Contents

الواجهة
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد
مقدمة
باب الألف
باب الثاء
باب الجيم
باب الحاء
باب الخاء
باب الدال
باب الراء
باب الزاي
تابع باب الزاء
تابع لحرف الزاء
تابع لحرف الزاء
باب الطاء
باب الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع حرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
باب النون
باب الصاد
باب الضاد
باب العين
تابع لحرف العين
تابع حرف العين
تابع لحرف العين
تابع لحرف العين
باب القاف
باب السين
باب الشين
باب الهاء
باب الواو
باب الياء
تابع باب الياء
باب الكني
باب بلاغات مالك ومرسلاته
باب مافي هذا الديوان من حديث مالك الذي ثبتت عليه أبوابه خاصة
الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج
الديباج - جزء 1
الديباج - جزء 2
الديباج - جزء 3
الديباج - جزء 4
الديباج - جزء 5
الديباج - جزء 6
المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج
المنهاج - مقدمة
المنهاج - الإيمان
المنهاج - الطهارة
المنهاج - الحيض
المنهاج - الصَّلَاة
المنهاج - المساجد ومواضع الصلاة
المنهاج - صلاة المسافرين وقصرها
المنهاج - بَاب صَلَاة الْجُمُعَة
المنهاج - بَاب صَلَاة الْعِيدَيْنِ
المنهاج - بَاب الدُّعَاء فِي صَلَاة الِاسْتِسْقَاء
المنهاج - بَاب صَلَاة الْكُسُوف
المنهاج - كِتَاب الْجَنَائِز
المنهاج - الزكاة
المنهاج - كِتَاب الصِّيَام
المنهاج - كِتَاب الِاعْتِكَاف
المنهاج - كِتَاب الْحَجّ
المنهاج - كِتَاب النِّكَاح
المنهاج - الرضاعة
المنهاج - الطلاق
المنهاج - اللِّعَان
المنهاج - العتق
المنهاج - البيوع
المنهاج - المساقاة
المنهاج - الفرائض
المنهاج - الهبات
المنهاج - الوصية
المنهاج - النذر
المنهاج - الأيمان
المنهاج - القسامة
المنهاج - الحدود
المنهاج - الأقضية
المنهاج - اللقطة
المنهاج - الجهاد والسير
المنهاج - الإمارة
المنهاج - الصيد والذبائح
المنهاج - كِتَاب الْأَضْاحَي
المنهاج - الأشربة
المنهاج - اللباس والزينة
المنهاج - الآداب
المنهاج - السلام
المنهاج - الألفاظ من الأدب وغيرها
المنهاج - الشعر
المنهاج - الرؤيا
المنهاج - الفضائل
المنهاج - فضائل الصحابة
المنهاج - البر والصلة والآداب
المنهاج - القدر
المنهاج - العلم
المنهاج - الذكر والدعاء
المنهاج - التوبة
المنهاج - صفات المنافقين
المنهاج - صفة القيامة والجنة والنار
المنهاج - الجنة وصفة نعيمها وأهلها
المنهاج - الفتن وأشراط الساعة
المنهاج - الزهد والرقائق
المنهاج - التفسير
تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي
أبواب الطهارة
أبواب الصلاة
تابع أبواب الصلاة
أبواب الوتر
أبواب الجمعة
تابع لأبواب الجمعة
أبواب العيدين
أبواب السفر
ابواب الزكاة
أبواب الصوم
أبواب الحج
تابع أبواب الحج
أبواب الجنائز
أبواب النكاح
أبواب الرضاع
أبواب الطلاق واللعان
ابواب البيوع
أبواب الأحكام
أبواب الديات
ابواب الحدود
تابع أبواب الحدود
أبواب الصيد
أبواب الأضاحي
أبواب النذور والأيمان
أبواب السير
أبواب الجهاد
أبواب اللباس
أبواب الأطعمة
أبواب الأشربة
تابع أبواب الأشربة
أبواب البر و الصله عن رسول الله صلى الله عليه و آله سلم
أبواب الطب عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الفرائض عن الرسول صلى الله عليه و سلم
أبواب الوصايا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الولاء و الهبة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب القدر عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم
أبواب الفتن عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الرؤيا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الشهادات عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
تابع لأبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صِفَةُ القِيامَة
أبواب صفة الجنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صفة جهنم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإيمان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب العلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإستئذان والآداب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب العلم
أبواب الأمثال
أبواب فضائل القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب القراءات عن رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم
أبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الدعوات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أحاديث شتى من أبواب الدعوات
المناقب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
مناقب الصحابة رضوان الله عليهم
تنوير الحوالك شرح موطأ مالك
كتاب وقوت الصلاة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب السهو
كتاب الجمعة
كتاب الصلاة في رمضان
كتاب صلاة الليل
كتاب صلاة الجماعة
كتاب قصر الصلاة في السفر
كتاب العيدين
كتاب صلاة الخوف
كتاب صلاة الكسوف
كتاب الاستسقاء
كتاب القبلة
كتاب القرآن
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب الجهاد
كتاب النذور و الأيمان
كتاب الضحايا
كتاب الذبائح
كتاب الصيد
كتاب العقيقة
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الرضاع
كتاب البيوع
كتاب القراض
كتاب المساقاة - كتاب كراء الأرض
كتاب الشفعة - كتاب الأقضية
كتاب الوصية - كتاب العتق والولاء
كتاب المكاتب - كتاب المدبر
كتاب الحدود
كتاب الأشربة - كتاب العقول
كتاب القسامة - كتاب الجامع
كتاب القدر - كتاب حسن الخلق
كتاب اللباس - كتاب صفة النبي
كتاب العين - كتاب الشعر
كتاب الرؤيا - كتاب السلام
كتاب الاستئذان والتشميت والصور والتماثيل وغيرها
كتاب البيعة - كتاب الكلام والعينة والتقى
كتاب جهنم - كتاب الصدقة
كتاب العلم - كتاب دعوة المظلوم - كتاب أسماء النبي
حاشية السندي على سنن ابن ماجة
المقدمة
الطَّهَارَة وَسُنَنهَا
الصلاة
الْأَذَان
المساجد والجماعات
أَبْوَاب إِقَامَة الصَّلَاة
الجنائز
الصوم
الزكاة
النكاح
الطلاق
الكفارات
التجارات
الأحكام
الحدود
الديات
الوصايا
الْفَرَائِض
الجهاد
المناسك
الْأَضَاحِيّ
الذبائح
الصيد
الأطعمة
الأشربة
الطب
اللباس
الْآدَاب
الدُّعَاء
تعبير الرؤيا
الْفِتَن
الزُّهْد
شرح سنن ابن ماجه لمغلطاي
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح رياض الصالحين
شرح رياض الصالحين - 01
شرح رياض الصالحين - 02
شرح رياض الصالحين - 03
شرح رياض الصالحين - 04
شرح سنن أبي داود للعيني
مقدمة التحقيق
كتاب الطهارة
كِتابُ الصَلاَةِ
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
عون المعبود شرح سنن أبي داود
كتاب الطهارة
تابع كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
كتاب الزكاة
تابع لكتاب الزكاة
كتاب اللقطة
كتاب المناسك
تابع لكتاب المناسك
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الصيام
تابع لكتاب الصيام
أول كتاب الجهاد
أول كتاب الضحايا
تابع كتاب الضحايا
أول كتاب الصيد
أول كتاب الوصايا
أول كتاب الفرائض
أول كتاب الخراج والفيء والإمارة
أول كتاب الجنائز
تابع لكتاب الجنائز
كتاب الأيمان والنذور
كتاب البيوع
كتاب الإجارة
كتاب القضاء
تابع لكتاب القضاء
كتاب العلم
كتاب الأشربة
كتاب الأطعمة
كتاب الطب
كتاب الكهانة والتطير
كتاب العتق
أول كتاب الحروف والقراءات
أول كتاب الحمام
أول كتاب اللباس
أول كتاب الترجل
أول كتاب الخاتم
أول كتاب الفتن والملاحم
أول كتاب المهدي
أول كتاب الملاحم
أول كتاب الحدود
أول كتاب الديات
أول كتاب السنة
تابع لكتاب السنة
أول كتاب الأدب
أبواب السلام
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن حجر
فتح الباري - هدي الساري مقدمة فتح الباري
فتح الباري - كتاب بدء الوحي
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب العلم
فتح الباري - كتاب الوضوء
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
فتح الباري - كتاب مواقيت الصلاة
فتح الباري - كتاب الأذان
فتح الباري - كتاب الجمعة
فتح الباري - كتاب الخوف
فتح الباري - كتاب العيدين
فتح الباري - كتاب الوتر
فتح الباري - كتاب الاستسقاء
فتح الباري - كتاب الكسوف
فتح الباري - كتاب سجود القرآن
فتح الباري - كتاب تقصير الصلاة
فتح الباري - كتاب التهجد
فتح الباري - كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة
فتح الباري - كتاب العمل في الصلاة
فتح الباري - كتاب السهو
فتح الباري - كتاب الجنائز
فتح الباري - كتاب الزكاة
فتح الباري - كتاب الحج
فتح الباري - كتاب العمرة
فتح الباري - كتاب المحصر
فتح الباري - كتاب جزاء الصيد
فتح الباري - كتاب فضائل المدينة
فتح الباري - كتاب الصوم
فتح الباري - كتاب صلاة التراويح
فتح الباري - كتاب فضل ليلة القدر
فتح الباري - كتاب الإعتكاف
فتح الباري - كتاب البيوع
فتح الباري - كتاب السلم
فتح الباري - كتاب الشفعة
فتح الباري - كتاب الإجارة
فتح الباري - كتاب الحرث والمزارعة
فتح الباري - كتاب المساقاة
فتح الباري - كتاب الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس
فتح الباري - كتاب الخصومات
فتح الباري - كتاب اللقطة
فتح الباري - كتاب المظالم
فتح الباري - كتاب الشركة
فتح الباري - كتاب الرهن
فتح الباري - كتاب العتق
فتح الباري - كتاب المكاتب
فتح الباري - كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها
فتح الباري - كتاب الشهادات
فتح الباري - كتاب الصلح
فتح الباري - كتاب الشروط
فتح الباري - كتاب الوصايا
فتح الباري - كتاب الجهاد و السير
فتح الباري - كتاب فرض الخمس
فتح الباري - كتاب الجزية و الموادعة
فتح الباري - كتاب بدء الخلق
فتح الباري - كتاب أحاديث الأنبياء
فتح الباري - كتاب المناقب
فتح الباري - كتاب فضائل الصحابة
فتح الباري - كتاب مناقب الأنصار
فتح الباري - كتاب المغازي
فتح الباري - كتاب التفسير
فتح الباري - كتاب فضائل القرآن
فتح الباري - كتاب النكاح
فتح الباري - كتاب الطلاق
فتح الباري - كتاب النفقات
فتح الباري - كتاب الأطعمة
فتح الباري - كتاب العقيقة
فتح الباري - كتاب الذبائح والصيد
فتح الباري - كتاب الأضاحي
فتح الباري - كتاب الأشربة
فتح الباري - كتاب المرضى
فتح الباري - كتاب الطب
فتح الباري - كتاب اللباس
فتح الباري - كتاب الأدب
فتح الباري - كتاب الإستئذان
فتح الباري - كتاب الدعوات
فتح الباري - كتاب الرقاق
فتح الباري - كتاب القدر
فتح الباري - كتاب الأيمان والنذور
فتح الباري - كتاب كفارات الأيمان
فتح الباري - كتاب الفرائض
فتح الباري - كتاب الحدود
فتح الباري - كتاب الديات
فتح الباري - كتاب استتابة المرتدين
فتح الباري - كتاب الإكراه
فتح الباري - كتاب الحيل
فتح الباري - كتاب التعبير
فتح الباري - كتاب الفتن
فتح الباري - كتاب الأحكام
فتح الباري - كتاب التمني
فتح الباري - كتاب أخبار الأحاد
فتح الباري - كتاب الإعتصام بالسنة
فتح الباري - كتاب التوحيد
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن رجب
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
مقدمة
خطبة الكتاب
كتاب الإيمان
كتاب العلم
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصوم
كتاب فضائل القرآن
كتاب الدعوات
كتاب المناسك
كتاب البيوع
كتاب الفرائض والوصايا
كتاب النكاح
كتاب العتق
كتاب القصاص
كتاب الديات
كتاب الحدود
كتاب الإمارة والقضاء
كتاب الجهاد
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأطعمة
كتاب اللباس
كتاب الطب والرقى
كتاب الرؤيا
كتاب الآداب
كتاب الرقاق
كتاب الفتن
كتاب صفة القيامة والجنة والنار
كتاب الفضائل والشمائل
كتاب المناقب

 
عودة لموقع هاني الطنبور
هاني الطنبور
الصفحة السابقة الصفحة التالية
 
 

 

التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد

المجلد التاسع عشر
تابع حرف العين
تابع عبد الله بن ذكوان
حديث واحد وأربعون لأبي الزناد
...
حديث حاد وأربعون لأبي الزناد.
مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا يمنع فضل الماء ليمنع به الكلأ".
قد مضى القول في معنى هذا الحديث مبسوطا ممهدا في باب أبي الرجال محمد بن عبد الرحمن من كتابنا هذا عند قول رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا يمنع نقع بئر" وفي هذا الحديث دليل على أن الناس شركاء في الكلأ وهو في معنى الحديث الآخر الناس شركاء في الماء والنار والكلأ إلا أن مالكا رحمه الله ذهب إلى أن ذلك في كلأ الفلوات والصحاري وما لا تملك رقبة الأرض فيه وجعل الرجل أحق بكلأ أرضه إن أحب المنع منه فإن ذلك له وغيره يقول الكلأ حيث صار غير مملوك ومن سبق إليه بالقطع كان له في أرض مملوكة أو غير مملوكة.
قال أبو عمر:
لما نهي الرجل عن منع فضل ماء قد حازه بالاحتقار لئلا يمنع ما ليس له منعه دل على أن ذلك والله اعلم كما قال مالك أنه فيما لا يملك من

(19/1)


الفلوات وأن ذلك الماء ماء الآبار المحتفرة هناك لسقي المواشي في أرض غير مملوكة من الموات دون الفلوات فيكون لحافر البئر هناك حق التبدئة ولا يمنع فضل ذلك الماء لأن في منعه ذلك حمى مال ليس يملكه من الكلأ هنالك وقد مضى ما للعلماء في هذا المعنى في باب أبي الرجال والحمد لله
وقد ذكر عبد الملك بن حبيب عمن لقي من أصحاب مالك أن تأويل قوله عليه السلام "لا يمنع نقع بئر" وتأويل الحديث الآخر لا يمنع رهو بئر وقوله عليه السلام لا يمنع فضل الماء ليمنع به الكلأ معنى هذه الثلاثة الأحاديث واحد قال فأما تأويل قوله "لا يمنع نقع بئر" فهو أن يحتفر الرجل البئر في الفلاة من الأرض التي ليست ملكا لأحد وإنما هي مرعى للمواشي فيريد أن يمنع ماشية غيره أن تسقى بماء تلك البئر قال وفيها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يمنع فضل الماء ليمنع به الكلأ" قال يقول إذا منع حافر تلك البئر فضل مائها بعد ري ماشيتها فقد منع الكلأ الذي حول البئر لأن أحدا لا يرعى حيث لا يكون لماشيته ماء تشربه قال ويجب على حافر البئر أن لا يمنع من له ماشية ترعى في ذلك الكلأ والفلاة أن يسقوا ماشيتهم من فضل ماء تلك البئر التي انفرد بحرفها دونهم قال ويجبر على ذلك وإن لم يكونوا أعانوه على حفر تلك البئر إلا أنه المبدأ بسقي ماشيته لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعله المبدأ في ذلك الماء أن يسقي ماشيته قبل غيره ولا يمنع فضله غيره قال وذريته وذرية ذريته على مثل حاله في تقديمهم على غيرهم ولا بيع لهم في ذلك ولا ميراث إلا التبدئة بالانتفاع في مائها قال وأما الرجل يحتفر في أرض نفسه وملكه بئرا فله أن يمنع ماءها أوله وآخره ولا حق لأحد فيها معه إلا أن يتطوع كذلك فسر لي في جميع ذلك من لقيت من أصحاب مالك.
قال أبو عمر:
أما قوله إن معنى حديث النبي صلى الله عليه وسلم " لا يمنع نقع بئر" وحديثه الآخر:

(19/2)


لا يمنع فضل الماء ليمنع به الكلأ تأويلهما ومعناهما واحد فهو كما قال ولكن قوله صلى الله عليه وسلم: "لا يمنع فضل الماء ليمنع به الكلأ" لم يختلف قول مالك أنها آبار الماشية في الفلوات ومواضع الكلأ قال لأنه إذا منع فضل ماء بئر الماشية لم يستطع أحد أن يرعى في الكلأ بغير ماء يسقي به ماشيته ولو منع من فضل ذلك الماء منع فضل الكلأ الذي حوله قال مالك ولا أرى أن يحل بيع ماء بئر الماشية.
قال وأما بئر الزرع فلا بأس ببيع مائها وقال في بئر الزرع وبئر النخل إنه لا يكره ربها على أن يسقي فضل مائها غيره وأنه لحسن أن يفعل إلا إن تعذر بئر جاره فهو يكره على أن يسقيه فضل مائه لئلا يهلك زرعه ونخله حتى يصلح بئره.
قال ابن وهب وسمعت مالك وسئل عن تفسير قول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يمنع نقع بئر" فقال مالك بئر الرجل تنهار فيقل ماؤها فلا يمنعه جار أن يسقي أرضه من بئره حتى يصلح بئره وقال هذا تفسيره في رأيي قال وسئل مالك عن قول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يمنع فضل الماء ليمنع به الكلأ" فقال مالك يكون الكلأ بالموضع ويكون فيه الماء للرجل فيأتي آخر بغنمه ليرعى في ذلك الكلأ فيمنعه ذلك أن يسقي من مائه قال ولو قدر الناس على هذا لحموا بلادهم ولم يدعوا أحدا يدخل عليهم في الكلأ وقد تقدم القول في ذلك كله بما لفقهاء الأمصار فيه من المذاهب والأقوال والاعتلال والاعتبار في باب أبي الرجال من كتابنا هذا فمن تأمله هناك اكتفى به إن شاء الله.
قال ابن وهب قال مالك لا تباع مياه الماشية إنما تشرب منها الماشية وأبناء السبيل ولا يمنع منها أحد وقد كان يكتب على من احتفرها أن أول من يشرب منها أبناء السبيل قال وكذلك جباب البادية التي تكون للماشية فقيل لمالك أفرأيت الجباب التي تجعل لماء السماء قال فذلك أبعد

(19/3)


حديث ثان وأربعون لأبي الزناد.
مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا صلى أحدكم بالناس فليخفف فإن فيهم الضعيف والسقيم والكبير وإذا صلى أحدكم لنفسه فليطول ما شاء".
أكثر الرواة عن مالك في الموطأ لا يقولون في هذا الحديث والكبير وقاله جماعة منهم يحيى وقتيبة وهكذا رواية أبي الزناد من حديث مالك وغيره لم يذكر في حديثه هذا وذا الحاجة وهو محفوظ من حديث أبي هريرة أيضا وأبي مسعود وعثمان بن أبي العاص.
حدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا ابن وضاح قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا علي بن مسهر عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا كان أحدكم إماما فليخفف فإن وراءه الكبير والضعيف وذا الحاجة فإذا صلى أحدكم لنفسه فيطول ما شاء".
وأكثر ما في هذا الحديث أمر الأئمة بالتخفيف وترك التطويل لعلل قد بانت في قوله: "فإن فيهم الكبير والسقيم والضعيف وذا الحاجة" والتخفيف لكل إمام أمر مجتمع عليه مندوب عند العلماء إليه إلا أن ذلك إنما هو أقل

(19/4)


الكمال وأما الحذف والنقصان فلا لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نهى عن نقر الغراب ورأى رجلا يصلي ولم يتم ركوعه وسجوده فقال له ارجع فصل فإنك لم تصل.
وقال صلى الله عليه وسلم: "لا ينظر الله عز وجل إلى من لا يقيم صلبه في ركوعه وسجوده". وقال أنس كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أخف الناس صلاة في تمام.
حدثنا محمد بن إبراهيم حدثنا محمد بن معاوية حدثنا أحمد بن شعيب أخبرنا قتيبة بن سعيد حدثنا أبو عوانة عن قتادة عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان أخف الناس صلاة في تمام.
وروي هذا عن أنس من وجوه وقد رواه عبد الملك بن بديل عن مالك عن ابن شهاب عن أنس فهو غريب من حديث مالك غير محفوظ له وعبد الملك بن بديل شامي ليس بالمشهور بحمل العلم ولا ممن تعرف له جرحة يجب بها رد روايته والله أعلم.
حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن إسماعيل قال حدثنا عبد الله بن صالح قال حدثنا الليث قال حدثني يزيد بن أبي حبيب أن جعفر بن عبد الله بن الحكم حدثه عن تميم بن محمود الليثي عن عبد الرحمن بن شبل الأنصاري أنه قال: "إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن نقر الغراب وافتراش السبع" .

