Contents

الواجهة
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد
مقدمة
باب الألف
باب الثاء
باب الجيم
باب الحاء
باب الخاء
باب الدال
باب الراء
باب الزاي
تابع باب الزاء
تابع لحرف الزاء
تابع لحرف الزاء
باب الطاء
باب الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع حرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
باب النون
باب الصاد
باب الضاد
باب العين
تابع لحرف العين
تابع حرف العين
تابع لحرف العين
تابع لحرف العين
باب القاف
باب السين
باب الشين
باب الهاء
باب الواو
باب الياء
تابع باب الياء
باب الكني
باب بلاغات مالك ومرسلاته
باب مافي هذا الديوان من حديث مالك الذي ثبتت عليه أبوابه خاصة
الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج
الديباج - جزء 1
الديباج - جزء 2
الديباج - جزء 3
الديباج - جزء 4
الديباج - جزء 5
الديباج - جزء 6
المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج
المنهاج - مقدمة
المنهاج - الإيمان
المنهاج - الطهارة
المنهاج - الحيض
المنهاج - الصَّلَاة
المنهاج - المساجد ومواضع الصلاة
المنهاج - صلاة المسافرين وقصرها
المنهاج - بَاب صَلَاة الْجُمُعَة
المنهاج - بَاب صَلَاة الْعِيدَيْنِ
المنهاج - بَاب الدُّعَاء فِي صَلَاة الِاسْتِسْقَاء
المنهاج - بَاب صَلَاة الْكُسُوف
المنهاج - كِتَاب الْجَنَائِز
المنهاج - الزكاة
المنهاج - كِتَاب الصِّيَام
المنهاج - كِتَاب الِاعْتِكَاف
المنهاج - كِتَاب الْحَجّ
المنهاج - كِتَاب النِّكَاح
المنهاج - الرضاعة
المنهاج - الطلاق
المنهاج - اللِّعَان
المنهاج - العتق
المنهاج - البيوع
المنهاج - المساقاة
المنهاج - الفرائض
المنهاج - الهبات
المنهاج - الوصية
المنهاج - النذر
المنهاج - الأيمان
المنهاج - القسامة
المنهاج - الحدود
المنهاج - الأقضية
المنهاج - اللقطة
المنهاج - الجهاد والسير
المنهاج - الإمارة
المنهاج - الصيد والذبائح
المنهاج - كِتَاب الْأَضْاحَي
المنهاج - الأشربة
المنهاج - اللباس والزينة
المنهاج - الآداب
المنهاج - السلام
المنهاج - الألفاظ من الأدب وغيرها
المنهاج - الشعر
المنهاج - الرؤيا
المنهاج - الفضائل
المنهاج - فضائل الصحابة
المنهاج - البر والصلة والآداب
المنهاج - القدر
المنهاج - العلم
المنهاج - الذكر والدعاء
المنهاج - التوبة
المنهاج - صفات المنافقين
المنهاج - صفة القيامة والجنة والنار
المنهاج - الجنة وصفة نعيمها وأهلها
المنهاج - الفتن وأشراط الساعة
المنهاج - الزهد والرقائق
المنهاج - التفسير
تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي
أبواب الطهارة
أبواب الصلاة
تابع أبواب الصلاة
أبواب الوتر
أبواب الجمعة
تابع لأبواب الجمعة
أبواب العيدين
أبواب السفر
ابواب الزكاة
أبواب الصوم
أبواب الحج
تابع أبواب الحج
أبواب الجنائز
أبواب النكاح
أبواب الرضاع
أبواب الطلاق واللعان
ابواب البيوع
أبواب الأحكام
أبواب الديات
ابواب الحدود
تابع أبواب الحدود
أبواب الصيد
أبواب الأضاحي
أبواب النذور والأيمان
أبواب السير
أبواب الجهاد
أبواب اللباس
أبواب الأطعمة
أبواب الأشربة
تابع أبواب الأشربة
أبواب البر و الصله عن رسول الله صلى الله عليه و آله سلم
أبواب الطب عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الفرائض عن الرسول صلى الله عليه و سلم
أبواب الوصايا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الولاء و الهبة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب القدر عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم
أبواب الفتن عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الرؤيا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الشهادات عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
تابع لأبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صِفَةُ القِيامَة
أبواب صفة الجنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صفة جهنم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإيمان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب العلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإستئذان والآداب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب العلم
أبواب الأمثال
أبواب فضائل القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب القراءات عن رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم
أبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الدعوات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أحاديث شتى من أبواب الدعوات
المناقب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
مناقب الصحابة رضوان الله عليهم
تنوير الحوالك شرح موطأ مالك
كتاب وقوت الصلاة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب السهو
كتاب الجمعة
كتاب الصلاة في رمضان
كتاب صلاة الليل
كتاب صلاة الجماعة
كتاب قصر الصلاة في السفر
كتاب العيدين
كتاب صلاة الخوف
كتاب صلاة الكسوف
كتاب الاستسقاء
كتاب القبلة
كتاب القرآن
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب الجهاد
كتاب النذور و الأيمان
كتاب الضحايا
كتاب الذبائح
كتاب الصيد
كتاب العقيقة
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الرضاع
كتاب البيوع
كتاب القراض
كتاب المساقاة - كتاب كراء الأرض
كتاب الشفعة - كتاب الأقضية
كتاب الوصية - كتاب العتق والولاء
كتاب المكاتب - كتاب المدبر
كتاب الحدود
كتاب الأشربة - كتاب العقول
كتاب القسامة - كتاب الجامع
كتاب القدر - كتاب حسن الخلق
كتاب اللباس - كتاب صفة النبي
كتاب العين - كتاب الشعر
كتاب الرؤيا - كتاب السلام
كتاب الاستئذان والتشميت والصور والتماثيل وغيرها
كتاب البيعة - كتاب الكلام والعينة والتقى
كتاب جهنم - كتاب الصدقة
كتاب العلم - كتاب دعوة المظلوم - كتاب أسماء النبي
حاشية السندي على سنن ابن ماجة
المقدمة
الطَّهَارَة وَسُنَنهَا
الصلاة
الْأَذَان
المساجد والجماعات
أَبْوَاب إِقَامَة الصَّلَاة
الجنائز
الصوم
الزكاة
النكاح
الطلاق
الكفارات
التجارات
الأحكام
الحدود
الديات
الوصايا
الْفَرَائِض
الجهاد
المناسك
الْأَضَاحِيّ
الذبائح
الصيد
الأطعمة
الأشربة
الطب
اللباس
الْآدَاب
الدُّعَاء
تعبير الرؤيا
الْفِتَن
الزُّهْد
شرح سنن ابن ماجه لمغلطاي
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح رياض الصالحين
شرح رياض الصالحين - 01
شرح رياض الصالحين - 02
شرح رياض الصالحين - 03
شرح رياض الصالحين - 04
شرح سنن أبي داود للعيني
مقدمة التحقيق
كتاب الطهارة
كِتابُ الصَلاَةِ
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
عون المعبود شرح سنن أبي داود
كتاب الطهارة
تابع كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
كتاب الزكاة
تابع لكتاب الزكاة
كتاب اللقطة
كتاب المناسك
تابع لكتاب المناسك
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الصيام
تابع لكتاب الصيام
أول كتاب الجهاد
أول كتاب الضحايا
تابع كتاب الضحايا
أول كتاب الصيد
أول كتاب الوصايا
أول كتاب الفرائض
أول كتاب الخراج والفيء والإمارة
أول كتاب الجنائز
تابع لكتاب الجنائز
كتاب الأيمان والنذور
كتاب البيوع
كتاب الإجارة
كتاب القضاء
تابع لكتاب القضاء
كتاب العلم
كتاب الأشربة
كتاب الأطعمة
كتاب الطب
كتاب الكهانة والتطير
كتاب العتق
أول كتاب الحروف والقراءات
أول كتاب الحمام
أول كتاب اللباس
أول كتاب الترجل
أول كتاب الخاتم
أول كتاب الفتن والملاحم
أول كتاب المهدي
أول كتاب الملاحم
أول كتاب الحدود
أول كتاب الديات
أول كتاب السنة
تابع لكتاب السنة
أول كتاب الأدب
أبواب السلام
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن حجر
فتح الباري - هدي الساري مقدمة فتح الباري
فتح الباري - كتاب بدء الوحي
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب العلم
فتح الباري - كتاب الوضوء
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
فتح الباري - كتاب مواقيت الصلاة
فتح الباري - كتاب الأذان
فتح الباري - كتاب الجمعة
فتح الباري - كتاب الخوف
فتح الباري - كتاب العيدين
فتح الباري - كتاب الوتر
فتح الباري - كتاب الاستسقاء
فتح الباري - كتاب الكسوف
فتح الباري - كتاب سجود القرآن
فتح الباري - كتاب تقصير الصلاة
فتح الباري - كتاب التهجد
فتح الباري - كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة
فتح الباري - كتاب العمل في الصلاة
فتح الباري - كتاب السهو
فتح الباري - كتاب الجنائز
فتح الباري - كتاب الزكاة
فتح الباري - كتاب الحج
فتح الباري - كتاب العمرة
فتح الباري - كتاب المحصر
فتح الباري - كتاب جزاء الصيد
فتح الباري - كتاب فضائل المدينة
فتح الباري - كتاب الصوم
فتح الباري - كتاب صلاة التراويح
فتح الباري - كتاب فضل ليلة القدر
فتح الباري - كتاب الإعتكاف
فتح الباري - كتاب البيوع
فتح الباري - كتاب السلم
فتح الباري - كتاب الشفعة
فتح الباري - كتاب الإجارة
فتح الباري - كتاب الحرث والمزارعة
فتح الباري - كتاب المساقاة
فتح الباري - كتاب الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس
فتح الباري - كتاب الخصومات
فتح الباري - كتاب اللقطة
فتح الباري - كتاب المظالم
فتح الباري - كتاب الشركة
فتح الباري - كتاب الرهن
فتح الباري - كتاب العتق
فتح الباري - كتاب المكاتب
فتح الباري - كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها
فتح الباري - كتاب الشهادات
فتح الباري - كتاب الصلح
فتح الباري - كتاب الشروط
فتح الباري - كتاب الوصايا
فتح الباري - كتاب الجهاد و السير
فتح الباري - كتاب فرض الخمس
فتح الباري - كتاب الجزية و الموادعة
فتح الباري - كتاب بدء الخلق
فتح الباري - كتاب أحاديث الأنبياء
فتح الباري - كتاب المناقب
فتح الباري - كتاب فضائل الصحابة
فتح الباري - كتاب مناقب الأنصار
فتح الباري - كتاب المغازي
فتح الباري - كتاب التفسير
فتح الباري - كتاب فضائل القرآن
فتح الباري - كتاب النكاح
فتح الباري - كتاب الطلاق
فتح الباري - كتاب النفقات
فتح الباري - كتاب الأطعمة
فتح الباري - كتاب العقيقة
فتح الباري - كتاب الذبائح والصيد
فتح الباري - كتاب الأضاحي
فتح الباري - كتاب الأشربة
فتح الباري - كتاب المرضى
فتح الباري - كتاب الطب
فتح الباري - كتاب اللباس
فتح الباري - كتاب الأدب
فتح الباري - كتاب الإستئذان
فتح الباري - كتاب الدعوات
فتح الباري - كتاب الرقاق
فتح الباري - كتاب القدر
فتح الباري - كتاب الأيمان والنذور
فتح الباري - كتاب كفارات الأيمان
فتح الباري - كتاب الفرائض
فتح الباري - كتاب الحدود
فتح الباري - كتاب الديات
فتح الباري - كتاب استتابة المرتدين
فتح الباري - كتاب الإكراه
فتح الباري - كتاب الحيل
فتح الباري - كتاب التعبير
فتح الباري - كتاب الفتن
فتح الباري - كتاب الأحكام
فتح الباري - كتاب التمني
فتح الباري - كتاب أخبار الأحاد
فتح الباري - كتاب الإعتصام بالسنة
فتح الباري - كتاب التوحيد
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن رجب
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
مقدمة
خطبة الكتاب
كتاب الإيمان
كتاب العلم
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصوم
كتاب فضائل القرآن
كتاب الدعوات
كتاب المناسك
كتاب البيوع
كتاب الفرائض والوصايا
كتاب النكاح
كتاب العتق
كتاب القصاص
كتاب الديات
كتاب الحدود
كتاب الإمارة والقضاء
كتاب الجهاد
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأطعمة
كتاب اللباس
كتاب الطب والرقى
كتاب الرؤيا
كتاب الآداب
كتاب الرقاق
كتاب الفتن
كتاب صفة القيامة والجنة والنار
كتاب الفضائل والشمائل
كتاب المناقب

 
عودة لموقع هاني الطنبور
هاني الطنبور
الصفحة السابقة الصفحة التالية
 
 

 

التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد

باب العين
عبد الله بن دينار
الحديث الأول
...
باب العين
مالك عن عبد الله بن دينار
وهو عبد الله بن دينار مولى عبد الله بن عمر بن الخطاب يكنى عبد الرحمن وكان ثقة روى عنه جماعة من الأئمة منهم مالك وشعبة والثوري وابن عيينة وغيرهم سكن المدينة وتوفي بها سنة سبع وعشرين ومائة هكذا ذكر الواقدي.
وحدثنا خلف بن القاسم قال حدثنا أحمد بن أسامة بن عبد الرحمن بن أبي السمح قال حدثني أبي قال حدثنا هارون بن سعيد الإيلي قال حدثنا خالد بن نزار قال حدثنا سفيان بن عيينة قال مات عبد الله بن دينار وابن أبي نجيح سنة إحدى وثلاثين ومائة.
لمالك عنه في الموطأ من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ستة وعشرون حديثا وعن سليمان بن يسار حديثان وعن أبي صالح حديثان.

(16/331)


حديث أول لعبد الله بن دينار
عن ابن عمر.
مالك عن عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الولاء وعن هبته .
هكذا روى هذا الحديث عن مالك جماعة الرواة فيما علمت وكذلك هو في الموطأ إلا أن محمد بن سليمان رواه عن مالك عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر عن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:" الولاء لا يباع ولا يوهب" ولم يتابعه أحد على ذلك.
وقد روى هذا الحديث شعبة والثوري وعبد العزيز ابن أبي سلمة وجماعة يطول ذكرهم من الأئمة عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم لم يذكروا عمر وروى هذا الحديث ابن الماجشون عن.

(16/333)


مالك عن نافع عن ابن عمر وذلك خطأ لم يتابع ابن الماجشون عليه والصواب فيه مالك عن عبد الله بن دينار لا عن نافع والله أعلم .
حدثنا خلف بن قاسم حدثنا محمد بن عبد الله بن زكرياء حدثنا أحمد بن شعيب أخبرنا أحمد بن نصر حدثنا أبو مروان عبد الملك بن عبد العزيز الماجشون عن مالك عن نافع عن ابن عمر قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الولاء وعن هبته واختلافهم في بيع ولاء المكاتب وهبته او اشتراط المكاتب لولاء نفسه باب آخر.
روى قتادة عن ابن المسيب أنه كان لا يرى بأسا ببيع الولاء إذا كان من المكاتبة ويكرهه إذا كان من عتق وسفيان وحماد عن عمرو بن دينار قال وهبت ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم ولاء سليمان بن يسار لابن عباس وكان مكاتبا.
ومعمر عن قتادة قال لا يباع الولاء إلا رجل كوتب فإن اشترط في كتابته أن أوالي من شئت فهو جائز ومعمر عن قتادة عن ابن المسيب أن النبي عليه السلام مر.

(16/334)


برجل يكاتب عبدا فقال له النبي عليه السلام اشترط ولاءه قال وكان قتادة يقول من لم يشترط ولاء مكاتبه والى المكاتب من شاء حين يعتق .
وقال مكحول لا يباع الولاء إلا أن المكاتب إذا اشترط ولاءه مع رقبته جاز وعن سعيد بن عبد العزيز مثله .
وقال ابن جريج كان عطاء يجيز هبة الولاء ثم رجع عنه فقال لا يباع الولاء ولا يوهب إلا أن من أذن لمولاه أن يتولى من شاء جاز ذلك لقوله صلى الله عليه وسلم "من تولى قوما بغير إذن مواليه" قلت لعطاء رجل كاتب عبده ولم يشترط سيده أن ولاءك لي لمن ولاؤه قال لسيده وقاله عمرو بن دينار وقال مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابهم ولاء المكاتب لسيده ليس له أن يشترطه لنفسه ولا أن يوالي غيره إذا أدى الكتابة إليه أو إلى ورثته من بعده وهذا الحديث إنما انفرد به عبد الله بن دينار واحتاج الناس فيه إليه وهو حديث عليه العمل عند أكثر العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من الخالفين.
وقد روي عن عثمان بن عفان إجازة ذلك وروي عن ابن عباس إجازة هبة الولاء ولم يجز بيعه وإن عمرو بن حزم وهب ولاء مولى له لابنه محمد دون عبد الرحمن وإن أبا بكر بن محمد بن عمرو بن حزم قضى بجواز هبة الولاء.

(16/335)


وذكر حماد بن سلمة عن هشام بن عروة عن ابيه أنه اشترى ولاء طهمان وبنيه لبني مصعب بن الزبير.
وذكر حماد بن سلمة أيضا عن عمرو بن دينار أن ميمونة بنت الحرث وهبت ولاء مواليها للعباس فولاؤهم لهم اليوم وقد روى عن ميمونة أنها وهبت ولاء سليمان بن يسار مولاها لعبد الله بن عباس .
وقد روى أبو نعيم الفضل بن دكين قال حدثنا قيس عن ليث عن عطاء بن السائب أن علقمة والأسود وأبا فضيلة وابن معقل رخصوا لسالم بن أبي الجعد أن يبيع ولاء مولى له بعشرة آلاف يستعين بها على عبادته وهذا عند أهل العلم غير مأخوذ به والذي عليه جماعة العلماء أن الولاء كالنسب لا يباع ولا يوهب وقد جاء عن ابن عباس في ذلك ما يرد قصة ميمونة.
ذكر عبد الرزاق عن الثوري عن عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء عن ابن عباس قال الولاء لمن اعتق لا يجوز بيعه ولا هبته وعن الثوري عن مغيرة عن ابراهيم قال سئل عبد الله بن مسعود عن بيع الولاء قال أيبيع

(16/336)


أحدكم نسبه وهذا عن ابن مسعود يرد ما روي عن علقمة والأسود وذكر عبد الرزاق أيضا عن ابن عيينة عن مسعر عن عبد الله بن رباح عن عبد الله بن معقل عن علي رضي الله عنه قال الولاء شعبة من النسب من أحرز الولاء أحرز الميراث وعن معمر عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن علي قال لا يباع الولاء ولا يوهب.
وعن ابن جريج قال أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر ابن عبد الله يكره بيع الولاء وهبته قال ابن جريج وسمعت عطاء يقول كان ابن عباس ينكر بيع الولاء وعن ابن جريج عن موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر أنه كان ينكر بيع الولاء ويكرهه كراهية شديدة وأن يوالى أحد غير مواليه وأن يهبه .
وعن الثوري عن داود عن ابن المسيب قال الولاء لحمة كالنسب لا يباع ولا يوهب وقد مضى القول في كثير من مسائل الولاء في باب ربيعة من كتابنا هذا فلا وجه لإعادة شيء من ذلك ههنا.

(16/337)


وفي نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الغرر ما يشهد لصحة ما ذهب إليه الفقهاء في هذا الباب وان من خالفه محجوج لأن الحجة به قائمة ما دام لم يرو عن النبي عليه السلام ما يخالفه فثبتت الحجة به وروى ابن جريج عن موسى بن عقبة عن نافع أن ابن عمر كان ينكر أن يتولى أحد غير مولاه وأن يهب ولاءه.
وروى ابن وهب عن مالك أنه قال لا يجوز لسيد أن يأذن لمولاه أن يوالي من شاء لأنها هبة الولاء وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الولاء وعن هبته وقد رخصت طائفة من العلماء أن يتولى المعتق من شاء إذا أذن له سيده فمنهم ابراهيم النخعي وعطاء وعمرو بن دينار واحتج من ذهب هذا المذهب بحديث ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر قال حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه لا يحل أن يتولى مولى رجل مسلم بغير إذنه وممن قال لا يجوز بيع الولاء ولا هبته من كتابة ولا غيرها جابر وابن عباس وابن عمر وطاوس والحسن وابن سيرين وسويد ابن غفلة والشعبي ومالك والشافعي والثوري وأبو حنيفة وأصحابه وأحمد وعلي.

(16/338)


الحديث الثاني
...
حديث ثان لعبد الله بن دينار عن.
ابن عمر.
مالك عن عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :"من ابتاع طعاما فلا يبعه حتى يقبضه".
ظاهر هذا الحديث يوجب التسوية بين ما بيع من الطعام حزافا وبين ما بيع منه كيلا أن لا يباع شيء من ذلك كله حتى يقبض لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يخص في هذا الحديث طعاما من طعام ولا حالا من حال ولا نوعا من نوع.
وفي ظاهر هذا الحديث أيضا ما يدل على أن ما عدا الطعام لا بأس ببيعه قبل قبضه لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم خص الطعام بالذكر دون غيره وهذان موضعان تنازع

(16/339)


فيهما العلماء قديما وحديثا وقد ذكرنا ما لهم في ذلك من الأقوال والاعتلال في باب نافع من هذا الكتاب فلا معنى لإعادة ذلك ههنا.
وأما الطعام الذي لا يباع قبل القبض عند مالك وأصحابه فقال مالك فيما ذكر ابن وهب وغيره عنه لا يجوز بيع ما يؤكل أو يشرب قبل القبض لا من البائع ولا من غيره سواء كان بعينه أو بغير عينه.
وقال ابن القاسم قال مالك لا تبيع الملح والكسبر والشونيز والتوابل حتى تستوفيها قال وأما زريعة الجزر وزريعة السلق والكراث والجرجير والبصل وما أشبهه فلا بأس أن تبيعه قبل أن تستوفيه لأن هذا ليس بطعام ويجوز فيه التفاضل وليس كزريعة الفجل الذي منه الزيت هذا طعام لأن الزيت فيه قال وقال مالك الطعام كله لا يجوز بيعه قبل القبض إذا اشتري كيلا فإن اشتري جزافا جاز ولا خلاف عن مالك وأصحابه في غير المأكول والمشروب ونحو الثياب وسائر العروض العقار وغيره أنه يجوز بيعها قبل قبضها ممن اشترى منه ومن غيره وكذلك إذا أسلف فيها يجوز بيعها من الذي هي عليه ومن غيره إلا أنه إذا باعها ممن

(16/340)


هي عليه في السلم لم يبعها إلا بمثل رأس المال أو بأقل لا يزاد على رأس ماله ولا يؤخره وإن باعه منه بعرض جاز قبل الأجل وبعده إذا قبض العرض ولم يؤخره وكان العرض مخالفا لهما بينا خلافه هذا كله أصل قول مالك في هذا الباب وجملته.
وأما فروع هذا الباب ونوازله فكثيرة جدا على مذهب مالك وأصحابه ولهم في ذلك كتب معروفة قد أكثروا فيها من التنزيل والتفريع على المذهب فمن أراد ذلك تأملها هناك ولا خلاف عن مالك وأصحابه أن الطعام كله المأكول والمشروب غير الماء وحده لا يجوز بيع شيء منه قبل قبضه إذا بيع على الكيل أوالوزن لا من البائع له ولا من غيره لا من سلم ولا من بيع معاينة لا بأكثر من الثمن ولا بأقل وجائز عندهم إلا إقالة في الطعام قبل أن يستوفى بمثل رأس المال سواء وكذلك الشركة عندهم والتولية فيه وقد قال بهذا القول طائفة من أهل المدينة وقال سائر الفقهاء وأهل الحديث لا يجوز بيع شيء من الطعام قبل أن يستوفى ولا تجوز فيه الإقالة ولا الشركة ولا التولية عندهم قبل أن يستوفى بوجه من الوجوه والإقالة والشركة والتولية عندهم بيع وقد جعل بعضهم الإقالة فسخ بيع ولم يجعلها بيعا وأبى ذلك بعضهم ولم يختلف فقهاء الأمصار غير مالك وأصحابه في أن

(16/341)


الشركة والتولية في الطعام لا يجوز قبل أن يستوفى وقد مضى ما للعلماء في معنى هذا الحديث من التنازع في المعاني في باب نافع عن ابن عمر من هذا الكتاب.
وأما اختلاف الفقهاء في الإقالة جملة هل هي فسخ بيع أو بيع فقال مالك الإقالة بيع من البيوع يحلها ما يحل البيوع ويحرمها ما يحرم البيوع وهذا عنده إذا كان في الإقامة زيادة أو نقصان أو نظرة فإذا كان ذلك فهي بيع في الطعام وغيره ولا يجوز في الطعام قبل أن يستوفى إذا كان قد بيع على الكيل فإن لم يكن في الإقالة زيادة ولا نقصان فهي عنده جائزة في الطعام قبل أن يستوفى وفي غير الطعام وفي كل شيء وكذلك التولية والشركة على ما قدمنا وقال الشافعي لا خير في الإقالة على زيادة أو نقصان بعد القبض لأن الإقالة فسخ بيع.
وقال الشافعي أيضا وأبو حنيفة الإقالة قبل القبض وبعد القبض فسخ لا يقع إلا بالثمن الأول سواء تقايلا بزيادة أو نقصان أو ثمن غير الأول.
وروى الحسن بن زيادة عن أبي حنيفة قال الإقالة قبل القبض فسخ وبعد القبض بمنزلة البيع قال وقال أبو يوسف إذا كانت بالثمن الأول فهو كما قال أبو حنيفة وإن

(16/342)


كانت بأكثر من الثمن أو بأقل فهو بيع مستقبل قبل القبض وبعده.
وروي عن أبي يوسف قال هي بيع مستقبل بعد القبض وتجوز بالزيادة والنقصان وبثمن آخر.
وقال ابن سماعة عن محمد بن الحسن قال إذا ذكر ثمنا أكثر من ثمنها أو غير ثمنها فهي بيع بما سمى.
وروى أصحاب زفر عن زفر قال كان أبو حنيفة لا يرى الإقالة بمنزلة البيع في شيء إلا في الإقالة بعد تسليم الشفيع الشفعة فيوجب الشفعة بالإقالة.
وقال زفر ليست في الإقالة شفعة.
وأما الإقالة في بعض السلم فجملة قول مالك أنه لا يجوز أن يقيل من بعض ما أسلم فيه ويأخذ بعض رأس ماله.
وذكر ابن القاسم وغيره عن مالك قال إذا كان السلم طعاما ورأس المال ثيابا جاز أن يقيله في بعض ويأخذ بعضا وإن كان السلم ثيابا موصوفة ورأس المال دراهم لم تجز الإقالة في بعضها دون بعض لأنه تصير فضة بفضة وثياب إلى أجل.
وقال مالك إن أسلم ثيابا في طعام جازت الإقالة في بعض ويرد حصته من الثياب وإن حالت أسواق الثياب.

(16/343)


وليست كالدراهم لأنه ينتفع بها والثياب لم ينتفع بها إذا ردت فلو أقال من البعض جاز وقال ابن أبي ليلى وأبو الزناد لا يجوز لمن سلم في شيء أن يقيل من بعض ويأخذ بعضا ولم يفسروا هذا التفسير ولا خصوا شيئا.
وقال أبو حنيفة والثوري والشافعي وأصحابهم جائز أن يقيل في بعض ويأخذ بعضا في السلم وغيره على كل حال.
وروى الثوري عن سلمة بن موسى وعبد الأعلى عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في الرجل يأخذ بعض سلمه وبعض رأس ماله قال ذلك المعروف والثوري عن جابر الجعفي عن نافع عن ابن عمر أنه لم يكن يرى بذلك بأسا.
وروى ابن المبارك عن أسامة بن زيد عن نافع عن ابن عمر قال من سلم في شيء فلا يأخذ بعضه سلفا وبعضه عينا ليأخذ سلعته كلها أو رأس ماله أو ينظره.
وروى أشعث بن سوار عن أبي الزبير عن جابر قال إذا أسلفت في شيء فخذ الذي أسلفت فيه أو رأس مالك.
واختلفوا في الإقالة في السلم من أحد الشريكين فقال مالك إذا أسلم رجلان إلى رجل ثم أقاله أحدهما جاز في نصيبه وهو قول أبي يوسف والشافعي.

(16/344)


وقال أبو حنيفة إذا أسلم رجلان إلى رجل ثم أقاله أحدهما لم يجز إلا أن يجيزها الآخر وهو قول الأوزاعي.
وقال مالك لا يجوز بيع السلم قبل القبض وتجوز فيه الشركة والتولية وكذلك الطعام لأن هذا معروف وليس ببيع .
وقال أبو حنيفة لا تجوز التولية والشركة في السلم ولا في الطعام قبل القبض وهو قول الثوري والأوزاعي والليث والشافعي وحجتهم أن الشركة والتولية بيع وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع ما ليس عندك وربح ما لم يضمن وعن بيع الطعام حتى يقبض.
ومن حجة مالك في إجازة ذلك أن الشركة والتولية عنده فعل خير ومعروف وقد ندب الله ورسوله إلى فعل الخير والتعاون على البر وقال صلى الله عليه وسلم "كل معروف صدقة" وقد لزم الشركة والتولية عنده اسم غير اسم البيع فلذلك جازا في الطعام قبل القبض وقد أجاز الجميع الإقالة برأس المال قبل القبض فالشركة والتولية كذلك.

(16/345)


وقال الشافعي وإنما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الطعام حتى يقبض لأن ضمانه من البائع ولم يتكامل للمشتري فيه تمام ملك فيجوز له البيع قال فلذلك قسنا عليه بيع العروض قبل أن يقبض لأنه بيع ما لم يقبض وربح ما لم يضمن .
قال أبو عمر: قد مضى في بيع الطعام قبل أن يستوفى ما فيه كفاية في باب نافع عن ابن عمر فأغنى ذلك عن إعادته ههنا وبالله التوفيق.

(16/346)


الحديث الثالث
...
حديث ثالث لعبد الله بن دينار.
عن ابن عمر.
مالك عن عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر قال كنا إذا بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة يقول لنا :" فيما استطعتم".
وروى مالك أيضا عن عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر أنه كتب إلى عبد الملك بن مروان يبايعه فكتب إليه بسم الله الرحمان الرحيم أما بعد لعبد الله عبد الملك أمير المؤمنين من عبد الله بن عمر سلام عليك فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو وأقر لك بالسمع والطاعة على سنة الله وسنة رسوله فيما استطعت.
ففي هذا الحديث دليل على أخذ البيعة للخلفاء على الرعية.

(16/347)


وكانت البيعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر والخلفاء الراشدين أن يصافحه الذي يبايعه ويعاقده على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره وأن لا ينازع الأمر أهله.
رواه عبادة عن النبي صلى الله عليه وسلم وقال فيه وأن يقوم أو يقول بالحق حيثما كنا لا نخاف في الله لومة لائم وكان يقول لهم "فيما استطعتم" لأن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها وكان النبي صلى الله عليه وسلم لا يصافح النساء عند البيعة وكان يصافح الرجال وقد مضى هذا المعنى مجودا في باب محمد بن المنكدر من كتابنا هذا والحمد لله.
وأما الأيمان التي يأخذها الأمراء اليوم على الناس فشيء محدث وحسبك بما في الآثار من أمر البيعة حتى كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأخذ عليهم في البيعة أمورا كثيرة منها النصح لكل مسلم وقد ذكرنا ما يجب على الرعية من نصح الأئمة في باب سهيل من هذا الكتاب عند قوله صلى الله عليه وسلم "وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم" الحديث ونذكر ههنا أحاديث البيعة التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأخذها على أصحابه لتقف على أصل هذا الباب والله الموفق للصواب.

(16/348)


حدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا عمرو بن عون قال حدثنا خالد عن يونس عن عمرو بن سعيد عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير عن جرير قال بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة وأن أنصح لكل مسلم قال فكان إذا باع الشيء أو اشتراه قال أما إن الذي أخذنا منك أحب إلينا مما أعطيناك فاختر .
وحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا يحيى بن معين قال حدثنا غندر عن شعبة عن سليمان الأعمش عن أبي وائل عن جرير قال بايعت النبي صلى الله عليه وسلم على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم وفراق المشرك .
حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم قال حدثنا أحمد بن زهير حدثني أبي حدثنا جرير عن منصور عن أبي وائل عن أبي نجيلة البجلي قال قال جرير أتيت

(16/349)


النبي عليه السلام وهو يبايع الناس فقلت يا رسول الله أبسط يدك أبايعك واشرط علي فأنت أعلم بالشرط قال أبايعك على أن تعبد الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتناصح المسلم وتفارق المشرك وسيأتي قوله صلى الله عليه وسلم "الدين النصيحة" في باب سهيل من كتابنا هذا إن شاء الله.
وفي حديث جرير المذكور أبسط يدك أبايعك وفيه بيان ما ذكرنا ومثله ما قرأت على عبد الوارث بن سفيان أن قاسم بن اصبغ حدثهم قال حدثنا محمد بن الهيثم أبو الأحوص قال حدثنا سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي أبو أيوب قال حدثنا إسماعيل بن عياش قال حدثنا هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن جعفر وابن الزبير أنهما بايعا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهما ابنا سبع سنين فلما رآهما النبي صلى الله عليه وسلم تبسم وبسط يده وبايعهما.
وحدثنا سعيد بن نصر وأحمد بن محمد قالا حدثنا وهب بن مسرة قال حدثنا محمد بن وضاح قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا عبد الله بن إدريس عن يحيى بن سعيد وعبيد الله بن عمر عن عبادة بن الوليد بن عبادة عن أبيه عن جده قال بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع.

(16/350)


والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره وعلى أثرة علينا وأن لا ننازع الأمر أهله وعلى أن نقول بالحق أينما كنا لا نخاف في الله لومة لائم .
وقد روى هذا الحديث مالك عن يحيى بن سعيد وسيأتي في موضعه من كتابنا هذا إن شاء الله.
حدثنا أحمد حدثنا مسلمة حدثنا جعفر بن محمد بن الحسن الأصبهاني حدثنا يونس بن حبيب حدثنا أبو داود الطيالسي حدثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن أنس قال قدمت على عمر بعد هلاك أبي بكر فقلت ارفع يدك أبايعك على ما بايعت عليه صاحبيك من قبل أعني النبي عليه السلام وأبا بكر فبايعته على السمع والطاعة فيما استطعت.
وذكر سنيد عن حجاج عن ابن جريج عن مجاهد في قوله " إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله" قال نزلت يوم الحديبية قال أبي جريج بايعوه على الإسلام ولم يبايعوه على الموت.

(16/351)


وذكر سنيد أيضا قال حدثنا هشيم قال أخبرنا إسماعيل عن أبي خالد الشعبي أن أبا سنان بن وهب الأسدي بايع النبي صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية بيعة الرضوان فقال له علام تبايعني قال أبو سنان على ما في نفسك قال إسماعيل وكانوا بايعوه يومئذ على أن لا يفروا قال وقال غير هشيم عن عاصم الأحول عن الشعبي مثله غير أنه قال أبو سنان بن محصن الأسدي قال سنيد وحدثنا معتمر بن سليمان عن كليب بن وائل عن حبيب بن أبي مليكة عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن عثمان انطلق في حاجة الله وحاجة رسوله وأنا أبايعه فصفق بيده على الأخرى" .
قال أبو عمر: في هذا أيضا دليل على أن المبايعة من شأنها المصافحة ولم تختلف الآثار في ذلك وقد مضى في باب محمد بن المنكدر من هذا الكتاب أنه كان صلى الله عليه وسلم إذا بايع النساء لم يصافحهن.
قال سنيد وحدثنا حجاج عن ابن جريج قال أخبرني أبو الزبير عن جابر سمعه يقول كنا بالحديبية أربع عشرة مائة فبايعناه وعمر بن الخطاب آخذ بيده تحت الشجرة وهي

(16/352)


سمرة قال فبايعناه غير الجد بن قيس اختبأ تحت بطن بعيره قيل لجابر هل بايع النبي صلى الله عليه وسلم بذي الحليفة قال لا ولكنه صلى بها ولم يبايع عند شجرة إلا عند الشجرة التي عند الحديبية قال أبو الزبير وسئل جابر كيف بايعوا قال بايعناه على أن لا نفر ولم نبايعه على الموت .
قال ابن جريج وأخبرني أبو الزبير عن جابر قال جاء عبد لحاطب بن أبي بلتعة أحد بني أسد يشتكي سيده فقال يا رسول الله ليدخلن حاطب النار فقال له كذبت لا يدخلها إنه شهد بدرا والحديبية.
قال سنيد وحدثنا مبشر الحلبي عن جعفر بن برقان عن ثابت بن الحجاج عن أبي العقيب قال شهدت أبا بكر الصديق رضي الله عنه يبايع الناس بعد نبي الله صلى الله عليه وسلم فتجتمع عنده العصابة فيقول لهم أتبايعون على السمع والطاعة لله ولكتابه ثم للأمير فيقولون نعم قال فتعلمت شرطه هذا وأنا كالمحتلم أو فوقه فلما خلا من عنده أتيته فابتدأته فقلت أبايعك على السمع والطاعة لله ولكتابه ثم للأمير فصعد في البصر وصوب ورأيته أعجبه.

(16/353)


قال وحدثنا معتمر بن سليمان عن عاصم الأحول عن عمر أو عمرو بن عطية قال أتيت عمر بن الخطاب وأنا غلام فبايعته على كتاب الله وسنة نبيه هي لنا وهي علينا فضحك وبايعني.
وذكر ابن أبي شيبة قال أخبرنا عباد بن العوام عن أشعث بن سوار عن أبيه قال سمعت موسى بن طلحة قال بعث في أمير المؤمنين علي وأنا في الأسارى فانطلقت فدخلت عليه فسلمت فقال أتبايع وتدخل فيما دخل فيه الناس قلت نعم قال هكذا ومد يده فبسطها قال فبايعته ثم قال ارجع إلى أهلك ومالك قال فلما رآني الناس قد خرجت جعلوا يدخلون فيبايعون.
وقد مضى في باب ابن المنكدر كثير من أحاديث البيعة والمصافحة بها عند ذكر بيعة النساء والحمد لله.
حدثنا أحمد بن سعيد حدثنا ابن أبي دليم حدثنا ابن وضاح حدثنا ابن أبي مريم حدثنا نعيم حدثنا ابن المبارك عن ابن عيينة قال أخبرني الوليد بن كثير عن وهب بن كيسان قال سمعت جابر بن عبد الله يقول لما قدم مسلم بن عقبة المدينة أتت الأحياء يبايعونه فأتى بنو سلمة ولم آت معهم فقال لا أبايعكم حتى يخرج إلي جابر قال فأتاني قومي فناشدوني

(16/354)


الله فقلت لهم أنظروني فأتيت أم سلمة فاستشرتها في الخروج إليه فقالت والله إني لأراها بيعة ضلالة ولكن قد أمرت أخي عبد الله بن أبي أمية أن يأتيه فيبايعه كأنها أرادت أن تحقن دمه قال جابر فأتيته فبايعته .
قال أبو عمر: كذا قال أخي عبد الله بن أبي أمية وصوابه ابن أخي عبد الله بن عبد الله بن أبي أمية ولم يدرك أخوها الحرة توفي قبل ذلك بكثير.
وبه عن ابن المبارك قال حدثنا أبو عوانة قال حدثنا سماك بن حرب أنه سأله رجل من الذين بايعوا المختار الكذاب فقال تخاف علينا من بيعتنا لهذا الرجل فقال ما أبالي أبايعته أو بايعت هذا الحجر إنما البيعة في القلب إن كنت منكرا لما قول فليس عليك من بيعتك بأس.

(16/355)


المجلد السابع عشر
تابع لحرف العين
تابع لعبد الله بن دينار
الحديث الرابع
...
حديث رابع لعبد الله بن دينار عن ابن عمر
مالك عن عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن بلالا ينادي بليل فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم" .
في هذا الحديث الأذان للصبح قبل الفجر وقد مضى القول في ذلك وما فيه من التنازع بين العلماء واختلاف الآثار في ذلك في باب ابن شهاب عن سالم من كتابنا هذا وكذلك مضى القول هناك في سائر معاني هذا الحديث فلا معنى لإعادة ذلك ههنا.
أخبرنا عبد الله بن محمد قال أخبرنا أحمد بن سلمان قال أخبرنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال حدثني أبي قال حدثنا شعيب بن حرب قال سمعت مالكا وذكر سفيان

(17/5)


أما إنه فارقني على أن لا يشرب النبيذ قلت أليس قد أمر النبي عليه السلام بلالا أن يعيد الأذان فقال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن بلالا ينادي بليل فكلوا واشربوا" قلت إنه قد أمره أن يعيد الأذان قال لم يزل الأذان عندنا بليل ثم قال لم يأخذ أولونا عن أولاكم قد كان علقمة والأسود ومسروق فلم يأخذ عنهم أحد منا فكذلك آخرونا لا يأخذون عن أخراكم.

(17/6)


الحديث الخامس
...
حديث خامس لعبد الله بن دينار عن ابن عمر
مالك عن عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر أن رجلا ذكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يخدع في البيوع فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا بايعت فقل لا خلابة" فكان الرجل إذا بايع قال لا خلابة.
قال أبو عمر: يقال إن الرجل الذي قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بايعت فقل لا خلابة هو منقذ بن حيان وذلك محفوظ من حديث ابن عمر وغيره.
حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد ابن وضاح قال حدثنا حامد بن يحيى قال حدثنا سفيان عن محمد بن إسحاق

(17/7)


عن نافع عن ابن عمر أن منقذا شج في رأسه مأمومة في الجاهلية فخبلت لسانه فكان يخدع في البيع ومرة قال إذا بايع خدع فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بع وقل لا خلابة ثم أنت بالخيار ثلاثا من بيعك" قال ابن عمر فسمعته إذا بايع يقول لا خيابة لا خيابة.
وحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا سعيد بن سليمان قال حدثنا عباد بن العوام عن محمد بن إسحاق عن محمد بن يحيى بن حبان عن عمه واسع بن حبان أن جده منقذا كان قد أتى عليه سبعون ومائة سنة فكان إذا باع غبن فذكر ذلك للنبي عليه السلام فقال: "إذا بايعت فقل لا خلابة وأنت بالخيار" .
وحدثنا عبد الوارث قال حدثنا قاسم قال حدثنا محمد بن الجهم وأخبرنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا محمد بن عبد الله الأزدي وإبراهيم بن خالد أبو ثور الكلبي قالوا حدثنا عبد الوهاب بن عطاء الخفاف قال أخبرنا سعيد عن قتادة عن

(17/8)


أنس بن مالك أن رجلا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يبتاع وكان في عقدته ضعف زاد عبد الوارث في حديثه قال قال الخفاف في عقدته يعني في عقله فأتى أهله النبي عليه السلام فقالوا يا نبي الله احجر على فلان إنه يبتاع وفي عقدته ضعف فدعاه نبي الله فنهاه عن البيع فقال يا نبي الله إني لا أصبر على البيع فقال رسول الله عليه السلام: "إن كنت غير تارك للبيع فقل هاء وهاء ولا خلابة" .
واختلف العلماء في معنى أحاديث هذا الباب فقال منهم قائلون هذا خصوص في ذلك الرجل وحده بعينه جعل له رسول الله صلى الله عليه وسلم الخيار في كل سلعة يشتريها شرط ذلك أو لم يشترطه خصه بذلك لضعفه ولما شاء صلى الله عليه وسلم ولم يجز لأحد خلابته وخديعته وإن كان صلى الله عليه وسلم قد قال: "دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض" فخص هذا بأن لا يخدع فيؤخذ منه في السلعة أكثر مما تساوي.
وأما الخديعة والخلابة التي فيها الغش وستر العيوب فمحظورة على الناس كلهم ولكن البيع صحيح فيها وللمشتري

(17/9)


إذا اطلع على العيب الخيار في الاستمساك أو الرد على حسب السنة في ذلك مما نقل عنه في قصة المصراة وغيرها
وقال آخرون كل ما جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم لمنقذ من الخيار فيما اشتراه وما جعل له في أن لا يخدع شرطا يشترطه بقوله لا خلابة فجائز اشتراطه اليوم لكل الناس فلو أن رجلا شرط على بائعه أنه بالخيار فيما ابتاعه منه ثلاثا وقال له إنك متى ما خدعتني في هذه السلعة وبانت خديعتك لي فيها فأنا بالخيار ثلاثة أيام إن شئت أمسكت وإن شئت رددت كان له شرطه وذلك جائز وله الخيار على حسبما اشترط.
وأما القول في اشتراط الخيار ثلاثا وما فوقها ودونها من المدة فقد مضى مستوعبا في باب نافع عن ابن عمر من كتابنا هذا فلا وجه لإعادة ذلك ههنا.

(17/10)


الحديث السادس
...
حديث سادس لعبد الله بن دينار عن ابن عمر
مالك عن عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر أنه قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يشير إلى المشرق يقول :" ها إن الفتنة ههنا إن الفتنة ههنا من حيث يطلع قرن الشيطان" .
لم يختلف في إسناد هذا الحديث والحمد لله ولا في لفظه وقد حدثنا خلف بن قاسم حدثنا عبد الله بن جعفر بن الورد وعبد الله بن عمر بن إسحاق قالا حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن جابر قال حدثنا سعيد بن أبي مريم أخبرنا مالك عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يشير إلى المشرق يقول: "ها إن الفتنة ههنا إن الفتنة ههنا من حيث يطلع قرن الشيطان" ،

(17/11)


في هذا الحديث علم من أعلام نبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم لإخباره بالغيب عما يكون بعده والفتنة ههنا بمعنى الفتن لأن الواحدة ههنا تقوم مقام الجميع في الذكر لأن الألف واللام في الفتنة ليسا إشارة إلى معهود وإنما هما إشارة إلى الجنس مثل قوله: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي} و {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ} فأخبر صلى الله عليه وسلم عن إقبال الفتن من ناحية المشرق وكذلك أكثر الفتن من المشرق انبعثت وبها كانت نحو الجمل وصفين وقتل الحسين وغير ذلك مما يطول ذكره مما كان بعد ذلك من الفتن بالعراق وخراسان إلى اليوم وقد كانت الفتن في كل ناحية من نواحي الإسلام ولكنها بالمشرق أكثر أبدا.
ومثل هذا الحديث قوله صلى الله عليه وسلم: " إني أرى مواقع الفتن خلال بيوتكم كمواقع القطر" وقد يحتمل أن تكون الفتنة في هذا الحديث معناها الكفر وكانت المشرق يومئذ دار كفر فأشار إليها والفتنة لها وجوه في اللغة منها العذاب ومنها الإحراق ومنها الحروب التي تقع بين الناس ومنها الابتلاء والامتحان وغير ذلك على حسبما قد ذكره أهل اللغة وأما قوله: "من حيث يطلع قرن الشيطان" فقد مضى القول فيه في باب زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن الصنابحي من كتابنا هذا فلا وجه لإعادة ذلك ههنا.

(17/12)


الحديث السابع
...
حديث سابع لعبد الله بن دينار عن ابن عمر
مالك عن عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما" .
وهذا الحديث رواه جماعة عن مالك عن عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر كما رواه يحيى.
حدثنا خلف بن قاسم حدثنا عبد الله بن عمر بن إسحاق حدثنا أحمد بن محمد بن الحجاج حدثنا سعيد بن كثير بن عفير حدثنا مالك عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أيما رجل قال لأخيه كافر باء بها أحدهما" .
وحدثنا خلف حدثنا عمر بن محمد بن القاسم ومحمد بن أحمد بن كامل ومحمد بن أحمد بن المسور قالوا

(17/13)


حدثنا بكر بن سهل حدثنا عبد الله بن يوسف حدثنا مالك عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أيما رجل قال لأخيه كافر فقد باء بها أحدهما" ورواه جماعة عن مالك عن نافع عن ابن عمر.
حدثنا خلف بن قاسم حدثنا أحمد بن إبراهيم بن عطية حدثنا زكرياء بن يحيى حدثنا عمرو بن عثمان حدثنا يزيد بن المغلس حدثنا مالك عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إذا قال الرجل لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما" .
وكذلك رواه ابن زنبر عن مالك عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا سمى الرجل الآخر كافرا فقد كفر أحدهما إن كان الذي قيل له كافر فقد صدق صاحبه كما قال له وإن لم يكن كما قال فقد باء الذي قال بالكفر" .
وكذلك رواه يحيى بن بكير عن ابن وهب عن مالك عن نافع عن ابن عمر عن النبي عليه السلام مثله سواء والحديث لمالك عنهما جميعا عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم صحيح.
والمعنى فيه عند أهل الفقه والأثر أهل السنة والجماعة النهي عن أن يكفر المسلم أخاه المسلم بذنب أو بتأويل لا يخرجه من الإسلام عند الجميع فورد النهي عن تكفير المسلم

(17/14)


في هذا الحديث وغيره بلفظ الخبر دون لفظ النهي وهذا موجود في القرآن والسنة ومعروف في لسان العرب.
وفي سماع أشهب سئل مالك عن قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من قال لرجل يا كافر فقد باء بها أحدهما" قال أرى ذلك في الحرورية فقلت له أفتراهم بذلك كفارا فقال ما أدري ما هذا ومثل قوله صلى الله عليه وسلم: "من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما" قوله صلى الله عليه وسلم: "سباب المسلم فسوق وقتاله كفر" وقوله صلى الله عليه وسلم: "لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض" وقوله: "لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم" ومثل هذا كثير من الآثار التي وردت بلفظ التغليظ وليست على ظاهرها عند أهل الحق والعلم لأصول تدفعها أقوى منها من الكتاب والسنة المجتمع عليها والآثار الثابتة أيضا من جهة الإسناد وهذا باب يتسع القول فيه ويكثر فنذكر منه ههنا ما فيه كفاية إن شاء

(17/15)


الله وقد ضلت جماعة من أهل البدع من الخوارج والمعتزلة في هذا الباب فاحتجوا بهذه الآثار ومثلها في تكفير المذنبين.
واحتجوا من كتاب الله بآيات ليست على ظاهرها مثل قوله عز وجل {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} وقوله {أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ} وقوله {إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنَّاً وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ} وقوله {إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ} وقوله: {وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً} ونحو هذا.
وروي عن ابن عباس في قول الله عز وجل {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} قال ليس بكفر ينقل عن الملة ولكنه كفر دون كفر وقد أوضحنا معنى الكفر في اللغة في مواضع من هذا الكتاب والحجة عليهم قول الله عز وجل {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} ومعلوم أن هذا بعد الموت لمن لم يتب لأن الشرك ممن تاب منه قبل الموت وانتهى عنه غفر له كما تغفر الذنوب كلها بالتوبة جميعا قال الله عز وجل {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ} .

(17/16)


وقد وردت آيات في القرآن محكمات تدل أنه لا يكفر أحد إلا بعد العلم والعناد منها قول الله عز وجل {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} و {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ} وقوله {وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} وقوله {ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ} وقوله {مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ} إلى قوله {فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ} ثم قال على إثر ذلك {وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرائيلَ فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ} ثم قال {وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ} ثم ذكر الأمم فقال {وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ} ثم ذكر الأمم فقال {كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ

(17/17)


إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ َتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ} ولذلك قال {تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ} {وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا} وقال {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ} وقال {وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ} وقال {فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} وقال {بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ} وقال {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ} وقال {شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ} وقال {فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُوراً اسْتِكْبَاراً فِي الْأَرْضِ} الآية وقال {وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى} وقال {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ} إلى آيات كثيرة في معنى ما ذكرنا كلها تدل على معاندة الكفار وأنهم إنما كفروا بالمعاندة والاستكبار وقال عز وجل {وَمَا كُنَّا

(17/18)


مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً} وقوله {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ} وقوله صلى الله عليه وسلم: "من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة ومن مات وهو يشرك بالله شيئا فهو في النار" وجعل الله عز وجل في بعض الكبائر حدودا جعلها طهرة وفرض كفارات في كتابه للذنوب من التقرب إليه بما يرضيه فجعل على القاذف جلد ثمانين إن لم يأت بأربعة شهداء ولم يجعله بقذفه كافرا وجعل على الزاني مائة وذلك طهرة له كما قال صلى الله عليه وسلم في التي رجمها لقد خرجت من ذنوبها كيوم ولدتها أمها وقال صلى الله عليه وسلم: "من أقيم عليه الحد فهو له كفارة ومن لم يقم عليه حده فأمره إلى الله إن شاء غفر له وإن شاء عذبه" وما لم يجعل فيه حدا فرض فيه التوبة منه والخروج عنه إن كان ظلما لعباده وليس في شيء من السنن المجتمع عليها ما يدل على تكفير أحد بذنب وقد أحاط العلم بأن العقوبات على الذنوب كفارات وجاءت بذلك السنن الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما جاءت

(17/19)


بكفارة الأيمان والظهار والفطر في رمضان وأجمع علماء المسلمين أن الكافر لا يرث المسلم وأجمعوا أن المذنب وإن مات مصرا يرثه ورثته ويصلى عليه ويدفن في مقابر المسلمين وقال صلى الله عليه وسلم: "من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا ونسك نسكنا فهو المسلم له ما للمسلم وعليه ما على المسلم" وقال صلى الله عليه وسلم: "الندم توبة" رواه عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم وقال صلى الله عليه وسلم: "ليس أحد من خلق الله إلا وقد أخطأ أو هم بخطيئة إلا يحيى بن زكرياء" وقال صلى الله عليه وسلم: "لولا أنكم تذنبون وتستغفرون لذهب الله بكم وجاء بقوم يذنبون ويستغفرون فيغفر لهم إن الله يحب أن يغفر لعباده" .
ومن هذا قول الأول
إن تغفر اللهم تغفر جما ... وأي عبد لك لا ألما

(17/20)


فهذه الأصول كلها تشهد على أن الذنوب لا يكفر بها أحد وهذا يبين لك أن قوله صلى الله عليه وسلم: "من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما" أنه ليس على ظاهره وأن المعنى فيه النهي عن أن يقول أحد لأخيه كافر أو يا كافر
قيل لجابر بن عبد الله يا أبا محمد هل كنتم تسمون شيئا من الذنوب كفرا أو شركا أو نفاقا قال معاذ الله ولكنا نقول مؤمنين مذنبين روي ذلك عن جابر من وجوه ومن حديث الأعمش عن أبي سفيان قال قلت لجابر أكنتم تقولون لأحد من أهل القبلة كافر قال لا قلت فمشرك قال معاذ الله وفزع وقد قال جماعة من أهل العلم في قول الله عز وجل {وَلا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْأِيمَانِ} هو قول الرجل لأخيه يا كافر يا فاسق وهذا موافق لهذا الحديث فالقرآن والسنة ينهيان عن تفسيق المسلم وتكفيره ببيان لا إشكال فيه.
ومن جهة النظر الصحيح الذي لا مدفع له أن كل من ثبت له عقد الإسلام في وقت بإجماع من المسلمين ثم أذنب ذنبا أو تأول تأويلا فاختلفوا بعد في خروجه من الإسلام لم يكن لاختلافهم بعد إجماعهم معنى يوجب حجة ولا يخرج من الإسلام المتفق عليه إلا باتفاق آخر أو سنة ثابتة لا معارض لها.

(17/21)


وقد اتفق أهل السنة والجماعة وهم أهل الفقه والأثر على أن أحدا لا يخرجه ذنبه وإن عظم من الإسلام وخالفهم أهل البدع فالواجب في النظر أن لا يكفر إلا من اتفق الجميع على تكفيره أو قام على تكفيره دليل لا مدفع له من كتاب أو سنة وأما قوله صلى الله عليه وسلم: "فقد باء بها" أي قد احتمل الذنب في ذلك القول أحدهما قال الخليل بن أحمد رحمه الله باء بذنبه أي احتمله ومثله قوله عز وجل {وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ} وقوله {فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً} المعنى في قوله فقد باء بها أحدهما يريد أن المقول له يا كافر إن كان كذلك فقد احتمل ذنبه ولا شيء على القائل له ذلك لصدقه في قوله فإن لم يكن كذلك فقد باء القائل بذنب كبير وإثم عظيم واحتمله بقوله ذلك وهذا غاية في التحذير من هذا القول والنهي عن أن يقال لأحد من أهل القبلة يا كافر.
حدثنا أحمد بن قاسم بن عيسى قال حدثنا عبيد الله بن محمد بن حبابة قال حدثنا عبد الله ابن محمد البغوي قال حدثنا علي بن الجعد قال أخبرنا شعبة عن عبد الله بن دينار قال سمعت ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا

(17/22)


قال الرجل لأخيه يا كافر أو أنت كافر فقد باء بها أحدهما فإن كان كما قال وإلا رجعت إلى الأول" .
وأخبرنا عبد الوارث بن سفيان قال أخبرنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أحمد بن محمد القاضي البرتي ببغداد قال أخبرنا عبد الوارث بن سعيد عن الحسين المعلم عن ابن بريدة قال حدثني يحيى بن يعمر أن أبا الأسود الدئلي حدثه عن أبي ذر أنه سمع النبي عليه السلام يقول: "لا يرمي رجل رجلا بالفسق أو بالكفر إلا ردت عليه إن لم يكن صاحبه كذلك" .
أخبرنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا ابن وضاح قال حدثنا محمد بن سليمان الأنباري وموسى ابن معاوية قالا حدثنا وكيع قال حدثنا علي بن المبارك عن يحيى بن أبي كثير عن أبي قلابة عن ثابت بن الضحاك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من رمى مؤمنا بكفر فهو كقتله" .
حدثنا أحمد بن قاسم وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا الحرث بن أبي أسامة قال حدثنا

(17/23)


أبو عمرو عبيد بن عقيل قال سمعت جرير بن حازم يحدث عن عبد الملك بن عمير عن جابر بن سمرة عن عمر بن الخطاب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من سرته حسنته وساءته سيئته فهو مؤمن فليت شعري من قال لأخيه يا كافر وهو ممن تسره حسنته وتسؤه سيئته لأي شيء تكون الشهادة عليه بالكفر أولى من الشهادة له بالإيمان" .
وروى الأعمش عن المعرور بن سويد عن أبي ذر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من عمل مثل قراب الأرض خطيئة ثم لقيني لا يشرك بي شيئا جعلت له مثلها مغفرة" ورواه شبعة عن واصل عن المعرور بن سويد قال سمعت أبا ذر يقوله وعن ابن عمر قال كنا نشهد على أهل الموجبتين بالكفر حتى نزلت {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} .
وأخبرنا أحمد بن قاسم وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا الحرث بن أبي أسامة قال حدثنا أبو عبد الرحمن المقرئ قال حدثنا عبد الرحمن بن

(17/24)


زياد عن عبد الله بن راشد مولى عثمان بن عفان قال سمعت أبا سعيد الخدري يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن بين يدي الرحمن للوحا فيه ثلاثمائة وخمس عشرة شريعة يقول الرحمن وعزتي لا يأتني عبد من عبادي بواحدة منهن وهو لا يشرك بي شيئا إلا أدخلته الجنة" .
وأخبرنا أحمد بن محمد بن أحمد قال حدثنا وهب بن مسرة قال حدثنا ابن وضاح قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثا زيد بن الحباب قال حدثني عبد الرحمن بن شريح قال حدثني أبو هانئ عن أبي علي الجنبي قال سمعت أبا سعيد الخدري يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من قال رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد رسولا وجبت له الجنة" .
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الجنة لا يدخلها إلا نفس مؤمنة".
وحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا بكر بن حماد قال حدثنا مسدد قال حدثنا يحيى عن سفيان قال حدثني أبو إسحاق عن فروة بن مالك

(17/25)


الأشجعي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لظئر له أو لرجل من أهله: "إقرأ بقل يأيها الكافرون عند منامك فإنها براءة من الشرك" .
وأخبرنا محمد بن إبراهيم قال حدثنا محمد بن معاوية قال حدثنا أحمد بن شعيب قال أخبرنا قتيبة بن سعيد قال حدثنا سفيان عن الزهري عن أبي إدريس الخولاني عن عبادة بن الصامت قال كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم في مجلس فقال: "تبايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئا ولا تسرقوا ولا تزنوا قرأ عليهم الآية فمن وفى منكم فأجره على الله ومن أصاب من ذلك شيئا فستره الله عز وجل عليه فهو إلى الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له" .
قال أبو عمر: هذا من أصح حديث يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم وعليه أهل السنة والجماعة وهو يضاهي قول الله عز وجل {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} والآثار في هذا الباب كثيرة جدا لا يمكن أن يحيط بها كتاب فالأحاديث اللينة ترجى والشديدة تخشى والمؤمن موقوف بين الخوف والرجاء والمذنب إن لم

(17/26)


يتب في مشيئة الله روينا عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال ما في القرآن آية أحب إلى من هذه الآية {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} ومن شرح الله صدره فالقليل يكفيه.

(17/27)


الحديث الثامن
...
حديث ثامن لعبد الله بن دينار عن ابن عمر
مالك عن عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر أنه قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يلبس المحرم ثوبا مصبوغا بزعفران أو ورس وقال: "من لم يجد نعلين فليلبس خفين وليقطعهما أسفل من الكعبين" .
وقد مضى القول في معنى هذا الحديث كله في باب نافع عن ابن عمر من كتابنا هذا فلا معنى لإعادة شيء من ذلك ههنا.

(17/29)


الحديث التاسع
...
حديث تاسع لعبد الله بن دينار عن ابن عمر
مالك عن عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر أنه قال أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل المدينة أن يهلوا من ذي الحليفة وأهل الشام من الجحفة وأهل نجد من قرن قال عبد الله بن عمر أما هؤلاء الثلاث فسمعتهن من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبرت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ويهل أهل اليمن من يلملم" .
وهذا الحديث قد تقدم القول فيه في باب نافع عن ابن عمر أيضا من كتابنا هذا فلا معنى لإعادة شيء من ذلك ههنا والحمد لله.

(17/30)


الحديث العاشر
...
حديث عاشر لعبد الله بن دينار عن ابن عمر
مالك عن عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "خمس من الدواب من قتلهن وهو محرم فلا جناح عليه العقرب والفأرة والكلب العقور والغراب والحدأة" .
قد سلف القول في هذا الحديث مستوعبا كاملا في باب نافع عن ابن عمر أيضا فلا معنى لإعادة ذلك ههنا.

(17/31)


الحديث الحادي عشر
...
حديث حادي عشر لعبد الله بن دينار عن ابن عمر
مالك عن عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر قال ذكر عمر بن الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم أنه تصيبه جنابة من الليل فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "توضأ واغسل ذكرك ثم نم" .
هكذا هو في الموطأ عند أكثر الرواة وروته طائفة عن مالك عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر أن عمر قال يا رسول الله والمعنى سواء.
ورواه إسحاق بن عيسى الطباع عن مالك عن نافع عن ابن عمر أن عمر قال يا رسول الله وتابعه قوم؛

(17/32)


والحديث لمالك عن عبد الله بن دينار ونافع جميعا عن ابن عمر لأنه قد رواه عن مالك عن نافع عن ابن عمر جماعة منهم الطباع وخالد بن مخلد القطواني وعبد الرحمن بن غزوان وابن عبد الحكم.
وقد روي أيضا عن ابن عفير وابن بكير مثل ذلك ولكن المحفوظ فيه عند العلماء حديث مالك عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر وحديث نافع عندهم كالمستغرب.
حدثنا خلف بن قاسم حدثنا أحمد بن محمد بن الحسين حدثنا أبو أمية محمد بن إبراهيم الطرسوسي حدثنا خالد بن مخلد القطواني حدثنا مالك عن نافع عن ابن عمر قال قال عمر بن الخطاب يا رسول الله أينام أحدنا وهو جنب قال: "نعم إذا توضأ" .
وحدثنا خلف حدثنا أحمد بن الحسين بن إسحاق حدثنا يحيى بن أيوب بن بادي حدثنا أحمد بن صالح حدثنا إسحاق بن عيسى حدثنا مالك عن نافع عن ابن عمر فذكره.
في هذا الحديث الوضوء للجنب عند النوم وغسل الذكر مع الوضوء أيضا.

