Contents

الواجهة
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد
مقدمة
باب الألف
باب الثاء
باب الجيم
باب الحاء
باب الخاء
باب الدال
باب الراء
باب الزاي
تابع باب الزاء
تابع لحرف الزاء
تابع لحرف الزاء
باب الطاء
باب الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع حرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
باب النون
باب الصاد
باب الضاد
باب العين
تابع لحرف العين
تابع حرف العين
تابع لحرف العين
تابع لحرف العين
باب القاف
باب السين
باب الشين
باب الهاء
باب الواو
باب الياء
تابع باب الياء
باب الكني
باب بلاغات مالك ومرسلاته
باب مافي هذا الديوان من حديث مالك الذي ثبتت عليه أبوابه خاصة
الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج
الديباج - جزء 1
الديباج - جزء 2
الديباج - جزء 3
الديباج - جزء 4
الديباج - جزء 5
الديباج - جزء 6
المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج
المنهاج - مقدمة
المنهاج - الإيمان
المنهاج - الطهارة
المنهاج - الحيض
المنهاج - الصَّلَاة
المنهاج - المساجد ومواضع الصلاة
المنهاج - صلاة المسافرين وقصرها
المنهاج - بَاب صَلَاة الْجُمُعَة
المنهاج - بَاب صَلَاة الْعِيدَيْنِ
المنهاج - بَاب الدُّعَاء فِي صَلَاة الِاسْتِسْقَاء
المنهاج - بَاب صَلَاة الْكُسُوف
المنهاج - كِتَاب الْجَنَائِز
المنهاج - الزكاة
المنهاج - كِتَاب الصِّيَام
المنهاج - كِتَاب الِاعْتِكَاف
المنهاج - كِتَاب الْحَجّ
المنهاج - كِتَاب النِّكَاح
المنهاج - الرضاعة
المنهاج - الطلاق
المنهاج - اللِّعَان
المنهاج - العتق
المنهاج - البيوع
المنهاج - المساقاة
المنهاج - الفرائض
المنهاج - الهبات
المنهاج - الوصية
المنهاج - النذر
المنهاج - الأيمان
المنهاج - القسامة
المنهاج - الحدود
المنهاج - الأقضية
المنهاج - اللقطة
المنهاج - الجهاد والسير
المنهاج - الإمارة
المنهاج - الصيد والذبائح
المنهاج - كِتَاب الْأَضْاحَي
المنهاج - الأشربة
المنهاج - اللباس والزينة
المنهاج - الآداب
المنهاج - السلام
المنهاج - الألفاظ من الأدب وغيرها
المنهاج - الشعر
المنهاج - الرؤيا
المنهاج - الفضائل
المنهاج - فضائل الصحابة
المنهاج - البر والصلة والآداب
المنهاج - القدر
المنهاج - العلم
المنهاج - الذكر والدعاء
المنهاج - التوبة
المنهاج - صفات المنافقين
المنهاج - صفة القيامة والجنة والنار
المنهاج - الجنة وصفة نعيمها وأهلها
المنهاج - الفتن وأشراط الساعة
المنهاج - الزهد والرقائق
المنهاج - التفسير
تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي
أبواب الطهارة
أبواب الصلاة
تابع أبواب الصلاة
أبواب الوتر
أبواب الجمعة
تابع لأبواب الجمعة
أبواب العيدين
أبواب السفر
ابواب الزكاة
أبواب الصوم
أبواب الحج
تابع أبواب الحج
أبواب الجنائز
أبواب النكاح
أبواب الرضاع
أبواب الطلاق واللعان
ابواب البيوع
أبواب الأحكام
أبواب الديات
ابواب الحدود
تابع أبواب الحدود
أبواب الصيد
أبواب الأضاحي
أبواب النذور والأيمان
أبواب السير
أبواب الجهاد
أبواب اللباس
أبواب الأطعمة
أبواب الأشربة
تابع أبواب الأشربة
أبواب البر و الصله عن رسول الله صلى الله عليه و آله سلم
أبواب الطب عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الفرائض عن الرسول صلى الله عليه و سلم
أبواب الوصايا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الولاء و الهبة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب القدر عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم
أبواب الفتن عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الرؤيا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الشهادات عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
تابع لأبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صِفَةُ القِيامَة
أبواب صفة الجنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صفة جهنم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإيمان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب العلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإستئذان والآداب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب العلم
أبواب الأمثال
أبواب فضائل القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب القراءات عن رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم
أبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الدعوات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أحاديث شتى من أبواب الدعوات
المناقب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
مناقب الصحابة رضوان الله عليهم
تنوير الحوالك شرح موطأ مالك
كتاب وقوت الصلاة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب السهو
كتاب الجمعة
كتاب الصلاة في رمضان
كتاب صلاة الليل
كتاب صلاة الجماعة
كتاب قصر الصلاة في السفر
كتاب العيدين
كتاب صلاة الخوف
كتاب صلاة الكسوف
كتاب الاستسقاء
كتاب القبلة
كتاب القرآن
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب الجهاد
كتاب النذور و الأيمان
كتاب الضحايا
كتاب الذبائح
كتاب الصيد
كتاب العقيقة
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الرضاع
كتاب البيوع
كتاب القراض
كتاب المساقاة - كتاب كراء الأرض
كتاب الشفعة - كتاب الأقضية
كتاب الوصية - كتاب العتق والولاء
كتاب المكاتب - كتاب المدبر
كتاب الحدود
كتاب الأشربة - كتاب العقول
كتاب القسامة - كتاب الجامع
كتاب القدر - كتاب حسن الخلق
كتاب اللباس - كتاب صفة النبي
كتاب العين - كتاب الشعر
كتاب الرؤيا - كتاب السلام
كتاب الاستئذان والتشميت والصور والتماثيل وغيرها
كتاب البيعة - كتاب الكلام والعينة والتقى
كتاب جهنم - كتاب الصدقة
كتاب العلم - كتاب دعوة المظلوم - كتاب أسماء النبي
حاشية السندي على سنن ابن ماجة
المقدمة
الطَّهَارَة وَسُنَنهَا
الصلاة
الْأَذَان
المساجد والجماعات
أَبْوَاب إِقَامَة الصَّلَاة
الجنائز
الصوم
الزكاة
النكاح
الطلاق
الكفارات
التجارات
الأحكام
الحدود
الديات
الوصايا
الْفَرَائِض
الجهاد
المناسك
الْأَضَاحِيّ
الذبائح
الصيد
الأطعمة
الأشربة
الطب
اللباس
الْآدَاب
الدُّعَاء
تعبير الرؤيا
الْفِتَن
الزُّهْد
شرح سنن ابن ماجه لمغلطاي
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح رياض الصالحين
شرح رياض الصالحين - 01
شرح رياض الصالحين - 02
شرح رياض الصالحين - 03
شرح رياض الصالحين - 04
شرح سنن أبي داود للعيني
مقدمة التحقيق
كتاب الطهارة
كِتابُ الصَلاَةِ
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
عون المعبود شرح سنن أبي داود
كتاب الطهارة
تابع كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
كتاب الزكاة
تابع لكتاب الزكاة
كتاب اللقطة
كتاب المناسك
تابع لكتاب المناسك
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الصيام
تابع لكتاب الصيام
أول كتاب الجهاد
أول كتاب الضحايا
تابع كتاب الضحايا
أول كتاب الصيد
أول كتاب الوصايا
أول كتاب الفرائض
أول كتاب الخراج والفيء والإمارة
أول كتاب الجنائز
تابع لكتاب الجنائز
كتاب الأيمان والنذور
كتاب البيوع
كتاب الإجارة
كتاب القضاء
تابع لكتاب القضاء
كتاب العلم
كتاب الأشربة
كتاب الأطعمة
كتاب الطب
كتاب الكهانة والتطير
كتاب العتق
أول كتاب الحروف والقراءات
أول كتاب الحمام
أول كتاب اللباس
أول كتاب الترجل
أول كتاب الخاتم
أول كتاب الفتن والملاحم
أول كتاب المهدي
أول كتاب الملاحم
أول كتاب الحدود
أول كتاب الديات
أول كتاب السنة
تابع لكتاب السنة
أول كتاب الأدب
أبواب السلام
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن حجر
فتح الباري - هدي الساري مقدمة فتح الباري
فتح الباري - كتاب بدء الوحي
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب العلم
فتح الباري - كتاب الوضوء
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
فتح الباري - كتاب مواقيت الصلاة
فتح الباري - كتاب الأذان
فتح الباري - كتاب الجمعة
فتح الباري - كتاب الخوف
فتح الباري - كتاب العيدين
فتح الباري - كتاب الوتر
فتح الباري - كتاب الاستسقاء
فتح الباري - كتاب الكسوف
فتح الباري - كتاب سجود القرآن
فتح الباري - كتاب تقصير الصلاة
فتح الباري - كتاب التهجد
فتح الباري - كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة
فتح الباري - كتاب العمل في الصلاة
فتح الباري - كتاب السهو
فتح الباري - كتاب الجنائز
فتح الباري - كتاب الزكاة
فتح الباري - كتاب الحج
فتح الباري - كتاب العمرة
فتح الباري - كتاب المحصر
فتح الباري - كتاب جزاء الصيد
فتح الباري - كتاب فضائل المدينة
فتح الباري - كتاب الصوم
فتح الباري - كتاب صلاة التراويح
فتح الباري - كتاب فضل ليلة القدر
فتح الباري - كتاب الإعتكاف
فتح الباري - كتاب البيوع
فتح الباري - كتاب السلم
فتح الباري - كتاب الشفعة
فتح الباري - كتاب الإجارة
فتح الباري - كتاب الحرث والمزارعة
فتح الباري - كتاب المساقاة
فتح الباري - كتاب الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس
فتح الباري - كتاب الخصومات
فتح الباري - كتاب اللقطة
فتح الباري - كتاب المظالم
فتح الباري - كتاب الشركة
فتح الباري - كتاب الرهن
فتح الباري - كتاب العتق
فتح الباري - كتاب المكاتب
فتح الباري - كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها
فتح الباري - كتاب الشهادات
فتح الباري - كتاب الصلح
فتح الباري - كتاب الشروط
فتح الباري - كتاب الوصايا
فتح الباري - كتاب الجهاد و السير
فتح الباري - كتاب فرض الخمس
فتح الباري - كتاب الجزية و الموادعة
فتح الباري - كتاب بدء الخلق
فتح الباري - كتاب أحاديث الأنبياء
فتح الباري - كتاب المناقب
فتح الباري - كتاب فضائل الصحابة
فتح الباري - كتاب مناقب الأنصار
فتح الباري - كتاب المغازي
فتح الباري - كتاب التفسير
فتح الباري - كتاب فضائل القرآن
فتح الباري - كتاب النكاح
فتح الباري - كتاب الطلاق
فتح الباري - كتاب النفقات
فتح الباري - كتاب الأطعمة
فتح الباري - كتاب العقيقة
فتح الباري - كتاب الذبائح والصيد
فتح الباري - كتاب الأضاحي
فتح الباري - كتاب الأشربة
فتح الباري - كتاب المرضى
فتح الباري - كتاب الطب
فتح الباري - كتاب اللباس
فتح الباري - كتاب الأدب
فتح الباري - كتاب الإستئذان
فتح الباري - كتاب الدعوات
فتح الباري - كتاب الرقاق
فتح الباري - كتاب القدر
فتح الباري - كتاب الأيمان والنذور
فتح الباري - كتاب كفارات الأيمان
فتح الباري - كتاب الفرائض
فتح الباري - كتاب الحدود
فتح الباري - كتاب الديات
فتح الباري - كتاب استتابة المرتدين
فتح الباري - كتاب الإكراه
فتح الباري - كتاب الحيل
فتح الباري - كتاب التعبير
فتح الباري - كتاب الفتن
فتح الباري - كتاب الأحكام
فتح الباري - كتاب التمني
فتح الباري - كتاب أخبار الأحاد
فتح الباري - كتاب الإعتصام بالسنة
فتح الباري - كتاب التوحيد
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن رجب
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
مقدمة
خطبة الكتاب
كتاب الإيمان
كتاب العلم
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصوم
كتاب فضائل القرآن
كتاب الدعوات
كتاب المناسك
كتاب البيوع
كتاب الفرائض والوصايا
كتاب النكاح
كتاب العتق
كتاب القصاص
كتاب الديات
كتاب الحدود
كتاب الإمارة والقضاء
كتاب الجهاد
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأطعمة
كتاب اللباس
كتاب الطب والرقى
كتاب الرؤيا
كتاب الآداب
كتاب الرقاق
كتاب الفتن
كتاب صفة القيامة والجنة والنار
كتاب الفضائل والشمائل
كتاب المناقب

 
عودة لموقع هاني الطنبور
هاني الطنبور
الصفحة السابقة الصفحة التالية
 
 

 

التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد

المجلد الحادي عشر
تابع لحرف الميم
تابع لمحمد بن شهاب الزهري
الحديث الثامن والثلاثون
...
بسم الله الرحمن الرحيم
كتاب التمهيد الجزء الحادي عشر
ابن شهاب عن أبي إدريس الخولاني حديثان
واسم أبي إدريس هذا عائذ بن عبد الله لا يختلفون في ذلك وهو مشهور بكنيته من أهل الشام من ساكني دمشق من كبار التابعين بها قال ابن مسهر كان من أرفع التابعين في العلم بدمشق وممن صحب أبا الدرداء أبو إدريس الخولاني قال وكان عالم أهل الشام بعد أبي الدرداء.
حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثني أبي قال حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد قال حدثني أبي عن ابن إسحاق عن الزهري عن أبي إدريس عائذ الله بن عبد الله الخولاني وذكر ابن أبي خيثمة أيضا قال حدثني أبي قال حدثني سفيان عن الزهري عن أبي إدريس الخولاني قال أدركت شداد بن أوس وفاتني معاذ وحدثني خلف بن القاسم قال حدثنا عبد الرحمن بن عمر الدمشقي بدمشق قال حدثنا أبو زرعة قال حدثنا الوليد بن عقبة قال حدثنا ابن أبي السائب عن أبيه عن مكحول قال ما رأيت مثل أبي إدريس وقال أبو زرعة قلت لأبي عبد الرحمن بن إبراهيم يعني دحيما أي الرجلين عندك أعلم؟

(11/5)


جبير بن نفير الحضرمي أم أبو إدريس الخولاني قال أبو إدريس عندي المقدم ورفع من شأن جبير لإسناده وأحاديثه ثم ذكر أبا إدريس فقال له من الحديث ما له ومن اللقاء واستعمال عبد الملك إياه على القضاء بدمشق.
حديث أول لابن شهاب عن أبي إدريس الخولاني
مالك عن ابن شهاب عن أبي إدريس الخولاني عن أبي ثعلبة الخشني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أكل كل ذي ناب من السباع حرام" هكذا قال يحيى في هذا الحديث بهذا الإسناد أكل كل ذي ناب من السباع حرام ولم يتابعه على هذا أحد من رواة الموطأ في هذا الإسناد خاصة وإنما لفظ حديث مالك عن ابن شهاب عن أبي إدريس عن أبي ثعلبة عن النبي صلى الله عليه وسلم: "أنه نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع" وأما اللفظ الذي جاء به يحيى في هذا الإسناد فإنما هو لفظ حديث مالك عن إسماعيل ابن أبي حكيم عن عبيدة بن أبي سفيان عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وقد ذكرناه في باب إسماعيل من هذا الكتاب وذكرنا الحكم في التحريم والنهي وما جاء في ذلك من افتراق المعاني واجتماعها وما للعلماء في ذلك من المذاهب هناك والحمد لله وأبو ثعلبة الخشني؟

(11/6)


قد ذكرناه في كتابنا في الصحابة بما يغني عن ذكره ههنا.
وهذا الحديث رواه جماعة أصحاب ابن شهاب عنه فيما علمت بمثل رواية مالك سواء في إسناده ومتنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع إلا أبا أوس فإنه وافقهم في الإسناد وخالفهم في المتن فزاد فيه ألفاظا سنذكرها هاهنا إن شاء الله.
وممن رواه عن ابن شهاب كرواية مالك سواء معمر وابن عيينة ويونس وعقيل وعبد العزيز بن أبي سلمة وشعيب بن أبي حمزة والليث بن سعد وزاد فيه صالح بن أبي الأخضر عن ابن شهاب وطء الحبالى ولحوم الحمر الأهلية بإسناده سواء وسنذكر أيضا حديث صالح إن شاء
الله.
وحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا سعيد بن سليمان قال حدثنا عبد العزيز بن أبي سلمة عن الزهري عن أبي إدريس قال حدثني أبو ثعلبة وكان قد أدرك النبي صلى الله عليه وسلم وسمع منه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم "ينهى عن أكل كل ذي ناب من السباع".
وذكر عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن أبي إدريس الخولاني عن أبي ثعلبة الخشني قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن "أكل كل ذي ناب من السباع". وكذلك رواه سائر

(11/7)


من ذكرنا غير أبي أويس وصالح بن أبي الأخضر فأما حديث أبي أويس فحدثناه سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا إسماعيل بن إسحاق قال حدثنا عبد الله بن مسلمة قال حدثنا أبو أويس عن الزهري عن أبي إدريس الخولاني عن أبي ثعلبة الخشني قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخطفة والنهبة والمجثمة وعن أكل كل ذي ناب من السباع.
وهذا اللفظ إنما يحفظ من حديث أبي الدرداء وهو حديث لين الإسناد رواه عبد الرحيم بن سليمان عن أبي أيوب الإفريقي عن صفوان بن سليم عن سعيد بن المسيب عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن أكل المجثمة والنهبة والخطفة وعن أكل كل ذي ناب من السباع قال والمجثمة التي تصيد بالنبل.
وقد روى الثوري عن سهيل بن أبي صالح عن عبيد الله بن أبي يزيد قال أرسلوني إلى سعيد بن المسيب أسأله عن لحوم السباع فكرهها فقال شيخ عنده سمعت أبا الدرداء يقول "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كل ذي خطفة وعن كل مجثمة وعن كل نهبة وعن كل ذي ناب من السباع" فقال سعيد صدق.

(11/8)


قال أبو عمر:
ما أدري كيف مخرج هذا الحديث عن سعيد بن المسيب لأن ابن شهاب كان يقول لم أسمع بحديث النهي عن أكل كل ذي ناب من السباع حتى قدمت الشام.
حدثنا يونس بن عبد الله قال حدثنا محمد بن معوية قال حدثنا جعفر بن محمد الفريابي قال حدثنا محمد بن الصباح قال حدثنا سفيان بن عيينة عن الزهري عن أبي إدريس الخولاني عن أبي ثعلبة الخشني أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع.
قال سفيان قال الزهري ولم أسمع هذا حتى أتيت الشام وحدثنا يونس قال حدثنا محمد قال حدثنا الفريابي قال وحدثنا محمد بن عزيز الأيلي قال حدثنا سلامة بن روح عن عقيل بن خالد قال قال ابن شهاب أخبرني أبو إدريس الخولاني وهو عائذ الله بن عبد الله أنه سمع أبا ثعلبة الخشني يقول نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكل كل ذي ناب من السباع قال ابن شهاب ولم أسمع ذلك من علمائنا بالحجاز حتى حدثني به أبو إدريس الخولاني وكان من فقهاء أهل الشام.
وحدثنا يونس بن عبد الله بن محمد بن مغيث قال حدثنا محمد بن معوية بن عبد الرحمن قال حدثنا جعفر بن محمد بن المستفاض الفريابي قال حدثنا إسحاق بن موسى الأنصاري.

(11/9)


قال حدثني أنس بن عياض قال حدثني يونس بن يزيد الأيلي عن ابن شهاب أنه سئل عن ألبان الأتن وأبوال الإبل ومرارة السبع فقال أما أبوال الإبل فقد كان المسلمون يتداوون بها ولا يرون بها بأسا وأما ألبان الأتن فقد بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن لحومها ولا أدري ألبانها التي تخرج من لحومها ودمائها إلا نحوها والله أعلم.
وأما مرارة السبع فإنه أخبرني أبو إدريس الخولاني أن أبا ثعلبة الخشني أخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع ولم أسمع ذلك عن أحد من علمائنا فإن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عنها فلا خير في مرارتها.
وحدثنا يونس قال حدثنا محمد قال حدثنا الفريابي قال وحدثنا محمد بن المثنى قال حدثنا يحيى بن أبي بكر العبدي عن صالح وهو ابن أبي الأخضر عن الزهري عن أبي إدريس الخولاني عن أبي ثعلبة الخشني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى يوم خيبر عن المتعة وأن توطأ الحبالى وعن لحوم الحمر الأهلية وعن أكل كل ذي ناب من السباع ورواه صالح بن كيسان "عن ابن شهاب عن أبي إدريس الخولاني عن أبي ثعلبة الخشني قال حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم لحوم الحمر الأهلية لم يزد على ذلك.

(11/10)


ورواه صالح بن أبي الأخضر وليس ممن يحتج به في الزهري وصالح بن كيسان وإن كان ثقة فإنه أخطأ في هذا لأن أصحاب الزهري الثقات مالك وابن عيينة ومعمر ويونس وعقيل لم يذكروا في هذا الإسناد غير النهي عن أكل كل ذي الناب من السباع.
وأما تحريم الحمر الأهلية فإسناده قد تقدم لابن شهاب عن عبد الله والحسن ابني محمد بن علي عن أبيهما عن علي من رواية مالك وغيره ولا يصح فيه عنه غير ما ذكرنا هناك وكذلك لا يصح عن ابن شهاب بإسناده المذكور في هذا الباب إلا ما قاله مالك ومن تابعه من النهي عن أكل كل ذي ناب من السباع دون ذكر تحريم الحمر الأهلية وإنما يوجد لفظ حديث صالح بن أبي الأخضر من مرسل سعيد بن جبير ومن مرسل مكحول ولا يختلف أهل العلم بالحديث أن حديث صالح بن أبي الأخضر هذا خطأ مقلوب الإسناد والمتن منكر لأنه جمع فيه عن ابن شهاب أحاديث ثلاثة ولا يصح عن ابن شهاب في تحريم الحمر الأهلية إسناد إلا إسناد مالك عن ابن شهاب عن عبد الله والحسن ابني محمد بن علي بن أبي طالب عن أبيهما عن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم على ما مضى من ذلك في كتابنا هذا.
وكذلك رواه الحفاظ الأثبات من أصحاب ابن شهاب عنه وعند ابن شهاب أيضا في هذا الباب من غير رواية مالك حديث

(11/11)


الربيع بن سمرة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم وقد ذكرنا ذلك فيما مضى من كتابنا هذا وأما ما ذكره ابن عيينة ويونس وعقيل من كلام ابن شهاب أنه لم يسمع هذا الحديث حتى دخل الشام فصحيح ثابت مقبول عند أهل العلم.
فهذا تهذيب ما في هذا الحديث من جهة الإسناد والألفاظ وتمهيده.
وأما القول في معانيه فقد مضى مستوعبا مبسوطا ممهدا في باب إسماعيل بن حكيم والحمد لله.
حديث ثان لابن شهاب عن أبي إدريس الخولاني
مالك عن ابن شهاب عن أبي إدريس الخولاني عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "من توضأ فليستنثر ومن استجمر فليوتر" .
قال أبو عمر:
لا يصح عن مالك ولا عن ابن شهاب في هذا الحديث غير هذا الإسناد وقد وهم فيه عثمان الطرايفي عن مالك أخبرنا محمد حدثنا علي بن عمر حدثنا أبو محمد الحسين بن أحمد بن صالح حدثنا عبد الله بن محمد بن ناجية حدثنا أحمد بن عبد الرحمن بن المفضل حدثنا عثمان بن عبد الرحمن حدثنا

(11/12)


مالك عن ابن شهاب عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "من توضأ فليستنثر ومن استجمر فليوتر" .
قال أبو الحسن علي بن عمر هذا وهم ولا يصح فيه عن مالك ولا عن الزهري غير حديث أبي إدريس الخولاني وقد رواه أسيد بن عاصم عن بشر بن عمر عن مالك عن ابن شهاب عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم وذلك أيضا خطأ والصواب ما في الموطأ.
وقد مضى القول في الاستنثار وحكمه وما للعلماء في ذلك من الأقوال في باب حديث زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن الصنابحي وأما الاستجمار فهو الاستطابة بالأحجار ومعناه إزالة الأذى من المخرج بالأحجار قال ابن الأنباري معنى الاستجمار التمسح بالأحجار والجمار عند العرب الحجارة الصغار وبه سميت جمار مكة قال ومنه الحديث الذي يروى إذا توضأت فانثر وإذا استجمرت فأوتر.
قال أبو عمر:
هذا اللفظ يرويه منصور عن هلال بن يساف عن سلمة بن قيس الأشجعي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ابن الأنباري ومعنى الوتر عندهم أن يؤتر من الجمار وهي الحجارة

(11/13)


الصغار. يقال قد جمر الرجل يجمر تجميرا إذا رمى جمار مكة.
قال عمر بن أبي ربيعة:
فلم أر كالتجمير منظر ناظر ولا كليالي الحج أفلتن ذا هوى أفلتن يعني أهلكن والفلت بفتح اللام الهلاك ومنه قيل المسافر على فلت إلا ما وقى الله منه.
قال أبو عمر:
ويروى أفتن ذا هوى ويفتن ذا هوى وهذا شعر عرضت فيه قصة طريفة لعمر بن أبي ربيعة مع سليمان بن عبد الملك وهي حكاية عجيبة حدثنيها عبد الله بن محمد بن يوسف قال أنبأنا العاندي قال أنبأنا أبو محمد عبد الله ابن أحمد بن جعفر الفرغاني قال حدثنا أبو العباس أحمد بن عبد الله بن بكر ابن عمار الثقفي البغدادي قال حدثني عبد الرحمن بن عبد الله الكوفي عن مصعب الزبيري عن الضحاك بن عثمان أن سليمان بن عبد الملك حج في خلافته فأرسل إلى عمر بن أبي ربيعة فأتاه فقال له أنت القائل:
وكم من قتيل لا يباء به دم ... ومن غلق رهنا إذا ضمه منى
ومن مالئ عينيه من شيء غيره ... إذا راح نحو الجمرة البيض كالدما
يسحبن أذيال المروط بأسوق ... "خوال إذا أولين أعجازها روا؟
أونس يسلين الحليم فؤاده ... فيا طول ما شوق ويا حسن مجتلا
فلم أر كالتجمير منظر ناظر ... ولا كليالي الحج أفلتن ذا هوى

(11/14)


قال نعم قال لا جرم والله لا تشهد الحج مع الناس العام.
وأخرجه إلى الطائف. وذكر هذا الخبر محمد بن خلف أنبأنا وكيع قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا مصعب بن عبد الله قال حج سليمان بن عبد الملك وهو خليفة فأرسل إلى عمر بن أبي ربيعة فقال له ألست القائل.
فكم من قتيل لا يباء به دم ... ومن غلق رهنا إذا ضمه منى
فذكر الأبيات والخبر سواء إلا أنه قال:
يسجن أذيال المروط بأسوق ... خدال وأعجاز مئاكمها روى
ولم يذكر الضحاك بن عثمان.
وعرضت له فيه أيضا مع عمر بن عبد العزيز قصة يليق بأهل الدين الوقوف عليها ذكر الزبير بن بكار قال حدثني محمد بن كناسة عن أبي بكر ابن عياش أن عمر بن أبي ربيعة قال هذا الشعر في أم عمر بنت مروان في خبر ذكره قال الزبير وحدثني مصعب بن عثمان أن عمر بن العزيز لما ولي الخلافة لم يكن له هم إلا عمر بن أبي ربيعة والأحوص فكتب إلى عامله بالمدينة إني قد عرفت عمر والأحوص بالخبث والشر فإذا أتاك كتابي هذا فأشددهما واحملهما إلي فلما أتاه الكتاب حملهما إليه فأقبل على عمر ثم قال هيه؟.
فلم أر كالتجمير منظر ناظر ... ولا كليالي الحج أفلتن ذا هوى
ومن مالئ عينيه من شيء غيره ... إذا راح نحو الجمرة البيض كالدما

(11/15)


أما والله لو اهتممت بحجك لم تنظر إلى شيء غيرك فإذا لم يفلت الناس منك في هذه الأيام فمتى يفلتون ثم أمر بنفيه فقال يا أمير المؤمنين أوخير من ذلك قال ما ه وقال أعاهد الله عز وجل على أن لا أعود لمثل هذا الشعر ولا أذكر النساء في شعر أبدا وأجدد توبة على يديك قال أوتفعل قال نعم فعاهد الله على توبته وخلاه ثم دعا الأحوص فقال هيه:
الله بيني وبين قيمها ... يهرب مني بها وأتبع
بل الله بين قيمها وبينك ثم أمر بنفيه فكلمه فيه رجال من الأنصار فأبى وقال والله لا أرده ما دام لي سلطان فإنه فاسق مجاهر والتجمير أيضا في لسان العرب أن يرمي بالجند في ثغر من ثغور المسلمين ثم لا يؤذن لهم في الرجوع قال حميد الأرقط:
فاليوم لا ظلم ولا تجمير ... ولا لغاز إن غزا تجمير
وقال بعض الغزاة المجمرين:
معاوى إما أن تجمر أهلنا ... إلينا وإما أن نؤب معاويا
أجمرتنا إجمار كسرى جنوده ... ومنيتنا حتى مللنا الأمانيا
واختلف العلماء في إزالة الأذى من المخرج بالماء أو بالأحجار هل هو فرض واجب أم سنة مسنونة فذهب مالك وأبو حنيفة وأصحابهما إلى أن ذلك ليس بواجب فرضا وإنه سنة لا ينبغي تركها وتاركها عمدا مسيء فإن صلى كذلك فلا إعادة

(11/16)


عليه إلا أن مالكا يستحب له الإعادة في الوقت وعلى ذلك أصحابه والإعادة في الوقت ليست بواجبة عنده ولا عند كل من قال كقوله وإنما هو استدراك لما فاته من السنة في الوقت ولو وجب في السنن أن تعاد بعد الوقت لكانت كالفرائض في وجوبها.
وقال الشافعي وأحمد بن حنبل وأبو ثور والطبري الاستنجاء واجب لا تجزئ صلاة من صلى دون أن يستنجي بالأحجار أو بالماء وموضع المخرج مخصوص عند الجميع بالأحجار وأما سائر البدن والثياب فلا مدخل للأحجار فيها.
ويجوز عند مالك وأبي حنيفة وأصحابه الاستنجاء بأقل من ثلاثة أحجار إذا ذهب النجس لأن الوتر يقع على الواحد فما فوقه والوتر عندهم مستحب وليس بواجب وإذا كان الاستنجاء عندهم ليس بواجب فالوتر فيه أحرى بأن لا يكون واجبا وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك "من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج" .
وحدثنا عبد الله بن محمد حدثنا محمد بن بكر حدثنا أبو داود حدثنا إبراهيم بن موسى حدثنا عيسى بن يونس عن ثور بن يزيد عن الحصين الحرابي عن أبي سعيد عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من

(11/17)


استجمر فليوتر من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج" الحديث.
وقال الشافعي لا يجوز أن يقتصر على أقل من ثلاثة أحجار وهو قول أحمد بن حنبل وإلى هذا ذهب أبو الفرج المالكي ومن الحجة لهذا القول ما حدثناه محمد بن إبراهيم حدثنا محمد بن معوية قال حدثنا أحمد بن شعيب قال أنبأنا إسحاق بن إبراهيم قال حدثنا أبو معوية عن الأعمش عن إبراهيم عن عبد الرحمن بن يزيد عن سلمان قال قال له رجل أن صاحبكم ليعلمكم حتى الخراءة قال أجل نهانا أن نستقبل القبلة لغائط أو بول أو نستنجي بأيماننا ونكتفي بأقل من ثلاثة أحجار قال وأخبرنا يعقوب بن إبراهيم قال حدثنا يحيى بن سعيد عن محمد بن عجلان قال أخبرنا القعقاع عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أنا لكم مثل الوالد أعلمكم فإذا ذهب أحدكم إلى الخلاء فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها ولا يستنجي بيمينه" .
وكان يأمر بثلاثة أحجار وينهى عن الروث والرمة".
وقال مالك وأبو حنيفة والشافعي وأصحابهم كل ما قام مقام الأحجار من سائر الأشياء الطاهرة فجائز أن يستنجى به ما لم يكن مأكولا.
وقال الطبري كل طاهر وكل نجس أزال النجس أجزأ وقال داود وأهل الظاهر لا يجوز الاستنجاء بغير الأحجار الطاهرة

(11/18)


والأحجار عندهم مخصوصة بتطهير المخرج كما أن المخرج مخصوص بأن يطهر بالأحجار فيجزئ فيه عن الماء دون ما عداه.
وقال مالك وأبو حنيفة وأصحابهما إن استنجى بعظم أجزأه وبئس ما صنع.
وقال الشافعي لا يجزئ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "نهى عن الروث والرمة" ونهى أن يستنجى بعظم والرمة العظام فلما طابق النهي لم يجز.
وذكر أبو داود عن أحمد بن حنبل قال حدثنا روح ابن عبادة قال حدثنا زكرياء بن إسحاق حدثنا أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتمسح بعظم أو بعر.
ولا فرق عند مالك وأبي حنيفة وأصحابهما في مخرج البول والغائط بين المعتادات وغير المعتادات أن الحجارة تجزئ فيها في السبيلين جميعا وهو المشهور من قول الشافعي.
وقد روي عن الشافعي أنه لا يجزئ فيما عدا الغائط والبول إلا الماء قال وكذلك ما عدا المخرج وما حوله مما يمكن التحفظ منه فإنه لا يجزئ فيه الأحجار ولا يجزئ فيه إلا الماء وسيأتي القول في المذي وحكم غسل الذكر منه في باب أبي النضر إن شاء الله.

(11/19)


وعند أصحاب مالك أن ما حول المخرج مما لا بد منه في الأغلب والعادة لا يجزئ فيه إلا الماء وهكذا حكى ابن خواز بنداد عنهم.
وقد قالت طائفة إن الأحجار تجزئ في مثل ذلك لأن مالا يمكن التحفظ منه من الشرج حكمه حكم المخرج قال واختلف أصحاب الشافعي فقالوا مرة يجزئ فيه الأحجار ومرة مثل قولنا.
وأما أبو حنيفة وأصحابه فعلى أصلهم أن النجاسة إذا لم تكن رطبة تزول بكل ما أزال عينها وأذهبها غير الماء وقدر الدرهم معفو عنه أصلا عند جميع العراقيين.
وقال داود النجاسة لا يزيلها غير الماء وإذا زالت بأي وجهزالت أجزأ ولا يحد قدر الدرهم.
قال مالك تجوز الصلاة بالاستنجاء بالأحجار والماء أحب إليه ويغسل ما هنالك فيما يستقبل.
وقال أبو حنيفة وأصحابه يستنجى بثلاثة أحجار فإن لم تنق زاد حتى ينقى وإن أنقاه حجر واحد أجزأه وكذلك غسله بالماء إن أنقاه بغسلة واحدة وذلك في المخرج وما عدا المخرج فإنما يغسل بالماء وهذا كله قول مالك وأصحابه.
وقال الأوزاعي يجوز ثلاثة أحجار والماء أطهر.

(11/20)


وقال الشافعي يجوز بالأحجار ما لم يعد المخرج فإن عدا المخرج لم يجز إلا الماء والمهاجرون كانوا لا يستنجون بالماء
وهو قول سعيد بن المسيب.
وروي عن حذيفة أنه سئل عن الاستنجاء بالماء فقال إذا لا تزال يدي في نتن.
وأما الأنصار فكانوا يتبعون الأحجار بالماء وأثنى الله عز وجل بذلك على أهل قباء.
والماء عند فقهاء الأنصار أطهر وأطيب والأحجار رخصة تجزئ ومن العلماء من جعل الاستنجاء واجبا وسائر العلماء يستحبون الوتر وقد روى ثور بن يزيد الشامي عن الحصين الجواني عن أبي معبد عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من اكتحل فليوتر من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج ومن استجمر فليوتر ومن فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج" وذكر الحديث.
وهو حديث ليس بالقوي لأن إسناده ليس بالقائم فيه مجهولون ذكره أبو داود عن إبراهيم بن موسى الرازي عن عيسى بن يونس عن ثور وحدثنا عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن

(11/21)


قال: حدثنا محمد بن بكر التمار قال حدثنا أبو داود قال حدثنا محمد بن العلاء قال حدثنا معوية بن هشام عن يونس بن الحارث عن إبراهيم بن أبي ميمونة عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال نزلت هذه الآية في أهل قباء {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ} . قال وكانوا يستنجون بالماء.

(11/22)


الحديث التاسع والثلاثون
...
ابن شهاب عن أبي أكيمة الليثي حديث واحد
اختلف في اسم ابن أكيمة هذا فقيل عمارة بن أكيمة وقيل عمر بن أكيمة وقيل عمرو وقيل عامر وقيل عمار ذكر ذلك كله البخاري في كتابه وهو من بني ليث من أنفسهم يكنى أبا الوليد توفي سنة إحدى ومائة وهو ابن تسع وسبعين سنة فيما ذكر الواقدي قال ابن معين حسبك برواية ابن شهاب عنه وقال ابن معين زعم مالك أن ابن أكيمة اسمه عمر بن مسلم بن أكيمة روى عنه الزهري حديثا واحدا قال يحيى بن معين وقد روى عنه محمد بن عمرو وغيره وقد روى عن مالك في حديثه هذا عباد بن أكيمة فإن صح فحسبك به.
قال أبو عمر:
الدليل على جلالته أنه كان يحدث في مجلس سعيد بن المسيب وسعيد يصغي إلى حديثه عن أبي هريرة وسعيد أجل أصحاب أبي هريرة وذلك موجود في حديثه هذا من رواية ابن

(11/22)


عيينة وغيره وإلى حديثه ذهب سعيد ابن المسيب في القراءة خلف الإمام فيما يجهر فيه وبه قال ابن شهاب وذلك كله دليل واضح على جلالته عندهم وثقته وبالله التوفيق.
مالك عن ابن شهاب عن ابن أكيمة الليثي عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: انصرف من صلاة جهر فيها بالقراءة فقال "هل قرأ معي أحد منكم آنفا فقال رجل نعم يا رسول الله فقال إني أقول ما لي أنازع القرآن قال فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما جهر فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم من القراءة في الصلوات حين سمعوا ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم" .
هكذا روى هذا الحديث جماعة أصحاب مالك وقد أخبرنا محمد حدثنا علي ابن عمر الحافظ حدثني عبد العزيز بن محمد الواثق بالله حدثنا القاسم بن زكرياء المقري حدثنا أبو الحسن بن محمد الزعفراني حدثنا عبد الوهاب الخفاف عن مالك عن ابن شهاب عن عباد بن أكيمة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم فذكر نحوه.
قال أبو الحسن لا أعلم أحد أسماه في حديث مالك ولا في حديث ابن شهاب إلا في هذه الرواية ورواه جماعة أصحاب ابن شهاب عنه عن ابن أكيمة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم.

(11/23)


قال أبو عمر:
لم يختلف رواة الموطأ فيما علمت في هذا الحديث من أوله إلى آخره وزاد فيه روح بن عبادة عن مالك عن ابن شهاب أنه قال لا قراءة خلف الإمام فيما يجهر فيه الإمام.
وقد رواه بعض أصحاب الأوزاعي عن الأوزاعي عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم جعل في موضع ابن أكيمة سعيد بن المسيب وذلك وهم وغلط عند جميع أهل العلم بالحديث والحديث محفوظ لابن أكيمة.
وإنما دخل الوهم فيه عليه لأن ابن شهاب كان يقول في هذا الحديث سمعت ابن أكيمة يحدث عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة فتوهم أنه لابن شهاب عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة ولا يختلف أهل العلم بالحديث أن هذا الحديث لابن شهاب عن ابن أكيمة عن أبي هريرة وأن ذكر سعيد بن المسيب في إسناد هذا الحديث خطأ لا شك عندهم فيه وإنما ذلك عندهم لأنه كان في مجلس سعيد بن المسيب فهذا وجه ذكر سعيد بن المسيب لا أنه في الإسناد.
حدثنا أحمد بن محمد بن أحمد قال حدثنا وهب بن مسرة
قال حدثنا محمد بن وضاح قال حدثنا حامد بن يحيى قال حدثنا سفيان قال حدثنا الزهري قال سمعت ابن أكيمة يحدث سعيد بن المسيب قال سمعت أبا هريرة يقول صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح فلما فرغ من

(11/24)


صلاته قال "هل قرأ منكم معي أحد قال رجل نعم أنا فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إني أقول ما بالي أنازع القرآن" .
حدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا مسدد وأحمد بن محمد المروزي ومحمد بن أحمد بن أبي خلف وعبد الله بن محمد الزهري وابن السراج قالوا حدثنا سفيان بن عيينة عن الزهري قال سمعت ابن أكيمة يحدث سعيد بن المسيب قال سمعت أبا هريرة يقول صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة نظن أنها الصبح فذكر مثله سواء إلى قوله: "ما لي أنازع القرآن" قال أبو داود قال مسدد في حديثه هذا قال سفيان قال معمر قال الزهري فانتهى الناس عن القراءة فيما جهر فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقال ابن السراج في حديثه قال معمر عن الزهري قال أبو هريرة فانتهى الناس وقال عبد الله ابن محمد من بينهم قال سفيان وتكلم الزهري بكلمة لم أسمعها فقال معمر أنه قال فانتهى الناس قال أبو داود ورواه عبد الرحمن بن إسحاق عن الزهري وانتهى حديثه إلى قوله: "ما لي أنازع القرآن" قال ورواه الأوزاعي عن أبي هريرة قال فيه قال الزهري واتعظ المسلمون فلم يكونوا يقرأون معه فيما جهر به قال أبو داود وسمعت محمد بن يحيى بن فارس قال قوله فانتهى الناس من كلام الزهري.

