Contents

الواجهة
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد
مقدمة
باب الألف
باب الثاء
باب الجيم
باب الحاء
باب الخاء
باب الدال
باب الراء
باب الزاي
تابع باب الزاء
تابع لحرف الزاء
تابع لحرف الزاء
باب الطاء
باب الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع حرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
باب النون
باب الصاد
باب الضاد
باب العين
تابع لحرف العين
تابع حرف العين
تابع لحرف العين
تابع لحرف العين
باب القاف
باب السين
باب الشين
باب الهاء
باب الواو
باب الياء
تابع باب الياء
باب الكني
باب بلاغات مالك ومرسلاته
باب مافي هذا الديوان من حديث مالك الذي ثبتت عليه أبوابه خاصة
الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج
الديباج - جزء 1
الديباج - جزء 2
الديباج - جزء 3
الديباج - جزء 4
الديباج - جزء 5
الديباج - جزء 6
المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج
المنهاج - مقدمة
المنهاج - الإيمان
المنهاج - الطهارة
المنهاج - الحيض
المنهاج - الصَّلَاة
المنهاج - المساجد ومواضع الصلاة
المنهاج - صلاة المسافرين وقصرها
المنهاج - بَاب صَلَاة الْجُمُعَة
المنهاج - بَاب صَلَاة الْعِيدَيْنِ
المنهاج - بَاب الدُّعَاء فِي صَلَاة الِاسْتِسْقَاء
المنهاج - بَاب صَلَاة الْكُسُوف
المنهاج - كِتَاب الْجَنَائِز
المنهاج - الزكاة
المنهاج - كِتَاب الصِّيَام
المنهاج - كِتَاب الِاعْتِكَاف
المنهاج - كِتَاب الْحَجّ
المنهاج - كِتَاب النِّكَاح
المنهاج - الرضاعة
المنهاج - الطلاق
المنهاج - اللِّعَان
المنهاج - العتق
المنهاج - البيوع
المنهاج - المساقاة
المنهاج - الفرائض
المنهاج - الهبات
المنهاج - الوصية
المنهاج - النذر
المنهاج - الأيمان
المنهاج - القسامة
المنهاج - الحدود
المنهاج - الأقضية
المنهاج - اللقطة
المنهاج - الجهاد والسير
المنهاج - الإمارة
المنهاج - الصيد والذبائح
المنهاج - كِتَاب الْأَضْاحَي
المنهاج - الأشربة
المنهاج - اللباس والزينة
المنهاج - الآداب
المنهاج - السلام
المنهاج - الألفاظ من الأدب وغيرها
المنهاج - الشعر
المنهاج - الرؤيا
المنهاج - الفضائل
المنهاج - فضائل الصحابة
المنهاج - البر والصلة والآداب
المنهاج - القدر
المنهاج - العلم
المنهاج - الذكر والدعاء
المنهاج - التوبة
المنهاج - صفات المنافقين
المنهاج - صفة القيامة والجنة والنار
المنهاج - الجنة وصفة نعيمها وأهلها
المنهاج - الفتن وأشراط الساعة
المنهاج - الزهد والرقائق
المنهاج - التفسير
تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي
أبواب الطهارة
أبواب الصلاة
تابع أبواب الصلاة
أبواب الوتر
أبواب الجمعة
تابع لأبواب الجمعة
أبواب العيدين
أبواب السفر
ابواب الزكاة
أبواب الصوم
أبواب الحج
تابع أبواب الحج
أبواب الجنائز
أبواب النكاح
أبواب الرضاع
أبواب الطلاق واللعان
ابواب البيوع
أبواب الأحكام
أبواب الديات
ابواب الحدود
تابع أبواب الحدود
أبواب الصيد
أبواب الأضاحي
أبواب النذور والأيمان
أبواب السير
أبواب الجهاد
أبواب اللباس
أبواب الأطعمة
أبواب الأشربة
تابع أبواب الأشربة
أبواب البر و الصله عن رسول الله صلى الله عليه و آله سلم
أبواب الطب عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الفرائض عن الرسول صلى الله عليه و سلم
أبواب الوصايا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الولاء و الهبة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب القدر عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم
أبواب الفتن عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الرؤيا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الشهادات عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
تابع لأبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صِفَةُ القِيامَة
أبواب صفة الجنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صفة جهنم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإيمان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب العلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإستئذان والآداب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب العلم
أبواب الأمثال
أبواب فضائل القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب القراءات عن رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم
أبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الدعوات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أحاديث شتى من أبواب الدعوات
المناقب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
مناقب الصحابة رضوان الله عليهم
تنوير الحوالك شرح موطأ مالك
كتاب وقوت الصلاة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب السهو
كتاب الجمعة
كتاب الصلاة في رمضان
كتاب صلاة الليل
كتاب صلاة الجماعة
كتاب قصر الصلاة في السفر
كتاب العيدين
كتاب صلاة الخوف
كتاب صلاة الكسوف
كتاب الاستسقاء
كتاب القبلة
كتاب القرآن
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب الجهاد
كتاب النذور و الأيمان
كتاب الضحايا
كتاب الذبائح
كتاب الصيد
كتاب العقيقة
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الرضاع
كتاب البيوع
كتاب القراض
كتاب المساقاة - كتاب كراء الأرض
كتاب الشفعة - كتاب الأقضية
كتاب الوصية - كتاب العتق والولاء
كتاب المكاتب - كتاب المدبر
كتاب الحدود
كتاب الأشربة - كتاب العقول
كتاب القسامة - كتاب الجامع
كتاب القدر - كتاب حسن الخلق
كتاب اللباس - كتاب صفة النبي
كتاب العين - كتاب الشعر
كتاب الرؤيا - كتاب السلام
كتاب الاستئذان والتشميت والصور والتماثيل وغيرها
كتاب البيعة - كتاب الكلام والعينة والتقى
كتاب جهنم - كتاب الصدقة
كتاب العلم - كتاب دعوة المظلوم - كتاب أسماء النبي
حاشية السندي على سنن ابن ماجة
المقدمة
الطَّهَارَة وَسُنَنهَا
الصلاة
الْأَذَان
المساجد والجماعات
أَبْوَاب إِقَامَة الصَّلَاة
الجنائز
الصوم
الزكاة
النكاح
الطلاق
الكفارات
التجارات
الأحكام
الحدود
الديات
الوصايا
الْفَرَائِض
الجهاد
المناسك
الْأَضَاحِيّ
الذبائح
الصيد
الأطعمة
الأشربة
الطب
اللباس
الْآدَاب
الدُّعَاء
تعبير الرؤيا
الْفِتَن
الزُّهْد
شرح سنن ابن ماجه لمغلطاي
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح رياض الصالحين
شرح رياض الصالحين - 01
شرح رياض الصالحين - 02
شرح رياض الصالحين - 03
شرح رياض الصالحين - 04
شرح سنن أبي داود للعيني
مقدمة التحقيق
كتاب الطهارة
كِتابُ الصَلاَةِ
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
عون المعبود شرح سنن أبي داود
كتاب الطهارة
تابع كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
كتاب الزكاة
تابع لكتاب الزكاة
كتاب اللقطة
كتاب المناسك
تابع لكتاب المناسك
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الصيام
تابع لكتاب الصيام
أول كتاب الجهاد
أول كتاب الضحايا
تابع كتاب الضحايا
أول كتاب الصيد
أول كتاب الوصايا
أول كتاب الفرائض
أول كتاب الخراج والفيء والإمارة
أول كتاب الجنائز
تابع لكتاب الجنائز
كتاب الأيمان والنذور
كتاب البيوع
كتاب الإجارة
كتاب القضاء
تابع لكتاب القضاء
كتاب العلم
كتاب الأشربة
كتاب الأطعمة
كتاب الطب
كتاب الكهانة والتطير
كتاب العتق
أول كتاب الحروف والقراءات
أول كتاب الحمام
أول كتاب اللباس
أول كتاب الترجل
أول كتاب الخاتم
أول كتاب الفتن والملاحم
أول كتاب المهدي
أول كتاب الملاحم
أول كتاب الحدود
أول كتاب الديات
أول كتاب السنة
تابع لكتاب السنة
أول كتاب الأدب
أبواب السلام
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن حجر
فتح الباري - هدي الساري مقدمة فتح الباري
فتح الباري - كتاب بدء الوحي
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب العلم
فتح الباري - كتاب الوضوء
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
فتح الباري - كتاب مواقيت الصلاة
فتح الباري - كتاب الأذان
فتح الباري - كتاب الجمعة
فتح الباري - كتاب الخوف
فتح الباري - كتاب العيدين
فتح الباري - كتاب الوتر
فتح الباري - كتاب الاستسقاء
فتح الباري - كتاب الكسوف
فتح الباري - كتاب سجود القرآن
فتح الباري - كتاب تقصير الصلاة
فتح الباري - كتاب التهجد
فتح الباري - كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة
فتح الباري - كتاب العمل في الصلاة
فتح الباري - كتاب السهو
فتح الباري - كتاب الجنائز
فتح الباري - كتاب الزكاة
فتح الباري - كتاب الحج
فتح الباري - كتاب العمرة
فتح الباري - كتاب المحصر
فتح الباري - كتاب جزاء الصيد
فتح الباري - كتاب فضائل المدينة
فتح الباري - كتاب الصوم
فتح الباري - كتاب صلاة التراويح
فتح الباري - كتاب فضل ليلة القدر
فتح الباري - كتاب الإعتكاف
فتح الباري - كتاب البيوع
فتح الباري - كتاب السلم
فتح الباري - كتاب الشفعة
فتح الباري - كتاب الإجارة
فتح الباري - كتاب الحرث والمزارعة
فتح الباري - كتاب المساقاة
فتح الباري - كتاب الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس
فتح الباري - كتاب الخصومات
فتح الباري - كتاب اللقطة
فتح الباري - كتاب المظالم
فتح الباري - كتاب الشركة
فتح الباري - كتاب الرهن
فتح الباري - كتاب العتق
فتح الباري - كتاب المكاتب
فتح الباري - كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها
فتح الباري - كتاب الشهادات
فتح الباري - كتاب الصلح
فتح الباري - كتاب الشروط
فتح الباري - كتاب الوصايا
فتح الباري - كتاب الجهاد و السير
فتح الباري - كتاب فرض الخمس
فتح الباري - كتاب الجزية و الموادعة
فتح الباري - كتاب بدء الخلق
فتح الباري - كتاب أحاديث الأنبياء
فتح الباري - كتاب المناقب
فتح الباري - كتاب فضائل الصحابة
فتح الباري - كتاب مناقب الأنصار
فتح الباري - كتاب المغازي
فتح الباري - كتاب التفسير
فتح الباري - كتاب فضائل القرآن
فتح الباري - كتاب النكاح
فتح الباري - كتاب الطلاق
فتح الباري - كتاب النفقات
فتح الباري - كتاب الأطعمة
فتح الباري - كتاب العقيقة
فتح الباري - كتاب الذبائح والصيد
فتح الباري - كتاب الأضاحي
فتح الباري - كتاب الأشربة
فتح الباري - كتاب المرضى
فتح الباري - كتاب الطب
فتح الباري - كتاب اللباس
فتح الباري - كتاب الأدب
فتح الباري - كتاب الإستئذان
فتح الباري - كتاب الدعوات
فتح الباري - كتاب الرقاق
فتح الباري - كتاب القدر
فتح الباري - كتاب الأيمان والنذور
فتح الباري - كتاب كفارات الأيمان
فتح الباري - كتاب الفرائض
فتح الباري - كتاب الحدود
فتح الباري - كتاب الديات
فتح الباري - كتاب استتابة المرتدين
فتح الباري - كتاب الإكراه
فتح الباري - كتاب الحيل
فتح الباري - كتاب التعبير
فتح الباري - كتاب الفتن
فتح الباري - كتاب الأحكام
فتح الباري - كتاب التمني
فتح الباري - كتاب أخبار الأحاد
فتح الباري - كتاب الإعتصام بالسنة
فتح الباري - كتاب التوحيد
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن رجب
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
مقدمة
خطبة الكتاب
كتاب الإيمان
كتاب العلم
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصوم
كتاب فضائل القرآن
كتاب الدعوات
كتاب المناسك
كتاب البيوع
كتاب الفرائض والوصايا
كتاب النكاح
كتاب العتق
كتاب القصاص
كتاب الديات
كتاب الحدود
كتاب الإمارة والقضاء
كتاب الجهاد
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأطعمة
كتاب اللباس
كتاب الطب والرقى
كتاب الرؤيا
كتاب الآداب
كتاب الرقاق
كتاب الفتن
كتاب صفة القيامة والجنة والنار
كتاب الفضائل والشمائل
كتاب المناقب

 
عودة لموقع هاني الطنبور
هاني الطنبور
الصفحة السابقة الصفحة التالية
 
 

 

التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد

باب الصاد
صفوان بن سليم
الحديث الأول
...
باب صاد صفوان بن سليم .
وسليم أبوه مولى حميد بن عبد الرحمن بن عوف الزهري كان صفوان بن سليم من عباد أهل المدينة وأتقاهم لله عز وجل ناسكا كثير الصدقة بما وجد من قليل وكثير كثير العمل خائفا لله يكنى أبا عبد الله سكن المدينة لم ينتقل عنها ومات بها سنة اثنتين وثلاثين ومائة .
ذكر عبد الله بن أحمد بن حنبل قال سمعت أبي يسأل عن صفوان بن سليم فقال ثقة من خيار عباد الله وفضلاء المسلمين وذكر أبو داود السجستاني قال ذكر أحمد بن حنبل صفوان بن سليم فقال يستنزل بذكره القطر وقال يحيى القطان صفوان بن سليم أحب إلي من زيد بن أسلم .
وقال أبو ضمرة أنس بن عياض رأيت صفوان بن سليم ولو قيل له إن الساعة غدا ما كان عنده مزيد.

(16/209)


وقال أحمد بن صالح كان صفوان بن سليم أسود.
لمالك عن صفوان بن سليم من حديث النبي صلى الله عليه وسلم في الموطأ سبعة أحاديث منها حديثان مسندان وخمسة أحاديث مرسلة.

(16/210)


حديث أول لصفوان بن سليم مسند.
مالك عن صفوان بن سليم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم".
هكذا هذا الحديث في الموطأ عند جماعة رواته فيما علمت ولم يختلفوا في إسناده هذا ورواه بكر بن الشرود الصنعاني عن مالك بن أنس عن زيد بن أسلم عن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم وهذا خطأ في الإسناد وبكر بن الشرود سيء الحفظ ضعيف الحديث عنده مناكير وقد تقدم القول مستوعبا في غسل الجمعة وما في ذلك من الآثار والمعاني للسلف من العلماء والخلف منهم في باب ابن شهاب عن سالم من هذا الكتاب فلا وجه لإعادته ههنا.

(16/211)


وأما قوله في هذا الحديث واجب فظاهره الوجوب الذي هو الفرض وليس كذلك لآثار وردت تخرج هذا اللفظ عن ظاهره إلى معنى السنة والفضل وقد ذكرناها في باب ابن شهاب عن سالم عند قول عمر لعثمان الوضوء أيضا وقد علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأمر بالغسل وقد يحتمل أن يكون قوله في هذا الحديث واجب أي وجوب السنة أو واجب في الأخلاق الجميلة كما تقول العرب وجب حقك وليس على أن ذلك واجب فرضا .
ومن الدليل على ما قلناه في معنى هذا الحديث وما تأولنا فيه وهو مع ذلك قول أكثر أهل العلم وإليه ذهب أئمة الفتوى في أمصار المسلمين ما حدثنا عبد الوارث بن سفيان وسعيد بن نصر قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا إسماعيل بن إسحاق قال حدثنا عبد الله بن رجاء قال أخبرنا همام عن قتادة عن الحسن عن سمرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت ومن اغتسل فالغسل أفضل" فكيف يجوز مع هذا الحديث ومثله أن يحمل قوله صلى الله عليه وسلم غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم على ظاهره هذا ما لا سبيل إليه

(16/212)


ومما يدل على ما قلنا أن أبا سعيد الخدري روى هذا الحديث الذي ظاهره وجوب غسل الجمعة وكان يفتي بخلاف ذلك وذلك دليل على أنه فهم من معنى الحديث ومخرجه وفحواه أنه ليس على ظاهره وأن المعنى فيه ما تأولنا وبالله توفيقنا .
وذكر عبدالرزاق عن عمر بن راشد عن يحيى بن أبي كثير عن ابي سلمة قال سمعت أبا سعيد الخدري يقول ثلاث هن على كل مسلم يوم الجمعة الغسل والسواك ومس الطيب إن وجده.
قال أبو عمر: معلوم أن الطيب والسواك ليسا بواجبين يوم الجمعة ولا غيره فكذلك الغسل وقد روي عن أبي سعيد الخدري ما يدلك على أنه حمله على خلاف ظاهر حديثه الذي رواه مالك في هذا الباب.
حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا إبراهيم بن عبدالرحيم قال حدثنا صالح بن مالك قال حدثنا الربيع بن بدر عن الجريري عن ابي نضرة عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

(16/213)


"من أتى الجمعة فتوضأ فبها ونعمت ومن اغتسل فالغسل أفضل" وهذا أوضح شيء في سقوط وجوب غسل يوم الجمعة وفيه دليل على أن حديث صفوان بن سليم ليس على ظاهره والأصل في الفرائض أن لا تجب إلا بيقين ولا يقين في إيجاب غسل الجمعة مع ما وصفنا.
حدثنا عبد الرحمن بن مروان قال حدثنا أبو محمد الحسن بن يحيى قاضي القلزم قال حدثنا عبد الله بن علي بن الجارود قال حدثنا عبد الله بن هاشم قال حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن هشام عن قتادة عن الحسن عن سمرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت ومن اغتسل فالغسل أفضل".
قال أبو عمر: نعمت في هذا الحديث وما كان في معناه لا تكتب إلا بالتاء ولا يوقف عليها إلا بالتاء وهي مجزومة في الوصل والوقف إلا أن تتصل بساكن بعدها فتكسر وسئل أبو حاتم من أين دخل التأنيث في نعمت فقال أرادوا نعمت الفعلة أو نعمت الخصلة قال ولا يقول عربي نعمة بالهاء قال أبو حاتم قلت للأصمعي في الحديث "من توضأ يوم الجمعة

(16/214)


فبها ونعمت ومن اغتسل فالغسل أفضل" ما قولهم فيها قال أظنه يريد فبالسنة آخذ أضمر ذلك إن شاء الله.
أخبرنا أحمد بن سعيد بن بشر قال حدثنا محمد بن عبد الله بن ابي دليم قال حدثنا ابن وضاح قال حدثنا أبو الطاهر أحمد بن عمرو بن السرح قال حدثنا أنس بن عياض عن يحيى بن سعيد قال سألت عمرة عن غسل الجمعة فذكرت أنها سمعت عائشة تقول كان الناس عمال أنفسهم يروحون بهيئة فقيل لو اغتسلتم.
حدثنا أحمد بن سعيد قال حدثنا ابن ابي دليم قال حدثنا ابن وضاح قال حدثنا زيد بن البشر قال حدثنا ابن وهب أن مالكا سئل عن غسل يوم الجمعة أواجب هو قال سنة ومعروف قيل له إن في الحديث واجب قال ليس كل ما جاء في الحديث يكون كذلك.
وحدثنا أحمد بن سعيد بن بشر قال حدثنا ابن أبي دليم قال حدثنا ابن وضاح قال حدثنا أشهب عن مالك أنه سئل عن غسل يوم الجمعة أواجب هو فقال هو حسن وليس بواجب.
وحدثنا عبد الوارث بن سفيان وسعيد بن نصر وأحمد بن سعيد قالوا حدثنا ابن أبي دليم قال حدثنا ابن وضاح.