(19/5)


وحدثنا عبد الوارث بن سفيان وأحمد بن قاسم قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا الحرث بن أبي أسامة قال حدثنا يعلى قال حدثني عبد الحكم عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "اعتدلوا في الركوع والسجود ولا يفترش أحدكم ذراعيه افتراش الكلب"
وحدثنا سعيد بن نصر وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثنا قاسم بن محمد قال حدثنا إسماعيل بن إسحاق قال حدثنا سليمان بن حرب وعارم قالا حدثنا مهدي بن ميمون قال أخبرنا واصل الأحدب عن أبي وائل قال رأى حذيفة رجلا يصلي لا يتم ركوعه ولا سجوده فلما انصرف دعاه فقال مذ كم صليت هذه الصلاة قال صليتها منذ كذا وكذا فقال حذيفة ما صليت أو قال ما صليت لله وأحسبه قال وإن مت مت على غير سنة محمد صلى الله عليه وسلم.
حدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا حفص بن عمر النمري قال حدثنا شعبة عن سليمان عن عمارة بن عمير عن أبي معمر عن أبي مسعود البدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تجزئ صلاة الرجل حتى يقيم ظهره في الركوع والسجود".
قال أبو عمر:
في حديث أبي هريرة ورفاعة بن رافع عن النبي صلى الله عليه وسلم: "في تعليم الأعرابي ثم اركع فاعتدل قائما ثم اسجد فاعتدل ساجدا ثم اجلس فاطمئن جالسا ثم اسجد فاعتدل فإذا صليت صلاتك على هذا فقد أتممت صلاتك" وقد ذكرنا هذا الخبر في غير موضع من كتابنا والحمد لله واختلف

(19/6)


الفقهاء فيمن صار من الركوع إلى السجود ولم يرفع رأسه فروى ابن وهب عن مالك أنه لا يجزئه قال ويلغي تلك الركعة ولا يعتد بها من صلاته إن لم يرفع صلبه.
وروى ابن عبد الحكم عنه إذا رفع رأسه من الركوع ثم أهوى ساجدا قبل أن يعتدل أنه يجزئه وقال ابن القاسم ومن رفع رأسه من الركوع ولم يعتدل قائما حتى خر ساجدا فليستغفر الله ولا يعد فإن خر من الركوع إلى السجود ولم يرفع شيئا فلا يعتد بتلك الركعة وهو قول مالك.
قال ابن القاسم ومن رفع رأسه من السجود فلم يعتدل جالسا حتى سجد أخرى فليستغفر الله ولا يعد ولا شيء عليه في صلاته
قال ابن القاسم وأحب إلي في الذي خر من الركعة ساجدا قبل أن يرفع رأسه أن يتمادى مع الإمام ثم يعيد الصلاة.
وقال عيسى بن دينار إن فعل ذلك في الركعة الأولى قطع صلاته وابتدأها وإن فعل ذلك في الركعة الثانية جعلها نافلة وسلم وإن فعل ذلك في الركعة الثالثة أتم صلاته وجعلها نافلة ثم أعادها بتمام ركوعها وسجودها وهذا فيمن صلى وحده وأما من صلى مع الإمام وفعل مثل ذلك تمادى معه ثم أعادها.
قال أبو عمر: لا معنى للفرق بين الركعة الأولى وغيرها في أثر ولا نظر وكذلك لا معنى لقول من صيرها نافلة والصواب إلغاء تلك الركعة على ما روى ابن وهب وغيره عن مالك لأن الاعتدال فرض كالركوع والسجود ألا ترى إلى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم "ارفع حتى تعتدل قائما ثم اسجد حتى

(19/7)


تطمئن ساجدا ثم اجلس حتى تعتدل جالسا" وقد ذكرنا هذا الخبر فيما سلف من هذا الكتاب.
وقال صلى الله عليه وسلم "لا تجزئ رجلا صلاته حتى يقيم فيها ظهره في ركوعه وسجوده".
وقال أبو حنيفة فيمن صار من الركوع إلى السجود ولم يرفع رأسه أنه يجزئه وقال أبو يوسف لا يجزئه وقال الثوري والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق وداود والطبري إذا لم يرفع رأسه من الركوع لم يعتد بتلك الركعة حتى يقوم فيعتدل صلبه قائما.
قال أبو عمر:
أحاديث هذا الباب تدل على صحة هذا القول وما روى فيه ابن وهب عن مالك هو الصواب وعليه العلماء ورواية ابن عبد الحكم قد روى مثلها ابن القاسم ولا أعلم أحدا تقدم إلى هذا القول غير أبي حنيفة والأحاديث المرفوعة في هذا الباب ترده وبالله التوفيق.
أخبرنا عبد الله بن محمد قال حدثنا حمزة بن محمد قال حدثنا أحمد بن شعيب قال أخبرنا إسماعيل بن مسعود قال حدثنا خالد وهو ابن الحرث عن ابن أبي ذئب قال أخبرنا الحرث بن عبد الرحمن عن سالم ابن عبد الله عن عبد الله بن عمر قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا بالتخفيف ويؤمنا بالصافات.
قال أبو عمر: زاد بعضهم في هذا الحديث في الصبح وقد قيل في المغرب ولا حد في إكمال الصلاة وتخفيفها أكثر من الاعتدال في الركوع

(19/8)


والسجود والجلوس وأقل ما يجزئ من القراءة فاتحة الكتاب بقراءة تفهم حروفها.
قال ابن القاسم عن مالك في الركوع إذا أمكن يديه من ركبتيه وإن لم يسبح فهو مجزئ عنه وكان لا يوقت تسبيحا.
وقال الشافعي أقل ما يجزئ من عمل الصلاة أن يحرم ويقرأ بأم القرآن إن أحسنها ويركع حتى يطمئن راكعا ويرفع حتى يعتدل قائما ويسجد حتى يطمئن ساجدا على الجبهة ثم يرفع حتى يعتدل جالسا ثم يسجد الأخرى كما وصفت ثم يقوم حتى يفعل ذلك في كل ركعة ويجلس في الرابعة ويتشهد ويصلي على النبي عليه السلام ويسلم تسليمة يقول السلام عليكم فإذا قعل قعل ذلك أجزأته صلاته وقد ضيع حظ نفسه فيما ترك.
قال أبو عمر: أما التشهد والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم والتسليم فيختلف في ذلك وقد ذكرناه فيما سلف من كتابنا هذا في مواضع منه والحمد لله
قال أبو عمر لا أعلم بين أهل العلم خلافا في استحباب التخفيف لكل من أم قوما على ما شرطنا من الإتيان بأقل ما يجزئ والفريضة والنافلة عند جميعهم سواء في إستحباب التخفيف فيما إذا صليت جماعة بإمام إلا ما جاء في صلاة الكسوف على سنتها على ما قد بينا من مذاهب العلماء في ذلك في باب زيد ابن أسلم والحمد لله.
روى مطرف بن الشخير عن عثمان بن أبي العاصي قال: " أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أؤم الناس وأن أقدرهم بأضعفهم فإن فيهم الكبير والسقيم

(19/9)


والضعيف وذا الحاجة" ذكره الشافعي عن ابن عيينة عن محمد بن إسحاق عن سعيد بن أبي هند عن مطرف بن عبد الله بن الشخير عن عثمان بن أبي العاصي وأحسن شيء روي عندي في تخفيف الصلاة والتجوز فيها من أجل الحاجة والحادث يعرض حديث أنس مع حديث أبي الزناد المذكور في هذا الباب.
حدثنا عبد الله بن محمد بن أسد قال حدثنا سعيد بن عثمان بن السكن قال حدثنا محمد بن يوسف قال حدثنا البخاري قال حدثنا ابن بشار قال حدثنا ابن أبي عدي عن سعيد عن قتادة عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إني لأدخل الصلاة فأريد إطالتها فأسمع بكاء صبي فأتجوز لما أعلم من شدة وجد أمه من بكائه".
وحديث أبي قتادة حدثنا محمد بن إبراهيم قال حدثنا محمد بن معاوية قال حدثنا ابن شعيب قال أخبرنا سويد بن نصر قال أخبرنا عبد الله بن المبارك عن الأوزاعي قال حدثنا يحيى بن أبي كثير عن عبد الله ابن أبي قتادة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إني لأقوم في الصلاة فأسمع بكاء الصبي فأتجوز في صلاتي كراهية أن أشق على أمه" فإذا جاز التخفيف والتجوز في الصلاة لمثل ما في هذا الحديث فكذلك يجوز ويجب من أجل الضعيف والكبير وذي الحاجة فكيف وقد ورد فيه النص الثابت والحمد لله.
حدثنا محمد بن عبد الملك قال حدثنا ابن الأعرابي قال حدثنا سعيد ابن نصر حدثنا سفيان بن عيينة عن إسماعيل عن قيس عن أبي مسعود قال: "جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال إني لأتخلف عن صلاة الصبح".

(19/10)


مما يطول بنا فلان فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن منكم منفرين فأيكم أم الناس فيخفف فإن فيهم الكبير والسقيم وذا الحاجة".
وذكر البخاري عن محمد بن يوسف الفريابي عن سفيان عن إسماعيل عن قيس عن أبي مسعود مثله.
وروى شعبة عن محارب بن دثار قال سمعت جابر بن عبد الله قال أقبل رجل من الأنصار ومعه ناضحان له وقد جنحت الشمس ومعاذ يصلي المغرب فدخل معه في الصلاة فاستفتح معاذ البقرة أو النساء محارب الذي يشك فلما رأى ذلك الرجل صلى ثم خرج قال فبلغه أن معاذا نال منه قال فذكر ذلك للنبي عليه السلام فقال: "أفتان يا معاذ أفتان يا معاذ هلا قرأت ب سبح اسم ربك الأعلى والشمس وضحاها فإن وراءك الكبير وذا الحاجة والضعيف" ذكره أحمد ابن حنبل وبندار جميعا عن غندر عن شعبة.
وحدثناه أحمد بن قاسم حدثنا ابن حبابة حدثنا البغوي حدثنا علي ابن الجعد حدثنا شعبة فذكره سواء.
وقد روي عن عمر بن الخطاب أنه قال لا تبغضوا الله إلى عبادة يطول أحدكم في صلاته حتى يشق على من خلفه في كلام هذا معناه قرأت على أحمد بن فتح أن عبد الله بن زكرياء النيسابوري حدثهم قال حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن يونس حدثنا يوسف بن سعيد بن مسلم حدثنا

(19/11)


حجاج عن ابن جريج قال أخبرني زايد عن ابن عجلان قال حدثين بكير بن عبد الله بن الأشج قال حدثني معمر بن أبي حبيبة عن عبيد الله بن عدي بن الخيار عن عمر بن الخطاب أنه قال أيها الناس لا تبغضوا الله إلى عباده فقال قائل منهم وكيف ذلك قال يكون الرجل إماما للناس يصلي بهم فلا يزال يطول عليهم حتى يبغض إليهم ما هم فيه أو يجلس قاصا فلا يزال يطول عليهم حتى يبغض إليهم ما هم فيه.

(19/12)


حديث ثالث وأربعون لأبي الزناد.
مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "والذي نفسي بيده لا يكلم أحد في سبيل الله والله أعلم بمن يكلم في سبيله إلا جاء يوم القيامة وجرحه يثعب دما اللون لون دم والريح ريح مسك".
هذا من أحسن حديث في فضل الغزو في سبيل الله والحض على الثبوت عند لقاء العدو وأما قوله لا يكلم فمعناه لا يجرح أحد في سبيل الله والكلوم الجراح معروف ذلك في لسان العرب معرفة يستغنى بها عن الاستشهاد عليها بشيء ومن أملح ما جاء في ذلك قول حسان بن ثابت يصف امرأة ناعمة طرية س زعم أن الذر لو مشى عليها لجرحها جراحا تصيح منها وتندب نفسها فقال:
لو يدب الحولي من ولد الذر ... عليها لأندبتها الكلوم

(19/13)


وأما قوله "يثعب دما" فمعناه ينفجر دما.
وأما قوله "في سبيل الله" فالمراد به الجهاد والغزو وملاقاة أهل الحرب من الكفار على هذا خرج الحديث ويدخل فيه بالمعنى كل من خرج في سبيل بر وحق وخير مما قد أباحه الله كقتال أهل البغي الخوارج واللصوص والمحرابين أو أمر بمعروف أو نهي عن منكر ألا ترى إلى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم "من قتل دون ماله فهو شهيد" وفي قوله عليه السلام "والله أعلم بمن يكلم في سبيله" دليل على أن ليس كل من خرج في الغزو تكون هذه حاله حتى تصح نيته ويعلم الله من قلبه أنه خرج يريد وجهه ومرضاته لا رياء ولا سمعة ولا مباهاة ولا فخرا.
وفي هذا الحديث أيضا دليل على أن الشهيد يبعث على حاله التي قبض عليها ويحتمل أن يكون ذلك في كل ميت والله أعلم يبعث على حاله التي مات فيها إلا أن فضل الشهيد المقتول في سبيل الله بين الصفين أن يكون ريح دمه كريح المسك وليس كذلك دم غيره.
ومن قال إن الموتى جملة يبعثون على هيئاتهم احتج بحديث يحيى بن أيوب عن ابن الهادي عن محمد بن إبراهيم عن مسلمة عن أبي سعيد الخدري أنه لما حضرته الوفاة دعا بثياب جدد فلبسها ثم قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "إن الميت يبعث في ثيابه التي يموت فيها" وهذا قد يحتمل أن يكون أبو سعيد سمع الحديث في الشهيد فتأوله على العموم ويكون الميت المذكور في حديثه هو الشهيد الذي أمر أن يزمل بثيابه ويدفن فيها ولا يغسل عنه دمه ولا يغير شيء من حاله بدليل حديث ابن عباس وغيره عن النبي أنه قال "إنكم محشورون يوم القيامة حفاة عراة غرلا" ثم

(19/14)


قرأ كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين وأول من يكسى يوم القيامة إبراهيم فلهذا الحديث وشبهه تأولنا في حديث أبي سعيد ما ذكرنا والله أعلم.
وقد كان بعضهم يتأول في حديث أبي سعيد أنه يبعث على العمل الذي يختم له به وظاهره على غير ذلك والله أعلم.
وقد استدل جماعة من أهل العلم بهذا الحديث وما كان مثله في سقوط غسل الشهيد المقتول في دار الحرب بين الصفين ولا حاجة بنا إلى الاستدلال في ترك غسل الشهداء الموصوفين بذلك مع وجود النص فيهم وسيأتي ما للعلماء في غسل الشهداء والصلاة عليهم في بلاغات مالك من هذا الكتاب إن شاء الله.
أخبرنا عبد الله بن محمد أخبرنا محمد بن بكر حدثنا أبو داود حدثنا أحمد بن حنبل حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة قال سمعت عبد ربه يحدث عن الزهري عن ابن جابر عن جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال في قتلى أحد: "لا تغسلوهم فإن كل جرح أو دم يفوح مسكا يوم القيامة ولم يصل عليهم".
قال أبو داود الذي تفرد به من هذا الحديث قوله لا تغسلوهم واختلف عن الزهري في الإسناد في هذا المعنى وقد ذكرنا بعض ذلك في بلاغات مالك والحمد لله
وزعمت طائفة بأن في هذا الحديث دليلا على أن الماء إذا تغيرت رائحته بشيء من النجاسات ولونه لم يتغير أن الحكم للرائحة دون اللون فزعموا أن الاعتبار باللون في ذلك لا معنى له لأن دم الشهيد يوم القيامة يجيء

(19/15)


ولونه كلون الدماء ولكن رائحته فصلت بينه وبين سائر الدماء وكان الحكم لها فاستدلوا في زعمهم بهذا الحديث على أن الماء إذا تغير لونه لم يضره وهذا لا يفهم منه معنى تسكن النفس إليه ولا في الدم معنى الماء فيقاس عليه ولا يشتغل بمثل هذا من له فهم وإنما اغترت هذه الطائفة بأن البخاري ذكر هذا الحديث في باب الماء والذي ذكره البخاري لا وجه له يعرف وليس من شأن أهل العلم اللغو به وإشكاله وإنما شأنهم إيضاحه وبيانه وبذلك أخذ الميثاق عليهم لتبيننه للناس ولا تكتمونه وفي كتاب البخاري أبواب لو لم تكن فيه كان أصح لمعانيه والله الموفق للصواب والماء لا يخلو تغيره من أن يكون بنجاسة أو بغير نجاسة فإن كان بنجاسة فقد أجمع العلماء على أنه غير طاهر ولا مطهر وكذلك أجمعوا أنه إذا تغير بغير نجاسة أنه طاهر على أصله وقال الجمهور إنه غير مطهر إلا أن يكون تغيره من تربته وحماته وما أجمعوا عليه فهو الحق الذي لا إشكال فيه ولا التباس معه وقد ذكرنا حكم الماء عند العلماء واجتلبنا مذاهبهم في ذلك والاعتلال لأقوالهم في باب إسحاق بن أبي طلحة من كتابنا هذا والحمد لله.

(19/16)


حديث رابع وأربعون لأبي الزناد.
مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر يوم الجمعة فقال "فيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم وهو قائم يصلي يسأل الله شيئا إلا أعطاه إياه وأشار رسول الله بيده يقللها".
هكذا يقول عامة رواة الموطأ في هذا الحديث وهو قائم يصلي إلا قتيبة بن سعيد وأبا مصعب فإنهما لم يقولا في روايتهما لهذا الحديث عن مالك وهو قائم ولا قاله ابن أبي أويس في هذا الحديث عن مالك ولا قاله التنيسي وإنما قالوا فيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم يسال الله فيها شيئا إلا أعطاه وبعضهم يقول أعطاه إياه والمعروف في حديث أبي الزناد هذا قوله وهو قائم من رواية مالك وغيره.
وكذلك رواه ورقاء في نسخته عن أبي الزناد وكذلك رواه ابن سيرين عن أبي هريرة.
أخبرنا عبد الله بن محمد بن يوسف قال أخبرنا عبيد الله بن محمد بن أبي غالب قال أخبرنا محمد بن بدر قال أخبرنا رزق الله بن موسى قال حدثنا

(19/17)


ورقاء بن عمر عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في الجمعة ساعة لا يوافقها عبد مسلم وهو قائم يصلي يسأل الله شيئا إلا أعطاه إياه قال وأشار رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده وقبض أصابعه كأنه يقللها.
وأخبرنا محمد بن إبراهيم قال حدثنا محمد بن معاوية قال حدثنا أحمد ابن شعيب قال أخبرنا عمرو بن زرارة وحدثنا أحمد بن محمد قال حدثنا أحمد بن الفضل قال حدثنا محمد بن جرير قال حدثني يعقوب بن إبراهيم قالا أخبرنا إسماعيل عن أيوب عن محمد عن أبي هريرة قال: قال أبو القاسم صلى الله عليه وسلم: "إن في الجمعة ساعة لا يوافقها مسلم قائم يصلي يسأل الله شيئا إلا أعطاه إياه" قلنا ما يقللها قال يزهدها وغيره يقول يصغرها كأنه يشير إلى ضيق وقتها.
وقد روى ابن جريج عن عطاء أنه سمع أبا هريرة يقول في الجمعة ساعة لا يسأل الله فيها المسلم شيئا وهو يصلي إلا أعطاه قال ويقول أبو هريرة بيده يقللها هكذا موقوفا.
في هذا الحديث دليل على فضل يوم الجمعة ودليل على أن بعضه أفضل من بعض لأن تلك الساعة أفضل من غيرها وإذا جاز أن يكون يوم أفضل من يوم جاز أن تكون ساعة أفضل من ساعة والفضائل لا تدرك بقياس وإنما فيها التسليم والتعلم والشكر.
وأما قوله فيه وهو قائم يصلي فإنه يحتمل القيام المعروف ويحتمل أن يكون القيام ههنا المواظبة على الشيء لا الوقوف من قوله عز وجل {مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِماً} أي مواظبا بالاختلاف والاقتضاء وإلى هذا

(19/18)


التأويل يذهب من قال إن الساعة بعد العصر لأنه ليس بوقت صلاة ولكنه وقت مواظبة في انتظارها ومن هذا قول الأعشى:
يقوم على الوغم في قومه ... ويعفو إذا شاء أو ينتقم
لم يرد بقوله ههنا يوم الوقوف من غير شيء ولكنه أراد المطالبة بالوغم حتى يدركه بالمواظبة عليه.
وأما الساعة المذكورة في يوم الجمعة فاختلف فيها فقال قوم رفعت وهذا عندنا غير صحيح.
حدثنا أحمد بن محمد بن أحمد قال أخبرنا أحمد بن الفضل قال حدثنا محمد بن جرير قال حدثنا عبيد بن محمد الوراق قال حدثنا روح بن عبادة قال حدثنا ابن جريج قال أخبرني داود أبي عاصم عن عبد الله بان أنيس عن مولى معاوية قال قلت لأبي هريرة زعموا أن الساعة التي في يوم الجمعة التي لا يدعو فيها المسلم إلا استجيب له قد رفعت قال كذب من قال ذلك قلت فهي في كل جمعة أستقبلها قال نعم هكذا قال عبد الله بن أنيس.
وذكر سنيد عن حجاج عن ابن جريج قال أخبرني داود بن أبي عاصم عن عبد الله بن أنيس مولي معاوية قال قلت لأبي هريرة زعموا أن الساعة فذكر مثله سواء.
قال أبو عمر:
على هذا القول جماعة العلماء إلا أنها اختلفت فيها الآثار وعلماء

(19/19)


الأمصار فذهب عبد الله بن سلام إلى أنها بعد العصر إلى غروب الشمس وتابعه على ذلك قوم.
ومن حجة من ذهب إلى ذلك ما حدثناه عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا أحمد بن صالح قال حدثنا ابن وهب قال أخبرني عمرو بن الحرث أن الجلاح مولى عبد العزيز بن مروان حدثه أن أبا سلمة بن عبد الرحمن حدثه عن جابر بن عبد الله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال "يوم الجمعة ثنتا عشر يريد ثنتا عشرة ساعة فيها ساعة لا يوجد مسلم يسأل الله فيها شيئا إلا أتاه فالتمسوها آخر ساعة بعد العصر".
قال أبو عمر:
يقال إن قوله في هذا الحديث فاتلمسوها آخر ساعة بعد العصر من قول أبي سلمة وأبو سلمة هو الذي روى حديث أبي هريرة وقصته مع كعب وعبد الله بن سلام في الساعة التي في يوم الجمعة وسيأتي حديثه ذلك في باب يزيد بن الهادي من كتابنا هذا إن شاء الله.
وقال آخرون الساعة المذكورة في يوم الجمعة هي ساعة الصلاة وحينها من الإقامة إلى السلام واحتجوا بما حدثناه سعيد بن نصر وعبد الوارث ابن سفيان قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن وضاح قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا خالد بن مخلد.
وحدثنا أحمد بن محمد قال حدثنا أحمد بن الفضل قال حدثنا محمد بن جرير قال حدثنا زياد بن أيوب قال حدثنا أبو عامر قالا حدثنا كثير بن

(19/20)


عبدالله عن أبيه عن جده قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "إن في الجمعة ساعة من النهار لا يسأل العبد فيها شيئا إلا أعطي سؤله قيل أي ساعة هي قال حين تقام الصلاة إلى الانصراف منها".
قال أبو عمر:
كثير بن عبد الله هذا هو كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني ضعيف منسوب إلى الكذب لا يحتج به ولا بمثله
وقال آخرون الساعة المذكورة في يوم الجمعة من حين يفتتح الإمام الخطبة إلى فراغ الصلاة.
أخبرنا عبد الوارث بن سفيان ويعيش بن سعيد قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن غالب التمتام قال حدثنا موسى بن مسعود النهدي أبو حذيفة قال حدثنا أبو ذر محمد بن غنيم عن محمد بن عبد الرحمن عن أبيه عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن في الجمعة لساعة لا يسأل العبد فيها ربه شيئا إلا أعطاه إياه قيل يا رسول الله أي ساعة هي قال من حين يقوم الإمام في خطبته إلى أن يفرغ من خطبته" هكذا في الحديث إلى أن يفرغ من خطبته والمحفوظ إلى أن يفرغ من صلاته أخبرنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داو قال أحمد بن صالح قال حدثنا ابن وهب قال أخبرني مخرمة بن بكير عن أبيه عن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري قال: قال لي عبد الله بن عمر أسمعت أباك يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في شأن ساعة الجمعة قال قلت نعم سمعته يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "هي ما بين أن يجلس الإمام إلى أن تقضى الصلاة".

