي كافرا.
حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثني أبي قال حدثنا جرير بن عبد الحميد عن عطاء بن السائب قال سأل هشام بن عبد الملك الزهري فقال حدثنا بحديث النبي صلى الله عليه وسلم "من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة وإن زنى وإن سرق".
فقال الزهري أين يذهب بك يا أمير المؤمنين كان هذا قبل الأمر والنهي وفيما أجازنا عبد بن أحمد بن محمد الهروي وأذن لي في روايته عنه وكتبه إلي بخطه قال أخبرنا أحمد بن عبدان قال أخبرنا "أبو" يوسف يعقوب بن إبراهيم الدورقي قال حدثنا عبد الله بن موسى قال أخبرنا مبارك بن حسان قال قلت لعطاء بن أبي رباح

(9/254)


أن في المسجد عمر بن ذر ومسلم التحات وسالم الأفطس قال وما يقولون قلت يقولون من زنا وسرق وشرب الخمر وقذف المحصنات وأكل الربا وعمل بكل معصية إنه مؤمن كإيمان البر التقي الذي لم يعص الله فقال أبلغهم ما حدثني أبو هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا يقتل القاتل حين يقتل وهو مؤمن ولا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن ولا يختلس خلسة يشتهر بها وهو مؤمن" قال عطاء يخلع منه الإيمان كما يخلع المرء سرباله فإن رجع إلى الإيمان تائبا رجع إليه الإيمان إن شاء الله.
قال فذكرت ذلك لسالم الأفطس وأصحابه فقالوا وأين حديث أبي الدرداء وإن زنى وإن سرق.
قال فرجعت إلى عطاء فذكرت ذلك له فقال قل لهم أو ليس قد قال الله: {وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً}.
فدخل فيه السارق وغيره ثم نزلت الأحكام والحدود بعد فلزمته ولم يعذر في تركها وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا إيمان لمن لا أمانة له ولا دين لمن لا عهد له".

(9/255)


وقال الإيمان قيد الفتك لا يفتك مؤمن.
قال أبو عمر:
في الحياء أحاديث مرفوعة حسان نذكر منها ههنا ما حضرنا ذكره حدثني أحمد بن قاسم بن عبد الرحمن قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا الحارث بن أبي أسامة قال حدثنا يزيد بن هارون قال أخبرنا أبو نعامة العدوي عن حميد بن هلال عن بشير بن كعب عن عمران بن حصين قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الحياء كله خير.
قال بشير فقلت إن منه ضعفا وإن منه عجزا فقال أخبرتك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتجيبني بالمعاريض لا أحدثك بحديث ما عرفتك فقالوا يا أبا بجيد إنه طيب القراءة وإنه وإنه فلم يزالوا به حتى سكن وحدث.
وحدثناه سعيد بن نصر قال حدثنا يزيد بن هارون قال حدثنا خالد بن رباح قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "الحياء خير كله" فقال له: رجل إنه يقال في الحكمة أن منه ضعفا فقال عمر أخبرك عن رسول الله وتحدثني عن الصحف.

(9/256)


وحدثنا محمد بن عبد الملك قال حدثنا عبد الله بن مسرور قال حدثنا عيسى بن مسكين قال حدثنا محمد بن عبد الله بن سنجر قال حدثنا سعيد بن سليمان قال حدثنا هشيم عن منصور بن زاذان عن الحسن عن أبي بكرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "الحياء من الإيمان".
وحدثنا محمد حدثنا عبد الله حدثنا عيسى حدثنا ابن سنجر حدثنا الحجاج حدثنا حماد بن سلمة عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "الحياء من الإيمان".
أخبرنا عبد الله بن محمد بن أسد حدثنا أحمد بن زكرياء بن يحيى بن يعقوب المقدسي حدثنا محمد بن حماد الطهراني أخبرنا عبد الرزاق عن معمر عن ثابت عن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ما كان الحياء في شيء قط إلا زانه وما كان الفحش في شيء قط إلا شانه".
وروى وكيع عن مالك عن سلمة ابن صفوان عن يزيد بن ركانة عن أبيه قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول "إن لكل دين خلقا وخلق هذا الدين الحياء" لم يروه عن مالك بهذا الإسناد إلا وكيع وسنذكره في بابه من هذا الكتاب إن شاء الله.

(9/257)


حدثناه عبد الوارث حدثنا قاسم حدثنا أحمد بن زهير حدثنا علي بن الحسن الصفار حدثنا وكيع.
وقال أبو سعيد الخدري كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد حياء من عذراء في خدرها.

(9/258)


الحديث السادس والعشرون
...
حديث ثالث لابن شهاب عن سالم مسند
مالك عن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى المغرب والعشاء بالمزدلفة جميعا.
هكذا رواه جماعة الرواة عن مالك فيما علمت إلا محمد بن عمرو الغزي فإنه ذكر فيه الظهر والعصر بعرفة وزاد ألفاظا ليست في الموطأ عند أحد من الرواة أخبرني محمد حدثنا علي بن عمر الحافظ حدثنا علي بن محمد بن أحمد المصري حدثنا بكر بن سهل الدمياطي حدثنا محمد بن عمرو حدثنا مالك ابن أنس عن الزهري عن سالم عن ابن عمر قال جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الظهر والعصر بعرفة وبين المغرب والعشاء بالمزدلفة لم يناد في واحدة منهما إلا بالإقامة ولم يفصل بينهما تطوعا ولا إثر واحدة منهما قلت فما بال الأذان قال إنما الأذان داع يدعو الناس

(9/259)