(11/25)


قال أبو عمر:
رواه ابن جريج قال أخبرني ابن شهاب قال سمعت ابن أكيمة يحدث عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل حديث مالك سواء إلى قوله: "ما لي أنازع القرآن" لم يزد على ذلك.
واه معمر وأبو أويس ويونس بن يزيد وأسامة بن زيد عن ابن شهاب أنه سمع ابن أكيمة يحدث عن أبي هريرة بمثل حديث مالك سواء.
وذلك دليل على ما قال محمد بن يحيى الذهلي أن قوله فانتهى الناس إلى آخر الكلام من كلام الزهري.
وذكر عبد الرازق عن معمر عن الزهري قال سمعت ابن أكيمة يحدث عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى صلاة جهر فيها بالقراءة ثم أقبل على الناس بعد ما سلم فقال لهم "هل قرأ معي أحد منكم آنفا قالوا نعم يا رسول الله قال إني أقول مالي أنازع القراءة فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يجهر به من القرآن حين سمعوا ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم".
حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا إبراهيم بن عبد الرحيم قال حدثنا إبراهيم بن أبي العباس قال حدثنا أبو أويس عن الزهري عن ابن أكيمة الكناني ثم الليثي عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى صلاة جهر فيها بالقراءة ثم أقبل على الناس

(11/26)


بعد ما سلم فقال "هل قرأ أحد منكم معي آنفا قالوا نعم يا رسول الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إني أقول مالي أنازع القرآن" فانتهى الناس عن قراءة القرآن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما جهر به من القراءة في الصلاة حين سمعوا ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال أبو عمر:
يقولون إن سماع أبي أويس ومالك بن أنس من الزهري كان واحدا بعرض واحد كذلك قال محمد بن يحيى النيسابوري وغيره والله أعلم.
وفقه هذا الحديث الذي من أجله نقل وجاء الناس به ترك القراءة مع الإمام في كل صلاة يجهر فيها الإمام بالقراءة.
ففي هذا الحديث دليل واضح على أنه لا يجوز للمأموم فيما جهر فيه إمامه بالقراءة من الصلوات أن يقرأ معه لا بأم القرآن ولا بغيرها لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يستثن فيه شيئا من القرآن.
وهذا موضوع اختلفت فيه الآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم واختلف فيه العلماء من الصحابة والتابعين وفقهاء المسلمين على ثلاثة أقوال. نذكرها ونبين وجوهها بعون الله إن شاء الله.

(11/27)


فقال منهم قائلون لا يقرأ لا فيما أسر ولا فيما جهر وقال آخرون يقرأ معه فيما أسر فيه ولا يقرأ فيما جهر فيه إلا بأم القرآن خاصة دون غيرها وسنبين أقوالهم واعتلالهم في هذا الباب إن شاء الله ونبين الحجة لكلا الفريقين وعليهم بما يحضرنا ذكره بعون الله.
وقال آخرون يقرأ مع الإمام فيما أسر فيه ولا يقرأ فيما جهر فيه وهو قول سعيد بن المسيب وعبيد الله ابن عبد الله وسالم بن عبد الله بن عمر وابن شهاب وقتادة وبه قال مالك وأصحابه وعبد الله بن المبارك وأحمد وإسحاق وداود بن علي والطبري إلا أن أحمد بن حنبل قال إن سمع لم يقرأ وإن لم يسمع قرأ ومن أصحاب داود من قال لا يقرأ فيما قرأ إمامه وجهر ومنهم من قال يقرأ وأوجبوا كلهم القراءة فيما إذا أسر الإمام وروي عن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وابن مسعود على اختلاف عنهم القراءة في ما أسر الإمام دون ما جهر.
وعن عثمان بن عفان وأبي بن كعب وعبد الله بن عمر مثل ذلك وهو أحد قولي الشافعي كان ي قوله بالعراق وهذا هو القول المختار عندنا وبالله توفيقنا.
فمن الحجة لمن ذهب هذا المذهب قول الله عز وجل: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} . وهذا عند أهل العلم عند سماع القرآن في الصلاة فأوجب تبارك وتعالى الاستماع والإنصات على كل مصل جهر إمامه بالقراءة ليسمع القراءة ومعلوم أن هذا في صلاة الجهر دون صلاة السر لأنه

(11/28)


مستحيل أن يريد بالإنصات والاستماع من لا يجهر إمامه وكذلك مستحيل أن تكون منازعة القرآن في صلاة السر لأن المسر إنما يسمع نفسه دون غيره فقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما لي أنازع القراءة" يضاهي ويطابق قول الله عز وجل: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا} .
وحدثني خلف بن القاسم حدثنا أحمد بن محمد بن عبيد بن آدم ابن أبي إياس قال أنبأنا أبو معن ثابت بن نعيم قال حدثنا آدم بن أبي إياس قال حدثنا بكر بن خنيس عن إبراهيم بن مسلم الهنجرسي عن أبي عياض عن أبي هريرة قال كانوا يتكلمون في الصلاة حتى نزلت هذه الآية: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا} . قال إبراهيم بن مسلم فقلت لأبي عياض لقد كنت أظن أنه لا ينبغي لأحد يسمع القرآن ألا يستمع قال لا إنما ذلك في الصلاة المكتوبة فأما في غير الصلاة فإن شئت استمعت وأنصت وإن شئت مضيت ولم تسمع.
وذكر الحسن بن علي الحلواني قال حدثنا علي بن المديني قال حدثنا سفيان عن إبراهيم بن ميسرة قال سمعت مجاهدا يقول ما رأيت أحدا بعد ابن عباس أفقه من أبي عياض.
وحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا أحمد بن دحيم قال حدثنا إبراهيم بن حماد بن إسحاق قال حدثنا عمي إسماعيل بن إسحاق قال حدثنا علي بن المديني قال حدثنا سليمان بن حياني الأحمر قال حدثنا داود بن أبي هند عن أبي نضرة عن أسيد بن جابر قال قال عبد الله بن مسعود أتقرأون خلف الإمام قلنا نعم قال ألا تفقهون مالكم لا تعقلون {وَإِذَا

(11/29)


قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا} . قال إسماعيل حدثنا حفص ابن عمر قال حدثنا شعبة عن منصور عن أبي وائل قال سئل عبد الله عن القراءة خلف الإمام قال أنصت للقرآن فإن في الصلاة شغلا وسيكفيك ذلك الإمام قوله أنصت للقرآن يدل على أن ذلك في الجهر دون السر قال إسماعيل وحدثنا حجاج بن منهال قال حدثنا حماد بن سلمة عن قتادة عن سعيد بن المسيب في قوله: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا} . قال في الصلاة.
وذكر عن أبي العالية والزهري وزيد بن أسلم والشعبي وإبراهيم النخعي والحسن البصري ومجاهد مثله إلا أن مجاهدا زاد في الصلاة والخطبة يوم الجمعة ذكر وكيع عن سفيان عن جابر عن مجاهد قال وجب الإنصات في اثنتين في الصلاة والإمام يقرأ وفي الخطبة والإمام يخطب وسفيان عن ليث عن مجاهد في قوله: {فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا} . قال إنما ذلك في الصلاة وأما في غير الصلاة فلا وعن عطاء مثله سواء.
وذكر سنيد عن هشيم قال أنبأنا مغيرة عن إبراهيم وحدثنا جبير عن الضحاك في قوله: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا} . قالا في الصلوات المكتوبة قال قتادة الإنصات باللسان والاستماع بالأذنين علم أن لن يفقهوه حتى ينصتوا.
قال أبو عمر:
في قول الله عز وجل: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا} . مع إجماع أهل العلم أن مراد الله من ذلك في

(11/30)


الصلوات المكتوبة أوضح الدلائل على أن المأموم إذا جهر إمامه في الصلاة أنه لا يقرأ معه بشيء وأن يستمع له وينصت وفي ذلك دليل على أن قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا صلاة لمن لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب" مخصوص في هذا الموضوع وحده إذا جهر الإمام بالقراءة لقول الله عز وجل: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا} . وما عدا هذا الموضوع وحده فعلى عموم الحديث وتقديره لا صلاة يعني لا ركعة لمن لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب إلا لمن صلى خلف إمام يجهر بالقراءة فإنه يستمع وينصت.
وهذا الحديث رواه ابن شهاب عن محمود بن الربيع عن عبادة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا صلاة لمن لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب" . ورواه عن ابن شهاب جماعة من أصحابه منهم معمر ويونس وعقيل وابن عيينة وشعيب وإبراهيم بن سعد وليس عند مالك عن ابن شهاب.
وسنذكر الدلائل على أن قوله: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب" أن معناه لا ركعة في باب العلاء بن عبد الرحمن من كتابنا هذا عند قوله صلى الله عليه وسلم: "كل صلاة لا يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج" إن شاء الله وبه العون لا شريك له.

(11/31)


والدليل أيضا على خصوص الآية في هذا الموضوع قوله صلى الله عليه وسلم: "ما لي أنازع القرآن" وقوله: "إذا قرأ الإمام فأنصتوا" رواه أبو موسى وأبو هريرة و قوله في حديث ابن مسعود لقوم جهروا بالقراءة وهو يقرأ: "خلطتم علي القراءة أنصتوا للقراءة" وقوله: "أنصتوا للقراءة" دليل على أن ذلك كان في حال الجهر.
حدثنا سعيد بن نصر وعبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن وضاح قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا محمد بن عبد الله الأسدي قال حدثنا يونس بن إسحاق عن أبي إسحاق عن عبد الله قال كنا نقرأ خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم "خلطتم علي القراءة" .
وحدثنا عبد الوارث بن سفيان وسعيد بن نصر قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا ابن وضاح قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وحدثنا محمد بن إبراهيم قال حدثنا محمد بن معوية قال حدثنا أحمد بن شعيب قال أنبأنا الجارود عن معاذ الترمذي قال حدثنا أبو خالد الأحمر عن محمد بن عجلان عن زيد بن أسلم عن أبي صالح عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا كبر فكبروا وإذا قرأ فأنصتوا" زاد الجارود "وإذا قال سمع الله لمن حمده فقولوا اللهم ربنا ولك الحمد" .

(11/32)


قال أحمد بن شعيب وأنبأنا أحمد بن عبد الله قال أنبأنا محمد بن سعيد الأنصاري قال حدثنا محمد بن عجلان عن زيد بن أسلم عن أبي صالح عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا كبر فكبروا وإذا قرأ فأنصتوا" قال أحمد بن شعيب لا نعلم أحدا تابع ابن عجلان على قوله "وإذا قرأ فأنصتوا" .
قال أبو عمر:
بعضهم يقول أبو خالد الأحمر انفرد بهذا اللفظ في هذا الحديث وبعضهم يقول أن ابن عجلان انفرد به وقد ذكره النسائي من غير حديث أبي خالد الأحمر.
وحدثنا أحمد بن محمد قال حدثنا أحمد بن الفضل قال حدثنا محمد ابن جرير. قال حدثنا محمد بن عبد الله المخرمي قال أنبأنا محمد بن سعد الأشهلي قال حدثنا محمد بن جرير وحدثنا أبو كريب قال حدثنا أبو خالد الأحمر جميعا عن محمد بن عجلان عن زيد بن أسلم عن أبي صالح عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا كبر فكبروا وإذا قرأ فأنصتوا" .
وروى جرير بن عبد الحميد عن سليمان التيمي عن قتادة عن أبي غلاب يونس بن جبير عن حطان الرقاشي عن أبي موسى الأشعري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إذا قرأ الإمام فأنصتوا" .

(11/33)


فإن قال قائل إن قوله "وإذا قرأ فأنصتوا" لم يقله أحد في حديث أبي هريرة غير ابن عجلان ولا قاله أحد في حديث أبي موسى غير جرير عن التيمي قيل له لم يخالفهما من هو أحفظ منهما فوجب قبول زيادتهما وقد صحح هذين الحديثين أحمد بن حنبل وحسبك به إمامة وعلما بهذا الشأن.
حدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا عبد الحميد بن أحمد قال حدثنا الخضر بن داود قال حدثنا أبو بكر الأثرم قال قلت لأحمد بن حنبل من يقول عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجه صحيح "إذا قرأ الإمام فأنصتوا" فقال حديث ابن عجلان الذي يرويه أبو خالد والحديث الذي رواه جرير عن التيمي وقد زعموا أن المعتمر رواه قلت نعم قد رواه المعتمر قال فأي شيء تريد فقد صحح أحمد الحديثين جميعا عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث أبي هريرة وحديث أبي موسى قوله عليه السلام "إذا قرأ الإمام فأنصتوا" .
فأين المذهب عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وظاهر كتاب الله عز وجل وعمل أهل المدينة ألا ترى إلى قول ابن شهاب فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما جهر فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقراءة حين سمعوا منه "ما لي أنازع القرآن" .
وقال مالك الأمر عندنا أنه لا يقرأ مع الإمام فيما جهر فيه الإمام بالقراءة فهذا يدلك على أن هذا عمل موروث بالمدينة.

(11/34)


ذكر عبد الرزاق عن الثوري عن سليمان الشيباني عن جواب عن يزيد بن شريك أنه قال لعمر اقرأ خلف الإمام قال نعم قال وإن قرأت يا أمير المؤمنين قال نعم وإن قرأت.
وعن ابن التيمي عن ليث عن الأشعث عن أبي يزيد عن الحارث بن سويد ويزيد التيمي قالا أمرنا عمر بن الخطاب أن نقرأ خلف الإمام وهذا محله عندنا فيما أسر فيه الإمام لأن ابن عيينة روى عن أبي إسحاق الشيباني عن رجل قال عهد إلينا عمر بن الخطاب أن لا نقرأ مع الإمام وهذا عندنا على الجهر لئلا يتضاد الخبر عنه وليس في هذا الباب شيء يثبت من جهة الإسناد عن عمر وعنه فيه اضطراب.
وأما علي فأصح شيء عنه ما رواه الزهري عن عبد الله بن أبي رافع عن علي بن أبي طالب قال يقرأ الإمام ومن خلفه في الأوليين من الظهر والعصر بفاتحة الكتاب وسورة سورة وفي الأخريين بفاتحة الكتاب ويقرأ الإمام في المغرب في الأوليين بفاتحة الكتاب وسورة وينصت من خلفه ويقرأ الإمام ومن خلفه في الثالثة بفاتحة الكتاب ويقرأ الإمام في العشاء في الأوليين بفاتحة الكتاب وسورة سورة وينصت من خلفه ويقرأ الإمام ومن خلفه في الأخريين بفاتحة الكتاب وأمرهم أن ينصتوا في الفجر.

(11/35)


ذكر إسحاق بن راهويه عن يزيد بن هارون عن سفيان بن حسين عن الزهري فهذا يدفع ما روى عنه أهل الكوفة وهو مذهب أهل المدينة.
وأما أبي بن كعب فذكر عبد الرازق عن يحيى بن العلاء عن عبد الله بن أبي الهذيل أن أبي بن كعب كان يقرأ خلف الإمام في الظهر والعصر وفي تخصيصه الظهر والعصر دليل على أنه كان لا يقرأ فيما جهر فيه من الصلوات ويقرأ في غيرها والله أعلم.
وكذلك ما روي عن عبد الله بن عمر.
وفي ذلك ذكر عبد الرزاق عن ابن عيينة عن حصين بن عبد الرحمن قال سمعت عبيد الله بن عبد الله بن عتبة يقرأ في الظهر والعصر مع الإمام فسألت إبراهيم فقال لا تقرأ إلا أن تتهم الإمام وسألت مجاهدا فقال قد سمعت عبد الله بن عمر ويقرأ وعن الثوري عن الأعمش عن مجاهد قال سمعت عبد الله بن عمرو يقرأ خلف الإمام في الظهر والعصر.
وأما ابن عمر فأصح شيء عنه ما ذكره عبد الرزاق قال أنبأنا ابن جريج قال حدثني ابن شهاب عن سالم أن ابن عمر كان ينصت للإمام فيما جهر فيه الإمام بالقراءة لا يقرأ معه وكلما روى عن ابن عمر من الألفاظ المجملة فهذا يفسرها.

(11/36)


ولهذا والله أعلم أدخل مالك قول ابن عمر المجمل في باب ترك القراءة خلف الإمام فيما جهر فيه وقيده بترجمة الباب ثم قال مالك عن نافع عن ابن عمر أنه كان إذا سئل هل يقرأ أحد خلف الإمام قال إذا صلى أحدكم خلف الإمام فحسبه قراءة الإمام وإذا صلى وحده فليقرأ قال وكان عبد الله بن عمر لا يقرأ خلف الإمام.
قال أبو عمر:
يريد فيما جهر فيه بدليل حديث ابن شهاب عن سالم عنه ويدلك على ذلك أن مالكا جعل قول ابن عمر هذا في باب ترك القراءة خلف الإمام فيما جهر فيه الإمام بالقراءة ثم أردفه بقوله الأمر عندنا أن يقرأ الرجل وراء الإمام فيما لا يجهر فيه الإمام بالقراءة ويترك القراءة فيما يجهر فيه الإمام بالقراءة ثم أردف قوله هذا بحديث ابن شهاب المذكور في هذا الباب عن ابن أكيمة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله "ما لي أنازع القرآن" .
ذكر عبد الرزاق عن معمر وابن جريج عن الزهري عن سالم قال تكفيك قراءة الإمام فيما يجهر به وعن معمر عن الزهري قال إذا قرأ الإمام وجهر فلا يقرأ شيئا فهذا مذهب مالك ومن ذكرنا من العلماء في هذا الباب.
ولا تجوز القراءة عند أصحاب مالك خلف الإمام إذا جهر بالقراءة وسواء سمع المأموم قراءته أو لم يسمع لأنها صلاة جهر فيها الإمام بالقراءة فلا يجوز فيها لمن خلفه القراءة لأن الحكم فيها واحد كالخطبة يوم الجمعة لا يجوز لمن لم يسمعها وشهدها أن يتكلم كما لا يجوز أن يتكلم من سمعها سوا.

(11/37)


وسواء عندهم أم القرآن وغيرها لا يجوز لأحد أن يتشاغل عن الاستماع لقراءة إمامه والإنصات لا بأم القرآن ولا بغيرها.
ولو جاز للمأموم أن يقرأ مع الإمام إذا جهر لم يكن لجهر الإمام بالقراءة معنى لأنه إنما يجهر ليستمع له وينصت وأم القرآن وغيرها في ذلك سواء والله أعلم.
وقال أحمد بن حنبل من لم يسمع قراءة الإمام جاز له أن يقرأ وكان عليه إذا لم يسمع أن يقرأ ولو بأم القرآن لأن المأمور بالإنصات والاستماع هو من سمع دون من لم يسمع وقال بقوله طائفة من أهل العلم قبله وبعده.
وقال بعض أصحاب مالك لا بأس أن يتكلم يوم الجمعة من لا يسمع الخطيب بما شاء من الخير وما به الحاجة إليه وكره مالك له ذلك وقد ذكرنا هذه المسألة في موضعها من هذا الكتاب ذكر عبد الرزاق عن الثوري عن الصلت الربعي عن سعيد بن جبير قال إذا لم يسمعك الإمام فاقرأ.
وعن ابن جريج عن عطاء قال إذا لم تفهم قراءة الإمام فاقرأ إن شئت وسبح.
وقال آخرون لا يترك أحد من المأمومين قراءة فاتحة الكتاب خلف إمامه فيما جهر فيه الإمام بالقراءة لأن قول رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب" عام لا يخصه شيء لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يخص بقوله ذلك مصليا من مصل.

(11/38)


قالوا وقول الله عز وجل {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا} . خاص واقع على ما سوى فاتحة الكتاب.
وكذلك قوله "ما لي أنازع القرآن" و قوله
"وإذا قرأ فأنصتوا" أراد بعد فاتحة الكتاب.
وممن ذهب إلى هذه الجملة الأوزاعي والليث بن سعد وهو قول الشافعي بمصر وعليه أكثر أصحابه منهم المزني والبويطي وبه قال أبو ثور وروي ذلك عن عبادة بن الصامت وعبد الله بن عمرو بن العاص وعبد الله بن عباس واختلف فيه عن أبي هريرة وهو قول عروة بن الزبير وسعيد بن جبير ومكحول والحسن البصري.
وذكر وكيع عن ابن عون عن رجاء بن حيوة عن محمود بن الربيع قال صليت إلى جنب عبادة بن الصامت فقرأ بفاتحة الكتاب فلما انصرف قلت يا أبا الوليد لم أسمعك قرأت بفاتحة الكتاب قال أجل إنه لا صلاة إلا بها.
حدثنا عبد الوارث بن سفيان حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا أحمد ابن زهير حدثنا هارون بن معروف حدثنا ضمرة عن الأوزاعي قال أخذت القراءة مع الإمام عن عبادة بن الصامت ومكحول.
ذكر عبد الرزاق عن المثنى بن الصباح عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا كنت مع الإمام فاقرأ بأم القرآن قبله وإذا

(11/39)


سكت" وهذا الحديث لا يصح بهذا اللفظ مرفوعا والمثنى بن الصباح ضعيف ومنهم من يوقف هذا الحديث على عبد الله بن عمرو وعبد الرزاق عن ابن المثنى عن ليث عن عطاء عن ابن عباس قال لا بد أن يقرأ بفاتحة الكتاب فيما يجهر فيه الإمام وفيما لا يجهر وليث بن أبي سليم ضعيف ليس بحجة وعن ابن جريج عن عطاء قال إذا كان الإمام يجهر فليبادر بالقراءة بأم القرآن أو ليقرأها بعد ما يسكت فإذا فرغ فلينصت كما قال الله عز وجل.
وعن ابن جريج ومعمر قالا أنبأنا ابن خيثم عن سعيد بن جبير أنه قال لا بد أن يقرأ بأم القرآن مع الإمام ولكن من مضى كانوا إذا كبر الإمام سكت سكتة لا يقرأ قدر ما يقرأ بأم
القرآن.
وعن معمر عمن سمع الحسن يقول اقرأ بأم القرآن جهر الإمام أو لم يجهر فإذا جهر ففرغ من أم القرآن فاقرأ بها أنت.
وعن إبراهيم بن محمد عن شريك بن أبي نمر عن عروة بن الزبير قال إذا قال الإمام {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ} اقرأ بأم القرآن وبعد ما يفرغ من السورة التي بعدها وإبراهيم بن محمد هذا هو ابن أبي يحيى قد أجمعوا على ترك حديثه ورموه بالكذب وكان مالك يسيء القول فيه وابن خيثم فيه لين ليس بالقوي حدثني أبو محمد قاسم بن محمد قال حدثنا خالد بن سعد حدثنا محمد بن فطيس حدثنا

(11/40)


خالد بن يزيد بن سنان حدثنا يحيى بن سعيد القطان حدثنا هشام بن حسان عن الحسن قال اقرأ بفاتحة الكتاب خلف الإمام جهر أو لم يجهر.
وقال البويطي عن الشافعي أن المأموم يقرأ فيما أسر فيه الإمام بأم القرآن وسورة في الأوليين وبأم القرآن في الأخريين وما جهر فيه الإمام لا يقرأ من خلفه إلا بأم القرآن قال البويطي وكذلك يقول الليث والأوزاعي.
وروى المزني عن الشافعي أنه يقرأ فيما أسر وفيما جهروهو قول أبي ثور.
وذكر الطبري عن العباس بن الوليد بن يزيد عن أبيه عن الأوزاعي قال يقرأ خلف الإمام فيما أسر وفيما جهر وقال فإذا جهر فأنصت وإذا سكت فاقرأ يعني في سكتاته بين القراءتين.
قال أبو عمر:
روى الحسن عن سمرة أن النبي صلى الله عليه وسلم كانت له سكتات حين يكبر يفتتح الصلاة وحين يقرأ فاتحة الكتاب وإلى ذلك ذهب هؤلاء.
حدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا يعقوب بن إبراهيم قال حدثنا إسماعيل عن يونس عن الحسن عن سمرة قال حفظت لرسول الله صلى الله عليه وسلم سكتتين في صلاته سكتة إذا كبر وسكتة إذا فرغ من قراءة فاتحة الكتاب فأنكر ذلك

(11/41)


عليه عمران بن حصين فكتبوا في ذلك إلى المدينة إلى أبي فقال صدق سمرة.
قال أبو داود وحدثنا أبو بكر محمد بن خلاد قال حدثنا خالد بن الحارث قال حدثنا أشعث عن الحسن عن سمرة بن جندب عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يسكت سكتتين إذا استفتح وإذا فرغ من القراءة كلها ثم ذكر معنى حديث يونس وروى قتادة عن ا لحسن عن سمرة مثله وقال أبو داود كانوا يستحبون أن يسكت عند فراغه من السورة لئلا يصل التكبير بالقراءة.
وروى أبو زرعة عن أبي هريرة قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كبر في الصلاة سكت بين التكبيرة والقراءة.
قال أبو عمر:
فذهب هؤلاء إلى أن الإمام يسكت سكتات على ما في هذه الآثار ويتحين المأموم تلك السكتات من إمامه في إمامته فيقرأ فيها بأم القرآن.
قال الأوزاعي والشافعي وأبو ثورحق على الإمام أن يسكت سكتة بعد التكبيرة الأولى ويسكت بعد قراءته لفاتحة الكتاب ليقرأ من خلفه بفاتحة الكتاب فإن لم يفعل فاقرأ

(11/42)


معه بفاتحة الكتاب وأسرع القراءة هذا لفظ الأوزاعي وقول الشافعي وأبي ثور مثله.
وأما مالك فأنكر السكتتين ولم يعرفهما وقال لا يقرأ أحد مع الإمام إذا جهر قبل قراءته ولا بعدها.
وقال أبو حنيفة وأصحابه ليس على الإمام أن يسكت إذا كبر ولا إذا فرغ من قراءة أم القرآن ولا يقرأ أحد خلف إمامه.
قال أبو عمر:
من حجة من ذهب مذهب الأوزاعي في هذا الباب ما حدثناه سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن إسماعيل قال حدثنا الحميدي قال حدثنا سفيان قال حدثنا الزهري قال سمعت محمود بن الربيع يحدث عن عبادة بن الصامت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب" قالوا بهذا على عمومه في الإمام والمأموم لأنه لم يخص إماما من مأموم ولا منفرد.
قالوا ولما لم ينب ركوع الإمام ولا قيامه ولا إحرامه ولا سجوده ولا تسليمه عن ركوع المأموم ولا عن قيامه ولا عن سجوده ولا عن إحرامه ولا عن تسليمه فكذلك لا تنوب قراءته في أم القرآن عن قراءته.
وقالوا إن كان الزهري قد روى هذا الحديث مجملا محتملا للتأويل فقد رواه مكحول مفسرا وذكروا ما حدثناه سعيد بن نصر وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثنا قاسم بن أصبع قال حدثنا محمد بن وضاح قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال.

(11/43)


حدثنا عبد الله بن نمير قال حدثنا محمد بن إسحاق عن مكحول عن محمود بن الربيع عن عبادة بن الصامت قال صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم العشاء فثقلت عليه القراءة فلما انصرف قال "لعلكم تقرؤون خلف إمامكم قال قلنا أجل يا رسول الله إنا لنفعل قال لا تفعلوا إلا بأم القرآن فإنه لا صلاة إلا بها" .
حدثنا خلف بن القاسم قال حدثنا مؤمل بن يحيى بن مهدي حدثنا محمد بن جعفر بن الإمام حدثنا علي بن عبد الله المدني حدثنا يزيد بن هارون حدثنا محمد بن إسحاق عن مكحول عن محمود بن الربيع عن عبادة بن الصامت قال صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الغداة فثقلت عليه القراءة فلما انصرف قال "إني لأراكم تقرؤون وراء الإمام قلنا نعم يا رسول الله قال فلا إلا بأم القرآن فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها" .
وحدثنا أحمد بن فتح قال حدثنا محمد بن عبد الله النيسابوري حدثنا محمد بن عمرو البزار حدثنا مؤمل بن هشام حدثنا إسماعيل بن إبراهيم وهو ابن عليه عن محمد بن إسحاق عن مكحول عن محمود بن الربيع عن عبادة بن الصامت عن النبي صلى الله عليه وسلم فذكر نحو.

(11/44)


وحدثنا خلف بن القاسم حدثنا مؤمل بن يحيى حدثنا محمد بن جعفر حدثنا علي بن المديني حدثنا يحيى بن سعيد حدثنا جعفر بن ميمون.
حدثنا أبو عثمان النهدي عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر رجلا ينادي في الناس أن لا صلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب فما زاد.
وحدثناه أحمد بن فتح حدثنا محمد بن عبد الله بن زكرياء حدثنا أحمد بن عمرو البزار حدثنا عمرو بن علي حدثنا يحيى بن سعيد عن جعفر بن ميمون عن أبي عثمان عن أبي هريرة قال أمر النبي صلى الله عليه وسلم مناديا ينادي ألا لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب قالوا وهذا على عمومه في كل أحد مأموما كان أو إماما أو منفردا.
وذكروا ما حدثنا عبد الوارث قال حدثنا قاسم قال حدثنا بكر بن حماد قال حدثنا مسدد قال حدثنا يزيد بن زريع قال حدثنا خالد الحذاء عن أبي قلابة عن محمد بن أبي عائشة عمن شهد ذلك قال صلى النبي صلى الله عليه وسلم فلما قضى صلاته قال "أتقرأون والإمام يقرأ فسكتوا قال أتقرؤون والإمام يقرأ قالوا إنا لنفعل قال فلا تفعلوا إلا أن يقرأ أحدكم بأم القرآن في نفسه" .

(11/45)


قال أبو عمر:
أما حديث محمد بن إسحاق فرواه الأوزاعي عن مكحول عن رجاء بن حيوة عن عبد الله بن عمر وقال صلينا مع النبي صلى الله عليه وسلم فلما انصرف قال لنا "هل تقرؤون القرآن إذا كنتم معي في الصلاة قلنا نعم قال فلا تفعلوا إلا بأم القرآن" ورواه زيد بن خالد عن مكحول عن نافع بن محمود عن عبادة ونافع هذا مجهول ومثل هذا الاضطراب لا يثبت فيه عند أهل العلم بالحديث شيء وليس في هذا الباب مالا مطعن فيه من جهة الإسناد غير حديث الزهري عن محمود بن الربيع عن عبادة وهو محتمل للتأويل.
وأما حديث محمد بن عائشة فإنما فيه "إلا أن يقرأ أحدكم بأم القرآن في نفسه" .
ومعلوم أن القراءة في النفس ما لم يحرك بها اللسان فليست بقراءة وإنما هي حديث النفس بالذكر وحديث النفس متجاوز عنه لأنه ليس بعمل يؤاخذ عليه فيما نهى أن يعمله أو يؤدى
عنه فرضا فيما أمر بعمله.
وقال إسماعيل بن إسحاق القاضي إن كانت قراءة الإمام بغير أم القرآن قراءة لمن خلفه فينبغي أن تكون أم القرآن كذلك وإن كانت لا تكون قراءة لمن خلفه فقد نقص من خلف الإمام عما سن من القراءة للمصلين وحرم من ثواب القراءة بغير أم الكتاب ما لا يعلم مبلغه إلا الله عز وجل قال والذي يصلي

(11/46)


خلف الإمام حكمه في القراءة حكم من قرأ لأن الله عز وجل قد أشرك بين القارئ وبين المستمع المنصت فهما شريكان في الأجر وكذلك الذي يخطب يوم الجمعة والمستمع لخطبته قال وكذلك جاء عن عثمان.
وقال آخرون منهم سفيان الثوري وابن عيينة وابن أبي ليلى وأبو حنيفة وأصحابه والحسن بن حيي لا يقرأ مع الإمام لا فيما أسر ولا فيما جهر وهو قول جابر بن عبد الله وجماعة من التابعين بالعراق وروى ذلك أيضا عن زيد بن ثابت وعلي وسعد هؤلاء ثبت ذلك عنهم من جهة الإسناد واحتج من ذهب هذا المذهب بأن قال قول رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا صلاة لمن لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب" خاص وواقع على من صلى وحده أو كان إماما فأما من صلى وراء إمام فإن قراءة الإمام له قراءة واستدلوا على صحة قولهم بأن الجمهور قد أجمعوا على أن الإمام إذا لم يقرأ من خلفه لم تنفعهم قراءتهم فدل على أن قراءة الإمام قراءة لهم.
حدثنا سفيان عن محمود بن الربيع عن عبادة بن الصامت أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم قال "لا صلاة لمن يقرأ بفاتحة الكتاب فصاعدا" . قال سفيان لمن يصلي وحده واحتجوا بحديث جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه

(11/47)


قال من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة وهذا حديث رواه جابر الجعفي عن أبي الزبير عن جابر عن النبي عليه السلام.
وجابر الجعفي ضعيف الحديث مذموم المذهب لا يحتج بمثله.
وقد روى هذا الحديث أبو حنيفة عن موسى بن أبي عائشة عن عبد الله بن شداد ابن الهادي عن جابر بن عبد الله عن النبي عليه السلام ولم يسنده غير أبي حنيفة وهو سيء الحفظ عند أهل الحديث وقد خالفه الحفاظ فيه سفيان الثوري وشعبة وابن عيينة وجرير فرووه عن موسى بن أبي عائشة عن عبد الله بن شداد مرسلا وهو الصحيح فيه الإرسال وليس مما يحتج به وقد رواه الليث بن سعد عن أبي يوسف عن أبي حنيفة عن موسى بن أبي عائشة عن عبد الله بن شداد عن أبي الوليد عن جابر بن عبد الله فأدخل بين عبد الله بن شداد وبين جابر أبا الوليد هذا وهو مجهول لا يعرف وحديثه هذا لا يصح.
فإن قيل قد روى يحيى بن سلام عن مالك بن أنس عن وهب بن كيسان عن جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال "كل ركعة لم يقرأ فيها بأم القرآن فلا تصلى إلا وراء الإمام".
قال أبو عمر:
لم يرو هذا الحديث أحد من رواة الموطأ مرفوعا وإنما هو في الموطأ موقوف على جابر من قوله وانفرد يحيى بن سلام برفعه عن مالك ولم يتابع على ذلك.

(11/48)


والصحيح فيه انه من قول جابر ولسنا نذكر الخلاف في هذه المسألة بين الصحابة ومن بعدهم ولكن الحجة عند التنازع الكتاب والسنة لا ما سواهما.
واحتج أيضا من ذهب مذهب الكوفيين في هذا الباب بما حدثناه أحمد بن فتح بن عبد الله قال حدثنا محمد بن عبد الله بن زكرياء النيسابوري قال حدثنا أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزار قال حدثنا محمد بن بشار وعمرو بن علي قالا حدثنا أبو أحمد قال حدثنا يونس بن إسحاق عن أبيه عن أبي الأحوص عن عبد الله قال كانوا يقرؤون خلف النبي صلى الله عليه وسلم فقال "خلطتم علي القرآن" .
قال أبو عمر:
هذا يحتمل أن يكون هذا في صلاة الجهر وهو الظاهر لأنهم لا يخلطون إلا برفع أصواتهم فلا حجة فيه للكوفيين وكذلك من قال إنما نهاهم عما عدا فاتحة الكتاب بعيد قوله وغيرظاهر معناه في هذا الحديث.
واحتج أيضا من ذهب مذهب الكوفيين في ترك القراءة خلف الإمام بما رواه وكيع عن علي بن صالح عن الأصبهاني عن المختار بن عبد الله بن أبي ليلى عن أبيه عن علي قال من قرأ خلف الإمام فقد أخطأ الفطرة.
قال أبو عمر:
هذا الخبر لو صح كان معناه من قرأ مع الإمام فيما

(11/49)


جهر فيه بالقراءة فقد أخطأ الفطرة لأنه حينئذ خالف الكتاب والسنة فكيف وهو خبر غير صحيح لأن المختار وأباه مجهولان وقد عارض هذا الخبر عن علي ما هو أثبت منه وهو خبر الزهري عن عبد الله بن أبي رافع عن علي وقد ذكرناه في هذا الباب.
واحتجوا أيضا بما رواه عبد الرزاق وغيره عن داود بن قيس قال أخبرني عمر بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر قال حدثني موسى بن سعيد بن زيد بن ثابت أن زيد بن ثابت قال من قرأ مع الإمام فلا صلاة له وهذا يحتمل أن يكون من قرأ مع الإمام فيما جهر فيه بالقراءة على أنهم قد أجمعوا أنه من قرأ مع الإمام على أي حال كان فلا إعادة عليه فدل ذلك على فساد ظاهر حديث زيد هذا.
وروى الثوري عن أبي الزناد عن زيد بن ثابت وابن عمر أنهما كانا لا يقرآن خلف الإمام وهذا حديث منقطع ويحتمل أن يكون أراد فيما جهر فيه دون ما أسر.
وقد ذكرنا ذلك عن ابن عمر أيضا من أصح الطرق عنه والحمد لله.
وأما ما روى عن سعد بن أبي وقاص أنه قال وددت أن الذي يقرأ خلف الإمام في فيه حجر فمنقطع لا يصح ولا نقله ثقة.

(11/50)


وكذلك كل ما روي عن علي في هذا الباب فمنقطع لا يثبت ولا يتصل وليس عنه فيه حديث متصل غير حديث عبد الله بن أبي ليلى وهو مجهول وزعم بعضهم أنه أخو عبد الرحمن بن أبي ليلى ولا يصح حديثه ولا أعلم في هذا الباب صاحبا صح عنه بلا اختلاف أنه قال مثل ما قال الكوفيون إلا جابر بن عبد الله وحده والله أعلم.
ذكر عبد الرزاق عن داود بن قيس عن عبد الله بن مقسم قال سألت جابر بن عبد الله أتقرأ خلف الإمام في الظهر والعصر قال لا وأما ما روي عن علقمة والأسود أنهما قالا وددنا أن الذي يقرأ خلف الإمام مليء فوه ترابا فهو صحيح عنهما لكنه يحتمل أن يكونا أرادا في الجهر دون السر فإن صح عنهما أنهما أرادا السر والجهر فقد خالفهما في ذلك من هو فوقهما ومثلهما وعند الاختلاف يجب الرد إلى كتاب الله وسنة رسوله وقد بينا وأوضحنا ما صح من السنة وما ورد به الكتاب في أول هذا الباب والحمد لله.
واحتج أيضا من ذهب مذهب الكوفيين في هذا الباب بحديث عمران بن حصين أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بأصحابه الظهر فلما قضى صلاته قال "أيكم قرأ {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} فقال بعض القوم أنا يا رسول الله قال قد عرفت أن بعضكم خالجنيها".
رواه معمر وغيره عن قتادة عن زرارة بن أوفى عن عمران بن حصين قالوا معنى هذا الحديث وهو حديث صحيح أن القراءة خلف الإمام فيما يسر به تكره ولا تجوز.

(11/51)


ومعنى قوله "خالجنيها" أي نازعنيها والمخالجة هنا عندهم كالمنازعة فحديث عمران هذا كحديث بن أكيمة عن أبي هريرة ولا تكون المنازعة إلا فيما جهر فيه المأموم وراء الإمام ويدلك على ذلك قول أبي هريرة وهو راوي الحديث في ذلك اقرأ بها في نفسك يا فارسي قاله في حديث العلاء.
قال أبو عمر:
ليس في هذا الحديث دليل على كراهية ذلك لأنه لو كرهه لنهى عنه وإنما كره رفع صوت الرجل بسبح اسم ربك الأعلى في صلاة سنتها الإسرار بالقراءة.
دثنا عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن قال حدثنا محمد بن بكر بن عبد الرزاق قال حدثنا سليمان بن الأشعث قال حدثنا أبو الوليد الطيالسي ومحمد بن كثير العبدي قالا حدثنا شعبة عن قتادة عن زرارة بن أوفى.
عن عمران بن حصين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الظهر فجاء رجل فقرأ خلفه بسبح اسم ربك الأعلى فلما فرغ قال "أيكم قرأ قالوا رجل قال قد عرفت أن بعضكم خالجنيها" قال أبو الوليد في حديثه قال شعبة قلت لقتادة أليس يقول سعد أنصت للقرآن قال ذلك إذا جهر به.
وقال ابن كثير في حديثه قال شعبة قلت لقتادة كأنه كرهه قال لو كرهه نهى عنه.