(17/33)


وقد اختلف العلماء في إيجاب الوضوء عند النوم على الجنب فذهب أهل الظاهر إلى إيجاب الوضوء عند النوم وذهب أكثر الفقهاء إلى أن ذلك على الندب والاستحسان لا على الوجوب وذهبت طائفة إلى أن الوضوء المأمور به الجنب هو غسل الأذى منه وغسل ذكره ويديه.
وقال مالك لا ينام الجنب حتى يتوضأ وضوءه للصلاة قال وله أن يعاود أهله ويأكل قبل أن يتوضأ إلا أن يكون في يده قذر فيغسلها قال والحائض تنام قبل أن تتوضأ وقول الشافعي في هذا كله نحو قول مالك.
وقال أبو حنيفة وأصحابه والثوري لا بأس أن ينام الجنب على غير وضوء وأحب إليهم أن يتوضأ قال فإذا أراد أن يأكل مضمض وغسل يديه وهو قول الحسن بن حي.
وقال الأوزاعي الحائض والجنب إذا أرادا أن يطعما غسلا أيديهما.
وقال الليث لا ينام الجنب حتى يتوضأ رجلا كان أو امرأة قال أبو عمر: اختلفت الآثار في هذا ففي حديث ابن عمر هذا الأمر بالوضوء وغسل الذكر للجنب عند النوم إلا أن في

(17/34)


حديث مالك هذا توضأ واغسل ذكرك ثم نم وهذا محتمل للتقديم والتأخير كأنه قال اغسل ذكرك وتوضأ ثم نم ويحتمل أن يكون لما كان الوضوء للجنب لا يرفع له الحدث عنه لم يبال أكان غسل ذكره قبل أو بعد لأنه ليس بوضوء ينقضه الحدث لأن ما هو فيه من الجنابة أكثر من مس ذكره وجملة القول في هذا المعنى أن الواو لا توجب رتبة ولا تعطي تعقيبا.
وقد روى هذا الحديث عن عبد الله بن دينار الثوري وغيره فقدموا غسل الذكر في اللفظ على الوضوء وجاءوا بلفظ لا إشكال فيه.
حدثنا عبد الوارث بن سفيان وأحمد بن قاسم بن عبد الرحمن قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا الحرث بن أبي أسامة قال حدثنا أبو نعيم قال حدثنا سفيان عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر قال سأل عمر النبي صلى الله عليه وسلم فقال إنه تصيبه الجنابة من الليل فأمره أن يغسل ذكره ويتوضأ وضوءه للصلاة ثم يرقد.
وحدثنا سعيد بن نصر وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن إسماعيل قال حدثني الحميدي قال حدثنا سفيان قال حدثنا عبد الله بن دينار

(17/35)


أنه سمع عبد الله بن عمر يقول سأل عمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أينام أحدنا وهو جنب فقال: "نعم إذا توضأ ويطعم إن شاء" .
حدثنا خلف بن قاسم حدثنا أحمد بن محمد ابن الحسين العسكري حدثنا فهد بن سليمان حدثنا القعنبي حدثنا مالك عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر عن عمر قال قلت يا رسول الله أينام أحدنا وهو جنب قال: "نعم إذا توضأ" .
وفي هذا الباب أيضا حديث عائشة اختلف في ألفاظه على الزهري وغيره وعند الزهري في ذلك حديثان أحدهما عن أبي سلمة عن عائشة والآخر عن عروة عن عائشة فمن أصحاب الزهري من يرويه عن أبي سلمة عن عائشة قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن ينام وهو جنب توضأ وضوءه للصلاة وبعضهم يقول فيه عن الزهري عن أبي سلمة عن عائشة قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن ينام وهو جنب توضأ وضوءه للصلاة وإذا أراد أن يأكل أو يشرب يغسل يديه ثم يأكل أو يشرب إن شاء

(17/36)


وقال بعضهم عنه في حديثه عن عروة عن عائشة قالت "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يأكل وهو جنب توضأ" وقال بعضهم عنه عن عروة عن عائشة قالت "كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يأكل وهو جنب غسل كفيه".
حدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا مسدد وقتيبة قالا حدثنا سفيان عن الزهري عن أبي سلمة عن عائشة "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد أن ينام وهو جنب توضأ وضوءه للصلاة".
وأخبرنا محمد بن إبراهيم قال حدثنا محمد بن معاوية قال حدثنا أحمد بن شعيب قال أخبرنا محمد بن عبيد بن محمد الكوفي وحدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا محمد بن الصباح قال حدثنا ابن المبارك عن يونس عن الزهري عن أبي سلمة عن عائشة "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد أن ينام وهو جنب توضأ وإذا أراد أن يأكل غسل يديه".
وأخبرنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا مضر بن محمد قال حدثنا أبو الجهم الأزرق بن علي المديني قال حدثنا حسان بن إبراهيم.

(17/37)


وأخبرنا محمد بن إبراهيم قال حدثنا محمد بن معاوية قال حدثنا أحمد بن شعيب قال أخبرنا سويد بن نصر قال أخبرنا عبد الله يعني ابن المبارك جميعا عن يونس عن الزهري عن أبي عن عائشة قالت "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن ينام وهو جنب توضأ وإذا أراد أن يأكل أو يشرب غسل يديه ثم يأكل أو يشرب" واللفظ لحديث ابن المبارك وحديث حسان بن إبراهيم مثله بمعناه.
وأخبرنا عبد الله بن محمد قال أخبرنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال روى هذا الحديث ابن وهب عن يونس عن الزهري فجعل قصة الأكل قول عائشة ورواه صالح بن أبي الأخضر كما قال ابن المبارك إلا أنه قال عن عروة أو أبي سلمة ورواه الأوزاعي عن يونس عن الزهري عن النبي صلى الله عليه وسلم كما قال ابن المبارك.
وأخبرنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود وأخبرنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا بكر بن حماد قالا جميعا حدثنا مسدد قال حدثنا يحيى عن شعبة عن الحكم عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان

(17/38)


إذا أراد أن ينام أو يأكل توضأ تعني وهو جنب" هذا لفظ أبي داود ولفظ بكر عن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد أن يأكل وهو جنب توضأ مثل وضوئه للصلاة.
حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا أحمد بن حنبل قال حدثنا يحيى قال ترك شعبة حديث الحكم في الجنب إذا أراد أن يأكل.
وحدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا موسى بن إسماعيل قال حدثنا حماد قال حدثنا عطاء الخراساني عن يحيى بن يعمر عن عمار بن ياسر "أن النبي صلى الله عليه وسلم رخص للجنب إذا أكل أو شرب أو نام أن يتوضأ" قال أبو داود بين يحيى وعمار في هذا الحديث رجل قال وقال علي وابن عمر الجنب إذا أراد أن يأكل توضأ.
وروى سفيان الثوري عن أبي إسحاق عن الأسود عن عائشة "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينام وهو جنب ولا يمس ماء" قال سفيان وهذا الحديث خطأ ونحن نقول به
قال أبو عمر: يقولون إن الخطأ فيه من قبل أبي إسحاق لأن إبراهيم النخعي روى عن الأسود عن عائشة قالت "كان

(17/39)


رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن ينام وهو جنب توضأ وضوءه للصلاة" وزاد فيه الحكم عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة إذا أراد أن يأكل أو ينام.
وقد روى هذا الحديث عن أبي إسحاق جماعة بمعنى واحد منهم شعبة والأعمش والثوري وإسماعيل بن أبي خالد وشريك وإسرائيل وزهير بن معاوية وأحسنهم له سياقة إسرائيل وزهير وشعبة لأنهم ساقوه بتمامه وأما غيرهم فاختصروه وممن اختصره الأعمش والثوري وشريك وإسماعيل قالوا كلهم عن أبي إسحاق عن الأسود عن عائشة قالت "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينام وهو جنب ولا يمس ماء" وفي رواية شريك قالت "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتي بعض نسائه ثم يضجع ضجعة قال فقلت من قبل أن يتوضأ قالت نعم" وقد تأول بعضهم في حديث شريك هذا أنها الهجعة التي كانت له قبل الفجر يستريح فيها من نصبه بالليل.
وأما حديث إسرائيل وشعبة فحدثنا أحمد بن فتح قال حدثنا إسحاق بن إبراهيم قال حدثنا أحمد بن خالد قال حدثنا علي بن عبد العزيز قال حدثنا عبد الله بن رجاء قال حدثنا

(17/40)


إسرائيل عن أبي إسحاق عن الأسود قال سألت عائشة عن صلاة النبي صلى الله عليه وسلم بالليل فقالت "كان ينام أول الليل ويقوم آخر الليل فيصلي ما قضي له فإذا صلى صلاته مال إلى فراشه فإن كانت له حاجة إلى أهله أتى أهله ثم نام كهيئته لم يمس ماء حتى إذا سمع المنادي الأول قالت وثب وما قالت قام فإن كان جنبا أفاض عليه الماء وما قالت اغتسل وإن لم يكن جنبا توضأ وضوءه للصلاة ثم يصلي ركعتين ثم يخرج إلى المسجد".
وحدثنا أحمد بن فتح قال حدثنا إسحاق بن إبراهيم قال حدثنا أحمد بن خالد قال حدثنا علي بن عبد العزيز قال أخبرنا مسلم بن إبراهيم قال حدثنا شعبة عن أبي إسحاق عن الأسود قال سألت عائشة عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت "كان ينصرف من المسجد فيوتر بركعة فإذا كانت له حاجة إلى أهله أتاهم ثم ينام فإذا سمع الأذان أفاض عليه من الماء إن كان جنبا وإلا توضأ ثم خرج إلى المسجد".
وكذلك رواه زهير بن معاوية عن أبي إسحاق عن الأسود عن عائشة "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينام أول الليل ويحيي آخره ثم إن كانت له حاجة قضى حاجته ثم ينام قبل أن يمس ماء فإذا كان عند النداء الأول قام فأفاض الماء عليه وإن نام جنبا توضأ وضوء الرجل للصلاة".

(17/41)


قال الطحاوي قوله في هذا الحديث "قضى حاجته ثم ينام قبل أن يمس ماء" معناه قبل أن يغتسل ليلا يتضاد لأنه قد أخبر في هذا الحديث أنه إذا كان جنبا توضأ ثم نام وقد عارض قوم حديث ابن عمر وعائشة هذا في الوضوء عند النوم بحديث سعيد بن الحويرث عن ابن عباس "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج من الخلاء فأتي بطعام فقالوا ألا نأتيك بطهر" فقال: "أصلي فأتطهر" وبعضهم يقول فيه فقيل له ألا تتوضأ فقال: "ما أردت الصلاة فأتوضأ" .
حدثنا سعيد بن نصر وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا عبد الله بن روح قال حدثنا عثمان بن عمر قال أخبرنا ابن جريج قال أخبرنا سعيد بن الحويرث عن ابن عباس "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تبرز لحاجته فأتي بعرق لحم فأكل منه ولم يمس ماء" قال ابن جريج فذكرته لعمرو بن دينار فعرفه وزاد فيه إنه قيل له ألا تتوضأ فقال: "ما أردت الصلاة فأتوضأ" .
وحدثنا سعيد بن نصر وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن إسماعيل قال حدثنا الحميدي حدثنا سفيان عن عمرو قال سمعت سعيد بن الحويرث يقول

(17/42)


سمعت ابن عباس يقول كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج من الغائط فأتي بطعام فقيل له ألا تتوضأ فقال: "أأصلي فأتوضأ" .
ورواه أيوب وحماد بن زيد وغيرهما عن عمرو بن دينار بإسناده مثله قالوا ففي هذا الحديث أن الوضوء لا يكون إلا لمن أراد الصلاة وفي ذلك رفع للوضوء عند النوم وعند الأكل قالوا وقد يمكن أن يكون الوضوء المذكور عند النوم هو التنظف من الأذى وغسل اليدين فلذلك يسمى وضوء في لسان العرب قالوا وقد كان ابن عمر لا يتوضأ عن النوم الوضوء الكامل للصلاة وهو روى الحديث وعلم مخرجه.
قال أبو عمر: قد ذكر الحفاظ في حديث عائشة المذكور في هذا الباب "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ينام إذا كان جنبا حتى يتوضأ وضوءه للصلاة" وكذلك في حديث الثوري عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "يغسل ذكره ويتوضأ وضوءه للصلاة" .
وهذا اللفظ يوجب أن يكون الوضوء السابغ الكامل للصلاة وهي زيادة قصر عنها من لم يذكرها وليس في تقصير

(17/43)


من قصر عن ذكر شيء من الأحكام حجة على من ذكره وأولى الأمور عندي في هذا الباب أن يكون الوضوء للجنب عند النوم كوضوء الصلاة حسنا مستحبا فإن تركه تارك فلا حرج لأنه لا يرفع به حدثه وإنما جعلته مستحبا ولم أجعله سنة لتعارض الآثار فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم واختلاف ألفاظ نقلته ولا يثبت ما كانت هذه حاله سنة وأما من أوجبه من أهل الظاهر فلا معنى للاشتغال بقوله لشذوذه ولأن الفرائض لا تثبت إلا بيقين وبالله التوفيق.

(17/44)


الحديث الثاني عشر
...
حديث ثاني عشر لعبد الله بن دينار عن ابن عمر
مالك عن عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر قال "بينما الناس بقباء في صلاة الصبح إذ جاءهم آت فقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أنزل عليه الليلة قرآن وقد أمر أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة.
هكذا روى هذا الحديث جماعة الرواة عن مالك إلا عبد العزيز بن يحيى فإنه رواه عن مالك عن نافع عن ابن عمر والصحيح ما في الموطأ مالك عن عبد الله بن دينار والله أعلم.
وفي هذا الحديث دليل على قبول خبر الواحد وإيجاب الحكم والعمل به لأن الصحابة رضي الله عنهم قد استعملوا

(17/45)


خبره وقضوا به وتركوا قبلة كانوا عليها لخبره وهو واحد ولم ينكر ذلك عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أنكره واحد منهم وحسبك بمثل هذا قوة من عمل القرن المختار خير القرون وفي حياة الرسول صلى الله عليه وسلم.
وروي أن الآتي المخبر لهم بما في هذا الحديث هو عباد بن بشر.
روى إبراهيم بن حمزة الزبيري قال حدثني إبراهيم بن جعفر بن محمود بن محمد بن مسلمة الأنصاري عن أبيه عن جدته نويلة بنت أسلم وكانت من المبايعات قالت كنا في صلاة الظهر فأقبل عباد بن بشر بن قيظي فقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد استقبل الكعبة أو قال البيت الحرام فتحول الرجال مكان النساء وتحول النساء مكان الرجال.
وفيه أن القرآن كان ينزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا بعد شيء وفي حال بعد حال على حسب الحاجة إليه حتى أكمل الله دينه وقبض رسوله صلى الله عليه وسلم وإنما أنزل القرآن جملة واحدة ليلة القدر إلى سماء الدنيا ثم كان ينزل به جبريل عليه السلام نجما بعد نجم وحينا بعد حين قال الله عز وجل {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} يعني القرآن قالوا إلى سماء الدنيا وقال

(17/46)


عز وجل {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً} .
وهذا الحديث أصل في كل من صلى على حال ثم تغيرت به حاله تلك قبل أن يتم صلاته أنه يتمها ولا يقطعها ليستأنف غيرها ويجزيه ما مضى منها وما أتمه على غير سنته كمن صلى عريانا ثم وجد ثوبا في الصلاة أو ابتدأ صلاته صحيحا فمرض أو مريضا فصح أو قاعدا ثم قدر على القيام وفي هذه المسائل وفيمن طرأ الماء عليه في الصلاة تنازع بين العلماء قد بيناه في غير هذا الموضع والحمد لله وفيه دليل على أن بيت المقدس كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه يصلون إليه إذ قدموا المدينة وذلك بأمر الله لهم بذلك لا محالة ثم نسخ الله ذلك وأمره أن يستقبل بصلاته الكعبة وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد ذلك ويرفع طرفه إلى السماء فيه فأنزل الله عز وجل {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} الآية.
وفيه أيضا دليل على أن في أحكام الله عز وجل ناسخا ومنسوخا على حسبما ذكر في كتابه وعلى لسان رسوله.

(17/47)


واجتمعت على ذلك أمته صلى الله عليه وسلم فلا وجه للقول في ذلك وقد مضى من البيان فيه ما يغني ويكفي في باب زيد بن أسلم من كتابنا هذا فلا وجه لإعادة ذلك ههنا.
أخبرنا خلف بن أحمد قال أخبرنا أحمد بن مطرف حدثنا سعيد بن عثمان قال حدثنا علي ابن معبد قال حدثنا عمرو بن خالد قال حدثنا زهير بن معاوية وحدثنا خلف بن قاسم حدثنا عبد الله بن جعفر بن الورد قال حدثنا محمد بن عمرو بن خالد قال حدثني أبي قال حدثنا زهير بن معاوية قال حدثنا أبو إسحاق عن البراء "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة صلى قبل بيت المقدس ستة عشر شهرا أو سبعة عشر شهرا وكان يعجبه أن تكون قبلته البيت وأنه صلى أو صلاة صلاها صلاة العصر وصلى معه قوم فخرج رجل ممن كان صلى معه فمر على أهل مسجد فقال أشهد بالله لقد صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل مكة فداروا كما هم قبل البيت وكانت اليهود أعجبهم إذ كان يصلي إلى بيت المقدس فلما ولى وجهه قبل البيت أنكروا ذلك" وذكر تمام الحديث.
قال علي بن معبد وأخبرنا أحمد بن البختري حدثنا المؤمل بن إسماعيل حدثنا عمارة بن زاذان عن ثابت عن أنس قال:

(17/48)


حول النبي عليه السلام من بيت المقدس إلى الكعبة وهو راكع فاستدار في ركوعه واستقبل الكعبة وأجمع العلماء أن شأن القبلة أول ما نسخ من القرآن وأجمعوا أن ذلك كان بالمدينة وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما صرف عن الصلاة إلى بيت المقدس وأمر بالصلاة إلى الكعبة بالمدينة واختلفوا في صلاته صلى الله عليه وسلم حين فرضت عليه الصلاة بمكة هل كانت إلى بيت المقدس أو إلى مكة فقالت طائفة كانت صلاته إلى بيت المقدس من حين فرضت عليه الصلاة بمكة إلى أن قدم المدينة ثم بالمدينة سبعة عشر شهرا أو نحوها حتى صرفه الله إلى الكعبة.
حدثنا خلف بن قاسم حدثنا وجيه بن الحسن حدثنا بكار بن قتيبة حدثنا يحيى بن حماد حدثنا أبو عوانة عن سليمان الأعمش عن مجاهد عن ابن عباس قال "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي نحو بيت المقدس وهو بمكة والكعبة بين يديه وبعد ما هاجر إلى المدينة ستة عشر شهرا ثم صرف إلى الكعبة" وقال آخرون إنما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أول ما افترضت عليه الصلاة إلى الكعبة ولم يزل يصلي إلى الكعبة طول مقامه بمكة ثم لما قدم المدينة صلى إلى بيت المقدس ثانية عشر شهرا أو

(17/49)


ستة عشر شهرا ثم صرفه الله إلى الكعبة وسنذكر الرواية بذلك عمن قاله في هذا الباب إن شاء الله.
أخبرنا أحمد بن عبد الله بن محمد قال أخبرنا الحسن بن إسماعيل قال حدثنا عبد الملك بن بحر قال حدثنا محمد بن إسماعيل الصائغ قال حدثنا سنيد بن داود قال حدثنا حجاج عن ابن جريج قال قال ابن عباس وسئل عن قوله {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} وقوله {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ} وهو ينزل في غيره فقال نزل به جبريل عليه السلام جملة واحدة ثم كان ينزل منه في الشهور.
وأخبرنا عبد الله بن محمد بن أسد قال حدثنا حمزة بن محمد قال حدثنا أحمد بن شعيب قال أخبرنا محمد بن قدامة قال حدثنا جرير عن منصور عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قوله {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} قال نزل القرآن جملة واحدة في ليلة القدر إلى سماء الدنيا فكان الله تبارك وتعالى ينزل على رسوله صلى الله عليه وسلم بعضه في إثر بعض قالوا {لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً}

(17/50)


قال أبو عمر: وروي عن عكرمة في قول الله عز وجل {فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ} قال القرآن نزل جملة واحدة فوضع مواقع النجوم فجعل جبريل عليه السلام ينزل بالآية والآيتين وقال غيره بمواقع النجوم بمساقط نجوم القرآن كلها أوله وآخره ومن الحجة لهذا القول قوله عز وجل {وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ} الآيات.
أخبرنا عبد الله بن محمد قال حدثنا حمزة بن محمد قال حدثنا أحمد بن شعيب قال أخبرنا إسماعيل بن مسعود قال أخبرنا المعتمر بن سليمان عن أبي عوانة عن حصين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال نزل القرآن جميعا في ليلة القدر إلى السماء الدنيا ثم فصل فنزل في السنين وذلك قوله عز وجل {فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ} وأما شأن القبلة فأخبرنا عبد الله بن محمد قال حدثنا حمزة بن محمد قال حدثنا أحمد بن شعيب قال أخبرنا أبو بكر بن نافع قال حدثنا بهز قال حدثنا حماد بن سلمة قال أخبرنا ثابت عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا يصلون نحو بيت المقدس فلما نزلت هذه الآية {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} مر رجل من

(17/51)


بني سلمة فناداهم وهم ركوع في صلاة الفجر ألا إن القبلة قد حولت إلى الكعبة فمالوا ركوعا.
وذكر سنيد عن حجاج عن ابن جريج قال قال ابن عباس كان النبي صلى الله عليه وسلم يستقبل صخرة بيت المقدس قبل قدومه صلى الله عليه وسلم ثلاث حجج وصلى بعد قدومه ستة عشر شهرا ثم وجهه الله تبارك وتعالى إلى البيت الحرام.
قال أبو عمر: من حجة الذين قالوا إن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما صلى إلى بيت المقدس بالمدينة وأنه إنما كان يصلي بمكة إلى الكعبة ما حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن وضاح قال حدثنا موسى بن معاوية قال حدثنا وكيع عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن البراء بن عازب قال "لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة صلى نحو بيت المقدس ستة عشر أو سبعة عشر شهرا وكان يحب أن يوجه إلى الكعبة فأنزل الله عز وجل {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي

(17/52)


السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا} فوجه نحو الكعبة وكان يحب ذلك" فظاهر هذا الخبر يدل على أنه لما قدم المدينة صلى إلى بيت المقدس لا قبل ذلك والله أعلم.
ويدل على ذلك أيضا ما حدثنا به أحمد بن قاسم قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن إسماعيل الترمذي قال حدثنا عبد الله بن صالح قال حدثنا معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال كان أول ما نسخ الله من القرآن القبلة وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما هاجر إلى المدينة وكان أكثر أهلها اليهود أمره الله أن يستقبل بيت المقدس ففرحت اليهود فاستقبلها رسول الله صلى الله عليه وسلم بضعة عشر شهرا وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب قبلة إبراهيم وكان يدعو الله وينظر إلى السماء فأنزل الله {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ} إلى قوله {فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} يعني نحوه فارتاب اليهود وقالوا {مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا} فأنزل الله {وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} وقال {وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا

(17/53)


{إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ} قال ابن عباس ليميز أهل اليقين من أهل الشك.
وأجمع العلماء أن القبلة التي أمر الله نبيه وعباده بالتوجه نحوها في صلاتهم هي الكعبة البيت الحرام بمكة وأنه فرض على كل من شاهدها وعاينها استقبالها وأنه إن ترك استقبالها وهو معاين لها أو عالم بجهتها فلا صلاة له وعليه إعادة كل ما صلى كذلك.
وأجمعوا على أنه من صلى إلى غير القبلة من غير اجتهاد حمله على ذلك أن صلاته غير مجزئة عنه وعليه إعادتها إلى القبلة كما لو صلى بغير طهارة وفي هذا المعنى حكم من صلى في مسجد يمكنه طلب القبلة فيه بالمحراب وشبهه فلم يفعل وصلى إلى غيرها وأجمعوا أن على كل من غاب عنها أن يستقبل ناحيتها وشطرها وتلقاءها وعلى أن على من خفيت عليه ناحيتها الاستدلال عليها بكل ما يمكنه من النجوم والجبال والرياح وغير ذلك مما يمكن أن يستدل به على ناحيتها.
وفي حديث هذا الباب دليل على أن من صلى إلى القبلة عند نفسه باجتهاده ثم بان له وهو في الصلاة أنه استدبر القبلة

(17/54)


أو شرق أو غرب أنه ينحرف ويبني وإنما قلت إن الاستدبار والتشريق والتغريب سواء لأن بيت المقدس لا يكاد أن يستقبله إلا من استدبر الكعبة وذلك بدليل حديث ابن عمر قال "رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم مستقبل الكعبة مستدبر بيت المقدس لحاجته" وهذا موضع فيه اختلاف كثير وبالله التوفيق.
واختلف الفقهاء فيمن غابت عنه القبلة فصلى مجتهدا كما أمر ثم بان له بعد فراغه من الصلاة أنه قد أخطأ القبلة بأن استدبرها أو شرق أو غرب عنها أو بان له ذلك وهو في الصلاة فجملة قول مالك وأصحابه أن من صلى مجتهدا على قدر طاقته طالبا للقبلة وناحيتها إذا خفيت عليه ثم بان له بعد صلاته أنه قد استدبرها أنه يعيد ما دام في الوقت فإن انصرم الوقت فلا إعادة عليه والوقت في ذلك للظهر والعصر ما لم تصفر الشمس.
وقد روي عن مالك أيضا أن الوقت في ذلك ما لم تغرب الشمس وفي المغرب والعشاء ما لم ينفجر الصبح وفي صلاة الصبح ما لم تطلع الشمس.
وقال بعض أصحاب مالك ما لم تصفر جدا والأول أصح فإن علم أنه استدبرها وهو في صلاته أو شرق أو غرب قطع وابتدأ وإن لم يشرق ولم يغرب ولكنه انحرف انحرافا يسيرا فإنه ينحرف إلى القبلة إذا علم ويتمادى ويجزئه ولا شيء عليه.

(17/55)


قال أشهب سئل مالك عمن صلى إلى غير قبلة فقال إن كان انحرف انحرافا يسيرا فلا أرى عليه إعادة وإن كان انحرف انحرافا شديدا فأرى عليه الإعادة ما كان في الوقت.
وقال الأوزاعي من تحرى فأخطأ القبلة أعاد ما دام في الوقت ولا يعيد بعد الوقت.
وقال الثوري إذا صليت لغير القبلة فقد أجزأك إذا لم تعمد ذلك وإن جهلت وصليت بعض صلاتك لغير القبلة ثم عرفت القبلة بعد فاستقبل القبلة ببقية صلاتك واحتسب بما صليت.
وقال الشافعي إذا صلى إلى الشرق ثم رأى القبلة إلى الغرب استأنف فإن كان شرق أو غرب متحرفا ثم رأى أنه متحرف وتلك جهة واحدة فإن عليه أن ينحرف ويعتد بما مضى.
وذكر الربيع عن الشافعي قال ولو دخل في الصلاة على اجتهاد ثم رأى القبلة في غير الناحية التي صلى إليها فإن كان مشرقا أو مغربا لم يعتد بما مضى من صلاته وسلم واستقبل الصلاة على ما بان له واستيقنه وإن رأى أنه انحرف

(17/56)


لم يلغ شيئا من صلاته لأن الانحراف ليس فيه يقين خطأ وإنما هو اجتهاد لم يرجع منه إلى يقين وإنما رجع من دلالة إلى اجتهاد مثلها.
وقال أبو حنيفة وأصحابه من تحرى القبلة فأخطأ ثم بان له ذلك فلا إعادة عليه في وقت ولا غيره.
قالوا وله أن يتحرى القبلة إذا لم يكن على يقين علم من جهتها فإن أخطأ قوم القبلة وقد تعمدوها فصلوا ركعة ثم علموا بها صرفوا وجوههم فيما بقي من صلاتهم إلى القبلة وصلاتهم تامة وكذلك لو أتموا ثم علموا بعد لم يعيدوا.
وقال الطبري من تحرى فأخطأ القبلة أعاد أبدا إذا استدبرها وهو أحد قولي الشافعي.
قال أبو عمر: النظر في هذا الباب يشهد أن لا إعادة على من صلى إلى القبلة عند نفسه مجتهدا لخفاء ناحيتها عليه لأنه قد عمل ما أمر به وأدى ما افترض عليه من اجتهاده بطلب الدليل على القبلة حتى حسب أنه مستقبلها ثم لما صلى بان له خطؤه وقد كان العلماء مجمعين على أنه قد فعل ما أبيح له فعله بل ما لزمه ثم اختلفوا في إيجاب القضاء عليه إذا بان له أنه أخطأ القبلة وإيجاب الإعادة إيجاب فرض،

(17/57)


والفرائض لا تثبت إلا بيقين لا مدفع له ألا ترى إلى إجماعهم فيمن خفي عليه موضع الماء فطلبه جهده ولم يجده فتيمم وصلى ثم وجد الماء أنه لا شيء عليه لأنه قد فعل ما أمر به.
وأما قول من رأى عليه الإعادة في الوقت وبعده قياسا على من صلى بغير وضوء فليس بشيء لأن هذا ليس بموضع اجتهاد في الوضوء إلا عند عدمه فإنه يؤمر بالاجتهاد في طلبه على ما تقدم ذكرنا له.
وأما قول من قال يعيد ما دام في الوقت فإنما هو استحباب لأن الإعادة لو وجبت عليه لم يسقطها خروج الوقت وهذا واضح يستغنى عن القول فيه وكذلك يشهد النظر لقول من قال في المنحرف عن القبلة يمينا أو شمالا ولم يكن انحرافه ذلك فاحشا فيشرق أو يغرب أنه لا شيء عليه لأن السعة في القبلة لأهل الآفاق مبسوطة مسنونة وهذا معنى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم وقول أصحابه: "ما بين المشرق والمغرب قبلة" .
حدثنا سعيد بن نصر حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا ابن وضاح حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا معلى بن

(17/58)


منصور حدثنا عبد الله بن جعفر عن عثمان بن محمد الأخنسي عن المقبري عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما بين المشرق والمغرب قبلة" .
حدثنا عبد الله بن محمد حدثنا عبد الحميد بن أحمد حدثنا الخضر بن داود حدثنا أبو بكر الأثرم حدثنا معاوية بن عمرو حدثنا زائدة عن عبد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال قال عمر ما بين المشرق والمغرب قبلة.
قال وحدثنا نصر بن علي حدثنا المعتمر بن سليمان عن محمد بن فضاء عن أبيه عن جده قال سمعت عثمان يقول كيف يخطئ الرجل الصلاة وما بين المشرق والمغرب قبلة ما لم يتحر الشرق عمدا.
قال وحدثنا الفضل بن دكين قال حدثنا إسرائيل عن عبد الأعلى قال حدثنا أبو عبد الرحمن السلمي عن علي قال ما بين المشرق والمغرب قبلة.
قال وحدثنا الفضل بن دكين قال حدثنا إسرائيل عن عبد الأعلى عن سعيد ابن جبير عن ابن عباس وعبد

(17/59)


الأعلى عن محمد بن الحنفية قالا ما بين المشرق والمغرب قبلة قال وسمعت أبا عبد الله يعني أحمد بن حنبل يقول هذا في كل البلدان قال وتفسيره أن هذا المشرق وأشار بيساره وهذا المغرب وأشار بيمينه قال وهذه القبلة فيما بينهما وأشار تلقاء وجهه قال وهكذا في كل البلدان إلا بمكة عند البيت ألا ترى أنه إذا استقبل الركن وزال عنه شيئا وإن قل فقد ترك القبلة قال وليس كذلك قبلة البلدان.
قيل لأبي عبد الله فإن صلى رجل فيما بين المشرق والمغرب ترى صلاته جائزة قال نعم صلاته جائزة إلا أنه ينبغي له أن يتحرى الوسط.
قال أبو عبد الله وقد كنا نحن وأهل بغداد نصلي هكذا نتيامن قليلا ثم حرفت القبلة منذ سنين يسيرة قيل لأبي عبد الله قبلة أهل بغداد على الجدي فجعل ينكر الجدي وقال ليس على الجدي ولكن حديث عمر ما بين المشرق والمغرب قبلة قيل لأبي عبد الله قبلتنا نحن أي ناحية قال على الباب قبلتنا وقبلة أهل المشرق كلهم وأهل خرسان الباب.

(17/60)


أخبرني عبد الرحمن بن يحيى ويحيى بن عبد الرحمن قالا حدثنا أحمد بن سعيد قال قال لنا أحمد بن خالد في قول عمر بن الخطاب ما بين المشرق والمغرب قبلة في هذا سعة للناس أجمعين قيل له أنتم تقولون إنه في أهل المدينة قال نحن وهم سواء والسعة في القبلة للناس كلهم قال وهؤلاء المشرقون لا علم عندهم بسعة القبلة وإنما هو شيء يقع في نفوسهم.

(17/61)


الحديث الثالث عشر
...
حديث ثالث عشر لعبد الله بن دينار عن ابن عمر
مالك عن عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر أن رجلا نادى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ترى في الضب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لست بآكله ولا بمحرمه" .
هكذا روى يحيى هذا الحديث عن مالك عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر وكذلك رواه أكثر الرواة للموطأ عن مالك ورواه ابن بكير عن مالك عن نافع عن ابن عمر وكذلك رواه خالد بن مخلد عن مالك عن نافع عن ابن عمر وهو صحيح لمالك عنهما جميعا وهو محفوظ من حديث نافع كما هو محفوظ من حديث ابن دينار وقد رواه قوم منهم بشر بن عمر عن مالك عن نافع وعبد الله بن دينار جميعا عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم ورواه عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر.

(17/63)


حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا بكر بن حماد قال حدثنا مسدد قال حدثنا يحيى عن عبيد الله قال حدثني نافع عن ابن عمر قال سأل رجل النبي عليه السلام وهو على المنبر عن الضب فقال: "لا آكله ولا أحرمه" .
واختلف الفقهاء في أكل الضب فذهب مالك والشافعي وأصحابهما إلى أنه لا بأس بأكله لأن الله تبارك وتعالى لم يحرمه ولا رسوله وقد أكل على مائدة رسول الله صلى الله عليه وسلم وبحضرته ولو كان حراما لم يترك رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدا يأكله وقد مضى في باب ابن شهاب عن أبي أمامة من هذا الكتاب حديث ابن عباس عن خالد بن الوليد في الضب حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنه لم يكن بأرض قومي وأجدني أعافه قال خالد فاجتررته وأكلته ورسول الله ينظر.
فبهذا الحديث وما كان مثله أخذ مالك والشافعي في الضب فأجازا أكله وكره أبو حنيفة وأصحابه أكل الضب واحتجوا هم ومن ذهب مذهبهم في كراهية أكله بأحاديث منها ما حدثناه عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا موسى بن إسماعيل قال:

(17/64)


حدثنا عبد الواحد بن زياد قال حدثنا الأعمش عن زيد بن وهب عن عبد الرحمن بن حسنة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن أمة من بني إسرائيل مسخت وأخاف أن يكون منها هذا" يعني الضب.
وحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا بكر بن حماد قال حدثنا مسدد قال حدثنا يحيى عن الأعمش قال حدثنا زيد بن وهب عن عبد الرحمن بن حسنة قال غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأصابتنا مجاعة فنزلنا بأرض كثيرة الضباب فأخذنا منها فطبخنا في القدور فقلنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم إنها الضباب فقال إن أمة فقدت ولعلها هذه فأمرنا فكفأنا القدور .
هكذا روى هذا الحديث الأعمش عن زيد بن وهب عن عبد الرحمن بن حسنة ورواه حصين عن زيد بن وهب عن ثابت بن وديعة حدثناه عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا عمرو بن عون قال أخبرنا خالد عن حصين عن زيد بن وهب عن ثابت بن وديعة قال كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جيش فأصبنا ضبابا قال فشويت منها ضبا فأتيت به رسول الله صلى الله عليه وسلم فوضعته بين يديه قال فأخذ عودا فعد به

(17/65)


أصابعه ثم قال: "إن أمة من بني إسرائيل مسخت دواب في الأرض وإني لا أدري أي الدواب هي" قال فلم يأكل منه ولم ينه.
قال أبو عمر إحتج بعض من كرهه بهذا الخبر واستدل على أنه مسخ يشبه كفه بكف الإنسان ألا ترى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ عد أصابعه قال ما قال ولم يأكل منه وأنشد بعضهم في صفة الضب:
له كف إنسان وخلق عظاءة ... وكالقرد والخنزير في المسخ والعصب
وقال ذو الرمة:
مناسمها صم صلاب كأنها ... رؤوس الضباب استخرجتها الظهائر
وأنشد الأصمعي:
إنا وجدنا بني حمان كلهم ... كساعد الضب لا طول ولا عظم
وإنما أنشدت هذه الأبيات لتقف على صورة الضب وتعرفه فإن بعض الجهال يخالف فيه.

(17/66)


وروى أبو حنيفة عن حماد عن إبراهيم عن عائشة أنها أهدي لها ضب فدخل عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألته عن أكله فنهاها عنه فجاء سائل فقامت لتناوله إياه فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أتطعمينه ما لا تأكلين" .
وروى حماد بن سلمة عن حماد عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم أهدي له ضب فلم يأكله فقام عليهم سائل فأرادت عائشة أن تعطيه فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: "أتعطيه ما لا تأكلين" .
فاحتج من كره أكل الضب بهذا الأحاديث فأما حديث زيد بن وهب فمختلف في إسناده وقد روى ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الله لم يهلك قوما أو لم يمسخ قوما فيجعل لهم نسلا ولا عاقبة وهو معارض مدافع لحديث زيد بن وهب هذا.
حدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا ابن وضاح قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا وكيع عن مسعر عن علقمة بن مرثد عن مغيرة بن عبد الله اليشكري عن المعرور بن سويد عن عبد الله قال قالت أم حبيبة زوج النبي صلى الله عليه وسلم اللهم أمتعني بزوجي رسول الله وبأبي أبي سفيان وبأخي معاوية،

(17/67)


قال فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إنك قد سألت الله لآجال مضروبة وأيام معدودة وأرزاق مقسومة أن يعجل شيئا قبل حله أو يؤخر شيئا عن أجله ولو كنت سألت الله أن يعيذك من عذاب القبر أو عذاب النار كان خيرا لك أو أفضل" قال وذكر عنده القردة قال مسعر وأراه قال والخنازير مما مسخ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله لم يجعل لمسخ نسلا ولا عقبا وقد كانت القردة والخنازير قبل ذلك" .
وحدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم قال حدثنا محمد بن إسماعيل حدثنا الحميدي قال حدثنا سفيان قال حدثنا مسعر عن مرة عن علقمة بن مرثد عن المغيرة اليشكري عن المعرور بن سويد عن عبد الله بن مسعود قال قالت أم حبيبة فذكر الحديث سواء.
وفيه قال وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن القردة والخنازير أهم من نسل الذي مسخوا أم شيء كان قبل ذلك فقال: "إن الله لم يهلك قوما قط فيجعل لهم نسلا ولا عاقبة ولكنهم من شيء كان قبل ذلك" .

(17/68)


أخبرنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا حفص بن عمر قال حدثنا شعبة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أن خالته أهدت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم سمنا وأضبا وأقطا فأكل من السمن والأقط وترك الأضب تقذرا وأكل على مائدته ولو كان حراما ما أكل على مائدة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وحدثنا أحمد بن قاسم وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا الحرث بن أبي أسامة قال حدثنا كثير بن هشام قال حدثنا جعفر بن برقان قال حدثنا يزيد بن الأصم قال ذكر الضب عند ابن عباس فقال بعض جلسائه أتي به رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يحله ولم يحرمه فقال ابن عباس بئس ما تقولون إنما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم محللا ومحرما جاءت أم حفيد تزور أختها ميمونة بنت الحرث ومعها طعام فيه لحم ضب فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ما غسق يعني أظلم فقرب إليه الطعام فكرهت ميمونة أن يأكل رسول الله صلى الله عليه وسلم من طعام لا يعلم ما هو فقالت:

(17/69)


يا رسول الله إن فيه لحم ضب فأمسك رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمسكت ميمونة وأكل من كان عنده فقال ابن عباس فلو كان حراما لنهاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكله.
قال أبو عمر: قول ابن عباس هو فقه هذا الباب وهو الصحيح من معانيه وهو كاف يغني عن كل حجة لمن تدبر وفهم وبالله العون لا شريك له.

(17/70)


الحديث الرابع عشر
...
حديث رابع عشر لعبد الله بن دينار عن ابن عمر
مالك عن عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي على راحلته في السفر حيث توجهت به" قال عبد الله بن دينار وكان عبد الله بن عمر يفعل ذلك.
قال أبو عمر: هكذا رواه جماعة رواة الموطأ فيما علمت ورواه يحيى بن مسلمة بن قعنب قال أخبرنا مالك عن نافع عن ابن عمر "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي على راحلته حيث توجهت به" والصواب ما في الموطأ مالك عن عبد الله بن دينار والله أعلم وهو حديث صحيح من جهة الإسناد روي عن ابن عمر من وجوه وروي عن جابر من وجوه وروي عن أنس أيضا من وجوه وتلقاه العلماء من السلف والخلف بالعمل والقبول في جملته إلا أنهم اختلفوا

(17/71)


في بعض معانيه فالذي أجمعوا عليه منه أنه جائز لكل من سافر سفرا تقصر فيه أو في مثله الصلاة أن يصلي التطوع على دابته وراحلته حيثما توجهت به يومئ إيماء يجعل السجود أخفض من الركوع ويتشهد ويسلم وهو جالس على دابته وفي محمله إلا أن منهم جماعة يستحبون أن يفتتح المصلي صلاته على دابته في تطوعه إلى القبلة ويحرم بها وهو مستقبل القبلة ثم لا يبالي حيث توجهت به ومنهم من لم يستحب ذلك وقال كما يجوز له أن يكون في سائر صلاته إلى غير القبلة فكذلك افتتاحه لها لأنه لو كان في الأرض لم يجز له الانحراف عن القبلة عامدا وهو بها عالم في شيء من صلاته ومن استحب افتتاح النافلة على الدابة إلى القبلة فحجته ما حدثناه عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا مسدد قال حدثنا ربعي بن عبد الله بن الجارود قال حدثني عمرو بن أبي الحجاج قال حدثني الجارود بن أبي سبرة قال حدثني أنس بن مالك "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سافر فأراد أن يتطوع استقبل بناقته القبلة فكبر ثم صلى حيث وجهه ركابه".

(17/72)


حدثنا خلف بن قاسم حدثنا أحمد بن محمد بن الحسين العسكري حدثنا أبو إبراهيم إسماعيل بن يحيى المزني سنة سبعين ومائتين حدثنا الشافعي أخبرنا مالك عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر أنه قال "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي على راحلته في السفر حيثما توجهت به".
وقال أحمد بن حنبل وأبو ثور هكذا ينبغي أن يفعل من تنفل على راحلته في السفر.
واختلف أهل العلم في المعنى الذي فيه نزلت {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} فقال ابن عمر وطائفة نزلت هذه الآية في الصلاة على الراحلة وقيل نزلت في قول اليهود في القبلة وقيل نزلت في قوم كانوا في سفر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في ليلة ظلماء فلم يعرفوا القبلة فاجتهدوا وصلوا إلى جهات مختلفة ثم بان لهم خطؤهم فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله عز وجل {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مضت صلاتكم وقول من قال إنها نزلت في الصلاة على الراحلة قول حسن أيضا تعضده السنة في ذلك.
قال أبو عمر: ليس في حديث مالك هذا عن عبد الله بن دينار تخصيص التطوع من غيره وهو أمر لا خلاف فيه فلذلك أهمل مالك ذكره والله أعلم.

(17/73)


وكذلك رواه الثوري عن عبد الله بن دينار كما رواه مالك سواء وقد ذكر في هذا الحديث وغيره جماعة الرواة أن ذلك في التطوع دون المكتوبة وهو أمر مجتمع عليه لأنه لا يجوز لمصلي الفرض أن يدع القبلة عامدا بوجه من الوجوه إلا في شدة الخوف راجلا أو راكبا فإن لم يكن خائفا شديد الخوف هاربا لم يكن له أن يصلي راكبا.
وقد اختلف في صلاة الطالب في الخوف على ما قد ذكرناه في باب نافع وقال الأثرم قيل لأحمد بن حنبل يصلي المريض المكتوبة على الدابة والراحلة فقال لا يصلي أحد المكتوبة على الدابة مريض ولا غيره إلا في الطين والتطوع كذلك بلغنا يصلي ويومئ قال وأما في الخوف فقد قال الله عز وجل {فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً} .
قال أبو عمر: قد ذكرنا حكم الصلاة في الطين في باب يزيد بن الهادي والحمد لله
وقد اختلف قول مالك في المريض يصلي على محمله فمرة قال لا يصلي على ظهر البعير فريضة وإن اشتد مرضه حتى لا يقدر أن يجلس لمرض إلا بالأرض ومرة قال إذا

(17/74)


كان ممن لا يصلي بالأرض إلا إيماء فليصل على البعير بعد أن يوقف له ويستقبل القبلة.
وأجمعوا على أنه لا يجوز لأحد صحيح ولا مريض أن يصلي إلى غير القبلة وهو عالم بذلك في الفريضة إلا في الخوف الشديد خاصة.
حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أبو يحيى بن أبي مسرة قال حدثنا أبي قال حدثنا عبد المجيد عن أبي جريج قال أخبرني موسى بن عقبة عن عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي على ناقته في السفر حيث توجهت به في غير المكتوبة".
وحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم قال حدثنا محمد بن الجهم السمري قال حدثنا يزيد بن هارون قال أخبرنا شعبة عن عبد الله بن دينار قال كان عبد الله بن عمر يصلي على راحلته حيث توجهت به تطوعا وقال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله.
وأخبرنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا أحمد بن صالح قال حدثنا

(17/75)


ابن وهب قال أخبرنا يونس عن ابن شهاب عن سالم عن أبيه قال "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسبح على الراحلة أي وجه توجه ويوتر عليها غير أنه لا يصلي عليها المكتوبة".
وأخبرنا سعيد بن نصر وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا عبد الله بن روح المدائني قال حدثنا شبابة بن سوار قال حدثنا عبد الله بن العلاء بن زبر الشامي قال حدثنا القاسم بن محمد وسالم بن عبد الله ونافع كلهم عن ابن عمر قال "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي على دابته حيث توجهت به تطوعا"
وأخبرنا سعيد بن نصر وعبد الوارث قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن وضاح قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا ابن علية عن هشام الدستوائي عن يحيى بن أبي كثير عن محمد بن عبد الرحمن عن جابر قال "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي على راحلته نحو المشرق فإذا أراد أن يصلي المكتوبة نزل فاستقبل القبلة".
وحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا عبيد بن عبد الواحد قال حدثنا أبو صالح

(17/76)


محبوب بن موسى الفراء قال حدثنا أبو إسحاق الفزاري عن سفيان عن أبي الزبير عن جابر قال "بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم لحاجة فجئت وهو يصلى على راحلته نحو المشرق يومئ إيماء السجود أخفض من الركوع قال فسلمت فلم يرد علي فلما سلم قال: ما منعني أن أرد عليك إلا أني كنت أصلي".
واختلف الفقهاء في المسافر سفرا لا تقصر في مثله الصلاة هل له أن يتنفل على راحلته ودابته أم لا فقال مالك وأصحابه والثوري لا يتطوع على الراحلة إلا في سفر تقصر في مثله الصلاة.
وحجتهم في ذلك أن الأسفار التي حكي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يتطوع فيها على راحلته كانت مما تقصر فيها الصلاة فالواجب أن لا يصلي إلى غير القبلة إلا في الحال التي وردت بها السنة لا تتعدى.
وقال الشافعي وأبو حنيفة وأصحابهما والحسن بن حي والليث بن سعد وداود بن علي يجوز التطوع على الراحلة خارج المصر في كل سفر وسواء كان مما تقصر فيه الصلاة أو لا تقصر وحجتهم أن الآثار في هذا الباب ليس في شيء منها تخصيص سفر من سفر فكل سفر جائز ذلك فيه إلا أن يخص شيء من الأسفار مما يجب التسليم له.

(17/77)


وقال أبو يوسف يصلي في المصر على الدابة بالإيماء لحديث يحيى بن سعيد عن أنس بن مالك أنه صلى على حمار في أزقة المدينة يومئ إيماء.
وقال الطبري يجوز لكل راكب وماش حاضرا كان أو مسافرا أن يتنفل على دابته وراحلته وعلى رجليه وحكى بعض أصحاب الشافعي أن مذهبهم جواز التنفل على الدابة في الحضر والسفر.
وقال الأثرم قيل لأحمد بن حنبل الصلاة على الدابة في الحضر فقال أما في السفر فقد سمعنا وما سمعت في الحضر.
وقال ابن القاسم من تنفل في محمله تنفل جالسا قيامه تربع ويركع واضعا يديه على ركبتيه ثم يرفع رأسه قال عبد العزيز بن أبي سلمة ويزيل يديه ثم يثني رجليه ويومئ لسجوده فإن لم يقدر أومأ متربعا وقد ذكرنا حكم صلاة المريض في باب إسماعيل والحمد لله وبه التوفيق.

(17/78)


الحديث الخامس عشر
...
حديث خامس عشر لعبد الله بن دينار عن ابن عمر
مالك عن عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "الشهر تسع وعشرون فلا تصوموا حتى تروا الهلال ولا تفطروا حتى تروه فإن غم عليكم فاقدروا له" .
هكذا هو عند جماعة الرواة عن مالك حدثنا خلف بن قاسم حدثنا أحمد بن محمد بن الحسين العسكري حدثنا إسماعيل بن يحيى المزني حدثنا الشافعي حدثنا مالك عن عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "الشهر تسع وعشرون لا تصوموا حتى تروا الهلال ولا تفطروا حتى تروه فإن غم عليكم فاقدروا له" .

(17/79)


أما قوله: "الشهر تسع وعشرون" فإنه يحتمل وجهين لا ثالث لهما في النظر أحدهما أن يكون الألف واللام في الشهر إشارة إلى شهر بعينه وهو الشهر والله أعلم الذي آلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم من أزواجه فكأنه قال عليه السلام هذا الشهر تسع وعشرون أو تكون إشارة إلى رمضان بعينه كأنه قال شهرنا هذا تسع وعشرون
ومعلوم أن من الشهور ما يكون تسعا وعشرين ومنها ما يكون ثلاثين فأعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه أن ذلك الشهر تسع وعشرون والوجه الآخر أن يكون أراد بقوله: "الشهر تسع وعشرون" أي أن الشهر قد يكون تسعا وعشرين فلا تكون حينئذ إشارة إلى معهود ولا يجوز أن يكون أراد بقوله الشهر تسع وعشرون أن الشهور كلها تسع وعشرون وليس التعريف في الشهر ههنا إشارة إلى جنس الشهور ولكن المعنى ما ذكرنا والأمر في ذلك بين لا تنازع فيه والحمد لله.
حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا الحرث بن أبي أسامة قال حدثنا روح بن عبادة

(17/80)


قال حدثنا ابن جريج قال أخبرنا أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول اعتزل رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه شهرا فخرج صبح تسعة وعشرين فقال النبي عليه السلام: "إن الشهر تسع وعشرون" ثم صفق النبي صلى الله عليه وسلم بيديه ثلاثا مرتين الأصابع كلها والثالثة بتسع منها.
وعند ابن جريج في هذا المعنى حديث أم سلمة أيضا حدثنا أحمد بن قاسم حدثنا قاسم حدثنا الحرث بن أبي أسامة حدثنا روح حدثنا ابن جريج قال أخبرني يحيى بن محمد بن صيفي أن يحيى بن عبد الرحمن أخبره أن أم سلمة أخبرته "أن النبي صلى الله عليه وسلم حلف أن لا يدخل على بعض أهله شهرا فلما مضى تسعة وعشرون يوما غدا عليهن أو راح فقيل له حلفت يا نبي الله لا تدخل عليهن شهرا فقال: إن الشهر تسعة وعشرون يوما" .
وروى شعبة قال أنبأني سلمة بن كهيل قال سمعت أبا الحكم السلمي يحدث عن ابن عباس "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم آلى من نسائه شهرا فأتاه جبريل عليه السلام فقال: يا محمد الشهر تسع وعشرون" .

(17/81)


وروى هذا المعنى عن النبي صلى الله عليه وسلم جماعة منهم أنس بن مالك وأم سلمة وابن عباس وعمر بن الخطاب وأبو هريرة وغيرهم بمعنى حديث جابر هذا.
وحدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن وضاح قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا أبو أسامة قال حدثنا عبيد الله عن نافع عن ابن عمر "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر رمضان فضرب بيده وقال: "الشهر هكذا وهكذا وهكذا" ثم عقف إبهامه الثالثة "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن أغمي عليكم فاقدروا له" قال أبو عمر: لم يختلف عن نافع في هذا الحديث في قوله "فاقدروا له" وكذلك روى سالم عن ابن عمر ورواه الدراوردي عن عبد الله بن دينار فقال فيه فإن غم عليكم فأحصوا العدة وقد مضى القول مستوعبا في معنى فاقدروا له وما للعلماء في ذلك من الوجوه في باب نافع عن ابن عمر من كتابنا هذا فلا وجه لإعادة شيء من ذلك ههنا.
قرأت على سعيد بن نصر وعبد الوارث بن سفيان أن قاسم بن أصبغ حدثهم قال حدثنا جعفر بن محمد قال حدثنا محمد بن سابق قال حدثنا إبراهيم بن طهمان عن عبد

(17/82)


العزيز عن عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر أنه سمعه يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الشهر تسع وعشرون ولا تصوموا حتى تروه ولا تفطروا حتى تروه إلا أن يغم عليكم فإن غم عليكم فأحصوا العدة" .
وروى هذا الحديث عن ابن عمر جماعة أعني حديث الشهر تسع وعشرون منهم عمرو ابن دينار وسعد بن عبيدة وسعيد بن عمرو وغيرهم ومما يدل على ما ذكرنا في صدر هذا الباب ما حدثناه أحمد بن محمد قال حدثنا وهب بن مسرة وحدثنا سعيد بن نصر وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا ابن وضاح قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا غندر عن شعبة عن الأسود بن قيس قال سمعت سعيد بن عمرو بن سعيد يحدث أنه سمع ابن عمر يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب والشهر هكذا وهكذا وهكذا" وعقد الإبهام في الثالثة والشهر هكذا وهكذا وهكذا يعني تمام ثلاثين

(17/83)


الحديث السادس عشر
...
حديث سادس عشر لعبد الله بن دينار عن ابن عمر
مالك عن عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "تحروا ليلة القدر في السبع الأواخر" .
هكذا رواه جماعة الرواة عن مالك لم يختلفوا فيه.
ورواه شعبة عن عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر أن النبي عليه السلام قال: "تحروها ليلة سبع وعشرين" يعني ليلة القدر.
هكذا حدث به عن شعبة وهب بن جرير.
وقد مضى القول في ليلة القدر مستوعبا في باب حميد الطويل من كتابنا هذا فلا معنى لإعادة ذلك ههنا.

(17/85)


الحديث السابع عشر
...
حديث سابع عشر لعبد الله بن دينار عن ابن عمر
مالك عن عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن اليهود إذا سلم عليكم أحدهم فإنما يقول السام عليكم فقل عليك" .
هكذا قال يحيى عن مالك في هذا الحديث عليك على لفظ الواحد وتابعه قوم وقال القعنبي وغيره فيه عن مالك عليكم على لفظ الجماعة ولم يدخل واحد منهم فيه الواو عن مالك وكذلك رواه الدراوردي عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن اليهود إذا سلم عليكم أحدهم فإنما يقول السام عليكم فقولوا عليكم" بلا واو أيضا كما قال مالك.

(17/87)


ورواه الثوري عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله فقال فيه وعليكم بالواو وكذلك في حديث قتادة عن أنس وعليكم.
قال أبو داود وكذلك رواية عائشة وأبي عبد الرحمن الجهني وأبي بصرة الغفاري.
قال أبو عمر: في هذا الحديث بيان ما عليه اليهود من العداوة للمسلمين وبذلك كانوا يضعون موضع السلام على المسلمين الدعاء عليهم بالموت والسام الموت في هذا الموضع وهو معروف في لسان العرب.
حدثنا سعيد بن نصر وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا عبد الله بن روح قال حدثنا شبابة بن سوار الفزاري قال حدثنا الحسام بن مصك قال حدثنا عبد الله بن بريدة عن أبيه بريدة الأسلمي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "عليكم بهذه الحبة السوداء

(17/88)


فإن فيها شفاء من كل داء إلا السام" والسام الموت وذكر تمام الحديث في تفسير استعمال الحبة السوداء وهو الشونيز.
وروى مثل هذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أبو هريرة من حديث الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة ومن حديث العلماء عن أبيه عن أبي هريرة.
وفي هذا الحديث أيضا ما يدل على وجوب رد السلام على كل من سلم بمثل سلامه إلا أن تكون تحية طيبة فيجوز أن يرد المحيا أفضل مما حيي به أو مثله لا ينقص منه قال الله عز وجل {وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا} ولم يخص مسلما من ذمي.
وفي قوله عز وجل {فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا} دليل على أنه أراد التحية الحسنة وأما التحية السيئة فليس على سامعها أن يحيي بأحسن منها وإن فعل فقد أخذ بالفضل وعليه أن يرد مثلها بدليل هذا الحديث قوله صلى الله عليه وسلم: "فقل وعليك" وقد سلف القول في معنى وجوب السلام ورده

(17/89)


للجماعة والواحد في باب زيد بن أسلم من كتابنا هذا فلا وجه لإعادة ذلك ههنا.
حدثنا أحمد بن قاسم بن عبد الرحمن قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا الحرث بن أبي أسامة قال حدثنا أشهل بن حاتم عن ابن عون قال أنبأني حميد بن زاذويه عن أنس قال أمرنا أو نهينا أن لا نزيد أهل الكتاب على وعليكم.
وحدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا عبد الله بن روح المدائني قال حدثنا يزيد بن هارون قال أخبرنا عبد الله بن عون فذكره بإسناده سواء.
أخبرنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال أخبرنا أبو داود قال حدثنا عمرو ابن مرزوق قال حدثنا شعبة عن قتادة عن أنس "أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم إن أهل الكتاب يسلمون علينا فكيف نرد عليهم قال: " قولوا: وعليكم" .

(17/90)


وأما ابتداء أهل الذمة بالسلام فقد اختلف فيه السلف ومن بعدهم فكرهت طائفة أن يبتدأ أحد منهم بالسلام لحديث سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا تبدؤهم بالسلام وإذا لقيتموهم في طريق فاضطروهم إلى أضيقه" وقال أحمد بن حنبل المصير إلى هذا الحديث أولى مما خالفه.
وذكر أبو بكر بن أبي شيبة عن إسماعيل بن عياش عن محمد بن زياد الألهاني وشرحبيل بن مسلم عن أبي أمامة الباهلي أنه كان لا يمر بمسلم ولا يهودي ولا نصراني إلا بدأه بالسلام.
وروي عن ابن مسعود وأبي الدرداء وفضالة بن عبيد أنهم كانوا يبدأون أهل الذمة بالسلام وعن ابن مسعود أنه كتب إلى رجل من أهل الكتاب السلام عليك.
وعنه أيضا أنه قال لو قال لي فرعون خيرا لرددت عليه مثله وروى الوليد بن مسلم عن عروة بن رويم قال رأيت أبا أمامة الباهلي يسلم على كل من لقي من مسلم وذمي،

(17/91)


ويقول هي تحية لأهل ملتنا وأمان لأهل ذمتنا واسم من أسماء الله نفشيه بيننا.
وقيل لمحمد بن كعب القرظي إن عمر بن عبد العزيز سئل عن ابتداء أهل الذمة فقال نرد عليهم ولا نبدأهم فقال أما أنا فلا أرى بأسا أن نبدأهم بالسلام قيل له لم قال لقول الله عز وجل {فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} .
ومذهب مالك في ذلك كمذهب عمر بن عبد العزيز وأجاز ذلك ابن وهب وقد يحتمل عندي حديث سهيل أن يكون معنى قوله "لا تبدؤوهم" أي ليس عليكم أن تبدؤهم كما تصنعون بالمسلمين وإذا حمل على هذا ارتفع الاختلاف.
وحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا إسماعيل بن إسحاق وأخبرنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قالا جميعا حدثنا حفص بن عمر الحوضي قال حدثنا شعبة عن سهيل بن أبي صالح قال خرجت مع أبي إلى الشام قال فجعلوا يمرون بصوامع فيها نصارى فيسلمون عليهم؛

(17/92)


فقال أبي لا تبدؤوهم بالسلام فإن أبا هريرة حدثنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا تبدؤوهم بالسلام وإذ لقيتموهم في طريق فاضطروهم إلى أضيق الطريق" .
وحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا أبي قال حدثنا ابن نمير عبد الله عن محمد بن إسحاق عن يزيد بن أبي حبيب عن مرثد بن عبد الله اليزني عن أبي عبد الرحمن الجهني قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "إني راكب غدا إلى يهود فلا تبدؤوهم بالسلام فإذا سلموا عليكم فقولوا وعليكم" .
قال أبو عمر: فهذا الوجه المعمول به في السلام على أهل الذمة والرد عليهم ولا أعلم في ذلك خلافا والله المستعان.
وقد روى سفيان بن عيينة عن زمعة بن صالح قال سمعت ابن طاوس يقول إذا سلم عليك اليهودي أو النصراني فقل علاك السلام أي ارتفع عنك السلام.
قال أبو عمر: هذا لا وجه له مع ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ولو جاز مخالفة الحديث إلى الرأي في مثل

(17/93)


هذا لاتسع في ذلك القول وكثرت المعاني ومثل قول ابن طاوس في هذا الباب قول من قال يرد على أهل الكتاب عليك السلام بكسر السين يعني الحجارة وهذا غاية في ضعف المعنى ولم يبح لنا أن نشتمهم ابتداء وحسبنا أن نرد عليهم بمثل ما يقولون في قول وعليك مع امتثال السنة التي فيها النجاة لمن تبعها وبالله التوفيق.
وقد ذكرنا في باب ابن شهاب حكم من سب النبي صلى الله عليه وسلم من أهل الذمة لأن بعض الفقهاء جعل قول اليهود ههنا من باب السب وقوله: "السام عليكم" وهذا عندي لا وجه له والله أعلم.

(17/94)


الحديث الثامن عشر
...
حديث ثامن عشر لعبد الله بن دينار عن ابن عمر
مالك عن عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يلبس خاتما من ذهب ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فنبذه وقال: لا ألبسه أبدا قال فنبذ الناس خواتمهم" .
في هذا الحديث دليل على أن الأشياء على الإباحة حتى يرد الشرع بالمنع منها ألا ترى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتختم بالذهب وذلك والله أعلم على ما كانوا عليه حتى أمره الله بما أمره به من ترك التختم بالذهب فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن التختم بالذهب للرجال قال سعيد بن جبير كان الناس على جاهليتهم حتى

(17/95)


يؤمروا أو ينهوا ومن حديث مالك عن نافع عن إبراهيم بن عبد الله بن حنين عن أبيه عن علي "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن لبس القسي والمعصفر وعن تختم الذهب" الحديث وهذا لو حملناه على عمومه ما جاز للرجال ولا للنساء ولكن قد جاءت آثار تخص النساء قد ذكرناها والحمد لله في باب نافع وغيره.
حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن غالب قال حدثنا عمرو بن مرزوق قال حدثنا شعبة قال حدثنا قتادة عن النضر بن أنس عن بشير بن نهيك عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن خاتم الذهب قال وحدثنا محمد بن غالب قال حدثنا خالد بن يزيد الرقي قال أخبرنا شعبة قال أخبرنا أشعث بن سليم قال سمعت معاوية بن سويد بن مقر قال سمعت البراء بن عازب يقول "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن خاتم الذهب أو حلية الذهب" شك شعبة قال وحدثنا محمد بن يونس الكريمي قال حدثنا أبو بكر الحنفي عبد الكبير بن عبد المجيد قال حدثنا مسعر بن كدام عن أشعث بن أبي الشعثاء عن معاوية بن سويد بن مقر عن البراء قال نهينا عن سبع وأمرنا بسبع أمرنا باتباع الجنائز.

(17/96)


وتشميت العاطس وعيادة المريض وإجابة الداعي وإبرار القسم ونصر المظلوم ورد السلام ونهينا عن خاتم الذهب وآنية الفضة والقسي والحرير والديباج والإستبرق وقد ذكرنا هذا الحديث في باب إسحاق بن أبي طلحة وفي باب نافع أيضا.
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن خاتم الذهب من وجوه منها حديث ابن مسعود وحديث عبد الله بن عمرو بن العاصي وحديث علي بن أبي طالب وغيرهم وهو أمر مجتمع عليه للرجال.
وروى شعبة عن يزيد بن أبي زياد عن أبي سعيد عن أبي الكنود قال أصبت خاتما من ذهب فأتيت عبد الله بن مسعود فرآه علي فأخذه فجعله بين لحييه فمضغه وقال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن خاتم الذهب.
وذكره أبو بكر بن أبي شيبة عن عبد الله بن إدريس عن يزيد بن أبي زياد عن أبي سعيد عن أبي الكنود عن ابن مسعود مثله مرفوعا وأبو الكنود هذا من أصحاب ابن مسعود اسمه عبد الله لم يختلفوا فيه,

(17/97)


واختلفوا في اسم أبيه فقال ابن معين هو عبد الله بن عمران وقال البخاري عبد الله بن عويمر وقال خليفة هو عبد الله بن عامر ونسبه في الأزد وأبو سعيد أزدي أيضا لا يوقف له على اسم يقال لأبي سعيد قارئ الأزد روى عنه السدي ويزيد بن أبي زياد وروى عن أبي الكنود أبو إسحاق السبيعي وأبو سعيد الأزدي سمع خباب بن الأرت وابن مسعود.
وحدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا إسماعيل بن إسحاق قال حدثنا إسحاق بن محمد الفروي قال حدثنا محمد بن جعفر قال أخبرني إبراهيم بن عقبة عن كريب عن ابن عباس "أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى خاتما من ذهب في يد رجل فنزعه فطرحه وقال: يعمد أحدكم إلى جمرة من نار فيجعلها في يده" فقيل للرجل بعدما ذهب النبي عليه السلام خذ خاتمك فانتفع به فقال لا والله لا آخذه أبدا وقد طرحه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال أبو عمر: هذا كله في الرجال دون النساء ولا خلاف أن لباس الحرير والذهب للنساء حلال وقد مضى فيما تقدم من

(17/98)


كتابنا هذا قوله صلى الله عليه وسلم في لبس الحرير والذهب: "هذان حلالان لإناث أمتي حرام على ذكورها" ومضى هنالك في هذا المعنى ما فيه كفاية في باب نافع من كتابنا هذا فلا معنى لإعادة ذلك ههنا.
وأما نبذ رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتمه ونبذ الناس لخواتمهم فكذلك يلزمهم اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا أمر واضح ويحتمل أن يكون نبذه له طرحه له عن يده وكذلك طرح الناس لخواتمهم عن أيديهم تركهم للبسها واستعمالها لما نهوا عن ذلك ومما يدل على صحة هذا التأويل نهيه صلى الله عليه وسلم عن إضاعة المال والذهب مال فجائز سبكه وبيعه من النساء اللواتي يجوز لهن اتخاذه وإنما حرم على الرجل حبسه في أصبعه تزينا به دون سائر تملكه وإن كان صلى الله عليه وسلم رمى به فيجوز أن يكون كان ذلك منه أولا ثم نهى بعد ذلك عن إضاعة المال لأنه أمر لا خلاف فيه وبالله التوفيق.
وأما اتخاذ خاتم الورق للرجال والنساء فمجتمع على إجازته حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا بكر بن حماد قال حدثنا مسدد قال حدثنا يحيى عن عبيد الله قال حدثني نافع عن عبد الله بن

(17/99)


عمر "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اتخذ خاتما من ذهب وجعل فصه مما يلي كفيه فاتخذه الناس فرمى به واتخذ خاتما من ورق".
وقد روي عن ابن شهاب عن أنس بن مالك "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اتخذ خاتما من ورق ثم نبذه فنبذ الناس خواتمهم" وهذا غلط عند أهل العلم والمعروف أنه إنما نبذ خاتما من ذهب لا من ورق.
وحديث ابن شهاب رواه عنه إبراهيم بن سعد ويونس بن يزيد وموسى بن عقبة وابن أبي عتيق أن أنس بن مالك حدثه "أنه رأى في يد رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتما من ورق يوما واحدا ثم إن الناس اصطنعوا الخواتم من ورق ولبسوها فطرح رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتمه وطرح الناس خواتمهم".
قال أبو عمر: المحفوظ في هذا الباب عن أنس غير ما قال ابن شهاب من رواية جماعة من أصحابه عنه قد ذكرنا بعضهم وقد كره بعض أهل العلم لباس الخاتم جملة لحديث ابن شهاب وكرهه بعضهم لغير السلطان.