إلى الصلاة فمن يدعو وهم معه لم يتابع عليه عن مالك وزاد فيه قوم من أصحاب ابن شهاب ألفاظا سنذكرها ونوضح القول في معانيها إن شاء الله.
قال أبو عمر:
لا خلاف علمته بين علماء المسلمين من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من الخالفين أن المغرب والعشاء يجمع بينهما في وقت العشاء ليلة النحر بالمزدلفة لإمام الحاج والناس معه.
واختلف العلماء فيمن لم يدفع مع الإمام على ما سنذكره إن شاء الله والمزدلفة هي المشعر الحرام وهي جمع ثلاثة أسماء لموضع واحد ومن الدليل على أن ذلك كذلك لإمام الحاج والناس في تلك الليلة قوله صلى الله عليه وسلم لأسامة بن زيد الصلاة أمامك بالمزدلفة وسنذكر هذا الحديث ووجه القول فيه في باب موسى بن عقبة من كتابنا هذا إن شاء الله تعالى.
واختلف العلماء في هيئة الجمع بين الصلاتين بالمزدلفة على وجهين أحدهما الأذان والإقامة والآخر هل يكون جمعهما متصلا لا يفصل بينهما بعمل أم يجوز العمل بينهما بعمل مثل العشاء وحط الرحال ونحو ذلك.
وأما اختلافهم في الأذان والإقامة فإن مالكا وأصحابه يقولون يؤذن لكل واحدة منهما ويقام بالمزدلفة وكذلك قوله في الظهر والعصر بعرفة أيضا إلا أن ذلك في أول وقت الظهر بإجماع قال ابن القاسم:

(9/260)


قال لي مالك في جمع الوقوف بعرفة وبالمشعر الحرام قال لكل صلاة أذان وإقامة وقال مالك كل شيء إلى الأئمة فلكل صلاة أذان وإقامة.
قال أبو عمر:
لا أعلم فيما قاله مالك في هذا الباب حديثا مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم بوجه من الوجوه ولكنه روي عن عمر بن الخطاب من حديث إسرائيل عن سماك بن حرب عن النعمان بن حميد أبي قدامة أنه صلاها مع عمر بالمزدلفة كذلك واختلف فيه وليس بقوي الحديث وروي عن ابن مسعود من حديث أبي إسحاق عن عبد الرحمن بن يزيد قال خرجت مع عبد الله بن مسعود إلى مكة فلما أتى جمعا صلى الصلاتين كل واحد منهما بأذان وإقامة ولم يصل بينهما شيئا رواه الثوري وشعبة وجماعة عن أبي إسحاق والذي يحضرني من الحجة لمالك في هذا الباب من جهة النظر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سن في الصلاتين بعرفة والمزدلفة أن الوقت لهما جميعا وقت واحد وإذا كان وقتهما واحدا وكانت كل واحدة تصلى في وقتها لم تكن واحدة منهما أولى بالأذان والإقامة من الأخرى لأن ليس

(9/261)


واحدة منهما فائتة تقضى وإنما هي صلاة تصلى في وقتها وكل صلاة صليت في وقتها فسنتها أن يؤذن لها ويقام في الجماعة وهذا بين والله أعلم.
وقال آخرون: أما الأولى منهما فتصلى بأذان وإقامة وأما الثانية فتصلى بلا أذان ولا إقامة قالوا وإنما أمر عمر بالتأذين للثانية لأن الناس كانوا قد تفرقوا لعشائهم فأذن ليجمعهم قالوا وكذلك نقول نحن إذا تفرق الناس عن الإمام لعشاء أو غيره أمر المؤذنين فأذنوا لجمعهم وإذا أذن أقام قالوا فهذا معنى ما روي عن عمر رضي الله عنه قالوا والذي روي عن ابن مسعود فمثل ذلك أيضا.
وذكروا ما حدثناه محمد بن إبراهيم قال حدثنا أحمد بن مطرف قال حدثنا سعيد بن عثمان قال حدثنا يونس بن عبد الأعلى قال حدثنا سفيان عن أبي إسحاق عن عبد الرحمن بن يزيد قال كان ابن مسعود يجعل العشاء بالمزدلفة بين الصلاتين.
وذكر عبد الرزاق قال أخبرنا أبو بكر ابن عياش أبي إسحاق عن عبد الرحمن بن يزيد قال كنت مع ابن مسعود بجمع فجعل بين المغرب والعشاء العشاء وصلى كل صلاة بأذان وإقامة وذكر الطحاوي قال حدثنا ابن أبي داود قال حدثنا أحمد بن يونس قال

(9/262)


حدثنا إسرائيل عن منصور عن إبراهيم عن الأسود أنه صلى الصلاتين مرتين بجمع كل صلاة بأذان وإقامة والعشاء بينهما وقال آخرون: تصلى الصلاتان جميعا بالمزدلفة بإقامة واحدة ولا يؤذن في شيء منهما.
واحتجوا بما رواه شعبة عن الحكم بن عتيبة وسلمة بن كهيل قالا صلى بنا سعيد بن جبير بإقامة المغرب ثلاثا فلما سلم قام فصلى ركعتي العشاء ثم حدث عن ابن عمر أنه صنع بهم في ذلك المكان مثل ذلك.
وحدث ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صنع بهم في ذلك المكان مثل ذلك.
وذكر عبد الرزاق وعبد الملك بن الصباح عن الثوري عن سلمة بن كهيل عن سعيد بن جبير عن ابن عمر قال جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المغرب والعشاء بجمع صلاة المغرب ثلاثا والعشاء ركعتين بإقامة واحدة وقالا أيضا عن الثوري عن أبي إسحاق عن عبد الله بن مالك قال صليت مع ابن عمر المغرب ثلاثا والعشاء ركعتين بالمزدلفة بإقامة واحدة فقال مالك بن خالد قال عبد الرزاق

(9/263)


هو الحارثي وقال عبد الملك هو المحاربي ما هذه الصلاة يا أبا عبد الرحمن قال صليتها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا المكان بإقامة واحدة.
قال أبو عمر:
الصواب الحارثي وقد روى شعبة هذا الحديث عن أبي إسحاق عن عبد الله ابن مالك بن الحرث عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم كما رواه الثوري ورواه زهير بن معاوية عن أبي إسحاق عن مالك بن الحرث عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم والصواب ما قاله شعبة والثوري والله أعلم.
وحدثنا محمد بن إبراهيم قال حدثنا أحمد بن مطرف قال حدثنا سعيد بن عثمان قال حدثنا يونس قال حدثنا سفيان عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قال حدثني أربعة كلهم ثقة منهم سعيد بن جبير وعلي الأزدي عن ابن عمر أنه صلى المغرب والعشاء بالمزدلفة بإقامة واحدة وذكر عبد الرزاق عن ابن عيينة عن ابن أبي حسين عن علي الأزدي عن ابن عمر مثله وبه يقول سفيان الثوري وجماعة وقد حمل قوم حديث ابن أبي ذئب عن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله بن