(19/21)


وحدثنا أحمد بن محمد حدثنا أحمد بن الفضل حدثنا محمد بن جرير حدثنا عبيد بن محمد الوراق حدثنا روح بن عبادة حدثنا عوف عن معاوية بن قرة عن أبي بردة بن أبي موسى أنه قال لعبد الله بن عمر هي الساعة التي يخرج فيها الإمام إلى أن تقضى الصلاة فقال ابن عمر أصاب الله بك.
قال وحدثنا ابن حميد حدثنا جرير عن مغيرة عن واصل بن حبان عن أبي بردة قال قلت لأبي إني لا أعلم أي ساعة هي فقال وما يدريك فقلت هي الساعة التي يخرج فيها الإمام وهي أفضل الساعات فقال بارك الله عليك قال وحدثني يعقوب بن إبراهيم حدثنا جرير عن إسماعيل وسالم عن الشعبي أنه كان يقول في الساعة التي ترجى في يوم الجمعة هي ما بين خروج الإمام إلى انقضاء الصلاة.
قال وحدثنا يعقوب حدثنا إسماعيل بن علية حدثنا ابن عون عن محمد قال هي الساعة التي كان يصلي فيها النبي عليه السلام.
قال وحدثنا عمرو بن علي حدثنا عبد الله بن إدريس حدثنا حصين عن الشعبي عن عوف بن حضيرة قال الساعة التي ترجى في الجمعة من حين تقام الصلاة إلى انصراف الإمام قال وحدثنا ابن بشار حدثنا عبد الرحمن حدثنا سفيان عن أبي إسحاق عن أبي بردة قال الساعة التي في الجمعة عند نزول الإمام على المنبر

(19/22)


قال أبو عمر:
يشهد لهذه الأقاويل ما جاء في الحديث الثابت قوله وأشار بيده يقللها ويصغرها ويحتج أيضا من ذهب إلى ذلك بحديث أبي الجلد عن علي بن أبي طالب عن النبي عليه السلام أنه قال "إذا زالت الشمس وفاءت الأفياء وراحت الأرواح فاطلبوا إلى الله حوائجكم فإنها ساعة الأوابين" ثم تلا {فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُوراً}.
وروى موسى بن معاوية عن أبي عبد الرحمن المقرئ عن حيوة بن شريح عن بكر بن عمرو عن الحرث بن يزيد الحضرمي عن عبد الرحمن بن حجيرة عن أبي ذر الغفاري أن امرأته سألته عن الساعة التي يستجاب فيها يوم الجمعة للعبد المؤمن فقال إنها بعد زيغ الشمس بيسير إلى ذراع فإن سألتني بعدها فأنت طالق.
وذكر سنيد عن وكيع عن محمد بن قيس قال تذاكرنا عند الشعبي الساعة التي ترجى في الجمعة قال هي ما بين إن يحرم البيع إلى أن يحل
قال وحدثنا معتمر قال قلت لابن عون ما كان رأي ابن سيرين في الساعة التي ترجى في يوم الجمعة قال قلت لابن سيرين أي ساعة هي عندك قال أكثر ظني أنها الساعة التي كان يصلي فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال آخرون هي من صلاة العصر إلى غروب الشمس.
حدثنا أحمد بن محمد حدثنا أحمد بن الفضل حدثنا محمد بن جرير حدثنا ابن حميد حدثنا هارون عن عنبسة وعن سالم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال الساعة التي تذكر يوم الجمعة ما بين الصلاة

(19/23)


العصر إلى غروب الشمس وكان سعيد إذا صلى العصر لم يكلم أحدا إلى غروب الشمس.
قال أبو عمر:
أما من قال إنها بعد العصر ومن قال إنها آخر ساعة من يوم الجمعة فقد ذكرنا القائلين بذلك في باب يزيد بن الهادي في قصة عبد الله بن سلام مع أبي هريرة وكعب والله عز وجل أعلم بالساعة أي الساعات هي لأن أخبار الآحاد لا يقطع على معانيها والذي ينبغي لكل مسلم الاجتهاد في الدعاء للدين والدنيا في الوقتين المذكورين رجاء الإجابة فإنه لا يخيب إن شاء الله ولقد أحسن عبيد بن الأبرص حيث قال:
من يسأل الناس يحرموه ... وسائل الله لا يخيب
وقد احتج بعض من خالف مذهب عبد الله بن سلام في هذا الباب بقوله صلى الله عليه وسلم في الأحاديث المذكورة في هذا الباب وهو قائم يصلي قالوا فقوله "قائم يصلي" يدفع قول من قال إنها آخر ساعة من النهار بعد العصر لأنها ليست ساعة يجوز للعبد المسلم فيها أن يقوم فيصلي وقد ينفصل من هذا الإدخال بوجهين أحدهما أن أبا هريرة سلم لابن سلام تأويله ولم يعترض عليه بقوله قائم فإن كان صحيحا فمعناه على ما قال بعض أهل اللغة إن قائما قد يكون بمعنى مقيم قالوا ومن ذلك قول الله عز وجل {مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِماً} يعني مقيما والوجه الآخر أنه لو كان عنده صحيحا في اللفظ والمعنى لعارض به ابن سلام والله أعلم وستأتي قصة ابن سلام مع أبي هريرة في باب يزيد بن الهادي من هذا الكتاب إن شاء الله.

(19/24)


حديث خامس وأربعون لأبي الزناد.
مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "طعام الاثنين كافي الثلاثة وطعام الثلاثة كافي الأربعة".
قال أبو عمر:
هكذا جاء هذا الحديث في الموطأ وغيره من حديث أبي الزناد بهذا الإسناد وقد روى أبو الزبير عن جابر ما هو أعم من هذا.
حدثنا أحمد بن قاسم وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا الحرث بن أبي أسامة قال حدثنا روح قال حدثنا ابن جريج قال أخبرنا أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول سمعت النبي عليه السلام يقول طعام الواحد يكفي الاثنين وطعام الاثنين يكفي الأربعة وطعام الأربعة يكفي الثمانية فأما الكفاية والاكتفاء فليس بالشبع والاستغناء ألا ترى إلى قول أبي حازم رحمه الله إذا كان لا يغنيك ما يكفيك فليس في الدنيا شيء يغنيك ومن هذا الحديث والله أعلم أخذ عمر بن الخطاب فعله عام الرمادة حين كان يدخل على أهل كل بيت مثلهم ويقول لن يهلك امرؤ عن نصف قوته.

(19/25)


حديث سادس وأربعون لأبي الزناد.
مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا يزال أحدكم في صلاة ما كانت الصلاة تحبسه لا يمنعه أن ينقلب إلى أهله إلا الصلاة".
هذا حديث صحيح لا مطعن لأحد فيه من جهة الإسناد وقد روي عن أبي هريرة من وجوه في هذا الحديث دليل على أن فضل منتظر الصلاة كفضل المصلي لأنه معلوم أن قوله عليه السلام "لا يزال أحدكم في صلاة ما كانت الصلاة تحبسه" لم يرد به أن ينتظر الصلاة قائم ولا أنه راكع وساجد وإنما أراد أن فضل انتظار الصلاة بالقصد إلى ذلك وبالنية فيه كفضل الصلاة وأن منتظرها كالمصلي في الفضل ولله أن يتفضل بما شاء على من يشاء فيما شاء من الأعمال لا معقب لحكمه لا راد لفضله ومن الوجه الذي عرفنا فضل الصلاة فيه عرفنا فضل انتظارها وقد علم الناس أن المصلي في تلاوته وقيامه وركوعه أتعب من المنتظر للصلاة ذاكرا كان أو ساكنا ولكن الفضائل لا تدرك بنظر ولا مدخل فيها لقياس ولو أخذت قياسا لكان من نوى السيئة كمن نوى الحسنة ولكن الله منعم

(19/26)


كريم متفضل رحيم يكتب الحسنة بالنية وإن لم تعمل فإن عملت ضعفت عشرا إلى سبعمائة والله يضاعف لمن يشاء ولا يؤاخذ عباده المسلمين بما وسوست به صدروهم ونووا من الشر ما لم يعملوه وهذا كله لا مدخل فيه للقياس ألا ترى إلى ما مضى ذكره في باب محمد بن المنكدر من هذا الكتاب في الذي كان له صلاة من الليل فغلبته عينه انه يكتب له أجر صلاته وأن من نوى الجهاد وأراده ثم حبسه عن ذلك عذر أنه يكتب له أجر المجاهد في مشيه وسعيه ونصبه ومعلوم أن مشقة المسافر وما يلقاه من ألم السفر لا يجده المتخلف المحبوس بالعذر وكذلك المريض يكتب له في مرضه ما كان يواظب عليه من أعمال البر وهذا كله موجود في الآثار الصحاح عن النبي عليه السلام قد مضى أكثرها في هذا الكتاب فغير نكير أن يعطى منتظر الصلاة فضل المصلي وثواب عمله لحبسه نفسه عن التصرف في حاجاته انتظارا منه لصلاته كما يحبس المعتكف نفسه عن تصرفه ويلزم موضع اعتكافه حينا في صلاة وحينا في غير صلاة وهو في ذلك كله معتكف وكذلك المرابط المنتظر لصيحة العدو في موضع الخوف له فضل المقاتل في سبيل الله الشاهر سيفه في ذلك كانتظار العدو وإرصاده له وارتقابه إياه وقد سمى رسول الله صلى الله عليه وسلم انتظار الصلاة بعد الصلاة رباطا وسيأتي ذلك في باب أبي العلاء إن شاء الله.
وقد روينا عن أبي الدرداء أنه قال من قلة فقه الرجل أن يكون في المسجد منتظرا للصلاة وهو يحسب أن ليس في صلاة.
وذكر ابن وضاح عن محمد بن أبي السري العسقلاني قال رأيته يأتي المسجد فيحييه بركعتين ثم يجلس ويقول ما أبالي صليت أو قعدت منتظرا للصلاة وهذا والله أعلم إذا كان المنتظر للصلاة لا يحبسه في المسجد إلا

(19/27)


انتظارها ولا يخلط بنيته سواها ويحتاج مع ذلك أن لا يلغو ولا يلهو فحينئذ يرجى له بما كرنا وقد نزع عبد الله بن سلام في معارضته أبا هريرة حين قال له في الساعة التي في يوم الجمعة هي آخر ساعة من النهار فقال أبو هريرة كيف يكون ذلك وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن ذلك ليس بوقت صلاة" وقال في الساعة التي في يوم الجمعة "لا يوافقها عبد مسلم وهو يصلي" فقال له عبد الله بن سلام أليس قد قال صلى الله عليه وسلم: "إن أحدكم في صلاة ما كان ينتظر الصلاة" قال نعم قال فهو ذاك فسكت أبو هريرة وسلم لما أخذته الحجة وهكذا أهل الإنصاف والله المستعان.
وقد قيل إن منتظر الصلاة في المسجد وإن لغا ولها فإنه على أصل نيته وعمله وسنذكر بعد هذا الباب قوله صلى الله عليه وسلم "الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مصلاه ما لم يحدث" وما ذهب إليه مالك وغيره في ذلك إن شاء الله.
وقد قيل إن منتظر الصلاة وإن كتب له أجر المصلي فالمصلي أفضل منه كما أنه بعض الشهداء أفضل من بعض وكلهم يسمى شهيدا ومن حجة من قال هذا القول ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من قوله: "صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم" يعني في الأجر والله أعلم.
فإذا كان القائم أفضل من القاعد في الصلاة فكذلك هو أفضل من المنتظر والله يؤتي فضله من شاء لا شريك له وتحصيل هذا الباب عندي والله أعلم ما تنعقد عليه النية وما يجده في نفسه المتخلف عن الغزو بالعذر من ألم ما فقد من ذلك والحسرة والتأسف والحزن عليه وشدة الحرص في النهوض إليه وكذلك المريض والنائم فيما فاته لمرضه ونومه من صلاته وسائر صالح عمله والله الموفق للصواب.

(19/28)


حديث ثامن وأربعون لأبي الزناد.
مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مصلاه الذي صلى فيه ما لم يحدث اللهم اغفر له اللهم أرحمه" قال مالك لا أرى قوله ما لم يحدث إلا الإحداث الذي ينقض الوضوء.
قال أبو عمر:
أما قوله "الملائكة تصلي على أحدكم" فمعناه تترحم على أحدكم وتدعو له بالرحمة والمغفرة وهذا بين في نفس هذا الحديث قوله "اللهم اغفر له اللهم ارحمه" وأما قوله "في مصلاه الذي صلى فيه" فإنه أراد الصلاة المعروفة وموضعها الذي تفعل فيه هو المصلى وهو المسجد مسجد الجماعة لأن فيه يحصل في الأغلب انتظار الصلاة ولو قعدت المرأة في بطن بيتها أو من لا يقدر على شهودها في المسجد لكان كذلك إن شاء الله.
ذكر الفريابي حدثنا حكيم بن زريق الأيلي قال سمعت أبي يسأل سعيد بن المسيب وأنا معه قال يا أبا محمد إنا أهل قرية لا نكاد أن نقبر موتانا إلا بالعشي فإذا خرجت الجنازة لم يتخلف عنها احد إلا من لا يستطيع حضورها فكيف ترى اتباع الجنازة أحب إليك أم القعود في

(19/39)


المسجد فقال سعيد من صلى على جنازة فله قيراط ومن تبعها حتى تقبر فله قيراطان والتخلف في المسجد أحب فإني أذكر الله وأهلل وأسبح وأستغفر فإن الملائكة تقول اللهم اغفر له اللهم ارحمه فإذا فعلت تقول الملائكة اللهم اغفر لسعيد بن المسيب قال وحدثنا سفيان عن عثمان بن الأسود عن مجاهد قال الصلاة على الجنائز أفضل من صلاة التطوع.
قال أبو عمر:
هذا أصح في النظر لأن الفروض التي على الكفاية أفضل من النوافل وقد بان في حديث سعيد هذا أن الصلاة المذكورة في هذا الحديث الدعاء وللصلاة في كلام العرب وجوه قال أبو بكر بن الأنباري والصلاة تنقسم في كلام العرب على ثلاثة أقاسم تكون الصلاة المعروفة التي فيها الركوع والسجود كما قال عز وجل {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ}.
قال أبو عمر:
وأنشد نفطويه في هذا المعنى قول الأعشى وهو جاهلي:
نراوح من صلوات المليك ... طورا سجودا وطورا حوارا
الحوار ههنا الرجوع إلى القيام والقعود ومن هذا قولهم البكرة تدور على المحور.
ومن هذا قول النابغة الذبياني:
أو درة صدفية غواصها ... بهج متى يرها يهل ويسجد

(19/40)


قال الأنباري وتكون الصلاة الترحم من ذلك قول الله عز وجل {أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ} ومن ذلك قول كعب بن مالك.
صلى الإله عليهم من فتية ... وسقى عظامهم الغمام المسبل
وقال آخر:
صلى على يحيى وأشياعه ... رب كريم وشفيع مطاع
ومنه الحديث الذي يروى عن ابن أبي أوفى أنه قال أتيت النبي صلى الله عليه وسلم بصدقتنا فقال "اللهم صل على آل أبي أوفى" يريد اللهم ترحم عليهم وتكون الصلاة الدعاء من ذلك الصلاة على الميت معناها الدعاء لأنه لا ركوع فيها ولا سجود ومن ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم "إذا دعي أحدكم إلى طعام فليجب فإن كان مفطرا فليأكل وإن كان صائما فليصل" معناه فليدع بالبركة ومنه قوله أيضا "الصائم إذا أكل عنده صلت عليه الملائكة" معناه دعت له.
ومنه قول الأعشى:
لها حارس لا يبرح الدهر بيتها ... وإن ذبحت صلي عليها وزمزما
وللأعشى:
تقول بنتي وقد قربت مرتحلا ... يا رب جنب أبي الأوصاب والوجعا
عليك مثل الذي صليت فاغتمضي ... نوما فإن لجنب المرء مضطجعا

(19/41)


يريد عليك مثل الذي دعوت ويروى فاغتمضي عينا.
ومن هذا عند جماعة العلماء قول الله عز وجل {وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا} قالوا أنزلت في الدعاء والمسألة هذا قول مكحول وأبي عياض.
وذكر مالك عن هشام بن عروة عن أبيه قال أنزلت هذه الآية {وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً} في الدعاء هكذا رواه مالك عن هشام عن أبيه قوله ورواه الثوري وحماد بن زيد ووكيع وأبو معاوية عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة.
ورواه معمر عن هشام عن أبيه كما رواه مالك وممن قال إن هذه الآية نزلت في الدعاء مجاهد وإبراهيم النخعي وعطاء وعبد الله بن سداد وفي الآية قول ثان قاله ابن عباس وابن مسعود وسعيد بن جبير وعكرمة نزلت في القراءة قالوا كان النبي عليه السلام يجهر بالقراءة في صلاته بمكة فكان ذلك يعجب المسلمين ويسوء الكفار فهموا بأذاه وسبوا القرآن ومن أنزله وقالوا يؤذينا فأنزل الله عز وجل {وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا} الآية.
قال ابن مسعود ما خافت من أسمع نفسه.
وروي عن قتادة وسعيد بن جبير القولان جميعا.
وقال الحسن معنى الآية لا تسيء صلاتك في السر وتحسنها في العلانية ولتكن سريرتك موافقة لعلانيتك.
وعن الحسن أيضا قال لا تصلها رياء ولا تدعها حياء.

(19/42)


وروى سفيان عن زبيد قال إذا كانت سريرة العبد أفضل من علانيته فذلك أفضل وإن كانت سريرته وعلانيته سواء فذلك النصف وإن كانت علانية عند الله أفضل فذلك الحور.
وقال ابن سيرين نزلت هذه الآية في أبي بكر وعمر وكان عمر إذا قرأ رفع صوته وقال أطرد الشيطان وأوقظ الوسنان وكان أبو بكر يخفض صوته فأمر أبو بكر أن يرفع صوته قليلا وأمر عمر أن يخفض صوته قليلا ونزلت {وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا} روي هذا عن ابن سرين من وجوه صحاح وأصح شيء في معنى هذه الآية قول من قال إنها نزلت في الدعاء والله أعلم.
ذكر ابن أبي شيبة قال أخبرنا ابن فضيل عن أشعث عن عكرمة عن ابن عباس في قوله {وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا} قال كان الرجل إذا دعا في الصلاة رفع صوته فنزلت هذه الآية وكل من روي عنه أنها نزلت في القراءة فقد روي عنه أنها نزلت في الدعاء.
قال أبو عمر:
هذا الحديث من أفضل ما يروى في فضل المنتظر للصلاة لأن الملائكة تستغفر له وفي استغفارها له دليل على أنه يغفر له إن شاء الله ألا ترى أن طلب العلم من أفضل الأعمال وإنما صار كذلك والله أعلم لأن الملائكة تضع أجنحتها له بالدعاء والاستغفار.
وأما قول مالك وتفسيره ما لم يحدث بأنه الحدث الذي ينقض الوضوء فقد خالفه فيه غيره وقال هو الكلام القبيح والخوض فيما لا يصلح من

(19/43)


اللهو والذي قاله مالك هو الصواب إن شاء الله لأن كل من أحدث وقعد في المسجد فليس بمنتظر للصلاة لأنه إنما ينتظرها من كان على وضوء وغير نكير أن تترحم الملائكة على كل منتظر للصلاة وتدعو له بالمغفرة والرحمة والتوفيق والهداية لفضل انتظاره للصلاة إذا لم يحبسه غيرها على ما ذكرنا إذا كان منتظرا للصلاة لا يمنعه أن ينصرف إلى أهله إلا الصلاة وهذا أولى بأن تدعو له الملائكة بالمغفرة والرحمة فرحمته وسعت كل شيء لا شريك له وقول مالك يدل على أن كل من لم يحدث حدثا ينقض الوضوء داخل في معنى هذا الحديث وإن خاض في بعض ما يخاض فيه من أخبار الدنيا والله أعلم إذا كان أصل عقده انتظار الصلاة بعد الصلاة.

(19/44)


حديث سابع وأربعون لأبي الزناد.
مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "إذا قلت لصاحبك أنصت والإمام يخطب فقد لغوت".
هكذا روى يحيى هذا الحديث عن مالك بهذا الإسناد وكذلك هو في الموطأ عند جمهور الرواة.
ورواه جماعة من رواة الموطأ إذا قلت لصاحبك أنصت فقد لغوت
وبعضهم يقول فيه يريد بذلك والإمام يخطب وعند مالك في هذا الحديث إسنادان احدهما هذا عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة والثاني عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم "إذا قلت أنصت والإمام يخطب فقد لغوت".
ولم يرو يحيى في هذا الحديث عن مالك غير إسناد أبي الزناد وجمعهما القعنبي وغيره عن مالك.
ذكر القعنبي حديث أبي الزناد في كتاب الصلاة وذكر حديث الزهري في الزيادات وقد رواهما ابن القاسم وابن وهب وغيرهما عن مالك جميعا كما ذكرت لك.

