Contents

الواجهة
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد
مقدمة
باب الألف
باب الثاء
باب الجيم
باب الحاء
باب الخاء
باب الدال
باب الراء
باب الزاي
تابع باب الزاء
تابع لحرف الزاء
تابع لحرف الزاء
باب الطاء
باب الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع حرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
باب النون
باب الصاد
باب الضاد
باب العين
تابع لحرف العين
تابع حرف العين
تابع لحرف العين
تابع لحرف العين
باب القاف
باب السين
باب الشين
باب الهاء
باب الواو
باب الياء
تابع باب الياء
باب الكني
باب بلاغات مالك ومرسلاته
باب مافي هذا الديوان من حديث مالك الذي ثبتت عليه أبوابه خاصة
الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج
الديباج - جزء 1
الديباج - جزء 2
الديباج - جزء 3
الديباج - جزء 4
الديباج - جزء 5
الديباج - جزء 6
المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج
المنهاج - مقدمة
المنهاج - الإيمان
المنهاج - الطهارة
المنهاج - الحيض
المنهاج - الصَّلَاة
المنهاج - المساجد ومواضع الصلاة
المنهاج - صلاة المسافرين وقصرها
المنهاج - بَاب صَلَاة الْجُمُعَة
المنهاج - بَاب صَلَاة الْعِيدَيْنِ
المنهاج - بَاب الدُّعَاء فِي صَلَاة الِاسْتِسْقَاء
المنهاج - بَاب صَلَاة الْكُسُوف
المنهاج - كِتَاب الْجَنَائِز
المنهاج - الزكاة
المنهاج - كِتَاب الصِّيَام
المنهاج - كِتَاب الِاعْتِكَاف
المنهاج - كِتَاب الْحَجّ
المنهاج - كِتَاب النِّكَاح
المنهاج - الرضاعة
المنهاج - الطلاق
المنهاج - اللِّعَان
المنهاج - العتق
المنهاج - البيوع
المنهاج - المساقاة
المنهاج - الفرائض
المنهاج - الهبات
المنهاج - الوصية
المنهاج - النذر
المنهاج - الأيمان
المنهاج - القسامة
المنهاج - الحدود
المنهاج - الأقضية
المنهاج - اللقطة
المنهاج - الجهاد والسير
المنهاج - الإمارة
المنهاج - الصيد والذبائح
المنهاج - كِتَاب الْأَضْاحَي
المنهاج - الأشربة
المنهاج - اللباس والزينة
المنهاج - الآداب
المنهاج - السلام
المنهاج - الألفاظ من الأدب وغيرها
المنهاج - الشعر
المنهاج - الرؤيا
المنهاج - الفضائل
المنهاج - فضائل الصحابة
المنهاج - البر والصلة والآداب
المنهاج - القدر
المنهاج - العلم
المنهاج - الذكر والدعاء
المنهاج - التوبة
المنهاج - صفات المنافقين
المنهاج - صفة القيامة والجنة والنار
المنهاج - الجنة وصفة نعيمها وأهلها
المنهاج - الفتن وأشراط الساعة
المنهاج - الزهد والرقائق
المنهاج - التفسير
تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي
أبواب الطهارة
أبواب الصلاة
تابع أبواب الصلاة
أبواب الوتر
أبواب الجمعة
تابع لأبواب الجمعة
أبواب العيدين
أبواب السفر
ابواب الزكاة
أبواب الصوم
أبواب الحج
تابع أبواب الحج
أبواب الجنائز
أبواب النكاح
أبواب الرضاع
أبواب الطلاق واللعان
ابواب البيوع
أبواب الأحكام
أبواب الديات
ابواب الحدود
تابع أبواب الحدود
أبواب الصيد
أبواب الأضاحي
أبواب النذور والأيمان
أبواب السير
أبواب الجهاد
أبواب اللباس
أبواب الأطعمة
أبواب الأشربة
تابع أبواب الأشربة
أبواب البر و الصله عن رسول الله صلى الله عليه و آله سلم
أبواب الطب عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الفرائض عن الرسول صلى الله عليه و سلم
أبواب الوصايا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الولاء و الهبة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب القدر عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم
أبواب الفتن عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الرؤيا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الشهادات عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
تابع لأبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صِفَةُ القِيامَة
أبواب صفة الجنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صفة جهنم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإيمان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب العلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإستئذان والآداب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب العلم
أبواب الأمثال
أبواب فضائل القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب القراءات عن رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم
أبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الدعوات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أحاديث شتى من أبواب الدعوات
المناقب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
مناقب الصحابة رضوان الله عليهم
تنوير الحوالك شرح موطأ مالك
كتاب وقوت الصلاة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب السهو
كتاب الجمعة
كتاب الصلاة في رمضان
كتاب صلاة الليل
كتاب صلاة الجماعة
كتاب قصر الصلاة في السفر
كتاب العيدين
كتاب صلاة الخوف
كتاب صلاة الكسوف
كتاب الاستسقاء
كتاب القبلة
كتاب القرآن
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب الجهاد
كتاب النذور و الأيمان
كتاب الضحايا
كتاب الذبائح
كتاب الصيد
كتاب العقيقة
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الرضاع
كتاب البيوع
كتاب القراض
كتاب المساقاة - كتاب كراء الأرض
كتاب الشفعة - كتاب الأقضية
كتاب الوصية - كتاب العتق والولاء
كتاب المكاتب - كتاب المدبر
كتاب الحدود
كتاب الأشربة - كتاب العقول
كتاب القسامة - كتاب الجامع
كتاب القدر - كتاب حسن الخلق
كتاب اللباس - كتاب صفة النبي
كتاب العين - كتاب الشعر
كتاب الرؤيا - كتاب السلام
كتاب الاستئذان والتشميت والصور والتماثيل وغيرها
كتاب البيعة - كتاب الكلام والعينة والتقى
كتاب جهنم - كتاب الصدقة
كتاب العلم - كتاب دعوة المظلوم - كتاب أسماء النبي
حاشية السندي على سنن ابن ماجة
المقدمة
الطَّهَارَة وَسُنَنهَا
الصلاة
الْأَذَان
المساجد والجماعات
أَبْوَاب إِقَامَة الصَّلَاة
الجنائز
الصوم
الزكاة
النكاح
الطلاق
الكفارات
التجارات
الأحكام
الحدود
الديات
الوصايا
الْفَرَائِض
الجهاد
المناسك
الْأَضَاحِيّ
الذبائح
الصيد
الأطعمة
الأشربة
الطب
اللباس
الْآدَاب
الدُّعَاء
تعبير الرؤيا
الْفِتَن
الزُّهْد
شرح سنن ابن ماجه لمغلطاي
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح رياض الصالحين
شرح رياض الصالحين - 01
شرح رياض الصالحين - 02
شرح رياض الصالحين - 03
شرح رياض الصالحين - 04
شرح سنن أبي داود للعيني
مقدمة التحقيق
كتاب الطهارة
كِتابُ الصَلاَةِ
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
عون المعبود شرح سنن أبي داود
كتاب الطهارة
تابع كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
كتاب الزكاة
تابع لكتاب الزكاة
كتاب اللقطة
كتاب المناسك
تابع لكتاب المناسك
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الصيام
تابع لكتاب الصيام
أول كتاب الجهاد
أول كتاب الضحايا
تابع كتاب الضحايا
أول كتاب الصيد
أول كتاب الوصايا
أول كتاب الفرائض
أول كتاب الخراج والفيء والإمارة
أول كتاب الجنائز
تابع لكتاب الجنائز
كتاب الأيمان والنذور
كتاب البيوع
كتاب الإجارة
كتاب القضاء
تابع لكتاب القضاء
كتاب العلم
كتاب الأشربة
كتاب الأطعمة
كتاب الطب
كتاب الكهانة والتطير
كتاب العتق
أول كتاب الحروف والقراءات
أول كتاب الحمام
أول كتاب اللباس
أول كتاب الترجل
أول كتاب الخاتم
أول كتاب الفتن والملاحم
أول كتاب المهدي
أول كتاب الملاحم
أول كتاب الحدود
أول كتاب الديات
أول كتاب السنة
تابع لكتاب السنة
أول كتاب الأدب
أبواب السلام
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن حجر
فتح الباري - هدي الساري مقدمة فتح الباري
فتح الباري - كتاب بدء الوحي
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب العلم
فتح الباري - كتاب الوضوء
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
فتح الباري - كتاب مواقيت الصلاة
فتح الباري - كتاب الأذان
فتح الباري - كتاب الجمعة
فتح الباري - كتاب الخوف
فتح الباري - كتاب العيدين
فتح الباري - كتاب الوتر
فتح الباري - كتاب الاستسقاء
فتح الباري - كتاب الكسوف
فتح الباري - كتاب سجود القرآن
فتح الباري - كتاب تقصير الصلاة
فتح الباري - كتاب التهجد
فتح الباري - كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة
فتح الباري - كتاب العمل في الصلاة
فتح الباري - كتاب السهو
فتح الباري - كتاب الجنائز
فتح الباري - كتاب الزكاة
فتح الباري - كتاب الحج
فتح الباري - كتاب العمرة
فتح الباري - كتاب المحصر
فتح الباري - كتاب جزاء الصيد
فتح الباري - كتاب فضائل المدينة
فتح الباري - كتاب الصوم
فتح الباري - كتاب صلاة التراويح
فتح الباري - كتاب فضل ليلة القدر
فتح الباري - كتاب الإعتكاف
فتح الباري - كتاب البيوع
فتح الباري - كتاب السلم
فتح الباري - كتاب الشفعة
فتح الباري - كتاب الإجارة
فتح الباري - كتاب الحرث والمزارعة
فتح الباري - كتاب المساقاة
فتح الباري - كتاب الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس
فتح الباري - كتاب الخصومات
فتح الباري - كتاب اللقطة
فتح الباري - كتاب المظالم
فتح الباري - كتاب الشركة
فتح الباري - كتاب الرهن
فتح الباري - كتاب العتق
فتح الباري - كتاب المكاتب
فتح الباري - كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها
فتح الباري - كتاب الشهادات
فتح الباري - كتاب الصلح
فتح الباري - كتاب الشروط
فتح الباري - كتاب الوصايا
فتح الباري - كتاب الجهاد و السير
فتح الباري - كتاب فرض الخمس
فتح الباري - كتاب الجزية و الموادعة
فتح الباري - كتاب بدء الخلق
فتح الباري - كتاب أحاديث الأنبياء
فتح الباري - كتاب المناقب
فتح الباري - كتاب فضائل الصحابة
فتح الباري - كتاب مناقب الأنصار
فتح الباري - كتاب المغازي
فتح الباري - كتاب التفسير
فتح الباري - كتاب فضائل القرآن
فتح الباري - كتاب النكاح
فتح الباري - كتاب الطلاق
فتح الباري - كتاب النفقات
فتح الباري - كتاب الأطعمة
فتح الباري - كتاب العقيقة
فتح الباري - كتاب الذبائح والصيد
فتح الباري - كتاب الأضاحي
فتح الباري - كتاب الأشربة
فتح الباري - كتاب المرضى
فتح الباري - كتاب الطب
فتح الباري - كتاب اللباس
فتح الباري - كتاب الأدب
فتح الباري - كتاب الإستئذان
فتح الباري - كتاب الدعوات
فتح الباري - كتاب الرقاق
فتح الباري - كتاب القدر
فتح الباري - كتاب الأيمان والنذور
فتح الباري - كتاب كفارات الأيمان
فتح الباري - كتاب الفرائض
فتح الباري - كتاب الحدود
فتح الباري - كتاب الديات
فتح الباري - كتاب استتابة المرتدين
فتح الباري - كتاب الإكراه
فتح الباري - كتاب الحيل
فتح الباري - كتاب التعبير
فتح الباري - كتاب الفتن
فتح الباري - كتاب الأحكام
فتح الباري - كتاب التمني
فتح الباري - كتاب أخبار الأحاد
فتح الباري - كتاب الإعتصام بالسنة
فتح الباري - كتاب التوحيد
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن رجب
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
مقدمة
خطبة الكتاب
كتاب الإيمان
كتاب العلم
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصوم
كتاب فضائل القرآن
كتاب الدعوات
كتاب المناسك
كتاب البيوع
كتاب الفرائض والوصايا
كتاب النكاح
كتاب العتق
كتاب القصاص
كتاب الديات
كتاب الحدود
كتاب الإمارة والقضاء
كتاب الجهاد
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأطعمة
كتاب اللباس
كتاب الطب والرقى
كتاب الرؤيا
كتاب الآداب
كتاب الرقاق
كتاب الفتن
كتاب صفة القيامة والجنة والنار
كتاب الفضائل والشمائل
كتاب المناقب

 
عودة لموقع هاني الطنبور
هاني الطنبور
الصفحة السابقة الصفحة التالية
 
 

 

التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد

المجلد الثاني عشر
تابع لحرف الميم
تابع لمحمد بن شهاب الزهري
الحديث الثاني و الخمسون
...
مراسيل ابن شهاب عن نفسه
حديث أول من مراسيل ابن شهاب
مالك عن ابن شهاب "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي يوم الفطر ويوم الأضحى قبل الخطبة"
مالك أنه بلغه أن أبا بكر وعمر كانا يفعلان ذلك
قال أبو عمر: قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى في العيدين قبل الخطبة من وجوه منها حديث ابن عمر وحديث ابن عباس وحديث أبي سعيد الخدري وحديث البراء بن عازب وحديث جابر وغيرهم وقد ذكرنا الحكم

(12/7)


في ذلك وذكرنا أول من نسب إليه أنه خطب قبل الصلاة في العيدين في باب ابن شهاب عن أبي عبيد مولى ابن أزهر فيما تقدم من كتابنا هذا فأغنى عن ذكره ههنا وجماعة العلماء على العمل بهذا والقول به والفتوى ولا يجوز عند جميعهم تقديم الخطبة قبل الصلاة في العيدين فلا وجه للكلام في هذا.
وأما أهل بلدنا فجرى بعضهم فيه على مذهب السلطان لأنه شيء صنعه بنو أمية قديما ينسب ذلك إلى معاوية وإلى مروان وقد نسب إلى عثمان ولا يصح.
وحديث ابن شهاب عن أبي عبيد مولى ابن أزهر أنه صلى مع عمر وعثمان وعلي فكلهم كان يصلي قبل الخطبة أصح ما في هذا الباب عن عثمان وغيره.
فأما الآثار المتصلة والمرفوعة في هذا الباب فمنها ما حدثناه عبد الله بن محمد بن أسد قال حدثنا سعيد بن السكن قال حدثنا محمد بن يوسف قال حدثنا البخاري قال حدثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي "ح" .
وحدثنا عبد الله بن محمد بن يوسف قال حدثنا محمد بن محمد بن دليم قال حدثنا عمر بن أبي تمام قال حدثنا محمد

(12/8)


ابن عبد الحكم قالا حدثنا أنس بن عياض عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي في الأضحى والفطر ثم يخطب بعد الصلاة قال البخاري وروى أبو أسامة عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر يصلون قبل الخطبة.
وحدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا ابن وضاح. "ح"
وحدثنا أحمد بن محمد قال حدثنا أحمد بن الفضل قال حدثنا جعفر بن محمد الفريابي قالا جميعا حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا عبدة بن سليمان عن عبد الملك عن عطاء عن جابر قال "شهدت النبي صلى الله عليه وسلم يوم عيد فبدأ بالصلاة قبل الخطبة".
وأخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا أحمد بن حنبل قال حدثنا عبد الرزاق ومحمد بن بكر قالا أخبرنا ابن جريج

(12/9)


قالا أخبرني عطاء عن جابر بن عبد الله سمعته يقول "إن النبي صلى الله عليه وسلم صلى يوم الفطر فبدأ بالصلاة قبل الخطبة".
وأخبرنا عبد الله بن محمد بن يحيى قال حدثنا محمد بن يحيى بن عمر بن علي قال حدثنا علي بن حرب قال حدثنا سفيان بن عيينة عن أيوب عن عطاء عن ابن عباس سمعه يقول "أشهد أني شهدت العيد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فبدأ بالصلاة قبل الخطبة ثم خطب فرأى أنه لم يسمع النساء فأتاهن فوعظهن وذكرهن وأمرهن بالصدقة ومعه بلال باسط ثوبه فجعلت المرأة تلقي الخرص والخاتم والثوب والشيء".
ورواه عبد الوارث وشعبة وحماد بن زيد عن أيوب عن عطاء عن ابن عباس "أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في العيدين قبل أن يخطب".
ورواه معمر عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس قال "شهدت العيد مع النبي صلى الله عليه وسلم فصلى ثم خطب" وقد ذكرنا حديث أبي سعيد الخدري وحديث البراء وغيرهما في باب ابن شهاب عن أبي عبيد مولى ابن أزهر من كتابنا هذا بأسانيدها فأغنى عن ذكرها ههنا

(12/10)


حدثنا محمد بن إبراهيم قال حدثنا محمد بن معاوية قال حدثنا أحمد بن شعيب قال حدثنا إسحاق بن راهويه قال حدثنا عبدة بن سليمان قال حدثنا عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر كانوا يصلون في العيدين قبل الخطبة".
وذكر عبد الرزاق أخبرنا ابن جريج قال أخبرني الحسن بن مسلم عن طاوس عن ابن عباس قال "شهدت صلاة الفطر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان فكلهم يصليها قبل الخطبة ثم يخطب بعد".
وهذا الحديث مثل حديث ابن شهاب عن أبي عبيد عن عثمان أنه كان يخطب بعد الصلاة.
وفي هذين الحديثين ما يرد قول القائل إن عثمان أول من خطب قبل الصلاة وأصح ما فيه عندنا والله أعلم أن معاوية فعل ذلك وقد ذكرنا من نسب ذلك إليه بالأسانيد عمن قال ذلك في باب ابن شهاب عن أبي عبيد مولى ابن أزهر من هذا الكتاب

(12/11)


وأخبرنا قاسم بن محمد قال حدثنا خالد بن سعد قال حدثنا أحمد بن عمرو قال حدثنا محمد بن سنجر قال حدثنا أبو عاصم عن ابن جريج عن الحسن بن مسلم عن طاوس عن ابن عباس قال "رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أو حضرت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر وعثمان يصلون قبل الخطبة"
قال أبو عمر: قد صح عن علي أنه كان يصلي قبل الخطبة فهذا عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنته وسنة الخلفاء الراشدين بعده وبالله التوفيق

(12/12)


الحديث الثالث و الخمسون
...
حديث ثان من مراسيل ابن شهاب
مالك عن ابن شهاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا يجتمع دينان في جزيرة العرب" قال مالك قال ابن شهاب ففحص عن ذلك عمر بن الخطاب حتى أتاه الثلج واليقين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قال لا يجتمع دينان في جزيرة العرب" فأجلى يهود خيبر".
هذا الحديث يتصل من وجوه كثيرة وقد ذكرناها في باب إسماعيل بن أبي حكيم من هذا الكتاب فأغنى عن إعادتها وذكرناها في هذا الباب.
وروى معمر هذا الحديث عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يجتمع بأرض

(12/13)


العرب" أو قال: "بأرض الحجاز دينان" قال ففحص عن ذلك عمر بن الخطاب حتى وجد الثبت عليه قال الزهري فلذلك أجلاهم عمر.
ذكره عبد الرزاق عن معمر فجعله عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب.
قال عبد الرزاق وأخبرنا ابن جريج قال أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول أخبرني عمر بن الخطاب أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب حتى لا أدع فيها إلا مسلما" .
وحدثني محمد بن إبراهيم قال حدثنا أحمد بن مطرف قال حدثنا سعيد بن عثمان قال حدثنا أبو يعقوب الأبلي قال حدثنا سفيان بن عيينة عن سليمان بن أبي مسلم الأحول عن أبي نجيح عن سعيد بن جبير قال سمعت ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "أخرجوا المشركين من جزيرة العرب" مختصرا من حديث فيه كلام غير هذا قد ذكرناه في باب إسماعيل بن أبي حكيم من هذا الكتاب.
وذكر أحمد بن المعذل قال سمعت معن بن عيسى عن مالك بن أنس جزيرة العرب منبت العرب

(12/14)


قال أحمد بن المعذل: وحدثني يعقوب بن محمد الزهري قال قال المغيرة بن عبد الرحمن جزيرة العرب مكة والمدينة واليمن وقرياتها.
قال يعقوب وقال مالك بن أنس جزيرة العرب مكة والمدينة واليمامة واليمن وذكرنا مقدار جزيرة العرب وما في ذلك من الأقوال لأهل اللغة وأهل الفقه في باب إسماعيل بن أبي حكيم بأكثر مما ذكرناه ههنا والله المستعان.
أخبرنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا خالد بن سعد قال حدثنا أحمد بن عمرو بن منصور قال حدثنا محمد بن سنجر قال حدثنا أبو عاصم عن ابن جريج قال أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول سمعت عمر بن الخطاب يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب" .
وحدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن إسماعيل قال حدثنا الحميدي قال حدثنا سفيان قال حدثني إبراهيم بن ميمون مولى آل سمرة عن سعد بن سمرة عن أبيه سمرة بن جندب عن أبي عبيدة بن الجراح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أخرجوا يهود الحجاز" .

(12/15)


ورواه يحيى القطان وأبو أحمد الزبيري وإسماعيل بن زكرياء عن إبراهيم بن ميمون بإسناده مثله.
وروى أبو عثمان سعيد بن داود الزنبري عن مالك عن زيد بن أسلم عن أبيه أن عمر بن الخطاب حين أجلى يهود خيبر قال له يهودي: أتخرجنا وقد أقرنا محمد؟ فقال له عمر: أتراني نسيت قوله: "كأني بك وقد قلصت بك ناقتك ليلة بعد ليلة" فقال اليهودي إنما كانت هزيلة من أبي القاسم قال عمر: "كلا والذي نفسي بيده لتخرجن" وهذا الحديث قل من يرويه عن مالك

(12/16)


حديث ثالث من مراسيل ابن شهاب
مالك عن ابن شهاب أنه بلغه "أن نساء كن في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يسلمن بأرضهن وهن غير مهاجرات وأزواجهن حين أسلمن كفار منهن بنت الوليد بن المغيرة وكانت تحت صفوان بن أمية فأسلمت يوم الفتح وهرب زوجها صفوان بن أمية من الإسلام فبعث إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن عمه وهب بن عمير برداء رسول الله صلى الله عليه وسلم أمانا لصفوان بن أمية ودعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام وأن يقدم عليه فإن رضي أمرا قبله وإلا سيره شهرين فلما قدم صفوان على رسول الله صلى الله عليه وسلم بردائه ناداه على رؤوس الناس يا محمد إن هذا وهب بن عمير جاءني بردائك وزعم أنك دعوتني إلى القدوم عليك فإن رضيت أمرا قبلته وإلا سيرتني شهرين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم

(12/17)


"أنزل أبا وهب" فقال: لا والله حتى تبين لي. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بل لك تسيير أربعة أشهر" فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل هوازن بحنين فأرسل إلى صفوان بن أمية يستعيره أداة وسلاحا عنده فقال صفوان طوعا أم كرها؟ فقال: "بل طوعا" فأعاره الأداة والسلاح التي عنده ثم خرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو كافر فشهد حنينا والطائف وهو كافر وامرأته مسلمة ولم يفرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينه وبين امرأته حتى أسلم صفوان واستقرت عنده امرأته بذلك النكاح

(12/18)


مالك عن ابن شهاب قال كان بين إسلام صفوان بن أمية وبين إسلام امرأته نحو من شهر.
قال ابن شهاب ولم يبلغنا أن امرأة هاجرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وزوجها كافر ومقيم بدار الكفر إلا فرقت هجرتها بينها وبين زوجها إلا أن يقدم مهاجرا قبل أن تنقضي عدتها هذا الحديث لا أعلمه يتصل من وجه صحيح وهو حديث مشهور معلوم عند أهل السير وابن شهاب إمام أهل السير وعالمهم وكذلك الشعبي وشهرة هذا لحديث أقوى من إسناده إن شاء الله وليس في هذا الباب من المسند الحسن الإسناد إلا حديث رواه وكيع عن إسرائيل عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس "أن رجلا جاء مسلما على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم جاءت امرأته مسلمة بعده فقال يا رسول الله إنها

(12/19)


قد كانت أسلمت معي فردها عليه وبعضهم يزيد في هذا الحديث أنها تزوجت فانتزعها رسول الله صلى الله عليه وسلم من زوجها الآخر وردها إلى الأول"
وقد حدث داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس قال "رد رسول الله صلى الله عليه وسلم ابنته زينب على أبي العاص بالنكاح الأول ولم يحدث شيئا" بعضهم يقول فيه بعد ثلاث سنين وبعضهم يقول بعد ست سنين وبعضهم يقول بعد سنتين وبعضهم لا يقول شيئا من ذلك وهذا الخبر وإن صح فهو متروك منسوخ عند الجميع لأنهم لا يجيزون رجوعه إليها بعد خروجها من عادتها وإسلام زينب كان قبل أن ينزل كثير من الفرائض
وروي عن قتادة أن ذلك كان قبل أن تنزل سورة براءة بقطع العهود بينهم وبين المشركين

(12/20)


وقال الزهري كان هذا قبل أن تنزل الفرائض وروى عنه سفيان بن حسين أن أبا العاص بن الربيع أسر يوم بدر فأتي به رسول الله صلى الله عليه وسلم فرد عليه امرأته وفي هذا أنه ردها عليه وهو كافر فمن هناك قال ابن شهاب إن ذلك كان قبل أن تنزل الفرائض
وقال آخرون قصة أبي العاص هذه منسوخة بقوله عز وجل {فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ} [الممتحنة:10] الآية إلى قوله {وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ} [الممتحنة:10] ومما يدل على أن قصة أبي العاص منسوخة بقوله {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ} [الممتحنة:10] إلى قوله {وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ} [الممتحنة:10] إجماع العلماء على أن أبا العاص بن الربيع كان كافرا وأن المسلمة لا يحل أن تكون زوجة لكافر قال الله عز وجل {وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً} [النساء:141] وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للملاعن "لا سبيل لك عليها"

(12/21)


روى سعيد بن جبير وعكرمة عن أبي عباس قال لا يعلو مسلمة مشرك فإن الإسلام يظهر ولا يظهر عليه وفي قول الله عز وجل {لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ} [الممتحنة:10] ما يغني ويكفي والحمد لله
قال أبو عمر: ولم يختلف أهل السير أن هذه الآية المذكورة نزلت في الحديبية حين صالح رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشا على أن يرد عليهم من جاء بغير إذن وليه فلما هاجرن أبى الله أن يرددن إلى المشركين إذا امتحن بمحنة الإسلام وعرف أنهم جئن رغبة في الإسلام
وذكر موسى بن عقبة أن أبا العاص بن الربيع كان قد أذن لامرأته زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين خرج إلى الشام أن تقدم المدينة فتكون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يذكر متى كان خروجه إلى الشام
وذكر أنه في رجوعه من الشام مر بأبي جندل وأبي بصير في نفر من قريش فأخذوهم ومن معهم ولم يقتلوا منهم أحدا لصهر أبي العاص من رسول الله صلى الله عليه وسلم فقدم المدينة على امرأته زينب

(12/22)


فقد أجمع العلماء أن الزوجين إذا أسلما معا في حال واحدة أن لهما المقام على نكاحهما إلا أن يكون بينهما نسب أو رضاع يوجب التحريم وأن كل من كان له العقد عليها في الشرك كان له المقام معها إذا أسلما معا وأصل العقد معفي عنه لأن عامة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا كفارا فأسلموا بعد التزويج وأقروا على النكاح الأول ولم يعتبر في أصل نكاحهم شروط الإسلام وهذا إجماع وتوقيف وإنما اختلف العلماء في تقدم إسلام أحد الزوجين على ما نذكره ههنا إن شاء الله
قال أبو عمر: لم يختلف العلماء أن الكافرة إذا أسلمت ثم انقضت عدتها أنه لا سبيل لزوجها إليها إذا كان لم يسلم في عدتها إلا شيء روي عن إبراهيم النخعي شذ فيه عن جماعة العلماء ولم يتبعه عليه أحد من الفقهاء إلا بعض أهل الظاهر فإنه قال أكثر أصحابنا لا يفسخ النكاح لتقدم إسلام الزوجة إلا بمضي مدة يتفق الجميع على نسخه لصحة وقوعه في أصله ووجود التنازع في حقه
واحتج بحديث ابن عباس بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم رد زينب على أبي العاص بالنكاح الأول بعد مضي سنتين لهجرتها وأظنه مال فيه إلى قصة أبي العاص وقصة أبي العاص لا تخلو من أن يكون أبو العاص كافرا إذ رده رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ابنته زينب على النكاح الأول أو مسلما فإن كان كافرا فهذا ما لا شك فيه أنه كان قبل نزول الفرائض

(12/23)


وأحكام الإسلام في النكاح إذ في القرآن والسنة والإجماع تحريم فروج المسلمات على الكفار فلا وجه ههنا للإكثار وإن كان مسلما فلا يخلو من أن يكون كانت حاملا فتمادى حملها ولم تضعه حتى أسلم زوجها فرده رسول الله صلى الله عليه وسلم إليها في عدتها وهذا ما لم ينقل في خبر أو تكون قد خرجت من العدة فيكون أيضا ذلك منسوخا بالإجماع لأنهم قد أجمعوا أنه لا سبيل له إليها بعد العدة فكيف كان ذلك فخبر ابن عباس في رد أبي العاص إلى زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر متروك لا يجوز العمل به عند الجميع فاستغنى عن القول فيه
وقد يحتمل قوله على النكاح الأول يريد على مثل النكاح الأول من الصداق على أنه قد روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم رد زينب إلى أبي العاص بنكاح جديد
وكذلك يقول الشعبي على عمله بالمغازي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يرد أبا العاص إلى ابنته زينب إلا بنكاح جديد وهذا يعضده الأصول

(12/24)


حدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا ابن وضاح قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا أبو معاوية عن حجاج عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رد ابنته زينب على أبي العاص بن الربيع بنكاح جديد"
وأما اختلاف الفقهاء في الحربية تخرج إلينا مسلمة فإن مالكا قال إن أسلم الزوج قبل أن تتحيض ثلاث حيض فهي امرأته وإن لم يسلم حتى حاضت ثلاث حيض فقد وقعت الفرقة ولا فرق عنده بين دار الإسلام ودار الحرب وهو قول الشافعي سواء ولا حكم للدار عنده وكذلك قال الأوزاعي والليث بن سعد اعتبر العدة
وقال أبو حنيفة في الحربية تخرج إلينا مسلمة ولها زوج كافر بدار الحرب فقد وقعت الفرقة بينهما ولا عدة عليها وقال أبو يوسف ومحمد أما الفرقة فقد وقعت بينهما ولا سبيل له إليها إلا بنكاح جديد ولكن العدة عليها وهو قول الثوري
وأما اختلافهم في الذميين إذا أسلم أحدهما قبل صاحبه فقول مالك والشافعي والليث والحسن بن حي والأوزاعي اعتبار العدة في وقوع الفرقة على ما ذكرنا عنهم في الحربية

(12/25)


إلا أن الأوزاعي يقول إذا أسلمت المرأة ولم يسلم زوجها إلا بعد انقضاء العدة فهي طليقة وهو خاطب
وفي قول مالك والشافعي والليث والحسن بن حي إذا انقضت عدتها فلا سبيل له إليها وليست الفرقة عندهم طلاقا وإنما هو فسخ بغير طلاق وإذا أسلم في عدتها فهو أحق بها عند مالك والشافعي والليث والأوزاعي والحسن بن حي وسواء كانت المرأة قبل أن يسلم كتابية أو مجوسية زوجها أحق بها أبدا إن أسلم في عدتها فإن كانا مجوسيين وأسلم الرجل قبل فإن مالكا قال يعرض عليها الإسلام في الوقت فإن أسلمت وإلا وقعت الفرقة بينهما
قال إسماعيل بن إسحاق إذا أسلم الرجل وزوجته مجوسية غائبة فإن الفرقة تقع بينهما حين يسلم ولا ينتظر بها لأنه لو انتظر بها كان متمسكا بعصمتها وقد قال الله عز وجل {وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ} [الممتحنة:10] قال والحاضرة إذا عرض عليها الإسلام فليس الرجل ممسكا بعصمتها لأنه لا ينتظر بها شيئا غير حاضر إنما هو كلام وجواب فكأنها إذا أسلمت في هذه الحال قد أسلمت مع إسلامه إذا كان إنما ينتظر جوابها ألا ترى الآية لما نزلت وقعت الفرقة بين المسلمين الذين كانوا بالمدينة وبين أزواجهم اللاتي كن بمكة ولم ينتظر أن يعرض عليهن

(12/26)


الإسلام وقد كان ذلك ممكنا في ذلك الوقت للهدنة التي كانت بينهم إلى أن نقضوا العهد بعد سنين من الصلح
قال والكوافر التي أنزل الله عز وجل فيهن هذا هن المشركات من العرب فكان سبيل المجوسيات سبيلهن فليس يجوز للمسلم أن يمسك بعصمة كافرة من غير أهل الكتاب كانت معه في دار الإسلام أو في غير دار الإسلام قال والفرقة بينهما بغير طلاق لأنهما مغلوبان على الفسخ وليس يراجعها في العدة إن أسلمت بخلافه إذا كان هو المتقدم الإسلام لأن إسلامه قبلها أشبه بالمفارق يرتجع والارتجاع إنما هو بالرجال لا بالنساء
وقال الشافعي والأوزاعي والليث بن سعد والحسن بن حي لا فرق بين الرجل والمرأة في ذلك وأيهما أسلم قبل ثم أسلم صاحبه في العدة كانا على نكاحهما وسواء عندهم أهل الكتاب في ذلك أو غير أهل الكتاب وكذلك سواء عندهم تقدم إسلام الرجل أو تقدم إسلام المرأة لأن ابا سفيان بن حرب وحكيم بن حزام أسلما قبل ثم أسلمت امرأتاهما فاستقرت كل واحدة منهما عند زوجها بالنكاح الأول إذ أسلمت في العدة وأسلمت امرأة صفوان وامرأة عكرمة فاستقرتا بالنكاح الأول وذلك قبل انقضاء العدة وهذا يدل على أن

(12/27)


قوله عز وجل {لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ} [الممتحنة:10] في حال دون حال وذلك التمادي في الإمساك بعد العدة على ما بينت وأحكمت في ذلك السنة وقال أبو حنيفة وأصحابه في الذميين إذا أسلمت المرأة عرض على الزوج الإسلام فإن أسلم وإلا فرق بينهما قالوا ولو كانا حربيين وأسلمت هناك كانت امرأته حتى تحيض ثلاث حيض فإن لم يسلم وقعت الفرقة وفرقوا بين حكم دار الإسلام ودار الحرب وقال ابن شبرمة في النصراني تسلم امرأته قبل الدخول يفرق بينهما ولا صداق لها ولو كانت المرأة مجوسية وأسلم الزوج قبل الدخول ثم لم تسلم المرأة حتى انقضت عدتها فلها نصف الصداق وإن اسلمت قبل أن تنقضي عدتها فهما على نكاحهما
وقال الثوري كقول أبي حنيفة في عرض الإسلام على الزوج إذا أسلمت امرأته فإن أسلم وإلا فرق بينهما وقال في المهر إن اسلمت وأبى فلها جميع المهر إن كان دخل بها وإن لم يكن دخل بها فلها النصف وإن أسلم وأبت وهي مجوسية فلا مهر إن لم يدخل بها

(12/28)


وقال مالك في النصرانية تكون تحت النصراني فيخرج إلى بعض الأسفار فتسلم امرأته وهو غائب فإنها تؤمر بالنكاح إذا انقضت عدتها ولا ينتظر بها وليس له منها شيء إن قدم بعد انقضاء عدتها وهو مسلم نكحت أو لم تنكح هذا إذا أسلم بعد انقضاء عدتها فإن أسلم قبل انقضاء عدتها في غيبته فإن نكحت قبل أن يقدم زوجها أو يبلغها إسلامه فلا سبيل له إليها وإن أدركها قبل أن تنكح فهو أحق بها قال وإن كانت الغيبة قريبة استؤني بتزويجها وكتب للسلطان فلعله قد أسلم قبلها وإن كانت بعيدة فلا
وجملة قول مالك وأصحابه في صداق الكتابية والمجوسية إذا أسلمت قبل البناء أنه لا صداق لها ولا شيء منه معجل ولا مؤجل فإن قبضته ردته لأن الفراق من قبلها ولو بنى بها كان لها صداقها كاملا وكذلك المرتدة في الصداق.