(16/215)


قال حدثنا سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي قال حدثنا ضمرة بن ربيعة عن عثمان بن عطاء عن أبيه قالك من لم يستطع أن يغتسل يوم الجمعة فليمس طيبا.
قال ابن وضاح وحدثنا دحيم قال حدثنا الوليد بن مسلم عن موسى بن صهيب قال كانوا يقولون الطيب يجزئ من الغسل يوم الجمعة قال ابن وضاح وحدثنا هشام بن خالد قال حدثنا بقية عن يونس بن راشد عن عبدالكريم بن مالك الجزري قال الطيب يجزئ من الغسل يوم الجمعة .
قال أبو عمر: قد مضى في باب ابن شهاب عن سالم من الحجة في سقوط وجوب غسل يوم الجمعة من جهة الأثر والنظر ما فيه كفاية وذكرنا هنالك ما استقر عليه القول في غسل الجمعة وما اختاره جمهور العلماء فيه والذي عليه أكثر الفقهاء أنه سنة دون فريضة وهو الصواب وبالله التوفيق.

(16/216)


الحديث الثاني
...
حديث ثان لصفوان بن سليم مسند.
مالك عن صفوان بن سليم عن سعيد بن سلمة من آل بني الأزرق عن المغيرة بن أبي بردة وهو من بني عبدالدار أنه أخبره أنه سمع أبا هريرة يقول جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إنا نركب البحر ونحمل معنا القليل من الماء فإن توضأنا به عطشنا أفنتوضأ من ماء البحر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " هو الطهور ماؤه الحل ميتته".
قال أبو عمر: قد مضى ذكر صفوان بن سليم وحاله في أول بابه أما سعيد بن سلمة فلم يرو عنه فيما علمت إلا صفوان بن سليم والله أعلم يقال أنه مخزومي من آل ابن الأزرق أو بني الأزرق ومن كانت هذه حاله فهو مجهول لا تقوم به حجة عندهم وأما المغيرة بن أبي بردة فهو

(16/217)


المغيرة بن عبد الله بن أبي بردة قيل إنه غير معروف في حملة العلم كسعيد بن سلمة وقيل ليس بمجهول.
قال أبو حاتم الرازي روى عنه يحيى بن سعيد الأنصاري وروى صفوان بن سليم عن سعيد بن سلمة عنه وروى الجلاح عن عبد الله بن سعيد المخزومي عنه.
قال أبو عمر: المغيرة بن أبي بردة وجدت ذكره في مغازي موسى بن نصير بالمغرب وكان موسى يستعمله على الخيل وفتح الله له في بلاد البربر فتوحات في البر والبحر وقد سأل أبو عيسى الترمذي محمد بن إسماعيل البخاري عن حديث مالك هذا عن صفوان بن سليم فقال هو عندي حديث صحيح.
قال أبو عيسى محمد بن عيسى الترمذي فقلت للبخاري هشيم يقول فيه المغيرة بن أبي برزة فقال وهم فيه إنما هو المغيرة بن أبي بردة قال وهشيم ربما وهم في الإسناد وهو في المقطعات أحفظ.
قال أبو عمر: لا أدري ما هذا من البخاري رحمه الله ولو كان عنده صحيحا لأخرجه في مصنفه الصحيح عنده ولم يفعل لأنه لا يعول في الصحيح إلا على الإسناد وهذا الحديث لا يحتج أهل الحديث بمثل إسناده وهو عندي صحيح لأن

(16/218)


العلماء تلقوه بالقبول له والعمل به ولا يخالف في جملته أحد من الفقهاء وإنما الخلاف في بعض معانيه على ما نذكر إن شاء الله.
حدثنا أبو عثمان سعيد بن نصر وأبو عثمان النحوي قالا حدثنا ابو عمر أحمد بن دحيم بن خليل قال حدثنا أبو جعفر محمد بن إبراهيم الديبلي قال حدثنا أبو عبيد الله سعيد بن عبد الرحمن المخزومي قال حدثنا سفيان بن عيينة عن يحيى بن سعيد عن رجل من أهل المغرب يقال له المغيرة بن عبد الله بن أبي بردة أن ناسا من بني مدلج أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا يا رسول الله إنا نركب أرماتا في البحر ويحمل أحدنا مويها لسقيه فإن توضأنا به عطشنا وإن توضأنا بماء البحر وجدنا في أنفسنا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "هو الطهور ماؤه الحل ميتته".

(16/219)


قال أبو عمر: أرسل يحيى بن سعيد الأنصاري هذا الحديث عن المغيرة بن أبي بردة لم يذكر أبا هريرة ويحيى بن سعيد أحد الأئمة في الفقه والحديث وليس يقاس به سعيد بن سلمة ولا أمثاله وهو أحفظ من صفوان بن سليم وفي رواية يحيى بن سعيد لهذا الحديث ما يدل على أن سعيد بن سلمة لم يكن بمعروف من الحديث عند أهله وقد روي هذا الحديث عن يحيى بن سعيد عن المغيرة بن عبد الله بن أبي بردة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم والصواب فيه عن يحيى بن سعيد ما رواه عنه ابن عيينة مرسلا كما ذكرنا والله أعلم وقد روي هذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث الفراسي رجل من بني فراس مذكور في الصحابة.
حدثنا خلف بن قاسم قال حدثنا أحمد بن الحسن بن عتبة الرازي بمصر قال حدثنا أبو الزنباع روح بن الفرج القطان قال حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير قال حدثني الليث بن سعد عن جعفر بن ربيعة عن بكر بن سوادة عن مسلم بن مخشي أنه حدث أن الفراسي قال كنت أصيد في البحر الأخضر على أرماث وكنت أحمل قربة فيها ماء فإذا لم أتوضأ من القربة رفق ذلك بي وبقيت لي فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقصصت عليه ذلك وقلت أنتوضأ من ماء البحر يا رسول الله فقال: "هو الطهور ماؤه الحل ميتته"

(16/220)


وقد أجمع جمهور العلماء وجماعة أئمة الفتيا بالأمصار من الفقهاء أن البحر طهور ماؤه وأن الوضوء جائز به إلا ما روي عن عبد الله بن عمر بن الخطاب وعبد الله بن عمرو بن العاص فإنه روي عنهما أنهما كرها الوضوء من ماء البحر ولم يتابعهما أحد من فقهاء الأمصار على ذلك ولا عرج عليه ولا التفت إليه لحديث هذا الباب عن النبي صلى الله عليه وسلم .
وهذا يدلك على استشهار الحديث عندهم وعملهم به وقبولهم له وهذا أولى عندهم من الإسناد الظاهر الصحة بمعنى ترده الأصول وبالله التوفيق.
وقد خالفهما ابن عباس حدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا أحمد بن إبراهيم بن جامع قال حدثنا علي بن عبد العزيز قال حدثنا خلف بن موسى بن سلمة الهذلي قال سألت ابن عباس عن الوضوء بماء البحر وقال هما البحران فلا تبالي بأيهما توضأت وفي حديث هذا الباب من الفقه إباحة ركوب البحر لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لو كره ركوبه لنهى عنه الذين قالوا إنا نركب البحر وقولهم هذا يدل على أن ذلك كان كثيرا ما يركبونه لطلب الرزق من أنواع التجارة وغيرها وللجهاد وسائر ما فيه إباحة أو فضيلة والله أعلم فلم ينههم عن ركوبه وهذا عندي إنما يكون لمن سهل ذلك عليه ولم يشق عليه ويصعب به كالمائد المفرط الميد أو من لا يقدر معه على أداء فروض الصلاة ونحوها من الفرائض ولا يجوز عند أهل العلم ركوب البحر في حين ارتجاجه ولا في

(16/221)


الزمن الذي الأغلب منه عدم السلامة فيه والعطب والهلاك وإنما يجوز عندهم ركوبه في زمان تكون السلامة فيه الأغلب والله أعلم.
وفي قول الله عز وجل {هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ} وقوله تعالى { وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ} ما فيه كفاية ودلالة واضحة في إباحة ركوب البحر إذا كان كما وصفنا وبالله توفيقنا.
وأما ما جاء عن عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز وغيرهما من السلف أنهم كانوا ينهون عن ركوب البحر فإنما ذلك على الاحتياط وترك التغرير بالمهج في طلب الاستكثار من الدنيا والرغبة في المال والله أعلم.
وإذا جاز ركوب البحر في الجهاد وطلب المعيشة فركوبه للحج في أداء الفرض أجوز لمن قدر على ذلك وسهل عليه وقد روي عن الشافعي رحمه الله أنه قال ما يبين لي أن أوجب الحج علي من وراء البحر ولا أدري كيف استطاعته .
قال أبو عمر: قد أجمع العلماء على أن من بينه وبين مكة من اللصوص والفتن ما يقطع الطريق ويخاف منه في الأغلب ذهاب المهجة والمال فليس ممن استطاع إليه سبيلا فكذلك أهوال البحر والله أعلم.

(16/222)


وفي هذا الحديث أيضا من الفقه أن المسافر إذا لم يكن معه من الماء إلا ما يكفيه لشربه وما لا غنى به عنه لشفته أنه جائز له أن يتيمم ويترك ذلك الماء لنفسه حتى يجد الماء وأما قوله صلى الله عليه وسلم: "الحل ميتته" يقال حل وحلال وحرم وحرام بمعنى واحد فإن العلماء اختلفوا في ذلك فقال مالك يؤكل ما في البحر من السمك والدواب وسائر ما في البحر من الحيوان وسواء اصطيد أو وجد ميتا طافيا وغير طاف قال وليس شيء من ذلك يحتاج إلى ذكاة لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : "هو الطهور ماؤه الحل ميتته" وكره مالك خنزير الماء من جهة اسمه ولم يحرمه وقال أنتم تقولون خنزير قال ابن القاسم أنا أتقيه ولا أراه حراما.
وقال ابن أبي ليلى لا بأس بأكل كل شيء يكون في البحر من الضفدع والسرطان وحية الماء وغير ذلك وهو قول الثوري في رواية الأشجعي.
وروى عنه أبو إسحاق الفزاري أنه قال لا يؤكل من صيد البحر إلا السمك.
وقال أبو حنيفة وأصحابه لا يؤكل السمك الطافي ويؤكل ما سواه من السمك ولا يؤكل شيء من حيوان البحر إلا السمك.
وقال الأوزاعي صيد البحر كله حلال ورواه عن مجاهد وكره الحسن بن حي أكل الطافي من السمك وقال الليث

(16/223)


ابن سعد ليس بميتة البحر بأس قال وكذلك كلب الماء ،وترس الماء، قال ولا يؤكل إنسان الماء ولا خنزير الماء.
وقال الشافعي ما يعيش في الماء فلا بأس بأكله وأخذه ذكاته ولا بأس بخنزير الماء .
قال أبو عمر:
قال الله عز وجل {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعاً لَكُمْ} فروي عن عمر بن الخطاب وعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر وزيد بن ثابت وأبي هريرة قالوا طعامه ما ألقى وقذف .
وروي عن ابن عباس أنه قال طعامه ميتته وهو في ذلك المعنى وروي عنه أنه قال طعامه مليحه.
وروي عن أبي بكر الصديق قال كل دابة في البحر فقد ذبحها الله لكم .
ذكر عبد الرزاق أخبرنا معمر عن ايوب عن ابي الزبير عن مولى لأبي بكر عن أبي بكر قال كل دابة في البحر قد ذبحها الله لك فكلها .

(16/224)


قال وأخبرنا الثوري عن عبد الملك بن أبي بشير عن عكرمة عن ابن عباس قال أشهد على أبي بكر أنه قال السمكة الطافية حلال لمن أراد أكلها .
وروي عن علي بن أبي طالب أنه كره الطافي من السمك وروي عنه أنه كره أكل الجري من وجه لا يثبت وروي عنه أنه لا بأس بأكل ذلك كله وهو أصح عنه.
ذكر عبد الرزاق عن الثور عن جعفر بن محمد عن أبيه عن علي رضي الله عنه قال الجراد والحيتان ذكي كله فعلي مختلف عنه في أكل الطافي من السمك ولم يختلف عن جابر أنه كره أكل الطافي من السمك وهو قول طاوس ومحمد بن سيرين وجابر بن زيد وأبي حنيفة وأصحابه واحتج لهم من أجاز ذلك بما حدثناه عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا أحمد بن عبدة قال أخبرنا يحيى بن سليم الطائفي قال أخبرنا إسماعيل بن أمية عن أبي الزبير عن جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما ألقى البحر أو جزر عنه فكلوه وما مات فيه وطفي فلا تأكلوه ".

(16/225)


قال أبو داود روى هذا الحديث سفيان الثوري وأيوب السختياني وحماد بن سلمة عن أبي الزبير عن جابر وحجة مالك والشافعي في هذا الباب قوله صلى الله عليه وسلم في البحر " هو الطهور ماؤه الحل ميتته " وأصح ما في هذا الباب من جهة الإسناد مما هو حجة لمالك والشافعي حديث ابن عمر وحديث جابر.
حدثنا سعيد بن نصر وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا إسماعيل بن إسحاق قال حدثنا أبو ثابت المدني قال حدثنا عبد الله بن وهب قال حدثني عمر بن محمد أن نافعا حدثه أن ابن عمر قال غزونا فجعنا حتى إنا لنقسم التمرة والتمرتين فبينما نحن على شاطئ البحر إذ رمى البحر بحوت ميتة فاقتطع الناس منه ما شاءوا من شحم ولحم وهو مثل الطرب فبلغني أن الناس لم قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم أخبروه فقال "هل معكم منه شيء؟
وأما حديث جابر فحدثنا سعيد بن نصر وعبد الوارث قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا إسماعيل بن إسحاق قال حدثنا حماد بن زيد عن أبي الزبير عن جابر قال بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سرية وأمر علينا أبا

(16/226)


عبيدة بن الجراح وزودنا جرابا من تمر فكان يقسمه بيننا قبضة قبضة ثم أقام ذلك حتى صار تمرة تمرة فلما فقدناها وجدنا فقدها فمررنا بساحل البحر فإذا حوت يقال له العنبر ميت فأردنا أن نجاوزه ثم قلنا نحن جيش رسول الله فأقمنا عليه عشرين ليلة نأكل منه وادهنا من ذلك الشحم ولقد قعد في عينه ثلاثة عشر رجلا منا فلما قدمنا ذكرنا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: "رزق ساقه الله إليكم فهل عندكم منه شيء".
ففي هذا الحديث وهو من أثبت الأحاديث دليل على أن ما قذف البحر أو مات فيه من دابة وسمكة حلال كله ولهذا الحديث طرق كثيرة قد ذكرنا كثيرا منها في غير هذا الموضع وفيه ما يصحح حديث صفوان بن سليم عن سعيد بن سلمة وأن حديث سعيد بن سلمة له أصل في رواية الثقات.
حدثنا عبد الله بن محمد حدثنا محمد بن بكر حدثنا أبو داود حدثنا النفيلي حدثنا زهير قال حدثنا أبو الزبير عن جابر قال بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر علينا أبا عبيدة بن الجراح يعطينا تمرة تمرة كنا نمصها كما يمص الصبي ثم نشرب عليها من الماء فتكفينا يومنا.

(16/227)


إلى الليل وكنا نضرب بعصينا الخبط ثم نبله بالماء فنأكله قال فانطلقنا على ساحل البحر فرفع لنا كهيئة الكثيب الضخم فأتيناه فإذا هو دابة تدعى العنبر فقال أبو عبيدة ميتة ولا تحل لنا ثم قال لا بل نحن رسل رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي سبيل الله وقد اضطررتم فكلوا فأقمنا عليها شهرا ونحن ثلاثمائة حتى سمنا فلما قدمنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكرنا ذلك له فقال "هو رزق أخرجه الله لكم فهل معكم من لحمه شيء فتعطونا فارسلنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منه فأكل".

(16/228)


الحديث الثالث
...
حديث ثالث لصفوان بن سليم مرسل .
مالك عن صفوان بن سليم عن عطاء بن يسار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأله رجل فقال يا رسول الله أستأذن على أمي فقال "نعم" فقال الرجل إني معها في البيت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "استأذن عليها فقال الرجل إني خادمها فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم استأذن عليها أتحب أن تراها عريانة قال لا قال فاستأذن عليها".
قال أبو عمر: روى هذا الحديث ابن جريج عن زياد بن سعد عن صفوان بن سليم عن عطاء بن يسار مثل حديث مالك سواء وهذا الحاديث لا أعلم يستند من وجه صحيح بهذا اللفظ وهو مرسل صحيح مجتمع على صحة معناه ولا يجوز عند أهل العلم أن يرى الرجل أمه ولا ابنته ولا أخته ولا ذات محرم منه عريانة لأن المرأة عورة فيما عدا وجهها وكفيها.