(19/29)


وروى الليث عن عقيل عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة وعن عقيل عن ابن شهاب عن عمر بن عبد العزيز عن عبد الله بن إبراهيم بن قارظ سمع أبا هريرة يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "إذا قلت لصاحبك أنصت والإمام يخطب يوم الجمعة فقد لغوت".
وقال ابن عجلان في هذا الحديث عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة إذا قلت لصاحبك أنصت والإمام يخطب يوم الجمعة فقد لغوت عليك بنفسك.
حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أبو يحيى بن أبي ميسرة قال حدثنا عبد الله بن يزيد المقرئ قال حدثنا سعيد بن أبي أيوب قال حدثني محمد بن عجلان عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "إذا قلت لصاحبك أنصت يوم الجمعة فقد لغوت عليك بنفسك".
وأخبرنا عبد الوارث قال حدثنا قاسم قال حدثنا بكر بن حماد قال حدثنا مسدد قال حدثنا يحيى القطان عن مالك بن أنس عن الزهري عن سعيد عن أبي هريرة قال: قال النبي عليه السلام "من قال والإمام يخطب أنصت فقد لغا".
أخبرنا محمد بن إبراهيم قال حدثنا محمد بن معاوية قال حدثنا أحمد ابن شعيب قال أخبرنا قتيبة بن سعيد قال حدثنا الليث عن عقيل عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "من قال لصاحبه يوم الجمعة والإمام يخطب أنصت فقد لغا".
أخبرنا عبد الله بن محمد قال حدثنا حمزة بن محمد قال حدثنا أحمد بن شعيب قال أخبرنا عبد الملك بن شعيب بن الليث قال حدثني أبي عن

(19/30)


جدي قال حدثني عقيل عن ابن شهاب عن عمر بن عبد العزيز عن عبد الله بن إبراهيم بن قارظ وعن ابن المسيب أنهما حدثاه أن أبا هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "إذا قلت لصاحبك أنصت والإمام يخطب يوم الجمعة فقد لغوت".
ورواه ابن جريج عن ابن شهاب كما رواه الليث ذكر عبد الرزاق عن ابن جريج قال حدثني ابن شهاب نعن ابن المسيب عن أبي هريرة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "إذا قلت لصاحبك أنصت والإمام يخطب يوم الجمعة فقد لغوت".
قال ابن شهاب وحدثني عمر بن عبد العزيز عن إبراهيم بن عبد الله بن قارظ عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله.
ورواه معمر عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا. وذكر عبد الرزاق عن معمر عن همام بن منبه أنه سمع أبا هريرة يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إذا قلت للناس أنصتوا يوم الجمعة وهم ينطقون والإمام يخطب فقد لغوت".
قال أبو عمر:
أما قوله "فقد لغوت" فإنه يريد فقد جئت بالباطل وجئت بغير الحق واللغو الباطل.

(19/31)


قال قتادة في قول الله عز وجل {لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ} قال الكذب {وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاماً} قال لا يساعدون أهل الباطل على باطلهم ولا يمالئونهم عليه.
وقال أبو عبيدة اللغو كل شيء من الكلام ليس بحسن والفحش أشد من اللغو واللغو والهجر في القول سواء واللغو واللغا لغتان يقال من اللغا لغيت تلغى مثل لقيت تلقى وهو التكلم بما لا ينبغي وبما لا نفع فيه.
وقال الأخفش اللغو الكلام الذي لا أصل له من الباطل وشبهه
قال العجاج عن اللغا ورفث التكلم.
قال أبو عمر:
لا خلاف علمته بين فقهاء الأمصار في وجوب الإنصات لخطبة على من سمعها في الجمعة وأنه غير جائز أن يقول الرجل لمن سمعه من الجهال يتكلم والإمام يخطب يوم الجمعة أنصت أو صه أو نحو ذلك أخذا بهذا الحديث واستعمالا له وتقبلا لما فيه.
وقد روي عن الشعبي وسعيد بن جبير والنخعي وأبي بردة أنهم كانوا يتكلمون في الخطبة إلا حين قراءة الإمام القرآن في الخطبة خاصة كلهم ذهبوا ألا إنصات إلا للقرآن لقوله {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا} وفعلهم ذلك مردود عند أهل العلم بالسنة الثابتة المذكورة في هذا الباب وأحسن أحوالهم أن يقال إنهم لم يبلغهم الحديث في ذلك،

(19/32)


لأنه حديث انفرد به أهل المدينة ولا علم لمتقدمي أهل العراق به والحجة في السنة لا فيما خالفهما وبالله التوفيق.
واختلف العلماء في وجوب الإنصات على من شهد الخطبة إذا لم يسمعها لبعده عن الإمام فذهب مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابه والثوري والأوزاعي إلى أن الكلام لا يجوز لكل من شهد الخطبة سمع أو لم يسمع وكان عثمان بن عفان يقول في خطبته استمعوا وأنصتوا فإن للمستمع الذي لا يسمع من الأجر مثل ما للمستمع السامع.
وعن ابن عمر وابن عباس أنهما كانا يكرهان الكلام والصلاة بعد خروج الإمام ولا مخالف لهؤلاء من الصحابة فسقط قول الشافعي ومن قال بقوله في هذا الباب وكان عروة بن الزبير لا يرى بأسا بالكلام إذا لم يسمع الخطبة يوم الجمعة.
وقال أحمد بن حنبل لا بأس أن يقرا ويذكر الله من لا يسمع الخطبة. وذكر عبد الرزاق عن الثوري عن حماد عن إبراهيم قال إني لأقرأ جزئي إذا لم أسمع الخطبة يوم الجمعة.
قال أبو عمر:
هذا يدل على انه لو سمع الخطبة لم يقرا وهذا أصح عنه من الذي تقدم وإذا لم يقرأ فأحرى أن لا يتكلم.
وذكر عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء قال يحرم الكلام ما كان الإمام على المنبر وإن كان قد ذهب في غير ذكر الله قيل لعطاء أيذكر

(19/33)


الإنسان الله والإمام يخطب يوم عرفة أو يوم الفطر وهو يعقل قول الإمام قال لا كل ذلك عيد فلا يتكلمن إلا أن يذهب الإمام في غير ذكر الله قال: قال عطاء إذا استقى الإمام فادع هو يأمرك حينئذ به عبد الرزاق عن بن جريج قال قلت لعطاء أسبح وأهلل يوم الجمعة وأنا أعقل الخطبة قال لا إلا الشيء اليسير واجعله بينك وبين نفسك قال قلت لعطاء فإذا كنت لا أسمع الإمام أسبح وأهلل وأدعو الله لنفسي ولأهلي وأسميهم بأسمائهم واسمي قال نعم.
عبد الرزاق عن ابن جريج قال قلت لعمرو بن دينار أواجب الإنصات يوم الجمعة والإمام يخطب قال كذلك زعموا
عبد الرزاق عن معمر قال سئل الزهري عن التسبيح والتكبير والإمام يخطب قال كان يؤمر بالصمت قال قلت ذهب الإمام في غير ذكر الله في الجمعة قال تكلم إن شئت قال معمر وقال قتادة إن أحدثوا فلا تحدث.

(19/34)


عبد الرزاق عن محمد بن مسلم عن إبراهيم بن ميسرة قال سمعت طاووسا يقول إذا كان يوم الجمعة والإمام على المنبر فلا يدعو أحد بشيء ولا يذكر إلا أن يذكر الإمام.
وذكر الحسن بن علي الحلواني قال حدثنا ابن أبي مريم قال شهدت الليث بن سعد وموسى بن مصعب يخطبهم يوم الجمعة فقال في خطبته إنا أعتدنا للظالمين نارا أحاط بهم سرادقها فسمعت الليث يقول الله لا تمقتنا.
وذكر الزبير بن أبي بكر القاضي قال أخبرنا مصعب بن عثمان عن مشيخته أن عبد الله بن عروة بن الزبير كان يشهد الجمعة فيخرج خالد ابن عبد الملك بن الحرث بن الحكم بن أبي العاصي فيخطب فيستقبله عبد الله بن عروة وينصت له فإذا شتم خالد عليا تكلم عبد الله بن عروة واقبل على أدني إنسان إلى جنبه فيقال له إن الإمام يخطب فيقول إنا لم نؤمر أن ننصت لهذا.
قال أبو عمر:
الذي عليه جماعة الفقهاء أن لا يدعو أحد ولا يذكر الله غير الإمام في خطبته وأما المستمع فلا ينطق بشيء وإنما عليه الإنصات والاستماع وقد روي عن عطاء الخراساني وعكرمة أنهما قالا من قال والإمام يخطب صه فقد لغا ومن لغا فلا جمعة له.
حدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن وضاح قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا أسود بن عامر قال

(19/35)


حدثنا حماد بن سلمة عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال خطبنا النبي صلى الله عليه وسلم يوم جمعة فذكر سورة فقال أبو ذر لأبي بن كعب متى نزلت هذه السورة فأعرض عنه فلما انصرف قال له مالك من صلاتك إلا ما لغوت فسأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال "صدق".
وقد روي من مراسلات الحسن أن هذه القصة عرضت لابن مسعود أو لأبي مسعود مع أبي وأن النبي عليه السلام قال "صدق أبي" والصحيح أن هذه القصة عرضت لأبي ذر مع أبي على ما في هذا الحديث المسند المتصل.
وأما قوله مالك من جمعتك إلا ما لغوت وقول من قال لا جمعة له فهذا محمله عندنا على أنه ليس له ثواب من صلى الجمعة وأنصت لا أنه أفسد الكلام صلاته وأبطلها لأن قوله صلى الله عليه وسلم "تحريمها التكبير" يدل على أن ما قبل التكبير لا يفسدها والله أعلم.
أخبرنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا سليمان ابن الأشعث قال حدثنا مسدد وأبو كامل قالا حدثنا يزيد بن حبيب عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن عبد الله بن عمرو عن النبي عليه السلام قال يحضر الجمعة ثلاثة نفر فرجل حضرها يلغو وهو حظه منها ورجل حضرها يدعو فهو رجل دعا الله فإن شاء أعطاه وإن شاء منعه ورجل حضرها بإنصات وسكوت ولم يتخط رقبة مسلم ولم يؤذ أحدا فهي كفارة إلى الجمعة التي تليها وثلاثة أيام.

(19/36)


قال أبو عمر:
ففي هذا الحديث قوله فرجل حضرها يلغو فهو حظه منها ولم يأمره بالإعادة.
وحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا سعيد بن سليمان قال حدثنا ابن نمير قال أخبرنا مجالد عن الشعبي عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من تكلم يوم الجمعة والإمام يخطب فهو كمثل الحمار يحمل أسفارا" وهذا مثله أيضا لم يأمره بإعادة.
وذكر عبد الرزاق عن ابن جريج قال قلت لعطاء هل تعلم من شيء يقطع جمعة الإنسان حتى يجب عليه أن يصلي أربعا من كلام أو تخطي رقاب الناس أو شيء غير ذلك قال لا وعن ابن جريج عن عطاء قال يقال من تكلم فكلامه حظه من الجمعة يقول من أجل الجمعة فأما أن يوفى أربعا فلا.
قال أبو عمر:
على هذا جماعة الفقهاء من أهل الرأي والأثر وجماعة أهل النظر لا يختلفون في ذلك وحسبك بهذا أصلا وإجماعا.
واختلفوا في رد السلام وتشميت العاطس في الخطبة فقال مالك وأصحابه لايشمت العاطس ولا يرد السلام إلا إن رده إشارة كما يرد في الصلاة.

(19/37)


وقال أبو حنيفة وأصحابه لا يرد السلام ولا يشمت العاطس.
وقال الثوري والأوزاعي لا بأس برد السلام وتشميت العاطس والإمام يخطب وهو قول الحسن البصري والنخعي والشعبي والحكم وحماد والزهري وبه قال إسحاق واختلف قول الشافعي في ذلك فقال في الكتاب القديم بالعراق يستقبلون الإمام بوجوههم وينصتون ولا يشمتوا عاطسا ولا يردوا سلاما إلا بالإشارة وقال في الجديد بمصر ولو سلم رجل كرهته له ورأيت أن يرد عليه بعضهم لأن رد السلام فرض قال ولو عطس رجل والإمام يخطب في الجمعة فشمته رجل رجوت أن يسعه لأن التشميت سنة واختاره المزني وحكى البويطي عنه أنه لا بأس برد السلام وتشميت العاطس والإمام يخطب في الجمعة وغيرها وكذلك حكى إسحاق بن منصور عن أحمد وإسحاق وروي عن أحمد أيضا إذا لم يسمع الخطبة شمت ورد.
وروي مثل ذلك عن عطاء وقال الأثرم قلت لحمد بن حنبل هل يرد السلام يوم الجمعة والإمام يخطب قال نعم قيل له ويشمت العاطس قال نعم.
وقال أبو جعفر الطحاوي لما كان مأمورا بالإنصات.
كالصلاة لم يشمت كما لا يشمت في الصلاة فإن قيل رد السلام فرض والصمت سنة قال أبو جعفر الصمت فرض لأن الخطبة فرض وإنما تصح بالخاطب والمخطوب عليهم فكما يفعلها الخاطب فرضا كذلك المستمع فرض عليه ذلك.
قال أبو عمر:
في هذا نظر والصمت واجب بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وبالله تعالى التوفيق.

(19/38)


حديث تاسع وأربعون لأبي الزناد.
مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد يضرب مكان كل عقدة عليك ليل طويل فارقد فإن استيقظ فذكر الله انحلت عقدة فإن توضأ انحلت عقده فإن صلى انحلت عقدة وأصبح نشيطا طيب النفس وإلا أصبح خبيث النفس كسلان".
هذا كما قال صلى الله عليه وسلم والله أعلم كيف يعقد الشيطان رأس ابن آدم قيل إنها كعقد السحر من قول الله النفاثات في العقد وهذا لا يقف على حقيقته احد والقافية مؤخر الرأس وهو القذال وقافية كل شيء آخره ومنه قيل لنبينا صلى الله عليه وسلم المقفى لأنه آخر الأنبياء ومن هذا أخذت قوافي الشعر لأنها أواخر الأبيات والمعني عندي والله أعلم في هذا الحديث أن الشيطان ينوم المرء ويزيده ثقلا وكسلا بسعيه وما أعطي من الوسوسة والقدرة على الإغواء والتضليل وتزيين الباطل والعون عليه إلا عباد الله المخلصين.
وفي هذا الحديث دليل على أن ذكر الله يطرد به الشيطان وكذلك الوضوء والصلاة ويحتمل أن يكون الذكر للوضوء والصلاة لما فيهما

(19/45)


من معنى الذكر فخص بهذا الفضل في طرد الشيطان ويحتمل أن يكون كذلك سائر أعمال البر والله أعلم فمن قام من الليل يصلي انحلت عقده فإن لم يفعل أصبح على ما قال صلى الله عليه وسلم إلا أنه تنحل عقدة بالوضوء للفريضة وصلاتها والله أعلم وأما طرد الشيطان بالتلاوة والذكر والأذان فمجتمع عليه مشهور في الآثار:
حدثنا محمد بن إبراهيم قال حدثنا محمد بن معاوية قال حدثنا أحمد ابن شعيب قال أخبرنا عبد الرحمن بن محمد قال حدثنا شبابة قال حدثنا المغيرة بن مسلم عن أبي الزبير عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "إذا دخل الرجل بيته أو آوى إلى فراشه ابتدره ملك وشيطان فيقول الملك افتح بخير ويقول الشيطان افتح بشر فإن هو قال الحمد لله الذي رد إلي نفسي بعد موتها ولم يمتها في منامها الحمد لله الذي يمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه إلى آخر الآية فإن هو خر في فراشه فمات كان شهيدا" ورواه حماد بن سلمة عن حجاج الصواف عن أبي الزبير عن جابر عن النبي عليه السلام مثله إلا أنه قال في آخره فإن وقع من سريره فمات دخل الجنة.
حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن وضاح وحدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قالا حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم دحيم قال حدثنا الوليد قال حدثنا الأوزاعي قال حدثني عمير بن هانيء قال حدثني جنادة بن أبي أمية عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من تعار من الليل فقال حين يستيقظ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له

(19/46)


الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير سبحان الله والحمد لله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله ثم دعا رب اغفر لي غفر له قال الوليد أو قال دعا استجيب له وإن قام فصلى قبلت صلاته".
وثبت عن النبي عليه السلام من وجوه أنه كان يقوم من الليل فيذكر الله بأنواع من الذكر ثم يتوضأ ويصلي.
وفي هذا الحديث حض على قيام الليل لأن فيه أنه يصبح طيب النفس نشيطا بعد ذكر الوضوء والصلاة وقد زعم قوم أن في هذا الحديث ما يعارض قوله عليه السلام "لا يقولن أحدكم خبثت نفسي" لقوله في هذا الحديث "وإلا أصبح خبيث النفس" وليس ذلك عندي كذلك لأن النهي إنما ورد عن إضافة المرء ذلك إلى نفسه كراهية لتلك اللفظة وتشاؤما لها إذا أضافها الإنسان إلى نفسه والحديث الثاني إنما هو خبر عن حال من لم يذكر الله في ليله ولا توضأ ولا صلى فأصبح خبيث النفس ذما لفعله وعيبا له ولكل واحد من الخبرين وجه فلا معنى أن يجعلا متعارضين لأن من شأن أهل العلم أن لا يجعلوا شياء من القرآن ولا من السنن معارضا لشيء منها ما وجدوا إلى استعمالها وتخريج الوجوه لها سبيلا.
والحديث حدثناه عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أبو مسلم الكشي قال حدثنا حجاج بن نمير قال حدثنا هشام ابن أبي عبد الله عن هشام بن عروة عن عروة عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "لا يقولن أحدكم خبثت نفسي ولكن ليقل لقست نفسي".

(19/47)


وحدثناه محمد بن إبراهيم قال حدثنا محمد بن معاوية قال حدثنا أحمد ابن شعيب قال أخبرنا إسحاق بن إبراهيم وحدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن إسماعيل قال حدثنا الحميدي قالا أخبرنا سفيان عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قال ت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يقولن أحدكم خبثت نفسي ولكن ليقل لقست نفسي".
وأخبرنا عبد الله بن محمد قال أخبرنا حمزة بن محمد قال أخبرنا أحمد بن شعيب قال أخبرنا محمد بن هشام قال أخبرنا عمر بن علي عن سفيان ابن حسين عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يقولن أحدكم خبثت نفسي ولكن ليقل لقست نفسي".
هكذا رواه سفيان بن حسين عن الزهري عن عروة عن عائشة ورواه يونس بن يزيد وإسحاراشد عن الزهري عن أبي إمامة بن سهل بن حنيف عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله سواء.
ورواه ابن عيينة عن الزهري عن أبي أمامة عن النبي عليه السلام مرسلا.
قال الخليل: لقست نفسه: إذا نازعته إلى الشيء وتلا قسوا: سب بعضهم بعضا.

(19/48)


حديث موفي خمسين لأبي الزناد.
مالك عن أبي الزناد عن العرج عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا يقل أحدكم إذا دعا اللهم اغفر لي إن شئت اللهم ارحمني إن شئت ليغرم المسألة فإنه لا مكره له".
هذا صحيح بين لا يحتاج إلى تفسير ولا إلى كلام وتأويل لأنه واضح المعنى ويدخل في معنى قوله "اللهم اغفر لي إن شئت وارحمني إن شئت" كل دعوة فلا يجوز لأحد أن يقول اللهم أعطني كذا إن شئت وارحمني إن شئت وتجاوز عني وهب لي من الخير إن شئت من أمر الدين والدنيا لنهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك ولأنه كلام مستحيل لا وجه له لأنه لا يفعل إلا ما شاء لا شريك له.

(19/49)


حديث حاد وخمسون لأبي الزناد.
مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ويجتمعون في صلاة العصر وصلاة الفجر ثم يعرج الذين باتوا فيكم فيسألهم وهو أعلم بهم كيف تركتم عبادي فيقولون تركناهم وهم يصلون وأتيناهم وهم يصلون".
في هذا الحديث شهود الملائكة للصلوات والظهر أن ذلك في الجماعات وقد تحتمل الجماعات وغيرها ومعنى يتعاقبون تأتي طائفة بأثر طائفة وبعدها طائفة وإنما يكون التعاقب بين طائفتين أو بين رجلين مرة هذا ومرة هذا ومنه قولهم الأمير يعقب البعوث أي يرسل هؤلاء كذا شهرا أو أشهرا وهؤلاء شهرا أو أشهرا ثم يردهم ويعقبهم بآخرين فهذا هو التعاقب ومعنى هذا الحديث أن ملائكة النهار تنزل في صلاة الصبح فيحصون على بني آدم ويعرج الذين باتوا فيهم ذلك الوقت أي يصعدون وكل من صعد في شيء فقد عرج ولذلك قيل للدرج المعا رج فإذا كانت صلاة العصر نزلت ملائكة الليل فأحصوا على بني آدم وعرجت ملائكة النهار يتعاقبون هكذا أبدا والله أعلم.

(19/50)


وفي هذا الحديث أنهم يجتمعون في صلاة العصر وصلاة الفجر وهو أكمل معنى من الحديث الذي روي أنهم يجتمعون في صلاة الفجر خاصة وأظن من مال إلى هذه الرواية احتج بقول الله عز وجل {وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً}
ومعنى قرآن الفجر القراءة في صلاة الفجر لأن أهل العلم قالوا في تأويل هذه الآية تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار وليس في هذا دفع لاجتماعهم في صلاة العصر لأن المسكوت عنه قد يكون في معنى المذكور سواء ويكون بخلافه وهذا باب من أصول قد بيناه في غير هذا الموضع ذكر بقي بن مخلد قال حدثنا سفيان بن وكيع قال حدثنا جرير عن منصور عن مجاهد في قوله تعالى {وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً} قال صلاة الفجر يجتمع فيها ملائكة الليل وملائكة النهار.
وذكر ابن أبي شيبة عن أبي أسامة عن زكرياء عن أبي إسحاق عن مسروق مثله.
وذكر ابن أبي شيبة قال حدثنا ابن فضيل عن ضرار بن مرة عن عبد الله بن أبي الهذيل عن أبي عبيدة في قوله وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا قال يشهده حرس الليل وحرس النهار من الملائكة في صلاة الفجر.
وذكر بقي قال حدثنا محمد بن المثنى قال حدثنا محمد بن جعفر قال حدثنا شعبة عن عمرو بن مرة عن أبي عبيدة عن عبد الله أنه قال في هذه الآية {وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً} قال تدارك

(19/51)


الحرسان اقرؤوا إن شئتم {وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً} قال تنزل ملائكة النهار وتصعد ملائكة الليل.
قال أبو عمر:
قد يحتمل أن يكون ذكر قرآن الفجر من أجل الجهر لأن العصر لا قراءة فيها تظهر والله أعلم وقد قال صلى الله عليه وسلم "ويجتمعون في صلاة العصر وصلاة الفجر" وهذا حديث مسند صحيح ثابت وهو أولى من آراء الرجال وألزم في الحجة لمن قال به والله المستعان.