(11/52)


قال أبو عمر:
في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث ابن شهاب عن ابن أكيمة عن أبي هريرة "ما لي أنازع القرآن" دليل على أن القراءة خلف الإمام إذا أسر الإمام في صلاته بالقراءة جائزة لأن المنازعة في القرآن إنما تكون مع الجهر لا مع السر.
وقد اختلف العلماء في حكم القراءة خلف الإمام فيما يسر فيه الإمام بالقراءة فكرهها الكوفيون وإلي ذلك ذهب الثوري وأبو حنيفة وأصحابه والحسن بن حي وابن أبي ليلى وابن شبرمة وهو قول إبراهيم النخعي وغيره من الكوفيين وحجتهم ما ذكرنا.
قال سائر فقهاء الحجاز والعراق والشام منهم مالك والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وداود والطبري وغيرهم يقرأ مع الإمام في كل ما يسر فيه وحجتهم ما قدمنا ذكره في هذا الباب.
ثم اختلف هؤلاء في وجوب القراءة ههنا إذا أسر الإمام فذهب أكثر أصحاب مالك إلى أن القراءة عندهم خلف الإمام فيما أسر به الإمام سنة ولا شيء على من تركها إلا أنه قد أساء وكذلك قال أبو جعفر الطبري قال القراءة فيما أسر فيه الإمام سنة مؤكدة ولا تفسد صلاة من تركها وقد أساء.
ذكر ابن خواز منداد أن القراءة عند أصحاب مالك خلف الإمام فيما أسر فيه بالقراءة مستحبة غير واجبة وكذلك قال

(11/53)


الأبهري وإليه أشار إسماعيل بن إسحاق وذكر إسماعيل قال حدثنا إبراهيم بن حمزة قال حدثنا عبد العزيز بن محمد عن أسامة بن زيد قال سألت القاسم بن محمد عن القراءة خلف الإمام فيما لم يجهر فيه فقال إن قرأت فلك في رجال من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أسوة وإن لم تقرأ فلك في رجال من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة.
قال وحدثنا عبد الله بن مسلمة قال حدثنا سليمان بن بلال عن يحيى بن سعيد قال سمعت القاسم بن محمد يقول إني أحب أن أشغل نفسي بالقراءة فيما لا يجهر به الإمام عن حديث النفس في الظهر والعصر والثالثة من المغرب والأخريين من العتمة.
وقال الشافعي والأوزاعي وأبو ثور وأحمد وإسحاق وداود القراءة فيما أسر فيه الإمام واجبة ولا صلاة لمن لم يقرأ في كل ركعة منها بفاتحة الكتاب أقل شيء إذا أسر الإمام بالقراءة لأن الإنصات إنما يكون عند الجهر بالقراءة لقوله {فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا} . ولقول رسول الله صلى الله عليه وسلم "ما لي أنازع القرآن" وقد ارتفعت هاته العلة في صلاة السر فوجب على كل مصل أن يقرأ لنفسه في صلاته ولا ينوب عند واحد منهم قراءة الإمام عن قراءة المأموم ولا تجزيه كما لا ينوب ولا يجزى عنه عندهم إحرامه وركوعه وسجوده عن إحرام المأموم وركوعه وسجوده.

(11/54)


وقد تقدم في هذا الباب الحجة لهم فأغني عن إعادتها ها هنا.
قال أبو عمر:
للشافعي في القراءة خلف الإمام ثلاثة أقوال أحدها أن يقرأ مع الإمام فيما أسر وفيما جهر والثاني يقرأ معه فيما جهر بأم القرآن فقط ويتبع سكتات الإمام قبل وبعد والثالث لا يقرأ معه فيما جهر ويقرأ معه فيما أسر.
وذكر ابن خواز منداد قولا رابعا مثل قول أبي حنيفة لا يقرأ مع الإمام فيما أسر ولا فيما جهر.
وهذا القول الرابع عند أصحابه غير مشهور وأصحابه اليوم لا يذكرون في المسألة إلا قولين أحدهما لا بد للمأموم من قراءة أم القرآن على كل حال فيما أسر وفيما جهر والثاني يقرأ معه فيما أسر ولا يقرأ معه فيما جهر وهذا هو القول عندنا وبالله التوفيق.

(11/55)


الحديث الأربعون
...
ابن شهاب عن ابن كعب بن مالك الأنصاري حديثان
أحدهما مرسل وقد قيل إنهما جميعا مرسلان.
قال محمد بن يحيى الذهلي سمعت أحمد بن حنبل يقول ولد كعب بن مالك عبد الرحمن وعبد الله وعبيد الله وفضالة ووهب ومعبد قال محمد بن يحيى وسمعت علي بن

(11/55)


المديني يقول هم خمسة عبيد الله بن كعب ومعبد بن كعب وعبد الرحمن بن كعب ومحمد بن كعب وعبد الله بن كعب قال محمد بن يحيى فسمع الزهري من عبد الله بن كعب وكان قائد أبيه حين عمي وسمع من عبد الرحمن بن كعب وسمع من عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب قائد كعب وروى عن بشير بن عبد الرحمن بن كعب ولا أراه سمع منه.
حديث أول لابن شهاب عن ابن كعب بن مالك
مالك عن ابن شهاب عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك أنه أخبر أن أباه كعب بن مالك كان يحدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "إنما نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة حتى يرجعه الله إلى جسده يوم يبعثه" .
لم يختلف عن مالك في هذا الحديث ومن أفضل من رواه عنه المعافى بن عمران حدثنا خلف بن قاسم حدثنا أحمد بن عبيد بن أحمد بن سعيد الصفار حدثنا الحسن بن علي الصبي حدثنا المعافي بن عمران حدثنا مالك عن الزهري عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك الأنصاري أنه أخبره أن أباه كعب بن مالك كان يحدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "إنما نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة حتى يرجعه الله إلى جسده" .
وفي رواية مالك هذه بيان سماع الزهري لهذا الحديث من عبد الرحمن بن كعب بن مالك وكذلك رواه يونس عن الزهري قال سمعت عبد الرحمن بن كعب بن مالك يحدث عن أبيه أن

(11/56)


رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "إنما نسمة المؤمن" وذكر الحديث.
وكذلك رواه الأوزاعي عن الزهري قال حدثني عبد الرحمن بن كعب.
ورواه محمد بن إسحاق عن الحارث بن فضيل عن الزهري عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن أبيه فاتفق مالك ويونس بن يزيد والأوزاعي والحارث بن فضيل على رواية هذا الحديث عن ابن شهاب عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن أبيه.
ورواه شعيب بن أبي حمزة ومحمد بن أخي الزهري وصالح بن كيسان عن الزهري عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك عن كعب بن مالك فاتفق هؤلاء على أن جعلوا الحديث لعبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك عن جده كعب بن مالك.
ذكره إبراهيم بن سعد عن صالح بن كيسان عن ابن شهاب عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب أنه بلغه أن كعب بن مالك كان يحدث.
وذكر أبو اليمان حدثنا شعيب عن الزهري قال أخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب أن كعب بن مالك كان يحدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل حديث مالك سواء.

(11/57)


ورواه معمر وعقيل وعمرو بن دينار عن الزهري عن ابن كعب لم يقولوا عبد الله ولا عبد الرحمن ذكره عبد الرزاق عن معمر وذكره الليث عن عقيل وذكره ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن الزهري كلهم عن ابن كعب بن مالك في حديث نسمة المؤمن كل هذا وقال محمد بن يحيى المحفوظ عندنا والله أعلم هذا وهو الذي يشبه حديث صالح بن كيسان وشعيب وابن أخ ابن شهاب.
قال أبو عمر:
لا وجه عندي لما قاله محمد بن يحيى من ذلك ولا دليل عليه واتفاق مالك ويونس والأوزاعي ومحمد بن إسحاق أولى بالصواب والنفس إلى قولهم وروايتهم أميل وأسكن وهم في الحفظ والإتقان بحيث لا يقاس عليهم غيرهم ممن خالفهم في هذا الحديث وبالله التوفيق.
وأما قوله "نسمة المؤمن" والنسمة ههنا الروح يدلك على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث نفسه "حتى يرجعه الله إلى جسده يوم القيامة" وقيل النسمة النفس والروح والبدن وأصل هذه اللفظة أعني النسمة الإنسان بعينه وإنما قيل للإنسان نسمة والله أعلم لأن حياة الإنسان بروحه فإذا فارقته عدم أو صار كالمعدم والدليل على أن النسمة الإنسان قوله صلى الله عليه وسلم "من أعتق نسمة مؤمنة" وقول علي رضي الله عنه لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة قال الشاعر:
بأعظم منك يقي في الحساب ... إذا النسمات نفضن الغبارا

(11/58)


يعني إذا بعث الناس من قبورهم يوم القيامة وقال الخليل بن أحمد النسمة الإنسان قال والنسم نفس الروح والنسيم هبوب الريح وقوله: "تعلق في شجر الجنة" يروى بفتح اللام وهو الأكثر ويروى بضم اللام والمعنى واحد وهو الأكل والرعي يقول تأكل من ثمار الجنة وترعى وتسرح بين أشجارها والعلوقة والعلاق والعلوق الأكل والرعي وتقول العرب ما ذاق اليوم علوقا أي طعاما قال الربيع بن زياد يصف الخيل.
ومجنبات لا يذقن علوقة ... يمصعن بالمهرات والأمهار
يعني ما يرعين ولا يذقن شيئا قال الأعشى.
وفلاة كأنها ظهر ترسن ... ليس فيها إلا الربيع علاق ...
اختلف العلماء في معنى هذا الحديث فقال منهم قائلون أرواح المؤمنين عند الله في الجنة شهداء كانوا أم غير شهداء إذا لم يحبسهم عن الجنة كبيرة ولا دين وتلقاهم ربهم بالعفو عنهم وبالرحمة لهم.
واحتجوا بأن هذا الحديث لم يخص فيه مؤمنا شهيدا من غير شهيد.
واحتجوا أيضا بما روي عن أبي هريرة أن أرواح الأبرار في عليين وأرواح الفجار في سجين

(11/59)


وعن عبد الله بن عمر مثل ذلك.
وهذا قول يعارضه من السنة ما لا مدفع في صحة نقله وهو قوله صلى الله عليه وسلم "إذا مات أحدكم عرض عليه مقعده بالغداة والعشي إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة وإن كان من أهل النار فمن أهل النار يقال هذا مقعدك حتى يبعثك الله إليه يوم القيامة".
وسيأتي هذا الحديث وما كان في معناه من صحيح الأثر في باب نافع إن شاء الله تعالى.
وقال آخرون. إنما معنى هذا الحديث في الشهداء دون غيرهم لأن القرآن والسنة لا يدلان إلا على ذلك أما القرآن ف قوله عز وجل. {وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} الآية.
وأما الآثار فمنها ما رواه الثقات في حديث ابن شهاب هذا أخبرنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن عبد السلام قال حدثنا ابن أبي عمر حدثنا سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن الزهري عن ابن كعب بن مالك عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "أرواح الشهداء في طير خضر تعلق في شجر الجنة" .
ومنها حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا مقدام بن داود قال حدثنا يوسف بن عدي قال حدثنا إسماعيل بن المختار عن عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "الشهداء

(11/60)


يغدون ويروحون إلى رياض الجنة ثم يكون مأواهم إلى قناديل معلقة بالعرش فيقول الله تبارك وتعالى هل تعلمون كرامة أفضل من كرامة أكرمتموها فيقولون لا غير أنا وددنا أنك أعدت أرواحنا في أجسادنا حتى نقاتل مرة أخرى في سبيلك".
وذكر بقي بن مخلد قال حدثنا عباد بن السري عن إسماعيل بن المختار عن عطية عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله.
قال بقي، وحدثنا عثمان بن أبي شيبة قال حدثنا عبد الله بن إدريس عن محمد بن إسحاق عن إسماعيل بن أمية عن أبي الزبير عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لما أصيب إخوانكم يوم أحد جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر ترد أنهار الجنة وتأكل من ثمرها وتأوي إلى قناديل من ذهب مذللة في ظل العرش فلما وجدوا طيب مأكلهم ومشربهم ومقيلهم قالوا من يبلغ إخواننا عنا أنا أحياء في الجنة نرزق لئلا ينكلوا عن الحرب ولا يزهدوا في الجهاد قال فقال الله عز وجل أنا أبغلهم عنكم فأنزل الله تعالى: {وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} " قال بقي وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن عبد الله بن مرة عن مسروق عن عبد الله قال سألناه عن هذه الآية: {وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} .

(11/61)


قال أما أنا فقد سألنا عن ذلك أرواحهم كطير خضر تسرح في الجنة في أيها شاءت قالوا فلما رأينهم لا يتركون قالوا نسألك أن ترد أرواحنا إلى الدنيا حتى نقتل في سبيلك فلما رأى أنهم لا يسألون إلا هذا تركهم.
وحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن عبد السلام قال حدثنا محمد بن بشار قال حدثنا محمد بن أبي عدي عن شعبة عن سليمان الأعمش عن عبد الله بن مرة عن مسروق قال سألنا عبد الله عن أرواح الشهداء ولولا عبد الله ما أخبرنا أحد قال أرواح الشهداء عند الله إلى يوم القيامة في طير خضر في قناديل تحت العرش تسرح في الجنة حيث شاءت ثم ترجع إلى قناديلها فيطلع عليها ربها فيقول ماذا تريدون فيقولون نريد أن نرجع إلى الدنيا فنقتل مرة أخرى".
ورواه ابن إسحاق عن الأعمش عن أبي الضحى مسلم بن صبيح عن مسروق قال سألنا عبد الله مثله بمعناه إلى آخره والصواب فيه ما قال أبو معاوية وشعبة عن الأعمش عن عبد الله بن مرة عن مسروق وكذلك رواه عيسى بن يونس عن الأعمش بإسناده مثله.

(11/62)


وذكر أبي الضحى في هذا الإسناد عندي خطأ وأظن الوهم فيه من ابن إسحاق والله أعلم.
وقال بقي حدثنا يحيى بن عبد الحميد حدثنا ابن عيينة عن عبيد الله بن أبي يزيد سمع ابن عباس يقول أرواح الشهداء تجول في أجواف طير خضر تعلق في شجر الجنة.
قال وحدثنا يحيى بن عبد الحميد وجعفر بن حميد قالا حدثنا ابن المبارك عن ابن جريج فيما قرئ عليه عن مجاهد قال ليس هي في الجنة ولكن يأكلون من ثمارها فيجدون ريحها.
قال وحدثنا ابن المسيب قال حدثنا ابن المبارك عن ابن جريج عن مجاهد في قوله {وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} قالوا يرزقون من ثمر الجنة فيجدون ريحها.
قال وحدثنا محمد بن عبيد قال حدثنا محمد بن ثور عن معمر عن قتادة في قوله: {وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} قال بلغنا أن أرواح الشهداء في صورة طير بيض يأكلون من ثمار الجنة.
حدثنا عبد الله بن محمد بن يوسف قال حدثنا يحيى بن مالك بن عائد قال حدثنا محمد بن سليمان بن أبي الشريف قال حدثنا محمد بن علي قال حدثنا يزيد بن

(11/63)


سنان قال: حدثنا أبو عاصم النبيل قال حدثنا ثور بن يزيد عن خالد بن معدان عن عبد الله بن عمر وقال الجنة معلقة بقرون الشمس تنشرها في كل عام مرة وأرواح الشهداء في طير كالزرازير يتعارفون ويرزقون من ثمر الجنة.
قال أبو عمر:
قد ذكرنا من الآثار عن السلف ما في معنى حديثنا في هذا الباب لقوله صلى الله عليه وسلم "إنما نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة" .
وهذه الآثار كلها تدل على أنهم الشهداء دون غيرهم وفي بعضها في صورة طير وفي بعضها في أجواف طير وفي بعضها كطير والذي يشبه عندي والله أعلم أن يكون القول قول من قال كطير أو كصور طير لمطابقته لحديثنا المذكور وليس هذا موضع نظر ولا قياس لأن القياس إنما يكون فيما يسوغ فيه الإجتهاد ولا مدخل للإجتهاد في هذا الباب وإنما نسلم فيه لما صح من الخبر عمن يجب التسليم له.
روى عيسى بن يونس هذا الحديث عن الأعمش عن عبد الله بن مرة عن مسروق عن عبد الله فقال أرواحهم كطير خضر وكذلك قال فيه روح بن القاسم عن الأعمش عن عبد الله بن مرة عن مسروق عن عبد الله كطير خضر تسرح في الجنة حيث شاءت وتأوي إلى قناديل تحت العرش.

(11/64)


وثبت عن ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير أن هذه الآية نزلت في الشهداء قوله تعالى {وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} وهو قول ابن مسعود وأبي سعيد وجابر وهو الصحيح وبالله التوفيق.
وللناس أقاويل في مستقر الأرواح غير ما ذكر سنذكر ذلك في حديث نافع إن شاء الله تعالى.
فعلى هذا التأويل كأنه قال صلى الله عليه وسلم "إنما نسمة المؤمن من الشهداء طائر يعلق في شجر الجنة" .
وجاء عن أبي بن كعب رحمه الله وجماعة من التابعين في صفة أحوال الشهداء وطعامهم في الجنة أقاويل غير هذه وإنما ذكرنا في هذا الباب ما في معنى حديثنا وما يطابقه ويضاهيه وبالله التوفيق.
وقال آخرون أرواح المؤمنين على أفنية قبورهم وكان ابن وضاح يذهب إلى هذا ويحتج بحديث النبي صلى الله عليه وسلم حين خرج إلى المقبرة فقال "السلام عليكم دار قوم مؤمنين" فهذا يدل على أن الأرواح بأفنية القبور وقد خالفه غيره فمال إلى الحديث "اذهبوا بروحه يعني المؤمن إلى عليين" وقال في الكافر "اذهبوا بروحه إلى سجين من أسفل الأرض" وقد ذكرنا هذا المعنى في باب نافع وباب العلاء من هذا الكتاب والحمد لله.

(11/65)


الحديث الواحد والأربعون
...
حديث ثان لابن شهاب عن ابن كعب بن مالك مرسل
حدثنا مالك عن ابن شهاب عن ابن كعب بن مالك
الأنصاري قال حسبت أنه قال عبد الرحمن بن كعب أنه قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين قتلوا ابن أبي الحقيق عن قتل النساء والولدان قال فكان رجل منهم يقول برحت بنا امرأة أبي الحقيق بالصياح فأرفع عليها السيف ثم أذكر نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكف ولولا ذاك استرحنا منها.
هكذا قال يحيى حسبت أنه قال عبد الرحمن بن كعب وتابعه ابن القاسم وبشر بن عمر وابن بكير وأبو المصعب وغيرهم وقال القعنبي حسبت أنه قال عبد الله بن كعب أو عبد الرحمن بن كعب.
ورواه ابن وهب عن مالك عن الزهري عن ابن كعب بن مالك لم يقل عبد الله ولا عبد الرحمن ولا حسبت شيئا من ذلك.
واتفق هؤلاء كلهم وجماعة رواة الموطأ على رواة هذا الحديث مرسلا على حسب ما ذكرنا من اختلافهم لم يسنده واحد منهم ولا علمت أحدا أسنده عن مالك في كل رواية عنه من جميع رواته إلا الوليد بن مسلم فإنه قال فيه عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن كعب بن مالك.
حدثني محمد بن عبد الله قال حدثنا محمد بن معاوية قال حدثنا ابن أبي حسان قال حدثنا هشام بن عمار قال .

(11/66)


حدثنا الوليد بن مسلم قال حدثنا مالك عن الزهري عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن كعب بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى الذين قتلوا ابن أبي الحقيق حين خرجوا إليه عن قتل النساء والولدان.
وحدثني محمد بن رشيق قال حدثنا محمد بن أحمد البلخي قال حدثنا عبد الرحمن بن محمد اللواز قال حدثنا محمد بن عبد الله بن ميمون قال حدثنا الوليد بن مسلم.
وحدثنا محمد قال حدثنا علي بن عمر الحافظ قال حدثنا أبو بكر عبد الله بن محمد بن زياد النيسابوري حدثنا محمد بن عبد الله بن ميمون بالإسكندرية حدثنا الوليد بن مسلم قال حدثنا مالك بن أنس عن ابن شهاب عن عبد الرحمن بن كعب عن كعب بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى الذين قتلوا ابن أبي الحقيق حين خرجوا إليه عن قتل النساء والولدان.
وكان رجل منهم يقول برحت بنا امرأة ابن أبي الحقيق بالصياح فأرفع السيف ثم أذكر نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكف ولولا ذلك استرحنا منها.
فهذا ما بلغنا من الاختلاف عن مالك في إسناد هذا الحديث وأما اختلاف أصحاب الزهري عنه فيه فرواه الليث بن سعد قال حدثني يونس عن ابن شهاب قال أخبرني عبد الرحمن بن كعب بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رجع ابن عتيك وأصحابه الذين قتلوا ابن أبي الحقيق بخيبر قال

(11/67)


الليث وحدثني عقيل عن ابن شهاب قال أخبرني عبد الله بن كعب السلمي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى النفر الذين قتلوا ابن أبي الحقيق عن قتل النساء فقال الليث عن يونس عبد الرحمن بن كعب بن مالك وعن عقيل عبد الله بن كعب بن مالك وقال محمد بن إسحاق عن الزهري عن عبيد الله بن كعب بن مالك قال كان مما صنع الله لرسوله صلى الله عليه وسلم أن هذين الحيين من الأنصار وساق الحديث بطوله مرسلا.
هكذا قال ابن إدريس عن ابن إسحاق وقال يزيد بن هارون عن محمد بن إسحاق عن الزهري عن عبد الله بن كعب بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بعث النفر من الأنصار إلى ابن أبي الحقيق بخيبر ليقتلوه قال لهم "لا تقتلوا وليدا ولا امرأة" .
كما رواه يزيد بن هارون عن ابن إسحاق مختصر وقال فيه عبد الله بن عبد الله بن كعب وقال عنه ابن إدريس عبيد الله بن كعب واقتص الحديث بطوله.
ورواه إسحاق بن راشد عن الزهري عن عبد الله بن كعب عن أبيه قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نكاح المتعة في غزوة خيبر ونهى أن يقتل وليد صغير أو امرأة.
وقال محمد بن يحيى وقد أعضل إسحاق بن راشد وقلب الإسناد والمتن فإن كان أراد حديث علي في المتعة فقد أخطأ وإن كان أراد حديث الربيع بن سبرة فقد أخطأ أيضا في قتل

(11/68)


النساء والولدان وأصاب بعض الإسناد قال محمد بن يحيى وحدثنا عبد الرزاق قال أنبأنا معمر عن الزهري قال أخبرني ابن كعب بن مالك عن عمه أن النبي صلى الله عليه وسلم حين بعث إلى ابن أبي الحقيق نهاهم عن قتل النساء والصبيان قال محمد بن يحيى هكذا حدثنا به عبد الرزاق مختصرا في عقب حديث الصعب بن جثامة.
وحدثنا مرة أخرى فقال أنبأنا معمر عن الزهري عن ابن كعب بن مالك قال إن كان مما صنع الله لنبيه أن هذين الحيين الأوس والخزرج كانا يتصاولان في الإسلام كتصاول الفحلين واقتص الحديث ولم يذكر عمه.
قال أبو عمر:
أما المدبري فرواه عن عبد الرزاق عن معمر عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك كرواية يونس بن يزيد بإسناده سواء وهو خلاف ما ذكره محمد بن يحيى.
ورواه ابن عيينة عن الزهري عن ابن كعب بن مالك عن عمه كما ذكر محمد بن يحيى عن عبد الرزاق عن معمر.
وذكره ابن أبي شيبة عن ابن عيينة فقال فيه عبد الرحمن بن كعب.
حدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا ابن وضاح قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا سفيان

(11/69)


عن الزهري عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن عمه عن النبي صلى الله عليه وسلم لما بعث إلى ابن أبي الحقيق نهى عن قتل النساء والصبيان.
ورواه الشافعي عن ابن عيينة عن ابن شهاب عن ابن كعب بن مالك عن عمه مثله.
ورواه يحيى بن أبي شيبة عن الزهري عن عبد الله بن كعب بن مالك عن أبيه كعب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى زمن خيبر عن أن يقتل وليد صغير أو امرأة.
ورواه إبراهيم بن سعد عن ابن شهاب عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب أن الرهط هكذا مرسلا.
ورواه إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع عن ابن شهاب عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى الرهط الذين بعثهم إلى ابن أبي الحقيق ليقتلوه عن قتل النساء والولدان.
فاتفق إبراهيم بن سعد وإبراهيم بن مجمع عن ابن شهاب علي عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب إلا أن ابن مجمع قال فيه عن أبيه ولم يقل فيه ابن سعد عن أبيه قال محمد بن يحيى والقول عندنا في هذا الحديث قول إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع وإبراهيم بن سعد والحديث والله أعلم لعبد الرحمن بن عبد الله بن كعب وهو المحفوظ عندنا لأن معمرا وابن عيينة لم

(11/70)


يسمياه وابن إسحاق قد اختلف عنه فيه وشك مالك في اسمه فقال أحسب وقال يونس عبد الرحمن بن كعب من غير شك وقال عقيل عبد الله بن كعب واتفق إبراهيم بن سعد وإبراهيم بن إسماعيل بن مجمع على عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب وهو المحفوظ عندنا.
قال أبو عمر:
ابن أبي الحقيق هذا رجل من يهود خيبر يسمى سلام ويكنى أبا رافع وكان يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتله على نحو قصة كعب بن الأشرف وفي قصته وقصة كعب بن الأشرف إباحة الفتك بأعداء الله وأن من يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا ذمة له ودمه هدر ولهذا رأى مالك رحمه الله قتل الذمي إذا سب رسول الله صلى الله عليه وسلم وآذاه ومن لم ير من العلماء قتل الذمي بذلك يقول إن ابن أبي الحقيق وكعب بن الأشرف كانا حربا ولم يكن لهما ذمة.
وأما قصة ابن أبي الحقيق فحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا عبيد بن عبد الواحد قال حدثنا أحمد بن محمد بن أيوب قال حدثنا إبراهيم بن سعد عن ابن إسحاق وحدثنا عبد الله بن محمد بن يوسف قال حدثنا محمد بن أحمد بن يحيى قال حدثنا أحمد بن محمد بن زياد قال حدثنا أحمد بن عبد الجبار العطاردي قال حدثنا يونس بن بكير قال حدثنا محمد بن إسحاق وحدثنا عبد الوارث

(11/71)


بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن عبد السلام قال حدثنا محمد بن عبد الرحيم ووجدت في أصل سماع أبي بخطه أن محمد بن أحمد بن قاسم حدثهم قال حدثنا سعيد بن عثمان الأعناقي قال حدثنا عبد الله بن محمد بن خالد قال أنبأنا عبد الملك بن هشام قال حدثنا زياد بن عبد الله البكائ قال حدثنا محمد بن إسحاق قال حدثنا محمد بن مسلم الزهري عن عبد الله بن كعب بن مالك دخل حديث بعضهم في بعض والمعنى واحد.
وحدثنا خلف بن سعيد قال حدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا أحمد بن خالد قال حدثنا إسحاق بن إبراهيم قال أنبأنا عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك قال إن مما صنع الله لنبيه صلى الله عليه وسلم أن هذين الحيين من الأنصار الأوس والخزرج كانا يتصاولان في الإسلام كتصاول الفحلين لا تصنع الأوس شيئا إلا قالت الخزرج والله لا تذهبون به أبدا فضلا علينا في الإسلام زاد ابن إسحاق وعند رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا صنعت الخزرج شيئا قالت الأوس مثل ذلك فلما أصابت الأوس كعب بن الأشرف زاد ابن أبي الحقيق في عداوته لرسول الله صلى الله عليه وسلم قالت الخزرج والله لا ننتهي حتى نجزى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل الذي أجزؤوا فتذاكروا رجلا من اليهود.

(11/72)


وقال ابن إسحاق من رجل لرسول الله صلى الله عليه وسلم في العداوة كابن الأشرف فذكروا ابن أبي الحقيق وهو بخيبر ثم اتفقوا فاستأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في قتله فأذن لهم.
وفي حديث معمر وهو سلام بن أبي الحقيق الأعور أبو رافع بخيبر فأذن لهم في قتله وقال لهم "لا تقتلوا وليدا ولا امرأة" فخرج إليه من الخزرج رهط من بني سلمة منهم عبد الرحمن بن عتيك أحد بني سلمة وكان أمير القوم أمره عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وعبد الله بن أنيس ومسعود بن سنان وأبو قتادة بن ربعي وخزاعي بن أسود رجل من أسلم حليف لهم يعني الخزرج حتى أتوا خيبر فلما دخلوا الدار عمدوا إلى كل بيت منها فغلقوه من خارج على أهله ثم اشتدوا.
هكذا قال عبد الرزاق عن معمر.
وقال ابن إسحاق فخرجوا حتى إذا قدموا خيبر أتوا دار ابن أبي الحقيق ليلا فلم يدعوا بيتا في الدار إلا أغلقوه من خارج على أهله قال وكان في علية له إليها عجلة قال فاشتدوا فيها حتى قاموا على بابه فاستأذنوا فخرجت إليهم امرأته فقالت من أنتم قالوا

(11/73)


ناس أو نفر من العرب أردنا الميرة فقالت هذا الرجل صاحبكم فادخلوا عليه فلما دخلوا عليه أغلقوا عليه وعليهم الباب ثم ابتدروه بأسيافهم قال يقول قائلهم والله ما دلنا عليه إلا بياضه على الفراش في سواد الليل كأنه قبطية ملقاة قال وصاحت بنا امرأته قال فرفع رجل منا السيف ليضربها ثم يذكر نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم فيكف يده قال ولولا ذلك لفرغنا منها بليل قال فلما ضربناه بأسيافنا تحامل عبد الله بن أنيس بسيفه في بطنه حتى أبقره فجعل يقول قطي قطي أي حسبي حسبي هكذا قال ابن إسحاق.
وقال معمر فجعل يقول بطني بطني ثلاثا ثم اتفقا قال ثم خرجنا وكان عبد الله بن عتيك سيء البصر فوقع من فوق العجلة فوثبت رجله وثبا منكرا فنزلنا واحتملناه هكذا قال معمر وقال ابن إسحاق سيء البصر فوثبت يده وثبا شديدا فاحتملناه ثم اتفقا بمعنى واحد فانطلقنا به حتى أتينا منهر عين من عيونهم فدخلنا فيه قال وأوقدوا النيران وأشعلوها في السعف وجعلوا يلتمسون ويشتدون في كل وجه ويطلبون وأخفى الله عليهم مكاننا فلما يئسوا رجعوا إلى صاحبهم فاكتنفوه فقال بعض أصحابنا أنذهب ولا ندري أمات عدو الله أم لا فخرج رجل منا فانطلق حتى دخل في الناس فوجد امرأته تبكيه وفي يدها المصباح وحوله رجال يهود فقال قائل منهم أما والله لقد سمعت صوت ابن عتيك وقال ابن إسحاق وفي يدها المصباح

(11/74)


تنظر في وجهه وتحدثهم وتقول أما والله لقد سمعت صوت ابن عتيك ثم اتفقا ثم أكذبت نفسي وقلت وأين ابن عتيك بهذه البلاد ثم أقبلت عليه تنظر في وجهه ثم قالت فاظ والد يهود.
قال فما سمعت كلمة كانت ألذ إلى نفسي منها قال معمر في حديثه ثم جئت فأخبرت أصحابي أنه قد مات فاحتملنا صاحبنا فجئنا النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرناه بذلك.
وقال ابن إسحاق ثم جاءنا فأخبرنا الخبر فاحتملنا صاحبنا فقدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرناه بقتل عدو الله واختلفنا عنده في قتله كلنا يدعيه.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "هاتوا أسيافكم قال فجئناه بها فنظر إليها فقال لسيف عبد الله بن أنيس هذا قتله" رأى فيه أثر الطعام.
قال معمر جاءوه يوم الجمعة والنبي صلى الله عليه وسلم على المنبر يخطب فلما رآهم قال "أفلحت الوجوه".
وقال ابن إسحاق فقال حسان بن ثابت يذكر قتل ابن الأشرف وقتل سلام بن أبي الحقيق:
لله در عصابة لاقيتهم ... يا ابن الحقيق وأنت يا ابن الأشرف
يسرون بالبيض الخفاف إليكم ... مرحا كأسد في عرين معرف

(11/75)


حتى أتوكم في محل بلادكم ... فسقوكم حتفا ببيض دفف
مستنصرين لنصر دين محمد ... مستصغرين لكل أمر مجحف
قال ابن هشام عن غير ابن إسحاق والدفف الخفاف.
حدثنا خلف بن القاسم ابن سهل الحافظ حدثنا أبو القاسم بكير بن الحسن بن عبد الله بن سلمة الرازي حدثنا عبد الله بن أبي مريم حدثنا محمد بن يوسف حدثنا ابن ثوبان عن حسان بن عطية عن أبي منيب الجرشي عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "بعثت بين يدي الساعة بالسيف حتى يعبد الله وحده لا شريك له وجعل رزقي تحت ظل رمحي وجعل الصغار والذلة على من خالف أمري".
أبو المنيب الجرشي يعد في الشاميين وأصله من المدينة يروي عن ابن عمر وسعيد بن المسيب روى عنه زيد بن واقد الشامي وحسان بن عطية وأبو اليمان ومجاهد بن فرقد الصنعاني ليس به بأس
قال أبو عمر:
فهذه قصة ابن أبي الحقيق وأخرنا القول في حكم قتل النساء والصبيان وما كان في معناهم وما للعلماء في ذلك من الاختلاف والاتفاق إلى آخر باب حديث نافع من كتابنا هذا إن شاء الله تعالى.

(11/76)


ابن شهاب عن ابن محيصة حديثان مرسلان عند جماعة الرواة
واسمه حرام بن سعد بن محيصة بن مسعود بن كعب بن عامر الأنصاري من بني حارثة بن الحارث لجده محيصة بن مسعود صحبة ورواية وقد ذكرناه في الصحابة.
وحرام هذا يكنى أبا سعد من ساكني المدينة قليل الرواية توفي سنة ثلاث عشرة ومائة وهو ابن سبعين سنة وهو ثقة روى عنه ابن شهاب.

(11/77)


الحديث الثاني والأربعون
...
حديث أول لابن شهاب عن ابن محيصة
مالك عن ابن شهاب عن ابن محيصة الأنصاري أحد بني حارثة أنه استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في إجارة الحجام فنهاه عنها فلم يزل يسأله ويستأذنه حتى قال له "اعلفه نضاحك يعني رقيقك."
هكذا قال يحيى في هذا الحديث يعني عن ابن محيصة أنه استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتابعه ابن القاسم وذلك من الغلط الذي لا إشكال فيه على أحد من أهل العلم وليس لسعد بن محيصة صحبة فكيف لابنه حرام ولا يختلفون أن الذي روى عنه الزهري هذا الحديث وحديث ناقة البراء هو حرام بن سعد بن محيصة وقال ابن وهب ومطرف وابن بكير

(11/77)


وابن نافع والقعنبي عن مالك عن ابن شهاب عن ابن محيصة عن أبيه والحديث مع هذا كله مرسل قال يحيى نضاحك يعني رقيقك وقال القعنبي نضاحك رقيقك وهو معنى حديث يحيى سواء وقال ابن بكير نضاحك ورقيقك وقال ابن القاسم النضاح الرقيق ويكون في الإبل.
قال أبو عمر:
أما الخليل فقال الناضح الجمل يسقى عليه وأما أصحاب ابن شهاب فاتفق معمر ومالك في رواية أكثر أصحابه عنه وابن أبي ذئب وابن عيينة ويونس ابن يزيد على أن قالوا فيه عن أبيه لم يزيدوا وقال الليث عن ابن شهاب عن ابن محيصة أن أباه استأذن النبي صلى الله عليه وسلم في خراج الحجام فأبى أن يأذن له فلم يزل به حتى قال له "أطعمه رقيقك واعلفه ناضحك" .
هكذا رواه الليث عن ابن شهاب وقد رواه الليث عن عبد الرحمن بن خالد بن مسافر عن ابن شهاب عن حرام بن سعد بن محيصة عن محيصة رجل من بني حارثة كان له غلام حجام فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كسبه فنهاه أن يأكل كسبه ثم عاد فنهاه ثم عاد فنهاه فلم يزل

(11/78)


يراجعه حتى قال له "اعلف كسبه ناضحك وأطعمه رقيقك" .
وقال ابن عيينة فيه عن ابن شهاب عن حرام بن سعد بن محيصة عن أبيه أن محيصة سأل النبي صلى الله عليه وسلم فذكر الحديث وجود إسناده.
وقال فيه ابن إسحاق عن ابن شهاب عن حرام بن سعد بن محيصة عن أبيه عن جده محيصة أنه كان له غلام حجام يقال له أبو ظبية لم يسمه من أصحاب الزهري غيره.
ولا يتصل هذا الحديث عن ابن شهاب إلا من رواية ابن إسحاق هذه ورواية ابن عيينة مثلها وسائرها مرسلات.
وقد روي من غير حديث ابن شهاب متصلا مسندا حدثني عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن إسماعيل الترمذي قال حدثنا عبد الله بن صالح قال حدثني الليث قال حدثني يزيد بن أبي حبيب عن أبي عمير الأنصاري عن محمد بن سهل بن أبي حثمة عن محيصة بن مسعود الأنصاري أنه كان له غلام حجام يقال له نافع أبو ظبية فانطلق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأله عن خراجه فقال "لا تقربه" فردد على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال "اعلف به الناضح اجعله في كرشه" .

(11/79)


عند الليث في هذا الحديث ثلاثة أسانيد قد مضى القول في أجرة الحجام مستوعبا في باب حميد الطويل من كتابنا هذا فأغنى عن إعادته ههنا.
ومعنى حديث محيصة هذا التنزه لا التحريم وذلك والله أعلم لأنه عمل على ثواب غير معلوم قبل العمل فأشبه الإجارة المجهولة من ناحية لما عسى أن لا تطيب به نفس أحدهما من العوض ومن ههنا كان جماعة من العلماء الصالحين يرضون الحجامين بأكثر من المتعارف عندهم والله أعلم.
وقد بينا ذلك في باب حميد بما فيه كفاية حدثني عبد الوارث قال حدثنا قاسم قال حدثنا محمد بن شاذان قال حدثنا هوذة بن خليفة قال حدثنا عوف عن محمد أن ابن عباس سئل عن كسب الحجام فقال لقد احتجم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعطاه أجره ولو كان حراما لم يعطه.
حدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا إسماعيل بن إسحاق قال حدثنا سليمان بن حرب قال حدثنا حماد عن أيوب عن محمد عن ابن عباس أنه سئل عن كسب الحجام فقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم احتجم وأعطى الحجام أجره ولو كان حراما لم يعطه وذكر ابن وهب عن موسى بن علي بن رباح عن أبيه قال كنت عند ابن عباس فأتته امرأة فقالت إن لي غلاما حجاما وإن أهل العراق يزعمون أني آكل ثمن الدم فقال ابن عباس كذبوا إنما تأكلين خراج غلامك

(11/80)


وقال الليث بن سعد عن ربيعة قال كان للحجامين سوق على عهد عمر بن الخطاب قال الليث قال لي يحيى ابن سعيد لم يزل المسلمون يقرون بأجرة الحجام ولا ينكرونها.

(11/81)


الحديث الثالث والأربعون
...
حديث ثان لابن شهاب عن ابن محيصة
مالك عن ابن شهاب عن حرام بن سعد بن محيصة أن ناقة للبراء بن عازب دخلت حائط رجل فأفسدت فيه فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن على أهل الحوائط حفظها بالنهار وأن ما أفسدت المواشي بالليل ضامن على أهلها.
هكذا رواه جميع رواة الموطأ فيما علمت مرسلا وكذلك رواه أصحاب ابن شهاب عن ابن شهاب أيضا هكذا مرسلا إلا أن ابن عيينة رواه عن الزهري عن سعيد بن المسيب وحرام بن سعد بن محيصة أن ناقة للبراء دخلت حائط قوم فذكر مثله بمعناه وجعل مع حرام بن سعد سعيد بن المسيب ورواه ابن أبي ذئب عن ابن شهاب أنه بلغه أن ناقة للبراء بن عازب دخلت حائط قوم مثل حديث مالك سواء ولم يصنع ابن أبي ذئب شيئا لأنه أفسد إسناده ورواه عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن حرام بن محيصة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم ولم يتابع عبد الرزاق على ذلك وأ نكروا عليه قوله فيه عن أبيه.
حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن قال حدثنا محمد بن بكر بن عبد الرزاق التمار قال سمعت أبا داود يقول لم يتابع أحد عبد الرزاق على قوله في هذا الحديث عن أبيه.