(17/100)


والذي عليه جمهور العلماء من المتقدمين والمتأخرين إجازة لبس خاتم الفضة للسلطان وغيره ولما علمه مالك والله أعلم من كراهة من كره ذلك ذكر في موطئه بعد حديثه عن عبد الله بن دينار المذكور في هذا الباب حديثه عن صدقة بن يسار قال سألت سعيد بن المسيب عن لبس الخاتم فقال إلبسه وأخبر الناس أني أفتيتك بذلك.
وقد حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن قال حدثنا عبد الحميد بن أحمد الوراق قال حدثنا الخضر بن داود قال حدثنا أبو بكر الأثرم قال سمعت أبا عبد الله يعني أحمد بن حنبل يسأل عن لبس الخاتم فقال أهل الشام يكرهونه لغير ذي سلطان ويروون فيه الكراهة وقد تختم قوم.
قال أبو بكر وحدثنا أبو عبد الله بحديث أبي ريحانة عن النبي عليه السلام أنه كره خلالا ذكرها منها الخاتم إلا لذي سلطان فلما بلغ أحمد هذا الموضع تبسم كالمتعجب ثم قال يا أهل الشام.
قال أبو عمر رحمه الله وحديث أبي ريحانة في ذلك قرأته على عبد الرحمن بن يحيى في أصل سماعه ومنه كتبته

(17/101)


قال حدثنا أحمد بن سعيد بن حزم قال حدثنا محمد بن زيان بن حبيب قال حدثنا زكرياء ابن يحيى بن صالح قال حدثنا المفضل بن فضالة القتباني عن عياش بن عياش القتباني عن أبي الحصين عن أبي الهيثم بن شقي أنه قال خرجت أنا وصاحب لي يدعى أبا عامر رجل من المعافر ليصلي بإيليا وكان حدثهم رجل من الأزد يقال له أبو ريحانة من الصحابة قال أبو الحصين فسبقني صاحبي إلى المسجد ثم أدركته فجلست إليه فسألني هل أدركت قصص أبي ريحانة فقلت له لا فقال سمعته يقول "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عشر عن الوشر والوشم والنتف وعن مكامعة الرجل الرجل بغير شعار وعن مكامعة المرأة المرأة بغير شعار وأن يجعل الرجل تحت ثيابه حريرا مثل الأعاجم وأن يجعل على منكبيه حريرا مثل الأعاجم وعن النهبة وركوب النمور ولبس الخاتم إلا لذي سلطان"

(17/102)


هكذا وقع في أصل أحمد بن سعيد عن أبي الحصين عن أبي الهيثم بن شقي وإنما أعرفه عن أبي الحصين الهيثم بن شقي لا يعرف هذا الحديث إلا به ولم يرو عنه فيما علمت غير عياش بن عياش القتباني وقتبان في اليمن.
وحدثنا عبد الرحمن بن يحيى حدثنا أحمد بن سعيد حدثنا محمد بن زيان حدثنا زكرياء ابن يحيى حدثنا المفضل بن فضالة عن عمرو بن الحرث عن بكير بن الأشج أن عثمان بن عفان ورافع بن خديج وصهيبا كانوا يتختمون قال بكير ولم يبلغني أن أحدا منهم كان في ذلك الزمن على سلطان.
وبه عن المفضل بن فضالة عن عقيل أنه رأى على ابن شهاب خاتما نقشه محمد يسأل الله العافية قال عقيل وجاء رجل إلى ابن شهاب يسأله عن الخاتم يكون فيه شيء من ذكر الله تصيبه الجنابة وهو عليه فقال ابن شهاب ما كان المسلمون يلبسون الخواتم فيها اسم الله والحرف من القرآن .

(17/103)


قال أبو عمر: الحديث حدثناه سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا ابن وضاح قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا زيد بن الحباب قال حدثني يحيى بن أيوب المصري قال حدثني عياش بن عباس الحميري قال سمعت أبا ريحانة صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "كان الرسول صلى الله عليه وسلم ينهى عن شعر خصال معاكمة أو مكامعة الرجل الرجل في شعار ليس بينهما شيء ومعاكمة أو مكامعة المرأة المرأة ليس بينهما شيء والوشر والنتف والوشم والنهبة وركوب النمور واتخاذ الديباج ههنا على العاتقين كما تصنع الأعاجم وفي أسفل الثياب والخاتم إلا لذي سلطان" .
وحدثنا أحمد بن قاسم قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا الحرث بن أبي أسامة قال حدثنا أبو النضر قال حدثنا الليث عن عياش بن عباس عن رجل حدثه عن أبي ريحانة "أن النبي عليه السلام نهى عن عشر خصال عن الوشر والوشم وعن مكامعة الرجل الرجل وعن مكامعة المرأة المرأة يعني المباشرة وعن ثياب تكف بالديباج من أعلاها ومن أسفلها كما تصنع الأعاجم وعن النهبة وعن أن يركب بجلود النمار وعن الخاتم إلا لذي سلطان" لم تتم في واحد من الإسنادين العشر

(17/104)


حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أبو إسماعيل الترمذي قال حدثنا أبو الجماهر محمد بن عثمان التنوخي قال حدثنا سعيد بن بشير عن قتادة عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد أن يكتب إلى العجم فقيل له إنه لا ينفذ كتابك إلا بخاتم قال فاتخذ خاتما من فضة فصه منه والخاتم منقوش محمد رسول الله قال ولبس أبو بكر خاتم النبي صلى الله عليه وسلم فلما توفي أبو بكر لبس الخاتم عمر فلما توفي عمر لبس الخاتم عثمان فسقط من عثمان في بئر بالمدينة.
وأخبرنا عبد الوارث قال حدثنا قاسم قال حدثنا محمد بن الجهم قال حدثنا عبد الوهاب ابن عطاء قال أخبرنا سعيد عن قتادة عن أنس بن مالك أن النبي عليه السلام أراد أن يكتب إلى كسرى وقيصر فقيل له إنهم لا يقبلون كتابا إلا بخاتم فاتخذ خاتما من فضة نقشه محمد رسول الله.
وحدثنا عبد الوارث قال حدثنا قاسم قال حدثا بكر بن حماد قال حدثنا مسدد قال حدثنا حماد عن عبد العزيز عن أنس "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اتخذ خاتما

(17/105)


من فضة ونقش فيه محمد رسول الله وقال: "إني اتخذت خاتما من ورق ونقشت فيه محمد رسول الله فلا ينقش أحد عليه" .
وقرأت على عبد الوارث بن سفيان أن قاسم بن أصبغ حدثهم قال حدثنا أبو مسلم الكشي قال حدثنا الشعبي عبد الرحمن بن حماد قال حدثنا سعيد عن قتادة عن أنس "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أراد أن يكتب إلى الأعاجم قيل له إنهم لا يقبلون كتابا إلا بخاتم فاتخذ خاتما من فضة ونقش فيه محمد رسول الله كأني أنظر إلى بصيصه أو بياضه في يد رسول الله صلى الله عليه وسلم" وروى هذا الحديث عن أنس ثابت وحميد لم يذكر واحد منهم فيه نبذ الخاتم فهذا ما في حديث أنس بن مالك ليس فيه أن رسول الله نبذه وإنما ذلك في حديث ابن عمر في خاتم الذهب خاصة.
وقد روي من حديث ابن عمر بيان ما قلنا.
حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أبو مسلم الكشي قال حدثنا أبو عاصم عن المغيرة بن زياد عن نافع عن ابن عمر "أن رسول الله صلى الله

(17/106)


عليه وسلم اتخذ خاتما من ذهب ففشت خواتم الذهب في أصحابه فرمى به واتخذ خاتما من ورق ونقش فيه محمد رسول الله وكان في يده حتى مات وفي يد أبي بكر حتى مات وفي يد عمر حتى مات وفي يد عثمان ست سنين فلما كثرت عليه الكتب دفعه إلى رجل من الأنصار للختم به فأتى قليبا لعثمان فسقط فيها فالتمس فلم يوجد فاتخذ خاتما من ورق ونقش فيه محمد رسول الله.
وحدثنا عبد الوارث قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن وضاح قال حدثنا حامد بن يحيى قال حدثنا سفيان عن أيوب بن موسى عن نافع عن ابن عمر قال اتخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتما من ذهب ثم رمى به واتخذ خاتما من فضة فصه منه ونقش فيه محمد رسول الله ونهى أن ينقش أحد عليه وهو الذي سقط من معيقيب في بئر أريس.
وحدثنا أحمد بن قاسم وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثنا قاسم قال حدثنا الحرث بن أبي أسامة قال حدثنا يحيى بن هاشم قال حدثنا ابن أبي ليلى عن نافع عن ابن عمر قال كان خاتم رسول الله صلى الله عليه وسلم من فضة وكان يجعل فصه مما يلي راحته.

(17/107)


وروى ابن وهب عن العمري عن نافع عن ابن عمر قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبس خاتما في يمينه ويجعل فصه من باطن كفه وحدثنا عبد الرحمن بن يحيى حدثنا أحمد بن سعيد حدثني محمد بن زبان حدثنا زكرياء بن يحيى بن صالح حدثنا المفضل ابن فضالة عن يحيى بن أيوب عن عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب عن نافع عن ابن عمر أنه كان يختم الخاتم من ورق ويلبسه في يده اليسرى وهذا أصح عنه ففي هذه الأحاديث أن خاتم رسول الله صلى الله عليه وسلم كان فصه منه وكان يجعله مما يلي راحته وكذلك روى حميد عن أنس قال كان خاتم النبي صلى الله عليه وسلم كله من فضة وهو الصحيح من جهة الإسناد أن فصه كان منه وقد روي أن فصه كان حبشيا.
أخبرنا خلف بن أحمد ومحمد بن إبراهيم و عبد الرحمن بن يحيى قالوا حدثنا أحمد بن مطرف قال حدثنا محمد بن عمر بن لبابة قال حدثنا أبو زيد عبد الرحمن بن إبراهيم قال حدثنا إسماعيل بن أبي أويس عن يونس بن يزيد عن ابن شهاب عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله

(17/108)


عليه وسلم لبس خاتم فضة في يمينه وفيه فص حبشي كان يجعل فصه مما يلي كفه.
قال أبو عمر: ليس هذا الإسناد بالقوي والله أعلم وحديث أيوب بن موسى عن نافع عن ابن عمر أصح من هذا وقد تقدم ذكره وقد روي عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أنه كان يتختم بالذهب وهذا إن صح عنه أو عن غيره فلا معنى له لشذوذه ومخالفة السنة الثابتة فيه والحجة فيها لا في غيرها وجائز أن لا يبلغه الخبر بالنهي عن ذلك لأنه من علم الخاصة وأخبار الآحاد فقد فات من هو أجل منه أكثر من ذلك من سنن الآحاد وليس ذلك بضائر لهم رحمهم الله.
وأما التختم في اليمين وفي اليسار فاختلفت في ذلك الآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن أصحابه بعده وذلك محمول عند أهل العلم على الإباحة.
حدثنا أحمد بن قاسم وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا الحرث بن أبي أسامة قال حدثنا عفان قال حدثنا حماد قال أخبرنا ثابت أنهم سألوا أنس ابن مالك أكان لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاتم

(17/109)


قال نعم فذكر حديثا قال أنس فكأني أنظر إلى وبيص خاتمه ورفع يده اليسرى.
وحدثنا يعيش بن سعيد وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن أبي العوام قال حدثنا موسى بن داود قال حدثنا عباد بن العوام عن قتادة عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتختم بيمينه ونقشه محمد رسول الله.
وحدثنا سعيد بن نصر وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن وضاح قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا ابن نمير عن إبراهيم بن الفضل عن عبد الله بن محمد بن عقيل بن أبي طالب عن عبد الله بن جعفر قال رأيت خاتم رسول الله صلى الله عليه وسلم في يمينه صلى الله عليه وسلم.
وحدثني سعيد وعبد الوارث قالا حدثنا قاسم قال حدثنا ابن وضاح قال حدثنا محمد بن نمير قال حدثني أبي عن محمد بن إسحاق عن الصلت بن عبد الله بن نوفل قال رأيت ابن عباس خاتمه في يمينه ولا إخاله إلا قد ذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كذلك كان يلبسه.

(17/110)


وأخبرنا عبد الرحمن بن يحيى حدثنا علي بن محمد حدثنا أحمد بن داود حدثنا سحنون حدثنا ابن وهب قال أخبرني عبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تختم في يمينه.
وممن روينا عنه أنه كان يتختم حذيفة بن اليمان وأنس بن مالك وأبو موسى الأشعري وعمران بن حصين وأبو عبيدة بن الجراح وعبد الله بن عمر ومسروق وإبراهيم وأبو جعفر محمد بن علي بن حسين ومحمد بن سيرين والحسن والقاسم وسالم.
وأما نقوش خواتمهم فمختلفة جدا وقد حدثنا أحمد عن أبيه عن عبد الله عن بقي عن أبي بكر قال حدثنا يحيى بن آدم قال حدثنا أبو عوانة عن قتادة عن أنس أن عمر قال لا تنقشوا أو لا تكتبوا في خواتمكم بالعربية.
قال أبو عمر: الناس على خلاف هذا وقال الحسن وعطاء لا بأس أن ينقش في الخاتم الآية كلها وكرهه إبراهيم وكان نقش خاتم مسروق بسم الله الرحمن الرحيم.
وممن كان يتختم في يساره أبو بكر وعمر وعثمان والحسن والحسين والقاسم وسالم وإبراهيم وعمرو بن حريث؛

(17/111)


وممن كان يتختم في يمينه جعفر بن أبي طالب ومحمد بن علي بن الحنفية وابن عباس وعبد الله بن جعفر وروي ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وحدثنا أحمد بن سعيد بن بشير قال حدثنا محمد بن أبي دليم قال حدثنا ابن وضاح قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا عبدة بن سليمان عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر أنه كان يتختم في يساره قال عبيد الله ورأيت القاسم بن محمد يتختم في يساره ورأيت سالم بن عبد الله يتختم في يساره.
وأخبرنا أحمد بن سعيد قال حدثنا ابن أبي دليم قال حدثنا ابن وضاح قال حدثنا أبو بكر قال حدثنا معن بن عيسى عن سليمان بن بلال عن جعفر بن محمد عن أبيه قال كان الحسن والحسين يتختمان في أيسارهما.
وحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا بكر بن حماد قال حدثنا مسدد قال حدثنا أبو الأحوص قال حدثنا عاصم بن كليب عن أبي بردة عن علي قال "نهاني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أتختم في السبابة والوسطى".

(17/112)


وأخبرنا خلف بن القاسم قال حدثنا الحسين بن جعفر قال حدثا يوسف بن يزيد قال حدثنا العباس بن طالب قال حدثنا أبو عوانة عن أبي بسر عن نافع عن ابن عمر "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يجعل فص خاتمه في باطن كفه".
وقد اختلف في لبس خاتم الحديد ففي حديث أبي حازم عن سهل بن سعد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال التمس ولو خاتما من حديد.
وحدثنا عبد الله بن محمد حدثنا عبد الحميد بن أحمد حدثنا الخضر بن داود حدثنا أبو بكر الأثرم قال قلت لأبي عبد الله يعني أحمد بن حنبل ما ترى في خاتم الحديد فقال اختلفوا فيه لبسه ابن مسعود وقال ابن عمر ما طهرت كف فيها خاتم من حديد.
وروى محمد بن عجلان عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده "أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن خاتم الذهب وخاتم الحديد".

(17/113)


وعن عمر بن الخطاب أنه قال في خاتم الذهب وخاتم الحديد جمرة من نار أو قال حلية أهل النار وقد روي مثل هذا مرفوعا ولا يتصل عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن عمر وليس بثابت والأصل أن الأشياء على الإباحة حتى يثبت النهي وهذا في كل شيء إلا أن النهي عن التختم بالذهب صحيح ولا يختلف في صحته وقد أخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا الحسن بن علي ومحمد بن عبد العزيز بن أبي رزمة المعني قالا أخبرنا زيد بن الحباب عن عبد الله بن مسلم أبي ظبية السلمي المروزي عن عبد الله بن بريدة عن أبيه "أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وعليه خاتم من شبه فقال له ما لي أجد منك ريح الأصنام فطرحه ثم جاءه وعليه خاتم من حديد فقال ما لي أرى عليك حلية أهل النار فطرحه فقال يا رسول الله من أي شيء أتخذه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اتخذه من ورق ولا تتمه مثقالا" لم يقل محمد عن عبد الله بن مسلم ولم يقل الحسن السلمي المروزي.
وذكر الحسن بن علي الحلواني قال حدثنا أبو صالح الفراء محبوب بن موسى قال سمعت أبا إسحاق الفزاري ورأى في يد رجل خاتما فقال له في يدك خاتم ما لبست

(17/114)


خاتما قط ولا رأيت في يد سفيان خاتما ولا في يد مغيرة ولا في يد الأوزاعي.
قال وقال أبو نعيم رأيت الأعمش وسفيان والحسن بن حي فلم أرى على واحد منهم خاتما وكان شريك قبل أن يستقضي عليه خاتم فضة ورأيت أبا حنيفة عليه خاتم فضة فصه منه.
وحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا موسى بن إسماعيل قال حدثنا أبان قال حدثنا قتادة عن عبد الرحمن مولى أم برثن أن أبا موسى الأشعري وزيادا قدما على عمر وفي يد زياد خاتم من ذهب فقال له عمر أتتختم بالذهب فقال أبو موسى أما أنا فخاتمي من حديد فقال ذلك أخبث وأنتن ثم قال من كان متختما فليتختم بالفضة.
وقد ذكرنا في باب نافع مسألة شد الأسنان بالذهب والحمد لله.

(17/115)


الحديث التاسع عشر
...
حديث تاسع عشر لعبد الله بن دينار عن ابن عمر
مالك عن عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "الذي يجر ثوبه خيلاء لا ينظر الله إليه يوم القيامة" .
وقد تقدم القول في معنى هذا الحديث في باب زيد بن أسلم من هذا الكتاب.
ومن أحسن ما روي في ذلك ما رواه سفيان بن عيينة عن حصين عن عمرو بن ميمون قال لما طعن عمر جاء الناس يعودونه فيهم شاب من قريش فلما سلم على عمر أبصر إزاره قد أسبل فدعاه فقال ارفع إزارك فإنه أنقى لثوبك وأتقى لربك قال فما منعه ما هو فيه أن أمره بطاعة الله

(17/117)


الحديث العشرون
...
حديث موفي عشرين لعبد الله بن دينار عن ابن عمر
مالك عن نافع وعبد الله بن دينار وزيد بن أسلم كلهم يخبره عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا ينظر الله يوم القيامة إلى من جر ثوبه خيلاء" .
وكذلك هذا الحديث أيضا في معنى الذي قبله وقد سلف القول فيه في باب زيد بن أسلم من كتابنا هذا والحمد لله.

(17/118)


الحديث الحادي والعشرون
...
حديث حاد وعشرون لعبد الله بن دينار عن ابن عمر
مالك عن نافع وعبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صلاة الليل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "صلاة الليل مثنى مثنى فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة توتر له ما قد صلى" .
وهذا الحديث أيضا قد مضى القول فيه مستوعبا في معانيه في باب نافع من هذا الكتاب والحمد لله كثيرا.

(17/119)


الحديث الثاني والعشرون
...
حديث ثان وعشرون لعبد الله بن دينار عن ابن عمر
مالك عن عبد الله بن دينار قال كنت أنا وعبد الله بن عمر عند دار خالد بن عقبة التي بالسوق فجاء رجل يريد أن يناجيه وليس مع عبد الله أحد غيري وغير الرجل الذي يريد أن يناجيه فدعا عبد الله بن عمر رجلا آخر حتى إذا كنا أربعة قال لي وللرجل الذي دعاه استأخرا شيئا فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لا يتناجى اثنان دون واحد" .
هذا الحديث عن ابن عمر يفسر حديثه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال "إذا كانوا ثلاثة فلا يتناج اثنان دون الثالث" وقد مضى القول فيه في باب نافع من كتابنا هذا فلا معنى لإعادة ذلك ههنا.
وأما رواية من روى في هذا الحديث استرخيا فمعناه اجلسا وتحدثا وانتظرا قليلا وقيل بل معنى استرخيا واستأخرا سواء.

(17/120)


الحديث الثالث والعشرون
...
حديث ثالث وعشرون لعبد الله بن دينار
عبد الله بن دينار عن سليمان بن يسار حديثان مالك عن عبد الله بن دينار عن سلمان ابن يسار وعن عروة بن الزبير عن عائشة أم المؤمنين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة" .
هكذا في كتاب يحيى وعن عروة بن الزبير بواو العطف وهو خطأ والصواب في إسناد هذا الحديث سليمان بن يسار عن عروة بن الزبير وكذلك هو عند القعنبي وابن بكير وابن وهب وابن القاسم والتنيسي وأبي المصعب وجماعتهم في الموطأ عن مالك عن عبد الله بن دينار عن سليمان بن يسار عن عروة بن الزبير عن عائشة؛

(17/121)


وهو معروف لسليمان بن يسار عن عروة وغير نكير رواية النظير عن النظير فكيف وسليمان دون عروة في السن واللقاء وإن كانا جميعا من فقهاء عصرهما وقد روى هذا الحديث عن عروة مكحول الشامي وهو من كبار التابعين أيضا ورواه عن عروة ابن شهاب وهشام بن عروة وجماعة ذكر ابن وهب عن عمرو بن الحارث عن جعفر بن ربيعة عن مكحول عن عروة عن عائشة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب" .
ورواه يحيى القطان عن مالك كما رواه سائر أصحاب مالك غير يحيى بن يحيى وحسبك بيحيى بن سعيد القطان إتقانا وحفظا وجلالة.
قرأت على عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن عبد السلام قال حدثنا محمد ابن بشار قال حدثنا يحيى قال حدثنا مالك قال حدثنا عبد الله بن دينار عن سليمان بن يسار عن عروة عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما حرمت الولادة حرمت الرضاعة" .
وهذا الحديث واضح المعنى وفيه دليل على أن لبن الفحل يحرم وإن كان محتملا للتأويل وقد مضى القول مستوعبا في لبن الفحل وما في ذلك من التنازع بين العلماء مجودا في باب ابن شهاب عن عروة من كتابنا هذا فلا وجه لإعادة ذلك ههنا.

(17/122)


الحديث الرابع والعشرون
...
حديث رابع وعشرون لعبد الله بن دينار عن سليمان بن يسار
مالك عن عبد الله بن دينار عن سليمان بن يسار وعن عراك بن مالك عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قال ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة" .
هكذا هذا الحديث في الموطأ عند جماعة الرواة ورواه حبيب كاتب مالك عن مالك عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر فأخطأ وكان كثير الخطأ وقد نسب إلى الكذب لكثرة غرائبه وخطئه عن مالك وهذا الحديث أيضا أخطأ فيه يحيى بن يحيى كخطئه في الحديث الذي قبله سواء وأدخل بين سليمان وعراك بن مالك واوا فجعل الحديث لعبد

(17/123)


الله بن دينار وعراك وهو خطأ غير مشكل وهذان الموضعان مما عد عليه من غلطه في الموطأ والحديث محفوظ في الموطآت كلها وغيرها لسليمان بن يسار عن عراك بن مالك وهما تابعان نظيران وعراك أسن من سليمان وسليمان عندهم أفقه وكلاهما ثقة جليل عالم وعبد الله بن دينار تابع أيضا ثقة.
توفي عراك بن مالك الغفاري بالمدينة سنة اثنتين ومائة وتوفي سليمان بن يسار سنة سبع ومائة.
وقد تقدم ذكر وفاة عبد الله بن دينار في أول بابه من هذا الكتاب وما زال العلماء قديما يأخذ بعضهم عن بعض ويأخذ الكبير عن الصغير والنظير عن النظير ونفخ الشيطان في أنوف كثير من أهل عصرنا ببلدنا فأعجبوا بما عندهم وقنعوا بيسير ما علموا ونصبوا الحرب لأهل العناية وأبدوا له الشحناء والعداوة حسدا وبغيا وقديما كان في الناس الحسد ولقد كان ذلك فيما روي من إبليس لآدم ومن ابني آدم بعضهما لبعض ولقد أحسن سابق رحمه الله حيث يقول:
جنى الضغائن آباء لنا سلفوا ... فلن تبيد وللآباء أبناء
وقد ذم الله الحاسدين في كتابه ونهى عن الحسد رسوله صلى الله عليه وسلم فقال: "لا تحاسدوا" ثم قال: "إذا حسدتم فلا تبغوا ولا معصوم إلا من عصمه الله فهو حسبنا لا شريك له" .

(17/124)


وفي هذا الحديث من الفقه أن الخيل لا زكاة فيها وأن العبيد لا زكاة فيهم وجرى عند العلماء مجرى العبيد والخيل الثياب والفرش والأواني والجواهر وسائر العروض والدور وكل ما يقتنى من غير العين والحرث والماشية وهذا عند العلماء ما لم يرد بذلك أو بشيء منه تجارة فإن أريد بشيء من ذلك التجارة فالزكاة واجبة فيه عند أكثر العلماء وممن رأى الزكاة في الخيل والرقيق وسائر العروض كلها إذا أريد بها التجارة عمر وابن عمر ولا مخالف لهما من الصحابة وهو قول جمهور التابعين بالمدينة والبصرة والكوفة وعلى ذلك فقهاء الأمصار بالحجاز والعراق والشام وهو قول جماعة أهل الحديث.
وقد روي عن ابن عباس وعائشة أنه لا زكاة في العروض قال سفيان عن ابن أبي ذئب عن القاسم عن عائشة قالت ليس في العروض صدقة وهذا لو صح كان معناه عندنا أن لا زكاة في العروض إذا لم يرد بها التجارة لأنها إذا أريد بها التجارة جرت مجرى العين لأن العين من الذهب والورق تحولت فيها طلبا للنماء فقامت مقامها وكذلك قول كل من روي عنه من التابعين لا زكاة في العروض على هذا محمله عندنا وعلى ما ذكرنا هذا مذهب جمهور الفقهاء لأنها اشتريت بالذهب والورق لترد إلى الذهب والورق ولا يحصل التصرف

(17/125)


في العين إلا بذلك فلهذا قامت العروض مقام العين فإذا اشتريت للقنية فلا صدقة فيها وقد شذ داود فلم ير الزكاة في العروض وإن نوى بها صاحبها التجارة وحجته الحديث المذكور في هذا الباب قوله صلى الله عليه وسلم: "ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة" قال ولم يقل إلا أن ينوي بها التجارة واحتج ببراءة الذمة وأنه لا يجب فيها شيء إلا باتفاق أو دليل لا معارض له قال والاختلاف في زكاة العروض موجود فذكر عن عائشة وابن عباس وعطاء وعمرو بن دينار ما ذكرنا وذكر عن مالك مذهبه فيما بار من العروض على التجار وكعبد ممن ليس بمدير وقوله في التاجر "يبيع العرض بالعرض ولا ينض له شيء في حوله" وجعل هذا خلافا أسقط به الزكاة في العروض واحتج بقوله صلى الله عليه وسلم: "ليس على المسلم في عبده ولا في فرسه صدقة" .
وقال سائر العلماء إنما معنى هذا الحديث فيما يقتنى من العروض ولا يراد به التجارة وللعلماء في زكاة العروض التي

(17/126)


تبتاع للتجارة قولان أيضا أحدهما أن صاحبها يزكيها عن الثمن الذي اشتراها به والآخر أنها تقوم بالغا ما بلغت نقصت أو زادت والمدير وغير المدير عند جمهور أهل العلم سواء يقوم عند رأس الحول ويزكي كل ما نوى به التجارة في كل حول وممن قال ذلك الثوري وأبو حنيفة والشافعي وأصحابهم وأحمد وإسحاق وأبو ثور وأبو عبيد وقال مالك المدير يقوم إذا نض له شيء في العام وغير المدير ليس عليه ذلك وإن أقام العرض للتجارة عنده سنين ليس عليه فيه زكاة فإذا باعه زكاه زكاة واحدة لسنة واحدة وهو قول عطاء وتحصيل مذهب الشافعي وأبي حنيفة إذا كانت العروض للتجارة ففيها الزكاة إذا بلغت قيمتها النصاب يقومها بالدنانير أو بالدراهم الأغلب من نقد بلده رأس الحول ويزكي وسواء باع العروض بالعروض أو باع العروض بالعين وسواء نض له في العام شيء أو لم ينض وهذا كله قول الأوزاعي والثوري والحسن بن حي وسائر الفقهاء البغداديين من أهل الحديث وقال مالك إن كان ممن يبيع العرض بالعرض فلا زكاة فيه حتى ينض ماله وإن كان يبيع بالعين والعرض

(17/127)


فإنه يزكي قال وإن لم يكن ممن يدير التجارات فاشترى سلعة بعينها فبارت عليه فمضت أحوال فلا زكاة عليه فإذا باع زكى زكاة واحدة.
قال وأما المدير الذي يكثر خروج ما ابتاع عنه ويقل بواره وكساده ويبيع بالنقد والدين فإنه يقوم ما عنده من السلع ويحصي ما عنده من العين وماله من الدين في ملأ وثقة مما لا يتعذر عليه أخذه ويقوم عروضه يفعل ذلك في كل عام إذا نض له شيء من العين ليزكيها مع ما نض له من العين وسواء نض له نصاب أم لا.
وقال ابن القاسم إذا نض له شيء من العين قوم عروضه وزكى لحوله منذ ابتدأ تجره.
وقال أشهب لا يقوم حتى يمضي له حول مستقبل مذ باع بالعين لأنه حينئذ صار مديرا ممن يلزمه التقويم.
وقال ابن نافع في الذي يدير العروض بالعروض ولا يبيع بعين أنه لا زكاة عليه أبدا حتى ينض له مائتا درهم أو عشرون دينارا فإذا نض له ذلك زكاه وزكى ماله بعد ذلك من قليل أو كثير ينض له ولا تقويم عليه وقد ذكر ابن عبد الحكم عن مالك قال ومن كان

(17/128)


عنده مال أو مالان إنما يضعه في سلعة أو سلعتين ثم يبيع فيعرف حول كل مال فإنه إذا مر به اثنا عشر شهرا زكى ما في يديه من العين ثم لا زكاة عليه فيما عنده من العروض وإن أقام سنين حتى يبيع لأن هذا يحفظ ماله وأحواله والمدير لا يحفظ ماله ولا أحواله فمن ثم قوم هذا ولم يقوم هذا.
وقال الليث إذا ابتاع متاعا للتجارة فبقي عنده أحوالا ثم باعه فليس عليه إلا زكاة واحدة مثل قول مالك سواء.
وأما زكاة الخيل السائمة فقد مضى القول فيها في باب زيد بن أسلم من كتابنا هذا ولم يختلف العلماء أن العروض كلها من العبيد وغير العبيد إذا لم تكن تبتاع للتجارة أنه لا زكاة فيها وسواء ورثها الإنسان أو وهبت له أو اشتراها للقنية لا شيء فيها بوجه من الوجوه واختلف الفقهاء فيمن ورث عروضا أو وهبت له فنوى بها التجارة فإنها لا تكون التجارة حتى يبيع ثم يستقبل بالثمن حولا وقال فيمن ورث حليا ينوي به التجارة كان للتجارة وفرق بين الحلي والعروض وقال الكوفيون الحلي وسائر

(17/129)


العروض سواء من ورث منها شيئا فنوى بها التجارة فإنها لا تكون للتجارة حتى يبيعها فيكون ثمنها للتجارة وقالوا إذا كان عنده عروض لغير التجارة فنواها للتجارة لم تكن للتجارة حتى يبيعها فيكون البدل للتجارة وإن كانت عنده للتجارة فنواها لغير التجارة صارت لغير التجارة وهو قول مالك والشافعي والثوري وعامة أهل العلم إلا إسحاق بن راهويه فإنه جعل النية عاملة في ذلك بكل وجه.
قال أبو عمر: الحجة في زكاة العروض إذا اتجر بها صاحبها حديث سمرة بن جندب مع ما قدمنا ذكره عن الصحابة الذين لا مخالف لهم منهم وهو قول جمهور أهل العلم على ما تقدم ذكره.
أخبرنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا محمد ابن داود بن سفيان قال حدثنا يحيى بن حسان قال حدثنا سليمان بن موسى أبو داود قال حدثنا جعفر بن سعيد بن سمرة بن جندب قال حدثني خبيب بن سليمان عن أبيه سليمان ابن سمرة عن سمرة بن جندب أما بعد فإن رسول الله صلى الله

(17/130)


عليه وسلم صلى الله عليه وسلم كان يأمرنا أن نخرج الصدقة من الذي نعد للبيع.
وأخبرنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن إبراهيم قال حدثنا محمد بن علي بن زيد الصايغ في المسجد الحرام قال حدثنا مروان بن جعفر بن سعد بن سمرة بن جندب قال أخبرني محمد بن إبراهيم بن خبيب بن سليمان بن سمرة بن جندب عن أبيه عن سمرة قال وكان يعني النبي صلى الله عليه وسلم يأمرنا أن نخرج الصدقة من الرقيق الذي يعد للبيع.
أخبرنا خلف بن القاسم قال حدثنا إبراهيم بن محمد بن إبراهيم الديبلي قال حدثنا محمد ابن علي بن زيد قال أخبرنا سعيد بن منصور قال أخبرنا عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه قال أخبرني أبو عمرو بن حماس أن أباه حماسا أخبره أن عمر بن الخطاب مر به ومعه أدم وأهب يتجر بهما فأقامها ثم أخذ صدقتها من قبل أن تباع.
وذكر الشافعي قال أخبرنا سفيان بن عيينة عن يحيى بن سعيد عن عبد الله بن أم سلمة عن أبي عمرو بن حماس أن أباه حماسا قال مررت على عمر بن الخطاب وعلى عاتقي أدمة أحملها فقال ألا تؤدي زكاتك يا حماس فقلت

(17/131)


يا أمير المؤمنين مالي غير هذه وأهب في القرظ فقال ذلك مال فضع فوضعتها بين يديه فحسبها فوجدها قد وجبت فيها الزكاة فأخذ منها الزكاة.
وذكر أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا عبد الله بن نمير عن يحيى بن سعيد عن عبد الله ابن أبي سلمة أن أبا عمرو بن حماس أخبره أن أباه حماسا كان يبيع الأدم والجعاب وأن عمر قال له يا حماس أد زكاة مالك فقال والله مالي مال إنما أبيع الأدم والجعاب فقال قومه وأد زكاته.
وذكر أبو بكر الأثرم قال حدثنا سعيد بن منصور قال حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه أنه كان يقول كل مال أو رقيق أو دواب أدير للتجارة ففيه الزكاة.وقال أبو جعفر الطحاوي روي عن عمر وابن عمر زكاة عروض التجارة من غير خلاف من الصحابة.

(17/132)


قال أبو عمر: لهذا ومثله قلنا إن الذي روي عن عائشة وابن عباس في أن لا زكاة في العروض إنما ذلك إذا لم يرد بها التجارة.
وأما الآثار المسقطة للزكاة عن العروض ما لم يرد بها التجارة على ما ذكرنا عن أهل العلم فقوله صلى الله عليه وسلم: "ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة" وقوله صلى الله عليه وسلم: "قد عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق" .
حدثنا محمد بن إبراهيم قال حدثنا محمد بن معاوية قال أخبرنا أحمد بن شعيب قال أخبرنا محمود بن غيلان قال حدثنا أبو أسامة قال حدثنا سفيان عن أبي إسحاق عن عاصم بن ضمرة عن علي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قد عفوت لكم عن الخيل والرقيق فأدوا زكاة أموالكم من كل مائتين خمسة" .
وحدثنا محمد بن إبراهيم قال حدثنا محمد بن معاوية قال حدثنا أحمد بن شعيب قال أخبرنا محمد بن منصور قال حدثنا ابن نمير قال حدثنا الأعمش عن أبي إسحاق عن عاصم ابن ضمرة عن علي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قد عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق وليس فيما دون مائتين زكاة" .
أخبرنا محمد بن إبراهيم قال حدثنا محمد بن معاوية قال حدثنا أحمد بن شعيب قال أخبرنا محمد بن عبد الله بن

(17/133)


المبارك قال حدثنا وكيع عن شعبة وسليمان عن عبد الله بن دينار عن سليمان بن يسار عن عراك بن مالك عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة" .
وأخبرنا محمد بن إبراهيم قال حدثنا محمد بن معاوية قال حدثنا أحمد بن شعيب قال أخبرنا محمد بن منصور قال حدثنا سفيان قال حدثنا أيوب بن موسى عن مكحول عن سليمان بن يسار عن عراك بن مالك عن أبي هريرة يرفعه إلى النبي عليه السلام قال: "ليس على المسلم في عبده ولا في فرسه صدقة" .
وأخبرنا محمد قال حدثنا محمد بن معاوية قال حدثنا أحمد قال أخبرنا محمد بن علي بن حرب المروزي قال حدثنا محرز بن الوضاح عن إسماعيل وهو ابن أمية عن مكحول عن عراك بن مالك عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا زكاة على الرجل المسلم في عبده ولا فرسه" .
قال أبو عمر: هكذا في حديث إسماعيل بن أمية عن مكحول عن عراك وفي حديث أيوب ابن موسى عن مكحول عن سليمان عن عراك وهو أولى بالصواب إن شاء الله.

(17/134)


وأخبرنا محمد بن إبراهيم قال حدثنا محمد بن معاوية قال حدثنا أحمد بن شعيب قال أخبرنا محمد بن عبيد الله بن سعيد قال حدثنا يحيى عن خيثم قال حدثني أبي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ليس على المرء في فرسه ولا مملوكه صدقة" .
حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا بكر بن حماد قال حدثنا مسدد قال حدثنا حماد بن زيد عن خيثم بن عراك بن مالك عن أبيه عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ليس على المسلم صدقة في عبده ولا في فرسه" .
قال أبو عمر: فأجرى العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من الخالفين سائر العروض كلها على اختلاف أنواعها مجرى الفرس والعبد إذا اقتنى ذلك لغير التجارة وهم فهموا المراد وعلموه فوجب التسليم لما أجمعوا عليه لأن الله عز وجل قد توعد من اتبع غير سبيل المؤمنين أن يوليه ما تولى ويصليه جهنم وساءت مصيرا وقد زاد بعض المحدثين في هذا الحديث كلمة توجب حكما عند بعض أهل العلم.
حدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا محمد ابن المثنى ومحمد بن

(17/135)


يحيى بن فياض قالا حدثنا عبد الوهاب قال حدثنا عبيد الله عن رجل عن مكحول عن عراك بن مالك عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ليس في الخيل والرقيق زكاة إلا زكاة الفطر" .
قال أبو عمر: هذه الزيادة جاءت في هذا الحديث كما ترى ولا ندري من الرجل الذي رواها عن مكحول وإنما كنا نعرف هذه الزيادة لجعفر بن ربيعة عن عراك بن مالك هذا إن صحت عنه أيضا.
أخبرنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أبو إسماعيل الترمذي قال حدثنا سعيد بن أبي مريم قال حدثنا نافع بن يزيد عن جعفر بن ربيعة عن عراك بن مالك عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا صدقة في فرس الرجل ولا عبده إلا صدقة الفطر" وهذا لم يجئ به غير جعفر بن ربيعة إلا أنه قد روي بأسانيد معلولة كلها فاحتج بهذه الزيادة بعض من ذهب مذهب العراقيين في إيجاب صدقة الفطر في المملوك الكافر فقال قد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة" إلا صدقة الفطر في الرقيق ولم يفرق بين الكافر والمسلم.

(17/136)


قال أبو عمر: قد مضى في حديث مالك عن نافع عن ابن عمر من هذا الكتاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فرض صدقة الفطر من رمضان على الحر والعبد والذكر والأنثى والصغير والكبير من المسلمين وفي تخصيصه المسلمين دفع لإيجابها على أحد من الكافرين وهذا قاطع وقد بينا هذا المعنى في باب نافع والحمد لله.
وقد أجمع العلماء على أن على الإنسان أن يخرج زكاة الفطر عن كل مملوك له إذا كان مسلما ولم يكن مكاتبا ولا مرهونا ولا مغصوبا ولا آبقا أو مشتري للتجارة إلا داود وفرقة شذت فرأت زكاة الفطر على العبد فيما بيده دون مولاه.
واختلفوا في هؤلاء فذهب مالك والشافعي والليث والأوزاعي إلى أن على السيد في عبيد التجارة إذا كانوا مسلمين زكاة الفطر وبه قال أحمد وإسحاق وأبو ثور وحجتهم حديث نفاع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فرض زكاة الفطر على كل حر وعبد لم يخص عبدا من عبد.
وقال أبو حنيفة والثوري وعبيد الله بن الحسن العنبري ليس في عبيد التجارة صدقة الفطر وهو قول عطاء وإبراهيم النخعي واختلفوا أيضا في زكاة الفطر عن المكاتب فذهب

(17/137)


مالك وأصحابه إلى أن على الرجل أن يخرج زكاة الفطر عن مكاتبه وهو قول عطاء وبه قال أبو ثور وحجتهم في ذلك ما ذهبوا إليه وقام دليلهم عليه من أن المكاتب عبد ما بقي عليه درهم.
وقال أبو حنيفة والشافعي والثوري وأصحابهم ليس على أحد أن يؤدي عن مكاتبه صدقة الفطر وهو قول أبي سلمة بن عبد الرحمن وبه قال أحمد بن حنبل وروي عن عبد الله بن عمر أنه كان يؤدي عن مملوكيه ولا يؤدي عن مكاتبيه ولا مخالف له من الصحابة ومن جهة النظر المكاتب كالأجنبي في استحقاق كسبه دون مولاه وأخذه من الزكاة وإن كان مولاه غنيا ففي القياس أن لا يلزم سيده أن يخرج زكاة الفطر عنه.
واختلفوا في العبد الغائب هل على سيده فيه صدقة الفطر وفي الآبق والمغصوب هل على سيدهم فيهم زكاة الفطر فأما العبد الغائب إذا غاب بإذن سيده ولم يكن آبقا وكان معلوم الموضع مرجو الرجعة فلا خلاف بين العلماء في إيجاب زكاة الفطر على سيده إلا داود ومن قال بقوله فأنهم يوجبون زكاة الفطر على العبد فيما بيده دون سيده.
وقد مضى القول في هذه المسألة في باب نافع وأما الآبق والمغصوب فإن مالكا قال إذا كان غيبته قريبة

(17/138)


علمت حياته أو لم تعلم إذا كان ترجى رجعته وحياته زكي عنه وإن كانت غيبته وإباقه قد طال ويئس منه فلا أرى أن يزكى عنه.
وقال الشافعي تؤدى عن المغصوب والآبق وإن لم ترج رجعتهم إذا علم حياتهم وهو قول أبي ثور.
وقال أبو حنيفة في العبد الآبق والمغصوب والمجحود ليس على مولاه أن يزكي عنه زكاة الفطر وهو قول الثوري وعطاء.
وروى أسد بن عمرو عن أبي حنيفة أن عليه في الآبق صدقة الفطر وقال وقف عليه في المغصوب صدقة الفطر.
وقال الأوزاعي إذا علمت حياته أدى عنه إذا كان في دار الإسلام وقال الزهري إن علم بمكانه يعني الآبق أدى عنه وبه قال أحمد بن حنبل.
واختلفوا في العبد المرهون فمذهب مالك والشافعي أن على الراهن أن يؤدي عنه زكاة الفطر وهو قول أبي ثور ومذهب أبي حنيفة أن الراهن إذا كان عنده وفاء بالدين الذي رهن فيه عبده وفضل مائتي درهم أدى زكاة الفطر عن العبد وإن لم يكن ذلك عنده فليس عليه شيء.

(17/139)


واختلفوا في العبد يكون بين شريكين فقال مالك والشافعي وأصحابهما يؤدي كل واحد منهما عنه من زكاة الفطر بقدر ما يملك منه وهو قول محمد بن الحسن.
وقال أبو حنيفة وأصحابه حاشا محمدا في عبد بين رجلين ليس على واحد منهما فيه صدقة الفطر وهو قول الحسن وعكرمة وبه قال الثوري والحسن بن حي فإن كان العبيد جماعة فمثل ذلك عند أبي حنيفة وأبي يوسف لا يجب فيهم على سادتهم المشتركين فيهم شيء وعند محمد يجب.
واختلفوا أيضا في العبد المعتق بعضه فقال مالك يؤدي السيد عن نصفه المملوك وليس على العبد أن يؤدي عن نصفه الحر.
وقال عبد الملك بن الماجشون على السيد أن يؤدي عنه صاعا كاملا.
وقال الشافعي يؤدي السيد عن النصف المملوك ويؤدي العبد عن نصفه الحر وبه قال محمد عن سلمة قال عليه أن يؤدي عن نفسه بقدر حريته قال فإن لم يكن للعبد مال رأيت لسيده أن يزكي عن كله.
وقال أبو حنيفة ليس على السيد أن يؤدي عما ملك من العبد ولا على العبد أن يؤدي عن نفسه وقال أبو ثور ومحمد على العبد أن يؤدي عن نفسه جميع زكاة الفطر وهو بمنزلة العبد إذا أعتق نصفه فكأنه قد عتق كله.

(17/140)


واختلفوا في صدقة الفطر في العبد في بيع الخيار فقال مالك إذا كان الخيار للبائع أو المشتري فالصدقة على البائع فسخ البيع أو أمضاه وقال الشافعي إذا كان الخيار للبائع فأنفذ البيع فعلى البائع وإن كان للمشتري فالزكاة على المشتري وإن كان الخيار لهما فعلى المشتري.
وقال ابن شريح من باع عبدا على أنه بالخيار أو المشتري أو هما جميعا فقد اختلف قول الشافعي في ذلك فقال في بعض أقاويله الصدقة على البائع كان الخيار له أو للمشتري أو لهما.
قال أبو عمر: وهذا قول مالك سواء قال ابن شريح وقال الشافعي إذا كان العبد عند المشتري فأهل شوال وهو عنده كان عليه صدقة الفطر اختار رده أو أمضاه.
وقال أبو حنيفة إذا كان البائع بالخيار أو المشتري فصدقة الفطر عن العبد على من يصير إليه العبد إذا جاء يوم الفطر ومدة الخيار باقية وقال زفر إن كان الخيار للمشتري فعليه صدقة الفطر فسخ أو أجاز وإن كان للبائع فعلى البائع فسخ أو أجاز وإن كان للبائع فعلى البائع فسخ أو أجاز.
واختلفوا في العبد الموصي برقبته لرجل ولآخر بخدمته فقال عبد الملك بن الماجشون الزكاة عنه على من جعلت له الخدمة إذا كان زمانا طويلا

(17/141)


وقال أبو حنيفة والشافعي وأبو ثور زكاة الفطر عنه على مالك رقبته.
واختلفوا في عبيد العبيد فقال مالك الأمر المجتمع عليه عندنا أنه ليس على الرجل في عبيد عبيده صدقة الفطر.
وقال أبو حنيفة والشافعي صدقة الفطر عنهم جميعا على المولى.
وقال الليث يخرج عن عبيد عبيده زكاة الفطر ولا يؤدي عن مال عبده الزكاة وأما مال العبد فإن مالكا قال لا زكاة في مال العبد على السيد ولا على العبد وهو قول الأوزاعي.
وقال الشافعي وأبو حنيفة والثوري مال العبد لمولاه وزكاته على المولى.
وروي عن عطاء أن على العبد أن يخرج الزكاة عما بيده ويزكي عن نفسه صدقة الفطر وبه قال أبو ثور وداود وهو عندهم مالك صحيح الملك وللكلام في ملك العبد موضع غير هذا وقد مضى منه في باب نافع من هذا الكتاب ما فيه كفاية وبالله التوفيق.
وقد أتينا من المسائل في هذا الباب مما كنا قد قصرنا عنه في باب نافع وبالله العون لا شريك له.

(17/142)


الحديث الخامس والعشرون
...
حديث خامس وعشرون لمالك عن عبد الله بن دينار
عبد الله بن دينار عن أبي صالح السمان ويقال الزيات حديثان وهو أبو صالح ذكوان مولى جويرية امرأة من قيس توفيت سنة إحدى ومائة.
مالك عن عبد الله بن دينار أن أبا صالح السمان أخبره أن أبا هريرة قال "إن الرجل ليتكلم بالكلمة ما يلقي لها بالا يهوي بها في نار جهنم وإن الرجل ليتكلم بالكلمة ما يلقي لها بالا يرفعه الله بها في الجنة" .
قال أبو عمر: هكذا هذا الحديث موقوفا في الموطأ على أبي هريرة وقد أسنده عن مالك من لا يوثق به.
حدثنا خلف بن القاسم حدثنا محمد بن أحمد بن يحيى حدثنا الحسن بن الحسن المروزي حدثنا عبد الله بن المبارك،

(17/143)


حدثنا مالك عن عبد الله بن دينار عن أبي صالح عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يلقي لها بالا يرفعه الله بها يوم القيامة" .
هكذا حدثناه مرفوعا وهو عندي من غلطه أو غلط شيخه والله أعلم ولا يصح عن مالك رفعه فيما أحسب وإن صح عن ابن المبارك ما ذكرنا فابن المبارك بحر ثقة حجة وقد رواه عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار عن أبيه مرفوعا.
أخبرنا إبراهيم بن شاكر ومحمد بن إبراهيم قالا حدثنا محمد بن أحمد بن يحيى قال حدثنا محمد بن أيوب قال حدثنا أحمد بن عمرو البزار قال حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري قال حدثنا عبد الصمد بن النعمان قال حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار عن أبيه عن أبي صالح عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الرجل ليتكلم بالكلمة" فذكر الحديث وقد تقدم القول في معنى هذا الحديث في باب محمد بن عمرو بن علقمة والحمد لله كثيرا وصلى الله على محمد وآله.

(17/144)


الحديث السادس والعشرون
...
حديث سادس وعشرون لمالك عن عبد الله بن دينار
مالك عن عبد الله بن دينار عن أبي صالح عن أبي هريرة أنه كان يقول "من كان عنده مال لم يؤد زكاته مثل له يوم القيامة شجاعا أقرع له زبيبتان يطلبه حتى يمكنه يقول أنا كنزك" .
قال أبو عمر: وهذا الحديث أيضا موقوف في الموطأ غير مرفوع وقد أسنده عبد الرحمن ابن عبد الله بن دينار أيضا عن أبيه عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم بالإسناد الأول ورواه عبد العزيز بن الماجشون عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو عندي خطأ منه في الإسناد والله أعلم.

(17/145)


حدثنا خلف بن قاسم حدثنا محمد بن أحمد بن المنذر وبكير بن الحسن قالا حدثنا يوسف ابن يزيد قال حدثنا أسد بن موسى قال حدثنا عبد العزيز بن الماجشون عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الذي لا يؤدي زكاة ماله يمثل له يوم القيامة شجاع أقرع له زبيبتان فيلزمه" قال "أو يطوق به يقول أنا كنزك أنا كنزك" .
وكذلك رواه أبو النضر هاشم بن القاسم عن عبد العزيز بن الماجشون عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله.
وقد روي عن أبي هريرة هذا الحديث أيضا عن النبي صلى الله عليه وسلم من طرق صحاح ثابتة منها حديث سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة ومنها حديث ابن عجلان عن القعقاع بن حكيم عن أبي صالح عن أبي هريرة كلها عن النبي صلى الله عليه وسلم وروي معناه من حديث ابن مسعود وأحاديث هذا الباب ثابتة في هذا المعنى.
وروى مالك عن عبد الله بن دينار أنه قال سمعت عبد الله بن عمر يسأل عن الكنز ما هو قال هو المال الذي لا تؤدى منه الزكاة.

(17/146)


أخبرنا عبد الله بن محمد بن يحيى حدثنا محمد بن بكر حدثنا أبو داود حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد بن سلمة عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما من صاحب كنز لا يؤدي حقه إلا جعله الله يوم القيامة يحمى عليها في نار جهنم فيكوى به جنبه وجبهته وظهره حتى يقضي الله بين عباده في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة مما تعدون ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار وما من صاحب غنم لا يؤدي حقها إلا جاءت يوم القيامة أوفر ما كانت فيبطح لها بقاع قرقر فتنطحه بقرونها وتطؤه بأظلافها كلما مضت أخراها ردت عليه أولاها حتى يحكم الله بين عباده في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة مما تعدون ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار وما من صاحب إبل لا يؤدي حقها إلا جاءت يوم القيامة أوفر ما كانت فيبطح لها بقاع قرقر فتطؤه بأخفافها كلما مضت أخراها ردت عليه أولاها حتى يحكم الله بين عباده في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة مما تعدون ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار" .
قال أبو داود وحدثنا جعفر بن مسافر قال أخبرنا ابن أبي فديك عن هشام بن سعد عن زيد بن اسلم عن

(17/147)


أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه قال في قصة الإبل بعد قوله: "لا يؤدي حقها" قال ومن حقها حلبها يوم ورودها قال وحدثنا الحسن بن علي قال حدثنا يزيد بن هارون قال أخبرنا شعبة عن قتادة عن أبي عمر الغداني عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم نحو هذه القصة فقال له يعني لأبي هريرة فما حق الإبل قال تعطي الكريمة وتمنح الغزيرة وتفقر الظهر وتطرق الفحل وتسقي اللبن.
قال أبو عمر: إلى هذا ذهب من جعل في المال حقا سوى الزكاة وتأول قول الله عز وجل {فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ} وقد بينا هذا المعنى فيما سلف من كتابنا هذا.
وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث سمرة أنه قال في الأموال حق سوى الزكاة.

(17/148)


وقد ذهب في تأويل قول الله عز وجل {سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} إلى هذا المذهب مسروق بن الأجدع وكان من كبار أصحاب ابن مسعود وروي عن ابن مسعود مثله أيضا ذكر ابن أبي شيبة قال حدثنا خلف بن خليفة عن أبي هاشم عن أبي وائل عن مسروق في قوله {سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} قال هو الرجل يرزقه الله المال فيمنع قرابته الحق الذي فيه فيجعل حية يطوقها فيقول مالي ولك فتقول الحية أنا مالك قال وحدثنا أبو بكر بن عياش عن أبي إسحاق عن أبي وائل عن عبد الله {سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} قال ثعبان بفيه زبيبتان ينهشه يقول أنا مالك الذي بخلت به وليس في هذا بيان أنه غير الزكاة والأكثر على أن ذلك في الزكاة والله أعلم.
وروى هذا الحديث شعبة وسفيان عن أبي إسحاق عن أبي وائل أنه سمع ابن مسعود يقول في هذه الآية {سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} قال شعبة في حديثه شجاع أسود يلتوي برأس أحدهم وقال سفيان في حديثه ثعبان ينقر برأسه يقول أنا مالك الذي بخلت به وأبو

(17/149)


الأحوص عن عاصم عن أبي وائل عن عبد الله مثله قال يطوق شجاع أقرع بفيه زبيبتان وذكر مثله وهو قول الشعبي وقال النخعي طوق من نار وقد روي عن ابن مسعود في هذه الآية سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة قال ما من صاحب كنز لا يؤدي زكاته إلا جاء يوم القيامة شجاع أقرع يطوق في عنقه ينهشه وعلى هذا جاء حديث مالك عن ابن عمر وأبي هريرة وقد روي خبر ابن مسعود مرفوعا أخبرناه عبد الله بن محمد بن أسد حدثنا حمزة ابن محمد حدثنا أحمد بن شعيب أخبرنا مجاهد بن موسى حدثنا ابن عيينة عن جامع بن أبي راشد عن أبي وائل عن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ما من رجل له مال لا يؤدي حق ماله إلا جعل له طوقا في عنقه شجاع أقرع فهو يفر منه وهو يتبعه ثم قرأ مصداقه من كتاب الله { وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ} إلى قوله {سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} "
حدثنا خلف بن قاسم حدثنا محمد بن أحمد بن المسور بن أبي المنة وبكير بن الحسن الرازي قالا حدثنا يوسف بن يزيد قال أخبرنا أسد بن موسى حدثنا شريك عن أبي إسحاق عن أبي وائل عن عبد الله قال من كان له

(17/150)


مال لا يؤدي زكاته طوقه يوم القيامة شجاعا أقرع ينقر رأسه يقول أنا مالك الذي كنت تبخل بي وتلا {سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} .
قال وحدثنا أسد حدثنا يزيد بن عطاء عن أبي إسحاق عن شقيق بن سلمة عن ابن مسعود أنه سئل عن هذه الآية {سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} قال يطوق شجاعا له زبيبتان ينقر رأسه.
وأخبرنا عبد الله حدثنا حمزة حدثنا أحمد حدثنا أبو صالح المكي قال حدثنا فضيل بن عياض عن حصين عن زيد بن وهب قال أتيت الربذة فدخلت على أبي ذر فقلت ما أنزلك هذا فقال كنت بالشام فقرأت هذه الآية {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ} الآية فقال معاوية ليست هذه الآية فينا نزلت إنما هي في أهل الكتاب فقلت إنها فينا وفي أهل الكتاب إلى أن كان قول وتنازع وكتب إلى عثمان يشكوني فكتب إلي عثمان أن أقدم فقدمت المدينة وكثر ورائي الناس كأنهم لم يروني قط فدخلت على

(17/151)


عثمان فشكوت إليه ذلك فقال تنح وكن قريبا فنزلت هذا المنزل والله لو أمر علي حبشيا ما عصيته ولا أرجع عن قولي.
وأخبرنا عبد الله حدثنا حمزة حدثنا أحمد أخبرنا عمران بن بكار بن راشد حدثنا علي بن عياش حدثنا شعيب قال حدثني أبو الزناد مما حدثه عبد الرحمن الأعرج مما ذكر أنه سمع أبا هريرة يحدث به قال قال النبي صلى الله عليه وسلم: "يكون كنز أحدهم يوم القيامة شجاعا أقرع يفر منه صاحبه ويطلبه أنا كنزك فلا يزال به حتى يلقمه أصبعه" .
وحدثنا عبد الله حدثنا حمزة حدثنا أحمد أخبرنا قتيبة بن سعيد حدثنا الليث عن ابن عجلان عن القعقاع عن أبي صالح عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "يكون كنز أحدهم يوم القيامة شجاعا أقرع ذا زبيبتين يتبع صاحبه وهو يتعوذ منه فلا يزال يتبعه حتى يلقمه أصبعه" .

(17/152)


الشجاع الحية وقيل الثعبان وقيل الشجاع من الحيات الذي يواثب ويقوم على ذنبه وربما بلغ رأس الفارس وأكثر ما يكون في الصحاري قال الشماخ أو البعيث:
وأطرق إطراق الشجاع وقد جرى ... على حد نابيه الزعاف المسمم
وقال المتلمس:
فأطرق إطراق الشجاع ولو يرى ... مساغا لنابيه الشجاع لصمما
والزبيبتان: نقطتان منتفختان في شدقيه كالرغوتين وقيل نقطتان سوداوان وكل ما كثر سمه فيما زعموا أبيض رأسه وهي علامة الحية الذكر المؤذي والأقرع من صفات الحيات الذي برأسه شيء من بياض.

(17/153)


عبد الله بن أبي بكر ابن حزم
الحديث الأول
...
مالك عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم
وهو عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن حزم الأنصاري من بني مالك بن النجار يكنى أبا محمد وكان من أهل العلم ثقة فقيها محدثا مأمونا حافظا كان من ساكني المدينة وبها كانت وفاته في سنة خمس وثلاثين ومائة وهو ابن سبعين سنة وقيل سنة ست وثلاثين وقال بعضهم كانت وفاته في سنة ثلاثين ومائة قال الواقدي كانت لآل حزم حلقة في المسجد.
قال أبو عمر: روى عن عبد الله بن أبي بكر جماعة من الأئمة مثل مالك ومعمر والثوري وابن عيينة وغيرهم وهو حجة فيما نقل وحمل وكان أبوه أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم من جلة أهل المدينة وأشرافهم وكان له بها قدر وجلالة ولي القضاء لعمر بن عبد العزيز أيام

(17/155)


إمرته على المدينة ثم لما ولي الخلافة ولاه المدينة وكان لأبي بكر بنون منهم محمد بن أبي بكر وعبد الله بن أبي بكر وعبد الرحمن بن أبي بكر وكلهم قد روي عنه العلم وأجلهم عبد الله هذا وكانت له ابنة تسمى أمة الرحمن ابنة أبي بكر واسم أبي بكر كنيته وسنذكر وفاته وزيادة في الخبر عنه عند ذكر رواية ابنه عنه بعد هذا في هذا الكتاب إن شاء الله وذكر ابن القاسم عن مالك قال كان عبد الله بن أبي بكر من أهل العلم والبصر وروى أشهب عن مالك قال أخبرني ابن غزية أن ابن شهاب سأله من بالمدينة يفتي فأجابه فقال ما فيهم مثل عبد الله بن أبي بكر وما يمنعه أن يرتفع إلا مكان أبيه أنه حي وقد روى عنه ابن شهاب حديث مس الذكر عن عروة عن مروان عن بسرة هكذا يرويه أهل الحفظ والإتقان عن ابن شهاب عن عبد الله بن أبي بكر عن عروة عن مروان عن بسرة وقد اختلف فيه عن ابن شهاب ولا يصح عنه فيه إلا ما ذكرت وبالله التوفيق.
لمالك عنه في الموطأ من حديث النبي صلى الله عليه وسلم ستة وعشرون حديثا منها ثمانية عشر مسندة منها.

(17/156)


اثنان ظاهر أحدهما الانقطاع وهو متصل وذلك حديث أبي بكر بن عبد الرحمن عن أم سلمة ليس بك على أهلك هوان الحديث والآخر صحيح الانقطاع وهو حديث أبي سلمة عن أم سليم في صدر النفساء قبل طواف الوداع بعد الإفاضة وسائرها متصلة مسندة وثمانية مرسلة منها ثلاثة عن أبيه وخمسة من مرسلاته عن نفسه.

(17/157)


حديث أول لعبد الله بن أبي بكر مسند
مالك عن عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم عن عباد بن تميم أن أبا بشير الأنصاري أخبره أنه كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره قال فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم رسولا قال عبد الله بن أبي بكر حسبت أنه قال والناس في مقيلهم "لا تبقين في رقبة بعير قلادة من وتر أو قلادة إلا قطعت" قال مالك أرى ذلك من العين.
قد ذكرنا نسب عباد بن تميم عند ذكر عمه عبد الله بن زيد وذكر أبيه تميم في كتابنا في الصحابة وذكر هنالك أبا بشير الأنصاري وهو رجل لا يوقف على اسمه على صحة وهو مشهور بكنيته وقيل إن بشير من بني النجار وإن اسمه قيس بن بحر ولا يصح والله أعلم توفي سنة أربعين وقيل إنه أدرك الحرة والله أعلم واختلف في نسبه

(17/159)


في الأنصار فقيل ساعدي وقيل حارثي وقيل مازني أدرك الحرة وخرج فيها ومات بعدها.
وهذا الحديث هكذا هو في الموطأ عند رواته ورواه روح بن عبادة عن مالك فسمى الرسول فقال فيه أرسل زيدا مولاه وهو عندي زيد بن حارثة والله أعلم.
حدثنا عبد الوارث بن سفيان وأحمد بن قاسم بن عبد الرحمن قالا حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا الحارث بن أبي أسامة حدثنا روح حدثنا مالك بن أنس عن عبد الله بن أبي بكر عن عباد بن تميم أن أبا بشير الأنصاري أخبره أنه كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم زيدا مولاه قال عبد الله بن أبي بكر حسبت أنه قال والناس في مبيتهم "لا تبقين في رقبة بعير قلادة من وتر أو قلادة إلا قطعت" قال مالك أرى ذلك من العين.
قال أبو عمر: قد فسر مالك هذا الحديث أنه من أجل العين وهو عند جماعة من أهل العلم كما قال مالك لا يجوز عندهم أن يعلق على الصحيح من البهائم أو بني آدم شيء من

(17/160)


العلائق خوف نزول العين لهذا الحديث ومحمل ذلك عندهم فيما علق قبل نزول البلاء خشية نزوله فهذا هو المكروه من التمائم وكل ما يعلق بعد نزول البلاء من أسماء الله وكابته رجاء الفرج والبرء من الله عز وجل فهو كالرقى المباح الذي وردت السنة بإباحته من العين وغيرها وقد قال مالك رحمه الله لا بأس بتعليق الكتب التي فيها أسماء الله عز وجل على أعناق المرضى على وجه التبرك بها إذا لم يرد معلقها بتعليقها مدافعة العين وهذا معناه قبل أن ينزل به شيء من العين ولو نزل به شيء من العين جاز الرقى عند مالك وتعليق الكتب ولو علم العائن لكان الوجه في ذلك اغتسال العائن للمعين على حسب ما مضى من ذلك مفسرا في باب ابن شهاب.
وأما تخصيص الأوتار بالقطع وأن لا تقلد الدواب شيئا من ذلك قبل البلاء ولا بعده فقيل إن ذلك ليلا تختلق بالوتر في خشبة أو شجرة فتقتلها فاذا كان خيطا انقطع سريعا وقد قيل في معنى الأوتار غير هذا على ما نذكره في آخر هذا الباب إن شاء الله.

