Contents

الواجهة
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد
مقدمة
باب الألف
باب الثاء
باب الجيم
باب الحاء
باب الخاء
باب الدال
باب الراء
باب الزاي
تابع باب الزاء
تابع لحرف الزاء
تابع لحرف الزاء
باب الطاء
باب الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع حرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
باب النون
باب الصاد
باب الضاد
باب العين
تابع لحرف العين
تابع حرف العين
تابع لحرف العين
تابع لحرف العين
باب القاف
باب السين
باب الشين
باب الهاء
باب الواو
باب الياء
تابع باب الياء
باب الكني
باب بلاغات مالك ومرسلاته
باب مافي هذا الديوان من حديث مالك الذي ثبتت عليه أبوابه خاصة
الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج
الديباج - جزء 1
الديباج - جزء 2
الديباج - جزء 3
الديباج - جزء 4
الديباج - جزء 5
الديباج - جزء 6
المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج
المنهاج - مقدمة
المنهاج - الإيمان
المنهاج - الطهارة
المنهاج - الحيض
المنهاج - الصَّلَاة
المنهاج - المساجد ومواضع الصلاة
المنهاج - صلاة المسافرين وقصرها
المنهاج - بَاب صَلَاة الْجُمُعَة
المنهاج - بَاب صَلَاة الْعِيدَيْنِ
المنهاج - بَاب الدُّعَاء فِي صَلَاة الِاسْتِسْقَاء
المنهاج - بَاب صَلَاة الْكُسُوف
المنهاج - كِتَاب الْجَنَائِز
المنهاج - الزكاة
المنهاج - كِتَاب الصِّيَام
المنهاج - كِتَاب الِاعْتِكَاف
المنهاج - كِتَاب الْحَجّ
المنهاج - كِتَاب النِّكَاح
المنهاج - الرضاعة
المنهاج - الطلاق
المنهاج - اللِّعَان
المنهاج - العتق
المنهاج - البيوع
المنهاج - المساقاة
المنهاج - الفرائض
المنهاج - الهبات
المنهاج - الوصية
المنهاج - النذر
المنهاج - الأيمان
المنهاج - القسامة
المنهاج - الحدود
المنهاج - الأقضية
المنهاج - اللقطة
المنهاج - الجهاد والسير
المنهاج - الإمارة
المنهاج - الصيد والذبائح
المنهاج - كِتَاب الْأَضْاحَي
المنهاج - الأشربة
المنهاج - اللباس والزينة
المنهاج - الآداب
المنهاج - السلام
المنهاج - الألفاظ من الأدب وغيرها
المنهاج - الشعر
المنهاج - الرؤيا
المنهاج - الفضائل
المنهاج - فضائل الصحابة
المنهاج - البر والصلة والآداب
المنهاج - القدر
المنهاج - العلم
المنهاج - الذكر والدعاء
المنهاج - التوبة
المنهاج - صفات المنافقين
المنهاج - صفة القيامة والجنة والنار
المنهاج - الجنة وصفة نعيمها وأهلها
المنهاج - الفتن وأشراط الساعة
المنهاج - الزهد والرقائق
المنهاج - التفسير
تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي
أبواب الطهارة
أبواب الصلاة
تابع أبواب الصلاة
أبواب الوتر
أبواب الجمعة
تابع لأبواب الجمعة
أبواب العيدين
أبواب السفر
ابواب الزكاة
أبواب الصوم
أبواب الحج
تابع أبواب الحج
أبواب الجنائز
أبواب النكاح
أبواب الرضاع
أبواب الطلاق واللعان
ابواب البيوع
أبواب الأحكام
أبواب الديات
ابواب الحدود
تابع أبواب الحدود
أبواب الصيد
أبواب الأضاحي
أبواب النذور والأيمان
أبواب السير
أبواب الجهاد
أبواب اللباس
أبواب الأطعمة
أبواب الأشربة
تابع أبواب الأشربة
أبواب البر و الصله عن رسول الله صلى الله عليه و آله سلم
أبواب الطب عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الفرائض عن الرسول صلى الله عليه و سلم
أبواب الوصايا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الولاء و الهبة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب القدر عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم
أبواب الفتن عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الرؤيا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الشهادات عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
تابع لأبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صِفَةُ القِيامَة
أبواب صفة الجنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صفة جهنم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإيمان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب العلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإستئذان والآداب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب العلم
أبواب الأمثال
أبواب فضائل القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب القراءات عن رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم
أبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الدعوات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أحاديث شتى من أبواب الدعوات
المناقب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
مناقب الصحابة رضوان الله عليهم
تنوير الحوالك شرح موطأ مالك
كتاب وقوت الصلاة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب السهو
كتاب الجمعة
كتاب الصلاة في رمضان
كتاب صلاة الليل
كتاب صلاة الجماعة
كتاب قصر الصلاة في السفر
كتاب العيدين
كتاب صلاة الخوف
كتاب صلاة الكسوف
كتاب الاستسقاء
كتاب القبلة
كتاب القرآن
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب الجهاد
كتاب النذور و الأيمان
كتاب الضحايا
كتاب الذبائح
كتاب الصيد
كتاب العقيقة
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الرضاع
كتاب البيوع
كتاب القراض
كتاب المساقاة - كتاب كراء الأرض
كتاب الشفعة - كتاب الأقضية
كتاب الوصية - كتاب العتق والولاء
كتاب المكاتب - كتاب المدبر
كتاب الحدود
كتاب الأشربة - كتاب العقول
كتاب القسامة - كتاب الجامع
كتاب القدر - كتاب حسن الخلق
كتاب اللباس - كتاب صفة النبي
كتاب العين - كتاب الشعر
كتاب الرؤيا - كتاب السلام
كتاب الاستئذان والتشميت والصور والتماثيل وغيرها
كتاب البيعة - كتاب الكلام والعينة والتقى
كتاب جهنم - كتاب الصدقة
كتاب العلم - كتاب دعوة المظلوم - كتاب أسماء النبي
حاشية السندي على سنن ابن ماجة
المقدمة
الطَّهَارَة وَسُنَنهَا
الصلاة
الْأَذَان
المساجد والجماعات
أَبْوَاب إِقَامَة الصَّلَاة
الجنائز
الصوم
الزكاة
النكاح
الطلاق
الكفارات
التجارات
الأحكام
الحدود
الديات
الوصايا
الْفَرَائِض
الجهاد
المناسك
الْأَضَاحِيّ
الذبائح
الصيد
الأطعمة
الأشربة
الطب
اللباس
الْآدَاب
الدُّعَاء
تعبير الرؤيا
الْفِتَن
الزُّهْد
شرح سنن ابن ماجه لمغلطاي
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح رياض الصالحين
شرح رياض الصالحين - 01
شرح رياض الصالحين - 02
شرح رياض الصالحين - 03
شرح رياض الصالحين - 04
شرح سنن أبي داود للعيني
مقدمة التحقيق
كتاب الطهارة
كِتابُ الصَلاَةِ
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
عون المعبود شرح سنن أبي داود
كتاب الطهارة
تابع كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
كتاب الزكاة
تابع لكتاب الزكاة
كتاب اللقطة
كتاب المناسك
تابع لكتاب المناسك
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الصيام
تابع لكتاب الصيام
أول كتاب الجهاد
أول كتاب الضحايا
تابع كتاب الضحايا
أول كتاب الصيد
أول كتاب الوصايا
أول كتاب الفرائض
أول كتاب الخراج والفيء والإمارة
أول كتاب الجنائز
تابع لكتاب الجنائز
كتاب الأيمان والنذور
كتاب البيوع
كتاب الإجارة
كتاب القضاء
تابع لكتاب القضاء
كتاب العلم
كتاب الأشربة
كتاب الأطعمة
كتاب الطب
كتاب الكهانة والتطير
كتاب العتق
أول كتاب الحروف والقراءات
أول كتاب الحمام
أول كتاب اللباس
أول كتاب الترجل
أول كتاب الخاتم
أول كتاب الفتن والملاحم
أول كتاب المهدي
أول كتاب الملاحم
أول كتاب الحدود
أول كتاب الديات
أول كتاب السنة
تابع لكتاب السنة
أول كتاب الأدب
أبواب السلام
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن حجر
فتح الباري - هدي الساري مقدمة فتح الباري
فتح الباري - كتاب بدء الوحي
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب العلم
فتح الباري - كتاب الوضوء
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
فتح الباري - كتاب مواقيت الصلاة
فتح الباري - كتاب الأذان
فتح الباري - كتاب الجمعة
فتح الباري - كتاب الخوف
فتح الباري - كتاب العيدين
فتح الباري - كتاب الوتر
فتح الباري - كتاب الاستسقاء
فتح الباري - كتاب الكسوف
فتح الباري - كتاب سجود القرآن
فتح الباري - كتاب تقصير الصلاة
فتح الباري - كتاب التهجد
فتح الباري - كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة
فتح الباري - كتاب العمل في الصلاة
فتح الباري - كتاب السهو
فتح الباري - كتاب الجنائز
فتح الباري - كتاب الزكاة
فتح الباري - كتاب الحج
فتح الباري - كتاب العمرة
فتح الباري - كتاب المحصر
فتح الباري - كتاب جزاء الصيد
فتح الباري - كتاب فضائل المدينة
فتح الباري - كتاب الصوم
فتح الباري - كتاب صلاة التراويح
فتح الباري - كتاب فضل ليلة القدر
فتح الباري - كتاب الإعتكاف
فتح الباري - كتاب البيوع
فتح الباري - كتاب السلم
فتح الباري - كتاب الشفعة
فتح الباري - كتاب الإجارة
فتح الباري - كتاب الحرث والمزارعة
فتح الباري - كتاب المساقاة
فتح الباري - كتاب الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس
فتح الباري - كتاب الخصومات
فتح الباري - كتاب اللقطة
فتح الباري - كتاب المظالم
فتح الباري - كتاب الشركة
فتح الباري - كتاب الرهن
فتح الباري - كتاب العتق
فتح الباري - كتاب المكاتب
فتح الباري - كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها
فتح الباري - كتاب الشهادات
فتح الباري - كتاب الصلح
فتح الباري - كتاب الشروط
فتح الباري - كتاب الوصايا
فتح الباري - كتاب الجهاد و السير
فتح الباري - كتاب فرض الخمس
فتح الباري - كتاب الجزية و الموادعة
فتح الباري - كتاب بدء الخلق
فتح الباري - كتاب أحاديث الأنبياء
فتح الباري - كتاب المناقب
فتح الباري - كتاب فضائل الصحابة
فتح الباري - كتاب مناقب الأنصار
فتح الباري - كتاب المغازي
فتح الباري - كتاب التفسير
فتح الباري - كتاب فضائل القرآن
فتح الباري - كتاب النكاح
فتح الباري - كتاب الطلاق
فتح الباري - كتاب النفقات
فتح الباري - كتاب الأطعمة
فتح الباري - كتاب العقيقة
فتح الباري - كتاب الذبائح والصيد
فتح الباري - كتاب الأضاحي
فتح الباري - كتاب الأشربة
فتح الباري - كتاب المرضى
فتح الباري - كتاب الطب
فتح الباري - كتاب اللباس
فتح الباري - كتاب الأدب
فتح الباري - كتاب الإستئذان
فتح الباري - كتاب الدعوات
فتح الباري - كتاب الرقاق
فتح الباري - كتاب القدر
فتح الباري - كتاب الأيمان والنذور
فتح الباري - كتاب كفارات الأيمان
فتح الباري - كتاب الفرائض
فتح الباري - كتاب الحدود
فتح الباري - كتاب الديات
فتح الباري - كتاب استتابة المرتدين
فتح الباري - كتاب الإكراه
فتح الباري - كتاب الحيل
فتح الباري - كتاب التعبير
فتح الباري - كتاب الفتن
فتح الباري - كتاب الأحكام
فتح الباري - كتاب التمني
فتح الباري - كتاب أخبار الأحاد
فتح الباري - كتاب الإعتصام بالسنة
فتح الباري - كتاب التوحيد
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن رجب
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
مقدمة
خطبة الكتاب
كتاب الإيمان
كتاب العلم
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصوم
كتاب فضائل القرآن
كتاب الدعوات
كتاب المناسك
كتاب البيوع
كتاب الفرائض والوصايا
كتاب النكاح
كتاب العتق
كتاب القصاص
كتاب الديات
كتاب الحدود
كتاب الإمارة والقضاء
كتاب الجهاد
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأطعمة
كتاب اللباس
كتاب الطب والرقى
كتاب الرؤيا
كتاب الآداب
كتاب الرقاق
كتاب الفتن
كتاب صفة القيامة والجنة والنار
كتاب الفضائل والشمائل
كتاب المناقب

 
عودة لموقع هاني الطنبور
هاني الطنبور
الصفحة السابقة الصفحة التالية
 
 

 

التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد

المجلد الثامن عشر
تابع لحرف العين
أبو الزناد عبد الله بن ذكوان
الحديث الأول
...
أبو الزناد عبد الله بن ذكوان
قال أبو عمر: أبو الزناد لقب غلب عليه وكنيته أبو عبد الرحمان لا يختلفون في ذلك وهو عبد الله بن ذكوان وذكوان أبوه مولى رملة ابنة شيبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف وكانت رملة هذه تحت عثمان بن عفان وقيل هو مولى عائشة ببنت عثمان وقيل مولى عثمان ويقال إن ذكوان أبا أبي الزناد كان أخا أبي لؤلؤة قاتل عمر بن الخطاب بولادة العجم هكذا قال الواقدي ومصعب الزبيري والطبري
وأخبرنا عبد الرحمن بن يحيى قال أخبرنا أحمد بن سعيد قال أخبرنا أبو مسلم صالح بن أحمد بن عبد الله بن صالح قال قال أبي أبو الزناد من رهط أبي لؤلؤة كانت بينهم قرابة قال وكان أحد مفتي أهل المدينة حدثنا عبد الوارث بن سفيان حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا

(18/5)


أحمد بن زهير حدثنا مصعب بن عبد الله قال كان أبو الزناد فقيه أهل المدينة وكان صاحب كتاب وحساب وكان كاتبا لعبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب وكاتبا أيضا لخالد بن عبد الملك بن الحرث بن الحكم بالمدينة قال وقدم على هشام بن عبد الملك بحساب ديوان المدينة فجالس هشاما مع ابن شهاب فسأل هشام ابن شهاب في أي شعر كان عثمان يخرج العطاء فيه لأهل المدينة فقال لا أدري فقال أبو الزناد كنا نرى أن ابن شهاب لا يسأل عن شيء إلا وجد عنده علمه قال أبو الزناد فسألني هشام فقلت في المحرم قال هشام لابن شهاب يا أبا بكر هذا علم قد أفدته اليوم فقال ابن شهاب مجلس أمير المؤمنين أهل أن يفاد منه العلم قال مصعب وكان أبو الزناد معاديا لربيعة بن أبي عبد الرحمن قال وكان أبو الزناد وربيعة فقيهي أهل المدينة في زمانهما وذكر الحلواني في كتاب المعرفة عن ابن أبي مريم عن الليث عن عبد ربه بن سعيد قال رأيت أبا الزناد دخل مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم

(18/6)


ومعه من الأتباع مثل ما مع السلطان من بين سائل عن حديث وبين سائل عن فقه وبين سائل عن فريضة وبين سائل عن شعر قال وحدثنا علي بن المديني حدثنا سفيان بن عيينة قال سألت سفيان الثوري قلت له كيف رأيت أبا الزناد قال أو كان ثم أمير غيره.
حدثنا خلف بن القاسم حدثنا أبو الميمون حدثنا أبو زرعة قال سمعت أحمد بن حنبل يقول أبو الزناد أعلم من ربيعة فقلت لأحمد حديث ربيعة كيف هو قال ثقة وأبو الزناد أعلم منه.
وحدثنا عبد الوارث حدثنا قاسم حدثنا احمد بن زهير حدثنا سليمان بن أبي شيخ قال ولى عمر بن عبد العزيز أبا الزناد بيت مال الكوفة. وحدثنا عبد الوارث حدثنا قاسم حدثنا احمد بن زهير حدثني أبي حدثنا ابن عيينة عن ابن شبرمة قال كان الشعبي يقول لأبي الزناد جئت بها زيوفا وتذهب بها جيادا وقال المدائني كان خالد بن عبد الملك بن الحارث بن

(18/7)


الحكم قد ولى أبا الزناد المدينة فقال علي بن الجون الغطفاني
رأيت الخير عاش لنا فعشنا ... وأحياني مكان أبي الزناد
وسار بسيرة العمرين فينا ... بعدل في الحكومة وافتصاد
وقال الواقدي سمعت مالك بن أنس يقول كانت لأبي الزناد حلقة على حدة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال الواقدي مات أبو الزناد فجأة في مغتسله ليلة الجمعة لسبع عشرة خلت من شهر رمضان سنة ثلاثين ومائة وهو ابن ست وستين وقيل توفي أبو الزناد سنة إحدى وثلاثين ومائة وهو ابن أربع وستين.
وقال الطبري كان أبو الزناد ثقة كثير الحديث فصيحا بصيرا بالعربية كاتبا حاسبا فقيها عالما عاقلا وقد ولي خراج المدينة.
قال أبو عمر: لمالك عنه في الموطأ أربعة وخمسون حديثا مسندة ثابتة صحاح متصلة.

(18/8)


حديث أول لأبي الزناد
مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "الرؤيا الحسنة من الرجل الصالح جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة" .
قد مضى القول في معنى هذا الحديث في باب إسحاق ابن عبد الله بن أبي طلحة من كتابنا هذا فأغنى ذلك عن إعادته ههنا وبالله التوفيق.

(18/9)


الحديث الثاني
...
حديث ثان لأبي الزناد
مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "لا ينظر الله عز وجل يوم القيامة إلى من يجر إزاره بطرا" .
قد مضى القول في معنى هذا الحديث في باب زيد بن أسلم من كتابنا هذا والحمد لله وأما قوله في هذا الحديث بطرا فتفسيره عندي قوله في حديث ابن عمر خيلاء على ما ذكرناه في باب زيد بن أسلم من تفسير الخيلاء والمخيلة وأما أصل البطر في اللغة فله وجوه أحدها كفر النعمة وهو الذي يشبه المعنى المقصود إليه بهذا الحديث وقد يكون البطر بمعنى الدهش قال الخليل بطر بطرا إذا دهش وأبطرت حلمه أدهشته عنه وبطر النعمة إذا لم يشكرها ورجل بطر متماد في الغي ولكن المعنى المراد بهذا الحديث التبختر في المشي والنظر في الأعطاف والتيه والتكبر والتجبر ونحو ذلك.

(18/10)


الحديث الثالث
...
حديث ثالث لأبي الزناد
مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "تحاج آدم وموسى قال له موسى أنت آدم الذي أغويت الناس وأخرجتهم من الجنة قال آدم أنت موسى الذي أعطاه الله علم كل شيء واصطفاه على الناس برسالته وبكلامه قال نعم قال افتلومني على أمر قد قدر علي قبل أن أخلق" .
إلى ههنا انتهى حديث مالك عند جميع رواته لهذا الحديث وزاد فيه ابن عيينة عن أبي الزناد بإسناده قبل أن أخلق بأربعين سنة وكذلك قال طاوس عن أبي هريرة:
حدثنا عبد الله بن محمد حدثنا محمد بن عمر حدثنا علي بن حرب حدثنا سفيان عن عمرو عن طاوس سمع

(18/11)


أبا هريرة يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حاج آدم موسى فقال موسى يا آدم أنت أبونا أخرجتنا من الجنة قال آدم يا موسى أنت الذي اصطفاك الله بكلامه وخط لك التوراة بيده أتلومني على أمر قدره علي قبل أن يخلقني بأربعين سنة" وهذا حديث صحيح ثابت من جهة الإسناد لا يختلفون في ثبوته رواه عن أبي هريرة جماعة من التابعين وروي من وجوه عن النبي صلى الله عليه وسلم من رواية الثقات الأئمة الأثبات.
حدثنا أحمد بن فتح بن عبد الله حدثنا أبو عمرو عثمان ابن محمد بن إبراهيم حدثنا أبو محمد عبد الله بن سلم المقدسي حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم حدثنا الوليد بن مسلم حدثنا الأوزاعي حدثني يحيى بن أبي كثير حدثني أبو سلمة عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لقي آدم موسى فقال له موسى أنت أبو الناس الذي أغويتهم وأخرجتهم من الجنة فقال له آدم أنت موسى الذي كلمك الله واصطفاك برسالته فكيف تلومني على عمل كتب الله علي أن أعمله قبل أن أخلق قال فحج آدم موسى"

(18/12)


ورواه الزهري فاختلف أصحابه عليه في إسناده فرواه إبراهيم بن سعد وشعيب بن أبي حمزة عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة ورواه عمر بن سعيد عن الزهري عن الأعرج عن أبي هريرة ورواه معمر عن الزهري عن أبي سلمة وسعيد عن أبي هريرة ومنهم من يجعله عن معمر عن أبي سلمة عن أبي هريرة ومنهم من يرويه عن الزهري عن سعيد عن أبي هريرة وكلهم يرفعه وهي كلها صحاح للقاء الزهري جماعة من أصحاب أبي هريرة وقد روي هذا الحديث عن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم مسندا بأتم ألفاظ وأحسن سياقة.
حدثنا عبد الرحمن بن يحيى قال حدثنا علي بن محمد قال حدثنا أحمد بن داود قال حدثنا سحنون قال حدثنا عبد الله بن وهب قال أخبرني هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن أبيه أن عمر بن الخطاب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن موسى عليه السلام قال يا رب أبونا آدم أخرجنا ونفسه من الجنة فأراه الله آدم فقال له أنت آدم قال آدم نعم قال أنت الذي نفخ الله فيك من روحه وعلمك

(18/13)


الأسماء كلها وأمر ملائكته فسجدوا لك قال نعم قال فما حملك على أن أخرجتنا ونفسك من الجنة قال له آدم ومن أنت قال أنا موسى قال أنت نبي بني إسرائيل الذي كلمك الله من وراء حجاب لم يجعل بينك وبينه رسولا من خلقه قال نعم قال أما وجدت في كتاب الله الذي أنزل عليك أن ذلك كان في كتاب الله قبل أن أخلق قال نعم قال أفتلومني في شيء سبق من الله فيه القضاء قبل قال عند ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فحج آدم موسى."
في هذا الحديث من الفقه إثبات الحجاج والمناظرة وإباحة ذلك إذا كان طلبا للحق وظهوره وقد أفردنا لهذا المعنى بابا كاملا أوضحناه فيه بالححج والبرهان والبسط والبيان في كتابنا كتاب العلم فأغنى ذلك عن إعادته ههنا
وفيه إباحة التقرير والتعريض في معنى التوبيخ في درج الحجاج حتى تقر الحجة مقرها وفيه دليل على أن من علم وطالع العلوم فالحجة له ألزم وتوبيخه على الغفلة أعظم

(18/14)


وفيه إباحة مناظرة الصغير للكبير والأصغر للأسن إذا كان ذلك طلبا للازدياد من العلم وتقريرا للحق وابتغاء له وفيه الأصل الجسيم الذي أجمع عليه أهل الحق وهو أن الله عز وجل قد فرغ من أعمال العباد فكل يجري فيما قدر له وسبق في علم الله تبارك اسمه.
وأما قوله "أفتلومني على أمر قد قدر علي" فهذا عندي مخصوص به آدم لأن ذلك إنما كان منه ومن موسى عليهما السلام بعد أن تيب على آدم وبعد أن تلقى من ربه كلمات تاب بها عليه فحسن منه أن يقول ذلك لموسى لأنه قد كان تيب عليه من ذلك الذنب وهذا غير جائز أن يقوله اليوم أحد إذا أتى ما نهاه الله عنه ويحتج بمثل هذا فيقول أتلومني على أن قتلت أو زنيت أو سرقت وذلك قد سبق في علم الله وقدره علي قبل أن أخلق هذا ما لا يسوغ لأحد أن يقوله وقد اجتمعت الأمة أن من أتى ما يستحق الذم عليه فلا بأس بذمه ولا حرج في لومه ومن أتى ما يحمد له فلا بأس بمدحه عليه وحمده وقد حكى مالك عن يحيى بن سعيد

(18/15)


معنى ما ذكرنا أن ذلك إنما كان من آدم عليه السلام بعد أن تيب عليه ذكره ابن وهب عن مالك وهذا صحيح لأن روحه لم يجتمع بروح موسى ولم يلتقيا والله أعلم إلا بعد الوفاة وبعد رفع أرواحهما في عليين فكان التقاؤهما كنحو التقاء نبينا صلى الله عليه وسلم بمن لقيه في المعراج من الأنبياء على ما جاء في الأثر الصحيح وان كان ذلك عندي لا يحتمل تكييفا وإنما فيه التسليم لأنا لم نؤت من جنس هذا العلم إلا قليلا.
حدثنا عبد الوارث بن سفيان حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا أحمد بن زهير حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد ابن سلمة عن عمار بن أبي عمار قال سمعت أبا هريرة يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم قال حماد وأخبرنا حميد عن الحسن عن جندب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "لقي آدم موسى فحج آدم موسى" .
قال أبو عمر: معنى حجه غلبه وظهر عليه في الحجة وفي ذلك دليل على فضل من أدلى عند التنازع بحجته

(18/16)


حدثنا عبد الوارث بن سفيان حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا الحارث بن أبي اسامة حدثنا يونس بن محمد حدثنا حماد عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "لقي آدم موسى فقال له موسى يا آدم أنت الذي خلقك الله بيده وأسكنك جنته وأسجد لك ملائكته ونفخ فيك من روحه فعلت ما فعلت فأخرجت ذريتك من الجنة قال آدم يا موسى أنت الذي اصطفاك الله برسالته وبكلامه وقربك نجيا وآتاك التوراة فبكم تجد الذنب الذي عملته مكتوبا علي قبل أن أخلق قال بأربعين سنة قال فلم تلومني" قال النبي صلى الله عليه وسلم: "فحج آدم موسى يقولها ثلاثا" .
قال أبو عمر: هذا الحديث من أوضح ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في إثبات القدر ودفع قول القدرية وبالله التوفيق والعصمة.

(18/17)


وروي أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى الحسن البصري إن الله لا يطالب خلقه بما قضى عليهم وقدر ولكن يطالبهم بما نهاهم عنه وأمر فطالب نفسك من حيث يطالبك ربك والسلام وروينا أن الناس لما خاضوا في القدر بالبصرة اجتمع مسلم ابن يسار ورفيع أبو العالية فقال أحدهما لصاحبه تعال حتى ننظر فيما خاض الناس فيه هذا الأمر قال فقعدا ففكرا فاتفق رأيهما أنه يكفي المؤمن من هذا الأمر أن يعلم أنه لن يصيبه إلا ما كتب الله له وأنه مجزي بعمله.

(18/18)


الحديث الرابع
...
حديث رابع لأبي الزناد
مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث ولا تجسسوا ولا تحسسوا ولا تنافسوا ولا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخوانا" قال أبو عمر: احتج قوم من الشافعية بهذا الحديث ومثله في إبطال الذرائع في البيوع فقالوا قال الله عز وجل :{إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً} وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث" وقال "إن الله حرم من المؤمن دمه وعرضه وماله وأن لا يظن به إلا الخير" وقال صلى الله عليه وسلم "إذا ظننتم فلا تحققوا" قالوا وأحكام الله عز وجل على

(18/19)


الحقائق لا على الظنون فأبطلوا القول بالذرائع في الأحكام من البيوع وغيرها فقالوا غير جائز أن يقال إنما أردت بهذا البيع كذا بخلاف ظاهره وصار هذا كأنه كذا ويدخله كذا لما ينكر فاعله أنه أراده وللقول عليهم موضع غير هذا من جهة النظر روى أشهب عن نافع بن عمر الجمحي عن ابن أبي مليكة أن عمر بن الخطاب قال لا يحل لامرئ مسلم سمع من أخيه كلمة أن يظن بها سوءا وهو يجد لها في شيء من الخير مصدرا.
حدثنا خلف بن القاسم حدثنا أحمد بن صالح بن عمر حدثنا أحمد بن جعفر بن محمد المنادي أخبرنا ابن سيف عن السري بن يحيى قال حدثنا يعلى بن عبيد قال سمعت سفيان يقول الظن ظنان ظن فيه إثم وظن ليس فيه إثم فأما الظن الذي فيه إثم فالذي يتكلم به وأما الذي ليس في إثم فالذي لا يتكلم به ومن حجة من ذهب إلى القول بالذرائع وهم أصحاب الرأي من الكوفيين ومالك وأصحابه من المدنيين من جهة الأثر حديث عائشة في قصة زيد بن أرقم وهو حديث يدور على امرأة مجهولة وليس عند أهل الحديث

(18/20)


بحجة وأما قوله في هذا الحديث "ولا تجسسوا ولا تحسسوا" فهما لفظتان معناهما واحد وهو البحث والتطلب لمعايب الناس ومساويهم إذا غابت واستترت لم يحل لأحد أن يسأل عنها ولا يكشف عن خبرها قال ابن وهب ومنه لا يلي أحدكم استماع ما يقول فيه أخوه وأصل هذه اللفظة في اللغة من قولك حسن الثوب أي أدركه بحسه وجسه من المحسة والمجسة وذلك حرام كالغيبة أو أشد من الغيبة قال الله عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً} فالقرآن والسنة وردا جميعا بأحكام هذا المعنى وهو قد استسهل في زماننا فإنا لله وإنا إليه راجعون على ما حل بنا.
حدثنا عبد الوارث بن سفيان حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا محمد بن عبد السلام حدثنا محمد بن المثنى وحدثنا عبد الله بن محمد حدثنا محمد بن بكر حدثنا أبو داود حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قالا حدثنا أبو معاوية عن الأعمش

(18/21)


عن زيد يعني ابن وهب قال "أتي ابن مسعود فقيل له هذا فلان تقطر لحيته خمرا" فقال عبد الله "إنا قد نهينا عن التجسس ولكن إن يظهر لنا شيء نأخذ به".
وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله تعالى: {وَلا تَجَسَّسُوا} قال: خذوا ما ظهر ودعوا ما ستر الله.
وأما قوله: "ولا تنافسوا" فالمراد به التنافس في الدنيا ومعناه طلب الظهور فيها على أصحابها والتكبر عليهم ومنافستهم في رياستهم والبغي عليهم وحسدهم على ما آتاهم الله منها وأما التنافس والحسد على الخير وطرق البر فليس من هذا في شيء وكذلك من سأل عما غاب عنه من علم وخير فليس بمتجسس فقف على ما فسرت لك وقد مضى في باب ابن شهاب عن أنس من هذا الكتاب في معنى التحاسد والتدابر والتباغض ما فيه كفاية فلا معنى لإعادة ذلك ههنا ومعنى قوله لا تدابروا ولا تباغضوا ولا تقاطعوا معنى متداخل كله متقارب والقصد فيه إلى الندب على

(18/22)


التحاب ودفع ما نفى ذلك لأنك إذا أحببت أحدا وأصفيته الود لم تعرض عنه بوجهك ولم توله دبرك بل تقبل عليه وتواجهه وتلقاه بالبشر ومن أبغضته وليته دبرك وأعرضت عنه وقد فسرنا هذه المعاني في مواضع سلفت من كتابنا هذا والحمد لله.
أخبرنا عبد الله بن محمد حدثنا محمد بن بكر حدثنا أبو داود حدثنا عيسى بن محمد وابن عوف وهذا لفظه قالا حدثنا الفريابي عن سفيان عن ثور عن راشد بن سعد عن معاوية قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إنك إن اتبعت عورات الناس أفسدتهم أو كدت أن تفسدهم" .
قال أبو الدرداء كلمة سمعها معاوية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم نفعه الله بها
قال أبو عمر: وروى هذا الحديث عبد الرحمن بن جبير ابن نفير عن أبيه عن معاوية عن النبي عليه السلام مثله بمعناه.

(18/23)


حدثنا عبد الوارث حدثنا قاسم حدثنا أبو إسماعيل الترمذي حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن العلاء حدثنا عمرو بن الحارث حدثني عبد الله بن سالم عن الزبيدي قال حدثني يحيى بن جابر أنعبد الرحمن بن جبير حدثه أن أباه حدثه أنه سمع معاوية بن أبي سفيان قال إني سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم كلاما نفعني الله به سمعته يقول "أعرضوا عن الناس ألم تر إنك إذا اتبعت الريبة في الناس أفسدتهم أو كدت أن تفسدهم" .
حدثنا عبد الله بن محمد حدثنا محمد بن بكر حدثنا أبو داود حدثنا سعيد بن عمرو الحضرمي حدثنا إسماعيل بن عياش حدثنا ضمضم بن زرعة عن شريح بن عبيد عن جبير ابن نفير وكثير بن مرة وعمرو بن الأسود بعن المقدام ابن معدي كرب وأبي أمامة عن النبي عليه السلام قال "إن الأمير إذا ابتغى الريبة في الناس أفسدهم" .

(18/24)


الحديث الخامس
...
حديث خامس لأبي الزناد
مالك عن أبي الزناد عن الأعرج أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال قال الله تبارك وتعالى "إذا أحب عبدي لقائي أحببت لقاءه وإذا كره لقائي كرهت لقاءه" .
وهذا الحديث معناه عند أهل العلم فيما يعانيه المرء عند حضور أجله فإذا رأى ما يكره لم يحب الخروج من الدنيا ولا لقاء الله لسوء ما عاين مما يصير إليه وإذا رأى ما يحب أحب لقاء الله والإسراع إلى رحمته لحسن ما عاين وبشر به وليس حب الموت ولا كراهيته والمرء في صحته من هذا المعنى في شيء والله أعلم.
وقال أبو عبيد في معنى قوله عليه السلام: "من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه" قال: ليس وجهه عندي أن يكون يكره علز الموت وشدته لأن هذا لا يكاد يخلو منه أحد

(18/25)


نبي ولا غيره ولكن المكروه من ذلك إيثار الدنيا والركون إليها والكراهة أن يصير إلى الله والدار الآخرة ويؤثر المقام في الدنيا قال ومما يبين ذلك أن الله قد عاب قوما في كتابه بحب الحياة فقال: {إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا} وقال: {وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ} وقال: {وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ} قال فهذا يدل على أن الكراهية للقاء الله ليست بكراهية الموت وإنما هو الكراهية للنقلة من الدنيا إلى الآخرة.
قال أبو عمر: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أمته عن أن يتمنى أحدهم الموت لضر نزل به فالمتمني للموت ليس بمحب للقاء الله بل هو عاص لله عز وجل في تمنيه الموت إذا كان بالنهي عالما.
حدثنا سعيد بن نصر وعبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا إسماعيل بن إسحاق حدثنا عمرو

(18/26)


ابن مرزوق حدثنا شعبة عن قتادة وعبد العزيز بن صهيب وعلي بن زيد كلهم عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "لا يتمنى أحدكم الموت لضر ينزل به فإن كان لا بد قائلا فليقل اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا لي وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي" .
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم النهي عن تمني الموت جماعة من الصحابة منهم خباب بن الأرت وأم الفضل بنت الحرث أم ابن عباس وعابس الغفاري وأبو هريرة وغيرهم.
حدثنا عبد الوارث بن سفيان حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا بكر بن حماد حدثنا مسدد حدثنا يحيى عن إسماعيل بن أبي خالد قال حدثني قيس قال أتيت خبابا وقد اكتوى سبعا في بطنه فقال لولا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهانا أن ندعو بالموت لدعوت به.
حدثنا أحمد بن قاسم وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا الحارث بن أبي أسامة حدثنا

(18/27)


محمد بن جعفر الوركاني حدثنا إبراهيم بن سعد عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا يتمنى أحدكم الموت إما محسن فلعله يزداد خيرا وإما مسيء فلعله يستعتب" .
فهذه الآثار وما كان مثلها يدلك على أن حب لقاء الله ليس بتمني الموت والله أعلم وقد يجوز تمني الموت لغير البلاء النازل مثل أن يخاف على نفسه المرء فتنة في دينه قال مالك كان عمر بن عبد العزيز لا يبلغه شيء عن عمر بن الخطاب إلا أحب أن يعمل به حتى لقد بلغه أن عمر بن الخطاب دعا على نفسه بالموت فدعا عمر بن عبد العزيز على نفسه بالموت فما أتت الجمعة حتى مات رحمه الله وقد أوضحنا هذا المعنى في هذا الكتاب عند قوله صلى الله عليه وسلم لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر أخيه فيقول يا ليتني مكانه.
وأما معنى حديث هذا الباب فإنما هو والله أعلم عند

(18/28)


حضور الموت ومعاينة بشرى الخير أو الشر فعلى هذا تنزل الآثار وعلى ذلك فسره العلماء.
حدثنا عبد الرحمن بن يحيى وخلف بن القاسم قالا حدثنا أحمد بن محمد بن الحداد بكير حدثنا موسى بن هارون حدثنا أبو إسماعيل الترمذي حدثنا إسحاق بن موسى الهروي حدثنا إسماعيل بن جعفر عن عمارة بن غزية عن موسى بن وردان المصري عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "إن المسلم إذا حضره الموت رأى بشره فلم يكن شيء أبغض إليه من المكث في الدنيا وإذا حضر الكافر الموت رأى بشره فلم يكن شيء أحب إليه من المكث في الدنيا" .
قال أبو عمر: بشر جمع بشير مثل سرير وسرر وقد يخفف ذلك ويثقل مثل رسل ورسل وسبل وسبل وقد تكون البشرى بالخير والشر كما قال الله عز وجل: {فَبَشِّرْهُمْ

(18/29)


بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} وقال أهل اللغة أيضا: إنه قد يكون البشر جمع بشارة.
حدثنا سعيد بن نصر وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا محمد بن وضاح حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا شبابة عن ابن أبي ذئب عن محمد بن عمرو بن عطاء عن سعيد بن يسار عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "الميت تحضره الملائكة فإذا كان الرجل الصالح قالوا اخرجي أيتها النفس الطيبة كانت في الجسد الطيب اخرجي حميدة وأبشري بروح وريحان ورب غير غضبان قال فلا تزال يقال لها ذلك حتى تخرج ثم يعرج بها إلى السماء فيفتح لها فيقال من هذا فيقولون فلان فيقال مرحبا بالنفس الطيبة كانت في الجسد الطيب أدخلي حميدة وأبشري بروح وريحان ورب غير غضبان فلا يزال يقال ذلك حتى ينتهي بها إلى السماء يعني السابعة وإذا كان الرجل السوء وحضرته الملائكة

(18/30)


عند موته قالت أخرجي أيتها النفس الخبيثة كانت في الجسد الخبيث أخرجي ذميمة وأبشري بحميم وغساق وآخر من شكله أزواج فلا تزال يقال لها ذلك حتى تخرج" وذكر الحديث وفيه ما يدل على أن ما ذكرنا من حب لقاء الله وكراهته إنما ذلك عند حضور الوفاة ومعاينة ما له عند الله والله أعلم.
وفيه ما يدل على أن البشارة قد تكون بالخير والشر وبما يسوء وبما يسر وقد روي عن النبي عليه السلام أنه قال لبعض أصحابه في حديث ذكره أينما مررت بقبر كافر فبشره بالنار وروي عن علي رضي الله عنه أنه قال بشر قاتل ابن صفية بالنار وقد حدثنا سعيد بن نصر وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا ابن وضاح حدثنا ابو بكر بن أبي شيبة حدثنا يزيد

(18/31)


ابن هارون أخبرنا محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه قيل يا رسول الله ما منا أحد إلا وهو يكره الموت ويقطع به فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان ذلك كشف له" .
حدثنا خلف بن القاسم حدثنا حمزة بن محمد حدثنا أحمد بن شعيب أخبرنا هناد بن السري عن أبي زبيد عن مطرف عن عامر الشعبي عن شريح بن هانئ عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه" قال شريح فأتيت عائشة فقلت يا أم المؤمنين

(18/32)


سمعت أبا هريرة يذكر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا إن كان كذلك فقد هلكنا فقالت وما ذلك قلت قال "من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه" وليس منا أحد إلا ويكره الموت قالت قد قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن ليس بالذي تذهب إليه ولكن إذا طمح البصر وحشرج الصدر واقشعر الجلد فعند ذلك من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه فهذه الآثار كلها قد بان فيها أن ذلك عند حضور الموت ومعاينة ما هناك وذلك حين لا تقبل توبة التائب إن لم يتب قبل ذلك وقد ذكرنا هذا المعنى مجودا في باب نافع والحمد لله.