(9/264)


عمر عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى المغرب والعشاء بالمزدلفة جميعا لم يناد في واحدة منهما إلا بالإقامة على هذا أيضا أي بإقامة واحدة وحمله غيرهم على الإقامة لكل صلاة منهما دون أذان وهو الصواب وهو محفوظ في حديث ابن أبي ذئب من رواية الحفاظ الثقات وكذلك ذكر معمر وغيره في هذا الحديث عن ابن شهاب على ما سنذكره إن شاء الله.
وقد روي من حديث أبي أيوب الأنصاري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى المغرب والعشاء بجمع بإقامة واحدة ولا يصح قوله فيه بإقامة واحدة لأن مالكا وغيره من الحفاظ لم يذكروا ذلك فيه وروي ذلك أيضا من حديث البراء وهو عند أهل الحديث خطأ وسنذكر ذلك في بابه من كتابنا هذا إن شاء الله.
وقال آخرون: تصلى الصلاتان جميعا بالمزدلفة بأذان واحد وإقامتين واحتجوا بحديث جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم بذلك وهو أكمل حديث روي في الحج وأتمه وأحسنه مساقا رواه بتمامه عن جعفر بن محمد يحيى بن سعيد القطان وحاتم بن إسماعيل وجماعة وإلى هذا ذهب أبو جعفر الطحاوي واختاره وزعم أن النظر يشهد له لأن الآثار لم تختلف أن الصلاتين بعرفة صلاهما رسول الله صلى الله عليه وسلم بأذان واحد

(9/265)


وإقامتين فكذلك صلاتا المزدلفة في القياس لأنهما في حرمة الحج والآثار مختلفة في ذلك بالمزدلفة وغير مختلفة في ذلك بعرفة وخالف الطحاوي في ذلك أبا حنيفة وأصحابه لأنهم يقولون إن الصلاتين تصليان بالمزدلفة بأذان واحد وإقامة واحدة وذهبوا في ذلك إلى ما رواه هشيم عن يونس بن عبيد عن سعيد بن جبير عن ابن عمر أنه جمع بين المغرب والعشاء بجمع بأذان واحد وإقامة واحدة ولم يجعل بينهما شيئا قالوا فكان محالا أن يكون ابن عمر أدخل بينهما أذانا إلا وقد علمه من رسول الله صلى الله عليه وسلم وروي مثل هذا مرفوعا من حديث خزيمة بن ثابت وليس بالقوي.
وقد حكى الجوزجاني عن محمد بن الحسن عن أبي يوسف عن أبي حنيفة أنهما تصليان بأذان وإقامتين يؤذن للمغرب ويقام للعشاء فقط وإلى هذا ذهب الطحاوي وبه قال أبو ثور.
وحجتهم في ذلك حديث جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم واعتلوا بنحو ما قدمنا ذكره من أن عمر وابن مسعود إنما أذنا للثانية من أجل تأخيرهما العشاء وقال آخرون: تصلى الصلاتان جميعا بإقامتين دون أذان لواحدة منهما وممن قال ذلك الشافعي وأصحابه ومن حجة من ذهب إلى ذلك ما ذكره عبد الرزاق،

(9/266)


عن معمر عن ابن شهاب عن سالم عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم لما جاء المزدلفة جمع بين المغرب والعشاء صلى المغرب ثلاثا والعشاء ركعتين بإقامة لكل واحدة منهما ولم يصل بينهما شيئا ورواه الليث بن سعد عن عبد الرحمن بن خالد بن مسافر عن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله وليس في حديث مالك هذه الزيادة وهؤلاء حفاظ زيادتهم مقبولة وذكر الشافعي عن عبد الله بن نافع عن ابن أبي حبيب عن ابن شهاب عن سالم عن أبيه مثله غيرأنه قال لم يناد بينهما ولا على إثر واحدة منهما إلا بإقامة.
حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا بكر بن حماد قال حدثنا مسدد قال حدثنا يحيى بن سعيد عن ابن أبي ذئب عن الزهري عن سالم عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بجمع بإقامة إقامة لم يسبح بينهما ولا على إثر واحدة منهما واحتج الشافعي أيضا بحديث مالك عن موسى بن عقبة عن كريب مولى ابن عباس عن أسامة بن زيد أنه سمعه يقول دفع رسول الله صلى الله عليه وسلم من عرفة حتى إذا كان بالشعب نزل فبال ثم توضأ فلم يسبغ الوضوء فقلت له الصلاة فقال الصلاة أمامك فركب حتى جاء المزدلفة فنزل فتوضأ فأسبغ الوضوء ثم أقيمت الصلاة،

(9/267)


فصلى المغرب ثم أناخ كل إنسان بعيره في منزله ثم أقيمت العشاء فصلاها ولم يصل بينهما شيئا.
قال أبو عمر:
هذه الآثار ثابتة عن ابن عمر وهي من أثبت ما روي في هذا الباب عنه ولكنها محتملة للتأويل وحديث جابر لم يختلف عليه فيه أخبرني عبد الرحمن بن يحيى وغيره عن أحمد بن سعيد قال سمعت أحمد بن خالد يعجب من مالك في هذا الباب إذ أخذ بحديث ابن مسعود ولم يروه وترك الأحاديث التي روى.