(19/52)


حديث ثان وخمسون لأبي الزناد.
مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "الصيام جنة فإذا كان أحدكم صائما فلا يرفث ولا يجهل فإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل إني صائم إني صائم".
أما الصيام في الشريعة فمعناه الإمساك عن الأكل والشرب ووطء النساء نهارا إذا كان تارك ذلك يريد به وجه الله وينويه هذا معنى الصيام في الشريعة عند جميع علماء الأمة وأما أصله في اللغة فالإمساك مطلقا وكل من أمسك عن شيء فقد صام عنه ويسمى صائما ألا ترى قول الله عز وجل {إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيّاً} فسمى الإمساك عن الكلام صوما وكل ممسك عن حركة أو عمل أو طعام أو شراب فهو صائم في أصل اللسان لكن الاسم الشرعي ما قدمت لك وهو يقضي في المعنى على الاسم اللغوي وقد ذكرنا شواهد الشعر على الاسم اللغوي في الصيام واستوعبنا القول في معناه في باب ثور بن زيد والحمد لله.

(19/53)


وأما قوله الصيام جنة في هذا الحديث فكذلك رواه القعنبي ويحيى وأبو مصعب وجماعة ولم يذكر ابن بكير في هذا الحديث الصيام جنة وإنما قال عن مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا كان أحدكم صائما فلا يرفث" الحديث والجنة الوقاية والستر من النار وحسبك بهذا فضلا للصائم.
حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا إسماعيل بن إسحاق قال حدثنا علي بن المديني قال حدثنا عبد الله بن عبد الوهاب الحجبي قال حدثنا عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي قال حدثنا عنبسة الغنوي عن الحسن أن عثمان بن أبي العاصي كان يحدث أن نبي الله صلى الله عليه وسلم يقول: "الصيام جنة يستجن بها العبد من النار" وأما قوله "فإذا كان أحدكم صائما فلا يرفث" فإن الرفث هنا الكلام القبيح والتشاتم والخنا والتلاعن ونحو ذلك من قبيح الكلام الذي هو سلاح اللئام ومنه اللغو كله والباطل والزور قال العجاج:
عن اللغا ورفث الكلام.
قرأت على أبي عبد الله محمد بن عبد الملك أن أبا محمد عبد الله بن مسروق حدثهم قال حدثنا عيسى بن مسكين قال حدثنا محمد بن عبد الله بن سنجر الجرجاني قال حدثنا أبو نعيم قال حدثنا فطر قال حدثني زياد بن الصحين عن رفيع أبي العالية قال خرجنا مع ابن عباس حجاجا فأحرم فأحرمنا ثم نزل يسوق الابل وهو يرتجز ويقول:
وهن يمشين بنا هميسا ... إن تصدق الطير تجامع لمسا
قلت يا أبا عباس ألست محرما قال بلى قلت فهذا الكلام الذي تكلم به قال إنه لا يكون الرفث إلا ما واجهت به النساء وليس معي نساء.

(19/54)


وفي غير هذه الرواية في هذا الحديث:
وهن يمشين بنا هميسا ... إن تصدق الطير تنك لميسا
قال أبو عمر:
الرفث في كلام العرب على وجهين أحدهما الجماع والآخر الكلام القبيح والفحش من المقال واختلف العلماء في قول الله عز وجل {فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ} فأكثر العلماء على أن الرفث ههنا جماع النساء وغشيانهن والفسوق المعاصي بإجماع والجدال المراء وقيل السباب والمشاتمة وقيل ألا تغضب صاحبك وقيل إن لا جدال في الحج اليوم لأنه قد استقام في ذي الحجة ولم يختلف العلماء في قول الله عز وجل {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ} إن الرفث ههنا الجماع.
وأما قوله "فإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل إني صائم" ففيه قولان أحدهما أنه يقول للذي يريد مشاتمته ومقاتلته إني صائم وصومي يمنعني من مجاوبتك لأني أصون صومي عن الخنا والزور من القول بهذا أمرت ولولا ذلك لانتصرت لنفسي بمثل ما قلت لي سواء ونحو ذلك والمعنى حينئذ على هذا التأويل في الحديث أن الصائم نهي عن مقاتلته بلسانه ومشاتمته وصونه صومه عن ذلك وبهذا ورد الحديث.
حدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا أحمد بن يونس قال حدثنا ابن أبي ذئب عن المقبري عن أبيه،

(19/55)


عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه".
وقال أحمد بن يونس فهمت الإسناد من ابن أبي ذئب وأفهمني الحديث رجل إلى جنبه أراه ابن أخيه ورواه ابن المبارك عن ابن أبي ذئب بإسناده مثله.
والقول الثاني أن الصائم يقول في نفسه لنفسه إني صائم يا نفسي فلا سبيل إلى شفاء غيظك بالمشاتمة ولا يظهر قوله إني صائم لما فيه من الرياء واطلاع الناس على عمله لأن الصوم من العمل الذي لا يظهر ولذلك يجزي الله الصائم أجره بغير حساب على حسبما نذكر في الباب بعد هذا إن شاء الله.
وللصيام فرائض وسنن وقد ذكرنا فرائضه في باب ثور بن زيد ومن سننه أن لا يرفث الصائم ولا يغتاب أحدا وأن يجتنب قول الزور والعمل به على ما جاء في آثار هذا الباب وغيرها وأما قوله صلى الله عليه وسلم: "من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه" فمعناه الكراهية والتغليظ كما جاء في الحديث من شرب الخمر فليشقص الخنازير أي يذبحها أو ينحرها أو يقتلها بالمشقص وليس هذا على الأمر بشقص الخنازير ولكنه على تعظيم إثم شارب الخمر فكذلك من اغتاب أو شهد زورا أو منكرا لم يؤمر بأن يدع صيامه ولكنه يؤمر باجتناب ذلك ليتم له أجر صومه فاتقى عبد ربه وأمسك عن الخنا والغيبة والباطل بلسانه صائما كان أو غير صائم فإنما يكب الناس في النار على وجوهم حصائد ألسنتهم والله الموفق للرشاد.

(19/56)


حديث ثالث وخمسون لأبي الزناد.
مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "والذي نفسي بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك إنما يذر شهوته وطعامه وشرابه من أجلي فالصيام لي وأنا أجزي به كل حسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به".
هذا الحديث والذي قبله رواهما عن أبي هريرة جماعة من أصحابه منهم سعيد بن المسيب والأعرج وأبو صالح ومحمد بن سيرين وغيرهم ورواه أبو سعيد وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم كما رواه أبو هريرة وخلوف فم الصائم ما يعتريه في آخر النهار من التغير وأكثر ذلك في شدة الحر ومعنى قوله "لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك" يريد أزكى عند الله وأقرب إليه وأرفع عنده من ريح المسك وهذا في فضل الصيام وثواب الصائم ومن أجل هذا الحديث كره جماعة من أهل العلم السواك للصائم في آخر النهار من أجل الخلوف لأنه أكثر ما يعتري الصائم الخلوف في آخر النهار لتأخر الأكل والشرب عنه.

(19/57)


واختلف الفقهاء في السواك للصائم فرخص فيه مالك وأبو حنيفة وأصحابهما والثوري والأوزاعي وابن علية وهو قول إبراهيم النخعي ومحمد بن سيرين وعروة بن الزبير ورويت الرخصة فيه عن عمر وابن عباس وليس عن واحد منهم فرق بين أول النهار وآخره ولا بين السواك الرطب واليابس وحجة من ذهب هذا المذهب قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل صلاة" ولم يخص رمضان ولا غيره وقد روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يستاك وهو صائم.
وقال الشافعي أحب السواك عند كل وضوء بالليل والنهار وعند تغير الفم إلا أني أكرهه للصائم آخر النهار من أجل الحديث في خلوف فم الصائم وبه قال أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأبو ثور وروي ذلك عن عطاء ومجاهد وأما السواك الرطب فيكرهه مالك وأصحابه وبه قال أحمد وإسحاق وهو قول زياد بن حدير وأبي ميسرة والشعبي والحكم بن عتيبة وقتادة ورخص فيه الثوري والأوزاعي والشافعي وأبو حنيفة وأصحابه وأبو ثور وهو قول مجاهد وسعيد بن جبير وإبراهيم وعطاء وابن سيرين وروي ذلك عن ابن عمر وقال ابن علية السواك سنة للصائم والمفطر والرطب فيه واليابس سواء لأنه ليس بمأكول ولا مشروب.
وقال الأثرم سمعت أبا عبد الله يسأل عن السواك للصائم فقال ما بينه وبين الظهر ويدعه بالعشي لأنه يستحب له ان يفطر على خلوف فيه وعن مجاهد وعطاء أنهما كرها السواك بالعشي للصائم لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم "لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك".

(19/58)


وأما قوله "الصيام لي وإنا أجزي به" فإنما هي حكاية حكاها النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه عز وجل ولم يصرح بها مالك في حديثه هذا لأنه إنما أدى ما سمع وأظن ذلك إنما ترك حكايته من تركها لأنه شيء مفهوم لا يشكل على أحد إذا كان له أدنى فهم إن شاء الله وقد روي من وجوه هكذا كرواية مالك من حديث ابن سيرين وغيره عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "الصوم لي وإنا أجزي به يذر طعامه وشرابه من أجلي" وهذا حذف من الحديث وإضمار إلا أن في لفظه وسياقته ما يدل عليه وقد روي من وجوه على ما ينبغي بلا حذف ولا إضمار.
حدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن وضاح قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا محمد بن فضيل عن أبي سنان عن أبي صالح عن أبي هريرة وأبي سعيد قالا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله يقول الصوم لي وإنا أجزي به إن للصائم فرحتين إذا أفطر فرح وإذا لقي الله فرح والذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك".
حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن الجهم قال حدثنا عبد الوهاب قال حدثنا محمد بن مرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "قال الله تبارك وتعالى" كل عمل ابن آدم له الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلا الصيام فهو لي وأنا أجزي به يترك الطعام لشهوته من أجلي هو لي وأنا أجزي به ويترك الشراب لشهوته من أجلي هو لي وأنا أجزي به".

(19/59)


وقرأت على عبد الوارث بن سفيان أن قاسم بن أصبغ حدثهم قال حدثنا محمد بن الجهم قال حدثنا روح قال حدثنا شعبة قال حدثنا محمد ابن زياد عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يحدث عن ربه قال "كل ما يعمله ابن آدم كفارة له إلا الصوم يدع الصائم الطعام والشراب من أجلي فالصوم لي وأنا أجزي به وخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك" فإن قال قائل وما معنى قوله الصوم لي وأنا أجزي به وقد علم أن الأعمال التي يراد بها وجه الله كلها له وهو يجزي بها فمعناه والله أعلم أن الصوم لا يظهر من ابن آدم في قول ولا عمل وإنما هو نية ينطوي عليها صاحبها ولا يعلمها إلا الله وليست مما تظهر فتكتبها الحفظة كما تكتب الذكر والصلاة والصدقة وسائر الأعمال لأن الصوم في الشريعة ليس بالإمساك عن الطعام والشراب لأن كل ممسك عن الطعام والشراب إذا لم ينو بذلك وجه الله ولم يرد أداء فرضه أو التطوع لله به فليس بصائم في الشريعة فلهذا ما قلنا إنه لا تطلع عليه الحفظة ولا تكتبه ولكن الله يعلمه ويجازي به على ما شاء من التضعيف.
والصوم في لسان العرب أيضا الصبر إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب وقال أبو بكر بن الأنباري الصوم يسمى صبرا لأنه حبس النفس عن المطاعم والمشارب والمناكح والشهوات.

(19/60)


قال أبو عمر:
من الدليل على الصوم يسمى صبرا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من صام شهر الصبر وثلاثة أيام من كل شهر فكأنه صام الدهر" يعني بشهر الصبر شهر رمضان وقد يسمى الصائم سائحا ومنه قول الله عز وجل {السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ} يعني الصائمين المصلين ومنه أيضا قوله {قانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ} فللصوم وجه من لسان العرب وقد ذكرنا جميعها في هذا الباب والله الموفق للصواب.

(19/61)


حديث رابع وخمسون لأبي الزناد.
مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لكل نبي دعوة يدعو بها فأريد أن أختبئ دعوتي شفاعة لأمتي في الآخرة".
هكذا روى هذا الحديث جماعة رواة الموطأ عن مالك بهذا الإسناد وكذلك رواه غير واحد عن أبي الزناد ورواه ابن وهب عن مالك عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة وهو غريب.
حدثنا علي بن أبي إبراهيم قال حدثنا الحسن بن رشيق قال حدثنا العباس بن محمد قال حدثنا أحمد بن صالح قال حدثنا عبد الله بن وهب قال أخبرني مالك عن ابن شهاب عن أبي سلمة عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لكل نبي دعوة فأريد أن أختبئ دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة".
وكذلك رواه أيوب بن سويد عن مالك:
حدثنا خلف بن قاسم حدثنا محمد بن عبد الله حدثنا ابن عباد حدثنا الحسن بن أحمد بن أبي حية حدثنا أيوب بن سويد عن مالك عن ابن شهاب عن أبي سلمة عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لكل نبي

(19/62)


دعوة يدعو بها فأريد أن اختبئ دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة" وهما إسنادان صحيحان لمالك أحدهما في الموطأ وهو حديث أبي الزناد وروي عن أبي هريرة وغيره من وجوه كثيرة وحديث أبي الزناد محفوظ عن ثقات أصحاب أبي الزناد منهم ورقاء بن عمر اليشكري ومالك بن أنس وجماعة.
حدثنا عبد الله بن محمد بن يوسف قال حدثنا عبيد الله بن محمد بن أبي غالب بمصر قال حدثنا محمد بن محمد بن بدر قال حدثنا رزق الله بن موسى قال حدثنا شبابة بن سوار قال حدثنا ورقاء عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "لكل نبي دعوة يدعو بها في الدنيا فيستجاب له فأريد إن شاء الله أن أخبئ دعوتي شفاعة لأمتي في الآخرة".
ورواه الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لكل نبي دعوة وإن اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي وهي نائلة منكم إن شاء الله من مات لا يشرك بالله شيئا". وروى أبو أسامة ووكيع عن داود بن يزيد الأودي عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في قول الله عز وجل {عسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً} قال المقام المحمود الذي أشفع فيه لأمتي وعبد الله ابن إدريس عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله.
قال أبو عمر:
على هذا أهل العلم في تأويل قول الله عز وجل {عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً}. أنه الشفاعة.

(19/63)


وقد روي عن مجاهد أن المقام المحمود أن يقعده معه يوم القيامة على العرش وهذا عندهم منكر في تفسير هذه الآية والذي عليه جماعة العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من الخالفين أن المقام المحمود هو المقام الذي يشفع فيه لأمته وقد روي عن مجاهد مثل ما عليه الجماعة من ذلك فصار إجماعا في تأويل الآية من أهل العلم بالكتاب والسنة.
ذكر ابن أبي شيبة عن شبابة عن ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله {عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً} قال شفاعة محمد صلى الله عليه وسلم.
وذكر بقي قال حدثنا يحيى بن عبد الحميد قال حدثنا قيس عن عاصم عن زر عن ابن مسعود {عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً} الشفاعة.
قال وحدثنا يحيى بن عبد الحميد قال حدثنا أبو بكر عن عاصم عن زر عن عبد الله بن مسعود مثله.
وذكر الفريابي عن الثوري عن سلمة بن كهيل عن أبي الزعراء عن ابن مسعود مثله.
وذكر ابن أبي شيبة قال حدثنا أبو معاوية عن عاصم عن أبي عثمان عن سلمان قال المقام المحمود الشفاعة.
وروى سفيان وإسرائيل عن أبي إسحاق عن صلة عن حذيفة قال يجتمع الناس في صعيد واحد ينفذهم البصر ويسمعهم الداعي زاد سفيان في حديثه حفاة عراة سكوتا كما خلقوا قياما لا تكلم نفس الا بإذنه ثم اجتمعا فينادي مناد يا محمد على رؤوس الأولين والآخرين فيقول لبيك وسعديك والخير في يديك زاد سفيان والشر ليس إليك،

(19/64)


ثم اجتمعا والمهدي من هديت تباركت وتعاليت ومنك واليك لا ملجأ ولا منجى إلا إليك قال حذيفة فذلك المقام المحمود.
قال وحدثنا إسماعيل بن أبي كريمة قال حدثنا محمد بن عبد الرحيم قال حدثني زيد بن أبي أنيسة عن أبي إسحاق عن صلة عن حذيفة فذكر مثله.
وروى عبد الزراق عن معمر عن أبي إسحاق عن صلة بن زفر عن حذيفة بن اليمان فذكر مثله.
وروى يزيد بن زريع عن سعيد عن قتادة في قوله {عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً} قال ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم خير بين أن يكون عبدا نبيا أو ملكا نبيا فأومأ إليه جبريل أن تواضع فاختار نبي الله صلى الله عليه وسلم أن يكون عبدا نبيا فأعطي بها اثنين أول من تنشق عنه الأرض وأول شافع قال قتادة وكان أهل العلم يرون أن المقام المحمود الذي قال الله عز وجل: {عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً}: شفاعته يوم القيامة.
وممن روى عنه أيضا أن المقام المحمود الشفاعة الحسن البصري وإبراهيم النخعي وعلي بن الحسين بن علي وابن شهاب وسعيد بن أبي هلال وغيرهم.
وفي الشفاعة أحاديث مرفوعة صحاح مسندة من أحسنها ما حدثناه احمد بن فتح بن عبد الله وعبد الرحمن بن يحيى قالا حدثنا حمزة بن محمد ابن علي قال أخبرنا أحمد بن علي بن المثنى قال حدثنا أبو الربيع الزهراني.

(19/65)


قال حدثنا حماد بن زيد قال حدثنا معبد بن هلال العنزي قال اجتمع رهط من أهل البصرة وأنا فيهم فأتينا أنس بن مالك واستشفعنا عليه بثابت البناني فدخلنا عليه فأجلس ثابتا معه على السرير فقلت لا تسألوه عن شيء غير هذا الحديث فقال ثابت يا أبا حمزة إخوانك من أهل البصرة جاءوا يسألونك عن حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في الشفاعة فقال حدثنا محمد صلى الله عليه وسلم قال: "إذا كان يوم القيامة ماج الناس بعضهم في بعض فيؤتى آدم عليه السلام فيقولون يا آدم اشفع لنا إلى ربك فيقول لست لها ولكن عليكم بإبراهيم عليه السلام فإنه خليل الله عز وجل فيؤتى إبراهيم فيقول لست لها ولكن عليكم بموسى فإنه كليم الله فيؤتى موسى عليه السلام فيقول لست لها ولكن عليكم بعيسى بن مريم فإنه روح الله وكلمته فيؤتى عليه السلام فيقول لست لها ولكن عليكم بمحمد فأوتى فأقول أنا لها فأنطلق فأستأذن علي ربي عز وجل فيؤذن لي فأقوم بين يديه مقاما فيلهمني فيه محامد لا أقدر عليها الآن فأحمده بتلك المحامد ثم أخر له ساجدا فيقول لي يا محمد ارفع رأسك وقل تسمع وسل تعط واشفع تشفع فأقول أي رب أمتي: أمتي فيقال لي انطلق فمن كان في قلبه مثقال ذرة أو مثقال شعيرة فأخرجه فأنطلق فأفعل ثم أرجع فأحمده بتلك المحامد ثم أخر له ساجدا فيقال يا محمد ارفع رأسك وقل يسمع لك وسل تعط واشفع تشفع فأقول أي رب أمتي: أمتي فيقال انطلق فمن كان في قلبه أدنى مثقال حبة خردل من إيمان فأخرجه من النار".
فلما رجعنا من عند أنس قلت لأصحابي هل لكم في الحسن وهو مستخف في منزل أبي خليفة في عبد القيس فأتيانه فدخلنا عليه فقلنا خرجنا من عند أخيك أنس بن مالك فلم نسمع مثل ما حدثنا في الشفاعة قال كيف حدثكم فحدثناه الحديث حتى إذا انتهينا قلنا لم

(19/66)


يزدنا على هذا قال لقد حدثنا هذا الحديث منذ عشرين سنة ولقد ترك منه شيئا فلا أدري أنسي الشيخ أم كره أن يحدثكموه فتتكلوا ثم قال في الرابعة ثم أعود فأخر له ساجدا ثم أحمده بتلك المحامد فيقال لي يا محمد ارفع رأسك وقل يسمع لك وسل تعط واشفع تشفع فأقول أي رب ائذن لي فيمن قال لا إله إلا الله صادقا قال فيقول تبارك وتعالى ليس لك وعزتي وجلالي وكبريائي وعظمتي لأخرجن منها من قال لا إله إلا الله فأشهد على الحسن لحدثنا بهذا الحديث يوم حدثنا به أنس بن مالك.
وروى همام عن قتادة عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله في الشفاعة من أوله إلى آخره بأتم ألفاظ.
وروى سهيل بن أبي صالح عن زياد النميري عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله من أوله إلى آخره بمعناه في الشفاعة.
وقد قيل إن الشافعة منه صلى الله عليه وسلم تكون مرتين مرة في الموقف يشفع في قوم فينجون من النار ولا يدخلونها ومرة بعد دخول قوم من أمته النار فيخرجون منها بشفاعته وقد رويت آثار بنحو هذا الوجه يعني الوجه الأول فالله أعلم.
حدثني أحمد بن محمد حدثنا أحمد بن الفضل حدثنا الحسن بن علي الرافقي حدثنا أبو أمية محمد بن إبراهيم حدثنا حفص بن عمر بن ميمون القرشي حدثنا ثور بن يزيد عن هشام بن عروة عن أسماء بنت عميس أنها قالت يا رسول ادع الله أن يجعلني ممن تشفع له يوم القيامة فقال

(19/67)


لها رسول الله صلى الله عليه وسلم إذن تخمشك النار فإن شفاعتي لكل هالك من أمتي تخمشه النار.
حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا مضر بن محمد قال حدثنا يحيى بن معين قال حدثنا أبو اليمان عن شعيب بن أبي حمزة عن الزهري عن أنس بن مالك عن أم حبيبة أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر ما تلقى أمته بعده من سفك دم بعضها بعضا وسبق ذلك من الله كما سبق في الأمم قبلهم فسألته أن يوليني شفاعة فيهم ففعل.
قال وأخبرنا مضر قال: قال حدثنا شيبان بن فروخ قال حدثنا أبو عوانة عن الأعمش عن مجاهد عن عبيد بن عمير عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من قبلي بعثت إلى الأحمر والأسود وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي ونصرت بالرعب شهرا فيرعب العدو مني مسيرة شهر وجعلت لي الأرض طهورا ومسجدا وقيل لي سل تعط فاختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة وهي نائلة منكم إن شاء الله من لم يشرك بالله شيئا".
حدثنا أحمد بن فتح بن عبد الله قال حدثنا عبد الله بن أحمد بن حامد ابن ثرثال قال حدثنا الحسن بن الطيب بن حمزة قال حدثنا شيبان بن فروخ قال حدثنا حرب بن سريج قال حدثنا أيوب عن نافع عن ابن عمر أنه قال ما زلنا نمسك عن الاستغفار لأهل الكبائر حتى سمعنا من نبينا صلى الله عليه وسلم يقول {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} وقال "إني ادخرت دعوتي شفاعة لأهل الكبائر من أمتي".

