Contents

الواجهة
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد
مقدمة
باب الألف
باب الثاء
باب الجيم
باب الحاء
باب الخاء
باب الدال
باب الراء
باب الزاي
تابع باب الزاء
تابع لحرف الزاء
تابع لحرف الزاء
باب الطاء
باب الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع حرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
باب النون
باب الصاد
باب الضاد
باب العين
تابع لحرف العين
تابع حرف العين
تابع لحرف العين
تابع لحرف العين
باب القاف
باب السين
باب الشين
باب الهاء
باب الواو
باب الياء
تابع باب الياء
باب الكني
باب بلاغات مالك ومرسلاته
باب مافي هذا الديوان من حديث مالك الذي ثبتت عليه أبوابه خاصة
الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج
الديباج - جزء 1
الديباج - جزء 2
الديباج - جزء 3
الديباج - جزء 4
الديباج - جزء 5
الديباج - جزء 6
المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج
المنهاج - مقدمة
المنهاج - الإيمان
المنهاج - الطهارة
المنهاج - الحيض
المنهاج - الصَّلَاة
المنهاج - المساجد ومواضع الصلاة
المنهاج - صلاة المسافرين وقصرها
المنهاج - بَاب صَلَاة الْجُمُعَة
المنهاج - بَاب صَلَاة الْعِيدَيْنِ
المنهاج - بَاب الدُّعَاء فِي صَلَاة الِاسْتِسْقَاء
المنهاج - بَاب صَلَاة الْكُسُوف
المنهاج - كِتَاب الْجَنَائِز
المنهاج - الزكاة
المنهاج - كِتَاب الصِّيَام
المنهاج - كِتَاب الِاعْتِكَاف
المنهاج - كِتَاب الْحَجّ
المنهاج - كِتَاب النِّكَاح
المنهاج - الرضاعة
المنهاج - الطلاق
المنهاج - اللِّعَان
المنهاج - العتق
المنهاج - البيوع
المنهاج - المساقاة
المنهاج - الفرائض
المنهاج - الهبات
المنهاج - الوصية
المنهاج - النذر
المنهاج - الأيمان
المنهاج - القسامة
المنهاج - الحدود
المنهاج - الأقضية
المنهاج - اللقطة
المنهاج - الجهاد والسير
المنهاج - الإمارة
المنهاج - الصيد والذبائح
المنهاج - كِتَاب الْأَضْاحَي
المنهاج - الأشربة
المنهاج - اللباس والزينة
المنهاج - الآداب
المنهاج - السلام
المنهاج - الألفاظ من الأدب وغيرها
المنهاج - الشعر
المنهاج - الرؤيا
المنهاج - الفضائل
المنهاج - فضائل الصحابة
المنهاج - البر والصلة والآداب
المنهاج - القدر
المنهاج - العلم
المنهاج - الذكر والدعاء
المنهاج - التوبة
المنهاج - صفات المنافقين
المنهاج - صفة القيامة والجنة والنار
المنهاج - الجنة وصفة نعيمها وأهلها
المنهاج - الفتن وأشراط الساعة
المنهاج - الزهد والرقائق
المنهاج - التفسير
تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي
أبواب الطهارة
أبواب الصلاة
تابع أبواب الصلاة
أبواب الوتر
أبواب الجمعة
تابع لأبواب الجمعة
أبواب العيدين
أبواب السفر
ابواب الزكاة
أبواب الصوم
أبواب الحج
تابع أبواب الحج
أبواب الجنائز
أبواب النكاح
أبواب الرضاع
أبواب الطلاق واللعان
ابواب البيوع
أبواب الأحكام
أبواب الديات
ابواب الحدود
تابع أبواب الحدود
أبواب الصيد
أبواب الأضاحي
أبواب النذور والأيمان
أبواب السير
أبواب الجهاد
أبواب اللباس
أبواب الأطعمة
أبواب الأشربة
تابع أبواب الأشربة
أبواب البر و الصله عن رسول الله صلى الله عليه و آله سلم
أبواب الطب عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الفرائض عن الرسول صلى الله عليه و سلم
أبواب الوصايا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الولاء و الهبة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب القدر عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم
أبواب الفتن عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الرؤيا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الشهادات عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
تابع لأبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صِفَةُ القِيامَة
أبواب صفة الجنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صفة جهنم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإيمان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب العلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإستئذان والآداب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب العلم
أبواب الأمثال
أبواب فضائل القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب القراءات عن رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم
أبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الدعوات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أحاديث شتى من أبواب الدعوات
المناقب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
مناقب الصحابة رضوان الله عليهم
تنوير الحوالك شرح موطأ مالك
كتاب وقوت الصلاة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب السهو
كتاب الجمعة
كتاب الصلاة في رمضان
كتاب صلاة الليل
كتاب صلاة الجماعة
كتاب قصر الصلاة في السفر
كتاب العيدين
كتاب صلاة الخوف
كتاب صلاة الكسوف
كتاب الاستسقاء
كتاب القبلة
كتاب القرآن
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب الجهاد
كتاب النذور و الأيمان
كتاب الضحايا
كتاب الذبائح
كتاب الصيد
كتاب العقيقة
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الرضاع
كتاب البيوع
كتاب القراض
كتاب المساقاة - كتاب كراء الأرض
كتاب الشفعة - كتاب الأقضية
كتاب الوصية - كتاب العتق والولاء
كتاب المكاتب - كتاب المدبر
كتاب الحدود
كتاب الأشربة - كتاب العقول
كتاب القسامة - كتاب الجامع
كتاب القدر - كتاب حسن الخلق
كتاب اللباس - كتاب صفة النبي
كتاب العين - كتاب الشعر
كتاب الرؤيا - كتاب السلام
كتاب الاستئذان والتشميت والصور والتماثيل وغيرها
كتاب البيعة - كتاب الكلام والعينة والتقى
كتاب جهنم - كتاب الصدقة
كتاب العلم - كتاب دعوة المظلوم - كتاب أسماء النبي
حاشية السندي على سنن ابن ماجة
المقدمة
الطَّهَارَة وَسُنَنهَا
الصلاة
الْأَذَان
المساجد والجماعات
أَبْوَاب إِقَامَة الصَّلَاة
الجنائز
الصوم
الزكاة
النكاح
الطلاق
الكفارات
التجارات
الأحكام
الحدود
الديات
الوصايا
الْفَرَائِض
الجهاد
المناسك
الْأَضَاحِيّ
الذبائح
الصيد
الأطعمة
الأشربة
الطب
اللباس
الْآدَاب
الدُّعَاء
تعبير الرؤيا
الْفِتَن
الزُّهْد
شرح سنن ابن ماجه لمغلطاي
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح رياض الصالحين
شرح رياض الصالحين - 01
شرح رياض الصالحين - 02
شرح رياض الصالحين - 03
شرح رياض الصالحين - 04
شرح سنن أبي داود للعيني
مقدمة التحقيق
كتاب الطهارة
كِتابُ الصَلاَةِ
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
عون المعبود شرح سنن أبي داود
كتاب الطهارة
تابع كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
كتاب الزكاة
تابع لكتاب الزكاة
كتاب اللقطة
كتاب المناسك
تابع لكتاب المناسك
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الصيام
تابع لكتاب الصيام
أول كتاب الجهاد
أول كتاب الضحايا
تابع كتاب الضحايا
أول كتاب الصيد
أول كتاب الوصايا
أول كتاب الفرائض
أول كتاب الخراج والفيء والإمارة
أول كتاب الجنائز
تابع لكتاب الجنائز
كتاب الأيمان والنذور
كتاب البيوع
كتاب الإجارة
كتاب القضاء
تابع لكتاب القضاء
كتاب العلم
كتاب الأشربة
كتاب الأطعمة
كتاب الطب
كتاب الكهانة والتطير
كتاب العتق
أول كتاب الحروف والقراءات
أول كتاب الحمام
أول كتاب اللباس
أول كتاب الترجل
أول كتاب الخاتم
أول كتاب الفتن والملاحم
أول كتاب المهدي
أول كتاب الملاحم
أول كتاب الحدود
أول كتاب الديات
أول كتاب السنة
تابع لكتاب السنة
أول كتاب الأدب
أبواب السلام
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن حجر
فتح الباري - هدي الساري مقدمة فتح الباري
فتح الباري - كتاب بدء الوحي
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب العلم
فتح الباري - كتاب الوضوء
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
فتح الباري - كتاب مواقيت الصلاة
فتح الباري - كتاب الأذان
فتح الباري - كتاب الجمعة
فتح الباري - كتاب الخوف
فتح الباري - كتاب العيدين
فتح الباري - كتاب الوتر
فتح الباري - كتاب الاستسقاء
فتح الباري - كتاب الكسوف
فتح الباري - كتاب سجود القرآن
فتح الباري - كتاب تقصير الصلاة
فتح الباري - كتاب التهجد
فتح الباري - كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة
فتح الباري - كتاب العمل في الصلاة
فتح الباري - كتاب السهو
فتح الباري - كتاب الجنائز
فتح الباري - كتاب الزكاة
فتح الباري - كتاب الحج
فتح الباري - كتاب العمرة
فتح الباري - كتاب المحصر
فتح الباري - كتاب جزاء الصيد
فتح الباري - كتاب فضائل المدينة
فتح الباري - كتاب الصوم
فتح الباري - كتاب صلاة التراويح
فتح الباري - كتاب فضل ليلة القدر
فتح الباري - كتاب الإعتكاف
فتح الباري - كتاب البيوع
فتح الباري - كتاب السلم
فتح الباري - كتاب الشفعة
فتح الباري - كتاب الإجارة
فتح الباري - كتاب الحرث والمزارعة
فتح الباري - كتاب المساقاة
فتح الباري - كتاب الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس
فتح الباري - كتاب الخصومات
فتح الباري - كتاب اللقطة
فتح الباري - كتاب المظالم
فتح الباري - كتاب الشركة
فتح الباري - كتاب الرهن
فتح الباري - كتاب العتق
فتح الباري - كتاب المكاتب
فتح الباري - كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها
فتح الباري - كتاب الشهادات
فتح الباري - كتاب الصلح
فتح الباري - كتاب الشروط
فتح الباري - كتاب الوصايا
فتح الباري - كتاب الجهاد و السير
فتح الباري - كتاب فرض الخمس
فتح الباري - كتاب الجزية و الموادعة
فتح الباري - كتاب بدء الخلق
فتح الباري - كتاب أحاديث الأنبياء
فتح الباري - كتاب المناقب
فتح الباري - كتاب فضائل الصحابة
فتح الباري - كتاب مناقب الأنصار
فتح الباري - كتاب المغازي
فتح الباري - كتاب التفسير
فتح الباري - كتاب فضائل القرآن
فتح الباري - كتاب النكاح
فتح الباري - كتاب الطلاق
فتح الباري - كتاب النفقات
فتح الباري - كتاب الأطعمة
فتح الباري - كتاب العقيقة
فتح الباري - كتاب الذبائح والصيد
فتح الباري - كتاب الأضاحي
فتح الباري - كتاب الأشربة
فتح الباري - كتاب المرضى
فتح الباري - كتاب الطب
فتح الباري - كتاب اللباس
فتح الباري - كتاب الأدب
فتح الباري - كتاب الإستئذان
فتح الباري - كتاب الدعوات
فتح الباري - كتاب الرقاق
فتح الباري - كتاب القدر
فتح الباري - كتاب الأيمان والنذور
فتح الباري - كتاب كفارات الأيمان
فتح الباري - كتاب الفرائض
فتح الباري - كتاب الحدود
فتح الباري - كتاب الديات
فتح الباري - كتاب استتابة المرتدين
فتح الباري - كتاب الإكراه
فتح الباري - كتاب الحيل
فتح الباري - كتاب التعبير
فتح الباري - كتاب الفتن
فتح الباري - كتاب الأحكام
فتح الباري - كتاب التمني
فتح الباري - كتاب أخبار الأحاد
فتح الباري - كتاب الإعتصام بالسنة
فتح الباري - كتاب التوحيد
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن رجب
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
مقدمة
خطبة الكتاب
كتاب الإيمان
كتاب العلم
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصوم
كتاب فضائل القرآن
كتاب الدعوات
كتاب المناسك
كتاب البيوع
كتاب الفرائض والوصايا
كتاب النكاح
كتاب العتق
كتاب القصاص
كتاب الديات
كتاب الحدود
كتاب الإمارة والقضاء
كتاب الجهاد
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأطعمة
كتاب اللباس
كتاب الطب والرقى
كتاب الرؤيا
كتاب الآداب
كتاب الرقاق
كتاب الفتن
كتاب صفة القيامة والجنة والنار
كتاب الفضائل والشمائل
كتاب المناقب

 
عودة لموقع هاني الطنبور
هاني الطنبور
الصفحة السابقة الصفحة التالية
 
 

 

التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد

المجلد العاشر
تابع حرف الميم
تابع لمحمد بن شهاب الزهري
الحديث الثامن والعشرون
...
حديث خامس لابن شهاب عن سالم يجري مجرى المسند
مالك عن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله أنه قال كتب عبد الملك بن مروان إلى الحجاج بن يوسف أن لا تخالف عبد الله بن عمر في أمر الحج قال فلما كان يوم عرفة جاءه عبد الله بن عمر حين زاغت الشمس وأنا معه فصاح به ثم سرادقه أين هذا فخرج إليه الحجاج وعليه ملحفة معصفرة فقال مالك يا أبا عبد الرحمن فقال الرواح إن كنت تريد السنة فقال أهذه الساعة قال نعم قال فأنظرني حتى أفيض علي ماء ثم أخرج فنزل عبد الله حتى خرج الحجاج فصار بيني وبين أبي فقلت له إن كنت تريد أن تصيب السنة فأقصر الخطبة وعجل الصلاة قال فجعل ينظر إلى عبد الله بن عمر كيما يسمع ذلك منه فلما رآى ذلك عبد الله قال صدق

(10/5)


قد ذكرنا عبد الله بن مروان موضع من كتبنا وأما الحجاج فهو الحجاج بن يوسف بن الحكم بن أبي عقيل الثقفي أمه فارعة بنت همام بن عقيل بن عروة بن مسعود الثقفي كانت قبل أبيه تحت المغيرة بن شعبة كان الحجاج ثم جمهور العلماء أهلا أن لا يروى عنه ولا يؤثر حديثه ولا يذكر بخير لسوء سره وإفراطه في الظلم ومن أهل العلم طائفة تكفره وقد ذكرنا أخبارهم فيه بذلك في باب مفرد له ولي الحجاز ثلاث سنين وولي العراق عشرين سنة قدم عليهم سنة خمس وسبعين ومات سنة خمس وتسعين.
روى سفيان بن عيينة عن سالم بن أبي حفصة قال لما أتى الحجاج بسعيد بن جبير قال إنه شقي بن كسير فقال ما أنا إلا سعيد بن جبير بذلك سماني أبواي قال لأقتلنك قال إذا أكون كما سماني أبي سعيدا وقال دعوني أصلي ركعتين فقال الحجاج وجهوه إلى قبلة النصارى فقال سعيد فأينما تولوا فثم وجه الله قال فضرب عنقه.

(10/6)


قال سفيان فلم يقتل بعد سعيد بن جبير إلا رجلا واحدا .
قال أبو عمر هذا الحديث يخرج في المسند لقول عبد الله بن عمر للحجاج الرواح هذه الساعة إن كنت تريد السنة ولقول سالم إن كنت تريد أن تصيب السنة فأقصر الخطبة وعجل الصلاة وقول ابن عمر صدق وروى معمر عن الزهري أنه كان شاهدا مع سالم وأبيه هذه القصة مع الحجاج وذكر ذلك عبد الرزاق وغيره عن معمر عن الزهري وذلك ثم أهل العلم وهم من معمر وقال يحيى بن معين وهم في ذلك معمر وابن شهاب لم ير ابن عمر ولا سمع منه شيئا وقال أحمد بن عبد الله بن صالح قد روى الزهري عن عبد الله بن عمر نحو ثلاثة أحاديث
قال أبو عمر هذا مما لا يصححه أحد سماعا وليس لابن شهاب سماع من ابن حديث معمر هذا إن صح عنه وأما محمد بن يحيى الذهلي النيسابوري فقال ممكن أن يكون الزهري قد شاهد ابن عمر مع سالم في قصة الحجاج واحتج برواية معمر وفيها فركب هو وسالم وأنا الوقوف حين زاغت الشمس

(10/7)


وفيها قال الزهري وكنت يومئذ صائما فلقيت من الحر شدة قال محمد بن يحيى وقد روى ابن وهب عن عبد الله العمري عن ابن شهاب نحو رواية معمر في حديثه.
قال ابن شهاب وأصاب الناس في تلك الحجة من الحر شيء لم يصبنا مثله واحتج أيضا بأن عنبسة روى عن يونس عن ابن شهاب قال وفدت إلى مروان وأنا محتلم قال ومروان مات سنة خمس وستين ومات ابن عمر في تلك الحجة سنة ثلاث وسبعين قال وأظن مولد الزهري سنة خمسين أو نحو هذا وموته سنة أربع وعشرين ومائة فممكن أن يكون شاهد ابن عمر في تلك الحجة فلست أدفع رواية معمر هذا كله كلام الذهلي.
وذكر الحلواني قال سمعت أحمد بن صالح يقول ق د أدرك الزهري الحرة وعقلها أظنه قال وشهدها وكانت الحرة في أول خلافة يزيد بن معاوية وذلك سنة إحدى وستين.
قال أبو عمر أما رواية معمر لهذا الحديث فيما ذكر عبد الرزاق قال أنبأنا معمر عن الزهري قال كتب عبد الملك بن مروان إلى الحجاج أن اقتد بابن عمر في مناسك الحج فأرسل إليه الحجاج يوم عرفة إذا أردت أن تروح فآذنا فراح هو وسالم وأنا الوقوف حين زاغت الشمس فوقف بفناء الحجاج فقال ما يحبسه فلم ينشب أن خرج الحجاج فقال إن أمير

(10/8)


المؤمنين كتب إلي أن أقتدي بك وأن آخذ عنك فقال له سالم إن أردت السنة فأوجز الخطبة والصلاة.
قال الزهري وكنت يومئذ صائما فلقيت من الحر شدة وذكر الحسن بن علي الحلواني قال حدثنا عبد الرزاق قال أنبأنا معمر عن الزهري في حديثه الذي ذكر أن عبد الملك بن مروان كتب إلى الحجاج أن اقتد بابن عمر في مناسك الحج قال وقال الزهري وأنا يومئذ بينهما وكنت صائما فلقيت من الحر شدة.
وذكر الحسن بن علي قال حدثنا عبد الزاق قال أنبأنا معمر عن الزهري في حديثه الذي ذكر أن عبد الملك بن مروان كتب إلى الحجاج اقتد بابن عمر في مناسك الحج فأرسل إليه الحجاج قال وقال الزهري وأنا يومئذ بينهما وكنت صائما فلقيت من الحر شدة قال عبد الرزاق فقلت لمعمر فرأى الزهري ابن عمر قال نعم وقد سمع منه حديثين فسلني عنهما أحدثكهما قال فجعلت أتحين خلوته لأن أسأله عنهما ولا أحد قال فلم يمكني ذلك حتى أنسيته فما ذكرت حتى نفضت يدي من قبره فندمت بعد ذلك فقلت وما ضرني لو سمعتهما وسمع معي غيري.
فهذا يدل على أن الحديث الثاني لم يسمع من معمر ولا أنه ذكر فيما علمت ثم أحد من أهل العلم وقد قال أحمد بن خالد أن الحديث الآخر في الحج وهذا لا يوجد ولا يعرف والله أعلم.
قال الحلواني وحدثنا يعقوب بن إبراهيم قال أنبأنا شريك عن خالد بن ذؤيب عن الزهري قال رأيت ابن عمر يمشي

(10/9)


أمام الجنازة قال حدثنا أحمد بن صالح قال أنبأنا عنبسة بن خالد بن أخي يونس بن يزيد عن الزهري قال وفدت إلى مروان بن الحكم وأنا محتلم.
قال الحسن ومات ابن مروان سنة أربع وسبعين في أولها إلا أنه حج سنة ثلاث وسبعين ومات بعد الحج ومنهم من يقول مات في آخر سنة ثلاث وسبعين.
وفي هذا الحديث فقه وآداب وعلم من أمور الحج كثير فمن ذلك مشي الرجل الفاضل مع السلطان الجائر فيما لا بد منه ولا نقيصة عليه فيه.
وفيه تعليم الرجل الفاجر السنن إذا كان لذلك وجه ولعله ينتفع بها وتصرفه عن غيه وفيه الصلاة خلف الفاجر من السلاطين ما كان إليهم إقامته مثل الحج والجمعة والأعياد ولا خلاف بين العلماء أن الحج يقيمه السلطان للناس ويستخلف على ذلك من يقيمه لهم على شرائعه خلفه الصلوات كلها برا كان أو فاجرا أو مبتدعا ما لم تخرجه بدعته من الإسلام.
وفي هذا الحديث أن رواح الإمام من موضع نزوله بعرفة إلى مسجدها حين نزول الشمس وأن الجمع بين الظهر والعصر في المسجد في أول وقت الظهر سنة وهذا ما لا خلاف فيه بين

(10/10)


أهل العلم وكذلك فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ويلزم كل من بعد عن المسجد بعرفة أو قرب إلا أن يكون متصلا موضع نزوله بالصفوف فإن لم يفعل الإمام وفهمها فلا حرج وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نزل بنمرة من عرفة وحيثما نزل من عرفة فجائزة وكذلك وقوفه منها حيثما وقف فجائز إلا بطن عرفة فإذا زاغت الشمس راح إلى المسجد بعرفة فصلى بها الظهر والعصر جميعا مع الإمام على ما قلنا في أول وقت الظهر.
أخبرنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا أحمد بن حنبل قال حدثنا وكيع قال حدثنا نافع بن عمر عن سعيد بن حسان عن ابن عمر قال لما قتل الحجاج ابن الزبير أرسل إلى ابن عمر أية ساعة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يروح في هذا اليوم قال إذا كان ذلك رحنا فلما أراد ابن عمر أن يروح قال أزاغت الشمس قالوا لم تزغ ثم قال زاغت الشمس فلما قالوا قد زاغت ارتحل وفي حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم لما زاغت الشمس أمر بالقصوى فرحلت له وأتى بطن الوادي وخطب الناس ثم أذن بلال ثم أقام فصلى الظهر ثم أقام فصلى لعصر ولم يصل بينهما شيئا ثم راح إلى الموقف

(10/11)


قال أبو عمر هذا كله ما لا خلاف بين علماء المسلمين فيه وأما وقت الرواح من منى إلى عرفة فليس هذا موضع ذكره وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم: "عرفة كلها موقف" وارتفعوا عن بطن عرفة وسيأتي ذكره ونوضح القول فيه بموضعه من كتابنا هذا وذلك ثم ذكر مراسل مالك إن شاء الله.
واختلف الفقهاء في وقت أذان المؤذن بعرفة للظهر والعصر وفي جلوس الإمام للخطبة قبلها فقال مالك يخطب الإمام طويلا ثم يؤذن المؤذن وهو يخطب ثم يصلي ذكر ذلك ابن وهب عنه وهذا معناه أن يخطب الإمام صدرا من خطبته ثم يؤذن المؤذن فيكون فراغه مع أفطر الإمام من الخطبة ثم ينزل فيقيم وحكى عنه ابن نافع أنه قال الأذان بعرفة بعد جلوس الإمام للخطبة وقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد إذا صعد الإمام المنبر أخذ المؤذن في الأذان فإذا فرغ المؤذن قام الإمام يخطب ثم ينزل ويقيم المؤذن للصلاة وبمثل ذلك سواء.
قال أبو ثور وقال الشافعي يأخذ المؤذن في الأذان إذا قام الإمام للخطبة الثانية فيكون فراغه من الأذان بفراغ الإمام من الخطبة ثم ينزل فيصلي الظهر ثم يقيم المؤذن الصلاة وقال مالك وسئل عن الإمام إذا صعد المنبر يوم عرفة أيجلس قبل أن يخطب قال نعم ثم يقوم فيخطب طويلا ثم يؤذن

(10/12)


المؤذن وهو يخطب ثم يصلي ذكره ابن وهب عنه قال وقال مالك يخطب خطبتين وفي قول أبي حنيفة وأصحابه مما قدمنا مما يدل على أن الإمام يجلس فإذا فرغ المؤذن قام فخطب.
وقال الشافعي إذا أتى الإمام المسجد خطب الخطبة الأولى ولم يذكر جلوسا ثم الصعود فإذا فرغ من الأولى جلس جلسة خفيفة قدر قراءة قل هو الله أحد ثم يقوم فيخطب خطبة أخرى وأجمع العلماء على أن الإمام لا يجهر بالقراءة في الظهر والعصر بعرفة لا في يوم الجمعة ولا غيرها وأجمعوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كذلك فعل لم يجهر وأجمعوا على أن الرسول صلى الله عليه وسلم صلى الظهر والعصر يوم عرفة إذا جمع بينهما ركعتين وأجمعوا على أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يومئذ مسافرا ولم ينو إقامة لأنه أكمل عمل حجه وعجل الانصراف واختلف في قصر الإمام إذا كان مكيا أو من أهل منى بعرفة فقال مالك يصلي أهل مكة ومنى بعرفة ركعتين ركعتين ما أقاموا يقصرون بالصلاة حتى يرجعوا إلى أهليهم وأمير الحاج أيضا كذلك إذا كان من أهل مكة قصر الصلاة بعرفة وأيام منى قال وعلى ذلك الأمر عندنا فإن كان أحد ساكنا بمنى مقيما أتم الصلاة إذا كان بمنى وعرفة أيضا كذلك قال مالك وأهل مكة يقصرون الصلاة بمنى وأهل منى يقصرون الصلاة بعرفة وأهل عرفة يقصرون الصلاة بمنى وهو قول الأوزاعي سواء

(10/13)


ومن حجتهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم لم يصلوا في تلك المشاهد كلها إلا ركعتين وسائر الأمراء هكذا لا يصلون إلا ركعتين فعلم أن ذلك سنة الموضع لأن من الأمراء مكيا وغير مكي واحتجوا أيضا بما رواه يزيد بن عياض عن ابن أبي نجيح عن مجاهد أن النبي صلى الله عليه وسلم استعمل عتاب بن أسيد على مكة وأمره أن يصلي بأهل مكة ركعتين وهذا خبر ثم أهل العلم بالحديث منكر لا تقوم به حجة لضعفه ونكارته.
وقال الثوري وأبو حنيفة وأصحابه والشافعي وأبو ثور وأحمد وإسحاق وداود من كان من أهل مكة صلى بمنى وعرفة أربعا لا يجوز له غير ذلك .
وحجتهم أن من كان مقيما لا يجوز له أن يصلي ركعتين وكذلك من لم يكن سفره سفرا تقصر في مثله الصلاة فحكمه حكم المقيم وقد تقدم ذكرنا أن السنة المجمع عليها الجمع بين الوقوف الظهر والعصر يوم عرفة مع الإمام واختلف الفقهاء فيمن فاتته الصلاة يوم عرفة مع الإمام هل له أن يجمع بينهما أم لا فقال مالك له أن يجمع بين الظهر والعصر

(10/14)


إذا فاته ذلك مع الإمام وكذلك المغرب والعشاء يجمع بينهما بالمزدلفة قال فإن احتبس إنسان دون المزدلفة لموضع عذر جمع بينهما أيضا قبل أن يأتي بالمزدلفة ولا يجمع بينهما حتى يغيب الشفق.
وقال الثوري صل مع الإمام بعرفات الوقوف إن استطعت وإن صليت في رحلك فصل كل صلاة لوقتها وكذلك قال أبو حنيفة لا يجمع بينهما إلا من صلاهما مع الإمام وأما من صلى وحده فلا يصلي كل صلاة منهما إلا لوقتها وهو قول إبراهيم وقال الشافعي وأبو يوسف ومحمد وأبو ثور وأحمد وإسحاق جائز أن يجمع بينهما من المسافرين من صلى مع الإمام ومن صلى وحده إذا كان مسافرا وعلتهم في ذلك أن جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما كان من أجل السفر ولكل مسافر الجمع بينهما لذلك وكان عبد الله بن عمر يجمع بينهما وهو قول عطاء.
وأجمع العلماء أن الإمام لا يجهر في صلاة الظهر ولا العصر يوم عرفة وفي ذلك دليل على صحة قول من قال لا جمعة يوم عرفة وهو قول مالك والشافعي ومحمد بن الحسن

(10/15)


واختلف العلماء في الأذان للجمع بين الوقوف بعرفة فقال مالك يصليهما بأذانين وإقامتين على ما قدمنا من قوله في صلاتي المزدلفة والحجة له قد تقدمت هناك وقال الشافعي والثوري وأبو حنيفة وأصحابه وأبو ثور وأبو عبيد والطبري يجمع بينهما بأذان واحد وإقامتين إقامة لكل صلاة.
واختلف عن أحمد بن حنبل فروى عنه الكوسج وعن إسحاق بن راهويه أيضا الجمع بين الوقوف بعرفة بإقامة إقامة وقال الأثرم عن أحمد بن حنبل من فاتته الصلاة مع الإمام فإن شاء جمع بينهما بأذان وإقامتين وإن شاء بإقامة إقامة.
وفي لبس الحجاج المعصفر وترك ابن عمر الإنكار عليه مع أمر عبد الملك إياه أن لا يخالف عبد الله بن عمر في شيء من أمر الحج دليل على أنه مباح وإن كان أكثر أهل العلم يكرهونه وإنما قلنا إنه مباح لأنه ليس بطيب وإنما كرهوه لأنه ينتفض وذكر ذلك ابن بكير عن مالك قال إنما كره لبس المصبغات لأنها تنتفض وليس هذا ولا يحيى ولا مطرف وكان مالك يكره لبس المصبغات للرجال والنساء عدا في ذلك أسماء بنت أبي بكر وروي عن عائشة مثل قول مالك رواه الثوري عن الأعمش عن إبراهيم

(10/16)


أن عائشة كانت تكره المثرد بالعصفر وممن كان يكره لبس المصبغات بالعصفر في الإحرام الثوري وأبو حنيفة وأصحابه وأبو ثور ورخص فيه الشافعي لأنه ليس بطيب.
وقد ذكر عبد الرزاق عن ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن أبي جعفر محمد بن علي قال أبصر عمر بن الخطاب على عبد الله بن جعفر ثوبين مضرجين يعني معصفرين وهو محرم فقال ما هذا فقال علي بن أبي طالب ما إخال أحدا يعملنا السنة فسكت عمر.
أخبرني أحمد بن عبد الله بن محمد أن أباه حدثه قال أنبأنا محمد بن فطيس قال حدثنا يحيى بن إبراهيم بن مزين قال حدثنا عبد الله بن قال حدثنا عبد الله بن عمر عن عبد الرحمان بن القاسم عن عبد الله بن عبد الله بن عمر أنه قال كنت أخرج وعلي ثوبان مضرجان في الحرم مع ابن عمر فلا ينكر علي وقد كان مالك فيما ذكر عنه وهب وابن القاسم يستحب إيجاب الفدية على من لبس المعصفر المصبغ في الإحرام وهو قول أبي حنيفة والأصل في هذا الباب أن الطيب للمحرم بعد الإحرام لا يحل بإجماع العلماء لنهي رسول الله صلى الله عليه وسلم المحرم عن الزعفران والورس وما صبغ بهما من الثياب المصبغات في الإحرام

(10/17)


وقال بعض أهل العلم إنما كان ذلك من عمر خوفا من التطرق إلى ما لا يجوز من الصبغ مثل الزعفران والورس وما أشبههما مما يعد طيبا وقال غيره إنما كان ذلك من عمر إلى طلحة لموضعه من الإمامة ولأنه ممن يقتدى به فوجب عليه ترك الشبهة لئلا يظن به ظان ما لا يجوز أن يظن بمثله ويتأول في ذلك عليه.
وفي الحديث أيضا من الفقه ما يدل على أن تأخير الصلاة بعرفة بعد الزوال قليلا لعمل يكون من أعمال الصلاة مثل الغسل والوضوء وما أشبه ذلك أنه لا بأس به وفيه الغسل للوقوف بعرفة لأن قول الحجاج لعبد الله بن عمر أنظرني حتى أفيض علي ماء كذلك كان وهو مذهب عبد الله بن عمر وأهل العلم يستحبونه ذكر مالك عن نافع أن عبد الله بن عمر كان يغتسل لإحرامه قبل أن يحرم ولدخوله مكة ولوقوف عشية عرفة.
وفيه إباحة فتوى الصغير بين يدي الكبير ألا ترى أن سالما علم الحجاج السنة في قصر الخطبة وتعجيل الصلاة وابن عمر أبوه إلى جانبه وقصر الخطبة في ذلك وفي غيره سنة مسنونة وتعجيل الصلاة في ذلك الموضع سنة مجتمع عليها في

(10/18)


أول وقت الظهر ثم تصلي العصر بإثر السلام من الظهر في ذلك اليوم روينا عن جابر بن سمرة قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطبنا بكلمات قليلة طيبات وقد ذكرنا هذا الخبر بإسناده فيما سلف من كتابنا هذا أخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير قال حدثنا أبي قال أنبأنا العلاء عن عدي بن ثابت عن أبي راشد عن عمار بن ياسر قال أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بإقصارالخطب" .
وأنبأنا عبد الرحمان بن يحيى قال حدثنا أحمد بن سعيد قال حدثنا محمد بن إبراهيم الديبلي قال حدثنا سعيد بن عبد الرحمان المخزومي قال حدثنا سفيان بن عيينة عن عمرو بن حبيب عن عبد الله بن كثير عن عمار بن ياسر قال أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أن نقصر الخطبة ونطيل الصلاة" وبه عن سفيان عن الأعمش عن أبي وائل عن عمرو بن شرحبيل قال من فقه الرجل قصر الخطبة وطول الصلاة.
وأجمع الفقهاء جميعا على أن الإمام لو صلى بعرفة يوم عرفة بغير خطبة أن صلاته جائزة وأنه يقصر الصلاة إذا كان مسافرا وإن لم يخطب وأجمعوا أن الخطبة قبل الصلاة يوم عرفة

(10/19)


وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ فيها فأسر القراءة إنما هي ظهر ولكنها قصرت من أجل السفر والله أعلم.
وأما قوله في هذا الحديث وعجل الصلاة فكذلك رواه يحيى وابن القاسم وابن وهب ومطرف وقال وأشهب إن كنت تريد الوقوف وهو عندي غلط والله أعلم لأن أكثر الرواة عن مالك على خلافه وتعجيل الصلاة بعرفة سنة ماضية على ما قدمنا ذكره.
وقد يحتمل ما أيضا لأن تعجيل الوقوف بعد تعجيل الصلاة والفراغ منها سنة أيضا وقد ذكرنا أحكام الصلاة بعرفة وذكرنا ما أجمعوا عليه منها وما اختلفوا فيه والحمد لله.
وأما الوقوف بعرفة فأجمع العلماء في كل عصر وبكل مصر فيما علمت أنه فرض لا ينوب عنه شيء وأنه من فاته الوقوف بعرفة في وقته الذي لا بد منه فلا حج له واختلفوا في تعيين ذلك الوقت وحصره بعد إجماعهم على أن من وقف بعرفة قبل الزوال يوم عرفة فهو في حكم من لم يقف.
فقال مالك وأصحابه الليل هو المفترض والوقوف بعد الزوال حتى يجمع بين الليل والنهار سنة دل على ما أضفنا إليه من ذلك مذهبه جوابه في مسائله في ذلك ذكر ابن وهب وغيره عنه أن من دفع من عرفة قبل أن تغيب الشمس ثم لم ينصرف إليها في ليلة النحر فيقف بها أن حجه قد فاته

(10/20)


وعليه حج قابل والهدي ينحره في حج قابل وهو كمن فاته الحج.
وقال مالك فيما ذكره أشهب بن عبد العزيز عنه أن من دفع بعد الغروب وقبل الإمام فلا شيء عليه ولا نعلم أحدا من فقهاء الأمصار قال بقول مالك إن من دفع قبل الغروب فلا حج له وهو قد وقف بعد الزوال وبعد الصلاة ولا روينا عن أحد من السلف والله أعلم.
وقال سائر العلماء كل من وقف بعرفة بعد الزوال أو في ليلة النحر فقد أدرك الحج فإن دفع قبل غروب الشمس من عرفة فعليه دم عندهم وحجه تام قال الكوفيون فإن رجع بعد غروب الشمس لم يسقط عنه ذلك الدم الذي كان قد وجب عليه وهو قول أبي ثور.
وقال الشافعي وهو قول مالك إن عاد إلى عرفة حتى يدفع بعد المغيب فلا شيء عليه وإن لم يرجع حتى يطلع الفجر أجزأت عنه ثم الشافعي حجته وعليه دم وحجة من قال بقول الشافعي في أن الليل والنهار بعد الزوال في الوقوف بعرفة سواء إلا ما ذكرنا من الدم حديث عروة بن مضرس الذي قدمنا ذكره في باب حديث الصلاة بالمزدلفة قوله صلى الله عليه وسلم: "وقد أتى عرفة قبل ذلك ليلا أو نهارا" وقد ذكرنا هناك من قول إسماعيل ما فيه بيان لما ذهب إليه مالك

(10/21)


وقال أبو الفرج وغيره من أصحابنا الدليل على أن الوقوف ليلا هو الفرض دون النهار حكم الجميع لمن أدرك بعض الليل بتمام الحج وأن إدراك أوله كإدراك آخره وهذا يدل على أنه كله وقت للوقوف ثم اتفقوا أنه لا حج لمن دفع من عرفة قبل الزوال وقبل الظهر والعصر فوجب أن يسوى كما يسوى بين حكم سائر الليل لأنه ما انتفى في بعض الجنس فهو منتف في سائره وذكروا كلاما كثيرا لم أر لذكره وجها وما قدمنا من قول إسماعيل وأبي الفرج في الباب قبل هذا هو المعتمد عليه في المذهب والله أعلم.
وأجمعوا أن الوقوف ببطن عرفة من عرفة لا يجوز لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وارتفعوا عن بطن عرفة" واختلفوا فيمن وقف بها ولم يقف من عرفة بغيرها فقال مالك يهريق دما وحجه تام وقال الشافعي لا يجزيه وحجه فائت وبه قال أبو المصب الذي قال عليه حج قابل والهدي كمن فاته الحج.