(9/268)


قال أبو عمر:
فهذا اختصار ما بلغنا من الآثار واختلافها في هذا الباب عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وتهذيب ذلك وأجمع العلماء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دفع من عرفة بالناس بعدما غربت الشمس يوم عرفة فأفاض إلى المزدلفة وأنه عليه السلام أخر حينئذ صلاة المغرب فلم يصلها حتى أتى المزدلفة فصلى بها بالناس بالمغرب والعشاء جميعا بعدما غاب الشفق ودخل وقت العشاء الآخرة وأجمعوا أن ذلك سنة الحاج في ذلك الموضع وقد قدمنا ذكر ما اختلف فيه عنه صلى الله عليه وسلم من كيفية الأذان والإقامة في حين جمعه للصلاتين بالمزدلفة وأما اختلاف الفقهاء في ذلك فإن مالكا ذهب إلى أن كل صلاة منهما يؤذن لها ويقام واحدة بإثر أخرى وعلى ذلك أصحابه وذهب الثوري إلى أنهما جميعا تصليان بإقامة واحدة ولا يفصل بينهما إلا بالتسليم وذهب الشافعي إلى أن كل واحدة منهما تصلى بإقامة إقامة ولا يؤذن لواحدة منهما به قال إسحاق بن راهويه وهو أحد قولي أحمد بن حنبل وروي ذلك عن سالم والقاسم وذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أنهما يصليان بأذان واحد وإقامتين وهو قول أبي ثور واحتج بحديث جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم بذلك وقد ذكرنا حجة كل واحد

(9/269)


منهم من جهة الأثر ولا مدخل في هذه المسألة للنظر وإنما فيها الاتباع واختلفوا فيمن صلى الصلاتين المذكورتين قبل أن يصل إلى المزدلفة فقال مالك لا يصليهما أحد قبل جمع إلا من عذر فإن صلاهما من عذر لم يجمع بينهما حتى يغيب الشفق وقال الثوري لا يصليهما حتى يأتي جمعا وله السعة في ذلك إلى نصف الليل فإن صلاهما دون جمع أعاد وقال أبو حنيفة إن صلاهما قبل أن يأتي المزدلفة فعليه الإعادة وسواء صلاهما قبل مغيب الشفق أو بعده عليه أن يعيدهما إذا أتى المزدلفة.
واختلف عن أبي يوسف ومحمد فروي عنهما مثل ذلك وروي عنهما إن صلاهما بعرفات أجزأه.
وعلى قول الشافعي: لا ينبغي أن يصليهما قبل جمع فإن فعل أجزأه وبه قال أبو ثور وأحمد وإسحاق وروي ذلك عن عطاء وعروة وسالم والقاسم وسعيد بن جبير.
وقد روي عن جابر بن عبد الله قال لا صلاة إلا بجمع.
ومن الحجة لمن ذهب إلى ذلك قوله صلى الله عليه وسلم خذوا عني مناسككم وصلاهما جميعا بعد مغيب الشفق بجمع فليس لأحد أن يصليهما إلا في ذلك الموضع كذلك إلا من عذر كما قال مالك والله أعلم.

(9/270)


وقد ذكرنا أقوال الفقهاء فيمن فاتته الصلاة مع الإمام بالمزدلفة هل له أن يجمع الصلاتين أم لا في كتابنا هذا عند ذكر الصلاة بعرفة.
واختلفوا فيمن لم يمر بالمزدلفة ليلة النحر ولم يأتها ولم يبت بها غداة النحر فقال مالك من لم ينخ بالمزدلفة ولم ينزل بها وتقدم إلى منى فرمى الجمرة فإنه يهريق دما فإن نزل بها ثم دفع منها في أول الليل أو وسطه أو آخره وترك الوقوف مع الإمام فقد أجزأه ولا دم عليه.
وقال الثوري من لم يقف بجمع ولم يقف بها ليلة النحر فعليه دم وهو قول عطاء في رواية وقول الزهري وقتادة وبه قال أحمد وإسحاق وأبو ثور.
وقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد إذا ترك الوقوف بالمزدلفة ولم يقف بها ولم يمر بها ولم يبت فيها فعليه دم قالوا فإن بات وتعجل في الليل رجع إذا كان خروجه من غير عذر حتى يقف مع الإمام أو يصبح بها فإن لم يفعل فعليه دم قالوا وإن كان رجل مريض أو ضعيف أو غلام صغير فتقدموا من المزدلفة بالليل فلا شيء عليهم.
وقال الشافعي إن نزل وخرج منها بعد نصف الليل فلا شيء عليه وإن خرج قبل نصف الليل فلم يعد إليها ليقف بها مع الإمام ويصبح فعليه شاة قال وإنما حددنا نصف الليل لأنه بلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم أذن لضعفة أهله أن يرتحلوا من آخر الليل ورخص

(9/271)


لهم في أن لا يصبحوا بها ولا يقفوا مع الإمام والفرض على الضعيف والقوي سواء ولكنه تأخر لمواضع الفضل وتعليم الناس قال وما كان بعد نصف الليل فهو من آخر الليل وروي عن عطاء أنه إن لم ينزل بجمع فعليه دم وإن نزل بها ثم ارتحل بليل فلا شيء عليه رواه ابن جريج وغيره وهو الصحيح عنه وكان عبد الله بن عمر يقول إنما جمع منزل تدلج منه إذا شئت.
وقال علقمة وعامر الشعبي وإبراهيم النخعي والحسن البصري: من لم ينزل بالمزدلفة وفاته الوقوف بها فقد فاته الحج ويجعلها عمرة وهو قول عبد الله بن الزبير وبه قال الأوزاعي: أن الوقوف بالمزدلفة فرض واجب يفوت الحج بفواته وقد روي عن الثوري مثل ذلك ولا يصح عنه والأصح عنه إن شاء الله ما قدمنا ذكره.
وروي عن حماد بن أبي سليمان أنه قال من فاتته الإفاضة من جمع فقد فاته الحج فليحل بعمرة ثم يحج قابلا.
وحجة من قال بهذا القول قول الله عز وجل :{فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ} وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أدرك جمعا مع الناس حتى يفيض فقد أدرك وهذا المعنى رواه عروة بن مضرس عن النبي صلى الله عليه وسلم.

