Contents

الواجهة
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد
مقدمة
باب الألف
باب الثاء
باب الجيم
باب الحاء
باب الخاء
باب الدال
باب الراء
باب الزاي
تابع باب الزاء
تابع لحرف الزاء
تابع لحرف الزاء
باب الطاء
باب الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع حرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
باب النون
باب الصاد
باب الضاد
باب العين
تابع لحرف العين
تابع حرف العين
تابع لحرف العين
تابع لحرف العين
باب القاف
باب السين
باب الشين
باب الهاء
باب الواو
باب الياء
تابع باب الياء
باب الكني
باب بلاغات مالك ومرسلاته
باب مافي هذا الديوان من حديث مالك الذي ثبتت عليه أبوابه خاصة
الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج
الديباج - جزء 1
الديباج - جزء 2
الديباج - جزء 3
الديباج - جزء 4
الديباج - جزء 5
الديباج - جزء 6
المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج
المنهاج - مقدمة
المنهاج - الإيمان
المنهاج - الطهارة
المنهاج - الحيض
المنهاج - الصَّلَاة
المنهاج - المساجد ومواضع الصلاة
المنهاج - صلاة المسافرين وقصرها
المنهاج - بَاب صَلَاة الْجُمُعَة
المنهاج - بَاب صَلَاة الْعِيدَيْنِ
المنهاج - بَاب الدُّعَاء فِي صَلَاة الِاسْتِسْقَاء
المنهاج - بَاب صَلَاة الْكُسُوف
المنهاج - كِتَاب الْجَنَائِز
المنهاج - الزكاة
المنهاج - كِتَاب الصِّيَام
المنهاج - كِتَاب الِاعْتِكَاف
المنهاج - كِتَاب الْحَجّ
المنهاج - كِتَاب النِّكَاح
المنهاج - الرضاعة
المنهاج - الطلاق
المنهاج - اللِّعَان
المنهاج - العتق
المنهاج - البيوع
المنهاج - المساقاة
المنهاج - الفرائض
المنهاج - الهبات
المنهاج - الوصية
المنهاج - النذر
المنهاج - الأيمان
المنهاج - القسامة
المنهاج - الحدود
المنهاج - الأقضية
المنهاج - اللقطة
المنهاج - الجهاد والسير
المنهاج - الإمارة
المنهاج - الصيد والذبائح
المنهاج - كِتَاب الْأَضْاحَي
المنهاج - الأشربة
المنهاج - اللباس والزينة
المنهاج - الآداب
المنهاج - السلام
المنهاج - الألفاظ من الأدب وغيرها
المنهاج - الشعر
المنهاج - الرؤيا
المنهاج - الفضائل
المنهاج - فضائل الصحابة
المنهاج - البر والصلة والآداب
المنهاج - القدر
المنهاج - العلم
المنهاج - الذكر والدعاء
المنهاج - التوبة
المنهاج - صفات المنافقين
المنهاج - صفة القيامة والجنة والنار
المنهاج - الجنة وصفة نعيمها وأهلها
المنهاج - الفتن وأشراط الساعة
المنهاج - الزهد والرقائق
المنهاج - التفسير
تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي
أبواب الطهارة
أبواب الصلاة
تابع أبواب الصلاة
أبواب الوتر
أبواب الجمعة
تابع لأبواب الجمعة
أبواب العيدين
أبواب السفر
ابواب الزكاة
أبواب الصوم
أبواب الحج
تابع أبواب الحج
أبواب الجنائز
أبواب النكاح
أبواب الرضاع
أبواب الطلاق واللعان
ابواب البيوع
أبواب الأحكام
أبواب الديات
ابواب الحدود
تابع أبواب الحدود
أبواب الصيد
أبواب الأضاحي
أبواب النذور والأيمان
أبواب السير
أبواب الجهاد
أبواب اللباس
أبواب الأطعمة
أبواب الأشربة
تابع أبواب الأشربة
أبواب البر و الصله عن رسول الله صلى الله عليه و آله سلم
أبواب الطب عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الفرائض عن الرسول صلى الله عليه و سلم
أبواب الوصايا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الولاء و الهبة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب القدر عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم
أبواب الفتن عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الرؤيا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الشهادات عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
تابع لأبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صِفَةُ القِيامَة
أبواب صفة الجنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صفة جهنم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإيمان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب العلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإستئذان والآداب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب العلم
أبواب الأمثال
أبواب فضائل القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب القراءات عن رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم
أبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الدعوات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أحاديث شتى من أبواب الدعوات
المناقب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
مناقب الصحابة رضوان الله عليهم
تنوير الحوالك شرح موطأ مالك
كتاب وقوت الصلاة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب السهو
كتاب الجمعة
كتاب الصلاة في رمضان
كتاب صلاة الليل
كتاب صلاة الجماعة
كتاب قصر الصلاة في السفر
كتاب العيدين
كتاب صلاة الخوف
كتاب صلاة الكسوف
كتاب الاستسقاء
كتاب القبلة
كتاب القرآن
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب الجهاد
كتاب النذور و الأيمان
كتاب الضحايا
كتاب الذبائح
كتاب الصيد
كتاب العقيقة
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الرضاع
كتاب البيوع
كتاب القراض
كتاب المساقاة - كتاب كراء الأرض
كتاب الشفعة - كتاب الأقضية
كتاب الوصية - كتاب العتق والولاء
كتاب المكاتب - كتاب المدبر
كتاب الحدود
كتاب الأشربة - كتاب العقول
كتاب القسامة - كتاب الجامع
كتاب القدر - كتاب حسن الخلق
كتاب اللباس - كتاب صفة النبي
كتاب العين - كتاب الشعر
كتاب الرؤيا - كتاب السلام
كتاب الاستئذان والتشميت والصور والتماثيل وغيرها
كتاب البيعة - كتاب الكلام والعينة والتقى
كتاب جهنم - كتاب الصدقة
كتاب العلم - كتاب دعوة المظلوم - كتاب أسماء النبي
حاشية السندي على سنن ابن ماجة
المقدمة
الطَّهَارَة وَسُنَنهَا
الصلاة
الْأَذَان
المساجد والجماعات
أَبْوَاب إِقَامَة الصَّلَاة
الجنائز
الصوم
الزكاة
النكاح
الطلاق
الكفارات
التجارات
الأحكام
الحدود
الديات
الوصايا
الْفَرَائِض
الجهاد
المناسك
الْأَضَاحِيّ
الذبائح
الصيد
الأطعمة
الأشربة
الطب
اللباس
الْآدَاب
الدُّعَاء
تعبير الرؤيا
الْفِتَن
الزُّهْد
شرح سنن ابن ماجه لمغلطاي
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح رياض الصالحين
شرح رياض الصالحين - 01
شرح رياض الصالحين - 02
شرح رياض الصالحين - 03
شرح رياض الصالحين - 04
شرح سنن أبي داود للعيني
مقدمة التحقيق
كتاب الطهارة
كِتابُ الصَلاَةِ
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
عون المعبود شرح سنن أبي داود
كتاب الطهارة
تابع كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
كتاب الزكاة
تابع لكتاب الزكاة
كتاب اللقطة
كتاب المناسك
تابع لكتاب المناسك
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الصيام
تابع لكتاب الصيام
أول كتاب الجهاد
أول كتاب الضحايا
تابع كتاب الضحايا
أول كتاب الصيد
أول كتاب الوصايا
أول كتاب الفرائض
أول كتاب الخراج والفيء والإمارة
أول كتاب الجنائز
تابع لكتاب الجنائز
كتاب الأيمان والنذور
كتاب البيوع
كتاب الإجارة
كتاب القضاء
تابع لكتاب القضاء
كتاب العلم
كتاب الأشربة
كتاب الأطعمة
كتاب الطب
كتاب الكهانة والتطير
كتاب العتق
أول كتاب الحروف والقراءات
أول كتاب الحمام
أول كتاب اللباس
أول كتاب الترجل
أول كتاب الخاتم
أول كتاب الفتن والملاحم
أول كتاب المهدي
أول كتاب الملاحم
أول كتاب الحدود
أول كتاب الديات
أول كتاب السنة
تابع لكتاب السنة
أول كتاب الأدب
أبواب السلام
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن حجر
فتح الباري - هدي الساري مقدمة فتح الباري
فتح الباري - كتاب بدء الوحي
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب العلم
فتح الباري - كتاب الوضوء
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
فتح الباري - كتاب مواقيت الصلاة
فتح الباري - كتاب الأذان
فتح الباري - كتاب الجمعة
فتح الباري - كتاب الخوف
فتح الباري - كتاب العيدين
فتح الباري - كتاب الوتر
فتح الباري - كتاب الاستسقاء
فتح الباري - كتاب الكسوف
فتح الباري - كتاب سجود القرآن
فتح الباري - كتاب تقصير الصلاة
فتح الباري - كتاب التهجد
فتح الباري - كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة
فتح الباري - كتاب العمل في الصلاة
فتح الباري - كتاب السهو
فتح الباري - كتاب الجنائز
فتح الباري - كتاب الزكاة
فتح الباري - كتاب الحج
فتح الباري - كتاب العمرة
فتح الباري - كتاب المحصر
فتح الباري - كتاب جزاء الصيد
فتح الباري - كتاب فضائل المدينة
فتح الباري - كتاب الصوم
فتح الباري - كتاب صلاة التراويح
فتح الباري - كتاب فضل ليلة القدر
فتح الباري - كتاب الإعتكاف
فتح الباري - كتاب البيوع
فتح الباري - كتاب السلم
فتح الباري - كتاب الشفعة
فتح الباري - كتاب الإجارة
فتح الباري - كتاب الحرث والمزارعة
فتح الباري - كتاب المساقاة
فتح الباري - كتاب الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس
فتح الباري - كتاب الخصومات
فتح الباري - كتاب اللقطة
فتح الباري - كتاب المظالم
فتح الباري - كتاب الشركة
فتح الباري - كتاب الرهن
فتح الباري - كتاب العتق
فتح الباري - كتاب المكاتب
فتح الباري - كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها
فتح الباري - كتاب الشهادات
فتح الباري - كتاب الصلح
فتح الباري - كتاب الشروط
فتح الباري - كتاب الوصايا
فتح الباري - كتاب الجهاد و السير
فتح الباري - كتاب فرض الخمس
فتح الباري - كتاب الجزية و الموادعة
فتح الباري - كتاب بدء الخلق
فتح الباري - كتاب أحاديث الأنبياء
فتح الباري - كتاب المناقب
فتح الباري - كتاب فضائل الصحابة
فتح الباري - كتاب مناقب الأنصار
فتح الباري - كتاب المغازي
فتح الباري - كتاب التفسير
فتح الباري - كتاب فضائل القرآن
فتح الباري - كتاب النكاح
فتح الباري - كتاب الطلاق
فتح الباري - كتاب النفقات
فتح الباري - كتاب الأطعمة
فتح الباري - كتاب العقيقة
فتح الباري - كتاب الذبائح والصيد
فتح الباري - كتاب الأضاحي
فتح الباري - كتاب الأشربة
فتح الباري - كتاب المرضى
فتح الباري - كتاب الطب
فتح الباري - كتاب اللباس
فتح الباري - كتاب الأدب
فتح الباري - كتاب الإستئذان
فتح الباري - كتاب الدعوات
فتح الباري - كتاب الرقاق
فتح الباري - كتاب القدر
فتح الباري - كتاب الأيمان والنذور
فتح الباري - كتاب كفارات الأيمان
فتح الباري - كتاب الفرائض
فتح الباري - كتاب الحدود
فتح الباري - كتاب الديات
فتح الباري - كتاب استتابة المرتدين
فتح الباري - كتاب الإكراه
فتح الباري - كتاب الحيل
فتح الباري - كتاب التعبير
فتح الباري - كتاب الفتن
فتح الباري - كتاب الأحكام
فتح الباري - كتاب التمني
فتح الباري - كتاب أخبار الأحاد
فتح الباري - كتاب الإعتصام بالسنة
فتح الباري - كتاب التوحيد
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن رجب
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
مقدمة
خطبة الكتاب
كتاب الإيمان
كتاب العلم
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصوم
كتاب فضائل القرآن
كتاب الدعوات
كتاب المناسك
كتاب البيوع
كتاب الفرائض والوصايا
كتاب النكاح
كتاب العتق
كتاب القصاص
كتاب الديات
كتاب الحدود
كتاب الإمارة والقضاء
كتاب الجهاد
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأطعمة
كتاب اللباس
كتاب الطب والرقى
كتاب الرؤيا
كتاب الآداب
كتاب الرقاق
كتاب الفتن
كتاب صفة القيامة والجنة والنار
كتاب الفضائل والشمائل
كتاب المناقب

 
عودة لموقع هاني الطنبور
هاني الطنبور
الصفحة السابقة الصفحة التالية
 
 

 

التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد

باب النون
نافع بن جرجس
الحديث الأول
...
باب النون
مالك عن نافع مولى عبد الله بن عمر
هو نافع بن جرجس قال أبو عمر: يكنى نافع أبا عبد الله قال ابن معين كان ديلميا وقال غيره كان من أهل أبر شهر وقيل كان أصله من المغرب أصابه عبد الله بن عمر في غزاته وكان ثقة حافظا ثبتا فيما نقل وكانت فيه لكنة وكان يلحن أيضا مع ذلك لحنا كثيرا.
ذكر معاذ بن معاذ عن ابن عون قال كانت في نافع لكنة وذكر الواقدي قال حدثني نافع بن أبي نعيم ،

(13/236)


وإسماعيل بن إبراهيم بن عقبة وأبو مروان عبد الملك بن عبد العزيز بن أبي فروة قالوا كان كتاب نافع الذي سمع من عبد الله بن عمر في صحيفة فكنا نقرؤها عليه فنقول يا أبا عبد الله إنا قد قرأنا عليك فنقول حدثنا نافع فيقول نعم قال وسمعت نافع بن أبي نعيم يقول من أخبرك أن أحدا من أهل الدنيا قرأ عليه نافع فلا تصدقه كان ألحن من ذلك.
قال أبو عمر: قد روينا عن سليمان بن موسى قال رأيت نافعا مولى ابن عمر يملي عليه ويكتب بين يديه وذكر حماد بن زيد عن عبيد الله بن عمر أن عمر بن عبد العزيز بعث نافعا إلى أهل مصر يعلمهم السنن وكان مالك يقول نشر نافع عن ابن عمر علما جما وقال ابن عيينة أي حديث أوثق من حديث نافع وقال يحيى بن معين أثبت أصحاب نافع فيه مالك بن أنس وهو عندي أثبت من عبيد الله بن عمر وأيوب وقال يحيى بن سعيد القطان أثبت أصحاب نافع أيوب وعبيد الله وابن جريج ومالك قال وابن جريج أثبت في نافع من مالك.
قال أبو عمر: هؤلاء الثلاثة عبيد الله بن عمر ومالك وأيوب أثبت الناس في نافع عند الناس وابن جريج رابعهم ،

(13/237)


إلا أن القطان يفضله وليس يلحق بهؤلاء الثلاثة في نافع عندهم إذا خالفوه.
حدثنا خلف بن القاسم قال حدثنا أبو الميمون حدثنا أبو زرعة قال سمعت سليمان بن حرب يقول قال يحيى وعبد الرحمن بن مهدي عبيد الله ومالك أثبت من أيوب في نافع ثم تعجب.
حدثنا خلف بن القاسم قال حدثنا أبو الميمون حدثنا أبو زرعة قال سمعت أحمد بن حنبل يسأل من أثبت في نافع عبيد الله أو مالك أو أيوب فقدم عبيد الله بن عمر وفضله بلقاء سالم والقاسم قلت له فمالك بعده قال إن مالكا أثبت قلت فإذا اختلف مالك وأيوب فتوقف وقال ما نجتري على أيوب ثم عاد في ذكر عبيد الله ففضله وقال شيخ من أهل البلد جليل فقلت له إنهم يحدثون عن شعبة قال قدمت المدينة بعد موت نافع بسنة ولمالك يومئذ حلقة أثبت ذلك قال نعم. وقال الواقدي مات نافع بالمدينة سنة سبع عشر ومائة في خلافة هشام بن عبد الملك وذكر الحسن بن علي الحلواني قال

(13/238)


حدثنا أحمد بن صالح المصري قال حدثنا محمد بن إدريس الشافعي قال أخبرني عمي محمد بن علي بن شافع.
قال شهدت القاسم وسالما وحضرت الصلاة فقال كل واحد منهما لصاحبه تقدم أنت أسن فتدافعا حتى قدما نافعا قال وحدثنا بشر بن عمر قال سمعت مالك بن أنس يقول كنت إذا سمعت نافعا يحدث حديثا عن ابن عمر لم أبال ألا أسمعه من غيره.
لمالك عنه في موطئه من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمانون حديثا .

(13/239)


حديث أول لنافع عن ابن عمر
مالك عن نافع وعبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صلاة الليل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "صلاة الليل مثنى مثنى فإذا خشي أحدكم الصبح على ركعة واحدة توتر له ما قد صلى".
لم يختلف الرواة عن مالك في هذا الحديث وكل من رواه عنه فيما علمت من رواة الموطأ وغيرهم هكذا قالوا فيه عنه صلاة الليل مثنى مثنى إلا الحنيني وحده فإنه روى هذا الحديث عن مالك والعمري جميعا عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم "صلاة الليل والنهار مثنى مثنى" فزاد فيه ذكر النهار وذلك خطأ عن مالك لم يتابعه أحد عنه على ذلك.
والحنيني ضعيف كثير الوهم والخطأ والعمري هذا هو عبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب

(13/240)


أخو عبيد الله بن عمر ضعيف أيضا ليس بحجة عندهم لتخليطه في حفظه فأما أخوه عبيد الله بن عمر فثقة أحد الجلة من أصحاب نافع ورواية عبيد الله بن عمر لهذا الحديث عن نافع كرواية مالك صلاة الليل مثنى مثنى ولم يذكر النهار وكذلك رواية ايوب السختياني له أيضا عن نافع لم يذكر النهار هؤلاء هم الحجة في نافع فأما رواية عبيد الله فحدثنا قاسم بن محمد قال حدثنا خلف بن سعيد قال حدثنا أحمد بن عمر بن منصور قال حدثنا محمد بن سنجر قال حدثنا محمد بن عبيد الطنافسي عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر قال سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر عن صلاة الليل فقال النبي صلى الله عليه وسلم "مثنى مثنى فإذا خشي أحدكم الصبح صلى واحدة فأوترت له ما قد صلى".
وأما رواية أيوب فحدثنا عبد الوارث بن سفيان حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا أحمد بن يزيد المعلم حدثنا يزيد بن محمد عن إسماعيل ويزيد بن زريع جميعا عن أيوب عن نافع عن ابن عمر أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر مثله سواء لم يذكر النهار ولا يصح عن نافع في هذا

(13/241)


الحديث غير ذلك وكذلك عبد الله بن دينار ولا يصح عنه غير ذلك أيضا كما قال مالك عنه.
حدثنا سعيد بن نصر حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا محمد بن إسماعيل حدثنا الحميدي حدثنا سفيان قال حدثنا عبد الله بن دينار قال سمعت ابن عمر يقول "سمعت رجلا يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر كيف يصلي أحدنا بالليل فقال النبي صلى الله عليه وسلم "مثنى مثنى فإذا خشيت الصبح فأوتر ه بواحدة توتر لك ما مضى من صلاتك" قال سفيان وهذا أجودها.
قال أبو عمر: عند سفيان بن عيينة في هذا الحديث أسانيد منها عمرو بن دينار عن طاوس عن ابن عمر وعبد الله بن ابي لبيد عن أبي سلمة عن ابن عمر والزهري عن سالم عن ابن عمر.
وقال في حديثه هذا عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر أنه أجودها وذلك لأن فيه سمعت وحدثنا ولأنه فيه أعلى من غيره والله أعلم.
وليس لمالك هذا الحديث عن الزهري إلا من رواية الوليد بن مسلم خاصة وقد روى هذا الحديث عن ابن عمر جماعة منهم نافع وعبد الله بن دينار وسالم وطاوس وأبو سلمة

(13/242)


ابن عبد الرحمن ومحمد بن سيرين وحبيب بن أبي ثابت وحميد بن عبد الرحمن وعبد الله بن شقيق كلهم قال فيه عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم "صلاة الليل مثنى مثنى" لم يذكروا النهار ورواه علي بن عبد الله الأزدي البارقي عن عبد الله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم "صلاة الليل والنهار مثنى مثنى" فزاد فيه ذكر النهار ولم يقله أحد عن ابن عمر غيره وأنكروه عليه.
واختلف الفقهاء في صلاة التطوع بالليل والنهار فقال مالك والليث بن سعد والشافعي وابن أبي ليلى وأبو يوسف ومحمد بن الحسن صلاة الليل والنهار مثنى مثنى وهو قول أبي ثور وأحمد بن حنبل وقال أبو حنيفة والثوري صل بالليل والنهار إن شئت ركعتين وإن شئت أربعا أو ستا أو ثمانيا وقال الثوري صل ما شئت بعد أن تقعد في كل ركعتين وهو قول الحسن بن حي وقال الأوزاعي صلاة الليل مثنى مثنى وصلاة النهار أربعا وهو قول إبراهيم النخعي ذكر ابن أبي عروبة عن أبي معشر عن إبراهيم قال صلاة الليل مثنى مثنى والنهار أربع أربع ركعات إن شاء لا يسلم

(13/243)


إلا في آخرهن وقال أبو بكر الأثرم سمعت أبا عبد الله يعني أحمد بن حنبل يسأل عن صلاة الليل والنهار في النافلة فقال أما الذي اختار فمثنى مثنى وإن صلى أربعا فلا بأس وأرجو أن لا يضيق عليه فذكر له حديث يعلى بن عطاء عن علي الأزدي فقال لو كان ذلك الحديث يثبت ومع هذا حديث ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي ركعتين في تطوعه بالنهار ركعتين قبل الظهر وركعتين بعدها والفجر والأضحى وإذا دخل المسجد صلى ركعتين فهذا أحب إلي وإن صلى أربعا فقد روي عن ابن عمر أنه كان يصلي أربعا بالنهار.
وقال ابن عون قال لي نافع أما نحن فنصلي بالنهار أربعا قال فذكرته لمحمد فقال لو صلى مثنى كان أجدر أن يحفظ.
وحدثنا خلف بن قاسم قال حدثنا أبو طالب محمد بن زكرياء المقدسي ببيت المقدس قال حدثنا أبو محمد مضر بن محمد قال سألت يحيى بن معين عن صلاة الليل والنهار فقال صلاة النهار أربعا لا يفصل بينهن وصلاة الليل ركعتين فقلت له أن أبا عبد الله أحمد بن حنبل يقول صلاة الليل والنهار مثنى مثنى فقال بأي حديث فقلت بحديث شعبة عن يعلى بن عطاء عن علي الأزدي عن ابن عمر أن النبي

(13/244)


صلى الله عليه وسلم قال "صلاة الليل والنهار مثنى مثنى" فقال ومن علي الأزدي حتى أقبل منه هذا أدع يحيى بن سعيد الأنصاري عن نافع عن ابن عمر أنه كان يتطوع بالنهار أربعا لا يفصل بينهن وآخذ بحديث علي الأزدي لو كان حديث علي الأزدي صحيحا لم يخالفه ابن عمر قال يحيى وقد كان شعبة ينفي هذا الحديث وربما لم يرفعه.
قال أبو عمر: قوله صلى الله عليه وسلم "صلاة الليل مثنى مثنى" كلام خرج على جواب السائل كأنه قال له يا رسول الله كيف نصلي بالليل فقال مثنى مثنى ولو قال له وبالنهار جاز أن يقول كذلك أيضا مثنى مثنى وما خرج على جواب السائل فليس فيه دليل على ما عداه وسكت عنه لأنه جائز أن يكون مثله وجائز أن يكون بخلافه وهذا أصل عظيم من أصول الفقه فصلاة النهار موقوفة على دلائلها فمن الدليل على أنها وصلاة الليل مثنى مثنى جميعا إنه قد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال "الصلاة مثنى مثنى تشهد في كل ركعتين" لم يخص ليلا من نهار

(13/245)


حدثنا عبد الله بن محمد حدثنا محمد بن بكر حدثنا أبو داود حدثنا محمد بن المثنى حدثنا معاذ حدثنا شعبة عن عبد ربه بن سعد عن أنس بن أبي أنس عن عبد الله بن نافع عن عبد الله بن الحارث عن المطلب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "الصلاة مثنى مثنى يتشهد في كل ركعتين" وذكر الحديث ورواه الليث عن عبد ربه فخالف شعبة في إسناده.
وقد ذكرنا حديث الليث في باب موسى بن ميسرة ودليل آخر.
وهو ما رواه علي بن عبد الله الأزدي البارقي عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال "صلاة الليل والنهار مثنى مثنى" فزاد زيادة لا تدفعها الأصول ويعضدها فتيا ابن عمر الذي روى الحديث وعلم مخرجه فإنه كان يفتي بأن صلاة الليل والنهار مثنى مثنى.
حدثنا سعيد بن نصر حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا ابن وضاح حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا وكيع وغندر عن شعبة عن يعلى بن عطاء عن علي الأزدي عن ابن عمر

(13/246)


قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "صلاة الليل والنهار ركعتان ركعتان" وقال غندر مثنى مثنى.
وحدثنا عبد الوارث بن سفيان حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا محمد بن عبد السلام حدثنا محمد بن بشار بندار حدثنا محمد وعبد الرحمن قالا حدثنا شعبة عن يعلى بن عطاء أنه سمع عليا الأزدي أنه سمع ابن عمر يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم "صلاة الليل والنهار مثنى مثنى يسلم في كل ركعتين" وذكر مالك في الموطأ أنه بلغه أن عبد الله بن عمر كان يقول صلاة الليل والنهار مثنى مثنى يسلم في كل ركعتين فهذه فتوى ابن عمر وهو روى عن النبي صلى الله عليه وسلم "صلاة الليل مثنى" وعلم مخرجه وفهم مراده وحديث مالك هذا وإن كان من بلاغاته فإنه متصل عن ابن عمر رواه ابن وهب قال أخبرني عمرو بن الحارث عن بكر بن عبد الله بن الأشج أن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان حدثه أنه سمع ابن عمر يقول صلاة الليل والنهار مثنى مثنى يعني التطوع.
ومن الدليل أيضا على أن صلاة النهار مثنى مثنى كصلاة الليل سواء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي

(13/247)


قبل الظهر ركعتين وبعدها ركعتين وبعد الجمعة ركعتين وبعد المغرب ركعتين وركعتي الفجر وكان إذا قدم من سفر صلى في المسجد ركعتين قبل أن يدخل بيته وصلاة الفطر والأضحى والاستسقاء وقال إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين ومثل هذا كثير.
ودليل آخر أن العلماء لما اختلفوا في صلاة النافلة بالنهار وقام الدليل على حكم صلاة النافلة بالليل وجب رد ما اختلفوا فيه إلى ما أجمعوا عليه قياسا.
واختلف العلماء القائلون بأن صلاة الليل يجلس في كل ركعتين منها في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم "صلاة الليل مثنى مثنى" هل يقتضي مع الجلوس تسليما أم لا فقال منهم قائلون لا يقتضي قوله هذا إلا الجلوس دون التسليم فمن شاء أوتر بثلاث ومن شاء أوتر بخمس ومن شاء أوتر بسبع ومن شاء أوتر بتسع ومن شاء أوتر بإحدى عشر ركعة لا يسلم إلا في آخرهن وروي ذلك عن جماعة من السلف من الصحابة والتابعين وهو قول الثوري وكان إسحاق بن راهويه يقول أما من أوتر بثلاث أو خمس أو سبع أو تسع فإن شاء سلم بينهن وإن شاء لم يسلم إلا في آخرهن وأما من أوتر بإحدى عشرة ركعة فإنه يسلم في كل ركعتين ويفرد الوتر بركعة

(13/248)


وحجة الثوري وأبي حنيفة وإسحاق ومن تابعهم في هذا الباب ما روي عن عائشة في صلاة النبي صلى الله عليه وسلم بالليل منها حديث سعيد بن أبي سعيد عن أبي سلمة عن عائشة "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي بالليل إحدى عشرة ركعة لا يسلم إلا في آخرهن".
وألفاظ الأحاديث عن عائشة في ذلك مضطربة جدا وقد ذكرناها في باب ابن شهاب عن عروة وسيأتي منها ذكر في باب سعيد بن أبي سعيد وباب هشام بن عروة إن شاء الله.
وحديث ابن عمر هذا يقضي على ما اختلف فيه من حديث عائشة في هذا الباب لأن حديث ابن عمر لم يختلف فيه أن صلاة الليل مثنى مثنى وإنما اختلف في ذكر صلاة النهار فيه وقوله صلى الله عليه وسلم "صلاة الليل مثنى مثنى" يقتضي التسليم والجلوس في كل ركعتين منها وهذا هو الصواب إن شاء الله الذي لا يدل لفظ مثنى إلا عليه ألا ترى أنه لا يجوز أن يقال صلاة الظهر مثنى مثنى وإن كان يجلس في الركعتين منها.
وأجاز جماعة العلماء أن يكون الوتر ثلاث ركعات لا زيادة واختلفوا هل يفصل بين الركعتين والركعة بتسليم أم لا؟ فقال

(13/249)


منهم قائلون الوتر ثلاث لا يفصل بينهن تسليم ولا يسلم إلا في آخرهن روي ذلك عن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وابن مسعود وأبي بن كعب وزيد بن ثابت وأنس بن مالك وأبي أمامة وعمر بن عبد العزيز وبه قال أبو حنيفة وأصحابه والحسن بن حي وقال الثوري أحب إلي أن يوتر بثلاث لا يسلم إلا في آخرهن قال وإن شئت أوترت بركعة وإن شئت بثلاث وإن شئت أوترت بخمس وإن شئت أوترت بسبع وإن شئت بتسع وإن شئت بإحدى عشرة لا تسلم إلا في آخرهن.
قال والذي أجمع عليه من الوتر أنه بثلاث.
وقال آخرون يفصل بين الشفع والوتر بتسليم روي عن ابن عمر رحمه الله أنه كان يسلم بين الركعتين في الوتر حتى يأمر ببعض حاجته وروي مثل قول ابن عمر في الفصل بين الشفع والوتر بالتسليم عن عثمان بن عفان وعبد الله بن عباس وسعد بن مالك وزيد بن ثابت أيضا وأبي موسى الأشعري ومعاوية وعائشة وابن الزبير وفعله معاذ القاري مع رجال من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وهو قول سعيد بن المسيب وعطاء بن أبي رباح ومالك والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور وقال الأوزاعي إن فصل فحسن وإن لم يفصل فحسن وكل هؤلاء يجيزون الوتر بركعة

(13/250)


غير أن مالكا والشافعي والأوزاعي وأحمد وإسحاق يستحبون أن يصلي ركعتين قبلها ثم يسلم ثم يوتر بركعة وكان مالك من بينهم يكره أن يكون الوتر ركعة واحدة منفردة لا يكون قبلها شيء وكان يجب على أصله في إجازته التسليم بين الشفع والوتر أن لا يكره الوتر بركعة مفردة.
وقد حدثنا خلف بن قاسم قال حدثنا أحمد بن عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن قال حدثنا الفضل بن محمد الجندي قال حدثنا علي بن زياد قال حدثنا أبو قرة قال سألت مالكا عن الرجل ينام حتى يصبح فقال لي إن كان صلى من الليل شيئا فليوتره بركعة واحدة وإن كان لم يصل في ليلته تلك شيئا فليوتر بثلاث يصلي ركعتين ثم يسلم ثم يوتر بواحدة لقول النبي صلى الله عليه وسلم "صلاة الليل مثنى مثنى فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة توتر له ما قد صلى".
قال أبو عمر: وممن روى عنه أيضا أنه أجاز الوتر بركعة ليس قبلها شيء كأنه صلى العشاء ثم أوتر بركعة عثمان بن عفان وسعد بن أبي وقاص وعبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير وأبو موسى الأشعري وابن عباس ومعاوية وقد روي عن ابن عباس أنه قيل له أوتر معاوية بركعة ليس قبلها صلاة

(13/251)


فقال أصاب وروي عنه أيضا في ذلك أنه قال أصاب السنة وبه قال سعيد بن المسيب والشافعي وأحمد بن حنبل وأبو ثور وداود بن علي وروى ابن القاسم عن مالك أنه قال الوتر ثلاث يسلم في الركعتين.
قال قال مالك في الإمام يوتر بالناس في رمضان فلا يسلم بين الشفع والوتر أرى أن يصلى خلفه فلا يخالف قال مالك وكنت مرة أصلي خلفهم فإذا كان الوتر انصرفت ولم أوتر معهم وقد رد هذا على مالك بعض المتأخرين قال الوتر معهم أفضل على كل حال لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال "إن الرجل إذا قام مع الإمام حتى ينصرف كتبت له بقية ليلته".
وقال الشافعي الذي أختار للمصلي أن يصلي إحدى عشرة ركعة يوتر منها بواحدة فإن صلى دون ذلك ركعتين ركعتين وأوتر بواحدة وسلم من كل ركعتين وسلم بين الركعتين وركعة الوتر فحسن وإن أوتر بواحدة ليس قبلها شيء فلا حرج قال وأحب الوتر إلي إحدى عشرة ركعة يوتر منها بواحدة ويسلم في كل ركعتين منها ويفصل بين الوتر وبين ما قبله بسلام .

(13/252)


قال أبو عمر: قوله صلى الله عليه وسلم "صلاة الليل مثنى مثنى" يوجب أن يجلس المصلي في كل ركعتين منها ويسلم لا يجوز غير ذلك لأنه لا يجوز أن يقال صلاة الظهر مثنى مثنى ولا صلاة العصر مثنى مثنى وقوله "فإذا خفت الصبح أوترت بواحدة توتر به ما صليت" يوجب أن يكون الوتر واحدة منفردة وإذا جازت الركعة بعد صلاة جازت دونها لأنها منفصلة بالسلام منها وقد ذكرنا من أجاز ذلك وفعله من الصحابة رضي الله عنهم وسائر العلماء.
وأما كراهية مالك وأصحابه الوتر بركعة ليس قبلها شيء فلقوله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث "توتر له ما قد صلى" ومن لم يصل قبل الركعة شيئا فأي شيء توتر له والوتر عندهم إنما يكون لصلاة تقدمته.
ألا ترى إلى قول ابن عمر رحمه الله صلاة المغرب توتر صلاة النهار وقد روي عن ابن مسعود في هذا المعنى ما أجزت ركعة قط سماها البتراء.
وأما الشافعي فقال لو تنفل أحد بركعة لم أعنفه ولو دخل المسجد فحياه بركعة لم أعب عليه ذلك وركعة أحب

(13/253)


إلي من أن لا يصلي شيئا ولست آمر أحدا ابتداء أن يصلي ركعة واحدة يتنفل بها في غير الوتر فإن فعل أعنفه لأن جماعة من الصحابة رضي الله عنهم أوتروا بركعة ليس قبلها شيء والوتر نافلة فكذلك التنفل.
وقال مالك وأصحابه أقل النافلة ركعتان ولا يتنفل أحد بركعة لا في تحية المسجد ولا في الوتر أيضا حتى يكون قبل ذلك شفع أقله ركعتان وهو قول أبي حنيفة وأصحابه والثوري.
أخبرنا عبد الله بن محمد بن يوسف أخبرنا أحمد بن محمد بن إسماعيل بن الفرج قال حدثنا أبي قال حدثنا الحسن بن سليمان قبيطة حدثنا عثمان بن ربيعة بن أبي عبد الرحمن حدثنا عبد العزيز بن محمد الداروردي عن عمرو بن يحيى عن أبيه عن أبي سعيد "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن البتيراء أن يصلي الرجل ركعة واحدة يوتر بها" هو عثمان بن محمد بن أبي ربيعة بن عبد الرحمن قال العقيلي الغالب على حديثه الوهم

(13/254)


واختلف العلماء أيضا في الوتر بعد الفجر ما لم يصل الصبح فقال منهم القائلون إذا انفجر الصبح فقد خرج وقت الوتر ولا يصلي الوتر بعد انفجار الصبح روي ذلك عن ابن عمر وعطاء والنخعي وسعيد بن جبير وبه قال الثوري وأبو حنيفة وأصحابه وإسحاق بن راهويه إلا أن أبا حنيفة كان يقول إذا طلع الفجر فقد خرج وقت الوتر وعليه قضاؤه لأنه واجب عنده.
ومن حجة من جعل وقت الوتر آخر طلوع الفجر قوله صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عمر هذا فإذا خشيت الصبح فأوتر بواحدة وحجتهم أيضا ما ذكره عبد الرزاق وغيره عن ابن جريج عن سليمان بن موسى عن نافع عن ابن عمر أنه كان يقول من صلى الليل فليجعل آخر صلاته وترا فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بذلك فإذا كان الفجر فقد ذهبت صلاة الليل والوتر فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "أوتروا قبل الفجر".
وقال آخرون وقت الوتر ما بين صلاة العشاء إلى أن تصلي الصبح وممن أوتر بعد الفجر عبادة وابن عباس وأبو الدرداء وحذيفة وابن مسعود وعائشة وقد روي ذلك عن ابن عمر أيضا وبه قال مالك والشافعي وأحمد بن حنبل وأبو ثور كلهم يقول يوتر ما لم يصل الصبح

(13/255)


واختلف في هذه المسألة عن الأوزاعي وأبي ثور وكذلك اختلف فيها عن الشعبي والحسن والنخعي فروي عنهم القولان جميعا وقال أيوب السختياني وحميد إن أكثر وترنا لبعد الفجر.
ومن أهل العلم طائفة رأت الوتر بعد طلوع الشمس وبعد صلاة الصبح وهو قول ليس عليه العمل عند الفقهاء إلا ما ذكرنا عن أبي حنيفة ومن قال بقوله في إيجاب الوتر وقد أوضحنا خطأه في ذلك في غير موضع من كتابنا هذا وبالله توفيقنا ,
حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا ابن وضاح قال حدثنا حامد بن يحيى وحدثنا سعيد بن نصر وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن إسماعيل الترمذي قال حدثنا الحميدي قالا جميعا حدثنا سفيان بن عيينة قال حدثنا حامد عن الزهري عن سالم عن أبيه وقال الحميدي سمعت الزهري عن سالم عن أبيه ثم اتفقا قال سمعت رسول الله

(13/256)


صلى الله عليه وسلم يقول "الليل مثنى مثنى فإذا خشيت الصبح فأوتر بواحدة" وربما قال بركعة.
حدثني خلف بن قاسم قراءة مني عليه إن أبا طالب محمد بن زكرياء المقدسي حدثه ببيت المقدس قال حدثنا محمد بن أحمد بن برد قال حدثنا محمد بن المبارك الصوري قال حدثنا معاوية بن سلام قال حدثني يحيى بن أبي كثير قال حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن ونافع مولى ابن عمر عن عبد الله بن عمر أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "صلاة الليل ركعتان فإذا خفت الصبح فأوتر بواحدة".
ومما يحتج به أيضا لمالك في أن الركعة في الوتر لا تكون منفردة لا شي قبلها ما أخبرنا به محمد بن إبراهيم قال حدثنا محمد بن معاوية قال حدثنا أحمد بن شعيب قال أخبرنا قتيبة بن سعيد قال حدثنا الفضل بن عياض عن هشام عن ابن سيرين عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال

(13/257)


"صلاة المغرب وتر صلاة النهار" أرسله أشعث عن ابن سيرين عن النبي صلى الله عليه وسلم ووقفه مالك عن نافع عن ابن عمر قوله.
ومن حجة من أجاز الوتر بواحدة ليس قبلها شيء ما رواه همام عن قتادة عن عبد الله بن شقيق عن ابن عمر أن رجلا من أهل البادية سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن صلاة الليل فقال بإصبعيه هكذا "مثنى مثنى والوتر ركعة من آخر الليل".
وروى وهب بن جرير عن أبي التياح عن أبي مجلز عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "الوتر ركعة من آخر الليل".
وروى القطان عن شعبة عن قتادة عن أبي مجلز عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال الوتر ركعة من آخر الليل.
وحدثنا عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا عبد الرحمن

(13/258)


ابن المبارك قال حدثنا قريش بن حيان العجلي قال حدثنا بكر بن وائل عن الزهري عن عطاء بن يزيد الليثي عن أبي أيوب الأنصاري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "الوتر حق على كل مسلم فمن أحب أن يوتر بخمس فليفعل ومن أحب أن يوتر بثلاث فليفعل ومن أحب أن يوتر بواحدة فليفعل" وتابعه الأوزاعي.
حدثنا محمد بن إبراهيم قال حدثنا محمد بن معاوية قال حدثنا أحمد بن شعيب قال أنبأنا العباس بن الوليد بن يزيد قال حدثنا أبي قال حدثنا الأوزاعي قال حدثني الزهري قال حدثني عطاء بن يزيد عن أبي أيوب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "الوتر حق فمن شاء أوتر بخمس ومن شاء أوتر بثلاث ومن شاء أوتر بواحدة" ورواه ابن عيينة عن الزهري عن عطاء بن يزيد موقوفا من قوله وزاد ومن غلب عليه فليومئ إيماء.
وذهب النسائي إلى أن الصحيح عنده موقوف وخرجه أبو داود مرفوعا كما ذكرنا عنه وهو أولى إن شاء الله.
وقد شبه على قوم من متقدمي الفقهاء مثل هذا الحديث وشبهه فقالوا الوتر واجب

(13/259)


وفي حديث الأعرابي في حديث طلحة بن عبيد الله في الخمس صلوات هل على غيرها يا رسول الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا إلا أن تطوع" دليل على أن لا فرض إلا الخمس وسنوضح هذا المعنى بما يجب من القول فيه بعد ذكر الاختلاف في ذلك وتبين الصحيح فيه عندنا في باب أبي سهيل نافع من كتابنا هذا إن شاء الله.
وقد حدثنا محمد بن إبراهيم قال حدثنا محمد بن معاوية قال حدثنا أحمد بن شعيب قال أخبرنا محمود بن غيلان قال حدثنا وكيع قال حدثنا سفيان عن أبي إسحاق عن عاصم عن علي قال ليس الوتر بحتم مثل المكتوبة ولكنه سنة سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن حديث أبي إسحاق أيضا عن عاصم بن ضمرة عن علي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "أوتروا يا أهل القرآن فإن الله وتر يحب الوتر".
والذين أوجبوه لم يخصوا بوجوبه صاحب القرآن من غيره وقد يحتمل أن يكون أهل القرآن هاهنا أهل الإسلام ولكن الظاهر غير ذلك.
وفي حديث طلحة وعبادة بن الصامت عن النبي صلى الله عليه وسلم "خمس صلوات" مع قول الله عز وجل {وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى} ما يغني عن قول كل قائل وبالله التوفيق .

(13/260)


الحديث الثاني
...
حديث ثان لنافع عن ابن عمر
مالك عن نافع عن ابن عمر "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأتي قباء راكبا وماشيا" .
هكذا قال يحيى عن مالك عن نافع وتابعه القعنبي وإسحاق بن عيسى الطباع وعبد الله بن وهب وعبد الله بن نافع ورواه جل رواة الموطأ عن مالك عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر والحديث صحيح لمالك عن نافع وعبد الله بن دينار جميعا عن ابن عمر على ما روى القعنبي ومن تابعه فهو عند مالك عنهما جميعا عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يأتي قباء راكبا وماشيا.
والدليل على أن هذا الحديث لمالك عن نافع وأنه من حديث نافع كما هو من حديث عبد الله بن دينار أن أيوب السختياني وعبيد الله بن عمر روياه عن نافع عن ابن عمر

(13/261)


إلا أن أيوب قال فيه مسجد قباء ولم يقل مالك ولا عبيد الله مسجد قباء وإنما قالا قباء وقباء موضع معروف وهو مذكر ممدود قال عمرو بن الوليد بن عقبة أبو قطيفة:
ألا ليت شعري هل تغير بعدنا ... قباء وهل زال العتيق وحاضره
وقال ابن الزبعري:
ليت أشياخي ببدر شهدوا ... جزع الخزرج من وقع الأسل
حين ألقت بقباء رحلها ... واستحر القتل في عبد الأشل
ساعة ثم استخفوا رقصا ... رقص الخيفان في سفح الجبل
الخيفان: اسم الجراد أبدانا .
واختلف في معنى هذا الحديث فقيل كان يأتي قباء زائرا للأنصار وهم بنو عمرو وقيل كان يأتي قباء يتفرج في حيطانها ويستريح عندهم وقيل كان يأتي قباء للصلاة في مسجدها تبركا به لما نزل فيه أنه أسس على التقوى وقال أبو عمر: ليس على شيء من هذه الأقاويل دليل لا مدفع له وممكن أن تكون كلها أو بعضها والله أعلم.

(13/262)


والأولى في ذلك حمل الحديث مجمله على مفسره فيكون قول من قال مسجد قباء مفسرا لما أجمل غيره وقد جاءت آثار تصحح ذلك والحمد لله وقد قال صلى الله عليه وسلم "لا تعمل المطي إلا إلى ثلاثة مساجد مسجدي هذا والمسجد الحرام ومسجد بيت المقدس" ولم يذكر مسجد قباء وجائز أن يكون إعمال المطي إلى الثلاثة مساجد أعمال مشقة وكلفة فلا يلزم ذلك في غيرها والرحلة غير أعمال المطي والله أعلم.
وقال أبو عمر: وأشبه ما قيل في ذلك بأصول سنته صلى الله عليه وسلم أنه كان يأتي مسجد قباء للصلاة فيه والله أعلم وهو أكثر ما روي في ذلك وأعلى ما قيل فيه وقد اختلف العلماء في المسجد الذي أسس على التقوى فقيل مسجد قباء وقيل مسجد االنبي صلى الله عليه وسلم وقد استدل من قال أن مسجد قباء هو المسجد الذي أسس على التقوى بقول من قال من أهل العلم إن هذه الآية نزلت في أهل مسجد قباء فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين ذكر وكيع عن طلحة بن عمرو وعن

(13/263)


عطاء قال أحدث قوم من أهل قباء الوضوء وضوء الاستنجاء فأنزل الله فيهم فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين.
وروى أيوب عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأتي مسجد قباء وحدثنا خلف بن سعيد قال حدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا أحمد بن خالد قال حدثنا علي بن عبد العزيز وحدثنا أحمد بن عبد الله بن محمد حدثنا أبي حدثنا عمر بن حفص بن أبي تمام حدثنا إبراهيم بن أبي مرزوق قالا حدثنا عارم أبو النعمان قال حدثنا حماد بن زيد عن أيوب عن نافع قال كان عبد الله بن عمر يأتي مسجد قباء في كل سبت إذا صلى الغداة وكان يكره أن يخرج منه حتى يصلي فيه وقال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتيه راكبا وماشيا ففي هذا الحديث أنه كان يأتي قباء يصلي في مسجدها وهو أصح ما روي في ذلك وأوضحه فعلى هذا يكون إعمال المطي إلى الثلاثة مساجد يعني به الرحلة والكلفة والمؤونة والمشقة لئلا تتعارض الأحاديث وقد روي عن النبي صلى الله عليه

(13/264)


وسلم إن قصد مسجد قباء والصلاة فيه يعدل عمرة بإسناد فيه لين من حديث أهل المدينة حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا عبدالله بن أحمد بن أبي مسرة قال حدثني مطرف قال حدثني ابن أبي الموالي عن شيخ قديم من الأنصار عن أبي أمامة بن سهيل بن حنيف قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من توضأ فأحسن الدفع ثم خرج عامدا إلى مسجد قباء لا يخرجه إلا الصلاة فيه كان بمنزلة عمرة".
قال أبو عمر: الشيخ من الأنصار المذكور في هذا الإسناد هو محمد بن سليمان الكرماني سمعه من أبي أمامة.
حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا أبو بكر بن أبي الأسود قال حدثنا أحمد بن الأسود قال حدثنا محمد بن سليمان الكرماني قال سمعت أبا أمامة بن سهل بن حنيف يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من تطهر في بيته ثم جاء مسجد قباء فصلى فيه فله أجر عمرة" وقد روي من حديث أسيد بن ظهير صلاة في مسجد قباء تعدل عمرة من حديث عبدالحميد بن جعفر عن أبي الأبردة مولى بني

(13/265)


خطمة عن أسيد بن ظهير وروي من حديث أهل المدينة وهو حديث لا تقوم به حجة عن المسور بن مخرمة سمع عمر بن الخطاب يقول الحمد لله الذي قرب منا مسجد قباء ولو كان بأفق من الآفاق لضربنا إليه أكباد الإبل وروى ابن نافع عن مالك أنه سئل عن إتيان مسجد قباء راكبا أحب إليك أو ماشيا وفي أي يوم ترى ذلك قال مالك لا أبالي في اي يوم جئت ولا أبالي مشيت إليه أو ركبت وليس إتيانه بواجب ولا أرى به بأسا.
قال أبو عمر: وقد جاء عن طائفة من العلماء أنهم كانوا يستحبون إتيانه وقصده في سبت للصلاة فيه على ما جاء في ذلك.
قال أبو عمر: اختلف في الفئة الذين بنوا مسجد الضرار بقباء وفي الذين بنوا المسجد الذي أسس على التقوى فيه إن كان هو ذلك فذكر معمر عن أيوب عن سعيد بن جبير في قوله {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِرَاراً} الآية قال هم حي من الأنصار يقال لهم بنو غنم قال والذين بنوا المسجد الذي أسس على التقوى بنو عمرو بن عوف وقال ابن جريج بنو عمرو بن عوف استأذنوا النبي صلى الله عليه وسلم في بنيانه فأذن لهم ففرغوا منه يوم الجمعة فصلوا فيه يوم الجمعة ويوم السبت ويوم الأحد وانهار يوم الإثنين في نار جهنم

(13/266)


قال أبو عمر: كلام ابن جريج لا أدري ما هو والذي انهار في نار جهنم مسجد المنافقين لا يختلف العلماء في ذلك ولست أدري أبنو عمرو بن عوف هم أم بنو غنم.
وقول سعيد بن جبير في هذا مخالف لما قال ابن جريج وسعيد بن جبير أجل ومعلوم أن المسجد الذي كان يأتيه رسول الله صلى الله عليه وسلم بقيا ليس المسجد الذي انهار في نار جهنم.
وأما قوله عز وجل {في نَارِ جَهَنَّمَ} فإن أهل التفسير قالوا إنه كان يحفر ذلك الموضع الذي انهار فيخرج منه دخان.
وقال بعضهم كان الرجل يدخل فيه سعفة من سعف النخل فيخرجها سوداء محترقة وورى عاصم بن أبي النجود عن زر بن حبيش عن ابن مسعود أنه قال جهنم في الأرض ثم تلا {فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ}.
قال أبو عمر: لا يختلفون أن مسجد الضرار بقباء واختلفوا في المسجد الذي أسس على التقوى وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد الذي أسس على التقوي أنه مسجده صلى الله عليه وسلم وهو أثبت من جهة الإسناد عنه من قول من

(13/267)


قال إنه مسجد قباء وجائز أن يكونا جميعا أسسا على تقوى الله ورضوانه بل معلوم أن ذلك كان كذلك إن شاء الله.
روى أبو كريب قال حدثنا أبو أسامة قال حدثنا صالح بن حسان قال حدثنا عبد الله بن بريدة في قول الله عز وجل {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ} هي أربعة مساجد لم يبنهن إلا نبي الكعبة بناها إبراهيم وإسماعيل وبيت أريحا ببيت المقدس بناه داود وسليمان ومسجد المدينة ومسجد قباء الذي أسس على التقوى بناهما رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثنا أحمد بن محمد بن أحمد قال حدثنا الحسن بن سلمة بن المعلي وحدثنا عبد الله بن محمد قال أخبرنا حمزة بن محمد قالا حدثنا أحمد بن شعيب قال أخبرنا قتيبة بن سعيد قال أخبرنا الليث عن عمر بن أبي أنس عن ابن أبي سعيد الخدري عن أبي سعيد الخدري أنه قال تمارى رجلان في المسجد الذي أسس على التقوى من أول يوم فقال رجل هو مسجد قباء وقال الآخر هو مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال

(13/268)


رسول الله صلى الله عليه وسلم "هو مسجدي" وأخبرنا عبد الله قال حدثنا حمزة قال حدثنا أحمد بن شعيب قال أخبرني زكرياء بن يحيى قال حدثنا ابن أبي عمر قال حدثنا سفيان عن أبي الزناد عن خارجة بن زيد عن أبيه قال المسجد الذي أسس على التقوى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم .

(13/269)


الحديث الثالث
...
حديث ثالث لنافع عن ابن عمر
مالك عن نافع أن عبد الله بن عمر أذن بالصلاة في ليلة ذات برد وريح فقال ألا صلوا في الرحال ثم قال "إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأمر المؤذن إذا كانت ليلة باردة ذات مطر يقول ألا صلوا في الرحال".
قال أبو عمر: لم يختلف عن مالك في إسناد هذا الحديث ولا في لفظه وقد حدثنا خلف بن قاسم حدثنا أحمد بن محمد بن الحسن العسكري حدثنا المزني حدثنا الشافعي أخبرنا مالك عن نافع عن ابن عمر أنه أذن بالصلاة في ليلة قرة وريح فقال ألا صلوا في الرحال ثم قال "إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأمر المؤذن إذا كانت ليلة باردة ذات مطر يقول ألا صلوا في الرحال".

(13/270)


وفي هذا الحديث من الفقه الرخصة في التخلف عن الجماعة في ليلة المطر والريح الشديدة وقيل إن هذا إنما كان في السفر وعلى ذلك تدل ترجمة مالك للباب الذي ذكر فيه هذا الحديث وقيل إن ذلك كان يوم جمعة وإذا كان في السفر فلا معنى لذكر يوم الجمعة وجائز أن يكونوا ذلك الوقت كانوا يصلون بصلاة الإمام في رحال لهم وجائز أن تكون لهم رخصة في سفرهم يتخلفون عن الجماعة لشدة المضرة في السفر وفي ذكر الرحال دليل على أنه كان في سفر والله أعلم وقيل إن ذلك جائز في الحضر والسفر ولا فرق بين الحضر والسفر لأن العلة المطر والأذى والحضر والسفر في ذلك سواء فيدخل السفر بالنص والحضر بالمعنى لأن العلة فيه المطر.
وقد رخصت جماعة من أهل العلم في وقت المطر الشديد في التخلف عن الجمعة لمن وجبت عليه فكيف بالجماعة في غير الجمعة.
وقد مضى القول فيمن ذهب إلى أن الجماعة شهودها لمن سمع النداء فريضة ومن قال إن ذلك سنة وليس بفرض فيما سلف من كتابنا هذا وسيتكرر القول في ذلك في مواضع من كتابنا هذا إن شاء الله .

(13/271)


واستدل قوم على أن الكلام في الأذان جائز بهذا الحديث إذا كان الكلام مما لا بد منه وزعم أن قوله "ألا صلوا في الرحال" كان في نفس الأذان بأثر حي على الفلاح واستدلوا بما حدثنا محمد بن إبراهيم قال حدثنا محمد بن معاوية قال حدثنا أحمد بن شعيب قال أخبرنا قتيبة بن سعيد قال حدثنا سفيان عن عمرو بن دينار عن عمرو بن أوس قال أخبرنا رجل من ثقيف "أنه سمع منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني في ليلة المطر في السفر يقول حي على الصلاة حي على الفلاح صلوا في رحالكم" ففي هذا الحديث أن ذلك كان في السفر وإن قوله كان في نفس الأذان وإن ذلك كان في مطر.
حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا بكر بن حماد قال حدثنا مسدد قال حدثنا حماد عن أيوب وعامر الأحوال وعبد الحميد صاحب الزيادي عن عبد الله بن الحارث قال خطبنا ابن عباس في يوم ذي ريح فلما بلغ المؤذن حي على الصلاة أمره أن ينادي الصلاة في الرحال قال فنظر القوم بعضهم إلى بعض فقال كأنكم أنكرتم هذا قد فعل هذا من هو خير مني

(13/272)


وذكره أبو داود عن مسدد عن حماد عن عبد الحميد عن عبد الله بن الحارث عن ابن عباس وزاد فيه أن الجمعة عزمة وإني كرهت أن أخرجكم فتمشون في الطين والمطر وأخبرنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا نصر بن علي قال حدثنا سفيان بن حبيب أخبرنا عن خالد الحذاء عن أبي قلابة عن أبي المليح عن أبيه شهد النبي صلى الله عليه وسلم زمن الحديبية في يوم جمعة فذكر الحديث.
قال أبو داود وحدثنا ابن المثنى حدثنا عبد الأعلى عن صاحب له عن أبي المليح أن ذلك كان يوم جمعة.
ووجدت في أصل سماع أبي بخطه رحمه الله أن محمد بن أحمد بن قاسم بن هلال حدثهم قال حدثنا سعيد بن عثمان الأعنافي قال حدثنا نصر بن مرزوق قال حدثنا أسد بن موسى قال حدثنا سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار سمع عمرو بن أوس حدثه رجل من ثقيف "سمع منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر في ليلة مطر يقول حي على الصلاة حي على الفلاح صلوا في رحالكم".

(13/273)


فقد بان بهذا الحديث أن ذلك منه صلى الله عليه وسلم إنما كان في السفر مع المطر وهذه رخصة تخص قوله صلى الله عليه وسلم "هل تسمع النداء" قال نعم قال "فلا رخصة لك" وفي هذا الحديث دليل على جواز التأخر في حين المطر الدائم عن شهود الجماعة والجمعة لما في ذلك من أذى المطر والله أعلم لهذه الحال وإذا جاز للمطر الدائم والماء أن يصلي المسافر فيومئ من الركوع والسجود من أجل الماء والمطر والطين ولولا المطر الدائم والطين لم يجز ذلك له كان المختلف عن شهود الجمعة والجماعة أولى بذلك.
وقد ذكرنا الحكم في صلاة الطين والمطر وحكم الجمع بين الصلاتين في المطر كل ذلك في موضعه من كتابنا هذا فلا وجه لإعادة شيء منه هاهنا.
وأما الكلام في الأذان فإن أهل العلم اختلفوا في إجازته وكراهيته فقال منهم قائلون إذا كان الكلام في شأن الصلاة والأذان فلا بأس بذلك كما روي عن ابن عباس أنه أمر مؤذنه في يوم المطر أن يقول بعد قوله حي على الفلاح ألا صلوا في الرحال قالوا فإن تكلم بما ليس من شأن الصلاة فقد أساء ولا إعادة عليه للأذان.
هذا قول طائفة من أهل الحديث وهو يشبه مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك فيمن تكلم في شأن الصلاة وإصلاحها

(13/274)


أنه لا شيء عليه فكذلك الأذان قياسا ونظرا إلا أن مالكا لم يختلف قوله ومذهبه في كراهية الكلام في الأذان على كل حال.
قال أبو عمر: رضي الله عنه احتج من أجاز نحو هذا من الكلام في الأذان بأن قال قد ثبت التثويب في الفجر وهو قول المؤذن الصلاة خير من النوم فكل ما كان حضا على الصلاة أو من شأنها فلا بأس بالكلام به في الأذان قياسا على ذلك واستدلالا بالحديث المذكور في هذا الباب وبالله التوفيق.
وكان مالك رحمه الله فيما روى عنه غير واحد يكره الكلام في الأذان وقال لم أعلم أحدا يقتدى به فعل ذلك وكره رد السلام في الأذان لئلا يشتغل المؤذن بغير ما هو فيه من الأذان وكذلك لا يشمت عاطسا ولكنه إن فعل شيئا من ذلك وتكلم في أذانه يبقى ولا شيء عليه ونحو هذا كله قول الشافعي يستحب للإنسان أن لا يتكلم في أذانه ولا في إقامته وإن تكلم أجزأه وكذلك قال أبو حنيفة وأصحابه لا يتكلم المؤذن في الأذان ولا في الإقامة فإن تكلم مضى ويجزيه وهو قول الثوري وإسحاق وروي عن ابن شهاب أنه قال إن تكلم الرجل في الأذان وفي الإقامة

(13/275)


أعادهما وروي عنه أنه أمر مؤذنا تكلم في أذانه أن يعيد وليس ذلك منه بصحيح والإسناد فيه عنه ضعيف وكره الكلام في الأذان النخعي وابن سيرين والأوزاعي ولم يجئ عن واحد منهم أن عليه إعادة الأذان ولا ابتداؤه ورخصت طائفة من العلماء في الكلام في الأذان منهم الحسن وعروة وعطاء وقتادة وإليه ذهب أحمد بن حنبل وروي ذلك عن سليمان بن صرد رضي الله عنه وروى الوليد بن مزيد عن الأوزاعي لا بأس أن يرد السلام في أذانه ولا يرد في إقامته قال وقال الأوزاعي ما سمعت قط أن مؤذنا أعاد الأذان.
قال أبو عمر: رضي الله عنه هذا الحديث دليل على أن الأذان من شأن الصلاة لا يدعه مسافر ولا حاضر وهذا موضع اختلف فيه العلماء مع إجماعهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يؤذن له في حياته كلها لكل صلاة في سفر وحضر وأنه ندب المسلمين لذلك وسنه لهم وكان صلى الله عليه وسلم في غزواته إذا سمع أذانا كف وعلم أنها دار إيمان وإذا لم يسمعه أغار وكان يأمر سراياه بذلك وقال الله

(13/276)


عز وجل {وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُواً وَلَعِباً} وقال إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة الآية وقال صلى الله عليه وسلم "إذا نودي للصلاة أدبر الشيطان" الحديث.
واختلف العلماء في وجوب الأذان فالمشهور من مذهب مالك عنه وعن أصحابه أن الأذان إنما هو للجماعات حيث يجتمع الناس للأئمة فأما ما سوى ذلك من أهل الحضر والسفر فإن الإقامة تجزيهم واختلف المتأخرون من أصحاب مالك على قولين في وجوب الأذان فقال بعضهم الأذان سنة مؤكدة واجبة على الكفاية وليس بفرض وقال بعضهم هو فرض على الكفاية في المصر خاصة وقول أبي حنيفة وأصحابه أنه سنة مؤكدة على الكفاية وقال الشافعي لا أحب لأحد أن يصلي إلا بأذان وإقامة والإقامة عنده أوكد وهو قول الثوري واختلف أصحاب الشافعي فمنهم من قال هو سنة على الكفاية ومنهم من قال هو فرض على الكفاية

(13/277)


وذكر الطبري عن مالك أنه قال إن ترك أهل مصر الأذان عامدين أعادوا الصلاة وقال عطاء ومجاهد والأوزاعي وداود بن علي الأذان فرض ولم يقولوا على الكفاية وقال الأوزاعي وعطاء من ترك الإقامة أعاد الصلاة وقال الطبري الأذان سنة وليس بواجب وقال الشافعي ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم التأذين حين جمع بين الصلاتين بمزدلفة ويوم الخندق دليل على أن التأذين ليس بواجب فرضا ولو لم تجزئ الصلاة إلا بأذان لم يدع ذلك وهو يمكنه قال وإذا كان هكذا في الأذان كانت الإقامة كذلك لأنهما جميعا غير الصلاة.
واختلف أيضا في الأذان للمسافرين فروى ابن القاسم عن مالك أن الأذان إنما هو في المصر للجماعات في المساجد وروى أشهب عن مالك قال إن ترك الأذان مسافر عامدا فعليه إعادة الصلاة ذكره الطبري وقال أخبرني يونس بن عبد الأعلى قال أخبرنا أشهب عن مالك فذكره.
وقال أبو حنيفة وأصحابه أما المسافر فيصلي بأذان وإقامة قالوا ويكره أن يصلي بغير أذان ولا إقامة وأما في المصر فيستحب للرجل إذا صلى وحده أن يؤذن ويقيم فإن استجزأ بأذان الناس وإقامتهم أجزأه

(13/278)


وقال الثوري لا يستجزئ بإقامة أهل المصر وقال الأوزاعي لا يجزئ المسافر ولا الحاضر صلاة إذا ترك الإقامة وقال داود بن علي الأذان واجب على كل مسافر في خاصته والإقامة كذلك واحتج بحديث مالك بن الحويرث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له ولصاحبه "إذا كنتما في سفركما فأذنا وأقيما وليؤمكما أحدكما" وهو قول أهل الظاهر ولا أعلم أحدا قال بقوله من فقهاء الأمصار إلا ما روى أشهب عن مالك وما روي عن الأوزاعي فيمن ترك الإقامة دون الأذان وهو قول عطاء ومجاهد وقال الثوري تجزئك الإقامة في السفر عن الأذان وإن شئت أذنت وأقمت وتكفيك الإقامة وإن صليت بغير أذان ولا إقامة أجزتك صلاتك وقال الشافعي وأبو حنيفة وأصحابهما وهو قول أبي ثور وأحمد وإسحاق والطبري إذا ترك المسافر الأذان عامدا أو ناسيا أجزأته صلاته وكذلك لو ترك الإقامة عندهم لم تكن عليه إعادة صلاته وقد أساء إن تركها عامدا وهو تحصيل مذهب مالك أيضا وقد روى أيوب عن نافع عن ابن عمر أنه كان في السفر يصلي بإقامة إقامة إلا الغداة فإنه كان يؤذن لها ويقيم يعني صلاة الصبح.

(13/279)


قال أبو عمر: قد أجمع العلماء على أن المسجد إذا أذن فيه واحد وأقام أنه يجزي أذانه وإقامته جميع أهل المسجد وأن من أدرك الإمام في سفر أو حضر وقد دخل في صلاته أنه يدخل معه ولا يؤذن ولا يقيم فدل إجماعهم في ذلك كله على بطلان قول من أوجب الأذان على كل إنسان في خاصة نفسه مسافرا كان أو غير مسافر ودل على أن الأذان والإقامة غير واجبين.
ومن جهة القياس والنظر ليستا من الصلاة فتفسد الصلاة بتركهما والذي يصح عندي في هذه المسألة أن الأذان واجب فرضا على الدار أعني المصر أو القرية فإذا قام فيها قائم واحد أو أكثر بالأذان سقط فرضه عن سائرهم ومن الفرق بين دار الكفر ودار الإسلام لمن لم يعرفها الأذان الدال على الدار وكل قرية أو مصر لا يؤذن فيه بالصلاة فأهله لله عز وجل عصاة ومن صلى منهم فلا إعادة عليه لأن الأذان غير الصلاة ووجوبه على الكفاية فمن قام به سقط عن غيره كسائر الفروض الواجبة على الكفاية.
وأما الأذان للمنفرد في سفر أو حضر فسنة عندي مسنونة مندوب إليها مأجور فاعلها عليها وبالله التوفيق.

(13/280)


حدثنا سعيد بن نصر وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا إسماعيل بن إسحاق قال حدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس قال حدثنا زائدة حدثنا السائب بن حبيش عن سعدان بن أبي طلحة اليعمري قال قال لي أبو الدرداء أين مسكنك قال قلت بقرية دون حمص فقال أبو الدرداء سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "ما من ثلاثة في قرية ولا بد ولا تقام فيهم الصلاة إلا استحوذ عليهم الشيطان فعليك بالجماعة فإنما يأكل الذئب القاصية" قال زائدة يعني الصلاة في جماعة وذكره أبو داود عن أحمد بن يونس بإسناده وقال قال زائدة قال السائب يعني الجماعة وبالله التوفيق .