(17/161)


أخبرنا عبد الرحمن بن يحيى قراءة مني عليه أن علي بن محمد حدثهم قال حدثنا أحمد بن داود حدثنا سحنون حدثنا وهب أخبرني حيوة بن شريح عن خالد بن عبد الله المعافري عن مشرح بن هاعان قال سمعت عقبة بن عامر الجهني يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من علق تميمة فلا أتم الله له ومن علق ودعة فلا ودع الله له" .
وقرأت على خلف بن أحمد أن أحمد بن مطرف حدثهم قال حدثنا أبو صالح أيوب بن سليمان وأبو عبد الله محمد بن عمر بن لبابة قالا حدثنا أبو زيد عبد الرحمن بن إبراهيم قال حدثنا عبد الله بن يزيد المقرئ قال أخبرنا حيوة بن شريح قال أخبرنا خالد بن عبد الله أنه سمع مشرح بن هاعان يقول إنه سمع عقبة بن عامر يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من تعلق تميمة فلا أتم الله له ومن تعلق ودعة فلا ودع الله له" .
قال أبو عمر: التميمة في كلام العرب القلادة هذا أصلها في اللغة ومعناها عند أهل العلم ما علق في الأعناق من القلائد خشية العين أو غيرها من أنواع البلاء

(17/162)


وقال الخليل بن أحمد التميمة قلادة فيها عود قال والودع خرز.
قال أبو عمر: فكان المعنى في هذا الحديث أن من تعلق تميمة خشية ما عسى أن ينزل أو لا ينزل قبل أن ينزل فلا أتم الله عليه صحته وعافيته ومن تعلق ودعة وهي مثلها في المعنى فلا ودع الله له أي فلا ترك الله له ما هو فيه من العافية أو نحو هذا والله أعلم وهذا كله تحذير ومنع مما كان أهل الجاهلية يصنعون من تعليق التمائم والقلائد يظنون أنها تقيهم وتصرف البلاء عنهم وذلك لا يصرفه إلا الله عز وجل وهو المعافي والمبتلي لا شريك له فنهاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عما كانوا يصنعون من ذلك في جاهليتهم.
حدثنا عبد الرحمن حدثنا علي حدثنا أحمد حدثنا سحنون حدثنا ابن وهب أخبرني عمرو ابن الحارث أن بكير بن عبد الله بن الأشج حدثه أن أمه حدثته أنها سمعت عائشة تكره ما يعلق النساء على أنفسهن وعلى صبيانهن من خلخال الحديد خشية العين وتنكر ذلك على من فعله.
قال وأخبرنا ابن لهيعة وعمرو بن الحارث عن بكير بن الأشج عن القاسم بن محمد أن عائشة قالت ليس بتميمة ما علق بعد أن يقع البلاء.

(17/163)


قال ابن وهب وبلغني عن ربيعة أنه قال من ألبس امرأة خرزة كيما تحمل أو كيما لا تحمل قال هذا من الرأي السوء المسخوط ممن عمل به.
قال ابن وهب وأخبرني عقبة بن نافع قال كان يحيى بن سعيد يكره الشراب لمنع الحمل ويخاف أن يقتل ما في الرحم.
وقال ابن مسعود الرقى والتمائم والتولة شرك فقالت له امرأته ما التولة فقال التهييج.
وأخبرنا خلف بن أحمد حدثنا أحمد بن مطرف حدثنا أيوب بن سليمان ومحمد بن عمر قالا حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم حدثنا عبد الله بن يزيد المقري حدثنا ابن لهيعة عن بكير بن عبد الله بن الأشج عن القاسم بن محمد عن عائشة أنها قالت ما تعلق بعد نزول البلاء فليس من التمائم.
وقد كره بعض أهل العلم تعليق التميمة على كل حال قبل نزول البلاء وبعده والقول الأول أصح في الأثر والنظر وبالله العصمة والرشاد.
حدثنا أحمد بن محمد بن أحمد وعبيد بن محمد قالا حدثنا الحسن بن سلمة بن المعلى حدثنا عبد الله بن الجارود حدثنا إسحاق بن منصور قال قلت لأحمد بن حنبل ما يكره من المعاليق قال كل شيء يعلق فهو مكروه قال من تعلق شيئا وكل إليه قال إسحاق وقال لي إسحاق بن

(17/164)


راهويه هو كما قال إلا أن يفعله بعد نزول البلاء فهو حينئذ مباح له قالت ذلك عائشة.
أخبرنا أحمد بن قاسم بن عبد الرحمن وأحمد بن محمد بن أحمد قالا حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا أبو إسماعيل الترمذي حدثنا نعيم بن حماد حدثنا ابن المبارك أخبرنا شعبة عن حماد عن إبراهيم قال إنما يكره تعليق المعاذة من أجل الحائض والجنب وأما الحديث الذي جاء فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "قلدوا الخيل ولا تقلدوها الأوتار" فليس من قلائد الإبل المذكورة في هذا الباب في شيء وإنما معنى ذلك الحديث في الخيل ما ذكره وكيع بن الجراح في تأويله قال وكيع معناه لا تركبوها في الفتن فمن ركب فرسا في فتنة لم يسلم أن يتعلق به وتر يطلب به أن قتل أحدا على فرسه في مخرجه في الفتنة عليه وهو في خروجه ذلك ظالم قال ولا بأس بتقليد الخيل قلائد الصوف الملون إذا لم يكن ذلك خوف نزول العين.

(17/165)


الحديث الثاني
...
حديث ثان لعبد الله بن أبي بكر
مالك عن عبد الله بن أبي بكر أنه سمع عباد بن تميم يقول سمعت عبد الله بن زيد المازني يقول "خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المصلى فاستسقى وحول رداءه حين استقبل القبلة" .
هكذا روى مالك هذا الحديث بهذا الإسناد وهذا اللفظ لم يذكر فيه الصلاة لم يختلف رواة الموطأ في ذلك عنه فيما علمت إلا أن إسحاق بن عيسى الطباع روى هذا الحديث عن مالك فزاد فيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بدأ في الاستسقاء بالصلاة قبل الخطبة ولم يقل حول رداءه ذكره النسائي في مسند مالك عن زكرياء بن يحيى عن مروان ابن عبد الله عن إسحاق ورواه سفيان بن عيينة عن عبد الله بن أبي بكر فذكر فيه الصلاة ورواه أبو بكر بن

(17/167)


محمد بن عمرو بن حزم والد عبد الله بن أبي بكر هذا عن عباد بن تميم فذكر فيه الصلاة وهذا الحديث سمعه عبد الله بن أبي بكر مع أبيه من عباد بن تميم وقد روى هذا الحديث عن عباد بن تميم محمد بن شهاب الزهري وحسبك به جلالة وحفظا وفهما فذكر فيه الصلاة رواه عن ابن شهاب جماعة منهم معمر وابن أبي ذئب وشعيب ويونس كلهم عن ابن شهاب عن عباد بن تميم عن عمه عبد الله بن زيد ورواه النعمان بن راشد عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا استسقى حول رداءه واستقبل القبلة فأخطأ في إسناده ولم يذكر فيه الصلاة ولم يتابع على إسناده هذا وليس هذا الحديث عند مالك عن ابن شهاب وليس في تقصير من قصر عن ذكر الصلاة حجة على من ذكرها والحجة في قول من أثبت وحفظ وبالله العصمة والتوفيق.
أخبرنا محمد بن إبراهيم حدثنا محمد بن معاوية حدثنا أحمد بن شعيب أخبرنا قتيبة بن سعيد حدثنا سفيان عن عبد الله بن أبي بكر عن عباد بن تميم عن عمه "أن النبي صلى الله عليه وسلم استسقى وصلى ركعتين وقلب رداءه.

(17/168)


وأخبرنا سعيد بن نصر وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا محمد بن إسماعيل حدثنا الحميدي حدثنا سفيان حدثنا عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أنه سمع عباد بن تميم يحدث عن عمه عبد الله بن زيد قال "خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المصلى يستسقي فحول رداءه واستقبل القبلة وصلى ركعتين".
وأخبرنا عبد الله بن محمد قال حدثنا حمزة بن محمد حدثنا أحمد بن شعيب أخبرنا محمد ابن منصور حدثنا سفيان حدثنا المسعودي عن أبي بكر وهو ابن عمرو بن حزم عن عباد ابن تميم قال سفيان فسألت عبد الله بن أبي بكر فقال سمعته من عباد بن تميم يحدث أبي عن عبد الله بن زيد الذي أري النداء "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى المصلى يستسقي فاستقبل القبلة وقلب رداءه وصلى ركعتين هكذا في هذا الحديث عبد الله بن زيد الذي أري النداء وهو خطأ ولا أدري فمن أتى ذلك وما أظنه جاء من ابن عيينة ولا ممن فوقه لأنهم علماء جلة وإنما هو عبد الله بن زايد المازني

(17/169)


عم عباد بن تميم وهو عبد الله بن زيد بن عاصم وما الذي أري النداء فهو عبد الله بن زيد بن عبد ربه وليس من بني مازن وقد ذكرناهما وبينا أمرهما في بابه من كتاب الصحابة والحمد لله وقد روي عن ابن عيينة في حديث الوضوء أنه جعله لعبد الله بن زيد الذي أري الأذان وهذا وهم وإنما هو لعبد الله بن زيد بن عاصم وقد ذكرنا ذلك في باب عمرو بن يحيى والله المستعان.
وأخبرنا سعيد بن نصر وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا محمد ابن إسماعيل حدثنا الحميدي حدثنا سفيان حدثنا يحيى بن سعيد والمسعودي عن أبي بكر ابن محمد بن عمرو بن حزم عن عباد بن تميم عن عمه عبد الله بن زيد عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله وزاد فيه المسعودي قلت لأبي بكر أجعل الشمال على اليمين واليمين على الشمال أم جعل أعلاه أسفله قال لا بل جعل اليمين على الشمال والشمال على اليمين.

(17/170)


وأخبرنا محمد بن إبراهيم قال حدثنا محمد بن معاوية حدثنا أحمد بن شعيب حدثنا عمرو ابن علي حدثنا يحيى بن سعيد وهو القطان عن يحيى وهو ابن سعيد الأنصاري عن أبي بكر ابن محمد عن عباد بن تميم عن عبد الله بن زيد أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج يستسقي فصلى ركعتين واستقبل القبلة ورواه هشيم عن يحيى بن سعيد بإسناده مثله ولم يذكر الصلاة وكذلك رواه سليمان بن بلال عن يحيى بن سعيد مثله سواء.
قال أبو عمر: أحسن الناس سياقة لهذا الحديث معمر عن الزهري.
أخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن حدثنا محمد بن بكر حدثنا أبو داود حدثنا أحمد بن محمد بن ثابت المروزي حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن الزهري عن عباد بن تميم عن عمه "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج بالناس يستسقي فصلى بهم ركعتين جهر بالقراءة فيهما وحول رداءه ورفع يديه فدعا واستسقى واستقبل القبلة".

(17/171)


قال أبو عمر: أجمع العلماء على أن الخروج إلى الاستسقاء والبروز والاجتماع إلى الله عز وجل خارج المصر بالدعاء والضراعة إليه تبارك اسمه في نزول الغيث عند احتباس ماء السماء وتمادي القحط سنة مسنونة سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم لا خلاف بين علماء المسلمين في ذلك.
واختلفوا في الصلاة في الاستسقاء فقال أبو حنيفة ليس في الاستسقاء صلاة ولكن يخرج الإمام ويدعو وروي عن طائفة من التابعين مثل ذلك وحجتهم حديث مالك وما كان مثله في هذا الباب وقال مالك والشافعي وأبو يوسف ومحمد وسائر فقهاء الأمصار صلاة الاستسقاء سنة ركعتان يجهر فيهما بالقراءة وقال الليث بن سعد الخطبة في الاستسقاء قبل الصلاة وقاله مالك ثم رجع عنه إلى أن الخطبة فيها بعد الصلاة وعليه جماعة الفقهاء وقد روي عن عمر بن الخطاب أنه خطب في الاستسقاء قبل الصلاة وقال مالك والشافعي يخطب الإمام بعد الصلاة خطبتين يفصل بينهما بالجلوس وقال أبو يوسف ومحمد يخطب خطبة خفيفة يعظهم ويحثهم على الخير وقال الطبري إن شاء خطب واحدة وإن شاء اثنتين وقال الشافعي والطبري التكبير في صلاة الاستسقاء كالتكبير في العيدين سواء وهو قول ابن عباس وسعيد بن المسيب وعمر بن عبد العزيز وأبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم وقال داود إن

(17/172)


شاء كبر كما يكبر في العيدين وإن شاء تكبيرة واحدة كسائر الصلوات وقال أبو حنيفة ومالك والثوري والأوزاعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور لا يكبر في الصلاة الاستسقاء إلا كما يكبر في سائر الصلوات تكبيرة واحدة للافتتاح وقد روي عن أحمد بن حنبل مثل قول الشافعي في ذلك وحجة من قال يكبر فيها كما يكبر في العيد ما حدثناه عبد الوارث ابن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا أحمد بن زهير بن حرب حدثنا أبو نعيم الفضل بن دكين حدثنا سفيان عن هشام بن إسحاق عن أبيه قال أرسلني أمير من الأمراء إلى ابن عباس أساله عن الاستسقاء فقال من أرسلك قال قلت فلان قال ما منعه أن يأتيني فيسألني خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم متضرعا متذللا متبذلا متواضعا فلم يخطب خطبكم هذه فصلى ركعتين كما يصلي في العيد قال سفيان قلت للشيخ أخطب قبل الركعة أو بعدها قال لا أدري.
قال أبو عمر: هو هشام بن إسحاق بن عبد الله بن كنانة روى عنه الثوري وحاتم بن إسماعيل ولم يرو هذا الحديث غيره وقد يحتمل أن يكون التشبيه فيه بصلاة العيدين من جهة أن صلاة الاستسقاء ركعتان ويحتمل أن يكون من

(17/173)


جهة التكبير والله أعلم وقال مالك والشافعي يحول الإمام رداءه عند فراغه من الخطبة يجعل ما على اليمين على الشمال وما على الشمال على اليمين ويحول الناس أرديتهم إذا حول الإمام رداءه كما حول الإمام فهذا قول الشافعي بالعراق ثم قال بصر ينكس الإمام رداءه فيجعل أعلاه أسفله ويجعل ما منه على منكبه الأيمن على منكبه الأيسر قال وإن جعل ما على يمينه على شماله ولم ينكسه أجزأه وقال الليث بن سعد يحول الإمام رداءه كما قال مالك سواء قال ولا يحول الناس أرديتهم وهو قول محمد بن الحسن وكذلك قال أبو يوسف إلا أنه قال يحول الإمام إذا مضى صدر من خطبته وقال الشافعي يحول رداءه وهو مستقبل القبلة في الخطبة الثانية عند فراغها أو قرب ذلك ويحول الناس.
قال أبو عمر: قد مضى في حديث المسعودي عن أبي بكر بن حزم عن عباد بن تميم عن عمه "أن النبي صلى الله عليه وسلم حين حول رداءه جعل ما على الشمال منه على اليمين وما على اليمين على الشمال" وعلى ذلك أكثر أهل العلم وأما الذي ذهب إليه الشافعي واستحبه فموجود في حديث عمارة بن غزية حدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود حدثنا قتيبة حدثنا عبد العزيز عن

(17/174)


عمارة بن غزية عن عباد بن تميم عن عبد الله بن زيد قال "استسقى رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه خميصة سوداء فأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأخذ بأسفلها فيجعله أعلاها فلما ثقلت عليه قلبها على عاتقه" ففي هذا الحديث دليل على أن الخميصة لو لم تثقل عليه صلى الله عليه وسلم لنكسها وجعل أعلاها أسفلها ولا أعلم خلافا أن الإمام يحول رداءه وهو قائم ويحول الناس وهم جلوس.
والخروج إلى الاستسقاء في وقت خروج الناس إلى العيد عند جماعة العلماء إلا أبا بكر بن محمد بن عمرو بن حزم فإنه قال الخروج إليها عند زوال الشمس.
واختلف العلماء في خروج أهل الذمة إلى الاستسقاء فأجاز ذلك بعضهم وممن ذهب إلى ذلك مالك وابن شهاب ومكحول وقال ابن المبارك إن خرجوا عدل بهم عن مصلى المسلمين وقال إسحاق لا يؤمروا بالخروج ولا ينهوا عنه وكرهت طائفة من أهل العلم خروج الذمة إلى الاستسقاء منهم أبو حنيفة والشافعي وأصحابهما وقال الشافعي فإن خرجوا متميزين لم أمامهم وكلهم كره خروج النساء الشواب إلى الاستسقاء ورخصوا في خروج العجائز.

(17/175)


ولم يختلفوا في الجهر في صلاة الاستسقاء.
وقال مالك لا بأس أن يستسقى في العام مرة أو مرتين أو ثلاثا إذا احتاجوا إلى ذلك وقال الشافعي إن لم يسقوا يومهم ذلك أحببت أن يتابع الاستسقاء ثلاثة أيام يصنع في كل يوم منها كما صنع في الأول وقال إسحاق لا يخرجون إلى الجبان إلا مرة واحدة ولكن يجتمعون في مساجدهم فإذا فرغوا من الصلاة ذكروا الله ويدعو الإمام يوم الجمعة على المنبر ويؤمن الناس.
أخبرنا محمد بن إبراهيم بن سعيد قال حدثنا محمد بن معاوية بن عبد الرحمن حدثنا أحمد ابن شعيب أخبرنا علي بن حجر أخبرنا إسماعيل قال أخبرنا حميد عن أنس قال "قحط المطر عاما فقام بعض المسلمين إلى النبي عليه السلام في يوم الجمعة فقال يا رسول الله قحط المطر وأجدبت الأرض وهلك المال قال فرفع يديه وما يرى في السماء سحابة ومد يديه حتى رأيت بياض إبطيه يستسقي الله قال فما صلينا الجمعة حتى أهم الشاب القريب الدار الرجوع إلى أهله فدامت جمعة فلما كانت الجمعة التي تليها قالوا يا رسول الله تهدمت البيوت واحتبس الركبان قال فتبسم

(17/176)


لسرعة ملالة ابن آدم وقال بيديه اللهم حوالينا ولا علينا قال فتكشطت عن المدينة.
قال أبو عمر: هذا حديث عند مالك بهذا المعنى عن شريك بن أبي نمر عن أنس وسيأتي في باب الشين من كتابنا هذا إن شاء الله وهو حديث رواه عن أنس جماعة من أصحابه منهم ثابت وشريك وإسحاق بن أبي طلحة وغيرهم بألفاظ متقاربة ومعنى واحد وسنذكر منها ما حضرنا في باب شريك من كتابنا هذا إن شاء الله وفي باب يحيى بن سعيد وبالله التوفيق.

(17/177)


الحديث الثالث
...
حديث ثالث لعبد الله بن أبي بكر
مالك عن عبد الله بن أبي بكر عن عباد بن تميم عن عبد الله بن زيد المازني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة" .
هكذا هذا الحديث في الموطأ بهذا الإسناد عند جماعة رواته وعند مالك أيضا فيه إسناد آخر في الموطأ عن خبيب بن عبد الرحمن وقد تقدم ذكره في باب خبيب من هذا الكتاب وروى محمد بن سليمان عن مالك في هذا الحديث إسنادا آخر وهو محمد بن سليمان القرشي التيمي البصري روى عن مالك عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن سعيد ابن المسيب عن ابن عمر قال أخبرني أبي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "وضعت منبري على ترعة من

(17/179)


ترع الجنة وما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة" . ذكره ابن سنجر عن محمد بن سليمان ولم يتابعه أحد على هذا الإسناد عن مالك ومحمد بن سليمان هذا ضعيف وفي هذا الباب حديث منكر رواه عبد الملك بن زيد الطائي عن عطاء بن زيد مولى سعيد بن المسيب عن عمر بن الخطاب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما بين منبري وقبري هو أسطوانة التوبة روضة من رياض الجنة" . قال عطاء ورأيت عمر يحفي شاربه ورأيت سعيد بن جبير يقصر قميصه وهذا حديث كذب موضوع منكر وضعه عبد الملك هذا والله أعلم والصحيح فيه ما في الموطأ حدثنا خلف بن القاسم حدثنا عبيد الله بن عمر ابن إسحاق حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن جابر حدثنا سعيد بن أبي مريم أخبرنا مالك حدثني عبد الله بن أبي بكر عن عباد بن تميم عن عبد الله بن زيد المازني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة" .
حدثنا خلف حدثنا عبد الله بن عمر حدثنا أحمد بن محمد بن الحجاج حدثنا سعيد بن عفير عن مالك عن عبد

(17/180)


الله بن أبي بكر عن عباد بن تميم عن عبد الله بن زيد المازني عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة" . وقد رواه أحمد بن يحيى الكوفي قال أخبرنا مالك بن أنس عن نافع عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة" . وهذا أيضا إسناد خطأ لم يتابع عليه ولا أصل له وقد تقدم القول في معنى هذا الحديث في باب خبيب بن عبد الرحمن من كتابنا هذا فلا معنى لإعادة ذلك ها هنا.

(17/181)


الحديث الرابع
...
حديث رابع لعبد الله بن أبي بكر
مالك عن عبد الله بن أبي بكر أنه سمع عروة بن الزبير يقول دخلت على مروان بن الحكم فتذاكرنا ما يكون منه الوضوء فقال مروان ومن مس الذكر الوضوء قال عروة ما علمت هذا فقال مروان أخبرتني بسرة بنت صفوان أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إذا مس أحدكم ذكره فليتوضأ" .
قال أبو عمر: في نسخة يحيى في الموطأ في إسناد هذا الحديث وهم وخطأ غير مشكل وقد يجوز أن يكون من خطأ اليد فهو من قبيح الخطأ في الأسانيد وذلك أن في كتابه في هذا الحديث مالك عن عبد الله بن أبي بكر عن محمد بن عمرو بن حزم فجعل في موضع ابن عن فأفسد الإسناد وجعل الحديث لمحمد بن عمرو بن حزم وهكذا حدث به عنه ابنه عبيد الله بن يحيى وأما ابن وضاح فلم يحدث به هكذا وحدث به على الصحة فقال مالك عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم وهذا الذي لا شك فيه عند جماعة

(17/183)


أهل العلم وليس الحديث لمحمد بن عمرو بن حزم عند أحد من أهل العلم بالحديث ولا رواه محمد بن عمرو بن حزم بوجه من الوجوه ومحمد بن عمرو بن حزم لا يروي مثله عن عروة وولد محمد بن عمرو بن حزم بنجران وأبوه عامل عليها من قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم في سنة عشر من الهجرة فسماه أبوه محمدا وكناه أبا سليمان وكتب بذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فكتب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمره أن يسميه محمدا ويكنيه أبا عبد الملك ففعل وكان محمد بن عمرو فارسا شجاعا توفي سنة ثلاث وستين وقد ذكرناه وذكرنا أباه عمرو بن حزم في كتابنا في الصحابة بما فيه كفاية وقد روى هذا الحديث أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن عروة كما رواه ابنه عبد الله عن عروة وقد اجتمع مع أبيه في شيوخ وأما محمد بن عمرو بن حزم فلم يقل أحد إنه روى عن عروة لا هذا الحديث ولا غيره والمحفوظ في هذا الحديث رواية عبد الله بن أبي بكر له عن عروة ورواية أبي بكر له عن عروة أيضا وإن كان عبد الله قد خالف أباه في إسناده والقول عندنا في ذلك قول عبد الله هذا إن صح اختلافهما في ذلك وما أظنه إلا ممن دون أبي بكر وذلك أن عبد الحميد كاتب الأوزاعي رواه عن الأوزاعي عن الزهري عن أبي بكر بن

(17/184)


محمد بن عمرو بن حزم عن عروة عن بسرة وإنما الحديث لعروة عن مروان عن بسرة والمحفوظ أيضا في هذا الحديث أن الزهري رواه عن عبد الله بن أبي بكر لا عن أبي بكر والله أعلم وقد اختلف فيه عن الزهري فروي عنه عن عبد الله بن أبي بكر وروي عنه عن أبي بكر وروي عنه عن عروة ومن رواه عنه عن عروة فليس بشيء عندهم وقد حدثنا خلف بن قاسم حدثنا محمد بن عبد الله حدثنا أبو بكر بن أبي داود حدثنا الحسين بن الحسن الخياط أخبرنا إسماعيل بن أبي أويس حدثنا مالك عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة أن رسول اله صلى الله عليه وسلم قال: "من مس فرجه فليتوضأ" وهذا إسناد منكر عن مالك ليس يصح عنه وأظن الحسين هذا وضعه أو وهم فيه والله أعلم وكذلك حديث علي بن معبد وعن حفص بن عمر الصنعاني عن مالك بن أنس عن نافع عن ابن عمر أنه كان يتوضأ من مس الذكر قال سمعت بسرة بنت صفوان تقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "الوضوء من مس الذكر" خطأ وإسناد منكر والصحيح فيه عن مالك ما في الموطأ وكذلك من روى هذا الحديث عن الزهري عن عروة عن زيد بن خالد فهو خطأ أيضا لا شك فيه وكذلك من رواه عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة فقد أخطأ أيضا فيه والحديث الصحيح الإسناد في هذا عن عروة عن مروان عن بسرة وأنا أذكر في هذا الباب الأسانيد الصحاح فيه عن عروة دون المعلولات ودون التي هي عند أهل العلم خطأ والعون بالله لا شريك له.

(17/185)


أخبرنا عبد الله بن محمد حدثنا محمد بن بكر حدثنا أبو داود حدثنا القعنبي عن مالك وأخبرنا محمد بن إبراهيم حدثنا محمد بن معاوية حدثنا أحمد بن شعيب حدثنا هارون بن عبد الله حدثنا معن حدثنا مالك وحدثنا عبد الوارث بن سفيان حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا أحمد بن زهير أخبرنا سعيد بن عبد الحميد بن جعفر عن مالك عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أنه سمع عروة بن الزبير يقول دخلت على مروان بن الحكم فذكرنا ما يكون منه الوضوء فقال مروان من مس الذكر فقال عروة ما علمت ذلك فقال مروان أخبرتني بسرة بنت صفوان أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إذا مس أحدكم ذكره فليتوضأ" .
قال أبو عمر: في رواية ابن بكير لهذا الحديث عن مالك فليتوضأ وضوءه للصلاة.
وحدثنا سعيد بن نصر وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا محمد بن إسماعيل حدثنا الحميدي حدثنا سفيان حدثني عبد الله بن أبي بكر قال تذاكر أبي وعروة ابن الزبير ما يتوضأ منه فذكر أبي إن هذا شيء ما سمعته فقال عروة بل أخبرني مروان بن الحكم أنه سمع بسرة بنت صفوان تقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من مس ذكره فليتوضأ" فقلت فإني أشتهي

(17/186)


أن ترسل وأنا شاهد رجلا أو قال حرسيا فجاء الرسول من عندها فقال لنا قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من مس ذكره فليتوضأ" .
قال أبو عمر: في جهل عروة لهذه المسألة على ما في حديث مالك وغيره وجهل أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم لها أيضا على ما في حديث ابن عيينة هذا دليل على أن العالم لا نقيصة عليه من جهل الشيء اليسير من العلم إذا كان عالما بالسنن في الأغلب إذ الإحاطة لا سبيل إليها وغير مجهول موضع عروة وأبي بكر من العلم والاتساع فيه في حين مذاكرتهم بذلك وقد يسمى العالم عالما وإن جهل أشياء كما يسمى الجاهل جاهلا وإن علم أشياء وإنما تستحق هذه الأسماء بالأغلب.
وفي رواية ابن عيينة لهذا الحديث ما يدل على أنه جائز أن يروي عروة هذا الحديث عن بسرة وقد رواه عنه كذلك قوم وكذلك حدث به أبو عبيد عن ابن عيينة عن عبد الله ابن أبي بكر عن عروة عن بسرة فحدثنا محمد بن عبد الله حدثنا محمد بن معاوية أخبرنا إسحاق بن أبي حسان حدثنا هشام بن عمار حدثنا عبد الحميد بن حبيب حدثنا

(17/187)


الأوزاعي حدثني الزهري حدثنا أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم حدثني عروة عن بسرة بنت صفوان أنها سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "يتوضأ الرجل من مس الذكر" وحدثنا محمد بن إبراهيم حدثنا محمد بن معاوية حدثنا أحمد بن شعيب حدثنا أحمد بن محمد بن المغيرة حدثنا عثمان عن شعيب عن الزهري أخبرني عبد الله بن أبي بكر ابن حزم أنه سمع عروة بن الزبير يقول ذكر مروان في إمارته على المدينة أنه يتوضأ من مس الذكر إذا أفضى إليه الرجل بيده فأنكرت ذلك وقلت لا وضوء على من مسه فقال مروان أخبرتني بسرة بنت صفوان أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر ما يتوضأ منه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ويتوضأ من مس الذكر" قال عروة فلم أزل أماري مروان حتى دعا رجلا من حرسه فأرسله إلى بسرة فسألها عما حدثت من ذلك فأرسلت إليه بسرة بمثل الذي حدثني عنها مروان.
وحدثنا عبد الوارث بن سفيان حدثنا قاسم بن اصبغ حدثنا محمد بن إسماعيل حدثنا عمرو بن قسيط أبو علي الرقي حدثنا عبيد الله بن عمرو عن إسحاق بن راشد عن الزهري

(17/188)


عن عبد الله بن أبي بكر فذكر الحديث مثله سواء بمعناه إلى آخره وزاد قال وكانت بسرة خالة أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان هكذا جاء في الحديث أن بسرة خالة عبد الملك بن مروان وهذا أعلى ما جاء في ذلك وقد اختلف في بسرة هذه فقيل هي من كنانة ومن قال هذا جعلها خالة مروان لا خالة عبد الملك وأم مروان بنت علقمة بن صفوان بن أمية بن محرث الكناني فعلى هذا تكون بسرة عمة أم مروان وإلى هذا ذهب ابن البرقي وليس بشيء والصحيح أنها بسرة بنت صفوان بن نوفل بن أسد بن عبد العزى قرشية أسدية قال الزبير بن بكار ليس لصفوان بن نوفل عقب إلا من بسرة هذه قال وهي أم معاوية بن المغيرة بن أبي العاصي جدة عائشة بنت معاوية وعائشة بنت معاوية بن المغيرة بن أبي العاصي هي أم عبد الملك بن مروان هذا قول الزبير وعمه مصعب وهو أصح ما قيل في ذلك إن شاء الله وقد قيل إن عائشة أم عبد الملك بن مروان هي عائشة بنت المغيرة بن أبي العاصي وأن بسرة بنت صفوان كانت تعند المغيرة بن أبي العاصي فولدت له معاوية وعائشة أم عبد الملك بن مروان فلو صح هذا كانت بسرة جدة عبد الملك أم أمه لا خالته وعلى قول الزبير جدة أم عبد الملك وهذا أصح إن شاء الله والله أعلم وقد ذكرنا بسرة

(17/189)


في كتاب الصحابة وأما مروان فلم نقصد ها هنا إلى ذكره لأنا قد ذكرناه في كتابنا في الصحابة لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم توفي وهو ابن ثمان سنين وما أظنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه ولد بالطائف ولم يزل بها حتى ولي عثمان فيما ذكر غير واحد من العلماء بالسير والخبر وتوفي مروان سنة خمس وستين.
وأما حديث هشام بن عروة فحدثنا عبد الوارث بن سفيان حدثنا قاسم بن اصبغ حدثنا أحمد بن زهير حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا وهيب بن خالد عن هشام بن عروة عن أبيه عن مروان بن الحكم عن بسرة بنت صفوان وكانت قد صحبت النبي صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا مس أحدكم ذكره فلا يصلي حتى يتوضأ" .
قال أبو عمر: هذا هو الصحيح في حديث بسرة عروة عن مروان عن بسرة وكل من خلاف هذا فقد أخطأ فيه عند أهل العلم والاختلاف فيه كثير على هشام وعلى ابن شهاب والصحيح فيه عنهما ما ذكرنا في هذا الباب وقد

(17/190)


كان يحيى بن معين يقول أصح حديث في مس الذكر حديث مالك عن عبد الله بن أبي بكر عن عروة عن مروان عن بسرة وكان أحمد بن حنبل يقول نحو ذلك أيضا ويقول في مس الذكر أيضا حديث حسن ثابت وهو حديث أم حبيبة.
قال أبو عمر: حديث أم حبيبة في ذلك حدثناه عبد الوارث بن سفيان وسعيد بن نصر قالا حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا محمد بن وضاح حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا المعلى بن منصور حدثنا الهيثم بن حميد حدثنا العلاء عن مكحول عن عنبسة بن أبي سفيان عن أم حبيبة قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من مس فرجه فليتوضأ" .
وأخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن حدثنا عبد الحميد بن أحمد بن عيسى حدثنا الخضر بن داود حدثنا أبو بكر أحمد بن محمد بن هانئ الوارق حدثنا محمد بن سعيد المقري حدثنا الهيثم بن حميد عن العلاء بن الحارث عن مكحول عن عنبسة بن أبي سفيان عن أم حبيبة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من مس فرجه فليتوضأ" .

(17/191)


قال أبو عمر: كان أحمد بن حنبل يذهب إلى إيجاب الوضوء من مس الذكر لحديث بسرة وحديث أم حبيبة وكذلك كان يحيى بن معين يقول والحديثان جميعا عندهما صحيحان فهذان إماما أهل الحديث يصححان الحديث في مس الذكر.
ذكر أبو زرعة الدمشقي قال كان أحمد بن حنبل يعجبه حديث أم حبيبة في مس الذكر ويقول هو حسن الإسناد.
حدثنا خلف بن القاسم حدثنا محمد بن زكرياء بن يحيى بن أعين المقدسي حدثنا مضر بن محمد قال سألت يحيى بن معين أي حديث يصح في مس الذكر فقال يحيى لولا حديث جابر بن عبد الله بن أبي بكر لقلت لا يصح فيه شيء فإن مالكا يقول حدثنا عبد الله بن أبي بكر حدثنا عروة حدثنا مروان حدثتني بسرة فهذا حديث صحيح فقلت له فبسرة من غير هذا الطريق فقال مروان عن حديث بسرة فقلت له فحديث جابر قال نعم حديث محمد بن ثوبان هو غير صحيح قلت له فحديث أبي هريرة فقال رواه يزيد بن عبد الملك النوفلي عن سعيد المقبري وقال جعل بينهما رجلا مجهولا قلت فإن أبا عبد الله أحمد

(17/192)


ابن حنبل يقول أصح حديث فيه حديث الهيثم بن حميد عن العلاء عن مكحول عن عنبسة عن أم حبيبة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من مس ذكره فليتوضأ فسكت" .
قال أبو عمر: أما حديث جابر فحدثنا عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن حدثنا عبد الحميد بن أحمد حدثنا الخضر بن داود حدثنا أبو بكر الأثرم حدثنا دحيم وأحمد بن صالح قالا حدثنا عبد الله بن نفاع عن ابن أبي ذئب عن عقبة بن عبد الرحمن عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من مس ذكره فليتوضأ وهذا إسناد صحيح كل مذكور فيه ثقة معروف بالعلم إلا عقبة بن عبد الرحمن فإنه ليس بمشهور بحمل العلم يقال هو عقبة بن عبد الرحمن بن معمر ويقال عقبة ابن عبد الرحمن بن جابر ويقال عقبة بن أبي عمرو.
وذكر أبو علي بن السكن في كتابه الصحيح قال كان أحمد بن حنبل يذهب إلى حديث بسرة ويختاره قال ابن السكن ولا أعلم في حديث أم حبيبة علة إلا أنه قيل إن مكحولا لم يسمعه من عنبسة وذكر ابن السكن حديث بسرة فصححه ثم قال يقال إن حديث بسرة ناسخ لحديث

(17/193)


طلق بن علي لأن طلق بن علي قدم على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبني المسجد ثم رجع إلى بلاد قومه وحديث بسرة ابنة صفوان ومن تابعها ممن روى مثل روايتها تأخر إسلامهم وإنما أسلموا قبل وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بيسير ثم قال إن صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في مس الذكر شيء فحديث بسرة.
قال أبو عمر: قد صح عند أهل العلم سماع مكحول من عنبسة بن أبي سفيان ذكر ذلك دحيم وغيره.
وأما الذين رووا عن النبي صلى الله عليه وسلم من الصحابة في مس الذكر مثل رواية بسرة وأم حبيبة:
فأبو هريرة وعائشة وجابر وزيد بن خالد ولكن الأسانيد عنهم معلولة ولكنهم يعدون فيمن أوجب الوضوء من مس الذكر من الصحابة مع سعد بن أبي وقاص وعبد الله بن عمر وسائر من أوجب الوضوء من مس الذكر منهم
قال أبو عمر: الشرط في مس الذكر أن لا يكون دونه حائل ولا حجاب وأن يمس بقصد وإرادة لأن العرب لا تسمي الفاعل فاعلا إلا بقصد منه إلى الفعل وهذه الحقيقة في ذلك والمعلوم في القصد إلى المس أن يكون في الأغلب بباطن

(17/194)


الكف وقد روي بمثل هذا المعنى حديث حسن أخبرناه خلف بن القاسم حدثنا سعيد بن السكن ومحمد بن إبراهيم بن إسحاق بن مهران السراج قالا حدثنا علي بن أحمد بن سليمان البزار حدثنا أحمد بن سعيد الهمداني حدثنا أصبغ بن الفرج حدثنا عبد الرحمن بن القاسم حدثنا نافع بن أبي نعيم ويزيد بن عبد الملك بن المغيرة عن سعيد بن أبي سعيد عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من أفضى بيده إلى فرجه ليس دونها حجاب فقد وجب عليه الوضوء قال ابن السكن هذا الحديث من أجود ما روي في هذا الباب لرواية ابن القاسم له عن نافع عن أبي نعيم وأما يزيد فضعيف.
قال أبو عمر: كان هذا الحديث لا يعرف إلا ليزيد بن عبد الملك النوفلي هذا وهو مجتمع على ضعفه حتى رواه عبد الرحمن بن القاسم صاحب مالك عن نافع بن أبي نعيم القاري وهو إسناد صالح إن شاء الله وقد أثنى ابن معين على عبد الرحمن بن القاسم في حديثه ووثقه وكان النسائي يثني عليه أيضا في نقله عن مالك لحديثه ولا أعلمهم يختلفون في ثقته ولم يرو هذا الحديث عنه عن نافع بن أبي نعيم

(17/195)


ويزيد بن عبد الملك إلا أصبغ بن الفرج وأما سحنون فإنما رواه عن ابن القاسم عن يزيد وحده وذكر عن ابن القاسم أنه استقر قوله أنه لا إعادة على من مس ذكره وصلى لا في وقت ولا في غيره واختار ذلك سحنون أيضا.
أخبرنا عبد الرحمن بن مروان حدثنا أبو محمد الحسن بن يحيى القلزمي حدثنا أبو غسان عبد الله بن محمد بن يوسف القلزمي حدثنا أحمد بن سعيد الهمداني حدثنا أصبغ بن الفرج حدثنا عبد الرحمن بن القاسم عن نافع بن أبي نعيم ويزيد بن عبد الملك عن سعيد المقبري عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من أفضى بيده إلى فرجه ليس دونه حجاب ولا ستر فقد وجب عليه الوضوء" .
وأما الحديث المسند المسقط للوضوء من مس الذكر فحدثناه محمد بن معاوية حدثنا أحمد ابن شعيب حدثنا هناد بن السري عن ملازم بن عمرو وحدثنا عبد الله بن محمد حدثنا محمد بن بكر حدثنا أبو داود وحدثنا عبد الوارث بن سفيان حدثنا قاسم بن اصبغ حدثنا بكر بن حماد قالا حدثنا مسدد حدثنا ملازم بن عمرو حدثنا أبو داود الحنفي حدثنا عبد الله بن بدر عن قيس بن طلق عن أبيه طلق بن علي قال قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاءه

(17/196)


رجل كأنه بدوي فقال يا رسول الله ما ترى في مس الرجل ذكره بعدما يتوضأ فقال: "هل هو إلا بضعة منك" وقال أحمد بن شعيب في حديثه وهل هو إلا مضغة منك أو بضعة منك قال أبو داود ورواه هشام بن حسان والثوري وشعبة وابن عيينة وجرير الرازي عن محمد بن جابر عن قيس بن طلق عن أبيه.
قال أبو عمر: ورواه أيوب بن عتبة قاضي اليمامة أيضا عن قيس بن طلق عن أبيه وهو حديث يمامي لا يوجد إلا عند أهل اليمامة إلا أن محمد بن جابر وأيوب بن عتبة يضعفان وملازم بن عمرو ثقة وعلى حديثه عول أبو داود والنسوي جميعا وكل من خرج في الصحيح ذكر حديث بسرة في هذا الباب وحديث طلق بن علي إلا البخاري فإنهما عنده متعارضان معلولان وعند غيره هما صحيحان والله المستعان.
وقد استدل جماعة من العلماء على أن الحديث في إيجاب الوضوء من مس الذكر ناسح لحديث سقوط الوضوء منه بأن إيجاب الوضوء منه إنما هو مأخوذ من جهة الشرع لا مدخل فيه للعقل لاجتماعه مع سائر الأعضاء فمحال أن يقال إنما هو بضعة

(17/197)


وروي عن جماعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الوضوء من مس الذكر منهم جابر بن عبد الله وزيد بن خالد وأبو هريرة قال أبو بكر الأثرم سئل أبو عبد الله عن الوضوء من مس الذكر فقال نعم نرى الوضوء من مس الذكر قيل له فمن لم يره أتعنفه قال الوضوء أقوى قيل له فمن قال لا وضوء قال الوضوء أكثر عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن أصحابه والتابعين.
قال أبو عمر: أما التابعون الذين روي عنهم الوضوء من مس الذكر من كتاب الأثرم وكتاب ابن أبي شيبة وعبد الرزاق فسعيد بن المسيب وعطاء بن أبي رباح وطاووس وعروة وسليمان بن يسار وأبان بن عثمان وابن شهاب ومجاهد ومكحول والشعبي وجابر ابن زيد والحسن وعكرمة وبذلك قال الأوزاعي والشافعي والليث بن سعد وأحمد وإسحاق وداود والطبري واضطرب مالك في إيجاب الوضوء منه واستقر قوله أن لا إعادة على من صلى بعد أن مسه قاصدا ولم يتوضأ إلا في الوقت فإن خرج الوقت فلا إعادة عليه وعلى ذلك أكثر أصحابه وكذلك اختلف أصحابه فيمن مس ذكره ساهيا ببطن كفه فروى ابن القاسم عنه من مس فرجه في

(17/199)


غسل الجنابة أنه يعيد وضوءه وكذلك في سماع أشهب وابن نافع عن مالك فيمن مس ذكره وهو يتوضأ قبل أن يغسل رجليه أنه ينتقض وضوءه وروى ابن وهب عنه أنه لا يعيد الوضوء إلا من تعمد مسه قال ابن وهب قيل لمالك فإن مسه على غلالة خفيفة قال لا وضوء عليه ومن لم يتعمد مسه فلا وضوء عليه وذكر العتبي عن سحنون وابن القاسم ما قدمنا من سقوط الوضوء منه واختار ابن حبيب إعادة الوضوء في العمد وغيره لمن لم يصل فإن صلى أعاد في الوقت على رواية ابن القاسم ومال البغداديون إلى رواية ابن وهب أن الوضوء منه استحباب في العمد دن غيره قال ابن وهب سئل مالك عن الوضوء من مس الذكر فقال حسن وليس بسنة وأحب إلي أن يتوضأ من سماع ابن وهب.
قال أبو عمر: وأما سائر من ذكرنا من العلماء بالحجاز فإنهم يرون منه الإعادة في الوقت وبعده و إليه ذهبت طائفة من المالكيين منهم أصبغ بن الفرج وعيسى بن دينار واحتجوا بأن عبد الله بن عمر أعاد الصلاة والوضوء منه للصبح بعد طلوع

(17/200)


الشمس وهذه إعادة بعد خروج الوقت وكان إسماعيل بن إسحاق وسائر البغداديين من المالكيين يجعلون مس الذكر من باب الملامسة فيقولون إن التذ الذي يمس ذكره فالوضوء عليه واجب وإن صلى دون وضوء فالإعادة عليه في الوقت وبعده وإن لم يلتذ من مسه فلا شيء عليه كالملامس للنساء سواء في مذهبهم.
وأما الذين لم يروا في مس الذكر وضوءا فعلي بن أبي طالب وعمار بن ياسر وعبد الله ابن مسعود وعبد الله بن عباس وحذيفة بن اليمان وعمران بن حصين وأبو الدرداء واختلف فيه عن سعد بن أبي وقاص فروي عنه أنه لا وضوء على من مس ذكره هذه رواية أهل الكوفة عنه ذكر عبد الرزاق عن ابن عيينة عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس ابن أبي حازم قال سأل رجل سعد بن أبي وقاص عن مس الذكر أيتوضأ منه قال إن كان منك شيء نجس فاقطعه وروى أهل المدينة عنه أنه كان يتوضأ منه وكذلك اختلف فيه عن أبي هريرة وسعيد بن المسيب فروي عنهما القولان جميعا وقال ربيعة بن أبي عبد الرحمن وسفيان الثوري وأبو حنيفة وأصحابه لا وضوء في مس الذكر.

(17/201)


ذكر عبد الرزاق عن الثوري قال دعاني وابن جريج بعض أمرائهم فسألنا عن مس الذكر فقال ابن جريج يتوضأ وقلت لا وضوء عليه فلما اختلفنا قلت لابن جريج أرأيت لو أن رجلا وضع يده في مني قال يغسل يده قلت فأيها أنجس المني أم الذكر قال المني قلت فكيف هذا قال ما ألقاها على لسانك إلا شيطان.
قال أبو عمر: إنما جازت المناظرة والقياس عندهما في هذه المسألة لاختلاف الآثار فيها عن النبي صلى الله عليه وسلم وأنه لم يأت عنه فيها عندهما شيء يجب التسليم له من وجه لا تعارض فيه واختلف فيه الصحابة أيضا فمن ها هنا تناظرا فيها والأسانيد عن الصحابة في إسقاط الوضوء منه أسانيد صحاح من نقل الثقات.
قال أبو عمر: تحصيل مذهب مالك في ذلك أن لا وضوء فيه لأن الوضوء عنده منه استحباب لا إيجاب بدليل أنه لا يرى الإعادة على من صلى بعد أن مس ذكره إلا في الوقت وفي سماع أشهب وابن نافع عن مالك أنه سئل عن الذي يمس ذكره ويصلي أيعيد الصلاة فقال لا أوجبه أنا فروجع فقال يعيد ما كان في الوقت وإلا فلا وقال الأوزاعي إن

(17/202)


مس ذكره بساعده فعليه الوضوء وهو قول عطاء وبه قال أحمد بن حنبل وقال الليث من مس ما بين إليتيه فعليه الوضوء قال الليث من مس ذكر البهائم فعليه الوضوء وقال مالك والليث إن مس ذكره بذراعه وقدمه فلا وضوء عليه وقال مالك والشافعي والليث بن سعد لا يجب الوضوء إلا على من مس ذكره بباطن كفه وجملة قول مالك وأصحابه إن مس ذكره بظاهر يده أو بظاهر ذراعيه أو باطنهما أو مس أنثييه أو شيئا من أرفاغه أو غيرها أو شيئا من أعضائه سوى الذكر فلا وضوء عليه ولا على المرأة عندهم وضوء في مسها فرجها وقد روي عن مالك أن على المرأة الوضوء في مسها فرجها إذا ألطفت أو قبضت والتذت وكان مكحول وطاووس وسعيد بن جبير وحميد الطويل يقولون إن مس ذكره غير متعمد فلا وضوء عليه وبه قال داود وقال الأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق عمده وخطأه في ذلك سواء إذا أفضى بيده إليه وجملة قول الشافعي في هذا الباب ما ذكره في كتاب الطهارة المصري قال وإذا أفضى الرجل إلى ذكره ليس بينه وبينه ستر فقد وجب عليه الوضوء عامدا كان أو ساهيا والإفضاء باليد إنما هو بباطنها كما تقول أفضي

(17/203)


بيده مبايعا وأفضى بيديه إلى الأرض ساجدا وسواء قليل ما مس من ذكره أو كثيره إذا كان بباطن الكف وكذلك من مس دبره بباطن الكف أو فرج امرأته أو ذكر غيرها أو دبره وسواء مس ذلك من حي أو ميت وحكم المرأة في ذلك كله كالرجل منها ومن غيرها قال ومن مس ذكره بباطن كفه على ثوب عامدا أو ساهيا أو مسه بظهر كفه أو ذراعه عامدا أو ساهيا فلا شيء عليه لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أفضى أحدكم وكذلك المرأة قال وإن مس شيئا من هذا من بهيمة لم يجب عليه الوضوء من قبل أن للآدميين حرمة وتعبد ا قال ولا شيء عليه في مس أنثييه ورفغيه وإليتيه وفخذيه قال وإنما قسنا الفرج بالفرج وسائر الأعضاء غير باطن الكف قياسا على الفخذ.
قال أبو عمر: أما قول الشافعي في مس الرجل فرج المرأة ومس المرأة فرج الرجل فقد وافقه على ذلك الأوزاعي وأحمد وإسحاق ووافقه على قوله في مس ذكر الصبي والحي والميت عطاء وأبو ثور ووافقه على إيجاب الوضوء من مس الدبر عطاء والزهري وكان عروة يقول من مس أنثييه فعليه الوضوء.

(17/204)


قال أبو عمر: النظر عندي في هذا الباب أن الوضوء لا يجب إلا على من مس ذكره أو فرجه قاصدا مفضيا وأما غير ذلك منه أو من غيره فلا يوجب الظاهر والأصل أن الوضوء المجتمع عليه لا ينتقض إلا بإجماع أو سنة ثابتة غير محتملة للتأويل فلا عيب على القائل يقول الكوفيين لأن إيجابه عن الصحابة لهم فيه ما تقدم ذكره وبالله التوفيق.

(17/205)


الحديث الخامس
...
حديث خامس لعبد الله بن أبي بكر
مالك عن عبد الله بن أبي بكر عن عبد الله بن واقد أنه قال "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكل لحوم الضحايا بعد ثلاثة أيام" قال عبد الله بن أبي بكر فذكرت ذلك لعمرة بنت عبد الرحمن فقالت صدق سمعت عائشة تقول دف ناس من أهل البادية حضرة الأضحى في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ادخروا لثلاث وتصدقوا بما بقي" قالت فلما كان بعد ذلك قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم لقد كان الناس ينتفعون بضحاياهم ويحملون منها الودك ويتخذون منها الأسقية فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وما ذاك" أو كما قال قالوا نهيت عن لحوم الضحايا بعد ثلاث فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنما نهيتكم من أجل الدافة التي دفت عليكم فكلوا وتصدقوا وادخروا" يعني بالدافة قوما مساكين قدموا المدينة.

(17/207)


قال أبو عمر: عبد الله بن واقد هذا هو عبد الله بن واقد بن عبد الله بن عمر تابعي ثقة شريف جليل سمع عبد الله بن عمر وأمه أمة الله بنت عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة ومات عبد الله بن واقد في سنة سبع عشرة ومائة في خلافة هشام بن عبد الملك.
قال أبو عمر: وأما قول عائشة رضي الله عنها في هذا الحديث دف ناس فمعناه عند أهل اللغة دف ناس إلينا وأتونا وأصله عندهم من دفيف الطائر إذا حرك جناحيه ورجلاه في الأرض يقال في ذلك دف الطائر يدف دفيفا وقال الخليل والدافة قوم يدفون أي يسيرون سيرا لينا وتداف القوم إذا ركب بعضهم بعضا في قتال أو نحوه وأما قولها حضرة الأضحى فمعناه في وقت الأضحى وفي حين الأضحى وأما قوله ويحملون من الودك فمعناه يذيبون منها الشحم والودك الشحم يقال منه جملت الشحم وأجملته واجتملته أي أذبته والاجتمال الادهان بالجميل وهي الإهالة وأما قوله في هذا الحديث نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكل لحوم الضحايا بعد ثلاث فقد بان في هذا الحديث الوجه والعلة التي من أجلها نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكل لحوم الضحايا بعد ثلاث وأن ذلك إنما كان من أجل الدافة التي دفت عليهم من المساكين ليطعموهم ويواسوهم.

(17/208)


حدثنا إبراهيم بن شاكر حدثنا عبد الله بن محمد بن عثمان وأخبرنا عبد العزيز بن عبد الرحمن حدثنا أحمد بن مطرف قالا حدثنا سعيد بن عثمان الأعناقي حدثنا أحمد بن عبد الملك بن صالح حدثنا محمد بن عبد الله الرقاشي حدثنا يزيد بن زريع حدثنا محمد بن إسحاق حدثنا عبد الله بن أبي بكر عن عمرة بنت عبد الرحمن عن عائشة قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نهى عن لحوم الأضاحي بعد ثلاث فلما كان في العام القابل وضحى الناس قالت قلت يا رسول الله إن كانت هذه الأضاحي لترفق الناس كانوا يدخرون من لحومها وودكها قال: "فما منعهم من ذلك" قلت يا نبي الله أو لم تنهاهم عام الأول عن أن يأكلوا لحومها بعد ثلاث قال: "إنما نهيت عن ذلك للحاضرة التي حضرتهم من أهل البادية ليبثوا لحومها فيهم فأما الآن فليأكلوا وليدخروا" وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها ونهيتكم عن لحوم الأضاحي بعد ثلاث فكلوا وادخروا وتزودوا" وقد ذكرنا الآثار بذلك في باب ربيعة من كتابنا هذا

(17/209)


الحديث السادس
...
حديث سادس لعبد الله بن أبي بكر
مالك عن عبد الله بن أبي بكر عمرة بنت عبد الرحمن أن عائشة أم المؤمنين أخبرتها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان عندها وأنها سمعت صوت رجل يستأذن في بيت حفصة قالت عائشة فقلت يا رسول الله هذا رجل يستأذن في بيتك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أراه فلانا" لعم حفصة من الرضاعة فقالت عائشة يا رسول الله لو كان فلان حيا لعمها من الرضاعة دخل علي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "نعم إن الرضاعة تحرم ما تحرم الولادة".
قد مضى القول في معنى هذا الحديث وما كان مثله في باب ابن شهاب عن عروة فلا معنى لإعادة ذلك ها هنا.

(17/211)


وقد نسبنا عمرة بنت عبد الرحمن فيما مضى أيضا من كتابنا هذا.
وأما قوله في هذا الحديث لعم حفصة من الرضاعة فإنه كان عمها لأنه كان أخا عمر بن الخطاب من الرضاعة أرضعتهما امرأة واحدة وليس كأفلح أخي أبي القعيس عم عائشة وقد ذكرنا كيف المعنى في قصة عائشة مع أخي أبي القعيس في باب ابن شهاب عن عروة فلا معنى لتكريره ها هنا.
وأما قوله في هذا الحديث: "إن الرضاعة تحرم ما تحرم الولادة" ففيه دليل على أن امرأة الابن من الرضاعة محرمة فإن ظن ظان أن في قول الله عز وجل {وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ} دليل على أن الأبناء من الرضاعة لا تحرم حلائلهم على آبائهم فليس كما ظن لأن هذه الآية إنما نزلت في حلائل الأبناء من الأصلاب نفيا للذين تبنوا ولم يكونوا أبناء مثل زيد بن حارثة إذ تبناه رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان يدعى زيد بن محمد حتى نزلت {ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ} ثم نكح رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأته بعد أن قضى زيد منها وطره وطلقها فمعنى قوله {الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ} يريد غير المتبنين وأما الرضاعة فلا ألا ترى إلى قول الله

(17/212)


عز وجل {وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ} بعد قوله {وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ} أنه قد دخل فيه بإجماع المسلمين الأختان من الرضاعة لما بينه رسول الله صلى الله عليه وسلم في الرضاعة أنها تحرم ما يحرم النسب فلو تزوج رجل صبيتين رضيعتين فجاءت امرأة فأرضعتهما صارتا أختين بالرضاع وحرمتا عليه واستأنف نكاح أيتهما شاء فقف على الأصل في هذا الباب وفي كل باب تعرف به وجه الصواب.

(17/213)


الحديث السابع
...
حديث سابع لعبد الله بن أبي بكر
مالك عن عبد الله بن أبي بكر عن عمرة عن عائشة أنها قالت كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن ثم نسخن بخمس معلومات فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مما يقرأ من القرآن.
هذا أصح إسناد لهذا الحديث عن عائشة.
وإلى القول بهذا الحديث في مقدار الرضاع المحرم ذهب الشافعي وجماعة وهو مذهب عائشة وقد ذكرنا من جاء معهم من العلماء ذلك ومن خالفهم فيه ودليل كل واحد منهم فيما ذهب إليه من ذلك في باب ابن شهاب عن عروة وقد تقدم القول في معنى ناسخ القرآن ومنسوخه وما في ذلك من الوجوه في باب زيد بن أسلم ومضى القول في مقدار ما يحرم من الرضاع وما للعلماء في ذلك من التنازع في باب ابن شهاب عن عروة أيضا.

(17/215)


حدثنا عبد الوارث بن سفيان حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا أحمد بن زهير حدثنا عبيد الله ابن عمر حدثنا خالد بن الحارث حدثنا سعيد عن قتادة عن صالح أبي الخليل عن عبد الله ابن الحارث عن مسيكة عن عائشة أنها قالت لا تحرم الرضعة ولا الرضعتان ولا يحرم من الرضاع أقل من سبع رضعات قال أحمد بن زهير خالفه هشام عن قتادة حدثنا عبيد الله ابن عمر حدثنا معاذ بن هشام حدثني أبي عن قتادة عن أبي الخليل صالح بن أبي مريم عن يوسف بن ماهك عن عبد الله بن الزبير عن عائشة قالت إنما يحرم من الرضاع سبع رضعات قال وحدثنا عبيد الله بن عمر حدثنا معاذ بن هشام حدثني أبي عن قتادة عن أبي الخليل صالح بن أبي مريم عن عبد الله بن الحارث عن أم الفضل "أن رجلا من بني عامر قال يا رسول الله هل تحرم الرضعة الواحدة قال: لا".
قال أبو عمر: اختلف على قتادة في هذا الحديث فيما ذكر أحمد بن زهير وغيره وهي عندي أحاديث جمعها صالح بن أبي مريم ليس فيها اختلاف والأحاديث عن عائشة في هذا مضطربة ويستحيل أن تكون السبع منسوخة عندها بخمس ثم تفتي بالسبع ولا تقوم بما نقل عن عائشة في هذا الحديث

(17/216)


حجة وقد مضى القول في ذلك بما يكفي في باب ابن شهاب والحمد لله.
وأما من جهة الإسناد فحديث مالك أثبت عند أهل العلم بالحديث من حديث صالح أبي الخليل لأن نقلته كلهم أئمة علماء جلة وإن كان قد قيل إن مالكا انفرد بهذا الحديث عن عبد الله بن أبي بكر وأن عبد الله بن أبي بكر انفرد به عن عمرة وأنه لا يعرف إلا بهذا الإسناد ولكنهم عدول يجب العمل بما رووه وبالله التوفيق.

(17/217)


الحديث الثامن
...
حديث ثامن لعبد الله بن أبي بكر
مالك عن عبد الله بن أبي بكر عن عمرة أنها أخبرته "أن زياد بن أبي سفيان كتب إلى عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أن عبد الله بن عباس قال من أهدى هديا حرم عليه ما يحرم على الحاج حتى ينحر الهدي وقد بعثت بهديي فاكتبي لي بأمرك أو مري صاحب الهدي قالت عمرة فقالت عائشة ليس كما قال ابن عباس أنا فتلت قلائد هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي ثم قلدها رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده ثم بعث بها رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أبي فلم يحرم على رسول الله صلى الله عليه وسلم شيء أحله الله له حتى نحر الهدي".