(10/22)


الرحمان بن يعمر الديلي قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "الحج عرفات فمن أدرك عرفة قبل أن يطلع الفجر فقد أدرك وأيام منى ثلاثة فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه".
قال أبو عمر ذكر أهل السير والمعرفة بأيام الناس منهم الزبير وغيره أن ابن عمر مات بعقب هذه الحجة بمكة وأن ابن عمر كان له موقف معروف بعرفة كان قد وقف فيه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أو رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم قد وقف به عام حجة الوداع فكان ابن عمر يتبرك بالموقف فيه وكان لا يدع الحج كل عام منذ قتل عثمان إلى أن مات بعد ابن الزبير وكان يلزم ذلك الموقف فانطلق مع الحجاج بن يوسف يومئذ حتى وقف في موقفه الذي كان يقف فيه وكان ذلك الموقف بين يدي الحجاج فأمر من نخس بابن عمر حتى نفرت به ناقته فسكنها ابن عمر ثم ردها إلى ذلك الموقف فأمر الحجاج أيضا بناقته فنخست فنظرت،

(10/23)


فسكنها ابن عمر حتى سكنت ثم ردها إلى ذلك الموقف فثقل على الحجاج أمره فأمر رجلا معه حربة يقال أنها كانت مسمومة فلما دفع الناس من عرفة لصق به ذلك الرجل وأمر الحربة على قدمه ونخسه بها فمرض منها أياما ثم مات بمكة وصلى عليه الحجاج يومئذ وقد ذكرنا خبره بأكثر من هذا في كتاب الصحابة.
قال أبو عمر قوله صلى الله عليه وسلم: "الحج عرفات" معناه ثم أهل العلم أن شهود عرفة به ينعقد الحج وهو الركن الذي عليه مدار الحج ألا ترى أن من وطئ بعد الوقوف بعرفة أنه يجبر فعله ذلك بالدم ومن أصاب أهله قبل وقوفه بعرفة فسد حجه ثم الجميع وعلى هذا إجماع العلماء وهو قول فقهاء الأمصار إلا ما ذكرنا عن مالك فيمن وطئ يوم النحر قبل جمرة العقبة على اختلاف عنه على حسبما أوردناه في باب ابن شهاب عن عيسى بن طلحة من هذا الكتاب وقد ذكرنا في هذا الباب في الوقوف بعرفة ما فيه شفاء إن شاء الله وقد ذكرنا مسألة من أغمي عليه بعرفة قبل الوقوف بها حتى انصدع الفجر في باب موسى بن عقبة من هذا الكتاب وأما الصلاة بعرفة فلا أعلم خلافا بين علماء المسلمين أن من لم يشهدها مع الإمام وأدرك الوقوف على حسبما تقدم ذكرنا له أن حجه،

(10/24)


تام ولا شيء عليه وأن الوقوف بعرفة في الوقت المذكور على حسبما ذكرنا هو المفترض وجمع الوقوف بها سنة مع الإمام وقد جاء في ذلك حديث خالفه الإجماع ذكره عبد الرزاق قال قلت للثوري أن ابن عيينة حدثني عن عبدة بن أبي لبابة عن سويد بن غفلة أن عمر بن الخطاب قال من فاتته الصلاة مع الإمام يوم عرفة فلا حج له فقال لي إنها قد جاءت أحاديث لا يؤخذ بها وقد تركت هذا منها أن لا يشهدها مع الإمام "بعرفة" قال الكشوري قلت لابن أبي عمر أتعرف هذا الحديث "لابن عيينة؟ قال لا أعرفه قال وأما وأشهب عن مالك في هذا الحديث" وعجل الوقوف فإن السنة التي لا اختلاف فيها أن الإمام إذا فرغ من الوقوف ركب معجلا وراح إلى الموقف وكذلك يصنع كل من معه ما يركب لأن الوقف بعرفة راكبا أفضل إن شاء الله لمن قدر عليه وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم راكبا ومن وقف راجلا فلا شيء عليه.

(10/25)


الحديث التاسع والعشرون
...
حديث سادس لابن شهاب عن سالم مسند
مالك عن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله أن عبد الله "بن محمد" بن أبي بكر الصديق أخبره عن عبد الله بن عمر عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ألم تري إلى قومك حين بنوا الكعبة اقتصروا عن قواعد إبراهيم قالت فقلت يا رسول الله أفلا تردها على قواعد إبراهيم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لولا حدثان قومك بالكفر لفعلت" فقال ابن عمر لئن كانت عائشة سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أرى رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك استلام الركنين اللذين يليان الحجر إلا أن البيت لم يتم على قواعد إبراهيم.

(10/26)


في هذا الحديث من العلم أن قريشا بنت الكعبة ولم تتمها على قواعد إبراهيم وقوله صلى الله عليه وسلم: "لعائشة ألم تري إلى قومك ولولا حدثان قومك بالكفر إنما عنى بذلك قريشا لبنيانهم الكعبة" قال الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم: {وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ} وقال {وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ} قال المفسرون يعني قريشا والقواعد أساس البيت قال الله عز وجل: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ} قال أهل اللغة الواحدة منها قاعدة قالوا والواحد من النساء قاعد.
وفيه حديث الرجل مع أهله في باب العلم وغيره من أيام الناس وفيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يستلم الركنين اللذين يليان الحجر قال الشافعي وذلك فيما نرى والله أعلم لأنهما كسائر البيت الذي لا يستلم ولأنهما ليسا بركنين على حقيقة لما لم يكونا تامين على قواعد إبراهيم وسنذكر ما للعلماء في ذلك من الأقاويل بعد ذكر جملة كافية من خبر بنيان الكعبة يشفي الناظر في هذا الباب إن شاء الله.

(10/27)


حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا بكر بن حماد قال حدثنا مسدد قال حدثنا أبو الأحوص قال حدثنا الأشعث عن الأسود بن يزيد عن عائشة قالت: "سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الجدر أمن البيت هو قال: "نعم" قلت فلم لم يدخلوه في البيت قال: "إن قومك قصرت بهم النفقة" قلت فما شأن بابه مرتفعا قال فعل ذلك قومك ليدخلوا من شاءوا ويمنعوا من شاءوا ولولا أن قومك حديث عهد بجاهلية فأخاف أن تنكر قلوبهم لنظرت أن أدخل الجدر في البيت وألصق بابه بالأرض".
قال أبو عمر الجدر لغة في الجدار والجدر أيضا والجدير مكان بني حوله جدار قاله الخليل.
أخبرنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا إبراهيم بن المنذر قال حدثنا محمد بن فليح عن موسى بن عقبة عن ابن شهاب قال كان بين الفجار وبنيان الكعبة خمسة عشرة سنة قال ابن شهاب وكان بين الفيل

(10/28)


والفجار أربعون سنة قال ابن شهاب ثم إن الله بعث محمدا على رأس خمس عشرة من بنيان الكعبة فكان بين مبعثه وبين الفيل سبعون سنة قال إبراهيم بن المنذر قول ابن شهاب هذا وهم لا يشك فيه أحد من علمائنا وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولد عام الفيل لا يختلفون في ذلك ونبئ على رأس أربعين سنة من الفيل صلى الله عليه وسلم. أخبرني عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا محمد بن مسلمة قال أنبأنا ابن وهب قال أخبرني ابن لهيعة عن محمد بن عبد الرحمان قال إن الله بعث محمدا صلى الله عليه وسلم على رأس خمس عشرة سنة من بنيان الكعبة وكان بين غزوة أصحاب الفيل وبين الفجار أربعون سنة.
أخبرنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا إبراهيم بن المنذر قال أنبأنا عبد العزيز بن أبي ثابت قال حدثني عبد الله بن عثمان بن أبي سليمان النوفلي عن أبيه عن محمد بن جبير بن مطعم قال بني البيت على خمس وعشرين سنة من الفيل كذا قال وخالفه غيره فقال خمسا وثلاثين كذلك قال ابن إسحاق وذكر عبد الرزاق عن ابن جريج عن مجاهد قال:

(10/29)


كان يعني البيت عريشا تقتحمه العتر حتى إذا كان قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم بخمس عشرة سنة بنته قريش.
قال أبو عمر الآثار في بنيان الكعبة وابتداء أمرها كثيرة المطلوب ذكرها وأنا أذكر منها ما يكتفي به الناظر في كتابنا هذا بحول الله وعونه إن شاء الله تعالى ذكر سنيد قال حدثنا أبو سفيان عن معمر عن قتادة وذكره عبد الرزاق أيضا عن معمر عن قتادة في قوله: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً} قال أول بيت وضعه "الله" في الأرض فطاف به آدم فمن بعده وذكر عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء وابن المسيب وغيرهما أن الله عز وجل أوحى إلى آدم إذ أهبط إلى الأرض ابن لي بيتا ثم احفف به كما رأيت الملائكة تحف ببيتي الذي في السماء قال عطاء فزعم الناس أنه بناه من خمسة أجبل من،

(10/30)


من حراء ومن طور سيناء ومن لبنان ومن الجودي ومن طور زيت وكان ربضه من حراء فكان هذا بناء آدم صلوات الله عليه ثم بناه إبراهيم عليه السلام.
قال ابن جريج وقال ناس أرسل الله إليه سحابة فيها رأس فقال الرأس يا إبراهيم إن ربك يأمرك أن تأخذ بقدر هذه السحابة فجعل ينظر إليها ويخط قدرها ثم قال الرأس أقد فعلت قال نعم فارتفعت فحفر فأبرز عن أساس ثابت في الأرض وقال معمر عن أيوب السختياني بنيت الكعبة من خمسة أجبل لبنان وطور زيتا وطور سيناء وحراء ومن الجودي وكان ربضه من حراء.

(10/31)


قال أبو عمر الربض ههنا الأساس المستدير بالبيت من الصخر ومنه يقال لما حول المدينة ربض هذا معنى ما ذكره الخليل وقالت طائفة من أهل العلم بالسير والخبر منهم وهب بن منبه وغيره إن شئت ابن آدم هو الذي بنى الكعبة وزعم عبد المنعم بن إدريس عن أبيه عن وهب بن منبه قال وكان شئت وصي أبيه آدم وهو الذي ولد البشر كلهم وهو الذي بنى الكعبة بالطين والحجارة وكانت هناك خيمة لآدم عليه السلام وضعها الله عز وجل له من الجنة.
أخبرنا عبد الرحمان بن يحيى قال حدثنا أحمد بن سعيد قال حدثنا محمد بن إبراهيم بمكة قال حدثنا أبو عبيد الله قال حدثنا سفيان بن عيينة عن بشر بن عاصم عن سعيد بن المسيب قال سمعت علي بن أبي طالب يقول إن إبراهيم خليل الله أقبل من أرمينيا ومعه السكينة تدله على موضع البيت فجاءت حتى تبوأت البيت كما تبوأ العنكبوت قال فرفع إبراهيم عن أحجار يطيقها ثلاثون رجلا أو قال لا يطيقها،

(10/32)


ثلاثون رجلا قال بشر بن عاصم فقلت لسعيد بن المسيب فإن الله عز وجل يقول: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ} قال إنما كان هذا بعد قال وحدثنا سفيان بن عيينة عن مسعر عن سلمة عن أبي الأحوص قال: قال علي "رضي الله عنه" السكينة لها وجه كوجه الإنسان ثم هي بعد ريح هفافة.
قال أبو عمر كان علي رضي الله عنه يذهب والله أعلم إلى أن آدم لم يبن الكعبة:
حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا يحيى بن أيوب قال حدثنا عباد بن عباد قال حدثني شعبة بن الحجاج عن سماك بن حرب عن خالد بن عرعرة قال خرج علينا علي فقام إليه ابن الكواء فقال: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ} أهو أول بيت وضع للناس قال فأين كان قوم نوح وعاد ولكنه أول بيت وضع للناس مباركا فيه آيات بينات مقام إبراهيم قال وحدثنا "موسى" بن إسماعيل قال حدثنا حماد بن سلمة عن سماك بن حرب عن خالد بن عرعرة عن علي،

(10/33)


مثله قال إنه ليس أول بيت كان نوح قبله فكان في البيوت وكان إبراهيم قبله فكان في البيوت ولكنه أول بيت وضع للناس فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا. "قال أبو عمر" يحتج من ذهب إلى هذا بحديث أبي ذر قال قلت يا رسول الله أي مسجد وضع في الأرض أولا قال المسجد الحرام قلت ثم أي قال المسجد الأقصى قلت كم بينهما قال أربعون سنة.
ففي هذا الحديث أنه ليس بين المسجد والحرام والمسجد الأقصى إلا أربعون سنة.
حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا سريج بن النعمان قال حدثنا أبو معاوية قال حدثنا الأعمش عن إبراهيم التيمي عن أبيه عن أبي ذر.
وروي عن ابن عباس وابن مسعود ما يخالف قول علي هذا ويوافق قوله الأول وذلك أنهما قالا إن الله عز وجل أمر إبراهيم عليه السلام أن يبني هو وإسماعيل البيت فقاما عليهما السلام وأخذا المعاول لا يدريان أين البيت فبعث الله ريحا يقال له الخجوج لها جناحان ورأس في صورة،

(10/34)


حية فكشفت لإبراهيم وإسماعيل عن أساس البيت الأول وهذا يوافق ما رواه سعيد بن علي وهو أولى والله أعلم.
وأما بنيان قريش البيت فذكر عبد الرزاق عن معمر عن عبد الله بن عثمان بن خثيم عن أبي الطفيل قال كانت الكعبة في الجاهلية مبنية بالرضم ليس فيها مدر وكانت قدر ما تقتحمها العناق وكانت توضع عليها تسدل سدلا عليها وكان الركن الأسود موضوعا على سورها باديا وكانت ذات ركنين هيئة هذه الحلقة فأقبلت سفينة من الروم حتى إذا كانوا قريبا من جدة فخرجت قريش ليأخذوا خشبها فوجدوا روميا عندها فأخذوا الخشب فأعطاهم إياها تريد الحبشة كان الرومي الذي نجارا فقدموا بالخشب وقدموا بالرومي وقالت قريش نبني بهذا الخشب بيت ربنا فلما أرادوا هدمه إذا هم بحية على سور البيت مثل قطعة الجائز سوداء الظهر بيضاء البطن فجعلت كلما أتى أحد إلى البيت ليهدمه أو يأخذ من أحجاره سعت إليه فاتحة فاها فاجتمعت قريش ثم المقام فعجوا إلى الله فقالوا ربنا لم ترع أردنا تشريف بيتك وتزيينه فإن كنت،

(10/35)


ترضى بذلك وإلا فما بدا لك فافعل فسمعوا خواتا في السماء فإذا هم بطائر أعظم من النسر أسود الظهر أبيض البطن والرجلين فغرز مخالبه في قفا الحية ثم انطلق بها تجر ذنبها أعظم من كذا وكذا حتى انطلق بها نحو أجياد فهدمتها قريش وجعلوا يبنونها بحجارة الوادي تحملها قريش على رقابها فرفعوها في السماء عشرين ذراعا فبينا النبي صلى الله عليه وسلم يحمل حجارة من أجياد وعليه نمرة فضاقت عليه النمرة فذهب يضع النمرة على عاتقه فترى عورته من صغر النمرة فنودي يا محمد خمر عورتك فلم ير عريانا بعد ذلك وكان بين بنيان الكعبة وبين ما أنزل الله عليه خمس سنين وبين مخرجه وبنيانها خمس عشرة سنة فلما كان جيش الحصين بن نمير فذكر حريقها في زمن ابن الزبير فقال ابن الزبير إن عائشة أخبرتني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لولا حداثة قومك بالكفر لهدمت الكعبة فإنهم تركوا منها سبعة أذرع "في الحجر" ضاقت بهم النفقة والخشب". قال ابن خثيم فأخبرني ابن أبي مليكة عن عائشة أنها سمعت ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وقال

(10/36)


النبي صلى الله عليه وسلم: " ولجعلت لها بأبين شرقيا وغربيا يدخلون من هذا ويخرجون من هذا" ففعل ذلك ابن الزبير وكانت قريش قد جعلت لها درجا يرقى الذي يأتيها عليها فجعلها ابن الزبير لاصقة بالأرض.
قال ابن خثيم وأخبرني ابن سابط أن زيدا أخبره أنه لما بناها ابن الزبير كشفوا عن القواعد فإذ الحجر مثل الخلفة فرأى الحجارة مشتبكة بعضها ببعض إذا حركت بالعتلة تحرك الذي من الناحية الأخرى قال ابن سابط فأرانيه زيد ليلا بعد العشاء في ليلة مقمرة فرأيتها أمثال الخلف مشتبكا أطراف بعضها ببعض.
قال معمر وأنبأنا الزهري قال لما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم الحلم أجمرت امرأة الكعبة فطارت شرارة من مجمرها في ثياب الكعبة فاحترقت فتشاورت قريش في هدمها وهابوا هدمها فقال لهم الوليد بن المغيرة ما تريدون بهذا الإصلاح "تريدون" أم الفساد؟ فقالوا بل نريد الإصلاح قال: "فإن الله تعالى لا يهلك المصلح" قالوا فمن الذي يعلوها؟ قال

(10/37)


الوليد بن المغيرة أنا أعلوها وأهدمها فارتقى الوليد بن المغيرة على ظهر البيت ومعه الفأس فقال اللهم إنا لا نريد إلا الإصلاح ثم هدم فلما رأته قريش قد هدم منها ولم يأتهم ما خافوا من العذاب هدموا معه حتى إذا بنوها فبلغوا موضع الركن اختصمت قريش في الركن أي القبائل تلي رفعة حتى كاد يشجر بينهم فقالوا تعالوا نحكم أول من يطلع علينا من هذه السكة فاصطلحوا على ذلك فاطلع عليهم رسول الله ص وهو غلام عليه وشاحا نمرة فحكموه فأمر بالركن فوضع في ثوب ثم أمر سيد كل قبيلة فأعطاه ناحية من الثوب ثم ارتقى هو فرفعوا إليه الركن فكان هو يضعه.
وذكر ابن جريج عن مجاهد معنى حديث أبي الطفيل المتقدم ذكره ومعنى حديث الزهري هذا وحديثهما أكمل وأتم وفي هذا الباب حديث تفرد بن إبراهيم بن طهمان عن مالك عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد هممت أن أهدم الكعبة وأبنيها على قواعد إبراهيم وأجعل لها بأبين وأسويها وضوء فإنهم إنما رفعوها أن لا يدخلها إلا من أحبوا.

(10/38)


أخبرنا سعيد بن عثمان قال حدثنا أحمد بن دحيم قال حدثنا محمد بن إبراهيم قال حدثنا سعيد بن عبد الرحمان أبو عبد الله المخزومي قال حدثنا سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار أنه سمع عبيد بن عمير يقول اسم الذي بنى الكعبة لقريش يا قوم وكان روميا وكان في سفينة فحمتها الريح يقول حبستها فخرجت إليها قريش فأخذوا خشبها وقالوا له ابنها على بنيان الكنائس قال سفيان قال عمرو بن دينار لما أرادت قريش أن يبنوا الكعبة خرجت منها حية فحالت بينهم وبينها وكانت تشرف على الجدار قال عمرو وسمعت عبيد بن عمير يقول فجاء طائر أبيض فأخذ بأنيابها فذهب بها نحو أجياد فيما أحسب وذكر ابن إسحاق قال: قال الزبير بن عبد المطلب فيما كان من شأن الحية التي كانت قريش تهاب بنيان الكعبة لها:
عجبت لما تصوبت العقاب
... إلى الثعبان وهي لها اضطراب
وقد كانت يكون لها كشيش ... وأحيانا يكون لها وثاب
إذا قمنا إلى التأسيس شدت ... تهيبنا البناء وقد تهاب

(10/39)


فلما أن خشينا الرجز جاءت ... عقاب تتلئب لها انصباب
فضمتها إليها ثم خلت ... لنا البنيان ليس له حجاب
فقمنا حاشدين إلى بناء ... لنا منه القواعد والتراب
غداة نرفع التأسيس منه ... وليس على مسوينا ثياب
أعز به المليك بني لؤي ... فليس لأصله منهم ذهاب
وقد حشدت هناك بنو عدي ... ومرة قد تعمدها كلاب
فبوأنا المليك بذاك عزا ... وعند الله يلتمس الثواب
قال ابن إسحاق فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسا وثلاثين سنة وذلك بعد الفجار بخمس عشرة سنة اجتمعت قريش لبنيان الكعبة وكانوا يهمون بذلك ليسقفوها ويهابون هدمها وأنها "كانت" رضما فوق القامة فأرادوا رفعها وتسقيفها وذلك أن نفرا سرقوا كنز الكعبة وإنما كان يكون في بئر في جوف الكعبة وكان الذي وجد عنده الكنز دويك مولى لبني مليح بن عمرو بن خزاعة فقطعت.

(10/40)


قريش يده وتزعم قريش أن الذين سرقوه وضعوه ثم دويك وكان البحر قد رمى سفينة إلى جدة لرجل من تجار الروم فتحطمت فأخدوا خشبها وأعدوه لتسقيفها وكان بمكة رجل قبطي نجار فتهيأ لهم في أنفسهم بعض ما يصلحها وكانت حية تخرج من بئر الكعبة التي كان يطرح فيها ما يهدى لها فتتشرف كل يوم على جدار الكعبة وكانت مما يهابون وذلك أنه كان لا يدنو منها أحد إلا احزألت وكشت وفتحت فاها فكانوا يهابونها فبينما هي يوما تشرف على جدار الكعبة كما كانت تصنع بعث الله إليها طائرا فاختطفها فذهب بها فقالت قريش إنا لنرجو أن يكون الله قد رضي ما أردنا عندنا عامل رفيق وعندنا خشب وقد كفانا الله الحية فلما أجمعوا أمرهم في هدمها وبنيانها قام أبو وهب بن عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم فتناول من الكعبة حجرا فوثب من يده حتى رجع إلى موضعه فقال يا معشر قريش لا تدخلوا في بنيانها من كسبكم إلا طيبا لا يدخل فيها مهر بغي ولا بيع ربا ولا

(10/41)


مظلمة أحد من الناس والناس ينحلون هذا الكلام الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم قال ابن إسحاق وحدثي عبد الله بن أبي نجيح "أنه حدث" عن عبد الله بن صفوان أنه قال حين نظر إلى ابن الجعد بن هبيرة بن أبي وهب يطوف بالبيت جد هذا يعني أبا وهب هو الذي أخذ حجرا من الكعبة فذكر الخبر سواء إلى قوله مظلمة أحد من الناس. قال ابن إسحاق ثم إن قريشا تجزأت الكعبة فكان شق الباب لبني عبد مناف وبني زهرة وكان من الركن الأسود والركن اليماني لبني مخزوم وقبائل قريش انضموا إليهم وكان ظهر الكعبة لبني جمع وبني سهم ابني عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤي وكان شق الحجر لبني عبد الدار بن قصي ولبني أسد بن العزى بن قصي ولبني عدي بن كعب بن لؤي وهو الحطيم قال ثم إن الناس هابوا هدمها وفرقوا منه فقال الوليد بن المغيرة أنا أبدؤكم في هدمها فأخذ المعول ثم قام

(10/42)


عليها وهو يقول اللهم لم ترع قال ابن هشام ويقال لم نزغ اللهم إنا لا نريد إلا الخير ثم هدم من ناحية الركن فتربص الناس تلك الليلة وقالوا ننظر فإن أصيب لم نهدم منها شيئا ورددناها كما كانت وإن لم يصبه شيء فقد رضي الله ما صنعنا بهدمها فأصبح الوليد من ليلته غاديا على عمله فهدم وهدم الناس "معه" حتى إذا انتهى الهدم بهم إلى الأساس أساس إبراهيم أفضوا إلى حجارة خضر كالأسنة أخذ بعضها بعضا قال ابن إسحاق فحدثني بعض من روى هذا الحديث أن رجلا من قريش ممن كان يهدمها أدخل عتلة بين حجرين ليقلع بها أحدهما فلما تحرك الحجر تنقضت مكة بأسرها فانتهوا عن ذلك الأساس.

(10/43)


قال وحدثت أن قريشا وجدوا في الركن كتابا بالسريانية فلم يدروا ما هو حتى قرأه لهم رجل من اليهود فإذا هو أنا الله ذو بكة خلقتها يوم خلقت السماوات والأرض وصورت الشمس والقمر وحففتها بسبعة أملاك حنفاء لا ينعقد حتى يزول أخشباها مبارك لأهلها في الماء واللبن قال وحدثت أنهم وجدوا في المقام كتابا فيه مكة بيت الله الحرام يأتيها رزقها رغدا من ثلاثة سبل لا يحلها أول من أهلها قال ابن إسحاق ثم إن القبائل من قريش جمعت الحجارة لبنائها كل قبيلة تجمع على حدة ثم بنوها حتى بلغ البنيان موضع الركن فاختصموا فيه كل قبيلة تريد أن ترفعه إلى موضعه دون الأخرى حتى تحاوروا وتخالفوا واعتدوا للقتال فقربت بنو عبد الدار جفنة مملوءة دما ثم تعاهدوا هم وبنو عدي بن كعب بن،

(10/44)


لؤي على الموت وأدخلوا أيديهم في ذلك الدم في تلك الجفنة فسموا لعقة الدم فمكثت قريش على ذلك أربع ليال أو خمسا ثم إنهم اجتمعوا في المسجد فتشاوروا وتناصفوا فزعم بعض أهل الرواية أن أبا أمينة بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم وكان يومئذ أسن قريش كلها فقال يا معشر قريش اجعلوا بينكم فيما تختلفون فيه أول من يدخل عليكم من باب هذا المسجد يقضي بينكم فيه ففعلوا فكان أول داخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما رأوه قالوا هذا الأمين رضينا هذا محمد فلما انتهى إليهم أخبروه الخبر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هلم إلي ثوبا فأتي به فأخذ الركن فوضعه فيه بيده ثم قال لتأخذ كل قبيلة بناحية من الثوب ثم ارفعوه جميعا ففعلوا حتى إذا بلغوا به موضعه وضعه هو بيده ثم بني عليه قال وكانت قريش تسمي رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن ينزل عليه الوحي الأمين قال وكانت الكعبة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ثماني عشرة ذراعا كانت تكسى القباطي ثم كسيت البرود وأول من كساها الديباج الحجاج "بن يوسف".

(10/45)


حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا موسى بن إسماعيل قال حدثنا ثابت بن يزيد أبو زيد قال حدثنا هلال بن خباب عن مجاهد عن مولاه أنه حدثه أنه كان فيمن بنى الكعبة في الجاهلية قال ولي حجر أنا نحته بيدي أعبده من دون الله وأجيء باللبن الخاثر الذي أنفسه على نفسي وعلى ولدي فأصبه عليه فيجيء الكلب حتى يلحسه ثم يشغر فيبول عليه قال فبنينا حتى بلغنا موضع الحجر وما يرى الحجر أحد فإذا هو وسط حجارة تكاد أن تترايا فيها وجوهنا فقال بطن من قريش نحن نضعه وقال آخرون نحن فقالوا اجعلوا بينكم حكما قالوا أول من يجيء من هذا الفج فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا أتاكم الأمين فقالوا له فوضعه في ثوب ثم دعا بطونهم فأخذوا بنواحيه فمشى معهم حتى وضعه هو.
وذكر الواقدي عن ابن أبي سبرة عن يحيى بن شبل عن أبي جعفر محمد بن علي قال كان باب الكعبة،

(10/46)


على عهد العماليق وجرهم وإبراهيم عليه السلام وضوء حتى بنته قريش وردموا الردم الأعلى وصرفوا السيل عن الكعبة وكسوا يومئذ البيت الوصائل قال الواقدي وحدثنا معمر عن همام بن منبه سمع أبا هريرة يقول نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن سب أسعد الحميري وهو تبع وهو أول من كسا البيت وهو تبع الآخر.
أخبرنا سعيد بن عثمان قال حدثنا أحمد بن دحيم قال حدثنا محمد بن إبراهيم الديبلي قال حدثنا سعيد بن عبد الرحمان قال حدثنا سفيان عن عبيد الله بن أبي يزيد عن أبيه أن عمر بن الخطاب قدم مكة فأرسل إلى شيخ من بني زهرة وكان قد أدرك الجاهلية قال عبيد الله بن أبي يزيد قال أبي فذهبت معه وعمر بن الخطاب جالس في الحجر فسأله عمر عن بناء الكعبة فقال إن قريشا تقربت لبناء الكعبة فعجزت واستقصرت فتركوا بعض البيت في الحجر فقال عمر صدقت.
وبهذا الإسناد عن سفيان عن داود بن شابور عن مجاهد قال لما أراد ابن الزبير أن يهدم البيت ويبنيه قال،

(10/47)


للناس اهدموا فأبوا أن يهدموا وخافوا أن ينزل عليهم العذاب قال مجاهد فخرجنا إلى منى فأقمنا بها ثلاثا ننتظر العذاب قال وارتقى ابن الزبير على جدار الكعبة هو بنفسه فهدم فلما رأوا أنه لم يصبه شيء اجترءوا على ذلك قال فهدموا قال فلما بناها جعل لها بأبين وأوطأهما وضوء بابا يدخلون منه وبابا يخرجون منه وزاد فيها مما يلي الحجر ستة أذرع وزاد في طولها تسعة أذرع قال فلما ظهر الحجاج رد الذي كان ابن الزبير أدخل من الحجر فيها فقال عبد الملك بن مروان وددنا أنا كنا تركنا أبا خبيب وما تولى من ذلك "يعني ابن الزبير".
وذكر عبد الرزاق قال أخبرنا أبي قال سمعت مرثد بن شراحيل يحدث أنه حضر ذلك قال أدخل ابن الزبير على عائشة سبعين رجلا من خيار قريش فأخبرتهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها لولا حداثة عهد قومك بالشرك لبنيت البيت على قواعد إسماعيل وإبراهيم وتدري لم قصروا عن قواعد إبراهيم قالت قلت لا قال قصرت بهم،

(10/48)


النفقة قال وكانت الكعبة قد وهت من حريق أهل الشام قال فهدمها وأنا يومئذ بمكة فكشف عن ربض الحجر أخذ بعضه ببعض فتركه مكشوفا ثمانية ايام يتشهد عليه قال فرأيت ربضه ذلك كخلف الإبل خمس حجارات وجه حجر ووجه حجر ووجه حجران قال ورأيت الرجل يأخذ العتلة فيهزها من ناحية الركن الآخر فيهتز الركن الآخر قال ثم بناه على ذلك الربض وصنع له بأبين لاصقين وضوء شرقيا وغربيا فلما قتل ابن الزبير هدمه الحجاج من ناحية الحجر ثم أعاده على ما كان عليه قال فكتب إليه عبد الملك وددت أنك تركت ابن الزبير وما تحمل قال مرثد وسمعت ابن عباس يقول لو وليت منه ما كان ولي ابن الزبير لأدخلت الحجر كله في البيت وقال ابن عباس فلم يطاف بالحجر إن لم يكن من البيت.
وروينا أن الرشيد هارون ذكر لمالك بن أنس أنه يريد هدم ما بنى الحجاج من الكعبة وأن يرده إلى بنيان ابن الزبير لما جاء في ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم وامتثله ابن،

(10/49)


الزبير فقال له مالك ناشدتك الله يا أمير المؤمنين أن تجعل هذا البيت ملعبة للملوك لا يشاء أحد منهم إلا نقض البيت وبناه فتذهب هيبته من صدور الناس.
قال أبو عمر في حديث مالك عن ابن شهاب عن سالم المذكور في هذا الباب دليل على أن الحجر من البيت وقد أوضحنا ذلك بما ذكرنا من الآثار وإذا صح أن الحجر من البيت فواجب إدخاله في الطواف وأجمع العلماء أن كل من طاف بالبيت لزمه أن يدخل الحجر في طوافه وفي إجماعهم على ذلك ما يكفي.
واختلفوا فيمن لم يطف من وراء الحجر ولم يدخل الحجر في طوافه فالذي عليه جمهور أهل العلم أن ذلك لا يجزئ وأن فاعل ذلك في حكم من لم يطف فمن لم يطف الطواف الواجب كاملا رجع من بلاده حتى يطوف ويكمله فهو فرض مجتمع عليه وممن قال ما ذكرنا في الطواف وراء الحجر مالك والشافعي وأحمد وابو ثور وهو قول عطاء وابن عباس وروينا عن ابن عباس أنه كان يقول في هذه المسألة الحجر من البيت ويتلو قول الله عز وجل: {وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} ويقول:

(10/50)


طاف رسول الله صلى الله عليه وسلم من وراء الحجر وقال مالك والشافعي ومن قال بقولهم من لم يدخل الحجر في طوافه ولم يطف من ورائه في شوط أو شوطين أو أكثر ألغى ذلك وبنى على ما كان طاف طوافا كاملا قبل أن يسلك في الحجر.
ولا يعتد بما سلك في الحجر وقال أبو حنيفة وأصحابه من سلك في الحجر ولم يطف من ورائه وذكر ذلك وهو بمكة أعاد الطواف وإن كان شوطا قضاه وإن كان أكثر قضى ما بقي عليه من ذلك فإن خرج عن مكة وانصرف إلى الكوفة فعليه دم وحجه تام وروي عن الحسن البصري نحو ذلك قال من فعل ذلك فعليه الإعادة فإن حل أهراق دما.
وفي هذا الحديث أيضا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يستلم من الأركان إلا ركنين اليماني والأسود وعلى هذا مذهب مالك والشافعي وفقهاء الحجاز والعراق من أهل الرأي والحديث ولا أعلم في ذلك خلافا إلا في الطبقة الأولى من الصحابة رضي الله عنهم فإنه روي عن جابر بن عبد الله ومعاوية بن أبي سفيان وأنس بن مالك وعبد الله بن الزبير والحسن والحسين أنهم كانوا يستلمون الأركان "كلها" وروي عن عروة وأبي الشعثاء مثل ذلك وروي عنهما خلافه.

(10/51)


واختلف عن ابن عباس ومعاوية في ذلك فروى شعبة عن قتادة عن أبي الطفيل قال قدم معاوية وابن عباس فطاف ابن عباس فاستلم الأركان كلها فقال معاوية إنما استلم رسول الله صلى الله عليه وسلم الركنين اليمانيين وقال ابن عباس ليس شيء من أركانه مهجورا وروى هذا الخبر عبد الله بن عثمان بن خثيم عن أبي الطفيل فقلب القصة فيه وجعل مكان ابن عباس معاوية ومكان معاوية ابن عباس:
أخبرنا أحمد بن محمد قال حدثنا أحمد بن الفضل قال حدثنا محمد بن جرير قال حدثنا أبو كريب قال حدثنا عبيد الله بن موسى عن شريك عن عبد الله بن عثمان بن خثيم عن أبي الطفيل قال طاف معاوية بالبيت ومعه ابن عباس فكان معاوية يستلم الأركان كلها فإذا استلم الركنين اللذين في الحجر فقال له ابن عباس إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يستلم هذين فقال له معاوية إنه ليس من البيت شيء مهجور "وجعل ابن عباس يتخافتها كلما استلم ويقول:

(10/52)


إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يستلم هذين ويقول له معاوية أن ليس في البيت شيء مهجور".
قال أبو عمر هذه الرواية أثبت من رواية قتادة لأن مجاهدا روى عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لم يستلم إلا الركنين اليمانيين وأنه أنكر على معاوية استلامه الركنين الآخرين فلما قال له معاوية ليس من البيت شيء مهجور قال له ابن عباس لقد كان لكم في رسول الله إسوة حسنة.
والذي عليه جماعة فقهاء الأمصار وأهل المعرفة بالآثار استلام الركنين اليمانيين وذلك لحديث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم بذلك وهو حديث لا مطعن لأحد فيه رواه عن ابن عمر سالم ونافع وعبيد بن جريج ويوسف بن ماهك وغيرهم والركنان اللذان لا يستلمان هما الركن الشامي الذي يلي الركن الأسود والركن الغربي الذي يقابل اليماني وهما اللذان يليان الحجر وقد نهى عمر بن الخطاب يعلى بن أمية عن استلام الركنين الغربيين وهما هذان المذكوران وقال عمر ليعلى لنا في رسول الله إسوة حسنة.

(10/53)


فحصلت الرواية في ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث ابن عمر وعبد الله بن عباس ولا حجة في قول أحد مع السنة الثابتة وروى معمر عن الزهري عن سالم أن أباه أخبر بقول عائشة إن الحجر بعضه من البيت فقال ابن عمر والله إني لأظن عائشة أن كانت سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم إني لأظن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يترك استلامهما إلا أنهما ليسا على قواعد البيت ولا طاف الناس من وراء الحجر إلا لذلك.
قال أبوعمر مالك أحسن إقامة لإسناد هذا الحديث عن معمر وأحسن سياقة له منه ومالك أثبت الناس في الزهري والله أعلم حدثنا سعيد بن نصر ويحيى بن عبد الرحمان قراءة مني عليهما أن محمد بن أبي دليم حدثهما قال حدثنا ابن وضاح قال حدثنا إبراهيم بن حسان قال حدثنا أنس بن عياض قال حدثني هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت ما أبالي صليت في الحجر أو في البيت ورواه مالك وابن عيينة وجماعة عن هشام عن أبيه عن عائشة مثله.

(10/54)


الحديث الثلاثون
...
حديث سابع لابن شهاب عن سالم مرسل ثم يحيى وأكثر الرواة
مالك عن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله بن عمر أن رسول الله "صلى الله عليه وسلم قال "إن بلالا ينادي بليل فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم".
قال وكان رجلا أعمى لا ينادي حتى يقال له أصبحت أصبحت.
هكذا رواه يحيى مرسلا وتابعه على ذلك أكثر الرواة عن مالك وابن مهدي وعبد الرزاق وأبو قرة"

(10/55)


"موسى بن طارق وعبد الله بن نافع ومطرف بن وابن أبي أويس والحنيني ومحمد بن عمرالواقدي وأبو قتادة الحراني ومحمد بن حرب الأحرش وزهير بن عباد الرواسي وكامل بن طلحة كل هؤلاء وصلوه فقالوا فيه عن سالم عن أبيه وسائر رواة الموطأ أرسلوه وممن أرسله ابن قاسم والشافعي وابن بكير وأبو المصعب الزهري وعبد الله بن يوسف التنيسي وابن وهب في الموطأ ومصعب الزبيري ومحمد بن الحسن ومحمد بن المبارك الصوري وسعيد بن عفير ومعن بن عيسى وجماعة المطلوب ذكرهم وقد روي عن ابن بكير متصلا ولا يصح عنه إلا مرسلا كما في الموطأ له.
وأما أصحاب ابن شهاب فرووه متصلا مسندا عن ابن شهاب منهم ابن عيينة وابن جريج وشعيب بن أبي حمزة والأوزاعي والليث ومعمر ومحمد بن إسحاق وابن أبي سلمة وعند معمر ومحمد بن إسحاق في هذا حديث آخر".

(10/56)


حدثنا خلف بن قاسم قال حدثنا ابن أبي العقب الدمشقي بدمشق قال حدثنا أبو زرعة قال حدثنا أبو اليمان قال أخبرنا شعيب عن الزهري قال: قال سالم بن عبد الله سمعت عبد الله بن عمر يقول إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن بلالا ينادي بليل فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم" .
ورواه معمر ومحمد بن إسحاق عن الزهري عن ابن المسيب عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله.
والحديث صحيح اللزهري عن"..." حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا ابن أبي أسامة قال حدثنا يزيد بن هارون قال أخبرنا عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون عن الزهري عن سالم عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن بلالا ينادي بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم" قال وكان ابن أم مكتوم رجلا أعمى لا يؤذن حتى يقال له أصبحت أصبحت فأذن.
وحدثنا أحمد بن قاسم بن عيسى قال حدثنا ابن حبابة قال حدثنا البغوي قال حدثنا علي بن الجعد قال حدثنا عبد العزيز بن أبي سلمة فذكره.