(12/29)


ذكر إسماعيل بن أبي أويس عن مالك قال الأمر عندنا في المرأة تسلم وزوجها كافر قبل أن يدخل بها ويمسها أنه لا صداق لها سمي لها أو لم يسم وليس لزوجها عليها رجعة لأنه لا عدة عليها ولو دخل بها كان له عليها الرجعة ما دامت في عدتها وكان لها صداقها كاملا فإن بقي لها عليه شيء من مهرها فلها بقيته أسلم في عدتها أو لم يسلم
قال وقال مالك في المجوسية يتزوجها المجوسي ثم يسلم أحدهما ولم يدخل بها فرض لها أو لم يفرض أنه لا صداق لها إن أسلمت قبله وأبى هو أن يسلم أو أسلم قبلها فأبت في أن تسلم في الوجهين أخبرنا عبدالله بن محمد بن يحيى قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا نصر بن علي قال حدثنا ابو جعفر عن إسرائيل عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس قال أسلمت امرأة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وتزوجت فجاء زوجها إلى النبي صلى الله عليه

(12/30)


وسلم فقال يا نبي الله إني قد أسلمت وعلمت بإسلامي فانتزعها رسول الله صلى الله عليه وسلم من زوجها الآخر وردها إلى زوجها الأول
ورواه حفص بن جميع وسليمان بن معاذ وهذا لفظه عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس قال أسلمت امرأة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهاجرت وتزوجت وكان زوجها قد أسلم فردها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى زوجها ذكره البزار
وحدثنا قاسم بن محمد قال حدثنا خالد بن سعد قال حدثنا أحمد بن عمرو قال حدثنا محمد بن سنجر قال حدثنا عبدالله بن موسى قال اخبرنا إسرائيل عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس قال أسلمت امرأة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فتزوجت فجاء زوجها إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال إني قد أسلمت معها وعلمت بإسلامي فانتزعها رسول الله صلى الله عليه وسلم من زوجها الآخر وردها إلى زوجها الأول
قال أبو عمر: احتج الطحاوي لأبي حنيفة وأصحابه والثوري بأن قال خبر ابن شهاب منقطع وفي الأصول أن العدة إذا

(12/31)


وجهت على سبب غير الطلاق فإنما تجب بعد ارتفاع النكاح وأما مع بقاء النكاح فلا عدة
قال أبو عمر: لو ارتفع النكاح ما كان يعرض الإسلام على الثاني منهما معا وقد أجمعوا على ذلك في الفور روي عن عمر وابن عباس الفرقة بين الزوجين إذا أسلمت المرأة الذمية وأبى زوجها أن يسلم ولم يعتبر العدة وذكر ابن أبي شيبة حدثنا معتمر عن أبيه عن الحسن وعمر بن عبدالعزيز قالا في النصرانية تسلم تحت زوجها أخرجها عنه الإسلام وروى حماد بن سلمة عن زياد الأعلم عن الحسن في النصرانية تكون تحت النصراني فتسلم قبل الدخول قال فرق بينهما الإسلام وروي عن علي بن أبي طالب نحو قول مالك والشافعي وحسبك بقول ابن شهاب أنه لم يبلغه غير ما حكى في حديثه المذكور في هذا الباب وأنه أحق بها إن أسلم في عدتها وذكر حماد بن سلمة قال أخبرنا عبيد الله بن عمر عن الزهري أن امرأة عكرمة بن أبي جهل وامرأة سهيل بن عمرو أسلمتا في عدتهما فأقاما على نكاحهما

(12/32)


وذكر ابن أبي شيبة عن عبد السلام بن حرب عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة عن الزهري أن امرأة عكرمة بن أبي جهل أسلمت قبله ثم أسلم وهي في العدة فردت إليه وذلك على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم
وذكر مالك عن ابن شهاب أن ابنة الوليد بن المغيرة وكانت تحت صفوان بن أمية فأسلمت يوم الفتح ثم أسلم واستقرت عنده بذلك النكاح وكان بين إسلام صفوان بن أمية وبين إسلام امرأته نحو من شهر وأن أم حكيم بنت الحرث بن هشام كانت تحت عكرمة بن أبي جهل فأسلمت يوم الفتح ثم أسلم عكرمة فثبتا على نكاحهما ذلك
وذكر مالك عن ابن شهاب قال لم يبلغنا أن امرأة هاجرت إلى الله ورسوله وزوجها كافر بدار الحرب إلا فرقت هجرتها بينها وبين زوجها إلا أن يقدم زوجها مهاجرا قبل أن تنقضي عدتها

(12/33)


وذكر أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا عبدة بن سليمان عن سعيد عن قتادة عن مجاهد قال إذا أسلم وهي في عدتها فهي امرأته يعني إذا كانت أسلمت قبله
قال وحدثنا ابن علية عن ابن أبي نجيح عن عطاء قال إن أسلم وهي في العدة فهو أحق بها
قال وحدثنا عبد الله بن موسى عن سفيان عن عمرو بن ميمون عن عمر بن عبدالعزيز قال هو أحق بها ما دامت في العدة
وذكر حماد بن سلمة عن عبيد الله بن عمر قال إذا أسلم الرجل في عدة امرأته فهو أحق بها
وفي حديث ابن شهاب المذكور أيضا في هذا الباب من الفقه إثبات الأمان للكافر ودعاؤه إلى الإسلام وإن كان له شوكة وكانت كلمة الإسلام العالية وهذا ما لا خلاف فيه على هذا الوجه ولا سيما إذا طمع بإسلامه
وفيه التأمين على شروط تجوز وعلى الخيار فيها

(12/34)


وفيه جواز تصحيح الأمارات في العقود وأن من صح عليه شيء منها أو صح عنده لزمه العمل بها وجاز ذلك عليه وله ألا ترى إلى إرسال رسول الله صلى الله عليه وسلم بردائه أمارة لأمانه
وفيه بيان ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم من الاجتهاد والحرص على دخول الناس في الإسلام
وفيه إجازة تكنية الكافر إذا كان وجها ذا شرف وطمع بإسلامه وقد يجوز ذلك وإن لم يطمع بإسلامه لأن الطمع ليس بحقيقة توجب عملا وقد قال صلى الله عليه وسلم "إذ أتاكم كريم قوم أو كريمة قوم فأكرموه" ولم يقل إن طمعتم بإسلامه ومن الإكرام دعاؤه بالتكنية وقد كان الكلبي يقول في قول الله عز وجل {فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً} [طه:44] قال كنياه
وأما شهود صفوان بن أمية مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حنينا والطائف وهو كافر فإن مالكا قال لم يكن ذلك بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم قال مالك ولا

(12/35)


أرى أن يستعان بالمشركين على قتال المشركين إلا أن يكونوا خدما أو نواتية
وروى مالك عن الفضيل بن أبي عبيد الله عن عبد الله بن دينار الأسلمي عن عروة عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لرجل أتاه فقال جئت لأتبعك وأصيب معك في حين خروجه إلى بدر "إنا لا نستعين بمشرك"
وهذا حديث قد اختلف عن مالك في إسناده وهكذا رواه أكثر أصحابه وقد روى أبو حميد الساعدي عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله
وقال الشافعي والثوري والأوزاعي وأبو حنيفة وأصحابهم لا بأس بالاستعانة بأهل الشرك على قتال المشركين إذا كان حكم الإسلام هو الغالب عليهم وإنما تكره الاستعانة بهم إذا كان حكم الشرك هو الظاهر
وقد روي أنه لما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع أبي سفيان للخروج إليه يوم أحد انطلق وبعث إلى بني

(12/36)


النضير وهم يهود فقال لهم إما قاتلتم معنا وإما أعرتمونا سلاحا
قال أبو عمر: هذا قول يحتمل أن يكون لضرورة دعته إلى ذلك وقال الثوري والأوزاعي إذا استعين بأهل الذمة أسهم لهم
وقال أبو حنيفة وأصحابه لا يسهم لهم ولكن يرضخ
وقال الشافعي يستأجرهم الإمام من مال لا مالك له بعينه فإن لم يفعل أعطاهم من سهم النبي صلى الله عليه وسلم وقال في موضوع آخر يرضخ للمشركين إذا قاتلوا مع المسلمين
قال أبو عمر: قد اتفقوا أن العبد وهو ممن يجوز أمانه إذا قاتل لم يسهم له ولكن يرضخ له فالكافر أول بذلك أن لا يسهم له وفيه جواز العارية والاستعارة وجواز الاستمتاع بما استعير إذا كان على المعهود مما يستعار مثله وحديث صفوان هذا في العارية أصل في هذا الباب

(12/37)


وقد اختلف الفقهاء في ضمان العارية فذهب مالك وأصحابه إلى أن العارية أمانة غير مضمونة إذا كانت حيوانا أو ما لا يغاب عليه إذا لم يتعد المستعير فيه ولا ضيع وكذلك ما يغاب عليه أمانة أيضا إذا ظهر هلاكه وصح من غير تضييع ولا تعد فإن خفي هلاكه ضمن ولا يقبل قول المستعير فيه إذا ادعى هلاكه وذهابه ولم يقم على ما قال بينة وتضمن أبدا إذا كان هكذا ولا يضمن إذا كان هلاكه ظاهرا معروفا أو قامت به بينة بلا تضييع ولا تفريط هذا هو المشهور من قول مالك وهو قول ابن القاسم
وقال أشهب يضمن كل ما يغاب عليه قامت بينة بهلاكه أو لم تقم وسواء هلك بسببه أو بغير سببه يضمن أبدا لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لصفوان حين استعار منه السلاح وهو مما يغاب عليه "بل عارية مضمونة مؤداة" قال وأما الحيوان وما لا يغاب عليه فلا ضمان عليه وقول عثمان البتي في هذه المسألة نحو قول مالك قال عثمان البتي المستعير ضامن لما استعاره إلا الحيوان والعقار ويضمن الحلي والثياب وغيرها قال وإن اشترط ضمان الحيوان ضمنه

(12/38)


وقال الليث بن سعد لا ضمان في العارية ولكن أبا العباس أمير المؤمنين قد كتب بأن يضمنها فالقضاء اليوم على الضمان وقال أبو حنيفة وأصحابه والثوري والأوزاعي العارية غير مضمونة ولا يضمن شيئا منها إلا بالتعدي وهو قول ابن شبرمة
وقال الشافعي كل عارية مضمونة
قال أبو عمر: احتج من قال بأن العارية مضمونة بما حدثنا سعيد بن نصر وعبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا ابن وضاح قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة "ح" وحدثنا عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا عبد الوهاب بن نجدة الحويطي قالا جميعا حدثنا إسماعيل بن عياش عن شرحبيل بن مسلم قال سمعت أبا أمامة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "العارية مؤادة والمنحة مردودة والدين مقضي والزعيم غارم"
ومن قال إن العارية لا تضمن قال في قوله صلى الله عليه وسلم "العارية مؤداة" دليل على أنها أمانة لأن الله عز وجل يقول {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} [النساء:58] فجعل الأمانات مؤداة

(12/39)


قال ويحتمل قوله العارية مؤداة إذا وجدت قائمة العين وهذا ما لا يختلف فيه وإنما التنازع فيها إذا تلفت هل يجب على المستعير ضمانها
واحتج أيضا من قال إن العارية مضمونة بما حدثنا عبد الله بن محمد بن يحيى قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا الحسن بن محمد وسلمة بن شبيب قالا حدثنا يزيد بن هارون قال حدثنا شريك عن عبد العزيز بن رفيع عن أمية بن صفوان بن أمية عن أبيه "أن النبي صلى الله عليه وسلم استعار منه دروعا يوم خيبر فقال أغصبا يا محمد؟ فقال "بل عارية مضمونة"
قال أبو داود هذه رواية يزيد ببغداد وفي روايته بواسط غير هذا قال أبو داود وكان أعاره قبل أن يسلم ثم أسلم
قال أبو عمر: حديث صفوان هذا اختلف فيه على عبد العزيز بن رفيع اختلافا يطول ذكره فبعضهم يذكر فيه الضمان وبعضهم لا يذكره وبعضهم يقول فيه عن عبد العزيز

(12/40)


ابن رفيع عن ابن أبي مليكية عن أمية بن صفوان عن أبيه وبعضهم يقول عن عبد العزيز عن ابن أبي مليكة عن ابن صفوان قال استعار النبي صلى الله عليه وسلم لا يقول عن أبيه ومنهم من يقول عن عبد العزيز بن رفيع عن أناس من آل صفوان أو من آل عبد الله بن صفوان مرسلا أيضا
وبعضهم يقول فيه عن عبد العزيز بن رفيع عن عطاء عن ناس من آل صفوان ولا يذكر فيه الضمان ولا يقول مؤداة بل عارية فقط والاضطراب فيه كثير ولا يجب عندي بحديث صفوان هذا حجة في تضمين العارية والله أعلم
حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا بكر بن حماد قال حدثنا مسدد قال حدثنا أبو الأحوص قال حدثنا عبدالعزيز بن رفيع عن عطاء بن أبي رباح عن ناس من آل صفوان قالوا استعار رسول الله صلى الله عليه وسلم من صفوان بن أمية سلاحا فقال له صفوان أعارية أم غصب؟ فقال "بل عارية" فأعاره ما بين الثلاثين إلى الأربعين درعا فغزا رسول الله حنينا فلما هزم الله المشركين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

(12/41)


"اجمعوا أدراع صفوان" ففقدوا من أدراعه أدراعا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن شئت غرمناها لك" فقال يا رسول الله إن في قلبي اليوم من الإيمان ما لم يكن يومئذ
ورواه جرير بن عبد الحميد عن عبد العزيز بن رفيع عن أناس من آل صفوان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يا صفوان "هل عندك من سلاح؟" قال عارية أم غصب؟ قال "بل عارية" فأعاره ما بين الثلاثين إلى الأربعين ثم ساق مثل حديث أبي الأحوص سواء إلى آخره بمعناه
حدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا جرير فذكره
واحتج أيضا من ضمن العارية بما حدثنا عبد الله بن محمد بن يحيى قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا مسدد بن مسرهد قال حدثنا يحيى عن ابن أبي عروبة عن قتادة عن الحسن في هذا الحديث فقال هو أمينك لا ضمان عليه

(12/42)


وحدثنا عبد الوارث قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن الجهم قال حدثنا عبد الوهاب قال أخبرنا سعيد عن قتادة عن الحسن عن سمرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "على اليد ما أخذت حتى تؤديه" ثم إن الحسن نسي قال هو أمينك فلا ضمان عليه
وحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن الجهم قال حدثنا عبد الوهاب قال أخبرنا سعيد عن قتادة عن الحسن عن سمرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "على اليد ما أخذت حتى تؤدي" قال قتادة ثم إن الحسن نسي هذا الحديث فقال أمينك لا ضمان عليه

(12/43)


قال أبو عمر: قد اختلف في سماع الحسن من سمرة وقد ذكرنا ذلك فيما سلف من كتابنا والحمد لله
وأما الصحابة رضي الله عنهم فروي عن عمر وعلي أن لا ضمان في العارية وروي عن ابن عباس وأبي هريرة أنها مضمونة والله الموفق للصواب

(12/44)


الحديث الرابع و الخمسون
...
حديث رابع من مراسيل ابن شهاب
مالك عن ابن شهاب عن عبدالله بن عمرو بن العاص أنه قال "لما قدمنا المدينة نالنا وباء من وعكها شديد فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يصلون في سبحتهم قعودا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "صلاة القاعد مثل نصف صلاة القائم"
هكذا روى هذا الحديث عن مالك جماعة الرواة فيما علمت بهذا الإسناد مرسلا

(12/45)


وروى فيه عن ابن أبي زائدة عن مالك عن الزهري عن سالم عن أبيه ولا يصح
ورواه الحسين بن الوليد عن مالك عن ابن شهاب عن عيسى بن طلحة عن عبد الله بن عمرو ولم يتابعه على ذلك أحد من رواة مالك وإنما يرويه هكذا عن ابن شهاب عن عيسى بن طلحة عن عبد الله بن عمرو ابن عيينة وحده من بين أصحاب ابن شهاب على اختلاف على ابن عيينة في ذلك أيضا
ومن اختلاف أصحاب ابن شهاب في ذلك أن صالح بن أبي الأخضر وابن جريج روياه عن ابن شهاب عن أنس كذلك ذكره عبد الرزاق عن ابن جريج وكذلك رواه النضر بن شميل عن صالح بن أبي الأخضر ورواه صالح بن عمر عن صالح بن أبي الأخضر عن الزهري عن السائب بن يزيد عن المطلب بن أبي وداعة

(12/46)


ورواه معمر عن الزهري أن عبد الله بن عمر قال قدمنا المدينة بمثل رواية مالك سواء في الإسناد والمتن هذه رواية الدبري عن عبد الرزاق عن معمر رواه خشيش عن عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن رجل عن عبد الله بن عمرو
وحدثنا أحمد بن عبد الله بن محمد قال حدثني أبي قال حدثنا أحمد بن خالد قال حدثنا قاسم بن محمد قال حدثنا أبو عاصم خشيش بن أصرم قال أخبرنا عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن رجل عن عمرو بن العاص فذكره
ورواه بكر بن وائل عن الزهري عن مولى لعبد الله بن عمرو بن العاص عن عبد الله بن عمرو بن العاص ورواه حجاج بن منيع عن جده عن الزهري عن ثعلبة بن أبي مالك عن عبد الله بن عمرو
ورواه يزيد بن عياض عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن عبد الله بن عمرو
ورواه إبراهيم بن مرة وعبد الرزاق بن عمر عن الزهري عن سالم عن أبيه وكل هذا خطأ والله أعلم

(12/47)


فأما رواية النضر بن شميل عن صالح بن أبي الأخضر فأخبرنا سعيد بن عثمان حدثنا أحمد بن دحيم بن خليل حدثنا بكر بن محمد بن حفص الشعراني بتنيس حدثنا إبراهيم بن محمد الصفار حدثنا خلاد حدثنا النضر بن شميل حدثنا صالح بن أبي الأخضر عن ابن شهاب عن أنس قال لما قدم الناس المدينة أصابهم وعك من وباء المدينة فمر رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس يصلون في سبحتهم قعودا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "صلاة القاعد على نصف صلاة القائم"
وأما رواية ابن جريج فحدثنا أحمد بن عبد الله قال حدثنا مسلمة بن القاسم قال حدثنا علان ومحمد بن أبان قالا حدثنا سلمة بن شبيب قال حدثنا عبد الرزاق قال أخبرنا ابن جريج قال أخبرني ابن شهاب قال أخبرني أنس بن مالك قال قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة وهي محمة فحم الناس فدخل المسجد والناس قعود فقال "صلاة القاعد نصف صلاة القائم" فتجشم الناس القيام

(12/48)


وأما رواية ابن عيينة فحدثنا سعيد بن نصر وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا ابن وضاح قال حدثنا حامد بن يحيى البلخي قال حدثنا سفيان بن عيينة عن الزهري عن عيسى بن طلحة عن عبد الله بن عمرو فذكره
وأما رواية صالح بن عمر عن صالح بن أبي الأخضر فحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أبو الحسن علي بن الحسن علان قال حدثنا صالح بن أحمد بن حنبل قال حدثنا إبراهيم بن مهدي قال حدثنا صالح بن عمر قال حدثنا صالح بن أبي الأخضر عن الزهري عن السائب بن يزيد عن المطلب قال "رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا يصلي قاعدا فقال صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم" قال فتجشم الناس القيام وهذا عندي خطأ من صالح بن أبي الأخضر أو ممن دونه في الإسناد
وأما حديث الزهري عن السائب بن يزيد عن المطلب بن أبي وداعة عن حفصة "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي في سبحته قاعدا قبل وفاته بعام ويقرأ بالسورة ويرتلها حتى تكون أطول من أطول منها" هكذا حدث به الحفاظ عن ابن شهاب بهذا الإسناد ومنهم مالك وغيره

(12/49)


وأما حديث عبد الله بن عمرو المذكور في هذا الباب من غير رواية ابن شهاب فحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا بكر بن حماد قال حدثنا مسدد قال حدثنا يحيى عن سفيان قال حدثني منصور عن هلال بن يساف عن أبي يحيى عن عبد الله بن عمرو قال "رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي جالسا فقلت يا رسول الله حدثت أنك قلت صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم وأنت تصلي جالسا قال "أجل ولكني لست كأحد منكم" وأخبرنا سعيد بن عثمان حدثنا أحمد بن دحيم حدثنا محمد بن الحسن بن زيد حدثنا أبو الحسن علان بن المغيرة حدثنا عبد الغفار بن داود حدثنا عيسى بن يونس عن الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت عن عبد الله بن بابيه عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال "مر بي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أصلي قاعدا فقال "أما إن للقاعد نصف صلاة القائم"

(12/50)


قال أبو عمر: ذكرنا في هذا الباب من القول في إسناد حديثه ما بلغه علمنا مختصرا مهذبا ولم نذكر شيئا من معانيه لتقدم القول فيها ممهدة في باب الألف من هذا الكتاب وأما الوباء فمهموز مقصور وهو الطاعون يقال أرض وبيئة أي ذات وباء وأمراض
وأما الوعك فقال أهل اللغة لا يكون إلا من الحمى دون سائر الأمراض وأما السبحة فهي النافلة من الصلاة وقد قيل أن كل صلاة سبحة والأول أصح ويشهد لصحته حديث ابن شهاب في هذا الباب لأنه لا وجه له إلا النافلة والله أعلم وقد مضى القول في هذا المعنى مجودا في باب إسماعيل بن محمد من هذا الديوان والحمد لله لا شريك له

(12/51)


الحديث الخامس و الخمسون
...
حديث خامس من مراسيل ابن شهاب
مالك عن ابن شهاب "أن أم حكيم بنت الحرث بن هشام وكانت تحت عكرمة بن أبي جهل فأسلمت يوم الفتح وهرب زوجها عكرمة بن أبي جهل من الإسلام حتى قدم اليمن فارتحلت أم حكيم حتى قدمت عليه باليمن فدعته إلى الإسلام فأسلم وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم وثب إليه فرحا وما عليه رداء حتى بايعه فثبتا على نكاحهما"
في هذ الحديث من المعاني وثوب الرجل الجليل إلى ما يفرح به في دينه وكذلك عندي وثوبه لما يسر به في دنياه إذا لم يقدح ذلك في دينه وفيه ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم من السرور والفرح بإسلام قريش وأشراف الناس وكذلك سائر من أسلم والله أعلم

(12/52)


وفيه دليل على أن لباس الرداء كان من شأن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأما القول في ثبوت نكاحهما فقد تقدم مستوعبا في باب صفوان بن أمية من هذا الكتاب والمعنى فيهما واحد لا يفترقان في شيء من ذلك وقد ذكرنا خبر عكرمة بن أبي جهل وكيف كان إسلامه وشيئا كافيا من خبره في كتابنا في الصحابة وبالله التوفيق
أخبرنا عبد الله بن محمد بن يوسف قال حدثنا يوسف بن أحمد المكي قال حدثنا محمد بن عمرو بن موسى قال حدثنا محمد بن إسماعيل "ح"
وأخبرنا عبد الله بن محمد قال حدثنا عبد الله بن مسرور قال حدثنا عيسى بن مسكين قال حدثنا محمد بن سنجر قالا أخبرنا أبو حذيفة قال حدثنا سفيان بن سعيد الثوري عن أبي إسحاق عن مصعب بن سعد عن عكرمة بن أبي جهل قال قال النبي صلى الله عليه وسلم يوم جئته "مرحبا بالراكب المهاجر" قلت يا رسول الله والله لا أدع نفقة أنفقتها عليك إلا أنفقت مثلها في سبيل الله

(12/53)


الحديث السادس و الخمسون
...
حديث سادس من مراسيل ابن شهاب
مالك عن ابن شهاب أنه قال بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لرجل من ثقيف أسلم وعنده عشر نسوة حين أسلم "أمسك منهن أربعا وفارق سائرهن"
هكذا رواه جماعة رواة الموطأ وأكثر رواة ابن شهاب ورواه ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب عن عثمان بن محمد بن أبي سويد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لغيلان بن أبي سلمة الثقفي حين أسلم وتحته عشر نسوة "خذ منهن أربعا وفارق سائرهن"
رواه يحيى بن سلام عن مالك ومعمر وبحر السقاء عن الزهري عن سالم عن أبيه مسندا فأخطأ فيه يحيى بن سلام على مالك ولم يتابع عنه على ذلك ووصله معمر فرواه عن ابن شهاب عن سالم عن ابن عمر ويقولون إنه من خطأ معمر ومما حدث به بالعراق من حفظه وصحيح حديثه ما حدث به باليمن من كتبه حدثنا خلف بن سعي

(12/54)


قال حدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا أحمد بن خالد قال حدثنا علي بن عبدالعزيز قال حدثنا أبو عبيد القاسم بن سلام قال حدثنا يزيد بن هارون عن سعيد بن أبي عروبة عن معمر بن راشد عن الزهري عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه "أن غيلان بن سلمة الثقفي أسلم وعنده عشر نسوة وأسلمن معه فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يختار منهن أربعا"
قال وأخبرنا أبو عبيد قال وحدثنا يحيى بن سعيد عن سفيان الثوري عن معمر عن الزهري عن سالم عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل ذلك وقد ذكر يعقوب بن شيبة حدثنا أحمد بن شبويه حدثنا عبد الرزاق قال لم يسند لنا معمر حديث غيلان بن سلمة أنه أسلم وعنده عشر نسوة وقد روي عن قيس بن الحرث وبعضهم يقول فيه الحرث بن قيس الأسدي والأكثر قيس بن الحرث قال أسلمت وعندي ثماني نسوة فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال "اختر منهن أربعا"

(12/55)


أخبرنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا مسدد ووهب بن بقية قالا أخبرنا هشيم عن ابن أبي ليلى عن حميضة بن الشمرذل عن الحرث بن قيس قال مسدد ابن عميرة قال وهب الأسدي قال أسلمت وعندي ثماني نسوة فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال اختر منهن أربعا
قال أبو داود وحدثنا أحمد بن إبراهيم قال حدثنا هشيم بهذا الحديث فقال قيس بن الحرث مكان الحرث بن قيس قال أحمد بن إبراهيم هذا هو الصواب يعني قيس بن الحرث
قال أبو داود وحدثنا أحمد بن إبراهيم قال حدثنا بكر بن عبد الرحمن قاضي الكوفة عن عيسى بن المختار عن ابن أبي ليلى عن حميضة بن الشمرذل عن قيس بن الحرث بمعناه

(12/56)


قال أبو عمر: الصحيح عن هشيم في هذا الإسناد الحرث بن قيس وعن غير هشيم قيس بن الحرث وهو الصواب إن شاء الله لأن عيسى بن المختار والكلبي اجتمعا على ذلك
هكذا يقول الثوري عن الكلبي عن حميضة بن الشمرذل عن قيس بن الحرث بن حذاف الأسدي قال أسلمت وكان عندي ثماني نسوة فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقال "اختر منهن أربعا واترك أربعا"
ورواه شريك عن الكلبي عن حميضة بن الشمرذل عن الحرث بن قيس قال أسلمت وعندي ثماني نسوة فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فأمرني أن أختار منهن أربعا
أخبرنا قاسم بن محمد قال حدثنا خالد بن سعد قال حدثنا أحمد بن عمرو قال حدثنا ابن سنجر قال حدثنا الفضل بن دكين قال حدثنا شريك فذكره
وحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا جرير عن الكلبي عن ابن شمرذل عن قيس بن الحرث الأسدي قال أسلمت وتحتي ثماني نسوة فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال "اختر منهن أربعا"

(12/57)


قال أحمد بن زهير كذا قال ابن الشمرذل بالذال وإنما هو الشمردل وهو الرجل الطويل
وحدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا ابن وضاح قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا بكر بن عبد الرحمن قال حدثنا عيسى بن المختار عن ابن أبي ليلى عن حميضة بن الشمرذل عن قيس بن الحرث الأسدي أنه أسلم وتحته ثاني نسوة فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يختار منهن أربعا
قال أبو عمر: الأحاديث المروية في هذا الباب كلها معلولة وليست أسانيدها بالقوية ولكنها لم يرو شيء يخالفها عن النبي صلى الله عليه وسلم والأصول تعضدها والقول بها والمصير إليها أولى وبالله التوفيق
وقد اختلف الفقهاء في ذلك قفال مالك والشافعي ومحمد بن الحسن والأوزاعي والليث بن سعد إذا أسلم الكافر كتابيا كان أو غير كتابي وعنده عشر نسوة أو خمس نسوة أو ما زاد على أربع اختار منهن أربعا ولا يبالي كن الأوائل أو الأواخر على ما روى في هذه الآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم وكذلك إذا أسلم وتحته أختان اختار أيتهما شاء إلا أن الأوزاعي روى عنه في الأختين أن الأولى امرأته

(12/58)


وقال الثوري وأبو حنيفة وأبو يوسف يختار الأوائل فإن تزوجن في عقدة واحدة فرق بينه وبينهن وقال الحسن بن حي يختار الأربع الأوائل فإن لم يدر أيتهن أول طلق كل واحدة منهن تطليقة حتى تنقضي عدتهن ثم يتزوج منهن أربعا إن شاء
وقال أحمد بن المعذل سئل عبد الملك عن رجل أسلم وعنده عشر نسوة قال يفارق ستا ويقيم على أربع وتلك السنة التي أمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم الثقفي
قال عبد الملك فإن وجد الاثنتين من الأربع أختيه قال يكون له من الست اثنتان لأنه لم يطلق إنما ظن السلطان أنه قد أبقى له أربعا ففسخ ما سوى ذلك بتخييره إياه ثم انكشف أن منهن أختين له فينبغي أن يرد إلي بخييره كما لو كن عنده أمسك أربعا وفسخ ما سوى ذلك
قال أحمد يعني تخييره من الست اثنتين لأنه رجل كان عنده ثماني نسوة فكان عليه أن يفارق أربعا فغلط

(12/59)


عليه السطان فنزع منه ستا لأن أختيه من الرضاعة لم يكونا زوجتيه قيل لعبد الملك فلم تزوجن قال إذ لا يكون له إليهن سبيل لأنه أحلهن لمن نكحهن قال وإن كان خفي على الحاكم فإنه حكم قد فات وقيل النكاح لم يفت فمن هناك رد عليه قال وإذا تزوجت فهي مثل المطلقة لم تبلغها الرجعة فتزوجت وهي زوجة للأول ففاتت ومضى ذلك قال ولو أسلم وعنده أختان من نسب أو رضاع أو امرأة وعمتها كان ذلك كله كأنما عقده وهو مسلم عقدا واحدا
وقال أبو ثابت قلت لابن القاسم أرأيت الحربي أو الذمي يسلم وقد تزوج الأم والابنة في عقدة واحدة أو عقدتين فلم يبن بهما أله أن يحبس ايتهما شاء ويفارق الأخرى قال نعم قلت وهذا قول مالك قال نعم قال مالك إلا أن يكون مسهما جميعا فإن مسهما جميعا فارقهما جميعا
قال ابن القاسم وإن مس واحدة ولم يمس الأخرى لم يكن له أن يختار التي لم يمس وامرأته ههنا التي قد مس قال وأخبرني من أثق به عن ابن شهاب أنه قال في المجوسي يسلم وتحته الأم وابنتها أنه إن لم يكن أصاب واحدة منهما

(12/60)


اختار أيتهما شاء وإن وطئ إحداهما أقام على التي وطئ وفارق الأخرى وإن مسهما جميعا فارقهما جميعا ولم تحل له واحدة منهما أبدا
وقال ابن أبي أويس قال مالك في الرجل ينكح المرأة المشركة وابنتها فدخل بهما ثم أسلم ويسلمان أنه يفرق بينهما وبينه ولا ينكح واحدة منهما أبدا
قال إسماعيل كل ملك لا يجوز لمسلم أن يستأنفه فإنه لا يجوز للذي أسلم أن يقيم عليه قال وحدثني أبو ثابت قال حدثني عبدالله بن وهب قال أخبرني ابن لهيعة عن ابن أبي حبيب أن مجوسيا أسلم وكان تحته امرأة وابنتها فكتب فيه عمر بن عبد العزيز أن له في النساء سعة ففرق بينهما وبينه ثم لا يرتجع منها شيئا
قال عبد الله وأخبرني أسامة بن زيد الليثي أن عدي بن أرطاة كتب إلى عمر بن عبد العزيز يسأله عن رجل من المجوس أسلم وعنده امرأة وابنتها أسلمتا معه فكتب إليه عمر أن يطلقهما جميعا وقال لا أحب أن يمسك واحدة منهما وقد أطلع ذلك المطلع منهما

(12/61)


وقال ابن أبي أويس قال مالك في المشرك يسلم وعنده أكثر من أربع نسوة أنه يختار منهن أربعا ولا يبالي أوائل كن أو أواخر هو في ذلك بالخيار
قال مالك وذلك أنه لو مات من الأوائل أربع أو أكثر أو أقل جاز له أن يحبس من الأواخر أربعا ولو كان كما يقول هؤلاء لم يصح أن يحبس الأواخر إذا مات الأوائل لأن نكاحهن فاسد في قولهم
قال ابن نافع وكان ابن أبي سلمة يقول يحبس الأوائل أخبرنا عبد الله بن محمد بن يحيى قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود "ح"
وعبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أحمد بن زهير قالا حدثنا يحيى بن معين قال حدثنا وهب بن جرير عن أبيه قال سمعت يحيى بن أيوب يحدث عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي وهب الجيشاني عن الضحاك بن فيروز عن أبيه قال قلت يا رسول الله إني أسلمت وتحتي أختان قال طلق أيتهما شئت ورواه وهب عن ابن لهيعة عن أبي وهب الجيشاني سمع الضحاك بن فيروز عن أبيه مثله سواء

(12/62)


الحديث السابع و الخمسون
...
حديث سابع من مراسيل ابن شهاب
مالك عن ابن شهاب قال بلغني "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ الجزية من مجوس البحرين وأن عمر أخذها من مجوس فارس وأن عثمان أخذها من البربر"
هكذا هذا الحديث في الموطأ عند جميع رواته رواه معمر عن ابن شهاب ورواه عبد الرحمن بن مهدي عن مالك عن ابن شهاب عن السائب بن يزيد والسائب بن يزيد ولد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وحج معه وتوفي النبي صلى الله عليه وسلم وهو ابن تسع سنين وأشهر وقد ذكرناه في كتابنا في الصحابة بما فيه كفاية ورواه ابن وهب عن يونس بن يزيد عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب وقد ذكرناه في جعفر بن محمد

(12/63)


حدثنا خلف بن القاسم قال حدثنا سعيد بن السكن قال حدثنا يحيى بن محمد بن صاعد قال حدثنا حسين بن سلمة بن أبي كبشة بالبصرة قال حدثنا عبد الرحمن بن مهدي قال حدثنا مالك عن الزهري عن السائب بن يزيد "أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ الجزية من مجوس هجر"
هكذا حدثنا به خلف وكتبته من كتابه وحدثنا محمد بن عبدوس قال حدثنا علي بن عمر الدارقطني ببغداد قال حدثنا أبو محمد يحيى بن محمد بن صاعد قال حدثنا الحسين بن سلمة بن أبي كبشة اليحمدي بالبصرة قال حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن مالك بن أنس عن الزهري عن السائب بن يزيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ الجزية من مجوس البحرين وأخذها عمر من فارس وأخذها عثمان من البربر
قال علي وحدثنا به دعلج بن أحمد حدثنا محمد بن إسحاق بن خزيمة ن حدثنا الحسين بن سلمة بن أبي سلمة بن أبي كبشة فذكر مثله
قال أبو الحسن تفرد به الحسين بن سلمة عن ابن مهدي لم يذكر فيه السائب غيره

(12/64)


وأخبرنا أحمد بن عبد الله بن محمد قال حدثني أبي قال حدثنا محمد بن قاسم قال حدثنا مالك بن عيسى قال حدثنا عبد الله بن محمد بن يزيد صاحب عبدان قال حدثنا حسين بن سلمة بن أبي كبشة أبو علي قال حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن مالك بن أنس عن الزهري عن السائب بن يزيد أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ الجزية من مجوس البحرين وأخذها عمر من فارس وأخذها عثمان من بربر
وذكر عبد الرزاق عن معمر قال سمعت الزهري سئل أتؤخذ الجزية ممن ليس من أهل الكتاب فقال نعم أخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل البحرين وعمر من أهل السواد وعثمان من بربر
قال وأخبرنا ابن جريج عن يعقوب بن عتبة وإسماعيل بن محمد وغيرهما أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ الجزية من مجوس هجر وأن عمر أخذها من مجوس السواد وأن عثمان أخذها من بربر قال وأخبرنا الثوري عن محمد بن قيس عن الشعبي قال إن أهل السواد ليس لهم عهد فلما أخذ منهم الخراج كان لهم عهد وقد مضى القول في الجزية وأحكامها مجودا في باب جعفر بن محمد من كتابنا هذا وبالله التوفيق