(19/68)


وحدثنا عبد الوارث قال حدثنا قاسم قال حدثنا إبراهيم بن مهدي قال حدثنا شيبان بن فروخ قال حدثنا حرب بن سريج قال حدثنا أيوب السختياني عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي".
حدثنا أحمد بن سعيد بن بشر حدثنا مسلمة بن قاسم بن إبراهيم حدثنا جعفر بن محمد بن الحسن الأصبهاني بسيراف حدثنا يونس بن حبيب حدثنا أبو داود الطيالسي سليمان بن داود قال حدثنا محمد بن ثابت عن جعفر بن محمد بن علي عن أبيه عن جابر بن عبد الله قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم "شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي" قال فقال جابر من لم يكن من أهل الكبائر فما له وللشفاعة.
والآثار في هذا كثيرة متواترة والجماعة أهل السنة على التصديق بها ولا ينكرها إلا أهل البدع.
حدثنا أحمد بن قاسم وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا الحرث بن أبي أسامة قال حدثنا إسحاق بن عيسى قال حدثنا حماد بن زيد عن علي بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس قال: قال عمر بن الخطاب أيها الناس إن الرجم حق فلا تخدعن عنه وآية ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد رجم وأبا بكر ورجمنا بعدهما وإنه سيكون أناس يكذبون بالرجم ويكذبون باللعان ويكذبون بطلوع الشمس من مغربها ويكذبون بعذاب القبر ويكذبون بالشفاعة ويكذبون بقوم يخرجون من النار بعدما امتحشوا.

(19/69)


قال أبو عمر:
كل هذا يكذب به جميع طوائف أهل البدع الخوارج والمعتزلة والجهمية وسائر الفرق المبتدعة وأما أهل السنة أئمة الفقه والأثر في جميع الأمصار فيؤمنون بذلك كله ويصدقونه وهم أهل الحق والله المستعان.
وأما قوله في حديث أبي الزناد في هذا الباب لكل نبي دعوة يدعو بها فمعناه أن كل نبي أعطي أمنية وسؤالا ودعوة يدعو بها فيما شاء أجيب وأعطيه ولا وجه لهذا الحديث غير ذلك لأن لكل نبي دعوات مستجابات ولغير الأنبياء أيضا دعوات مستجابات وما يكاد أحد من أهل الإيمان يخلو من أن تجاب دعوته ولو مرة في عمره فإن الله عز وجل يقول {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} وقال {بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ}.
وقال صلى الله عليه وسلم "ما من داع يدعو إلا كان بين إحدى ثلاث:إما أن يستجاب له فيما دعا به وإما أن يدخر له مثله أو يكفر عنه" وقد ذكرنا هذا الخبر في باب زيد بن أسلم من كتابنا هذا وقال: دعوة المظلوم لا ترد ولو كانت من كافر والدعاء عند حضرة النداء والصف في سبيل الله وعند نزول الغيث وفي ساعة يوم الجمعة لا يرد.
فإن كان هذا هكذا لجميع المسلمين فكيف يتوهم متوهم أن ليس للنبي صلى الله عليه وسلم ولا لسائر الأنبياء إلا دعوة واحدة يجابون فيها هذا مالا يتوهمه ذو لب ولا إيمان ولا من له أدنى فهم وبالله التوفيق.

(19/70)


حدثنا سعيد بن نصر وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي قال حدثنا حجاج بن منهال قال حدثنا معتمر قال سمعت أبي يحدث عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن لكل نبي دعوة قد دعا بها يستجاب فيها فاختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة" أو كما قال صلى الله عليه وسلم، آخر حديث أبي الزناد والحمد لله.

(19/71)


مالك عن عبد الله بن الفضل
وله حديث واحد مسند صحيح
...
مالك عن عبد الله بن الفضل حديث واحد مسند صحيح
قال ابن البرقي هو عبد الله بن الفضل بن عباس أبي ربيعة بن الحرث ابن عبد المطلب بن هاشم يروي عن نافع بن جبير بن مطعم والأعرج.
وقال غيره هو عبد الله بن الفضل بن عبد الرحمن بن ربيعة بن الحرث ابن عبد المطلب بن هاشم.
وهكذا ذكره أبو داود قال حدثنا الحسن بن علي قال حدثنا سليمان ابن داود الهاشمي قال حدثنا ابن أبي الزناد عن موسى بن عقبة عن عبد الله بن الفضل بن عبد الرحمن بن ربيعة بن الحرث بن عبد المطلب بن هاشم.
قال أبو عمر:
عبد الله بن الفضل الهاشمي هذا مشهور بالرواية ثقة روى عنه مالك وزياد بن سعد وموسى بن عقبة ومحمد بن إسحاق وأبو أويس إلا أني لم أجده في كتب نساب قريش مصعب الزبيري والعدوي,

(19/72)


فمن رواية مالك وزياد بن سعد عن عبد الله بن الفضل هذا عن نافع ابن جبير عن ابن عباس حديث "الأيم أحق بنفسها من وليها".
وروى عنه أبو أويس عن نافع بن جبير أيضا عن ابن عباس مرفوعا حديث "المقتول يأتي يوم القيامة ملببا قاتله تشخب أوداجه" الحديث.
وروى عنه موسى بن عقبة عن الأعرج عن عبيد الله بن أبي رافع عن علي مرفوعا في رفع اليدين في الصلاة مع كل خفض ورفع.
وروى عنه محمد بن إسحاق عن سليمان بن يسار عن جعفر بن عمرو ابن أمية خبرا ونسبه محمد بن إسحاق كما ذكر ابن البرقي وجعل البخاري عبد الله بن الفضل الهاشمي الذي روى عنه أبو أويس ومالك وزياد بن سعد غير عبد الله بن الفضل الهاشمي الذي روى عنه موسى بن عقبة ومحمد بن إسحاق وقال العقيلي هما عندي واحد.
قال أبو عمر:
هو عندي كما قال العقيلي والله أعلم وحديث مالك عنه مالك عن عبد الله بن الفضل عن نافع بن جبير ابن مطعم عن عبد الله بن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "الأيم أحق بنفسها من وليها والبكر تستأذن في نفسها وإذنها صمتها".

(19/73)


نافع بن جبير بن مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف أحد الأشراف التابعين الثقات وكان ذا فصاحة وبيان وكان فيه زهو فيما ذكروا وتجبر وإعجاب توفي في خلافة سليمان بن عبد الملك.
قال أبو عمر:
هذا حديث رفيع أصل من أصول الأحكام رواه عن مالك جماعة من الجلة منهم شعبة وسفيان الثوري وابن عيينة ويحيى بن سعيد القطان وقيل إنه قد رواه أبو حنيفة عن مالك وفي ذلك نظر ولا يصح.
فأما حديث الثوري عن مالك في ذلك فحدثنا خلف بن قاسم قال أخبرنا أبو بكر عبد الله بن محمد بن عبد الله بن عبد الله القاضي بمصر حدثنا عبد الله بن الحسين بن أحمد بن أبي شعيب الحراني وحدثنا خلف قال حدثنا أبو الطاهر محمد بن أحمد بن عبد الله القاضي حدثنا يوسف بن يعقوب القاضي قالا جميعا حدثنا محمد بن كثير قال حدثنا سفيان الثوري عن مالك بن أنس عن عبد الله بن الفضل عن نافع بن جبير ابن مطعم عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الأيم أحق بنفسها من وليها والبكر تستأذن وإذنها صماتها".
وأما حديث شعبة فحدثنا خلف بن سعيد قال حدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا أحمد بن خالد قال حدثنا علي بن عبد العزيز قال حدثنا مسلم بن إبراهيم قال حدثنا شعبة قال حدثنا مالك عن عبد الله بن الفضل عن نافع بن جبير عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "الثيب أحق بنفسها من وليها والبكر تستأذن وإذنها صماتها".

(19/74)


حدثنا خلف بن القاسم حدثنا أحمد بن سليمان الرملي حدثنا أبو مسلم إبراهيم بن عبد الله البصري حدثنا مسلم بن إبراهيم حدثنا شعبة ابن الحجاج حدثنا مالك بن أنس عن عبد الله بن الفضل عن نافع بن جبير عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "الثيب أحق بنفسها من وليها والبكر وتستأذن وإذنها صماتها" هكذا يقول شعبة والثيب أحق بنفسها.
وحدثنا خلف بن القاسم حدثنا أحمد بن محمد بن الحسين بن عبد الله حدثنا الربيع بن سليمان أخبرنا الشافعي أخبرنا مالك عن عبد الله ابن الفضل عن نافع بن جبير بن مطعم عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الأيم أحق بنفسها من وليها والبكر رضاها صماتها".
حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا بكر بن حماد قال حدثنا مسدد قال حدثنا يحيى بن سعيد عن مالك.
وأخبرنا عبد الوارث قال حدثنا قاسم حدثنا أبو يحيى بن أبي مسرة قال حدثنا مطرف بن عبد الله قال حدثنا مالك عن عبد الله بن الفضل عن نافع بن جبير عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "الأيم أحق بنفسها من وليها والبكر تستأمر في نفسها وإذنها صماتها" كذا قال تستأمر لفظ مطرف وعامة رواة الموطأ يقولون تستأذن.
حدثنا سعيد بن نصر وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن إسماعيل قال حدثنا الحميدي وحدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا احمد ابن حنبل قالا جميعا حدثنا سفيان قال حدثنا زياد بن سعد عن عبد الله

(19/75)


ابن الفضل عن نافع بن جبير عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "الثيب أحق بنفسها من وليها والبكر تستأمر في نفسها فصمتها إقرارها" هذا لفظ حديث الحميدي وقال أحمد بن حنبل حدثنا سفيان عن زياد بن سعد بإسناده فقال الثيب أحق بنفسها من وليها والبكر يستأمرها أبوها وصمتها إقرارها.
قال أبو عمر:
وهكذا قال ابن عيينة عن زياد في هذا الحديث الثيب أحق بنفسها ولو صحت هذه اللفظة كان الولي المراد بهذا الحديث الأب دون غيره على ما ذهبت إليه طائفة من أهل العلم في ذلك وسترى ذلك وغيره في هذا الباب إن شاء الله.
حدثنا إسماعيل بن عبد الرحمن قال حدثنا أبو الحسين محمد بن العباس الحلبي قال حدثنا أبو عروبة الحسين بن محمد قال حدثنا محمد بن زنبور المكي قال حدثنا فضيل بن عياض عن زياد بن سعد عن عبد الله بن الفضل عن نافع بن جبير عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "الأيم أحق بنفسها من ولهيا والبكر تستأذن وإذنها صماتها".
قال أبو عمر:
اختلف في لفظ هذا الحديث كما ترى فبعضهم يقول الأيم وبعضهم يقول الثيب والذي في الموطأ الأيم وقد يمكن أن يكون من قال الثيب جاء به على المعنى عنده وهذا موضع اختلف فيه العلماء وأهل

(19/76)


اللغة فقال قائلون الأيم هي التي أمت من زوجها بموته أو طلاقه وهي الثيب.
واحتجوا بقول الشاعر:
نقاتل حتى أنزل الله نصره ... وسعد بباب القادسية معصم
فأبنا وقد أمت نساء كثيرة ... ونسوة سعد ليس منهن أيم
قالوا يعني ليس منهن من قتل زوجها وهذا الشعر لرجل من بني أسد قاله يوم القادسية حين كان سعد بن أبي وقاص عليلا مقيما في القصر لم يقدر على النزول ولم يشرف على القتال.
وقال يزيد بن الحكم الثقفي:
كل امريء ستئيم من العرس أو منها يئم
يريد من سيموت عنها أو تموت عنه فتصير أيما وذكروا ما حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا أبو بكر أحمد بن محمد بن يعقوب من ولد عباد بن تميم بن أوس الداري قال حدثنا سعيد بن هاشم بن صالح المخزومي مسكنه الفيوم قال حدثنا مالك بن أنس عن ابن شهاب أنه سمع اسلم بن عبد الله يحدث عن أبيه أن عمر بن الخطاب حين تأيمت حفصة ابنته من خنيس بن حذافة السهمي فذكر الحديث ورواه الداروردي عن ابن أخي الزهري عن عمه عن سالم عن أبيه قال آمت حفصة من خنيس ابن حذافة السهمي وذكره قالوا فالأيم هي الثيب التي يموت عنها زوجها أو يطلقها فتخلو منه بعد أن كانت زوجة قالوا وقد تقول العرب لكل من لا زوج لها من النساء أيم على الاتساع ولكن قوله صلى الله عليه وسلم: "الأيم أحق بنفسها من وليها" إنما أراد الثيب التي قد خلت من زوجها بدليل رواية من روى في هذا الحديث "الثيب أحق من نفسها" فكانت رواية مفسرة ورواية من روى الأيم مجملة والمصير إلى المفسر أبدا أولى بأهل العلم.

(19/77)


وذكروا ما حدثنا سعيد بن نصر وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن وضاح قال حدثنا أبو بكر بن أبي شبة قال حدثنا حفص بن غياث عن عبيد الله بن عبد الرحمن بن وهب قال حدثنا نافع بن جبير بن مطعم عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "الثيب أولى بأمرها من وليها والبكر تستأمر وصمتها إقرارها".
قالوا ففي هذا الحديث ومثله ما يدل على أن الأيم المذكورة في هذا الحديث المراد بها الثيب دون غيرها قالوا ودليل آخر وهو ذكر البكر بعدها بالواو الفاصلة فدل على أن الأيم غير البكر وإذا كانت غير البكر فهي الثيب قالوا ولو كانت الأيم في هذا الحديث كل من لا زوج لها من النساء لبطل قوله صلى الله عليه وسلم لا نكاح إلا بولي ولكانت كل امرأة أحق بنفسها من وليها وهذا ترده السنة الثابتة في أن لا نكاح إلا بولي ويرده القرآن في قوله مخاطبا للأولياء {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ} قالوا ولما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "الأيم أحق بنفسها من وليها" دل على أن الأيم وهي الثيب أحق بنفسها وأن لوليها مع ذلك أيضا حقا لأنه لا يقال فلان أحق من فلان بكذا إلا ولذاك فيه حق ليس كحق الذي هو أحق به منه ودل أيضا على أن لولي البكر عليها حقا فوق ذلك الحق والفرق بينهما أن ذلك الولي لا ينكح الثيب إلا بأمرها وله أن ينكح البكر بغير أمرها والولي عندهم ههنا هو الأب خاصة قالوا ولما كان للأب أن ينكح البكر من بناته بغير أمرها وليس له ذلك في الثيب إلا بأمرها علمنا أن ذلك ليس من باب التهمة في شيء لأن البكر والثيب في ذلك سواء لأنهما بنتاه لا يتهم على واحدة منهما وممن قال في

(19/78)


هذا الحديث بمعنى ما ذكرنا الشافعي وأصحابه وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه واحتجوا بضروب من الحجج معناها ما وصفنا وذكر المزني وغيره عن الشافعي قال وفي قول النبي صلى الله عليه وسلم "الأيم أحق بنفسها من وليها والبكر تستأمر في نفسها وإذنها صماتها" دلالة على الفرق بين الثيب والبكر في أمرين أحدهما أن إذن البكر الصمت والتي تخالفها الكلام والآخر أن أمرهما في ولاية أنفسهما مختلف فولاية الثيب أنها أحق من الولي قال والولي ههنا الأب والله أعلم دون سائر الأولياء ألا ترى أن سائر الأولياء غير الأب ليس له أن يزوج الصغيرة ولا له أن يزوج الكبيرة البكر وغيرها إلا بإذنها وذلك للأب في الأبكار من بناته بوالغ وغير بوالغ ولم تفترق البكر والثيب إلا في الأب خاصة لأن الأب هو الولي الكامل الذي لا ولاية لأحد معه وإنما يستحق غيره من الأولياء الولاية بسببه عند فقده وهم قد يشتركون في الولاية وهو ينفرد بها فلذلك وجب له اسم الولي مطلقا وذكر حديث خنساء حين أنكحها أبوها وهي ثيب بغير رضاها فرد رسول الله صلى الله عليه وسلم نكاحها قال والبكر مخالفة لها لاختلافهما في لفظ النبي صلى الله عليه وسلم ولو كانتا سواء كان لفظ النبي عليه السلام أنهما أحق بأنفسهما قال وتزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم عائشة وهي صغيرة زوجها أبوها وهي لا إذن لها ولو كانت ممن يحتاج إلى إذنها ما زوجت حتى تكون في حال من له الإذن بعد البلوغ ولكن لما زوجها أبوها وهي صغيرة كان له أن يزوجها بعد البلوغ كذلك بغير أمرها ما لم تكن ثيبا قال وأما الإستئمار للبكر فعلى استطابة النفس قال الله عز وجل لنبيه عليه السلام {وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ} لا على أن لأحد رد ما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن لاستطابة أنفسهم وليقتدي بسنته فيهم قال وقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم نعيما أن يؤامر أم ابنته.

(19/79)


قال أبو عمر:
وذكر من ذهب هذا المذهب أيضا ما رواه معمر والأوزاعي وهشام الدستوائي وغيرهم عن يحيى بن أبي كثير عن المهاجر بن عكرمة قال كان النبي صلى الله عليه وسلم يستأمر بناته إذا إنكحهن قال كان يجلس عند خدر المخطوبة فيقول إن فلانا يذكر فلانة فإن حركت الخدر لم يزوجها وإن سكتت زوجها.
وذكر ابن أبي شيبة عن حفص بن غياث عن ابن جريج عن عطاء مرسلا مثله سواء.
وروى الثوري ومعمر عن عبد الكريم الجزري عن ابن المسيب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "استأمروا الأبكار في أنفسهن فإنهن يستحيين فإذا سكتت فهو رضاها" فهذا لفظ الثوري قال الشافعي وهذا في الآباء على استطابة النفس ممن له أن ينكحها كما أمر نعيما أن يشاور أم ابنته ومعلوم أنها لا أمر لها معه في ابنته ولما عسى أن يكون عندها مما يخفى عليه من ذلك وقال آخرون الأيم كل امرأة لا زوج لها بكرا كانت أم ثيبا.
واستشهدوا بقول الشاعر:
فإن تنكحي أنكح وإن تتأيمي ... وإن كنت أفتى منكم أتأيم
قال أبو عمر:
ومن هذا قول الشماخ
يقر بعيني أن أنبأ أنها ... وأن لم أنلها أيم لم تزوج
وأبين من هذا قول أمية بن أبي الصلت:
لله در بني علي ... أيم منهم وناكح
إن لم يغيروا غارة ... شعواء تحجر كل نائح

(19/80)


قالوا فالأيم كل من لا زوج لها من النساء قالوا وكذلك كل رجل لا امرأة له أيم أيضا الرجل أيم إذا كان لا زوجة له والمرأة أيم إذا كانت لا زوج لها.
واحتجوا أيضا بما حدثناه عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا موسى بن إسماعيل قال حدثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن سعيد بن المسيب قال أمت حفصة ابنة عمر من زوجها وآم عثمان من رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فمر عمر بعثمان فقال هل لك في حفصة فلم يحر إليه شيئا فأتى عمر النبي صلى الله عليه وسلم فقال ألم تر إلى عثمان عرضت عليه حفصة فأعرض عني ولم ييحر إلي شيئا فقال النبي صلى الله عليه وسلم "فخير من ذلك أتزوج أنا حفصة وأزوج عثمان أم كلثوم فتزوج النبي صلى الله عليه وسلم حفصة وزوج عثمان أم كلثوم" ألا ترى أن في هذا الحديث آمت حفصة وآم عثمان قالوا ففي ذلك دليل على أن من لا زوج له فهو أيم ثيبا كان أو بكرا رجلا كان أو امرأة.
قال أبو عمر:
ذهب إلى هذا القول طائفة ممن قال لا نكاح إلا بولي وكل من قال النكاح جائز بغير ولي وسنبين اختلاف العلماء في النكاح بغير ولي بعد هذا إن شاء الله.
ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم "الأيم أحق بنفسها من وليها" عند هذه الطائفة القائلة لا نكاح إلا بولي أنه من عدا الأب من الأولياء وأن الأب لم يرد بذلك ومن قال بهذا مالك وأصحابه وجماعة.
قال إسماعيل بن إسحاق إنكاح غير الأب لا يجوز إلا بأمر المرأة قال وأما الأب فيجوز إنكاح ابنته البكر بغير أمرها لأنه غير متهم في ولده كما

(19/81)