(9/272)


حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا أبو نعيم قال حدثنا زكرياء بن أبي زائدة عن عامر قال حدثني عروة ابن مضرس بن أوس بن حارثة بن لام أنه حج على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يدرك الناس إلا ليلا وهم بجمع فانطلق إلى عرفات ليلا فأفاض منها ثم رجع إلى جمع فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله أتعبت نفسي وأنصبت راحلتي فهل لي من حج فقال من صلى معنا الغداة بجمع ووقف معنا حتى نفيض وقد أفاض من عرفات قبل ذلك ليلا أو نهارا فقد تم حجه وقضى تفثه رواه عن الشعبي جماعة منهم إسماعيل بن أبي خالد وعبد الله بن أبي السفر وداود بن أبي هند وكان سفيان بن عيينة يقول زكرياء أحفظهم لهذا الحديث عن الشعبي.
قال أبو عمر:
معناهم كله واحد متقارب أخبرنا عبد الله بن محمد حدثنا محمد بن بكر حدثنا أبو داود حدثنا مسدد حدثنا يحيى عن إسماعيل حدثنا عامر أخبرنا عروة بن مضردس الطائي قال أتيت

(9/273)


رسول الله صلى الله عليه وسلم بالموقف يعني بجمع فقلت جئت يا رسول الله من جبلي طيء أكللت مطيتي وأتبعت نفسي والله ما تركت من حبل إلا وقفت عليه فهل لي من حج فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أدرك معنا هذه الصلاة وأتى عرفات قبل ذلك ليلا أو نهارا فقد تم حجه وقضى تفثه".
قال إسماعيل القاضي: ظاهر هذا الحديث إن كان صحيحا والله أعلم يدل على أن الرجل سأله عما فاته من الوقوف بالنهار بعرفة فأعلمه أن من وقف بعرفة ليلا أو نهارا فقد تم حجه فدار الأمر على أن الوقوف بالنهار لا يضره إن فاته لأنه لما قال ليلا أو نهارا فالسائل يعلم أنه "إذا وقف بالليل وقد فاته الوقوف بالنهار أن ذلك لا يضره وأنه قد تم حجه لأنه رأى له بهذا القول أن يقف بالنهار دون الليل".
وعلم أن المعنى فيه إذا وقف بالليل وقد فاته الوقوف بالنهار أن ذلك لا يضره قال ولو حمل هذا الحديث أيضا على ما يحتج به من احتج به لوجب على من لم يدرك الصلاة مع الإمام بجمع أن يكون حجه فاسدا ولكن الكلام يحمل على صحته وصحة هذا المعنى فيه لأن

(9/274)


الرجل إنما سأل وقد أدرك الصلاة بجمع وقد وقف بعرفة ليلا فاعلم أن حجه تام.
وقال أبو الفرج: معنى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث عروة بن مضرس وقد أفاض قبل ذلك ليلا أو نهارا أراد والله أعلم ليلا أو نهارا وليلا فسكت عن أن يقول ليلا لعلمه بما قدم من فعله لأن من وقف نهارا فقد أدرك الليل لأنه أراد بذكر النهار اتصال الليل به قال وقد يحتمل أن يكون قوله ليلا أو نهارا بمعنى ليلا ونهارا فتكون أو بمعنى الواو كما قال الله عزّ وحلّ: {وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً} أي آثما وكفورا والله أعلم.
قال أبو عمر:
لو كان كما ذكر كان الوقوف واجبا ليلا ونهارا ولم يغن أحدهما عن صاحبه وهذا لا يقوله أحد وقد أجمع المسلمون أن الوقوف بعرفة ليلا يجزئ عن الوقوف بالنهار إلا أن فاعل ذلك عندهم إذا لم يكن مراهقا ولم يكن له عذر فهو مسيء ومن أهل العلم من رأى عليه دما ومنهم من لم ير عليه شيئا وجماعة العلماء يقولون أن من وقف بعرفة ليلا أو نهارا بعد زوال الشمس من يوم عرفة أنه مدرك للحج إلا مالك بن أنس ومن قال بقوله فإن الفرض عنده الليل دون النهار وعند سائر العلماء الليل والنهار بعد الزوال في ذلك سواء في الفرض إلا أن السنة أن يقف كما وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم نهارا يتصل

(9/275)


له بالليل ولا خلاف بين أهل العلم أن الوقوف بعرفة فرض لا حج لمن فاته الوقوف بها يوم عرفة كما ذكرنا أو ليلة النحر على ما وصفنا وسنذكر ما يجب من القول في أحكام الوقوف بعرفة والصلاة بها في أولى المواضع من كتابنا هذا وذلك حديث ابن شهاب عن سالم في قصة ابن عمر مع الحجاج إن شاء الله.
واحتج أيضا بعض من لم ير الوقوف بالمزدلفة فرضا من غير أصحابنا بأن قال ليس في حديث عروة بن مضرس دليل على ما ذكر لمن أوجب الوقوف بالمزدلفة فرضا لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما قال فيه من صلى صلاتنا هذه وكان قد أتى قبل ذلك عرفة من ليل أو نهار فقد قضى حجه وتم تفثه فذكر الصلاة بالمزدلفة وكان أجمع أنه لو بات بها ووقف ونام عن الصلاة فلم يصلها مع الإمام حتى فاتته أن حجه تام فلما كان حضور الصلاة مع الإمام المذكور في هذا الباب ليس من صلب الحج كان الوقوف بالموطن الذي تكون فيه الصلاة أحرى أن يكون كذلك قالوا فلم يتحقق بهذا الحديث ذلك الفرض إلا بعرفة خاصة قالوا فإن احتج محتج بقول الله عز وجل: {فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ} وقال قد ذكر الله المشعر الحرام كما ذكر عرفات وذكر ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم في سنته فحكمهما واحد لا يجزئ الحج إلا بإصابتهما قيل له ليس في قول الله عز وجل: {فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ} دليل على أن ذلك على الوجوب في الوقوف وكل قد أجمع أنه لو وقف بالمزدلفة ولم يذكر الله أن حجه تام فإذا لم يكن الذكر المأمور به من صلب الحج فشهود الموطن أولى بأن لا يكون كذلك.