(10/57)


وفي هذا الحديث من الفقه الأذان بالليل لصلاة الصبح إذ لا اذان ثم الجميع للنافلة في صلاة الليل ولا غيرها ولا أذان إلا للفرائض المكتوبات وأوكد ما يكون فللجماعات وسيأتي القول في وجوب الأذان وسنته وما للعلماء في ذلك من إذنه وفي كيفية الأذان والإقامة في باب أبي الزناد وباب يحيى بن سعيد إن شاء الله ولم يختلف على مالك في حديثه في هذا الباب عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم مسندا.
وقد اختلف الفقهاء في جواز الأذان بالليل لصلاة الصبح فقال أكثر العلماء بجواز ذلك وممن أجازه مالك وأصحابه والأوزاعي والشافعي وبه قال أحمد بن حنبل وإسحاق وداود والطبري وهو قول أبي يوسف يعقوب بن إبراهيم القاضي الكوفي وحجتهم قوله صلى الله عليه وسلم: "إن بلالا ينادي بليل".
وفي قوله هذا إخبار منه أن شأن بلال أن يؤذن للصبح بليل يقول فإذا جاء رمضان فلا يمنعكم أذانه من سحوركم وكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم فإن من شأنه أن يقارب الصباح بأذانه.

(10/58)


وقال أبو حنيفة والثوري ومحمد بن الحسن لا يجوز الأذان لصلاة الفجر حتى يطلع الفجر ومن أذن لها قبل الفجر لزمه إعادة الأذان.
وحجة الثوري وأبي حنيفة ومن قال بقولهما ما رواه وكيع عن جعفر بن برقان عن شداد مولى عياض بن عامر عن بلال أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا تؤذن حتى يتبين لك الفجر هكذا ومد يده عرضا".
ورواه معمر عن جعفر بن برقان بإسناده ومعناه إلا أنه قال شداد مولى عياش وهذا حديث لا تقوم بن حجة ولا بمثله لضعفه وانقطاعه.
واحتجوا أيضا بما رواه حماد بن سلمة عن أيوب عن نافع عن ابن عمر أن بلالا أذن قبل طلوع الفجر فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يرجع فينادي ألا إن العبد نام ألا إن العبد نام فرجع فقالها وهذا حديث انفرد به حماد بن سلمة دون أصحاب أيوب وأنكروه عليه،

(10/59)


وخطؤوه فيه لأن سائر أصحاب أيوب يروونه عن أيوب قال أذن بلال مرة بليل فذكره مقطوعا وهكذا ذكره عبد الرزاق عن معمر عن أيوب قال أذن بلال مرة بليل فقال له النبي صلى الله عليه وسلم " أخرج فناد إن العبد نام فخرج وهو يقول ليت بلالا ثكلته أمه وابتل من نضح دم جبينه ثم نادى إن العبد نام".
وروى زبيد الأيامي عن إبراهيم قال كانوا إذا أذن المؤذن بليل أتوه فقالوا له اتق الله وأعد أذانك واحتجوا أيضا بما رواه شريك عن محلل عن إبراهيم قال شيعنا علقمة إلى مكة فخرج بليل فسمع مؤذنا يؤذن بليل فقال أما هذا فقد خالف أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم لو كان نائما كان خيرا له فإذا طلع الفجر أذن ومحل ليس بالقوي.
واحتجوا أيضا بما رواه عبد العزيز بن أبي رواد عن نافع عن مؤذن لعمر يقال له مسروح أذن الصبح فأمره عمر أن يرجع ينادي ألا إن العبد نام ألا إن العبد نام وهذا متصل لأن نافعا لم يلق عمر ولكن الدراوردي وحماد بن زيد قد روويا هذا الخبر عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر مثله إلا أن

(10/60)


الدراوردي قال يقال له مسعود وهذا هو الصحيح والله أعلم أن عمر قال ذلك لمؤذنه لا ما ذكر أيوب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قاله: "لبلال".
وإذا كان حديث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم صحيحا قوله: "إن بلالا يؤذن بليل" فلا حجة في قول أحد مع السنة ولو لم يجز الأذان قبل الفجر لنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم بلالا عن ذلك ونحن لا نعلم أن عمر قال ما روي عنه في هذا الباب إلا بخبر واحد عن واحد.
وكذلك خبر ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم فالمصير إلى المسند أولى من طريق الحجة والله أعلم والذي أحبه أن يكون مؤذن آخر بعد الفجر.
وفيه اتخاذ مؤذنين وإذا جاز اتخاذ اثنين منهم جاز أكثر إلا أن يمنع منه ما يجب التسليم له وفيه جواز أذان الأعمى وذلك ثم أهل العلم إذا كان معه مؤذن آخر يهديه للأوقات وفيه دليل على "جواز" شهادة الأعمى على ما استيقنه من الأصوات ألا ترى أنه كان إذا قيل له أصبحت قبل ذلك وشهد عليه "وعمل به" وابن أم مكتوم رجل من قريش من بني عامر بن لؤي اختلف في اسمه وقد ذكرناه "ونسبناه في كتابنا في

(10/61)


الصحابة وذكرنا" الاختلاف في ذلك هناك.
وفيه دليل على أكل السحور وعلى أن الليل كله موضع الأكل والشرب والجماع لمن شاء كما قال الله عز وجل: {وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأبيضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ}.
وفي هذا دليل على أن السحور لا يكون إلا قبل الفجر لقوله إن بلالا ينادي بليل ثم منعهم من ذلك ثم أذان ابن أم مكتوم وهو إجماع لم يخالف فيه إلا الأعمش فشذ ولم يعرج على قوله والنهار الذي يجب صيامه من طلوع الفجر إلى غروب الشمس على هذا إجماع علماء المسلمين فلا وجه للكلام فيه.
وأما قول أمية بن أبي الصلت:
والشمس تطلع كل آخر ليلة ... حمراء يصبح لونها يتورد
فهذا لا على الحقيقة والعرب تسمي الشيء باسم ما قرب منه هذا قول الله عز وجل: {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ} الآية وهذا ثم الجميع لا الحقيقي وليست الأشعار واللغات مما يثبت بها شريعة ولا دين ولكنها يستشهد بها على أصل المعنى المستغلق إن احتيج إلى ذلك والله أعلم وبه التوفيق.

(10/62)


وقول ابن شهاب وكان ابن أم مكتوم رجلا أعمى لا ينادي حتى يقال له أصبحت أصبحت معناه أيضا المقاربة أي وهذا على العلماء مما ذكرنا قوله: {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ} يريد بالبلوغ ههنا مقاربة البلوغ لا انقضاء الأجل لأن الأجل لو انقضى وهو انقضاء العدة لم يجز لهم إمساكهن وهذا إجماع لا خلاف فيه فدل على أن قرب الشيء قد يعبر به عنه والمراد مفهوم وبالله التوفيق.
ومعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يأمر أصحابه أن يأكلوا ويشربوا حتى يؤذن من لا يؤذن إلا وقد أصبح وإذا كان هذا معلوما صح أن معنى قول ابن شهاب في ابن أم مكتوم ما ذكرنا من وقد أجمع العلماء على أن من لم يجز له الأكل ولا الشرب بعد ذلك وفي إجماعهم على ذلك ما يوضح ما ذكرناه.
واختلفوا فيمن أكل بعد الفجر وهو يظن أنه ليل أو أكل وهو شاك في الفجر فقال مالك من تسحر بعد طلوع الفجر أو أكل قبل غروب الشمس وهو لا يعلم فعليه القضاء إن كان واجبا وإن كان تطوعا مضى ولا شيء عليه وهو قول ابن علية في الواجب خاصة قال هو عندي بمنزلة من

(10/63)


صلى قبل الوقت وقال أبو حنيفة والثوري والليث بن سعد والشافعي عليه القضاء في الذي يأكل وهو يرى أنه ليل ثم يعلم أنه نهار وأما الذي يأكل وهو شاك في الفجر فقال أبو حنيفة أحب إلي أن يقضي إذا كان أكثر رأيه أنه أكل بعد الفجر وقال مالك عليه القضاء وقال الشافعي وعبيد الله بن الحسن لا شيء عليه وقال الثوري كل ما شككت حتى تستيقن وقال الشافعي من بين هؤلاء من أفسد صومه التطوع عامدا أساء ولا شيء عليه وليس هذا موضع ذكر هذه المسألة ولمالك في موطئه أحاديث في السحور حسان سيأتي موضعها من كتابنا هذا إن شاء الله.

(10/64)


الحديث الواحد و الثلاثون
...
حديث ثامن لابن شهاب عن سالم مقطوع
مالك عن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله أن عمر بن الخطاب إنما رجع بالناس عن حديث عبد الرحمان بن عوف.
قال أبو عمر معنى حديث عبد الرحمان بن عوف في الطاعون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه" فرجع عمر بن الخطاب من سرغ.
وقد ذكرنا هذا الحديث بتمامه فيما تقدم من كتابنا هذا وذلك في باب ابن شهاب عن عبد الله بن عامر بن ربيعة وذكرنا ما فيه من المعاني في حديث ابن شهاب عن عبد الحميد بن عبد الرحمان ورواية سالم لهذا الحديث عن عبد الرحمان بن عوف أو عن عمر بن الخطاب لا تتصل والحديث ثابت متصل صحيح من وجوه من حديث مالك وغيره وسيأتي في موضع من كتابنا هذا إن شاء الله.

(10/65)


الحديث الثاني والثلاثون
...
حديث تاسع لابن شهاب عن سالم مرسل يتصل من وجوه ثابتة
مالك عن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله أنه قال دخل رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد يوم الجمعة وعمر بن الخطاب يخطب فقال عمر أية ساعة هذه قال ياأمير المؤمنين انقلبت من السوق فسمعت النداء فما زدت على أن توضأت فقال عمر الوضوء أيضا وقد علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأمر بالغسل. هكذا رواه أكثر رواة الموطأ عن مالك مرسلا عن ابن شهاب عن سالم لم يقولوا عن أبيه ووصله عن مالك روح بن عبادة وجويرية بن أسماء وإبراهيم بن طهمان وعثمان بن الحكم الجذامي وأبو عاصم النبيل الضحاك بن مخلد وعبد الوهاب بن عطاء ويحيى بن مالك بن أنس وعبد الرحمان بن مهدي والوليد بن مسلم وعبد العزيز بن عمران ومحمد بن عمر الواقدي وإسحاق بن إبراهيم الحنيني والقعنبي في رواية،

(10/68)


إسماعيل بن إسحاق عنه فرووه عن مالك عن ابن شهاب عن سالم عن أبيه فأما حديث روح بن عبادة فحدثناه عبد الله بن محمد بن يوسف قال حدثنا أحمد بن عبد الله بن عبد الرحيم ومحمد بن محمد بن عبد الله ومحمد بن يحيى بن عبد العزيز قالوا حدثنا أحمد بن خالد قال حدثنا قاسم بن محمد قال حدثنا أبو عاصم خشيش بن أصرم قال حدثنا روح بن عبادة قال حدثنا مالك عن الزهري عن سالم عن أبيه قال بينا عمر بن الخطاب قائم يخطب يوم الجمعة إذ جاء رجل فذكر الحديث.
وأما حديث جويرة عن مالك "فذكر إسماعيل بن إسحاق قال حدثنا عبد الله بن محمد بن أسماء قال حدثنا جويرة بن أسماء عن مالك" عن الزهري عن سالم عن أبيه أن عمر بن الخطاب بينا هو قائم للخطبة إذ دخل رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من المهاجرين الأولين فناداه عمر أية ساعة هذه وذكر الحديث وكذلك رواه إسماعيل عن مالك عن ابن شهاب عن سالم عن أبيه مسندا.

(10/69)


حدثناه عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن عبيد قال حدثنا إسماعيل بن إسحاق فذكر الحديثين جميعا كما ذكرناه سواء وقد روينا حديث جويرة "هذا" عن نافع عن ابن عمر ليس فيه ذكر مالك ومعلوم أن سماع جويرية من نافع صحيح وإن كان قد روي أيضا عن مالك عن نافع أحاديث.
حدثنا عبد الوارث بن سفيان ويعيش بن سعيد قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن الهيثم قال حدثنا أبو غسان مالك بن إسماعيل إملاء من كتابه قال حدثنا جويرة عن نافع عن ابن عمر قال بينما عمر فذكر الحديث وروى هذا الحديث جماعة من أصحاب ابن شهاب عن سالم عن ابن عمر أن عمر بن الخطاب بينما هو قائم يوم الجمعة يخطب الحديث سواء منهم معمر وأبو أويس وغيرهما ويقولون إن سماع أبي أويس من ابن شهاب مع مالك واحد وأن عرضهما كان على ابن شهاب واحدا.
فأما حديث معمر فذكره عبد الرزاق عن معمر وأما حديث أبي أويس فحدثناه عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا

(10/70)


ابن أصبغ قال حدثنا إبراهيم بن عبد الرحيم قال حدثنا إبراهيم بن أبي العباس الشامي قال حدثنا أبو أويس عن الزهري عن سالم عن أبيه أن عمر بن الخطاب بينما هو قائم للخطبة يوم الجمعة فذكر الحديث.
وعند ابن شهاب أيضا في هذا الباب حديث آخر عن سالم عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من جاء منكم الجمعة فليغتسل" رواه جماعة عن ابن شهاب منهم معمر وابن عيينة ورواه الزبيدي عن الزهري عن سالم عن أبيه عن عمر بن الخطاب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من جاء منكم الجمعة فليغسل".
وليس هذا الحديث ثم مالك في الموطأ بهذا الإسناد وهو عنده عن نافع عن ابن عمر وهذا الحديث أيضا ثم الأوزاعي عن الزهري عن سالم عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم من جاء منكم الجمعة فليغتسل وليس عنده حديث ابن شهاب عن سالم عن أبيه أن عمر بينما هو يخطب وقد يمكن أن يكون ذلك كله حديثا واحدا والله أعلم.

(10/71)


وعند الأوزاعي في هذه القصة حديث يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة حدثناه محمد بن عبد الله قال حدثنا محمد بن معاوية قال حدثنا إسحاق بن أبي حسان قال حدثنا هشام بن عمار قال حدثنا عبد الحميد بن حبيب قال حدثنا الأوزاعي قال حدثنا يحيى بن أبي كثير قال حدثنا أبو سلمة عن أبي هريرة قال بينا عمر بن الخطاب يخطب يوم الجمعة فدخل عثمان بن عفان المسجد فعرض به عمر فقال ما بال رجال يتأخرون بعد النداء فقال عثمان يا أمير المؤمنين ما زدت حين سمعت النداء أن توضأت ثم أقبلت فقال عمر والوضوء أيضا أو لم تسمعوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إذا أراد أحدكم الجمعة فليغتسل".
ففي هذا الحديث أن الرجل عثمان بن عفان ولا أعلم خلافا بين أهل العلم بالحديث والسير في ذلك أنه عثمان بن عفان وكذلك قال مالك في سماع ابن القاسم منه وذكر عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن سالم عن أبيه أن عمر بن الخطاب بينا هو قائم يوم الجمعة يخطب فدخل رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فناداه عمر أية ساعة هذه فقال إني شغلت اليوم فلم أنقلب إلى أهلي حتى سمعت النداء فلم

(10/72)


أزد أن توضأت فقال عمر والوضوء أيضا وقد علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأمر كمال قال معمر الرجل هو عثمان بن عفان.
وأخبرنا عبد الوارث بن سفيان "قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أحمد بن محمد البري قال حدثنا أبو معمر قال حدثنا عبد الوارث" عن حسين "ح" وحدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا ابن داسة قال حدثنا سليمان بن الأشعث قال حدثنا أبو "توبة" الربيع بن نافع قال حدثنا معاوية جميعا عن يحيى يعني ابن أبي كثير قال أخبرني أبو سلمة أن أبا هريرة أخبره أن عمر بن الخطاب بينما هو يخطب يوم الجمعة إذ دخل رجل فقال عمر أتحتبسون عن الصلاة فقال الرجل ما هو إلا أن سمعت النداء فتوضأت فقال عمر والوضوء أيضا ألم تسمعوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إذا أتى أحدكم الجمعة فليغتسل".

(10/73)


وقرأت على سعيد بن نصر وعبد الوارث بن سفيان أن قاسم بن أصبغ حدثهم قال حدثنا جعفر بن محمد الصائغ قال حدثنا محمد بن سابق قال حدثنا شيبان عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة أن عمر بن الخطاب بينا هو يخطب يوم الجمعة إذ دخل عثمان بن عفان فذكر الحديث وقد روى هذا الخبر ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم.
أخبرنا إسماعيل بن عبد الرحمان قال حدثنا محمد بن العباس فلهذا قال حدثنا علي بن عبد الحميد الغضائري قال حدثنا محمد بن أبي عمر العدني قال حدثنا بشر بن السري عن عمر بن الوليد الشني عن عكرمة عن ابن عباس قال جاء رجل والنبي ص يخطب يوم الجمعة فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "يلهو أحدكم حتى إذا كادت الجمعة تفوته جاء يتخطى رقاب الناس يؤذيهم فقال ما فعلت يا رسول الله ولكن كنت راقدا ثم استيقظت فقمت وتوضأت ثم أقبلت فقال النبي صلى الله عليه وسلم أو يوم الجمعة وضوء هكذا" حدثت به مرفوعا وهو عندي وهم لا أدري ممن والله أعلم وإنما القصة محفوظة لعمر لا للنبي صلى الله عليه وسلم.

(10/74)


وذكر عبد الرزاق عن ابن جريج قال أخبرني عمرو بن دينار أن عكرمة مولى ابن عباس أخبره أن عثمان بن عفان جاء وعمر يخطب يوم الجمعة فذكر الحديثين كحديث ابن عمر وأبي هريرة بمعنى واحد.
قال أبو عمر أما قوله في هذا الحديث أية ساعة هذه فلم يرد الاستفهام وإنما هو توبيخ في لفظ الاستفهام معروف في لسان العرب تقول إذا أنكرت القول أو الفعل أي شيء هذا ومنه قول عمر أيضا لعبد الله بن عياش بن أبي ربيعة أنت قائل لمكة خير من المدينة وأما قوله يا أمير المؤمنين انقلبت من السوق فإن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أول من دعي بأمير المؤمنين وإنما كان يقال لأبي بكر رضي الله عنه خليفة رسول الله وكان يقال لعمر خليفة أبي بكر حتى تسمى بهذا الإسم.
وكان السبب في ذلك ما حدثناه أبو القاسم خلف بن القاسم حدثنا أبو أحمد الحسين بن جعفر الزيات بمصر قال حدثنا أبو زكرياء يحيى بن أيوب بن بادي العلاف "ح" وحدثنا

(10/75)


إبراهيم بن شاكر قال حدثنا عبد الله بن محمد بن عثمان قال حدثنا سعيد بن عثمان قال حدثنا أحمد بن عبد الله بن صالح قالا حدثنا عمرو بن خالد قال حدثنا يعقوب بن عبد الرحمان عن موسى بن عقبة عن الزهري أن عمر بن عبد العزيز سأل أبا بكر بن سليمان بن "أبي" حثمة لأي شيء كان أبو بكر يكتب من خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان عمر يكتب من خليفة أبي بكر ومن أول من كتب عبد الله أمير المؤمنين فقال حدثتني الشفاء وكانت من المهاجرات الأول أن عمر بن الخطاب كتب إلى عامل العراق ابعث إلي برجلين جلدين نبيلين أسألهما عن العراق وأهله فبعث إليه عامل العراق بلبيد بن ربيعة وعدي بن حاتم فلما قدما المدينة أناخا راحلتيهما بفناء المسجد ثم دخلا المسجد.

(10/76)


فإذا هما بعمرو بن العاص فقالا له استأذن لنا يا عمرو على أمير المؤمنين فقال عمرو أنتما أصبتما اسمه نحن المؤمنون وهو أميرنا فوثب عمرو "فدخل" فقال السلام عليك يا أمير المؤمنين فقال عمر وما بدا لك يا ابن العاصي في هذا الاسم ربي يعلم لتخرجن مما قلت فقال إن لبيد بن ربيعة وعدي بن حاتم قدما فأناخا راحلتيهما بفناء المسجد ثم دخلا المسجد فقالا لي استأذن لنا يا عمرو على أمير المؤمنين فهما والله أصابا اسمك أنت الأمير ونحن المؤمنون قال فجرى الكتاب من يومئذ قال يعقوب وكانت الشفاء جدة أبي بكر بن سليمان.
وفي الحديث في هذا الباب "أيضا" شهود الخيار والفضلاء السوق ومعناه التجر فيه وهكذا كان المهاجرون يعانون المتاجر لأنه لم يكن لهم حيطان ولا غلات يعتمرونها إلا بعد حين وكانت الأنصار ينظرون في أموالهم ويعتمرونها وفي هذا كله دليل على طلب الرزق والتعرض له والتحرف.
وفيه أن السوق يوم الجمعة لم يكن الناس يمنعونه ومن تجر فيه إلى وقت النداء فإن ذلك مباح إلى ذلك الوقت لأن الله تعالى إنما أمر بترك البيع وبطلان المتاجر بعد سماع النداء للسعي إلى ذكر الله لا لغير ذلك.

(10/77)


قال ابن القاسم قال مالك لا أرى أن يمنع أحد الأسواق يوم الجمعة لأنها كانت قائمة في زمن عمر بن الخطاب في ذلك الوقت قال والذاهب إلى السوق عثمان قيل له أيمنع الناس السوق قبل الأذان يوم الجمعة؟ قال لا.
وفيه دليل على أن من أوامر رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يكون الوجوب فرضا وهذا معروف في القرآن والسنة في أوامر الله وأوامر رسوله عليه الصلاة والسلام وقد أكثر الناس في كتب الأصول من إيضاح ذلك فكرهت ذكره هنا.
ومن الدليل على أن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم كمال يوم الجمعة ليس بفرض واجب أن عمر في هذا الحديث لم يأمر عثمان بالانصراف للغسل ولا انصرف عثمان حين ذكره عمر بذلك ولو كان الغسل واجبا فرضا للجمعة ما أجزأت الجمعة إلا به كما لا تجزئ الصلاة إلا بوضوء للمحدث أو كمال للجنب ولو كان كذلك ما جهله عمر ولا عثمان.
وفي هذا كله ما يوضح لك أن قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي سعيد الخدري وحديث أبي هريرة غسل الجمعة واجب على كل محتلم كغسل الجنابة وتفسيره

(10/78)


أنه وجوب سنة واستحباب وفضيلة وأن قوله كغسل الجنابة أراد به الهيئة والحال والكيفية فمن هذا الوجه وقع التشبيه بغسل الجنابة لا من جهة الوجوب فافهم.
حدثنا أحمد بن قاسم وعبد الوارث بن سفيان حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا الحرث بن أبي أسامة قال هدبة قال حدثنا همام عن قتادة عن الحسن عن سمرة بن جندب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من توضأ للجمعة فبها ونعمت ومن اغتسل فالغسل أفضل" وقد ذكرنا شرح لفظ هذا الحديث عن أهل اللغة في باب صفوان بن سليم.
وقد أجمع المسلمون قديما وحديثا على أن غسل الجمعة ليس بفرض واجب وفي ذلك ما يكفي ويغني عن الإكثار ولا يجوز على الأمة بأسرها جعل معنى السنة ومعنى الكتاب وهذا مفهوم ثم ذوي الألباب إلا أن العلماء مع إجماعهم على أن غسل الجمعة ليس بفرض واجب اختلفوا فيه هل هو سنة مسنونة للأمة أم هو استحباب وفضل أو كان لعلة فارتفعت وليس وعشرون فذهب مالك والثوري وجماعة من أهل العلم أن غسل الجمعة

(10/79)


سنة مؤكدة لأنها قد عمل بها رسول الله صلى الله عليه وسلم والخلفاء بعده والمسلمون فاستحبوها وندبوا إليها وهذا سبيل السنن المذكورة. فمن حجة من ذهب هذا المذهب حديث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من جاء منكم الجمعة فليغتسل" رواه سالم ونافع عن ابن عمر وهذا الأمر عندهم على الندب كما ذكرنا ومما يدل على أنه على الندب حديث سمي عن أبي صالح عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح فكأنما قرب بدنة". وفي معنى حديث سمي في هذا الحديث حديث أوس بن أوس الثقفي وحديث عبد الله بن عمرو بن العاصي وآثار كثيرة تدل على فضله وتندب
إليه ومثل حديث ابن عمر من جاء منكم الجمعة فليغتسل حديث ابن شهاب عن عبيد بن السباق أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "في جمعة من الجمع وهو على المنبر يا معشر المسلمين إن هذا يوم جعله الله عيدا للمسلمين فاغتسلوا ومن كان عنده طيب أن يمس منه وعليكم بالسواك" فقد أمرهم في هذا الحديث.

(10/80)


بالغسل وأخذ الطيب والسواك وليس واحد منهما واجبا فعله فرضا وكل ذلك حسن معروف مرغوب فيه مندوب إليه وقد اختلف عن مالك في هذا الحديث وسنذكر ذلك في موضعه من كتابنا هذا إن شاء الله.
ومثل ذلك من الآثار في غسل الجمعة ما رواه ابن وهب عن عمرو بن الحرث عن سعيد بن أبي هلال وبكير بن وعثمان عن أبي بكر بن المنكدر عن عمرو بن سليم عن عبد الرحمان بن أبي سعيد الخدري عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "الغسل يوم الجمعة على كل محتلم والسواك ويمس من الطيب ما قدر عليه".
ذكره النسائي وأبو داود جميعا عن محمد بن سلمة المرادي عن ابن وهب ومثله أيضا حديث بكير بن وعثمان عن نافع عن ابن عمر عن حفصة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "على كل محتلم رواح إلى الجمعة وعلى من راح إلى الجمعة الغسل" ذكر أبو داود ومثله أيضا ما رواه مفضل بن فضالة عن يحيى بن أيوب عن خالد بن يزيد عن عبد الله بن مسرور عن أبي سلمة عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "على من راح إلى الجمعة الغسل كما يغتسل من الجنابة".

(10/81)


حدثناه عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أبو الأحوص قال حدثنا فضالة بن مفضل بن فضالة قال حدثني أبي فذكره وحديث أبي الزبير عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم فذكر نحو ذلك ايضا حدثناه محمد بن إبراهيم قال حدثنا محمد بن معاوية قال حدثنا أحمد بن شعيب قال حدثنا حميد بن مسعدة قال حدثنا بشر قال حدثنا داود وهو ابن أبي هند عن أبي الزبير عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "على كل رجل مسلم في كل سبعة أيام غسل يوم وهو يوم الجمعة".
فهذه الآثار كلها تدل على وجوب سنة لما قدمنا من دليل حديث عمر وعثمان المذكور في هذا الباب ودليل الإجماع وغير ذلك مما ذكرنا وذكر عبد الرزاق عن ابن جريج قال سألت عطاء فقلت له الغسل يوم الجمعة واجب قال نعم ومن تركه فليس بآثم وذهبت طائفة من أهل العلم إلى أن الغسل يوم الجمعة ليس بواجب وجوب سنة وليس وعشرون وأن الطيب يغني عنه وأن الأمر به إنما كان لعلة قد زالت واحتجوا بأن ابن عمر روى هذا الحديث في الأمر بغسل الجمعة وفسره بهذا التفسير.

(10/82)


حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن غالب التمتام قال حدثنا إسحاق بن عبد الواحد الموصلي بالموصل قال حدثنا يحيى بن سليم عن إسماعيل بن أمية عن نافع عن ابن عمر قال كان الناس يغدون في أعمالهم فإذا كانت الجمعة جاءوا وعليهم ثياب رديئة وألوانها متغيرة قال فشكوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "من جاء منكم إلى الجمعة فليغتسل وليتخذ ثوبين سوى ثوبي مهنته" .
وذكر مالك عن نافع عن ابن عمر أنه كان لا يروح إلى الجمعة إلا ادهن وتطيب إلا أن يكون حراما ولم يذكر الغسل وهذه عائشة رضي الله عنها روت في ذلك ما ذكرنا عنها وروي عنها أيضا أنها قالت يغتسل من أربع من الجنابة والجمعة والحجامة وغسل الميت وهو حديث ليس بالقوي وكانت تذهب في غسل الجمعة إلى أنه ليس بواجب وتذكر في العلة ما ذكر ابن عمر أخبرنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا مسدد قال حدثنا حماد بن زيد عن يحيى بن سعيد عن عمرة عن عائشة قالت كان

(10/83)


الناس مهان أنفسهم فيروحون إلى الجمعة بهيئتهم قيل لهم لو اغتسلتم. وذكر الشافعي وعبد الرزاق عن ابن عيينة عن يحيى بن سعيد عن عمرة عن عائشة قالت إنما كان الناس عمال أنفسهم وكانوا يروحون بهيئتهم فقيل لهم لو اغتسلتم. وحدثنا أحمد بن قاسم قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا الحرث بن أبي أسامة قال حدثنا الفضل بن دكين قال حدثنا سفيان عن يحيى بن سعيد عن عمرة عن عائشة مثله سواء. وحدثنا محمد بن إبراهيم قال حدثنا محمد بن معاوية قال حدثنا أحمد بن شعيب قال أخبرنا محمود بن خالد عن الوليد قال حدثنا عبد الله بن العلاء بن زبر أنه سمع القاسم بن محمد بن أبي بكر أنهم ذكروا غسل يوم الجمعة ثم عائشة فقالت إنما كان الناس يسكنون العالية فيحضرون الجمعة وبهم وسخ فإذا أصابهم الروح سطعت أرواحهم فتأذى بهم الناس فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "أولا يغتسلون" ؟

(10/84)


وحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا عبد الله بن روح المدائني أخبرنا شبابة بن سوار قال حدثنا أبو زيد قال حدثنا القاسم بن محمد عن عائشة أنه ذكر عندها غسل يوم الجمعة فقالت سبحان الله إنما كان الناس يسكنون العالية فذكر مثله.
وجاء عن ابن عباس في ذلك ليث جاء عن ابن عمر وعائشة أخبرني عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا عبد الله بن مسلمة قال حدثنا عبد العزيز بن محمد عن عمرو بن "أبي" عمرو وعن عكرمة أن ناسا من أهل العراق جاءوا فقالوا يا ابن عباس الغسل يوم الجمعة واجب قال لا ولكنه أطهر وخير لمن اغتسل ومن لم يغتسل فليس عليه بواجب وسأخبرك كيف كان "بدء" الغسل كان الناس مجهودين يلبسون الصوف ويعملون على ظهورهم وكان مسجدهم ضيقا متقارب السقف إنما هو عريش فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في يوم حار،

(10/85)


وعرق الناس في ذلك الصوف حتى ثارت منهم رياح آذى بذلك بعضهم بعضا فلما وجد رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الريح قال أيها الناس إذا كان هذا اليوم فاغتسلوا ثم جاء الله بالخير الصوف وكفوا العمل ووسع مسجدهم وذهب "بعض" الذي كان يؤذي بعضهم بعضا من العرق.
وحدثنا قاسم بن محمد قال حدثنا خالد بن سعيد قال حدثنا أحمد بن عمرو قال حدثنا محمد بن سنجر قال حدثنا خالد بن مخلد قال حدثني سليمان بن بلال قال حدثني عمرو بن أبي عمرو عن عكرمة عن ابن عباس قال الغسل يوم الجمعة ليس بواجب ومن اغتسل فهو خير وأطهر ثم قال كان الناس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبسون الصوف وكان المسجد ضيقا متقارب السقف فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في يوم صائف شديد الحر ومنبره صغير إنما هو ثلاث درجات فخطب الناس فعرق الناس في الصوف فصار يؤذي بعضهم بعضا حتى بلغت أرواحهم رسول

(10/86)


الله صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر فقال: "يا ايها الناس إذا كان هذا اليوم فاغتسلوا وليمس أحدكم أطيب ما يجد من طيبه أو دهنه".
وأبو سعيد الخدري روى وجوب غسل الجمعة وقد روينا عنه ما يدل على أنه ليس بواجب ذكر عبد الرزاق عن عمر بن راشد عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة قال سمعت أبي سعيد يقول ثلاث هن على كل مسلم في يوم الجمعة الغسل والسواك ويمس طيبا إن وجد ومعلوم أن الطيب والسواك ليسا بواجبين فكذلك الغسل.
وروينا عنه مرفوعا أيضا ما حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا إبراهيم بن عبد الرحمان قال حدثنا صالح بن مالك قال حدثنا الربيع بن بدر عن الجريري عن أبي نضرة عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أتى الجمعة فتوضأ فيها ونعمت ومن اغتسل فالغسل أفضل" وهذا الحديث ذكره عبد الرزاق عن الثوري عن رجل عن أبي نضرة عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله.

(10/87)


وقد روى يزيد بن أبان الرقاشي عن أنس "عن النبي صلى الله عليه وسلم" مثله ورواه قتادة عن الحسن عن سمرة عن النبي صلى الله عليه وسلم وحديث الحسن عن سمرة وإن كان الحسن لم يسمع من سمرة فيما يقولون إلا حديث العقيقة "أحسنها" إسنادا وقد نقل أنه سمع من حديث العقيقة" وإلى هذا ذهب البخاري وقوله صلى الله عليه وسلم: "من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت ومن اغتسل فالغسل أفضل" بيان واضح على سقوط وجوبه وأنه فضيلة وسنة مستحبة وكان الشافعي يقول إنه سنة ويحتج بحديث سمرة ومن تابعه عن النبي صلى الله عليه وسلم في تفسير وجوبه وبقول عائشة وما أشبهه ومن أثبت حديث "في" سقوط غسل الجمعة وهو حديث لم يختلفوا في صحة إسناده ما حدثناه عبد الله بن محمد حدثنا محمد بن بكر حدثنا أبو داود حدثنا مسدد حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من توضأ فأحسن الوضوء ثم أتى الجمعة واستمع وأنصت،

(10/88)


غفر له ما بين الجمعة إلى الجمعة وزيادة ثلاث أيام ومن مس الحصا فقد لغا".
وذكر عبد الرزاق عن الثوري عن الأعمش عن إبراهيم قال ما غسلا واجبا إلا غسل الجنابة وكانوا يستحبون غسل الجمعة قال عبد الرزاق وأخبرنا الثوري عن سعد بن إبراهيم عن عمر بن عبد العزيز عن رجل من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم قال: "حق الله على كل مسلم أن يغتسل في كل سبعة أيام يوما يوم الجمعة وأن يستن وأن يصيب من طيب أهله" قال عبد الرزاق وهو أحب القولين إلى سفيان يقول هو واجب يعني وجوب سنة.
وذكر عبد الرزاق عن ابن عيينة عن مسعر عن وبرة عن همام بن الحرث عن ابن مسعود أن الغسل يوم الجمعة سنة وهذا أولى ما قيل "به" في هذا الباب وبالله التوفيق وهو المستعان.

(10/89)


الحديث الثالث والثلاثون
...
ابن شهاب عن عبد الله والحسن ابني محمد بن علي بن أبي طالب حديث واحد
هما عبد الله والحسن ابنا محمد بن الحنفية كانا جليلين عالمين ثقتين إلا أن عبد الله هذا تنتحله الشيعة بأسرها والحسن أول من تكلم بالإرجاء وعبد الله الغرماء أبا هاشم وكان عالما بالحدثان.
قال العدوي في كتاب النسب أبو هاشم عبد الله بن محمد بن علي كان عالما أديبا وهو الذي أخبر عن دولة المسودة وقد روى عنه الحديث الزهري وغيره وقال مصعب الزبيري عبد الله بن محمد الغرماء أبا هاشم وكان صاحب الشيعة فأوصى إلى محمد "بن علي" بن عبد الله بن عباس

(10/90)


ودفع إليه كتبه ومات عنده وقد انقرض ولده إلا من قبل النساء.
وذكر الطبري قال كان أبو هاشم عبد الله بن محمد بن الحنفية أوصى إلى محمد بن علي بن عبد الله بن عباس ودفع إليه كتبه وكان محمد بن علي وصي أبي هاشم فقال له أبو هاشم إن هذا الأمر إنما هو في ولدك وكانت الشيعة الذين يأتون أبا هاشم ويختلفون إليه قد صاروا بعد ذلك إلى محمد بن علي قال وكان أبو هاشم عالما قد سمع وقرأ الكتب.
قال الواقدي مات عبد الله بن محمد بن الحنفية أبو هاشم سنة سبع وتسعين سقي سما في لبن فمات منه.
وقال العدوي وأما الحسن بن محمد بن الحنفية فكان من أظرف فتيان قريش وكان أول من وضع الرسائل وكان رأس المرجئة الأولى وأول من تكلم في الإرجاء وكان داعية.

(10/91)


أبيه إذ كان أبوه في الشعب ولما خرج الحسن داعية لأبيه أخذه إبراهيم بن الأشتر بنصيبين فبعث به إلى مصعب بن الزبير وكان إبراهيم بن الأشتر عامل مصعب على نصيبين فبعث به مصعب بن الزبير إلى أخيه عبد الله بن الزبير فحبسه في السجن ثم أفلت منه.
قال أبو عبد الله العدوي فحدثنا عثمان بن سعد شيخ من أهل واسط قال حدثنا سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار قال قلت للحسن بن محمد كيف أفلت من سجن ابن الزبير؟ قال أفلت ليلا فأخذت على أطراف الجبال حتى أتيت أبي قال العدوي وكان السجن الذي حبسه فيه ابن الزبير يعرف بسجن عارم وهو الذي عنى كثير عزة في قوله:
بل العائذ المظلوم في سجن عارم

(10/92)


قال وكان فقيها قد روى عنه الزهري وعمرو بن دينار فأكثرا قال ولمحمد بن علي بن أبي طالب بنون: عبد الله أبو هاشم والحسن وقد مضى ذكرهما وجعفر بن محمد بن علي بن أبي طالب قتل يوم الحرة والقاسم بن محمد بن علي وبه كان الغرماء أبوه محمد بن الحنفية وإبراهيم بن محمد وهو الذي يقلب شعره وكان شديد العارضة وقال مصعب الحسن بن محمد بن علي بن أبي طالب أمه جمال بنت قيس بن مخرمة بن المطلب بن عبد مناف قال والحسن أول من تكلم في الإرجاء.
حدثني عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا سليمان بن أبي شيخ قال حدثنا حجر بن عبد الجبار عن عيسى بن علي قال مات أبو هاشم بن محمد بن الحنفية في عسكر الوليد بدمشق وقال مصعب الزبيري مات بالحجر من بلاد ثمود قال مصعب وتوفي الحسن بن محمد بن علي في خلافة عمر بن عبد العزيز. قال أبو عمر يقال سنة مائة وحدثني عبد الوارث قال حدثنا قاسم قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا

(10/93)


أبو الفتح نصر بن المغيرة عن سفيان بن عيينة قال قلت لعبد الواحد بن أيمن وكان الحسن بن محمد ينزل عليه إذا قدم من كان يأتيه قال عطاء وعمرو بن دينار والزبير بن موسى وغيرهم.
مالك عن ابن شهاب عن عبد الله والحسن ابني محمد بن علي "عن أبيهما" عن علي بن أبي طالب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن متعة النساء يوم خيبر وعن أكل لحوم الحمر الأهلية.
لم يختلف رواة الموطأ فيما علمت في إسناد هذا الحديث ولا في متنه ورواه يحيى بن أيوب المصري عن مالك وأبو زبيد عبثر بن القاسم عن سفيان الثوري عن مالك فذكر فيه مخاطبة علي لابن عباس في المتعة قوله له دع عنك هذا في رواية يحيى بن أيوب وفي رواية عبثر إنك امرؤ تائه إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن متعة النساء يوم خيبر وعن لحوم الحمر الأهلية.