لا يتهم في نفسه وماله لأن ولده هبة له كسائر ماله قال الله عز وجل {هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً} قال {وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ} وليس غير الأب من الأولياء كذلك فلا يجوز لغير الأب أن يزوج وليته إلا بأمرها قال صلى الله عليه وسلم "الأيم أحق بنفسها من وليها".
قال إسماعيل والأيم التي لا زوج لها بالغا كانت أو غير بالغ بكرا كانت أو ثيبا قال ولم يدخل الأب في جملة الأولياء لأن أمره في ولده أجل من أن يدخل مع الأولياء الذين لا يشبهونه وليست لهم أحكامه ولو دخل في جملة الأولياء لما جاز له أن ينكح ابنته الصغيرة ثم لا يكون لها خيار عند بلوغ ولا غيره قال وقد توهم قوم أن الأيم في هذا الحديث الثيب وهو غلط شديد وإنما توهموا ذلك حين خصت البكر بأن إذنها صماتها فظنوا أن الأيم هي الثيب ولو كان الأمر كما توهموا لكانت الثيب أحق بنفسها من وليها وكانت البكر ليست بأحق بنفسها وكان الإستئمار لها إنما هو على الترغيب في ذلك لا على الإيجاب إذا كانت ليست بأحق بنفسها من وليها وهذا الحديث إنما جاء في الأيامى جملة وكأنه والله أعلم إعلام للناس إذا أمروا بإنكاح الأيامى في القرآن مع ما أمروا به من إنكاح العبيد والإماء أنهن لسن بمنزلة العبيد والإماء وأنهن إنما ينكحهن الأولياء بأمرهن وأنهن أحق بأنفسهن ولولا ذلك لكان للأولياء أن ينكحوهن بغير أمرهن كما ينكح السيد أمته وعبده بغير أمرهما إذ كان ظاهر القرآن في اللفظ قد أجرين فيه مجرى واحدا قال الله تبارك وتعالى {وَأَنْكِحُوا

(19/82)


الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ} فأمروا بإنكاح من لا زوج له وهن الأيامى ولم يؤمروا بإنكاح الثيب دون البكر.
وذكر حديث سعيد بن المسيب قال آمت حفصة من زوجها وآم عثمان من رقية الحديث ذكر حديث ابن أخي الزهري عن عمه عن سالم عن أبيه عن عمر قال آمت حفصة من خنيس بن حذافة السهمي الحديث ثم قال حدثنا الحوضي وسليمان بن حرب قالا حدثنا شعبة عن أبي إسحاق عن هانئ بن هانئ قال رأيت امرأة جاءت إلى علي رضوان الله عليه ذات شارة فقالت هل لك في امرأة لا أيم ولا ذات بعل وذكر الحديث قال وإنما يقال آمت منه زوجته أي صارت غير ذات زوج وليس أنها صارت ثيبا بموته أو بفراقه وإنما تصير أيما بموته أو بفراقه إذا صارت غير ذات زوج قال ويقال للرجل أيضا أيم إذا لم تكن له زوجة وأنشد قول الشاعر:
فإن تنكحي أنكح وإن تتأيمي ... وإن كنت أفتى منكم أتأيم
وأنشد أيضا بيتي الأسدي يوم القادسية وقد تقدم ذكرنا لهما ثم قال ويقال في بعض الحديث وأحسبه مرفوعا أعوذ بالله من بوار الأيم قال وهذا في اللغة أشهر من أن يحتاج فيه إلى إكثار ثم قال وإنما كان في الحديث معنيان أحدهما أن الأيامى كلهن أحق بأنفسهن من أوليائهن وهم من عدا الأب من الأولياء والمعنى الآخر تعليم الناس كيف تستأذن البكر وأن إذنها صماتها لأنها تستحيي أن تجيب بلسانها قال إسماعيل فهذا معنى الحديث عند مالك أن الأيم أحق بنفسها من وليها إنما

(19/83)


هو لسائر الأولياء دون الأب وأن الأب أقوى أمرا من أن يدخل في هذه الجملة ولو كان داخلا فيها لما جاز له أن يزوج ابنته الصغيرة لأنها داخلة في جملة الأيامى ولو كانت أحق بنفسها لم يجز له أن يزوجها حتى تبلغ وتستأمر إذا كان التزويج أمر يلزمها في نفسها لا حيلة لها فيه كما أن غير الأب من الأولياء لا يجوز له أن يزوج صغيرة والأب له أن يزوج الصغيرة بإجماع من المسلمين ثم يلزمها ذلك ولا يكون لها في نفسها خيار إذا بلغت هذا كله كلام إسماعيل بن إسحاق.
قال أبو عمر:
فحصل أن الولي المذكور في هذا الحديث هو الأب عند الشافعي وعند مالك في غير الأب من سائر الأولياء وهو عند الكوفيين الأب وغير الأب من سائر الأولياء كلهم في النكاح وسيأتي مذهبهم في ذلك ملخصا في هذا الباب بعد إن شاء الله:
قال أبو عمر:
في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم "الأيم أحق بنفسها من وليها" دليل على أن للولي حقا في إنكاح وليته على ما مضى في هذا الباب من القول على الفرق بين الثيب والبكر وعلى الجمع بينهما في المعنى المراد بالولي المذكور في الحديث على حسبما وصفنا وقد اختلف العلماء في هذا المعنى فقال منهم قائلون لا نكاح إلا بولي ولا يجوز للمرأة أن تباشر عقد نكاحها بنفسها دون وليها ولا أن تعقد نكاح غيرها وممن قال هذا مالك والشافعي وسفيان والثوري وابن أبي ليلى وابن شبرمة وابن المبارك وعبيد الله ابن الحسن واحمد وإسحاق وأبو ثور وأبو عبيد والطبري وروي ذلك عن عمر وعلي وابن مسعود وابن عباس وأبي هريرة وهو قول سعيد بن المسيب والحسن وعمر بن عبد العزيز وجابر بن زيد أبي الشعثاء وخالف هؤلاء أهل الرأي من الكوفيين وطائفة من التابعين،

(19/84)


وسنذكر قولهم ههنا إن شاء الله بعونه وفضله وكلهم يقول لا ينبغي أن ينعقد نكاح بغير ولي.
قال أبو عمر:
حجة من قال لا نكاح إلا بولي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ثبت عنه أنه قال: "لا نكاح إلا بولي" وقال الله عز وجل {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنّ}َ وهذه الآية نزلت في معقل بن يسار إذ عضل أخته عن مراجعة زوجها ولولا أن له حقا في الإنكاح ما نهي عن العضل.
وأما افتتاح هذه الآية بذكر الزواج ثم الميل إلى الأولياء فذلك معروف في لسان العرب كما قال {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ} فخاطب المتبايعين ثم قال {مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ} فخاطب الحكام وهذا كثير والرواية الثابتة في معقل بن يسار تبين ما قلنا وسنذكرها إن شاء الله.
وروينا عن أبي هريرة أنه قال البغايا اللائي ينكحن أنفسهن بغير ولي وعن عائشة أنها كانت إذا أنكحت رجلا من قرابتها امرأة منهم ولم يبق إلا العقد قالت اعقدوا فإن النساء لا يعقدن وأمرت رجلا فأنكح.
حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن قال حدثنا محمد بن بكر عن عبد الرزاق قال حدثنا سليمان بن الأشعث قال حدثنا محمد بن كثير قال أخبرنا سفيان قال حدثنا ابن جريج عن سليمان بن موسى عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أيما أمرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل ثلاث مرات فإن دخل بها فالمهر لها بما أصاب منها فإن تشاجروا فالسلطان ولي من لا ولي له".

(19/85)


وحدثنا سعيد بن نصر وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن إسماعيل قال حدثنا الحميدي قال حدثنا سفيان وعبد الله بن رجاء المزني قال حدثنا ابن جريج عن سليمان بن موسى عن الزهري عن عروة عن عائشة فذكره سواء.
قال أبو عمر:
روى هذا الحديث إسماعيل بن علية عن ابن جريج عن سليمان بن موسى عن الزهري عن عروة عن عائشة كما رواه غيره وزاد عن ابن جريج قال فسألت عنه الزهري فلم يعرفه ولم يقل هذا أحد عن ابن جريج غير ابن علية وقد رواه عنه جماعة لم يذكروا ذلك ولو ثبت هذا عن الزهري لم يكن في ذلك حجة لأنه قد نقله عنه ثقات منهم سليمان بن موسى وهو فقيه ثقة إمام وجعفر بن ربيعة والحجاج بن أرطاة فلو نسيه الزهري لم يضره ذلك شيء لأن النسيان لا يعصم منه إنسان قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "نسي آدم فنسيت ذريته" وإذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينسى فمن سواه أحرى أن ينسى ومن حفظ فهو حجة على من نسي فإذا روى الخبر ثقة عن ثقة فلا يضره نسيان من نسيه هذا لو صح ما حكى ابن علية عن ابن جريج فكيف وقد أنكر أهل العلم ذلك من حكايته ولم يعرجوا عليه وقد ذكرنا هذا المعنى بأوضح من ذكرنا له ههنا في باب جعفر بن محمد من كتابنا هذا في حديث اليمين مع الشاهد حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن الهيثم

(19/86)


أبو الأحوص قال حدثنا عبد الغفار بن داود قال حدثنا ابن لهيعة وسمعه منه عن جعفر بن ربيعة بن شرحبيل بن حسنة عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل ثلاث مرات فإن وطئها فلها المهر بما استحل من فرجها فإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له".
حدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا القعنبي قال حدثنا ابن لهيعة عن جعفر بن ربيعة عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم فذكره.
وحدثنا عبد الوارث قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن شاذان قال حدثنا المعلي بن منصور قال حدثنا ابن لهيعة قال حدثنا جعفر بن ربيعة عن الزهري عن عروة عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم فذكره سواء إلا في قوله فإن وطئها فلها المهر فإنه لم يذكره.
وحدثنا أحمد بن قاسم وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا الحرث بن أبي أسامة قال حدثنا إسحاق بن عيسى قال حدثنا هشيم عن الحجاج عن الزهري عن عروة عن عائشة قال ت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا نكاح إلا بولي والسلطان ولي من لا ولي له".
حدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا محمد بن قدامة بن أعين قال حدثنا أبو عبيدة الحداد عن يونس وإسرائيل عن أبي إسحاق عن أبي بردة عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "لا نكاح إلا بولي" قال أبو داود يونس لقي أبا بردة

(19/87)


حدثنا أحمد بن قاسم قال حدثنا قاسم قال حدثنا الحرث قال حدثنا إسحاق بن عيسى وحدثنا عبد الوارث قال حدثنا قاسم قال حدثنا محمد بن شاذان قال حدثنا المعلى بن منصور قالا جميعا أخبرنا أبو عوانة عن أبي إسحاق عن أبي بردة عن أبيه أبي موسى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا نكاح إلا بولي".
وحدثنا عبد الوارث قال حدثنا قاسم قال حدثنا محمد بن شاذان قال حدثنا المعلى بن منصور قال حدثنا ابن أبي زائدة قال حدثني إسرائيل عن أبي إسحاق عن أبي بردة بن أبي موسى عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا نكاح إلا بولي".
وحدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا ابن أبي دليم وحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قالا حدثنا ابن وضاح قال حدثنا موسى بن معاوية قال حدثنا وكيع عن إسرائيل وسفيان عن أبي إسحاق عن أبي بردة بن موسى عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "لا نكاح إلا بولي" وليس في حديث سفيان عن أبيه.
قال أبو عمر:
روى هذا الحديث شعبة والثوري عن أبي إسحاق عن أبي بردة عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا فمن يقبل المراسيل يلزمه قبوله وقد مضى في صدر هذا الديوان ذكر من يقبلها ويحتج بها من العلماء ومن يأبى من قبولها وأما من لا يقبل المراسيل فيلزمه أيضا قبول حديث أبي بردة هذا لأن الذين وصوله من أهل الحفظ والثقة وإسرائيل ومن تابعه حفاظ والحافظ تقبل زيادته وهذه زيادة تعضدها أصول صحاح وقد روي من حديث يزيد بن

(19/88)


زريع عن شعبة ومن حديث بشر بن منصور عن الثوري هذا الحديث مسندا ولكن الصحيح عنهما إرساله.
وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم "لا نكاح إلا بولي وشاهدين عدلين" من حديث ابن عباس وحديث ابن عباس وحديث أبي هريرة وحديث ابن عمر إلا ان في نقلة ذلك ضعفا فلذلك لم أذكره.
أخبرنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا محمد بن المثنى قال حدثنا أبو عامر قال حدثنا عباد بن راشد عن الحسن قال حدثنا معقل بن يسار قال كانت لي أخت تخطب إلي فأتاني ابن عم لي فأنكحتها إياه ثم طلقها طلاقا له رجعة ثم تركها حتى نقضت عدتها فلما خطبت أتاني يخطبها فقلت والله لا أنكحتكها أبدا قال ففي نزلت {إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ} قال فكفرت عن يميني وأنكحتها إياه.
وذكر البخاري قال حدثنا عبيد الله بن سعيد قال حدثنا أبو عامر العقدي قال حدثنا عباد بن راشد قال حدثنا الحسن قال حدثني معقل ابن يسار قال كانت لي أخت تخطب إلي فذكر الحديث قال البخاري وأخبرنا أبو معمر حدثنا عبد الوارث حدثنا يونس عن الحسن أن أخت معقل بن يسار طلقها زوجها فتركها حتى نقضت عدتها ثم خطبها فأبى معقل فنزلت هذه الآية {فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ} قال البخاري وقال إبراهيم عن يونس عن الحسن حدثني معقل بن يسار

(19/89)


قال أبو عمر:
هذا أصح شيء وأوضحه في أن للولي حقا في الإنكاح ولا نكاح إلا به لأنه لولا ذلك ما نهي عن العضل ولاستغني عنه وقال مجاهد وعكرمة وابن جريج نزلت {فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ} في أخت معقل بن يسار قال ابن جريج أخته حمل بنت يسار كانت تحت أبي البداح فطلقها وانقضت عدتها فرغب فيها وخطبها فعضلها معقل بن يسار فنزلت هذه الآية.
قال أبو عمر:
فقد صرح الكتاب والسنة بأن لا نكاح إلا بولي فلا معنى لما خالفهما ألا ترى أن الولي نهى عن العضل فقد أمر بخلاف العضل وهو التزويج كما أن الذي نهي عن أن يبخس الناس قد أمر بان يوفي الكيل والوزن وهذا بين كثير وبالله التوفيق.
وقد كان الزهري والشعبي يقولان إذا تزوجت المرأة بغير إذن وليها كفؤا فهو جائز وكذلك كان أبو حنيفة يقول إذا زوجت المرأة نفسها كفؤا بشاهدين فذلك نكاح جائز صحيح وهو قول زفر وإن زوجت نفسها غير كفء فالنكاح جائز وللأولياء أن يفرقوا بينهما.
وقال أبو يوسف: لا يجوز النكاح إلا بولي فإن سلم الولي جاز وإن أبي أن يسلم والزوج كفء أجازه القاضي وإنما يتم النكاح في قوله حين يجيزه القاضي وهو قول محمد بن الحسن وقد كان محمد بن الحسن يقول يأمر القاضي الولي بإجازته فإن لم يفعل استأنفا عقدا.

(19/90)


قال أبو عمر:
في اتفاقهم على أن للولي فسخ نكاح وليته إذا تزوجت غير كفء بغير إذنه دليل على أن له حقا في الإنكاح بالكفء وغير الكفء لأن الكفء وغير الكفء في ذلك سواء والله أعلم ولا خلاف بين أبي حنيفة وأصحابه أنه إذا أذن لها وليها فعقدت النكاح لنفسها جاز وقال الأوزاعي إذا ولت أمرها رجلا فزوجها كفؤا فالنكاح جائز وليس للولي أن يفرق بينهما إلا أن تكون عربية تزوجت مولى وحمل القائلون بمذهب الزهري والشعبي وأبي حنيفة والأوزاعي قوله صلى الله عليه وسلم "لا نكاح إلا بولي" على الكمال لا على الوجوب كما قال "لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد" ولا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة ونحو هذا وهذا ليس بشيء لأن النهي حقه أن يمتثل الانتهاء عنه ومعناه الزجر والإبعاد والوجوب لا يخرج عن ذلك إلا بدليل لا معارض له ولولا ذلك لم تصح عبادة ولا فريضة وقد أوضحنا هذا الباب في غير موضع من هذا الكتاب والحمد لله.
وقال مالك فيما ذكر ابن القاسم وغيره عنه إذا كانت المرأة معتقة أو مسكينة دنية لا خطب لها أو المرأة تكون في قرية لا سلطان فيها فلا بأس أن تستخلف رجلا يزوجها ويجوز قال مالك: وكل امرأة ذات نسب وغنى وقدر فإن ذلك لا ينبغي أن يزوجها إلا ولي أو سلطان فإن فوضت أمرها إلى رجل فزوجها فرضي الولي بعد ذلك وقف فيه مالك لما سئل عنه وإن أراد الولي فسخه بحدثان التزويج فله ذلك وإن طال وولدت الأولاد وكان صوابا لم يجز الفسخ وقال مالك في قوم من الموالي يأخذون الصبية من الأعراب فتربى إنه يجوز نكاح الذي رباها علبها قال وأجاز

(19/91)


مالك للرجل أن يزوج المرأة وهو من فخذها وإن كان ثم من هو أقعد بها منه.
قال أبن القاسم وإن كانت بكرا فزوجها ذو الرأي وأصاب وجه الرأي ولها أخ أو غيره من الأولياء فهو عندي جائز قال مالك تولى العربية أمرها المولى من أهل الصلاح دون الأولياء قال ابن القاسم ولا يكون عند مالك الأقرب من الأولياء أقعد إلا إن تشاحوا في إنكاحها وخطبت ورضيته فإذا كان ذلك كان الأقرب فالأقرب ينكحها دونهم قال وقال مالك في المرأة الثيب لها الأب والأخ فزوجها الأخ برضاها وأنكر الأب قال مالك ليس للأب هنا قول إذا زوجها الأخ برضاها لأنها قد ملكت أمرها فهذه كلها روايات ابن القاسم عن مالك.
روى ابن وهب عن مالك قال الابن أولى بإنكاح أمه من أبيها وبالصلاة عليها إذا ماتت والأخ أولى بإنكاح أخته من الجد والصلاة عليها إذا ماتت قال وسمعت مالكا يقول في الثيب ينكحها ولي دونه ولي قال إن كان بأمرها نظر في ذلك الولي فإن رأى سدادا جاز قال ابن وهب وقال مالك في الرجل يزوج المرأة من قومه ولها ولي غائب إن ذلك النكاح لا يجوز وأنه يفسخ إلا أن يرى السلطان أن ذلك النكاح حسن لا بأس به فقيل لمالك فالرجل يزوج أخته وأبوه غائب فقال لا ينكحها حتى يكتب إلى أبيه قال إسماعيل بن إسحاق قال مالك في هذا الباب أقاويل يظن من سمعها أن بعضها يخالف بعضا وجملة هذا الباب أن الله تبارك وتعالى أمر بالنكاح وحض عليه الرسول عليه السلام وجعل

(19/92)


الله المؤمنين بعضهم لبعض أولياء فقال والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض والمؤمنون في الجملة هكذا يرث بعضهم بعضا فلو أن رجلا مات لا وارث له لكان ميراثه للمسلمين ولو جنى جناية لعقل عنه المسلمون ثم تكون ولاية أقرب من ولاية وقرابة أقرب من قرابة فإنما يجوز النكاح على جهته وبمن هو أولى بالمرأة وبمن لو تشاجروا وترافعوا إلى الحاكم لجعل أمر المرأة إلى ذلك الرجل فإذا كانت المرأة بموضع لا سلطان فيه ولا ولي لها فإنها تصير أمرها إلى من يوثق به من جيرانها فيزوجها ويكون هو وليها في هذه الحال لأن الناس لا بد لهم من التزويج وإنما يعملون فيه بأحسن ما يمكن وعلى هذا قال مالك في المرأة الضعيفة الحال إنه يزوجها من تسند أمرها إليه لأنها ممن تضعف عن السلطان وأشبهت من لا سلطان بحضرتها ورجعت في الجملة إلى أن المسلمين أولياؤها ولذلك قال مالك في المرأة التي لها أولياء إنه يزوجها ذو الرأي منهم وإن كان أبعد إليها من غيره على ما قال عمر بن الخطاب لا تنكح المرأة إلا بإذن وليها أو ذي الرأي من أهلها أو السلطان لأن ذلك وجه من وجوه إنكاحها بل هو أحسنه لأنه لو رفع إلى الحاكم أمرها لأسنده إلى ذلك الرجل قال إسماعيل وإذا صيرت المرأة أمرها إلى رجل وتركت ألأولياء فإنها أخذت الأمر من غير وجهه وفعلت ما ينكره الحاكم عليها وينكره المسلمون فيفسخ ذلك النكاح من غير أن يعلم حقيقة أنه حرام لما وصفنا من أن المؤمنين بعضهم أولياء بعض ولما في ذلك من الاختلاف ولكن لتناولها الأمر من غير وجهه ولأنه أحوط في الفروج وتحصينها فإذا وقع الدخول وتطاول الأمر لم يفسخ لأن الأمور إذا تفاوتت لم يرد منها إلا الحرام الذي لا شك فيه ويشبه ما فات من ذلك بحكم الحاكم إذا حكم بحكم لم يفسخ إلا أن يكون خطأ لا يشك فيه فأما ما يجتهد فيه الرأي وفيه

(19/93)