(9/276)


قال وقد ذكر الله في كتابه أشياء من أمر الحج لم يرد بذكرها إيجابها هذا ما احتج به أبو جعفر الأزدي وذكر حديث عبد الرحمن بن يعمر الديلي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال "الحج عرفات" وفي بعض ألفاظ هذا الحديث الحج يوم عرفة فمن أدرك جمعا قبل صلاة الفجر فقد أدرك.

(9/277)


الحديث السابع والعشرون
...
حديث رابع لابن شهاب عن سالم مسند
شرك فيه سالما أخوه حمزة.
مالك عن ابن شهاب عن سالم وحمزة ابني عبد الله بن عمر عن أبيهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "الشؤم في الدار والمرأة والفرس".
الشؤم في كلام العرب النحس وكذلك قال أهل العلم: بتأويل القرآن في قول الله عز وجل: {فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ} قالوا: مشائيم قال أبو عبيدة: نحسات ذوات نحوس مشائيم وقد فسر معمر في روايته لهذا الحديث الشؤم تفسيرا حسنا.
أخبرنا خلف بن سعيد قال حدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا أحمد بن خالد قال حدثنا إسحاق بن إبراهيم قال حدثنا عبد الرزاق قال أخبرنا معمر عن الزهري عن سالم أو عن حمزة أو كليهما شك معمر عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الشؤم في الفرس والمرأة والدار قال وقالت أم سلمة: والسيف.

(9/278)


قال معمر: سمعت من يفسر هذا الحديث يقول شؤم المرأة إذا كانت غير ولود وشؤم الفرس إذا لم يغز عليه في سبيل الله وشؤم الدار جار السوء وقد روى جويرية عن مالك عن الزهري أن بعض أهل أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أخبره أن أم سلمة كانت تزيد السيف.
قال أبو عمر:
هذا حديث صحيح الإسناد أعني ابن شهاب عن سالم وحمزة أما المتن فقد اختلفت الآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم فروى مالك عن أبي حازم عن سهل بن سعد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن كان ففي الدار والمرأة والفرس يعني الشؤم فلم يقطع صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث بالشؤم.
وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال "لا شؤم واليمن في الدار والدابة والخادم" وربما قال المرأة وهذا أشبه في الأصول لأن الآثار ثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال "لا طيرة ولا شؤم ولا عدوى" .
حدثنا أحمد بن قاسم قال حدثنا محمد بن معاوية قال حدثنا أحمد بن الحسن الصوفي قال حدثنا الهيثم بن خارجة قال حدثنا إسماعيل بن عياش عن سليمان بن سليم الطائي عن يحيى بن

(9/279)


جابر الطائي عن معاوية بن حكيم عن عمه حكيم بن معاوية قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا شؤم وقد يكون اليمن في المرأة والدار والفرس.
وحدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد قال حدثنا إبراهيم بن علي بن غالب قال حدثنا محمد بن الربيع بن سليمان قال حدثنا يوسف بن سعيد قال حدثنا حجاج عن ابن جريج عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "لا طيرة وخيرها الفأل" قالوا: وما الفأل قال الكلمة الصالحة هذا أصح حديث في هذا الباب في الإسناد والمعنى وكان صلى الله عليه وسلم يعجبه الفأل الحسن ويكره الطيرة وقال صلى الله عليه وسلم "إذا تطيرتم فامضوا وعلى الله فتوكلوا".
وقد روى ابن وهب عن مالك عن ابن شهاب عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن معاوية بن الحكم السلمي قال قلت يا رسول الله أمور كنا نصنعها في الجاهلية كنا نأتي الكهان قال "فلا تأتوا الكهان" قال وكنا نتطير قال "ذلك شيء يجده أحدكم في نفسه فلا يصدنكم

(9/280)


قال الدار قطني: تفرد ابن وهب من هذا الحديث بذكر الكهان والنهي عن إيتائهم قال ورواه ابن القاسم وسعد بن عفير وعبد الله بن يوسف وإسحاق بن عيسى الطباع وعبد العزيز الأويسي وإبراهيم بن طهمان عن مالك عن الزهري عن أبي سلمة عن معاوية بن الحكم ذكروا سؤاله عن الطيرة قال سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الطيرة فقال ذلك شيء يجده أحدكم في نفسه فلا يصدنكم.
وروى ابن وهب عن مالك حديث ابن شهاب هذا فقال فيه لا عدوى ولا طيرة حدثناه علي بن إبراهيم قال حدثنا الحسن بن رشيق قال حدثنا العباس بن محمد قال حدثنا أحمد بن صالح قال أخبرنا ابن وهب قال أخبرني يونس ومالك عن ابن شهاب عن حمزة وسالم ابني عبد الله بن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا عدوى ولا طيرة وإنما الشؤم في ثلاثة المرأة والفرس والدار وكان ابن عيينة يروي هذا الحديث عن ابن شهاب فلا يروى في إسناده حمزة.
حدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن إسماعيل قال حدثنا الحميدي قال حدثنا سفيان قال حدثنا الزهري عن سالم عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الشؤم في ثلاث الفرس والمرأة والدار فقيل لسفيان إنهم يقولون فيه عن حمزة قال ما سمعت الزهري ذكر في هذا الحديث حمزة "قط" وكذلك رواه عبد الرحمن عن الزهري بمثل رواية ابن عيينة سواء.

