Contents

الواجهة
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد
مقدمة
باب الألف
باب الثاء
باب الجيم
باب الحاء
باب الخاء
باب الدال
باب الراء
باب الزاي
تابع باب الزاء
تابع لحرف الزاء
تابع لحرف الزاء
باب الطاء
باب الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع حرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
باب النون
باب الصاد
باب الضاد
باب العين
تابع لحرف العين
تابع حرف العين
تابع لحرف العين
تابع لحرف العين
باب القاف
باب السين
باب الشين
باب الهاء
باب الواو
باب الياء
تابع باب الياء
باب الكني
باب بلاغات مالك ومرسلاته
باب مافي هذا الديوان من حديث مالك الذي ثبتت عليه أبوابه خاصة
الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج
الديباج - جزء 1
الديباج - جزء 2
الديباج - جزء 3
الديباج - جزء 4
الديباج - جزء 5
الديباج - جزء 6
المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج
المنهاج - مقدمة
المنهاج - الإيمان
المنهاج - الطهارة
المنهاج - الحيض
المنهاج - الصَّلَاة
المنهاج - المساجد ومواضع الصلاة
المنهاج - صلاة المسافرين وقصرها
المنهاج - بَاب صَلَاة الْجُمُعَة
المنهاج - بَاب صَلَاة الْعِيدَيْنِ
المنهاج - بَاب الدُّعَاء فِي صَلَاة الِاسْتِسْقَاء
المنهاج - بَاب صَلَاة الْكُسُوف
المنهاج - كِتَاب الْجَنَائِز
المنهاج - الزكاة
المنهاج - كِتَاب الصِّيَام
المنهاج - كِتَاب الِاعْتِكَاف
المنهاج - كِتَاب الْحَجّ
المنهاج - كِتَاب النِّكَاح
المنهاج - الرضاعة
المنهاج - الطلاق
المنهاج - اللِّعَان
المنهاج - العتق
المنهاج - البيوع
المنهاج - المساقاة
المنهاج - الفرائض
المنهاج - الهبات
المنهاج - الوصية
المنهاج - النذر
المنهاج - الأيمان
المنهاج - القسامة
المنهاج - الحدود
المنهاج - الأقضية
المنهاج - اللقطة
المنهاج - الجهاد والسير
المنهاج - الإمارة
المنهاج - الصيد والذبائح
المنهاج - كِتَاب الْأَضْاحَي
المنهاج - الأشربة
المنهاج - اللباس والزينة
المنهاج - الآداب
المنهاج - السلام
المنهاج - الألفاظ من الأدب وغيرها
المنهاج - الشعر
المنهاج - الرؤيا
المنهاج - الفضائل
المنهاج - فضائل الصحابة
المنهاج - البر والصلة والآداب
المنهاج - القدر
المنهاج - العلم
المنهاج - الذكر والدعاء
المنهاج - التوبة
المنهاج - صفات المنافقين
المنهاج - صفة القيامة والجنة والنار
المنهاج - الجنة وصفة نعيمها وأهلها
المنهاج - الفتن وأشراط الساعة
المنهاج - الزهد والرقائق
المنهاج - التفسير
تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي
أبواب الطهارة
أبواب الصلاة
تابع أبواب الصلاة
أبواب الوتر
أبواب الجمعة
تابع لأبواب الجمعة
أبواب العيدين
أبواب السفر
ابواب الزكاة
أبواب الصوم
أبواب الحج
تابع أبواب الحج
أبواب الجنائز
أبواب النكاح
أبواب الرضاع
أبواب الطلاق واللعان
ابواب البيوع
أبواب الأحكام
أبواب الديات
ابواب الحدود
تابع أبواب الحدود
أبواب الصيد
أبواب الأضاحي
أبواب النذور والأيمان
أبواب السير
أبواب الجهاد
أبواب اللباس
أبواب الأطعمة
أبواب الأشربة
تابع أبواب الأشربة
أبواب البر و الصله عن رسول الله صلى الله عليه و آله سلم
أبواب الطب عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الفرائض عن الرسول صلى الله عليه و سلم
أبواب الوصايا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الولاء و الهبة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب القدر عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم
أبواب الفتن عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الرؤيا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الشهادات عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
تابع لأبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صِفَةُ القِيامَة
أبواب صفة الجنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صفة جهنم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإيمان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب العلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإستئذان والآداب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب العلم
أبواب الأمثال
أبواب فضائل القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب القراءات عن رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم
أبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الدعوات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أحاديث شتى من أبواب الدعوات
المناقب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
مناقب الصحابة رضوان الله عليهم
تنوير الحوالك شرح موطأ مالك
كتاب وقوت الصلاة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب السهو
كتاب الجمعة
كتاب الصلاة في رمضان
كتاب صلاة الليل
كتاب صلاة الجماعة
كتاب قصر الصلاة في السفر
كتاب العيدين
كتاب صلاة الخوف
كتاب صلاة الكسوف
كتاب الاستسقاء
كتاب القبلة
كتاب القرآن
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب الجهاد
كتاب النذور و الأيمان
كتاب الضحايا
كتاب الذبائح
كتاب الصيد
كتاب العقيقة
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الرضاع
كتاب البيوع
كتاب القراض
كتاب المساقاة - كتاب كراء الأرض
كتاب الشفعة - كتاب الأقضية
كتاب الوصية - كتاب العتق والولاء
كتاب المكاتب - كتاب المدبر
كتاب الحدود
كتاب الأشربة - كتاب العقول
كتاب القسامة - كتاب الجامع
كتاب القدر - كتاب حسن الخلق
كتاب اللباس - كتاب صفة النبي
كتاب العين - كتاب الشعر
كتاب الرؤيا - كتاب السلام
كتاب الاستئذان والتشميت والصور والتماثيل وغيرها
كتاب البيعة - كتاب الكلام والعينة والتقى
كتاب جهنم - كتاب الصدقة
كتاب العلم - كتاب دعوة المظلوم - كتاب أسماء النبي
حاشية السندي على سنن ابن ماجة
المقدمة
الطَّهَارَة وَسُنَنهَا
الصلاة
الْأَذَان
المساجد والجماعات
أَبْوَاب إِقَامَة الصَّلَاة
الجنائز
الصوم
الزكاة
النكاح
الطلاق
الكفارات
التجارات
الأحكام
الحدود
الديات
الوصايا
الْفَرَائِض
الجهاد
المناسك
الْأَضَاحِيّ
الذبائح
الصيد
الأطعمة
الأشربة
الطب
اللباس
الْآدَاب
الدُّعَاء
تعبير الرؤيا
الْفِتَن
الزُّهْد
شرح سنن ابن ماجه لمغلطاي
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح رياض الصالحين
شرح رياض الصالحين - 01
شرح رياض الصالحين - 02
شرح رياض الصالحين - 03
شرح رياض الصالحين - 04
شرح سنن أبي داود للعيني
مقدمة التحقيق
كتاب الطهارة
كِتابُ الصَلاَةِ
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
عون المعبود شرح سنن أبي داود
كتاب الطهارة
تابع كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
كتاب الزكاة
تابع لكتاب الزكاة
كتاب اللقطة
كتاب المناسك
تابع لكتاب المناسك
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الصيام
تابع لكتاب الصيام
أول كتاب الجهاد
أول كتاب الضحايا
تابع كتاب الضحايا
أول كتاب الصيد
أول كتاب الوصايا
أول كتاب الفرائض
أول كتاب الخراج والفيء والإمارة
أول كتاب الجنائز
تابع لكتاب الجنائز
كتاب الأيمان والنذور
كتاب البيوع
كتاب الإجارة
كتاب القضاء
تابع لكتاب القضاء
كتاب العلم
كتاب الأشربة
كتاب الأطعمة
كتاب الطب
كتاب الكهانة والتطير
كتاب العتق
أول كتاب الحروف والقراءات
أول كتاب الحمام
أول كتاب اللباس
أول كتاب الترجل
أول كتاب الخاتم
أول كتاب الفتن والملاحم
أول كتاب المهدي
أول كتاب الملاحم
أول كتاب الحدود
أول كتاب الديات
أول كتاب السنة
تابع لكتاب السنة
أول كتاب الأدب
أبواب السلام
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن حجر
فتح الباري - هدي الساري مقدمة فتح الباري
فتح الباري - كتاب بدء الوحي
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب العلم
فتح الباري - كتاب الوضوء
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
فتح الباري - كتاب مواقيت الصلاة
فتح الباري - كتاب الأذان
فتح الباري - كتاب الجمعة
فتح الباري - كتاب الخوف
فتح الباري - كتاب العيدين
فتح الباري - كتاب الوتر
فتح الباري - كتاب الاستسقاء
فتح الباري - كتاب الكسوف
فتح الباري - كتاب سجود القرآن
فتح الباري - كتاب تقصير الصلاة
فتح الباري - كتاب التهجد
فتح الباري - كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة
فتح الباري - كتاب العمل في الصلاة
فتح الباري - كتاب السهو
فتح الباري - كتاب الجنائز
فتح الباري - كتاب الزكاة
فتح الباري - كتاب الحج
فتح الباري - كتاب العمرة
فتح الباري - كتاب المحصر
فتح الباري - كتاب جزاء الصيد
فتح الباري - كتاب فضائل المدينة
فتح الباري - كتاب الصوم
فتح الباري - كتاب صلاة التراويح
فتح الباري - كتاب فضل ليلة القدر
فتح الباري - كتاب الإعتكاف
فتح الباري - كتاب البيوع
فتح الباري - كتاب السلم
فتح الباري - كتاب الشفعة
فتح الباري - كتاب الإجارة
فتح الباري - كتاب الحرث والمزارعة
فتح الباري - كتاب المساقاة
فتح الباري - كتاب الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس
فتح الباري - كتاب الخصومات
فتح الباري - كتاب اللقطة
فتح الباري - كتاب المظالم
فتح الباري - كتاب الشركة
فتح الباري - كتاب الرهن
فتح الباري - كتاب العتق
فتح الباري - كتاب المكاتب
فتح الباري - كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها
فتح الباري - كتاب الشهادات
فتح الباري - كتاب الصلح
فتح الباري - كتاب الشروط
فتح الباري - كتاب الوصايا
فتح الباري - كتاب الجهاد و السير
فتح الباري - كتاب فرض الخمس
فتح الباري - كتاب الجزية و الموادعة
فتح الباري - كتاب بدء الخلق
فتح الباري - كتاب أحاديث الأنبياء
فتح الباري - كتاب المناقب
فتح الباري - كتاب فضائل الصحابة
فتح الباري - كتاب مناقب الأنصار
فتح الباري - كتاب المغازي
فتح الباري - كتاب التفسير
فتح الباري - كتاب فضائل القرآن
فتح الباري - كتاب النكاح
فتح الباري - كتاب الطلاق
فتح الباري - كتاب النفقات
فتح الباري - كتاب الأطعمة
فتح الباري - كتاب العقيقة
فتح الباري - كتاب الذبائح والصيد
فتح الباري - كتاب الأضاحي
فتح الباري - كتاب الأشربة
فتح الباري - كتاب المرضى
فتح الباري - كتاب الطب
فتح الباري - كتاب اللباس
فتح الباري - كتاب الأدب
فتح الباري - كتاب الإستئذان
فتح الباري - كتاب الدعوات
فتح الباري - كتاب الرقاق
فتح الباري - كتاب القدر
فتح الباري - كتاب الأيمان والنذور
فتح الباري - كتاب كفارات الأيمان
فتح الباري - كتاب الفرائض
فتح الباري - كتاب الحدود
فتح الباري - كتاب الديات
فتح الباري - كتاب استتابة المرتدين
فتح الباري - كتاب الإكراه
فتح الباري - كتاب الحيل
فتح الباري - كتاب التعبير
فتح الباري - كتاب الفتن
فتح الباري - كتاب الأحكام
فتح الباري - كتاب التمني
فتح الباري - كتاب أخبار الأحاد
فتح الباري - كتاب الإعتصام بالسنة
فتح الباري - كتاب التوحيد
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن رجب
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
مقدمة
خطبة الكتاب
كتاب الإيمان
كتاب العلم
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصوم
كتاب فضائل القرآن
كتاب الدعوات
كتاب المناسك
كتاب البيوع
كتاب الفرائض والوصايا
كتاب النكاح
كتاب العتق
كتاب القصاص
كتاب الديات
كتاب الحدود
كتاب الإمارة والقضاء
كتاب الجهاد
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأطعمة
كتاب اللباس
كتاب الطب والرقى
كتاب الرؤيا
كتاب الآداب
كتاب الرقاق
كتاب الفتن
كتاب صفة القيامة والجنة والنار
كتاب الفضائل والشمائل
كتاب المناقب

 
عودة لموقع هاني الطنبور
هاني الطنبور
الصفحة السابقة الصفحة التالية
 
 

 

التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد

المجلد الثالث عشر
تابع لحرف الميم
محمد بن يحيى بن حبان
الحديث الأول
...
بسم الله الرحمن الرحيم
محمد بن يحيى بن حبان
لمالك عنه اربعة أحاديث مسندة صحاح وهو محمد بن يحيى بن حبان بن منقذ وقد ذكرنا جده هذا في الصحابة بما يغني عن ذكره ها هنا ويكنى محمد بن يحيى بن حبان أبا عبد الله وكان ثقة مأمونا على ما جاء به حجة فيما نقل سكن المدينة ومات بها سنة إحدى وعشرين ومائة وهو ابن اربع وسبعين سنة.
قال محمد بن عمر الواقدي كانت لمحمد بن يحيى بن حبان حلقة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وكان يفتي وكان مالك يثني عليه ويصفه بالعلم والعبادة قال يحيى بن معين وقد سمع ابن عمر.

(13/7)


حديث أول لمحمد بن يحيى بن حبان
مالك عن محمد بن يحيى بن حبان وعن أبي الزناد عن الآعرج عن أبي هريرة " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الملامسة والمنابذة" ، قال أبو عمر: هكذا هذا الحديث في الموطأ عند جماعة رواته بهذا الإسناد وقد روى فيه مسلم بن خالد عن مالك إسنادا آخر محفوظا أيضا من حديث ابن شهاب وان كان غير معروف لمالك.
حدثنا خلف بن قاسم حدثنا احمد بن احمد بن الحسن بن اسحاق بن عتبة الرازي حدثنا يحيى بن عثمان بن صالح بن صفوان السهمي حدثنا أبي حدثنا مسلم بن خالد الزنجي أخبرنا مالك بن أنس وزياد عن الزهري عن عامر بن سعد بن أبي وقاص أنه سمع أبا سعيد الخدري يقول " نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الملامسة والمنابذة والملامسة لمس الرجل الثوب

(13/8)


لا ينظر إليه ولا يخبر عنه والمنابذة أن يطرح الرجل الثوب الى الرجل قبل أن يقلبه وينظر إليه" هكذا جاء هذا التفسير في درج هذا الحديث وقد فسره مالك في الموطأ بمثل ذلك المعنى وذكر الدار قطني هذا الخبر عن أبي العباس أحمد بن الحسن الرازي بإسناده مثله الا أنه قال في موضع وزياد وابن زياد وقال هو عبد الله بن زياد بن سمعان المزني متروك الحديث وهذا وهم وغلط وظن لا يغني من الحق شيئا وليس ذكر ابن زياد في هذا الحديث له وجه وإنما هو زياد لا ابن زياد وهو زياد بن سعد الخراساني والله أعلم وقال مالك بأثر هذا الحديث "والملامسة ان يلمس الرجل الثوب ولا ينشره ولا يتبين ما فيه أو يبتاعه ليلا وهو لا يعلم ما فيه" قال والمنابذة ان ينبذ الرجل الى الرجل ثوبه وينبذ الرجل الآخر "إليه" ثوبه على غير تأمل منهما ويقول كل واحد منهما لصاحبه هذا بهذا فهذا الذي نهى عنه من الملامسة والمنابذة".
قال أبو عمر: في هذا الحديث على المعنى الذي فسره مالك دليل على أن بيع من باع ما لا يقف على عينه ولا يعرف مبلغه من كيل أو وزن أو فرع أو عدد أو شراء من اشترى

(13/9)


ما لا يعرف قدره ولا عينه ولا وقف عليه فتأمله ، ولا اشتراه على صفة باطل وهو عندي داخل تحت جملة ما نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم من بيع الغرر والملامسة وقد جاء نحو هذا التفسير مرفوعا في الحديث من حديث أبي سعيد الخدري.
أخبرنا عبد الوارث بن سفيان قال: حدثنا قاسم بن أصبغ قال: حدثنا المطلب بن شعيب قال: حدثنا عبد الله بن صالح قال: حدثني الليث قال حدثني يونس عن ابن شهاب قال: أخبرني عامر بن سعد أن أبا سعيد الخدري قال: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن لبستين وعن بيعتين نهى عن ا لملامسة والمنابذة في البيع والملامسة لمس الرجل ثوب الآخر بيده بالليل والنهار ولا يقلبه الا بذلك والمنابذة ان ينبذ الرجل الى الرجل ثوبه وينبذ الآخر إليه ثوبه ويكون ذلك بيعهما على غير نظر ولا تراض" هكذا روى هذا الحديث يونس عن ابن شهاب عن عامر بن سعد عن أبي سعيد الخدري

(13/10)


حدث به عنه ابن وهب وعنبسة والليث ولم يذكر بعضهم فيه هذا التفسير وقد يمكن أن يكون التفسير قول الليث أو لابن شهاب فالله أعلم.
وروى هذا الحديث معمر وابن عيينة عن الزهري عن عطاء بن يزيد الليثي عن ابي سعيد الخدري وليس في حديثهما التفسير الذي في حديث الليث عن يونس وهو تفسير مجتمع عليه لا تدافع ولا تنازع فيه والملامسة والمنابذة بيوع كان أهل الجاهلية يتبايعونها وهي ما تقدم وصفه فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها وهي كلها داخلة تحت الغرر والقمار فلا يجوز شيء منها بحال.
وقد روى هذا الحديث جعفر بن برقان عن الزهري عن سالم عن أبيه فأخطأ في إسناده عند أهل العلم بالحديث وفسره أيضا تفسيرا حسنا بمعنى ما تقدم.
حدثنا أحمد بن قاسم بن عبد الرحمن قال حدثنا قاسم ابن أصبغ قال حدثنا الحرث بن أبي أسامة قال حدثنا كثير

(13/11)


ابن هشام قال: نا جعفر بن برقان عن الزهري عن سالم عن أبيه قال: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيعتين عن الملامسة والمنابذة" وهي بيوع كانوا يتبايعون بها في الجاهلية قال كثير فقلت لجعفر ما المنابذة وما الملامسة قال المنابذة أن يقول الرجل للرجل إذا نبذته إليك فهو لك بكذا وكذا والملامسة أن يعطى للرجل الشيء ثم يلمسه المشتري وهو مغطى لا يراه.
قال أبو عمر: الأصل في هذا الباب كله النهي عن القمار والمخاطرة وذلك الميسر المنهى عنه مع نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الغرر وعن بيع الحصاة ومعنى بيع الحصاة أنهم كانوا يقولون إذا تبايعوا بيع الحصاة في أشياء حاضرة العين أي شيء منها وقعت عليه حصاتي هذه فهو لك بكذا ثم يرمي الحصاة.
هذا كله "كان" من بيوع أهل الجاهلية فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها.
وقال مالك في الساج المدرج في جرابه والثوب القبطي المدرج إنه لا يجوز بيعهما حتى ينشر أو ينظر إلى ما في أجوافهما وذلك أن بيعهما من بيع الغرر وهو من الملامسة قال وفرق بين ذلك وبين بيع البز وغيره في الأعدال على البرنامج الامر المعمول به من عمل الماضين.

(13/12)


"وعند مالك وأصحابه من الملامسة البيع من الأعمى على اللمس بيده وبيع البز وسائر السلع ليلا دون صفة قال الشافعي في تفسير الملامسة والمنابذة نحو قول مالك" قال: الشافعي معنى الملامسة ان يأتيه بالثوب مطويا فيلمسه المشتري أو يأتيه به في ظلمة فيقول رب الثوب أبيعك هذا على أنه اذا وجب البيع فنظرت إليه فلا خيار لك والمنابذة ان يقول انبذ إليك ثوبي هذا وتنبذ إلي ثوبك على أن كل واحد منهما بالآخر ولا خيار إذا عرفنا الطول والعرض فهذا يدل من قوله على أن الملامسة والمنابذة لو كان فيهما خيار الرؤية والنظر لم يبطل والله أعلم.
وقال أبو حنيفة وأصحابه الملامسة والمنابذة بيعان لاهل الجاهلية كان إذا وضع يده على ما ساوم به ملكه بذلك صاحبه واذا نبذه إليه ملكه أيضا ووجب ثمنه عليه وإن لم تطب نفسه فكان ذلك يجري مجرى القمار لا على جهة التبايع.
وقال الزهري الملامسة ان القوم كانوا يتبايعون السلع ولا ينظرون إليها ولا يخبرون عنها والمنابذة أن يتنابذ القوم السلع ولا ينظرون إليها ولا يخبرون عنها فهذا من أبواب القمار

(13/13)


قال أبو عمر: في قول الزهري هذا إجازة للبيع على الصفة ألا ترى إلى قوله: ولا يخبرون عنها وقال ربيعة الملامسة والمنابذة من أبواب القمار. قال أبو عمر: أبطل رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان عليه أهل الجاهلية من أخذ الشيء على وجه القمار وإباحه بالتراضي وبذلك نطق القرآن في قوله عز وجل {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيوع كثيرة وان تراضى بها المتبايعان كلها أو أكثرها مذكورة في كتابنا هذا في مواضعها والحمد لله "والحكم في بيع الملامسة والمنابذة كله وما كان مثله ان أدرك فسخ وأن فات رد الى قيمته يوم قبض بالغا ما بلغ ".
واختلف الفقهاء من هذا الباب في البيع على البرنامج وهو بيع ثياب أو سلع غيرها على صفة موصوفة والثياب حاضرة لا يوقف على عينها لغيبتها في عدلها ولا ينظر إليها فأجاز ذلك مالك وأكثر أهل المدينة إذا كان فيه الذرع والصفة فإن وافقت الثياب الصفة لزمت المبتاع على ما أحب أو كره وهذا "عنده" من باب بيع الغائب على الصفة لمغيب الثياب

(13/14)


والمتاع في الاعدال وقال أبو حنيفة والشافعي وجماعة لا يجوز البيع على البرنامج ألبتة لأنه بيع عين حاضرة غير مرئية "والوصول الى رؤيتها ممكن" فدخل بيعها في باب الملامسة والغرر والقمار عندهم وأما مالك فالصفة عنده تقوم مقام المعاينة "وقد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال "لا تصف المرأة المرأة لزوجها حتى كأنه ينظر إليها" فأقام هنا الصفة مقام المعاينة وقال مالك يجوز بيع السلع كلها وان لم يرها المشتري اذا وصفها له ولم يشترط النقد قال فإن لم يصفها لم يجز ولا يجوز بيع الغائب عنده البتة الا بالصفة أو على رؤية تقدمت واختلفوا أيضا في بيع الغائب على الصفة فقال مالك لا بأس ببيع الأعيان الغائبة على الصفة وإن لم يرها البائع ولا المشتري اذا وصفوها فإذا جاءت على الصفة لزمهما البيع ولا يكون لواحد منهما خيار الرؤية إلا أن يشترطه فإن اشترطه كان ذلك "له".
وبقول مالك في ذلك قال أحمد بن حنبل واسحق بن راهوية وأبو عبيد وأبو ثور وقال أبو حنيفة وأصحابه والثوري والأوزاعي جائز بيع الغائب على الصفة وعلى غيرالصفة وصف أو لم يوصف وللمشتري خيار الرؤية إذا رآه وروى محمد بن كثير عن الأوزاعي في بيع الغائب على الصفة أنه جائز ويلزم البائع والمشتري إذا وافق

(13/15)


الصفة ولا خيار في ذلك كقول مالك سواء وان لم يوافق الصفة فله الخيار ألا أن الأوزاعي فيما روى عنه محمد بن كثير يجعل المصيبة من المشتري إذا كان على الصفة وإن لم يقبضه المشتري على مذهب ابن عمر واختلف قول مالك في هذا الموضع فمرة قال المصيبة من المشتري إذا خرج البيع على الصفة وأدركته الصفقة على ذلك حيا سالما قبضه أو لم يقبضه وهو قول ابن عمر وسليمان بن يسار ومرة قال المصيبة من البائع أبدا حتى يقبضه المبتاع وهو قول سعيد ابن المسيب وإليه ذهب ابن القاسم جعل النماء والنقصان والموت في ذلك من البائع "أبدا" حتى يقبضه المبتاع.
تحصيل قول مالك في هذه المسألة "في بيع الغائب" خاصة على الصفة أو على رؤية كانت ان البيع اذا انعقد في ذلك أو في شيء منه فهلك المبيع بعد الصفقة وقبل القبض ان مصيبته من البائع الا أن يكون المشتري قد اشترط عليه البائع أن المصيبة منك أن أدركته حيا وهو أحد قولي مالك وقد كان مالك يقول أن المصيبة من المبتاع الا أن يشترط أنها من البائع حتى يقبضها مبتاعها والشرط عنده في ذلك لمن اشترطه نافع لازم

(13/16)


وذكر اسماعيل ابن اسحاق عن عبد الملك بن الماجشون ان بيع الصفة ما يحدث فيه بعد الصفقة ليس فيه عهدة وأنه كبيع البراءة ومصيبته أبدا قبل القبض من المبتاع ولا يجوز عند مالك النقد في بيع الغائب من العروض كلها حيوانا أو غيره إذا كانت غيبته بعيدة فإذا كانت غيبته قريبة مثل اليوم واليومين جاز النقد فيه وقد اختلف أصحابه عنه واختلفت أقوالهم في حد المغيب الذي يجوز فيه النقد في الطعام والحيوان مما يطول ذكره ولا خلاف عنهم أن النقد في العقار المأمون كله جائز إذا لم يكن بيع خيار وللشافعي في بيع الغائب ثلاثة أقوال أحدهما كقول مالك والثاني كقول أبي حنيفة والثالث الذي حكاه عنه الربيع والبويطي أنه لا يجوز بيع الأعيان الغائبة بحال فلا يجوز عنده على القول الثالث وهو الذي حكاه البويطي عنه الا بيع عين مرئية قد أحاط البائع والمبتاع علما بها أو بيع مضمون في الذمة موصوف وهو السلم.
وقال المزني الصحيح من قول الشافعي أن شراء الغائب لا يجوز وصف أو لم يوصف ذكر أبو القاسم القزويني القاضي قال الصحيح عن الشافعي إجازة بيع الغائب على خيار الرؤية

(13/17)


اذا نظر إليه وافق الصفة أو لم يوافقها مثل قول أبي حنيفة والثوري سواء قال هذا في كتبه المصرية وقال بالعراق في بيع الغائب مثل قول مالك سواء أنه لا خيار له إذا وافق الصفة حكاه عنه ابو ثور وبه قال أبو ثور وقال أبو حنيفة وأصحابه في المشتري يرى الدار من خارجها ويرى الثياب مطوية من ظهورها فيرى مواضع طيها ثم يشتريها انه لا يكون له خيار الرؤية في شيء من ذلك.
وأما هلاك المبيع قبل القبض غائبا كان أو حاضرا عند الشافعي وأبي حنيفة فمن البائع أبدا.
ومن الدليل على جواز بيع الغائب مع ما تقدم في هذا الباب أن السلف كانوا يتبايعونه ويجيزون بيعه فمن ذلك ان عثمان و عبد الرحمن بن عوف تبايعا فرسا غائبا عنهما وتبايع عثمان أيضا وطلحة دارا لعثمان بالكوفة ولم يعينها عثمان ولا طلحة وقضى جبير بن مطعم لطلحة فيها بالخيار وهو المبتاع فحمله العراقيون على خيار الرؤية وحمله أصحاب مالك على أنه كان اشترط الخيار فكأن بيع الخيار اجماع من الصحابة إذ لا يعلم لهؤلاء مخالف منهم ودخل في معنى الملامسة والغرر أشياء بالاستدلال يطول ذكرها ان ذكرناها خرجنا عن شرطنا وعماله قصدنا وبالله عصمتنا وتوفيقنا

(13/18)


الحديث الثاني
...
حديث ثان لمحمد بن يحيى بن حبان
مالك عن محمد بن يحيى بن حبان عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه".
قال أبو عمر: هذا حديث صحيح ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم وروى عن أبي هريرة من وجوه ورواه أيضا ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم.
والمعنى فيه عند أهل العلم بالحديث أن الخاطب إذا ركن إليه وقرب أمره ومالت النفوس بعضها إلى بعض في ذلك وذكر الصداق ونحو ذلك لم يجز لأحد حينئذ الخطبة على رجل قد تناهت حاله وبلغت ما وصفنا.
والدليل على ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد خطب لأسامة بن زيد فاطمة بنت قيس إذ أخبرته أن معاوية وأبا جهم خطباها ولم ينكر أيضا خطبة واحد منهما وخطبها على خطبتهما إذ لم يكن من فاطمة ركون وميل والله أعلم.
وهذا الباب يجري مجرى قوله صلى الله عليه وسلم "لا يبع بعضكم على بيع بعض ولا يسوم أحدكم على سوم".

(13/19)


أخيه الا ترى أنه لو ترك البائع مع أول مساوم لأخذ السلعة بما شاء ولكان في ذلك ضرر بين داخل على الناس.
وقد فسر مالك والشافعي وأبو عبيد هذا الحديث بمعنى ما ذكرناه ومعلوم أن الحال التي أجاز فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم الخطبة لأسامة في الحديث المذكور غير الحال التي نهى ان يخطب فيها الرجل على خطبة أخيه وإذا كان ذلك كذلك فالوجه فيه ما وصفنا إن شاء الله تعالى.
حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا محمد بن شاذان قال حدثنا المعلى بن منصور قال حدثنا الليث بن سعد عن أبي الزبير قال سألت عبد الحميد بن عبد الله بن أبي عمرو بن حفص عن طلاق جده فاطمة بنت قيس فقال عبد الحميد طلقها ألبتة ثم خرج إلى اليمن وذكر الحديث وفيه فانتقلت الى ابن أم مكتوم حتى خلت فخطبها معاوية بن أبي سفيان وأبو جهم بن حذيفة فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال "أما معاوية فغلام من غلمان قريش لا يملك شيئا وإما أبو جهم بن حذيفة فإني أخاف عليك عصاه ولكن إن شئت دللتك على رجل أسامة بن زيد قالت نعم يا رسول الله فزوجها اسامة بن زيد".
ففي هذا الحديث أوضح الدلالة على معنى النهي ان يخطب الرجل على خطبة أخيه وأن الوجه فيه ما ذكرنا والله أعلم.

(13/20)


وذكر ابن وهب قال أخبرني مخرمة بن بكير عن أبيه عن عبيد الله بن سعد عن الحارث بن أبي ذياب أن جريرا البجلي أمره عمر بن الخطاب أن يخطب امرأة من دوس ثم أمره مروان بن الحكم من بعد ذلك أن يخطبها "عليه" ثم أمره عبد الله بن عمر بعد ذلك فدخل عليها فأخبرها بهم الأول فالأول ثم خطبها لنفسه فقالت والله ما أدري أتلعب أم أنت جاد قال بل جاد فنكحته وولدت له ولدين.
وهذا يبين لك معنى قوله صلى الله عليه وسلم "لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه" إنه كما قال مالك والشافعي وجمهور الفقهاء أن ذلك ان تركن إليه ويتراضيا ويتفقا على صداق معلوم وهي تشترط لنفسها ونحو ذلك مما تعلم به الموافقة والركون والله أعلم وذكر اسماعيل "بن" أبي أويس قال سئل مالك عن رجل خطب امرأة وركنت إليه واتفقا على صداق معروف حتى صارت من "اللواتي"

(13/21)


قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا يخطب الرجل على خطبة أخيه" قال قال مالك إذا كان هكذا فملكها رجل آخر ولم يدخل بها فإنه يفرق بينهما وان دخل بها مضى النكاح وبينما صنع حين خطب امرأة نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم ان تخطب على تلك الحال قال وسمعت مالكا يقول أكره إذا بعث الرجل رجلا يخطب له امرأة أن يخطب الرسول لنفسه وأراها خيانة قال ولم أسمع أحدا أرخص في ذلك.
قال أبو عمر: ذلك عندي على أنه لم يذكر الرجل المرسل له ولو ذكره وذكر نفسه لم يكن بذلك بأس على حديث عمر المذكور والله أعلم.
ولم يختلف العلماء في أنه أذا لم يكن ركون ولا رضى أن النكاح جائز واختلفوا اذا وقع النكاح مع الثاني بعد الركون إلى الأول والرضى به فقول مالك ما ذكرنا وقد روى عنه أنه يفسخ على كل حال وروى عنه أنه لا يفسخ أصلا وهو قول أبي حنيفة وأصحابه وقول الشافعي أنه لا يفسخ واختلف عنه هل هو عاص بفعله ذلك أم لا

(13/22)


وقال داود يفسخ النكاح على كل حال وقال ابن القاسم إذا تزوج الرجل المرأة بعد أن ركنت الى غيره فدخل بها "فإنه" يتحلل الذي خطبها عليه ويعرفه بما صنع فإن حلله والا فليستغفر الله من ذلك وليس يلزمه طلاقها وقد أثم فيما فعل وقال ابن وهب أن لم يجعله الأول في حل مما صنع فليطلقها فإن رغب فيها الأول وتزوجها فقد برى ء هذا من الإثم وإن كره تزويجها فليراجعها الذي فارقها بنكاح جديد وليس يقضي عليه بالفراق وقال ابن القاسم إنما معنى النهي في أن يخطب الرجل على خطبة أخيه في رجلين صالحين وأما إذا كان الذي خطبها أولا فركنت إليه رجل سوء فإنه ينبغي للولي أن يحضها على تزويج الرجل الصالح الذي يعلمها الخير ويعينها عليه.
"قال أبو عمر: تحصيل مذهب مالك في نكاح من خطب على خطبة أخيه في الحال الذي لا يجوز له أن يخطب فيها أنه ان لم يكن دخل "بها" فرق بينهما وإن كان دخل مضى النكاح وبئس ما صنع"

(13/23)


وقال الشافعي هي مصيبة ويستغفر الله منها والنكاح ثابت دخل أو لم يدخل وهو مع هذا مكروه لا ينبغي لأحد أن يفعله وبمثل ما قال الشافعي بقول أبو حنيفة وأصحابه وجماعة وهو القياس لأن النكاح لو كان فاسدا محرما غير منعقد لم يصح بالدخول وعلى أصل مالك إنما يصح بالدخول من النكاح ما كان فساده في الصداق وأما ما كان فساده في العقد فمحال أن يصح بالدخول والنكاح مفتقر الى صحة العقد وقد ينعقد مع السكوت عن الصداق فافهم.
"وقد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة هذا في النهي عن ان يخطب الرجل على خطبة أخيه ألفاظ زائدة وهي في معنى ما ذكرنا لا تخالفه إن شاء الله.
حدثنا عبد الوارث حدثنا قاسم قال حدثنا محمد بن شاذان قال حدثنا المعلى بن منصور قال حدثنا المغيرة ابن عبد الرحمن عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا يخطب الرجل على خطبة أخيه حتى ينكح أو يترك"

(13/24)


وحدثنا عبد الوارث قال حدثنا قاسم قال حدثنا ابن وضاح قال حدثنا عبد الرحمن بن ابراهيم دحيم الدمشقي قال حدثنا الوليد قال حدثنا الأوزاعي قال حدثني أبو كثير أنه سمع أبا هريرة يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا يستام الرجل على سوم أخيه حتى يشتري أو يترك ولا يخطب على خطبة أخيه حتى ينكح أو يترك".
وقد رويت أيضا في حديث ابن عمر في ذلك ألفاظ سنذكرها في باب نافع من كتابنا هذا إن شاء الله.