(10/94)


وقد روى هذا الحديث عن مالك جماعة من الأئمة منهم يحيى بن سعيد وسفيان بن سعيد وعمر بن محمد بن زيد وحماد بن زيد وورقاء بن عمر فمنهم من ذكر مخاطبة علي لابن عباس فيه ومنهم من ساقه كما في الموطأ وهكذا قال مالك في هذا الحديث نهى عن متعة النساء يوم خيبر وعن أكل لحوم الحمر الأهلية.
وقد تابعه على ذلك جماعة منهم معمر ويونس بن يزيد عن ابن شهاب ويحيى بن سعيد الأنصاري ولم يسمعه يحيى بن سعيد من ابن شهاب إنما سمعه من مالك عن ابن شهاب وسفيان بن حسين كلهم اتفقوا عن ابن شهاب فجعلوا النهي عن متعة النساء يوم خيبر كما قال مالك وخالفهم ابن عيينة فيما ذكر الحميدي عنه وفي الحميدي ليس بمخالفة لهم وقد كان بعض أصحابنا يقول يحتمل حديث مالك التقديم والتأخير كأنه أراد نهى عن متعة النساء وعن أكل لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر فيكون الشيء المنهي عنه يوم خيبر أكل لحوم الحمر خاصة ويكون النهي عن المتعة خارجا عن ذلك موقوفا على وقته بدليله وهذا تأويل فيه بعد.

(10/95)


وقد روى ابن بكير هذا عن مالك بإسناده فقال فيه نهى عن نكاح المتعة يوم خيبر لم يزد على ذلك ورواه الشافعي عن مالك بإسناده عن علي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية لم يزد على ذلك وسكت عن قصة المتعة لما فيها من الاختلاف.
فأما رواية يحيى بن سعيد عن الزهري لهذا الحديث فحدثنا خلف بن القاسم قال حدثنا عبد الله بن محمد بن ناصح المفسر قال حدثنا أحمد بن علي بن سعيد القاضي حدثنا يحيى بن أيوب حدثنا هشيم أخبرنا يحيى بن سعيد الأنصاري عن الزهري عن عبد الله والحسن ابني محمد بن علي بن الحنفية أن عليا مر بابن عباس وهو يفتي في متعة النساء أنه لا بأس بها فقال له علي إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عنها وعن لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر ويقولون إنه لم يسمعه يحيى بن سعيد من الزهري وإنما رواه مالك عن الزهري.
حدثنا خلف بن عبد الله بن عمر حدثنا أحمد بن محمد بن الحجاج حدثنا بكر بن خلف حدثنا عبد الوهاب الثقفي حدثنا يحيى بن سعيد الأنصاري "ح"
وحدثنا خلف بن قاسم حدثنا محمد بن أحمد بن عبد الله وعلي بن محمد بن عمر الحراني قالا حدثنا جعفر بن محمد الفريأبي حدثنا محمد بن المثنى حدثنا عبد الوهاب بن عبد المجيد قال سمعت يحيى بن سعيد الأنصاري يقول أخبرني مالك

(10/96)


بن أنس عن ابن شهاب أن عبد الله والحسن ابني محمد بن علي أخبراه أن أباهما أخبرهما أن علي بن أبي طالب قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم خيبر عن متعة النساء وهذا هو الصحيح إن شاء الله لا رواية هشيم وأظن هذا الحديث من الأحاديث التي ذكر مالك أن يحيى بن سعيد قال له في حين خروجه إلى العراق أكتب لي في الأقضية أحاديث ابن شهاب قال مالك ففعلت ودفعتها إليه.
حدثنا خلف بن قاسم حدثنا حدثنا الحسين بن علي بن الوليد الجعفي حدثنا خالد بن خداش حدثنا حماد بن زيد عن يحيى بن سعيد عن مالك بن أنس عن عبد الله بن محمد بن علي عن أبيه عن علي قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن متعة النساء قال حماد وسمعته

(10/97)


من مالك ورواه سفيان الثوري عن مالك حدثنا خلف بن قاسم حدثنا أحمد بن إبراهيم بن أحمد حدثنا زكرياء بن يحيى السجزي حدثنا إبراهيم بن عبد الله بن محمد "ح" وحدثنا خلف حدثنا" عباس بن محمد بن نصر الرقي حدثنا محمد بن عبد الرحمان بن كامل قالا حدثنا سعيد بن عمرو الأشعثي حدثنا عبثر بن القاسم عن سفيان الثوري عن مالك بن أنس عن الزهري عن الحسن بن محمد بن علي عن أبيه قال تكلم علي وابن عباس في متعة النساء فقال له علي إنك امرؤ تائه إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن متعة النساء يوم خيبر وعن لحوم الحمر الأهلية.
أما رواية معمر فذكر عبد الرزاق قال أخبرنا معمر قال أخبرنا الزهري أن الحسن وعبد الله ابني محمد أخبراه عن أبيهما محمد بن علي أنه سمع اباه علي بن أبي طالب قال لابن عباس وبلغه أنه يرخص في المتعة فقال له علي إنك امرؤ تائه إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عنها يوم خيبر وعن لحوم الحمر الأهلية.

(10/98)


وأما رواية يونس فحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا مطلب بن شعيب قال حدثنا عبد الله بن صالح حدثني يونس عن ابن شهاب عن عبد الله بن محمد بن علي أنه أخبره أنه سمع محمد بن علي بن أبي طالب وهو يعظ عبد الله بن عباس في فتياه في المتعة ويقول لابن عباس إنك رجل تائه إنما كانت رخصته في أول الإسلام ثم نهى عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم زمن خيبر حين نهى عن لحوم الحمر الأهلية.
فقد بان من رواية يحيى بن سعيد ومعمر ويونس أن النهي عنها كان يوم خيبر فإن ذكر النهي عن المتعة يوم خيبر غلط والأقرب أن يكون هذا من غلط ابن شهاب والله أعلم أو يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عنها يوم خيبر ثم أرخص فيها يوم الفتح ثلاثة أيام ثم حرمها أيضا وفي حديث الربيع بن سبرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يدل على ذلك وسنذكر ذلك في هذا الباب إن شاء الله تعالى.

(10/99)


وأما إسقاط يونس في روايته من إسناد هذا الحديث الحسن بن محمد فقد تابعه عليه إسحاق بن راشد إلا أنه قال في موضع عام خيبر عام تبوك:
حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا عبد الله بن جعفر الرقي قال حدثنا عبيد الله بن عمرو عن إسحاق بن راشد عن الزهري عن عبد الله بن محمد عن أبيه عن علي قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك عن نكاح المتعة .
قال إسحاق قلت للزهري فهلا عن الحسن ذكرت الحديث؟ فقال لو أن الحسن حدثني لم أشك وذكر الحسن في هذا الحديث صحيح ذكره مالك ومعمر وابن عيينة ويحيى بن سعيد وغيرهم وليس إسحاق بن راشد ممن يلتفت إليه مع هؤلاء ولا يعرج عليه وإن كان حماد بن زيد قد روى هذا الحديث عن معمر ويحيى بن سعيد عن ابن شهاب عن عبد الله بن محمد بن علي عن أبيه عن علي أنه أخبره أن النبي-

(10/100)


صلى الله عليه وسلم نهى يوم خيبر عن متعة النساء وعن لحوم الحمر الأهلية لم يذكر الحسن ومن زاد ذكر الحسن في هذا الحديث فالقول قوله وزيادته مقبولة.
حدثنا خلف بن قاسم حدثنا عبد الله بن عمر بن إسحاق حدثنا أحمد بن محمد بن الحجاج حدثنا عبد الملك بن شعيب بن الليث حدثني أبي عن الليث بن سعد حدثني يحيى بن أيوب عن مالك بن أنس عن ابن شهاب عن عبد الله وحسن ابني محمد بن علي عن أبيهما أنه حدثهما أن علي بن أبي طالب بلغه أن عبد الله بن عباس يرخص في المتعة بالنساء قال دع هذا عنك فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نهى عنها وعن لحوم الحمر الإنسية يوم خيبر.
حدثنا خلف بن قاسم قال حدثنا عبد الله بن محمد بن ناصح قال حدثنا أحمد بن علي بن سعيد قال حدثنا أبو خيثمة والقواديري وأبو بكر بن أبي شيبة قالوا حدثنا سفيان عن الزهري عن حسن وعبد الله ابني محمد بن علي عن أبيهما عن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن نكاح المتعة يوم خيبر وعن لحوم الحمر الأهلية.
حدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن إسماعيل الترمذي قال حدثنا الحميدي قال حدثنا سفيان

(10/101)


قال حدثنا الزهري قال أخبرني الحسن وعبد الله ابنا محمد بن علي وكان الحسن أرضاهما عن أبيهما أن عليا قال لابن عباس إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن نكاح المتعة وعن لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر .
قال سفيان يعني أنه نهى عن لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر يعني نكاح المتعة.
قال أبو عمر على هذا أكثر الناس والله أعلم وعند الزهري "في هذا الباب" حديث آخر رواه عن الربيع بن سبرة عن أبيه حدثناه أحمد بن محمد بن أحمد قال حدثنا وهب بن مسرة قال حدثنا ابن وضاح قال حدثنا حامد بن يحيى قال حدثنا سفيان عن الزهري قال أخبرني الربيع بن سبرة عن أبيه قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نكاح المتعة يوم الفتح.
وحدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا جعفر بن محمد قال حدثنا سليمان بن داود الهاشمي قال حدثنا إبراهيم يعني ابن سعد قال حدثنا عبد الملك بن

(10/102)


الربيع بن سبرة الجهني عن أبيه عن جده قال أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمتعة عام الفتح ثم نهى عنها وقال: "هي ح حدثناه سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا إسماعيل بن إسحاق قال حدثنا سليمان بن حرب ومسدد قالا حدثنا حماد بن زيد فذكره.
وقال آخرون إنما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نكاح المتعة عام حجة الوداع. رام من حرام الله إلى يوم القيامة" وكذلك رواه إبراهيم بن علي التميمي عن مالك عن ابن شهاب عن الربيع بن سبرة عن أبيه قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن متعة النساء عام الفتح ولا يصح عن مالك.
ورواه حماد بن زيد عن أيوب عن الزهري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن متعة النساء يوم الفتح فقلت ممن سمعته فقال حدثني رجل عن أبيه عن عمر بن عبد العزيز وزعم "معمر" أنه الربيع بن سبرة وحديث حماد بن زيد هذا عن أيوب

(10/103)


واحتجوا بما حدثناه عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن قال حدثنا محمد بن بكر التمار قال حدثنا أبو داود قال حدثنا مسدد قال حدثنا عبد الرزاق عن إسماعيل بن أمية عن الزهري قال كنا ثم عمر بن عبد العزيز فتذاكرنا متعة النساء فقال رجل يقال له ربيع بن سبرة أشهد على أبي أنه حدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع وذهب أبو داود إلى أصح ما روي في ذلك.
وأما عبد الرزاق فذكر في كتابه عن معمر عن الزهري عن الربيع بن سبرة عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حرم متعة النساء هكذا قال لم يقل وقت كذا وقد ذكره أبو داود وقال حدثنا محمد بن يحيى بن فارس قال حدثنا عبد الرزاق قال أخبرنا معمر عن الزهري عن ربيع بن سبرة عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حرم متعة النساء لم يزد.
وقد روي عن مالك هذا الحديث عن الزهري عن الربيع بن سبرة عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن المتعة هكذا مختصرا روته طائفة لا يحتج بمثلها عن مالك وليس يصح فيه لمالك عن ابن حديث هذا الباب والله أعلم.

(10/104)


وروى هذا الحديث عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز عن الربيع بن سبرة بأتم ألفاظ وذكر فيه أن ذلك كان في حجة الوداع.
أخبرنا أحمد بن محمد قال حدثنا وهب بن مسرة قال حدثنا ابن وضاح قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا عبدة بن سليمان عن عبد العزيز بن عمر عن الربيع بن سبرة عن أبيه قال خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع "ح".
وحدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا عبد الله بن روح حدثنا شبابة قال حدثنا ورقاء بن عمر عن عبد العزيز بن عمر عن الربيع بن سبرة عن أبيه قال خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حجاجا "ح".
وحدثنا خلف بن سعيد قال حدثنا عبد الله بن محمد بن علي قال حدثنا أحمد بن خالد قال حدثنا إسحاق بن إبراهيم قال حدثنا عبد الرزاق قال أخبرنا معمر عن عبد العزيز بن عمر عن عبد العزيز بن سبرة عن أبيه قال خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة في حجة الوداع،

(10/105)


دخل حديث بعضهم في بعض قال حتى إذا كنا بعسفان قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن العمرة قد دخلت في الحج فقام إليه سراقة بن مالك بن جعشم المدلجي فقال يا رسول الله علمنا تعليم قوم كأنما ولدوا اليوم أرأيت عمرتنا هذه لعامنا هذا أم للأبد فقال بل للأبد" قال وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من قدم منكم مكة فطاف بالبيت وبين الصفا والمروة فقد حل إلا من كان معه هدي" قال فقدمنا مكة فطفنا بالبيت وبين الصفا والمروة حتى حللنا ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: "تمتعوا من هذه النسوان".
وفي حديث ورقاء الاستمتاع عندنا التزويج وفي حديث عبدة قالوا يا رسول الله إن العزبة قد شقت علينا قال: "فاستمتعوا من هذه النساء" قال فأتيناهن فأبين أن ينحكنا! إلا أن نجعل بيننا وبينهن أجلا "فذكروا ذلك" قال فخرجت أنا وصاحب لي وفي حديث ورقاء وهو ابن عم لي وهو أسن مني وأنا أشب منه وعلي برد وعليه برد وبرده أمثل من بردي قال فأتينا امرأة من بني عامر فعرضنا عليها،

(10/106)


النكاح فنظرت إلي وإليه فقالت برد كبرد والشاب أعجب إلي منه قال فتزوجتها فكان الأجل بيني وبينها عشرا وفي حديث معمر فاختارتني فتزوجتها ثلاثا ببردي ثم اتفقوا فبت معها تلك الليلة ثم غدوت إلى المسجد فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "وورقاء قائم بين الركن والباب وهو يقول وقال معمر على المنبر يخطب فسمعته يقول إنا كنا أذنا لكم في الاستمتاع من هذه النساء فمن كان تزوج امرأة إلى أجل فليخل سبيلها وليعطها ما سمى لها وليفارقها ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئا فإن الله قد حرمها عليكم إلى يوم القيامة" وفي حديث ورقاء فإنهن حرام من حرام الله وقد حرمتها إلى يوم القيامة.
قال أبو عمر وكان الحسن البصري يقول إن هذه القصة كانت في عمرة القضاء ذكر عبد الرزاق عن معمر عن عمرو عن الحسن قال ما حلت المتعة قط إلا ثلاثا في عمرة القضاء ما حلت قبلها ولا بعدها.
قال أبو عمر لم أجد هذا في حديث مسند إلا من حديث ابن لهيعة حدثني أحمد بن قاسم قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا الحرث بن أبي أسامة قال حدثنا إسحاق بن عيسى قال حدثنا ابن لهيعة قال حدثنا الربيع بن سبرة قال كنت ثم عمر بن عبد العزيز وعنده ابن شهاب الزهري فقال

(10/107)


لي كيف كان أمر أبيك في المتعة قال "قلت" سمعت أبي يقول اعتمرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرة فأذن لنا في المتعة فخرجت أنا وابن عمي إلى مكة فرأينا امرأة كأنها بكرة عيطاء فعرضنا عليها أنفسنا ببردينا وكنت أشب من ابن عمي وكان برد ابن عمي خيرا من بردي فجعلت تنظر إلي فقال ابن عمي إن بردي خير من برده فقالت قد رضيناه على ما كان من برده فتمتعنا بهن ثلاث ليال ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم زجرنا عنهن بعد ثالثة قال فقال عمر بن عبد العزيز ما سمعت في المتعة بحديث هو أثبت من هذا.
وروى الليث بن سعد عن الربيع بن سبرة الجهني عن أبيه قال رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم في المتعة فانطلقت أنا ورجل إلى امرأة من بني عامر كأنها بكرة عيطاء فعرضنا عليها أنفسنا فقالت ما تعطي؟ فقلت ردائي وقال صاحبي ردائي وكنت أشب منه فإذا نظرت إلى رداء صاحبي أعجبها وإذا نظرت إلي أعجبتها فقالت أنت ورداؤك يكفيني فمكثت معها ثلاثة أيام ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نادى من كان معه شيء من النساء التي يتمتع،

(10/108)


بهن فليخل سبيلها لم يذكر الليث الوقت لا في حجة الوداع ولا في عمرة القضاء ولا أحمد بن قاسم قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا الحرث بن أبي أسامة قال حدثنا أبو النضر قال حدثنا الليث فذكره.
حدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا إسماعيل بن إسحاق قال حدثنا سليمان بن حرب قال حدثنا شعبة عن عبد ربه عن عبد العزيز بن عمر عن الربيع بن سبرة عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رخص في المتعة حتى انتهيت إليه بعد ثالثة فإذا هو يحرمها أشد التحريم ويقول فيها أشد القول.
وعند عقيل في هذا الحديث إسناد ليس ثم غيره عن ابن شهاب عن سهل بن سعد عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا أنه من حديث ابن لهيعة حدثناه خلف بن القاسم قال حدثا بكر بن عبد الرحمان المصري بمصر قال حدثنا يحيى بن عثمان بن صالح قال حدثني أبي قال حدثنا ابن لهيعة قال حدثني عقيل عن ابن شهاب أنه أخبره عن سهل بن سعد الساعدي ثم العجلاني قال: إنما رخص رسول الله - صلى الله

(10/109)


عليه وسلم في المتعة لعزبة كانت بالناس شديدة ثم نهى النبي صلى الله عليه وسلم عنها بعد ذلك.
وأما سلمة بن الأكوع فروي عنه أنه قال إنما رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم عام أوطاس في المتعة ثلاثا ثم نهى عنها ذكره ابن أبي شيبة قال أبو العميس عن إياس بن سلمة عن أبيه.
وحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا "محمد عبد السلام قال حدثنا" محمد بن بشار قال حدثنا أبو عاصم عن ابن أبي ذئب عن إياس بن سلمة بن الأكوع عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أيما رجل تمتع فعشرة ما بينهما ثلاثة أيام فإن أحبا أن يزدادا ازدادا وإن أحبا أن يتتاركا تتاركا.
وحدثنا عبد الوارث حدثنا قاسم عن محمد بن عبد السلام حدثنا محمد بن بشار حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن عمرو بن دينار قال سمعت الحسن بن محمد يحدث عن جابر بن عبد الله وسلمة بن الأكوع قالا خرج علينا يعني رسول

(10/110)


الله صلى الله عليه وسلم فقال إن رسول الله قد أذن لكم فاستمتعوا يعني متعة النساء.
وفي هذا الحديث أيضا حديث ابن مسعود، حدثناه سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن وضاح قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا وكيع عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس عن عبد الله قال كنا ونحن شباب فقلنا يا رسول الله ألا نستخصي قال لا ثم رخص لنا أن ننكح المرأة بالثوب إلى أجل ثم قرأ عبد الله بن مسعود {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ} وروى هذا الحديث عبد الرزاق وغيره عن ابن عيينة عن إسماعيل عن قيس عن ابن مسعود مثله فنهانا أن نختصي وأمرنا أن نتزوج المرأة بالشيء عما نهانا عنها يوم خيبر وعن لحوم الحمر الانسة.
فهذا ما في هذا الباب من المسند وأما الصحابة فإنهم اختلفوا في نكاح المتعة فذهب ابن عباس إلى إجازتها فتحليلها لا خلاف عنه في ذلك وعليه أكثر أصحابه منهم عطاء بن أبي رباح وسعيد بن جبير وطاووس وروي تحليلها أيضا وإجازتها

(10/111)


عن أبي سعيد الخدري وجابر بن عبد الله وذكر عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء قال أخبرني من شئت عن أبي سعيد الخدري قال لقد كان أحدنا يستمتع بمثل القدح سويقا وأخبرني ابن الزبير قال سمعت جابر بن عبد الله يقول كنا نستمتع بالقبضة من التمر والدقيق الأيام على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر حتى نهى عمر الناس عنها في شأن عمرو بن حريث.
وحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن عبد السلام قال حدثنا محمد بن بشار قال أخبرنا محمد بن جعفر قال حدثنا شعبة عن عمرو بن دينار قال أخبرني من سمع جابر بن عبد الله يقول تمتعنا إلى النصف من خلافة عمر يعني متعة النساء.
وروى مالك عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير عن خولة بنت حكيم دخلت على بن الخطاب وقالت إن ربيعة بن أمية استمتع بامرأة مولدة فحملت منه فخرج عمر بن الخطاب فزعا يجر رداءه فقال هذه المتعة ولو كنت تقدمت فيها لرجمت.
وحدثنا عبد الوارث قال حدثنا قاسم قال حدثنا أبو عبيدة قال حدثنا أبو خالد يزيد بن سنان البصري قال حدثنا مكي بن

(10/112)


إبراهيم قال حدثنا مالك بن أنس عن نافع عن ابن عمر قال: قال عمر متعتان ينفذ على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا أنهى عنهما وأعاقب عليهما متعة النساء ومتعة الحج.
وذكر عبد الرزاق عن ابن جريج قال أخبرني عطاء أنه سمع ابن عباس يراها حلالا حتى الآن وأخبرني أنه كان يقرأ {فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ إلى أجل مسمى فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} قال وقال ابن عباس في حرف أبي إلى أجل مسمى.
قال أبو عمر وقرأها أيضا هكذا إلى أجل مسمى علي بن حسين وابنه أبو جعفر محمد بن علي وابنه جعفر بن محمد وسعيد بن جبير هكذا كانوا يقرأون.
وذكر عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء قال أول من سمعت منه المتعة صفوان بن يعلى قال أخبرني يعلى أن معاوية استمتع بامرأة بالطائف فأنكرت ذلك عليه فدخلنا على ابن عباس فذكر له بعضنا ذلك فقال نعم فلم تقر بي نفسي حتى قدم جابر بن عبد الله قال فجئناه في منزله،

(10/113)


فسأله القوم عن أشياء ثم ذكروا له المتعة فقال نعم استمتعنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر حتى إذا كان في آخر خلافة عمر استمتع عمرو بن حريث بامرأة سماها جابر ونسيت عدا فحملت المرأة فبلغ ذلك عمر فدعاها فسألها فقالت له نعم قال من أشهد قال عطاء فلا أدري قالت أمي وابنها أو أخاها وابنها قال فهلا غيرهما فنهى عن ذلك قال عطاء وسمعت ابن عباس يقول يرحم الله عمر ما كانت المتعة إلا رحمة من الله رحم بها أمة محمد ولولا نهيه عنها ما احتاج إلى ا لزنى إلا شقي قال عطاء فهي التي في سورة النساء {فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ} إلى كذا وكذا من الأجل على كذا وكذا ليس بتشاور فإن بدا لهما أن يتراضيا بعد الأجل وأن يتفرقا فنعم وليس بنكاح.
قال ابن جريج وسألت عطاء أيستمتع الرجل بأكثر من أربع جميعا وهل الاستمتاع إحصان وهل يحل استمتاع المرأة لزوجها الذي مضى قال ما سمعت فيه بشيء وما راجعت فيه أصحأبي.
وعن ابن جريج قال أخبرني عبد الله بن عثمان بن خثيم قال كانت بمكة امرأة عراقية تتنسك جميلة لها ابن يقال له أبو أمية وكان سعيد بن جبير يكثر الدخول عليها قال:

(10/114)


قلت يا أبا عبد الله ما أكثر ما تدخل على المرأة قال إنا قد أنكحناها ذلك النكاح للمتعة قال ابن جريج وأخبرت أن سعيدا قال هي أحل من شرب الماء يعني المتعة.
قال أبو عمر هذه آثار مكية عن أهل مكة قد روي عن ابن عباس خلافها وسنذكر ذلك وقد كان العلماء قديما وحديثا يحذرون الناس من مذهب المكيين أصحاب ابن عباس ومن سلك سبيلهم في المتعة والصرف ويحذرون الناس من مذهب الكوفيين أصحاب ابن مسعود ومن سلك سبيلهم في النبيذ الشديد ويحذرون الناس من مذهب أهل المدينة في الغناء.
وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في تحريم نكاح المتعة مما قد ذكرناه ما فيه شفاء وليس أحد من خلق الله إلا يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثنا عبد الله بن محمد الجهني قال حدثنا أحمد بن محمد المكي قال حدثنا علي بن عبد العزيز قال حدثنا أبو عبيد قال حدثنا ابن بكير عن الليث عن بكير بن عبد الله بن وعثمان عن عمار مولى الشريد قال سألت ابن عباس عن المتعة أسفاح هي أم نكاح فقال ابن عباس لا سفاح

(10/115)


ولا نكاح قلت فما هي قال هي المتعة كما قال الله قلت هل لها من عدة قال نعم عدتها حيضة قلت يتوارثان قال لا وأجمعوا أن المتعة نكاح لا إشهاد فيه ولا ولي وأنه نكاح إلى أجل تقع فيه الفرقة بلا طلاق ولا ميراث بينهما وهذا ليس حكم الزوجات في كتاب الله ولا سنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
حدثنا أحمد بن قاسم بن عبد الرحمان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال أخبرنا الحرث بن أبي أسامة قال حدثنا بشر بن عمر قال حدثنا نافع بن عمر عن ابن أبي مليكة أن عائشة كانت إذا سئلت عن المتعة قالت بيني وبينكم كتاب الله قال الله عز وجل: {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ} قالت فمن ما زوجه الله أو ما ملكه فقد عدا.
وذكر عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن القاسم بن! إني لأرى تحريمها في القرآن قال قلت فأين قال فقرأ علي هذه الآية {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا

(10/116)


مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ} الآية قال معمر قال الزهري ازدادت العلماء لها مقتا حتى قال الشاعر:
"يا صاح هل لك في فتيا ابن عباس"
قال أبو عمر هما بيتان:
قال المحدث لما طال مجلسه ... يا صاح هل لك في فتيا ابن عباس
في بضة رخصة الأطراف آنسة ... تكون مثواك حتى مرجع الناس
وقد أخبرنا محمد حدثنا علي بن عمر حدثنا أبو بكر النيسابوري حدثنا أحمد بن عبد الرحمان بن وهب حدثني عمي قال حدثنا يونس ومالك "بن أنس عن الزهري عن عروة بن الزبير قام بمكة فقال" إن ناسا أعمى الله قلوبهم كما أعمى أبصارهم يفتون بالمتعة يعرض برجل فناداه فقال إنك جلف جاف لعمري لقد كانت المتعة تعمل في عهد إمام المتقين يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ابن

(10/117)


الزبير فجرب بنفسك والله لئن فعلتها لأرجمنك بأحجارك قال الدارقطني هذا حديث غريب ما سمعناه إلا من النيسابوري.
فأما قوله عز وجل: {فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ} فللعلماء في تأويلها قولان خلافا لابن عباس أحد القولين أنها منسوخة روي ذلك عن ابن مسعود وعلي بن أبي طالب وسعيد بن المسيب وذكر أبو عبيد قال حدثنا ابن أبي زائدة عن حجاج عن الحكم عن أصحاب عبد الله "عن عبد الله" بن مسعود قال المتعة منسوخة نسخها الطلاق والصداق والعدة والميراث.
وروى أبو إسحاق عن الحرث عن علي قال نسخ صوم رمضان كل صوم ونسخت الزكاة كل صدقة ونسخ الطلاق والعدة والميراث المتعة ونسخت الضحية كل ذبح.
وروى الثوري عن داود بن أبي هند عن سعيد بن المسيب قال نسخها الميراث.
والقول الثاني روي عن عمر بن الخطاب والحسن بن أبي الحسن أنهما كانا يتأولان قوله: {فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ}

(10/118)


أنه إذا تمتع بالعقدة ثم طلقها فلها نصف الصداق وإن وطئ فلها الصداق كله ولا جناح عليهما فيما تراضيا به من بعد الفريضة فترك المرأة للزوج الصداق وهو قوله: {فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً} فتعفو المرأة عن صداقها أو يعفو الزوج عن النصف إن طلق قبل أن يطأها فيتم لها الصداق وذهب إلى هذا جماعة من أهل العلم قالوا فما استمتعتم به منهن بالنكاح والوطء فآتوهن أجورهن وهو الصداق كاملا وإن استمتعتم بالنكاح ولم تطئوا فنصف الصداق فإن كنتم قد سميتم ذلك فريضة يقول أجورهن فريضة من الله عليكم ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة مثل قوله: {إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ} فهذان القولان عليهما أهل العلم إلى اليوم في جميع أمصار المسلمين مخالفين لابن عباس في ذلك.

(10/119)


على أنه قد روي عن ابن عباس أخبرنا عبد الوارث بن سفيان حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن إسماعيل الترمذي.
وحدثنا خلف بن قاسم قال حدثنا عمر بن محمد القاسم قال حدثنا بكر بن سهل الدمياطي قالا حدثنا عبد الله بن صالح قال حدثنا معاوية بن صالح عن علي بن أبي طالب عن ابن عباس في قوله: {فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} يقول إذا تزوج أحدكم المرأة ثم نكحها مرة واحدة فقد وجب صداقها كله والاستمتاع هو النكاح وهو قوله: {وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً} وقوله: {وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ} قال المتراضي أن يوفيها صداقها ثم يخيرها. وروى أبو عبيدة عن الحجاج عن ابن جريج وعثمان بن عطاء عن عطاء الخرساني عن ابن عباس في قوله: {َمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ} قال نسختها {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ}

(10/120)


وروى الحجاج بن أرطاة عن المنهال بن عمرو عن سعيد بن جبير قال قلت لابن عباس هل ترى ما صنعت وبما أفتيت سارت بفتياك الركبان وقالت فيه الشعراء فقال إنا لله وإنا إليه راجعون لا والله ما بهذا أفتيت ولا هذا أردت ولا أحللت منها إلا ما أحل الله من الميتة والدم ولحم الخنزير.
قال أبو عمر هذه الآثار كلها عن ابن عباس معلولة لا تجب بها حجة من جهة الإسناد ولكن عليها العلماء والآثار التي رواها المكيون عن ابن عباس صحاح الأسانيد عنه وعليها أصحاب ابن عباس.
وأما سائر العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من الخالفين وفقهاء المسلمين فعلى تحريم المتعة منهم مالك في أهل المدينة والثوري وأبو حنيفة في أهل الكوفة والشافعي فيمن سلك سبيله من أهل الحديث والفقه والنظر بالاتفاق والأوزاعي في أهل الشام والليث بن سعد في أهل مصر وسائر أصحاب الآثار.
حدثنا محمد بن عبد الله قال حدثنا محمد بن معاوية قال حدثنا أصحاب الفضل بن الحباب قال حدثنا مسلم بن

(10/121)


إبراهيم قال حدثنا شعبة عن منصور عن مجاهد في قوله: {فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ} قال النكاح وروي عن عمر بن الخطاب أنه قال لا أوتى برجل تمتع وهو محصن إلا رجمته ولا أوتى برجل تمتع محصن إلا جلدته وعن ابن عمر أنه سئل عن المتعة فقال هو السفاح. وروى معمر عن الزهري عن سالم قال قيل لابن عمر إن ابن عباس يقول هذا قالوا بلى والله إنه ليقوله أما والله ما كان يقول ذلك في زمن عمر وإن كان عمر لينكل في مثل هذا وما أظنه إلا السفاح.
واختلف العلماء في معنى المتعة في الرجل يتزوج عشرة أيام أو نحوها إلى أجل يجوز أن يقول أتزوجها شهرا أو يقول تمتعيني بنفسك بهذا الدينار شهرا فقال مالك والثوري وأبو حنيفة وأصحابه والشافعي والأوزاعي كلهم يقول هذا نكاح المتعة وهو باطل دخل أو لم يدخل ويفسخ قبل الدخول وبعده وهذه المتعة المحظورة المحرمة وهو قول أحمد رحمه الله وأهل الحديث وقال زفر إذا تزوجها عشرة أيام أو شهرا فالنكاح ثابت طاعة باطل وقالوا كلهم ما خلا الأوزاعي إنه إذا نكح المرأة نكاحا صحيحا بغير شرط ولكنه نوى أن لا يحبسها إلا شهرا أو مدة معلومة فإنه لا بأس به ولا تضره نيته إذا لم يكن ذلك من شروط نكاحه.

(10/122)


قال مالك وليس على الرجل إذا نكح أن ينوي حبس امرأته وحبسه إن وافقته وإلا طلقها وقال الأوزاعي لو تزوجها بغير شرط ولكنه ينوي أن لا يحبسها إلا شهرا أو نحوه ويطلقها فهو متعة ولا خير فيه.
وأما لحم الحمر الإنسية فلا خلاف بين علماء المسلمين اليوم في تحريمها وعلى ذلك جماعة السلف إلا ابن عباس وعائشة فإنهما كانا لا يريان بأكلها بأسا ويتأولان قول الله : {قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ} الآية على الاختلاف في ذلك عن ابن عباس والصحيح فيه ما عليه الناس.
روى عبيد الله بن موسى عن الثوري عن الأعمش عن مجاهد عن ابن عباس قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية وعن السبايا الحبالى أن يوطأن حتى يضعن ما في بطونهن وعن كل ذي ناب وعن بيع الخمس حتى يقسم.
وحدثنا عبد الوارث بن سفيان حدثنا قاسم حدثنا الخشني حدثنا محمد بن بشار حدثنا ابن أبي عدي عن سعيد بن أبي عروبة عن علي بن الحكم عن ميمون بن مهران عن سعيد

(10/123)


جبير عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن أكل كل ذي مخلب من الطير وعن أكل كل ذي ناب وهذان الإسنادان عن ابن عباس يدلان على أنه لا يصح عنه ما روي من قوله في عموم الآية {قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ} وقد مضى القول في معنى هذه الآية في باب إسماعيل بن أبي حكيم من كتابنا هذا ثم ذكر نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكل كل ذي ناب فأغنى عن إعادته ههنا.
حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا سليمان بن أشعث قال حدثنا إبراهيم بن الحسن المصيصي قال حدثنا حجاج عن ابن جريج قال أخبرني عمرو بن دينار قال أخبرني رجل عن جابر قال نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نأكل لحوم الحمر وأمرنا أن نأكل لحوم الخيل قال عمرو أخبرت بهذا الحديث ابا الشعشاء،

(10/124)


فقال قد كان الحكم الغفاري فينا يقول هذا وأبى ذلك البحر يريد ابن عباس.
قال أبو عمر الرجل الذي روى عنه عمرو هذا الحديث هو أبو جعفر محمد بن علي بن حسين.
حدثنا عبد الله بن محمد بن أسد قال حدثنا سعيد بن الموطأ قال حدثنا محمد بن يوسف قال حدثنا البخاري قال حدثنا سليمان بن حرب قال حدثنا حماد بن زيد عن عمرو عن محمد بن علي عن جابر قال نهى النبي صلى الله عليه وسلم يوم خيبر عن لحوم الحمر ورخص في الخيل وقد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم تحريم الحمر الأهلية علي بن أبي طالب وعبد الله بن عمرو بن العاص وجابر بن عبد الله وعبد الله بن عمر والبراء بن عازب وعبد الله بن أبي أوفى وأنس بن مالك وزاهر الأسلمي كلهم يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم تحريمها بأسانيد صحاح حسن.
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه رخص فيها وقال إنما نهيتكم عن جوال القربة من حديث رجل من مزينة،

(10/125)


وهو حديث لا يصح ولا يعرج على مثله مع ما عارضه من الأسانيد الصحاح.
قرأت على عبد الوارث بن سفيان أن قاسم بن أصبغ حدثهم قال حدثنا بكر بن حماد قال حدثنا مسدد قال حدثنا يحيى بن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن أكل لحوم الحمر الأهلية .
وبه عن مسدد قال حدثنا سفيان عن عمرو بن دينار عن محمد بن علي عن جابر قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية وأذن في لحوم الخيل.
وبه عن مسدد قال حدثنا يحيى عن ابن جريج عن أبي الزبير سمع جابرا يقول أكلنا زمن خيبر لحوم الخيل ولحوم الوحش ونهاني رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحمار الأهلي.
وفي إذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في أكل الخيل وإباحته لذلك يوم خيبر دليل على أن نهيه عن أكل لحوم الحمر يومئذ عبادة لغير علة لأنه معلوم أن الخيل أرفع من الحمير وأن الخوف على الخيل وعلى فنائها فوق الخوف على الحمير وأن الحاجة في الغزو وغيره إلى الخيل أعظم من

(10/126)


الحاجة إلى الحمير وبهذا يبين لك أن النهي عن أكل لحوم الحمر لم يكن لحاجة وضرورة إلى الظهر والحمل وإنما كان عبادة وشريعة ألا ترى إلى حديث أنس بن مالك أن منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم نادى يوم خيبر أن الله ينهاكم ورسوله عن لحوم الحمر الأهلية.
حدثناه عبد الوارث قال حدثنا قاسم قال حدثنا يحيى بن أبي مسرة قال حدثنا خلاد بن يحيى قال سمعت سفيان الثوري عن هشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن أنس فذكره. وأما ما نهى الله عنه ورسوله فلا خيار فيه لأحد وكل قول خالف السنة فمردود ولا وجه لقول ابن عباس ومن تابعه لأن الله عز وجل قد أمر في كتابه ثم تنازع العلماء وما اختلفوا فيه بالرد إلى الله ورسوله وليس في جهل السنة في شيء قد علمها فيه غيره حجة وقد تكرر القول في هذا المعنى في كتابنا هذا بما فيه كفاية.
واختلف العلماء في أكل لحوم الخيل فذهب مالك وأصحابه إلى أن أكلها مكروه وبذلك قال أبو حنيفة والأوزاعي وأبو عبيد ومن حجتهم أن الله تبارك وتعالى ذكرها في كتابه للركوب والزينة وذكر الأنعام فقال: {لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ}

(10/127)


واحتج أبو حنيفة في هذا بالقياس لأنه من ذوات الحوافر كالحمار وهذا ليس بشيء لأن الخنزير ذو ظلف وقد باين ذوات الأظلاف ومن حجتهم أيضا حديث خالد بن الوليد حدثناه سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا ابن وضاح قال حدثنا موسى بن معاوية قال حدثنا بقية قال حدثني ثور بن يزيد عن صالح بن يحيى بن المقدام عن أبيه عن جده عن خالد بن الوليد قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن لحوم الخيل والبغال والحمير وعن كل ذي ناب وهذا حديث لا تقوم به حجة لضعف إسناده وحديث الإباحة صحيح الإسناد.
وقال الثوري والليث بن سعد والشافعي وأبو ثور لا بأس بأكل لحوم الخيل وحجتهم حديث جابر المذكور في هذا الباب وحدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا جعفر بن محمد قال حدثنا محمد بن سابق قال حدثنا إبراهيم بن طهمان عن أبي الزبير عن جابر قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية وذبح لنا الخيل وأطعمنا لحمها وحديث أسماء بنت أبي بكر قالت نحرنا فرسا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم

(10/128)


فأكلناه حدثنا أحمد بن القاسم حدثنا الحرث بن أبي أسامة حدثنا يحيى بن هشام حدثنا هشام بن عروة عن فاطمة بنت المنذر بن الزبير عن أسماء بنت أبي بكر قالت نحرنا فرسا على عهد رسول الله فأكلناه.
وحدثنا عبد الوارث حدثنا قاسم حدثنا أحمد بن هشام بن أبي رميك حدثنا أحمد بن عثمان بن هود حدثنا عبد الله بن داود عن هشام بن عروة عن فاطمة عن أسماء قالت أكلنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم لحم فرس.
وزعم القائلون بهذا القول أنه ليس في السكوت عن ذكر الإذن في الخيل دليل على أن ما عدا الركوب والزينة لا يجوز ألا ترى أنه لم يذكر البيع والتصرف وإنما ذكر الركوب والزينة وجائز بيعها والتصرف فيها وفي ثمنها بإجماع والأشياء على الإباحة حتى يثبت الحظر والمنع فلما ثبت المنع من الحمار والبغل ابن الحمار فحكمه حكم الحمار بإجماع والدليل الواضح وبقي الفرس على أصل إباحته هذا لم يوجد فيه نص فكيف والنص فيه ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم.