(9/281)


ورواه إسحاق بن سليمان عن مالك عن الزهري عن سالم عن أبيه لم يذكر فيه حمزة ورواه عثمان بن عمر عن مالك بمثل إسناد ابن عيينة لم يذكر فيه حمزة أيضا إلا أنه جاء به على لفظ حديث ابن وهب.
أخبرني أحمد بن أبي عمران الهروي فيما كتب إلي به إجازة قال حدثنا محمد بن علي النقاش قال حدثنا أبو عروبة قال حدثنا محمد بن بشار قال حدثنا عثمان بن عمر قال حدثنا مالك بن أنس عن الزهري عن سالم عن عبد الله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا عدوى ولا صفر والشؤم في ثلاث في المرأة والدار والفرس.
قال أبو عمر:
أصل التطير واشتقاقه عند أهل العلم باللغة والسير والأخبار هو مأخوذ من زجر الطير ومروره سانحا أو بارحا منه اشتقوا التطير ثم استعملوا ذلك في كل شيء من الحيوان وغير الحيوان فتطيروا من الأعور والأعضب والأبتر وكذلك إذا رأوا الغراب أو غيره من

(9/282)


الطير يتفلى أو ينتف ولإيمان العرب بالطيرة عقدوا الرتائم واستعملوا القداح بالآمر والناهي والمتربص وهي غير قداح الأيسار وكانوا يشتقون الأسماء الكريهة مما يكرهون وربما قلبوا ذلك إلى الفأل الحسن فرارا من الطيرة ولذلك سموا اللديغ سليما والقفر مفازة وكنوا الأعمى أبا البصير ونحو هذا فمن تطير جعل الغراب من الاغتراب والغربة وجعل غصن البان من البينونة والحمام من الحمام ومن الحميم ومن الحمى وربما جعلوا الحبل من الوصال والهدهد من الهدى وغصن البان من بيان الطريق والعقاب من عقبى خير ومثل هذا كثير عنهم إذا غلب عليهم الإشفاق تطيروا وتشاءموا وإذا غلب عليهم الرجاء والسرور تفاءلوا وذلك مستعمل عندهم فيما يرون من الأشخاص ويسمعون من الكلام فقال له: رسول الله صلى الله عليه وسلم لا طيرة ولا شؤم فعرفهم أن ذلك إنما هو شيء من طريق الاتفاق ليرفع عن المتوقع ما يتوقعه من ذلك كله ويعلمه أن ذلك ليس يناله منه إلا ما كتب له.
وأما قوله في هذا الحديث: الشؤم في الدار والمرأة والفرس فهو عندنا على غير ظاهره وسنقول فيه بحول الله وعونه لا شريك له وكان ابن مسعود يقول إن كان الشؤم في شيء فهو فيما بين اللحيين يعني اللسان وما شيء أحوج إلى سجن طويل من لسان.

(9/283)


قال أبو عمر:
ونقول في معنى حديث هذا الباب بما نراه يوافق الصواب إن شاء الله.
فقوله عليه السلام: لا طيرة نفي عن التشاؤم والتطير بشيء من الأشياء وهذا القول أشبه بأصول شريعته صلى الله عليه وسلم من حديث الشؤم فإن قال قائل قد روى زهير بن معاوية عن عتبة بن حميد قال حدثني عبيد الله بن أبي بكر أنه سمع أنسا يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا طيرة والطيرة على من تطير وإن تكن في شيء ففي المرأة والدار والفرس وقال هذا يوجب أن تكون الطيرة في الدار والمرأة والفرس لمن تطير قيل له وبالله التوفيق.
لو كان كما ظننت لكان هذا الحديث ينفي بعضه بعضا لأن قوله لا طيرة نفي لها وقوله والطيرة على من تطير إيجاب لها وهذا محال أن يظن بالنبي صلى الله عليه وسلم مثل هذا من النفي والإثبات في شيء واحد ووقت واحد ولكن المعنى في ذلك نفي الطيرة بقوله لا طيرة وأما قوله الطيرة على من تطير فمعناه إثم الطيرة على من تطير بعد علمه بنهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الطيرة.

(9/284)


وقوله فيها: إنها شرك وما منا إلا ولكن الله يذهبه بالتوكل.
فمعنى هذا الحديث عندنا والله أعلم أن من تطير فقد أثم وإثمه على نفسه في تطيره لترك التوكل وصريح الإيمان لأنه يكون ما تطير به على نفسه في الحقيقة لأنه لا طيرة حقيقة ولا شيء إلا ما شاء الله في سابق علمه والذي أقول به في هذا الباب تسليم الأمر لله عز وجل وترك القطع على الله بالشؤم في شيء لأن أخبار الآحاد لا يقطع على عينها وإنما توجب العمل فقط قال الله تبارك اسمه: {قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} وقال {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} فما قد خط في اللوح المحفوظ لم يكن منه بد وليست البقاع ولا الأنفس بصانعة شيئا من ذلك والله أعلم وإياه أسأل

(9/285)


السلامة من الزلل في القول والعمل برحمته وقد كان من العرب قوم لا يتطيرون ولا يرون الطيرة شيئا.
ذكر الأصمعي أن النابغة خرج مع زيان بن سيار يريدان الغزو فبينما هما في منهل يريدان الرحلة إذ نظر النابغة فإذا على ثوبه جرادة فقال جرادة تجرد وذات ألوان فتطير وقال لا أذهب في هذا الوجه ونهض زيان فلما رجع من تلك الغزوة سالما غانما أنشأ يقول:
تخبر طيرة فيها زياد ... لتخبره وما فيها خبير
أقام كأن لقمان بن عاد ... أشار له بحكمته مشير
تعلم أنه لا طير إلا ... على متطير وهو الثبور
بلى شيء يوافق بعض شيء ... أحايينا وباطله كثير
هذا زيان بن سيار وهو أحد دهاة العرب وساداتهم لم ير ذلك شيئا وقال إنه اتفاق وباطله كثير وممن كان لا يرى الطيرة شيئا من العرب ويوصي بتركها الحرث بن حلزة وذلك من صحيح قوله ويقولون أن ما عدا هذه الأبيات من شعره "هذا" فهو مصنوع:
يا أيها المزمع ثم انثنى ... لا يثنك الحازي ولا الساحج
ولا قعيد أعضب قرنه ... هاج له من مرتع هائج
بينا الفتى يسعى ويسعى له ... تاح له من أمره خالج

(9/286)