(17/219)


هكذا هذا الحديث في الموطأ عند جميع رواته فيما علمت ورواه عثمان بن عمر عن مالك بخلاف بعض معانيه لأنه ذكر فيه الإشعار وليس ذلك في رواية غيره في هذا الحديث عن مالك فيما علمت حدثناه سعيد بن عثمان حدثنا أحمد بن دحيم حدثنا يحيى بن محمد بن صاعد عن يعقوب الدورقي عن عثمان بن عمر عن مالك عن عبد الله بن أبي بكر عن عمرة عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قلد هديه وأشعره وبعث به إلى مكة وأقام بالمدينة فلم يجتنب شيئا كان له حلالا.
قال أبو عمر: هذا اللفظ ليس بصحيح في حديث مالك هذا وإنما هو معروف في حديث أفلح بن حميد عن القاسم عن عائشة وسنذكره في هذا الباب إن شاء الله.
وفي حديث مالك في الموطأ معان من الفقه منها أن عبد الله بن عباس كان يرى أن من بعث بهدي إلى الكعبة لزمه إذا قلده أن يحرم ويجتنب كل ما يجتنب الحاج حتى ينحر هديه وقد تابع عبد الله بن عباس على ذلك عبد الله بن عمر وطائفة وروي بمثل ذلك أثر مرفوع من حديث

(17/220)


جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم ومنها أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يختلفون في مسائل الفقه وعلوم الديانة فلا يعيب بعضهم بعضا بأكثر من رد قوله ومخالفته إلى ما عنده من السنة في ذلك وهكذا يجب على كل مسلم ومنها ما كان عليه الأمراء من الاهتبال بأمر الدين والكتاب فيه إلى البلدان ومنها عمل أزواج النبي عليه السلام بأيديهن وامتهانهن أنفسهن وكذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمتهن نفسه في عمل بيته فربما خاط ثوبه وربما خصف نعله وقد قلد هديه المذكور في هذا الحديث بيده صلى الله عليه وسلم ذكر.
عبد الرزاق قال حدثنا عمر بن ذر قال سمعت عطاء بن أبي رباح يقول رأيت عائشة تفتل القلائد للغنم تساق معها هديا ومنها التطوع بإرسال الهدي إلى الكعبة تقربا إلى الله عز وجل بذلك وفي ذلك دليل على فضل الهدي والضحايا ومنها أن تقليد الهدي لا يوجب على صاحبه الإحرام وهذا المعنى الذي سبق له الحديث وهو الحجة عند التنازع وقد تنازع العلماء واختلفوا في ذلك فأما مالك فذكر ابن وهب وغيره عنه أنه سئل عما اختلف الناس فيه من الإحرام في تقليد الهدي ممن لا يريد الحج ولا العمرة فقال الأمر عندنا

(17/221)


الذي نأخذ به في ذلك قول عائشة أن النبي عليه السلام بعث بهديه ثم أقام فلم يترك شيئا فما أحل الله له حتى نحر الهدي قال مالك ولا ينبغي أن يقلد الهدي ولا يشعر إلا عند الإهلال إلا رجل لا يريد الحج فيبعث بهديه ويقيم حلالا في أهله وقال الثوري إذا قلد الهدي فقد أحرم إن كان يريد الحج أو العمرة وإن كان لا يريد ذلك فليبعث بهديه وليقم حلالا وقال الشافعي وأبو ثور وداود لا يكون أحد محرما بسياقة الهدي ولا بتقليده ولا يجب عليه بذلك إحرام حتى ينويه ويريده وقال أبو حنيفة من ساق هديا وهو يؤم البيت ثم قلده فقد وجب عليه الإحرام وإن جلل الهدي أو أشعره لم يكن محرما إنما يكون محرما بالتقليد وقال إن كان معه شاة فقلدها لم يجب عليه الإحرام لأن الغنم لا تقلد وقال إن بعث بهديه فقلده وأقام حلالا ثم بدا له أن يخرج فخرج واتبع هديه فإنه لا يكون محرما حين يخرج إنما يكون محرما إذا أدرك هديه وأخذه وسار به وساقه معه وقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد إن بعث بهدي لمتعة ثم أقام حلالا أياما ثم خرج وقد كان قلد هديه فهو محرم حين يخرج ألا ترى أنه بعث بهدي المتعة وقال ابن عباس وابن عمر وميمون بن أبي شبيب وجماعة من قلد أو أشعر أو جلل

(17/222)


فقد أحرم وإن كان في أهله وليس في الرواية عن ابن عباس وابن عمر أو جلل وإنما ذلك عن ميمون وحده فأما الحديث الذي إليه ذهب من اتبع ابن عباس وابن عمر على قولهما في هذا الباب فما وجدته في أصل سماع أبي رحمه الله أن محمد بن أحمد بن قاسم بن هلال حدثهم قال حدثنا سعيد بن عثمان حدثنا نصر بن مرزوق حدثنا أسد بن موسى حدثنا حاتم بن إسماعيل عن عبد الرحمن بن عطاء بن لبيبة عن عبد الملك بن جابر عن جابر بن عبد الله قال كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم جالسا فقلد قميصه من جنبيه حتى أخرجه من رجليه فنظر القوم إلى النبي عليه السلام فقال أمرت ببدني التي بعثت بها أن تقلد وتشعر على مكان كذا وكذا فلبست قميصي ونسيت فلم أكن لأخرج قميصي من رأسي وكان بعث ببدنه وأقام بالمدينة فذهب قوم إلى أن الرجل إذا بعث بهديه وأقام في أهله فقلد الهدي وأشعره أنه يتجرد فيقيم كذلك حتى يحل الناس من حجهم واحتجوا بهذا الحديث وبما مضى في حديث مالك عن ابن عباس من قوله من أهدى هديا حرم عليه ما يحرم على

(17/223)


الحاج حتى ينحر الهدي وعبد الرحمن بن عطاء بن أبي لبيبة هذا رجل من أهل المدينة شيخ روى عنه جماعة من أهل المدينة منهم حاتم بن إسماعيل وسليمان بن بلال والدراوردي وداود بن قيس ويروي عن سعيد بن المسيب وعامر بن سعد ويقال عبد الرحمن بن لبيبة وعبد الملك بن جابر هذا ليس بالمشهور بالنقل.
وذكر عبد الرزاق أخبرنا داود بن قيس عن عبد الرحمن بن عطاء أنه سمع ابني جابر يحدثان عن أبيهما جابر بن عبد الله قال بينا النبي صلى الله عليه وسلم جالس مع أصحابه إذ شق قميصه حتى خرج منه فسئل فقال وعدتهم يقلدون هديي اليوم فنسيت.
وذكر عبد الرزاق قال أخبرنا معمر عن أيوب عن ابن سيرين قال وأخبرنا هشام بن حسان عن ابن سيرين أن ابن عباس بعث بهديه ثم وقع على جارية له فأتي مطرف بن الشخير في المنام فقيل له إئت ابن عباس فمره أن يطهر فرجه فلما أصبح أبى أن يأتيه فأتي الليلة الثانية فقيل له بمثل ذلك وأتي ليلة ثالثة فقيل له قول فيه بعض الشدة فلما أصبح أتى ابن عباس فأخبره بذلك فقال ابن عباس وما ذلك

(17/224)


ثم ذكر فقال إني وقعت على فلانة بعد ما قلدت الهدي فكتب ذلك اليوم الذي وقع عليها فلما قدم ذلك الرجل الذي بعث بالهدي معه سأله أي يوم قلدت الهدي فأخبره فإذا هو قد وقع عليها بعدما قلد الهدي فأعتق ابن عباس جاريته تلك:
قال وأخبرنا ابن جريج أخبرنا نافع عن ابن عمر قال إذا قلد الرجل هديه فقد أحرم والمرأة كذلك فإن لم يحج فهو حرام حتى ينحر هديه.
قال وأخبرنا معمر عن أيوب عن نافع عن ابن عمر مثله وحماد بن سلمة عن أيوب عن نافع عن ابن عمر أنه كان إذا بعث بهديه أمسك عن النساء.
وروى يحيى بن سعيد القطان عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر قال إذا قلد الرجل الهدي وأشعره فقد أحرم وإن كان في أهله وقد روى أبو العالية عن ابن عمر خلاف ما روى نافع ذكر حماد بن سلمة عن أيوب عن أبي العالية قال سألت ابن عمر عن الرجل يبعث بهديه أيمسك عن النساء فقال ابن عمر ما علمنا المحرم يحل حتى يطوف بالبيت وذكر معمر عن أيوب عن أبي العالية قال سمعت ابن عمر يقول إذا بعث الرجل بالهدي فهو محرم والله لو كان محرما ما كان له حل دون أن يطوف بالبيت

(17/225)


قال أيوب فذكرته لنافع فأنكره وروى شعبة عن حبيب بن أبي ثابت عن ميمون بن أبي شبيب قال من قلد أو أشعر أو جلل فقد أحرم.
قال أبو عمر: لم يلتفت مالك ومن قال بقوله إلى حديث عبد الرحمن بن عطاء بن لبيبة عن ابن جابر عن جابر المذكور في هذا الباب وردوه بحديث عائشة لتواتر طرقه عنها وصحته وما يصحبه من جهة النظر إلى ثبوته من طرق الأثر رواه مسروق بن الأجدع والأسود بن يزيد عن عائشة وهشام بن عروة عن أبيه عن عائشة وابن شهاب عن عروة وعمرة عن عائشة وعبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة وأفلح بن حميد عن القاسم عن عائشة ذكر معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت إن كنت لأفتل قلائد هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يبعث بها فما يجتنب شيئا مما يجتنب المحرم.
وذكر ابن وهب عن الليث عن ابن شهاب عن عروة وعمرة عن عائشة مثله.
وذكر عبد الرزاق قال أخبرنا معمر عن هشام عن عروة عن أبيه قال دخل رجل على عائشة فقال إن ابن

(17/226)


زياد قلد بدنه فتجرد قالت عائشة فهل كانت له كعبة يطوف بها قالوا لا قالت والله ما حل أحد من حج ولا عمرة حتى يطوف بالبيت ثم قالت لقد كنت أفتل قلائد هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يبعث بها فما يتقي أو قالت فما يجتنب شيئا مما يجتنب المحرم.
وأخبرنا عبد الوارث بن سفيان وأحمد بن قاسم قالا حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا الحارث ابن أبي أسامة حدثنا يزيد بن هارون أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي عن مسروق قال قلت لعائشة إن رجالا ها هنا يبعثون بالهدي إلى البيت ويأمرون الذين يبعثونهم أن يعرفوهم اليوم الذي يقلدونها فلا يزالون محرمين حتى يحل الناس فصفقت بيدها فسمعت ذلك من وراء الحجاب فقالت سبحان الله لقد كنت أفتل قلائد هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي فيبعث بها إلى الكعبة ويقيم فينا لا يترك شيئا مما يصنع الحلال حتى يرجع الناس.
حدثنا خلف بن قاسم حدثنا عبد الله بن جعفر حدثنا هارون بن عيسى حدثنا عبد الله ابن مسلمة القعنبي حدثنا

(17/227)


أفلح بن حميد عن القاسم بن محمد عن عائشة قالت فتلت قلائد بدن رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي ثم قلدها وأشعرها وبعث بها إلى البيت وأقام بالمدينة فما حرم عليه شيء كان له حلالا والآثار عن عائشة بهذا متواترة وبها قال مالك والشافعي في أكثر أهل الحجاز وأبو حنيفة والثوري والحسن بن حي وعبيد الله بن الحسن في جماعة أهل العراق والأوزاعي في أهل الشام والليث بن سعد وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأبو عبيد وأبو ثور وداود والطبري ولم يقل واحد منهم بحديث عبد الرحمن بن عطاء وليس عندهم بذلك وترك مالك الرواية عنه وهو جاره وحسبك بهذا إلا أن أبا حنيفة وأصحابه خصوا الإبل إذا قلدها من قصد البيت أنه يكون بتقليده لها محرما إذا كان قاصدا للحج أو العمرة إلى البيت وليس كذلك عندهم من قلد الغنم وإن أم البيت لأن الغنم لا تقلد عندهم وهو قول مالك وأصحابه في الغنم أنها لا تقلد قال مالك وأصحابه تقلد الإبل والبقر ولا تقلد الغنم وتجزئ النعل الواحدة في التقليد وتجعل حمائل القلائد مما شئت وقال أبو حنيفة وأصحابه يقلد كل هدي متعة أو قران أو تطوع من الإبل والبقر فأما الغنم فلا تقلد ولا يقلد هدي إحصار ولا جماع ولا جزاء صيد ولا حنث في يمين يهدي جزورا أو بقرة وقالوا التجليل

(17/228)


حسن ولا يضر تركه والتقليد أوجب منه وقال مالك جلال البدن من عمل الناس وهو من زينتها ولا بأس بشق أوساط الجلال إذا كانت بالثمن اليسير بالدرهمين ونحو ذلك لأن ذلك زينة لها وقال الشافعي تقلد الإبل والبقر وتقلد الغنم الرقاع وقال أبو ثور تقلد البدن والهدي كلها من الإبل والبقر والغنم تطوعا كانت او واجبة في متعة أو قران أو جزاء صيد أو نذر أو يمين إذا اختار صاحب الهدي قلد ذلك كله إن شاء ويجلل الهدي بما شاء واحتج من اختار تقليد الغنم بما رواه الأعمش ومنصور عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم أهدى إلى البيت مرة غنما فقلدها حدثناه محمد بن إبراهيم حدثنا معاوية حدثنا أحمد بن شعيب حدثنا حماد بن السري عن أبي معاوية فذكره قال أحمد بن شعيب وأخبرنا محمد بن قدامة حدثنا جرير عن منصور عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة قالت لقد رأيتني أفتل قلائد هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم من الغنم فيبعث بها ثم يقيم فينا حلالا وروى شعبة وسفيان عن منصور بإسناده نحوه وشعبة أيضا وسفيان عن الأعمش عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة

(17/229)


مثله ومحمد بن جحادة عن الحكم عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة مثله ومحمد بن جحاجة عن الحكم عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة معناه واحتج من لم ير تقليد الغنم بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما حج حجة واحدة لم يهد فيها غنما وأنكروا حديث الأسود عن عائشة في تقليد الغنم قالوا هو حديث لا يعرفه أهل بيت عائشة.
واختلف الفقهاء أيضا في إشعار البدن فقال مالك تشعر الإبل والبقر ولا تشعر الغنم وتشعر في الشق الأيسر وكذلك قال أبو يوسف ومحمد مثل قول مالك سواء في ذلك كله وحجة من رأى الإشعار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أشعر.
أخبرنا عبد الله بن محمد حدثنا محمد بن بكر حدثنا أبو داود أخبرنا أبو الوليد الطيالسي وحفص بن عمر المعنى قالا حدثنا شعبة عن قتادة قال أبو الوليد قال سمعت أبا حسان عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الظهر بذي الحليفة ثم دعى ببدنة فأشعرها من صفحة

(17/230)


سنامها الأيمن ثم سلت الدم عنها وقلدها بنعلين ثم أتي براحلة فلما قعد عليها واستوت به على البيداء أهل بالحج قال أبو داود وهذا مما تفرد به أهل البصرة من السنن لا يشركهم فيه أحد أن النبي صلى الله عليه وسلم أشعر من الجانب الأيمن.
قال أبو عمر: هذا هو المعروف المحفوظ في حديث ابن عباس هذا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أشعر بدنته من شقها الأيمن ورأيت في كتاب ابن علية عن أبيه عن سعيد ابن أبي عروبة عن قتادة عن أبي حسان الأعرج عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أشعر بدنة من الجانب الأيسر ثم سلت الدم عنها وقلدها نعلين وهذا عندي منكر في حديث ابن عباس هذا والمعروف فيه ما ذكره أبو داود الجانب الأيمن لا يصح في حديث ابن عباس غير ذلك إلا أن عبد الله بن عمر كان يشعر بدنته من الجانب الأيسر هكذا روى مالك وأيوب وعبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر وهو قول مالك وأبي يوسف ومحمد وجماعة وهو المعروف عن عطاء وقد روى معمر عن الزهري عن سالم عن ابن

(17/231)


عمر أنه كان يشعر في الشق الأيمن حين يريد أن يحرم وروى ابن علية عن أيوب عن نافع قال كان ابن عمر يشعر من الجانب الأيسر وربما أشعر من الجانب الأيمن وهو أمر خفيف عند أهل العلم لا يكرهون شيئا من ذلك وقد كان ابن عمر ربما أشعر في السنام وروى مالك عن نافع قال كان ابن عمر إذا وخز في سنام بدنته يشعرها قال بسم الله والله أكبر ذكر عبد الرزاق عن الثوري عن منصور عن مجاهد قال تشعر البدن من حيث تيسر وقال أبو حنيفة أكره الإشعار لأنه تعذيب للبدن في غير نفع لها ولا لصاحبها لنهي رسول الله صلى الله عليه وسلم من اتخاذ شيء فيه الروح غرضا ولنهيه عن المثلة وقال الشافعي وأبو ثور وأحمد وإسحاق وسائر أهل العلم تشعر البدن في الشق الأيمن وحجتهم أن رسول اله صلى الله عليه وسلم قلد بدنة وأشعرها من الشق الأيمن وسلت الدم عنها رواه ابن عباس وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم وأما من جهة النظر فإن الأصول كلها تشهد أن المحرم لا يحل إلا بعمل يعمله أقله الطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروة وهذا أمر متفق عليه وفي حديث عبد الرحمن بن عطاء وقول ابن عباس وابن عمر ما يوجب أن يحل دون عمل

(17/232)


يعمله إذا نحر هديه وهذا خلاف الإحرام المتفق عليه وليس حديث جابر مما يعارض بمثله حديث عائشة عند أهل العلم بالحديث وقد كان ابن الزبير يحلف إن فعل ما روي عن ابن عباس وابن عمر في هذا الباب بدعة ولا يجوز في العقول أن يحلف على أن ذلك بدعة إلا وهو قد علم أن السنة خلاف ذلك روى مالك عن يحيى بن سعيد عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي عن ربيعة بن عبد الله بن الهدير أنه رأى رجلا متجردا بالعراق قال فسألت الناس عنه فقالوا أمر بهديه أن يقلد فلذلك تجرد قال ربيعة فلقيت عبد الله بن الزبير فقال بدعة ورب الكعبة.
وفي حديث عائشة أيضا من الفقه ما يرد الحديث الذي رواه شعبة عن مالك بن أنس عن عمر بن مسلم بن أكيمة عن سعيد بن المسيب عن أم سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

(17/233)


ففي هذا الحديث إنه لا يجوز لمن أراد أن يضحي أن يحلق شعرا ولا يقص ظفرا.
وفي حديث عائشة "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يجتنب شيئا مما يجتنبه المحرم حين قلد هديه وبعث به" وهو يرد حديث أم سلمة ويدفعه ومما يدل على ضعفه ووهنه أن مالك روى عن عمارة بن عبد الله عن سعيد بن المسيب قال لا بأس بالإطلاء بالنورة في عشر ذي الحجة فترك سعيد لاستعمال هذا الحديث وهو راويته دليل على أنه عنده غير ثابت أو منسوخ وقد أجمع العلماء على أن الجماع مباح في أيام العشر لمن أراد أن يضحي فما دونه

(17/234)


أحرى أن يكون مباحا ومذهب مالك أنه لا بأس بحلق الرأس وتقليم الأظفار وقص الشارب في عشر ذي الحجة وهو مذهب سائر الفقهاء بالمدينة والكوفة وقال الليث بن سعد وقد ذكر له حديث سعيد بن المسيب عن أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من أهل عليه منكم هلال ذي الحجة وأراد أن يضحي فلا يأخذ من شعره وأظفاره حتى يضحي" فقال الليث قد روي هذا والناس على غير هذا وقال الأوزاعي إذا اشترى أضحتيه بعد ما دخل العشر فإنه يكف عن قص شاربه وأظفاره وإن اشتراها قبل أن يدخل العشر فلا بأس واختلف قول الشافعي في ذلك فمرة قال من أراد أن يضحي لم يمس في العشر من شعره شيئا ولا من أظفاره وقال في موضع آخر أحب لمن أراد أن يضحي أن لا يمس في العشر من شعره ولا من أظفاره شيئا حتى يضحي لحديث أم سلمة فإن أخذ من شعره وأظفاره فلا بأس لأن عائشة قالت كنت أفلت قلائد هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم الحديث وذكر الأثرم أن أحمد بن حنبل كان يأخذ بحديث أم سلمة هذا فقيل له فإن أراد غيره أن يضحي وهو لا يريد أن يضحي فقال إذا لم يرد أن يضحي لم يمسك عن شيء إنما قال إذا أراد أحدكم أن يضحي وقال ذكرت لعبد الرحمن بن مهدي حديث عائشة كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا بعث بالهدي وحديث أم سلمة إذا

(17/235)


دخل العشر فبقي عبد الرحمن ولم يأت بجواب فذكرته ليحيى بن سعيد فقال يحيى ذاك له وجه وهذا له وجه حديث عائشة إذا بعث بالهدي وأقام وحديث أم سلمة إذا أراد أن يضحي بالمصر قال أحمد وهكذا أقول قيل له فيمسك عن شعره وأظفاره قال نعم كل من أراد أن يضحي فقيل له هذا على الذي بمكة فقال لا بل على المقيم وقال هذا الحديث رواه شعبة عن مالك عن عمرو بن مسلم عن سعيد بن المسيب عن أم سلمة عن النبي صلى الله عليه وسلم ورواه ابن عيينة عن عبد الرحمن بن حميد عن سعيد بن المسيب عن أم سلمة رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال وقد رواه يحيى بن سعيد القطان عن عبد الرحمن بن حميد هكذا ولكنه وقفه على أم سلمة قال وقد رواه محمد بن عمرو عن شيخ مالك قيل له إن قتادة يروي عن سعيد بن المسيب أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا إذا اشتروا ضحاياهم أمسكوا عن شعورهم وأظفارهم إلى يوم النحر فقال هذا يقوي هذا ولم يره خلافا ولا ضعفه.
قال أبو عمر: حديث قتادة هذا اختلف فيه على قتادة وكذلك حديث أم سلمة مختلف فيه وفي رواته من لا تقوم

(17/236)


به حجة وأكثر أهل العلم يضعفون هذين الحديثين وقد ذكر عمران بن أنس أنه سأل مالكا عن حديث أم سلمة هذا فقال ليس من حديثي قال فقلت لجلسائه قد رواه عنه شعبة وحدث به عنه وهو يقول ليس من حديثي فقالوا لي إنه إذا لم يأخذ بالحديث قال فيه ليس من حديثي.
قال أبو عمر: إن ابن أنس هذا مدني في سن مالك بن أنس يكنى أبا أنس وليس هو عمران بن أبي أنس أبو شعيب المدني وعمران بن أبي أنس أوثق من عمران بن أنس فقف على ذلك.
حدثنا عبد الوارث حدثنا قاسم حدثنا أحمد بن زهير بن حرب حدثنا يحيى بن أيوب حدثنا معاذ بن معاذ العنبري حدثنا محمد بن عمرو حدثنا عمرو بن مسلم بن عمارة بن أكيمة الليثي قال سمعت سعيد بن المسيب يقول سمعت أم سلمة تقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من كان له ذبح يذبحه فإذا أهل هلال ذي الحجة فلا يأخذ من شعره ولا من أظفاره شيئا" .
وبه عن أحمد بن زهير قال حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد بن سلمة عن عبد الله ابن محمد بن عقيل عن سعيد بن المسيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا

(17/237)


دخل الرجل في العشر وابتاع أضحيته فليمسك عن شعره وأظفاره قلت النساء قال أما النساء فلا" لم يذكر ابن عقيل في حديثه أم سلمة قال وحدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد بن سلمة عن قتادة عن كثير بن أبي كثير مولى عبد الرحمن بن سمرة عن يحيى بن يعمر أن علي بن أبي طالب قال إذا دخل العشر واشترى أضحيته أمسك عن شعره وأظفاره قال قتادة فأخبرت بذلك سعيد بن المسيب فقال كذلك كانوا يقولون.

(17/238)


الحديث التاسع
...
حديث تاسع لعبد الله بن أبي بكر
مالك عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام عن خلاد بن السائب الأنصاري عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أتاني جبريل فأمرني أن آمر أصحابي أو من معي أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية أو بالإهلال" يريد أحدهما.
هذا حديث اختلف في إسناده اختلافا كثيرا وأرجو أن تكون رواية مالك فيه أصح ذلك إن شاء الله.
فأما الثوري فروى هذا الحديث عن عبد الله بن أبي لبيد عن المطلب بن عبد الله بن حنطب عن خلاد بن السائب عن زيد بن خالد الجهني قال: قال رسول الله

(17/239)


صلى الله عليه وسلم: "جاءني جبريل فقال مر أصحابك فليرفعوا أصواتهم بالتلبية فإنها شعار الحج" ذكره ابن أبي شيبة عن وكيع عن سفيان الثوري بهذا الإسناد وذكر ابن سنجر حدثنا قبيصة حدثنا سفيان عن عبد الله بن أبي لبيد قال أخبرنا المطلب بن عبد الله ابن حنطب عن خلاد بن السائب عن أبيه عن زيد بن خالد الجهني قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أتاني جبريل فقال ارفع صوتك بالإهلال فإنه شعار الحج" هكذا قال قبيصة خلاد بن السائب عن أبيه ولم يقل وكيع عن أبيه.
وقد مضى القول في معنى التلبية والإهلال فيما سلف من هذا الكتاب والمعنى فيهما واحد وذلك رفع صوت الحاج بلبيك اللهم لبيك على ما مضى في حديث نافع عن ابن عمر من ألفاظ التلبية.
واختلف العلماء في وجوب التلبية وكيفيتها فذهب أهل الظاهر إلى وجوب التلبية منهم داود وغيره وقال سائر أهل العلم ذلك من سنن الحج وزينته وكان مالك يرى عل من ترك التلبية من أول إحرامه إلى آخر حجه دما يهريقه وكان الشافعي وأبو حنيفة لا يريان عليه شيئا وإن كان قد أساء عندهم وقد مضت هذه المسألة في باب نافع من هذا الكتاب مجودة وكذلك أوجب أهل الظاهر رفع الصوت بالتلبية

(17/240)


ولم يوجبه غيرهم وقال مالك يرفع المحرم صوته بالتلبية قدر ما يسمع نفسه وكذلك المرأة ترفع صوتها قدر ما تسمع نفسها وقال في الموطأ لا يرفع المحرم صوته بالإهلال في المساجد مساجد الجماعة ليسمع نفسه ومن يليه إلا المسجد الحرام ومسجد منى فإنه يرفع صوته فيهما قال ويلبي عند اصطدام الرفاق وقال إسماعيل بن إسحاق الفرق بين المسجد الحرام ومسجد منى وبين سائر المساجد في رفع الصوت بالتلبية أن مساجد الجماعة إنما بنيت للصلاة خاصة فكره رفع الصوت فيها وجاءت الكراهية في رفع الصوت فيها عاما لم يخص أحد من أحد إلا الإمام الذي يصلي بالناس فيها فدخل الملبي في الجملة ولم يدخل في ذلك المسجد الحرام ومسجد منى لأن المسجد الحرام جعل للحاج وغير الحاج قال الله عز وجل {سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ} وكان الملبي إنما يقصد إليه فكان له فيه من الخصوص ما ليس في غيرها وأما مسجد منى فإن للحاج خاصة قال ما ليس في غيرها وأما مسجد منى فإن للحاج خاصة قال وقد ذكر أبو ثابت عن ابن نافع عن مالك أنه سئل عن المحرم هل يرفع صوته بالتلبية في المساجد التي بين مكة والمدينة قال نعم لا بأس بذلك قال إسماعيل لأن هذه المساجد إنما جعلت للمجتازين وأكثرهم المحرمون فهم من النحو الذي وصفنا وقال

(17/241)


الشافعي وأبو حنيفة والثوري وأصحابهم يرفع المحرم صوته بالتلبية قال الشافعي ويلبي عند اصطدام الرفاق والإشراف والهبوط واستقبال الليل وفي المساجد كلها وقد كان الشافعي يقول بالعراق مثل قول مالك ثم رجع إلى هذا على ظاهر الحديث المذكور في هذا الباب وعمومه لأنه لم يخص فيه موضعا من موضع وكان ابن عمر يرفع صوته بالتلبية وقال ابن عباس هي زينة الحج وقال أبو حازم كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يبلغون الروحاء حتى تبح حلوقهم من التلبية وأجمع العلماء على أن السنة في المرأة أن لا ترفع صوتها وإنما عليها أن تسمع نفسها فخرجت من جملة ظاهر الحديث وخصت بذلك وبقي الحديث في الرجال وأسعدهم به من ساعده ظاهره وبالله التوفيق وذكر عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن سالم قال كان ابن عمر يرفع صوته بالتلبية فلا يأتي الروحاء حتى يصحل صوته أو يشخب صوته.
قال أبو عمر: لا وجه لقوله أو يشخب والصحيح يصحل قال الخليل صحل صوته صحلا فهو صحل إذا كانت فيه بحة.

(17/242)


الحديث العاشر
...
حديث عاشر لعبد الله بن أبي بكر
مالك عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين تزوج أم سلمة وأصبحت عنده قال لها: "ليس بك على أهلك هوان شئت سبعت عندك وسبعت عندهن وإن شئت ثلثت عندك ودرت فقالت ثلثت" .
هذا حديث ظاهره الانقطاع وهو متصل مسند صحيح قد سمعه أبو بكر من أم سلمة.
أخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن أخبرنا أبو بكر أحمد بن جعفر بن حمدان بن مالك ببغداد حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثني أبي أخبرنا عبد الرزاق ويحيى بن

(17/243)


سعيد الأموي وروح بن عبادة قالوا حدثنا ابن جريج أخبرنا حبيب بن أبي ثابت أن عبد الحميد بن عبد الله بن أبي عمرو والقاسم بن محمد بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام أخبراه أنهما سمعا أبا بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام أن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أخبرته في حديث طويل ذكروه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن شئت سبعت لك وأن أسبع لك أسبع لنسائي" وقد روي هذا الحديث من وجه آخر متصل أيضا.
حدثنا عبد الله بن محمد حدثنا محمد بن بكر حدثنا أبو داود حدثنا موسى بن إسماعيل وأخبرنا قاسم بن محمد حدثنا خالد بن سعد حدثنا أحمد بن عمرو بن منصور حدثنا محمد بن سنجر حدثنا عبيد الله بن عائشة وأخبرنا عبد الله بن عبد المؤمن حدثنا أحمد بن جعفر بن حمدان حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثني أبي حدثنا عفان قالوا حدثنا حماد بن سلمة أخبرنا ثابت حدثني ابن عمر بن أبي سلمة بمنى عن أبيه عن أم سلمة في حديث طويل ذكره في نكاح رسول الله صلى الله عليه وسلم أم سلمة وفيه فلما بنى بأهله قال لها: "إن شئت أن أسبع لك سبعت للنساء" وهذا لفظ

(17/244)


حديث أحمد بن حنبل عن عفان قال وحدثنا جعفر بن سليمان عن ثابت حدثني عمر بن أبي سلمة قال وقال سليمان بن المغيرة عن ابن عمر بن أبي سلمة.
قال أبو عمر: قول جعفر بن سليمان في هذا الحديث عن ثابت حدثني عمر بن أبي سلمة خطأ وإنما هو لثابت عن ابن عمر بن أبي سلمة كما قال حماد بن سلمة وسليمان بن المغيرة.
وأخبرنا عبد الله بن محمد أخبرنا أحمد بن جعفر حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثنا أبي حدثنا يحيى بن سعيد عن سفيان حدثني محمد بن أبي بكر عن عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن عن أبيه عن أم سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما تزوجها أقام عندها ثلاثة أيام وقال: "إنه ليس بك على أهلك هوان إن شئت سبعت لك وإن سبعت لك سبعت لنسائي" .
قال أبو عمر: أما قوله في هذا الحديث إن سبعت لك سبعت لنسائي فإنه لا يقول به مالك ولا أصحابه وهذا مما تركوه من رواية أهل المدينة لحديث بصري رواه مالك عن حميد الطويل عن أنس بن مالك قال للبكر سبع وللثيب ثلاث قال مالك وذلك الأمر عندنا ولا يحسب على التي تزوج ما أقام عندها.

(17/245)


قال أبو عمر: من قال بحديث هذا الباب يقول إن أقام عند البكر أو الثيب سبعا أقام عند سائر نسائه سبعا سبعا وإن أقام عندها ثلاثا أقام عند كل واحدة منهن كذلك وتأولوا في قوله: "وإن شئت ثلثت ودرت" أي درت بثلاث ثلاث على سائرهن وهذا قول فقهاء الكوفيين وفي هذا الباب عجب لأنه صار فيه أهل الكوفة إلى ما رواه أهل المدينة وصار فيه أهل المدنية إلى ما رواه أهل البصرة.
واختلف الفقهاء في هذا الباب فقال مالك والشافعي وأصحابهما والطبري يقيم عند البكر سبعا وعند الثيب ثلاثا فإن كانت له امرأة أخرى غير التي تزوج فإنه يقسم بينهما بعد أن تمضي أيام التي تزوج وقال ابن القاسم عند مالك مقامه عند البكر سبعا وعند الثيب ثلاثا إذا كان له امرأة أخرى واجب وقال ابن عبد الحكم عن مالك إنما ذلك مستحب وليس بواجب وقال الأوزاعي مضت السنة أن يجلس في بيت البكر سبعا وعند الثيب أربعا وإن تزوج بكرا وله امرأة أخرى فإن للبكر ثلاثا ثم يقسم وإن تزوج الثيب وله امرأة كان لها الثلثان وقال الثوري إذا تزوج البكر على الثيب أقام عندها ليلتين ثم قسم بينهما بعد قال

(17/246)


وقد سمعنا حديثا آخر قال يقيم مع البكر سبعا ومع الثيب ثلاثا وقال أبو حنيفة وأصحابه القسم بينهما سواء البكر والثيب ولا يقعد عند الواحدة إلا كما يقعد عند الأخرى قال محمد بن الحسن لأن الحرمة لهما سواء ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤثر واحدة على أخرى واحتج بحديث هذا الباب وما قدمنا في تأويله.
قال أبو عمر: الأحاديث المرفوعة في هذا الباب عن أنس على ما ذهب إليه مالك والشافعي وهو الصواب وليس فيما ذهب إليه غيرهما حديث مرفوع نصا وعن السلف من الصحابة والتابعي في هذا الباب من الخلاف مثل ما ذكرنا عن فقهاء الأمصار والحجة مع من أدلى بالسنة وبالله التوفيق.
أخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن أخبرنا محمد بن بكر بن داسة أخبرنا أبو داود حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا هشيم وإسماعيل عن خالد الحذاء عن أبي قلابة عن أنس ابن مالك قال إذا تزوج البكر على الثيب أقام عندها سبعا وإذا تزوج الثيب أقام عندها ثلاثا ولو قلت

(17/247)


إنه رفعه لصدقت ولكنه قال السنة كذلك قال وحدثنا عثمان بن أبي شيبة عن هشيم عن حميد عن أنس قال لما أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم صفية أقام عندها ثلاثا وكانت ثيبا.
حدثنا عبد الوارث بن سفيان أخبرنا قاسم بن أصبغ حدثنا أبو قلابة الرقاشي حدثنا أبو عاصم حدثنا سفيان الثوري عن أيوب وخالد الحذاء عن أبي قلابة عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا تزوج البكر أقام عندها سبعا وإذا تزوج الثيب أقام عندها ثلاثا" .
قال أبو عمر: هذا الحديث فيما يقولون خطأ من أبي عاصم النبيل وله خطأ كثير عن مالك والثوري وإنما المحفوظ في حديث خالد الحذاء عن أبي قلابة عن أنس أنه قال السنة للبكر سبع وللثيب ثلاث وأما رواية أيوب فالمحفوظ فيها عن أيوب عن أبي قلابة عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم ما حدثناه سعيد بن نصر حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا ابن وضاح حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا يعلى حدثنا محمد عن أيوب عن أبي قلابة عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "للبكر سبع وللثيب ثلاث".

(17/248)


قال أبو عمر لم يخص في هذا الحديث من كانت عنده امرأة ممن لم تكن عنده امرأة بل قال للبكر سبع وللثيب ثلاث قولا مطلقا وهذا عند جماعة من أهل العلم إن كانت له غيرها لأن من لم يكن له غيرها فمقامه كله عندها ومبيته في بيتها والقسم إنما هو في المبيت لا في النهار وقالت طائفة من العلماء إنه يلزمه المقام عند البكر سبعا وعند الثيب ثلاثا على ظاهر الحديث نهارا وليلا ثم يقسم بعد في المبيت إن كان له غيرها وعلى حسب هذا الاختلاف اختلفوا في المقام عندها هل هو من حقوقها أو من حقوق الزوج على نسائه غيرها فقالت طائفة هو حق للمرأة إن شاءت طلبته وإن شاءت تركته وقال آخرون هو حق للزوج على نسائه إن شاء أقام عندها وإن شاء لم يقم وسوى بينها وبين سائر نسائه وكلا القولين قد روي أيضا عن مالك رحمه الله وظاهر الحديث يشهد لقول من جعله من حق المرأة لقوله "للبكر سبع وللثيب ثلاث" ويوجب عليه في البكر على كل حال أن يقيم عندها سبعا وعند الثيب ثلاثا على عموم الآثار وهو قول جماعة أيضا من فقهاء الأمصار وهو أمر معمول به عندهم وحسبك بقول أنس مضت السنة بذلك وبالله التوفيق.

(17/249)


الحديث الحادي عشر
...
حديث حادي عشر لعبد الله بن أبي بكر
مالك عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه أن أبا البداح بن عاصم بن عدي أخبره عن أبيه "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرخص لرعاء الإبل في البيتوتة عن منى يرمون يوم النحر ثم يرمون الغد أو من بعد الغد ليومين ثم يرمون يوم النفر" .
أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري أمه كبشة ابنة عبد الرحمن بن سعيد بن زرارة وخالته عمرة بنت عبد الرحمن كان قاضيا لعمر بن عبد العزيز أيام إمرته على المدينة للوليد بن عبد الملك فلما ولي عمر الخلافة ولى أبا بكر على المدينة فاستقضى أبو بكر أبا طوالة وكان

(17/250)


أبو بكر يصلي بالناس ويتولى أمرهم وتوفي أبو بكر بالمدينة سنة عشرين ومائة وهو ابن أربع وثمانين سنة في قول الواقدي.
أخبرنا عبد الرحمن بن زكرياء حدثنا أحمد بن سعيد حدثنا عبد الملك بن بحر حدثنا محمد بن إسماعيل الصائغ حدثنا الحسن بن علي الحلواني حدثنا يزيد بن هارون حدثنا يحيى ابن سعيد عن عبد الله بن ديز قال كتب عمر بن عبد العزيز إلى أبي بكر بن محمد انظر ما كان من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم أو سنة ماضية أو حديث عمر فاكتبه فإني قد خفت دروس العلم وذهاب أهله.
وأبو البداح بن عاصم بن عدي لا يوقف على اسمه أيضا وكنيته اسمه وقال الواقدي أبو البداح لقب غلب عليه ويكنى أبا عمرو توفي في سنة سبع عشرة ومائة في خلافة هشام بن عبد الملك وهو ابن أربع وثمانين سنة وهو أبو البداح بن عاصم بن عدي بن الجد بن العجلان من بلي من فضاعة حليف لبني عمرو بن عوف وقد قال بعض الناس إن لأبي البداح صحبة ولا يصح ما قال وإنما دخل عليه ذلك لقول ابن جريج إن أخت معقل بن يسار كانت تحت أبي البداح فطلقها

(17/251)


ثم أراد ردها فعضلها أخوها معقل فنزلت الآية والصواب تحت أبي أبي البداح وذكر أحمد بن خالد أن يحيى بن يحيى وحده من بين أصحاب مالك قال في هذا الحديث عن مالك بإسناده أن أبا البداح عاصم بن عدي فجعل أبا البداح كنية عاصم بن عدي وجعل الحديث له والحديث إنما هو لعاصم بن عدي هو الصاحب وأبو البداح ابنه يرويه عنه وهو الصحيح فيه عن أبي البداح بن عاصم بن عدي عن أبيه قال وكذلك رواه ابن وهب وابن القاسم.
قال أبو عمر: لم نجده عند شيوخنا في كتاب يحيى إلا عن أبي البداح بن عاصم بن عدي كما رواه جماعة الرواة عن مالك وهو الصحيح في إسناد هذا الحديث كما قال أحمد فإن كان يحيى رواه كما قال أحمد فهو غلط من يحيى والله أعلم أو من غيره ولم يختلفوا في إسناد هذا الحديث عن مالك إلا ما ذكر أحمد بن خالد عن يحيى وقد اختلفوا عنه في ألفاظه وقد كان سفيان بن عيينة يقول في إسناد هذا الحديث شيئا يشبه ما حكاه أحمد عن يحيى في روايته عن مالك ويعضده وذلك أنه قال فيه عن أبي البداح بن عدي عن أبيه ومرة لم يقل عن أبيه والصواب في إسناد هذا الحديث ما قاله مالك في رواية جمهور الرواة عنه:

(17/252)


أخبرنا محمد بن إبراهيم بن سعيد حدثنا محمد بن معاوية بن عبد الرحمن حدثنا أحمد بن شعيب أخبرنا عمرو بن علي حدثنا يحيى القطان حدثنا مالك أخبرنا عبد الله بن أبي بكر عن أبيه عن أبي البداح بن عاصم بن عدي عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رخص للرعاء في البيتوتة يرمون يوم النحر واليومين الذين بعده يجمعونها في أحدهما.
قال أبو عمر: هذا هو الصحيح في إسناد هذا الحديث وأما ألفاظه فلم يذكر فيه في البيتوتة عن منى ومعلوم أنه إنما رخص لهم في البيتوتة عن منى بمكة هذا ما لا شك فيه رخص لهم في ذلك ولمن ولي السقاية من آل العباس وفي رواية القطان هذه ما يدل على أن الرعاء رخص لهم في جمع رمي اليومين في اليوم الواحد قدموا ذلك أو أخروه ومالك لا يرى لهم التقديم إنما يرى لهم تأخير رمي اليوم الثاني إلى الثالث ثم يرمون في الثالث ليومين لأنه لا يقضي عنده شيء من ذلك حتى يجب وغيره يقول لا بأس بذلك كله لأنها رخصة رخص لهم فيها كما رخص لمن نفر وتعجل في يومين وعند مالك أن الرعاء إذا رموا في اليوم الثالث وهو الثاني من أيام التشريق لذلك اليوم ولليوم الذي قبله نفروا إن شاؤا في بقية ذلك اليوم فإن لم ينفروا وبقوا إلى الليل لم ينفروا اليوم الثالث من أيام التشريق حتى يرموا في وقت الرمي بعد الزوال وإنما لم يجز مالك للرعاء تقديم الرمي لأن غير الرعاء لا يجوز لهم

(17/253)


أن يرموا في أيام التشريق شيئا من الجمار قبل الزوال ومن رماها قبل الزوال أعادها فكذلك الرعاء ليس لهم التقديم وإنما رخص لهم في تأخير رمي اليوم الثاني إلى الثالث فقف على ذلك.
قال أبو عمر: لم يقل القطان في حديثه هذا عن مالك ثم يرمون يوم النفر وهو في الموطأ.
وأجمع العلماء على أن أيام التشريق كلها أيام رمي وهي الثلاثة الأيام بعد يوم النحر.
وأجمعوا أن يوم النحر لا يرمى فيه غير جمرة العقبة قبل الزوال ووقتها من طلوع الشمس إلى الزوال وكذلك أجمعوا أن وقت رمي الجمرات في أيام التشريق الثلاثة التي هي أيام منى بعد يوم النحر وقت الرمي فيما بعد زوال الشمس إلى غروب الشمس واختلفوا في حكم من ترك الرمي في اليوم الثاني من أيام التشريق فقال مالك من نسي رمي الجمار حتى يمسي فليرم أية ساعة ذكر من ليل أو نهار كما يصلي أية ساعة ذكر غير أنه إذا مضت أيام منى فلا رمي فإن ذكر بعد أن يصدر وهو بمكة أو بعد ما يخرج منها فعليه الهدي قال ابن وهب فقلت لمالك أفرأيت الذي ينسى أو يجهل في غير يوم النحر في أيام

(17/254)


منى فلا يرمي حتى الليل قال يرمي ساعتئذ ويهدي أحب إلي وهو أخف عندي من الذي يفوته الرمي يوم النحر حتى يمسي وقال أبو حنيفة إذا ترك رمي الجمار كلها يومه إلى الليل وهو في أيام الرمي رماها بالليل ولا شيء عليه وإن ترك الرمي حتى ينشق الفجر رمى وعليه دم قال وإن ترك من جمرة العقبة يوم النحر ثلاث حصيات إلى الغد رماهن وعليه صدقة نصف صاع لكل حصاة وإن ترك أربع حصيات فما فوقهن كان عليه دم ورماهن إذا لم يرم حتى طلع الفجر من الغد وقال أبو يوسف ومحمد يرمي ما ترك من الغد ولا شيء عليه وقال الشافعي أيام منى أيام للرمي فمن أخر ونسي شيئا قضى في أيام منى فإن مضت أيام منى ولم يرم أهراق لذلك دما إن كان الذي ترك ثلاث حصيات وإن كان أقل ففي كل حصاة مد يتصدق به وهو قول أبي ثور.
قال أبو عمر: أجمع العلماء على أن من فاته رمي ما أمر برميه من الجمار في أيام التشريق حتى غابت الشمس من آخرها وذلك اليوم الرابع من يوم النحر وهو الثالث من أيام التشريق فقد فاته وقت الرمي ولا سبيل له إلى الرمي أبدا ولكن يجبره بالدم أو بالطعام على حسب ما للعلماء في ذلك من الأقاويل فمن ذلك أن مالكا قال لو ترك الجمار كلها أو ترك جمرة منها أو ترك حصاة من جمرة حتى خرجت أيام منى فعليه دم وقال أبو حنيفة إن ترك الجمار كلها.

(17/255)


كان عليه دم وإن ترك جمرة واحدة كان عليه لكل حصاة من الجمرة إطعام مسكين نصف صاع حنطة إلى أن يبلغ دما فيطعم ما شاء إلا جمرة العقبة فمن تركها فعليه دم وكذلك قال الأوزاعي إلا أنه قال إن ترك حصاة تصدق بشيء وقال الثوري يطعم في الحصاة والحصاتين والثلاث فإن ترك أربعا فصاعدا فعليه دم وقال الليث عليه في الحصاة الواحدة دم وقال الشافعي في الحصاة الواحدة مد من طعام وفي حصاتين مدان وفي ثلاث حصيات دم ولقول آخر مثل قول الليث والأول أشهر عنه.
قال أبو عمر: وقد ذكرنا الرتبة في أوقات رمي الجمرات وذلك لمن لم يرخص له من سائر الحاج كلهم ورخص لرعاء الإبل ولأهل سقاية العباس في المبيت بمكة عن منى وكذلك رخص لهم في جمع رمي يومين في يوم واحد على ما جاء في الآثار المذكورة في هذا الباب.
أخبرنا عبد الله بن محمد أخبرنا محمد بن بكر أخبرنا أبو داود أخبرنا القعنبي عن مالك قال أبو داود وحدثنا ابن السرح أخبرنا ابن وهب أخبرنا مالك عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن أبي البداح بن عاصم بن عدي عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرخص

(17/256)


لرعاء الإبل في البيتوتة يرمون يوم النحر ثم يرمون الغد أو من بعد الغد ليومين ثم يرمون يوم النفر وهذه الألفاظ كألفاظ رواية يحيى سواء إلا أن القعنبي وابن وهب لم يذكرا عن منى وكذلك يحيى القطان لم يقل فيه عن منى ومعلوم أنهم إنما رخص لهم في البيتوتة عن منى وليس تقصير من قصر عنه بشيء وكذلك رواه عبد الرزاق عن مالك كما قال هؤلاء في البيتوتة لم يقل عن منى.
ذكر عبد الرزاق عن مالك قال حدثني عبد الله بن أبي بكر عن أبيه عن أبي البداح بن عاصم بن عدي عن أبيه قال رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم لرعاء الإبل في البيتوتة أن يرموا يوم النحر ثم يجمعون رمي يومين بعد يوم النحر فيرمونه في احدهما ثم يرمون يوم النفر وهذا مثل رواية يحيى القطان في أن لهم أن يجمعوا رمي يومين في يوم قدموا ذلك أو أخروه وألفاظ الموطأ تدل على هذا لأن قوله فيه ثم يرمون الغد يعني من يوم النحر أو من بعد الغد ليومين ليست أو هاهنا للشك وإنما هي للتخيير بلا شك وقد بان ذلك في رواية يحيى القطان وعبد الرزاق وغيرهما عن مالك وذكر عبد الرزاق لم يرمون يوم النفر وكذلك في الموطأ ولم يذكره يحيى القطان وهو شيء نقصه وقد روى هذا الحديث عبد الرحمن بن مهدي عن مالك فجود إسناده ولفظه.

(17/257)


قرأت على عبد الوارث بن سفيان أن قاسم بن أصبغ حدثهم قال حدثنا أحمد بن زهير حدثنا أبي حدثنا عبد الرحمن بن مهدي حدثنا مالك عن عبد الله بن أبي بكر عن أبيه عن أبي البداح بن عاصم بن عدي عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم رخص للرعاء في البيتوتة عن منى يرمون يوم النحر ثم يرمون الغد أو من بعد الغد لليومين ثم يرمون يوم النفر ففي كل رواية عن مالك في الموطأ وغيره في هذا الحديث الرخصة للرعاء في أن يرموا إن شاءوا يوم ثاني النحر وهو الأول من أيام التشريق ليومين ثم لا يرمون إلى يوم النفر وإن شاءوا أن لا يرموا يوم ثاني النحر ويرمون في اليوم الثالث منه ليومين أي ذلك شاءوا فذلك لهم على حديث مالك التخيير لهم فيه ثابت وكان مالك يقول يرمون يوم النحر يعني جمرة العقبة ثم لا يرمون من الغد فإذا كان بعد الغد رموا ليومين لذلك اليوم ولليوم الذي قبله لأنهم يقضون ما كان عليه ولا يقضي أحد عنده شيئا إلا بعد أن يجب عليه وغيره يقول ذلك كله جائز على ما في حديث مالك لأنها أيام رمي كلها وقد رخص لهم في ذلك وصحت الرخصة به والذي قاله مالك في هذه المسألة موجد في رواية ابن جريج لهذا الحديث أخبرنا أحمد بن قاسم وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا الحارث بن أبي أسامة حدثنا

(17/258)


عثمان بن الهيثم حدثنا ابن جريج أخبرني محمد بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن أبي البداح بن عاصم بن عدي أن النبي صلى الله عليه وسلم رخص للرعاء أن يتعاقبوا فيرموا يوم النحر ثم يدعوا يوما وليلة ثم يرمون الغد.
وأما رواية ابن عيينة لهذا الحديث فحدثنا عبد الوارث بن سفيان حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا أحمد بن زهير حدثني أبي حدثنا سفيان عن عبد الله بن أبي بكر عن أبيه عن أبي البداح بن عدي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه رخص للرعاء أن يرموا يوما ويدعوا يوما قال أحمد بن زهير وسئل يحيى بن معين عن هذا الحديث فقال أخطأ فيه ابن عيينة.
وأخبرنا عبد الله بن محمد أخبرنا محمد بن بكر حدثنا أبو داود حدثنا مسدد حدثنا سفيان عن عبد الله بن أبي بكر ومحمد عن أبيهما عن أبي البداح بن عاصم بن عدي عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم أرخص للرعاء أن يرموا يوما ويدعوا يوما.
وأما البيتوتة بمكة وغيرها عن منى ليالي التشريق فغير جائز عند الجميع إلا للرعاء على ما في حديث أبي البداح هذا عن أبيه ولمن ولي السقاية من آل العباس ولا خلاف بين العلماء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سن في حجته المبيت بمنى ليالي التشريق وكذلك قال جماعة من أهل العلم منهم

(17/259)


مالك وغيره أن الرخصة في المبيت عن منى ليالي منى إنما ذلك للرعاء وللعباس وولده خاصة فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولاهم عليها وأذن لهم في المبيت بمكة من أجل شغلهم في السقاية وكان العباس ينظر في السقاية ويقوم بأمرها ويسقي الحاج شرابها أيام الموسم فلذلك أرخص له في المبيت عن منى بمكة كما أرخص لرعاء الإبل في المبيت عن منى أيام منى في إبلهم من أجل حاجتهم إلى رعي الإبل وضرورتهم إلى الخروج بها نحو المراعي التي تبعد عن منى فلا يجوز لأحد غيرهم ذلك من سائر الحاج.
أخبرنا أحمد بن محمد حدثنا أحمد بن الفضل أخبرنا محمد بن جرير حدثنا تميم بن المنتصر الواسطي حدثنا عبد الله بن نمير أخبرنا عبيد الله عن نافع عن ابن عمر أن العباس استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبيت بمكة أيام منى من أجل سقايته فأذن له.
وأخبرنا عبد الله بن محمد أخبرنا محمد بن بكر حدثنا أبو داود حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا ابن نمير وأبو أسامة عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر قال استأذن العباس رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبيت بمكة ليالي منى من أجل سقايته فأذن له.

(17/260)


حدثنا محمد بن إبراهيم حدثنا محمد بن معاوية حدثنا أحمد بن شعيب أخبرنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا عيسى بن يونس حدثنا عبيد الله عن نافع عن ابن عمر قال رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم للعباس بن عبد المطلب أن يبيت بمكة أيام منى من أجل سقايته.
وأخبرنا محمد بن إبراهيم حدثنا محمد بن معاوية أخبرنا أحمد بن شعيب أخبرنا إسحاق ابن منصور حدثنا عبد الرحمن عن مالك عن عبد الله بن أبي بكر عن أبيه عن أبي البداح ابن عاصم بن عدي عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رخص لرعاء الإبل في البيتوتة عن منى وذكر الحديث.
وأخبرنا أحمد بن محمد بن أحمد حدثنا أحمد بن الفضل بن العباس أخبرنا محمد بن جرير حدثنا يعقوب بن إبراهيم حدثنا هشيم عن حجاج عن عطاء عن ابن عباس أنه كان يأتي منى كل يوم عند زوال الشمس فيرمي الجمار ثم يرجع إلى مكة فيبيت بها لأنه كان من أهل السقاية.
واختلف الفقهاء في حكم من بات عن منى من غير الرعاء وأهل السقاية من سائر الحاج فقال مالك من ترك المبيت ليلة من ليالي منى بمنى فعليه دم وكذلك عنده لو ترك

(17/261)


المبيت الليالي كلها عليه دم وسئل مالك فيما ذكر أشهب وغيره عنه عمن أفاض يوم النحر فبات بمكة ليلة من ليالي منى قال أرى عليه دما وقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد إن كان يأتي منى فيرمي الجمار ثم يبيت بمكة فلا شيء عليه وقال الشافعي إذا ترك المبيت بمنى ليلة من ليالي منى ففيها ثلاثة أقاويل أحدها عليه مد والثاني عليه درهم والثالث عليه ثلث دم فإن ترك ليلتين فكذلك على هذه الثلاثة الأقاويل أحدها مدان والآخر درهمان والآخر ثلثا دم وأما إن ترك ذلك ثلاث ليال فلم يختلف قوله إن عليه دما وقال أبو ثور إذا بات ليالى منى كلها بمكة فعليه دم.
قال أبو عمر: لا أعلم أحدا أرخص في المبيت عن منى ليالي منى للحاج إلا الحسن البصري ورواية رواها عكرمة عن ابن عباس ذكر الطبري عن يعقوب الدورقي عن هشيم عن أبي حرة عن الحسن أنه كان لا يرى بأسا أن يبيت الحاج أيام منى بمكة ويأتي منى إذا أصبح ويرمي الجمار بعد الزوال في كل يوم وذكر عبد الرزاق عن الأسلمي عن داو عن عكرمة عن ابن عباس في رجل بات بمكة أيام منى قال ليس عليه شيء وعن ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس قال لا بأس أن يبيت الرجل بمكة

(17/262)


ليالي منى ويظل إذا رمى الجمار وروى عطاء عن ابن عباس قال إذا كان للرجل متاع بمكة فخشي عليه الضيعة إن بات بمنى فلا بأس أن يبيت عنده بمكة وهذه الرواية أشبه لأنه خائف مضطر فرخص له وقال ابن جريج عن عطاء إذا جاء مكة لغير ضرورة وبات بها فليهرق دما ومعمر عن الزهري قال إذا بات بمكة ليالي منى فعليه دم.
قال أبو عمر: أجمع الفقهاء على أن المبيت للحاج غير الذين رخص لهم ليالي منى بمنى من شعائر الحج ونسكه والنظر يوجب على كل مسقط لنسكه دما قياسا على سائر شعائر الحج ونسكه وأحسن ما في هذا الباب ما رواه مالك عن نافع عن ابن عمر قال قال عمر لا يبيتن أحد من الحاج من وراء العقبة وكان يوكل بذلك رجالا لا يتركون أحدا من الحاج يبيت من وراء العقبة إلا أدخلوه وهذا يدل على أن المبيت من مؤكدات أمور الحج والله أعلم.

(17/263)


الحديث الثاني عشر
...
حديث ثاني عشر لعبد الله بن أبي بكر
مالك عن عبد الله بن أبي بكر عن أبيه عن عمرة بنت عبد الرحمن عن عائشة أنها قالت يا رسول الله إن صفية بنت حيي قد حاضت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لعلها تحبسنا ألم تكن طافت معكن بالبيت قلن بلى قال فاخرجن" .
هذا حديث صحيح لم يختلف في إسناده ولا في معناه وروي عن عائشة من وجوه كثيرة صحاح.
وفيه من الفقه أن الحائض لا تطوف بالبيت وهو أمر مجتمع عليه لا أعلم خلافا فيه إلا أن طائفة منهم أبو

(17/265)


حنيفة قالوا لا ينبغي لأحد أن يطوف أحد إلا طاهرا فإن طاف غير طاهر من جنب أو حائض فيجزيه وعلي دم وقال مالك والشافعي وأكثر أهل العلم لا يجزيه وعليه أن يعود إليه طاهرا ولو من بلده إن كان طوافا واجبا وقد بينا الحجة في ذلك في باب ابن شهاب عن عروة وقد قيل إن منع الحائض من الطواف إنما كان من أجل أنه في المسجد والحائض لا تدخل في المسجد لأنه موضع الصلاة والطواف الذي أشار إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث بقوله ألم تكن طافت هو طواف الإفاضة وذلك ظاهر في حديث مالك عن عبد الله بن أبي بكر عن أبيه عن أبي سلمة عن أم سليم أنها حاضت أو ولدت بعدما أفاضت وفي حديث ابن شهاب عن أبي سلمة وعروة عن عائشة قالت حاضت صفية بعدما أفاضت وفي حديث الأعرج عن أبي سلمة عن عائشة قالت خرجنا حجاجا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأفضنا يوم النحر وحاضت صفية وفي حديث مالك عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة أن صفية بنت حيي حاضت فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم

(17/266)


فقال أحابستنا هي فقيل إنها قد أفاضت فهذه الآثار كلها قد أوضحت أن الطواف الحابس للحائض الذي لا بد منه هو طواف الإفاضة وكذلك يسميه أهل الحجاز طواف الإفاضة ويسميه أهل العراق طواف الزيارة وكره مالك أن يقال طواف الزيارة وهو واجب فرضا عند الجميع لا ينوب عنه دم ولا بد من الإتيان به وإياه عنى الله عز وجل بقوله {ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} إلا أن مذهب مالك في هذا الطواف أنه ينوب عنه غيره مع وجوبه عنده على حسب ما بيناه من مذهبه في ذلك في الكتاب الكافي.
وفي هذا الحديث دليل واضح أيضا على وجوبه وإن كان الإجماع يغني عن ذلك ألا ترى إلى قوله صلى الله عليه وسلم: "لعلها تحبسنا" ثم قال: "ألم تكن طافت معكن" فلما قيل له بلى قال: "فاخرجن" فلو قيل له لم تطف لاحتبس عليها حتى تطهر من حيضتها وتطوف لأن من أدرك عرفة قبل انفجار الصبح من يوم النحر فقد أدرك الحج فكل فرض فيه سواه يجيء به متى ما أمكنه وقدر عليه وكل سنة فيه جبرها بالدم

(17/267)


فالمرأة الحائض قبل طواف الإفاضة تبقى ويحبس عليها كريها حتى تطهر فتفيض فإذا كانت قد أفاضت ثم حاضت وخرج الناس لم يكن عليها البقاء لوداع البيت ورخص لها في أن تنفر وتدع السنة في طواف الوداع رخصة لها وعذار وسعته.
ذكر ابن عبد الحكم عن مالك قال إذا حاضت المرأة أو نفست قبل الإفاضة فلا تبرح حتى تطهر وتطوف بالبيت ويحبس عليها الكري ما يحبس على الحائض خمسة عشر يوما ويحبس على النفساء حتى تطهر بأقصى ما يحبس النساء الدم ولا حجة للكري أن يقول لم أعلم أنها حامل وليس عليها أن تعينه في العلف قال وإن حاضت بعد الإفاضة فلتنفر قال وإن اشترطت عليه عمرة المحرم فحاضت قبل أن تعتمر فلا يحبس عليها كريها ولا يرجع عليها من الكراء شيء قال وإن كان بين الحائض وبين طهرها اليوم واليومان أقام معها أبدا وإن كان بين ذلك أيام لم يحبس إلا كريها وحده وقال محمد بن المواز لست أعرف حبس الكري وحده كيف يحبسه وحده يعرضه ليقطع عليه الطريق الموحدة.
وفي الحديث المذكور في هذا الباب دليل واضح على ما ذكرنا إلا أن الفقهاء اختلفوا فيمن ترك طواف الوداع غير الحائض

(17/268)


فقال مالك من ترك وداع البيت أساء ولا دم عليه لأن الوداع عنها من مستحبات الحج بدليل قوله صلى الله عليه وسلم: "فاخرجن" وفي غير هذا الحديث "فلا إذا" وهذا تنبيه على أنه لم يبق عليها من النسك شيء ومما يدل على ذلك أن أهل مكة والمقيمين بها لا وداع عليهم فعلم أنه استحباب والمستحب إذا ترك ليس فيه دم ولما كان طواف الوداع بعد استباحة وطء النساء أشبه طواف المكي والمعتمر فلا شيء فيه وقال أبو حنيفة والثوري والشافعي وأصحابهم عليه دم ومن حجتهم أن ابن عباس كان يقول من ترك شيئا من نسكه فعليه دم ومن أصحاب الشافعي من يقول إن هذا الدم استحباب وقد أجمعوا أن طواف الوداع من النسك ومن سنن الحج المسنونة.
قال أبو عمر: قد روي ذلك عن عمر وابن عباس وغيرهم ولا مخالف لهم من الصحابة وروى معمر عن الزهري عن سالم عن أبيه أن عمر بن الخطاب خطب الناس فقال إذا نفرتم من منى فلا يصدر أحد حتى يطوف بالبيت فإن آخر المناسك الطواف بالبيت ونافع عن ابن عمر عن عمر مثله ومعمر عن أيوب عن نافع وعن الزهري عن سالم أن صفية بنت أبي عبيد حاضت يوم النحر بعدما طافت بالبيت فأقام ابن عمر عليها سبعا حتى طهرت فطافت فكان آخر

(17/269)


عهدها بالبيت قال الزهري وأخبرني طاوس أنه سمع ابن عمر قبل أن يموت بعام أو بعامين يقول أما النساء فقد رخص لهن قال الزهري ولو رأيت طاوسا علمت أنه لا يكذب قال معمر وأخبرنا ابن طاوس عن أبيه أنه سمع ابن عمر يقول لا ينفرن أحد من الحاج حتى يطوف بالبيت فقلت ما له لم يسمع ما سمع أصحابه ثم جلست إليه من العام القابل فسمعته يقول أما النساء فقد رخص لهن قال عبد الرزاق وأخبرنا معمر عن ابن طاوس عن أبيه أن زيد بن ثابت وابن عباس تماريا في صدر الحائض قبل أن يكون آخر عهدها الطواف بالبيت فقال ابن عباس تنفر وقال زيد لا تنفر فدخل زيد على عائشة فسألها فقالت تنفر فخرج زيد وهو يتبسم ويقول ما الكلام إلا ما قلت.
قال أبو عمر: هكذا يكون الإنصاف وزيد معلم ابن عباس فما لنا لا نقتدي بهم والله المستعان.
قال أبو عمر: كل من لم يطف طواف الوداع وأمكنه الرجوع إليه بغير ضرر يدخل عليه رجع فطاف ثم نفر وقد كان عمر بن الخطاب يرد من لم يودع البيت بالطواف من مر الظهران وقال مالك هذا عندي بعيد وفيه ضرر داخل على الناس وإنما يرجع إلى طواف الوداع من كان قريبا ولم يكن عليه في انصرافه ضرر يقال أن بين مر الظهران ومكة خمسة عشر ميلا وأهل العلم كلهم يستحب أن لا يدع أحد وداع

(17/270)


البيت إذا كان عليه قادرا فإن نفر ولم يودع فقد ذكرنا ما للعلماء في ذلك من إيجاب الدم وقال مالك إذا حاضت المرأة بمنى قبل أن تطوف للإفاضة فإنها تقيم حتى تطهر ثم تطوف بالبيت للإفاضة ثم تخرج إلى بلدها قال مالك وليس عليها أن تعينه في العلف.
قال أبو عمر: فهذان الطرفان قد مضى حكمهما أو الإجماع والاختلاف فيهما وبقي الطواف الثالث وهو طواف الدخول الذي يصله الحاج بالسعي بين الصفا والمروة إذا لم يخش فوت عرفة ولا خلاف بين العلماء أن هذا الطواف من سنن الحج وشعائره ونسكه واختلفوا فيمن قدم مكة وهو قادر على الطواف غير خائف فوت عرفة فلم يطف فقال مالك بن أنس فيمن قدم يوم عرفة إن شاء أخر الطواف إلى يوم النحر وإن شاء طاف وسعى ذلك واسع كله قال وإن قدم يوم التروية فلا يترك الطواف.
قال أبو عمر فإن تركه فتحصيل مذهب مالك والشافعي أن عليه لتركه دما والدم عندهم خفيف في ذلك لأنه نسك

(17/271)


ساقط عن المكي وعن المراهق الذي يخاف فوت عرفة وقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد إذا ترك الحاج طواف الدخول فطاف طواف الزيارة رمل في ثلاثة أشواط منه وسعى بين الصفا والمروة ولم يكن عليه شيء وقال أبو ثور إن ترك الحاج إذا قدم مكة الطواف للدخول وهو بمكة حتى أتى منى كان عليه دم وذلك أن هذا شيء من نسكه تركه.
قال أبو عمر: حجة من أوجب فيه الدم أن النبي صلى الله عليه وسلم فعله في حجته وقال خذوا عني مناسككم وهو المبين عن الله مراده فصار من مناسك الحج وسننه فوجب على تاركه الدم وحجة من لم ير فيه شيئا أن الله لم يأمر بذلك الطواف ولا رسوله ولا اتفق الجمع على وجوبه سنة والقول الأول أصح وأقيس والله أعلم.

(17/272)


الحديث الثالث عشر
...
حديث ثالث عشر لعبد الله بن أبي بكر
مالك عن عبد الله بن أبي بكر عن أبيه عن عمرة ابنة عبد الرحمن أنها أخبرته أنها سمعت عائشة تقول وذكر لها أن عبد الله بن عمر يقول أن الميت ليعذب ببكاء الحي فقالت عائشة يغفر الله لأبي عبد الرحمن أما أنه لم يكذب ولكنه نسي أو أخطأ إنما مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بيهودية يبكي عليها أهلها فقال: "إنهم ليبكون عليها وأنها لتعذب في قبرها" .
هذا الحديث في الموطأ عند جماعة الرواة إلا القعنبي فإنه ليس عنده في الموطأ وهو عنده في الزيادات خارج الموطأ وهو حديث ثابت وليس في الموطأ لهذا الحديث غير هذا الإسناد وقد روى

(17/273)


الوليد بن مسلم عن مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الميت يعذب ببكاء الحي عليه وهذا حديث غريب لمالك لا أعلم أحدا رواه عنه غير الوليد بن مسلم وليس فيه نكارة لأنه محفوظ من رواية عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر.
قال أبو عمر: اختلف الناس في معنى قوله عليه السلام إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه فقال منهم قائلون معناه أن يوصي بذلك الميت وقال آخرون معناه يمدح في ذلك البكاء بما كان يمدح به أهل الجاهلية من الفتكات والغدرات وما أشبهها من الأفعال التي هي عند الله ذنوب فهم يبكون لفقدها ويمدحونه بها وهو يعذب من أجلها فكأنه قال يعذب بما يبكي عليه به ومن أجله وقال آخرون البكاء في هذا الحديث وما كان مثله معناه النياحة وشق الجيوب ولطم الخدود ونحو هذا مثل النياحة وأما بكاء العين فلا وذهبت عائشة إلى أن أحدا لا يعذب بفعل غيره وهو أمر مجتمع عليه لقول الله عز وجل {وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} وقال صلى الله عليه وسلم لأبي رمثة في ابنه: "إنك لا تجني عليه ولا يجني عليك" وقال الله

(17/274)


عز وجل {وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا} ولكن قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث عمر بن الخطاب وعبد الله بن عمر والمغيرة بن شعبة وغيرهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "يعذب الميت بما نيح عليه" وهذا محمول عند جماعة من أهل العلم على ما نذكره في الباب عنهم بعد ذكر الآثار في ذلك إن شاء الله فأما إنكار عائشة على ابن عمر فقد روي من وجوه منها ما رواه هشام بن عروة عن أبيه عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الميت ليعذب ببكاء أهله" وذكر ذلك لعائشة فقالت وهل ابن عمر إنما مر برسول الله صلى الله عليه وسلم على يهودي فقال: "إن صاحب هذا القبر يعذب وأهله يبكون عليه" وروى أيوب عن ابن أبي مليكة عن القاسم قال قالت عائشة إنكم لتحدثون عن غير كاذبين عمر وابنه ولكن السمع يخطئ. قال أبو عمر: ليس إنكار عائشة بشيء وقد وقف ابن عمر على مثل ما نزعت به عائشة فلم يرجع وثبت على ما سمع وهو الواجب كان عليه.