(11/81)


هكذا قال أبو داود لم يتابع عبد الرزاق قال محمد بن يحيى الذهلي لم يتابع معمر على ذلك فجعل محمد بن يحيى الخطأ فيه من معمر وجعله أبو داود من عبد الرزاق على أن محمد بن يحيى لم يرو حديث معمر هذا ولا ذكره في كتابه في علل حديث الزهري إلا عن عبد الرزاق لا غير.
ثم قال محمد بن يحيى اجتمع مالك الأوزاعي ومحمد بن إسحاق وصالح بن كيسان وابن عيينة على رواية هذا الحديث عن الزهري عن حرام لم يقولوا عن أبيه إلا معمرا فإنه قال فيه عن أبيه فيما حدثنا عنه عبد الرزاق إلا أن ابن عيينة جمع إلى حرام سعيد بن المسيب قال وأما حديث كسب الحجام فمحفوظ فيه عن أبيه وقال فيه محمد بن إسحاق عن أبيه عن جده هذا كله كلام محمد بن يحيى.
قال أبو عمر:
هذا الحديث وإن كان مرسلا فهو حديث مشهور أرسله الأئمة وحدث به الثقات واستعمله فقهاء الحجاز وتلقوه بالقبول وجرى في المدينة به العمل وقد زعم الشافعي أنه تتبع مراسيل سعيد بن المسيب فألفاها صحاحا وأكثر الفقهاء يحتجون بها وحسبك باستعمال أهل المدينة وسائر أهل الحجاز لهذا الحديث.
حدثني عبد الله بن محمد قال حدثنا أحمد بن إبراهيم بن جامع قال حدثنا المقدام بن داود قال حدثنا عبد الله بن عبد الحكم قال قال مالك وما أفسدت المواشي والدواب من الزروع والحوائط بالليل فضمان ذلك على أهلها وماكان بالنهار فلا شيء على أصحاب الدواب ويقوم الزرع الذي أفسدت بالليل

(11/82)


على الرجاء والخوف قال والحوائط التي تحرس والتي لا تحرس سواء والمحظر عليه وغير المحظر سواء يغرم أهلها ما أصابت بالليل بالغا ما بلغ وإن كان أكثر من قيمتها.
قال مالك فإذا انفلتت دابة بالليل فوطئت على رجل نائم لم يغرم صاحبها شيئا وإنما هذا في الحوائط والزرع والحرث.
قال وإذا تقدم إلى صاحب الكلب الضاري أو البعير أو الدابة فما أفسدت ليلا أو نهارا فعليهم غرمه وقال ابن القاسم ما أفسدت الماشية بالليل فهو في مال ربها وإن كان أضعاف قيمتها لأن الجناية من قبله إذ لم يربطها وليست الماشية كالعبيد حكاه سحنون وأصبغ وأبو زيد عن ابن القاسم.
وحدثني أحمد بن عبد الله بن محمد بن علي قال حدثني أبي قال حدثنا أسلم ابن عبد العزيز قال حدثني المزني قال قال الشافعي والضمان عن البهائم بوجهين أحدهما ما أفسدت من الزرع بالليل ضمنه أهلها وما أفسدت بالنهار لم يضمنوا واحتج بحديث مالك عن ابن شهاب عن حرام بن سعد بن محيصة المذكور في هذا الباب وبحديث ابن عيينة فيه على حسب ما أوردناه عنه.
قال والوجه الثاني إذا كان الرجل راكبا فأصابت بيدها أو برجلها أو فيها أو ذنبها من كسر وجرح فهو ضامن له لأن عليه
منعها في تلك الحال من كل ما تتلف به أحدا.
قال أبو عمر:
قد مضى القول في ضمان ما جنته البهائم مستوعبا كافيا مهذبا في باب ما رواه ابن شهاب عن سعيد بن المسيب من هذا

(11/83)


الكتاب عند قوله صلى الله عليه وسلم "جرح العجماء جبار" فأغنى عن إعادته ههنا.
فأما فساد الزروع والحوائط والكروم فقال مالك والشافعي وأهل الحجاز في ذلك ما ذكرناه عنهم في هذا الباب وحجتهم حديث البراء بن عازب المذكور فيه مع ما دل عليه القرآن في قصة داود وسليمان {إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ} ولا خلاف بين أهل اللغة أن النفش لا يكون إلا بالليل وكذلك قال جماعة العلماء بتأويل القرآن وقال الله عز وجل لمحمد صلى الله عليه وسلم عند ذكر من ذكر من أنبيائه في سورة الأنعام. {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} فجاز الاقتداء بكل ما ورد به القرآن من شرائع الأنبياء إلا أن يمنع من ذلك ما يجب التسليم له من نسخ في الكتاب أو سنة واردة عن النبي صلى الله عليه وسلم بخلاف ذلك تبين مراد الله فيعلم حينئذ أن شريعتنا مخالفة لشريعتهم فتحمل على ما يجب الاحتمال عليه من ذلك وبالله التوفيق.
وهذه مسألة من مسائل الأصول قد ذكرناها في موضعها وأوردنا الاختلاف فيها والله المستعان لا شريك له.
وقد قال جمهور فقهاء الحجاز بحديث البراء ابن عازب في هذا الباب.
وقال الليث بن سعد يضمن رب الماشية كلما أفسدت بالليل والنهار ولا يضمن أكثر من قيمة الماشية ولا أعلم من أين

(11/84)


قال الليث هذا إلا أن يجعله قياسا على العبد الجاني أنه لا يفتك بأكثر من قيمته ولا يلزم سيده جنايته بأكثر من قيمته وهذا ضعيف الوجه.
واختلف فيه عن الثوري فروى ابن المبارك عنه أن لا ضمان على صاحب الماشية وروى الواقدي عنه في شاة وقعت في غزل حائك بالنهار أنه يضمن وقال الطحاوي تصحيح الروايتين عن الثوري أنه إذا أرسلها سائبة ضمن وإذا أرسلها محفوظة لم يضمن بالليل ولا بالنهار.
واختلف أصحاب داود في هذا الباب فقال بعضهم بقول مالك والشافعي وقال بعضهم لا ضمان على رب الماشية والدابة لا في ليل ولا في نهار ولا على الراكب والسائق والقائد إلا أن يتعدى في إرسالها وربطها في موضع لا يجب له ربطها فيه أو يعنف عليها في السياق فيضمن بجناية نفسه وأما إذا لم يكن له في ذلك سبب فلا ضمان عليه لقوله صلى الله عليه وسلم "جرح العجماء جبار" إنما معناه على ما قدمنا في بعض المتلفات دون بعض لحديث البراء بن عازب وهو حديث مشهور وصحيح من حديث الأئمة الثقات مع عمل أهل المدينة به وسائر أهل الحجاز وهم يروون حديث "العجماء جرحها جبار" وعنهم نقل وليس له مخرج إلا عن أهل المدينة فكيف يجهلون معناه وهم رواته مع علمهم وموضعهم من الفقه والفهم هذا ما لا يظنه ذو فهم.
وقال أبو حنيفة وأصحابه لا ضمان على أرباب البهائم فيما تفسده أو تجني عليه لا في ليل ولا في نهار إلا أن يكون راكبا

(11/85)


أو سائقا أو قائدا وحجتهم في ذلك قوله صلى الله عليه وسلم "العجماء جرحها جبار" ومن حجتهم أيضا أن الذمة بريئة لا يثبت فيها شيء إلا بما لا مدفع فيه وجعلوا حديث "جرح العجماء جبار "معارضا لحديث البراء بن عازب وليس كما ذهبوا إليه لأن التعارض في الآثار إنما يصح إذا لم يمكن استعمال أحدهما إلا بنفي الآخر وحديث "العجماء جرحها جبار" معناه على الجملة لم يخص حديث البراء وتبقى له أحكام كثيرة على حسب ما ذكرناها فيما سلف من كتابنا هذا لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لو جاء عنه في حديث واحد "العجماء جرحها جبار" نهارا لا ليلا وفي الزرع والحوائط والحرث دون غيره لم يكن هذا مستحيلا من القول فكيف يجوز أن يقال في هذا متعارض وإنما المتعارض والمتضاد المتنافي الذي لا يثبت بعضه إلا بنفي بعض وإنما هذا من باب المجمل والمفسر ومن باب العموم والخصوص وقد بين ذلك في كتاب الأصول بما فيه كفاية.
والفرق عند أهل العلم في حديث البراء وحديث أبي هريرة في العجماء وبين ما تتلفه العجماء ليلا من الزرع والحرث وبين ما تتلفه نهارا أن أهل المواشي بهم ضرورة إلى إرسال مواشيهم لترعى بالنهار ولأهل الزرع حقوق في أن لا تتلف عليهم زروعهم والأغلب عندهم أن من له الزرع يتعاهده بالنهار ويحفظه عمن أراده لانتشار البهائم للرعي وغيره فجعل حفظ ذلك بالنهار على أهل الزرع لأنه وقت التصرف في المعاش والرعي وحفظ الأموال وإرسال الدواب والمواشي وإذا أتلفت بالنهار من الزرع شيئا فصاحب الزرع إنما أوتي من قبل نفسه حيث لم يحفظه في

(11/86)


الوقت الذي الأغلب من الناس أنهم يحفظونه فيه ممن أراده إذ لو منع الناس من ترك مواشيهم للرعي من أجل الزرع للحقتهم في ذلك مضرة ومشقة فإذا جاء الليل فقد جاء الوقت الذي يرجع كل شيء إلى موضعه ويرجع أهل الزرع إلى منازلهم ويرد أهل الماشية ماشيتهم إلى مواضعهم ليحفظوها فيها فإذا تركوها ليلا حتى أفسدت فالجناية من أهل المواشي لا من أهل الزرع لأن الأغلب أن الناس لا يحفظون زروعهم بالليل لاستغنائهم عن ذلك وعلمهم أن المواشي بالليل ترد إلى أماكنها فإذا فرط صاحب الماشية في ردها إلى منزله أو فرط في ضبطها وحبسها عن الانتشار بالليل حتى أتلفت شيئا فعليه ضمان ذلك إلا أن تكون الماشية ضالة أو نافرة فلا يتهيأ لصاحبها ضمها ولا ردها إلى مكانها فإذا كان كذلك لم يلزمه ضمان ما أتلفت بالليل كما لا يلزمه ضمان ما أتلفت بالنهار وأما السائق والراكب والقائد فإنهم يضمنون ما أصابت الدابة استدلالا بحديث البراء لأن ذلك في معنى ما أتلفت بالليل لأن الراكب يتهيأ له حفظ الدابة فعليه حفظها ولا مشقة عليه في ذلك وكذلك سائقها وقائدها والأغلب أن الناس إذا ركبوا أو ساقوا أو قادوا منعوا الدابة مما أرادت من إتلاف أو غيره فإذا لم يفعلوا ذلك فإنما أوتوا من قبل أنفسهم فعليهم الضمان إلا أن تكون الدابة قد غلبت الراكب أو القائد أو السائق فلم يقدر عليها فإذا كان كذلك فلا غرم عليه ولا ضمان يلزمه لأنه مغلوب عن حفظ ما أمر بحفظه ولم يمكنه الدفع.
وخبر البراء بن عازب هذا في طرح الضمان عن أهل المواشي فيما أتلفت ماشيتهم من زروع الناس نهارا إنما معناه

(11/87)


عند أهل العلم إذا أطلقت للرعي ولم يكن معها صاحبها وأما إذا كانت ترعى ومعها صاحبها فلم يمنعها من زرع غيره وقد أمكنه ذلك حتى أتلفته فعليه الضمان لأنه لا مشقة عليه في منعها وهو في معنى الراكب والسائق وبالله العصمة والتوفيق.
أخبرنا خلف بن سعيد قال حدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا أحمد بن خالد قال حدثنا إسحاق بن إبراهيم قال أنبأنا عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن حرام بن محيصة عن أبيه أن ناقة للبراء دخلت حائط رجل فأفسدت فيه فقضى النبي صلى الله عليه وسلم على أهل الأموال حفظها بالنهار وعلى أهل المواشي حفظها بالليل.
وبه عن عبد الرزاق قال أنبأنا ابن جريج عن ابن شهاب قال حدثني أبو أمامة بن سهل بن حنيف أن ناقة دخلت في حائط قوم فأفسدت فيه فذهب أصحاب الحائط إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم "على أهل الأموال حفظ أموالهم نهارا" بما معناه عند أهل العلم حفظ أموالهم بالنهار وعلى أهل الماشية حفظ ماشيتهم بالليل وعليهم ما أفسدته قال وأخبرنا معمر عن قتادة عن الشعبي أن شاة وقعت في غزل حائك فاختصموا إلى شريح فقال الشعبي انظروه فإنه سيسألهم أليلا وقعت فيه أم نهارا ففعل ثم قال إن كان بالليل ضمن وإن كان بالنهار لم يضمن ثم قرأ شريح: {إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ} قال: فالنفش بالليل والهمل بالنهار قال وأخبرنا معمر عن

(11/88)


الزهري قال النفش بالليل والهمل بالنهار وقال معمر وابن جريج بلغنا أن حرثهم كان عنبا.
قرأت على أحمد بن عبد الله بن محمد حدثكم الميمون بن حمزة قال نعم حدثنا قال حدثنا الطحاوي قال أنبأنا المزني قال حدثنا الشافعي قال أنبأنا سفيان بن عيينة عن الزهري عن سعيد بن المسيب وحرام بن سعد بن محيصة أن ناقة للبراء بن عازب دخلت حائط قوم فأفسدت فيه فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن على أهل الأموال حفظ أموالهم بالنهار وعلى أهل الماشية ما أفسدت ماشيتهم بالليل أ وقال ما أصابت مواشيهم بالليل.
وحدثني عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن قال حدثنا محمد بن بكر بن محمد قال حدثنا أبو داود قال حدثنا محمود بن خالد قال حدثنا الفريابي عن الأوزاعي عن الزهري عن حرام بن محيصة عن البراء ابن عازب قال كانت لنا ناقة ضارية فدخلت حائط قوم فأفسدت فيه فكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقضى أن حفظ الحوائط بالنهار على أهلها وأن على أهل الماشية ما أصابت ماشيتهم بالليل قال أبو داود وكذلك رواه الوليد عن الأوزاعي قال ورواه عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن حرام بن محيصة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ولم يتابع أحد عبد الرزاق على روايته عن حرام بن محيصة عن أبيه ذكره أبو داود في كتابه المفرد وفي رواية الأوزاعي عن الزهري في

(11/89)


هذا الحديث كانت لنا ناقة ضارية ولا أعلم وجها لمن فرق من أصحابنا بين الضارية وغيرها من جهة الأثر ولا صحيح النظر وأما من تقدم إليه بالنهي فلم ينته عن كف عادية ضارية فمن قبله أتى لا من قبل ضارية والله أعلم.

(11/90)


الحديث الرابع والأربعون
...
ابن شهاب عن عثمان بن إسحاق بن خرشة حديث واحد مرسل
وعثمان هذا لا أعرفه بأكثر من رواية ابن شهاب عنه حديث الجدة هذا عن قبيصة بن ذؤيب وأقول فيه كما قال ابن معين في ابن أكيمة إذ سئل عنه وقال حسبك برواية ابن شهاب عنه هذا علمي فيه من جهة الرواية وأما أهل النسب فينسبونه عثمان بن إسحاق بن عبد الله بن أبي خرشة بن عمرو بن ربيعة بن الحارث بن حبيب بن جذيمة بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي هكذا ذكره الزبير بن أبي خرشة في مواضع من كتابه في النسب وقال فولد إسحاق بن عبد الله عثمان بن إسحاق بن عبد الله بن أبي خرشة وروى عنه ابن شهاب عن قبيصة حديث الجدة هذا لفظ الزبير بن بكار وأخبرنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أحمد بن زهير قال أنبأنا مصعب قال عثمان بن إسحاق بن عبد الله بن أبي خرشة روى عنه ابن شهاب عن قبيصة
بن ذؤيب حديث الجدة.

(11/90)


ثم قال أخبرنا ابن زهير حدثنا مصعب قال حدثني مالك بن أنس عن ابن شهاب عن عثمان بن إسحاق بن خرشة عن قبيصة بن ذؤيب أنه قال جاءت الجدة إلى أبي بكر فذكر الحديث إلى آخره وقال كذا قال مالك عن الزهري عن عثمان بن إسحاق بن خرشة ولم يتابعه أحد على هذا.
وقال مفضل بن غسان سألت مصعبا الزبيري عن عثمان بن إسحاق بن خرشة فقال من بني عامر بن لؤي وهو ابن أخي أروى الذي يقال عميت عمى أروى.
قال أبو عمر:
هذا مثل قد ذكرنا الخبر بذلك في باب سعيد بن زيد في الصحابة لأنه هو الذي دعا على أروى بنت أوس في قصة عرضت له معها قال الزبير والعامة تصحف المثل فتقول أعماك الله عمى الأروى يريدون الأروى التي في الجبل يظنونها شديدة العمى.
قال أبو عمر:
لم يختلف أصحاب ابن شهاب عنه فيما علمت أنه ابن خرشة لا ابن أبي خرشة وكان ابن شهاب ينسبه إلى جده يقول عثمان بن إسحاق بن خرشة ولم يرو ابن شهاب عن عثمان هذا غير هذا الحديث فيما علمت وهو حديث مرسل عند بعض أهل العلم بالحديث لأنه لم يذكر فيه سماع لقبيصة من أبي بكر ولا شهود لتلك القصة وقال آخرون هو متصل لأن قبيصة بن ذؤيب أدرك أبا بكر الصديق وله سن لا ينكر معها سماعه

(11/91)


من أبي بكر رضي الله عنه وسنذكر بعد في هذا الباب خبر قبيصة بن ذؤيب إن شاء الله.
قال أبو عمر:
مالك عن ابن شهاب عن عثمان بن إسحاق بن خرشة عن قبيصة بن ذؤيب قال جاءت الجدة إلى أبي بكر الصديق تسأله ميراثها فقال مالك في كتاب الله من شيء وما علمت لك في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا فارجعي حتى أسأل الناس فسأل الناس فقال المغيرة بن شعبة حضرت رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطاها السدس فقال أبو بكر هل معك غيرك فقام محمد بن مسلمة فقال مثل ما قال المغيرة بن شعبة فأنفذه لها أبو بكر ثم جاءت الجدة الأخرى إلى عمر تسأله ميراثها فقال لها مالك في كتاب الله شيء وما كان القضاء الذي قضي به إلا لغيرك وما أنا بزائد في الفرائض من شيء ولكن هو السدس فإن اجتمعتما فهو بينكما وأيكما خلت به فهو لها.
قد مضى القول في عثمان بن إسحاق بن خرشة وأما قبيصة بن ذؤيب فقيل أنه توفي سنة ست وثمانين وله ست وثمانون سنة كان مولده في أول سنة من الهجرة وهو أحد العلماء.
ذكر وكيع وغيره عن الأعمش عن أبي الزناد قال أدركت الفقهاء بالمدينة أربعة أحدهم قبيصة بن ذؤيب وقال الأعمش.

(11/92)


مرة أخرى أربعة سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير وقبيصة بن ذؤيب وعبد الملك بن مروان.
وذكر ابن المبارك عن محمد بن راشد عن مكحول قال ما رأيت أحدا أعلم من قبيصة بن ذؤيب وكان سعيد بن المسيب يحمل على قبيصة بن ذؤيب لمخالطة السلطان.
حدثني أحمد بن محمد قال حدثنا أحمد بن الفضل قال حدثنا محمد بن جرير قال حدثنا أبو كريب قال حدثنا ابن إدريس قال سمعت الأعمش يقول فقهاء المدينة أربعة سعيد بن المسيب وعروة وقبيصة وعبد الملك.
وحدثني خلف بن القاسم قال حدثنا عبد الله بن محمد بن ناصح قال حدثنا أحمد بن علي بن سعيد قال حدثنا أبو كريب قال حدثنا وكيع عن الأعمش عن ذكوان أو ابن ذكوان قال أدركت فقهاء المدينة أربعة سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير وقبيصة بن ذؤيب وعبد الملك بن مروان.
هكذا يقول الأعمش في هذا الحديث ذكوان أو ابن ذكوان وإنما هو عبد الله بن ذكوان أبو الزناد ولم يرو أحد في علم عن أبي الزناد أن فقهاء المدينة أربعة على حسب ما ذكرنا غير الأعمش والمعروف عن أبي الزناد في كتاب السبعة وغيره أن فقهاء المدينة في وقته من شيوخه سبعة أو أكثر من سبعة ولعل الأعمش إنما حكى ما حكاه عن ذكوان أبي صالح السمان فهو شيخه ولكن الناس يقولون إنما أراد أبا الزناد عبد الله بن ذكوان.

(11/93)


وكيف كانت الحال فقد أدرك أبو الزناد بالمدينة جماعة كلهم أفقه من قبيصة بن ذؤيب وعبد الملك بن مروان وما أعلم أحدا جعل عبد الملك بن مروان في الفقه كسعيد وعروة إلا ما جاء في هذا الخبر والله أعلم.
وأبو صالح ذكوان لا يصلح أيضا أن يضاف له هذا الخبر لأنه أدرك أبا هريرة وغيره من الصحابة وكبار التابعين ومن هاهنا قال العلماء أن الأعمش لم يرد بقوله إلا أبا الزناد فلم يقف على اسمه فقال ذكوان أو ابن ذكوان.
وقبيصة بن ذؤيب خزاعي وهو قبيصة بن ذؤيب بن حلحلة بن عمرو بن كليب بن أصرم بن عبد الله بن كثير بن حبشية بن سلول بن كعب بن عمرو خزاعة ولأبيه ذؤيب صحبة.
وقد ذكرناه وذكرنا الاختلاف في خزاعة في كتاب الصحابة والقبائل الرواة ومات قبيصة سنة سبع وثمانين فيما قال يحيى بن معين وقال الواقدي مات قبيصة بن ذؤيب سنة ستة وثمانين في خلافة عبد الملك بن مروان.
وكان قبيصة ممن قاتل يوم الحرة حتى ذهبت عينه ويكنى قبيصة أبا إسحاق كان من ساكني المدينة وكان معلم كتاب ثم تحول إلى الشام فصحب عبد الملك بن مروان وكان على خاتمه إليه البريد وعرض الكتب الواردة على عبد الملك عليه.

(11/94)


وأما رواية مالك لهذا الحديث عن ابن شهاب عن عثمان بن إسحاق بن خرشة عن قبيصة بن ذؤيب فلم يتابعه أحد على ذلك إلا أبو أويس ولم يجوده وجاء به على وجهه غيرهما من بين أصحاب ابن شهاب.
قال محمد بن يحيى الذهلي حدثنا إسماعيل بن أبان الوراق حدثنا أبو أويس قال أخبرني محمد بن شهاب أن عثمان بن إسحاق بن خرشة حدثه عن قبيصة بن ذؤيب أن الجدة جاءت إلى أبي بكر الصديق ورواه معمر ويونس بن يزيد وأسامة بن زيد وسفيان بن عيينة فيما روى عنه ابن أبي شيبة كلهم عن ابن شهاب عن قبيصة بن ذؤيب قال جاءت الجدة إلى أبي بكر الصديق تطلب ميراثها من ابن ابنها أو ابن ابنتها لم يدخلوا بين ابن شهاب وبين قبيصة أحدا وقال محمد بن يحيى رواه ابن عيينة عن الزهري عمن حدثه عن قبيصة ومرة قال سمعت الزهري يحدث عن رجل عن قبيصة بن ذؤيب أن الجدة جاءت إلى أبي بكر فذكره.
قال محمد بن يحيى والحديث حديث مالك وأبي أويس لإدخالهما بين ابن شهاب وقبيصة عثمان بن إسحاق بن خرشة قال وقد حدثني أبو صالح قال حدثني الليث قال حدثني عبد الرحمن بن خالد عن ابن شهاب عن عثمان بن إسحاق ابن خرشة عن قبيصة بن ذؤيب أن عمر بن الخطاب كان أول من ورث الجدتين وجمع بينهما في الميراث قال وهذا مختصر من حديث معمر ومالك وأبي أويس.

(11/95)


قال أبو عمر:
أما حديث معمر فحدثنا خلف بن سعيد قال حدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا أحمد بن خالد قال حدثنا إسحاق بن إبراهيم قال حدثنا عبد الرزاق قال أنبأنا معمر عن الزهري عن قبيصة بن ذؤيب قال جاءت الجدة إلى بكر الصديق تطلب ميراثها من ابن ابنها أو ابن ابنتها لا أدري أيتهما هي فقال أبو بكر لا أجد لك في الكتاب شيئا وما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقضي لك بشيء وسأسأل الناس العشية فلما صلى الظهر أقبل على الناس فقال إن الجدة أتتني تسألني ميراثها من ابن ابنها أو ابن ابنتها وإني لم أجد لها في الكتاب شيئا ولم أسمع النبي صلى الله عليه وسلم يقضي لها بشيء فهل سمع أحد من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها شيئا فقام المغيرة بن شعبة فقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقضي لها بالسدس فقال هل سمع ذلك معك أحد فقام محمد بن مسلمة فقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقضي لها بالسدس فأعطاها أبو بكر السدس فلما كانت خلافة عمر جاءت الجدة التي تخالفها فقال عمر إنما كان القضاء في غيرك ولكن إذا اجتمعتما فالسدس بينكما وأيكما خلت به فهو لها.

(11/96)


وكذلك رواه ابن المبارك عن معمر عن الزهري عن قبيصة وابن المبارك أيضا عن أسامة بن زيد عن الزهري عن قبيصة وابن وهب عن يونس بن يزيد وأسامة بن زيد أنهما أخبراه عن ابن شهاب أنه أخبرهم عن قبيصة بن ذؤيب الكعبي هذا الحديث بمعنى حديث مالك سواء.
قال أبو عمر:
في هذا الحديث من رواية مالك وغيره من الفقه أن القضاء إلى الخلفاء أو إلى من استخلفوه على ذلك وجعلوه إليه وعندهم تطلب الحقوق حتى يوصل إليها.
وفيه دليل على أن أبا بكر لم يكن له قاض وهذا أمر لم أعلم فيه خلافا وقد اختلف في أول من استقضى فذهب العراقيون إلى أن أول من استقضى عمر وأنه بعث شريحا إلى الكوفة قاضيا وبعث بن سوار إلى البصرة قاضيا.
قال مالك أول من استقضى معاوية والكلام في هذا طويل وليس هذا موضع ذكره.
وفيه أن الفرائض في المواريث لا يثبت منها إلا ما كان نصا في الكتاب والسنة ولو استدل مستدل بقول أبي بكر وعمر هذا على أن لا علم إلا الكتاب والسنة لجاز له ذلك.
ولكن للعلماء في القياس كلام قد ذكرت منه ما يكفي في كتاب العلم.
والاستدلال الصحيح من قول أبي بكر وعمر للجدة مالك في كتاب الله شيء على أن الفرائض والسهام في المواريث لا تؤخذ إلا من جهة نص الكتاب والسنة استدلال صحيح.

(11/97)


ولا خلاف في ذلك بين العلماء فأغنى عن الكلام فيه إلا أنهم أجمعوا أن فرض الجدة والجدات السدس لا مزيد فيه بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
والفرائض والسهام مأخوذة من كتاب الله عز وجل نصا ما عدا الجدة فإن فرضها بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم من نقل الآحاد على ما ذكرنا في هذا الباب ومن إجماع العلماء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بذلك وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عام حجة الوداع "إن الله قد أعطى كل ذي فرض فرضه فلا وصية لوارث" .
وفي هذا ما يدل على صحة ما ذكرنا وبالله توفيقنا.
واختلف العلماء من الصحابة ومن بعدهم في توريث الجدات على ما أصف لك فكان زيد بن ثابت يقول سواء كانت الجدة لأم أو لأب ميراثها السدس فإن اجتمعتا فالسدس بينهما وكذلك إن كثرت لا يزدن على السدس إذا تساوين في القعدد فإن قربت التي من قبل الأم كان السدس لها دون غيرها وإن قربت التي من قبل الأب كان السدس بينها وبين التي من قبل الأم وإن بعدت.
ولا ترث من قبل الأم إلا جدة واحدة ولا ترث الجدة أم أب الأم على حال ولا يرث مع الأب أحد من جداته ولا ترث
جدة وابنها حي يعني الابن الذي جرها إلى الميراث.
فأما أن تكون جدة أم عم لأب وأم فلا يحجبها هذا الابن عن الميراث ولا يرث أحد من الجدات مع الأم فهذا كله قول زيد بن ثابت وبه يقول مالك والشافعي وأصحابهم إلا أن مالكا

(11/98)


لا يورث إلا جدتين أم أم وأم أب وأمهاتهما وكذلك روى أبو ثور عن الشافعي وهو قول أبي بكر بن عبد الرحمن وسليمان بن يسار وابن شهاب وطلحة ابن عبد الله بن عوف وربيعة وابن هرمز وابن أبي ذؤيب وهو معنى قول سعد بن أبي وقاص وذلك أنه كان يوتر بركعة فعابه ابن مسعود فقال أتعيبني أن أوتر بركعة وأنت تورث ثلاث جدات.
قال ابن أبي أويس سألت مالكا عن اللتين ترثان والثالثة التي تطرح وأمهاتها فقال اللتان ترثان أم الأم وأم الأب وأمهاتهما إذا لم يكونا والثالثة التي تطرح أم الجد أب الأب وأمهاتها.
قال ابن أبي أويس فأما أم أب الأم فلا ترث شيئا.
وكان الأوزاعي لا يورث أكثر من ثلاث جدات واحدة من قبل الأم والاثنين من قبل الأب وهو قول أحمد بن حنبل.
ومن حجة من ورث ثلاث جدات ما حدثني محمد ابن إبراهيم قال حدثنا أحمد بن مطرف قال حدثنا سعيد بن عثمان قال حدثنا يونس بن عبد الأعلى قال حدثنا سفيان بن عيينة عن منصور عن إبراهيم أن النبي صلى الله عليه وسلم ورث ثلاث جدات ثنتين من قبل الأب وواحدة من قبل الأم.
وأما علي بن أبي طالب فكان قوله في الجدات كقول زيد بن ثابت إلا أنه كان يورث الدنيا من قبل الأب أو من قبل الأم ولا يشرك معها من ليس في قعددها وبه يقول الثوري وأبو حنيفة وأصحابه وأبو ثور.
وأما عبد الله بن مسعود وابن عباس فكانا يورثان الجدات الأربع وهو قول الحسن وابن سيرين وجابر بن زيد.

(11/99)


وروى حماد بن سلمة عن حجاج عن سليمان الأعمش عن إبراهيم أن عبد الله بن مسعود قال ترث الجدات الأربع قربن أو بعدن.
وحماد بن سلمة عن ليث عن طاووس عن ابن عباس قال ترث الجدات الأربع.
وحماد بن زيد عن أيوب عن الحسن ومحمد أنهما كانا يورثان أربع جدات.
قال أبو عمر:
كان عبد الله بن مسعود يشرك بين الجدات في السدس دنياهن وقصواهن ما لم تكن جدة أم جدة أو جدتها فإن كان ذلك ورث بينهما مع سائر الجدات وأسقط أمها أو جدتها.
وقد روي عنه أنه كان يسقط القصوى بالدنيا إذا كانتا من جهة واحدة مثل أن تكون أم أب وأم أب أب فيورث أم الأب ويسقط أم أب الأب.
وكان يحيى بن آدم يختار هذه الرواية عن ابن مسعود ويقويها وأما ابن عباس فكان يورث الجدة أم أب الأم مع من يحاذيها من الجدات وتابعه على ذلك ابن سيرين وجابر بن زيد.
وروي عن ابن عباس في الجدة أيضا قول شاذ أجمع العلماء على تركه وهو ما رواه إسرائيل عن أبي إسحاق أنه سمع من يحكي عن ابن عباس أنه قال كل جد ليس دونه من هو أقرب

(11/100)


منه فهو أب وكل جدة من قبل الأم ليس دونها أقرب منها فهي بمنزلة الأم.
قال يحيى بن آدم ولا نعرف أحدا من أهل العلم ورث جدة ثلثا ولو كانت بمنزلة الأم لورثت الثلث.
قال أبو عمر:
أما قول ابن عباس في الجد أنه كالأب عند عدم الأب فعليه أكثر أهل العلم.
وروي ذلك عن أبي بكر الصديق وأبي الدرداء ومعاذ بن جبل وأبي موسى الأشعري وعائشة وابن الزبير وبه قال شريح والحسن وعبد الله بن عقبة وجابر بن زيد وفقهاء البصرة عثمان البني وغيره.
وهو قول أبي حنيفة وأبي ثور والمزني وإسحاق بن راهويه والطبري وداود ونعيم بن حماد.
واختلف في الجد عن عمر اختلافا كثيرا وروي عنه أنه قال احفظوا عني ثلاثا لم أقل في الجد شيئا ولم أقل في الكلالة شيئا ولم أستخلف أحدا.
وروي عن زيد بن ثابت أنه قال أدركت الخليفتين يعني عمر وعثمان يقولان في الجد بقولي وهذا أصح عنه.
وأهل المدينة يروون عن عمر أنه كان يقول في الجد بقول زيد بن ثابت إلا في الأكدرية

(11/101)


وروى أهل العراق عنه أنه كان يقاسم الجد بالإخوة إلى السدس ثم يقاسم بينهم إلى الثلث.
وروي عن عثمان أنه جعل الجد أبا وروي عنه أنه قال فيه بقول زيد إلا في الخرقاء.
وأما علي ابن أبي طالب وعبد الله بن مسعود وزيد بن ثابت فإنهم يقاسمون الجد بالأخوة وإن كانوا قد اختلفوا في كيفية مقاسمة الجد الأخوة فإنهم مجمعون على أن الجد ليس بأب ولا يحجب به الأخوة وليس هذا موضع ذكر أقاويلهم في الجد.
وقال كقول زيد في الجد مالك والأوزاعي والثوري والشافعي وأحمد بن حنبل وأبو عبيد وأبو يوسف ومحمد بن الحسن.
وقد روي عن محمد بن الحسن أنه وقف في آخر عمره في الجد فلم يقل فيه بقول أحد وقال بقوله في الجد عبيدة السلماني والمغيرة صاحب إبراهيم وابن أبي ليلى والحسن بن صالح وهشيم.
ولا أعلم أحدا من الفقهاء قال بقول ابن مسعود في الجد وقد اختلف عن ابن مسعود في مسائل من مسائل الجد.
وأما قول ابن عباس في الجدة أنها أم عند عدم الأم فلم يتابعه عليه أحد وهو شاذ لا يلتفت إليه ولا يصح عنه.
ذكر عبد الرزاق عن ابن عيينة عن يحيى بن سعيد عن القاسم بن محمد قال جاءت جدات إلى أبي بكر الصديق

(11/102)


فأعطى الميراث أم الأم دون أم الأب فقال له رجل من الأنصار من بني حارثة يقال له عبد الرحمن بن سهل يا خليفة رسول الله أعطيت الميراث التي لو أنها ماتت لم يرثها فجعل الميراث بينهما.
وذكر ابن وهب عن مالك عن يحيى بن سعيد عن القاسم بن محمد نحوه بمعناه.
وروى عبد الرزاق أيضا عن سفيان الثوري عن ابن ذكوان أن خارجة بن زيد قال إذا كانت الجدة من قبل الأم هي أقعد فشرك بينهما قال وأخبرنا ابن عيينة عن أبي الزناد قال أدركت خارجة بن زيد وطلحة بن عبد الله بن عوف وسليمان بن يسار يقولون إذا كانت الجدة من قبل الأم أقرب فهي أحق به وإن كانت أبعد فهما سواء.
قال وأخبرنا معمر عن قتادة عن ابن المسيب أن زيد بن ثابت كان يقول ذلك.
قال أبو عمر:
وقد ذكرنا هذا عن زيد بن ثابت وذكرنا مذهب زيد في أحكام الجدات فيما تقدم من هذا الباب وهو قول أهل المدينة وإليه ذهب مالك والشافعي وأبو حنيفة وداود كلهم يذهب في الجدات إذا اجتمعت أم الأب وأم الأم وليس للميت أم ولا أب أن أم الأم إن كانت أقعدهما كان لها السدس دون أم الأب وإن كانت أم الأب أقعدهما وكانتا مشتركتين في القعدد فالسدس بينهما نصفين.

(11/103)


وإنما كانت الجدة أم الأم إذا كانت أقعد أولى بالسدس من أم الأب من قبل أنها أقرب للميت ألا ترى أن ابنتها وهي الأم تمنع الجدات الميراث من أجل قربها فكذلك أمها تمنع الجدات إذا لم يكن في درجتها.
فأما إذا بعدت وقربت التي من جهة الأب فإنهما يشتركان ثم زيد بن ثابت وقال به أهل المدينة وأهل العراق وذلك والله أعلم لأن أم الأم هي التي ورد فيها النص من السنة ومثال ذلك إذا كان الميت ترك جدته أم أمه وجدته أم أبيه فالسدس ههنا لأم أمه وإن ترك أم أبيه وأم أم أمه فالسدس بينهما سواء.
ولا يرث عند مالك من الجدات غيرهما.
ومن الحجة في تقوية أم الأم أن الأم لما منعت الجدات ولم يمنع الأب أم الأم دل على أن الجدة من جهة الأم أقوى لأنها تدلي بها وهي تمنع الجدات ولا يمنعها الأب والأخرى تدلي بالأب والأب لا يحجب أم الأم فكيف تحجبها أمه أو تستوي معها.
واختلف العلماء في توريث الجدة وابنها حي فروي عن عمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود وأبي موسى الأشعري وعمران بن حصين وأبي الطفيل عامر بن واثلة أنهم كانوا يورثون الجدة مع ابنها وبه قال شريح القاضي والحسن البصري وعطاء وابن سيرين ومسلم بن يسار وأبو الشعثاء جابر بن زيد وهو قول فقهاء البصريين وبه يقول شريك والنخعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه والطبري.

(11/104)


واختلف عن الثوري فروي عنه أنه كان يورثها مع من يحاذيها من الجدات وروي عنه أنه كان لا يورثها وكذلك اختلف فيها عن الحسن.
وروى يزيد بن هارون قال أنبأنا محمد بن سالم عن الشعبي عن مسروق عن عبد الله في الجدة قال إنها أول جدة أطعمها رسول الله صلى الله عليه وسلم السدس مع ابنها وابنها حي.
وروى يزيد بن هارون أيضا قال أنبأنا شعيب بن سوار عن محمد بن سيرين قال قال عبد الله بن مسعود فذكر مثله.
وهذا لو صح لم يكن فيه حجة لأنه يحتمل أن يكون أراد الجدة أم الأم وابنها حي وهو خال الميت وهذا ما لا خلاف فيه.
ومما يدل على ضعف هذا الحديث أن أبا بكر لم يكن عنده علم من الجدة حتى سأل فأخبره المغيرة وأراد أن لا يعطي الأخرى شيئا وقد احتج بهذا إسماعيل وفيه نظر وذكر عبد الرزاق قال أخبرنا ابن جريج والثوري وابن عيينة عن إبراهيم بن ميسرة قال سمعت سعيد بن المسيب يقول ورث عمر بن الخطاب جدة مع ابنها.
قال وأخبرنا معمر عن بلال بن أبي بردة أنا أبا موسى الأشعري كان يورث الجدة مع ابنها وقضى بذلك بلال وهو أمير على البصرة.
قال وأخبرنا الثوري عن منصور والأعمش عن إبراهيم قال كان عبد الله يقول لا يحجب الجدات إلا الأم.

(11/105)


قال أبو عمر:
من حجة من ذهب إلى هذا القول ما رواه الثوري وغيره عن أشعث عن ابن سيرين قال أول جدة أطعمها رسول الله صلى الله عليه وسلم أم أب مع ابنها.
ومن جهة النظر لا يجوز حجبها بالذكور قياسا على الأم وأم الأم ووجه آخر أن عدم الأب لا يزيدها في فرضها وإنما لها السدس على كل حال فكيف يحجبها.
ووجه آخر لما كان الأخوة والأخوات للأم يدلون بالأم ويرثون معها كانت الجدة كذلك ترث مع الأب وإن كانت تدلي
به.
وقال علي ابن أبي طالب وعثمان بن عفان وزيد بن ثابت لا ترث الجدة مع ابنها يعنون أنها لا ترث أم الأب مع الأب وبه قال مالك والشافعي وأبو حنيفة وداود وأصحابهم.
ومن حجتهم أن الجد لما كان محجوبا بالأب وجب أن تكون الجدة أولى أن تكون به محجوبة ولأنها أحد أبوي الأب
فوجب أن يحجبها الأب.
ووجه آخر أنها إذا كانت أم أم لم ترث مع الأم فكذلك إذا كانت أم أب لا ترث مع الأب.
ووجه آخر أن ابن العم وابن الأخ لا يرث واحد منهما مع أبيه الذي يدلي به إلى الميت فكذلك الجدة أم الأب لا ترث مع الأب لأنها به تدلي

(11/106)


ذكر يزيد بن هارون قال أخبرني سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن سعيد بن المسيب أن زيد بن ثابت لم يجعل للجدة شيئا مع ابنها.
وأخبرنا خلف بن سعيد قال حدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا أحمد بن خالد قال حدثنا إسحاق بن إبراهيم قال أنبأنا عبد الرزاق قال أنبأنا الثوري عن أشعث وأبي سهل عن الشعبي قال كان علي وزيد لا يورثان الجدة مع ابنها وما قرب من الجدات وما بعد منهن جعل لهن السدس إذا كن من مكانين شتى وإذا كن من مكان واحد ورث القربى.
قال:
وأخبرني معمر عن الزهري أن عثمان لم يورث الجدة إذا كان ابنها حيا والناس عليه.
وذكر ابن أبي شيبة عن وكيع عن شريك عن جابر عن عامر قال لم يورث أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الجدة مع ابنها إلا ابن مسعود.
قال وكيع والناس على ذا قال وأخبرنا ابن فضيل عن بسام بن فضل قال قال إبراهيم لا ترث الجدة مع ابنها في قول علي وزيد.
ابن شهاب عن أبي بكر بن عبيد الله بن عبد الله بن عمر حديث واحد متصل وهو أبو بكر بن عبيد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب ثقة شريف لم يرو عنه ابن شهاب غير هذا الحديث

(11/107)


الواحد وما أحسبه روى عنه غير ابن شهاب وأبو بكر هذا هو والد خالد بن أبي بكر النسابة المحدث المدني شيخ ابن وهب ويقال إن اسم أبي بكر هذا القاسم وقيل بل القاسم أخوه فالله أعلم فإن كان أبو بكر هذا هو القاسم فقد روى عنه عمر بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر أيضا فالله أعلم.
وقد روى الزهري أيضا عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر والد أبي بكر هذا وروى عن عبد الله بن عبد الله بن عمر وعن سالم بن عبد الله بن عمر وعن حمزة بن عبد الله بن عمر.
ولعبد الله بن عمر بنون لم يرو عنهم الزهري منهم بلال بن عبد الله بن عمر وواقد بن عبد الله ابن عمر وزيد بن عبد الله بن عمر وهؤلاء بنو عبد الله بن عمر فأم سالم وعبيد الله وحمزة واحدة أم ولد وأم عبد الله بن عبد الله بن عمر صفية بنت أبي عبيد بن مسعود الثقفي وإلى عبد الله هذا أوصى أبوه ابن عمر ولم يوص إلى سالم وكان عبد الله بن عمر يدار على أن لا يوصي إليه فقال:
يديرونني في سالم وأديرهم ... وجلدة بين الأنف فتكون سالم
ولأبي بكر شيخ ابن شهاب هذا أخ يقال له القاسم بن عبيد الله بن عبد الله بن عمر على اختلاف في ذلك وأخ ثان يقال له أبو سلمة بن عبيد الله بن عبد الله بن عمر روى عنه الحديث أيضا وفي ولد أبي سلمة هذا قضاة وأمراء بالمدينة

(11/108)


وأخ ثالث يسمى عبد العزيز بن عبيد الله بن عبد الله بن عمر وقال العدوي شرف بيت عبد الله بن عمر وذكرهم في عبيد الله بن عبد الله بن عمر وولده.
قال أبو عمر:
من حديث عبيد الله بن عبد الله بن عمر والد أبي بكر هذا عن أبيه عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث القلتين من حديث عاصم بن المنذر وغيره عنه.
ومن حديث عبيد الله بن عبد الله بن عمر والد أبي بكر هذا عن أبيه عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم "من جاء منكم الجمعة فليغتسل" .