(16/229)


ولا يحل النظر إلى عورة أحد عند الجميع لا يختلفون في ذلك وتأمل وجه المرأة الحرة وإدمان النظر إليها لشهوة لا يجوز لأنه داع إلى الفتنة وقد اختلف العلماء في تأويل قول الله عز وجل {وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} وفي قوله{ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ} الآية كلها على ما نذكره في أولى المواضع به إن شاء الله.
ومن ذلك ما حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن إسماعيل الترمذي قال حدثني أبو صالح عبد الله بن صالح قال حدثني معمر بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله {وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّْ} الآية قال الزينة التي تبديها لهؤلاء قرطاها وقلادتها وسوارها فأما خلخالها وخصرها وجيدها وشعرها فإنها لا تبدي ذلك إلا لزوجها .
قال أبو عمر:
وهو مذهب ابن مسعود ومجاهد وعطاء والشعبي وحدثنا أحمد بن محمد قال حدثنا أحمد بن الفضل قال حدثنا محمد بن جرير قال حدثنا محمد بن المثنى قال حدثنا حجاج بن منهال قال حدثنا حماد بن سلمة عن داود بن ابي هند عن الشعبي وعكرمة في قوله لا جناح عليهن

(16/230)


في آبائهن ولا أبنائهن الآية قلت ما شأن العم والخال لم يذكرا قالا لأنهما ينعتانها لأبنائهما وقد قيل إن العم والخال يجريان مجرى الوالدين لأنهما ذوا محرم فاستغني بذكر من ذكر من ذوي المحارم عن ذكرهما.
وحدثنا أحمد بن محمد قال حدثنا أحمد بن الفضل قال حدثنا محمد بن جرير قال حدثنا علي بن سهل قال حدثنا زيد بن ابي الزرقاء عن سفيان في المرأة تخرج ثديها من كمها ترضع صبيها بين يدي ذي محرم منها فكرهه.
وقد اختلف العلماء أيضا في هذا الباب فكان الشعبي وطاوس والضحاك يكرهون أن ينظر الرجل إلى شعر أمه وذوات محرمه .
وروي عن جماعة من السلف أنهم كانوا يفلون أمهاتهم وممن روي ذلك عنه من العلماء أبو القاسم محمد بن علي بن الحنيفة وأبو محمد بن علي بن الحسين وطلق بن حبيب ومورق العجلي وعلى قول هؤلاء أئمة الفتيا بالأمصار في أنه لا بأس أن ينظر الرجل إلى شعر أمه وكذلك شعور ذوات المحارم العجائز دون الشواب ومن يخشى منه الفتنة على ما ذكرت لك.

(16/231)


وذكر سنيد قال حدثنا حجاج عن ابن جريج قال سمعت عطاء بن أبي رباح قال قلت لابن عباس أستأذن على أخواتي يتامى في حجري معي في بيت واحد قال نعم فرددت عليه ليرخص لي فأبى قال أتحب أن تراهن عراة قلت لا قال فاستأذن فراجعته فقال أتحب أن تطيع الله قلت نعم قال فقال لي سعيد بن جبير إنك لتردد عليه قال قلت أردت أن يرخص لي قال وحدثنا ابن جريج قال أخبرني ابن طاوس عن أبيه قال ما من امرأة أكره إلي أن أراها عريانة أو أرى عريتها من ذات محرم قال وكان يشدد في ذلك قال ابن جريج قلت لعطاء أواجب على الرجل أن يستأذن على أمه وذوات قرابته قال نعم فقلت بأي وجبت قال بقول الله عز وجل {وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا} قال سنيد وحدثنا حجاج عن ابن جريج عن الزهري قال سمعت هذيل بن شرحبيل الأزدي الأعمى أنه سمع ابن مسعود يقول عليكم إذن على أمهاتكم.
قال ابن جريج قلت لعطاء أيستأذن الرجل على امرأته قال لا.

(16/232)


حدثنا عبد الرحمن حدثنا علي حدثنا أحمد حدثنا سحنون حدثنا ابن وهب قال حدثنا يونس بن يزيد عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب أنه قال يستأذن الرجل على أمه وأنها أنزلت وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم في ذلك قال ابن وهب أخبرني ابن لهيعة عن عبيد الله بن أبي جعفر عن أبي عبد الرحمن الجبلي أنه قال كان رجال من الفقهاء يكرهون أن يلج الرجل على أمته إذا كانت متزوجة حتى يستأذن عليها وروى سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن عطاء قال سألت ابن عباس قلت إن لي أختين أعولهما وأنفق عليهما وهما معي في البيت أفأستأذن عليهما قال نعم فأعدت عليه فقال أتحب أن تراهما عريانتين قلت لا قال فاستأذن عليهما حدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا القعنبي قال حدثنا الدراوردي عن عمرو بن ابي عمرو عن عكرمة ان نفرا من أهل العراق قالوا يا ابن عباس كيف ترى في هذه الآية التي أمرنا بما أمرنا فيها ولا يعمل بها أحد قول الله عز وجل {لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ} وقرأ القعنبي إلى عليم حكيم

(16/233)


قال ابن عباس إن الله رحيم بالمؤمنين يحب الستر وكان الناس ليس لبيوتهم ستور ولا حجال فربما دخل الخادم أو الولد أو يتيم الرجل على أهله فأمرهم الله بالاستئذان في تلك العورات ثم جاءهم الله بالستور والخير فلم أر أحدا يعمل بذلك بعد وذكر ابن وهب قال أخبرني قرة عن ابن شهاب عن ثعلبة بن أبي مالك أنه سأل عبد الله بن سويد الحارثي وكان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الإذن في العورات الثلاث فقال إذا وضعت ثيابي من الظهيرة لم يلج علي أحد من الخدم الذين بلغوا الحلم ولا أحد ممن لم يبلغ الحلم من الأحرار إلا بإذن وإذا وضعت ثيابي بعد صلاة العشاء ومن قبل صلاة الفجر وقال أبو بكر الأثرم سألت أبا عبد الله يعني أحمد بن حنبل عن الرجل ينظر إلى شعر أم امرأته أو امرأة ابنه أو امرأة أبيه فقال هذا في القرآن {وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ} وكذا وكذا الآية قلت ينظر إلى ساق امرأة أبيه أو ابنه فقال ما أحب أن يرى ذلك من أخته وأمه فكيف بغيرهما

(16/234)


روى حماد بن سلمة عن الحجاج عن إبراهيم أنه كان لا يرى بأسا أن ينظر الرجل إلى شعر أمه وابنته وخالته وعمته وكره الساقين وقال ابن وهب سئل مالك عن المرأة لها العبد نصفه حر أيرى شعرها فقال لا فقيل له فلو كان لها كله أيرى شعرها فقال أما العبد الوغد من العبيد فلا أرى بذلك باسا وإن كان عبدا فارها فلا أرى ذلك لها قال مالك والستر أحب إلي
قال أبو عمر: اختلف العلماء في معنى قوله تعالى أو ما ملكت أيمانهن في الآيتين إحداهما في سورة النور قوله {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ} والأخرى في سورة الأحزاب قوله {لا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلا أَبْنَائِهِنَّ وَلا إِخْوَانِهِنَّ وَلا أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلا أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ وَلا نِسَائِهِنَّ وَلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ} ذكر إسماعيل بن إسحاق قال حدثنا أبو بكر يعني ابن أبي شيبة قال أخبرنا أبو أسامة عن يونس بن أبي إسحاق عن طارق عن ابن المسيب قال لا تغرنكم هذه الآية {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ } إنما عني بها الآباء ولم يعن بها العبيد قال وأخبرنا أبو

(16/235)


بكر قال أخبرنا شريك عن السدي عن أبي مالك عن ابن عباس قال لا بأس أن ينظر المملوك إلى شعر مولاته.
قال أبو عمر: إلى هذا ذهب مالك وأجاز نظر العبد إلى شعر مولاته وروي مثل ذلك عن بعض أمهات المؤمنين وقالت به طائفة وكره ذلك جماعة من علماء التابعين ومن بعدهم.
وممن كره ذلك سعيد بن المسيب والحسن وطاوس والشعبي ومجاهد وعطاء قال إسماعيل حديث نبهان مولى أم سلمة يدل على أنه يجوز للعبد أن يرى من سيدته ما يراه ذو المحارم منها مثل الأب والأخ لأنه لا يحل له أن يتزوج سيدته ما دام مملوكا لكنه لا يدخل في المحرم الذي يحل لها أن تسافر معه لأن حرمته لا تدوم وتزول بزوال الرق إذا أعتقته .
قال أبو عمر: هذا يقضى على قوله لأن من لا تدوم حرمته لا يكون ذا محرم مطلقا وإذا لم يكن كذلك فالاحتياط أن لا يرى العبد شعر مولاته وغدا كان أو غير وغد وقد يستحسن ويستحب الوغد لأشياء وقد سوى الله بين المملوك والحر في هذا المعنى فقال {وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا} وقال: {لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ } وحديث أم سلمة لم يروه إلا نبهان مولاها وليس بمعروف بحمل العلم .

(16/236)


ولا يعرف إلا بذلك الحديث وآخر وحديث عائشة معلول أيضا وأكثر العلماء يجعلون العبد البالغ كالحر ولا يجيزون له النظر إلى شعر سيدته إلا لضرورة وينظر منها إلى وجهها وكفيها لأنهما ليسا بعورة منها.
حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا ابن وضاح قال حدثنا دحيم قال حدثنا الوليد بن مسلم قال حدثنا الأوزاعي عن الزهري عن سهل بن سعد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إنما جعل الإذن من أجل البصر".

(16/237)


الحديث الرابع
...
حديث رابع لصفوان بن سليم - مرسل.
مالك عن صفوان بن سليم قال مالك لا أدري أعن النبي صلى الله عليه وسلم أم لا قال: "من ترك الجمعة ثلاث مرات من غير عذر ولا علة طبع الله على قلبه".
قال أبو عمر: هذا الحديث يستند من وجوه عن النبي صلى الله عليه وسلم أحسنها إسنادا حديث أبي الجعد الضمري.
أخبرنا محمد بن عبد الملك وعبيد بن محمد قالا حدثنا عبد الله بن مسرور قال حدثنا عيسى بن مسكين قال حدثنا محمد بن عبد الله بن سنجر قال حدثنا أبو أسامة ويزيد بن هارون قالا حدثنا محمد بن عمرو بن علقمة عن عبيدة بن سفيان الحضرمي قال سمعت أبا الجعد الضمري وكانت له صحبة يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "من ترك الجمعة ثلاث مرات تهاونا بها طبع الله على قلبه" .

(16/239)


أخبرنا عبد الرحمن بن مروان قال أخبرنا الحسن بن حي القلزمي قال حدثنا عبد الله بن علي بن الجارود قال حدثنا عبد الله بن هاشم قال حدثنا يحيى بن سعيد عن محمد بن عمرو قال حدثني عبيدة بن سفيان عن أبي الجعد الضمري وكانت له صحبة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "من ترك ثلاث جمع تهاونا طبع الله على قلبه" .
حدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا ابن وضاح قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا داود بن عبد الله الجعفري قال حدثنا عبد العزيز بن محمد الدراوردي عن أسيد بن أبي أسيد البراد عن ابن أبي قتادة عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من ترك الجمعة ثلاث مرات من غير ضرورة فقد طبع على قلبه".
حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد قال حدثنا علي بن محمد بن لؤلؤ قال حدثنا أبو يزيد خالد بن النضر قال حدثنا محمد بن موسى الحرشي قال حدثنا عبد الله بن جعفر قال حدثنا أسيد بن ابي أسيد عن عبد الله بن أبي قتادة عن جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من ترك الجمعة ثلاثا من غير ضرورة طبع الله على قلبه".

(16/240)


هكذا قال عبد الله بن جعفر في هذا الحديث جعله عن جابر والأول عندي أولى بالصواب على رواية الدراودري وعبد الله بن جعفر هذا هو والد علي بن المديني وهو علي بن عبد الله بن جعفر بن نجيح وعلي أحد أئمة أهل الحديث وأبوه عبد الله بن جعفر مدني ضعيف.
وحدثنا يعيش بن سعيد وأحمد بن قاسم ومحمد بن إبراهيم قالوا أخبرنا محمد بن معاوية قال حدثنا محمد بن الحسين بن مرداس أبو العباس الأيلي قال حدثنا يونس بن عبد الأعلى قال حدثنا عبد الله بن نافع عن أبي معشر عن محمد بن عمرو بن علقمة عن أبي سلمة عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من ترك الجمعة ثلاثا ولاء من غير عذر طبع الله على قلبه".
أخبرنا خلف بن سعيد قال حدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا أحمد بن خالد وأخبرنا عبد الله بن محمد بن أسد قال حدثنا أحمد بن إبراهيم بن جامع قالا حدثنا علي بن عبد العزيز قال حدثنا عاصم بن علي قال حدثنا فرج بن فضالة عن يحيى بن سعيد عن نافع عن ابن عمر قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "لينتهين أقوام عن تركهم الجمعات أو ليختمن الله على قلوبهم ثم يكونون من الغافلين".

(16/241)


حدثنا خلف بن قاسم قال حدثنا محمد بن أحمد بن المسور وبكير بن الحسن الرازي بمصر قالا حدثنا يوسف بن يزيد قال حدثنا أسد بن موسى قال حدثنا الفرج بن فضالة عن يحيى بن سعيد عن نفاع عن ابن عمر قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "لينتهين قوم عن تركهم الجمعات أو ليختمن الله على قلوبهم ثم ليكونن من الغافلين".
وبهذا الإسناد عن اسد بن موسى قال حدثنا مروان بن معاوية قال حدثنا عوف الأعرابي قال حدثني سعيد بن أبي الحسن قال سمعت ابن عباس يقول من ترك أربع جمع متواليات فقد نبذ الإسلام وراء ظهره .
وبه عن أسد قال حدثنا محمد بن مطرف عن أبي حازم عن سعيد بن المسيب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من ترك الجمعة ثلاث مرات من غير عذر طبع على قلبه".
حدثنا محمد بن قاسم بن محمد وأحمد بن قاسم بن عبد الرحمن ومحمد بن إبراهيم بن سعيد قالوا حدثنا محمد بن معاوية قال حدثنا حمزة بن محمد بن عيسى الكاتب قال حدثنا نعيم بن حماد قال حدثنا عبد الله بن المبارك قال حدثنا عوف الأعرابي عن سعيد بن أبي الحسن عن ابن عباس قال من ترك ثلاث جمع متواليات من غير عذر فقد نبذ الإسلام وراء ظهره.

(16/242)


ورواه سفيان الثوري عن عوف عن سعيد بن أبي الحسن عن ابن عباس مثله.
وبالإسناد عن نعيم بن حماد قال حدثنا عبد الله بن إدريس وجرير بن عبدالحميد عن ليث بن ابي سليم عن مجاهد أن رجلا سأل ابن عباس شهرا كل يوم يسأله ما تقول في رجل يصوم بالنهار ويقوم الليل ولا يحضر صلاة الجمعة ولا جماعة فكل ذلك يقول له ابن عباس صاحبك في النار.
قال أبو عمر: قد يجوز أن يكون ابن عباس علم منه مع ذلك ما أوجب أن يقول له صاحبك في النار وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم بإسناد فيه لين أنه قال: "من ترك الجمعة ثلاثا من غير عذر كتب منافقا".
وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "الجمعة واجبة إلا على امرأة أو صبي أو مملوك أو مريض أو مسافر" وأما قوله في الحديث من غير عذر فالعذر يتسع القول فيه وجملته كل مانع حائل بينه وبين الجمعة مما يتأذى به.

(16/243)


أو يخاف عدوانه أو يبطل بذلك فرضا لا بدل منه فمن ذلك السلطان الجائر يظلم والمطر الوابل المتصل والمرض الحابس وما كان مثل ذلك ومنح العذر أيضا أن تكون عنده جنازة لا يقوم بها غيره وإن تركها ضاعت وفسدت وقد روينا هذا في الجنازة عن يحيى بن سعيد الأنصاري ويحيى بن أبي كثير والأوزاعي والليث بن سعد وعن عطاء بن أبي رباح أنه سئل عن رجل كان مع الإمام وهو يخطب في الجمعة فبلغه أن أباه أخذه الموت فرخص له أن يذهب إليه ويترك الإمام في الخطبة .
قال أبو عمر: هذا عندي على أنه لم يكن لأبيه أحد غيره يقوم لمن حضره الموت بما يحتاج الميت إليه من حضوره للتغميض والتلقين وسائر ما يحتاج إليه لأن تركه في مثل تلك الحال عقوق والعقوق من الكبائر وقد تنوب له عن الجمعة الظهر ولم يأت الوعيد في ترك الجمعة إلا من غير عذر ثلاثا فكيف بواحدة من عذر بين فقول عطاء صحيح والله أعلم.
وقد وردت في فرض الجمعة آثار قد ذكرتها في غير هذا الموضع وأصح ما في ذلك ما ذكرته في هذا الباب وقد ذكرنا على من تجب الجمعة من أهل المصر وغيرهم في باب ابن شهاب والحمد لله.