(13/25)


الحديث الثالث
...
حديث ثالث لمحمد بن يحيى بن حبان
مالك عن محمد بن يحيى بن حبان عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم "نهى عن صيام يومين يوم الفقر ويوم الأضحى".
"قال أبو عمر" قد مضى القول في معنى هذا الحديث في باب ابن شهاب عن أبي عبيد.
وصيام هذين اليومين لا خلاف بين العلماء انه لا يجوز على حال من الأحوال لا لمتطوع ولا لناذر ولا لقاض فرضا ولا لمتمتع لا يجد هديا ولا لأحد من الناس كلهم أن يصومهما "وهو" إجماع لا تنازع فيه فارتفع القول في ذلك وهما يومان حرام صيامهما فمن نذر صيام واحد منهما فقد نذر معصية وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال "من نذر أن يعصي الله فلا يعصه" ولو نذر ناذر صيام يوم بعينه أو "صياما بعينه" مثل صيام سته بعينها وما كان مثل ذلك فوافق

(13/26)


ذلك يوم فطر أو أضحى فأجمعوا أن لا يصومهما واختلفوا في قضائهما ففي "أحد" قولي الشافعي وزفر بن الهذيل وجماعة ليس عليه قضاؤهما "وهو قول ابن كنانة صاحب مالك" وقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد يقضيهما.
وهو قول الحسن بن حيي والأوزاعي وآخر قولي الشافعي وقد روى عن الأوزاعي أنه يقضيهما إلا أن ينوي أن لا يقضيهما ولا يصومهما واختلف قول مالك في ذلك على ثلاثة أوجه أحدها أنه يقضيهما والآخر أنه يقضيهما إلا أن يكون نوى أن لا يقضيهما والثالث أنه لا يقضيهما إلا أن يكون نوى أن يصومهما روى الرواية الأولى عنه ابن وهب والروايتين الأخريين ابن القاسم قال ابن وهب قال مالك فيمن نذر أن يصوم ذا الحجة فإنه يفطر يوم النحر ويومين بعده ويقضي وأما آخر أيام التشريق فإنه يصومه وروى ابن القاسم عن مالك فيمن نذر صيام سنة بعينها أنه يفطر يوم الفطر وأيام النحر ولا قضاء عليه إلا أن يكون نوى أن يصومها قال ثم سئل بعد ذلك عمن أوجب صيام ذي الحجة فقال يقضي أيام الذبح إلا أن يكون نوى أن لا قضاء لها قال ابن القاسم قوله الأول حب الي أن لا قضاء عليه إلا أن ينوي أن يقضيه فاما آخر

(13/27)


أيام التشريق الذي ليس فيه دم فإنه يصومه ولا يدعه وقال الليث بن سعد فيمن جعل على نفسه صيام سنة أنه يصوم ثلاثة عشر شهرا لمكان رمضان ويومين لمكان الفطر والأضحى ويصوم أيام التشريق وقال المرأة في ذلك مثل الرجل وتقضي أيام الحيض وروي عنه فيمن نذر صيام الاثنين والخميس يوافق ذلك الفطر والأضحى إنه يفطر ولا قضاء عليه وهذا خلاف الأول إلا إني أحسب إنه جعل الاثنين والخميس كمن نذر صيام سنة بعينها والجواب الأول في سنة بعينها والقياس أن لا قضاء في ذلك لأن من نذر صوم يوم بعينه أبدا لا يخلو أن يدخل يوم الفطر والأضحى في نذره أو لا يدخل فإن دخل في نذره فلا يلزمه لأن من قصد إلى نذر صومه لم يلزمه ونذر ذلك باطل فإن لم يدخل في نذره فهو أبعد من أن يجب عليه قضاؤه وعلى ما ذكرنا يسقط الاعتكاف عمن نذر يوم الفطر ويوم النحر عند من يقول لا اعتكاف إلا بصوم وقد اختلف عن مالك في هذه المسألة فروي عنه أنه إن اعتكف يجزئه له وروي عنه أنه لا يعتكف ولا شيء عليه لأنه لا اعتكاف إلا بصوم وهو الصحيح على أصله وقال الشافعي من

(13/28)


نذر اعتكاف يوم الفطر ويوم النحر اعتكف ولم يصم وأجزأه وهو قول كل من يرى الاعتكاف جائزا بغير صوم وقال محمد ابن الحسن يعتكف يوما مكانه إذا جعل ذلك على نفسه ويكفر "مكانه" عن يمينه إن أراد يمينا.
وقد مضى القول في صيام أيام التشريق في باب مرسل ابن شهاب في هذا الكتاب والحمد لله.

(13/29)


الحديث الرابع
...
حديث رابع لمحمد بن يحيى بن حبان
مالك عن محمد بن يحيى بن حبان عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم "نهى عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس وعن الصلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس".
قال أبو عمر: هذا حديث لا يختلف في ثبوته وصحة إسناده وقد روي من وجوه كثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم وقد اختلف العلماء في هذا الباب اختلافا كثيرا لاختلاف الآثار فيه فقال منهم قائلون لا بأس بالتطوع بعد الصبح وبعد العصر لأن النهي إنما قصد به إلى ترك الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها واحتجوا من الآثار برواية من روى النهي عن الصلاة في هذه الأوقات وروى ذلك جماعة من الصحابة وقد ذكرنا ذلك في باب زيد بن أسلم من كتابنا هذا عند ذكر حديث الصنابحي واحتجوا أيضا بقوله صلى الله عليه وسلم "لا تصلوا بعد العصر إلا أن تصلوا والشمس مرتفعة".

(13/30)


وبقوله صلى الله عليه وسلم "لا تحروا بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها" وبإجماع المسلمين على الصلاة على الجنائز بعد الصبح وبعد العصر إذا لم يكن عند الطلوع وعند الغروب قالوا فالنهي عن الصلاة بعد العصر والصبح هذا معناه وحقيقته قالوا ومخرجه على قطع الذريعة لأنه لو أبيحت الصلاة بعد الصبح والعصر لم يؤمن التمادي فيها إلى الأوقات المنهى عنها وهي حين طلوع الشمس وغروبها هذا مذهب ابن عمر وقال به جماعة ذكر عبد الرزاق أخبرنا ابن جريج عن نافع سمع ابن عمر يقول أما أنا فلا أنهى أحدا يصلي من ليل أو نهار غير أن لا يتحرى طلوع الشمس ولا غروبها فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك وروى مالك عن ابن دينار عن عبد الله بن عمر معناه وهو قول عطاء وطاووس وعمر وابن جريج وروي عن ابن مسعود نحوه. قال أبو عمر: مذهب ابن عمر في هذا الباب خلاف مذهب أبيه لأن عمر رضي الله عنه حمل الحديث في هذا الباب على العموم فكان يضرب بالدرة من رآه يصلي نافلة بعد الصبح أو بعد العصر وحديثه في ذلك ما رواه ابن عباس قال حدثني رجال مرضيون منهم عمر وأرضاهم عندي عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "لا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس ولا بعد العصر حتى تغرب الشمس" حدثناه عبد الوارث بن سفيان حدثنا قاسم

(13/31)


ابن أصبغ حدثنا بكر بن حماد حدثنا مسدد حدثنا يحيى بن سعيد عن شعبة عن قتادة قال سمعت أبا العالية يحدث عن ابن عباس قال حدثني ناس أعجبهم إلي عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس وعن الصلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس ومذهب عائشة في هذا الباب كمذهب ابن عمر حدثنا أحمد بن فتح قال حدثنا إسحاق بن إبراهيم قال حدثنا أحمد بن خالد قال حدثنا علي بن عبد العزيز قال حدثنا عفان بن مسلم الصفار ومحمد بن أبي نعيم قالا حدثنا وهيب عن ابن طاووس عن أبيه عن عائشة قالت أوهم عمر إنما "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصلاة أن يتحرى بها طلوع الشمس أو غروبها" وذكر عبد الرزاق عن هشام بن حسان عن ابن سيرين قال "تكره الصلاة في ثلاث ساعات وتحرم في ساعتين تكره بعد العصر وبعد الصبح ونصف النهار في شدة الحر وتحرم حين يطلع قرن الشمس حتى يستوي طلوعها وحين تصفر حتى يستوي غروبها" قال وأخبرنا ابن جريج قال سمعت أبا سعيد الأعمى يخبر عن رجل يقال له السائب مولى الفارسيين عن زيد بن خالد الجهني أنه رآه عمر بن الخطاب وهو خليفة "ركع بعد العصر ركعتين فمشى إليه وضربه بالدرة وهو يصلي فقال له زيد يا أمير المؤمنين أضرب فوالله لا أدعهما إني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصليهما قال

(13/32)


فقال له عمر يا زيد بن خالد لولا أني أخشى أن يتخذهما الناس سلما إلى الصلاة حتى الليل لم أضرب فيهما" وقال آخرون أما الصلاة بعد الصبح إذا كانت تطوعا أو صلاة سنة ولم تكن قضاء فرض فلا تجوز البتة لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس نهيا مطلقا ومعنى نهيه في ذلك عن غير الفرض "المعين والذي يجب منه على الكفاية كالصلاة على الجنائز" بدليل قوله صلى الله عليه وسلم "من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر" وقد مضى القول في هذا المعنى مجودا في باب زيد بن اسلم من كتابنا هذا فأغنى عن إعادته ها هنا "وممن ذهب إلى هذا ابن عمر فيما أخبرنا عبد الله بن محمد بن يوسف قال حدثنا أحمد بن محمد بن إسماعيل قال حدثنا محمد بن الحسن قال الزبير بن بكار قال حدثنا عمي مصعب بن عبد الله وإبراهيم بن حمزة عن جدي عبد الله بن مصعب عن قدامة بن إبراهيم بن محمد بن حاطب قال ماتت عمتي وقد أوصت أن يصلي عليها عبد الله بن عمر فجئته حين صلينا الصبح فأعلمته فقال إجلس فجلست حتى طلعت الشمس وصفت قال إبراهيم بن حمزة في

(13/33)


حديثه: وبلغت الكباش الذي في غربي مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قام يصلي عليها قالوا فبلوغ الشمس الكباش الذي في غربي المسجد علم عند أهل المدينة لصلاة السبحة.
قالوا فهذا ابن عمر وهو يبيح الصلاة بعد العصر قد كرهها بعد الصبح.
قال أبو عمر: قد ذكرنا مذاهب العلماء في وقت الصلاة على الجنائز في باب زيد بن اسلم من حديث الصنابحي قالوا فالصلاة بعد العصر لا بأس بها ما دامت الشمس مرتفعة بيضاء لم تدن للغروب لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ثبت عنه أنه كان يصلي النافلة بعد العصر ولم يرو عنه أحد أنه صلى بعد الصبح نافلة ولا تطوعا ولا صلاة سنة بحال واحتجوا بقول عائشة "ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين بعد العصر في بيتي قط" وبنحو ذلك من الآثار التي أباحت الصلاة بعد العصر "ولم يأت شيء منها في الصلاة بعد الصبح".
حدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا ابن وضاح قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وحدثنا محمد بن إبراهيم قال حدثنا محمد بن معاوية قال حدثنا أحمد بن شعيب قال حدثنا إسحاق بن إبراهيم قالا حدثنا

(13/34)


جرير عن منصور عن هلال بن يساف عن وهب بن الأجدع عن علي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا يصلى بعد العصر إلا أن تكون الشمس مرتفعة" زاد إسحاق في حديثه بيضاء نقية.
وحدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن وضاح قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا وكيع عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت "ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين بعد العصر في بيتي" ورواه ابن عيينة "وجماعة" عن هشام.
وحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا إبراهيم بن إسحاق بن أبي العنبس قاضي الكوفة قال حدثنا جعفر بن عون قال حدثنا مسعر عن حبيب بن أبي ثابت عن أبي الضحى عن مسروق قال حدثتني الصديقة بنت الصديق حبيبة حبيب الله المبرأة أنه "كان صلى الله عليه وسلم يصلي الركعتين بعد العصر فلم أكذبها".
حدثنا عبد الوارث قال حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا بكر بن حماد وحدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قالا حدثنا إسماعيل بن إسحاق قال حدثنا مسدد قال حدثنا أبو عوانة عن المغيرة عن أم موسى قالت

(13/35)


بعثتني فاختة ابنة فرظة إلى عائشة تسألها عن الركعتين بعد العصر فأتيتها "وما أبالي" ما قالت بعد الذي رأيت من علي فقالت "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بعد العصر ركعتين" .
وقرأت على عبد الوارث بن سفيان أن قاسم بن أصبغ حدثهم قال حدثنا محمد بن إسماعيل الترميذي قال حدثنا أبو تميم قال حدثنا عبد الواحد بن أيمن قال حدثني أبي عن عائشة "أنه دخل عليها يسألها عن الركعتين بعد العصر فقالت والذي هو ذهب بنفسه تعني النبي عليه السلام ما تركهما حتى لقي الله" .
وروى هذا عن عائشة من وجوه كثيرة رواه الأسود وغيره عنها قالوا والآثار قد تعارضت في الصلاة بعد العصر والصلاة فعل خير وقد قال الله عز وجل {وَافْعَلُوا الْخَيْرَ} فلا يجوز أن يمتنع من فعل الخير إلا بدليل لا معارض له وممن رخص في التطوع بعد العصر علي بن أبي طالب والزبير وابنه عبد الله وتميم الداري والنعمان بن بشير وأبو ايوب الأنصاري وعائشة وأم سلمة أما المؤمنين والأسود بن يزيد وعمرو بن ميمون ومسروق وشريح و عبد الله بن أبي الهذيل وأبو بردة و عبد الرحمن بن الأسود و عبد الرحمن بن إسحاق

(13/36)


والأحنف بن قيس وهو قول داود بن علي وذكر عبد الرزاق عن معمر عن ابن طاوس عن أبيه أن أبا أيوب الأنصاري "كان يصلي قبل خلافة عمر ركعتين بعد العصر فلما استخلف عمر تركهما فلما توفي عمر ركعهما فقيل له ما هذا فقال إن عمر كان يضرب الناس عليهما" وقال أحمد بن حنبل لا نفعله ولا نعيب من فعله وقال آخرون إنما المعنى في نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصلاة بعد الصبح والعصر على التطوع المبتدأ والنافلة وأما الصلوات المفروضات أو الصلوات المسنونات أو ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يواظب عليه من النوافل فلا واحتجوا بالإجماع في الصلاة على الجنائز بعد العصر وبعد الصبح إذا لم يكن عند الطلوع ولا عند الغروب وبقوله صلى الله عليه وسلم "من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس" الحديث وبقوله "من نسي صلاة أو نام عنها فليصلها إذا ذكرها" وبما حدثناه سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن وضاح قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وحدثنا عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا عثمان بن أبي شيبة قالا حدثنا عبد الله بن نمير قال أبو بكر حدثنا سعد بن سعيد وقال عثمان عن سعد بن سعيد قال حدثني محمد بن إبراهيم بن الحارث عن قيس بن عمرو قال "رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا يصلي بعد الصبح ركعتين فقال له رسول الله صلى الله عليه

(13/37)


وسلم "صلاة الصبح مرتين" فقال الرجل لم أكن صليت الركعتين قبلها فصليتهما الآن فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال أبو عمر: رواه ابن عيينة عن سعيد بن سعيد عن محمد بن إبراهيم عن قيس بن عاصم فغلط فيه ابن عيينة وإنما هو قيس بن عمرو وقد ذكرناه في الصحابة ونسبناه هناك وهو جد سعيد وعبد ربه ويحيى بني سعيد الأنصاري قال أبو داود "وروى" هذا الحديث عبد ربه ويحيى ابنا سعيد مرسلا أن جدهم صلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال سفيان بن عيينة كان عطاء بن أبي رباح يروي هذا الحديث عن سعيد بن سعيد.
قال أبو عمر: وقد رواه عمر بن بن قيس عن سعيد بن سعيد فخالف في إسناده حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا مضر بن محمد قال حدثنا عبد الرحمن بن سلام قال حدثنا عمر بن قيس عن سعيد بن سعيد أخي يحيى بن سعيد قال سمعت جعفر بن

(13/38)


عاصم بن عمر قال سمعت سهل بن سعد الساعدي يقول دخلت المسجد ورسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلاة ولم أكن صليت الركعتين فدخلت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلاة فصليت معه وقمت أصلي "الركعتين" فقال ألم تكن صليت معنا قلت بلى ولم أكن صليت الركعتين فصليت الآن فسكت وكان إذا رضي شيئا سكت وذلك في صلاة الصبح" . قال أبو عمر: عمر بن قيس هذا هو المعروف بسند وهو أخو حميد بن قيس وهو ضعيف لا يحتج بمثله.
ومن حجة القائلين بهذا القول ما ذكره عبد الرزاق عن معمر عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أم سلمة قالت "لم أر رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بعد العصر صلاة قط إلا مرة جاءه ناس بعد الظهر فشغلوه في شيء فلم يصل بعد الظهر شيئا حتى صلى العصر فلما صلى العصر دخل بيتي فصلى ركعتين" هذا أصح من حديث ابن أبي لبيد لذكر عائشة فيه والله أعلم.
وإنما قلنا هذا لما ثبت عن عائشة في الركعتين بعد العصر وحديث ابن أبي لبيد حدثناه سعيد بن نصر قال حدثنا

(13/39)


قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن إسماعيل "الترمذي" قال حدثنا الحميدي قال حدثنا سفيان قال حدثنا عبد الله بن أبي لبيد وكان من عباد "أهل" المدينة أنه سمع أبا سلمة بن عبد الرحمن يقول قدم معاوية بن أبي سفيان المدينة فبينما هو على المنبر إذ قال يا كثير بن الصلت إذهب إلى عائشة أم المؤمنين فسلها عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم الركعتين بعد العصر قال أبو سلمة فذهبت معه وأرسل عبد الله بن عباس عبد الله بن الحارث بن نوفل معنا فقال إذهب فاسمع ما تقول أم المؤمنين قال أبو سلمة فجاءها فسألها فقالت لا علم لي ولكن إذهب إلى أم سلمة فدخل وسألها فقالت أم سلمة دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم بعد العصر فصلى عندي ركعتين لم أكن أراه يصليهما فقلت يا رسول الله لقد صليت صلاة لم أكن أراك تصليها فقال "إني كنت أصلي بعد الظهر ركعتين وأنه قدم علي وفد بني تميم فشغلوني عنهما فهما هاتان الركعتان" قالوا ففي قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتي الفجر بعد الصبح وقضائه "الركعتين" بعد الظهر وهما من سننه صلى الله عليه وسلم شغل عنهما فقضاهما بعد العصر دليل على أن نهيه عن الصلاة بعد الصبح وبعد العصر إنما هو "عن" غير الصلاة المسنونات والمفترضات لأنه معلوم أن نهيه إنما

(13/40)


يصح "عن" غير ما أباحه ولا سبيل إلى استعمال الأحاديث عنه صلى الله عليه وسلم إلا بما ذكرنا قال وفي صلاة الناس بكل مصر على الجنائز بعد الصبح والعصر دليل على ما ذكرت هذا قول الشافعي وأصحابه في هذا الباب وكذلك روى المزني عنه فيمن لم يركع ركعتي الفجر حتى صلى الصبح أنه يركعهما بعد طلوع الشمس وقد مضى ذكر ما للعلماء في الصلاة على الجنائز في باب زيد بن أسلم عن عطاء عن الصنابحي وقال آخرون لا يجوز أن يصلي أحد بعد العصر ولا بعد الصبح شيئا من الصلوات المسنونات ولا التطوع كله المعهود منه وغير المعهود إلا أنه يصلي على الجنائز بعد الصبح و "بعد" العصر ما لم يكن الطلوع والغروب فإن خشي عليها التغير صلى عليها عند الطلوع والغروب وما عدا ذلك فلا لنهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس وبعد العصر حتى تغرب الشمس وهو نهي صحيح ثابت لا يجب أن يعارض بمثل الآثار التي تقدمت وهو على عمومه فيما عدا الفرائض والصلاة على الجنائز لقيام الدليل على ذلك مما لا معارض له وممن قال بهذا القول مالك بن أنس وأصحابه ونحو قول مالك في هذا الباب مذهب أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه قال أحمد وإسحاق لا يصلى بعد العصر إلا صلاة فائتة أو على جنازة إلى أن تطفل الشمس للغيبوبة

(13/41)


قال أبو عمر: روي عن النبي صلى الله عليه وسلم النهي عن الصلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس وبعد العصر حتى تغرب الشمس من حديث عمر وأبي هريرة وأبي سعيد الخدري وسعد بن أبي وقاص ومعاذ بن عفراء وغيرهم وهي أحاديث صحاح لا مدفع فيها وإنما اختلف العلماء في تأويلها وخصوصها وعمومها لا غير والقول بعموم هذه الأخبار الصحاح على حسب ما ذهب إليه مالك أولى ما قيل في هذا الباب وهو مذهب عمر بن الخطاب وأبي سعيد الخدري وأبي هريرة وسعد ومعاذ بن عفراء وابن عباس وحسبك بضرب عمر على ذلك بالدرة لأنه لا يستجيز ذلك من أصحابه إلا بصحة ذلك عنده روى الزهري عن السائب بن يزيد أن عمر ضرب المنكدر في الصلاة بعد العصر وروى الثوري عن عاصم عن زر بن حبيش قال رأيت عمر يضرب الناس على الصلاة بعد العصر وروى عبد المالك بن عمير عن أبي غادية مثله وذكر عبد الرزاق عن ابن جريج قال أخبرني عامر بن مصعب أن طاوسا أخبره أنه سأل ابن عباس عن ركعتين بعد العصر فنهاه عنهما قال فقلت لا أدعهما فقال ابن عباس وما كان لمؤمن ولا مؤمنة

(13/42)


إذا قضى الله ورسوله أمرا أن تكون لهم الخبرة من أمرهم إلى مبينا فهذا ابن عباس مع سعة علمه قد حمل النهي الذي رواه في ذلك على عمومه وقال آخرون لا يصلى بعد الصبح إلى أن تطلع الشمس وترتفع ولا بعد العصر إلى أن تغيب الشمس ولا عند استواء الشمس صلاة فريضة نام عنها صاحبها أو نسيها ولا صلاة تطوع ولا صلاة من الصلوات على حال لعموم نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصلاة في هذه الأوقات وممن قال ذلك أبو حنيفة وأصحابه.
قال أبو عمر: قد مضى القول في باب زيد بن أسلم عن من قال هذا القول وفي قوله صلى الله عليه وسلم "من نام عن الصلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها" وفي قوله عليه السلام "من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر" دليل على أن نهيه عن الصلاة بعد الصبح والعصر ليس عن الفرائض والفوائت والله أعلم ومن تدبر ما أوردنا في ذلك الباب أكتفي وبالله التوفيق والهدى وقال أبو ثور لا يصلي أحد تطوعا بعد الفجر إلى أن تطلع الشمس ولا إذا قامت الشمس إلى أن تزول الشمس ولا بعد العصر حتى تغرب الشمس إلا صلاة فائتة

(13/43)


أو على جنازة أو على أثر طواف أو صلاة لبعض الآيات أو ما يلزم من الصلوات.
قال أبو عمر: من حجة من ذهب هذا المذهب حديث عمرو بن عنبسة وحديث كعب بن مرة وحديث الصنابحي عن النبي عليه السلام بمثل هذا المعنى ويخصها ببعض ما ذكرنا من الآثار وقد ذكرنا أحاديث عمرو بن عنبسة وما كان مثلها في باب حديث زيد بن أسلم من كتابنا هذا في حديث الصنابحي فأغنى عن ذكرها هنا ومما يخص به أيضا هذه الآثار وما كان مثلها على مذهب أبي ثور ومن قال بقوله قوله صلى الله عليه وسلم "يا بني عبد مناف لا تمنعوا أحدا طاف بهذا البيت وصلى لي ساعة شاء" حدثناه محمد بن إبراهيم بن سعيد قال حدثنا محمد بن معاوية بن عبد الرحمن قال حدثنا أحمد بن شعيب قال حدثنا محمد بن منصور قال حدثنا سفيان قال سمعت أبا الزبير قال سمعت عبد الله بن باباه يحدث عن جبير بن مطعم أن النبي صلى

(13/44)


الله عليه وسلم قال "يا بني عبد مناف لا تمنعوا أحدا طاف بهذا البيت وصلى أي ساعة شاء من ليل أو نهار" وذكر الشافعي عن عبد الله بن المؤمل عن حميد مولى عفراء عن قيس بن سعد عن مجاهد عن أبي ذر أنه أخذ بحلقة باب الكعبة فقال أتعرفونني من عرفني فأنا الذي عرفني ومن لم يعرفني فأنا أبو ذر صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم سمعت أذناي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "لا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس ولا بعد العصر حتى تغرب الشمس إلا بمكة إلا بمكة إلا بمكة" وهذا حديث وإن لم يكن بالقوي لضعف حميد مولى عفراء ولأن مجاهدا لم يسمع من أبي ذر ففي حديث جبير بن مطعم ما يقويه مع قول جمهور علماء المسلمين به وذلك أن ابن عباس وابن عمر وابن الزبير والحسن والحسين وعطاء وطاوس ومجاهدا والقاسم بن محمد وعروة بن الزبير كانوا يطوفون بعد العصر وبعضهم بعد الصبح أيضا ويصلون بأثر فراغهم من طوافهم ركعتين في ذلك الوقت وبه قال الشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وداود بن علي وقال مالك بن أنس من طاف بالبيت بعد العصر أخر ركعتي الطواف حتى تغرب الشمس وكذلك من طاف بعد الصبح لم يركعهما حتى تطلع الشمس وترتفع وقال أبو حنيفة يركعهما إلا عند غروب الشمس وطلوعها واستوائها وبعض أصحاب مالك يرى الركوع للطواف بعد الصبح ولا يراه بعد العصر وهذا

(13/45)


لا وجه له في النظر لأن الفرق بين ذلك لا دليل عليه من خبر ثابت ولا قياس "صحيح" والله أعلم وحكم سجود التلاوة بعد الصبح والعصر كحكم الصلاة عند العلماء على أصولهم التي ذكرنا وبالله توفيقنا .
قال أبو عمر: روى الوليد بن مسلم عن مالك عن محمد بن يحيى بن حبان عبد الرحمن الأعرج عن أبي هريرة قال "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن لبستين اشتمال الصماء والاحتباء في ثوب واحد كاشفا عن فرجه" .
وهذا حديث غريب من حديث مالك ولم يروه عنه بهذا الإسناد إلا الوليد بن مسلم فيما علمت والله أعلم.
مالك عن محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي.
حديثان أحدهما موقوف يسند من غير رواية مالك وهو محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي من أنفسهم يكنى أبا عبد الله وكان من ساكني المدينة وبها كانت وفاته في سنة أربع وأربعين ومائة في خلافة أبي جعفر وكان

(13/46)


كثير الحديث روى عنه مالك وابن عيينة والثوري وجماعة من الأئمة إلا أنه يخالف في أحاديث فإذا خالفه في أبي سلمة الزهري أو يحيى بن كثير فالقول قولهما عن أبي سلمة عند أهل العلم بالحديث وقال يحيى بن معين محمد بن عمرو بن علقمة أعلى من سهيل بن أبي صالح وقال يحيى القطان محمد بن عمرو أحب إلي من ابن حرملة وقال يحيى بن معين أيضا محمد بن عجلان أوثق من محمد بن عمرو قال لم يكونوا يكتبون حديث محمد بن عمرو حتى اشتهاها أصحاب الإسناد فكتبوها.
قال أبو عمر: محمد بن عمرو ثقة محدث روى عنه الأئمة ووثقوه ولا مقال فيه إلا كما ذكرنا إنه يخالف في أحاديث وأنه لا يجري مجرى الزهري وشبهه وكان شعبة مع تعسفه وانتقاده الرجال يثنى عليه ذكر العقيلي قال حدثني محمد بن سعد الشاشي قال حدثنا محمد بن موسى الواسطي قال سمعت يزيد بن هارون يقول قال شعبة محمد بن عمرو أحب إلي من يحيى بن سعيد الأنصاري في الحديث.
قال أبوعمر حسبك بهذا ويحيى بن سعيد أحد الأئمة الجلة وقد روى ابن أبي مريم عن خاله موسى بن سلمة

(13/47)


قال أتيت عبد الله بن يزيد بن هرمز فسألته أن يحدثني فقال ليس ذلك عندي ولكن إن أردت الحديث فعليك بمحمد بن عمرو بن علقمة "وقال أبو مسهر سمعت مالك بن أنس يقول أكثر محمد بن عمرو وحدثنا عبد الوارث حدثنا قاسم حدثنا أحمد بن زهير قال سمعت يحيى بن معين يقول محمد بن عمرو بن علقمة ثقة"
قال أبو عمر: لم يخرج مالك عن محمد بن عمرو بن علقمة في موطئه حكما واستغنى عنه في الأحكام بالزهري ومثله ولم يكن عنده إلا في عداد الشيوخ الثقات وإنما ذكر عنه في موطئه من المسند حديثا واحدا وهو:

(13/48)


محمد بن عمرو بن علقمة
الحديث الأول
...
مالك عن محمد بن عمرو بن علقمة عن أبيه عن بلال بن الحارث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله ما كان يظن أن تبلغ ما بلغت يكتب الله له بها رضوانه إلى يوم يلقاه وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله ما كان يظن أن تبلغ ما بلغت يكتب الله له بها سخطه إلى يوم يلقاه" قال أبو عمر: هكذا روى هذا الحديث جماعة الرواة للموطأ وغير مالك يقول في هذا الحديث عن محمد بن عمرو عن أبيه عن جده عن بلال بن الحارث فهو في رواية مالك غير متصل وفي رواية من قال عن أبيه عن جده متصل مسند وقد تابع مالكا على مثل روايته عن محمد بن عمرو عن أبيه "الليث بن سعيد وابن لهيعة روياه عن ابن عجلان عن محمد بن عمر عن أبيه" عن بلال بن الحارث لم يقولا عن جده ورواه الداروردي وسفيان بن عيينة ومعاذ بن "معاذ" وأبو معاوية الضرير وسعيد بن عامر ويزيد بن هارون ومحمد بن بشر و عبد الرحمن المحاربي

(13/49)


ومحمد ويعلى ابنا عبيد عن محمد بن عمرو عن أبيه عن جده عن بلال بن الحارث "وتابعهم حيوية بن شريح عن ابن عجلان عن محمد بن عمرو عن أبيه عن جده" وتابعهم أيضا شيخ يكنى أبا سفيان عبد الرحمن بن عبد ربه اليشكري عن مالك عن محمد بن عمرو عن أبيه عن جده ورواه الثوري وموسى بن عقبة عن محمد بن عمرو عن جده علقمة بن وقاص لم يقولا عن أبيه وقال حماد بن سلمة عن محمد بن عمرو عن محمد بن إبراهيم عن علقمة بن وقاص والقول عندي فيه والله أعلم قول من قال عن أبيه عن جده وإليه مال الدارقطني رحمه الله".
حدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن وضاح قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا محمد بن بشر قال حدثنا محمد بن عمرو قال حدثني أبي عن أبيه علقمة بن وقاص قال مر به رجل له شرف فقال له علقمة إن لك رحما وإن لك لحقا وإني رأيتك تدخل على هؤلاء الأمراء وتكلم عندهم بما شاء الله أن تكلم وإني سمعت بلال بن الحارث صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول قال النبي صلى الله عليه وسلم "إن الرجل ليتكلم

(13/50)