(13/281)


الحديث الرابع
...
حديث رابع لنافع عن ابن عمر
مالك عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "من باع نخلا قد أبرت فثمرها للبائع إلا أن يشترط المبتاع".
قال أبو عمر: لم يختلف عن نافع في رفع هذا الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم واختلف نافع وسالم في رفع من باع عبد ا وله مال فماله للبائع إلا أن يشترط المبتاع وهو أحد الأحاديث الثلاثة التي رفعها سالم وخالفه فيها نافع عن ابن عمر قال علي بن المديني والقول فيها قول سالم وقد توبع سالم على ذلك.

(13/282)


أخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن قال حدثنا محمد بن عثمان بن ثابت الصيدلاني ببغداد قال حدثنا إسماعيل بن إسحاق قال حدثنا علي بن المديني قال خالف سالما نافع في ثلاثة أحاديث رفعها سالم وروى نافع منها اثنين عن ابن عمر عن عمر والثالث عن ابن عمر عن كعب أحدها من باع عبد ا وله مال الحديث رواه سالم عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم ورواه نافع عن ابن عمر عن عمر قوله كذلك رواه مالك وعبيد الله بن عمر ورواه أيوب عن نافع عن ابن عمر لم يتجاوزه وقد روي عن أيوب كما رواه مالك سواء والثاني والناس كإبل مائة لا تكاد تجد فيها راحلة رواه سالم عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم كذلك روى الزهري هذا الحديث والذي قبله عن سالم عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم ورواه ابن عجلان وغيره عن نافع عن ابن عمر قال قال عمر الناس كإبل مائة لا توجد فيها راحلة والثالث حديث يحيى بن أبي كثير قال حدثني أبو قلابة عن سالم عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم في قصة النار أنها تخرج فتحشر الناس ورواه عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر عن كعب قال تخرج نار الحديث .

(13/283)


قال أبو عمر: قد روي حديث من باع عبداً وله مال فماله للبائع الحديث عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا يصح ذلك عند أهل العلم بالحديث وإنما هو لنافع عن ابن عمر عن عمر قوله كذلك رواه الحفاظ من أصحاب نافع منهم مالك وعبيد الله بن عمر.
حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا بكر بن حماد قال حدثنا مسدد قال حدثنا بشر بن المفضل قال حدثنا عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من باع نخلا قد أبرها فإن ثمرها للذي باعها إلا أن يشترط المشتري" قال وقال عمر من باع عبد ا وله مال فماله للبائع إلا أن يشترط المشتري وكذلك رواه ابن غير وعبدة بن سليمان عن عبيد الله بن عمر الحديثين قصة النخل مرفوعة وقصة العبد من قول عمر.
حدثنا خلف بن القاسم قال حدثنا عبد الله بن جعفر بن الورد والحسين بن جعفر قالا حدثنا يوسف بن يزيد قال حدثنا عبد الله بن عبد الحكم قال حدثنا الليث بن سعد عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم ،

(13/284)


قال "أيما امرئ أبر نخلا ثم باع أصلها فللذي أبر ثمر النخل إلا أن يشترط المبتاع" وحدثنا عبد الله بن محمد بن يحيى قال حدثنا محمد بن بكر بن عبد الرزاق قال حدثنا أبو داود قال حدثنا أحمد بن حنبل عن سفيان عن الزهري عن سالم عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "من باع عبد ا وله مال فماله للبائع إلا أن يشترط المبتاع" وكذلك رواية عبد الله بن دينار عن أبي عمر في قصة النخل وقصة العبد جميعا مرفوعان كما روى ذلك سالم سواء وهو الصواب والله أعلم.
وقرأت على سعيد بن نصر أن قاسم بن أصبغ حدثهم قال حدثنا محمد بن وضاح قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا سفيان بن عيينة عن الزهري عن سالم بن عبد الله عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "من باع نخلا بعد أن تؤبر فثمرتها للبائع إلا أن يشترط المبتاع ومن باع عبد ا وله مال فالمال للبائع إلا أن يشترط المبتاع".

(13/285)


وقرأت على عبد الوارث بن سفيان أن قاسم بن أصبغ حدثهم قال حدثنا محمد بن الجهم قال حدثنا عبد الوهاب قال سئل سعيد عن الرجل يبيع النخل أو المملوك فأخبرنا عن نافع عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "أيما رجل باع عبد ا وله مال فماله للبائع إلا أن يشترط المبتاع".
قال أبو عمر: هكذا يقول جماعة الحفاظ في حديث ابن عمر هذا في قصة النخل وفي قصة العبد أيضا يشترط بلا هاء لا يقولون يشترطها في النخل ولا يشترطه في العبد ومعلوم أن الهاء لو وردت في هذين الحديثين لكانت ضميرا في يشترطها عائدا على ثمرة النخل وفي يشترطه ضميرا عائدا على مال العبد فكأنه قال إلا أن يشترط المبتاع شيئا من ذلك وفي سقوط الهاء من ذلك دليل على صحة ما ذهب إليه أشهب في قوله جائز لمن ابتاع نخلا قد أبرت أن يشترط من الثمرة نصفها أو جزءا منها وكذلك في مال العبد جائز أن يشترط نصفه أو يشترط منه ما شاء لأن ما جاز اشتراط جميعه جاز اشتراط بعضه وما لم يدخل الربا في جميعه فأحرى أن لا يدخل في بعضه هذا قول جمهور الفقهاء في ذلك وكل على أصله ما سنوضحه إن شاء الله .

(13/286)


وقال ابن القاسم لا يجوز لمبتاع النخل المؤبر أن يشترط منها جزءا وإنما له أن يشترط جميعها أو لا يشترط شيئا منها وجملة قول مالك ومذهب ابن القاسم فيمن باع حائطا من أصله وفيه ثمرة تؤبر فثمره للمشتري وإن لم يشترطه وإن كانت الثمرة قد أبرت فثمره للبائع إلا أن يشترطه المبتاع فإن لم يشترطه المبتاع ثم أراد شراء الثمر قبل بدو صلاحه من بعد شراء الأصل بلا ثمره فجائز له ذلك خاصة لأنه كان يجوز شراؤها مع الأصل قبل بدو صلاحها ولا يجوز ذلك لغيره.
وقال ابن المواز اختلف قول مالك في شراء الثمرة بعد شراء الأصول وقد أبرت الثمرة فقال لا يجوز قرب ذلك أو بعد وكذلك مال العبد وقد قال فيهما أيضا إن ذلك جائز قال والذي أخذ به ابن عبد الحكم والمغيرة وابن دينار أنه لا يجوز فيهما إلا أن تكون مع الأصول ومع العبد في صفقة واحدة.
وقد روى أشهب عن مالك القولين جميعا ولا خلاف عن مالك وأصحابه في مشهور المذهب أن الثمرة إذا اشترطها مشتري الأصل أو اشتراها بعد أنها لا حصة لها من الثمن ولو أجيحت كلها كانت من المشتري ولا يكون شيء من جائحتها على

(13/287)


البائع وكذلك كل ما جاز استثناؤه في الشراء والكراء من الثمار لا جائحة فيه وإنما تكون الجائحة فيما بيع منفردا من الثمار دون أصل هذا تحصيل المذهب وكل رهن فيه ثمرة قد أبرت فهي رهن عند مالك وأصحابه مع الرقاب وإن كانت لم تؤبر فهي للراهن.
وأما الشافعي رحمه الله فقوله في بيع النخل بعد الأبار وقبله كقول مالك سواء إلا أنه لا يجيز للمبتاع أن يشتري الثمرة قبل بدو صلاحها إذا لم يشترطها في حين شرائه النخل ولم يفرق بينه وبين غيره لعموم نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها.
وأما أبو حنيفة وأصحابه فإنهم ردوا ظاهر هذه السنة ودليلها بتأويلهم وردها ابن أبي ليلى ردا مجردا جهلا بها والله أعلم.
وسنذكر أقوالهم وظاهر مذهب مالك وأصحابه القول بهذا الحديث جملة ولا يردونه ويستعملونه فيمن باع نخلا قد أبرت أن ثمرها للبائع إلا أن يشترطها المبتاع.
قالوا وإذا لم تؤبر الثمرة فقد جعلها النبي صلى الله عليه وسلم للمبتاع فإن اشترطها البائع لم تجز وكأن المبتاع باعها قبل بدو صلاحها ومن باع عندهم أرضا فيها زرع لم يبد

(13/288)


صلاحه فهو للبائع حتى يشترطه المبتاع كمأبور النخل وما لم يظهر من الزرع في الأرض فهو للمتباع بغير شرط كما لم يؤبر من الثمر ولا بأس عندهم ببيع الأرض بزرعها وهو أخضر كبيع الأصول بثمرها قبل بدو صلاحها لأن الثمر والزرع تبع لأصله وإذا أبر أكثر الحائط عندهم فهو للبائع حتى يشترطه المبتاع وإن كان المؤبر أقله فهو كله للمبتاع واضطربوا إذا أبر نصفه وإلا ظهر من المذهب أنه للمبتاع إلا أن يكون النصف مفرزا فيكون للبائع حينئذ وإلا فهو للمبتاع ومن ابتاع أرضا عندهم ولم يذكر شجرها فهي داخلة في البيع كبناء الدار وكذلك في صدقتها وأما الزرع فهو للبائع حتى يشترطه المبتاع.
هذا كله تحصيل مذهب مالك وأصحابه.
وأما الشافعي فأخبرنا أحمد بن محمد قال حدثنا أحمد بن الفضل قال حدثنا محمد بن جرير قال أخبرنا الربيع بن سليمان عن الشافعي قال في حديث النبي صلى الله عليه وسلم "من باع نخلا بعد أن تؤبر فثمرها للبائع إلا أن يشترطها المبتاع" فائدتان إحداهما لا يشكل لأن الحائط إذا بيع

(13/289)


وقد أبر نخله إن الثمرة للبائع إلا أن يشترطها المبتاع فتكون مما وقعت عليه صفقة البيع ويكون له حصة من الثمن والثانية أن الحائط إذا بيع ولم تؤبر نخله فثمره للمشتري لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ حد فقال "إذا أبر فثمره للبائع" فقد أخبر أن حكمه إذا لم يؤبر غير حكمه إذا أبر فمن باع حائطا لم يؤبر فالثمرة للمشتري بغير شرط استدلالا بالسنة وهو قول الليث بن سعد وداود بن علي وأحمد بن حنبل والطبري.
وقال الشافعي وكل حائط فله حكم نفسه لا حكم غيره فمن باع حائطا لم يؤبر فثمره للمشتري وإن أبر غيره ومن باع ثمرة لم يبد صلاحها في حائط بعنيه لم يجز وإن بدا الصلاح في مثلها في غيره لأن كل حائط حكمه بنفسه لا بغيره.
وقال أبو حنيفة وأصحابه والأوزاعي من باع نخلا فثمرها للبائع إلا أن يشترط المبتاع وسواء أبرت أو لم تؤبر هي للبائع أبدا إلا أن يشترطها المبتاع.
وقال ابن أبي ليلى الثمرة للمشتري اشترطها أو لم يشترطها كعسف النخل.
قال أبو عمر: أما الكوفيون والأوزاعي فلا يفرقون بين المؤبر وغيره ويجعلون الثمرة للبائع إذا كانت قد ظهرت قبل

(13/290)


البيع ومن حجتهم أنه لم يختلف قول من شرط التأبير أنها لو لم تؤبر حتى تناهت وصارت بلحا أو بسرا ثم بيع النخل إن الثمرة لا تدخل فيه قالوا فعلمنا أن المعنى في ذكر التأبير ظهور الثمرة.
قال أبو عمر: الأبار عند أهل العلم في النخل التلقيح وهو أن يؤخذ شيء من طلع النخل فيدخل بين ظهراني طلع الإناث ومعنى ذلك في سائر الثمار ظهور الثمرة من التين وغيره حتى تكون الثمرة مرئية منظورا إليها والمعتبر به عند مالك وأصحابه فيما يذكر من الثمار التذكير وفيما لا يذكر أن يثبت من نواره ما يثبت ويسقط ما يسقط وحد ذلك في الزرع ظهوره من الأرض قاله مالك وقد روي عنه أن أباره أن يتحبب قال أبو عمر: لم يختلف العلماء أن الحائط إذا نشق طلع إناثه فأخر أباره وقد ابر غيره ممن حاله مثل حاله أن حكمه حكم ما أبر لأنه قد جاء عليه وقت الأبار وظهرت ثمرته بعد تغيبها في الجف فإن أبر بعض الحائط كان ما لم يؤبر

(13/291)


تبعا له كما أن الحائط إذا بدا صلاحه كان سائر الحائط تبعا لذلك الصلاح في جواز بيعه.
وأصل الأبار أن يكون في شيء منه الأبار فيقع عليه اسم أنه قد أبر كما لو بدا صلاح شيء منه وهذا كله قول الشافعي وغيره من الفقهاء.
قال الشافعي والكرسف إذا بيع أصله كالنخل إذا خرج جوزه ولم يتشقق فهو للمشتري وإذا شقق فهو للبائع مثل الطلع قبل الأبار وبعده قال ومن باع أرضا فها زرع وقد خرج من الأرض فالزرع للبائع إلا أن يشترطه المبتاع.
قال أبو عمر: وهو قول مالك وأصحابه إذا ظهر الزرع واستقل فإن لم يظهر الزرع ولم يخرج ولم يستقل لم يجز لمبتاع الأرض استثناؤه واشتراطه قول الشافعي ومالك في ذلك سواء.
قال الشافعي: فإن لم يشترط المبتاع الزرع كان للبائع فإن كان الزرع مما يبقى له أصول في الأرض يفسدها فعلى صاحب الزرع نزعها عن رب الأرض إن شاء رب الأرض قال وهذا إذا باعه أرضا فيها زرع يحصد مرة واحدة وأما القصب فمن باع أرضا فيها قصب قد خرج من الأرض فليس له منه

(13/292)


إلا جزة واحدة وليس له قلعه من أصله لأنه أصل قال وكلما يجز مرارا من الزرع فمثل القصب في الأصل والثمرة لا يخالفه.
قال أبو عمر: أما أصحاب مالك فإنهم يجيزون بيع القصب والموز من عام إلى عام إذا بدا صلاح أوله وأما القرط فيباع عندهم إذا بدا صلاح أوله على آخره وكذلك قصب السكر ويكون للمشتري من القرط أعلاه وأسفله ولا يجوز أن يشترط إبقاء خلفته برسما وتحصيل مذهب مالك فيمن حبس حائطا له بعد موته أو تصدق به أو أوصى ثم مات وقد أبرت ثمرة الحائط فإن الثمرة المورثة لأنها كالولادة فإن مات قبل أن تؤبر فالثمرة تبع للحبس والصدقة والوصية وكذلك الشفعة فيما قد أبر الثمرة للمستشفع منه لأنه كبيع حادث وإن لم تؤبر فالثمرة للآخذ بالشفعة وفي هذه المسائل اختلاف بين أصحاب مالك يطول اجتلاب ذلك.
قال أبوعمر: قد ذكرنا ما للفقهاء في بيع النخل المؤبر وغير المؤبر واختلافهم في معنى هذا الحديث والقول به وتصريف وجوهه.
وأما مال العبد فليس اختلافهم فيه من جنس اختلافهم في اشتراط ثمرة النخل يباع أصله ولكنا نذكر ما لهم في ذلك من القول هاهنا فهو أولى المواضع به من كتابنا هذا لأن

(13/293)


نافعا جعل الحديث في مال العبد من قول عمر فلذلك لا مدخل له في مسند هذا الباب وبالله توفيقنا.
قال مالك رحمه الله: الأمر المجتمع عليه عندنا أن المبتاع إذا اشترط مال العبد فهو له نقدا كان أو دينا أو عرضا يعلم أو لا يعلم وإن كان للعبد من المال أكثر مما اشترى به كان ثمنه نقدا أو دينا أو عرضا وذلك أن مال العبد لا تجب فيه الزكاة.
قال ابن القاسم ويجوز لمبتاع العبد أن يشترط ماله وإن كان مجهولا من عين أو عرض بما شاء من ثمن نقدا أو إلى أجل.
قال أبو عمر: هذا ما لا أعلم فيه خلافا عن مالك وأصحابه أنه يجوز أن يشتري العبد وماله بدراهم إلى أجل وإن كان ماله دراهم أو دنانير أو عروضا وأن ماله كله تبع كاللغو لا يعتبر إذا اشترط ما يعتبر في الصفقة المفردة.
وكان الشافعي: يقول ببغداد نحو قول مالك هذا وذكر الحسن بن محمد الزعفراني عن الشافعي في الكتاب البغدادي أنه قال اشتراط مال العبد جائز بالخبر عن رسول الله صلى الله

(13/294)


عليه وسلم وقال حكمه حكم طرق الدار ومسائل مائها فيجوز البيع إذا كان إنما قصد به قصد البيع للعبد خاصة ويكون المال تبعا في المعنى ليس معناه معنى عبدين قصد قصدهما بالبيع وهو قول أبي ثور ايضا.
قال الشافعي فإن قيل كيف يجوز أن يملك بالعقد ما لو قصد قصده على الانفراد لم يجز فقد أجازوا بيع الطرق والمسابل والآبار وما سمينا مع الدار ولو قصد قصدهما على الإنفراد لم يجزه وقول عثمان البتي مثل ذلك أيضا قال إذا باع عبد ا وله مال ألف درهم فباعه بألف درهم فالبيع جائز إن كانت رغبة المبتاع في العبد لا في الدراهم التي له.
وقال الشافعي: بمصر في كتابه المصري ذكره عنه الربيع والمزني والبويطي وغيرهم لا يجوز اشتراط مال العبد إذا كان له مال فضة فاشتراه بفضة أو ذهب فاشتراه بذهب إلا أن يكون ماله خلاف الثمن أو يكون عروضا كما يكون في سائر البيوع الصرف وغيره والمال والعبد بشيئا بيعا صفقة واحدة وهذا قول أبي حنيفة وأصحابه وبيع العبد وماله كمن باع شيئا لا يجوز في ذلك إلا ما يجوز في سائر البيوع ولا يجوز عند أبي حنيفة وأصحابه بيع العبد بألف درهم وله ألف درهم حتى يكون مع الألف زيادة ويكون الألف بالألف وتكون

(13/295)


الزيادة ثمنا للعبد على أصلهم في الصرف وبيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة إذا كان مع أحدهما عرض وحجة من قال هذا القول وذهب هذا المذهب أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يجعل مال العبد للمبتاع إلا بالشرط فكان ذلك عندهم كبيع دابة ومال غيرها والعبد عند الشافعي في قوله بمصر وعند أبي حنيفة وأصحابه ولا يملك شيئا ولا يجوز له التسري فيما بيده أذن له مولاه أو لم يأذن لأنه لا يصح له ملك يمين ما دام مملوكا لأنه يستحيل أن يكون مالكا مملوكا في حال.
وقال مالك وأصحابه يملك ماله كما يملك عصمة نكاحه وجائز له التسري فيما ملك وحجتهم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم "من باع عبد ا وله مال" فأضاف المال إليه وقال الله عز وجل {فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} فأضاف أجورهن إليهن إضافة تمليك وهذا كله قول داود أيضا وأصحابه إلا أن داود يجعله مالكا ملكا صحيحا ويوجب عليه زكاة الفطر والزكاة في ماله.
ومن الحجة لمالك أيضا أن عبد الله بن عمر كان يأذن لعبيده في التسري فيما بأيديهم ولا مخالف له من الصحابة ومحال أن يتسرى فيما لا يملك لأن الله لم يبح الوطء إلا في

(13/296)


نكاح أو ملك يمين وجعل الشافعي والعراقيون ومن قال بقولهم إضافة رسول الله صلى الله عليه وسلم مال العبد إلى العبد كإضافة ثمر النخل إلى النخل وكإضافة باب الدار إلى الدار بدليل قوله "فماله للبائع" أي فماله للبائع حقيقة قالوا والعرب تقول هذا سرج الدابة وغنم الراعي ولا توجبه هذه الإضافة تمليكا فكذلك إضافة مال العبد إليه عندهم.
ومن الحجة أيضا الإجماع على أن للسيد انتزاع مال عبده من يده فلو كان ملكا صحيحا لم ينتزع منه وإجماعهم على أن ماله لا يورث عنه وأنه لسيده.
والحجة لكلي القولين تكثر وتطول وقد أكثر القوم فيها وطولوا وفيما ذكرنا ولوحنا وأشرنا إليه كفاية.
ولا يجيز هؤلاء للعبد أن يتسرى ولا يحل له عندهم وطء فرج إلا بنكاح صحيح. وقال الحسن والشعبي مال العبد تبع له أبدا في البيع والعتق جميعا لا يحتاج مشتريه فيه إلى اشتراط وهذا قول مردود بالسنة لا يعرج عليه.
وقال مالك وابن شهاب وأكثر أهل المدينة إذا أعتق العبد تبعه ماله وفي البيع لا يتبعه ماله وهو لبائعه.
وروي بنحو هذا القول في العتق أيضا خبر مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم من حديث ابن عمر ولكنه خطأ عند أهل العلم بالنقل

(13/297)


وروى أصبغ عن ابن القاسم قال إذا وهب الرجل عبده لرجل أو تصدق به عليه فمال العبد للواهب والمتصدق قال وإذا أوصى بعبده لرجل فماله للموصى له.
قال أصبغ بل كل ذلك واحد وهو للموهوب له والمتصدق به عليه ولا يكون المال للسيد إلا في البيع وحده لأن الصدقات تشبه العتق لأن في ذلك كله قربان ولم يختلف قول مالك وأصحابه في العبد يعتق بأي وجه عتق أن ماله تبع له ليس لسيده منه شيء إلا أن ينتزعه منه قبل ذلك وسواء كان العتق بتلا أو إلى أجل أو من وصية أو عتق بالحنث أو بالنسب ممن يعتق على مالكه أو عتق بالمثلة كل ذلك يتبع العبد فيه ماله وكذلك المدبر.
واتفق ابن القاسم وابن وهب في العبد يمثل به مولاه وهو محجور عليه سفيه أنه يعتق عليه واختلفا في مال ذلك العبد فقال ابن القاسم لا يتبعه ماله وقال ابن وهب يتبعه ماله وبه قال أصبغ.
وقال الشافعي بمصر: والكوفيون إذا عتق العبد أو بيع لم يتبعه ماله ولا مال له ولا ملك إلا مجازا واتساعا لا حقيقة .

(13/298)


الحديث الخامس
...
حديث خامس لنافع عن ابن عمر
مالك عن نافع عن ابن عمر "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها نهى البائع والمشتري".
قد مضى القول في فقه هذا الحديث في باب حميد الطويل من كتابنا هذا ورواه أيوب عن نافع فزاد فيه ألفاظا.
حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا بكر بن حماد قال حدثنا مسدد قال حدثنا عبد الوارث عن أيوب عن نافع عن ابن عمر قال "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع النخل حتى تزهي وعن السنبل حتى يبيض نهى البائع والمشتري" .

(13/299)


وأخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي قال حدثنا ابن عيينة عن أيوب عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم "نهى عن بيع النخل حتى تزهو وعن السنبل حتى يبيض وتأمن العاهة نهى البائع والمشتري".
وقد روى حماد بن سلمة عن حميد عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع العنب حتى يسود وعن بيع الحب حتى يشتد وقد كان الشافعي مرة يقول لا يجوز بيع الحب في سنبله وإن اشتد واستغنى عن الماء ثم بلغه هذا الحديث فرجع إلى القول به وأجاز بيع الحنطة زرعا في سنبله قائما على ساقه إذا يبس واستغنى عن الماء كقول سائر العلماء وهو ما لا خلاف فيه عن جماعة فقهاء الأمصار وأهل الحديث.
وقد روي عن ابن شهاب أنه أجاز بيعه فريكا قبل أن يشتد وخالفه مالك وغيره ومالوا إلى ظاهر الحديث حتى يبيض ويشتد ويستغني عن الماء.
ومن قول الشافعي أن كل ثمرة وزرع دونها حائل من قشر أو أكمام وكانت إذا صارت إلى مالكيها أخرجوها من قشرها وأكمامها ولم تفسد بإخراجهم لها قال فالذي أختار فيها أن لا يجوز بيعها في شجرها ولا موضوعة بالأرض للحائل دونها وحجته في ذلك الإجماع على لحم الشاة المذبوحة غير المسلوخة

(13/300)


أنه لا يجوز بيعه حتى تسلخ ويخرج من الجلد قال ولم أجد أحدا من أهل العلم يجيز أخذ عشر الحنطة في أكمامها ولا عشر الحبوب ذوات الأكمام ولا بيعها محصودة مدروسة في التبن غير منقاة.
قال أبو عمر: لم يجمعوا على كراهية بيع الشاة المذبوحة قبل السلخ لأن أبا يوسف يجيز بيعها كذلك ويرى السلخ على البائع وأجاز بيع الطعام في سنبله وجعل على البائع تخليصه من تبنه وتمييزه والذي حكى الشافعي عليه الجمهور.
وذكر ابن وهب في موطئه عن مالك أنه سئل عن الدالية تكون على ساق واحدة فيطيب منها العنقود والعنقودان فقال مالك إذا كان طيبه متتابعا فاشيا فلا بأس بذلك قال وربما أزهى بعض الثمر واستأخر بعضه جدا فهو الذي يكره قال وسئل مالك عن الرجل يبتاع الحائط فيه أصناف من الثمر قد طاب بعضه وبعضه لم يطب فقال ما يعجبني قال وسئل مالك عن بيع الأعناب والفواكه من الثمار فقال إذا طاب أولها وأمن عليها العاهة فلا بأس ببيعها قال وسئل عن الحائط الذي تزهى فيه أربع نخلات أو خمس وقد تعجل زهوه قبل الحوائط أترى أن تباع ثمرته قال نعم لا بأس به وإن

(13/301)


تعجل قبل الحوائط قال وسئل عن الحائط ليس فيه زهو وما حوله قد أزهى أترى أن تباع ثمره وليس فيه زهو قال نعم لا أرى به بأسا إذا كان الزمن قد أمنت فيه العاهات فأزهت الحوائط حوله وإن لم يزه هذا لأن منها ما يتأخر.
قال وسئل عن الرجل يبيع الثمار من النخيل والأعناب بعد أن تطيب على من سقيها فقال سقيها على البائع قال ولولا أن السقي على البائع ما اشتراه المشتري قال وقال مالك توضع الجائحة في الثمرة إذا كانت من قبل الماء قليلة كانت أو كثيرة وإن كانت أقل من الثلث قال وليس الماء كغيره لأن ما جاء من قبل الماء فكأنه جاء من قبل البائع.
وقال الشافعي لو كان لرجل حائط آخر فأزهى حائط جاره إلى جنبه وبدا صلاحه حل بيعه ولم يحل بيع هذا الحائط الذي لم يبد صلاح أوله قال وأقل ذلك أن تزهى في شيء منه الحمرة أو الصفرة ويوكل شيء منه.
قال أبو عمر: قد مضى القول في هذا الباب مستوعبا وفي الجائحة فيه وفي أكثر معانيه في باب حميد الطويل من كتابنا هذا وجرى منه ذكر صالح في باب أبي الرجال منه أيضا وذكرنا منه هاهنا ما لم يقع ذكره في ذينك البابين

(13/302)


وأما الآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الباب فمختلفة الألفاظ متفقة المعاني متقاربة الحكم بعضها فيه "أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها وفي بعضها حتى تطعم وفي بعضها حتى تزهي وفي بعضها حتى تحمر وتصفر وفي بعضها حتى تشقح" ومعنى تشقح عندهم تحمر أو تصفر ويوكل منها وفي بعضها طلوع الثريا وهي كلها آثار ثابتة محفوظة عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث ابن عمر وأبي هريرة وجابر وابن عباس وأبي سعيد الخدري وغيرهم ولا خلاف بين العلماء أن جميع الثمار داخل في معنى تمر النخل وأنه إذا بدا صلاحه وطاب أوله حل بيعه وإنما اختلف مالك والشافعي في الحائط إذا أزهى غيره قربه ولم يزه هو هل يحل بيعه على ما ذكرنا عنهما وقد روي عن مالك مثل قول الشافعي والأول عنه أشهر.
وتحصيل مذهب مالك في ذلك أن الزمن إذا جاء منه ما يؤمن معه على الثمار العاهة وبدا صلاح جنس ونوع منها جاز بيع ذلك الجنس والنوع حيث كان من تلك البلدة وكان يلزم الشافعي أن يقول مثل قول مالك هذا قياسا على قوله في الحائط إذا تأخر أباره وأبر غيره فإنه راعى الوقت في ذلك دون الحائط وراعى في بيع الثمار الحائط بنفسه وهو أمر متقارب ولكل واحد منهما وجه تدل عليه ألفاظ الأحاديث لمن تدبرها وذلك واضح يغني عن القول فيه

(13/303)


حدثنا أحمد بن قاسم وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا الحارث بن أبي أسامة قال حدثنا روح قال حدثنا زكرياء بن إسحاق قال حدثنا عمرو بن دينار أنه سمع جابر بن عبد الله يقول "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها".
حدثنا خلف بن القاسم قال حدثنا عبد الله بن محمد الخصيبي قال حدثنا جعفر بن محمد بن الحسن الفريابي قال حدثنا حامد بن يحيى البلخي بطرطوس سنة ثلاث وثلاثين ومائتين قال أنبأنا عبد الله بن الحارث المخزومي قال حدثنا شبل بن عباد المكي عن عمرو بن دينار عن جابر بن عبد الله وابن عباس وابن عمر "أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها".
وحدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا سليمان بن الأشعث قال حدثنا أبو بكر محمد بن خلاد الباهلي قال حدثنا يحيى بن سعيد عن سليمان بن حبان عن سعيد بن مينا قال

(13/304)


سمعت جابر بن عبد الله يقول "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تباع الثمرة حتى تشقح قيل وما تشقح قال تحمار وتصفار ويوكل منها".
وحدثنا عبد الوارث بن سفيان وسعيد بن نصر قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا إسماعيل بن إسحاق قال حدثنا مسلم بن إبراهيم قال حدثنا هشام الدستوائي قال حدثنا أبو الزبير عن جابر "أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع النخل حتى تطعم".
ويجوز عند مالك وأصحابه بيع المغيب في الأرض نحو الفجل والجزر واللفت حين يبدو صلاحه ويوكل منه ويكون ما قام منه ليس بفساد وكذلك البقول يجوز فيها بيعها إذا بدا صلاحها وأكل منها وكان ما قلع منها ليس بفساد ولا يجوز عند الشافعي بيع شيء مغيب في الأرض حتى يقلع وينظر إليه.
وجائز عند أبي حنيفة بيع الفجل والجزر والبصل ونحوه مغيبا في الأرض وله الخيار إذا قلعه ورآه

(13/305)


هذا إذا قلعه البائع فإن خلى بينه وبين المشتري فقلعه المشتري فلم يرضه فإن كان القلع لم ينقصه فله الخيار وإن كان نقصه القلع بطل خيار الرؤية ولا خلاف بين العلماء في بيع الثمار والبقول والزرع على القلع وإن لم يبد صلاحه إذا نظر إلى المبيع منه وعرف قدره .

(13/306)


الحديث السادس
...
حديث سادس لنافع عن ابن عمر
مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن المزابنة والمزابنة بيع الثمر بالتمر كيلا وبيع الكرم بالزبيب كيلا".
قال أبو عمر: هكذا روى يحيى وجمهور رواة الموطأ هذا الحديث عن مالك إلا ابن بكير فإنه قال فيه عن مالك عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن المزابنة والمحاقلة فزاد ذكر المحاقلة في هذا الحديث بهذا الإسناد ثم ذكر تفسير المزابنة وحدها كما ذكر يحيى وغيره إلا أنه قال والمزابنة بيع الرطب بالثمر كيلا والمعنى واحد لأن الثمر هو ما دام رطبا في رؤوس الأشجار فإذا يبس وجذ فهو تمر وروى هذا الحديث.

(13/307)


أيوب عن نافع عن ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه "نهى عن المزابنة" ولم يذكر المحاقلة وقال المزابنة أن يبيع الرجل ثمرته بكيل إن زاد فلي وإن نقص فعلي وهذا تفسير معنى المزابنة كله وقد مضى تمهيده في باب داود وروى عبد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع التمر بالتمر وعن بيع العنب بالزبيب كيلا وعن بيع الزرع بالحنطة كيلا". هكذا ذكره أبو داود عن أبي بكر بن ابي شيبة عن ابن أبي زائدة عن عبيد الله بن عمر ورواه يحيى القطان عن عبيد الله قال أخبرني نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم "نهى عن المزابنة".
والمزابنة اشتراء التمر بالثمر كيلا واشتراء الحنطة بالزرع كيلا حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا

(13/308)


قاسم قال حدثنا بكر بن حماد حدثنا مسدد قال حدثنا يحيى فذكره.
ولا خلاف بين العلماء أن المزابنة ما ذكر في هذه الأحاديث تفسيره عن ابن عمر من قوله أو مرفوعا وأقل ذلك أن يكون من قوله وهو راوي الحديث فيسلم له فكيف ولا مخالف في ذلك وكذلك كل ما كان في معنى ما جرى ذكره في هذه الأحاديث من الجزاف بالكيل في الجنس الواحد المطعوم أو الرطب باليابس من جنسه وكل ما لا يجوز فيه التفاضل لم يجز بيع بعضه ببعضه جزافا بكيل ولا جزافا بجزاف لعدم المماثلة المأمور بها في ذلك ولمواقعة القمار وهو الزبن على ما تقدم شرحه في باب داود بن الحصين ألا ترى أن كل ما ورد الشرع أن لا يباع إلا مثلا بمثل إذا بيع منه مجهول بمجهول أو معلوما بمجهول أو رطب بيابس فقد دخل في ذلك التفاضل وجهل المماثلة وما جهلت حقيقة المماثلة فيه لم يؤمن فيه التفاضل فدخل في ذلك الربا لأن الحديث ورد في مثل ذلك إن من زاد أو

(13/309)


ازداد فقد أربى وفي ذلك قمار وخطر أيضا وهذا كله تقتضيه معنى المزابنة فإن وقع البيع في شيء من المزابنة فسخ إن أدرك قبل القبض وبعده فإن قبض وفات رجع صاحب الثمرة بمكيلة ثمره على صاحب الرطب ورجع صاحب الرطب بقيمة رطبه على صاحب الثمر يوم قبضه بالغا ما بلغ وما كان منه قبل قبضه فمصيبته من صاحبه.
وأما قوله "الثمر بالتمر" فإن الرواية فيه الكلمة الأولى بالثاء المنقوطة بثلاث مع تحريك الميم وهو ما في رؤوس النخل رطبا فإذا جذ ويبس قيل له تمرا بالتاء المنقوطة باثنتين مع تسكين الميم.
ويدخل في هذا المعنى بيع الرطب باليابس من جنسه وبيع الجزاف بالمكيل وبيع ما جهل بمعلوم أو مجهول فقف على هذه الأصول وسيأتي تمهيد معنى بيع الرطب بالتمر وما للعلماء في ذلك من المذاهب في باب عبد الله بن يزيد عند قوله صلى الله عليه وسلم "أينقص الرطب إذا يبس إن شاء الله".

(13/310)


حدثنا سعيد بن نصر وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن وضاح قال حدثنا أبو بكر بن ابي شيبة قال حدثنا محمد بن فضل عن أبيه عرابي حازم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "الحنطة بالحنطة والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح يد بيد كيل بكيل وزن بوزن فمن زاد شيئا أو استزاد فقد أربى إلا ما اختلفت أنواعه".
قال أبو عمر: هذا أصل هذا الباب وهو يقتضي المماثلة في الجنس الواحد ويحرم الازدياد فيه وأما النسيئة في بيع الطعام بالطعام جملة فذلك غير جائز عند جمهور العلماء لقوله عليه السلام البر بالبر ربا إلا ها وها فالجنس الواحد من المأكولات يدخله الربا من وجهين الزيادة والنسيئة والجنسان يدخلهما الربا من وجه واحد وهو النسيئة وقد أوضحنا هذا الأصل في مواضع من كتابنا هذا والحمد لله.
حدثنا سعيد بن نصر وعبد الوارث قالا حدثنا قاسم قال حدثنا إسماعيل بن إسحاق قال حدثنا أبو ثابت قال حدثنا عبد الله بن وهب قال أخبرني يونس بن يزيد عن

(13/311)


ابن شهاب قال حدثني ابن المسيب وأبو سلمة أن أبا هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا تبايعوا التمر بالتمر" قال ابن شهاب وحدثني سالم عن ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مثله.
وروى ابن وهب أيضا في موطئه قال أخبرني ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الصبرة من التمر لا يعلم كيلها بالكيل" المسمى من التمر وروى سعد بن أبي وقاص عن النبي صلى الله عليه وسلم "أنه نهى عن بيع التمر بالرطب نسيئة ويدا بيد" وهذه الأحاديث كلها تفسير للمزابنة وفي معناها وهي أصل وسنة مجتمع عليها والحمد لله.

(13/312)


الحديث السابع
...
حديث سابع لنافع عن ابن عمر
مالك عن نافع عن ابن عمر "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع حبل الحبلة وكان بيعا يتبايعه أهل الجاهلية كان الرجل يبتاع الجزور إلى أن تنتج الناقة ثم تنتج التي في بطنها".
قد جاء تفسير هذا الحديث كما ترى في سياقه وإن لم يكن تفسيره مرفوعا فهو من قبل ابن عمر وحسبك وبهذا التأويل قال مالك والشافعي وأصحابهما وهو الأجل المجهول ولا خلاف بين العلماء أن البيع إلى مثل هذا من الأجل لا يجوز وقد جعل الله الأهلة مواقيت للناس ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البيع إلى مثل هذا من الأجل وأجمع المسلمون على ذلك وكفى بهذا علما وقال

(13/313)


آخرون في تأويل هذا الحديث معناه بيع ولد الجنين الذي في بطن الناقة هذا قول أبي عبيد قال أبو عبيد عن ابن علية هو نتاج النتاج وبهذا التأويل قال أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وقد فسر بعض أصحاب مالك هذا الحديث بمثل ذلك أيضا وهو بيع أيضا مجتمع على أنه لا يجوز ولا يحل لأنه بيع غرر ومجهول وبيع ما لم يخلق وقد أجمع العلماء على أن ذلك لا يجوز في بيوع المسلمين وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم "أنه نهى عن بيع المجر وهو بيع ما في بطون الإناث ونهى عن المضامين والملاقيح" وأجمعوا أنه بيع لا يجوز قال أبو عبيد المضامين ما في البطون وهي الأجنة والملاقيح ما في أصلاب الفحول وهو تفسير ابن المسيب وابن شهاب ذكر مالك في موطئه عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب أنه كان يقول لا ربا في الحيوان وإنما نهى من الحيوان عن ثلاث عن المضامين والملاقيح وحبل الحبلة والمضامين ما في بطون الإناث والملاقيح ما في ظهور الجمال وقال غيره المضامين ما في أصلاب الفحول والملاقيح ما في بطون الإناث وكذلك قال أبو عبيد واحتج بقول الشاعر:

(13/314)


ملقوحة في بطن ناب حائل .
وذكر المزني عن ابن شهاب شاهدا بأن الملاقيح ما في البطون لبعض الأعراب:
منيتني ملاقحا في الأبطن ... تنتج ما تنتج بعد أزمن
وكيف كان فإن بيع هذا كله باطل لا يجوز عند جماعة علماء المسلمين وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الملامسة والمنابذة فكيف بمثل هذا من بيع ما لم يخلق وهذا كله يدخله المجهول والغرر وأكل المال بالباطل وفي حكم الله ورسوله تحريم هذا كله فإن وقع شيء من هذا البيع فسخ إن أدرك فإن قبض وفات رد إلى قيمته يوم قبض لا يوم تبايعا بالغا ما بلغ كانت القيمة أكثر من الثمن أو أقل وإن أصيب قبل القبض فمصيبته من البائع أبدا وقد مضى تفسير الملامسة وغيرها فيما سلف من كتابنا هذا والحمد لله.

(13/315)


الحديث الثامن
...
حديث ثامن لنافع عن ابن عمر
مالك عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "لا يبع بعضكم على بيع بعض".
هكذا روى يحيى هذا الحديث دون زيادة شيء وتابعه ابن بكير وابن القاسم وجماعة ورواه قوم عن مالك عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "لا يبع بعضكم على بيع بعض ولا تلقوا السلع حتى يهبط بها الأسواق" وهذه الزيادة صحيحة لابن وهب والقعنبي وعبد الله بن يوسف وسليمان بن برد عن مالك وليست لغيرهم وهي صحيحة وأما سائر أصحاب مالك فإنما هذا المعنى وهذه الزيادة عندهم في حديث أبي الزناد وهي صحيحة محفوظة من حديث مالك وغيره عن نافع عن ابن عمر في النهي عن تلقي السلع حتى يهبط بها الأسواق

(13/316)


قال أبو عمر: ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث وغيره "لا يبع بعضكم على بيع بعض ولا يبع الرجل على بيع أخيه ولا يسم على سومه" عند مالك وأصحابه معنى واحد كله وهو أن يستحسن المشتري السلعة ويهواها ويركن إلى البائع ويميل إليه ويتذاكران الثمن ولم يبق إلا العقد والرضى الذي يتم به البيع فإذا كان البائع والمشتري على مثل هذه الحال لم يجز لأحد أن يعترضه فيعرض على أحدهما ما به يفسد به ما هما عليه من التبايع فإن فعل أحد ذلك فقد أساء وبيسما فعل فإن كان عالما بالنهي عن ذلك فهو عاص لله ولا أقول أن من فعل هذا حرم بيعه الثاني ولا أعلم أحدا من أهل العلم قاله إلا رواية جاءت عن مالك بذلك قال لا يبع الرجل على بيع أخيه ولا يخطب على خطبة أخيه ومن فعل ذلك فسخ البيع ما لم يفت وفسخ النكاح قبل الدخول وقد أنكر بعض أصحاب مالك هذه الرواية عن مالك في البيع دون الخطبة وقالوا هو مكروه لا ينبغي وقال الثوري في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا يبع بعضكم على بيع بعض" أن يقول عندي ما هو خير منه وأما الشافعي فقوله صلى الله عليه وسلم "لا يبع بعضكم على بيع بعض".

(13/317)


معناه عنده أن يبتاع الرجل السلعة فيقبضها ولم يفترقا وهو مغتبط بها غير نادم عليها فيأتيه قبل الافتراق من يعرض عليه مثل سلعته أو خيرا منها بأقل من ذلك الثمن فيفسخ بيع صاحبه لأن له الخيار قبل التفرق فيكون هذا فسادا.
قال أبو عمر: وأما قوله صلى الله عليه وسلم "لا يسوم الرجل على سوم أخيه" فيشبه أن يكون مذهب الشافعي في تأويل هذا اللفظ كمذهب مالك وأصحابه في قوله صلى الله عليه وسلم "لا يبع أحدكم على بيع أخيه ولا يسوم على سومه" والله أعلم.
ولا خلاف عن الشافعي وأبي حنيفة في أن هذا العقد صحيح وإن كره له ما فعل وعليه جمهور العلماء ولا خلاف بينهم في كراهية بيع الرجل على بيع أخيه المسلم وسومه على سوم أخيه المسلم ولم أعلم أحدا منهم فسخ بيع من فعل ذلك إلا ما ذكرت لك عن بعض أصحاب مالك بن أنس ورواه أيضا عن مالك وأما غيره فلا يفسخ البيع عنده لأنه أمر لم يتم أولا وقد كان لصاحبه أن لا يتمه إن شاء وكذلك لا أعلم خلافا في أن الذمي لا يجوز لأحد أن يبيع على بيعه ولا يسوم على سومه وأنه والمسلم في ذلك سواء إلا الأوزاعي فإنه قال

(13/318)


لا بأس بدخول المسلم على الذمي في سومه لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما خاطب المسلمين في أن لا يبيع بعضهم على بيع بعض وخاطب المسلم أن لا يبيع على بيع أخيه المسلم فليس الذمي كذلك وقال سائر العلماء لا يجوز ذلك والحجة لهم أنه كما دخل الذمي في النهي عن النجش وفي ربح ما لم يضمن ونحوه كلذلك يدخل في هذا وقد يقال هذا طريق المسلمين ولا يمنع ذلك أن يدخل فيه ويسلكه أهل الذمة وقد أجمعوا على كراهية سوم الذمي على الذمي فدل على أنهم مرادون والله أعلم.
وأما تلقي السلع فإن مالكا قال أكره أن يشتري أحد من الجلب في نواحي المصر حتى يهبط بها إلى الأسواق فقيل له فإن كان على ستة أميال فقال لا بأس به ذكره ابن القاسم عن مالك وقال ابن وهب سمعنا مالكا وسئل عن الرجل يخرج في الأضحى إلى مثل الإسطبل وهو نحو من ميل يشتري ضحايا وهو موضع فيه الغنم والناس يخرجون إليهم يشترون منهم هناك فقال مالك لا يعجبني ذلك وقد نهى عن تلقي السلع فلا أرى أن يشتري شيء منها حتى يهبط بها إلى الأسواق قال مالك والضحايا أفضل ما احتيط فيه لأنها نسك يتقرب به إلى الله تعالى فلا أرى ذلك قال وسمعته

(13/319)


وسئل عن الذي يتلقى السلعة فيشتريها فتوجد معه أترى أن تؤخذ منه فتباع للناس فقال مالك أرى أن ينهى عن ذلك فإن نهي عن ذلك ثم وجد قد عاد نكل.
قال أبو عمر: لم نر في هذه الرواية لأهل الأسواق شيئا في السلعة المتلقاة وتحصيل المذهب عند أصحابه أنه لا يجوز تلقي السلع والركبان ومن تلقاهم فاشترى منهم سلعة شركه فيها أهل سوقها إن شاءوا وكان واحدا منهم وسواء كانت السلعة طعاما أو بزا أو غيره وقد روى ابن وهب عن مالك أنه سئل عن الرجل يأتيه الطعام والبز والغنم وغير ذلك من السلع فإذا كان مسيرة اليوم واليومين جاءه خبر ذلك وصفته فيخبر بذلك فيقول له رجل بعني ما جاءك أتفرى ذلك جائزا قال لا أراه جائزا وأرى هذا من التلقي فقيل له والبز من هذا قال نعم البز مثل الطعام ولا ينبغي أن يعمل في أمر واحد بأمرين مختلفين وأكره ذلك وأراه من تلقي السلع وقال الشافعي يكره تلقي سلع أهل البادية فمن تلقاها فقد اساء وصاحب السلعة بالخيار إذ قدم بها السوق في إنفاذ البيع أورده وذلك أنهم يتلقونهم فيخبرونهم بانكسار سلعتهم وكساد سوقها وهم أهل غرة فيبيعونهم على

(13/320)


ذلك وهذا ضرب في الخديعة حكي هذا عن الشافعي الزعفراني والربيع والمزني وغيرهم وتفسير قول الشافعي عند أصحابه أن يخرج أهل الأسواق فيخدعون أهل القافلة ويشترون منهم شراء رخيصا فلهم الخيار لأنهم غروهم.
وقال أبو حنيفة وأصحابه: إذا كان التلقي في أرض لا يضر بأهلها فلا بأس به وإذا كان يضر بأهلها فهو مكروه وقال الأوزاعي إذا كان الناس من ذلك شباعا فلا بأس به وإن كانوا محتاجين فلا يقربونه حتى يهبط بها الأسواق ولم يجعل الأوزاعي القاعد على بابه فتمر به سلعة لم يقصد إليها فيشتريها متلقيا والمتلقي عنده التاجر القاصد إلى ذلك الخارج إليه وقال الحسن بن حي لا يجوز تلقي السلع ولا شراؤها في الطريق حق يهبط بها الأسواق وقالت طائفة من المتأخرين من أهل الفقه والحديث لا بأس بتلقي السلع في أول الأسواق ولا يجوز ذلك خارج السوق على ظاهر هذا الحديث وقال الليث بن سعد أكره تلقي السلع في الطريق وعلى بابك إذا قصدت إلى ذلك وأما من قعد على بابه وفي طريقه فمرت به سلعة يريد صاحبها السوق فاشتراها فليس هذا بالتلقي وإنما التلقي أن تعمد إلى ذلك قال ومن تعمد ذلك

(13/321)


وتلقى سلعة فاشتراها ثم علم به فإن كان بائعها لم يذهب ردت إليه حتى تباع في السوق وإن كان قد فات ارتجعت من المشتري وبيعت في السوق ودفع إليه ثمنها وقال ابن خواز بنداد البيع في تلقي السلع صحيح عند الجميع وإنما الخلاف في أن المشتري لا يفوز بالسلعة ويشركه أهل السوق ولا خيار للبائع أو في أن البائع بالخيار إذا هبط السوق.
قال أبو عمر: أولى ما قيل به في هذا الباب أن صاحب السلعة بالخيار لثبوته عن النبي صلى الله عليه وسلم.
حدثنا سعيد بن نصر وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا عبد الله بن روح المدائني قال حدثنا يزيد بن هارون قال حدثنا هشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال "لا تلقوا الجلب فمن تلقى منه شيئا فاشتراه فصاحبه بالخيار إذا أتى السوق" وذكره أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا أبو أسامة عن هشام بن حسان بإسناده مثله سواء وحدثنا عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا أبو

(13/322)


توبة الربيع بن نافع قال حدثنا عبيد الله بن عمر الرقي عن أيوب عن ابن سيرين عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن تلقي الجلب فإن تلقاه متلق فاشتراه فصاحب السلعة بالخيار إذا وردت السوق.

(13/323)


الحديث التاسع
...
حديث تاسع لنافع عن ابن عمر
مالك عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه".
قال أبو عمر: هكذا هو في الموطأ عند جميع الرواة ورواه أيوب عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "لا يبع أحدكم على بيع أخيه ولا يخطب على خطبة أخيه إلا أن يأذن له" وروى صخر بن جويرية عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم "لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه إلا أن يترك أويأذن له".
وقد مضى القول في معنى هذا الحديث بما يجب في ذلك مجودا في باب محمد بن يحيى بن حبان من كتابنا هذا فلا وجه لإعادة ذلك هاهنا وخطبة النكاح بالكسر والخطبة في الجمعة وما كان مثلها بالضم

(13/324)


الحديث العاشر
...
حديث عاشر لنافع عن ابن عمر
مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "من ابتاع طعاما فلا يبعه حتى يستوفيه".
هذا حديث صحيح الإسناد مجتمع على القول بجملته إلا أنهم اختلفوا في بعض معانيه ونحن نذكر ما اجتمع عليه من ذلك وما اختلف فيه هاهنا إن شاء الله تعالى وقد روي عن ابن عمر هذا الحديث من وجوه.
فأما عبد الله بن دينار فلفظه عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم "من ابتاع طعاما فلا يبعه حتى يقبضه" وكذلك لفظ حديث ابن عباس وحكيم بن حزام حتى يقبضه عند أكثر الرواة والقبض والاستيفاء سواء ولا يكون ما بيع من الطعام على الكيل والوزن مقبوضا إلا كيلا أو وزنا وهذا ما لا خلاف بين جماعة العلماء فيه فإن وقع البيع في الطعام على

(13/325)


الجزاف فقد اختلف في بيعه قبل قبضه وانتقاله على ما نذكره ونوضحه في الباب الذي يلي هذا الباب إن شاء الله.
وظاهر هذا الحديث يحظر ما وقع عليه اسم طعام إذا اشترى حتى يستوفي واستيفاؤه قبضه على حسب ما جرت العادة فيه من كيل أو وزن.
قال الله عز وجل {أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ} {وقال فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا} وقال {وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ}.
وأما اختلاف العلماء في معنى هذا الحديث فإن مالكا قال من ابتاع طعاما أو شيئا من جميع المأكول أو المشروب مما يدخر ومما لا يذخر ما كان منه أصل معاش أو لم يكن حاشا الماء وحده فلا يجوز بيعه قبل القبض لا من البائع ولا من غيره سواء كان بعينه أو بغير عينه إلا أن يكون الطعام ابتاعه جزافا صبرة أو ما أشبه ذلك فلا بأس ببيعه قبل القبض لأنه إذا ابتيع جزافا كان كالعروض التي يجوز بيعها قبل القبض هذا هو المشهور من مذهب مالك وبه قال الأوزاعي والملح والكزبر والشونيز والتوابل

(13/326)


وزريعة الفجل التي يؤكل زيتها وكل ما يؤكل ويشرب ويؤتدم به فلا يجوز بيعه ولا بيع شيء منه قبل القبض إذا ابتيع على الكيل أو الوزن ولم يبع جزافا هذه جملة مذهب مالك المشهور عنه في هذا الباب.
قال وأما زريعة السلق وزريعة الجزر والكراث والجرجير والبصل وما أشبه ذلك فلا بأس أن يبيعه الذي اشتراه قبل أن يستوفيه لأن هذا ليس بطعام ويجوز فيه التفاضل وليس كزريعة الفجل الذي منه الزيت لأن هذا طعام.
وما لا يجوز أن يباع قبل القبض عند مالك وأصحابه فلا يجوز أن يمهر ولا يستأجر به ولا يؤخذ عليه بدل وهذا فيما اشتري من الطعام وأما من كان عنده طعام لم يشتره ولكنه أقرضه أو نحو ذلك فلا بأس ببيعه قبل أن يستوفيه لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "من ابتاع طعاما فلا يبعه حتى يستوفيه" ولم يقل من كان عنده طعام أو كان له طعام فلا يبعه حتى يستوفيه ولا خلاف عن مالك أن ما عدا المأكول والمشروب من الثياب والعروض والعقار وكل ما يكال ويوزن إذا لم يكن مأكولا ولا مشروبا من جميع الأشياء كلها غير المأكول والمشروب أنه لا بأس لمن ابتاعه إن يبيعه قبل قبضه واستيفائه وحجته في ما ذهب إليه مما

(13/327)


وصفنا عنه قوله صلى الله عليه وسلم "من ابتاع طعاما فلا يبعه حتى يقبضه ولا يبعه حتى يستوفيه".
حدثنا أحمد بن قاسم وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا الحارث بن أبي أسامة قال حدثنا أبو نعيم قال حدثنا سفيان عن عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من اشترى طعاما فلا يبعه حتى يقبضه" ففي هذا الحديث خصوص الطعام بالذكر فوجب أن يكون ما عداه بخلافه وفيه من ابتاع طعاما فوجب أن يكون المقروض وغير المشتري بخلافه استدلالا ونظرا وحديث مالك عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله في قوله "من ابتاع طعاما فلا يبعه حتى يستوفيه".
وحدثنا عبد الله بن محمد بن يحيى قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا أحمد بن صالح قال حدثنا ابن وهب قال أخبرني عمرو يعني ابن الحارث

(13/328)


عن المنذر بن عبيد المدني أن القاسم بن محمد حدثه أن عبد الله بن عمر حدثه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن يبيع أحد طعاما اشتراه بكيل حتى يستوفيه.
ففي هذا الحديث اشتراه بكيل على أن الجزاف بخلافه فهذه حجة مالك مع دليل القرآن في قوله {فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ} و {كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ} أن الاستيفاء والقبض لا يكون إلا بذلك وقال آخرون كلما وقع عليه اسم طعام مما يؤكل أو يشرب فلا يجوز أن يباع حتى يقبض وسواء اشترى جزافا أو كيلا أو وزنا وما سوى الطعام فلا بأس ببيعه قبل القبض وممن قال هذا أحمد بن حنبل وأبو ثور وحجتهم عموم قوله صلى الله عليه وسلم "من ابتاع طعاما" لم يقل جزافا ولا كيلا بل قد ثبت عنه أنه قال "من ابتاع طعاما جزافا أن لا يبيعه حتى ينقله ويقبضه" على ما سنذكره في هذا الباب بعد هذا إن شاء الله تعالى وضعفوا زيادة المنذر بن عبيد في قوله طعاما بكيل وقد ذهب هذا المذهب بعض المالكيين وحكاه عن مالك وهذا اختيار أبي بكر الوقار

(13/329)


وقال آخرون كلما بيع على الكيل أو الوزن من جميع الأشياء كلها طعاما كان أو غيره فلا يباع شيء منه قبل القبض وما ليس بمكيل ولا موزون فلا بأس ببيعه قبل قبضه من جميع الأشياء كلها روي هذا القول عن عثمان بن عفان وسعيد بن المسيب والحسن البصري والحكم بن عتيبة وحماد بن أبي سليمان وبه قال إسحاق بن راهويه وروي مثل ذلك أيضا عن أحمد بن حنبل والأول أصح عنه.
وحجة من ذهب هذا المذهب أن الطعام المنصوص عليه أصله الكيل والوزن فكل مكيل أو موزون فذلك حكمه قياسا عندهم ونظرا.
وقال آخرون كل ما ملك بالشراء فلا يجوز بيعه قبل القبض إلا العقار وحده وهو قول أبي حنيفة وإليه رجع أبو يوسف وجملة قول أصحاب أبي حنيفة أن المهر والجعل وما يؤخذ في الخلع جائز أن يباع ما ملك من هذه الوجوه قبل القبض والذي لا يباع قبل القبض ما اشتري أو استؤجر به

(13/330)


وقال آخرون كل ما ملك بالشراء أو بعوض من جميع الأشياء كلها عقارا كان أو غيره مأكولا كان أو مشروبا مكيلا كان أو موزونا أو غير مكيل ولا موزون ولا مأكول ولا مشروب من كل ما يجري عليه البيع لا يجوز بيع شيء منه قبل القبض وممن قال بهذا سفيان الثوري وابن عيينة والشافعي وبه قال محمد بن الحسن وهو قول عبد الله بن عباس وجابر بن عبد الله رضي الله عنهما.
ومن حجة من ذهب هذاالمذهب أن عبد الله بن عباس وجابر بن عبد الله رويا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال "من اشترى طعاما فلا يبعه حتى يقبضه" وأفتيا جميعا بأن لا يباع بيع حتى يقبض وقال ابن عباس كل شيء عندي مثل الطعام فدل على أنهما فهما عن النبي صلى الله عليه وسلم المراد والمعنى حدثنا سعيد بن نصر وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن إسماعيل الترمذي قال حدثنا الحميدي قال حدثنا سفيان قال حدثنا عمرو قال أخبرني طاووس قال سمعت ابن عباس يقول أما الذي نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو الطعام أن يباع حتى يستوفى وربما قال سفيان حتى يكال وقال ابن عباس برأيه ولا أحسب كل شيء إلا مثله وحدثنا عبد الرحمن بن يحيى قال حدثنا عبد الله محمد بن

(13/331)


يوسف قال أخبرنا ابن وضاح قال حدثنا حامد بن يحيى البخلي قال حدثنا سفيان بن عيينة قال حدثنا عمرو بن دينار عن طاووس عن ابن عباس قال أما الذي نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يباع حتى يقبض فهو الطعام قال ابن عباس برأيه وأحسب كل شيء مثله.
حدثنا عبد الوارث قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن الجهم قال حدثنا عبد الوهاب قال حدثنا هشام الدستوائي عن يحيى بن أبي كثير عن يوسف بن ماهك أن عبد الله بن عصمة حدثه أن حكيم بن حزام حدثه قال قلت يا رسول الله إني أشتري بيوعا فما يحل لي منها وما يحرم فقال "يا ابن أخي إذا اشتريت بيعا فلا تبعه حتى تقبضه".
وهذا الإسناد وإن كان فيه مقال ففيه لهذا المذهب استظهار.
ومن حجة من ذهب مذهب الشافعي والثوري في هذا المذهب نهيه صلى الله عليه وسلم عن ربح ما لم يضمن وبيع ما لم يضمن وما لم يقبضه المشتري عندهم من جميع الأشياء كلها وضاع وهلك فمصيبته عندهم من البائع وضمانه منه وكان ضمانه من البائع فلا يجوز لمشتريه عندهم بيعه قبل قبضه بدليل نهيه صلى الله عليه وسلم عن ربح ما لم

(13/332)


يضمن وبنص قوله "من ابتاع بيعا فلا يبعه حتى يقبضه" واستدلالا بالسنة الثابتة في الطعام أن لا يباع حتى يقبض.
أخبرنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا زهير بن حرب قال حدثنا إسماعيل عن أيوب قال حدثني عمرو بن شعيب قال حدثني أبي عن أبيه حتى ذكر عبد الله بن عمرو قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لايحل بيع وسلف ولا بيع ما لم يضمن ولا بيع ما ليس عندك".
واحتجوا أيضا بعموم بيع ما ليس عندك على ظاهره واحتجوا أيضا بحديث سعيد الطائي عن عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من أسلف في شيء فلا يعرفه في غيره أو إلى غيره" وقالوا هذا كله على العموم في الطعام وغيره وذهب مالك وأصحابه ومن تابعه في هذا الباب إلى أن نهيه عليه السلام عن ربح ما لم يضمن إنما هو في الطعام وحده لأنه خص بالذكر في مثل هذا الحديث وغيره من الأحاديث الصحاح ولا بأس عندهم بربح ما لم يضمن ما عدا الطعام من البيوع والكراء وغيره وكذلك حملوا النهي عن بيع ما ليس عندك على الطعام وحده إلا ما كان من العينة

(13/333)


وأصحابنا في أصولهم في الشرائع ولتفسير العينة على مذهبهم موضع غير هذا قالوا وكل حديث ذكر فيه النهي عن بيع ما ابتعته حتى تقبضه فالمراد به الطعام لأنه الثابت في الأحاديث الصحاح من جهة النقل وتخصيصه الطعام بالذكر دليل على أن ما عداه وخالفه فحكمه بخلاف حكمه كما أن قوله عند الجميع "من ابتاع طعاما" تخصيص منه للابتياع دون ما عده من القرض وغيره ولكل طائفة في هذا الباب حجج من جهة النظر تركت ذكرها لأن أكثرها تشغيب ومدار الباب على ما ذكرنا وبالله توفيقنا.
وقال عثمان البيتي لا بأس أن تبيع كل شيء قبل أن تقبضه كان مكيلا أو مأكولا أو غير ذلك من جميع الأشياء قال أبو عمر: هذا قول مردود بالسنة والحجة المجمعة على الطعام فقد وأظنه لم يبلغه الحديث ومثل هذا لا يلتفت إليه وبالله التوفيق .