(12/65)


الحديث الثامن و الخمسون
...
حديث ثامن من مراسيل ابن شهاب
مالك عن ابن شهاب "أن عائشة وحفصة زوجي النبي صلى الله عليه وسلم أصبحتا صائمتين متطوعتين فأهدي لهما طعام فأفطرتا عليه فدخل عليهما رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت عائشة فقالت حفصة وبدرتني بالكلام وكانت بنت أبيها يا رسول الله إني أصبحت أنا وعائشة صائمتين متطوعتين فأهدي لنا طعام فأفطرنا عليه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اقضيا يوما مكانه آخر"
هكذا هذا الحديث في الموطأ عند جميع رواته فيما علمت وقد روي عن عبد العزيز بن يحيى عن مالك عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة مسندا ولا يصح ذلك عن مالك والله أعلم
حدثنا خلف بن قاسم حدثنا محمد بن عبد الله بن أحمد حدثنا أبي قال حدثنا عبد الله بن عمرو بن أبي سعيد حدثنا

(12/66)


عبدالعزيز بن يحيى حدثنا مالك عن ابن شهاب عن عروة "أن عائشة وحفصة أصبحتا صائمتين متطوعتين فأهدي لهما شيء من طعام فأفطرتا عليه فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت عائشة قالت حفصة وبدرتني بالكلام وكانت ابنة أبيها فقالت يا رسول الله أصبحت أنا وعائشة صائمتين متطوعتين فأهدي لنا شيء من طعام فأفطرنا عليه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم صوما يوما مكانه"
وقد روي عن مطرف وروح بن عبادة كذلك مسندا عن عروة عن عائشة وكذلك رواه القدامي ولا يصح عنه عن مالك إلا ما في الموطأ وهو حديث اختلف فيه على ابن شهاب فرواه مالك كما ترى ورواه جعفر بن برقان وسفيان بن حصين وصالح بن أبي الأخضر وإسماعيل بن إبراهيم بن أبي حبيبة وصالح بن كيسان ويحيى بن سعيد عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت كنت أنا وحفصة صائمتين الحديث مثله سواء بمعناه مسندا
قال أبو عمر: مدار حديث صالح بن كيسان ويحيى بن سعيد على يحيى بن أيوب وهو صالح وإسماعيل بن إبراهيم متروك الحديث وجعفر بن برقان في الزهري ليس بشيء وسفيان بن حسين وصالح بن ابي الأخضر في حديثهما عن

(12/67)


الزهري خطأ كثير وحفاظ أصحاب ابن شهاب يروونه مرسلا منهم مالك ومعمر وعبيد الله بن عمر وابن عيينة
هكذا روى حديث عبيد الله بن عمر عنه يحيى القطان وقد رواه أبو خالد الأحمر عن عبيد الله بن عمر ويحيى بن سعيد وحجاج بن أرطاة عن الزهري عن عروة عن عائشة وحفصة
حدثنا محمد بن رشيق قال حدثنا أحمد بن سليمان البغدادي قال حدثنا الهيثم بن خلف الدوري قال حدثنا هارون بن إسحاق الهمداني قال حدثنا أبو خالد الأحمر عن عبيد الله بن عمر ويحيى بن سعيد وحجاج بن أرطاة كلهم عن الزهري عن عروة "أن عائشة وحفصة أصبحتا صائمتين فأهدي لهما هدية فدخل عليهما رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أفطرتا فأمرهما أن يقضيا يوما مكانه" وكان ابن عيينة يحكي عن الزهري أن هذا الحديث ليس هو عن عروة
وحدثنا محمد بن إبراهيم قال حدثنا محمد بن معاوية قال حدثنا أحمد بن شعيب قال أخبرنا محمد بن منصور قال حدثنا سفيان قال سمعناه من صالح بن أبي الأخضر عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت أصبحت أنا وحفصة

(12/68)


صائمتين فأهدي لنا طعام محروص عليه فذكر الحديث قال سفيان فسألوا الزهري وأنا شاهد أهو عن عروة قال لا
قال أبو عمر: أظن السائل الذي أشار إليه بالذكر ابن عيينة في هذا الحديث هو ابن جريج لأنه قد سأل ابن شهاب عن هذا الحديث وبين العلة فيه
حدثني خلف بن أحمد وعبد بن يحيى قالا حدثنا أحمد بن سعيد قال حدثنا أبو سعيد بن الأعرابي قال حدثنا عباس بن محمد قال حدثنا يحيى بن معين قال حدثنا عبد الرزاق قال أخبرنا ابن جريج قال قلت لابن شهاب أحدثك عروة عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من أفطر في التطوع فليصمه قال لم أسمع من عروة في ذلك شيئا ولكن حدثني في خلافة سليمان إنسان عن بعض من كان يسأل عائشة أنها قالت أصبحت أنا وحفصة صائمتين فقرب إلينا طعام فابتدرناه فأكلنا فدخل النبي صلى الله عليه وسلم فبدرتني حفصة وكانت بنت أبيها فذكرت ذلك له فقال النبي صلى الله عليه وسلم "صوما يوما مكانه"

(12/69)


وهكذا هو في المصنف في رواية الدبري سواء حرفا بحرف
وقال الشافعي أخبرنا مسلم بن خالد عن ابن جريج قال فقلت له يعني ابن شهاب أسمعته من عروة بن الزبير قال لا إنما أخبرنيه بباب عبد الملك بن مروان أو رجل من جلساء عبد الملك بن مروان
قال أبو عمر: وقد روي في هذا الباب أيضا من حديث عائشة بنت طلحة عن عائشة حديث لا يصح فيه قوله صلى الله عليه وسلم "صوما يوما مكانه"
وروي فيه عن ابن عباس ايضا بمثل ذلك حديث منكر وأحسن حديث في هذا الباب إسنادا حديث ابن وهب عن حيوة عن ابن الهادي عن زميل مولى عروة عن عروة عن عائشة وحديث ابن وهب أيضا عن جرير بن حازم عن يحيى بن سعيد عن عمرة عن عائشة إلا أن غير جرير إنما يرويه عن يحيى بن سعيد عن الزهري وقد تقدمت علل حديث الزهري في ذلك وليس في حديث جرير بن حازم عن يحيى بن سعيد عن عمرة عن عائشة ذكر متطوعتين ولكنه

(12/70)


محمول على ذلك لأنه معلوم أنهما لو كان صيامهما واجبا أفطرتا ولو أفطرتا ما احتاجتا إلى نقل القضاء في ذلك والله أعلم
أخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا أحمد بن صالح قال حدثنا عبد الله بن وهب قال أخبرني حيوة بن شريح عن ابن الهادي عن زميل مولى عروة عن عروة بن الزبير عن عائشة قالت أهدي لي ولحفصة طعام وكنا صائمتين فأفطرنا ثم دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلنا يا رسول الله إنا أهديت لنا هدية فاشتهيناها فأفطرنا فقال "لا عليكما صوما يوما مكانه"
وأخبرنا محمد بن إبراهيم قال حدثنا محمد بن معاوية قال حدثنا أحمد بن شعيب قال أخبرنا الربيع بن سليمان قال أخبرنا ابن وهب قال أخبرني حيوة بن شريح عن ابن الهادي قال حدثني زميل مولى عروة عن عروة عن عائشة فذكره سواء حرفا بحرف
وأخبرنا محمد بن إبراهيم قال حدثنا محمد بن معاوية قال حدثنا أحمد بن شعيب قال أخبرنا أحمد بن عيسى عن ابن وهب عن جرير بن حازم عن يحيى بن سعيد عن عمرة عن عائشة قالت أصبحت صائمة أنا وحفصة وأهدي لنا طعام

(12/71)


فأعجبنا فأفطرنا فدخل النبي صلى الله عليه وسلم فبادرتني حفصة فسألته فقال "صوما يوما مكانه"
قال أبو عمر: اختلف الفقهاء في هذا الباب فقال مالك وأصحابه من أصبح صائما متطوعا فأفطر متعمدا فعليه القضاء وكذلك قال أبو حنيفة وأبو ثور وحجتهم ما قد ذكرنا في هذا الباب من الآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم وقال الشافعي وأصحابه وأحمد وإسحاق أستحب له أن لا يفطر فإن أفطر فلا قضاء عليه
وقال الثوري أحب إلي أن يقضي
واختلف أصحاب أبي حنيفة فمنهم من قال بقول الشافعي ومنهم من قال بقول صاحبهم والفقهاء كلهم من أهل الرأي والأثر يقولون إن المتطوع إذا أفطر ناسيا أو غلبه شيء فلا قضاء عليه
وقال ابن علية المتطوع عليه القضاء إذا أفطر ناسيا أو عامدا قياسا على الحج قال الأثرم سألت أبا عبد الله أحمد بن حنبل عن رجل أصبح صائما متطوعا فبدا له فأفطر أيقضيه؟

(12/72)


فقال إن قضاه فحسن وأرجو أن لا يجب عليه شيء قيل له فالرجل يدخل في الصلاة متطوعا أله أن يقطعها فقال الصلاة أشد فلا يقطعها قيل له فإن قطعها أيقضيها فقال إن قضاها خرج من الاختلاف
قال أبو عمر: من حجة من قال إن المتطوع إذا أفطر لا شيء عليه من قضاء ولا غيره ما حدثناه عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن قال حدثنا محمد بن بكر بن داسة قال حدثنا أبو داود قال حدثنا عثمان بن أبي شيبة قال حدثنا جرير بن عبد الحميد عن يزيد بن أبي زياد عن عبد الله بن الحرث عن أم هانئ قالت لما كان يوم الفتح فتح مكة جاءت فاطمة فجلست عن يسار رسول الله صلى الله عليه وسلم وأم هانئ عن يمينه قال فجاءت الوليدة بإناء فيه شراب فناولته فشرب منه ثم ناوله أم هانئ فشربت منه قالت يا رسول الله لقد أفطرت وكنت صائمة قال لها "أكنت تقضين شيئا"؟ قالت لا قال "فلا يضرك إن كان تطوعا"

(12/73)


حدثنا محمد بن إبراهيم قال حدثنا محمد بن معاوية قال حدثنا أحمد بن شعيب قال أخبرنا الربيع بن سليمان قال حدثني يحيى بن حسان قال حدثنا حماد عن سماك بن حرب عن هارون بن أم هانئ عن أم هانئ قالت دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا صائمة فأتي بإناء من لبن فشرب ثم ناولني فشربت فقلت يا رسول الله إني كنت صائمة ولكني كرهت أن أرد سؤرك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن كان من قضاء رمضان فاقضي يوما مكانه وإن كان من غير قضاء رمضان فإن شئت فاقضي وإن شئت فلا تقضي"
اختلف في هذا الحديث على سماك وغيره وهذا الإسناد أصح إسناد لهذا الحديث وما خالفه فلا يعرج عليه ورواه شعبة كذلك عن سماك قال شعبة وكان سماك يقول حدثني ابنا أم هانئ فرويته عن أفضلهما. واحتج الشافعي أيضا لجواز الفطر في التطوع بأن قال حدثنا سفيان بن عيينة عن طلحة بن يحيى عن عمته عائشة بنت طلحة عن عائشة قالت دخل علي رسول الله صلى

(12/74)


الله عليه وسلم فقلت إنا خبأنا لك حيسا فقال أما إني كنت أريد الصوم ولكن قريبه
قال وأخبرنا سفيان عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر قال خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة حتى إذا كان بكراع الغميم وهو صائم رفع إناء فوضعه على يده وهو على الرحل فشرب والناس ينظرون قال وهذا لما كان له أن يدخل في الصوم في السفر وأن لا يدخل وكان مخيرا في ذلك كان له إذا دخل فيه أن يخرج منه فالتطوع بهذا أولى
قال وأخبرنا مسلم بن خالد وعبد المجيد عن ابن جريج عن عطاء أن ابن عباس كان لا يرى بالإفطار في صيام التطوع بأسا قال وأخبرنا مسلم وعبد المجيد عن ابن جريج عن عطاء أن ابن عباس كان لا يرى بأسا أن يفطر الإنسان في صيام التطوع ويضرب لذلك أمثالا رجل طاف سبعا ولم يوفه فله ما احتسب أو صلى ركعة

(12/75)


ثم لم يصل أخرى فله ما احتسب قال وأخبرنا مسلم وعبد المجيد عن ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر أنه كان لا يرى بالإفطار في صيام التطوع بأسا
قال وأخبرنا عبد المجيد عن ابن جريج عن عطاء عن أبي الدرداء مثله
وذكر هذه الآثار كلها عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء وعن عمرو بن دينار وعن أبي الزبير سواء
وذكر عن معمر عن الزهري عن عبيد الله أن ابن عباس قال الصوم كالصدقة أردت أن تصوم فبدا لك أو أردت أن تصدق فبدا لك
قال عبد الرزاق وأخبرنا إسرائيل عن سماك بن حرب عن عكرمة عن ابن عباس قال من أصبح صائما متطوعا إن شاء صام وإن شاء أفطر ولا قضاء وهو قول سليمان

(12/76)


وأبي الدرداء ومجاهد وطاووس وعطاء واختلف فيها عن سعيد بن جبير وهو أحد قوليه
ذكر ابن أبي كبشة عن شريك أنه أخبره عن سالم يعني الأفطس أنه صنع طعاما فأرسل إلى سعيد بن جبير فقال إني صائم فحدثه بحديث سلمان أنه فطر أبا الدرداء فأفطر
واحتج الشافعي على من أدخل عليه الحجة بالإجماع في حج التطوع والعمرة أنه ليس لأحد الخروج منهما بعد الدخول فيهما وإن من خرج منهما قضاهما وأن الصيام قياس عليه بأن قال الفرق بين ذلك أن من أفسد صلاته أو صيامه أو طوافه كان عاصيا لو تمادى في ذلك فاسدا وهو بالحج مأمور بالتمادي فيه فاسدا ولا يجوز له الخروج منه حتى يتمه على فساده ثم يقضيه وليس كذلك الصوم والصلاة
حدثنا عبد الله بن محمد قال اخبرنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا عثمان بن أبي شيبة قال حدثنا وكيع عن طلحة بن يحيى عن عائشة بنت طلحة عن عائشة قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل علي قال "هل عندكم من طعام فإذا قلنا لا قال إني صائم"

(12/77)


فدخل علينا يوما فقلنا يا رسول الله أهدي لنا حيس فحبسناه لك فقال "أدنيه فأصبح صائما وأفطر"
وأخبرنا محمد بن إبراهيم قال حدثنا محمد بن معاوية قال حدثنا أحمد بن شعيب قال أخبرنا عمرو بن علي قال حدثنا يحيى قال حدثنا طلحة بن يحيى قال حدثتني عائشة بنت طلحة عن عائشة أم المؤمنين أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأتيها وهو صائم فيقول أصبح عندك شيء نطعمه فتقول لا فيقول إني صائم ثم جاءها بعد ذلك فقالت أهديت لنا هدية فقال ما هي قالت حيس قال قد أصبحت صائما فأكل
ورواه الثوري عن طلحة بن يحيى عن عائشة بنت طلحة عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله
وقد روي عن الثوري أيضا عن طلحة بن يحيى عن مجاهد عن عائشة وكذلك رواه أبو الأحوص وشريك والحديث لطلحة بن يحيى عن عائشة بنت طلحة ومجاهد جميعا عن عائشة قد جمعهما في هذا الإسناد عن طلحة بن يحيى القاسم بن معن والثوري

(12/78)


وقال النسائي من قال في هذا الحديث عن ابن عيينة أو غيره عن طلحة بن يحيى كنت أردت الصوم ولكن أصوم يوما مكانه فقد أخطأ قال وقد رواه جماعة عن طلحة بن يحيى فلم يذكر أحد منهم ولكن أصوم يوما مكانه
قال أبو عمر: طلحة بن يحيى انفرد بهذا الحديث وما انفرد به فليس بحجة عند جميعهم لضعفه
ومن حجة مالك ومن قال بقوله في إيجاب القضاء على المتطوع إذا أفسد صومه عامدا مع حديث ابن شهاب في قصة عائشة وحفصة المذكور في هذا الباب قول الله عز وجل {وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} [محمد: 33] وقوله تبارك وتعالى {وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ} [الحج: 30] وليس من أفطر عامدا بعد دخوله في الصوم بمعظم لحرمة الصوم وقد أبطل عمله الذي أمر الله بتمامه ونهاه عن إبطاله والنهي عن الشيء يقتضي الأمر بضده وقد قال الله عز وجل {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} [البقرة:187] وهذا يقتضي عمومه الفرض والنفل كما قال عز وجل {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} [البقرة:196]

(12/79)


وقد أجمعوا على أن المفسد لحجة التطوع أو عمرته أن عليه القضاء فالقياس على هذا الإجماع إيجاب القضاء على مفسد صومه عامدا قياس صحيح وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال "إذا دعي أحدكم إلى طعام فليجب فإن كان مفطرا فليأكل"
وروى "فإن شاء أكل وإن كان صائما فليدع" وروى "فليصل يريد فليدع" وروي في هذا الحديث أيضا "وإن كان صائما فلا يأكل" فلو كان الفطر في التطوع حسنا لكان أفضل ذلك وأحسنه في إجابة الدعوة التي هي سنة مسنونة فلما لم يكن ذلك كذلك علم أن الفطر في التطوع لا يجوز
وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال "لا تصوم امرأة وزوجها شاهد يوما من غير شهر رمضان إلا بإذنه" وفي هذا ما يدل على أن المتطوع لا يفطر ولا يفطر غيره لأنه لو كان للرجل أن يفسد عليها ما احتاجت إلى إذنه ولو كان مباحا كان ذلك لا معنى له والله أعلم
وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قدم إليه سمن وتمر وهو صائم فقال "ردوا تمركم في وعائه وردوا سمنكم في سقائه فإني صائم" ولم يفطر بل أتم صومه إلى

(12/80)


الليل على ظاهر قول الله عز وجل {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} [البقرة:187] ولم يخص فرضا من نافلة
وقد روي عن ابن عمر في المفطر متعمدا في صوم التطوع أنه قال ذلك اللاعب بدينه أو قال بصومه
حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا محمد بن الجهم حدثنا روح بن عبادة حدثنا شعبة عن الحكم عن سعيد بن جبير انه دعي إلى طعام وهو صائم فقال لأن تختلف الأسنة في جوفي أحب إلي من أن أفطر
قال وحدثنا روح بن عبادة قال حدثنا قزعة بن سويد قال حدثني معروف بن أبي معروف أن عطاء صنع لهم طعاما بذي طوى فقربه إليهم وعطاء صائم ومجاهد صائم وسعيد بن جبير صائم فأفطر عطاء ومجاهد وقال سعيد لأن تختلف الشفار في جوفي أحب إلي من أن أفطر وقد روي عن سعيد بن جبير خلاف ذلك على ما تقدم
قال أبو عمر: الاحتياط في أعمال البر أولى ما قيل به في ذلك وبالله التوفيق
وذكر عبد الرزاق عن الثوري عن حماد عن إبراهيم عقال إن أفطر المتطوع من غير عذر فعليه القضاء وهو مذهب ابن عمر وبه قال الحسن البصري ومكحول وهو قول ملك وأصحابه وإليه ذهب أبو ثور

(12/81)


الحديث التاسع و الخمسون
...
حديث تاسع من مراسيل ابن شهاب
مالك عن ابن شهاب "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر كانوا يمشون أمام الجنازة"
هكذا هذا الحديث في الموطأ مرسل عند الرواة عن مالك للموطأ وقد وصله عن مالك قوم منهم يحيى بن صالح الوحاظي وعبدا لله بن عوف الخراز وحاتم بن سالم القزاز
حدثنا خلف بن قاسم حدثنا محمد بن عبد الله بن أحمد القاضي حدثنا عبد الله بن أبي داود حدثنا يعقوب بن سفيان حدثنا يحيى بن صالح الوحاظي حدثنا مالك بن أنس عن ابن شهاب عن سالم عن أبيه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي أمام الجنازة
حدثنا خلف بن القاسم حدثنا أحمد بن محمد بن عثمان بن أبي التمام حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن يونس البغدادي

(12/83)


حدثنا يعقوب بن سفيان الفارسي حدثنا يحيى بن صالح الوحاظي حدثنا مالك عن الزهري عن سالم عن أبيه "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يمشي أمام الجنازة"
حدثنا أحمد بن عبد الله بن محمد بن علي قال حدثني أبي قال حدثنا محمد بن قاسم "ح"
وحدثنا خلف بن القاسم قال أخبرنا الحسن بن رشيق قالا أخبرنا إسحاق بن إبراهيم قال حدثنا يعقوب بن سفيان قال حدثنا يحيى بن صالح قال أخبرنا مالك بن أنس عن الزهري عن سالم عن أبيه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي أمام الجنازة
وأخبرنا بعض أصحابنا قال حدثنا عبيد الله بن محمد السقطي وقد أجازه لنا قال أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسين بن أحمد بن المؤمل قال حدثنا أبو العباس أحمد بن محمد بن خالد قال أخبرنا عبد الله بن عون الخراز قال حدثنا مالك بن أنس عن الزهري عن سالم بن عبد الله عن أبيه قال "رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر يمشون أمام الجنازة"

(12/84)


وحدثنا خلف بن قاسم بن سهل حدثنا أبو الحسين عثمان بن الحسين بن عبد الله بن أحمد البغدادي قال حدثنا أحمد بن محمد بن خالد المروزي حدثنا عبد الله بن عون الخراز عن مالك عن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله عن أبيه قال "رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر يمشون أمام الجنازة"
قال أبو عمر: الصحيح فيه عن مالك الإرسال ولكنه قد وصله جماعة ثقات من أصحاب ابن شهاب منهم ابن عيينة ومعمر ويحيى بن سعيد وموسى بن عقبة وابن أخي ابن شهاب وزياد بن سعد وعباس بن الحسن الجزري على اختلاف عن بعضهم
حدثني أبو عثمان سعيد بن نصر وأبو القاسم عبد الوارث قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن إسماعيل قال حدثنا الحميدي قال حدثنا سفيان عن الزهري عن سالم عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر كانوا يمشون أمام الجنازة
وحدثنا محمد بن إبراهيم قال حدثنا أحمد بن مطرف قال حدثنا سعيد بن عثمان قال حدثنا إسحاق بن إسماعيل

(12/85)


العثماني الأيلي قال حدثنا سفيان بن عيينة عن الزهري عن سالم عن أبيه قال "رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر يمشون أمام الجنازة"
وأخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن قال حدثنا عبد الحميد بن أحمد الوراق قال حدثنا الخضر بن داود قال حدثنا أبو بكر بن الأثرم قال حدثنا عفان والقعنبي وسعيد بن منصور قالوا حدثنا سفيان عن الزهري عن سالم عن أبيه قال رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر يمشون أمام الجنازة
حدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا القعنبي قال حدثنا سفيان عن الزهري عن سالم عن أبيه قال "رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر يمشون أمام الجنازة"
وحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا بكر بن حماد قال حدثنا مسدد قال حدثنا سفيان عن الزهري عن سالم عن أبيه قال "رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر يمشون أمام الجنازة"

(12/86)


وأخبرنا محمد بن عبد الملك قال حدثنا ابن الأعرابي قال حدثنا سعيد بن نصر والحسن بن محمد الزعفراني قالا حدثنا سفيان بن عيينة عن الزهري عن سالم عن أبيه قال "رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر يمشون أمام الجنازة"
وحدثنا قاسم حدثنا القاسم بن شعبان حدثنا محمد بن الحسن الجهضمي الخياط قال حدثنا سفيان بن عيينة قال الزهري حدثنيه وسمعته من فيه يعيده ويبديه سمعته ما لا أحصيه يقول حدثني سالم عن أبيه قال "رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر يمشون أمام الجنازة"
فهذه رواية ابن عيينة وأما غير ابن عيينة أيضا فحدثنا خلف بن سعيد قال حدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا أحمد بن خالد قال حدثنا علي بن عبدالعزيز قال حدثنا محمد بن عمار الموصلي قال حدثنا يحيى بن اليماني عن معمر عن الزهري عن سالم عن ابن عمر "أن النبي صلى الله عليه وسلم مشى أمام الجنازة وأبو بكر وعمر"
حدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا إسماعيل بن إسحاق قال حدثنا إسماعيل بن أبي أويس

(12/87)


قال حدثني أخي عن سليمان بن بلال عن يحيى بن سعيد عن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله بن عمر أن عبد الله بن عمر كان يمشي أمام الجنازة وقال "قد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي بين يديها وأبو بكر وعمر وعثمان"
وحدثنا سعيد قال حدثنا قاسم قال حدثنا إسماعيل قال حدثنا ابن أبي أويس قال حدثني أخي عن سليمان بن أبي بلال عن محمد بن أبي عتيق وموسى بن عقبة عن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله أن عبد الله بن عمر كان يمشي بين يدي الجنازة قال "وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي بين يديها وأبو بكر وعمر وعثمان"
وحدثنا خلف بن قاسم حدثنا عبد الله بن جعفر بن الورد حدثنا عبيد الله بن محمد العمري حدثنا إسماعيل بن أبي أويس حدثني أخي عن سليمان بن بلال عن محمد بن أبي عتيق وموسى بن عقبة عن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله أن عبد الله بن عمر كان يمشي أمام الجنازة وقال "قد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي بين يديها وأبو بكر وعمر وعثمان"
قال أبو عمر: حديث يحيى بن سعيد وموسى بن عقبة ومحمد بن أبي عتيق عن ابن شهاب في هذا الحديث ظاهره مرسل عن سالم أو عن ابن شهاب إلا أنه يقول عن سالم أن عبد الله بن عمر كان يمشي أمام الجنازة قال "وقد

(12/88)


كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر وعثمان يمشون أمامها" فالأغلب الظاهر عندي أن سالما يقول ذلك وابن شهاب كما قال مالك في حديثه عن ابن شهاب وقد يحتمل أن يكون قوله قال يعني ابن عمر فيكون مسندا والله أعلم
ورواية يونس بن يزيد وعقيل لهذا الحديث عن ابن شهاب هكذا عن سالم وكذلك رواية ابن جريج عن زياد بن سعد
حدثناه عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد قال حدثنا إبراهيم بن غالب التمار قال حدثنا محمد بن الربيع بن سليمان قال حدثنا يوسف بن سعيد بن مسلم قال حدثنا حجاج بن محمد عن ابن جريج عن زياد بن سعد أنه أخبره أن ابن شهاب قال حدثني سالم أن ابن عمر كان يمشي بين يدي الجنازة وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر وعثمان يمشون أمام الجنازة
وهذا أيضا يحتمل أن يكون ابن شهاب هو الذي يرسله ويحتمل أن يكون سالم يرسله ويحتمل أن يكون مسندا
ورواه جعفر بن محمد بن خالد الأنطاكي عن حجاج عن ابن جريج عن زياد بن سعد عن الزهري عن سالم بن

(12/89)


عبد الله عن أبيه قال رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر وعثمان يمشون أمام الجنازة فأسنده ووصله كرواية ابن عيينة ومن تابعه
ورواه جعفر بن عون عن ابن جريج عن الزهري ولم يذكر زياد بن سعد والقول قول حجاج وهو من أثبت الناس في ابن جريج ولم يسمعه ابن جريج من ابن شهاب إنما رواه عن زياد بن سعد عنه كما قال حجاج
أخبرنا خلف بن القاسم قال حدثنا الحسن بن رشيق "ح"
وأخبرنا أحمد بن عبد الله قال حدثني أبي قال حدثنا محمد بن قاسم قالا حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن يونس قال حدثنا الحسن بن الصباح البزاز قال حدثنا جعفر بن عون عن ابن جريج عن الزهري عن سالم قال رأيت ابن عمر يمشي أمام الجنازة وذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر وعثمان كانوا يمشون أمام الجنازة وهذا أيضا يحتمل ما ذكرنا ورواية ابن أخي ابن شهاب لهذا الحديث كرواية ابن عيينة سواء

(12/90)


حدثنا سعيد بن نصر وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا جعفر بن محمد قال حدثنا سليمان بن داود الهاشمي قال أخبرنا إبراهيم بن سعد قال حدثني ابن أخي ابن شهاب عن ابن شهاب عن سالم عن أبيه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر يمشون أمام الجنازة
وأخبرنا عبد الله بن محمد بن يحيى قال حدثنا عبد الحميد بن أحمد الوراق قال حدثنا الخضر بن داود قال حدثنا أبو بكر الأثرم قال حدثنا سليمان بن داود وإسحاق بن محمد المهدي قالا حدثنا إبراهيم بن سعد عن ابن أخي ابن شهاب عن سالم عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر كانوا يمشون أمام الجنازة
وقد رواه هشام الدستوائي عن الزهري فبان بروايته أن رواية يحيى بن سعيد وموسى بن عقبة ومحمد بن أبي عتيق وزياد بن سعد لهذا الحديث عن ابن شهاب كلها مسندة متصلة عن سالم عن النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان إن شاء الله والله أعلم
أخبرنا أبو القاسم خلف بن القاسم قال حدثنا الحسن بن رشيق "ح"

(12/91)


وأخبرنا أحمد بن عبد الله عن أبيه عن محمد بن قاسم قالا حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن يونس قال حدثنا داود بن رشيد قال حدثنا وهب الله بن راشد قال حدثنا هشام الدستوائي عن الزهري عن سالم عن ابن عمر أنه كان يمشي أمام الجنازة ويقول مشى أمامها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر وعثمان
وقد روى وهب الله بن راشد عن يونس عن الزهري في هذا حديثا أخطأ في إسناده ومتنه
أخبرنا عبد الله بن محمد بن يوسف قال أخبرنا يحيى بن مالك قال حدثنا محمد بن سليمان بن أبي الشريف قال حدثنا إبراهيم بن إسماعيل الغافقي قال حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم قال حدثنا وهب الله بن راشد أبو زرعة عن يونس بن يزيد عن الزهري عن أنس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر كانوا يمشون أمام الجنازة وخلفها وكذلك رواه محمد بن بكر البرساني عن يونس عن الزهري عن أنس وهذا خطأ لا شك فيه لا أدري ممن جاء وإنما رواية يونس لهذا الحديث عن الزهري عن سالم مرسلا

(12/92)


وبعضهم يرويه عنه عن الزهري عن سالم عن أبيه مسندا والذين يروونه عنه مرسلا أكثر وأحفظ
وأما قوله وخلفها فلا يصح في هذا الحديث وهي لفظة منكرة فيه لا يقولها أحد من رواته
أخبرنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن وضاح قال حدثنا ابن أبي السري قال حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن سالم عن أبيه أنه كان يمشي أمام الجنازة وأن النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر كانوا يمشون أمامها قال ابن أبي السري وهذا قول الزهري وأن النبي صلى الله عليه وسلم إلى آخره قال وكذلك يقول ابن جريج وعقيل ومالك وهو قولهم إلا يونس وابن عيينة فإنهما يقولان فيه رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم
قال أبو عمر: قد ذكرنا من الروايات عن أصحاب ابن شهاب في هذا الباب ما فيه كفاية وقد روى الدراوردي عن ابن أخي ابن شهاب هذا الحديث على خلاف ما رواه سليمان بن داود الذي قدمنا ذكر حديثه والدراوردي أثبت من سليمان

(12/93)


هذا ورواية الدراوردي توافق رواية مالك ومن تابعه وتصحح ما قال ابن أبي السرير والله أعلم انه مرسل عن ابن شهاب من قوله كما قال مالك ومن تابعه
حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أبو إسماعيل الترمذي قال حدثنا إبراهيم بن حمزة قال حدثنا عبدالعزيز الدراوردي عن محمد عمه عن سالم وابن عمر أنهما كانا يمشيان أمام الجنازة قال "قد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي بين يديها وأبو بكر وعمر وعثمان" وكذلك السنة في اتباع الجنازة
حدثنا سعيد بن عثمان حدثنا أحمد بن دحيم حدثنا أبو عروبة الحسين بن محمد الحراني حدثنا محمد بن الحرث البزاز حدثنا محمد بن سلمة عن عباس بن الحسن عن الزهري عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه قال "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر يمشون أمام الجنازة" واختلف الفقهاء في المشي أمام الجنازة وخلفها وفي أي ذلك أفضل فقال مالك والليث والشافعي السنة المشي أمام الجنازة وهو الأفضل

(12/94)


وقال الثوري لا بأس بالمشي خلفها وأمامها والفضل في ذلك سواء
وقال أبو حنيفة وأصحابه المشي خلفها أفضل ولا بأس عندهم بالمشي أمامها وكذلك قال الأوزاعي الفضل عندنا المشي خلفها
قال أبو عمر: روي عن ابن عمر وأبي هريرة والحسن بن علي وابن الزبير وأبي أسيد الساعدي وأبي قتادة وعبيد بن عمير وشريح أنهم كانوا يمشون أمام الجنازة ويأمرون بذلك وهو قول الفقهاء السبعة المدنيين وأكثر الحجازيين
وقال الزهري المشي خلف الجنازة من خطأ السنة
وقال أحمد بن حنبل المشي أمامها أفضل واحتج بتقديم عمر بن الخطاب الناس في جنازة زينب بنت جحش وضعف أحمد حديث علي بن أبي طالب أنه قال فضل المشي خلفها على المشي أمامها كفضل صلاة الجماعة على صلاة الفذ
قال أبو عمر: الحديث ذكره عبد الرزاق عن الثوري عن عروة بن الحرث عن زائدة بن أوس الكندي عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه قال كنت مع علي بن أبي طالب في جنازة وعلي آخذ بيدي ونحن خلفها وأبو

(12/95)


بكر وعمر يمشيان أمامها فقال إن فضل الماشي خلفها على الذي يمشي أمامها كفضل صلاة الجماعة على صلاة الفذ وإنهما ليعلمان من ذلك ما أعلم ولكنهما سهلان يسهلان على الناس وبه يأخذ الثوري
وذكر عبد الرزاق أيضا بإسناد فيه لين من حديث الشاميين عن أبي سعيد الخدري عن علي بن أبي طالب معنى حديث ابن أبزى عن علي في حديث فيه طول وفيه
وقال لي علي يا أبا سعيد إذا أنت شهدت جنازة فقدمها بين يديك واجعلها نصب عينيك فإنما هي موعظة وتذكرة وعبرة وذلك تمام الحديث
أخبرنا محمد بن عبد الملك قال حدثنا ابن الأعرابي قال حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح الزعفراني وسعدان بن نصر قالا حدثنا سفيان بن عيينة عن ابن المنكدر عن ربيعة بن عبد الله بن هرير أنه رأى عمر بن الخطاب يقدم الناس أمام جنازة زينب بنت جحش

(12/96)


وقال الطبري إن كان المشيع لها راكبا مشى خلفها وإن كان ماشيا فحيث شاء
وروى المغيرة بن شعبة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "الراكب يسير خلف الجنازة والماشي خلفها وأمامها وعن يمينها وعن يسارها وحيث شاء إذا كان قريبا منها والطفل يصلي عليه"
أخبرنا عبد الله بن محمد حدثنا محمد بن بكر حدثنا أبو داود حدثنا وهب بن بقية حدثنا خالد عن يونس عن زياد بن جبير عن أبيه عن المغيرة بن شعبة قال وأحسب أن أهل زياد أخبروني أنه رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال "الراكب يسير خلف الجنازة والماشي يمشي خلفها وأمامها وعن يمينها وعن يسارها قريبا منها والسقط يصلى عليه ويدعى لوالديه بالمغفرة والرحمة"
وحدثنا سعيد وعبد الوارث قالا حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا ابن وضاح قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا وكيع عن سعيد بن عبد الله عن زياد بن جبير عن أبيه

(12/97)