بالكلمة من رضوان الله ما يظن أن تبلغ ما بلغت فيكتب الله له بها رضوانه إلى يوم يلقاه وإن أحدكم ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يظن أن تبلغ ما بلغت فيكتب الله عليه بها سخطه إلى يوم يلقاه" قال علقمة فانظر ويحك ماذا تقول وماذا تكلم فرب كلام قد منعني "أن" أتكلم به ما سمعت من بلال بن الحارث.
قال أبو عمر: لا أعلم خلافا في قوله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث "إن الرجل ليتكلم بالكلمة" أنها الكلمة عند السلطان الجائر الظالم ليرضيه بها فيما يسخط الله عز وجل ويزين له باطلا يريده من إراقة دم أو ظلم مسلم ونحو ذلك مما ينحط به في حبل هواه فيبعد من الله وينال سخطه وكذلك الكلمة التي يرضي بها الله عز وجل عند السلطان ليصرفه عن هواه وبكفه عن معصية يريدها يبلغ بها أيضا من الله رضوانا لا يحسبه والله أعلم.
وهكذا فسره ابن عيينة وغيره وذلك بين في هذه الرواية وغيرها.
وجدت في سماع أبي بخطه أن محمد بن أحمد بن قاسم بن هلال حدثهم قال حدثنا سعيد بن عثمان قال حدثنا نصر بن مرزوق قال حدثنا أسد بن موسى قال حدثنا سفيان بن عيينة عن محمد بن عمرو بن علقمة عن أبيه

(13/51)


عن جده عن بلال بن الحارث قال إنكم تدخلون على هؤلاء الأمراء وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يظن أن تبلغ ما بلغت يكتب الله له بها رضوانه إلى يوم يلقاه وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يظن أن تبلغ ما بلغت يكتب الله له بها سخطه إلى يوم يلقاه" وبه عن أسد قال حدثنا حماد بن سملة عن محمد بن عمرو عن محمد بن إبراهيم التيمي عن علقمة بن وقاص قال كان علقمة يدخل على الأمراء ثم جلس عنهم فقيل له ما يجلسك عنهم قال حدثني بلال بن الحارث قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يظن أن تبلغ ما بلغت فيكتب الله له بها رضوانه إلى يوم يلقاه وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله ما كان يظن أن تبلغ ما بلغت فيكتب الله له بها سخطه إلى يوم يلقاه" هكذا قال حماد بن سلمة في هذا الحديث عن محمد بن عمرو عن محمد بن إبراهيم التيمي وهو عندي وهم والله أعلم والصحيح ما قالته الجماعة عن محمد بن عمرو.
عن أبيه حدثنا أحمد بن فتح بن عبد الله قال حدثنا حمزة بن محمد قال حدثنا محمد بن يحيى بن الحسين قال حدثنا

(13/52)


عبيدالله بن محمد العيشي قال حدثنا حماد بن سلمة عن أبي غالب عن أبي أمامة أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عند الجمرة اي الجهاد أفضل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أفضل الجهاد من قال كلمة حق عند ذي سلطان جائر".
حدثنا قاسم بن محمد قال حدثنا خالد بن سعيد قال حدثنا محمد بن عبد الله بن قاسم قال حدثنا بقي بن مخلد قال حدثنا إبراهيم بن هشام بن يحيى الغساني قال حدثني أبي قال حدثنا عروة بن رؤيم اللخمي عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من كان وصلة لأخيه المسلم إلى ذي سلطان في مبلغ بر أو قال كلمة معناها أو إقالة عثرة أعانه الله على جواز الصراط يوم القيامة عند دحض الأقدام" وبه عن بقي بن مخلد قال حدثنا محمد بن المثنى أبو موسى قال حدثنا سهل بن حماد قال حدثنا المختار بن نافع عن أبي حيان

(13/53)


عن أبيه عن علي بن أبي طالب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "رحم الله عمر تركه الحق ليس له صديق".
حدثنا أحمد بن سعيد بن بشر قال حدثنا محمد بن عبد الله بن أبي دليم قال حدثنا ابن وضاح قال حدثنا صالح بن عبيد قال سمعت ابن مهدي يقول عن حماد بن زيد قال ابن عون كان الرجل يفر بما عنده من الأمراء جهده فإذا أخذ لم يجد بدا.
حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن عبد السلام قال حدثنا محمد بن بشار قال حدثنا محمد بن جعفر قال حدثنا شعبة عن قتادة عن أبي نضرة عن أبي سعيد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا يمنعن أحدكم مخافة الناس أن يتكلم بالحق إذا علمه" وأخبرنا عبد الرحمن بن مروان قال حدثنا الحسن "بن" محمد بن يحيى القلزمي قال حدثنا أبو سعيد حاتم بن الحسن الشاشي بمكة قال حدثنا أبو حاتم أحمد بن زرعة قال حدثنا الحسن بن رشيد قال حدثنا أبو مقاتل عن أبي حنيفة عن عكرمة عن ابن عباس قال قال رسول الله

(13/54)


صلى الله عليه وسلم "أكرم الشهداء يوم القيامة حمزة بن عبد المطلب ثم رجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله".
"وروي من حديث إبراهيم الصائغ عن عطاء عن جابر مثله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "سيد الشهداء حمزة ورجل قام إلى إمام جائر فأمره أو نهاه فقتله" وروى ابن أبي نعيم قال سمعت عبد الله بن عمر يقول وفد الشيطان قوم يأتون هؤلاء الأمراء فيمشون إليهم بالنميمة والكذب فيعطون على ذلك العطايا ويجازون الجوائز" قرأت على قاسم بن محمد أن خالد بن سعيد حدثهم قال حدثنا محمد بن عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن إسماعيل الصائغ قال حدثنا أبو نعيم قال حدثنا عبيدالله بن الوليد الرصافي قال قلت لعطاء أخ له صاحب سلطان يكتب ما يدخل "ويخرج" أمين على ذلك إن ترك قلمه صار عليه دين وإن أخذ بقلمه كان له غنى ولعياله قال الرأس من قلت خالد بن عبد الله قال أو ما تقرأ هذه الآية {رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ} صاحب القلم عون لهم ومن أقل من صاحب قلم "عون لهم" ليرم بقلمه فإن الله آتيه

(13/55)


بغنى أو رزق وروينا عن رجاء بن حيوة قال كنت واقفا بباب سليمان بن عبد المالك فأتاني آت لم أره قبل ولا بعد فقال يا رجاء إنك قد بليت بهذا "أو بلي" بك وفي دنوك منه فساد دينك يا رجاء فعليك بالمعروف وعون الضعيف يا رجاء إنه من رفع حاجة لضعيف إلى سلطان لا يقدر على رفعها ثبت الله قدمه على الصراط يوم تزل فيه الأقدام وهذا فيه حديث مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم حدثنا أبو القاسم خلف بن القاسم بن سهل قال حدثنا أبو بكر أحمد بن صالح بن عمر المقرئ قال حدثنا عبد الله بن سليمان أبو بكر الخراساني قال حدثنا عبد الله بن صالح المصري قال حدثنا يحيى بن حسان قال حدثنا الوليد بن رباح الذماري قال حدثني عمي نمران بن عبيد الذماري عن أم الدرداء عن أبي الدرداء قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

(13/56)


"من رفع حاجة ضعيف إلى سلطان لا يستطيع رفعها إليه ثبت الله قدميه" أو قال قدمه على الصراط" حدثنا خلف بن سعيد قال حدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا أحمد بن خالد قال حدثنا إسحاق بن إبراهيم قال حدثنا عبد الرزاق قال حدثنا معمر عن أبي إسحاق عمارة بن عبد الله عن حذيفة قال إياكم ومواقف الفتن قيل وما مواقف الفتن يا أبا عبد الله قال أبواب الأمراء يدخل أحدكم على الأمير فيصدقه بالكذب ويقول له ما ليس فيه قال وأخبرنا معمر عن قتادة أن ابن مسعود "قال" إن على أبواب السلطان فتنا كمبارك الإبل والذي نفسي بيده لا تصيبون من دنياهم شيئا إلا أصابوا من دينكم مثله حدثنا خلف بن القاسم قال حدثنا الحسن بن رشيق وحدثنا أحمد بن فتح قال حدثنا حمزة بن محمد قالا حدثنا علي بن معبد بن بشر الرازي قال حدثنا محمد بن عبد الرحمن بن خلف العنبري قال حدثنا حماد بن سلمة عن عبد الله بن العيزار قال كان مطرف بن عبد الله بن الشخير يقول اللهم إني أعوذ بك من

(13/57)


أن أقول شيئا من الحق أريد به سواك وأعوذ بك من ضر ينزل بي يضطرني إلى معصيتك وأعوذ بك أن تزين لي شيئا من شأني يشينني عندك وأعوذ بك أن يكون غيري أسعد بما أعطيتني مني وأعوذ بك أن أكون عبرة للناس .

(13/58)


الحديث الثاني
...
حديث ثان لمحمد بن عمرو
مالك عن محمد بن عمرو بن علقمة عن مليح بن عبد الله السعدي عن أبي هريرة أنه قال "الذي يرفع رأسه ويخفضه قبل الإمام فإنما ناصيته بيد شيطان".
"قال أبو عمر" هكذا رواه مالك موقوفا لم يختلف عليه فيه ورواه الدراوردي عن محمد بن عمرو عن مليح عن أبي هريرة عن النبي عليه السلام مرفوعا ولا يصح إلا موقوفا بهذا الإسناد والله أعلم "ورواه حفص بن عمر العدني عن مالك عن محمد بن عمرو عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم سواء ولم يتابع عليه عن مالك وأما حديث محمد بن زياد

(13/59)


عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يحول الله رأسه رأس حمار" فحديث صحيح مرفوع رواه شعبة وحماد بن زيد وحماد بن سلمة ويونس بن عبيد عن محمد بن زياد "فالقول فيه كالقول في حديث محمد بن عمرو ولا خلاف في معناهما عند الفقهاء وأما أهل الظاهر فيجب على أصولهم إيجاب الإعادة على من فعل ذلك لأنه فعل ما نهي عنه "وكان عمل عندهم بطالقه النهي سهل" وحجتهم عندي في هذه المسألة قوله صلى الله عليه وسلم "إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا ركع فاركعوا وإذا رفع فارفعوا" .

(13/60)


محمد بن عمرو بن حلحلة
الحديث الأول
...
مالك عن محمد بن عمرو بن حلحلة الديلي حديثان
حديث أول لمحمد بن عمرو بن حلحلة
مالك عن محمد بن عمرو بن حلحلة الديلي عن معبد بن كعب بن مالك عن أبي قتادة بن ربعي أنه كان يحدث "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر عليه بجنازة فقال "مستريح ومستراح منه" فقالوا يا رسول الله ما المستريح وما المستراح منه قال "العبد المؤمن يستريح من نصب الدنيا وأذاها إلى رحمة الله والعبد الفاجر يستريح منه العباد والبلاد والشجر والدواب". "قال أبو عمر" هكذا هو في جميع الموطآت بهذا الإسناد ولا خلاف فيه عن مالك "وأخطأ فيه على مالك سويد بن سعيد فرواه عن محمد بن عمرو بن حلحلة

(13/61)


عن معبد "بن كعب عن أبيه وليس بشيء" ورواه وهب بن كيسان عن محمد بن عمرو بن مليح الديلي قال كنا في جنازة رجل من جهينة ومعنا معبد بن كعب السلمي قال معبد بن كعب سمعت أبا قتادة يقول مر على النبي صلى الله عليه وسلم بجنازة فذكر الحديث سواء إلى آخره وذكره ابن أبي شيبة عن عبيدالله بن موسى عن إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة عن وهب بن كيسان ورواه محمد بن إسحاق عن معبد بن كعب فلا أدري سمعه منه أم لا حدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن وضاح قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا يزيد بن معاوية عن محمد بن إسحاق عن معبد بن كعب عن أبي قتادة وحدثنا عبيد بن محمد قال حدثنا عبد الله بن مسرور قال حدثنا عيسى بن مسكين قال حدثنا محمد بن سنجر قال حدثنا أحمد بن خالد الوهبي قال

(13/62)


حدثنا محمد بن إسحاق عن معبد بن كعب بن مالك عن أبي قتادة الأنصاري قال بينا نحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم جلوسا أتاه آت فقال يا رسول الله مات فلان بن فلان فقال عبد الله دعي فأجاب "مستريح ومستراح منه" فقلنا يا رسول الله مستريح مماذا قال عبد الله الرجل المؤمن استراح من الدنيا ونصبها وهمومها وأحزانها وأفضى إلى رحمة الله قلنا ومستراح منه ماذا قال الرجل السوء في حديث ابن أبي شيبة قال عبد الله الرجل السوء يستريح منه العباد والبلاد والشجر والدواب.
وهذا حديث ليس فيه معنى يشكل والحمد لله.

(13/63)


الحديث الثاني
...
حديث ثان لمحمد بن عمرو بن حلحلة
مالك عن محمد بن عمرو بن حلحلة عن محمد بن عمران الأنصاري عن أبيه أنه قال عدل إلي عبد الله بن عمر وأنا نازل تحت سرحة بطريق مكة فقال ما أنزلك تحت هذه السرحة فقلت أردت ظلها فقال هل غير ذلك فقلت لا ما أنزلني إلا ذلك فقال ابن عمر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إذا كنت بين الأخشبين من منى ونفخ بيده نحو المشرق فإن هناك واديا يقال له السرر به شجرة سر تحتها سبعون نبيا ".
"قال أبو عمر: " لا أعرف محمد بن عمران هذا إلا بهذا الحديث وإن لم يكن أبوه عمران بن حبان الأنصاري أو عمران بن سوادة فلا أدري من هو وحديثه هذا مدني وحسبك بذكر مالك له في كتابه أما قوله وأنا نازل تحت سرحة فالسرحة الشجرة قال الخليل السرح الشجر الطوال الذي له شعب وظل واحدتها سرحة "قال حميد بن ثور

(13/64)


أبى الله إلا أن سرحة مالك على كل أفنان العضاه تروق وقد ذكره أبو ذؤيب الهذلي في شعره فقال:
الكني إليها وخيرا لرسو
...
ل أعلمهم بنواحي الخبر
بآية ما وقفت والركا
...
ب بين الحجون وبين السرر
فقال تبررت في أمرنا
...
وما كنت فينا حديثا ببر
قال الأصمعي السرر على أربعة أميال من مكة عن يمين الجبل كان عبد الصمد بن علي "قد بني عليه مسجدا" وأما قوله "نفخ بيده فالنفخ ها هنا" الإشارة بيده كأنه يقول رمي بيده نحو المشرق أي مدها وأشار بها والسرر اسم الوادي والأخشبان الجبلان.
قال ابن وهب في قوله "إذا كنت بين الأخشبين من منى" قال يعني الجبلين اللذين تحت العقبة بمنى فوق المسجد

(13/65)


قال أبو عمر: الأخاشب الجبال أنشد ابن هشام لأبي قيسر بن الأسلت .
فقوموا فصلوا ربكم وتمسحوا ... بأركان هذا البيت بين الأخاشب
ويقال إن الأخاشب اسم لجبال مكة ومنى خاصة "قال الخليل" قال إسماعيل بن يسار النسائي " .
ولعمر من حبس الهدي له ... بالأخشبين صبيحة النحر
وقال العامري في بيعة ابن الزبير :
يبايع بين الأخشبين وإنما ... يد الله بين الأخشبين تبايع"
وأما قوله "سر تحتها سبعون نبيا" ففيه قولان أحدهما أنهم بشروا تحتها بما سرهم واحدا بعد واحد أو مجتمعين أو نبئوا تحتها فسروا من السرور والقول الآخر أنها قطعت

(13/66)


تحتها سررهم يعني ولدوا تحتها يقال قد سر الطفل إذا قطعت سرته. وفي "هذا" الحديث دليل على التبرك بمواضع الأنبياء والصالحين ومقاماتهم ومساكنهم وإلى هذا قصد عبد الله بن عمر بحديثه هذا والله أعلم.
وليس في هذا الحديث حكم من الأحكام.
وفيه الحديث عن بني إسرائيل والخبر عن الماضين وإباحة الخوض في أخبارهم والتحدث بها .

(13/67)


محمد بن أبي امامة
الحديث الأول
...
مالك عن محمد بن أبي أمامة حديث واحد
وهو محمد بن أبي أمامة بن سهل بن حنيف بن وهب الأنصاري ولد أبوه أبو أمامة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم أسعد باسم جده أبي أمه أبي أمامة أسعد بن زرارة الأنصاري وكان أحد النقباء وأبو سهل بن حنيف جد محمد هذا من كبار الصحابة أيضا.
وقد ذكرنا أبا أمامة بن سهل "وأباه سهل" بن حنيف وذكرنا أبا أمامة أسعد بن زرارة جد أبي أمامة بن سهل لأمه كل هؤلاء في كتابنا في الصحابة وذكرنا هناك من أخبارهم ما يوقف به على مواضعهم ومنازلهم وأحوالهم.
ومحمد بن أبي أمامة هذا من ثقات شيوخ أهل المدينة روى عنه مالك وغيره .

(13/68)


مالك عن محمد بن أبي أمامة بن سهل بن حنيف أنه سمع أباه يقول اغتسل أبي سهل بن حنيف بالخرار فنزع جبة كانت عليه وعامر بن ربيعة ينظر قال وكان سهل رجلا أبيض حسن الجلد قال فقال له عامر بن ربيعة ما رأيت كاليوم ولا جلد عذراء قال فوعك سهل مكانه واشتد وعكه فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبر أن سهلا وعك وإنه غير رائح معك يا رسول الله فأتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره سهل بالذي كان من أمر عامر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "علام يقتل أحدكم أخاه ألا بركت أن العين حق توضأ له" فتوضأ عامر فراح سهل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس به بأس.
قال أبو عمر: في هذا الحديث إن العين حق.
وفيه أن العين إنما تكون مع الإعجاب وربما مع الحسد.
وفيه أن الرجل الصالح قد يكون عائنا وأن هذا ليس من باب الصلاح ولا من باب الفسق في شيء.
وفيه أن العائن لا ينفي كما زعم بعض الناس.
وفيه أن التبريك لا تضر معه عين العائن والتبريك قول القائل اللهم بارك فيه ونحو هذا وقد قيل إن التبريك

(13/69)


"أن يقول" تبارك الله أحسن الخالقين اللهم بارك فيه.
وفيه جواز الاغتسال بالعراء والخرار موضع بالمدينة وقيل واد من أوديتها.
وفيه دليل على أن العائن يجبر على الاغتسال للمعين.
وفيه أن النشرة وشبهها لا بأس بها وقد ينتفع بها.
وقد ذكرنا ما في هذا الحديث من المعاني مستوعبة وذكرنا حكم الاغتسال وهيأته وما في ذلك كله مهذبا في باب ابن شهاب عن أبي أمامة بن سهل من كتابنا هذا فأغنى عن الإعادة ها هنا.
"ومما يدلك على أن صاحب العين إذا أعجبه شيء كان منه بقدر الله ما قضاه وأن العين ربما قتلت كما قال صلى الله عليه وسلم "على م يقتل أحدكم أخاه" ما رويناه عن الأصمعي أنه قال رأيت رجلا عيونا سمع بقرة تحلب فأعجبه صوت شخبها فقال أيتهن هذه قالوا الفلانية لبقرة أخرى يورون عنها فهلكتا جميعا الموري بها والمورى عنها.
قال الأصمعي وسمعته يقول إذا رأيت الشيء يعجبني وجدت حرارة تخرج من عيني

(13/70)


قال الأصمعي وكان عندنا رجلان يعينان الناس فمر أحدهما بحوض من حجارة فقال تالله ما رأيت كاليوم قط فتطاير الحوض فرقتين فأخذه أهله فضببوه بالحديد فمر عليه ثانية فقال وأبيك لعل ما أضررت أهلك فيك فتطاير أربع فرق قال وأما الآخر فسع صوت بول من وراء حائط فقال إنه لبن الشخب فقالوا إنه فلان ابنك فقال وانقطاع ظهراه قالوا إنه لا بأس عليه قال لا يبول بعدها أبدا قال فما بال حتى مات.
ويقال من هذا عنت فلانا أعينه إذا أصبته بعين ورجل معين ومعيون إذا أصيب بالعين قال عباس بن مرداس:
قد كان قومك يحسبونك سيدا ... وأخال أنك سيد معيون

(13/71)


محمد بن أبي بكر الثقفي
الحديث الأول
...
مالك عن محمد بن أبي بكر الثقفي حديث واحد
وهو محمد بن أبي بكر بن عوف بن الرباح الثقفي مدني تابعي ثقة روى عنه مالك بن أنس وغيره.
مالك عن محمد بن أبي بكر الثقفي "أنه سأل أنس بن مالك وهما غاديان من منى إلى عرفة كيف كنتم تصنعون في هذا اليوم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال: كان يهل المهل منا فلا ينكر عليه ويكبر المكبر فلا ينكر عليه" .

(13/72)


قال أبو عمر: هذا حديث صحيح وفيه أن الحاج جائز له قطع التلبية قبل الوقوف بعرفة وقبل رمي جمرة العقبة وهو موضع اختلف فيه السلف والخلف فروى أنس بن مالك ما ذكرنا وعن ابن عمر مثله مرفوعا وهو فعل ابن عمر وقوله في ذلك أخبرنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا أحمد بن حنبل قال حدثنا عبد الله بن نمير قال حدثنا يحيى بن سعيد عن عبد الله بن أبي سلمة عن عبد الله بن عبد الله بن عمر عن أبيه قال غدونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من منى إلى عرفات فمنا الملبي ومنا المكبر.
أخبرنا خلف بن سعيد قراءة مني عليه أن عبد الله بن محمد حدثهم قال حدثنا أحمد بن خالد قال حدثنا علي بن عبد العزيز قال حدثنا القعنبي قال حدثنا يحيى بن

(13/73)


عمير أن عمر بن عبد العزيز قال لعبيد الله بن عبد الله بن عمر "سألت أباك عن اختلاف الناس في التلبية فقال أخبرني أبي إنه غدا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من منى غداة عرفة حين صلى الصبح قال فلم تكن لي همة إلا أن أرمق الذي أراه يصنع فسمعته يهلل ويكبر والناس كهيأته يهللون ويكبرون ويلبون ورسول الله صلى الله عليه وسلم يسمع ذلك كله فلم أره ينهى عن شيء من ذلك كله ولزم التهليل والتكبير".
وحدثنا خلف بن سعيد قال حدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا أحمد بن خالد قال حدثنا علي بن عبد العزيز قال حدثنا أحمد بن يونس قال حدثنا أبو الأحوص عن أشعث عن أبيه وعلاج جميعا عن ابن عمر أنه لم يفتر من التهليل والتكبير حين دفع من عرفة حتى أتى المزدلفة فأذن وأقام وذكر الحديث .

(13/74)


وذكر إسماعيل بن إسحاق قال حدثنا سليمان بن حرب قال حدثنا حماد بن زيد عن يحيى بن سعيد عن عبد الله بن أبي سلمة عن ابن عمر قال "غدونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من منى إلى عرفة فمنا الملبي ومنا المكبر" قال إسماعيل وحدثنا به علي قال حدثنا جرير بن عبد الحميد عن يحيى بن سعيد فذكره قال إسماعيل وحدثنا مسدد قال حدثنا يوسف الماجشون عن أبيه أن عبد الله بن عمر قال غدونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عرفة فمنا الملبي ومنا المكبر فلا يعاب على الملبي تلبيته ولا على المكبر تكبيره قال وكان عبد الله بن عمر يكبر.
قال أبو عمر: فقال قوم من العلماء بهذه الأحاديث قالوا جائز قطع التلبية للحاج إذا راح من منى إلى عرفة فيهلل ويكبر ولا يلبي واستحبوا ذلك قالوا وإن أخر قطع التلبية إلى زوال الشمس بعرفة فحسن ليس به بأس وأما عبد الله بن عمر فكان يقطع التلبية في رواحه من منى إلى عرفة وروى مالك عن نافع أن عبد الله بن عمر كان إذا غدا من منى إلى عرفة قطع التلبية وروى حماد بن زيد عن أيوب عن نافع عن ابن عمر أنه كان يلبي حين يغدو من منى إلى عرفة وروى ابن علية عن أيوب عن بكر بن عبد الله المزني عن ابن عمر قال إذا أصبحت غاديا من منى إلى عرفة فأمسك عن التلبية فإنما هو التكبير وذكر إسماعيل القاضي قال حدثنا سليمان بن حرب قال حدثنا جرير بن

(13/75)


حازم قال غدونا من منى إلى عرفة مع نافع فكان يكبر أحيانا ويلبي أحيانا.
قال أبو عمر: كان ابن عمر إذا قدم حاجا أو معتمرا فرأى الحرم ترك التلبية حتى يطوف بالبيت ويسعى بين الصفا والمروة ثم يعود في التلبية إلى صبيحة يوم عرفة فإذا غدا من منى إلى عرفة قطع التلبية وأخذ في التهليل والتكبير.
"ذكر مالك عن نافع أن عبد الله بن عمر كان يقطع التلبية في الحج إذا انتهى إلى الحرم حتى يطوف بالبيت وبين الصفا والمروة ثم يلبي حين يغدو من منى إلى عرفة فإذا غدا ترك التلبية وكان يترك التلبية في العمرة إذا دخل الحرم ".
وبما روي عن ابن عمر في هذا الباب كان الحسن البصري وغيره يقولون.
ذكر إسماعيل "القاضي" قال حدثنا علي بن المديني قال حدثنا عبد الأعلى قال حدثنا هشام عن الحسن في الذي يهل بالحج من مكة قال يلبي حتى يغدو الناس من منى إلى عرفات

(13/76)


وحدثنا نصر قال حدثنا عبد الأعلى قال حدثنا هشام عن عطاء قال أحسبه مثل ذلك "وحدثنا نصر" قال حدثنا إسماعيل بن أبي أويس قال قال محمد بن هلال رأيت عمر بن عبد العزيز يصيح بالناس بعد ما صلى الصبح يوم عرفة بمنى أيها الناس أنه التهليل والتكبير وقد انقطعت التلبية قال وحدثنا علي قال حدثنا الفضل بن دكين قال حدثنا معمر بن يحيى بن سلم سمعت أبا جعفر يقول إذا رجعت إلى عرفة فاقطع التلبية وهلل وكبر.
فهذا كله وجه واحد وقول واحد.
وكانت جماعة آخرون لا يقطعون التلبية إلا عند زوال الشمس بعرفة روي ذلك عن جماعة من السلف وهو قول مالك بن أنس وأصحابه وأكثر أهل المدينة.
ذكر إسماعيل قال حدثنا يعقوب بن حميد بن كاسب قال حدثنا الوليد بن مسلم قال حدثنا ابن أبي ذئب عن ابن شهاب قال كانت الأئمة يقطعون التلبية إذا زالت الشمس يوم عرفة وسمى ابن شهاب أبا بكر وعمر وعثمان وعائشة وسعيد بن المسيب.
قال أبو عمر: أما عثمان وعائشة فقد روي عنهما غير ذلك وكذلك سعيد بن المسيب وسنذكره في هذا الباب وهو قريب مما حكى عنهم ابن شهاب

(13/77)


وأما علي بن أبي طالب فلم يختلف عنه في ذلك فيما علمت روى مالك عن جعفر بن محمد عن أبيه أن علي بن أبي طالب كان يلبي في الحج حتى إذا زاغت الشمس من يوم عرفة قطع التلبية قال مالك وذلك الذي لم يزل عليه أهل العلم ببلدنا وكذلك أم سلمة كانت تقطع التلبية إذا زاغت الشمس من عرفة روى ذلك ابن أبي فديك عن موسى بن يعقوب الزمعي عن عمته عنها وقد روي عن ابن عمر مثل ذلك والرواية الأولى عنه أثبت روى علي بن المديني عن الفضل بن العلاء عن ابن خثيم عن يوسف بن ماهك قال حججت مع عبد الله بن عمر ثلاث حجج فخرجنا معه من مكة حتى صلى بنا الصلوات كلها بمنى ثم غدا إلى عرفة وغدونا معه حتى أتى نمرة فلما زاغت الشمس أمسك عن التلبية وهو قول السائب بن يزيد وسليمان بن يسار وابن شهاب ذكر إسماعيل عن إبراهيم بن حمزة حدثنا الدراوردي عن ابن أخي ابن شهاب عن عمه أنه كان يقطع التلبية يوم عرفة إذا زاغت الشمس.
وفي هذه المسألة قول ثالث وهو أن التلبية لا يقطعها الحاج حتى يروح من عرفة إلى الموقف وذلك بعد جمعه بين الظهر والعصر في أول وقت الظهر وهذا القول قريب من

(13/78)


القول الذي قبله روي أيضا عن جماعة من السلف منهم عثمان وعائشة وسعد بن أبي وقاص وسعيد بن المسيب وغيرهم.
وروى الدراوردي وابن أبي حازم عن ابن حرملة أنه سأل سعيد بن المسيب حتى متى ألبي في الحج قال حتى تروح من عرفة إلى الموقف والدراوردي أيضا عن علقمة عن ابن أبي علقمة عن أمه عن عائشة أنها كانت تنزل عرفة في الحج وكانت تهل في المنزل ويهل من كان معها وتصلي الصلاتين كلتيهما الظهر والعصر في منزلها ثم تروح إلى الموقف فإذا استوت على دابتها قطعت التلبية ذكره إسماعيل بن إسحاق.
حدثنا إبراهيم بن حمزة وحدثنا الدراوردي وروى مالك عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة أنها كانت تترك التلبية إذا راحت إلى الموقف ومالك عن علقمة بن أبي علقمة عن أمه عن عائشة مثله بمعناه وحماد بن زيد وغيره عن هشام عن عروة عن أبيه عن عائشة مثله وروى ابن وهب و عبد الله بن نافع والمغيرة بن عبد الرحمن كلهم عن عبد الله بن عمر عن نافع أن عثمان كان يقطع التلبية إذا راح إلى الموقف

(13/79)


وروى علي بن المديني عن يزيد بن هارون عن محمد بن عمرو قال صليت مع عمر بن عبد العزيز الصبح بمنى ثم غدا وغدونا معه فرأى الناس مكبرين لا يلبي أحد فأمر صاحب شرطته عبد الله بن سعد فركب بغله فأمره أن يطوف في الناس فينادي أخبر الناس أن الأمير يأمركم أن تلبوا فإنما هي التلبية حتى تروحوا إلى الموقف.
قال أبو عمر: هذه الرواية عن عمر بن عبد العزيز أصح من التي تقدمت عنه في هذا الباب من حديث ابن أبي أويس.
وروي عن سالم ومحمد بن المنكدر ما يدخل في معنى هذا القول وروى حماد بن زيد عن أيوب قال كنا بعرفة فجعل سالم بن عبد الله يكبر وصلى ابن المنكدر الظهر بعرفة فلما سلم لبى ابنه فحصبه.
وفيها قول رابع أن المحرم بالحج يلبي أبدا حتى يرمي جمرة العقبة يوم النحر ثبت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو قول عمر و عبد الله بن مسعود و عبد الله بن عباس وميمونة وبه قال عطاء بن أبي رباح وطاوس وسعيد بن جبير وإبراهيم النخعي وهو قول جمهور فقهاء الأمصار وأهل الحديث وممن قال بذلك منهم سفيان الثوري وأبو حنيفة وأصحابه وابن أبي ليلى والحسن بن حي والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأبو ثور وداود بن

(13/80)


علي والطبري وأبو عبيد إلا أن هؤلاء اختلفوا في شيء من ذلك فقال الثوري والشافعي وأبو حنيفة وأصحابهم وأبو ثور يقطعها في أول حصاة يرمي بها من جمرة العقبة وقال أحمد وإسحاق وطائفة من أهل النظر والأثر لا يقطع التلبية حتى يرمي جمرة العقبة بأسرها قالوا وهو ظاهر الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة ولم يقل أحد من رواة هذا الحديث حتى رمى بعضها حتى إنه قال بعضهم في حديث عائشة ثم قطع التلبية في آخر حصاة.
حدثنا عبد الوارث بن سفيان حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا بكر بن حماد حدثنا مسدد حدثنا عبد الله بن داود عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس عن الفضل بن عباس "أنه كان ردف النبي صلى الله عليه وسلم وأن النبي صلى الله عليه وسلم لبى حتى رمى جمرة العقبة" وحدثنا عبد الوارث حدثنا قاسم حدثنا بكر حدثنا مسدد حدثنا يحيى بن سعيد عن ابن جريج قال أخبرني عطاء عن ابن عباس "أن النبي صلى الله عليه وسلم أردف الفضل من جمع وأن الفضل حدثه فذكر الحديث مثله".
وحدثنا سعيد بن نصر حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا الترمذي حدثنا الحميدي حدثنا سفيان حدثنا محمد بن أبي

(13/81)


حرملة أخبرنا كريب "عن" ابن عباس عن الفضل بن عباس وكان ردف النبي صلى الله عليه وسلم في المزدلفة حتى رمى الجمرة قال لم أزل أسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبي حتى الجمرة جمرة العقبة وروى سفيان بن عيينة عن يزيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن ابن عباس سمعت عمر يهل بالمزدلفة فقلت يا أمير المؤمنين فيم الإهلال قال هل قضينا نسكنا بعد ذكره ابن المقري عبد الرحمن بن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن يزيد المقري عن جده عن سفيان.
قال أبو عمر: من اعتبر الآثار المرفوعة في هذا الباب مثل حديث محمد بن أبي بكر الثقفي عن أنس وحديث عمر وحديث ابن عباس وغيرها استدل على الإباحة في ذلك ولهذا ما اختلف السلف فيه هذا الاختلاف ولم ينكر بعضهم على بعض ولما كان ذلك مباحا استحب كل واحد منهم ما ذكرنا عنه ومال إليه استحبابا لا إيجابا والله أعلم.
أخبرنا إبراهيم بن شاكر قال حدثنا عبد الله بن محمد بن عثمان قال حدثنا سعيد بن عثمان وسعيد بن حمير قالا حدثنا أحمد بن عبد الله بن صالح قال حدثنا إسماعيل بن

(13/82)


خليل قال حدثنا علي بن مسهر قال أخبرنا الأعمش عن سليمان بن ميسرة عن طارق بن شهاب قال أفاض عبد الله من عرفات وهو يلبي فسمعه رجل فقال من هذا الملبي وليس بحين التلبية فقيل له إنه ابن أم عبد فاندس بين الناس وذهب فذكر ل عبد الله فجعل يلبي لبيك عدد التراب أخبرنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا اسماعيل بن اسحاق قال حدثنا علي بن المديني قال حدثنا يحيى بن سعيد عن إسماعيل بن خالد قال حدثني وبرة قال سألت ابن عمر عن التلبية يوم عرفة فقال التكبير أحب إلي وذكر ابن وهب عن عمرو بن الحارث عن أبي الزبير عن جابر قال يهل ما دون عرفة ويكبر يوم عرفة وذكر حماد بن زيد عن سلمة بن علقمة عن محمد بن سيرين قال حججت زمن ابن الزبير فسمعته يوم عرفة يقول ألا وإن أفضل الدعاء اليوم التكبير وهذا على الأفضل عنده والله أعلم.
ومن حجة من اختار التلبية حتى يرمي في جمرة العقبة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كذلك فعل وقال "خذوا عني مناسككم" وهو المبين عن الله مراده وهي زيادة في الرواية يجب قبولها

(13/83)


ومن جهة النظر أن المحرم لا يحل من شيء من إحرامه ولا يلقي عنه شيئا من شعثه حتى يرمي جمرة العقبة فإذا رماها فقد حلت له أشياء كانت محظورة عليه وذلك أول إحلاله فينبغي أن تكون تلبيته بالحج على حسب ما كانت عليه من حين أحرم إلى ذلك الوقت والله أعلم.
ومعنى التلبية إجابة إبراهيم فيما ذكروا قال مجاهد وغيره لما أمر إبراهيم صلى الله عليه وسلم أن يؤذن في الناس بالحج قام على المقام فقال يا عباد الله أجيبوا الله فقالوا ربنا لبيك ربنا لبيك فمن حج البيت فهو ممن أجاب دعوته.
أخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا أحمد بن حنبل قال حدثنا وكيع عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس عن الفضل بن عباس "أن لنبي صلى الله عليه وسلم لبى حتى رمى جمرة العقبة".
واختلف الفقهاء في قطع التلبية في العمرة فقال الشافعي يقطع التلبية في العمرة إذا افتتح الطواف وقال مالك لا يقطع المحرم التلبية في العمرة إذا أحرم من التنعيم حتى يرى البيت وأما من أحرم من المواقيت بعمرة فإنه يقطع التلبية إذا دخل الحرم وانتهى إليه قال وبلغني ذلك عن ابن عمر وعروة بن الزبير "واختلف العلماء في الطواف "في التلبية " للحاج

(13/84)


فكان ربيعة بن أبي عبد الرحمن يلبي إذا طاف بالبيت ولا يرى به بأسا وبه قال الشافعي وأحمد بن حنبل أنه لا بأس بذلك وأنكر ذلك سالم قال ابن عيينة ما رأيت أحدا يقتدى به يلبي حول البيت إلا عطاء بن السائب وقال إسماعيل لا يزال الرجل ملبيا حتى يبلغ الغاية التي إليها يكون استجابته وهو الموقف بعرفة.
وقد تقدم قول علي وابن عمر واختار مالك لذلك والحمد لله" .