(13/334)


الحديث الحادي عشر
...
حديث حادي عشر لنافع عن ابن عمر
مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر أنه قال كنا في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم نبتاع الطعام فيبعث علينا من يأمرنا بانتقاله من المكان الذي ابتعناه فيه إلى مكان سواه قبل أن نبيعه.
هكذا روى مالك هذا الحديث لم يختلف عليه فيه ولم يقل جزافا وروى غيره عن نافع عن ابن عمر فقال فيه كنا نبتاع الطعام جزافا وقد ذكرنا مذهب مالك في الفرق بين الطعام المبيع على الكيل والطعام المبيع على الجزاف وأن ما بيع عنده وعند أكثر أصحابه من الطعام جزافا فلا بأس أن يبيعه مشتريه قبل أن يقبضه وقبل أن ينقله ومعنى نقله في هذا الحديث قبضه ومعنى قبضه عند مالك استيفاؤه وذلك عنده في المكيل والموزون دون الجزاف وجعل

(13/335)


مالك رحمه الله قوله "حتى يستوفيه" تفسيرا لقوله "حتى يقبضه" والاستيفاء عنده وعند أصحابه لا يكون إلا بالكيل أو الوزن وذلك عندهم فيما يحتاج إلى الكيل أو الوزن مما بيع على ذلك قالوا وهو المعروف من كلام العرب في معنى الاستيفاء بدليل قول الله عز وجل {لَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَْ} وقوله {فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا} {وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ}.
قالوا فما بيع من الطعام جزافا لا يحتاج إلى كيله فلم يبق فيه إلا التسليم وبالتسليم يستوفى فأشبه العقار والعروض فلم يكن ببيعه بأس قبل القبض بعموم قول الله عز وجل {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ}.
هذا جملة ما احتج به أصحاب مالك لقوله في ذلك وجعل بعضهم هذا الحديث من باب تلقي السلع وقال إنما جاء النهي في ذلك لئلا يترابحوا فيه بينهم فيغلو السعر على أهل السوق فلذلك قيل لهم حولوا عن مكانه وانقلوه يعني إلى أهل السوق وهذا تأويل بعيد فاسد لا يعضده أصل ولا يقوم عليه دليل ولا أعلم أحدا تابع مالكا من جماعة فقهاء الأمصار على تفرقته بين ما اشترى جزافا من الطعام وبين ما اشترى منه كيلا إلا الأوزاعي فإنه قال من اشترى طعاما جزافا فهلك

(13/336)


قبل القبض فهو من مال المشتري وإن اشتراه مكايلة فهو من مال البائع وهو نص قول مالك وقد قال الأوزاعي من اشترى ثمرة لم يجز له بيعها قبل القبض وهذا تناقض وأحسن ما يحتح به لمالك في قوله هذا ما حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله قال حدثنا تميم بن محمد قال حدثنا عيسى بن مسكين وحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن وضاح قالا جميعا حدثنا سحنون عن ابن وهب قال أخبرنا عمرو بن الحارث وغيره عن المنذر بن عبيد المدني عن القاسم بن محمد عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم "نهى أن يبيع أحد طعاما اشتراه بكيل حتى يستوفيه".
قال أبو عمر: فقوله بكيل دليل على أن ما خالفه بخلافه والله أعلم ولم يفرق سائر الفقهاء بين الطعام المبيع جزافا والطعام المبيع كيلا أنه لا يجوز لمبتاعه أن يبيع شيئا منه قبل القبض فقبض ما بيع كيلا أو وزنا أن يكال على مبتاعه أو يوزن عليه وقبض ما اشترى جزافا أن ينقله مبتاعه ويحوله من موضعه ويبين به إلى نفسه فيكون ذلك قبضا له كسائر العروض والمصيبة عند جميعهم فيه إن هلك قبل القبض من بائعه ولا يجوز بيعه قبل قبضه وممن قال بهذا سفيان الثوري وأبو حنيفة وأصحابه والشافعي ومن اتبعه وأحمد

(13/337)


ابن حنبل وإسحاق وداود بن علي والطبري وأبو عبيد وروي ذلك عن سعيد بن المسيب والحكم وحماد والحسن البصري.
وحجة من ذهب هذا المذهب عموم نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ربح ما لم يضمن وقوله لحكيم بن حزام "إذا ابتعت بيعا فلا تبعه حتى تقبضه" ولما قدمنا ذكره في الباب قبل هذا عن ابن عباس وجابر وغيرهما ولأن الصحابة كانوا يؤمرون إذا ابتاعوا الطعام جزافا أن لا يبيعوه حتى يقبضوه وينقلوه من موضعه.
وقد ذكر أمر الجزاف في هذا الحديث عن نافع حفاظ متقنون ورواه أيضا سالم عن ابن عمر قالوا فلا وجه للفرق بين شيء من ذلك.
قرأت على عبد الوارث بن سفيان أن القاسم بن أصبغ حدثهم قال حدثنا محمد بن وضاح قال حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم دحيم قال حدثنا الوليد حدثنا الأوزاعي عن الزهري عن سالم عن أبيه قال "رأيت الذين يشترون الطعام مجازفة يضربون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبيعوه حتى يؤدوه إلى رحالهم".
قال أبو عمر: أخطأ محمد بن كثير في هذا الحديث فرواه عن الأوزاعي عن الزهري عن حمزة عن ابن عمر والحديث محفوظ لسالم عن ابن عمر ليس لحمزة فيه طريق

(13/338)


أخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن قال حدثنا محمد بن بكر قال أنبأنا أبو داود قال حدثنا الحسن بن علي قال حدثنا عبد الرزاق قال أنبأنا معمر عن الزهري عن سالم عن ابن عمر قال رأيت الناس يضربون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اشتروا الطعام جزافا أن يبيعه المشتري حتى ينقله إلى رحله.
وحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم قال حدثنا مطلب قال حدثنا أبو صالح قال حدثنا الليث قال حدثني يونس عن ابن شهاب قال أخبرني سالم عن ابن عمر أنه قال "رأيت الناس في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ابتاعوا طعاما جزافا يضربون في أن يبيعوه مكانهم حتى يؤووه إلى رحالهم".
وحدثنا عبد الوارث قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا بكر بن حماد قال حدثنا مسدد قال حدثنا يحيى عن عبيد الله قال حدثنا نافع عن ابن عمر قال كانوا يتبايعون الطعام جزافا في السوق فيبيعونه في مكانهم فنهاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبيعوه في مكانه حتى ينقلوه

(13/339)


وحدثنا عبد الوارث أيضا قال حدثنا قاسم قال حدثنا محمد بن عبد السلام قال حدثنا محمد بن بشار قال حدثني يحيى بن سعيد قال حدثنا عبيد الله قال أخبرني نافع عن ابن عمر قال كانوا يتبايعون الطعام جزافا في أعلى السوق فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يبيعوه حتى ينقلوه.
وقال أبو عمر: إذا آواه إلى رحله ونقله فقد قبضه وإنما كانوا يضربون على ذلك لئلا يبيعوه قبل قبضه وبيع الطعام جزافا في الصبرة ونحوها أمر مجتمع على إجازته وفي السنة الثابتة في هذا الحديث دليل على إجازة ذلك ولا أعلم فيه اختلافا فسقط القول فيه إلا أن مالكا لم يجز لمن علم مقدار صبرته وكدسه كيلا أن يبيعه جزافا حتى يعرف المشتري مبلغه فإن فعل فهو غاش ومبتاع ذلك منه بالخيار إذا علم كالعيب سواء.
وهذا موضع اختلف العلماء فيه فقال منهم قائلون لا يضره علمه بكيله وجائز له بيعه جزافا وإن علم كيله وكتم ذلك على عموم قوله تعالى {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ} فكل بيع حلال على ظاهر هذه الآية إلا أن تمنه منه سنة ولم

(13/340)


ترد سنة في المنع من هذا بل قد وردت السنة في إجازة بيع الطعام جزافا ولم تختلف العلماء في ذلك ولم يفرق أكثرهم بين العالم بذلك والجاهل قالوا فلا وجه للفرق بين علم كيل طعامه وبين من جهله في ذلك قالوا وإنما الغش في بيع الطعام جزافا أن لا يكون الموضع الذي هو عليه مستويا ونحو ذلك من الغش المعروف فأما علم البائع بمقدار كيله فليس بغش وممن قال لا بأس أن يبيع الإنسان طعاما قد علم مقداره مجازفة ممن لم يعلم مقداره الشافعي وأبو حنيفة وأصحابه والثوري والحسن بن حي وداو وأحمد بن حنبل والطبري وروي ذلك عن الحسن البصري على اختلاف عنه ولم يختلف قول مالك في هذه المسألة إن البائع إذا علم بكيل طعامه وكتم المشتري كان ذلك عيبا وكان المشتري بالخيار بين التمسك والرد وجميع الطعام والأدام في ذلك سواء وعلم الكيل والوزن في ذلك سواء.
لم يختلف قول مالك في شيء من ذلك واختلف قول مالك في المسألة الأولى من هذا الباب فالمشهور عنه ما قدمنا ذكره وقد حكى أبو بكر بن أبي

(13/341)


يحيى الوقار عن مالك أنه قال لا بيع ما اشتري من الطعام والأدام جزافا قبل قبضه ونقله واختاره الوقار وهو الصحيح عندي في هذه المسألة لثبوت الخبر بذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم وعمل أصحابه وعليه جمهور أهل العلم.
وحدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا محمد بن عوف الطائي قال حدثنا أحمد بن خالد الوهبي قال حدثنا محمد بن إسحاق عن أبي الزناد عن عبيد بن حنين عن ابن عمر قال "ابتعت زيتا في السوق فلما استوفيته لقيني رجل فأعطاني به ربحا حسنا فأردت أن أضرب على يده فأخذ رجل من خلفي بذراعي فالتفت فإذا أنا بزيد بن ثابت فقال لا تبعه حيث ابتعته حتى تحوزه إلى رحلك فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن تباع حيث تبتاع السلع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم".
عم في هذا الحديث السلع فظاهره حجة لمن جعل الطعام وغيره سواء على ما ذكرنا عنهم في الباب قبل هذا ولكنه

(13/342)


يحتمل أن يكون أراد السلع المأكولة والمؤتدم بها لأن على الزيت خرج الخبر وجاء في هذا الحديث فلما اشتريته لقيني رجل فأعطاني به ربحا الحديث وهذا يحتمل أن يكون اشتراه جزافا بظرفه فحازه إلى نفسه كما كان في ذلك الظرف قبل أن يكيله أو ينقله.
والدليل على ذلك إجماع العلماء على أنه لو استوفاه بالكيل أو الوزن إلى آخره لجاز له بيعه في موضعه وفي إجماعهم على ذلك ما يوضح لك أن قوله فلما استوفيته على ما ذكرنا أو يكون لفظا غير محفوظ في هذا الحديث والله أعلم أو يكون زيد بن ثابت رآه قد باعه في الموضوع الذي ابتاعه فيه ولم يعلم باستيفائه له فنقل الحديث من أجل ما ذكره زيد فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم ولما أجمعوا على أنه لو قبضه وقد ابتاعه جزافا وجازه إلى رحله وبان به وهما جميعا في مكان واحد إنه جائز له حينئذ بيعه علم أن العلة في انتقاله من مكان إلى مكان سواه قبضه على ما يعرف الناس من ذلك وأن الغرض منه القبض وقلما يمكن قبضه إلا بانتقاله والأمر في ذلك بين لمن فهم ولم يعاند وأما مسألة المجازفة فقد تابع مالكا على القول بكراهة ما كره من ذلك الليث بن سعد وقد روي ذلك عن جماعة من التابعين

(13/343)


أخبرنا أحمد بن عبد الله بن محمد قال حدثني أبي قال حدثنا محمد بن قاسم قال حدثنا محمد بن عبد السلام الخشني قال قرأت على محمود بن خالد قال حدثنا عمرو بن عبد الواحد قال حدثنا الأوزاعي قال حدثني ابن أبي جميل قال سألت مجاهدا وطاووس وعطاء بن أبي رباح والحسن بن أبي الحسن عن الرجل يأتي الطعام فيشتريه في البيت من صاحبه مجازفة لا يعلم كيله ورب الطعام يعلم كيله فكرهوه كلهم.
وقال مالك في الجوز إذا علم صاحبه عدده ولم يعلمه المشتري لم يبعه مجازفة قال وأما القثاء ونحوه فله أن يبيعه مجازفة وإن علم البائع عدده ولم يعلمه المشتري لأن ذلك يختلف وتابعه على ذلك الليث وقال الأوزاعي إذا اشترى شيئا مما يكال ثم حمله إلى بلد يوزن فيه فهو لم يبعه جزافا وإن كان حيث حمله لا يكال ولا يوزن فلا بأس أن يباع جزافا بذلك

(13/344)


ولا يجوز عند مالك وأصحابه بيع شيء له بال جزافا نحو الرقيق والدواب والمواشي والبز وغير ذلك لما له قدر وبال لأن ذلك يدخله الخطر والقمار.
وهذا عندهم خلاف ما يعد ويكال ويوزن من الطعام والأدام وغيره لأن ذلك تحويه العين ويتقارب فيه النظر بالزيادة اليسيرة والنقصان اليسير.
وكان إسماعيل بن إسحاق يحتج لمالك في كراهيته لمن علم كيل طعامه أو وزنه ومقداره أن يبيعه مجازفة ممن لا يعلم ذلك ويكتم عليه فيه بأن قال المجازفة مفاعلة وهي من اثنين ولا تكون من واحد فلا يصح حتى يستوي علم البائع والمبتاع فيما يبتاعه مجازفة وهذا قول لا يلزم وحجة تحتاج إلى حجة تعضدها وليس هذا سبيل الاحتجاج والذي كرهه له مالك لأنه داخل عنده في باب القمار والمخاطرة والغش والله أعلم.
وروى العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم "من غشنا فليس منا".

(13/345)


أخبرنا عبد الله بن محمد بن يحيى حدثنا محمد بن بكير حدثنا أبو داود حدثنا أحمد بن حنبل حدثنا سفيان بن عيينة عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر برجل يبيع طعاما فسأله كيف تبيع فأخبره فأومأ بيده أن أدخل يدك فيه فأدخل يده فيه فإذا هو مبلول فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من غش فليس منا".
وحدثنا عبد الوارث وسعيد قالا حدثنا قاسم حدثنا ابن وضاح حدثنا أبو بكر حدثنا خالد بن مخلد حدثنا سليمان بن بلال عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من غشنا فليس منا".

(13/346)


الحديث الثاني عشر
...
حديث ثاني عشر لنافع عن ابن عمر
مالك عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن التجشر.
قال أبو عمر: هكذا روى هذا الحديث جماعة أصحاب مالك عن مالك وزاد فيه القعنبي وقال وأحسبه قال وأن تتلقى السلع حتى يهبط بها إلى الأسواق ولم يذكر غيره هذه الزيادة ورواه أبو يعقوب إسماعيل بن محمد قاضي المدائن قال أنبأنا يحيى بن موسى البلخي قال أنبأنا عبد الله بن نافع قال حدثني مالك ابن أنس عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم "نهى عن التحبير والتحبير أن يمدح الرجل سلعته بما ليس فيها" هكذا قال التحبير وفسره ولم يتابع على هذا اللفظ وإنما المعروف النجش وقد مضى القول فيها بما للعلماء في ذلك فيما تقدم من كتابنا هذا

(13/347)


وأما النجش فلا أعلم بين أهل العلم اختلافا في أن معناه أن يعطي الرجل الذي قد دسه البائع وأمره في السلعة عطاء لا يريد شراءها به فوق ثمنها ليغتر المشتري فيرغب فيها أو يمدحها بما ليس فيها فيغتر المشتري حتى يزيد فيها أو يفعل ذلك بنفسه ليغر الناس في سلعته وهو لا يعرف أنه ربها وهذا معنى النجش عند أهل العلم وإن كان لفظي ربما خالف شيئا من ألفاظهم فإن كان ذلك فإنه غير مخالف لشيء من معانيهم وهذا من فعل فاعله مكر وخداع لا يجوز عند أحد من أهل العلم لنهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن النجش وقوله "لا تناجشوا" وأجمعوا أن فاعله عاص لله إذا كان بالنهي عالما واختلف الفقهاء في البيع على هذا إذا صح وعلم به فقال مالك لا يجوز النجش في البيع فمن اشترى سلعة منجوشة فهو بالخيار إذا علم وهو عيب من العيوب.
قال أبو عمر: الحجة لمالك في قوله هذا عندي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل لمشتري المصراة الخيار إذا علم بعيب التصرية ولم يقض بفساد البيع ومعلوم أن التصرية نجش ومكر وخديعة فكذلك النجش يصح فيه البيع ويكون المبتاع بالخيار من أجل ذلك قياسا ونظرا والله أعلم .

(13/348)


وقال الشافعي وأبو حنيفة ذلك مكروه والبيع لازم ولا خيار للمبتاع في ذلك.
قال أبوعمر: لأن هذا ليس بعيب في نفس المبيع كالمصراة المدلس بها وإنما هو كالمدح وشبهه وقد كان يجب على المشتري التحفظ وأن يستعين بمن يميز ونحو هذا.
وقالت طائفة من أهل الحديث وأهل الظاهر البيع على هذا باطل مردود على بائعه إذا ثبت ذلك عليه.
حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن الهيثم أبو الأحوص قال حدثنا أبو يعقوب الحنيني عن مالك والعمري عن نافع عن ابن عمر "أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن النجش".
وحدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا أحمد بن عمرو بن السرح قال حدثنا سفيان عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا تناجشوا".

(13/349)


المجلد الرابع عشر
تابع لحرف النون
تابع لنافع بن جرجس
حديث ثالث عشر
...
حديث ثالث عشر لنافع عن ابن عمر
مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "المتبايعان كل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا إلا بيع الخيار".
لا خلاف عن مالك في لفظ هذا الحديث بهذا الإسناد.
ورواه أيوب عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم: "البيعان بالخيار ما لم يتفرقا أو يقول أحدهما لصاحبه اختر" هكذا قال حماد بن زيد عن أيوب.
ورواه شعبة وسعيد بن أبي عروبة عن أيوب بإسناده بلفظ حديث مالك ومعناه ورواه ابن علية عن أيوب عن نافع عن ابن عمر مثله البيعان بالخيار حتى يتفرقا أو يكون بيع خيار قال وربما قال نافع أو يقول أحدهما لصاحبه اختر ورواه

(14/7)


عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر عن النبي عليه السلام فقال فيه ما لم يتفرقا أو يكون خيار.
ولفظ عبد الله ابن دينار عن ابن عمر عن النبي عليه السلام كل بيعين فلا بيع بينهما حتى يتفرقا قال إلا بيع الخيار.
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال "المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا" من وجوه كثيرة من حديث سمرة بن جندب وأبي برزة الأسلمي وعبد الله بن عمرو بن العاص وأبي هريرة وحكيم بن حزام وغيرهم.
وأجمع العلماء على أن هذا الحديث ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم وأنه من أثبت ما نقل الآحاد العدول واختلفوا في القول به والعمل بما دل عليه فطائفة استعملته وجعلته أصلا من أصول الدين في البيوع وطائفة ردته فاختلف الذين ردوه في تأويل ما ردوه به وفي الوجوه التي بها دفعوا العمل به.
فأما الذين ردوه فمالك وأبو حنيفة وأصحابهما لا أعلم أحدا رده غير هؤلاء إلا شيء روي عن إبراهيم النخعي؛

(14/8)


فأما مالك رحمه الله فإنه[ أ ] قال في موطئه لما ذكر هذا الحديث وليس لهذا عندنا حد معروف ولا أمر معمول به واختلف المتأخرون من المالكيين في تخريج وجوه قول مالك هذا فقال بعضهم دفعه مالك رحمه الله بإجماع أهل المدينة على ترك العمل به وإجماعهم حجة فيما أجمعوا عليه ومثل هذا يصح فيه العمل لأنه مما يقع متواترا ولا يقع نادرا فيجهل فإذا[ ب ] أجمع "ج" أهل المدينة على ترك العمل به وراثة بعضهم عن بعض فمعلوم أن هذا توقيف أقوى من خبر الواحد والأقوى أولى أن يتبع.
وقال بعضهم لا يصح دعوى إجماع أهل المدينة في هذه المسألة لأن سعيد بن المسيب وابن شهاب وهما أجل فقهاء أهل "د" المدينة روي عنهما منصوصا العمل به ولم يرو عن أحد من أهل المدينة نصا ترك العمل به إلا عن مالك وربيعة وقد اختلف فيه عن ربيعة وقد كان ابن أبي ذئب وهو من فقهاء أهل المدينة في عصر مالك-

(14/9)


ينكر على مالك اختباره ترك العمل به حتى جرى منه لذلك في مالك قول خشن حمله عليه الغضب ولم[ أ ] يستحسن مثله منه فكيف يصح لأحد أن يدعي إجماع أهل المدينة في هذه المسألة هذا ما لا يصح القول به وقال هذا القائل في معنى قول مالك وليس لهذا عندنا حد معروف ولا أمر معمول به إنما أراد الخيار لأنه قال ذلك فأثر قوله: "إلا بيع الخيار" وأراد مالك بقوله هذا ليس عندنا في المدينة في الخيار حد معروف ولا أمر معمول به فيه إنكارا لقول أهل العراق وغيرهم القائلين بأن الخيار لا يكون في جميع السلع إلا ثلاثة أيام والخيار عند مالك وأهل المدينة يكون ثلاثا وأكثر وأقل على حسب اختلاف حال المبيع وليس الخيار عنده في الحيوان كهو في الثياب ولا هو في الثياب كهو في العقار وليس لشيء من ذلك حد بالمدينة لا يتجاوز كما [ب] زعم المخالف قال فهذا معنى ما أراد مالك رحمه الله بقوله وليس لهذا عندنا حد معروف ولا أمر معمول به أي ليس للخيار واشتراطه عندنا حد لا يتجاوز في العمل به سنة كما زعم من خالفنا قال وأما حديث البيعان بالخيار ما لم يتفرقا[ ج ] فإنما رده اعتبارا ونظرا واختيارا[ د ] مال فيه إلى بعض أهل بلده كما صنع في سائر مذهبه.

(14/10)


قال أبو عمر قد أكثر المتأخرون من المالكيين والحنفيين من الاحتجاج لمذهبهما في رد هذا الحديث بما يطول ذكره وأكثره تشغيب لا يحصل منه على شيء لازم لا مدفع له ومن جملة ذلك أنهم نزعوا بالظواهر وليس ذلك من أصل مذهبهم فاحتجوا[ أ ] بعموم قول الله عز وجل: {أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} قالوا وهذان قد تعاقدا وفي هذا الحديث إبطال الوفاء بالعقد وبعموم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من ابتاع طعاما فلا يبعه حتى يستوفيه" قالوا فقد أطلق بيعه إذا استوفاه قبل التفريق وبعده وبأحاديث[ ب ] كثيرة مثل هذا فيها[ ج ] إطلاق البيع دون ذكر التفرق وهذه ظواهر وعموم لا يعترض بمثلها على الخصوص والنصوص وبالله التوفيق.
واحتجوا أيضا بلقطة رواها عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "البيعان بالخيار ما لم يتفرقا" ولا يحل له أن يفارق صاحبه خشية أن يستقبله.

(14/11)


قالوا فهذا يدل على أنه قد تم البيع بينهما قبل الافتراق لأن[ أ ] الإقالة لا تصح إلا فيما قد تم من البيوع.
وقالوا قد يكون التفرق بالكلام كعقد النكاح وشبهه وكوقوع الطلاق الذي قد سماه الله فراقا والتفرق والكلام في لسان العرب معروف أيضا كما هو بالأبدان واعتلوا بقول الله عز وجل: {وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلّاً مِنْ سَعَتِهِ} وقوله: {وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا} ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تفترق أمتي" لم[ ب ] برد بأبدانهم[ ج ] قالوا ولما كان الاجتماع بالأبدان لا يؤثر في البيع كذلك الافتراق[ د ] لا يؤثر في البيع وقالوا إنما أراد بقوله صلى الله عليه وسلم :"المتبايعان بالخيار المتساومين" قال ولا يقال لهما متبايعان إلا ما داما في حال فعل التبايع فإذا وجب البيع لم يسميا متبايعين وإنما يقال كانا "هـ" متبايعين مثل ذلك المصلي،

(14/12)


والآكل والشارب والصائم فإذا انقضى فعله ذلك قيل كان صائما وكان آكلا ومصليا وشاربا ولم يقل إنه صائم أو مصل أو آكل[ أ ] أو شارب إلا مجازا أو تقريبا واتساعا وهذا لا وجه له في الأحكام قالوا فهذا يدل على أنه أراد بقوله: "البيعان بالخيار ما لم يفترقا والمتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا المتساومين" وعن أبي يوسف القاضي نصا أنه قال هما المتساومان[ ب ] قال فإذا قال بعتك بعشرة فللمشتري الخيار في القبول في المجلس قبل الافتراق والبائع خيار الرجوع في قوله قبل قبول المشتري وعن عيسى بن أبان نحوه أيضا وقال محمد بن الحسن معنى قوله: "في الحديث البيعان بالخيار ما لم يتفرقا" أن البائع إذا قال قد بعتك فله أن يرجع ما لم يقل المشتري قد قبلت وهو قول أبي حنيفة وقد روي عن أبي حنيفة أنه كان يرد هذا الخبر باعتباره إياه على أصوله كسائر فعله في أخبار الآحاد كان يعرضها على الأصول المجتمع عليها عنده ويجتهد في قبولها أو ردها فهذا [جٍ] أصله في أخبار الآحاد وروي عنه أنه كان يقول في رد هذا الحديث أرأيت إن كانا في سفينة أرأيت إن كانا في سجن أو قيد كيف يفترقان إذن[ د ] فلا يصح بين هؤلاء بيع أبدا وهذا مما عيب به أبو حنيفة وهو أكبر عيوبه وأشد ذنوبه عند أهل الحديث الناقلين لمثالبه،

(14/13)


باعتراضه الآثار الصحاح ورده لها برأيه وأما الإرجاء المنسوب إليه فقد كان غيره فيه أدخل وبه أقول لم يشتغل أهل الحديث من نقل مثالبه ورواية سقطاته مثل ما اشتغلوا به من مثالب أبي حنيفة والعلة في ذلك ما ذكرت لك لا غير وذلك ما وجدوا له من ترك السنن وردها برأيه أعني السنن المنقولة بأخبار العدول الآحاد الثقات والله المستعان.
وقال مالك لا خيار للمتبايعين إذا عقد البيع بكلام وإن لم يفترقا[ أ ] وذكر ابن خواز منداد عن مالك في معنى البائعين بالخيار ما لم يفترقا[ ب ] نص ما ذكرناه عن محمد بن الحسن وأبي حنيفة كان إبراهيم النخعي يرى البيع جائزا وإن لم يفترقا وقال سفيان الثوري وسفيان بن عيينة وابن أبي ذئب والليث بن سعد وعبد الله بن الحسن العنبري قاضي البصرة وسوار القاضي والشافعي وأصحابه وعبد الله بن المبارك إذا عقد المتبايعان بيعهما[ ج ] فهما جميعا بالخيار في إتمامه وفسخه ما داما في مجلسهما ولم يفترقا[ د ] بأبدانهما والتفرق في ذلك كالتفرق في الصرف سواء

(14/14)


وهو قول أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأبي ثور وأبي عبيد وداود بن علي والطبري وروي ذلك عن عبد الله بن عمر وأبي برزة الأسلمي وسعيد بن المسيب وشريح القاضي والشعبي والحسن البصري وعطاء وطاوس والزهري وابن جريج ومعمر ومسلم بن خالد الزنجي والأوزاعي ويحيى القطان وعبد الرحمان بن مهنى وقال الأوزاعي هما بالخيار ما لم يفترقا إلا بيوع ثلاثة بيع السلطان للغنائم والشركة في الميراث والشركة في التجارة فإذا صافقه في هذه الثلاثة فقد وجب البيع وليسا فيه[ أ ] بالخيار قال وحد الفرقة أن يتوارى كل واحد منهما عن صاحبه وهو قول أهل الشام وقال الليث التفرق أن يقوم أحدهما.
قال أبو عمر قد أكثر الشافعيون في بطلان ما اعتل به المالكيون والحنفيون في هذه المسألة فمن جملة ذلك أنهم قالوا لا حجة فيما نزع به المخالف من قول الله عز وجل {أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} لأن هذا عموم تعترضه[ ب ] ضروب من التخصيص وإن ما[ ج ] يجب أن توفى به من العقود ما كان عقدا صحيحا في الكتاب والسنة أو في أحدهما وما لم يكن كذلك فليس يجب الوفاء به ألا ترى أنهما لو عقدا بيعا في الطعام قبل أن يستوفى أو عقدا بيعا على شيء من الربا أو على شيء

(14/15)


من البيوع المنهي عنها المكروهة التي وردت السنة بإبطالها هل كان يجب الوفاء بشيء من ذلك قال صلى الله عليه وسلم : "كل عمل ليس عليه[ أ ] أمرنا فهو رد" "ولا طاعة إلا في المعروف".
وأما ما اعتلوا به من طواهر الآثار فغير لازم لأن البيع لا يتم إلا بالافتراق فلا وجه لما قالوه وأما اعتلالهم بقوله صلى الله عليه وسلم في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده "ولا يحل له أن يفارقه خشية أن يستقيله" ب" فإن هذا معناه إن صح على الندب بدليل قوله صلى الله عليه وسلم: "من أقال مسلما أقال الله عثرته" وبإجماع المسلمين على أن ذلك يحل لفاعله على ظاهر الحديث وقد كان ابن عمر وهو الذي روى حديث البيعان[ ج ] بالخيار ما لم يفترقا إذا بايع أحدا وأحب أن ينفذ البيع مشى قليلا ثم رجع وفي حديث عمرو بن شعيب أيضا ما يدل على أنه لا بيع بينهما وأن كل واحد منهما بالخيار على صاحبه ما لم يفترقا

(14/16)


حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ.
قال حدثنا مطلب بن شعيب قال حدثنا أبو صالح وأخبرنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا قتيبة بن عجلان عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "المتبايعان بالخيار ما لم يفترقا إلا أن تكون صفقة خيار ولا يحل له أن يفارق صاحبه خشية أن يستقيله".
وأخبرنا سعيد بن نصر وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا إسماعيل بن إسحاق قال حدثنا إسحاق بن محمد القروي قال حدثنا مالك عن سمي بن أبي صالح عن أبي هريرة أن[ أ ] رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من أقال نادما في بيع أو قال بيعته أقاله الله[ ب ] يوم القيامة" وروى[ ج ] عبد الرزاق عن معمر عن محمد [د]

(14/17)


بن واسع عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثله[ أ ] فهذا يدل على أن ذلك ندب وقوله لا يحل لفظة منكرة فإن[ ب ] صحت فليست على ظاهرها لإجماع المسلمين أنه جائز له أن يفارقه لينفذ بيعه ولا يقيله إلا أن يشاء وفيما أجمعوا عليه من ذلك رد لرواية من روى ولا[ ج ] يحل له أن يفارقه خشية أن يستقيله.
فإن لم يكن وجه هذا الخبر الندب وإلا فهو باطل بإجماع وأما ما اعتلوا به من ان الافتراق قد يكون بالكلام وأنه جائز أن يكون أري بذكر الافتراق في هذا الحديث الافتراق بالكلام فيقال لهم خبرونا[ د ] عن الكلام الذي وقع به الاجتماع وتم به البيع أهو الكلام الذي أريد به الافتراق أم غيره فإن قالوا هو غيره فقد أحالوا وجاءوا بما لا يعقل لأنه ليس ثم كلام غير ذلك وإن قالوا هو ذلك الكلام[ ه ] بعينه قيل لهم كيف يجوز أن يكون الكلام الذي به اجتمعا وتم بيعهما به افترقا وبه انفسخ بيعهما هذا ما لا يفهم ولا يعقل والاجتماع ضد

(14/18)


الافتراق فكيف يجوز أن يكون الكلام الذي اجتمعا به افتراقا به نفسه هذا عين المحال والفاسد من [ أ ] المقال.
وأما قولهم المتساومان في معنى المتبايعين فلا وجه له لأنه لا تكون حينئذ في الكلام فائدة ومعلوم أن المتساومين بالخيار كل واحد منهما على صاحبه ما لم يقع الإيجاب بالبيع والعقد [ب] والتراضي فكيف يرد الخبر بما لا يفيد فائدة[ ج ] وهذا ما لا يظنه ذو لب على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأما اعتلالهم بتسمية الفاعل بفعله الدائم ما دام يفعله كالمصلي والآكل وشبه ذلك فيدخل عليهم أن هذا لا يصح إلا في الأفعال المتعلقة بواحد كالصوم والصلاة والأكل والشرب وما أشبه ذلك أما الأفعال التي لا تتم إلا من اثنين كالمبايعة والمقاتلة والمبارزة وما أشبه ذلك فلا يجوز أن يتم الاسم إلا وهو موجود منهما جميعا ويدخل عليهم أيضا أن السارق والزاني وما أشبههما لا يقع عليهما [د ] الاسم إلا بعد تمام الفعل الموجب للحد وما دام الاسم موجودا فالحد واجب إن لم يقم حتى يقام.
وأما قولهم لما لم يكن لاجتماع الأبدان تأثير في البيع فكذلك الافتراق بالأبدان لا يؤثر في البيع فيدخل عليهم أن

(14/19)


التبايع لما لم يكن فيه بد من الكلام ثم ذكر عقبه التفريق، علم أنه أريد به غير الكلام ويدل على ذلك فعل ابن عمر الذي روى الحديث وعلم مخرجه والمراد من معناه ومثل هذا قول عمر بن الخطاب لطلحة بن عبيد الله في الصرف لا تفارقه ولا إلى أن يلج بيته وهو المفهوم من لسان العرب والمعروف من مرادها[ أ ] في مخاطباتها بالافتراق افتراق الأبدان وغير ذلك مجاز وتقريب واتساع وبالله التوفيق.
حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا أبي قال حدثنا إسماعيل بن علية عن أيوب عن نافع عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "البيعان بالخيار ما لم[ ب ] يتفرقا"[ ج ] أو يكون بيع خيار قال وربما قال نافع أو يقول[ د ] أحدهما اختر.
وحدثنا عبد الوارث قال حدثنا قاسم قال حدثنا محمد بن عبد السلام قال حدثنا محمد بن بشار وحدثنا عبد الوارث أيضا قال حدثنا قاسم قال حدثنا بكر بن حماد قال حدثنا

(14/20)


مسدد قال حميد حدثنا يحيى بن عبيد[ أ ] الله قال أخبرني نافع عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كل بيعين أحدهما على صاحبه بالخيار ما لم يتفرقا[ ب ] أو يكون خيارا".
وقرأت على عبد الوارث أيضا أن قاسم بن أصبغ حدثهم قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا أبي قال حدثنا ابن عيينة عن ابن جريج قال أملى علي نافع سمع عبد الله بن عمر يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا تبايع المتبايعان فكل واحد منهما[ ج ] بالخيار من بيعه ما لم يتفرقا[ د ] أو يكون بيعهما عن خيار" فإن كان بيعهما عن خيار[ ه ] فقد وجب".
وحدثنا عبد الوارث قال حدثنا قاسم قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا موسى بن داود حدثنا الليث[ و ] بن سعيد عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا تبايع

(14/21)


الرجلان فكل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا[ أ ] وكانا جميعا أو يخير أحدهما الآخر فإن خير أحدهما الآخر فتبايعا على ذلك فقد وجب البيع وإن تفرقا بعد أن تبايعا ولم يترك واحد منهما البيع فقد وجب البيع.
وحدثنا أحمد بن قاسم بن عبد الرحمان وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا الحارث بن أبي أسامة قال حدثنا أبو نعيم قال حدثنا سفيان عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كل بيعين لا بيع بينهما حتى يتفرقا[ ب ] إلا بيع الخيار".
وأما[ ج ] حديث حكيم بن حزام فرواه شعبة عن قتادة أنه سمعه من أبي الخليل عن عبيد [د ٍ] الله بن الحارث عنه أخبرنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو الوليد الطيالسي قال حدثنا شعبة عن قتادة عن أبي الخليل عن عبيد الله بن الحارث عن حكيم بن حزام أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "البيعان بالخيار ما لم يفترقا فإن

(14/22)


صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما وإن كتما وكذبا محقت البركة من بيعهما".
وأما حديث سمرة فرواه شعبة وهشام الدستوائي وسعيد بن ابي عروبة وهمام وحماد بن سلمة وغيرهم عن قتادة عن الحسن عن سمرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: "البيعان بالخيار ما لم يتفرقا [ أ ] وبعضهم يزيد فيه أو يكون بيعهما على خيار".
واختلف العلماء في معنى قوله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث "إلا بيع الخيار" وقوله: "أو يكون بيعهما عن" ب " خيار" فقال قائلون هذا الخيار المشترط من كل واحد منهما على حسب ما يجوز من ذلك كالرجل يشترط الخيار ثلاثة أيام أو نحوها فإن المسلمين على شروطهم[ ج ] وهذا قول الشافعي وأبي ثور وجماعة وقال آخرون معنى قوله: "إلا بيع الخيار" وقوله: "إلا أن يكون بيعهما عن خيار" ونحو هذا هو أن يقول أحدهما بعد تمام البيع لصاحبه اختر إنفاذ البيع أو فسخه فإن اختار إمضاء البيع تم البيع بينهما وإن لم يتفرقا[ د ] هذا قول الثوري والليث بن سعد والأوزاعي وابن عيينة،

(14/23)


وعبيد الله بن الحسن[ أ ] وإسحاق بن راهويه وروي ذلك أيضا عن الشافعي وكان أحمد بن حنبل يقول هما بالخيار أبدا قالا هذا القول أو لم يقولاه حتى يفترقا بأبدانهما من مكانهما.
حدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا مسدد قال حدثنا حماد عن جميل بن مرة عن أبي الوضي قال غزونا غزوة منزلنا منزلا فباع صاحب لنا فرسا بغلام ثم أقاما بقية يومهما وليلتهما فلما أصبحا[ ب ] من الغد وحضر الرجل[ ج ] قام إلى فرسه ليسرجه[ د ] فندم فأتى [ه] صاحبه فقال بيني وبينك أبو برزة صاحب النبي صلى الله عليه وسلم فأتيا أبا برزة في ناحية العسكر فقصا عليه القصة فقال أترضيان أن أقضي بينكما بقضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم البيعان بالخيار ما لم

(14/24)


يفترقا قال[ أ ] هشام بن حسان[ ب ] وحدث جميل أنه قال ما أراكما افترقتما.
قال أبو عمر جميل بن مرة يكنى أبا[ ج ] الوسمي بصري ثقة عند أحمد بن حنبل وغيره روى عنه حماد بن زيد وجماعة وأبو الوضي[ د ] السحتني قال أحمد بن صالح تابعي بصري ثقة سمع أبا برزة والحسن بن علي وغيرهما روى عنه هشام بن حسان وجميل بن مرة وقال الطحاوي حديث أبي برزة هذا قال فيه جميل بن مرة عن أبي الوضي باع صاحب لنا فرسا وقال فيه أقمنا يومنا وليلتنا فلما كان من الغد قال هشام بن حسان عن أبي الوضى أنهم اختصموا إلى أبي برزة في جارية وفيه فبات المشتري مع

(14/25)


البائع فلما أصبح قال لا أرضاها وبعضهم يقول فيه فقام معها قال[ أ ] أبو جعفر ولا شك إذا كانا قد أقاما بعد تبايعهما يوما وليلة أنهما قد قاما إلى غائط أو بول أو صلاة أو[ ب ] قام إلى أسراج الفرس وقد قام معها في قصة الجارية وهذا عند الجميع تفرق قال[ ج ] فمعنى[ د ] قول أبي برزة في التفرق ههنا التفرق بالبيع لأن أحدهما أدى البيع والآخر جحده.
قال أبو عمر الصحيح في حديث أبي برزة عن "ه" النبي صلى الله عليه وسلم أنه "و" قال: "البيعان بالخيار مالم يتفرقا" [ ز ] وغير ذلك تأويل أبي برزة والمراد من الحديث قول رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد جاء عن ابن عمر في تأويله غير ما ذهب إليه أبو برزة وابن عمر افقه من أبي برزة وروايته أصح وحديثه أثبت وهو الذي عول عليه أكثر الفقهاء في هذا الباب قرأت على عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا مطلب بن شعيب قراءة عليه قال حدثنا عبد الله بن صالح قال حدثني الليث قال حدثني يونس عن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله[ ح ] قال قال ابن عمر كنا إذا تبايعنا كان

(14/26)


كل واحد منا بالخيار ما لم يفترق المتبايعان قال فتبايعت أنا وعثمان مالا لي بالوادي بمال كثير بخيبر قال فلما بايعته طفقت على عقبي القهقرى خشية أن يرادني عثمان البيع قبل أن أفارقه. وأما قوله في حديث مالك عن نافع عن ابن عمر المذكور[ أ ] إلا بيع الخيار فقد مضى ما للعلماء في تأويل هذه اللفظة واختلفوا في شرط الخيار ومدته فقال مالك يجوز شرط الخيار شهرا أو أكثر هكذا[ ب ] حكى ابن خواز منداد عنه وهو قول[ ج ] ابن أبي ليلى وأبي يوسف ومحمد بن الحسن والأوزاعي كلهم يقول بجواز اشتراط الخيار شهرا أو أكثر والشرط لازم إلى الوقت الذي يشترط فيه الخيار وهو قول أحمد بن حنبل وأبي ثور وإسحاق ولم يفرقوا بين أجناس المبيعات وذكر [د ] ابن القاسم وغيره عن مالك قال يجوز شرط الخيار في بيع الثوب اليوم واليومين وما أشبه ذلك [ه] وما كان أكثر من ذلك فلا خير فيه وفي الجارية يكون أبعد من ذلك قليلا الخمسة أيام والجمعة ونحو ذلك وفي الدابة اليوم وما أشبهه يركبها ليعرف ويختبر ويستشير

(14/27)


فيها وما بعد من أجل الخيار فلا خير فيه ولا فرق بين شرط الخيار للبائع والمشتري وقال الليث بن سعد يجوز الخيار اليوم واليومين والثلاثة قال وما بلغنا فيه وقت إلا أنا نحب أن يكون ذلك قريبا إلى ثلاثة أيام قال الشافعي وأبو حنيفة وأصحابهما يجوز البيع في الأشياء بشرط الخيار للبائع والمشتري ثلاثة أيام إلا فيما يجب تعجيله في المجلس نحو الصرف والسلم.
وقال أبو حنيفة وزفر والشافعي لا يجوز اشتراط الخيار أكثر من ثلاث في شيء من الأشياء فإن فعل فسد البيع قال الشافعي ولولا الخبر ما جازت الثلاثة ولا غيرها في الخيار وقال ابن شبرمة والثوري لا يجوز اشتراط الخيار للبائع بحال قال[ أ ] الثوري إن اشترط البائع الخيار فالبيع فاسد قال ويجوز شرط الخيار للمشتري عشرة أيام وأكثر وقال الحسن بن حي إذا اشترى الرجل الشيء فقال له البائع اذهب فأنت فيه بالخيار فهو فيه بالخيار أبدا حتى يقول قد رضيت وقال ما أدري ما الثلاث إذا باعه فقد رضي وإن كانت جارية بكر فوطئها فقد رضي وقال عبيد الله[ ب ] بن الحسن:

(14/28)


لا يعجبني طول[ أ ] الخيار وكان يقول للمشتري الخيار ما رضي البائع ولا يجوز عند مالك النقد في بيع الخيار فإن اشترط النقد في بيع الخيار فالبيع فاسد وفي مذهب أبي حنيفة أيضا لا يجب نقد الثمن مع بقاء الخيار فإن اشترط نقد الثمن مع بقاء الخيار فالشرط فاسد والبيع صحيح.
قال أبو عمر أما الخبر الذي يزعم الشافعي أنه لولاه ما جاز اشترط الخيار للبائع[ ب ] أصلا ولا للمشتري وإنما أجازه ثلاثا من أجله فحديث سفيان بن عيينة رواه الشافعي والناس عنه عن محمد بن إسحاق عن نافع عن ابن عمر أن منقذا شج في رأسه مأمونة في الجاهلية فحبلت لسانه فكان مخدعا في البيع فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بع وقل ولا خلابة ثم أنت بالخيار ثلاثا من بيعك".
وحديث أيوب وهشام بن حسان عن محمد بن[ ج ] سيرين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من ابتاع مصراة فهو بالخيار ثلاثة أيام" وروى عبيد الله بن عمر عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه

(14/29)


وسلم - مثله وسنذكر المصراة والحكم فيها وما للعلماء في ذلك في باب أبي الزناد من كتابنا هذا إن شاء الله وجماعة الفقهاء بالحجاز والعراق يقولون إن مدة الخيار إذا انقضت قبل أن يفسخ من له الخيار البيع تم البيع ولزم وبه قال المتأخرون من الفقهاء أيضا أبو ثور وغيره إلا أن مالكا قال إذا اشترط المشتري[ أ ] الخيار لنفسه ثلاثا فأتى به بعد مغيب الشمس من آخر أيام الخيار أو من الغد أو قرب ذلك فله أن يرد وإن تباع ذلك لم يرد وهو رأي ابن القاسم قال مالك إن اشترط[ ب ] أنه إن غابت الشمس من آخر أيام الخيار فلم يأت بالثوب لزم البيع فلا خبر في هذا البيع وهذا مما انفرد به أيضا رحمه الله وحجة من أجاز الخيار واشترطه أكثر من ثلاث قوله صلى الله عليه وسلم: "المسلمون على شروطهم".
قال أبو عمر ومن هذا الباب أيضا اختلافهم في لفظ الإيجاب والقبول فقال مالك إذا قال بعني سلعتك بعشرة فقال بعتك صح البيع ولا يحتاج الأول أن يقول قد قبلت وهو قول الشافعي في البيوع إلا أنه قال في النكاح إذا

(14/30)


قال له قد زوجتك وقال قد قبلت[ أ ] لم يصح حتى يقول المتزوج زوجني ابنتك ويقول الآخر قد زوجتكها ويقول المتزوج قد قبلت نكاحها.
وقال أبو حنيفة وأصحابه إذا قال بعني سلعتك بكذا فقال الآخر[ ب ] قد بعتك لم يصح إلا أن يقول الأول قد قبلت وهو قول ابن القاسم وذكر الطحاوي عن أبي حنيفة وأصحابه إذا قال زوجني فقال قد زوجتكها كان تزويجا ولا يحتاج إلى قبول الزواج بعد ذلك قال فرقوا بين البيع والنكاح. وحكي عن الشافعي أن قوله في البيوع أيضا مثل قوله في النكاح ولم يختلف قوله في النكاح.
وقال الحسن بن حي إذا قال أبيعك هذا الثوب بثمن ذكره فقال المشتري قد قبلت فالبائع بالخيار إن شاء ألزمه[ ج ] وإن شاء لم يلزمه.
وعن مالك في هذا الباب مسألة يخالفه فيها الجماعة الفقهاء فيما ذكر الطحاوي قال مالك فيما ذكر ابن القاسم عنه إذا قال بكم سلعتك فيقول مائة دينار فيقول الرجل أخذتها فيقول

(14/31)


لا أبيعك وقد كان أوقفها للبيع فإنه يحلف بالله ما ساومه على الإيجاب في البيع ولا على الركون وإنما ساومه وهو[ أ ] يريد غير الركون فإن حلف كان القول قوله وإن لم يحلف لزمه.
قال أبو جعفر الطحاوي ما ذكر ابن القاسم عن مالك بأنه يصدق أنه لم يرد به عقد بيع في الخطاب الذي ظاهره البيع فإنا لم نعلم أحدا من أهل العلم قاله غيره[ ب ] وجاز الخيار عند مالك وأصحابه إلى غير مدة معلومة إذا جعل الخيار بغير مدة معلومة[ ج ] ويجعل السلطان له في ذلك من الخيار ما يكون في مثل تلك السلعة.
وقال أبو حنيفة وأصحابه إذا جعل الخيار بغير مدة معلومة فسد البيع كالأجل الفاسد سواء فإن أجازه في الثلاث جاز عند أبي حنيفة وإن لم يجزه حتى مضت الثلاث[ د ] لم يكن له أن يجيز.
وقال أبو يوسف ومحمد له أن يختار بعد الثلاث[ د ] وقياس قول الشافعي عندي في هذه المسألة أن يكون البيع فاسدا ولا يجوز وإن[ ه ] أجازه في الثلاث.

(14/32)


وقال طائفة منهم الحسن بن حي وغيره جائز اشتراط الخيار بغير مدة ويكون الخيار أبدا.
وقال الطبري إذا لم يضرب للخيار وقتا معلوما كان البيع صحيحا والثمن حالا وكان له الخيار في الوقت إن شاء أمضى وإن شاء رد وعند مالك والشافعي وعبيد الله بن الحسن يورث الخيار ويقوم ورثة الذي له الخيار مقامه إن مات في أيام الخيار.
وقال الثوري وأبو حنيفة يبطل الخيار بموت من له الخيار ويتم البيع وعند مالك والليث بن سعد والأوزاعي هلاك المبيع في أيام الخيار من البائع منه مصيبة والمشتري أمين وهو قول ابن أبي ليلى إذا كان الخيار للبائع خاصة وقال الثوري إذا كان الخيار للمشتري فعليه الثمن.
وقال أبو حنيفة إن الخيار للبائع فالمشتري ضامن للقيمة وإن كان الخيار للمشتري فعليه الثمن وقد تم البيع[ أ ] على كل حال بالهلاك وحكى الربيع مثل ذلك عن الشافعي وقال الشافعي فيما حكى المازني عنه لأيهما كان الخيار فالمشتري ضامن للقيمة إذا هلك في يده بعد قبضه ب.

(14/33)


له وهذا كله على أصولهم[ أ ] في هلاك المبيع بعد القبض عند المشتري على ما تقدم[ ب ] عنهم ذكره في الباب قبل هذا فهذه[ ج ] أمهات مسائل الخيار وأصوله وأما الفروع في ذلك فلا تكاد تحصى وليس في مثل كتابنا تتقصى.

(14/34)


حديث رابع عشر لنافع عن ابن عمر
مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سرية قبل نجد فيها عبد الله بن عمر فغنموا إبلا كثيرة[ أ ] وكانت سهمانهم اثني عشر بعيرا أو أحد عشر بعيرا ونفلوا بعيرا بعيرا.
هكذا رواه يحيى عن مالك على شك في أحد عشر بعيرا أو اثني عشر بعيرا وتابعه على ذلك جماعة رواة الموطأ منهم القعنبي وابن القاسم وابن وهب وابن بكير ومطرف وغيرهم إلا الوليد بن مسلم فإنه رواه عن مالك عن نافع عن ابن عمر وقال فيه فكانت سهمانهم اثني عشر بعيرا ونفلوا بعيرا بعيرا دون شك وأظنه حمله على رواية شعيب بن أبي حمزة لهذا الحديث فإنه عند الوليد عن شعيب عن نافع،

(14/35)


عن ابن عمر اثني عشر بعيرا بلا شك فحمل حديث مالك على ذلك وهو غلط[ أ ] منه والله أعلم. وأما أصحاب نافع منهم[ ب ] أيوب وعبد الله والليث وغيرهم فإنهم قالوا اثني عشر بعيرا بغير شك لم يشك واحد منهم في ذلك غير مالك وحده وذكر أبو داود حديث مالك عن القعنبي عن مالك فجمعه مع حديث الليث ذكره عن يزيد بن موهب عن الليث وعن القعنبي عن مالك والليث جميعا عن نافع عن ابن عمر اثني عشر بعيرا دون شك ج.
وهذا أيضا مما حمل فيه حديث مالك على حديث الليث لأن القعنبي رواه في الموطأ عن مالك على الشك في إثني عشر بعيرا أو أحد عشر بعيرا كما رواه يحيى وغيره فلا أدري أمن القعنبي جاء هذا حين خلط حديث الليث بحديث مالك أم من أبي داود؟.

(14/36)


حدثنا خلف بن سعيد بن أحمد وعبد الله بن محمد بن يوسف قالا حدثنا عبد الله بن محمد بن علي قال حدثنا أحمد بن خالد قال حدثنا علي بن عبد العزيز البغوي قال حدثنا أحمد بن عبد الرحمان قال حدثنا الوليد بن مسلم قال كان مالك بن أنس حدثنا عن نافع عن ابن عمر عن بعث [أ] رسول الله صلى الله عليه وسلم إياهم في سرية قبل نجد قال ابن عمر فغنمنا غنائم كثيرة فكانت سهماننا من الجيش إثني عشر بعيرا إثني عشر بعيرا ونفلوا بعيرا بعيرا.
وحدثنا محمد بن عبد الله بن حكم قال حدثنا محمد بن معاوية قال حدثنا إسحاق بن أبي حسان الأنماطي قال حدثنا هشام بن عمار قال حدثنا الوليد بن مسلم قال حدثنا شعيب بن أبي حمزة أنه سمع نافعا يحدث عن ابن عمر قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل نجد أربعة آلاف قال عبد الله فاتبعت تلك السرية فكنت فيمن خرج فيها فبلغت سهمان

(14/37)


الجيش إثني عشر بعيرا ونفل[ أ ] أهل السرية بعيرا بعيرا.
قال الوليد بن مسلم وحدثنا الليث بن سعد عن نافع عن ابن عمر قال بلغت سهمان السرية اثني عشر بعيرا ونفلنا بعيرا بعيرا فلم يغيره رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأخبرنا عبد الله بن محمد بن يحيى قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا عبد الوهاب بن نجدة قال حدثنا الوليد بن مسلم.
وأخبرنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا موسى بن عبد الرحمان الأنطاكي حدثنا مبشر ب.
وأخبرنا عبد الله[ ج ] بن محمد قال حدثنا محمد قال حدثنا أبو داود قال حدثنا محمد بن عوف الطائي حدثنا

(14/38)


الحكم بن نافع كلهم عن شعيب بن أبي حمزة عن نافع عن ابن عمر قال بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في جيش قبل نجد وانبعثت سرية من الجيش فكان سهمان الجيش اثني عشر بعيرا اثني عشر بعيرا ونفل[ أ ] أهل السرية بعيرا بعيرا فكانت سهمانهم ثلاثة عشر بعيرا.
قال أبو داود وحدثنا الوليد بن عتبة الدمشقي قال قال الوليد يعني ابن مسلم حدثت ابن المبارك بهذا الحديث قلت وكذا حدثنا ابن أبي فروة عن نافع فقال لا يعدل من سميت بمالك[ ب ] هكذا أو نحوه.
قال أبو عمر إنما قال ابن المبارك هذا القول لأن شعيب بن أبي حمزة خالف مالكا في معنى هذا الحديث لأن مالكا جعل الإثني عشر بعيرا من سهمان السرية وذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثها وأن القسمة والنفل كان كل ذلك لها لا يشركها فيه جيش ولا غيره وجعل شعيب بن أبي حمزة السرية منبعثة من جيش وأن قسمة ما غنموا كان

(14/39)


بين أهل العسكر وأهل السرية[ أ ] وأن أهل السرية فضلوا على الجيش بعيرا بعيرا لموضع شخصهم ونصبهم وهذا حكم آخر عند جماعة الفقهاء إلا أنهم لا يختلفون أن كل ما[ ب ] أصابته السرية شركهم فيه أهل الجيش وكذلك ما صار لأهل العسكر شركهم فيه أهل السرية لأن كل واحد منهم رده لصاحبه إلا ما كان من النفل الجائز لأهل العسكر وللسرايا على حسبما بين من ذلك [ ج ] في هذا الباب إن شاء الله.
وحديث الليث ومالك وعبيد الله بن عمر وأيوب عن نافع يدل على أن الإثني عشر بعيرا كان سهمان السرية وأنهم هم[ د ] الذين نفلوا مع ذلك بعيرا بعيرا.
إلا أن في حديث الليث دليلا على أن الأمير نفلهم لقوله فلم يغير ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي حديث عبيد الله بن عمر فنفلنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعيرا،

(14/40)


بعيرا وقد يحتمل أن يكون قوله نفلنا بمعنى أجاز ذلك لنا وذكر محمد بن إسحاق في هذا الحديث أن الأمير نفلهم قبل القسم وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قسم ذلك بينهم فأصابهم اثني عشر بعيرا لكل واحد منهم سوى البعير الذي نفلوه قبل وهذا نفل من رأس الغنيمة وهو خلاف قول مالك.
فأما[ أ ] رواية الليث فأخبرنا عبد الوارث بن سفيان وأحمد بن قاسم قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا الحارث بن أبي اسامة قال حدثنا علي بن عاصم قال حدثنا الليث بن سعد عن نافع عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سرية قبل نجد فيها عبد الله بن عمر وأن سهمانهم بلغت اثني عشر بعيرا ونفلوا سوى ذلك بعيرا بعيرا فلم يغيره رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وحدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا القعنبي ويزيد بن موهب ب.

(14/41)


قالا حدثنا الليث قال أبو داود وحدثنا القعنبي عن مالك المعنى عن نافع عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سرية فيها عبد الله بن عمر قبل نجد فغنموا إبلا كثيرة فكانت سهمانهم اثني عشر بعيرا ونفلوا بعيرا بعيرا زاد ابن موهب فلم يغيره رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأما رواية أيوب فأخبرنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا بكر بن حماد قال حدثنا مسدد قال حدثنا حماد بن زيد عن أيوب عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سرية وكنت فيهم فبلغ سهماننا اثني عشر بعيرا ونفلنا بعيرا بعيرا وأما رواية عبيد الله بن عمر فأخبرنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود وأخبرنا عبد الوارث قال حدثنا قاسم قال حدثنا بكر بن حماد قالا[ أ ] حدثنا مسدد وحدثنا عبد الله بن محمد وعبد الرحمان بن

(14/42)


خالد قالا حدثنا أحمد بن حمدان قال[ أ ] حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال حدثني أبي قالا جميعا حدثنا يحيى وهو ابن سعيد القطان عن عبيد الله بن عمر قال أخبرني نافع عن ابن عمر قال بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سرية فبلغت سهماننا اثني عشر بعيرا ونفلنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعيرا بعيرا.
قال أبو داود وكذا رواه برد بن سنان عن نافع كما قال عبيد الله ونفلنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعيرا بعيرا[ ب ] وقال أيوب نفلنا ولم يذكر النبي صلى الله عليه وسلم.
قال أبو عمر قد مضى القول في هذا وقد روينا[ ج ] من حديث إسماعيل بن أمية عن نافع كما قال عبيد الله إلا أنه لفظ اختلف فيه على إسماعيل أيضا[ د ] فرواه أبو إسحاق الفزاري عن إسماعيل بن أمية وعبيد الله بن عمر جميعا عن نافع[ ه ] عن ابن عمر بلفظ واحد ونفلنا رسول الله صلى الله عليه

(14/43)


وسلم: حدثنا عبد الوارث حدثنا قاسم حدثنا عبيد بن عبد الواحد حدثنا أبو صالح محبوب بن موسى الفراء حدثنا أبو إسحاق الفزاري عن إسماعيل بن أمية وعبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سرية فبلغت سهماننا اثني عشر بعيرا ونفلنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعيرا بعيرا أ.
وحدثنا يعيش بن سعيد وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أحمد بن محمد البرتي قال حدثنا أبو حذيفة قال حدثنا محمد بن مسلم الطائفي[ ب ] عن إسماعيل بن أمية قال قال نافع قال عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سرية قبل نجد فيهم عبد الله بن عمر فحدث[ ج ] عبد الله بن عمر أن سهمانهم كانت اثني عشر بعيرا

(14/44)


اثني عشر بعيرا ونفلوا سوى ذلك بعيرا بعيرا وأبو إسحاق مع فضله وأبو حذيفة يخطئان كثيرا في الحديث.
فأما[ أ ] محمد بن إسحاق فأوضح هذا المعنى إلا أنه جعل القاسم لهذه القسمة رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد تنفيل أميرهم إياهم البعير.
أخبرنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن الجهم قال حدثنا يعلى بن عبيد الطنافسي قال حدثنا محمد بن إسحاق عن نافع عن ابن عمر قال بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سرية فأصبنا نعما كثيرة فنفلنا بعيرا بعيرا فلما قدمنا أعطانا رسول الله صلى الله عليه وسلم سهماننا فأصاب كل واحد منا اثني عشر بعيرا سوى البعير الذي نفل فما عاب علينا[ ب ] رسول الله صلى الله عليه وسلم ما صنعنا ولا على الذي أعطانا.

(14/45)


وأخبرنا أبو محمد عبد الله بن محمد قال حدثنا أبو بكر محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا هناد بن السري[ أ ] حدثنا عبدة بن سليمان عن محمد بن إسحاق عن نافع عن ابن عمر قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية إلى نجد فخرجت معها فأصبنا نعما كثيرة فنفلنا أميرنا بعيرا بعيرا لك إنسان قال ثم قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقسم بيننا غنيمتنا فأصابت كل إنسان منا اثنا عشر بعيرا بعد الخمس وما حاسبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالذي أعطانا صاحبنا ولا عاب عليه ما صنع فكان لكل واحد منا ثلاثة عشر بعيرا بنفله ب.
قال أبو عمر ظاهر هذه الروايات كلها عن نافع عن عبد الله بن عمر أن سهمانهم وقسمتهم ونفلهم كان من أميرهم وأنه نفلهم بعد القسمة وهذا يوجب أن يكون النفل من الخمس على هذا يتفق ظاهر معنى الحديث في رواية مالك والليث وشعيب بن أبي حمزة وإسماعيل بن أمية وعبيد الله بن عمر وأيوب السختياني وخالفهم محمد بن إسحاق فجعل النفل من رأس الغنيمة ثم جعل القسمة بعد وقول هؤلاء أولى من قول

(14/46)


محمد بن إسحاق لأنهم[ أ ] جماعة حفاظ وتفق هؤلاء كلهم على أن الذي حصل في السهمان لأهل السرية سوى البعير الذي نفلوا اثنا عشر بعيرا لم يشك في ذلك أحد من الرواة عن نافع غير مالك وحده.
وكذلك اتفقوا كلهم عن نافع في هذا الحديث على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث السرية وأن سهمان أهل السرية هي السهمان المذكورة في هذا الحديث[ ب ] وأنهم نفلوا بعيرا بعيرا مع ذلك حاشا شعيب بن أبي حمزة وحده فإنه انفرد بأن قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم جيشا قبل نجد فانبعثت منه هذه السرية فجعل السرية خارجة من العسكر وليس ذلك في حديث غيره وإنما قال غيره إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سرية وبين الوليد بن مسلم هذا المعنى عن شعيب فقال في حديثه هذا بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل نجد أربعة آلاف فانبعثت منه هذه[ ج ] السرية وقال شعيب أيضا أن سهمان ذلك الجيش كان اثني عشر بعيرا اثني عشر بعيرا ونفل أهل السرية خاصة[ د ] بعيرا بعيرا.

(14/47)


وهذا لم يقله[ أ ] غيره وإن كان المعنى فيه صحيحا إلا أنه لا يختلف العلماء أن السرية إذا أخرجت من العسكر فغنمت أن أهل العسكر[ ب ] شركاؤهم فيها إلا أن هذه مسألة وحكم لم يذكره في هذا الحديث غير شعيب بن أبي حمزة عن نافع إلى ما انفرد به شعيب أيضا من أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث جيشا فانبعثت منه تلك السرية ولم[ ج ] يذكر الإذن لها ولهذا والله أعلم قال ابن المبارك للوليد بن مسلم أن شعيبا هذا ومن ذكر معه يعني ابن فروة[ د ] لا يعدل بمالك بن أنس وصدق ابن المبارك.
قال أبو عمر فهذا تمهيد نقل هذا الحديث[ ه ] وتهذيب إسناده وألفاظه وأما معانيه فإن فيه من الفقه بإرسال السرايا إلى أرض العدو وذلك عند أهل العلم مردود إلى إذن الإمام واجتهاده على قدر ما يعلم من قوة العدو وضعفه.

(14/48)


وفيه أن ما يحصل عليه المسلمون ويفيدونه[ أ ] من أموال العدو يسمى غنيمة وفي هذا ومثله قال الله عز وجل: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ} الآية.
وفيه أن ما غنمه المسلمون من أموال المشركين يقسم بينهم بعد إخراج خمسه سهمانا وما حصل من ذلك بأيديهم فهو مال من أموالهم من أطيب كسبهم إذا سلم من الغلول وإخراج خمسه ب. وفي قول الله عز وجل: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ} دليل على أن أربعة أخماس الغنائم لأهلها الغانمين لها والموجفين[ ج ] عليها الخيل والركاب والرجل لأن الله عز وجل لما أضاف الغنيمة إليهم بقوله: {غَنِمْتُمْ} [ د ] وأخبر أن الخمس خارج عنهم لمن سمى في الآية علم العلماء استدلالا ونظرا صحيحا أن الأربعة الأخماس[ ه ] المسكوت عنها لهم مقسومة بينهم وهذا مالا خلاف فيه ألا[ و ] ترى إلى قول الله عز وجل: {وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ} فلما جعل الأبوين الوارثين وأخبر أن للأم الثلث استغنى عن[ ز ] أن يقول وللأب الثلثان وفيه

(14/49)


أن للإمام وللأمير على الجيش[ أ ] أن ينفل من[ ب ] الغنائم ما شاء على قدر اجتهاده وفي رواية مالك وغيره ممن تابعه على هذا الحديث ما يدل على أن النفل لم يكن من رأس الغنيمة وإنما كان من الخمس وفي رواية محمد بن إسحاق ما يدل على أن ذلك كان من رأس الغنيمة[ ج ] والله أعلم أي ذلك كان وهذا موضع اختلف فيه العلماء وتنازعوا قديما وحديثا والنفل يكون على ثلاثة أوجه. أحدها أن يريد الإمام تفضيل بعض الجيش لشيء يراه من غنائه وبأسه وبلائه أو لمكروه تحمله دون سائر الجيش فينفله من الخمس لا من رأس الغنيمة أو يجعل له سلب قتيله وسيأتي القول في سلب القتيل في باب يحيى بن سعيد من كتابنا هذا إن شاء الله.
والوجه الآخر أن الإمام إذا بعث سرية من العسكر[ ه ] فأراد أن ينفلها مما غنمت دون أهل العسكر فحقه أن يخمس ما غنمت ثم يعطي السرية مما بقي[ و ] بعد الخمس ما شاء ربعا أو ثلثا ولا يزيد على الثلث لأنه أقصى ما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نفله ويقسم الباقي بين جميع

(14/50)


أهل العسكر وبين[ أ ] السرية على السوية للفارس ثلاثة أسهم وللراجل سهم واحد[ ب ] والوجه الثالث أن يحرض الإمام أو أمير الجيش أهل العسكر على القتال قبل لقاء العدو وينفل جميعهم مما يصير بأيديهم ويفتحه الله عليهم الربع أو الثلث قبل القسم تحريضا منه على القتال وهذا الوجه كان مالك يكرهه ولا يراه وكان يقول قتالهم على هذا الوجه إنما يكون للدنيا وكان يكره ذلك ولا يجيزه وأجازه جماعة من أهل العلم.
وأما اختلافهم في هذا الباب فإن جملة قول مالك وأصحابه أن لا نفل إلا بعد إحراز الغنيمة[ ج ] ولا نفل إلا من الخمس والنفل عندهم أن يقول الإمام من قتل قتيلا فله سلبه قال مالك ولم يقلها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بعد برد القتال وكره مالك أن يقاتل أحد على أن له كذا[ د ] ومن[ ه ] الحجة لمالك في ذلك ما رواه علي بن المديني وابن أبي شيبة عن زيد بن الحباب عن رجاء بن أبي سلمة قال سمعت عمرو بن شعيب يحدث عن أبيه عن جده قال لا نفل بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم يرد قوي المسلمين

(14/51)


على ضعيفهم قال رجاء[ أ ] سمعت سليمان بن موسى الدمشقي وهو معنا جالس يقول سمعت [ب] مكحولا يقول عن زياد[ ج ] بن جارية عن حبيب بن مسلمة[ د ] أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نفل في البداءة الربع وحين قفل الثلث فقال عمرو بن شعيب تراني[ ه ] أحدثك عن أبي عن جدي وتحدثني عن مكحول ففي حديث عمرو بن شعيب هذا أن لا نفل ليرد قوي المسلمين على ضعيفهم وهو،

(14/52)


حجة لمالك وأما السلب بعد أن يبرد القتال فخصوص[ أ ] ومعمول به لما فيه من حديث أبي قتادة وغيره والله أعلم ورأي مالك رحمه الله تنفيل السلب من الخمس[ ب ] لأن الخمس مردود [ج] قسمته عنده إلى اجتهاد الإمام وأهله غير معينين ولم ير النفل من رأس الغنيمة لأن أهلها معينون وهم[ د ] الموجفون وقال الشافعي جائز للإمام أن ينفل قبل إحراز الغنيمة وبعدها على وجه الاجتهاد قال الشافعي وليس في النفل حد قال وقد روى بعض الشاميين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نفل في البداءة والرجعة الثلث في واحدة والربع في الأخرى وقال في رواية ابن عمر ما يدل على أنه نفل نصف السدس قال فهذا يدل على أنه ليس للنفل حد لا يتجاوزه الإمام وأكثر مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن فيها إنفال قال فينبغي أن يكون ذلك على الاجتهاد من الإمام غير محدود،

(14/53)


قال الشافعي وحديث ابن عمر يدل على أنهم أعطوا في سهمانهم ما يجب لهم مما أصابوا ثم نفلوا بعيرا بعيرا والنفل هو شيء زيدوه على[ أ ] الذي كان لهم قال وقول سعيد بن المسيب كان الناس يعطون النفل من الخمس كما قال وذلك من خمس الخمس سهم النبي صلى الله عليه وسلم قال وأما السلب[ ب ] فيخرج من رأس الغنيمة قبل أن يخمس وكان أبو عبيد القاسم بن سلام يقول في حديث ابن عمر هذا النفل[ ج ] الذي ذكره بعد السهام ليس له وجه إلا أن يكون من الخمس وقال غيره النفل الذي في خبر[ د ] ابن عمر إنما هو تنفيل السرايا كان النبي صلى الله عليه وسلم ينفل في البداءة الثلث والربع الذي كان ينفل في القفول.
قال أبو عمر هذا يخرج على رواية محمد بن إسحاق نصا دون غيره من رواة نافع وقد يخرج تأويلا من رواية شعيب والحديث الذي ذكر هذا القائل قد زعم علي بن المديني أن الصحيح فيه أنه نفل في البداءة الربع وفي القفلة الثلث وضعف رواية

(14/54)


من روى في هذا الحديث عن مكحول عن زياد بن جارية عن حبيب بن مسلمة[ أ ] أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نفل الثلث في بدايته وقال أبو ثور وذكر نفل النبي صلى الله عليه وسلم في البداءة والرجوع وحديث ابن عمر هذا ثم قال وإنما النفل قبل الخمس وقال الأوزاعي وأحمد بن حنبل جائز للإمام أن ينفل في البداءة الربع بعد الخمس وفي الرجعة الثلث بعد الخمس وهو قول الحسن البصري وجماعة وقال النخعي[ ب ] كان الإمام ينفل السرية الثلث والربع يغريهم أو قال يحرضهم بذلك على القتال.
وقال مكحول والأوزاعي لا ينفل بأكثر من الثلث وهو قول الجمهور من العلماء لا نفل أكثر[ د ] من الثلث وقال الأوزاعي فإن زادهم على ذلك فليف لهم به ويجعل ذلك من الخمس وقال الثوري في أمير أغار فقال من أخذ شيئا فهو له كما قال[ ه ] ولا بأس أن يقول الإمام من جاء برأس فله كذا ومن جاء باليد فله كذا يغريهم قال الحسن البصري رحمه الله ما نفل الإمام فهو جائز

(14/55)


وروي عن عمر بن الخطاب أنه قال لجرير بن عبد الله[ أ ] البجلي لما قدم عليه في قومه وهو يريد الشام هل لك أن تأتي الكوفة ولك الثلث بعد الخمس من كل أرض وشيء وقال جماعة فقهاء الشام منهم رجاء بن حيوة وعبادة بن نسي وعدي بن عدي ومكحول والقاسم بن عبد الرحمن ويزيد بن ابي مالك ويحيى بن جابر والأوزاعي قالوا الخمس من جملة الغنيمة والنفل من بعد الخمس ثم الغنيمة بين أهل العسكر بعد ذلك وهو قول إسحاق بن راهويه وأحمد بن حنبل وأبي عبيد قال أبو عبيد والناس اليوم على أن لا نفل من جملة الغنيمة حتى يخمس.
وقال إبراهيم النخعي وطائفة إن شاء الإمام نفلهم قبل الخمس وإن شاء بعد الخمس وكان سعيد بن المسيب يقول لا تكون الأنفال إلا في الخمس وقد روي عنه أن ذلك في[ ب ] خمس الخمس وقال مالك عنه إن النفل[ ج ] من الخمس وقال محمد بن جرير لا نفل إلا بعد إخراج الخمس منه على حديث حبيب بن سلمة قال وكل ما وقع عليه اسم غنيمة خمس إلا

(14/56)


السلب فإنه خرج بما يجب التسليم له وهو قول الشافعي واحتجوا أيضا مع حديث ابن مسلمة بحديث معن بن يزيد السلمي قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لا نفل إلا بعد الخمس" قال محمد بن جرير ولا نفل بعد[ أ ] إحراز الغنيمة إلا من سهم النبي عليه السلام لأنه محال أن ينفل من أموال الموجفين أو من سهم ذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل قال وإنما النفل قبل الغنيمة وذلك أن يرى الإمام من المسلمين ضعفا ومن المشركين نشاطا وهو محاصر حصنا فيحرض من معه على عدوهم فيقول من طلع إلى الحصن أو يهدم هذا السور أو دخل هذا النقب أو فعل كذا فله كذا وكذا[ ب ] على ما كان من قوله صلى الله عليه وسلم يوم بدر وغير بدر إغراء منه بالعدو وقال والسلب غير النفل.
قال أبو عمر سيأتي القول في السلب وحكمه وهل يخمس أم لا في موضعه من كتابنا هذا عند ذكر حديث أبي قتادة في ذلك في باب يحيى بن سعيد إن شاء الله.