(16/244)


الحديث الخامس
...
حديث خامس لصفوان بن سليم من بلاغاته مرسل.
مالك عن صفوان بن سليم أنه بلغه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أنا وكافل اليتيم له أو لغيره في الجنة كهاتين إذا اتقى وأشار بإصبعيه الوسطى والتي تلي الإبهام ".
هذا الحديث قد رواه جماعة عن النبي عليه السلام من وجوه صحاح وحديث صفوان هذا يتصل من وجوه ويستند من غير رواية مالك من حديث الثقات سفيان ابن عيينة وغيره.
حدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا محمد بن إسماعيل حدثنا الحميدي قال حدثني سفيان قال حدثني صفوان بن سليم عن امرأة يقال لها أنيسة عن

(16/245)


أم سعيد بنت مرة الفهري عن أبيها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أنا وكافل اليتيم له أو لغيره في الجنة كهاتين وأشار بأصبعيه".
حدثنا محمد بن إبراهيم قال حدثنا أحمد بن مطرف قال حدثنا سعيد بن عثمان قال حدثنا إسحاق بن إسماعيل الأيلي قال حدثنا سفيان بن عيينة عن صفوان بن سليم عن أنيسة عن أم سعيد ابنة مرة الفهري عن أبيها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "كافل اليتيم له أو لغيره أنا وهو في الجنة كهاتين قال سفيان بإصبعيه الوسطى والتي تليها".
قال أبو عمر: معنى قوله في هذا الحديث له أو لغيره يريد من قرابته ومن غير قرابته والله أعلم.
وعند القعنبي وابن وهب عن مالك عن ثور بن زيد عن أبي الغيث مولى ابن مطيع عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "الساعي على الأرملة واليتيم كالمجاهد في سبيل الله".

(16/246)


الحديث السادس
...
حديث سادس لصفوان بن سليم منقطع من بلاغاته.
مالك عن صفوان بن سليم أن رجلا قال يا رسول الله أأكذب امرأتي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا خير في الكذب " فقال الرجل يا رسول الله أعدها وأقول لها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا جناح عليك".
هذا الحديث لا أحفظه بهذا اللفظ عن النبي صلى الله عليه وسلم مسندا وقد رواه ابن عيينة عن صفوان بن سليم عن عطاء بن يسار عن النبي صلى الله عليه وسلم حدثناه محمد بن إبراهيم بن سعيد قال أخبرنا أحمد بن مطرف قال حدثنا سعيد بن عثمان قال حدثنا إسحاق بن إسماعيل الأيلي قال حدثنا سفيان بن عيينة عن صفوان بن سليم المدني عن عطاء بن يسار قال قال رجل يا رسول الله هل علي

(16/247)


جناح أن أكذب امرأتي قال: "لا يحب الله الكذب" فأعادها فقال: "لا يحب الله الكذب" فقال يا رسول الله أستصلحها وأستطيب نفسها قال: "لا جناح عليك" قال ابن عيينة وأخبرني ابن أبي حسين قال قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يصلح الكذب إلا في ثلاث الرجل يصلح بين اثنين والحرب خدعة والرجل يستصلح امرأته"
قال أبو عمر: هذا الحديث يفسر الأول ولهذا أردفه ابن عيينة به والله أعلم ومعلوم أن الرخصة لم تأت في أن يصدق الرجل امرأته فيما يعدها به لأن الصدق لا يحتاج أن يقال فيه لا جناح عليك. وفي هذا الحديث إباحة الكذب فيما يصلح به المرء على نفسه في أهله وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ليس بالكذاب من قال خيرا أو نمى خيرا أو أصلح بين اثنين.
معلوم أن إصلاح المرء على نفسه فيما بينه وبين أهله بما لا يؤذي به أحدا أفضل من إصلاحه على غيره كما أن ستره على نفسه أولى به من ستره على غيره.
أخبرنا خلف بن قاسم قال أخبرنا ابن أبي العقب بدمشق قال أخبرنا أبو زرعة قال أخبرنا أبو اليمان الحكم بن نافع قال أخبرنا شعيب عن الزهري قال أخبرني حميد بن عبد

(16/248)


الرحمن بن عوف أن أمه أخبرته أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ليس بالكذاب الذي يقول خيرا ويرفع خيرا ليصلح بين اثنين" وهذا الحديث قد رواه مالك عن ابن شهاب عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف عن أمه أم لثوم بنت عقبة بن أبي معيط أنها قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ليس الكذاب الذي يمشي يصلح بين الناس فينمي خيرا ويقوله".
وقد روى هذا الحديث الليث بن سعد عن يحيى بن أيوب عن مالك بن أنس بإسناده وروى معمر وابن أخي ابن شهاب وابن عيينة عن الزهري بإسناده مثله بمعنى واحد رواه عبدالرزاق وابن المبارك وحماد بن زيد وابن علية وموسى بن الحسين وهشام بن يوسف كلهم عن معمر عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن عن أمه أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ليس بالكذاب من أصلح بين الناس فقال خيرا أو نمى خيرا" .
حدثنا خلف بن أحمد حدثنا أحمد بن مطرف حدثنا سعيد بن عثمان حدثنا يونس حدثنا ابن وهب قال اخبرني داود بن عبد الرحمن عن ابن خيثم عن شهر بن حوشب عن أسماء بنت يزيد الأشعري قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "الكذب يكتب على ابن آدم إلا

(16/249)


ثلاثا كذب الرجل امرأته ليصلحها ورجل كذب بين اثنين ليصلح بينهما ورجل كذب في خدعة حرب".
أخبرنا محمد بن زكرياء قال حدثنا أحمد بن سعيد قال حدثنا أحمد بن خالد قال حدثنا مروان بن عبد الملك قال حدثنا محمد بن بشار قال حدثنا إبراهيم بن حبيب قال سمعت أبي يقول كان أبو مجلد بخراسان وكان قتيبة بن مسلم يعرض الجند فكان إذا أتي برجل قد باع سلاحه ضربه قال فأتي برجل فقال له أين سلاحك قال سرق قال من يعلم ذلك قال أبو مجلد قال عرفت ذلك يا أبا مجلد قال نعم فتركه قيل لأبي مجلد عرفت ذلك قال لا قيل فلم قلته قال أردت أن أرد عنه الضرب.
أخبرني سعيد بن نصر وإبراهيم بن شاكر قالا حدثنا عبد الله بن محمد بن عثمان قال حدثنا سعد بن معاذ قال حدثنا عبد الله بن محمد بن سعيد بن أبي مريم قال حدثنا نعيم بن حماد قال قلت لسفيان بن عيينة أرأيت الرجل يعتذر إلي من الشيء عسى أن يكون قد فعله ويحرف فيه القول ليرضيه أعليه فيه حرج قال لا ألم تسمع قوله ليس بكاذب من قال خيرا أو أصلح بين الناس وقد قال الله عز وجل {لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ} ومن يفعل ذلك. الآية

(16/250)


فإصلاحه فيما بينه وبين الناس أفضل إذا فعل ذلك لله وكراهة أذى المسلمين وهو أولى به من أن يتعرض لعداوة صاحبه وبغضته فإن البغضة حالقة الدين قلت أليس من قال ما لم يكن فقد كذب قال لا إنم الكاذب الآثم فأما المأجور فلا ألم تسمع إلى قول إبراهيم عليه السلام {ِنِّي سَقِيمٌ} و {بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا} وقال يوسف لإخوته {إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ} وما سرقوا وما أثم يوسف لأنه لم يرد إلا خيرا قال الله.
عز وجل {كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ} وقال الملكان لداود عليه السلام {خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ} ولم يكونا خصمين وإنما أرادا الخير والمعنى الحسن .
وفي حديث هجرة النبي صلى الله عليه وسلم مع أبي بكر إلى المدينة أنهما لقيا سراقة بن مالك بن جعشم وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد اراد من أبي بكر أن يكون المقدم على دابته ويكون النبي عليه السلام خلفه فلما لقيا سراقة قال لأبي بكر من الرجل قال باغ قال فمن الذي خلفك قال هاد قال أحسست محمدا قال هو ورائي.

(16/251)


حدثنا عبد الله بن محمد بن يوسف وسعيد بن سيد بن سعيد قالا حدثنا عبد الله بن محمد بن علي قال حدثنا أبو عمرو بن أبي زيد قال حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن نصر قال حدثنا محمد بن أحمد البصري قال حدثنا أبو داود الطيالسي قال حدثنا حماد بن سلمة عن سليمان التيمي عن أبي عثمان النهدي قال سمعت عمر بن الخطاب يقول إن في المعاريض ما يغنيكم عن الكذب قال وحدثنا أبو داود الطيالسي وأبو عامر العقدي وعبد الرحمن بن مهدي قالوا حدثنا شعبة عن قتادة عن مطرف بن عبد الله قال صحبت عمران بن حصين من الكوفة إلى البصرة فكان لا يخطئ يوما إلا أنشدني فيه شعرا وسمعته يقول إن في المعاريض مندوحة عن الكذب.
قال وحدثنا عبد الرحمن بن مهدي قال حدثنا إسرائيل عن إبراهيم بن مهاجر قال بعثني إبراهيم النخعي إلى زياد بن حدير أمير على الكوفة فقال قل له كذا قل له كذا قلت كيف أقول شيئا لم يكن قال إن هذا صلح فلا بأس به ورواه بندار محمد بن بشار عن يحيى القطان عن سفيان عن إبراهيم بن مهاجر فذكر مثله.

(16/252)


الحديث السابع
...
حديث سابع لصفوان بن سليم مرسل مقطوع .
مالك عن صفوان بن سليم أنه قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم أيكون المؤمن جبانا قال "نعم" فقيل له أيكون المؤمن بخيلا قال "نعم" فقيل له أيكون المؤمن كذابا قال "لا".
قال أبو عمر: لا أحفظ هذا الحديث مسندا بهذا اللفظ من وجه ثابت وهو حديث حسن ومعناه أن المؤمن لا يكون كذابا يريد أنه لا يغلب عليه الكذب حتى لا يكاد يصدق هذا ليس من أخلاق المؤمنين.
وأما قوله في المؤمن أنه يكون جبانا وبخيلا فهذا يدل على أن البخل والجبن قد يوجدان في المؤمن وهما خلقان مذمومان قد استعاذ رسول الله صلى الله عليه وسلم منهما.

(16/253)


وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا ينبغي للمؤمن أن يكون جبانا ولا بخيلا".
وقال صلى الله عليه وسلم في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده "ثم لا تجدوني بخيلا ولا جبانا ولا كذابا".
وقال صلى الله عليه وسلم: " المؤمن سهل كريم والفاجر خب لئيم" وهذه الآثار أقوى من مرسل صفوان هذا وهي معارضة له وقد روي من حديث مالك عن ابن شهاب عن سعيد عن أبي هريرة وهو حديث موضوع على مالك لم يروه عنه ثقة .
قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :"خصلتان لا تجتمعان في مؤمن سوء الخلق والبخل" وضعه على مالك رجل يقال له إسحاق بن مسيح مجهول عن أبي مسهر عن مالك وأبو مسهر أحد الثقات الجلة.
وقال أحمد بن حنبل سمعت المعافي بن عمران يقول سمعت سفيان الثوري يقول سمعت منصورا يقول سمعت إبراهيم يقول وذكر عنده البخل فقال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق" وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أي داء أدوى من البخل".

(16/254)


وأما الكذب فقد مضى في الباب قبل هذا ما يجوز منه وما أتت فيه الرخصة من ذلك وقد جاءت في الكذب أحاديث مشددة أحسنها إسنادا ما حدثنا عبد الله بن محمد حدثنا محمد بن بكر حدثنا أبو داود قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا وكيع قال أبو داود وحدثنا مسدد قال حدثنا عبد الله بن داود قالا حدثنا الأعمش عن أبي وائل عن عبد الله بن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار وإن الرجل ليكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا وعليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة وإن الرجل ليصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا".
قال أبو عمر: هذا يشهد لقولي في أول هذا الباب عند قوله لا يكون المؤمن كذابا أي المؤمن لا يغلب عليه قول الزور فيستحلي الكذب ويتحراه ويقصده حتى تكون تلك عادته فلا يكاد يكون كلامه إلا كذبا كله ليست هذه صفة المؤمن وأما قول الله عز وجل {إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ} فذلك عندي والله أعلم الكذب على الله أو على رسوله.

(16/255)


حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أحمد بن محمد البرتي قال حدثنا أبو معمر قال حدثنا عبد الوارث وحدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا مسدد قال حدثنا يحيى يعني القطان قالا جميعا حدثنا بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ويل للذي يحدث فيكذب ليضحك به القوم ويل له ثم ويل له".
حدثنا خلف بن أحمد قال حدثنا أحمد بن مطرف قال حدثنا سعيد بن عثمان حدثنا يونس بن عبد الأعلى حدثنا ابن وهب قال أخبرني محمد بن مسلم عن أيوب السختياني عن ابن سيرين عن عائشة قالت ما كان شيء أبغض إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من الكذب وكان إذا جرب من رجل كذبة لم تخرج له من نفسه حتى يحدث توبة.
وقد روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رد شهادة رجل في كذبة كذبها قال شريك لا أدري أكذب على الله أو رسوله أو في أحاديث الناس؟

(16/256)


صيفي بن زياد
حديث واحد
...
مالك عن صيفي حديث واحد.
وهو صيفي بن زياد يكنى أبا زياد مولى ابن أفلح مولى أبي ايوب الأنصاري رحمه الله وقيل صيفي هذا يكنى أبا سعيد يقال فيه مولى ابن أفلح ويقال مولى أفلح مولى أبي أيوب الأنصاري ويقال مولى الأنصار ويقال مولى أبي السائب ومولى ابن السائب والصواب قول من قال مولى ابن أفلح كنيته أبو زياد وهو رجل من أهل المدينة روى عنه مالك وابن عجلان وسعيد المقبري وسعيد بن أبي هلال وابن أبي ذئب وسعيد بن أبي هند ولا أعلم له رواية إلا عن أبي السائب مولى هشام بن زهرة .
مالك عن صيفي مولى ابن أفلح عن أبي السائب مولى هشام بن زهرة أنه قال دخلت على أبي سعيد الخدري فوجدته يصلي فجلست أنتظره حتى قضى صلاته فسمعت

(16/257)


تحريكا تحت سريره في بيته فإذا حية فقمت لأقتلها فأشار إلي أبو سعيد أن اجلس فلما انصرفت أشار إلى بيت في الدار فقال أترى هذا البيت قلت نعم قال إنه قد كان فيه فتى حديث عهد بعرس فخرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الخندق فبينا هو به إذ أتاه الفتى يستأذنه فقال يا رسول الله ائذن لي حتى أحدث بأهلي عهدا فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال "خذ عليك سلاحك فإني أخشى عليك بني قريظة" فانطلق الفتى إلى أهله فوجد امرأته قائمة بين البابين فأهوى إليها بالرمح ليطعنها وأدركته غيرة فقالت لا تعجل حتى تدخل وتنظر ما في بيتك فدخل فإذا هو بحية منطوية على فراشه فركز فيها رمحه ثم خرج بها فنصبه في الدار فاضطربت الحية في رأس الرمح وخر الفتى ميتا فما يدرى

(16/258)


أيهما كان اسرع موتا الفتى أم الحية فذكرنا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال "إن بالمدينة جنا قد أسلموا فإذا رأيتم منهم شيئا فآذنوه ثلاثة أيام فإن بدا لكم بعد ذلك فاقتلوه فإنما هو شيطان" .
هكذا قال مالك في هذا الحديث عن صيفي مولى ابن أفلح وذكره الحميدي عن ابن عيينة عن ابن عجلان عن صيفي مولى أبي السائب عن رجل قال أتيت أبا سعيد الخدري أعوده فسمعت تحريكا تحت سريره فنظرت فإذا حية فأردت أن أقتلها وذكر الحديث نحو حديث مالك إلا أنه قد غلط في قوله فيه مولى أبي السائب ولم يقم إسناده وقال فيه عن رجل وإنما هو صيفي عن أبي السائب ورواه يحيى القطان عن ابن عجلان عن صيفي عن ابن السائب عن أبي سعيد الخدري مختصرا حدثناه عبد الله بن محمد بن أسد قال حدثنا حمزة بن محمد بن علي قال حدثنا أحمد بن شعيب النسوي قال أخبرنا يعقوب بن إبراهيم قال حدثنا يحيى عن ابن عجلان قال حدثني صيفي عن أبي السائب عن أبي سعيد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن بالمدينة

(16/259)


نفرا من الجن أسلموا فمن رأى شيئا من هذه العوامر فليؤذنه ثلاثا فإن بدا له بعد فليقتله فإنما هو شيطان".
وحدثناه عبد الوارث قال حدثنا قاسم قال حدثنا بكر بن حماد قال حدثنا مسدد قال حدثنا يحيى عن ابن عجلان فذكره بإسناده سواء.
حدثنا عبد الوارث حدثنا قاسم حدثنا محمد بن إسماعيل الترمذي حدثنا أبو صالح قال حدثنا الليث قال حدثني محمد بن عجلان عن صيفي أبي سعيد مولى الأنصار عن أبي السائب أنه قال أتينا أبا سعيد الخدري فبينا أنا عنده جالس سمعت تحت سريره تحرك شيء فنظرت فإذا حية فقمت فقال أبو سعيد مالك فقلت حية ههنا قال فتريد ماذا قال أريد قتلها قال فأشار إلى بيت في داره تلقاء بيته وقال ابن عم له كان في هذا البيت فلما كان يوم الأحزاب استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في أهله وكان حديث عهد بعرس فأذن له وأمره أن يذهب بسلاحه معه فأتى داره فوجد امرأته قائمة على باب البيت فأشار إليها بالرمح قالت لا تعجل حتى تنظر ما أخرجني فدخل البيت فإذا حية منكرة فقطعها بالرمح ثم خرج بها في الرمح ترتكض فلا أدري أيهما كان أسرع موتا الرجل أو الحية فأتى قومه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا ادع الله أن يرد صاحبنا فقال: "استغفروا لصاحبكم ثم قال إن نفرا من الجن

(16/260)