(13/85)


محمد بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري
الحديث الأول
...
محمد بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري
أمه فاطمة بنت عمارة بن عمرو بن محزوم ويكنى أبا عبد الملك وكان قاضيا بالمدينة قال الواقدي توفي محمد بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم سنة اثنتين وثلاثين ومائة في دولة بني العباس وهو ابن اثنتين وسبعين سنة وتوفي أبوه أبو بكر سنة عشرين ومائة وكان أبو بكر ايضا قاضيا على المدينة ثم صار أميرا عليها لعمر بن عبد العزيز.
لمالك عنه في الموطأ من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث واحد مقطوع عندهم ليس يتصل من وجهه هذا ولكنه يتصل معناه من وجوه.
مالك عن محمد بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن أبي النضر السلمي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "لا يموت لأحد من المسلمين ثلاثة من

(13/86)


الولد فيحتسبهم إلا كانوا له جنة من النار" فقالت امرأة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم يا رسول الله أو اثنان قال" أو اثنان".
"أبو النضر هذا مجهول في الصحابة والتابعين" واختلف الرواة للموطأ فيه فبعضهم يقول عن أبي النضر السلمي هكذا قال القعنبي وابن بكير وغيرهما وبعضهم يقول عن أبي النضر وهو الأكثر والأشهر وكذلك روى يحيى بن معين وإن كانت النسخ أيضا قد اختلفت عنه في ذلك وهو مجهول لا يعرف إلا بهذا الخبر "وقد قيل فيه عبد الله بن النضر" وقال بعضهم فيه محمد بن النضر ولا يصح "وقال بعض المتأخرين فيه إنه أنس بن مالك بن النضر نسب إلى جده وهذا جهل لأن أنس بن مالك ليس بسلمي من بني سلمة وإنما هو من بني عدي بن النجار وزعم قائل هذا أن أنس بن مالك يكنى أبا النضر وهذا مما لا يعلم ولا يعرف وكنية أنس بن مالك أبو حمزة بالإجماع".

(13/87)


وأما ما في هذا الحديث من المعاني فقد مضى القول فيها مستوعبا في باب ابن شهاب عن سعيد بن المسيب والحمد لله.
"والذي له جاء هذا الحديث وله أورده مالك في موطئه الاحتساب في المصيبة والصبر لها وأحسن ما قيل في ذلك قول فضيل بن عياض الصبر على المصيبات أن لا تبث".

(13/88)


محمد بن عبد الرحمان أبو الاسود
الحديث الأول
...
محمد بن عبد الرحمن أبو الأسود
لمالك عنه أربعة أحاديث مسندة وواحد مرسل.
وهو محمد بن عبد الرحمن بن نوفل بن الأسود بن نوفل بن خويلد بن أسد القرشي "الأسدي" يكنى أبا الأسود يعرف بيتيم عروة لأنه كان يتيما في حجره سكن المدينة "ثم سكن مصر في آخر أيام بني أمية" وهو من جلة المحدثين بها ثقة حجة فيما نقل قال يحيى بن معين "هو أحب إلي من هشام بن عروة قال مالك كان أبو الأسود محمد بن عبد الرحمن صاحب عزلة وحج وغزو قال وكان الناس أصحاب عزلة .

(13/89)


حديث أول لأبي الأسود
مالك عن أبي الأسود محمد بن عبد الرحمن بن نوفل أنه قال أخبرني عروة بن الزبير عن عائشة أم المؤمنين عن جذامة بنت وهب الأسدية أنها أخبرتها أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "لقد هممت أن أنهى عن الغيلة حتى ذكرت أن الروم وفارس يصنعون ذلك فلا يضر أولادهم".
قال أبو عمر هكذا هو في الموطأ عند جميع الرواة إلا أبا عامر العقدي فإنه جعله عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم لم يذكر جذامة وكذلك رواه القعنبي في سماعه من مالك في غير الموطأ ورواه في الموطأ كما رواه سائر الرواة عن عائشة عن جذامة".

(13/90)


وهذا حديث صحيح ثابت وفيه رواية الصاحب عن الصاحب ورواية المرء عمن هو دونه في العلم وجذامة هذه هي أم قيس بنت وهب بن محصن أخي عكاشة بن محصن الأسدي وقد ذكرناها في كتابنا في الصحابة بما فيه كفاية.
"حدثنا خلف بن قاسم حدثنا عبد الله بن عمر بن إسحاق حدثنا محمد بن جعفر الإمام حدثنا خلف به هشام البزار وحدثنا خلف "حدثنا أحمد" بن الحسن بن إسحاق حدثنا جعفر بن محمد بن بكر البالسي حدثنا أبو جعفر عبد الله بن محمد بن نفيل النفيلي الحراني قالا جميعا حدثنا مالك بن أنس عن محمد بن عبد الرحمن بن نوفل عن عروة عن عائشة عن جذامة الأسدية قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لقد هممت أن أنهى عن الغيلة حتى بلغني أن الروم وفارس تفعله قال النفيلي فلا يضرهم وقال خلف فلا يضر أولادهم" ذلك.
وأما الغيلة فقد فسرها مالك في موطأه إثر هذا الحديث ذكره القعنبي وغيره عن مالك قال والغيلة أن يمس الرجل امرأته وهي ترضع حملت أو تحمل
قال أبو عمر: اختلف العلماء وأهل اللغة في معنى الغيلة فقال منهم قائلون كما قال مالك معناها أن يطأ الرجل امرأته

(13/91)


وهي ترضع وقال الأخفش الغيلة والغيل سواء وهو أن تلد المرأة فيغشاها زوجها وهي ترضع فتحمل فإذا حملت فسد اللبن على الصبي ويفسد به جسده وتضعف قوته حتى ربما كان ذلك في عقله قال وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم "فيه" إنه ليدرك الفارس فيدعثره عن سرجه أي يضعف فيسقط عن السرج قال الشاعر :
فوارس لم يغالوا في رضاع ... فتنبو في أكفهم السيوف
يقال قد أغال الرجل ولده وأغيل الصبي وصبي مغال ومغيل إذا وطئ أبوه أمه في رضاعه قال امرؤ القيس :
فألهيتها عن ذي تمائم مغيل ... وقال أبو كبير الهذلي
ومبرا من كل غير حيضة ... وفساد مرضعة وداء مغيل
وأما الحديث الذي ذكره الأخفش فهو حديث أسماء بنت يزيد السكن "والغيل لبن الفحل قال الأصمعي" .

(13/92)


ذكره ابن أبي شيبة قال حدثنا أبو نعيم قال حدثنا ابن أبي غنية عن محمد بن مهاجر عن أبيه عن أسماء بنت يزيد قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "لا تقتلوا أولادكم سرا فإن الغيل يدرك الفارس فيدعثره عن ظهر فرسه" ورواه حماد بن خالد الخياط قال حدثنا معاوية بن صالح عن مهاجر مولى أسماء بنت يزيد قال سمعت أسماء تقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لاتقتلوا أولادكم سرا" فذكر نحوه إلا أنه قال "والذي نفسي بيده إن الغيل ربما أدرك الفارس أو إنه ليدرك الفارس فيدعثره" وقال بعض أهل العلم وأهل اللغة الغيل أن ترضع المرأة ولدها وهي حامل وقال بعض أهل العلم أيضا الغيل نفسه الرضاع وجمعه مغايل "وقال الأصمعي الغيل لبن الحامل ويقال الغيل الماء الجاري على وجه الأرض ويقال الغيل نيل مصر الذي تنبت عليه زروعهم".
وفي هذا الحديث إباحة الحديث عن الأمم الماضية بما يفعلون وفيه دليل على أن من نهيه عليه السلام ما يكون أدبا ورفقا وإحسانا إلى أمته ليس من باب الديانة ولو نهى عن الغيلة كان ذلك وجه نهيه عنها والله أعلم وقال ابن القاسم

(13/93)


وابن الماجشون وحكاه ابن القاسم عن مالك ولم يسمعه منه في الرجل يتزوج المرأة وهي ترضع فيصيبها وهي ترضع إن ذلك اللبن له وللزوج قبله لأن الماء يغير اللبن ويكون منه الغذاء واحتج بهذا الحديث لقد هممت أن أنهى عن الغيلة قال ابن القاسم وبلغني عن مالك إذا ولدت المرأة من الرجل فاللبن منه بعد الفصال وقبله ولو طلقها وتزوجت وحملت من الثاني فاللبن منهما جميعا أبدا حتى يتبين انقطاعه من الأول.
وقال أبو حنيفة وأصحابه والشافعي اللبن من الأول في هذه المسألة حتى تضع فيكون من الآخر وهو قول ابن شهاب وقد روي عن الشافعي أنه منهما حتى تضع فيكون من الثاني وقد مضى القول في لبن الفحل في باب ابن شهاب عن عروة والحمد لله .

(13/94)


الحديث الثاني
...
حديث ثان لأبي الأسود مالك عن أبي الأسود
محمد بن عبد الرحمن عن عروة بن الزبير أنه أخبره عن عائشة أم المؤمنين قالت "خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام حجة الوداع فمنا من أهل بعمرة ومنا من أهل بحج وعمرة ومنا من أهل بالحج وحده وأهل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحج فأما من أهل بعمرة فحل وأما من أهل بالحج أو جمع الحج والعمرة فلم يحلوا حتى كان يوم النحر".
قال أبو عمر: هذا حديث ثابت صحيح وقد روي عن مالك عن محمد بن عبد الرحمن عن سليمان بن يسار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عام حجة الوداع خرج إلى الحج فمن أصحابه من أهل بحج ومنهم من جمع الحج والعمرة ومنهم من أهل بعمرة فأما من أهل بحج أو جمع الحج والعمرة فلم يحل وأما من كان أهل بعمرة فحل .

(13/95)


وهذا الحديث المرسل داخل في مسند أبي الأسود عن عروة عن عائشة هذا وفيه خروج النساء في سفر الحج مع أزواجهن وهذا لا خلاف فيه بين العلماء واختلفوا في المرأة لا يكون لها زوج ولا ذو محرم منها هل تخرج إلى الحج دون ذلك مع النساء أم لا وهل المحرم من الاستطاعة أم لا.
وسنذكر الاختلاف في ذلك "إن شاء الله" في باب سعيد "بن أبي سعيد" المقبري من كتابنا هذا عند قوله صلى الله عليه وسلم "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تسافر مسيرة يوم وليلة إلا مع ذي محرم منها" رواه مالك عن أبي سعيد بن أبي سعيد عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وفي هذا الحديث أيضا أعني الحديث المذكور في هذا الباب عن أبي الأسود عن عروة عن عائشة إباحة التمتع بالعمرة إلى الحج وإباحة القران وهو جمع الحج والعمرة.
وهذا ما لا خلاف بين العلماء فيه وإنما اختلفوا في الأفضل في ذلك وكذلك اختلفوا فيما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم به محرما في خاصته عام حجة الوداع وقد ذكرنا ذلك كله وذكرنا الآثار الموجبة لاختلافهم فيه وأوضحنا ذلك بما فيه كفاية في باب حديث ابن شهاب

(13/96)


عن عروة من كتابنا هذا وفي باب ابن شهاب عن محمد بن الحارث بن نوفل والحمد لله.
وفيه أن من كان قارنا أو مفردا لا يحل دون يوم النحر وهذا معناه بطواف الإفاضة فهو الحل كله لمن رمى جمرة العقبة قبل ذلك يوم النحر ضحى ثم طاف الطواف المذكور وهذا أيضا لا خلاف فيه .

(13/97)


الحديث الثالث
...
حديث ثالث لأبي الأسود
مالك عن أبي الأسود محمد بن عبد الرحمن عن عروة عن عائشة "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفرد الحج".
وهذا الحديث مستخرج من الحديث الذي قبله أخرجه مالك رحمه الله حجة له في مذهبه لأنه يذهب إلى أن الإفراد أفضل وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في حجه مفردا.
وقد مضى القول في هذا في باب ابن شهاب عن عروة من كتابنا هذا فأغنى عن إعادته هاهنا .

(13/98)


الحديث الرابع
...
حديث رابع لأبي الأسود
مالك عن أبي الأسود محمد بن عبد الرحمن عن عروة بن الزبير عن زينب بنت أبي سلمة عن أم سلمة أنها قالت شكوت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أني أشتكي فقال "طوفي من وراء الناس وأنت راكبة قالت فطفت راكبة بعيري" ورسول الله صلى الله عليه وسلم حينئذ يصلي إلى جانب البيت وهو يقرأ {وَالطُّورِ وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ}.
"قال أبو عمر" هذا "ما" لا خلاف فيه بين أهل العلم كلهم يقول إن من كان له عذر أو اشتكى مرضا أنه جائز له الركوب في طوافه بالبيت وفي سعيه بين الصفا والمروة واختلفوا في جواز الطواف راكبا لمن لم يكن له عذر أو مرض على ما ذكرنا عنهم في باب جعفر بن محمد من

(13/99)


كتابنا هذا فلا حاجة لإعادته هاهنا وكلهم يكره الطواف راكبا للصحيح الذي لا عذر له وفي ذلك ما يبين أن طواف رسول الله صلى الله عليه وسلم راكبا في حجته إن صح ذلك عنه كان لعذر والله أعلم وقد أوضحنا ذلك ومضى القول فيه هناك وبالله العصمة والتوفيق.
وفي هذا الحديث أيضا من الفقه أن النساء في الطواف يكن خلف الرجال كهيأة الصلاة وفيه الجهر بالقراءة في التطوع بالنهار وقد قيل إن طواف أم سلمة كان سحرا وقد ذكرنا الاختلاف في رميها ذلك اليوم وطوافها بعده فيما سلف من كتابنا هذا في باب ابن شهاب عن عيسى بن طلحة والحمد لله.
وفيه إباحة دخول البعير المسجد وذلك والله أعلم لأن بوله طاهر ولو كان بوله نجسا لم يكن ذلك لأنه لا يؤمن منه أن يبول.
وقيل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما صلى إلى جانب البيت يومئذ من أجل أن المقام كان حينئذ ملصقا بالبيت قبل أن ينقله عمر بن الخطاب من ذلك المكان إلى الموضع الذي هو به اليوم من صحن المسجد .

(13/100)


قال أبو عمر: ما أدري "ما" وجه هذا القول لأن جعفر بن محمد روى عن أبيه عن جابر " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما طاف في حجته أتى المقام فصلى عنده ركعتين ثم أتى الحجر فاستسلمه ثم خرج إلى الصفا فبدأ منها بالسعي".
وقد ذكرنا هذا الحديث من طرق في باب بلاغات مالك من هذا الكتاب والوجه عندي في صلاته إلى جانب البيت لأن البيت كله قبلة وحيثما صلى المصلي منه إذا جعله أمامه كان حسنا جائزا والله أعلم .

(13/101)


محمد بن عمارة الحزمي الأنصاري
الحديث الأول
...
محمد بن عمارة الحزمي الأنصاري
لمالك عنه حديث واحد من المسند.
وهو محمد بن عمارة بن عمرو بن حزم الأنصاري.
مالك عن محمد بن عمارة عن محمد بن إبراهيم عن أم ولد لإبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف "أنها سألت أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم فقالت إني امرأة أطيل ذيلي وأمشي في المكان القذر فقالت أم سلمة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "يطهره ما بعده".
"قال أبو عمر" "هكذا هذا الحديث في الموطأ عند جماعة رواته فيما علمت وقد رواه الحسين بن الوليد عن

(13/103)


مالك فأخطأ فيه حدثناه خلف بن القاسم حدثنا الحسن بن رشيق حدثنا احمد بن شعيب أخبرنا أحمد بن نصر حدثنا الحسين ابن الوليد حدثنا مالك عن محمد بن عمارة عن محمد بن ابراهيم بن الحارث عن حميدة أنها سألت عائشة فقالت إني امرأة أطيل ذيلي وأمر بالمكان القذر فقالت سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال "يطهره ما بعده" هذا خطأ وإنما هو لأم سلمة لا لعائشة وكذلك رواه الحفاظ في الموطأ وغير الموطأ عن مالك.
ورواه اسحاق بن سليمان الرازي عن مالك "عن محمد بن عمارة" عن محمد بن ابراهيم عن أم ولد لهود بن ابراهيم بن عبد الرحمن بن عوف وهذا خطأ والصواب ما في الموطأ والله أعلم" حدثنا أحمد بن قاسم بن عيسى المقري قال حدثنا عبيد الله بن محمد بن اسحاق بن حبابة ببغداد قال حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي قال حدثنا خلف بن هشام البزار سنة ست وعشرين ومائتين قال قيل لمالك بن أنس وأنا أسمع أحدثك محمد بن عمارة عن محمد بن ابراهيم عن أم ولد لإبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف أنها سألت أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم فقالت أني امرأة أطيل ذيلي وأمشي في القذر فقالت: قال رسول

(13/104)


الله صلى الله عليه وسلم "يطهره ما بعده" قال خلف قال مالك نعم "في هذا الحديث أن من سنة المرأة في لبستها أن تطيل ذيلها فلا تنكشف قدماها لأنهن كن لا يلبسن الخفين والله أعلم لأن المرأة أخبرت بأنها تطيل ذيلها فلم ينكر ذلك عليها وفي حديث مالك عن أبي بكر بن نافع عن أبيه عن صفية عن أم سلمة أن المقدار الذي لا تزيد عليه في ذلك ذراع.
وقد مضى القول في قدم المرأة هل هي عورة أم لا في باب ابن شهاب وجر المرأة ذيلها معروف مشهور قال عبد الرحمن بن حسان بن ثابت في أبيات له:
كتب القتل والقتال علينا ... وعلى الغانيات جر الذيول
اختلف الفقهاء في طهارة الذيل على المعنى المذكور في هذا الحديث فقال مالك معناه في القشب اليابس والقذر الجاف الذي لا يتعلق منه بالثوب شيء فإذا كان هكذا كان ما بعده من المواضع الطاهرة حينئذ تطهيرا له وهذا عنده ليس تطهيرا من نجاسة لأن النجاسة عنده لا يطهرها إلا الماء وإنما هو تنظيف لأن القشب اليابس ليس ينجس ما مسه ألا ترى أن المسلمين مجمعون على أن ما سفت الريح من يابس القشب والعذرات التي قد صارت غبارا على ثياب الناس ووجوههم لا يراعون ذلك ولا يأمرون بغسله ولا يغسلونه لأنه يابس وإنما النجاسة الواجب غسلها ما لصق منها وتعلق بالثوب وبالبدن

(13/105)


فعلى هذا المحمل حمل مالك وأصحابه حديث طهارة ذيل المرأة وأصلهم أن النجاسة لا يزيلها إلا الماء وهو قول زفر بن الهذيل والشافعي وأصحابه وأحمد وغيره أن النجاسة لا يطهرها إلا الماء لأن الله تعالى سماه طهورا ولم يقل ذلك في غيره.
قال أبو بكر الأثرم سمعت أبا عبد الله يعلي أحمد بن حنبل سئل عن حديث أم سلمة يطهره ما بعده قال ليس هذا عندي على أنه أصابه بول فمر بعده على الأرض أنها تطهره ولكنه يمر بالمكان يتقذره فيمر بمكان أطيب منه فيطهره هذا ذلك ليس على انه يصيبه شيء.
وقال أبو حنيفة يجوز غسل النجاسة بغير الماء وكل ما زال به عينها فقد طهرها وهو قول داود وبه قال جماعة من التابعين ومن حجتهم الحديث المذكور في هذا الباب في ذيل المرأة.
ومن حجتهم أيضا ما حدثناه عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا محمد بن عبد الله اللفيلي وأحمد بن يونس قالا حدثنا زهير قال حدثنا عبد الله بن عيسى عن موسى بن عبد الله بن يزيد عن امرأة من بني عبد الأشهل "قالت قلت يا رسول الله ان لنا طريقا الى المسجد منتنة فكيف نفعل إذا مطرنا أو تطهرنا قال "أليس بعدها طريق أطيب منها" قالت قلت بلى قال "فهذه بهذه".

(13/106)


وحدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن وضاح قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا شريك عن عبد الله بن عيسى عن موسى بن عبد الله بن يزيد عن "امرأة من بني عبد الأشهل أنها سألت النبي صلى الله عليه وسلم أن بيني وبين المسجد طريقا قذرا قال "فبعدها طريق أنظف منها" قالت نعم قال "فهذه بهذه".
ومن حجتهم أيضا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم "أذا وطى ء أحدكم بخفيه أو قال بنعليه في الأذى فطهورهما التراب" أو قال "التراب لهما طهور" وهو حديث مضطرب الإسناد لا يثبت اختلف في إسناده على الأوزاعي وعلى سعيد بن أبي سعيد اختلافا يسقط الاحتجاج به.
ومن حجتهم أيضا قول عبد الله بن مسعود كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لا نتوضأ من موطى ء وهذا أيضا محتمل للتأويل ليس فيه حجة ويلزم داود على أصله أن النجاسة المجتمع عليها لا يحكم بزوالها ولا بطهارة موضعها إلا بإجماع ولا إجماع في هذه المسألة إلا بما قاله مالك والشافعي من الماء الذي جعله الله طهورا وخصه بذلك .

(13/107)


فهذا وجه النظر عندي في هذه المسألة وبالله التوفيق والعصمة ومن هذا الباب أيضا الأرض تصيبها النجاسة هل يتيمم عليها أو يصلي إذا ذهب أثر النجاسة من غير أن تطهر بالماء فإن العلماء اختلفوا في ذلك فقال مالك والشافعي وأصحابهما وهو قول زفر لا يطهرها إلا الماء إذا علم بنجاستها وهي عندهم محمولة على الطهارة حتى يستيقن بنجاستها فإذا استوقفت النجاسة فيها لن يطهرها إلا الماء.
ولا تجوز الصلاة عليها ولا التيمم إلا أن مالكا قال من تيمم عليها أو صلى أعاد في الوقت وقد قال بعيد أبدا وكذلك اختلف أصحابه فمنهم من قال يعيد أبدا من تيمم على موضع نجس ومنهم من قال يعيد في الوقت لا غير.
"هذا إنما هو في نجاسة لم تظهر في التراب وفيما لم تغيره النجاسة وإما من تيمم على نجاسة يراها أو توضأ بماء تغيرت أوصافه أو بعضها بنجاسة فإنه يعيد أبدا وكذلك عند جمهور أصحاب مالك من تعمد الصلاة بالثوب النجس أبدا" ولم يختلف قول مالك وأصحابه فيمن صلى بثوب نجس أو على موضع نجس ساهيا أنه يعيد صلاته ما دام في الوقت واختلفوا فيمن صلى عامدا على ثوب نجس فقال ابن القاسم يعيد أبدا وقال أشهب :

(13/108)


لا يعيد إلا في الوقت لأن وجوب غسل النجاسة عندهم بالسنة لحديث "أسماء" ومثله في غسل النجاسة لقول الله تبارك وتعالى {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} ليستدرك فضل السنة في الوقت.
واختلف قولهم فيمن تيمم على موضع نجس فقال أكثرهم يعيد في الوقت وبعده لقول الله عز وجل {فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً} يعني طاهرا "وقال بعضهم الا في الوقت وهو قول أشهب قياسا على من صلى بثوب نجس" ليستدرك فضل السنة في الوقت فإذا خرج الوقت لم يستدرك "بذلك" ألا ترى أن إعادة الصلاة في جماعة سنة لمن صلى وحده فلو أن رجلا صلى وحده في الوقت ثم وجد جماعة يصلون تلك الصلاة بعد خروج الوقت لم يؤمر بالدخول معهم ولو كانوا يجمعون في وقت تلك الصلاة وأقيمت عليه لأمر بالدخول معهم ليستدرك فضل السنة في الوقت ولا يومر بذلك بعد خروج الوقت.
وقال الشافعي وزفر والطبري وأحمد بن حنبل يعيد في الوقت وبعده من تيمم على نجس أو صلى عليه أو بثوب نجس وأكثر علماء التابعين بالمدينة وغيرها لا يرون أعادة على من صلى بثوب نجس في وقت ولا غيره وقد

(13/109)


ذكرناهم في باب هشام بن عروة " وقول ربيعة في ذلك كقول مالك يعيد في الوقت وقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد إذا يبست الأرض وذهب منها أثر النجاسة جازت الصلاة عليها وأما التيمم فلا يتيمم عليها ألبتة.
وقال الثوري إذا جف فلا بأس بالصلاة عليه وقال الحسن ابن حيي لا يصلي عليه حتى يغسله وإن صلى قبل ذلك لم يجزه وقال الشافعي إذا بال الرجل في موضع من الأرض صب عليه ذنوب من الماء وأن بال اثنان لم يطهره إلا ذنوبان قال ولو أشكل عليه الموضع النجس من الأرض تيمم وليس عليه أن يتحرى
قال أبو عمر: اختلافهم في قدر النجاسة الذي يجب غسله من الأرض أو الثوب وفي الخف يصيبه الروث أو البول وفي إعادة الصلاة لمن صلى بثوب نجس أو على موضع نجس وفي الثوب تصيبه النجاسة يخفى مكانها يطول ذكره وسنذكر ذلك في مواضع من كتابنا هذا إن شاء الله.
ومن حجة من رأى الأرض تطهر إذا يبست ما حدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قا حدثنا أحمد بن صالح قال حدثنا عبد الله بن وهب قال أخبرني يونس عن ابن شهاب قال حدثني حمزة بن عبد الله بن عمر قال قال ابن عمر كنت أبيت في المسجد

(13/110)


على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وكنت فتى شابا عزبا وكانت الكلاب تبول وتقبل وتدبر في المسجد فلم يكونوا يرشون شيئا من ذلكز.
قال أبو عمر: روى عبيد الله بن عمر وغيره عن نافع عن ابن عمر مبيته في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يذكر إقبال الكلاب ولا إدبارها وبولها في المسجد ولم يذكر إلا مبيته خاصة ومن حجة من قال أن الأرض لا يطهرها إلا الماء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بصب ذنوب من ماء على بول الأعرابي ولو طهرها يبسها لتركها والله أعلم حتى تيبس ومما يدل على أن الثوب "ينجس" إذا باشر النجاسة الرطبة أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أسماء بغسل دم المحيض من ثوبها وسيأتي حديثها في موضعه من كتابنا هذا وذلك في باب هشام بن عروة ونذكر هناك ما للعلماء في ذلك من المذاهب والأقوال والاثار والاعتلال "إن شاء الله تعالى".

(13/111)


محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة الأنصاري المازني مدني ثقة توفي سنة تسع وثلاثين ومائة لمالك عنه حديثان .

(13/112)


محمد بن عبد الله بن عبد الرحمان بن أبي صعصعة
الحديث الأول
...
حديث أول لمحمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة
مالك عن محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة الأنصاري ثم المازني عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "ليس فيما دون خمسة أوسق في التمر صدقة وليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة وليس فيما دون خمس ذود من الإبل صدقة".
"قال أبو عمر" هكذا هذا الحديث عند جميع الرواة عن مالك في الموطأ وفي الموطأ أيضا لمالك عن عمرو بن

(13/113)


يحيى المازني عن أبيه عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله سواء.
وهذا الإسناد عند أهل العلم بالحديث أصح من الأول لأنه اختلف على محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة في حديثه ولم يختلف على عمرو بن يحيى "ابن عمارة" الحديث ليحيى بن عمارة والد عمرو بن يحيى عن أبي سعيد الخدري محفوظ ولم يرو هذا الحديث أحد من الصحابة بإسناد صحيح غير أبي سعيد الخدري.
وحديثه الصحيح عنه ما رواه يحيى بن عمارة عن أبيه عن أبي سعيد الخدري وأما محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة وأبوه وأخوه عبد الرحمن فليسوا بالمشاهير ولم يخرج أبو داود ولا البخاري حديث مالك عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة هذا في الزكاة للاختلاف عليه فيه وخرجا حديث عمرو بن يحيى عن أبيه عن أبي سعيد من رواية مالك وغيره .

(13/114)


ومن اضطراب هذا الحديث واختلاف إسناده ما أخبرناه عبد الله بن محمد بن أسد قال حدثنا حمزة بن محمد قال حدثنا أحمد بن شعيب قال أخبرنا محمد بن منصور الطوسي قال حدثنا يعقوب قال حدثنا أبي عن ابن إسحاق قال حدثني محمد بن يحيى بن حبان ومحمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة وكانا ثقة عن يحيى بن عمارة بن أبي حسن وعباد بن تميم وكانا ثقة عن أبي سعيد الخدري قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "ليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة وليس فيما دون خمس ذود من الإبل صدقة وليس فيما دون خمسة أوسق من التمر صدقة".
وأخبرنا محمد بن إبراهيم قال أخبرنا محمد بن معاوية قال حدثنا أحمد بن شعيب قال أخبرنا هرون بن عبد الله قال حدثنا أبو اسامة عن الوليد بن كثير عن محمد بن عبد الرحمن بن ابي صعصعة عن يحيى بن عمارة وعباد بن تميم عن أبي سعيد الخدري أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "لا صدقة فيما دون خمسة أوسق من التمر ولا فيما دون خمس أواق من الورق ولا فيما دون خمس من الإبل".
قال أبوعمر: اتفق أبوإسحاق والوليد بن كثير على مخالفة مالك في هذا الحديث فجعله عن محمد هذا عن يحيى بن عمارة وعباد بن تميم عن أبي سعيد وجعله مالك عن محمد

(13/115)


عن أبيه عن أبي سعيد وهو عند أكثر أهل العلم بالحديث وهم من مالك والله أعلم.
وفي "هذا" الحديث معان من الفقه جليلة اختلف الفقهاء فيها وسنذكرها على ما يجب من ذكرها إن شاء الله تعالى في باب عمرو بن يحيى من كتابنا هذا وبالله توفيقنا "ونذكر هناك أيضا ما فيه من شرح غريب أو معنى مستغلق إن شاء الله" أخبرنا أبو محمد عبد الله بن اسد قال سمعت حمزة بن محمد الحافظ يقول لا تصح هذه السنة عن أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا عن أبي سعيد الخدري.
قال وقد روى هذا الحديث محمد بن مسلم الطائفي عن عمرو بن دينار عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم ورواه معمر عن سهيل بن أبي صالح عن أبي هريرة وليسا بصحيحين.
قال أبو عمر: أما حديث محمد بن مسلم فحدثناه عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أحمد بن محمد البرتي قال حدثنا أبو حذيفة موسى بن مسعود قال حدثنا محمد بن مسلم الطائفي عن عمرو بن دينار

(13/116)


قال كان جابر بن عبد الله يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا صدقة في شيء من الزرع أو النخل أو الكرم حتى يكون خمسة أوسق وفي الرقة حتى تبلغ مائتي درهم" انفرد به محمد بن مسلم من بين أصحاب عمرو بن دينار وما انفرد به فليس بالقوي وأما حديث معمر فذكره عبد الرزاق عن معمر .