عن المغيرة بن شعبة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الراكب خلف الجنازة والماشي يمشي منها حيث شاء
قال أبو عمر: لم يخرج أبو داود في هذا الباب إلا حديث ابن عيينة وحده عن ابن شهاب عن سالم عن أبيه على ما ذكرناه في هذا الكتاب وخرج حديث المغيرة للمخالف لا غير
وقد أخبرنا عبد الله بن محمد بن يحيى قال حدثنا أحمد بن جعفر بن حمدان قال حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال حدثني أبي قال قرئ على سفيان قال سمعت يحيى الجابر عن أبي ماجد الحنفي قال سمعت عبد الله يعني ابن مسعود يقول سألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن السير بالجنازة فقال "الجنازة متبوعة وليست بتابعة" وكان سفيان يقول فيه أحيانا وليس منا من تقدمها
قال أبو عمر: إسناد هذا الحديث ليس بالقوي لأن أبا ماجد ويحيى الجابر ضعيفان وحدثناه عبد الله حدثنا ابن حمدان حدثنا عبد الله بن أحمد حدثنا أبي حدثنا أبو كامل حدثنا زهير حدثنا يحيى بن الحارث أبو الحارث التيمي أن

(12/98)


أبا ماجد رجلا من بني حنيفة قال قال ابن مسعود سألنا نبينا عليه الصلاة والسلام عن السير بالجنازة فقال "السير ما دون الخبب فإن يكن خيرا تعجل إليه وإن يكن غير ذلك فبعدا لأهل النار الجنازة متبوعة ولا تتبع ليس منا من تقدمها"
وحدثنا سعيد بن نصر وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن إسماعيل قال حدثنا الحميدي قال حدثنا سفيان قال حدثني يحيى الجابر أنه سمع أبا ماجد الحنفي يحدث عن عبد الله بن مسعود قال سألنا نبينا صلى الله عليه وسلم عن السير بالجنازة فقال "ما دون الخبب الجنازة متبوعة وليست بتابعة وليس منا من تقدمها"
قال سفيان وهذه الكلمة ليس منا من تقدمها لا أدري أمرفوعة أو قول عبد الله رواه أبو عوانة عن يحيى الجابر بإسناده مثله وقال فيه ليس معها من تقدمها مرفوعا
وقد روي في هذا الباب حديث هو عندهم منكر من حديث جريج بن معاوية أخي زهير بن معاوية عن كنانة مولى صفية عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال

(12/99)


"امشوا خلف الجنازة" فهذا ما جاء من الآثار المرفوعة في هذا الباب وأما الصحابة والتابعون فروي عن أنس بن مالك ومعاوية بن قرة وسعيد بن جبير أنهم كانوا يمشون خلفها
وقد روي عن نافع عن ابن عمر قلت كيف المشي في الجنازة فقال أما تراني أمشي خلفها وهذا عندي لا يثبت عنه والله أعلم والصحيح ما رواه ابن شهاب عن سالم عنه على ما ذكرناه في هذا الباب وبالله التوفيق
وروى أشهب عن مالك أنه سأله عن قول ابن شهاب المشي خلف الجنازة من خطأ السنة أذلك على الرجال والنساء فقال إنما ذلك للرجال وكره أن يتقدم النساء أمام النعش وأمام الرجال
وقال الأثرم ذكرت لأبي عبد الله الحديث الذي روي عن علي أنه مشى خلف الجنازة وأبو بكر وعمر أمامها وقال إنهما ليعلمان أن المشي خلفها أفضل فتكلم في إسناده وقال ذلك عن زائدة بن خراش قلت له لأنه مجهول فقال نعم لأنه ليس بمعروف
قال أبو عمر: زائدة بن خراش هذا هو كوفي من المشايخ الذين لم يرو عنهم غير أبي إسحاق وليس الحديث الذي

(12/100)


ذكر لزائدة بن خراش وإنما هو لزائدة بن أوس فالله أعلم ممن جاء الوهم في ذلك
وذكر أبو بكر الأثرم بالأسانيد الحسان عن عثمان بن عفان وطلحة والزبير وابن عباس وأبي هريرة وأبي أسيد وأبي قتادة وعبيد بن عمير وشريح والأسود بن يزيد والقاسم وعروة وسعيد بن جبير والسائب بن يزيد وسليمان بن يسار وسعيد بن المسيب وبسر بن سعد وعطاء بن يسار وابن شهاب وربيعة وأبي الزناد كلهم يمشون أمام الجنازة
قال أبو بكر وحدثنا علي بن أحمد قال حدثنا عبد الله بن وهب قال أخبرني يحيى بن أيوب عن يعقوب بن إبراهيم عن محمد بن المنكدر قال ما رأيت أحدا ممن أدركت من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إلا وهم يمشون أمام الجنازة حتى إن بعضهم لينادي بعضا ليرجعوا إليهم
قال وحدثنا سعيد بن منصور قال حدثنا ابن المبارك قال حدثنا موسى الجهني قال سألت عبد الرحمن بن أبي ليلى عن المشي بين يدي الجنازة فقال كنا نمشي بين يدي

(12/101)


الجنازة مع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يرون بذلك بأسا
قال وحدثنا سعيد حدثنا هشيم عن مغيرة قال إبراهيم لأبي وائل وأنا أسمع أكان أصحابك يمشون أمام الجنازة قال نعم
قال وحدثنا سعيد قال وحدثنا أبو الأحوص عن عمران بن مسلم عن سويد بن غفلة قال إن الملائكة لتمشي أمام الجنازة
وذكر عبد الرزاق عن أبي جعفر عن حميد الطويل قال سمعت العيزار يسأل أنس بن مالك عن المشي أمام الجنازة فقال أنس إنما أنت مشيع فامش إن شئت أمامها وإن شئت خلفها وإن شئت عن يمينها وإن شئت عن يسارها

(12/102)


الحديث الستون
...
حديث عاشر من مراسيل ابن شهاب
مالك عن ابن شهاب أنه أخبره "أن رجلا اعترف على نفسه بالزنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وشهد على نفسه أربع مرات فأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجم"
هكذا هو في الموطأ عند جميع رواته فيما علمت وقد روي هذا الحديث عن ابن شهاب مسندا عقيل وغيره حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا المطلب بن شعيب قراءة عليه قال حدثنا عبد الله بن صالح قال حدثني الليث قال حدثني عقيل عن ابن شهاب قال أخبرني أبو سلمة وسعيد بن المسيب عن أبي هريرة أنه قال أتى رجل من المسلمين رسول الله صلى الله عليه وسلم

(12/103)


وهو في المسجد فناداه فقال يا رسول الله إني قد زنيت فأعرض عنه حتى ثنى ذلك أربع مرات فلما شهد على نفسه أربع مرات دعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال "أبك جنون"؟ فقال لا قال "فهل أحصنت"؟ قال نعم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "اذهبوا به فارجموه"
قال ابن شهاب فأخبرني من سمع جابر بن عبد الله يقول فكنت فيمن رجمه فلما أذلقته الحجارة هرب فأدركناه بالحرة فرجمناه
هكذا قال عقيل عن ابن شهاب عن سعيد وأبي سلمة عن أبي هريرة وبعضه عن جابر وقد جوده إن شاء الله
ورواه معمر ويونس عن ابن شهاب عن أبي سلمة عن جابر أخبرنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا الحسن بن علي

(12/104)


وابن أبي السري العسقلاني قالا حدثنا عبد الرزاق قال أخبرنا معمر عن الزهري عن أبي سلمة عن جابر بن عبد الله "أن رجلا من أسلم جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعترف بالزنا فأعرض عنه ثم اعترف فأعرض عنه حتى شهد على نفسه أربع شهادات فقال له النبي صلى الله عليه وسلم "أبك جنون"؟ قال "لا" قال "أحصنت"؟ قال نعم قال فأمر به النبي صلى الله عليه وسلم فرجم في المصلى فلما أذلقته الحجارة فر فأدرك فرجم حتى مات فقال له النبي صلى الله عليه وسلم خيرا ولم يصل عليه"
وأخبرنا عبد الرحمن بن عبد الله قال حدثنا أبو العباس بن تميم قال حدثنا عيسى بن مسكين "ح" وأخبرنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا ابن وضاح قال حدثنا سحنون قال حدثني ابن وهب

(12/105)


عن يونس بن يزيد عن ابن شهاب قال أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن عن جابر بن عبد الله أن رجلا من أسلم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في المسجد فناداه وحدثه أنه زنا فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فتنحى لشقه الذي أعرض قبله فأخبره أنه زنا وشهد على نفسه أربع مرات فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال "هل بك جنون"؟ فقال لا قال فهل "أحصنت"؟ قال نعم فأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرجم بالمصلى فلما أذلقته الحجارة جمز حتى أدرك بالحجارة فقتل بها رجما"
وقد روى هذا الحديث في رجم الأسلمي وهو ماعز جماعة من الصحابة منهم أبو هريرة رواه عنه ابن عمه عبد الرحمن بن الصامت وأبو سلمة ومنهم جابر بن عبد الله روي عنه من طرق شتى وابن عباس روي عنه أيضا من وجوه كثيرة وجابر بن سمرة وسهل بن سعد ونعيم بن هزال وأبو سعيد الخدري وبريدة الأسلمي وأكثرهم يقول إنه اعترف

(12/106)


أربع مرات وفي حديث أبي سعيد الخدري ثلاث مرات وفي حديث جابر بن سمرة أنه اعترف مرتين ثم أمر به فرجم
هكذا رواه شعبة وإسرائيل وأبو عوانة عن سماك عن جابر بن سمرة واختلف الفقهاء في عدد الإقرار بالزنا فقال مالك والليث والشافعي وعثمان البتي إذا أقر مرة واحدة حد وهو قول داود والطبري ومن حجتهم ما روي من الآثار المذكور فيها الرجم بإقرار مرتين وثلاثا وهو دون الأربع وحديث ابن شهاب عن عبيد الله عن أبي هريرة وزيد بن خالد في قصة العسيف قوله صلى الله عليه وسلم "واغد يا أنيس على امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها" فاعترفت فرجمها ولم يقل إن اعترفت أربع مرات فكل اعتراف على ظاهر هذا الحديث يوجب الرجم مرة كان أو أكثر
وقد أجمعوا أن الإقرار في الحقوق يجب بالمرة الواحدة وكذلك الحدود في القياس وليس الشهادات من باب الإقرار

(12/107)


في شيء لإجماعهم على أن الإقرار في الحقوق لا يجب تكراره مرتين قياسا على الشاهدين وكذلك لا يجب الإقرار في الزنا أربع مرات قياسا على الشهود الأربعة
وقال أبو حنيفة وأصحابه لا يجب الرجم بالإقرار حتى يقر بالزنا أربع مرات في مجالس مفترقة وهو أن يغيب عن مجلس القاضي حتى لا يراه ثم يعود فيقر
وقال الحسن بن حي يقر أربع مرات ولم يذكر مجالس مفترقة
وقال أبو يوسف ومحمد يحد في الخمر بإقراره مرة واحدة
وقال زفر لا يحد حتى يقر مرتين في موطنين
وقال أبو حنيفة وزفر ومحمد بن الحسن إذا أقر مرة واحدة في السرقة صح إقراره وقال أبو يوسف لا يصح حتى يقر مرتين
حدثنا عبد الوارث بن سفيان وسعيد بن نصر قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا ابن وضاح قال حدثنا أبو بكر بن

(12/108)


أبي شيبة قال حدثنا عبد الله بن نمير قال حدثنا بشير بن المهاجر قال حدثني عبد الله بن بريدة عن أبيه "أن ماعز بن مالك الأسلمي أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إني قد ظلمت نفسي وزنيت وأنا أريد أن تطهرني فرده فلما كان من الغد أتاه أيضا فقال يا رسول الله إني قد زنيت فرده الثانية فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قومه فقال "أتعلمون بعقله بأسا"؟ "أتنكرون منه شيئا"؟ قالوا لا نعلمه إلا وفي العقل من صالحينا فيما نرى قال فأتاه الثالثة فأرسل إليهم أيضا فسأل عنه فأخبروه أنه لا بأس به ولا بعقله فلما كان الرابعة حفر له حفرة ثم أمر به فرجم"
وحدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن وضاح قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا أبو خالد الأحمر عن مجالد عن الشعبي عن جابر قال "جاء ماعز بن مالك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال إنه قد زنا فقال "أما لهذا أحد فردوه" ثم جاء ثلاث مرات فقال "أما لهذا أحد فردوه" فلما كانت الرابعة قال

(12/109)


"ارجموه" فرماه ورميناه وفر واتبعناه قال عامر فقال لي جابر فههنا قتلناه
حدثنا عبد الرحمن بن يحيى قال حدثنا أحمد بن سيد قال حدثنا عبد الملك بن أبجر قال حدثنا موسى بن هارون قال حدثنا العباس بن الوليد قال حدثنا أبو عوانة عن سماك بن حرب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس "أن النبي صلى الله عليه وسلم رد ماعزا حتى شهد وأقر أربع مرات ثم أمر برجمه"
وحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن عبد السلام حدثنا محمد بن بشار حدثنا محمد بن جعفر حدثنا سعيد عن سماك قال سمعت جابر بن سمرة يقول أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل أشعر قصير له عضلات فأقر أنه قد زنا فرده مرتين ثم أمر برجمه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "كلما نفرنا غازين في سبيل الله تخلف أحدهم له نبيب كنبيب التيس"

(12/110)


يمنح إحداهن الكثبة لا أوتى بأحد منهم إلا جعلته نكالا
قال أبو عمر: في بعض هذه الأحاديث ما يدل على أن إقراره كان في مجالس مفترقة وفي حديث ابن عباس أيضا وجابر بن سمرة وأبي هريرة ما يدل على أنه أقر على نفسه في مجلس واحد مرتين أو أربع مرات أعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم منها في الثلاث وبعضهم يقول شهد على نفسه أربع شهادات
والآثار في ذلك كثيرة طرقها جدا قد ذكرها المصنفون وفيما ذكرنا منها كفاية وإنما غرضنا أن نذكر حديث ابن شهاب متصلا لا غير ولكنا ذكرنا غيره لأنه من حجة المخالف وفيما ذكرنا من الحجة لمذهبنا شفاء إن شاء الله واختلف الفقهاء أيضا في رجوع المقر بالزنا وشرب الخمر وما ليس من حقوق الآدميين فقال مالك والليث والشافعي

(12/111)


والثوري والحسن بن حي وأبو حنيفة وأصحابه يقبل رجوع المقر بالزنا والسرقة وشرب الخمر
وقال ابن أبي ليلى وعثمان البتي لا يقبل رجوعه في شيء من ذلك كله
وقال الأوزاعي في رجل أقر على نفسه بالزنا أربع مرات وهو محصن ثم ندم وأنكر أن يكون أتى ذلك أنه يضرب حد الفرية على نفسه فإن اعترف بسرقة أو شرب خمر أو قتل ثم أنكر عاقبه السلطان دون الحد
قال أبو عمر: إذا أقر الرجل بسرقة من مال رجل فأنكر الرجل المقر له ذلك ولم يدعه وكذب السارق أو أقر بسرقة من مال غائب ثم رجع لم يقطع لأنه لا حق لآدمي ههنا وحكمه حكم المقر بالزنا
واختلف قول مالك في المقر بالزنا أو شرب الخمر يقام عليه الحد فيرجع تحت العذاب فمرة قال إذا أقيم عليه أكثر الحد أتم عليه لأن رجوعه ندم منه ومرة قال يقبل منه رجوعه أبدا ولا يضرب بعد رجوعه ويرفع عنه وهو قول

(12/112)


ابن القاسم وعليه الناس لأنه محال أن يقام حد بغير إقرار ولا بينة وإذا أكذب نفسه قبل تمام الحد فما بقي من الحد لا يتم عليه لأنه حينئذ يضرب بغير إقرار ولا بينة وظهور المسلمين ودماؤهم حمى إلا بيقين ولا وجه لقول من جعل رجوعه ندما لإجماعهم على أن رجوعه قبل أن يقام عليه الحد ليس بندم ولا فرق في القياس والنظر بين أول الحد وآخره وإذا جاز أن يقبل رجوعه بعد سوط واحد جاز أن يقبل بعد سبعين والله أعلم
قال أبو عمر: ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث أبي هريرة وجابر ونعيم بن هزال ونصر بن دهر وغيرهم أن ماعز بن مالك لما رجم ومسته الحجارة هرب فاتبعوه فقال لهم ردوني إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقتلوه رجما وذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم "فهلا تركتموه لعله يتوب فيتوب الله عليه"
ففي هذا أوضح الدلائل على أنه يقبل رجوعه إذا رجع والله أعلم
وقد جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم هروبه رجوعا وقال "فهلا تركتموه"؟

(12/113)


وقال إنه لفي أنهار الجنة ينغمس فيها
حدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن وضاح قال حدثنا ابن أبي شيبة قال حدثنا أبو خالد الأحمر عن محمد بن إسحاق "ح"
وأخبرنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا عبيد الله بن عمر قال حدثنا يزيد بن زريع قال حدثنا محمد بن إسحاق قال حدثني محمد بن إبراهيم التيمي عن أبي الهيثم بن نصر بن دهر الأسلمي عن أبيه قال كنت فيمن رجمه يعني ماعز بن مالك فلما وجد مس الحجارة جزع جزعا شديدا قال فذكرنا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "فهلا تركتموه"؟
وفي حديث سعيد حديث ابن أبي شيبة فلما وجد مس الحجارة قال ردوني إلى النبي صلى الله عليه وسلم

(12/114)


الحديث الواحد و الستون
...
حديث حادي عشر من مراسيل ابن شهاب
مالك عن ابن شهاب "أن عمر بن الخطاب نشد الناس بمنى من كان عنده علم من الدية أن يخبرني فقام الضحاك بن قيس الكلابي فقال كتب إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم أو أورث امرأة أشيم الضبابي من دية زوجها فقال له عمر ادخل الخباء حتى آتيك فلما نزل عمر بن الخطاب أخبره الضحاك فقضى بذلك عمر بن الخطاب
قال ابن شهاب وكان قتل ابن أشيم خطأ

(12/115)


هكذا روى هذا الحديث جماعة أصحاب مالك فيما علمت في الموطأ وغيره ورواه أصحاب ابن شهاب عنه عن سعيد بن المسيب وهو صحيح عن سعيد بن المسيب ورواية سعيد بن المسيب عن عمر قد تكلمنا فيها في غير هذا الموضع وأنها تجري مجرى المتصل وجائز الاحتجاج بها عندهم لأنه قد رآه وقد صحح بعض العلماء سماعه منه وولد سعيد بن المسيب لسنتين مضتا من خلافة عمر
وقال سعيد ما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بقضية ولا أبو بكر ولا عمر إلا وأنا أحفظها وهذا الحديث عند جماعة أهل العلم صحيح معمول به غير مختلف فيه سنة مسنونة عندهم فأغنى ذلك عن الإكثار والبيان والله المستعان
حدثني سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن إسماعيل قال حدثنا الحميدي "ح"
وحدثنا أحمد بن عبد الله قال حدثنا الميمون بن حمزة قال حدثنا أبو جعفر الطحاوي قال حدثنا المزني قال حدثنا الشافعي "ح"

(12/116)


وأخبرنا أحمد بن محمد قال حدثنا وهب بن مسرة قال حدثنا ابن وضاح قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قالوا حدثنا سفيان عن الزهري عن سعيد بن المسيب أن عمر كان يقول الدية للعاقلة ولا ترث المرأة من دية زوجها حتى كتب إليه الضحاك بن سفيان أن النبي صلى الله عليه وسلم ورث امرأة أشيم من دية زوجها
وأخبرنا خلف بن سعيد قال حدثنا أحمد بن خالد قال أخبرنا إسحاق بن إبراهيم قال حدثنا عبد الرزاق قال أخبرنا معمر عن الزهري عن ابن المسيب أن عمر بن الخطاب قال ما أرى الدية إلا للعصبة لأنهم يعقلون عنه فهل سمع أحد منكم من رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك شيئا فقال الضحاك بن سفيان الكلابي وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمله على الأعراب كتب إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم "أن أورث امرأة أشيم الضبابي من دية زوجها" فأخذ بذلك عمر

(12/117)


وذكره عبد الرزاق أيضا عن ابن جريج عن الزهري عن ابن المسيب عن عمر مثله سواء وزاد فيه وكان قتل أشيم خطأ وهذا يحتمل أن يكون قوله وكان قتل أشيم خطأ من قول سعيد بن المسيب أيضا ويحتمل أن يكون من قول ابن شهاب كما قال مالك وهو المعروف من ابن شهاب إدخاله كلامه في الأحاديث كثيرا وهو الذي يشبه أن يكون من قول ابن شهاب كما قال مالك لا من قول سعيد
وقد روي عن ابن المبارك عن مالك عن الزهري عن أنس قال كان قتل أشيم خطأ وهو غريب من حديث مالك جدا
حدثناه عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن إبراهيم بن حيون قال حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال حدثنا عبد الله بن عمر بن أبان مشكدانة قال حدثنا عبد الله بن المبارك عن مالك عن الزهري عن أنس قال كان قتل أشيم خطأ هكذا رواه مشكدانة عن ابن المبارك عن مالك عن الزهري عن أنس

(12/118)


ورواه حبان بن موسى عن ابن المبارك عن مالك عن الزهري قوله كما في الموطأ
وحدثنا عبد الوارث قال حدثنا قاسم قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا إبراهيم بن عبد الله قال حدثنا هشيم عن الزهري عن سعيد بن المسيب قال جاءت امرأة إلى عمر تسأله أن يورثها من دية زوجها فقال ما أعلم لك شيئا فنشد الناس من كان عنده عن النبي صلى الله عليه وسلم علم فليقم فقام الضحاك بن سفيان الكلابي فقال كتب إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أورث امرأة أشيم من دية زوجها قال أبو إسحاق ولم يسمعه هشيم من الزهري
قال أبو عمر: هكذا في حديث ابن شهاب أن الضحاك بن سفيان أخبر بهذا الخبر عمر بن الخطاب وهذا بين في حديث مالك وهشيم وابن جريج وغيرهم في هذا الحديث
وقال فيه ابن عيينة حتى كتب إليه الضحاك وهو عندي وهم وإنما الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إلى الضحاك لا أن الضحاك كتب بذلك إلى عمر ألا ترى إلى حديث مالك وغيره فقال الضحاك حين نشدهم عمر وأخبر

(12/119)


به عمر وقال له أدخل الخباء حتى آتيك فلما نزل عمر أخبره الضحاك وفي حديث غيره من كان عنده علم فليقم فقام الضحاك وهذا كله يدل على أن ابن عيينة وهم في قوله حتى كتب إليه الضحاك وأن الصحيح ما قاله مالك وغيره
وقد روى زفر بن وئيمة عن المغيرة بن شعبة أن الذي أخبر بهذا الحديث عمر زرارة بن جزي رجل من الصحابة
أخبرنا عبد الله بن محمد بن يوسف قال أخبرنا يوسف بن أحمد قال حدثنا محمد بن عمرو بن موسى قال أخبرنا محمد بن أحمد بن الوليد الأنطاكي قال حدثنا محمد بن المبارك الصوري قال حدثنا صدقة بن خالد قال حدثنا محمد بن عبد الله الشعيثي عن زفر بن وئيمة عن المغيرة بن شعبة أن زرارة بن جزي قال لعمر بن الخطاب إن النبي صلى الله عليه وسلم كتب إلى الضحاك بن سفيان أن يورث امرأة أشيم الضبابي من ديته

(12/120)


وهذا الحديث لا تقوم به الحجة وليس مما يعارض به حديث ابن شهاب وأصح ما في هذا الباب حديث ابن شهاب عن سعيد بن المسيب عن عمر بن الخطاب عن الضحاك بن سفيان عن النبي صلى الله عليه وسلم
وفيه من الفقه أن الرجل العالم الخير الجليل قد يخفى عليه من السنن والعلم ما يكون عند غيره ممن هو دونه في العلم وأخبار الآحاد علم خاصة لا ينكر أن يخفى منه الشيء على العالم وهو عند غيره وفيه أن القياس لا يستعمل مع وجود الخبر وصحته وأن الرأي لا مدخل له في العلم مع ثبوت السنة بخلافه ألا ترى عمر قد كان عنده في رأيه أن من يعقل يرث الدية فلما أخبره الضحاك بما أخبره رجع إليه وقضى به وأطرح رأيه
وفيه إثبات العمل بخبر الواحد وفيه ما يبين مذهب عمر في خبر الواحد أنه عنده مقبول معمول به وأن مراجعته لأبي موسى في حديث الاستئذان لم يكن إلا للاستظهار أو لغير ذلك من الوجوه التي قد بيناها في كتاب العلم فأغنى ذلك

(12/121)


عن ذكرها ههنا ولا خلاف بين الفقهاء والفراض في هذا الباب وجاء فيه عن الحسن البصري وحده أن الأخوة للأم والمرأة والزوج لا يرثون من الدية شيئا وروي مثل ذلك عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وروي عنه أيضا أنه قال قد ظلم من لم يورث بني الأم من الدية.

(12/122)


الحديث الثاني و الستون
...
حديث ثاني عشر من مراسيل ابن شهاب
مالك عن ابن شهاب "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث عبد الله بن حذافة أيام منى يطوف يقول إنما هي أيام أكل وشرب وذكر لله"
قال أبو عمر: قوله أيام منى يريد الأيام التي يقيم الناس فيها بمنى في حجهم وهي ثلاثة أيام بعد يوم النحر إلا لمن تعجل في يومين منها وهي أيام التشريق وهي أيام المعدودات التي أمر الله عباده المؤمنين بذكر الله فيها ومعنى ذلك عند أهل العلم ذكر الله مع رمي الجمار هناك وفي سائر الأمصار تكبير أدبار الصلوات والله أعلم وسنبين ذلك كله في موضعه من هذا الكتاب إن شاء الله
ويقال سميت منى لاجتماع الناس بها والعرب تقول لكل مكان يجتمع الناس فيه منى لما يمنى فيه من الدماء

(12/123)


هكذا هو في الموطأ عند جميع رواته عن مالك واختلف فيه أصحاب ابن شهاب عليه فروه معمر عن الزهري عن مسعود بن الحكم الأنصاري عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال أمر النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن حذافة السهمي أن يركب راحلته أيام منى فيصيح في الناس لا يصومن أحد فإنها أيام أكل وشرب قال فلقد رأيته على راحلته ينادي بذلك
ذكره عبد الرزاق عن معمر ورواه صالح بن أبي الأخضر عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة
حدثناه عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن الجهم قال حدثنا روح بن عبادة قال حدثنا صالح قال حدثنا ابن شهاب عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث عبد الله بن حذافة يطوف في منى لا تصوموا هذه الأيام فإنها أيام أكل وشرب وذكر لله
ورواه يونس بن يزيد وابن أبي ذئب وعبد الله بن عمر العمري عن الزهري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث عبد الله بن حذافة مرسلا هكذا كما رواه مالك سواء وهو الصحيح في حديث ابن شهاب هذا والله أعلم

(12/124)


وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم النهي عن صيام أيام منى من حديث علي بن أبي طالب ومن حديث عمرو بن العاص ومن حديث بشر بن سحيم وعقبة بن عامر وأنس بن مالك وأبي هريرة وامرأة من الأنصار وجماعة وإنما ذكرنا ههنا حديث ابن شهاب خاصة فربما أردفناه بما خف علينا ونشطنا إليه من غير رواية ابن شهاب
أخبرنا يعيش بن سعيد وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا مضر بن محمد قال حدثنا يحيى بن معين قال حدثنا هشيم قال أخبرنا عمر بن أبي سلمة عن أبيه عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أيام التشريق أيام طعم وذكر لله" ورواه أبو عوانة عن عمر بن أبي سلمة بإسناده مثله سواء
وحدثنا عبد الوارث قال حدثنا محمد بن الجهم قال حدثنا روح بن عبادة قال حدثنا الربيع بن صبيح ومرزوق أبو عبد الله الشامي قالا حدثنا يزيد الرقاشي عن أنس

(12/125)


ابن مالك قال "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صوم أيام التشريق"
وحدثنا أحمد بن محمد قال حدثنا وهب بن مسرة قال حدثنا محمد بن وضاح قال حدثنا موسى بن معاوية وأبو بكر بن أبي شيبة قالا حدثنا وكيع بن الجراح عن موسى بن علي بن رباح عن أبيه عن عقبة بن عامر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "إن يوم عرفة يوم النحر وأيام التشريق عندنا أهل الإسلام وهي أيام أكل وشرب"
قال أبو عمر: هذا حديث في جمع يوم عرفة مع أيام التشريق في النهي عن صيامها لا يأتي إلا بهذا الإسناد وسيأتي القول في صوم يوم عرفة وما جاء في ذلك عن السلف في باب أبي النضر وهو الحديث الثالث لمالك عن أبي النضر في كتابنا هذا ويأتي لمالك في الحديث الخامس عشر عن أبي النضر القول في معنى أيام منى لأن مالكا روى عن أبي النضر سليمان بن يسار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن صيام أيام منى فذكرنا هنالك الآثار أيضا في ذلك وذكرنا ثم ما بلغنا

(12/126)


عن الفقهاء وأهل اللغة في تعيين أيام منى وعددها واشتقاق معناها وذكرنا معنى أيام التشريق في باب يزيد بن الهادي كل ذلك ممهدا مبسوطا إن شاء الله ونذكر ههنا في باب يزيد بن الهادي أيضا اختلاف العلماء في صوم أيام التشريق وبالله العون والتوفيق
وأما صيام أيام التشريق فلا خلاف بين فقهاء الأمصار فيما علمت أنه لا يجوز لأحد صومها تطوعا
وقد روي عن الزبير وابن عمر والأسود بن يزيد وأبي طلحة ما يدل على أنهم كانوا يصومون أيام التشريق تطوعا وفي أسانيد أخبارهم تلك ضعف وجمهور العلماء من الفقهاء وأهل الحديث على كراهية ذلك
ذكر ابن عبد الحكيم عن مالك فقال لا بأس بسرد الصوم إذا أفطر يوم الفطر ويوم النحر وأيام التشريق لنهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيامها وقال في موضع آخر ولا يتطوع أحد بصيام أيام منى لنهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيام أيام منى
واختلفوا في المتمتع إذا لم يجد الهدي ولم يكن صام الثلاثة الأيام في الحج قبل يوم النحر فقال الشافعي والكوفيون

(12/127)


لا يصوم المتمتع ولا غيره أيام التشريق ولا يصومها أحد بحال متطوع ولا غير متطوع وإن صامها المتمتع لم تجز عنه وقال المزني وقد كان الشافعي قال مرة إن صامها المتمتع أجزأت عنه ثم رجع عن ذلك
قال أبو عمر: قوله بالعراق إن المتمتع لم يصم الثلاثة أيام في الحج ما بين أن يهل بالحج إلى يوم عرفة صام أيام التشريق وهو قول مالك والأوزاعي وإسحاق وروي ذلك عن ابن عمر وعائشة وعروة وعبيد بن عمير والزهري
وقال أحمد بن حنبل أرجو أن لا يكون به بأس أن يصومها المتمتع إذا لم يكن صام قبلها قال وربما جبنت عنه
وقال الشافعي بمصر لا يصوم أحد أيام منى لا متمتع ولا غيره وهو قول أبي حنيفة وأصحابه والثوري وروي ذلك عن علي بن أبي طالب قال علي يصوم بعد أيام التشريق وبه قال الحسن وعطاء وروي عن ابن عباس وطاوس ومجاهد وسعيد بن جبير إذا فات المتمتع الصوم في العشر لم يجزه إلا الهدي
وقال ابن القاسم عن مالك لا ينبغي لأحد أن يصوم أيام الذبح الثلاثة ولا يقضي فيها صياما واجبا من نذر ولا قضاء

(12/128)


رمضان ولا يصومها إلا المتمتع وحده الذي لم يصم ولم يجد الهدي قال وأما آخر أيام التشريق فيصام إن نذره رجل أو نذر صيام ذي الحجة فأما قضاء رمضان أو غيره فلا يفعل إلا أن يكون قد صام قبل ذلك صياما متتابعا فمرض ثم صح وقوي على الصيام في هذا اليوم فيبني على الصيام الذي كان صامه في الظهار أو قتل النفس وأما قضاء رمضان خاصة فإنه لا يصومه فيه
قال أبو عمر: لا أعلم أحدا من أهل العلم غير مالك وأصحابه فرقوا بين اليومين الأولين من أيام التشريق في الصيام خاصة وبين اليوم الثالث منها وجمهور علماء من أهل الرأي والأثر لا يجيزون صوم يوم الثالث من أيام التشريق في قضاء رمضان ولا في نذر ولا في غير ذلك من وجوه الصيام إلا للمتمتع وحده فإنهم اختلفوا في ذلك ولم يختلفوا فيما ذكرت لك لنهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيام أيام منى وعن صيام أيام التشريق وهي أيام منى وأقل ما يقع عليه أيام ثلاثة وليس في حديث ذكر صيام أيام الذبح إنما ذلك النهي عن صيام أيام التشريق
ولا خلاف بين العلماء أن أيام التشريق هي الأيام المعدودات وهي أيام منى وهي ثلاثة أيام بعد يوم النحر كل هذه الأسماء واقعة على هذه الأيام ولم يختلفوا في ذلك

(12/129)


واختلف العلماء في الأيام المعلومات فقال مالك وأصحابه هي يوم النحر ويومان بعده وهي أيام الذبح عنده وهو قول ابن عمر روى نافع عن ابن عمر قال المعلومات يوم النحر ويومان بعده من أيام التشريق والأيام المعدودات الثلاثة ليس منها يوم النحر وهذا كله قول مالك سواء وقول أبي يوسف قال أبو يوسف إلى هذا أذهب لقول الله عز وجل {وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ} [الحج:28] فهي أيام الذبح يوم النحر ويومان بعده على ما قال ابن عمر
وقال أبو حنيفة والشافعي الأيام المعلومات أيام العشر والمعدودات أيام التشريق وهو قول عبد الله بن عباس وبه قال إبراهيم النخعي وغيره وإليه ذهب الطبري
وأما اختلاف العلماء في أيام الذبح فقال مالك وأبو حنيفة والثوري وأحمد بن حنبل وأصحابهم أيام الذبح يوم النحر ويومان بعده وروي ذلك عن علي بن أبي طالب وابن عمر وابن عباس
وقال الأوزاعي والشافعي أيام التشريق كلها الثلاثة أيام أضحى والأضحى عندهما أربعة أيام يوم النحر وثلاثة أيام

(12/130)


التشريق بعده وهو قول الحسن البصري وعطاء بن أبي رباح وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال "كل فجاج مكة منحر وكل أيام التشريق ذبح" وهو حديث في إسناده اضطراب وسنزيد هذه المسألة في أيام الذبح خاصة بيانا في باب يحيى بن سعيد إن شاء الله.