يترك ما رقح من عيشه ... يعبث فيه همج هامج
لا تكسع الشول بأغبارها ... إنك لا تدري من الناتج
أما قوله الحازي فهو الكاهن والساحج الغراب والخالج ما يعتري المرء من الشك وترك اليقين والعلم ورقح معيشته "أي" أصلحها والشول النوق التي جفت ألبانها وكسعت الناقة إذا بركت وفي ضرعها بقية من اللبن والأغبار هاهنا بقايا اللبن والناتج الذي يلي الناقة في حين نتاجها والمرقش السدوسي كان أيضا ممن لا يتطير وهو القائل:
ولقد غدوت وكنت لا ... أغدو على واق وحاتم
فإذا الأشائم كالأيا ... من والأيامن كالأشائم
وكذاك لا خير ولا ... شر على أحد بدائم
الواق الصرد والحاتم الغراب.
أخبرنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن أسد قال حدثنا حمزة بن محمد قال حدثنا أحمد بن شعيب قال أنبأنا قتيبة بن سعيد وسليمان بن منصور واللفظ له قالا حدثنا سفيان عن ابن عجلان عن الأعرج عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير احرص على ما ينفعك ولا تعجز فإن غلبك أمر فقل قدر الله وإياك واللو فإن اللو تفتح عمل الشيطان.

(9/287)


وحدثنا محمد بن إبراهيم قال حدثنا أحمد بن مطرف قال حدثنا سعيد بن عثمان بن خمير قالا حدثنا يونس بن عبد الأعلى قال حدثنا سفيان عن محمد بن عجلان عن الأعرج عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "المؤمن القوي..." فذكره سواء.
هكذا رواه ابن عيينة عن ابن عجلان عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ورواه كذلك الفضيل عن محمد ابن عجلان عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ورواه ابن المبارك عن محمد بن عجلان "عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ورواه عبد الله بن إدريس" عن ربيعة بن عثمان عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم وكانت عائشة تنكر حديث الشؤم وتقول إنما حكاه رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أهل الجاهلية وأقوالهم وكانت تنفي الطيرة ولا تعتقد شيئا منها حتى قالت لنسوة كن يكرهن الابتناء بأزواجهن في شوال ما تزوجني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا في شوال وما دخل بي إلا في شوال فمن كان أحظى مني "عنده"؟ وكانت تستحب أن يدخلن على أزواجهن في شوال.
حدثنا محمد بن عبد الله بن حكم قال حدثنا محمد بن معاوية بن عبد الرحمن قال حدثنا إسحاق ابن أبي حسان قال حدثنا هشام بن عمار قال حدثنا الوليد بن مسلم عن سعيد عن قتادة عن أبي حسان أن رجلين دخلا على عائشة وقالا إن أبا هريرة يحدث أن

(9/288)


النبي صلى الله عليه وسلم قال إنما الطيرة في المرأة والدار والدابة فطارت شقة منها في السماء وشقة في الأرض ثم قالت كذب والذي أنزل الفرقان على أبي القاسم من حدث عنه بهذا ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول كان أهل الجاهلية يقولون الطيرة في المرأة والدار والدابة ثم قرأت عائشة {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} .
قال أبو عمر:
أما قول عائشة في أبي هريرة كذب والذي أنزل الفرقان فإن العرب تقول كذبت بمعنى غلطت فيما قدرت وأوهمت فيما قلت ولم تظن حقا ونحو هذا وذلك معروف من كلامهم موجود في أشعارهم كثيرا قال أبو طالب.
كذبتم وبيت الله نترك مكة ... ونظعن إلا أمركم في بلابل
كذبتم وبيت الله نبرا محمدا ... ولما نطاعن دونه ونناضل
ونسلمه حتى نصرع حوله ... ونذهل عن أبنائنا والحلائل
وقال بعض شعراء همدان:
كذبتم وبيت الله لا تأخذونها ... مراغمة ما دام للسيف قائم

(9/289)


وقال زفر بن الحرث العبسي:
أفي الحق أما بجدل وابن بجدل ... فيحيا وأما ابن الزبير فيقتل
كذبتم وبيت الله لا تقتلونه ... ولما يكن يوم أغر محجل
ألا ترى أن هذا ليس من باب الكذب الذي هو ضد الصدق وإنما هو من باب الغلط وظن ما ليس بصحيح وذلك أن قريشا زعموا أنهم يخرجون بني هاشم من مكة إن لم يتركوا جوار محمد صلى الله عليه وسلم فقال له: م أبو طالب كذبتم أي غلطتم فيما قلتم وظننتم وكذلك معنى قول الهمداني والعبسي وهذا مشهور من كلام العرب ومن هذا ما ذكره الحسن بن علي الحلواني قال حدثنا عارم قال حدثنا حماد بن زيد عن أيوب قال سألت سعيد بن جبير عن الرجل يأذن لعبده في التزويج بيد من الطلاق قال بيد العبد قلت إن جابر بن زيد يقول بيد السيد قال كذب جابر يريد غلط وأخطأ والله أعلم.
وقد يحتمل أن يكون قول رسول الله صلى الله عليه وسلم الشؤم في ثلاثة في الدار والمرأة والفرس كان في أول الإسلام خبرا عما كانت تعتقده العرب في جاهليتها على ما قالت "عائشة" ثم نسخ ذلك وأبطله القرآن والسنن.
وأما قوله صلى الله عليه وسلم للقوم في قصة الدار اتركوها ذميمة فذلك والله أعلم لما رآه منهم وأنه قد كان رسخ في قلوبهم مما كانوا عليه في جاهليتهم وقد كان صلى الله عليه وسلم

(9/290)


رؤوفا بالمؤمنين يأخذ عفوهم شيئا شيئا وهكذا كان نزول الفرائض والسنن حتى استحكم الإسلام وكمل والحمد لله ثم بين رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك لأولئك الذين قال لهم اتركوها ذميمة ولغيرهم ولسائر أمته الصحيح بقوله لا طيرة ولا عدوى والله أعلم وبه التوفيق.

(9/291)