(17/275)


حدثنا يعيش بن سعيد وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا أحمد بن محمد البرتي حدثنا أبو معمر حدثنا عبد الوارث حدثنا أيوب عن ابن سيرين قال قال ابن عمر أن المعول عليه يعذب فقال رجل أن الله أضحك وأبكى ولا تزر وازرة وزر أخرى قال فقال ابن عمر قد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال أبو عمر: فهذا يبين لك أن ابن عمر قد أثبت ما حفظ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك ولم ينس ومن حفظ فهو حجة على من لم يحفظ وليس يسوغ عند جماعة أهل العلم الاعتراض على السنن بظاهر القرآن إذا كان لها مخرج ووجه صحيح لأن السنة مبينة للقرآن قاضية عليه غير مدافعة له قال الله عز وجل {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} وقد أبى جماعة من العلماء من نسخ السنة بالقرآن فيما يمكن فيه النسخ وقالوا لو جاز ذلك لارتفع البيان وهذه مسألة من الأصول ليس هذا موضع ذكرها وقد روى مثل رواية ابن عمر هذه جماعة من الصحابة.
حدثنا عبد الوارث بن سفيان وسعيد بن نصر قالا حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا محمد بن إسماعيل حدثنا الحميدي

(17/276)


حدثنا سفيان حدثنا عمرو بن دينار أنه سمع ابن أبي مليكة يقول حضرت جنازة أم أبان وفي الجنازة عبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس فجلست بينهما فبكى النساء فقال ابن عمر إن بكاء الحي على الميت عذاب للميت قال فقال ابن عباس صدرنا مع عمر أمير المؤمنين حتى إذا كنا بالبيداء إذا هو بركب نزول تحت شجرة فقال يا عبد الله اذهب فانظر من الركب ثم ألقحني فذهبت فقلت هذا صهيب مولى ابن جدعان فقال مره فليلحقني قال فلما قدمنا المدينة لم يلبث عمر أن طعن فجاء صهيب وهو يقول وا أخياه واصاحباه فقال عمر مه يا صهيب إن الميت يعذب ببكاء الحي عليه فقال ابن عباس فأتيت عائشة فسألتها فقالت يرحم الله عمر إنما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله ليزيد الكافر عذابا ببعض بكاء أهله عليه وقد قضى الله {أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} " فهذا عمر قد روى في بكاء الحي على الميت مثل رواية ابنه سواء وهذا حديث ثابت عن عمر صحيح الإسناد لا مقال فيه لأحد وقد رواه عن ابن مليكة جماعة منهم أيوب السختياني وغيره وروى شعبة عن قتادة عن سعيد بن المسيب عن ابن عمر عن أبيه عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن الميت يعذب في قبره بالنياحة".

(17/277)


وحدثنا عبد الوارث بن سفيان حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا محمد بن إسماعيل حدثنا أبو نعيم حدثنا سعيد بن عبيد عن علي بن ربيعة أنه خرج يوما إلى المسجد والمغيرة بن شعيبة أمير على الكوفة فخرج المغيرة إلى المسجد فرقي المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال ما هذا النوح في الإسلام قالوا توفي رجل من الأنصار يقال له قرظة بن كعب فنيح عليه فقال المغيرة إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من نيح عليه فإنه يعذب بما نيح عليه" .
وحدثنا عبد الوارث بن سفيان حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا الحسن بن سلام حدثنا معاوية بن عمرو حدثنا أبو إسحاق الفزاري عن سعيد بن عبيد عن علي بن ربيعة قال توفي رجل من الأنصار يقال قرظة بن كعب فنيح عليه فخرج المغيرة بن شعيبة فقال ما هذا النوح في الإسلام سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من نيح عليه يعذب بما نيح عليه" .
وحدثنا يعيش بن سعيد وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا أحمد ابن محمد البرتي حدثنا أبو معمر حدثنا عبد الوارث حدثنا أيوب عن حميد بن هلال عن أبي بردة الأشعري عن أبي موسى قال إن الميت يعذب ما بكي عليه قال قلت ما نيح عليه قال ما بكي عليه قلت ما نيح عليه قال فما سكت حتى سكت

(17/278)


وأخبرنا أحمد بن محمد حدثنا وهب بن مسرة حدثنا محمد بن وضاح حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا غندر عن شعبة قال سمعت عبد الله بن صبيح قال سمعت ابن سيرين قال ذكروا عند عمران بن حصين الميت يعذب ببكاء الحي فقالوا كيف يعذب ببكاء الحي فقال عمران قد قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال أبو عمر: فهؤلاء جماعة من الصحابة قد قالوا كما قال ابن عمر ورووا مثل ما روى ابن عمر إلا أن في حديث عمر وحديث المغيرة بن شعبة النياح دون البكاء وهو أصح عند كل من خالف عائشة في هذا الباب من العلماء ولهم في ذلك قولان أحدهما إن طائفة من أهل العلم ذهبت إلى تصويب عائشة في إنكارها على ابن عمر منهم الشافعي وغيره وهو عندي تحصيل مذهب مالك لأنه ذكر حديث عائشة في موطئه ولم يذكر خلافه عن أحد فأما الشافعي فذكر حديث عائشة من رواية مالك على ما تقدم ذكره في هذا الباب وذكر حديث عمر مع ابن عباس المذكور أيضا في هذا الباب عن ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن ابن أبي مليكة ثم قال الشافعي وأرخص في البكاء على الميت ولا ندبة ولا نياحة لما في النياحة

(17/279)


من تجديد الحزن ومنع الصبر وعظيم الإثم قال وقال ابن عباس الله أضحك وأبكى قال الشافعي فما روته عائشة وذهبت إليه أشبه بدلالة الكتاب ثم السنة قال الله عز وجل {وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} وقال {لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى} وقال عليه السلام لرجل في ابنه: "أما إنه لا يجني عليك ولا تجني عليه" وما زيد في عذاب كافر فباستحبابه لا بذنب غيره وقال آخرون منهم داود بن علي وأصحابه ما روى عمر وابن عمر والمغيرة أولى من قول عائشة وروايتها قالوا ولا يجوز أن تدفع رواية العدل بمثل هذا من الاعتراض لأن من روى وسمع وأثبت حجة على من نفي وجهل قالوا وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن النياحة نهيا مطلقا ولعن النائحة والمستمعة وحرم أجرة النائحة وقال: "ليس منا من حلق ومن سلق ومن خرق وليس منا من لطم الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية" .
قال أبو عمر: أما قوله ليس منا من سلق فيتحمل معنيين أحدهما لطم الخدود حتى تحمر وخدشها حتى تعلوها الحمرة والدم عن قول العرب سلقت الشيء بالماء الحار والآخر سلق بمعنى صاح وناح وأكثر القول والعويل بدعوى الجاهلية وشبهها من قولهم سلقه بلسانه ولسان مسلق.

(17/280)


وأما الأحاديث التي ذكروها فحدثنا عبد الله بن محمد حدثنا محمد بن بكر حدثنا أبو داود حدثنا مسدد حدثنا عبد الوارث عن أيوب عن حفصة عن أم عطية قالت نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن النياحة.
وأخبرنا عبد الله بن محمد حدثنا محمد بن بكر حدثنا أبو داود حدثنا إبراهيم بن موسى حدثنا محمد بن ربيعة عن محمد بن الحسن بن عطية عن أبيه عن جده عن أبي سعيد الخدري قال لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم النائحة والمستمعة.
وأخبرنا عبد الله بن محمد حدثنا محمد بن بكر حدثنا أبو داود حدثنا عثمان بن أبي شيبة وحدثناه عبد الوارث بن سفيان حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا أحمد بن زهير حدثني أبي قالا جميعا حدثنا جرير عن منصور عن إبراهيم عن يزيد بن أوس قال دخلت على أبي موسى الأشعري وهو ثقيل فذهبت امرأته لتبكي أو تهم به فقال لها أبو موسى أما سمعت ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت بلى فسكتت فلما مات أبو موسى لقيت المرأة فقلت

(17/281)


لها فقالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ليس منا من حلق ومن سلق ومن خرق" .
وحدثنا سعيد بن نصر حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا ابن وضاح حدثنا أبو بكر حدثنا أبو معاوية ووكيع عن الأعمش عن عبد الله بن مرة عن مسروق عن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ليس منا من لطم الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية" .
وحدثنا عبد الوارث بن سفيان حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا أحمد بن زهير حدثنا أبو نعيم حدثنا سفيان عن زيد الأيامي عن إبراهيم النخعي عن مسروق عن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ليس منا من لطم الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية" .
حدثنا محمد بن عبد الملك حدثنا ابن الأعرأبي حدثنا سعدان بن نصر حدثنا سفيان عن عبيد الله بن أبي يزيد قال سمعت ابن عباس يقول خلال من خلال الجاهلية الطعن في الأنساب والنياحة ونسي الثالثة قال سفيان:

(17/282)


يقولون إنها الاستسقاء بالأنواء فذكروا هذه الأحاديث ومثلها وقالوا قد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن النياحة وحرمها ولعن النائحة والمستمعة قالوا وقد قال الله عز وجل {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً} وقال {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ} فواجب على كل مسلم أن يعلم أهله ما بهم الحاجة إليه من أمر دينهم ويأمرهم به وواجب عليه أن ينهاهم عن كل ما لا يحل لهم ويوقفهم عليه ويمنعهم منه ويعلمهم ذلك كله لقول الله عز وجل {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً} قالوا فإذا علم الرجل المسلم ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في النياحة على الميت والنهي عنها والتشديد فيها ولم ينه عن ذلك أهله ونيح عليه بعد ذلك فإنما يعذب بمانيح عليه لأنه لم يفعل ما أمر به من نهي أهله عن ذلك وأمره إياهم بالكف عنه وإذا كان ذلك كذلك فإنما يعذب بفعل نفسه وذنبه لا بذنب غيره وليس في ذلك ما يعارض قول الله عز وجل {وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} وكان ما رواه عمر وابن عمر والمغيرة وغيرهم صحيح المعنى غير مدفوع وبالله التوفيق وقال المزني بلغني أنهم كانوا يوصون بالبكاء عليهم أو بالنياحة أو بهما وهي معصية ومن أمر بها فعملت بعده كانت له ذنبا فيجوز أن يزاد بذنبه عذابا كما قال الشافعي لا بذنب غيره.

(17/283)


قال أبو عمر: أما البكاء بغير نياح فلا بأس به عند جماعة العلماء وكلهم يكرهون النياحة ورفع الصوت بالبكاء والصراخ والفرق في ذلك عندهم بين بين ذلك ما مضى في هذا الباب من الآثار في النياحة ولطم الخدود وشق الجيوب مع قوله صلى الله عليه وسلم إذ بكى على ابنه: "تدمع العين ويحزن القلب ولا نقول ما يسخط الرب" رواه ثابت عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم وروى عبد الرحمن بن عوف أنه قال له حينئذ أتبكي يا رسول الله وأنت تنهى عن البكاء فقال: "إنما نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين صوت لهو ولعب ومزامير الشيطان عند نعمة وصوت عند مصيبة لطم وجوه وشق جيوب ورنة شيطان وهذا رحمة ومن لا يرحم لا يرحم يا إبراهيم لولا أنه وعد صدق وقول حق وأن أخرانا يلحق أولانا لحزنا عليك حزنا أشد من هذا وإنا بك يا إبراهيم لمحزونون تدمع العين ويحزن القلب ولا نقول ما يسخط الرب" رواه ابن أبي ليلى عن عطاء عن جابر عن عبد الرحمن بن عوف عن النبي صلى الله عليه وسلم وروى أبو عثمان النهدي عن أسامة بن زيد نحو هذا المعنى عن النبي صلى الله عليه وسلم في غير

(17/284)


ابنه إبراهيم أظنه ابن بعض بناته أتى به ونفسه تقعقع فجعله في حجره ودمعت عيناه وفاضت فقال له سعد ما هذا فقال: "إنها رحمة يضعها الله في قلب من يشاء وإنما يرحم الله من عباده الرحماء" وروى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في جنازة فبكت امرأة فصاح بها عمر فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "دعها يا عمر فإن العين دامعة والنفس مصابة والعهد قريب" رواه هشام بن عروة عن وهب بن كيسان عن محمد بن عمرو بن عطاء عن سلمة بن الأزرق عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم وفي حديث جابر بن عتيك ما يدل على أن الرخصة في البكاء إنما هي قبل أن تفيض النفس فإذا فاضت ومات لقوله صلى الله عليه وسلم فيه: "دعوهن ما دام عندهن فإذا وجب فلا تبكين باكية" وسنذكر هذا الحديث في موضعه من كتابنا هذا إن شاء الله وهذه الأحاديث كلها تدل على أن البكاء غير النياحة وأن النهي إنما جاء في النياحة لا في بكاء العين وبالله العصمة والتوفيق لا شريك له.

(17/285)


الحديث الرابع عشر
...
حديث رابع عشر لعبد الله بن أبي بكر
مالك عن عبد الله بن أبي بكر عن أبيه أن عبد الله بن قيس بن مخرمة أخبره عن زيد بن خالد الجهني أنه قال "لأرمقن الليلة صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فتوسدت عتبته أو فسطاطه فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى ركعتين طويلتين طويلتين طويلتين ثم صلى ركعتين وهما دون اللتين قبلهما ثم صلى ركعتين وهما دون اللتين قبلهما ثم صلى ركعتين وهما دون اللتين قبلهما ثم صلى ركعتين وهما دون اللتين قبلهما ثم صلى ركعتين وهما دون اللتين قبلهما ثم أوتر فتلك ثلاث عشرة ركعة" هكذا قال يحيى في الحديث فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى ركعتين طويلتين طويلتين ولم يتابعه على هذا أحد من رواة الموطأ عن مالك فيما علمت والذي في الموطأ عن

(17/287)


مالك عند جميعهم فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى ركعتين خفيفتين ثم صلى ركعتين طويلتين طويلتين فأسقط يحيى ذكر الركعتين الخفيفتين وذلك خطأ واضح لأن المحفوظ عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث زيد بن خالد وغيره أنه كان يفتتح صلاة الليل بركعتين خفيفتين وقال يحيى أيضا طويلتين طويلتين مرتين وغيره بقوله ثلاث مرات طويلتين طويلتين طويلتين.
حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن بن يحيى حدثنا محمد بن بكر حدثنا أبو داود وحدثنا عبد الله بن محمد بن أسد حدثنا أحمد بن محمد بن المكي حدثنا علي بن عبد العزيز قالا حدثنا القعنبي عن مالك عن عبد الله بن أبي بكر عن أبيه أن عبد الله بن قيس ابن مخرمة أخبره عن زيد بن خالد الجهني أنه قال لأرمقن الليلة صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فتوسد عتبته أو فسطاطه فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين خفيفتين ثم صلى ركعتين طويلتين طويلتين طويلتين وذكر الحديث.
وقرأت على عبد الوارث بن سفيان أن قاسم بن أصبغ حدثهم قال حدثنا مطرف بن عبد الرحمن.

(17/288)


وقرأت أيضا على أحمد بن محمد بن أحمد أن محمد بن عيسى حدثهم قال حدثنا يحيى بن أيوب حدثنا ابن بكير عن مالك عن عبد الله بن أبي بكر عن أبيه أن عبد الله بن قيس بن مخرمة أخبره عن زيد بن خالد الجهني أنه قال لأرمقن صلاة رسول لله صلى الله عليه وسلم الليلة قال فتوسدت عتبته أو فسطاطه فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى ركعتين خفيفتين ثم صلى ركعتين طويلتين طويلتين طويلتين وذكر الحديث.
وقرأت على عبد الرحمن بن يحيى أن الحسن بن الخضر حدثهم.
وقرأت على محمد بن إبراهيم أن محمد بن معاوية حدثهم قالا حدثنا أحمد بن شعيب أخبرنا قتيبة بن سعيد عن مالك بن أنس عن عبد الله بن أبي بكر عن أبيه أن عبد الله بن قيس بن مخرمة أخبره عن زيد بن خالد الجهني أنه قال لأرمقن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى ركعتين خفيفتين ثم صلى ركعتين طويلتين طويلتين طويلتين ثم صلى ركعتين وهما دون اللتين قبلهما وذكر الحديث ولم يختلف الرواة عن مالك في حديث زيد ابن خالد هذا بهذا الإسناد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم افتتح صلاته

(17/289)


تلك الليلة بركعتين خفيفتين صلاهما ثم صلى ركعتين طويلتين ثم صلى ركعتين دونهما على ما في الحديث إلى آخره وأسقط يحيى ذكر الركعتين الخفيفتين وذلك مما عد على يحيى من سقطه وغلطه والغلط لا يسلم منه أحد.
قال أبو عمر قد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يفتتح صلاة الليل بركعتين خفيفتين من وجوه.
حدثنا سعيد بن نصر وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا محمد بن وضاح حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا هشيم أخبرنا أبو مرة عن الحسن عن سعد ن هشام عن عائشة قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام من الليل يصلي افتتح صلاته بركعتين خفيفتين.
حدثنا عبد الله بن محمد حدثنا محمد بن بكر حدثنا أبو داود حدثنا الربيع بن نافع حدثنا سليمان بن حيان عن هشام بن حسان عن ابن سيرين عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا قام أحدكم من الليل فليصل ركعتين خفيفتين".

(17/290)


حدثنا عبد الوارث بن سفيان حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا محمد بن وضاح حدثنا حامد ابن يحيى حدثنا سفيان عن أيوب عن محمد عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا قام أحدكم من الليل فليصل ركعتين خفيفتين يفتتح بهما صلاته" .
وقد تقدم حكم صلاة الليل وما في ذلك من اختلاف الآثار ومذاهب أهل الأمصار في باب مخرمة بن سليمان وباب نافع من كتابنا هذا وسيأتي من ذلك أيضا ذكر في باب سعيد بن أبي سعيد من هذا الكتاب إن شاء الله.

(17/291)


الحديث الخامس عشر
...
حديث خامس عشرين لعبد الله بن أبي بكر
مالك عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في سيل مهزور ومذينيب: "يمسك حتى الكعبين ثم يرسل الأعلى على الأسفل" .
قال أبو عمر: لا أعلم هذا الحديث في سيل مهزور ومذينيب هكذا يتصل عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجه من الوجوه وأرفع أسانيده ما حدثناه خلف بن القاسم حدثنا بكر بن عبد الرحمن بن محمد أبو العطار بمصر حدثنا يحيى بن سليمان بن صالح بن صفوان حدثنا أبو صالح الحراني عبد الغفار بن

(17/293)


أخبرنا خلف بن سعيد أخبرنا أحمد بن خالد حدثنا عبيد بن محمد الكشوري أخبرنا محمد ابن يوسف الحذافي أخبرنا عبد الرزاق أخبرنا مالك عن عبد الله بن أبي بكر عن عبد الله ابن عمرو بن عثمان عن عبد الرحمن بن أبي عمرة عن زيد بن خالد الجهني قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ألا أخبركم بخير الشهداء الذي يؤدي شهادته قبل أن يسألها أو يسأل عنها". هكذا في كتأبي في هذا الإسناد عبد الله بن أبي بكر عن عبد الله ابن عمرو بن عثمان ليس فيه عن أبيه والصواب عن عبد الله بن أبي بكر عن أبيه وقد جود ابن وهب في إسناد هذا الحديث ولفظه وجاء عن مالك بتفسيره.
أخبرنا عبد الله بن محمد أخبرنا محمد بن بكر أخبرنا أبو داود حدثنا ابن السرح وأحمد ابن سعيد الهمداني قالا حدثنا ابن وهب أخبرني مالك بن أنس عن عبد الله بن أبي بكر أن أباه أخبره أن عبد الله بن عمرو بن عثمان أخبره أن عبد الرحمن بن أبي عمرة الأنصاري أخبره أن زيد بن خالد الجهني أخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ألا أخبركم بخير الشهداء الذي يأتي بشهادتهأخبركم بخير الشهداء الذي يأتي بشهادته

(17/294)


أو يخبر شهادته قبل أن يسألها" شك عبد الله بن أبي بكر أيهما قال قال مالك هو الذي يخبر بشهادته ولا يعلم بها الذي هي له زاد الهمداني ويرفعها إلى السلطان قال ابن السرح أو يأتي بها إلى الإمام واللفظ لحديث الهمداني وقال ابن السرح ابن أبي عمرة ولم يقل عبد الرحمن قال أبو داود والتفسير من قبل مالك.
أخبرنا عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد حدثنا تميم بن محمد حدثنا عيسى بن مسكين وأخبرنا عبد الوارث بن سفيان حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا ابن وضاح أخبرنا سحنون حدثنا عبد الله بن وهب حدثني مالك بن أنس عن عبد الله بن أبي بكر أن أباه أخبره أن عبد الله بن عمرو بن عثمان أخبره أن عبد الله بن أبي عمرة الأنصاري أخبره أن زيد بن خالد الجهني أخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ألا أخبركم بخير الشهداء الذي يأتي بشهادته أو يخبر بشهادته قبل أن يسألها" يشك عبد الله بن أبي بكر أيتهما قال قال ابن وهب وسمعت مالكا يقول في تفسير هذا الحديث إنه الرجل تكون عنده الشهادة في الحق يكون للرجل لا يعلم بذلك قبل فيخبر بشهادته ويرفعها إلى السلطان قال ابن وهب وبلغني عن يحيى بن سعيد أنه قال من دعي لشهادة عنده فعليه أن يجيب إذا علم أنه ينتفع بها الذي يشهد له بها وعليه أن يؤديها ومن كانت عنده شهادة لا يعلم

(17/295)


بها صاحبها فليؤدها قبل أن يسأل عنها فإنه كان يقال من أفضل الشهادات شهادة أداها صاحبها قبل أن يسألها.
قال أبو عمر: تفسير مالك ويحيى بن سعيد لهذا الحديث أولى ما قيل به فيه ولا يسع الذي عنده شهادة لغيره أن يكتمها ولا أن يسكت عنها إلا أن يعلم أن حق الطالب يثبت أو قد ثبت بغيره فإن كان كذلك فهو في سعة وأداؤها مع ذلك أفضل وسواء شهد أحد قبله أو معه أو لم يشهد إذا كان الحق مالا لأن اليمين فيه مع الشاهد الواحد.
وفي هذا الحديث أيضا دليل على جواز شهادة السماع وإن لم يقل المشهود له أشهدك على هذا ولا قال المشهود عليه اشهد علي فمن سمع شيئا وعلمه جاز له أن يشهد به ومثل هذا يأتي بالشهادة قبل أن يسألها لأن صاحبها لا يعلم بها فكل من علم شيئا يجوز أداؤه جاز له أن يشهد به لقوله {إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} وقوله عز وجل {وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ} وقوله {وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ} .

(17/296)


قال أبو عمر: قد جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ظهور شهادة الزور وكتمان شهادة الحق من أشراط الساعة عائبا لذلك وموبخا عليه فإذا كان كتمان شهادة الحق عيبا وحراما فالبدار إلى الإخبار بها قبل أن يسأل عنها فيه الفضل الجسيم والأجر العظيم إن شاء الله.
حدثنا يوسف بن محمد بن يوسف ومحمد بن إبراهيم وعبد العزيز بن عبد الرحمن قالوا حدثنا أحمد بن مطرف حدثنا سعيد بن عثمان حدثنا أحمد بن عبد الله بن صالح حدثنا أبو نعيم حدثنا بشير بن إسماعيل حدثنا سيار أبو الحكم عن طارق بن شهاب عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن بين يدي الساعة التسليم على الخاصة وفشو التجارة حتى تعين المرأة زوجها على التجارة وقطع الأرحام وفشو القلم وظهور شهادة الزور وكتمان شهادة الحق" .
قال أبو عمر: أما قوله في هذا الحديث وفشو القلم فإنه أراد ظهور الكتاب وكثرة الكتاب روى المبارك بن فضالة عن الحسن قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تقوم الساعة حتى يرفع العلم ويفيض المال ويظهر القلم ويكثر التجار" قال الحسن لقد أتى علينا زمان إنما يقال:

(17/297)


تاجر بني فلان وكاتب بني فلان ما يكون في الحي إلا التاجر الواحد والكاتب الواحد قال الحسن والله إن كان الرجل ليأتي الحي العظيم فما يجد به كاتبا وقد روى ابن إدريس عن محمد بن عمارة عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن عبد الله بن عمرو بن عثمان عن زيد بن خالد الجهني قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ألا أنبئكم بخير الشهداء هم الذين يبدرون بشهادتهم قبل أن يسألوا عنها" هكذا قال في إسناده لم يذكر أبا عمرة ولا ابن أبي عمرة ذكره ابن أبي شيبة عن ابن إدريس ورواه حاتم بن إسماعيل عن محمد بن عمارة عن أبي بكر بن محمد عن زيد بن خالد فأفسد إسناده وأما لفظه فل يختلف في معناه وهو معنى صحيح لأن أداء الشهادة فعل خير ومعلوم أن من بدر إلى فعل الخير حمد له ذلك ومدح له وفضل والله يوفق من يشاء لا شريك له.
وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث العراقيين حديث يعارض ظاهر هذا الحديث وليس كذلك.
حدثنا عبد الوارث بن سفيان حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا أحمد بن زهير حدثنا أبي حدثنا وكيع حدثنا الأعمش حدثنا هلال بن يساف عن عمران بن حصين قال قال

(17/298)


رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يجيء قوم يتسمنون ويحيون يعطون الشهادة قبل أن يسألوها" .
حدثنا عبد الوارث حدثنا قاسم حدثنا أحمد بن زهير حدثنا ابن فضيل عن الأعمش عن علي بن مدرك عن هلال بن يساف عن عمران عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه.
قال أبو عمر: أدخل ابن فضيل بين الأعمش وبين هلال في هذا الحديث علي بن مدرك وتابعه على ذلك عبد الله بن إدريس ومنصور بن أبي الأسود وهو الصواب وهذا عندي والله أعلم إنما جاء من قبل الأعمش لأنه كان يدلس أحيانا وقد يمكن أن يكون من قبل حفظ وكيع لذلك وإن كان حافظا أو من قبل أبي خيثمة لأن فيه حدثنا هلال بن يساف وليس بشيء وإنما الحديث للأعمش عن علي بن مدرك عن هلال والله أعلم وقد روى الأعمش عن هلال بن يساف غير ما حديث وقد روى هذا الحديث شعبة عن علي بن مدرك عن هلال بن يساف عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لم يقل عن عمران بن حصين أخبرناه محمد

(17/299)


ابن إبراهيم أخبرنا محمد بن معاوية أخبرنا أحمد بن شعيب حدثنا محمد بن بشار حدثنا ابن أبي عدي عن شعبة عن علي بن مدرك عن هلال بن يساف قال قدمت البصرة فإذا رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ليس أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم يجيء قوم سمان يعطون الشهادة ولا يسألوها" .
قال أبو عمر: هذا الحديث في إسناده اضطراب وليس مثله يعارض به حديث مالك لأنه من نقل ثقات أهل المدينة وهذا حديث كوفي لا أصل له ولو صح كان معناه كمعنى حديث ابن مسعود على ما فسره إبراهيم النخعي فقيه الكوفة.
حدثنا عبد الوارث بن سفيان حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا أحمد بن زهير حدثنا أبي حدثنا جرير عن منصور عن إبراهيم عن عبيدة السلماني عن عبد الله قال سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الناس خير قال: "قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يجيء قوم تبدر شهادة أحدهم يمينه ويمينه شهادته" قال إبراهيم كانوا ينهوننا ونحن صبيان عن العهد والشهادات.

(17/300)


قال أبو عمر: معنى هذا عندهم النهي عن قول الرجل أشهد بالله وعلي عهد الله ونحو ذلك والبدار إلى ذلك وإلى اليمين في كل ما لا يصلح وما يصلح والله أعلم وليس هذا الحديث من باب أداء الشهادة في شيء وقد سمى الله عز وجل أيمان اللعان شهادات فقال {فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ} وهذا واضح يغني عن الإكثار فيه وحديث أهل المدينة في هذا الباب حديث صحيح مستعمل لا يدفعه نظر ولا خبر والله المستعان.
وذكر عبد الرزاق قال أخبرنا محمد بن مسلم عن عمرو بن دينار عن ابن عباس قال إذا كان عندك لأحد شهادة فسألك عنها فأخبره بها ولا تقل لا أخبرك إلا عند الأمير أخبره بها لعله أن يرجع أو يرعوي قال وأخبرنا محمد بن مسلم عن إبراهيم بن ميسرة قال بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "خير الشهداء من أدى شهادته قبل أن يسأل عنها" .
قال أبو عمر: أبو عمرة الأنصاري والد عبد الرحمن بن أبي عمرة هذا اسمه ثعلبة بن عمرو بن محصن.

(17/301)


الحديث السادس عشر
...
وشيعته وأهل دينه هم آله واحتجوا بقول الله عز وجل {وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ} قالوا ومعلوم أن آل فرعوه أتباعه على دينه واحتجوا أيضا بحديث عبد الله بن أبي أوفى حدثناه سعيد بن نصر وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا عبد الله بن روح المدائني حدثنا يزيد بن هارون حدثنا شعبة عن عمرو بن مرة عن عبد الله بن أبي أوفى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أتاه قوم بصدقتهم قال: "اللهم صل عليهم" فأتاه أبي بصدقته فقال: "اللهم صل على آل أبي أوفى" قالوا ففي هذا الحديث بيان أن الصلاة على كل أحد جائزة من كل أحد اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم وتأسيا به لأنه كان عليه السلام يمتثل قول الله عز وجل {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ} قالوا ومعلوم أن الصلاة هاهنا الرحمة والتراحم فغير نكير أن يجوز من كل أحد من المسلمين بدليل الكتاب والسنة

(17/205)


الحديث السابع عشر
...
يريد الرجل من امرأته فقالت يا رسول الله إنها حائض فقال: "أحابستنا هي" قالوا يا رسول الله قد أفاضت يوم النحر قال اخرجوا" وقد روى هذا الحديث محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة "أن صفية حاضت" الحديث والصواب عند أهل العلم بالحديث في هذا الإسناد قول الزهري عن أبي سلمة عن عائشة وقد مضى القول في معنى هذا الحديث فيما تقدم في باب عبد الله بن أبي بكر من كتابنا هذا والحمد لله وبه التوفيق.

(17/209)


الحديث الثامن عشر
...
حديث ثامن عشر لعبد الله بن أبي بكر
مالك عن عبد الله بن أبي بكر عن حميد بن نافع عن زينب بنت أبي سلمة أنها أخبرته هذه الأحاديث الثلاثة قالت زينب "دخلت على أم حبيبة زوج النبي صلى الله عليه وسلم حين توفي أبوها أبو سفيان بن حرب فدعت أم حبيبة بطيب فيه صفرة خلوق أو غيره فدهنت به جارية ثم مسحت بعارضيها ثم قالت والله مالي بالطيب من حاجة غير أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تحد على ميت فوق ثلاث ليال إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا" قالت زينب ثم دخلت على زينب بنت جحش زوج النبي صلى الله عليه وسلم حين توفي أخوها فدعت بطيب فمست منه ثم قالت والله مالي بالطيب من حاجة غير أني سمعت رسول اله صلى الله عليه

(17/310)


وسلم يقول: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تحد على ميت فوق ثلاث إلا زوج أربعة أشهر وعشرا" قالت زينب وسمعت أمي أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم تقول جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت يا رسول الله إن ابنتي توفي عنها زوجها وقد اشتكت عينيها أفتكحلهما فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا" مرتين أو ثلاثا كل ذلك يقول: "لا" ثم قال: "إنما هي أربعة أشهر وعشرا وقد كانت إحداكن في الجاهلية ترمي بالبعرة على رأس الحول" قال حميد بن نافع فقلت لزينب وما ترمي بالبعرة على رأس الحول فقالت زينب كانت المرأة إذا توفي عنها زوجها دخلت حفشا ولبست شر ثيابها ولم تمس طيبا ولا شيئا حتى تمر بها سنة ثم تؤتى بدابة حمارا أو شاة أو طائر فتفتض به فقلما تفتض بشيء إلا مات ثم تخرج فتعطي بعرة فترمي بها ثم تراجع بعد ما شاءت من طيب أو غيره قال مالك الحفش البيت الرديء وتفتض تمسح به جلدها كالنشرة

(17/311)


قال أبو عمر: حميد بن نافع هذا هو أبو أفلح بن حميد وهو مولى صفوان بن خالد ويقال مولى أبي أيوب الأنصاري يقال إنه حميد صفيرا روى عن أبي أيوب وحج معه وروى عن ابن عمر وعن زينب بنت أبي سلمة وهو ثقة مأمون وهذه الجملة من خبره عن أحمد بن حنبل ومصعب الزبيري ولم يسمع مالك منه شيئا ولا الثوري وهما يرويان عن عبد الله بن أبي بكر عنه وقد سمع منه شعبة هذا الحديث وغيره.
أخبرنا أحمد بن قاسم بن عيسى قراءة مني عليه أن عبيد الله بن محمد بن حبابة حدثهم ببغداد قال حدثنا عبد الله بن محمد البغوي حدثنا إبراهيم بن هانئ حدثنا أحمد بن حنبل حدثنا حجاج بن محمد قال قال شعبة سألت عاصما عن المرأة تحد فقال قالت حفصة بنت سيرين كتب حميد بن نافع إلى حميد الحميري فذكر حديث زينب بنت أبي سلمة قال شعبة فقلت لعاصم أنا قد سمعته من حميد بن نافع قال أنت قلت نعم وهو ذاك حي قال شعبة وكان عاصم يرى أنه قد مات منذ مائة سنة.

(17/312)


أخبرنا عبد الوارث بن سفيان حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا أحمد بن زهير حدثنا أحمد بن حنبل حدثنا حجاج بن محمد قال قال شعبة سألت عاصما الأحول عن المرأة تحد فقال قالت حفصة بنت سيرين كتب حميد بن نافع إلى حميد الحميري فذكر حديث زينب بنت سلمة قال شعبة قلت لعاصم قد سمعته أنا من حميد بن نافع قال أنت قلت نعم وهو ذاك حي قال شعبة وكان عاصم يرى أنه قد مات منذ مائة سنة.
أخبرنا أحمد بن قاسم حدثنا عبيد الله بن حبابة حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي حدثنا علي بن الجعد أخبرنا شعبة عن حميد بن نافع قال سمعت زينب بنت أبي سلمة تحدث عن أمها "أن امرأة توفي عنها زوجها فرمدت عينها فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فاستأذنوه في الكحل فقال: "لا" وقال: "أربعة أشهر وعشرا" قال البغوي روي هذا الحديث عن شعبة النضر بن شميل ويحيى بن أبي بكير وأبو النضر فزادوا فيه كلاما ليس في حديث علي بن الجعد حدثناه جدي قال حدثنا أبو النضر وحدثنا خلاد أخبرنا النضر ابن شميل وحدثنا يعقوب حدثنا يحيى بن أبي بكير وهذا لفظ حديث يعقوب أخبرنا شعبة قال حميد بن نافع أخبرني قال سمعت زينب بنت أم سلمة تحدث عن أمها أن امرأة توفي عنها زوجها فاشتكت عينها وخشوا

(17/313)


على عينها فسئل عن ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "قد كانت أحداكن تمكث في شر أحلاسها في بيتها إلى الحول فإذا كان الحول فمر كلب رمته ببعرة ثم خرجت فلا أربعة أشهر وعشرا" قال البغوي ورواه يحيى بن سعيد الأنصاري عن حميد بن نافع وزاد فيه أم حبيبة حدثناه جدي ويعقوب قالا حدثنا يزيد بن هارون وحدثنا أبو خيثمة حدثنا جرير جميعا عن يحيى بن سعيد عن حميد بن نافع أنه سمع زينب بنت أبي سلمة تحدث عن أم سلمة وأم حبيبة تذكران "أن امرأة أتت رسول اله صلى الله عليه وسلم فذكرت أن ابنة لها توفي عنها زوجها فاشتكت عينها وذكر الحديث قال وحدثني جدي حدثنا أبو قطن حدثنا شعبة عن حميد بن نافع عن زينب بنت أم سلمة عن أم حبيبة أن نسيبا لها أو حميما توفي وإنها دعت بصفرة فمسحت يديها وقالت إنما أصنع هذا لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا يحل لامرأة أن تحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج" قال وحدثنيه يعقوب بن إبراهيم حدثنا يحيى بن أبي بكير حدثنا شعبة بإسناده مثله وزاد فيه أربعة أشهر وعشرا قال البغوي وأخبرنا مصعب بن عبد الله حدثني مالك عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن حميد بن نافع فذكر الأحاديث الثلاثة عن زينب عن أم حبيبة وزينب بنت جحش وأم سلمة سواء.

(17/314)


قال أبو عمر: أما صفرة الخلوق فمعروفة وأما الإحداد فترك المرأة الزينة كلها عند زوجها ما دامت في عدتها يقال لها حينئذ امرأة حاد ومحد لأنه يقال أحدت المرأة تحد وحدت تحد فهي محاد وحاد إذا تركت الزينة لموت زوجها هذا كله قول الخليل وغيره.
وأما الإحداد عند العلماء فالامتناع من الطيب والزينة بالثياب والحلي وما كان من الزينة كلها الداعية إلى الأزواج وجملة مذهب مالك في ذلك أن المرأة المحد لا تلبس ثوبا مصبوغا إلى أن يصبغ بسواد وتلبس البياض كله رقيقه وغليظه ولا تلبس رقيق ثياب اليمن وتلبس غليظها إن شاءت وتلبس الكتان كله رقيقه وغليظه ما لم يكن مصبوغا وكذلك القطن ولا تلبس خزا ولا حريرا ولا تلبس خاتما من ذهب ولا من فضة ولا من حديد أيضا ولا حليا ولا قرطا ولا خلخالا ولا سوارا ولا تمس طيبا بوجه من الوجوه ولا تحنط ميتا ولا تدهن بزئبق ولا خيري ولا بنفسج ولا بأس أن تدهن بالشيرق والزيت ولا تختضب بحناء ولا كتم ولا بأس أن تمتشط بالسدر وما لا يختمر في رأسها ولا تكتحل إلا من ضرورة فإن كانت ضرورة فقد أرخص لها مالك وأصحابه في الكحل تجعله بالليل وتمسحه بالنهار ومن قول مالك والشافعي

(17/315)


إن الإحداد على كل زوجة صغيرة كانت أو كبيرة أمة كانت أو حرة مسلمة كانت أو ذمية وكذلك المكاتبة والمدبرة إذا كانت زوجة وكذلك امرأة المفقود الإحداد عليها عنده وقال ابن الماجشون لا إحداد عليها وذكر ابن عبد الحكم عن مالك قال الإحداد على الكتابية في زوجها المسلم وقال أشهب لا إحداد عليها ورواه عن مالك أيضا وقال ابن نافع لا إحداد على الذمية وهو قول أبي حنيفة لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت" .
قال أبو عمر: هذا لا حجة فيه لأن العلة حرمة المسلم الذي تعتد من مائه وجاء الحديث بذكر من يؤمن بالله واليوم الآخر لأن الخطاب إلى من هذه حاله كان يتوجه فدخل المؤمنات في ذلك بالذكر ودخل غير المؤمنات بالمعنى الذي ذكرنا كما يقال هذا طريق المسلمين ويدخل في معناه أهل الذمة وقال صلى الله عليه وسلم: "لا يبع أحدكم على بيع أخيه" يعني المسلم فدخل في ذلك الذمي بالمعنى وقد أوجب رسول الله صلى الله عليه وسلم الشفعة للمسلم وهي واجبة لأهل الذمة كما تجب للمسلم إلى أشياء يطول ذكرها من هذا الباب ولا خلاف أن الزوجة الذمية في النفقة والعدة وجميع أحكام الزوجات كالمسلمة وكذلك الإحداد

(17/316)


ألا ترى إنه حق للزوج الميت من أجل ما يلحقه من النسب فأشبه الحكم بين المسلم والذمي بحكم الإسلام ولا خلاف عن مالك وأصحابه أن المطلقة المبتوتة وغيرها لا إحداد عليها وكذلك أم الولد لا إحداد عليها عند وفاة سيدها وإنما الإحداد عندهم على المتوفى عنها زوجها على حسب ما ذكرنا وقال الشافعي الإحداد في البدن وهو ترك زينة البدن وذلك أن يدخل على البدن شيء من غيره بزينة من ثياب يتزين بها وطيب يظهر على المرأة فيدعوها إلى شهوتها فمن ذلك الدهن كله في الرأس وذلك لأن الادهان كلها سواء في ترجيل الشعر وإذهاب الشعث ألا ترى أن المحرم يفتدي إن دهن رأسه ولحيته بزيت لما وصفت قال وكل كحل كان زينة فلا خير فيه فأما الفارسي وما أشبهه إذا احتاجت إليه فلا بأس لأنه ليس بزينة بل يزيد العين مرها وقبحا وما اضطرت إليه مما فيه زينة من الكحل اكتحلت به ليلا وتمسحه نهارا دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على أم سلمة وهي حاد على أبي سلمة فقال ما هذا فقالت إنما هو صبر فقال صلى الله عليه وسلم: " اجعليه بالليل وامسحيه بالنهار"

(17/317)


قال أبو عمر: حديث أم سلمة هذا في الموطأ من بلاغات مالك وسنذكر ذلك في موضعه من كتابنا هذا إن شاء الله ونذكر من طرقه ما يصح عندنا متصلا مسندا بعون الله وحديث أم سلمة هذا المرسل ظاهره مخالف لحديث أم سلمة المسند المذكور في هذا الباب لأن حديث أم سلمة في هذا الباب على ما رواه مالك وغيره عن عبد الله بن أبي بكر عن حميد بن نافع عن زينب بنت أم سلمة عن أم سلمة يدل على أن المتوفى عنها زوجها لا تكتحل أصلا لأنه اشتكت إليه امرأة عينها فلم يأذن لها من الكحل لا ليلا ولا نهارا لا من ضرورة ولا من غيرها وقال لا مرتين أو ثلاثة ولم يقل إلا أن تضطر وأصل المسألة كان على أنها اشتكت عينيها وهذه ضرورة وقد حكى مالك عن نافع عن صفية ابنة أبي عبيد أنها اشتكت عينها وهي حاد على زوجها عبد الله بن عمر فلم تكتحل حتى كادت عيناها ترمصان وقد قال بهذا طائفة من أهل العلم أن المرأة الحاد لا تكتحل بحال من الأحوال على هذا الحديث كما صنعت صفية وأما حديث أم سلمة المرسل فإن فيه أن امرأة سألتها وهي حاد عن الكحل وقد اشتكت عينها فبلغ ذلك منها فقالت لها أم سلمة اكتحلي بكحل الجلاء بالليل

(17/318)


وامسحيه بالنهار وهذا عندي وإن كان ظاهره مخالفا لحديث هذا الباب لما فيه من إباحته بالليل وقوله في هذا الحديث لا مرتين أو ثلاثا على الإطلاق فإن ترتيب الحديث والله أعلم على أن الشكاة التي قال فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا" لم تبلغ والله أعلم منها مبلغا لا بد لها فيه من الكحل بقوله ها هنا ولو كانت محتاجة إلى ذلك مضطرة تخاف ذهاب بصرها لأباح لها ذلك والله أعلم كما صنع بالتي قال لها اجعليه بالليل وامسحيه بالنهار والنظر يشهد لهذا التأويل لأن الضرورات تنقل المحظور إلى حال المباح في الأصول وكذلك جعل مالك فتوى أم سلمة هذه تفسيرا للحديث المسند في الكحل لأن أم سلمة روته وما كانت لتخالفه إذا صح عندها وهي أعلم بتأويله ومخرجه والنظر يشهد لذلك لأن المضطر إلى شيء لا يحكم له بحكم المترفه المتزين وليس الدواء والتداوي من الزينة في شيء وإنما نهيت الحاد عن الزينة لا عن التداوي وأم سلمة أعلم بما روت مع صحته في النظر وعليه أهل الفقه وبه قال مالك والشافعي وأكثر الفقهاء وقد ذكر مالك في موطئه إنه بلغه عن سالم بن عبد الله وسليمان بن يسار أنهما كانا يقولان في المرأة يتوفي عنهها زوجها أنها إذا خشيت على بصرها من رمد بعينها أو شكوى أصابتها أنها تكتحل وتتداوى بالكحل وإن كان

(17/319)


فيه طيب قال أبو عمر: لأن المقصد إلى التداوي لا إلى التطيب والأعمال بالنيات وقال الشافعي الصبر يصفر فيكون زينة وليس بطيب وهو كحل الجلاء فأذنت فيه أم سلمة للمرأة بالليل حيث لا يرى وتمسحه بالنهار حيث يرى فكذلك ما أشبهه وقال في الثياب زينتان إحداهما جمال الثياب على اللابسين والستر للعورة فالثياب زينة لمن لبسها وإنما نهيت الحاد عن زينة بدنها ولم تنه عن ستر عورتها فلا بأس أن تلبس الحاد كل ثوب من البياض لأن البياض ليس بمزين وكذلك الصوف والوبر وكل ما نسج على وجهه ولم يدخل عليه صنع من خز أو غيره وكذلك كل صبغ لم يرد به التزين مثل السواد وما صبغ ليقبح أو لنفي الوسخ عنه فأما ما كان من زينة أو وشي في ثوب أو غيره فلا تلبسه الحاد وذلك لكل حرة وأمة وكبيرة وصغيرة مسلمة أو ذمية وقال أبو حنيفة لا تلبس ثوب عصب ولا خز وإن لم يكن مصبوغا إذ أرادت به الزينة وإن لم ترد فليس الثوب المصبوغ من الزينة فلا بأس أن تلبسه وإذا اشتكت عينها اكتحلت بالأسود وغيره وإذا لم تشتك عينها لم تكتحل وقال أحمد وإسحاق المتوفى

(17/320)


عنها لا تختضب ولا تكتحل ولا تبيت عن بيتها ولا تلبس ثوبا مصبوغا قالا والمتوفى عنها والمطلقة في الزينة سواء للاحتياط.
قال أبو عمر: قول الشافعي في هذا الباب نحو قول مالك إلا أنه اختلف قوله في وجوب الإحداد على المطلقة التي لا تملك رجعتها فمرة قال عليها الإحداد وهو قول الكوفيين لأنها كالمتوفى عنها في أنهما غير ذواتي زوج وليست ممن تملك رجعتها ومرة قال لا يبين عندي أن أوجب عليهما الإحداد لأنهما قد تختلفان في حال وإن اجتمعا في غيره.
قال أبو عمر: في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تحد على ميت إلا على زوج" دليل على أن الإحداد إنما يجب على الموتى ومن اجلهم لا على المطلقات والله أعلم.
وأجمعوا أن لا إحداد على المطلقة الرجعية والمبتوتة أشبه بها منها بالمتوفى عنها والله أعلم.
وأجمعوا أن الإحداد واجب على ما ذكرنا إلا الحسن البصري فإنه قال ليس الإحداد بواجب.
قال أبو عمر: أما قوله دخلت حفشا ولبست شر ثيابها فالحفش البيت الصغير ذكره ابن وهب عن مالك وكذلك قال الخليل

(17/321)


قال الحفش البيت الصغير قال والحفش أيضا الشيء البالي الخلق والحفش أيضا الفرج والحفش الدرج الذي يكون فيه البخور كالقارورة للطيب وقال ابن وهب قوله تفتض به قال تؤتى بدابة فتمسح على ظهرها بيدها وتؤتى ببعرة من بعر الغنم فترمي بها من وراء ظهرها ثم يكون إحلالا لها بعد السنة وقال ابن بكير تفتض به تتمسح به وقد قيل في معنى تمسح به تمر به وقال الأخفش أصل الافتضاض التفرق يقال قد افتض القوم عن فلان إذا تفرقوا عنه وانفضوا عنه أيضا وكذلك انفض السيل عن الجبل وافتض إذا انصدع فصار فرقتين ويقال افتض الجارية واقتضها بالفاء وبالقاف أيضا ومنه فضضت الخاتم إذا كسرته قال فلعل قوله تفتض بالدابة أي تنفرج بها من الغم الذي كانت فيه إذا تمسحت بها قال وأجود من ذلك عندي أن تفتض ترجع إلى الفضة فكأنه يريد تتمسح بتلك الدابة حتى تتنقى من درنها ذلك فتصير كأنها فضة ليس أن تلك الدابة تغسلها ولكنها إذا تمسحت بذلك الطائر أو الدابة خرجت فاغتسلت وتنظفت وتطيبت ولبست ثيابها النظيفة وتعرضت للأزواج فتصير نقية كأنها الفضة قال هذا عندنا حتى يأتيك غيره.
قال أبو عمر: أما الخليل فذكر في الافتضاض ما ذكر الأخفش وغيره قال والفضض ماء عذب تفتضه والفضاض ما كسر من عظم ودرع فضفاضة والفضض والفضيض المتفرق وقال أبو عبيد الحفش الدرج وجمعه أحفاش يشبه به البيت الصغير.

(17/322)


قال أبو عمر: وأما قوله صلى الله عليه وسلم في حديث شعبة ويحيى بن سعيد المذكور في هذا الباب عن حميد بن نافع عن زينب بنت أم سلمة عن أم سلمة: "قد كانت إحداكن تمكث في شر أحلاسها في بيتها إلى الحول فإذا كان الحول فمر كلب رمته ببعرة ثم خرجت فلا أربعة أشهر وعشرا" فإن الخليل رحمه الله قال الحلس واحد أحلاس البيت وهو كالمسح وحلست الشعر أحلسه حلسا إذا غشيته بحلس وهو ما ولي ظهر البعير ورجل متحلس إذا لزم المكان ومحلس ايضا وأرض محلسة إذا صار النبات على الأرض كالحلس لها وذكر في الاستحلاس والإحلاس وجوها كثيرة وقال أبو عبيد قوله فمر كلب رمته ببعرة بمعنى أنها كانت في الجاهلية تعتد على زوجها إذا مات عنها عاما لا تخرج من بيتها ثم تفعل ذلك في رأس الحول لتري الناس أن إقامتها حولا بعد زوجها أهون عليها من بعرة يرمى بها كلب قال وقد ذكروا هذه الإقامة عاما في أشعارهم قال لبيد يمدح قومه
وهم ربيع للمجاور فيهم ... والمرملات إذا تطاول عامها

(17/323)


ونزل بذلك القرآن قوله عز وجل {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ} ثم نسخ ذلك بقوله {يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً} فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "كيف لا تصبر إحداكن هذا القدر وقد كانت تصبر حولا" وبالله التوفيق.

(17/324)


الحديث التاسع عشر
...
حديث تاسع عشر لعبد الله بن أبي بكر مرسل
مالك عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن عطس فشمته ثم إن عطس فشمته ثم إن عطس فشمته ثم إن عطس فقل إنك مضنوك" قال عبد الله بن أبي بكر لا أدري أبعد الثلاثة أو الأربعة.
قال أبو عمر: لا خلاف عن مالك في إرسال هذا الحديث وهو حديث يتصل عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه منها حديث سلمة بن الأكوع وحديث أبي هريرة.
أخبرنا عبد الوارث بن سفيان حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا محمد بن وضاح حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا زيد بن الحباب عن عكرمة بن عمار أخبرنا إياس بن سلمة

(17/325)


ابن الأكوع عن أبيه أن رجلا عطس عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "رحمك الله" ثم عطس الثانية فقال: "هو مزكوم" هكذا قال زيد بن الحباب عن عكرمة بن عمار أن الثانية قال له فيها: "هو مزكوم" وتابعه على هذا المعنى ابن أبي زائدة عن عكرمة بن عمار.
وحدثنا عبد الله بن محمد حدثنا محمد بن بكر حدثنا أبو داود حدثنا إبراهيم بن موسى حدثنا ابن أبي زائدة عن عكرمة بن عمار عن إياس بن سلمة بن الأكوع عن أبيه "أن رجلا عطس عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال له يرحمك الله ثم عطس فقال النبي صلى الله عليه وسلم : "الرجل مزكوم" ورواه القطان عن عكرمة بن عمار فذكر أن ذلك إنما قاله في الثالثة.
حدثنا عبد الوارث بن سفيان حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا محمد بن عبد السلام حدثنا محمد بن بشار حدثنا يحيى بن سعيد عن عكرمة بن عمار حدثنا إياس بن سلمة بن الأكوع عن أبيه قال عطس رجل عند النبي صلى الله عليه وسلم فشمته ثم عطس فشمته ثم عطس فقال له في الثالثة: "إنك مزكوم".

(17/326)


وأخبرنا عبد الله بن محمد حدثنا محمد بن بكر حدثنا أبو داود حدثنا مسدد حدثنا يحيى عن ابن عجلان حدثني سعيد بن أبي سعيد عن أبي هريرة وحدثنا عبد الوارث بن سفيان حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا محمد بن عبد السلام حدثنا محمد بن بشار حدثنا محمد بن مسعدة أخبرنا ابن عجلان عن سعيد المقبري عن أبي هريرة قال شمت أخاك ثلاثا فما زاد فهو زكام هكذا أوقفه يحيى القطان وحماد بن مسعدة على أبي هريرة ورفعه الليث بن سعد على الشك.
حدثناه أحمد بن محمد ومحمد بن الحكم ومحمد بن محمد بن موسى بن نصير وخلف بن أحمد قالوا حدثنا أحمد بن مطرف حدثنا عبيد الله بن يحيى حدثني أبي يحيى بن يحيى عن الليث بن سعد وأخبرنا عبد الله بن محمد حدثنا محمد بن بكر حدثنا أبو داود حدثني عيسى بن حماد المصري حدثنا الليث بن سعد عن ابن عجلان عن سعيد بن أبي سعيد عن أبي هريرة قال لا أعلم إلا أنه رفع الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "يشمت المسلم إذا عطس ثلاث مرات فإذا زاد فهو زكامط" وقد روي حديث ابن عجلان هذا عن ابن عجلان عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم

(17/327)


وأخبرنا عبد الله بن محمد حدثنا محمد بن بكر حدثنا أبو داود حدثنا هارون بن عبد الله حدثنا مالك بن إسماعيل حدثنا عبد السلام بن حرب عن يزيد بن عبد الرحمن عن يحيى بن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أمه حميدة أو عبيدة بنت عبيد بن رفاعة الزرقي عن أبيها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "شمت العاطس ثلاثا وإن شئت بعد فشمته وإن شئت فاتركه" .
قال أبو عمر: في حديث سلمة بن الأكوع أن يشمت مرة أو مرتين ويقال له في الثالثة أنه مزكوم أو هذا زكام وفي حديث أبي هريرة وحديث الزرقي أنه يشمت ثلاثا ويقال له ذلك في الرابعة وهي زيادة يجب قبولها والقول بها أولى وبالله توفيقنا.
وأحسن ما روي في كيفية تشميت العاطس حديث من حديث أهل المدينة وحديث آخر من رواية أهل الكوفة فأما حديث أهل المدينة فحدثناه أحمد بن فتح بن عبد الله حدثنا حمزة بن محمد حدثنا عمران بن موسى بن حميد.

(17/328)


حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير حدثنا الليث بن سعد عن عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون عن عبد الله بن دينار عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إذا عطس أحدكم فليقل الحمد لله وإذا قال الحمد لله فليقل له أخوه يرحمك الله فإذا قيل له ذلك فليقل يهديكم الله ويصلح بالكم" .
وأخبرناه عبد الله بن محمد حدثنا محمد بن بكر أخبرنا أبو داود حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا عبد العزيز يعني ابن عبد الله بن أبي سلمة عن عبد الله بن دينار عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا عطس أحدكم فليقل الحمد لله على كل حال وليقل أخوه وصاحبه يرحمك الله ويقول هو يهديكم الله ويصلح بالكم" وروي من حديث عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله حدثناه عبد الوارث بن سفيان حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا ابن وضاح حدثنا منصور بن أبي مزاحم حدثنا أبو معشر عن عبد الله بن يحيى عن عمرة عن عائشة قالت: "عطس عاطس عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال ما أقول يا رسول الله قال: "قل الحمد لله" قال

(17/329)


القوم ما نقول له يا رسول الله قال: "قولوا يرحمك الله" قال ما أقول لهم يا رسول الله قال قل: "يهديكم الله ويصلح بالكم" .
وأما حديث الكوفيين فأخبرناه عبد الله بن محمد حدثنا محمد بن بكر حدثنا أبو داود حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا جرير عن منصور عن هلال بن يساف قال كان سالم بن عبيد جالسا فعطس رجل من القوم فقال السلام عليكم فقال السلام عليك وعلى أمك ثم قال لعلك وجدت مما قلت لك قال لوددت أنك لم تذكر أمي بخير ولا بشر قال إنما قلت لك كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنا بينا نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ عطس رجل من القوم فقال السلام عليكم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " وعليك وعلى أمك" ثم قال: "إذا عطس أحدكم فليحمد الله" قال فذكر بعض المحامد وليقل له من عنده: "يرحمك الله وليرد يعني عليهم يغفر الله لنا ولكم" .
حدثنا عبد الوارث بن سفيان حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا أحمد بن زهير حدثنا يحيى بن عبد الحميد حدثنا

(17/330)


أبو عوانة عن منصور عن هلال بن يساف عن رجل فيهم عن سالم بن عبيد قال كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فعطس رجل من القوم فقال السلام عليكم فقال النبي عليه السلام: "عليك وعلى أمك" ثم قال: "إذا عطس أحدكم فليقل الحمد لله رب العالمين أو الحمد لله على كل حال وليقل له من عنده يرحمك الله وليرد عليه يغفر الله لي ولكم" .
وأخبرنا عبد الله بن محمد حدثنا محمد بن بكر حدثنا أبو داود حدثنا تميم بن المنتصر الواسطي حدثنا إسحاق بن يوسف عن أبي بشر ورقاء عن منصور عن هلال بن يساف عن خالد بن عرفجة عن سالم بن عبيد عن النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الحديث.
وأخبرنا عبد الوارث بن سفيان حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا أبو قلابة عبد الملك بن محمد الرقاشي حدثني أبي حدثنا جعفر بن سليمان عن عطاء بن السائب عن أبي عبد الرحمن عن عبد الله بن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا عطس أحدكم فليقل الحمد لله رب العالمين وليقل له يرحمك الله وليقل يغفر الله لنا ولكم"

(17/331)


قال أبو عمر: على هذا الناس في تشميت العاطس قول يرحمك الله واختلفوا في كيفية رده فقال مالك لا بأس أن يقول يهديكم الله ويصلح بالكم أو يغفر الله لكم كل ذلك جائز وهو قول الشافعي قال أي ذلك قال فحسن وقال أصحاب أبي حنيفة يقول يغفر الله لكم ولا يقول يهديكم الله ويصلح بالكم وروي عن إبراهيم النخعي أنه قال يهديكم الله ويصلح بالكم شيء قالته الخوارج لأنهم لا يستغفرون للناس واختار الطحاوي قول يهديكم الله ويصلح بالكم لأنها أحسن من تحيته قال وحال من هدي وأصلح باله فوق المغفور له وروى مالك عن نافع عن ابن عمر من قوله مثله.
وأما تشميت أهل الذمة ففيه حديث حكيم بن الديلم:
حدثنا خلف بن قاسم حدثنا أحمد بن محمد المكي حدثنا علي بن عبد العزيز حدثنا أبو نعيم حدثنا سفيان عن حكيم بن الديلم عن أبي بردة عن أبي موسى قال كان اليهود يتعاطسون عند رسول الله صلى الله عليه وسلم

(17/332)


رجاء أن يقول يرحمكم الله فكان يقول يهديكم الله ويصلح بالكم انفرد به حكيم بن الديلم وهو عندهم ثقة مأمون.
وأما العاطس إذا لم يحمد الله فلا يجب تشميته.
أخبرنا عبد الله بن محمد حدثنا محمد بن بكر حدثنا أبو داود حدثنا أحمد بن يونس حدثنا زهير قال أبو داود وحدثنا محمد بن كثير أخبرنا سفيان المعنى قالا حدثنا سليمان التيمي عن أنس قال عطس رجلان عند النبي صلى الله عليه وسلم فشمت أحدهما وترك الآخر فقيل يا رسول الله رجلان عطسا فشمت أحدهما قال أحمد أو فشمت أحدهما وتركت الآخر فقال: "إن هذا حمد الله وإن هذا لم يحمد الله" .
حدثنا عبد الوارث بن سفيان وسعيد بن نصر قالا حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا ابن وضاح حدثنا أب خيثمة مصعب بن سعيد حدثنا زهير بن معاوية عن التيمي عن أنس قال عطس رجلان عند النبي صلى الله عليه وسلم فشمت أحدهما ولم يشمت الآخر فقالوا يا رسول الله شمت هذا ولم تشمت هذا قال: "لأن هذا حمد الله وهذا لم يحمده" .

(17/333)


حدثنا عبد الوارث بن سفيان وسعيد بن نصر قالا حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا محمد بن وضاح حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا قاسم بن مالك عن عاصم بن كليب عن أبي بردة عن أبي موسى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إذا عطس أحدكم فحمد الله فشمتوه وإذا لم يحمد الله فلا تشمتوه" .
قال أبو عمر: شمت وسمت لغتان معروفتان عند أهل العلم لا يختلفون في ذلك قال الخليل بن أحمد التسميت لغة في تشميت العاطس وروي عن ثعلب أنه سئل عن معنى التشميت والتسميت فقال أما التشميت فمعناه أبعد الله عنك الشماتة وجنبك ما يشمت به عليك وأما التسميت فمعناه جعلك الله على سمت حسن ونحو هذا.
قال أبو عمر وهذا كله إنما ينويه الداعي له بصلاح الحال والغفران والرحمة على ما جاء في سنة التشميت مما قد ذكرنا في هذا الباب والحمد لله.
ومن أدب العطاس أن يضع العاطس يده على فيه ويخفض بالعطسة صوته ويقول الحمد لله على كل حال

(17/334)


أخبرنا عبد الوارث بن سفيان حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا مضر بن محمد حدثنا عبد العزيز بن مقلاص أخبرنا ابن وهب أخبرني إدريس بن يحيى الخولاني أخبرني عبد الله بن عياش عن ابن هرمز عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا عطس أحدكم فليضع كفه على وجهه وليخفض صوته" .
وحدثنا عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن حدثنا محمد بن بكر حدثنا أبو داود حدثنا مسدد حدثنا يحيى عن ابن عجلان عن سمي عن أبي صالح عن أبي هريرة قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا عطس وضع يده أو ثوبه على فيه وخفض أو غض بها صوته شك يحيى.
واختلف الفقهاء في وجوب تشميت العاطس فذهب قوم إلى أن ذلك ندب لا إيجاب وأوجبه آخرون على الكفاية كرد السلام سواء وقد مضى القول في رد السلام في باب زيد بن أسلم من كتابنا هذا وقال أهل الظاهر ذلك

(17/335)


واجب متعين على كل أحد والأصل في هذا الباب ما حدثناه عبد الله بن محمد حدثنا محمد بن بكر حدثنا أبو داود حدثنا محمد بن داود بن سفيان وخشيش بن أصرم قالا حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن الزهري عن ابن المسيب عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "للمسلم على أخيه رد السلام وتشميت العاطس وإجابة الدعوة وعيادة المريض واتباع الجنائز" .
وقد تكلمنا على ما يجب من الفروض على الكفاية في صدر كتابنا كتاب جامع بيان العلم وفضله وما ينبغي في روايته وحمله فأغنى ذلك على إعادته هاهنا.
حدثنا خلف بن القاسم حدثنا أحمد بن إبراهيم بن الحداد حدثنا زكرياء بن يحيى السجزي حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن حبيب بن الشهيد حدثنا حميد بن عبد الرحمن الرؤاسي عن الحسن بن صالح عن سماك بن حرب عن

(17/336)


عكرمة عن ابن عباس قال من سلم عليك من خلق الله فاردد عليه وإن كان مجوسيا فإن الله يقول {وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا} .
وأما تشميت العاطس في الخطبة فسيأتي في باب أبي الزناد من كتابنا هذا عند ذكر قوله صلى الله عليه وسلم: "إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة والإمام يخطب أنصت فقد لغوت إن شاء الله" .