(14/57)


واختلف العلماء أيضا في النفل في أول مغنم وفي النفل في العين من الذهب فذهب الشاميون إلى أن لا نفل في أول مغنم وروي ذلك عن رجاء بن حيوة وعبادة بن نسي وعدي بن عدي الكندي ومكحول وسليمان بن موسى ويزيد بن يزيد بن جابر ويحيى بن جابر والقاسم بن عبد الرحمان ويزيد بن أبي مالك والمتوكل بن الليث وأبي عيينة المحاربي وقال الأوزاعي السنة عندنا أن لا نفل في ذهب ولا فضة ولا لؤلؤ ولا في سلب ولا في يوم هزيمة ولا في وقت فتح وممن قال لا نفل في العين المعلومة [أ] الذهب والفضة سليمان بن موسى والأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز وعبد الرحمان بن يزيد بن جابر وقال سليمان بن موسى لا نفل في أول شيء يصاب من المغنم وأذكر أحمد بن حنبل هذا وقال النفل يكون من كل شيء وبه قال إسحاق.
قال أبو عمر لا فرق عند جماعة فقهاء الأمصار[ ب ] وأهل النظر والأثر[ ج ] بين أول مغنم وغيره وجائز للإمام أن ينفل من العين وغيرها على قدر اجتهاده ولا حجة لمن جعل ذلك في أول مغنم أو نفاه عن أول مغنم إلا التحكم وليس قوله في ذلك بشيء وأما قوله عز وجل: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ

(14/58)


شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ} الآية فجعل الخمس لمن سمى فيها وجعل الأربعة أخماس للموجفين فإن العلماء وإن اختلفوا في تفصيل معاني هذه الآية وقسم الخمس فيها وحكم الأنفال على حسبما ذكرنا فإنهم لم يختلفوا في أن الآية ليست على ظاهرها وأنها يدخلها الخصوص فمما خصوها به بإجماع أن قالوا سلب المقتول لقاتله إذا نادى الإمام بذلك ومنهم من يجعل السلب للقاتل على كل حال نادى الإمام به[ أ ] أو لم يناد لا يشركه فيه غيره من الموجفين ولا يختص السلب عند أكثرهم وسنبين ذلك ووجوهه في باب يحيى بن سعيد إن شاء الله ومعلوم أن السلب من الغنيمة فدل ما ذكرنا عنهم أنه مخصوص[ ب ] عندهم من جملة ما غنموا.
ومن ذلك أيضا النفل قد أجمعوا أن الآية مخصوصة بما فعل الرسول صلى الله عليه وسلم من الأنفال في غزواته إلا أنهم اختلفوا فقال قائلون الأنفال من الخمس لأن الموجفين قد استحقوا الأربعة أخماس وهذا قول مالك وغيره قالوا لا يكون النفل من رأس الغنيمة ولا قبل القتال لأنه قتال على

(14/59)


الدنيا قالوا[ أ ] وإذا كان من رأس الغنيمة كان من مال الموجفين[ ب ] وأهل الخمس جميعا[ ج ] وقال آخرون لا يكون النفل إلا من خمس الخمس سهم النبي عليه السلام وهذا[ د ] مذهب الشافعي وجماعة ذهبوا إلى أن الخمس مقسوم على خمسة أسهم أحدها خمس النبي صلى الله عليه وسلم وقال آخرون لا نفل إلا من رأس الغنيمة قبل أن تحرز الغنيمة[ ه ] فإذا أحرزت استحقها أهلها الموجفون[ و ] وأهل الخمس وهو[ ز ] قول الكوفيين وجماعة قد ذكرناهم.
وقال آخرون النفل جائز قبل إحراز الغنيمة وبعدها لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد فعل ذلك كله وأجازه[ ح ] لمن فعله وثبت ذلك عنه وممن قال بهذا الأوزاعي والشافعي وجماعة من الشاميين والعراقيين ومن ذلك أيضا الأرض واختلافهم فيها وفي قسمتها وتوقيفها وقد ذكرنا ذلك في باب ابن شهاب عن سعيد بن المسيب من كتابنا هذا فلا

(14/60)


وجه لإعادته ههنا وهذا كله من اختلافهم فيما ذكرنا إجماع منهم على أن الآية مخصوصة فيها ضمير الأنفال وأنها مردودة إلى الإمام على اجتهاده فإن شاء نفل قبل وإن شاء بعد على قدر[ أ ] ما يراه من الاجتهاد للمسلمين والسلب من النفل عند جميعهم كما قال ابن عباس قال الله عز وجل: {يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}.
وفي هذه الآية دليل على أن النفل يجتهد فيه الإمام على حسبما ثبت من أفعال النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك والله أعلم وروى الثوي وعبيد الله بن جعفر بن نجيح وجماعة عن عبد الرحمان بن الحارث بن عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة عن سليمان بن موسى الأشدق عن مكحول عن أبي سلام الباهلي عن أبي أمامة الباهلي صاحب النبي صلى الله عليه وسلم عن عبادة بن الصامت قال خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بدر فلقي العدو فلما هزمهم الله تبعتهم طائفة من المسلمين تقاتلهم وأحدقت طائفة برسول الله

(14/61)


صلى الله عليه وسلم واستولت طائفة على العسكر والنهب[ أ ] فلما نفى[ ب ] الله العدو ورجع الذين طلبوهم قالوا لنا النفل نحن طلبنا العدو وبنا نفاهم الله وهزمهم وقال الذين أحدقوا برسول الله صلى الله عليه وسلم ما أنتم بأحق منا بل هو لنا نحن أحدقنا برسول الله صلى الله عليه وسلم لا ينال العدو منه[ ج ] غرة وقال الذين[ د ] استولوا على العسكر والنهب والله ما أنتم بأحق به[ ه ] منا بل هو لنا نحن أخذناه واستولينا[ و ] عليه فأنزل الله عز وجل: {يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} فقسمه رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهم قال أبو عمر لا يختلف العلماء أن بعد هذا نزلت: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ} الآية.

(14/62)


فأحكم الله أمر الغنيمة بين رسول الله صلى الله عليه وسلم المراد بما نص[ أ ] به في السلب وغيره وإنما جاء اختلاف العلماء في هذا الباب على حسبما رووا فيه والله أعلم.
وأما حديث ابن عمر المذكور في هذا الباب فلا يحتمل تأويلا ولا له إلا وجه واحد وذلك أنهم نفلوا بعيرا بعيرا بعد سهمانهم فدل على أن ذلك[ ب ] من غير سهمانهم ولا موضع لغير السهمان إلا الخمس على رواية أكثر أصحاب نافع لهذا الحديث لا على رواية ابن إسحاق.
ومما احتج به من رأى النفل من الخمس لا من[ ج ] رأس الغنيمة حديث معاوية مع عبادة بن الصامت وذلك أن معاوية لما غزا عام المضيف فغنم أرسل إلى عبادة بن الصامت يردون من المغنم فرده عبادة فقال له معاوية ما أنت وذاك [د] قال عبادة إنك لم تكن معنا في غزوة كذا وكذا إذ جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله أعطني عقالا فقال له[ ه ] رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا طاقة لك بعقال

(14/63)


من نار ولكن إذا خمسنا فتعال أعطك" قالوا فهذا نص على أن النفل لا يكون من رأس الغنيمة وقال غيرهم يحتمل أن يكون من سهمان الموجفين ويحتمل أن يكون من الخمس يكون من أحدهما أو أيهما كان فمعلوم أهله وإذا جاز أن يكون من الخمس والخمس لأهله جاز أن يكون من سهام الموجفين وإن لم يكن رأس الغنيمة.
واحتجوا أيضا بحديث محمد بن سيرين أن أنس بن مالك كان مع عبيد الله بن أبي بكرة في غزاة فأصابوا شيئا فأراد عبيد الله أن يعطي أنسا من الشيء قبل أن يقسم قال أنس لا ولكن إقسم ثم أعطني من الخمس فقال عبيد الله لا إلا من جميع الغنائم فأبى أنس أن يقبل وأبى عبيد الله أن يعطيه من الخمس وهذا[ أ ] من[ ب ] أنس بحضرة جلة من العلماء وربما كان هناك غيره من الصحابة ولم يرو عن واحد منهم نكير لذلك فهذا الاختلاف قديم في هذا الباب-

(14/64)


وبالله التوفيق وحسبك بقول سعيد بن المسيب كان الناس يعطون النفل من الخمس وأما حديث حبيب بن مسلمة الذي احتج به من جعل النفل من غير الخمس وجعله من رأس الغنيمة قبل إحرازها فحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا مطلب بن شعيب قال حدثنا عبد الله بن صالح قال حدثنا معاوية بن صالح عن العلاء عن مكحول عن زياد بن جارية عن حبيب بن مسلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نفل الربع بعد الخمس في البداية ونفل الثلث بعد الخمس في الرجعة ففي هذا الحديث أن النفل كان من غير الخمس والله أعلم قال أبو عمر كان أعدل الأقاويل عندي والله أعلم.
في هذا الباب أن يكون النفل من خمس الخمس سهم النبي صلى الله عليه وسلم لولا أن في حديث ابن عمر هذا ما يدل على أنه لم يكن ذلك من خمس الخمس وذلك[ أ ] أن تنزل تلك السرية على أنهم كانوا عشرة مثالا ومعلوم أنك إذا عرفت ما للعشرة عرفت ما للمائة وما للألف وأزيد فمثال ذلك أن

(14/65)


تكون السرية عشرة أصابوا في غنيمتهم مائة وخمسين بعيرا خرج منها خمسها ثلاثون[ أ ] بعيرا [ب] وصار لهم مائة وعشرون قسمت على عشرة وجب لكل واحد اثنا عشر اثنا عشر بعيرا ثم أعطي [ ج ] القوم من الخمس بعيرا بعيرا فهذا على مذهب من قال النفل من جملة الخمس لأن خمس [دٍ] الثلاثين لا يكون فيه عشرة أبعرة.
وقد يحتج من قال أن ذلك يحتمل أن يكون من خمس الخمس بأن يقول جائز أن يكون هناك ثياب[ ه ] ومتاع غير الإبل فأعطى من لم يبلغه البعير قيمة البعير من غير ذلك من العروض[ و ] ومن حجة الشافعي ومن قال بقوله أن النفل لا يكون إلا من خمس الخمس سهم النبي عليه السلام ما ذكره أبو عبد الله المروزي رحمه الله قال حدثنا إسحاق بن إبراهيم قال حدثنا وهب بن جرير قال حدثني أبي قال سمعت محمد بن إسحاق يقول حدثني الزهري عن سعيد بن المسيب عن جبير بن مطعم قال لما قسم النبي صلى الله عليه وسلم سهم

(14/66)


ذي القربى[ أ ] بين بني هاشم وبني المطلب أتيته أنا وعثمان فقلنا يا رسول الله هؤلاء بنو هاشم لا ينكر[ ب ] فضلهم لما وضعك الله منهم أفرأيت بني المطلب أعطيتهم ومنعتنا ونحن وهم منك بمنزلة فقال إن بني المطلب لم يفارقوني في جاهلية ولا إسلام وإنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد وشبك رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أصابعه قال فقسم رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهم خمس الخمس وكان مالك رحمه الله لا يرى قسمة الخمس أخماسا وقال الخمس من الغنيمة [ ج ] حكمه حكم الفيء الذي لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب مما أفاء الله على المسلمين قال ويجعل الخمس والفيء جميعا في بيت المال قال ويعطى أقرباء رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما يرى الإمام ويجتهد في ذلك فإن تكافأ أهل البلدان في الحاجة بدئ بالذين فيهم المال وإن كان بعض البلدان أشد حاجة نقل إليهم أكثر المال وكان مالك يرى التفضيل في العطاء على قدر الحاجة ولا يخرج عنده [د]

(14/67)


مال من بلد إلى غيره حتى يعطي أهله ما يغنيهم على وجه النظر والاجتهاد قال ويجوز أن يجيز الوالي على وجه الدين أو لأمر قد استحق به الجائزة قال والفيء حلال للأغنياء وقال الشافعي يقسم الخمس على خمسة أسهم وهو قول الثوري وجماعة قالوا سهم النبي صلى الله عليه وسلم من الخمس خمس الخمس وما بقي للطبقات الذين سماهم الله وسهم ذي القربى عندهم باق لقرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال أبو حنيفة وأصحابه يقسم الخمس على ثلاثة أسهم للفقراء والمساكين وابن السبيل وأسقطوا سهم النبي صلى الله عليه وسلم وسهم ذي القربى بعده وزعموا أن سهم ذي القربى كان لإدخال السرور على النبي عليه السلام في حياته وقرابته[ أ ] لأنه مضمن فيه [ ب ] فلما مات ارتفع سهمه وسهم قرابته.
واحتجوا باتفاق الخلفاء الراشدين الأربعة على منع قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا ذكروا قالوا وما كانوا مع فضلهم وتقاهم ليمنعوا أحدا حظا وجب له فكيف وقد قاتلوا العرب فيما وجب للمساكين من الزكوات

(14/68)


إلى أشياء من فضائلهم وقيامهم بالحق لا يحصى فكيف يمنعون ذوي القربى؟
قال أبو عمر أما ما ذكروا من فضلهم وقيامهم بالحق[ أ ] فصدق وأما منعهم سهم ذي القربى فباطل وقد بينا ذلك في حديث ابن شهاب عن عروة من هذا الكتاب.
وقال محمد بن جرير يقسم الخمس على أربعة أسهم لأن سهم النبي صلى الله عليه وسلم مردود على من سمى معه في الآية قياسا على ما أجمعوا عليه فيمن عدم من أهل سهمان الصدقات [ب] قال أبو عمر للكلام في قسم الخمس وإيراد ما للعلماء في ذلك من الأقوال موضع غير هذا والقول فيه يطول وإنما ذكرنا منه ههنا طرفا دالا على حكم الخمس وحكم خمس الخمس لما جرى في الحديث المذكور في هذا الباب من أن النفل فيه كان من خمس الخمس أو من جملة الخمس أو من رأس الغنيمة على[ ج ] ما ذكرنا من اختلافهم في ذلك فبينا وجه الخمس وخمسه وسنذكر أحكامه وما للعلماء في ذلك من الأقوال ووجوه الاحتجاج[ د ] في ذلك والاعتلال في باب[ ه ] يحيى بن سعيد إن شاء الله.

(14/69)


حديث خامس عشر لنافع عن ابن عمر
مالك عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الشغار هكذا رواه جملة أصحاب مالك وقال فيه ابن وهب عن مالك عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن نكاح الشغار وكلهم ذكر عن مالك في تفسير الشغار أنه الرجل يزوج ابنته أو وليته من رجل على أن يزوج ذلك الرجل منه ابنته أيضا أو وليته[ ب ] ويكون بضع كل واحدة منهما صداقا للأخرى [ج] دون صداق

(14/70)


وهذا[ أ ] ما لا خلاف بين العلماء[ ب ] فيه أنه الشغار المنهي عنه في هذا الحديث وللشغار[ ج ] في اللغة معنى لا مدخل له[ د ] ههنا وذلك أنه[ ه ] مأخوذ عندهم[ و ] من شغر الكلب إذا رفع رجله للبول وذلك زعموا لا يكون منه إلا بعد مفارقة حال الصغر إلى حال يمكن فيها طلب الوثوب على الأنثى للنسل وهو عندهم للكلب إذا فعله علامة بلوغه إلى حال الاحتلام من الرجال ولا يرفع رجله للبول إلا وهو قد بلغ ذلك المبلغ يقال منه شغر الكلب يشغر شغرا إذا رفع رجله فبال أو لم يبل ويقال شغرت بالمرأة أشغرها شغرا إذا رفعت رجليها للنكاح فهذا معنى الشغار في اللغة وأما معناه في الشريعة فأن ينكح الرجل رجلا وليته على أن ينكحه الآخر وليته بلا صداق بينهما على ما قاله مالك وجماعة الفقهاء وكذلك ذكره خليل في كتابه أيضا.

(14/71)


وأجمع العلماء على أن نكاح الشغار مكروه لا يجوز واختلفوا فيه إذا وقع هل يصح[ أ ] بمهر المثل أم لا فقال مالك لا يصح النكاح في الشغار دخل بها أو لم يدخل[ ب ] ويفسخ أبدا قال [ج] وكذلك لو قال أزوجك ابنتي على أن تزوجني ابنتك بمائة دينار ولا خير في ذلك قال ابن القاسم لا يفسخ النكاح في هذا إن دخل ويثبت بمهر المثل ويفسخ في الأول دخل أو لم يدخل على ما قال مالك[ د ] وقال الشافعي إذا لم يسم لواحدة منهما مهرا وشرط أن يزوجه ابنته على أن يزوجه الآخر ابنته وهو يلي أمرها على أن صداق كل واحدة منهما بضع الأخرى ولم يسم صداقا فهذا الشغار ولا يصح ويفسخ قال ولو سمي لإحداهما أو لهما صداقا فالنكاح ثابت بمهر المثل والمهر فاسد ولكل واحدة منهما مهر مثلها إن كان دخل بها ونصف مهر مثلها إن كان طلقها قبل الدخول وقال أبو حنيفة إذا قال أزوجك ابنتي أو أختي على أن تزوجني ابنتك[ ه ] فتكون كل واحدة منهما مهر الأخرى فهو الشغار ويصح النكاح بمهر المثل وهو قول ليث بن سعد وبه قال الطبري.

(14/72)


قال أبو عمر حجة من قال هذا القول أن الشريعة قد نهت عن صداق الخمر والخنزير والغرر والمجهول والنكاح في ذلك كله يصح بمهر المثل[ أ ] والأصل عندهم أن التزويج مضمن بنفسه لا يبدله وليس بمفتقر في العقد إلى الصداق.
لأن القرآن قد ورد بجواز العقد في النكاح دون صداق بقوله: {لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً} يريد مالم تمسوهن[ ب ] وما لم تفرضوا لهن فريضة يعني صداقا فسماه نكاحا[ ج ] وجعل فيه الطلاق ولم يكن فيه ذكر الصداق.
وحجة مالك والشافعي ومن أبطل نكاح الشغار أنه نكاح طابق النهي ففسد امتثالا لنهيه صلى الله عليه وسلم لقوله عز وجل: {وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} وقال صلى الله عليه وسلم: "كل عمل ليس عليه[ د ] أمرنا فهو رد" يعني مردودا.

(14/73)


حديث سادس عشر لنافع عن ابن عمر
مالك عن نافع عن ابن عمر أن عمر بن الخطاب حمل على فرس في سبيل الله فوجده يباع فأراد أن يبتاعه فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال لا تبتعه ولا تعد في صدقتك هكذا [ أ ] روى مالك هذا الحديث عن نافع عن ابن عمر أن عمر فهو في روايته من مسند ابن عمر كذلك هو عند جمهور رواة الموطأ إلا معن بن عيسى فإنه رواه عن مالك عن نافع عن ابن عمر عن عمر أنه حمل على فرس فذكر الحديث جعله من مسند عمر وكذلك رواه ابن نمير عن عبيد الله بن عمر [ ب ] عن نافع عن ابن عمر مثل رواية

(14/74)


معن ورواه[ أ ] القطان وعلي بن عاصم عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر أن عمر كما في الموطآت وكذلك رواه الزهري [ ب ] عن سالم عن ابن عمر أن عمر[ ج ] كما في الموطأ عند جمهور الرواة غير معن[ د ] وروى هذا الحديث يحيى بن سعيد عن نافع عن ابن عمر فقال فيه لا تشتره ولا شيئا من نتاجه ولا تعد في صدقتك.
وذكر مالك[ ه ] عن نافع عن ابن عمر أنه كان إذا [ و ] أعطى شيئا في سبيل الله يقول لصاحبه إذا بلغت وادي القرى فشأنك به وعن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب أنه كان يقول إذا أعطى الرجل الشيء في الغزو فبلغ به رأس مغزاته فهو له.
واختلف الفقهاء في هذا المعنى فكان[ ز ] مالك يقول إذا أعطى فرسا في سبيل الله فقيل له هو لك في سبيل الله فله أن يبيعه وإن قيل له هو في سبيل الله ركبه ورده وذكر[ ح ] ابن القاسم عن مالك قال وقال مالك من حمل

(14/75)


على فرس في سبيل الله فلا أرى له أن ينتفع بشيء من ثمنه في غير سبيل الله إلا أن يقال له شأنك به فافعل فيه ما أردت فإن قيل له ذلك فأراه مالا من ماله يعمل به في غزوه إذا هو بلغه ما يعمل به [ أ ] في ماله قال كذلك لو أعطي ذهبا أو ورقا في سبيل الله ومذهب مالك فيمن أعطى مالا ينفقه في سبيل الله أنه ينفقه في الغزو فإن فضلت منه فضلة بعد ما مر غزوه[ ب ] لم يأخذها لنفسه وأعطاه في سبيل الله أو ردها إلى صاحبها وخالف في ذلك ما روي عن ابن عمر وسعيد بن المسيب وقال الليث بن سعد من أعطى فرسا في سبيل الله لم يبعه حتى يبلغ مغزاه ثم يصنع به ما شاء إلا أن يكون حبسا[ ج ] فلا يباع.
وقال الشافعي الفرس المحمول عليها في سبيل الله هي لمن[ د ] يحمل عليها وقال عبيد الله بن الحسن إذا قال هو لك في سبيل الله فرجع به رده حتى يجعله في سبيل الله ومذهب أصحاب أبي حنيفة أن ما أعطي في سبيل الله تمليك ولا يعتبرون في الفرس بلوغ المغزى،

(14/76)


لأنه قد ملكه في الحال على أن يغزو به فالملك[ أ ] عندهم في ذلك [ ب ] صحيح يتصرف فيه مالكه وهو قول الشافعي قالوا[ ج ] ولو قال إذا بلغت مغزاك فهو لك كان تمليكا على مخاطرة ولا يجوز وقد مضى القول في معنى هذا الحديث في باب زيد بن اسلم من كتابنا هذا بأتم وأبسط من ذكره [ د ] ههنا.
وأما قوله فسأل عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ففيه دليل على ما كانوا عليه من البحث عن العلم والسؤال عنه وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم معلما وكانوا يسألونه لأنهم كانوا خير أمة كما قال الله عز وجل فالواجب على المسلم مجالسة العلماء إذا أمكنه والسؤال عن دينه جهده فإنه لا عذر له في جهل ما لا يسعه جهله وجملة القول أن لا سؤدد ولا خير مع الجهل.

(14/77)


حديث سابع عشر لنافع عن ابن عمر
مالك عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سابق بين الخيل التي قد أضمرت من الحفياء وكان أمدها ثنية الوداع وسابق بين الخيل التي لم تضمر من الثنية إلى مسجد بني زريق وإن عبد الله بن عمر كان ممن سابق بها.

(14/78)


هكذا[ أ ] رواه جماعة أصحاب الموطأ عن مالك لم يختلفوا عليه[ ب ] في إسناده واختلفوا عنه في بعض ألفاظه فكان ابن بكير يقول سابق بين الخيل التي لم تضمر من الثنية التي عند مسجد بني زريق وخالفه جمهور الرواة منهم ابن القاسم والقعنبي وابن وهب فرووا كما روى يحيى من الثنية إلى مسجد بني زريق وفي ألفاظ أصحاب نافع وألفاظ الرواة عنه في هذا الحديث اختلاف تراه في هذا الباب إن شاء الله.
وروى هذا الحديث ابن عيينة عن أيوب عن مجاشع عن أبيه عن ابن عمر وقال فيه عقبة بن خالد عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سابق بين الخيل وفضل القرح في الغاية ب.
هذا لفظ حديثه ولم يقل ذلك في هذا الحديث أحد غير عقبة بن خالد هذا وقد وجدت له أصلا فيما رواه أبو سلمة التبوذكي قال حدثنا عبد الملك بن حرب بن عبد الملك عن[ د ] مجاشع[ ه ] بن مسعود السلمي قال حدثني أبي وعمي عن جدي أن ناسا من أهل

(14/79)


البصرة ضمروا خيولهم فنهاهم الأمير عتبة بن غزوان أن يجروها حتى كتب إلى عمر فكتب إليه عمر أن أرسل القرح من رأس مائة غلوة ولا يركبها إلا أربابها فجاء مجاشع بن مسعود سابقا على الغراء.
ورواه ابن أبي ذئب عن نافع عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يضمر الخيل ثم يسبق فاختصره ولم يذكر الأمد والغاية.
حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أبو يحيى بن أبي مسرة قال حدثنا خلاد بن يحيى قال حدثنا سفيان الثوري عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم أجرى ما أضمر من الخيل من الحفياء إلى ثنية الوداع وأجرى ما لم يضمر من الحفياء إلى مسجد بني زريق هكذا قال من الحفياء إلى مسجد بني زريق ومالك يقول من الثنية إلى مسجد بني زريق والصواب ما قاله مالك إن شاء الله والله أعلم لأنه قد تابعه الليث وموسى بن عقبة.
وحدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا مسدد قال حدثنا المعتمد عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يضمر الخيل يسابق بها وهذا عن عبيد الله مختصر المعنى كرواية ابن أبي ذئب عن نافع سواء ورواية الثوري عنه أكمل وأولى عند أهل العلم.

(14/80)


وأخبرنا محمد بن إبراهيم قال حدثنا محمد بن معاوية قال حدثنا أحمد بن شعيب قال حدثنا قتيبة بن سعيد قال حدثنا الليث عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سابق بين الخيل يرسلها من الحفياء وكان أمدها ثنية الوداع وسابق بين الخيل التي لم تضمر وكان أمدها من الثنية إلى مسجد بني زريق وهذا مثل رواية مالك سواء.
وفي هذا الحديث من الفقه المسابقة بين الخيل وذلك مما خص وخرج من باب القمار بالسنة الواردة في ذلك والخيل التي يجب أن تضمر ويسابق عليها ويقام هذه السنة فيها هي الخيل[ أ ] المعدة لجهاد العدو لا لقتال المسلمين في الفتن فإذا كانت خيل مرتبطة معدة للجهاد في سبيل الله كان تضميرها والمسابقة بها سنة مسنونة على ما جاء في هذا الحديث.

(14/81)


وفي هذا الحديث ايضا من الفقه أن المسابقة يجب أن يكون أمدها معلوما وأن تكون الخيل [[ أ ] ] متساوية الأحوال وأن لا يسبق[ ب ] المضمر مع غير المضمر[ ج ] في أمد واحد وغاية واحدة واختلف الفقهاء[ د ] في معان من هذا الباب نذكرها إن شاء الله.
وأما قوله في هذا الحديث الحفياء وثنية الوداع فمواضع معروفة بالمدينة فأما ثنية الوداع فزعموا أنه إنما سميت بذلك لأن النبي عليه السلام ودع بها بعض المقيمين[ ه ] بالمدينة في بعض مخارجه وأسفاره وانصرفوا عنه منها.
وقيل إنما سميت بذلك لأن رسول الله شيع إليها بعض سراياه وودعه عندها وقيل إنما سميت بذلك لأن المسافر من المدينة كان يشيع إليها ويتودع [ و ] منه عندها قديما وأظنها على طريق مكة ومنها بدا رسول الله وظهر إلى المدينة في حين إقباله من مكة فقال شاعرهم:
طلع البدر علينا ... من ثنيات الوداع
وجب الشكر علينا ... ما دعا لله داع

(14/82)


وبين ثنية الوداع وبين الحفياء ستة أميال أو نحوها وبينها[ أ ] وبين مسجد بني زريق ميل أو نحوه
ب فكان[ ج ] أمد الخيل التي ضمرت ستة أميال أو نحوها وكان أمد غيرها ميلا أو نحوه كذا [د] قال موسى بن عقبة قرأت على عبد الوارث بن سفيان أن قاسم بن أصبغ حدثهم قال حدثنا عبيد بن عبد الواحد قال حدثنا محبوب بن موسى قال حدثنا إسحاق الفزاري عن موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر قال سابق رسول الله صلى الله عليه وسلم الخيل التي أضمرت فأرسلها من الحفياء وكان أمدها ثنية الوداع قال فقلت لموسى كم بين ذلك قال ستة أميال أو سبعة وسابق من الخيل التي لم تضمر فأرسلها من ثنية الوداع وكان أمدها مسجد بني زريق قلت[ ه ] وكم بين ذلك قال ميل أو نحوه قال وكان ابن عمر ممن سابق بها.
حدثني يوسف بن محمد بن يوسف ومحمد بن إبراهيم بن[ و ] سعيد ومحمد بن قاسم بن محمد قالوا حدثنا

(14/83)


محمد بن معاوية قال حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي وحدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قالا حدثنا أحمد بن حنبل قال حدثنا عقبة بن خالد عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سبق بين الخيل وفضل القرح في الغاية.
وحدثنا خلف بن القاسم قال حدثنا أبو الطاهر محمد بن أحمد بن يحيى قال حدثنا موسى بن هارون الحمال قال حدثنا أحمد بن حنبل وأبو خيثمة قالا حدثنا عقبة بن خالد قال حدثنا عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سبق بين الخيل وفضل القرح في الغاية.
قال أبو عمر إن صح حديث عقبة هذا ففيه دليل على أن التي كانت قد ضمرت من الخيل المذكورة في هذا الحديث كانت قرحا والله أعلم.
وأما أقاويل الفقهاء في هذا الباب فإن مالكا قال سبق الخيل أحب إلي من سبق الرمي قال ويكون السبق على الخيل على نحو ما يسبق الإمام فإن كان المسبق غير الإمام فعل كما يفعل الإمام ولا يجب أن يرجع إليه[ أ ] شيء مما أخرج في السبق.

(14/84)


وقال الليث قال ربيعة في الرجل سبق القوم[ أ ] بشيء إن سبقه لا يرجع إليه قال الليث ونحن نرى إن كان سبق سبقا يجوز السبق في مثله أن سبقه جائز فإن سبق أخذ ذلك منه وإن سبق أحرز سبقه ذكره ابن وهب عن الليث قال وقال مالك أرى أن يخرجه على كل حال سبق أو لم يسبق على مثل السلطان.
قال أبو عمر قول الأوزاعي في هذا الباب نحول قول مالك وربيعة في أن الأشياء المخرجة في السبق لا تنصرف إلى مخرجها وقال الشافعي الأسباق ثلاثة سبق يعطيه الوالي أو غير الوالي من ماله متطوعا فيجعل للسابق شيئا معلوما من سبق أخذ ذلك السبق وإن شاء الوالي أو غيره جعل[ ب ] للمصلي وللثالث والرابع شيئا شيئا فذلك كله حلال لمن جعل له ليست فيه علة والثاني يجتمع من وجهين وذلك أن يريد الرجلان أن يستبقا بفرسيهما[ ج ] ويريد كل واحد منهما أن يسبق صاحبه ويخرجان سبقين فهذا لا يجوز إلا بمحلل وهو أن يجعلا[ د ] بينهما فرسا لا يأمنان[ ه ] أن يسبقهما فإن سبق المحلل،

(14/85)


أخذ السبقين وأن سبق أحد المتسابقين أحرز سبقه وأخذ سبق صاحبه فإن[ أ ] سبق الاثنان [ب] الثالث كانا كمن لم[ ج ] يسبق واحد منهما وأيهما سبقا صاحبه فله السبق على ما وصفنا ولا يجوز حتى يكون الأمد واحدا والغاية واحدة قال ولو كانوا مائة فأدخلوا بينهم محللا فكذلك والثالث إن سبق أحدهما صاحبه ويحرز السبق وحده فإن سبقه صاحبه أخذ السبق وإن[ د ] سبق صاحبه أحرز السبق وهو في[ ه ] معنى الوالي قال ويخرج المتسابقان ما يتراضيان عليه ويتواضعان على يدي رجل وأقل السبق أن يسبق بالهادي أو بعضه أو بالكفل أو بعضه والسبق بين الرماة على هذا النحو عنده وليس هذا موضع ذكره وقول[ و ] محمد بن الحسن في هذا الباب نحو قول الشافعي قال محمد عنه وعن أصحابه إذا فعل السبق واحد فقال إن سبقتني فلك كذا وكذا ولم[ ز ] يقل إن سبقتك فعليك كذا فلا بأس ويكره أن يقول إن سبقتك فعليك كذا وإن سبقتني فعلي كذا هذا لا خير فيه؛

(14/86)


وإن قال رجل غيرهما أيكما سبق فله كذا فلا بأس وإن كان بينهما محلل إن سبق لم يغرم وإن سبق أخذ فلا بأس وذلك إذا كان سبق ويسبق.
قال أبو عمر أما الوجه الذي لا يجوز إلا بالمحلل على ما ذكره الشافعي ومحمد بن الحسن وهو قول أكثر أهل العلم فإنه لا يجوز عند مالك ولا يعرف مالك المحلل ومن ذهب إليه فحجته حديث النبي عليه السلام في ذلك وهو حديث انفرد به سفيان بن حسين من بين أصحاب ابن شهاب حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثني أبي قال حدثنا يزيد بن هارون وحدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا علي بن مسلم قال حدثنا عباد بن العوام قالا جميعا أخبرنا سفيان بن حسين عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أدخل فرسا بين فرسين وهو لا يأمن أن يسبق فليس بقمار ومن أدخل فرسا بين فرسين وقد أمن أن يسبق فهو قمار" قال أبو داود وقد رواه الوليد بن

(14/87)


مسلم عن سعيد بن بشير عن الزهري بإسناد سفيان بن حسين ومعناه قال أبو داود[ أ ] ورواه معمر وشعيب وعقيل عن الزهري عن رجال[ ب ] من أهل العلم وهو أصح عندنا قال ابو عمر ممن أجاز المحلل علي حسبما ذكرنا سعيد بن المسيب وابن شهاب والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأي واتفق ربيعة ومالك والأوزاعي على أن الأشياء المسبق بها لا ترجع إلى المسبق بها على حال وخالفهم[ ج ] الشافعي وأبو حنيفة والثوري وغيرهم ومن حجة هؤلاء أن أصول الأشياء المسبق بها قد كانت[ د ] في ملك أربابها وإنما أخرج الشيء ربه على شرط فلا يجوز أن يملك عنه إلا بذلك الشرط أو ينصرف إليه[ ه ] وأجمع أهل العلم على أن السبق لا يجوز على وجه الرهان إلا في الخف والحافر والنصل فأما الخف فالإبل وأما الحافر فالخيل وأما النصل فكل سهم وسنان وقال مالك والشافعي ما عدا هذه الثلاث فالسبق فيها قمار.

(14/88)


وأجاز العلماء في غير الرهان السبق على الأقدام لما في حديث سلمة بن الأكوع الحديث الطويل في ذكر[ أ ] غارة عيينة بن حصين وابنه على سرح المدينة ولقاح رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر انصرافهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وما أظفرهم الله به من عدوهم قال وأردفني رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما كان بيننا وبين المدينة صحوة وفينا رجل من الأنصار لا يسبق عدوا فقال هل من مسابق إلى المدينة ألا مسابق فأعادها مرارا وأنا ساكت فقلت له أما تكرم كريما ولا تهاب شريفا قال لا إلا أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت يا رسول الله دعني فلأسابق هذا الرجل قال: "إن شئت فنزلت وطفق[ ب ] يشتد وحبست نفسي عن الاشتداد شرفا أو شرفين ثم عدوت فلحقته فصككته[ ج ] بين كتفيه وقلت سبقتك والله فنظر إلي وضحك" فصرنا حتى وردنا المدينة.
وفي الحديث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خير فرساننا أبو قتادة وخير رجالنا سلمة بن الأكوع".

(14/89)


وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم تسابق مع عائشة على قدميه.
فما كان من هذا وشبهه على سبيل الاشتداد والدربة في العدو والعدة للعدو أو على وجه اللهو لا على وجه الرهان فلا بأس به وما كان على وجه المراهنة فلا يجوز ولا يحل.
قال الشافعي لو أن رجلا تسابق مع رجل على أقدامهما أو تسابقا[ أ ] في سبق طائر أو على أن يمسك شيئا في يده فيقول له أزجر أو على أن يقوم على قدميه ساعة أو ساعات أو على أن يتصارعا أوعلى أن يتراميا بالحجارة فيغلبه ويأخذ سبقا جعلاه فإن هذا كله غير جائز وما أخذ عليه فهو من أكل المال بالباطل وقد نفى[ ب ] رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكون شيء[ ج ] من السبق جائزا إلا في الخف والحافر والنصل.
قال أبو عمر في معنى حديث هذا الباب جاء[ د ] قوله صلى الله عليه وسلم: "لا جنب ولا شغار في الإسلام" فأما الشغار

(14/90)


فقد مضى ذكره وما للعلماء في معناه[ أ ] في بابه من حديث نافع وأما قوله لا جلب ولا جنب فقد اختلف في تفسيره والذي[ ب ] قاله مالك في ذلك ما ذكره عنه في الموطأ جماعة من رواته وقوله ذلك يدخل في هذا الباب.
قال القعنبي سئل مالك عن قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا جنب ولا جلب "[ ج ] وما تفسير ذلك فقال قد بلغني ذلك وتفسيره يجلب وراء الفرس حين يدنو يعني من الأمد أو يحرك وراءه الشيء يستحث به ليسبق بذلك الجلب والجنب أن يجنب مع الفرس الذي يسابق به فرس أخر حتى إذا دنا تحول راكبه على الفرس المجنوب فأخذ السبق وهذا ليس في رواية يحيى بن يحيى للموطأ.
أخبرنا عبد الله بن محمد بن أسد قال حدثنا حمزة بن محمد بن علي قال حدثنا أحمد بن شعيب النسوي وأخبرنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن عبد السلام قالا حدثنا محمد بن بشار قال حدثنا محمد بن جعفر قال حدثنا شعبة عن أبي قزعة[ د ] عن الحسن،

(14/91)


عن عمران بن حصين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قال لا جنب ولا جلب ولا شغار في الإسلام" ورواه حميد عن الحسن عن عمران عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله قال أحمد بن أبي طاهر
وإذا تكاثر في الكتيبة أهلها ... كنت الذي ينشق عنه الموكب [أ]
وأتيت تقدم من تقدم منهم ... ووراء رأيك كل أمر[ ب ] يجنب
روى موسى بن إسماعيل قال حدثنا عباد بن صالح السلمي قال أخبرني الهيثم بن أبي العجفاء أن أباه أخبره قال ضمر ناس من أهل البصرة خيولهم فنهاهم الأمير أن يجروها حتى كتب إليه عمر ليجروها ولا يركبها إلا أربابها ج.
قال أبو عمر لم يذكر في هذا الباب شيئا من أحكام النصل والمسابقة به عند العلماء ولا من أحكام الإبل وإن كان لا فرق بين الإبل والخيل في شيء من هذا الباب وأما النصل فله وجوه ومعان ذكرها الشافعي وغيره لم أر لذكر شيء منها وجها ههنا إذ ليس في حديث هذا الباب ذكر شيء منها،

(14/92)


وإنما يتكلم على معنى ما في[ ا ] حديث الباب وبالله العون أخبرنا محمد بن إبراهيم قال محمد بن معاوية قال حدثنا أحمد بن شعيب قال أخبرنا سعيد بن عبد الرحمن قال حدثنا سفر عن ابن أبي ذئب عن نافع بن أبي نافع عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا سبق إلا في نصل أو خف أو حافر".
وأخبرنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا أحمد بن يونس وحدثنا عبد الوارث بن سفيان وسعيد بن نصر قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا إسمعيل بن إسحاق قال حدثنا أحمد بن يونس والقعنبي قالا حدثنا ابن أبي ذئب عن نافع بن أبي نافع عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: "قال لا سبق إلا في خف أو حافر أو نصل".
وأخبرنا سعيد بن نصر وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا إسمعيل بن إسحق قال حدثنا محمد بن كثير قال أخبرنا سفيان بن سعيد عن ابن أبي ذئب عن نافع بن ابي نافع عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم فذكره.

(14/93)


ورواه الشافعي عن ابن أبي فديك عن ابن أبي ذئب وهذا حديث احتاج الناس فيه إلى ابن أبي ذئب فرواه عنه جماعة من الأئمة وهو يبيح السباق في الثلاث المذكورات فيه وينفيه فيما سواها[ أ ] وقد روى ابن صالح السمان وغيره عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: "لا سبق إلا في خف أو حافر" ليس في حديثهما ذكر النصل.
وقد ثبت ذكر النصل في حديث ابن أبي ذئب وبه يقول فقهاء الحجاز والعراق في هذا الباب وقد زاد أبو البختري القاضي في هذا الحديث أو جناح وهي لفظة وضعها للرشيد فترك العلماء حديثه لذلك ولغيره من موضوعاته فلا يكتب حديثه بحال وقد ذكرنا قصته في غير هذا الموضع وبالله العصمة والتوفيق.

(14/94)


أخبرنا عبد الله بن محمد بن يوسف قال أخبرنا أحمد بن محمد بن إسماعيل قال حدثنا محمد بن الحسن الأنصاري قال حدثنا الزبير بن ابي بكر القاضي قال حدثني أخي عبد الرحمان بن ابي بكر قال حدثني عباس بن عبد الله بن عبد الرحمان بن ابي بكر الصديق قال سابق عمر بن عبد العزيز بالخيل بالمدينة وكان فيها فرس لمحمد بن طلحة بن عبد الله بن عبد الرحمان بن أبي بكر الصديق [أ ] وفرس لإنسان جعدي فتسابقا[ ب ] والخيل حيث جاءت فإذا فرس الجعدي متقدما فجعل الجعدي يرتجز بأبعد صوته:
غاية مجد نصبت يا من لها ... نحن جرينا لها وكنا أهلها
لو ترسل الطير جئنا قبله
فلم ينشب أن لحقه فرس محمد بن طلحة وجاوزه فجاء سابقا فقال عمر بن عبد العزيز للجعدي [ ج ] سبقك والله ابن السباق إلى الخيرات.

(14/95)


حديث ثامن عشر لنافع عن ابن عمر
مالك عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "الخيل في نواصيها الخير إلى يوم القيامة" في هذا الحديث الحض على اكتساب الخيل وتفضيلها على سائر الدواب لأنه صلى الله عليه وسلم لم يأت عنه في غيرها مثل هذا القول وبذلك تعظيم منه لشأنها وحض على اكتسابها وندب إلى ارتباطها في سبيل الله عدة للقاء العدو إذ هي أقوى الآلات في جهاده فهذه الخيل المعدة للجهاد هي التي في نواصيها الخير وأما إذا كانت معدة للفتن وقتل المسلمين وسلبهم وتفريق جمعهم وتشرديهم عن أوطانهم فتلك خيل الشيطان وأربابها حزبه وفي مثلها والله أعلم ورد أن اكتسابها وزر على صاحبها لأنه قد جاء عنه أنها[ أ ] قد تكون وزرا لمن لم يرتبطها ويجاهد عليها وكان قد اتخذها فخرا ومناوأة للمسلمين وأذى لهم وعونا عليهم وقد مضى

(14/96)


ذلك فيما سلف من كتابنا وإذا كان ذلك كذلك فمعلوم أن ندبه إلى اكتسابها من أجل جهاد العدو عليها والله أعلم وقد استدل جماعة من العلماء بأن الجهاد ماض إلى يوم القيامة تحت راية كل بر وفاجر من الأئمة بهذا الحديث لأنه قال فيه إلى يوم القيامة ولا وجه لذلك إلا الجهاد في سبيل الله لأنه قد ورد الذم فيمن ارتبطها واحتبسها رياء وفخرا ونواء لأهل الإسلام وقد تقدم تفسير ذلك كله واستيعاب معانيه في باب زيد بن أسلم من كتابنا هذا فلا وجه لإعادته ههنا. حدثنا أحمد بن قاسم وعبد الوارث بن سفيان قالا[ أ ] حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا الحرث بن أبي أسامة قال حدثنا أبو النضر قال حدثنا عبد الحميد بن بهرام قال حدثني شهر[ ب ] قال حدثتني أسماء بنت يزيد[ ج ] أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "الخيل في نواصيها الخير معقود أبدا

(14/97)


إلى يوم القيامة فمن ربطها عدة في سبيل الله وأنفق عليها فإن شبعها وجوعها وريها وظمأها وأرواثها وأبوالها في موازينه يوم القيامة ومن ربطها فرحا ومرحا وسمعة فإن شبعها وجوعها وريها وظمأها وأرواثها وأبوالها خسران في موازينه يوم القيامة".
قال أبو عمر في قوله صلى الله عليه وسلم: "الخيل في نواصيها الخير" تقوية لمن روى لا شؤم وقد يكون اليمن في الفرس والمرأة ورد لرواية من روى الشؤم في الفرس والمرأة وقد تقدم القول في ذلك والاستشهاد عليه في باب ابن شهاب عن سالم من كتابنا هذا فلا وجه لإعادته ههنا.
وفي إطلاقه صلى الله عليه وسلم على الخيل بأن الخير في نواصيها دليل على تركتها وأنها مباركة لا شؤم في شيء منها وقد ثبت عنه عليه السلام أنه قال: "البركة في نواصي الخيل" وثبت أنه قال: "لا طيرة ولا شؤم" وهذا تصحيح ما ذكرنا وقد مضى شرحه في الموضع الذي وصفنا وبالله توفيقنا.
أخبرنا محمد بن إبراهيم قال حدثنا محمد بن معاوية قال حدثنا أحمد بن شعيب قال أخبرنا محمد بن ستار وحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا بكر بن حماد قال حدثنا مسدد قالا جميعا حدثنا يحيى هو ابن سعيد

(14/98)


القطان[ أ ] قال حدثنا شعبة عن أبي التياح عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "البركة في نواصي الخيل".
وحدثنا محمد بن إبراهيم قال حدثنا محمد بن معاوية قال حدثنا أحمد بن شعيب قال أخبرنا إسحاق بن إبراهيم قال حدثنا النضر يعني ابن شميل قال حدثنا شعبة عن أبي التياح قال سمعت أنس بن مالك يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "البركة في نواصي الخيل" وعند شعبة وغيره في هذا الباب أيضا حديث عروة بن أبي[ ب ] الجعد البارقي وبارق في الأزد وقد ذكرناه في الصحابة بما يغني عن ذكره ههنا وهو حديث حسن ولشعبة فيه إسنادان أصحهما ما أخبرنا به عبد الله بن محمد بن أسد قال حدثنا حمزة بن محمد قال حدثنا أحمد بن شعيب قال أخبرنا عمر بن علي قال حدثنا عبد الرحمن قال حدثنا شعبة قال حدثني حصين وعبد الله بن أبي السفر أنهما سمعا الشعبي يحدث عن عروة بن أبي الجعد عن النبي عليه السلام قال: "الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة الأجر

(14/99)


والمغنم" وهذا يوضح لك ما قلنا من أن معنى هذا الخبر[ أ ] في الجهاد وإنه ماض إلى يوم القيامة وأن القيامة تقوم على هذا الدين وأهله يجاهدون العدو في سبيل الله حيث شاء الله من أرضه والحمد لله.
وحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا أبو [ ب ] الوليد ومسلم بن إبراهيم قالا حدثنا شعبة عن أبي إسحاق عن العيزار بن حريث عن عروة بن أبي الجعد الأزدي وقال أبو الوليد حدثنا عروة بن الجعد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة".
أخبرنا عبد الله بن محمد بن أسد قال حدثنا حمزة بن محمد قال حدثنا أحمد بن شعيب قال حدثنا عمران بن موسى قال حدثنا عبد الوارث قال حدثنا يونس بن عمرو بن شعيب عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير عن جرير قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفتل ناصية فرس بين أصبعه وهو يقول: "الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة الأجر والغنيمة".

(14/100)


ليس في حديث نافع عن ابن عمر معقود في هذا الحديث من رواية مالك وغيره.
أخبرنا عبد الله بن محمد بن أسد قال حدثنا حمزة بن محمد قال حدثنا أحمد بن شعيب قال أخبرنا قتيبة[ أ ] بن سعيد قال حدثنا الليث عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الخيل في نواصيها الخير إلى يوم القيامة".
وقد روي عن النبي عليه السلام في الخيل أحاديث كثيرة ليست من باب حديثنا هذا منها قوله بين الخيل في شقرها ومنها خير الخيل الأدهم الأقرح الأرثم المحجل ثلاث مطلق اليمنى أو كميت على هذه الشية ومنها أنه كره الشكال من الخيل وأحاديث غيرها ليست أسانيدها هناك والشكال من الخيل التي[ ب ] تكون ثلاث[ ج ] قوائم منه محجلة وواحدة

(14/101)


مطلقة أو[ أ ] يكون الثلاث مطلقة وواحدة محجلة وتكون الرجل خاصة هي المطلقة وحدها أو المحجلة وحدها لا تكون اليد وليس يكون الشكال إلا في الرجل ولا يكون في اليد عندهم.
أخبرنا عبد الله بن[ ب ] محمد بن أسد قال حدثنا حمزة بن محمد قال حدثنا أحمد بن شعيب قال أخبرنا محمد بن رافع قال حدثنا أبو أحمد البزاز هشام بن سعيد قال حدثنا محمد بن المهاجر الأنصاري عن عقيل بن شبيب عن أبي وهب وكانت له صحبة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تسموا بأسماء الأنبياء وأحب الأسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن وارتبطوا الخيل وامسحوا بنواصيها وأكفالها وقلدوها ولا تقلدوها الأوتار وعليكم بكل كميت أغر محجل أو أشقر أغر محجل أو أدهم أغر محجل".
وحدثنا عبد الله قال حدثنا حمزة قال حدثنا أحمد بن شعيب قال حدثنا أحمد بن حفص قال حدثني أبي قال حدثني إبراهيم بن طهمان عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أنس قال لم يكن شيء أحب إلى رسول الله بعد النساء من الخيل.

(14/102)


حديث تاسع عشر لنافع عن ابن عمر
مالك عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا[ أ ] مات أحدكم عرض عليه مقعده بالغداة والعشي إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة وإن كان من أهل النار فمن أهل النار يقال له هذا مقعدك حتى يبعثك الله إلى يوم القيامة".
هكذا قال يحيى في هذا الحديث[ ب ] حتى يبعثك الله إلى يوم القيامة وهو خارج المعنى على وجه التفسير والبيان لحتى[ ج ] يبعثك الله وقال القعنبي حتيى يبعثك الله يوم القيامة وهذا أبين وأصح من أن يحتاج فيه إلى قول وقال فيه ابن القاسم حتى يبعثك الله إليه يوم القيامة وهذا أيضا بين يريد حتى يبعثك الله إلى ذلك المقعد وإليه تصير وهو

(14/103)


عندي أشبه قوله عرض عليه مقعده لأن معنى مقعده عندي والله أعلم مستقره وما يصير إليه وكذلك رواه ابن بكير كما رواه ابن القاسم سواء في رواية قوم عن ابن بكير منهم إبراهيم بن باز [ أ ] ويحيى بن عامر وغيرهم ورواه مطرف بن عبد الرحمن بن قيس عن ابن بكير فقال فيه حتى يبعثك الله لم يزد واختلف في هذا الحديث أيضا على عبيد الله بن عمر قريبا من هذا الاختلاف على مالك.
أخبرنا سعيد بن نصر وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن وضاح قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا أبو أسامة وابن نمير قالا حدثنا عبيد الله عن نافع عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يعرض أحدكم إذا مات على مقعده غدوة وعشية" هكذا قال أبو أسامة وقال ابن نمير إذا مات أحدكم عض على مقعده بالغداة والعشي إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة وإن كان من أهل النار فمن أهل النار قال أبو أسامة إلى يوم القيامة.
وقال ابن نمير حتى يبعث إليه يوم القيامة قال أبو عمر فرواية أبي أسامة نحو رواية يحيى ورواية ابن نمير نحو رواية ابن القاسم وابن بكير ورواه الليث عن

(14/104)


نافع فقال فيه حتى يبعثه[ أ ] الله يوم القيامة وهذا نحو رواية القعنبي قرأته على عبد الوارث بن سفيان عن قاسم[ ب ] عن عبيد الله بن يحيى عن أبيه عن الليث عن نافع عن ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ألا إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة وإن كان من أهل النار فمن أهل النار حتى يبعثه الله يوم القيامة" والمعاني في ذلك كله متقاربة.
وفي هذا الحديث دليل على أن الجنة والنار مخلوقتان كما يقول أهل السنة في ذلك والله أعلم ويدل على ذلك أيضا قول الله عز وجل في آل فرعون: {النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً} الآية وقوله صلى الله عليه وسلم: "اشتكت النار إلى ربها" الحديث وقوله صلى الله عليه وسلم: "اطلعت في الجنة فرأيت أكثر أهلها المساكين واطلعت في النار فرأيت أكثر أهلها النساء" وقوله:

(14/105)


"دخلت الجنة فأخذت منها عنقودا" وقوله عليه السلام: "لما خلق الله الجنة حفها[ أ ] بالمكاره وخلق النار فحفها بالشهوات" الحديث وهذا كثير والآثار في خلق الجنة والنار بأنهما قد خلقتا كثيرة ومما يدل على أن المراد في هذا الحديث الجنة والنار حديث البراء بن عازب الحديث الطويل رواه سليمان الأعمش عن المنهال بن عمر وعن زادان عن البراء عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو حديث فيه طول في عذاب القبر قال فيه "فيعاد روحه في جسده ويأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له من ربك فيقول ربي الله فيقولان له ما دينك فيقول ديني الإسلام فيقولان له[ ب ] ما هذا الرجل الذي بعث فيكم فيقول هو رسول الله فيقولان وما[ ج ] علمك فيقول قرأت كتاب الله وآمنت به وصدقت فينادي مناد من السماء أن صدق عبدي فافرشوه من الجنة وألبسوه من الجنة وافتحوا له بابا إلى الجنة[ د ] قال فيأتيه من طيبها وروحها

(14/106)


ويفسح له في قبره مد بصره وذكر الحديث إلى قصة الكافر فيقال له[ أ ] من ربك ومن نبيك وما دينك فيقول لا أدري لا أدري فينادي مناد من السماء افرشوا له من النار وافتحوا له بابا إلى النار قال فيأتيه من حرها وسمومها قال ويضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه" وذكر تمام الحديث حدثنا سعيد بن نصر وعبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن وضاح قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا أبو معاوية عن الأعمش فذكر الحديث بطوله بالإسناد المذكور وهذا الحديث يفسر حديث ابن عمر المذكور في هذا الباب عن النبي عليه السلام قوله: "إذا مات أحدكم عرض عليه مقعده بالغداة والعشي إن كان من أهل الجنة أو من أهل النار" ويبين المراد منه والله أعلم.
وذكر البخاري[ ب ] من حديث سعيد[ ج ] عن قتادة عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه ليسمع قرع نعالهم فيأتيه

(14/107)


الملكان فيقعدانه فيقولان ما كنت تقول في هذا الرجل لمحمد[ أ ] صلى الله عليه وسلم فأما المؤمن فيقول أشهد أنه عبد الله ورسوله فيقال له انظر إلى مقعدك من النار قد أبدلك الله به مقعدا من الجنة فيراهما جميعا" قال قتادة وذكر لنا أنه يفسح له في قبره وذكر الحديث.
وذكر عبد الرزاق عن ابن جريج قال أخبرني أبو الزبير أنه [ ب ] سمع جابرا يقول إن هذه الأمة تبتلى في قبورها فإذا أدخل المؤمن في قبره وتولى عنه أصحابه أتاه ملك شديد الانتهار فيقول ما كنت تقول في هذا الرجل فيقول المؤمن كنت أقول إنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وعبده فيقول الملك اطلع إلى مقعدك الذي كان لك من النار قد[ ج ] أنجاك الله منه وأبدلك مكانه مقعدك الذي ترى من الجنة فيراهما كليهما فيقول المؤمن دعوني أبشر أهلي فيقال له اسكن هذا[ د ] مقعدك أبدا وذكر تمام الحديث في المنافق.

(14/108)


وذكر عبد الرزاق عن معمر عن يونس بن خباب عن المنهال بن عمر عن زاذان عن البراء بن عازب قال خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلس على القبر وجلسنا حوله كأن على رؤوسنا الطير فقال: "أعوذ بالله من القبر ثلاث مرات ثم قال إن المؤمن إذا كان في إقبال من الآخرة وانقطاع من الدنيا نزلت إليه الملائكة" فذكر الحديث[ أ ] وفيه "فإذا عرج بروحه قالوا أي رب عبدك فيقال ارجعوه فإني عهدت إليهم أن منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى" وذكر الحديث[ ب ] وساق في الكافر مثل ذلك أيضا وأما قوله أحدكم فإن الخطاب توجه إلى أصحابه وإلى المنافقين والله أعلم فيعرض على المؤمن منهم مقعده من الجنة وعلى المنافق مقعده من النار على نحو ما جاء[ ج ] في حديث البراء إن شاء الله.
وفي هذا الحديث الإقرار بالموت والبعث بعده والإقرار بالجنة والنار وقد استدل به من ذهب إلى أن الأرواح على أفنية القبور وهو أصح ما ذهب إليه في ذلك من طريق الآثار لأن الأحاديث الدالة على ذلك ثابتة متواترة وكذلك أحاديث السلام على القبور والله أعلم.

(14/109)


حديث موفي عشرين لنافع عن ابن عمر
مالك عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "إذا دعي أحدكم إلى وليمة فليأتها".
لا خلاف عن مالك[ أ ] في لفظ هذا الحديث وكذلك رواه عبيد الله بن عمر عن نافع كما رواه مالك سواء بمعنى واحد ورواه حماد بن زيد عن أيوب عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم: "أجيبوا الدعة إذا دعيتم" لم يخص وليمة من غيرها وكذلك رواه موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر عن النبي عليه السلام كرواية أيوب سواء ورواه معمر عن أيوب عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا دعا أحدكم[ ب ] أخاه فليجب[ ج ] عرسا كان أو دعوة" ورواه الزبيدي عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل رواية معمر بمعنى واحد.

(14/110)


وقد أجمعوا على وجوب الإتيان إلى وليمة في العرس واختلفوا فيما سوى ذلك وقد ذكرنا اختلافهم في هذا الباب ومضى القول فيه مستوعبا في باب ابن شهاب عن الأعرج وفي باب إسحاق بن أبي طلحة كتابنا هذا فلا وجه لإعادة ذلك ههنا.
أخبرنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن شاذان قال حدثنا المعلى قال حدثنا ابن أبي زائدة قال حدثنا عبد الله عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا دعي أحدكم إلى وليمة فليأتها" وكان ابن عمر إذا دعي أجاب فإن كان صائما ترك وإن كان مفطرا أكل.
أخبرنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا الحسن بن علي قال حدثنا عبد الرزاق قال أخبرنا معمر عن أيوب عن نافع عن ابن عمر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا دعا أحدكم أخاه فليجب عرسا كان أو دعوة" قال أبو داود وحدثنا ابن المصفى قال حدثنا بقية قال حدثنا الزبيدي عن نافع بإسناد[ أ ] أيوب ومعناه.

(14/111)


أخبرنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا بكر بن حماد قال حدثنا مسدد قال حدثنا حماد بن زيد عن أيوب عن نافع عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أجيبوا الدعوة إذا دعيتم".
وحدثنا سعيد بن نصر وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا إسماعيل بن إسحاق قال حدثنا إبراهيم بن حمزة قال حدثنا عبد العزيز بن محمد عن موسى بن عقبة عن نافع عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قال أجيبوا الدعوة إذا دعيتم لها".
قال أبو عمر من ذهب إلى أنه لا يجب إتيان الدعوة في غير الوليمة زعم أن قوله ههنا أجيبوا الدعوة مجمل تفسيره حديث مالك وعبيد الله إذا دعي أحدكم إلى الوليمة فليأتيها فقالوا [ أ] الدعوة في هذا الحديث هي الدعوة إلى الوليمة بدليل ما في حديث مالك وعبيد الله من ذكر ذلك ومن ذهب إلى أن الوليمة وغيرها في إجابة الدعوة إليها سواء احتج بظاهر قوله أجيبوا الدعوة فأخذ بعموم هذا اللفظ وجعل ذكر الوليمة في حديث مالك ومن تابعه كأنه خرج على جواب السائل عن إجابة الوليمة قالوا أو ليس في ذلك ما يوجب الاقتصار على الوليمة دون غيرها كأنه صلى الله عليه وسلم سئل عمن دعي

(14/112)


إلى الوليمة فقال ليأتها من دعي إليها ولو سئل عن غيرها أيضا لقال مثل ذلك بدليل الآثار المروية عنه في هذا الباب وقد ذكرناها في باب إسحاق بن ابي طلحة من كتابنا هذا واستدل أيضا من ذهب هذا المذهب بحديث معمر عن أيوب عن نافع عن ابن عمر عن النبي عليه السلام: "إذا دعا أحدكم أخاه فليجب عرسا كان أو دعوة" قالوا ففي هذا الحديث التسوية بين الوليمة وغيرها وقد ذكرنا القائلين بهذه الأقوال في باب ابن شهاب عن الأعرج من كتابنا هذا وقال قائلون من أهل العلم من دعي إلى[ أ ] وليمة فليجب وليأكل إن كان مفطرا وإن كان صائما فليدع ولا يدع الأكل إلا أن يكون صائما إذا كان الطعام مما يحل أكله.
واحتجوا بحديث ابن سيرين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: "أنه قال إذا دعي أحدكم فليجب فإن كان مفطرا فليأكل وإن كان صائما فليصل يقول وليدع".
حدثنا[ ب ] سعيد بن نصر وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن وضاح قال حدثنا أبو بكر

(14/113)


ابن أبي شيبة قال حدثنا حفص بن غياث عن هشام عن ابن سيرين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم فذكره ورواه أيوب عن ابن سيرين عن أبي هريرة قوله قال أيوب وكان محمد ينحو بأحاديث أبي هريرة نحو الرفع وقال آخرون إذا أجاب فإن شاء أكل وإن شاء لم يأكل واحتجوا بما حدثناه عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا محمد بن كثير قال حدثنا سفيان عن أبي الزبير عن جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من دعي فليجب فإن شاء طعم وإن شاء ترك".
وحدثنا سعيد بن نصر وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن وضاح قال حدثنا محمد بن نمير قال حدثنا أبو عاصم عن ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا دعي أحدكم فليجب فإن شاء أكل وإن شاء ترك".
وأما الطعام في الوليمة[ أ ] أو غيرها يكون فيه اللهو[ ب ] أو الخمر والمكروه من الأمور[ ج ] فقد ذكرنا ما للعلماء في ذلك عند ذكر حديث ابن شهاب عن الأعرج عن أبي هريرة في طعام الوليمة من كتابنا هذا والحمد لله.

(14/114)


حديث حاد وعشرون لنافع عن ابن عمر
مالك عن نافع عن عبد الله[ أ ] بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "الذي تفوته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله".
هذا حديث صحيح بإسناده هذا لم يختلف فيه على مالك وكذلك رواه أيوب وعبيد الله بن عمر[ ب ] عن نافع عن ابن عمر حدثنا[ ج ] عبد الوارث بن سفيان حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا بكر بن حماد قال[ د ] حدثنا مسدد حدثنا يحيى عن عبيد الله قال حدثني نافع عن عبد الله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الذي تفوته صلاة العصر كأنما وتر أهله وماله".

(14/115)


وحدثنا عبد الوارث ويعيش بن سعيد[ أ ] قالا حدثنا قاسم حدثنا أحمد بن محمد البرتي حدثنا أبو معمر حدثنا عبد الوارث بن سعيد وحدثنا عبد الوارث بن سفيان وأحمد بن قاسم قالا حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا الحرث بن أبي أسامة حدثنا داود بن نوح حدثنا حماد قالا جميعا حدثنا أيوب عن نافع عن عبد الله بن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الذي تفوته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله".
وهو عند ابن شهاب عن سالم عن ابن عمر رواه عن ابن شهاب جماعة من أصحابه منهم ابن عيينة ومحمد بن أبي[ ب ] عتيق وإبراهيم بن سعد [ ج ] حدثنا سعيد بن نصر وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا جعفر بن محمد الصائغ حدثنا سليمان بن داود الهاشمي حدثنا إبراهيم بن سعد عن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله عن ابن عمر قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يقول من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله".