(10/129)


ابن شهاب عن عطاء بن يزيد الليثي أربعة أحاديث
أحدها مرسل وعطاء بن يزيد هذا قيل إنه مولى بني ليث وقيل إنه من أنفسهم ويكنى أبا محمد وقيل أبا يزيد قال الواقدي توفي عطاء بن يزيد سنة سبع ومائة وهو ابن اثنتين وثمانين سنة وكان من ساكني المدينة وبها كانت وفاته وقد روى عنه أهل المدينة وأهل الشام لأنه دخلها يروي عن أبي أيوب الأنصاري وأبي هريرة وأبي سعيد الخدري وهو من ثقات التابعين.
0

(10/130)


الحديث الرابع والثلاثون
...
حديث أول لابن شهاب عن عطاء بن يزيد
مالك عن ابن شهاب عن عطاء بن يزيد الليثي عن أبي سعيد الخدري أن ناسا من الأنصار سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاهم ثم سألوه فأعطاهم حتى إذا نفذ ما عنده قال ما يكون عندي من خير فلن أدخره عنكم ومن يستعفف يعفه الله ومن يستغن يغنه الله ومن يتصبر يصبره الله وما أعطي أحد عطاء خيرا وأوسع من الصبر.

(10/131)


هكذا هذا الحديث في الموطأ لم يختلف في شيء منه فيما علمت حدثنا خلف بن قاسم حدثنا عمر بن محمد بن القاسم ومحمد بن أحمد بن كامل ومحمد بن أحمد بن المسور قالوا حدثنا بكر بن سهل حدثنا عبد الله بن يوسف حدثنا مالك عن ابن شهاب عن عطاء بن يزيد الليثي عن أبي سعيد الخدري أن ناسا من الأنصار سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاهم ثم سألوه فأعطاهم ثم سألوه فأعطاهم حتى إذا نفد ما عنده قال ما يكون عندي من خير فلن أدخره عنكم ومن يستعفف يعفه الله ومن يصبر يصبره الله وما أعطي أحد عطاء هو خير وأوسع من الصبر.
وأما قوله فلن أدخر عنكم فإنه يريد لن أستره عنكم وأمنعكموه وأنفرد به دونكم ونحو هذا.
وفي هذا الحديث ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم من السخاء والكرم هذا إن كان عطاؤه ذلك من سهم وما أفاء الله عليه وإن يكن من مال الله فحسبك وما

(10/132)


عليه صلى الله عليه وسلم من إنفاذ أمر الله وإيثار طاعته وقسمة مال الله بين عباده وقد فاز من اقتدى به فوزا عظيما وفيه إعطاء السائل مرتين وفيه الاعتذار إلى السائل وفيه الحض على التعفف والاستغناء بالله عن عباده والتصبر وأن ذلك أفضل ما أعطيه الإنسان وفي هذا كله نهي عن السؤال وأمر بالقناعة والصبر وقد مضى القول في السؤال وما يجوز منه وما لا يجوز ولمن يجوز ومتى يجوز فيما سلف من كتابنا هذا والحمد لله.

(10/133)


الحدبث الخامس والثلاثون
...
حديث ثان لابن شهاب عن عطاء بن يزيد
مالك عن ابن شهاب عن عطاء بن يزيد الليثي عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا سمعتم النداء فقولوا مثل ما يقول المؤذن".
هكذا رواه جماعة الرواة عن مالك إلا المغيرة بن سقلاب فإنه رواه عن مالك عن الزهري عن سعيد بن المسيب وعطاء بن يزيد الليثي جميعا عن أبي سعيد الخدري ولم يذكر سعيدا في إسناد هذا الحديث غيره والله أعلم.
وقد روي هذا الحديث عن مسدد عن يحيى القطان عن مالك عن الزهري عن السائب بن يزيد عن النبي صلى الله

(10/134)


عليه وسلم وذلك خطأ من كل من رواه بهذا الإسناد عن مسدد غيره ولا يعرف فيه ويحفظ إلا حديث الزهري عن عطاء بن يزيد عن أبي سعيد الخدري وهو الصحيح فيه والله أعلم.
واختلف العلماء في معنى هذا الحديث بعد إجماعهم على صحته فذهب بعضهم إلى أن الذي يسمع يقول مثل ما يقول المؤذن من أول الأذان إلى آخره وحجتهم ظاهر هذا الحديث وعمومه.
ومن حجتهم أيضا ما حدثناه عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا بكر بن حماد قال حدثنا مسدد قال حدثنا أبو عوانة عن أبي بشر عن أبي المليح عن عبد الله بن عتبة عن عمته أم حبيبة بنت أبي سفيان قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان عندي فسمع المؤذن قال كما يقول حتى يسكت.
وروى ابن وهب عن حيي عن أبي عبد الرحمان الحبلي عن عبد الله بن عمر أن رجلا قال يا رسول الله إن المؤذنين يفضلوننا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قل كما يقولون فإذا انتهيت فاسأله تعط".

(10/135)


وروى كعب بن علقمة عن عبد الرحمان بن جبير عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي صلى الله عليه وسلم وزاد صلوا عليه عشرا الحديث.
وقال آخرون يقولون ما يقول المؤذن في كل شيء إلا في قوله: "حي على الصلاة" وفي قوله: "حي على الفلاح" فإنه يقول إذا سمع المؤذن ينادي بذلك لا حول ولا قوة إلا بالله ثم يتم الأذان معه إلخ.
واحتجوا بما حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا محمد بن المثنى قال حدثنا محمد بن جهضم "ح".
وحدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا إسماعيل بن إسحاق قال حدثنا إسحاق بن محمد القروي قالا جميعا حدثنا إسماعيل بن جعفر عن عمارة بن غزية عن حبيب بن عبد الرحمان بن يساف عن حفص بن عاصم بن عمر عن أبيه عن جده عمر بن الخطاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا قال المؤذن الله أكبر الله أكبر قال أحدكم الله أكبر الله أكبر فإذا قال أشهد أن لا إله إلا الله قال أشهد أن لا إله إلا الله فإذا قال أشهد أن محمدا رسول الله قال اشهد أن محمدا رسول الله،

(10/136)


ثم قال حي على الصلاة قال لا حول ولا قوة إلا بالله ثم قال حي على الفلاح قال لا حول ولا قوة إلا بالله ثم قال الله أكبر الله أكبر قال الله أكبر الله أكبر ثم قال لا إله إلا الله قال لا إله إلا الله من قلبه دخل الجنة".
وحدثنا محمد بن إبراهيم قال حدثنا محمد بن معاوية قال حدثنا أحمد بن شعيب قال أخبرنا مجاهد بن موسى وإبراهيم بن الحسن قالا حدثنا حجاج عن ابن جريج عن عمرو بن يحيى أن عيسى بن عمر أخبره عن عبد الله بن علقمة بن وقاص قال إني ثم معاوية إذ أذن مؤذنه فقال معاوية كما قال المؤذن حتى إذا قال حي على الصلاة قال لا حول ولا قوة إلا بالله فلما قال حي على الفلاح قال لا حول ولا قوة إلا بالله فقال بعد ذلك ما قال المؤذن ثم قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ذلك.

(10/137)


وقال آخرون يقول مثل ما يقول المؤذن حتى يبلغ حي على الصلاة حي على الفلاح فيقول لا حول ولا قوة إلا بالله بدل كلمة منها مرتين مرتين على حسبما يقول المؤذن ثم لا يزيد على ذلك وليس عليه أن يختم الأذان.
واحتجوا بما حدثناه عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا مضر بن محمد قال حدثنا عبد الوهاب بن الضحاك قال حدثنا ابن عياش عن مجمع بن جارية عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف الأنصاري قال سمعت معاوية بن أبي سفيان يقول إذا أذن المؤذن مثل قوله وإذا قال حي على الصلاة قال لا حول ولا قوة إلا بالله.
حدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن اصبغ قال حدثنا عبد الله بن روح قال حدثنا يزيد بن هرون قال أنبأنا هشام الدستوائي عن يحيى بن أبي كثير عن محمد بن إبراهيم عن عيسى بن طلحة قال دخلنا على معاوية في المؤذن فقال الله أكبر فقال معاوية مثل ذلك فقال أشهد أن لا إله إلا الله فقال معاوية مثل ذلك فقال أشهد أن محمدا رسول الله فقال معاوية مثل ذلك ثم قال هكذا سمعت نبيكم صلى الله عليه وسلم قال يحيى فحدثني بعض أصحابنا هذا الحديث أنه كان إذا قال حي على الصلاة قال لا حول ولا قوة إلا بالله.

(10/138)


وقال آخرون إنما يقول مثل ما يقول المؤذن في التكبير والشهادتين ولا يقول لا حول ولا قوة إلا بالله ولا حي على الصلاة ولا ما بعدها.
وحجتهم ما حدثناه عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أبو إسماعيل محمد بن إسماعيل الترمذي قال حدثنا أبو نعيم قال حدثنا مجمع بن يحيى الأنصاري قال حدثني أبو أمامة بن سهل بن حنيف قال سمعت معاوية إذا كبر المؤذن اثنتين كبر اثنتين فإذا شهد أن لا إله إلا الله اثنتين شهد اثنتين وإذا شهد أن محمدا رسول الله شهد اثنتين ثم التفت إلي فقال هكذا سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: عند الأذان.
ورواه الزبيري عن الحسن بن جابر عن أبي هبيرة عن معاوية عن النبي صلى الله عليه وسلم بمعناه.
قال أبو عمر حديث معاوية في هذا الباب مضطرب الألفاظ وأظن أبا داود إنما تركه لذلك وكذلك البخاري وذكره النسوي.
وقال آخرون إنما يقول مثل ما يقول المؤذن في التشهد دون التكبير ودون سائر الأذان.

(10/139)


واحتجوا بما حدثناه عبد الوارث قال حدثنا قاسم قال حدثنا بكر قال حدثنا مسدد قال أخبرنا بشر بن المفضل قال حدثنا عبد الرحمن عن الزهري عن ابن المسيب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا سمعتم المؤذن يتشهد فقولوا مثل قوله" . وحدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا قتيبة بن سعيد قال حدثنا الليث عن الحكيم بن عبد الله بن قيس عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن سعد بن أبي وقاص عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من قال حين يسمع المؤذن وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله رضيت بالله ربا وبمحمد رسولا وبالإسلام دينا غفر الله له".
هكذا رواه قتيبة عن الليث عن الحكيم وتابعه على ذلك يحيى بن إسحاق عن الليث ذكره ابن أبي شيبة عن يحيى بن إسحاق حدثنا الليث بن سعد عن الحكيم بإسناده مثله.
وقال فيه أبو صالح عبد الله بن صالح كاتب الليث عن الليث حدثني يزيد بن حبيب عن الحكيم ورواه يحيى بن عثمان،

(10/140)


ومطلب بن شعيب عن أبي صالح عن الليث عن الحكيم ثم سمعته من الحكيم بن عبد الله فرواه عنه ومن قال بهذا الحديث يقول لا يلزم من سمع المؤذن أن يأتي بألفاظه إذا من التشهد والإخلاص والتوحيد.
ومن حجة من ذهب هذا المذهب أيضا ما حدثناه عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر التمار قال حدثنا سليمان بن الأشعث قال حدثنا إبراهيم بن مهدي قال حدثنا علي بن مسهر عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سمع المؤذن يشهد قال وأنا وأنا.
واختلف الفقهاء في المصلي يسمع المؤذن وهو في نافلة أو فريضة فقال مالك إذا أذن المؤذن وأنت في صلاة مكتوبة فلا تقل مثل ما يقول وإذا كنت في نافلة فقل مثل ما يقول التكبير والتشهد فإنه الذي يقع في نفسي أنه أريد بالحديث هذا رواية ابن القاسم ومذهبه. وقال ابن وهب من رأيه يقول المصلي مثل ما يقول المؤذن في المكتوبة والنافلة وقال سحنون لا يقول ذلك في نافلة ولا مكتوبة.

(10/141)


وقال الليث مثل قول مالك إلا أنه قال ويقول في موضع حي على الصلاة حي على الفلاح لا حول ولا قوة إلا بالله.
وقال الشافعي لا يقول المصلي في نافلة ولا مكتوبة مثل ما يقول المؤذن إذا سمعه وهو في الصلاة ولكن إذا فرغ من الصلاة قال.
وذكر الطحاوي قال لم أجد عن أصحابنا في هذا شيئا منصوصا وقد حدثنا ابن أبي عمر عن ابن سماعة عن أبي يوسف فيمن أذن في صلاته إلى قوله أشهد أن محمدا رسول الله ولم يقل حي على الصلاة أن صلاته تفسد إن أراد الأذان في قول أبي يوسف وقول أبي حنيفة يعيد إذا أراد الإذن.
قال أبو جعفر وقول محمد كقول أبي حنيفة لأنه يقول فيمن يجيب إنسانا وهو يصلي بلا إله إلا الله أن صلاته فاسدة قال أبو جعفر فهذا يدل على أن من قولهم أن من سمع الأذان في الصلاة لا يقوله.
وذكر أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن خواز بنداد البصري المالكي عن مالك أنه قال يجوز أن يقول المصلي في صلاة النافلة مثل ما يقول المؤذن من التكبير والشهادتين فإن قال حي على الصلاة حي على الفلاح الأذان كله كان،

(10/142)


مسيئا وصلاته تامة وكره أن يقول في الفريضة مثل ما يقول المؤذن فإن قال الأذان كله في الفريضة أيضا لم تبطل صلاته ولكن الكراهية في الفريضة أشد.
وذكر عن الشافعي أنه يقول في النافلة الشهادتين وإن قال حي على الصلاة حي على الصلاة حي على الفلاح حي على الفلاح بطلت صلاته نافلة كانت أو فريضة.
قال أبو عمر ما تقدم عن الشافعي من الجمع بين النافلة والمكتوبة أصح عنه والقياس أن لا فرق بين المكتوبة والنافلة إلا أن قوله حي على الصلاة حي على الفلاح قد اضطربت في ذلك الآثار وهو كلام فلا يجوز أن يقال في نافلة ولا فريضة.
وأما سائر الأذان فمن الذكر الذي يصلح في الصلاة ألا ترى إلى حديث معاوية بن الحكم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إن صلاتنا هذه لا يصح فيها شيء من كلام الناس إنما هو التسبيح والتهليل والتكبير وتلاوة القرآن.
وقد قال صلى الله عليه وسلم: "قولوا مثل ما يقول المؤذن" ولم يخص صلاة صلاة فما كان من الذكر الذي مثله يصلح في الصلاة جاز فيها قياسا ونظرا واتباعا للأثر؛

(10/143)


وأما الشافعي ومن قال بقوله في كراهية قول من يقول بقول المؤذن إذا كان سامعه في صلاة نافلة أو مكتوبة فإنهم شبهوه برد السلام وتشميت العاطس وقد ورد الأمر في الكتاب والسنة بهما وذلك مما يجب المصلي ولا يجب على المصلي قالوا فكذلك الأذان وبالله التوفيق.
حدثنا خلف بن القاسم حدثنا يحيى بن الربيع حدثنا أحمد بن محمد حدثنا إبراهيم بن عبد الله حدثنا سويد بن سعيد حدثنا ضمام بن إسماعيل قال: قال أبو قنان لامرأته وكان من العباد إذا مت فتزوجي فلانا فتزوجته فكانت تقول له قم فصل بالليل فإن أخاك كان يصلي بالليل فكانت تؤذيه بذلك فأتيت في منامها فقيل لها إن زوجك هذا أرفع من أبي قنان بدرجة قالت وكيف وأبو قنان كان يصلي بالليل فقيل لها إن هذا يقول كما يقول المؤذن.

(10/144)


الحديث السادس والثلاثون
...
حديث ثالث لابن شهاب عن عطاء بن يزيد
مالك عن ابن شهاب عن عطاء بن يزيد الليثي عن أبي أيوب الأنصاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا وخيرهما الذي يبدأ بالسلام".
أما قوله فيعرض هذا ويعرض هذا فمعناه يدير هذا عن هذا بوجهه وذلك عنه أيضا كذلك ولهذا نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن التدابر والإعراض.
قال الشاعر:
إذا أبصرتني أعرضت عني ... كأن الشمس من قبلي تدور

(10/145)


وقد مضى القول في معنى هذا الحديث من باب ابن شهاب عن أنس.
وحدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا محمد بن يحيى الذهلي قال حدثنا أبو عاصم عن أبي خالد وهب بن أبي سفيان الحمصي عن أبي أمامة الباهلي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن أولى الناس بالله عز وجل من بدأهم بالسلام".
قال أبو داود وحدثنا عبيد الله بن عمر بن ميسرة وأحمد بن سعيد السرخسي أن أبا عامر أخبرهم قال حدثنا محمد بن هلال قال حدثني أبي عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يحل لمؤمن أن يهجر مؤمنا فوق ثلاث فإن مرت به ثلاث فلقيه فليسلم عليه فإن رد عليه السلام فقد اشتركا في الأجر وإن لم يرد عليه فقد باء بالإثم" زاد أحمد وخرج المسلم من الهجرة.
وحدثنا سعيد بن نصر وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن وضاح قال حدثنا ابو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا قتيبة بن سعيد قال حدثنا بكر بن مضر عن عبيد الله بن زجر عن علي بن يزيد عن القاسم،

(10/146)


عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من بدأ بالسلام فهو أولى بالله ورسوله".
وحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم قال حدثنا أبو يحيى بن أبي ميسرة قال حدثنا إسماعيل بن عيسى بن سليم البصري "ح".
وحدثنا عبد الوارث قال حدثنا قاسم قال حدثنا أبو قلابة قال حدثنا عمر بن عامر أبو حفص واللفظ لحديثه قالا حدثنا عبيد الله بن الحسن القاضي بالبصرة قال حدثنا الجريري عن أبي عثمان النهدي قال سمعت عمر بن الخطاب يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا التقى أحدهما على صاحبه كان أحبهما إلى الله أحسنهما بشرا لصاحبه فإذا تصافحا أنزل الله عليهما مائة رحمة منها تسعون للذي بدأ بالمصافحة وعشر لصاحبه".
وقد ذكرنا المصافحة وفضلها في باب محمد بن المنكدر من كتابنا هذا والحمد لله.
وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في الهجرة آثار شداد فيها تغليظ منها:

(10/147)


حديث أبي حازم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم من هجر فوق ثلاث دخل النار ومنها:
حديث أبي خراش السلمي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من هجر أخاه سنة فهو كسفك دمه" وحسبك بحديث أبي صالح عن أبي هريرة أنه يغفر في كل خميس واثنين لكل عبد لا يشرك بالله شيئا إلا من كان بينه وبين أخيه شحناء فيقول انظروا هذين حتى يصطلحا.
وهذه الآثار كلها قد وردت في التحاب والمؤاخاة والتآلف والعفو والتجاوز وبهذا بعث صلى الله عليه وسلم وفقنا الله لما يحب ويرضى برحمته ولطف صنعه.

(10/148)


الحديث السابع والثلاثون
...
حديث رابع لابن شهاب عن عطاء بن يزيد مرسل
مالك عن ابن شهاب عن عطاء بن يزيد عن عبيد الله بن عدي بن الخيار أنه قال بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس بين ظهراني الناس إذ جاءه رجل فساره فلم يدر ما ساره حتى الرجعة رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا هو يستأذن في قتل رجل من المنافقين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حين الرجعة أليس يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فقال الرجل بلى ولا شهادة له قال أليس يصلي قال بلى ولا صلاة له فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أولئك الذين نهاني الله عنهم".

(10/149)


هكذا رواه سائر رواة الموطأ عن مالك إلا روح بن عبادة فإنه رواه عن مالك متصلا مسندا.
حدثناه عبد الوارث بن سفيان حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن الجهم السمري قال حدثنا روح بن عبادة عن مالك عن الزهري عن عطاء بن يزيد عن عبيد الله بن عدي بن الخيار عن رجل من الأنصار أنه قال بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكره. ورواه الليث بن سعد وابن أخي الزهري عن الزهري مثل رواية "روح" بن عبادة عن مالك سواء ورواه صالح بن كيسان وأبو أويس عن ابن شهاب عن عطاء بن يزيد عن عبيد الله بن الخيار أن نفرا من الأنصار حدثوه وساق الحديث.
ورواه الليث بن سعد عن عقيل بن خالد عن ابن شهاب كما رواه يحيى والجماعة عن مالك ورواه معمر فسمى الرجل الذي لم يسمه روح بن عبادة.
وسنذكره إن شاء الله وسنذكر ما انتهى إلينا من روايات أصحاب ابن شهاب لهذا الحديث في هذا الباب إن شاء الله.

(10/150)


وأما الرجل الذي سار رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو عتبان بن مالك الرجل المتهم بالنفاق والذي جرى فيه هذا الكلام هو مالك بن الدخشم.
حدثنا سعيد بن عثمان حدثنا أحمد بن دحيم حدثنا أبو جعفر محمد بن الحسين بن زيد حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن داود البرلسي حدثنا عبيد الله بن عمر الغداني قال حدثنا عامر بن يساف عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن النضر بن أنس عن أنس بن مالك قال لما أصيب عثمان بن مالك في بصره وهو رجل من الأنصار وكان عقبيا بدريا بعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال بأبي أنت وأمي يا رسول الله لو جئت فصليت في بيتي أو بقعة من داري ودعوت الله عز وجل لنا بالبركة فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفر من أصحابه حتى أتى منزله فصلى في بيته وخرج فصلى في بقعة من داره ثم قعد القوم يتحدثون فذكر بعضهم ابن الدخشم فقالوا يا رسول الله ذلك كهف المنافقين ومأواهم،

(10/151)


وأكثروا فيه حتى رخص لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في قتله ثم قال لهم: "هل يصلي قالوا نعم يا رسول الله صلاة لا خير فيها أحيانا ويلبي أحيانا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم نهيت عن قتل المصلين إنه من يشهد أن لا إله إلا الله مخلصا بها يموت على ذلك حرمه الله على النار".
قال سعيد قال قتادة قال النضر بن أنس أمرنا أبونا أن نكتب هذا الحديث وما أمرنا أن نكتب حديثا غيره وقال احفظوه يا بني.
وفي هذا الحديث من الفقه إباحة المناجاة والتسار مع الواحد دون الجماعة وإنما المكروه أن يتناجى الاثنان فما فوقهما دون الواحد فإن ذلك يحزنه وإن مناجاة الاثنين دون الجماعة لا بأس بذلك بدليل هذا الحديث وغيره.
ويحتمل أن يستدل بهذا الحديث على أن الرجل الرئيس المحتاج إلى رأيه ونفعه جائز أن يناجيه كل من جاءه في حاجته لقوله صلى الله عليه وسلم: "استعينوا على حوائجكم بالكتمان".
وفيه أنه جائز للرجل أن يظهر الحديث الذي يناجيه به صاحبه إذا لم يكن في ذلك ضرر على المناجي أو كان مما يحتاج أهل المجلس إلى علمه.

(10/152)


وفيه أن من أظهر الشهادة بأن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله حقنت دمه إلا أن يأتي ما يوجب إراقته مما فرض عليه من الحق المبيح لقتل النفس المحرمة.
وفي قول رسول الله صلى الله عليه وسلم أليس يصلي بعد قوله أليس يشهد أن لا إله إلا الله دليل على أن الصلاة من الإيمان وأنه لا إيمان لمن لا صلاة له.
وفي قوله صلى الله عليه وسلم: "أولئك الذين نهاني الله عنهم" دليل على أن من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله لم ينهه الله عن قتله وكذلك قوله أليس يصلي دليل على أنه لا يجوز قتل من صلى وإذا لم يجز قتل من صلى جاز قتل من لم يصل وقد تقدم القول في تارك الصلاة في باب زيد بن أسلم عن بسر بن محجن فأغنى عن إعادته.
وفي قول رسول الله صلى الله عليه وسلم أولئك الذين نهاني الله عنهم رد لقول صاحبه القائل له بلى ولا صلاة له بلى ولا شهادة له لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أثبت له الشهادة والصلاة ثم أخبر أن الله نهاه عن قتلهم يعني عن قتل من أقر ظاهرا وصلى ظاهرا.

(10/153)


وأما قولنا إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أثبت له الشهادة والصلاة فمأخوذ من حديث مالك عن ابن شهاب عن محمود بن الربيع ونحن نذكره هو وغيره في هذا الباب إن شاء الله تعالى.
وسئل مالك رحمه الله عن الزندقة فقال ما كان عليه المنافقون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من إظهار الإيمان وكتمان الكفر هو الزندقة عندنا اليوم قيل لمالك فلم يقتل الزنديق ورسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقتل المنافقين وقد عرفهم فقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لو قتله بعلمه فيهم وهم يظهرون الإيمان لكان ذريعة إلى أن يقول الناس يقتلهم للضغائن أو لما شاء ذلك فيتمنع الناس من الدخول في الإسلام هذا معنى قوله.
وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه عوتب في المنافقين فقال يتحدث الناس أني أقتل أصحأبي.
وقد احتج عبد الملك بن الماجشون في قتل الزنديق بقول الله عز وجل: {لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلاً مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلاً}.

(10/154)


يقول إن الشأن فيهم أن يقتلوا تقتيلا حيث وجدوا ولم يذكر استتابة فمن لم ينته عما كان عليه المنافقون في زمن النبي صلى الله عليه وسلم قتل حيث وجد والله أعلم.
قال أبو عمر مالك وأصحابه كلهم إلا ابن نافع يجعلون مال الزنديق إذا قتلوه لورثته المسلمين وهم لا يقتلونه لفساد في الأرض كالمحارب وأهل البدع ولا يقتلونه حدا وإنما يقتلونه على الكفر فكيف يرثه المسلمون وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يرث المسلم الكافر".
وأما ابن نافع فرواه عن مالك فقال ميراثه فيء لجماعة المسلمين فهذا أبين لأن الدم أعظم حرمة من المال والمال تبع له.
واختلف الفقهاء في استتابة الزنديق المشهود عليه بالكفر والتعطيل وهو مقر بالإيمان مظهر له جاحد لما شهد به عليه منكر له.
فقال مالك وأصحابه يقتل الزنادقة ولا يستتابون قال مالك ويستتاب القدرية كما يستتاب المرتد قال ابن القاسم فقيل لمالك في القدرية كيف يستتابون قال يقال لهم اتركوا ما أنتم عليه فإن فعلوا وإلا قتلوا.

(10/155)


واختلف قول أبي حنيفة وأبي يوسف في الزنديق فقالا مرة يستتاب ومرة فلا يستتاب ويقتل دون استتابة وقال الطحاوي أخبرنا سليمان بن شعيب عن أبيه عن أبي يوسف عن أبي حنيفة قال اقتل الزنديق فإن توبته لا تعرف قال ولم يحك عن أبي يوسف خلافا وقال الشافعي يستتاب الزنديق كما يستتاب المترد ظاهرا فإن لم يتب قتل قال ولوشهد شاهدان على رجل بالردة فأنكر قتل فإن أقر أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وتبرأ من كل دين خالف الإسلام لم يكشف عن غيره.
ومن حجة الشافعي في الزنديق أنه يستتاب فإن أقر وأظهر الإسلام لم يقتل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقتل المنافقين لإظهارهم الإسلام ولو شاء لقتلهم بالشهادة عليهم دون العلم والقضاء بالعلم للحاكم ثم الشافعي جائز وهذه المسألة ليس هذا موضعها وإنما أتينا بما يطابق بعض معاني الحديث ويجانسه على شرط الاختصار وترك الإكثار.

(10/156)


وقال أبو بكر الأثرم قلت حصول بن حنبل يستتاب الزنديق قال ما أدري قلت إن أهل المدينة يقولون يقتل ولا يستتاب فقال نعم يقولون ذلك ثم قال من أي شيء يستتاب وهو لا يظهر الكفر هو يظهر الإيمان فمن أي شيء يستتاب قلت فيستتاب عندك قال ما أدري.
ومن الحجة أيضا لمن أبى من قتل الزنديق مع هذا الحديث المذكور في هذا الباب قوله صلى الله عليه وسلم: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم إلا بحقها وحسابهم على الله" وقد قال صلى الله عليه وسلم: "من قالها مخلصا من قلبه دخل الجنة" فدل على أن هناك من مخلص بها وحسابه على الله كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أجمعوا أن أحكام الدنيا على الظاهر وإن السرائر إلى الله عز وجل.
وأما الآثار المتصلة الثابتة في معنى حديث مالك هذا فمنها:
ما حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم قال حدثنا أبو عبيدة بن أحمد قال حدثنا محمد بن علي بن داود،

(10/157)


قال حدثنا سعيد بن داود قال حدثنا مالك بن أنس أن ابن شهاب حدثه أن محمود بن الربيع حدثه وزعم أنه كان قد عقل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن عتبان بن مالك وهو أحد بني سالم قال كنت أصلي لقومي في زمن النبي صلى الله عليه وسلم فلما ساء بصري وبيني وبين قومي واد علي إجازة الوادي إذا كانت الأمطار فشكوت ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت يا رسول الله وددت أنك تأتيني فتصلي في بيتي في مكان أتخذه مصلى فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "سأفعل" قال عتبان فغدا علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر حين تعالى النهار فاستأذن فاذن له فلم يجلس حتى قال أين تحب أن أصلي من بيتك فأشرت له إلى المكان الذي نريد فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وكبر وصلى ثم سلم والحاصل في مصلاه وحبسناه لخزير يصنع له فسمع رجال أهل الدار وهم يدعون والدور قربهم فلم أشعر حتى كثر الرجال في بيتي فقال رجل منهم فأين مالك بن الدخشم لا اراه أتى فقال رجل آخر منهم ذلك منافق لا يحب الله ولا رسوله فقال رسول

(10/158)


الله صلى الله عليه وسلم: "لا تقل ذلك ألا تراه قد قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله فقال الرجل الله ورسوله أعلم أما نحن يا رسول الله فما نرى مودته ونصيحته ووجهه إلا إلى المنافقين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن الله قد حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بها وجه الله والدار الآخرة".
وحدثنا خلف بن سعيد قال حدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا أحمد بن خالد قال حدثنا علي بن عبد العزيز قال حدثنا حجاج بن المنهال قال حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت البناني عن أنس أن عتبان بن مالك الأنصاري كان ضريرا فقال يا رسول الله تعال فصل في داري حتى أتخذ مصلاك مسجدا فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فاجتمع إليه قومه فتخلف مالك بن الدخشم فوقعوا فيه وقالوا إنه وإنه هو منافق فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أليس يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله قالوا بلى يا رسول الله،

(10/159)


يقولها تعوذا فقال: "فوالذي نفسي بيده لا يقولها عبد صادقا بها إلا حرمت عليه النار". وعند حماد بن سلمة في هذا الحديث أيضا حديث آخر حدثنا خلف بن قاسم حدثنا عبد الله بن جعفر بن الورد وأبو أحمد الحسين بن جعفر الزيات قالا حدثنا يوسف بن يزيد قال حدثنا أسد بن موسى قال حدثنا حماد بن سلمة عن عاصم بن بهدلة عن أبي صالح عن أبي هريرة أن رجلا من الأنصار أرسل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن خط لي في داري مسجدا فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم واجتمع قومه وتغيب رجل منهم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أين فلان فغمزه رجل منهم إنه وإنه فقال النبي صلى الله عليه وسلم أليس قد شهد بدرا قالوا بلى قال فلعل الله قد يتحقق على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم".
وحدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم قال حدثنا ابن وضاح قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا أبو خالد الأحمر عن الأعمش عن أبي ظبيان عن أسامة بن زيد قال بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سرية فصبحنا،

(10/160)


الحزقات من جهينة فأدركت رجلا فقال لا إله إلا الله فطعنته فوقع في نفسي من ذلك فذكرته لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا إله إلا الله وقتلته قال قلت يا رسول الله إنما قالها فرقا من السلاح قال أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا فما زال يكررها علي حتى تمنيت أني أسلمت يومئذ" قال فقال سعيد وأنا والله لا أقتل مسلما حتى يقتله دو البطنين يعني أسامة وذكر باقي الحديث.
وأما طرق حديث ابن شهاب عن عبيد الله بن عدي بن الخيار فقد ذكرها إسماعيل بن إسحاق القاضي مستقصاة مجودة ونحن نذكرها عنه:
حدثنا أبو عثمان سعيد بن نصر وأبو القاسم عبد الوارث بن سفيان بن جبرون قال حدثنا أبو محمد قاسم بن أصبغ قال حدثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي قال حدثنا محمد بن بشار قال حدثنا محمد بن بكر قال أخبرنا ابن جريج قال أخبرني ابن شهاب الزهري عن عطاء بن يزيد الليثي عن عبيد

(10/161)


الله بن عدي بن الخيار أن رجلا من الأنصار أتى النبي صلى الله عليه وسلم وهو في مجلس فساره يستأذنه في قتل رجل من المنافقين فجهر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "أليس يشهد أن لا إله إلا الله قال بلى يا رسول الله ولكن لا شهادة له قال أليس يشهد أن محمدا رسول الله قال بلى يا رسول الله ولا شهادة له قال أليس يصلي قال بلى يا رسول الله ولكن لا صلاة له فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أولئك الذين نهاني الله عنهم".
قال القاضي هكذا رواه ابن جريج مرسلا ووافقه في إرساله سفيان بن عيينة حدثناه علي بن المديني قال حدثنا سفيان بن عيينة عن الزهري عن عطاء بن يزيد عن عبيد الله بن عدي بن الخيار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتي برجل فلما وجه ليقتل قال: "أيشهد أن لا إله إلا الله قالوا نعم ولا شهادة له قال أيشهد أني رسول الله قالوا نعم ولا شهادة له قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أولئك الذين نهاني الله عنهم".
قال علي بن المديني سمعته من سفيان مرارا لم اسمعه يذكر فيه سماعا وهو من قديم حديث سفيان.

(10/162)


قال القاضي قد روى هذا الحديث عن الزهري جماعة منهم ابن جريج ومالك بن أنس وليث بن سعد ومعمر وأبو أويس وابن أخي الزهري وابن عيينة فلم يقل أحد منهم في حديثه أن الرجل وجه ليقتل إلا ابن عيينة وقد بلغني أن ابن عيينة كان ربما لم يذكر هذا الكلام فيه وإنما الحديث أن رجلا سار النبي صلى الله عليه وسلم يستأذنه في قتل رجل من المنافقين وليس فيه فوجه الرجل ليقتل.
قال أبو عمر قد أسقط ابن عيينة أيضا من هذا الحديث قول رسول الله صلى الله عليه وسلم أليس يصلي قالوا بلى ولا صلاة له وهو كلام محفوظ في هذا الحديث من وجوهه كلها وله معنى صحيح جسيم ثم أهل العلم وقد تقدم فيما أوردنا من الأحاديث ما يدل على غلط ابن عيينة وخطئه في قوله في هذا الحديث فلما وجه الرجل ليقتل وبالله التوفيق. قال إسماعيل القاضي حدثنا أبو مصعب الزهري قال حدثنا مالك بن أنس عن ابن شهاب عن عطاء بن يزيد الليثي عن عبيد الله بن عدي بن الخيار أنه حدثه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه بينما هو جالس بين ظهراني الناس إذ جاء رجل

(10/163)


فساره فلم يدر ما ساره به فذكر الحديث بمثل رواية يحيى حرفا بحرف.
قال القاضي هكذا حدثنا به أبو مصعب عن الزهري عن مالك مرسلا قال ورواه روح بن عبادة عن مالك مسندا زاد في إسناده رجلا وقال في رواية أبي مصعب ما يدل على أن روح بن عبادة قد أصاب في زيادته وهو قوله فلم يدر ما سار به وهذا لا يقوله إلا رجل شهد النبي صلى الله عليه وسلم وعبيد الله بن عدي بن الخيار لم يدرك النبي صلى الله عليه وسلم.
حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن حبيب قال حدثنا عبد العزيز بن محمد الدراوردي عن ابن أبي أخي الزهري عن عمه عن عروة بن الزبير عن عبيد الله بن عدي بن الخيار أن عثمان بن عفان قال له هل أدركت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال قلت لا ولكن قد خلص إلي منه ما خلص إلى العذراء في خدرها من اليقين.
حدثنا محمد بن المثنى قال حدثنا روح بن عبادة قال حدثنا مالك بن أنس عن ابن شهاب عن عطاء بن يزيد الليثي عن عبيد الله بن عدي بن الخيار أن رجلا أخبره أن النبي صلى الله عليه وسلم بينما هو جالس بين ظهراني الناس جاءه رجل فساره فلم يدر ما ساره به حتى الرجعة رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا هو يستأذنه في قتل رجل من المنافقين

(10/164)


فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أليس يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فقال بلى يا رسول الله ولا شهادة له قال أليس يصلي قال بلى ولا صلاة له فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أولئك الذين نهاني الله عنهم".
قال القاضي حدثنا أبو الوليد الطيالسي قال حدثنا الليث بن سعد قال حدثنا ابن شهاب عن عطاء بن يزيد عن عبيد الله بن عدي بن الخيار أن رجلا من الأنصار حدثه أن رجلا من الأنصار أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم يستأذنه في قتل رجل من المنافقين فقال: "أليس يشهد أن لا إله إلا الله قال بلى ولا شهادة له أليس يشهد أن محمدا رسول الله قال بلى ولا شهادة له قال أليس يصلي قال بلى ولا صلاة له فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أولئك الذين نهيت عنهم".
قال القاضي زاد فيه محمد بن المثنى عن أبي الوليد الطيالسي بهذا الإسناد أن الرجل سار النبي صلى الله عليه وسلم يستأذنه في قتل رجل من المنافقين قال فجهر رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أليس يشهد أن لا إله إلا الله".
قال القاضي وحدثنا إسماعيل بن أبي أويس قال حدثني

(10/165)


أبي قال حدثنا ابن شهاب أن عطاء بن يزيد الجندعي حدثه أن عبيد الله بن عدي بن الخيار حدثه أن نفرا من الأنصار حدثوه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بينما هو جالس بين ظهراني الناس جاءه رجل فساره فلم يدر ما الذي ساره به حتى الرجعة رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا هو يستأذنه في قتل رجل من المنافقين فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حين الرجعة أليس يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله قال الرجل وهو أنصاري بلى يا رسول الله ولا شهادة له قال أليس يصلي قال بلى ولا صلاة له قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أولئك الذين نهاني الله عنهم".
قال القاضي قد أسند هذا الحديث عدد اتفقوا فيه أنه عن رجل وجعله أبو أويس عن نفر والذين اتفقوا فيه مالك بن أنس وليث بن سعد وابن أخي الزهري ومعمر بن راشد وسمى معمر الرجل عبد الله بن عدي الأنصاري إن كان ذلك مضبوطا عنه حدثنا به علي بن عبد الله قال حدثنا عبد الرزاق قال أخبرنا معمر عن الزهري عن عطاء بن يزيد الليثي،

(10/166)


عن عبد الله بن عدي أن عبد الله بن عدي الأنصاري حدثه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بينما هو جالس بين ظهراني الناس جاءه رجل يستأذنه أن يساره فأذن له فساره في قتل رجل من المنافقين يستأذنه فيه فجهر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال "أليس يشهد أن لا إله إلا الله قال بلى ولا شهادة له قال أليس يشهد أني رسول الله قال بلى ولا شهادة له قال أليس يصلي قال بلى ولا صلاة له قال أولئك الذين نهيت عنهم". قال وحدثنا إبراهيم بن حمزة قال حدثنا عبد العزيز بن محمد عن محمد بن أخي الزهري عن عمه عن عطاء بن يزيد أن عبد الله بن عدي قال أخبرني رجل من الأنصار من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنه بينما هو جالس ثم رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءه رجل من الأنصار فساره يستأذنه في قتل رجل من المنافقين فلم يدر ما قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم حتى كان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو يجهر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أو ليس يشهد أن لا إله إلا الله قال بلى يا رسول الله ولا شهادة له قال: "أو ليس يشهد أن محمدا رسول الله

(10/167)


صلى الله عليه وسلم قال بلى يا رسول الله ولا شهادة له قال أو ليس يصلي قال بلى يا رسول الله ولا صلاة له قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أولئك الذين نهاني الله عنهم".
قال القاضي هكذا في كتابنا عطاء بن يزيد أن عبد الله بن عدي قال أخبرني رجل من الأنصار وإنما هو عبيد الله بن عدي بن الخيار فقد اتفق على ذلك مالك بن أنس وليث بن سعد وسفيان بن عيينة ومعمر بن راشد وابن جريج وأبو أويس وهم سبعة بابن أخي الزهري هؤلاء النفر السبعة وليس فيهم أجود من رواية من معمر إن كان عبد الرزاق ضبط عن معمر لأنه جعله عن عبيد الله بن عدي بن الخيار عن عبد الله بن عدي الأنصاري عن النبي صلى الله عليه وسلم.
قال القاضي وعبد الله بن عدي هذا رجل من الأنصار وليس هو عبد الله بن عدي بن الحمراء الذي روى حديثه الزهري عن أبي سلمة عن عبد الله بن عدي بن الحمراء أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول وهو بالحزورة في سوق مكة والله إنك خير أرض الله وأحب الأرض إلى الله ولولا أني أخرجت منك ما خرجت.