(17/337)


الحديث العشرون
...
حديث مرسل موفي عشرين لعبد الله بن أبي بكر
مالك عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه أن في الكتاب الذي كتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمرو بن حزم في العقول إن في النفس مائة من الإبل وفي الأنف إذ أوعي جدعا مائة من الإبل وفي المأمومة ثلث الدية وفي الجائفة مثلها وفي العين خمسون وفي اليد خمسون وفي الرجل خمسون وفي كل أصبع مما هنالك عشر من الإبل وفي السن خمس وفي الموضحة خمس .
لا خلاف عن مالك في إرسال هذا الحديث بهذا الإسناد وقد روي مسندا من وجه صالح وهو كتاب مشهور عند أهل السير معروف ما فيه عند أهل العلم معرفة تستغني بشهرتها

(17/338)


عن الإسناد لأنه أشبه التواتر في مجيئه لتلقي الناس له بالقبول والمعرفة وقد روى معمر هذا الحديث عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده وذكر ما ذكره مالك سواء في الديات وزاد في إسناده عن جده وروي هذا الحديث أيضا عن الزهري عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده بكماله.
وكتاب عمرو بن حزم معروف عند العلماء وما فيه فمتفق عليه إلا قليلا وبالله التوفيق.
ومما يدلك على شهرة كتاب عمرو بن حزم وصحته ما ذكره ابن وهب عن مالك والليث بن سعد عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب قال وجد كتاب عند آل حزم يذكرون أنه من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه وفيما هنالك من الأصابع عشر عشر فصار القضاء في الأصابع إلى عشر عشر.
أخبرنا عبد الرحمن بن مروان حدثنا أبو الطيب أحمد بن عمر الجريري حدثنا حامد بن شعيب البخلي وحدثنا عبد الوارث بن سفيان حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا أحمد بن

(17/339)


زهير بن حرب ومحمد بن سليمان المنقري قالوا حدثنا الحكم بن موسى حدثنا يحيى بن حمزة حدثنا سليمان بن داود قال المنقري الجزري ثم اتفقوا قال حدثنا الزهري عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب قال في حديث عبد الوارث إلى أهل اليمن ثم اتفقوا بكتاب فيه الفرائض والسنن والديات وبعث به مع عمرو بن حزم فقدم به على أهل اليمن وهذا نسخته بسم الله الرحمن الرحيم من محمد النبي صلى الله عليه وسلم إلى شرحبيل بن عبد كلال والحرث بن عبد كلال ونعيم بن عبد كلال قبل ذي رعين ومعافر وهمدان أما بعد فذكر الحديث في الصدقات إلى آخرها وفيه من اعتبط مؤمنا قتلا عن بينة فإنه قود إلا أن يرضى أولياء المقتول وفي النفس الدية مائة من الإبل وفي الأنف إذا أوعب جدعه الدية وفي اللسان الدية وفي الشفتين الدية وفي البيضتين الدية وفي الذكر الدية وفي الصلب الدية وفي العينين الدية وفي الرجل الواحدة نصف الدية وفي المأمومة نصف الدية وفي المنقلة خمس عشرة من الإبل وفي الجائفة ثلث الدية وفي كل أصبع من الأصابع من اليد والرجل عشر من الإبل وفي السن خمس من الإبل وفي الموضحة خمس من الإبل وإن الرجل يقتل بالمرأة وعلى أهل الذهب

(17/340)


ألف دينار وذكروا تمام الحديث قال أحمد بن زهير سمعت يحيى بن معين يقول الحكم بن موسى ثقة وسليمان بن داود الذي يروي عن الزهري حديث الصدقات والديات مجهول لا يعرف.
قال أبو عمر: هكذا وقع عند شيخي في أصله في المأمومة نصف الدية وهو خطأ من الكاتب والمحفوظ في هذا الحديث وغيره أن في المأمومة ثلث الدية لا يختلف العلماء في ذلك من السلف والخلف وأهل العراق يقولون لها الأمة وأهل الحجاز المأمومة وكذلك في كتاب عمرو بن حزم المأمومة فيها ثلث الدية كذلك نقل الثقات.
وأما ما في حديث مالك من الفقه فقوله في النفس مائة من الإبل وهذا موضع فيه تنازع بين العلماء بعد إجماعهم أن على أهل الإبل في دية النفس إذا أتلفت خطأ مائة من الإبل لا خلاف بين علماء المسلمين في ذلك ولا يختلفون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعلها كذلك وإنما تنازعوا واختلفوا في الدية على أهل الورق والذهب واختلفوا أيضا هل يؤخذ فيها الشاء والبقر والحلل أم لا تكون إلا

(17/341)


في الثلاثة الأصناف الإبل والذهب والورق على حسبما نورده في هذا الباب مهذبا ممهدا إن شاء الله.
ذكر عبد الرزاق عن معمر عن الزهري قال كانت الدية على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مائة بعير لكل بعير أوقية فذلك أربعة آلاف فلما كان عمر غلت الإبل ورخصت الورق فجعلها عمر أوقية ونصفا ثم غلت الإبل ورخصت الورق فجعلها عمر أوقيتين فذلك ثمانية آلاف ثم لم تزل الإبل تغلو ويرخص الورق حتى جعلها عمر اثني عشر ألفا أو ألف دينار ومن البقر مائتا بقرة ومن الشاة ألفا شاة.
وذكر عبد الرزاق أيضا عن ابن جريج عن عطاء قال كانت الدية الإبل حتى كان عمر فجعلها لما غلت الإبل عشرين ومائة لكل بعير قال قلت لعطاء فإن شاء القروي أعطى مائة ناقة أو مائتي بقرة أو ألفي شاة ولم يعط ذهبا قال نعم إن شاء أعطى إبلا ولم يعط ذهبا هو الأمر الأول قال قلت لعطاء أيعطي القروي إن شاء بقرا أو غنما قال لا يتعاقل أهل القرى من الماشية غير الإبل يقول هو عقلهم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عطاء وكان

(17/342)


يقال على أهل الإبل الإبل وعلى أهل الذهب الذهب وعلى أهل الورق الورق وعلى أهل الغنم الغنم وعلى أهل البز الحلل قال قلت لعطاء البدوي صاحب البقر والشاء أله أن يعطي إبلا إن شاء وإن كره المتبع قال ما أرى إلا أنه ما شاء المعقول له هو حقه له ماشية العاقل ما كانت لا تصرف إلى غيرها إن شاء قال ابن جريج وأخبرنا ابن طاوس عن أبيه أنه كان يقول على الناس كلهم أجمعين أهل القرية وأهل البادية مائة من الإبل فمن لم تكن عنده إبل فعلى أهل الورق الورق وعلى أهل البقر البقر وعلى أهل الغنم الغنم وعلى أهل البز البز قال يعطون من أي صنف كان بقيمة الإبل ما كانت ارتفعت أو انخفضت قيمتها يومئذ قال طاوس وحق المعقول له الإبل قال ابن جريج وقال عمرو بن شعيب "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقيم الإبل على أهل القرى أربعمائة دينار أو عدلها من الورق ويقيمها على أثمان الإبل فإذا غلت رفع في قيمتها وإذا هانت نقص من قيمتها على أهل القرى على نحو الثمن ما كان" قال وقضى أبو بكر في الدية

(17/343)


على القرى حي كثر المال وغلت الإبل فأقام مائة من الإبل بستمائة دينار إلى ثمانمائة دينار وقضى عمر في الدية على أهل القرى اثني عشر ألف درهم قال إني أرى الزمان تختلف فيه الدية تختفض مرة من قيمة الإبل وترتفع مرة أخرى وأرى المال قد كثر قال وأنا أخشى عليكم الحكام بعدي وأن يصاب الرجل المسلم فتهلك ديته بالباطل وأن ترتفع ديته بغير حق فتحمل على أقوام مسلمين فتجتاحهم فليس على أهل القرى زيادة في تغليظ عقل ولا في الشهر الحرام ولا في الحرمة وعلى أهل القرى فيه تغليظ لا يزاد فيه على اثني عشر ألفا وعلى أهل البادية على أهل الإبل مائة من الإبل على أسنانها كما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى أهل البقر مائتا بقرة وعلى أهل الشاء الفا شاة ولم أقسم على أهل القرى إلا عقلهم يكون ذهبا وورقا فيقام عليهم ولو كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى على أهل القرى في الذهب والورق عقلا مسمى لا زيادة فيه لاتبعنا قضاء رسول الله فيه ولكنه يقيمه على أثمان الإبل.
قال أبو عمر: الأحاديث التي ذكرنا في هذا الباب عن الزهري وعطاء وعمرو بن شعيب مرسلة وفيه أحاديث

(17/344)


مسندة سنذكرها بعد ذكر أقاويل الفقهاء في هذا الباب حجة لهم وتنبيها على أصولهم إن شاء الله وإنما مدار هذا الباب عند الفقهاء على حديث عمرو بن حزم وما كان مثله في النفس مائة من الإبل وعلى ما قضى به عمر بن الخطاب على أهل الذهب والورق والشاء والبقر على اختلاف الروايات عنه في ذلك على حسبما نذكرها إن شاء الله.
وأما اختلاف التابعين في هذا الباب فمضطرب جدا ومنه شذوذ مخالف للآثار المسندة.
وأما أقاويل الفقهاء فإن مالكا والشافعي في أحد قوليه وأبا حنيفة وزفر ذهبوا إلى أن الدية من الإبل والدنانير والدراهم لا غير ولم يختلفوا هم ولا غيرهم أن الإبل مائة من الإبل وكذلك لم يختلفوا أن الذهب ألف دينار واختلفوا في الورق فذهب مالك أن الدية من الورق اثنا عشر ألف درهم على ما بلغه عن عمر بن الخطاب أنه قوم الدية على أهل القرى فجعلها على أهل الذهب ألف دينار وعلى أهل الورق اثني عشر ألف درهم قال مالك وأهل الذهب أهل الشام وأهل مصر وأهل الورق أهل العراق وكذلك قال الشافعي في أحد قوليه أن الدية على أهل الورق اثنا عشر ألف درهم وقال المزني قال الشافعي الدية

(17/345)


الإبل فإن أعوزت الإبل فقيمتها بالدنانير والدراهم على ما قومها عمر بن الخطاب ألف دينار على أهل الذهب واثنا عشر ألف درهم على أهل الورق وذكر قول عطاء كانت الدية الإبل حتى قومها عمر قال الشافعي والعلم محيط بأنه لم يقومها إلا قيمة يومها للإعواز قال ولا تقوم بغير الدنانير والدراهم قال ولو جاز أن تقوم بغير الدنانير والدراهم جعلنا على أهل الخيل الخيل وعلى أهل الطعام الطعام وهذا لا يقوله أحد.
قال أبو عمر: قد قاله بعض من شذ في قوله قال المزني وقوله القديم على أهل الذهب ألف دينار وعلى أهل الورق اثنا عشر ألف درهم قال ورجوعه عن القديم رغبة عنه إلى الجديد هو أشبه بالسنة.
قال أبو عمر: حجة من جعل الدية من الورق اثني عشر ألف درهم ما أخبرناه عبد الله ابن محمد قال أخبرنا محمد بن بكر حدثنا أبو داود حدثنا محمد بن سليمان الأنباري حدثنا زيد بن الحباب عن محمد بن مسلم عن عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس أن رجلا من بني عدي قتل فجعل النبي صلى الله عليه وسلم ديته اثني عشر ألفا قال أبو داود رواه ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن

(17/346)


عكرمة عن النبي صلى الله عليه وسلم لم يذكرا ابن عباس.
قال أبو عمر: ليس لمن خالف هذا وقال بعشرة آلاف درهم من الورق في الدية عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث لا مرسل ولا مسند وأما الذي جاء عن عمر في الإثني عشر ألفا فحدثنا عبد الله بن محمد أيضا حدثنا محمد بن بكر حدثنا أبو داود حدثنا يحيى بن حكيم حدثنا عبد الرحمن بن عثمان حدثنا حسين المعلم عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال كانت الدية على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمانمائة دينار وثمانية آلاف درهم ودية أهل الكتاب يومئذ على النصف من دية المسلمين قال وكان كذلك حتى استخلف عمر فقام خطيبا فقال ألا إن الإبل قد غلت ففرضها عمر على أهل الذهب ألف دينار وعلى أهل الورق اثني عشر ألفا وعلى أهل البقر مائتي بقرة وعلى أهل الشاء ألفي شاة وعلى أهل الحلل مائتي حلة قال وترك دية أهل الذمة لم يرفعها فيما رفع من الدية

(17/347)


وذكر عبد الرزاق عن ابن جريج قال أخبرني يحيى بن سعيد أن عمر بن الخطاب فرض الدية من الذهب ألف دينار ومن الورق اثني عشر ألف درهم وروى ابن أبي نجيح عن أبيه أن عثمان قضى في الدية اثني عشر ألف درهم وروى نافع بن جبير بن مطعم عن ابن عباس مثل ذلك وروى الشعبي عن الحارث عن علي قال الدية اثنا عشر ألفا وروى هشيم عن يونس عن الحسن أن عمر قوم الإبل في الدية كل بعير بعير بمائة وعشرين درهما اثني عشر ألفا فهذا ما في الإثني عشر ألفا عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن عمر وعثمان وعلي وابن عباس رضي الله عنهم إلا أن الآثار عن عمر منها ما يدل على أن الورق والذهب إنما جعلها قيمة للإبل ولم يجعلها أصلا في الدية ومنها ما يدل على أنه جعل الدية من الذهب والورق وكذلك الآثار كلها عن الصحابة في هذا الباب تحتمل التأويل على حسب ما ذكرنا عن عمر وقال أبو حنيفة وأصحابه والثوري الدية من الورق عشرة آلاف درهم وحجتهم في ذلك ما رواه الشعبي عن عبيدة عن عمر أنه جعل الدية على أهل الذهب ألف دينار وعلى أهل الورق عشرة آلاف درهم وعلى أهل البقر مائتي بقرة وعلى أهل الشياه ألف شاة وعلى أهل الإبل مائة من الإبل وعلى أهل الحلل مائتي حلة.

(17/348)


قال أبو عمر: في هذا الحديث عن عمر ما يدل على أن الدراهم والدنانير صنف من أصناف الدية لا على وجه البدل والقيمة وكذلك يدل ظاهر حديث يحيى بن سعيد أيضا عن عمر وهو الظاهر في الحديث عن علي وعثمان وابن عباس والله أعلم.
وأما مالك والشافعي وأبو حنيفة فإنهم لا يرون أن يؤخذ في الدية شيء إلا الإبل أو الذهب أو الورق لا غير وكذلك قال الليث بن سعد قال مالك لا يقبل من أهل الإبل إلا الإبل ولا من أهل الذهب إلا الذهب ولا من أهل الورق إلا الورق وقال أبو يوسف ومحمد بن الحسن الدية من الرقة عشرة آلاف درهم على أهل الورق ومن الذهب ألف دينار على أهل الذهب وعلى أهل الإبل مائة بعير وعلى أهل البقر مائتا بقرة وعلى أهل الشاء ألفا شاة وعلى أهل الحلل مائتا حلة يمانية قال ولا يؤخذ في البقر إلا الثني فصاعدا ولا يؤخذ من الحلل إلا اليمانية قيمة كل حلة خمسون درهما فصاعدا ومذهب الثوري في ذلك كمذهب أبي يوسف ومحمد وذكره الثوري عن عمر ولم يخالفه وأما أبو حنيفة فخالف ما رواه في ذلك عن عمر في البقر والشاء والحلل.

(17/349)


قال أبو عمر: روي ذلك عن عمر من حديث الشعبي وغيره وبه قال عطاء وطاوس وطائفة من التابعين وهو قول الفقهاء السبعة المدنيين.
واختلف الفقهاء أيضا في أسنان دية الخطأ إذا قضي بالدية إبلا فقال مالك والشافعي وأصحابهما دية الخطأ أخماسا وكذلك قال أبو حنيفة وأصحابه إلا أنهم اختلفوا في الأسنان من كل صنف فقال مالك والشافعي عشرون بنت مخاض وعشرون ابن لبون وعشرون بنت لبون وعشرون حقة وعشرون جذعة وقال أبو حنيفة عشرون ابن مخاض وعشرون بنت مخاض وعشرون بنت لبون وعشرون حقة وعشرون جذعة وهو قول عبد الله بن مسعود وراه الثوري وشعبة وغيرهما عن منصور عن إبراهيم عن عبد الله بن مسعود وروى زيد بن جبير عن خشف بن مالك عن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله مرفوعا

(17/350)


إلا أن خشف بن مالك ليس بمعروف.
وأما قول مالك والشافعي فروي عن سليمان بن يسار وليس فيه عن صاحب شيء ولكنه عليه أهل المدينة وكذلك حكى ابن جريج عن ابن شهاب وذكر معمر عن ابن شهاب أن دية الخطأ أرباعا ثلاثون حقة وثلاثون جذعة وعشرون ابنة مخاض وعشرون ابن لبون وكذلك روى معمر وابن جريج عن ابن طاوس عن أبيه وروى أبو إسحاق عن عاصم بن ضمرة عن علي في دية الخطأ أرباعا خمس وعشرون جذعة وخمس وعشرون حقة وخمس وعشرون بنت مخاض وخمس وعشرون بنت لبون وبهذا قال عطاء إلا أنه جعل مكان بنات لبون بني لبون وروى سليمان بن موسى عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى أن ن قتل خطأ فديته مائة من الإبل ثلاثون بنت مخاض وثلاثون بنت لبون وثلاثون حقة وعشر ابن لبون ذكره أبو داود قال حدثنا هارون بن زيد بن أبي الزرقاء حدثني أبي حدثنا محمد بن راشد أخبرنا سليمان بن موسى فذكره وذكر معمر عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في دية الخطأ مثل ذلك سواء.

(17/351)


قال أبو عمر: اتفق مالك وأبو حنيفة والشافعي وأصحابهم على أن دية الخطأ أخماسا على حسب ما ذكرنا عنهم من اختلافهم في أسنان الإبل واتفق مالك وأبو حنيفة على أن دية العمد إذا قبلت ودية العمد الذي لا قصاص فيه أرباعا خمس وعشرون بنت مخاض وخمس وعشرون بنت لبون وخمس وعشرون حقة وخمس وعشرون جذعة.
وأما الشافعي فالديات عنده ديتان مخففة ومغلظة إحداهما وهي المخففة دية الخطأ أخماسا على ما قدمنا ذكره عنه وعن مالك وهو قول سليمان بن يسار وابن شهاب وأهل المدينة والأخرى المغلظة في العمد الذي لا قصاص فيه وفي شبه العمد والتغليظ عنده في ذلك كله سواء وليس عند الشافعي دية تؤخذ أرباعا.
وأما مالك وأبو حنيفة فالديات عندهما ثلاث ديات دية الخطأ على ما ذكرنا عنهما وعن كل واحد منهما ودية العمد الذي لا قصاص فيه والدية المغلظة واتفق مالك والشافعي وأبو حنيفة وأبو يوسف على أن الدية المغلظة ثلاثون حقة وثلاثون جذعة وأربعون خلفة في بطونها أولادها وخالفهم محمد بن الحسن فقال في المغلظة ثلاث وثلاثون حقة وثلاث وثلاثون جذعة وأربع وثلاثون خلفة.

(17/352)


قال أبو عمر فالديات عند مالك وأبي حنيفة ثلاث ديات دية الخطأ أخماسا ودية العمد الذي لا قصاص فيه أرباعا والدية المغلظة أثلاثا على حسبما ذكرنا عنهم إلا أن محمد بن الحسن خالفهم في أسنان الدية المغلظة على حسب ما ترى وروي مثل قول محمد بن الحسن عن زيد بن ثابت وهو صحيح مشهور عنه وروي مثل قول مالك والشافعي وأبي حنيفة في أسنان الدية المغلظة عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه.
واختلفوا فيما تغلظ فيه الدية فقال مالك الدية تغلظ على الأب في قتله ابنه وكذلك الجد لا غير ولا تغلظ الدية في غير ذلك وأنكر شبه العمد ولم يعرفه والتغليظ عند مالك في النفس وفي الجراح على أهل الإبل في الجنس وعلى أهل الذهب والورق زيادة اعتبارا بقيمة الإبل وقال أبو حنيفة وأصحابه لا تغلظ الدية إلا في شبه العمد قالوا والتغليظ في النفس دون الجراح وقال الشافعي تغلظ في شبه العمد وفي العمد الذي لا قصاص فيه التغليظ في ذلك سواء قال والتغليظ في النفس والجراح جميعا.

(17/353)


قال أبو عمر: قد ذكرنا شبه العمد ومعناه وما للعلماء فيه من التنازع والمعاني في كتاب الأجوبة عن المسائل المستغربة والحمد لله.
قال أبو عمر: دية الخطأ تكون أخماسا عند مالك والشافعي ومن تابعهما على ما ذكرنا عنهم وعن أهل المدينة عشرون بنت مخاض وعشرون ابن لبون وعشرون بنت لبون وعشرون حقة وعشرون جذعة وتكون أيضا أخماسا عند أبي حنيفة والثوري والكوفيين على ما ذكرنا عنهم وعن ابن مسعود في ذلك عشرون ابن مخاض وعشرون بنت مخاض وعشرون بنت لبون وعشرون حقة وعشرون جذعة فالاختلاف بين الحجازيين والعراقيين في هذه المسألة أن جعلوا مكان ابن لبون ابن مخاض فافهم وقال أبو جعفر الطحاوي قول من جعل في الخطأ مكان ابن لبون ابن مخاض أولى لأن بني اللبون أعلى من بني المخاض فلا تثبت هذه الزيادة إلا بتوقيف وقال أبو بكر الرازي وأيضا فإن ابن لبون بمنزلة ابنة مخاض فيصير موجبه بمنزلة موجب أربعين بنت مخاض.
قال أبو عمر: أسنان الإبل في الديات لم تؤخذ قياسا ولا نظرا وإنما أخذت اتباعا وتسليما وما أخذ من جهة الأثر

(17/354)


فلا مدخل فيه للنظر فكل يقول بما قد صح عنده عن سلفه رضي الله عنهم أجمعين والذي ذكره أهل اللغة في بنات اللبون وبنات المخاض وبني اللبون غير ما ذكره الرازي وذلك أن أبا إسحاق الحربي ذكر عن أبي نصر عن الأصمعي قال لقاح الإبل وأن تحمل سنة وتجم سنة فإذا وضعت الناقة وانقطع لبنها وحملت لتمام سنة من يوم وضعته سميت المخاض وولدها ابن مخاض وبنت مخاض فإذا أتى على حمل أمه عشرة أشهر فهي العشراء والعشار فإذا وضعت لتمام سنة فالولد ابن لبون والأنثى بنت لبون لأنه قد صار لأمه لبن من الحمل الذي كان بعده فإذا مضت السنة واستحقت أمه حملا آخر فهو حق سنة والأنثى حقة فإذا مضت الرابعة ودخلت الخامسة فهو جذع والأنثى جذعة ولم يلق سنا ثم هو في السادسة ثني والأنثى ثنية فإذا دخلت السابعة فهو رباع والأنثى رباعية فهذا قول الأصمعي فيما ذكر الحربي.
وأخبرنا عبد الوارث بن سفيان أخبرنا قاسم بن أصبغ حدثنا أحمد بن زهير أخبرنا عبد الله بن ياسين قال قال أبو عبيدة إذا مضى الحول فطم الفصيل وذلك في الربيع ولا يفطم حتى يأكل البقول فإذا كان عقب الربيع بعد رعي السعدان فطمت الفصلان في رأس الحول وتلقح أمهاتها حين

(17/355)


تفطم فهي حينئذ بنات مخاض إلى أن تنتج أمهاتها في رأس العامين من تمام حولين وهي الى أن تمضي الحولان بنو مخاض فإذا نتجت أمهاتها في رأس الحول من العام الثاني بعد ما يتم لبنات المخاض حولان من النتاج فهي بنات لبون حتى تستوفي العام الثالث فإذا كان رأس ثلاث سنين لقحت أمهاتها أو لم تلقح فهي حقاق الذكر حق والأنثى حقة فهي كذلك حقاق حتى تستوفي أربع سنين فإذا كان رأس أربع سنين نتجت أمهاتها أو لم تنتج فهي جذاع وجذع وجذعان الذكر جذع والنثى جذعة وهي كذلك جذاع حتى تستوفي خمس سنين وإذا كان رأس الخمس سنين فهي الثني والثنيان جمع الذكور منها والذكر الواحد ثني والأنثى ثنية حتى تستوفي ست سنين فإذا كان رأس ست سنين فهي ربع الذكر رباع والإنثى رباعية فهي كذلك حتى تستوفي سبع سنين فإذا كان رأس سبع سنين فهي سدس الذكر والأنثى سواء سديس وسدس فهي كذلك حتى تستوفي ثماني سنين فإذا كان رأس ثماني سنين فهي بزل وبزل الذكر بازل والأنثى بزول إلى تسع سنين ويقال أول ما يخرج بازله وهو نابه فطر نابه ثم يكون مخلف عام ومخلف عامين ومخلف ثلاثة أعوام ومخلف أربعة أعوام ومخلف خمسة أعوام فإذا جاوز خمسة أعوام ببزله فهو عود.

(17/356)


قال أبو عمر: هذا كله قول أبي عبيدة وقال أبو عبيد عن غير واحد إذا دخل في السنة الرابعة فهو حق والأنثى حقة لأنها استحقت أن يحمل عليها واستحق أن يحمل عليه ويركب فإذا دخل في الخامسة فهو جذع وجذعة فإذا دخل في السادسة وألقى ثنيته فهو ثني فإذا دخل في السابع فهو رباع ورباعية فإذا دخل في الثامنة فألقى السن الذي بعد الرباعية فهو سديس وسدس فإذا دخل في التاسعة فطر نابه وطلع فهو بازل فإذا دخل في العشار فهو مخلف ثم ليس له اسم ولكن يقال بازل عام وبازل عامين ومخلف عام ومخلف عامين إلى ما زادت قال أبو عبيد وإذا لقحت الناقة فهي خلفة فلا تزال خلفة إلى عشرة أشهر فإذا بلغت عشرة أشهر فهي عشراء وقال النضر بن شميل بنت مخاض لسنة وبنت لبون لسنتين وحقة لثلاث وجذعة لأربع وثني لخمس ورباع لست وسديس لسبع وبازل لثمان وقال أبو حاتم قال بعضهم إذا ألقى رباعيته فهو رباع وإذا ألقى ثنيته فهو ثني لا أدري أسمعته من الأصمعي أم لا وقال الأصمعي والجذوعة وقت وليس بسن.
قال أبو عمر أجمع العلماء على أن ديات الرجال شريفهم ووضيعهم سواء إذا كانوا أحرارا مسلمين وكذلك ذكور الصبيان في دياتهم كآبائهم الطفل والشيخ في ذلك سواء وكذلك الطفلة كأمها في ديتها.

(17/357)


وقد أجمع العلماء على أن دية المرأة على النصف من دية الرجل إلا أن العلماء في جراح النساء مختلفون فكان مالك والليث وجمهور أهل المدينة يقولون يستوي الرجل والمرأة في عقل الجراح حتى تبلغ ثلث دية الرجل ثم تكون دية المرأة على النصف وهو قول زيد بن ثابت وسعيد بن المسيب وعروة والزهري والفقهاء السبعة وربيعة وابن أبي سلمة ويحيى ابن سعيد وأبي الزناد.
وقالت طائفة من أهل العلم تعاقل المرأة الرجل إلى دية الموضحة ثم تعود إلى النصف من ديته] وقال الثوري وأبو حنيفة والشافعي دية المرأة وجراحها على النصف من دية الرجل فيما قل أو كثر وهو قول علي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود وجماعة من التابعين وإنما صرت ديتها والله أعلم على النصف من دية الرجل من أجل أن لها نصف ميراث الرجل وشهادة امرأتين بشهادة رجل وهذا إنما هو في دية الخطأ وأما العمد ففيه القصاص بين النساء والرجال لقول الله عز وجل {النَّفْسَ بِالنَّفْسِ} ، {وَالْحُرُّ بِالْحُرِّ} ولتكافؤ دماء المؤمنين الأحرار.

(17/358)


واختلف العلماء أيضا في ديات الكفار فقال مالك دية أهل الكتاب على النصف من دية المسلم ودية المجوسي ثمانمائة درهم وديات نسائهم على النصف من ذلك وهو قول أحمد بن حنبل [وذكر مالك في الموطأ أنه بلغه أن عمر بن عبد العزيز قضى أن دية اليهودي والنصراني إذا قتل أحدهما مثل نصف دية الحر المسلم وهذا المعنى قد روى فيه سليمان بن بلال عن عبد الرحمن بن الحارث بن عياش بن أبي ربيعة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل دية اليهودي والنصراني على النصف من دية المسلم وعبد الرحمن هذا قد روى عنه الثوري وسليمان بن بلال وقد روى ابن إسحاق هذا الحديث عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله] وقال الشافعي دية اليهودي والنصراني ثلث دية المسلم ودية المجوسي ثمانمائة درهم وحجته أن قوله أقل ما قيل في ذلك والذمة بريئة إلا بيقين أو حجة وقال أبو حنيفة والثوري وعثمان البتي

(17/359)


والحسن بن حي الديات كلها سواء دية المسلم واليهودي والنصراني والمجوسي والمعاهد والذمي وهو قول سعيد بن المسيب ومجاهد وعطاء والزهري.
قال أبو عمر: الآثار في هذا الباب مختلفة المرفوعة منها والموقوفة واختلاف السلف في هذه المسألة واعتلالهم لأقاويلهم يطول ويكثر وليس ذلك مما يجب الإتيان به على شرطنا ولو ذكرنا ذلك وذكرنا أصول مسائل القصاص بين العبيد والأحرار والمسلمين والكفار لخرجنا عما له قصدنا في تأليفنا ولكنا إنما تعرضنا لتبيين ما في حديثنا في هذا الباب من المعاني والله المعين لا شريك له.
ومن أعلى ما روي من الآثار في ديات الكفار ما رواه ابن إسحاق عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عام الفتح في خطبته: "دية الكافر المعاهد نصف دية المسلم" وروى ابن إسحاق أيضا عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس في قصة بني قريظة والنضير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم

(17/360)


جعل ديتهم سواء دية كاملة [فاحتج بهذا الخبر من ذهب مذهب أبي حنيفة في ذلك واحتجوا أيضا بقوله عز وجل {وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} فأما ما احتجوا به من الأثر فإنه حديث فيه لين وليس في مثله حجة] وأما قوله عز وجل {وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} فمعناها عند أهل الحجاز مردود على قوله {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً} ثم قال {وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ} يريد ذلك المؤمن والله أعلم [وقوله {فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ} على لفظ النكرة ليس يقتضي دية بعينها] واختلف عن أبي بكر وعمر وعثمان في دية الكافر فروي عنهم في ذلك القولان جميعا وبالله التوفيق.
قال أبو عمر: أما قوله في هذا الحديث وفي الأنف إذا أوعي جدعا فهكذا هو عندنا في الموطأ أوعي وكذلك رواه جماعة في غير الموطأ عن غير واحد من سلف أهل العلم

(17/361)


والفقه من أهل الحجاز وغيرهم ورواه بعضهم وفي الأنف إذا أوعب جدع أو أوعب جدعا رواه هكذا جماعة أيضا وهذا اللفظ عند أهل اللغة أولى لأن الوعب إيعابك الشيء تقول العرب أوعبت الشيء واستوعبته إذا استأصلته وأما الجدع في كلام العرب فالقطع للأنف والأذن جميعا دون غيرهما هذا أصل اللفظة يقال منه رجل أجدع ومجدوع وقد جدع أنفه وجدعت أذنه ولا يختلف العلماء أن الأنف إذا استؤصل بالجدع والقطع فيه الدية كاملة مائة من الإبل أو على ما ذكرنا من مذاهبهم في الدية على أهل الذهب وأهل الورق ومذاهبهم في أسنان الإبل في ذلك وقد اختلفوا في المارن إذا قطع ولم يستأصل الأنف كله فذهب مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابهم إلى أن في ذلك الدية كاملة ثم إن قطع منه بعد ذلك شيء ففيه حكومة قال مالك الذي فيه الدية من الأنف أن يقطع المارن وهو دون العظم قال ابن القاسم وسواء قطع المارن من العظم واستؤصل الأنف من العظم من تحت العينين إنما فيه الدية كالحشفة فيها الدية وفي استئصال الذكر الدية قال ابن القاسم وإذا خزم الأنف أو كسر فبرأ على عثم ففيه الاجتهاد وليس فيه دية

(17/362)


معلومة وإن برأ على غير عثم فلا شيء فيه قال وليس العمل عند مالك على ما قيل إن في كل نافذة في عضو من الأعضاء ثلث دية ذلك العضو قال وليس الأنف إذا خزم فبرأ على غير عثم كالموضحة تبرأ على غير عثم فتكون فيها ديتها لأن تلك جاءت بها السنة وليس في خزم الأنف أثر قال والأنف عظم منفرد ليس فيه موضحة وقال الشافعي في الأنف إذا أوعي مارنه جدعا الدية.
قال أبو عمر: مارن الأنف طرفه ومقدمه وهو مما لان منه وفيه جماله كله وقد روي عن مجاهد وعطاء أن في الأنف جائفة قال مجاهد ثلث الدية فإن نفذت فالثلثان وعن عمر بن الخطاب أنه جعل في إحدى قصبتي الأنف حقتين وعن عمر بن عبد العزيز قال إذا كسر الأنف كسرا يكون شيئا فسدس دية قال وإن هشم فعرضت منه الغنة والبحح وفساد الكلام فنصف الدية قال وإن هبر المارن فصار مهبورا ففيه ثلث الدية قال وإن لم يكن فيه عيب ولا غنة ولا ريح توجد منه فربع الدية قال وإن ضرب أنفه فبرأ على غير عثم غير انه لا يجد ريحا طيبة ولا منتنة

(17/363)


فله عشر الدية قال وإذا أوعي جدعه ففيه الدية قال وما أصيب منه دون ذلك فبحساب ذلك ذكره عبد الرزاق عن ابن جريج عن عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز عن أبيه وهو محفوظ عنه من وجوه ولكن الفقهاء على مخالفته في ذلك وقد يحتمل أن يكون ذلك منه على وجه الحكومة لا على التوقيف وذكر ابن جريج عن ابن أبي نجيح عن مجاهد أنه كان يقول في الروثة من الأنف الثلث فإذا بلغ المارن العظم فالدية وافية فإن أصيبت من الروثة الأرنبة أو غيرها ما لم تبلغ العظم فبحساب الروثة وقال معمر عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في روثة الأنف ثلث الدية وذكر معمر عن رجل عن عكرمة قال قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأنف إذا جدع كله بالدية وإذا جدعت روثته بنصف الدية قال وقضى بذلك عمر وذكر ابن جريج عن عمرو بن شعيب قال قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأنف إذ اجدع كله بالعقل كاملا وإذا جدعت روثته فنصف العقل خمسين من الإبل أو عدلها من الذهب أو الورق أو البقر أو الشاء.
قال أبو عمر: اتفق مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابهم على أن الأنف لا جائفة فيه ولا جائفة عندهم إلا فيما كان في الجوف وأن الدية تجب في قطع مارن الأنف والمارن ما لان من الأنف كذلك قال الخليل وغيره وأظن روثته

(17/364)


مارنه وأرنبته طرفه وقد قيل الأربنة والروثة والعرتمة طرف الأنف وأما الهبر فهو القطع في اللحم والمهبور المقطوع منه والهبرة بضعة من اللحم والمنخران السمان اللذان يخرج منهما النفس والخياشيم عظام رقاق فيما بين أعلاه إلى الرأس ويقال الخياشيم عروق في باطن الأنف والأخشم الذي قد منع الشم.
قال أبو عمر: الذي عليه الفقهاء مالك والشافعي والكوفيون ومن تبعهم في الشم إذا نقص أو فقد حكومة ويحتمل كل ما جاء في هذا الباب عن عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز ومجاهد وغيرهم أن يكون على وجه الحكومة والله أعلم فلا يكون مخالفا لما عليه الفقهاء في ذلك وأما قوله في حديثنا المذكور في هذا الباب وفي المأمومة ثلث الدية فالمأمومة لا تكون إلا في الرأس وهي التي تخرق إلى جلد الدماغ وفيها ثلث الدية وهي أمر مجتمع عليه على ما في كتاب عمرو بن حزم الذي كتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهل اليمن على حسب ما ذكرنا من ذلك في هذا الباب ويقال للمأمومة الآمة كذلك يقول لها أهل العراق وقال أهل الحجاز المأمومة وأما الجائفة فكل ما خرق إلى الجوف من بطن أو ظهر أو ثغرة النحر وفيها ثلث الدية لا يختلفون في ذلك أيضا على ما في كتاب عمرو بن حزم فإن نفذت من جهتين

(17/365)


فهي عندهم جائفتان وفيها من الدية الثلثان واختلف قول مالك في عقل المأمومة والجائفة فقال عقلهما في العمد والخطأ في كل واحدة منهما على العاقلة وقال أيضا إن كان لجانيهما عمدا مال فالعقل في ماله فإن لم يكن له مال فالعقل على عاقلته وبهذا كان يأخذ ابن كنانة وكان ابن القاسم يقول كل من أصاب من أحد شيئا من جسده وله مثل الذي أصاب فلم يكن إلى القصاص سبيل لسنة مضت فيه فدية ذلك على العاقلة إذا بلغ ذلك ثلث الدية عمدا كان أو خطأ مثل المأمومة والجائفة قال وكل من أصاب شيئا من أحد من الناس عمدا مما فيه القصاص إلا أنه ليس له مثله فلم يوجد إلى القصاص سبيل فإن ذلك على الجاني في ماله إن كان له مال وإلا اتبع به مثل دية الرجل واليد والذكر.
قال أبو عمر: الذي عليه جمهور العلماء وعامة الفقهاء أن العاقلة لا تحمل عمدا ولا اعترافا ولا صلحا ولا تعقل عمدا ولا تحمل من دية الخطأ إلا ما جاوز الثلث وقد روي عن مالك مثل ذلك كله وهو الصحيح في مذهبه إن شاء الله.
قال أبو عمر لا يختلفون أن الموضحة فيها خمس من الإبل على ما في كتاب عمرو بن حزم أيضا والموضحة عندهم هي التي توضح عن العظم وتبرزه حتى ينظر إليه في الرأس خاصة ولا تكون في البدن موضحة بحال وعلى ذلك جماعة

(17/366)


الفقهاء إلا الليث بن سعد فإنه قال الموضحة تكون في الجسد أيضا وقال الأوزاعي الموضحة في الوجه والرأس سواء قال وهي في جراحة الجسد على النصف مما في جراحة الرأس واتفق مالك والشافعي وأبو حنيفة والبتي وأصحابهم أن الموضحة لا تكون إلا في الوجه والرأس ولا تكون الجائفة إلا في الجوف وقال الشافعي وأبو يوسف لا تكون الموضحة ولا المنقلة ولا الهاشمة ولا السمحاق ولا الباضعة ولا المتلاحمة ولا الدامية إلا في الرأس والجبهة والصدغين واللحيين وموضع اللحم من اللحيين والذقن وقال الشافعي كل جرح عند الوجه والرأس ففيه حكومة إلا الجائفة ففيها ثلث النفس وقال مالك المأمومة والمنقلة والموضحة لا تكون إلا في الرأس والوجه ولا تكون المأمومة إلا في الرأس خاصة إذا وصل إلى الدماغ قال والموضحة ما تكون في جمجمة الرأس وما

(17/367)


دونها فهو من العنق ليس فيه موضحة قال مالك والأنف ليس من الرأس فليس فيه موضحة وكذلك اللحي الأسفل ليس فيه موضحة وقال مالك في الخد موضحة فإن شانت الوجه زيد في الأرش فإن لم تشن لم يزد على أرش الموضحة وذلك على الاجتهاد قال ولم يأخذ مالك بقول سليمان بن يسار في موضحة للوجه أنه يزاد فيها لشينها ما بينك وبين نصف عقلها قال مالك وما سمعت أحدا قاله غيره وقال أشهب لا يزاد لشينها شيء كانت في الوجه أو في الرأس قال مالك والجائفة ما أفضت إلى الجوف وقال ابن القاسم حد الموضحة ما أفضى إلى العظم ولو بقدر إبرة كانت في الوجه أو في الرأس والمنقلة التي تطير فراشها من العظم وإن قل ولا تخرق إلى الدماغ إذا استوقن أنه من الفراش والجائفة ما أفضى إلى الجوف ولو بمدخل إبرة قال فإن نفذت من الجانب الآخر ففيها ثلثا الدية وهو أحسن قول مالك.
قال أبو عمر: لا خلاف أن المنقلة فيها خمس عشرة من الإبل ولا تكون إلا في الرأس قال أشهب وكل ما ثقب

(17/368)


منه فوصل إلى الدماغ فهو من الرأس وقال أشهب وابن القاسم ليس في موضحة الجسد ومنقلته ومأمومته إلا الاجتهاد.
قال أبو عمر: كذلك مذهب الشافعي والعراقيين أن فيها حكومة وليس عند مالك وأصحابه في الدامية والباضعة والسمحاق والملطاة دية فإن برئت على غير شين فلا شيء فيها عندهم وإن برئت على شين ففيها الاجتهاد واتفق مالك والشافعي وأصحابهم أن من شج رجلا مأمومتين أو موضحتين أو ثلاث مأمومات أو موضحات أو أكثر في ضربه أن فيهن ديتهن كلهن وإن انخرقت فصارت واحدة ففيها دية واحدة واتفق مالك وأبو حنيفة والشافعي والأوزاعي على أنه ليس فيما دون الموضحة من الشجاج أرش مقدر إنما فيه حكومة قال مالك ولم يعقل رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما دون الموضحة من جراح الخطأ عقلا مسمى قال مالك وهو الأمر المجتمع عليه.
قال أبو عمر: روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قضى في الترقوة بجمل وفي الضلع بجمل وعن علي في السمحاق أربعة من الإبل وبه قال الحسن بن صالح وعن زيد بن ثابت في العين القائمة إذا طفيت بمائة دينار وهذا

(17/369)


كله محمول عند مالك والشافعي وأبي حنيفة على أن ذلك كان منهم على وجه الحكومة لا على التوقيف والموضحة عند أبي حنيفة والشافعي وأصحابهم في الذقن وما فوقه من اللحي الأسفل وغيره خلاف قول مالك ومن حجتهم أن ابن عمر كان يقول ما فوق الذقن من الرأس فلا يغطيه المحرم وذلك عندهم محمول على أنه أراد الذقن وما فوقه بدليل الإجماع على أن المحرم لا يغطي ذقنه كما لا يغطي وجهه قالوا وذلك نحو قول الله عز وجل {فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ} وإنما أراد الأعناق وما فوقها قالوا وإذا كان ذلك من الوجه وجب أن تكون فيه موضحة وقال أبو جعفر الطحاوي قول الليث لا معنى له في قوله الموضحة في الجسد لأن ما في البدن لا يسمى شجاجا وإنما يسمى شجة ما كان في الرأس قال ويسمى ما في البدن جراحة.
قال أبو عمر: وأما قوله في الحديث: "وفي العين خمسون" فأجمع العلماء على أن من فقئت عنيه خطأ أن فيها نصف الدية خمسون من الإبل أو عدلها من الذهب والورق على حسب ما قدمنا ذكره عنهم في هذا الباب واختلفوا في الأعور تفقأ عينه الصحيحة خطأ فقال مالك والليث بن سعد فيها الدية كاملة وروي ذلك عن عمر وعثمان وعبد الله بن عمر قال مالك ومن كان ذاهب السمع من إحدى أذنيه

(17/370)


فضرب الإنسان الأذن الأخرى فذهب سمعه فعليه نصف الدية وكذلك الرجلين واليدين إذا قطع إنسان الباقية منهما فعليه نصف الدية قال ابن القاسم وإنما قال ذلك مالك في عين الأعور وحدها دون غيرها وقال أبو حنيفة والشافعي وأصحابهما والثوري وعثمان البتي في عين الأعور إذا فقئت خطأ نصف الدية ومن حجتهم أن القصاص فيها إذا كانت عمدا بعين واحدة فكذلك يجب أن تكون ديتها في الخطأ دية عين واحدة واحتجوا بكتاب النبي صلى الله عليه وسلم الذي كتبه لعمرو بن حزم وفي العين خمسون وفي اليد خمسون وفي الرجل خمسون ولم يخص عينا من عين ولا يدا من يد ولا رجلا من رجل.
حدثنا خلف بن قاسم حدثنا محمد بن جعفر غندر حدثنا محمد بن القاسم الأنباري حدثني أبي حدثني أبو عكرمة الضبي قال تقدم إلى الشعبي رجل ضرب عين رجل فاحمرت فدمعت فشرقت فأغرورقت فقال الشعبي يحكم فيها بيت الراعي:
لهما أمرها حتى إذا ما تبوأت ... بأخفافها مأوى تبوأ مضجعا
قال أبو عكرمة ومعناه أن العين ينتظر بها أن تبلغ غاية ما تنتهي إليه ثم يقضي فيها حينئذ.

(17/371)


قال أبو عمر: وكذلك السنة في الجراح كلها عند مالك وأصحابه وأبي حنيفة وأصحابه وأبي حنيفة وأصحابه والثوري والحسن بن حي لا يقتص عندهم من جرح عمد ولا يؤدى جرح خطأ حتى يبرأ ويعلم ما يؤول إليه وأجاز الشافعي القصاص قبل البرء إذا سأل ذلك المجروح فإن زاد ذلك وآل إلى ذهاب عضو أو نفس كان فيه الأرش والدية وهذه مسألة فيها ضروب من الاعتراض والحجاج للفريقين ليس هذا موضع ذكر شيء من ذلك
وذكر بعض أهل اللغة عن العرب لطمه فشرق الدم في عينه إذا احمرت وشرق الثوب بالصبغ إذا احمر واشتدت حمرته وذكر الأصمعي أن رجلا لطم رجلا فأشرورقت عينه واغرورقت فقدم إلى الشعبي فقال:
لها أمرها حتى إذا ما تبوأت ... بأخفافها مأوى تبوأ مضجعا
وأما قوله في اليد خمسون وفي الرجل خمسون فأمر مجتمع عليه أيضا على ما في كتاب عمرو بن حزم إلا أنهم اختلفوا في اليد تقطع من الساعد فقال مالك والثوري والشافعي وابن أبي ليلى من اليد نصف الدية وسواء قطعت من الساعد أو قطعت الأصابع أو قطعت الكف وروى بشر بن الوليد عن أبي يوسف مثل ذلك وقال أبو حنيفة وأبو يوسف في رواية محمد عنه في رجل قطع يد رجل من نصف الساعد أن

(17/372)


في اليد نصف الدية وفيما قطع من الساعد حكومة وهو قول محمد بن الحسن واتفق مالك والشافعي وأبو حنيفة أن اليد الشلاء إنما فيها حكومة والقول في الرجل كالقول في اليد سواء وكذلك اتفقوا في أن الأسنان كلها سواء وأن دية كل واحد منها خمس من الإبل على ما في كتاب عمرو بن حزم وأما ما روى مالك في موطئه عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب أن عمر قضى في الأضراس ببعير بعير وأن معاوية قضى فيها بخمسة أبعرة خمسة أبعرة وأن سعيد بن المسيب قال لو كنت أنا لجعلت في الأضراس بعيرين بعيرين فتلك الدية سواء فإن المعنى في ذلك أن الأضراس عشرون ضرسا والأسنان اثني عشر سنا أربع ثنايا وأربع رباعيات وأربع أنياب فعلى قول عمر تصير الدية ثمانين بعيرا في الأسنان خمسة خمسة وفي الأضراس بعير بعير وعلى قول معاوية في الأضراس والأسنان خمسة أبعرة خمسة أبعرة فتصير الدية ستين ومائة بعير وعلى قول سعيد بن المسيب بعيرين بعيرين في الأضراس

(17/374)


الشافعي حدثنا ابن علية حدثنا غالب التمار عن مسروق بن أوس عن أبي موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "في الأصابع عشر عشر" .
قال أبو عمر: هكذا رواه إسماعيل بن علية عن غالب التمار عن مسروق بن أوس عن أبي موسى الأشعري وتابعه شعبة على ذلك ورواه سعيد بن أبي عروبة عن غالب التمار عن حميد بن هلال عن مسروق بن أوس عن أبي موسى فزاد في الإسناد حميد بن هلال ذكره أبو داود عن إسحاق بن إسماعيل عن عبدة بن سليمان عن سعيد بن أبي عروبة عن غالب التمار عن حميد بن هلال عن مسروق بن أوس عن أبي موسى وخالفه عبد الوهاب بن عطاء فرواه عن ابن أبي عروبة بمثل إسناد شعبة وابن علية.
حدثنا أحمد بن قاسم حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا الحارث بن أبي أسامة حدثنا عبد الوهاب أخبرنا سعيد عن غالب التمار عن مسروق بن أوس عن أبي موسى أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى في الأصابع سواء عشر عشر من الإبل.

(17/375)


وأخبرنا عبد الله بن محمد حدثنا محمد بن بكر حدثنا أبو داود حدثنا أبو الوليد حدثنا شعبة عن غالب التمار عن مسروق بن أوس عن الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الأصابع سواء قلت عشر عشر قال نعم" قال أبو داود رواه محمد بن جعفر عن سعيد عن غالب قال سمعت مسروق بن أوس وحدثنا أحمد بن قاسم وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا الحارث بن أبي أسامة حدثنا عبد الوهاب بن عطاء العجلي أخبرنا حسين المعلم عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مسند ظهره إلى الكعبة: "في المواضح خمس خمس من الإبل وفي الأصابع عشر عشر من الإبل" .
وأخبرنا عبد الله بن محمد حدثنا محمد بن بكر حدثنا أبو داود حدثنا زهير بن حرب أبو خيثمة حدثنا يزيد بن مروان أخبرنا حسين المعلم عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "في الأسنان خمس خمس".

(17/376)


وأخبرنا عبد الوارث بن سفيان حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا محمد بن غالب حدثن المقدمي محمد بن أبي بكر حدثنا محمد بن سواء حدثنا ابن أبي عروبة عن مطر عن عمرو ابن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "في المواضح خمس من الإبل والأسنان سواء خمس خمس من الإبل والأضراس سواء عشر عشر" .
قال أبو عمر: هكذا وقع عنده والأضراس وهو خطأ وإنما هو والأصابع سواء عشر عشر وهذا محفوظ في هذا الحديث وغيره لا يختلف فيه.
أخبرنا أحمد بن قاسم وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا الحارث ابن أبي أسامة حدثنا عبد الوهاب بن عطاء حدثنا سعيد عن مطر عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "في المواضح خمس خمس من الإبل والأصابع كلها سواء عشر عشر من الإبل" .
حدثنا خلف بن قاسم حدثنا محمد بن الحسين السبيعي الحلبي بدمشق حدثنا أحمد بن عبد الجبار الصوفي حدثنا

(17/377)


علي بن الجعد حدثنا شعبة عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "هذه وهذه سواء وأشار إلى الخنصر والإبهام" .
أخبرنا عبد الله بن محمد حدثنا محمد بن بكر حدثنا أبو داود حدثنا نصر بن علي أخبرنا يزيد بن زريع عن شعبة عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هذه وهذه سواء يعني الإبهام والخنصر" .
وحدثنا عبد الله بن محمد حدثنا محمد بن بكر حدثنا أبو داود وحدثنا عبد الوارث بن سفيان حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا بكر بن حماد قالا حدثنا مسدد حدثنا يحيى عن شعبة عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هذه وهذه سواء يعني الخنصر والإبهام" .
وقرأت على عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا أبو قلابة حدثنا عبد الصمد حدثنا شعبة عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "هذه وهذه سواء يعني الإبهام والخنصر والضرس والثنية" .

(17/378)


أخبرنا عبد الله بن محمد حدثنا محمد بن بكر حدثنا أبو داود حدثنا عباس العنبري حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث حدثني شعبة عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "الأصابع سواء والأسنان سواء الثنية والضرس سواء هذه وهذه سواء" قال أبو داود رواه النضر بن شميل عن شعبة بمعنى عبد الصمد حدثناه الدارمي أبو جعفر حدثنا النضر قال أبو داود وحدثنا محمد بن حاتم بن بزيع حدثنا علي بن الحسن حدثنا أبو حمزة عن يزيد النحوي عن عكرمة عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الأسنان سواء والأصابع سواء" قال وحدثنا عبد الله بن عمر بن محمد بن أبان بن صالح حدثنا أبو ثميلة عن يسار المعلم عن يزيد النحوي عن عكرمة عن ابن عباس قال جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم أصابع اليدين والرجلين سواء.
قال أبو عمر: على هذه الآثار جماعة فقهاء الأمصار وجمهور أهل العلم أن الأصابع كلها سواء دية كل واحد منها عشر عشر من الإبل لا يفضل منها شيء على شيء وأن الأسنان كلها سواء الثنايا والأضراس والأنياب في كل واحد

(17/379)


منها خمس خمس من الإبل لا يفضل شيء منها على شيء على ما في كتاب عمرو بن حزم وقد روي عن بعض السلف من الصحابة تفضيل الثنايا ومقدم الفم وعن طاوس وسعيد بن المسيب وعطاء في دية الأسنان خلاف لهذه الآثار ولا معنى لقولهم لأن السنة التي فيها لحجة تثبت بخلافه.
ذكر عبد الرزاق قال أخبرنا ابن جريج أخبرنا عمر بن مسلم أنه سمع طاوسا يفضل الناب أعلى الفم وأسفله على الأضراس وأنه قال في الأضراس صغار الإبل قال وأخبرنا ابن جريج أخبرني يحيى بن سعيد قال قال سعيد بن المسيب قضى عمر بن الخطاب فيما أقبل من الفم أعلى الفم وأسفله بخمس قلائص وفي الأضراس ببعير بعير حتى إذا كان معاوية وأصيبت أضراسه قال أنا أعلم بالأضراس من عمر فقضى فيها بخمس خمس قال سعيد فلو أصيب الفم كله في قضاء عمر لنقصت الدية ولو أصيبت في قضاء معاوية لزادت الدية ولو كنت أنا لجعلت في الأضراس بعيرين بعيرين فذلك الدية كاملة وروى مالك عن داود بن الحصين عن أبي غطفان أن مروان أرسله إلى ابن عباس يسأله ماذا جعل في الضرس فقال فيه خمس من الإبل.

(17/380)


قال فردني إلى ابن عباس فقال أتجعل مقدم الفم مثل الأضراس فقال ابن عباس لو أنك لا تعتبر ذلك إلا بالأصابع عقلها سواء وذكر الثوري عن أزهر بن محارب قال اختصم إلى شريح رجلان أصاب أحدهما ثنية الآخر وأصاب الآخر ضرسه فقال شريح الثنية وجمالها والضرس ومنفعته سن بسن قوما.
قال أبو عمر: على هذا العمل اليوم في جميع الأمصار والله أعلم وذكر عبد الرزاق أخبرنا معمر عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب لهم كتابا فيه وفي السن خمس من الإبل.
وذكر ابن وهب قال أخبرني يونس عن ابن شهاب قال قرأت كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كتبه لعمرو بن حزم حين بعثه على نجران وكان الكتاب عند أبي بكر بن حزم فكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا بيان من الله ورسوله {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} فكتب الآيات منها حتى بلغ {إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ} ثم كتب: هذا كتاب الجراح في النفس مائة من الإبل وفي

(17/381)


الأنف إذا أوعي جدعا مائة من الإبل وفي العين خمسون من الإبل وفي الأذن خمسون من الإبل وفي اليد خمسون من الإبل وفي الرجل خمسون من الإبل وفي كل أصبع مما هنا لك عشر من الإبل وفي المأمومة ثلث النفس وفي الجائفة ثلث النفس وفي المنقلة خمس عشرة وفي الموضحة خمس من الإبل وفي السن خمس من الإبل قال ابن شهاب فهذا الذي قرأت في الكتاب الذي كتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم عند أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم.
قال أبو عمر: هذا كله مجتمع عليه إلا ما ذكرت لك من الثنايا والأضراس وأما الأذن فمنهم من حمله على السمع ومنهم من جعله الأذن وهذا اختلاف فأما مالك فقال في الأذنين حكومة وفي السمع الدية وقال الشافعي وأبو حنيفة والثوري والليث في الأذنين الدية وفي السمع الدية وروي عن عمر وعلي في الأذنين مثل ذلك.
قال أبو عمر: أما كتاب عمرو بن حزم على ما رواه سليمان بن داود عن الزهري في الصدقات والديات فطويل وقد ذكرنا منه في بابنا هذا ما وافقه وسنذكره بتمامه في غير هذا الموضع إن شاء الله.

(17/382)


الحديث الحادي والعشرون
...
حديث حادي عشرين لعبد الله بن أبي بكر مرسل
مالك عن عبد الله بن أبي بكر عن أبيه "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمل رجلا من بني عبد الأشهل على الصدقة فلما قدم سأله إبلا من إبل الصدقة فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى عرف الغضب في وجهه وكان مما يعرف به الغضب في وجهه أن تحمر عيناه ثم قال: "إن الرجل يسألني ما لا يصلح لي ولا له فإن منعته كرهت المنع وإن أعطيته أعطيته ما لا يصلح لي ولا له" فقال الرجل يا رسول الله لا أسألك منها شيئا أبدا".
هكذا روى هذا الحديث جماعة الرواة فيما علمت عن مالك مرسلا عن عبد الله بن أبي بكر ورواه أحمد بن منصور التلي عن مالك عن عبد الله بن أبي بكر عن أنس حدثناه خلف بن القاسم حدثنا ابو الحسن أحمد بن محمود بن أحمد بن خليد الشماع حدثنا أبو شعيب عبد الله بن

(17/383)


الحسن بن أحمد بن أبي شعيب الحراني حدثنا أحمد بن منصور التلي حدثنا مالك عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمل رجلا من بني عبد الأشهل على الصدقة فلما قدم سأله بعيرا من الصدقة فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى عرف الغضب في وجهه.
هكذا حدثنا لم يزد.
قال أبو عمر: أما استعمال رسول الله صلى الله عليه وسلم على الصدقات أصحابه من بني عبد الأشهل وهم من الأنصار ومن الأزد وغيرهم فمعروف مشهور في الآثار والسير وأما قوله في هذا الحديث فلما قدم سأله إبلا من إبل الصدقة فهذا عندي يحتمل أن يكون سأله من إبل الصدقة شيئا زائدا على قدر عمالته لا يستحقه بها وكأنه أدلى بعمالته وظن أنه سيزيده على ما يجب له من سهمه أو أجره فغضب لذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ سأله مالا يصلح وهكذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغضب إذا رأى مالا يصلح أو سمع به وكان في غضبه لا يتعدى ما حد له ربه عز وجل ولا يزيد على أن تحمر وجنتاه وعيناه إلا أن يكون حدا لله

(17/384)


فيقوم لله به صلى الله عليه وسلم ولا يجوز أن يحمل أحد هذا الحديث على أن العامل على الصدقات سأله ما يجب له من سهمه وحقه في العمل عليها فمنعه وغضب لذلك هذا ما لا يحل لأحد أن يظنه لأن الله عز وجل قد جعل في الصدقات للعاملين عليها حقا واجبا وقد اختلف العلماء في ذلك الحق ما هو فذهب منهم طائفة إلى أن ذلك سهم من ثمانية أسهم وأن الصدقات مقسومة على ثمانية أسهم منها للعاملين عليها سهم وممن ذهب إلى هذا جماعة منهم الشافعي في أحد قوليه وقال آخرون إنما للعامل عليها قدر عمالته قد يكون ثمنا ويكون أقل ويكون أكثر ومن ذهب إلى هذا مالك بن أنس وأبو حنيفة وأبو ثور وقال آخرون له أجره في ذلك بقدر سعيه ولا يزاد على الثمن وروى سعيد بن أبي عروبة عن قتادة أنه قال تقسم الصدقة على الأسهم الثمانية بالسوية وعن أبي جعفر محمد بن علي مثله وبه قال الشافعي وأصحابه وهو قول عكرمة أيضا وقد قال الشافعي في العاملين على الصدقات إنهم يعطون منها بقدر أجور أمثالهم وهو المشهور عن الشافعي وروى الأخضر بن عجلان عن رجل قد سماه قال سألت عبد الله بن عمرو ما للعاملين على الصدقة قال بقدر عمالتهم وقال أبو حنيفة يعطى العامل ما

(17/385)


يسعه ويسع أعوانه قال ولا أعرف الثمن وقال مالك ليس للعامل على الصدقة فريضة مسماة وإنما ذلك إلى الإمام يجتهد في ذلك وقال أبو حنيفة وأصحابه ومالك وأصحابه ليس قسم الصدقات على أهل السهمان كالميراث ولكن الوالي يقسمها على ما يرى من حاجتهم ويؤثر أهل الحاجة والعذر حيث كانوا قال مالك وعسى أن تنتقل الحاجة إلى الصنف الآخر بعد عام أو عامين فيؤثر أهل الحاجة والعذر حيث كانوا وقال محمد بن الحسن يعطي الإمام للعاملين عمالتهم بما يرى وذكر أبو عبيد أن قول الثوري في هذه المسألة كقول مالك وبه قال أبو عبيد وقال الزهري في قول الله عز وجل {وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا} هم السعاة وقال قتادة هم جباتها الذين يجبونها وقال الشافعي هم المتولون لقبضها.
قرأت على أبي القاسم خلف بن القاسم رحمه الله أن إبراهيم بن محمد الديبلي حدثهم بمكة قال حدثنا محمد بن علي بن زيد الصائغ حدثنا محمد بن بكار العيشي حدثنا محمد ابن سواء حدثنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أبي السوار عن عمران بن حصين قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد حياء من العذراء في خدرها.

(17/386)


قال عمران وكان إذا كره الشيء عرف في وجهه.
حدثنا سعيد بن نصر وعبد الوارث بن سفيان قراءة مني عليهما قالا حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا إسماعيل بن إسحاق حدثنا الحوضي وسليمان بن حرب حدثنا شعبة عن عبد الملك بن عمير عن زيد بن عقبة الفزاري قال سمعت سمرة بن جندب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "المسائل كدوح يكدح بها الرجل وجهه" وقال سليمان يكدح بها الرجل نفسه فمن شاء أبقى على وجهه أو نفسه ومن شاء ترك إلا أن يسأل ذا سلطان أو ينزل به أمر لا يجد منه بدا رواه ابن أبي شيبة عن وكيع عن الثوري عن عبد الملك بن عمير عن يزيد بن عقبة عن سمرة عن النبي صلى الله عليه وسلم هكذا قال يزيد بن عقبة وقال

(17/387)


شعبة زيد بن عقبة وصوابه زيد بن عقبة وأخشى أن يكون يزيد صحف على ابن أبي شيبة وقد ذكرنا ما يجوز فيه السؤال ولمن يجوز ومن يجوز له أخذ الصدقة من الأغنياء وغيرهم في باب زيد بن أسلم من كتابنا هذا فأغنى ذلك عن إعادته ها هنا.

(17/388)


الحديث الثاني والعشرون
...
حديث ثاني عشرين لعبد الله بن أبي بكر مقطوع
مالك عن عبد الله بن أبي بكر أن أبا طلحة الأنصاري كان يصلي في حائط له فطار دبسي فطفق يتردد يلتمس مخرجا فأعجبه ذلك فجعل يتبعه بصره ساعة ثم رجع إلى صلاته فإذا هو لا يدري كم صلى فقال لقد أصابني في مالي هذا فتنة فجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر له الذي أصابه في حائطه من الفتنة وقال يا رسول الله هو صدقة لله فضعه حيث شئت.
هذا الحديث لا أعلمه يروى من غير هذا الوجه وهو منقطع.
والأصل في هذا الباب أن من سها في صلاته فلم يدر كم صلى لشغل باله بما ينظر إليه أو يفكر فيه فليبن على يقينه على ما أحكمته السنة في حديث أبي سعيد الخدري وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم على حسب ما ذكرناه في موضعه من كتابنا هذا.

(17/389)


وفي هذا الحديث دليل على أن النظر إلى ما يشغل المصلي لا يفسد الصلاة إذا بنى فيها على ما يجب لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يأمره بإعادة والأصل في هذا الباب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نظر إلى خميصة لها علم في الصلاة فشغله النظر إلى أعلامها فرماها عن نفسه وردها إلى أبي جهم ولم يذكر إعادة وهذا حديث ثابت عن عائشة من حديث ابن شهاب عن عروة عن عائشة وهو عند مالك عن علقمة بن أبي علقمة عن أمه عن عائشة وسيأتي في بابه إن شاء الله.
ومن الدليل على ما ذكرنا وذهبنا إليه في هذا الباب ما حدثناه عبد الوارث بن سفيان حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا بكر بن حماد حدثنا مسدد حدثنا عبد الوارث عن عبد العزيز عن أنس قال كان قرام لعائشة قد سترت به جانب بيتها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أميطي عنا قرامك هذا فإنه لا تزال تصاويره تعرض لي في صلاتي" .
قال أبو عمر: ولم يذكر إعادة وقد روي من حديث عبد الله بن سلام عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا صلاة

(17/390)


لملتفت" وهو حديث ليس بالقوي ومن حديث عائشة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "الالتفات في الصلاة خلسة يختلسها الشيطان من صلاة العبد" ومن حديث أنس قال قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا بني إياك والالتفات في الصلاة فإنها هلكة فإن كان ولا بد ففي النافلة" وهذا يدل على أن الصلاة لا تفسد به لأن ما فسدت به النافلة فسدت به الفريضة إذا كان اجتنابه من فرائض الصلاة على أن هذه الأحاديث كلها من أحاديث الشيوخ لا يحتج بمثلها وأصح ما في هذا الباب ما حدثناه عبد الله بن محمد حدثنا محمد بن بكر حدثنا أبو داود حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا سفيان عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في خميصة لها أعلام فقال: "شغلتني أعلام هذه اذهبوا إلى أبي جهم بن حذيفة وائتوني بأنبجانية" ففي هذا

(17/391)


الحديث أن أعلام الخميصة شغله النظر إليها صلى الله عليه وسلم ولم يذكر إعادة ولا استئنافا لصلاته ولا سجود سهو ولو كان شيء من ذلك واجبا لقاله صلى الله عليه وسلم ولما سكت عنه ولو قاله لنقل وكذلك لو فعله لنقل عنه كنقل سائر السنن.
وأخبرنا عبد الله بن محمد حدثنا محمد بن بكر حدثنا أبو داود حدثنا الربيع بن نافع أبو توبة حدثنا معاوية يعني ابن سلام عن زيد أنه سمع أبا سلام قال حدثني السلوي وهو أبو كبشة عن سهل بن الحنظلية قال ثوب بالصلاة يعني صلاة الصبح فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي وهو يلتفت إلى الشعب يعني وكان أرسل فارسا إلى الشعب من الليل يحرس.
وأخبرنا محمد بن إبراهيم حدثنا محمد بن معاوية حدثنا أحمد بن شعيب أخبرنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا الفضل بن موسى أخبرنا عبد الله بن سعيد بن أبي هند عن ثور بن زيد عن عكرمة عن ابن عباس قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلحظ في صلاته يمينا وشمالا ولا يلوي عنقه خلف ظهره

(17/392)


قال أبو عمر: في أحاديث هذا الباب [كلها] مسندها ومقطوعها دليل على أن نظر المصلي من السنة فيه أن يكون أمامه وهو المعروف الذي لا تكلف فيه ولذلك قال مالك يكون نظر المصلي أمام قبلته وقال الثوري وأبو حنيفة والشافعي والحسن بن حي يستحب أن يكون نظره إلى موضع سجوده وقال شريك القاضي ينظر في القيام [إلى موضع] السجود وفي الركوع إلى موضع قدميه وفي السجود إلى أنفه وفي قعوده إلى حجره.
قال أبو عمر: هذا كله تحديد لم يثبت به أثر وليس بواجب في النظر ومن نظر إلى موضع سجوده كان أسلم له وأبعد من الاشتغال بغير صلاته إن شاء الله وبالله التوفيق.
وأما قوله لقد أصابتني في مالي فتنة فالفتن على وجوه فأما فتنة الرجل في أهله وماله فتكفيرها الصلاة والصدقة كذلك قال حذيفة لعمر في الحديث الصحيح وصدفه عمر وقال لست عن هذه أسألك وقال جماعة من فقهاء الحجاز والعراق إن المعاصي كلها فتنة تكفرها الصلاة والصوم ما لم يواقع الكبائر دليل ذلك قول الله عز وجل {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} نزلت في رجل أصاب من امرأة ما ليس

(17/393)


بكبيرة ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: "يا معشر التجار إن هذا البيع يشوبه الحلف والكذب فشوبوه بالصدقة" وكل من فتن بشيء من المعاصي والشهوات المحظورة فهو مفتون إلا أنه إن ترك وأناب واستغفر وتاب غفر له مع أدائه لصلاته وزكاته وصومه وهذه صفات المذنبين وقد فتن الصالحون وابتلوا بالذنوب قال الله تعالى {إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ} وقال تعالى {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ} الآية وقد يكون من هذا الباب من الفتنة ما هو أشد مما وصفنا وهو الإصرار على الذنب والإقامة عليه منه وأنه لم يأته فنيته على تلك الحال ويحب أن تسمح نفسه بترك ما هو عليه من قبيح أفعاله وهو مع ذلك لا يقلع عنها فهذا وإن كان مصرا لم تأت منه توبة فهو مقر بالذنوب والتقصير يحب أن يختم الله له بخير فيغفر له هذا برجائه ولا يقطع عليه وليست فتنته بذلك تخرجه عن الإسلام وقال بعضهم ولا هو ممن تنكت في قلبه نكتة سوداء غلبت عليه فلا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا كما قال حذيفة في ذلك

(17/394)


الحديث لأنه ينكر ما هو عليه ويود أنه تاب منه قالوا وإنما ذلك في الأهواء المردية والبدع المحدثة التي تتخذ دينا وإيمانا ويشهد بها على الله تعديا وافتراء ولا يحب من فتن بها أن يقصر فيها ولا ينتقل عنها ويود أن لا يأتيه الموت إلا عليها فهذا أيضا مفتون مغرور متدرج قد أصابته فتنة زين له فيها سوء عمله يود أن يكون الناس كلهم مثله قالوا فهذه الفتنة أشد من الفتنتين اللتين ذكرنا من فتن الذنوب ومن الفتن أيضا الكفر وقد سماه الله فتنة بقوله {وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ} وشرح هذه المعاني يطول وبالله العصمة لا شريك له.
وأما النهس فطائر صغير مثل العصفور والدبسي طائر يشبه اليمامة وقيل هو اليمامة نفسها وقوله طفق يتردد كقوله جعل يتردد وفيه لغتان طفق طفق يطفق ويطفق.