(14/116)


ورواه[ أ ] سعيد بن إبراهيم عن الزهري عن ابن عمر مرفوعا بغير اللفظ حدثنا سعيد بن عثمان حدثنا أحمد بن دحيم حدثنا محمد بن الحسين بن زيد أبو جعفر حدثنا محمد بن عمرو حدثنا نعيم بن حماد حدثنا ابن المبارك حدثنا شعبة عن سعيد بن إبراهيم عن الزهري عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "إن الرجل ليدرك الصلاة وما فاته منها خير من أهله وماله" وسنذكر هذا المعنى في باب يحيى بن سعيد إن شاء الله.
وعند ابن شهاب أيضا في هذا الحديث إسناد آخر عن أبي بكر بن عبد الرحمن عن نوفل بن معاوية الدئلي رواه عنه مالك وغيره[ ب ] إلا أنه محفوظ من ابن أبي ذئب عن الزهري وغير محفوظ عن مالك إلا من حيث خلف بن سالم عن معن عن مالك قال أبو عبد الرحمان النسائي أخاف أن لا يكون محفوظا من حديث مالك ولعله أن يكون معن عن ابن أبي ذئب:

(14/117)


فأما حديث مالك عن ابن شهاب في ذلك فقرأته على أحمد بن فتح بن عبد الله أن حمزة بن محمد حدثهم قال حدثنا أحمد بن الحسن بن عبد الجبار قال حدثنا خلف بن سالم المخزومي قال حدثنا معن بن عيسى عن مالك عن الزهري عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحرث بن هشام عن نوفل بن معاوية الدئلي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله".
وخالفه ابن أبي ذئب في هذا الإسناد فجعله عن الزهري عن أبي سلمة فيما روينا من حديث أسد حدثناه خلف بن القاسم قراءة مني عليه قال حدثنا محمد بن أحمد بن المسور قال حدثنا مقدام بن داود قال حدثنا أسد بن موسى قال حدثنا ابن أبي ذئب عن الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن نوفل بن معاوية قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من فاتته صلاة فكأنما وتر أهله وماله".
هكذا قال صلاة فيما كتبنا[ أ ] عنه وقرأنا عليه وذكر أبي سلمة بن عبد الرحمان في هذا الحديث خطأ من قائله وإنما هو أبو بكر بن عبد الرحمان وليس ذلك من ابن أبي ذئب وإنما الخطأ فيه من أسد أو ممن دون أسد وأما من ابن أبي ذئب فلا حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن إسماعيل الصائغ قال حدثنا

(14/118)


يحيى بن أبي بكير قال حدثنا ابن أبي ذئب عن الزهري عن أبي بكر بن عبد الرحمان عن نوفل بن معاوية الدئلي قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يقول من فاتته الصلاة فكأنما وتر أهله وماله"، قلت ما هذه الصلاة قال صلاة العصر قال وسمعت ابن عمر يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الذي تفوته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله".
هكذا في هذا الحديث بهذا الإسناد وسمعت ابن عمر فإن صح هذا فالحديث لابن شهاب عن أبي بكر بن عبد الرحمن عن نوفل بن معاوية وابن عمر جميعا عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن سالم أيضا عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم ومما يصحح ذلك أن محمد بن إسحاق روى هذا الحديث عن يزيد بن أبي حبيب عن عراك بن مالك الغفاري قال سمعت نوفل بن معاوية الدئلي وهو جالس مع عبد الله بن عمر بسوق المدينة يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "صلاة من فاتته فكأنما وتر أهله وماله"، فقال عبد الله بن عمر قال رسول الله "هي العصر" ذكره الطحاوي في فوائده عن علي بن[ أ ] معبد عن[ ب ] يعقوب بن إبراهيم بن سعد عن أبيه عن ابن إسحاق.

(14/119)


وحدثنا عبد الوارث قال حدثنا قاسم قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا أبي قال حدثنا أبو عامر ويحيى بن أبي بكير قالا حدثنا ابن أبي ذئب عن الزهري عن أبي بكر بن عبد الرحمن عن نوفل بن معاوية قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يقول من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله".
وهذا[ د ] يدلك على أن قوله في حديث نوفل الدئلي من فاتته الصلاة أراد صلاة العصر فيكون معناه ومعنى حديث ابن عمر سواء وتكون صلاة العصر مخصوصة بالذكر في ذلك غيرها بالمعنى وقد ذهب قوم من أهل العلم إلى أن حديث نوفل بن معاوية أعم وأولى بصحيح المعنى من حديث ابن عمر وقالوا فيه قوله من فاتته الصلاة وقد فاتته صلاة يريد كل صلاة لأن حرمة الصلوات كلها سواء قال وتخصيص ابن عمر لصلاة العصر هو كلام خرج على جواب السائل كأنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أجاب من سأله عن صلاة العصر بأن قال له الذي تفوته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله ولو سئل عن الصبح وغيرها كان كذلك جوابه أيضا والله أعلم بدليل حديث نوفل بن معاوية الذي تفوته الصلاة أو تفوته صلاة فكأنما وتر أهله وماله حدثنا أحمد بن محمد حدثنا أحمد بن الفضل حدثنا محمد بن جرير.

(14/120)


حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم قال حدثنا ابن أبي فديك قال حدثنا ابن أبي ذئب عن ابن شهاب عن أبي بكر بن عبد الرحمان بن الحارث بن هشام عن نوفل بن معاوية الدئلي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من فاتته الصلاة فكأنما وتر أهله وماله".
وفي هذا الحديث تعظيم لعمل الصلاة في وقتها وهي خير أعمالنا كما قال صلى الله عليه وسلم: "واعملوا إن خير أعمالكم الصلاة" وقد سئل صلى الله عليه وسلم عن أي الأعمال أحب إلى الله فقال: "الصلاة في وقتها" وروي في أول وقتها وفيه تحقير للدنيا وإن قليل عمل البر خير من كثير من الدنيا فالعاقل العالم بمقدار هذا الخطاب يحزن على فوات صلاة العصر إن لم يدرك منها ركعة قبل غروب الشمس أو قبل اصفرارها فوق حزنه على ذهاب أهله وماله وما توفيقي إلا بالله.
وقد ذكرنا ما للعلماء في آخر وقت العصر من الأقوال والاعتلال في باب زيد بن أسلم من كتابنا هذا فلا وجه لإعادته ههنا وحكم صلاة الصبح وسائر الصلوات في فواتها كذلك إن شاء الله وقد يحتمل أن يكون هذا الحديث خرج

(14/121)


على جواب السائل عمن تفوته صلاة العصر فلا يكون غيرها بخلاف حكمها في ذلك ويحتمل أن يكون خصت بالذكر لأن الإثم في تضييعها أعظم والتأويل الأول أولى والله أعلم.
وقد احتج بهذا الحديث من ذهب إلى أن الصلاة الوسطى صلاة العصر فقال خصها رسول بالذكر من أجل أن الله خصها بقوله: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى} فجمعها في قوله الصلوات ثم خصها بالذكر تعظيمها لها كما قال عز وجل: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ} فعم النبيين ثم قال: {وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ} فخص هؤلاء تعظيما لهم وهم أولو العزم من الرسل.
وقد اختلف العلماء من الصحابة والتابعين وسائر علماء المسلمين في الصلاة الوسطى على حسبما قد بيناه في باب زيد بن أسلم من كتابنا هذا فلا وجه لإعادته ههنا.
وأما قوله في هذا الحديث فكأنما وتر أهله وماله فمعناه عند أهل العلم فكأنما أذيب بأهله وماله وكأنما ذهب أهله[ أ ] وماله والمعنى في ذلك ذهاب الأجر والثواب لأن الأهل والمال

(14/122)


باقيان لكن ذهاب الأجر على ذي العقل والدين كذهاب الأهل والمال.
وأما أصل الكلمة من اللغة فإنها مأخوذة من الوتر والترة وهو أن يجني الرجل على الآخر جناية في دم أو مال فيطلبه به حتى يأخذ منه ذلك المال أو مثله ومثل ذلك الدم وقلما يكون ذلك إلا أكثر من الجناية الأولى فيذهب المال ويجحف به وبالأهل وقد يسمى كل واحد منهما موتورا لذهاب ماله وأهله قال الأعشى:
علقم ما أنت إلى عامر ... الناقض[ أ ] الأوتار والواتر
وقال أعرابي:
كأنما الذئب إذ يعدو على غنمي ... في الصبح طالب وتر كان فاتأرا
وقال منقذ الهلالي:
وكذاك يفعل في تصرفه ... والدهر ليس يناله[ ب ] وتر

(14/123)


وإنما قال والله أعلم في هذا الحديث فكأنما وتر أهله[ أ ] ولم يقل مات أهله لأن الموتور[ ب ] يجتمع عليه همان هم ذهاب أهله وهم الطلب بثأره ووتره فالذي تفوته صلاة العصر فمصيبته لو حصل وفهم كمصيبة هذا والله أعلم وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في الذي تفوته صلاة العصر حديث أشد من هذا في ظاهره وليس على ظاهره والمعنى فيه عند أهل السنة كالمعنى في هذا سواء حدثنا سعيد بن نصر وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن وضاح قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا يزيد بن هارون وحدثنا عبد الوارث قال حدثنا قاسم قال حدثنا بكر بن حماد قال حدثنا مسدد قال حدثنا يحيى قالا جميعا أخبرنا هشام بن أبي عبد الله الدستوائي قال حدثني يحيى بن أبي كثير عن أبي قلابة قال حدثني أبو المليح قال كنا مع يزيد في سفر في يوم غيم فقال بكروا بالعصر وقال يحيى بالصلاة فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله" وقال يزيد من فاتته صلاة العصر حبط عمله

(14/124)


ورواه الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي قلابة عن أبي المهاجر عن بريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ذكره ابن أبي شيبة عن وكيع وعيسى بن يونس جميعا عن الأوزاعي.
قال أبو عمر معنى قوله في هذا الحديث حبط عمله أي حبط عمله فيها فلم يحصل على أجر من صلاها في وقتها يعني أنه إذا عملها بعد خروج وقتها فقد أجر عملها في وقتها وفضله والله أعلم لا أنه حبط عمله جملة في سائر الصلوات وسائر أعمال البر أعوذ بالله من مثل هذا التأويل فإنه مذهب الخوارج وإنما يحبط الأعمال الكفر بالله وحده[ أ ] قال الله عز وجل: {وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْأِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ} وفي هذا النص دليل واضح أن من لم يكفر بالإيمان لم يحبط عمله.
وقد اختلف في تأويل قوله فقد حبط عمله بما قد ذكرناه في كتاب المرتد ورواية من روى في هذا الحديث ترك صلاة العصر أولى من رواية من روى فاتته وقد يكون المعنى فاتته تركه لها فحبط عمله فيها فلا يكون في ذلك تناقض ولا

(14/125)


يسمى الناسي لها والنائم عنها والمحبوس عن القيام إليها تاركا لها لأن الفاعل من فعل الترك واختاره بقصد منه إليه واردة له وليس كذلك من وصفنا حاله من الناسي والنائم والمغلوب وقد ذكرنا أحكام تارك الصلاة عامدا وما للعلماء في ذلك من المذاهب في باب زيد بن أسلم والحمد لله ومن ترك صلاة العصر أو غيرها جحودا بها فهو كافر قد حبط عمله عند الجميع وبالله التوفيق.

(14/126)


حديث ثان وعشرون لنافع عن ابن عمر
مالك عن نافع عن عبد[ أ ] الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا يتحرى أحدكم فيصلي عند طلوع الشمس ولا عند غروبها".
لم يختلف على مالك في هذا الحديث وكذلك رواه الشافعي وغيره عن مالك حدثني خلف بن القاسم حدثنا أحمد بن محمد بن الحسين العسري حدثنا أبو إبراهيم إسماعيل بن يحيى المازني حدثنا محمد بن إدريس الشافعي وأخبرنا مالك عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا يتحرى أحدكم فيصلي عند طلوع الشمس ولا عند غروبها" ب.
قال أبو عمر قوله في هذا الحديث لا يتحرى دليل على أن المراد والمقصود به صلاة التطوع لا صلاة الفرض وقد يجوز

(14/127)


أن يكون النهي عن ذلك قصد به إلى أن لا يترك المرء صلاة العصر إلى غروب الشمس ولا يترك صلاة الصبح إلى حين طلوعها ثم يقوم فيصلي في ذينك الوقتين أو أحدهما قاصدا لذلك عامدا مفرطا وليس ذلك لمن نام أو نسي فانتبه أو ذكر في ذلك الوقت لأن من عرض له مثل ذلك فليس بمتحر للصلاة في ذلك الوقت ولا قاصدا إليها وإنما هو رجل ذكرها بعد نسيان أو انتبه إليها ولم يتحر[ أ ] القصد بصلاته ذلك الوقت وإنما المتحري بصلاته ذلك الوقت المتطوع بالصلاة في ذلك الوقت أو التارك عامدا صلاته إلى ذلك الوقت وعن هذا جاء النهي مجردا وعليه اجتمع علماء المسلمين فأما الفرض في غير تفريط فليس بداخل في هذا الباب بدليل قوله صلى الله عليه وسلم: "من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر".

(14/128)


ومعلوم أن من أدرك ركعة من الصبح قبل الطلوع أو ركعة من العصر قبل الغروب فقد صلى صلاته عند طلوع الشمس وعند غروبها ودليل آخر قوله صلى الله عليه وسلم: "من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها فذلك وقتها فإن الله يقول: {وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي}" ، لم يخص وقتا من وقت وهذا كله يوضح[ أ ] أن قوله صلى الله عليه وسلم "لا يتحر أحدكم فيصلي عند طلوع الشمس ولا عند غروبها" إنما أراد به التطوع والنوافل والتعمد لترك الفرائض فاعلمه وقد مضى القول مستوعبا في هذا المعنى بما للعلماء في ذلك[ ب ] من التنازع ووجوه أقوالهم في باب زيد بن أسلم في موضعين منه أحدهما عن بسر بن سعيد والأعرج وعطاء بن يسار عن أبي هريرة والآخر عن عطاء بن يسار[ ج ] عن الصنابحي ومضى القول في الصلاة بعد الصبح والعصر في باب محمد بن يحيى بن حبان فلا وجه لإعادة

(14/129)


شيء في ذلك ههنا ولا أعلم خلافا بين العلماء المتقدمين منهم والمتأخرين إن صلاة التطوع والنوافل كلها غير جائز شيء منها أن تصلى عند طلوع الشمس ولا عند غروبها وإنما اختلفوا في الصلوات المفروضات المتعينات والمفروضات على كفاية والصلوات المسنونات مما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يواظب عليه ويفعله ويندب أمته عليه هل يصلي شيء من ذلك منذ طلوع الشمس وغروبها أو اصفرارها[ أ ] أو بعد الصبح والعصر أم لا وقد ذكرنا ذلك كله في المواضع التي سمينا من كتابنا هذا والحمد لله.

(14/130)


حديث ثالث وعشرون لنافع عن ابن عمر
مالك عن نافع عن عبد الله [ أ ] بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إنما مثل صاحب القرآن كمثل صاحب الإبل المعقلة إن عاهد عليها أمسكها وإن أطلقها ذهبت".
في هذا الحديث التعاهد للقرآن ودرسه والقيام به وفيه الإخبار أنه يذهب عن صاحبه وينساه إن لم يتعاهد عليه ويقرأه ويدمن تلاوته وقد جاء عنه صلى الله عليه وسلم وعيد شديد فيمن حفظ القرآن ثم نسيه كل ذلك حض منه على حفظه والقيام به حدثنا عبد الوارث بن سفيان وسعيد بن نصر قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا عبد الله بن روح قال حدثنا [ ب ] عثمان بن عمر بن فارس أخبرنا شعبة عن يزيد بن أبي

(14/131)


زياد قال سمعت رجلا من أهل الجزيرة يقال له عيسى يحدث عن سعد بن عبادة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من تعلم القرآن ثم نسيه لقي الله يوم القيامة وهو أجذم" معناه عندي منقطع الحجة والله أعلم وذكره ابن أبي شيبة عن ابن فضل عن يزيد عن أبي زياد عن عيسى بن فائد قال حدثني فلان عن سعد بن عبادة سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم.
وقال ابن عيينة في معنى حديث سعد بن عبادة هذا وما كان مثله إن ذلك في ترك القرآن وترك العمل بما فيه وإن النسيان أريد به ههنا الترك نحو قوله: {الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا} قال وليس من اشتهى حفظه وتفلت منه بناس له إذا كان يحل حلاله ويحرم حرامه لأن هذا ليس بناس له قال ولو كان كذلك ما نسي النبي عليه السلام منه شيئا وقد نسي وقال ذكرني هذا آية نسيتها وقال الله عز وجل: {سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ} فلم يكن الله لينسي نبيه عليه السلام والناس كما يقول هؤلاء الجهال حدثنا إبراهيم بن شاكر وسعيد بن نصر قال

(14/132)


حدثنا عبد الله بن عثمان حدثنا سعيد بن معاذ حدثنا ابن أبي مريم حدثنا نعيم بن حماد عن ابن عيينة فذكره.
وكان الصحابة رضي الله عنهم وهم الذين خوطبوا بهذا الخطاب لم يكن منهم من يحفظ القرآن كله ويكمله على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا قليل منهم أبي بن كعب وزيد بن ثابت ومعاذ بن جبل وأبو زيد الأنصاري وعبد الله بن مسعود وكلهم كان يقف على معانيه ومعاني ما حفظ منه ويعرف تأويله ويحفظ أحكامه وربما عرف العارف منهم[ أ ] أحكاما من القرآن كثيرة وهو لم يحفظ سورها قال حذيفة بن اليمان تعلمنا الإيمان قبل أن نتعلم القرآن وسيأتي قوم في آخر الزمان يتعلمون القرآن قبل الإيمان ولا خلاف بين العلماء في تأويل قول الله عز وجل: {يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ} أي يعملون به حق عمله ويتبعونه حق اتباعه قال عكرمة ألم تستمع إلى قول الله عز وجل: {وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا} أي تبعها.
وفي هذا الحديث دليل على أن من لم يتعاهد علمه ذهب عنه أي من كان لأن علمهم كان ذلك الوقت القرآن لا غير.
وإذا كان القرآن الميسر للذكر يذهب إن لم يتعاهد فما ظنك

(14/133)


بغيره من العلوم المعهودة وخير العلوم ما ضبط أصله واستذكر فرعه وقاد إلى الله تعالى ودل على ما يرضاه.
حدثنا أحمد بن قاسم وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا الحرث بن أبي أسامة قال حدثنا يزيد بن هارون قال أخبرنا هشام عن قتادة عن زرارة بن أوفى عن سعد[ أ ] بن هشام عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم: "قال الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة والذي يقرأه وهو يشق عليه له أجره مرتين".
حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله قال حدثنا تميم بن محمد قال حدثنا عيسى بن مسكين قال حدثنا سحنون وأخبرنا عبد الوارث قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا ابن وضاح قال حدثنا أبو الطاهر قالا حدثنا ابن وهب قال أخبرنا يحيى بن أيوب عن زياد[ ب ] بن فائد عن سهل بن معاذ الجهني عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قال من قرأ

(14/134)


القرآن وعمل بما فيه ألبس والداه يوم القيامة تاجا ضوؤه أحسن من ضوء الشمس في بيوت الدنيا لو كانت فيه فما ظنكم من عمل بهذا".
حدثنا سعيد بن نصر وعبد الوارث قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن إسماعيل قال حدثنا الحميدي قال حدثنا سفيان قال أخبرني منصور عن أبي وائل قال سمعت عبد الله بن مسعود يقول تعاهدوا القرآن فهو أشد تفصيا من صدور الرجال من النعم من عقله وقال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بئسما لأحدكم[ أ ] أن يقول نسيت آية كيت وكيت بل هو نسي".
حدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا عبد الوهاب بن عبد الحكم الخزاز[ ب ] حدثنا عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد عن ابن جريج عن المطلب بن عبد الله بن حنطب عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "عرضت علي أجور أمتي

(14/135)


حتى القذاة يخرجها الرجل من المسجد وعرضت علي ذنوب أمتي فلم أر ذنبا أعظم من سورة من القرآن أو آية من القرآن أوتيها رجل ثم أنسيها" وليس هذا الحديث مما يحتج به لضعفه وبالله التوفيق.

(14/136)


حديث رابع وعشرون لنافع عن ابن عمر
مالك عن نافع عن عبد الله[ أ ] بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة".
قد مضى القول في معنى هذا الحديث في باب ابن شهاب عن سعيد بن المسيب من كتابنا هذا والفضائل لا تدرك بقياس ولا مدخل فيها للنظر وإنما هو ما صح منها ووقف رسول الله عليها فهو كما قال صلى الله عليه وسلم وفي حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم "بخمس وعشرين درجة".

(14/137)


وكذلك روى عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم ورى عبد الله بن عمر عن النبي عليه السلام بسبع وعشرين وأسانيدها كلها صحاح والله يتفضل بما يشاء ويضاعف لمن يشاء.
وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم بإسناد لا أحفظه في وقتي هذا صلاة الجماعة تفضل صلاة أحدكم بأربعين[ أ ] درجة وأظنه انفرد به فليح بن سليمان وليس حديثه بالقوي.
وحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا الحويطي حدثنا بقية بن الوليد عن عيسى بن إبراهيم عن موسى بن أبي حبيب عن الحكم بن عمير[ ب ] وكان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اثنان فما فوقهما جماعة".
وقد استدل قوم على أن لا فضل لكثير الجماعة على قليلها[ ج ] ولا للصف المقدم منها على غيره بظاهر حديث ابن عمر هذا وما كان مثله وخالفهم آخرون فزعموا أن الجماعة كلما كثرت كان أفضل واحتجوا بحديث أبي

(14/138)


بصير[ أ ] عن أبي بن كعب مرفوعا بذلك وهو حديث ليس بالقوي وزعموا أن الصف الأول أفضل لما جاء فيه من الاستهام عليه ومن قوله عليه السلام: "خير صفوف الرجال أولها وخير صفوف النساء آخرها". وعارضهم الأولون بأن تأولوا[ ب ] قوله عليه السلام: "خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها وشر صفوف النساء أولها وخيرها آخرها"، إنما خرج على قوم كانوا يتأخرون في أجل النساء حتى أنزلت[ ج ] {وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ} فحينئذ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك القول ولا دليل فيه على ما ذهبوا إليه إذا كان على ما ذكرنا وفي المسألة نظر والفضائل إنما تعرف بما صح من التوقيف عليها فما صح من ذلك سلم له وطمع في بركته والمعنى في فضل الصف الأول التبكير وانتظار الصلاة وليس من تأخر وصار في الصف الأول كمن بكر وانتظر الصلاة وسيأتي ذكر هذا المعنى في باب سمي إن شاء الله.

(14/139)


وفي فضل الجماعة في الصلاة أحاديث[ أ ] متواترة [ ب ] عن النبي صلى الله عليه وسلم أجمع العلماء على صحة مجيئها[ ج ] وعلى اعتقادها والقول بها وفي ذلك[ د ] ما يوضح بدعة الخوارج ومخالفتهم لجماعة المسلمين في إنكارهم الصلاة في جماعة وكراهيتهم لأن يأتم أحد بأحد في صلاته إلا أن يكون نبيا أو صديقا أجارنا الله من الضلال برحمته وعصمنا[ ه ] بفضله لا إله إلا هو و.

(14/140)


حديث خامس وعشرون لنافع عن ابن عمر
مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا عجل به السير جمع بين المغرب والعشاء.
قد مضى القول في الجمع بين الصلاتين في السفر وغيره مستوعبا في باب أبي الزبير من كتابنا هذا فلا وجه لإعادة ذلك ههنا.

(14/141)


حديث سادس وعشرون لنافع عن ابن عمر
مالك عن نافع وعبد الله بن دينار وزيد بن أسلم كلهم يحدثه عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قال لا ينظر الله عز وجل إلى من جر ثوبه خيلاء".
هكذا روى هذا الحديث جماعة الرواة عن مالك فيما علمت لم يدخلوا بين نافع وبين ابن عمر فيه أحدا وكذلك ليس بين عبد الله بن دينار وبين ابن عمر فيه أحد ولا بين زيد بن أسلم وبين ابن عمر فيه أحد وقد تقدم القول في باب زيد بن أسلم في هذا.
ورواه زيد بن[ أ ] يحيى بن عبيد عن مالك عن نافع عن سالم عن ابن عمر وهو عندي خطأ من زيد بن يحيى بن عبيد هذا لا من غيره والله أعلم.

(14/142)


حدثنا أحمد بن عبد الله بن محمد قال حدثني أبي قال حدثنا محمد بن قاسم قال حدثنا مالك بن عيسى قال حدثنا علي بن سعيد أبو الحسن البغدادي البزار قال حدثنا يحيى بن عبيد قال حدثنا مالك بن أنس عن نافع عن سالم عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم: "قال الذي يجر ثوبه من الخيلاء لا ينظر الله إليه يوم القيامة" هكذا قال يحيى بن عبيد وإنما هو زيد بن يحيى بن عبيد. أخبرنا عبد الرحمن بن مروان قال حدثنا الحسن بن علي بن داود قال حدثنا أحمد بن محمد بن جرير قال حدثنا علي بن معبد[ أ ] بن نوح قال حدثنا زيد بن يحيى بن عبيد قال حدثنا مالك بن أنس عن نافع عن سالم عن عبد الله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم: "قال الذي يجر ثوبه من الخيلاء لا ينظر الله إليه يوم القيامة".
قال أبو عمر زيد بن يحيى بن عبيد هذا دمشقي يكنى أبا عبد الله روى عنه يحيى بن معين وأحمد بن حنبل ودحيم وغيرهم وقد مضى القول في معنى هذا الحديث في باب زيد بن أسلم والحمد لله.

(14/143)


حديث سابع وعشرون لنافع عن ابن عمر
مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قال إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل".
هكذا[ أ ] قال إذا جاء أحدكم وتابعه جماعة ومنهم من يقول إذا راح أحدكم إلى الجمعة والمعنى واحد.
حدثنا خلف بن القاسم قال حدثنا عبد الله بن جعفر بن الورد وأحمد بن محمد بن عثمان وأحمد بن محمد بن موسى ومحمد بن عبد الله بن زكرياء قالوا حدثنا[ ب ] أحمد بن شعيب قال أخبرنا محمد بن عقيل حدثنا حفص بن إبراهيم بن طهمان عن أيوب ومنصور ومالك عن نافع عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا راح أحدكم إلى الجمعة فليغتسل".

(14/144)


وحدثنا خلف بن قاسم حدثنا عبد الله بن جعفر بن الورد حدثنا إسحاق بن إبراهيم حدثنا هارون بن سعيد بن الهيثم حدثنا خالد بن نزار عن إبراهيم بن طهمان عن مالك ومنصور ومحمد بن عبد الله وأيوب عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم: "قال من أتى الجمعة فليغتسل". وحدثنا[ أ ] خلف بن قاسم حدثنا عبد الله بن جعفر وحسن بن رشيق والعباس بن مطرح الأزدي قالوا حدثنا محمد بن أحمد بن جعفر الكوفي حدثنا أحمد بن صالح حدثنا مطرف وإسماعيل قال [ ب ] وقرأت على عبد الله بن نافع قالوا حدثنا مالك عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قال إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل".
روى هذا الحديث عن نافع جماعة ورواه أيضا سالم عن ابن عمر من حديث ابن شهاب ومنهم من يرويه عن ابن شهاب عن سالم عن أبيه عن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم وقد رواه بكير بن الأشج عن نافع عن ابن عمر عن حفصة عن النبي عليه السلام.

(14/145)


حدثنا خلف بن القاسم بن سهل الحافظ قال حدثنا الحسين بن جعفر الزيات قال حدثنا يوسف بن يزيد قال حدثنا إسماعيل بن مسلمة[ أ ] بن قعنب قال حدثنا حماد بن زيد عن أيوب عن نافع عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل".
وممن روى هذا الحديث عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم مالك وأيوب وعبيد الله وابن جريج وعبد العزيز بن أبي[ ب ] رواد ومنصور بن المعتمر والليث بن سعد ومالك بن مغول والضحاك بن عثمان وليث بن سليم وحجاج بن أرطاه وأشعث كلهم عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم[ ج ] قال: "من جاء منكم الجمعة فليغتسل".
ورواه معمر والأوزاعي وابن عيينة عن الزهري عن سالم عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل".

(14/146)


ورواه الزبيدي عن الزهري عن سالم أنه أخبره عن أبيه عن عمر بن الخطاب قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يقول من جاء منكم الجمعة فليغتسل". وروى يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة أن عمر بن الخطاب بينما هو يخطب يوم الجمعة إذ جاء رجل فجلس فقال عمر لم تحتبسون عن الجمعة فقال الرجل يا أمير المؤمنين ما هو إلا أن سمعت النداء فتوضأت ثم أقبلت فقال عمر الوضوء أيضا ألم تسمع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا راح أحدكم إلى الجمعة فليغتسل".
وروى معمر عن ابن شهاب عن سالم عن ابن عمر أن عمر بن الخطاب بينما هو قائم يوم الجمعة يخطب فذكر مثل هذا سواء قال في آخره والوضوء أيضا وقد علمت أن رسول الله كان يأمر بالغسل وقد رواه جماعة عن ابن شهاب كذلك مسندا.
واختلف فيه عن مالك فرواه عنه جمهور أصحابه عن ابن شهاب عن سالم أن عمر مرسلا ورواه بعضهم عنه عن ابن شهاب عن سالم عن ابن عمر أن عمر متصلا وقد ذكرنا ذلك كله في باب ابن شهاب عن سالم من كتابنا هذا وذكرنا كثيرا من أسانيد هذه الآثار هناك .

(14/147)


واستوعبنا القول في وجوب غسل الجمعة وسقوطه ومن رآه سنة وكيف الوجه فيه بما للعلماء في ذلك من المذاهب هنالك أيضا فلا وجه لإعادة شيء من ذلك ههنا.
وأما حديث ابن عمر عن حفصة في هذا الباب فحدثناه عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود وحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن الهيثم أبو الأحوص قالا جميعا حدثنا يزيد بن خالد بن موهب الرملي[ أ ] قال حدثنا المفضل بن فضالة عن عياش بن عباس عن بكير بن عبد الله بن الأشج عن نافع عن ابن عمر عن حفصة عن النبي صلى الله عليه وسلم[ ب ] قال: "على كل محتلم الرواح إلى الجمعة وعلى من راح إلى الجمعة الغسل".
قال أبو عمر هذا[ ج ] الحديث يدل على أن الغسل إنما يجب عند الرواح وكذلك قوله عليه السلام: "من جاء منكم

(14/148)


الجمعة فليغتسل وإذا جاء أحدكم فليغتسل"، وهذا[ أ ] اللفظ إنما يوجب الغسل عند الرواح على ظاهره والله أعلم.
وهذا موضع اختلف العلماء فيه[ ب ] فذهب مالك والأوزاعي والليث بن سعد على اختلاف عنه إلى أن الغسل لا يكون للجمعة إلا عند الرواح إليها متصلا بالرواح وقد روي عن الأوزاعي أنه يجزئه أن يغتسل قبل الفجر للجنابة والجمعة وذهب الشافعي وأبو حنيفة والثوري إلى أن من اغتسل للجمعة بعد[ ج ] الفجر أجزأه من غسلها وهو قول الحسن البصري وإبراهيم النخعي وبه قال أحمد وإسحاق وأبو ثور والطبري وهو قول عبد الله بن وهب صاحب مالك وقال أبو يوسف إذا اغتسل بعد الفجر ثم أحدث فتوضأ ثم شهد الجمعة لم يكن كمن شهد الجمعة على غسل قال أبو يوسف إن كان الغسل ليوم فاغتسل بعد الفجر ثم أحدث فصلى الجمعة بوضوء فغسله تام وإن كان الغسل للصلاة فإنما شهد الجمعة على وضوء وقال مالك من اغتسل عند الرواح ثم أحدث فتوضأ وشهد الجمعة أجزأه غسله وإن اغتسل أول النهار ويريد به الجمعة لم يجزه من غسل الجمعة وقال الثوري إذا اغتسل يوم الجمعة من جنابة أو غيرها أجزأه من غسل الجمعة فهذا يدل على أن الغسل

(14/149)


عنده لليوم لا للرواح إلى الجمعة وقال الأوزاعي الغسل هو الرواح إلى الجمعة فإن اغتسل لغيره بعد الفجر لم يجزه من الجمعة وقال الشافعي الغسل للجمعة سنة فمن اغتسل بعد الفجر للجنابة ولها أجزأه وإن غسل لها دون الجنابة وهو جنب لم يجزه وقال عبد العزيز بن ابي سلمة الماجشون وإذا اغتسل ثم أحدث أجزأه الغسل فهذا يشبه مذهب مالك ويشبه مذهب الثوري.
قال أبو عمر حجة من جعل الغسل للرواح متصلا به حديث ابن عمر هذا وحديث حفصة المذكور في هذا الباب وحجة من جعل الغسل لليوم حديث جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم[ أ ] قال: "الغسل واجب على كل مسلم في كل أسبوع يوما وهو يوم الجمعة"، حدثناه عبد الوارث بن سفيان قراءة مني عليه قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا بكر بن حماد قال حدثنا مسدد قال حدثنا خالد الواسطي قال حدثنا داود بن أبي هند عن أبي الزبير عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم فذكره حرفا بحرف.
فأما قوله في هذا الحديث وغيره غسل يوم الجمعة واجب فقد مضى القول في سقوط وجوبه من جهة الأثر والنظر

(14/150)


بالدلائل الواضحة في باب ابن شهاب عن سالم من كتابنا هذا والأصل أن لا فرض إلا بيقين وأما من ذهب إلى أن الغسل لليوم فليس بشيء لإجماعهم على أنه لو اغتسل بعد[ أ ] الجمعة في باقي اليوم لم يكن مغتسلا وأنه غير مصيب في فعله فدل هذا على أن الغسل للرواح إلى الصلاة وإذا حملت الآثار على هذا صحت ولم تتعارض فهذا أولى ما في هذا الباب وقال أبو بكر الأثرم سئل أحمد بن حنبل عن الذي يغتسل سحر الجمعة ثم يحدث أيغتسل أم يجزئه الوضوء فقال يجزئه ولا يعيد الغسل ثم قال ما سمعت في هذا حديثا أعلى من حديث ابن أبزى قال أبو بكر حدثناه أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا سفيان بن عيينة عن عبدة بن أبي لبابة عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه أنه كان يغتسل يوم الجمعة ثم يحدث بعد الغسل فيتوضأ ولا يعيد غسلا.
وأجمع العلماء على أن غسل الجمعة ليس بواجب إلا طائفة من أهل الظاهر قالوا بوجوبه وشددوا[ ب ] في ذلك وأما سائر العلماء والفقهاء فإنما هم فيه على قولين أحدهما أنه سنة والآخر أنه مستحب وأن الأمر به كان لعلة فسقط والطيب يجزئ

(14/151)


عنه وقد بينا هذه المعاني من أقوالهم فيما سلف من كتابنا هذا عند ذكر حديث ابن شهاب عن سالم واختلف الفقهاء فيمن اغتسل للجمعة وهو جنب ولم يذكر جنابته[ أ ] فذهبت طائفة من أهل العلم إلى أن ذلك يجزئ من غسل الجنابة وإن لم ينو الجنابة وكان ناسيا لها وممن ذهب إلى هذا ابن كنانة وأشهب وابن وهب ومطرف وابن نافع وهؤلاء من جلة أصحاب مالك وبه قال أبو إبراهيم المزني صاحب الشافعي وإليه ذهب وقالت طائفة أخرى من أهل العلم إن ذلك لا يجزئه حتى ينوي غسل الجنابة ويكون ذاكرا لجنابته قاصدا إلى الغسل منها وممن ذهب إلى هذا ابن القاسم وحكاه ابن عبد الحكم عن مالك وهو قول الشافعي وأكثر أصحابه وإليه ذهب داود بن علي ولم يختلف قول مالك وأصحابه أن من اغتسل للجنابة لا ينوي الجمعة معها أنه غير مغتسل للجمعة ولا يجزئه من غسل الجمعة إلا شيء روي عن أشبه بن عبد العزيز أنه قال يجزيه غسل الجنابة من غسل الجمعة ذكره محمد بن عبد الله بن عبد الحكم عن أشهب وكذلك ذكر البرقي عن أشهب وقال عبد العزيز بن ابي سلمة والثوري والشافعي والليث بن سعد والطبري المغتسل للجنابة يوم الجمعة يجزئه من غسل الجمعة ومن الجنابة جميعا إذا نوى غسل الجنابة وإن لم ينو الجمعة

(14/152)


وأجمعوا أن من اغتسل ينوي الغسل للجنابة وللجمعة جميعا في وقت الرواح أن ذلك يجزئه منهما جميعا وأن ذلك لا يقدح في غسل الجنابة ولا يضره اشتراك النية في ذلك إلا قوما من أهل الظاهر شذوا[ أ ] فأفسدوا الغسل إذا اشترك فيه الفرض والنفل وقد[ ب ] روي مثل هذا في رواية شذت عن مالك وللحجة عليهم موضع غير هذا[ ج ] قال أبو بكر الأثرم قلت لأحمد بن حنبل رجل اغتسل يوم الجمعة من جنابة ينوي به غسل الجمعة فقال أرجو أن يجزئه منهما جميعا فقلت له يروى عن مالك أنه قال لا يجزئه[ د ] عند [ ه ] واحد منهما فأنكره قال أبو بكر حدثنا أحمد بن أبي شعيب قال حدثنا موسى وهو ابن أعين عن ليث عن نافع عن ابن عمر أنه كان يغتسل للجمعة والجنابة غسلا واحدا.

(14/153)


حديث ثامن وعشرون لنافع عن ابن عمر
مالك عن نافع عن عبد الله[ أ ] بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "رأى بصاقا في جدار القبلة فحكه ثم أقبل على الناس فقال إذا كان أحدكم يصلي فلا يبصق قبل وجهه فإن الله قبل وجهه إذا صلى".
وفي[ ب ] هذا الحديث من الفقه إزالة ما يستقذر وما يتنزه عنه ويتقزز منه[ ج ] من المسجد وأن ينظف وإذا كان رسول الله يحك البصاق من حائط المسجد من قبلته[ د ] فكنسه وتنظيفه وكسوته يدخل في معنى ذلك وفي هذا الحديث أيضا.

(14/154)


دليل على أن للمصلي أن يبصق وهو في الصلاة إذا لم يبصق قبل وجهه ولا يقطع ذلك صلاته ولا يفسد شيئا منها إذا غلبه ذلك واحتاج إليه ولا يبصق قبل وجهه ألبتة ولكن يبصق في ثوبه وتحت قدميه على ما ثبت في الآثار وقد أجمع العلماء على[ أ ] أن العمل القليل في الصلاة لا يضرها وفي إباحة البصاق في الصلاة لمن غلبه ذلك دليل على أن النفخ في الصلاة إذا لم يقصد به صاحبه اللعب والعبث وكان يسيرا لا يضر المصلي في صلاته ولا يفسد شيئا منها لأنه قلما يكون بصاق إلا ومعه شيء من النفخ والنحنحة والبصاق والنخامة والنخاعة كل ذلك متقارب وقد فسرنا ذلك في باب هشام بن عروة من هذا الكتاب والتنخع والتنخم ضرب من التنحنح ومعلوم أن للتنخم صوتا[ ب ] كالتنحنح وربما كان معه ضرب من النفخ عند القذف بالبصاق فإن قصد النافخ أو المتنحنح في الصلاة بفعله ذلك اللعب أو شيئا من العبث أفسد صلاته وأما إذا كان نفخه تأوها من ذكر النار إذا مر به ذكرها في القرآن وهو في صلاته[ ج ] فلا شيء عليه.
واختلف الفقهاء في هذا المعنى من هذا الباب فكان مالك يكره النفخ في الصلاة فإن فعله فاعل لم يقطع صلاته.

(14/155)


ذكره ابن وهب عن مالك وذكر ابن خواز بنداد قال قال[ أ ] مالك التنحنح والنفخ والأنين في الصلاة لا يقطع الصلاة ورواه ابن عبد الحكم قال وقال ابن القاسم ذلك يقطع الصلاة يعني النفخ والتنحنح.
وقال الشافعي كل ما كان[ ب ] لا يفهم منه حروف الهجاء فليس بكلام ولا يقطع الصلاة إلا الكلام وهو قول أبي ثور لا يقطع الصلاة إلا الكلام المفهوم.
وقال أبو حنيفة ومحمد بن الحسن إن كان النفخ يسمع فهو بمنزلة الكلام يقطع الصلاة.
وقال أبو يوسف لا يقطع الصلاة إلا أن يريد به التأفيف ثم رجع فقال صلاته تامة.
وقال أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه لا إعادة على من نفخ في صلاته والنفخ مع ذلك مكروه عندهم على كل حال وعند [ ج ] ابن مسعود وابن عباس والنخعي وابن سيرين مثله هو مكروه ولا يقطع الصلاة وقد جاء عن ابن عباس أن النفخ كلام وهذا يدل على أنه يقطع عند الصلاة إن صح عنه أخبرنا أحمد بن قاسم حدثنا محمد بن معاوية،

(14/156)


حدثنا محمد بن يحيى المروزي حدثنا خلف بن هشام حدثنا أبو شهاب عن الأعمش عن مسلم عن مسروق عن ابن عباس قال النفخ في الصلاة كلام وهذا يحتمل أن يكون النافخ عامدا عابثا فيكون حينئذ مفسدا لصلاته.
قال أبو عمر أجمع العلماء على كراهية النفخ في الصلاة واختلفوا في إفساد الصلاة به وكذلك أجمعوا على كراهية الأنين والتأوه في الصلاة واختلفوا في صلاة من أن وتأوه فيها فأفسدها بعضهم وأوجب الإعادة وبعضهم قال لا إعادة في ذلك والتنحنح عند جميعهم أخف من الأنين والنفخ ومن التأوه ولا أصل في هذا الباب إلا إجماعهم على تحريم الكلام في الصلاة كل[ أ ] على أصله الذي قدمنا عنهم في باب أيوب من هذا الكتاب فقول من راعى حروف الهجاء وما يفهم من الكلام أصح الأقاويل إن شاء الله.
وأما بقوله في هذا الحديث فإن الله قبل وجهه إذا صلى فكلام خرج على التعظيم لشأن القبلة وإكرامها والله أعلم والآثار تدل على ذلك مع النظر والاعتبار وقد نزع بهذا الحديث بعض من ذهب مذهب المعتزلة في أن الله عز وجل في كل مكان وليس على العرش وهذا جهل من قائله،

(14/157)


لأن في الحديث الذي جاء فيه النهي عن البزاق في القبلة أنه يبزق[ أ ] تحت قدمه وعن يساره وهذا ينقض ما أصلوه في أنه في كل مكان وقد أوضحنا هذا المعنى في باب ابن شهاب عن أبي سلمة وأبي عبد الله الأغر والحمد لله.
قرأت على عبد الوارث بن سفيان وسعيد بن نصر جميعا أن القاسم بن أصبغ حدثهم قال حدثنا إسماعيل بن إسحاق قال حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري قال حدثنا حميد عن أنس قال رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم نخاعة في المسجد فشق ذلك عليه حتى عرفنا ذلك في وجهه فحكه وقال: "إن أحدكم أو إن المرء إذا قام إلى الصلاة فإنه يناجي ربه أو إن ربه بينه وبين قبلته فليبزق إذا بزق عن يساره أو تحت قدمه".
وحدثنا[ ب ] عبد الوارث وسعيد بن نصر[ ج ] قالا حدثنا إسماعيل حدثنا حجاج حدثنا حماد بن سلمة أخبرنا حماد بن أبي سليمان عن ربعي بن خراش عن حذيفة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا قام الرجل في صلاته أقبل على الله [د]

(14/158)


بوجهه فلا يبزقن أحدكم في قبلته ولا يبزقن[ أ ] عن يمينه ولكن يبزق عن يساره".
وحدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا سليمان بن داود قال حدثنا حماد بن زيد حدثنا أيوب عن نافع عن ابن عمر قال بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب يوما إذ رأى نخامة في قبلة المسجد فتغيظ[ ب ] على الناس ثم حكها قال وأحسبه قال ودعا بزعفران فلطخه به وقال: "إن الله عز وجل قبل وجه أحدكم إذا صلى فلا يبزق بين يديه".
وحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا جعفر بن محمد قال حدثنا سليمان بن داود قال حدثنا إبراهيم بن سعد عن ابن شهاب عن حميد بن عبد الرحمان أن أبا سعيد وأبا هريرة أخبراه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى نخامة في جدار المسجد فتناول رسول الله حصاة[ ج ] فحتها ثم قال: "إذا تنخم أحدكم فلا يتنخمن قبل

(14/159)


وجهه ولا عن يمينه[ أ ] وليبزق عن يساره أو تحت قدمه اليسرى" ورواه ابن عيينة والليث عن ابن شهاب عن حميد عن أبي سعيد لم يذكر أبا هريرة وروى ابن عجلان عن عياض عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله والأحاديث في هذا كثيرة جدا أخبرنا عبد الله بن محمد [ب] حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا محمد بن العلاء قال حدثنا حسين بن علي عن زائدة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ببناء المساجد في الدور وأن تنظف وتطيب.
وحدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال[ ج ] حدثنا القعنبي حدثنا أبو مودود عن عبد الرحمن بن أبي حدرد الأسلمي قال سمعت أبا هريرة يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من دخل هذا المسجد فبزق فيه أو تنخم فليحفر وليدفنه[ د ] فإن لم يفعل فليبزق في ثوبه ثم ليخرج به".

(14/160)


وروى شعبة وهشام الدستوائي وسعيد بن أبي عروبة وأبان العطار وأبو عوانة وغيرهم عن قتادة عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "البزاق في المسجد خطيئة وكفارتها دفنها".
قال أبو عمر البزاق يكتب بالزاي وبالسين وبالصاد وقد مضى فيما سلف من كتابنا هذا في باب نافع أيضا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم :" عرضت علي أجور أمتي فرأيت فيها حتى القذاة يخرجها الرجل من المسجد".
وقد احتج بعض من أباح النفخ في الصلاة على جهة التأوه بما حدثناه سعيد بن نصر وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن وضاح قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا محمد بن فضيل عن عطاء بن السائب عن أبيه عن عبد الله بن عمرو[ أ ] قال انكسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام وقمنا معه فأطال القيام حتى ظننا أنه ليس يركع ثم ركع فلم يكد يرفع رأسه ثم رفع رأسه فلم يكد يسجد ثم سجد فلم

(14/161)


يكد يرفع رأسه ثم فعل في الركعة الثانية كما فعل في الأولى وجعل ينفخ في الأرض ويبكي وهو ساجد في الركعة الثانية[ أ ] ويقول رب لم تعذبهم وأنا فيهم رب لم تعذبهم[ ب ] ونحن نستغفرك ثم رفع رأسه وقد[ ج ] تجلت الشمس وذكر الحديث.

(14/162)


حديث تاسع وعشرون لنافع عن ابن عمر
مالك عن نافع عن عبد الله[ أ ] بن عمر أنه كان يقول إن كان الرجال والنساء ليتوضئون جميعا في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
رواه[ ب ] هشام بن عمار عن مالك فقال فيه من إناء واحد؛
حدثنا خلف بن قاسم حدثنا علي بن الحسن بن علي الحراني حدثنا محمد بن المعافي ومحمد بن محمد وحدثنا خلف حدثنا عبد الله بن عمر بن إسحاق حدثنا أحمد بن محمد بن الحجاج بن رشدين قالوا حدثنا هشام بن عمار حدثنا مالك عن نافع عن ابن عمر قال كان الرجال والنساء يتوضئون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم

(14/163)


من إناء واحد ليس في الموطأ من إناء واحد والمعنى في ذلك سواء حدثنا خلف بن قاسم حدثنا أحمد بن محمد بن الحسين العسكري حدثنا الربيع بن سليمان حدثنا الشافعي أخبرنا مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر أنه كان يقول إن الرجال والنساء كان يتوضئون في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
في هذا الحديث دليل واضح على إبطال قول من قال لا يتوضأ بفضل المرأة لأن المرأة والرجل إذا اغترفا جميعا من إناء واحد في الوضوء فمعلوم أن كل واحد منهما متوضئ بفضل صاحبه وقد وردت آثار في هذا الباب مرفوعة بالنهي عن أن يتوضأ الرجل بفضل المرأة وزاد بعضهم في بعضها ولكن ليغترفا[ أ ] جميعا فقالت طائفة لا يجوز أن يغترف الرجل مع المرأة في إناء واحد لأن كل واحد منهما متوضئ حينئذ بفضل صاحبه وقال آخرون إنما كره من ذلك أن تنفرد المرأة بالإناء ثم يتوضأ الرجل بعدها بفضلها وكل واحد منهم روى[ ب ] بما ذهب إليه أثرا ولم أر لذكر تلك الآثار وجها في كتابي هذا لأن

(14/164)


الصحيح عندي ما روي مما يضادها ويخالفها مثل حديث هذا الباب وحديث عائشة في أنها كانت تغتسل هي ورسول الله صلى الله عليه وسلم من إناء واحد هو الفرق والذي ذهب إليه جمهور العلماء وجماعة فقهاء الأمصار أنه لا بأس أن يتوضأ الرجل بفضل المرأة وتتوضأ المرأة بفضله انفردت بالإناء أو[ أ ] لم تنفرد وفي مثل هذا آثار كثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم صحاح والذي يذهب إليه أن الماء لا ينجسه شيء إلا ما ظهر فيه من النجاسات أو غلب عليها منها فلا وجه للاشتغال بما لا يصح من الآثار والأقوال والله المستعان.
قرأت على عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا بكر بن حماد[ ب ] قال حدثنا مسدد قال حدثنا حماد بن زيد عن أيوب عن نافع عن ابن عمر قال كان الرجال والنساء يتوضئون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من الإناء الواحد وهذا على عمومه يجمع الانفراد وغير الانفراد والله أعلم.
وروى سفيان وشريك عن سماك بن حرب[ ج ] عن عكرمة عن ابن عباس عن ميمونة قالت اغتسلت من الجنابة

(14/165)


فجاء النبي صلى الله عليه وسلم ليغتسل فقلت إني اغتسلت منه فقال: "ليس على الماء جنابة الماء لا ينجسه شيء".
وهذا صحيح في الأصول لأن المؤمن ليس بنجس وإنما هو متعبد بالوضوء والاغتسال في حال دون حال وقد دللنا على طهارة سؤر الحائض والجنب فيما سلف[ أ ] من هذا الكتاب وإنما جاز وضوء الجماعة معا رجالا ونساء ففي ذلك دليل على أنه لا تحديد ولا توقيف فيما يقتصر عليه المغتسل من الماء إلا الإتيان منه بما أمر الله من غسل ومسح ورب ذي رفق يكفيه اليسير وذي فرق لا يكفيه الكثير وقد مضى معنى هذا الباب في باب ابن شهاب أيضا والحمد لله.

(14/166)


حديث موفي ثلاثين لنافع عن ابن عمر
مالك عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي قبل الظهر ركعتين وبعدها ركعتين وبعد المغرب ركعتين في بيته وبعد صلاة العشاء ركعتين وكان لا يصلي بعد الجمعة حتى ينصرف فيصلي ركعتين.
هكذا رواه يحيى لم يقل في بيته إلا في الركعتين بعد المغرب فقط وتابعه القعنبي على ذلك وقال ابن بكير في هذا الحديث في بيته في موضعين أحدهما في الركعتين بعد المغرب والآخر في الركعتين بعد الجمعة في بيته.
وابن[ أ ] وهب يقول في الركعتين بعد المغرب وبعد العشاء في بيته وبعد انصرافه في الجمعة وقد تابعه أيضا على هذا جماعة من رواة مالك حدثنا خلف بن قاسم حدثنا أحمد بن محمد بن الحسين بن عبد الله حدثنا الربيع بن سليمان حدثنا عبد الله بن وهب أخبرني مالك وعبيد الله بن عمر،

(14/167)


والليث بن سعد وأسامة بن زيد وابن سمعان عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي قبل الظهر ركعتين وبعدها ركعتين وبعد المغرب ركعتين في بيته وبعد صلاة العشاء ركعتين في بيته وكان لا يصلي بعد الجمعة في المسجد شيئا حتى ينصرف فيسجد سجدتين واختلف في ذلك أيضا أصحاب ابن نافع واختلف في ذلك أيضا عن ابن عمر وسنذكر ما حضرنا من ذلك بحول الله إن شاء الله.
وفي هذا الحديث دليل على أن صلاة النهار مثنى مثنى كصلاة الليل سواء وقد مضى القول في هذا المعنى بما فيه كفاية والحمد لله.
وفيه إباحة صلاة النافلة في المسجد والأصل في النافلة أنها صلاة البيوت ولم يختلف من هذا الحديث في ركعتين قبل الظهر وبعدها أن ذلك كان منه صلى الله عليه وسلم في المسجد[ أ ] واختلف في صلاته بعد المغرب والعشاء والجمعة على ما نورده إن شاء الله ههنا.
وقد حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أحمد بن زهير وحدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قالا[ ب ] حدثنا

(14/168)


أبو بكر بن أبي الأسود قال حدثنا أبو المطوف محمد بن أبي الوزير قال حدثنا محمد بن موسى [أ] الفطري عن سعد بن إسحق بن كعب بن عجرة عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم أتاهم في مسجد بني عبد الأشهل فصلى فيه[ ب ] المغرب فلما قضوا صلاتهم رآهم يسبحون بعدها فقال: "هذه صلاة البيوت".
فكره قوم التطوع في المسجد بعد صلاة المغرب لهذا الحديث ولا حجة فيه لهم لأنه لو كرهه لنهى عنه والله أعلم.
وقد عارض قوم هذا الحديث بما رواه جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يطيل القراءة في الركعتين بعد المغرب حتى يتفرق أهل المسجد ذكره[ ج ] أبو داود قال حدثنا

(14/169)


حسين بن عبد الرحمان[ أ ] الجرجرائي قال حدثنا طلق بن غنام[ ب ] قال حدثا يعقوب بن عبد الله القمي عن جعفر بن أبي المغيرة قال[ ج ] أبو داود تابع طلق بن غنام على إسناد هذا الحديث نصر المجدر عن يعقوب القمي ورواه[ د ] أحمد بن يونس وسليمان بن داود عن يعقوب عن جعفر عن سعيد مرسلا وقد كان يعقوب القمي يقول كل شيء حدثتكم عن جعفر عن سعيد بن جبير عن النبي عليه السلام فهو عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم.
والذي اجتمع عليه العلماء أنه لا بأس بالتطوع في المسجد لمن شاء على أن صلاة النافلة في البيوت أفضل إلا العشر ركعات المذكورة في حديث ابن عمر في هذا الباب،

(14/170)


والإثنتي[ أ ] عشرة ركعة المذكورة في حديث أم حبيبة فإنها عند جماعة منهم سنة مسنونة ويسمونها صلاة السنة يرون صلاتها في المسجد دون سائر التطوع وما عداها من التطوع كلها فهو في البيت أفضل ولا بأس به في المسجد هذا كله قول[ ب ] جمهور العلماء.
وأما قوله وبعد الجمعة ركعتين فإن الفقهاء اختلفوا في التطوع بعد الجمعة خاصة فقال مالك ينبغي للإمام إذا سلم من الجمعة أن يدخل منزله ولا يركع في المسجد لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان ينصرف بعد الجمعة ولم يركع في المسجد وإنما كان يركع الركعتين في بيته قال مالك ومن خلف الإمام أيضا إذا سلموا فأحب إلي[ ج ] أن ينصرفوا ولا يركعوا في المسجد فإن ركعوا فإن[ د ] ذلك واسع وقال الشافعي ما أكثر المصلي من التطوع بعد الجمعة فهو أحب إلي وقال أبو حنيفة يصلي بعد الجمعة أربعا وقال في موضع آخر ستا وقال الثوري إن صليت أربعا أو ستا[ ه ] فحسن.

(14/171)


وقال الحسن بن حي يصلي أربعا وقال أحمد بن حنبل يصلي ستا بعد الجمعة أحب إلي وإن شاء أربعا وكان ابن عمر يصلي بعدها ركعتين في بيته ويقول هكذا فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت طائفة من العلماء تصلي بعدها ركعتين أيضا وحجة من ذهب هذا المذهب ما حدثناه عبد الله بن محمد حدثنا محمد بن بكر حدثنا أبو داود قال حدثنا مسدد قال حدثنا إسماعيل قال حدثنا أيوب عن نافع قال كان ابن عمر يطيل الصلاة قبل الجمعة ويصلي بعدها ركعتين في بيته ويحدث أن رسول الله كان يفعل ذلك.
قال أبو داود وحدثنا محمد بن عبيد وسليمان بن داود قالا حدثنا حماد بن زيد قال حدثنا أيوب عن نافع عن ابن عمر أنه رأى رجلا يصلي ركعتين يوم [[ أ ] ] الجمعة في مقامه ودفعه وقال أتصلي الجمعة أربعا قال وكان عبد الله يصلي يوم[ أ ] الجمعة ركعتين في بيته ويقول هكذا فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وحجة من قال يصلي بعد الجمعة أربعا ما رواه سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن

(14/172)


أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من كان منكم مصليا بعد الجمعة فليصل أربعا" وبعضهم يقول فيه عن سهيل بإسناده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا صليتم الجمعة فصلوا بعدها أربعا" قال سهيل وقال لي أبي يا بني إذا صليت في المسجد ركعتين ثم أتيت المنزل فصل ركعتين ذكر[ أ ] ذلك كله أبو داود وقد روي عن جماعة من السلف أنهم كانوا يصلون بعد الجمعة ركعتين ثم أربعا وممن روى ذلك عنه[ ب ] علي بن أبي طالب وعبد الله بن عمر وأبو موسى ومجاهد وعطاء وروي أن ابن مسعود كان يصلي بعدها أربعا وإليه ذهب إسحاق وأصحاب الرأي وجاء عن النخعي في الصلاة بعد الجمعة إن شئت ركعتين وإن شئت أربعا وروى حجاج عن ابن جريج عن عطاء أنه أخبره أنه رأى ابن عمر يصلي بعد الجمعة فينأى عن مصلاه الذي صلى فيه[ ج ] قليلا ويصلي ركعتين ثم يمشي أكثر من ذلك قليلا ويركع أربع ركعات قلت لعطاء كم رأيت ابن عمر يفعل ذلك قال مرارا.

(14/173)


وذكر عبد الرزاق عن ابن جريج قال أخبرني عمر بن عطاء بن أبي الخوار أن نافعا بن جبير أرسله إلى السائب بن يزيد بن أخت نمر سله عن شيء رآه منه معاوية في الصلاة فقال صليت معه في المقصورة فلما سلمنا[ أ ] قمت في مقامي فصليت فلما دخل أرسل إلي فقال لا تعد لما صنعت إذا صليت الجمعة فلا تصلها بصلاة حتى تكلم أو[ ب ] تخرج فإن نبي الله صلى الله عليه وسلم أمر بذلك أن لا توصل صلاة بصلاة حتى تكلم أو تخرج.
وذكره أبو داود عن الحسن بن علي [ج] الحلواني عن عبد الرزاق وذكر الطحاوي في هذا الخبر فقال[ د ] انصرف ابن عمر إلى ذلك لما بلغه حديث معاوية هذا وذكر حديث ابن جريج عن عطاء أنه رأى ابن عمر[ ه ] على حسبما ذكرناه [ و ] ثم ذكر[ ز ] حديث يزيد[ ح ] بن أبي حبيب عن عطاء،

(14/174)


عن ابن عمر قال[ أ ] كان إذا كان بمكة فصلى الجمعة تقدم فصلى ركعتين ثم تقدم فصلى أربعا فإذا كان بالمدينة صلى الجمعة ثم رجع إلى بيته فصلى ركعتين ولم يصل في المسجد فقيل له فقال [م] كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك.
حدثنا[ ب ] خلف بن قاسم حدثنا إبراهيم بن علي بن أحمد الحناني البصري ومحمد بن عبد الله بن أحمد القاضي قالا حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز حدثنا الربيع الوهراني حدثنا عبد الحميد بن سليمان حدثنا مالك عن نافع عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يصلي بعد الجمعة شيئا في المسجد حتى ينصرف فيصلي ركعتين في بيته.
وحدثنا خلف حدثنا أحمد بن الحسين بن إسحاق حدثنا عبيد بن محمد بن موسى خال البزار حدثنا محمد بن يوسف حدثنا أبو قرة موسى بن طارق عن مالك بن أنس عن نافع عن ابن عمر أنه قال في حديثه إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يصلي بعد الجمعة حتى ينصرف ثم يركع ركعتين.
قال أبو عمر الاختلاف عن السلف في هذا الباب اختلاف إباحة واستحسان لا اختلاف منع وحظر وكل ذلك حسن إن شاء الله.

(14/175)


روى إسرائيل عن أبي إسحاق عن أبي عبد الرحمن السلمي قال قدم علينا عبد الله فكان يصلي بعد الجمعة أربعا وقدم بعده علي فكان يصلي بعد الجمعة ركعتين وأربعا وكذلك من لم ير الركعتين بعد المغرب في المسجد ورآهما في البيت إنما هو على الاختيار لا على أن ذلك لا يجوز والله أعلم. وقد تعارضت في ذلك الآثار المرفوعة منها حديث كعب بن عجرة هذه صلاة البيوت وحديث ابن عباس أن رسول الله كان يطيل القراءة[ أ ] في الركعتين بعد المغرب حتى يتفرق أهل المسجد وقد روي من حديث محمود بن لبيد مرسلا نحو حديث كعب بن عجرة.
أخبرنا عبد الله بن محمد حدثنا عبد الحميد بن أحمد حدثنا الخضر بن داود حدثنا أبو بكر الأثرم قال حدثنا أبو عبد الله يعني أحمد بن حنبل قال حدثنا محمد بن سلمة عن ابن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة عن محمود بن لبيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى المغرب ثم قال: "صلوا هاتين الركعتين في بيوتكم".

(14/176)


قال أبو بكر وسئل أبو عبد الله عن الركعتين بعد المغرب فقال يصليها في منزله أعجب إلي قيل له فإن بعد منزله فقال[ أ ] لا أدري قال[ ب ] ورأيت أبا عبد الله ما لا أحصي إذا صلى المغرب دخل قبل أن يتطوع قال وسألت[ ج ] أبا عبد الله عن[ د ] تفسير قوله: "لا يصلي بعد صلاة مثلها" قال هو أن يصلي الظهر فيصلي أربعا بعدها لا يسلم ثم قال أليس قد قال سعيد بن جبير إذا سلم في إثنين فليس مثلها ثم قال أما أنا فأذهب في الأربع قبل الظهر إلى أن أسلم في الإثنتين منها ثم قال أما الركعتان قبل الفجر ففي بيته وبعد المغرب في بيته ثم قال ليس ههنا أوكد من الركعتين بعد المغرب في بيته ثم ذكر حديث ابن إسحاق صلوا هاتين الركعتين في بيوتكم.
قال أبو بكر حدثنا أبو بكر بن أبي الأسود قال حدثنا محمد بن أبي الوزير أبو مطرف قال حدثنا محمد بن موسى الفطري عن سعيد بن إسحاق بن كعب بن عجرة عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم أتاهم في بني عبد الأشهل فصلى المغرب فرآهم يتطوعون بعدها فقال: "هذه صلاة

(14/177)


البيوت" وهذا يحتمل أن يكون على الاختيار في التطوع أكثر من الركعتين ويحتمل أن يكون في الركعتين.
قال أبو بكر الأثرم وحدثنا القعنبي قال حدثنا سليمان بن بلال عن ربيعة أنه سمع السائب بن يزيد يقول لقد رأيت الناس في زمن عمر بن الخطاب إذا انصرفوا من المغرب انصرفوا جميعا حتى ما يبقى في المسجد أحد كانوا لا يصلون بعد المغرب حتى يصيروا إلى أهليهم.
قال[ أ ] وحدثنا موسى بن إسماعيل قال حدثنا حماد قال حدثنا محمد بن إسحاق عن العباس بن سعد أن الناس كانوا على عهد عثمان يصلون الركعتين بعد المغرب في بيوتهم.
قال[ أ ] وحدثنا عثمان بن أبي شيبة قال حدثنا عبد الحميد عن الأعمش عن ثابت بن عبيد قال رأيت زيد بن ثابت صلى الركعتين بعد المغرب في بيته.
قال[ أ ] وحدثنا معاوية بن عمرو قال حدثنا زائدة عن عبد الله بن يزيد قال كان إبراهيم إذا صلى المغرب في المسجد رجع فصلى ركعتين في بيته.

(14/178)


وذكر[ أ ] الحسن بن علي الحلواني قال حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد قال حدثني أبي أن أباه سعد بن إبراهيم كان لا يصلي الركعتين بعد المغرب إلا في بيته وقال إبراهيم ربما قرأت على أبي جزءا في الحمام وقرأته عليه مرة في الحمام ومعه عبد الله بن الفضل قال يعقوب ولم أعقل أبي قط إلا وهو يصلي الركعتين بعد المغرب في بيته.
فهذه الآثار كلها تبين لك أن صلاة الركعتين بعد المغرب في البيت أفضل وأنه الأمر القديم وعمل صدر السلف وهو الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يصليها في بيته من حديث ابن عمر ومن حديث غيره أنها صلاة البيوت وأما[ ب ] حديث جعفر بن أبي المغيرة فليس تقوم به حجة ولكنه أمر لا حرج على من فعله لأن الأصل فيه أنه فعل بر وخير فحيث فعل فحسن إلا أن الأفضل من ذلك ما كان رسول الله يواظب عليه ومال أخيار صدر السلف إليه وبالله التوفيق. حدثنا عبد الله بن محمد بن يوسف قال أخبرنا عبيد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن قاسم قال حدثنا يوسف بن يعقوب قال حدثنا سليمان بن حرب قال حدثنا حماد بن زيد،

(14/179)


عن أيوب عن نافع عن ابن عمر قال حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر ركعات ركعتين قبل الظهر وركعتين بعدها وركعتين بعد المغرب في بيته وركعتين بعد العشاء في بيته وركعتين قبل الغداة في بيته وحدثتني حفصة وكانت ساعة لا تدخل عليه فيها أنه كان إذا طلع الفجر وأذن المؤذن صلى في بيته ركعتين هكذا وقع في أصلي وركعتين قبل الغداة والصواب فيه بعد الجمعة إلا أن يكون اختلط على أيوب حديثه هذا عن نافع بحديثه عن المغيرة بن سليمان [ أ] وأما حديث نافع فمحفوظ فيه ركعتين بعد الجمعة وليس فيه ركعتان قبل الصبح إلا في [ب] روايته عن حفصة وليس ذلك عند مالك ج.
وقد أخبرنا أحمد بن قاسم بن عيسى قال حدثنا عبيد الله بن محمد بن حبابة قال حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز قال حدثنا محمد بن عبد الملك الواسطي قال حدثنا يزيد بن هارون قال حدثنا شعبة عن أيوب عن نافع عن ابن عمر أنه كان يصلي بعد الجمعة ركعتين في بيته ويقول هكذا فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم هكذا حدث به مختصرا.