(11/109)


الحديث الخامس والأربعون
...
من حديث ابن شهاب أيضا.
مالك عن ابن شهاب عن أبي بكر بن عبيد الله بن عبد الله بن عمر عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه وليشرب بيمينه فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله"
هكذا قال يحيى عن مالك عن ابن شهاب عن أبي بكر بن عبد الله بن عبد الله بن عمر وهو وهم وغلط لا شك عند أحد من أهل العلم والآثار والأنساب والصحيح انه أبو بكر بن عبيد الله على حسب ما قدمنا ذكره لا يختلفون في ذلك.
وكذلك قال جماعة أصحاب مالك عنه في هذا الحديث وجماعة أصحاب ابن شهاب منهم ابن عيينة وعبيد الله بن عمر

(11/109)


وعبد الرحمن بن إسحاق ومن قال فيه عن أبي بكر بن عبد الله فقد أخطأ.
وقال ابن بكير في هذا الحديث عن مالك عن ابن شهاب عن أبي بكر بن عبيد الله بن عبد الله بن عمر عن أبيه عن ابن عمر.
ولم يتابعه أحد من أصحاب مالك على ذلك فيما علمت وإنما يجعلون الحديث لأبي بكر بن عبيد الله عن جده لا يقولون فيه عن أبيه كما قال ابن بكير.
ورواه إبراهيم بن طهمان عن مالك عن الزهري عن أبي بكر بن عبيد الله بن عمر عمن حدثه أنه سمع ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إذا أكل أحدكم" فذكره سواء.
قال الدار قطني روى هذا الحديث عمر بن محمد بن زيد عن القاسم بن عبيد الله عن عبد الله بن عمر وهو أبو بكر الذي روى عنه الزهري وقال عن سالم عن ابن عمر فأشبه أن يكون قول إبراهيم بن طهمان له وجه والله أعلم.
واختلف في ذلك عن ابن شهاب أيضا بعض الاختلاف والصحيح أنه لأبي بكر بن عبيد الله عن جده لأن أكثر أصحاب مالك يقولون ذلك وكذلك قال ابن عيينة عبيد الله بن عمر وغير مستنكران يرويه أبو بكر هذا عن جده عبد الله بن عمر.
وقد روي عن عبد الله بن عمر من حفدته محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر وعبد الله بن واقد بن عبد الله بن عمر وروى عنه من دون هؤلاء في السن.

(11/110)


وقد روى هذا الحديث معمر عن الزهري عن سالم عن ابن عمر وأخشى أن يكون خطأ عن معمر لأنه لم يروه غيره ولا يحفظ هذا الحديث من حديث الزهري عن سالم ولو كان عند الزهري عن سالم ما حدث به عن أبي بكر والله أعلم.
وهو مما حدث به معمر ظاهرا وبالبصرة لأنه رواه عنه عبد الأعلى وعبد الرزاق وسعيد بن أبي عروبة حدثنا خلف بن سعيد قال حدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا أحمد بن خالد قال حدثنا إسحاق بن إبراهيم قال أنبأنا عبد الرزاق عن معمر عن سالم عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه وإذا شرب فليشرب بيمينه فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله" وقد روى هذا الحديث معمر عن مالك فيما حدثنا خلف بن قاسم حدثنا محمد بن عبد الله بن زكرياء حدثنا حيوة حدثنا العباس بن محمد البصري حدثنا سلمة بن شبيب حدثنا عبد الرزاق أنبأنا معمر عن مالك عن ابن شهاب عن أبي بكر بن عبيد الله بن عمر عن عبد الله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم فذكره.
قال أبو عمر:
الصواب في إسناد هذا الحديث الزهري عن أبي بكر بن عبيد الله بن عبد الله بن عمر عن جده عبد الله بن عمر والله أعلم.

(11/111)


وإن صح حديث معمر عن الزهري عن سالم فهو إسناد آخر.
حدثنا محمد بن إبراهيم قال حدثنا أحمد بن مطرف قال حدثنا سعيد بن عثمان قال حدثنا إسحاق بن إسماعيل الأيلي العثماني قال حدثنا سفيان بن عيينة عن الزهري عن أبي بكر بن عبيد الله بن عبد الله بن عمر عن جده عبد الله بن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه وإذا شرب فليشرب بيمينه فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله" .
وكذلك رواه علي بن المديني والحميدي ومسدد وابن المقرئ وغيرهم عن ابن عيينة حدثنا عبد الوارث بن سفيان حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا بكر بن حماد حدثنا مسدد حدثنا يحيى بن سعيد قال حدثني عبيد الله بن عمر قال حدثني الزهري عن أبي بكر بن عبيد الله بن عبد الله بن عمر عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "لا يأكل أحدكم بشماله ولا يشرب بشماله" .
وبهذا الإسناد عن مسدد حدثنا بشر بن المفضل حدثنا عبد الرحمن بن إسحاق عن الزهري عن أبي بكر بن عبيد الله بن عبد الله بن عمر قال قال عبد الله بن عمر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "كلوا بأيمانكم واشربوا بأيمانكم فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله".

(11/112)


وفي هذا الحديث أدب الأكل والشرب ولا يجوز لأحد أن يأكل بشماله ولا أن يشرب بشماله لنهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك وفي أمره عليه السلام بالأكل باليمين والشرب بها نهي عن الأكل بالشمال والشرب بها لأن الأمر يقتضي النهي عن جميع أضداده فمن أكل بشماله أو شرب بشماله وهو بالنهي عالم فهو عاص لله ولا يحرم عليه مع ذلك طعامه ذلك ولا شرابه لأن النهي عن ذلك نهي أدب لا نهي تحريم.
والأصل في النهي أن ما كان لي ملكا فنهيت عنه فإنما النهي عنه تأدب وندب إلى الفضل وآلبر وإرشاد إلى ما فيه المصلحة في الدنيا والفضل في الدين وما كان لغيري فنهيت عنه فالنهي عنه نهي تحريم وتحظير والله أعلم.
وقد جاءت السنة المجتمع عليها أن اليمين للأكل والشرب والشمال للاستنجاء.
ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يستنجى باليمين كما نهي أن يؤكل أو يشرب بالشمال وما عدى الأكل والشرب والاستنجاء فبأي يديه فعل الإنسان ذلك فلا حرج عليه.
إلا أن التيامن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحبه في الأمر كله فينبغي للمؤمن أن يحب ذلك ويرغب فيه ففي رسول الله صلى الله عليه وسلم الأسوة الحسنة على كل حال.

(11/114)


وقال أبو النجم:
إني وكل شاعر من البشر ... شيطانه أنثى وشيطاني ذكر
ولا خلاف أنها لشياطين الجن أو من الجن اسم لازم لهم من أسمائهم للصالح منهم والطالح فأغنى ذلك عن الإكثار.
والأسماء لا تؤخذ قياسا فإنما هي على حساب ما علمها الله آدم صلى الله عليه وسلم أسماء علامات للمسميات.
وقد حمل قوم هذا الحديث وما كان مثله على المجازفقالوا في قوله "إن الشيطان يأكل بشماله" إن الأكل بالشمال أكل يحبه الشيطان كما قال في الخمرة زينة الشيطان وفي الاقتعاط بالعمامة عمامة الشيطان أي إن الخمرة ومثل تلك العمة يزينها الشيطان ويدعو إليها وكذلك يدعو إلى الأكل بالشمال ويزينه وهذا عندي ليس بشيء ولا معنى لحمل شيء من الكلام على المجاز إذا أمكنت فيه الحقيقة بوجه ما.
وقال آخرون أكل الشيطان صحيح ولكنه تشمم واسترواح لا مضغ ولا بلع وإنما المضغ والبلع لذوي الجثث ويكون استرواحه وشمه من جهة شماله ويكون بذلك مشاركا في المال
قال أبو عمر:
أكثر أهل العلم بالتأويل يقولون في قول الله عز وجل:

(11/115)


{وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ} قالوا الإنفاق في الحرام والأولاد قالوا الزنا.
ومن الدليل على أن الشياطين من الجن يأكلون ويشربون قوله صلى الله عليه وسلم في العظم والروثة في حديث الاستنجاء هي "زاد إخوانكم من الجن" وفي غير هذا الحديث أن طعامهم ما لم يذكر اسم الله عليه وما لم يغسل من الأيدي والصحاف وشرابهم الجدف وهي الرغوة والزبد.
وهذا أشياء لا تدرك بعقل ولا تقاس على أصل وإنما فيها التسليم لمن أتاه الله من العلم ما لم يؤتنا وهو نبينا صلى الله عليه وسلم.
وفي هذا الحديث حديث ابن عمر المذكور في هذا الباب ما يرفع الإشكال قوله "أن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله" .
ويحتمل أن يكون الجن كلهم يأكلون ويشربون ويحتمل أن يكون كذلك بعضهم جنس منهم.
وحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن عبد السلام الخشني قال حدثنا المسيب بن واضح السلمي قال حدثنا الحكم بن محمد الطفوي عن عبد الصمد بن معقل قال سمعت وهب بن منبه يقول وسئل عن الجن ما هم وهل يأكلون ويشربون ويموتون

(11/116)


ويتناكحون قال هم أجناس فأما الذين هم خالص الجن فهم ريح لا يأكلون ولا يشربون ولا يتوالدون ومنهم أجناس يأكلون ويشربون ويتناكحون ويتوالدون ويموتون ومنهم السعالى والغول والقطوب وأشباه ذلك فهذا وهب بن منبه
قد قال ما ترى والله أعلم.
ولأهل الكلام وغيرهم أقاويل في إدراك الجن بالأبصار .
وفي دخولهم في الإنسان هل هم مكلفون أو غيرمكلفين ليس بنا حاجة إلى ذكر شيء من ذلك في كتابنا هذا لأنه ليس بموضع ذلك وهم عند الجماعة مكلفون مخاطبون لقوله تعالى: {يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ} و قوله تعالى: {فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} وقوله: {سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلانِ} وقوله: {لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ} ولا يختلفون أن محمدا صلى الله عليه وسلم رسول إلى الإنس والجن نذير وبشير هذا مما فضل به على الأنبياء أنه بعث إلى الخلق كافة الجن والإنس وغيره لم يرسل إلا بلسان قومه صلى الله عليه وسلم.
ودليل ذلك ما نطق به القرآن من دعائهم إلى الإيمان بقوله في مواضع من كتابه: {يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ} والجن عند أهل الكلام وأهل العلم باللسان ينزلون على مراتب فإذا ذكروا الواحد من الجن خالصا قالوا جني فإن أرادوا أنه ممن يسكن مع الناس قالوا عامر والجمع عمار وإن كان ممن يعرض للصبيان قالوا أرواح فإن خبث وتعرم فهو شيطان فإن زاد على

(11/117)


ذلك فهو مارد فإن زاد على ذلك وقوي أمره قالوا عفريت والجمع عفاريت.
حدثنا أحمد بن عبد الله بن محمد بن علي قال حدثنا أبي قال حدثنا عبد الله بن يونس قال حدثني بقي بن مخلد قال حدثنا أبو بكر ابن أبي شيبة قال حدثنا عبد الله بن بكر السهمي عن حاتم بن أبي صغيرة عن ابن أبي مليكة عن عائشة بنت طلحة عن عائشة أم المؤمنين أنها قتلت جانا فأوتيت فيما يرى النائم فقيل لها أما والله لقد قتلت مسلما قال فقالت إن كان مسلما فلم يدخل على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فقيل لها ما يدخل عليك إلا وعليك ثيابك فأصبحت فزعة فأمرت باثني عشر ألفا فجعلت في سبيل الله.
وروى مالك عن صيفي عن أبي السائب عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال "إن بالمدينة جنا قد أسلموا فإن رأيتم منهم شيئا فآذنوه ثلاثة أيام فإن بدا لكم بعد ذلك فاقتلوه فإنما هو شيطان" وقال الله عز وجل: {قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فقالوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَداً} وسيأتي من هذا المعنى بيان أيضا وشفاء في باب صيفي إن شاء الله عز وجل.

(11/118)


الحديث السادس والأربعون
...
ابن شهاب عن عباد بن زياد حديث واحد
عباد بن زياد هذا أظنه من ثقيف من ولد أبي سفيان بن حارثة وليس ذلك عندي بعلم حقيقة وقد

(11/118)


قيل إنه عباد بن زياد بن أبي سفيان بن حرب بن أمية والله أعلم.
ويقولون أن زيادا استلحق عبادا أيضا فعباد بن زياد مستلحق من مستلحق ولا أقف له على وفاة ولا أعرف له خبرا إلا أن ابن شهاب روى عنه حديثين أحدهما حديث المسح على الخفين والآخر فيمن ينصرف من الصلاة على أحد شقيه.
فأما الحديث الأول فرواه مالك ولم يقمه وأفسد إسناده وأما الآخر فليس عند مالك ولا في روايته.
وحديث مالك عن ابن شهاب عنه مالك عن ابن شهاب عن عباد بن زياد من ولد المغيرة بن شعبة عن أبيه المغيرة بن شعبة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذهب لحاجته في غزوة تبوك قال المغيرة فذهبت معه بماء فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فسكبت عليه الماء فغسل وجهه ثم ذهب ليخرج يديه من كمي جبته فلم يستطع من ضيق كمي الجبة فأخرجهما من تحت الجبة فغسل يديه ومسح برأسه ومسح على الخفين فجاء النبي صلى الله عليه وسلم وعبد الرحمن بن عوف يؤمهم وقد صلى بهم

(11/119)


التي بقيت ففزع الناس فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من صلاته قال "أحسنتم" .
هكذا قال مالك في هذا الحديث عن عباد بن زياد وهو من ولد المغيرة بن شعبة لم يختلف رواة الموطأ عنه في ذلك.
وهو وهم وغلط منه ولم يتابعه أحد من رواة ابن شهاب ولا غيرهم عليه وليس هو من ولد المغيرة بن شعبة ثم جميعهم.
وزاد يحيى بن يحيى في ذلك أيضا شيئا لم يقله أحد من رواة الموطأ وذلك أنه قال فيه عن أبيه المغيرة بن شعبة ولم يقل أحد فيما علمت في إسناد هذا الحديث عن أبيه المغيرة غير يحيى بن يحيى وسائر رواة الموطأ عن مالك يقولون عن ابن شهاب عن عباد بن زياد وهو من ولد المغيرة بن شعبة عن المغيرة بن شعبة لا يقولون عن أبيه المغيرة كما قال يحيى ولم يتابعه واحد منهم على ذلك.
كتبت هذا وأنا أظن أن يحيى بن يحيى وهم في قوله عن أبيه حتى وجدته لعبد الرحمان بن مهدي عن مالك عن ابن شهاب عن عباد بن زياد من ولد المغيرة بن شعبة عن أبيه كما قال يحيى ذكره أحمد بن حنبل وغيره عن ابن مهدي وقد ذكرناه.

(11/120)


وذكر الدار قطني أن سعد بن عبد الحميد بن جعفر قال فيه عن أبيه كما قال يحيى قال وهو وهم.
قال: ورواه روح بن عبادة عن مالك عن الزهري عن عباد بن زياد عن رجل من ولد المغيرة عن المغيرة قال فإن كان روح حفظ فقد أتى بالصواب لأن الزهري يرويه عن عباد عن المغيرة.
وإسناد هذا الحديث من رواية مالك في الموطأ وغيره إسناد ليس بالقائم لأنه إنما يرويه ابن شهاب عن عباد بن زياد عن عروة وحمزة ابني المغيرة بن شعبة عن أبيه المغيرة بن شعبة.
وربما حدث به ابن شهاب عن عباد بن زياد عن عروة بن المغيرة عن أبيه ولا يذكر حمزة بن المغيرة.
وربما جمع حمزة وعروة ابني المغيرة في هذا الحديث عن أبيهما المغيرة.
ورواية مالك لهذا الحديث عن ابن شهاب عن عباد بن زياد عن المغيرة مقطوعة وعباد بن زياد لم ير المغيرة ولم يسمع منه شيئا.
أخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن قال حدثنا أحمد بن جعفر بن حمدان قال حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال حدثنا مصعب بن عبد الله الزبيري قال حدثنا مالك بن أنس عن ابن شهاب عن عباد بن زياد من ولد المغيرة بن شعبة عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذهب إلى حاجته في غزوة تبوك فذكره سواء كما في الموطأ.

(11/121)


قال مصعب وأخطأ فيه مالك خطأ قبيحا أخبرنا به أبو محمد رحمه الله وكتبته من أصل سماعه عن ابن حمدان وحدثنا أيضا قال حدثنا ابن حمدان قال حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال حدثني أبي قال قرأت على عبد الرحمن يعني ابن مهدي عن مالك عن ابن شهاب عن عباد بن زياد من ولد المغيرة بن شعبة عن أبيه المغيرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذهب لحاجته في غزوة تبوك فذكره سواء كما في الموطأ وكتبته أيضا من الأصل الصحيح لأبي محمد رحمه الله من أصل سماعه وقد ذكر عبد الرزاق هذا الخبر عن معمر في كتابه عن الزهري أن المغيرة بن شعبة قال كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر وذكر الحديث هكذا مقطوعا وأظن هذا إنما أوتي من قبل الزهري والله أعلم لأن أحمد بن عبد الله بن محمد بن علي حدثنا قال حدثنا أبي قال حدثنا أحمد بن خالد قال حدثنا قاسم بن محمد قال حدثنا أبو عاصم خشيش ابن أصرم قال حدثنا عبد الرزاق قال حدثنا معمر عن الزهري عن عباد بن زياد عن عروة بن المغيرة بن شعبة عن المغيرة بن شعبة قال:
كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فلما كان في بعض الطريق تخلف وتخلفت معه بالإداوة فتبرز ثم أتاني فسكبت على يديه وذلك عند صلاة الصبح فلما غسل وجهه وأراد غسل ذراعيه ضاق كما جبته وعليه جبة شامية قال فأخرج يديه من تحت

(11/122)


الجبة فغسل ذراعيه ثم توضأ ومسح على خفيه قال ثم انتهينا إلى القوم وقد صلى بهم عبد الرحمن بن عوف ركعة قال فذهبت أوذنه فقال دعه فصلى النبي صلى الله عليه وسلم معه ركعة ثم انصرف فقام النبي صلى الله عليه وسلم فصلى ركعة ففزع الناس لذلك فقال النبي صلى الله عليه وسلم حين فرغ "أصبتم أ وقال أحسنتم" .
وحدثني سعيد بن نصر وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا إسماعيل بن إسحاق قال حدثنا إسماعيل بن أبي أويس قال حدثني أخي عن سليمان بن بلال عن يونس عن ابن شهاب قال حدثني عباد بن زياد عن عروة وحمزة ابني المغيرة بن شعبة أنهما سمعا المغيرة بن شعبة يخبر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ على الخفين ثم صلى فيهما.
وروى ابن وهب في موطئه هذا الحديث عن مالك عن يونس بن يزيد وعمرو بن الحارث وابن سمعان أن ابن شهاب أخبرهم عن عباد بن زياد من ولد المغيرة بن شعبة عن عروة بن المغيرة بن شعبة أنه سمع أباه يقول سكبت على رسول الله صلى الله عليه وسلم حين توضأ في غزوة تبوك فمسح على الخفين.
ولم يذكر مالك عروة بن المغيرة ولم يذكر ابن سمعان عبادا هكذا قال ابن وهب عن هؤلاء كلهم جمعهم في إسناد واحد ولفظ واحد كما ترى إلا ما خص من ذكر مالك في عروة وذكر

(11/123)


ابن سمعان في عباد بن زياد من ولد المغيرة إلا من رواية ابن وهب هذه وإنما يعرف هذا لمالك.
وأظن ابن وهب حمل لفظ بعضهم على بعض وكان يتساهل في مثل هذا كثيرا.
وقد كان ابن شهاب ربما أرسل الحديث عن عروة بن المغيرة ولا يذكر عباد بن زياد في ذلك فمن هنالك لم يذكر ابن سمعان عباد بن زياد والله أعلم.
وقد حدثنا سعيد بن نصر وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثنا قاسم ابن أصبغ قال حدثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي قال حدثنا إسماعيل بن أبي أويس قال حدثنا سليمان بن بلال عن يونس عن عروة وحمزة ابني المغيرة أنهما سمعا المغيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم فذكر الحديث.
قال إسماعيل لم يذكر ابن أبي أويس في حديثه عن سليمان بن بلال عن عباد بن زياد وذكره في حديثه عن أخيه عن سليمان بن بلال وأما صالح بن كيسان فرواه عن ابن شهاب فأتقن.
أخبرنا عبد الله بن محمد قال حدثنا أحمد ابن جعفر قال حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال حدثني أبي قال حدثنا سعد ويعقوب يعني ابني إبراهيم بن سعد قالا حدثنا أبي عن صالح عن ابن شهاب قال حدثني عباد بن زياد قال حدثنا سعد بن أبي سفيان عن عروة بن المغيرة عن أبيه المغيرة

(11/124)


بن شعبة قال تخلفت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك فتبرز رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم دفع إلى الإداوة أ وقال ثم رجع إلي ومعي الإداوة قال فصببت على يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم استنثر قال يعقوب ثم تمضمض ثم غسل وجهه ثلاث مرات ثم أراد أن يغسل يديه فأراد أن يخرجهما من كمي جبته فضاق عنه كماها فأخرج يديه من تحت الجبة فغسل يده اليمنى ثلاث مرات ويده اليسرى ثلاث مرات ومسح برأسه ومسح بخفيه ولم ينزعهما ثم عمد إلى الناس فوجدهم قد قدموا عبد الرحمن بن عوف يصلي بهم فأدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم إحدى الركعتين فصلى مع الناس الركعة الأخرى بصلاة عبد الرحمن فلما سلم عبد الرحمن قام رسول الله صلى الله عليه وسلم يتم صلاته فأفزع المسلمين فأكثروا التسبيح فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاته أقبل عليهم فقال "أحسنتم وأصبتم" يغبطهم أن صلوا الصلاة لوقتها.
حدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا أحمد بن جعفر بن حمدان قال حدثنا عبد الله بن أحمد قال حدثني أبي قال حدثنا عبد الرزاق ومحمد بن بكر قالا أخبرنا ابن جريج قال حدثني ابن شهاب عن عباد بن زياد أن عروة بن المغيرة بن شعبة أخبره أن المغيرة بن شعبة أخبره أنه غزا مع

(11/125)


رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة تبوك قال المغيرة فتبرز رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر الحديث إلى آخره بمثل رواية صالح ابن كيسان.
وعند ابن شهاب في حديث المغيرة هذا إسناد آخر عن إسماعيل ابن محمد بن سعد بن أبي وقاص وكان لا يحدث به عن إسماعيل هذا لصغر سنه إلا عبادا.
وقد رواه ابن جريج وابن عيينة عن الزهري عن إسماعيل بن محمد بن سعد عن حمزة بن المغيرة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم وعند ابن جريج الحديثان جميعا.
أخبرنا خلف بن سعيد قال حدثنا عبد الله بن محمد بن علي قال حدثنا أحمد بن خالد قال حدثنا إسحاق ابن إبراهيم قال أنبأنا عبد الرزاق قال أنبأنا ابن جريج قال حدثني ابن شهاب عن عباد بن زياد أن عروة بن المغيرة بن شعبة أخبره أن المغيرة بن شعبة غزا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة تبوك قال فتبرز رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الغائط فحملت معه إداوة قبل صلاة الفجر فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلي أخذت أهرق على يديه من الإداوة فغسل يديه ثلاث مرات ثم تمضمض واستنثر ثم غسل وجهه ثم ذهب يخرج ذراعيه من جبته فضاق كما جبته فأدخل يديه في الجبة حتى أخرج ذراعيه من أسفل الجبة فغسل ذراعيه إلى المرفقين ثم

(11/126)


توضأ على خفيه قال ثم أقبل وأقبلت معه حتى نجدهم قد قدموا عبد الرحمن بن عوف يصلي بهم فأدرك النبي صلى الله عليه وسلم إحدى الركعتين وصلى مع الناس الركعة الآخرة فلما سلم عبد الرحمن بن عوف قام رسول الله صلى الله عليه وسلم يتم صلاته وأفزع ذلك المسلمين فأكثروا التسبيح فلما قضى النبي صلى الله عليه وسلم صلاته أقبل عليهم ثم قال "أحسنتم" أ وقال "أصبتم" يغبطهم أن صلوا الصلاة لوقتها.
قال ابن شهاب فحدثني إسماعيل بن محمد بن سعد عن حمزة بن المغيرة بمثل حديث عباد بن زياد وزاد المغيرة فأردت تأخير عبد الرحمن بن عوف فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "دعه" وحدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا أحمد بن جعفر بن مالك قال حدثنا عبد الله بن أحمد ابن حنبل قال حدثني أبي قال حدثنا عبد الرزاق عن ابن جريج قال حدثني ابن شهاب عن إسماعيل بن محمد بن سعد عن حمزة بن المغيرة نحو حديث عباد قال المغيرة فأردت تأخير عبد الرحمن بن عوف فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "دعه" فهذا حديث ابن شهاب خاصة وتمهيده في المسح على الخفين وأما طرق حديث المغيرة على الاستيعاب فلا سبيل لنا إليها وقد قال أبو بكر البزار روي هذا الحديث عن المغيرة من نحو ستين طريقا.
قال أبو عمر:
وقد روي هذا الحديث عن عروة بن المغيرة عن أبيه الشعبي فزاد فيه حكما جليلا حسنا وذلك اشتراط طهارة

(11/127)


القدمين بطهر الوضوء عند إدخالهما الخفين لمن أراد المسح عليهما بعد الحدث قرأت على عبد الوارث ابن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا بكر بن حماد وحدثنا عبد الله ابن محمد حدثنا محمد بن بكر حدثنا أبو داود قالا حدثنا مسدد قال حدثنا عيسى بن يونس قال حدثني أبي عن الشعبي قال سمعت عروة بن المغيرة ابن شعبة يذكر عن أبيه قال كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في ركب ومعي إداوة فخرج لحاجته ثم أقبل فتلقيته بالإداوة فأفرغت عليه فغسل كفيه ووجهه ثم أراد أن يخرج ذراعيه وعليه جبة من صوف من جباب الروم ضيقة الكمين فضاقت فأدرعها أدراعا ثم أهويت إلى الخفين لأنزعهما فقال "دع الخفين فإني أدخلت القدمين وهما طاهرتان فمسح عليهما" .
قال أبي قال لي الشعبي شهد لي عروة على أبيه وشهد أبوه على رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكره أحمد بن حنبل وغيره عن وكيع عن يونس بن أبي إسحاق عن الشعبي بإسناده مثله سواء.
وكذلك رواه مجالد وزكرياء بن أبي زائدة وغيرهم عن الشعبي بإسناده مثله.
هذا هو الأصل المجتمع عليه قال لا يمسح على الخفين إلا من أدخل رجليه فيهما طاهرتين.

(11/128)


حدثنا محمد ابن عبد الملك قال حدثنا ابن الأعرابي قال حدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا سفيان عن عبد الله بن دينار قال سمعت ابن عمر يقول سألت عمر بن الخطاب رضي الله عنه أيتوضأ أحدنا ورجلاه في الخفين قال نعم إذا أدخلهما وهما طاهرتان.
حدثنا عبد الوارث قال حدثنا قاسم قال حدثنا الحسن ابن سلام السويقي قال حدثنا سليمان بن داود الهاشمي قال حدثنا عبد الوهاب الثقفي قال سمعت يحيى بن سعيد.
وحدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا أحمد بن جعفر بن مالك قال حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال حدثني أبي قال حدثنا هاشم بن القاسم قال حدثنا عبد العزيز بن أبي سلمة قالا جميعا أخبرنا سعد بن إبراهيم أن نافع بن جبير بن مطعم أخبره أنه سمع عروة بن المغيرة يحدث عن المغيرة أنه كان مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر وأنه ذهب في حاجته وأن المغيرة جعل يصب عليه فتوضأ فغسل وجهه ومسح برأسه ومسح على الخفين.
هذا لفظ حديث عبد الوارث.
وفي حديث عبد الله ذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم لبعض حاجته ثم جاء فسكبت عليه الماء فغسل وجهه ثم ذهب يغسل ذراعيه فضاق عنهما كما الجبة قال فأخرجهما من تحت الجبة فغسلهما ثم مسح على خفيه.

(11/129)


ذكرت هذا الإسناد من أجل أنه من رواية فقهاء المدينة ورواه بكر المزني عن حمزة بن المغيرة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم ورواه الحسن البصري عن حمزة أيضا عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم.
ورواه عن المغيرة بن شعبة أبو أمامة الباهلي وعمرو بن وهب الثقفي ورواه ابن سيرين عن عمرو بن وهب.
ورواه أيضا عن المغيرة بن شعبة عبد الرحمن ابن أبي يعمر ومسروق بن الأجدع وقبيصة بن برمة وأبو السائب مولى هشام بن زهرة وغيرهم.
وفي حديث عمرو بن وهب الثقفي عن المغيرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مسح بناصيته ومسح على عمامته وعلى خفيه وكذلك في رواية الحسن وبكر المزني عن حمزة بن المغيرة عن أبيه هذه الزيادة أيضا.
وحديث عمرو بن وهب الثقفي صحيح من رواية أيوب عن ابن سيرين عنه من حديث حماد بن يزيد وابن علية وغيرهما وكذلك حديث بكر وغيره صحاح والحمد لله.
وكلهم يصف ضيق الجبة ويصف إمامة عبد الرحمن بن عوف والقصة على وجهها بألفاظ متقاربة ومعنى واحد إلا قليل منهم ممن اختصر القصة وقصد إلى الحكم في المسح على الخفين وعلى الناصية.

(11/130)


قال أبو عمر:
في حديث مالك في هذا الباب ضروب من معاني العلم.
منها خروج الإمام بنفسه في الغزو لجهاد عدوه وكانت عزوة تبوك آخر عزوة غزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك في سنة تسع من الهجرة وهي المعروفة بغزاة العسرة.
قال ابن إسحاق خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك فصالحه أهل أيلة وكتب لهم كتابا قال خليفة وقال المدائني كان خروجه إليها في غرة رجب ولم يختلفوا أن ذلك في سنة تسع.
وفيه آداب الخلاء والبعد عن الناس عند حاجة الإنسان وفيه على ظاهر حديث مالك وغيره وأكثر الروايات ترك الاستنجاء بالماء مع وجود الماء لأنه لم يذكر أنه استنجى به وإنما ذكر أنه سكب عليه فغسل وجهه يعني لوضوئه.
وفي غير حديث مالك فتبرز ثم جاء فصببت على يديه من الإداوة فغسل كفيه وتوضأ.
وفي حديث الشعبي عن عروة بن المغيرة عن أبيه فخرج لحاجته ثم أقبل فتلقيته بالإداوة.
فدل على أنه لم يدفعها إليه.
وقد صح أن الإداوة كانت مع المغيرة ولم يذكر في شيء من الآثار أنه ناولها رسول الله صلى الله عليه وسلم فذهب بها ثم لما جاء ردها إليه فسكب منها الماء عليه بل في قوله فتلقيته بالإداوة تصريح أنها كانت مع المغيرة وأن رسول الله صلى الله

(11/131)


عليه وسلم تبرز لحاجته دونها وفي ذلك ما يوضح لك أنه استنجا بالأحجار بحضرة الماء والله أعلم.
وقد قال ابن جريج وغيره في هذا الحديث فتبرز لحاجته قبل الغائط لحملت معه إداوة وقال معمر فتخلف وتخلفت معه بإداوة.
فإن صح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استنجى بالماء يومئذ في نقل من يقبل نقله وإلا فالاستدلال من حديث مالك وما كان مثله صحيح فإن في هذا الحديث ترك الاستنجاء بالماء والعدول عنه إلى الأحجار مع وجود الماء.
وقد نزع بنحو هذا الاستدلال جماعة من الفقهاء وزعمت منهم طائفة بأن في هذا الحديث الاستنجاء بالماء لما ذكرنا من ألفاظ بعض الناقلين له بذلك وذلك استدلال أيضا لا نص وأي الأمرين كان فإن الفقهاء اليوم مجمعون على أن الاستنجاء بالماء أطهر وأطيب وإن الأحجار رخصة وتوسعة وأن الاستنجاء بها جائز في السفر والحضر وقد مضى القول في أحكام الاستنجاء فيما مضى من كتابنا والحمد لله.
وفيه إباحة لبس الضيق من الثياب بل ذلك ينبغي أن يكون مستحبا مستحسنا في الغزو لما في ذلك من التأهب والانشمار والتأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم.
ولباس مثل ذلك في الحضر عندي ليس به بأس.

(11/132)


وفيه أن العمل الخفيف في الغسل والوضوء لا يوجب استينافه وكذلك كل عمل إذا كان صاحبه آخذا في طهارته ولم يتركها انصرافا عنها إلى غيرها كاستقاء الماء وغسل الإناء وشبه ذلك.
فإن أخذ المتوضئ في غير عمل الوضوء وتركه استأنف الوضوء من أوله إلا أن يكون شيئا خفيفا جدا فإن كان شيئا خفيفا فهو متجاوز عنه إن شاء الله.
ولا ينبغي لأحد أن يدخل على نفسه شغلا وإن قل وهو يتوضأ حتى يفرغ من وضوئه.
وفيه أن لا بأس بالفاضل من الرجال والعالم والإمام أن يخدم ويعان على حوائجه.
وفيه أنه لا بأس أن يصب على المتوضئ فيتوضأ وذلك عندي والله أعلم إذا كان الإناء لا يتهيأ أن يدخل المتوضئ يده فيه.
وفيه إذا خيف فوت وقت الصلاة أو فوت الوقت المختار منها لم ينتظر الإمام لها ولا غيره فاضلا كان أو عالما أو لم يكن.
وقد احتج الشافعي بأن أول الوقت أفضل بهذا الحديث وقال معلوم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن ليشتغل حتى يخرج الوقت كله وقال لو أخرت الصلاة لشيء من الأشياء عن أول وقتها لأخرت لإقامة رسول الله صلى الله عليه وسلم

(11/133)


وفضل الصلاة معه إذ قدموا عبد الرحمن بن عوف في السفر وفيما قال من ذلك عندي نظر.
وفيه أن تحري المسلمين بأن يقدموا إماما بغير إذن الوالي.
ومنها أن يأتم الإمام والوالي من كان برجل من رعيته.
ومنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى مع عبد الرحمن بن عوف ركعة وجلس معه في الأولى ثم قام فقضى.
وفيه فضل عبد الرحمن بن عوف إذ قدمه جماعة الصحابة في ذلك الموضع لصلاتهم بدلا من نبيهم صلى الله عليه وسلم.
وفيه صلاة الفاضل خلف المفضول.
وفيه حمد من بدر إلى أداء فرضه وشكره على ذلك وتحسين فعله.
وفيه الحكم الجليل الذي به فرق بين أهل السنة وأهل البدع وهو المسح على الخفين لا ينكره إلا مخذول أو مبتدع خارج عن جماعة المسلمين أهل الفقه والأثر لا خلاف بينهم في ذلك بالحجاز والعراق والشام وسائر البلدان إلا قوما ابتدعوا فأنكروا المسح على الخفين وقالوا إنه خلاف القرآن وعسى القرآن نسخه ومعاذ الله أن يخالف رسول الله صلى الله عليه وسلم كتاب الله بل بين مراد الله منه كما أمره الله عز وجل في قوله: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} . وقال: {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ} الآية.

(11/134)


والقائلون بالمسح جمهور الصحابة والتابعين وفقهاء المسلمين قديما وحديثا وكيف يتوهم أن هؤلاء جاز عليهم جهل معنى القرآن أعاذنا الله من الخذلان.
روى ابن عيينة والثوري وشعبة وأبو معاوية وغيرهم عن الأعمش عن إبراهيم عن همام بن الحارث قال رأيت جريرا يتوضأ من مطهرة ومسح على خفيه فقيل له أتفعل هذا فقال وما يمنعني أن أفعله وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله.
قال إبراهيم فكانوا يعني أصحاب عبد الله وغيرهم يعجبهم هذا الحديث ويستبشرون به لأن إسلام جرير كان بعد نزول المائدة.
وعن حماد بن أبي سليمان عن ربعي بن خراش عن جرير بن عبد الله قال وضأت رسول الله صلى الله عليه وسلم فمسح على خفيه بعد ما أنزلت سورة المائدة حدثنا عبد الله بن محمد بن يحيى قال حدثنا أحمد بن جعفر بن حمدان قال حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال حدثني أبي وحدثنا عبد الوارث بن سفيان حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا بكر بن حماد بإسناده عن مسدد قالا حدثنا سفيان قال حدثنا الأعمش عن إبراهيم عن همام بن الحارث قال رأيت جرير بن عبد الله يتوضأ من مطهرة ومسح على خفيه فقالوا أتمسح على خفيك فقال إني رأيت رسول الله صلى

(11/135)


الله عليه وسلم يمسح على خفيه وكان هذا الحديث يعجب أصحاب عبد الله يقولون إنما كان إسلامه بعد نزول المائدة.
وأخبرنا عبد الله بن محمد قال أنبأنا أحمد بن جعفر ابن حمدان قال حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال حدثنا أبي رحمه الله قال حدثنا معاوية قال حدثنا الأعمش عن إبراهيم عن همام قال بال جرير بن عبد الله ثم توضأ ومسح على خفيه فقيل له أتفعل هذا وقد بلت فقال نعم رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بال ثم توضأ ومسح على خفيه قال إبراهيم وكان يعجبهم هذا الحديث لأن إسلام جرير كان بعد نزول سورة المائدة.
وحدثنا عبد الله قال حدثنا أحمد قال حدثنا عبد الله قال حدثني أبي قال حدثنا محمد بن جعفر قال حدثنا شعبة عن سليمان عن إبراهيم عن همام بن الحارث عن جرير أنه بال ثم توضأ ومسح على خفيه وصلى فسئل عن ذلك فقال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صنع مثل هذا.
وكان يعجبهم هذا الحديث من أجل أن جريرا كان من آخر من أسلم.
حدثنا عبد الله بن محمد حدثنا محمد بن بكر حدثنا أبو داود حدثنا علي بن الحسن الدرهمي حدثنا أبو داود عن بكير بن عامر بن أبي زرعة بن عمرو بن جرير أن جريرا بال ثم توضأ ومسح على الخفين فقيل له في ذلك فقال ما

(11/136)


يمنعني أن أمسح وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح قالوا إنما كان ذلك قبل نزول المائدة قال ما أسلمت إلا بعد نزول المائدة.
وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم المسح على الخفين نحو أربعين من الصحابة واستفاض وتواتر وأتت به الفرق إلا أن بعضهم زعم أنه كان قبل نزول المائدة وهذه دعوى لا وجه لها ولا معنى.
وقد روي عن الحسن البصري رحمه الله قال أدركت سبعين رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كلهم يمسح على خفيه.
وعمل بالمسح على الخفين أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وسائر أهل بدر والحديبية وغيرهم من المهاجرين والأنصار وسائر الصحابة والتابعين أجمعين وفقهاء المسلمين في جميع الأمصار وجماعة أهل الفقه والأثر كلهم يجيز المسح على الخفين في الحضر والسفر للرجال والنساء.
حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن وضاح قال حدثنا عبد الله بن الخيار الحمصي قال حدثنا إسماعيل بن عياش قال حدثني سفيان بن سعيد الثوري قال مسح رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب وسعد بن أبي وقاص وأبو عبيدة بن الجراح وأبو الدرداء وزيد بن ثابت وقيس بن

(11/137)


سعد بن عبادة وعبد الله بن عباس وحذيفة بن اليمان وعبد الله بن مسعود وأبو موسى الأشعري وأبو مسعود الأنصاري وخزيمة بن ثابت الأنصاري والبراء بن عازب وأبو ايوب الأنصاري وأنس بن مالك وعبد الله بن عمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة وصفوان بن عسال وفضالة بن عبيد الأنصاري وجرير بن عبد الله البجلي.
قال أبو عمر:
ممن روينا عنه أنه مسح على الخفين وأمر بالمسح عليهما في الحضر والسفر بالطرق الحسان من مصنف ابن أبي شيبة ومصنف عبد الرزاق عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وابن مسعود وابن عمر وابن عباس وابن مسعود وأنس بن مالك والبراء بن عازب وحذيفة بن اليمان والمغيرة وسليمان وبلال وخزيمة بن ثابت وعمرو بن أبي أمية وعبد الله بن الحارث بن جرير الزبيري وأبو أيوب وجرير وأبو موسى وعمار وسهل بن سعد وأبو هريرة.
ولم يرو عن غيرهم منهم خلاف إلا شيء لا يثبت عن عائشة وابن عباس وأبي هريرة.
أخبرنا أحمد بن عبد الله بن محمد قال حدثني أبي قال حدثنا عبد الله بن يونس قال حدثنا نعيم بن

(11/138)


مخلد قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا ابن إدريس يعني عبد الله بن إدريس الأزدي عن قطر قال قلت لعطاء إن عكرمة يقول قال ابن عباس سبق الكتاب الخفين قال عطاء كذب عكرمة أنا رأيت ابن عباس يمسح عليهما.
وروى أبو زرعة عن عمرو بن جرير عن أبي هريرة أنه كان يمسح على خفيه ويقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إذا أدخل أحدكم رجليه في خفيه وهما طاهرتان فليمسح عليهما" .
وذكر الأثرم قال سمعت أبا عبد الله يعني أحمد بن حنبل يقول فيمن تأول أنه لا بأس أن يصلي خلفه إذا كان لتأويله وجه في السنة.
وقال أبو عبد الله أرأيت لو أن رجلا لم ير المسح على الخفين فقد كان مالك لا يرى المسح على الخفين في الحضر لا ينبغي أن يصلى خلفه قال بلى ثم قال لو أنك لم تر أن تمسح وصلى بك رجل يرى المسح ألم تكن تصلي خلفه ثم قال لو أن رجلا لم ير الوضوء من الدم الخارج من الجسد ثم صلى ألم تصل خلفه ثم قال نحن نرى الوضوء من الدم أفلا نصلي خلف سعيد بن المسيب ومالك ممن سهل الوضوء من الدم قال بلى نصلي.
ثم قال قد روي عن أبي هريرة أنه لا يمسح وعن ابن عباس وعائشة وأبي أيوب.