(12/131)


الحديث الثالث و الستون
...
حديث ثالث عشر من مراسيل ابن شهاب
مالك عن ابن شهاب أنه قال "ما نحر رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه وعن أهل بيته إلا بدنة واحدة أو بقرة واحدة" قال مالك لا أدري أيتهما قال ابن شهاب
هكذا رواه جماعة أصحاب مالك عنه في الموطأ وغيره إلا جويرية فإنه رواه عن مالك عن الزهري قال أخبرني من لا أتهم عن عائشة أم المؤمنين أنها قالت ما نحر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أهله إلا بدنة واحدة أو بقرة واحدة لا أدري أيتهما قالت
حدثناه عن عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن عبيد قال حدثنا إسماعيل بن إسحاق قال حدثنا عبد الله بن محمد بن أسماء قال حدثنا جويرية عن مالك فذكره

(12/132)


أما سائر أصحاب ابن شهاب فاختلفوا في إسناده عنه فجعله أكثرهم عنه عن عمرة وجعله بعضهم عنه عن عروة عن عائشة فأما معمر فرواه عن الزهري عن عمرة عن عائشة قالت ما ذبح رسول الله صلى الله عليه وسلم عن آل محمد في حجة الوداع إلا بقرة واحدة هكذا ذكره عبد الرزاق
ورواه ابن أخي الزهري عن عمه قال حدثني من لا أتهم عن عمرة عن عائشة قالت ذبح رسول الله صلى الله عليه وسلم عمن حج من أهله في حجة الوداع بقرة واحدة
وأما يونس فذكر حديثه ابن وهب قال أخبرني يونس عن ابن شهاب عن عمرة بنت عبد الرحمن عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نحر عن آل محمد في حجة الوداع بقرة واحدة ورواه الليث بن سعد عن يونس بن يزيد عن ابن شهاب قال بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نحر عن آل محمد في حجة الوداع بقرة وكانت عمرة تحدث ذلك عن عائشة ورواية الليث عن يونس مع رواية ابن أخي الزهري تدل على أن ابن شهاب لم يسمعه من عمرة

(12/133)


وحدثنا عبد الله بن محمد بن يوسف قال حدثنا أحمد بن محمد بن إسماعيل قال حدثنا أحمد بن محمد بن عبد الواحد الحمصي قال حدثنا سليمان بن سلمة أبو أيوب قال حدثنا بقية عن الزبيدي عن الزهري عن عمرة عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم ضحى عمن حج معه من أهل بيته من بني هاشم ببقرة قال أبو أيوب قلت لبقية كم كانوا قال عدد كثير
هكذا قال يونس ومعمر والزبيدي بقرة لم يشكوا كما شك مالك في بدنة أو بقرة وكلهم جعله عن ابن شهاب عن عمرة عن عائشة
وقد حدثنا محمد بن إبراهيم حدثنا محمد بن معاوية حدثنا أحمد بن شعيب قال أخبرنا يعقوب بن إبراهيم حدثنا عثمان بن عمر حدثنا يونس عن الزهري عن عروة عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم نحر عن أزواجه بقرة في حجة الوداع قال عثمان بن عمر وجدته في كتابي في موضعين في موضع عن عمرة عن عائشة وفي موضع عن عروة عن عائشة

(12/134)


قال أبو عمر: الحديث لعمرة والله أعلم وإن كان الليث قد بين فيه عن يونس أنه لم يسمعه ابن شهاب من عمرة وكذلك رواية ابن أخي ابن شهاب صرحت بذلك أيضا وظاهر حديث يونس يدل على أن الزهري لم يسمعه من عمرة والله أعلم
وقد روي هذا الحديث عن الأوزاعي عن الزهري عن عروة عن عائشة حدثناه أحمد بن عبد الله بن محمد قال حدثني أبي قال حدثنا محمد بن قاسم قال حدثنا الحسن بن علي بن موسى البغدادي بمصر قال حدثنا هشام بن عمار قال حدثنا عبد الملك بن محمد عن الأوزاعي عن الزهري قال حدثني عروة عن عائشة قالت ذبح رسول الله صلى الله عليه وسلم عمن اعتمر من نسائه بقرة
هكذا حدث عبد الملك بن محمد الصنعاني عن الأوزاعي عن الزهري عن عروة عن عائشة وغيره يقول عن الزهري عن عمرة عن عائشة وعند الأوزاعي في هذا حديث آخر حدثناه عبد الرحمن بن عبد الله قال حدثنا محمد بن عبد الله بن صالح الأبهري قال حدثنا محمد بن جعفر الدمشقي بدمشق قال حدثنا يزيد بن محمد قال حدثنا أبو مسهر

(12/135)


قال حدثنا إسماعيل بن عبد الله قال حدثنا الأوزاعي قال حدثني يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذبح بقرة عن نسائه وكن متمتعات لم يسم عدتهن
وحدثنا محمد بن إبراهيم قال حدثنا محمد بن معاوية قال حدثنا أحمد بن شعيب قال أخبرنا عمرو بن عثمان قال حدثنا الوليد عن الأوزاعي عن يحيى عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال ذبح رسول الله صلى الله عليه وسلم عمن اعتمر معه من نسائه في حجة الوداع بقرة بينهن
وحدثنا عبد الله بن محمد بن يحيى قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا عمرو بن عثمان ومحمد بن مهران الرازي قالا حدثنا الوليد عن الأوزاعي وذكره بإسناده وبمعناه سواء
قال أبو عمر: حديث أبي هريرة هذا صحيح ثابت ومثله ما رواه ابن جريج وكلاهما يشهد بصحة رواية ابن شهاب هذه

(12/136)


ويعضدها في قوله بقرة واحدة ويعارض ظاهر حديث يحيى بن سعيد عن عمرة عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذبح عن نسائه يومئذ البقر وظاهر حديث عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحى عن نسائه بالبقر كل ذلك على لفظ الجمع كذلك رواه الثوري وابن عيينة وشعبة وحماد بن سلمة كلهم عن عبد الرحمن عن أبيه عن عائشة
وأما ابن جريج فأرسله قال فيه عن عبد الرحمن بن القاسم أنه سمع أباه يقول "أهدى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نسائه في حجة الوداع بقرة بقرة عن كل امرأة" ونحو ذلك هو عندي حديث مالك وروى مالك عن يحيى بن سعيد عن عمرة بنت عبد الرحمن أنها قالت سمعت عائشة تقول "خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لخمس ليال بقين من ذي القعدة ولا نرى إلا أنه الحج" فذكر الحديث وفيه قالت عائشة فدخل علينا يوم النحر بلحم بقر فقلت ما هذا فقالوا "نحر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أزواجه

(12/137)


قال يحيى فذكرت ذلك للقاسم بن محمد فقال أتتك والله بالحديث على وجهه
وقد ذكر عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن نافع عن ابن عمر قال ذبح رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نسائه البقر يومئذ يعني في حجة الوداع
ففي هذه الأحاديث كلها ذكر البقر على لفظ الجمع وفي حديث ابن شهاب بقرة واحدة عن أزواجه وهو عندي تفسير حديث يحيى بن سعيد لأنه يحتمل أن يكون أراد بذكر البقر الجنس تقول دخل علينا بلحم بقر أي لم يكن لحم إبل ولا غنم كما تقول لحم بقر تنفي أن يكون غير بقري وهو من بقرة واحدة
وإذا حمل الخبران على هذا لم يتدافعا وصح بذلك مذهب مالك في إجازته أن يضحي الرجل عنه وعن أهل بيته بالبقرة الواحدة وفي معناها عنده الشاة الواحدة

(12/138)


واختلف الفقهاء في الاشتراك في الهدي والضحايا فقال مالك يجوز للرجل أن يذبح الشاة أو البقرة أو البدنة عن نفسه وعن أهل البيت وسواء كانوا سبعة أو أكثر من سبعة يشركهم فيها ولا يجوز أن يشتروها بينهم بالشركة فيذبحوها إنما يجزئ إذا تطوع عنهم ولا يجزئ عن الأجنبيين هذا كله قول مالك
وقال الليث بن سعد مثله في البقر وأجاز مالك الاشتراك في الهدي التطوع على هذا الوجه ولا يجوز عنده الاشتراك في الهدي الواجب بحال لا في بدنة ولا في بقرة والحجة له فيما ذهب إليه من ذلك كله حديث ابن شهاب المذكور في هذا الباب وحديث جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أشرك عليا في هديه عام حجة الوداع وقد قال صلى الله عليه وسلم في بعض ضحاياه "هذه عني وعمن لم يضح من أمتي" وهذا كله تطوع ليس باشتراك لازم على ما قال مالك رحمه الله
وقال الشافعي والأوزاعي والثوري وأبو حنيفة وأصحابهم يجوز الاشتراك في الهدي التطوع وفي الواجب وفي الضحايا

(12/139)


البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة وهو قول أحمد بن حنبل وأبي ثور والطبري وداود بن علي ولا يجوز عند واحد منهم اشتراك أكثر من سبعة في بدنة ولا بقرة
وأجمع أنه لا يجوز الاشتراك في الشاة لمن لزمه دم وحجة هؤلاء حديث جابر قال كنا نتمتع مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فنذبح البقرة عن سبعة والبدنة عن سبعة
حدثنا عبد الله بن محمد الجهني قال حدثنا حمزة بن محمد الكناني قال حدثنا أحمد بن شعيب النسوي قال أخبرنا يعقوب بن إبراهيم الدورقي قال حدثنا هشيم قال حدثنا عبد الملك عن عطاء عن جابر قال كنا نتمتع فذكره وسنذكره بعد هذا في باب أبي الزبير من هذا المعنى ما فيه شفاء لأنه أولى بذلك من ذكره ههنا
وفي هذا الحديث أيضا جواز نحر البقر وذبحها لأن في بعض الروايات ذبح وفي بعضها نحر وهو لفظ حديث مالك وكان مالك يجيز نحر البقر ويستحب فيها الذبح لقول الله عز وجل {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً} [البقرة:67]

(12/140)


وقال الثوري وأبو حنيفة والشافعي إن نحرت البقرة كره ذلك وجاز وكذلك عندهم إن ذبح الجزور وقال مالك إن ذبح الجزور من غير ضرورة أو نحرت الشاة من غير ضرورة لم تؤكل وكان الحسن بن حي يستحب نحر البقر وهو قول مجاهد وحجة من ذهب إلى هذا حديث أسماء انتحرنا فرسا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم
تمت أحاديث ابن شهاب والحمد لله

(12/141)


مالك عن أبي الزبير المكي
الحديث الأول
...
مالك عن أبي الزبير المكي
واسم أبي الزبير هذا محمد بن مسلم بن تدرس مولى حكيم بن حزام وقيل مولى محمد بن طلحة والأول أصح وأكثر سكن مكة ومات بها سنة ثمان وعشرين ومائة في خلافة مروان بن محمد وهو ابن أربع وثمانين سنة هذا قول الواقدي وقال علي بن المديني مات أبو الزبير قبل عمرو بن دينار بسنة ومات عمرو بن دينار سنة ست وعشرين ومائة
قال أبو عمر: كان أبو الزبير ثقة حافظا روى عنه مالك والثوري وابن جريج والليث بن سعيد وابن عيينة وجماعة من الأئمة وكان شعبة يتكلم فيه ولا يحدث عنه ونسبه مرة إلى أنه كان يسيء صلاته ومرة إلى أنه وزن فأرجح

(12/143)


وهو عند أهل العلم مقبول الحديث حافظ متقن لا يلتفت فيه إلى قول شعبة
قال معمر ليتني لم أكن رأيت شعبة جعلني أني لا أكتب عن أبي الزبير ولا أحمل عنه وخدعني وقال يحيى بن معين أبو الزبير ثقة
وقال أحمد بن حنبل أبو الزبير ليس به بأس
وروى هشيم عن الحجاج بن أرطاة وابن أبي ليلى عن عطاء قال كنا نكون عند جابر بن عبد الله فيحدثنا فإذا خرجنا من عنده تذاكرنا حديثه فكان أبو الزبير من أحفظنا للحديث
حدثناه خلف بن القاسم حدثنا ابن المفسر حدثنا أحمد بن علي بن سعيد حدثنا أحمد بن منيع حدثنا هشيم قال حدثنا ابن أبي ليلى والحجاج بن أرطاة قالا قال عطاء فذكره
وذكره عبد الرزاق قال أنبأنا عمرو بن قيس قال كان عطاء بن أبي رباح وأصحابه إذا قدم جابر قدموا أبا الزبير أمامهم ليحفظ لهم

(12/144)


أخبرنا خلف بن القاسم قال حدثنا عبد الرحمن بن عمر البجلي قال حدثنا أبو زرعة قال أخبرنا ابن أبي عمر قال سمعت سفيان بن عيينة يقول ما نازع أبو الزبير عمرو بن دينار في حديث قط إلا زاد عليه أبو الزبير
وأخبرنا أحمد بن محمد قال حدثنا أحمد بن الفضل قال حدثنا محمد بن جرير قال حدثنا الحسن بن الصباح قال حدثنا سفيان عن أبي الزبير قال كان عطاء يقدمني إلى جابر فأتحفظ لهم الحديث وكان عطاء ربما سئل عن شيء فيقول للسائل سل أبا الزبير
لمالك عنه في الموطأ من حديث النبي صلى الله عليه وسلم ثمانية أحاديث متصلة مسندة

(12/145)


حديث أول لأبي الزبير
مالك عن أبي الزبير المكي عن جابر بن عبد الله أنه قال "نحرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم
عام الحديبية البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة"
هذا حديث صحيح عند أهل العلم والحديبية موضع من الأرض في أول الحرم منه حل ومنه حرم بينه وبين مكة نحو عشرة أميال أو خمسة عشر ميلا وهو واد قريب من بلدح على طريق جدة ومنزل النبي صلى الله عليه وسلم بها معروف ومشهور بين الحل والحرم نزله صلى الله عليه وسلم واضطرب به بناؤه حين صده المشركون عن البيت وذلك سنة ست من الهجرة ونزل معه أصحابه فعسكرت قريش لصد النبي صلى الله عليه وسلم بذي طوى وأتاه الحليس بن

(12/147)


علقمة أو ابن زبان أحد بني الحرث بن عبد مناة بن كنانة فأخبره أنهم قد عسكروا بذي طوى وحلفوا أن لا يدخلها عليهم عنوة أبدا وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قصد مكة زائرا للبيت ومعظما له ولم يقصد لقتال قريش فلما اجتمعوا لصده عن البيت بعث إليهم عثمان بن عفان يخبرهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يأت لحرب وإنما جاء زائرا للبيت ومعظما لحرمته فخرج عثمان حتى أتى مكة فأخبرهم بذلك فقالوا له إن شئت أنت أن تطوف بالبيت فطف وأما محمد فلا في عامه هذا فقال عثمان ما كنت لأفعل حتى يطوف رسول الله صلى الله عليه وسلم فاحتبسته قريش عندها فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن عثمان قتل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بلغه ذلك "لا نبرح حتى نناجز القوم ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى البيعة فكانت بيعة الرضوان تحت الشجرة فكان الناس يقولون بايعهم على الموت وكان جابر بن عبد

(12/148)


الله يقول لم يبايعنا على الموت وإنما بايعنا على أن لا نفر ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الذي قيل من أمر عثمان وذكر من قتله باطل ثم بعثت قريش سهيل بن عمرو العامري إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فصالحه عنهم على أن يرجع عامه ذلك ولا يدخل عليهم مكة وأنه إذا كان عام قابل خرجت قريش عن مكة فدخلها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فأقاموا بها ثلاثا إلى سائر ما قاضوه وصالحوه عليه مما قد ذكره أهل السير فسمي عام القضية وهو عام الحديبية فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من الصلح قام إلى هديه فنحره وحل من إحرامه وأمر أصحابه أن يحلوا فنحر ونحروا وحلقوا رؤوسهم وقصر بعضهم فدعا للمحلقين ثلاثا وللمقصرين واحدة وحلوا من كل شيء وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أحرم يومئذ بعمرة ليأمن الناس من حربه وليعلموا أنه خرج زائرا للبيت ومعظما له
واختلف في موضع نحره صلى الله عليه وسلم هديه فقال قوم نحر في الحل
وقال آخرون بل نحر في الحرم وقال الله عز وجل {هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفاً

(12/149)


أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّه} وقالوا كان بناء رسول صلى الله عليه وسلم في الحل وكان يصلي في الحرم ذكر محمد بن إسحاق عن الزهري قال كان بناء رسول الله صلى الله عليه وسلم مضروبا في الحل وكان يصلي في الحرم وقال عطاء في الحرم نحر رسول الله صلى الله عليه وسلم هديه يومئذ وكان عطاء يقول إذا بلغ الهدي الحرم فقد بلغ محله
قال أبو عمر: ظاهر قول الله عز وجل {وَالْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّه} [الفتح:25] يرد قول عطاء والله أعلم وقد قال الله عز وجل {ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ} [الحج:33]
واختلف الفقهاء فيمن حصره العدو في غير الحرم فقال مالك المحصر بعدو ينحر هديه حيث حصر في الحرم وغيره وهو قول الشافعي وداود بن علي
وقال أبو حنيفة لا ينحر هديه إلا في الحرم

(12/150)


وقال عطاء لا يحل المحصر إلا أن ينحر هديه في الحرم وقد روي عنه إجازة نحر الهدي للمحصر في الحل والحرم وهو قول ابن مسعود وابن عمر وابن الزبير وهو قول مالك والحجة لذلك أن الهدي تابع للتحلل قياسا على من تم حجه ألا ترى أن من تم حجه نحر بمنى ومن تمت عمرته نحر بمكة فكذلك المحصر ينحر حيث يحل وكل متحلل فهديه منحور حيث يحل والله أعلم
وقال مالك من حصره المرض فلا يحله إلا الطواف بالبيت فإن أحصر بعدو فإنه ينحر هديه حيث حصر ويتحلل وينصرف ولا قضاء عليه إلا أن يكون صرورة وهذا كله قول الشافعي وداود بن علي
وقال أبو حنيفة المحصر بالعدو والمرض سواء يذبح هديه في الحرم ويحل يوم النحر إن شاء وعليه حجة وعمرة وهو قول الطبري
وقال أبو يوسف ومحمد ليس ذلك له ولا يتحلل دون يوم النحر وهو قول الثوري والحسن بن صالح

(12/151)


وقال مالك من أحصر بعدو فحال بينه وبين البيت فإنه يحل من كل شيء وينحر هديه ويحلق رأسه حيث حبس وليس عليه قضاء قال مالك وبلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حل هو وأصحابه بالحديبية فنحروا الهدي وحلقوا رؤوسهم وحلوا من كل شيء قبل أن يطوفوا بالبيت وقبل أن يصل إليه الهدي ثم لم يعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه ولا أحدا ممن كان معه أن يقضوا شيئا ولا يعيدوا الشيء قال مالك وعلى هذا الأمر عندنا فيمن حصر بالعدو كما حصر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فأما من حصر بغير عدو فإنه لا يحل دون البيت وقول الشافعي في هذا الباب كله كقول مالك سواء
واختلفوا إذا حصره العدو بمكة فقال مالك يتحلل بعمل عمرة كما لو حصره العدو في الحل إلا أن يكون مكيا فيخرج إلى الحل ثم يتحلل بعمرة
وقال الشافعي الإحصار بمكة وغيرها سواء
وقال أبو حنيفة إذا أتى مكة محرما بالحج فلا يكون محصرا

(12/152)


وقال مالك من وقف بعرفة فليس بمحصر ويقيم على إحرامه حتى يطوف بالبيت ويهدي ونحو ذلك قال أبو حنيفة وهو أحد قولي الشافعي
وقال الحسن بن حي يكون محصرا وهو أحد قولي الشافعي أيضا
وقال مالك من فاته الحج تحلل بعمل عمرة وعليه الحج من قابل والهدي وهو قول الثوري
وقال أبو حنيفة يتحلل بعمرة ولا هدي عليه وعليه الحج من قابل
وقال الأوزاعي يعمل ما أدرك من عمل الحج ويقضي
واختلف أهل اللغة في لفظ الإحصار والحصر فقال بعضهم أحصره المرض وحصره العدو واحتج من ذهب هذا المذهب بقول ابن عباس لا حصر إلا حصر العدو
وقال بعضهم يقال فيهما جميعا أحصره واحتج من ذهب إلى هذا بقول الله عز وجل {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ} [البقرة:196] وأنها نزلت بالحديبية والحلاق عند مالك وأصحابه نسك واجب على الحاج والمعتمر وعلى المحصر بعدو أو بمرض

(12/153)


قال أبو حنيفة ليس على المحصر تقصير ولا حلاق
وقد روي عن أبي يوسف أن ذلك عليه لا بد له منه يحلق أو يقصر
واختلف أصحاب الشافعي في هذه على قولين أحدهما أن الحلاق نسك
والآخر ليس الحلاق من نسك واختلف العلماء أيضا في وجوب الهدي على المحصر فقال مالك لا هدي على المحصر بعدو وقال أبو حنيفة وأصحابه عليه الهدي وهو قول الشافعي وأشهب
واختلفوا في البدنة والبقرة هل تجزئ عن سبعة محصرين أو متمتعين أم لا فقال مالك لا يجوز الاشتراك في الهدي لا تجزئ البدنة ولا البقرة عمن وجب عليه دم إلا عن واحد قال ولا يجوز الاشتراك في الهدي الواجب ولا في الضحايا
قال أبو عمر: لم يختلف عن مالك وأصحابه أنه لا يجوز الاشتراك في الهدي الواجب إلا رواية شذت عند أصحابه عنه وكذلك لا يجوز عنده الاشتراك في الضحايا إلا على ما نصفه عنه ههنا
واختلف قوله في الاشتراك في هدي التطوع فذكر ابن عبد الحكم عنه أنه لا بأس بذلك وكذلك ذكر ابن المواز

(12/154)


قال مالك تفسير حديث جابر في التطوع ولا يشترك في شيء من الواجب قال وأما في العمرة تطوعا فلا بأس بذلك وقال ابن المواز لا يشترك في واجب ولا في التطوع قال وأرجو أن يكون خفيفا في التطوع وروى ابن القاسم عن مالك وهو قوله لا يشترك في هدي تطوع أو واجب أو نذر أو جزاء أو فدية قال وأما الضحايا فجائز أن يذبح الرجل البدنة أو البقرة عن نفسه وعن أهل بيته وإن كانوا أكثر من سبعة يشركهم فيها ولا يجوز عنده أن يشتروها بينهم بالشركة فيذبحوها إنما يجزئ إذا تطوع عن أهل بيته ولا يجزئ عن الأجنبيين وقال في موطئه أحسن ما سمعت أن الرجل ينحر عنه وعن أهل بيته بدنة أو يذبح بقرة أو شاة وهو يملكها ويشركهم فيها فأما أن يشترك فيها ناس في نسك أو ضحية ويخرج كل واحد منهم حصته من ثمنها فإن ذلك يكره
وقال الليث بن سعد مثله في البقر والإبل
ومن حجة مالك فيما ذهب إليه من ذلك حديث ابن شهاب عن عمرة وعروة عن عائشة أن رسول الله صلى

(12/155)


الله عليه وسلم نحر عن نسائه بقرة واحدة في حجة الوداع بينهن يعني أنه تطوع بذلك عنهن والله أعلم
وروى الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله وأشرك رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا في هديه عام حجة الوداع تطوع عنه بذلك وقد تقدم ذكر حديثه في باب جعفر بن محمد من كتابنا هذا فأغنى عن إعادته ههنا
واحتج له ابن خواز بنداد بإجماعهم على أنه لا يجوز الاشتراك في الكبش الواحد قال وكذلك البدنة والبقرة لأنه دم أريق بواجب وما زاد من احتج بهذا على أن جمع بين ما فرقت السنة
وقال الأبهري الاشتراك في الضحايا والهدايا يوجب القسمة بين الشركاء قال القسمة بيع من البيوع ولا يجوز أن يباع النسك بإجماع فلذلك لا يجوز الاشتراك في الضحايا والهدايا
قال أبو عمر: إجماع العلماء على أن بيع الهدي التطوع لا يجوز مع إجازتهم الاشتراك فيه يبطل ما اعتل به الأبهري

(12/156)


رحمه الله ويدلك ذلك على أن هذا ليس من باب البيوع في شيء وإنما هو من باب الصدقة بالمشاع فكيف وقد ورد في الاشتراك في الهدي ما ورد عن السلف الذي لا يجوز عليهم تحريف التأويل ولا الجهل به ويصح الاحتجاج لمالك في هذا الباب على مذهبه في أن الهدي الذي ساقه رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية كان تطوعا فأشركهم في ثوابه لا في الملك بالثمن كما صنع بعلي في حجة الوداع إذ أشركه في الهدي الذي ساقه تطوعا أيضا عند مالك لأنه كان مفردا صلى الله عليه وسلم وفي المسألة ضروب من النظر
وقال الشافعي وأبو حنيفة والأوزاعي تجزئ البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة كلهم وقد وجب عليه دم من تمتع أو قران أو حصر عدو أو مرض وكل من وجب عليه ما استيسر من الهدي وذلك شاة أجزأه شرك في بقرة أو بدنة إذا كان ذلك الشرك سبعها أو أكثر من سبعها ولا تجزئ البدنة ولا البقرة عن أكثر من سبعة وهذا كله قول الثوري وأحمد بن حنبل وأبي ثور وداود بن علي والطبري وعامة

(12/157)


الفقهاء وروي ذلك عن جماعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم منهم علي وابن مسعود وكان زفر بن الهذيل يقول إن كان الهدي الواجب على السبعة نفر وجب من باب واحد مثل أن يكونوا متمتعين أو قارنين أو نحو ذلك جاز لهم الاشتراك في البدنة أو البقرة إذا كانوا سبعة فأدنى قال فإن اختلف الوجه الذي منه وجب عليهم الدم لم يجزهم ذلك وكان أبو ثور يقول إن شاركهم ذمي أو من لا الهدي وأراد حصته من اللحم أجزأه من أراد منهم الهدي حصته يعني إذا كانت سبع البدنة فما فوقه ويأخذ الباقون حصصهم من اللحم
وقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد إذا كان فيهم ذمي أو من لا يريد أن يهدي فلا يجزيهم من الهدي
ومن حجة هؤلاء في تجويزهم البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة قد وجب على كل واحد منهم دم حديث أبي الزبير عن جابر المذكور في هذا الباب وقد رواه عن جابر غير واحد وهو حديث صحيح
أخبرنا عبد الله بن محمد قال أخبرنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا عفان قال حدثنا حماد بن سلمة عن قيس عن عطاء عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نحر البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة

(12/158)


وأخبرنا عبد الوارث بن سفيان وسعيد بن نصر قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا إسماعيل بن إسحاق قال حدثنا مسدد قال حدثنا عبدا لواحد قال حدثنا مجالد قال حدثني الشعبي عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سن الجزور عن سبعة والبقرة عن سبعة
وأخبرنا محمد بن إبراهيم أخبرنا محمد بن معاوية قال حدثنا أحمد بن شعيب قال أخبرنا يعقوب بن إبراهيم قال حدثنا هشيم قال حدثنا عبد الملك عن عطاء عن جابر قال كنا نتمتع مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فنذبح البقرة عن سبعة نشترك فيها
حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أبو إسماعيل الترمذي قال حدثنا المعلى بن أسد قال حدثنا عبد الواحد بن زياد قال حدثنا مجالد بن سعيد قال حدثني الشعبي قال سألت ابن عمر قلت الجزور والبقرة تجزئ عن سبعة قال فقال يا شعبي ولها سبعة أنفس قال

(12/159)


قلت إن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم يزعمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سن الجزور والبقرة عن سبعة قال فقال ابن عمر لرجل أ كذلك يا فلان قال نعم قال ما سمعت بهذا
وروى الزهري عن عروة عن مروان والمسور بن مخرمة ورافع بن خديج عن النبي صلى الله عليه وسلم البدنة عن عشرة
وروى الزهري عن عروة بن مروان والمسور بن مخرمة أنهم كانوا يوم الحديبية بضع عشر مائة وروى محمد بن إسحاق أنهم كانوا سبعمائة ونحر عنهم سبعين بدنة وروي عن جابر قال كنا يوم الحديبية ألفا وأربعمائة
وقال أبو جعفر الطبري اجتمعت الحجة على أن البقرة والبدنة لا تجزئ عن أكثر من سبعة قال وفي ذلك دليل على أن حديث ابن عباس وما كان مثله خطأ ووهم أو منسوخ
وقال أبو جعفر الطحاوي قد اتفقوا على جوازها عن سبعة واختلفوا فيما زاد فلا تثبت الزيادة إلا بتوقيف لا معارض له واتفاق

(12/160)


قال الأثرم قيل لأحمد ضحى ثمانية ببقرة قال لا يجزئ
حدثنا عبد الرحمن بن مروان قال حدثنا الحسن بن علي بن داود المطرز أبو علي قال حدثنا أبو القاسم جعفر بن محمد الجروي قال حدثنا أبو الأشعث قال حدثنا المعتمر بن سليمان قال سمعت أبي يحدث قال حدثنا قتادة عن أنس بن مالك قال سمعت أبي يحدث قال حدثنا قتادة عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم الحديبية "دعوني" فأنطلق بالهدي فأنحره فقال المقداد بن الأسود لا والله لا نكون كالملأ من بني إسرائيل إذ قالوا لموسى {فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ} [المائدة:24] ولكنا نقول اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكم مقاتلون قال فنحر الهدي بالحديبية قال قتادة كانت معهم يومئذ سبعون بدنة بين كل سبعة بدنة
حدثنا عبد الرحمن بن مروان قال حدثنا الحسن بن يحيى القلزمي قال حدثنا عبد الله بن علي بن الجارود قال حدثنا عبد الله بن هاشم قال حدثنا يحيى بن سعيد عن ابن جريج عن أبي الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول اشتركنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في الحج والعمرة كل سبعة في بدنة

(12/161)


الحديث الثاني
...
حديث ثان لأبي الزبير
مالك عن أبي الزبير المكي عن جابر بن عبد الله "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن أكل لحوم الضحايا بعد ثلاث ثم قال كلوا وتزودوا وادخروا"
وقد تقدم القول في معنى هذا الحديث مستوعبا في باب ربيعة بن أبي عبد الرحمن وهو الحديث الحادي عشر من حديثه في كتابنا هذا فلا وجه لتكرار القول فيه ههنا

(12/163)


الحديث الثالث
...
حديث ثالث لأبي الزبير
مالك عن أبي الزبير عن جابر "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن يأكل الرجل بشماله أو يمشي في نعل واحدة وأن يشتمل الصماء وأن يتحبى في ثوب واحد كاشفا عن فرجه"
قد مضى القول في الأكل بالشمال في باب ابن شهاب عن أبي بكر بن عبيد الله بن عمر وليس في الأكل بالشمال ما يحتاج إلى تفسير لأن كل سامع له يستوون في فهمه وكذلك النهي عن المشي في نعل واحدة يستوي أيضا لفظه ومعناه في الفهم ومن فعل شيئا من ذلك عالما بالنهي مستخفا به فهو لله عاص وأمره إليه إن شاء غفر له وإن شاء عذبه فلا ينبغي للمرء أن يمشي في نعل واحدة

(12/165)


وقد روي عن عائشة رضي الله عنها أنها كانت تنكر على أبي هريرة حديثه بهذا وليس في إنكار من أنكر حجة على من علم
وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنها رأته يمشي في نعل واحدة ولا يصح حديثها ذلك وقد روى هذا الحديث مع جابر أبو هريرة وغيره وهو صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أخبرنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا أبو الوليد الطيالسي قال حدثنا زهير قال حدثنا أبو الزبير عن جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إذا انقطع شسع أحدكم فلا يمش في نعل واحدة حتى يصلح شسعه ولا يمش في خف واحدة ولا يأكل بشماله"
وروى مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "لا يمشين أحدكم في النعل الواحدة"

(12/166)


وأما قوله في هذا الحديث وأن يشتمل الصماء فللعلماء وأهل اللغة في ذلك أقوال وقد جاء في الآثار المرفوعة ما هو أولى ما قيل به فيها إن شاء الله
قال ابن وهب اشتمال الصماء أن يرمي بطرفي الثوب جميعا على شقه الأيسر وقد كان مالك بن أنس أجازها على ثوب ثم كرهها
وفي سماع ابن القاسم سئل مالك عن الصماء كيف هي قال يشتمل الرجل ثم يلقي الثوب على منكبيه ويخرج يده اليسرى من تحت الثوب وليس عليه إزار قيل له أرأيت إن لبس هكذا وليس عليه إزار قال لا بأس بذلك قال ابن القاسم ثم كرهه بعد ذلك وإن كان عليه إزار قال ابن القاسم وتركه أحب إلي للحديث ولست أراه ضيقا إذا كان عليه إزار
قال مالك والاضطباع أن يرتدي الرجل فيخرج ثوبه من تحت يده اليمنى قال ابن القاسم وأراه من ناحية الصماء
وقال أبو عبيد قال الأصمعي اشتمال الصماء عند العرب أن يشتمل الرجل بثوبه فيجلل به جسده كله ولا يرفع منه جانبا فيخرج منه يده وربما اضطجع فيه على تلك الحال قال

(12/167)


أبو عبيد كأنه يذهب إلى أنه لا يدري لعله يصيبه شيء يريد الاحتراس منه وأن يقيه بيده فلا يقدر على ذلك لإدخاله إياها في ثيابه فهذا كلام العرب قال وأما تفسير الفقهاء فإنهم يقولون هو أن يشتمل الرجل بثوب واحد ليس عليه غيره ثم يرفعه من أحد جانبيه فيضعه على منكبه فيبدو منه فرجه
قال أبو عبيد والفقهاء أعلم بالتأويل في هذا وذلك أصح معنى في الكلام
وقال الأخفش الاشتمال أن يلتف الرجل بردائه أو بكسائه من رأسه إلى قدميه يرد طرف الثوب الأيمن على منكبه الأيسر هذا هو الاشتمال فإن لم يرد طرفه الأيمن على منكبه الأيسر وتركه مرسلا إلى الأرض فذلك السدل الذي نهي عنه قال وقد روي في هذا الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر برجل وقد سدل ثوبه فعطفه عليه حتى صار مشتملا قال "فإن لم يكن على الرجل إلا ثوب واحد فاشتمل به ثم رفع الثوب عن يساره حتى ألقاه عن منكبه فقد انكشف شقه الأيسر كله" وهذا هو اشتمال الصماء الذي نهى عنه فإن هو أخذ طرف الثوب الأيسر من تحت يده اليسرى فألقاه على منكبه الأيمن وألقى طرف الثوب الأيمن من تحت يده اليسرى على منكبه الأيسر فهذا التوشح الذي جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه صلى في ثوب واحد متوشحا به

(12/168)


قال وأما الاضطباع فإنه للمحرم وذلك أنه يكون مرتديا بالرداء أو مشتملا فيكشف منكبه الأيمن حتى يصير الثوب تحت إبطيه وهذا معنى الحديث الذي جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم "أنه طاف وسعى مضطبعا ببرد أخضر" ويروى عن عمر بن عبدالعزيز مثله قال والارتداء أن تأخذ بطرفي الثوب فتلقيهما على صدرك ومنكبيك وسائر الثوب خلفك
قال أبو عمر: الذي جعله أبو داود تفسير اللبسة الصماء حديث الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن لبستين أن يحتبي الرجل مفضيا بفرجه إلى السماء ويلبس ثوبا واحدا جانبه خارج ويلقي ثوبه على عاتقه" ذكره عن عثمان بن أبي شيبة عن جرير عن الأعمش
وقد أخبرنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا المطلب بن شعيب قال حدثني عبد الله بن صالح قال حدثني الليث قال حدثني يونس عن ابن شهاب أنه قال أخبرني عامر بن سعد أن أبا سعيد الخدري قال "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن لبستين اشتمال الصماء

(12/169)


والصماء أن يجعل طرفي ثوبه على أحد عاتقيه ويبدو أحد شقيه ليس عليه ثوب واللبسة الأخرى احتباؤه بثوب وهو جالس ليس على فرجه منه شيء
وحدثنا سعيد بن نصر قال أخبرنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن وضاح قال حدثنا أبو بكر بن ابي شيبة قال حدثنا ابن عيينة عن الزهري عن عطاء بن يزيد عن أبي سعيد قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن لبستين اشتمال الصماء وأن يحتبي الرجل بثوب واحد ليس على عورته منه شيء
وأخبرنا أحمد بن قاسم بن عبد الرحمن قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا الحرث بن أبي أسامة قال حدثنا كثير بن هشام قال حدثنا جعفر بن برقان عن الزهري عن سالم عن أبيه قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن لبستين الصماء وهو أن يلتحف بالثوب الواحد ثم يرفع جانبه على منكبيه ليس عليه ثوب غيره أو يحتبي الرجل في الثوب الواحد ليس بين فرجه وبين السماء شيء يعني سترا
وعن مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يشتمل الرجل بالثوب الواحد على أحد شقيه وبهذا فسر ابن وهب الصماء

(12/170)


والله أعلم إلا أنه قال على شقه الأيسر وسيأتي من هذا المعنى ذكر كاف في باب أبي الزناد وقد مضى القول مستوعبا في ستر العورة في باب ابن شهاب عن سعيد بن المسيب والحمد لله
وأما كشف الفرج فحرام في هذه اللبسة وفي غيرها لا يحل لأحد أن يبدي عورته ويكشف فرجه إلى آدمي ينظر إليه من رجل أو امرأة إلا من كانت حليلته امرأته أو سريته وهذا ما لا أعلم فيه خلافا بين المسلمين وحسبك قول الله عز وجل {يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} [الأعراف:31] وأجمعوا أنه أراد بذلك ستر العورة لأنهم كانوا يطوفون عراة فنزلت هذه الآية وأجمعوا على أن ستر العورة فرض عن عيون الآدميين واختلفوا أهي من فرائض الصلاة أم لا وقد ذكرنا ذلك في غير هذا الموضع وقد كانوا يستحبون أن لا يكشف أحد عورته في الخلاء وقد روينا أن في بعض ما أوحى الله عز وجل إلى إبراهيم عليه الصلاة والسلام إن استطعت أن لا ترى الأرض عورتك فافعل فاتخذ السراويل وهو أول من اتخذها وقال الله تعالى {مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ} [الحج:78]

(12/171)