(18/33)


الحديث السادس
...
حديث سادس لأبي الزناد
مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم "نهى عن لبستين وعن بيعتين عن الملامسة والمنابذة وعن أن يحتبي الرجل في ثوب واحد ليس على فرجه منه شيء وعن أن يشتمل الرجل الثوب على أحد شقيه" .
أما الملامسة والمنابذة فقد مضى تفسيرهما في باب محمد بن يحيى بن حبان من هذا الكتاب وهذا الحديث أيضا بين مستغن عن التفسير بل هو مفسر للبسة الصماء المنهي عنها وفيه دليل كالنص على النهي عن كشف العورة وهو أمر مجتمع عليه لا خلاف فيه والحمد لله

(18/34)


حدثنا أبو محمد عبد الله بن محمد حدثنا عبد الحميد حدثنا الخضر حدثنا أبو بكر يعني الأثرم قال سمعت أبا عبد الله يعني أحمد بن حنبل يسأل عن الصماء في غير الصلاة فقال كرهت في الصلاة ثم قال أكرهها إذا لم يكن على عاتقه قميص قال أبو بكر الصماء مفسرة في حديث مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يشتمل الرجل بالثوب الواحد على أحد شقيه حدثناه القعنبي عن مالك.
قال أبو عمر: الصماء كما جاء في حديث أبي الزناد بأن يشتمل الثوب على أحد شقيه يعني ولا يرفعه عنه يتركه مطبقا وإنما سميت الصماء لأنها لبسة لا انفتاح فيها كأنه لفظ مأخوذ من الصمم الذي لا انفتاح فيه ومنه الأصم الذي لا انفتاح في سمعه ويقال للفريضة إذا لم تتفق سهامها وانغلقت صماء لأنه لا انفتاح فيها للاختصار.
وقد جاء في تفسير الصماء حديث مرفوع حدثناه سعيد بن نصر حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا ابن وضاح حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا كثير بن هشام قال حدثني جعفر بن

(18/35)


برقان عن الزهري عن سالم عن أبيه قال "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن لبستين الصماء وهو أن يلتحف الرجل بالثوب الواحد ويحتبي الرجل في الثوب الواحد ليس بين فرجه وبين السماء ستر" وحديث أبي الزناد أقوى من هذا الإسناد وقد مضى القول في الصماء في أبي الزبير من هذا الكتاب والحمد لله.

(18/36)


الحديث السابع
...
حديث سابع لأبي الزناد
مالك عن الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "قال رجل لم يعمل حسنة قط لأهله إذا مات فحرقوه ثم اذروا نصفه في البر ونصفه في البحر فوالله لئن قدر الله عليه ليعذبنه عذابا لا يعذبه أحدا من العالمين فلما مات الرجل فعلوا ما أمرهم به فأمر الله البر فجمع ما فيه وأمر البحر فجمع ما فيه ثم قال لم فعلت هذا قال من خشيتك يا رب وأنت أعلم فغفر له" .
قال أبو عمر: تابع يحيى على رفع هذا الحديث عن مالك بهذا الإسناد أكثر رواة الموطأ ووقفه مصعب بن عبد الله الزبيري وعبد الله بن مسلمة القعنبي فجعلاه من قول أبي هريرة ولم يرفعاه وقد روي عن القعنبي مرفوعا كرواية

(18/37)


سائر الرواة عن مالك وممن رواه مرفوعا عن مالك عبد الله بن وهب وابن القاسم وابن بكير وأبو المصعب ومطرف وروح بن عبادة وجماعة.
أخبرنا أبو القاسم خلف بن القاسم بن سهل قال حدثنا أبو الفوارس أحمد بن محمد بن الحسين بن السندي العسكري حدثنا يونس بن عبد الأعلى والربيع بن سليمان قالا حدثنا عبد الله بن وهب قال أخبرني ابن أبي الزناد ومالك بن أنس عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "قال رجل لم يعمل خيرا قط لأهله إذا مات فأحرقوه واذروا نصفه في البر ونصفه في البحر فوالله لئن قدر الله عليه ليعذبنه عذابا لا يعذبه أحدا من العالمين فلما مات فعلوا به فأمر الله البحر فجمع ما فيه وأمر البر فجمع ما فيه ثم قال لم فعلت هذا قال من خشيتك يا رب وأنت أعلم فغفر له" .

(18/38)


قال أبو عمر: روي من حديث الزهري عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف عن أبي هريرة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "أسرف رجل على نفسه حتى إذا حضرته الوفاة قال لأهله إذا أنا مت فأحرقوني" الحديث كحديث مالك عن أبي الزناد سواء وروي من حديث أبي سعيد الخدري هذا المعنى أيضا حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا موسى بن إسماعيل قال حدثنا أبو هلال قال حدثنا قتادة عن عقبة بن عبد الغافر عن أبي سعيد الخدري قال "كان فيمن كان قبلكم رجل من الأمم السالفة أفاده الله مالا وولدا فلما ذهب يعني أكثر عمره قال لولده لا أدع لكم مالا أو تفعلون ما أقول قالوا يا أبانا لا تأمر بشيء إلا فعلناه قال إذا أنا مت فأحرقوني ثم اسحقوني ثم اذروني في يوم ريح عاصف لعلي أضل الله ففعلوا ذلك به فقال الله له كن فإذا هو رجل قائم قال ما حملك على ما صنعت فقال مخافتك فما تلافاه غيرها فغفر له" قال أحمد بن زهير كذا قال أبو هلال أوقف الحديث على أبي سعيد ورفعه سليمان التيمي حدثنا موسى بن إسماعيل قال حدثنا معتمر بن سليمان قال أخبرني أبي قال حدثنا قتادة

(18/39)


عن عقبة بن عبد الغافر عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ذكر رجلا فيمن كان سلف ثم ذكر نحوه.
قال أبو عمر: روي من حديث أبي رافع عن أبي هريرة في هذا الحديث أنه قال "قال رجل لم يعمل خيرا قط إلا التوحيد" وهذه اللفظة إن صحت رفعت الإشكال في إيمان هذا الرجل وإن لم تصح من جهة النقل فهي صحيحة من جهة المعنى والأصول كلها تعضدها والنظر يوجبها لأنه محال غير جائز أن يغفر للذين يموتون وهم كفار لأن الله عز وجل قد أخبر أنه لا يغفر أن يشرك به لمن مات كافرا وهذا ما لا مدفع له ولا خلاف فيه بين أهل القبلة وفي هذا الأصل ما يدلك على أن قوله في هذا الحديث لم يعمل حسنة قط أو لم يعمل خيرا قط لم يعذبه إلا ما عدا التوحيد من الحسنات والخير وهذا سائغ في لسان العرب جائز في لغتها أن يؤتى بلفظ الكل والمراد البعض والدليل على أن الرجل كان مؤمنا قوله حين قيل له لم فعلت هذا فقال من خشيتك يا رب والخشية لا تكون إلا لمؤمن مصدق بل ما تكاد تكون إلا لمؤمن عالم كما قال الله عز وجل: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ

(18/40)


مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} قالوا: كل من خاف الله فقد آمن به وعرفه ومستحيل أن يخافه من لا يؤمن به وهذا واضح لمن فهم وألهم رشده.
ومثل هذا الحديث في المعنى ما حدثناه عبد الوارث بن سفيان حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا محمد بن إسماعيل حدثنا أبو صالح حدثني الليث عن ابن العجلان عن زيد بن أسلم عن أبي صالح عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "إن رجلا لم يعمل خيرا قط وكان يداين الناس فيقول لرسوله خذ ما يسر واترك ما عسر وتجاوز لعل الله يتجاوز عنا فلما هلك قال الله هل عملت خيرا قط قال لا إلا أنه كان لي غلام فكنت أداين الناس فإذا بعثته يتقاضى قلت له خذ ما يسر واترك ما عسر وتجاوز لعل الله يتجاوز عنا قال الله قد تجاوزت عنك" .
قال أبو عمر: فقول هذا الرجل الذي لم يعمل خيرا قط غير تجاوزه عن غرمائه لعل الله يتجاوز عنا إيمان وإقرار بالرب ومجازاته وكذلك قوله الآخر خشيتك يا رب إيمان

(18/41)


بالله واعتراف له بالربوبية والله أعلم وأما قوله "لئن قدر الله علي" فقد اختلف العلماء في معناه فقال منهم قائلون هذا رجل جهل بعض صفات الله عز وجل وهي القدرة فلم يعلم أن الله على كل ما يشاء قدير قالوا ومن جهل صفة من صفات الله عز وجل وآمن بسائر صفاته وعرفها لم يكن بجهله بعض صفات الله كافرا قالوا وإنما الكافر من عاند الحق لا من جهله وهذا قول المقتدمين من العلماء ومن سلك سبيلهم من المتأخرين وقال آخرون أراد بقوله "لئن قدر الله عليه" من القدر الذي هو القضاء وليس من باب القدرة والاستطاعة في شيء قالوا وهو مثل قول الله عز وجل في ذي النون: { إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ} .
وللعلماء في تأويل هذه اللفظة قولان أحدهما أنها من التقدير والقضاء والآخر أنها من التقتير والتضييق وكل ما قاله العلماء في تأويل هذه الآية فهو جائز في تأويل هذا

(18/42)


الحديث في قوله "لئن قدر الله علي" فأحد الوجهين تقديره كأن الرجل قال لئن كان قد سبق في قدر الله وقضائه أن يعذب كل ذي جرم على جرمه ليعذبني الله على إجرامي وذنوبي عذابا لا يعذبه أحدا من العالمين غيري والوجه الآخر تقديره والله لئن ضيق الله علي وبالغ في محاسبتي وجزائي على ذنوبي ليكونن ذلك ثم أمر بأن يحرق بعد موته من إفراط خوفه قال ابن قتيبة بلغني عن الكسائي أنه قال يقال هذا قدر الله وقدره قال ولو قرئت {أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا} مخففا أو قرئت {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} مثقلا جاز وأنشد:
وما صب رجلي في حديد مجاشع ... مع القدر إلا حاجة لي أريدها
أراد القدر قال ويقال هذا على قدر هذا وقدره قال الأصمعي أنشدني عيسى بن عمر لبدوي:
كل شيء حتى أراك متاع ... وبقدر تفرق واجتماع
ومن هذا حديث ابن عمر عن النبي عليه السلام في الهلال فإن غم عليكم فاقدروا له وقد ذكرته في بابه وموضعه من هذا الكتاب.

(18/43)


وقد روينا عن أبي العباس أحمد بن يحيى ثعلب أنه قال في قول الله عز وجل: {فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْه} قال: هو من التقتير ليس من القدرة يقال منه قدر الله لك الخير يقدره قدرا بمعنى قدر الله لك الخير وأنشد ثعلب:
ولا عائدا ذاك الزمان الذي مضى ... تباركت ما تقدر يقع ولك الشكر
يعني ما تقدره وتقضي به يقع يعني ينزل وينفذ ويمضي قال أبو عمر: هذا البيت لأبي صخر الهذلي في قصيدة له أولها:
لليلى بذات الجيش دار عرفتها ... وأخرى بذات البين آياتها سطر
وفيها يقول:
وليس عشمات الحمى برواجع ... لنا أبدا ما أبرم السلم النضر
ولا عائد ذاك الزمان الذي مضى ... تباركت ما تقدر يقع ولك الشكر

(18/44)


السلم شجر من العضاه يدبغ به والنضر النضارة والتنعم وأبرم السلم أخرج برمته وأبرمت الأمر أحكمته وقال غيره:
فما الناس أردوه ولكن أقاده ... يد الله والمستنصر الله غالب
فإنك ما يقدر لك الله تلقه ... كفاحا وتجلبه إليك الجوالب
وقال ابن قتيبة في قول الله عز وجل: {فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ} أي لن نضيق عليه قال فلان مقدر عليه ومقتر عليه ومنه قوله عز وجل {فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ} أي ضيق عليه في رزقه وقوله: {وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ} أي ضيق عليه في رزقه وقال ثعلب في قول الله عز وجل: {وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِباً} قال مغاضبا للملك.
قال أبو عمر: قد قيل ما قال ثعلب وقيل أنه خرج مغاضبا لنبي كان في زمانه وهذان القولان للمتأخرين وأما المتقدمون فإنهم قالوا خرج مغاضبا لربه روي ذلك عن ابن مسعود والشعبي والحسن البصري وغيرهم ولولا خروجنا عما له قصدنا لذكرنا خبره وقصته ههنا.

(18/45)


وأما جهل هذا الرجل المذكور في هذا الحديث بصفة من صفات الله في علمه وقدره فليس ذلك بمخرجه من الإيمان ألا ترى أن عمر بن الخطاب وعمران بن حصين وجماعة من الصحابة سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن القدر ومعلوم أنهم إنما سألوه عن ذلك وهم جاهلون به وغير جائز عند أحد من المسلمين أن يكونوا بسؤالهم عن ذلك كافرين أو يكونوا في حين سؤالهم عنه غير مؤمنين.
حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا مضر بن محمد قال حدثنا شيبان بن فروخ قال حدثنا عبد الوارث عن يزيد الرشك قال حدثنا مطرف عن عمران بن حصين قال "قلت يا رسول الله أعلم أهل الجنة من أهل النار" وذكر الحديث.
وروى الليث عن أبي قبيل عن شفي الأصبحي عن عبد الله بن عمرو بن العاص فذكر حديثا في القدر.

(18/46)


وفيه فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فلأي شيء نعمل إن كان الأمر قد فرغ منه فهؤلاء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم العلماء الفضلاء سألوا عن القدر سؤال متعلم جاهل لا سؤال متعنت معاند فعلمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما جهلوا من ذلك ولم يضرهم جهلهم به قبل أن يعلموه ولو كان يسعهم جهله وقتا من الأوقات لعلمهم ذلك مع الشهادة بالإيمان وأخذ ذلك عليهم في حين إسلامهم ولجعله عمودا سادسا للإسلام فتدبر واستعن بالله فهذا الذي حضرني على ما فهمته من الأصول ووعيته وقد أديت اجتهادي في تأويل حديث هذا الباب كله ولم آل وما أبرئ نفسي وفوق كل ذي علم عليم وبالله التوفيق.

(18/47)


الحديث الثامن
...
حديث ثامن لأبي الزناد
مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ليس المسكين بهذا الطواف الذي يطوف على الناس فترده اللقمة واللقمتان والتمرة والتمرتان" قالوا: فما المسكين يا رسول الله قال: "الذي لا يجد غنى يغنيه ولا يفطن الناس له فيتصدق عليه ولا يقوم فيسأل الناس" .
هكذا قال يحيى في هذا الحديث فما المسكين ولم يقل فمن المسكين وكان وجه الكلام أن يقول فما المسكين لأن من وضعت لمن يعقل وقد تابع يحيى على قوله فما المسكين جماعة ويحتمل وجهين أحدهما أن يكون أراد بها الحال التي يكون بها السائل مسكينا والوجه الآخر أن تكون ما ههنا من كما قال عز وجل: {وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا} أراد ومن بناها وكما قال: {وَمَا

(18/48)


خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى} بمعنى أراد ومن خلق الذكر والأنثى فأما قوله: "ليس المسكين بهذا الطواف" فإنه أراد ليس المسكين حقا على الكمال وهو الذي بالغته المسكنة بهذا الطواف لأن هناك مسكينا أشد مسكنة من الطواف وهو الذي لا يجد غنى ولا يسأل ولا يفطن له فيتصدق عليه هذا وجه قوله صلى الله عليه وسلم: "ليس المسكين بالطواف" لا وجه له غير ذلك لأنه معلوم أن الطواف مسكين وذلك موجود في الآثار ومعروف في اللغة ألا ترى إلى قوله صلى الله عليه وسلم: "ردوا المسكين ولو بظلف محرق" .
هكذا رواه مالك عن زيد بن اسلم عن ابن بجيد عن جدته عن النبي صلى الله عليه وسلم وقول عائشة: "إن المسكين ليقف على بابي" الحديث فقد سمته مسكينا وهو طواف على الأبواب وقد جعل الله عز وجل الصدقات للفقراء والمساكين

(18/49)


وأجمعوا أن السائل الطواف المحتاج مسكين وفي هذا كله ما يدلك على ما وصفنا وبالله توفيقنا
واختلف العلماء وأهل اللغة في المسكين والفقير فقال منهم قائلون الفقير أحسن حالا من المسكين قالوا والفقير الذي له بعض ما يقيمه ويكفيه والمسكين الذي لا شيء له واحتجوا بقول الراعي:
أما الفقير الذي كانت حلوبته ... وفق العيال فلم يترك له سبد
قالوا لا ترى أنه قد أخبر أن لهذا الفقير حلوبة وممن ذهب إلى هذا يعقوب بن السكيت وابن قتية وهو قول يونس بن حبيب وذهب إليه قوم من أهل الفقه والحديث وقال آخرون المسكين أحسن حالا من الفقير واحتج قائلو هذه المقالة بقول الله عز وجل: {أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ} فأخبر أن للمسكين سفينة من سفن البحر وربما ساوت جملة من المال.
واحتجوا بقول الله عز وجل: {لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ

(18/50)


{أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لا يَسْأَلونَ النَّاسَ إِلْحَافاً} قالوا فهذه الحال التي وصف الله بها الفقراء دون الحال التي أخبر بها عن المساكين قالوا ولا حجة في بيت الراعي لأنه إنما ذكر أن الفقير كانت له حلوبة في حال ما قالوا والفقير معناه في كلام العرب المفقور الذي نزعت فقرة من ظهره من شدة الفقر فلا حال أشد من هذه واستشهدوا بقول الشاعر:
لما رأى لبد النسور تطايرت ... رفع القوادم كالفقير الأعزل
أي لم يطق الطيران فصار بمنزلة من انقطع صلبه ولصق بالأرض قالوا وهذا هو الشديد المسكنة واستدلوا بقول الله عز وجل: {أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ} يعني مسكينا قد لصق بالتراب من شدة الفقر وهذا يدل على أن ثم مسكينا ليس ذا متربة مثل الطواف وشبهه ممن له البلغة والسعي في الاكتساب بالسؤال والتحرف ونحو هذا وممن ذهب إلى أن المسكين أحسن حالا من الفقير الأصمعي وأبو جعفر أحمد بن عبيد وهو قول الكوفيين من الفقهاء أبي حنيفة وأصحابه ذكر ذلك عنهم الطحاوي وهو أحد قولي الشافعي وللشافعي رحمه الله قول آخر أن الفقير والمسكين سواء ولا فرق

(18/51)


بينهما في المعنى وإن افترقا في الاسم وإلى هذا ذهب ابن القاسم وسائر أصحاب مالك في تأويل قول الله عز وجل: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ} وأما أكثر أصحاب الشافعي فعلى ما ذهب إليه الكوفيون في هذا الباب والله الموفق للصواب
وقال أبو بكر بن الأنباري المسكين في كلام العرب الذي سكنه الفقر أي قلل حركته واشتقاقه من السكون يقال قد تمسكن الرجل وتسكن إذا صار مسكينا وتمدرع الرجل وتدرع إذا لبس المدرعة.
وفي هذا الحديث دليل على أن الصدقة على أهل الستر والتعفف أفضل منها على السائلين الطوافين.
حدثنا عبد الرحمن بن يحيى حدثنا علي بن محمد حدثنا أحمد بن أبي سليمان حدثنا سحنون حدثنا ابن وهب قال أخبرني أشهل بن حاتم عن ابن عون عن محمد بن سيرين قال قال عمر ليس الفقير الذي لا مال له ولكن الفقير الأخلق الكسب.

(18/52)


الحديث التاسع
...
حديث تاسع لأبي الزناد
مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "المؤمن يأكل في معى واحد والكافر يأكل في سبعة أمعا"
قال أبو عمر: معى مقصور مثل غنى وسنى ومنى وهذا الحديث خرج على غير مقصوده بالحديث والإشارة فيه إلى كافر بعينه لا إلى جنس الكافر ولا سبيل إلى حمله على العموم لأن المشاهدة تدفعه وتكذبه وقد جل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك ألا ترى أنه قد يوجد كافر أقل أكلا من مؤمن ويسلم الكافر فلا ينتقص أكله ولا يزيد وفي حديث سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يدل على أن هذا الحديث في رجل بعينه ولذلك جعله مالك في موطئه بعده مفسرا

(18/53)


له وقد قيل فيه غير هذا مما قد ذكرته في حديث سهيل وسيأتي حديث سهيل في بابه من كتابنا هذا إن شاء الله
ويروى أن الرجل الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه المقالة هو جهجاه بن سعيد الغفاري وقد ذكرناه وذكرنا خبره في كتاب الصحابة حدثني سعيد بن نصر قال حدثني قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن وضاح قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا يزيد بن الحباب قال حدثنا موسى بن عبيدة قال حدثنا عبيد الله بن سلمان الأغر عن عطاء بن يسار عن جهجاه الغفاري أنه قدم في نفر من قومه يريدون الإسلام فحضروا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم المغرب فلما سلم قال ليأخذ كل رجل منكم بيد جليسه قال فلم يبق في المسجد غير رسول الله صلى الله عليه وسلم وغيري وكنت رجلا عظيما طوالا لا يقدم علي أحد فذهب بي رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى منزله فحلب لي عنزا فأتيت عليها حتى حلب لي سبعة أعنز فأتيت عليها وذكر الحديث وفيه فلما أسلمت دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى منزله فحلب لي عنزا

(18/54)


فرويت وشبعت فقالت أم أيمن يا رسول الله أليس هذا ضيفنا فقال بلى ولكنه أكل في معى مؤمن الليلة وأكل قبل ذلك في معى كافر والكافر يأكل في سبعة أمعاء والمؤمن يأكل في معى واحدة.
قال أبو عمر: وهذا أيضا لفظ عموم والمراد به الخصوص فكأنه قال هذا إذ كان كافرا كان يأكل في سبعة أمعاء فلما آمن عوفي وبورك له في نفسه فكفاه جزء من سبعة أجزاء مما كان يكفيه إذ كان كافرا خصوصا له والله أعلم فكان قوله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث الكافر يأكل في سبعة أمعاء إشارة إليه كأنه قال هذا الكافر وكذلك المؤمن يأكل في معى واحد يعني هذا المؤمن والله أعلم وقد قال الله عز وجل: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ} وهو يريد رجلا فيما قال أهل العلم بتأويل القرآن وقيل رجلان {إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ} يعني قريشا فجاء بلفظ عموم ومعناه الخصوص ومثله {تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ} {مَا تَذَرُ

(18/55)


مِنْ شَيْءٍ} كل هذا عموم يراد به الخصوص ومثل هذا كثير في القرآن ولسان العرب وفي هذا الحديث دليل على ذم الأكول الذي لا يشبع وأنها خلة مذمومة وصفة غير محموده وأن القلة من الأكل أحمد وأفضل وصاحبها عليها ممدوح وإن كان الأمر كله لله وبيده وخلقه وصنعه لا شريك له والحمد لله رب العالمين.

(18/56)


الحديث العاشر
...
حديث عاشر لأبي الزناد
مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه كما تناتج الإبل من بهيمة جمعاء هل تحس من جدعاء قالوا يا رسول الله أرايت الذي يموت وهو صغير قال الله أعلم بما كانوا عاملين" .
قال أبو عمر: روي هذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه صحاح كلها ثابتة من حديث أبي هريرة وغيره فممن رواه عن أبي هريرة عبد الرحمن الأعرج وسعيد بن المسيب وأبو سلمة وحميد ابنا عبد الرحمن بن عوف وأبو صالح السمان وسعيد بن أبي سعيد ومحمد

(18/57)


ابن سيرين ورواه ابن شهاب فاختلف أصحابه عليه في إسناده فرواه معمر والزبيدي عن الزهري عن سعيد عن أبي هريرة ورواه يونس وابن أبي ذئب عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة ورواه الأوزاعي عن الزهري عن حميد بن ابن عبد الرحمن عن أبي هريرة وزعم محمد بن يحيى الذهلي النيسابوري أن هذه الطرق كلها صحاح عن ابن شهاب محفوظ.
قال أبو عمر: ليس هذا الحديث عند مالك عن ابن شهاب في الموطأ وهو عنده عن أبي الزناد عن أبي هريرة وقد روى هذا الحديث عبد الله بن الفضل الهاشمي شيخ مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه كالبهيمة تنتج البهيمة هل تحسون فيها من جدعاء حتى تكونوا أنتم تجدعونها" إلى ههنا انتهى حديثه ولم يذكر ما في حديث مالك قوله "أرأيت من

(18/58)


يموت وهو صغير" إلى آخر الحديث وزاد فيه "ويمجسانه" وهكذا رواية ابن شهاب لهذا الحديث ليس فيها قوله "أرأيت من يموت وهو صغير قال الله أعلم بما كانوا عاملين" عند ابن شهاب عن عطاء بن يزيد عن أبي هريرة عن النبي عليه السلام أنه سئل عن أولاد المشركين فقال "الله أعلم بما كانوا عاملين" وسنذكر حديث ابن شهاب هذا عن عطاء بن يزيد في باب مفرد من هذا الكتاب إن شاء الله.
أما قوله في حديث مالك وغيره: "كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه" الحديث فإن أهل العلم من أصحابنا وغيرهم اختلفوا في معنى قوله: "كل مولود" فقالت طائفة ليس في قوله: "كل مولود" ما يقتضي العموم.
قالوا: والمعنى في ذلك أن كل من ولد على الفطرة وكان له أبوان على غير الإسلام هوداه أو نصراه أو مجساه قالوا: وليس المعنى أن جميع المولودين من بني آدم أجمعين يولدون على الفطرة بل المعنى أن المولود على الفطرة من الأبوين الكافرين يكفرانه وكذلك من لم يولد على الفطرة

(18/59)


وكان أبواه مؤمنين حكم له بحكمهما في صغره إن كانا يهوديين فهو يهودي يرثهما ويرثانه وكذلك لو كانا نصرانيين أو مجوسيين حتى يعبر عنه لسانه ويبلغ الحنث فيكون له حكم نفسه حينئذ لا حكم أبويه واحتج قائلو هذه المقالة بحديث أبي إسحاق عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "الغلام الذي قتله الخضر طبعه الله يوم طبعه كافرا" وبقوله عليه السلام "ألا إن بني آدم خلقوا طبقات فمنهم من يولد مؤمنا ويحيى مؤمنا ويموت مؤمنا ومنهم من يولد كافرا ويحيى كافرا ويموت كافرا ومنهم من يولد مؤمنا ويحيى مؤمنا ويموت كافرا ومنهم من يولد كافرا ويحيى كافرا ويموت مؤمنا" .
وهذا الحديث حدثناه خلف بن القاسم قراءة مني عليه أن أحمد بن محمد بن أبي الموت المكي حدثهم قال حدثنا محمد بن علي بن زيد الصائغ قال حدثنا سعيد بن منصور قال حدثنا حماد بن زيد قال حدثنا علي بن زيد عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري قال "صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم العصر بنهار ثم قام وخطبنا إلى مغرب

(18/60)


الشمس فلم يدع شيئا يكون إلى قيام الساعة إلا أخبر به حفظه من حفظه ونسيه من نسيه وكان فيما حفظنا أن قال: "ألا إن الدنيا خضرة حلوة وإن الله مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون ألا فاتقوا الدنيا واتقوا النساء وكان فيما حفظنا أن قال ألا لا يمنعن رجلا هيبة الناس أن يقول الحق إذا علمه فبكى أبو سعيد وقال: قد والله رأينا فهبنا وكان فيما حفظنا أن قال ألا إن لكل غادر لواء يوم القيامة بقدر غدرته ولا غدر أعظم من غدر إمام عامة وكان فيما حفظنا أن قال ألا إن بني آدم خلقوا طبقات شتى منهم من يولد مؤمنا ويحيى مؤمنا ويموت مؤمنا ومنهم من يولد كافرا ويحيى كافرا ويموت كافرا ومنهم من يولد كافرا ويحيى كافرا ويموت مؤمنا ومنهم من يولد مؤمنا ويحيى مؤمنا ويموت كافرا ومنهم حسن القضاء حسن الطلب" وذكر تمام الحديث.
قالوا ففي هذا الحديث ومع الحديث في غلام الخضر ما يدل على أن قوله كل مولود ليس على العموم وأن المعنى فيه أن كل مولود يولد على الفطرة وأبواه يهوديان أو نصرانيان فإنهما يهودانه أو ينصرانه أي يحكم له بحكمهما ثم يصير عند بلوغه إلى ما يحكم به عليه قالوا وألفاظ الحفاظ على نحو حديث مالك

(18/61)


هذا ودفعوا رواية من روى كل بني آدم يولد على الفطرة قالوا ولو صح هذا اللفظ ما كان فيه أيضا حجة لما ذكرنا لأن الخصوص جائز دخوله على هذا اللفظ في لسان العرب ألا ترى إلى قول الله عز وجل: {تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْء} ولم تدمر السموات والأرض وقوله: {فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ} ولم يفتح عليهم أبواب الرحمة ومثل هذا كثير.
وذكروا من ألفاظ الأحاديث في ذلك رواية الأوزاعي عن الزهري عن حميد عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه" قال الأوزاعي وذلك بقضاء وقدر وهكذا لفظ حديث معمر عن الزهري عن سعيد عن أبي هريرة عن النبي عليه السلام "كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون من جدعاء" ثم يقول أبو هريرة

(18/62)


اقرءوا إن شئتم: {فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} ذكره عبد الرزاق هكذا ولم يختلف في هذا اللفظ عن معمر فيما علمت أعني قوله: "كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه" الحديث.
وكذلك رواه ابن أبي ذئب عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه" الحديث كلفظ حديث معمر سواء إلا قول أبي هريرة وكذلك حديث سمرة بن جندب حديث الرؤيا عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه" هذا لفظه وروى أبو رجاء العطاردي عن سمرة بن جندب الحديث الطويل حديث الرؤيا وفيه عن النبي عليه السلام وأما الرجل الطويل الذي في الروضة فإنه إبراهيم عليه السلام وأما الولدان حوله فكل مولود يولد على الفطرة.
وقال آخرون: المعنى في ذلك كل مولود من بني آدم فهو يولد على الفطرة أبدا وأبواه يحكم له بحكمهما وإن كان قد ولد على الفطرة حتى يكون ممن يعبر عنه لسانه.

(18/63)


والدليل على أن المعنى كما وصفنا رواية من روى كل بني آدم يولد على الفطرة وما من مولود إلا وهو يولد على الفطرة وحق الكلام أن يحمل على عمومه.
حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا مطلب قال حدثنا ابو صالح حدثني الليث حدثني جعفر بن ربيعة عن عبد الرحمن بن هرمز أنه قال قال أبو هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "كل بني آدم يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه كما تنتج الإبل من بهيمة جمعاء هل تحس من جدعاء قال أفرأيت من يموت صغيرا يا رسول الله قال الله أعلم بما كانوا عاملين" وكذلك وراه خالد الواسطي عن عبد الرحمن بن إسحاق عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كل بنى آدم يولد على الفطرة" ثم ذكره سواء روى ابن وهب عن يونس بن يزيد عن ابن شهاب عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال:

(18/64)


قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما من مولود إلا يولد على فطرة ثم قرأ {فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ} ".
وحدثنا عبد الوارث قال حدثنا قاسم قال حدثنا مطلب بن شعيب قال حدثنا عبد الله بن صالح قال حدثني الليث قال حدثني يونس عن ابن شهاب قال أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن أن أبا هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه" كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء ثم قال أبو هريرة اقرءوا {فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ} وكذلك حديث سمرة بن جندب عن النبي عليه السلام حديث الرؤيا فيه والشيخ الذي في أصل الشجرة إبراهيم والولدان حوله أولاد الناس قالوا فهذه الأحاديث تدل ألفاظها على أن المعنى في حديث مالك وما كان مثله ليس كما تأوله المخالف أنه يقتضي أن الأبوين

(18/65)


لا يهودان ولا ينصران إلا من ولد على الفطرة من أولادهما بل الجميع يولدون على الفطرة.
قال أبو عمر: الفطرة المذكورة في هذا الحديث اختلف العلماء فيها واضطربوا في معناها وذهبوا في ذلك مذاهب متباينة ونزعت كل فرقة منهم في ذلك بظاهر آية ونص سنة وسنبين ذلك كله ونوضحه ونذكر ما جاء فيه من الآثار واختلاف الأقوال والاعتلال عن السلف والخلف بعون الله إن شاء الله.
وقد سأل أبو عبيد محمد بن الحسن الفقيه صاحب أبي حنيفة عن معنى هذا الحديث فما أجابه فيه بأكثر من أن قال كان هذا القول من النبي عليه السلام قبل أن يؤمر الناس بالجهاد قال وقال ابن المبارك يفسره آخر الحديث "الله أعلم بما كانوا عاملين" هذا ما ذكره أبو عبيد في تفسير قوله "كل مولود يولد على الفطرة" عن محمد بن الحسن وابن المبارك لم يزد على تلك عنهما ولا عن غيرهما.