(10/168)


قال القاضي عبد الله بن عدي بن الحمراء رجل من قريش من بني زهرة وليس هو عبد الله بن عدي الذي روى حديثه عبد الرزاق أن النبي صلى الله عليه وسلم استؤذن في قتل رجل من المنافقين:
حدثني عبد الوارث بن سفيان وسعيد بن نصر قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي قال حدثنا محمد بن المثنى قال حدثنا عبد الأعلى قال حدثنا معمر عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله أن المقداد بن الأسود قال يا نبي الله أرأيت إن اختلفت أنا ورجل من المشركين ضربتين يضربني فقطع يدي فذهبت لأضربه فقال لا إله إلا الله أفأقتله أم أدعه قال دعه قلت إنه قطع يدي قال وإن فعل فأعدت عليه مرارا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن قتلته بعد أن يقول لا إله إلا الله فهو مثلك قبل أن نقتله وأنت مثله قبل أن يقولها .
قال القاضي هكذا رواه عبد الأعلى عن معمر عن الزهري عن عبيد الله بن عدي بن الخيار عن المقداد اتفق على ذلك سبعة نفر ابن جريج ومعمر والليث وشعيب بن أبي حمزة وصالح بن كيسان وعبد الحميد بن جعفر وعبد الرحمان بن إسحاق قال وسمعت علي بن المديني يقول سمعت عبد الأعلى عن معمر بالبصرة وكان معمر يحدثهم

(10/169)


بالبصرة من حفظه فوهم في أسانيد وسماع عبد الرزاق عن معمر أصح لأنه كان يحدث أهل اليمن ومعه كتبه.
قال القاضي وقد روى هذا الحديث عبد الرزاق عن معمر كما رواه أصحاب الزهري لم يخالفهم في شيء من إسناده وحدثنا به عبد الملك عن عبد الرزاق عن معمر عن أبي اليمان عن شعيب بن أبي حمزة وحدثنا به أبو الوليد الطيالسي عن الليث بن سعد وحدثنا به يحيى بن عبد الحميد عن إبراهيم بن سعد عن صالح بن كيسان.
وحدثنا به محمد بن أبي بكر عن يزيد بن زريع عن عبد الرحمان بن إسحاق وحدثنا به محمد بن بشار عن محمد بن بكر عن ابن جريج وحدثنا به محمد بن المثنى عن أبي بكر الحنفي عن عبد الحميد بن جعفر كلهم عن الزهري عن عطاء بن يزيد عن عبيد الله بن عدي بن الخيار عن المقداد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال وقد ذكرناه في مسند المقداد.

(10/170)


قال أبو عمر حديث المقداد هذا حدثناه عبد الله بن محمد بن أسد حدثنا سعيد بن عثمان بن الموطأ حدثنا محمد بن يوسف حدثنا البخاري حدثنا أبو عاصم عن ابن جريج عن الزهري عن عطاء بن يزيد الليثي عن عبيد الله بن عدي عن المقداد بن الأسود.
قال البخاري وحدثني إسحاق حدثنا يعقوب بن إبراهيم حدثنا ابن أخي ابن شهاب عن عمه أخبرني عطاء بن يزيد الليثي ثم الجندعي أن عبيد الله بن عدي بن الخيار أخبره أن المقداد بن عمرو سنان وكان حليفا لبني زهرة وكان ممن شهد بدرا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبره أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم أرأيت إن لقيت رجلا من الكفار فاقتتلنا فضرب إحدى يدي السيف فقطعها ثم لاذ مني بشجرة فقال أسلمت لله أأقتله يا رسول الله بعد أن قالها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تقتله" فقال يا رسول الله إنه قطع إحدى يدي ثم قال ذلك بعد ما قطعها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تقتله" فإن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله وأنك بمنزلته قبل أن يقول

(10/171)


كلمته التي قال البخاري وقال حبيب بن أبي حمزة عن سعيد عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "للمقداد إذا كان رجل مؤمن يخفي إيمانه سمع قول كافر فأظهر إيمانه فقتله ولذلك كنت لا تخفي أنت إيمانك بمكة قبل".
قال أبو عمر هذا تفسير للأول حدثنا محمد بن عبد الملك قال حدثنا ابن الأعرأبي قال حدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا سفيان عن الزهري سمع عروة يحدث عن كرز بن علقمة الخزاعي قال سأل رجل النبي صلى الله عليه وسلم هل للإسلام منتهى فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أيما أهل بيت من العرب والعجم أراد الله بهم خيرا أدخل عليهم الإسلام قال ثم ماذا يا رسول الله قال ثم تقع الفتن كأنها الظلل قال الرجل كلا والله إن شاء الله قال:

(10/172)


بلى والذي نفسي بيده لتعودن فيها أساود صبا يضرب بعضكم رقاب بعض" .
قال الزهري أساود صبا يعني الحية إذا أراد أن ينهش ارتفع ثم انصب.

(10/173)


الحديث الثامن والثلاثون
...
ابن شهاب عن عبد الرحمن بن هرمز القارئ
ثلاثة أحاديث مسندة وهو عبد الرحمن بن هرمز مولى محمد بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب الغرماء أبا داود كان من أعلم أهل المدينة بالقراءة وهو أحد أئمة القراءة بالمدينة وكان ثقة مأمونا حجة فينا نقل روى عنه ابن شهاب وأبو الزناد ويحيى بن سعيد وغيرهم وقرأ عليه نافع وتوفي بالأسكندرية سنة سبع عشرة ومائة فميا قال مصعب.
وقال المدائني مات أبو داود عبد الرحمن الأعرج مولى محمد بن ربيعة بالأسكندرية سنة تسع عشرة ومائة.

(10/174)


حديث أول لابن شهاب عن الأعرج
مالك عن ابن شهاب عن الأعرج عن أبي هريرة أنه كان يقول شر الطعام طعام الوليمة يدعى لها الأغنياء ويترك المساكين ومن لم يأت الدعوة فقد عصى الله ورسوله.
هذا حديث مسند عندهم لقول أبي هريرة قد عصى الله ورسوله وهو مثل حديث أبي الشعثاء عن أبي هريرة أنه رأى رجلا خارجا من المسجد بعد الأذان فقال أما هذا فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم ولا يختلفون في هذا وذاك أنهما مسندان مرفوعان. وقد روى هذا الحديث مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم روح بن القاسم عن مالك.

(10/175)


حدثنا ابن قاسم حدثنا إسحاق بن داود الصواف حدثنا يحيى بن غيلان حدثنا عبد الله بن زريع حدثنا روح بن القاسم حدثني مالك عن الزهري عن عبد الرحمان الأعرج عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "شر الطعام طعام الوليمة يدعى إليها الأغنياء يترك الفقراء ومن لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله".
وتابع روح بن القاسم عن مالك على ذلك إسماعيل بن مسلمة بن قعنب أخبرنا محمد حدثنا علي بن عمر حدثنا أبو بكر النيسابوري حدثنا مالك بن سيف التجيبي حدثنا إسماعيل بن مسلمة حدثنا مالك بن أنس عن ابن شهاب عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "شر الطعام طعام الوليمة يدعى إليها الأغنياء ويمنع الفقراء ومن لم يأت الدعوة فقد عصى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم".

(10/176)


قال أبو الحسن قال لنا أبو بكر النيسابوري هذا ثم جمهور رواة الموطأ من كلام أبي هريرة. قال أبو عمر ورواه معمر عن الزهري عن ابن المسيب والأعرج جميعا عن أبي هريرة قال شر الطعام طعام الوليمة يدعى الغني ويمنع المسكين وهي حق من تركها فقد عصى ذكره عبد الرزاق عن معمر بهذا الإسناد وهذا اللفظ من قول أبي هريرة.
قال عبد الرزاق وربما قال معمر في هذا الحديث ومن لم يأت الدعوة فقد عصى الله ورسوله ورواه الأوزاعي عن الزهري بمثل إسناد مالك ولفظه سواء.
ورواه ابن جريج عن ابن شهاب فجعله من كلام النبي صلى الله عليه وسلم حدثني يعيش بن سعيد وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أحمد بن محمد البرتي قال حدثنا أبو معمر قال حدثنا عبد الوارث قال حدثنا عبد الملك بن جريج عن الزهري عن عبد الرحمان الأعرج عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بئس الطعام الوليمة يدعى له الأغنياء ويترك الفقراء ومن لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله".
وقد روي عن ابن عيينة مرفوعا أيضا.

(10/177)


فأما قوله شر الطعام طعام الوليمة فلم يرد ذم الطعام في ذاته وحاله وإنما ذم الفعل الذي هو الدعاء للأغنياء إليه دون الفقراء فإلى فاعل ذلك توجه الذم لا إلى الطعام والله أعلم وقد مضى القول في وجوب إتيان الدعوة في باب إسحاق ومضى هناك من الآثار في ذلك ما فيه كفاية.
واختلف الفقهاء فيما يجب إتيانه من الدعوات إلى الطعام فقال مالك والثوري يجب إجابة وليمة العرس ولا يجب غيرها وقال الشافعي إجابة وليمة العرس واجبة ولا أرخص في ترك غيرها من الدعوات التي يقع عليها اسم الوليمة كالإملاك والنفاس والختان وحادث سرور ومن تركها لم يتبين لي أنه عاص كما تبين في وليمة العرس.
وقال عبيد الله بن الحسن العنبري القاضي البصري إجابة كل دعوة اتخذها صاحبها للمدعو فيها طعاما واجبة.
وقال الطحاوي لم نجد عن أصحابنا يعني أبا حنفية وأصحابه في ذلك شيئا إلا في إجابة وليمة العرس خاصة والله أعلم.
قال أبو عمر وقد قال صاحب العين الوليمة طعام العرس وقد أولم أي أطعم وروي عن الحسن قال دعي عثمان بن أبي العاصي إلى ختان فأبى أن يجيب قال وقد كنا على

(10/178)


عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم لا نأتي الختان ولا ندعى له وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لعبد الرحمان بن عوف أولم ولو بشاة قال إذا دعيتم فأجيبوا وإذا دعي أحدكم فليجب فإن كان صائما دعا وإن كان مفطرا أكل".
وقال صلى الله عليه وسلم: "من دعي إلى وليمة فليأتها" ولا أعلم خلافا في وجوب إتيان الوليمة لمن دعي إليها إذا لم يكن فيها منكر ولهو.
وفي قوله في هذا الحديث فقد عصى الله ورسوله ما يرفع الإشكال ويغني عن الإكثار.
وأما غير الوليمة من الطعام المدعو إليه فمن أوجب الإجابة إليه من أهل العلم فحجته ظاهر الآثار التي أوردناها في باب إسحاق بن أبي طلحة ومن أبي حق ذلك ذهب إلى أن المراد بها وليمة العرس وفي باب إسحاق بيان ما اخترنا من ذلك وهذا إذا لم يكن هناك من المنكر واللهو ما يمنع من الإجابة.

(10/179)


وقد اختلف الفقهاء في هذا المعنى أيضا فقال مالك إن اللهو الخفيف مثل الدف والكبر فلا يرجع خفيفا وقاله ابن القاسم.
وقال أصبغ أرى أن يرجع قال وقد أخبرني ابن وهب عن مالك أنه قال لا ينبغي لذي الهيئة أن يحضر موضعا فيه لعب وقال الشافعي إذا كان في وليمة العرس مسكر أو خمر أو ما أشبهه من المعاصي الظاهرة نهاهم فإن نحوا ذلك وإلا لم أحب له أن يجلس وإن علم ذلك عندهم لم أحب له أن يجيب قال وضرب الدف في العرس لا بأس به وقد كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال أبو حنيفة إذا حضر الوليمة فوجد فيها لعبا فلا بأس أن يباع ويأكل وقال هشام الداري عن محمد بن الحسن إن كان الرجل ممن يقتدى به فأحب إلي أن يخرج وقال الليث بن سعد إن كان فيها الضرب بالعود واللهو فلا يشهدها.
قال أبو عمر الأصل في هذا الباب ما حدثناه سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا جعفر بن محمد بن شاكر قال حدثنا عفان قال حدثنا حماد بن سلمة قال

(10/180)


أخبرنا سعيد بن جمهان قال حدثنا سفينة أبو عبد الرحمان أن رجلا أضافه علي بن أبي طالب فصنع له طعاما فقالت فاطمة لو دعونا رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعوه فجاءه فوضع يده على عضادتي الباب فرأى قراما في ناحية البيت فرجع فقالت فاطمة لعلي ألحقه فقال له ما رجعك يا رسول الله فقال إنه ليس لي أن أدخل بيتا مزوقا كأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد كره دخول بيت فيه تصاوير ولتقدم نهيه.
وقوله لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب أو تماثيل وكذلك كل منكر إذا كان في البيت فلا ينبغي دخوله والله أعلم لرجوع رسول الله صلى الله عليه وسلم عن طعام دعي إليه لما رأى في البيت مما ينكره وما تقدم نهيه عنه.

(10/181)


قال أهل اللغة طعام الوليمة هو طعام العرس والإملاك خاصة قالوا ويقال للطعام الذي يصنع للنفساء الخرس والخرسة وللطعام الذي يصنع ثم الختان الإعذار وللطعام الذي يصنع للقادم من سفر النقيعة وللطعام الذي يعمل ثم بناء الدار الوكيرة وأنشد ثعلب لبعض العرب:
كل طعام تشتهي ربيعة ... الخرس والإعذار والنقيعة
وقال ثعلب والمأدبة كل ما دعي إليه من الطعام قال ويقال طعام أكل على ضفف إذا الغرماء عليه الأيدي وكان قليلا.

(10/182)


الحديث التاسع والثلاثون
...
حديث ثان لابن شهاب عن الأعرج
مالك عن ابن شهاب عن عبد الرحمان الأعرج عن عبد الله بن بحينة قال صلى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين ثم قام فلم يجلس فقام الناس معه فلما قضى صلاته فانتظرنا تسليمه كبر فسجد سجدتين وهو جالس قبل التسليم ثم سلم.
قد ذكرنا ابن بحينة في الصحابة بما يغني عن ذكره ههنا.

(10/183)


وفي هذا الحديث بيان أن الوهم والنسيان لا يسلم منه أحد من المخلوقين وقد يكون ما نزل به من ذلك ومن مثله ليس لأمته صلى الله عليه وسلم ألا ترى إلى قوله صلى الله عليه وسلم: "إني لأنسى أو أنسى لأسن".
وفي هذا الحديث من الفقه أن المصلي إذا قام من اثنتين واعتدل قائما لم يكن له أن يرجع وإنما قلنا واعتدل قائما لأن الناهض لا يسمى قائما حتى يعتدل على الحقيقة المعتدل وفي حديثنا هذا ثم قام وإنما قلنا لا ينبغي له إذا اعتدل قائما أن يرجع لأنه معلوم أن من اعتدل قائما في هذه المسألة لا يخلو من أن يذكر بنفسه أو يذكره من خلفه بالتسبيح ولا سيما قوم قيل لهم من نابه شيء في صلاته فليسبح،

(10/184)


وهم أهل النهي وأولى من عمل بما حفظ ووعى ونصف الحالين كانت فلم ينصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الجلوس بعد قيامه فكذلك ينبغي لكل من قام من اثنتين أن لا يرجع فإن رجع إلى الجلوس بعد قيامه لم تفسد صلاته ثم جمهور العلماء وإن اختلفوا في سجود سهوه وحال رجوعه وقد قال بعض المتأخرين تفسد صلاته وهو قول ضعيف لا وجه له لأن الأصل ما فعله وترك الرجوع رخصة وتنبيه على أن الجلسة لم يكن فرضا والله أعلم.
واختلف العلماء في هذه المسألة فقال مالك من قام من اثنتين تمادى ولم يجلس وسجد لسهوه قبل السلام على حديث ابن بحينة هذا فإن عاد إلى الجلوس بعد قيامه هذا فصلاته تامة وتجزيه سجدتا السهو قال ابن القاسم وأشهب يسجدهما بعد،

(10/185)


السلام وقال علي بن زياد يسجدهما قبل السلام لأنه قد وجب عليه في حين قيامه ورجوعه إلى الجلوس زيادة فكأنه زاد ونقص.
وقال الشافعي إذا ذكروا لم يستتم قائما جلس فإن استتم قائما لم يرجع وهو قول علقمة والأسود وقتادة والضحاك بن مزاحم والأوزاعي وفي قول الشافعي إذا رجع إلى الجلوس سجد سجدتي السهو وفي قول الأسود وعلقمة لا يسجد للسهو بأن رجع.
وقال حماد بن أبي سليمان إذا ذكر ساعة يقوم جلس وقال إبراهيم النخعي يباع ما لم يستفتح القراءة.
وقد روي عن مالك أن المصلي إذا فارقت الأرض أليته وهم بالقيام مضى كما هو ولا يرجع وقال حسان بن عطية:

(10/186)


إذا تجافت ركبتاه عن الأرض مضى وقال الحسن البصري ينصرف ويقعد وإن قرأ مالم يركع.
قال أبو عمر قد روي في هذا الباب حديث وإن كان في إسناده من لا تقوم به حجة وهو جابر الجعفي فإنه أولى ما قيل به في هذا الباب وعليه أكثر أهل الفتوى أخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا الحسن بن عمرو عن عبد الله بن الوليد "ح".
وحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا ابن وضاح قال حدثنا محمد بن عمرو قال حدثنا مصعب بن ماهان جميعا عن سفيان عن جابر قال حدثنا المغيرة بن شبيل أحمس عن قيس بن أبي حازم عن المغيرة،

(10/187)


ابن شعبة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "إذا قام الإمام في الركعتين فإن ذكر قبل أن يستوي قائما فليجلس وإن استوى قائما فلا يجلس ويسجد سجدتي السهو" قال أبو داود وليس في كتأبي عن جابر الجعفي إلا هذا الحديث.
قال أبو عمر في هذا الحديث وفي حديث ابن بحينة وغيره من ترك الرجوع لمن قام من اثنتين دليل على صحة ما ذهب إليه أصحابنا ومن قال بقولهم الوسطى سنة ليست بفريضة لأنها لو كانت من فروض الصلاة لرجع الساهي إليها متى ذكرها فقضاها ثم سجد لسهوه كما يصنع من ترك ركعة أو سجدة وكان حكمها حكم الركوع والسجود والقيام ولروعي

(10/188)


فيها ما يراعى في السجود والركوع من الولاء والرتبة ولم يكن بد من الإتيان بها فلما لم يكن ذلك حكمها وكانت سجدتا السهو تنوب عنها ولم تنب عن شيء من عمل البدن غيرها علم أنها ليست بفريضة وأنها سنة ولو كانت فريضة ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجوع إليها ألا ترى أنه أمر بالبناء على اليقين كل من سها في ركوعه أو سجوده ليكمل فريضته على يقين.
وأجمع العلماء على أن الركوع والسجود والقيام والجلسة الأخيرة في الصلاة فرض كله وأن من سها عن شيء منه وذكره رجع إليه فأتمه وبني عليه ولم يتماد وهو ذاكر له لأنه لا يجبره سجود السهو وبهذا يتبين لك وجوب فرضه والدليل من القرآن على ذلك قوله تعالى: {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} فأمر بالقيام في الصلاة لمن قدر عليه لأنه {لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا} ولا خلاف،

(10/189)


بين العلماء أن من صلى جالسا فريضة وهو قادر على القيام أن ذلك لا يجزيه وأن القيام فرض على كل من قدر عليه.
وكذلك الركوع والسجود لقول الله عز وجل: {ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا} ومعلوم أنه لا يتهيأ ركوع ولا سجود إلا بقيام وجلوس ألا ترى أن أحدا لا يقدر على السجدة الثانية إلا بجلوس بين السجدتين والجلوس بين السجدتين فرض لا خلاف فيه وكذلك الجلسة الآخرة ثم جمهور العلماء فرض واجب أيضا وما أعلم أحدا خالف فيها إلا بعض البصريين بحديث ضعيف انفرد به من لا حجة في نقله فكيف بانفراده وسنذكر ذلك إن شاء الله.

(10/190)


وإنما اختلفوا في الجلسة الوسطى وحدها من حركات البدن كلها في الصلاة فذهب أصحابنا وغيرهم إلى ما ذكرنا وحجتهم ما وصفنا.
وذهب آخرون إلى أنها فرض واجب قالوا ولكنها مخصوصة بأن لا ينصرف إليها وأن تجبر بسجدتي السهو بدليل حديث ابن بحينة هذا وما كان مثله وقالوا هي أصل في نفسها مخصوصة بحكم كالعرايا من المزابنة والقراض من الإجارات.
وأجمعوا أنه لا يقاس عمل البدن في السهو عليها إلا فرقة شذت وغلطت واعتلوا أنها لو كانت سنة لما فسدت صلاة من تركها عامدا لأن السنن حكمها عندهم أن من ترك منها عامدا فقد قصر عن حفظ نفسه ولم يبلغ حد الكمال ولا يجب عليه مع ذلك إعادة واستدلوا بأن المضمضة والاستنشاق،

(10/191)


عند من لم يجعلهما فرضا من العلماء لا يفسد بتركهما صلاة من تركهما عامدا وهما عند من لم يوجبهما فرضا من أوكد السنن وكذلك قراءة السورة مع أم القرآن وهي سنة مسنونة وكذلك التشهد ثم من لم يوجبه فرضا هو سنة ومثل هذا كثير وقالوا خرجت الجلسة الوسطى بدليلها من بين فروض الصلاة وانفردت بحكمها لأن النبي صلى الله عليه وسلم خصها بذلك كما خص المأموم إذا أحرم وراء إمامه وهو راكع أن ينحط إلى ركوعه بإثر إحرامه دون أن يقف هذا مما لا خلاف فيه بين العلماء والوقوف عليه لو كان منفردا فرض.
قالوا ولما كان قوله صلى الله عليه وسلم: "إنما جعل الإمام ليؤتم به" يمنع المأموم من أن يقف بعد إحرامه ومن أن يجلس في ثانية له وأن يقوم بعد أولى له كان دليله على مخالفة رتبة الصلاة اتباع إمامه وجاز له في اتباعه ما لو

(10/192)


فعله عامدا هو وحده فسدت صلاته أو فعله ساهيا لم تجزه وكان دليله على ذلك كله قوله صلى الله عليه وسلم: "إنما جعل الإمام ليؤتم به" مع إجماع العلماء وخص بهذا الدليل تلك الجمل العظام والأصول نكير أن يكون ترك انصرافه صلى الله عليه وسلم إلى الجلسة الوسطى دليلا على أنه خصها من بين فرائض الصلاة بحكم تجبر فيه بسجدتي السهو من بين سائر الفرائض في الصلاة وهي مع ذلك فرض كسائر حركات البدن إذ ليس من حركات البدن في الصلاة فرض قالوا فالجلسة الوسطى أصل في نفسها لا يقاس عليها غيرها لأنها مخصوصة.
وقد قال إسماعيل بن إسحاق في كتاب أحكام القرآن في باب قوله عز وجل: {يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} الآية بعد كلام كثير يحتج فيه على

(10/193)


من جعل السترة من فرائض الصلاة قال وهذا مما يبين لك أن لبس الثوب ليس من فرائض الصلاة لأن المفترض في الصلاة حركات البدن من حين يدخل في الصلاة إلى أن يخرج منها في تكبير أو قراءة أو ركوع أو سجود ولبس الثوب إنما يكون قبل أن يدخل في الصلاة ثم يبقى في الصلاة كما كان قبل أن يدخل وإنما هو زينة للإنسان وستر له في الصلاة وغيرها قال ولو كان الثوب من فروض الصلاة لوجب على الإنسان أن ينوي به الصلاة ثم اللبس كما ينوي بتكبيرة الافتتاح الدخول في الصلاة هذا كله قول إسماعيل وإنما جلبناه لقوله إن حركات البدن مفترضات في الصلاة ولم يستثن فيها شيئا.

(10/194)


وقد ذهبت فرقة إلى إيجاب الجلسة الوسطى فرضا ورأت الانصراف إليها ما لم يعمل المصلي بعدها من العمل ما يمنعه من الرجوع إليها وشذت في ذلك وقولها عندي مردود بدليل السنة المذكورة في هذا الباب من حديث ابن بحينة والمغيرة بن شعبة.
وذهب ابن علية إلى ان الجلسة الآخرة من أركان الصلاة وليست بفرض قياسا على الجلسة الوسطى واحتج في الوسطى بحديث ابن بحينة وفي الآخرة بحديث عبد الله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: "إذا رفع أحدكم رأسه من السجود الآخر فقد تمت صلاته" وإن أحدث فقد أجزأته صلاته وهذا حديث لا يثبت من جهة النقل الناس على خلافه والجلسة الوسطى لا تخلو من أن تكون مخصوصة فلا يجوز القياس عليها أو يكون سنة فذلك أبعد من أن يقاس عليها الفرض قد قامت،

(10/195)


الدلائل على فرض القيام والركوع والسجود من القرآن والسنة والإجماع وقد ذكرناها كل أعمال البدن قياسا على ذلك إلا ما خصته السنة من الجلسة الوسطى فلا وجه لقول ابن علية مع شذوذه أيضا فيه.
والقول بأن الجلسة الوسطى ليست من فرائض الصلاة أولى بالصواب والله أعلم لأني رأيت الفرائض يستوي في تركها السهو والعمد إلا في المأثم ألا ترى أنه تفسد صلاة من سها عن مسح رأسه ومن تعمد ذلك ومن سها عن سجدة من تعمد ذلك وسائر الفرائض في الصلاة والطهارة على هذا إلا أن المتعمد آثم والساهي قد رفع الله عنه الإثم فلو كانت الجلسة الوسطى فرضا للزم الساعي عنها الانصراف إليها والإتيان بها ولفسدت صلاته بترك الرجوع إليها والنبي صلى الله عليه وسلم قد سبح به لها فما انصرف إليها وحسبك بهذا حجة لمن يعاند والله نسأله العصمة والتوفيق.

(10/196)


حدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا عبيد الله بن عمر الجشمي "ح".
وحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا الحسن بن سلام السويقي قال حدثنا زهير بن حرب قالا حدثنا يزيد بن هارون قال أخبرنا المسعودي عن زياد بن علاقة قال صلى بنا المغيرة بن شعبة فنهض في الركعتين فسبح به من خلفه فأشار أن قوموا فلما أتم الصلاة.
وفي حديث أبي داود فنهض إلى الركعتين فقلنا سبحان الله فقال سبحان الله ومضى فلما أتم صلاته وسلم سجد السجدتين ثم قال هكذا صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفي حديث أبي داود سجد سجدتي السهو فلما انصرف قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع كما صنعت

(10/197)


قال أبو داود وكذلك رواه ابن أبي ليلى عن الشعبي عن المغيرة بن شعبة يرفعه ورواه أبو العميس عن ثابت بن عبيد قال صلى بنا المغيرة بن شعبة مثل حديث زياد بن علاقة.
قال أبو داود أبو عميس نضر المسعودي وفعل سعد بن أبي وقاص مثل ما فعل المغيرة وعمران بن حصين والضحاك بن قيس ومعاوية بن أبي سفيان وأفتى بذلك ابن عباس وعمر بن عبد العزيز هذا كله قول أبي داود.
وأخبرنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا الحسن بن سلام قال حدثنا عبد الله بن موسى قال حدثنا ابن أبي ليلى عن الشعبي عن المغيرة بن شعبة أنه قام في الركعتين فسبحوا به فمضى في صلاته فلما سجد

(10/198)


سجدتي السهو ثم حدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بهم فصنع مثل ذلك. وقرأت على عبد الوارث بن سفيان أن قاسم بن أصبغ حدثهم قال حدثنا أبو قلابة قال حدثنا بكر بن بكار قال حدثنا علي بن مالك عن عامر الشعبي عن المغيرة بن شعبة أنه سها فقام في الركعتين الأوليين فسبحوا به فمضى فلما فرغ من صلاته سجد سجدتين بعد ما سلم ثم قال هكذا صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا أبي قال حدثنا أبو معاوية محمد بن حازم عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم عن سعد بن أبي وقاص أنه نهض في الركعتين،

(10/199)


فسبحوا به فاستتم قائما ثم سجد سجدتي السهو حين انصرف ثم قال كنتم تروني أجلس إنما صنعت ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صنع.
قال أحمد بن زهير وحدثنا أبي عن محمد بن عبيد عن إسماعيل عن قيس عن سعد موقوف وقد سئل يحيى بن معين عن حديث أبي معاوية الضرير عن إسماعيل عن قيس عن سعد في القيام من الركعتين قال يحيى خطأ ليس يرفع قال أحمد بن زهير وحدثنا أبو نعيم قال حدثنا أبو الأحوص عن بيان عن قيس قال أمنا سعد فقام في الركعتين الأوليين فسبح به من خلفه فذكر الحديث موقوفا.
وحدثنا عبد الوارث قال حدثنا قاسم قال حدثنا أحمد بن الحنبل قال حدثنا يونس بن محمد المؤدب قال حدثنا ليث،

(10/200)


عن يزيد بن أبي حبيب أن عبد الرحمان بن شماسة حدثه أن عقبة بن عامر قام في صلاته وعليه جلوس فقال الناس سبحان الله سبحان الله فعرف الذي يريدون فلما أتم صلاته سجد سجدتين وهو جالس ثم قال إني سمعت قولكم وهذه السنة.
قال أبو عمر ذكرنا هذه الآثار لما فيها من التسبيح من اثنتين وإعلامه بسهوه ذلك وإبايته من الانصراف وذلك دليل على أن الجلسة الوسطى ليست من فرائض الصلاة وهذه الآثار موافقة لحديث ابن بحينة من وجه مخالفة له من آخر لأن فيها السجود بعد السلام وبهذه الآثار يحتج من رأى السجود بعد السلام في الزيادة والنقصان.
واختلف العلماء في سجود السهو فقال ابن شهاب للزهري ويحيى بن سعيد الأنصاري وربيعة بن أبي عبد الرحمان والأوزاعي والليث بن سعد والشافعي السجود كله قبل السلام وروي هذا

(10/201)


القول عن أبي هريرة وابن أبي السائب وعبد الله بن الزبير ومعاوية وابن عباس وبه قال مكحول.
والحجة لقائله حديث عبد الله بن بحينة هذا من رواية ابن شهاب ويحيى بن سعيد عن الأعرج عن ابن أبي بحينة وهو أقوى إسنادا من حديث المغيرة وأثبت وحجتهم في الزيادة حديث أبي سعيد الخدري وابن عباس وعبد الرحمان بن عوف عن النبي صلى الله عليه وسلم في البناء على اليقين والسجود في ذلك قبل السلام وقد ذكرنا الحديث في ذلك في باب زيد بن أسلم.
حدثني خلف بن القاسم الحافظ قال حدثني عبد الرحمن بن عمر بن راشد البجلي بدمشق قال حدثنا أبو زرعة قال حدثنا أبو مسهر عن محمد بن مهاجر عن أخيه عمرو بن مهاجر أن الزهري قال لعمر بن عبد العزيز السجدتان قبل

(10/202)


السلام فقال عمر أبى ذلك أبو سلمة بن عبد الرحمان يا زهري!
وحدثنا خلف بن القاسم قال حدثنا أبو ميمون عبد الرحمن بن عمر قال حدثنا أبو زرعة قال أخبرنا سعيد بن أبي مريم قال أخبرني يحيى بن أيوب قال أخبرني محمد بن عجلان أن ابن شهاب أخبره أن عمر بن عبد العزيز صلى للناس المغرب فسها فنهض في الركعتين فقال الناس سبحان الله فلم يجلس فلما فرغ من صلاته سجد سجدتين ثم انصرف فسأل ابن شهاب فقال أصبت إن شاء الله والسنة الذي صنعت فقال له عمر فكيف قال تجعلهما قبل السلام قال عمر إني قلت إنه دخل علي ولم يدخل عليهم.
قال ابن شهاب ما دخل عليك دخل عليهم وقال سفيان الثوري والحسن بن صالح وأبو حنيفة وأصحابه:

(10/203)


السجود كله بعد السلام وروي ذلك عن علي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود وسعيد بن أبي وقاص وعمار بن ياسر والضحاك بن قيس وعمران بن حصين.
واختلف في ذلك عن معاوية بن أبي سفيان وعن ابن عباس وعن ابن الزبير وبه قال الحسن البصري وأبو سلمة بن عبد الرحمان وعمر بن عبد العزيز وإبراهيم النخعي وابن أبي ليلى ويجزيه ثم أبي حنيفة وأصحابه أن يسجدهما قبل السلام.
وقال مالك وأصحابه كل أخذها كان نقصانا في الصلاة فسجوده قبل السلام على حديث ابن بحينة وكل أخذها هو زيادة في الصلاة فالسجود فيه بعد السلام على حديث أبي هريرة في قصة ذي اليدين وبهذا قال أبو ثور.

(10/204)


وقال إسحاق كل موضع ليس فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث فإنه يسجد فيه في الزيادة بعد السلام وفي النقصان قبل السلام.
فلا خلاف عن مالك أن السهو إذا اجتمع فيه زيادة ونقصان أن السجود له قبل السلام وقال أحمد بن حنبل سجود السهو على ما جاءت به الأخبار إذا نهض من اثنتين سجدهما قبل السلام على حديث ابن بحينة.
قال أبو عمر هذا يدلك على أن حديث ابن بحينة أصح ثم أحمد بن حنبل وهو إمام أهل الحديث من حديث المغيرة بن شعبة على ما ذكرت لك قال أحمد بن حنبل وإذا شك فرجع إلى اليقين سجدهما قبل السلام أيضا على حديث أبي سعيد الخدري قال وإذا سلم من اثنتين سجدهما بعد السلام على حديث أبي هريرة في قصة ذي اليدين قال وإذا شك فكان،

(10/205)


ممن يرجع إلى التحري سجدهما بعد السلام على حديث ابن مسعود قال وكل أخذها يدخل عليه سواء ما ذكرنا يسجد له قبل السلام وبهذا كله من قول أحمد قال سليمان بن داود وأبو خيثمة.
قال أبو عمر قد روى خصيف عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم في الذي يشك فلا يدري كم صلى أنه يبني على أكثر ظنه ويسجد قبل السلام.
ذكره النسائي عن عمرو بن هشام عن محمد بن سلمة عن خصيف وهو خلاف حصول بن حنبل وهو موافق لحديث أبي سعيد الخدري وقد تقدم في باب زيد بن أسلم القول في التحري وفي البناء على اليقين وهما عندنا شيء واحد وبالله التوفيق.