الحديث الرابع
...
حديث رابع لأبي الزبير
مالك عن أبي الزبير عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "أغلقوا الباب وأوكئوا السقاء وخمروا الإناء وأكفئوا الإناء وأطفئوا المصباح فإن الشيطان لا يفتح غلقا ولا يحل وكاء ولا يكشف إناء وإن الفويسقة تضرم على الناس بيتهم"
هكذا قال يحيى في هذا الحديث تضرم على الناس بيتهم وتابعه ابن القاسم وابن وهب وقال ابن بكير بيوتهم وقال القعنبي بيتهم أو بيوتهم على الشك والفويسقة الفأرة سماها رسول الله صلى الله عليه وسلم فاسقة في هذا الحديث وغيره وقال صلى الله عليه وسلم "خمس فواسق تقتل في الحل والحرم" فذكر

(12/173)


منهن الفأرة ومن كل من آذى مسلما إذا تابع ذلك وكثر منه وعرف به فهو فاسق والفأرة أذاها كثير وأصل الفسق الخروج عن طاعة الله ومن الخروج عن طاعة الله أذى المسلم والفأرة مؤذية فلذلك سميت فاسقة وفويسقة والرجل الظالم الفاجر فاسق والمؤذي بيده ولسانه وفعله وسعيه فاسق قال الله عز وجل {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً} [الأحزاب:58] وقوله تضرم أي تشعل وتحرق وقال ابن وهب أما قوله "الفويسقة تضرم على الناس بيتهم" فإنما تحمل الفتيلة وهي تتقد حتى تجعلها في السقف
وقال أحمد بن عمران الأخفش الفويسقة الفأرة وقوله تضرم على الناس بيتهم تشعل البيت عليهم بالنار وذلك أنها إذا تناولت طرف الفتيلة وفيها النار فلعلها تمر بثياب أو بحطب فتشعل النار فيها فيلتهب البيت على أهله وقد أصاب ذلك أهل بيت بالمدينة فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم من الغد فقال إن هذه النار عدو لكم فإذا نمتم فأطفئوها عنكم قال حدثنا بذلك أبو أسامة عن يزيد بن أبي بردة عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم

(12/174)


قال أبو عمر: ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث ابن عمر وغيره أنه قال لا تتركوا النار في بيوتكم حين تنامون وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمؤمنين رؤوفا رحيما
حدثنا سعيد بن نصر حدثني قاسم بن أصبغ قال حدثنا الترمذي قال حدثنا الحميدي "ح" وحدثنا عبد الله بن محمد حدثنا محمد ابن بكر حدثنا أبو داود حدثنا أحمد بن حنبل "ح" وحدثنا أحمد بن محمد حدثنا وهب بن مسرة حدثنا ابن وضاح حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قالوا حدثنا سفيان بن عيينة عن الزهري عن سالم عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "لا تتركوا النار في بيوتكم حين تنامون" وحدثنا سعيد بن نصر وعبد الوارث بن سفيان حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا ابن وضاح حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا محمد بن فضيل عن يزيد بن أبي زياد عن عبد الرحمن بن أبي نعم عن أبي سعيد الخدري أنه قال الفأرة فويسقة قيل له لم قيل لها الفويسقة قال لأن النبي صلى الله عليه وسلم استيقظ وقد أخذت فتيلة لتحرق بها البيت

(12/175)


أخبرنا عبد الله بن محمد حدثنا محمد بن بكر حدثنا أبو داود حدثنا سليمان بن عبد الرحمن حدثنا عمرو بن أبي طلحة حدثنا أسباط عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس قال جاءت فأرة فأخذت تجر الفتيلة فجاءت بها فألقتها بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم على الخمرة التي كان قاعدا عليها فأحرقت منها مثل موضع الدرهم فقال إذ نمتم فأطفئوا سرجكم فإن الشيطان يدل مثل هذه على هذا فتحرقكم
وأما قوله في هذا الحديث وأوكئوا السقاء فالسقاء القربة وشبهها والوكاء الخيط الذي تشد به فكأنه قال عليه السلام اربطوا فم الإناء إذا كان مما يربط مثله وشدوه بالخيط وأما قوله أكفئوا الإناء فإنه يريد اقلبوه وكبوه وحولوه إذا كان فارغا لا تدعوه مفتوحا ضاحيا يقال كفأت الإناء إذا قلبته وهي كلمة مهموزة وأنا أكفؤه قال ابن هرمة:
عندي لهذا الزمان آنية
...
أملؤها مرة وأكفؤها

(12/176)


وكذلك قوله أطفؤوا المصباح مهموز أيضا قال الله عز وجل {كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَاراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ} [المائدة:64] .
وقال الشاعر:
برزت في غايتي وشايعني ... موقد نار الوغى ومطفؤها
وقال غيره:
وعادلة هبت تلوم ولومها ... لنيران شوقي موقد غير مطفئ
وأما قوله وخمروا الإناء فالتخمير ههنا التغطية وما خمرته فقد غطيته وإنما يكفأ من الأواني ما لا يمكن تغطيته وتخميره
وقوله في حديث مالك "خمروا الإناء أو أكفئوا الإناء" يحتمل أن يكون التخيير في تخمير الإناء وتحويله ويحتمل أن يكون شكا من المحدث
وفي هذا الحديث من العلم أيضا أن الشيطان لم يعط مع ما به من القوة أن يفتح غلقا ولا يحل ركاء ولا يكشف إناء رحمة من الله تعالى بعباده ورفقا بهم

(12/177)


حدثنا عبد الرحمن حدثنا علي حدثنا أحمد حدثنا سحنون حدثنا ابن وهب قال أخبرني ابن لهيعة والليث عن أبي الزبير المكي عن جابر بن عبد الله أن أبا حميد الساعدي أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بقدح لبن من البقيع لم يخمره فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "هلا خمرته ولو بعود تعرضه عليه"؟
حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن عبد السلام قال حدثنا محمد بن بشار قال حدثنا يحيى بن سعيد عن ابن جريج عن عطاء عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال أطفئ مصباحك واذكر اسم الله وخمر إناءك ولو بعود تعرضه عليه واذكر اسم الله وأوك سقاءك واذكر اسم الله
وبه عن يحيى قال حدثنا ابن عجلان عن القعقاع بن حكيم عن جابر بن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إياكم والسمر بعد هدأة الرجل فإن أحدكم

(12/178)


لا يدري ما يبث الله من خلقه وأغلقوا الأبواب وأوكئوا السقاء وخمروا الإناء والآنية وأطفئوا المصباح"
قال أبو عمر: هدأة الرجل مهموزة قال الشاعر
يؤرقني ذكراك في كل ليلة ... كأني قد أقسمت في ترك مهدئي
أعاذل إن العذل مما يزيدني ... ولوعا بشوقي فاترك العذل واهدئي
وأنشد أبو يزيد
ونار قد حضأت بعيد هدئي ... بدار ما أريد بها مقاما
سوى ترحيل راحلة وعين ... أكالئها مخافة أن تناما
وقال إبراهيم بن هرمة
خود تعاطيك بعد رقدتها ... إذا تلاقي العيون مهدؤها
حدثنا عبد الرحمن حدثنا علي حدثنا أحمد حدثنا سحنون حدثنا ابن وهب أخبرني حيوة بن شريح وابن لهيعة عن عقيل عن ابن شهاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "إذا سمعتم النداء وأحدكم على فراشه أو أينما كان فاهدءوا فإن الشياطين إذا سمعت النداء اجتمعوا وعشوا"

(12/179)


قال وحدثنا حيوة بن شريح عن عقيل عن ابن شهاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "إذا جنح الليل فاحبسوا أولادكم فإنه يبث في الليل ما لا يبث في النهار"
وقال عقيل "يتقى على المرأة أن تتوضأ عند ذلك
وروى الليث بن سعد عن يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهادي عن يحيى بن سعيد عن يحيى بن عبد الله بن الحكم عن القعقاع بن حكيم عن جابر قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "غطوا الإناء وأوكئوا السقاء فإن في السنة ليلة ينزل فيها وباء لا يمر بإناء ليس عليه غطاء أو سقاء ليس عليه وكاء إلا نزل فيه ذلك الوباء ووقع فيه من ذلك الداء" قال الليث والأعاجم يتقون ذلك في كانون الأول
وروى أبو عاصم النبيل عن شبيب بن بشر عن عكرمة عن ابن عباس قال دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المخرج ثم خرج فإذا بتور مغطى فقال "من صنع هذا"؟ فقال عبد الله أنا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "اللهم علمه تأويل القرآن"

(12/180)


أخبرنا عبد الله بن محمد قال حدثنا عبد الحميد بن أحمد قال حدثنا الخضر بن داود قال حدثنا أبو بكر الأثرم قال سمعت أحمد بن حنبل سئل عن الرجل يضع الوضوء بالليل غير مخمر فقال لا يعجبني إلا أن يخمر لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال خمروا الآنية وقال أبو داود قلت لأحمد بن حنبل الماء المكشوف يتوضأ به قال إنما أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يغطى الإناء ولم يقل لا تتوضئوا به
حدثنا سعيد بن نصر وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثنا قاسم حدثنا محمد حدثنا أبو بكر حدثنا عبد الأعلى بن عبد الأعلى عن محمد بن إسحاق عن محمد بن إبراهيم بن الحرث عن عطاء بن يسار عن جابر بن عبد الله قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "إذا سمعتم نباح الكلاب أو نهاق الحمير فتعوذوا بالله من الشياطين فإنهم يرون ما لا ترون وأقلوا الخروج إذا هدأت الرجل فإن الله يبث من خلقه في ليله ما شاء وأجيفوا الأبواب واذكروا اسم الله عليها فإن الشيطان لا يفتح بابا أجيف واذكروا اسم الله عليه وغطوا الجرار وأكفؤا الآنية وأوكئوا القرب"

(12/181)


وحدثنا سعيد وعبد الوارث قالا حدثنا قاسم حدثنا ابن وضاح حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير حدثنا أسامة حدثنا أبو يزيد بن أبي بردة عن أبي بردة عن أبي موسى قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن هذه النار عدو لكم فإذا نمتم فأطفئوها"
حدثنا خلف بن قاسم قال حدثنا محمد بن إبراهيم بن إسحاق بن مهران قال حدثنا محمد بن محمد بن بدر بن النفاح أبو الحسن الباهلي قال حدثنا إسحاق بن أبي إسرائيل قال حدثنا حماد بن زيد عن كثير بن شنظير عن عطاء عن جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "خمروا الآنية وأوكئوا الأسقية وأجيفوا الأبواب وكفوا صبيانكم عند المساء فإن للجن انتشارا وخطفة"
قال أبو عمر: في معنى قوله هذا وخطفة ما قد ذكره ابن أبي الدنيا قال حدثنا إسحاق بن إسماعيل قال حدثنا خالد بن الحرث الهجيمي قال حدثنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أبي نضرة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى أن

(12/182)


رجلا من قومه خرج ليصلي مع قومه صلاة العشاء ففقد فانطلقت امرأته إلى عمر بن الخطاب فحدثته بذلك فسأل عن ذلك قومها فصدقوها فأمرها أن تتربص أربع سنين فتربصت ثم أتت عمر فأخبرته بذلك فسأل عن ذلك قومها فصدقوها فأمروها أن تتزوج ثم إن زوجها الأول قدم فارتفعوا إلى عمر بن الخطاب فقال عمر يغيب أحدكم الزمان الطويل لا يعلم أهله حياته قال إن لي عذرا قال فما عذرك قال خرجت أصلي مع قومي صلاة العشاء فسبتني الجن أو قال أصابتني الجن فكنت فيهم زمانا فغزاهم جن مؤمنون فقاتلوهم فظهروا عليهم وأصابوا لهم سبايا فكنت فيمن أصابوا فقالوا ما دينك قلت مسلم قالوا أنت على ديننا لا يحل لنا سبيك فخيروني بين المقام وبين القفول فاخترت القفول فاقبلوا معي بالليل يسير يحدو بي وبالنهار إعصار ريح أتبعها قال فما كان طعامك قال الفول وما لم يذكر اسم الله عليه قال فما كان شرابك قال الجدف قال قتادة الجدف ما لم يخمر من الشراب قال فخيره عمر بين المرأة والصداق

(12/183)


قال أبو عمر: هذا خبر صحيح من رواية العراقيين والمكيين مشهور وقد روى معناه المدنيون في المفقود إلا أنهم لم يذكروا معنى اختطاف الجن للرجل ولا ذكروا تخيير المفقود بين المرأة والصداق وإنما ذكرناه ههنا من أجل تخمير أواني الشراب والطعام وهي لفظة لم أرها في هذا الحديث في غير هذا الإسناد وقد ذكرنا هذا الخبر بإسناده من غير رواية قتادة في باب صيفي والحمد لله
قال أبو عمر: يروى هذا الجدف في هذا الحديث الجدف بالدال وقال أبو عبيد هو كما جاء في الحديث ما لا يغطى من الشراب قال وقد قيل هو نبات باليمن لا يحتاج أكله إلى شرب الماء وأنكر ابن قتيبة هذا وزعم أنه زبد الشراب ورغوة اللبن قال وسمي جدفا لأنه يقطع ويرمى عن الشراب قال وقد يجوز أن يقال لما لا يغطى من الشراب جدف كأن غطاه جدف أي قطع

(12/184)


الحديث الخامس
...
حديث خامس لأبي الزبير
مالك عن أبي الزبير المكي عن طاوس اليماني عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
كان يعلمهم هذا الدعاء كما يعلمهم السورة من القرآن يقول "اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم وأعوذ بك من عذاب القبر وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات"
قال أبو عمر: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم أصحابه الدعاء فيحضهم عليه ويأمرهم به ويقول "إن الدعاء هو العبادة" ويتلو {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} [غافر:60]

(12/185)


وقد قالوا إن الدعاء مع العبادة لأن فيها الإخلاص والضراعة والإيمان والخضوع والله يحب أن يسأل ولذلك أمر عباده أن يسألوه من فضله وقد كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم أنواع من الدعاء يواظب عليه ويدعو به لا يقوم به كتاب لكثرته
وفي هذا الحديث الإقرار بعذاب القبر ولا خلاف بين أهل السنة في جواز تصحيحه واعتقاد ذلك والإيمان به وكذلك الإيمان بالدجال وقد ذكرنا الأخبار في عذاب القبر في باب هشام بن عروة وغيره من هذا الكتاب وذكرنا أخبار الدجال في باب نافع والحمد لله
وأما فتن المحيا فكثيرة جدا في الأهل والمال والدين والدنيا أجارنا الله من مضلات الفتن وأما فتن الممات فيحتمل أن يكون إذا احتضر ويحتمل أن يكون في القبر أيضا ومما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يواظب عليه من الدعاء ما أخبرناه خلف بن سعيد قال حدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا أحمد بن خالد قال حدثنا علي بن عبد

(12/186)


العزيز قال حدثنا أبو نعيم قال حدثنا عبادة بن مسلم الفزاري قال حدثني جبير بن سليمان بن جبير بن مطعم أنه كان جالسا مع ابن عمر فقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في دعائه حين يمسي وحين يصبح لم يدعه حتى فارق الدنيا ومات "اللهم إني أسألك العافية في الدنيا والآخرة اللهم إني أسالك العفو والعافية في ديني ودنياي وأهلي ومالي اللهم استر عوراتي وأمن روعاتي اللهم احفظني من بين يدي ومن خلفي وعن يميني وعن شمالي ومن فوقي وأعوذ بك من أن أغتال من تحتي" قال جبير وهو الخسف
قال عبادة فلا أدري أقول النبي صلى الله عليه وسلم أو قول جبير؟

(12/187)


الحديث السادس
...
حديث سادس لأبي الزبير
مالك عن أبي الزبير المكي عن طاوس عن ابن عباس "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا قام إلى الصلاة من جوف الليل يقول: اللهم لك الحمد أنت نور السماوات والأرض ولك الحمد أنت قيام السماوات والأرض ولك الحمد أنت رب السماوات والأرض ومن فيهن أنت الحق وقولك الحق ووعدك الحق ولقاؤك الحق والنار حق والساعة حق اللهم لك أسلمت وبك آمنت وعليك توكلت وإليك أنيب وبك خاصمت وإليك حاكمت فاغفر لي ما قدمت وأخرت وأسررت وأعلنت أنت إلهي لا إله إلا أنت"
وفي هذا الحديث ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم من المداومة على قيام الليل والإخبات عند قيامه

(12/189)


والدعاء والتضرع والإخلاص والثناء على الله عز وجل بما هو أهله والإقرار بوعده ووعيده والتسليم والابتهال وفيه صلى الله عليه وسلم الأسوة الحسنة فطوبى لمن وفق وأعين على ذلك
وقد روى هذا الحديث بعض من جمع حديث مالك فذكره عن مالك عن أبي الزبير عن عطاء عن ابن عباس وذلك خطأ والحديث صحيح لمالك عن أبي الزبير عن طاوس عن ابن عباس كما رواه يحيى وسائر رواة الموطأ لا يختلفون في ذلك فيما علمت وليس في هذا الحديث معنى يشكل إن شاء الله
وأما قوله أنت قيام السماوات والأرض فقيام وقيوم وقيم بمعنى واحد وهو الدائم الذي لا يزول وقيام فيعال وقيوم فيعول وقيم فيعل
وأما الرب فمعلوم عند الناس أنه المالك سبحان ملك الدنيا والآخرة وملكهما ونورهما قوله الحق لأن الله هو الحق المبين وقد قال {فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ} [صّ:84]
وأما الإقرار بالجنة والنار فواجب مجتمع عليه ألا ترى أن ذلك مما يكتب في صدور الوصايا مع الشهادة بالتوحيد وبالنبي

(12/190)


صلى الله عليه وسلم وقد قرئت الحي القيوم والحي القيام وفي مصحف ابن مسعود القيم وكل ذلك حسن
وأما قوله وإليك أنبت فالإنابة الرجوع إلى الخير ولا يكون الرجوع إلى الشر إنابة قال الله عز وجل {وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ} [الزمر:54] أي عودوا إلى ما يرضى به عنكم من التوبة وأما قوله "اللهم لك أسلمت" فمعناه استسلمت لحكمك وأمرك وسلمت ورضيت وآمنت وصدقت واستيقنت والله أعلم وقد مضى معنى الإسلام والإيمان في باب ابن شهاب عن سالم والحمد لله وروى هذا الحديث سفيان بن عيينة عن سليمان الأحول عن طاوس عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله وطاوس يكنى أبا عبد الرحمن وهو من جلة التابعين دينا وورعا وفضلا وعلما وهو طاوس بن كيسان ويقال طاووس بن أبي حنيفة مولى يحيى بن ريسان الحميري اليماني يقال إنه لم ينفرد أحاد بابن عباس من أصحابه غير طاوس كان له منه مجلس خاص وكان يواظب مجلسه مع العامة ومات طاوس بمكة

(12/191)


قبل التروية بيوم سنة ست ومائة وهو ابن بضع وتسعين سنة وصلى عليه هشام بن عبد الملك وهو خليفة كان حج في ذلك العام
حدثنا أحمد بن محمد حدثنا أحمد بن الفضل الدينوري حدثنا محمد بن يوسف الهروي حدثنا أحمد بن المعلى الأسدي حدثنا الوليد بن يزيد يعرف بابن أبي طلحة قال حدثنا ضمرة بن ربيعة عن ابن شوذب قال شهدت جنازة طاوس بمكة سنة ست ومائة فسمعتهم يقولون يرحم الله أبا عبد الرحمن حج أربعين حجة

(12/192)


الحديث السابع
...
حديث سابع لأبي الزبير
مالك عن أبي الطفيل عامر بن واثلة أن معاذ بن جبل أخبره "أنهم خرجوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء قال فأخر الصلاة يوما ثم خرج فصلى الظهر والعصر جميعا ثم دخل ثم خرج فصلى المغرب والعشاء جميعا ثم قال "إنكم ستأتون غدا إن شاء الله عين تبوك وإنكم لن تأتوها حتى يضحى النهار فمن جاءها منكم فلا يمس من مائها شيئا حتى آتي"
قال فجئناها وقد سبقنا إليها رجلان والعين تبض بشيء من ماء فسألهما رسول الله صلى الله عليه وسلم "هل مسستما

(12/193)


من مائها شيئا" فقالا نعم فسبهما رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال لهما ما شاء الله أن يقول ثم غرفوا بأيديهم من العين قليلا قليلا حتى اجتمع في شيء ثم غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم منه وجهه ويديه ثم أعاده فيها فجرت العين بماء كثير فاستقى الناس ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "يوشك يا معاذ إن طالت بك حياة أن ترى ما ههنا قد ملئ جنانا"
قال أبو عمر: هذا حديث صحيح ثابت وأبو الطفيل من كبار التابعين وجلتهم وعلمائهم ممن ولد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد ذكرناه في كتابنا في الصحابة على شرطنا فيه فأغنى عن ذكره ههنا وقد ذكرنا معاذ بن جبل هناك ذكرا مجودا إن شاء الله وكان أبو الطفيل محبا في علي غير متنقص لغيره من الصحابة وجهل أمره من جعله من الشيعة الغالية

(12/194)


وفي هذا الحديث من الفقه غزو الإمام بنفسه العدو مع عسكره وفيه غزو الروم لأن غزوة تبوك كانت إلى الروم بأرض الشام وهي غزاة لم يلق فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم كيدا ولا قتالا وانصرف لما قد ذكره أهل السير وقد قيل إن غزو الروم وسائر أهل الكتاب أفضل من غيرهم حدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا عبد الرحمن بن سلام قال حدثنا حجاج بن محمد عن فرح بن فضالة عن عبد الخبير بن محمد بن ثابت بن قيس بن شماس عن أبيه عن جده قال "جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم يقال لها أم خلاد وهي منتقبة تسأل عن ابنها وهو مقتول فقال لها بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم تسألين عن ابنك وأنت منتقبة فقالت إن أرزأ ابني فلن أرزأ حياتي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ابنك له أجر شهيدين" قالت ولم ذاك يا رسول الله؟ قال "لأنه قتله أهل الكتاب"

(12/195)


قال أبو عمر: فلفضل غزو الروم والله أعلم غزاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم
قال أبو عمر: قال أهل السير إن غزوة تبوك إلى الروم كانت في رجب من سنة تسع وفيه الجمع بين صلاتي النهار وبين صلاتي الليل للمسافر وإن لم يجد به السير
وفي قوله في هذا الحديث "فأخر الصلاة يوما ثم خرج فصلى الظهر والعصر جميعا ثم دخل ثم خرج فصلى المغرب والعشاء جميعا" دليل على أنه جمع بين الصلاتين وهو نازل غير سائر ماكث في خبائه وفسطاطه يخرج فيقيم الصلاة ثم ينصرف إلى خبائه ثم يخرج فيقيمها ويجمع بين الصلاتين من غير أن يجد به السير
وفي هذا الحديث أوضح الدلائل وأقوى الحجج في الرد على من قال لا يجمع المسافر بين الصلاتين إلا إذا جد به السير
واختلف الفقهاء في ذلك فروى ابن القاسم عن مالك وهو رأيه قال لا يجمع المسافر في حج أو عمرة إلا أن يجد به السير ويخاف فوات أمر فيجمع في آخر وقت الظهر وأول وقت العصر وكذلك في المغرب والعشاء إلا أن يرتحل عند

(12/196)


الزوال فليجمع حينئذ في المرحلة بين الظهر والعصر ولم يذكر في العشاءين الجمع عند الرحيل أول الوقت قال سحنون وهما كالظهر والعصر
وذكر أبو الفرج عن مالك قال ومن أراد الجمع بين الصلاتين جمع بينهما إن شاء في آخر وقت الأولى منهما وإن شاء في وقت الآخرة منهما وإن شاء أخر الأولى فصلاها في آخر وقتها وصلى الثانية في أول وقتها قال وذلك كجواز الجمع بين الظهر والعصر بعرفة وبين المغرب والعشاء بالمزدلفة
قال أبو الفرج وأصل هذا الباب الجمع بين الظهر والعصر بعرفة والمغرب والعشاء بالمزدلفة لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم سافر فقصر وجمع بينهما كذلك والجمع أيسر خطبا من التقصير فوجب الجمع بينهما في الوقت الذي جمع بينهما فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم
وفي سماع ابن القاسم قال سحنون وأحب ما فيه إلي والذي سمعت من مالك أن يجمع المسافر في آخر وقت الظهر وأول وقت العصر وإن جمع بعد الزوال بينهما أجزأ ذلك عنه لأن النبي صلى الله عليه وسلم فعله

(12/197)


قال ابن حبيب وللمسافر أن يجمع ليقطع سفره وإن لم يخف شيئا ولم يبادره وقال الليث بن سعد لا يجمع إلا من جد به السير وكان الأوزاعي يقول لا يجمع بين الصلاتين إلا من عذر لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا جد به السير جمع وعن الثوري نحو هذا وعنه أيضا ما يدل على إجازة جمع الصلاتين في وقت إحداهما للمسافر وإن لم يجد السير
وقال أبو حنيفة وأصحابه لا يجمع أحد بين الصلاتين في سفر ولا حضر لا صحيح ولا مريض في صحو ولا في مطر إلا أن للمسافر أن يؤخر الظهر إلى آخر وقتها ثم ينزل فيصليها في آخر وقتها ثم يمكث قليلا ويصلي العصر في أول وقتها وكذلك المريض قالوا فأما أن يصلي صلاة في وقت أخرى فلا إلا بعرفة والمزدلفة لا غير
وحجتهم ما رواه الأعمش عن عمارة بن عمير عن عبد الرحمن بن يزيد قال قال عبد الله بن مسعود والذي لا إله غيره ما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة قط إلا لوقتها إلا صلاتين جمع بين الظهر والعصر يوم عرفة وجمع بين المغرب والعشاء بجمع

(12/198)


قال أبو عمر: ليس في هذا حجة لأن غير ابن مسعود حفظ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه جمع بين الصلاتين في السفر بغير عرفة والمزدلفة ومن حفظ حجة على من لم يحفظ ولم يشهد
وقال الشافعي وأصحابه من كان له أن يقصر فله أن يجمع بين الصلاتين في وقت إحداهما إن شاء في وقت الأولى وإن شاء في وقت الآخرة وهو قول عطاء بن أبي رباح وسالم بن عبد الله بن عمر وجمهور علماء المدينة
حدثنا أحمد بن سعيد بن بشر قال حدثنا قاسم بن أصبغ ومحمد بن أبي دليم قالا حدثنا ابن وضاح قال حدثنا عبد الله بن ذكوان ومحمد بن عمرو وإبراهيم بن أيوب وغير واحد قالوا حدثنا حمزة قال حدثنا سليمان بن عبدالعزيز بن أخي رزيق بن حكيم قال مر بنا بأيلة ربيعة وأبو الزناد ومحمد بن المنكدر وصفوان بن سليم في أشياخ من أهل المدينة أرسل إليهم الوليد بن يزيد ليسألهم عن يمين كان حلف بها قال فأتيناهم في منزلهم وقد أخذوا في الرحيل فصلوا الظهر

(12/199)


والعصر جميعا حين زالت الشمس وركبوا ثم أتينا المسجد فإذا رزيق بن حكيم يصلي للناس الظهر
وذكر الحسن بن علي الحلواني قال حدثنا عمر بن ريان الأيلي قال حدثنا عمر بن سعد الأيلي عن يونس بن يزيد الأيلي قال مر بنا القعقاع بن حكيم ومحمد بن المنكدر زيد بن أسلم وأبو حازم وأبو الزناد وربيعة بن عبد الرحمن خارجين إلى الرباط فنزلوا وآتيناهم فسلم عليهم فوجدناهم قد شدوا محاملهم وسووا وطاءهم فصلوا الظهر والعصر ثم ركبوا ومشينا معهم إلى خلف بستان ابن وهب ثم ودعناهم وانصرفنا وأتينا المسجد ورزيق بن حكيم يصلي للناس الظهر قال أبو محمد الحسن بن علي قلت لعمر إلى أي رباط ذهبوا قال إلى عسقلان قال وحدثنا عمر بن زيان قال حدثنا عمر بن زيان قال حدثنا عمر بن سعد قال حدثنا يونس بن يزيد قال صحبت ابن شهاب إلى مكة ثماني سنين فكان يصلي الظهر والعصر جميعا والمغرب والعشاء جميعا وبه قال أبو ثور وإسحاق بن راهويه وداود
وقال الشافعي وداود ليس للمسافر أن يجمع بين الصلاتين ولا يؤخر صلاة عن وقتها إلا بنية الجمع

(12/200)


وقال الطبري للمسافر أن يجمع بين الظهر والعصر ما بين الزوال إلى أن تغيب الشمس وبين المغرب والعشاء ما بين مغيب الشمس إلى طلوع الفجر قال والجمع في المطر كذلك
وقال أحمد بن حنبل وجه الجمع أن يؤخر الظهر حتى يدخل وقت العصر ثم ينزل فيجمع بينهما ويؤخر المغرب حتى يغيب الشفق ثم يجمع بين المغرب والعشاء قال فإن قدم العصر إلى الظهر والعشاء إلى المغرب فأرجو أن لا يكون به بأس قال إسحاق لا بأس بذلك بلا رجاء
قال أبو عمر: في حديث معاذ المذكور في هذا الباب ما يقطع الالتباس في أن للمسافر أن يجمع بين الصلاتين وإن لم يجد به السير وليس فيما روي من الآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا جد به السير جمع بين المغرب والعشاء ما يعارض حديث معاذ بن جبل لأن المسافر إذا كان له في السنة أن يجمع بين الصلاتين نازلا غير سائر فالذي يجد به السير أحرى بذلك وليس في واحد من الحديثين ما يعترض على الثاني به وهما حالان وإنما كانا يكونان متعارضين لو كان في أحدها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "لا يجمع المسافر بين

(12/201)


الصلاتين إلا أن يجد به السير" وفي الآخر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع بين الصلاتين في سفره إلى تبوك نازلا غير سائر فأما أن يجمع وقد جد به السير ويجمع وهو نازل لم يجد به السير فليس هذا بمتعارض عند أحد له فهم وبالله التوفيق.
فإن احتج محتج بحديث فضيل بن غزوان عن نافع عن ابن عمر أنه استصرخ على صفية في مسيره من مكة إلى المدينة فأخر المغرب عن وقتها الذي كان يصليها فيه كل ليلة حتى كاد الشفق أن يغيب ثم نزل فصلاها وغاب الشفق وصلى العشاء وأخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم كذلك كان يفعل إذا جد به السير
قيل له قد روى حماد بن زيد عن أيوب عن نافع عن ابن عمر أنه استصرخ على صفية فسار حتى غربت الشمس وبدت النجوم وقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا عجل به السير في سفره جمع بين هاتين الصلاتين فسار حتى غاب الشفق ثم نزل فجمع بينهما وهذا

(12/202)


الإسناد واضح ومعناه على ما ذكرنا أوضح ولو صحا جميعا كانا دليلا على جواز الجمع كيف شاء المسافر من الوجهين جميعا
وقد أجمع المسلمون قديما وحديثا على أن الجمع بين الصلاتين بعرفة الظهر والعصر في أول وقت الظهر والمغرب والعشاء بالمزدلفة في وقت العشاء وذلك سفر مجتمع عليه وعلى ما ذكرنا فيه فكل ما اختلف فيه من مثله فمردود إليه
روى مالك عن ابن شهاب أنه قال سألت سالم بن عبد الله هل يجمع بين الظهر والعصر في السفر فقال نعم لا بأس بذلك ألم تر إلى صلاة الناس بعرفة فهذا سالم قد نزع بما ذكرنا وهو أصل صحيح لمن ألهم رشده ولم تمل به العصبية إلى المعاندة ومعلوم أن الجمع بين الصلاتين للمسافر رخصة وتوسعة ولو كان الجمع على ما قال ابن القاسم والعراقيون من مراعاة آخر وقت الظهر وأول وقت العصر لكان ذلك أشد ضيقا وأكثر حرجا من الإتيان بكل صلاة في وقتها لأن وقت كل صلاة أوسع ومراعاته أمكن من مراعاة طرفي الوقتين ومن تدبر هذا وجده كما وصفنا وبالله توفيقنا.