(14/180)


وحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا بكر بن حماد قال حدثنا مسدد قال حدثنا يحيى يعني القطان وحدثنا عبد الرحمن بن يحيى قال حدثنا عبد الله بن محمد بن يوسف قال حدثنا ابن وضاح قال حدثنا محمد بن مسعود قال حدثنا يحيى القطان قالا جميعا عن عبيد الله قال أخبرني نافع عن ابن عمر قال صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم سجدتين قبل الظهر وسجدتين بعدها[ أ ] وسجدتين بعد المغرب وسجدتين بعد العشاء وسجدتين بعد الجمعة فأما المغرب والعشاء ففي بيته فهذا[ ب ] لفظ حديث مسدد ولفظ حديث محمد بن مسعود وأما المغرب والعشاء والجمعة ففي بيته ثم اتفقا قال وحدثتني أختي حفصة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي سجدتين خفيفتين بعد ما يطلع الفجر وكانت ساعة لا أدخل على النبي صلى الله عليه وسلم فيها.
وحدثنا عبد الوارث بن قاسم قال حدثنا محمد بن شاذان قال حدثنا معاوية بن عمرو الأزدي قال حدثنا زائدة عن عبيد الله عن نافع قال قال عبد الله بن عمر صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم قبل الظهر سجدتين وبعدهاج،

(14/181)


سجدتين وبعد المغرب سجدتين وبعد العشاء سجدتين وبعد الجمعة سجدتين فأما المغرب والعشاء والجمعة ففي رحله.
حدثنا يحيى بن عبد الرحمان وسعيد بن نصر قراءة مني عليهما أن محمد بن أبي دليم حدثهما قال حدثنا ابن وضاح قال حدثنا آدم بن أبي إياس قال حدثنا ابن أبي ذئب عن نافع عن عبد الله بن عمر قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يصلي بعد المغرب الركعتين إلا في بيته وهذا عندي نحو من[ أ ] رواية يحيى[ ب ] والقعنبي عن مالك في ذلك.
حدثنا أحمد بن عمر قال حدثنا عبد الله بن محمد بن علي قال حدثنا محمد بن فطيس قال حدثنا مالك بن سيف قال حدثنا عبد الله بن صالح قال حدثنا الليث بن سعد قال حدثني عقيل عن ابن شهاب قال أخبرني سالم بن عبد الله عن عبد الله بن عمر قال صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين قبل الظهر وركعتين بعد الظهر وركعتين بعد الجمعة وركعتين بعد المغرب وركعتين بعد العشاء لم يقل الليث في شيء منها في بيته ورواه معمر عن الزهري،

(14/182)


عن سالم عن ابن عمر قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بعد الجمعة ركعتين في بيته قال أبو داود وكذلك رواه عبد الله بن دينار عن ابن عمر.
حدثنا عبد الله بن محمد بن يوسف قال حدثنا عبيد الله بن محمد وحدثنا أحمد بن عمر قال حدثنا عبد الله بن محمد قالا حدثنا محمد بن قاسم قال حدثنا يوسف بن يعقوب قال حدثنا عمرو بن مرزوق قال حدثنا شعبة عن قتادة قال كنا عند محمد بن سيرين وعنده المغيرة بن سلمان [أ] قال فحدث عن ابن عمر قال قال ابن عمر عشر ركعات حفظتهن من رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين قبل الظهر وركعتين بعد الظهر وركعتين بعد المغرب وركعتين بعد العشاء الآخرة وركعتين قبل الصبح قال فقال رجل عند محمد هذا ما لا بد منه فقال محمد إن ما لا بد منه الفريضة هكذا يقول المغيرة بن سلمان[ أ ] ركعتان قبل الصبح ولا يقول ركعتان بعد الجمعة ولا يقول في شيء منها في بيته.
حدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا عبد الله بن روح قال حدثنا عثمان بن عمر بن فارس،

(14/183)


قال أخبرنا عبد الله بن عون عن محمد عن المغيرة بن سلمان عن ابن عمر قال حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر ركعات ركعتين قبل الصبح وركعتين قبل الظهر وركعتين بعد الظهر وركعتين بعد المغرب وركعتين بعد العشاء.
وحدثنا عبد الله بن محمد بن يوسف قال أخبرنا عبيد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن قاسم قال حدثنا يوسف بن يعقوب القاضي قال حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي قال حدثنا حماد بن زيد عن أيوب قال سمعت المغيرة بن سلمان في بيت محمد بن سرين يحدث عن ابن عمر قال حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر ركعات سوى الفريضة ركعتين قبل الظهر وركعتين بعد الظهر وركعتين بعد المغرب وركعتين بعد العشاء وركعتين قبل الفجر.
وحدثنا عبد الله قال حدثنا عبيد الله قال حدثنا محمد قال حدثنا يوسف بن يعقوب قال حدثنا سليمان بن حرب قال حدثنا يزيد بن إبراهيم التستري قال حدثنا محمد يعني ابن سيرين قال [أ] المغيرة بن سلمان قال عبد الله بن عمر:

(14/184)


عشر ركعات حفظتهن عن النبي عليه السلام ركعتين قبل الظهر وركعتين بعدها وركعتين بعد المغرب وركعتين بعد العشاء وركعتين قبل الفجر.
وقد روي هذا الحديث عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة قال حفظت من النبي عليه السلام[ أ ] عشر ركعات وهو عندي خطأ فلذلك لم أذكره لأنه[ ب ] لو كان عند ابن سرين فيه شيء عن أبي هريرة ما حدث به عن المغيرة بن سلمان عن ابن عمر والله أعلم ج.
وأما الإثنتا عشرة ركعة ففيها حديث أم حبيبة وحديث عائشة حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا بكر بن حماد قال حدثنا مسدد قال حدثنا يحيى عن شعبة عن النعمان بن سالم عن عمرو بن أوس عن عنبسة بن أبي سفيان عن أم حبيبة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من صلى ثنتي عشرة ركعة تطوعا غير فريضة بني له بيت

(14/185)


في الجنة أو بنى الله له بيتا في الجنة" قال[ أ ] وكل واحد منهم قال ما تركتها بعدها.
حدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال ابن وضاح قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا إسحاق بن سليمان الرازي عن مغيرة بن زياد عن عطاء عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من ثابر على اثنتي عشرة ركعة بنى الله له بيتا في الجنة أربعا قبل الظهر وركعتين بعدها وركعتين بعد المغرب وركعتين بعد العشاء وركعتين قبل[ ب ] الفجر".
قال[ ج ] أبو عمر في غير هذا الحديث في موضع الركعتين بعد العشاء ركعتين قبل العصر وهو محفوظ من حديث علي بن أبي طالب وغيره.
حدثني أحمد بن فتح قال حدثنا أبو أحمد بن المفسر قال حدثنا محمد بن يزيد قال حدثنا محمد [د] بن أيوب قال حدثنا الفزاري ويوسف بن أسباط عن سفيان عن منصور عن إبراهيم قال صلاة السنة اثنتا عشرة ركعة.

(14/186)


حديث حاد وثلاثون لنافع عن ابن عمر
مالك عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أراني الليلة عند الكعبة [أ] فرأيت رجلا آدم كأحسن ما أنت راء من أدم الرجال له لمة كأحسن ما أنت راء من اللمم قد رجلها فهي تقطر ماء متكئا على رجلين أو على عواتق رجلين يطوف بالبيت فسألت من هذا فقيل المسيح بن مريم ثم[ ب ] إذا أنا برجل جعد قطط أعور العين اليمنى كأنها عنبة طافية فسألت من هذا فقيل[ ج ] المسيح الدجال".
قال أبو عمر أما المسيح ابن مريم عليه السلام ففي اشتقاق اسمه فيما ذكر ابن الأنباري[ د ] لأهل اللغة خمسة أقوال أحدها أنه قيل له مسيح لسياحته في الأرض وهو فعيل من

(14/187)


مسح الأرض أي من قطعها بالسياحة والأصل فيه مسيح على وزن مفعل فأسكنت[ أ ] الياء ونقلت حركتها إلى السين لاستثقالهم الكسرة على الياء وقيل إنما قيل له مسيح لأنه كان ممسوح الرجل ليس لرجله أخمص والأخمص ما لا يمس الأرض من باطن الرجل وقيل سمي مسيحا لأنه خرج من بطن أمه ممسوحا بالدهن وقيل سمي مسيحا لأنه كان لا يمسح ذا عاهة إلا برئ وقيل المسيح الصديق.
وأما المسيح الدجال فإنما[ ب ] قيل له مسيح لمسحه الأرض وقطعه لها وقيل لأنه ممسوح العين الواحدة وقد يحتمل أن يكون ممسوح الأخمص أيضا[ ج ] .
قال أبو عمر[ د ] والمسيح ابن مريم عليه السلام والمسيح الدجال لفظهما واحد عند أهل العلم وأهل اللغة وقد كان بعض رواة الحديث يقول في الدجال المسيح بكسر الميم والسين ومنهم من قال ذلك بالخاء وذلك كله عند أهل العلم خطأ قال[ ه ] عبيد[ و ] الله بن قيس الرقيات:

(14/188)


وقالوا دع رقية واخسئنها ... فقلت لهم إذا خرج المسيح
ريد إذا خرج الدجال هكذا فسروه ويحتمل عندي نزول عيسى صلى الله عليه وسلم ولكنهم بالدجال شرحوا قوله هذا ولذلك ذكرناه عن أهل اللغة ليس معنى ما حكينا عنهم والله أعلم وأول هذا الشعر:
أتبكي عن رقية أم تنوح
وفي هذا الحديث[ أ ] أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد رأى المسيح بن مريم عليه السلام ورأى الدجال ووصفهما على حسب صورهما ورؤيا الأنبياء وحي على ما قدمنا في غير ما موضع من كتابنا ب.
ففي هذا الحديث والله أعلم أن عيسى سينزل على ما في الآثار وسيطوف بالبيت.
وفيه أن الطواف بالبيت من سنن النبيئين والمرسلين[ ج ] والآثار في نزول عيسى بن مريم عليه السلام وحجه البيت وطوافه ثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم وقد حج البيت فيما زعموا آدم وجماعة [ د ] من الأنبياء بعده قبل رفع إبراهيم قواعده [ ه ] وبعد ذلك.
وأما قوله رجلا[ و ] آدم فالآدم الأسمر الذي[ ز ] علاه شيء من سواد

(14/189)


قليلا والأدمة لون العرب في الرجال إلا أنهم يقولون للأبيض من الإبل الآدم والآدم عندهم من الظباء الذي هو لون التراب واللمة الجمة من الشعر هي أكمل من الوفرة والوفرة ما يبلغ الأذنين [ أ ] وقوله: "قد رجلها" يعني قد مشطها بعد أن بلها وقوله: "فهي تقطر ماء" من الاستعارة العجيبة والكلام البديع وكان قد أوتي جوامع الكلم صلى الله عليه وسلم وقوله: "أو على عواتق رجلين" شك من المحدث لا شك من النبي صلى الله عليه وسلم.
وقد روى مجاهد عن ابن عمر مرفوعا في صفة المسيح عليه السلام أنه أحمر جعد[ ب ] وذكر البخاري قال حدثنا محمد بن كثير حدثنا إسرائيل حدثنا عثمان بن المغيرة عن مجاهد عن ابن عمر قال قال النبي صلى الله عليه وسلم: "رأيت عيسى وموسى وإبراهيم عليهم السلام".
"فأما عيسى فأحمر جعد عريض الصدر وأما موسى فآدم جسيم سبط كأنه من رجال الزط" وذكر أسد بن موسى قال حدثنا يحيى بن زكرياء بن أبي زائدة قال حدثني مالك بن مغول عن سعيد

(14/190)


ابن مسروق عن عكرمة في قوله: {وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيا الَّتِي أَرَيْنَاكَ} قال أري إبراهيم وموسى وعيسى قال فذكر عيسى أبيض[ أ ] نحيف مبطن كأنه عروة بن مسعود قال وحدثني يحيى عن أبيه عن عامر الشعبي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم شبه عروة بن مسعود بعيسى صلى الله عليه وسلم.
وأما صفة الدجال[ ب ] فقد جاء في حديث مالك هذا ما فيه كفاية وكذلك رواه أيوب وغيره عن نافع عن ابن عمر كما رواه مالك وروى جنادة بن أبي أمية عن عبادة بن الصامت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إني قد حدثتكم عن الدجال حتى خشيت أن لا تعقلوا أن المسيح الدجال قصير أفحج جعد أعور مطموس العين" وذكر الحديث خرجه أبو داود عن حيوة بن شريح عن بقية عن بحير بن سعيد عن خالد بن معدان عن عمرو بن الأسود عن جنادة عن عبادة وهو من أصح أحاديث الشاميين وفي حديث الشعبي عن فاطمة بنت قيس حديث الجساسة في

(14/191)


صفة الدجال أعظم إنسان رأيناه خلقا وأشده وثاقا وفي حديث الزهري عن أبي سلمة عن فاطمة بنت قيس في ذلك فإذا رجل يجر شعره مسلسل في الأغلال ينزو فيما بين السماء والأرض والآثار مختلفة في نتؤ عينه وفي أي عينيه هي العوراء ولم تختلف الآثار أنه أعور وذكر البخاري عن ابن بكير عن الليث عن عقيل عن ابن شهاب عن سالم عن أبيه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بينما أنا نائم أطوف بالكعبة فإذا رجل آدم سبط الشعر ينطف أو يهراق رأسه ماء قلت من هو قالوا ابن مريم ثم ذهبت فالتفت فإذا رجل جسيم أحمر جعد الرأس أعور العين كأن عينه عنبة طافية قلت من هذا قالوا الدجال وإذا أقرب الناس به شبها ابن قطن رجل من خزاعة".
وأما قوله: "جعد قطط" في صفة الدجال فالقطط هو المتكسر الشعر الملتوي الشعر الذي لا يسترسل شعره ألبتة مثل شعر الحبش وأما قوله: "كأنها عنبة طافية" فإنه يعني الظاهرة الممتلئة المنتفخة يقول إنها قد طفت على وجهه كما يطفو الشيء

(14/192)


على الماء أي يظهر عليه لامتلائها وانتفاخها حدثنا أحمد بن قاسم وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا الحرث بن أبي أسامة قال حدثنا روح بن عبادة قال حدثنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن الحسن عن سمرة بن جندب أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: "إن الدجال خارج وهو أعور العين الشمال عليها ظفرة غليظة وأنه يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى ويقول للناس أنا ربكم فمن قال أنت ربي فقد فتن ومن قال ربي الله حتى يموت على ذلك فقد عصم من فتنته ولا فتنة عليه فيلبث في الأرض ما شاء الله ثم يجيء عيسى بن مريم من قبل المغرب مصدقا بمحمد صلى الله عليه وسلم وعلى ملته فيقتل الدجال ثم إنما هو قيام الساعة". ففي هذا الحديث أعور العين الشمال وفي حديث مالك أعور العين اليمنى والله أعلم وحديث مالك أثبت من جهة الإسناد وحدثني عبد الرحمان بن يحيى قال حدثنا علي بن محمد قال حدثنا أحمد بن داود قال حدثنا سحنون قال حدثنا ابن وهب قال أخبرنا عمرو بن الحرث عن سعيد بن أبي هلال أن يحيى بن عبد الرحمن الثقفي حدثه أن عيسى بن مريم كان سائحا ولذلك سمي المسيح قال كان ليمسي[ أ ] بأرض ويصبح بأرض أخرى وإنه لم يتزوج ولم يرفع حجرا على حجر ولا لبنة على لبنة وإنه[ ب ] كان يجتاب العباءة ثم يتدرعها ثم يقول أنا

(14/193)


الذي أرغمت الدنيا وإنه لما كانت الليلة التي رفع فيها أتى بفطره عند الليل خبز الشعير اليابس والماء القراح فقالوا افطر يا رسول الله فقال لا أستطيع إنني مرفوع من بين أظهركم فما أدري ما يفعل بي ولا بكم قالوا يا رسول الله إنك تفارقنا فأوصنا قال: "اعلموا أن حلو الدنيا مر الآخرة عليكم بحشرات الأرض وخبز الشعير وثياب الشعر والصوف وظل الشجر وفيء الجدرات واعلموا أن حلو الدنيا مر الآخرة".
قال ابن وهب وأخبرني مالك بن أنس قال بلغني أن عيسى بن مريم انتهى إلى قرية قد خربت حصونها وجفت أنهارها ويبست أشجارها فنادى يا خراب أين أهلك فلم يجبه أحد ثم نادى يا خراب أين أهلك فلم يجبه أحد ثم نادى الثالثة فنودي عيسى بن مريم بادوا وتضمنتهم الأرض وعادت أعمالهم قلائد في رقابهم إلى يوم القيامة عيسى بن مريم جد قال ابن وهب وأخبرني [ أ] أبو صخر أن يزيد الرقاشي حدثه عن أنس بن مالك أنه قال لما ولد عيسى [ب] عليه السلام أصبح كل صنم يعبد من دون الله خارا على وجهه قال فأقبلت الشياطين تضرب وجوهها وتنتف لحاها فقالوا يا أبانا لقد حدث في الأرض حدث فقال وما ذلك قالوا ما كان من صنم يضل به أحد من ولد آدم إلا أصبح خارا على وجهه قال فانظروني حتى أنظر قال فأخذ في أفق السماء حتى بلغ المشرق ثم ههنا

(14/194)


حتى بلغ المغرب ثم ههنا حتى لا يرى ثم ههنا حتى لا يرى[ أ ] ثم هبط إليهم فقال أما الذي تخافون من السماء فلم يكن شيء بعد ولكن هذا شيء حدث في الأرض فانظروني حتى أنظر فأخذ ههنا أيضا حتى بلغ المشرق وههنا حتى بلغ المغرب وههنا حتى لا يرى وههنا حتى لا يرى ثم احتبس عنهم هنيهة ثم جاءهم فقال هل تدرون ما حبسني عنكم قالوا لا قال فإن عيسى بن مريم عليه السلام ولد في بيت المقدس وإني أردت الدخول فوجدت الملائكة قد حرسوه وحالت بيني وبينه دعوة الطيبة قولها: {وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} ما من مولود يولد إلا وضعت أصبعي عليه فالصغو الذي[ ب ] تسمعونه[ ج ] تحت أمه فتلك أصبعي حين أضعها عليه فأردت أن أضعها على عيسى[ د ] فحالت بيني وبينه دعوة الطيبة فوإله عيسى لأضلن به الناس ضلالا لا أضلهم بأحد كان قبله أو أحد[ ه ] يكون بعده قال ابن وهب قال أبو صخر فحدثت هذا

(14/195)


الحديث محمد بن كعب القرطي فقال أي الرقاشيين حدثك بهذا فقلت يزيد قال هلم حدثنيه فلما حدثته قال ألا أحدثك عن عيسى بن مريم قلت بلى قال فإن[ أ ] الله تبارك وتعالى لم يبعث نبيا في أمة إلا جاء على رجله البلاء إمساك المطر والشدة حتى كان عيسى بن مريم فلما ولد جاء على رجله الرخاء فأمطرت السماء وأخصبت الأرض وفتح له البركات وأبرأ الأكمه والأبرص وكلم الموتى وأحياهم وخلق من الطين طيورا وأخبرهم بما يأكلون وما يدخرون ثم عمر بين أظهرهم ما شاء الله أن يعمر ثم أرسل الله إليه إني رافعك إلي فدخل بيتا وجمع فيه[ ب ] حواريه ثم قال إن الله رافعي إليه فأيكم يتشبه بي فإنه مقتول قال رجل من القوم أنا قال أوصيكم بتقوى الله وأن تبروا من قطعكم وأن تؤدوا الحق إلى من منعه منكم ولا تكافئوا الناس بأعمالهم[ ج ] فضرب الباب ورفعه الله إليه وقتل الرجل قال الله تعالى: {وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً} فاجتمع بنو

(14/196)


إسرائيل فقهاؤهم وأحبارهم فقالوا ألا تقومون فتنظرون أي شيء كان هذا الذي كان بين أظهركم قالوا بلى فاختاروا الخيار النقادة لا يألون خمسين رجلا ثم اختاروا من الخمسين عشرة ثم اختاروا من العشرة أربعة فدخلوا بيتا فقالوا أنتم سادتنا وخيارنا فينظر كل واحد[ أ ] منكم برأيه فإنما نحن تبع لكم[ ب ] فأخذوا شيخا وآخر دون الشيخ في السن وآخر دونه في السن وفتى شابا حين استوى شبابه فبدأوا بالشيخ لسنه فقال هل تعلمون أحدا يعلم الغيب إلا الله ويحيي الموتى غير الله أو يبرئ الأكمه والأبرص إلا الله قالوا لا قال فإن هذا الله كان بين أظهركم ثم بدا له أن يرتفع فارتفع قال الآخر هل عندك شيء غير هذا قال لا قال لا أقول مثل ما قلت هل تعلمون أحدا يعلم الغيب إلا الله ويبرئ الأكمه والأبرص ويخلق إلا الله قالوا لا قال هذا ابنه علمه من خلائقه ما شاء ثم بدا له أن يرفعه إليه فرفعه قال الثالث هل عندكما شيء غير هذا قالا لا قال فإني لا اقول كما قلتما ولكن هل تعلمون أحدا خلق من غير نطفة إلا آدم قالوا لا قال فإنه لغية فقام الشاب فقال هل عندكم غير هذا قالوا لا قال فإني لا أقول كما

(14/197)


قلتم واشهد[ أ ] ما هو بالله ولا ولد الله ولا لغية ولكن[ ب ] روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم فقال له كن فكان فاستوى[ ج ] ثم خرجوا على قومهم وهم جلوس فقالوا ماذا قلتم فقال الكبير قلت هو الله فاتبعته[ د ] فرقة ثم قال الآخر هو ولد الله فتبعته فرقة ثم[ ه ] قال الآخر هو لغية فاتبعته[ و ] فرقة وقال الآخر هو عبد الله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم فاتبعته فرقة فقالوا كيف نعيش وهذا معنا فاقتلوه فقتل الفتى ومن معه قال فلذلك قال الله عز وجل: {فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍْ} وقال تعالى: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ}.
وقال:[ ز ] {وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ} وقال: {وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ

(14/198)


بُهْتَاناً عَظِيماً} فهؤلاء الذين قالوا هو لغية قال: {مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ} فهذا الشاب وأصحابه الأمة المقتصدة قال أبو صخر وقال لي القرطي أنت وأصحابك من المقتصدة ب.
وأما[ ج ] سن عيسى صلى الله عليه وسلم ففيه حديث عائشة وفاطمة أن عمره كان مثلي عمر نبينا صلى الله عليه وسلم وهو حديث روي من حديث بألفاظ والمعنى الذي قصدناه منه لم يختلفوا فيه أخبرنا عبد الله بن محمد بن أسد قال حدثنا حمزة بن محمد بن علي قال حدثنا محمد بن عمر بن يوسف بن عامر الأندلسي قال حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الرحيم البرتي قال حدثنا ابن أبي مريم عن

(14/199)


عبد الله بن لهيعة عن جعفر بن ربيعة عن عبد الله بن عبيد الله بن الأسود عن عروة عن عائشة قالت إن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل علي وأنا وفاطمة فناجى فاطمة فلما توفي سألتها فقالت قال لي: "ما بعث نبي قط إلا كان له من العمر نصف عمر الذي قبله وقد بلغت نصف عمر من كان قبلي فبكيت وقال أنت سيدة نساء أهل الجنة إلا مريم بنت عمران فضحكت".
قال وأنبأنا ابن أبي مريم عن نافع بن يزيد عن عمارة بن غزية عن محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان عن أمه فاطمة بنت حسين عن عائشة أم المؤمنين عن فاطمة عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه.
وأخبرني أن عيسى عاش عشرين ومائة سنة وفي سماع أشهب وابن نافع من مالك في كتاب العتبي قال مالك كان عيسى بن مريم يقول يا ابن الثلاثين مضت الثلاثون فماذا تنتظر قال ومات وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة.
قال أبو عمر احتج بهذا الحديث من ذهب إلى أن عيسى صلوات الله عليه وسلامه[ أ ] مات وأنه توفي موت ولا حجة في هذا الحديث لمن زعم أنه مات لأنه يحتمل أن يكون

(14/200)


قوله في هذا الحديث عاش عشرين ومائة سنة أي عاش في قومه قبل أن يرفع وكذلك قوله كان له من العمر نصف الذي قبله وقوله عاش نصف عمر الذي قبله اي عاش في قومه وكان في قومه أو في الأرض ونحو هذا والدليل على صحة هذا القول ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في نزوله وقتله الدجال وحجه البيت بأسانيد لا مطعن فيها.
أخبرنا عبد الله بن محمد حدثنا محمد بن بكر حدثنا أبو داود حدثنا معاوية بن خالد حدثنا همام بن يحيى أظنه عن قتادة عن عبد الرحمان بن آدم عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ليس بيني وبين عيسى نبي وأنه نازل فإذا رأيتموه فاعرفوه رجل مربوع إلى الحمرة والبياض كأن رأسه يقطر وأنه لم يصبه بلل فيقاتل الناس على الإسلام فيدق الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية وتهلك في زمانه الملل كلها إلا الإسلام ويهلك المسيح الدجال فيمكث في الأرض أربعين سنة ثم يتوفى فيصلي عليه المسلمون".
أخبرنا عبد الله حدثنا ابن السكن حدثنا محمد حدثنا البخاري حدثنا أبو اليمان أخبرنا شعيب عن الزهري أن أبا سلمة أخبره عن أبي هريرة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أنا أولى الناس بابن مريم ليس بيني

(14/201)


وبينه نبي والأنبياء أولاد علات" وقال صلى الله عليه وسلم: "ليهلن ابن مريم بفج الروحاء حاجا أو معتمرا أو ليثنينهما" وفي حديث النواس بن سمعان عن النبي عليه السلام حين ذكر الدجال وذكر مكثه في الأرض ثم قال: "ينزل عيسى عليه السلام عند المنارة البيضاء بشرقي دمشق فيدركه عند باب لد فيقتله".
ومن صحيح حديث الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكما عدلا فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية" ثم يقول أبو هريرة اقرءوا إن شئتم {وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ} الآية.
وروى عبد الله بن نافع الصائغ صاحب مالك عن عثمان بن الضحاك بن عثمان الأسدي عن محمد بن يوسف عن عبد الله بن سلام عن أبيه عن جده قال يدفن عيسى

(14/202)


عليه السلام مع النبي عليه السلام وصاحبيه ثم موضع قبر رابع وأما اختلاف العلماء في قول الله عز وجل: {يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ} فقالت طائفة أراد إني رافعك ومتوفيك قالوا وهذا جائز في الواو والمعنى عند هؤلاء أنه توفي موت إلا أنه لم يمت بعد وقال زيد بن اسلم وجماعة متوفيك قابضك من غير موت مثل توفيت المال واستوفيته أي قبضته وقال الربيع بن أنس يعني وفاة منام لأن الله تعالى رفعه في منامه وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس متوفيك أي مميتك وقال وهب توفاه الله ثلاث ساعات من النهار والصحيح عندي في ذلك قول من قال متوفيك قابضك من الأرض لما صح عن النبي عليه السلام من نزوله وإذا حملت رواية علي بن أبي طلحة عن ابن عباس على التقديم والتأخير أي رافعك ومميتك لم يكن بخلاف لما ذكرناه وأما قوله عز وجل: {وَإِنْ مِنْ

(14/203)


أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ} فقال أبو هريرة وابن عباس قبل موت عيسى عليه السلام وهو قول الحسن وعكرمة وأبي مالك ومجاهد هذه رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس وروى مجاهد عن ابن عباس قبل موته قبل موت صاحب الكتاب فقيل لابن عباس وإن ضربت عنقه فقال وإن ضربت عنقه وقد روي عن مجاهد وعكرمة مثل ذلك أيضا وروى معمر عن ثابت البناني عن أبي رافع قال رفع عيسى عليه السلام وعليه مدرعة وخفا راع وحذافة يحذف بها الطير وهذا لا أدري ما هو ويحتمل أنه كانت تلك هيئته ولباسه إلى أن رفع ورفع كيف شاء الله بعد وفائدة هذا الخبر رفعه حيا لا غير والله أعلم وذكر سنيد عن حجاج عن ابن جريج عن مجاهد في قوله تبارك وتعالى: {وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ} قال صلبوا رجلا شبهوه بعيسى عليه السلام يحسبونه إياه ورفع الله عيسى حيا قال سنيد وحدثنا إسماعيل عن أبي رجاء عن الحسن في قول الله عز وجل: {وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ} قال قبل موت عيسى عليه السلام والله إنه لحي الآن عند الله ولكنه إذا نزل آمنوا به أجمعون

(14/204)


قال أبو جعفر الطبري الآية في قوله: {وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ} خاصة في أهل زمن عيسى عليه السلام دون سائر الأزمنة والله أعلم.

(14/205)


حديث ثان وثلاثون لنافع عن ابن عمر
مالك عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا يحتلبن أحد ماشية أحد إلا بإذنه أيحب أحدكم أن تؤتى مشربته فكسر خزانته فينتقل طعامه فإنما تخزن لهم ضروع مواشيهم أطعماتهم [أ] فلا يحتلبن أحد ماشية أحد إلا بإذنه".
في هذا الحديث النهي[ ب ] عن أن يأكل أحد أو يشرب أو يأخذ من مال أخيه شيئا إلا بإذنه وذلك[ ج ] عند أهل العلم محمول على ما لا تطيب به نفس صاحبه قال صلى الله عليه وسلم: "لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه" وقال: "إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام" يعني من

(14/206)


بعضكم على بعض وقد[ أ ] مضى في باب إسحاق طرف من هذا المعنى وتفسير قول الله عز وجل: {أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعاً أَوْ أَشْتَاتاً} ونزيد ههنا بيانا لأخبار عن العلماء وتفسير المراد إن شاء الله.
وأما المشربة فقال صاحب العين هي الغرفة ودليل هذا الحديث يقضي بأن كل ما يختزن فيه الطعام فهي مشربة والله أعلم والخزانة معروفة وأصل الخزن الحفظ والستر والملك قال امرؤ القيس:
إذا المرء لم يخزن عليه لسانه ... فليس على شيء سواه بخزان [ب]
ويروى في هذا الحديث في الموطأ وغيره فينتثل طعامه فمن روي ينتثل طعامه فمعناه يستخرج طعامه وأصل الانتثال الاستخراج ومن رواه ينتقل فالانتقال معروف وهو أبين[ ج ] والله أعلم.
وفي هذا الحديث أيضا من المعاني أن اللبن يسمى طعاما وأصل ذلك في اللغة أن كل ما يطعم جائز أن يسمى طعاما،

(14/207)


وقد قال الله تعالى في ماء النهر: {فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ} الآية قال ابن وهب سمع مالكا يقول في الرجل يدخل الحائط فيجد الثمر ساقطا قال لا يأكل منه إلا أن يكون يعلم أن صاحبه طيب النفس بذلك أو يكون محتاجا لذلك فأرجو أن لا يكون عليه شيء إن شاء الله قال وسمعت مالكا يقول في المسافر ينزل بالذمي أنه لا يأخذ من ماله شيئا إلا بإذنه وعن طيب نفس منه فقيل لمالك أرأيت الضيافة التي جعلت عليهم ثلاثة أيام قال كان يومئذ يخفف عنهم بذلك وروى شعبة عن منصور قال سمعت إبراهيم يحدث عن سعيد بن وهب قال كنت بالشام وكنت أتقي أن آكل من الثمار شيئا فقال لي رجل من الأنصار من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إن عمر اشترط على أهل الذمة أن يأكل الرجل المسلم يومه غير مفسد وقد فرق قوم بين الثمر المعلق وما كان مثله وبين سائر الأموال فأجازوا أكل الثمار.
أخبرنا خلف بن قاسم قال أخبرنا عبد الله بن محمد الحصيني قال حدثنا بكار بن قتيبة قال حدثنا أبو عمر الضرير قال حدثنا عبد الواحد بن زياد وعبد الله بن المبارك قالا

(14/208)


أخبرنا عاصم الأحول عن أبي زينب قال صحبت عبد الرحمن بن سمرة وأنس بن مالك وأبا برزة في سفر فكانوا يصيبون من الثمار قال بكار وحدثنا أبو داود الطيالسي قال حدثنا يزيد بن إبراهيم قال سمعت الحسن يقول يأكل ولا يفسد ولا يحمل وقد يحتمل أن يكون هذا كله في أهل الذمة في ذلك الوقت.
حدثنا أحمد بن عبد الله حدثنا مسلمة حدثنا محمد بن زيان حدثنا أبي حدثنا الحرث بن مسكين قال سمعت أشهب بن عبد العزيز يقول خرجنا مرابطين إلى الأسكندرية فمررنا بجنان الليث بن سعد فدخلنا فأكلنا من الثمر فلما أن رجعت دعتني نفسي إلى أن أستحل من الليث فدخلت إليه فقلت يا أبا الحرث إنا خرجنا مرابطين ومررنا بجنانك فأكلنا من الثمر وأحببنا أن تجعلنا في حل فقال لي الليث يا ابن أخي لقد نسكت نسكا أعجميا أما سمعت الله عز وجل يقول: {أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعاً أَوْ أَشْتَاتاً} فلا بأس أن يأكل الرجل من مال أخيه الشيء التافه الذي يسره بذلك وهذا الحديث يسوي بين اللبن وبين سائر الطعام والمال في التحريم والله أعلم فلا فرق بين المضطر إن شرب اللبن أو غيره من الطعام إذا لم يجد الميتة أو وجدها ووجد اللبن أو غيره من سائر مال المسلم أو الذمي يستوي فيه المضطر في اللبن

(14/209)


وغيره من جميع المأكول كله ولا يحل شيء منه إلا على الوجوه التي بها تحل الأملاك وللمضطر إلى مال المسلم ماء كان أو طعاما حكم ليس هذا موضع ذكره.
ولا يحل للمضطر أن يأكل الميتة وهو يجد مال مسلم لا يخاف فيه قطعا كالثمر المعلق وحريسة الجبل ونحو ذلك مما لا يخشى فيه قطعا ولا أذى.
وجملة القول في ذلك أن المسلم إذا تبين عليه رد مهجة المسلم وتوجه الفرض في ذلك إليه بأن لا يكون هناك غيره قضي عليه بترميق تلك المهجة الآدمية وكان للممنوع ماله من ذلك محاربة من منعه ومقاتلته وإن أتى ذلك على نفسه وذلك عند أهل العلم إذا لم يكن هناك إلا واحد لا غير فحينئذ يتعين عليه الفرض فإن كانوا كثيرا أو جماعة وعددا كان ذلك عليهم فرضا على الكفاية والماء في ذلك وغيره مما يرد نفس المسلم ويمسكها سواء إلا أنهم اختلفوا في وجوب قيمة ذلك الشيء على أن رد به مهجته ورمق به نفسه فأوجبها موجبون وأباها[ أ ] آخرون ولا خلاف بين أهل العلم متأخريهم ومتقدميهم في وجوب رد مهجة المسلم عند خوف الذهاب والتلف بالشيء اليسير الذي لا مضرة فيه على صاحبه وفيه البلغة وهذه المسألة قد جودها إسماعيل بن إسحاق في الأحكام وجودها أيضا غيره

(14/210)


ولها موضع من كتابنا غير هذا إن شاء الله نذكرها ونذكر ما فيها من الآثار عن السلف وبالله العون.
حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا بكر بن حماد حدثنا مسدد حدثنا يحيى عن[ أ ] عبيد الله قال حدثني نافع عن عبد الله بن عمر قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تحلب[ ب ] المواشي بغير إذن أربابها.
أخبرنا أحمد بن عبد الله بن محمد قال حدثنا أبي قال حدثنا محمد بن فطيس قال حدثنا يحيى بن إبراهيم قال حدثنا اصبغ بن الفرج قال حدثنا سفيان عن يحيى بن سعيد عن القاسم بن محمد قال سمعت رجلا يسأل ابن عباس قال إن في حجري [ج] يتيما وإن له إبلا ولي إبل أفقدم[ د ] إبلي وأمنح منها فما يحل لي من إبله فقال ابن عباس إن كنت ترد نادتها وتلوط حوضها وتهنأ جرباها وتسقي عليها،

(14/211)


فاشرب من لبنها فقال القاسم ما سمعت فتيا بعد آية من كتاب الله أو حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن من فتياه هذه وروى مالك هذا الحديث عن يحيى بن سعيد قال سمعت القاسم بن محمد يقول جاء رجل الى عبد الله بن عباس فقال[ أ ] إن لي يتيما أفأشرب من لبن إبله فقال ابن عباس إن كنت تبغي ضالة إبله وتهنأ جرباها وتلوط حوضها وتسقيها يوم وردها فاشرب غير مضر بنسل ولا ناهك في الحلب ولم يذكر قول القاسم ب.
وفي هذا الحديث أيضا ما يدل على أن من حلب من ضرع الشاة أو البقرة أو الناقة بعد أن يكون في حرز ما يبلغ قيمته ما يجب فيه القطع أن عليه القطع لأن الحديث قد أفصح بأن الضروع خزائن للطعام ومعلوم ان من فتح خزانة غيره أو كسرها فاستخرج منها من المال الطعام أو غيره ما يبلغ ثلاثة دراهم أنه يقطع فإذا كان القطع يجب على من سرق الشاة نفسها من مراحها وحرزها ولم تكن حريسة جبل فاللبن بذلك أولى والله أعلم وقد مضى ذكر معاني الحرز عند العلماء في باب ابن شهاب عند ذكر سرقة[ ج ] رداء صفوان بن أمية فلا معنى لإعادة ذلك ههنا إلا أن الشاة إذا لم تكن في حرز فلبنها تبع لها.

(14/212)


ومن هذا الباب بيع الشاة اللبون بالطعام لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في هذا الحديث فإنما تخزن لهم ضروع مواشيهم أطعماتهم فجعل اللبن طعاما وقد اختلف الفقهاء في بيع الشاة اللبون باللبن وبسائر الطعام نقدا والى أجل فذهب مالك وأصحابه إلى أنه لا بأس بالشاة اللبون باللبن يدا بيد ما لم يكن في ضرعها لبن فإذا كان في ضرعها لبن لم يجز يدا بيد باللبن من أجل المزابنة ولم يجعله لغوا لأن الربا لا يجوز قليله ولا كثيره وليس كالغرر الذي يجوز قليله ولا يجوز كثيره ولا يجوز عنده بيع الشاة اللبون باللبن إلى أجل فإن كانت الشاة غير لبون جاز في ذلك الأجل وغير الأجل قال مالك ولا بأس بالشاة اللبون بالطعام إلى أجل لأن اللبن من الشاة وليس الطعام منها قال والشاة بالطعام[ أ ] إلى أجل إذا لم تكن شاة لحم جائز وإن أريد بها الذبح فإن كانت شاة لحم فلا قال وكذلك السمن إلى أجل بشاة لبون لا يجوز وإن لم يكن فيها لبن جاز قال ويجوز الجميع [ ب ] يدا بيد.
قال أبو عمر كان القياس أن الشاة إذا لم يكن في ضرعها لبن وجاز بيعها باللبن يدا بيد وإن كانت لبونا أن يجوز بيعها باللبن إلى أجل إذا لم يكن في ضرعها لبن

(14/213)


في حين عقد التبايع وإن كانت اللبون[ أ ] كغير اللبون فإن كانت اللبون يراعي أخذها[ ب ] وإن لم يكن فيها لبن ويقام مقام اللبن فغير جائز أن تباع باللبن وإن لم يكن فيها لبن يدا بيد والله أعلم ج.
وقال الأوزاعي يجوز شراء زيتونة فيها زيتون بزيتون وشاة في ضرعها لبن بلبن لأن الزيتون في شجرة واللبن في الضرع لغو وقال الشافعي وأبو حنيفة وأصحابهم لا يجوز بيع الشاة اللبون بالطعام إلى أجل ولا يجوز عند الشافعي بيع شاة في ضرعها لبن بشيء من اللبن لا يدا بيد ولا إلى أجل ولكل واحد منهم حجج من طريق النظر والاعتبار يطول ذكرها والأصل في هذا الباب المزابنة فما لا يجوز إلا مثلا بمثل لم يجز أن يباع منه معلوم بمجهول ومن وقع عليه اسم طعام فلا يجوز أن يباع منه شيء بشيء إلى أجل جاز فيه التفاضل أو لم يجز لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الطعام إلا يدا بيد فهذا الأصل في هذا الباب لمن وفق وفهم والله المستعان.
وقد روى هذا الحديث عن مالك يزيد بن عبد الله بن الهادي شيخة حدثني أحمد بن فتح قال حدثنا أحمد بن

(14/214)


الحسن الرازي قال حدثنا مقدام بن داود قال حدثني اسحاق بن بكر بن مضر قال حدثني أبي عن يزيد بن عبد الله ابن الهادي عن مالك بن أنس عن نافع عن ابن عمر أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لا يحلبن أحد ماشية أحد إلا بإذنه أيحب أحدكم أن تؤتى مشربته فذكره حرفا بحرف.
وفي[ أ ] هذا الحديث أيضا على ما استدل به أصحابنا وغيرهم ما يرد ما ذهب إليه من قال إنه جائز للمرتهن الشاة أو البقرة أو الدابة أن يحلب أو يركب ذلك الرهن وتكون عليه نفقة الدابة أو البقرة أو رعيها أو رعي الشاة أو نفقتها وممن ذهب إلى هذا أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وحجتهم حديث الشعبي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم الرهن مركوب ومحلوب وبعض رواته يقول فيه الرهن يركب أو يحلب بقدر نفقته وعلى الذي يركب ويحلب نفقته وهذا الحديث عند جمهور الفقهاء ترده أصول يجتمع عليها وآثار ثابتة لا يختلف في صحتها وقد أجمعوا أن ليس الرهن وظهره للراهن ولا يخلو من أن يكون احتلاب المرتهن له بإذن الراهن أو بغير إذنه فإن كان بغير إذنه ففي حديث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يحتلبن أحد ماشية أحد

(14/215)


إلا بإذنه ما يرده ويقضي بنسخه مع ما ذكرنا من تحريم مال المسلم إلا عن طيب نفس وإن كان بإذنه ففي الأصول المجتمع عليها في تحريم المجهول والغرر وبيع ما ليس عندك وبيع ما لم يخلق ما يرد ذلك أيضا وفيما ذكرنا صحة ما ذهب إليه أصحابنا وجمهور الفقهاء في حديث أبي هريرة الرهن يركب ويحلب بنفقته أنه منسوخ وأن ذلك كان قبل نزول تحريم الربا والله أعلم.

(14/216)


حديث ثالث وثلاثون لنافع عن ابن عمر
مالك عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من اقتنى إلا كلبا ضاريا أو كلب ماشية نقص من عمله كل يوم قيراطان".
هكذا قال يحيى من اقتنى إلا كلبا وغيره يقول من اقتنى كلبا إلا كلبا ضاريا أو كلب ماشية وقال القعنبي فيه من اقتنى كلبا إلا كلب ماشية أو ضاريا والمعنى واحد كله وروى هذا الحديث يحيى عن مالك عن نافع عن ابن عمر وتابعه جماعة ويرويه قوم أيضا عن مالك عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر والحديث عند مالك عنهما جميعا عن ابن عمر وقد جمعهما ابن وهب وغيره عنه بالإسنادين جميعا حدثنا عبد الرحمن بن يحيى بن محمد قال حدثنا علي بن محمد بن مسرور الدباغ قال حدثنا أحمد بن داود قال حدثنا سحنون بن سعيد قال حدثنا سحنون بن سعيد قال حدثنا عبد الله بن وهب قال أخبرني مالك عن نافع وعبد الله

(14/217)


ابن دينار عن ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من اقتنى كلبا إلا كلبا ضاريا أو صاحب ماشية نقص من أجره كل يوم قيراطان إلا[ أ ] ابن دينار قال من عمله".
وفي[ ب ] هذا الحديث من الفقه إباحة اتخاذ الكلاب للصيد والماشية وكراهية اتخاذها لغير ذلك وقد روى أبو هريرة وعبد الله بن مغفل[ ج ] وسفيان بن أبي زهير الشنائي وغيرهم هذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم فزادوا فيه ذكر كلب الحرث وبعضهم يقول فيه من اقتنى كلبا لا يعني به زرعا ولا ضرعا فزادوا فيه الزرع حدثنا عبد الرحمن بن يحيى قال حدثنا علي بن مسرور قال حدثنا أحمد بن داود قال حدثنا سحنون قال حدثنا ابن وهب قال أخبرني يونس بن يزيد عن ابن شهاب عن ابن المسيب عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال د: "من اقتنى

(14/218)


كلبا ليس بكلب صيد ولا ماشية ولا أرض فإنه ينقص من أجره قيراطان كل يوم".
أخبرني محمد بن عبد الملك وعبيد بن محمد قالا حدثنا عبد الله بن مسرور قال حدثنا عيسى بن مسكين قال حدثنا محمد بن سنجر قال حدثنا الحجاج قال حدثنا حماد عن يونس عن الحسن عن عبد الله بن معقل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من اتخذ كلبا ليس كلب صيد ولا ماشية ولا حرث نقص من أجره كل يوم قيراط" وقال: "اقتلوا منها كل أسود بهيم" وقد ذكرنا حديث سفيان بن أبي زهير في باب هشام بن عروة لأنه من رواية مالك وفي معنى هذا الحديث تدخل عندي[ أ ] إباحة اقتناء الكلاب للمنافع كلها ودفع المضار إذا احتاج الإنسان إلى ذلك إلا أنه مكروه اقتناؤها في غير الوجوه المذكورة في هذه الآثار لنقصان أجر مقتنيها والله أعلم وقد أجاز مالك وغيره من الفقهاء اقتناء الكلاب للزرع والصيد والماشية ولم يجز ابن عمر اقتناءه للزرع ووقف عندما سمع وزيادة من زاد في هذا الحديث الحرث والزرع مقبولة فلا بأس باقتناء الكلاب للزرع والكرم[ ب ] وإنها[ ج ] داخلة في معنى الحرث وكذلك ما كان مثل ذلك كما

(14/219)


يقتنى للصيد والماشية وما أشبه ذلك وإنما كره من ذلك اقتناؤها لغير منفعة وحاجة وكيدة فيكون حينئذ فيه ترويع الناس وامتناع دخول الملائكة في البيت والموضع الذي فيه الكلب فمن ههنا والله أعلم كره اتخاذها وأما اتخاذها للمنافع فما أظن شيئا من ذلك مكروها لأن الناس يستعملون اتخاذها للمنافع ودفع المضرة قرنا بعد قرن في كل مصر وبادية فيما بلغنا والله أعلم وبالأمصار علماء ينكرون المنكر ويأمرون بالمعروف ويسمع السلطان منهم فما بلغنا عنهم تغيير ذلك إلا عند أذى يحدث من عقر الكلب ونحوه وإن كنت ما أحب لأحد أن يتخذ كلبا ولا يقتنيه إلا لصيد أو ماشية في بادية أو ما يجري مجرى البادية من المواضع المخوف فيها الطرق والسرق فيجوز حينئذ اتخاذ الكلاب فيها للزرع وغيره لما يخشى من عادية الوحش وغيره والله أعلم وقد سئل هشام بن عروة عن الكلب يتخذ للدار فقال لا بأس به إذا كانت الدار مخوفة حدثنا عبد الرحمن بن يحيى قال حدثنا علي بن محمد قال حدثنا أحمد بن أبي سليمان قال حدثنا سحنون قال حدثنا ابن وهب قال حدثني عمرو بن محمد أن سالم بن عبد الله بن عمر حدثه عن أبيه قال وعد جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم فراث عليه حتى اشتد على

(14/220)


رسول الله صلى الله عليه وسلم فحرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فلقيه فشكا إليه ما وجد فقال: "إننا لا ندخل بيتا فيه كلب ولا صورة" قال ابن وهب وأخبرني يونس عن ابن شهاب عن ابن السباق عن ابن عباس عن ميمونة عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله قال وأخبرني يونس عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله أنه سمع ابن عباس يقول سمعت أبا طلحة يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يقول لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا صورة" قال وحدثني ابن أبي ذئب عن الحرث بن عبد الرحمن عن كريب مولى ابن عباس عن أسامة بن زيد عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله فلهذا والله أعلم وما أشبهه كره اتخاذ الكلاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقد[ أ ] اختلف في هذا الحديث فقيل هو خصوص لجبريل وحده صلى الله عليه وسلم بدليل الحفظة وقيل بل الملائكة على عموم الحديث والله أعلم.
وفي قوله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث "نقص من عمله أو من أجره يريد من أجر عمله كل يوم قيراطان" دليل على أن اتخاذها ليس بمحرم لأن ما كان محرما اتخاذه لم يجز اتخاذه ولا اقتناؤه على حال نقص من الأجر أو لم ينقص؛

(14/221)


وليس هذا سبيل النهي عن المحرمات أن يقال فيها من فعل كذا ولكن هذا اللفظ يدل والله أعلم على كراهية لا على تحريم ووجه قوله عليه السلام في هذا الحديث من نقصان الأجر محمول عندي والله أعلم على أن المعاني المتعبد بها في الكلاب من غسل الإناء سبعا إذا ولغت فيه لا يكاد يقام بها ولا يكاد يتحفظ منها لأن متخذها لا يسلم من ولوغها في إنائه ولا يكاد يؤدي حق الله في عبادة الغسلات من ذلك الولوغ فيدخل عليه الإثم والعصيان فيكون ذلك نقصا في أجره بدخول السيئات عليه وقد يكون ذلك من أجل أن الملائكة لا تدخل بيتا فيه كلب ونحو ذلك وقد يكون ذلك بذهاب أجره في إحسانه إلى الكلاب[ أ ] لأن معلوما أن في الإحسان إلى كل ذي كبد رطبة أجرا لكن الإحسان إلى الكلب ينقص الأجر فيه أو يبلغه ما يلحق مقتنيه ومتخذه من السيئات بترك أدبه لتلك العبادات في التحفظ من ولوغه[ ب ] والتهاون بالغسلات منه ونحو ذلك[ ج ] مثل ترويع المسلم وشبهه والله أعلم بما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله ذلك روى حماد بن زيد عن واصل مولى أبي عيينة قال سأل الرجل الحسن فقال يا أبا سعيد أرأيت ما ذكر من الكلب أنه ينقص من

(14/222)


أجر أهله كل يوم قيراط قال يذكر[ د ] ذلك فقيل له مم ذلك يا أبا سعيد قال لترويعه المسلم وذكر [ ه ] ابن سعدان عن الأصمعي قال قال أبو جعفر المنصور لعمرو بن عبيد ما بلغك في الكلب فقال بلغني أنه من اقتنى كلبا لغير زرع ولا حراسة نقص من أجره كل يوم قيراط قال ولم ذلك قال هكذا جاء الحديث قال خذها بحقها إنما ذلك لأنه ينبح الكلب ويروع السائل.

(14/223)


حديث رابع وثلاثون لنافع عن ابن عمر
مالك عن نافع عن عبد[ أ ] الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بقتل الكلاب قال أبو عمر في[ ب ] أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتل الكلاب دليل على أنها لا تؤكل لأن ما يجوز أكله لم يحل قتله إذا كان مقدورا عليه وذبح أو نحر فإن كان صيدا متمنعا حل بالتسمية رميه وقتله كيف أمكن ما دام متمنعا ألا ترى إلى ما جاء عن عمر وعثمان إذ ظهر في المدينة اللعب بالحمام والمهارشة بين الكلاب أتى الحديث عنهما بأنهما أمرا بقتل الكلاب وذبح الحمام فرقا بين ما يؤكل وما لا يؤكل قال الحسن البصري سمعت عثمان بن عفان يقول غير مرة في خطبته اقتلوا الكلاب واذبحوا الحمام.

(14/224)


واختلفت الآثار في قتل الكلاب واختلف العلماء في ذلك أيضا فذهب جماعة من أهل العلم إلى الآمر بقتل الكلاب كلها إلا ما ورد الحديث بإباحة اتخاذه منها للصيد والماشية وللزرع أيضا وقالوا واجب قتل الكلاب كلها إلا ما كان منها مخصوصا بالحديث امتثالا لأمره صلى الله عليه وسلم واحتجوا بحديث مالك هذا وما كان مثله وبحديث ابن وهب قال أخبرني يونس بن يزيد عن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله عن أبيه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم رافعا صوته يأمر بقتل الكلاب فكانت الكلاب تقتل إلا كلب صيد أو ماشية.
وبما أخبرنا سعيد بن نصر حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا ابن وضاح حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا أبو أسامة حدثنا عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتل الكلاب وأرسل في أقطار المدينة لتقتل.
وحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا جعفر بن محمد الصائغ حدثنا عفان حدثنا حماد بن

(14/225)


سلمة حدثنا أبو الزبير عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بقتل الكلاب حتى إن المرأة لتدخل بالكلب فما تخرج حتى يقتل [ أ ] وروي عن عبد الله بن جعفر أن أبا بكر أمر بقتل الكلاب قال عبد الله وكانت أمي تحته وكان جرو لي تحت السرير فقلت له يا أبي وكلبي أيضا فقال لا تقتلوا كلب ابني ثم أشار بأصبعه أن خذوه من تحت السرير فأخذ وأنا لا أدري فقتل. وروى حماد بن زيد عن أيوب عن نافع أن ابن عمر دخل أرضا له فرأى كلبا[ ب ] فهم أن يقع بقيم أرضه فقال أنه والله كلب عابر دخل الآن[ ج ] قال فأخذ المسحاة وقال حرشوه علي قال فشحطه [ د ] قوله: "فشحطه" أي قتله في أعجل شيء فهذا أبو بكر الصديق وابن عمر قد عملا بقتل الكلاب بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وجاء نحو ذلك عن عمر وعثمان فصار ذلك سنة معمولا بها عند الخلفاء لم ينسخها عند من عمل بها شيء وإلى هذا ذهب مالك بن أنس قال ابن وهب سمعت مالكا يقول في قتل الكلاب لا أرى بأسا أن يأمر الوالي بقتلها.

(14/226)


قال أبو عمر ظاهر حديث ابن[ أ ] عمر وحديث جابر يدل على قتل جميع الكلاب ولكن الحديث في ذلك ليس على عمومه لما قد بان في حديث ابن شهاب عن مالك عن سالم عن ابن عمر قال فكانت الكلاب تقتل إلا كلب صيد أو ماشية ومثله حديث عبد الله بن مغفل [بٍ] أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بقتل الكلاب ورخص في كلب الزرع والصيد حدثنا عبد الوارث حدثنا قاسم حدثنا محمد بن عبد السلام حدثنا محمد بن بشار حدثنا عثمان بن عمر حدثنا شعبة عن أبي التياح عن مطرف بن عبد الله بن[ ج ] الشخير عن عبد الله بن مغفل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بقتل الكلاب ورخص في كلب الزرع وكلب العين هكذا قال وقال: "إذا ولغ الكلب في الإناء فاغسلوه سبع مرات وعفروا الثامنة بالتراب" وقد ذكرنا مذاهب العلماء فيمن قتل كلب زرع أو صيد أم ماشية عند ذكر بيع الكلاب وذلك في باب ابن شهاب على أبي بكر بن عبد الرحمن من هذا الكتاب.
وقال آخرون أمره صلى الله عليه وسلم بقتل الكلاب منسوخ بإباحته اتخاذ ما كان منها للماشية والصيد والزرع واحتج

(14/227)


قائلوا هذه المقالة بحديث شعبة عن أبي التياح عن مطرف ابن الشخير عن عبد الله بن المغفل قال أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتل الكلاب ثم قال: "مالي والكلاب ثم رخص في كلب الصيد" حدثنا سعيد[ أ ] بن نصر قال حدثنا قاسم ابن أصبغ قال حدثنا ابن وضاح قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا شبانة قال حدثنا شعبة فذكره قالوا ففي هذا الخبر إن كلب الصيد قد كان أمر بقتله ثم أباح الانتفاع به فارتفع القتل عنه قالوا ومعلوم أن كل ما ينتفع به جائز اتخاذه ولا يجوز قتله إلا ما يؤكل فيذكي ولا يقتل واحتجوا أيضا بحديث ابن وهب عن عمرو بن الحرث عن عبد ربه بن سعيد عن عمرو بن شعيب عن سعيد بن المسيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بقتل الكلاب ثم قال: "إنها أمة ولا أحب أن أفنيها ولكن اقتلوا كل أسود بهيم [ب] وقد قال ابن جريج في حديث أبي الزبير عن جابر أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتل الكلاب قال فكنا نقتلها حتى قال: "إنها أمة من الأمم ثم نهى عن قتلها" وقال: "عليكم بالأسود في القرنين أو قال في النكتتين فإنه شيطان" حدثناه عبد الرحمن

(14/228)


حدثنا ابراهيم حدثنا محمد حدثنا يوسف حدثنا حجاج عن ابن جريج فذكره قال أبو عمر حديث جابر لا حجة فيه لمن أمر بقتل الكلاب بل الحجة فيه لمن لم ير قتلها على ما نذكره من رواية ابن جريج عن أبي الزبير إن شاء الله قالوا فهذا يدل على أن الإباحة في اتخاذها وحبه أن لا يفنيها كان بعد الأمر بقتلها قالوا وقد رخص في كلب الصيد ولم يخص أسود بهيما من غيره وقد قالوا أن الأسود البهيم من الكلاب أكثرها أذى وأبعدها من تعليم ما ينفع ولذلك روي أن الكلب الأسود البهيم شيطان أي بعيد من المنافع قريب من المضرة والأذى وهذه أمور لا تدرك بنظر ولا يوصل إليها بقياس وإنما ينتهي فيها إلى ما جاء عنه صلى الله عليه وسلم وقد روي عن ابن عباس أن الكلاب من الجن وهي بقعة الجن فإذا غشيتكم فألقوا لها بشيء فإن لها أنفسا يعني أعينا وروي عن الحسن وإبراهيم أنهما كانا يكرهان صيد الكلب الأسود البهيم وقال إسماعيل بن أمية اثنان من الجن مسخا وهما الكلاب والحيات وسيأتي هذا المعنى بأبين مما جاء ههنا في باب صيفي إن شاء الله.
قال أبو عمر قد اضطربت ألفاظ الأحاديث في هذا المعنى فمنها ما يدل على النسخ ومنها ما يدل على الأمر بالقتل كان فيما عدا المستثنى والله أعلم ومما يدل على أن الأمر بقتل

(14/229)


الكلاب منسوخ ما حدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا يحيى بن خلف قال حدثنا أبو عاصم عن ابن جريج قال أخبرني أبو الزبير عن جابر قال أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتل الكلاب حتى إن كانت المرأة تقدم من البادية بالكلب فنقتله ثم نهانا عن قتلها وقال عليكم بالأسود.
فهذا واضح في أنه نهى عن قتلها بعد أن كان أمر بذلك وحدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا ابن وضاح قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا أحمد ابن عبد الله [أ] حدثنا أبو شهاب [ب] عن يونس بن عبيد عن الحسن عن عبد الله بن مغفل قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لولا أن الكلاب أمة من الأمم لأمرت بقتلها فاقتلوا منها الأسود البهيم وما من قوم اتخذوا كلبا إلا كلب ماشية أو كلب صيد أو كلب حرث إلا نقص من أجورهم كل يوم قيراطان" وروى [ج] اسماعيل المكي عن أبي رجاء

(14/230)


العطاردي قال سمعت ابن عباس يقول السوء من الكلاب الجن والبقع منها الحن وأنشد بعضهم في الجن والحن قول الشاعر:
إن تكتبوا الزمنى فإني لزمن ... في ظاهري داء وداء مستكن
أبيت أهوى في شياطين قرن ... مختلف نجاره جن وحن
وقال صاحب العين الحن حي من الجن منهم الكلاب البهم يقال منه كلب حني فذهبت طائفة إلى أن لا يقتل من الكلاب إلا الأسود البهيم خاصة ما جاء في حديث ابن مغفل وما كان مثله واحتجوا بحديث أبي ذر وما كان مثله الكلب الأسود البهيم شيطان.
وذهب آخرون إلى أنه لا يجوز قتل شيء من الكلاب إلا الكلب العقور وقالوا أمره صلى الله عليه وسلم بقتل الكلاب منسوخ بنهيه صلى الله عليه وسلم أن يتخذ شيء فيه الروح غرضا وبقوله عليه السلام: "خمس من الدواب يقتلن في الحل والحرم فذكر منهن الكلب العقور" فخص العقور دون غيره لأن كل ما يعقر المؤمن ويؤذيه ويقدر عليه فواجب قتله وقد قيل العقور ههنا الأسد وما أشبه من عقارة سباع الوحش قالوا في قوله صلى الله عليه وسلم حين ضرب

(14/231)


المثل برجل وجد كلبا يلهث عطشا على شفير بئر فاستقى [أ] فسقى الكلب فشكر الله له ذلك فغفر له فقيل يا رسول الله أوفي مثل هذا أجر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "في كل كبد رطبة أجر" دليل على أنه لا يجوز قتل شيء من الحيوان إلا ما أضر بالمسلم في مال أو نفس فيكون حكمه حكم العدو المباح [ب] قتله وأما ما انتفع به المسلم من كل في كبد رطبة فلا يجوز قتله لأنه كما يؤجر المرء في الإحسان إليه كذلك يؤزر في الإساءة إليه والله أعلم.
واحتجوا أيضا بما حدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم ابن أصبغ قال حدثنا محمد بن وضاح قال حدثنا أبو بكر ابن أبي شيبة قال حدثنا أبو خالد الأحمر عن هشام عن محمد عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: "أن امرأة بغيا رأت كلبا في يوم حار يطيف ببئر قد ادلع لسانه من العطش فنزعت له بموقها فغفر لها".
قال أبو عمر حسبك بهذا فضلا في الإحسان إلى الكلب فأين قتله من هذا ومما في هذا المعنى أيضا قوله صلى الله

(14/232)


عليه وسلم: "دخلت امرأة النار في هرة ربطتها حتى ماتت جوعا" فهذا وما أشبهه يدل على ما قلنا.
قال أبو عمر كل ما ذكرنا قد قيل فيما وصفنا وبالله عصمتنا وتوفيقنا وقد ذكرنا ما للعلماء في بيع الكلاب مستوعبا في باب ابن شهاب عن أبي بكر بن عبد الرحمان من كتابنا هذا فلا وجه لإعادته ههنا والذي اختاره في هذا الباب أن لا يقتل شيء من الكلاب إذا لم تضر بأحد ولم تعقر أحدا لنهيه صلى الله عليه وسلم أن يتخذ شيء فيه الروح غرضا ولما تقدم ذكرنا له من حجة من اخترنا قوله.
ومن الحجة أيضا لما ذهبنا إليه في أن الأمر بقتل الكلاب منسوخ ترك قتلها في كل الأمصار على اختلاف الأعصار بعد مالك رحمه الله وفيهم العلماء والفضلاء ممن يذهب مذهب مالك وغيره ومن لا يسامح في شيء من المناكر والمعاص الظاهرة إلا ويبدر إلى إنكارها وينب الى تغييرها وما علمت فقيها من الفقهاء المسلمين ولا قاضيا عالما قضى برد شهادة من لم يقتل الكلاب التي أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتلها ولا جعل اتخاذ الكلاب في الدور جرحة يرد بها شهادة ولولا علمهم بأن ذلك من أمر النبي صلى الله عليه وسلم كان لمعنى وقد نسخ ما اتفقت جماعتهم على

(14/233)


ترك امتثال أمره صلى الله عليه وسلم لأنهم لا يجوز على جميعهم الغلط وجهل السنة وقد بينا في الباب قبل هذا أنه لم يكره اتخاذ الكلب في الدور إلا لما فيه من دفع السائل وترويع المسلم والله أعلم.
وأما قول من ذهب إلى قتل الأسود منها بأنه شيطان على ما روى في ذلك فلا حجة فيه لأن الله عز وجل قد سمى من غلب عليه الشر من الإنس والجن شيطانا بقوله: {شَيَاطِينَ الْأِنْسِ وَالْجِنِّ} ولم يجب بذلك قتله وقد جاء في الحديث المرفوع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يتبع حمامة فقال: "شيطان يتبع سيطانة" وليس في ذلك ما يدل على أنه كان مسخا من الجن ولا ان الحمامة مسخت من الجن ولا أن ذلك واجب قتله وقد قيل أن سورة المائدة نسخت الأمر بقتل الكلاب أخبرنا قاسم بن محمد حدثنا خالد بن سعد حدثنا سفيان عن موسى بن عبيدة عن القعقاع بن حكيم عن سلمى أم رافع قال جاء جبريل إلى النبي عليه السلام فاستأذن فأذن له فأخذ رداءه فخرج فقال قد أذنا لك يا رسول الله قال أجل يا رسول الله ولكن لا ندخل بيتا فيه

(14/234)


صورة ولا كلب فنظروا فإذا في بعض بيوتهم جرو فأمر أبا رافع أن لا يدع كلبا بالمدينة إلا قتله فإذا بامرأة في ناحية المدينة لها كلب يحرس عليها قال فرحمتها فأتيت النبي عليه السلام فأمرني بقتله قال ثم أتاه ناس من الناس فقالوا ما يحل لنا من هذه الأمة التي أمرت بقتلها فنزلت: {يَسْأَلونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ} هكذا كان في أصل الشيخ موسى بن عبيدة عن القعقاع وإنما يرويه موسى بن عبيدة عن أبان بن صالح عن القعقاع حدثنيه سعيد بن نصر حدثنا محمد بن وضاح حدثنا أبو بكر حدثنا ابن سيرين عن موسى بن عبيدة قال أخبرني أبان بن صالح عن القعقاع بن حكيم عن سلمى أم رافع عن أبي رافع قال جاء جبريل فذكر الحديث إلى آخره وهذا هو الصواب في إسناده هذا ما يوجبه عندي النظر في استعمال السنن وتهذيب الآثار في ذلك وقود الأصول وبالله التوفيق.

(14/235)


حديث خامس وثلاثون لنافع عن ابن عمر
مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن العبد إذا نصح لسيده وأحسن عبادة ربه فله أجره مرتين".
قال أبو عمر معنى هذا الحديث عندي والله أعلم أن العبد لما اجتمع عليه أمران واجبان [أ] طاعة سيده في المعروف وطاعة ربه فقام بهما جميعا كان له ضعفا أجر الحر المطيع لربه مثل طاعته لأنه قد أطاع الله فيما أمره به من طاعة سيده ونصحه وأطاعه أيضا فيما افترض عليه ومن هذا المعنى عندهم [ب] أنه من اجتمع عليه فرضان فأداهما جميعا وقام بهما كان أفضل ممن ليس عليه إلا فرض واحد فأداه والله

(14/236)


أعلم فمن وجبت عليه زكاة وصلاة فقام بهما على حسبما يجب فيهما كان له أجران ومن لم يجب عليه زكاة وأدى صلاته كان له أجر واحد إلا أن الله يوفق من يشاء ويتفضل على من يشاء وعلى حسب هذا يعصي الله تعالى من اجتمعت عليه فروض من وجوه فلم يؤد شيا منها وعصيانه له أكثر من عصيان من لم يجب عليه إلا بعض تلك الفروض وقد سئل عبد الله بن العباس رضي الله عنه عن رجل كثير الحسنات كثير السيئات أهو أحب إليك أم رجل قليل الحسنات قليل السيئات فقال ما أعدل بالسلامة شيئا.
وفي هذا الحديث أيضا ما يدل على أن العبد المتقي لله المؤدي لحق الله وحق سيده أفضل من الحر ويعضد هذا ما روي عن المسيح [أ] صلى الله عليه وسلم مما قد ذكرناه في هذا الكتاب قوله: "مر الدنيا حلو الآخرة وحلو الدنيا مر الآخرة وللعبودية مضاضة ومرارة لا تضيع عند الله" والله أعلم. أخبرنا [ب] عبد الرحمن بن يحيى حدثنا علي بن محمد حدثنا أحمد بن داود حدثنا سحنون حدثنا ابن وهب قال أخبرني

(14/237)


يونس بن يزيد عن ابن شهاب قال سمعت سعيد بن المسيب يقول قال أبو هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "للعبد المصلح أجران" والذي نفس أبي هريرة بيده لولا الجهاد في سبيل الله والحج وبر أمي لأحببت أن أموت وأنا مملوك قال وأخبرني ابن أبي ذئب عن سعيد المقبري عن أبيه أنه سمع أبا هريرة يقول لولا أمران لأحببت أن أكون عبدا وذلك أن المملوك لا يستطيع أن يضع في ماله شيئا ولا يجاهد وذلك أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ما خلق الله عبدا يؤدي حق الله عليه وحق سيده إلا وفاه الله أجره مرتين".