(18/66)


فأما ما ذكره عن ابن المبارك فقد روي عن مالك نحو ذلك وليس فيه مقنح من التأويل ولا شرح موعب في أمر الأطفال ولكنها جملة تؤدي إلى الوقوف عن القطع فيهم بكفر أو إيمان أو جنة أو نار ما لم يبلغوا.
وأما ما ذكره عن محمد بن الحسن فأظن محمد بن الحسن حاد عن الجواب فيه إما لإشكاله عليه أو لجهله به أو لكراهية الخوض في ذلك وأما قوله فيه إن ذلك القول كان من النبي عليه السلام قبل أن يؤمر الناس بالجهاد فليس كما قال لأن في حديث الأسود بن سريع ما يبين أن ذلك كان بعد الأمر بالجهاد.
حدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن وضاح قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا عبد الرحمن بن سليمان عن إسماعيل بن مسلم

(18/67)


عن الحسن عن الأسود بن سريع قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما بال قوم بالغوا في القتل حتى قتلوا الولدان فقال رجل أو ليس إنما هم أولاد المشركين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أو ليس خياركم أولاد المشركين إنه ليس من مولود إلا وهو يولد على الفطرة فيعبر عنه لسانه ويهوده أبواه أو ينصرانه" .
وروى هذا الحديث عن الحسن جماعة منهم بكر المزني والعلاء بن زياد والسري بن يحيى وقد روي عن الأحنف عن الأسود بن سريع وهو حديث بصري صحيح وروى عوف الأعرابي عن أبي رجاء العطاردي عن سمرة بن جندب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "كل مولود يولد على الفطرة فناداه الناس يا رسول الله وأولاد المشركين قال وأولاد المشركين" .
قال أبو عمر: أما اختلاف العلماء في الفطرة المذكورة في هذا الحديث فقالت جماعة من أهل الفقه والنظر أريد بالفطرة المذكورة في هذا الحديث الخلقة التي خلق عليها المولد في المعرفة بربه فكأنه قال كل مولود يولد على خلقة يعرف بها ربه إذا بلغ مبلغ المعرفة يريد خلقة مخالفة

(18/68)


لخلقة البهائم التي لا تصل بخلقتها إلى معرفة ذلك واحتجوا على أن الفطرة الخلقة والفاطر الخالق بقول الله عز وجل: {الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} يعني خالقهن وبقوله: {وَمَا لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي} يعني خلقني وبقوله: {الَّذِي فَطَرَهُنَّ} يعني خلقهن قالوا فالفطرة الخلقة والفاطر الخالق.
وأنكروا أن يكون المولود يفطر على كفر أو إيمان أو معرفة أو إنكار قالوا وإنما يولد المولود على السلامة في الأغلب خلقة وطبعا وبنية ليس معها إيمان ولا كفر ولا إنكار ولا معرفة ثم يعتقدون الكفر أو الإيمان بعد البلوغ إذا ميزوا واحتجوا بقوله في الحديث كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء يعني سالمة هل تحسون فيها من جدعاء يعني مقطوعة الأذن فمثل قلوب بني آدم بالبهائم لأنها تولد كاملة الخلق ليس فيها نقصان ثم تقطع آذانها بعد وأنوفها فيقال هذه بحائر وهذه

(18/69)


قال أبو عمر: من أحسن ما روي في تأويل قوله عز وجل: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ} الآية ما حدثناه محمد بن عبد الملك قال حدثنا عبد الله بن مسرور قال حدثنا عيسى بن مسكين قال حدثنا محمد بن عبد الله بن سنجر قال حدثنا عمرو بن حماد قال حدثنا أسباط بن نصر الهمداني عن السري عن أصحابه قال عمرو أصحابه أبو مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في قول الله عز وجل: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ} قالوا لما أخرج الله آدم من الجنة قبل أن يهبطه من السماء مسح صفحة ظهره اليمنى فأخرج منها ذرية بيضاء مثل اللؤلؤ كهيئة الذر فقال لهم ادخلوا الجنة برحمتي ومسح صفحة ظهره اليسرى فأخرج منها ذرية سوداء كهيئة الذر فقال ادخلوا النار ولا أبالي فذلك قوله أصحاب اليمين والشمال ثم أخذ منهم الميثاق فقال: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى} فأعطاه طائفة طائعين

(18/70)


يعني على استقامة وسلامة والحنيف في كلام العرب المستقيم السالم وإنما قيل للأعرج أحنف على جهة الفأل كما قيل للقفر مفازة فكأنه والله أعلم أراد الذين خلصوا من الآفات كلها والزيادات ومن المعاصي والطاعات فلا طاعة منهم ولا معصية إذا لم يعملوا بواحدة منهما ألا ترى إلى قول موسى في الغلام الذي قتله الخضر {أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً} لما كان عنده ممن لم يبلغ العمل فيكسب الذنوب ومن الحجة أيضا في هذا قول الله عز وجل: {إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ} ومن لم يبلغ وقت العمل لم يرتهن بشيء وقال الله عز وجل: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً} ولما أجمعوا على دفع القود والقصاص والحدود والآثام عنهم في دار الدنيا كانت الآخرة أولى بذلك والله أعلم

(18/71)


وأما قوله صلى الله عليه وسلم: "كما تناتج الإبل من بهيمة جمعاء هل تحس من جدعاء" فالبهيمة الجمعاء المجتمعة الخلق التامة غير الناقصة الصحيحة غير السقيمة ليس فيها قطع أذن ولا شقها ولا نقص شيء منها يقول فهل ترى فيها جدعاء يقول هل تحس من جدع أو نقصان حين تنتج لتمام يقول ثم الجدع والآفات تدخلها بعد ذلك فكذلك المولود يولد سالما ثم يحدث فيه بعد الكفر والإيمان وقال آخرون الفطرة ههنا الإسلام قالوا وهو المعروف عند عامة السلف من أهل العلم بالتأويل قد أجمعوا في قول الله عز وجل: {فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} على أن قالوا فطرة الله دين الله الإسلام.
واحتجوا بقول أبي هريرة في هذا الحديث اقرءوا إن شئتم: {فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} وذكروا عن عكرمة ومجاهد والحسن وإبراهيم والضحاك وقتادة في قول الله عز وجل: {فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} قالوا دين الله الإسلام لا تبديل لخلق الله قالوا لدين الله.

(18/72)


واحتجوا بحديث محمد بن إسحاق عن ثور بن يزيد عن يحيى بن جابر عن عبد الرحمن بن عائذ الأزدي عن عياض بن حمار المجاشعي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للناس يوما: "ألا أحدثكم بما حدثني الله في الكتاب أن الله خلق آدم وبنيه حنفاء مسلمين" الحديث بطوله وكذلك روى بكر بن مهاجر عن ثور بن يزيد بإسناده في هذا الحديث حنفاء مسلمين.
حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا عبيد بن عبد الواحد قال حدثنا أحمد بن محمد بن أيوب قال حدثنا إبراهيم بن سعد عن محمد بن إسحاق عن ثور بن يزيد عن يحيى بن جابر عن عبد الرحمن بن عائذ الأزدي وكان عبد الرحمن من حملة العلم يطلبه من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وأصحاب أصحابه إنه حدثه عن عياض بن حمار المجاشعي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للناس يوما: "ألا أحدثكم بما حدثني الله في الكتاب أن الله خلق آدم وبنيه حنفاء مسلمين وأعطاهم المال حلالا لا حرام فيه فجعلوا مما أعطاهم الله حلالا وحراما" وذكر الحديث بتمامه.

(18/73)


قال أبو عمر: روى هذا الحديث قتادة، عن مطرف بن عبد الله بن الشخير، عن عياض بن حمار ولم يسمع قتادة من مطرف لأن همام بن يحيى روى عن قتادة قال لم أسمعه من مطرف ولكن حدثني ثلاثة عقبة بن عبد الغافر ويزيد بن عبد الله بن الشخير والعلاء بن زياد كلهم يقول حدثني مطرف بن الشخير عن عياض بن حمار عن النبي عليه السلام بهذا الحديث قال فيه "وأني خلقت عبادي حنفاء كلهم" لم يقل مسلمين.
وكذلك رواه عوف الأعرابي عن حكيم الأثرم عن الحسن عن مطرف أن عياض بن حمار حدثه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر هذا الحديث وقال فيه "إني خلقت عبادي حنفاء كلهم فأتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم" ولم يقل مسلمين وإنما قال "حنفاء" فقط.
وقد روى هذا الحديث محمد بن إسحاق عمن لا يتهم عنده عن قتادة عن مطرف عن عياض بن حمار عن النبي عليه السلام فقال فيه "ألا وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم"

(18/74)


وساق الحديث فدل هذا على حفظ محمد بن إسحاق وإتقانه وضبطه لأنه ذكر مسلمين في روايته عن ثور بن يزيد لهذا الحديث وأسقطه من رواية قتادة وكذلك رواه شعبة وهشام ومعمر عن قتادة عن مطرف عن عياض عن النبي عليه السلام لم يقولوا فيه عن قتادة مسلمين فليس في حديث قتادة ذكر مسلمين وهو في حديث ثور بن يزيد بإسناده وقد اختلف العلماء في قوله عز وجل: {حُنَفَاءَ} فروي عن الضحاك والسدي في قوله: {حُنَفَاءَ} قالا حجاجا.
وروي عن الحسن قال الحنفية حج البيت وعن مجاهد {حُنَفَاءَ} قال: مسلمين متبعين وهذا كله يدل على أن الحنفية الإسلام ويشهد لذلك قول الله عز وجل: {مَا كَانَ إبراهيم يَهُودِيّاً وَلا نَصْرَانِيّاً وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفاً مُسْلِماً} وقال :{هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ} فلا وجه لإنكار من أنكر رواية من روى حنفاء مسلمين قال الشاعر وهو الراعي:
أخليفة الرحمن إنا معشر ... حنفاء نسجد بكرة وأصيلا
عرب نرى لله في أموالنا ... حق الزكاة منزلا تنزيلا

(18/75)


فهذا قد وصف الحنفية بالإسلام وهو أمر واضح لا خفاء به وقيل: الحنيف من كان على دين إبراهيم ثم سمى من كان يختتن ويحج البيت في الجاهلية حنيفا والحنيف اليوم المسلم ويقال إنما سمى إبراهيم حنيفا لأنه كان حنف عما كان يعبد أبوه وقومه من الآلهة إلى عبادة الله أي عدل عن ذلك ومال وأصل الحنف ميل من إبهامي القدمين كل واحدة منهما على صاحبها ومما احتج من ذهب إلى أن الفطرة الإسلام قوله صلى الله عليه وسلم خمس من الفطرة فذكر منهن قص الشارب والاختتان وهي من سنن الإسلام وممن ذهب إلى أن الفطرة في معنى هذا الحديث الإسلام أبو هريرة وابن شهاب حدثني محمد بن عبد الله بن حكم قال حدثنا محمد بن معاوية قال حدثنا إسحاق بن أبي حسان قال حدثنا هشام بن عمار قال حدثنا عبد الحميد بن حبيب قال حدثنا الأوزاعي قال سألت الزهري عن رجل عليه رقبة مؤمنة أيجزئ عنه الصبي أن يعتقه وهو رضيع؟

(18/76)


قال نعم لأنه ولد على الفطرة يعني الإسلام وعلى هذا القول يكون معنى قوله في الحديث من بهيمة جمعاء هل تحس من جدعاء يقول خلق الطفل سليما من الكفر مؤمنا مسلما على الميثاق الذي أخذه الله على ذرية آدم حين أخرجهم من صلبه وأشهدهم على أنفسهم {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى} .
قال أبو عمر: يستحيل أن تكون الفطرة المذكورة في قول النبي صلى الله عليه وسلم كل مولود يولد على الفطرة الإسلام لأن الإسلام والإيمان قول باللسان واعتقاد بالقلب وعمل بالجوارح وهذا معدوم من الطفل لا يجهل بذلك ذو عقل والفطرة لها معان ووجوه في كلام العرب وإنما أجزأ الطفل المرضع عند من أجاز عتقه في الرقاب الواجبة لأن حكمه حكم أبويه وخالفهم آخرون فقالوا لا يجزئ في الرقاب الواجبة إلا من صام وصلى وقد مضى في هذا الباب من هذا المعنى ما يكفي والحمد لله.

(18/77)


وقال آخرون معنى قوله عليه السلام "كل مولود يولد على الفطرة" يعني على البدأة التي ابتدأهم عليها أي على ما فطر الله عليه خلقه من أنهم ابتدأهم للحياة والموت والشقاء والسعادة وإلى ما يصيرون إليه عند البلوغ من ميولهم عن آبائهم واعتقادهم وذلك ما فطرهم الله عليه مما لا بد من مصيرهم إليه قالوا والفطرة في كلام العرب البدأة والفاطر المبدئ والمبتدئ فكأنه قال صلى الله عليه وسلم كل مولود يولد على ما ابتدأه الله عليه من الشقاء والسعادة مما يصير إليه.
واحتجوا بما حدثناه عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن عبد السلام الخشني قال حدثنا محمد بن بشار قال حدثنا يحيى بن سعيد قال حدثنا سفيان عن إبراهيم بن مهاجر عن مجاهد عن ابن عباس قال "لم أكن أدري ما {فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} حتى أتى أعرابيان يختصمان في بئر قال أحدهما أنا فطرتها أي

(18/78)


ابتدأتها قالوا فالفطرة البدأة واحتجوا بقول الله عز وجل: {كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ فَرِيقاً هَدَى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ} .
وذكروا ما يروى عن علي بن أبي طالب في بعض دعائه اللهم جبار القلوب على فطرتها وشقيها وسعيدها قال أبو عبد الله بن نصر المروزي وهذا المذهب شبيه بما حكاه أبو عبيد عن عبد الله بن المبارك أنه سئل عن قول النبي صلى الله عليه وسلم: "كل مولود يولد على الفطرة" فقال: يفسره الحديث الآخر حين سئل عن أطفال المشركين فقال: "الله أعلم بما كانوا عاملين" .
قال المروزي: ولقد كان أحمد بن حنبل يذهب إلى هذا القول ثم تركه.
قال أبو عمر: ما رسمه مالك في الموطأ وذكره في أبواب القدر فيه من الآثار ما يدل على أن مذهبه في ذلك نحو هذا والله أعلم.

(18/79)


أخبرنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن الجهم قال حدثنا روح بن عبادة قال حدثنا موسى بن عبيدة قال سمعت محمد بن كعب القرظي في قوله عز وجل: {كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ فَرِيقاً هَدَى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ} قال من ابتدأ الله خلقه للضلالة صيره إلى الضلالة وإن عمل بأعمال الهدى ومن ابتدأ الله خلقه على الهدى صيره الله إلى الهدى وإن عمل بأعمال الضلالة ابتدأ خلق إبليس على الضلالة وعمل بعمل السعادة مع الملائكة ثم رده الله إلى ما ابتدأ عليه خلقه من الضلالة قال وكان من الكافرين.
وابتدأ خلق السحرة على الهدى وعملوا بعمل الضلالة ثم هداهم الله إلى الهدى والسعادة وتوفاهم عليها مسلمين وبهذا الإسناد عن محمد بن كعب في قوله: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ} يقول: فأقروا له بالإيمان والمعرفة الأرواح قبل أن تخلق أجسادها

(18/80)


أخبرنا سعيد بن نصر وأحمد بن محمد قالا حدثنا وهب بن مسرة قال حدثنا محمد بن عبد السلام قال حدثنا محمد بن بشار قال حدثنا عبد الرحمن بن مهدي قال حدثنا محمد بن أبي وضاح عن سالم الأفطس عن سعيد بن جبير في قوله: {كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ} قال كما كتب عليكم تكونوا وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد: {كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ} قال شقيا وسعيدا وقال ورقاء بن إياس عن مجاهد {كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ} قال يبعث المسلم مسلما والكافر كافرا.
وقال الربيع بن أنس عن أبي العالية {كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ} قال عادوا إلى علمه فيهم {فَرِيقاً هَدَى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ} .
واحتج من ذهب هذا المذهب في تأويل الفطرة المذكورة في الحديث المذكور في هذا الباب بما ذكره أبو عبد الله محمد بن نصر المروزي قال حدثنا إسحاق بن إبراهيم قال حدثنا حكم بن سلم عن عنبسة عن عمارة بن عمير عن أبي محمد رجل من أهل المدينة قال سألت عمر بن

(18/81)


الخطاب عن قوله عز وجل: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ} الآية فقال سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم كما سألتني فقال "خلق الله آدم بيده ونفخ فيه من روحه ثم أجلسه ومسح ظهره فأخرج منه ذرءا قال ذرء ذرأتهم للجنة يعملون بما شئت من عمل ثم أختم له بأحسن أعمالهم فأدخلهم الجنة ثم مسح ظهره فأخرج ذرءا فقال ذرء ذرأتهم للنار يعملون بما شئت من عمل ثم أختم لهم بسوء أعمالهم فأدخلهم النار" وذكر حديث مالك عن زيد بن أبي أنيسة عن عبد الحميد بن عبد الرحمن عن مسلم بن يسار أن عمر بن الخطاب سئل عن هذه الآية فذكر الحديث مرفوعا بمعنى ما تقدم على حسبما في الموطأ قال أبو عمر: ليس في قوله: {كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ} ولا في لن يختم الله للعبد بما قضاه له وقدره عليه حين أخرج ذرية آدم من ظهر دليل على أن الطفل يولد حين يولد مؤمنا أو كافرا لما شهدت به العقول أنه في ذلك الوقت ليس ممن يعقل إيمانا ولا كفرا.

(18/82)


والحديث الذي جاء فيه أن الناس خلقوا طبقات فمنهم من يولد مؤمنا ومنهم من يولد كافرا على حسبما تقدم ذكره في هذا الكتاب ليس من الأحاديث التي لا مطعن فيها لأنه انفرد به علي بن زيد بن جدعان وقد كان شعبة يتكلم فيه على أنه يحتمل قوله يولد مؤمنا يولد ليكون مؤمنا ويولد ليكون كافرا على سابق علم الله فيه وليس في قوله في الحديث خلقت هؤلاء للجنة وخلقت هؤلاء للنار أكثر من مراعاة ما يختم به لهم لا أنهم في حين طفولتهم ممن يستحق جنة أو نارا أو يعقل كفرا أو إيمانا وقد أوضحنا الحجة في هذا لمن ألهم رشده فيما تقدم والحمد لله وفي اختلاف السلف واختلاف ما روي من الآثار في الأطفال ما يبين لك ما قلنا إن شاء الله.
وقال آخرون معنى قوله صلى الله عليه وسلم "كل مولود يولد على الفطرة" أن الله قد فطرهم على الإنكار والمعرفة وعلى الكفر والإيمان فأخذ من ذرية آدم الميثاق حين خلقهم فقال ألست بربكم قالوا جميعا بلى فأما أهل السعادة

(18/83)


فقالوا بلى على معرفة له طوعا من قلوبهم وأما أهل الشقاء فقالوا بلى كرها لا طوعا قالوا وتصديق ذلك قوله: {وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً} قالوا وكذلك قوله: {كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ ) فَرِيقاً هَدَى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ} قال المروزي وسمعت إسحاق بن إبراهيم يعني ابن راهويه يذهب إلى هذا المعنى.
واحتج بقول أبي هريرة اقرءوا إن شئتم {فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ} قال إسحاق يقول لا تبديل لخلقته التي جبل عليها ولد آدم كلهم يعني من الكفر والإيمان والمعرفة والإنكار واحتج إسحاق أيضا بقول الله عز وجل : {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ} الآية.
قال إسحاق أجمع أهل العلم أنها الأرواح قبل الأجساد استنطقهم وأشهدهم على أنفسهم {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى} فقال انظروا ألا {تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ} .

(18/84)


وطائفة كارهين على وجه التقية فقال هو والملائكة {شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ} قالوا فليس أحد من ولد آدم إلا وهو يعرف الله أنه ربه وذلك قوله عز وجل {وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً} وذلك قوله: {فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ} يعني يوم أخذ الميثاق.
واحتج إسحاق أيضا بحديث أبي بن كعب في قصة الغلام الذي قتله الخضر قال أخبرنا مسلم بن قتيبة قال حدثنا عبد الجبار بن عباس الهمداني عن أبي إسحاق عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "الغلام الذي قتله الخضر طبعه الله يوم طبعه كافرا" قال إسحاق وكان الظاهر ما قال موسى {أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً} فأعلم الله الخضر ما كان الغلام عليه في الفطرة التي فطره عليها لأنه كان قد طبع يوم طبع كافرا قال إسحاق وأخبرنا سفيان عن عمرو عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه كان يقرأ "وأما الغلام فكان كافرا،

(18/86)


وكان أبواه مؤمنين" قال إسحاق فلو ترك النبي عليه السلام الناس ولم يبين لهم حكم الأطفال لم يعرفوا المؤمنين منهم من الكافرين لأنهم لا يدرون ما جبل كل واحد منهم عليه حين أخرج من ظهر آدم فبين لهم النبي صلى الله عليه وسلم حكم الطفل في الدنيا فقال أبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه يقول أنتم لا تعرفون ما طبع عليه في الفطرة الأولى ولكن حكم الطفل في الدنيا حكم أبويه فاعرفوا ذلك بالأبوين فمن كان صغيرا بين أبوين كافرين ألحق بحكمهما ومن كان صغيرا بين أبوين مسلمين ألقح بحكمهما وأما إيمان ذلك وكفره مما يصير إليه فعلم ذلك إلى الله ويعلم ذلك فضل الخضر موسى إذ أطلعه الله عليه في ذلك الغلام وخصه بذلك العلم.
قال أبو عمر: ما بين رسول الله صلى الله عليه وسلم لأحد من أمته حكم الأطفال الذين يموتون صغارا بيانا يقطع حجة العذر بل اختلفت الآثار عنه في ذلك بما سنورده بعد هذا إن شاء الله.

(18/87)


واحتج إسحاق أيضا بحديث عائشة حين مات صبي من الأنصار بين أبوين مسلمين فقالت عائشة "طوبى له عصفور من عصافير الجنة" فرد عليها النبي عليه السلام فقال "مه يا عائشة وما يدريك إن الله خلق الجنة وخلق لها أهلها وخلق النار وخلق لها أهلها" قال إسحاق فهذا الأصل الذي يعتمد عليه أهل العلم.
قال أبو عمر: أما قول إسحاق ومن قال بقوله في تأويل الحديث في الفطرة التي يولد عليها بنو آدم إنها المعرفة والإنكار والكفر والإيمان فإنه لا يخلو من أن يكونوا أرادوا بقولهم ذلك أن الله خلق الأطفال وأخرجهم من بطون أمهاتهم ليعرف منهم العارف ويعترف فيؤمن ولينكر منهم المنكر ما يعرف فيكفر وذلك كله قد سبق به لهم قضاء الله وتقدم فيه علمه ثم يصيرون إليه في حين تصح منهم المعرفة والإيمان والكفر والجحود وذلك عند التمييز والإدراك فذلك ما قلنا أو يكونوا أرادوا بقولهم ذلك أن الطفل يولد عارفا مقرا مؤمنا أو عارفا جاحدا منكرا كافرا في حين ولادته فهذا ما يكذبه العيان والعقل ولا علم أصح من ذلك لأنها شواهد الأصول

(18/88)


ودلائل العقول وليس في قوله عز وجل: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ} الآية دليل يشهد لهم بما ادعوه من ذلك ولا فيه رد لما قلنا وإنما فيه أن الخلق يحشرون ويصيرون إلى ما سبق لهم في علمه وهذا ما لا يختلف أهل الحق فيه ومعنى الآية والحديث أنه أخرج ذرية آدم من ظهره كيف شاء ذلك وألهمهم أنه ربهم فقالوا بلى لئلا يقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين ثم تابعهم بحجة العقل عند التمييز وبالرسل بعد ذلك استظهارا بما في عقولهم من المنازعة إلى خالق مدبر حكيم يدبرهم بما لا يتهيأ لهم ولا يمكنهم جحده وهذا إجماع أهل السنة والحمد لله وإنما اختلفوا فيمن مات وهو طفل لم يدرك من أولاد المؤمنين والكافرين على ما نوضح بعد الفراغ من القول في الفطرة التي يولد المولود عليها واختلاف أهل العلم في معناها إن شاء الله.
وأما الغلام الذي قتله الخضر فأبواه مؤمنان لا شك في ذلك فإن كان طفلا ولم يكن كما قال بعض أهل العلم رجلا قاطعا للسبيل فمعلوم أن شريعتنا وردت بأن كل

(18/89)


أبوين مؤمنين لا يحكم لطفلهما الصغير بحال الكفر ولا يحل قتله بإجماع وكفى بهذا حجة في تخصيص غلام الخضر وقد أجمع المسلمون من أهل السنة وغيرهم إلا المجبرة أن أولاد المؤمنين في الجنة فكيف يجوز الاحتجاج بقصة الغلام الذي قتله الخضر اليوم في هذا الباب.
وأما حديث عائشة الذي احتج به إسحاق فإنه حديث ضعيف انفرد به طلحة بن يحيى فأنكروه عليه وضعفوه من أجله وقد بينت ذلك في باب ابن شهاب عن سعيد بن المسيب وقول إسحاق في هذا الباب لا يرضاه الحذاق الفقهة من أهل السنة وإنما هو قول المجبرة وفيما مضى كفاية والحمد لله
وقال آخرون معنى الفطرة المذكورة في المولودين ما أخذ الله من ذرية آدم من الميثاق قبل أن يخرجوا إلى الدنيا يوم استخرج ذرية آدم من ظهره فخاطبهم ألست بربكم قالوا بلى فأقروا جميعا له بالربوبية عن معرفة منهم به ثم أخرجهم من أصلاب آبائهم مخلوقين مطبوعين على تلك المعرفة وذلك الإقرار قالوا وليست تلك المعرفة بإيمان ولا

(18/90)


ذلك الإقرار بإيمان ولكنه إقرار من الطبيعة للرب فطرة ألزمها قلوبهم ثم أرسل إليهم الرسل فدعوهم إلى الاعتراف له بالربوبية والخضوع تصديقا بما جاءت به الرسل فمنهم من أنكر وجحد بعد المعرفة وهو به عارف لأنه لم يكن الله ليدعو خلقه إلى الإيمان به وهو لم يعرفهم نفسه إذ كان يكون حينئذ قد كلفهم الإيمان بما لا يعرفون قالوا وتصديق ذلك قوله عز وجل: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} وذكروا ما ذكره السدي عن أصحابه وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة عن ابن مسعود على حسبما ذكرناه قبل هذا في قول الله عز وجل: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ} الآية.
وذكروا أيضا ما حدثناه إبراهيم بن شاكر قال حدثنا عبد الله بن عثمان قال حدثنا سعيد بن عثمان قال حدثنا أحمد بن عبد الله بن صالح قال حدثنا عبيد الله بن موسى قال حدثنا أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية عن أبي بن كعب في قول الله عز وجل: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ

(18/91)


مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ} إلى قوله: {أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ} قال جمعهم جميعا فجعلهم أرواحا ثم صورهم ثم استنطقهم فقال: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ} لم نعلم هذا قالوا نشهد أنك ربنا وإلهنا لا رب لنا غيرك ولا إله لنا غيرك قال فإني أرسل إليكم رسلي وأنزل عليكم كتبي فلا تكذبوا رسلي وصدقوا بوعدي وإني سأنتقم ممن أشرك بي ولم يؤمن بي قال فأخذ عهدهم وميثاقهم ورفع أباهم آدم فنظر إليهم فرأى منهم الغني والفقير وحسن الصورة وغير ذلك فقال يا رب لو سويت بين عبادك قال أحببت أن أشكر قال والأنبياء يومئذ بينهم مثل السرج قال وخصوا بميثاق آخر للرسالة أن يبلغوها قال فهو قوله: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ} قال وهي فطرة الله التي فطر الناس عليها وذلك قوله: {وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ} وذلك قوله: {فَمَا كَانُوا

(18/92)


لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ} . قال فكان في علم الله من يكذب به ومن يصدق قال وكان روح عيسى عليه السلام من تلك الأرواح التي أخذ عهدها وميثاقها في زمن آدم وذكر تمام الحديث.
وسئل حماد بن سلمة عن قول النبي صلى الله عليه وسلم: "كل مولود يولد على الفطرة" فقال هذا عندنا حيث أخذ العهد عليهم في أصلاب آبائهم.
قال أبو عمر: القول فيما تقدم قبل هذا يغني عن القول ههنا وقد قال هؤلاء ليست تلك المعرفة بإيمان ولا ذلك الإقرار بإيمان ولكنه إقرار من الطبيعة للرب فطرة ألزمها قلوبهم فكفونا بهذه المقالة أنفسهم.
وقال آخرون الفطرة ما يقلب الله قلوب الخلق إليه مما يريد ويشاء فقد يكفر العبد ثم يؤمن فيموت مؤمنا وقد يؤمن ثم يكفر فيموت كافرا وقد يكفر ثم لا يزال على كفره حتى يموت عليه وقد يكون مؤمنا حتى يموت على الإيمان وذلك كله تقدير الله وفطرته لهم.

(18/93)


واحتجوا من الأثر بحديث علي بن زيد عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال "ألا إن بني آدم خلقوا على طبقات فمنهم من يولد مؤمنا ويحيى مؤمنا ويموت مؤمنا ومنهم من يولد كافرا ويحيى كافرا ويموت كافرا ومنهم من يولد مؤمنا ويحيى مؤمنا ويموت كافرا ومنهم من يولد كافرا ويحيى كافرا ويموت مؤمنا" وقد مضى القول في إسناد هذا الحديث فيما تقدم من هذا الباب والفطرة عند هؤلاء ما قضاه الله وقدره لعباده من أول أحوالهم إلى آخرها كل ذلك عندهم فطرة وسواء كانت عندهم حالا واحدة لا تنتقل أو حالا بعد حال كقوله عز وجل: {لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ} أي حالا بعد حال على ما سبق لهم في علم الله وهذا القول وإن كان صحيحا في الأصل فإنه أضعف الأقاويل من جهة اللغة في معنى الفطرة والله أعلم.
فهذا ما انتهى إلينا عن العلماء أهل الفقه والأثر وهم الجماعة في تأويل حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم "كل مولود يولد على الفطرة" .

(18/94)


وأما أهل البدع فمنكرون لكل ما قاله العلماء في تأويل قول الله عز وجل: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ} الآية قالوا ما أخذ الله من آدم ولا من ذريته ميثاقا قط قبل خلقه إياهم وما خلقهم قط إلا في بطون أمهاتهم وما استخرج قط من ظهر آدم من ذرية تخاطب ولو كان ذلك لأحياهم ثلاث مرات والقرآن قد نطق على أهل النار بأنهم قالوا ما لم يرده عز وجل عليهم من قولهم {رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ} وقال عز وجل تصديقا لذلك {وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً} يعني في حال عدم غير وجود فأحياكم يريد بخلقه إياكم {ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ} فجعل الحياة مرتين والموت مرتين قالوا وكيف يخاطب الله من لا يعقل وكيف يجيب من لا عقل له وكيف يحتج عليهم بميثاق لا يذكرونه وهم لا يؤاخذون بما نسوا ولا نجد أحدا يذكر أن ذلك عرض له أو كان منه قالوا وإنما أراد الله عز وجل بقوله: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ} الآية إخراجه إياهم في الدنيا وخلقه لهم وإقامة الحجة عليهم بأن فطرهم وبناهم فطرة إذا بلغوا وعقلوا علموا أن الله ربهم وخالقهم.

(18/95)


وقال بعضهم أخرج الذرية قرنا بعد قرن وعصرا بعد عصر وأشهدهم على أنفسهم بما جعل في عقولهم مما تنازعهم به أنفسهم إلى الإقرار بالربوبية حتى صاروا بمنزلة من قيل لهم {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى} وقال بعضهم قال لهم ألست بربكم على لسان بعض أنبيائه وكلهم يقول إن الحديث المأثور ليس بتأويل للأمة ثم اختلف القائلون بهذا كله في المعرفة هل تقع ضرورة أو اكتسابا وليس هذا موضع ذكر ذلك والحمد لله.
وأما اختلاف العلماء في الأطفال فقالت طائفة أولاد الناس كلهم المؤمنين منهم والكافرين إذا ماتوا أطفالا صغارا لم يبلغوا في مشيئة الله عز وجل يصيرهم إلى ما شاء من رحمة أو عذاب وذلك كله عدل منه وهو أعلم بما كانوا عاملين وقال آخرون وهم الأكثر أطفال المسلمين في الجنة وأطفال الكفار في المشيئة وقال آخرون حكم الأطفال كلهم كحكم آبائهم في الدنيا والآخرة هم مؤمنون بإيمان

(18/96)


آبائهم وكافرون بكفر آبائهم فأطفال المسلمين في الجنة وأطفال الكفار في النار.
وقال آخرون أولاد المسلمين وأولاد الكفار إذا ماتوا صغارا جميعا في الجنة.
وقال آخرون أولاد المشركين خدم أهل الجنة.
وقال آخرون يمتحنون في الآخرة.
وروت كل طائفة فيما ذهبت إليه من ذلك آثارا وقفت عندها ودانت بها لصحتها لديها ونحن نذكر منها ما حضرنا ذكره بعون ربنا لا شريك له وبالله التوفيق.

(18/97)


باب ذكر الأخبار التي احتج بها من أوجب الوقوف عن الشهادة لأطفال المسلمين وغيرهم بجنة أو نار وجعل جميعهم في مشيئة الجبار.
حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا مطلب بن شعيب قال أخبرنا عبد الله بن صالح قال حدثني الليث قال حدثني جعفر بن ربيعة عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج أنه قال قال أبو هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كل بني آدم يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه كما تنتج الإبل من بهيمة جمعاء هل تحس من جدعاء قيل أفرأيت من يموت وهو صغير يا رسول الله قال الله أعلم بما كانوا عاملين" هكذا قال كل بني آدم وهو يقتضي كل مولود لمسلم وغير مسلم على ظاهره وعمومه.
وأخبرنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا بكر بن حماد قال حدثنا مسدد قال:

(18/98)


حدثنا يحيى يعني القطان عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الأطفال فقال: "الله أعلم بما كانوا عاملين" .
هكذا قال الأطفال لم يخص شيئا حدثنا عبد الله بن محمد بن أسد قال حدثنا سعيد بن عثمان بن السكن قال حدثنا محمد بن يوسف قال حدثنا البخاري قال حدثنا مسدد قال حدثنا حماد عن عبيد الله بن أبي بكر عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "إن الله عز وجل وكل بالرحم ملكا يقول يا رب نطفة يا رب علقة يا رب مضغة فإذا أراد أن يقضي خلقه قال أذكر أم أنثى أشقي أم سعيد فما الرزق وما الأجل فيكتب وهو في بطن أمه" .
حدثنا سعيد بن نصر وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن سليمان المنقري قال حدثنا محمد بن كثير العبدي قال حدثنا سفيان الثوري

(18/99)


وشعبة وأبو عوانة قال المنقري وحدثنا عمرو بن مرزوق قال حدثنا شعبة وحدثنا أبو الربيع سليمان بن داود الزهراني وأبو بكر بن أبي شيبة قالا حدثنا جرير وأبو معاوية كلهم يقول حدثنا الأعمش عن زيد بن وهب عن عبد الله بن مسعود قال "حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق: "أن خلق ابن آدم يمكث في بطن أمه أربعين يوما ثم يصير علقة أربعين يوما ثم يصير مضغة أربعين يوما ثم يبعث الله إليه ملكا فيقول يا رب أذكر أم أنثى أشقي أم سعيد ما الأجل وما الأثر فيوحي الله ويكتب الملك حتى إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى لا يكون بينه وبينها إلا ذراع أو قيد ذراع فيغلب عليه الكتاب الذي سبق فيعمل بعمل أهل النار فيدخل النار وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع أو قيد ذراع فيغلب عليه الكتاب الذي سبق فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخل الجنة" .
وأخبرنا عبد الله بن محمد حدثنا أحمد بن جعفر بن حمدان حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثني أبي قال

(18/100)


حدثنا أبو معاوية قال حدثنا الأعمش عن زيد بن وهب عن عبد الله قال "حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق: "أن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات رزقه وأجله وعمله وشقي أم سعيد فوالذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيختم له بعمل أهل النار فيدخلها وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها".
وحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن إسماعيل الصائغ قال حدثنا يحيى بن ابي بكير قال حدثنا زهير بن معاوية قال حدثنا عبد الله بن عطاء أن عكرمة بن خالد حدثه أن أبا الطفيل حدثه

(18/101)


أنه سمع عبد الله بن مسعود يقول "إن الشقي من شقي في بطن أمه وإن السعيد من وعظ بغيره" قال فخرجت من عنده أتعجب مما سمعته حتى دخلت على أبي سريحة حذيفة بن أسيد الغفاري فتعجبت عنده فقال مم تتعجب فقلت سمعت أخاك عبد الله بن مسعود يقول إن الشقي من شقي في بطن أمه وإن السعيد من وعظ بغيره فقال ومن أي ذلك تعجب فقلت أيشقى أحد بغير عمل فأهوى إلى أذنيه وقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول بأذني هاتين "إن النطفة تمكث في الرحم أربعين ليلة ثم يتسور عليها الملك" قال زهير حسبته قال "الذي وكل بخلقها فيقول يا رب أذكر أم أنثى ثم يقول يا رب سوي أو غير سوي فيجعله الله سويا أو غير سوي ذكر أم أنثى ثم يقول ما رزقه ما أجله ما خلقه ثم يجعله الله شقيا أو سعيدا" ( وحدثنا خلف بن القاسم حدثنا أبو أحمد عبد الله بن المفسر حدثنا علي بن غالب الشكشري حدثنا علي بن

(18/102)


المديني حدثنا سفيان بن عمر سمع أبا الطفيل يحدث عن حذيفة بن أسيد الغفاري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "يدخل الملك على النطفة بعد ما تستقر في الرحم بأربعين أو بخمس وأربعين ليلة فيقول أي رب ذكر أو أنثى فيقول الله تبارك وتعالى فيكتب قال ثم يكتب عمله ورزقه وأجله وأثره ثم تطوى الصحيفة فلا يزاد على ما فيها ولا ينقص" قال علي بن المديني وحدثنا يزيد بن هارون قال حدثنا منصور بن حيان الأسدي قال حدثنا أبو الطفيل قال سمعت عبد الله بن مسعود يقول "الشقي من شقي في بطن أمه" قال ففزعت إلى حذيفة بن أسيد الغفاري فقلت إني سمعت عبد الله بن مسعود يقول الشقي من شقي في بطن أمه فقال وما أنكرت من ذلك سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "إن المرأة إذا حملت فأتت على أربعين يوما نزل إليها ملك فإذا قضى الله عز وجل في خلق ما في بطنها ما قضى قال الملك يا رب أذكر أم أنثى فيقضي الله عز وجل إلى الملك ويكتب ثم يقول يا رب ما رزقه فيقض الله عز وجل إلى الملك ويكتب الملك ثم يقول يا رب أشقي أم سعيد فيقضي الله عز وجل

(18/103)


إلى الملك فيكتب الملك ثم تطوى الصحيفة فتكون مع الملك إلى يوم القيامة" .
وقد روى هذا المعنى جماعة من الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم وحدثنا سعيد بن نصر وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن إسماعيل الترمذي قال حدثنا الحميدي قال حدثنا سفيان قال حدثنا طلحة بن يحيى عن عمته عائشة بنت طلحة عن خالتها أم المؤمنين قالت "أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بصبي من صبيان الأنصار ليصلي عليه فقلت طوبى له عصفور من عصافير الجنة لم يعمل بسوء ولم يدركه ذنب فقال النبي عليه السلام أو غير ذلك يا عائشة إن الله خلق الجنة وخلق لها أهلها وخلقهم في أصلاب آبائهم وخلق النار وخلق لها أهلها وخلقهم في أصلاب آبائهم" .
وحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا أبو نعيم قال حدثنا طلحة بن يحيى عن عمته يعني عائشة بنت طلحة.

(18/104)


عن عائشة زوج النبي عليه السلام قالت فذكر مثل حديث ابن عيينة سواء.
ورواه عن طلحة بن يحيى جماعة بإسناده ومعناه وزعم قوم أن طلحة بن يحيى انفرد بهذا الحديث وليس كما زعموا وقد رواه فضيل بن عمرو عن عائشة بنت طلحة كما رواه طلحة بن يحيى سواء ذكره المروزي قال حدثنا أحمد بن عمرو قال حدثنا جرير عن العلاء بن المسيب عن فضيل بن عمرو عن عائشة بنت طلحة عن عائشة أم المؤمنين قالت "توفي صبي فقلت طوبى له عصفور من عصافير الجنة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أو لا تدرين أن الله خلق الجنة وخلق لها أهلا وخلق النار وخلق لها أهلا" .
وحدثنا عبد الله بن محمد بن أسد قال حدثنا أحمد بن محمد المكي قال حدثنا علي بن عبد العزيز قال حدثنا القعنبي قال حدثنا معتمر بن سليمان عن أبيه عن رقبة بن مصقلة عن أبي إسحاق عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن أبي بن كعب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "إن الغلام الذي قتله الخضر طبع كافرا ولو عاش لأرهق أبويه طغيانا وكفرا" .