(12/203)


ولو كان الجمع بين الصلاتين في السفر على ما ذهب إليه هؤلاء أيضا لجاز الجمع بين العصر والمغرب على ذلك المذهب وبين العشاء والفجر وقد أجمع العلماء على أن السنة إنما وردت في الجمع بين صلاتي النهار الظهر والعصر وبين صلاتي الليل المغرب والعشاء للرخصة في اشتراك وقتيهما في السفر لأنه عذر وكذلك عذر المطر وليس ما قاله أبو حنيفة وأصحابه في كيفية الجمع جميعا إذا كانت كل واحدة من الصلاتين يؤتى بها في وقتها
وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث وغيره أنه كان يجمع بينهما مسافرا في وقت إحداهما
أخبرنا عبد الله بن محمد بن يحيى قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا يزيد بن خالد الرملي قال حدثنا المفضل بن فضالة عن الليث بن سعد عن هشام بن سعد عن أبي الزبير عن أبي الطفيل عن معاذ بن جبل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في غزوة تبوك إذا زاغت الشمس قبل أن يرتحل جمع بين الظهر والعصر وإن

(12/204)


ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر حتى يزل للعصر وفي المغرب مثل ذلك إن غابت الشمس قبل أن يرتحل جمع بين المغرب والعشاء وإن ارتحل قبل أن تغيب الشمس أخر المغرب حتى ينزل للعشاء ثم يجمع بينهما
قال أبو داود رواه ابن أبي فديك عن هشام بن سعد عن أبي الزبير بإسناده هذا عن معنى حديث مالك قال وروى هشام بن عروة عن حسين بن عبد الله عن كريب عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم نحو حديث المفضل
وحدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا قتيبة بن سعيد قال حدثنا الليث عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الطفيل عامر بن واثلة عن معاذ بن جبل أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في

(12/205)


غزوة تبوك إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر حتى يجمعها إلى العصر فيصليهما جميعا وإذا ارتحل بعد زيغ الشمس صلى الظهر والعصر جميعا ثم سار وكذلك إذا ارتحل قبل المغرب أخر المغرب حتى يصليها مع العشاء وإذا ارتحل بعد المغرب عجل العشاء فصلاها مع المغرب
ولمالك رحمه الله عن أبي الزبير حديث غريب صحيح ليس في الموطأ عند أحد من رواته فيما علمت والله أعلم وهو حديث يدخل في هذا الباب حدثناه عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أبو يحيى عبد الله بن أبي مسرة قال حدثنا يحيى بن محمد المحارمي قال حدثنا عبدالعزيز بن محمد الدراوردي عن مالك بن أنس عن أبي الزبير عن جابر "أن النبي صلى الله عليه وسلم غربت له الشمس بمكة فجمع بينهما يعني المغرب والعشاء بسرف"

(12/206)


وقال الدارقطني تابعه على هذا الحديث عن مالك قدامة بن شهاب حدثناه الحسن بن إسماعيل المحاملي القاضي حدثنا عبد الله بن شبيب حدثنا قدامة بن شهاب حدثنا مالك عن أبي الزبير عن جابر "أن النبي صلى الله عليه وسلم غربت له الشمس بمكة فصلاها بسرف وذلك تسعة أميال"
وفي هذا الحديث أيضا تقدم الإمام إلى أهل العسكر بالنهي عما يريد وإن خالفه مخالف كان له معاقبته بما يكون تأديبا لمثله وردعا عن مثل فعله ألا ترى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مع حلمه وما كان عليه من الخلق العظيم كيف سب الرجلين فقال لهما ما شاء الله أن يقول إذ خالفاه وأتيا ما نهى عنه
وفيه علم عظيم من أعلام نبوته إذ غسل وجهه ويديه بقليل ماء تلك العين ثم صبه فيها فجرت العين بماء كثير عمهم وفضل عنهم وتمادى إلى الآن ويتمادى إلى قيام الساعة إن شاء الله وهكذا النبوة وأما السحر فلا يبقى بعد مفارقة عين صاحبه ألبتة وهذا ما لا يدفعه مسلم

(12/207)


وحدثني أحمد بن محمد وسعيد بن نصر وأحمد بن قاسم قالوا حدثنا وهب بن مسرة قال حدثنا بن وضاح قال أنا رأيت ذلك الموضع كله حوالي تلك العين جنانا خضرة نضرة
وفيه إخباره صلى الله عليه وسلم بغيب كان بعده وهذا غير عجيب منه ولا مجهول من شأنه صلى الله عليه وسلم وأعلى ذكره
وأما قوله في الحديث "والعين تبض بشيء من ماء" فمعناه أنها كانت تسيل بشيء من ماء ضعيف قال حميد بن ثور
منعمة لو يصبح الذر ساريا
...
على جلدها بضت مدارجه دما
وتقول العرب للموضع حين يندى قد بض وتقول ماء بض بقطرة وهذه الرواية الصحيحة المشهورة في الموطأ تبض بالضاد المنقوطة ومن رواه بالصاد وضم الباء فمعناه أنه كان يضيء فيها شيء من الماء ويبرق ويرى له بصيص أو شيء من بصيص وعلى الرواية الأولى الناس

(12/208)


الحديث الثامن
...
حديث ثامن لأبي الزبير
مالك عن أبي الزبير المكي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال "صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر والعصر جميعا والمغرب والعشاء جميعا في غير خوف ولا سفر" قال مالك أرى ذلك كان في مطر
أما سعيد بن جبير فأحد العلماء الفضلاء من التابعين قتله الحجاج صبرا سنة أربع وتسعين وهو ابن تسع وأربعين سنة وهو مولى لبني أسد وله أخبار يطول ذكرها وكان فقيها فاضلا شديدا على السلطان في تغيير المنكر وهذا حديث صحيح إسناده ثابت رواه جماعة عن أبي الزبير كما

(12/209)


رواه مالك منهم حماد بن سلمة وغيره ولم يتأولوا فيه المطر ورواه قرة بن خالد عن أبي الزبير فقال فيه في سفرة سافرها إلى تبوك ذكره أبو داود
وقد تقدم القول في جمع الصلاتين في السفر وأما في الحضر فأجمع العلماء على أنه لا يجوز الجمع بين الصلاتين في الحضر لغير عذر على حال ألبتة إلا طائفة شذت سنورد ما إليه ذهبت إن شاء الله وروينا عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث ابن عباس أنه قال الجمع بين الصلاتين في الحضر لغير عذر من الكبائر وهو حديث ضعيف
واختلفوا في عذر المرض والمطر فقال مالك وأصحابه جائز أن يجمع بين المغرب والعشاء ليلة المطر قال ولا يجمع بين الظهر والعصر في حال المطر قال ويجمع بين المغرب والعشاء وإن لم يكن مطر إذا كان طينا وظلمة هذا هو المشهور من مذهب مالك في مساجد الجماعات في الحضر وما ينتاب منها من المواضع البعيدة التي في سلوكها مشقة وقال مرة ينصرفون مع مغيب الشفق يؤخر المغرب حتى يؤذن لها

(12/210)


ويقام فتصلى ثم يؤذن المؤذن في المسجد للعشاء ويقيمونها وتصلى ثم ينصرفون مع مغيب الشفق وقال مرة أخرى ينصرفون وعليهم إسفار
وروى زياد بن عبد الرحمن المعروف بشبطون عن مالك أنه قال لا يجمع بين الصلاتين ليلة المطر في شيء من المواضع إلا بالمدينة لفضل مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولأنه ليس هناك مسجد غيره وهو يقصد من بعد
وروي عن ابن عمر وأبان بن عثمان وعروة بن الزبير وسعيد بن المسيب وأبي سلمة بن عبد الرحمن وأبي بكر بن عبد الرحمن ومروان وعمر بن عبدالعزيز أنهم كانوا يجمعون بين الصلاتين ليلة المطر
وبه قال أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه
وروى عبد الرحمن بن مهدي وسليمان بن بلال عن هشام بن عروة قال رأيت أبان بن عثمان يجمع بين الصلاتين في الليلة المطيرة فيصليها معه عروة بن الزبير وسعيد بن المسيب وأبو سلمة بن عبد الرحمن وأبو بكر بن عبد الرحمن لا ينكرونه

(12/211)


وقال عبيد الله بن عمر رأيت سالما والقاسم يصليان معهم يعني الأمراء في الليلة المطيرة
وروى أبو عوانة عن عمر بن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبيه قال من السنة إذا كان يوم مطير أن يجمع بين المغرب والعشاء قال وكان يصلي المغرب ثم يمكث هنيئة ثم يصلي العشاء
وقال أبو بكر الأثرم سألت أحمد بن حنبل أيجمع بين الصلاتين في المطر قال نعم المغرب والعشاء قلت له بعد مغيب الشفق قال لا إلا قبل كما صنع ابن عمر
وقال الأثرم قلت لأبي عبد الله يعني أحمد بن حنبل يجمع بين الصلاتين الظهر والعصر في المطر قال ما سمعت قلت له فالمغرب والعشاء قال نعم قلت له فسنة الجمع بين المغرب والعشاء عندك مغيب الشفق قال نعم وفي السفر يؤخر حتى يغيب الشفق وقال الشافعي يجمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء في المطر إذا كان المطر قائما دائما ولا يجمع في غير حال المطر وبه قال أبو ثور والطبري لحديث ابن عباس هذا أن رسول الله صلى الله عليه

(12/212)


وسلم جمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء في غير خوف ولا سفر وتأولوا ذلك في المطر
وقال أبو حنيفة وأصحابه لا يجمع أحد بين الصلاتين في المطر لا الظهر والعصر ولا المغرب والعشاء وهو قول الليث بن سعد وأكثر أصحاب داود
ومن حجتهم أن حديث ابن عباس هذا ليس فيه صفة الجمع ويمكن أن يكون أخر الظهر إلى آخر وقتها وجمع بينها وبين العصر في أول وقتها وصنع كذلك بالمغرب والعشاء وهذا قد يسمى جمعا قالوا ولسنا نحيل أوقات الحضر إلا بيقين
وقالت طائفة الجمع بين الصلاتين مباح في الحضر وإن لم يكن مطر إذا كان عذر يحرج به صاحبه ويشق عليه واحتجوا بأنه روي عن ابن عباس في هذا الخبر في غير خوف ولا مطر وأنه قيل له لم فعل ذلك يا ابن عباس قال أراد أن لا يحرج أمته
"أخبرنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا عثمان بن أبي شيبة قال حدثنا

(12/213)


أبو معاوية قال حدثنا الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء بالمدينة من غير خوف ولا مطر قيل لابن عباس ما أراد إلى ذلك قال أراد أن لا يحرج أمته
قال أبو عمر: هكذا يقول الأعمش في هذا الحديث عن حبيب بن أبي ثابت عن سعيد بن جبير عن ابن عباس من غير خوف ولا مطر وحديث مالك عن أبي الزبير عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال فيه من غير خوف ولا سفر وهو الصحيح فيه إن شاء الله والله أعلم
وإسناد حديث مالك عند أهل الحديث والفقه أقوى وأولى وكذلك رواه جماعة عن أبي الزبير كما رواه مالك من غير خوف ولا سفر منهم الثوري وغيره إلا أن الثوري لم يتأول فيه المطر وقال فيه لئلا يحرج أمته
حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن يونس الكديمي قال حدثنا أبو بكر الحنفي

(12/214)


قال حدثنا سفيان الثوري عن أبي الزبير عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الظهر والعصر بالمدينة من غير خوف ولا سفر قال قلت فلم فعل ذلك قال أن لا يحرج أحدا من أمته
"ورواه صالح مولى التوءمة عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم فقال فيه من غير خوف ولا مطر"
وصالح مولى التوءمة ضعيف لا يحتج به والله أعلم
وكان ابن سيرين لا يرى بأسا أن يجمع بين الصلاتين إذا كانت حاجة أو شيء ما لم يتخذه عادة وأجمع المسلمون أنه ليس لمسافر ولا مريض ولا في حال المطر يجمع بين الصبح والظهر ولا بين العصر والمغرب ولا بين العشاء والصبح وإنما الجمع بين صلاتي الظهر والعصر وبين صلاتي المغرب والعشاء صلاتي النهار وصلاتي الليل لأن الصلاتين منهما مشتركتان في الوقت للمسافر وصاحب العذر ألا ترى اشتراكهما للحائض تطهر والمغمى عليه يفيق ونحوهما وأجمعوا أن الصبح لا يجمع مع غيرها أبدا في حال من الأحوال

(12/215)


وقال أشهب من رأيه لا بأس بالجمع بين الصلاتين كما جاء في الحديث من غير خوف ولا سفر وإن كانت الصلاة في أول الوقت أفضل وهذا يحتمل عندي أن يكون على مذهبهم في الجمع في تأخير الأولى وتقديم الثانية
وقد حدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا عبد الحميد بن أحمد قال حدثنا الخضر بن داود قال حدثنا أبو بكر الأثرم قال سمعت أحمد بن حنبل يسأل ما وجه حديث النبي صلى الله عليه وسلم أنه جمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء بالمدينة فقال أليس قد قال ابن عباس لئلا يحرج أمته إن قدم رجل أو أخر نحو هذا
قال أبو بكر وأخبرنا عبد السلام بن أبي قتادة أنه سمع أبا عبد الله يقول هذه عندي رخصة للمريض والمرضع
قال أبو عمر: قد يحتمل أن يكون جمع بينهما بأن صلى الأولى في آخر وقتها وصلى الثانية في أول وقتها فكانت رخصة في التأخير بغير عذر إلى آخر الوقت للسعة والله أعلم

(12/216)


وقد روينا نحو هذا خبرا وإن كان في إسناده نظر
حدثنا سعيد بن عثمان حدثنا أحمد بن دحيم حدثنا محمد بن الحسين بن زيد حدثنا محمد بن سليمان حدثنا الربيع بن يحيى الأشناني حدثنا سفيان الثوري عن محمد بن المنكدر عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء بالمدينة من غير خوف ولا علة للرخصة
وحدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر حدثنا أبو داود حدثنا سليمان بن حرب ومسدد وعمرو بن عون قالوا حدثنا حماد بن زيد عن عمرو بن دينار عن جابر بن زيد عن ابن عباس قال صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة ثمانيا وسبعا الظهر والعصر والمغرب والعشاء ولم يقل سليمان ومسدد بنا
قال أبو عمر: رواه ابن عيينة وهو أثبت الناس في عمرو بن دينار عن عمرو بن دينار عن ابن عباس مثله وزاد قال عمرو قلت لأبي الشعثاء أظن أخر الظهر وعجل العصر وأخر المغرب وعجل العشاء قال وأنا أظن ذلك فهذا على ما ذكرنا ومن روى حديثا كان أعلم بمخرجه وسنذكر حديث ابن عيينة فيما بعد إن شاء الله

(12/217)


واختلفوا أيضا في جمع المريض بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء فقال مالك إذا خاف المريض أن يغلب على عقله جمع بين الظهر والعصر عند الزوال وبين العشاءين عند الغروب قال فأما إن كان الجمع أرفق به لشدة مرض أو بطن يعني ولم يخش أن يغلب على عقله فليجمع بينهما في وسط وقت الظهر وعند غيبوبة الشفق قال مالك والمريض أولى بالجمع من المسافر وغيره لشدة ذلك عليه قال مالك وإن جمع المريض بين الصلاتين وليس بمضطر إلى ذلك أعاد ما دام في الوقت فإن خرج الوقت فلا شيء عليه
وقال أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه يجمع المريض بين الصلاتين وكان الشافعي رحمه الله لا يرى أن يجمع المريض بين الصلاتين وقال الليث يجمع المريض والمبطون
وقال أبو حنيفة يجمع المريض بين الصلاتين كجمع المسافر عنده على ما قدمنا ذكره في هذا الباب قبل هذا عنه يصلي الظهر في آخر وقتها والعصر في أول وقتها لا يجوز له ولا للمسافر عنده وعند أصحابه غير هذا وأما في المطر فلا يجمع عندهم على حال

(12/218)


ومن حجتهم ما حدثناه محمد بن إبراهيم قال حدثنا أحمد بن مطرف قال حدثنا سعيد بن عثمان قال حدثنا إسحاق بن إسماعيل قال حدثنا سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن جابر بن زيد عن ابن عباس قال صلينا مع النبي صلى الله عليه وسلم ثمانيا جميعا وسبعا جميعا قال عمرو قلت يا أبا الشعثاء أظنه أخر الظهر وعجل العصر وآخر العصر وأخر المغرب وعجل العشاء قال أنا أظن ذلك رواه قتيبة بن سعيد عن ابن عيينة بإسناده مثله فأقحم في الحديث قول أبي الشعثاء وعمرو بن دينار
أخبرنا عبد الله بن محمد قال أخبرنا حمزة بن محمد قال حدثنا أحمد بن شعيب قال حدثنا قتيبة قال حدثنا سفيان عن عمرو بن دينار عن جابر بن زيد عن ابن عباس قال صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة ثمانيا جميعا وسبعا جميعا أخر الظهر وعجل العصر وأخر المغرب وعجل العشاء
قال أبو عمر: الصحيح في حديث ابن عيينة هذا غير ما قال قتيبة حين جعل التأخير والتعجيل في الحديث وإنما هو ظن عمرو وأبي الشعثاء
حدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن إسماعيل قال حدثنا الحميدي قال حدثنا سفيان

(12/219)


قال حدثنا عمرو بن دينار قال أخبرني جابر بن زيد قال سمعت ابن عباس يقول صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة ثمانيا جميعا وسبعا جميعا قلت له يا أبا الشعثاء أظنه أخر الظهر وعجل العصر وأخر المغرب وعجل العشاء قال وأنا أظن ذلك
قال أبو عمر: هذا جمع مباح في الحضر والسفر إذا صلى الأولى في آخر وقتها وصلى الثانية في أول وقتها لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد صلى به جبريل عليه السلام وصلى هو بالناس في المدينة عند سؤال السائل عن وقت الصلاة فصلى في آخر وقت الصلاة بعد أن صلى في أوله وقال للسائل ما بين هذين وقت
وعلى هذا تصح رواية من روى لئلا يحرج أمته ورواية من روى للرخصة وهذا جمع جائز في الحضر وغير الحضر وإن كانت الصلاة في أول وقتها أفضل وهو الصحيح في معنى حديث ابن عباس لم يتأول فيه المطر وتأول ما قال أبو الشعثاء وعمرو بن دينار وبالله التوفيق.

(12/220)


مالك عن محمد بن المنكدر
الحديث الأول
...
مالك عن محمد بن المنكدر مدني تابعي ثقة فاضل
وهو محمد بن المنكدر بن عبد الله بن الهدير ابن عبد العزى ويقال الهدير بن محرز بن عبدا لعزى بن عامر بن الحارث بن حارثة بن سعد بن تيم بن مرة القرشي التيمي يكنى أبا عبد الله وقيل يكنى أبا بكر وأمه أم ولد وكان من فضلاء هذه الأمة وعبادها وفقهائها وخيارها كان أهل المدينة يقولون إنه كان مجاب الدعوة وكان مقلا وكان مع ذلك جوادا

(12/221)


توفي بالمدينة سنة ثلاثين ومائة أو إحدى وثلاثين ومائة وذكر الأويسي عن مالك قال كان محمد بن المنكدر سيد القراء وكان كثير البكاء عند الحديث وكنت إذا وجدت من نفسي قسوة آتيه فأنظر إليه فأتعظ به وأنتفع بنفسي أياما وكان كثير الصلاة بالليل قال أبو جعفر الطبري كان محمد بن المنكدر ثقة كثير الحديث أمينا على ما روى ونقل من أثر في الدين
قال أبو عمر: لمالك عنه في الموطأ من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسة أحاديث منها أربعة مسندة وواحد مرسل

(12/222)


حديث أول لمحمد بن المنكدر
مالك عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله أن أعرابيا بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإسلام فأصاب الأعرابي وعك بالمدينة فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله أقلني بيعتي فأبى ثم جاءه فقال أقلني بيعتي فأبى ثم جاءه فقال أقلني بيعتي فأبى فخرج الأعرابي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إنما المدينة كالكير تنفي خبثها وينصع طيبها"

(12/223)


هكذا رواه جماعة الرواة عن مالك فيما علمت بهذا اللفظ إلا عبد الله بن إدريس فإنه قال فيه عن مالك بإسناده إنها طيبة تنفي الخبث وقوله في الحديث طيبة غريب لم يقله فيه غيره والله أعلم
قال أبو عمر: في هذا الحديث من العلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يبايع الناس على حدود الإسلام ومعنى ذلك أنه كان يبايعهم على شروط الإسلام ومعالمه وهذا معروف في غير ما حديث وكان ذلك الوقت من حدود الإسلام وفرائضه البيعة على هجرة الأوطان والبقاء مع النبي صلى الله عليه وسلم ولذلك كان قطع الله ولاية المؤمنين المهاجرين ممن لم يهاجر منهم فقال {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا} [الأنفال:72]
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أنا بريء من كل مسلم باق مع مشرك"

(12/224)


وكان يشترط عليهم السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره إلى أشياء كثيرة كان يشترطها قد ورد في الآثار ذكرها كبيعته للنساء وغيرها
وقد ورد بالنص بيعته للنساء المهاجرات وسكت عن الرجال لدخولهم في المعنى كدخول من أحصن من الرجال في قوله والذين يرمون المحصنات ومثل هذا كثير
وقد ذكر جرير أنه اشترط عليهم النصح لكل مسلم ومعنى هذه المبايعة والله أعلم الإعلام بحدود الإسلام وشرائعه وآدابه
وقال الشافعي رحمه الله أما بيعة النساء فلم يشترط فيها السمع والطاعة لأنهن ليس عليهن جهاد كافر ولا باغ وإنما كانت بيعتهن على الإسلام وحدوده
قال أبو عمر: قد كانت البيعة على وجوه منها أنها كانت أولا على القتال وعلى أن يمنعوه مما يمنعون منه أنفسهم وأبناءهم ونساءهم وعلى نحو ذلك كانت بيعة العقبة

(12/225)


الثانية قبل الهجرة ثم لما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة بايع الناس على الهجرة وقال أنا بريء من كل مسلم مع مشرك فكان على الناس فرضا أن ينتقلوا إلى المدينة إذ لم يكن للإسلام دار ذلك الوقت غيرها ويدعو دار الكفر وعلى هذا والله أعلم كانت بيعة هذا الأعرابي المذكور في هذا الحديث عن الإسلام والهجرة فلما لحقه من الوعك ما لحقه تشاءم بالمدينة وخرج عنها منصرفا إلى وطنه من أهل الكفر ولم يكن ممن رسخ الإيمان في قلبه وربما كان من جنس الأعراب الذين قال الله عز وجل فيهم {الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفَاقاً وَأَجْدَرُ أَلّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ} [التوبة:97]
ولما فتحت مكة لم يبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدا على الهجرة وإنما كانت البيعة على الإقامة بدار الهجرة قبل أن يفتح الله على رسوله مكة وكان المعنى في البيعة على الهجرة الإقامة بدار الهجرة وهي المدينة عن رسول

(12/226)


الله صلى الله عليه وسلم في حياته حتى يصرفهم فيما يحتاج إليه من غزو الكفار وحفظ المدينة وسائر ما يحتاج إليه وكان خروجهم راجعين إلى دار أعرابيتهم حراما عليهم لأنهم كانوا يكونون بذلك مرتدين إلى الأعرابية من الهجرة ومن فعل ذلك كان ملعونا على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم
ألا ترى إلى حديث شعبة والثوري عن الأعمش عن عبد الله بن مرة عن الحارث بن عبد الله عن عبد الله بن مسعود قال آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهداه إذا علموا به والواشمة والمستوشمة للحسن ولاوي الصدقة والمرتد أعرابيا بعد هجرته معلونون على لسان محمد صلى الله عليه وسلم يوم القيامة
وروي عن عقبة بن عامر الجهني قال بلغني قدوم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة وأنا في غنيمة لي فرفضتها

(12/227)


ثم أتيته فقلت جئت أبايعك فقال "بيعة أعرابية أو بيعة هجرة" قلت بيعة هجرة قال فبايعته وأقمت
قال أبو عمر: ففي قول عقبة في هذا الحديث فبايعته وأقمت دليل على أن البيعة على الهجرة توجب الإقامة بالمدينة وأن البيعة الأعرابية تخالفها لا توجب الإقامة بالمدينة على أهلها ويدلك على ذلك أن مالك بن الحويرث وغيره من الأعراب بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقاموا عنده أياما ثم رجعوا إلى بلادهم وقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم "ارجعوا إلى أهليكم فأقيموا فيهم وعلموهم وصلوا كما رأيتموني أصلي"
وهذا الأعرابي المذكور في حديث مالك كان والله أعلم ممن بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم على المقام بدار الهجرة فمن هنا أبى رسول الله صلى الله عليه وسلم من إقاله بيعته وفي إباء رسول الله صلى الله عليه وسلم من إقالة البيعة دليل على أن من العقود عقودا إلى المرء عقدها وليس له حلها ولا نقضها وذلك أن من عقد عقدا يجب عقده ولا يحل نقضه لم يجز له أن ينقضه ولم يحل له فسخه وإن كان الأمر كان إليه في العقد فليس إليه ذلك في النقض

(12/228)


وليس كل ما للإنسان عقده له فسخه ولم يكن لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقبله بيعته لأن الهجرة كانت مفترضة يومئذ كما لم يكن له أن يبيح له شيئا حظرته عليه الشريعة إذا دخل فيها ولزمته أحكامها إلا بوحي من الله وأما من بعده فليس ذلك حكمه بوجه من الوجوه لأن الوحي بعده قد انقطع صلى الله عليه وسلم
وفي هذا الحديث بيان فضل المدينة وأنها بقعة مباركة لا يستوطنها إلا المرضي من الناس
وهذا عندي إنما كان بالنبي صلى الله عليه وسلم منذ نزلها وقد كانت قبله كسائر ديار الكفر ولما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم بقي فضل قبره ومسجده والمدينة لا ينكر فضلها
وأما قوله "تنفي خبثها وينصع طيبها" فمعناه أنها تنفي حثالة الناس ورذالتهم ولا يبقى فيها إلا الطيب الذي اختاره الله عز وجل لصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم والخبث رذالة الحديد ووسخه الذي لا يثبت عند النار
وأما قوله "وينصع" فإنه يعني يبقى ويثبت ويظهر وأصل النصوع في الألوان البياض يقال أبيض ناصع ويقق كما يقال

(12/229)


أحمر قانئ وأسود حالك وأصفر فاقع والمراد بهذه الكلمات الثبوت والصحة والناصع الخالص السالم قال النابغة الذبياني
أتاك بقول هلهل النسج كاذب
...
ولم يأت بالحق الذي هو ناصع
أي خالص سالم من الاختلاف وأما الخبث فلا يثبت وما لا يثبت فليس ظهوره بظهور
وشبه رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة في ذلك الوقت بالكير والنار الذي لا يبقى على عمله إلا طيبه ويدفع الخبث
وكذلك كانت المدينة لا يبقى فيها ولا يثبت إلا الطيب من الناس لصحبته صلى الله عليه وسلم وللفهم عنه فلما مات خرج عنها كثير من جلة أصحابه لنشر علمه والتبليغ لدينه صلى الله عليه وسلم
فإن قيل إن عمر بن عبدالعزيز قد خشي أن يكون ممن نفت المدينة وليس ذلك في المعنى الذي ذكرت من

(12/230)


صحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم والأخذ عنه بل ذلك لفضل المدينة الباقي إلى يوم القيامة
قيل له لا ينكر فضل المدينة عالم ولكن قوله "تنفي خبثها وينصع طيبها" ليس إلا على ما قلنا بدليل خروج الفضلاء الصحابة الطيبين منها إلى الشام والعراق ولا يجوز أن يقال في واحد منهم إنهم كانوا خبثاء رضي الله عنهم
وقد يقول العالم القول على الإشفاق على نفسه فلا يكون في ذلك حجة على غيره
قال أبو عمر: كان خروج عمر بن عبد العزيز من المدينة حين قال هذا القول فيما ذكر أهل السير في شهر رمضان من سنة ثلاث وتسعين وذلك أن الحجاج كتب إلى الوليد فيما ذكروا أن عمر بن عبد العزيز بالمدينة كهف للمنافقين فجاوبه الوليد إني أعزله فعزله وولى عثمان بن حيان المري وذلك في شهر رمضان المذكور فلما صار عمر بالسويداء قال لمزاحم يا مزاحم أتخاف أن تكون ممن نفت المدينة؟
وقال ميمون بن مهران ما رأيت ثلاثة في بيت خيرا من عمر بن عبد العزيز وابنه عبد الملك ومولاه مزاحم

(12/231)


حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا هارون بن معروف قال حدثنا ابن وهب قال أخبرني عمرو بن الحارث عن أبي شهاب أن عمرو بن عبد الرحمن بن أمية حدثه أن أباه أخبره أن يعلى بن أمية قال "جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبي أمية يوم فتح فقلت يا رسول الله بايع أبي على الهجرة فقال "أبايعه على الجهاد وقد انقطعت الهجرة"
وأخبرنا عبد الوارث قال حدثنا قاسم قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا محمد بن الصباح قال حدثنا إسماعيل بن زكريا عن عاصم عن أبي عثمان قال حدثني مجاشع بن مسعود قال "أتيت النبي صلى الله عليه وسلم لأبايعه على الهجرة قال "قد مضت الهجرة لأهلها ولكن على الإسلام والجهاد والخير"

(12/232)


وذكر البخاري حدثنا إسحاق بن يزيد حدثنا يحيى بن حمزة حدثنا الأوزاعي عن عطاء بن أبي رباح قال زرت عائشة مع عبيد بن عمير فسألتها عن الهجرة فقالت "لا هجرة اليوم كان المؤمن يفر بدينه إلى الله عز وجل وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم مخافة أن يفتن عليه فأما اليوم فقد أظهر الله الإسلام فالمؤمن يعبد ربه حيث شاء ولكن جهاد ونية"

(12/233)


الحديث الثاني
...
حديث ثان لمحمد بن المنكدر
مالك عن محمد بن المنكدر عن أمية بنت رقيقة قالت "أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في نسوة بايعنه على الإسلام فقلنا يا رسول الله نبايعك على أن لا نشرك بالله شيئا ولا نسرق ولا نزني ولا نقتل أولادنا ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا ولا نعصيك في معروف فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "فيما استطعتن وأطقتن" قالت فقلنا الله ورسوله أرحم بنا من أنفسنا هلم نبايعك"

(12/235)


يا رسول الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إني لا أصافح النساء إنما قولي لمائة امرأة كقولي لامرأة واحدة أو مثل قولي لامرأة واحدة"
قال أبو عمر: لا خلاف عن مالك في إسناد هذا الحديث ومتنه عند أحد من رواته عنه فيما علمت وهكذا رواه الثوري عن محمد بن المنكدر سمع أمية بنت رقيقة مثل حديث مالك هذا سواء إلى آخره إلا أنه قال بعد قوله الله أرحم بنا من أنفسنا قالت فقلنا يا رسول الله ألا تصافحنا فقال إني لا أصافح النساء ثم ذكره سواء ورواه ابن عيينة عن محمد بن المنكدر مختصرا
في هذا الحديث من الفقه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يبايع الناس على الإسلام وشروطه وشرائعه ومعالمه على حسبما ذكرنا في الباب قبل هذا
وهذه البيعة على حسبما نص الله في كتابه وأنه لا يكلف الله نفسا إلا وسعها وكل ما كلفهم وافترض عليهم ففي وسعهم وطاقتهم ذلك كله وأكثر منه وأما قول رسول الله

(12/236)


صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث "فيما استطعتن وأطقتن" فإنما ذلك مردود إلى قولها ولا نعصيك في معروف فكل معروف يأمر به يلزمهن إذا أطقن القيام به
وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال "إذا أمرتكم بشيء فخذوا منه ما استطعتم" وهذا كله داخل تحت قوله عز وجل {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة:286]
وأما المعروف في هذا الحديث فجاء بلفظ النكرة فكل ما وقع عليه اسم معروف لزمهم وكان صلى الله عليه وسلم لا يأمر إلا بمعروف وقد قيل إن المعروف ههنا أن لا ينحن على موتاهن ولا يخلون رجل بامرأة
ذكر معمر عن قتادة قال أخذ عليهن أن لا ينحن ولا يخلون بحديث الرجال إلا مع ذي محرم
أخبرنا عبد الوارث بن سفيان قراءة مني عليه أن قاسم بن أصبغ حدثهم قال حدثنا ابن وضاح قال حدثنا موسى بن معاوية قال وكيع عن سفيان عن منصور عن سالم

(12/237)


في قوله ولا يعصينك في معروف قال النوح قال وحدثنا وكيع عن يزيد مولى الصهباء عن شهر بن حوشب عن أم سلمة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "النوح"
قال وحدثنا وكيع عن سفيان عن زيد بن أسلم ولا يعصينك في معروف قال لا ينشرن شعرا ولا يخدشن وجها ولا يدعون ويلا
قال وحدثنا وكيع عن أبي جعفر عن الربيع عن أبي العالية في قوله ولا يعصينك في معروف قال في كل شيء وافق طاعة ولم ير لنبيه عليه السلام أن يطاع في معصية

(12/238)


وقرأت على أحمد بن عبد الله بن محمد أن أبا محمد الحسن بن إسماعيل حدثهم قال حدثنا عبد الملك بن بحر حدثنا محمد بن إسماعيل بن سالم قال حدثنا سنيد بن داود قال حدثنا حجاج بن محمد عن أبي جعفر عن أبي العالية قال في كل شيء وافق الطاعة فلم يرض لنبيه صلى الله عليه وسلم أن يطاع في معصية فكيف بغيره
قال سنيد قال حدثنا حجاج عن ابن جريج عن عطاء الخراساني عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم اشترط عليهن فيما يمتحنهن به نياحة الجاهلية أن لا ينحن بها ولا يخلون بالرجال في البيوت
قال وحدثنا حجاج عن ابن جريج عن مجاهد في قوله "ولا يعصينك في معروف" قال "لا يخلو الرجل بالمرأة"
قال حدثنا حجاج عن ابن جريج عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت كان المؤمنات إذا هاجرن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يمتحنهن بهذه الآية {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ

(12/239)


الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً} [الممتحنة:12] ولا ولا ولا قالت عائشة فمن أقر من المؤمنات بهذا فقد أقر بالمحنة فإذا أقررن بذلك قال لهن انطلقن فقد بايعتكن
قالت عائشة لا والله ما مست امرأة قط يده غير أنه يبايعهن بالكلام
قال وحدثنا حجاج عن ابن جريج قال أخبرني موسى بن عقبة عن محمد بن المنكدر أنه سمع أميمة بنت رقيقة تزعم أنها بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم فاشترط عليها ما اشترط على المؤمنات في كتاب الله ثم قال فيما أطقت يا رقيقة
قال وحدثنا حجاج عن ابن جريج في قوله "ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن" قال كانت المرأة في الجاهلية تلد الجارية فتأخذ الغلام فتجعله في مكانها وتقول لزوجها هو ولدك
قال وحدثنا سنيد قال حدثنا هشيم قال أخبرنا هشام عن حفصة بنت سيرين عن أم عطية قالت أخذ علينا

(12/240)


رسول الله صلى الله عليه وسلم "ولا يعصينك في معروف" ومن المعروف أن لا ينحن قالت فلما وفت امرأة منهن إلا امرأتين أم سليم وابنة الربيع
قال وحدثنا هشيم قال أخبرنا يونس عن الحسن قال كان فيما أخذ عليهن أن لا يتحدثن مع الرجال إلا أن يكون محرما فإن الرجل قد تلاطفه المرأة في الكلام فيمنى في فخذه
حدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن وضاح قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا أبو معاوية عن عاصم عن حفصة عن أم عطية قالت لما نزلت {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ إلى قوله وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ} [الممتحنة:12] قالت وكانت منه النياحة فقالت يا رسول الله إلا آل فلان فإنهم كانوا أسعدوني في الجاهلية فلا بد أن أسعدهم فقال "إلا آل فلان"
وأخبرنا أحمد بن محمد قال حدثنا أحمد بن الفضل قال حدثنا أحمد بن الحسن بن عبد الجبار الصوفي سنة اثنتين وثلاثمائة

(12/241)


قال حدثنا يحيى بن معين قال حدثنا زكرياء بن يحيى بن عمارة عن عبدالعزيز بن صهيب عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ثلاثة لن يزلن في أمتي التفاخر في الأحساب والنياحة والأنواء"
زكريا بن يحيى هذا ثقة روى عنه أيضا مسلم بن إبراهيم وعبد الأعلى بن حماد وعمرو بن علي وأخبرنا عبيد بن محمد قال حدثنا عبد الله بن مسرور قال حدثنا عيسى بن مسكين قال حدثنا محمد بن سنجر قال حدثنا أسباط عن هشام عن حفصة عن أم عطية قالت بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن لا ننوح فما وفى منا إلا خمس سماهن هشام منهن أم سليم
قال أبو عمر: وفي حديثنا المذكور في هذا الباب حديث مالك عن محمد بن المنكدر عن أميمة عن النبي صلى الله عليه وسلم

(12/242)


في قوله "إني لا أصافح النساء" دليل على أنه لا يجوز لرجل أن يباشر امرأة لا تحل له ولا يمسها بيده ولا يصافحها وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال "لا يخلون رجل بامرأة فإن الشيطان ثالثهم"
وفي قوله صلى الله عليه وسلم "إني لا أصافح النساء" دليل على أنه كان يصافح الرجال عند البيعة وغيرها صلى الله عليه وسلم ولو كان لا يرى المصافحة لقال إني لا أصافح أحدا ألا ترى إلى الحديث المروي عن عثمان رحمه الله أنه قال ما تغنيت ولا تمنيت ولا مسست ذكري بيميني منذ بايعت بها رسول الله صلى الله عليه وسلم
وقد ذكرنا دخول المصافحة في المبايعة عند ذكرنا حديث البيعة في باب عبد الله بن دينار من هذا الكتاب وذكرنا هناك من الآثار في ذلك ما يكفي
وقد أخبرنا خلف بن قاسم حدثنا أحمد بن صالح بن عمر المقرئ حدثنا أحمد بن جعفر بن محمد المنادي حدثنا جعفر بن شاكر حدثنا قبيصة حدثنا سفيان عن ابن جريج عن عطاء قال كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يصافح النساء
قال وقد حدثنا سفيان بن المنصور عن إبراهيم قال كان النبي صلى الله عليه وسلم يصافح النساء وعلى يده ثوب

(12/243)


قال وحدثنا سفيان عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا بايع لا يصافح النساء إلا وعلى يده ثوب
وحدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن اصبغ قال حدثنا محمد بن وضاح قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا عيسى بن يونس عن المقدام بن ثابت عن شهر بن حوشب عن أسماء بنت يزيد قالت أتيت النبي صلى الله عليه وسلم أنا وابنة عم لي لنبايعه فقال "إني لا أصافح النساء"
وحدثنا سلمة بن سعيد قال حدثنا علي بن عمر الحافظ قال حدثنا محمد بن سليمان بن محمد الباهلي قال حدثنا عبد الله بن عبد الصمد بن أبي خراش قال حدثنا عيسى بن يونس عن مقدام بن ثابت أبي المقدام عن شهر بن حوشب عن أسماء بنت يزيد قالت أتيت النبي صلى الله عليه وسلم أنا وابنة عم لي نبايعه فقال "إني لا أصافح النساء"
قال أبو الحسن علي بن عمر مقدام بن ثابت أخو عمر بن ثابت وأبوهما ثابت بن هرمز يكنى أبا المقدام حدث عن سعيد بن المسيب وغيره روى عنه الحكم بن عتيبة وشعبة والثوري وغيرهم وله أخ يكنى أبا عبيدة يحدث عن أبي بردة

(12/244)


ابن أبي موسى ورى عنه ابن أخيه عمر بن ثابت ومقدام بن ثابت هذا غريب الحديث يحدث عن شهر بن حوشب وأبي هارون العبدي ولم يرو عنه هذا الحديث غير عيسى بن يونس
وقد روى ابن وهب وإبراهيم بن طهمان وسعيد بن داود الزبيري جميعا عن مالك عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة في بيعة النساء قالت ما مس رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده يد امرأة قط إلا أن يأخذ عليها فإذا أخذ عليها فأعطته قال "اذهبي فقد بايعتك"
وهذا ليس في الموطأ عند أحد من رواته فيما علمت وقد روى يحيى بن معين عن معن بن عيسى عن مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت لم يصافح رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة قط
حدثنا خلف بن القاسم حدثنا أبو أحمد بن المفسر الدمشقي قال حدثنا أحمد بن علي قال حدثنا يحيى بن معين فذكره وهذا حديث لا أعلم أحدا حدث بن غير ابن معين وقد وهم في إسناده وغلط ذكره النسائي
قال حدثنا معاوية بن صالح قال حدثنا يحيى بن معين فذكره والصواب في الحديث ما في موطأ مالك عن ابن المنكدر

(12/245)