(11/139)


قيل لأبي عبد الله فإن قال رجل أنا أذهب إلى حديث أبي أيوب حبب إلي الغسل قال نحن لا نذهب إلى قول أبي أيوب ولكن لو ذهب إليه ذاهب صلينا خلفه.
قال إلا أن يترك رجل المسح من أهل البدع من الرافضة الذين لا يمسحون وما أشبهه فهذا لا نصلي خلفه.
أخبرنا خلف بن سعيد قال حدثنا عبد الله بن محمد بن علي قال حدثنا أحمد بن خالد قال حدثنا إسحاق بن إبراهيم قال حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أن ابن عمر رأى سعد بن أبي وقاص يمسح على خفيه فأنكر ذلك عبد الله فقال سعد إن عبد الله أنكر علي أن أمسح على خفي فقال عمر لا يختلجن في نفس رجل مسلم أن يتوضأ على خفيه وإن جاء من الغائط.
قال وأخبرنا معمر عن أبي إسحاق عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أن عمر قال لعبد الله بن عمر عمك أعلم منك يعني سعد بن أبي وقاص إذا أدخلت رجليك في الخفين وهما طاهرتان فامسح عليهما وإن جئت من الغائط.
قال وأخبرنا ابن جريج قال أخبرني نافع عن ابن عمر قال أنكرت على سعد بن أبي وقاص وهو أمير بالكوفة المسح على الخفين فقال أو علي في ذلك بأس وهو مقيم بالكوفة قال عبد الله فلما قال ذلك عرفت أنه يعلم من ذلك ما لا أعلم فلم أرجع إليه شيئا فلما التقينا عند عمر قال سعد استفت أباك

(11/140)


فيما أنكرت علي في شأن الخفين فقلت له أرأيت أحدنا إذا توضأ وفي رجليه الخفان في ذلك بأس أن يمسح عليهما فقال عمر لا فقلت وإن ذهب أحدنا إلى الغائط ليس عليه في ذلك بأس أن يمسح عليهما.
قال ابن جريج وأخبرنا أبو الزبير قال سمعت ابن عمر يحدث بمثل حديث نافع إياي وزاد عن عمر إذا أدخلت رجليك فيهما وأنت طاهر.
وكان ابن عمر يفتي بذلك ويعمل به إلى أن مات من رواية مالك عن نافع عنه ومن رواية ابن جريج ومعمر عن ابن شهاب عن سالم عنه ولا أعلم في الصحابة مخالفا إلا شيء لا يصح عن عائشة وابن عباس وأبي هريرة وقد روي عنهم من وجوه خلافه في المسح على الخفين.
وكذلك لا أعلم في التابعين أحدا ينكر ذلك ولا في فقهاء المسلمين إلا رواية جابر عن مالك والروايات الصحاح عنه بخلافه وهي منكرة يدفعها موطؤه وأصول مذهبه.
أخبرنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال حدثنا أبي قال حدثنا وكيع قال حدثنا بكير بن عامر بن أبي نعيم عن المغيرة بن شعبة قال كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فقضى حاجته وتوضأ ومسح على خفيه قلت يا رسول الله نسيت قال "بل أنت نسيت بهذا أمرني ربي" .
وحدثنا عبد الله قال حدثنا أحمد بن جعفر قال حدثنا عبد الله بن أحمد قال حدثني أبي قال حدثنا محمد بن عبيد

(11/141)


قال حدثنا بكير بن عبد الرحمن بن أبي نعيم قال حدثنا المغيرة بن شعبة أنه سافر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر الحديث وفيه وتوضأ ومسح على خفيه فقلت يا نبي الله نسيت لم تخلع خفيك قال "كلا بل أنت نسيت بهذا أمرني ربي" .
وقد احتج بعض من لم ير المسح في الحضر بحديث شريح بن هانئ أنه سأل عائشة عن المسح على الخفين فقالت له سل عليا فإنه كان يغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ولم ينعم النظر من احتج بهذا أو سامح نفسه في احتجاجه ببعض الحديث وترك بعضه.
وفي هذا الحديث المسح بالحضر والسفر والتوقيت في ذلك أيضا فكيف يسوغ لعاقل أن يحتج بحديث موضع الحجة منه عليه لا له.
أخبرنا عبد الوارث بالسعي حدثنا قاسم حدثنا بكر بن حماد حدثنا مسدد حدثنا يحيى بن سعيد عن شعبة عن الحكم بن القاسم بن مخيمرة عن شريح بن هانئ قال سألت عائشة رضي الله عنها عن المسح على الخفين فقالت اسألوا علي بن أبي طالب فإنه كان يغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألته فقال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ثلاثة أيام بلياليهن للمسافر ويوما وليلة للمقيم" .

(11/142)


وكذلك رواه أبو معاوية عن الأعمش عن الحكم بهذا الإسناد مرفوعا.
وكذلك رواه المقدام بن شريح عن أبيه مرفوعا ومن رفعه أحفظ وأثبت وأرفع ممن وقفه على أن توقيفه عندي فتيا به واستعمال له فكيف يكون قدحا فيه.
وحدثنا خالد بن سعيد قال حدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا أحمد بن خالد قال حدثنا علي بن عبد العزيز قال حدثنا أبو نعيم قال حدثنا يونس بن أبي إسحاق عن أبي إسحاق عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أن ابن عمر قال لا يحيكن في صدر امرئ المسح على الخفين وإن جاء من الغائط فإني كنت من أشد الناس في المسح.
وحدثنا عبد الوارث بن سفيان حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن وضاح قال حدثنا أبو الطاهر أحمد بن عمر وقال وحدثني عبد الله بن نافع عن داود بن قيس عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أسامة بن زيد أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل دار رجل فتوضأ ومسح على خفيه.
قال ابن وضاح قلت لأبي علي عبد العزيز بن عمران بن مقلاص أمسح رسول الله صلى الله عليه وسلم على خفيه في الحضر؟ قال نعم.
ثم حدثني بهذا الحديث عن الشافعي عبد الله بن نافع بإسناد مثله.

(11/143)


قال ابن وضاح وقال لي أبو مصعب دار رجل بالمدينة وقال لي زيد بن بشر عن ابن وهب قد مسح رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسفر والحضر هـ.
قال أبو عمر:
حديث بن نافع هذا معروف عند أهل المدينة ومصر رواه ثقات الفقهاء حدثنا محمد بن محمد بن نصر ومحمد بن إبراهيم بن سعد وخلف بن أحمد قالوا حدثنا أحمد بن مطرف قال حدثنا سعيد بن عثمان وسعيد بن جبير قالا حدثنا محمد بن عبد الله بن الحكم قال أنبأنا عبد الله بن نافع قال أنبأنا داوود بن قيس عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أسامة بن زيد قال دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم الأسواق فذهب لحاجته ثم خرج قال أسامة فسألت بلالا ما صنع قال ذهب النبي صلى الله عليه وسلم لحاجته ثم توضأ فغسل وجهه ويديه ومسح برأسه ومسح على الخفين.
قال محمد بن عبد الله بن عبد الحكم هذا صحيح في المسح بالحضر والأسواف موضع بالمدينة.
وأخبرني عبد الله بن محمد بن أسد قال حدثنا حمزة بن محمد الكناني قال حدثنا أحمد بن شعيب قال حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم دحيم وسليمان بن داود عن ابن نافع عن

(11/144)


داود بن قيس عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أسامة بن زيد فذكر الحديث مثله سواء.
وأخبرنا أحمد بن قاسم ويعيش بن سعيد قالا حدثنا محمد بن معاوية قال حدثنا محمد بن الحسين بن مرداس قال حدثنا يونس بن عبد الأعلى حدثنا عبد الله بن نافع عن داود بن قيس عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أسامة بن زيد قال دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم وبلال بالأسواق قال فذهب لحاجته ثم خرجا قال أسامة فسألت بلالا ما صنع فقال بلال ذهب عليه السلام لحاجته ثم توضأ فغسل وجهه ويديه ومسح برأسه ومسح الخفين.
وحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا ابن وضاح قال حدثنا أبو خيثمة قال حدثنا عيسى بن يونس عن الأعمش عن أبي وائل عن حذيفة بن اليمان قال كنت أمشي مع النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة فانتهى إلى سباطة قوم فبال قائما فتنحيت فدعاني فجئت فأتى بماء فتوضأ ومسح على الخفين.
قال ابن وضاح هكذا قال عيسى بن يونس بالمدينة وخالفه أصحاب الأعمش أبو معاوية ووكيع وسفيان وجرير لا يقولون بالمدينة قال ابن وضاح والسباطة المزبلة والمزابل لا تكون إلا في الحضر والله أعلم.

(11/145)


قال أبو عمر:
عيسى بن يونس ثقة حافظ ليس يرويه غيره وقد زاد ما حذفه غيره وزيادة مثله واجب قبولها وليس في الأصول ما يدفع ما جاء به بل الناس عليه هـ.
واختلف الفقهاء في كيفية المسح على الخفين فقال مالك والشافعي يمسح ظهورهما وبطونهما وهو قول ابن عمر وابن شهاب ذكر عبد الرزاق عن ابن جريج قال قال لي نافع رأيت ابن عمر يمسح على ظهورهما وبطونهما قال وأخبرنا معمر عن الزهري أنه كان إذا توضأ على خفيه يضع إحدى يديه فوق الخف والأخرى تحت الخف وذكر مالك عن ابن شهاب أنه سئل عن كيفية المسح على الخفين فأجابه بنحو ما حكاه عنه معمر.
وقال مالك والشافعي إن مسح ظهورهما دون بطونهما أجزأه إلا أن مالكا قال من فعل ذلك يعيد في الوقت قال ومن مسح باطن الخفين دون ظاهرهما لم يجزه وكان عليه الإعادة في الوقت وبعده عند مالك وجميع أصحابه إلا شيئا روي عن أشهب أنه قال باطن الخفين وظاهرهما سواء ومن مسح باطنهما دون ظاهرهما أعاد في الوقت كمن مسح ظهورهما سواء.
وقال عبد الله بن نافع من مسح ظهورهما ولم يمسح بطونهما أعاد في الوقت وبعده.

(11/146)


والمشهور من قول الشافعي أن من مسح ظهورهما واقتصر على ذلك أجزأه ومن مسح باطنهما دون ظاهرهما لم يجزه وليس بماسح مثل قول مالك سواء.
وله قول آخر مثل قول أشهب إن مسح بطونهما ولم يمسح ظهورهما أجزأه.
والصحيح في مذهبه أن أعلى الخف يجزئ عن أسفله ولا يجزئ مسح أسفله وتمام المسح عنده أن يمسح أعلى الخف وأسفله.
وحجة مالك والشافعي في مسح أعلى الخف وأسفله ما حدثناه عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن قال حدثنا أحمد بن جعفر بن حمدان قال حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال حدثني أبي قال حدثنا الوليد بن مسلم قال حدثنا ثور عن رجاء بن حيوة عن كاتب المغيرة بن شعبة عن المغيرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ فمسح أعلى الخف وأسفله.
وقال أبو بكر الأثرم سألت أحمد بن حنبل عن هذا الحديث فقال ذكرته لعبد الرحمن بن مهدي فذكر عن ابن المبارك عن ثور قال حدثت عن رجاء بن حيوة عن كاتب المغيرة وليس فيه المغيرة وهذا إفساد لهذا الحديث بما ذكر من الإخلال في إسناده.
وقد حدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا ابن أبي دليم قال حدثنا ابن وضاح قال حدثنا الحكم بن موسى قال حدثنا الوليد بن مسلم عن ثور بن يزيد عن رجاء بن حيوة عن كاتب

(11/147)


المغيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يمسح أعلى الخفين وأسفلهما.
وذكر ابن وهب عن أسامة بن زيد عن نافع عن ابن عمر أنه كان يمسح أعلاهما وأسفلهما.
وحدثنا سعيد حدثنا ابن أبي دليم حدثنا ابن وضاح حدثنا موسى بن معاوية حدثنا حماد بن خالد الخياط عن فرج بن فضالة عن محمد بن الوليد يعني الزبيري عن ابن شهاب قال إنما هما بمنزلة رجليك ما لم تخلعهما.
وحدثنا عبد الوارث قال: حدثنا قاسم حدثنا ابن وضاح حدثنا محمد بن عمرو عن مصعب عن سفيان عن ابن جريج عن نافع عن ابن عمر أنه كان يمسح ظهور خفيه وبطونهما.
وحدثنا سعيد بن نصر حدثنا ابن أبي دليم حدثنا ابن وضاح حدثنا عمرو بن عثمان الحمصي حدثني أبي عن محمد بن مهاجر عن أخيه عمرو بن مهاجر تضع يدك اليمنى على ظاهر الخف واليسرى على باطنه قيل لابن وضاح من كلتا رجليه قال نعم تكون اليسرى من تحت الخف في كلتيهما.
وقال أبو حنيفة وأصحابه والثوري يمسح ظاهر الخفين دون باطنهما وقد قاله أحمد بن حنبل وإسحاق وجماعة وهو قول قيس بن سعيد وابن عبادة وقول الحسن البصري وعروة بن الزبير وعطاء بن أبي رباح وغيرهم.

(11/148)


وحجة من قال بهذا القول ما حدثناه سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أبو إسماعيل الترمذي قال حدثنا الحميدي قال حدثنا سفيان قال حدثنا أبو السوداء عمر النهدي عن ابن عبد خير عن أبيه قال رأيت علي بن أبي طالب يمسح على ظهور قدميه ويقول لولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح ظهورهما لظننت أن بطونهما أحق.
قال الحميدي هذا منسوخ.
قال أبو عمر:
من أهل العلم من يحمل هذا على المسح على ظهور الخفين ويقول معنى ذكر القدمين ههنا أن يكونا مغيبين في الخفين فهذا هو المسح الذي ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم فعله.
وأما المسح على القدمين فلا يصح عنه بوجه من الوجوه ومن قال إن هذا الحديث على ظاهره جعله منسوخا بقوله صلى الله عليه وسلم "ويل للأعقاب من النار" هـ.
وسنذكر أقاويل العلماء في ذلك والحجة لهذا القول عند ذكر قوله صلى الله عليه وسلم "ويل للأعقاب من النار" في مرسلات مالك إن شاء الله تعالى.
والذي تأولته في حديث علي هذا أنه أراد بذكر القدمين إذا كانا في الخفين قد جاء منصوصا من طريق جيد أخبرنا عبد الله بن محمد حدثنا محمد بن بكر حدثنا أبو داود حدثنا محمد بن العلاء حدثنا حفص بن غياث حدثنا الأعمش عن أبي إسحاق عن عبد خير عن علي

(11/149)


قال لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح على ظاهر خفيه ذكره أبو داود هكذا من وجوه.
ومن حجة من قال بمسح أعلا الخفين دون أسفلهما أيضا ما حدثناه عبد الله بن محمد بن يحيى قال حدثنا أحمد بن جعفر بن مالك قال حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال حدثني أبي قال حدثنا إبراهيم بن أبي العباس قال حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبي الزناد عن عروة قال قال المغيرة بن شعبة رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح ظهري الخفين.
وهذا أيضا منقطع ليس فيه حجة واختلفوا في توقيت المسح على الخفين فقال مالك والليث بن سعد لا وقت للمسح على الخفين ومن لبس خفيه وهو طاهر مسح ما بدا له قال مالك والليث المقيم والمسافر في ذلك سواء.
وروي مثل ذلك عن عمر بن الخطاب وعقبة بن عامر وعبد الله بن عمر والحسن البصري.
روى حماد بن سلمة عن محمد بن زياد عن زيد بن أبي الصلت قال سمعت عمر يقول إذا توضأ أحدكم ثم لبس الخفين ثم أحدث فليمسح عليهما إن شاء ولا يخلعهما إلا من جنابة.

(11/150)


قال حماد بن سلمة وحدثنا عبد الله بن عمر أن عمر كان لا يجعل للمسح على الخفين وقتا.
ذكر ابن وهب عن أبي لهيعة وعمرو بن الحارث والليث بن يزيد بن أبي حبيب عن عبد الله بن الحكم البلوي أنه سمع علي بن رباح يخبر عن عقبة ابن عامر الجهني قال قدمت على عمر بن الخطاب بفتح من الشام وعلى خفان فنظر إليهما ثم قال كم لك منذ لم تنزعهما قال فقلت لبستهما يوم الجمعة واليوم الجمعة ثمان قال أصبت.
قال ابن وهب. وحدثنا عبد الجبار بن عمر قال قلت لابن شهاب المسح على الخفين للمسافر ثلاثة أيام بلياليهن وللمقيم يوم وليلة قال ابن شهاب قد طلبنا ذلك فلم نجد أحدا يوقت لهما وقتا هـ.
وقال ابن وهب وحدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه قال لا أعلم للمقيم أجلا قال ابن وهب وحدثنا عبد الله بن عمر بن حفص قال سمعت نافعا مولى ابن عمر يقول ليس لمسح الخفين عندنا وقت.
قال ابن وهب وسمعت مالكا يقول: ليس عند أهل بلادنا في ذلك وقت قال مالك يمسح عليهما ما لم ينزعهما قال وقال ابن وهب وهذا رأيي الذي آخذ به هـ.
ذكر عبد الرزاق عن عبد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال امسح على الخفين ما لم تخلعهما لا توقت

(11/151)


وقتا قال وأخبرنا المعتمر بن سليمان عن أبيه عن الحسن مثله.
وقال أبو حنيفة وأصحابه والثوري والأوزاعي والحسن بن حي والشافعي وأحمد بن حنبل وداود والطبري للمقيم يوم وليلة وللمسافر ثلاثة أيام ولياليهن.
وقد روي عن مالك في رسالته إلى هارون أو بعض الخلفاء التوقيت وأنكر ذلك أصحابه وروي التوقيت في المسح عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه كثيرة.
منها ما رواه شعبة عن الحكم عن القاسم بن مخيمرة عن شريح بن هانئ عن علي بن أبي طالب عن النبي صلى الله عليه وسلم.
ومنها حديث خزيمة بن ثابت وصفوان بن عسال وأبي بكرة وغيرهم وروى معمر وغيره عن يزيد بن أبي زياد عن زيد بن وهب الجهني قال كنا بأذربيجان فكتب إلينا عمر بن الخطاب أن نمسح على الخفين ثلاثا إذا نحن سافرنا وليلة إذا نحن أقمنا.
وذكر عبد الرزاق عن الثوري عن حماد عن إبراهيم عن نباتة الجعفي عن عمر قال للمسافر ثلاثة أيام وللمقيم يوم وليلة.
وذكر ابن أبي شيبة حدثنا حفص بن غياث عن أشعب عن سويد بن غفلة عن عمر قال للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن وللمقيم يوم وليلة.

(11/152)


وروي عن عمر مثله من وجوه كثيرة غير هذه فيها ضعف.
وذكر عبد الرزاق وغيره عن ابن المبارك قال حدثني عاصم بن سليمان عن أبي عثمان قال حضرت سعدا وابن عمر يختصمان إلى عمر في المسح على الخفين فقال عمر يمسح عليهما إلى مثل ساعته من يوم وليلة.
وثبت التوقيت عن علي بن أبي طالب وابن عباس وحذيفة وابن مسعود من وجوه.
وأكثر التابعين والفقهاء على ذلك وهو الاحتياط عندي لأن المسح ثبت بالتواتر واتفق عليه أهل السنة والجماعة واطمأنت النفس إلى اتفاقهم.
فلما قال أكثرهم أنه لا يجوز المسح للمقيم أكثر من خمس صلوات يوم وليلة ولا يجوز للمسافر أكثر من خمس عشرة صلاة ثلاثة أيام ولياليها فالواجب على العالم أن يؤدي صلاته بيقين واليقين الغسل حتى يجمعوا على المسح ولم يجمعوا فوق الثلاث للمسافر ولا فوق اليوم للمقيم.
وقد اختلف أهل التوقيت في شيء من حدود التوقيت ومراعاة الحدث وعدد الصلوات والذي ذكرت لك أولى ما ذهبوا إليه من ذلك وبالله التوفيق هـ.
قرأت على عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا بكر ابن حماد قال حدثنا مسدد قال حدثنا يحيى يعني القطان عن شعبة عن الحكم عن القاسم بن مخيمرة عن شريح بن هانئ قال سألت عائشة عن المسح على الخفين فقالت سل علي بن أبي طالب فإنه كان يسافر مع

(11/153)


رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فسألت عليا فقال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "يوم وليلة للمقيم وثلاثة أيام ولياليهن للمسافر".
وذكر عبد الرزاق عن الثوري عن عمرو بن قيس عن الحكم بن عتيبة عن القاسم بن مخيمر عن شريح بن هانئ مثله سواء عن النبي صلى الله عليه وسلم.
ورواه عن القاسم بن مخيمرة جماعة وذكر معمر عن عاصم بن أبي النجود عن زر بن حبيش قال أتيت صفوان من عسال المرادي فقال ما حاجتك قلت جئت ابتغاء العلم قال إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "ما من خارج يخرج من بيته في طلب العلم إلا وضعت له الملائكة أجنحتها رضى بما يصنع" قال قلت جئت أسألك عن المسح على الخفين قال نعم كنت في الجيش الذي بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمرنا أن نمسح على الخفين إذا نحن أدخلناهما على طهور ثلاثا إذا سافرنا وليلة إذا أقمنا ولا نخلعهما من غائط ولا بول ولا نوم ولا نخلعهما إلا من جنابة.
ورواه الثوري وابن عيينة وحماد بن زيد وحماد بن سلمة وغيرهم عن عاصم بن أبي النجود بإسناده مثله في المسح على الخفين مرفوعا وحدثنا إبراهيم بن شاكر قال حدثنا محمد بن أحمد بن يحيى قال حدثنا إسحاق بن محمد بن حمدان قال حدثنا زكرياء بن يحيى الساجي قال حدثنا بندار وابن المثنى قالا حدثنا عبد الوهاب قال حدثنا المهاجر مولى أبي بكرة عن

(11/154)


عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقت ثلاثا للمسافر ويوما وليلة للمقيم في المسح على الخفين.
قال أبو يحيى الساجي مهاجر أبو مخلد هذا صدوق ومعروف وليس قول من قال فيه مجهول بشيء روى عنه أيوب السختياني وعوف الأعرابي وحماد بن زيد وإسماعيل بن علية وعبد الوهاب الثقفي وغيرهم واحتج به الشافعي في توقيت المسح على الخفين.
وحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا عبيد بن عبد الواحد قال حدثنا علي بن المديني قال حدثنا عبد الوهاب بن عبد المجيد قال حدثنا المهاجر وهو أبو مخلد مولى أبي بكرة عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أرخص للمسافر ثلاثة أيام وللمقيم يوم وليلة إذا تطهر ولبس خفيه أن يمسح عليهما.
وقرأت على سعيد بن نصر أن قاسم بن أصبغ حدثهم قال حدثنا محمد بن إسماعيل قال حدثنا الحميدي قال حدثنا سفيان قال حدثنا منصور عن إبراهيم التيمي عن عمرو بن ميمون الأودي عن أبي عبد الله الجدلي عن خزيمة الأنصاري قال رخص لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسح على الخفين ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر ويوم وليلة للمقيم ولو استزدناه زادنا.
واختلف الفقهاء في الخف المخرق هل يمسح عليه فقال مالك وأصحابه يمسح إذا كان الخرق يسيرا ولم يظهر منه القدم وإن ظهر منه القدم لم يمسح.

(11/155)


وقال ابن خويز منداد معناه أن يكون الخرق لا يمنع من الانتفاع به ومن لبسه ويكون مثله يمشي فيه وينتفع به.
وبمثل قول مالك في ذلك قال الثوري والليث والشافعي والطبري على اختلاف عنهم في ذلك.
وقد روي عن الثوري والطبري إجازة المسح على الخف المخرق جله وأما اليسير من الخرق فمتجاوز عنه عند الجمهور منهم.
وقد روي عن الشافعي فيه تشديد قال الشافعي بمصر إذا كان الخرق في مقدم الرجل فلا يجوز أن يمسح عليه إذا بدا منه شيء وقال الأوزاعي يمسح على الخف وعلى ما ظهر من القدم وهو قول الطبري.
وقال أبو حنيفة وأصحابه إذا كان ما ظهر من الرجل أقل من ثلاثة أصابع مسح ولا يمسح إذا ظهرت ثلاث.
وقال الحسن بن حي يمسح على الخف إذا كان ما ظهر منه يغطيه الجورب فإن ظهر شيء من القدم لم يمسح هـ.
قال أبو عمر:
هذا على مذهبهم في المسح على الجوربين إذا كانا ثخينين وهو قول الثوري. وأبي يوسف ومحمد.
ولا يجوز المسح على الجوربين عن أبي حنيفة والشافعي إلا أن يكونا مجلدين.

(11/156)


وهو أحد قولي مالك ولمالك قول آخر أنه لا يجوز المسح على الجوربين وإن كانا مجلدين.
واختلف فيمن نزع خفيه وقد مسح عليهما فقال أبو حنيفة والشافعي وأصحابهما إذا كان ذلك غسل قدميه وقال مالك والليث مثل ذلك إلا أنهما قالا إن غسلهما مكانه أجزأه وإن أخر غسلهما استأنف الوضوء.
وقال الحسن بن حي إذا خلع خفيه أعاد الوضوء من أوله ولم يفرق بين تراخي الغسل وغيره.
وقال ابن أبي ليلى إذا نزع خفيه بعد المسح صلى كما هو وليس عليه غسل رجليه ولا استيناف الوضوء وروي عنه أنه يغسل رجليه خاصة.
وعن إبراهيم النخعي في ذلك ثلاث روايات إحداها أنه لا شيء عليه مثل قول ابن أبي ليلى والحسن البصري والثانية أنه يعيد الوضوء والثالثة أنه يغسل قدميه.
واختلفوا فيما إذا غسل إحدى رجليه ثم لبس خفه ثم غسل الأخرى ولبس الخف الآخر هل يمسح عليهما إن أحدث فقال مالك لا يمسح عليهما وبذلك قال الشافعي وأحمد وإسحاق وحجتهم في ذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث المغيرة بن شعبة من رواية الشعبي عن عروة بن المغيرة عن المغيرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له "حين أهوى لينزع خفيه دع الخفين فإني أدخلت القدمين فيهما وهما طاهرتان".

(11/157)


وقول عمر بن الخطاب إذا أدخلت رجليك في الخفين وهما طاهرتان فامسح عليهما وإن جئت من الغائط.
قالوا فلا يمسح على خفيه إلا من لبسهما بعد تمام طهارته.
وقال أبو حنيفة وأصحابه والثوري والمزني والطبري وداود يجزيه أن يمسح.
قالوا ولا فرق بين أن لا يمسح لابس خفيه حتى يتم غسل رجليه وبين أن يغسل رجلا ويلبس فيها خفا ثم يغسل رجله الأخرى ويلبس الخف الثانية لأن الأمر في ذلك سواء.
قالوا وقد يقاس بأبعد من هذا وحسب كل رجل أنها لم تلبس الخف إلا وهي طاهرة بطهر الوضوء.
وقد أجمعوا أنه لو نزع خفه ثم أعادها كان له أن يمسح هـ.
قال أبو عمر:
قد بقيت أشياء من مسائل المسح لو تقصيناها خرجنا عن شرطنا في تأليفنا وبالله توفيقنا.
وفي هذا الحديث أيضا من الفقه أنه من فاته شيء من صلاته مع الإمام صلى معه ما أدرك وقضى ما فاته وهذا أمر مجمع عليه.

(11/158)


وفيه أن الرجل العالم الخير الفاضل جائز له أن يأتم في صلاته بمن هو دونه.
وأن إمامة المفضول جائزة بحضرة الفاضل إذا كان المفضول أهلا لذلك.
ولا أعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى خلف أحد من أمته إلا خلف عبد الرحمن بن عوف.
واختلف في صلاته خلف أبي بكر أخبرنا عبد الله بن محمد بن يحيى قال حدثنا أحمد بن جعفر بن مالك قال حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال حدثنا أبي قال حدثنا إسماعيل قال حدثنا أيوب عن محمد عن عمرو بن وهب الثقفي قال كنا مع المغيرة بن شعبة فسئل هل أم رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد من هذه الأمة غير أبي بكر فقال نعم كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فلما كان من السحر ضرب عنق راحلتي فظننت أن له حاجة فعدلت معه فانطلقنا حتى إذا برزنا عن الناس فنزل عن راحلته ثم انطلق فتغيب عني حتى ما أراه فمكث طويلا ثم جاء فقال حاجتك يا مغيرة قلت ما لي حاجة فقال "هل معك ماء فقلت نعم فقمت إلى قربة أو سطحية معلقة في آخر الرحل فأتيت بماء فصببت عليه فغسل يديه فأحسن غسلهما قال وأشك أقال أدلكهما بتراب أم لا ثم غسل وجهه ثم ذهب يحسر عن يديه وعليه جبة

(11/159)


شامية ضيقة الكمين فضاقت فأخرج يديه من تحتها إخراجا فغسل وجهه ويديه قال فيجيء في هذا الحديث غسل الوجه مرتين فلا أدري أهكذا أم لا ثم مسح بناصيته ومسح على العمامة ومسح على الخفين فأدركنا الناس وقد أقيمت الصلاة وتقدمهم عبد الرحمن بن عوف وقد صلى بهم ركعة وهم في الثانية فذهبت أوذنه فنهاني فصلينا الركعة التي أدركنا وقضينا الركعة التي سبقتنا".
حدثنا محمد بن زكريا قال حدثنا أحمد بن سعيد قال حدثنا أحمد بن خالد قال حدثنا مروان بن عبد الملك قال حدثنا أبو حاتم الأصمعي حدثنا معتمر بن سليمان قال كان أبي لا يختلف عليه في شيء من الدين إلا أخذ بأشده إلا المسح على الخفين فإنه كان يقول هو السنة واتباعها أفضل.
حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن وضاح قال حدثنا عبد الله بن أبي حسان قال حدثنا الفضيل بن عياض عن المغيرة بن مقسم عن إبراهيم النخعي قال من ترك المسح على الخفين فقد ترك سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وإني لأحسب ترك ذلك من فعل الشيطان.
وذكر ابن أبي شيبة قال أنبأنا هشيم قال أنبأنا المغيرة عن إبراهيم قال مسح أصحاب رسول الله صلى الله عليه

(11/160)


وسلم على الخفين فمن ترك ذلك رغبة عنهم فإنما هو من الشيطان.
قال أبو بكر وأخبرنا جرير عن مغيرة قال كان إبراهيم في سفر فأتى عليهم يوم حار فقال لولا خلاف السنة لتركت الخفين.

(11/161)


الحديث السابع والأربعون
...
ابن شهاب عن رجل من آل خالد بن أسيد حديث واحد
مالك عن ابن شهاب عن رجل من آل خالد بن أسيد أنه سأل عبد الله بن عمر فقال يا أبا عبد الرحمن إنا نجد صلاة الخوف وصلاة الحضر في القرآن ولا نجد صلاة السفر فقال ابن عمر يا ابن أخي إن الله بعث إلينا محمدا صلى الله عليه وسلم ولا نعلم شيئا فإنما نفعل كما رأيناه يفعل.
هكذا رواه جماعة الرواة عن مالك ولم يقم مالك إسناد هذا الحديث أيضا لأنه لم يسم الرجل الذي سأل ابن عمر وأسقط من الإسناد رجلا والرجل الذي لم يسمه هو أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد بن أبي العيص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف.
وهذا الحديث يرويه ابن شهاب عن عبد الله بن أبي بكر ابن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام عن أمية بن عبد الله بن خالد بن عبد الله بن أسيد عن ابن عمر.

(11/161)


كذلك رواه معمر والليث بن سعد ويونس بن يزيد من غير رواية ابن وهب.
وقال ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب عن عبد الملك بن أبي بكر عن أمية بن عبد الله بن خالد.
فجعل موضع عبد الله بن أبي بكر عبد الملك بن أبي بكر فغلط ووهم.
ولابن شهاب عن عبد الملك بن أبي بكر غير هذا الحديث روي عنه عن أبي هريرة قوله إني لأصلي في الثوب الواحد وإن ثيابي لعلى المشجب ورواية ابن شهاب عن أبيهما لا تجهل.
فأما حديث معمر. فذكر عبد الرزاق قال أنبأنا معمر عن الزهري عن عبد الله بن أبي بكر عن عبد الرحمن بن أمية بن عبد الله أنه قال لابن عمر هذه صلاة الخوف وصلاة الحضر في القرآن ولا نجد صلاة المسافر فقال ابن عمر بعث الله إلينا نبيه عليه الصلاة والسلام ونحن أجفا الناس نصنع كما صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم.
هكذا في كتاب عبد الرزاق عبد الله بن أبي بكر عن عبد الرحمن بن أمية وإنما هو عبد الله بن أبي بكر بن عبد الرحمن عن أمية بن عبد الله وهو من غلط الكاتب والله أعلم.

(11/162)


وإنما قلنا أن ذلك في كتاب عبد الرزاق لأنا وجدناه في كتاب الدبري وغيره عنه كذلك.
وكذلك ذكره الذهلي محمد بن يحيى وقال لا أدري هذا الوهم أمن معمر جاء أم من عبد الرزاق.
قال أبو عمر:
هو عندي من كتاب عبد الرزاق والله أعلم.
وأخبرنا عبد الرحمن بن يحيى قال حدثنا أحمد بن سعيد قال حدثنا محمد بن زبان قال حدثنا محمد بن رمح قال أنبأنا الليث بن سعد قال أنبأنا ابن شهاب عن عبد الله بن أبي بكر بن عبد الرحمن عن أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد أنه قال لعبد الله بن عمر إنا نجد صلاة الحضر وصلاة الخوف في القرآن ولا نجد صلاة السفر فقال ابن عمر إن الله تعالى بعث إلينا محمدا صلى الله عليه وسلم ونحن لا نعلم شيئا فإنما نفعل كما رأيناه يفعل.
وأخبرنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم ابن أصبغ قال حدثنا مطلب بن شعيب قال حدثنا عبد الله بن صالح قال حدثني الليث قال حدثني يونس عن ابن شهاب أن عبد الله بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد أخبره أنه سأل عبد الله بن عمر فذكره.

(11/163)


وذكر النيسابوري قال حدثنا أحمد بن شبيب بن سعيد مولى الحطة قال حدثني أبي عن يونس عن ابن شهاب قال أخبرني عبد الله بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث أن أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد أخبره أنه سأل عبد الله بن عمر بهذا الخبر.
قال أبو عمر:
أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد كان عاملا لعبد الملك بن مروان على خراسان وله أخوة كثيرة ذكرهم أهل النسب ومن أعمامه من يسمى أمية بن خالد ولخالد بن أسيد جده بنون كثير أيضا أسنهم عبد الرحمن بن خالد.
في هذا الحديث من الفقه أن قصر الصلاة في السفر من غير خوف سنة لا فريضة لأنها لا ذكر لها في القرآن وإنما القصر المذكور في القرآن إذا كان سفرا وخوفا واجتمعا جميعا قال الله عز وجل: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا} . فلم يبح القصر إلا مع هذين الشرطين ومثله في القرآن قوله عز وجل: {وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ} يعني الحرائر {فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ} إلى قوله: {ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ} . فلم يبح نكاح الإماء إلا بعدم

(11/164)


الطول إلى الحرة وخوف العنت جميعا ثم قال عز وجل: {فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ} أي فأتموا الصلاة فهذه صلاة الحضر وقد تقدمت صلاة الخوف مع السفر وقد نص عليهما جميعا القرآن.
وقصر رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة من أربع إلى اثنتين إلا المغرب في أسفاره كلها آمنا لا يخاف إلا الله تعالى.
فكان ذلك منه سنة مسنونة صلى الله عليه وسلم زيادة منه في أحكام الله كسائر ما سنه وبينه مما ليس له في القرآن ذكر مما لو ذكرنا بعضه لطال الكتاب بذكره وهو ثابت عند أهل العلم أشهر من أن يحتاج فيه إلى القول في غير موضعه.
فحديث ابن عمر في هذا الباب قوله إنما نفعل كما رأينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل مع حديث عمر حيث سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن القصر في السفر من غير خوف فقال له "تلك صدقة تصدق الله تعالى بها عليكم فاقبلوا صدقته" يدلان على أن الله عز وجل قد يبيح في كتابه الشيء بشرط ثم يبيح ذلك الشيء على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم بغير ذلك الشرط ألا ترى أن القرآن إنما أباح القصر لمن كان خائفا ضاربا في الأرض وأباحه رسول الله صلى الله عليه وسلم أمنا.
والدليل على أن قصر الصلاة في السفر من غير خوف سنة مسنونة مع ما تقدم من حديث هذا الباب ما حدثنا عبد الله بن

(11/165)


محمد بن أبي بكر حدثنا أبو داود حدثنا أحمد بن حنبل ومسدد قالا حدثنا يحيى بن سعيد عن ابن جريج قال حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي عمار عن عبد الله بن بابيه عن يعلى بن أمية قال قلت لعمر بن الخطاب إقصار الناس الصلاة اليوم وإنما قال الله عز وجل: {إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا} فقد ذهب ذلك فقال عجبت مما عجبت منه فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته" .
قال أبو داود. وحدثنا خشيش بن أصرم حدثنا عبد الرزاق عن ابن جريج فذكر بإسناده مثله قال علي بن المديني عبد الرحمن ابن أبي عمار وعبد الله بن بابيه مكيان ثقتان.
قال أبو عمر:
اختلف على عبد الرزاق في اسم ابن أبي عمار فروى عنه خشيش بن أصرم أنه قال فيه كما قال يحيى بن سعيد القطان عبد الرحمن بن عبد الله ابن أبي عمار فيما ذكر أبو داود.
وقد روي عن عبد الرزاق أنه قال فيه عن ابن جريج عن عبد الله بن أبي عمار ولذلك قال فيه محمد بن بكر البرساتي وأبو عاصم النبيل وحماد بن مسعدة عن ابن جريج قال سمعت عبد الله بن أبي عمار وقال فيه ابن إدريس وأبو إسحاق الفزاري عن ابن أبي عمار لم يقل عبد الله ولا عبد الرحمن

(11/166)


ورواه الشافعي عن عبد المجيد بن عبد العزيز عن ابن جريج قال حدثني عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي عمار كما قال يحيى القطان وهو الصواب إن شاء الله لا شك فيه.
فروي عن عبد الرحمن ابن عبد الله بن أبي عمار بن جريج وغيره.
وأما أبوه عبد الله بن أبي عمار فروى عنه ابن أبي مليكة وعكرمة بن خالد ويوسف بن ماهر ويروى هذا عن عمر بن الخطاب ومعاذ بن جبل.
وأما عبد الله بن بابيه ويقال ابن باباه ويقال ابن بابي فرجل مكي أيضا مولى آل حجير بن أبي إهاب يروي عن جبير بن مطعم وابن عمر وعبد الله بن عمرو روى عنه عمرو بن دينار وأبو الزبير وابن نجيح وكلهم ثقات.
حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن إسماعيل الترمذي أبو إسماعيل قال حدثنا أبو نعيم قال حدثنا مالك بن مغول عن أبي حنظلة قال سألت ابن عمر عن صلاة السفر فقال ركعتين فقلت وأين قوله: {إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا} ونحن آمنون فقال سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فهذا ابن عمر قد أطلق عليها سنة وكذلك قال ابن عباس فأين المذهب عنهما؟.
حدثنا قاسم بن محمد قال حدثنا خالد بن سعد قال حدثنا أحمد بن عمر وقال حدثنا محمد بن سنجر قال: حدثنا

(11/167)


هشام بن عبد الملك عن شعبة عن قتادة عن موسى بن سلمة قال سألت ابن عباس قال قلت أكون بمكة فكيف أصلي قال ركعتين سنة أبي القاسم صلى الله عليه وسلم.
وأخبرنا عبد الرحمن بن أبان قال حدثنا محمد بن يحيى بن عبد العزيز قال حدثنا أحمد بن خالد وحدثنا خلف بن سعيد قال حدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا أحمد بن خالد قال حدثنا إسحاق ابن إبراهيم قال أنبأنا عبد الرزاق قال أنبأنا ابن جريج قال سأل حميد الضمري ابن عباس فقال إني أسافر أفأقصر الصلاة في السفر أم أتمها فقال ابن عباس ليس بقصرها ولكنه تمامها وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم آمنا لا يخاف إلا الله فصلى ركعتين حتى رجع ثم خرج أبو بكر آمنا لا يخاف إلا الله فصلى ركعتين حتى رجع ثم خرج عمر آمنا لا يخاف إلا الله فصلى اثنتين حتى رجع ثم فعل ذلك عثمان ثلثي إمارته أو شطرها ثم صلاها أربعا ثم أخذ بها بنو أمية.
قال ابن جريج وبلغني أنه إنما أوفاها عثمان أربعا بمنى فقط من أجل أن أعرابيا ناداه في مسجد الخيف بمنى فقال يا أمير المؤمنين ما زلت أصليهما ركعتين منذ رأيتك عام الأول فخشي عثمان أن يظن جهال الناس إنما الصلاة ركعتان قال ابن جريج وإنما أوفاها بمنى فقط.
قال عبد الرزاق وأخبرنا معمر عن الزهري عن سالم عن ابن عمر قال صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم

(11/168)


بمنى ركعتين ومع أبي بكر ركعتين ومع عمر ركعتين ومع عثمان صدرا من خلافته ثم صلاها أربعا قال الزهري فبلغني أن عثمان إنما صلاها أربعا لأنه أزمع أن يعتمر بعد الحج.
قال: وأخبرنا معمر عن أيوب عن ابن سيرين عن ابن عباس قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسافر من المدينة إلى مكة لا يخاف إلا الله فيصلي ركعتين ركعتين.
قال وأخبرنا هشام بن حسان عن ابن سيرين عن ابن عباس مثله وقال الأثرم عن أحمد بن حنبل قال زعموا أن عثمان إنما أتم في سفره لأنه تزوج بمنى فصلى أربعا.
قال وابن عباس يقول: إذا قدمت على أهلك أو ماشية لك فأتم الصلاة قال وقال بعض الناس لا إنما صلى خلفه أعرابي ركعتين فجعل يصلي أبدا ركعتين فبلغه ذلك فصلى أربعا ليعرف الناس كيف الصلاة.
قال الأثرم وحدثنا عفان قال حدثنا حماد بن سلمة قال حدثنا أيوب عن الزهري أن عثمان أتم الصلاة لأن الأعراب حجوا فأراد أن يعلمهم أن الصلاة أربع.
حدثنا قاسم بن محمد قال حدثنا خالد بن سعد قال حدثنا أحمد بن عمر وقال حدثنا محمد بن سنجر قال حدثنا الفضل بن دكين قال حدثنا شريك عن جابر عن عامر عن ابن عباس وابن عمر قالا سن رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين وهما تمام وقالا الوتر في السفر من السنة

(11/169)


قال وحدثنا ابن جريج عن عطاء قال قلت له فيما جعل القصر وقد أمن الناس يعني فما لهم يقصرون آمنين قال السنة قلت رخصة قال: نعم.
قال: وقال لي عمرو بن دينار أما قوله: {إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا} . فإنما ذلك إذا خافوا وسن النبي صلى الله عليه وسلم بعد الركعتين فهما وفاء وليس بقصر.
فهذا عطاء بن أبي رباح يصرح بأنهما سنة وعمرو بن دينار مثله وكذلك قال القاسم بن محمد حدثني عبد الرحمن بن يحيى قال حدثنا علي بن محمد قال حدثنا أحمد بن داود قال حدثنا سحنون قال أنبأنا ابن وهب قال أنبأنا ابن لهيعة عن بكير بن الأشج عن القاسم بن محمد أن رجلا قال عجبت من عائشة حين كانت تصلي أربعا في السفر ورسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي ركعتين فقال له القاسم بن محمد عليك بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "من الناس من لا يعاب".
قال أبو عمر:
قول القاسم هذا في عائشة يشبه قول سعيد بن المسيب حيث قال ليس من عالم ولا شريف ولا ذو فضل إلا وفيه عيب ولكن من الناس من لا ينبغي أن تذكر عيوبه ومن كان فضله أكثر من نقصه ذهب نقصه لفضله.