(18/105)


قال أبو عمر: هذا الحديث يقولون إنه انفرد برفعه رقبة بن مصقلة وإن أصحاب أبي إسحاق الثقات يوقفونه على أبي بن كعب ورقبة بن مصقلة ثقة فصيح عاقل كان أحمد بن حنبل ويحيى بن معين يثنيان عليه وقد تابعه عبد الجبار بن عباس على رفعه وعبد الجبار بن العباس رجل كوفي روى عنه جماعة من جلة أهل الكوفة منهم الحسن بن صالح ووكيع وأبو نعيم وقال أحمد ويحيى ليس به بأس وقال أبو حاتم الرازي هو ثقة قيل له لا بأس به قال ثقة.
ذكر المروزي قال أخبرنا إسحاق بن إبراهيم يعين ابن راهويه قال أخبرنا مسلم بن قتيبة قال حدثنا عبد الجبار بن عباس الهمداني عن أبي إسحاق عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "الغلام الذي قتله الخضر طبع كافرا" .
وقد حدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن إسماعيل الترمذي قال حدثنا الحميدي.

(18/106)


قال حدثنا سفيان قال حدثنا عمرو بن دينار قال أخبرني سعيد بن جبير قال كان ابن عباس يقرأ "وأما الغلام فكان كافرا وكان أبواه مؤمنين" .
حدثنا إبراهيم بن شاكر قال حدثنا محمد بن أحمد بن يحيى قال حدثنا محمد بن أيوب قال حدثنا أحمد بن عمرو البزار قال حدثنا زياد بن أيوب قال حدثنا أبو معاوية قال حدثنا حجاج عن عطاء عن ابن عباس قال كتب نجدة الحروري إلى ابن عباس يسأله عن قتل الصبيان فكتب إليه ابن عباس أما الصبيان فإن كنت أنت الخضر تعلم المؤمن من الكافر فاقتلهم.
وروى قتادة عن عكرمة عن ابن عباس مثله.
وأخبرنا أحمد بن محمد قال حدثنا أحمد بن الفضل قال حدثنا محمد بن جرير قال حدثنا محمد بن سلمة عن محمد بن إسحاق عن الزهري ومحمد بن علي عن يزيد بن هرمز قال كتب نجدة إلى ابن عباس يسأله عن قتل الولدان ويذكر في كتابه إن العالم صاحب موسى قد قتل المولود قال يزيد فأنا كتبت كتاب ابن عباس بيدي جوابه

(18/107)


إلى نجدة أما بعد فإنك كتبت إلي تسألني عن قتل الولدان وتذكر في كتابك أن العالم صاحب موسى قد قتل المولود فلو كنت تعلم من الولدان ما علم ذلك العالم لقتلت ولكنك لا تعلم وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتلهم وروى الثوري عن إسماعيل بن أمية عن سعيد المقبري عن يزيد بن هرمز عن ابن عباس مثله.
وفي هذا الخبر مع صحته عن ابن عباس رد قول من قال الغلام الذي قتله الخضر كان رجلا وكان قاطع طريق وهذا قول يروى عن عكرمة حكاه قتادة وغيره عنه وقال قتادة لعمري ما قتله إلا على كفر قال قتادة وقال بعضهم كان يقطع الطريق قال قتادة كان يقرأ في الحرف الأول "وأما الغلام فكان كافرا وكان أبواه مؤمنين" وقال غيره لم يقتله الخضر إلا وهو كافر كان قد كفر بعد إدراكه وبلوغه أو عمل عملا استوجب عليه القتل فقتله.
واحتج بعض من ذهب هذا المذهب بحديث الزهري عن محمد بن عبد الله بن نوفل عن عبد المطلب بن ربيعة.

(18/108)


قال اجتمعت أنا والفضل بن عباس ونحن غلامان شابان قد بلغنا في حديث ذكره في كراهية الصدقة لبني هاشم.
قال أبو عمر: أما قوله في حديث الزهري ونحن غلامان شابان قد بلغنا فهو كلام خرج على القرب والمجاز وقد بان ذلك في قوله قد بلغنا وأما قول من قال إن الغلام كان رجلا قد كفر أو عمل ما استوجب عليه القتل فتخرص وظن لم يصح في أثر ولا جاء به خبر ولا يعرفه أهل العلم ولا أهل اللغة وقد سمى الله عز وجل الإنسان الذي قتله الخضر غلاما والغلام عند أهل اللغة هو الصبي الصغير يقع عليه عند بعضهم اسم غلام من حين يفطم إلى سبع سنين وعند بعضهم يسمى غلاما وهو رضيع إلى سبع سنين ثم يصير يافعا ويفاعا إلى عشر سنين ثم يصير حزورا إلى خمس عشرة سنة واختلف في تسمية منازل سنه بعد ذلك إلى أن يصير هما فانيا كبيرا بما لا حاجة بنا ههنا إلى ذكره.
قال أبو عمر: وعلى هذا جمهور أهل اللغة في الغلام أنه ما دام رضيعا فهو طفل وغلام إلى سبع سنين وأما اختلافهم

(18/109)


في الكهل والشيخ فقال بعضهم الكهل ابن ثلاث وثلاثين سنة وقال بعضهم الكهل من أربعين إلى خمسين والشيخ من خمسين إلى ثمانين ثم يصير هما فانيا.
وقال جماعة من العلماء في قوله عز وجل {نَفْساً زَكِيَّةً} قالوا لم يذنب قط حدثنا أحمد بن عبد الله بن محمد بن علي قال حدثنا أبي قال حدثنا أحمد بن خالد قال حدثنا الحسن بن أحمد قال حدثنا محمد بن عبيد قال حدثنا حماد بن زيد قال حدثنا شعيب عن أبي العالية في قصة موسى والخضر عليهما السلام قال {فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلاماً فَقَتَلَهُ} قال غلام يلعب مع الغلمان فقتل عنقه فقتله ولم يره إلا موسى ولو رآه القوم لحالوا بينه وبينه قال "أقتلت نفسا زاكية أو زكية" قال لم تبلغ الخطايا.

(18/110)


وقال ابن جريج أخبرني يعلى بن مسلم أنه سمع سعيد بن جبير يقول وجد الخضر غلمانا يلعبون فأخذ غلاما فأضجعه وذبحه بالسكين.
حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا ابن وضاح قال حدثنا سحنون وأبو الظاهر وحرملة بن يحيى قالوا حدثنا ابن وهب قال حدثني يونس بن يزيد عن ابن شهاب أنعبد الرحمن بن هنيدة حدثه أن عبد الله بن عمرو قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إذا أراد الله أن يخلق النسمة قال ملك الأرحام معرضا يا رب ذكر أم أنثى فيقضي الله أمره ثم يقول يا رب شقي أو سعيد فيقضي الله أمره ثم يكتب بين عينيه ما هو حتى النكبة ينكبها" .
قال أبو عمر: بهذه الآثار وما كان مثلها احتج من ذهب إلى الوقوف عن الشهادة لأطفال المسلمين أو المشركين بجنة أو نار وإليها ذهب جماعة كثيرة من أهل الفقه والحديث منهم حماد بن زيد وحماد بن سلمة وابن المبارك وإسحاق

(18/111)


ابن راهويه وغيرهم وهو يشبه ما رسمه مالك في أبواب القدر في موطئه وما أورد في ذلك من الأحاديث وعلى ذلك أكثر أصحابه وليس عن مالك فيه شيء منصوص إلا أن المتأخرين من أصحابه ذهبوا إلى أن أطفال المسلمين في الجنة وأطفال الكفار خاصة في المشيئة لآثار وردت في ذلك نحن نذكرها في الباب بعد هذا إن شاء الله.

(18/112)


ذكر الأخبار التي احتج بها من شهد لأطفال المسلمين بالجنة
أخبرنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن الجهم قال حدثنا روح بن عبادة قال أخبرنا عوف عن محمد عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما من المسلمين من يموت له ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث إلا أدخلهم الله وإياه الجنة بفضل رحمته يجاء بهم يوم القيامة فيقال لهم ادخلوا الجنة فيقولون لا حتى يدخل آباؤنا فيقال لهم ادخلوا أنتم وآباؤكم بفضل رحمتي" .
حدثنا أحمد بن فتح قال حدثنا حمزة بن محمد وحدثنا أحمد بن قاسم بن عيسى المقرئ قال حدثنا عبيدالله بن محمد بن حبابة قالا حدثنا البغوي قال حدثنا علي بن الجعد قال حدثنا شعبة عن معاوية بن قرة عن أبيه "أن رجلا جاء بابنه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أتحبه؟ فقال:

(18/113)


أحبك الله يا رسول الله كما أحبه فتوفي الصبي ففقده النبي صلى الله عليه وسلم فقال ابن فلان ابن فلان قالوا يا رسول الله توفي ابنه فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أما ترضى أن لا تأتي بابا من أبواب الجنة إلا جاء يسعى يفتحه لك فقالوا يا رسول الله أله وحده أم لنا كلنا قال بل لكم كلكم" .
وروى يحيى بن سعيد القطان وعبد الرحمان بن مهدي ومحمد بن جعفر غندر وغيرهم عن شعبة بإسناده مثله سواء حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا شعبة عن عدي بن ثابت قال سمعت البراء بن عازب يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم قال في ابنه إبراهيم: "إن له موضعا في الجنة" .
وروى سعيد بن إياس الحريري عن خالد بن علان قال مات ابن لي فوجدت عليه وجدا شديدا فقلت يا أبا هريرة أسمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا يسخي أنفسنا عن موتانا فقال سمعته يقول: "صغاركم دعاميص الجنة" .

(18/114)


حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن إسماعيل الترمذي قال حدثنا أبو نعيم قال حدثنا سفيان عن عبد الرحمن بن الأصبهاني عن أبي حازم عن أبي هريرة قال أولاد المسلمين في جبل تكفلهم سارة وإبراهيم فإذا كان يوم القيامة دفعوهم إلى آبائهم.
حدثنا أحمد بن قاسم وأحمد بن محمد قالا حدثنا وهب بن مسرة قال حدثنا ابن وضاح قال حدثنا محمد بن قدامة قال حدثنا جرير عن الأعمش عن عثمان عن زاذان عن علي في قول الله عز وجل {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ} قال هم أطفال المسلمين.
وحدثنا خلف بن أحمد قال حدثنا أحمد بن سعيد وأحمد بن مطرف قالا حدثنا سعيد بن عثمان قال حدثنا إسحاق بن إسماعيل الأيلي قال حدثنا المؤمل بن إسماعيل عن سفيان عن الأعمش عن عثمان بن موهب عن زاذان عن علي في {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ} قال أصحاب اليمين أطفال المسلمين.
قال أبو عمر: اختصرت هذا الباب لأني قد تقصيته في كتاب الأجوبة عن المسائل المستغربة وتكلمت عليه في باب سعيد بن المسيب من هذا الكتاب.

(18/115)


باب ذكر الأخبار التي احتج بها من شهد لأطفال المشركين بدخول الجنة ومن قال إنهم خدم أهل الجنة
حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن عبد السلام قال حدثنا محمد بن بشار قال حدثنا محمد بن جعفر قال حدثنا عوف عن خنساء امرأة من بني صريم عن عمها قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "النبي في الجنة والشهيد في الجنة والمولود في الجنة والوئيد في الجنة" .
وحدثنا قاسم بن محمد حدثنا خالد بن سعد حدثنا أحمد بن عمرو حدثنا محمد بن سنجر حدثنا هوذة حدثنا عوف عن خنساء بنت معاوية قالت حدثني عمي قال قلت يا رسول الله من في الجنة قال "النبي في الجنة والشهيد في الجنة والمولود في الجنة والوئيد في الجنة" .

(18/116)


وحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن أبي العوام قال حدثنا عبد العزيز القرشي قال حدثنا أبو معاذ قال حدثنا الزهري عن عروة عن عائشة قالت "سألت خديجة النبي صلى الله عليه وسلم عن أولاد المشركين فقال هم مع آبائهم ثم سألته بعد ذلك فقال الله أعلم بما كانوا عاملين ثم سألته بعدما استحكم الإسلام فنزلت {وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} وقال هم على الفطرة أو قال في الجنة".
وحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا مطلب بن شعيب قال حدثنا أبو صالح قال حدثنا ابن أبي سلمة عن محمد بن المنكدر عن يزيد الرقاشي عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "سألت ربي عن اللاهين من ذرية البشر ألا يعذبهم فأعطانيهم"
قال أبو عمر: إنما قيل للأطفال اللاهين لأن أعمالهم كاللهو واللعب من غير عقد ولا عزم من قولهم لهيت عن الشيء أي لم أعتمده كقوله: {لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ}

(18/117)


وروى الحجاج بن نصير عن مبارك بن فضالة عن علي بن زيد عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "أولاد المشركين خدم أهل الجنة" .
وأخبرنا محمد بن عبد الملك قال حدثنا ابو سعيد بن الأعرابي وحدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا وكيع عن الأعمش عن يزيد الرقاش عن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الولدان أو قال الأطفال خدم أهل الجنة" .
وذكر البخاري في حديث أبي رجاء العطاردي عن سمرة بن جندب عن النبي صلى الله عليه وسلم الحديث الطويل حديث الرؤيا وفيه قوله صلى الله عليه وسلم: "وأما الرجل الطويل الذي في الروضة فإنه إبراهيم عليه السلام وأما الولدان حوله فكل مولود يولد على الفطرة قال فقيل يا رسول الله وأولاد المشركين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وأولاد المشركين" .
وخرج البخاري أيضا في رواية أخرى عن أبي رجاء في هذا الحديث والشيخ في أصل الشجرة إبراهيم والصبيان حوله أولاد الناس وهذا يقتضي ظاهره وعمومه جميع الناس والله الموفق.

(18/118)


الحديث الحادي عشر
...
حديث حادي عشر لأبي الزناد
مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "رأس الكفر نحو المشرق والفخر والخيلاء في أهل الخيل والإبل الفدادين أهل الوبر والسكينة في أهل الغنم" .
أما قوله: "رأس الكفر نحو المشرق" فهو أن أكثر الكفر وأكبره كان هناك لأنهم كانوا قوما لا كتاب لهم وهم فارس ومن وراءهم ومن لا كتاب له فهو أشد كفرا من أهل الكتاب لأنهم لا يعبدون شيئا ولا يتبعون رسولا فهذا والله أعلم معنى قوله "رأس الكفر نحو المشرق" وقد مضى بعض هذا المعنى في كتابنا هذا عند قوله صلى الله عليه وسلم: "من حيث يطلع قرن الشيطان" فلا وجه لإعادة ذلك ههنا وأما أهل الخيل والإبل فهم الأعراب أهل الصحراء وفيهم التكبر والتجبر والخيلاء وهي الإعجاب والفخر والتبختر وأما أهل الغنم

(18/142)


فهم أهل سكينة وقلة أذى وقلة فخر وخيلاء على ما قال النبي عليه السلام فهو الصادق في خبره صلى الله عليه وسلم.
وأما قوله: "الفدادين" فكان مالك يقول الفدادون هم أهل الجفاء وهم أهل الخيل والوبر يريد بالوبر الإبل وهو كما قال مالك قال أبو عبيد هم الفدادون بالتشديد وهم الرجال والواحد فداد وقال الأصمعي هم الذين تعلو أصواتهم في حروثهم ومواشيهم وما يعالجون منها قال أبو عبيد وكذلك قال الأصمعي قال ويقال منه فد الرجل يفد فديدا إذا اشتد صوته وأنشد:
أنبئت أخوالي بني يزيد ... ظلما علينا لهم فديد
قال أبو عبيد: وكان أبو عبيدة يقول غير ذلك كله قال الفدادون المكثرون من الإبل الذي يملك أحدهم المائتين منها إلى الألف يقال للرجال فداد إذا بلغ ذلك وهم مع هذا جفاة أهل خيلاء وقال الأخفش في الفدادين قولان أحدهما أنهم الأعراب سموا بذلك لارتفاع أصواتهم عند سقي إبلهم

(18/143)


وحركاتهم مع رعاء إبلهم والفديد الأصوات والجلبة وقيل إنما سموا الفدادين من أجل الفدافد وهي الصحاري والبوادي الخالية واحدها فدفد والأول أجود.
قال أبو عمر: وروي من حديث قيس بن عاصم أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول أهل الإبل أهل الجفاء قال أبو عمر: ليس إسناد هذا اللفظ بالقائم وقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من لزم البادية جفا" .
وروى الثوري وابن عيينة عن أبي موسى التمار عن وهب بن منبه عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من سكن البادية جفا ومن اتبع الصيد غفل ومن لزم السلطان افتتن" .
قال أبو عبيد: ومن هذا الحديث الذي يروى أن الأرض إذا دفن فيها الإنسان قالت له ربما مشيت علي فدادا والمعنى ذا مال كثير وذا خيلاء.

(18/144)


قال أبو عمر: الحديث حدثناه قاسم بن محمد قال حدثنا خالد بن سعد قال حدثنا محمد بن فطيس قال حدثنا بكر بن سهل قال حدثنا عبد الله بن صالح قال حدثنا معاوية بن صالح عن يحيى بن جابر الطائي عن ابن عائذ الأزدي عن غضيف بن الحرث قال أتيت بيت المقدس أنا وعبد الله بن عبيد بن عمير قال فجلسنا إلى عبد الله بن عمرو بن العاصي فسمعته يقول إن القبر يكلم العبد إذا وضع فيه فيقول يا ابن آدم ما غرك بي ألم تعلم أني بيت الوحدة ألم تعلم أني بيت الظلمة ألم تعلم أني بيت الحق يا ابن آدم ما غرك بي لقد كنت تمشي حولي فدادا قال ابن عائذ قلت لغضيف ما الفداد يا أبا أسماء قال كبعض مشيتك يا ابن أخي أحيانا قال غضيف فقال صاحبي وكان أكبر مني لعبد الله بن عمرو فإن كان مؤمنا فماذا له قال يوسع له في قبره ويجعل منزله أخضر ويعرج بنفسه إلى الله تعالى.

(18/145)


الحديث الثاني عشر
...
حديث ثاني عشر لأبي الزناد
مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيقول يا ليتني مكانه" .
قال أبو عمر: قد ظن بعض الناس أن هذا الحديث معارض لنهيه صلى الله عليه وسلم عن تمني الموت بقوله عليه السلام: "لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به" قال وفي هذا الحديث إباحة تمني الموت وليس كما ظن وإنما هذا خبر أن ذلك سيكون لشدة ما ينزل بالناس من فساد الحال في الدين وضعفه وخوف ذهابه لا لضر ينزل بالمؤمن في جسمه.
وأما قوله صلى الله عليه وسلم: "لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيقول يا ليتني مكانك" فإنما هو خبر عن تغير الزمان وما يحدث فيه من المحن والبلاء والفتن وقد أدركنا ذلك الزمان كما شاء الواحد المنان لا شريك له عصمنا الله ووفقنا وغفر لنا آمين.

(18/146)


حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا ابن الأصبهاني قال أخبرنا شريك بن عبد الله عن عثمان بن عمير أبي اليقظان عن زاذان أبي عمر عن عليم قال كنت مع عبس الغفاري على سطح له فرأى قوما يتحملون من الطاعون فقال يا طاعون خذني إليك ثلاثا يقولها فقال له عليم لم تقول هذا ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يتمنى أحدكم الموت فإنه عند انقطاع عمله ولا يرد فيستعتب فقال عبس إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "بادروا بالموت ستا: إمرة السفهاء وكثرة الشرط وبيع الحكم واستخفافا بالدم وقطيعة الرحم ونشوا يتخذون القرآن مزامير يقدمون الرجل ليغنيهم بالقرآن وإن كان أقلهم فقها" وهذا حديث مشهور روي عن عبس الغفاري

(18/148)


مر على أهل مجلس فقال دعوا الله لي بالموت قال فدعوا له فما مكث إلا أياما حتى مات.
حدثنا خلف بن القاسم حدثنا أحمد بن صالح حدثنا أحمد بن جعفر بن عبيد الله حدثنا العباس بن محمد الدوري إملاء حدثنا أبو عبيد القاسم بن سلام حدثنا أحمد بن كثير الطرسوسي حدثنا حماد بن سلمة قال كان سفيان الثوري عندنا بالبصرة فكان كثيرا ما يقول ليتني قد مت ليتني قد استرحت ليتني في قبري فقال له خالد بن سلمة يا أبا عبد الله ما كثرة تمنيك هذا الموت والله لقد آتاك الله القرآن والعلم فقال له سفيان يا أبا سلمة وما تدري لعلي أدخل في بدعة لعلي أدخل فيما لا يحل لي لعلي أدخل في فتنة أكون قد مت وسبقت هذا.
وقال يحيى بن يمان سمعت سفيان يقول قد كنت أشتهي أن أمرض وأموت فأما اليوم فليتني مت فجأة لأني أخاف أن أتحول عما أنا عليه من يأمن البلاء بعد خليل الرحمن وهو يقول: {وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ} .

(18/149)


وقال يحيى بن يمان عن سفيان لما جاء البشير يعقوب قال له على أي دين تركت يوسف قال على الإسلام قال الآن تمت النعمة.
وفي هذا الحديث أيضا من العلم إباحة الخبر بما يأتي بعد وبما يكون وهذا غير جائز على القطع إلا لمن أظهره الله على غيبه ممن ارتضى من رسله وبالله العصمة والتوفيق.
أنشدنا غير واحد لمنصور الفقيه رحمه الله:
قد غلب الغي على الغي ... وأصبح الناس كلا شيء
وأصبح الميت في قبره ... أحسن أحوالا من الحي

(18/150)


الحديث الثالث عشر
...
حديث ثالث عشر لأبي الزناد
مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا يقولن أحدكم يا خيبة الدهر فإن الدهر هو الله" .
هكذا هذا الحديث في الموطأ بهذا الإسناد عند جماعة الرواة فيما علمت ورواه إبراهيم بن خالد بن عثمة عن مالك عن سمي عن ابي صالح عن أبي هريرة والصواب فيه إسناد الموطأ.
حدثنا خلف بن القاسم قال حدثنا محمد بن جعفر غندر قال حدثنا الحسن بن أبي عباد الصفار حدثنا عبد السلام بن محمد حدثنا إبراهيم بن خالد بن عثمة حدثنا ملك عن سمي عن أبي صالح عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر" .

(18/151)


وفي الموطأ عند جماعة رواته في هذا الحديث لا يقولن أحدكم يا خيبة الدهر وقال فيه سعيد بن هاشم بإسناد الموطأ لا تسبوا الدهر حدثنا خلف بن قاسم حدثنا أبو جعفر أحمد بن جعفر بن محمد التميمي حدثنا يوسف بن يزيد حدثنا سعيد بن هاشم الفيومي حدثنا مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر" . وقال فيه يحيى فإن الدهر هو الله وغيره كلهم يقول "فإن الله هو الدهر" .
وهذا الحديث قد اختلف في ألفاظه عن أبي هريرة من رواية الأعرج وغيره فمنهم من يقول فيه "لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر" هكذا رواه ابن أبي الزناد عن أبيه عن الأعرج عن أبي هريرة وكذلك رواه ابن لهيعة عن الأعرج بإسناده سواء.
وكذلك رواه ابن سيرين وغيره عن أبي هريرة حدثنا أحمد بن القاسم وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثنا قاسم بن

(18/152)


أصبغ قال حدثنا الحرث بن أبي أسامة قال حدثنا هوذة بن خليفة قال حدثنا عوف عن محمد وخلاس عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر" .
وحدثنا عبد الوارث قال حدثنا قاسم قال حدثنا أبو إسماعيل الترمذي قال حدثنا سعيد بن أبي مريم قال أخبرنا محمد بن جعفر قال أخبرني العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب مولى الحرقة عن أبيه عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قال الله عز وجل: "استقرضت عبدي فلم يقرضني وشتمني ولم ينبغ له أن يشتمني يقول وادهره وادهره وأنا الدهر وأنا الدهر" .
قال أبو عمر: هذه ألفاظ إن صحت فمخرجها على معان سنبينها والصحيح في لفظ هذا الحديث ما رواه ابن شهاب وغيره من الفقهاء ذوي الألباب أخبرنا عبد الله بن محمد قال أخبرنا محمد بن بكر قال أخبرنا أبو داود قال حدثنا محمد بن الصباح بن سفيان وأحمد بن السرح قالا حدثنا سفيان بن عيينة عن الزهري عن سعيد بن المسيب.

(18/153)


عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: "يؤذيني ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر بيدي الأمر أقلب الليل والنهار" .
هكذا قال ابن عيينة عن الزهري عن سعيد وقال يونس بن زيد عن الزهري عن أبي سلمة وهما جميعا صحيحان حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن وضاح قال حدثنا أبو الطاهر وزيد بن البشر قالا أخبرنا ابن وهب عن يونس بن يزيد عن الزهري قال أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن قال قال أبو هريرة سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "قال الله تبارك وتعالى: "يسب ابن آدم الدهر وأنا الدهر بيدي الليل والنهار" .
فمن أهل العلم من يروي هذا الخبر بنصب الدهر على الظرف يقول أنا الدهر كله بيدي الأمر أقلب الليل والنهار ومنهم من يرويه بالرفع على معنى حديث مالك ومن تابعه والمعنى فيه أن أهل الجاهلية كانوا يذمون الدهر في أشعارهم وأخبارهم ويضيفون إليه كل ما يصنعه الله بهم وقد حكى الله عنهم قولهم: {وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا

(18/154)


يَظُنُّونَ} فنهى الله عن قولهم ذلك ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه أيضا بقوله: "لا تسبوا الدهر" يعني لأنكم إذا سببتموه وذممتموه لما يصيبكم فيه من المحن والآفات والمصائب وقع السب والذم على الله لأنه الفاعل ذلك وحده لا شريك له وهذا ما لا يسع أحدا جهله والوقوف على معناه لما يتعلق به الدهرية أهل التعطيل والإلحاد وقد نطق القرآن وصحت السنة بما ذكرنا وذلك أن العرب كان من شأنها ذم الدهر عندما ينزل بها من المكاره فيقولون أصباتنا قوارع الدهر وأبادنا الدهر وأتى علينا الدهر ألا ترى إلى قول شاعرهم:
رمتني بنات الدهر من حيث لا أرى ... فكيف بمن يرمي وليس برام
فلو أنها نبل إذا لاتقيتها ... ولكنني أرمى بغير سهام
فأفنى وما أفنيت للدهر ليلة ... ولم يغن ما أفنيت سلك نظام

(18/155)


وقال أبو العتاهية فذكر الزمان والدهر وهما سواء ومراده في ذلك كله ما يحدث الله من العبر فيها لمن اعتبر:
إن الزمان إذا رمى لمصيب ... والعود منه إذا عجمت صليب
إن الزمان لأهله لمؤدب ... لو كان ينفع فيهم التأديب
كيف اغتررت بصرف دهرك يا أخي ... كيف اغتررت به وأنت لبيب
ولقد رأيتك للزمان مجربا ... لو كان يحكم رأيك التجريب
وهذا المعنى في شعره كثير جدا وقال غيره وهو المساور بن هند:
بليت وعلمي في البلاد مكانه ... وأفنى شبابي الدهر وهو جديد
وقال غيره:
حنتني حانيات الدهر حتى ... كأني خاتل أدنو لصيد
قريب الخطو يحسب من يراني ... ولست مقيدا إني بقيد
وقال امرؤ القيس:
ألا إن هذا الدهر يوم وليلة ... وليس على شيء قويم بمستمر
وقال أيضا:
أرجي من صروف الدهر لينا ... ولم تغفل عن الصم الهضاب

(18/156)


وقال أبو ذؤيب الهذلي:
أمن المنون وريبها تتفجع ... والدهر ليس بمعتب من يجزع
وقال أرطاة بن سهية:
عن الدهر فاصفح إنه غير معتب ... وفي غير من قد وارت الأرض فاطمع
وقال الراجز:
ألقى علي الجهر رجلا ويدا ... والدهر ما أصلح يوما أفسدا
يصلحه اليوم ويفنيه غدا ... ويسعد الموت إذا الموت عدا
وأشعارهم في هذا أكثر من أن تحصى خرجت كلها على المجاز والاستعارة والمعروف من مذاهب العرب في كلامها لأنهم يسمون الشيء ويعبرون عنه بما يقرب منه وبما هو فيه فكأنهم أرادوا ما ينزل بهم في الليل والنهار من مصائب الأيام فجاء النهي عن ذلك تنزيها لله لأنه الفاعل ذلك بهم في الحقيقة وجرى ذلك على الألسنة في الإسلام وهم لا يريدون ذلك ألا ترى أن المسلمين الخيار الفضلاء قد استعملوا ذلك في أشعارهم على دينهم وإيمانهم جريا في ذلك على

(18/157)


عادتهم وعلما بالمراد وأن ذلك مفهوم معلوم لا يشكل على ذي لب هذا سابق البربري على فضله يقول:
المرء يجمع والزمان يفرق ... ويظل يرقع والخطوب تمزق
ويروى أن هذا الشعر لصالح بن عبد القدوس وهذا سليمان العدوي وكان خير متدينا يقول:
أيا دهرا عملت فينا أذاكا ... ووليتنا بعد وجه قفاكا
جعلت الشرار علينا رؤوسا ... وأجلست سفلتنا مستواكا
فيا دهر إن كنت عاديتنا ... فها قد صنعت بنا ما كفاكا
وقالت صفية الباهلية:
أخنى علي واحدي ريب المنون ... وما يبقي الزمان على شيء ولا يذر
وقال أبو العتاهية وموضعه من الخير موضعه:
يا دهر تؤمننا الخطوب وقد نرى ... في كل ناحية لهن شباكا
يا دهر قد أعظمت عبرتنا ... بمن دارت عليه من القرون رحاكا

(18/158)


وروينا أن مالك بن أنس رحمه الله كان ينشد لبعض صالحي أهل المدينة:
أخي لا تعتقد دنيا ... قليلا ما تواتيكا
فكم قد أهلكت خلا ... أليفا لو تنبيكا
ولا تغررك زهرتها ... فتلقي السم في فيكا
في أبيات كثيرة فمرة يضيفون ذلك إلى الدهر ومرة إلى الزمان ومرة إلى الأيام ومرة إلى الدنيا وذلك كله مفهوم المعنى على ما ذكرنا وفسرنا والحمد لله وقال أبو العتاهية:
ألا عجبا للدهر لا بل لريبه ... تضرم ريب الدهر كل إخاء
ومزق ريب الدهر كل جماعة ... وكدر ريب الدهر كل صفاء
وقال آخر:
يا دهر ويحك ما أبقيت لي أحدا ... وأنت والد سوء تأكل الولدا
أستغفر الله بل ذا كله قدر ... رضيت بالله ربا واحدا صمدا

(18/159)


لا شيء يبقى سوى خير تقدمه ... ما دام ملك لإنسان ولا خلدا
ومما ينشد للمأمون ويروى له من قوله:
أنا في علمي بالدهر ... أبو الدهر وأمه
ليس يأتي الدهر يوما ... بسرور فيتمه
فكما سر أخاه ... فكذا سوف يغمه
ليس للدهر صديق ... حامد الدهر يذمه
وقال ابن المغيرة في شعر يرثي به أباه:
أين من يسلم من صرف الردى ... حكم الموت علينا فعدل
فكأنا لا نرى ما قد نرى ... وخطوب الدهر فينا تنتضل
وقال نصر بن أحمد:
كأنما الدهر قد أغرى بنا حسدا ... ونعمة الله مقرون بها الحسد
وقال جحظة:
أيا دهر ويحك كم ذا الغلط ... وضيع علا وكريم سقط

(18/160)


وعير تسيب في جنة ...
وطرف بلا علف يرتبط
وجهل برؤوس وعقل برأس ... وذاك مشتبه مختلط
وأهل القرن كلهم ينتمون إلى ... آل كسرى فأين النبط
وقال غيره:
رأيت الدهر بالأشراف يكبو ... ويرفع راية القوم اللئام
كأن الدهر موتور حقود ... يطالب ثأره عند الكرام
والأشعار في هذا لا يحاط بها كثرة وفيما لوحنا به منها كفاية والحمد لله.

(18/161)


الحديث الرابع عشر
...
حديث رابع عشر لأبي الزناد
مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "نار بني آدم التي يوقدون جزء من سبعين جزءا من نار جهنم فقالوا يا رسول الله إن كانت لكافية قال إنها فضلت عليها بتسعة وستين جزءا" .
ليس في هذا الحديث ما يحتاج إلى القول وفيه إباحة الخبر عن القيامة والآخرة وحال النار أجارنا الله منها وزحزحنا عنها وفيما نطق به القرآن من الخبر عن الآخرة والجنة والنار ما فيه معتبر لأولي الأبصار.
حدثنا إبراهيم بن شاكر قال حدثنا عبد الله بن محمد بن عثمان قال حدثنا سعيد بن عثمان قال حدثنا أحمد

(18/162)


ابن عبد الله بن يونس قال حدثنا أبو بكر عن الأعمش عن زيد بن وهب عن عبد الله قال إن ناركم هذه ليست مثل نار جهنم لا تنفع أحدا وأنها لما نزلت ضرب البحر بها مرتين ولولا ذلك لم تنفع أحدا.
وروى الفضيل بن دكين عن أبي إسرائيل عن أبي إسحاق عن عون بن عبد الله عن عبد الله قال إن النار التي خلق منها الجان جزء من سبعين جزءا من نار جهنم.
وروى عبيد الله بن موسى بن إسرائيل عن عمار الدهني عن مسلم البطين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال إن ناركم هذه جزء من سبعين جزءا من النار وهذه النار قد ضرب بها البحر حين أنزلت سبع مرات ولولا ذلك ما انتفع بها.
وروى عبد الله بن نصير عن إسماعيل بن أبي خالد عن تبيع بن الحرث عن أنس بن مالك قال: إن ناركم هذه جزء من سبعين جزءا من نار جهنم ولولا أنها أطفئت بالماء مرتين ما انتفعتم بها وأنها لتدعو الله أن لا يعيدها في تلك النار أبدا.

(18/163)


وروى زيد بن الحباب عن محمد بن مسلم عن ميسرة عن سعيد بن المسيب أن علي بن ابي طالب سأل رجلا من اليهود لم ير في اليهود مثله عن النار الكبرى فقال الحبر يبعث الله الريح الدبور على البحور فتعود نارا فهي النار الكبرى.

(18/164)


الحديث الخامس عشر
...
حديث خامس عشر لأبي الزناد
مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا تسأل المرأة طلاق أختها لتستفرغ صحفتها ولتنكح فإنما لها ما قدر لها" .
في هذا الخبر من الفقه أنه لا ينبغي أن تسأل المرأة زوجها أن يطلق ضرتها لتنفرد به فإنما لها ما سبق به القدر عليها لا ينقصها طلاق ضرتها شيئا مما جرى به القدر لها ولا يزيدها.
وقال الأخفش كأنه يريد أن تفرغ صحفة تلك من خير الزوج وتأخذه هي وحدها.
قال أبو عمر: وهذا الحديث من أحسن أحاديث القدر عند أهل العلم والسنة وفيه أن المرء لا يناله إلا ما قدر له.