(10/206)


وقال داود لا يسجد أحد للسهو إلا في المواضع التي سجد فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم والسجود عنده في القيام من اثنين بعد السلام على حديث المغيرة بن شعبة وزعم أنه زاد على حديث ابن بحينة زيادة يجب قبولها وحجته حديث علقمة عن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إنما أنا بشر أنسى كما تنسون فإذا شك أحدكم في صلاته فليتحر الصواب فإذا سلم فليسجد سجدتين" وقد أوضحنا الحجة لهذه الأقوال من جهة النظر في باب زيد بن أسلم والحمد لله.
واختلفوا في التشهد في سجدتي السهو والسلام منهما فقالت طائفة لا تشهد فيهما ولا تسليم وروي ذلك عن أنس بن مالك والحسن البصري ورواية عن عطاء وهو قول الأوزاعي،

(10/207)


والشافعي لأن السجود كله عندهما قبل السلام فلا وجه لإعادة التشهد عندهما وقد روي عن عطاء إن شاء تشهد وسلم وإن شاء لم يفعل.
وقال آخرون يتشهد فيهما لا يسلم قاله يزيد بن قسيط ورواية عن الحكم وحماد والنخعي وقتادة والحكم وبه قال مالك وأكثر أصحابه والليث بن سعد والثوري وأبو حنيفة وأصحابه.
وقال أحمد بن حنبل إن سجد قبل السلام لم يتشهد وإن سجد بعد السلام تشهد وبهذا قال جماعة من أصحاب مالك وروي أيضا عن مالك.
وقال ابن سيرين يسلم منهما ولا يتشهد فيهما.
قال أبو عمر من رأى السلام فيهما فعلى أصله في التسليمة الواحدة والتسليمتين وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سلم في سجدتي السهو من حديث عمران بن حصين وهو

(10/208)


حديث ثابت في السجود بعد السلام ومن رأى السجود كله قبل السلام فلا يحتاج إلى هذا لأن السلام من الصلاة هو السلام على ما في حديث ابن بحينة هذا وأما التشهد في سجدتي السهو فلا أحفظه من وجه صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم وأما التكبير في الخفض والرفع في سجدتي السهو فمحفوظ ثابت في حديث ابن بحينة وغيره من رواية ابن شهاب وغيره حدثني محمد بن إبراهيم قال حدثنا محمد بن معاوية قال حدثنا أحمد بن شعيب قال أخبرنا أحمد بن عمرو قال أنبأنا ابن وهب قال أخبرني عمرو بن الحارث ويونس بن يزيد والليث أن ابن شهاب أخبرهم عن عبد الرحمان الأعرج أن عبد الله بن بحينة حدثه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام في اثنتين من الظهر فلم يجلس فلما قضى صلاته سجد

(10/209)


سجدتين فكبر في كل سجدة وهو جالس قبل أن يسلم وسجدهما الناس معه لمكان ما نسي من الجلوس.
وحدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا عمرو بن عثمان قال حدثنا أبي وبقية قالا حدثنا شعيب عن الزهري عن عبد الرحمان الأعرج عن عبد الله بن بحينة مثل حديث مالك وزاد فكان منا التشهد في قيامه من نسي أن يتشهد وهو جالس.
حدثني أحمد بن قاسم بن عبد الرحمن قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا الحرث بن أبي أسامة قال حدثنا الحكم بن موسى قال حدثنا هقل عن الأوزاعي قال حدثني الزهري قال حدثني ابن هرمز قال حدثني عبد الله بن بحينة،

(10/210)


أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سهى عن قعود قام منه فلما فرغ وانتظر سلامه كبر فسجد ثم كبر فرفع رأسه ثم كبر فسجد ثم كبر فرفع رأسه ثم سلم لم يذكر ابن عيينة كبر. وأما اختلاف العلماء في حكم الجلوس الأخير في الصلاة فأما الفرض في ذلك فعلى خمسة أقوال أحدها أن الجلسة الأخيرة فرض والسلام فرض وحكى مثل هذا الصعب في مختصره عن مالك وأهل المدينة وممن قال ذلك الشافعي وأبو داود وأحمد بن حنبل في رواية. وحجتهم أن بيانه صلى الله عليه وسلم فرض لأن أصل فرضها مجمل يفتقر إلى البيان فكل عمله فيها فرض إلا ما خرج بدليل سنة أو إجماع.
واحتجوا أيضا بقوله صلى الله عليه وسلم: "صلوا كما رأيتموني أصلي" وبأشياء المطلوب ذكرها منها حديث علي

(10/211)


ابن طلق عن النبي صلى الله عليه وسلم: "قال إذا نسي أحدكم في الصلاة فلينصرف وليتوضأ وليعد الصلاة قالوا وما لم يسلم فهو في الصلاة" لأن المصلي لا يتحلل منها بغير السلام.
والقول الثاني أن الجلوس فيها فرض والسلام فرض وليس التشهد بواجب وممن قال ذلك مالك وأصحابه وأحمد في رواية وحجتهم أن عمل البدن كله فرض للإجماع على فرض القيام والركوع والسجود فكذلك كل عمل البدن إلا ما خرج بدليل وهي الجلسة الوسطى.
وحجتهم أيضا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يخرج قط من صلاته إلا بالتسليم قال تحريمها التكبير وتحليلها التسليم وقام من اثنتين ولم يتشهد فسقط التشهد لذلك ولأنه ذكر ولا شيء من الذكر قراءة أم القرآن وتكبيرة الإحرام والسلام.
والقول الثالث أن الجلوس مقدار التشهد فرض وليس التشهد ولا السلام بواجب فرضا وممن قال ذلك أبو حنيفة وأصحابه وجماعة من الكوفيين.

(10/212)


واحتجوا له بنحو ما تقدم في بيان مجمل الصلاة وعمل البدن بحديث عبد الرحمان بن زياد بن الأنعم وهو الأفريقي أن عبد الرحمان بن رافع وبكر بن سوادة حدثاه ثم عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا أحدث الرجل وقد جلس في آخر صلاته قبل أن يسلم فقد تمت صلاته" هكذا رواه ابن المبارك عن الإفريقي.

(10/213)


والقول الرابع أن الجلوس والتشهد واجبان وليس السلام بواجب قاله جماعة منهم إسحاق بن راهويه.
واحتج بحديث ابن مسعود حين علمه رسول الله صلى الله عليه وسلم التشهد وقال إذا فرغت من هذا فقد تمت صلاتك وقضيت ما عليك.
والقول الخامس أن ليس الجلوس منها ولا التشهد ولا السلام بواجب إنما ذلك كله سنة مسنونة هذا قول بعض البصريين وإليه ذهب ابن علية وصرح بقياس الجلسة الأخيرة على الأولى فخالف الجمهور وشذ إلا أنه يرى الإعادة على من ترك شيئا من ذلك كله.
واحتج برواية من روى في حديث الإفريقي المذكور إذا رفع رأسه فأحدث فقد تمت صلاته ولم يذكر جلوسا وهذا حديث لا يصح لضعف سنده واختلافهم في لفظه وبالله التوفيق.
وقد ذكرنا اختلاف العلماء في كيفية السلام ووجوبه في باب ابن شهاب عن أبي بكر بن أبي حثمة.

(10/214)


الحديث الأربعون
...
حديث ثالث لابن شهاب عن عبد الرحمان الأعرج
مالك عن ابن شهاب عن عبد الرحمن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا يمنع أحدكم جاره أن يغرز خشبة في جداره" ثم يقول أبو هريرة مالي أراكم عنها معرضين والله لأرمين بها بين أكتافكم.
هكذا روى هذا الحديث جماعة رواة الموطأ عن مالك بهذا الإسناد كما رواه يحيى ورواه خالد بن مخلد عن مالك عن

(10/215)


أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة وقد يحتمل أن يكون ثم مالك بالإسنادين جميعا ولكنه في الموطأ كما ذكرت لك.
ورواه أكثر أصحاب ابن شهاب عنه عن عبد الرحمان الأعرج عن أبي هريرة كما رواه مالك إلا معمرا فإن عنده فيه عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة.
حدثني سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي قال حدثنا مسلم بن إبراهيم قال حدثنا هشام الدستوائي قال حدثنا معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا يمنعن أحدكم جاره أن يغرز خشبة على حائطه.
وبهذا الإسناد كان هذا الحديث عن عقيل ورواه محمد بن أبي حفصة عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة ولم يتابع على ذلك عن ابن شهاب والله أعلم.

(10/216)


وقد ذكر عبد الرزاق عن معمر حديث الأعرج وهو المحفوظ ورواه هشام بن يوسف الصنهاجي عن معمر ومالك عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة.
فوهم فيه والله أعلم وليس يصح فيه عن مالك ولا عن معمر ذكر أبي سلمة فيما ذكره الدارقطني قال وقد روي عن بشر بن عمر عن مالك عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة والصواب فيه عن مالك عن ابن شهاب عن الأعرج عن أبي هريرة.
وقال يعقوب سمعت علي بن المديني يقول قال لي ينعقد بن عيسى أتنكر الزهري وهو يتمرغ في أصحاب أبي هريرة أن يروي الحديث عن عدة؟
حدثني أحمد بن عبد الله بن محمد بن علي قال حدثنا الميموني بن حمزة الحسيني قال حدثنا أبو جعفر

(10/217)


الطحاوي قال حدثني المزني قال حدثنا الشافعي قال حدثنا سفيان بن عيينة عن الزهري عن عبد الرحمن الأعرج.
قال سمعت أبا هريرة يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا استأذن أحدكم جاره أن يغرز خشبة في جداره فلا يمنعه" فلما حدثهم أبو هريرة نكسوا رؤوسهم فقال مالي أراكم عنها معرضين أما والله لأرمين بها بين أكتافكم هكذا يقول ابن عيينة في هذا الحديث إذا استأذن وكذلك رواية ابن أبي حفصة وعقيل وسليمان بن كثير إذا سأل أحدكم جاره أن يضع خشبة في جداره فلا يمنعه.
هكذا روى هؤلاء هذا الحديث على سؤال الجار جاره واستئذانه إياه أن يجعل خشبة على جداره ولم يذكر معمر،

(10/218)


ومالك بن أنس ويونس في هذا الحديث السؤال والمعنى عندي فيه واحد والله أعلم وسنذكر اختلاف العلماء في ذلك وفي سائر معنى الحديث إن شاء الله.
وروى الليث بن سعد هذا الحديث عن مالك فقال فيه من سأله جاره حدثنا خلف بن قاسم حدثنا أحمد بن الحسن الرازي حدثنا هارون بن كامل "ح".
وحدثنا خلف حدثنا محمد بن أحمد بن المسور حدثنا مطلب بن شعيب قالا حدثنا عبد الله بن صالح حدثنا الليث بن سعد حدثني مالك عن ابن شهاب عن عبد الرحمان بن هرمز الأعرج عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من سأله جاره أن يغرز خشبة في جداره فلا يمنعه".

(10/219)


قال الليث هذا إن شاء الله مالنا عن مالك وآخره حدثنا خلف بن قاسم حدثنا عبد الله بن عمر بن إسحاق حدثنا أحمد بن محمد بن حجاج قال حدثني محمد بن رمح ومحمد بن سفيان بن زياد العامري قالا حدثنا الليث بن سعد عن مالك عن ابن شهاب عن عبد الرحمان الأعرج عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أنه قال من سأله جاره أن يغرز خشبة في جداره فلا يمنعه".
وحدثنا خلف حدثنا عبد الله بن جعفر بن الورد حدثنا يحيى بن أيوب بن بادي حدثنا سعيد بن كثير بن عفير حدثنا مالك عن ابن شهاب عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من سأله جاره أن يغرز خشبة في جداره فلا يمنعه".
قال سعيد بن عفير سمعته من الليث عن مالك ومالك حي ثم سمعته من مالك.

(10/220)


قال أبو عمر لذلك جاء به على لفظ الليث لا على لفظ الموطأ قال أبو جعفر الطحاوي سمعت يونس بن عبد الأعلى يقول سألت ابن وهب عن خشبة أو خشبه في هذا الحديث فقال سمعت من جماعة خشبة يعني على لفظ الواحدة.
قال أبو عمر قد روي اللفظان جميعا في الموطأ عن مالك وقد اختلف علينا فيهما الشيوخ في موطأ يحيى على الوجهين جميعا والمعنى واحد لأن الواحد يقوم مقام الجمع في هذا المعنى إذا أتى بلفظ النكرة ثم أهل اللغة والعربية وكذلك اختلفوا علينا في أكتافكم وأكنافكم والصواب فيه إن شاء الله وهو الأكثر التاء.

(10/221)


واختلف الفقهاء في معنى هذا الحديث فقال منهم قوم معناه الندب إلى بر الجار والتجاوز له والإحسان إليه وليس ذلك على الوجوب وممن قال ذلك مالك وأبو حنيفة ومن حجتهم قوله صلى الله عليه وسلم: "لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه". أخبرني عبد الله بن محمد بن أسد قال حدثنا أحمد بن إبراهيم بن جامع بمصر قال حدثنا المقدام بن داود قال حدثنا عبد الله بن عبد الحكم عن مالك قال ليس يقضى على رجل أن يغرز خشبه في جداره لجاره وإنما نرى أن ذلك كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم على الوصاة بالجار.
قال ومن أعار صاحبه خشبة يغرزها في جداره ثم أغضبه فاراد أن ينزعها فليس ذلك له وأما إن احتاج إلى ذلك لأمر،

(10/222)


نزل به فذلك له قال وإن أراد بيع داره فقال انزع خشبك فليس ذلك له.
وقال أبو حنيفة وأصحابه معنى الحديث المذكور عندنا الاختيار والندب في إسعاف الجار وبره إذا سأله ذلك على نحو قول الله عز وجل: {وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ}.
ولم يختلف علماء السلف أن ذلك على الندب لا على الإيجاب فكذلك معنى هذا الحديث عندهم وحملوه على معنى قوله صلى الله عليه وسلم: "إذا استأذنت أحدكم امرأته إلى المسجد فلا يمنعها".
وهذا معناه ثم الجميع الحض والندب على حسبما يراه الزوج من الصلاح والخير في ذلك.

(10/223)


وقال أصبغ بن القاسم لا يؤخذ بما قضى به عمر على محمد بن مسلمة في الخليج ولا ينبغي أن يكون أحق بمال أخيه منه إلا برضاه قال وأما ما حكم به لعبد الرحمن بن عوف بتحويل الربيع من موضعه إلى ناحية أخرى من الحائط فإنه يؤخذ به ويعمل بمثله لأن مجرى ذلك الربيع كان لعبد الرحمان ثابتا في الحائط وإنما أراد تحويله إلى ناحية هي أقرب عليه وأرفق بصاحب الحائط فلذلك حكم له عمر بتحويله.
قال ابن القاسم سئل مالك عن حديث النبي صلى الله عليه وسلم لا يمنعن أحدكم جاره أن يغرز خشبة في جداره فقال مالك ما أرى أن يقضى به إلا من وجه المعروف من النبي عليه السلام.
قال ابن القاسم سئل مالك عن رجل كان فأراد جاره أن يبني عليه سترة يستتر بها منه قال لا أرى ذلك له إلا أن يأذن صاحبه.

(10/224)


وقال آخرون ذلك على الوجوب إذا لم تكن في ذلك مضرة على صاحب الجدار وممن قال بهذا الشافعي وأحمد بن حنبل وداود بن علي وأبو ثور وجماعة من أهل الحديث.
وحجتهم قول أبي هريرة والله لأرمين بها بين أكتافكم وابو هريرة أعلم بمعنى ما سمع وما كان ليوجب واجب وهو مذهب عمر بن الخطاب وحكى مالك عن المطلب قاض كان بالمدينة كان يقضي به.
ومن حجتهم أيضا أن قالوا هذا قضاء من رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمرفق وقوله صلى الله عليه وسلم: "لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه" إنما هو على التمليك والاستهلاك وليس المرفق من ذلك وكيف يكون منه والنبي صلى الله عليه وسلم فرق بين ذلك فأوجب أحدهما ومنع من الآخر.

(10/225)


واحتجوا أيضا بأن عمر بن الخطاب قضى بذلك على محمد بن مسلمة للضحاك بن خليفة في ساقية يسوقها الضحاك في أرض محمد بن مسلمة وقال له والله ليمرن بها ولو على بطنك لامتناعه من ذلك ولو لم يكن ذلك واجبا ثم عمر ما أجبره على ذلك ولو كان من باب لا يحل مال امرئ مسلم إلاعن طيب نفس منه ما قضى به عمر على رغم محمد بن مسلمة.
وكذلك قضى عمر لعبد الرحمن بن عوف على عبد الله بن زيد بن عاصم الأنصاري جد عمرو بن يحيى المازني مثل ما قضى به للضحاك بن خليفة على محمد بن مسلمة.
وهذا يدلك على أن ذلك من قضاء عمر مستفيض متردد.
روى مالك عن عمرو بن يحيى المازني عن أبيه أن الضحاك بن خليفة ساق خليجا له من العريض فاراد أن يمر

(10/226)


به في أرض محمد بن مسلمة فأبى محمد فقال له الضحاك لم تمنعني وهو لك منفعة تشرب منه أولا وآخرا ولا يضرك فأبى محمد فكلم فيه الضحاك عمر بن الخطاب فدعا عمر بن الخطاب محمد بن مسلمة فأمره أن يخلي سبيله فقال محمد لا فقال عمر لم تمنع أخاك ما ينفع وهو لك نافع تسقي به أولا وآخرا وهو لا يضرك فقال محمد لا والله فقال عمر والله ليمرن به ولو على بطنك فأمره عمر أن يمر به ففعل الضحاك.
وروى مالك أيضا عن عمرو بن يحيى المازني عن أبيه أنه كان جده ربيع لعبد الرحمان بن عوف فأراد عبد الرحمن بن عوف أن يحوله إلى ناحية من الحائط هي أقرب إلى أرضه فمنعه صاحب الحائط فكلم عبد الرحمن

(10/227)


عمر بن الخطاب فقضى لعبد الرحمان بن عوف بتحويله قال مالك والربيع الساقية.
ومما احتج به أيضا من ذهب مذهب الشافعي في هذا الباب حديث يروى عن الأعمش عن أنس قال استشهد منا غلام يوم أحد فجعلت أمه تمسح التراب عن وجهه وتقول أبشر هنيئا لك الجنة فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: "وما يدريك لعله كان يتكلم فيما لا يعنيه ويمنع ما لايضره؟.
وهذا الحديث ليس بالقوي لأن الأعمش لا يصح له سماع من أنس وكان مدلسا عن الضعفاء.
ومما احتج به أيضا من ذهب مذهب الشافعي ما وجدته في أصل سماع أبي رحمه الله أن محمد بن أحمد بن قاسم حدثهم قال حدثنا سعيد بن عثمان قال حدثنا نصر بن مرزوق،

(10/228)


قال حدثنا أسد بن موسى قال حدثنا قيس بن الربيع عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من ابتنى فليدعم جذوعه جاره".
قال أسد وحدثنا قيس بن الربيع عن منصور بن دينار عن أبي عكرمة المخرومي عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا يحل لامرئ مسلم أن يمنع جاره خشبات يضعها على جداره" ثم يقول أبو هريرة لأضربن بها بين أعينكم وإن كرهتم.
قال أسد وحدثنا حماد بن سلمة عن أيوب عن عكرمة عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن يمنع الرجل جاره أن يضع خشبة على جداره.
وزعم الشافعي أنه لم يرو عن أحد من الصحابة خلاف عمر في هذا الباب وأنكر على مالك تركه لكل ما أدخل،

(10/229)


في موطئه من الآثار في باب القضاء بالمرفق وقال جعل في أول باب القضاء بالمرفق من موطئه حديث عمرو بن يحيى عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا ضرر ولا ضرار" ثم أردفه بحديث ابن شهاب عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم المذكور في هذا الباب وهو حديث ثابت ثم أردف ذلك بحديثي عمر المذكورين في قصة ابن مسلمة وقصة المازني مع الضحاك وعبد الرحمان بن عوف وكأنه جعل هذه الأحاديث مفسرة لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا ضرر ولا ضرار" قال ثم ترك ذلك كله.
قال أبو عمر أما قول الشافعي إنه لم يرو عن أحد من الصحابة خلاف ما روي عن عمر بن الخطاب في هذا الباب فليس كما ظن لأن محمد بن مسلمة من كبار الصحابة وجلة الأنصار وممن شهد بدرا قد خالف عمر بن الخطاب في ذلك وأبى مما

(10/230)


رآه وقال والله لا يكون ذلك ومعلوم أن محمد بن مسلمة لو كان رأيه ومذهبه في ذلك كمذهب عمر ما امتنع من ذلك ولو علم أن ذلك من قضاء الله أو من قضاء رسوله صلى الله عليه وسلم على الإيجاب للجار لما خالفه ولكن رآه على الندب خلافا لمذهب عمر.
وإذا وجد الخلاف بين الصحابة في ذلك وجب النظر والنظر في هذه المسألة يدل على صحة ما ذهب إليه مالك ومن قال بقوله والدليل على ذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام" يعني أموال بعضكم على بعض ودماء بعضكم على بعض وأعراض بعضكم على بعض حرام وقال صلى الله عليه وسلم: "إن الله حرم من المؤمن دمه وماله وعرضه وأن لا يظن به إلا الخير" وقال صلى الله عليه وسلم: "لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه".

(10/231)


والأصول في هذا كثير جدا ولهذه الأصول الجسام ولمثلها من الكتاب والسنة حمل أهل العلم هذا الحديث على الندب والفضل والإحسان لا على الوجوب لتستعمل أخباره وسنته صلى الله عليه وسلم كلها وهكذا يجب على العالم ما وجد إلى ذلك سبيلا.
وأما قول من قال في حديث أبي هريرة لا يحل لامرئ أن يمنع جاره ونهى أن يمنع الرجل جاره أن يضع خشبة في جداره فليس ممن يحتج بنقله على مثل مالك ومن تابعه.
ويحتمل أن يكون لا يحل في حقوق الجار منعه من ذلك لأن منع ما لا يضر ليس من أخلاق الكرام من المؤمنين.
ومن الدليل أيضا على صحة ما ذهب إليه مالك وعلى أن الخلاف في هذه المسألة لم يزل من زمن عمر قول أبي هريرة مالي أراكم عنها معرضين وذلك في زمن الأعرج.

(10/232)


والتابعين وهذا يدل على أن الناس لم يتلقوا حديثه على الوجه الذي ذهب إليه أبو هريرة من إيجاب ذلك ومذهب أبي هريرة في هذا كمذهب عمر وفي المسألة كلام لمن خالفنا وعليهم لم أذكره مخافة التطويل.
وأما قول عبد الملك بن حبيب فاضطرب في هذا الباب ولم يثبت فيه على مذهب مالك ولا مذهب العراقيين ولا مذهب الشافعي وتناقض في ذلك ولم يحسن الاختيار قال في قوله صلى الله عليه وسلم: "لا يمنع أحدكم جاره أن يغرز خشبة في جداره" لازم للحاكم أن يحكم به على من أباه وأن يجبره عليه بالقضاء لأنه حق قضى به رسول الله صلى الله عليه وسلم ولأنه أيضا من الضرار أن يدفعه أن يغرز خشب بيته في جداره فيمنعه بذلك المنفعة وصاحب الجدار لا ضرر عليه في ذلك قال ويدخله أيضا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا ضرر ولا ضرار".

(10/233)


وقول عمر لم تمنع أخاك ما لا يضرك قال وقد قضى مالك للجار إذا تغورت بيده أن يسقي نخله وزرعه ببئر جاره حتى يصلح بئره وهذا أبعد من غرز الخشبة في جدار الجار إذا لم يكن ضرر بالجدار إلا أن يخاف عليه أن يوهن الجدار ويضر به لم يجبر صاحب الجدار وقيل لصاحب الخشب احتل لخشبك.
ومثله حديث ربيع عبد الرحمان بن عوف المازني قال والربيع الساقية فأراد عبد الرحمن بن عوف أن يحوله إلى موضع من الحائط هو أقرب إلى أرضه فمنعه صاحب الحائط فقضى عمر لعبد الرحمان بتحويله.
قال وهذا أيضا يجبر عليه بالقضاء من أجل أن مجرى ذلك الربيع كان ثابتا في الحائط لعبد الرحمان وقد استحقه فأراد تحويله إلى ناحية أخرى هي أقرب عليه وأرفق بصاحب الحائط قال وأما الحديث الثالث في قصة الضحاك بن خليفة مع محمد بن

(10/234)


مسلمة فلم أجد أحدا من أصحاب مالك وغيره يرى أن يكون ذلك لازما في الحكم لأحد على أحد قال وإنما كان ذلك تشديدا على محمد بن مسلمة ولا ينبغي أن يكون أحد أحق بمال أخيه منه إلا برضاه قال وليس مثل هذا حكم عمر في ربيع عبد الرحمن بن عوف لأن هذا لم يكن له محمد بن مسلمة طريق ولا ربيع قال وهذا أحسن ما سمعت فيه. قال أبو عمر هذا كله كلام ابن حبيب والخطأ فيه والتناقض أوضح من أن يحتاج إلى الكلام عليه وبالله التوفيق.

(10/235)


الحديث الواحد والاربعون
...
ابن شهاب عن أبي عبيد مولى ابن أزهر حديثان
واسم أبي عبيد هذا سعد بن عبيد مولى عبد الرحمن بن أزهر بن عوف ابن أخي عبد الرحمن بن عوف.
قال الواقدي ينسب ولاؤه إلى عبد الرحمان بن أزهر وأحيانا ينسب إلى عبد الرحمن بن عوف وقال الزبير بن بكار هو مولى عبد الرحمن بن عوف.
قال أبو عمر ابن عيينة يقول عن ابن شهاب عن عبيد مولى عبد الرحمن بن عوف في هذا الحديث كذلك قال معمر عنه فيه وكذلك قال فيه جويرية عن مالك عن ابن شهاب عن أبي عبيد مولى عبد الرحمن بن عوف.

(10/236)


وقال فيه سعيد بن داود الزبيري عن مالك عن ابن شهاب عن أبي عبيد مولى عبد الرحمن بن عوف وقد كان يقال له مولى ابن أزهر وكذلك قال فيه مكي بن إبراهيم عن مالك سواء.
وقال ابن أبي ذئب فيه عن سعيد بن خالد نحو قول مالك عن ابن شهاب إلا أن سعيد بن خالد رفع النهي عن صيام اليومين المذكورين في هذا الحديث من حديث علي وعثمان ويرفعه ابن شهاب من حديث عمر بن الخطاب وقول ابن شهاب أولى عندهم بالصواب وحديثه ذكره ابن أبي ذئب عن سعيد بن خالد عن أبي عبيد مولى بني أزهر قال شهدت العيد مع علي وعثمان فكانا يصليان ثم ينصرفان فيذكران الناس،

(10/237)


فسمعتهما يقولان نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم: عن صيام هذين اليومين يوم الفطر ويوم النحر .
قال أبو عمر هذا خطأ والصواب ما قاله ابن شهاب من رواية مالك وغيره عنه على ما تراه في هذا الباب إن شاء الله.
وكان أبو عبيد هذا ثقة مأمونا قال الطبري كان من ساكني المدينة وبها توفي سنة ثمان وتسعين وكان من قدماء من كان يتفقه بالمدينة من أهلها ومن كبار تابعيها.

(10/238)


حديث أول لابن شهاب عن أبي عبيد
مالك عن ابن شهاب عن أبي عبيد مولى ابن أزهر قال شهدت العيد مع عمر بن الخطاب فصلى ثم انصرف فخطب الناس فقال إن هذين يومان نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم: عن صيامهما يوم فطركم من صيامكم والآخر يوم تأكلون فيه من نسككم.
قال أبو عبيد ثم شهدت العيد مع عثمان بن عفان فجاء فصلى ثم انصرف فخطب وقال إنه قد اجتمع لكم في يومكم هذا عيدان فمن أحب من أهل العالية أن ينتظر الجمعة فلينتظرها ومن أحب أن يرجع فقد أذنت له.
قال أبو عبيد ثم شهدت العيد مع علي بن أبي طالب وعثمان محصور فجاء فصلى ثم انصرف فخطب.

(10/239)


لا خلاف أعلمه في الموطأ في إسناد هذا الحديث ولا في متنه ورواه جويرية عن مالك فجعل لفظه مختصرا مرفوعا عن علي بن أبي طالب في النهي عن الأكل من النسك فوق ثلاث قال شهدت العيد مع علي بن أبي طالب فسمعته يقول إن رسول الله صلى الله عليه وسلم: نهاكم أن تأكلوا من نسككم فوق ثلاث.
وقال فيه سعيد الزبيري ومكي جميعا عن مالك بإسناده عن أبي عبيد أنه شهد العيد مع علي بن أبي طالب وعثمان محصور فصلى قبل أن يخطب ثم خطب فقال أيها الناس إن رسول الله صلى الله عليه وسلم: نهاكم أن تمسكوا لحم نسككم فوق ثلاث فلا يصبحن في بيت أحد منكم لحم بعد ثلاث وزاد في حديث هذا الباب معمر عن ابن شهاب عن أبي عبيد بلا أذان ولا إقامة.

(10/240)


ذكر عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن أبي عبيد مولى عبد الرحمان بن عوف أنه شهد العيد مع عمر بن الخطاب فصلى قبل أن يخطب بلا أذان ولا إقامة ثم خطب الناس فقال يا أيها الناس إن رسول الله صلى الله عليه وسلم: نهى عن صيام هذين اليومين، أما أحدهما فيوم فطركم من صيامكم وعيدكم وأما الآخر فيوم تأكلون فيه من نسككم قال ثم شهدت مع عثمان بن عفان وكان ذلك يوم الجمعة فصلى قبل أن يخطب بلا أذان ولا إقامة ثم خطب الناس فقال يا أيها الناس هذا يوم اجتمع لكم فيه عيدان فمن كان منكم من أهل العوالي فقد أذنا له فليرجع ومن شاء فليشهد الصلاة قال ثم شهدت مع علي فصلى قبل أن يخطب بلا أذان ولا إقامة ثم خطب فقال يا أيها الناس إن رسول الله

(10/241)


صلى الله عليه وسلم: نهى عن أن تأكلوا من نسككم بعد ثلاث فلا تأكلوها بعد .
قال أبو عمر أظن مالكا رحمه الله إنما قصر في موطئه عن ذكر النهي عن الأكل من النسك بعد ثلاث في حديث علي هذا من رواية معمر هذه والله أعلم لأن ذلك عنده منسوخ وحديث علي به في ذلك الوقت حين سمعه أبو عبيد عمل والعمل بالمنسوخ لا يجوز فلذلك أنكره وترك ذكره من هذا الوجه وقد ذكرنا هذا المعنى وذكرنا النسخ بإسناد واحد وأسانيد مختلفة ومضى القول في ذلك في باب ربيعة بن أبي عبد الرحمان من كتابنا هذا.
وأما تقصير مالك في ذكر الأذان والإقامة من حديث ابن شهاب هذا فلا أدري ما وجهه ولم يختلف قوله قط في أن لا أذان في العيدين ولا إقامة وذكر في موطئه أنه سمع غير،

(10/242)


واحد من علمائهم يقولون لم يكن في الفطر ولا الأضحى نداء ولا إقامة منذ زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليوم قال مالك وتلك السنة التي لا اختلاف فيها عندنا.
قال أبو عمر روي من وجوه شتى صحاح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لم يكن يؤذن له ولا يقام في العيدين من حديث جابر بن عبد الله وجابر بن سمرة وعبد الله بن عباس وابن عمر وسعد وهي كلها ثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى العيد بغير أذان ولا إقامة وهو أمر لا خلاف فيه بين علماء المسلمين وفقهاء الأمصار وجماعة أهل الفقه والحديث لأنها نافلة فريضة وإنما أحدث فيهما الأذان بنو أمية واختلف في أول من فعل ذلك منهم فذكر ابن أبي شيبة قال حدثنا وكيع قال حدثنا هشام الدستوائي عن قتادة عن سعيد بن المسيب قال أول من أحدث الأذان في

(10/243)


العيدين معاوية قال وحدثنا وكيع قال حدثنا أبي عن عاصم بن سليمان عن أبي قلابة قال أول من أحدث للعيد الأذان في العيدين ابن الزبير قال وحدثنا عبد الله بن إدريس عن حصين قال أول من أخرج المنبر في العيدين بشر بن مروان وأول من أذن في العيدين زياد. قال وحدثنا حسين عن زائدة عن عبد الملك بن عمير قال أول من اتخذ العودين وخطب جالسا وأذن في العيدين قدامه زياد قال وحدثنا إسحاق بن منصور قال حدثنا أبو كدينة عن أبي إسحاق عن يحيى بن وثاب قال أول من جلس على المنبر في العيدين وأذن فيهما زياد الذي يقال له ابن أبي سفيان.

(10/244)


وذكر عبد الرزاق قال حدثنا ابن جريج قال أخبرني عطاء عن ابن عباس قال أرسل إلي ابن الزبير أول ما بويع له فقلت إنه لم يكن يؤذن للصلاة يوم الفطر فلا تؤذن لها قال فلم يؤذن لها ابن الزبير وأرسل إليه مع ذلك إنما الخطبة بعد الصلاة وأن ذلك قد كان يفعل قال فصلى ابن الزبير يومئذ قبل الخطبة فسأله ابن صفوان وأصحابه فقالوا هلا أذنتنا وفاتتهم الصلاة يومئذ فلما ساء الذي بينه وبين ابن عباس لم يعد ابن الزبير لأمر ابن عباس.
قال أبو عمر القول في تقديم الخطبة قبل الصلاة في العيدين يأتي في هذا الباب بعد تمام القول في الأذان والإقامة فيهما بعون الله إن شاء الله.

(10/245)


وقد جاء عن ابن سيرين في أول من أحدث الأذان في العيدين خلاف ما تقدم.
ذكر ابن أبي شيبة قال حدثنا عبد الوهاب بن عطاء عن ابن عون عن محمد قال أول من أحدث الأذان في الفطر والأضحى بنو مروان فهذا ما روي في أول من أذن في العيدين وأقام وذلك أربعة أقوال أحدها معاوية والثاني ابن الزبير والثالث زياد والرابع بنو مروان. قال أبو عمر القول قول من قال إن معاوية أول من أذن له في العيدين على ما قال سعيد بن المسيب وقول من قال زياد أول من فعل ذلك مثله أيضا لأن زيادا عامله وأما من قال ابن الزبير وبنو مروان فقد قصروا عما علمه غيرهم ومن لم يعلم فليس بحجة على من علم وبالله التوفيق.

(10/246)


وأما الأذان الأول يوم الجمعة فلا أعلم خلافا أن عثمان أول من فعل ذلك وأمر به ذكر ابن أبي شيبة قال حدثنا هشيم عن أشعث عن الزهري قال أول من أحدث الأذان يوم الجمعة عثمان ليؤذن أهل الأسواق قال وحدثنا إسماعيل بن علية عن برد عن الزهري قال كان الأذان ثم خروج الإمام فأحدث أمير المؤمنين عثمان التأذينة الثانية على الزوراء ليجتمع الناس قال وحدثنا ابن المبارك عن معمر عن الزهري قال أرى أن يترك البيع ثم الأذان الأول الذي أحدثه عثمان.
حدثنا عبد الله بن محمد حدثنا محمد بن أبي بكر حدثنا أبو داود حدثنا محمد بن سلمة المرادي حدثنا يونس عن ابن

(10/247)


شهاب قال أخبرني السائب بن يزيد أن الأذان كان أوله حين يجلس الإمام على المنبر يوم الجمعة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر فلما كان خلافة عثمان وكثر الناس يوم الجمعة أمر عثمان بالأذان الثالث فأذن به على الزوراء فثبت الأمر على ذلك. قال أبو عمر في رواية يونس عن الزهري إن الذي أحدثه عثمان هو الأذان الثالث وكذلك رواه مالك عن ابن شهاب عن السائب بن يزيد وقد تقدم من رواية برد عن الزهري أنها التأذينة الثانية وقال معمر عن الزهري الأذان الأول الذي أحدثه عثمان وهذا اضطراب شديد إلا أن يحمل على وجه من التأويل.

(10/248)


وذكر إسماعيل بن إسحاق عن أبي ثابت عن ابن وهب عن مالك عن ابن شهاب عن السائب بن يزيد أن عثمان زاد النداء الثالث يوم الجمعة على الزوراء ليسمع الناس وقال ابن إسحاق في هذا الحديث عن الزهري عن السائب بن يزيد قال كان يؤذن بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جلس على المنبر يوم الجمعة وعلى باب المسجد وأبي بكر وعمر ذكره أبو داود عن النفيلي عن محمد بن سلمة عن ابن إسحاق ثم ساق نحو حديث يونس الذي تقدم.
وفي حديث ابن إسحاق هذا مع حديث مالك ويونس ما يدل على أن الأذان كان بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم الأذان الأول والثاني ثم باب المسجد والثالث أحدثه عثمان على الزوراء والله أعلم لأن الاضطراب في ذلك

(10/249)


كثير عن ابن شهاب وقد روى صالح بن كيسان ومحمد بن إسحاق عن ابن شهاب عن السائب بن يزيد أنه قال لم يكن لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلا مؤذن واحد وهذا يصحح رواية برد عن الزهري أن عثمان أحدث التأذينة الثانية وفي كيفية أول الأذان في الجمعة عندي نظر والله أعلم.
وأما الأحاديث المرفوعة في أذان العيد فأخبرنا محمد بن إبراهيم بن سعد قال حدثنا محمد بن معاوية بن عبد الرحمن قال حدثنا أحمد بن شعيب قال حدثنا قتيبة بن سعيد "ح". وحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا بكر بن حماد قال حدثنا مسدد قال أخبرنا أبو عوانة عن عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء عن جابر بن عبد الله قال صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم عيد قبل الخطبة بغير أذان ولا إقامة.
وحدثنا أحمد بن قاسم بن عبد الرحمن قال حدثنا قاسم بن أصبغ،

(10/250)


قال حدثنا الحارث بن أبي أسامة قال حدثنا يزيد بن هارون قال أخبرنا عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء عن جابر بن عبد الله أنه شهد الصلاة مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم العيد فبدأ بالصلاة قبل الخطبة بلا أذان ولا إقامة.
وحدثنا عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا عثمان بن أبي شيبة قال حدثنا أبو الأحوص عن سماك بن حرب عن جابر بن سمرة قال صليت مع رسول الله ص مرة ولا مرتين العيد بغير أذان ولا إقامة.
وحدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا مسدد قال حدثنا يحيى عن ابن جريج عن الحسن بن مسلم عن طاووس عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى العيد بلا أذان ولا إقامة وأبو بكر وعمر وعثمان شك يحيى في عثمان.

(10/251)


وحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن عبد السلام قال حدثنا محمد بن المثنى قال حدثنا مؤمل قال حدثنا سفيان عن ابن جريج عن الحسن بن مسلم عن طاووس عن ابن عباس قال صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: يوم العيد ثم خطب وصلى أبوبكر ثم خطب وصلى عمر ثم خطب وصلى عثمان ثم خطب بغير أذان ولا إقامة.
حدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي قال حدثنا مسدد قال حدثنا حصين بن نمير قال حدثنا الفضل بن عطية قال حدثنا سالم بن عبد الله عن أبيه قال خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم عيد فبدأ فصلى بغير أذان ولا إقامة ثم خطب قال وحدثني عطاء عن جابر بن عبد الله بمثل ذلك.
وحدثنا سعيد قال حدثنا قاسم قال حدثنا ابن وضاح قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا وكيع عن سفيان عن عبد الرحمان بن عابس عن ابن عباس "ح".

(10/252)


وحدثنا عبد الله بن محمد واللفظ لحديثه قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود حدثنا محمد بن كثير حدثنا سفيان عن عبد الرحمن بن عابس قال سأل رجل ابن عباس أشهدت العيد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قال نعم ولولا منزلتي منه ما شهدته من الصغر فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم العلم الذي كان ثم دار كثير بن الصلت فصلى ثم خطب ولم يذكر أذانا ولا إقامة ثم أمر بالصدقة وذكر الحديث.
وذكر عبد الرزاق عن ابن جريج قال أخبرني عطاء عن ابن عباس وجابر بن عبد الله قالا لم يكن يؤذن يوم الفطر ويوم الأضحى.

(10/253)


قال أبو عمر وأما تقديم الصلاة قبل الخطبة في العيدين فعلى ذلك جماعة أهل العلم ولا خلاف في ذلك بين فقهاء الأمصار من أهل الرأي والحديث وهو الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه والتابعين وعلى ذلك علماء المسلمين إلا ما كان من بني أمية في ذلك أيضا.
وقد اختلف في أول من جعل الخطبة قبل الصلاة منهم فقيل عثمان وقيل معاوية وقيل مروان فالله أعلم ومن قال مروان فإنما أراد بالمدينة وهو أمير عليها لمعاوية ولم يكن مروان ليحدث ذلك إلا عن أمر من معاوية ومن قال عثمان احتج بما حدثناه عبد الوارث حدثنا قاسم حدثنا الخشني حدثنا ابن أبي عمر حدثنا سفيان عن يحيى بن سعيد عن يوسف بن عبد الله بن سلام قال كانت الصلاة يوم العيد قبل الخطبة،

(10/254)


فلما كان عثمان بن عفان كثر الناس قدم الخطبة قبل الصلاة أراد بذلك أن لا يفترق الناس وأن يجتمعوا.
وفي حديث مالك المذكور في هذا الباب عن ابن شهاب عن أبي عبيد مولى ابن أزهر أنه شهد العيد مع عثمان فصلى ثم انصرف فخطب وما أظن مالكا ذكر ذلك والله أعلم إلا إنكارا لقول من قال إن عثمان أول من جعل الخطبة في العيدين قبل الصلاة وما ذكره مالك فليس فيه نفي لرواية يحيى بن سعيد عن يوسف بن عبد الله بن سلام لأن عثمان قصر الصلاة في سفر سنين ثم أتمها بعد وكذلك قدم الصلاة في العيدين سنين ثم قدم الخطبة فحكى كل ما علم ورأى.
والحديثان صحيحان وهو من حديث أهل المدينة ذكره عبد الرزاق وغيره عن ابن عيينة عن يحيى بن سعيد عن يوسف بن عبد الله بن سلام قال أول من بدأ بالخطبة قبل الصلاة يوم الفطر عثمان بن عفان.