بالمدينة أسلموا فإذا رأيتم أحدا منهم فحذروه ثلاثة أيام ثم إن بدا لكم أن تقتلوه فاقتلوه"
قال أبو عمر: رواية الليث لهذا الحديث عن ابن عجلان كرواية مالك في إسناده ومعناه ولا يضر اختلافهما في ولاء أبي سعيد صيفي إذ قال مالك مولى ابن أفلح وقال فيه الليث عن ابن عجلان عن صيفي مولى الأنصار وكذلك هو مولى الأنصار إلا أنه لم يحفظ لمن ولاؤه من الأنصار وقد جوده مالك في قوله مولى ابن أفلح وكذلك من قال فيه مولى أفلح لأن أفلح مولى أبي أيوب الأنصاري وأما قول ابن عيينة عن ابن عجلان عن صيفي مولى أبي السائب فلم يصنع شيئا ولم يقم الإسناد إذ جعله مولى أبي السائب عن رجل وإنما هو مولى ابن أفلح عن ابي السائب كذلك قال مالك عن صيفي عن أبي السائب وكذلك قال الليث ويحيى القطان عن ابن عجلان عن صيفي عن أبي السائب ومن قال في هذا الحديث عن ابن عجلان عن سعيد بن أبي سعيد عن صيفي فقد أفرط في التصحيف والخطأ كذلك رواه علي بن حرب عن ابن عيينة عن ابن عجلان وهذا لا خفاء به عند أهل العلم بالحديث وإنما هو عن أبي سعيد صيفي ولا معنى لذكر سعيد بن أبي سعيد هنا ومن رواه أيضا عن صيفي عن أبي سعيد الخدري فليس بشيء وقد قطعه لأن صيفيا لم

(16/261)


يسمعه من ابي سعيد وإنما يرويه عن ابي السائب عن أبي سعيد الخدري وقد روي هذا الحديث عن أبي سعيد الخدري من غير رواية صيفي إلا أنه مختصر نحو رواية القطان عن ابن عجلان عن صيفي.
حدثنا خلف بن قاسم قال حدثنا بكر بن عبد الرحمن قال حدثنا يحيى بن عثمان قال حدثنا عمرو بن خالد قال حدثنا ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن عبد الله بن أبي سلمة عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إذا أذاكم شيء من الحيات في مساكنكم فحرجوا عليهن ثلاث مرات فإن عاد بعد ثلاث فاقتلوه فإنما هو شيطان".
وقد روي مثل حديث أبي سعيد الخدري هذا من حديث سهل بن سعد الساعدي حدثناه عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن اصبغ قال حدثنا محمد بن غالب وزكرياء بن يحيى الناقد واللفظ لمحمد بن غالب قال حدثنا خالد بن خداش قال حدثنا حماد بن زيد عن أبي حازم عن سهل بن سعد أن فتى من الأنصار كان حديث عهد بعرس وأنه خرج مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزاة فرجع من الطريق فإذا هو بامرأته قائمة في الحجرة فمد إليها الرمح فقالت ادخل فانظر ما في البيت فدخل فإذا هو بحية

(16/262)


منطوية على فراشه فانتظمها برمحه وركز الرمح في الدار فانتفضت الحية وماتت ومات الرجل قال فذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال "إنه قد نزل في المدينة جن مسلمون أو قال إن لهذه البيوت عوامر شك خالد فإذا رأيتم شيئا منها فتعوذوا فإن عاد فاقتلوه".
قال أبو عمر: قال قوم لا يلزم أن تؤذن الحيات ولا تناشدن ولا يحرج عليهن إلا بالمدينة خاصة لهذا الحديث وما كان مثله لأنه خص المدينة بالذكر وممن قال ذلك عبد الله بن نافع الزبيري قال لا تنذر عوامر البيوت إلا بالمدينة خاصة قال وهو الذي يدل عليه حديث النبي صلى الله عليه وسلم لقوله: "إن بالمدينة جنا قد أسلموا" وقال آخرون المدينة وغيرها في ذلك سواء لأن من الحيات جنا وجائز أن يكن بالمدينة وغيرها وأن يسلم من شاء الله منهن.
قال مالك أحب إلي أن تنذر عوامر البيوت بالمدينة وغيرها ثلاثة ايام ولا تنذرن في الصحاري .
قال أبو عمر: العلة الظاهرة في الحديث إسلام الجن والله أعلم إلا أن ذلك شيء لا يوصل إلى شيء من معرفته والأولى أن تنذر عوامر البيوت كلها كما قال مالك؛

(16/263)


والإنذار أن يقول الذي يرى الحية في بيته أحرج عليك أيتها الحية بالله واليوم الآخر أن تظهر لنا أو تؤذينا.
وقد روى عباد بن إسحاق عن إبراهيم بن محمد بن طلحة عن سعد بن أبي وقاص قال بينا أنا بعبادان إذ جاءني رسول زوجتي فقال أجب فلانة واستنكرت ذلك ثم قمت فدخلت فقالت لي إن ههنا الحية وأشارت إليها كنت أراها بالبادية إذا خلوت ثم مكثت لا أراها حتى رأيتها الآن وهي هي أعرفها بعينها قال فخطب سعد خطبة حمد الله وأثنى عليه ثم قال إنك قد آذيتني وإني أقسم بالله لئن رأيتك بعد هذه لأقتلنك فخرجت الحية انسابت من باب البيت ثم من باب الدار فأرسل معها سعد إنسانا فقال انظر أين تذهب فتبعها حتى جاءت المسجد ثم جاءت منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم علته فرقته ثم صعدت إلى السماء حتى غابت .
حدثنا محمد بن إبراهيم قال حدثنا محمد بن معاوية وحدثنا عبد الله بن محمد حدثنا حمزة بن محمد بن علي قال حدثنا أحمد بن شعيب قال حدثنا الحسين بن منصور النيسابوري قال حدثنا مالك بن سعير بن الخمس قال حدثنا ابن أبي ليلى عن ثابت البناني عن عبد الرحمن بن أبي

(16/264)


ليلى أنه ذكر عنده حيات البيوت فقال إذا رأيتم منها شيئا في مساكنكم فقولوا أنشدكم بالعهد الذي أخذ عليكم نوح عليه السلام وأنشدكم بالعهد الذي أخذ عليكم سليمان عليه السلام فإذا رأيتم منهن شيئا بعد ذلك فاقتلوه.
حدثنا أحمد بن عمر قال حدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن فطيس قال حدثا بحر بن نصر قال حدثنا ابن وهب قال حدثنا معاوية بن صالح عن أبي الزاهرية عن جبير بن نفير عن أبي ثعلبة الخشني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "الجن على ثلاثة أثلاث فثلث لهم أجنحة يطيرون في الهواء وثلث حيات وكلاب وثلث يحلون ويظعنون" .
حدثنا أبو محمد عبد الله بن محمد قال حدثنا أحمد بن إبراهيم بن جامع قال حدثنا علي بن عبد العزيز قال حدثنا حجاج قال حدثنا يزيد بن زريع قال حدثنا داود قال حدثنا أبو نضرة أن عبد الرحمن بن أبي ليلى حدثه أن رجلا من الأنصار خرج عشاء من أهله يريد مسجد قومه فاستطير فالتمس فلم يوجد فانطلقت امرأته إلى عمر بن الخطاب فذكرت ذلك له فدعا بقومه فسألهم عنه فحدثوه بمثل ما حدثته امرأته فقال لهم أما سمعتم منه ذكرا بعد قالوا لا فأمرها أن

(16/265)


تتربص أربع سنين ففعلت ثم أتته فأخبرته أنها لم يذكر لها منه ذكر فدعا قومه فسألهم عن ذلك فقال ما ذكر لنا منه ذكر فأمرها أن تعتد منه فاعتدت ثم جاءته فأمرها أن تتزوج إن شاءت فتزوجت ثم جاء زوجها الأول بعد ذلك فقال زوجت امرأتي فقال عمر لم أفعل ودعاها عمر فقالت أنا المرأة التي أخبرتك بذهاب زوجي فأمرتني أن أتربص أربع سنين ففعلت ثم أيتك فأمرتني أن أعتد فأعددت ثم جئتك فأمرتني أن أتزوج ففعلت فقال عمر ينطلق أحدكم فيغيب عن أهله أربع سنين ليس بغاز ولا تاجر فقال له الرجل إني خرجت عشاء من أهلي أريد مسجد قومي فاستبتني الجن فكنت فيهم حتى غزاهم جن مسلمون فأصابوني في السبي فسألوني عن ديني فأخبرتهم أني مسلم فخيروني بين أن يردوني إلى قومي وبين أن أمكث معهم ويواسوني فاخترت أن يردوني إلى قومي فبعثوا معي نفرا أما الليل فرجال يحدثوني وأما النهار فأعصار ريح اتبعها حتى هبطت إليكم فقال له عمر فما كان طعامك فيهم فقال ما لم يذكر اسم الله عليه وهذا القول فخيره عمر بين المهر والمرأة.
حدثنا خلف بن القاسم قال حدثنا بكير بن الحسن بن عبد الله بن سلمة الرازي قال حدثنا أبي قال حدثنا العباس بن عبد الله الترقفي الباكسالي قال حدثنا أبو أسامة عن

(16/266)


أبي سنان عن أبي منيب عن يحيى بن أبي كثير عن ابي سلمة عن أبي الدرداء قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "خلق الله الجن ثلاثة أثلاث فثلث كلاب وحيات وخشاش الأرض وثلث ريح هفافة وثلث كبني آدم لهم الثواب وعليهم العقاب وخلق الله الإنس ثلاثة أثلاث فثلث لهم قلوب لا يفقهون بها وأعين لا يبصرون بها وآذان لا يسمعون بها إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا وثلث أجسادهم أجساد بني آدم وقلوبهم قلوب شياطين وثلث في ظل الله يوم القيامة".
وروينا من وجوه أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قتلت جنانا فأريت في المنام أن قائلا يقول لها قد قتلت مسلما فقالت لو كان مسلما لم يدخل على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم قال ما دخل عليك إلا عليك ثيابك فأصبحت فأمرت باثني عشر ألف درهم فجعلت في سبيل الله .
قال أبو عمر: الغول وجمعها أغوال والسعلاة وجمعها السعالى ضربان من الجن ونوع من شياطينهن قالوا إنها تتصور صورا كثيرة في القفار أمام الرفاق وغيرها فتطول مرة وتصغر أخرى وتقبح مرة وتحسن أخرى مرة في صورة بنات آدم وبني آدم ومرة في صورة الدواب وغير ذلك كيف شاءت قال كعب بن زهير:
فما تدوم على حال تكون بها ... كما تغول في أثوابها الغول.

(16/267)


قال ابن أبي ليلى الجنان الذين لا يعرضون للناس والخيل الذين يتخيلون للناس ويؤذونهم.
أخبرنا عبد الله حدثنا حمزة حدثنا أحمد بن شعيب قال أخبرني إبراهيم بن يعقوب قال حدثنا الحسن بن موسى قال حدثنا شيبان عن يحيى بن أبي كثير عن الحضرمي بن لاحق عن محمد قال وكان أبي بن كعب جد محمد قال كان لأبي بن كعب جرن من طعام.
وحدثنا عبد الله حدثنا حمزة حدثنا أحمد بن شعيب حدثنا أبو داود قال حدثنا معاذ بن هانئ قال حدثني حرب بن شداد قال حدثني يحيى بن أبي كثير قال حدثني الحضرمي بن لاحق التميمي قال حدثني محمد بن أبي بن كعب قال كان لجدي جرن من طعام وكان يتعاهده فوجده ينقص فحرسه ذات ليلة فإذا هو بدابة تشبه الغلام المحتلم فسلم فرد عليه السلام فقال من أنت أجن أم إنس قال بل جن قال أعطني يدك فأعطاه فإذا يد كلب وشعر كلب قال هكذا خلق الجن قال قد علمت الجن أنه ما فيهم أشد مني قال ما شأنك قال أنبئت أنك رجل تحب الصدقة فأحببنا أن نصيب من طعامك قال ما يجير

(16/268)


قال ابن أبي ليلى الجنان الذين لا يعرضون للناس والخيل الذين يتخيلون للناس ويؤذونهم.
أخبرنا عبد الله حدثنا حمزة حدثنا أحمد بن شعيب قال أخبرني إبراهيم بن يعقوب قال حدثنا الحسن بن موسى قال حدثنا شيبان عن يحيى بن أبي كثير عن الحضرمي بن لاحق عن محمد قال وكان أبي بن كعب جد محمد قال كان لأبي بن كعب جرن من طعام.
وحدثنا عبد الله حدثنا حمزة حدثنا أحمد بن شعيب حدثنا أبو داود قال حدثنا معاذ بن هانئ قال حدثني حرب بن شداد قال حدثني يحيى بن أبي كثير قال حدثني الحضرمي بن لاحق التميمي قال حدثني محمد بن أبي بن كعب قال كان لجدي جرن من طعام وكان يتعاهده فوجده ينقص فحرسه ذات ليلة فإذا هو بدابة تشبه الغلام المحتلم فسلم فرد عليه السلام فقال من أنت أجن أم إنس قال بل جن قال أعطني يدك فأعطاه فإذا يد كلب وشعر كلب قال هكذا خلق الجن قال قد علمت الجن أنه ما فيهم أشد مني قال ما شأنك قال أنبئت أنك رجل تحب الصدقة فأحببنا أن نصيب من طعامك قال ما يجير

(16/269)


منكم قال هذه الآية في سورة البقرة آية الكرسي الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم إذا قلتها حين تصبح أجرت منا حتى تمسي وإذا قلتها حين تمسي أجرت منا حتى تصبح فغدا أبي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره خبره فقال النبي صلى الله عليه وسلم "صدق الخبيث".
ورواه الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن ابن أبي بن كعب أن أباه أخبره أنه كان لهم جرن من تمر وساق الحديث بمثل ما تقدم ولم يذكر في إسناده الحضرمي بن لاحق.

(16/270)


مالك عن صدقة بن يسار حديث واحد
وصدقة بن يسار هذا يعد في أهل مكة وكان من ساكنيها وأصله الجزيرة يقال صدقة بن يسار الجزري ويقال صدقة بن يسار المكي وهو ثقة مأمون سمع ابن عمر وله عنه أحاديث صالحة فهو من التابعين الثقات وقد روى عن رجل عن ابن عمر وروى عن الزهري أيضا.
روى عنه شعبة ومالك وابن عيينة وموسى بن عبيدة وغيرهم قال عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثني أبي قال حدثنا سفيان قال قلت لصدقة بن يسار إن أناسا يزعمون أنكم خوارج قال كنت منهم ثم إن الله عافاني قال سفيان وكان من أهل الجزيرة قال عبد الله وسمعت أبي يقول صدقة بن يسار من الثقات روى عنه شعبة.
مالك عن صدقة بن يسار عن المغيرة بن حكيم أنه رأى عبد الله بن عمر يرجع في السجدتين في الصلاة على

(16/271)


صدور قدميه فلما انصرف ذكر له ذلك فقال إنها ليست سنة الصلاة وإنما أفعل ذلك من أجل أني أشتكي .
المغيرة بن حكيم هذا أحد الفضلاء الجلة كان عمر بن عبد العزيز يفضله وقد عمل لعمر بن عبد العزيز أيام خلافته وهو الذي قال فيه عمر بن عبد العزيز لنافع مولى ابن عمر إذ أخرجه المح المغيرة بن حكيم.
وقرأت على عبد الوارث بن سفيان أن قاسم بن أصبغ حدثهم قال حدثنا ابن وضاح قال حدثنا محمد بن عمرو العزمي قال حدثنا مصعب بن مهان قال حدثنا سفيان الثوري عن عبيد الله بن عمر عن نافع قال بعثني عمر بن عبد العزيز إلى اليمن فأردت أن آخذ من العسل الصدقة فقال المغيرة بن حكيم الصنعاني ليس فيه شيء فكتبت إلى عمر بن عبد العزيز فقال المغيرة عدل رضي لا تأخذ من العسل شيئا .
وفي هذا الحديث من الفقه أن الرجوع بين السجدتين في الصلاة على صدور القدمين خطأ ليس بسنة وفيه أن من عجز عن الإتيان بما يجب في الصلاة لعلة منعته من ذلك أن عليه أن يأتي بما يقدر لا شيء عليه غير ذلك ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها والفرائض تسقط لعدم القدرة عليها فكيف السنن والأمر في هذا واضح يغني عن الإكثار فيه.

(16/272)


واختلف العلماء في هذه المسألة أعني الانصراف على صدور القدمين في الصلاة بين السجدتين فكره ذلك منهم جماعة ورأوه من الفعل المكروه المنهي عنه ورخص فيه آخرون ولم يروه من الإقعاء بل جعلوه سنة ونحن نذكر الوجهين جميعا والقائلين بهما ونذكر ما للعلماء في تفسير الإقعاء ههنا وبالله التوفيق.
فأما مالك وأبو حنيفة والشافعي وأصحابهم فإنهم يكرهون الإقعاء في الصلاة وبه قال أحمد بن حنبل وإسحاق وابو عبيد.
وقال أبو عبيد قال أبو عبيدة الإقعاء جلوس الرجل على أليتيه ناصبا فخذيه مثل إقعاء الكلب والسبع قال أبو عبيد وأما تفسير أصحاب الحديث فإنهم يجعلون الإقعاء أن يجعل أليتيه على عقبيه بين السجدتين.
حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا مضر بن محمد قال حدثنا عبد الله بن محمد الأذمري قال حدثنا محمد بن الحسن الهمذاني قال حدثنا عباد المنقري عن علي بن زيد بن جعدان عن سعيد بن المسيب عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "يا بني وإذا سجدت فأمكن كفيك وجبهتك من الأرض ولا

(16/273)


تنقر نقر الديك ولا تقع إقعاء الكلب ولا تلتفت التفات الثعلب" يقال أقعى الكلب ولا يقال قعد ولا جلس وقعوده إقعاؤه ويقال إنه ليس شيء يكون إذا قام أقصر منه إذا قعد إلا الكلب إذا أقعى.
أخبرنا إبراهيم بن شاكر قال حدثنا محمد بن أحمد قال حدثنا محمد بن ايوب قال حدثنا أحمد بن عمرو قال حدثنا هارون بن سفيان قال حدثنا يحيى بن إسحاق قال حدثنا حماد بن سلمة عن قتادة عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الإقعاء والتورك وعن أبي هريرة أنه قال نهاني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أقعي في صلاتي إقعاء الكلب وعن أبي إسحاق عن الحرث عن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "لا تقعين على عقبيك في الصلاة" وصح عن أبي هريرة أنه كره الإقعاء في الصلاة وعن قتادة مثله.
وقال آخرون لا بأس بالإقعاء في الصلاة.
وروينا عن ابن عباس أنه قال من السنة أن تمس عقبيك أليتيك وقال طاوس رأيت العبادلة يفعلونه ابن عمر وابن عباس وابن الزبير وكذلك روى الأعمش عن عطية العوفي قال رأيت العبادلة يقعون في الصلاة عبد الله بن

(16/274)


عباس وعبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير وفعل ذلك سالم بن عبد الله ونافع مولى ابن عمر وطاووس وعطاء ومجاهد.
وذكر عبد الرزاق عن معمر عن ابن طاووس عن أبيه أنه رأى ابن عمر وابن الزبير وابن عباس يقعون بين السجدتين.
قال أبو عمر: لا أدري كيف هذا الإقعاء وأما عبد الله بن عمر فقد صح عنه أنه لم يكن يقعي إلا من أجل أنه كان يشتكي على ما في حديثنا المذكور في هذا الباب وقال أنها ليست سنة الصلاة وحسبك بهذا ولهذه اللفظة أدخلنا حديثه هذا في هذا الكتاب وقد جاء عنه أنه قال إن رجلي لا تحملاني ويمكن أن يكون الإقعاء من ابن الزبير كان أيضا لعذر وقد ذكر حبيب بن أبي ثابت أن ابن عمر كان يقعي بعد ما كبر وهذا يدل على أن ذلك كان منه لعذر ويمكن أن يكون ذلك من أجل أن اليهود كانوا قد فدعوا يديه ورجليه بخيبر فلم تعد كما كانت والله أعلم.