(17/395)


الحديث الثالث والعشرون
...
حديث ثالث عشرين لعبد الله بن أبي بكر
مالك عن عبد الله بن أبي بكر أن في الكتاب الذي كتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمرو بن حزم "أن لا يمس القرآن إلا طاهر" .
وقد ذكرنا أن كتاب النبي صلى الله عليه وسلم لعمرو بن حزم إلى أهل اليمن في السنن والفرائض والديات كتاب مشهور عند أهل العلم معروف يستغني بشهرته عن الإسناد.
وأخبرنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا محمد بن إسماعيل الترمذي حدثنا نعيم بن حماد المروزي حدثنا ابن المبارك أخبرنا معمر عن عبد الله بن أبي بكر

(17/396)


عن أبيه قال في كتاب النبي صلى الله عليه وسلم لعمرو بن حزم أن لا يمس القرآن إلا على طهور.
وأخبرنا عبد الرحمن بن مروان قال حدثنا أبو الطيب أحمد بن سليمان بن عمرو الجريري حدثنا أبو العباس حامد بن شعيب البلخي حدثنا أبو صالح الحكم بن موسى حدثنا يحيى ابن حمزة حدثنا سليمان بن داود حدثني الزهري عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده أن في الكتاب الذي كتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهل اليمن في السنن والفرائض والديات أن لا يمس القرآن إلا طاهر مختصر والدليل على صحة كتاب عمرو بن حزم تلقي جمهور العلماء له بالقبول ولم يختلف فقهاء الأمصار بالمدينة والعراق والشام أن المصحف لا يمسه إلا الطاهر على وضوء وهو قول مالك والشافعي وأبي حنيفة والثوري والأوزاعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأبي ثور وأبي عبيد وهؤلاء أئمة الفقه والحديث في أعصارهم وروي ذلك عن سعد بن أبي وقاص وعبد الله بن عمر وطاوس والحسن والشعبي والقاسم بن محمد وعطاء قال إسحاق بن راهويه لا يقرأ أحد في المصحف إلا وهو متوضئ.

(17/397)


وليس ذلك لقول الله عز وجل {لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ} ولكن لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يمس القرآن إلا طاهر" .
قال أبو عمر: وهذا يشبه مذهب مالك على ما دل عليه قوله في موطئه وقال الشافعي والأوزاعي وأبو ثور وأحمد لا يمس المصحف الجنب ولا الحائض ولا غير المتوضئ وقال مالك لا يحمله بعلاقته ولا على وسادة إلا وهو طاهر قال ولا بأس أن يحمله في التابوت [والخرج] والغرارة من ليس على وضوء قال وذلك أن الله عز وجل يقول {لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ} قال وهذا قول مالك وأبي عبد الله يعني الشافعي رحمه الله.
قال أبو عمر: إنما رخص مالك في حمل غير المتوضئ للمصحف في التابوت والغرارة لأن القصد لم يكن منه إلى حمل المصحف وإنما قصد إلى حمل التابوت وما فيه من مصحف وغيره وقد كره جماعة من التابعين منهم القاسم بن محمد والشعبي وعطاء من الدراهم التي فيها ذكر الله على غير وضوء فهو لا شك أشد كراهية أن يمس المصحف غير متوضئ وقد روي عن عطاء أنه قال لا بأس أن تحمل الحائض المصحف بعلاقته وأما الحكم بن عتيبة وحماد بن أبي سليمان فلم

(17/398)


يختلف عنهما في إجازة حمل المصحف بعلاقته لمن ليس بطاهر وقولهما عندي شذوذ ومخالفة للأثر وإلى قولهما ذهب داود بن علي قال لا بأس أن يمس المصحف والدنانير والدراهم التي فيها ذكر الله الجنب والحائض قال ومعنى قوله {لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ} هم الملائكة قال ولو كان ذلك نهيا لقال لا يمسه واحتج أيضا بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "المؤمن ليس بنجس" .
قال أبو عمر: قد يأتي النهي بلفظ الخبر ويكون معناه النهي وذلك موجود في كتاب الله كثير نحو قوله {الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً} جاء بلفظ الخبر وكان سعيد بن المسيب وغيره يقول إنها منسوخة بقول الله عز وجل {وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ} ولو لم يكن عنده في هذا الخبر معنى النهي ما أجاز فيه النسخ ومثله كثير وفي كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا يمس القرآن إلا طاهر بيان معنى قول الله عز وجل {لا يَمَسُّهُ

(17/399)


إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ} لاحتمالهما للتأويل ومجيئها بلفظ الخبر وقد قال مالك في هذه الآية إن أحسن ما سمع فيها أنها مثل قول الله عز وجل {كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ بِأَيْدِي سَفَرَةٍ كِرَامٍ بَرَرَةٍ} وقول مالك أحسن ما سمعت يدل على أنه سمع فيها اختلافا وأولى ما قيل به في هذا الباب ما عليه جمهور العلماء من امتثال ما في كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمرو بن حزم أن لا يمس القرآن أحد إلا وهو طاهر والله أعلمي وبه التوفيق.

(17/400)


الحديث الرابع والعشرون
...
حديث رابع عشرين لعبد الله بن أبي بكر مقطوع يتصل من وجوه صحاح
مالك عن عبد الله بن أبي بكر أنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قاتل الله اليهود نهوا عن أكل الشحم فباعوه فأكلوا ثمنه" .
وهذا الحديث قد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم مسندا متصلا من وجوه شتى كلها ثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث عمر وأبي هريرة وابن عباس وجابر وغيرهم.
حدثنا سعيد بن نصر وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا محمد بن إسماعيل حدثنا الحميدي حدثنا سفيان حدثنا عمرو بن دينار أخبرني طاوس أنه سمع ابن عباس يقول بلغ عمر بن الخطاب أن سمرة باع خمرا فقال قاتل الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها فباعوها.

(17/401)


قال أبو عمر: قوله "جملوها" يعني أذابوها لا خلاف بين أهل اللغة في ذلك وقد جاء أيضا مفسرا في الحديث.
حدثنا عبد الوارث بن سفيان حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا مضر بن محمد حدثنا مسلم ابن سلام الكوفي حدثنا أبو بكر يعني ابن عياش عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لعن الله اليهود حرمت عليهم شحوم الأنعام فأذابوها ثم باعوها وأكلوا أثمانها".
أخبرنا عبد الله بن محمد حدثنا محمد بن بكر حدثنا مسدد بن مسرهد أن بشر بن المفضل وخالد بن عبد الله حدثاهم المعنى عن خالد الحذاء عن بركة أبي الوليد عن ابن عباس قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسا عند الركن قال فرفع بصره إلى السماء فضحك ثم قال: "لعن الله اليهود ثلاثا قال: إن الله حرم عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها وإن الله إذا حرم على قوم أكل شيء حرم عليهم ثمنه" ولم يقل عن خالد بن عبد الله رأيت وقال قاتل الله.
وحدثنا عبد الوارث بن سفيان حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا أحمد بن زهير حدثنا يحيى بن أيوب أخبرنا هشيم

(17/402)


أخبرنا خالد عن بركة أبي العريان المحاربي قال سمعت ابن عباس يحدث قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها وإن الله إذا حرم شيئا حرم ثمنه قال أحمد بن زهير كذا قال عن بركة أبي العريان وسمعت أبي يقول وأبو العريان الذي يحدث عنه خالد اسمه أنيس.
وأخبرنا أحمد بن قاسم بن عيسى حدثنا عبيد الله بن محمد بن حبابة حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي أخبرنا علي بن الجعد أخبرنا حماد بن سلمة عن أبي الزبير عن جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها" .
قال أبو عمر: قد فسر ابن عباس رضي الله عنه في حديثه معنى هذا الحديث وذلك قوله صلى الله عليه وسلم إن الله إذا حرم على قوم أكل شيء حرم ثمنه وفي هذا رد على من ذهب إلى إجازة بيع الزيت الذي تقع فيه الميتة مع امتناعه من أكله وإقراره بنجاسته وقد دفع هذا التأويل بعض من أجاز ذلك بأن قال هذا الحديث وما كان مثله إنما خرج على ما قد حرم بذاته مثل الخمر وشحوم الميتة وأما

(17/403)


الزيت الذي تموت فيه الفأرة فإنما تنجس بالمجاورة وليس بنجس الذات ولو كان نجس الذات ما جاز الانتفاع به ولا استعماله في شيء كما لا يجوز استعمال الخمر ولا الخنزير ولا الميتة في شيء وقد ذكرنا هذه المسألة مجودة في باب ابن شهاب عن عبيد الله من كتابنا هذا والحمد لله.
وفي هذا الحديث إباحة الدعاء على اليهود وإباحة لعنهم اقتداء به في ذلك صلى الله عليه وسلم أخبرنا محمد حدثنا علي بن عمر الحافظ قال تفرد حبيب عن مالك عن محمد بن عمرو عن خالد بن عبد الله بن حرملة عن الحارث بن خفاف بن أيماء قال ركع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم رفع رأسه فقال غفار غفر الله لها وأسلم سالمها الله وعصية عصت الله ورسوله اللهم العن بني لحيان ورعلا وذكوان قال خفاف فجعل لعن الكفار من أجل ذلك وتفرد به حبيب عن مالك وهو صحيح لمحمد بن عمرو وقد ثبت عن ابن مسعود أنه لما لعن الواصلة والمستوصلة الحديث أنكرت ذلك عليه امرأة فقال ابن مسعود مالي لا ألعن من لعنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن لعنه في كتاب الله وقد ذكرنا هذا الخبر فيما مضى من

(17/404)


هذا الكتاب وقد لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم آكل الربا وموكله واليهود وغيرهم ومحال أن تكون لعنته لهؤلاء رحمة عليهم فمن لعن من يستحق أن يلعن فمباح ومن لعن من لا يستحق اللعن فقد أثم ومن ترك اللعن عند الغضب ولم يلعن مسلما ولم يسبه فذلك من عزم الأمور.
أخبرنا عبد الرحمن أخبرنا علي حدثنا أحمد حدثنا سحنون حدثنا ابن وهب أخبرني يونس ابن يزيد عن نافع قال لم أسمع عبد الله بن عمر يلعن خادما قط غير مرة واحدة غضب فيها على بعض خدمه فقال لعنة الله عليك كلمة لم أحب أن أقولها وقد لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المختفي يعني نباش القبور ولعن الخمر وشاربها الحديث وقد ذكر مالك عن داود بن الحصين أنه سمع عبد الرحمن الأعرج يقول ما أدركت الناس إلا وهم يلعنون الكفرة في رمضان.

(17/405)


قرأت على سعيد بن نصر وعبد الوارث بن سفيان أن قاسم بن أصبغ حدثهم قال حدثنا محمد بن إسماعيل حدثنا الحميدي عبد الله بن الزبير حدثنا سفيان حدثنا مسعر أخبرنا عبد الملك بن عمير أخبرني فلان عن ابن عباس قال رأيت عمر يقول بيده وهو على المنبر هكذا يعني يحركها يمينا وشمالا عويمل لنا بالعراق عويمل لنا بالعراق خلط في فيء المسلمين أثمان الخنازير والخمر وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها فباعوها" قال سفيان جملوها يعني أذابوها.

(17/406)


الحديث الخامس والعشرون
...
حديث خامس عشرين لعبد الله بن أبي بكر
مالك عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في سيل مهزور ومذينيب: "يمسك حتى الكعبين ثم يرسل الأعلى على الأسفل" .
قال أبو عمر: لا أعلم هذا الحديث في سيل مهزور ومذينيب هكذا يتصل عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجه من الوجوه وأرفع أسانيده ما حدثناه خلف بن القاسم حدثنا بكر بن عبد الرحمن بن محمد أبو العطار بمصر حدثنا يحيى بن سليمان بن صالح بن صفوان حدثنا أبو صالح الحراني عبد الغفار بن

(17/407)


داود حدثنا محمد بن سلمة عن محمد بن إسحاق عن أبي مالك بن ثعلبة عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم أتاه أهل مهزور فقضى إن الماء إذا بلغ إلى الكعبين لم يحبس الأعلى.
وذكر عبد الرزاق عن أبي حازم القرظي عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى في سيل مهزور أن يحبس في كل حائط حتى يبلغ الكعبين ثم يرسل وغيره من السيول كذلك قال وأخبرنا معمر قال سمعت الزهري يقول نظرنا في قول النبي صلى الله عليه وسلم: "ثم أحبس الماء حتى يبلغ إلى الجدر" فكان ذلك إلى الكعبين.
قال أبو عمر: سئل أبو بكر البزار عن حديث هذا الباب فقال لست أحفظ فيه بهذا اللفظ عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثا يثبت.
قال أبو عمر: في هذا المعنى وإن لم يكن بهذا اللفظ حديث ثابت مجتمع على صحته رواه ابن وهب عن الليث بن سعد ويونس بن يزيد جميعا عن ابن شهاب أن عروة بن الزبير حدثه أن عبد الله بن الزبير حدثه عن الزبير أنه خاصم رجلا من الأنصار قد شهد بدرا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رسول الله في شراج الحرة كانا يسقيان به كلاهما

(17/408)


النخل فقال الأنصاري سرح الماء فأبى عليه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اسق يا زبير ثم أرسل الماء إلى جارك فغضب الأنصاري فقال يا رسول الله إن كان ابن عمتك فتلون وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال يا زبير اسق ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر قال الزبير لا أحسب هذه الآية أنزلت إلا في ذلك {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ} الآية ومعنى هذا الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان قد أشار على الزبير بما فيه السعة للأنصاري فلما كان منه ما كان من الجفاء استوعب للزبير حقه في صريح الحكم والله أعلم.
وقد حدثنا محمد حدثنا علي بن عمر الحافظ عن أبي محمد بن صاعد وعلي بن محمد الإسكافي قالا حدثنا أبو الأحوص محمد بن الهيثم القاضي حدثنا أحمد بن صالح المصري حدثنا إسحاق بن عيسى حدثنا مالك عن أبي الرجال عن عمرة عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى في سيل مهزور ومذينيب أن يمسك الأعلى إلى الكعبين

(17/409)


ثم يرسل الأعلى إلى الأسفل وهذا إسناد غريب جدا عن مالك لا أعلمه يروى عن مالك بهذا الإسناد من غير هذا الوجه.
قال أبو عمر: حديث سيل مهزور ومذينيب حديث مدني مشهور عند أهل المدينة مستعمل عندهم معروف معمول به ومهزور واد بالمدينة وكذلك مذينيب واد أيضا عندهم وهما جميعا يسقيان بالسيل فكان هذا الحديث متوارثا عندهم العمل به وذكر عبد الملك بن حبيب أن مهزور ومذينيب واديان من أودية المدينة يسيلان بالمطر وتتنافس أهل الحوائط في سيلهما فقضى به رسول الله صلى الله عليه وسلم للأعلى فالأعلى والأقرب فالأقرب إلى ذلك السيل يدخل صاحب الحائط الأعلى اللاصق به السيل جميع الماء في حائطه ويصرف مجراه إلى بيبته فيسيل فيها ويسقي به حتى إذا بلغ الماء من قاعة الحائط إلى الكعبين من القائم أغلق البيبة وصرف ما زاد من الماء على مقدار الكعبين إلى من يليه لحائطه فيصنع فيه مثل ذلك ثم يصرفه إلى من يليه أيضا هكذا أبدا يكون الأعلى فالأعلى أولى به على هذا الفعل حتى يبلغ ماء السيل إلى أقصى الحوائط قال وهكذا فسره لي مطرف وابن الماجشون عند سؤالهما عن ذلك وقاله ابن وهب قال وقد كان ابن القاسم

(17/410)


يقول إذا انتهى الماء في الحائط إلى مقدار الكعبين من القائم أرسله كله إلى من تحته وليس يحبس منه شيئا في حائطه وقول مطرف وابن الماجشون أحب إلي في ذلك وهما أعلم بذلك لأن المدينة دارهما وبها كانت القصة وفيها جرى العمل بالحديث وروى زياد عن مالك قال تفسير قسمة ذلك أن يجري الأول الذي حائطه أقرب إلى الماء مجرى الماء في ساقيته إلى حائطه بقدر ما يكون الماء في الساقية إلى حد كعبيه فيجري كذلك في حائطه حتى يرويه ثم يفعل الذي يليه كذلك ثم الذي يليه كذلك ما بقي من الماء شيء قال وهذه السنة فيهما وفيما يشبههما مما ليس لأحد فيه حق معين الأول أحق بالتبدية ثم الذي يليه إلى آخرهم رجلا.
قال أبو عمر: ظاهر الحديث يشهد لما قاله ابن القاسم لأن فيه ثم يرسل الأعلى على الأسفل ولم يقل ثم يرسل بعض الأعلى وفي الحديث الآخر ثم يحبس الأعلى وهذا كله يشهد لابن القاسم ومن جهة النظر أيضا أن الأعلى لو لم يرسل إلا ما زاد على الكعبين لا نقطع ذلك الماء في أقل مدة ولم ينته حيث ينتهي إذا أرسل الجميع وفي إرسال الجميع بعد أخذ الأعلى منه ما بلغ الكعبين أعم فائدة وأكثر نفعا فيما قد جعل الناس فيه شركاء فقول ابن القاسم أولى على كل حال وفي المسألة كلام ومعارضات لا معنى للإتيان بها والصحيح ما ذكرنا وبالله توفيقنا.

(17/411)


قال أبو عمر: حكم الأرحي وسائر المنافع من النبات والشجرات فيما كان أصل قوامه وحياته من الماء الذي لا صنع فيه لآدمي كماء السيول وما أشبههما كحكم ما ذكرنا لا فرق بين شيء من ذلك في أثر ولا نظر وأما ما استحق بعمل أو ملك صحيح واستحقاق قديم وثبوت ملك فكل على حقه على حسب ما من ذلك بيده وعلى أصل مسألته والله الموفق للسداد لا شريك له.

(17/412)


الحديث السادس والعشرون
...
حديث سادس عشرين لعبد الله بن أبي بكر
مالك عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهدى جملا كان لأبي جهل بن هشام في حج أو عمرة.
وقع عندنا وعند غيرنا في كتاب يحيى في الموطأ في هذا الحديث مالك عن نافع عن عبد الله بن أبي بكر وهذا من الغلط البين ولا أدري ما وجهه ولم يختلف الرواة للموطأ عن مالك فيما علمت قديما وحديثا أن هذا الحديث في الموطأ لمالك عن عبد الله بن أبي بكر وليس لنافع فيه ذكر ولا وجه لذكر نافع فيه ولم يرو نافع عن عبد الله بن أبي بكر قط شيئا بل عبد الله بن أبي بكر ممن يصلح أن يروي عن نافع وقد روى عن نافع من هو أجل منه وهذا الحديث في الموطأ عند جماعة رواته لمالك عن عبد الله بن أبي بكر ورواه سويد بن سعيد عن مالك عن الزهري عن أنس عن أبي بكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم

(17/413)


أهدى جملا لأبي جهل وهذا من خطأ سويد وغلطه] وهذا الحديث يستند من حديث ابن عباس حدثنا عبد الوارث بن سفيان حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا عبيد بن عبد الواحد حدثنا أحمد بن محمد بن أيوب حدثنا إبراهيم بن سعد عن محمد بن إسحاق قال وقال عبد الله بن أبي نجيح حدثني مجاهد عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهدى عام الحديبية في هداياه جملا لأبي جهل بن هشام في رأسه برة من فضة ليغيظ به المشركين.
وحدثنا خلف بن سعيد حدثنا عبد الله بن محمد حدثنا أحمد بن خالد حدثنا علي بن عبد العزيز حدثنا أبو نعيم حدثنا سفيان عن ابن أبي ليلى عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم ساق مائة بدنة فيها جمل لأبي جهل عليه برة من فضة.
وأخبرنا قاسم بن محمد أخبرنا خالد بن سعد حدثنا أحمد بن عمرو بن منصور وأخبرنا محمد بن عبد الملك وعبيد بن محمد قالا حدثنا عبد الله بن مسرور حدثنا عيسى بن مسكين قالا جميعا حدثنا محمد بن عبد الله بن سنجر حدثنا أبو نعيم حدثنا سفيان عن ابن أبي ليلى عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم ساق

(17/414)


مائة بدنة فيها جمل لأبي جهل عليه برة من فضة وقد رويت عن عبد الكريم الجزري عن مجاهد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن علي أن النبي صلى الله عليه وسلم أهدى في حجته مائة بدنة فيها جمل لأبي جهل وفي هذا اللفظ بهذا الإسناد نظر.
في هذا الحديث دليل على استسمان الهدايا واختيارها وانتخابها وأن الجمل يسمى بدنة كما أن الناقة تسمى بدنة وهذا الاسم مشتق من عظم البدن عندهم وفي هذا الحديث رد قول من زعم أن البدنة لا تكون إلا أنثى وفيه إجازة هدي ذكور الإبل وهو أمر مجتمع عليه في الهدي وأما استسمان الضحايا والهدايا والغلو في ثمنها واختيارها فداخل عندي تحت عموم قول الله عز وجل {وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ} وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أفضل الرقاب فقال: "أغلاها ثمنا" وهذا كله مداره على صحة النية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الأعمال بالنيات" قال الله عز وجل {لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ} وفي حديث مجاهد عن ابن عباس المذكور في هذا الباب فيه قوله ليغيظ به المشركين وذلك عندي تفسير لهذا الحديث لمن تدبر وبالله التوفيق.

(17/415)


عبد الله بن عبد الرحمن بن معمر بن أبو طواله
الحديث الأول
...
عبد الله بن عبد الرحمن بن معمر أبو طوالة
وهو عبد الله بن عبد الرحمن بن معمر بن حزم أبو طوالة الأنصاري سمع أنس بن مالك وروى عنه وروى عن كبار التابعين وولي القضاء بالمدينة في أيام ولاية أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عليها وهو من ثقات أهل المدينة روى عنه جماعة من أئمة أهل الحديث منهم مالك وابن عيينة والثوري وزهير بن معاوية والدراوردي وإسماعيل بن جعفر وسليمان بن بلال وزائدة وخالد بن عبد الله الواسطي.
حدثنا خلف بن القاسم حدثنا عبد الله بن جعفر بن الورد حدثنا أحمد بن إسحاق بن واضح حدثنا سعيد بن أسد حدثنا أصبغ بن الفرج حدثنا ابن وهب حدثني مالك قال كان عبد الله بن عبد الرحمن بن معمر رجلا صالحا وكان قاضيا في خلافة سليمان وعمر ابن عبد العزيز وكان يسرد الصيام وكان يحدث حديثا حسنا وكان يدخل على الوالي فينصحه ولا يرفق به ويكلمه في الأمر كله من الحق قال مالك وغيره من الناس يفرق أن يضرب.

(17/416)


قال أبو عمر: لمالك عنه في الموطأ ثلاثة أحاديث أحدها عند يحيى مرسل وهو متصل من وجوه من رواية مالك وغيره والثاني متصل مسند لا خلاف عن مالك في اتصاله والثالث مرسل لم يختلف رواة مالك في إرساله.

(17/417)


حديث أول لأبي طوالة
مالك عن عبد الله بن عبد الرحمن بن معمر الأنصاري عن أبي يونس مولى عائشة "أن رجلا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو واقف على الباب وأنا أسمع يا رسول الله إني أصبح جنبا وأنا أريد الصيام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وأنا أصبح جنبا وأنا أريد الصيام فأغتسل وأصوم" فقال له الرجل يا رسول الله إنك لست مثلنا قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: "والله إني أرجو أن أكون أخشاكم لله وأعلمكم بما أتقي" .
هكذا روى يحيى هذا الحديث مرسلا وهي رواية عبيد الله ابنه عنه وأما ابن وضاح في روايته عن يحيى في الموطأ فإنه جعله عن عائشة فوصله وأسنده وكذلك هو عند جماعة الرواة للموطأ مسندا عن عائشة منهم ابن القاسم والقعنبي.

(17/418)


وابن بكير وأبو المصعب [وعبد الله بن يوسف وابن عبد الحكم وابن وهب.
حدثنا خلف بن قاسم حدثنا أبو الفوارس أحمد بن محمد بن الحسين حدثنا يونس بن عبد الأعلى حدثنا ابن وهب حدثنا مالك عن عبد الله بن عبد الرحمن بن معمر أبي طوالة الأنصاري عن أبي يونس مولى عائشة عن عائشة أن رجلا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو واقف بالباب يا رسول الله إني أصبح جنبا وأنا أريد الصيام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وأنا أصبح جنبا وأنا أريد الصيام فأغتسل وأصوم" فقال يا رسول الله إنك لست مثلنا قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: "والله إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله وأعلمكم بما أتقي" .
وقد ذكر أبو داود رواية القعنبي عن مالك لهذا الحديث عن عبد الله بن عبد الرحمن بن معمر عن يونس مولى عائشة عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم مسندا كما ذكرنا إلا أنه قال في آخره: "وأعلمكم بما أتبع" ورواية ابن القاسم وغيره له كما وصفنا مسندا عن عائشة وهو محفوظ صحيح عن عائشة من طرق شتى من كل طريق في الموطأ حاشا رواية يحيى وبالله التوفيق.

(17/419)


أخبرنا محمد بن إبراهيم حدثنا محمد بن معاوية حدثنا أحمد بن شعيب أخبرنا علي بن حجر حدثنا إسماعيل يعني ابن جعفر حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن أن أبا يونس مولى عائشة أخبره عن عائشة أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهي تسمع من وراء الباب فقال يا رسول الله تدركني الصلاة وأنا جنب فأصوم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وأنا تدركني الصلاة وأنا جنب فأصوم" قال لست مثلنا يا رسول الله قد غفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر قال: "والله إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله وأعلمكم بما أتقي" .
وفي هذا الحديث من المعاني سؤال العالم وهو واقف فذلك جائز بدلالة هذا الحديث وفيه الرواية والشهادة على السماع وإن لم ير المشهد أو المحدث إذا كان المعنى المسموع مستوفى قد استوقن وأحيط به علما وفي هذا دليل على جواز شهادة الأعمى وقد مضى القول فيها في غير موضع من كتابا هذا والحمد لله وفيه المعنى المقصود إليه في هذا الحديث وذلك أن الجنب إذا لحقته جنابة ليلا قبل الفجر لم يضر صيامه أن لا يغتسل إلا بعد الفجر وقد اختلفت الآثار في هذا الباب واختلف فيه العلماء أيضا وإن كان الاختلاف في ذلك كله عندي ضعيفا يشبه الشذوذ فأما اختلاف الآثار فإن أبا هريرة كان يروي عن النبي صلى الله عليه وسلم إن من أدركه

(17/420)


الصبح وهو جنب فقد أفطر ولم يجز له صيام ذلك اليوم وهذا الحديث لم يسمعه أبو هريرة من النبي صلى الله عليه وسلم وقد أحال إذ وقف عليه مرة على الفضل بن عباس ومرة على أسامة بن زيد ومرة قال أخبرنيه مخبر ومرة قال حدثني فلان وفلان وسنذكر ذلك كله أو بعضه في باب سمي من كتابنا هذا إن شاء الله.
أخبرنا محمد بن إبراهيم حدثنا محمد بن معاوية حدثنا أحمد بن شعيب أخبرنا محمد بن منصور حدثنا سفيان عن عمرو عن يحيى بن جعدة قال سمعت عبد الله بن عمرو القاري قال سمعت أبا هريرة يقول لا ورب هذا البيت ما أنا قلته من أدركه الصبح وهو جنب فلا يصم محمد ورب الكعبة قاله وحدثنا عبد الوارث بن سفيان حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا بكر بن حماد حدثنا مسدد حدثنا سفيان عن عمرو بن دينار عن يحيى بن جعدة عن عبد الله بن عمرو القاري

(17/421)


سمع أبا هريرة يقول ورب هذا البيت ما قلت من أدركه الصبح وهو جنب فلا صوم له محمد ورب البيت قاله.
أخبرنا محمد بن إبراهيم بن سعيد حدثنا محمد بن معاوية حدثنا أحمد بن شعيب حدثنا محمد بن عبد الملك بن زنجويه حدثنا بشر بن شعيب حدثني أبي عن الزهري قال أخبرني عبد الله بن عبد الله بن عمر أنه احتلم ليلا في رمضان واستيقظ قبل أن يطلع الفجر ثم نام قبل أن يغتسل فلم يستيقظ حتى أصبح قال فلقيت أبا هريرة حين أصبحت فاستفتيته في ذلك فقال أفطر فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأمر بالفطر إذا أصبح الرجل جنبا قال عبد الله بن عبد الله بن عمر فجئت عبد الله بن عمر فذكرت له الذي أفتاني به أبو هريرة فقال إني أقسم بالله لئن أفطرت لأوجعن متنيك فإن بدا لك أن تصوم يوما آخر فافعل.
قال أبو عمر: هكذا يقول شعيب بن أبي جمرة في هذا الحديث عن الزهري عن عبد الله ابن عبد الله بن عمر ورواه الليث بن سعد عن عقيل عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله ابن عمر فجعل مكان عبد الله عبيد الله وجاء بالحديث سواء وعبد الله وعبيد الله ابنا عبد الله بن عمر ثقتان وقد ذكرناهما فيما سلف من كتابنا هذا بما فيه كفاية في معرفتهما

(17/422)


وروى هذا الحديث معمر عن الزهري أن ابنا لعبد الله بن عمر فذكر معناه لم يقل عبد الله ولا عبيد الله.
قال أبو عمر: روي عن أبي هريرة أنه رجع عن هذه الفتوى في هذه المسألة إلى ما عليه الناس من حديث عائشة ومن تابعها في هذا الباب روى عبد الله بن المبارك عن ابن أبي ذئب عن سليمان بن عبد الرحمن بن ثوبان عن أخيه محمد بن عبد الرحمن أنه كان سمع أبا هريرة يقول من احتلم من الليل أو واقع أهله ثم أدركه الفجر ولم يغتسل فلا يصم قال ثم سمعته نزع عن ذلك وروى منصور عن مجاهد عن عبد الرحمن بن أبي بكرة أن أبا هريرة كف عن قوله ذلك لحديث عائشة فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم وروى أسباط بن محمد عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة أنه نزع عن ذلك أيضا لحديث أم سلمة فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم.
أخبرنا محمد بن عبد الملك حدثنا أبو سعيد أحمد بن محمد بن زياد الأعرابي حدثنا الحسن ابن محمد الزعفراني حدثنا أبو عباد عن شعبة حدثني عبد الله بن أبي السفر عن عبد الرحمن ابن الحارث عن عائشة قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصبح جنبا ثم يغتسل ثم يخرج إلى الصلاة ويصلي وأسمع قراءته ثم يصوم.

(17/423)


قال أبو عمر: روي هذا الحديث عن عائشة من وجوه كثيرة وطرق متواترة وكذلك روي أيضا عن أم سلمة وأما اختلاف العلماء في هذا الباب فالذي عليه جماعة فقهاء الأمصار بالعراق والحجاز القول بحديث عائشة وأم سلمة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يصبح جنبا ويصوم ذلك اليوم منهم مالك وأبو حنيفة والشافعي وأصحابهم وأحمد وأبو ثور وإسحاق وعامة أهل الفتوى من أهل الرأي والحديث روي عن إبراهيم النخعي وعروة بن الزبير وطاوس أن الجنب في رمضان إذا علم بجنابته فلم يغستل حتى يصبح فهو مفطر وإن لم يعلم حتى يصبح فهو صائم وروي مثل ذلك عن أبي هريرة أيضا والمشهور عن أبي هريرة أنه قال لا صوم له علم أو لم يعلم إلا أنه قد روينا عنه من طرق صحاح أنه رجع عن ذلك فالله أعلم وروي عن الحسن البصري وسالم بن عبد الله بن عمر أنهما قالا يتم صيام يومه ذلك ويقضيه إذا أصبح فيه جنبا وقال إبراهيم النخعي في رواية غير الرواية الأولى عنه إن ذلك يجزيه في التطوع ويقضي في الفرض وكان الحسن بن حي يستحب إن أصبح جنبا في رمضان أن يقضي ذلك اليوم وكان يقول يصوم الرجل تطوعا وإن أصبح جنبا ولا قضاء عليه وكان يرى على الحائض إذا أدركها الصبح ولم تغتسل أن تقضي ذلك

(17/424)


اليوم وذهب عبد الملك بن عبد العزيز بن الماجشون في الحائض نحو هذا المذهب وذلك أنه قال إذا طهرت الحائض قبل الفجر فأخرت غسلها حتى طلع الفجر فيومها يوم فطر لأنها في بعضه غير طاهر وليست كالذي يصبح جنبا فيصوم لأن الاحتلام لا ينقض الصوم والحيض ينقضه.
قال أبو عمر: قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصائم يصبح جنبا ما فيه شفاء وغنى واكتفاء عن قول كل قائل من حديث عائشة وغيرها ودل كتاب الله عز وجل على مثل ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك قال الله عز وجل {فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ} وإذا أبيح الجماع والأكل والشرب حتى يتبين الفجر فمعلوم أن الغسل لا يكون حينئذ إلا بعد الفجر وقد نزع بهذا جماعة من العلماء منهم ربيعة والشافعي وغيرهما ومن الحجة أيضا فيما ذهبت إليه الجماعة في هذا الباب إجماعهم على أن الاحتلام بالنهار لا يفسد الصيام فترك الاغتسال من جنابة تكون ليلا أحرى أن لا يفسد الصوم والله أعلم وممن ذهب إلى ما قلنا من

(17/425)


العلماء علي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود وزيد بن ثابت وأبو الدرداء وأبو ذر وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس وعائشة وأم سلمة وبه قال مالك في علماء المدينة والشافعي في سائر علماء المكيين والحجازيين والثوري وأبو حنيفة وابن علية في جماعة فقهاء العراقيين والأوزاعي والليث في فقهاء أهل الشام والمغرب وبه قال أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأبو ثور وأبو عبيد وداود بن علي والطبري وجماعة أهل الحديث.
وأما اختلاف الفقهاء في الحائض تطهر قبل الفجر فلا تغتسل حتى يطلع الفجر فإن مالكا والشافعي والثوري وأحمد وإسحاق وأبو ثور يقولون هي بمنزلة الجنب وتغتسل وتصوم ويجزيها صوم ذلك اليوم وقال عبيد الله بن الحسن العنبري والحسن بن حي والأوزاعي تصومه وتقضيه وقال أبو حنيفة وأصحابه إن كانت أيامها أقل من عشرة صامته وقضته وإن كانت أيامها عشرا فإنها تصوم ولا تقضي.
قال أبو عمر: قد اتفق هؤلاء كلهم على أنها تصومه واختلفوا في قضائه ولا حجة مع من أوجب القضاء فيه وإيجاب فرض والفرائض لا تثبت من جهة الرأي وإنما تثبت من جهة التوقيف بالأصول الصحاح ولا أدري إن كان عبد الملك بن الماجشون يرى صومه أم لا لأنه يقول إن يومها ذلك يوم فطر فإن كان لا يرى صومه فهو شاذ والشذوذ لا نعرج

(17/426)


عليه ولا معنى لما اعتل به من أن الحيض ينقض الصوم والاحتلام لا ينقضه لأن من طهرت من حيضتها ليست بحائض والغسل بالماء عبادة ومعلوم أن الغسل معنى والطهر غيره فتدبر والصحيح في هذا الباب ما ذهب إليه مالك والشافعي والثوري ومن تابعهم وبالله التوفيق.

(17/427)


الحديث الثاني
...
حديث ثان لأبي طوالة
مالك عن عبد الله بن عبد الرحمن بن معمر عن أبي الحباب سعيد بن يسار عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله تبارك وتعالى يقول يوم القيامة أين المتحابون لجلالي اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي" .
قال أبو عمر: أبو الحباب سعيد بن يسار هذا مدني تابعي ثقة لا يختلفون فيه وهو مولى الحسن بن علي وقيل بل هو مولى شميسة امرأة كانت نصرانية فأسلمت على يدي الحسن بن علي وتوفي أبو الحباب سنة سبع عشرة ومائة.
وهذا الحديث في الموطأ بهذا الإسناد عند جماعة رواته فيما علمت وقد كان عند مالك فيه إسناد آخر رواه إبراهيم بن طهمان عن مالك عن سعيد المقبري عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يقول الله عز وجل يوم القيامة أين المتحابون بجلالي اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي" . ذكره أبو داود وقال كان عنده أيضا عن مالك حديث أبي طوالة عن أبي الحباب.

(17/428)


قال أبو عمر: معنى هذا الحديث واضح في فضل المتحابين في الله ومعنى قوله فيه والله أعلم أين المتحابون لجلالي أين المتحابون إجلالا لي ومحبة في فمن إجلال الله عز وجل إجلال أولياء الله ومحبتهم كما جاء في الأثر من إجلال الله عز وجل إجلال ذي الشيبة المسلم وحامل القرآن غير الغالي فيه ولا الجافي عنه وإذا كان ذكرهم وذكر فضائلهم عمل بر فما ظنك بحبهم وإخلاص الود لهم.
قرأت على أبي عثمان سعيد بن نصر أن قاسم بن اصبغ حدثهم قال حدثنا ابن وضاح قال سمعت ابن أبي إسرائيل يقول سمعت سفيان بن عيينة يقول عند ذكر الصالحين تتنزل الرحمة قال وسمعت ابن أبي إسرائيل يقول سمعت سفيان يقول اسلكوا سبيل الحق ولا تستوحشوا من قلة أهله.
وذكر أبو عبيد قال حدثنا معاذ بن معاذ عن عوف بن أبي جميلة عن زياد بن مخراق عن أبي كنانة عن أبي موسى الأشعري قال إن من إجلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم وحامل القرآن غير الغالي فيه لا الجافي عنه وذي السلطان المقسط وقد روي مرفوعا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من تعظيم جلال الله إكرام ثلاثة الإمام المقسط,

(17/429)


وذي الشيبة المسلم وحامل القرآن غير الغالي فيه ولا الجافي عنه" من وجوه فيها لين وحملة القرآن هم العاملون بأحكامه وحلاله وحرامه بما فيه ومن أوثق عرى الإسلام البغض في الله والحب في الله".
حدثنا محمد بن عبد الملك حدثنا عبد الله بن مسروق حدثنا عيسى بن مسكين حدثنا محمد بن عبد الله بن سنجر حدثنا عارم حدثنا الصعق بن حزن عن عقيل الجعدي عن أبي إسحاق عن سويد بن غفلة عن ابن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يا عبد الله بن مسعود قلت لبيك يا رسول الله قال تدري أي عرى الإيمان أوثق قال قلت الله ورسوله أعلم قال الولاية في الله الحب والبغض فيه" .
وذكر يعقوب بن شيبة قال حدثنا أبو سلمة حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت عن مسلم بن يسار قال ما من عملي شيء إلا وأنا أخاف أن يكون قد دخله ما يفسده إلا الحب في الله قال وحدثنا عمرو بن مرزوق حدثنا عمران القطان عن قتادة عن مسلم بن يسار قال مرضت مرضة فلم يكن

(17/430)


في عملي شيء أوثق في نفسي من قوم كنت أحبهم في الله وذكر ابن المبارك عن فضيل بن غزوان عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن عبد الله في قوله {لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ} قال نزلت في المتحابين في الله.
وحدثنا محمد بن عبد الملك حدثنا عبد الله بن مسرور حدثني عيسى بن مسكين حدثنا ابن سنجر حدثنا سعيد بن سليمان حدثنا إسماعيل بن زكرياء حدثنا ليث عن عمرو بن مرة عن معاوية بن سويد بن مقرن عن البراء بن عازب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن أوثق عرى الإسلام أن تحب في الله وتبغض في الله" .
قال أبو عمر: فمن الحب في الله حب أولياء الله وهم الأنقياء العلماء الفضلاء ومن البغض في الله بغض من حاد الله وجاهر بمعاصيه أو ألحد في صفاته وكفر به وكذب رسله أو نحو هذا كله وأما قوله: "في ظل الله" فإنه أراد والله أعلم في ظل عرشه وقد يكون الظل كناية عن

(17/431)


الرحمة كما قال {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلالٍ وَعُيُونٍ وَفَوَاكِهَ} يعني بذلك ما هم فيه من الرحمة والنعيم وقال {أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا} وقد يكون كناية عن العذاب كما قال عز وجل {وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ لا بَارِدٍ وَلا كَرِيمٍ} ومن كان في ظل الله يوم الحساب وقي شر ذلك اليوم جعلنا الله برحمته من المتحابين فيه ولوجهه المستقرين تحت ظله يوم لا ظل إلا ظله فإن ذلك من أفضل الأعمال وأكرم الخلال.
أخبرنا خلف بن القاسم حدثنا أبو بكر محمد بن الحسين بن صالح السبيعي الحلبي بدمشق حدثنا أبو الحسن علي بن إسماعيل بن سليمان الشعري حدثنا محمد بن محمد بن أبي الورد حدثنا سعيد بن منصور حدثنا خلف بن خليفة حدثنا حميد الأعرج عن عبد الله بن الحارث عن عبد الله بن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أوحى الله عز وجل إلى نبي من الأنبياء أن قل لفلان العابد أما زهدك في الدنيا فتعجلت راحة نفسك وأما انقطاعك إلي فتعززت بي فماذا عملت فيما لي عليك قال وما ذاك علي قال هل واليت لي وليا أو عاديت لي عدوا" .

(17/432)


حدثنا أحمد بن محمد بن أحمد حدثنا أحمد بن الفضل بن العباس حدثنا الحسن بن علي الرامقي حدثنا محمد بن عامر حدثنا عبد الله بن صالح حدثنا الليث بن سعد عن يحيى بن سعيد عن عمرة بنت عبد الرحمن عن عائشة قالت قدمت امرأة مضحكة من أهل مكة فنزلت على امرأة مضحكة من أهل المدينة ثم جاءت عائشة تسلم عليها فقالت لها عائشة أين نزلت قالت على فلانة فقالت عائشة صدق الله ورسوله سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف" ومن دعاء الفضل الرقاشي اللهم لا تدخلنا النار بعد أن أسكنت قلوبنا توحيدك وأرجو أن لا تفعل وإن فعلت لتجمعن بيننا وبين قوم عاديناهم فيك.
وأخبرنا بعض أصحابنا قال أملى علي أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن بن محمد الأزدي في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم من حفظه قال حدثنا أبو جعفر أحمد بن إسحاق بن يزيد الحلبي قاضي حلب إملاء من حفظه بمصر حدثنا علي بن عبد الحميد الغضائري حدثنا محمد بن محمد بن أبي الورد حدثنا سعيد بن منصور حدثنا خلف بن خليفة عن حميد الأعرج عن عبد الله بن الحارث عن عبد الله بن

(17/433)


مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أوحى الله إلى نبي من الأنبياء أن قل لفلان العابد أما زهدك في الدنيا فتعجلت راحتك وأما انقطاعك إلي فتعززت بي فماذا عملت فيما لي عليك قال يا رب وما ذاك فقال هل واليت في وليا أو عاديت في عدوا" قال الأردني هذا الحديث لم يسنده إلا محمد بن محمد بن أبي الورد والناس يوقفونه على ابن مسعود.
قال أبو عمر: قد أخبرنا به أبو القاسم خلف بن القاسم الحافظ عن أبي جعفر أحمد بن إسحاق بن يزيد الحلبي عن الغضائري بإسناده هذا موقوفا على ابن مسعود من قوله لم يرفعه.
وأخبرنا بعض أصحابنا أيضا قال أملى علي أبو بكر محمد بن عبد الوهاب الأسفرايني الحافظ في المسجد الحرام من حفظه قال حدثنا أبو الفضل أحمد بن حمدون الفقيه حدثنا علي بن عبد الحميد حدثنا ابن أبي الورد واسمه محمد حدثنا سعيد بن منصور حدثنا خلف بن خليفة عن حميد الأعرج عن عبد الله بن الحارث عن عبد الله بن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أوحى الله إلى نبيه أن قل لفلان الزاهد أما زهدك في الدنيا فقد تعجلت راحة نفسك وأما انقطاعك إلي فقد تعززت بي فماذا عملت فيما لي عليك قال وما لك علي قال هل واليت في وليا أو عاديت في عدوا" قال الأسفرايني هذا حديث غريب ورجاله ثقات تفرد به ابن أبي الورد عن سعيد بن منصور.

(17/434)


قال أبو عمر: أما قوله في هذا الحديث ورجاله ثقات فليس كما قال لأن حميد الأعرج هذا الذي يروي عن عبد الله بن الحارث منكر الحديث عند جميع أهل العلم بالنقل وهو حميد بن علي أبو يحيى الأعرج له عن عبد الله بن الحارث مناكير منها عن عبد الله بن الحارث عن ابن مسعند عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "كلم الله موسى يوم كلمه وعليه جبة صوف وكساء صوف وسراويل صوف وكمة صوف ونعلان من جلد حمار غير ذكي" رواه أيضا خلف بن خليفة عن حميد الأعرج عن عبد الله بن الحارث عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم وخلف بن خليفة ليس به بأس أصله الكوفة وسكن واسط وإليها ينسب ومات ببغداد سنة إحدى وثمانين.
قرأت على عبد الوارث بن سفيان وأحمد بن قاسم بن عبد الرحمن أن محمد بن معاوية حدثهم قال حدثنا أحمد بن الحسن بن عبد الجبار الصوفي حدثنا الهيثم بن خارجة حدثنا إسماعيل بن عياش عن صفوان بن عمرو عن عبد الرحمن بن ميسرة عن العرباض بن سارية عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: قال الله تبارك وتعالى: "المتحابون لجلالي في ظل عرشي يوم لا ظل إلا ظلالي" وليس في الحديث حكم من أحكام الدنيا ولا معنى يشكل وقد مضى في بسط معناه

(17/435)


بالآثار وغيرها كفاية وقد حدثنا أحمد بن قاسم بن عبد الرحمن حدثنا محمد بن معاوبة بن عبد الرحمن حدثنا محمد بن يحيى بن سليمان المروزي حدثنا عاصم بن علي حدثنا قيس عن عمارة بن القعقاع عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير عن عمر بن الخطاب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لله عباد لا بأنبياء ولا بشهداء يغبطهم الأنبياء والشهداء بمكانهم من الله عز وجل قالوا يا نبي الله من هم وما أعمالهم لعلنا نحبهم قال قوم تحابوا بروح الله من غير أرحام بينهم ولا أموال يتعاطونها والله إن وجوههم نور وإنهم لعلى منابر من نور لا يخافون إذا خاف الناس ولا يحزنون إذا حزن الناس ثم قرأ {أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ} " وقد حدثنا خلف بن القاسم حدثنا محمد بن الحسين الحلبي حدثنا علي بن إسماعيل الشعري حدثنا عبد الأعلى حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت عن أبي رافع عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه

(17/436)


وسلم أن رجلا زار أخا له في قرية أخرى قال فأرصد الله على مدرجته ملكا فلما أتى عليه قال له أين تريد قال أريد أخا لي في هذه القرية قال هل له عليك من نعمة تربها قال لا ولكن أحببته في الله قال فإني رسول الله إليك أنه قد أحبك كما أحببته فيه وحدثنا خلف بن القاسم حدثنا محمد بن الحسين بن صالح الحلبي حدثنا أبو علي الحسن بن محمد بن موسى بن أبي جعفر البطناني حدثنا علي بن الجعد حدثنا مبارك بن فضالة عن ثابت البناني عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما تحاب رجلان في الله قط إلا كان أفضلهما أشدهما حبا لصاحبه" .
حدثنا عبد الرحمن بن يحيى حدثنا أحمد بن سعيد حدثنا أحمد بن أبي عبيد اللؤلؤي حدثنا علي بن حرب حدثنا جعفر بن عون عن إبراهيم الهجري عن أبي الأحوص عن عبد الله قال الأرواح جنود مجندة تتلاقى في الهواء فتتشام كما تتشام الخيل فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف ولو أن مؤمنا جاء إلى مجلس فيه مائة منافق ليس فيه إلا مؤمن واحد لقيض له حتى يجلس إليه,

(17/437)


وقد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم الأرواح جنود مجندة جماعة من الصحابة منهم ابن مسعود وغيره إلا أن هذا اللفظ قول ابن مسعود.
حدثنا أحمد بن محمد حدثنا أحمد بن الفضل حدثنا الحسن بن علي الرامقي حدثنا علي بن حرب حدثنا محمد بن فضيل قال أتيت أبا إسحاق الهمداني فقلت أتعرفني قال نعم ولولا الحياء منك لقبلتك سمعت أبا الأحوص يحدث عن عبد الله في قول الله {لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ} نزلت في المتحابين في الله وفي رسالة سفيان الثوري إلى عباد بن عباد رواه الفريابي عنه قال المتحابون في الله هم المواسون فيه والمتباذلون فيه والمؤثرون لإخوانهم على أنفسهم بأموالهم].

(17/438)


الحديث الثالث
...
حديث ثالث لأبي طوالة مرسل يتصل من وجوه صحاح حسان
مالك عن عبد الله بن عبد الرحمن بن معمر الأنصاري عن عطاء بن يسار أنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ألا أخبركم بخير الناس منزلا رجل آخذ بعنان فرسه يجاهد في سبيل الله ألا أخبركم بخير الناس منزلة بعده رجل معتزل في غنيمة له يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ويعبد الله لا يشرك به شيئا" .
هذا حديث مرسل من رواية مالك لا خلاف عنه فيه وقد يتصل من وجوه ثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث عطاء بن يسار وغيره وسنذكر ذلك في آخر الباب إن شاء الله وهو من أحسن حديث يروى في فضل الجهاد وفي الجهاد من الفضائل على لسان رسول الله صلى الله

(17/439)


عليه وسلم ما لا يكاد يحصى قد مر منها كثير في كتابنا هذا وليس هذا على شرطنا موضع ذكرها.
وأما قوله خير الناس بعده رجل معتزل في غنيمة له ففي ذلك حض على الانفراد عن الناس واعتزالهم والفرار عنهم ولست أدري في هذا الكتاب موضعا أولى بذكر العزلة وفضلها من هذا الموضع وقد فضلها رسول الله صلى الله عليه وسلم كما ترى وفضلها جماعة العلماء والحكماء لا سيما في زمن الفتن وفساد الناس وقد يكون الاعتزال عن الناس مرة في الجبال والشعاب ومرة في السواحل والرباط ومرة في البيوت وقد جاء في غير هذا الحديث إذا كانت الفتنة فاخف مكانك وكف لسانك ولم يخص موضعا من موضع وقد قال عقبة بن عامر لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما النجاة يا رسول الله فقال: "يا عقبة أمسك عليك لسانك وليسعك بيتك وابك على خطيئتك" وبمثل هذا أوصى ابن مسعود رجلا قال أوصني وقد حدثنا محمد بن عبد الملك حدثنا ابن الأعرابي وحدثنا سعيد بن نصر حدثنا قاسم بن أصبغ قالا حدثنا إبراهيم بن عبد الله العبسي أخبرنا وكيع عن الأعمش عن مسلم

(17/440)


البطين عن عدسة قال مر بنا ابن مسعود فأهدي له طائر فقال ابن مسعود وددت أني حيث صيد هذا الطائر لا يكلمني أحد ولا أكلمه وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمر: "إذا رأيت الناس مرجت عهودهم وخفت أماناتهم فالزم بيتك واملك عليك لسانك وخذ ما تعرف ودع ما تنكر" وقالت عائشة كان أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصادقة ثم حبب إليه الخلاء فكان يمكث الأيام في غار حراء يتعبد ويتزود لذلك من عند خديجة فيبقى الأيام ذوات العدد ثم يرجع إلى خديجة فتزوده فلم يزل كذلك حتى جاءه الوحي ذكره معمر وغيره عن الزهري عن عروة عن عائشة وكان يقال قديما طوبى لمن خزن لسانه ووسعه بيته وبكى على خطيئته.
حدثنا محمد بن خليفة حدثنا محمد بن الحسين حدثنا علي بن أزهر أبو الحسن الفرغاني بفرغان حدثنا عيسى بن يونس عن ثور بن يزيد عن أبي يحيى سليم بن عامر قال:

(17/441)


قال أبو الدرداء نعم صومعة الرجل بيته يكف فيه بصره ونفسه وفرجه وإياكم والمجالس في الأسواق فإنها تلغي وتلهي.
حدثنا عبد الرحمن بن يحيى حدثنا علي بن محمد حدثنا أحمد بن داود حدثنا سحنون حدثنا ابن وهب أخبرني مسلم بن خالد عن إسماعيل بن أمية أن عمر بن الخطاب قال إن اليأس غنى وإن الطمع فقر حاضر وإن العزلة راحة من خلطاء السوء وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "صوامع المؤمنين بيوتهم" من مراسيل الحسن وغيره.
وأخبرنا محمد بن خليفة حدثنا محمد بن الحسين حدثنا محمد بن مخلد حدثنا محمد بن إسحاق الصاغاني حدثنا سعيد بن أبي مريم أخبرنا ابن لهيعة عن يسار بن عبد الرحمن قال قال لي بكير بن الأشج ما فعل خالك قال قلت لزم البيت منذ كذا وكذا فقال إلا أن رجالا من أهل بدر لزموا بيوتهم بعد قتل عثمان فلم يخرجوا إلا إلى قبورهم قال وحدثنا محمد بن مخلد حدثنا عبد الملك بن محمد بن عبد الله الرقاشي حدثنا محمد بن كثير أخبرنا شعبة عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم قال قال

(17/442)


طلحة بن عبيد الله أقل لعيب الرجل لزومه بيته وعن حذيفة أنه قال لوددت أني وجدت من يقوم لي في مالي فدخلت بيتي فأغلقت بابي فلم يدخل علي أحد ولم أخرج إلى أحد حتى ألحق بالله عز وجل وقال غيره طوبى لمن كان غنيا خفيا وكان طاوس يجلس في البيت فقيل له لم تكثر الجلوس في البيت فقال حيف الأئمة وفساد الناس.
قال أبو عمر: فر الناس قديما من الناس فكيف بالحال اليوم مع ظهور فسادهم وتعذر السلامة منهم ورحم الله منصورا الفقيه حيث يقول:
الناس بحر عميق ... والبعد منهم سفينة
وقد نصحتك فانظر ... لنفسك المسكينة
وقال رجل لسفيان الثوري أوصني فقال هذا زمان السكوت ولزوم البيوت أخذ هذا منصور فقال:
الخير أجمع في السكوت ... وفي ملازمة البيوت
فإذا استوى لك ذا وذا ... لك فاقتنع بأقل قوت

(17/443)


وقال منصور أيضا:
ليس هذا زمان قولك ما الحكم ... على من يقول أنت حرام
والحقي بائنا بأهلك أو أنت ... عتيق محرر يا غلام
متى تنكح المصابة في العد ... دة عن شبهة وكيف الكلام
في حرام أصاب سن غزال ... فتولى وللغزال بغام
إنما ذا زمان كد إلى المو ... ت وقوت مبلغ والسلام
حدثنا محمد بن خليفة حدثنا محمد بن الحسين حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد الحميد حدثنا إسماعيل بن أبي الحارث قال سمعت أحمد بن عبد الله بن يونس يقول سمعت سفيان الثوري يقول ما رأيت لأحد خيرا من أن يدخل في جحر وقال يحيى بن يمان قال لي سفيان أنكر من تعرف ولا تتعرف إلى من لا تعرف.
وحدثنا محمد بن خليفة حدثنا محمد بن الحسين حدثنا يحيى بن محمد بن صاعد سمعت الحسين بن الحسن المروزي يقول سمعت سفيان بن عيينة يقول رأيت الثوري في النوم فقلت له أوصني فقال أقل من معرفة الناس أقل من معرفة الناس قال ابن عيينة كأنه ملدوغ من مجالسة الناس وقال

(17/444)


داود الطائي فر من الناس كما تفر من الأسد واستوحش منهم كما تستوحش من السباع ومما يروى للشافعي رحمه الله وزمانه لا محالة خير من زماننا هذا:
ليت السباع لنا كانت مجاورة ... وليتنا لا نرى ممن نرى أحدا
إن السباع لتهدا في مرابضها ... والناس ليس بهاد شرهم أبدا
فاهرب بنفسك واستأنس بوحدتها ... تعش سليما إذا ما كنت منفردا
وقال الفضيل بن عياض أقل من معرفة الناس وليكن شغلك في نفسك وقال وهيب بن الورد خالطت الناس خمسين سنة فما وجدت رجلا غفر لي ذنبا فيما بيني وبينه ولا وصلني إذا قطعته ولا ستر علي عورة ولا أمنته إذا غضب فالاشتغال بهؤلاء حمق وقال مالك بن دينار قال لي راهب من الرهبان يا مالك إن استطعت أن تجعل بينك وبين الناس سورا من حديد فافعل فانظر كل جليس لا تستفيد منه خيرا في دينك فانبذه عنك.
حدثنا محمد بن خليفة حدثنا محمد بن الحسين حدثنا الفريابي حدثنا محمد بن المثنى حدثنا يحيى بن سعيد وعبد الرحمن بن مهدي ووهب بن جرير عن شعبة عن حبيب بن عبد الرحمن عن حفص بن عاصم قال قال عمر بن الخطاب

(17/445)


خذوا بحظكم من العزلة وكان سعيد بن المسيب يقول العزلة عبادة وذكر عبد الله بن حبيق قال قال لي يوسف بن أسباط قال لي سفيان الثوري وهو يطوف حول الكعبة والذي لا إله إلا هو لقد حلت العزلة وقال بعض الحكماء الحكمة عشرة أجزاء تسعة منها في الصمت والعاشرة عزلة الناس قال وعالجت نفسي على الصمت فلم أظفر به فرأيت أن العاشرة خير الأجزاء وهي عزلة الناس.
قال أبو عمر: وقد جعلت طائفة من العلماء العزلة اعتزال الشر وأهله بقلبك وعملك وإن كنت بين ظهرانيهم ذكر ابن المبارك قال حدثنا وهيب بن الورد قال جاء رجل إلى وهب بن منبه فقال إن الناس قد وقعوا فيما فيه وقعوا وقد حدثت نفسي أن لا أخالطهم فقال لا تفعل إنه لا بد لك من الناس ولا بد لهم منك ولك إليهم حوائج ولهم إليك حوائج ولكن كن فيهم أصم سميعا أعمى بصيرا سكوتا نطوقا وقال ابن المبارك في تفسير العزلة أن تكون مع القوم فإذا خاضوا في ذكر الله فخض معهم وإن خاضوا في غير ذلك فاسكت.
قال أبو عمر: يشبه أن يكون من ذهب هذا المذهب من حجته ما حدثناه أحمد بن قاسم ابن عيسى حدثنا عبيد الله بن محمد بن حبابة حدثنا البغوي حدثنا علي بن الجعد حدثنا شعبة عن الأعمش عن يحيى بن وثاب حدثني شيخ من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قلت من هو قال:

(17/446)


ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم أفضل من المؤمن الذي لا يخالطهم ولا يصبر على أذاهم" .
وروينا عن الأحنف بن قيس أنه قال الكلام بالخير أفضل من السكوت والسكوت خير من الكلام باللغو والباطل والجليس الصالح خير من الوحدة والوحدة خير من جليس السوء وهذا باب يتسع بالآثار والحكايات عن العلماء والحكماء وهو باب مجتمع عليه على حسب ما ذكرنا وبالله توفيقنا.
وأما الآثار المرفوعة في هذا الباب فحدثنا سعيد بن نصر حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا محمد بن وضاح حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا شبابة وأخبرنا محمد بن خليفة حدثنا محمد بن الحسين البغدادي حدثنا جعفر بن محمد الفريابي حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا محمد بن إسماعيل بن أبي فديك جميعا عن ابن أبي ذئب عن سعيد بن خالد عن إسماعيل بن عبد الرحمن بن أبي ذؤيب عن عطاء بن يسار عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج عليهم وهم جلوس فقال: "ألا أخبركم بخير الناس منزلا قلنا: بلى يا رسول الله,

(17/447)


فقال: رجل يمسك بعنان فرسه في سبيل الله حتى يقتل أو يموت ألا أخبركم بالذي يليه قالوا: بلى يا رسول الله قال: رجل معتزل في شعب يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ويعتزل شر الناس" .
أخبرنا محمد بن خليفة حدثنا محمد بن الحسين حدثنا جعفر بن محمد الفريابي حدثنا قتيبة ابن سعيد حدثنا ابن لهيعة عن بكير بن عبد الله بن الأشج عن عطاء بن يسار عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ألا أخبركم بخير الناس رجل ممسك بعنان فرسه في سبيل الله ألا أخبركم بالذي يتلوه رجل معتزل في غنيمة له يؤدي حق الله فيها ألا أخبركم بشر الناس رجل يسأل بالله ولا يعطي به" وقد رواه بعضهم عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة والصحيح فيه عن ابن عباس إن شاء الله وروي هذا المعنى أيضا من حديث الزهري عن عطاء بن يزيد الليثي حدثنا محمد بن إبراهيم حدثنا محمد بن معاوية حدثنا أحمد بن شعيب أخبرنا كثير بن عبيد حدثنا بقية عن الزبيدي عن الزهري عن عطاء ابن يزيد عن أبي سعيد الخدري أن رجلا أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله أي الناس أفضل قال: "مؤمن يجاهد في سبيل الله بنفسه وماله فقال ثم من يا رسول الله قال: ثم مؤمن في شعب

(17/448)


من الشعاب يتقي الله ويدع الناس من شره" وحدثنا محمد بن خليفة حدثنا محمد بن الحسين حدثنا الفريابي حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم دحيم حدثنا الوليد بن مسلم حدثنا الأوزاعي عن الزهري عن عطاء بن يزيد الليثي عن أبي سعيد الخدري قال قيل يا رسول الله أي الأعمال أفضل قال: "الجهاد في سبيل الله عز وجل قيل ثم مه قال رجل في شعب من الشعاب يتقي ربه عز وجل ويذر الناس من شره" .
حدثنا سعيد بن نصر حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا ابن وضاح حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا وكيع حدثنا أسامة بن زيد عن نعجة بن عبد الله الجهني عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يأتي على الناس زمان يكون خير الناس فيه منزلة من أخذ بعنان فرسه في سبيل الله كلما سمع بهيعة استوى على متنه ثم يطلب الموت في مظانه ورجل في شعب من هذه الشعاب يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ويدع الناس إلا من خير" .
حدثنا محمد بن خليفة حدثنا محمد بن الحسين حدثنا الفريابي حدثنا أبو جعفر النفيلي حدثنا محمد بن سلمة عن

(17/449)


محمد بن إسحاق عن عبد الله بن أبي نجيح عن مجاهد عن أم مبشر بنت البراء بن معرور قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لأصحابه: "ألا أخبركم بخير الناس رجلا قالوا: بلى يا رسول الله فأشار بيده إلى الشام وقال: رجل أخذ بعنان فرسه في سبيل الله ينتظر أن يغير أو يغار عليه ثم قال؛ ألا أخبركم بخير الناس بعده قالوا: بلى يا رسول الله فأشار بيده نحو الحجاز ثم قال: رجل في غنيمة يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ويقيم حق الله في ماله قد اعتزل شرور الناس" .
قال أبو عمر: ويدخل في هذا الباب قوله عليه السلام: "يوشك أن يكون خير مال المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر يفر بدينه من الفتن" وسيأتي ذكر هذا الحديث في باب عبد الرحمن بن أبي صعصعة إن شاء الله وإنما جاءت ه