(14/238)


حديث سادس وثلاثون لنافع عن ابن عمر
مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر أن عمر بن الخطاب رأى حلة سيراه تباع عند [أ] باب المسجد فقال يا رسول الله لو اشتريت هذه الحلة فلبستها يوم الجمعة وللوفد إذا قدموا عليك فقال: "إنما يلبس هذه من لا خلاق له في الآخرة" ثم جاءت رسول الله صلى الله عليه وسلم منها حلل فأعطى عمر منها حلة فقال عمر يا رسول الله كسوتنيها وقد قلت في حلة عطارد [ب] ما قلت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لم أكسكها لتلبسها" فكساها عمر أخا له مشركا بمكة. قال أبو عمر لم يختلف عن مالك في إسناد هذا الحديث ولا يختلف مالك وغيره من أصحاب نافع عن نافع فيه أيضا وبعض أصحاب عبيد الله يقولون فيه عن ابن عمر عن عمر فيجعلونه

(14/239)


من مسند عمر وهو عند أهل العلم بالحديث وأهل الفقه سواء في وجوب الاحتجاج به والعمل إلا أن أيوب قال فيه عطارد أو لبيد على الشك وروى حماد بن زيد عن أيوب عن نافع عن ابن عمر أن عمر قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم إني مررت بعطارد أو لبيد وهو يعرض حلة حرير فلو اشتريتها للجمعة وللوفود فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنما يلبس الحرير في الدنيا من لا خلاق له في الآخرة" وكذلك في رواية سالم عن أبيه لهذا الحديث أن الرجل عطارد أو لبيد ورواه الزهري عن سالم عن ابن عمر إلا أن في حديث سالم حلة من إستبرق والإستبرق الحرير الغليظ.
وفيه أيضا ثم أرسل إليه بحلة ديباج وقال فيها [أ ]تبيعها وتصيب بها حاجتك وسالم أجل من يرويه عن ابن عمر من التابعين وأثبتهم فيه ونافع ثبت جدا فأما قوله في هذا الحديث حلة سيراء فإن أهل العلم يقولون إنها [ب] كانت حلة من حرير ولا يختلفون في الثوب المصمت الحرير الصافي الذي لا يخالطه غيره أنه لا يحل للرجال لباسه واختلفوا في الثوب الذي يخالطه الحرير على ما نذكره في هذا الباب إن شاء الله.
وأما أهل اللغة فإنهم يقولون [ج] الحلة السيراء هي التي يخالطها الحرير قال الخليل بن أحمد السيراء برود يخالطها

(14/240)


حرير وقال غيره هي ضروب من الوشي والبرود وأما الحلة عندهم فثوبان اثنان لا يقع اسم الحلة على واحد وأما الحلة المذكورة في هذا الحديث فحرير كلها بنقل الثقات لذلك ومن الدليل على ذلك أيضا مع ما في حديث أيوب وغيره ما حدثناه عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا مضر بن محمد قال حدثنا محمد بن خالد بن عبد الله الواسطي قال أخبرنا أبي عن هشام بن حسان عن محمد [ أ] بن سيرين عن ابن عمر عن عمر أنه خرج من بيته يريد النبي صلى الله عليه وسلم فمر بالسوق فرأى عطارد يقيم حلة من حرير وكان رجلا يغشى الملوك فأتى النبي عليه السلام فقال هذا عطارد يقيم حلة من الحرير فلو اشتريتها فلبستها إذا أتاك وفود الناس فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنما يلبس الحرير من لا خلاق له في الآخرة".
قال أبو عمر أجمع العلماء على أن [ب] لباس الحرير للنساء حلال وأجمعوا أن النهي عن لباس الحرير إنما خوطب به الرجال دون النساء وأنه حظر على الرجال وأبيح للناس وكذلك التحلي بالذهب لا يختلفون في ذلك وردت [ج] بمثل ما أجمعوا

(14/241)


عليه من ذلك آثار صحاح من آثار [أ] العدول عن النبي صلى الله عليه وسلم قرأت على عبد الوارث بن سفيان أن قاسم بن أصبغ حدثهم قال حدثنا أبو قلابة [ب] قال حدثنا بشر بن ابن عمر قال حدثنا شعبة عن الحكم عن زيد عن وهب عن علي قال أهدي لرسول الله صلى الله عليه وسلم حلة سيراء فأعطانيها فلبستها فقال "إني لم أعطكها لتلبسها" قال فأمرني [ج] فشققتها بين نسائي.
ففي هذا الحديث منع الرجال من الحرير وإباحته للنساء وحدثنا عبد الله بن محمد بن بكر حدثنا أبو داود حدثنا سليمان بن حرب حدثنا شعبة عن أبي عون قال سمعت أبا صالح عن علي قال أهديت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حلة سيراء فأرسل بها إلي فلبستها فأتيته [د] فرأيت الغضب في وجهه وقال إني لم أرسل بها إليك لتلبسها فأمرني فأطرتها بين نسائي ومما يدلك [ه] على أن هذا على وجه التحريم لا على وجه التنزه ما حدثناه محمد بن خليفة،

(14/242)


قال حدثنا أبو بكر محمد بن الحسين الآجري [أ] قال حدثنا أبو جعفر محمد بن إبراهيم بن أبي الرجال قال حدثنا عمرو بن علي أبو حفص الصيرفي قال حدثنا يزيد بن زريع وبشر بن المفضل ويحيى بن سعيد وعبد الوهاب بن عبد المجيد وأبو معاوية وحماد بن مسعدة عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن سعيد بن أبي هند عن أبي موسى قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله عز وجل أحل لإناث أمتي الحرير والذهب وحرمهما على ذكورها".
وقرأت على أبي الحسن علي بن إبراهيم بن حمويه أن الحسن بن رشيق حدثهم قال حدثنا أبو بكر يموت من المزرع ابن يموت البصري قراءة عليه قال حدثنا أبو حفص عمرو بن علي الفلاس [ب] قال حدثنا يزيد بن زريع وبشر بن المفضل ومعتمر بن سليمان ويحيى بن سعيد وعبد الوهاب الثقفي وأبو معاوية الضرير وحماد بن مسعدة كلهم عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن سعيد بن أبي هند عن

(14/243)


أبي موسى قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أحل لإناث أمتي لبس الحرير والذهب وحرم ذلك على ذكورها".
أخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن قال حدثنا أحمد بن جعفر بن حمدان حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثنا أبي حدثنا عبيد الله بن عمر عن نافع عن سعيد بن أبي هند عن أبي موسى قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الحرير والذهب حرام على ذكور أمتي حل لإناثهم". وذكره عبد الرزاق قال أخبرنا عبد الله بن سعيد بن أبي هند عن أبيه عن رجل عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال وأخبرنا معمر عن أيوب عن نافع عن سعيد بن أبي هند عن رجل عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله وقد رواه من لا يحتج به عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن سعيد بن أبي هند عن رجل من أهل العراق عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم والصواب فيه عن عبد الله ما رواه هؤلاء عنه وكذلك اختلف فيه على أيوب [أ] أخبرنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا أبي قال

(14/244)


حدثنا جرير بن عبد الحميد عن ليث عن عبد الرحمان بن سابط عن أبي ثعلبة الخشني قال كان أبو عبيدة بن الجراح ومعاذ بن جبل يتناجيان بينهما بحديث فقلت لهما ما حفظتما وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أوصاهما بي فقالا ما أردنا أن ننتحي دونك بشيء وإنما ذكرنا حديثا حدثناه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فجعلا يتذاكرانه قال إنه بدا هذا الأمر نبوءة ورحمة ثم كائن خلافة ورحمة ثم كائن ملكا عضوضا ثم كائن عتوا وحربة وفسادا في الأمة يستحلون الحرير والخمور والفروج يرزقون على ذلك وينصرون حتى يلقوا الله عز وجل.
وروى تحريم الحرير عن النبي صلى الله عليه وسلم من الصحابة عمر وعلي وعبد الله بن عمر ومعاوية في جماعة من الصحابة وحذيفة وعمران بن حصين والبراء بن عازب وابن الزبير وأبو سعيد الخدري وأنس وعقبة بن عامر وأبو أمامة وأبو هريرة وغيرهم ذكر ذلك الطحاوي وغيره أخبرنا عبد الرحمان بن يحيى حدثنا علي بن محمد حدثنا أحمد بن داود حدثنا سحنون حدثنا ابن وهب أخبرنا عمرو بن الحرث أن هشام بن أبي رقية اللخمي حدثه قال سمعت مسلمة بن[ أ ] مخلد قاعدا على المنبر يخطب الناس وهو

(14/245)


يقول[ أ ] أما لكم في العصب والكتان ما يغنيكم عن الحرير وهذا رجل فيكم يخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم قم يا عقبة فقام عقبة بن عامر وأنا أسمع فقال إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار" وأشهد أني سمعته يقول: "من لبس الحرير في الدنيا حرمه في[ ب ] الآخرة" وهذا وعيد شديد في لباس الحرير لقول الله عز وجل: {وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ} وحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن غالب قال حدثنا علي بن بحر[ ج ] بن بري قال حدثنا شعيب بن إسحاق عن الأوزاعي قال حدثنا شداد أبو عمار قال حدثني أبو أمامة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة".
أخبرنا أحمد بن قاسم المقرئ قال حدثنا ابن حبابة قال حدثنا البغوي قال حدثنا علي بن الجعد قال حدثنا شعبة قال

(14/246)


أخبرني ابو ذبيان خليفة بن كعب قال سمعت ابن الزبير يخطب[ أ ] وهو يقول سمعت عمر بن الخطاب يقول نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن لبس الحرير وقال: "من لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة" قال ابن الزبير من رأيه ومن لم يلبسه في الآخرة لم يدخل الجنة قال الله عز وجل {وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ } رواه حماد بن زيد عن ثابت البناني قال عبد الله بن الزبير قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكره ولم يسمعه ابن الزيبر من النبي صلى الله عليه وسلم إنما سمعه من عمر على ما ذكرناه وروى قتادة عن داود السراج عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة ولو دخل الجنة يلبسه أهل الجنة ولا يلبسه هو" وهذا أولى بالصواب إن شاء الله.
أخبرنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا قتيبة بن سعيد قال حدثنا الليث عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الصعبة عبد العزيز بن أبي الصعبة عن أبي أفلح الهمداني عن ابن زرير أنه

(14/247)


سمع علي بن أبي طالب يقول إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ حريرا فجعله في يمينه وأخذ ذهبا فجعله[ أ ] في شماله ثم قال إن هذين حرام على ذكور أمتي وروى من حديث زيد بن أرقم على النبي صلى الله عليه وسلم مثله سواء.
وحدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال ابن وضاح قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا عبد الرحيم عن محمد بن إسحاق عن يزيد بن أبي حبيب عن عبد العزيز بن أبي الصعبة عن أبي أفلح الهمداني عن عبد الله بن زرير الغافقي سمعه يقول سمعت علي بن أبي طالب يقول أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم حريرا بشماله وذهبا بيمينه ثم رفع بهما يديه فقال: "إن هذين حرام على ذكور أمتي" ورواه عبد الحميد بن جعفر عن يزيد بن أبي حبيب بإسناده مثله كما قال الليث وابن إسحق قال علي بن المدني هو حديث حسن رجاله معروفون ولا يجيء عن علي إلا من هذا الوجه.

(14/248)


قال أبو عمر هذا لفظ عموم والمراد منه الخصوص بإجماع لأنهم لا يختلفون أن مالك الحرير والذهب وحبسهما للرجال والنساء سواء حلال ذلك كله لهم أجمعين والمراد بهذا الخطاب لباس الحرير ولباس الذهب دون الملك وسائر التصرف فلا يجوز للرجال التختم بالذهب ولا أن يحلي به سيفا ولا مصحفا لنفسه ولا يلبسه في شيء من الأشياء وكذلك الحرير لا يلبسه الرجال بحال من الأحوال إلا أن العلماء مختلفون في المقدار المحرم منه فقال منهم قائلون إنما النهي والتحريم في ذلك عني به الثوب من الحرير الخالص الذي لا يخالطه غيره وهذا إجماع على ما وصفنا للرجال وممن ذهب إلى أن المحرم من الحرير هو الصافي منه الذي لا يخالطه في ذلك الثوب شيء غيره عبد الله بن عباس وجماعة من العلماء وحجتهم ما حدثناه عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا سليمان بن الأشعث قال حدثنا ابن نفيل قال حدثنا زهير قال حدثنا خصيب عن عكرمة عن ابن عباس قال إنما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الثوب المصمت من الحرير فأما العلم من الحرير وسدا الثوب فلا بأس وحدثنا عبد الوارث قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا إبراهيم بن إسحق النيسابوري قال حدثنا يحيى بن يحيى الغساني[ أ ] قال حدثنا أبو خيثمة عن خصيب عن عكرمة

(14/249)


عن ابن عباس قال إنما كره رسول الله صلى الله عليه وسلم الثوب المصمت من الحرير فأما العلم من الحرير وسدا الثوب فليس به بأس.
قال أبو عمر في هذا أيضا حجة لمن ذهب إلى[ أ ] أن الحلة السيراء المذكورة في هذا الباب كانت حريرا كلها ولهذا قال فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال والله أعلم وقد ذهب قوم من أهل العلم إلى أن ما كان سداه حريرا من الثياب لا يجوز لباسه للرجال بحال وذكروا أن الحلة السيراء هذه صفتها على ما قال أهل اللغة واحتج من ذهب هذا المذاهب بما حدثناه عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا إبراهيم بن إسحاق النيسابوري قال حدثنا عبد السلام بن عمر قال حدثنا عمران بن عيينة أخو سفيان بن عيينة قال حدثنا يزيد بن أبي زياد عن أبي فاختة عن جعدة بن مغيرة عن علي بن أبي طالب قال أهدى أمير أذرعات[ ب ] إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حلة مسيرة بحرير إما سداها وإما لحمتها فبعث بها إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت ما أصنع بها ألبسها فقال إني لا

(14/250)


أرضى لك ما أكره لنفسي فاجعلها خمرا بين الفواطم" فشققت منها أربعة أخمرة خمارا لفاطمة بنت أسد بن هاشم وهي أم علي وخمارا لفاطمة ابنة محمد صلى الله عليه وسلم وخمارا لفاطمة بنت حمزة بن عبد المطلب قال يزيد بن أبي زياد وذكر فاطمة أخرى فنسيتها وأرخصت هذه الطائفة وغيرها من أهل العلم من الحرير في الأعلام نحو الأصبعين والثلاث لا غير ولم يجوزوا أكثر من ذلك ولم يجيزوا السدا ولا اللحمة وهذا كله للرجال على ما وصفنا وأما النساء فقليله وكثيره جائز لهن ومن حجة من ذهب هذا المذهب ما حدثناه أحمد بن قاسم بن عيسى قال حدثنا عبيد الله بن محمد بن حبابة ببغداد قال حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي قال حدثنا علي بن الجعد قال حدثنا شعبة قال أخبرني قتادة قال سمعت أبا عثمان النهدي يقول أتانا كتاب عمر بن الخطاب ونحن بأذربيجان مع عتبة بن فرقد أما بعد فاتزروا وارتدوا وانتعلوا وألقوا الخفاف وألقوا السراويلات وعليكم بلباس أبيكم إسماعيل وإياكم والتنعم وزي العجم وعليكم بالشمس فإنها[ أ ] حمام العرب،

(14/251)


واخشوشنوا [ أ ] واخشوشبوا[ ب ] واخلولقوا واقطعوا الركب وانزوا وارموا الأغراض وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الحرير إلا هكذا [ ج ] وهكذا واشار بإصبعيه السبابة والوسطى يعني الأعلام.
وحدثنا أحمد بن قاسم المقرئ قال حدثنا عبيد الله بن محمد قال حدثنا البغوي قال حدثنا علي بن الجعد قال حدثنا شعبة عن عاصم [ د ] عن أبي عثمان عن عمر نحوه [ ه ] وزاد فيه وتعلموا العربية. وحدثنا سعيد بن نصر وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا عبد الله بن روح قال حدثنا شبابة بن سوار الفزاري قال حدثنا شعبة بن الحجاج عن قتادة قال سمعت أبا عثمان النصري يقول أن كتاب عمر بن الخطاب أتاهم وهم بأذربيجان أما بعد فاتزروا وانتعلوا وارتدوا وألقوا الخفاف والسراويلات وإياكم وزي العجم وعليكم بالشمس فإنها حمام العرب واخشوشنوا واخشوشبوا واقطعوا الركب وانزوا على الخيل وارموا الأغراض وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الحرير إلا هكذا وضم إصبعيه السبابة والإبهام فعلمنا أنها الأعلام.

(14/252)


قال[ أ ] أبو عمر قوله اخشوشنوا واخشوشبوا بمعنى واحد من الخشونة في الملبس والمطعم وكل شيء غليظ خشن فهو أخشب وخشب وهو من الغلظ وابتذال النفس في العمل وامتهانها ليغلظ الجسد ويخشن هذا قول أبي عبيد وأنشد قول ذي الرمة يصف الظليم:
شخت الجزارة مثل البيت سائرة ... من المسوح خدب شوقب خشب
وقال صاحب العين اخلولق السحاب إذا استوى وحدثنا سعيد بن نصر وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن وضاح قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا يزيد بن هارون قال أخبرنا عاصم عن أبي عثمان النهدي قال قال عمر بن الخطاب إياكم والحرير فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عنه وقال: "لا تلبسوا من الحرير إلا ما كان هكذا وأشار رسول الله صلى الله عليه وسلم بأصبعيه".
وأخبرنا عبد الله بن محمد [ ب ] قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا موسى بن إسماعيل قال حدثنا حماد قال حدثنا عاصم الأحول عن أبي عثمان النهدي قال كتب عمر إلى عتبة بن فرقد أن رسول الله

(14/253)


صلى الله عليه وسلم نهى عن الحرير إلا ما كان هكذا وهكذا أصبعين وثلاثة وأربعة.
وحدثنا أحمد بن قاسم بن عبد الرحمن قال حدثنا قاسم بن اصبغ قال حدثنا الحرث بن أبي أسامة قال حدثنا يزيد بن هرون قال حدثنا عاصم الأحول عن أبي عثمان النهدي قال قال عمر بن الخطاب إياكم والحرير فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نهى عنه وقال: "لا تلبسوا الحرير إلا ما كان هكذا وأشار بأصبعيه[ أ ] الوسطى والسبابة".
وممن رخص في العلم أيضا عائشة وأسماء وقال آخرون من أهل العلم لا يجوز للرجل لباس شيء من الحرير لا قليل ولا كثير وممن ذهب هذا المذهب عبد الله بن عمر وهو ممن روى حديث الحلة السيراء حدثنا سعيد بن نصر وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن وضاح قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا وكيع عن المغيرة بن زياد عن أبي عمر مولى إسماعيل قال[ ب ] رأيت ابن عمر اشترى عمامة لها علم فدعا بالجلمين فقصه فدخلت على أسماء فذكرت لها ذلك فقالت بؤسا لعبد الله يا جارية هاتي جبة

(14/254)


رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاءت بجبة مكفوفة الكمين والجيب والفرج بالديباج.
وأخبرنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا مسدد قال حدثنا عيسى بن يونس قال حدثنا المغيرة بن زياد قال حدثنا عبد الله أبو عمر مولى أسماء بنت أبي بكر قال رأيت ابن عمر في السوق اشترى ثوبا شاميا فرأى فيه خيطا أحمر فرده فأتيت أسماء وذكر الحديث.
وقرأت على عبد الوارث بن سفيان أن قاسم بن أصبغ حدثهم قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا إبراهيم بن عرعرة قال حدثنا معاذ بن معاذ قال حدثنا ابن عون عن الحسن قال دخلنا على ابن عمر وهو بالبطحاء فقال رجل يا أبا عبد الرحمن ثيابنا هذه قد خالطها الحرير وهو قليل فقال اتركوه قليله وكثيره.
وأما حكاية[ أ ] أقاويل الفقهاء في هذا الباب فذكر ابن وهب وابن القاسم عن مالك قال أكره لبس الخز.

(14/255)


لأن سداه حرير وأباح الشافعي لبس قباء محشو بقز لأن القز ما بطن وقال أبو حنيفة لا بأس بلبس ما كان سداه حريرا ولحمته غير ذلك قال وأكره ما كان لحمته حريرا وسداه غير حرير وقال محمد بن الحسن لا بأس بلبس الحرير ما لم تكن فيه شهرة فإن كانت فيه شهرة فلا خير فيه وقال أبو جعفر الطحاوي وقد أجمعوا على نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن لبس الحرير وفي حديث ابن عباس إنما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الثوب المصمت فأما السدا والعلم فلا يعني الحرير وهذا يبين المراد في النهي عن ذلك وقال بسر بن سعيد رأيت على سعد بن أبي وقاص جبة شامية قيامها خز ورأيت على زيد بن ثابت خمائص معلمة.
واختلف العلماء في لباس الحرير للرجال في الحرب أو من جرب وحكة تكون بهم فرخص فيه قوم وكرهه آخرون وممن كرهه مالك بن أنس وابن القاسم وجماعة من أهل العلم على كل حال ورخصت فيه جماعة منهم وإليه ذهب ابن حبيب ومن حجتهم ما حدثناه سعيد بن نصر وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن وضاح قال حدثنا أبو بكر بن ابي شيبة قال حدثنا عبد الرحيم عن حجاج عن أبي عمر عن أسماء بنت أبي بكر أنها أخرجت جبة مزررة بالديباج فقالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبس هذه إذا لقي العدو.

(14/256)


وحدثنا سعيد[ أ ] وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا ابن وضاح قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا وكيع عن شعبة عن قتادة عن أنس قال رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم أو رخص للزبير بن العوام وعبد الرحمن بن عوف في لبس الحرير لحكة كانت فيهما.
وحدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا النفيلي قال[ ب ] حدثنا عيسى بن يونس عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أنس قال رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم لعبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام في قمص الحرير في السفر من حكة كانت بهما وقد[ ج ] روي عن مالك الرخصة في ذلك ايضا وروى سلمة بن علقمة عن ابن سيرين قال نبئت أن الوليد بن عقبة دخل على عمر بن الخطاب وعليه قميص حرير فقال ما هذا لا أم لك فقال أليس عبد الرحمن بن عوف يلبسه قال وأنت مثل عبد الرحمن بن عوف لا أم لك ثم أمر به فمزق عليه يعني وأنت مثل عبد الرحمن بن عوف فيما نزل به من

(14/257)


الجرب والحكة وأما كراهة لباس الحرير في الحرب فذكر أبو بكر قال حدثنا ابن إدريس عن حصين عن الشعبي عن سويد بن غفلة قال شهدت باليرموك فاستقبلنا عمر وعلينا الديباج والحرير فأنزلنا فرمينا بالحجارة فقلنا ما بلغه عنا وقلنا كره زينا فنزعنا فلما استقبلنا رحب بنا وقال إنكم جئتموني في زي الشرك إن الله لم يرض لمن قبلكم الديباج ولا الحرير قال وحدثنا محمد بن أبي عدي عن ابن عوف قال سألت محمد بن سيرين عن لبس الديباج في الحرب فقال من أين كانوا يجرون الديباج قال وحدثنا وكيع عن أبي سفين عن عكرمة أنه كرهه في الحرب وقال أرجى يكون للشهادة وذكر الأوزاعي عن الوليد بن هشام عن ابن محيريز مثله بمعناه.
ومما يبين لك أن النساء ليس ممن قصد بتحريم الحرير ولا بالرخصة لعلة وأن ذلك مباح لهن على كل حال مع ما تقدم ذكره ما أخبرناه[ أ ] عبد الله بن محمد بن يحيى قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا عمرو بن عون وكثير بن عبيد الحمصيان قالا حدثنا بقية عن الزبيدي عن الزهري عن أنس أنه حدثه

(14/258)


أنه رأى على أم كلثوم ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم بردا سيراء والسيراء المضلع بالقز هكذا ورد هذا التفسير في هذا الحديث وهو موافق لما ذكرنا [ أ ] عن أهل اللغة في تفسير السيراء. وحدثنا سعيد بن نصر وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا إسماعيل بن إسحاق حدثنا إسماعيل بن أبي أويس قال حدثني أخي عن سليمان بن بلال عن يحيى بن سعيد ومحمد بن أبي عتيق أن ابن شهاب سئل عن الحرير هل يلبسه النساء فزعم أن أنس بن مالك أخبره أنه رأى على أم كلثوم ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم برد حرير سيراء.
وحدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا نصر بن علي قال حدثنا أبو أحمد الزبيري قال حدثنا مسعر عن عبد الملك بن ميسرة عن عمرو بن دينار عن جابر بن عبد الله قال كنا ننزعه عن الغلمان ونتركه على الجواري يعني الحرير قال مسعر فسألت عمرو بن دينار عنه فلم يعرفه وقد روي في أن

(14/259)


التحلي بالذهب مكروه أيضا خبران معلولان لا حجة فيهما لضعفهما عند أهل العلم بالحديث وقد ذكرناهما في باب نافع عن إبراهيم بن حسين والحمد لله أ.
قال أبو عمر فهذا ما جاء في الحرير وأما الخز فقد لبسه جماعة من العلماء وقد اختلف علينا في سدا ذلك الخز فقال قوم كان سداه نظما وقال آخرون حريرا والمعروف من خزنا اليوم أن سداه حرير وذكر مالك في الموطأ عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أنها كست عبد الله بن الزبير مطرف خز كانت عائشة تلبسه.
وحدثنا أحمد بن عبد الله بن محمد بن علي قال حدثنا أبي قال حدثنا محمد بن فطيس قال حدثنا يحيى بن إبراهيم قال حدثنا عبد الله بن مسلمة قال حدثنا أفلح بن حميد قال كان القاسم بن محمد يلبس جبة خز وكان ابنه عبد الرحمن يلبس كساء خز.
وحدثنا أحمد بن عبد الله قال حدثنا أبي قال حدثنا محمد بن فطيس قال حدثنا يحيى بن إبراهيم قال حدثنا عيسى بن دينار قال حدثنا ابن القاسم عن مالك قال كان ربيعة يلبس القلنسوة بطانتها وظهارتها خز وكان إماما [ ب ] وقال

(14/260)


في موضع آخر من سماع ابن القاسم قال مالك وذكر لبس الخز فقال قوم يكرهون لباس الخز ويلبسون القلانس بالخز فعجبنا من اختلاف رأيهم قال مالك وإنما كره لباس الخز بأن سداه حرير وقال أبو نعيم وهب بن كيسان رأيت سعد بن أبي وقاص وجابر بن عبد الله وأبا هريرة وأنس بن مالك يلبسون الخز وفي حديث صفوان بن عبد الله بن صفوان أن سعدا استأذن على ابن عباس وعليه مطرف خز سقوه حرير فقيل له في ذلك فقال إنما يلي جلدي منه الخز واحتج الطحاوي بخبر سعد هذا في أن خز القوم كان فيه حرير وأردفه بحديث عمار بن أبي عمار أن مروان قدمت عليه مطارف خز فكساها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فكأني أنظر إلى أبي هريرة عليه منها مطرف أغبر وكأني أنظر إل طرق الإبريسم فيه قال يدل هذا على أن الخز الذي لبسوه هو الذي فيه الحرير.
قال أبو عمر لبس الخز جماعة من جلة العلماء لو ذكرناهم لأطلنا وأمللنا وخرجنا عما له قصدنا ولكنهم اختلفوا هل كان فيه حرير أم لا واجتناب ذلك لمن يقتدى به أولى ولا يقطع على تحريم شيء إلا بيقين لكنه مما سكت عنه وعفي عنه.
وفي حديثنا المذكور في هذا الباب حديث مالك عن نافع عن ابن عمر أن عمر بن الخطاب رأى حلة سيراء تباع عند باب المسجد الحديث فيه البيع والشراء على أبواب المساجد،

(14/261)


وفيه مباشرة الصالحين والفضلاء للبيع والشراء وفيه أن الجمعة يلبس فيها من أحسن الثياب وكذلك يتجمل بالثياب الحسان في الأعياد لأن الجمعة عيد ويتجمل بها أيضا على وجه الترهيب للعدو والتغليظ عليهم وهذا كله في معنى حديثنا[ أ ] المذكور ولا أعلم بين العلماء اختلافا في استحباب التجمل بأحسن الثياب يوم الجمعة لمن قدر.
وفيه أن الإنسان يجوز له أن يملك ما لا يجوز له أن يلبس وفيه إباحة الطعن[ ب ] عليه وأما قوله: "إنما يلبس هذا[ ج ] من لا خلاق له" فمعناه من لا نصيب له من الخير.
وفيه قبول الخليفة للهدايا من قبل الروم وغيرهم وقد مضى القول في هذا المعنى في باب ثور بن زيد من كتابنا هذا وفيه بعض ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم من السخاء وصلة الإخوان بالعطاء وفيه أنه جائز أن يعطي الرجل ما لا يجوز له لباسه إذا جاز له ملكه والتصرف فيه وفيه صلة القريب المشرك ذميا كان أو حربيا لأن مكة لم يبق فيها بعد الفتح مشرك وكانت قبل ذلك حربا ولم يختلف

(14/262)


العلماء في الصدقة التطوع أنها جائزة من المسلم على المشرك قريبا كان أو غيره والقريب أولى ممن سواه والحسنة فيه أتم وأفضل وإنما اختلفوا في كفارة الأيمان وزكاة الفطر فجمهور العلماء على أنه [ أ ] لا تجوز لغير المسلمين لقوله صلى الله عليه وسلم: "أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم وأردها على فقرائكم" وكذلك كل ما يجب أن يؤخذ منهم فواجب أن يرد على فقرائهم.
وأجمعوا أن الزكاة المفروضة لا تحل لغير المسلمين فسائر ما يجب أداؤه عليهم من زكاة الفطر وكفارة الأيمان والظهار فقياس[ ب ] على الزكاة عندنا وأما التطوع بالصدقة فجائز على أهل الكفر من القربات وغيرهم لا أعلم في ذلك خلافا والله أعلم[ ج ] روى الثوري عن الأعمش عن جعفر بن إياس عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال كانوا يكرهون أن يرضخوا لأنسابهم من أجل[ د ] الكفر فنزلت: {لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ} الآية.

(14/263)


أخبرنا محمد بن عبد الملك قال حدثنا أبو سعيد بن الأعرابي قال حدثنا سعدان بن نصر قال حدثنا سفيان عن أيوب عن عكرمة أن صفية زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت لأخ لها يهودي أسلم ترثني فسمع ذلك قومه فقالوا أتبيع دينك بالدنيا فأبى أن يسلم فأوصت له بالثلث.
وحدثنا محمد قال حدثنا ابن الأعرابي قال حدثنا سعدان قال حدثنا عن هشام بن عروة عن فاطمة ابنة المنذر عن جدتها أسماء بنت أبي بكر قالت سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت أتتني أمي وهي راغبة فأعطيها قال نعم فصليها.
وروى حماد بن سلمة عن هشام بن عروة عن أبيه أن أسماء بنت أبي بكر قال قدمت علي أمي في عهد قريش ومدتهم التي كانت بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي مشركة وهي راغبة فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم[ أ ] أصلها قال: "صليها".

(14/264)


حديث سابع وثلاثون لنافع عن ابن عمر
مالك عن نافع عن عبد الله[ أ ] بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من أعتق شركا له في عبد فكان له مال ثمن العبد قوم عليه قيمة العدل فأعطى شركاءه حصصهم وأعتق عليه العبد وإلا فقد عتق منه ما عتق".
هكذا قال يحيى في هذا الحديث من اعتق شركا له في عبد فكان له مال يبلغ ثمن العبد وتابعه ابن القاسم وابن وهب وابن بكير في بعض الروايات عنه وقال القعنبي من أعتق شركا له في مملوك أقيم عليه قيمة عدل ولم يقل فكان له مال يبلغ ثمن العبد وقد تابعه بعضهم أيضا عن مالك ومن ذكر هذه الكلمة فقد حفظ وجود ومن لم يذكرها سقطت له ولم يقم الحديث ولا خلاف بين أهل العلم أن هذه

(14/265)


اللفظة مستعملة صحيحة وأن التقويم لا يكون إلا على الموسر الذي له مال يبلغ ثمن العبد كما قال هؤلاء في الحديث يحيى ومن تابعه وهذا الصحيح الذي لا شك فيه وقد جود مالك رحمه الله حديثه هذا عن نافع وأتقنه وبأن فيه فضل حفظه وفهمه وتابعه على كثير من معانيه عبيد الله بن عمر.
وأما أيوب فلم يقمه وشك منه في كثير وهذا حديث في ألفاظه أحكام عجيبة منها ما اتفق عليه أهل العلم ومنها ما اختلفوا فيه وقد اختلف في كثير من ألفاظه عن ابن عمر وعن سالم ابنه وعن نافع مولاه ونحن نذكر ما بلغنا من ذلك ونذكر ما للعلماء في تلك المعاني من التنازع والوجوه بأخصر ما يمكننا وبالله توفيقنا[ أ ] لا شريك له.
فأما[ ب ] رواية أيوب عن نافع في هذا الحديث فحدثنا محمد بن إبراهيم بن سعيد قال حدثنا محمد بن معاوية قال حدثنا أحمد بن شعيب قال أخبرنا عمرو بن زرارة قال حدثنا إسماعيل عن أيوب عن نافع عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من أعتق نصيبا أو قال شقصا أو قال شركا له في عبد فكان له من المال ما يبلغ ثمنه بقيمة

(14/266)


عدل فهو عتيق وإلا فقد عتق منه ما عتق" قال أيوب وربما قال نافع هذا في الحديث وربما لم يقله فلا أدري أهو في الحديث أم لا[ أ ] قال حدثنا نافع من قبله "فقد عتق منه ما عتق".
وأخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن قال حدثنا محمد بن بكر بن عبد الرزاق قال أخبرنا سليمان بن الأشعث قال حدثنا سليمان بن داود العتكي قال حدثنا حماد عن أيوب عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الحديث قال فلا[ ب ] أدري أهو في الحديث أم شيء قاله نافع "وإلا[ ج ] فقد عتق منه ما عتق".
وأخبرنا عبد الله بن محمد بن يوسف قال حدثنا عبد الله بن محمد ومحمد بن يحيى ومحمد بن محمد وأحمد بن عبد الله قالوا حدثنا أحمد بن خالد قال حدثنا الحسن بن أحمد قال حدثنا محمد بن عبيد قال حدثنا حماد بن زيد عن أيوب عن نافع عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أعتق شركا في عبد أو مملوك فهو

(14/267)


عتيق" قال أيوب قال نافع وإلا فقد عتق منه ما عتق قال أيوب فلا أدري أهو في الحديث أو قول نافع.
قال أبو عمر كان أيوب يشك في هذه الكلمة من هذا الحديث قوله: "وإلا فقد عتق منه ما عتق" وهذه أيضا كلمة توجب حكما كثيرا وقد اختلفت فيها [ أ ] الآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم واختلف فيها علماء الأمصار على ما سنبينه بعد الفراغ من تهذيب ألفاظ هذا الحديث إن شاء الله وقد[ ب ] كان بعض من ينكر قوله: "فقد عتق ما عتق" يحتج بما رواه عبد الله بن نمير عن حجاج بن أرطاة عن القاسم بن عبد الرحمن عن نافع عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أعتق شقصا له في عبد ضمن لأصحابه في ماله إن كان له مال" قال نافع وقال ابن عمر فإن لم يكن له مال سعى العبد قال فلو كان في الخبر فقد عتق منه ما عتق ما جعل ابن عمر على العبد سعاية قال وقد رواه جويرية عن نافع عن ابن عمر ولم يذكر وإلا فقد عتق منه ما عتق وقد روى هذه اللفظات وهذه الكلمات أعني قوله: "وإلا فقد عتق منه ما عتق" مالك بن أنس وعبيد الله بن عمر وهو معنى ما جاء به يحيى بن سعيد عن نافع في هذا الحديث ومن شك فليس بشاهد ومن حفظ ولم يشك فهو الشاهد الذي يجب

(14/268)


العمل بما جاء به وقد كان يحيى بن سعيد يقول مالك أثبت عندي في نافع من أيوب وغيره وقد تابع عبيد الله بن عمر مالكا على هذه الزيادة وإن كان قد اختلف فيها على عبيد الله فبعضهم يسوقها عنه وبعضهم يقصر عنها ومن قصر ولم[ أ ] يذكر فليس بشاهد أخبرنا عبد الله بن محمد بن أسد قال حدثنا حمزة بن محمد وأخبرنا محمد بن إبراهيم قال أخبرنا محمد بن معاوية قالا حدثنا أحمد بن شعيب قال أخبرنا إسماعيل بن مسعود قال حدثنا خالد قال حدثنا عبيد الله [ ب ] عن نافع عن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من كان له شرك في عبد فأعتقه فقد عتق فإن كان له مال قوم عليه قيمة عدل وإن لم يكن مال فقد عتق منه ما عتق" وهذا كرواية مالك سواء أخبرنا عبد الله بن محمد بن يحيى قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا إبراهيم بن موسى الرازي قال حدثنا عيسى بن يونس قال حدثنا عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أعتق شركا من مملوك فعليه عتقه كله إن كان له مال يبلغ ثمنه،

(14/269)


وإن لم يكن له مال أعتق نصيبه" وهذا مثل رواية مالك سواء في المعنى.
وأخبرنا سعيد بن نصر وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن وضاح قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا أبو أسامة وابن نمير عن عبيد الله عن نافع عن عبد الله بن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أعتق شركا له في مملوك فعليه عتقه كله إن كان له مال يبلغ ثمنه قال يقوم قيمة عدل على المعتق فإن لم يكن له مال فقد عتق منه ما عتق".
فهؤلاء كلهم قد ذكروا هذه الكلمات في هذا الحديث عن عبيد الله قوله: "وإن لم يكن[ أ ] له مال فقد عتق منه ما عتق" كما قال مالك وهذا الموضع هو موضع الحكم على المعتق المعسر الذي لا مال له وفيه نفي الاستسعاء وفي هذا الموضع اختلفت الآثار وفقهاء الأمصار وروى هذا الحديث يحيى بن سعيد القطان وبشر بن المفضل عن عبيد الله بن عمر بإسناده لم يذكرا فيه الحكم في المعتق المعسر وإنما قالا

(14/270)


من أعتق شركا له في عبد فعليه عتقه كله إن كان له مال يبلغ ثمنه لم يزيدا على هذا المعنى ومن قصر عما جاء به غيره فليس بحجة والحجة فيه أثبت المثبت الحافظ العدل المتقن لا فيما قصر عن المقصر وقد روى هذا الحديث زهير بن معاوية عن عبيد الله بن عمر بإسناده وقال فيه فإن لم يكن له مال عتق نصيبه وهذا موافق لما قال أبو أسامة وابن نمير وعيسى بن يونس وخالد الواسطي ومحمد بن عبيد الطنافسي عن عبيد الله وهو الصحيح لاجتماع الجماعة الحفاظ من أصحاب عبيد الله على ذلك ولموافقة ما جاء به من ذلك مالك رحمه الله.
أخبرنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا محمود بن خالد قال حدثنا يزيد بن هارون قال حدثنا يحيى بن سعيد عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم بمعنى حديث عبيد الله قاله أبو داود.
وأخبرنا عبد الله بن محمد قال حدثنا حمزة بن محمد وأخبرنا محمد بن إبراهيم قال حدثنا محمد بن معاوية قالا حدثنا أحمد بن شعيب قال حدثنا أحمد بن سليمان قال حدثنا يزيد بن هارون قال حدثنا يحيى بن سعيد عن نافع أخبره أن عبد الله بن عمر كان يقول قال سول الله صلى الله عليه وسلم: "من أعتق نصيبا في إنسان كلف عتق ما بقي

(14/271)


منه فإن لم يكن له مال فقد جاز ما صنع" ورواه عبد الله بن نمير عن يحيى بن سعيد عن نافع عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أعتق نصيبا له في إنسان كلف عتق ما بقي" قال نافع فإن لم يكن عنده ما يعتقه جاز ما صنع ذكره النسوي عن حسين بن منصور عن ابن نمير وروى هذا الحديث معمر عن الزهري عن سالم عن ابن عمر وأيوب بن موسى وجويرية بن أسماء عن نافع عن ابن عمر وداود العطار عن عمرو بن دينار عن ابن عمر وابن عيينة عن عمرو بن دينار عن سالم عن ابن عمر فذكروا كلهم الحكم في الموسر أنه يقوم ويعتق عليه إن كان له مال وسكتوا عن الحكم في المعسر فلم يقولوا وإن لم يكن له مال فقد عتق منه ما عتق كما قال مالك وعبيد الله ولم يزيدوا على حكم الموسر وفي رواية معمر عن الزهري عتق ما بقي في ماله إذا كان له مال يبلغ ثمن العبد وبعضهم يقول فيه عن عبد الرزاق أقيم ما بقي والمعنى واحد وهذا لفظ يوجب[ أ ] تقويمه على أنه معتق نصفه أو معتق بعضه وأما ما ذكرنا من اختلاف الآثار في هذه الكلمة الموجبة لنفوذ عتق نصيب المعتق المعسر دون شيء من استسعاء وغيره[ ب ] فإن أبا هريرة روى في هذا المعنى عن النبي صلى الله عليه وسلم خلاف

(14/272)


ما رواه ابن عمر واختلف في حديثه أيضا في ذلك أكثر من الاختلاف في هذا وهو حديث يدور على قتادة عن النضر بن أنس عن بشير بن نهيك عن أبي هريرة واختلف أصحاب قتادة عليه في الاستسعاء وهو الموضع المخالف لحديث ابن عمر من رواية مالك وغيره حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أبو يحيى بن أبي مسرة قال حدثنا الحميدي قال حدثنا سفيان بن عيينة عن سعيد بن أبي عروبة ويحيى بن صبيح عن قتادة عن النضر بن أنس عن بشير بن نهيك عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أيما عبد كان بين رجلين فأعتق أحدهما نصيبه فإن كان موسرا قوم عليه وإلا سعى العبد غير مشقوق عليه".
وحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أبو العباس الكديمي قال حدثنا روح بن عبادة قال حدثنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن النضر بن أنس عن بشير بن نهيك عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من أعتق شقصا من مملوك فعليه خلاصه من ماله فإن لم يكن له مال قوم المملوك قيمة عدل ثم استسعى غير مشقوق عليه" وكذلك رواه يزيد بن زريع وعبدة بن سليمان وعلي بن مسهر ومحمد بن بشر ويحيى بن أبي عدي عن سعيد بن أبي عروبة كما رواه روح بن عبادة سواء حرفا بحرف ولم يختلف

(14/273)


على سعيد بن ابي عروبة في هذا الحديث في ذكر السعاية فيه على حسبما ذكرنا وتابعه أبان العطار عن قتادة على مثل ذلك حدثناه عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا مسلم بن إبراهيم قال حدثنا أبان يعني العطار قال حدثني قتادة عن النضر بن أنس عن بشير بن نهيك عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أعتق شقصا له في مملوك فعليه أن يعتقه كله إن كان له مال وإلا استسعى العبد غير مشقوق عليه".
قال أبو داود ورواه[ أ ] جرير بن حازم وموسى بن خلف عن قتادة بإسناده مثله وذكر فيه السعاية رواه هشام الدستوائي وشعبة وهمام عن قتادة بإسناده مثله لم يذكروا فيه السعاية أخبرنا محمد بن إبراهيم قال حدثنا محمد بن معاوية قال حدثنا أحمد بن شعيب وأخبرنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قالا جميعا حدثنا محمد بن المثنى قال حدثنا معاذ بن هشام قال حدثني أبي عن قتادة عن بشير بن نهيك عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من أعتق شقصا من مملوك عتق من ماله

(14/274)


إن كان له مال" هكذا قال ابن المثنى قتادة عن بشير بن نهيك لم يذكر النضر بن أنس وهو خطأ منه أو من معاذ بن هشام ورواه روح بن عبادة وغيره عن هشام عن قتادة عن النضر عن بشير عن أبي هريرة كما رواه سائرأ أصحاب قتادة.
وأخبرنا عبد الله بن محمد بن أسد قال حدثنا حمزة بن محمد بن علي قال حدثنا أحمد بن شعيب النسائي قال أخبرنا محمد بن المثنى ومحمد بن بشار قالا حدثنا محمد بن جعفر قال حدثنا شعبة عن قتادة عن النضر بن أنس عن بشير بن نهيك عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: "في المملوك بين الرجلين فيعتق أحدهما[ ب ] نصيبه" قال يضمن أخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن بن يحيى قال حدثنا محمد بن بكر بن عبد الرزاق بن داسة التمار قال حدثنا أبو داود سليمان بن الأشعث بن إسحاق[ ج ] قال حدثنا محمد بن كثير قال أخبرنا همام عن قتادة عن النضر بن أنس عن بشير بن نهيك عن أبي هريرة أن رجلا أعتق

(14/275)


شقصا من غلام فأجاز النبي صلى الله عليه وسلم عتقه وغرمه بقية ثمنه.
وأخبرنا أحمد بن قاسم بن عبد الرحمن وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا الحرث بن أبي أسامة قال حدثنا عبد العزيز بن أبان وأخبرنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا ابن سويد بن منجوف قال حدثنا روح قالا جميعا حدثنا هشام عن قتادة عن النضر بن أنس عن بشير بن نهيك عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أعتق شقصا له من مملوك فهو حر من ماله إن كان له مال" وقال روح عتق من ماله إن كان له مال قال أبو عمر فاتفق شعبة وهشام وهمام على ترك ذكر السعاية في هذا الحديث والقول قولهم في قتادة عند جميع أهل العلم بالحديث إذا خالفهم في قتادة غيرهم وأصحاب قتادة الذين هم حجة فيه هؤلاء الثلاثة شعبة وهشام الدستوائي وسعيد بن أبي عروبة فإن اتفقوا لم يعرج على من خالفهم في قتادة وإن اختلفوا نظر فإن اتفق منهم اثنان وانفرد واحد فالقول

(14/276)


قول الاثنين لا سيما إن كان أحدهما شعبة وليس أحد بالجملة في قتادة مثل شعبة لأنه كان يوقفه على الإسناد والسماع وهذا الذي ذكرت لك قول جماعة أهل العلم بالحديث وقد اتفق شعبة وهشام في هذا الحديث على سقوط ذكر الاستسعاء فيه وتابعهما همام وفي هذا تقوية لحديث ابن عمر وهو حديث مدني صحيح لا يقاس به غيره وهو أولى ما قيل به في هذا الباب وبالله التوفيق. وقد روى شعبة عن خالد الحذاء عن أبي بشر العنبري عن ابن التلب عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم أن رجلا أعتق نصيبه من مملوك فلم يضمنه النبي عليه السلام وهذا عند جماعة العلماء على المعسر لأن الموسر لم يختلفوا في تضمينه وأنه يلزمه في العتق إلا ما لا يلتفت إليه من شذوذ القول ونحن نذكر ما انتهى إلينا من اختلاف العلماء في ذلك هنا إن شاء الله.
ومثل حديث ابن التلب عن أبيه في هذا الباب قصة أبي رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد ذكرناها في باب أسلم من كتاب الصحابة والحمد لله.
وأما اختلاف الفقهاء في هذا الباب فإن مالكا وأصحابه يقولون إذا أعتق المليء الموسر شقصا له في عبد فلشريكه أن يعتق بتلا وله أن يقوم فإن أعتق نصيبه كما أعتق شريكه قبل التقويم كان الولاء بينهما كما كان الملك

(14/277)


بينهما وما لم يقوم ويحكم بعتقه[ أ ] فهو في جميع أحكامه كالعبد وإن كان المعتق لنصيبه من العبد عديما لم يعتق غير حصته ونصيب الآخر رق له ويخدم العبد هذا يوما ويكسب لنفسه يوما أو يقاسمه كسبه وإن كان العتق مليا ببعض شريكه قوم عليه قدر ما معه ورق بقية النصيب لربه ويقضى عليه في ذلك كما يقضى في سائر الديون الثابتة اللازمة والجنايات ويباع عليه شوار بيته وماله بال من كسوته والتقويم أن يقوم نصيب صاحبه يوم العتق قيمة عدل ثم يعتق عليه وكذلك قال داود وأصحابه في هذه المسألة إلا[ ب ] أنه لا يعتق عليه حتى يؤدي القيمة إلى شريكه وهو قول الشافعي في القديم وقال الشافعي من أعتق شركا له في عبد قومك عليه قيمة عدل وأعطى[ ج ] شركاءه حصصهم وعتق العبد وإلا فقد عتق منه ما عتق قال وهكذا روى ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ويحتمل قوله عليه السلام في عتق الموسر معنيين أحدهما أنه يعتق بالقول مع دفع القيمة والآخر أنه يعتق بالقول إذا كان المعتق موسرا في حين العتق وسواء أعسر بعد ذلك قبل التقويم أم لا ويكون العبد حرا كله بالعتق في حين العتق فإن قوم عليه في الوقت أخذ ماله

(14/278)


وإن تركه حتى أعسر اتبعه بما قد ضمن قال المزني في القول الأول قال في كتاب الوصايا وقال في كتاب اختلاف الحديث يعتق كله يوم تكلم بالعتق وكذلك قال في كتاب[ أ ] اختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى وقال أيضا إن مات المعتق أخذ بالذمة من رأس المال لا يمنعه الموت حقا لزمه كما لو جنى جناية والعبد حر في شهادته وحدوده وميراثه وجناياته قبل القيمة وبعدها قال المزني قد قطع بأن هذا المعنى أصح في أربعة مواضع وهو القياس على أصله وقد قال لو أعتق الثاني كان عتقه باطلا وفي ذلك دليل على زوال ملكه لأنه لو كان ملكه ثابتا [ ب ] لنفذ عتقه وتحصيل مذهب الشافعي ما قاله في الجديد أنه إذا كان المعتق لحصته من العبد موسرا عتق جميعه حين أعتقه وهو حر من يومئذ ويورث وله ولاؤه ولا سبيل للشريك على العبد وعليه قيمة نصيب شريكه كما لو قتله وجعل عتقه إتلافا هذا كله إن كان موسرا في حين العتق للشقص وسواء أعطاه القيمة أو منعه وإن كان معسرا فالشريك على ملكه يقاسمه كسبه أو يخدمه يوما ويخلي لنفسه يوما ولا سعاية عليه.
قال أبو عمر من حجة من ذهب إلى قول الشافعي هذا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث أيوب عن نافع

(14/279)


عن ابن عمر من أعتق نصيبا له في عبد فإن كان له مال يبلغ ثمنه بقيمة عدل فهو عتيق وحديث ابن أبي ذئب عن نافع عن ابن عمر أن[ أ ] النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من أعتق شركا في مملوك وكان للذي يعتق نصيبه ما يبلغ ثمنه فهو يعتق كله" ومنهم من يقول عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم: "من أعتق شقصا له في عبد ضمن لشريكه في ماله إن كان له مال" قالوا فقوله صلى الله عليه وسلم: "فهو يعتق كله" وقوله فهو عتيق يوجب أن يكون عتيقا كله في وقت وقوع العتق ولا ينتظر به قضاء ولا تقويم إذا كان المعتق موسرا لتثبت له حرمة الحرية من ساعته في جميع أحكامه اتباعا للسنة في ذلك لأنه معلوم أن التقويم والحكم به[ ب ] إنما هو تنفيذ لما قد وجب بالعتق في حينه ومن حجة مالك ومن تابعه على ما ذكرنا من قوله في هذا الباب في العبد المعتق بعضه أنه لا يعتق على معتق حصته منه حتى يقوم ويحكم بذلك عليه فإذا تم ذلك نفذ عتقه حينئذ فمن حجتهم في ذلك قوله صلى الله عليه وسلم في حديث مالك عن نافع عن ابن عمر من أعتق شركا له في عبد وكان له مال يبلغ ثمن العبد قوم عليه قيمة عدل فأعطى شركاءه حصصهم وأعتق عليه العبد قالوا فلم يقض رسول الله صلى الله عليه وسلم بعتق العبد

(14/280)


إلا بعد أن يأخذ الشركاء حصصهم فمن أعتقه قبل ذلك فقد خالف نص السنة في ذلك قالوا ومعلوم أنه يعتق على الإنسان ما يملكه لا ملك غيره وإنما يملكه بأداء القيمة إلى شريكه إذا طلب الشريك ذلك ألا ترى أنه لو كان معسرا لا يحكم[ أ ] عليه بعتق وفي ذلك دليل واضح على استقرار ملك الذي لم يعتق بغير[ ب ] عتق شريكه لنصيبه وإذا كان ملكه ثابتا مستقرا استحال أن يعتق على الآخر ما لم يملكه فإذا قوم عليه وحكم بأداء القيمة إليه ملكه ونفذ عتق جميعه بالسنة في ذلك والسنة في هذا كالسنة في الشفعة لأن ذلك كله نقل ملك بعوض على غير تراض أحكمته الشريعة وخصته إذا طلب الشريك أو الشفيع ما لهما من ذلك وليس ما رواه أيوب من قوله: "فهو عتق" مخالفا لما رواه مالك بل هو مجمل فسره مالك في روايته ومبهم أوضحه لأنه يحتمل قوله: "فهو عتيق كله" أو فهو[ ج ] "معتق كله" أي بعد دفع القيمة إلى الشركاء وأكثر أحوالهم في ذلك أن يحتمله الحديث الوجهين جميعا فإذا احتملهما فمعلوم أن العبد رقيق بيقين ولا يعتق إلا بيقين واليقين ما اجتمع عليه من حريته بعد دفع القيمة وهو أحد قولي الشافعي ولم يختلف قول الشافعي إن المعتق لحصته من عبد

(14/281)


بينه وبين غيره وهو[ أ ] معسر في حين تكلم بالعتق أنه لا شيء عليه من سعاية ولا غيرها وأنه لا يعتق من العبد غير تلك الحصة وهو قول مالك في عتق المعسر وقول أحمد بن حنبل وإسحاق وأبي ثور وأبي عبيد وداود والطبري[ ب ] وقال مالك إن مات المعتق الموسر قبل أن يحكم عليه بعتق الباقي لم يحكم على ورثته بعتق ذلك وقال الشافعي يحكم بعتقه إذا مات ولو أتى على تركته إلا أن يعتق في المرض فيقوم في الثلث وقال سفيان إن كان للمعتق حصته من العبد مال ضمن نصيب شريكه ولم يرجع به على العبد ولا سعاية على العبد وكان الولاء له[ ج ] وإن لم يكن له مال فلا ضمان عليه وسواء نقص من نصيب الآخر أو لم ينقص ويسعى العبد في نصف قيمته حينئذ وكذلك قال أبو يوسف ومحمد بن الحسن وفي قولهم يكون العبد كله حرا ساعة أعتق الشريك نصيبه فإن كان موسرا ضمن لشريكه قيمة نصف عبده وإن كان معسرا سعى العبد في ذلك الذي لم يعتق ولا يرجع على أحد بشيء والولاء كله للمعتق وهو بمنزلة الحر في جميع أحكامه ما دام في سعايته من يوم أعتق يرث ويورث وعن ابن شبرمة وابن أبي ليلى مثله إلا أنهما جعلا للعبد أن يرجع على المعتق بما سعى فيه متى أيسر وقد جاء عن ابن عباس أنه جعل المعتق

(14/282)


بعضه حرا في جميع أحكامه وقال أبو حنيفة إذا كان العبد بين اثنين فأعتق أحدهما نصيبه وهو موسر فإن الشريك بالخيار إن شاء أعتق نصيبه كما أعتق صاحبه وكان الولاء بينهما وإن شاء استسعى في نصف قيمته ويكون الولاء بينهما وإن شاء ضمن شريكه نصف قيمته ويرجع الشريك بما ضمن من ذلك على العبد يستسعيه فيه إن شاء ويكون الولاء كله للشريك وهو عبد ما بقي عليه من السعاية شيء وإن كان المعتق معسرا فالشريك الآخر بالخيار إن شاء ضمن العبد نصف قيمته يسعى[ أ ] فيها والولاء بينهما وإن شاء أعتقه كما أعتق صاحبه والولاء بينهما وقال أبو حنيفة العبد المستسعى ما دام عليه سعاية بمنزلة المكاتب في جميع أحكامه فإن مات أدى من ماله لسعايته والباقي لورثته وقد ذكرنا الاختلاف في هذه المسألة في المكاتب في باب هشام بن عروة في قصة بريرة قال زفر يعتق العبد كله على المعتق حصته ويتبع بقيمة[ ب ] حصة شريكه موسرا كان أو معسرا وقد روي عن زفر مثل أبي يوسف.
قال أبو عمر لم يقل زفر بحديث ابن عمر ولا بحديث أبي هريرة في هذا الباب وكذلك أبو حنيفة لم يقل بواحد من الحديثين على وجهه وكل قول خالف السنة فمردود والله المستعان.

(14/283)


وقد قيل في هذه المسئلة أقوال غير ما قلنا شاذة ليس عليها أحد من فقهاء الأمصار أهل الفتيا اليوم منها قول ربيعة بن عبد الرحمن قال فمن أعتق حصة له من عبد إن العتق باطل موسرا كان المعتق أو معسرا وهذا تجريد لرد الحديث أيضا وما أظنه عرف الحديث لأنه لا يليق بمثله غير ذلك وقد ذكر محمد بن سيرين عن بعضهم أنه جعل قيمة حصة الشريك في بيت المال وهذا أيضا خلاف السنة وعن الشعبي وإبراهيم أنهما قالا الولاء للمعتق ضمن أو لم يضمن وهذا أيضا خلاف قوله صلى الله عليه وسلم: الولاء لمن أعطى الثمن فهذا حكم من أعتق حصة له من عبد بينه وبين غيره.
وأما من أعتق حصة من عبده الذي لا شركة فيه لأحد معه فإن عامة العلماء بالحجاز والعراق يقولون يعتق عليه كله ولا سعاية عليه إلا أن ملكا قال إن مات قبل أن يحكم عليه لم يحكم عليه. وقال أبو حنيفة يعتق منه ذلك النصيب[ أ ] ويسعى لمولاه في بقية قيمته موسرا كان أو معسرا وخالفه أصحابه فلم يروا في ذلك سعاية وهو الصواب وعليه الناس والحجة في ذلك أن السنة لما وردت بأن يعتق عليه نصيب شريكه كان أحرى بأن[ ب ] يعتق عليه فيه ملكه لأنه موسر به مالك

(14/284)


له وهذه سنة وإجماع وفي مثل هذا قالوا ليس لله شريك.
وقد جاء عن الحسن يعتق الرجل من عبده ما شاء وهذا نحو قول أبي حنيفة وروي مثله عن علي رضي الله عنه وبه قال أهل الظاهر كما يهب من عبده ما شاء ورووا في ذلك خبرا عن إسماعيل بن أمية عن أبيه عن جده أنه أعتق نصف عبد فلم ينكر رسول الله صلى الله عليه وسلم عتقه ذكره أبو داود في السنن.
وعن الشعبي وعبيد الله بن الحسن مثل قول أبي حنيفة سواء ومن الحجة أيضا في إبطال السعاية حديث عمران بن حصين أن رجلا أعتق ستة مملوكين له عند الموت وليس له مال غيرهم فأقرع رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهم فأعتق ثلثهم وأرق الثلثين ولم يستسعهم وقال الكوفيون في هذه أيضا يعتق العبيد كلهم ويسعون في ثلثي قيمتهم للورثة فخالفوا السنة أيضا برأيهم وسنذكر هذا الحديث وما للعلماء في معناه من الأقوال[ أ ] في باب يحيى بن سعيد إن شاء الله قال أبو عمر[ ب ] ومن[ ج ] ملك شقصا ممن يعتق عليه

(14/285)


بأي وجه ملكه سوى الميراث فإنه يعتق عليه جميعه إن كان موسرا بعد تقويم حصة من شركه فيه ويكون الولاء له[ أ ] وهذا قول جمهور الفقهاء فإن ملكه بميراث فقد اختلفوا في عتق نصيب شريكه عليه وفي السعاية على حسبه ما قدمنا من أصولهم وفي تضمين رسول الله صلى الله عليه وسلم المعتق لنصيبه من عبد بينه وبين غيره قيمة باقي العبد دون أن يلزمه الإتيان بنصف[ ب ] عبد مثله دليل على أن من استهلك أو أفسد شيئا من الحيوان أو العروض التي لا تكال ولا توزن فإنما عليه قيمة ما استهلك من ذلك لا مثله وهذا موضع اختلف فيه العلماء فذهب مالك وأصحابه إلى أن من أفسد شيئا من العروض التي لا تكال ولا توزن أو شيئا من الحيوان فإنما عليه القيمة لا المثل بدليل هذا الحديث قال مالك والقيمة أعدل في ذلك وذهب جماعة من العلماء منهم الشافعي وداود إلى أن القيمة لا يقضى بها إلا عند عدم المثل وحجتهم في ذلك ظاهر قول الله عز وجل: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ} ولم يقل بقيمة ما عوقبتم به وهذا عندهم على عمومه في الأشياء كلها على ما يحتمله ظاهر الآية واحتجوا أيضا من الآثار بما حدثناه عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد

(14/286)


ابن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا مسدد قال حدثنا يحيى قال أبو داود[ أ ] وحدثنا محمد بن المثنى قال حدثنا خالد جيمعا عن حميد عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان عند بعض نسائه فأرسلت إحدى أمهات المؤمنين جارية بقصعة لها فيها طعام قال فضربت بيدها فكسرت القصعة قال ابن المثنى في حديثه فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم الكسرتين فضم إحداهما إلى الأخرى وجعل يجمع فيهما الطعام ويقول: "غارت أمكم كلوا[ ب ] فأكلوا حتى جاءت قصعتها[ ج ] التي في بيتها" ثم رجع إلى حديث مسدد وقال كلوا وحبس الرسول القصعة حتى فرغوا فدفع القصعة الصحيحة إلى الرسول وحبس المكسورة في بيته قال أبو داود وحدثنا مسدد قال حدثنا يحيى عن سفيان قال حدثني فليت العامري قال أبو داود وهو[ د ] أفلت بن[ ه ] خليفة عن جسرة بنت

(14/287)


دجاجة قالت قالت عائشة ما رأيت صانعا طعاما مثل صفية صنعت لرسول الله صلى الله عليه وسلم طعاما فبعثت به فأخذني أفكل فكسرت الإناء فقلت يا رسول الله ما كفارة ما صنعت قال إناء مثل إناء وطعام مثل طعام.
قال أبو عمر قوله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث "طعام مثل طعام" مجتمع على استعماله والقول به[ أ ] في كل مطعوم مأكول أو موزون مأكول أو مشروب إنه يجب على مستهلكه مثله لا قيمته على ما ذكرناه في باب زيد بن أسلم عند ذكر حديث أبي رافع فاعلم ذلك.
وقال أبو عمر المثل لا يوصل إليه إلا بالاجتهاد كما أن القيمة تدرك بالاجتهاد وقد أجمعوا على المثل في المكيلات والموزونات متى وجد المثل واختلفوا في العروض وأصح حديث في ذلك حديث نافع عن ابن عمر فيمن أعتق شقصا له في عبد أنه يقوم عليه دون أن يكلف الإيتان بمثله وقيمة العدل في الحقيقة مثل وقد قال العراقيون في قول الله عز وجل: {فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} أن القيمة مثل في هذا الموضع وأبى ذلك أهل الحجاز وللكلام في ذلك موضع غير هذا

(14/288)


واختلف الذين لم يقولوا بالسعاية في توريث المعتق بعضه إن مات له ولد وتوريثه منه فروي عن علي رضي الله عنه قال يرث ويورث بقدر ما أعتق منه وعن ابن مسعود مثله وبه قال عثمان البتي والمزني وقال الشافعي في الحديث يورث منه بقدر حريته ولا يرث هو وروي عن زيد بن ثابت أنه قال لا يرث ولا يورث وهو قول مالك والشافعي في العراقي وقال ابن سريج فإذا لم يورث احتمل أن يجعل ماله في بيت المال وجعله مالك والشافعي في القديم لمالك باقيه وقال أهل النظر من أصحاب الشافعي وغيرهم هذا غلط لأنه ليس لمالك باقيه على ما عتق منه ولاء ولا رحم ولا ملك وهذا صحيح وبالله التوفيق.

(14/289)


حديث ثامن وثلاثون لنافع عن ابن عمر
مالك عن نافع عن عبد الله[ أ ] بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته عنده مكتوبة".
لا خلاف عن مالك في لفظ هذا الحديث ولا في إسناده وكذلك رواه أيوب وعبيد الله بن عمر وهشام بن الغازي وغيرهم عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله سواء لم يختلفوا في إسناده [ ب ] وكذلك رواه الزهري عن سالم عن ابن عمر مثله عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا أن في حديث الزهري يبيت ثلاثا إلا وصيته[ ج ]

(14/290)


مكتوبة عنده قال ابن عمر فما بت ليلة مذ سمعتها إلا ووصيتي عندي وقال فيه ابن عيينة عن أيوب عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم: "ما حق امرئ يؤمن بالوصية" وفسره فقال يؤمن بأنها حق وقال فيه سليمان بن موسى عن نافع إنه يحدثه عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا ينبغي لأحد عنده مال يوصي فيه أن يأتي عليه ليلتان أو لا عنده وصيته".
وكذلك قال فيه عبد الله بن نمير عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما حق امرئ يبيت وعنده مال يوصي فيه إلا ووصيته مكتوبة عنده" وقد مضى في باب ثور بن زيد تفسير المال وقول من قال مال أولى عندي من قول من قال شيء لأن الشيء قليل المال وكثيره.
وقد أجمع العلماء على أن من لم يكن عنده إلا اليسير التافه من المال أنه لا يندب إلى الوصية وقال ابن عون عن نافع عن ابن عمر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يحل لامرئ مسلم له مال يوصي فيه" الحديث هكذا قال لا يحل ولم يتابع على هذه اللفظة والله أعلم.