(13/117)


الحديث الثاني
...
حديث ثان لمحمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة
مالك عن محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة قال سمعت أبا الحباب سعيد بن يسار يقول سعت أبا هريرة يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من يرد الله به خيرا يصب منه".
قال أبو عمر: هذا حديث صحيح ومعناه والحمد لله واضح وذلك أن من أراد الله به خيرا وخير الله في هذا الموضع رحمته ابتلاه بمرض في جسمه وبموت ولد يحزنه أو بذهاب مال يشق عليه فيأجره على ذلك كله ويكتب له إذا صبر واحتسب بكل شيء منه حسنات يجدها في ميزانه لم يعملها أو يجدها كفارة لذنوب قد عملها فذلك الخير المراد به في هذا الحديث والله أعلم.
روينا عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه من وجوه شتى أنه لما نزلت {مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ} بكى وحزن لذلك وقال يا رسول الله أنجازى بكل ما نعمل فقال له رسول الله صلى

(13/119)


الله عليه وسلم "يا أبا بكر ألست تمرض ألست تنصب ألست تصيبك اللاواء قال بلى قال فذلك ما تجزون به في الدنيا" وروينا من حديث معاوية عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال "إذا أراد الله بعبد خيرا صرف المصيبة عن نفسه إلى ماله ليأجره فسبحان المتفضل المنعم لا شريك له".
والآثار في هذا المعنى كثيرة جدا لأوجه لاجتلابها ومن طلب العلم لله فالقليل يكفيه ومن طلبه للناس فحوائج الناس كثيرة .

(13/120)


محمد بن عبد الرحمان أبو الرجال
الحديث الأول
...
محمد بن عبد الرحمن أبو الرجال يكنى أبا عبد الرحمن
وإنما قيل له أبو الرجال وغلب ذلك عليه لولده كانوا عشرة رجالا ذكورا فكني أبا الرجال وهو محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن حارثة بن النعمان الأنصاري من بني مالك بن النجار وقد ذكرنا حارثة بن النعمان في كتابنا في الصحابة بما يغني عن ذكره ها هنا.
وأم محمد هذا عمرة بنت عبد الرحمن بن سعد بن زرارة بن عدس بن عبيد بن ثعلبة بن غنم بن مالك بن النجار أنصارية أيضا تابعية ثقة وابنها أبو الرجال هذا مدني ثقة روى عنه مالك وابن عيينة ومحمد بن إسحاق وغيرهم "وروى عنه يحيى بن سعيد الأنصاري" ولأبي الرجال ابن محدث أيضا يسمى حارثة

(13/121)


ابن أبي الرجال وهو ضعيف فما نقل عن أبيه وعن غيره وأما أبو الرجال فثقة. لمالك عنه في الموطأ أربعة أحاديث مراسيل كلها من تتصل من وجوه .

(13/122)


حديث أول لمالك عن أبي الرجال
مالك عن أبي الرجال محمد بن عبد الرحمن عن أمه عمرة بنت عبد الرحمن أنها أخبرته "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "لا يمنع نقع بئر".
"قال أبو عمر" زاد بعضهم عن مالك في هذا الحديث بهذا الإسناد يعني فضل مائها وهو تفسير لم يختلف في جملته واختلف في تفسيره ولا أعلم أحدا من رواة الموطأ عن مالك أسند عنه هذا الحديث وهو مرسل عند جميعهم فيما علمت هكذا "وذكره الدارقطني عن أبي صاعد عن أبي علي الجرمي عن أبي صالح كاتب الليث عن الليث بن سعد عن سعيد بن عبد الرحمن الجمحي عن مالك بن أنس عن أبي الرجال محمد بن عبد الرحمن بن حارثة عن أمه عمرة بنت عبد الرحمن عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن يمنع نقع بئر وهذا الإسناد وإن كان قريبا عن مالك فقد رواه أبو قرة موسى بن طارق عن مالك أيضا .

(13/123)


كذلك إلا أنه في الموطأ مرسل عند جميع رواته والله أعلم" وقد أسنده عن أبي الرجال محمد بن إسحاق وغيره" وقال ابن وهب في تفسير قول النبي صلى الله عليه وسلم "لا يمنع نقع بئر هو ما تبقى فيها من الماء بعد منفعة صاحبها" وأخبرنا قاسم بن محمد قال حدثنا خالد بن سعد قال حدثنا أحمد بن عمر وحدثنا عبيد بن عمرو ومحمد بن عبد الملك قالا حدثنا عبد الله بن مسرور قال حدثنا محمد بن عبد الله بن سنجر الجرجاني قال حدثنا أحمد بن خالد الوهبي قال حدثنا محمد بن إسحاق عن محمد بن عبد الرحمن عن أمه عمرة عن عائشة قالت "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يمنع نقع بئر يعني فضل مائها".
هكذا جاء هذا التفسير في نسق الحديث مسندا وهو كما جاء فيه لا خلاف في ذلك بين العلماء فيما علمت على ما قال ابن وهب وغيره وفيما أذن لنا أبو الحسن محمد بن أحمد بن العباس الأخميمي أن نرويه عنه وأجاز لنا ذلك وأخبرنا به بعض أصحابنا عنه قال حدثنا أبو الحسن محمد بن موسى

(13/124)


ابن أبي مالك المعافري قال: حدثنا إبراهيم بن أبي داود البرنسي قال حدثنا أحمد بن خالد الوهبي قال حدثنا محمد بن إسحاق عن محمد بن عبد الرحمن عن أمه عمرة عن عائشة قالت "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يمنع نقع بئر يعني فضل مائها".
أخبرنا عبد العزيز بن عبد الرحمن قال حدثنا أحمد بن مطرف وحدثنا إبراهيم بن شاكر قال حدثنا عبد الله بن محمد بن عثمان "قال حدثنا سعيد بن عثمان قال" حدثنا أحمد بن عبد الله بن صالح قال حدثنا يزيد بن هرون عن محمد بن إسحاق عن محمد بن عبد الرحمن عن أمه عمرة عن عائشة قالت "سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى أن يمنع نقع بئر يعني فضل الماء".
وحدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي قال حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي قال حدثنا خارجة بن عبد الله بن سليمان عن أبي الرجال عن أمه عمرة عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم "أنه نهى أن يمنع نقع ماء بئر".

(13/125)


"قال أبو عمر: كان ابن عيينة يقول في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا يمنع نقع بئر" هو أن لا يمنع الماء قبل أن يسقى وقال ابن وهب تفسير قوله "لا يمنع نقع بئر" هو ما بقي فيها من الماء بعد منفعة صاحبها.
قال أبو عمر: وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم "أنه نهى عن بيع فضل الماء" في وجوه أيضا صحاح والمعنى فيها كلها متقارب فمن ذلك حديث أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع فضل الماء يمنع به الكلأ ومنها حديث جابر.
حدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا ابن وضاح قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا وكيع عن أبي جريج عن أبي الزبير عن جابر قال "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع فضل الماء" ومنها حديث داود العطار عن عمرو بن دينار عن أبي المنهال عن إياس بن عبد أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع فضل الماء هكذا قال داود العطار وخالفه سفيان بن عيينة عن عمرو بإسناده فقال عن بيع الماء.

(13/126)


حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا يحيى بن عبد الحميد قال حدثنا داود العطار قال حدثنا عمرو بن المنهال عن إياس بن عبد "قال لرجل لا تبع الماء فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الماء".
وحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثني أبي قال حدثنا سفيان بن عيينة عن عمرو أخبره أبو المنهال أن إياس بن عبد "قال لرجل لا تبع الماء فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الماء".
"وأخبرنا خالد بن قاسم حدثنا أحمد بن محمد بن الحسن العسكري أنبأنا الربيع بن سليمان أنبأنا الشافعي أنبأنا سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن أبي المنهال عن إياس بن عبد "أنه قال لا تبيعوا الماء فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الماء" قال سفيان لا يدري عمرو أي ماء هو.
وحدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا سعيد بن السكن قال حدثنا محمد بن يوسف قال حدثنا البخاري قال حدثنا موسى بن إسماعيل قال حدثنا عبد الواحد بن زياد عن

(13/127)


الأعمش سمعت أبا صالح يقول سمعت أبا هريرة يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم ، رجل كان له فضل ماء فمنعه ابن السبيل" وذكر الحديث.
أخبرنا إبراهيم بن شاكر قال حدثنا محمد بن إسحاق القاضي قال حدثنا أحمد بن مسعود الزبيري قال حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم وحدثنا أحمد بن عبد الله حدثنا الميمون بن حمزة قال حدثنا الطحاوي قال حدثنا المزني قالا جميعا أخبرنا الشافعي بمعنى واحد قال معنى حديث النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن بيع الماء وعن بيع فضل الماء وأنه نهى عن منع فضل الماء هو والله أعلم أن يباع الماء في المواضع التي جعله الله فيها وذلك أن يأتي الرجل الرجل له البئر أو العين أو النهر ليشرب من مائه ذلك وليسقي دابته وما أشبه هذا فيمنعه ذلك فهذا هو المنهي عنه لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "لا يمنع فضل الماء " "وأما قول رسول الله صلى الله

(13/128)


عليه وسلم "لا يمنع فضل الماء" ليمنع به الكلأ فمعنى ذلك أن يأتي الرجل بدابته وماشيته إلى الرجل له البئر وفيها فضل عن سقي ماشيته فيمنعه صاحب البئر السقي يريد بيع فضل مائه منه فذلك الذي نهي عنه من "بيع" فضل الماء وعليه أن يبيح غيره فضل مائه ليسقي ماشيته لأن صاحب الماشية إذا منع أن يسقي ماشيته لم يقدر على المقام ببلد لا يسقي فيه ماشيته فيكون منعه الماء الذي يملك منعا للكلأ الذي لا يملك.
ودلت السنة على أن مالك الماء أحق بالتقدم في السقي من غيره لأنه أمر بأن لا يمنع الفضل والفضل هو الفضل عن الكفاف والكفاية.
ودلت السنة على أن المنع الذي ورد في فضل الماء هو منع شفاه الناس والمواشي أن يشربوا فضلا عن حاجة صاحب الملك من الماء وأن ليس لصاحب الماء منعهم.
وأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك متفقة تفسرها ألسنة المجتمع عليها وإن كانت الأحاديث بألفاظ شتى قال وإن كان هذا في ماء البئر كان فيما هو أكثر من ماء البئر أولى أن لا يمنع من الشفة قال ولو أن رجلا أراد من رجل له بئر فضل مائه من تلك البئر ليسقي بذلك زرعه لم يكن له ذلك وكان لمالك البئر منعه من ذلك لأن النبي

(13/129)


صلى الله عليه وسلم إنما أباحه في الشفاه التي يخاف مع منع الماء منها التلف عليها ولا تلف على الأرض لأنها ليست بروح فليس لصاحبها أن يسقي إلا بإذن رب الماء قال وإذا حمل الرجل الماء على ظهره فلا بأس أن يبيعه من غيره لأنه مالك لما حمل منه وإنما يبيع تصرفه بحمله قال وكذلك لو جاء رجل على شفير بئر فلم يستطع أن ينزع بنفسه لم يكن بأسا أن يعطي رجلا أجرا وينزع له لأن نزعه إنما هو إجارة ليست عليه هذا كله قول الشافعي.
وأما جملة قول مالك وأصحابه في هذا الباب فذلك أن كل من حفر في أرضه أو داره بئرا فله بيعها وبيع مائها كله وله منع المارة من مائها إلا بثمن إلا قوم لا ثمن معهم وإن تركوا إلى أن يردوا ماء غيره هلكوا فإنهم لا يمنعون ولهم جهاده إن منعهم ذلك وأما من حفر من الآبار في غير ملك معين لماشية أو شفة وما حفر في الصحاري كمواجل المغرب وأنطابلس وأشباه ذلك فلا يمنع أحد فضلها وإن منعوه حل له قتالهم فإن لم يقدر المسافرون على دفعهم حتى ماتوا عطشا فدياتهم على عواقل المانعين والكفارة من كل نفس على كل رجل من أهل الماء المانعين مع وجيع الأدب

(13/130)


وكره مالك بيع فضل ماء مثل هذه الآبار من غير تحريم قال ولا بأس ببيع فضل ماء الزرع من بئر أو عين وبيع رقابهما قال ولا يباع أصل بئر الماشية ولا ماؤها ولا فضله يعني الآبار التي تحفر في الفلاة للماشية والشفاه وأهلها أحق بريهم ثم الناس سواء في فضلها إلا المارة أو الشفة أو الدواب فإنهم لا يمنعون.
قال أبو عمر: أما البئر تنهار للرجل وله عليها زرع أو نحوه من النبات الذي يهلك بعدم الماء الذي اعتاده ولا بد له منه وإلى جنبه بئر لجاره يمكن أن يسقي منها زرعه فقد قال مالك وأصحابه إن صاحب تلك البئر يجبر على أن يسقي جاره بفضل مائه زرعه الذي يخاف هلاكه إذا لم يكن على صاحب الماء فيه ضرر بين وعلى هذا المعنى تأول مالك قوله صلى الله عليه وسلم "لا يمنع نقع بئر" يعني بئر الزرع.
واختلف أصحابه هل يكون ذلك بثمن أو بغير ثمن فقال بضعهم يجبر ويعطى الثمن وقال بعضهم يجبر ولا ثمن له وجعلوه كالشفاه من الآدميين والمواشي فتدبر ما أوردته عن الشافعي ومالك تقف على المعنى الذي اختلفا فيه من ذلك.
وقال أبو حنيفة وأصحابه في هذا الباب كقول الشافعي سواء وقالوا لكل من له بئر في أرضه المنع من الدخول

(13/131)


إليها إلا أن يكون للشفاه والحيوان إذا لم يكن لهم ماء فيسقيهم قالوا وليس عليه سقي زرع جاره وقال سفيان الثوري إنما جاء الحديث في منع الماء لشفاه الحيوان وأما الأرضون فليس يجب ذلك على الجار في فضل مائه.
وذكر ابن حبيب قال ومما يدخل في معنى لا يمنع نقع بئر ولا يمنع وهو بئر البئر تكون بين الشريكين يسقي منها هذا يوما وهذا يوما وأقل وأكثر فيسقي أحدهما يومه فيروي نخله أو زرعه في بعض يومه ويستغني عن السقي في بقية اليوم أو يستغني في يومه كله عن السقي فيريد صاحبه أن يسقي في يومه ذلك قال ذلك له وليس لصاحب اليوم أن يمنعه من ذلك لأنه ليس له منعه مما لا ينفعه حبسه تركه.
قال أبو عمر: قول ابن حبيب هذا حسن ولكنه ليس على أصل مالك وقد قال صلى الله عليه وسلم "لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه" وقد مضى القول في هذا المعنى وما للعلماء فيه من التنازع في باب ابن شهاب عن الأعرج من كتابنا هذا والحمد لله.
قال ابن حبيب ومن ذلك أيضا أن تكون البئر لأحد الرجلين في حائطه فيحتاج جاره وهو لا شركة له في البئر

(13/132)


إلى أن يسقي حائطه بفضل مائها فذلك ليس له إلا أن تكون بئره تهورت فيكون له أن يسقي بفضل ماء جاره إلى أن يصلح بئره ويقضي له بذلك وتدخل حينئذ في تأويل الحديث لا يمنع نقع البئر قال وليس للذي تهورت بئره أن يؤخر إصلاح بئره ولا يترك والتأخير وذلك في الزرع الذي يخاف عليه الهلاك إن منع السقي إلى أن يصلح البئر قال فأما إن يحدث على البئر عملا من غرس أو زرع ليسقيه بفضل ماء جاره إلى أن يصلح بئره فليس ذلك له قال وهكذا فسره لي مطرف وابن الماجشون عن مالك وفسره لي ايضا ابن عبد الحكم وأصبغ بن الفرج وأخبرني أن ذلك قول ابن وهب وابن القاسم وأشهب وروايتهم عن مالك. واختلفوا أيضا في التفاضل في الماء فقال مالك لا بأس ببيع الماء متفاضلا وإلى أجل وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف وقال محمد بن الحسن هو مما يكال ويوزن فعلى هذا القول لا يجوز عنده فيه التفاضل ولا النسا وذلك عنده فيه ربا لأن علته في الربا الكيل والوزن وقال الشافعي لا يجوز بيع الماء متفاضلا ولا يجوز فيه الأجل وعلته في الربا أن يكون مأكولا جنسا وقد مضى القول في أصولهم في علل الربا في غير موضع من كتابنا هذا فلا وجه لإعادته ها هنا

(13/133)


الحديث الثاني
...
حديث ثان لأبي الرجال
مالك عن أبي الرجال محمد بن عبد الرحمن بن حارثة بن النعمان عن أمه عمرة بنت عبد الرحمن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم "نهى عن بيع الثمار حتى تنجو من العاهة".
قال أبو عمر: لا خلاف عن مالك فيما علمت في إرسال هذا الحديث وقد روي مسندا من هذا الوجه وغيره.
حدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا إسماعيل بن إسحاق قال حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي قال حدثنا خارجة بن عبد الله بن سليمان بن زيد بن ثابت عن أبي الرجال عن أمه عمرة عن عائشة قالت "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الثمر حتى ينجو من العاهة" .
حدثنا أحمد بن محمد قال حدثنا أحمد بن الفضل قال حدثنا محمد بن أحمد بن منير قال حدثنا هاشم بن

(13/134)


يونس قال حدثنا ابو صالح قال حدثنا الليث قال حدثنا ابن أبي ذئب عن عثمان بن عبد الله بن سراقة عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم "نهى عن بيع الثمار حتى تنجو من العاهة".
قال ابن سراقة فسألت عبد الله بن عمر متى ذلك قال طلوع الثريا.
وقد روى أبو سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل هذا اللفظ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم "نهى عن بيع الثمار حتى تذهب عاهتها" من حديث ابن أبي ليلى عن عطية عن أبي سعيد.
وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من وجوه كثيرة كلها صحاح ثابتة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم "نهى عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها وحتى تزهي وحتى تحمر وحتى تطعم وحتى تخرج من العاهة" ألفاظ كلها محفوظة ومعناها واحد.
والمعنى فيها أن تنجو من العاهة وهي الحائجة في الأغلب لأن الثمار إذا بدا صلاحها نجت من العاهة جملة واحدة

(13/135)


ولكنها إذا بدا طيبها كان أقرب إلى سلامتها وقلما يكون سقوط ما يسقط منها إلا قبل ذلك.
ثم ما اعتراها من جائحة من السماء أو غيرها فقد مضى القول في ذلك كله واختلاف العلماء فيه في باب حميد الطويل من كتابنا هذا فلا حاجة إلى إعادته ها هنا.
وقد روى وهيب بن خالد عن عسل بن سفيان عن عطاء عن أبي هريرة قال قال رسول صلى الله عليه وسلم "إذا طلعت الثريا صباحا رفعت العاهة عن أهل البلد" وقد ذكرنا هذا الخبر ومضى القول فيه في باب حميد الطويل والحمد لله وطلوع الثريا صباحا لاثنتي عشرة ليلة تمضي من شهر أيار وهو شهر مايه.
وفي هذا الحديث مع قوله صلى الله عليه وسلم في حديث حميد عن أنس أرأيت "إن منع الله الثمرة فيم يأخذ أحدكم مال أخيه" دليل واضح على جواز بيع الثمار كلها قبل بدو صلاحها على القطع في الوقت لأنها إذا قطعت في الوقت أمنت فيها العاهة ولم يمنع الله المشتري شيئا أراده.
ومن هذا جواز بيع القصيل وشبهه على القطع وهذا أمر لم يختلف فيه قال مالك لا يجوز بيع الثمار قبل بدو صلاحها إلا

(13/136)


على القطع وكذلك القصيل وهو قول ابن أبي ليلى والثوري والأوزاعي والليث والشافعي فقال مالك والشافعي فإذا اشترى الثمرة بعد بدو صلاحها فسواء اشترط تبقيتها أو لم يشترط البيع صحيح وقال أبو حنيفة وأصحابه يجوز بيع الثمار قبل بدو الصلاح وبعد بدو الصلاح إذا لم يشترط التبقية والقطع ولكن باعها وسكت وإن اشترط تبقيتها فسد العقد سواء باعها قبل بدو الصلاح أو بعده وقال محمد بن الحسن إذا تناهى عظمه فشرط تركه جاز استحسانا.
قال أبو عمر: جعل أبو حنيفة قوله صلى الله عليه وسلم "حتى تنجو من العاهة" ردا لقوله "حتى يبدو صلاحها" فقال ما ذكرنا واحتج أيضا بالنهي عن بيع الغرر وجعل مالك وجمهور الفقهاء ذلك كله معنى واحدا وحملوه على الأغلب في أنها تسلم حينئذ "في الأغلب" والله أعلم.
والحجة لمالك والشافعي ومن قال بقولهما عموم قوله عز وجل {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا} مع قول رسول الله صلى الله عليه وسلم "حتى يبدو صلاحها" وحتى غاية يقتضي هذا القول أنه إذا بدا صلاحها جاز بيعها جوازا مطلقا سواء شرط التبقية أو لم يشترط والله أعلم وقد سئل عثمان البتي عن بيع الثمر قبل أن يزهي فقال لولا ما قال الناس فيه ما رأيت به بأسا

(13/137)


الحديث الثالث
...
حديث ثالث لأبي الرجال
مالك عن أبي الرجال محمد بن عبد الرحمن عن أمه عمرة بنت عبد الرحمن أنه سمعها تقول لعن رسول الله المختفي والمختفية يعني نباش القبور.
قال أبو عمر: هذا التفسير في هذا الحديث هو من قول مالك ولا أعلم أحدا خالفه في ذلك وأصل الكلمة الظهور والكشف لأن النباش يكشف الميت عن ثيابه ويظهره ويقلعها عنه ومن هذا قول الله عز وجل في الساعة {أَكَادُ أُخْفِيهَا} على قراءة من قرأ بفتح الهمزة قال أبو عبيدة يقال خفيت خبزتي أخرجتها من النار وأنشد لامرئ القيس بن عابس الكندي:
فإن تكتموا الداء لا نخفه ... وإن تبعثوا الحرب لا نقعد
قال وقال امرؤ القيس بن حجر:
خفاهن من انفاقهن كأنما ... خفاهن ودق من عشي مجلب

(13/138)


وقال الأصمعي مجلب بالجيم يعني صوت الرعد قال أبو عبيدة والغالب على هذا النحو أن يكون خفيت بغير ألف وقد يكون أيضا بالألف بمعنى واحد أخفاها أظهرها ويكون من الأضداد "ويقال خفيت الشيء أظهرته وأخفيته سترته.
"وممن قرأ أخفيها بفتح الهمزة سعيد بن جبير لم يختلف عنه ومجاهد على اختلاف عنه".
وقد روي هذا الحديث مسندا من حديث مالك وغيره رواه عن مالك يحيى الوحاظي وغيره حدثنا أحمد بن عبد الله ابن محمد قال أخبرنا الميمون بن حمزة قال حدثنا الطحاوي قال حدثنا إبراهيم بن أبي داود البرلسي قال حدثنا يحيى بن صالح الوحاظي قال حدثنا مالك عن أبي الرجال عن عمرة عن عائشة قالت "لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم "المختفي والمختفية".
"رواية الوحاظي مشهورة عنه في توصيل هذا الحديث وكذلك رواه عبد الله بن عبد الوهاب عن مالك عن مالك حدثناه خلف بن قاسم حدثنا أبو عبد الله محمد بن أحمد بن يحيى حدثنا هشام بن إسحاق حدثنا جعفر بن محمد القلانسي حدثنا عبد الله بن عبد الوهاب قال سمعت مالك بن أنس قيل له حدثك أبو الرجال محمد بن عبد الرحمن عن

(13/139)


أمه عمرة عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم "لعن المختفي والمختفية".
قال أبو عمر: لا أعلم اختلافا بين أهل العلم أن المقصود باللعن في هذا الحديث هو النباش الذي يحفر على الميت فيتبشه ويخرجه ويجرده من ثيابه ويأخذها وأما من فعل ذلك بوليه من الموتى لعذر ما ووجه غير الوجه الذي ذكرنا فلا بأس بذلك.
وقد أخرج جابر بن عبد الله أباه من قبره الذي دفن فيه ودفنه في غير ذلك الموضع وفعل ذلك معاوية بشهداء أحد حين أراد أن يجري العين وذلك بمحضر من الصحابة ولم يبلغني أن أحدا أنكره.
يومئذ واختلف الفقهاء في النباش هل عليه القطع إذا نزع من الميت من الثياب ما يحق فيه القطع أم لا فقال الكوفيون لا قطع عليه لأن القبر ليس بحرز ولأن الميت لا يملك وقال مالك عليه القطع لأن القبر كالبيت.
وحدثني عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن عبد السلام قال حدثنا محمد بن بشار بندار قال حدثنا عبد الرحمن قال "سمعت مالكا يقول القبر حرز الميت كما أن البيت حرز للحي".

(13/140)


قال أبو عمر: وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث أبي ذر أنه سمى القبر بيتا في حديث ذكره وقال الله عز وجل {أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتاً أَحْيَاءً وَأَمْوَاتاً} وقد استدل ابن القاسم في قطع النباش بهذه الآية.
وأما نبش الموتى وإخراجهم لمعنى غير هذا المعنى فحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا خالد بن خداش قال حدثنا غسان بن مضر قال حدثنا سعيد بن يزيد عن أبي نضرة عن جابر بن عبد الله قال "دعاني أبي وقد حضر قتال أحد فقال لي يا جابر لا أراني إلا أول مقتول يقتل غدا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وإني لن أدع أحدا أعز منك غير نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن لك أخوات فاستوص بهن خيرا وإن علي دينا فاقض عني فكان أول قتيل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال فدفنته هو وآخر في قبر واحد فكان في نفسي منه شيء فاستخرجته بعد ستة أشهر كيوم دفنته وحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم قال حدثنا محمد بن عبد السلام قال حدثنا محمد بن بشار قال حدثني سعيد بن عامر قال حدثنا شعبة عن أبي نجيح عن عطاء عن جابر بن عبد الله قال دفن مع أبي رجل في قبر فلم تطب نفسي حتى حولته وحدثنا

(13/141)


عبد الوارث قال حدثنا قاسم قال حدثنا محمد قال حدثنا بندار قال حدثنا محمد بن جعفر قال حدثنا شعبة عن أبي مسلمة عن أبي نضرة عن جابر بن عبد الله أن أباه قال "إني معرض نفسي للقتل ولا أراني إلا مقتولا وإني لا أدع بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب إلي منك وأوصاه ببناته ودين عليه فقتل يوم أحد فدفنوا بأحد قال فلم تطب نفسنا فاستخرجناهم بعد ستة أو سبعة أشهر فوجدناهم لم يتغيروا غير أن طرف أذن احدهم قد تغير وأخبرنا عبد الرحمن بن يحيى" قال حدثنا عبد الله بن محمد بن يوسف وأخبرنا عبد الوارث قال حدثنا قاسم قالا حدثنا ابن وضاح قال حدثنا حامد بن يحيى قال حدثنا سفيان عن أبي الزبير سمع جابرا يقول لما أراد معاوية أن يجري العين التي في أسفل أحد عند قبور الشهداء الذين بالمدينة أمر مناديا فنادى من كان له ميت فليأته فليخرجه قال جابر فذهبت إلى أبي فأخرجناهم رطابا يتثنون.
قال أبو سعيد لا أنكر بعد هذا منكرا أبدا قال جابر فأصابت المسحات أصبغ رجل منهم فقطر الدم.
قال أبو عمر: وقد روينا أن طلحة بن عبيدالله رآه بعد قتله ودفنه مولى له في النوم فشكا إليه أن الماء يؤذيه فنبشه وأخرجه من جنب ساقية كان دفن إليها ووجد جنبه قد اخضر فدفنه في غير ذلك الموضع وقد ذكرنا هذا الخبر في كتاب

(13/142)


الصحابة في باب طلحة على وجهه والحمد لله وقد روى مالك عن أبي الرجال عن عمرة عن عائشة موقوفا من قولها كسر عظم المؤمن ميتا ككسره وهو حي وأكثر الرواة للموطأ يقولون فيه عن مالك أنه بلغه أن عائشة كانت تقول كسر عظم المؤمن ميتا ككسره وهو حي تعني في الإثم وهو حديث يدخل في هذا الباب من جهة المعنى ومن جهة الإسناد ولا أعلم أحدا رفعه عن مالك وقد روي مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم مسندا من حديث عائشة من رواية عمرة وغيرها فرأيت ذكره ها هنا لأن أصله من رواية مالك وهو من هذا الباب أيضا لأنه يدل على كراهة حفر قبور المسلمين.
حدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن وضاح قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا ابو أسامة عن سعد بن سعيد قال سمعت عمرة تقول سمعت عائشة تقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "كسر عظم المؤمن ميتا ككسره حيا".
وحدثنا عبد الوارث قال حدثنا قاسم قال حدثنا بكر بن حماد قال حدثنا مسدد قال حدثنا يحيى عن شعبة عن محمد بن عبد الرحمن قال قالت عمرة أعطني قطعة من

(13/143)


أرضك أدفن فيها فإن عائشة قالت كسر عظم الميت ككسره وهو حي قال محمد وكان مولى بالمدينة يحدث عن عمرة عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله.
وحدثنا عبد الوارث قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن الحسين بن أبي الحسن الكوفي قال حدثنا حذيفة قال حدثنا زهير يعني بن محمد عن إسماعيل بن أبي حكيم عن القاسم بن محمد عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم "كسر عظم المؤمن ميتا ككسره حيا" .
قال أبو عمر: هذا كلام عام يراد به الخصوص لإجماعهم على أن كسر عظم الميت لا دية فيه ولا قود فعلمنا أن المعنى ككسره حيا في الإثم لا في القود ولا الدية لإجماع العلماء على ما ذكرت لك وفي "لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم النباش" دليل على أن كل من أتى المحرمات وارتكب الكبائر المحظورات في أذى المسلمين وظلمهم جائز لعنه والله أعلم وقد تكلمنا على هذا المعنى في غير هذا الموضع وقد لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم "آكل الربا وموكله والواصلة والمستوصلة والخمر وشاربها" الحديث وكثيرا ممن يطول الكتاب بذكرهم وتفرد حبيب عن مالك عن محمد بن عمرو بن علقمة عن خالد بن عبد الله بن حرملة عن الحارث بن خفاف بن أسلم قال ركع رسول الله صلى الله

(13/144)


عليه وسلم ثم رفع رأسه فقال غفار غفر الله لها وأسلم سالمها الله وعصية عصت الله ورسوله اللهم العن بني لحيان ورعنا وذكوان قال خفاف فجعل لعن الكفر من أجل ذلك قال الدارقطني تفرد به حبيب عن مالك وهو صحيح عن محمد بن عمرو" وفي قول من قال في هذا الحديث كسر عظم المؤمن دليل على أن غير المؤمن بخلافه والله أعلم.
وقد اختلف الفقهاء في نبش قبور المشركين طلبا للمال فقال مالك أكرهه وليس بحرام وقال أبو حنيفة والشافعي لا بأس بنبش قبور المشركين طلبا للمال وقال الأوزاعي لا يفعل لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما مر بالحجر سجى ثوبه على رأسه واستحث على راحلته ثم قال لا تدخلوا بيوت الذين ظلموا إلا أن تدخلوها وأنتم باكون مخافة أن يصيبكم مثل ما أصابهم قال أبو عمر: هذا حديث يرويه ابن شهاب مرسلا ورواه مالك عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث القعنبي وروي من غير هذا الوجه أيضا أنه لما أتى ذلك الوادي أمر الناس فأسرعوا وقال "إن هذا واد ملعون" وروي عنه أنه أمر بالعجين فطرح وقد روى محمد بن إسحاق عن إسماعيل بن أمية عن يحيى بن أبي يحيى قال سمعت عبد الله بن عمر يقول سمعت رسول الله صلى الله

(13/145)


عليه وسلم حين خرجنا إلى الطائف فمررنا بقبر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "هذا قبر أبي رغال" وهو أبو الطائف وكان من ثمود وكان بهذا الحرم يدفع عنه فلما خرج أصابته النقمة بهذا المكان ودفن فيه وآية ذلك أنه دفن معه غصن من ذهب إن أنتم نبشتم عنه أصبتموه معه فابتدره الناس فاستخرجوا معه الغصن.
وفي هذا الحديث إباحة نبش قبور المشركين لأخذ المال حدثنا عبد الله بن محمد بن يوسف قال حدثنا محمد بن أحمد بن يحيى قال حدثنا أحمد بن محمد بن زياد قال حدثنا أحمد بن عبد الجبار قال حدثنا يونس بن بكير وحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا عبيد بن عبد الواحد حدثنا احمد بن محمد بن أيوب حدثنا إبراهيم بن سعيد قالا جميعا حدثنا محمد بن إسحاق فذكره بإسناده.
قال أبو عمر: أبو رغال هذا هو الذي يرجم قبره أبدا كل من مر به واختلف في قصته فقيل إنه كان من ثمود واستحق من العقوبة ما استحقت ثمود فصرف الله عنه لكونه في الحرم فلما خرج منه أخذته الصيحة فمات فدفن هناك وقيل إنه كان وجهه صالح النبي عليه السلام على

(13/146)


نفقات الأموال فخالف أمره وأساء السيرة فوثب عليه ثقيف وهو قسي بن منبه فقتله وإنما فعل ذلك لسوء سيرته في أهل الحرم فقال غيلان بن سلمة الثقفي وذكر قسوة الله على أبي رغال :
نحن قسي وقسي أبونا
وقال أمية بن أبي الصلت:
نفوا عن أرضهم عدنان طرا
...
وكانوا للقبائل قاهرينا
وهم قتلوا الرئيس أبا رغال
...
بنخلة إذ يسوق بها الوضينا
وقال عمرو بن دارك العبدي يذكر فجور أبي رغال وخبثه فقال:
وإني إن قطعت حبال قيس
...
وحالفت الحرون على تميم
لأعظم فجرة من أبي رغال
...
وأجور في الحكومة من سدوم
وقال مسكين الدارمي:
وأرجم قبره في كل عام
...
كرجم الناس قبر أبي رغال
وقد روي عن أنس قال كان موضع مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم قبور المشركين وكان فيه حرث ونخل فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقبور المشركين فنبشت وبالنخل فقطع وبالحرث فسوي حدثنا أحمد بن قاسم بن عبد

(13/147)


الرحمن حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا الحارث بن أبي أسامة حدثنا العباس بن الفضل حدثنا عبد الوارث بن أبي التياح عن أنس وأخبرنا عبد الله بن محمد بن أسد قراءة مني عليه أن أحمد بن محمد المكي حدثهم قال حدثنا علي بن عبد العزيز وقرأت عليه أيضا أن بكر بن العلاء حدثهم قال حدثنا أحمد بن موسى الشامي قالا جميعا حدثنا القعنبي عن مالك عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحاب الحجر "لا تدخلوا على هؤلاء المعتدين إلا أن تكونوا باكين فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم أن يصيبكم مثل ما أصابهم"
قال أبو عمر: وقد أجاز الدخول عليهم في حال البكاء وحدثنا يعيش بن سعيد وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أبو جعفر محمد بن غالب قال حدثنا عبد الوهاب الرياحي قال حدثنا يزيد بن زريع قال حدثنا روح وهو ابن القاسم عن إسماعيل وهو ابن أمية عن يحيى وهو ابن أبي يحيى عن عبد الله بن عمر قال كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فمررنا بقبر فقال "هذا قبر أبي رغال" وهو امرؤ من ثمود وكان مسكنه الحرم فلما أهلك الله قومه بما أهلكهم به منعه لمكانه من الحرم فخرج حتى إذا بلغ هاهنا مات فدفن ودفن معه غصن من ذهب فابتدرناه فاستخرجناه .