(16/275)


وأما ابن عباس وأصحابه فالإقعاء عندهم سنة وذلك ثابت عنهم أخبرنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا يحيى بن معي قال حدثنا الحجاج بن محمد عن ابن جريج قال أخبرني أبو الزبير أنه سمع طاووسا يقول قلنا لابن عباس الإقعاء على القدمين في السجود قال هي السنة قال قلنا إنا لنراه جفاء بالرجل فقال ابن عباس هو سنة نبيك صلى الله عليه وسلم .
وذكره عبد الرزاق قال أخبرنا ابن جريج قال أخبرني أبو الزبير أنه سمع طاووسا يقول قلت لابن عباس في الإقعاء فذكره إلى آخره سواء .
وعبد الرزاق عن ابن عيينة عن إبراهيم بن ميسرة عن طاووس قال سمعت ابن عباس يقول من السنة أن تمس عقبيك أليتيك قال طاووس ورأيت العبادلة يقعون ابن عمر وابن عباس وابن الزبير .
وعن عمر بن حوشب قال أخبرني عكرمة أنه سمع ابن عباس يقول الإقعاء في الصلاة السنة.

(16/276)


قال أبو عمر: من حمل الإقعاء على ما قاله أبو عبيدة معمر بن المثنى خرج من الاختلاف وهو أولى ما حمل عليه الحديث من المعنى والله أعلم لأنهم لم يختلفوا أن الذي فسر عليه أبو عبيدة الإقعاء لا يجوز لأحد مثله في الصلاة من غير عذر وفي قول ابن عمر في حديثه المذكور في هذا الباب إنما أفعل ذلك من أجل أني أشتكي وأخبر أن ذلك ليس من سنة الصلاة دليل على أنه كان يكره ذلك لو لم يشتك ومعلوم أن ما كان عنده من سنة الصلاة لا يجوز خلافه عنده لغير عذر فكذلك ما لم يكن من سنة الصلاة لا يجوز عمله فيها من غير عذر فدل على أن ابن عمر كان ممن يكره الإقعاء فهو معدود فيمن كرهه كما روي عن علي وأبي هريرة وأنس إلا أن الإقعاء عن هؤلاء غير مفسر وهو مفسر عن ابن عمر أنه الانصراف على العقبين وصدور القدمين بين السجدتين وهذا هو الذي يستحسنه ابن عباس ويقول إنه سنة فصار ابن عمر مخالفا لابن عباس في ذلك وأما النظر في هذا الباب فيوجب ألا تفسد صلاة من فعل ذلك لأن إفسادها يوجب إعادتها وإيجاب إعادتها إيجاب فرض والفروض لا تثبت إلا بما لا معارض له من أصل أو نظير أصل.
ومن جهة النظر أيضا قول ابن عباس إن كذا وكذا سنة إثبات وقول ابن عمر ليس بسنة نفي وقول المثبت.

(16/277)


في هذا الباب وما كان مثله أولى من النافي لأنه قد علم ما جهله النافي وعلى أن الإقعاء قد فسره أهل اللغة على غير المعنى الذي تنازع فيه هؤلاء وهذا كله يشهد لقول ابن عباس .
وقد مضى القول في نوع من أنواع الجلوس في الصلاة في باب مسلم بن أبي مريم وسيأتي تمام القول في كيفية الجلوس في الصلاة وبين السجدتين وما للعلماء في ذلك في باب عبد الرحمن بن القاسم من كتابنا هذا إن شاء الله عز وجل.

(16/278)


صالح بن كيسان
الحديث الأول
...
مالك عن صالح بن كيسان حديثان
وصالح بن كيسان هذا يكنى أبا محمد وقيل يكنى أبا الحرث واختلف في نسبه وولائه فقيل هو من خزاعة وقيل هو مولى لنبي عامر أو بني غفار وقيل مولى لأصبح وقيل مولى لدوس.
وقال الواقدي حدثني عبد الله بن جعفر قال دخلت على صالح بن كيسان وهو يوصي فقال أشهد أن ولائي لامرأة مولاة لآل معيقيب الدوسي فقال له سعيد بن عبد الله بن هرمز ينبغي أن تكتبه فقال إني لأشهدك أنت شكاك وكان سعيد صاحب وضوء وشك فيه .
قال أبو عمر: كان صالح بن كيسان هذا من أهل العلم والحفظ والفهم وكان كثير الحديث ثقة حجة فيما نقل كان مع عمر بن عبد العزيز وهو أمير على المدينة ثم بعث إليه الوليد بن عبد الملك فضمه إلى ابنه عبد العزيز.

(16/279)


ابن الوليد وكان مسنا أدرك عبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير وسمع منهما ثم روى عن نافع وعن ابن شهاب كثيرا.
قال يحيى بن معين صالح بن كيسان أكبر من الزهري قال وقد سمع من ابن عمر وابن الزبير.
وقال البخاري أخبرنا إبراهيم بن موسى حدثنا بشر بن المفضل عن عبد الرحمن بن إسحاق عن صالح بن كيسان سمع ابن عمر في الصرف .
وقال ابن عيينة عن عمرو بن دينار كان صالح بن كيسان من رجالنا عند الحسن بن محمد يعني بالمدينة.
وروى معمر وعمرو بن دينار عن صالح بن كيسان قال اجتمعت أنا والزهري ونحن نطلب العلم فقلنا نكتب السنن فكتبنا ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال الزهري نكتب ما جاء عن أصحابه فإنه سنة قال قلت أنا ليس بسنة فلا نكتبه قال فكتب ولم أكتب فأنجح وضيعت.
وذكر الحسن بن علي الحلواني قال حدثنا عبد الله بن صالح قال حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن عن أبيه قال كنت أخرج مع صالح بن كيسان إلى الحج والعمرة.

(16/280)


فكان ربما ختم القرآن مرتين في ليلة بين شعبتي رحله وصالح بن كيسان هو القائل إن الله عز وجل جواد إذا أشار بشيء من الخير إلى أحد أتمه ولم ينقص منه شيئا في كلام قاله لصديقه عكرمة بن عبد الرحمن بن الحرث بن هشام وكان صديقا له يشاوره في شيء واختلف في وقت وفاته فقيل كانت وفاته بالمدينة سنة أربعين ومائة.
وقال الواقدي مات صالح بن كيسان بعد سنة أربعين ومائة قبل مخرج محمد بن عبد الله بن حسن.

(16/281)


حديث أول لصالح بن كيسان مسند.
مالك عن صالح بن كيسان عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن زيد بن خالد الجهني أنه قال صلى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح بالحديبية على إثر سماء كانت من الليل فلما انصرف أقبل على الناس فقال "أتدرون ماذا قال ربكم قالوا الله ورسوله أعلم قال أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر بي فأما من قال مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي وكافر بالكوكب وأما من قال مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب".
وهذا الحديث رواه ابن شهاب عن عبيد الله عن زيد عن النبي صلى الله عليه وسلم فلم يقمه كإقامة صالح بن كيسان ولم يسقه كسياقته قال فيه قال الله ما أنعمت على

(16/283)


عبادي من نعمة إلا أصبح فريق منهم بها كافرين يقولون الكوكب وبالكوكب.
هكذا حدث به يونس بن يزيد وغيره عن ابن شهاب وفي لفظ هذا الحديث ما يدل على أن الكفر ههنا كفر النعم لا كفر بالله.
وروى هذا الحديث سفيان بن عيينة عن صالح بن كيسان بإسناده وقال فيه ألم تسمعوا ما قال ربكم الليلة قال ما أنعمت على عبادي من نعمة إلا أصبح طائفة منهم بها كافرين يقولون مطرنا بنوء كذا وبنوء كذا فأما من آمن بي وحمدني على سقياي فذلك الذي آمن بي وكفر بالكوكب ومن قال مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك الذي كفر بي وآمن بالكوكب.
وروى سفيان بن عيينة أيضا عن إسماعيل بن أمية أن النبي عليه السلام سمع رجلا في بعض أسفاره يقول مطرنا ببعض عثانين الأسد فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "كذب بل هو سقيا الله عز وجل" قال سفيان عثانين الأسد الذراع والجبهة.

(16/284)


وقال الشافعي لا أحب لأحد أن يقول مطرنا بنوء كذا وإن كان النوء عندنا الوقت والوقت مخلوق لا يضر ولا ينفع ولا يمطر ولا يحبس شيئا من المطر والذي أحب أن يقول مطرنا وقت كذا كما يقول مطرنا شهر كذا ومن قال مطرنا بنوء كذا وهو يريد أن النوء أنزل الماء كما كان بعض أهل الشرك من أهل الجاهلية يقول فهو كافر حلال دمه إن لم يتب هذا من قوله.
أما قوله في هذا الحديث على إثر سماء كانت من الليل فإنه أراد سحاباحيث نزل من الليل والعرب تسمي السحاب والماء النازل منه سماء قال الشاعر وهو أحد فصحاء العرب:
إذا نزل السماء بأرض قوم ... رعيناه وإن كانوا غضابا
يعني: إذا نزل الماء بأرض قوم ألا ترى أنه قال رعيناه يعني الكلأ النابت من الماء ولو أراد السماء لأنث لأنها مؤنثة فقال رعيناها وقوله رعيناه يعني الكلأ النابت من الماء فاستغنى بذكر الضمير إذ الكلام يدل عليه وهذا من فصيح كلام العرب ومثله في القرآن كثير.

(16/285)


وأما قوله حاكيا عن الله عز وجل أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر فمعناه عندي على وجهين أما أحدهما فإن المعتقد أن النوء هو الموجب لنزول الماء وهو المنشئ للسحاب دون الله عز وجل فذلك كافر كفرا صريحا يجب استتابته عليه وقتله لنبذه الإسلام ورده القرآن.
والوجه الآخر أن يعتقد أن النوء ينزل الله به الماء وأنه سبب الماء على ما قدره الله وسبق في علمه فهذا وإن كان وجها مباحا فإن فيه ايضا كفرا بنعمة الله عز وجل وجهلا بلطيف حكمته لأنه ينزل الماء متى شاء مرة بنوء كذا ومرة دون النوء وكثيرا ما يخوى النوء فلا ينزل معه شيء من الماء وذلك من الله لا من النوء وكذلك كان أبو هريرة يقول إذا أصبح وقد مطر مطرنا بنوء الفتح ثم يتلو ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وهذا عندي نحو قول رسول الله صلى الله عليه وسلم "مطرنا بفضل الله وبرحمته" ومن هذا قول عمر بن الخطاب للعباس بن عبدالمطلب حين استسقى به يا عم رسول الله كم بقي من نوء الثريا فقال العباس العلماء بها يزعمون أنها تعترض في الأفق سبعا فكأن عمر رحمه الله قد علم أن نوء الثريا وقت يرجى فيه المطر ويؤمل فسأله عنه أخرج أم بقيت منه بقية.

(16/286)


وروي عن الحسن البصري أنه سمع رجلا يقول طلع سهيل وبرد الليل فكره ذلك وقال إن سهيلا لم يأت قط بحر ولا برد وكره مالك بن أنس أن يقول الرجل للغيم والسحابة ما أخلقها للمطر وهذا من قول مالك مع روايته إذا أنشأت بحرية تدل على أن القوم احتاطوا فمنعوا الناس من الكلام بما فيه أدنى متعلق من زمن الجاهلية في قولهم مطرنا بنوء كذا وكذا على ما فسرناه والله أعلم وسيأتي القول في معنى قوله إذا أنشأت بحرية في موضعه إن شاء الله والنوء في كلام العرب واحد أنواء النجوم يقال ناء النجم ينوء أي نهض ينهض للطلوع وقد يكون أن يميل للمغيب ومما قيل ناوأت فلانا بالعداوة أي ناهضته ومنه قولهم الحمل ينوء بالدابة أي يميل بها وكل ناهض بثقل وإبطاء فقد ناء والأنواء على الحقيقة النجوم التي هي منازل القمر وهي ثمان وعشرون منزلة يبدو لعين الناظر منها أربعة عشر منزلا ويخفى أربعة عشر فكلما غاب منها منزل بالمغرب طلع رقيبه من المشرق فليس يعدم منها أبدا أربعة عشر للناظرين في السماء وإذا لم ينزل مع النوء ماء قيل خوى النجم وأخوى وخوى النوء وأخلف وأما العرب.

(16/287)


فكانت تضيف المطر إلى النوء وهذا عندهم معروف مشهور في أخبارهم وأشعارهم فلما جاء الإسلام نهاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك وأدبهم وعرفهم ما يقولون عند نزول الماء وذلك أن يقولوا مطرنا بفضل الله ورحمته ونحو هذا من الإيمان والتسليم لما نطق به القرآن وأما أشعار العرب في إضافتها نزول الماء إلى الأنواء فقال الطرماح:
محاهن صيب نؤ الربيع ... من نجم العزل والرامحة
فسمى مطر السماك ربيعا وغيره يجعله صيفا وإنما جعله الرماح ربيعا لقربه من آخر الشتاء ومن أمطاره وإذا كان المطر بأول نجم من أنواء الصيف جاز أن يجعلوه ربيعا ويقال للسماك الرامح وذو السلاح وهو رقيب الدلو إذا سقط الدلو طلع السماك والسماك والدلو والعواء من أنجم الخريف .
قال عدي بن زيد:
في خريف سقاه نوء من الدلو ... تدلي ولم يواز العراقا
والعرب تسمي الخريف ربيعا لاتصاله بالشتاء وتسمي الربيع المعروف عند الناس بالربيع صيفا وتسمي الصيف قيظا وتذهب في ذلك كله غير مذاهب الروم فأول الأزمنة عندها.

(16/288)


الخريف وليس هذا موضع ذكر معانيها ومعاني الروم في ذلك وكان أبو عبيدة يروي بيت زهير:
وغيث من الوسمى حو تلاعه ... وجادته من نوء السماك هواطله
وقال آخر:
ولا زال نوء الدلو يسكب ودقه ... بكن ومن نوء السماك غمام
وقال الأسود بن يعفر النهشلي:
بيض مسامح في الشتاء وإن أخلف ... نجم عن نوئه وبلوا
وقال الراجز:
بشر بني عجل بنوء العقرب ... إذ أخلفت أنواء كل كوكب
يدلك أن أنواء النجوم أخلفت كلها فلم تمطر فأتاهم المطر في آخر الربيع بنوء العقرب وهم عندهم غير محمود لأنه ودق دنئ وقال رؤبة:
وجف أنواء السحاب المرتزق

(16/289)


أي جف البقل الذي كان بالأنواء أقام ذكر الأنواء مقام ذكر البقل استغناء بأن المراد معلوم وهذا نحو قول القائل الذي قدمنا ذكر قوله إذا نزل السماء بأرض قوم وهو يريد الماء النازل من السماء وأشعار العرب بذكر الأنواء كثيرة جدا والعرب تعرف من أمر الأنواء وسائر نجوم السماء ما لا يعرفه غيرها لكثرة ارتقابها لها ونظرها إليها لحاجتها إلى الغيث وفرارها من الجدب فصارت لذلك تعرف النجوم الجواري والنجوم الثوابت وما يسير منها مجتمعا وما يسير فاردا وما يكون منها راجعا ومستقيما لأن من كان في الصحاري والصحاح الملساء حيث لا أمارة ولا هادي طلب المنائر في الرمل والأرض وعرف الأنواء ونجوم الاهتداء وسئلت أعرابية فقيل لها أتعرفين النجوم فقالت سبحان الله أما أعرف أشباحا وقوفا علي في كل ليلة وسمع بعض أهل الحضر أعرابيا وهو يتفنن في وصف نجوم ساعات الليل ونجوم الأنواء فقال لمن حضره أما ترى هذا الأعرابي يعرف من النجوم ما لا يعرف فقال ويل أمك من لا يعرف أجداع بيته .
ومن هذا الباب قول ابن عباس في المرأة التي جعل زوجها أمرها بيدها فطلقت نفسها خطأ الله نوءها أي أخلى

(16/290)


الله نوءها من المطر والمعنى حرمها الله الخير كما حرم من لم يمطر وقت المطر..
وقال ابن عباس في قول الله عز وجل {وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ} هو الاستمطار بالأنواء.
حدثنا إبراهيم بن شاكر قال حدثنا عبد الله بن محمد بن عثمان قال حدثنا سعيد بن خمير وسعيد بن عثمان قالا حدثنا أحمد بن عبد الله بن صالح قال حدثنا النضر بن محمد قال حدثنا عكرمة بن عمار قال حدثنا أبو زميل قال حدثني ابن عباس قال مطر الناس على عهد النبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم "أصبح من الناس شاكر وكافر" قال بعضهم هذه رحمة وضعها الله وقال بعضهم لقد صدق نوء كذا وكذا قال نزلت هذه الآية {فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ} حتى بلغ {َتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ}
قال أبو عمر: الرزق في هذه الآية بمعنى الشكر كأنه قال وتجعلون شكركم لله على ما رزقكم من المال أن تنسبوا ذلك الرزق إلى الكوكب.
وقال ابن قتيبة ومن هذا والله اعلم قال رؤية وجف أنواء السحاب المرتزق وأما قوله صلى الله عليه وسلم في

(16/291)


حديث ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن عتاب بن حنين عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لو أمسك الله القطر عن عباده خمس سنين ثم أرسله أصبحت طائفة من الناس كافرين يقولون سقينا بنوء المجدح" فمعناه كمعنى ما مضى من الحديث في هذا الباب .
وأما المجدح فإن الخليل زعم انه نجم كانت العرب تزعم أنها تمطر به قال ويقال أرسل السماء مجاديح الغيث قال ويقال مجدح ومجدح بالكسر والضم.
أخبرنا أحمد بن محمد قال حدثنا أحمد بن الفضل قال حدثنا أحمد بن الحسن قال حدثنا يحيى بن معين قال حدثنا يحيى بن زكرياء عن عبد العزيز بن صهيب عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" ثلاث لن يزلن في أمتي التفاخر في الأحساب والنياحة والأنواء" .