(14/291)


ففي هذا الحديث الحض على الوصية والتأكيد على في ذلك وهذا على الندب لا على الإيجاب عند الجميع لا يختلفون في ذلك وقد أجمع العلماء على أن الوصية غير واجبة على أحد إلا أن يكون عليه دين أو تكون عنده وديعة أو أمانة فيوصي بذلك وفي إجماعهم على هذا بيان لمعنى الكتاب والسنة في الوصية وقد شذت طائفة فأوجبت الوصية لا يعدون خلافا على الجمهور واحتجوا بظاهر القرآن وقالوا المعروف واجب كما يجب ترك المنكر قالوا وواجب على الناس كلهم أن يكونوا من المتقين.
قال أبو عمر ليس في كتاب الله ذكر الوصية إلا في قوله عز وجل :{كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ} وهذه الآية نزلت قبل نزول الفرائض والمواريث فلما أنزل الله حكم الوالدين وسائر الوارثين في القرآن نسخ ما كان لهم من الوصية وجعل لهم مواريث معلومة على حسبما أحكم من ذلك تبارك وتعالى وقد روي عن ابن عباس وسعيد بن جبير والحسن أن آية المواريث نسخت الوصية للوالدين والأقربين [ أ ]

(14/292)


الوارثين وهو مذهب الشافعي وأكثر المالكيين وجماعة من أهل العلم وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا وصية لوارث" وهذا بيان منه صلى الله عليه وسلم أن آية المواريث نسخت الوصية للوارثين وأما من أجاز نسخ القرآن بالسنة من العلماء فإنهم قالوا هذا الحديث نسخ الوصية للورثة وللكلام في نسخ القرآن بالسنة موضع غير هذا ومما يدل على أن الحديث في الحض على الوصية ندب لا إيجاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يوص مع ما ذكرنا من إجماع الذين لا يجوز عليهم السهو والغلط ولا الجهل بمعنى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم حدثنا سعيد بن نصر وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن وضاح قال حدثنا أبو بكر بن ابي شيبة قال حدثنا وكيع وأخبرنا أحمد بن محمد وأحمد بن سعيد قالا حدثنا وهب بن مسرة ومحمد بن أبي دليم قالا حدثنا محمد بن وضاح قال حدثنا مصعب بن سعيد قال حدثنا ابن المبارك جميعا عن مالك بن مغول عن طلحة بن مصرف قال قلت لابن أبي أوفى أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء قالا لا قلت فكيف[ أ ] أمر الناس بالوصية فقال أوصى بكتاب

(14/293)


الله واستدل بعض العلماء بقوله عز وجل: في آية الوصية {حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ} على أنها ليست بواجبة وجعلها مثل قوله: {مَتَاعاً بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُحْسِنِينَ} قال والمعروف هو التطوع بالإحسان والمتقون وغيرهم في الواجب سواء وروى الثوري عن جابر عن الشعبي قال الوصية ليست بواجبة من شاء أوصى ومن شاء لم يوص وعن إبراهيم والربيع بن خيثم مثله وعليه الناس وهو قول الجمهور من العلماء وأخبرنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا مسدد ومحمد بن العلاء وحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن عبد السلام قال حدثنا محمد بن المثنى قالوا حدثنا أبو معاوية قال حدثنا الأعمش عن شقيق بن أبي وائل عن مسروق عن عائشة قالت ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم دينارا ولا درهما ولا شاة ولا بعيرا ولا أوصى بشيء.
قال أبو عمر أما تركه صلى الله عليه وسلم الوصية وندبه أمته إليها فإنه صلى الله عليه وسلم ليس كأحد من أمته في هذا لأن ما تخلفه هو فصدقة قال صلى الله عليه وسلم: "إنا لا نورث

(14/294)


ما تركنا فهو صدقة" وإذا كان ما تخلفه صدقة فكيف يوصي مه بثلث أو كيف يشبه في ذلك بغيره وغيره لا تجوز له الوصية إلا بالثلث خاصة وما تخلفه هو صلى الله عليه وسلم بعده فصدقة كله على ما قال صلى الله عليه وسلم ووجه آخر وهو قول الله عز وجل :{كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ} والخير ههنا المال لا خلاف بين أهل العلم في ذلك ومثل قوله عز وجل :{إِنْ تَرَكَ خَيْراً} قوله: {وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ} وقوله :{إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ} وقوله: {فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً} [ أ ] الخير[ ب ] في هذه الآيات كلها المال وكذلك قوله عز وجل حاكيا عن شعيب صلى الله عليه وسلم: {إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ} يعني الغنى[ ج ] ورسول الله صلى الله عليه وسلم لم يترك دينارا ولا درهما ولا بعيرا ولا شاة وقال: "ما تركت بعدي صدقة" وقال: "إنا معشر الأنبياء لا نورث ما تركنا فهو صدقة".

(14/295)


وقد مضى تفسير ذلك في باب ابن شهاب عن عروة من كتابنا هذا والحمد لله.
واختلف السلف في مقدار المال الذي تستحب فيه الوصية أو تجب عند من أوجبها فروي عن علي رضي الله عنه أنه قال ستمائة درهم أو سبع مائة درهم ليس بمال فيه وصية وروي عنه أنه قال ألف درهم مال فيه وصية وهذا يحتمل لمن شاء وقال ابن عباس لا وصية في ثمانمائة درهم وقالت عائشة رضي الله عنها في امرأة لها أربعة من الولد ولها ثلاثة آلاف درهم لا وصية في مالها وقال إبراهيم النخعي ألف درهم من خمسمائة درهم وقال قتادة في قوله عز وجل :{إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ} قال الخير ألف فما فوقها وعن علي بن أبي طالب قال[ أ ] من ترك مالا يسيرا فليدعه لورثته فهو أفضل وعن عائشة فيمن ترك ثمانمائة درهم لم يترك خيرا فلا يوصي أو نحو هذا من القول وهذا كله يدلك على أن الأمر بالوصية في الكتاب والسنة على الندب لا على الإيجاب ولو كانت الوصية واجبة في الكتاب للوالدين والأقربين كانت منسوخة بآية المواريث ثم ندب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الوصية لغير الوالدين وحض عليها وقال لا وصية لوارث فاستقام الأمر وبان والله المستعان فالوصية مندوب إليها مرغوب فيها غير واجب شيء منها.

(14/296)


واتفق فقهاء الأمصار على أن الوصية جائزة في كل مال قل أو كثر وقد مضى القول في الوصية بالثلث وأنه لا يتعدى ولا يتجاوز في الوصية وما استحب من ذلك وتلخيص وجوه القول فيه مستوعبا في باب ابن شهاب[ أ ] عن عامر بن سعد بن أبي وقاص من كتابنا هذا فلا وجه لإعادته ههنا قرأت على عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن أن محمد بن بكر حدثهم قال حدثنا أبو داود قال حدثنا أحمد بن محمد المروزي قال حدثنا علي بن حسين بن واقد عن أبيه عن يزيد النحوي عن عكرمة عن ابن عباس {إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ} فكانت الوصية كذلك حتى نسختها آية الميراث وقرأت على أحمد بن قاسم وعبد الوارث بن سفيان أن قاسم بن أصبغ حدثهم قال حدثنا محمد بن إسماعيل قال حدثنا عبد الله بن صالح قال حدثني معاوية بن أبي صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال وقوله: {إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ} فكان[ ب ] لا يرث مع الوالدين غيرهم إلا وصية إن كان للأقربين فأنزل

(14/297)


الله بعد هذا {وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ} {إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ} فبين سبحانه ميراث الوالدين وأقر وصية الأقربين في ثلث مال الميت. قال أبو عمر مذهب مالك وسائر الفقهاء أن الوصية نسخت الوارثين خاصة الوالدين منهم والأقربين وبقي منها ما كان لغير الوارثين والدين كانوا أو أقربين حدثنا عبد الوارث بن سفيان وسعيد بن نصر قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وحدثنا محمد بن خليفة قال حدثنا محمد بن الحسين قال حدثنا جعفر بن محمد الفريابي[ أ ] قال حدثنا سليمان بن عبد الرحمان الدمشقي وحدثنا محمد بن عبد الله بن حكم قال حدثنا محمد بن معاوية قال حدثنا إسحق بن أبي حسان قال حدثنا هشام بن عمار وحدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا عبد الوهاب بن نجدة قالوا كلهم حدثنا إسماعيل بن عباس عن شرحبيل بن مسلم سمعه يقول سمعت أبا أمامة الباهلي يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم

(14/298)


يقول في خطبته عام حجة الوداع "إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث" اللفظ بحديث ابن أبي شيبة.
وأخبرنا محمد بن عبد الملك قال حدثنا أحمد بن محمد بن زياد بن الأعرابي أبو سعيد قال حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح الزعفراني قال حدثنا يزيد بن هارون وحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن الجهم والحرث بن أبي أسامة قالا حدثنا عبد الوهاب قال[ أ ] أخبرنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن شهر بن حوشب عن عبد الرحمان بن غنم عن عمرو بن خارجة أن النبي صلى الله عليه وسلم خطبهم وهو على راحلته فقال: "إن الله قد قسم لكل وارث نصيبه من الميراث فلا تجوز وصية لوارث".
وأخبرنا محمد بن خليفة قال حدثنا محمد بن الحسن قال حدثنا إبراهيم بن الهيثم الناقد قال حدثنا أبو معمر القطيعي قال حدثنا حجاج عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا وصية لوارث إلا أن يجيزها الورثة"

(14/299)


قال أبو عمر هذا إجماع من علماء المسلمين فارتفع فيه القول ووجب التسليم[ أ ] ولا[ ب ] خلاف بين العلماء أن الوصية للأقارب أفضل من الوصية لغيرهم إذا لم يكونوا ورثة وكانوا في حاجة وكذلك لا خلاف علمته بين العلماء في جواز وصية المسلم لقرابته الكفار لأنهم لا يرثونه وقد أوصت صفية بنت حيي لأخ لها يهودي واختلفوا فيمن أوصى لغير قرابته وترك قرابته الذين لا يرثون فروي عن عمر أنه أوصى لأمهات أولاده لكل واحدة بأربعة آلاف وروي عن عائشة أنها أوصت لمولاة لها بأثاث البيت وروي عن سالم مثل ذلك قال الضحاك إن أوصى لغير قرابته فقد ختم عمله بمعصية وقال طاوس من أوصى فسمى غير قرابته وترك قرابته محتاجين ردت وصيته على قرابته ذكره عبد الرزاق عن معمر عن ابن طاوس عن أبيه وهو مشهور عن طاوس وروي عن الحسن البصري مثله وقال الحسن أيضا وجابر بن زيد وسعيد بن المسيب إذا أوصى لغير قرابته وترك قرابته[ ج ] فإنه يرد إلى قرابته ثلثي الثلث ويمضي ثلثه لمن أوصى له[ د ] أخبرنا محمد

(14/300)


ابن خليفة قال حدثنا محمد بن الحسين حدثنا أبو بكر بن أبي داود حدثنا المثنى بن أحمد حدثنا عاصم بن علي حدثنا أبو هلال حدثنا قتادة عن الحسن وسعيد بن المسيب وجابر بن زيد فذكره [ أ ] وبه قال إسحاق بن راهويه ذكره إسحاق الكوسج عنه حدثناه أحمد بن محمد بن أحمد وعبيد بن محمد قالا حدثنا الحسن بن سلمة قال حدثنا عبد الله بن الجارود قال حدثنا إسحاق بن منصور عن إسحق فذكره.
وقال مالك وسفيان الثوري والأوزاعي وأبو حنيفة والشافعي وأصحابهم إذا أوصى لغير قرابته وترك قرابته محتاجين أو غير محتاجين جاز ما صنع وبئسما فعل إذا ترك قرابته محتاجين وأوصى لغيرهم وبه قال أحمد بن حنبل وهو قول عمر وعائشة وابن عباس وعطاء ومجاهد وقتادة وسعيد بن جبير وجمهور أهل العلم واحتج الشافعي وغيره في جواز الوصية لغير الأقارب بحديث عمران بن حصين في الذي أعتق ستة أعبد له عند موته في مرضه لا مال له غيرهم فأقرع رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهم فأعتق اثنين وأرق أربعة فهذه وصية لهم في ثلثه لأن أفعال المريض كلها وصية في ثلثه وهم لا محالة من غير قرابته وحسبك بجماعة أهل الفقه والحديث

(14/301)


يجيزون الوصية لغير القرابة وفي ذلك ما يبين لك المراد من معاني الكتاب وبالله العصمة والتوفيق. ذكر[ أ ] حماد بن سلمة عن قتادة عن الزهري عن سالم عن ابن عمر في رجل أوصى بثلثه في غير قرابته قال يمضى حين أوصى وذكر حماد بن سلمة أيضا عن حميد الطويل أن ثمامة بن عبد الله كتب إلى جابر يسأله عن رجل أوصى بثلثه في غير قرابته فكتب جابر أن أمضه كما قال وإن أمر بثلثه أن يلقى في البحر قال حميد وقال محمد بن سيرين أما في البحر فلا ولكن يمضي كما قال وذكر وكيع عن إسرائيل عن جابر عن عامر قال للرجل ثلثه عند موته يطرحه في البحر إن شاء ووكيع عن طلحة بن عمرو الحضرمي عن عطاء بن أبي رباح عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله تصدق عليكم بثلث أموالكم عند وفاتكم زيادة لكم في أعمالكم" والمبارك بن حسان عن نافع عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله عز وجل يقول ابن آدم اثنتان لم يكن لك واحدة منهما جعلت لك نصيبا من[ ب ] مالك حين أخذت بكظمك لأطهرك وأزكيك وصلاة عبادي عليك".

(14/302)


ودرست بن زياد عن يزيد الرقاشي عن أنس بن مالك قال كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا يا رسول الله مات فلان قال: "أو ليس كان عندنا آنفا" قالوا بلى قال: "سبحان الله أخذه أسف على غضب المحروم من حرم وصيته" وثور بن يزيد عن خالد بن معدان قال قال أبو بكر الصديق إن الله تصدق علينا بثلث أموالنا زيادة في أعمالنا.
قال أبو عمر تركت الأسانيد بيني وبين رواة هذه الأحاديث وهي أحاديث حسان وليست فيها حجة من جهة الإسناد لأن في نقلتها ضعفا واضح منها ما حدثناه عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود.
وحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا بكر بن حماد قال[ أ ] حدثنا مسدد قال حدثنا عبد الواحد بن زياد قال حدثنا عمارة بن القعقاع عن أبي زرعة عمرو بن جرير عن أبي هريرة قال قال رجل يا رسول الله أي الصدقة أفضل قال أن تصدق وأنت صحيح حريص تأمل البقاء وتخشى الفقر ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت لفلان كذا ولفلان كذا زاد عبد الوارث وقد كان لفلان.

(14/303)


وحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا مسلم بن إبراهيم قال حدثنا هشام قال حدثنا قتادة عن مطرف عن أبيه قال أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ ألهاكم التكاثر فقال يقول ابن آدم مالي مالي وما لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت أو تصدقت فأمضيت ورواه شعبة وسعيد بن أبي عروة عن قتادة عن مطرف بن عبد الله عن أبيه عن النبي عليه السلام مثله سواء.
وأخبرنا عبد الله بن محمد قال [ أ ] حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا أحمد بن صالح قال حدثنا ابن أبي فديك قال أخبرني ابن أبي ذئب عن شرحبيل بن سعد عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لأن يتصدق المرء في حياته بدرهم خير من أن يتصدق بمائة عند موته" وروى موسى بن عقبة وشعبة والثوري عن أبي إسحاق عن أبي حبيبة الطائي قال سمعت أبا الدرداء يقول:

(14/304)


سمعت رسول الله يقول: "مثل الذي يعتق عند الموت مثل الذي يهدي إذا شبع" ورواه أبو الأحوص وجماعة عن أبي إسحاق بإسناده مثله ومن حديث أبي سفيان عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله وذكر وكيع عن الثوري والأعمش عن زيد عن مرة عن عبد الله بن مسعود في قوله :{وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ} قال أن تؤتيه وأنت صحيح شحيح تأمل العيش وتخشى الفقر وذكر حماد بن سلمة قال حدثنا داود بن أبي هند عن الشعبي قال من أوصى بوصية فلم يضار فيها ولم يجنف كانت بمنزلة مما لو تصدق بها وهو صحيح حدثنا محمد بن خليفة قال حدثنا محمد بن الحسين قال حدثنا إبراهيم بن موسى قال حدثنا يوسف بن موسى حدثنا أبو معاوية حدثنا داود بن أبي هند عن عكرمة عن ابن عباس قال الإضرار في الوصية من الكبار ثم قرأ { غير مضار وصية من الله} إلى قوله: {وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} قال في الوصية {َمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَه}ُ قال في الوصية حدثنا عبد الله بن محمد حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود حدثنا عبدة بن عبد الله حدثنا عبد الصمد بن عبد

(14/305)


الوارث قال نصر بن علي الحداني[ أ ] قال حدثنا الأشعث بن جابر الحداني قال حدثنا شهر بن حوشب أن أبا هريرة حدثه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن الرجل ليعمل أو المرأة بطاعة الله ستين أو سبعين سنة ثم يحضرهما الموت فيضاران[ ب ] في الوصية فتجب لهما النار" وقرأ أبو هريرة {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ} وفي رواية معمر أن الرجل ليعمل بعمل أهل الشر سبعين سنة ثم يعدل في وصيته فيختم له بخير عمله فيدخل الجنة ولم يقل معمر ابن جابر الحداني[ ج ] وروى الثوري ومعمر عن ابن طاوس عن أبيه قال الجنف أن يوصي لابن ابنته وهو يريد ابنته ويقول طاوس إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا وصية لوارث" وروي عن ابن عباس في تفسير الجنف مثل قول طاوس فقال الحسن هو أن يوصي للأجانب ويترك الأقارب وأصل الجنف في اللغة الميل ومعناه في الشريعة الإثم.

(14/306)


قال أبو عمر جمهور العلماء على أن الوصية لا تجوز لوارث على حال من الأحوال إلا أن يجيزها الورثة بعد موت الموصي فإن أجازها الورثة بعد الموت فجمهور العلماء على جوازها وممن قال ذلك مالك وسفيان والأوزاعي وأبو حنيفة والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وقال ابن خواز بنداد اختلف أصحابنا في الوصية للوارث فقال بعضهم هي وصية صحيحة وللوارث الخيار في إجازتها أو ردها فإن أجازوا فإنما هو تنفيذ لما أوصى به الميت وقال بعضهم ليست وصية صحيحة فإن أجازوا فهي عطية منهم مبتدأة وقال المزني وداود وأهل الظاهر لا تجوز وإن أجازها الورثة وحسبهم أن يعطوه من أموالهم[ أ ] ما شاءوا وحجتهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا وصية لوارث" ولم يقل إلا أن يجيزها الورثة وسائر العلماء من التابعين ومن بعدهم من الخالفين يجيزونها لأنهم يرونها عطية من الورثة بعضهم لبعض فلذلك[ ب ] اعتبروا فيها الجواز بعد موت الموصي لأنه حينئذ يصح ملكهم وتصح عطيتهم.
واختلف الفقهاء في إجازة الورثة الوصية في حياة الموصي إذا أوصى لورثته أو بأكثر من ثلثه واستأذنهم في ذلك وهو مريض فقال مالك إذا كان مريضا واستأذن ورثته في أن

(14/307)


يوصي لوارث أو يوصي بأكثر من ثلثه فأذنوا له وهو مريض محجور[ أ ] عن أكثر من ثلثه لزمهم ما أجازوا من ذلك وقال الثوري وأبو حنيفة والشافعي وأصحابهم وأحمد وأكثر أهل العلم لا يلزمهم حتى يجيزوا بعد موته وسواء أجازوا ذلك في مرضه أو صحته إذا كان ذلك في حياته وأجمعوا أنهم لو أجازوا ذلك وهو صحيح لم يلزمهم وأجمعوا أنهم إذا أجازوا ما أوصى به موروثهم لوارث منهم أو أجازوا وصيته بأكثر من الثلث بعد موته لزمهم ذلك ولم يكن لهم أن يرجعوا في شيء منه قبض أو لم يقبض وإن هذا[ ب ] لا يحتاج فيه إلى قبض عند جميعهم فهذه أصول مسائل الوصايا وأما الفروع فتتسع جدا والحمد لله على كل حال.
وأما قوله عز وجل: {فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ} الآية فمعناه عند جماعة العلماء تبديل ما أوصى به المتوفى إذا كان ذلك مما يجوز إمضاؤه فإن أوصى بما لا يجوز مثل أن يوصى بخمر أو خنزير أو بشيء من المعاصي فهذا يجوز تبديله ولا يجوز إمضاؤه كما لا يجوز إمضاء ما زاد على الثلث أو لوارث؛

(14/308)


حدثنا أحمد بن سعيد بن بشر[ أ ] قال حدثنا محمد بن أبي دليم قال حدثنا ابن وضاح قال حدثنا يعقوب بن كعب قال حدثنا الوليد بن مسلم عن[ ب ] ابن ثوبان عن أبيه عن مكحول قال كان في وصية أبي الدرداء بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما أوصى به أبو الدرداء أنه يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله وأن الجنة حق وأن النار حق وأن الله يبعث من في القبور وأنه يؤمن بالله ويكفر بالطاغوت على ذلك يحيا ويموت إن شاء الله وأوصى فيما رزقه الله بكذا وكذا وأن هذه وصيته إن لم يغيرها قبل الموت.
أخبرنا عبد الله بن أحمد حدثنا أحمد بن جعفر بن حمدان حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثنا أبي حدثنا هشيم عن مجالد عن الشعبي قال كتب عمر في وصيته لا يقر عامل أكثر من سنة إلا الأشعري يعني أبا موسى فأقروه أربع سنين.
قال أبو عمر لا يختلف العلماء أن للإنسان أن يغر وصيته ويرجع فيما شاء منها إلا أنهم اختلفوا من ذلك في المدبر فقال مالك رحمه الله الأمر المجتمع عليه عندنا أن للإنسان أن يغير من وصيته ما شاء من عتاقة وغيرها إلا التدبير وله أن

(14/309)


ينقض وصيته كلها ويبدلها بغيرها ويصنع من ذلك ما شاء إلا التدبير فإنه لا يتصرف فيه قال أبو الفرج المدبر في العتاقة كالمعتق إلى شهر لأنه أجل آت لا محالة وقد أجمعوا أنه لا يرجع في اليمين بالعتق والعتق إلى أجل فكذلك المدبر وقال الثوري وسائر الكوفيين إذا قال الرجل إن مت ففلان حر فليس له أن يرجع وإن قال أن[ أ ] مت من مرضي هذا ففلان حر فإن شاء أن يبيعه باعه[ ب ] فإن لم يبعه فمات عتق فإن صح فلا شيء له.
قال أبو عمر وإن قال الرجل لعبده فلان حر بعد موتي وأراد الوصية فله الرجوع عند مالك في ذلك وإن قال فلان مدبر بعد موتي لم يكن له الرجوع فيه وإن أراد التدبير بقوله الأول لم يرجع أيضا عند أكثر أصحاب مالك واختلف ابن القاسم وأشهب فيمن قال عبدي حر بعد موتي ولم يرد الوصية ولا التدبير فقال ابن القاسم هو وصية وقال أشهب هو مدبر إن لم يرد الوصية وأما الشافعي وأحمد وإسحق وأبو ثور فكل هذا عندهم وصية والمدبر عندهم وصية يرجع فيها والمدبر وغير المدبر من سائر ما ينفذ بعد الموت في الثلث

(14/310)


من الوصايا عندهم سواء يرجع صاحبه في ذلك كله وفيما شاء منه إلا أن الشافعي قال لا يكون الرجوع في المدبر إلا بأن يخرجه من ملكه ببيع أو هبة وليس قوله قد رجعت رجوعا وإن لم يخرج المدبر من ملكه حتى يموت فإنه يعتق بموته وقال في القديم يرجع في المدبر بما يرجع في الوصية وأجازه المزني [ أ ] قياسا على إجماعهم على الرجوع فيمن أوصى بعتقه وقال أبو ثور إذا قال قد رجعت في مدبري فلان فقد بطل التدبير فإن مات لم يعتق وحجة الشافعي ومن قال بقوله في أن المدبر وصية إجماعهم على أنه في الثلث كسائر الوصايا وفي إجازتهم وطء المدبرة ما ينقض قياسهم على المعتق إلى أجل وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم باع مدبرا وأن عائشة دبرت جارية لها ثم باعتها وهو قول جابر وابن المنكدر ومجاهد وجماعة من التابعين.

(14/311)


حديث تاسع وثلاثون لنافع عن ابن عمر
مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فرض زكاة الفطر من رمضان صاعا من تمر أو صاعا من شعير على كل حر أو عبد ذكر أو أنثى من المسلمين.
لم يختلف عن مالك في إسناد هذا الحديث ولا في متنه ولا في قوله فيه من المسلمين إلا قتيبة بن سعيد وحده فإنه روى هذا الحديث عن مالك ولم يقل فيه من المسلمين وسائر الرواة عن مالك قالوا عنه فيه من المسلمين وكذلك هو في الموطأ عند جميعهم فيما علمت وقد زعم بعض الناس أنه لا يقول فيه أحد من المسلمين غير مالك وذكره أيضا أحمد بن خالد عن ابن وضاح وليس كما ظن الظان وقد قاله غير مالك جماعة ولو انفرد به مالك لكان حجة يوجب حكما عند أهل العلم فكيف ولم ينفرد به وقد رواه إسماعيل بن جعفر عن عمر بن نافع عن أبيه عن ابن عمر.

(14/312)


ورواه سعيد بن عبد الرحمان الجمحي عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر ورواه كثير بن فرقد عن نافع عن ابن عمر ويونس بن يزيد عن نافع عن ابن عمر كلهم قالوا فيه من المسلمين وذكر أحمد بن خالد أن بعض أصحابه حدثه عن يوسف بن يعقوب القاضي عن سليمان بن حرب عن حماد بن زيد عن ايوب عن نافع عن ابن عمر عن النبي عليه السلام[ أ ] بهذا الحديث وقال فيه من المسلمين.
قال أبو عمر هذا عند أهل العلم بالحديث خطأ على أيوب لا شك فيه والمحفوظ عن أيوب فيه من رواية حماد بن زيد وإسماعيل بن علية وحماد بن سلمة وسلام بن أبي[ ب ] مطيع وعبد الله بن شوذب وعبد الوارث بن سعيد وسفيان بن عيينة كلهم رواه عن أيوب لم يقل فيه من المسلمين عنه واحد منهم وأحمد بن خالد ثقة مأمون رضي وإنما جاء هذا من بعض أصحابه الذي حدثه والله أعلم.

(14/313)


وأما عبيد الله بن عمر فلم يقل فيه من المسلمين عنه أحد فيما علمت أيضا غير سعيد بن عبد الرحمان الجمحي ورواه عن عبيد الله بن عمر يحيى بن سعيد القطان وبشر بن المفضل وعيسى بن يونس وأبو اسامة ومحمد بن عبيد الطنافسي لم يقل واحد منهم فيه عنه من المسلمين ورواه ابن جريج وابن أبي ليلى وابن أبي رواد وغيرهم أيضا[ ج ] عن نافع فلم يقولوا فيه من المسلمين. فأما حديث أيوب فحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا بكر بن حماد قال حدثنا مسدد قال حدثنا حماد يعني ابن زيد عن أيوب عن نافع عن ابن عمر قال فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقة رمضان على الذكر والأنثى والحر والمملوك صاعا من تمر أو صاعا من شعير قال عبد الله فعدل الناس نصف صاع من بر بصاع من تمر قال وكان عبد الله يعطي التمر فأعوز أهل المدينة التمر عاما فأعطى الشعير وأخبرنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا مسدد وسليمان بن داود العتكي قالا حدثنا حماد عن أيوب،

(14/314)


عن نافع عن ابن عمر قال فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر مثله حرفا بحرف إلى آخره ليس فيه من المسلمين.
وحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن وضاح قال حدثنا حامد بن يحيى قال حدثنا سفيان عن أيوب عن نافع عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "صدقة الفطر صاع من تمر أو صاع من شعير" قال ابن عمر فلما كان معاوية عدل الناس نصف صاع بر بصاع شعير قال نافع فكان عبد الله بن عمر يخرج زكاة الفطر عن الصغير من أهله والكبير والحر والعبد.
قال أبو عمر هكذا قال ابن عيينة عن أيوب في الحديث قال ابن عمر فلما كان معاوية وقال ابن أبي رواد فيه عن نافع فلما كان عمر ويأتي ذلك في هذا الباب إن شاء الله وأخبرنا محمد بن إبراهيم قال حدثنا محمد بن معاوية قال حدثنا أحمد بن شعيب قال أخبرنا[ أ ] عمران بن موسى عن عبد الوارث قال حدثنا أيوب عن نافع عن ابن عمر قال فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة رمضان على الحر والعبد والذكر والأنثى صاعا من تمر أو صاعا من شعير فعدل الناس

(14/315)


به نصف صاع من بر وكل من رواه عن أيوب لم يقل فيه من المسلمين إلا ما ذكره أحمد بن خالد فالله أعلم ممن جاء الوهم في ذلك.
وأما حديث عبيد الله بن عمر فحدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود وحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا بكر بن حماد قالا حدثنا مسدد قال حدثنا يحيى بن سعيد وبشر بن المفضل قالا حدثنا عبيد الله بن عمر قال حدثني نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه فرض صدقة الفطر صاعا من شعير أو تمر على الصغير والكبير والحر والمملوك زاد بشر والذكر والأنثى.
قال ابو داود وهو صحيح في حديث أيوب وعبيد الله الذكر والأنثى قال أبو عمر قد سقط لقوم عن أيوب ولقوم عن عبيد الله في هذا الحديث الذكر والأنثى ولكن من حفظ حجة على من لم يحفظ أخبرنا عبد الله بن محمد بن أسد قال حدثنا حمزة بن محمد بن علي قال حدثنا أحمد بن شعيب قال أخبرنا إسحق بن إبراهيم قال أخبرنا عيسى بن يونس قال

(14/316)


حدثنا عبيد الله عن نافع عن ابن عمر قال فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقة الفطر على الصغير والكبير والذكر والأنثى والحر والعبد صاعا من تمر أو صاعا من شعير أخبرنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا إبراهيم بن أبي العنبس قال حدثنا محمد بن عبيد عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فرض زكاة الفطر صاعا من تمر أو صاعا من شعير على كل حر أو عبد صغير أو كبير.
وأخبرنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا الهيثم بن خالد الجهني قال حدثنا حسين بن علي الجعفي عن زائدة قال حدثنا عبد العزيز بن أبي رواد عن نافع عن عبد الله بن عمر قال كان الناس يخرجون صدقة الفطر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم صاعا من شعير أو تمر أو سلت أو زبيب قال عبد الله فلما كان عمر وكثرت الحنطة جعل عمر نصف صاع حنطة مكان صاع من تلك الأشياء.
قال أبو عمر لم يقل أحد من أصحاب نافع عنه في هذا الحديث فيما علمت أو سلت أو زبيب إلا عبد العزيز بن أبي رواد وقال فيه فلما كان عمر وكثرت الحنطة جعل

(14/317)


نصف صاع مكان تلك الأشياء وابن عيينة يقول فيه فلما كان معاوية وقول ابن عيينة عندي أولى والله أعلم لأنه أحفظ وأثبت من ابن أبي رواد.
وأما من ذكر في هذا الحديث من المسلمين كما قال مالك فحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن وضاح قال حدثنا يحيى بن أيوب البغدادي قال حدثنا سعيد بن عبد الرحمان الجمحي عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر من رمضان صاعا من تمر أو صاعا من شعير على كل حر أو عبد ذكر أو أنثى من المسلمين.
وحدثنا محمد بن إبراهيم قال حدثنا محمد بن معاوية.
قال حدثنا أحمد بن شعيب وحدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قالا[ أ ] أخبرنا يحيى بن محمد بن السكن قال حدثنا محمد بن جهضم قال حدثنا إسماعيل بن جعفر عن عمر بن [ ب ] نافع عن أبيه عن عبد الله بن عمر قال فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر صاعا من تمر أو صاعا من شعير على الحر والعبد والذكر والأنثى والصغير

(14/318)


والكبير من المسلمين فأمر بها أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة قال أبو داود رواه عبد الله العمري عن نافع فقال فيه على كل مسلم ورواه سعيد بن عبد الرحمن الجمحي عن عبيد الله عن نافع فقال فيه من المسلمين.
قال والمشهور عن عبيد الله ليس فيه من المسلمين وأخبرنا أحمد بن عبد الله بن محمد قال حدثنا الميمون بن حمزة قال حدثنا أبو جعفر الطحاوي أحمد بن محمد بن سلمة بن سلامة الأزدي قال حدثنا فهد بن سليمان وطاهر بن عمرو بن الربيع بن طارق الهلالي قالا [ أ ] حدثنا عمرو بن الربيع بن طارق قال أخبرني يحيى بن أيوب عن يونس بن يزيد عن نافع عن ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل حديث مالك سواء.
وأخبرنا عبد الله بن محمد بن يوسف قال حدثنا أحمد بن عبد الله بن عبد الرحيم وعبد الله بن محمد بن علي ومحمد بن يحيى بن عبد العزيز ومحمد بن محمد بن أبي دليم قالوا حدثنا أحمد بن خالد قال حدثنا إبراهيم بن محمد قال حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكر عن الليث عن كثير

(14/319)


ابن فرقد[ أ ] عن نافع عن ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "زكاة الفطر على كل حر وعبد من المسلمين صاع من تمر أو صاع من شعير".
وأما رواية قتيبة بن سعيد لهذا الحديث عن مالك فحدثنا أحمد بن محمد بن أحمد قال حدثنا أحمد بن المفضل الخفاف قال حدثنا جعفر بن محمد الفريابي وحدثنا محمد بن إبراهيم بن سميد قال حدثنا محمد بن معاوية وحدثنا عبد الرحمن بن يحيى قال حدثنا الحسن بن الخضر الأسيوطي قالا حدثنا أحمد بن شعيب قالا جميعا أخبرنا قتيبة بن سعيد قال أخبرنا مالك عن نافع عن ابن عمر قال فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقة الفطر على الذكر والأنثى والحر والمملوك صاعا من تمر أو صاعا من شعير زاد أحمد بن شعيب في حديثه قال فعدل الناس إلى نصف صاع بر وزاد جعفر بن محمد في حديثه قال وكان ابن عمر يخرج عن غلمان له وهم غيب هكذا روى هذا الحديث قتيبة عن مالك لم يقل

(14/320)


كريب قالا حدثنا وكيع عن سفيان عن سلمة بن كهل عن القاسم بن مخيمرة عن أبي عمار الهمداني عن قيس بن سعد قال أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بصدقة الفطر قبل أن تنزل الزكاة فلما نزلت الزكاة لم يأمرنا ولم ينهنا ونحن نفعله.
وأخبرنا محمد بن إبراهيم قال حدثنا محمد بن معاوية قال حدثنا أحمد بن شعيب قال أخبرنا إسمعيل بن مسعود قال حدثنا يزيد بن زريع قال حدثنا شعبة عن الحكم بن عتيبة عن القاسم بن مخيمرة عن عمرو بن شرحبيل عن قيس بن سعد بن عبادة قال كنا نصوم عاشوراء ونؤدي صدقة الفطر فلما نزل رمضان ونزلت الزكاة لم نؤمر به ولم ننه عنه ونحن نفعله.
قال أبو جعفر الطبري أجمع العلماء جميعا لا اختلاف[ أ ] بينهم أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بصدقة الفطر ثم اختلفوا في نسخها فقال قيس بن سعد بن عبادة كان النبي عليه السلام يأمرنا بها قبل نزول الزكاة فلما نزلت آية الزكاة لم يأمرنا بها ولم ينهنا عنها ونحن نفعله قال وقال حل أهل

(14/321)


العلم هي فرض لم ينسخها شيء قال وهو قول مالك والأوزاعي والثوري والشافعي وأبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد وأبي ثور قال الطبري حدثنا بقول مالك يونس عن أشهب عن مالك قال هي فرض وفي سماع زياد بن عبد الرحمن من مالك قال مالك سئل عن تفسير قول الله عز وجل: {وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} هي التي قرنت بالصلاة قال فسمعته يقول هي زكاة الأموال كلها من الذهب والورق والثمار والحبوب والمواشي وزكاة الفطر وتلا خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وذكر أبو التمام قال قال مالك زكاة الفطر واجبة وبه قال أهل العلم كلهم إلا بعض أهل العراق فإنه قال سنة مؤكدة.
قال أبو عمر اختلف المتأخرون من أصحاب مالك في هذه المسألة فقال بعضهم هي سنة مؤكدة وقال بعضهم هي فرض واجب وممن ذهب إلى مذاهبهم أصبغ بن الفرج وكذلك اختلف أصحاب داود بن علي فيها أيضا على قولين أحدهما أنها فرض واجب والآخر أنها سنة مؤكدة وسائر العلماء على أنها واجبة.
وأما قول ابن عمر في هذا الحديث فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقة الفطر وقد قاله ابن عباس وأبو سعيد الخدري وقد ذكرنا حديث أبي سعيد فيما سلف من كتابنا

(14/323)


من باب زيد بن أسلم[ أ ] فإنه يحتمل وجهين أحدهما وهو الأظهر فرض بمعنى أوجب والآخر فرض بمعنى قدر من المقدار كما تقول فرض القاضي نفقة اليتيم أي قدرها وعرف مقدارها[ ب ] والذي أذهب إليه أن لا يزال قوله فرض على معنى الإيجاب إلا بدليل الإجماع وذلك معدوم في هذا الموضع وقد فهم المسلمون من قوله عز وجل: {فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ} ونحو ذلك أنه شيء [ ج ] أوجبه وقدره وقضى به وقال الجميع للشيء الذي أوجبه الله هذا فرض وما أوجبه رسول الله صلى الله عليه وسلم فعن الله أوجبه وقد فرض الله طاعته وحذر عن مخالفته ففرض الله وفرض رسوله سواء إلا أن يقوم الدليل على الفرق بين شيء من ذلك فيسلم حينئذ للدليل الذي لا مدفع فيه[ د ] وبالله التوفيق.
والقول بوجوبها من جهة اتباع سبيل المؤمنين واجب أيضا لأن القول بأنها غير واجبة شذوذ أو ضرب من الشذوذ ولعل جاهلا أن يقول إن زكاة الفطر لو كانت فريضة لكفر من قال إنها ليست بفرض كما لو قال في زكاة المال المفروضة أو في الصلاة المفروضة إنها ليست بفرض كفر فالجواب عن هذا ومثله أن ما ثبت فرضه من جهة الإجماع الذي يقطع العذر كفر دافعه،

(14/324)


لأنه لا عذر له فيه[ أ ] وكل فرض ثبت بدليل لم يكفر صاحبه ولكنه يجهل ويخطأ فإن تمادى بعد البيان له [ ب ] هجر وإن لم يبن[ ج ] له عذر بالتأويل ألا ترى أنه قد قام الدليل الواضح على تحريم المسكر ولسنا نكفر من قال بتحليله وقد قام الدليل على تحريم نكاح المتعة ونكاح السر والصلاة بغير قراءة وبيع الدرهم بالدرهمين يدا بيد إلى أشياء يطول ذكرها من فرائض الصلاة والزكاة والحج وسائر الأحكام ولسنا نكفر من قال بتحليل شيء من ذلك لأن الدليل في ذلك يوجب العمل ولا يقطع العذر والأمر في هذا واضح لمن فهم وقد ذكر أبو داود وغيره من حديث عكرمة عن ابن عباس قال فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر طهرة [ د ] للصائم من اللغو والرفث وطعمة للمساكين من أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات.
قال أبو عمر أما قول ابن عباس[ ه ] في هذا الحديث فمن أداها قبل الصلاة فقد روي مثله عن ابن عمر أيضا رواه موسى

(14/325)


ابن عقبة عن نافع عن ابن عمر قال أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بزكاة الفطر أن تؤدى قبل أن يخرج الناس إلى الصلاة قال وكان عبد الله بن عمر يؤديها قبل ذلك باليوم واليومين. واختلف الفقهاء في الوقت الذي بإدراكه تجب زكاة الفطر على مدركه [ أ ] فذكر أبو التمام قال تجب زكاة الفطر عند مالك بإدراك أول جزء من يوم الفطر في إحدى الروايتين عنه قال وقال العراقي تجب بآخر جزء من ليلة الفطر وأول جزء من يوم الفطر قال وقال الشافعي لا تجب حتى يدرك جزءا من آخر نهار رمضان وجزءا من ليلة الفطر.
قال أبو عمر أما نصوص أقوالهم في الوقت الذي تجب فيه زكاة الفطر فقال مالك في رواية ابن القاسم وابن وهب وغيرهما عنه تجب بطلوع الفجر من يوم الفطر وذكروا عنه مسائل إن لم تكن على الاستحباب فهي تناقض على أصله هذا منها أنهم رووا عنه في المولود يولد ضحى يوم الفطر أنه يخرج عنه أبوه زكاة الفطر رواه أشهب وغيره عنه وقال ابن وهب عنه لو أدى زكاة الفطر صبيحة يوم الفطر ثم ولد له في ذلك اليوم مولود أو اشترى عبد[ ا ] رأيت أن يخرج عن المولود والعبد زكاة الفطر قال وهو في الولد أبين قال ومن أسلم

(14/326)


يوم الفطر فعليه صدقة الفطر واختلف قوله في العبد يباع يوم الفطر فقال مرة يزكي عنه المبتاع ثم قال بل البائع واختاره ابن القاسم ولم يختلف قوله أن من ولد له مولود بعد يوم الفطر أنه لا يلزمه [ أ ] فيه شيء وهذا إجماع منه ومن سائر العلماء وقال الليث إذا ولد المولود بعد صلاة الفطر فعلى أبيه عنه زكاة الفطر قال وأحب ذلك للنصراني يسلم ذلك الوقت ولا أراه واجبا عليه وأما أبو حنيفة وأصحابه فلم يختلف قولهم إنها تجب بطلوع الفجر من يوم الفطر وهو قول الطبري فكل من كان عنده ممن [ ب ] يلزمه عنه زكاة الفطر قبل طلوع الفجر من ذلك اليوم فقد وجبت عليه الزكاة عنه ومن جاء بعد طلوع الفجر فلا شيء عليه وقال الشافعي إنما تجب زكاة الفطر عمن كان عنده وكان حيا في شيء من اليوم الآخر من رمضان وغابت عليه الشمس من ليلة شوال فإن ولد له أو ملك عبد[ ا ] بعد غروب الشمس من ليلة الفطر فلا زكاة في شيء من ذلك وكذلك روى أشهب عن مالك أن زكاة الفطر تجب بغروب الشمس ليلة الفطر وقال الليث في هذه المسألة نحو قول مالك في رواية ابن القاسم على ما تقدم وقال الأوزاعي من أدرك ليلة الفطر فعليه زكاة الفطر وقد كان الشافعي يقول ببغداد إنما تجب زكاة الفطر بطلوع الفجر من يوم الفطر ثم رجع إلى ما

(14/327)


ذكرنا عنه بمصر ومثل قوله البغدادي قال أبو ثور وقال أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه بقوله المصري سواء وقال بعض أهل العلم تجب زكاة الفطر في المولود والعبد وغيرهم إلى أن تصلي صلاة العيد فمن ولد له أو كسب مملوكا بعد ذلك في ذلك اليوم فلا شيء عليه فيه.
واختلف الفقهاء أيضا في وجوبها على الفقراء فروى ابن وهب عن مالك أنه قال في رجل له عبد لا يملك غيره قال عليه فيه زكاة الفطر قال مالك والذي ليس له إلا معيشة خمسة عشر يوما أو نحوها والشهر ونحوه عليه زكاة الفطر قال مالك[ أ ] وإنما هي زكاة الأبدان وروى عنه أشهب أن زكاة الفطر لا تجب على من ليس عنده وروي عن مالك أيضا أن عليه صدقة الفطر وإن كان محتاجا وروي عنه أنه من كان له أن يأخذ صدقة الفطر فليس عليه أن يؤدي عن نفسه.
وذكر أبو التمام قال مالك زكاة الفطر واجبة على الفقير الذي يفضل عن قوته صاع كوجوبها على الغني قال وبه قال الشافعي.
قال أبو عمر وذكر الطحاوي قال أبو حنيفة وأصحابه لا تجب زكاة الفطر على من يحل له أخذ الصدقة المفروضة ويحل عندهم أخذها لمن ليس له مائتا درهم على ما ذكرنا عنهم فيما سلف من كتابنا هذا فلا تلزم زكاة الفطر عندهم إلا على

(14/328)


من ملك مائتي درهم فصاعدا وقال الشافعي من ملك[ أ ] قوته وقوت من يمونه يومه ذلك وما يؤدي به عنه وعنهم زكاة الفطر أداها عنه وعنهم فإن لم يكن عنده بعد قوت اليوم إلا ما يؤدي عن بعض أدى عن بعض وإن لم يكن عنده إلا قوت يوم دون فضل فلا شيء عليه وهو قول الطبري [ ب ] قال عبيد الله بن الحسن إذا أصاب فضلا عن غدائه وعشائه فعليه أن يأخذ ويعطي صدقة الفطر وقال ابن علية زكاة الفطر واجبة على كل من كان[ ج ] عنده فضل عن نفسه وعمن يمون من أهله قال وهي واجبة [ د ] على الأطفال والكبار من العبيد والأحرار قال وهي واجبة [ ه ] على الرجل في كل من يمون من عياله وعبيده وقد روي من حديث الزهري عن ثعلبة بن عبد الله بن أبي صعير عن أبيه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "صدقة الفطر صاع من بر بين اثنين أو صاع من تمر أو شعير على كل رأس صغيرا كان أو كبيرا غنيا كان أو فقيرا حرا أو عبد[ ا ] فأما غنيكم فيزكيه الله وأما فقيركم فيرد الله عليه أكثر مما أعطى". وليس دون الزهري

(14/329)


في هذا الحديث من تقوم به حجة واختلف عليه[ أ ] فيه أيضا.
وأجمعوا أن الأعراب وأهل البادية في زكاة الفطر كأهل الحضر سواء إلا الليث بن سعيد فإنه قال ليس على أهل العمود أصحاب المظال والخصوص زكاة الفطر وهذا مما انفرد به من بين هؤلاء الفقهاء إلا أنه قد روي مثل قوله عن عطاء والزهري وربيعة.
قال أبو عمر هؤلاء في الصيام كسائر المسلمين[ ب ] فكذلك يجب أن يكونوا في زكاة الفطر كسائر المسلمين واختلفوا في زوجة الرجل هل تزكي عن نفسها أو يزكي عنها زوجها فقال مالك والشافعي والليث وأحمد وإسحاق وأبو ثور على زوجها أن يخرج زكاة الفطر عنها كما يخرجها عن نفسه وهي واجبة عليه عنها وعن[ ج ] كل من يمون ممن تلزمه نفقته وقال سفيان الثوري وأبو حنيفة وأصحابه ليس على الزوج أن يطعم عن زوجته ولا عن خادمها وعليها أن تطعم زكاة الفطر عن نفسها وعن خادمها قالوا وليس على الرجل أن يؤدي عن أحد إلا عن ولده الصغير وعبيده لا غير وحجتهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فرض زكاة الفطر على

(14/330)


الذكر والأنثى والصغير والكبير والحر والعبد [ أ ] فالعبد لا يملك عندهم وقد ناقضوا فيه وفي الصغير وقال داود هي على الحر والعبد والصغير والكبير ولا يؤديها حر عن عبد ولا كبير عن صغير قال مالك من لا بد له أن ينفق عليه [ ب ] لزمته عنه صدقة الفطر إن[ ج ] كان العبد مسلما وقال الشافعي من أجبرناه على نفقته من ولده الصغار والكبار ألزمني الفقراء وآبائه وأمهاته الزمنى الفقراء وزوجته وخادم واحد لها فإن كان لها أكثر من خادم لم يلزمه أن يزكي عنهم ولزمها أن تؤدي زكاة الفطر عمن بقي من رقيقها وقول مالك وأصحابه في هذا الباب نحو قول الشافعي ذكر أبو الفرج أن مذهب مالك في صدقة الفطر أنها تلزم الإنسان عن جميع من تلزمه نفقته من ولد ووالد وزوجة وخادمها وتلزمه في عبيده المسلمين[ د ] وكذلك المدبر والمكاتب وأم الولد والمرهون والمخدم والمبيع بيعا فاسدا.
قال أبو عمر أما قوله من تلزمه نفقته فإنه أراد من يجبر على[ ه ] نفقته بقضاء قاض من غير أن يكون أجيرا وأصلهم

(14/331)


في ذلك أنها تجب عليك عمن تلزمك نفقته بنسب كالأبناء الفقراء أو الآباء الفقراء وبنكاح وهن الزوجات أو ملك رق وهم العبيد وقد ذكر ابن عبد الحكم عن مالك قولا ليس عليه في عبيد عبيده ولا في أجيره ولا في رقيق امرأته إلا من كان منهم[ أ ] يخدمه لا بد له منه وإنما يلزمه من ذلك واحد منهم لأنه الذي تلزمه نفقته وهذا قوله في الموطأ سواء فقد نص [ ب ] في الأجير أنه لا تلزم عنه[ ج ] صدقة الفطر وذكر ابن وهب عن الليث أنه أخبره عن يحيى بن سعيد سمعه يقول يؤدي الرجل عن أهله ورقيقه ولا يؤدي عن الأجير ولكن الأجير المسلم يؤدي عن نفسه قال وأخبرني يونس عن ربيعة أنه قال في زكاة الفطر أنا أخرجها عن نفسي وعن [ د ] ولدي وخادمي ولا أخرجها عمن يتبعني وإن كان معي وقال الليث إذا كانت إجارة الأجير معلومة فليس عليه أن يؤدي عنه وإن كانت يده مع يديه أدى عنه واختلفوا في العبد الكافر والغائب المسلم فقال مالك والشافعي وأحمد بن حنبل وأبو ثور ليس على أحد أن يؤدي عن عبده الكافر صدقة الفطر وإنما هي على من صام وصلى وهو قول سعيد بن المسيب والحسن وحجتهم قوله صلى الله عليه وسلم في

(14/332)


حديث ابن عمر هذا "من المسلمين" فدل على أن الكفر[ أ ] بخلاف ذلك وقال الثوري وسائر الكوفيين عليه أن يؤدي زكاة الفطر عن عبده الكافر وهو قول عطاء ومجاهد وسعيد بن جبير وعمر بن عبد العزيز والنخعي وروي ذلك عن أبي هريرة وابن عمر واحتج الطحاوي لأبي حنيفة في إيجاب زكاة الفطر عن العبد الكافر بأن قال قوله عليه السلام: "من المسلمين" يعني من[ ب ] يلزمه إخراج الزكاة عن نفسه وعن غيره ولا يكون إلا مسلما وأما العبد فلم يدخل في هذا الحديث لأنه لا يملك شيئا ولا يفرض عليه شيء وإنما أريد بالحديث مالك العبد وأما العبد فلا يلزمه في نفسه زكاة الفطر وإنما تلزم مولاه المسلم عنه ألا ترى إلى إجماع العلماء في العبد يعتق قبل أن يؤدي عنه مولاه زكاة الفطر إنه لا يلزمه إذا ملك بعد ذلك مالا إخراجها عن نفسه كما يلزمه إخراج كفارة ما حنث فيه من الأيمان وهو عبد وأنه[ ج ] لا يكفرها بصيام ولو لزمته صدقة الفطر لأداها عن نفسه بعد عتقه.
قال أبو عمر قوله عليه السلام: "من المسلمين" يقضي لمالك والشافعي وهو النظر أيضا لأنه طهرة[ د ] للمسلمين وتزكية

(14/333)


وهذا سبيل الواجبات من الصدقات والكافر لا يتزكى فلا وجه لأدائها عنه وقال أبو ثور يؤدي العبد عن نفسه إن كان له مال وهو قول داود وقال مالك يؤدي زكاة الفطر عن مكاتبه وحجته ما روي عن النبي عليه السلام وعن جماعة من الصحابة [ أ ] المكاتب عبد ما بقي عليه شيء وقال الشافعي وأبو حنيفة وأصحابهم لا زكاة عليه في مكاتبه لأنه لا ينفق عليه وهو منفرد فكسبه دون المولى وجائز له أخذ الصدقة.
قال أبو عمر كان ابن عمر يؤدي عن مملوكيه الغيب والحضور ولا يؤدي عن مكاتبيه ولا مخالف له من الصحابة وقال مالك يؤدي الرجل زكاة الفطر عن مملوكيه ورقيقه كلهم من كان منهم لتجارة أو لغير [ ب ] تجارة رهنا أو غير رهن إذا كان مسلما ومن غاب منهم أو أبق فرجا رجعته وحياته زكى عنه وإن كان إباقه قد طال وأيس منه فلا أرى أن يزكي عنه قال وليس له أن يؤدي عن عبيد عبيده وقال الشافعي عليه زكاة الفطر في رقيقه المسلمين كلهم الحضور والغيب الإباق وغيرهم لتجارة أو لغير تجارة وكذلك العبد المرهون رجا رجعة الغائب منهم أو لم [ ج ] يرجها إذا عرف حياتهم لأن كلا في ملكه فعليه

(14/334)


الزكاة عنه[ أ ] حتى يستيقن موته [ ب ] قال ويزكي عن عبيد عبيده وعبيد عبيد عبيده لأنهم كلهم عبيده ولا يؤدي عن المكاتب ولا على المكاتب أن يؤدي عن نفسه إلا أن تكون الكتابة فاسدة فيؤدي عنه السيد قال الشافعي ومن ملك بعض عبد زكى عن نصيبه منه وقال أبو حنيفة يؤدي زكاة الفطر عن عبيده وعبيد عبيده لأنهم عبيده كفارا كانوا أو مسلمين ولا يؤدي عن مكاتبه واختلف قوله في الصدقة عن الآبق ولم يختلف قوله أن العبد المغصوب ليس على سيده فيه صدقة ومال أبو ثور إلى هذا القول وعند الشافعي عليه فيه الصدقة إن كان مسلما حتى يستيقن موته لأنه على ملكه وسيأتي تمام القول في صدقة الفطر عن العبد المعتق بعضه وغيره من العبيد في باب عبد الله بن دينار من كتابنا هذا إن شاء الله.
وأما الحر الصغير المليء فإن مالكا والشافعي وأبا حنيفة وأبا يوسف والليث بن سعيد قالوا يؤدي عنه أبوه من ماله وإن تطوع عنه أبوه من مال نفسه فحسن وقال الثوري وزفر ومحمد بن الحسن يؤدي عنه الأب من مال نفسه قال محمد بن الحسن فإن أداها من مال الصغير ضمن قال ولا

(14/335)


يجب في مال الصغير صدقة يتيما كان أو غير يتيم وقال مالك والشافعي وأبو ثور والأوزاعي وأبو حنيفة وأبو يوسف يؤدي الوصي عن اليتيم صدقة الفطر وقال أبو ثور وداود الزكاة على الصغير والكبير في أموالهم لا يؤديها أحد عنهم والعبيد عندهما مالكون وصدقة الفطر عليهم واجبة على أنفسهم.
قال أبو عمر تلخيص وجوه هذه المسائل يطول وفيما ذكرنا غنى وكفاية فهذا تمهيد القول في وجوب زكاة الفطر وعلى من تجب ومتى تجب وقد مضى القول في مكيلة زكاة الفطر مستوعبا في باب زيد بن أسلم من كتابنا هذا فلا وجه لإعادته ههنا وبالله التوفيق.

(14/336)


حديث موفي أربعين لنافع عن ابن عمر
مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر رمضان فقال: عليكم" في باب ثور بن زيد ومضى هناك كثير من معاني هذا الباب ممالا يعاد ههنا وهكذا روى هذا الحدي "لا تصوموا حتى تروا الهلال ولا تفطروا حتى تروه فإن غم عليكم فاقدروا له" وقد[ أ ] مضى تفسير قوله: "فإن غم ث جماعة أصحاب نافع عن نافع عن ابن عمر قالوا فيه "فإن غم عليكم فاقدروا له" وكذلك رواه سالم عن ابن عمر عن النبي عليه السلام "فإن غم عليكم فاقدروا له" وكذلك رواه مالك عن عبد الله بن دينار وسنذكره في بابه إن شاء الله.

(14/337)


وذكر الشافعي هذا الحديث فقال حدثنا إبراهيم بن سعد عن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا تصوموا حتى تروا الهلال ولا تفطروا حتى تروه فإن غم عليكم فأكملوا العدة[ أ ] ثلاثين" لم يقل فاقدروا له والمحفوظ في حديث ابن عمر فاقدروا له وقد ذكر عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن نافع عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لهلال شهر رمضان إذا رأيتموه فصوموا ثم إذا رأيتموه فأفطروا فإن غم عليكم فاقدروا له ثلاثين يوما".
قال عبد الرزاق[ ب ] وأخبرنا عبد العزيز بن أبي رواد عن نافع عن ابن عمر[ ج ] قال قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله جعل الأهلة مواقيت للناس فصوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فعدوا[ د ] ثلاثين" فهذا ما في حديث ابن عمر وروى ابن عباس وأبو هريرة وحذيفة،

(14/338)


وأبو بكرة وطلق الحنفي وغيرهم عن النبي صلى الله عليه وسلم "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فأكملوا العدد ثلاثين" بمعنى واحد وقد ذكرنا حديث ابن عباس فيما سلف من كتابنا هذا [ أ ] في باب ثور بن زيد وأما حديث أبي هريرة فروي عنه من وجوه من حديث سعيد بن المسيب وأبي سلمة والأعرج ومحمد بن زياد وغيرهم وهي ثابتة وسائر الطرق في هذا الحديث كلها حسان عن النبي صلى الله عليه وسلم وذكر مالك في موطئه حديث ابن عمر هذا وأردفه بحديث ابن عباس فكأنه والله أعلم ذهب إلى أن معنى حديث ابن عمر في قوله فاقدروا له أن يكمل شعبان ثلاثين يوما إذا غم الهلال على ما قال ابن عباس وعلى هذا المذهب جمهور[ ب ] أهل العلم أن لا يصام رمضان إلا بيقين من خروج شعبان واليقين في ذلك رؤية الهلال[ ج ] أو بإكمال شعبان ثلاثين يوما وكذلك لا يقضي بخروج رمضان إلا بمثل ذلك أيضا من اليقين وهذا أصل مستعمل عند أهل العلم أن لا تزول عن أصل أنت عليه إلا بيقين مثله وأن لا يترك اليقين

(14/339)


بالشك قال الله عز وجل {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} يريد والله أعلم من علم منكم بدخول الشهر والعلم في ذلك ينقسم قسمين أحدهما ضروري والآخر غلبة ظن فالضروري أن يرى الإنسان الهلال بعينه في جماعة كان أو وحده أو يستفيض الخبر عنده حتى يبلغ إلى حد يوجب العلم أو يتم شعبان ثلاثين يوما فهذا كله يقين بعلم ضرورة ولا يمكن للمرء أن يشكك في ذلك نفسه وأما غلبة الظن فأن يشهد بذلك شاهدان عدلان وهذا معنى قول الله عز وجل: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} وهو معنى قوله صلى الله عليه وسلم "فإن غم عليكم فاقدروا له" عند أكثر [ أ ] أهل العلم أن لا يصام رمضان ولا يفطر منه إلا برؤية صحيحة أو إكمال شعبان ثلاثين يوما وإنما وجب أن يكون ذلك عند العلماء كذلك لأن الشهر معلوم أنه قد يكون تسعة وعشرين يوما ويكون[ ب ] ثلاثين يوما هذا مما يعلم[ ج ] عيانا واضطرارا وقد قال صلى الله عليه وسلم من حديث ابن عمر "نحن أمة أمية لا نكتب ولا نحسب الشهر هكذا وهكذا وهكذا وعقد الإبهام في الثالثة [ د ] والشهر

(14/340)


هكذا وهكذا وهكذا" يعني تمام ثلاثين يوما وقد ذكرنا هذا الخبر ومثله في باب عبد الله بن دينار عند قوله صلى الله عليه وسلم: "الشهر تسع وعشرون" وذكرنا في باب ثور بن زيد خبر ابن مسعود لما صمنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم تسعا وعشرين أكثر مما صمنا معه ثلاثين فلما كان معلوما أن الشهر قد يكون تسعا وعشرين وقد يكون ثلاثين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فإن غم عليكم فاقدروا له" يريد والله أعلم بأن يكملوا العدة ثلاثين يوما أو يرى الهلال قبل ذلك لتسع وعشرين وهكذا رواه أبو هريرة وابن عباس وحذيفة عن النبي صلى الله عليه وسلم وروايتهم تفسير[ أ ] حديث ابن عمر في قوله: "فاقدروا له" فواجب[ ب ] أن لا يصام يوم الشك على أنه من رمضان وأن لا يقضى بدخول شهر إلا بيقين رؤيته أو تمام عدده.
وأما ابن عمر فله مذهب ذهب إليه[ ج ] وتأوله في معنى ما رواه من قوله صلى الله عليه وسلم: "فاقدروا له" وأكثر أهل العلم في ذلك على خلافه وسنذكر مذهبه في ذلك عنه ونذكر من تابعه عليه بعد في هذا الباب إن شاء الله وقال أهل اللغة فاقدروا له كقوله قدروا له يقال قدرت الشيء وقدرته وأقدرته.

(14/341)


قال أبو عمر أما صوم يوم الشك تطوعا[ أ ] فقد مضى القول فيه في باب ثور بن زيد وأما صومه على أن [ ب ] يكون من رمضان إن ظهر الهلال خوفا أن يكون من رمضان وهل يجزئ ذلك إن ثبت أنه من رمضان أم لا فقد اختلف العلماء في ذلك اختلافا كثيرا فجملة قول مالك وأصحابه في ذلك أن يوم الشك لا يصام على الاحتياط خوفا أن يكون من رمضان ويجوز صومه تطوعا ومن صامه تطوعا أو احتياطا ثم ثبت أنه من رمضان لم يجزه وكان عليه قضاؤه وإن أصبح فيه ينوي الفطر ولم يأكل أو أكل ثم صح أنه من رمضان كف عن الأكل في بقية يومه وقضاه وإن أكل بعد علمه بذلك لم يكن عليه كفارة إلا أن يقصد لانتهاك من حرمة اليوم عالما بما في ذلك من الإثم فيكفر حينئذ إن كان لم يأكل فيه شيئا حتى ورد أنه من رمضان ثم أكل متعمدا منتهكا لحرمة الشهر وقد مضى القول فيما يجب على من أفطر عامدا في رمضان بأكل أو غيره بأتم ما يكون في باب ابن شهاب عن ملك عن حميد بن عبد الرحمن والحمد لله ذكر عبد الرزاق قال أخبرنا داود بن قيس قال سألت القاسم بن محمد عن صيام اليوم الذي يشك فيه من رمضان فقال إذا كان مغيما يتحرى أنه من رمضان فلا يصمه وقال الوليد

(14/342)


ابن مزيد [ أ ] قلت للأوزاعي إن صام رجل آخر يوم من شعبان تطوعا أو خوفا أن يكون من رمضان ثم صح أنه من رمضان أجزئه قال نعم وقد وفق لصومه وقال الحسن بن حي أكره صوم يوم الشك فإن صامه أحد على ذلك فعليه القضاء إن ثبت أنه من رمضان وقال ابن علية لا ينبغي لأحد أن يتقدم رمضان بصوم فإن فعل ثم صح أنه من رمضان أجزأ عنه.
وقال الثوري إذا أصبح الرجل في اليوم الذي يشك فيه ولم ينو الصوم ثم بلغه أنه من رمضان قال يتم صومه ويقضي يوما مكانه قال فإن [ ب ] أصبح في ذلك اليوم وهو ينوي الصوم وقال انظر فإن كان من رمضان صمت وإلا لم أصم فأصبح على ذلك فعلم أنه من رمضان قال يجزئه إذا نوى ذلك من الليل وقال ربيعة بن عبد الرحمن وحماد بن أبي سليمان وابن أبي ليلى من صام يوم الشك على أنه من رمضان لم يجزه وعليه الإعادة وروي عن عمر وعلي وابن مسعود وحذيفة وعمار وأبي هريرة وابن عباس وأنس بن مالك النهي عن صيام يوم الشك مطلقا [ ج ] وروي أيضا مثل ذلك عن سعيد بن المسيب وأبي وائل والشعبي والنخعي وعكرمة وابن سيرين وذكر عبد الرزاق عن جعفر بن سليمان عن حبيب بن الشهيد قال

(14/343)


سمعت محمد بن سيرين يقول لأن أفطر يوما من رمضان لا أتعمده أحب إلي من أن أصوم اليوم الذي يشك فيه من شعبان وقال ابن سيرين خرجت في اليوم الذي يشك فيه فلم أدخل على أحد يؤخذ عنه العلم إلا وجدته يأكل إلا رجلا كان يحسب ويأخذ بالحساب ولو لم يعلم ذلك[ أ ] كان خيرا له وقال مالك كان أهل العلم ينهون عن صيامه وقال الشافعي لا يجب صوم رمضان حتى يستيقن بدخوله ولا يصام يوم الشك على أنه من رمضان وقال[ ب ] الشافعي لو[ ج ] أصبح يوم الشك لا ينوي الصوم ولم يأكل ولم يشرب حتى علم أنه من شهر رمضان فأتم صومه رأيت أن عليه إعادة صوم ذلك اليوم وسواء كان ذلك قبل الزوال أو بعده إذا أصبح لا ينوي صيامه من شهر رمضان قال وكذلك لو أصبح ينوي [ د ] صومه متطوعا لم يجزه من رمضان ولا أرى رمضان يجزئه إلا بإرادته والله أعلم قال ولا فرق عندي بين الصوم والصلاة [ ه ] في هذا المعنى وقال أبو حينفة وأبو يوسف ومحمد لو أن رجلا أصبح صائما في أول يوم من شهر رمضان ولا ينوي أنه من شهر رمضان[ و ] وينوي[ ز ] بصيامه التطوع ثم علم بعد

(14/344)


ذلك أن يومه[ أ ] ذلك من رمضان فإنه[ ب ] يجزء عنه صيامه وليس عليه قضاء ذلك اليوم وقالوا لو أن رجلا أصبح ينوي الفطر في أول يوم من شهر رمضان وهو لا يعلم أنه من رمضان ويظن [ ج ] أنه من شعبان فاستبان له قبل انتصاف النهار أنه من رمضان فإنه يجزئ عنه إن لم يكن أكل أو شرب قبل أن يستبين له وقالوا إن علم أن ذلك اليوم من رمضان بعدما انتصف النهار فإنه يصوم بقية يومه وعليه قضاء ذلك اليوم قالوا ولو كان هذا الصيام قضاء من رمضان أو من صيام كان عليه فإنه لا يجزئه لأنه قد أصبح مفطرا قالوا ويجزئه أن يتطوع به ولا يجزئه من شيء واجب عليه قال[ د ] أبو ثور لو أن رجلا أصبح ينوي الفطر في أول يوم من شهر رمضان وهو لا يعلم أنه من رمضان ويرى أنه من شعبان فاستبان له أنه من شهر رمضان قبل أن ينتصف النهار لم يجزه عن شهر رمضان وكان عليه قضاء ذلك اليوم قال ولو نوى بصوم ذلك اليوم التطوع وهو لا يعلم أنه من رمضان لم يجزه أيضا وكان عليه قضاؤه.
قال أبو عمر أما من ذهب إلى إبطال صوم [ ه ] من عقد نيته على تطوع عن الواجب أو صام يوم الشك على غير يقين أنه من رمضان فالحجة له قول رسول الله صلى الله عليه وسلم

(14/345)


الأعمال بالنيات وإنما لامرئ ما نوى وقد صح أن التطوع غير الفرض فمحال أن ينوي التطوع ويجزئه عن الفرض ومن جهة النظر أيضا[ أ ] فرض رمضان قد صح بيقين فلا يجوز أداؤه بشك ووجه آخر وهو أنهم قد أجمعوا على أن من صلى أربعا بعد الزوال متطوعا أو شاكا في دخول الوقت أنه لا يجزئه ذلك من صلاة الظهر فكذلك هذا [ ب ] والله أعلم وأما ما ذهب إليه الأوزاعي وأبو حنيفة والثوري وابن علية فحجتهم أن رمضان لا يحتاج إلى نية ولا يكون صومه تطوعا أبدا كما أن من صام شعبان ينوي به رمضان لا يكون عن رمضان ولا يكون في رمضان صوم عن غيره لأنه وقت لا تحيل فيه النية العمل.
قال أبو عمر قد قال بكلا القولين[ ج ] جماعة من التابعين وممن قال بقول الأوزاعي عطاء وعمر بن عبد العزيز ولكن القول الأول