(13/148)


الحديث الرابع
...
حديث رابع لأبي الرجال
مالك عن أبي الرجال محمد بن عبد الرحمن عن أمه عمرة بنت عبد الرحمن أنه سمعها تقول ابتاع رجل ثمر حائط في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعالجه وقام فيه حتى تبين له النقصان فسأل رب الحائط أن يضع له أو أن يقيله فحلف أن لا يفعل فذهبت أم المشتري إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "تألى أن لا يفعل خيرا" فسمع ذلك رب الحائط فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله هو له.
قال أبو عمر: لا أعلم هذا الحديث بهذا اللفظ يسند عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجه متصل .
ألا من رواية سليمان بن بلال عن يحيى بن سعيد عن أبي الرجال عن عمرة عن عائشة وكان مالك يرضى سليمان بن بلال

(13/149)


ويثني عليه ذكره البخاري قال حدثنا إسماعيل بن أبي أويس قال حدثني أخي عن سليمان عن يحيى بن سعيد عن أبي الرجال محمد بن عبد الرحمن عن أمه عمرة بنت عبد الرحمن قالت سمعت عائشة تقول "سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم صوت خصوم بالباب عالية أصواتهما وإذا أحدهما يستوضع الاخر ويسترفقه في شيء وهو يقول والله لا أفعل فخرج عليهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال "أين المتألي على الله أن لا يفعل المعروف" فقال أنا يا رسول الله فليفعل لي ذلك أحب".
وفيه دليل على أن لا جائحة يقام بها ويحكم بإلزامها البائع في الثمار إذا بيعت قلت الجائحة أو كثرت لأنه لم يذكر فيه مقدار النقصان كثيرا كان أم قليلا ولو لزمت الجائحة في شيء من الثمار البائع بعد بيعه لبين ذلك

(13/150)


رسول الله صلى الله عليه وسلم ولبين المقدار وهذا معنى اختلف فيه العلماء وقد ذكرنا ما لهم في ذلك من الأقوال وما احتجوا به من الآثار في باب حميد الطويل من كتابنا هذا فأغنى عن إعادته هاهنا.
وفي الحديث أيضا الندب إلى حط ما أجيح به المبتاع في الثمار إذا ابتاعها ندب البائع لذلك وحض عليه ولم يلزمه ولا قضى عليه به ألا ترى إلى قوله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث "تألى على الله أن لا يفعل خيرا " .
ومن قال بوضع الجوائح على المبتاع في الثمار وإلزامها البائع احتج بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم "أرأيت إذا منع الله الثمرة بم يأخذ أحدكم مال أخيه" وبحديثه أيضا عليه الصلاة والسلام أنه نهى عن بيع السنين وأمر بوضع الجوائح وقد مضى ما للعلماء في هذه الآثر من التأويل والتحريج والوجوه والمعاني في باب حميد على ما ذكرنا وبالله توفيقنا.
وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم معنى حديث عمرة هذا دون لفظه من حديث أبي سعيد الخدري وهو حديث صحيح .

(13/151)


أخبرنا عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد قال حدثنا عيسى قال حدثنا سحنون قال أخبرنا ابن وهب عن عمرو بن الحارث عن بكير بن الأشج عن عياض بن عبد الله عن أبي سعيد الخدري قال "أصيب رجل في ثمار ابتاعها وكثر دينه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "تصدقوا عليه" فلم يبلغ وفاء دينه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "خذوا ما وجدتم وليس لكم إلا ذلك".
وكان أبو عبد الرحمن النسائي يقول هذا الحديث أصح من حديث سليمان بن عتيق في وضع الجوائح.
وحدثنا خلف بن القاسم قال حدثنا إبراهيم بن محمد بن إبراهيم الديبلي قال حدثنا محمد بن علي بن زيد الصائغ قال حدثنا عبد العزيز بن يحيى ح وحدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا ابن وضاح قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا شبابة قالا جميعا حدثنا الليث بن سعد عن بكر بن عبد الله بن الأشج عن عياض بن عبد الله بن سعد بن أبي سرح عن أبي سعيد الخدري قال "أصيب رجل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثمار ابتاعها بدين فكثر دينه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "تصدقوا عليه" فتصدق الناس عليه فلم يبلغ ذلك وفاء دينه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لغرمائه

(13/152)


خذوا ما وجدتم وليس لكم إلا ذلك" ليس في حديث عبد العزيز بن يحيى تصدقوا عليه فتصدق الناس عليه وهذا الحديث وحديث عمرة يدلان على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقض بوضع الجائحة في قليل ولا كثير والذين قالوا معنى هذا الحديث في قوله "ليس لكم إلا ذلك" يعني في ذلك الوقت حتى الميسرة لأنه كان مفلسا ويحتمل أن يكون الذي بقي عليه كان دون الثلث فقال ليس لكم غير ذلك وخالفهم غيرهم فقالوا لو كان ذلك لبين في الحديث وهذه دعوى وقد قال قوم أن معنى الأمر بوضع الجوائح إنما هو في وضع خراج الأرض وكرائها عمن أصاب زرعه أو ثمره آفة.
ومنهم من قال إنما هذا قبل القبض فإذا قبض المبتاع ما ابتاعه فلا جائحة فيه. ومنهم من قال الأمر بوضع الجوائح إنما كان على الندب إلى الخير بدليل حديث عمرة هذا .
وقوله فيه تألى ألا يفعل خيرا لا أنه شيء يجب القضاء به لأن العلماء مجمعون على أن من قبض ما يبتاع بما يجب

(13/153)


به قبضه من كيل أو وزن أو تسليم وصار في يد المبتاع كما كان في يد البائع أن المصيبة والجائحة فيه من المبتاع إلا الثمار إذا بيعت بعد بدو صلاحها فإنهم اختلفوا في ذلك فواجب رد ما اختلفوا فيه إلى ما أجمعوا عليه من نظير وفي هذه المسألة.
نظر وقد ذكرنا مذهب مالك وأهل المدينة فيها ومذهب غيرهم أيضا وحجة كل فريق منهم في باب حميد الطويل من كتابنا هذا فلا وجه لإعادة ذلك هاهنا وبالله التوفيق .

(13/154)


موسى بن عقبة
الحديث الأول
...
مالك عن موسى بن عقبة تابعي مدني ثقة
وهو موسى بن عقبة بن أبي عياش يكنى أبا محمد مولى الزبير بن العوام كان الزبير قد أعتق جده أبا عياش هكذا قال الواقدي وغيره وقال يحيى بن معين موسى بن عقبة مولى أم خالد بنت خالد بن سعيد بن العاص.
وقد ذكرنا في باب إبراهيم بن عقبة في صدر كتابنا هذا في نسبه وولائه ما هو أكثر من هذا وسمع موسى بن عقبة من أم خالد بنت خالد بن سعيد بن العاص ورأى ابن عمر وسهل بن سعد قال حججت وابن عمر بمكة عام حج نجدة الحروري ورأيت سهل بن سعد يتخطا حتى توكأ على المنبر فسار الإمام بشيء.
وكان موسى بن عقبة من ساكني المدينة وبها توفي سنة إحدى وأربعين ومائة قبل خروج محمد بن عبد الله بن حسن وكان مالك يثني على موسى بن عقبة وكان لموسى علم بالمغازي والسيرة وهو ثقة فيما نقل عن أثر في الدين وكان رجلا صالحا رحمه الله.
لمالك عنه من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في الموطأ حديثان مسندان .

(13/155)


حديث أول لموسى بن عقبة
مالك عن موسى بن عقبة عن كريب مولى عبد الله بن عباس عن أسامة بن زيد "أنه سمعه يقول دفع رسول الله صلى الله عليه وسلم من عرفة حتى إذا كان بالشعب نزل فبال فتوضأ فلم يسبغ الوضوء فقلت له الصلاة يا رسول الله فقال "الصلاة أمامك" فركب فلما جاء المزدلفة نزل فتوضأ فأسبغ الوضوء ثم أقيمت الصلاة فصلى المغرب ثم أناخ كل أناس بعيره في منزله ثم أقيمت العشاء فصلاها ولم يصل بينهما شيئا" .
قال أبو عمر: هكذا رواه جماعة الحفاظ الأثبات من رواة الموطأ عن مالك فيما علمت إلا أشهب وابن الماجشون فإنهما روياه عن مالك عن موسى بن عقبة عن كريب عن ابن عباس عن أسامة بن زيد ذكره النسائي قال حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم قال حدثنا أشهب وكذلك حدث به المعافي عن ابن الماجشون والصحيح في هذا الحديث طرح

(13/156)


ابن عباس من إسناده وإنما هو لكريب عن أسامة بن زيد وكذلك رواه يحيى بن سعيد الأنصاري وحماد بن زيد عن موسى بن عقبة عن كريب عن أسامة مثل رواية مالك سواء ولم يخالف فيه على موسى بن عقبة فيما علمت ورواه إبراهيم بن عقبة واختلف عليه فيه فرواه سفيان بن عيينة عن إبراهيم بن عقبة ومحمد بن أبي حرملة جميعا عن كريب عن ابن عباس عن أسامة بن زيد مثله بمعناه أدخلا بين كريب وبين أسامة عبد الله بن عباس ورواه حماد بن زيد عن إبراهيم بن عقبة عن كريب عن أسامة ورواه إسماعيل بن جعفر عن محمد بن أبي حرملة عن كريب عن أسامة لم يذكر ابن عباس وكذلك رواه ابن المبارك عن إبراهيم بن عقبة مثل رواية حماد بن زيد فدل ذلك كله على ضعف رواية ابن عيينة وصحة رواية مالك ومن تابعه وأن ليس لابن عباس ذكر صحيح في هذا الحديث والله أعلم.
وفي هذا الحديث من الفقه الوقوف بعرفة يوم عرفة ثم الدفع منها بعد غروب الشمس على يقين من مغيبها ليلة النحر إلى المزدلفة وهذا ما لا خلاف فيه والوقوف المعروف بعرفة بعد صلاة الظهر والعصر في مسجد عرفة جميعا في أول وقت الظهر

(13/157)


إلى غروب الشمس والمسجد معروف وموضع الوقوف بجبال الرحمة معروف وليس المسجد موضع وقوف لأنه فيما أحسب من بطن عرنة الذي أمر الواقف بعرفة أن يرتفع عنه وهذا كله أمر مجتمع عليه لا موضع للقول فيه.
وأما قوله في هذا الحديث نزل فبال فتوضأ فلم يسبغ الوضوء فهذا عندي والله أعلم أنه استنجى بالماء أو اغتسل به من بوله وذلك يسمى وضوءا في كلام العرب لأنه من الوضاءة التي هي النظافة ومعنى قوله لم يسبغ الوضوء أي لم يكمل وضوء الصلاة لم يتوضأ للصلاة والإسباغ الإكمال فكأنه قال لم يتوضأ وضوءه للصلاة ولكنه توضأ من البول هذا وجه هذا الحديث عندي والله أعلم وقد قيل إنه توضأ وضوءا خفيفا ليس بالبالغ وضوءا بين وضوءين لصلاة واحدة وليس هذا اللفظ في حديث مالك ومالك أثبت من رواه فلا وجه للاحتجاج برواية غيره عليه وقد قيل في ذلك أنه توضأ على بعض أعضاء الوضوء ولم يكمل الوضوء

(13/158)


للصلاة على ما روي عن ابن عمر أنه كان إذا أجنب ليلا وأراد النوم غسل وجهه ويديه إلى المرفقين وربما مسح برأسه ونام وهو لم يكمل وضوءه للصلاة وهذا عندي وجه ضعيف لا معنى له ولا يجب أن يضاف مثله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولعل الذي حكاه عن ابن عمر لم يضبط والوضوء على الجنب عند النوم غير واجب وإنما هو ندب لأنه لا يرفع فيه حدثه وفعله سنة وخير وليس من دفع من عرفة إلى المزدلفة يجد من الفراغ ما يتوضأ به وضوءا يشتغل به عن النهوض إلى المزدلفة والنهوض إليها من أفضل أعمال البر.
فكيف يشتغل عنها بما لا معنى له إلا ترى أنه لما حانت تلك الصلاة في موضعها نزل فأسبغ الوضوء لها أي توضأ لها كما يجب فالوضوء الأول عندي الاستنجاء بالماء لا غير لأنه لم يحفظ عنه قط أنه توضأ لصلاة واحدة مرتين وإن كان يتوضأ لكل صلاة ويحتمل قوله الصلاة أي توضأ لها إذ رآه اقتصر على الاستنجاء ويحتمل غير ذلك والله أعلم.
وقد روى عبد الله بن أبي مليكة عن أمه عن عائشة قالت "بال رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتبعه عمر بكوز من ماء فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إني "لم أومر أن

(13/159)


أتوضأ كلما بلت ولو فعلت لكانت سنة" وهذا على ما قلنا وبالله توفيقنا ففي هذا الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يستنجي بالماء على حسب ما ذكرناه .
ومن بين ما يروى في استنجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بالماء ما رواه سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن معاذ عن عائشة أنها قالت لنسوة عندها مرن أزواجكن أن يغسلوا عنهم أثر الغائط والبول فإني أستحيهم وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يفعله ذكره يعقوب بن شيبة عن يزيد بن هارون عن سعيد.
وحدثنا سعيد بن نصر حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا محمد بن إسماعيل حدثنا الحميدي حدثنا سفيان عن عمرو قال سمعت ابن الحويرث يقول "سمعت ابن عباس يقول كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج من الغائط فأتى بطعامه فقيل له ألا تتوضأ فقال ما أصلي فأتوضأ" وهذا بين أنه كان عليه السلام لا يتوضأ وضوء الصلاة إلا للصلاة وأنه لا يتوضأ كلما بال وضوء الصلاة

(13/160)


وفي هذا الحديث أيضا من الفقه أن الإمام إذا دفع بالحاج والناس معه لا يصلون المغرب في تلك الليلة إلا مع العشاء في وقت واحد بالمزدلفة وهذا أمر مجتمع عليه لا خلاف فيه.
واختلف العلماء فيمن لم يدفع مع الإمام لعلة وعذر ودفع وحده بعد دفع الإمام بالناس هل له أن يصلي تلك الصلاتين في المزدلفة أم لا فقال مالك لا يصليهما أحد قبل جمع إلا من عذر فإن صلاهما من عذر لم يجمع بينهما حتى يغيب الشفق.
وقال الثوري لا يصليهما حتى يأتي جمعا وله السعة في ذلك إلى نصف الليل فإن صلاهما دون جمع أعاد وقال أبو حنيفة إن صلاهما قبل أن يأتي المزدلفة فعليه الإعادة وسواء صلاهما قبل مغيب الشفق أو بعده عليه أن يعيدهما إذا أتى المزدلفة وحجة هؤلاء كلهم قوله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث لأسامة "الصلاة أمامك" يعني بالمزدلفة واختلف عن أبي يوسف ومحمد فروي عنهما مثل قول أبي حنيفة وروي عنهما إن صلى بعرفات أجزأه وعلى مذهب الشافعي لا ينبغي أن يصليهما قبل جمع فإن فعل أجزأه وبه قال أبو ثور وأحمد وإسحاق وروي ذلك عن عطاء وعروة وسالم والقاسم وسعيد بن جبير وروي عن جابر بن عبد الله أنه قال لا صلاة إلا بجمع ولا مخالف له من الصحابة فيما علمت

(13/161)


قال أبو عمر: قوله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث "الصلاة أمامك" يدل على أنه لا يجوز لأحد أن يصليهما إلا هناك وقد قال صلى الله عليه وسلم "خذوا عني مناسككم" ولم يصلهما إلا بالمزدلفة فإن كان له عذر فعسى الله أن يعذره وأما من لا عذر له فواجب أن لا تجزئه صلاته قبل ذلك الموضع على ظاهر هذا الحديث ومن أجاز الجمع بينهما قبل المزدلفة أو بعدها في غيرهما فإنه ذهب إلى أنه سفر وللمسافر الجمع بين الصلاتين على ما ذكرنا من أحكامهم وأقوالهم في كيفية الجمع بينهما للمسافر فيما سلف من كتابنا هذا وله أن لا يجمع بينهما لا يختلفون في ذلك للمسافر بغير عرفة والمزدلفة.
قال مالك يجمع الرجل بين الظهر والعصر يوم عرفة إذا فاته ذلك مع الإمام قال وكذلك المغرب والعشاء يجمع أيضا بينهما بالمزدلفة من فاته ذلك مع الإمام.
قال وإن احتبس إنسان دون المزدلفة لموضع عذر جمع بينهما أيضا قبل أن يأتي المزدلفة ولا يجمع بينهما حتى يغيب الشفق قال أبو حنيفة لا يجمع بينهما إلا من صلاهما مع الإمام يعني صلاتي عرفة وصلاتي المزدلفة قال وأما من صلى وحده

(13/162)


فلا يصلي كل صلاة منهما إلا لوقتها وكذلك قال الثوري قال إن صليت في رحلك فصل كل صلاة لوقتها.
وقال الشافعي وأبو يوسف ومحمد وأحمد بن حنبل وأبو ثور وإسحاق جائز أن يجمع بينهما من المسافرين من صلى مع الإمام ومن صلى وحده إذا كان مسافرا وعلتهم في ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما جمع بينهما من أجل السفر فلكل مسافر الجمع بينهما وكان عبد الله بن عمر يجمع بينهما وحده وهو قول عطاء.
وقد ذكرنا حكم الجمع بين الصلاتين بالمزدلفة وحكم الأذان بينهما والإقامة ومن أجاز أن تناخ الإبل وغير ذلك بينهما ومن لم يجز ذلك وما للعلماء في ذلك كله من الأقوال والاعتلال من جهة الأثر والنظر في باب ابن شهاب عن سالم من كتابنا هذا فلذلك لم نذكره هاهنا وبالله توفيقنا.
وفي هذا الحديث أيضا دلالة واضحة على أن الجمع في ذلك توقيف منه صلى الله عليه وسلم .

(13/163)


ألا ترى إلى قوله صلى الله عليه وسلم لأمامة حين قال له الصلاة يا رسول الله فقال له "الصلاة أمامك" يريد موضع الصلاة أمامك وهذا بين لا إشكال فيه وهو أمر مجتمع عليه وفي هذا الحديث أيضا دليل على أن من السنة لمن جمع بين الصلاتين أن لا يتنفل بينهما .
روى سفيان بن عيينة عن أبي نجيح عن عكرمة قال اتخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم واتخذتموه مصلى يعني الشعب .

(13/164)


الحديث الثاني
...
حديث ثان لموسى بن عقبة
مالك عن موسى بن عقبة عن سالم بن عبد الله "أنه سمع أباه يقول بيداؤكم هذه التي تكذبون على رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها ما أهل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا من عند المسجد يعني مسجد ذي الحجة".
قال أبو عمر: هكذا روى هذا الحديث جماعة الرواة للموطأ عن مالك رحمه الله وكذلك رواه ابن عيينة كما رواه مالك سواء بلفظ واحد وبإسناده قال فيه سمعت موسى سمع سالما سمعت ابن عمر فذكره ورواه شعبة عن موسى بن عقبة فخالفهما في معناه وسنذكر ذلك في هذا الباب إن شاء الله وأما قوله في هذا الحديث بيداؤكم فإنه أراد موضعكم الذي

(13/165)


تزعمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يهل إلا منه قال ذلك ابن عمر منكرا لقول من قال أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما أهل في حجته حين أشرف على البيداء والبيداء الصحراء يريد بيداء ذي الحليفة.
وأما قوله ما أهل رسول الله صلى الله عليه وسلم فالإهلال في الشريعة هو الإحرام بالحج وهو التلبية بالحج أو العمرة وهو قول لبيك اللهم لبيك وينوي ما شاء من حج أو عمرة وأكثر الفقهاء يقولون أن الإحرام فرض من فرائض الحج وركن من أركانه إما بالقول والنية جميعا وإما بالنية على حسب اختلافهم في ذلك مما سنذكره في باب نافع عند ذكر حديث التلبية في كتابنا هذا إن شاء الله واتفق مالك بن أنس والشافعي على أن النية في الإحرام تجزئ عن الكلام وناقض في هذه المسألة أبو حنيفة فقال إن الإحرام عنده من شرط التلبية ولا يصح إلا بالنية كما لا يصح الدخول في الصلاة إلا بالنية والتكبير ثم قال

(13/166)


فيمن أغمي عليه فأحرم عنه أصحابه ولم يفق حتى فاته الوقوف بعرفة أنه يجزيه إحرام أصحابه عنه وبه قال الأوزاعي وقال مالك والشافعي وأبو يوسف ومحمد من عرض له هذا فقد فاته الحج ولا ينفعه إحرام أصحابه عنه قالوا وناقض مالك فقال من أغمي عليه فلم يحرم فلا حج له ومن وقف بعرفة مغمى عليه أجزأه وقال بعض أصحابنا ليس بتناقض لأن الإحرام لا يفوت إلا بفوت عرفة وحسب المغمى عليه أن يحرم إذا أفاق قبل عرفة فإذا أحرم ثم أغمي عليه فوقف به مغمى عليه أجزأه من أجل أنه على إحرامه.
قال أبو عمر: الذي يدخل علينا في هذا أن الوقوف بعرفة فرض فيستحيل أن يتأدى من غير قصد إلى أدائه كالإحرام سواء وكسائر الفروض لا تسقط إلا بالقصد إلى أدائها بالنية والعمل هذا هو الصحيح في هذا الباب والله الموفق للصواب.
ووافق أبو حنيفة مالكا فيمن شهد عرفة مغمى عليه ولم ينو حتى انصدع الفجر وخالفهما الشافعي فلم يجز للمغمى عليه وقوفه بعرفة حتى يصح ويفيق عالما بذلك قاصدا إليه وبقول الشافعي قال أحمد وإسحاق وأبو ثور وداود وأكثر الناس وسنذكر التلبية وحكمها في باب نافع من كتابنا هذا إن شاء

(13/167)


الله وأصل الإهلال في اللغة رفع الصوت وكل رافع صوته فهو مهل ومنه قيل للطفل إذا سقط من بطن أمه فصاح قد استهل صارخا والاستهلال والإهلال سواء ومنه قول الله عز وجل {وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ} لأن الذابح منهم كان إذا ذبح لآلهة سماها ورفع صوته بذكرها وقال النابغة:
أو درة صدفية غواصها
...
بهج متى يرها يهل ويسجد
يعني بإهلاله رفعه صوته بالحمد والدعاء إذا رآها وقال ابن أحمر:
يهل بالغرقد ركبانها
...
كما يهل الراكب المعتمر
واختلفت الآثار في الموضع الذي أحرم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه لحجته من أقطار ذي الحليفة ولا خلاف أن ميقات أهل المدينة ذو الحليفة وسنذكر المواقيت وما للعلماء في حكمها في باب نافع من كتابنا هذا إن شاء الله فقال قوم أحرم من مسجد ذي الحليفة بعد أن صلى فيه وقال آخرون لم يحرم إلا من بعد أن استوت به راحلته بعد خروجه من المسجد وقال آخرون إنما أحرم حين أظل على البيداء فأشرف عليها .

(13/168)


وقد أوضح ابن عباس المعنى في اختلافهم رضي الله عنه فأما الآثار التي ذكر فيها أنه أهل حين أشرف على البيداء فأخبرنا محمد بن إبراهيم قال حدثنا محمد بن معاوية قال حدثنا أحمد بن شعيب قال أخبرنا إسحاق بن إبراهيم قال أخبرنا النضر قال أخبرنا أشعث بن عبد الملك عن الحسن عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الظهر بالبيداء ثم ركب وصعد جبل البيداء وأهل بالحج والعمرة حين صلى الظهر.
وأخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن قال أخبرنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا أحمد بن حنبل قال حدثنا روح قال حدثنا أشعث عن الحسن عن أنس بن مالك "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الظهر ثم ركب راحلته فلما علا على البيداء أهل".
وقرأت على عبد الوارث بن سفيان أن قاسم بن أصبغ حدثهم قال حدثنا أبو قلابة قال حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث قال حدثنا شعبة عن موسى بن عقبة عن سالم عن أبيه "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحرم من البيداء وربما قال من المسجد حين استوت به راحلته" ورواية شعبة لهذا الحديث عن موسى بن عقبة مخالفة لرواية مالك عنه بإسناد واحد

(13/169)


وروى مالك عن سعيد المقبري عن عبيد بن جريج أنه سمع عبد الله بن عمر يقول "لم أر رسول الله صلى الله عليه وسلم يهل حتى تنبعث به راحلته" وابن جريج وغيره عن محمد بن المنكدر عن أنس مثله بمعناه ومحمد بن إسحاق عن أبي الزناد عن عائشة بنت سعد عن أبيها قال "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أخذ طريق الفرع أهل إذا استقلت به راحلته وإذا أخذ طريق أحد أهل إذا أشرف على البيداء".
ففي هذه الآثار كلها الإهلال بالبيداء وهي مخالفة لحديث مالك في هذا الباب.
وقد ذكر هذه الآثار كلها أبو داود وهي آثار ثابتة صحاح من جهة النقل وحديث ابن عباس يفسر ما أوهم الاختلاف منها.
أخبرنا عبد الله بن محمد بن يحيى قال حدثنا محمد بن بكر بن عبد الرزاق قال حدثنا سليمان بن الأشعث قال حدثنا محمد بن منصور قال حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد قال حدثني أبي عن ابن إسحاق قال حدثني خصيف بن عبد الرحمن الجزري عن سعيد بن جبير قال:

(13/170)


قلت لعبد الله بن عباس يا أبا عباس عجبت لاختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في إهلال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أوجب فقال إني لأعلم الناس بذلك خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حاجا فلما صلى بمسجده بذي الحليفة ركعتين أوجبه مجلسه فأهل بالحج حين فرغ من الركعتين فسمع منه أقوام فحفظ عنه ثم ركب فلما استقلت به ناقته أهل وأدرك ذلك منه أقوام وذلك أن الناس كانوا يأتون أرسالا فسمعوه حين استقلت به راحلته يهل فقالوا إنما أهل حين استقلت به ناقته ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما وقف على شرف البيداء أهل بها وأدرك ذلك منه أقوام فقالوا إنما أهل حين علا على شرف البيداء فمن أخذ بقول عبد الله بن عباس أهل في مصلاه إذا فرغ من ركعتيه.
قال أبو عمر: قد بان بهذا الحديث معنى اختلاف الآثار في هذا الباب وفيه تهذيب لها وتلخيص وتفسير لما كان ظاهره الاختلاف منها والأمر في هذا الباب واسع عند جميع العلماء وبالله التوفيق .

(13/171)


موسى بن ميسرة
الحديث الأول
...
مالك عن موسى بن ميسرة حديثان متصلان
وكان موسى بن ميسرة من فضلاء أهل المدينة وكان مالك يثني عليه ويصفه بالفضل وتوفي موسى بن ميسرة سنة ثلاث وثلاثين ومائة .

(13/172)


حديث أول لموسى بن ميسرة
مالك عن موسى بن ميسرة عن سعيد بن أبي هند عن أبي موسى الأشعري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "من لعب بالنرد فقد عصى الله ورسوله" .
قال أبو عمر: لم يختلف الرواة للموطأ في إسناد هذا الحديث عن مالك ورواه إسحاق بن سليمان الرازي عن مالك بإسناده فقال من لعب بالنردشير ذكره الدارقطني وقد روى فيه حديث منكر عن مالك عن نافع عن أبي عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من لعب بالشطرنج فقد عصى الله ورسوله" وهذا إسناد عن مالك مظلم وهو حديث موضوع باطل وأما حديث الموطأ حديث أبي موسى هذا فحديث صحيح وليس يأتي إلا من طريق سعيد بن أبي هند عن أبي موسى الأشعري .

(13/173)


وسعيد هذا من ثقات التابعين مولى لفزارة وابنه عبد الله بن سعيد بن أبي هند محدث ثقة ورواه الليث بن سعد عن ابن الهادي عن موسى بن ميسرة عن عبد الله بن سعيد عن سعيد بن أبي هند عن أبي موسى قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر عنده النرد فقال "عصى الله ورسوله عصى الله ورسوله من ضرب بكعابها يلعب بها" حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم قال حدثنا إبراهيم بن إسحاق النيسابوري قال حدثنا يحيى بن يحيى قال حدثنا الليث بن سعد فذكره بإسناده.
ورواه ابن وهب قال أخبرني اسامة بن زيد أن سعيد بن أبي هند حدثه عن أبي موسى الأشعري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "من لعب بالنرد فقد عصى الله ورسوله" قرأته على عبد الرحمن بن يحيى أن علي بن محمد حدثهم قال حدثنا أحمد بن سليمان قال حدثنا سحنون قال حدثنا ابن وهب قال أخبرني أسامة بن زيد ثم ذكر حديث مالك عن مالك والضحاك بن عثمان عن موسى بن ميسرة عن سعيد بن أبي هند عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله وروى هذا الحديث حماد بن زيد عن نافع عن سعيد بن أبي هند أن أبا موسى قال من

(13/174)


لعب بالنرد فقد عصى الله ورسوله يوقفه على أبي موسى والذين رفعوه ثقات يجب قبول زيادتهم وفي قول أبي موسى فقد عصى الله ورسوله ما يدل على رفعه ورواه ابن المبارك قال أنبأنا أسامة بن زيد يعني الليثي قال حدثني سعيد بن أبي هند عن أبي مرة مولى عقيل فيما أعلم عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "من لعب بالنرد فقد عصى الله ورسوله" وذكره أحمد بن حنبل عن عبد الرزاق قال سمعت عبد الله بن سعيد بن أبي هند عن أبيه عن رجل عن أبي موسى الأشعري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "من لعب بالكعاب فقد عصى الله ورسوله" .
وهذا الحديث يحرم اللعب بالنرد جملة واحدة لم يستثن وقتا من الأوقات ولا حالا من حال فسواء شغل النرد عن الصلاة أو لم يشغل أو ألهى عن ذلك ومثله أو لم يفعل شيئا من ذلك على ظاهر هذا الحديث.
والنرد قطع ملونة تكون من خشب البقس ومن عظم الفيل ومن غير ذلك وهو الذي يعرف بالطبل ويعرف بالكعاب ويعرف أيضا بالأرن ويعرف أيضا بالنردشير .