(18/165)


قال الله عز وجل: {قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا} والأمر في هذا واضح لمن هداه الله والحمد لله.
وفقه هذا الحديث أنه لا يجوز لامرأة ولا لوليها أن يشترط في عقد نكاحها طلاق غيرها ولهذا الحديث وشبهه استدل جماعة من العلماء بأن شرط المرأة على الرجل عند عقد نكاحها أنها إنما تنكحه على أن كل من يتزوجها عليها من النساء فهي طالق شرط باطل وعقد نكاحها على ذلك فاسد يفسخ قبل الدخول لأنه شرط فاسد دخل في الصداق المستحل به الفرج ففسد لأنه طابق النهي.
ومن أهل العلم من يرى الشرط باطلا في ذلك كله والنكاح ثابت صحيح وهذا هو الوجه المختار وعليه أكثر علماء الحجاز وهم مع ذلك يكرهونها ويكرهون عقد النكاح عليها وحجتهم حديث هذا الباب وما كان مثله وحديث عائشة في قصة بريرة يقتضي في مثل هذا جواز العقود وبطلان الشروط وهو أولى ما اعتمد عليه في هذا الباب ومن أراد أن يصح له هذا الشرط المكروه عند أصحابنا عقده بيمين فيلزمه الحنث

(18/166)


في تلك اليمين بالطلاق أو بما حلف به وليس من أفعال الأبرار ولا من مناكح السلف الأخيار استباحة النكاح بالأيمان المكروهة ومخالفة السنة.
حدثنا محمد بن عبد الملك قال حدثنا ابن الأعرابي قال حدثنا سعدان بن نصر قال حدثنا سفيان بن عيينة عن ابن ابي ليلى عن المنهال بن عمرو عن عباد بن عبد الله الأسدي عن علي رضي الله عنه قال شرط الله قبل شرطها.
قال أبو عمر: يقول إن الله قد أباح ما ترومون المنع منه.
ومنهم من يرى أن الشرط صحيح لحديث عقبة بن عامر عن النبي عليه السلام "أحق الشروط أن يوفى به ما استحللتم به الفروج" .
حدثناه عبد الله بن محمد حدثنا محمد بن بكر أخبرنا ابو داود حدثنا عيسى بن حماد المصري حدثنا الليث عن يزيد بن أبي حبيب عن ابي الخير عن عقبة بن عامر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن أحق الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج" وهذا

(18/167)


حديث إن كان صحيحا فإن معناه والله أعلم أحق الشروط أن يوفى به من الشروط الجائزة ما استحللت به الفروج فهو أحق ما وفى به المرء وأولى ما وقف عنده والله أعلم.
وقد روى الشاميون في هذا عن عمر ما حدثناه محمد بن عبد الملك قال حدثنا ابن الأعرابي قال حدثنا سعدان بن نصر قال حدثنا سفيان بن عيينة عن يزيد بن جابر عن إسماعيل بن عبيدالله بن أبي المهاجر عن عبد الرحمن بن غنم قال شهدت عمر يسأل عنه فقال لها دارها فإن مقاطع الحقوق عند الشروط قال سعدان وحدثنا سفيان عن عمرو عن أبي الشعثاء قال هو بما استحل من فرجها.
قال أبو عمر: معنى حديث عمر وقول أبي الشعثاء هو فيمن نكح امرأة وشرط لها أن لا يخرجها من دارها ونحو هذا مذهب سعد بن أبي وقاص أيضا.
حدثنا عبد الله بن محمد بن يوسف حدثنا الحسين بن أحمد بن بزاذ حدثنا أبو سعيد بن الأعرابي حدثنا ابن أبي الدنيا حدثنا العباس بن طالب حدثنا أبو إسحاق الطالقاني عن ابن المبارك عن داود بن قيس قال حدثتني أمي

(18/168)


وكانت مولاة نافع بن عتبة بن أبي وقاص قالت رأيت سعدا زوج ابنته رجلا من أهل الشام وشرط لها أن لا يخرجها فأرادت أن تخرج معه فنهاها سعد وكره خروجها فأبت إلا أن تخرج فقال سعد اللهم لا تبلغها ما تريد فأدركها الموت في الطريق فقالت:
تذكرت من يبكي علي فلم أج ... من الناس إلا أعبدي وولائدي
وإلى هذا المعنى ذهب الليث بن سعد وطائفة إلى أن الشرط لازم والوجه المختار عندنا ما ذكرنا وقد روي عن عمر بن الخطاب من رواية المدنيين خلاف ما تقدم عنه من رواية الشاميين حدثنا محمد بن عبد الله حدثنا محمد بن معاوية حدثنا الفضل بن الحباب أبو خليفة حدثنا أبو الوليد الطيالسي حدثنا الليث بن سعيد حدثنا كثير بن فرقد عن عبيد بن السباق أن رجلا شرط عليه في امرأته عند عقدة النكاح ألا يخرجها من دارها ولم يذكر عتقا ولا طلاقا فأراد بها بلدا آخر فخاصمته إلى عمر بن الخطاب فقضى عمر أن تتبع زوجها وأنه لا شرط لها قال وحدثنا الليث حدثنا توبة بن النمر الحضرمي أن عمر بن عبد العزيز كتب في ذلك بمثل ذلك.

(18/169)


قال أبو عمر: قد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "المسلمون عند شروطهم إلا شرط أحل حراما أو حرم حلالا وقال كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل" يعني في حكم الله كما قال {كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ} يعني حكمه وقضاءه فكل شرط ليس في حكم الله وحكم رسوله جوازه فهو باطل وهذا أصح ما في هذا الباب والله الموفق للصواب.
والكلام في شروط النكاح وما يلزم منها وما لا يلزم عند العلماء موضع غير هذا وأما قوله: "لتستفرغ صحفتها" فكلام عربي مجاز ومعناه لتنفرد بزوجها فاعلمه لا وجه له غيره.

(18/170)


الحديث السادس عشر
...
حديث سادس عشر لأبي الزناد
مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا يقتسم ورثتي دنانير ما تركت بعد نفقة نسائي ومؤونة عاملي فهو صدقة :.
الرواية في هذا الحديث يقتسم برفع الميم على الخبر أي ليس يقتسم ورثتي دينارا لأني لا أتخلف دينارا ولا درهما ولا شاة ولا بعيرا وهذا معنى حديث مسروق عن عائشة وإن ما تخلف عقارا يجري غلته على نسائه بعد مئونة عامله وقد بينا هذا في حديث ابن شهاب والحمد لله.
وهكذا قال يحيى دنانير وتابعه ابن كنانة وأما سائر رواة الموطأ فيقولون دينارا وهو الصواب لأن الواحد في هذا الموضع أهم عند أهل اللغة لأنه يقتضي الجنس والقليل والكثير وممن قال دينارا من أصحاب مالك ابن القاسم

(18/171)


وابن وهب وابن نافع وابن بكير والقعنبي وأبو مصعب ومطرف وهو المحفوظ في هذا الحديث وكذلك قال ورقاء بن عمر عن أبي الزناد بإسناده وقال ابن عيينة عن أبي الزناد بهذا الإسناد "لا يقتسم ورثتي بعدي ميراثي ما تركت بعد نفقة نسائي ومئونة عاملي فهو صدقة".
قال ابن عيينة يقول لا أورث وأما قوله: "مئونة عاملي" فإنهم يقولون أراد بعامله خادمه في حوائطه وقيمه ووكيله وأجيره ونحو هذا وقد مضى القول في معاني هذا الحديث مستوعبا مبسوطا ممهدا واضحا في باب ابن شهاب من كتابنا هذا فلا معنى لإعادة ذلك ههنا وبالله التوفيق.

(18/172)


الحديث السابع عشر
...
حديث سابع عشر لأبي الزناد
مالك عن أبي الزناد عن الأعرح عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "كل ابن آدم تأكله الأرض إلا عجب الذنب منه خلق وفيه يركب" .
تابع يحيى قوم على قوله "تأكله الأرض" في هذا الحديث.
وقال جماعة يأكله التراب والمعنى واحد وعجب الذنب معروف وهو العظم في الأسفل بين الأليتين الهابط من الصلب يقال لطرفه العصعص وظاهر هذا الحديث وعمومه يوجب أن يكون بنو آدم كلهم في ذلك سواء إلا أنه قد روي في أجساد الأنبياء والشهداء أن الأرض لا تأكلهم وحسبك ما جاء في شهداء أحد وغيرهم وقد ذكرنا ذلك فيما مضى من كتابنا وهذا يدل على أن هذا لفظ عموم ويدخله الخصوص من الوجوه التي ذكرنا فكأنه قال كل من تأكله الأرض فإنه لا تأكل منه عجب الذنب وإذا جاز أن لا تأكل الأرض عجب الذنب جاز أن لا تأكل الشهداء وذلك كله حكم الله وحكمته

(18/173)


وليس في حكمه إلا ما شاء لا شريك له وإنما نعرف من هذا ما عرفنا به ونسلم له إذ جهلنا علته لأنه ليس برأي ولكنه قول من يجب التسليم له صلى الله عليه وسلم.
حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن وضاح قال حدثنا حامد بن يحيى البلخي قال حدثنا سفيان بن عيينة عن أبي الزبير سمع جابرا يقول لما أراد معاوية أن يجري العين التي في أسفل أحد عند قبور الشهداء الذين بالمدينة أمر مناديا فنادى من كان له ميت فليأته فليخرجه فليحمله قال جابر فذهبنا إلى أبي فأخرجناهم رطابا ينثنون.
قال أبو سعيد لا ننكر بعد هذا منكرا قال جابر فأصابت المسحاة إصبع رجل منهم فتقطر الدم.
وأما قوله: "منه خلق وفيه يركب" فيدل على أنه ابتدأ خلقه وتركيبه من عجب ذنبه والله أعلم وهذا لا يدرك إلا بخبر ولا خبر فيه عندنا مفسر وإنما هي جملة ما جاء في هذا الخبر.
وأما خلق آدم صلوات الله عليه وعلى سائر أنبياء الله فروي في خلقه آثار كثيرة في ظاهر بعضها اختلاف روى

(18/174)


شعبة عن الحكم عن إبراهيم عن سليمان قال أول ما خلق الله من آدم رأسه فجعل ينظر وهو يخلق.
وروى حماد بن سلمة عن سليمان التيمي عن أبي عثمان النهدي عن سلمان الفارسي قال خمر الله طينة آدم أربعين ليلة ثم خلقها بيده فخرج طيبها في يمينه وخرج خبيثها في الأخرى ثم مسح يديه أحداهما بالأخرى فخلط بعضه ببعض فمن ثم يخرج الخبيث من الطيب والطيب من الخبيث.
وروى عوف عن قسامة بن زهير سمع أبا موسى الأشعري يقول إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض فجاء بنو آدم على قدر الأرض جاء منهم الأحمر والأبيض والأسود وبين ذلك والحزن والسهل والخبيث والطيب وقال ابن جريج يقولون إن الروح أول ما نفخ في يافوخ آدم وفي قوله عليه السلام: "وفيه يركب" إيمان بالبعث والنشأة الأخرى.

(18/175)


الحديث الثامن عشر
...
حديث ثامن عشر لأبي الزناد
مالك عن محمد بن يحيى بن حبان وعن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الملامسة والمنابذة ".
قد مضى القول في هذا الحديث وفي معنى الملامسة والمنابذة وما لأهل العلم في ذلك من التفسير والتوجيه والمعاني مستوعبة في باب محمد بن يحيى بن حبان فلا معنى لإعادة ذلك ههنا.

(18/176)


الحديث التاسع عشر
...
حديث تاسع عشر لأبي الزناد
مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا يمشين أحدكم في نعل واحدة لينعلهما جميعا أو ليحفهما جميعا" .
قال أبو عمر: قوله: "لينعلهما جميعا أو ليحفهما جميعا" أراد القدمين وهما لم يتقدم لهما ذكر وإنما تقدم ذكر النعل ولو أراد النعلين لقال لينتعلهما جميعا أو ليحتف منهما جميعا وهذا مشهور من لغة العرب ومتكرر في القرآن كثير أن يأتي بضمير ما لم يتقدم ذكره لما يدل عليه فحوى الخطاب.
ونهيه صلى الله عليه وسلم عن المشي في نعل واحدة نهي أدب لا نهي تحريم والأصل في هذا الباب أن كل ما كان في ملكك فنهيت عن شيء من تصرفه والعمل به فإنما هو نهي أدب لأنه ملكك تتصرف فيه كيف شئت ولكن التصرف على سنته لا تتعدى وهذا باب مطرد ما لم يكن ملكك حيوانا فتنهى عن أذاه فإن أذى المسلم في غير حقه

(18/178)


مستعملان عند أهل العلم لا أعلم بينهم في استعمالهما خلافا وقد روي عن عائشة معارضة لأبي هريرة في حديثه لم يلتفت أهل العلم إلى ذلك لضعف إسناد حديثها ولأن السنن لا تعارض بالرأي وقد روي عنها أنها لم تعارض أبا هريرة برأيها وقالت رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي في نعل واحدة وهذا الحديث عند أهل العلم غير صحيح لأن في إسناده ضعفا.
حدثنا أحمد بن عبد الله قال حدثنا أبي قال حدثنا محمد بن فطيس قال حدثنا يحيى بن إبراهيم قال حدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس قال حدثنا مندل عن ليث عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة قالت "ربما انقطع شسع رسول الله صلى الله عليه وسلم فمشى في النعل الواحدة حتى يصلح الأخرى" .
وحدثنا أحمد قال حدثني أبي قال حدثنا محمد بن فطيس قال حدثنا يحيى بن إبراهيم قال حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي قال حدثنا عبد الله العمري عن أبيه أنه رأى سالم بن عبد الله يمشي في نعل واحدة وهو يصلح الأخرى.
قال وأخبرنا عبد الله بن مسلمة القعنبي قال حدثنا

(18/179)


سليمان بن بلال عن سليمان بن يسار مولى أصحاب المقصورة عن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب عن أبيه أن عليا كان يمشي في النعل الواحدة وهذا معناه لو صح أنه كان عن ضرورة أو كان يسيرا نحو أن يصلح الأخرى لا أنه أطال ذلك والله أعلم ولا حجة في مثل هذا الإسناد.
ذكر الحسن الحلواني قال حدثنا عفان قال حدثنا سليم عن ابن عون عن محمد بن سيرين أنه قال ولا خطوة واحدة يعني يمشي في نعل واحدة وأخبرنا عبد الرحمن حدثنا علي حدثنا أحمد حدثنا سحنون حدثنا ابن وهب قال أخبرني أشهل بن حاتم عن عبد الله بن عين عن محمد بن سيرين قال كانوا يكرهون أن يمشي الرجل في النعل الواحدة ويقولون ولا خطوة وقد ذكر عيسى بن دينار عن ابن القاسم عن مالك أنه سئل عن الذي ينقطع شسع نعله وهو في أرض حارة هل يمشي في الأخرى حتى يصلحها قال لا ولكن ليخلعهما جميعا أو ليقف.
قال أبو عمر: هذا هو الصحيح من الفتوى وهو الصحيح في الأثر وعليه العلماء.

(18/180)


الحديث العشرون
...
حديث موفى عشرين لأبي الزناد
مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا انتعل أحدكم فليبدأ باليمين وإذا نزع فليبدأ بالشمال ولتكن اليمنى أولهما تنعل وآخرهما تنزع" .
وهذا حديث صحيح بين في معناه كامل حسن مستغن عن القول والمعنى فيه والله أعلم تفضيل اليمنى على اليسرى بالإكرام ألا ترى أنها للأكل دون الاستنجاء فكذلك تكرم أيضا ببقاء زينتها أولا وآخرا.
حدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا النفيلي قال حدثنا زهير قال حدثنا الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال:

(18/181)


قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا لبستم وإذا توضأتم فابدأوا بميامنكم" .
حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن الهيثم أبو الأحوص قال حدثنا محمد بن كثير الصنعاني عن معمر وحماد بن سلمة وابن شوذب عن محمد بن زياد عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إذا انتعل أحدكم فليبدأ باليمنى وإذا خلع فليبدأ باليسرى ليحفهما جميعا أو ينعلهما جميعا" هذا يبين لك أن اليمنى مكرمة فلذلك يبدأ بها إذا انتعل ويؤخرها إذا خلع لتكون الزينة باقية عليها أكثر مما على الشمال ولكن مع هذا لا يبقى عليها بقاء دائما لقوله ليحفهما جميعا.
قال أبو عمر: من مشى في نعل أو خف واحدة أو بدأ في انتعاله بشماله فقد أساء وخالف السنة وبئسما صنع إذا كان بالنهي عالما ولا يحرم عليه مع ذلك لباس نعله ولا خفه ولكنه لا ينبغي له أن يعود فالبركة والخير كله في اتباع أدب رسول الله وامتثال أمره صلى الله عليه وسلم.

(18/182)


قال أبو عمر: روى جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "استكثروا من النعال فإن الرجل المنتعل بمنزلة الراكب أو لا يزال راكبا ما انتعل" .
وروي عن ابن عباس أنه قال من السنة "إذا نزع الرجل نعليه أن يضعهما بجنبه" .
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم "أنه كان يصلي في نعليه" .
وروي عن قتادة عن أنس "أن نعل النبي عليه السلام كان لهما قبالان.
وحدثنا عبد الوارث قال حدثنا قاسم قال حدثنا محمد بن الهيثم قال حدثنا ابن أبي السري قال حدثنا مخلد بن حسين قال حدثنا هشام بن حسان عن عبد الحميد عن أنس بن مالك قال كان نعلا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر بقبالين وأول من شسع عثمان بن عفان.

(18/183)


الحدث الحادي والعشرون
...
وقال زفر يردها ويرد معها صاعا من تمر أو نصف صاع من بر.
وقال أبو حنيفة إذا حلبها لم يردها وإنما يرجع بنقصان العيب.
قال أبو عمر: سواء كان اللبن المحلوب من المصراة حاضرا أو غائبا لا يرد اللبن وإنما يرد البدل المذكور في هذا الحديث لأنه قد أمر برد الصاع لا اللبن فلو رد اللبن كان قد فعل غير ما أمر به وهو نص لا يجوز خلافه إلى القياس ومعلوم أنه لا يستبين أنها مصراة إلا بالحلبة الثانية وإذا كان ذلك كذلك علم أن لبن الحلبة الأولى قد فات أو تغير فلو ألزموا المبتاع مثله خالفوا ظاهر الخبر إلى القياس وذلك غير جائز.
وأما أصحابنا فيزعمون أنه لو رد اللبن دخله بيع الطعام قبل أن يستوفى لأنه كأنه قد وجب له الصاع تمرا فأخذ فيه اللبن وباعه قبل أن يستوفيه ويدخل عليهم مثل ذلك في قولهم يعطي بدل التمر صاعا من قوته وعيشه وبالله التوفيق.

(18/118)


الحديث الثاني والعشرون
...
حديث ثان وعشرون لأبي الزناد
مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ثم ليستنثر ومن استجمر فليوتر" .
هكذا رواه يحيى فليجعل في أنفه ثم ليستنثر ولم يقل ماء وهو مفهوم من الخطاب وهكذا وجدناه عند جماعة شيوخنا إلا فيما حدثناه أحمد بن محمد عن أحمد بن مطرف عن عبيد الله بن يحيى عن أبيه فإنه قال فيه فليجعل في أنفه ماء.
وأما القعنبي فلم يقل ماء في رواية علي بن عبد العزيز عن القعنبي.
ورواه أبو داود عن القعنبي فقال فيه فليجعل في أنفه ماء وكذلك رواية ابن بكير ومعن وجماعة عن

(18/220)


مالك فليجعل في أنفه ماء وعند أكثر الرواة هو هكذا فليجعل في أنفه ماء.
وقال أبو خليفة الفضل بن حباب القاضي البصري عن القعنبي في هذا الحديث فليجعل في أنفه ماء وهذا كله معنى واحد والمراد مفهوم ورواية ورقاء لهذا الحديث عن أبي الزناد كما روى يحيى عن مالك لم يقل ماء.
قرأت على عبد الله بن محمد بن يوسف أن عبيدالله بن محمد بن بي غالب حدثهم قال حدثنا محمد بن محمد بن بدر الباهلي قال حدثنا رزق الله بن موسى قال حدثنا شبابة قال حدثنا ورقاء بن عمر اليشكري عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا أحدكم توضأ فليجعل في أنفه ثم يستنثر" .
قال أبو عمر: في هذا الحديث الأمر بالاستنثار بالماء عند الوضوء وذلك دفع الماء بريح الأنف بعد الاستنشاق والاستنشاق أخذ الماء بريح الأنف من الكف والاستنثار دفعه ومحال أن يدفعه من لم يأخذه ففي الأمر بالاستنثار أمر بالاستنشاق فافهم وعلى ما وصفت لك في الاستنشاق والاستنثار جمهور العلماء وأصل هذه اللفظة في اللغة القذف يقال نثر

(18/221)


واستنثر بمعنى واحد وذلك إذا قذف من أنفه ما استنشق مثل الامتخاط ويقال الجراد نثرة حوت أي قذف به من أنفه وقد روى ابن القاسم وابن وهب عن مالك قال الاستنثار أن يجعل يده على أنفه ويستنثر قيل لمالك أيستنثر من غير أن يضع يده على أنفه فأنكر ذلك وقال إنما يفعل ذلك الحمار وسئل مالك عن المضمضة والاستنثار مرة أم مرتين أم ثلاثا فقال ما أبالي أي ذلك فعلت وكل ذلك جائز عند مالك وجميع أصحابه أن يتمضمض ويستنثر من غرفة واحدة.
قال أبو عمر: أما لفظ الاستنشاق فلا يكاد يوجد الأمر به إلا في رواية همام عن أبي هريرة وفي حديث أبي رزين العقيلي واسمه ليقط بن صبرة ويوجد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تمضمض واستنشق من حديث عثمان وعلي وعائشة وغيرهم من وجوه.
وأما لفظ الاستنثار فمحفوظ الأمر به من حديث ابن عباس ومن طريق أبي هريرة من رواية أبي إدريس الخولاني والأعرج وعيسى بن طلحة وغيرهم عن أبي هريرة وقد ذكرنا خبر أبي إدريس الخولاني في باب ابن شهاب من كتابنا هذا وذكرنا هناك الحكم في الاستجمار وما للعلماء في

(18/222)


ذلك من الوجوه والاختيار وذكرنا أقوالهم في الاستنثار في باب زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن الصنابحي من كتابنا هذا ونزيد القول ههنا بيانا في ذلك إن شاء الله.
حدثنا محمد بن إبراهيم قال حدثنا محمد بن معاوية قال حدثنا أحمد بن شعيب قال أخبرنا قتيبة بن سعيد قال حدثنا يحيى بن سليم عن إسماعيل بن كثير عن عاصم بن لقيط عن أبيه قال قلت يا رسول الله أخبرني عن الوضوء قال: "أسبغ الوضوء وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائما" .
ورواه الثوري عن أبي هاشم عن عاصم بإسناده مثله.
ورواه ابن جريج عن إسماعيل بن كثير بإسناده مثله.
حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أبو إسماعيل الترمذي قال حدثنا نعيم بن حماد قال حدثنا ابن المبارك قال أخبرنا ابن أبي ذئب عن قارظ بن شيبة عن ابي غطفان قال دخلت على ابن عباس فوجدته يتوضأ فمضمض واستنثر ثم قال قال رسول

(18/223)


الله صلى الله عليه وسلم: "استنثروا اثنتين بالغتين أو ثلاثا". وذكره أبو داود عن إبراهيم بن موسى عن وكيع عن ابن أبي ذئب عن قارظ عن أبي غطفان عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "استنثروا مرتين بالغتين" .
وحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا الفضل بن دكين قال حدثنا سفيان الثوري عن منصور عن هلال بن يساف عن سلمة بن قيس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا استنشقت فانثر وإذا استجمرت فأوتر" .
وحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم قال حدثنا أبو إسماعيل قال حدثنا نعيم قال حدثنا ابن المبارك قال أخبرنا معمر عن همام بن منبه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا توضأ أحدكم فليستنشق بمنخره من الماء ثم لينثره" .

(18/224)


قال أبو عمر: هذا أبين حديث في الاستنشاق والاستنثار وأصحها إسنادا وأجمع المسلمون طرا أن الاستنشاق والاستنثار من الوضوء وكذلك المضمضة ومسح الأذنين.
واختلفوا فيمن ترك ذلك ناسيا أو عامدا فكان أحمد بن حنبل يذهب إلى أن من ترك الاستنثار في الوضوء ناسيا أو عامدا أعاد الوضوء والصلاة وبه قال أبو ثور وأبو عبيد في الاستنثار خاصة وهو قول داود في الاستنثار خاصة أيضا وكان أبو حنيفة والثوري وأصحابهما يذهبون إلى إيجاب المضمضة والاستنشاق في الجنابة دون الوضوء وكانت طائفة توجبهما في الوضوء والجنابة وقد تقدم ذكرهم في باب زيد بن أسلم.
وأما مالك والشافعي والأوزاعي وأكثر أهل العلم فإنهم ذهبوا إلى أن لا فرض في الوضوء واجب إلا ما ذكره الله عز وجل في القرآن وذلك غسل الوجه واليدين إلى المرفقين ومسح الرأس وغسل الرجلين وقد مضى القول في أحكام المضمضة والاستنشاق ومسح الأذنين مستوعبا ممهدا بعلله وأوضحنا وجوه الأقاويل فيه عند ذكر حديث الصنابحي في باب زيد بن أسلم وذكرنا أحكام الاستجمار والاستنجاء بالأحجار في باب ابن شهاب عن

(18/225)


أبي إدريس من كتابنا هذا والحمد لله والذي يتحصل من مذهب مالك أن الوتر في الاستجمار ليس بواجب ولكنه مندوب إليه سنة وقد تابع مالكا على هذا جماعة قد ذكرناهم في باب ابن شهاب عن أبي إدريس من هذا الكتاب وذكرنا الحجة من جهة الأثر والنظر لهم ولمن خالفهم هناك والحمد لله وقد كان ابن عمر يستحب الوتر في تجمير ثيابه وكان يستعمل العموم في قوله صلى الله عليه وسلم: "ومن استجمر فليوتر" فكان يستجمر بالأحجار وترا وكان يجمر ثيابه وترا تأسيا بالنبي صلى الله عليه وسلم ومستعملا عموم الخطاب والله الموفق للصواب.
وقد جاء في الأثر المرفوع أن الله وتر يحب الوتر.

(18/226)


الحديث الثالث والعشرون
...
حديث ثالث وعشرون لأبي الزناد
مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يده قبل أن يدخلها في وضوئه فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده" .
لم تختلف الرواية عن مالك في حديث أبي الزناد هذا في قوله فليغسل يده قبل أن يدخلها بغير توقيت ولا تحديد في الغسلات وكذلك رواية الأعرج فيما علمت عن أبي هريرة في هذا الحديث بغير توقيت كما قال مالك عن ابي الزناد سواء.
وروى الليث بن سعد عن جعفر بن ربيعة عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج عن أبي هريرة رفعه قال: "إذا استيقظ أحدكم من منامه فلا يدخل يده في الإناء حتى يغسل يده أو يفرغ فيها فإنه لا يدري أين باتت يده"

(18/227)


وكذلك رواه عمار بن أبي عمار عن أبي هريرة ذكر حماد بن سلمة عن عمار بن أبي عمار قال سمعت أبا هريرة يقول: "إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يضع يده في الإناء حتى يغسلها فإنه لا يدري على ما باتت يده" فقال له قين أرأيت إذا أتينا مهراسكم هذا بالليل فكيف نصنع فقال أعوذ بالله من شرك ياقين هكذا سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول.
وكذلك رواية همام بن منبه عن أبي هريرة أيضا سواء بغير توقيت ذكره عبد الرزاق عن معمر قال حدثنا همام بن منبه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في وضوئه حتى يغسلها فإنه لا يدري أين باتت يده" .
وكذلك رواه ثابت مولى عبد الرحمن بن زيد عن أبي هريرة بغير تحديد.
ذكره عبد الرزاق عن ابن جريج عن زياد بن سعد عن ثابت مولى عبد الرحمن بن زيد أنه أخبره أنه سمع أبا

(18/228)


هريرة يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا كان أحدكم نائما ثم استيقظ فأراد الوضوء فلا يضع يده في الإناء حتى يصب على يده فإنه لا يدري أين باتت يده" .
واختلف في هذا اللفظ عن ابن سيرين فروي عنه هذا الحديث عن أبي هريرة بغير توقيت كرواية الأعرج ومن تابعه وروي عنه فيه غسل اليد ثلاثا وكذلك روى هذا الحديث سعيد بن المسيب وابو سلمة بن عبد الرحمن وأبو صالح وأبو رزين عن أبي هريرة فقالوا فيه حتى يغسلها ثلاثا وبعضهم قال فيه مرتين أو ثلاثا.
حدثنا أحمد بن سعيد بن بشر قال حدثنا وهب بن مسرة قال حدثنا أحمد بن إبراهيم الفرضي قال حدثنا عمرو بن محمد بن بكير الناقد قال حدثنا سفيان بن عيينة عن الزهري عن أبي سلمة وسعيد عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
"إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في وضوئه حتى يغسلها ثلاثا فإنه لا يدري حيث باتت يده" .
ورواه ابن أبي عمر عن ابن عيينة عن الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة أن رسول الله

(18/229)


صلى الله عليه وسلم قال: "إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في وضوئه حتى يغسلها ثلاثا فإنه لا يدري أين باتت يده" . قيل لسفيان يعني مس الذكر قال نعم ولم يأت فيه شيء أشد منه.
ورواه الأوزاعي عن الزهري بإسناده مثله إلا أنه قال فيه مرتين أو ثلاثا وروى هذا الحديث ابن لهيعة عن ابي الزبير عن جابر عن أبي هريرة أنه أخبره عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا استيقظ أحدكم من منامه فليفرغ على يده ثلاث مرات قبل أن يدخلها الإناء" .
ورواه محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا قام أحدكم من النوم فليفرغ على يده من إنائه ثلاث مرات فإنه لا يدري أين باتت يده" قال قين الأشجعي فإذا جئت مهراسكم هذا كيف أصنع فقال أبو هريرة أعاذنا الله من شرك ياقين وكذلك رواه أبو مريم عن أبي هريرة.

(18/230)


حدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا أحمد بن عمرو بن السرح ومحمد بن سلمة المرادي قالا حدثنا ابن وهب عن معاوية بن صالح عن أبي مريم قال سمعت ابا هريرة يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يدخل يده في الإناء حتى يغسلها ثلاث مرات فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده وأين كانت تطوف يده" .
ورواه عبد الرحمن بن مهدي قال حدثنا معاوية بن صالح عن أبي مريم عن أبي هريرة عن النبي عليه السلام مثله سواء قال "حتى يغسلها ثلاث مرات فإنه لا يدري أين باتت يده" ولم يزد.
وأما رواية أبي صالح وأبي رزين لهذا الحديث فحدثنا سعيد بن نصر وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا إبراهيم بن عبد الله العبسي قال حدثنا وكيع عن الأعمش عن أبي صالح عن ابي هريرة يرفعه قال: "إذا استيقظ أحدكم من منامه فلا يغمس يده في الإناء

(18/231)


حتى يغسلها ثلاثا فإنه لا يدري أين باتت يده" هكذا قال عن وكيع لم يذكر أبا رزين مع أبي صالح.
وكذلك رواه عيسى بن يونس عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة لم يذكر أبا رزين وقال مرتين أو ثلاثا ذكره أبو داود عن مسدد عن عيسى بن يونس.
وقد حدثنا عبد الوارث قال حدثنا قاسم قال حدثنا ابن وضاح قال حدثنا موسى بن معاوية قال حدثنا وكيع عن الأعمش عن أبي صالح وابن رزين عن أبي هريرة يرفعه فذكر الحديث كما تقدم لوكيع سواء وذكر أبا رزين مع أبي صالح وهو صحيح.
حدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا مسدد قال حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن أبي رزين وأبي صالح عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا قام أحدكم من الليل فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاث مرات فإنه لا يدري أين باتت يده" .

(18/232)


وروى هذا الحديث سفيان بن عيينة عن ابي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة فقال فيه حتى يغسلها ثلاثا وهو عندي وهم في حديث أبي الزناد وأظنه حمله على حديث الزهري والله أعلم.
حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا ابن وضاح قال حدثنا حامد بن يحيى قال حدثنا سفيان عن الزهري عن أبي سلمة عن ابي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في وضوئه حتى يغسلها ثلاثا فإنه لا يدري أين باتت يده" .
هكذا قال حامد عن سفيان عن الزهري عن أبي سلمة عن ابي هريرة لم يذكر سعيدا وكذلك رواه قتيبة بن سعيد عن ابن عيينة عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة ولم يذكر سعيدا.
ورواه الأوزاعي عن الزهري عن أبي سلمة عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم كما تقدم ذكرنا له.

(18/233)


وقد حدث به معمر عن الزهري مرة عن سعيد عن أبي هريرة ومرة عن أبي سلمة عن أبي هريرة فدل على أن الحديث صحيح لهما عن أبي هريرة وكذلك هو صحيح لهما ولكل من ذكرنا من رواته في هذا الكتاب عن أبي هريرة وهو حديث مجتمع على صحته عند أهل النقل.
وأما رواية ابن عيينة لحديث أبي الزناد فحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا ابن وضاح قال حدثنا حامد بن يحيى قال حدثنا سفيان عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا استيقظ أحدكم من منامه فلا يغمس يده في الماء حتى يغسلها ثلاثا فإنه لا يدري أين باتت يده" .
قال أبو عمر: احتج بعض أصحاب الشافعي لمذهبهم في الفرق بين ورود الماء على النجاسة وبين ورودها عليه بهذا الحديث وقالوا ألا ترى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما خاف على النائم المستيقظ من نومه القائم منه إلى وضوئه أن تكون في يده نجاسة أمره بطرح الماء من الإناء على يده ليغسلها ولم يأمره بإدخال يده في الإناء ليغسلها فيه.

(18/234)


بل نهاه عن ذلك قال فدلنا ذلك على أن النجاسة إذا وردت على الماء القليل أفسدته ومنعت من الطهارة به وإن لم تغيره قال ودلنا ذلك أيضا على أن ورود الماء على النجاسة لا تضره وأنه بوروده عليها مطهر لها وهي غير مفسدة له لأنها لو أفسدته مع وروده عليها لم تصح طهارة أبدا في شيء من الأشياء واحتجوا أيضا بنهيه صلى الله عليه وسلم عن البول في الماء الدائم وبحديث ولوغ الكلب في الإناء وبنحو ذلك من الآثار مع أمره بالصب على بول الأعرابي.
قال أبو عمر: أما لو لم يأت عن النبي صلى الله عليه وسلم في الماء غير هذا الحديث لساغ في الماء بعض هذا التأويل ولكن قد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في الماء أنه لا ينجسه شيء يريد إلا ما غلب عليه بدليل الإجماع على ذلك وهذا الحديث موافق لما وصف الله عز وجل به الماء في قوله: {وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُوراً} يعني لا ينجسه شيء إلا أن يغلب عليه.

(18/235)


وقد أجمعوا معنا على أن ورود الماء على النجاسة لا يضره وأنه مطهر لها وطاهر في ذاته إن لم يتغير بها طعمه أو لونه أو ريحه فإن بذلك صحة قولنا وعلمنا بكتاب الله وسنة رسوله أن أمره صلى الله عليه وسلم القائم من نومه أن لا يغمس يده في وضوئه إنما ذلك ندب وأدب وسنة قائمة لمن كانت يده طاهرة وغير طاهرة لأنه لو أراد بذلك النجاسة لأمر بغسل المخرجين أولا ولقال إذا قام أحدكم من نومه فلينظر يده فإن لم يكن فيها نجاسة أدخلها في وضوئه وإن كانت في يده نجاسة غسلها قبل أن يدخلها هذا على مذهب من جعل قوله صلى الله عليه وسلم: "فإنه لا يدري أين باتت يده" علة احتياط خوف إصابته بها نجاسة وذلك أنهم كانوا يستنجون بالأحجار من غير ماء فالأحجار لا بد أن يبقى فيها أثر فربما حكه أو مسه بيده فأمروا بالاحتياط في ذلك ومن جعل ذلك ندبا وسنة مسنونة قال اليد على طهارتها وليس الشك بعامل فيها والماء لا ينجسه شيء والله أعلم.
وقد أجمع جمهور العلماء على أن الذي يبيت في سراويله وينام فيها ثم يقوم من نومه ذلك أنه مندوب إلى غسل يده قبل أن يدخلها في إناء وضوئه ومنهم من أوجب عليه مع حاله هذه غسل يده فرضا على ما نذكره في هذا الباب إن شاء الله.

(18/236)


ومعلوم أن من بات في سراويله لا يخاف عليه أن يمس بيده نجاسة في الأغلب من أمره فعلمنا بهذا كله أن المراد بهذا الحديث ليس كما ظنه أصحاب الشافعي والله أعلم.
وقد نقضوا قولهم في ورود الماء على النجاسة لأنهم يقولون إذا ورد الماء على نجاسة في إناء أو موضع وكان الماء دون القلتين أن النجاسة تفسده وأنه غير مطهر لها فلم يفرقوا ههنا بين ورود الماء على النجاسة وبين ورودها عليه وشرطهم أن يكون ورود الماء صبا مهراقا تحكم لا دليل عليه والله أعلم.
وقد أوضحنا مذهبنا في الماء في باب إسحاق من هذا الكتاب والحمد لله.
وفي هذا الحديث من الفقه إيجاب الوضوء من النوم وهو أمر مجتمع عليه في النائم المضطجع الذي قد استثقل نوما وقال زيد بن أسلم وغيره في تأويل قول الله عز وجل: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ} قال إذا قمتم من المضاجع يعني النوم وكذلك قال السدي

(18/237)


وروي عن عمر وعلي ما يدل على أن الآية عني بها تجديد الوضوء في وقت كل صلاة إذا قام المرء إليها رواه أنس عن عمر وعكرمة عن علي وعن ابن سيرين مثل ذلك وهذا معناه أن يكون الوضوء على المحدث إذا قام إلى الصلاة واجبا وعلى غير المحدث ندبا وفضلا.
وروي عن ابن عباس وسعد بن أبي وقاص وأبي موسى الأشعري وجابر بن عبد الله وعبيدة السلماني وأبي العالية وسعيد بن المسيب والحسن وعن السدي أيضا والأسود بن يزيد وإبراهيم النخعي أن الآية عني بها حال القيام إلى الصلاة على غير طهر وهذا أمر مجتمع عليه.
وقال ابن عمر هذا أمر من الله لنبيه والمؤمنين ثم نسخ بالتخفيف وهذا يشبه مذهب من ذهب إلى أن السنة تنسخ القرآن قال أبو عمر: قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى الصلوات كلها بوضوء واحد وأجمعت الأمة على أن ذلك جائز وفي ذلك كفاية عن كل قول.
حدثنا عبد الوارث بن سفيان وسعيد بن نصر قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا إسماعيل بن إسحاق قال حدثنا محمد بن كثير قال أخبرنا سفيان بن سعيد عن عمرو

(18/238)


ابن عامر عن أنس بن مالك قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ لكل صلاة قلت فأنتم قال إنا لنجتزئ بوضوء واحد ما لم نحدث.
وحدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا محمد بن عيسى قال أخبرنا شريك عن عمرو بن عامر البجلي قال محمد هو ابو أسد بن عمرو قال سألت أنس بن مالك عن الوضوء فقال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ لكل صلاة وكنا نصلي الصلوات بوضوء واحد" .
وحدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا مسدد وحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن عبد السلام قال حدثنا محمد بن بشار قالا حدثنا يحيى عن سفيان قال حدثني علقمة بن مرثد عن سليمان بن بريدة عن ابيه قال صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح خمس صلوات بوضوء واحد ومسح على خفيه فقال له عمر إني رأيتك صنعت شيئا لم تكن صنعته قال عمدا صنعته.