(11/170)


قال أبو عمر:
وقد قال قوم في إتمام عائشة أقاويل ليس منها شيء يروى عنها وإنما هي ظنون وتأويلات لا يصحبها دليل.
قال ابن شهاب تأولت ما تأول عثمان وهذا ليس بجواب موعب وأضعف ما قيل في ذلك أنها أم المؤمنين وإن الناس حيث كانوا بنوها وكان منازلهم منازلها وهذا أبعد ما قيل في ذلك من الصواب وهل كانت أما للمؤمنين إلا أنها زوج أبي المؤمنين صلى الله عليه وسلم وهو الذي سن الغزو في أسفاره في غزواته وحجه وعمره صلى الله عليه وسلم.
وفي قراءة أبي بن كعب ومصحفه النبيء أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وهو أب لهم.
أخبرني خلف بن القاسم قال حدثنا أحمد بن صالح بن عمر المقرئ حدثنا أحمد بن جعفر المنادي حدثنا العباس بن محمد بن حاتم الدوري حدثنا عبد الرحمن بن مصعب أبو يزيد القطان قال حدثنا سفيان الثوري عن ليث عن مجاهد في قوله عز وجل: {هَؤُلاءِ بَنَاتِي} قال كل نبي أبو أمته.
وذكر الفريابي عن سفيان عن طلحة عن عطاء عن ابن عباس أنه كان يقرأ هذه الآية النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وهو أب لهم وأزواجه أمهاتهم.
وأخبرنا عبد الوارث حدثنا قاسم حدثنا ابن وضاح حدثنا موسى بن معاوية حدثنا وكيع عن سفيان عن ليث عن مجاهد في قوله: {هَؤُلاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ} قال لم يكن بناته ولكن نساء أمته وكل نبي هو أبو أمته.

(11/171)


وأحسن ما قيل في قصر عائشة وإتمامها. أنها أخذت برخصة رسول الله صلى الله عليه وسلم لتري الناس أن الإتمام ليس فيه حرج وإن كان غيره أفضل فإن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه ولعلها كانت تذهب إلى أن القصر في السفر رخصة وإباحة وأن الإتمام أفضل فكانت تفعل ذلك وهي التي روت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه لم يخير بين أمرين قط إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما.
فلعلها ذهبت إلى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يختر القصر في أسفاره إلا توسعة على أمته وأخذا بأيسر أمر الله.
وبنحو هذا القول ذكرنا جواب عطاء بن أبي رباح فيما تقدم عنه أن القصر سنة ورخصة وهو الذي روى عن عائشة ما حدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا ابن وضاح قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا وكيع قال حدثنا المغيرة بن زياد عن عطاء عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتم في سفره ويقصر.
وقد أتم جماعة في السفر منهم سعد بن أبي وقاص وعثمان بن عفان وعائشة وقد عاب ابن مسعود عثمان بالإتمام وهو بمنى ثم لما أقام الصلاة عثمان مر ابن مسعود فصلى خلفه فقيل له في ذلك فقال الخلاف شر ولو أن القصر عنده فرض ما صلى خلف عثمان أربعا.

(11/172)


أخبرنا أحمد بن قاسم بن عبد الرحمن قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا الحرث ابن أبي أسامة قال حدثنا أبو نعيم قال حدثنا طلحة عن عطاء عن عائشة قالت كان قد فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم قد صام وأفطر وأتم وقصر في السفر.
وحدثنا عبد الوارث بن سفيان حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا محمد بن الجهم حدثنا عبد الوهاب قال أنبأنا طلحة بن عمرو عن عطاء عن عائشة أنها قالت كل ذلك كان يفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم صام وأفطر وقصر الصلاة وأتم.
وقد روى زيد العمي وإن لم يكن ممن يحتج به فإنه ممن يستظهر به عن أنس قال كنا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم نسافر فيتم بعضنا ويقصر بعضنا ويصوم بعضنا ويفطر بعضنا فلا يعيب أحد على أحد.
وإن كان زيد العمي وطلحة بن عمرو ممن لا يحتج بهما فإن الأحاديث الثابتة والاعتبار بالأصول تصحح ما جاء به مع فعل عائشة رحمها الله تعالى.
فإن قال قائل: ما معنى قول عائشة فرضت الصلاة ركعتين ركعتين في السفر والحضر فزيد في صلاة الحضر وأقرت صلاة السفر على الفريضة الأولى قيل له أما ظاهر هذا القول فيدل على أن الركعتين في السفر فرض ولكن الآثار والنظر والاعتبار كل ذلك يدل على غير ما دل عليه ظاهر الحديث وسنبين ذلك في باب صالح بن كيسان من كتابنا هذا إن شاء الله تعالى.

(11/173)


وقد أوردنا في هذا الباب ما فيه بيان لمن تدبر وحسبك بتوهين ظاهر حديث عائشة وخروجه عن ظاهره مخالفتها له وإجماع جمهور فقهاء المسلمين أنه ليس بأصل يعتبر في صلاة
المسافر خلف المقيم.
ومن الدليل أيضا على أن القصر في السفر سنة وتوسعة وإن كان ما ذكرنا في هذا الباب كافيا حديث يعلى بن أمية عن عمر بن الخطاب حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن وضاح قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا عبد الله بن إدريس عن ابن جريج عن ابن أبي عمار عن عبد الله بن بابيه عن يعلى بن أمية قال سألت عمر بن الخطاب قلت ليس عليكم أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا وقد آمن الناس.
فقال: عجبت مما تعجب منه فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال: "صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته" .
وهذا كله يدل على أن القصر سنة وتوسعة وكذلك قال ابن عمر وابن عباس وعطاء وعمرو بن دينار والقاسم بن محمد كلهم قال سنة مسنونة ولم يقل واحد منهم أنها فريضة وقد ذكرنا الأخبار عنهم فيما تقدم من هذا الباب فتدبره.
ومعلوم أن الصلاة ركن عظيم من أركان الدين بل أعظم أركانه بعد التوحيد ومحال أن يضاف إلى أحد من الصحابة الذين أتموا في أسفارهم وإلى سائر السلف الذين فعلوا فعلهم أنهم زادوا في فرضهم عامدين ما يفسد عليهم به فرضهم.

(11/174)


هذا ما لا يحل لمسلم أن يتأوله عليهم ولا ينسبه إليهم.
وقد حكى أبو مصعب عن مالك وأهل المدينة في مختصره قال القصر في السفر سنة للرجال والنساء وحسبك بهذا في مذهب مالك مع أنه لم يختلف قوله أن من أتم في السفر يعيد ما دام في الوقت وذلك استحباب عند من فهم لا إيجاب أخبرنا إبراهيم بن شاكر قال حدثنا عبد الله ابن عثمان قال حدثنا سعد بن معاذ قال حدثنا الربيع بن سليمان عن الشافعي قال القصر في الخوف مع السفر بالقرآن والسنة والقصر في السفر من غير خوف بالسنة.
أخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن قال حدثنا عبد الحميد ابن أحمد الوراق قال أنبأنا الخضر بن داود قال أنبأنا أبو بكر يعني الأثرم قال حدثنا موسى بن إسماعيل قال حدثنا أبان قال حدثنا قتادة عن صفوان بن محرز القاري أنه سأل عبد الله بن عمر عن الصلاة في السفر فقال ركعتان من خالف السنة فقد كفر.
ورواه معمر عن قتادة عن مورق العجلي قال سئل ابن عمر عن صلاة السفر فقال ركعتين ركعتين من خالف السنة كفر.
قال أبو عمر:
الكفر ههنا كفر النعمة وليس بكفر ينقل عن الملة كأنه قال كفر لنعمة التأسي التي أنعم الله على عباده بالنبي

(11/175)


صلى الله عليه وسلم ففيه الأسوة الحسنة في قبول رخصته كما في امتثال عزيمته صلى الله عليه وسلم.
والكلام في هذا على قول المعتزلة والخوارج يطول وليس هذا موضعه لخروجنا عما له قصدنا وبالله توفيقنا.
واختلف الفقهاء فيمن صلى أربعا في السفر. عامدا أو ساهيا فقال مالك من صلى في سفر تقصر فيه الصلاة أربعا أعاد في الوقت صلاة سفر ولم يفرق عامد وناس هذه رواية ابن القاسم قال ابن القاسم ولو رجع إلى بيته في الوقت لأعادها أربعا قال ولو أحرم مسافر وهو ينوي أربعا ثم بدا له فسلم من اثنتين لم يجزه.
وروى ابن وهب عن مالك في مسافر أم قوما فيهم مسافر ومقيم فأتم الصلاة بهم جاهلا قال أرى أن يعيدوا الصلاة جميعا وهذا قد يحتمل أن تكون الإعادة في الوقت.
وقال ابن المواز من صلى أربعا ناسيا لسفره أو لإقصاره أو ذاكرا لذلك وقال سحنون أو جاهلا فليعد في الوقت.
ولو افتتح على ركعتين فأتمها أربعا تعمدا أعادها أبدا وإن كان سهوا سجد لسهوه وأجزأته.
وقال سحنون بل يعيد لكثرة سهوه وقال محمد ليس هو سهو مجتمع عليه.
وقال أبو حنيفة وأصحابه إن قعد في اثنتين قدر التشهد مضت صلاته وإن لم يقعد فصلاته فاسدة.
وقال الثوري إذا قعد في اثنتين لم يعد.

(11/176)


وقال حماد بن أبي سليمان إذا صلى أربعا متعمدا أعاد وإن كان ساهيا لم يعد.
وقال الحسن بن حي إذا صلى أربعا متعمدا أعاد إذا كان ذلك منه الشيء اليسير فإذا طال ذلك في سفره وكثر لم يعد.
وقال عمر بن عبد العزيز الصلاة في السفر ركعتان حتم لا يصلح غيرهما.
وقال الأوزاعي إن قام المسافر لثالثة وصلاها ثم ذكر فإنه يلغيها ويسجد سجدتي السهو.
وقال الحسن البصري فيمن صلى في سفر أربعا متعمدا بئس ما صنع وقضت عنه ثم قال للسائل لا أبا لك ترى أصحاب
محمد تركوها لأنها ثقلت عليهم.
وقال الشافعي القصر في غير الخوف سنة وأما في الخوف مع السفر فبالقرآن والسنة ومن صلى أربعا فلا شيء عليه ولا أحب لأحد أن يتم في السفر رغبة عن السنة كما لا أحب لأحد نزع خفيه رغبة عن السنة وليس للمسافر أن يصلي ركعتين إلا أن ينوي القصر مع الإحرام فإن أحرم ولم ينو القصر كان على أصل فرضه أربعا.
قال أبو عمر:
قول الشافعي في هذا الباب أعدل الأقاويل إن شاء الله وقول مالك قريب منه نحوه لأن أمره بالإعادة في الوقت استحباب.

(11/177)


وكذلك قول أحمد بن حنبل في هذا الباب قال الأثرم قلت له للرجل أن يصلي في السفر أربعا قال لا يعجبني ثم قال السنة ركعتان.
وأما قول الكوفيين فضعيف لا أصل له إلا أصل لا يثبت وقد أوضحنا فساد أصلهم واعتبارهم القعود مقدار التشهد في غير هذا الموضع.
ومما يدل على ما اخترناه إتمام من أتم من الصحابة ولم ينكر ذلك عليه وقد أخبر الله عنهم أنهم خير أمة أخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر فما لم ينكروه وأقروه فحق وصواب.
وقلنا أن القصر أولى لأنه المشهور من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفره وهو فعل أكثر الصحابة والتابعين.
فإن تكن رخصة ويسر وتوسعة فلا وجه للرغبة عنها فإن الله قد أحب أن تقبل رخصته وصدقته ونأتيها وإن تكن فضيلة فهو الذي ظننا وكيف كانت الحال فامتثال فعله في كل ما أبيح لنا أفضل إن شاء الله.
وعلى هذا قال جماعة من أهل العلم إن المسح أفضل من الغسل لأنه كان يمسح صلى الله عليه وسلم على خفيه وهو المبين لعباد الله عز وجل مراد الله من كتابه وهو الهادي إلى صراط مستقيم صراط الله صلى الله عليه وسلم.

(11/178)


أخبرنا عبد الرحمن بن أبان بن عثمان قال حدثنا محمد بن يحيى بن عبد العزيز وأخبرنا خلف بن سعيد قال حدثنا عبد الله بن محمد بن علي قال أخبرنا أحمد بن خالد قال حدثنا إسحاق بن إبراهيم قال حدثنا عبد الرزاق قال أنبأنا ابن جريج عن عطاء قال لا أعلم أحدا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كان يوف الصلاة في السفر إلا سعد ابن أبي وقاص وعائشة فإنهما كانا يوفيان الصلاة في السفر ويصومان.
قال وسافر سعد في نفر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فأوفى سعد الصلاة وصام وقصر القوم وأفطروا فقالوا لسعد كيف نفطر ونقصر الصلاة وأنت تتمها وتصوم فقال دونكم أمركم فإني أعلم شأني قال فلم يحرمه سعد عليهم ولم ينههم عنه.
قال ابن جريج فقلت لعطاء فأي ذلك أحب إليك قال قصرها وكل ذلك قد فعله الصالحون والأخيار.
قال عبد الرزاق أنبأنا معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة أنها كانت تتم في السفر.
قال وأنبأنا الثوري عن عاصم عن أبي قلابة أنه كان يقول إن صليت في السفر أربعا فقد صلى من لا بأس به وإن صليت ركعتين فقد صلى من لا بأس به.
واختلف الفقهاء أيضا في مقدار السفر الذي تقصر فيه الصلاة فقال مالك والشافعي والليث أربعة برد وهو قول ابن

(11/179)


عباس وابن عمر قال مالك ثمانية وأربعون ميلا ومسيرة يوم وليلة وهو قول الليث.
وقال الشافعي: ستة وأربعون ميلا بالهاشمي أو يوم وليلة وهو قول الطبري.
وقال الأوزاعي: اليوم التام وهذه كلها أقاويل متقاربة وقال أبو حنيفة وأصحابه والثوري والحسن بن حي لا يقصر أحد في أقل من مسيرة ثلاثة أيام ولياليها.
وقال داود: من سافر في حج أو عمرة أو غزو قصر في قصير السفر وطويله ومن حجته حديث شعبة عن يزيد بن خمير عن حبيب بن عبيد عن جبير بن نفير قال خرجت مع شرحبيل بن السمط إلى قرية له على رأس سبعة عشر أو ثمانية عشر ميلا فصلى ركعتين فقلت له فقال رأيت عمر صلى بذي الحليفة ركعتين فقلت له فقال إنما أفعل كما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل.
واختلفوا أيضا فيمن له أن يقصر فقال مالك من خرج إلى الصيد متلذذا لم أحب له أن يقصر ومن خرج في معصية لم يجز له أن يقصر ومن كان الصيد معاشه قصر.
وقال الشافعي إن سافر في معصية فلا يقصر ولا يمسح مسح المسافر وهو قول داود والطبري.
وقال أحمد بن حنبل لا يقصر مسافر إلا في حج أو عمرة أو غزو.

(11/180)


ورواه عن ابن مسعود وهو قول داود إلا أن داود قال في حج أو عمرة أو غزو.
ولأحمد بن حنبل قول آخر مثل قول الشافعي من سافر في غير معصية قصر ومسح.
وقصر علي رضي الله عنه في خروجه إلى صفين وخرج ابن عباس إلى ماله بالطائف فقصر الصلاة.
وقال نافع كان ابن عمر يطالع ماله بخيبر فيقصر الصلاة وأكثر الفقهاء على إباحة القصر للمسافر تاجرا وفي أمر أبيح له الخروج إليه.
وكان الأوزاعي يقول في رجل خرج في بعث إلى بعض المسلمين يقصر ويفطر في رمضان في مسيرة ذلك وافق ذلك طاعة أو معصية.
واختلف أصحاب داود في ذلك فقال بعضهم قوله لا قصر إلا في حج أو عمرة أو جهاد وقال بعضهم للعاصي أن يقصر.
وقال أبو حنيفة وأصحابه والثوري والأوزاعي يقصر المسافر عاصيا كان أو مطيعا.
واختلفوا في مدة الإقامة فقال مالك والشافعي والليث والطبري وأبو ثور إذا نوى إقامة أربعة أيام أتم وهو قول سعيد بن المسيب في رواية عطاء الخراساني عنه.

(11/181)


وقال أبو حنيفة وأصحابه والثوري إذا نوى إقامة خمس عشرة يوما أتم وإن كان أقل قصر وهو قول ابن عمر وقول سعيد بن المسيب في رواية هشيم عن داود بن هند عنه.
وقال الأوزاعي: إن نوى إقامة ثلاثة عشر يوما أتم وإن نوى أقل قصر.
وعن سعيد ابن المسيب قول ثالث إذا أقام ثلاثا أتم.
وعن السلف في هذه المسألة أقاويل متباينة منها إذا أزمع المسافر على مقام اثنتي عشرة أتم الصلاة رواه نافع عن ابن عمر قال نافع وهو آخر فعل ابن عمر وقوله.
وروى عكرمة عن ابن عباس قال أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم تسع عشرة يقصر الصلاة فنحن إذا سافرنا تسعى عشر قصرنا وإن زدنا أتممنا.
وروي عن علي وابن عباس من أقام عشر ليال أتم الصلاة.
والطرق عنهما في ذلك ضعيفة وبذلك قال محمد بن علي والحسن بن صالح.
وروي عن سعيد بن جبير وعبد الله بن عتبة من أقام أكثر من خمس عشرة أتم وبه قال الليث بن سعد.
وروي عن الحسن أن المسافر يصلي ركعتين أبدا حتى يدخل مصرا من الأمصار.

(11/182)


وقال أحمد بن حنبل إذا أجمع المسافر مقام إحدى وعشرين صلاة مكتوبة قصر وإن زاد على ذلك أتم.
فهذه تسعة أقوال في هذه المسألة وفيها قول عاشر أن المسافر يقصر أبدا حتى يرجع إلى وطنه أو ينزل وطنا له.
وروي عن أنس أنه أقام سنتين بنيسابور يقصر الصلاة.
وقال أبو مجلز قلت لابن عمر ءاتي المدينة فأقيم بها السبعة أشهر والثمانية طالبا حاجة فقال صل ركعتين.
وقال أبو إسحاق السبيعي أقمنا بسجستان ومعنا رجال من أصحاب ابن مسعود سنتين نصلي ركعتين.
وأقام ابن عمر بأذربيجان ستة أشهر يصلي ركعتين وكان الثلج حال بينهم وبين القفول.
وأقام مسروق بالسلسلة سنتين وهو عامل عليها يصلي ركعتين ركعتين حتى انصرف يلتمس بذلك السنة.
وذكر يعقوب بن شيبة حدثنا معاوية بن عمر حدثنا زائدة عن منصور عن شقيق قال خرجت مع مسروق إلى السلسلة حين استعمل عليها فلم يزل يقصر حتى بلغ ولم يزل يقصر في السلسلة حتى رجع فقلت يا أبا عائشة ما يحملك على هذا قال اتباع السنة.

(11/183)


وقال أبو حمزة نصر بن عمران قلت لابن عباس إنا نطيل المقام بالغزو بخراسان فكيف ترى قال صل ركعتين وإن أقمت عشر سنين.
محمل هذه الأحاديث عندنا على من لا نية له في الإقامة لواحد من هؤلاء المقيمين هذه المدد المتقاربة وإنما ذلك مثل أن يقول اخرج اليوم أخرج غدا وإذا كان هكذا فلا عزيمة ههنا على الإقامة.
وقال الأثرم. سئل أحمد بن حنبل عن حديث أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم أقام عشرا يقصر الصلاة فقال قدم النبي صلى الله عليه وسلم مكة لصبح رابعة قال فرابعة وخامسة وسادسة وسابعة وثامنة التروية وتاسعة وعاشرة قال فإنما حسب أنس مقامه بمكة ومنى لا وجه لحديث أنس غير هذا.
قال أحمد فإذا قدم لصبح رابعة قصر وما قبل ذلك يتم قال أقام النبي صلى الله عليه وسلم اليوم الرابع والخامس والسادس والسابع وصلى الصبح بالأبطح في اليوم الثامن فهذه إحدى وعشرون صلاة قصر فيها في هذه الأيام وقد أجمع على إقامتها فمن أجمع أن يقيم كما أقام النبي صلى الله عليه وسلم قصر فإن أجمع على أكثر من ذلك أتم.
قلت له فلم لا تقصر فيما زاد على ذلك قال لأنهم اختلفوا فنأخذ بالاحتياط ونتم.

(11/184)


قيل لأحمد بن حنبل فإذا قال اخرج اليوم أخرج غدا يقصر قال هذا شيء آخر هذا لم يعزم.
قال أبو عمر:
أصح شيء في هذه المسألة قول مالك ومن تابعه والحجة في ذلك حديث العلاء بن الحضرمي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه جعل للمهاجر أن يقيم بمكة ثلاثة أيام ثم يصدر.
ومعلوم أن الهجرة إذا كانت مفترضة قبل الفتح كان المقام بمكة لا يجوز ولا يحل فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم للمهاجر ثلاثة أيام لتقضية حوائجه وتهذيب أسبابه ولم يحكم لها بحكم المقام ولا جعلها في حيز الإقامة لأنها لم تكن دار مقام فإذا لم يكن كذلك فما زاد على الثلاثة أيام إقامة لمن نواها وأقل ذلك أربعة أيام ومن نوى إقامة ثلاثة أيام فما دونها فليس بمقيم وإن نوى ذلك كما أنه لو نوى إقامة ساعة أو نحوها لم يكن بساعته تلك داخل في حكم المقيم ولا في أحواله.
ومن الحجة أيضا في ذلك أن عمر رضي الله عنه حين أجلى اليهود جعل لهم إقامة ثلاثة أيام في قضاء أمورهم وإنما نفاهم عمر لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يبقى دينان بأرض العرب" .
ألا ترى أنهم لا يجوز تركهم بأرض العرب مقيمين بها فحين نفاهم عمر وأمرهم بالخروج لم يكن عنده الثلاثة أيام إقامة.

(11/185)


وهذا بين لمن لم يعاند ويصده عن الحق هواه وعماه.
حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا يحيى بن عبد المجيد قال حدثنا سفيان بن عيينة وحفص بن عبد الرحمن بن حميد عن عبد الرحمن بن حميد قال سمعت السائب بن يزيد يحدث عمر بن عبد العزيز عن العلاء بن الحضرمي أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "يقيم المهاجر" قال سفيان بعد نسكه ثلاثا قال حفص بعد الصدر ثلاثا.
وأخبرنا عبد الله بن محمد بن يحيى قال حدثنا أحمد ابن جعفر بن مالك قال حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال حدثني أبي قال حدثنا سفيان بن عيينة قال حدثني عبد الرحمن بن حميد بن عبد الرحمن بن عوف عن السائب بن يزيد عن العلاء بن الحضرمي إن شاء الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "يمكث المهاجر بمكة بعد قضاء نسكه ثلاثا" قال عبد الله قال أبي ما كان أشد على ابن عيينة أن يقول حدثنا.
واحتج أبو ثور لقوله في هذه المسألة بأن قال لما أجمعوا على ما دون الأربع أنه يقصر فيها واختلفوا في الأربع فما فوقها.
كان عليه أن يتم وذلك أن فرض التمام لا يزول باختلاف.
اختلف الفقهاء أيضا في المسافر يدخل في...

(11/186)


صلاة المقيم، فقال مالك: إذا أدرك منها ركعة صلى صلاة المقيم وإن لم يدرك ركعة صلى ركعتين وهو قول الزهري وقتادة وقول الحسن البصري وإبراهيم النخعي على اختلاف عنهما.
وقال الشافعي: وأبو حنيفة والثوري والأوزاعي وأصحابهم يصلي صلاة مقيم وإن أدركه في التشهد وروي ذلك عن ابن عمر وابن عباس والحسن وإبراهيم وسعيد بن جبير وجابر بن زيد ومكحول وهو قول معمر بن راشد وبه قال أحمد وإسحاق وأبو ثور.
واختلفوا أيضا في مسافر صلى بمقيمين فقال مالك إذا سلم المسافر فأحب إلي أن يقدموا رجلا يتم بهم وفي ذلك سعة وقال الشافعي والثوري وأبو حنيفة والأوزاعي يصلون فرادى ولا يقدمون أحدا.
وحجتهم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل مكة:
"أتموا صلاتكم فإنا قوم سفر" وقد فعله عمر ولم يأمر أن يتم أحدهم بهم.
واختلفوا أيضا في المسافر يؤم قوما فيهم مسافرون ومقيمون فيحدث بعد ركعة فيقدم مقيما فقال مالك يصلي المقيم تمام صلاة الأول ثم يشير إلى من خلفه بالجلوس ثم يقوم وحده فيتم صلاته أربعا ثم يقعد ويتشهد ويسلم من خلفه من المسافرين ويقوم من خلفه من المقيمين فيتموا لأنفسهم وقال أبو حنيفة

(11/187)


وأصحابه والثوري يتم المستخلف صلاة الأول ثم يتأخر ويقدم مسافرا يسلم بهم فيسلم معه المسافرون ويقوم المقيمون فيقضون وحدانا.
وقال الشافعي والأوزاعي والليث بن سعد يتمون كلهم صلاة مقيم.
قال أبو عمر:
مسائل السفر تكثر جدا وإنما ذكرنا منها ما كان في معنى حديثنا وما يعين على فتح ما انغلق منها من معناه وبالله التوفيق.

(11/188)


الحديث الثامن والأربعون
...
ابن شهاب عن عمرة حديث واحد مرسل
في الموطأ ليحيى وحده وهو غلط منه وهي عمرة بنت عبد الرحمن بن سعد بن زرارة الأنصاري.
مالك عن ابن شهاب عن عمرة بنت عبد الرحمن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد أن يعتكف فلما انصرف إلى المكان الذي أراد أن يعتكف فيه وجد أخبية خباء عائشة وخباء حفصة وخباء زينب فلما رآها سأل عنها فقيل له هذا خباء عائشة وحفصة وزينب قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "آلبر تقولون بهن" ثم انصرف فلم يعتكف حتى اعتكف عشرا من شوال

(11/188)


هكذا هذا الحديث ليحيى في الموطأ عن مالك عن ابن شهاب وهو غلط وخطأ مفرط لم يتابعه أحد من رواة الموطأ فيه عن ابن شهاب وإنما هو في الموطأ لمالك عن يحيى بن سعيد إلا أن رواة الموطأ اختلفوا في قطعه وإسناده فمنهم من يرويه عن مالك عن يحيى بن سعيد إلا أن رواة الموطأ اختلفوا في قطعه وإسناده فمنهم من يرويه عن مالك عن يحيى بن سعيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يذكر عمرة ومنهم من يرويه عن مالك عن يحيى بن سعيد عن عمرة لا يذكر عائشة ومنهم من يرويه عن مالك عن يحيى بن سعيد عن عمرة عن عائشة يصله بسنده.
وأما رواية يحيى عن مالك عن ابن شهاب فلم يتابعه أحد على ذلك وإنما هذا الحديث لمالك عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن عمرة لا عن ابن شهاب عن عمرة كذلك رواه مالك وغيره وجماعة عنه ولا يعرف هذا الحديث لابن شهاب لا من حديث مالك ولا من حديث غيره من أصحاب ابن شهاب وهو من حديث يحيى بن سعيد محفوظ صحيح سنده وهذا الحديث مما فات يحيى سماعه عن مالك في الموطأ فرواه عن زياد بن عبد الرحمن المعروف بشبطون وكان ثقة عن مالك وكان يحيى بن يحيى قد سمع الموطأ منه بالأندلس ومالك

(11/189)


يومئذ حي. ثم رحل فسمعه من مالك حاشى ورقة في الاعتكاف لم يسمعها أو شك في سماعها من مالك فرواها عن زياد عن مالك وفيها هذا الحديث فلا أدري ممن جاء هذا الغلط في هذا الحديث أمن يحيى أم من زياد ومن أيهما كان ذلك فلم يتابعه أحد عليه وهو حديث مسند ثابت من حديث يحيى بن سعيد ذكره البخاري عن عبد الله بن يوسف عن مالك عن يحيى ابن سعيد عن عمرة عن عائشة مسندا قال البخاري وأخبرنا النعمان حدثنا حماد بن زيد حدثنا يحيى بن سعيد عن عمرة عن عائشة قالت كان النبي صلى الله عليه وسلم يعتكف في العشر الأواخر من رمضان وكنت أضرب له خباء فيصلي الصبح ثم يدخله فاستأذنت حفصة عائشة أن تضرب خباء فأذنت لها فضربت خباء فلما رأته زينب بنت جحش ضربت خباء آخر فلما أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى الأخبية فقال "ما هذا فأخبر فقال آلبر تردن بهن" فترك الاعتكاف ذلك الشهر ثم اعتكف عشرا من شوال.
أخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن قال حدثنا محمد بن بكر بن داسة قال حدثنا أبو داود قال حدثنا عثمان بن أبي شيبة قال حدثنا أبو معاوية ويعلى بن عبيد عن يحيى بن سعيد عن عمرة عن عائشة قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يعتكف صلى الفجر ثم دخل معتكفه قالت فإنه أراد مرة أن يعتكف في العشر

(11/190)


الأواخر من رمضان قال فأمر ببنائه فضرب فلما رأيت ذلك أمرت ببنائي فضرب قالت وأمر غيري من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ببنائها فضرب فلما صلى الفجر نظر إلى الأبنية فقال ما هذا آلبر تردن قالت فأمر ببنائه فقوض وأمر أزواجه بأبنيتهن فقوضت ثم أخر الاعتكاف إلى العشر الأول من شوال ورواه الأوزاعي ومحمد بن إسحاق عن يحيى بن سعيد مثله وحدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن إسماعيل الترمذي قال حدثنا الحميدي قال حدثنا سفيان بن عيينة قال سمعت يحيى بن سعيد يحدث عن عمرة عن عائشة قالت أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعتكف العشر الأواخر من رمضان فسمعت بذلك فاستأذنته فأذن لي ثم استأذنته حفصة فأذن لها ثم استأذنته زينب فأذن لها قالت وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يعتكف صلى الصبح ثم دخل معتكفه فلما صلى الصبح رأى في المسجد أربعة أبنية فقال لمن هذه قالوا لعائشة وحفصة وزينب فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "آلبر تردن بهذا؟" فلم يعتكف رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك العشرة واعتكف عشرا من شوال.
وربما قال سفيان في هذا الحديث آلبر تقولون بهن قال الحميدي بناء النبي صلى الله عليه وسلم هو الرابع وذكره عبد الرزاق عن ابن عيينة عن يحيى بن سعيد عن عمرة عن عائشة.

(11/191)


مثله سواء إلى قوله فلما صلى إذا هو بأربعة أبنية فقال "ما هذا قالوا عائشة وحفصة وزينب قال آلبر تقولون بهذا؟" فرفع بناءه قالت فلم يعتكف العشر الأواخر من رمضان واعتكف عشرا من شوال وحدثنا قاسم بن محمد قال حدثنا خالد بن سعد قال حدثنا أحمد بن عمرو بن منصور وأخبرنا محمد بن عبد الملك وعبيد بن محمد قالا حدثنا عبد الله بن مسروق قال حدثنا عيسى بن مسكين قالا جميعا حدثنا محمد بن عبد الله بن سنجر الجرجاني قال حدثنا يعلى بن عبيد قال حدثنا يحيى بن عبيد قال أنبأنا يحيى بن سعيد عن عمرة عن عائشة قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يعتكف صلى الصبح ثم دخل المكان الذي يريد أن يعتكف فيه فأراد أن يعتكف العشر الأواخر من رمضان فضرب له خباء وأمرت عائشة فضرب لها خباء وأمرت حفصة فضرب لها خباء فلما رأت زينب خباءهما أمرت فضرب لها خباء فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك قال: "آلبر تردن؟" فلم يعتكف في رمضان واعتكف عشرا في شوال.
هذا الحديث أدخله مالك وغيره من العلماء في باب قضاء الاعتكاف وهو أعظم ما يعتمد عليه من فقهه ومعنى ذلك عندي والله أعلم، أن رسول

(11/192)


الله صلى الله عليه وسلم كان قد نوى اعتكاف العشر الأواخر من رمضان فلما رأى ما كرهه من تنافس زينب وحفصة وعائشة في ذلك وخشي عليهن أن تدخل نيتهن داخلة وماالله أعلم به فانصرف ثم وفي الله بما نواه من فعل البر فاعتكف عشرا من شوال وفي ذلك جواز الاعتكاف في غير رمضان.
وأما قوله في حديث مالك آلبر يقولون بهن فيحتمل أي أيظنون بهن البر فأنا أخشى عليهن أن يردن الكون معي ولا يردن البر خالصا فكره لهن ذلك.
وعلى هذا يخرج قوله حديث مالك آلبر يردن أو تردن كأنه تقرير وتوبيخ بلفظ الاستفهام أي ما أظنهن يردن البر أو ليس يردن البر والله أعلم.
وقد يجوز أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم كره لأزواجه الاعتكاف لشدة مؤنته لأن ليله ونهاره سواء قال مالك رحمه الله لم يبلغني أن أبا بكر ولا عمر ولا عثمان ولا ابن المسيب ولا أحدا من سلف هذه الأمة اعتكف إلا أبا بكر بن عبد الرحمن وذلك والله أعلم لشدة الاعتكاف.
ولو ذهب ذاهب إلى أن الاعتكاف للنساء مكروه بهذا الحديث كان مذهبا ولولا أن ابن عيينة ذكر فيه أنهن استأذنه في الاعتكاف لقطعت بأن الاعتكاف للنساء في المساجد غير جائز.
وما أظن استيذانهن محفوظا والله أعلم ولكن ابن عيينة حافظ وقد قال في هذا الحديث سمعت يحيى بن سعيد.
وفي هذا الحديث من الفقه، أن الاعتكاف يلزم بالنية مع الدخول فيه وإن لم يكن في حديث مالك ذكر دخوله صلى الله عليه وسلم في ذلك الاعتكاف الذي قال لأن في رواية ابن عيينة وغيره لهذا الحديث أن

(11/193)


رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد أن يعتكف صلى الصبح ثم دخل معتكفه فلما صلى الصبح يعني في المسجد وهو موضع اعتكافه نظر فرأى الأخبية والاعتكاف إنما هو الإقامة في المسجد فكأنه والله أعلم كان قد شرع في اعتكافه لكونه في موضع اعتكافه مع عقد نيته على ذلك والنية هي الأصل في الأعمال وعليها تقع المجازات فمن هنا والله أعلم قضى اعتكافه ذلك في شوال صلى الله عليه وسلم.
وقد ذكر سنيد قال: حدثنا معمر بن سليمان عن كهمس عن معبد بن ثابت في قوله: {وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ} الآية قال: إنما كان شيئا نووه في أنفسهم ولم يتكلموا به ألم تسمع إلى قوله: {أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ} .
قال: وحدثنا معتمر قال ركبت البحر فأصابتنا ريح شديدة فنذر قوم معنا نذورا ونويت أنا شيئا لم أتكلم به فلما قدمت البصرة سألت أبا سليمان التيمي فقال يا بني فِ به فغير نكير أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم قضى الاعتكاف من أجل أنه كان قد نوى أن يعمله وإن لم يدخل فيه لأنه كان أوفى الناس لربه بما عاهده عليه وأبدرهم إلى طاعته فإن كان دخل فيه فالقضاء واجب عند العلماء لا يختلف في ذلك الفقهاء.
وإن كان لم يدخل فيه فالقضاء مستحب لمن هذه حاله عند أهل العلم مندوب إليه أيضا مرغوب فيه.
ومن العلماء من أوجب قضاءه عليه من أجل أنه كان عقد عليه نيته والوجه عندنا ما ذكرنا.