(10/255)


قال أبو عمر وهم ابن جريج في هذا الحديث فرواه عن يحيى بن سعيد قال أخبرني يوسف بن عبد الله بن سلام قال أول من بدأ بالخطبة قبل الصلاة يوم الفطر عمر بن الخطاب وهذا خطأ بين لم تختلف الآثار عن أبي بكر وعمر أنهما صليا في العيدين قبل الخطبة على ما كان يصنع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصحيح أيضا عن عثمان لأن ابن شهاب حكى ذلك عن أبي عبيد مولى ابن أزهر أنه صلى مع عمر وعثمان وعلي العيدين فكلهم صلى قبل الخطبة وليس في هذا الباب عنهم أصح من هذا الإسناد.
وأما حديث يوسف بن عبد الله بن سلام فخطب لا يثبت.
ذكر عبد الرزاق قال أخبرنا ابن جريج قال قلت لعطاء أتدري أول من خطب يوم الفطر ثم صلى قال لا أدري أدركت الناس على ذلك قال وأخبرنا ابن جريج قال: قال ابن شهاب أول من بدأ بالخطبة قبل الصلاة معاوية.

(10/256)


قال وأخبرنا معمر قال بلغني أن أول من خطب ثم صلى معاوية قال وقد بلغني ايضا أن عثمان فعل ذلك كان لا يدرك عامتهم الصلاة فبدأ بالخطبة حتى يجتمع الناس.
قال أبو عمر لا يصح عن عثمان والله أعلم وهذه أحاديث مقطوعة لا يحتج بمثلها وليس فيه حديث يحتج به إلا حديث ابن شهاب عن أبي عبيد أنه صلى مع عمر وعثمان وعلي فكلهم صلى ثم خطب في العيدين هذا هو الصحيح عنهم.
وأما الاختلاف الذي يمكن ففي معاوية وابن الزبير ومروان فهو عندي مثل قول من قال معاوية لأنه كان عاملا لمعاوية بالمدينة فكأنه قال أول من فعلها بالمدينة مروان وفي الخبر الذي قدمنا من رواية ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس إذ أرسل إليه ابن الزبير ما يدل على أن ابن الزبير كان يصلي في العيدين بعد الخطبة وفي ذلك رد لقول طارق بن

(10/257)


شهاب وقول طارق بن شهاب ذكره عبد الرزاق عن الثوري عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب قال أول من قدم الخطبة قبل الصلاة يوم العيد مروان فقام إليه رجل فقال يا مروان خالفت السنة فقال مروان يا فلان ترك ما هنالك فقال أبو سعيد أما هذا فقد قضى الذي عليه سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من رأى منكم منكرا فاستطاع تغييره بيده فليفعل فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان".
قال أبو عمر قول مروان ترك ما هنالك يدل على أنه قد تقدمه من تركه والله أعلم. وحدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا محمد بن العلاء قال حدثنا

(10/258)


أبو معاوية قال حدثنا الأعمش عن إسماعيل بن رجاء عن أبيه عن أبي سعيد الخدري وعن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب عن أبي سعيد الخدري قال أخرج مروان المنبر في يوم عيد فبدأ بالخطبة قبل الصلاة فقام رجل فقال يا مروان خالفت السنة أخرجت المنبر في يوم العيد ولم يكن يخرج فيه وبدأت الخطبة قبل الصلاة.
فقال أبو سعيد من هذا فقالوا فلان بن فلان فقال أما هذا فقد قضى ما عليه سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من رأى منكم منكرا فاستطاع أن يغيره فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان".
وحدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا ابن وضاح قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال:

(10/259)


حدثنا ابن نمير عن الأعمش عن إسماعيل بن رجاء عن أبيه قال أخرج مروان المنبر وبدأ بالخطبة قبل الصلاة فقام رجل فقال يا مروان خالفت السنة أخرجت المنبر ولم يكن يخرج وبدأت بالخطبة قبل الصلاة فقال أبو سعيد من هذا فذكر الحديث مثله حرفا بحرف إلى آخره.
وحدثنا سعيد قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا وكيع عن سفيان عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب قال إن أول من بدأ بالخطبة يوم العيد قبل الصلاة مروان فقام إليه رجل فقال الصلاة قبل الخطبة فقال ترك ما هنالك فقال أبو سعيد أما هذا فقد قضى ما عليه سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان".

(10/260)


وذكر عبد الرزاق أخبرنا داود بن قيس قال حدثني عياض بن عبد الله بن أبي سرح أنه سمع أبا سعيد الخدري يقول خرجت مع مروان في يوم عيد فطر أو أضحى وهو بيني وبين ابن مسعود حتى أفضينا إلى المصلى فإذا كثير بن الصلت سنان قد بنى لمروان منبرا من لبن وطين فعدل مروان إلى المنبر حتى حاذاه فجذبته ليبدأ بالصلاة فقال يا أبا سعيد ترك ما تعلم فقلت كلا ورب المشارق والمغارب ثلاث مرات لا تؤتون بخبر مما أعلم قال ثم بدأ بالخطبة.
قال أبو عمر قول مروان ترك ما هنالك وترك ما تعلم يدل على أن تركه قد كان تقدم وأولى ما قيل به في هذا الباب أن أول من قدم الخطبة قبل الصلاة في العيدين معاوية وهو قول ابن شهاب وغيره.

(10/261)


حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا مطلب بن شعيب قال أخبرنا عبد الله بن صالح قال حدثني الليث قال حدثني هشام بن سعيد عن عياض بن عبد الله بن سعيد أنه حدثه أنه سمع أبا سعيد الخدري يقول خرجت مع مروان يوما إلى المصلى ويد مروان في يدي فأراد أن يرقى المنبر قبل أن يصلي فجذبت بيده فقلت صلاة العيد قبل الخطبة فقال مروان هذا أمر قد ترك يا أبا سعيد أما لو فعلنا ما تقول ذهب الناس وتركونا وقد ترك ما تعلم فقلت إذا لا تجدون خبرا مما أعلم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يبدأ بالصلاة في هذا اليوم فإذا فرغوا من الصلاة قام فوعظ الناس وأمرهم ببعث إن كان أو أمر ثم انصرف.

(10/262)


قال أبو عمر ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى في العيدين قبل الخطبة من حديث جابر وابن عباس وابن عمر والبراء وهاتان المسألتان ليس ثم مالك فيهما حديث مسند مسألة الأذان في صلاة العيدين ومسألة تقديم الصلاة قبل الخطبة في ذلك وقد عد ذلك عليه أبو بكر البزار فيما ذكر له من السنن التي ليست عنده رحمه الله.
حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن قال حدثنا محمد بن بكر بن داسة قال حدثنا أبو داود قال حدثنا أحمد بن حنبل قال حدثنا عبد الرزاق ومحمد بن بكر قالا حدثنا ابن جريج قال أخبرني عطاء عن جابر بن عبد الله قال سمعته يقول إن النبي صلى الله عليه وسلم قام يوم الفطر فصلى فبدأ بالصلاة قبل الخطبة ثم خطب الناس وذكر الحديث.

(10/263)


حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا بكر بن حماد قال حدثنا مسدد قال حدثنا عبد الرزاق عن أيوب عن عطاء عن ابن عباس قال أشهد على رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه صلى قبل أن يخطب ثم خطب.
وهكذا رواه شعبة وحماد بن زيد عن أيوب عن عطاء عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في العيدين قبل الخطبة.
ورواه معمر عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس قال شهدت النبي صلى الله عليه وسلم صلى يوم العيد ثم خطب فجعل موضع عطاء عكرمة.
حدثنا محمد بن إبراهيم قال حدثنا محمد بن معاوية قال حدثنا أحمد بن شعيب قال أخبرنا إسحاق بن إبراهيم قال حدثنا عبدة بن سليمان قال حدثنا عبيد الله بن عمر،

(10/264)


عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر كانوا يصلون في العيدين قبل الخطبة.
حدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا عبد الله بن روح قال حدثنا يزيد بن هارون قال حدثنا داود بن أبي هند عن الشعبي عن البراء بن عازب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب يوم العيد بعد الصلاة.
وحدثنا محمد بن إبراهيم قال حدثنا محمد بن معاوية قال حدثنا أحمد بن شعيب قال حدثنا قتيبة بن سعيد قال حدثنا أبو الأحوص عن منصور عن الشعبي عن البراء قال خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم النحر بعد الصلاة.
وذكر عبد الرزاق أخبرنا معمر عن هشام عن عروة عن وهب بن كيسان عن رجل قال شهدت مع أبي بكر يوم

(10/265)


عيد فبدأ بالصلاة قبل الخطبة بلا أذان ولا إقامة ثم شهدته مع عمر بن الخطاب فبدأ بالصلاة قبل الخطبة بلا أذان ولا إقامة.
فهذا ما صح عندنا في الأذان للعيدين وفي موضع الخطبة فيهما وأما التكبير فيهما فسيأتي ذكره في آخر باب نافع وأما القراءة فيهما فسيأتي ذكرها أيضا في باب ضمرة بن سعيد وأما الاغتسال لهما فليس فيه شيء ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من جهة النقل وهو مستحب ثم جماعة من أهل العلم قياسا على غسل الجمعة.
وأما قول عمر في حديثنا في هذا الباب في خطبته إن هذين يومان نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيامهما يوم فطركم من صيامكم والآخر يوم تأكلون فيه من نسككم فلا خلاف بين العلماء في صحة هذا الحديث،

(10/266)


واستعماله وكلهم مجمع على أن صيام يوم الفطر ويوم الأضحى لا يجوز بوجه من الوجوه لا للمتطوع ولا لنادر صومه ولا أن يقضي فيهما رمضان لأن ذلك معصية وقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا نذر في معصية" وإنما اختلف الفقهاء في صيام أيام التشريق للمتمتع والنادر صومها وقضاء رمضان فيها والتطوع بآخر يوم منها وسنذكر ذلك كله في كتابنا هذا إن شاء الله.
وفيه دليل على الأكل من الضحايا وسائر النسك وإن كان في قول الله عز وجل: {فكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ} ما يغني عن قول كل قائل إلا اني أقول الأكل من الهدي بالقرآن ومن الضحية بالسنة. وأما إذن عثمان لأهل العوالي وقوله قد اجتمع لكم في يومكم هذا عيدان يعني الجمعة والعيد.

(10/267)


قال فمن أحب من أهل العالية أن ينتظر الجمعة فلينتظرها ومن أحب أن يرجع فقد أذنت له فقد اختلف العلماء في تأويل قول عثمان هذا واختلف الآثار في ذلك أيضا عن النبي صلى الله عليه وسلم واختلف العلماء في تأويلها والأخذ بها فذهب عطاء بن أبي رباح إلى أن شهود العيد يوم الجمعة يجزئ عن الجمعة إذا صلى بعدها ركعتين على طريق الجمع. وروي عنه أيضا أنه يجزيه وإن لم صلاة العيد ولا صلاة بعد صلاة العيد حتى العصر وحكي ذلك عن ابن الزبير وهذا القول مهجور لأن الله عز وجل افترض صلاة الجمعة في يوم الجمعة على كل من في الأمصار من البالغين الذكور الأحرار فمن لم يكن ففرضه الظهر في وقتها فرضا مطلقا لم يختص به يوم عيد من غيره وقول عطاء هذا ذكره عبد الرزاق عن ابن جريج قال: قال عطاء

(10/268)


ابن أبي رباح إن اجتمع يوم الجمعة ويوم الفطر في يوم واحد فليجمعهما وليصلهما ركعتين فقط حين يصلي صلاة الفطر ثم هي هي حتى العصر ثم أخبرنا ثم ذلك قال اجتمعا يوم فطر ويوم جمعة في يوم واحد في زمن ابن الزبير فقال ابن الزبير عيدان اجتمعا في يوم واحد فجمعهما جميعا جعلهما واحدا فصلى يوم الجمعة ركعتين بكرة صلاة الفطر لم يزد عليهما حتى صلى العصر قال فأما الفقهاء فلم يقولوا في ذلك وأما من لم يفقه فأنكر ذلك عليه قال ولقد أنكرت أنا ذلك عليه وصليت الظهر يومئذ قال حتى بلغنا بعد أن العيدين كانا إذا اجتمعا صليا كذلك واحدا.
وذكر عن محمد بن علي بن الحسين أنه أخبرهم أنهما كانا يجمعان إذا اجتمعا ورأى أنه وجده في كتاب لعلي زعم.
قال وأخبرني ابن جريج قال أخبرني أبو الزبير في جمع ابن

(10/269)


الزبير بينهما يوم جمع بينهما قال سمعنا في ذلك أن ابن عباس قال أصاب عيدان اجتمعا في يوم واحد.
قال أبو عمر ليس في حديث ابن الزبير بيان أنه صلى مع صلاة العيد ركعتين للجمعة ونصف الأمرين كان فإن ذلك أمر متروك مهجور وإن كان لم يصل مع صلاة العيد غيرها حتى العصر فإن الأصول كلها تشهد بفساد هذا القول لأن الفرضين إذا اجتمعا في فرض واحد لم يسقط أحدهما وصله فكيف أن يسقط فرض لسنة عملا في يومه هذا ما لا يشك في فساده ذو فهم وإن كان صلى مع صلاة الفطر ركعتين للجمعة فقد صلى الجمعة وقتها ثم أكثر الناس إلا أن هذا موضع قد اختلف فيه السلف:
فذهب قوم إلى أن وقت الجمعة صدر النهار وأنها صلاة عيد وقد مضى القول في ذلك في باب ابن شهاب عن عروة وذهب الجمهور إلى أن وقت الجمعة وقت الظهر وعلى هذا فقهاء الأمصار وأما القول الأول إن الجمعة تسقط بالعيد ولا

(10/270)


تصلى ظهرا ولا جمعة فقول بين الفساد وظاهر الخطأ متروك مهجور لا يعرج عليه لأن الله يقول {إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ} ولم يخص يوم عيد من غيره.
وأما الآثار المرفوعة في ذلك فليس فيها بيان سقوط الجمعة والظهر ولكن فيها الرخصة في التخلف عن شهود الجمعة وهذا محمول ثم أهل العلم على وجهين أحدهما أن تسقط الجمعة عن أهل المصر وغيرهم ويصلون ظهرا والآخر أن الرخصة إنما وردت في ذلك لأهل البادية ومن لا تجب عليه الجمعة وسنذكر اختلاف الناس في ذلك وفيمن تجب عليه الجمعة في هذا الباب إن شاء الله تعالى.
حدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا محمد بن المصفى وعمر بن حفص الرصافي قالا حدثنا بقية قال حدثنا شعبة "ح".

(10/271)


وحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن وضاح قال حدثنا ابن المصفى قال حدثنا بقية قال حدثنا شعبة قال حدثني المغيرة البصري عن عبد العزيز بن رفيع عن أبي صالح عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أنه قال: قد اجتمع في يومكم هذا عيدان فمن شاء أجزأته الجمعة وإنا مجمعون إن شاء الله".
قال أبو عمر احتج من ذهب مذهب عطاء في هذه المسألة بهذا الحديث لما فيه من قوله صلى الله عليه وسلم إن شئتم أجزأكم فمن شاء أجزأته وهذا الحديث لم يروه فيما علمت عن شعبة أحد من ثقات أصحابه الحفاظ وإنما رواه عنه بقية بن الوليد وليس بشيء في شعبة أصلا وروايته عن أهل بلده أهل الشام فيها كلام وأكثر أهل العلم يضعفون بقية عن الشاميين وغيرهم وله مناكير وهو ضعيف ليس ممن يحتج به.

(10/272)


وقد رواه الثوري عن عبد العزيز بن رفيع عن أبي صالح مرسلا قال اجتمع عيدان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "إنا مجمعون فمن شاء منكم أن يجمع فليجمع ومن شاء أن يرجع فليرجع" فاقتصر في هذا الحديث على ذكر إباحة الرجوع ولم يذكر الإجزاء.
ورواه زياد البكائي عن عبد العزيز بن رفيع بمعنى حديث الثوري إلا أنه أسنده حدثني عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا إبراهيم بن إسحاق النيسابوري قال حدثنا إبراهيم بن دينار قال حدثنا زياد بن عبد الله بن الطفيل البكائي قال حدثنا عبد العزيز بن رفيع عن أبي صالح عن أبي هريرة قال اجتمعنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في يوم عيد ويوم جمعة فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في العيد "هذا يوم قد اجتمع لكم فيه عيدان عيدكم هذا والجمعة وإني مجمع إذا رجعت فمن أحب منكم أن يشهد الجمعة فليشهدها" قال فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع بالناس.

(10/273)


فقد بان في هذه الرواية ورواية الثوري لهذا الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع ذلك اليوم بالناس وفي ذلك دليل على أن فرض الجمعة والظهر لازم وأنها غير ساقطة وأن الرخصة إنما أريد بها من لم تجب عليه الجمعة ممن شهد العيد من أهل البوادي والله أعلم وهذا تأويل تعضده الأصول وتقوم عليه الدلائل ومن خالفه فلا دليل معه ولا حجة له.
فإن احتج محتج بما حدثناه عبد الوارث قال حدثنا قاسم قال حدثنا أبو قلابة قال حدثنا عبد الله بن حمران قال حدثنا عبد الحميد بن جعفر قال أخبرني أبي عن وهب بن كيسان قال اجتمع عيدان على عهد ابن الزبير فصلى العيد ولم يخرج إلى الجمعة قال فذكرت ذلك لابن عباس فقال ما أماط عن سنة نبيه فذكرت ذلك لابن الزبير فقال هكذا صنع بنا عمر قيل له هذا حديث اضطرب في إسناده فرواه يحيى القطان قال حدثنا عبد الحميد بن جعفر قال أخبرني،

(10/274)


وهب بن كيسان قال اجتمع على عهد ابن الزبير عيدان فأخر الخروج حتى تعالى النهار ثم خرج فخطب فأطال الخطبة ثم نزل فصلى ركعتين ولم يصل للناس يومئذ الجمعة فذكر ذلك لابن عباس فقال أصاب السنة.
ذكره أحمد بن شعيب النسوي عن سوار عن القطان عن عبد الحميد بن جعفر لم يقل عن أبيه عن وهب بن كيسان وذكر أن ذلك حين تعالى النهار وأنه أطال الخطبة وقد يحتمل أن يكون صلى تلك الصلاة في أول الزوال وسقطت صلاة العيد واستجزى بما صلى في ذلك الوقت وفي رواية الأعمش عن عطاء عن ابن الزبير أن الناس جمعوا في ذلك اليوم ولم يخرج إليهم ابن الزبير وكان ابن عباس بالطائف فلما قدم ذكرنا له ذلك فقال:

(10/275)


أصاب السنة وهذا يحتمل أن يكون صلى الظهر ابن الزبير في بيته وأن الرخصة وردت في ترك الاجتماعين لما في ذلك من المشقة لا أن الظهر تسقط.
وأما حديث إسرائيل عن عثمان بن المغيرة الثقفي عن إياس بن أبي رملة الشامي قال شهدت معاوية بن أبي سفيان يسأل زيد بن أرقم هل شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عيدين اجتمعا في يوم قال نعم قال فكيف صنع قال صلى العيد ثم رخص في الجمعة فقال من شاء أن يصلي فليصل.
وهذا الحديث لم يذكره البخاري وذكره أبو داود عن محمد بن كثير عن إسرائيل وذكره النسائي عن عمرو بن علي،

(10/276)


عن ابن مهدي عن إسرائيل وليس فيه دليل على سقوط الجمعة وإنما فيه دليل أنه رخص في شهودها وأحسن ما يتأول في ذلك أن الأذان رخص به من لم تجب الجمعة عليه ممن شهد ذلك العيد والله أعلم.
وإذا احتملت هذه الآثار من التأويل ما ذكرنا لم يجز لمسلم أن يذهب إلى سقوط فرض الجمعة عمن وجبت عليه لأن الله عز وجل يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} ولم يخص الله ورسوله يوم عيد من غيره من وجه تجب حجته فكيف بمن ذهب إلى سقوط الجمعة والظهر المجتمع عليهما في الكتاب والسنة والإجماع بأحاديث ليس منها حديث إلا وفيه مطعن لأهل العلم بالحديث.

(10/277)


ولم يخرج البخاري ولا مسلم بن الحجاج منها حديثا واحدا وحسبك بذلك ضعفا لها وسنذكر الآثار في فرض الجمعة في باب صفوان بن سليم من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى وإن كان الإجماع في فرضها يغني عما سواه والحمد لله.
وأما اختلاف العلماء فيمن تجب عليه الجمعة من الأحرار البالغين الذكور غير المسافرين فقال ابن عمر وأبو هريرة وأنس والحسن البصري ونافع مولى ابن عمر تجب الجمعة على كل من كان بالمصر وخارجا عنه ممن إذا شهد الجمعة أمكنه الانصراف إلى أهله فآواه الليل إلى أهله وبهذا قال الحكم بن عتيبة وعطاء بن أبي رباح والأوزاعي وأبو ثور وقال ربيعة ومحمد بن المنكدر إنما تجب على من كان على أربعة أميال.

(10/278)


وذكر عبد الرزاق عن محمد بن راشد قال أخبرني عبدة بن أبي لبابة أن معاذ بن جبل كان يقول على منبره يا أهل فردا ويا أهل دامرة قريتين من قرى دمشق إحداهما على أربعة فراسخ والأخرى على خمسة إن الجمعة لزمتكم وأنه لا جمعة إلا معنا.
وقد روي عن معاوية أنه كان يأمر من بينه وبين دمشق أربعة وعشرون ميلا بشهود الجمعة.
وذكر معمر عن هشام بن عروة عن عائشة بنت سعد بن أبي وقاص قالت كان أبي من المدينة على ستة أميال أو ثمانية فكان ربما شهد الجمعة بالمدينة وربما لم يشهدها.

(10/279)


وقال الزهري ينزل إليها من ستة أميال وروي عن ربيعة أيضا أنه قال إنما تجب الجمعة على من إذا سمع النداء وخرج من بيته أدرك الصلاة.
وقال مالك والليث تجب الجمعة على كل من كان على ثلاثة أميال.
وقال الشافعي تجب الجمعة على كل من كان بالمصر وكذلك كل من سمع النداء ممن يسكن خارج المصر وهو قول داود.
وقال أبو حنيفة الجمعة على كل من كان بالمصر وليس على من كان خارج المصر جمعة سمع النداء أو لم يسمع.

(10/280)


وقال أحمد بن حنبل وإسحاق لا تجب الجمعة إلا على من سمع النداء كان بالمصر أو خارجا عنه يريد أن الموضع الذي يسمع منه ومن مثله النداء.
وروي مثل ذلك عن عبد الله بن عمرو بن العاص وسعيد بن المسيب وقد كان الشافعي يقول لا يتبين عندي أن يخرج بترك الجمعة إلا من يسمع النداء قال ويشبه أن يخرج أهل المصر وإن عظم بترك الجمعة.
قال أبو عمر يشبه أن يكون مذهب مالك وأصحابه والليث في مراعاة الثلاثة أميال لأن الصوت الندي في الليل عند هدوء الأصوات يمكن أن يسمع من ثلاثة أميال والله

(10/281)


أعلم فلا يكون مذهب مالك في هذا التأويل مخالفا لمن قال لا تجب الجمعة إلا على من سمع النداء وهو قول أكثر فقهاء الأمصار وقد ذكر ابن عبدوس في المجموعة عن علي بن زياد عن مالك قال عزيمة الجمعة على من كان بموضع يسمع منه النداء وذلك من ثلاثة أميال ومن كان أبعد فهو في سعة إلا أن يرغب في شهودها فهو أحسن فهذه رواية مفسرة وعلى هذا قال مالك فيما روى عنه ابن القاسم وغيره أن ليس العمل على ما صنع عثمان في إذنه لأهل العوالي لأن الجمعة كانت عنده واجبة على أهل العوالي لأن العوالي من المدينة على ثلاثة أميال ونحوها وذهب غير مالك إلى أن إذن عثمان لأهل

(10/282)


العوالي إنما كان أن الجمعة لم تكن واجبة على أهل العوالي عنده لأن الجمعة إنما تجب على أهل المصر عنده هذا قول الكوفيين سفيان وأبي حنيفة وقد ذكرنا أقوالهم فأغنى عن إعادتها.
وأما اختلاف العلماء في وجوب الجمعة على أهل العمود والقرى الكبار والصغار وفي عدد رجال الموضع الذي تجب فيه الجمعة فسنذكره في غير هذا الموضع إن شاء الله تعالى. ومن حجة مالك في مراعاة الثلاثة أميال ما حدثناه عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن عبد السلام قال حدثنا محمد بن بشار قال حدثنا معدي بن سليمان قال حدثنا ابن عجلان عن أبيه عن أبي هريرة،

(10/283)


قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "على أحدكم أن يتخذ الصبة من الغنم فينزل بها على رأس ميلين أو ثلاثة من المدينة فتأتي الجمعة فلا يجمع فيطبع على قلبه".
ومن حجة من شرط سماع النداء ما حدثناه عبد الوارث أيضا قال حدثنا قاسم قال حدثنا الخشني قال حدثنا محمد بن المثنى قال حدثنا عبد الرحمن عن سفيان عن محمد بن معبد عن عبد الله بن هارون أنه سمع عبد الله بن عمرو يقول الجمعة على من سمع النداء.
وذكر عبد الرزاق عن داود بن قيس قال سئل عمرو بن شعيب وأنا أسمع من أين تؤتى الجمعة فقال من مدى الصوت.

(10/284)


قال أبو عمر ما يحضرني من الاحتجاج على من ذهب مذهب عطاء وابن الزبير على ما تقدم ذكرنا له إجماع المسلمين قديما وحديثا أن من لا تجب عليه الجمعة ولا النزول إليها لبعد موضعه عن موضع إقامتها على حسب ما ذكرنا من اختلافهم في ذلك كله مجمع أن الظهر واجبة لازمة على من كان هذه حاله وعطاء وابن الزبير موافقان للجماعة في غير يوم عيد فكذلك يوم العيد في القياس والنظر الصحيح هذا لو كان قولهما اختلافا يوجب النظر فكيف وهو قول شاذ وتأويله بعيد والله المستعان وبه التوفيق.
وأما قول أبي عبيد مولى ابن أزهر في حديثنا المذكور في هذا الباب ثم شهدت مع علي بن أبي طالب وعثمان محصور فجاء فصلى ثم انصرف فخطب ففيه دليل على أن

(10/285)


الجمعة واجبة على أهل المصر بغير سلطان وأن أهله إذا أقاموها ولا سلطان عليهم أجزأتهم وهذا موضع اختلف العلماء فيه قديما وحديثا وصلاة العيدين مثل صلاة الجمعة والاختلاف في ذلك سواء لأن صلاة علي بالناس العيد وعثمان محصور أصل في كل سبب تخلف الإمام عن حضوره أو خليفته أن على المسلمين إقامة رجل يقوم به وهذا مذهب مالك والشافعي والأوزاعي على اختلاف عنه والطبري كلهم يقول تجوز الجمعة بغير سلطان كسائر الصلوات.
وقال أبو حنيفة وأبو يوسف وزفر ومحمد لا تجزئ الجمعة إذا لم يكن سلطان وروي عن محمد بن الحسن أن أهل مصر لو مات واليهم جاز لهم أن يقدموا رجلا يصلي بهم الجمعة حتى يقدم عليهم وال

(10/286)


قال أحمد بن حنبل يصلون بإذن السلطان وقال داود الجمعة لا تفتقر إلى وال ولا إمام ولا إلى خطبة ولا إلى مكان ويجوز للمنفرد عنده أن يصلي ركعتين وتكون جمعة قال ولا يصلي أحد إلا ركعتين في وقت الظهر يوم الجمعة وقول داود هذا خلاف قول جميع فقهاء الأمصار لأنهم أجمعوا أنها لا تكون إلا بإمام وجماعة.
واختلفوا في عدد الجماعة في المكان والوالي والخطبة والله المستعان ذكر عبد الرزاق عن معمر عن الزهري أنه كان يقول حيثما كان أمير فإنه يعظ أصحابه يوم الجمعة ويصلي بهم ركعتين ذكرنا قول الزهري هذا لأنه الذي روى حديث علي حين صلى بالناس العيد وعثمان محصور،

(10/287)


وقد ذكرنا في باب حديث ابن شهاب عن عبيد الله عن جماعة من التابعين أن الحدود والجمعة إلى السلطان ولا يختلف العلماء أن الذي يقيم الجمعة السلطان وأن ذلك سنة مسنونة وإنما اختلفوا عند نزول ما ذكرنا من موت الإمام أو قتله أو عزله والجمعة قد جاءت فذهب أبو حنيفة وأصحابه والأوزاعي إلى أنهم يصلون ظهرا أربعا وقال مالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور يصلي بهم بعضهم بخطبة ويجزيهم.
أخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن قال حدثنا عبد الحميد بن أحمد الوراق قال حدثنا الخضر بن داود قال حدثنا أبو بكر الأثرم قال حدثنا العباس بن عبد العظيم أنه سأل أبا عبد الله يعني أحمد بن حنبل عن الصلاة خلف الخوارج والفساق من الأمراء والسلاطين فقال أما الجمعة فينبغي

(10/288)


شهودها فإن كان الذي يصلي منهم أو مثلهم يعني في الفسق والمذهب أعاد الصلاة بعد شهودها معهم فإن كان لا يدري أنه يقول بقولهم ولا هو مثلهم فلا يعيد قال قلت فإن كان يقال إنه قال بقولهم فقال حتى تعلم ذلك وتستيقن قال فقلت فإن لم يكن إمام أترى أن نصلي وراء من جمع بالناس وصلى ركعتين فقال أليس قد صلى علي بن أبي طالب بالناس وعثمان محصور؟.
قال أبو عمر قد ذكرنا أن حديث أبي عبيد مولى ابن أزهر أصل في هذه المسألة وإن كان ذلك في صلاة العيد والأصل في ذلك أيضا ما فعله المسلمون يوم مؤتة لما قتل الأمراء وأجمعوا على خالد بن الوليد فأمروه وأيضا فإن المتغلب

(10/289)


والخارج على الإمام تجوز الجمعة خلفه فمن كان في طاعة الإمام أحرى بجوازها خلفه. وذكر أبو بكر الأثرم قال سألت أبا عبد الله ما تقول في الخوارج إذا قدموا رجلا لا يقول بقولهم يصلي بالناس الجمعة قال صل خلفه فذكرت له قول من يقول إذا كان الذي قدمه لا تحل الصلاة خلفه فسدت الصلاة خلف هذا المقدم وإن لم يقل بقولهم فقال أما أنا فلست أقول بهذا.
وقال الأثرم حدثنا عفان قال حدثنا عبد العزيز بن مسلم قال حدثنا أبو سنان ضرار بن مرة عن عبد الله بن أبي

(10/290)


الهذيل قال تذاكرنا الجمعة ليالي المختار الكذاب فاجتمع رأيهم على أن يأتوه فإنما كذبه عليه.
وروى ابن المبارك عن الأوزاعي عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف بن عبيد الله بن عدي بن الخيار أنه دخل على عثمان فقال أنه يصلي بالناس إمام فتنة وأنا أتحرج من الصلاة معه فقال إن الصلاة أحسن ما صنع الناس فإذا أحسنوا فأحسن معهم وإذا ساءوا فاجتنب إساءتهم.
وروى هذا الحديث معمر مرة عن الزهري عن عروة عن عبيد الله بن عدي ومرة عن الزهري عن رجل عن عبيد الله بن عدي وروى ابن المبارك عن يونس عن الزهري،

(10/291)


عن أبي سلمة قال دخل أبو قتادة الأنصاري ورجل آخر معه على عثمان وهو محصور فقالا يا أمير المؤمنين أنت إمام العامة ويصلي بنا إمام فتنة فقال صليا خلفه.
قال أبو عمر هذه القصة والله أعلم في غير الجمعة والعيد لأن الذي كان يصلي بهم الجمعة أبو أيوب الأنصاري وسهل بن حنيف أو ابنه أبو أمامة بن سهل وصلى بهم العيد علي بن أبي طالب.
ذكر أهل السير منهم الواقدي والزبيري أن أبا أيوب الأنصاري كان يصلي بالناس في حصر عثمان ثم صلى بهم سهل بن حنيف بعد.

(10/292)


وذكر المدائني عن محمد بن الفضل عن أبي حازم عن أبي هريرة قال حضرت الصلاة فجاء المؤذن يؤذن عثمان وهو محصور فقال اذهب إلى أبي أمامة بن سهل أو إلى سهل بن حنيف فقل له يصلي بالناس.
وذكر المدائني أيضا عن محمد بن ذكوان عن محمد بن المنكدر قال صلى أبو أمامة أو سهل بن حنيف وعثمان محصور وعن عبد الله بن مصعب عن مسلم بن عروة عن أبيه قال صلى بالناس يوم الجمعة سهل بن حنيف قال المدائني وأخبرنا ابن جعدة قال صلى سهل بن حنيف وعثمان محصور وصلى يوم العيد علي بن أبي طالب قال وقال جويرية بن أسماء عن نافع قال لما كان يوم النحر جاء علي فصلى بالناس وعثمان محصور

(10/293)


وذكر عمر بن شبة قال حدثنا حيان بن بشر عن يحيى بن آدم قال سمعت بعض أصحابنا يحدث عن أبي معشر المدني أن أبا أمامة بن سهل بن حنيف كان يصلي بالناس وعثمان محصور قال يحيى ولعله قد صلى بهم رجل بعد رجل فهذه الأخبار توضح لك أن قول عبيد الله بن عدي بن الخيار لعثمان يصلي بالناس إمام فتنة لم يرد به علي بن أبي طالب ولا سهل بن حنيف وإنما أراد به أحد الخارجين عليه والله أعلم.
وذكر الحسن بن علي الحلواني قال حدثنا المسيب بن واضح قال سمعت ابن المبارك يقول ما صلى علي بالناس حين حصر عثمان إلا صلاة العيد وحدها وكان ابن وضاح وغيره يقولون إن الذي عنى عثمان بقوله إمام فتنة عبد الرحمان بن عديس البلوي وهو الذي أجلب على عثمان بأهل مصر.

(10/294)


والوجه عندي والله أعلم في قوله إمام فتنة أي إمامة في فتنة لأن الجمعات والأعياد والجماعات نظامها وتمامها الإمامة فيها تكون الجماعة المحمودة وببقاء الناس بلا إمام تكون الفرقة المنهي عنها وقد بينا معنى الجماعة والاعتصام بالإمامة والتحذير من الفرقة من أقاويل السلف وصحيح الأثر في باب سهيل عند قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الله تعالى يحب لكم ثلاثا" الحديث منها أن تعتصموا بحبل الله جميعا وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم وأوضحنا هذا المعنى هناك والحمد لله.

(10/295)


الحديث الثاني والأربعون
...
حديث ثان لابن شهاب عن أبي عبيد
مالك عن ابن شهاب عن أبي عبيد مولى ابن أزهر عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "يستجاب لأحدكم ما لم يعجل فيقول قد دعوت فلم يستجب لي" في هذا الحديث دليل على خصوص قول الله عز وجل: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} . وأن الآية ليست على عمومها ألا ترى أن هذه السنة الثابتة خصت منها الداعي إذا عجل فقال قد دعوت فلم يستجب لي والدليل على صحة هذا التأويل قول الله عز وجل: {فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ} ، ولكن قد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في الإجابة:

(10/296)


ومعناها ما فيه غنى عن قول كل قائل وهو حديث أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ما من مسلم يدعو بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث فإما أن يعجل له دعوته وإما أن يؤخرها له في الآخرة وإما أن يكفر عنه أو يكف عنه من السوء مثلها" وقد ذكرنا هذا الحديث بإسناده في آخر باب زيد بن أسلم من كتابنا هذا.
وفيه دليل على أنه لا بد من الإجابة على إحدى هذه الأوجه الثلاثة فعلى هذا يكون تأويل قول الله عز وجل والله أعلم {فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ} أنه يشاء وأنه لا مكره له ويكون قوله عز وجل: {أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} على ظاهره وعمومه بتأويل حديث أبي سعيد

(10/297)


المذكور والله أعلم بما أراد بقوله وبما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم والدعاء خير كله وعبادة وحسن عمل والله لا يضيع أجر من أحسن عملا.
وقد روي عن أبي هريرة أنه كان يقول ما أخاف أن أحرم الإجابة ولكني أخاف أن أحرم الدعاء وهذا عندي على أنه حمل آية الإجابة على العموم والوعد والله لا يخلف الميعاد وروي عن بعض التابعين أنه كان يقول الداعي بلا عمل كالرامي بلا وتر.
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا يقبل الله دعاء من قلب لاه فادعوه وأنتم موقنون بالإجابة" وقد علمنا أن ليس كل الناس تجاب دعوته ولا في كل وقت

(10/298)


تجاب دعوة الفاضل وأن دعوة المظلوم لا تكاد ترد وحديث أبي سعيد المذكور الذي هو في الموطأ من قول زيد بن أسلم أولى ما قيل به واحتمل عليه من هذا الباب في الدعاء وبالله التوفيق.
أخبرنا قاسم بن محمد قال حدثنا خالد بن سعيد قال حدثنا أحمد بن عمرو بن منصور قال حدثنا محمد بن عبد الله بن سنجر قال حدثنا عبد الله بن صالح قال حدثنا معاوية بن صالح أن ربيعة بن يزيد حدثهم عن أبي إدريس الخولاني عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "يستجاب لأحدكم ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم أو يستعجل قالوا وما الاستعجال يا رسول الله قال يقول قد دعوتك يا رب فلا أراك تستجيب لي".

(10/299)


وهذا أكمل من حديث ابن شهاب عن أبي عبيد عن أبي هريرة المذكور في هذا الباب وأوضح معنى وهو يفسره ويعضده.
وقد روى النعمان بن بشير عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن الدعاء هو العبادة ثم تلا {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي} الآية.
وقال يحيى بن أبي كثير أفضل العبادة كلها الدعاء وروى أبو معاوية عن هشام بن عروة عن أبيه أنه كان يواظب على حزبه من الدعاء كما يواظب على حزبه من القرآن.
وقال ابن مسعود لكل شيء ثمرة وثمرة الصلاة الدعاء وقال أيضا لا يسمع الله دعاء مسمع ولا مراء ولا لاعب.

(10/300)


وقال يزيد الرقاشي الدعاء المستجاب الذي لا تخرجه الأحزان ومفتاح الرحمة التفرغ وقد قالوا إن الله يحب أن يسأل ولذلك أمر عباده أن يسألوه من فضله وقالوا لا يصلح الإلحاح على أحد إلا على الله عز وجل.
وقال مروق العجلي دعوت ربي في حاجة عشرين سنة فلم يقضها لي ولم أيأس منها. وروي عن أبي جعفر محمد بن علي وعن الضحاك أنهما قالا في قوله تعالى: {قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا} كان بينهما أربعون سنة وقال ابن جريج يقال إن فرعون ملك بعد هذه الآية أربعين سنة.

(10/301)