(16/292)


الحديث الثاني
...
حديث ثان لصالح بن كيسان مسند .
مالك عن صالح بن كيسان عن عروة بن الزبير عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها قالت فرضت الصلاة ركعتين ركعتين في الحضر والسفر فأقرت صلاة السفر وزيد في صلاة الحضر .
هذا حديث صحيح الإسناد عند جماعة أهل النقل لا يختلف أهل الحديث في صحة إسناده وكل من رواه قال فيه عن عائشة فرضت الصلاة لا يقول فرض الله ولا فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا ما حدث به أبو إسحاق الحربي قال حدثنا أحمد بن الحجاج قال حدثنا ابن المبارك قال حدثنا ابن عجلان عن صالح بن كيسان عن عروة بن الزبير عن عائشة رضي الله عنها قالت فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة ركعتين ركعتين فذكر الحديث.

(16/293)


هكذا قال فرض رسول الله وعنه نقول فرضت إلا أن الأوزاعي قال فيه عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة ولم يروه مالك عن ابن شهاب ولا عن هشام إلا أن شيخا يسمى يحيى بن محمد بن عباد بن هانئ رواه عن مالك وابن أخي الزهري جميعا عن الزهري عن عروة عن عائشة أن الصلاة أول ما فرضت ركعتين فزيد في صلاة الحضر وأقرت صلاة السفر وهذا لا يصح عن مالك والصحيح في إسناده عن مالك في الموطأ وطرقه عن عائشة متواترة وهو عنها صحيح ليس في إسناده مقال إلا أن أهل العلم اختلفوا في معنى هذا الحديث فذهب منهم جماعة إلى ظاهره وعمومه وما يوجبه لفظه فأوجبوا القصر في السفر فرضا وقالوا لا يجوز لأحد أن يصلي في السفر إلا ركعتين ركعتين كل صلاة أربع .
قال أبو عمر: فأما المغرب والصبح فلا خلاف بين العلماء أنهما كذلك فرضتا وأنهما لا قصر فيهما في السفر ولا غيره وهذا يدلك على أن قول عائشة فرضت الصلاة ركعتين ركعتين قول ظاهره العموم والمراد به الخصوص ألا ترى أن صلاة المغرب غير داخلة في قولها فرضت الصلاة ركعتين ركعتين وكذلك الصبح غير داخلة في قولها فزيد في صلاة الحضر لأنه معلوم أن الصبح لم يزد فيها ولم ينقص منها وأنها في السفر والحضر سواء فحجة من ذهب إلى إيجاب القصر في السفر.

(16/294)


فرضا قول عائشة فرضت الصلاة ركعتين ركعتين فأقرت صلاة السفر وزيد في صلاة الحضر وهذا واضح في أن الركعتين في السفر للمسافر فرض لا يجوز خلافه لأن الفرض الواجب لا يجوز خلافه ولا الزيادة عليه ألا ترى أن المصلي في الحضر لا يجوز له أن يصلي الظهر ستا ولا العصر ولا العشاء ولا يجوز له أن يصلي المغرب أربعا ولا الصبح أربعا لأنه لو فعل ذلك كان زائدا في فرضه عامدا لما يفسده وهذا كله إجماع لا خلاف فيه للحضري أنه لا يجوز له ذلك قالوا فكذلك المسافر لا يجوز له أن يصلي في السفر أربعا لأن فرضه في السفر ركعتان على ما ذكرت عائشة.
وممن ذهب إلى هذا عمر بن عبد العزيز إن صح عنه وحماد بن أبي سليمان وهو قول أبي حنيفة وأصحابه وقول بعض أصحاب مالك وقد روي عن مالك أيضا وهو المشهور عنه أنه قال من أتم في السفر أعاد في الوقت ومن حجة من ذهب إلى إيجاب القصر فرضا في السفر حديث عمر بن الخطاب قال صلاة السفر ركعتان تمام غير قصر على لسان نبيكم صلى الله عليه وسلم وهو حديث رواه عبد الرحمن بن أبي ليلى عن عمر وقال ابن معين وعلي بن المديني لم يسمعه من عمر ورجاله ثقات.

(16/295)


حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا أبو نعيم قال حدثنا سفيان عن زبير عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن عمر قال سفيان قال زبيد مرة عن عمر قال صلاة المسافر ركعتان تمام غير قصر على لسان النبي صلى الله عليه وسلم.
قال أبو عمر: روى هذا الحديث يزيد بن هارون عن الثوري عن زبيد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال سمعت عمر فخطئوه فيه لقوله سمعت عمر وقد رواه محمد بن طلحة قال حدثنا زبيد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال خطبنا عمر فقال ألا إن صلاة يوم الفطر وصلاة يوم النحر وصلاة يوم الجمعة وصلاة السفر ركعتان ركعتان تمام غير قصر على لسان النبي صلى الله عليه وسلم فوهم أيضا فيه.
ورواه يزيد بن زياد بن أبي الجعد عن زبيد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن كعب بن عجرة عن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله فزاد كعب بن عجرة أدخله بين عبد الرحمن بن أبي ليلى وابن عمر وليس لهذا الحديث غير هذا الإسناد ومن أهل الحديث من يعلله ويضعفه ومنهم من يصحح إسناد يزيد بن ابي الجعد هذا فيه.
قال علي بن المديني هو أسندها وأحسنها وأصحها واحتجوا أيضا بما حدثناه عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا بكر بن حماد قال حدثنا مسدد.

(16/296)


وحدثنا عبد الوارث ايضا قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن شاذان قال حدثنا موسى بن داود قالا حدثنا أبو عوانة عن بكير بن الأخنس عن مجاهد عن ابن عباس قال فرض الله الصلاة على لسان نبيكم صلى الله عليه وسلم في الحضر أربعا وفي السفر ركعتين وفي الخوف ركعة وهذا أيضا حديث انفرد به بكير بن الأخنس وليس بحجة فيما انفرد به واحتجوا أيضا بأن قالوا وأما قول الله عز وجل {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا} فغير جائز لمن جعل الطواف بين الصفا والمروة من أركان الحج مع قول الله عز وجل {فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا} أن يحتج بهذه الآية في إباحة القصر في السفر وقالوا إنما نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم بعسفان بين الظهر والعصر في صلاة الخوف وذكروا في ذلك حديثا رواه مجاهد عن أبي عياش الزرقي عن النبي عليه السلام.

(16/297)


وقالوا ذلك يدل على أن القصر إنما هو قصر المأموم خلف إمامه يصلي معه بعضها بشرط الخوف ولا يقوم معه وإذا كان ذلك كذلك كان حديث عائشة في معنى غير معنى الآية قد أفاد حكما زائدا .
واحتجوا ايضا بأن جابرا وابن عمر قالا ليس الركعتين في السفر بقصر وأن ابن عباس قال من صلى في السفر أربعا كمن صلى في الحضر ركعتين فهذه جملة ما نزع به الذين ذهبوا إلى أن القصر في السفر فرض على ظاهر حديث عائشة وقال آخرون القصر في السفر سنة مسنونة ورخصة وتوسعة فمن شاء قصر في السفر ومن شاء أتم كما أن المسافر مخير إن شاء صام وإن شاء أفطر وحجتهم قول الله عز وجل {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا} قالوا فالقرآن يدل على أن القصر ليس بحتم لأن الحتم لا يقال فيه ليس عليكم جناح أن تفعلوه قالوا كل ما قيل فيه لا جناح فإنما هو رخصة لا حتم مثل قوله عز وجل {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ } {لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ } {فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ} .

(16/298)


وما كان مثل هذا وكذلك قوله عز وجل في الصفا والمروة {فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا} نزلت في إباحة ما كان عندهم محظورا لأن العرب كانت تتحرج من العمرة في أشهر الحج وتتحرج من فعل ما كانت تفعله في جاهليتها وقد بينا معنى هذه الآية في مواضع من كتابنا هذا والحمد لله .
قالوا وإن كان شرط الخوف مذكورا في الآية فإن النبي صلى الله عليه وسلم وهو المبين عن الله مراده قد بين بسنته أن المسافر يقصر الصلاة في الخوف وفي غير الخوف لأنه كان يقصر وهو آمن لا يخاف إلا الله فكان القصر في السفر مع الأمن زيادة بيان على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن لم ينزل به وحي يتلى ومثله كثير في الشرع واحتجوا من الأثر بما حدثناه عبد الله بن محمد بن عبدالمؤمن قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا أحمد بن حنبل ومسدد قالا حدثنا يحيى بن سعيد عن ابن جريج قال حدثني عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي عامر عن عبد الله بن باببه عن يعلى بن أمية قال قلت لعمر بن الخطاب أرأيت إقصار الناس الصلاة اليوم وإنما قال الله عز وجل {إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا} فقد ذهب ذلك اليوم فقال عجبت مما عجبت.

(16/299)


منه فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته" هكذا قال يحيى القطان عن ابن جريج حدثني عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي عمار وقال عبد الرزاق ومحمد بن بكر البرساني وأبو عاصم وحماد بن مسعدة عن ابن جريج قال سمعت عبد الله بن أبي عمار وقال الفزاري عن ابن جريج عن ابن أبي عمار قالوا ففي قوله صلى الله عليه وسلم "إن القصر في السفر مع الأمن صدقة تصدق الله بها عليكم" دليل على أن ذلك توسعة ورخصة ورحمة وليس بواجب .
وذكر عبد الرزاق عن ابن جريج عن عمرو بن دينار قال أما قوله {نْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا} فإنما ذلك إذا خافوا الذين كفروا وسن النبي صلى الله عليه وسلم بعد الركعتين وليستا بقصر ولكنهما وفاء .
حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا موسى بن إسماعيل قال حدثنا يزيد بن إبراهيم عن محمد بن سيرين قال أنبئت.

(16/300)


أن ابن عباس قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج ما بين مكة والمدينة لا يخاف إلا الله يقصر الصلاة ومما يدل على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقصر وهو آمن غير خائف قصره الصلاة في حجته حجة الوداع وهو يومئذ قد أمن وهذا ما لا يجهله أحد من أهل العلم .
حدثنا سعيد بن نصر وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي قال حدثنا سليمان بن حرب وعارم بن الفضل قالا حدثنا حماد بن زيد عن أيوب عن ابي قلابة عن أنس بن مالك قال صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم "الظهر بالمدينة أربعا والعصر بذي الحليفة ركعتين زاد عارم وبينهما ستة أميال قال أنس وسمعتهم يصرخون بهما جميعا الحج والعمرة.
وحدثنا عبد الوارث قال حدثنا قاسم قال حدثنا بكر بن حماد قال حدثنا مسدد قال حدثنا يحيى عن سفيان قال حدثني محمد بن المنكدر وإبراهيم بن ميسرة سمعا أنس بن مالك يحدث قال صلينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة الظهر أربعا وصلينا العصر بذي الحليفة ركعتين فاستدلوا.

(16/301)


بهذه الآثار على أن القصر في السفر سنة سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس بفريضة واحتجوا أيضا بما حدثنا عبد الوارث بن سفيان وسعيد بن نصر قالا حدثنا قاسم قال حدثنا عبد الله بن روح حدثنا عثمان بن عمر قال أخبرنا مالك بن مغول عن أبي حنظلة الحذاء قال قلت لابن عمر أصلي في السفر ركعتين والله يقول إن خفتم ونحن نجد الزاد والمزاد فقال كذلك سن رسول الله صلى الله عليه وسلم فهذا ابن عمر قد صرح بأن القصر سنة من رسول الله لا فريضة من الله ولا من رسوله ولو فرضها رسول الله لقال ابن عمر فرضها كما قال في زكاة الفطر وقد مضى في هذا المعنى ما فيه كفاية في باب ابن شهاب عن رجل من آل خالد بن أسيد من كتابنا هذا .
وقد جاء في هذا الباب عن ابن عباس نحو ما جاء عن ابن عمر ذكر عبد الرزاق أخبرنا ابن جريج قال سأل حميد الضمري ابن عباس فقال إني أسافر أفأقصر الصلاة في السفر أم أتمها فقال ابن عباس ليس بقصرها ولكنه تمامها وسنة النبي صلى الله عليه وسلم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم آمنا لا يخاف إلا الله فصلى اثنتين حتى رجع ثم خرج أبو بكر آمنا لا يخاف إلا الله فصلى ركعتين حتى.

(16/302)


رجع ثم خرج عمر آمنا لا يخاف إلا الله فصلى اثنتين حتى رجع ثم فعل ذلك عثمان ثلثي إمارته أو شطرها ثم صلاها أربعا ثم أخذ بها بنو أمية قال ابن جريج وبلغني إنما أوفاها عثمان أربعا بمنى من أجل أن أعرابيا ناداه في مسجد الخيف بمنى فقال يا أمير المؤمنين ما زلت أصليها ركعتين مذ رأيتك عام أول صليتها ركعتين فخشي عثمان أن يظن جهال الناس أن الصلاة ركعتان وإنما كان أوفاها بمنى فقط.
قال أبو عمر: قد اختلف في المعنى الذي من أجله أتم عثمان الصلاة في سفره إلى مكة وبمكة فقال قوم أخذ بالمباح في ذلك إذ للمسافر أن يقصر وأن يتم كما كان له له أن يصوم وأن يفطر.
ومن ذهب إلى هذا المذهب احتج بما قدمنا ذكره من ظاهر الكتاب والسنة وبما حدثنا عبد الوارث بن سفيان وسعيد بن نصر قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا ابن وضاح قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا وكيع قال حدثنا المغيرة بن زياد عن عطاء عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتم في السفر ويقصر.

(16/303)


وأخبرنا أحمد بن قاسم وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا الحرث بن أبي أسامة قال حدثنا أبو نعيم قال حدثنا طلحة بن عمرو عن عطاء عن عائشة قالت كل قد فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم قد صام وأفطر وأتم وقصر في السفر.
حدثنا أحمد بن سعيد حدثنا مسلمة بن قاسم حدثنا جعفر بن محمد بن الحسن الأصبهاني حدثنا يونس بن حبيب حدثنا سليمان بن داود الطيالسي حدثنا حبيب بن يزيد الأنماطي حدثنا عمرو بن هرم عن جابر بن زيد قال قالت عائشة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي ركعتين يعني الفرائض فلما قدم المدينة وفرضت عليه الصلاة أربعا وثلاثا صلى وترك الركعتين اللتين كان يصليهما بمكة تماما للمسافر فهذه عائشة قد اضطربت الآثار عنها في هذا الباب وإتمامها في السفر يقضي بصحة ما وافق معناه منها.
وروى زيد العمي عن أنس قال كنا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم نسافر فيتم بعضنا ويقصر بعضنا ويصوم بعضنا ويفطر بعضنا ولا يعيب أحد على أحد.
وقال آخرون إن عثمان إنما أتم في السفر لأنه كان له في تلك المناهل أهل ومال وهذا موجود في حديث رواه.

(16/304)


عكرمة بن إبراهيم الأزدي المرطي عن عبد الله بن الحرث بن أبي ذباب عن أبيه عن عثمان بن عفان أنه صلى بأهل منى أربع ركعات فلما سلم أقبل على الناس فقال إني تأهلت بمكة وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "من تأهل في بلدة فهو من أهلها فليصل أربعا" فلذلك صليت أربعا ذكره الطحاوي عن يحيى بن عثمان بن صالح عن عمرو بن الربيع بن طارق الهلالي وعن إسماعيل بن حمدويه عن الحميدي عن عبد الله بن عبد الرحمن مولى بني هاشم قالا جميعا أخبرنا عكرمة بن إبراهيم بإسناده كما ذكرناه والحرث بن أبي ذباب قد عمل لعمر بن الخطاب على الصدقة وقال آخرون إتمامه إنما كان على نحو إتمام عائشة وقد ذكرنا الوجوه التي تؤولت على عائشة في إتمامها في باب ابن شهاب عن رجل من آل خالد بن أسيد.
وذكر عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن سالم عن ابن عمر قال صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنى ركعتين ومع أبي بكر ركعتين ومع عمر ركعتين ومع عثمان صدرا من خلافته ثم صلاها أربعا.