(18/239)


وحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن عبد السلام قال حدثنا محمد بن المثنى قال حدثنا عبد الرحمن عن سفيان عن علقمة بن مرثد عن سليمان بن بريدة عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتوضأ لكل صلاة فلما كان يوم الفتح توضأ ومسح على خفيه وصلى الصلوات بوضوء واحد فقال له عمر يا رسول الله إنك فعلت شيئا لم تكن تفعله قال: "إني عمدا فعلته يا عمر" .
حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا بكر بن حماد قال حدثنا مسدد قال حدثنا عيسى بن يونس قال حدثنا عبد الرحمن بن زياد عن أبي عطيف قال كنا عند ابن عمر في مجلس في داره فلما نودي بالظهر دعا بماء فتوضأ ثم خرج إلى الصلاة فلما صلى رجع إلى مجلسه فلما نودي بالعصر دعا بوضوء فتوضأ ثم خرج إلى الصلاة فلما صلى رجع إلى مجلسه فلما نودي بالمغرب دعا بوضوء فتوضأ فقلت له أسنة ما نراك تصنع فقال وقد فطنت لذلك مني قلت نعم قال لا وإن كان وضوئي للصبح لكاف

(18/240)


للصلوات كلها ما لم أحدث ولكني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من توضأ على طهر كتب له عشر حسنات" فإنما رغبت في ذلك يا ابن أخي.
قال أبو عمر: فقد تبين بهذه الأحاديث أن الوضوء للصلاة ليس بواجب على القائم إليها إذا كان على وضوء وأن دخول الوقت وحضور الصلاة لا يوجبان على من لم يحدث وضوءا وعلماء المسلمين متفقون على ذلك فبان بهذا تأويل قول الله عز وجل ومراده من كلامه حيث يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ} الآية وصح أن المراد بذلك من لم يكن على وضوء ومن كان على وضوء فإنما هو مندوب إلى ذلك له فيه فضل كامل تأسيا برسول الله صلى الله عليه وسلم وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: "إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يدخل يده أو يغمس يده في وضوئه" الحديث ما يدل على أن على القائم من النوم الوضوء واختلف العلماء في النوم هل هو حدث كسائر الأحداث أم له حكم منفرد في ذلك فجملة مذهب مالك أن كل نائم استثقل نوما وطال نومه على أي حال كان فقد وجب عليه الوضوء.

(18/241)


وقال مالك من نام مضطجعا أو ساجدا فليتوضأ ومن نام جالسا فلا وضوء عليه إلا أن يطول وهو قول الزهري وربيعة والأوزاعي في رواية الوليد بن مسلم قال من نام قليلا لم ينتقض وضوءه فإن تطاول ذلك توضأ وبه قال أحمد بن حنبل.
وروى الوليد بن مسلم عن الأوزاعي أنه سأل ابن شهاب الزهري عن الرجل ينام جالسا حتى يستثقل قال إذا استثقل نوما فإنا نرى أن يتوضأ وأما من كان نومه غرارا ينام ويستيقظ ولا يغلبه النوم فإن المسلمين قد كان ينالهم ذلك ثم لا يقطعون صلاتهم ولا يتوضؤون منه.
قال الوليد وسمعت أبا عمرو يعني الأوزاعي يقول إذا استثقل نوما توضأ.
وروى محمود بن خالد عن الأوزاعي قال لا وضوء من النوم وإن توضأ ففضل أخذ به وإن ترك فلا حرج ولم يذكر عنه الفصل بين أحوال النائم.
وسئل الشعبي عن النوم فقال إن كان غرارا لم ينقض الطهارة قال أبو عمر: الغرار هو القليل من النوم قال جرير:

(18/242)


ما بال نومك بالفراش غرارا ... لو كان قلبك يستطيع لطارا
وقال أبو حنيفة وأصحابه لا وضوء إلا على من نام مضطجعا أو متوركا وقال أبو يوسف إن تعمد النوم في السجود فعليه الوضوء.
وقال الثوري والحسن بن حي لا وضوء إلا على من اضطجع وهو قول حماد والحكم وإبراهيم.
وجاء عن عمر بن الخطاب إذا نام أحدكم مضطجعا فليتوضأ وروى أبو خالد يزيد الدالاني عن قتادة عن أبي العالية عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إنما الوضوء على من نام مضطجعا" وهو عندهم حديث منكر لم يروه أحد من أصحاب قتادة الثقات وإنما انفرد به أبو خالد الدالاني وأنكره عليه وليس بحجة فيما نقل.
وقال الليث بن سعد إذا تصنع للنوم جالسا فعليه الوضوء ولا وضوء على القائم والجالس إذا غلبه النوم توضأ.
وقال الشافعي على كل نائم الوضوء إلا الجالس وحده فكل من زال عن حد الاستواء ونام فعليه الوضوء وسواء نام

(18/243)


قاعدا أو ساجدا أو قائما أو راكعا أو مضطجعا وهو قول الطبري وداود بن علي.
وروي عن علي وابن مسعود وابن عمر أنهم قالوا من نام جالسا فلا وضوء عليه.
وروي عن ابن عباس أنه قال وجب الوضوء على كل نائم إلا من خفق برأسه خفقة أو خفقتين رواه هشيم عن يزيد بن أبي زياد عن مقسم عن ابن عباس ورواه الثوري عن يزيد عن مقسم عن ابن عباس قال وجب الوضوء على كل نائم إلا من خفق خفقة برأسه.
وقال الحسن وسعيد بن المسيب إذا خالط النوم قلب أحدكم واستحلى نوما فليتوضأ.
وروي ذلك عن أبي هريرة وابن عباس وأنس بن مالك وبه قال إسحاق وأبو عبيد وهو معنى قول مالك
وكان عبد الله بن المبارك يقول إن نام ساجدا في صلاته فلا وضوء عليه وإن نام ساجدا في غير صلاته فعليه الوضوء وكذلك إن تعمد النوم جالسا وهو في صلاته فعليه الوضوء.

(18/244)


وروي عن أبي موسى الأشعري ما يدل على أن النوم عنده ليس بحدث على أي حال كان حتى يحدث النائم حدثنا غير النوم لأنه كان ينام ويوكل من يحرسه.
وروي عن عبيدة نحو ذلك
وروي عن سعيد بن المسيب أنه كان ينام مرارا مضطجعا ينتظر الصلاة ثم يصلي ولا يعيد الوضوء للصلاة.
وقال المزني صاحب الشافعي النوم حدث وقليله وكثيره يوجب الوضوء كسائر الأحداث.
قال أبو عمر: حجة من ذهب مذهب المزني في النوم حديث صفوان بن عسال مع القياس على ما أجمعوا عليه في أن غلبة النوم وتمكنه يوجب الوضوء إلا شيء روي عن أبي موسى وعبيجة محتمل للتأويل.
ذكر عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن ابن سيرين قال سألت عبيدة أيتوضأ الرجل إذا نام قال هو أعلم بنفسه.

(18/245)


وأما حديث صفوان بن عسال فحدثناه محمد بن إبراهيم قال حدثنا محمد بن معاوية قال حدثنا أحمد بن شعيب قال أخبرنا محمد بن عبد الأعلى قال أخبرنا خالد قال حدثنا شعبة عن عاصم أنه سمع زر بن حبيش يحدث قال أتينا رجلا يدعى صفوان بن عسال فقعدت على بابه فخرج فقال ما شأنك قلت أطلب العلم قال إن الملائكة تضع أجنحتها لطالب العلم رضي بما يطلب قال عن أي شيء تسأل قلت عن الخفين قال كنا إذا كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر أمرنا أن لا ننزع خفافنا ثلاثا إلا من جنابة ولكن من غائط وبول ونوم.
قالوا ففي هذا الحديث التسوية بين الغائط والبول والنوم قالوا والقياس أنه لما كان كثيره وما غلب على العقل منه حدثا وجب أن يكون قليله حدثا.
قال أبو عمر: هذا قول شاذ غير مستحسن والجمهور من العلماء على خلافه والآثار كلها عن الصحابة ترفعه وقد يحتمل قوله لكن من غائط وبول ونوم ثقيل غالب على النفس والله أعلم.

(18/246)


وكذلك ما روي عن أبي موسى أنه كان يوكل من يحرسه إذا نام فإن لم يخرج منه حدث قام من نومه وصلى قول شاذ أيضا والناس على خلافه.
وقد يمكن أن يحتج من ذهب بحديث علي بن أبي طالب وحديث معاوية عن النبي صلى الله عليه وسلم
حدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا حيوة بن شريح في آخرين قالوا حدثنا بقية بن الوليد قال حدثنا الوضين بن عطاء عن محفوظ بن علقمة عن عبد الرحمن بن عائذ الأزدي عن علي بن أبي طالب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وكاء السه العينان فمن نام فليتوضأ" .
وحدثنا سعيد بن نصر وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا ابن وضاح قال حدثنا محمد بن مصفى قال حدثنا بقية فذكر بإسناده مثله وبهذا الإسناد عن بقية قال حدثنا ابو بكر بن أبي مريم عن عطية بن قيس عن معاوية بن أبي سفيان قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "العين وكاء السه فإذا نامت العين استطلق الوكاء" .

(18/247)


قال أبو عمر: هذان الحديثان ليسا بالقويين وأصح ما في هذا الباب من جهة الإسناد والعمل ما حدثناه عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا أحمد بن حنبل قال حدثنا عبد الرزاق قال أخبرنا ابن جريج قال أخبرني نافع عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم شغل عنها ليلة يعني العشاء فأخرها حتى رقدنا في المسجد ثم استيقظنا ثم رقدنا ثم استيقظنا ثم خرج علينا فقال ليس أحد ينتظر الصلاة غيركم.
وحدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا شاذ بن فياض قال أخبرنا هشام الدستوائي عن قتادة عن أنس قال كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ينتظرون العشاء الآخرة حتى تخفق رؤوسهم ثم يصلون ولا يتوضؤون.
قال أبو داود ورواه شعبة عن قتادة وزاد فيه كنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

(18/248)


رواه ابن أبي عروبة عن قتادة بلفظ آخر وشعبة بلفظ آخر.
وحدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا موسى بن إسماعيل وداود بن شبيب قالا حدثنا حماد عن ثابت البناني عن أنس بن مالك قال أقيمت صلاة العشاء فقام رجل فقال يا رسول الله إن لي حاجة فجعل يناجيه حتى نعس القوم أو بعض القوم ثم صلى بهم ولم يذكر وضوءا.
فهذه الآثار كلها تدل على أن النوم إذا عرض للإنسان وهو جالس لا ينقض وضوءه ويحتمل مع هذا أن يكون ذلك النوم كان خفيفا والنوم الذي روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان ينام في صلاته حتى ينفخ ثم يصلي ولا يتوضأ.
روي عنه أنه كان في سجوده وكان ابن عباس ينكر أن يكون كان ذلك منه وهو ساجد وقال كان النوم منه صلى الله عليه وسلم وهو جالس كذلك حكى يحيى بن عباد عن سعيد بن جبير عن ابن عباس.

(18/249)


قال أبو عمر: ليس بنا حاجة إلى هذا في النبي صلى الله عليه وسلم لأنه محفوظ مخصوص بأن تنام عيناه ولا ينام قلبه صلى الله عليه وسلم وإنما النوم الموجب للوضوء ما غلب على القلب أو خالطه.
وقد روي عن أبي هريرة قال من استحق النوم فعليه الوضوء وأبو هريرة هو الراوي للخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في وضوئه" .
وذكر عبد الرزاق عن ابن جريج قال قال عطاء إذا ملكك النوم فتوضأ قاعدا أو مضطجعا وعن معمر عن قتادة عن أنس قال لقد رأيت أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يوقظون للصلاة وإني لأسمع لبعضهم غطيطا يعني وهو جالس وما يتوضأ قال معمر فحدثت به الزهري فقال رجل عنده أو خطيطا فقال الزهري لا قد أصاب غطيطا.
وذكر عبد الرزاق عن عبد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر أنه كان ينام وهو جالس فلا يتوضأ وإذا نام مضطجعا أعاد الوضوء.

(18/250)


وعن معمر عن أيوب عن نافع عن ابن عمر مثله. فهذا عبد الله بن عمر قد فرق بين النوم جالسا ومضطجعا
وعبد الرزاق عن الثوري عن الأعمش عن ثابت بن عبيد قال انتهيت إلى ابن عمر وهو جالس ينتظر الصلاة فسلمت فاستيقظ فقال أثابت قلت نعم قال أسلمت قلت نعم قال إذا سلمت فأسمع وإذا ردوا عليك فليسمعوك قال ثم قام فصلى وكان محتبيا قد نام.
وعبد الرزاق عن ابن جريج عن إبراهيم بن ميسرة أن طاوسا رقد يوم الجمعة والضحاك يخطب الناس قال فلما صلينا وخرجنا قال ما قال حين رقدت.
فهذه الآثار كلها تدل على أن من نام جالسا لا شيء عليه وقد تأول بعضهم قوله صلى الله عليه وسلم في حديث هذا الباب فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده أن ذلك على نوم الليل والمعروف منه في الأغلب الاضطجاع والاستثقال لعلى هذا خرج الحديث والله أعلم.

(18/251)


وأما قوله في هذا الحديث فلا يغمس يده في وضوئه فإن أكثر أهل العلم ذهبوا إلى أن ذلك منه ندب لا إيجاب وسنة لا فرض وكان مالك رحمه الله يستحب لكل من أراد الوضوء أن يغسل يده قبل أن يدخلها الإناء وسواء كان على وضوء أو على غير وضوء ولقد روى عنه أشهب في ذلك تأكيدا واستحبابا.
وروى ابن وهب وابن نافع عن مالك في المتوضئ يخرج منه ريح بحدثان وضوئه ويده طاهرة قال يغسل يده قبل أن يدخلها الإناء أحب إلي.
قال ابن وهب وقد كان قال لي قبل ذلك إن كانت يده طاهرة فلا بأس أن يدخلها في الوضوء قبل أن يغسلها ثم قال لي أحب إلي أن يغسل يده إذا أحدث قبل أن يدخلها في وضوئه وإن كانت يده طاهرة.
وذكر ابن عبد الحكم عن مالك قال من استيقظ من نومه أو مس فرجه أو كان جنبا أو امرأة حائضا فأدخل أحدهم يده في وضوئه فليس ذلك يضره إلا أن تكون في يده

(18/252)


نجاسة كان ذلك الماء قليلا أو كثيرا ولا يدخل أحد منهم يده في وضوئه حتى يغسلها.
قال أبو عمر: الفقهاء على هذا كلهم يستحبون ذلك ويأمرون به فإن أدخل يده أحد بعد قيامه من نومه في وضوئه قبل أن يغسلها ويده نظيفة لا نجاسة فيها فليس عليه شيء ولا يضر ذلك وضوءه وعلى ذلك أكثر أهل العلم فإن كانت في يده نجاسة نظر إلى الماء ورجع كل واحد من الفقهاء حينئذ إلى أصله في الماء على ما قدمنا عنهم في باب إسحاق من كتابنا هذا وكان الحسن البصري فيما روى عنه أشعث يقول إذا استيقظ أحدكم من النوم فغمس يده في الإناء قبل أن يغسلها أهراق الماء وإلى هذا ذهب أهل الظاهر فلم يجيزوا الوضوء به لأنه عندهم ماء منهي عن استعماله.
هذا معنى النهي عن غمس اليد فيه عندهم كأنه قال إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يدخل يده في إناء وضوئه فإن فعل فلا يتوضأ بذلك الماء وإلى هذا المعنى ذهب بعض أصحاب داود وتحصيل مذهب داود وأكثر أصحابه أن

(18/253)


فاعل ذلك عاص إذا كان بالنهي عالما والماء طاهر والوضوء به جائز ما لم تظهر فيه نجاسة.
وقد روى هشام عن الحسن قال من استيقظ فغمس يده في وضوئه فلا يهريقه وعلى هذا جماعة الفقهاء إلا أن من أدخل يده في الإناء إذا استيقظ من نومه قبل أن يغسلها فقد أساء عندهم إذا كان عالما بالخبر في ذلك ووضوءه بذلك الماء جائز وليس عليه أن يهريقه إذا كانت يده طاهرة.
واختلف عن الحسن البصري أيضا في الفرق بين نوم الليل والنهار فذكر المروزي عن إسحاق بن راهويه عن سهل بن يوسف عن بعض أصحابه عن الحسن أنه كان يساوي بين نوم الليل والنهار في غسل اليد قال المروزي وقد روينا عن الحسن خلاف هذا بأثبت من هذا الإسناد قال حدثنا محمد بن عبد الله قال حدثنا النضر بن شميل قال حدثنا أشعث عن الحسن أنه كان لا يجعل نوم النهار مثل نوم الليل يقول لا بأس إذا استيقظ من نوم النهار أن يغمس يده في وضوئه وإلى هذا ذهب أحمد بن حنبل.
ذكر أبو بكر الأثرم قال سمعت أبا عبد الله يعني أحمد بن حنبل يسأل عن الرجل يستيقظ من نومه فيغمس يده في

(18/254)


الإناء قبل أن يغسلها فقال أما بالنهار فليس به عندي بأس وأما إذا قام من النوم بالليل فلا يدخل يده في الإناء حتى يغسلها لأنه قال لا يدري أين باتت يده قال فالمبيت إنما يكون بالليل قيل لأبي عبد الله فما يصنع بذلك الماء قال إن صب الماء وأبدله فهو أحسن وأسهل.
قال أبو عمر: أما المبيت فيشبه أن يكون ما قاله أحمد بن حنبل صحيحا فيه لأن الخليل قال في كتاب العين البيتوتة دخولك في الليل وكونك فيه بنوم وبغير نوم قال ومن قال بت بمعنى نمت وفسره على النوم فقد أخطأ قال ألا ترى أنك تقول بت أراعي النجم معناه بت أنظر إلى النجم قال فلو كان نوما كيف كان ينام وينظر إنما هو ظللت أراعي النجم قال وتقول أباتهم الله إباتة حسنة وباتوا بيتوتة صالحة وأباتهم الأمر بياتا كل ذلك دخول الليل وليس من النوم في شيء.
وقال إسحاق بن راهويه لا ينبغي لأحد استيقظ ليلا أو نهارا إلا أن يغسل يده قبل أن يدخلها الوضوء قال والقياس في نوم النهار أنه مثل نوم الليل قال فإذا كان النائم ليلا يجب عليه أن يغسل يده قبل أن يدخلها الإناء لما ورد من ذلك في الحديث فنوم النهار مثل نوم الليل في القياس

(18/255)


قال أبو عمر: لا أعلم أحدا قال بقول الحسن وأحمد بن حنبل في هذه المسألة غيرهما والناس على ما ذكرنا عن إسحاق في التسوية بين نوم الليل والنهار فإن أدخل يده في الإناء وهي طاهرة لا نجاسة فيها لم يضره عندهم ذلك وعلى جمهور علماء المسلمين من الصحابة والتابعين.
ذكر عبد الرزاق عن الثوري عن جابر عن الشعبي قال كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخلون أيديهم في الماء وهم جنب والنساء حيض فلا يفسد ذلك بعضهم على بعض وعبد الرزاق عن عمر بن ذر قال رأيت إبراهيم النخعي قرب له وضوءه فأدخل يده في وضوئه قبل أن يغسلها فقال له أمثلك يفعل هذا يا أبا عمران فقال إبراهيم ليس حيث تذهب يا أبا عمر أرأيت المهراس الذي كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضؤون فيه كيف كانوا يصنعون به.
قال أبو عمر: هذا عندنا على أن وضوءه ذلك كان في مطهرة وشبهها مما لم يمكنه أن يصب منه على يده فلذلك أدخل يده فيه والله أعلم.
وقد ذكر عبد الرزاق عن الثوري وابن عيينة عن الصلت بن بهرام قال رأيت إبراهيم النخعي يبول ثم يدخل يده في المطهرة.

(18/256)


ومعمر عن قتادة عن ابن سيرين أنه كان يدخل يده في وضوئه وقد خرج من الكنيف قبل أن يغسلها.
وابن المبارك عن هشام عن ابن سيرين مثله وأيوب عن ابن سيرين عن عبيدة مثله.
وروى عبد الله بن محمد بن أسماء قال حدثنا مهدي بن ميمون قال حدثنا إسماعيل بن إبراهيم قال رأيت سالم بن عبد الله بال فأتى بركوة فيها ماء فغمس يده في جوف الركوة يغسلها.
وعبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء قال إذا غسلت كفي قبل أن أدخلها الإناء لم أغسلها مع الذراعين قال وإن غمست كفيك في الوضوء قبل أن تغسلها فتوضأت ثم ذكرت فلا تعد لوضوئك ولحسبك لعمري إنا لننسى ذلك كثيرا ثم لا تزيد على ذلك الماء.
وعن ابن جريج عن عطاء قال إن أمنت أن يكون بكفيك أذى أو قشب فلا يضرك أن تدخلهما في وضوئك قبل أن تغسلهما.
قال أبو عمر: من جعل ترتيب الوضوء واجبا عضوا بعد عضو فلا يتحصل على أصله إلا أن يكون غسل اليدين قبل

(18/257)


إدخالهما في الوضوء بدءا وأما من أجاز تقديم غسل اليدين على الوجه فيجيء على أصله ما قال عطاء أنه لا يعيد غسل كفيه مع ذراعيه.
قال أبو عمر: وروينا عن علي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود والبراء بن عازب وجرير بن عبد الله أنهم كانوا يتوضؤون من المطاهر التي يتوضأ منها العوام ويدخلون أيديهم فيها ولا يغسلونها.
وذكر وكيع عن سفيان ومسعر عن مزاحم بن زفر قال قلت للشعبي أكوز مخمر أحب إليك أن أتوضأ به أم من المطهرة التي يدخل فيها الجزار يده قال لا بل المطهرة التي يدخل فيها الجزار يده.
وذكر أبو عبيد القاسم بن سلام بعض هذه الأحاديث في الوضوء من المطاهر ثم قال هذا كله قول أهل الحجاز والعراق إن هذه المطاهر لا ينجسها وضوء الناس منها.
وقال أبو عبد الله المروزي وكذلك القول عندنا قال ومعنى المطاهر هذه السقايات التي تكون فيها الحياض فيتوضأ

(18/258)


منها الصادر والوارد وإنما أرادت العلماء من هذا أنهم رأوا أن إدخاهلم أيديهم في الماء لا يفسده قال وعلى هذا أمر المسلمين أن رجلا لو أدخل يده في الإناء قبل غسلها لم ينجس ذلك ماء إلا أنه مسيء في ترك غلسها لأن السنة أن يبدأ بغسلها قبل أن يدخلها الإناء.
وذكر المروزي عن إسحاق عن عبد الله بن نمير عن الأشعث عن الشعبي قال النائم والمستيقظ سواء إذا وجب عليه الوضوء لم يدخل يده في الإناء حتى يغسلها قال حدثنا إسحاق قال حدثنا المعتمر عن سالم عن الحسن قال لا تغمسوا أيديكم في الإناء حتى تغسلوها.
وذكر عبد الرزاق عن معمر وابن جريج عن ابن طاوس عن أبيه أنه كان يغسل يديه قبل أن يدخلهما الماء
عبد الرزاق عن ابن جريج قال حدثنا نافع عن ابن عمر أنه كان يغسل يديه قبل أن يدخلهما الوضوء.
ورواه عيسى بن يونس عن ابن جريج عن نافع عن ابن عمر أنه كان لا يدخل يده الإناء حتى يغسلها وذكر الحرث

(18/259)


ابن مسكين عن ابن وهب قال سمعت مالكا وسئل عن الرجل يخرج منه الحدث وهو طاهر أيغسل يده إذا أراد الوضوء فقال نعم وقد كان قال لي قبل ذلك إن كانت يده طاهرة فلا بأس أن يدخلها الوضوء قبل أن يغسلها.
قال وسئل عن المهراس الذي كان الناس يتوضؤون فيه فقال لم يكن يومئذ مهراس قال وقال مالك في الذي قال لأبي هريرة كيف بالمهراس فقال مالك أكره أن يعارض مثل هذا من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقال الحرث عن عبد الرحمن بن القاسم عن مالك أنه قيل له يا أبا عبد الله فالمهراس قال أي المهراس قيل أن قوما يتحدثون أنهم أدركوه ويذكرون أنه كان مهراس يتوضأ فيه الرجال والنساء فأنكر أن يكون ثم مهراس ورأيته يستحب أن يفرغوا على أيديهم قبل أن يدخلوا أيديهم في الماء وقال ما أرى الناس إلا وقد كان لهم القدح وغير ذلك.
وذكر المروزي قال حدثنا أبو زرعة قال حدثنا الفضل بن دكين قال رأيت سفيان يتوضأ من مطهرة المسجد ونحن في جنازة.

(18/260)


الحديث الرابع والعشرون
...
حديث رابع وعشرون لأبي الزناد
مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من شر الناس ذو الوجهين الذي يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه" .
هذا حديث ظاهره كباطنه وباطنه كظاهره في البيان عن ذم من هذه حالته وفعله وخلقه عصمنا الله برحمته.
وقد تأول قوم في هذا الحديث أنه الذي يرائي بعمله ويري الناس خشوعا واستكانة ويريهم أنه يخشى الله حتى يكرموه وليس الحديث على ذلك والله أعلم.
وقوله: "يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه" يرد هذا التأويل وما يحتاج ذم الرياء إلى استنباط معنى من هذا الحديث وشبهه لأن الآثار فيه عن النبي عليه السلام وعن السلف أكثر من أن تحصى.
حدثنا خلف بن قاسم حدثنا يعقوب بن المبارك حدثنا الحسن بن مخلد حدثنا يحيى بن عبد الحميد الحماني حدثنا

(18/261)


سليمان بن بلال عن عبيد الله بن سليمان عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي عليه السلام قال: "لا ينبغي لذي الوجهين أن يكون أمينا"
ومن هذا الحديث والله أعلم أخذ القائل قوله:
إن شر الناس من يكشر لي ... حين يلقاني وإن غبت شتم
حدثنا عبد الوارث بن سفيان حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا إبراهيم بن مهران حدثنا إسماعيل بن عيسى العطار حدثنا علي بن هاشم عن إسماعيل بن مسلم عن الحسن وقتادة عن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من كان ذا لسانين في الدنيا جعل الله له لسانين من نار يوم القيامة" .
وذكر البزار حدثنا محمد بن مسكين بن ثميلة حدثنا يحيى بن حسان حدثنا سليمان بن بلال عن كثير بن زيد عن الوليد بن رباح عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا ينبغي لذي الوجهين أن يكون أمينا عند الله" .

(18/262)


الحديث الخامس والعشرون
...
حديث خامس وعشرون لأبي الزناد مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا شرب الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات" .
هكذا هذا الحديث في الموطأ بهذا الإسناد عند جميع رواته فيما علمت.
ورواه يعقوب بن الوليد عن مالك عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة وليس بمحفوظ لمالك بهذا الإسناد.
حدثنا خلف بن القاسم قال حدثنا محمد بن أحمد بن هارون الأنماطي بمكة حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز حدثنا جدي حدثنا يعقوب بن الوليد حدثنا مالك عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا ولغ الكلب في الإناء غسل سبع مرات" هذا عندي خطأ في الإسناد لا شك فيه والله أعلم.

(18/263)


حدثني خلف بن قاسم حدثنا أحمد بن محمد بن الحسين العسكري حدثنا الربيع بن سليمان والمزني قالا حدثنا محمد بن إدريس الشافعي قال أخبرنا مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا شرب الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات" .
وهكذا يقول مالك في هذا الحديث إذا شرب الكلب وغيره من رواة حديث أبي هريرة هذا بهذا الإسناد وبغيره على تواتر طرقه وكثرتها عن أبي هريرة وغيره كلهم يقول إذا ولغ الكلب ولا يقولون شرب الكلب وهو الذي يعرفه أهل اللغة.
وأما قوله في الحديث: "فليغسله سبع مرات" ولم يزد ولا ذكر التراب في أخراهن ولا أولاهن فكذلك رواه الأعرج وأبو صالح وابو رزين وثابت الأحنف وهمام بن منبه وعبد الرحمان أبو السري وعبيد بن حنين وثابت بن عياض مولى عبد الرحمن بن زيد وأبو سلمة كلهم رووه عن أبي هريرة ولم يذكروا التراب.
واختلف عن ابن سيرين في ذلك فروى هشام عن ابن سيرين عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم

(18/264)


قال: "طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرار أولاهن بالتراب" وكذلك رواه حبيب بن الشهيد عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة وكذلك رواه أيوب في غير رواية حماد بن زيد عنه عن محمد بن سيرين إلا أن أيوب وقفه على أبي هريرة وقال كان محمد ينحو بأحاديث أبي هريرة نحو الرفع.
ورواه حماد بن زيد عن أيوب فلم يذكر فيه التراب.
ورواه قتادة عن ابن سيرين أنه حدثه عن أبي هريرة أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا ولغ الكلب في الإناء فاغسلوه سبع مرات السابعة بالتراب" .
ورواه خلاس عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "أخراهن بالتراب" وبعضهم يقول في حديث خلاس إحداهن بالتراب وسائر رواة أبي هريرة لم يذكروا التراب لا في الأولى ولا في الآخرة ولا في شيء من الغسلات فهذا ما في حديث أبي هريرة.
وأما حديث عبد الله بن مغفل المزني فإنه جعلها ثمان غسلات منهما سبع غسلات بالماء وجعل الغسلة الثامنة بالتراب.

(18/265)


حدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا ابن وضاح قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا شبابة قال حدثنا شعبة عن أبي التياح قال سمعت مطرفا يحدث عن ابن المغفل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بقتل الكلاب ثم قال ما لهم وللكلاب ثم رخص لهم في كلب الصيد وقال: "إذا ولغ الكلب في الإناء فاغسلوه سبع مرات وعفروه الثامنة بالتراب" .
وبهذا الحديث كان يفتي الحسن أن يغسل الإناء سبع مرات والثامنة بالتراب ولا أعلم أحدا كان يفتي بذلك غيره.
وفي هذا الحديث دليل على أن الكلب الذي أبيح اتخاذه هو المأمور فيه بغسل الإناء من ولوغه سبعا وهذا يشهد له النظر والمعقول لأن ما لم يبح اتخاذه وأمر بقتله محال أن يتعبد فيه بشيء لأن ما أمر بقتله فهو معدوم لا موجود وما أبيح لنا اتخاذه للصيد والماشية أمرنا بغسل الإناء من ولوغه.
حدثنا سعيد بن نصر وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا ابن وضاح قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا أبو معاوية عن أبي رزين أنه رأى أبا هريرة يضرب جبهته بيده ثم يقول يا أهل العراق أتزعمون

(18/266)


أني أكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم ليكون لكم المهنأ وعلي الإثم أشهد لسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات" .
وحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن الجهم قال حدثنا عبد الوهاب قال أخبرنا شعبة عن الأعمش عن ذكوان عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا ولغ الكلب في إناء فاغسلوه سبع مرات" .
وذكر عبد الرزاق عن معمر عن همام بن منبه قال قال سمعت أبا هريرة يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات" . قال أبو عمر: اختلف العلماء في العمل بظاهر هذا الحديث واختلفوا في معناه أيضا على ما نذكره بعون الله فأما أكثر أهل العلم من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من فقهاء المسلمين فإنهم يقولون إن الإناء يغسل من ولوغ الكلب سبع مرات بالماء.

(18/267)


وممن روي ذلك بالطرق الصحاح أبو هريرة وابن عباس وعروة بن الزبير ومحمد بن سيرين وطاوس وعمرو بن دينار وبه قال مالك والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وأبو عبيد وداود الطبري.
ذكر المروزي قال أخبرنا أبو كامل قال حدثا أبو زرعة عن أبي حمزة قال سمعت ابن عباس يقول إذا ولغ الكلب في الإناء فاغلسه سبع مرار فإنه رجس ثم اشرب منه وتوضأ قال وحدثنا هدبة بن خالد قال حدثنا حماد بن سلمة عن هشام بن عروة عن أبيه أنه قال إذا ولغ الكلب في الإناء يغسل سبع مرار".
وعبد الرزاق عن معمر وابن جريج عن ابن طاوس عن أبيه قال: "إذا ولغ الكلب في الإناء فاغسله سبع مرات" وقال ابن جريج عن ابن طاوس وكان أبي لا يجعل فيه شيئا حتى يغسله سبع مرات.
قال أبو عمر: وفي هذه المسألة قول ثان روي عن الزهري وعطاء ذكر عبد الرزاق عن معمر قال: سألت

(18/268)


الزهري عن الكلب يلغ في الإناء قال يغسل ثلاث مرات قال ولم أسمع في الهر شيئا.
وذكر عن ابن جريج قال قلت لعطاء كم يغسل الإناء الذي يلغ فيه الكلب قال كل ذلك قد سمعت سبعا وخمسا وثلاث مرات.
وفي المسألة قول ثالث قال أبو حنيفة وأصحابه والثوري والليث بن سعد يغسل بلا حد.
قال أبو عمر: قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا ما يرد قول هؤلاء فلا وجه للاشتغال به ولقد روي عن عروة بن الزبير أنه كان له قدح يبول فيه فولغ فيه الكلب فأمر عروة بغسله سبعا اتباعا للحديث في ذلك.
واختلف الفقهاء أيضا في سؤر الكلب وما ولغ فيه من الماء والطعام فجملة ما ذهب إليه مالك واستقر عليه مذهبه عند أصحابه أن سؤر الكلب طاهر ويغسل الإناء من ولوغه سبعا تعبدا استحبابا أيضا لا إيجابا وكذلك يستحب لمن وجد

(18/269)


ماء لم يلغ فيه الكلب مع ماء قد ولغ فيه كلب أن يترك الذي ولغ فيه الكلب وغيره أحب إليه منه وجاءت عنه روايات في ظاهرها اضطراب والذي تحصل عليه مذهبه ما أخبرتك ولا عنده بأس بأكل ما ولغ فيه الكلب من اللبن والسمن وغير ذلك ويستحب هرق ما ولغ فيه من الماء وفي الجملة هو عنده طاهر وقال هذا الحديث ما أدري ما حقيقته وضعفه مرارا فيما ذكر ابن القاسم عنه.
وذكر عنه ابن وهب في هذا الإسناد في حديث المصراة أنه قال وهل في هذا الإسناد لأحد مقال وذلك حي بلغه أن أبا حنيفة وغيره من أهل العراق يردونه.
وروى ابن القاسم عنه أنه لا يغسل الإناء من ولوغ الكلب إلا في الماء وحده وروى ابن وهب عنه أنه يغسل من الماء وغيره وكل إناء ولغ فيه طعاما كان أو غيره يؤكل الطعام ويغسل الإناء بعد تعبدا ولا يراق شيء من الطعام وإنما يراق الماء عند وجوده ليسارة مؤونته قال أبو بكر الأبهري.
وروي عن مالك أنه يغسل الإناء من ولوغ الخنزير سبعا ولا يصح ذلك عنه.
وروى معن عن مالك غسل الإناء من ولوغ الخنزير بأكثر.

(18/270)


وروى مطرف عن مالك مثل ذلك وقال أبو حنيفة وأصحابه والثوري والليث بن سعد سؤر الكلب نجس ولم يحدوا الغسل منه.
قالوا إنما عليه أن يغسله حتى يغلب على ظنه أن النجاسة قد زالت وسواء واحد أو أكثر.
وقال الأوزاعي سؤر الكلب في الإناء نجس وفي المستنقع ليس بنجس قال ويغسل الثوب من لعابه ويغسل ما أصاب لحم الصيد من لعابه.
وقال الشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأبو عبيد وأبو ثور والطبري سؤر الكلب نجس ويغسل الإناء منه سبعا أولاهن بالتراب وهو قول أكثر أهل الظاهر
وقال داود سؤر الكلب طاهر وغسل الإناء منه سبعا فرض إذاولغ في الإناء وسواء كان في الإناء ماء أو غير ماء هو طاهر ويغسل منه الإناء سبعا ويتوضأ بالماء الذي ولغ فيه ويؤكل غير ذلك من الطعام والشراب الذي ولغ فيه.
قال أبو عمر: من ذهب إلى أن الكلب ليس بنجس فسؤره عنده طاهر وغسل الإناء من ولوغه سبع مرات هو عنده تعبد في غسل الطاهر خصوصا لا يتعدى ومن ذهب إلى أن

(18/271)


الكلب نجس وسؤره نجس ممن قال أيضا إن الإناء من ولوغه يغسل سبعا قال التعبد إنما وقع في عدد الغسلات من بين سائر النجاسات.
قال الشافعي وأصحابه الكلب والخنزير نجسان حيين وميتين وليس في حي نجاسة سواهما قال وجميع أعضاء الكلب مقيسة على لسانه وكذلك الخنزير فمتى أدخل الكلب يده أو ذنبه أو رجله أو عضوا من أعضائه في الإناء غسل سبعا بعد هرق ما فيه وقد أفسد ما في الإناء بولوغه ونجسه قال الشافعي وفي قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في الهر إنه ليس بنجس دليل على أن في الحيوان من البهائم ما هو نجس وهو حي وما ينجس ولوغه قال ولا أعلمه إلا الكلب المنصوص عليه دون غيره قال والخنزير شر منه لأنه لا يجوز اقتناؤه ولا بيعه ولا شراؤه عند أحد مع تحريم عينه.
ومما احتج به أصحاب الشافعي أيضا قوله صلى الله عليه وسلم: "طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسل سبع مرات" ، قالوا فأمر بتطهير الإناء فدل على نجاسته.