وحدثنا عبد الله بن محمد بن يحيى قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا أبو خالد وابن نمير عن الأجلح عن أبي إسحاق عن البراء أنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ما من مسلمين يلتقيان فيتصافحان إلا غفر لهما قبل أن يفترقا"
وروى أبو الحكم العنزي عن البراء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "إذا التقى المسلمان فتصافحا وحمدا الله واستغفراه غفر لهما"
وحماد بن سلمة عن ثابت عن أنس قال لما جاء أهل اليمن قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "قد جاءكم أهل اليمن وهم أول من جاء بالمصافحة"
وحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا ابن وضاح قال حدثنا يعقوب بن كعب قال حدثنا مبشر بن إسماعيل عن حسان بن نوح عن عبد الله بن بسر

(12/246)


قال ترون يدي هذه صافحت بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر الحديث
ومبايعة الرجال كانت كمبايعة النساء على ما في حديث عبادة ذكره البخاري قال حدثنا أبو اليمان حدثنا شعيب عن الزهري قال أخبرني أبو إدريس عائذ الله بن عبد الله أن عبادة بن الصامت وكان قد شهد بدرا وهو أحد النقباء قال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وحوله عصابة من أصحابه "بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئا ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا أولادكم ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم ولا تعصوا في معروف فمن وفى منكم فأجره على الله ومن أصاب من ذلك شيئا فعوفي به فهو كفارة له ومن أصاب من ذلك شيئا ثم ستره الله عليه فهو إلى الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عاقبه" فبايعناه على ذلك
حدثنا عبد الوارث قال حدثنا قاسم قال حدثنا محمد بن الهشيم قال حدثنا سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي قال حدثنا إسماعيل

(12/247)


ابن عياش قال حدثنا هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن الزبير وعبدا لله بن جعفر أنهما بايعا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهما ابنا سبع سنين فلما رآهما رسول الله صلى الله عليه وسلم تبسم وبسط يده فبايعهما
حدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا إسماعيل بن إسحاق قال حدثنا ابن أبي أويس قال حدثنا أبي عن ابن شهاب أن عروة حدثه أن عائشة حدثته عن بيعة النساء قالت ما مس رسول الله صلى الله عليه وسلم يد امرأة قط إلا أن يأخذ عليها فإذا أخذ عليها فأعطته قال "إذهبي فقد بايعتك" وسيأتي في حديث عبد الله بن دينار في البيعة ما فيه زيادة بيان وكفاية إن شاء الله تعالى

(12/248)


الحديث الثالث
...
حديث ثالث لمحمد بن المنكدر
مالك عن محمد بن المنكدر وعن سالم أبي النضر مولى عمر بن عبد الله عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه أنه سمعه يسأل أسامة بن زيد ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم في الطاعون فقال أسامة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "الطاعون رجز أرسل على طائفة من بني إسرائيل أو على من كان قبلكم فإذا سمعتم به بأرض فلا تدخلوا عليه وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه"
قال مالك قال أبو النضر لا يخرجكم إلا فرار منه
قال أبو عمر: هكذا قال يحيى في هذا الحديث عامر بن سعد عن أبيه أنه سمعه يسأل أسامة وتابعه على ذلك من رواة الموطأ جماعة منهم مطرف وأبو مصعب ويحيى

(12/249)


ابن يحيى النيسابوري ولا وجه لذكر أبيه في ذلك لأن الحديث إنما هو لعامر بن سعد عن أسامة بن زيد سمعه منه وكذلك رواه معن بن عيسى وابن بكير ومحمد بن الحسن وجماعة سواهم عن مالك ولم يقولوا عن أبيه وقد جوده القعنبي فروى عن مالك عن محمد بن المنكدر عن عامر بن سعد بن أبي وقاص أن أخبره أن أسامة بن زيد أخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "الطاعون رجز" وذكر الحديث لعامر عن أسامة لم يقل فيه عن أبيه ولا ذكر أبا النضر مع محمد بن المنكدر وسائر رواة الموطأ يجمعون فيه عن مالك أبا النضر ومحمد بن المنكدر جميعا كما روى يحيى

(12/250)


وقد روى قوم هذا الحديث عن عامر بن سعد عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو عندي وهم لا يصح والله أعلم ممن رواه كذلك
حدثنا عبد الوارث بن سفيان حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا بكر بن حماد حدثنا مسدد حدثنا عبد الواحد بن زياد عن معمر عن الزهري عن عامر بن سعد عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ذكر الطاعون فقال "وجع أرسل على من كان قبلكم" الحديث
وهذا مما حدث به معمر بالعراق وأهل الحديث يقولون إن ما حدث به معمر بالعراق من حفظه لم يقمه وأخطأ في كثير منه
والدليل على أن هذا مما أخطأ فيه والله أعلم ما حدثنا خلف بن قاسم قال حدثنا ابن أبي العقب قال حدثنا أبو زرعة قال حدثنا أبو اليمن قال حدثنا شعيب بن أبي حمزة عن الزهري قال حدثنا عامر بن سعد أنه سمع أسامة بن زيد وهو يحدث سعد بن أبي وقاص أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر هذا الوجع وساق الحديث بمعناه

(12/251)


وهذا هو الصحيح فيه لعامر عن أسامة لا عن أبيه والله أعلم وقد رواه يزيد بن الهادي عن محمد بن المنكدر عن عامر بن سعد عن أسامة لا عن سعد
أخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن قال حدثنا محمد بن عثمان الصيدلاني قال حدثنا إسماعيل بن إسحاق قال حدثنا إبراهيم بن حمزة قال حدثنا عبدالعزيز بن أبي خازم عن يزيد بن عبدا لله بن الهادي عن محمد بن المنكدر عن عامر بن سعد عن أسامة بن زيد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ذكر الطاعون عنده فقال "إنه رجس أو رجز عذبت به أمة من الأمم وقد بقيت منه بقايا فإذا سمعتم به بأرض فلا تدخلوا عليه وإذا وقع بأرض وأنتم فيه فلا تفروا منه" فقال محمد بن المنكدر فحدثت هذا الحديث عمر بن عبد العزيز فقال هكذا حدثنيه عامر بن سعد
وقد رواه عبد الحميد بن جعفر عن داود بن عامر بن سعد عن أبيه عن جده قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إذا وقع الطاعون بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا منها وإذا كان بغيرها ولستم بها فلا تدخلوها" وهذا الإسناد ليس بحجة لمخالفة الحفاظ لداود بن عامر في ذلك
وممن خالفه فيه ابن شهاب ومحمد بن المنكدر وعمرو بن دينار وهؤلاء لا نظير لهم في الحفظ والإتقان وليس داود بن عامر ممن يلحق بهم

(12/252)


وحدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا ابن وضاح حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا سفيان بن عيينة عن عمرو سمع عامر بن سعد قال جاء رجل إلى سعد فسأله عن الطاعون فقال أسامة أنا أخبرك سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "إذا هجم الطاعون وأنتم بأرض فلا تخرجوا فرارا منه وإذا سمعتم به بأرض فلا تدخلوها"
فإن قيل قد رواه أبو حذيفة عن الثوري عن محمد بن المنكدر عن عامر بن سعد عن سعد عن النبي صلى الله عليه وسلم قيل له نعم وهو عندنا من حديث علي بن عبد العزيز عن أبي حذيفة موسى بن مسعود كذلك ولكنه خطأ وكان أبو حذيفة كثير الوهم والخطأ في حديثه عن الثوري وقد ذكره ابن أبي شيبة عن عبد الله بن نمير عن سفيان الثوري عن محمد بن المنكدر عن عامر بن سعد عن أسامة بن زيد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن هذا الطاعون رجز سلط على من كان قبلكم" الحديث
وهذا يشهد لما قلناه من خطأ أبي حذيفة فإن قيل إن أسد بن موسى حدث بهذا الحديث عن ابن لهيعة عن الأعرج عن أشعث بن إسحاق بن سعد بن أبي وقاص أن سعدا كان إذا جاءه أسامة بن زيد لم يقربهما أحد فجاء عامر بن سعد فقعد إليهما

(12/253)


فقال أسامة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إذا سمعتم بالطاعون بأرض فلا تدخلوها وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا منها فرارا" فقال سعد لأسامة أنت سمعت هذا قال نعم مرتين فقال سعد وأنا قد سمعته قبل هذا حديث لا يحتج به من ميز أقل شيء من طرق الأحاديث لأنه خبر منقطع ضعيف وابن لهيعة أكثر أهل العلم لا يقبلون شيئا من حديثه ومنهم من يقبل منه ما حدث به قبل احتراق كتبه ولم يسمع منه فيما ذكروا قبل احتراق كتبه إلا ابن المبارك وابن وهب لبعض سماعه
وأما أسد ومثله فإنما سمعوا منه بعد احتراق كتبه وكان يملي من حفظه فيخطئ ويخلط وليس بحجة عند جميعهم وحديثه هذا أيضا مع ضعفه منقطع وأحاديث الحفاظ الثقات بخلافه
حدثنا خلف بن قاسم قال حدثنا عبد الله بن جعفر بن الورد قال حدثنا يوسف بن يزيد قال حدثنا أسد بن موسى قال حدثنا سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار قال سمعت عمرو بن سعد بن أبي وقاص قال جاء رجل إلى سعد فسأله عن الطاعون وعنده أسامة بن زيد فقال أسامة أنا أخبرك سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "إن

(12/254)


هذا الطاعون رجز أو عذاب أرسل على من كان قبلكم أو على طائفة من بني إسرائيل فإذا وقع بأرض فلا تدخلوها وإذا وقع وأنتم بها فلا تخرجوا منها فرارا"
ورواية أسد لهذا الحديث عن ابن عيينة بخلاف روايته له عن ابن لهيعة دليل على ضبط أسد فإن قيل أن أبا خالد الأحمر روى عن عكرمة بن خالد المخزومي عن يحيى بن سعيد عن أبيه عن سعد أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول "الطاعون رجز أصيب به من كان قبلكم" الحديث
وفيه سماع سعد له من النبي صلى الله عليه وسلم قيل وهذا أيضا حديث ضعيف الإسناد ترده أحاديث الحفاظ لأن سعدا لو كان عنده فيه سماع من النبي عليه السلام ما احتاج أن يسأل أسامة بن زيد عن ذلك في حديث مالك عن محمد بن المنكدر عن عامر بن سعد أنه سمع أباه يسأل أسامة بن زيد ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم في الطاعون وفي حديث ابن عيينة عن عمرو بن دنيار عن عامر بن سعد أنه سمع أسامة بن زيد يقول لأبيه سعد بن أبي وقاص في حديث الطاعون أنا أخبرك بذلك فإن قيل إن وكيع بن الجراح روى عن سفيان عن حبيب بن أبي ثابت عن إبراهيم بن

(12/255)


سعد بن أبي وقاص عن أبيه وأسامة بن زيد وحذيفة قالوا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن هذا الطاعون رجز الحديث قيل لقائل ذلك هذا إسناد آخر غير إسناد عامر بن سعد وهذا الإسناد أيضا الصحيح فيه أن الحديث لإبراهيم بن سعد عن أسامة بن زيد وحده كذلك روى شعبة وأبو إسحاق الشيباني عن حبيب بن أبي ثابت وكذلك رواه جماعة عن الثوري وقد اضطرب فيه وكيع فمرة رواه هكذا ومرة جعله عن إبراهيم بن سعد عن أبيه وأسامة وحذيفة بن ثابت مكان حذيفة وأصحاب الثوري يخالفونه في ذلك فسقط الاحتجاج بروايته فيه
وأما حديث شعبة فحدثنا أحمد بن قاسم بن عيسى المقرئ قال حدثنا عبيد الله بن محمد بن حبابة قال حدثنا عبد الله بن محمد بن عبدالعزيز البغوي قال حدثنا علي بن الجعد قال حدثنا شعبة قال حدثنا حبيب بن أبي ثابت قال سمعت إبراهيم بن سعد بن أبي وقاص يقول سمعت أسامة بن زيد يحدث سعدا أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "إذا سمعتم به بأرض فلا تدخلوها وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا منها" قال حبيب قلت لإبراهيم بن سعد أنت سمعت أسامة يحدث سعدا وهو جالس لا ينكره قال نعم

(12/256)


أخبرنا عبد الله بن محمد قال أخبرنا أحمد بن إبراهيم بن جامع قال حدثنا علي بن عبدالعزيز قال حدثنا عمرو بن عون قال حدثنا خالد بن عبد الله عن أبي إسحاق الشيباني عن حبيب بن أبي ثابت عن إبراهيم بن سعد بن أبي وقاص عن أسامة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن هذا الوجع رجز" وذكر الحديث
هذا ما يجيء على مذهب أهل الحديث في تهذيب إسناد هذا الخبر على أنه قد يمكن أن يكون سعد قد سمع ما سمع أسامة منه ولكن الحكم ما ذكرنا والله أعلم
وأما قوله في هذا "الطاعون رجز" فالطاعون معلوم وقد مضى في تفسير معناه في باب ابن شهاب عن عبد الله بن عامر بن ربيعة ما فيه كفاية ومضت هناك أخبار في الطاعون حسان لا معنى لذكر شيء منها معادا ههنا
أخبرنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا عيسى بن أبي ذكويه المعروف بالدعاث قال حدثنا فروة بن أبي المعزى قال حدثنا علي بن مسهر عن يوسف بن

(12/257)


ميمون عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عمر عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فناء أمتي بالطعن والطاعون قلت الطعن قد عرفناه فما الطاعون قال غدة كغدة البعير تخرج في المراق والآباط من مات منه مات شهيدا وذكر تمام الخبر
وأما الرجز فالعذاب لا يختلف في ذلك أهل العلم باللسان من ذلك قوله {فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ} [الأعراف:135] وهو كثير وقد يكون الرجس والرجز سواء والرجز النجاسة والرجز أيضا عبادة الأوثان دليل ذلك قوله عز وجل {وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ} [المدثر:5] ولا وجه لذكر الرجز في هذا الحديث إلا العذاب وكل ما ابتلي به الإنسان من الأوجاع والمحن والشيب وغير ذلك فهو من العذاب وقد قيل في الأدنى يوم بدر وقال {وَلَوْلا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا} [الحشر:3] هذا كله وما أشبهه من العذاب والله أعلم

(12/258)


وأما قوله "أرسل على بني إسرائيل أو على من كان قبلكم" فالشك من المحدث هل قال رسول الله صلى الله عليه وسلم على بني إسرائيل أو قال أرسل على من قبلكم والمعنى والله أعلم أن الطاعون أول ما نزل في الأرض فعلى طائفة من بني إسرائيل قبلنا وأما نهيه عن القدوم عليه وعن الفرار منه فلئلا يلوم أحدهم بعد ذلك نفسه إن مرض منه فمات أو يقول غيره لو لم يقدم عليه أو فر منه لنجا ونحو هذا فيلومون أنفسهم فيما لا لوم عليهم فيه لأن الباقي والناهض لا يتجاوز أحد منهم أجله ولا يستأخر عنه وفيه جاء النهي عن اللوم مطلقا يعني قولهم لو كان كذا لم يكن كذا ويقال إنه ما فر أحد من الطاعون فنجا حدثنا محمد بن عبد الملك قال أخبرنا عبد الله بن مسرور حدثنا عيسى بن مسكين حدثنا ابن سنجر حدثنا عارم حدثنا داود بن أبي الفرات قال أخبرنا عبد الله بن بريدة عن يحيى بن يعمر عن عائشة حدثته أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الطاعون فأخبرها نبي الله صلى الله عليه وسلم "أنه كان عذابا بعثه الله على من يشاء فجعله الله رحمة للمؤمنين فليس من عبد يقع الطاعون بأرض فيثبت ولا يخرج

(12/259)


ويعلم أنه لن يصيبه إلا ما كتب الله له إلا كان له مثل أجر شهيد"
وقد ذكرنا أخبارا في باب ابن شهاب عن عبد الله بن عامر في الفرار عن الطاعون لا وجه لتكريرها ههنا وفيه عندي والله أعلم النهي عن ركوب الغرر والمخاطرة بالنفس والمهجة لأن الأغلب في الظاهر أن الأرض الوبيئة لا يكاد يسلم صاحبها من الوباء فيها إذا نزل بها فنهوا عن هذا الظاهر إذ الآجال والآلام مستورة عنهم ومن هذا الباب أيضا قوله لا يحل الممرض على المصح ثم قال عند حقيقة الأمر فمن أعدى الأول؟
وأما قول أبي النضر في هذا الحديث "لا يخرجكم إلا فرارا منه" وكذا قال يحيى وغيره عن مالك فسيأتي القول فيه في باب أبي النضر إن شاء الله تعالى

(12/260)


الحديث الرابع
...
حديث رابع لمحمد بن المنكدر
مالك عن محمد بن المنكدر عن سعيد بن جبير عن رجل عنده رضي أنه أخبره أن عائشة أم المؤمنين أخبرته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "ما من امرئ تكون له صلاة بليل يغلبه عليها نوم إلا كتب الله له أجر صلاته وكان نومه عليه صدقة"
هكذا روى هذا الحديث جماعة الرواة عن مالك فيما علمت والرجل الرضي عند سعيد بن جبير قيل أنه الأسود بن يزيد والله أعلم
حدثنا محمد بن إبراهيم قال حدثنا محمد بن معاوية قال حدثنا أحمد بن شعيب قال حدثنا أبو داود قال حدثنا

(12/261)


محمد بن سليمان بن أبي داود قال كان يقال له بومة ليس به بأس وأبوه ليس بثقة ولا مأمون قال حدثنا أبو جعفر الرازي عن محمد بن المنكدر عن سعيد بن جبير عن الأسود بن يزيد عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من فاتته صلاة صلاها من الليل فنام عنها كان ذلك صدقة تصدق الله عليه وكتب له أجر صلاته"
وأما سعيد بن جبير فهو مولى لبني والبة من بني أسد يكنى أبا عبد الله كان شديد السمرة وكتب لعبد الله بن عتبة بن مسعود ثم كتب لأبي بردة وهو على القضاء وقد كان الحجاج ولاه قضاء الكوفة فضج أهل الكوفة وقالوا لا يصلح للقضاء مولى ولا يصلح إلا رجل عربي فاستقضى الحجاج حينئذ أبا بردة وأمره أن لا يقطع أمرا دون سعيد بن جبير وكان أبو بردة على القضاء وبيت المال وكان سعيد يكتب له ثم خرج مع ابن الأشعث وكان يقول والله ما خرجت على الحجاج حتى كفر فلما انهزم أصحاب ابن الأشعث بدير الجماجم هرب سعيد بن جبير إلى

(12/262)


مكة فأخذه خالد بن عبد الله القسري وكان واليا للوليد على مكة فبعث به إلى الحجاج فقتله وذلك في سنة أربع وتسعين وهو ابن ثمان وأربعين سنة ومات الحجاج بعده بيسير قيل شهر وقيل شهرين وقيل ستة أشهر ولم يقتل بعده فيما قال ضمرة أحدا
وأما الأسود بن يزيد النخعي فيكنى أبا عبد الرحمن بابنه عبد الرحمن مات سنة خمس وسبعين وكان فاضلا عابدا مجتهدا حج من بين حجة وعمرة ستين وقيل ثمانين
وروى سفيان عن أبي إسحاق قال قالت عائشة أم المؤمنين ما بالعراق أحد أعجب إلي من الأسود وقد جاء عن أبي الدرداء مرفوعا وموقوفا مثل حديث عائشة هذا
روى حبيب بن أبي ثابت عن عبدة بن أبي لبابة عن سويد بن غفلة عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "من أتى فراشه وهو ينوي أن يقوم يصلي من الليل فغلبته عينه حتى يصبح كتب الله له ما نوى وكان نومه صدقة عليه من ربه"

(12/263)


وذكر البزار قال حدثنا حميد بن الربيع حدثنا حسين بن علي حدثنا زائدة عن عبدة بن أبي لبابة عن سويد بن غفلة عن أبي الدرداء يبلغ به النبي عليه السلام قال "من أتى فراشه وهو ينوي أن يقوم يصلي من الليل فغلبته عينه حتى يصبح كتب الله له ما نوى وكان نومه صدقة" روى الثوري وابن عيينة عن عبدة بن أبي لبابة عن سويد بن غفلة عن أبي ذر وأبي الدرداء جميعا موقوفا
وفي هذا الحديث ما يدل على أن المرء يجازى على ما نوى من الخير وإن لم يعمله كما لو أنه عمله وأن النية يعطى عليها كالذي يعطى على العمل إذا حيل بينه وبين ذلك العمل وكانت نيته أن يعمله ولم تنصرف نيته حتى غلب عليه بنوم أو نسيان أو غير ذلك من وجوه الموانع فإذا كان ذلك كتب له أجر ذلك العمل وإن لم يعمله فضلا من الله ورحمة جازى على العمل ثم على النية إن حال دون العمل حائل وفي مثل هذا الحديث والله أعلم جاء الحديث "نية المؤمن خير من عمله"

(12/264)


حدثنا خلف بن القاسم قال حدثنا أبو طالب العباس بن أحمد بن سعيد بن مقاتل بن صالح مولى عبد الله بن جعفر قال حدثنا موسى بن إسماعيل بن موسى بن جعفر بن محمد قال حدثنا أبي عن أبيه عن جده جعفر بن محمد عن أبيه عن جده علي بن حسين عن أبيه عن علي بن أبي طالب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "نية المؤمن خير من عمله ونية الفاجر شر من عمله وكل يعمل على نيته"
ومعنى هذا الحديث والله أعلم أن النية بغير عمل خير من العمل بلا نية وتفسير ذلك أن العمل بلا نية لا يرفع ولا يصعد فالنية بغير عمل خير من العمل بغير نية لأن النية تنفع بلا عمل والعمل بلا نية لا منفعة فيه ويحتمل أن يكون المعنى فيه نية المؤمن في الأعمال الصالحة أكثر مما يقوى عليه منه ونية الفاجر في الأعمال السيئة أكثر مما يعمله منها ولو أنه يعمل ما نوى في الشر أهلك الحرث والنسل ونحو هذا والله أعلم
ويدل هذا الحديث على أن المؤمن قد يقع منه عمل بغير نية فيكون لغوا وهو مع ذلك مؤمن ويدل أيضا على أن المؤمن قد ينوي من الأعمال ما لا يعان عليه وأن الفاجر قد ينوي من الأعمال ما يعصم منه ولا يصل إليه وقد روى أبو هريرة

(12/265)


عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يعارض ظاهره هذا الحديث وليس بمعارض له إذا حمل على ما وصفنا والله أعلم
حدثنا أحمد بن محمد حدثنا أحمد بن الفضل حدثنا محمد بن جرير حدثنا كريب حدثنا أبو خالد الأحمر عن هشام بن حسان عن ابن سيرين عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة ومن هم بحسنة فعملها كتبت له عشرا إلى سبعمائة ومن هم بسيئة فلم يعملها لم تكتب عليه فإن عملها كتبت
حدثنا أحمد بن محمد قال حدثنا أحمد بن الفضل الدينوري قال حدثنا محمد بن جرير حدثنا محمد بن بشار حدثنا يحيى بن سعيد حدثنا الحسن بن ذكوان عن أبي رجاء عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "من هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة واحدة وإن عملها كتبت له عشرا وإن هم بسيئة فلم يعملها كتبت له حسنة" قال قلت أنت سمعت ابن عباس يقول لم يعملها كتبت له حسنة قال نعم.
قال أبو عمر: حديث ابن عباس مخالف لحديث أبي هريرة في هذا الموضع ويحتمل أن يكون ذلك فيمن هم بسيئة فتركها خوف الله فقد روي عن ابن عباس ومجاهد

(12/266)


وإبراهيم في قول الله عز وجل {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} [الرحمن:46] هو الرجل يهم بالمعصية ثم يتركها لخوف المقام بين يدي الله عز وجل
حدثنا عبد الوارث بن سفيان قراءة مني عليه أن قاسم بن أصبغ حدثهم قال حدثنا عبيد بن عبد الواحد البزار قال حدثنا محبوب بن موسى قال حدثنا أبو إسحاق الفزاري عن حميد الطويل عن أنس بن مالك قال لما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة تبوك حين دنا من المدينة قال إن بالمدينة أقواما ما سرتم مسيرا ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم قالوا وهم بالمدينة قال نعم حبسهم العذر هذا أبين شيء فيما قلنا لأن هؤلاء لما نووا الجهاد وأرادوه وحبسهم العذر كانوا في الأجر كمن قطع الأودية والشعاب مجاهدا بنفسه وهذا أشبه الأسباب بالذي عليه النوم فمنعه من صلاة كان قد عزم عليها ونوى القيام إليها

(12/267)


وهذا الحديث لم يسمعه حميد من أنس حدثنا عبد الله بن محمد حدثنا محمد بن بكر حدثنا أبو داود حدثنا موسى بن إسماعيل قال حدثنا حماد عن حميد عن موسى بن أنس عن أبيه أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "لقد تركتم بالمدينة أقواما ما سرتم مسيرا ولا أنفقتم من نفقة ولا قطعتم من واد إلا وهم معكم قالوا يا رسول الله وكيف يكونون معنا وهم في المدينة قال حبسهم العذر وقال الله عز وجل {لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ} [النساء:95]
حدثنا أحمد بن قاسم حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا الحارث بن أبي أسامة حدثنا يزيد بن هارون وحدثنا عبد الوارث قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا بكر حدثنا مسدد قال حدثنا هشيم قالا جميعا أخبرنا العوام بن حوشب قال حدثنا إبراهيم بن عبد الرحمن السكسكي أبو إسماعيل أنه سمع أبا بردة بن أبي موسى سمع أبا موسى يقول سمعت رسول الله

(12/268)


صلى الله عليه وسلم يقول غير مرة ولا مرتين "من كان له عمل يعمله فشغله عنه مرض أو سفر فإنه يكتب له كصالح ما كان يعمل وهو صحيح مقيم" دخل حديث بعضهما في بعض
وقد مضى في باب زيد بن أسلم قوله صلى الله عليه وسلم في المريض "إنه يكتب له أجر ما كان يعمله في صحته ما دام في وثاق مرضه" وذكر سنيد قال حدثنا شريك عن عاصم بن أبي رزين عن ابن عباس في قوله {ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ} [التين:5] إلى أرذل العمر {إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} [الشعراء:227] قال إذا كبر ولم يطق العمل كتب له ما كان يعمل قال وحدثنا وكيع عن سفيان عن حماد عن إبراهيم بمثله قال إذا كبر ولم يطق العمل كتب له ما كان يعمل في قوته قال وحدثنا حماد عن داود عن عكرمة عن ابن عباس في هذه الآية قال إذا كبر وعجز يجرى عليه أجر ما كان يعمل في شبيبته غير ممنون هذا توضيح أيضا

(12/269)


ما قلنا وقد يدخل مما في الموطأ في هذا الباب حديث مالك عن داود بن الحصين عن الأعرج عن عبد الرحمن بن عبد الباري عن عمر قال من فاته حزبه من الليل فقرأه حين تزول الشمس إلى صلاة الظهر فإنه لم يفته وهذا وإن كان فيه عمل فمعلوم أن صلاة الليل والقيام بالأسمار أفضل من النافلة بالنهار فعلى هذا المعنى يدخل في هذا الحديث ومثله قول رسول الله صلى الله عليه وسلم "من جهز غازيا كان له مثل أجره" وهذا المعنى قد تقصيناه أيضا عند قوله عليه السلام "فإنه في صلاة ما كان منتظرا للصلاة" وأتينا هناك من البيان ما لا معنى لتكريره ههنا وأما حديث مالك عن داود عن الأعرج عن عبد الرحمن بن عبد الباري عن عمر فإن قوله فيه فقرأه حين تزول الشمس إلى صلاة الظهر وهم عندي والله أعلم ولا أدري أمن داود جاء أم من غيره لأن المحفوظ فيه عن عمر من حديث

(12/270)


ابن شهاب "من نام عن حزبه أو عن شيء من حزبه فقرأه ما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر كتب له كأنما قرأه" وقد اختلف في إسناده ورفعه عن ابن شهاب
فروى يونس بن يزيد عن ابن شهاب عن السائب بن يزيد وعبيد الله بن عبد الله عن عبد الرحمن بن عبد الباري عن عمر بن الخطاب عن النبي عليه السلام قال "من نام عن حزبه وعن شيء من حزبه فقرأه ما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر كتب كأنما قرأه من الليل" هكذا رواه ابن وهب وأبو صفوان عن يونس عن الزهري بإسناده مرفوعا
واسم أبي صفوان عبد الله بن سعيد مكي ثقة روى عنه الحميدي وكبار الناس ورواه معمر عن الزهري عن عروة عن عبد الرحمن بن عبد الباري عن عمر بن الخطاب موقوفا عليه قوله
وقد ذكر الدار قطني هذا الحديث في غرائب حديث مالك فقال حدثنا أبو بكر محمد بن الحسن بن محمد المقرئ النقاش من أصل كتابه حدثنا أحمد بن طاهر بن حرملة بن يحيى حدثنا جدي حرملة بن يحيى حدثنا عبد الله بن وهب أخبرنا مالك بن أنيس عن ابن شهاب عن السائب بن يزيد وعبيد الله بن عبد الله عن عبد الرحمن بن عبد الباري

(12/271)


عن عمر بن الخطاب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من نام عن حزبه أو عن شيء منه فقرأه ما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر كتب له كأنما قرأه من الليل" قال أبو الحسن لم يكتب من حديث مالك إلا من هذا الوجه وهو غريب عن مالك ومحفوظ من حديث يونس وعقيل عن الزهري قال وأحمد بن طاهر ليس بالقوي
قال أبو عمر: وهذا الوقت فيه من السعة ما ينوب عن صلاة الليل فيتفضل الله برحمته على من استدرك من ذلك ما فاته وليس من زوال الشمس إلى صلاة الظهر ما يستدرك فيه كل أحد حزبه وهذا بين والله أعلم.

(12/272)


الحديث الخامس
...
حديث خامس لمحمد بن المنكدر
مالك عن محمد بن المنكدر "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعي لطعام فقرب إليه خبز ولحم فأكل منه ثم توضأ ثم أتي بفضل ذلك الطعام فأكل منه ثم صلى ولم يتوضأ"
قال أبو عمر: هكذا هذا الحديث في الموطأ عند جميع الرواة فيما علمت مرسلا ورواه عمر بن إبراهيم الكردي وخالد بن يزيد العمري والقدامي كلهم عن مالك عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله مسندا وكلهم ضعيف لا يحتج بروايته عن مالك ولا عن غيره لضعفهم والصواب فيه عن مالك ما في الموطأ مرسلا وقد رواه ثقات عن محمد بن المنكدر عن جابر مسندا وسنذكر ما حضرنا ذكره من ذلك في هذا الكتاب إن شاء الله

(12/273)


وفيه من الفقه أن لا وضوء على من أكل مما مسته النار وأما قوله في هذا الحديث فأكل منه ثم توضأ فذلك والله أعلم إنما كان لحدث عنده أو للفضل فقد كان صلى الله عليه وسلم يتوضأ في الأغلب من أمره لكل صلاة ويدل ذلك على ما ذكرت لك ما ذكر في هذا الحديث أنه أتي بفضل ذلك الطعام فأكل منه ثم صلى ولم يتوضأ فلو كان وضوؤه من أجل الطعام أولا لكان قد توضأ آخرا من بقية ذلك الطعام إذ الحكم فيه واحد هذا ما لا يشك فيه ذو لب وفيه أيضا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يتوضأ أحيانا لكل صلاة
وفيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأكل في اليوم مرتين وربما أكثر وقد مضى القول والآثار وما للعلماء في هذا الباب من التنازع وما روي فيه عن السلف مستوعبا في باب زيد بن أسلم من كتابنا هذا فأغنى عن إعادته ههنا
وأما رواية من روى هذا الحديث عن محمد بن المنكدر مسندا متصلا فحدثنا عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن بن يحيى

(12/274)


قال حدثنا عبد الحميد بن أحمد بن عيسى بن الحسن الوراق قال حدثنا الخضر بن داود قال حدثنا أحمد بن محمد بن هانئ الأثرم الوراق قال حدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس قال حدثنا عبدالعزيز بن أبي سلمة قال أخبرنا محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله قال أتي النبي صلى الله عليه وسلم بشيء مما مست النار فأكل وتوضأ وصلى ثم أكل بعد ذلك مثل ذلك فصلى ولم يتوضأ
وأخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن قال حدثنا محمد بن بكر بن داسة قال حدثنا أبو داود قال حدثنا إبراهيم بن الحسن الخثعمي قال حدثنا حجاج قال ابن جريج أخبرني ابن المنكدر قال سمعت جابر بن عبد الله يقول قرب لرسول الله صلى الله عليه وسلم خبز ولحم فأكل منه ثم دعا بوضوء فتوضأ ثم صلى الظهر ثم دعا بفضل طعامه فأكل ثم قام إلى الصلاة ولم يتوضأ
وحدثنا عبد الله قال حدثنا محمد قال حدثنا أبو داود قال حدثنا موسى أبو عمران الرملي قال حدثنا علي بن عياش قال حدثنا شعيب بن أبي حمزة عن محمد بن المنكدر عن

(12/275)


جابر بن عبد الله قال كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما غيرت النار
قال أبو داود وهذا اختصار من الحديث الأول
وحدثنا محمد بن إبراهيم قال حدثنا محمد بن معاوية قال حدثنا أحمد بن شعيب قال أخبرني عمرو بن منصور قال حدثنا علي بن عياش قال حدثنا شعيب وهو ابن أبي حمزة عن محمد بن المنكدر قال سمعت جابر بن عبد الله قال كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما مست النار
وحدثنا أحمد بن قاسم بن عبد الرحمن قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا الحرث بن أسامة قال حدثنا العباس بن الفضل
وحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أحمد بن محمد البرتي قال حدثنا أبو معمر قالا حدثنا عبد الوارث قال أخبرنا محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله قال دخلت مع النبي صلى الله عليه وسلم على امرأة من الأنصار فذبحت له شاة فأكل ثم صلى ولم يتوضأ

(12/276)


ودخلت على أبي بكر بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم فقال أين شاتكم الوالد تطبخ لنا فأكل ثم صلى ولم يتوضأ
ودخلت على عمر بعد موت أبي بكر فأكل خبزا ولحما ثم صلى ولم يتوضأ
قال أبو عمر: قد روى هذا الحديث عن جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن محمد بن عقيل وعطاء بن أبي رباح وغيرهما وإنما ذكرنا في هذا الباب حديث ابن المنكدر خاصة مسندا توصيلا لمرسلات مالك وتبيانا لصحتها وبالله التوفيق
وأخبرنا عبد الله بن محمد بن يحيى قال حدثنا محمد بن يحيى بن عمر قال حدثنا علي بن حرب الطائي قال حدثنا سفيان بن عيينة عن محمد بن المنكدر عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم أكل لحما فصلى ولم يتوضأ وأن أبا بكر الصديق أكل كتفا فصلى ولم يتوضأ وأن عمر بن الخطاب أكل لحما فصلى ولم يتوضأ
قال أبو عمر: فهذه السنة الثابتة وعمل الخلفاء الراشدين فلا وجه عندي لما خالف ذلك من الآثار والأقوال والله المستعان

(12/277)


حدثنا عبدا لوارث بن سفيان ويعيش بن سعيد قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن الهيثم أبو الأحوص قال حدثنا عمرو بن عثمان بن كثير بن دينار الحمصي قال حدثنا عقبة بن علقمة البيروتي معافري عن الأوزاعي قال كان مكحول يتوضأ مما مست النار حتى لقي عطاء بن أبي رباح فأخبره عن جابر بن عبد الله أن أبا بكر أكل ذراعا أو كتفا ثم صلى ولم يتوضأ فقيل له أتركت الوضوء فقال لأن يقع أبو بكر من السماء فيتقطع أحب إليه من أن يخالف رسول الله صلى الله عليه وسلم
قال أبو عمر: بعمل الخلفاء بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الباب يوقف على الناسخ والمنسوخ فافهم وقد ذكر مالك في الموطأ عن أبي نعيم وهب بن كيسان عن جابر عن أبي بكر الصديق وعن ابن المنكدر وصفوان

(12/278)


ابن سليم عن محمد بن إبراهيم بن الحارث عن ربيعة بن عبد الله بن الهدير عن عمر بن الخطاب وعن ضمرة بن سعيد عن أبان بن عثمان عن عثمان وعن يحيى بن سعيد عن عبد الله بن عامر بن ربيعة عن أبيه "أنهم كانوا لا يتوضؤون مما مست النار"
وبلغه عن علي بن أبي طالب وعبد الله بن عباس مثل ذلك وقد ذكرنا في باب زيد بن أسلم من كتابنا هذا ما يشفي الناظر ويكفي والحمد لله.

(12/279)