(16/305)


قال ابن شهاب فبلغني أن عثمان أيضا صلاها أربعا لأنه أزمع أن يقيم بعد الحج .
قال أبو عمر: هذا وجه صحيح مجتمع عليه فيمن نوى الإقامة أنه يلزمه الإتمام وقال وهيب عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر صلوا بمنى ركعتين وعثمان شطر أمارته ثم أتمها عثمان أربعا بمنى قال لأنه اتخذ أموالا بالطائف فأجمع المقام فأتم الصلاة أما قوله بالطائف فليس بشيء لأنه بلد آخر وقال معمر عن قتادة إن عثمان لما صلى أربعا بلغ ذلك ابن مسعود فاسترجع ثم قام أربعا فقيل له استرجعت ثم صليت أربعا قال الخلاف شر.
وروى أبو معاوية عن الأعمش عن ابراهيم عن عبد الرحمن بن يزيد عن عبد الله قال صلى عثمان بمنى أربعا قال فقال عبد الله صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم ركعتين ومع أبي بكر ركعتين ومع عمر ركعتين ثم تفرقت بكم الطرق ولوددت أن لي من أربع ركعات ركعتين متقبلتين .
قال الأعمش فحدثني معاوية بن قرة أن عبد الله صلاها بعد أربعا فقيل له عبت على عثمان وتصلي أربعا قال الخلاف شر.

(16/306)


حدثناه عبد الوارث قال حدثنا قاسم قال حدثنا أحمد ابن زهير قال حدثني أبي قال حدثنا أبو معاوية محمد بن حازم قال حدثنا الأعمش عن ابراهيم عن عبد الرحمن بن يزيد عن عبد الله قال صلى عثمان فذكره قال وحدثنا أبي قال حدثنا جرير عن مغيرة عن أصحابه عن ابراهيم عن الأسود قال كنت مع عبد الله بمنى فلما صلى عثمان أربعا قال عبد الله صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا المكان ركعتين وصلى أبو بكر ركعتين وصلى عمر ركعتين قال الأسود فقلت يا أبا عبد الرحمن ألا سلمت في ركعتين وجعلت الركعتين الأخريين تسبيحا قال الخلاف شر.
قال أبو عمر: فهذا يدلك على أن القصر عند ابن مسعود ليس بفرض وإنما أنكر لمخالفة عثمان الأفضل عنده لأن الأفضل عنده اتباع السنة ثم رأى اتباع إمامه فيما أبيح له أولى من إتيان الأفضل في القصر لأن مخالفة الأئمة لا تجوز إلا فيما لا يحل وأما فيما أبيح فلا يجوز فيه مخالفة الأئمة إذا حملهم على ذلك الاجتهاد ولعل عثمان ذهب إلى أن اختيار رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفره القصر كان لأنه أيسر على أمته فاختاره لذلك وقالت عائشة ما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما الحديث وهذا لا حجة فيه لأن ما اختاره رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمته وسنه وواظب عليه كان أفضل مما سواه ومثل حديث ابن مسعود هذا حديث سلمان.

(16/307)


ذكر عبد الرزاق عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن أبي ليلى الكندي عن سلمان انه كان مع قوم في السفر فحضرت الصلاة فقالوا له صل بنا فقال أنا لا نؤمكم ولا ننكح نساءكم فأبى فتقدم رجل من القوم فصلى بهم أربع ركعات فلما سلم قال سلمان ما لنا وللمربعة وإنما كان يكفينا نصف المربعة ونحن إلى الرخصة أحوج إلا ترى أن سلمان لم يعد الصلاة بل تمادى مع إمامه فصلى أربعا وأن كان لم يحمد ذلك له فهذا يدل على أن القصر عند سلمان رخصة وسنة وقد تقدم عن ابن عباس وابن عمر أن ذلك سنة.
وحدثنا قاسم بن محمد قال حدثنا خالد بن سعد قال حدثنا أحمد بن عمرو قال حدثنا محمد بن سنجر قال حدثنا هشام بن عبد الملك قال حدثنا شعبة عن قتادة عن موسى ابن سلمة قال سألت ابن عباس قلت أكون بمكة فكيف أصلي قال ركعتين سنة أبي القاسم صلى الله عليه وسلم فحسبك بهذا عن ابن عباس وفيه تصريح أن ذلك سنة .
وذكر عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء قال قلت له فيم جعل القصر في الخوف وقد أمن الناس قال:

(16/308)


السنة قلت ورخصة قال نعم قال وقال لي عمرو بن دينار مثله قال وحدثنا ابن جريج عن عطاء قال كان سعد ابن أبي وقاص وعائشة يوفيان الصلاة في السفر ويصومان قال وسافر نفر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فأوفى سعد الصلاة وصام وقصر القوم وأفطروا فقالوا لسعد كيف نفطر ونقصر الصلاة وأنت تتمها وتصوم فقال دونكم أمركم فإني أعلم بشأني قال فلم يحرمه سعد عليهم ولم ينههم عنه قال ابن جريج فقلت لعطاء فأي ذلك أحب إليك قال قصرها قال وكل ذلك قد فعله الصالحون والأخيار.
قال أبو عمر: حديث عطاء هذا وما حكاه عن سعد وعائشة أعرف من رواية جويرية عن مالك عن الزهري عن رجل عن عبد الرحمن بن المسور بن مخرمة أن سعد بن أبي وقاص والمسمور بن مخرمة وعبد الرحمن بن عبد يغوث كانوا جميعا فكان سعد يقصر الصلاة ويفطر وكانا يتمان الصلاة ويصومان فقيل لسعد في ذلك فقال سعد نحن أعلم المشهور عن سعد ما ذكره عطاء وعلى أن حال كان ففيه دليل على إباحة القصر والتمام وعلى هذا يخرج اختلاف الرواية عن سعد كأنه كان يتم مرة ويقصر أخرى وكذلك كل من روي عنه مثل ذلك من الصحابة والله أعلم.

(16/309)


وروى ابن وهب عن ابن لهيعة عن بكر بن الأشج عن القاسم بن محمد أن رجلا قال له عجيب من عائشة كانت تصلي أربعا في السفر ورسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي ركعتين فقال له القاسم عليك بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن من الناس من لا يعاب.
وذكر عبد الرزاق قال أخبرنا معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة أنها كانت تتم في السفر قال وأخبرنا الثوري عن هشام بن عروة عن أبيه عروة عن عائشة أنها كانت تتم في السفر.
قال أبو عمر: رد الذين ذهبوا إلى أن القصر في السفر مع الأمن سنة مسنونة غير فريضة حديث عائشة حيث قالت فرضت الصلاة ركعتين ركعتين فزيد في صلاة الحضر وأقرت صلاة السفر فردوه بأن قالوا قد صح عنها أنها كانت تتم في السفر وهذا من فعلها يرد قولها ذلك وان صح قولها ذلك عنها ولم يدخله الوهم من جهة النقل فهو على غير ظاهره وفيه معنى مضمر باطن وذلك والله أعلم كأنها قالت فأقرت صلاة السفر لمن شاء أو نحو هذا قالوا ولا يجوز على عائشة أن تقر بأن القصر فرض في السفر وتخالف الفرض هذا ما لا يجوز لمسلم أن ينسبه إليها قالوا وغير جائز تأويل من تأول عليها أن إتمامها كان من أجل أنها كانت أم المؤمنين.

(16/310)


فكانت حيثما نزلت على بنيها فلم تقصر لأن ذلك كان منها كأنها كانت في بيتها وهذا لا يجوز لأحد أن يعتقده لأن النبي عليه السلام به صارت عائشة وسائر أزواجه أمهات المؤمنين وكان صلى الله عليه وسلم للمؤمنين أبا رؤوفا رحيما وكان يقصر في أسفاره كلها في غزواته وعمرته وحجته صلى الله عليه وسلم .
وفي قراءة أبي بن كعب النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وهو أب لهم فمما يرد حديث عائشة إتمامها في أسفارها ومما يرده أيضا حديث ابن عباس وغيره أن الصلاة فرضت في الحضر أربعا وفي السفر ركعتين وما روي عنها مما قدمنا ذكره في هذا الباب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتم في السفر وقصر وصام وأفطر ومما يعارضه أيضا حديث القشيري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال وضع الله عن المسافر الصوم وشطر الصلاة والوضع لا يكون في الأغلب إلا مما قد ثبت فوضع منه.
وفي إجماع الجمهور من الفقهاء على أن المسافر إذا دخل في صلاة المقيمين فأدرك منها ركعة أنه يلزمه أن يصلي.

(16/311)


أربعا فلو كان فرض المسافر ركعتين لم ينتقل فرضه الى أربع كما أن المقيم إذا دخل خلف المسافر لم ينتقل فرضه إلى اثنين وهذا واضح لمن تدبر وأنصف قالوا وكيف يجوز للمسافر أن يكون مخيرا إن شاء دخل خلف الإمام المقيم فصلى أربعا وإن شاء صلى وحده ركعتين ولا يكون مخيرا في حال انفراده إن شاء صلى ركعتين وإن شاء أربعا قالوا ولو كان فرض المسافر ركعتين ما جاز له تغيير فرضه بالدخول مع المقيم في صلاته ولبطلت صلاته كما لو صلى الصبح خلف إمام يصلى الظهر إلى آخرها وهذا بين واضح والحمد لله .
أخبرنا محمد بن إبراهيم قال حدثنا محمد بن معاوية قال حدثنا أحمد بن شعيب قال أخبرنا محمد بن حاتم قال أخبرنا ابن حبان قال حدثنا عبد الله عن ابن عيينة عن أيوب عن شيخ من بني قشير عن عمه أنه انتهى إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يأكل أو قال يطعم فقال إذن فكل فقلت إني صائم فقال إن الله وضع عن المسافر شطر الصلاة والصيام وعن الحبلى والمرضع .
ورواه عبد الله بن الشخير وعمرو بن أمية الضمري عن النبي عليه السلام فأما حديث ابن الشخير فرواه أبو عوانة عن أبي بشر عن هانى ء بن عبد الله بن الشخير عن.

(16/312)


أبيه عن النبي عليه السلام إنه قدم عليه فذكر مثل حديث القشيري وأما حديث عمرو بن أمية فرواه الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي قلابة عن جعفر بن عمرو ابن أمية عن أبيه عن النبي عليه السلام هكذا حدث به الوليد بن مسلم عن الأوزاعي.
ورواه أبو المغيرة ومحمد بن حرب عن الأوزاعي عن يحيى عن أبي قلابة عن أبي المهاجر عن أبي أمية الضمري يعني عمرو بن أمية وكذلك رواه معاوية بن سلام عن يحيى بن أبي كثير بإسناده مثله.
وأخبرنا محمد بن إبراهيم قال حدثنا محمد بن معاوية قال أخبرنا أحمد بن شعيب قال أخبرنا عبدة بن عبد الرحيم عن محمد بن شعيب قال أخبرنا الأوزاعي عن يحيى عن أبي سلمة قال حدثني عمرو بن أمية الضمري قال قدمت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من سفر فقال انتظر الغداء يا أبا أمية فقلت إني صائم قال أدن مني حتى أخبرك عن المسافر إن الله وضع عنه الصيام ونصف الصلاة.
حدثنا سعيد بن نصر وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن وضاح قال حدثنا.

(16/313)


أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا ابن علية عن علي بن زيد عن أبي نضرة قال مر عمران بن حصين في مجلسنا فقال غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يصل إلا ركعتين حتى رجع إلى المدينة وحججت معه فلم يصل إلا ركعتين حتى رجع الى المدينة وشهدت معه الفتح فأقام بمكة ثمان عشرة لا يصلي إلا ركعتين ثم يقول لأهل البلد صلوا أربعا فإنا قوم سفر واعتمرت معه ثلاث عمر لا يصلي إلا ركعتين فهذا يدلك على أن الإمامة لا تنقل فرضا عن حاله ألا ترى إلى قوله صلى الله عليه وسلم لمن خلفه من أهل الحضر "صلوا أربعا فإنا قوم سفر" وكذلك قال عمر لأهل مكة أيضا حين صلى بهم ثم سلم من ركعتين وقال لهم أتموا صلاتكم فإنا قوم سفر .
فلما لم يكن أتباع الإمام يحمل المقيم إذا صلى خلف المسافر على أن يجتزى ء بركعتين ويقتصر على السلام معه لأن كلا على فرضه وكان المسافر إذا أدرك ركعة من صلاة المقيم انتقل حكمه إلى حكم المقيم ولزمه أن يصلي أربعا علمنا بذلك أن قصر الصلاة ليس بفرض واجب لأنه لو كان فرضا لأضاف المسافر إلى ركعته التي أدركها من صلاة المقيم ركعة أخرى واستجزى بذلك فلما أجمعوا على غير ذلك علم أن القصر للمسافر سنة لا فرض ألا ترى.

(16/314)


أنهم قد أجمعوا أنه جائز للمسافر أن يصلي خلف المقيم من كره ذلك منهم ومن استحسنه كلهم يجيزه وقد أجمعوا على أن المسافر إذا أدرك ركعة من صلاة المقيم لزمه الإتمام بل قد قال أكثرهم إنه إذا أحرم المسافر خلف المقيم قبل سلامه أنه تلزمه صلاة المقيم وعليه الإتمام فلو كان القصر فرضا واجبا ما دخل المسافر مع المقيم في صلاته والأمر في هذا واضح بين لمن لم يعاند وألهم رشده.
أخبرنا محمد بن عبد الملك وعبيد بن محمد قالا حدثنا عبد الله بن مسرور قال حدثنا عيسى بن مسكين قال حدثنا محمد بن سنجر قال حدثنا الفضل بن دكين قال حدثنا شريك عن جابر عن عامر عن ابن عباس وابن عمر قالا سن رسول الله صلى الله عليه وسلم للمسافر ركعتين وهما تمام قالا والوتر في السفر من السنة فهذا ابن عمر وابن عباس قد قالا إن صلاة المسافر سنة كما قالا أن الوتر في السفر من السنة وقد مضى في هذا الباب عن ابن عمر أيضا وابن عباس مثل ذلك.
وعن عطاء وعمرو بن دينار والقاسم بن محمد مثل ذلك وقد أشبعنا هذا المعنى عند ذكر حديث ابن شهاب عن رجل من آل خالد بن أسيد في كتابنا هذا والحمد لله.

(16/315)


وأما اختلاف الفقهاء في هذا الباب فروى عن مالك أنه قال مرة في مسافر أم مقيمين فأتم بهم الصلاة جاهلا ومنهم المسافر والمقيم قال أرى أن يعيدوا الصلاة جميعا وروي عنه أيضا أنه قال يعيد ما كان في الوقت وما مضى وقته فلا إعادة عليه.
وقال ابن المواز فيمن صلى أربعا ناسيا لسفر أو ناسيا لإقصاره أو ذاكرا فليعد في الوقت وكذلك قال سحنون فيمن صلى في السفر ناسيا أو ذاكرا وزاد أو جاهلا أربعا أنه يعيد في الوقت وقال ابن المواز لو افتتح على ركعتين فأتمهما أربعا تعمدا أعاد أبدا وإن كان سهوا سجد لسهوه وأجزأه وقال سحنون بل يعيد أبدال لكثرة السهو وقال ابن المواز ليس كسهو مجتمع عليه.
وذكر أبو الفرج عن مالك قال ومن أتم في السفر أعادها مقصورة ما دام في وقتها إلى أن ينوي مقاما فيعيدها كاملة ما دام في وقتها قال ولو صلى مسافر بمسافرين فسها فقام ليتم فليجلس من وراءه حتى يسلموا بسلامه وعليه إعادة الصلاة ما دام في الوقت قال القاضي أبو الفرج أحسبه أنه ألزم هذا الإعادة لأنه سبح به فتمادى في صلاته عامدا عالما بذلك وأما إن كان ساهيا فلا وجه لأمره بالإعادة لأنه بمنزلة مقيم.

(16/316)


صلى الظهر خمسا ساهيا فلم يكن عليه إعادة وذكر ابن خواز منداد أن مالكا يقول إن القصر في السفر مسلون غير وجاب وهو قول الشافعي .
قال أبو عمر: في قول مالك إن من أثم الصلاة في السفر لم تلزمه الإعادة إلا في الوقت دليل على أن القصر عنده ليس بفرض.
وقد حكى أبو الفرج في كتابه عن أبي المصعب عن مالك القصر في السفر للرجال والنساء سنة.
قال أبو الفرج فلا معنى للاشتغال بالاستدلال على مذهب مالك مع ما ذكره أبو المصعب إن القصر عنده سنة لا فرض قال ومما يدل على ذلك من مذهبه أنه لا يرى الإعادة على من أتم في السفر إلا في الوقت.
قال أبو عمر: فهذا أصح ما في هذه المسألة وذلك أصح الأقاويل فيها من جهة النظر والأثر وبالله التوفيق.
وأما الشافعي وأبو ثور فكانا يقولان إن شاء المسافر قصر وإن شاء أتم وذكر أبو سعد القزويني المالكي أن الصحيح في مذهب مالك التخيير للمسافر في الإتمام والقصر كما قال الشافعي إلا أنه يستحب له القصر ولذلك يرى عليه الإعادة في الوقت إن أتم.

(16/317)


وقال أبو حنيفة وأصحابه إذا صلى المسافر أربعا فإن كان قعد في كل ركعتين قدر التشهد صلاته تامة وإن لم يكن فقعد في الركعتين الأوليين قدر التشهد فعليه أن يعيد.
قال أبو عمر: هذا على أصولهم في أن التشهد والسلام ليسا بواجبين والجلوس مقدار التشهد عندهم واجب وبه يخرج عندهم من الصلاة وللرد عليهم في ذلك موضع غير هذا.
وقال حماد بن أبي سليمان من أتم في السفر أعاد والإعادة عنده وعند أبي حنيفة على ما قدمنا من أصولهم أبدا.
وجاء عن عمر بن عبد العزيز ما يدل على أن القصر في السفر واجب لأنه قال الركعتان للمسافر حتم لا يصلح غيرهما.
واختلف في هذه المسألة عن أحمد بن حنبل فقال مرة أنا أحب العافية من هذه المسألة وقال مرة أخرى لا يعجبني أن يصلي أربعا السنة ركعتان وقد مضى القول في كثير من مسائل هذا الباب في باب ابن شهاب عن رجل من أل خالد بن أسيد من كتابنا هذا فلا وجه لإعادة ذلك ههنا.

(16/318)