(11/194)


ومن جعل على المعتكف قضاء ما قطعه من اعتكافه قاسه على الحج التطوع يقطعه صاحبه عمدا أو مغلوبا وسيأتي القول في حكم قطع الصلاة التطوع والصيام التطوع وما للعلماء في ذلك من المذاهب في باب مرسل ابن شهاب في هذا الكتاب.
وقد احتج بهذا الحديث بعض من كره للنساء الاعتكاف في المسجد ذكر الأثرم قال سمعت أحمد بن حنبل يسأل عن النساء يعتكفن قال نعم قد اعتكف النساء.
واختلف الفقهاء في مكان اعتكاف النساء فقال مالك تعتكف المرأة في مسجد الجماعة ولا يعجبه أن تعتكف في مسجد بيتها.
وقال أبو حنيفة لا تعتكف المرأة إلا في مسجد بيتها ولا تعتكف في مسجد الجماعة.
وقال الثوري اعتكاف المرأة في بيتها أفضل منه في المسجد لأن صلاتها في بيتها أفضل وهو قول إبراهيم.
وقال الشافعي: المرأة والعبد والمسافر يعتكفون حيث شاؤوا لأنه لا جمعة عليهم.
قال منصور يعني من المساجد لأنه لا اعتكاف عنده إلا في مسجد.
قال أبو عمر:
من حجة من أجاز اعتكاف المرأة في مسجد الجماعة حديث ابن عيينة عن يحيى بن سعيد عن عمرة عن عائشة هذا لأن فيه أنهن استأذنه في الاعتكاف فأذن لهن فضربن أخبيتهن في

(11/195)


المسجد ثم منعهن بعد لغير المعنى الذي أذن لهن من أجله والله أعلم.
وقال أصحاب أبي حنيفة إنما جاز لهن ضرب أخبيتهن في المسجد للاعتكاف من أجل أنهن كن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وللنساء أن يعتكفن في المسجد مع أزواجهن وكما أن للمرأة أن تسافر مع زوجها كذلك لها أن تعتكف معه.
وقال من لم يجز اعتكافهن في المسجد أصلا إنما ترك النبي صلى الله عليه وسلم الاعتكاف إنكارا عليهن.
قال: ويدل على ذلك قوله "آلبر يردن" قال وقد قالت عائشة لو رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أحدث النساء بعده لمنعهن المسجد.
ولم يختلفوا أن صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في المسجد فكذلك الاعتكاف والله أعلم.
وأما قولهم في هذا عن يحيى بن سعيد بإسناده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد أن يعتكف صلى الصبح ثم دخل في معتكفه فلا أعلم من فقهاء الأمصار من قال به إلا الأوزاعي.
وقد قال به طائفة من التابعين وهو ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم.
ذكر الأثرم قال سمعت أحمد بن حنبل يسأل عن المعتكف في أي وقت يدخل معتكفه فقال يدخله قبل غروب الشمس فيكون يبتدئ ليلته

(11/196)


فقيل له قد روى يحيى بن سعيد عن عمرة عن عائشة أم المؤمنين أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي الفجر ثم يدخل معتكفه فسكت.
وروي عن ابن مسعود مثله وروي عن عائشة لا اعتكاف إلا بصوم ولم يختلف عنها في ذلك.
واختلف عن علي بن أبي طالب وعبد الله بن عباس فروي عنهما القولان جميعا ولم يختلف عن الشعبي أنه لا اعتكاف إلا بصوم.
واختلف عن النخعي فروي عنه الوجهان أيضا جميعا.
ومن حجة من أجازه بغير صوم أن اعتكاف رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في رمضان ومحال أن يكون صوم رمضان لغير رمضان.
ولو نوى المعتكف في رمضان بصومه التطوع والفرض فسد صومه عند مالك وأصحابه.
ومعلوم أن ليل المعتكف يلزمه فيه من اجتناب مباشرة النساء ما يلزمه وأن ليله داخل في اعتكافه وليس الليل بموضع صوم فكذلك نهاره وليس بمفتقر إلى الصوم فإن صام فحسن.
قال وسمعته مرة أخرى يسأل عن المعتكف في أي وقت يدخل معتكفه فقال قد كنت أحب له أن يدخل معتكفه بالليل حتى يبيت فيه ويبتدئ.
ولكن حديث عمرة عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدخل معتكفه إذا صلى الغداة قيل له فمتى يخرج قال يخرج منه إلى المصلى

(11/197)


وقد اتفق مالك والشافعي وأبو حنيفة والليث على خلاف هذا الحديث إلا أنهم اختلفوا في وقت دخول المعتكف لمسجد ليلا فقال مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابهم إذا وجب على نفسه اعتكاف شهر دخل المسجد قبل غروب الشمس.
قال مالك وكذلك من أراد أن يعتكف يوما أو أكثر دخل معتكفه قبل غروب الشمس من ليلة ذلك اليوم.
وقال الشافعي. إذا قال لله علي اعتكاف يوم دخل قبل طلوع الفجر وخرج قبل غروب الشمس خلاف قوله في الشهر.
وقال زفر بن الهذيل والليث بن سعد يدخل قبل طلوع الفجر والشهر واليوم سواء عندهم لا يدخل إلا قبل طلوع الفجر وروي مثل ذلك عن أبي يوسف.
قال أبو عمر:
الليالي تبع للأيام وقال الأوزاعي بظاهر حديث عائشة هذا قال يصلي في المسجد الصبح ثم يقوم إلى معتكفه.
ولم يذكر مالك رحمه الله في موطئه في حديثه عن يحيى بن سعيد عن عمرة في هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد أن يعتكف صلى الصبح ثم دخل معتكفه.
وما أظنه تركه والله أعلم إلا أنه رأى الناس على خلافه.
وأجمع مالك وأصحابه على أن المرأة إذا نذرت اعتكاف شهر فمرضته أنها لا تقضيه ولا شيء عليها.
واختلفوا إذا حاضته فقال ابن القاسم تقضيه وتصل قضاءها بما اعتكفت قبل ذلك فإن لم تفعل استأنفت.

(11/198)


وقال محمد بن عبدوس الفرق بين المرض والحيض أن المريضة تمرض الشهر كله والحائض لا تحيض الشهر كله وأقصى ما تحيض منه خمسة عشر يوما فإذا وجب عليها بعضه وجب كله.
قال أبو عمر:
هذه حجة من يسامح نفسه ويكلم من يقلده وفسادها أظهر من أن يحتاج إلى الكلام عليها.
وقد سوى سحنون بين حكم الحيض والمرض وقال إنما عليها إذا طهرت من حيضتها اعتكاف بقية المدة إن بقي منها شيء في المرض والحيض جميعا وما مضى فليس عليها قضاؤه وهو ظاهر قول مالك في الموطأ.
وقد قال مالك فيمن نذرت صوم يوم بعينه أنها إن مرضت أو حاضت فأفطرت لذلك فلا قضاء عليها فإن أفطرت لغير عذر وهي تقوى على الصيام فعليها القضاء فحكم الاعتكاف عندي مثل ذلك.
وهو قول الليث والشافعي وزفر.
وأما قوله في هذا الحديث حتى اعتكف عشرا من شوال ففيه أن الاعتكاف في غير رمضان جائز كما هو في رمضان وهذا ما لا خلاف فيه.
إلا أن العلماء اختلفوا في صوم المعتكف هل هو واجب عليه أم لا فقال مالك والثوري والحسن بن حي وأبو حنيفة لا اعتكاف إلا بصوم وهو قول الليث.

(11/199)


وقال الشافعي وأحمد بن حنبل وداود بن علي وابن علية الاعتكاف جائز بغير صوم وهو قول الحسن وسعيد بن المسيب وعطاء بن أبي رباح وعمر بن عبد العزيز كلهم قالوا ليس على المعتكف صوم إلا أن يوجبه على نفسه.
ومن حجتهم أيضا حديث ابن عمر أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه نذر في الجاهلية أن يعتكف ليلة فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يفي بنذره.
ومعلوم أن الليل لا صوم فيه رواه عبد الله بن بديل عن عمرو بن دينار عن ابن عمر أن عمر جعل على نفسه أن يعتكف في الجاهلية ليلة أو يوما فسأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال له "اعتكف وصم" .
والحديث الأول أصح نقلا عند أهل الحديث.
وقال الأثرم سمعت أحمد بن حنبل يقول الصوم يجب على المعتكف فعاوده السائل فقال يصوم وهو أكثر ما روي فيه.
وقد مضى معنى الاعتكاف وسننه وكثير من أصول مسائله في باب ابن شهاب عن عروة والله وبالله التوفيق.
وأما وقت خروج المعتكف من اعتكافه فسنذكره ونذكر ما للعلماء فيه من الأقاويل في باب يزيد بن الهاد من كتابنا هذا إن شاء الله تعالى.

(11/200)


وقد روي في هذا الباب لمالك عن ابن شهاب حديث غريب حدثنا محمد حدثنا علي بن عمر الحافظ حدثنا عمر بن الحسن بن علي الشيباني أخبرنا عبد الله بن إسماعيل القرشي حدثنا محمد بن يوسف ابن محمد بن سوقة حدثنا علي بن الربيع بن الركين بن الربيع عن عسلة الفزاري حدثنا مالك بن أنس عن ابن شهاب عن علي بن حسين عن صفية بنت حي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يجاور في المسجد العشر الأواخر من رمضان.
قال أبو الحسن. هذا حديث صحيح من حديث الزهري وهو غريب من حديث مالك لم يكتبه مالك إلا بهذا الإسناد.
قال أبو عمر:
لا يصح عن مالك.

(11/201)


الحديث التاسع والأربعون
...
ابن شهاب عن أبي بكر بن سليمان بن أبي حثمة حديث واحد مرسل يتصل من وجوه ولا يوقف على اسم أبي بكر هذا.
وهو قرشي عدوي يقال في نسبه أبو بكر بن سليمان بن أبي حثمة بن غانم بن عبد الله بن عوف بن عبيد بن عويج بن عدي بن كعب.
وهو من ثقات التابعين بالمدينة ممن له قدر وعلم بالأنساب وأيام الناس.
وحديث مالك عن ابن شهاب عن أبي بكر ابن سليمان بن أبي حثمة قال بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم

(11/201)


ركع ركعتين من إحدى صلاتي النهار الظهر أو العصر فسلم من اثنتين فقال له ذو الشمالين رجل من بني زهرة بن كلاب أقصرت الصلاة يا رسول الله أم نسيت؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما قصرت وما نسيت" فقال له ذو اليدين قد كان بعض ذلك يا رسول الله فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الناس فقال "أصدق ذو اليدين" فقالوا نعم فأتم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بقي من الصلاة ثم سلم".
مالك عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة بن عبد الرحمن مثل ذلك.
هكذا الحديث في الموطأ عند جميع الرواة.
وبهذا الإسناد عن ابن شهاب خاصة منقطع وهو في الموطأ مسند متصل من طريق قد ذكرناها فيما سلف من كتابنا هذا.
وأما حديث ابن شهاب فقد وصله الأوزاعي ومعمر وابن جريج وغيرهم من أصحاب ابن شهاب.
حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أبو الأحوص محمد بن الهيثم قال حدثنا محمد بن كثير عن الأوزاعي عن الزهري عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة وعبيد الله بن عبد الله عن أبي هريرة قال سلم رسول الله صلى الله عليه وسلم في ركعتين فقام ابن عبد عمرو بن فضيلة من خزاعة حليف لبني زهرة فقال:

(11/202)


أقصرت الصلاة يا رسول الله أم نسيت؟ فقال "كل ذلك لم يكن" ثم أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الناس فقال "أصدق ذو الشمالين" قالوا نعم فأتم ما بقي من صلاته ثم سجد سجدتي السهو.
ورواه عبد الحميد بن حبيب عن الأوزاعي عن ابن شهاب قال حدثني ابن المسيب وأبو سلمة وعبد الله بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يذكر أبا هريرة وقال فيه فأتم ما بقي من الصلاة ولم يسجد السجدتين اللتين يسجدان في وهم الصلاة حين ثبته الناس.
حدثنا محمد بن عبد الله قال حدثنا محمد بن معاوية قال حدثنا إسحاق بن أبي حسان قال حدثنا هشام بن عمار قال حدثنا عبد الحميد فذكره.
ورواه صالح ابن كيسان عن ابن شهاب أن أبا بكر بن سليمان بن أبي حثمة أخبره أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى ركعتين ثم سلم وذكر الحديث وفيه فأتم ما بقي من صلاته ولم يسجد السجدتين اللتين يسجدان إذا شك الرجل في صلاته حين لقنه الناس.
قال صالح قال ابن شهاب وأخبرني هذا الخبر سعيد بن المسيب عن أبي هريرة وأخبرنيه أبو سلمة بن عبد الرحمن وأبو بكر بن عبد الرحمن وعبيد الله بن عبد الله.
ورواه ابن إسحاق عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب.
وعروة بن الزبير وأبي بكر بن سليمان بن أبي حثمة. قال:

(11/203)


كل حدثني بذلك قال صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس الظهر فسلم من اثنتين وذكر الحديث وقال فيه قال الزهري ولم يخبرني رجل منهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سجد سجدتي السهو.
فكان ابن شهاب يقول إذا عرف الرجل ما نسي من صلاته فأتمها فليس عليه سجود سهو.
وذكر عبد الرزاق عن ابن جريج قال حدثني ابن شهاب عن أبي بكر بن سليمان بن أبي حثمة وأبي سلمة بن عبد الرحمن عمن يقتنعان بحديثه أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى ركعتين في صلاة العصر أو صلاة الظهر ثم سلم فقال له ذو الشمالين ابن عبد عمرو يا نبي الله أقصرت الصلاة أم نسيت؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لم تقصر ولم أنس" فقال ذو الشمالين بلى يا نبي الله قد كان بعض ذلك فالتفت النبي صلى الله عليه وسلم إلى الناس فقال "أصدق ذو اليدين" قالوا نعم يا نبي الله فقام النبي صلى الله عليه وسلم فأتم الصلاة حين استيقن.
قال عبد الرزاق قال معمر عن الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن وأبي بكر بن سلميان بن أبي حثمة. عن أبي

(11/204)


هريرة قال: صلى النبي صلى الله عليه وسلم الظهر أو العصر فسها في ركعتين فانصرف فقال له ذو الشمالين بن عبد عمرو وكان حليفا لبني زهرة أخفت الصلاة أم نسيت؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "ما يقول ذو اليدين" فقالوا صدق يا نبي الله فأتم بهم الركعتين اللتين نقص.
قال الزهري وكان ذلك قبل بدر ثم استحكمت الأمور بعد هكذا يقول ابن شهاب أن ذلك قبل بدر وأنه ذو الشمالين.
وقد ثبت عن أبي هريرة من رواية مالك وغيره من وجوه كثيرة غير ما ذكر في ذلك كله.
وقد أوضحنا ذلك كله وشرحناه وبسطناه في باب أيوب من كتابنا هذا فأغنى عن إعادته ههنا ولم نذكر في باب أيوب اختلاف العلماء في كيفية السلام من الصلاة ونذكره هنا لقوله في هذا الحديث فسلم من اثنتين ولقوله في آخره فأتم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بقي من الصلاة ثم سلم.
اختلف العلماء قديما وحديثا في كيفية السلام من الصلاة واختلفت الآثار في ذلك أيضا واختلف أئمة الفتوى بالأمصار في وجوه السلام من الصلاة وهل هو من فروضها أم لا فقال مالك وأصحابه والليث بن سعد يسلم المصلي من الصلاة نافلة كانت أو فريضة تسليمة واحدة السلام عليكم ولا يقل ورحمة الله. وقال سائر أهل

(11/205)


العلم يسلم تسليمتين الأولى عن يمينه يقول فيها السلام عليكم ورحمة الله وممن قال بهذا كله سفيان الثوري وأبو حنيفة وأصحابه والشافعي وأصحابه والحسن ابن حي وأحمد بن حنبل وأبو ثور وأبو عبيد وداود بن علي وأبو جعفر الطبري.
وقال ابن وهب عن مالك يسلم تلقاء وجهه السلام عليكم بتسليمة واحدة.
وقال أشهب عن مالك أنه سئل عن تسليم المصلي وحده فقال يسلم واحدة عن يمينه فقيل له وعن يساره فقال ما كانوا يسلمون إلا واحدة وإن من الناس من يفعله وقال مرة أخرى إنما حدثت التسليمتان من زمن بني هاشم فقال مالك والمأموم يسلم تسليمة عن يمينه وأخرى عن يساره ثم يرد على الإمام.
وروي عن سعيد بن المسيب مثله وقال عنه ابن القاسم من صلى لنفسه يسلم عن يمينه ويساره وقال وأما الإمام فيسلم تسليمة واحدة تلقاء وجهه يتيامن بها قليلا واختلف قوله في موضع رد المأموم على الإمام فمرة قال يسلم عن يمينه ويساره ثم يرد على الإمام ومرة قال يرد على الإمام بعد أن يسلم عن يمينه.
قال أبو عمر:
الذي تحصل من مذهب مالك رحمه الله أن الإمام يسلم واحدة تلقاء وجهه ويتيامن بها قليلا والمصلي لنفسه يسلم اثنتين والمأموم يسلم ثلاثا إن كان عن يساره أحد.

(11/206)


وقال الليث بن سعد أدركت الأئمة والناس يسلمون تسليمة واحدة تلقاء وجوههم السلام عليكم وكان الليث يبدأ بالرد على الإمام ثم يسلم عن يمينه وعن يساره.
قال أبو عمر:
روى الدراوردي عن مصعب بن ثابت عن إسماعيل بن محمد عن عامر بن سعد عن سعد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسلم في الصلاة تسليمة واحدة السلام عليكم.
وقد وهم فيه الدراودري وإنما الحديث لمصعب ابن ثابت عن إسماعيل بن محمد عن عامر بن سعد عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسلم عن يمينه ويساره حتى يرى بياض خديه من هنا وهنا هكذا رواه ابن المبارك وغيره عن مصعب بن ثابت بإسناده.
وأما حديث عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يسلم تسليمة واحدة فلا يصح مرفوعا لأنه لم يرفعه إلا وهب بن محمد عن هشام بن عروة وهو ضعيف ضعفه ابن معين وغيره.
وفي التسليمتين حديث ابن مسعود ثابت صحيح رواه عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه وعلقه عن عبد الله قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر يسلمون عن أيمانهم وعن شمائلهم في الصلاة السلام عليكم ورحمة الله السلام عليكم ورحمة الله ورواها ابن عمر وأبو حميد الساعدي عن النبي صلى الله عليه وسلم.

(11/207)


قال أبو عمر:
اختلف القائلون بالتسليمتين في وجوبهما فرضا فقالت طائفة منهم كلا التسليمتين سنة ومن لم يأت بالسلام بعد أن يقعد مقدار التشهد فقد تمت صلاته.
قالوا وإنما السلام إعلام بانقضاء الصلاة وتمامها.
واحتجوا بأن السلام إذا وضع في غير موضعه كالكلام فكذلك هو في آخر الصلاة.
وممن قال ذلك أبو حنيفة وأصحابه والأوزاعي وأكثر أهل الكوفة إلا الحسن بن حي فإنه أوجب التسليمتين جميعا بقوله عليه السلام: "تحليلها التسليم" ثم بين بفعله كيف التسليم.
وقال آخرون منهم الشافعي. التسليمة الأولى يخرج بها من صلاته واجبة والأخرى سنة.
ومن حجته قوله صلى الله عليه وسلم: "تحليلها التسليم" والتسليمة الواحدة يقع عليها اسم تسليم وهذه أيضا حجة من قال بالتسليمة الواحدة وبالله التوفيق.
وقال الثوري، إذا كنت إماما فسلم عن يمينك وعن يسارك السلام عليكم ورحمة الله فإن كنت غير إمام فإذا سلم الإمام فسلم عن يمينك وعن يسارك تنوي به الملائكة ومن معك من المسلمين.

(11/208)


وقال الشافعي نأمر كل مصل أن يسلم عن يمينه وعن يساره إماما كان أو منفردا أو مأموما ويقول في كل واحدة منهما السلام عليكم ورحمة الله وينوي بالأولى من عن يمينه وبالثانية من عن يساره وينوي المأموم الإمام بالتسلمة التي إلى ناحيته في اليمين أو في اليسار قال ولو اقتصر على تسليمة واحدة لم يكن عليه إعادة.

(11/209)


الحديث الخمسون
...
ابن شهاب عن ابن السباق حديث واحد مرسل
ابن السباق هذا عبيد روى عنه ابن شهاب وابنه سعيد بن عبيد بن السباق وهو من ثقات التابعين بالمدينة ومن أشرافهم من بني عبد الدار بن قصي.
ولم يذكره أهل النسب وللسباق بن عبد الدار بن قصي عوفا وعبيد وعميلة وعبد الله.
قال الزبير بغى بعضهم على بعض فهلكوا وانقرضوا قال وهم أول من بغى بمكة فتفانوا في البغي ولم يبق منهم إلا قليل قال وصار بعض بني السباق في عك ولم يذكر ابن شهاب هذا.
مالك عن ابن شهاب عن ابن السباق أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في جمعة من الجمع "يا معشر المسلمين إن هذا اليوم جعله الله عيدا للمسلمين فاغتسلوا ومن كان عنده طيب فلا يضيره أن يمس منه وعليكم بالسواك" .

(11/209)


هكذا رواه جماعة من رواة الموطأ عن مالك عن ابن شهاب عن ابن السباق مرسلا كما يروى ولا أعلم فيه بين رواة الموطأ اختلافا.
ورواه حجاج بن سليمان الرعيني عن مالك عن الزهري عن أبي سلمة وحميد ابني عبد الرحمن بن عوف وعن أحدهما عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "في جعله الله عيدا فاغتسلوا وعليكم بالسواك" .
رواه عن حجاج هذا وهو حجاج بن سليمان بن أفلح الرعيني أبا الأزهر جماعة هكذا ولا يصح فيه عن مالك إلا في الموطأ.
وقد رواه يزيد بن سعيد الصباح عن مالك عن ابن شهاب عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة ولم يتابعه أحد من الرواة على ذلك ويزيد بن سعيد هذا من أهل الإسكندرية ضعيف.
حدثنا خلف بن القاسم الحافظ قال حدثنا أبو طالب محمد بن زكريا عن يحيى بن أعين المقدسي بها قال حدثنا الحسن بن أحمد بن سليمان أبو علي البصري قال حدثنا يزيد بن سعيد الصباحي قال حضرت مالكا سنة اثنتين وسبعين ومائة وهو يسأل عن غسل الجمعة قال حدثني صفوان بن سليم عن عطاء ابن يسار عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: في جمعة من الجمع "يا معشر المسلمين إن هذا يوم جعله الله عيدا فاغتسلوا وعليكم بالسواك" .

(11/210)


قال أبو عمر:
لم يتابعه أحد على الإسنادين جميعا في هذين الحديثين ومما أجاز لنا أبو جعفر أحمد بن رحمون الإفريقي وحدثنا به عنه أيضا أبو العباس أحمد بن سهل بن المبارك البصري قال حدثنا أحمد بن خالد بن ميسرة وأحمد بن قراد الجهيني قالا حدثنا يزيد بن سعيد الصباحي قال حدثنا مالك بن أنس عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في جمعة من الجمع "يا معشر المسلمين أن هذا يوم جعله الله عيدا فاغتسلوا وعليكم بالسواك" .
وحدثنا خلف بن قاسم حدثنا أبو بكر أحمد بن صالح بن عمر المقري بالرملة أنبأنا عبد الله بن سليمان وحدثنا خلف حدثنا أحمد بن الحسن بن إسحاق الرازي حدثنا أبو رفاعة عمارة بن وثيمة بن موسى وأبو علي الحسن بن أحمد بن سليمان قالوا حدثنا يزيد بن سعيد الصباحي الإسكندراني قال سمعت مالك بن أنس يقول حدثني سعيد بن أبي سعيد عن أبي هريرة.
وقال الحسن بن أحمد عن سعيد عن أبيه عن أبي هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: في جمعة من الجمع

(11/211)


"يا معشر المسلمين إن هذا يوم جعله الله عيدا فاغتسلوا وعليكم بالسواك" .
وهذا اضطراب عن يزيد بن سعيد ولا يصح شيء من روايته في هذا الباب.
وقد اختلف في هذا الحديث أصحاب ابن شهاب أيضا فرواه مالك كما رأيت في هذا ورواه ابن لهيعة عن عقيل عن ابن شهاب قال أخبرني أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: في جمعة من الجمع "يا معشر المسلمين إن هذا يوم جعله الله عيدا فاغتسلوا وعليكم بالسواك" .
حدثني خلف ابن قاسم أنبأنا أحمد بن الحسن بن إسحاق أنبأنا يحيى بن عثمان بن صالح أنبأنا أبي أنبأنا ابن لهيعة حدثني عقيل أن ابن شهاب أخبره عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في جمعة من الجمع "يا معشر المسلمين إن هذا يوم جعله الله عيدا للمسلمين ومن كان عنده طيب أن يمس منه وعليكم بالسواك" .
ورواه معمر عن الزهري قال: أخبرني من لا أتهم من أصحاب محمد عليه السلام أنهم سمعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في جمعة من الجمع وهو على المنبر وهو يقول: "يا معشر المسلمين إن هذا اليوم جعله الله عيدا

(11/212)


للمسلمين فاغتسلوا فيه بالماء ومن كان عنده طيب فلا يضره أن يمس منه وعليكم بالسواك" .
وفي هذا الحديث من الفقه الأمر بغسل الجمعة وقد مضى القول فيه في باب ابن شهاب عن سالم فأغنى عن إعادته ههنا وفيه الغسل للعيدين لقوله "إن هذا يوم جعله الله عيدا فاغتسلوا" وفيه أخذ الطيب في يوم الجمعة وأخذه مندوب إليه حسن مرغوب فيه كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرف برائحة الطيب إذا مشى.
وقال صلى الله عليه وسلم: "لا تردوا الطيب فإنه طيب الريح خفيف المحمل" .
وفيه الحث على السواك والآثار في السواك كثيرة وقد مضى القول في سواك القوم فيما مضى من كتابنا أنه كان الأراك والبشام.
قال أبو عمر:
وكل ما جلا الأسنان ولم يؤذها ولا كان من زينة النساء فجائز الاستنان به وهذا القول يحمله أهل العلم أنه كان من

(11/213)


رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يخطب في الجمعة وإذا كان كذلك كان فيه دليل على أن للخطيب أن يأتي في خطبته بكل ما يحتاج إليه الناس من فصول الأعياد وغيرها تعليما لهم وتنبيها على ما يصلحهم في دينهم.
وفيه دليل على أن من حلف أن يوم الجمعة يوم عيد لم يحنث وكذلك إن قال والله لأعطينك كذا ولأفعلن كذا يوم عيد ولم ينو يوم الفطر ولا الأضحى وأيام التشريق ولا نوى شيئا أنه يبر بأن يفعل ذلك يوم جمعة والله أعلم.
أخبرنا قاسم بن محمد قال حدثنا خالد بن سعد قال حدثنا أحمد بن عمر وقال حدثنا محمد بن سنجر قال حدثنا خالد بن مخلد قال حدثنا سليمان بن بلال قال حدثني عمرو بن أبي عمرو عن عكرمة عن ابن عباس قال الغسل يوم الجمعة ليس بواجب ومن اغتسل فهو خير وأطهر ثم قال إن الناس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يلبسون الصوف وكان المسجد ضيقا متقارب السقف خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة في يوم صائف شديد الحر ومنبره صغير إنما هو ثلاث درجات فخطب الناس فعرق الناس في الصوف فصاروا يؤذي بعضهم بعضا حتى بلغت أرواحهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر فقال: "يا أيها الناس إذا كان هذا اليوم فاغتسلوا وليمس أحدكم ما يجد من طيبه أو دهنه" .

(11/214)


الحديث الواحد والخمسون
...
ابن شهاب عن صفوان بن عبد الله بن صفوان بن أمية الجحمي حديث واحد
قد ذكرنا نسب صفوان بن أمية في كتابنا في الصحابة وذكرنا أشياء من أخباره هناك وصفوان بن عبد الله بن صفوان هذا حفيده أحد الثقات روى عنه ابن شهاب وأخوه عمرو بن عبد الله بن صفوان وكان أطعم الناس الطعام في دهره وفيه يقول الفرزدق إذ نظر إلى عبد العزيز بن عبد الله بن خالد بن أسيد وهو يخطر حول البيت:
تظل تخطر حول البيت منتحيا ... لو كنت عمرو بن عبد الله لم تزد
وأما عبد الله بن صفوان بن أمية فأحد الأشراف الجلة قتل مع ابن الزبير بمكة وذلك أنه كان عدوا لبني أمية وهذا كله لا يختلف فيه أهل العلم بالنسب والله أعلم.
مالك عن ابن شهاب عن صفوان بن عبد الله بن صفوان بن أمية أن صفوان بن أمية قيل له أنه من لم يهاجر هلك فقدم صفوان بن أمية المدينة فنام في المسجد وتوسد رداءه فجاءه سارق فأخذ رداءه فأخذ صفوان السارق فجاء به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن تقطع يده فقال صفوان إني لم أرد هذا يا رسول الله هو عليه صدقة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "فهلا

(11/215)


قبل أن تأتيني به" هكذا روى هذا الحديث جمهور أصحاب مالك مرسلا ورواه أبو عاصر النبيل عن مالك عن الزهري عن صفوان بن عبد الله بن صفوان عن جده قال قيل لصفوان من لم يهاجر هلك وساق الحديث على ما في الموطأ ولم يقل أحد فيما علمت في هذا الحديث عن صفوان بن عبد الله بن صفوان عن جده غير أبي عاصم.
ورواه شبابة بن سوار عن مالك عن الزهري عن عبد الله بن صفوان عن أبيه أن صفوان الخ.
حدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا ابن وضاح قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا شبابة قال حدثنا مالك بن أنس عن الزهري عن عبد الله بن صفوان عن أبيه أن صفوان قيل له من لم يهاجر هلك فدعا براحلته فركبها حتى أتى المدينة فسأل النبي صلى الله عليه وسلم قال قد قيل لي من لم يهاجر هلك فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "ذهبت الهجرة فارجع إلى بطحاء مكة" فنام صفوان في المسجد وتوسد رداءه فأخذ من تحت رأسه فجاء بسارقه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأمر به أن يقطع فقال صفوان بن أمية يا رسول الله إني لم أرد هذا ردائي عليه صدقة يا رسول الله إني لم أرد هذا ردائي عليه صدقة فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم "أفلا قبل أن تأتيني به" ورواه أبو علقمة الفروي عن مالك كما رواه شبابة بن سوار عنه بإسناده سواء.
حدثنا بحديث شبابة بن سوار عن مالك خلف بن قاسم حدثني أبو عيسى العباس بن أحمد الأزدي وأبو محمد الحسن

(11/216)


بن رشيق ونصر بن علي البزار قالوا حدثنا أبو العلاء محمد بن أحمد بن جعفر الكوفي قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا شبابة بن سوار المدائني حدثنا مالك بن أنس عن ابن شهاب فذكره وقد ذكر الطحاوي حديث شبابة عن محمد بن أحمد بن جعفر عن أبي بكر بن أبي شيبة عن شبابة عن مالك عن ابن شهاب عن عبد الله ابن صفوان عن أبيه فذكره.
هكذا ابن شهاب عن عبد الله بن صفوان عن أبيه.
وقال الطحاوي جائز أن يسمع ابن شهاب هذا الحديث من عبد الله ابن صفوان بن أمية عن أبيه ومن صفوان بن عبد الله عن جده وذلك غير مستنكر لابن شهاب في أحاديثه عن غير هاذين ممن يحدث عنه.
وغير مستنكر سماعه من عبد الله بن صفوان لأن عبد الله بن صفوان قتل مع عبد الله بن الزبير في اليوم الذي قتل فيه من سنة ثلاث وسبعين قال والزهري يومئذ سنه أربع عشرة سنة لأن مولده كان في السنة التي قتل فيها الحسين ابن علي رضي الله عنه وهي سنة إحدى وستين قال فإن قال قائل قد يجوز أن يكون عبد الله بن صفوان هذا هو عبد الله بن صفوان بن عبد الله قيل له ما نعلم لصفوان بن عبد الله ابنا أخذ عنه شيء من العلم وإنما عبد الله بن صفوان هذا هو عبد الله بن صفوان بن أمية.

(11/217)


قال أبو عمر:
قد روى هذا الحديث عطاء وطاووس عن صفوان بن أميةورواه حماد بن سلمة عن قتادة وقيس بن سعد وحبيب المعلم وحميد بن قيس كلهم عن عطاء.
ورواه حماد أيضا عن عمرو بن دينار عن طاووس جميعا عن صفوان بن أمية أنه كان نائما في المسجد تحت رأسه خميصة فجاء لص فانتزعها من تحت رأسه وذكر الحديث.
ولم يسمعه عطاء من صفوان بن أمية لأن شعبة وسعد بن أبي عروبة روياه عن قتادة عن عطاء عن طارق بن المرقع عن صفوان بن أمية أن رجلا سرق برده فرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأمر بقطعه فقال يا رسول الله قد تجاوزت عنه قال: "أفلا قبل أن تأتيني به" أبا وهب فقطعه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
أخبرناه عبد الله بن محمد بن يحيى وعبد الرحمن بن عبد الله بن خالد قالا حدثنا أحمد بن جعفر بن مالك قال حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال حدثنا أبي قال حدثنا محمد بن جعفر قال حدثنا شعبة عن قتادة عن عطاء عن طارق بن المرقع عن صفوان بن أمية فذكره حرفا بحرف.
وذكره النسائي عن عبد الله بن أحمد بن حنبل بإسناده مثله سواء

(11/219)


وقد روي هذا الحديث عن طاووس وعكرمة عن ابن عباس ذكره البزار من حديث الأشعث بن سوار عن عكرمة عن ابن عباس.
ومن حديث زكرياء بن إسحاق عن عمرو بن دينار عن طاووس عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم وهذا لفظ حديث الأشعث عن عكرمة عن ابن عباس قال كان صفوان بن أمية نائما في المسجد فجاءه رجل فأخذ رداءه من تحت رأسه فاتبعه فأدركه فأتى به النبي صلى الله عليه وسلم فقال هذا سرق ردائي من تحت رأسي فأمر به أن يقطع فقال إن ردائي لم يبلغ أن يقطع فيه هذا قال: "أفلا قبل أن تأتيني به".
قال البزار ورواه جماعة عن عكرمة مرسلا.
وحدثنا محمد بن إبراهيم قال حدثنا محمد بن معاوية قال حدثنا أحمد بن شعيب قال حدثنا أحمد بن عثمان بن حكيم قال حدثنا عمر وقال حدثنا أسباط عن سماك عن حميد بن أخت صفوان عن صفوان بن أمية قال كنت نائما في المسجد على خميصة لي ثمنها ثلاثون درهما فجاء رجل فاختلسها مني فأخذ الرجل فأتى به النبي صلى الله عليه وسلم فأمر به أن يقطع فأتيته فقلت تقطعه من أجل ثلاثين درهما أنا أمتعه ثمنها قال: "فهلا كان قبل أن تأتيني به" .

(11/220)


وفي حديث مالك من الفقه والمعاني أن الهجرة كانت بل الفتح مفترضة.
وفيه إباحة النوم في المسجد.
وفيه توطي الثياب وتوسدها.
وفيه أن ما جعله الإنسان تحت رأسه فهو حرز له وما سرق من حرز فيه القطع.
واختلف العلماء في السارق من غير حرز فأما فقهاء الأمصار بالحجاز والعراق والشام فإنهم اعتبروا جميعا الحرز في وجوب القطع باتفاق منهم على ذلك.
وقالوا من سرق من غير حرز فلا قطع عليه بلغ المقدار أو زاد.
والحجة لما ذهب إليه الفقهاء في ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: "لا قطع في حريسة جبل حتى يأويها المراح" .
وأجمعوا أن السارق من مال المضاربة والوديعة لا قطع عليه.
وقال صلى الله عليه وسلم: "لا قطع على خائن ولا مختلس".
وأجمعوا على ذلك وفي إجماعهم على أن لا قطع على خائن ولا مختلس دليل على مراعاة الحرز.
وقال أهل الظاهر. وبعض أهل الحديث وأحمد بن حنبل في رواية عنه كل سارق يقطع سرق من حرز وغير حرز.
لأن الله أمر بقطع السارق أمرا مطلقا وبين النبي صلى الله عليه وسلم المقدار ولم يذكر الحرز.

(11/221)


قال أبو عمر:
الحجة عليهم ما ذكرنا وبالله توفيقنا.
واختلف الفقهاء في أبواب من معاني الحرز يطول ذكرها.
فجملة قول مالك والشافعي وأبي حنيفة والثوري والأوزاعي وأصحابهم أن السارق من غير حرز لا قطع عليه.
وجملة قول مالك والشافعي في الحرز أن الحرز كل ما يحرز به الناس أموالهم إذا أرادوا التحفظ بها وهو يختلف باختلاف الشيء المحروز واختلاف المواضع فإذا ضم المتاع في السوق إلى موضع وقعد عليه صاحبه فهو حرز.
وكذلك إذا جعل في ظرف فأخرج منه وعليه من يحرزه أو كانت إبل قطر بعضها إلى بعض أو أنيخت في صحراء حيث ينظر إليها أو كانت غنما في مراحها أو متاعا في فسطاط أو بيتا مغلقا على شيء أو مقفولا عليه.
وكل ما تنسبه العامة إلى أنه حرز على اختلاف أزمانها وأحوالها.
قال الشافعي ورداء صفوان كان محرزا باضطجاعه عليه فقطع النبي صلى الله عليه وسلم سارقه.
قال ويقطع النباش إذا أخرج الكفن من جميع القبر لأن هذا حرز مثله.
مذهب المالكيين والشافعيين في هذا الباب متقارب جدا ولا سبيل إلى إيراد مسائل السرقة على اختلاف أنواع الحرز وقد ذكرناها هنا جملا تكفي ومن أراد الوقوف على الفروع نظر في كتب الفقهاء وبان له ما ذكرناه وبالله التوفيق.

(11/222)


واختلفوا أيضا في السارق يرفع إلى الحاكم سرقته بيده فيحكم عليه بالقطع لثبوت سرقته بإقراره أو ببينة عدول قامت عليه فيهب له المسروق منه ما سرقه هل يقطع أم لا فقال مالك وأهل المدينة والشافعي وأهل الحجاز يقطع لأن الهبة إنما وقعت بعد وجوب الحد فلا يسقط ما قد وجب لله.
كما أنه لو غصب جارية ثم نكحها قبل أن يقام عليه الحد لم يسقط ذلك الحد عنه.
قال الطحاوي ويختلفون في هذه المسألة لو كانت الهبة قبل أن يؤتى بالسارق إلى الإمام فقال أهل الحجاز منهم مالك والشافعي يقطع ووافقهم على ذلك ابن أبي ليلى.
وقال أبو يوسف في هذا لا يقطع.
وأما أبو حنيفة ومحمد بن الحسن فقالا لا يقطع في شيء من ذلك مع وقوع مالكه على السرقة قبل أن يرفع إلى الإمام وبعد أن يرفع إليه.
وحجة أبي يوسف قوله صلى الله عليه وسلم: "فهلا قبل أن تأتيني به" وهذا يدل على أنه لو وهب للسارق رداءه قبل أن يأتيه به لما قطع والله أعلم.
قال أبو عمر:
الحجة قائمة لمالك والشافعي على أبي حنيفة بالحديث المذكور في هذا الباب لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قطع يد السارق الذي سرق ثوب صفوان بن أمية بعد أن وهبه له.
وقال هلا قبل أن تأتيني به.

(11/223)


ومعنى قوله عندهم فهلا قبل أن تأتيني به هلا كان ما أردت من العفو عنه قبل أن تأتيني به فإن الحدود إذا لم أوت بها ولم أعرفها لم أقمها.
وإذا أتتني لم يجز العفو عنها ولا لغيري هذا معناه والله أعلم.
وقد احتج الشافعي بالزاني توهب له الأمة التي زنى بها أو يشتريها إن ملكه الطارئ لا يزيل الحد عنه فكذلك السرقة.
ومن حجة أبي حنيفة في قوله متى وهب السرقة صاحبها للسارق سقط الحد قوله صلى الله عليه وسلم: "تعافوا عن الحدود بينكم فما بلغني من حد فقد وجب" .
قال فهذا الحد قد عفي عنه بالهبة وقد حصلت ملكا للسارق قبل أن يبلغ السلطان فلم يبلغ الحد السلطان إلا وهو معفو عنه.
قال: وما حصل ملكا للسارق استحال أن يقطع فيه لأنه إنما يقطع في ملك غيره لا في ملك نفسه.
ومن حجتهم أيضا أن الطارئ من الشبهة في الحدود بمنزلة ما هو موجود في الحال قياسا على الشهادات وبالله التوفيق.
قال أبو عمر:
لا أعلم بين أهل العلم اختلافا في الحدود إذا بلغت إلى السلطان لم يكن فيها عفو لا له ولا لغيره وجائز للناس أن يتعافوا الحدود ما بينهم ما لم يبلغ السلطان وذلك محمود عندهم.

(11/224)


وفي هذا كله دليل على أن لصاحب السرقة في ذلك ما ليس للسلطان وذلك ما لم يبلغ السلطان فإذا بلغ السارق إلى السلطان لم يكن للمسروق منه شيء من حكمه في عفو ولا غيره لأنه لا يتبعه بما سرق منه إذا وهبه له.
ألا ترى أنهم قد أجمعوا على أن السارق لو أقر بسرقة عند الإمام يجب في مثلها القطع سرقها من رجل غائب أنه يقطع وإن لم يحضر رب السرقة.
ولو كان لرب السرقة في ذلك مقال لم يقطع حتى يحضر فيعرف ما عنده فيه.
وقد اختلفوا في السارق تدعى عليه السرقة في ثوب هو بيده يدعيه لنفسه وصاحب السرقة غائب.
فقال أبو حنيفة والشافعي وأصحابهما لا يخاصمه في ذلك أحد إلا رب الثوب ولا يسمع من غيره في ذلك بينة ولا خصومة في ذلك بينه وبين من يدعي ذلك عليه حتى يأتي رب الثوب أو وكيله في ذلك.
وقال ابن أبي ليلى ومالك كل من خاصمه في ذلك من الناس كان خصما له وسمعت بينته فإن قبلت قطع وإن لم يأت بمدفع وهذه المسائل كلها في معنى الحديث فلذلك ذكرناها وبالله التوفيق.

(11/225)