(13/175)


حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا مسدد قال حدثنا يحيى عن سفيان عن علقمة بن مرثد عن سليمان بن بريدة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "من لعب بالنردشير فكأنما غمس يده في لحم خنزير".
وحدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن وضاح قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا عبد الله بن نمير وأبو أسامة عن سفيان عن علقمة بن مرثد عن سليمان بن بريدة عن أبيه رفعه قال "من لعب بالنردشير فكأنما غمس يده في لحم خنزير ودمه".
وذكر ابن وهب قال حدثني مالك بن أنس و عبد الله بن عمر ويونس بن يزيد وغيرهم أن نافعا حدثهم أن عبد الله بن عمر كان إذا وجد أحدا يلعب بالنرد ضربه وكسرها زاد يونس وغيره وأمر بها فأحرقت بالنار.
قال وحدثني سليمان بن بلال عن يحيى بن سعيد قال دخل عبد الله بن عمر داره فإذا أناس يلعبون فيها بالنرد قال فصاح ابن عمر وقال ما لداري يلعب فيها بالأرن قال وكانت النرد تدعى في الجاهلية بالأرن قال وحدثنا جرير بن حازم عن الحسين بن عمارة عن علي بن الأقمر عن مسروق

(13/176)


ابن الأجدع قال قال ابن مسعود إياكم وهذه الكعاب الموشومات اللاتي يزحزحن فإنهن من الميسر قال ابن وهب وسمعت مالك بن أنس يكره ما يلعب به من الطبل والأربعة عشر قال وحدثني عبد الله بن عمر عن مسعود بن عبد الله بن يسار أن عبد الله بن عمر مر بصبيان يلعبون بالكجة وهي حفر فيها حصا يلعبون بها قال فسدها ابن عمر ونهاهم عنها.
قال وحدثني يونس عن ابن شهاب أن أبا موسى الأشعري قال لا يلعب بالشطرنج إلا خاطئ وذكر أبو زيد عمر بن شبة قال حدثنا محمد بن يحيى وإبراهيم بن المنذر قالا حدثنا عبد العزيز بن عمران قال حدثنا عبد الله بن جعفر بن عبد الرحمن بن المسور بن محزمة قال حدثنا ابن أبي عون الأزدي قال "سمعت عثمان بن أبي سليمان يقول أول من قدم بالنرد إلى مكة أبو قيس بن عبد مناف بن زهرة فوضعها بفناء الكعبة فلعب بها وعلمها" وذكر عمر بن شبة في

(13/177)


في كتابه في سير عثمان قال حدثنا بشر بن عمر قال حدثنا سليمان بن بلال عن الجعيد بن عبد الرحمن عن موسى بن أبي سهل عن زبيد بن الصلت أنه سمع عثمان وهو على المنبر يقول أيها الناس إياكم والميسر يريد النرد فإنه ذكر لي أنها في بيوت أناس منكم فمن كانت في بيته فليخرجها وليكسرها ثم قال وهو على المنبر مرة أخرى أيها الناس إني قد كلمتكم في هذه النرد فلم أركم أخرجتموها ولقد هممت بحزم الحطب ثم أرسل إلى الذين هي في بيوتهم فأحرقها عليهم.
وذكر ابن وهب قال أخبرني مالك بن أنس عن علقمة بن أبي علقمة عن أمه عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم "أنه بلغها أن أهل بيت في دارها عندهم نرد فأرسلت إليهم لئن لم تخرجوها لأخرجنكم من داري وأنكرت ذلك عليهم".
قال أبو عمر: اختلف العلماء في اللعب بالنرد فكره ذلك مالك على ما ذكرنا عنه ولم يختلف أصحابه في كراهة اللعب بها وذكر ابن وهب كراهية اللعب بالنرد والشطرنج عن ابن عمر وعائشة وأبي موسى الأشعري والقاسم بن محمد وسعيد

(13/178)


ابن المسيب وتبيع وأكثرهم فيما تدل ألفاظ الآثار عنهم إنما كرهوا المقامرة بها وقال الشافعي أكره اللعب بالنرد للخبر واللاعب بالشطرنج والحمام بغير قمار وإن كرهناه أيضا أخف حالا.
وقال أبو حنيفة وأصحابه يكره اللعب بالشطرنج والنرد والأربعة عشر وكل اللهو فإن لم يظهر من اللاعب بها كبيرة وكانت محاسنه أكثر من مساويه قبلت شهادته عندهم وقول مالك وأصحابه مثل ذلك إلا أن مذهبهم في شهادته أنه لا تجوز شهادة اللاعب بالنرد ولا شهادة المدمن على لعب الشطرنج وقال بعضهم النرد والشطرنج سواء لا يكره إلا الإدمان عليهما وقال بعضهم الشطرنج شر من النرد فلا تجوز شهادة اللاعب بها وإن لم يكن مدمنا.
وممن قال ذلك الليث بن سعد ذكره ابن وهب عنه قال اللعب بالشطرنج لا خير فيه وهي شر من النرد وقال ابن شهاب هي من الباطل ولا أحبها ذكره ابن وهب عن يحيى بن أيوب عن عقيل عنه.
وأما الشافعي فلا تسقط عند أصحابه في مذهبه شهادة اللاعب بالنرد ولا بالشطرنج إذا كان عدلا في جميع أحواله ولم

(13/179)


يظهر منه سفه ولا ريبة ولا كبيرة إلا أن يلعب بها قمارا فإن لعب بها قمارا أو كان بذلك معروفا سقطت عدالته وسفه نفسه لأكله المال بالباطل ولم يختلف العلماء أن القمار من الميسر المحرم.
وأكثرهم على كراهة اللعب بالنرد على كل حال قمارا أو غير قمار للخبر الوارد فيها وما أعلم أحدا أرخص في اللعب بها إلا ما جاء عن عبد الله بن مغفل وعكرمة والشعبي وسعيد بن المسيب فإن شعبة روى عن يزيد بن أبي خالد قال دخلت على عبد الله بن المغفل وهو يلاعب امرأته الخضيراء بالقصاب يعني النردشير وروي عن عكرمة والشعبي أنهما كانا يلعبان بالنرد وذكر ابن قتيبة عن إسحاق بن راهويه عن النضر بن شميل عن شعبة عن عبد ربه قال سمعت سعيد بن المسيب وسئل عن اللعب بالنرد فقال إذا لم يكن قمارا فلا بأس به قال إسحاق إذا لعبه على غير معنى القمار يريد به التعليم والمكايدة فهو مكروه ولا يبلغ ذلك إسقاط شهادته

(13/180)


قال أبو عمر: ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم "أنه نهى عن اللعب بالنرد" فأخبر أن فاعل ذلك عاص لله ورسوله فلا معنى لما خالف ذلك وكل من خالف السنة فمحجوج بها والحق في اتباعها والضلال فيما خالفها إلا أنه يحتمل اللعب بالنرد المنهي عنه على وجه القمار وحمل ذلك على العموم قمارا أو غير قمار أولى وأحوط إن شاء الله .
أخبرنا عبد الوارث بن سفيان حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا ابن وضاح حدثنا موسى بن معاوية حدثنا وكيع عن الفضل بن دلهم قال كان الحسن يقول النرد ميسر العجم وأما الشطرنج فاختلاف أهل العلم في اللعب بها على غير اختلافهم في اللعب بالنرد لأن كثيرا منهم أجاز اللعب بالشطرنج ما لم يكن قمارا سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير ومحمد بن سيرين ومحمد بن المنكدر وعروة بن الزبير وابنه هشام وسليمان بن يسار وأبو وائل والشعبي والحسن البصري وعلي بن الحسن بن علي وجعفر بن محمد وابن شهاب وربيعة وعطاء كل هؤلاء يجيز اللعب بها على غير قمار وقد روي عن سعيد بن المسيب في الشطرنج أنها ميسر وهذا محمول

(13/181)


عندنا على القمار لئلا تتعارض الروايات عنه ولا يختلف العلماء في أن المقامرة عليها وأكل الخطر بها لا يحل وإنه من الميسر المحرم وفاعل ذلك المشهور به سفيه لا تجوز شهادته وروى الوليد بن مسلم قال حدثنا الأوزاعي عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من قال لصاحبه تعال أقامرك فليتصدق" قال الوليد سمعت الأوزاعي يقول إذا تقامرا بمالين فهو حرام عليهما فليتصدقا به فإن كان في قمارهما عتق مملوك نفذ ذلك.
حدثنا خلف بن القاسم قال حدثنا الحسن بن رشيق قال حدثنا علي بن سعيد قال حدثنا الصلت بن مسعود قال حدثنا حماد بن زيد عن هشام عن محمد بن سيرين أنه لم يكن يرى بأسا بلعب الشطرنج إذا لم يكن قمارا.
أخبرنا خلف بن القاسم قال حدثنا محمد بن هرون الجوهري قال حدثنا ابن رشدين قال حدثنا ابن بكير قال حدثنا ابن لهيعة عن عقيل عن ابن شهاب قال "لا بأس بلعب الشطرنج ما لم يكن فيه قمار" وروى وكيع عن سفيان عن ليث عن مجاهد وطاوس وعطاء قالوا

(13/182)


كل شيء من القمار فهو من الميسر حتى لعب الصبيان بالجوز ووكيع عن سفيان عن مغيرة عن إبراهيم مثله .
وتحصيل مذهب مالك وجمهور الفقهاء في الشطرنج إن من لم يقامر بها ولعب مع أهله في بيته مستترا به مرة في الشهر أو العام لا يطلع عليه ولا يعلم به أنه معفو عنه غير محرم عليه ولا مكروه له وأنه إن تخلع به واستهتر فيه سقطت مروءته وعدالته وردت شهادته وهو يدلك على أنه ليس بمحرم لنفسه وعينه لأنه لو كان كذلك لاستوى قليله وكثيره في تحريمه وليس بمضطر إليه ولا مما لا ينفك عنه فيعفي عن اليسير منه .

(13/183)


الحديث الثاني
...
حديثان لموسى بن ميسرة
مالك عن موسى بن ميسرة عن أبي مرة مولى عقيل بن أبي طالب أن أم هانئ بنت أبي طالب أخبرته "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى عام الفتح ثماني ركعات ملتحفا في ثوب واحد".
قال أبو عمر: أبو مرة هذا قيل اسمه يزيد ويقال هو مولى أم هانئ والصحيح أنه مولى عقيل بن أبي طالب كما قال مالك عن أبي النضر وموسى بن ميسرة وأما أم هانئ فقد ذكرناها في الصحابة بما يغني عن ذكرها هاهنا.
وذكر بعض من ذهب مذهب العراقيين في أن صلاة النهار جائز أن تكون أربعا وستا وثمانيا وأكثر لا يسلم إلا في آخرهن إن حديث أم هانئ هذا في صلاته عليه السلام ، صلاة

(13/184)


الضحى يشهد له لأنه ليس فيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سلم في شيء منها إلا في آخرها.
قال أبو عمر: وليس له فيما ذكر من ذلك حجة لأنه حديث مجمل يفسره غيره وقد روى علي الأزدي البارقي عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال "صلاة الليل والنهار مثنى مثنى" وبه كان يفتي ابن عمر.
ذكر مالك أنه بلغه أن عبد الله بن عمر كان يقول صلاة الليل والنهار مثنى مثنى ومثنى ومثنى يقتضي الجلوس والسلام في كل ركعتين ومما يدل على أن صلاة النهار ركعتين ركعتين كصلاة الليل سواء قوله صلى الله عليه وسلم "إذا دخل أحدكم المسجد فليصل ركعتين" وأنه صلى الله عليه وسلم كان يصلي قبل الظهر ركعتين وبعده ركعتين وقبل الفجر ركعتين وأنه كان إذا قدم من سفر صلى ركعتين وعلى هذا القول جماعة فقهاء الحجاز وإليه ذهب مالك والشافعي.
وبه قال أحمد بن حنبل واحتج بنحو ما ذكرنا وكان يحيى بن معين يخالف أحمد في حديث علي الأزدي ويضعفه ولا يحتج به ويذهب مذهب الكوفيين في هذه المسألة

(13/185)


ويقول إن نافعا و عبد الله بن دينار وجماعة رووا هذا الحديث عن ابن عمر لم ذكروا فيه والنهار.
قال أبو عمر: مذهب أحمد مع أنه مذهب الحجازيين أولى لأن ابن عمر روى هذا الحديث وفهم مخرجه وكان يقول بأن صلاة الليل والنهار مثنى مثنى ولم يكن ابن عمر ليخالف رسول الله صلى الله عليه وسلم لو فهم أن صلاة النهار بخلاف صلاة الليل في ذلك وبالله التوفيق.
وقد روى الليث عن عبد الله بن سعيد عن عمران بن أبي أنس عن عبد الله بن نافع بن العمياء عن ربيعة بن الحارث عن النضل بن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال "الصلاة مثنى مثنى" ولم يخص ليلا من نهار ولكنه إسناد مضطرب ضعيف لا يحتج بمثله رواه شعبة على خلاف ما رواه الليث وقد ذكرناه في باب نافع والحمد لله وروى ابن وهب عن أم هانئ هذا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة الضحى ثماني ركعات إنه كان يسلم في كل اثنتين منها وهذا إسناد احتج به أحمد بن حنبل قال أبو بكر الأثرم قيل لأبي عبد الله بن حنبل

(13/186)


أليس قد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى قبل الظهر أربعا فقال وقد روي "أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الضحى ثماني ركعات" أفتراه لم يسلم فيها قال أبو عبد الله هذا حديث أم هانئ "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الضحى ثمان ركعات" حديث ثبت قال أبو بكر روي حديث أم هانئ من وجوه لم يذكر فيها التسليم ثم وجدته مفسرا على ما تأوله أبو عبد الله.
حدثنا علي بن أحمد بن القاسم الباهلي قال حدثنا عبد الله بن وهب قال أخبرني عياض يعني ابن عبد الله الفهري عن مخرمة بن سليمان عن كريب عن ابن عباس عن أم هانئ بنت أبي طالب "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الضحى ثماني ركعات سلم من كل ركعتين" وهذا يدل على أن قوله صلى الله عليه وسلم "مثنى مثنى" خرج على جواب السائل عن صلاة الليل فقيل له مثنى مثنى ولو سأل عن صلاة النهار احتمل أن يقال له كذلك أيضا ويدل أيضا على أن زيادة علي الأزدي عن ابن عمر غير مرفوعة وحسبك بفتوى ابن عمر الذي روى الحديث ومن روى شيئا سلم له في تأويله لأنه شهد مخرجه وفحواه .

(13/187)


وأما صلاة الضحى واختلاف الآثار فيها وما للعلماء في ذلك كله فقد تقصيناه في باب ابن شهاب عن عروة من كتابنا هذا فلا وجه لإعادته ها هنا.
وأخبرنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا عمرو بن مرزوق قال أنبأنا شعبة عن يعلى بن عطاء عن علي بن عبد الله البارقي عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "صلاة الليل والنهار مثنى مثنى" .
قال أبو عمر: روى سالم ونافع و عبد الله بن دينار وأبوسلمة وطاوس و عبد الله بن شقيق ومحمد بن سيرين كلهم عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم "صلاة الليل مثنى" لم يذكروا النهار.
وروى يحيى بن سعيد الأنصاري عن نافع عن ابن عمر "أنه كان يتطوع بالنهار أربعا لا يفصل بينهن" وقد ذكرناه في باب نافع وهذا خلاف ما ذكر مالك أنه بلغه عنه ومالك لا يروي إلا عن ثقة وبلاغاته إذا تفقدت لم توجد إلا صحاحا فحصل ابن عمر مختلفا عنه في فعله وفي حديثه المرفوع إلا أن حمل المرفوع من حديثه الذي فيه الحجة على أنه خرج على جواب السائل بدليل رواية الأزدي عنه كان مذهبا حسنا وعليه أكثر فقهاء الحجاز وأكثر أهل الحديث وبالله التوفيق .

(13/188)


موسى بن أبي تميم
الحديث الأول
...
مالك عن موسى بن أبي تميم حديث واحد صحيح
وموسى هذا مدني ثقة روى عنه مالك وغيره.
مالك عن أبي موسى بن أبي تميم عن أبي الحباب سعيد بن يسار عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "الدينار بالدينار والدرهم بالدرهم لا فضل بينهما".
قد مضى القول في معنى هذا الحديث وما كان مثله في باب حميد بن قيس من كتابنا هذا ولا خلاف بين فقهاء الأمصار وأهل العلم بالآثار في القول به فلا يجوز عند جميعهم

(13/189)


بيع درهم بدرهمين ولا دينار بدينارين يدا بيد وعلى ذلك جميع السلف إلا عبد الله بن عباس فإنه كان يجيز بيع الدرهم بالدرهمين والدينار بالدينارين يدا بيد ويقول حدثني أسامة بن زيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "إنما الربا في النسيئة".
وهذا الحديث وضعه أسامة وابن عباس غير موضعه لأنه حديث مخرج عند جماعة العلماء على الذهب بالفضة وعلى جنسين مختلفين من الطعام فهذا هو الذي لا ربا فيه إلا في النسيئة والشواهد في هذا تكثر جدا منها حديث مالك عن نافع عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل ولا تشفوا بعضها على بعض ولا تبيعوا الورق بالورق إلا مثلا بمثل ولا تشفوا بعضها على بعض" ومنها حديث عبادة بن الصامت وقد ذكرنا كثيرا من طرقه في باب زيد بن أسلم قال عبادة سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "الذهب بالذهب مثلا بمثل والفضة بالفضة مثلا بمثل من ازداد فقد أربى".

(13/190)


وحديث أبي هريرة في هذا الباب وغيره والأحاديث كثيرة في ذلك جدا عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن جماعة أصحابه إلا ابن عباس ومنهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود وزيد بن ثابت وأبو الدرداء وأبو هريرة وغيرهم المطلوب ذكرهم وليس في خلاف السنة عذر لأحد إلا لمن جهلها ومن جهلها مردود إليها محجوج بها.
على أنه قد روي عن ابن عباس أنه رجع عن قوله في ذلك في الصرف بما حدثه أبو سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم بخلاف قوله رواه معمر وابن عيينة عن عمرو بن دينار عن أبي صالح عن أبي سعيد وابن عباس والثوري عن أبي هاشم الواسطي عن زياد قال كنت مع ابن عباس في الطائف فرجع عن الصرف قبل أن يموت بسبعين يوما.
وقد مضى في باب زيد بن أسلم أحاديث في هذا الباب والحمد لله فلا وجه لإعادة القول فيه هاهنا ومن تأمله في باب حميد كفاه إن شاء الله .

(13/191)


مسلم بن أبي مريم
الحديث الأول
...
مالك عن مسلم بن أبي مريم وهو مدني ثقة
روى عنه مالك وابن عيينة ووهيب بن خالد ويحيى بن سعيد الأنصاري وكان مالك يثني عليه ويقول كان رجلا صالحا وكان يهاب أن يرفع الأحاديث لمالك عنه من حديث النبي صلى الله عليه وسلم في الموطأ ثلاثة أحاديث أحدهما لم يختلف الرواة عن مالك في رفعه والاثنان جمهور رواته على توقيفهما يحيى بن يحيى وغيره ورفع ابن وهب أحدهما ورفع ابن نافع الآخر وهما مرفوعان من غير رواية مالك من وجوه صحاح كلها

(13/192)


حديث أول لمسلم بن أبي مريم
مالك عن مسلم بن أبي مريم عن علي بن عبد الله المعاوي أنه قال "رأني عبد الله بن عمر وأنا أعبث بالحصباء في الصلاة فلما انصرفت نهاني وقال أصنع كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع فقلت كيف كان يصنع قال كان إذا جلس في الصلاة وضع كفه اليمنى على فخذه اليمنى وقبض أصابعه كلها وأشار بأصبعه التي تلي الإبهام ووضع كفه اليسرى على فخذه اليسرى وقال هكذا كان يفعل ولا تعبث بهما" وسيأتي القول في وضع اليمنى على اليسرى في قيام الصلاة في باب عبد الكريم إن شاء الله وما جاء في هذا الحديث من صفة الجلوس ورتبة اليدين على ما وصف ابن عمر رحمه الله هو قول مالك وسائر الفقهاء وعليه العمل وفيه الاشارة بالسباحة والسبابة وكلاهما ام للأصبع التي تلي

(13/193)


الإبهام وروى مثل ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث عامر بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم ومن حديث مالك بن نمير الخزاعي عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم حدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا ابن وضاح قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا أبو خالد الأحمر عن ابن عجلان عن عامر بن عبد الله بن الزبير عن أبيه قال "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جلس يدعو ويضع يده اليمنى على فخذه اليمنى ويده اليسرى على فخذه اليسرى وأشار بأصبعه السبابة ووضع إبهامه على أصبعه الوسطى ويلقم كفه اليسرى ركبته" وأخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن قال أنبأنا محمد بن بكر قال أنبأنا أبو داود قال حدثنا محمد بن عبد الرحيم البزار قال حدثنا عفان قال حدثنا عبد الواحد بن زياد قال حدثنا عثمان بن حكيم قال حدثنا عامر بن عبد الله بن الزبير عن أبيه قال "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قعد في الصلاة جعل قدمه اليسرى تحت فخذه وساقه وفرق بين قدمه اليمنى ووضع يده اليسرى على ركبته اليسرى ووضع

(13/194)


يده اليمنى على فخذه اليمنى وأشار بأصبعه" ورواه ابن جريج عن زياد بن سعد عن محمد بن عجلان عن عامر عن أبيه "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يشير بأصبعه ولا يحركها" ورواه روح بن القاسم عن ابن عجلان بإسناده وقال فيه ووضع يده اليمنى على فخذه اليمنى وقال بأصبعه هكذا لم يمدها ولم يعقفها وحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا أبو نعيم قال حدثنا عصام أبو قدامة قال حدثنا مالك بن نمير الخزاعي من أهل البصرة أن أباه حدثه أنه "رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم قاعدا في الصلاة واضعا ذراعه اليمنى على فخذه اليمنى رافعا أصبعه السبابة قد حناها شيئا وهو يدعو" ورواه جماعة عن عصام ابي قدامة. قال أبو عمر: لم نذكر في هذا الباب الا وضع اليدين على الركبتين في الجلوس وهيأتها في ذلك والإشارة بالأصبع لا غير وسنذكر سنة الجلوس في الصلاة ومن قال ينصب اليمنى ويثني اليسرى ويفضي بوركه إلى الأرض ومن قال غير ذلك ونذكر

(13/195)


الآثار وما للعلماء في ذلك من الأقوال في باب عبد الرحمن ابن القاسم من كتابنا هذا إن شاء الله.
حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا ابن وضاح قال حدثنا حامد بن يحيى قال حدثنا سفيان عن مسلم بن أبي مريم.
قال أخبرني علي بن عبد الرحمن المعاوي قال "صليت إلى جنب ابن عمر فقلبت الحصا فلما انصرف ومرة قال فرغ من صلاته قال لا تقلب الحصا فإن تقليب الحصا من الشيطان وافعل كما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل فوضع يده اليمنى على فخذه اليمنى وضم أصابعه الثلاثة ونصب السبابة ووضع يده اليسرى على فخذه اليسرى وبسطها" قال سفيان وكان يحيى بن سعيد قد حدثنا عنه أولا ثم لقيته فسمعته منه وزاد فيه مسلم وقال هي مدية الشيطان لا يسهو أحدكم ما دام يشير بأصبعه ويقول هكذا .
قال أبو عمر: علي المعاوي منسوب إلى بني معاوية فخذ من الأنصار وفي هذا الحديث.
من الفقه إنه لا يجوز العبث في الصلاة بالحصباء وهو أمر مجتمع عليه وكذلك غير الحصباء

(13/196)


أنه لا يجوز العبث في الصلاة بالحصباء ولا غيرها وأن ذلك على أي وجه كان إذا كثر وطال وشغل عن الصلاة أفسد الصلاة وإنما لم يأمر ابن عمر عليا هذا بالإعادة والله أعلم لأنه كان ذلك منه يسيرا وقد جاء في حديث أبي ذر أنه كره مسح الحصباء في الصلاة إلا مرة واحدة كراهية العمل في الصلاة فكيف العبث بها في الصلاة وقد روي عن الزهري عن أبي الأحوص شيخ من أهل المدينة عن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله بمعناه وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل ذلك أيضا من حديث معيقيب وحذيفة بن اليمان وقد مضى القول فيما يجوز من العمل وما لا يجوز منه في الصلاة في باب زيد بن أسلم من كتابنا هذا.
وفي هذا الحديث أيضا دليل على أن على اليدين عملا في الصلاة تشتغلان به فيها وذلك ما وصف ابن عمر في الجلوس وهيأته وأما القيام فالسنة أن يضع كفه اليمنى على كوعه وقد قيل أن المقصد في وضعه اليمنى على كوعه الأيسر تسكين يديه لأن أرسالهما لا يومن معه العبث بهما وذلك أيضا سنة وقد قال ابن عمر اليدان تسجدان كما يسجد الوجه فكان يخرج يديه في البرد فيباشر بهما ما يباشر بوجهه في سجوده فكأن ابن عمر قال له أشغل يدك بما في السنة من العمل بها في الصلاة

(13/197)


الحديث الثاني
...
حديث ثان لمسلم بن أبي مريم
مالك عن مسلم بن أبي مريم عن أبي صالح السمان عن أبي هريرة "أنه قال تعرض أعمال الناس في كل جمعة مرتين يوم الإثنين ويوم الخميس فيغفر لكل عبد مؤمن إلا عبد ا كانت بينه وبين أخيه شحناء فيقال اتركوا هذين حتى يفيآ أو اتركوا هذين يفيا".
قال أبو عمر: هكذا روى يحيى بن يحيى هذا الحديث موقوفا على أبي هريرة وتابعه عامة رواة الموطأ وجمهورهم على ذلك ورواه ابن وهب عن مالك مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم بإسناده هذا وذكرناه في كتابنا على شرطنا أن نذكر فيه كل ما يمكن إضافته إلى النبي صلى الله عليه وسلم من قوله.
ومعلوم أن هذا ومثله لا يجوز أن يكون رأيا من أبي هريرة وإنما هو توقيف لا يشك في ذلك أحد له أقل فهم

(13/198)


وأدنى منزلة من العلم لأن مثل هذا لا يدرك بالرأي فكيف وقد رواه ابن وهب وهو من أجل أصحاب مالك عن مالك مرفوعا وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم مرفوعا من وجوه.
أخبرنا عبد الله بن محمد بن يوسف قراءة مني عليه قال أخبرنا عبد الله بن محمد بن علي ومحمد بن محمد ابن أبي دليم وأحمد بن عبد الله بن عبد الرحيم ومحمد بن يحيى بن عبد العزيز قالوا حدثنا أحمد بن خالد قال حدثنا يحيى بن عمر قال حدثنا الحارث بن مسكين قال أخبرنا ابن وهب قال حدثنا مالك عن مسلم بن أبي مريم عن أبي صالح السمان عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم "تعرض أعمال الناس" فذكره حرفا بحرف قال أحمد بن خالد وحدثنا ابن وضاح قال حدثنا أبو الطاهر عن ابن وهب عن مالك عن مسلم بن أبي مريم عن أبي صالح السمان عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم فذكره.
وأخبرنا عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد قال حدثنا تميم بن محمد بن تميم قال حدثنا عيسى بن مسكين قال حدثنا سحلون قال حدثنا ابن وهب فذكره بإسناده مثله مرفوعا

(13/199)


وحدثنا خلف بن قاسم حدثنا محمد بن عبد الله بن زكرياء حدثنا محمد بن أحمد بن جعفر الوكيعي حدثنا عمرو ابن سواد حدثنا ابن وهب حدثنا مالك وحدثنا محمد بن عبد الله بن أحمد حدثنا مكحول حدثنا أحمد بن عبد الرحمن ابن وهب حدثنا عمي عبد الله بن وهب حدثنا مالك عن مسلم بن أبي مريم عن أبي صالح السمان عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "تعرض أعمال الناس في كل جمعة مرتين يوم الإثنين ويوم الخميس فيغفر لكل مؤمن إلا عبد كانت بينه وبين أخيه شحناء" يقول اتركوا هذين حتى يفيآ وهكذا رواه أحمد ابن صالح ويونس بن عبد الأعلى وسليمان بن داود كلهم عن ابن وهب مثله مسندا وقد روى معنى هذا الحديث مرفوعا عن النبي صلى الله عليه وسلم مالك وغيره عن سهل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم وأما قوله في هذا الحديث "شحناء" فالشحناء العداوة وأما قوله "اتركوا هذين حتى يفيا" فمعناه أخروا هذين حتى يرجعا ويتصرفا الى الصحبة على ما كانا عليه تقول العرب أخر هذا وأرج هذا وأرك هذا كل ذلك معنى واحد أي اتركه

(13/200)


قال ذلك الأصمعي وغيره وقوله "حتى يفيآ" أي يرجعا ويتراجعان والفيء في لسان العرب الرجوع يقال فاء الطل أي رجع وفاء الرجل أي رجع ومثله قول الله عز وجل {فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} أي رجعوا إلى ما كانوا عليه من وطء أزواجهم وحنثوا أنفسهم وقال جل وعز {فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ} أي تراجع أمر الله وترجع إلى أمر الله .

(13/201)


الحديث الثالث
...
حديث ثالث لمسلم بن أبي مريم
مالك عن مسلم بن أبي مريم عن أبي صالح عن أبي هريرة "أنه قال نساء كاسيات عاريات مائلات مميلات لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها وريحها يوجد من مسيرة خمسمائة سنة ".
قال أبو عمر: هكذا روى هذا الحديث يحيى موقوفا من قول أبي هريرة وكذلك هو في الموطأ عند جميع رواته إلا ابن نافع فإنه رواه عن مالك بإسناده هذا مرفوعا الى النبي صلى الله عليه وسلم.
ومعلوم أن هذا لا يمكن أن يكون من رأي أبي هريرة لأن مثل هذا لا يدرك بالرأي ومحال أن يقول أبو هريرة من رأيه لا يدخلن الجنة ويوجد ريح الجنة من مسيرة كذا ومثل هذا لا يعلم رأيا وإنما يكون توقيفا ممن لا يدفع عن علم الغيب صلى الله عليه وسلم .

(13/202)


وقد روي عن ابن بكير عن مالك مسندا وفي الموطأ عن مالك لابن بكير غير ذلك.
حدثنا خلف بن قاسم حدثنا عبد الله بن عمر بن اسحاق حدثنا أحمد بن محمد بن الحجاج حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير حدثنا مالك بن أنس عن مسلم بن أبي مريم عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "نساء كاسيات عاريات مائلات مميلات لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها وريحها يوجد من مسيرة خمسمائة سنة".
هذا إسناد لا مطعن فيه عن ابن بكير وكذلك رواية ابن نافع.
حدثنا خلف بن القاسم وعلي بن ابراهيم قالا حدثنا الحسن بن رشيق قال حدثنا العباس بن محمد البصري قال حدثنا أحمد بن صالح المصري قال قرأت على عبد الله بن نافع عن مالك عن مسلم بن أبي مريم عن أبي صالح السمان عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم فذكره وقد روي هذا المعنى مسندا عن أبي هريرة من وجوه.
حدثنا عبد الرحمن بن يحيى قال حدثنا الحسن بن الخضر قال حدثنا أحمد بن شعيب قال حدثنا اسحاق بن ابراهيم قال حدثنا جرير عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة

(13/203)


قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "صنفان من أهل النار قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها ونساء كاسيات عاريات مائلات مميلات رؤوسهن كأسلمة البخت المائلة لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا" .
وأما معنى قوله "كاسيات عاريات" فإنه أراد اللواتي يلبسن من الثياب الشيء الخفيف الذي يصف ولا يستر فهن كاسيات بالاسم عاريات في الحقيقة مائلات عن الحق مميلات لأزواجهن عنه وأما قوله "لا يدخلن الجنة" فهذا عندي محمول على المشيئة وإن هذا جزاؤهن فإن عفا الله عنهن فهو أهل العفو والمغفرة لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء.
حدثنا سعيد بن نصر قال قاسم بن أصبغ قال حدثنا ابن وضاح قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا عبد الله بن نمير عن يحيى بن سعيد عن محمد بن شهاب عن امرأة من قريش أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج ذات ليلة فنظر ألى أفق السماء فقال "ماذا فتح من الخزائن وماذا وقع من الفتن رب كاسية في الدنيا عارية يوم القيامة أيقظوا صواحب الحجر".

(13/204)


قوله "ماذا فتح من الخزائن" يعني الليلة يريد ما يفتح على أمته من كنوز كسرى وقيصر وغيرهما من الأمم وما تلقى أمته من الفتن بعده من قتل بعضهم بعضا إلى خروج الدجال والله أعلم .
حدثنا سعيد بن نصر و عبد الوارث بن سفيان قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا ابن وضاح قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا ابن المبارك عن معمر عن الزهري عن هند بنت الحارث عن أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم استيقظ ليلة فقال "سبحان الله ماذا أنزل الله هذه الليلة من الفتنة ماذا فتح من الخزائن من يوقظ صواحب الحجرات يا رب كاسية في الدنيا عارية يوم القيامة".

(13/205)


مخرمة بن سليمان
الحديث الأول
...
مالك عن مخرمة بن سليمان حديث واحد.
وهو مخرمة بن سليمان الوالبي قتل يوم قديد سنة ثلاثين ومائة وهو ابن سبعين سنة وكان ثقة وروى عنه جماعة من الأئمة مالك عن مخرمة بن سليمان عن كريب مولى ابن عباس أن عبد الله بن عباس "أخبره أنه بات ليلة عند ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم وهي خالته قال فاضطجعت في عرض الوسادة واضطجع رسول الله صلى الله عليه وسلم في طولها فنام رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا انتصف الليل أو قبله بقليل أو بعده بقليل استيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلس يمسح النوم عن وجهه بيده ثم قرأ العشر الآيات الخواتم من سورة آل عمران ثم قام إلى شن معلقة فتوضأ منها فأحسن وضوءه ثم قام يصلي قال ابن عباس فقمت فصنعت مثل ما صنع ثم ذهبت فقمت إلى جنبه فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده اليمنى على رأسي وأخذ بأذني اليمنى يفتلها فصلى ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين ثم أوتر ثم اضطجع حتى أتاه المؤذن فصلى ركعتين خفيفتين ثم خرج فصلى الصبح".