(18/272)


واحتجوا بما رواه علي بن مسهر وغيره عن الأعمش عن أبي صالح وأبي رزين عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليهرقه وليغسله سبع مرات" ، قالوا فأمر بإراقة ما ولغ فيه الكلب كما أمر بإراقة السمن المائع إذا وجدت فيه ميتة وبطرح السمن الجامد الذي حول الفأرة إذا ماتت فيه.
قال أبو عمر: أما هذا اللفظ في حديث الأعمش فليهرقه فلم يذكره أصحاب الأعمش الثقات الحفاظ مثل شعبة وغيره وأما قوله عليه السلام: "طهور إناء أحدكم" فصحيح إلا أنه قد يقع التطهير على النجس وعلى غير النجس ألا ترى أن الجنب ليس بنجس فيما مس ولاصق وقد قال الله عز وجل: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا} فأمر الجنب بالتطهير.
وقال المخالف الانفصال من هذا أن الجنب غسله عبادة وليس الإناء مما يلحقه عبادة ويدخل عليه أن الإناء يجوز أن يكون متعبدا فيه كما أن عدد الغسلات عبادة عنده وينفصل من هذا أيضا أن الأصل في الشرائع العلل وما كان لغير العلة ورد به التوقيف وفي هذه المسأل كلام

(18/273)


كثير بين الشافعيين والمالكيين يطول الكتاب بذكره وهي مسألة قد اختلف فيها السلف والخلف كما اختلفوا في مقدار الماء الذي يلحقه النجاسة وفيما مضى في سائر الكتاب في ذلك كفاية.
ذكر عبد الرزاق عن الثوري عن عبيدالله بن عمر عن نافع عن ابن عمر وعن عبيدالله بن عمر عن نافع عن ابن عمر أنه كان يكره سؤر الكلب.
وذكر عن ابن جريج قال قلت لعطاء ولغ الكلب في جفنة فيها لبن فأدركوه عند ذلك فغرفوا حول ما ولغ فيه قال لا يشربوه.
وذكر الوليد بن مسلم عن الأوزاعي وعبد الرحمن بن نمر أنهما سمعا الزهري يقول في إناء قوم ولغ فيه الكلب فلم يجدوا ماء غيره قال يتوضأ به قال فقلت للأوزاعي ما تقول في ذلك فقال أرى أن يتوضأ به ويتيمم قال الوليد فذكرته لسفيان الثوري فقال هذا والله الفقه فيه لقول الله

(18/274)


عز وجل: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً} وهذا ماء وفي النفس منه شيء فأرى أن يتوضأ به ويتيمم قال الوليد وقلت لمالك بن أنس والأوزاعي في كلب ولغ في إناء تور أو غيره فقالا لا يتوضأ به قلت لهما فلم أجد غيره فقالا توضأ به قلت لهما أيغسل الإناء من ولوغ الكلب المعلم سبعا كما يغسل من غير المعلم قالا نعم.
حدثنا عبد الوارث بن سفيان حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا محمد بن وضاح حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم دحيم قال حدثنا الوليد فذكره.

(18/275)


الحديث السادس والعشرون
...
حديث سادس وعشرون لأبي الزناد
مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا يجمع بين المرأة وعمتها ولا بين المرأة وخالتها" .
قال أبو عمر: هذا حديث صحيح ثابت مجتمع على صحته رواه عن أبي هريرة جماعة من أصحابه منهم سعيد بن المسيب وأبو سلمة وأبو صالح وغيرهم.
حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أبو قلابة قال حدثنا أبو عاصم قال حدثنا همام عن قتادة عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم.
قال وحدثنا همام عن يحيى بن ابي كثير عن ابي سلمة عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم "نهى أن تنكح المرأة على عمتها وعلى خالتها" .

(18/276)


وأخبرنا أحمد بن فتح قال حدثنا أحمد بن الحسن بن إسحاق الرازي قال حدثنا أبو الزنباع روح بن الفرج بن عبد الرحمن القطان قال حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير قال حدثني الليث بن سعد عن أيوب بن موسى عن بكير بن عبد الله بن الأشج عن سليمان بن يسار عن عبد الملك بن يسار عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها" .
قال أبو عمر: أجمع العلماء عل القول بهذا الحديث فلا يجوز عند جميعهم نكاح المرأة على عمتها وإن علت ولا على ابنة أختها وإن سفلت ولا على خالتها وإن علت ولا على ابنة أخيها وإن سفلت والرضاعة في ذلك كالنسب.
وقد كان بعض أهل الحديث يزعم أن الحديث لم يروه أحد غير أبي هريرة وقد رواه علي بن أبي طالب وابن عباس وابن عمر وعبد الله بن عمرو بن العاص وجابر كما رواه أبو هريرة.
حدثنا يحيى بن عبد الرحمن وسعيد بن نصر قالا حدثنا ابن أبي دليم قال حدثنا ابن وضاح قال حدثنا يحيى بن معين قال حدثنا معتمر بن سليمان قال قرأت على فضيل

(18/277)


ابن ميسرة عن أبي جرير قاضي سجستان أن عكرمة حدثهم عن ابن عباس قال: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجمع بين المرأة وعمتها وبين المرأة وخالتها" وقال: "إنكن إذا فعلتن ذلك قطعتن أرحامكن".
وذكر عبد الرزاق وغيره عن الثوري عن عاصم عن الشعبي عن جابر بن عبد الله قال: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تنكح المرأة على عمتها أو على خالتها" .
وروى معمر عن داود بن أبي هند عن الشعبي عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تنكح المرأة على ابنة أخيها ولا تنكح المرأة على عمتها ولا تنكح المرأة على خالتها ولا تنكح المرأة على ابنة أختها .
وأظن قائل ذلك القول لم يصحح حديث الشعبي عن جابر وصحح حديث الشعبي عن أبي هريرة والحديثان جميعا صحيحان.
وقد روي هذا المعنى من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم.

(18/278)


وروى مالك عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب أنه كان يقول كان ينهى أن تنكح المرأة على عمتها وعلى خالتها وأن يطأ الرجل وليدة وفي بطنها جنين لغيره.
قال أبو عمر: أما النهي عن وطء المرأة وفي بطنها جنين لغيره فمجتمع أيضا على تحريمه وقد روي بذلك من أخبار الآحاد العدول عن النبي عليه السلام حديثان أحدهما من حديث أبي سعيد الخدري والآخر من حديث أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا توطأ حامل حتى تضع ولا حائل حتى تحيض" . وكلاهما طريقه صالح حسن يحتج بمثله.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسقي ماءه ولد غيره" .
وقد ذكرنا هذا الحديث في باب ربيعة عن محمد بن يحيى بن حبان.
وأما قوله صلى الله عليه وسلم: "لا تنكح على عمتها ولا على خالتها" فإجماع العلماء على القول بظاهر هذا الحديث يغني عن قول كل قائل إلا أنهم اختلفوا في المعنى المراد

(18/279)


به فقالت فرقة معناه كراهية القطيعة فلا يجوز أن يجمع بين امرأة وقريبتها وسواء كانت عمة أو بنت عم أو خالة أو بنت خال روي ذلك عن إسحاق بن طلحة وعكرمة وقتادة وعطاء في رواية ابن أبي نجيح عنه وروي عن ابن جريج عنه أنه لا بأس بذلك وهو الصحيح.
ذكر عبد الرزاق عن ابن عيينة عن ابن أبي نجيح عن عطاء أنه كره أن يجمع بين ابنة العم.
وذكر عبد الرزاق عن ابن جريج قال قلت لعطاء أيجمع بينها وبين ابنة عمها قال لا بأس بذلك.
وذكر عبد الرزاق عن ابن عيينة وابن جريج عن عمرو بن دينار أن حسن بن محمد بن علي أخبره أن حسن بن حسن بن علي نكح في ليلة واحدة ابنة محمد بن علي وابنة عمر بن علي فجمع بين ابنتي عم زاد ابن عيينة في حديثه فأصبح نساؤهم لا يدرين إلى أيتهما يذهبن.
وذكر عن معمر عن قتادة في ابنتي العم يجمع بينهما قال ما هو بحرام إن فعلته ولكنه يكره من أجل القطيعة.

(18/280)


وفي سماع ابن القاسم سئل مالك عن ابنتي العم أتجمعان قال ما أعلمه حراما قيل له أفتكرهه قال إن ناسا ليتقونه وقال لنا قبل ذلك غيره أحسن منه قال ابن القاسم وهو حلال لا بأس به.
قال أبو عمر: على هذا القول جماعة فقهاء الأمصار من أهل الرأي والحديث لا يختلفون في أنه جائز الجمع بين ابنتي العم من النسب والرضاعة لأن ابنتي العم لو كانت إحداهما ذكرا حل له نكاح الأخرى وليس كذلك المرأة مع عمتها ومعنى هذا الحديث عندهم كراهية الجمع وتحريمه بين كل امرأتين لو كانت إحداهما رجلا لم يحل له نكاح الأخرى من النسب خاصة دون المصاهرة فافهم هذا الأصل فإنه مأخوذ من تحريم الجمع بين الأختين لأنه لا يحل لأحدهما لو كانت رجلا نكاح أختها فكذلك كل من كان بمنزلتهما من ذوات المحارم وإن بعدن إذا كانت إحدى المرأتين لو كان مكانها رجل لم يجز أن يتزوج الأخرى لم يحل الجمع بينهما لأحد.
وروى معتمر بن سليمان عن فضيل بن ميسرة عن أبي حريز عن الشعبي قال كل امرأتين إذا جعلت موضع

(18/281)


إحداهما ذكرا لم يجز له أن يتزوج بالأخرى فالجمع بينهما باطل فقلت له عمن هذا فقال عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وذكر عبد الرزاق عن الثوري عن ابن أبي ليلى عن الشعبي قال لا ينبغي لرجل أن يجمع بين المرأتين لو كانت إحداهما رجلا لم يحل له نكاحهما.
قال سفيان تفسيره عندنا أن يكون من النسب ولا يكون بمنزلة امرأة وابنة زوجها يجمع بينهما إن شاء.
قال أبو عمر: وعلى هذا مذهب مالك والشافعي وأبي حنيفة والأوزاعي وسائر فقهاء الأمصار من أهل الحديث وغيرهم فيما علمت لا يختلفون في هذا الأصل وقد كره قوم من السلف أن يجمع الرجل بين ابنة رجل وامرأته من أجل أن إحداهما لو كانت رجلا لم يحل له نكاح الأخرى والذي عليه الفقهاء أنه لا بأس بذلك وأن المراعى في هذا المعنى النسب دون غيره من المصاهرة فإنه لا بأس أن يجمع بين امرأة الرجل وابنته من غيرها.

(18/282)


وقد فرق قوم من جهة النظر بين امرأة الرجل وابنته وبين المرأة وعمتها بأن قالوا في هاتين وما كان مثلهما أيتهما جعلت ذكرا لم يحل له الأخرى.
وأما امرأة الرجل وابنته من غيرها فإنه لو كان موضع البنت ابن لم يحل له امرأة أبيه وبقي فيها وجه آخر وذلك أن يجعلوا موضع المرأة ذكرا فتحل له الأنثى لأنه رجل أجنبي تزوج ابنة رجل أجنبي وليس الأختان ولا العمة مع ابنة أخيها والخالة مع ابنة أختها كذلك لأن هؤلاء أيتهما جعلت ذكرا لم تحل له الأخرى فقف على هذا الأصل فعليه جماعة أئمة الفتوى والحمد لله.
والرضاعة في هذا الباب كالنسب ذكر عبد الرزاق عن الثوري عن جابر عن عكرمة عن ابن عباس أنه كره العمة والخالة من الرضاعة وعن ابن جريج عن عطاء قال قلت له أيجمع الرجل بين المرأة وعمتها من الرضاعة قال لا ذلك مثل الولادة.

(18/283)


وعن معمر عن قتادة أن ابن مسعود قال وأكره عمتك من الرضاعة وخالتك من الرضاعة.

(18/284)


الحديث السابع والعشرون
...
حديث سابع وعشرون لأبي الزناد
مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "مطل الغني ظلم وإذا أتبع أحدكم على مليء فليتبع" .
هذا يدل على أن المطل على الغني حرام لا يحل إذا مطل بما عليه من الديون وكان قادرا على توصيل الدين إلى صاحبه وكان صاحبه طالبا له لأن الظلم حرام قليله وكثيره وتختلف آثامه على قدر اختلافه لأن للظلم وجوها كثيرة فأعظمها الشرك وأقلها لا يكاد يعرف من خفائه وجملتها لا تحصى كثرة وأصل الظلم في اللغة أخذك ما ليس لك ووضعك الشيء في غير موضعه ومنه قالوا:
ومن يشابه أباه فما ظلم
أي لم يضع الشبه غير موضعه ثم يتصرف على كل شيء أخذ من غير وجهه.
قال الله عز وجل: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} .

(18/285)


وقال: {وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَاباً كَبِيراً} {وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} .
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حاكيا عن ربه: "يا عبادي حرمت عليكم الظلم فلا تظالموا" .
وقال: "الظلم ظلمات يوم القيامة" .
أخبرنا أبو محمد قاسم بن محمد قال حدثنا خالد بن سعد قال حدثني محمد بن عمر بن لبابة قال حدثني عثمان بن أيوب قال سمعت سحنون بن سعيد يقول إذا مطل الغني بدين عليه لم تجز شهادته لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد سماه ظالما والدليل على أن مطل الغني ظلم لا يحل ما أبيح منه لغريمه من أخذ عوضه والقول فيه بما هو عليه من الظلم وسوء الأفعال ولولا مطله له كان ذلك فيه غيبة وقد قال صلى الله عليه وسلم "إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام" يريد من بعضكم على بعض ثم أباح لمن مطل بدينه

(18/286)


أن يقول فيمن مطله قال صلى الله عليه وسلم: "لي الواجد يحل عرضه وعقوبته" واللي المطل والتسويف والواجد الغني.
حدثنا سعيد بن نصر وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن وضاح قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا وكيع قال حدثنا وبرة بن أبي دليلة شيخ من أهل الطائف قال حدثني محمد بن ميمون بن مسيكة وأثنى عليه خيرا عن عمرو بن الشريد عن أبيه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لي الواجد يحل عرضه وعقوبته".
قال أبو عمر: هذا عندي نحو معنى قول الله عز وجل: {لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ} وهذه الآية نزلت في رجل تضيف قوما فلم يضيفوه فأبيح له أن يقول فيهم إنهم لئام لا خير فيهم ولولا منعهم له من حق الضيافة ما جاز له أن يقول فيهم ما فيهم لأنها غيبة محرمة قال صلى الله عليه وسلم: "إذا قلت في أخيك ما فيه فقد اغتبته وإذا قلت فيه ما ليس فيه فذلك البهتان" وهكذا لما كان مطل

(18/287)


وبقوله: "لي الواجد يحل عرضه وعقوبته" قالوا ومن عقوبته الحبس هذا إذا كان دينه بعوض حاصل بيده إلا أن أكثر أصحابنا لا يفرقون بين وجوب الدين عليه من أجل عوض أو غير عوض لأن الأصل عندهم اليسار حتى يثبت العدم وعند غيرهم الأصل في الناس العدم لأن الله لم يخرج خلقه إلى الوجود إلا فقراء ثم تطرأ الأملاك عليهم بأسباب مختلفة فمن ادعى ذلك فعليه البينة وأما من أقر بالعوض فقد أقر باليسار فإن ادعى الفقر لم يقبل منه بغير بينة ومطله ومدافعته ظلم وأما إذا صح يساره وامتنع من أداء ما وجب عليه فحبسه واجب لأنه ظالم بإجماع قال الله عز وجل: {إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ} وهذا حديث غريب لا يجيء إلا بهذا الإسناد.
حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا بكر بن حماد قال حدثنا مسدد قال حدثنا يحيى عن شعبة عن سلمة بن كهيل عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة أن رجلا أتى النبي صلى الله

(18/289)


عليه وسلم يتقاضاه فأغلظ له فهم به أصحابه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "دعوه فإن لصاحب الحق مقالا" .
وأما قوله: "وإذا أتبع أحدكم على مليء فليتبع" فمعناه الحوالة يقول وإذا أحيل أحدكم على مليء فليتبعه وهذا يبينه ويرفع الإشكال فيه حديث يونس بن عبيد عن نافع عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مطل الغني ظلم وإذا أحلت على مليء فاتبعه" وهذا عند أكثر الفقهاء ندب وإرشاد لا إيجاب وهو عند أهل الظاهر واجب فقال ابن وهب سألت مالكا عن تفسير حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم من أتبع على مليء فليتبع قال مالك هذا أمر ترغيب وليس بالذي يلزمه السلطان الناس وينبغي له أن يطيع رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال وسألت مالكا عن الحول بالدين فقال انظر ما أقول لك أحل بما قد حل من دينك فيما حل وفيما لم يحل ولا تحل ما لم يحلل في شيء ولا فيما حل وفيما لم يحل.
واختلف الفقهاء في معنى الحوالة فجملة مذهب مالك وأصحابه فيها أن من احتال بدين له على رجل على آخر فقد برئ المحيل ولا يرجع إليه أبدا أفلس أو مات إلا أن

(18/290)


يغره من فلس فإن غره انصرف عليه وهذا إذا كان له عليه دين فإن لم يكن له عليه دين فهي حمالة ويرجع إليه أبدا فإن كان له عليه دين فهي الحوالة ولا يكون للمحتال أن يرجع على المحيل بوجه من الوجوه توى المال أو لم يتو إلا أن يغره من فلس قد علمه وهذا كله مذهب الشافعي وأصحابه أيضا قال ابن وهب عن مالك إذا أحيل بدين عليه فقد برئ المحيل ولا يرجع عليه بموت ولا إفلاس.
وقال ابن القاسم عنه إن أحاله ولم يغره من فلس علمه من غريمه فلا يرجع عليه إذا كان عليه دين له فإن غيره أو لم يكن له عليه شيء فإنه يرجع عليه إذا أحاله.
وقال الشافعي يبرأ المحيل بالحوالة ولا يرجع عليه بموت ولا إفلاس.
وقال أبو حنيفة وأصحابه يبرأ المحيل بالحوالة ولا يرجع عليه إلا بعد التوى والتوى عند ابي حنيفة أن يموت المحال عليه مفلسا أو يحلف ما له عليه من شيء ولم يكن للمحيل بينة.
وقال أبو يوسف ومحمد هذا تواء وإفلاس المحال عليه أيضا تواء

(18/291)


وقال عثمان البتي الحوالة لا تبرئ المحيل إلا أن يشترط البراءة فإن اشترط البراءة برئ المحيل إذا أحاله على مليء وإن أحاله على مفلس ولم يعلمه أنه مفلس فإنه يرجع عليه وإن أبرأه وإن أعلمه أنه مفلس وأبرأه لم يرجع على المحيل.
وقال ابن المبارك عن الثوري إذا أحاله على رجل فأفلس فليس له أن يرجع على الآخر إلا بمحضرهما وإن مات وله ورثة ولم يترك شيئا رجع حضروا أو لم يحضروا
وقال الليث في الحوالة لا يرجع إذا أفلس المحتال عليه وقال ابن أبي ليلى يبرأ صاحب الأصل بالحوالة
وقال زفر والقاسم بن معن في الحوالة له أن يأخذ كل واحد منهما بمنزلة الكفالة.
قال أبو عمر: لما قال صلى الله عليه وسلم: "وإذا أحيل أحدكم أو أتبع أحدكم على مليء فليتبع" دل على أن من غير غريمه من غير مليء لم يكن له أن يتبعه وكان له أن يرجع عليه بحقه لأنه لم يحله على مليء وإذا أحاله على مليء ثم لحقه بعد ذلك آفة الفلس لم يكن له أن يرجع لأنه قد فعل ما كان له فعله ثم أتى من أمر الله غير ذلك

(18/292)


وقد كان صح انتقال ذمة المحيل إلى ذمة المحتال عليه فلا يفسخ ذلك أبدا وما اعتراه بعد من الفلس فمصيبته من المحتال لأنه لا ذمة له غير ذمة غريمه الذي احتال عليه وهذا بين إن شاء الله.
ومن حجة أبي حنيفة وأصحابه أن الملأ لما شرط في الحوالة دل على أن زوال ذلك يوجب عود المال عليه وشبهه ببيع الذمة بالذمة في الحوالة كابتياع عبد بعبد فإذا مات العبد قبل القبض بطل البيع قالوا فكذلك موت المحتال عليه مفلسا قالوا وإفلاس المحتال عليه مثل إباق العبد من يد البائع فيكون للمشتري الخيار في فسخ البيع وإن كان قد يرجى رجوعه وتسليمه كذلك إفلاس المحتال عليه قال أبو عمر: أصح شيء في الحوالة من أقوال الفقهاء ما ذهب إليه مالك والشافعي والله أعلم فهذا ما للعلماء في الحوالة من المعاني والأصل فيها حديث هذا الباب والحوالة أصل في نفسها خارجة عن الدين بالدين وعن بيع ذهب بذهب أو ورق بورق وليس يدا بيد كما أن العرايا أصل في نفسها خارج عن المزابنة وكما أن القراض والمساقاة أصلان في أنفسهما خارجان عن معنى الإجارات فقف على هذه الأصول تفقه إن شاء الله وليس هذا موضع ذكر الكفالة والله الموفق للصواب.

(18/293)


الحديث الثامن والعشرون
...
حديث ثامن وعشرون لأبي الزناد
مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا اشتد الحر فأبردوا عن الصلاة فإن شدة الحر من فيح جهنم" .
لم يختلف عن مالك في إسناد هذا الحديث ولفظه كلهم يقول فيه إذا اشتد الحر فأبردوا عن الصلاة هكذا.
وقد حدثنا خلف بن قاسم حدثنا أبو الحسن علي بن العباس بن عبد الغفار البزار قال حدثنا مقدام بن داود وبكر بن سهل الدمياطي قالا حدثنا محمد بن مخلد الرعيني حدثنا مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أبردوا بصلاة الظهر في اليوم الحار فإن شدة الحر من فيح جهنم" .
قد مضى القول في معنى هذا الحديث وما للعلماء فيه في باب زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار من كتابنا هذا فلا وجه لإعادة ذلك ههنا.

(18/294)


الحديث التاسع والعشرون
...
حديث تاسع وعشرون لأبي الزناد
مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إياكم والوصال إياكم والوصال قالوا فإنك تواصل يا رسول الله قال إني لست كهيئتكم إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني" .
وقد تقدم القول في معنى هذا الحديث في باب نافع عن ابن عمر والحمد لله ولا يصح عن مالك في النهي عن الوصال غير حديثه عن أبي الزناد وعن نافع وقد روي عن شجرة بن عبد الله قاضي القيروان عن مالك عن الزهري عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الوصال في الصيام وهو باطل عن الزهري عن أنس لمالك وغيره.

(18/295)


حديث موفي ثلاثين لأبي الزناد
مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يسوق بدنة فقال: "اركبها فقال يا رسول الله إنها بدنة فقال اركبها فقال يا رسول الله إنها بدنة فقال اركبها وويلك في الثانية أو الثالثة" .
هكذا يرويه أكثر الرواة عن مالك في الموطأ في الثانية أو في الثالثة وممن قال ذلك عتيق بن يعقوب الزبيري وقتيبة وقال فيه ابن عبد الحكم في الثالثة أو في الرابعة.
حدثناه خلف حدثنا ابن الورد حدثنا يوسف بن يزيد حدثنا ابن عبد الحكم أخبرنا مالك فذكره بإسناده هكذا.
قال مالك في هذا الحديث عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة وخالفه ابن عيينة فقال فيه عن أبي الزناد عن موسى بن أبي عثمان عن أبيه عن أبي هريرة.
حدثنا محمد بن إبراهيم بن سعيد قال حدثنا أحمد بن مطرف قال حدثنا سعيد بن عثمان الأعناقي قال حدثنا

(18/296)


إسحاق بن إسماعيل العثماني الأيلي قال حدثنا سفيان بن عيينة عن أبي الزناد عن موسى بن أبي عثمان عن أبيه عن أبي هريرة قال: مر النبي صلى الله عليه وسلم برجل يسوق بدنة فقال: "اركبها فقال إنها بدنة يا رسول الله فقال ويلك اركبها" .
اختلف العلماء في ركوب الهدي الواجب والتطوع فذهب أهل الظاهر إلى أن ركوبه جائز من ضرورة وبعضهم أوجب ذلك.
وذهبت طائفة من أهل الحديث إلى أنه لا بأس بركوب الهدي على كل حال أيضا على ظاهر هذا الحديث والذي ذهب إليه مالك وأبو حنيفة والشافعي وأكثر الفقهاء كراهية ركوبه من غير ضرورة فكره مالك ركوب الهدي من غير ضرورة وكذلك كره شرب لبن البدنة وإن كان بعد ري فصيلها فإن فعل شيئا من ذلك كله فلا شيء عليه.
وقال أبو حنيفة والشافعي إن نقصها الركوب أو شرب لبنها فعليه قيمة ما شرب من لبنها وقيمة ما نقصها الركوب
وحجة من ذهب هذا المذهب أنه ما خرج لله فغير جائز الرجوع في شيء منه ولا الانتفاع به فإن اضطر إلى ذلك جاز له لحديث جابر في ذلك حدثناه عبد الله بن محمد.

(18/297)


قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا أحمد بن حنبل قال حدثنا يحيى بن سعيد عن ابن جريج قال أخبرنا أبو الزبير قال سألت جابر بن عبد الله عن ركوب الهدي فقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "اركبها بالمعروف إذا لجأت إليها حتى تجد ظهرا" .
وأما قوله: "ويلك" فمخرجه الدعاء عليه إذ أبى من ركوبها في أول مرة وقال له إنها بدنة وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم أنها بدنة فكأنه قال له الويل لك في مراجعتك إياي فيما لا تعرف والله أعلم.
وكان الأصمعي يقول ويل كلمة عذاب وويح كلمة رحمة.

(18/298)


الحديث الحادي والثلاثون
...
حديث حاد وثلاثون لأبي الزناد
مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك" .
هكذا قال يحيى في هذا الحديث لولا أن أشق على أمتي لم يزد وتابعه جماعة من رواة الموطأ على ذلك وقال بعضهم فيه عن مالك لولا أن أشق على أمتي أو على الناس.
وقال فيه آخرون عن مالك لولا أن أشق على المؤمنين أو على الناس لأمرتهم بالسواك هكذا قال القعنبي وعبد الله بن يوسف وأيوب بن صالح.
وقال فيه قتيبة عند كل صلاة ولم يقل أو على الناس كل هذا قد روي عن مالك في حديث أبي الزناد هذا.
حدثنا خلف بن القاسم حدثنا عبد المطلب بن العباس العمري حدثنا محمد بن يوسف بن المنذر حدثنا أيوب بن

(18/299)


صالح، حدثنا مالك بن أنس عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قال لولا أن أشق على الناس أو على المؤمنين لأمرتهم بالسواك" .
وقال ابن عيينة في هذا الحديث عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بتأخير العشاء والسواك عند كل صلاة.
وقال فيه سعيد بن ابي سعيد المقبري عن أبي هريرة عن النبي عليه السلام: "لولا أن أشق عل أمتي لأمرتهم بالسواك مع الوضوء" .
وروي هذا الحديث عن أبي هريرة من طرق شتى ورواه عن النبي عليه السلام جماعة من أصحابه منهم جابر وزيد بن خالد وعائشة وأم حبيبة وأنس وقد مضى القول في السواك في باب ابن شهاب عن حميد وعن ابن السباق من كتابنا هذا فلا معنى لإعادة ذلك ههنا.

(18/300)


حدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا إسماعيل بن إسحاق قال حدثنا ابن أبي أويس قال حدثني إبراهيم بن إسماعيل عن داود بن الحصين عن القاسم بن محمد عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "السواك مطهرة للفم مرضاة للرب" .
وحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن إسماعيل قال حدثنا الحميدي قال حدثنا سفيان قال حدثنا محمد بن إسحاق عن ابن أبي عتيق عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "السواك مطهرة للفم مرضاة للرب" وهذان الإسنادان حسنان وإن لم يكونا بالقويين فهي فضيلة لا حكم.

(18/301)


الحديث الثاني والثلاثون
...
حديث ثان وثلاثون لأبي الزناد
مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "مثل المجاهد في سبيل الله كمثل الصائم القائم الدائم الذي لا يفتر من صلاة ولا صيام حتى يرجع" .
هذا من أفضل حديث وأجله في فضل الجهاد لأنه مثله بالصلاة والصيام وهما أفضل الأعمال وجعل المجاهد بمنزلة من لا يفتر عن ذلك ساعة فأي شيء أفضل من الجهاد يكون صاحبه راكبا وماشيا وراقدا ومتلذذا بكثير من حديث رفيقه وأكله وشربه وغير ذلك مما أبيح له وهو في ذلك كله كالمصلي التالي للقرآن في صلاته الصائم مع ذلك المجتهد إن هذا لغاية في الفضل وفقنا الله برحمته.
ولهذا ومثله قلنا إن الفضائل لا تدرك بقياس ونظر والله المستعان وحسبك من فضل الجهاد بقول الله عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ

(18/302)


وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} .في هذا الحديث دليل على إجازة القياس بالتشبيه والتمثيل في الأحكام وهذا باب جسيم قد أفردنا له أبوابا في كتاب العلم والحمد لله.
وقد ذكرنا في كتاب العلم أيضا أن فرض الجهاد على الكفاية كطلب العلم على حسبما قد أوضحناه هنالك.
قال مالك رحمه الله الجهاد فرض بالأموال والأنفس فإن منعهم الضرر أو عاهة بأنفسهم لم يسقط عنهم الفرض بأموالهم.
وقال أبو حنيفة الجهاد واجب إلا أن المسلمين في عذر حتى يحتاج إليهم.
قال ابن شبرمة الجهاد ليس بواجب والقائمون به من المسلمين أنصار الله.
وقال الشافعي الغزو غزوان نافلة وفريضة فأما الفريضة فالنفير إذا أظل العدو بلد الإسلام والنافلة الرباط والخروج إلى الثغور إذا كان فيها من فيه كفاية.

(18/303)


قال أبو عمر: قال الله عز وجل: {انْفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً} الآية يعني شبابا وشيوخا وقال: {ما لكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ} الآية إلى قوله: {يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً} فثبت فرضه إلا أنه على الكفاية لقول الله عز وجل: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً} وعلى هذا جمهور العلماء ودليل ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: "بني الإسلام على خمس" ليس فيما ذكر الجهاد لأنها كلها متعينة على المرء في خاصته وبالله التوفيق.

(18/304)


الحديث الثالث وثلاثون
...
حديث ثالث وثلاثون لأبي الزناد
مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا نودي للصلاة أدبر الشيطان له ضراط حتى لا يسمع النداء فإذا قضي النداء أقبل حتى إذا ثوب بالصلاة أدبر حتى إذا قضي التثويب أقبل حتى يخطر بين المرء ونفسه يقول أذكر كذا وأذكر كذا لما لم يكن يذكره حتى يظل الرجل أن يدري كم صلى" .
في هذا الحديث من الفقه أن الصلاة من شأنها أن يؤذن لها قال الله عز وجل {وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُواً وَلَعِباً} .
وقال: {إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ} .
وقد ذكرنا ما للعلماء من الأقوال والمذاهب في الأذان في السفر والحضر عندهم وما اخترنا من ذلك بما صح عندنا

(18/305)


في باب نافع من كتابنا هذا وأفردنا القول في الأذان للصبح في باب ابن شهاب عن سالم من كتابنا هذا فلا معنى لإعادة شيء من ذلك كله ههنا.
وروي عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إذا نادى المنادي للصلاة أدبر الشيطان وله ضراط" فذكر معنى حديث أبي الزناد سواء وزاد "حتى لا يدري كم صلى أثلاثا أم أربعا فإذا لم يدر أثلاثا صلى أم أربعا فليسجد سجدتين وهو جالس" . وقد ذكرنا معنى هذا الحديث فيما سلف من حديث ابن شهاب وجملة مذهب مالك عند أصحابه وتحصيله عندهم أن الأذان سنة مؤكدة واجبة على الكفاية وليس بفرض وهو قول أبي حنيفة.
واختلف أصحاب الشافعي فمنهم من قال هو فرض على الكفاية ومنهم من قال هو سنة مؤكدة على الكفاية وأما قوله في هذا الحديث أدبر الشيطان إلى آخر الحديث فإن هذا الحديث عندي يخرج في التفسير المسند في قول

(18/306)


الله عز وجل: {مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ} لم يختلف أهل التفسير وأهل اللغة أن الوسواس الشيطان يوسوس في صدور الناس وقلوبهم أي يلقي في قلوبهم الريب ويحرك خواطر الشكوك ويذكر من أمر الدنيا بما يشغل عن ذكر الله وأصل الوسواس في اللغة صوت حركة الحلي وقوله: {الْخَنَّاسِ} لأنه يخنس عند ذكر العبد لله ومعنى يخنس اي يرجع ناكصا.
ذكر معمر عن قتادة قال الوسواس الخناس هو الشيطان إذا ذكر الله العبد خنس.
وذكر حجاج عن ابن جريج عن عثمان بن عطاء عن عكرمة قال الوسواس محله الفؤاد فؤاد الإنسان وفي عينيه وذكره ومحله من المرأة في عينيها إذا أقبلت وفي فرجها ودبرها إذا أدبرت فهذه مجالسه منهما.
وذكر وكيع عن سفيان عن حكيم بن جبير عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال ما من مولود يولد إلا

(18/307)


وعلى قلبه وسواس فإذا عقل فذكر الله خنس وإذا غفل وسوس.
وقال ابن قتيبة خنس أي كف وأقصر.
وقال اليزيدي يوسوس ثم يخنس أي يتوارى.
قال أبو عمر: فقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث: "إذا نودي للصلاة" يريد إذا أذن لها فر الشيطان من ذكر الله في الأذان وأدبر وله ضراط من شدة ما لحقه من الخزي والذعر عند ذكر الله وذكر الله في الأذان تفزع منه القلوب ما لا تفزع من شيء من الذكر لما فيه من الجهر بالذكر وتعظيم الله فيه وإقامة دينه فيدبر الشيطان لشدة ذلك على قلبه حتى لا يسمع النداء فإذا قضي النداء أقبل على طبعه وجبلته يوسوس أيضا ويفعل ما يقدر مما قد سلط عليه حتى إذا ثوب بالصلاة والتثويب ههنا الإقامة أدبر أيضا حتى إذا قضي التثويب وهو الإقامة كما ذكرت لك أقبل حتى يخطر بين المرء ونفسه يقول اذكر كذا وكذا لمالم يكن يذكر حتى يظل الرجل أن يدري كم صلى لينسيه ويخلط عليه أجارنا الله منه.

(18/308)


وفي هذا الحديث فضل للأذان عظيم ألا ترى أن الشيطان يدبر منه ولا يدبر من تلاوة القرآن في الصلاة وحسبك بهذا فضلا لمن تدبر روى ابن القاسم عن مالك قال استعمل زيد بن أسلم على معدن بني سليم وكان معدنا لا يزال يصاب فيه الناس من قبل الجن فلما وليهم شكوا ذلك إليه فأمرهم بالأذان وأن يرفعوا أصواتهم به ففعلوا فارتفع ذلك عنهم فهم عليه حتى اليوم.
قال مالك وأعجبني ذلك من رأي زيد بن أسلم هكذا روى سحنون في سماع ابن القاسم.
وذكره الحرث بن مسكين قال أخبرني عبد الرحمن بن القاسم وعبد الله بن وهب قالا قال مالك استعمل زيد بن أسلم على معدن بني سليم فذكره سواء إلى آخره.
وذكر يعقوب بن شيبة قال حدثنا أبو سلمة التبوذكي قال حدثنا جرير بن حازم قال سمعت سليمان الشيباني يحدث عن بسير بن عمرو قال سمعت عمر يقول أن شيئا من

(18/309)


الخلق لا يستطيع أن يتحول في غير خلقه ولكن للجن سحرة كسحرة الآدميين فإذا خشيتم شيئا من ذلك فأذنوا.
حدثنا عبد الوارث حدثنا قاسم حدثنا محمد بن وضاح حدثنا ابن دحيم حدثنا الفريابي حدثنا سفيان عن الشيباني عن بسير بن عمرو قال ذكر الغيلان عند عمر فقال إنه ليس شيء يتحول عن خلقه الذي خلق عليه ولكن لهم سحرة كسحرتكم فإذا أحسستم من ذلك شيئا فأذنوا بالصلاة.
وذكر الأصمعي عن أبي عمرو بن العلاء قال الغيلان سحرة الجن.
وأما قوله: "حتى إذا ثوب بالصلاة أدبر حتى إذا قضي التثويب أقبل" فإنه عنى بقوله التثويب ههنا الإقامة ولا يحتمل غير هذا التأويل عندي والله أعلم وإنما سميت الإقامة في هذا الموضع تثويبا لأن التثويب في اللغة معناه العودة يقال منه ثاب إلي مالي بعد ذهابه أي عاد وثاب إلى المريض جسمه إذا عاد إليه ومنه قول الله عز وجل: {وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً} أي معادا لهم يثوبون إليه لا

(18/310)


يقضون منه وطرا وإنما قيل للإقامة تثويب لأنها عودة إلى معنى الأذان تقول العرب ثوب الداعي إذا كرر دعاءه إلى الحرب وغيرها.
قال حسان بن ثابت:
في فتية كسيوف الهند أوجههم ... لا ينكلون إذا ما ثوب الداعي
وقال آخر:
لخير نحن عند الناس منكم ... إذا الداعي المثوب قال يالا
وقال عبد المطلب بن هاشم وهو عند أخواله بني النجار بالمدينة:
فحنت ناقتي وعلمت أني ... غريب حين ثاب إلي عقلي
وقال آخر:
لو رأينا التوكيد خطة عجز ... ما شفعنا الأذان بالتثويب
ولا خلاف علمته أن التثويب عند عامة العلماء وخاصتهم قول المؤذن الصلاة خير من النوم ولهذا قال أكثر الفقهاء لا تثويب إلا في الفجر.

(18/311)


وقال الحسن بن حي: يثوب في الفجر والعشاء.
وقال حماد عن إبراهيم التثويب في صلاة العشاء والصبح لا في غيرهما.
وقال ابن الأنباري: إنما سمي التثويب تثويبا وهو قوله الصلاة خير من النوم الصلاة خير من نوم لأنه دعاء ثان إلى الصلاة وذلك أنه لما قال حي على الصلاة حي على الفلاح وكان هذا دعاء إلى الصلاة ثم عاد فقال الصلاة خير من النوم فدعا إليها مرة أخرى عاد إلى ذلك.
والتثويب عند العرب: العودة وذكر نحو ما تقدم وقد يحتمل أن تكون الإقامة سميت تثويبا لتثنيتها في مذهب من رأى تثنيتها أو تثنية قوله قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة عند من قال ذلك من العلماء وهم الأكثر.
وأما اختلاف العلماء في الإقامة فقال مالك تفرد الإقامة ويثنى الأذان.