(13/206)


قال أبو عمر: لم يختلف عن مالك في إسناد هذا الحديث ومتنه وقد روى هذا الحديث عن مخرمة غير واحد ورواه عن كريب جماعة ورواه عن ابن عباس أيضا جماعة وفي ألفاظ الأحاديث عنهم من طرقهم اختلاف كثير وفي هذا الحديث من الفقه جواز مبيت الغلام عند ذي رحمه المحرم منه وهذا ما لا خلاف فيه وفيه مراعاة التحري في الألفاظ والمعاني والوسادة هنا الفراش وشبهه وكأن ابن عباس كان والله أعلم مضطجعا عند رجلي رسول الله صلى الله عليه وسلم أو رأسه وفيه قراءة القرآن على غير وضوء لأنه نام النوم الكثير الذي لا يختلف في مثله ثم استيقظ فقرأ قبل أن يتوضأ ثم توضأ بعد وصلى ومن هذا المعنى والله أعلم أخذ عمر قوله الذي قال له أتقرأ وأنت على غير وضوء فقال له عمر أفتاك بهذا مسيلمة وكان الرجل فيما زعموا من بني حنيفة قد صحب مسيلمة الحنفي الكذاب ثم هداه الله للإسلام بعد وأظنه كان يتهم بأنه قاتل زيد بن الخطاب باليمامة شهيدا وقد ذكرنا خبره في كتاب الصحابة حدثنا.
عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا موسى بن

(13/207)


إسماعيل قال أنبأنا أبو هلال قال حدثنا عبد الله بن بريدة قال أحدث عمر بن الخطاب بولا أو غائطا فذكر الله أو تلا آيات من كتاب الله فقال له أبو مريم الحنفي يا أمير المؤمنين تقرأ القرآن وقد أحدثت فقال له عمر إنه ليس بدين ابن عمك مسيلمة أو قال من علمك هذا مسيلمة وذكر مالك عن أيوب السختياني عن ابن سيرين أن عمر بن الخطاب كان في قوم وهو يقرأ فقام لحاجته ثم رجع وهو يقرأ فقال له رجل لم تتوضأ يا أمير المؤمنين وأنت تقرأ فقال عمر من أنبأك بهذا أمسيلمة وفيه ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم من التواضع والنوم كيف أمكنه.
وأما قوله قام إلى شن معلق فالشن القربة الخلق والأداوة الخلق يقال لكل واحد شنة وشن وجمعها شنان ومنه الحديث فدسوا له الماء في الشنان يعني الأداوى

(13/208)


والقراب وفيه قيامه بالليل بالقرآن في الصلاة صلى الله عليه وسلم وقيام الليل سنة مسنونة لا ينبغي تركها فطوبى لمن يسر لها وأعين عليها فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد عمل بها وندب إليها روى عوف بن أبي جميلة الأعرابي عن زرارة بن أوفى عن عبد الله بن سلام قال لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة انجفل إليه الناس فكنت فيمن خرج ينظر إليه فلما تبينت وجهه علمت أنه ليس بوجه كذاب فكان أول ما سمعته يقول "أيها الناس افشوا السلام وأطعموا الطعام وصلوا الأرحام وصلوا والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام" وقد روي عن بعض التابعين ان قيام الليل فرض ولو كقدر حلب شاة وهو قول متروك والعلماء على خلافه والذي عليه العلماء من الصحابة والتابعين وفقهاء المسلمين أن ذلك فضيلة لا فريضة ولو كان قيام الليل فرضا لكان مقدارا مؤقتا معلوما كسائر الفرائض وقد روى قتادة عن زرارة بن أوفى عن سعيد بن هشام عن عائشة أنه قال لها حدثيني عن قيام الليل فقالت ألست تقرأ يا أيها المزمل قال فقلت بلى قالت فإن أول هذه السورة

(13/209)


نزلت فقام أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى انتفخت أقدامهم وحبس خاتمتها في السماء اثني عشر شهرا ثم أنزل آخرها فصار قيام الليل تطوعا بعد فريضة.
وأخبرنا محمد بن إبراهيم قال حدثنا محمد بن معاوية قال حدثنا أحمد بن شعيب قال حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا أبو عوانة عن أبي بشر عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف عن ابي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أفضل الصيام بعد شهر رمضان شهر الله المحرم وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل" ورواه شعبة عن أبي بشر عن حميد عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا.
وفيه رد على من لم يجز للمصلي أن يؤم أحدا إلا أن ينوي الإمامة مع الإحرام لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينو إمامة ابن عباس وقد قام إلى جنبه فأتم به وسلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه سنة الإمامة إذ نقله عن شماله إلى يمينه وفي هذه المسألة أقوال أحدها هذا وقد ذكرنا فساده وقال آخرون أما المؤذن والإمام إذا أذن فدعا الناس إلى الصلاة ثم انتظر فلم يأته أحد فتقدم وحده وصلى فدخل رجل فجائز له أن يدخل معه في صلاته ويكون إمامه لأنه قد دعا الناس إلى الصلاة ونوى الإمامة وقال آخرون جائز لكل من افتتح الصلاة وحده أن يكون إماما لمن ائتم به

(13/210)


في تلك الصلاة لأنه فعل خير لم يمنع الله منه ولا رسوله ولا اتفق الجميع على المنع منه وأما قوله في هذا الحديث فصلى ركعتين ثم ركعتين الحديث فإن ذلك محمول عندنا على أنه كان يجلس في كل اثنتين ويسلم منهما بدليل قوله صلى الله عليه وسلم "صلاة الليل مثنى" ومحال أن يأمر بما لا يفعل صلى الله عليه وسلم وقد روي في هذا الخبر أنه كان يسلم من كل اثنتين من صلاته تلك وروي عنه غير ذلك.
وقوله صلى الله عليه وسلم "صلاة الليل مثنى مثنى" يقضي على كل ما اختلف فيه من ذلك.
وأما قوله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث ثم أوتر ثم اضطجع حتى أتاه المؤذن فصلى ركعتين خفيفتين فإن الآثار اختلفت في اضطجاعه المذكور في هذا الحديث فروى أن ذلك كان بعد وتره قبل ركعتي الفجر وروي أن ذلك كان بعد ركوعه ركعتي الفجر ورواية مالك لذلك في هذا الحديث كروايته لذلك أيضا في حديثه عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة وقد مضى القول في ذلك وفي الاضطجاع ومن عده سنة ومن أبى من ذلك وما روي فيه من الآثار في باب ابن شهاب عن عروة من كتابنا هذا فلا معنى لإعادة ذلك هاهنا

(13/211)


وأما قوله في هذا الحديث أعني قول ابن عباس "ثم قمت إلى جنبه يعني رسول الله فوضع يده اليمنى على رأسي وأخذ بأذني اليمنى يفتلها" فمعناه أنه قام عن يساره فأخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعله عن يمينه وهذا المعنى لم يقمه مالك في حديثه هذا وقد ذكره أكثر الرواة لهذا الحديث عن كريب من حديث مخرمة وغيره وذكره جماعة عن ابن عباس أيضا في هذا الحديث وهي سنة مسنونة مجتمع عليها لأن الإمام إذا قام معه واحد لم يقم إلا عن يمينه.
أخبرنا عبد الله بن محمد بن يحيى قال حدثنا محمد بن عمر بن يحيى قال حدثنا علي بن حرب الطائي قال حدثنا سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن كريب عن ابن عباس "قال بت عند خالتي ميمونة فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم من الليل فتوضأ من شن معلق فذكر وضوءا خفيفا يخففه ثم قام يصلي فقمت وتوضأت وجئت فقمت عن يساره فحولني فجعلني عن يمينه فصلى ما شاء الله ثم اضطجع حتى جاءه المنادي فقام إلى الصلاة" وقد روى هذا الحديث الليث بن سعد عن خالد بن يزيد عن سعيد بن هلال عن مخرمة بن سليمان فذكر ذلك .

(13/212)


أخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن قال حدثنا محمد بن بكر بن عبد الرزاق قال حدثنا سليمان بن الأشعث قال حدثنا عبد الملك بن شعيب بن الليث قال حدثني أبي عن جدي عن خالد بن يزيد عن سعيد بن أبي هلال عن مخرمة بن سليمان.
وحدثنا محمد بن إبراهيم قال حدثنا محمد بن معاوية قال حدثنا أحمد بن شعيب قال حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم عن شعيب حدثنا الليث قال حدثنا خالد بن أبي هلال عن مخرمة بن سليمان أن كريبا مولى ابن عباس أخبره قال "سألت ابن عباس قلت كيف كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالليل قال بت عنده ليلة وهو عند ميمونة فاضطجع رسول الله صلى الله عليه وسلم وميمونة على وسادة من أدم محشوة ليفا فنام حتى إذا ذهب ثلث الليل أو نصفه استيقظ فقام إلى شن فيه ماء فتوضأ وتوضأت معه ثم قام فقمت إلى جنبه على يساره فجعلني على يمينه ووضع يده على رأسي فجعل يمسح أذني كأنه يوقظني فصلى ركعتين خفيفتين قلت قرأ فيهما بأم القرآن في كل ركعة ثم سلم ثم صلى إحدى عشرة ركعة بالوتر ثم نام حتى استثقل فرأيته ينفخ" ولم يذكر أبو داود حتى استثقل فرأيته ينفخ ثم اتفقا فأتاه بلال فقال الصلاة يا رسول الله فقام فصلى

(13/213)


ركعتين ثم صلى للناس زاد ابن عبد الحكم ولم يتوضأ وليس ذلك في حديث عبد الملك بن شعيب وفي حديث ابن عبد الحكم أيضا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في بعض حجره فيسمع قراءته من كان خلفه وليس ذلك في حديث عبد الملك بن شعيب فيما ذكره أبو داود.
قال أبو عمر: أكثر ما روي عنه من ركوعه في صلاته بالليل صلى الله عليه وسلم ما روي في هذا الخبر عن ابن عباس من حديث كريب هذا وما كان مثله وليس في عدد الركعات من صلاة الليل حد محدود عند أحد من أهل العلم لا يتعدى وإنما الصلاة خير موضوع وفعل بر وقربة فمن شاء استكثر ومن شاء استقل والله يوفق ويعين من يشاء برحمته لا شريك له.
حدثنا خلف بن القاسم قال حدثنا عبد الله بن محمد بن الخصيب قال حدثنا إبراهيم بن هاشم قال حدثنا أحمد بن حنبل قال حدثنا إسماعيل بن إبراهيم قال حدثنا أيوب عن عبد الله بن سعيد بن جبير عن أبيه عن ابن عباس أنه قال بت عند خالتي ميمونة فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل وقمت أصلي معه فقمت عن شماله فقال هكذا وأخذ برأسي فأقامني عن يمينه

(13/214)


وحدثنا خلف بن القاسم قال حدثنا أحمد بن أسامة قال حدثنا أحمد بن محمد بن رشدين قال حدثنا أحمد بن صالح قال حدثنا عبد الرزاق قال حدثنا سفيان الثوري عن سلمة بن كهيل عن كريب عن ابن عباس "قال بت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فنام ثم قام فقضى حاجته ثم أخذ كفا من ماء فمسح به وجهه وكفيه ثم قام" .
قال أحمد بن صالح روى هذا الحديث عن كريب نحو من ثمانية لم يقولوا ما قاله سلمة بن كهيل.
قال أبو عمر: أفسده سلمة بن كهيل وقلب معناه وقد روى هذا الحديث عن كريب حبيب بن أبي ثابت فذكر أن اضطجاعه كان قبل ركعتي الفجر كما حكى مالك.
أخبرنا محمد بن إبراهيم بن سعيد قال حدثنا محمد بن معاوية بن عبد الرحمن قال حدثنا أحمد بن شعيب قال حدثنا محمد بن إسماعيل بن سمرة أحمسي كوفي

(13/215)


قال حدثنا ابن فضيل عن الأعمش عن حبيب عن كريب عن ابن عباس قال "بعثني أبي إلى النبي صلى الله عليه وسلم في إبل أعطاه إياها من إبل الصدقة فلما أتاه وكانت ليلة ميمونة وكانت ميمونة خالة ابن عباس فأتى المسجد فصلى العشاء ثم جاء فطرح ثوبه ودخل مع امرأته في ثيابها فأخذت ثوبه فجعلت أطويه تحتي ثم اضطجعت عليه ثم قلت لا أنام الليلة حتى أنظر إلى ما يصنع رسول الله صلى الله عليه وسلم فنام حتى نفخ حتى ذهب من الليل ما شاء الله أن يذهب ثم قام فخرج فبال ثم أتى سقاء موكى فحل وكاءه ثم صب على يده من الماء ثم وطئ على فم السقاء فجعل يغسل يديه ثم توضأ حتى فرغ وأردت أن أقوم فأصب عليه فخشيت أن يدع الليلة من أجلي ثم قام يصلي فقمت ففعلت مثل الذي فعل ثم أتيته فقمت عن يساره فتناولني بيده فأقامني عن يمينه وصلى ثلاث عشرة ركعة ثم اضطجع حتى جاء بلال فأذن بالصلاة فقام فصلى ركعتين قبل الفجر".
وذكر أبو داود هذا الحديث عن عثمان بن أبي شيبة عن محمد بن فضيل عن حصين عن حبيب بن أبي ثابت وعن محمد بن عيسى عن هشام عن حصين عن حبيب بن

(13/216)


أبي ثابت عن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس عن أبيه عن ابن عباس فساق الحديث في صلاة النبي صلى الله عليه وسلم بالليل بخلاف ما تقدم من رتبة الألفاظ ومعانيها وفي آخره دعاء كثير ولم يذكر أبو داود حديث ابن فضيل عن الأعمش عن حبيب ابن أبي ثابت عن كريب عن ابن عباس وفي هذا الحديث عن ابن عباس اختلاف في ألفاظه كثير يوجب أحكاما كثيرة لو نحن تقصيناها لخرجنا عما قصدنا له في كتابنا هذا وإنما شرطنا أن نتكلم على ألفاظ حديث مالك ونقصد إلى ما يوجب فيها الحكم والغرض وما من أجله جاء الحديث في الأغلب وإلى معان منه بينة ليس فيها تكلف وادعاء ما لا يثبت وبالله التوفيق.
وقد روى الداروردي هذا الحديث عن عبد الحميد عن يحيى بن عباد عن سعيد بن جبير عن أبي عباس بألفاظ خلاف مذهب أهل المدينة وذكر فيه أنه أوتر بخمس لم يجلس بينهن ورواه الحكم بن عتيبة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ولم يذكر ذلك وروايته أولى.
حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا محمد بن

(13/217)


المثنى قال: حدثنا ابن أبي عدي عن شعبة عن الحكم بن عيينة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال "بت في بيت خالتي ميمونة بنت الحارث فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم العشاء ثم جاء فصلى أربعا ثم نام ثم قام فصلى فقمت عن يساره فأدارني فأقامني عن يمينه فصلى خمسا ثم نام حتى سمعت غطيطه أو خطيطه ثم قام فصلى ركعتين ثم خرج فصلى الغداة" .

(13/218)


المسور بن رفاعة بن أبي مالك القرظي
الحديث الأول
...
مالك عن المسور بن رفاعة بن أبي مالك القرظي حديث واحد
توفي المسور بن رفاعة هذا سنة ثمان وثلاثين ومائة.
مالك عن المسور بن رفاعة القرظي عن الزبير بن عبد الرحمن بن الزبير "أن رفاعة بن سموال طلق امرأته تميمة بنت وهب في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثا فنكحت عبد الرحمن بن الزبير فاعترض عنها فلم يستطع أن يمسها ففارقها فأراد رفاعة أن ينكحها وهو زوجها الأول الذي كان طلقها فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فنهاه عن تزوجها وقال "لا تحل لك حتى تذوق العسيلة".

(13/219)


قال أبو عمر: هكذا روى يحيى هذا الحديث عن مالك عن المسور عن الزبير وهو مرسل في روايته وتابعه على ذلك أكثر الرواة للموطأ إلا ابن وهب فإنه قال فيه عن مالك عن المسور عن الزبير بن عبد الرحمن عن أبيه فزاد في الإسناد عن أبيه فوصل الحديث وابن وهب من أجل من روى عن مالك هذا الشأن وأثبتهم فيه وعبد الرحمن بن الزبير هو الذي كان تزوج تميمة هذه واعترض عنها فالحديث مسند متصل صحيح وقد روي معناه عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه شتى ثابتة أيضا كلها.
وقد تابع ابن وهب على توصيل هذا الحديث وإسناده إبراهيم بن طهمان وعبيد الله بن عبد المجيد الحنفي قالوا فيه عن الزبير بن عبد الرحمن بن الزبير عن أبيه ذكر حديث ابن طهمان النسائي في مسنده من حديث مالك وذكره ابن الجارود.
أخبرنا عبد الله قال حدثنا تميم بن محمد قال حدثنا عيسى بن مسكين وحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال

(13/220)


حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا ابن وضاح قالا جميعا حدثنا سحنون قال أخبرنا ابن وهب قال أخبرني مالك عن المسور بن رفاعة القرظي عن الزبير بن عبد الرحمن بن الزبير عن أبيه "أن رفاعة بن سموال طلق امرأته تميمة بنت وهب على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثا فنكحت عبد الرحمن بن الزبير فاعترض عنها فلم يستطع أن يمسها فطلقها ولم يمسها فأراد رفاعة أن ينكحها وهو زوجها الذي كان طلقها قال عبد الرحمن فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فنهاه عن تزويجها وقال "لا تحل لك حتى تذوق العسيلة".
وقد ذكر هذا الحديث أيضا سحنون عن ابن وهب وابن القاسم وعلي بن زياد كلهم عن مالك عن المسور بن رفاعة القرظي عن الزبير بن عبد الرحمن بن الزبير عن أبيه أن رفاعة بن سموال طلق امرأته وذكر الحديث وقال فيه عن هؤلاء الثلاثة عن مالك في هذا الإسناد عن أبيه والحديث صحيح مسند والزبير بن عبد الرحمن بن الزبير بفتح الزاي فيهما جميعا كذلك روى يحيى وابن وهب وابن القاسم والقعنبي وغيرهم وقد روي عن ابن بكير أن الأول

(13/221)


مضموم وروي عنه الفتح فيهما كسائر الرواة عن مالك في ذلك وهو الصحيح فيهما جميعا بفتح الزاي وهم زبيريون بالفتح في بني قريظة معروفون وهم بنو الزبير بن باطيا القرظي قتل يوم قريظة وله يومئذ قصة عجيبة محفوظة.
أخبرنا سعيد بن نصر وعبد الوارث بن سفيان قراءة مني عليهما أن قاسم بن أصبغ حدثهما قال أنبأنا إسماعيل بن إسحاق القاضي قال حدثنا إبراهيم بن حمزة قال حدثنا عبد العزيز بن محمد عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن رفاعة القرظي طلق امرأته فنكحها عبد الرحمن بن الزبير فاعترض عنها فجاءت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت

(13/222)


زوجها فقالت والذي أكرمك بالحق ما معه إلا مثل هذه الهدبة فقال فلا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك هكذا قال عبد الرحمن بن الزبير بالفتح.
وحدثنا سعيد بن نصر وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن إسماعيل الترمذي قال حدثنا الحميدي قال حدثنا سفيان قال حدثنا الزهري قال أخبرني عروة عن عائشة أنه سمعها تقول جاءت امرأة رفاعة القرظي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت إني كنت عند رفاعة فبت طلاقي فتزوجت عبد الرحمن بن الزبير وإنما معه مثل هدبة الثوب فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال "أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك" قال وأبو بكر عند النبي صلى الله عليه وسلم وخالد بن سعيد بالباب فنادى يا أبا بكر فقال ألا تسمع إلى ما تجهر به هذه عند رسول الله صلى الله عليه وسلم.
هذا أصح حديث يروى في هذا الباب وأثبته من جهة الإسناد .

(13/223)


قال أبو عمر: حديث عروة عن عائشة في هذا الباب من رواية هشام بن عروة وابن شهاب عن عروة وإن كان إسنادا ثابتا فإنه ناقص سقط منه ذكر طلاق ابن الزبير لتميمة بنت وهب وقد شبه به على قوم منهم ابن علية وداود لما فيه من قوله فاعترض عنها فجاءت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت زوجها وقالت إنما معه مثل هدبة الثوب فظنوا أنها أتت شاكية بزوجها فلم يسأله عن ذلك ولا ضرب له أجلا وخلاها معه قالوا فلا يضرب للعنين أجل ولا يفرق بينه وبين امرأته وهو كمرض من الأمراض فخالفوا جمهور سلف المسلمين من الصحابة والتابعين في تأجيل العنين لما توهموه في حديث هذا الباب وليس فيه موضع شبهة لأن مالكا وغيره قد ذكروا طلاق عبد الرحمن بن الزبير للمرأة فكيف يضرب أجل لمن قد فارق امرأته وطلقها قبل أن يمسها.
حدثني قاسم بن محمد قال حدثنا خالد بن سعد قال حدثنا محمد بن فطيس قال حدثنا إبراهيم بن مرزوق قال حدثنا بشر بن ثابت قال حدثنا شعبة قال حدثنا يحيى

(13/224)


ابن أبي إسحاق أخبرني أبي قال سمعت سليمان بن يسار يحدث عن عائشة أن رجلا طلق امرأته ثلاثا فتزوجها رجل فطلقها قبل أن يدخل بها فأراد الأول أن يتزوجها فقال النبي صلى الله عليه وسلم "لا حتى تذوقي عسيلته" فقد بان بهذا الحديث أنه طلقها قبل أن يدخل بها وهو حديث لا مطعن لأحد في ناقليه وكذلك حديث مالك في ذلك فيه فاعترض عنها فلم يستطع أن يمسها ففارقها وإذا صحت مفارقته لها وطلاقه إياها بطلت النكتة التي بها نزع من أبطل تأجيل العنين من هذا الحديث وقد قضى بتأجيل العنين عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعبد الله بن مسعود والمغيرة بن شعبة ولا مخالف لهم من الصحابة إلا شيء يروى عن علي بن أبي طالب مختلف فيه ذكره ابن عيينة عن أبي إسحاق عن هانئ بن هانئ قال أتت امرأة إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقالت هل لك في امرأة لا أيم ولا ذات زوج فقال أين زوجها فذكر الحديث وفيه فقال لها علي ابن أبي طالب اصبري فلو شاء الله أن يبتليك بأشد من ذلك لابتلاك ورواه محمد بن جابر عن أبي إسحاق عن عمارة بن عبد عن علي وليس هذا الإسناد مع اضطرابه مما يحتج به

(13/225)


وذكر عبد الرزاق عن الحسن بن عمارة عن يحيى بن الجزار عن علي قال يؤجل العنين سنة فإن أصابها وإلا فهي أحق بنفسها وروى يزيد بن هارون عن محمد بن إسحاق عن خالد بن كثير الهمداني عن الضحاك بن مزاحم أن عليا أجل العنين سنة.
وهذان الإسنادان إن لم يكونا مثل إسناد هانئ وعمارة لم يكونا أضعف والأسانيد عن سائر الصحابة ثابتة من قبل الأئمة وعليها العمل وفتوى فقهاء الأمصار مثل مالك والشافعي وأبي حنيفة وأصحابهم والثوري والأوزاعي وجماعة فقهاء الحجاز والعراق إلا طائفة من المتأخرين.
ذكر عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب قال قضى عمر بن الخطاب في الذي لا يستطيع النساء أن يؤجل سنة قال معمر يؤجل سنة من يوم ترافعه كذلك بلغني.
قال أبو عمر: على هذا جماعة القائلين بتأجيل العنين من يوم ترافعه بخلاف أجل المولى وذلك والله أعلم لأن المولى مضار قادر على الفيء ورفع الضرر والعنين غير عالم بشكوى زوجته إياه حتى تشكوه فجعل له أجل سنة لما في السنة من اختلاف الزمن بالحر والبرد ليعالج نفسه فيها والله أعلم .

(13/226)


وأصل المسألة اتباع السلف وليس في حديثنا في هذا الباب ما يوجب للعنين حكما فلذلك تركنا اختلاف أحكامه وفيه من الفقه إباحة إيقاع الطلاق البات طلاق الثلاث ولزومه لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ينكر على رفاعة أيقاعه له كما أنكر على ابن عمر طلاقه في الحيض.
وظاهر هذا الحديث من رواية مالك ومن تابعه في قوله إن رفاعة طلق امرأته ثلاثا إنها كانت مجتمعات فعلى هذا الظاهر جرى قولنا وقد يحتمل أن يكون طلاقه ذلك أخر ثلاث تطليقات ولكن الظاهر لا يخرج عنه إلا ببيان.
وقد نزع بهذا الحديث من أباح وقوع الثلاث مجتمعات وجعل وقوعها في الطهر سنة لازمة وهذا موضع اختلاف بين الفقهاء وقد أوضحناه في باب عبد الله بن يزيد وفي باب نافع أيضا والحمد لله.
وفي قوله صلى الله عليه وسلم لامرأة رفاعة "أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة" دليل على أن إرادة المرأة الرجوع إلى زوجها لا يضر العاقد عليها وأنها ليست بذلك في معنى التحليل المستحق صاحبه اللعنة .

(13/227)


وقد اختلف الفقهاء في هذا المعنى على ما نذكره بعد إن شاء الله.
وفي هذا الحديث دليل على أن المطلقة ثلاثا لا يحلها لزوجها المطلق لها إلا طلاق زوج قد وطئها وإنه إن لم يطأها وطلقها فلا تحل لزوجها أي الأول.
وفي هذا الحديث تفسير لقول الله عز وجل {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَه}ُ وهو يخرج في التفسير المسند وذلك أن لفظ النكاح في جميع القرآن إنما أريد به العقد لا الوطء إلا في قوله عز وجل {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ} غيره فإنه أريد بلفظ النكاح هاهنا العقد والوطء جميعا بدليل السنة الواردة في هذا الحديث وذلك قوله صلى الله عليه وسلم "لا تحل له حتى تذوق العسيلة" والعسيلة هاهنا الوط لا يختلفون في ذلك.
وفي هذا حجة واضحة لما ذهب إليه مالك في الايمان أنه لا يقع التحليل منها والبر إلا بأكمل الأشياء وأن التحريم يقع بأقل شيء ألا ترى أن الله عز وجل لما حرم على الرجل نكاح حليلة ابنه وامرأة أبيه وكان الرجل إذا عقد

(13/228)


على امرأة نكاحا ولم يدخل بها ثم طلقها أنها حرام على ابنه وعلى أبيه وكذلك لو كانت له أمة فلمسها بشهوة أو قبلها حرمت على ابنه وعلى أبيه فهذا يبين لك أن التحريم يقع ويدخل على المرء بأقل شيء وكذلك لو طلق بعض امرأة طلقت كلها وكذلك لو ظاهر من بعضها لزمه الظهار الكامل ولو عقد على امرأة بعض نكاح أو على بعض امرأة نكاحا لم يصح وكذلك المبتوتة لا يحلها عقد النكاح عليها حتى يدخل بها زوجها ويطأها وطأ صحيحا.
ولهذا قال مالك في نكاح المحلل إنه يحتاج أن يكون نكاح رغبة لا يقصد به التحليل ويكون وطؤه لها وطأ مباحا لا تكون صائمة ولا محرمة ولا في حيضتها ويكون الزوج بالغا مسلما وقد يعترض على هذا الأصل في البر والحنث بأن التحريم لا يصح في الربيبة بالعقد حتى ينضم إلى ذلك الدخول بالأم وهذا أجماع وإنما الخلاف في الأم ولهذا نظائر.
وقال الشافعي إذا أصابها بنكاح صحيح وغيب الحشفة في فرجها فقد ذاق العسيلة وسواء في ذلك قوي النكاح وضعيفه وسواء أدخله بيده أو بيدها وكان ذلك من صبي أو مراهق أو مجبوب بقي له ما يغيبه كما يغيب غير الخصي .

(13/229)


قال وإن أصاب الذمية وقد طلقها مسلم أو زوج ذمي بنكاح صحيح أحلها.
قال ولو أصابها الزوج محرمة أو صائمة أحلها وهذا كله ما وصف الشافعي قول أبي حنيفة وأصحابه والثوري والأوزاعي والحسن بن حي وقول بعض أصحاب مالك وانفرد الحسن البصري بقوله لا يحل المطلقة ثلاثا إلا وطئ يكون فيه إنزال وذلك معنى ذوق العسيلة عنده ولا يحلها عنده التقاء الختانين ولم يتابعه على ذلك غيره وانفرد سعيد بن المسيب رحمه الله من بين سائر أهل العلم بقوله إن من تزوج المطلقة ثلاثا ثم طلقها قبل أن يمسها فقد حلت بذلك النكاح وهو العقد لا غير لزوجها الأول على ظاهر قول الله عز وجل {حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ} قال فقد نكحت زوجا يلحقه ولدها ويجب الميراث بينهما.
قال أبو عمر: أظنه والله أعلم لم يبلغه حديث العسيلة هذا ولم يصح عنده وأما سائر العلماء متقدمهم ومتأخرهم فيما علمت فعلى القول بهذا الحديث على ما وصفنا.
أخبرنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود حدثنا مسدد حدثنا أبو معاوية عن

(13/230)


الأعمش عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة قالت "سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رجل طلق امرأته ثلاثا فتزوجت زوجا غيره فدخل بها ثم طلقها قبل أن يواقعها أتحل لزوجها الأول قال "لا حتى تذوق عسيلته ويذوق عسيلتها".
وقد روى هذا الحديث أبو هريرة عن عائشة.
حدثنا سعيد بن نصر وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي حدثنا مسلم بن إبراهيم حدثنا عبد العزيز بن المختار قال حدثنا عبد الله

(13/231)


الداناج عن أبي رافع عن أبي هريرة قال حدثتني أم المؤمنين ولا أراها إلا عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "لا تحل للأول حتى يذوق الآخر عسيلتها".
واختلف العلماء أيضا في نكاح المحلل وهو من هذا الباب فقال مالك المحلل لا يقيم على نكاحه حتى يستكمل نكاحا جديدا فإن أصابها فلها مهر مثلها ولا تحلها إصابته لزوجها الأول وسواء علما أو لم يعلما إذا تزوجها ليحلها ولا يقر على نكاحه ويفسخ وقول الثوري والأوزاعي والليث مثل قول مالك.
وروي عن الليث في نكاح الخيار والمحلل أن النكاح جائز والشرط باطل وهو قول ابن أبي ليلى في ذلك وفي نكاح المتعة.
وروي عن الأوزاعي أنه قال في نكاح المحلل بيسما صنع والنكاح جائز.
وقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد النكاح جائز إذا دخل بها وله أن يمسكها إن شاء.
وقال أبو حنيفة وأصحابه مرة لا تحل للأول إذا تزوجها الآخر ليحلها ومرة قالوا تحل له بهذا النكاح إذا جامعها

(13/232)


وطلقها ولم يختلفوا أن نكاح هذا الزوج صحيح وله أن يقيم عليه.
وقال الشافعي إذا قال أتزوجك لأحلك ثم لا نكاح بيننا بعد ذلك فهذا ضرب من نكاح المتعة وهو فاسد لا يقر عليه ويفسخ ولا يطأ إن دخل بها ولو وطئ على هذا لم يكن وطؤه تحليلا فإن تزوجها تزويجا مطلقا لم يشترط هو ولا اشترط عليه التحليل فللشافعي في كتابه القديم قولان في ذلك أحدهما مثل قول مالك والآخر مثل قول أبي حنيفة ولم يختلف قوله في كتابه الجديد المصرى أن النكاح صحيح إذا لم يشترط وهو قول داود.
وروى الحسن بن زياد عن زفر إذا شرط تحليلها للأول فالنكاح جائز والشرط باطل ويكونا محصنين بهذا التزويج مع الجماع وتحل للأول قال وهو قول أبي حنيفة وقال أبو يوسف النكاح على هذا الشرط فاسد ولها مهر المثل بالدخول ولا يحصنها هذا ولا يحلها لزوجها الأول ولمحمد بن الحسن عن نفسه وعن أصحابه اضطراب كثير في هذا الباب وقال الحسن وإبراهيم إذا هم أحد الثلاثة فسد النكاح وقال سالم والقاسم

(13/233)


لا بأس أن يتزوجها ليحلها إذا لم يعلم الزوجان قالا وهو مأجور وقال ربيعة ويحيى بن سعيد إن تزوجها ليحلها فهو مأجور وقال داود بن علي لا أبعد أن يكون مريد نكاح المطلقة ليحلها لزوجها مأجورا إذا لم يظهر ذلك في اشتراطه في حين العقد لأنه قصد إرفاق أخيه المسلم وإدخال السرور عليه إذا كان نادما مشغوفا فيكون فاعل ذلك مأجورا إن شاء الله وقال أبو الزناد إن لم يعلم واحد منهما فلا بأس بالنكاح وترجع إلى زوجها الأول وقال عطاء لا بأس أن يقيم المحلل على نكاحه.
قال أبو عمر: روى علي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود وأبو هريرة وعقبة بن عامر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال "لعن الله المحلل والمحلل له" وقال عقبة في حديثه ألا أخبركم بالتيس المستعار هو المحلل ولفظ التحليل في هذه الأحاديث يحتمل أن يكون مع الشرط كما قال الشافعي وهو الأظهر فيه لأن إرادة المرأة إذا لم يقدح في العقد ولها فيه حظ فالنكاح كذلك والمطلق أحرى أن لا يراعي فلم يبق إلا أن يكون معنى الحديث إظهار الشرط فيكون كنكاح المتعة ويبطل هذا هو الصحيح والله أعلم ويحتمل

(13/234)


أن يكون إذا نوى أن يحلها لزوجها كان محللا لقوله الأعمال بالنية.
وقد روي عن عمر بن الخطاب في هذا تغليظ شديد قوله لا أوتى بمحلل ولا محلل له إلا رجمتهما وقال ابن عمر التحليل سفاح وقال الحسن وإبراهيم إذا هم أحد الثلاثة فسد النكاح وقال سالم والقاسم لا بأس أن يتزوجها ليحلها إذا لم يعلم الزوج وإلا فهو مأجور وهذا يحتمل أن يكون المحلل الملعون عندهما من شرط ذلك عليه والله أعلم وإلا فظاهر الحديث يرد قولهما وقال عطاء لا بأس أن يقيم المحلل على نكاحه ولا يحتمل قول ابن عمر إلا التغليظ لأنه قد صح عنه أنه وضع الحد عن الواطئ فرجا حراما جهل تحريمه وعذره بالجهالة فالمتأول أولى بذلك ولا خلاف أنه لا رجم عليه حدثني محمد بن عبد الله بن حكم قال حدثنا محمد بن معاوية بن عبد الرحمن قال حدثنا إسحاق بن أبي حسان الأنماطي قال حدثا هشام بن عمار قال حدثنا عبد الحميد بن حبيب كاتب الأوزاعي قال حدثنا الأوزاعي عن الزهري عن عبد الملك بن المغيرة أن رجلا سأل ابن عمر فقال كيف ترى في التحليل فقال عبد الله بن عمر لا أعلم ذلك إلا السفاح.

(13/235)