(18/312)


ومعنى قوله تفرد الإقامة يريد غير التكبير في أولهما وآخرها فإنه يثنى بإجماع من العلماء. وقال الشافعي تفرد الإقامة كقول مالك سواء إلا قوله قد قامت الصلاة فإنه يقولها مرتين فخالف مالكا في هذا الموضع وحده من الإقامة.
ويروى أن أبا محذورة وولده ومؤذني مكة كلهم يقولون قد قامت الصلاة مرتين وهو قول الزهري والحسن البصري ومكحول والأوزاعي.
وبه قال أبو ثور وأحمد وإسحاق.
وقال مالك يقول قد قامت الصلاة مرة واحدة وروي عن ولد سعد القرظ بالمدينة أنهم يقولون قد قامت الصلاة مرة واحدة.
وقال الكوفيون أبو حنيفة وأصحابه والثوري والحسن بن حي الأذان والإقامة مثنى مثنى سواء إلا أن التكبير عندهم في أول الأذان وأول الإقامة أربع مرات ولا خلاف عندهم بين الأذان والإقامة في شيء ذهبوا في ذلك إلى حديث عبد الله بن زيد وهو حديث مختلف في ألفاظه وإسناده وسنذكره في باب يحيى بن سعيد إن شاء الله وذهب مالك،

(18/313)


والشافعي في الأذان والإقامة إلى حديث أبي محذورة ولا خلاف بين مالك والشافعي في الأذان إلا في قوله الله أكبر في أوله فإن الشافعي ذهب إلى أن ذلك يقال أربع مرات وذهب مالك إلى أن ذلك يقال مرتين وأكثر الآثار عن أبي محذورة وغيره على ما قال الشافعي وهو أذان أهل مكة والأذان بالمدينة على ما قال مالك وهو شيء يؤخذ عملا لأنه لا ينفك منه ومثل هذا يصح فيه ادعاء العمل بالمدينة.
واتفق مالك والشافعي على الترجيع بالشهادة في الأذان خاصة دون الإقامة على ما في حديث أبي محذورة.
وذهب الكوفيون إلى أن لا ترجيع في الأذان ولا إقامة وإنما ذلك عندهم مثنى مثنى إلا التكبير في أوله على حسبما ذكرته لك.
وقال أحمد وإسحاق إن رجع فلا بأس قال إسحاق هما مستعملان والذي اختار أذان بلال.
وقالت طائفة منهم الطبري إن شاء رجع وإن شاء لم يرجع وإن شاء أذن كأذان أبي محذورة وإن شاء كأذان بلال وفي الإقامة أيضا إن شاء ثنى وإن شاء أفرد وإن شاء قال قد قامت الصلاة مرة وإن شاء مرتين كل ذلك مباح

(18/314)


فال أبو عمر: قول داود وأصحابه في الأذان والإقامة كقول الشافعي سواء ومن حجة مالك والشافعي في إفراد الإقامة ما حدثناه عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا أبو سلمة قال حدثنا أحمد بن سلمة قال أخبرنا خالد عن أبي قلابة عن أنس قال "أمر بلال أن يشفع الأذان وأن يوتر الإقامة".
وحدثنا محمد بن إبراهيم قال حدثنا محمد بن معاوية قال حدثنا أحمد بن شعيب قال أخبرنا قتيبة بن سعيد قال حدثنا عبد الوهاب عن أيوب عن أبي قلابة عن أنس "أن النبي عليه السلام أمر بلالا أن يشفع الأذان وأن يوتر الإقامة".
قال أبو عمر: ذكر عباس عن يحيى بن معين قال لم يرفع هذا الحديث غير عبد الوهاب قال وقد رواه إسماعيل ووهب ولم يرفعاه.
قال أبو عمر: يعني أنه لم يقل أحد في حديث أنس هذا "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بلالا" غير عبد الوهاب من أصحاب أيوب وغيرهم يقولون أمر بلال ولا يذكرون النبي عليه السلام وحجة من قال قد قامت الصلاة مرتين ما حدثناه عبد الوارث بن سفيان وسعيد بن

(18/315)


نصر قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا إسماعيل بن إسحاق وأخبرنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قالا جميعا حدثنا سليمان بن حرب قال حدثنا حماد بن زيد عن سماك بن عطية عن أيوب عن أبي قلابة عن أنس قال أمر بلال أن يشفع الأذان وأن يوتر الإقامة.
زاد أبو داود في إسناد هذا الحديث فقال حدثنا سليمان بن حرب وعبد الرحمن بن المبارك قالا حدثنا حماد بن زيد ثم ذكره.
قال أبو داود وحدثنا موسى بن إسماعيل قال حدثنا وهيب عن أيوب عن أبي قلابة عن أنس بن مالك قال أمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة قال أبو داود وحدثنا حميد بن مسعدة قال حدثنا إسماعيل عن خالد الحذاء عن أبي قلابة عن أنس بن مالك مثل حديث وهيب قال إسماعيل فحدثت به أيوب فقال إلا الإقامة.
قال أبو عمر: يريد بقوله إلا الإقامة قوله قد قامت الصلاة فإنها لا تفرد وتثنى يقول أمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة إلا قوله قد قامت الصلاة فإنه مثنى.

(18/316)


حدثنا محمد بن إبراهيم قال حدثنا محمد بن معاوية قال حدثنا أحمد بن شعيب قال أخبرنا عمرو بن علي قال حدثنا يحيى قال حدثنا شعبة قال حدثني أبو جعفر عن أبي المثنى عن ابن عمر قال كان الأذان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مثنى مثنى والإقامة مرة إلا أنك تقول قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة.
وحدثنا سعيد بن نصر وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن وضاح قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا أسود بن عامر قال حدثنا شعبة عن أبي جعفر المؤذن عن أبي المثنى مؤذن المسجد الأكبر أنه سمع ابن عمر يقول كان الأذان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مثنى مثنى والإقامة واحدة إلا أنه إذا قال قد قامت الصلاة قالها مرتين فكنا إذا سمعنا الأذان توضأنا ثم خرجنا إلى الصلاة.
وحدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا محمد بن بشار قال حدثنا محمد بن جعفر قال حدثنا شعبة قال سمعت أبا جعفر يحدث عن

(18/317)


مسلم بن المثنى عن ابن عمر قال إنما كان الأذان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مرتين مرتين والإقامة مرة مرة غير أنه يقول قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة فإذا سمعنا الإقامة توضأنا ثم خرجنا إلى الصلاة فقال شعبة لم أسمع من أبي جعفر غير هذا الحديث.
قال أبو عمر: تحصيل مذهب مالك في الإقامة على ما ذكر ابن خواز بنداد وغيره أنها سنة مؤكدة وهي عندهم أوكد من الأذان ومن تركها فهو مسيء وصلاته مجزئة وهو قول الشافعي وسائر الفقهاء فيمن ترك الإقامة أنه مسيء بتركها ولا إعادة عليه وقال أهل الظاهر والأوزاعي وعطاء ومجاهد هي واجبة ويرون الإعادة على من تركها أو نسيها.
ذكر أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا أبو أسامة عن الفزاري عن الأوزاعي قال الإقامة أول الصلاة قال أبو عمر: في قوله صلى الله عليه وسلم: "تحريمها التكبير" دليل على أنه لم يدخل في الصلاة من لم يحرم فما كان قبل الإحرام فحكمه ألا تعاد منه الصلاة إلا أن يجمعوا

(18/318)


على شيء فيسلم للإجماع كالطهارة والقبلة والوقت ونحو ذلك وأما قوله حتى يظل الرجل أن يدري كم صلى فإنه يريد حتى يظل الرجل لا يدري كم صلى كذا رواه بهذا اللفظ جماعة ومعنى يظل يصير يقول حتى يصير المرء لا يدري كم صلى وقيل يظل ههنا بمعنى يبقى لا يدري كم صلى.
وأنشدوا:
ظللت ردائي فوق رأسي قاعدا ... أعد الحصى ما تنقضي عبراتي
من رواه بكسر الهمز إن يدري ما صلى فإن بمعنى ما كثير ولكن الرواية عندنا فتح الهمزة والله أعلم وبه التوفيق.

(18/319)


الحديث الرابع والثلاثون
...
حديث رابع وثلاثون لأبي الزناد
مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "والذي نفسي بيده ليأخذ أحدكم حبله فيحتطب على ظهره خير له من أن يأتي رجلا أعطاه الله من فضله فيسأله أعطاه أو منعه" .
هكذا في جل الموطآت ليأخذ وروايته لابن نافع عن مالك لأن يأخذه وكذلك رواه معن بن عيسى عن مالك وهو المراد والمقصد والمعنى مفهوم والحمد لله.
حدثنا محمد بن إبراهيم قال حدثنا محمد بن معاوية وحدثنا عبد الرحمن بن يحيى قال حدثنا الحسن بن الخضر الأسيوطي قالا حدثنا أحمد بن شعيب قال أخبرنا علي بن شعيب قال حدثنا معن قال حدثنا مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "والذي نفسي بيده لأن يأخذ أحدكم حبله فيحطب على ظهره خير له من أن يأتي رجلا أعطاه الله من فضله فيسأله أعطاه أو منعه" .

(18/320)


في هذا الحديث كراهية السؤال لكل من فيه طاقة على السعي والاكتساب وفيه ذم المسألة وحمد المعالجة والسعي والتحرف في المعيشة وقد وردت أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذم المسألة كثيرة صحاح فيها شفاء لمن تدبرها ووقف عل معانيها وهي تفسر معنى هذا الباب وتوضح المراد من حديثه والله الموفق للصواب.
فمما يخرج في هذا الباب قوله صلى الله عليه وسلم: "اليد العليا خير من اليد السفلى واليد العليا المنفقة" .
وقيل المتعففة على حسبما ذكرنا من ذلك في باب نافع من كتابنا هذا واليد السفلى السائلة وقد ذكرنا طرق هذا الحديث في باب نافع فلا وجه لإعادة ذلك ههنا.
أخبرنا محمد بن إبراهيم قال حدثنا محمد بن معاوية قال حدثنا أحمد بن شعيب قال أخبرنا أبو داود قال حدثنا يعقوب بن إبراهيم قال حدثنا أبي عن صالح عن ابن شهاب أن أبا عبيد مولى عبد الرحمن بن أزهر أخبره أنه سمع أبا هريرة يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لأن

(18/321)


يحتزم أحدكم بحزمة حطب فيحملها على ظهره فيبيعها خير له من أن يسأل رجلا فيعطيه أو يمنعه" .
حدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا حفص بن عمر النمر يقال حدثنا شعبة عن عبد الملك بن عمير عن زيد بن عقبة الفزاري عن سمرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "المسائل كدوح يكدح بها الرجل وجهه فمن شاء أبقى على وجهه ومن شاء ترك إلا أن يسأل الرجل ذا سلطان أو في أمر لا يجد منه بدا" .
أخبرنا عبد الله بن محمد قال حدثنا حمزة بن محمد قال حدثنا أحمد بن شعيب قال أخبرنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم عن شعيب بن الليث عن الليث بن سعد عن عبيد الله بن أبي جعفر قال سمعت حمزة بن عبد الله يقول سمعت عبد الله بن عمر يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما يزال الرجل يسأل حتى يأتي يوم القيامة ليس في وجهه مزعة لحم" .
أخبرنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن وضاح قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة

(18/322)


قال حدثنا عبد الأعلى بن عبد الأعلى عن معن عن عبد الله بن مسلم أخي الزهري عن حمزة بن عبد الله عن أبيه أن النبي عليه السلام قال: "لا تزال المسألة بأحدكم حتى يلقى الله وليس في وجهه مزعة لحم" .
وأخبرنا محمد بن إبراهيم قال حدثنا محمد بن معاوية قال حدثنا أحمد بن شعيب قال حدثنا قتيبة بن سعيد قال حدثنا الليث عن جعفر بن ربيعة عن بكر بن سوادة عن مسلم بن مخشي عن ابن الفراسي أن الفراسي قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم يا رسول الله أأسأل؟ قال: "لا وإن كنت سائلا لا بد فاسأل الصالحين" .
أخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا هشام بن عمار قال حدثنا سعيد بن عبد العزيز عن ربيعة بن يزيد عن أبي إدريس الخولاني عن أبي مسلم الخولاني قال حدثني الحبيب الأمين أما هو إلي فحبيب وأما هو عندي فأمين عوف بن مالك قال كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعة

(18/323)


أو ثمانية أو تسعة فقال ألا تبايعون رسول الله صلى الله عليه وسلم وكنا حديث عهد ببيعته قلنا قد بايعناك قالها ثلاثا فبسطنا أيدينا فبايعناه قال قائل يا رسول الله إنا قد بايعناك فعلام نبايعك؟ قال: "أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وتصلوا الصلوات الخمس وتسمعوا وتطيعوا وأسر كلمة خفية قال لا تسألوا الناس شيئا" قال فلقد كان بعض أولئك النفر يسقط سوطه فما يسأل أحدا يناوله إياه.
حدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا عبيدالله بن معاذ قال حدثني أبي قال حدثنا شعبة عن عاصم عن أبي العالية عن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من يتكفل لي ألا يسأل الناس شيئا وأتكفل له بالجنة" فقال ثوبان أنا فكان لا يسأل أحدا شيئا.
أخبرنا محمد بن إبراهيم قال حدثنا محمد بن معاوية قال حدثنا أحمد بن شعيب قال حدثنا محمد بن عثمان بن

(18/324)


أبي صفوان الثقفي قال حدثنا أمية بن خالد قال حدثنا شعبة عن بسطام بن مسلم عن عبد الله بن خليفة عن عائد بن عمرو أن رجلا أتى النبي عليه السلام فسأله فأعطاه فلما وضع رجله على أسكفة الباب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لو تعلمون ما في السؤال ما مشى أحد إلى أحد يسأله شيئا" .
قال أبو عمر: السؤال لا يجوز لمن فيه منة وقوة وأدنى حيلة في المعيشة إلا أن يسأل ذا سلطان لأن له عنده حقا في بيت المال وإن لم يتعين أو يسأل في أمر لا بد له منه من حمالة يتحملها أو دين أدانه في واجب أو مباح يسأل من يعرف أن كسبه لا بأس به وهم الصالحون الذين قصد إليهم في حديث الفراسي المذكور في هذا الباب والله أعلم.
وفي حديث قبيصة بن المخارق ثلاثة وجوه وفي حديث أنس أيضا ثلاثة وجوه تحل فيها المسألة لا ينبغي أن تتعدى إلا ما ذكرنا في حديث سمرة والله أعلم.

(18/325)


حدثنا عبد الرحمن بن يحيى حدثنا علي بن محمد حدثنا أحمد بن داود حدثنا سحنون بن سعيد حدثنا عبد الله بن وهب قال أخبرني الليث بن سعد عن عبيد الله بن أبي جعفر عن حمزة بن عبد الله بن عمر أنه سمع أباه يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما يزال الرجل يسأل الناس حتى يأتي يوم القيامة ليس في وجهه مزعة لحم" .
حدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا إسماعيل بن إسحاق قال حدثنا حفص بن عمر الخوضي وسليمان بن حرب قالا حدثنا شعبة عن عبد الملك بن عمير عن زيد بن عقبة الفزاري قال سمعت سمرة بن جندب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "المسائل كدوح يكدح بها الرجل وجهه فمن شاء أبقى على وجهه ومن شاء ترك إلا أن يسأل ذا سلطان أو ينزل به أمر لا بجد منه بدا" .
ورواه الثوري وأبو عوانة عن عبد الملك بن عمير بإسناده مثله سواء.
وأخبرنا عبد الله محمد قال حدثنا محمد بن بكر حدثنا أبو داود قال حدثنا مسدد قال حدثنا حماد بن زيد عن هارون بن رباب قال حدثنا كنانة بن نعيم العدوي عن

(18/326)


قبيصة بن مخارق الهلالي قال تحملت حمالة فأتيت النبي عليه السلام فقال: "أقم يا قبيصة حتى تأتينا الصدقة وآمر لك بها" ثم قال: "يا قبيصة إن المسألة لا تحل إلا لإحدى ثلاث رجل تحمل بحمالة فحلت له المسألة فسأل حتى يصيبها ثم يمسك ورجل أصابته جائحة فاجتاحت ماله فحلت له المسألة فسأل حتى يصيب قواما من عيش أو سدادا من عيش ورجل أصابته فاقة حتى يقول ثلاثة من ذوي الحجا من قومه قد أصابت فلانا الفاقة فحلت له المسألة فسأل حتى يصيب قواما من عيش أو سدادا من عيش ثم يمسك وما سواهن من المسائل يا قبيصة سحت يأكلها صاحبها سحتا" .
قال أبو عمر: هذا واضح في وجوه المسألة مغن عن قول كل قائل وبالله التوفيق.
والسداد في هذا الحديث وما كان مثله بكسر السين ومعناه البلغة والكفاية وكذلك ما سد به الشيء يقال له أيضا سداد بالكسر.
قال العرجي وهو من ولد عثمان بن عفان:
أضاعوني وأي فتى أضاعوا ... ليوم كريهة وسداد ثغر

(18/327)


وأما السداد بالفتح فهو القصد.
أخبرنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا عبد الله بن مسلمة قال حدثنا عيسى بن يونس عن الأخضر بن عجلان عن أبي بكر الحنفي عن أنس بن مالك "أن رجلا من الأنصار أتى النبي عليه السلام يسأله فقال: "أما في بيتك شيء" قال بلى حلس نلبس بعضه ونبسط بعضه وقعب نشرب فيه الماء فقال: "ائتني بهما" فأتاه بهما فأخذهما رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده وقال: "من يشتري هذين؟" فقال رجل أنا آخذهما بدرهم قال: "من يزيد على درهم" مرتين أو ثلاثا قال رجل: أنا آخذهما بدرهمين فأعطاهما إياه وأخذ الدرهمين فأعطاهما الأنصاري وقال: "اشتر بأحدهما طعاما فانبذه إلى أهلك واشتر بالآخر قدوما وائتني" فأتاه به فشد فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم عودا بيده ثم قال له: "اذهب فاحتطب وبع ولا أراك خمسة عشر يوما" فذهب الرجل يحتطب ويبيع فجاء وقد أصاب عشرة دراهم فاشترى ببعضها ثوبا وببعضها طعاما فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هذا خير لك من أن تجيء المسألة نكتة في

(18/328)


وجهك يوم القيامة إن المسألة لا تصلح إلا لثلاث لذي فقر مدقع أو لذي غرم مفظع أو لذي دم موجع" .
قال أبو عمر: الدم الموجع الحمالة في دم الخطأ والفقر المدقع الذي أفضى بصاحبه إلى الدقعاء وهي التراب كأنه ألصق ظهره بالأرض من الفقر وهو مثل قول الله عز وجل: {أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ} وقد فسرنا معنى المسكين والفقير فيما تقدم من حديث أبي الزناد في كتابنا هذا والحمد لله.
أخبرنا سعيد بن نصر قال حدثنا ابن أبي دليم قال حدثنا ابن وضاح قال حدثنا نصر بن المهاجر قال حدثنا الضحاك بن مخلد عن عبد الرحمن بن عبد المؤمن عن غالب القطان عن بكر بن عبد الله المزني عن عمر قال "مكسبة فيها بعض الريبة خير من مسألة الناس" هكذا قال الريبة وإنما حفظناه الدناءة.
ذكر العقيلي قال حدثنا الحسن بن سهل قال أخبرنا أبو عاصم قال أخبرنا عبد الرحمن بن عبد المؤمن قال حدثنا

(18/329)


غالب القطان عن بكر بن عبد الله المزني قال: قال عمر بن الخطاب: "مكسبة فيها بعض الدناءة خير من مسألة الناس".
قال العقيلي: عبد الرحمن بن عبد المؤمن هذا، هو عبد الرحمن بن عبد المؤمن بن فيروز المعولي الرامي بصري ثقة.
وقال أبو حاتم الرازي: سمعت الحسن بن الربيع يقول قال لي ابن المبارك: ما حرفتك؟ قلت أنا بوراني، قال: ما بوراني قلت لي غلمان يصنعون البواري قال لو لم تكن للصناعة ما صحبتني.
وقال أيوب السختياني: قال لي أبو قلابة: يا أيوب، الزم سوقك، فإن الغنى من العافية.

(18/330)


الحديث الخامس والثلاثون
...
حديث خامس وثلاثون لأبي الزناد
مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "والذي نفسي بيده لقد هممت أن آمر بحطب فيحطب ثم آمر بالصلاة فيؤذن لها ثم آمر رجلا فيؤم الناس ثم أخالف إلى رجال فأحرق عليهم بيوتهم والذي نفسي بيده لو يعلم أحدهم أنه يجد عظما سمينا أو مرماتين حسنتين لشهد العشاء" .
روي هذا الحديث عن أبي هريرة من وجوه رواه أبو صالح ويزيد بن الأصم والأعرج وغيرهم قوله لقد هممت أن آمر بحطب فيحطب أي يجمع.
وفي هذا الحديث من الفقه معرفة يمين رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنه كان يحلف على ما يريد بالله وفي ذلك رد لقول من قال لا يحلف بالله صادقا ولا كاذبا وفي قوله عليه السلام: "من كان حالفا فليحلف بالله" كفاية وكان صلى الله عليه وسلم يحلف كثيرا بالله ثم إن رأى ما هو خير مما حلف عليه

(18/331)


حنث نفسه وكفر وفيه الأسوة الحسنة وسيأتي هذا المعنى مبينا في باب سهيل من كتابنا هذا إن شاء الله.
وفي هذا الحديث أيضا أن الصلوات يؤذن لها وفيه أيضا إجازة إمامة المفضول بحضرة الفاضل وفيه إباحة عقوبة من تأخر عن شهود الجماعة لغير عذر ولم يكن يتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلاة إلا منافق أو من له عذر بين وقد استدلت به طائفة على أن العقوبة قد تكون في المال وجائز أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم يعاقب بما ذكر في هذا الحديث وجائز أن لا يفعل لأن ترك إنفاذ الوعيد عفو وليس بخلف ولا كذب وإنما الكذب ما أثم فيه المرء وعصى ربه فجائز مثل هذا القول تأديبا للناس ثم الخيار بعد في إنفاذه واستدل به داود وأصحابه على أن الصلاة في الجماعة فرض على كل أحد في خاصته كالجمعة وأنها لا تجزئ المنفرد إلا أن يصليها في المسجد مع الجماعة أو يصليها قبل أن يفرغ الجماعة في المسجد منها كقولنا في الجمعة سواء.
واحتج بقوله صلى الله عليه وسلم: "لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد" .

(18/332)


وهذا عندنا محمول على الكمال في الفضل كما قال: "لا دين لمن لا أمانة له" .
وقال: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن" . أي مستكمل الإيمان واحتج أيضا بحديث عتبان بن مالك وعمرو بن أم مكتوم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهما أو لأحدهما: "هل تسمع النداء؟" قال: نعم، قال: "ما أجد لك رخصة" وهذا محمول عندنا على الجمعة.
واحتج بحديث هذا الباب قوله لقد هممت أن آمر بحطب فيحطب الحديث قال ومحال أن يحرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بيوت قوم إلا على ترك الواجب وهذا عندنا على أن شهود الجماعة من السنن المؤكدة التي تجب عقوبة من أدمن التخلف عنها من غير عذر وقد أوجبها جماعة من أهل العلم فرضا على الكفاية وهو قول حسن صحيح لإجماعهم على أنه لا يجوز أن يجتمع على تعطيل المساجد كلها من الجماعات فإذا قامت الجماعة في المسجد فصلاة المنفرد في بيته جائزة.

(18/333)


لقوله صلى الله عليه وسلم: "صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بخمس وعشرين درجة" .
في هذا الحديث جواز صلاة المنفرد والخبر بأن صلاة الجماعة أفضل وقد قال صلى الله عليه وسلم: "إذا وجد أحدهم الغائط فليبدأ به قبل الصلاة" وقال: "إذا حضرت الصلاة والعشاء فابدأوا بالعشاء" وقال: "ألا صلوا في الرحال في المطر" . وهذه الآثار كلها تدل على أن الجماعة ليست بفريضة وإنما هي فضيلة وقد ذكرنا هذه الآثار بأسانيدها في غير موضع من كتابنا هذا والحمد لله.
وقد قيل إن معنى حديث هذا الباب إنما هو في الجمعة لا في غيرها من الصلوات الخمس في الجماعة واستدل القائلون بذلك بما رواه معمر وغيره عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن عبد الله بن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لقد هممت أن آمر رجلا يصلي بالناس ثم أنطلق فأحرق على قوم بيوتهم لا يشهدون الجمعة" .

(18/334)


وقد جاء عن ابن مسعود في الصلوات الخمس غير هذا.
وترتيب الآثار عنه في ذلك على فرض الجمعة وتأكيد فضل الجماعة والله أعلم.
ويحتمل أن يكون حديث ابن مسعود مفسرا لحديث أبي هريرة حديث هذا الباب فيكون قوله في حديث هذا الباب: "ثم آمر بالصلاة فيؤذن لها" أي صلاة الجمعة.
حدثنا سعيد بن نصر حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا محمد بن وضاح حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا الفضل بن دكين عن زهير عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص سمعه منه عن عبد الله أن النبي عليه السلام قال: "القوم يتخلفون عن الجمعة لقد هممت أن آمر رجلا يصلي بالناس ثم أحرق على قوم يتخلفون عن الجمعة بيوتهم" وهذا بين في الجمعة.
وأما التأكيد في الندب إلى الجماعات في الصلوات الخمس فأخبرنا محمد بن إبراهيم قال حدثنا محمد بن معاوية قال حدثنا أحمد بن شعيب قال أخبرنا سويد بن نصر قال أخبرنا عبد الله بن المبارك عن المسعودي عن علي بن الأقمر عن أبي الأحوص عن عبد الله أنه كان يقول "من سره أن يلقى الله غدا مسلما فليحافظ على هؤلاء الصلوات

(18/335)


الخمس حيث ينادى بهن فإن الله شرع لنبيه عليه السلام سنن الهدى وإنهن من سنن الهدى وإني لا أحسب منكم أحدا إلا له مسجدا يصلي فيه في بيته فلو صليتم في بيوتكم وتركتم مساجدكم تركتم سنة نبيكم ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم" وذكر تمام الحديث.
وحدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا هارون بن عباد الأزدي قال حدثنا وكيع عن المسعودي فذكره بإسناده مثله.
وأخبرنا سعيد بن نصر وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا إبراهيم بن عبد الله العبسي الكوفي قال حدثنا جعفر بن عون عن إبراهيم الهجري عن أبي الأحوص عن عبد الله قال "عليكم بالصلوات الخمس حيث ينادى بهن فإنها من سنة نبيكم ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم ولقد عهدتنا وإن الرجل ليهادي بين الرجلين حتى يقام في الصف ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم نفاقه".
فقد صرحت هذه الآثار عن ابن مسعود بأن شهود الجماعة سنة ومن تدبرها علم أنها واجبة على الكفاية والله أعلم.

(18/336)


وعبد الله بن مسعود أحد الذين رووا عن النبي عليه السلام "فضل صلاة الجمع على صلاة الفذ خمس وعشرون درجة" .
حدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا أحمد بن يونس قال حدثنا زائدة قال حدثنا السائب بن حبيش عن معدان بن أبي طلحة اليعمري عن أبي الدرداء قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ما من ثلاثة في قرية ولا بدو لا تقام فيهم الصلاة إلا قد استحوذ عليهم الشيطان فعليك بالجماعة فإنما يأكل الذئب القاصية" . قال زائدة قال السائب يعني الجماعة.
ورواه ابن المبارك عن زائدة بإسناده مثله سواء.
وقال زائدة قال السائب يعني بالجماعة الصلاة في الجماعة.
وأما قوله: "والذي نفسي بيده لو يعلم أنه يجد عظما سمينا أو مرماتين حسنتين لشهد العشاء" فهذا توبيخ منه لمن تأخر عن شهود العشاء معه وتقريع وذم صريح وعتب

(18/337)


صحيح إذا أضاف إليهم أن أحدهم لو علم أنه يجد من الدنيا العرض القليل والتافه الحقير والنزر اليسير في المسجد لقصده من أجل ذلك وهو يتخلف عن الصلاة فيه ولها من الأجر العظيم والثواب الجسيم ما لا خفاء به على مؤمن والحمد لله وكفى بهذا توبيخا في أثرة الطعام واللعب على شهود صلاة الجماعة وهذا منه صلى الله عليه وسلم إنما كان قصدا إلى المنافقين وإشارة إليهم ألا ترى إلى قول ابن مسعود ولقد رأيتنا في ذلك الوقت وما يتأخر عنها إلا منافق معلوم نفاقه وما أظن أحدا من أصحابه الذين هم أصحابه حقا كان يتخلف عنه إلا لعذر بين هذا ما لا يشك فيه مسلم إن شاء الله.
وضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعظم السمين يريد بضعة اللحم السمين على عظمة المثل في التفاهة كما قال عز وجل: {وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ} يريد الشيء الكثير لم يرد القنطار بعينه {وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ} يريد الشيء الحقير القليل ولم يرد الدينار بعينه لا يؤده إليك.

(18/338)


وأما المرماتان فقيل هما السهمان وقيل هما حديدتان من حدائد كانوا يلعبون بها وهي ملس كالأسنة كانوا يثبتونها في الأكوام والأغراض ويقال لها فيما زعم بعضهم المذاجي
وقال أبو عبيد يقال إن المرماة ما بين ظلفي الشاة قال وهذا حرف لا أدري ما وجهه إلا أن هذا تفسيره ويروى المرماتين بكسر الميم وبفتحها واحدها مرماة مثل مرماة ذكر ذلك الأخفش وغيره.

(18/339)


الحديث والسادس والثلاثون
...
حديث سادس وثلاثون لأبي الزناد
مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "والذي نفسي بيده لوددت أني أقاتل في سبيل الله فأقتل ثم أحيا فأقتل ثم أحيا فأقتل فكان أبو هريرة يقول ثلاثا أشهد بالله" .
في هذا الحديث إباحة اليمين بالله على كل ما يعتقده المرء مما يحتاج فيه إلى يمين ومما لا يحتاج إليها ليس بذلك بأس على كل حال بدليل هذا الحديث لأن في اليمين بالله توحيدا وتعظيما وإنما يكره الحنث والاستخفاف.
وفيه إباحة تمني الخير والفضل من رحمة الله بما يمكن وما لا يمكن وهذا الحديث إنما معناه الذي من أجله خرج فضل الجهاد وفضل القتل في سبيل الله وفضل الشهادة وقد علمنا أن ذلك لا يحيط به كتاب فكيف أن يجمع في باب والله الموفق للصواب.

(18/340)


الحديث السابع والثلاثون
...
حديث سابع وثلاثون لأبي الزناد
مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "تكفل الله لمن جاهد في سبيله لا يخرجه من بيته إلا الجهاد في سبيله وتصديق كلماته أن يدخله الجنة أو يرده إلى مسكنه الذي خرج منه مع ما نال من أجر أو غنيمة" .
وفي هذا الحديث أيضا أصل عظيم وفضل جسيم للمجاهد في سبيل الله وفيه دليل على أن الأعمال لا يزكو منها إلا ما صحبته النية والإخلاص لله عز وجل والإيمان به.
وفي هذا الحديث دليل على أن الغنيمة لا تنقص من أجر المجاهد شيئا وأن المجاهد وافر الأجر غنم أو لم يغنم ويعضد هذا ويشهد له ما اجتمع على نقله أهل السير والعلم بالأثر أن النبي صلى الله عليه وسلم ضرب لعثمان وطلحة وسعيد بن زيد بأسهمهم يوم بدر وهم غير حاضري القتال.

(18/341)


فقال كل واحد منهم وأجري يا رسول الله قال وأجرك وأجمعوا أن تحليل الغنائم لهذه الأمة من فضائلها وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لم تحل الغنائم لقوم سود الرؤوس قبلكم" وقال صلى الله عليه وسلم: "فضلت بخصال" وذكر منها وأحلت لي الغنائم ولو كانت تحبط الأجر أو تنقصه ما كانت فضيلة له وقد ظن قوم أن الغنيمة تنقص من أجر الغانمين لحديث رووه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ما من سرية أسرت فأخفقت إلا كتب لها أجرها مرتين" قالوا وفي هذا الحديث ما يدل على أن العسكر إذا لم يغنم كان أعظم لأجره والله أعلم.
واحتجوا أيضا بما حدثنا أحمد بن قاسم وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا الحرث بن أبي أسامة قال حدثنا أبو عبد الرحمن المقرئ قال حدثنا حيوة عن أبي هانئ حميد بن هانئ الخولاني عن أبي عبد الرحمن الحبلي عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ما من غازية تغزو في سبيل الله فتصيب غنيمة إلا تعجلوا ثلثي أجرهم من الآخرة ويبقى لهم

(18/342)


الثلث فإن لم يصيبوا غنيمة تم لهم أجرهم" وهذا إنما فيه تعجيل بعض الأجر مع التسوية فيه للغنائم وغير الغانم إلا أن الغانم عجل له ثلثا أجره وهما مستويان في جملته وقد عوض الله من لم يغنم في الآخرة بمقدار ما فاته من الغنيمة والله يضاعف لمن يشاء هو أفضل من رجي وتوكل عليه لا إله إلا هو.

(18/343)


الحديث الثامن والثلاثون
...
حديث ثامن وثلاثون لأبي الزناد
مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "يضحك الله عز وجل إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر كلاهما يدخل الجنة يقاتل هذا في سبيل الله فيقتل ثم يتوب الله على القاتل فيقاتل فيستشهد" .
معنى هذا الحديث عند جماعة أهل العلم أن القاتل الأول كان كافرا وتوبته المذكورة في هذا الحديث إسلامه قال الله عز وجل: {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ} وفي هذا الحديث دليل على أن كل من قتل في سبيل الله فهو في الجنة لا محالة إن شاء الله حدثنا سعيد بن نصر وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا إسماعيل بن إسحاق قال

(18/344)


حدثنا سليمان بن حرب قال حدثنا حماد بن زيد عن أيوب عن محمد بن سيرين عن أبي العجفاء عن عمر بن الخطاب فذكر حديثا سمعه يقول قال وأخرى تقولونها يعني في مغازيكم هذه لمن يقتل قتل فلان شهيدا أو مات فلان شهيدا ولعله أن يكون قد أوقر دفتي راحلته ذهبا أو ورقا يبتغي الدنيا أو قال التجارة فلا تقولوا ذاكم ولكن قولوا كما قال النبي عليه السلام: "ومن قتل في سبيل الله أو مات فهو في الجنة" .
وكذلك الآثار المتقدمة كلها تدل على ذلك والله أعلم.
وذلك على قدر النيات وكل من قاتل لتكون كلمة الله العليا وكلمة الذين كفروا السفلى فهو في الجنة إن شاء الله.
وأما قوله: "يضحك الله" فمعناه يرحم الله عبده عند ذاك ويتلقاه بالروح والراحة والرحمة والرأفة وهذا مجاز مفهوم وقد قال الله عز وجل في السابقين الأولين والتابعين لهم بإحسان {رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ} وقال في المجرمين {فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ} وأهل العلم يكرهون الخوض في مثل هذا وشبهه من التشبيه كله في الرضا والغضب وما كان مثله من صفات المخلوقين وبالله العصمة والتوفيق.

(18/345)


الحديث التاسع والثلاثون
...
حديث تاسع وثلاثون لأبي الزناد
مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أترون قبلتي ههنا فوالله ما يخفى علي خشوعكم ولا ركوعكم إني لأراكم من وراء ظهري" .
هذا كما قال صلى الله عليه وسلم ولا سبيل إلى كيفية ذلك وهو علم من أعلام نبوته صلى الله عليه وسلم.
أخبرنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن قال أخبرنا عبد الحميد بن أحمد بن عيسى الوراق أخبرنا الخضر بن داود قال أخبرنا أبو بكر الأثرم قال قلت لأبي عبد الله يعني أحمد بن حنبل رحمه الله قول النبي صلى الله عليه وسلم: "إني أراكم من وراء ظهري" فقال كان يرى من خلفه كما يرى من بين يديه قلت له إن إنسانا قال لي هو في ذلك مثل غيره وإنما كان يراهم كما ينظر الإمام من عن يمينه وشماله فأنكر ذلك إنكارا شديدا.

(18/346)


حدثنا عبد الوارث بن سفيان حدثنا قاسم بن أصبغ.
حدثنا محمد بن وضاح حدثنا حامد بن يحيى حدثنا سفيان عن داود وحميد وابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله: {وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ} قال: كان النبي عليه السلام يرى من خلفه في الصلاة كما يرى من بين يديه.
قال وحدثنا موسى وأبو بكر قالا حدثنا وكيع عن سفيان عن ليث عن مجاهد قال كان يرى من خلفه كما يرى من أمامه.
قال وحدثنا موسى حدثنا وكيع عن سفيان عن أبيه عن عكرمة {وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ} قال ركوعه وسجوده قال معمر عن قتادة {السَّاجِدِينَ} في المصلين قال وقال عكرمة قائما وراكعا وساجدا وجالسا.
وذكر سنيد حدثنا حجاج عن ابن أبي ذئب عن عجلان عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "والذي نفسي بيده إني لأنظر إلى من ورائي كما أنظر إلى من بين يدي فسووا صفوفكم وأحسنوا ركوعكم وسجودكم" .

(18/347)


الحديث الموفي الأربعين
...
حديث موفى أربعين لأبي الزناد
مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا قال أحدكم آمين قالت الملائكة في السماء آمين فوافقت إحداهما الأخرى غفر له ما تقدم من ذنبه" .
قد مضى القول في معنى هذا الحديث في باب ابن شهاب فلا معنى لإعادته ههنا والحمد لله وقد جاء عن عكرمة ما هو تفسير لحديث أبي الزناد هذا وما كان مثله.
ذكر سنيد عن حجاج عن ابن جريج قال أخبرني الحكم بن أبان أنه سمع عكرمة يقول: "إذا أقيمت الصلاة فصف أهل الأرض صف أهل السماء فإذا قال قارئ الأرض ولا الضالين قالت الملائكة آمين فإذا وافقت آمين أهل الأرض آمين أهل السماء غفر لأهل الأرض ما تقدم من ذنوبهم".

(18/348)