الاختلاف فإنه لا يفسخ ولا يرد من رأي إلى رأي وقد كان يشبه على مذهب مالك أن يكون الدخول فوتا وإن لم يتطاول ولكني أحسبه احتاط في ذلك لئلا تجري الناس على التزويج بغير ولي ويستعجلون الدخول ليجوز لهم قال وأما ما قال مالك إن المرأة إذا زوجها غير ولي ففسخه الحاكم أنها تطليقة فإنما قال ذلك لما وصفنا أنه ليس يعلم حقيقة أنه حرام ولو كان يعلم حقيقة أنه حرام لكان فسخا بغير طلاق ولم يكن عند بن القاسم عن مالك في المرأة إذا تزوجت بغير إذن وليها ثم مات أحدهما جواب في توارثهما وقال كان مالك يستحب أن لا يقام على ذلك النكاح حتى يبتدأ النكاح جديدا ولم يكن يحقق فساده.
قال إسماعيل والذي يشبه عندي على مذهب مالك أن هذين يتوارثان إن مات أحدهما لأن الفسخ يقع عنده بطلاق والنكاح ثابت حتى يفرق بينهما وقد ذكر أبو ثابت أن ابن القاسم كان يرى أن بينهما الميراث لو مات أحدهما قبل أن يفسخ النكاح فهذه جملة مذهب مالك ووجوه في النكاح بغير ولي ومذهب الليث بن سعيد في هذا الباب نحو مذهب مالك وأما الشافعي وأصحابه فالنكاح عندهم بغير ولي مفسوخ أبدا قبل الدخول وبعده ولا يتوارثان إن مات أحدهما والولي عندهم من فرائض النكاح لقيام الدليل عندهم من الكتاب والسنة على أن لا نكاح إلا بولي قال الله عز وجل {وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ} كما قال {فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ} وقال مخاطبا الأولياء {فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ} وقال صلى الله عليه وسلم "لا نكاح إلا بولي" وقال "أيما امرأة نكحت بغير إذن ولي فنكاحها باطل" ولما قال صلى الله عليه وسلم "الأيم أحق بنفسها من وليها" دل على

(19/94)


أن غير الأيم وليها أحق بها منها وكأن الفرق بينهما في الإذن عنده الأب على ما ذكرنا من مذهب الشافعي في ذلك فلهذا كله قال الشافعي وأصحابه إن النكاح بغير ولي باطل مفسوخ أبدا وفسخه بغير طلاق ولم يفرقوا بين الدنية الحال وبين الشريفة لإجماع العلماء على أن لا فرق بينهما في الدماء وقال صلى الله عليه وسلم "المسلمون تتكافأ دماؤهم" وهذا على الحر بالحر وسائر الأحكام كذلك ليس في شيء منها فرق بين الوضيع والرفيع في كتاب ولا سنة.
وقال الشافعي لا ولاية لحد مع الأب فإن مات فالجد ثم أبو الجد ثم أبو أبي الجد كذلك لأن كلهم أب والثيب والبكر في ذلك سواء لا تنكح واحدة منهما بغير ولي إلا أن الثيب لا ينكحها أب ولا غيره إلا بأمرها وينكح الأب البكر من بناته بغير أمرها لأنه أحق بها من الثيب على ما قدمنا والولاية بعد الجد وإن علا الأخوة ثم الأقرب فالأقرب قال المزني قال في الجديد من انفرد بأم كان أولى بالإنكاح كالميراث وقال في القديم هما سواء وقال الثوري كقول الشافعي الأولياء العصبة وقال أبو ثور كل من وقع إليه اسم ولي فله أن ينكح وهو قول محمد بن الحسن.
حدثنا أحمد بن محمد قال حدثنا الحسن بن سلمة قال حدثنا ابن الجارود قال حدثنا إسحاق بن منصور قال قلت لأحمد بن حنبل إذا تزوجها بغير ولي ثم طلقها قال احتاط لهذا وأجيز طلاقه وقال إسحاق كلما طلقها وقد عقد النكاح بلا ولي لم يقع عليها طلاق ولا يقع بينهما ميراث لأن النبي عليه السلام قال فنكاحها باطل ثلاثا والباطل مفسوخ لا يحتاج إلى فسخ حاكم ولا غيره.
وأما أبو حنيفة وأصحابه فليس الولي عندهم من أركان النكاح ولا من فرائضه وإنما هو لئلا يلحقه عارها فإذا تزوجت كفؤا جاز النكاح بكرا كانت أو ثيبا وقال أصحاب أبي حنيفة قول رسول الله صلى الله عليه وسلم "الأيم أحق بنفسها" فيه دليل على أن لها أن تزوج نفسها لأنه لم يقل إنها أحق

(19/95)


بنفسها في الإذن دون العقد ومن ادعى أنه أرادا الإذن دون العقد فعليه الدليل قالوا والأيم كل امرأة لا زوج لها بكرا كانت أو ثيبا قالوا فالمرأة إذا كانت رشيدة جاز لها أن تلي عقد نكاحها لأنه عقد أكسبها مالا فجاز أن تتولاه بنفسها كالبيع والإجارات قالوا وقد أضاف الله عز وجل النكاح إليها بقوله {حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ} وبقوله {أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ} وبقوله {فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ}.
قال أبو عمر:
أما قوله صلى الله عليه وسلم "الأيم أحق بنفسها من وليها" فإنما ورد للفرق بين حكم الثيب والبكر في الإذن هذا هو قول الشافعي وغيره ممن يقول إن الولي ههنا الأب.
وأما مالك وأصحابه فهذا الحديث عندهم إنما هو في اليتيمة بكرا كانت أو ثيبا والولي عندهم من عدا الأب ههنا وقد مضى هذا القول ووجهه فلا معنى لإعادته فما تأوله أصحاب أبي حنيفة في هذا الحديث فغير مسلم لهم.
وأما احتجاجهم بقوله {حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ} فإنما هذا على ما يجب من النكاح الذي أمر الله ورسوله به ومنه الولي والصداق وغير ذلك وفي هذه المسألة كلام كثير واعتراض طويل لكل فريق من هؤلاء على صاحبه يطول ذكره ولو أتينا به لخرجنا عن شرطنا وإنما غرضنا التعريف بما في الحديث من المعاني التي جعلها الفقهاء أصولا في أحكام الديانة ليوقف على

(19/96)


الأصول وتضبط وأما الاعتلال والفروع والجدال فتقصر عن حمل ذلك الأسفار والمصنفات الطوال.
وقال داود وأصحابه في قوله "الأيم أحق بنفسها من وليها" هي الثيب ولها أن تزوج نفسها بغير ولي والبكر يزوجها وليها ولا تتزوج بغير ولي لقوله "لا نكاح إلا بولي" وهذا على الأبكار خاصة بدليل قوله "الثيب أحق بنفسها" واحتج أيضا بقوله صلى الله عليه وسلم "ليس للولي مع الثيب أمر" وبحديث خنساء وسنذكره في باب عبد الرحمن بن القاسم من كتابنا هذا إن شاء الله.
أخبرنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا الحسن بن علي قال أخبرنا عبد الرزاق قال أخبرنا معمر عن صالح بن كيسان عن نافع بن جبير بن مطعم عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "ليس للولي مع الثيب أمر واليتيمة تستأمر وصمتها إقراراها".
قال أبو عمر:
الأولى أن يحمل قوله صلى الله عليه وسلم "لا نكاح إلا بولي" على عمومه وكذلك قوله "أيما أمرأة نكحت بغير وليها فنكاحها باطل" على عمومه أيضا وأما الحديث الأيم أحق بنفسها من وليها فإنما ورد للفرق بين الثيب والبكر في الإذن والله أعلم.حدثنا سعيد بن نصر وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا ابن وضاح قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا

(19/97)


ابن إدريس عن ابن جريج عن ابن أبي مليكة عن أبي عمرو مولى عائشة عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "تستأمر النساء في أبضاعهن قالت قلت يا رسول الله إنهن يستحيين قال الأيم أحق بنفسها والبكر تستأمر وسكوتها إقرارها".
قال أبو عمر:
أجمع العلماء على أن للأب أن يزوج ابنته الصغيرة ولا يشاورها لتزويج رسول الله صلى الله عليه وسلم عائشة وهي بنت ست سنين إلا أن العراقيين قالوا لها الخيار إذا بلغت وأبى ذلك أهل الحجاز ولا حجة مع من جعل لها الخيار عندي والله أعلم.
قال أبو قرة سألت مالكا عن قول النبي عليه السلام "والبكر تستأذن في نفسها" أيصيب هذا القول الأب قال لا لم يعن الأب بهذا إنما عني به غير الأب قال وإنكاح الأب جائز على الصغار من ولده ذكرا كان أو أنثى قال ولا ينكح الجارية الصغيرة أحد من الأولياء غير الأب واختلفوا في الأب هل يجبر ابنته الكبيرة البكر على النكاح أم لا فقال مالك والشافعي وابن أبي ليلى إذا كانت المرأة بكرا كان لأبيها أن يجبرها على النكاح ما لم يكن ضررا بينا وسواء كانت صغيرة أو كبيرة وبه قال أحمد وإسحاق وجماعة وحجتهم أنه لما كان له أن يزوجها وهي صغيرة كان له أن يزوجها وهي كبيرة إذا كانت بكرا لأن العلة البكورة لأن الأب ليس كسائر الأولياء بدليل تصرفه في مالها ونظره لها وأنه غير متهم عليها ولو لم يجز له أن يزوجها وهي بكر بالغ إلا بإذنها ما جاز له أن يزوجها صغيرة كما أن غير الأب لما لم يكن له أن يزوجها بكرا بالغا إلا بإذنها لم يكن له أن يزوجها صغيرة فلو احتيج إلى إذنها في الأب ما زوجها حتى تكون ممن لها الإذن بالبلوغ فلما أجمعوا على أن للأب أن يزوجها صغيرة وهي لا إذن لها صح بذلك أن له أن يزوجها بغير إذنها كائنة ما كانت بكرا لأن الفرق إنما ورد بين الثيب والبكر على ما قدمنا.

(19/98)


ومن حجتهم أيضا قوله صلى الله عليه وسلم "لا تنكح اليتيمة إلا بإذنها" لأن فيه دليلا على أن غير اليتيمة تنكح بغير إذنها وهي البكر ذات الأب وكذلك قوله الثيب أحق بنفسها فيه دليل على أن البكر وليها أحق منها وهو الأب.
حدثنا محمد بن عبد الملك قال حدثنا أحمد بن محمد بن زياد قال حدثنا الحسن بن محمد الزعفراني قال حدثنا أسباط بن محمد عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "تستأمر اليتيمة فإن سكتت فهو رضاها وإن أبت فلا جواز عليها" قال وحدثنا الزعفراني قال حدثنا عفان قال حدثنا حماد بن سلمة عن محمد ابن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "تستأمر اليتيمة في نفسها فإن سكتت فهو رضاها".
وأخبرنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا موسى بن إسماعيل قال حدثنا حماد بن سلمة قال أبو داود وحدثنا أبو كامل قال حدثنا يزيد بن زريع قالا حدثنا محمد بن عمرو قال حدثنا أبو سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "تستأمر اليتيمة في نفسها فإن سكتت فهو إذنها وإن أبت فلا جواز عليها".
قال أبو عمر:
ليس يروي هذا الحديث عن أبي سلمة بهذا اللفظ غير محمد بن عمرو والله أعلم.
حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا إسحاق ابن الحسن الحربي قال حدثنا أبو نعيم قال حدثنا يونس بن أبي

(19/99)


إسحاق قال حدثني أبو بردة عن أبي موسى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "تستأمر اليتيمة في نفسها فإن سكتت فقد أذنت وإن أنكرت لم تكره" قالوا ففي قوله تستأمر اليتيمة دليل على أن غير اليتيمة لا تستأمر وهي ذات الأب إذا كانت بكرا بدليل قوله "الثيب أحق بنفسها".
وقال أبو حنيفة وأصحابه والثوري والأوزاعي والحسن بن حي وأبو ثور وأبو عبيد لا يجوز للأب أن يزوج البالغ من بناته بكرا كانت أو ثيبا إلا بإذنها.
ومن حجتهم قوله صلى الله عليه وسلم "الأيم أحق بنفسها" قالوا والأيم هي التي لا بعل لها وقد تكون ثيبا وبكرا فكل أيم على هذا إلا ما خصته السنة ولم تخص من ذلك إلا الصغيرة وحدها يزوجها أبوها بغير إذنها لأنه لا إذن لمثلها وقد تبت أن أبا بكر الصديق زوج عائشة أبنته من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي صغيرة لا أمر لها في نفسها فخرج الصغار من النساء بهذا الدليل وقالوا الولي ههنا كل ولي أب وغير أب وهو حق الكلام أن يجعل على ظاهره وعمومه ما لم يرد مايخصه ويخرجه عن ظاهره.
واحتجوا أيضا بقوله صلى الله عليه وسلم "لا تنكح البكر حتى تستأذن" قالوا فهذا على عمومه في كل بكر إلا الصغيرة ذات الأب بدليل قصة عائشة وإجماعهم على أن ذلك صحيح عنه صلى الله عليه وسلم.
واحتجوا أيضا بحديث ابن عباس أن رجلا زوج ابنته وهي بكر فأبت وجاءت النبي صلى الله عليه وسلم فرد نكاحها.
قال أبو عمر:
هذا حديث انفرد به جرير بن حازم لم يروه غيره عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس وقد روي من حديث جابر وابن عمر مثل ذلك وليس

(19/100)


محفوظا حدثناه عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا جعفر بن محمد قال حدثنا حسين بن محمد المروزي.
وحدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا عثمان بن أبي شيبة قالا حدثنا جرير بن حازم عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس أن جارية بكرا أتت النبي عليه السلام فذكرت أن أباها زوجها وهي كارهة فخيرها النبي صلى الله عليه وسلم.
قال أبو عمر:
هذا عند أصحابنا يحتمل أن يكون ورد في عين زوجها أبوها من غير كفء وممن يضر بها.
وأما قوله "لأيم أحق بنفسها من وليها" فقد مضى هذا الحديث وتكرر ومضى القول في معانيه على اختلاف ما للعلماء فيها.
وأما قوله "لا تنكح البكر حتى تستأذن" فحدثنا محمد بن عبد الملك قال حدثنا أبو سعيد بن الأعرابي قال حدثنا الزعفراني قال حدثنا وكيع قال حدثنا علي بن المبارك عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا تنكح الثيب حتى تستأمر ولا البكر حتى تستأذن قالوا يا رسول الله كيف إذنها قال أن تسكت".
وحدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا مسلم بن إبراهيم قال أبان قال حدثنا يحيى عن أبي

(19/101)


سلمة عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "لا تنكح الثيب حتى تستأمر ولا البكر حتى تستأذن قالوا يا رسول الله وكيف إذنها قال إذا سكتت فهو رضاها".
وحدثنا سعيد بن نصر وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا جعفر بن محمد الصائغ قال حدثنا محمد بن سابق قال حدثنا شيبان بن عبد الرحمن عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا تنكح الأيم حتى تستأمر ولا البكر حتى تستأذن قالوا وكيف إذنها قال أن تسكت".
قال أبو عمر:
ليس يأتي هذا اللفظ في هذا الحديث إلا بهذا الإسناد وهو مما انفرد به يحيى بن أبي كثير وهو ثقة وهو أثبت عندهم من محمد بن عمر وظاهره يقتضي أن البكر لا ينكحها وليها أبا كان أو غيره حتى يستأذنها ويستأمرها ولا يستأذن ولا يستأمر إلا البوالغ وهذه حجة الكوفيين إلا أن البكر ههنا يحتمل أن تكون اليتيمة بدليل حديث محمد بن عمرو وإذا حمل على هذا لم تتعارض الأحاديث وكانت الصغيرة والكبيرة إذا كانت بكرا ذات أب سواء والعلة ما ذكرنا من البكورة والله أعلم.
واخلتفوا في غير الأب من الأولياء أخا كان أو غيره هل له أن يزوج الصغيرة فقال مالك والشافعي لا يجوز لأحد من الأولياء غير الأب أن يزوج الصغيرة قبل البلوغ أخا كان أو غيره وهو قول ابن ابي ليلى والثوري وبه قال أحمد بن حنبل وأبو ثور وأبو عبيد وحجة من قال بهذا قوله صلى الله عليه وسلم "تستأمر اليتيمة في نفسها فإن سكتت فقد أذنت".

(19/102)


قالوا والصغيرة ممن لا إذن لها فلم يجز العقد عليها إلا بعد بلوغها ولأن الأخ لا يتصرف في مالها فكذلك بضعها.
وقال أبو حنيفة يجوز أن يزوج الصغيرة وليها من كان أبا كان أو غيره غير أن لها الخيار إذا بلغت وبه قال محمد بن الحسن.
وقال أبو يوسف الاختيار لها ولا فرق بين الأب وغيره من الأولياء عندهم قالوا من جاز له أن يزوجها كبيرة جاز أن يزوجها صغيرة.
وروي مثل قول أبي حنيفة هذا عن الحسن وعمر بن عبد العزيز وطاووس وعطاء بن أبي رباح وقتادة وابن شبرمة والأوزاعي.
واختلفوا في النكاح يقع على غير ولي ثم يجيزه الولي قبل الدخول فقال مالك وأصحابه إلا عبد الملك ذلك جائز إذا كانت إجازة الولي لذلك بالقرب فإن كان ذلك قريبا جاز وللولي في ذلك أن يجيز أو يفسخ ما كان بحدثان ذلك وسواء دخل أو لم يدخل للولي إجازته وفسخه ما لم تطل إقامتها معه هذا إذا عقد النكاح غير الولي ولم تعقده المرأة لنفسها فإن زوجت المرأة نفسها وعقدت عقدة النكاح من غير ولي قريب ولا بعيد من المسلمين فإن هذا النكاح لا يقر أبدا على حال وإن تطاول وإن ولدت الأولاد ولكنه يلحق به الولد إن دخل ويسقط الحد ولا بد من فسخ ذلك النكاح على كل حال.
وقال ابن نافع عن مالك الفسخ فيه بغير طلاق وقال عبد الملك بن الماجشون لو أن امرأة مالكة أمرها تزوجت على أن يجيز وليها فأجاز ذلك،

(19/103)


لم يجز قال وكذلك إن كانت حظية ذات حظاء فجعلت أمرها إلى رجل فزوجها فأجاز ذلك وليها لم يجز.
وقال أحمد بن المعذل قال لي عبد الملك أنظر أبدا في هذا الباب فإن كان العقد من المرأة أو ممن جعلت ذلك إليه وهو غير ولي ثم أجاز ذلك الولي فإن ذلك مردود أبدا وإن كان العقد من الولاة ثم أجازته المرأة فهي لهم تبع وهو ماض قال إسماعيل أما تشبيه عبد الملك تزويج غير الولي بأمر المرأة بتزويج المرأة نفسها فلا يشبهه لأن المرأة لا تلي عقد نكاح نفسها ولا غيرها ولا أمها لأن هذا باب ممنوع منه النساء قال وجعل عبد الملك تزويج غير ولي المرأة بأمرها أضعف من تزويج الولي المرأة بغير أمرها وجعل مالك تزويج غير الولي بأمرها أقوى من تزويج الولي لامرأة بغير أمرها قال إسماعيل والذي قال مالك أشبه وأبين لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال "الأيم أحق بنفسها من وليها" فإذا عقد نكاحها الولي بغير أمرها ثم أجازت لم يجز إلا إن يكون بالقرب فإنه استحسن ذلك لأنه كان في وقت واحد وفور واحد وإنما أبطله مالك لأن عقد الولي بغير أمر المرأة كلا عقد لأنها لو أنكرته لم يكن فيه طلاق وإذا زوج المرأة غير ولي بأمرها فهو نكاح قد وقع فيه اختلاف فإنما يفسخ باجتهاد الرأي والأول يفسخ بالحقيقة قال فجعل عبد الملك الأقوى أضعف والأضعف أقوى قال وقد حكى ابن القاسم عن مالك في المرأة يزوجها غير الولي بإذنها أن فسخه ما هو عندي بالبين ولكنه أحب إلي قال ابن القاسم وبينهما الميراث لو مات أحدهما قبل الفسخ.

(19/104)


قال أبو عمر:
من مشهور قول مالك وأصحابه في المرأة التي لا حال لها ولا قدر ولا مال أن لها أن تجعل أمرها إلى من يزوجها وأنه لا يحتاج في ذلك إلى إجازة وليها قال ابن القاسم عن مالك في المعتقة والمسالمة والمرأة المسكينة تكون في القرية التي لا سلطان فيها أو تكون في الموضع الذي فيه سلطان ولا خطب لها قال مالك لا أرى بأسا أن تستخلف على نفسها من يزوجها فيجوز ذلك وقال عبد الملك بن الماجشون قول أصحابنا في الدنية الحال والموضع والأعجمية والوغدة تسند أمرها إلى رجل له حال وليس من مواليها ولا ممن يأخذ لها بالقسم أنه لو زوجها مضى ولم يرد وكان مستحسنا يجري في ذلك مجرى الولي قال وأما المرأة ذات الحال والنعمة والنسب والمال فإنه لا يزوجها في قولنا لا أعلم فيه شكا عند أصحابنا إلا ولي أو من يلي الولي أو السلطان.
قال أبو عمر ولم يختلف قول مالك وأصحابه في العبد ينكح بغير إذن سيده أن السيد بالخيار إن شاء أجازه وأن شاء فسخه ولم يشترطوا ههنا قربا ولا بعدا وقال يحيى بن سعيد الأمر عندنا بالمدينة على هذا إن شاء أمضاه السيد وإن شاء فسخه فإن أمشاه فلا بأس به قال إسماعيل وهو قول سعيد ابن المسيب والحسن وإبراهيم والحكم قال وليس هذا مثل أن يتزوجها على الخيار لأنه نكاح لا خيار فيه انعقد عليه وإنما صار الخيار للسيد في فسخه وإمضائه لما يدخل عليه في عبده مما لم يرضه فإذا علمه

(19/105)


ورضيه جاز لأن عيب النكاح من قبله وإن فرق بينهما كان طلاقا بمنزلة من إليه طلاق زوجة رجل فإن لم يطلق ثبت النكاح.
وقال عبد الملك بن الماجشون في العبد يتزوج بغير إذن سيده والمولى عليه يتزوج بغير إذن وليه ثم يعتق العبد ويلي اليتيم نفسه من قبل أن يفسخ نكاحهما أن نكاحهما يثبت قال ولو أن أمة تزوجت بغير إذن سيدها ثم أمضاه لم يمض.
وذكر ابن القاسم وغيره عن مالك في العبد والأمة مثل ذلك قال ابن القاسم لأن العبد يعقد نكاح نفسه والأمة لا تعقد نكاح نفسها فعقدها نكاحها باطل قال ابن القاسم ولو باعه السيد قبل أن يعلم بنكاحه لم يكن للمشتري أن يرد نكاحه ولو أن يرد البيع إن شاء إذا علم بذلك فإن رده كان للبائع إجازة النكاح ورده
وقال عبد الملك لو أن رجلا زوج غلاما لغيره جاريته أو جارية غيره ثم علم السيد فأجاز قال يمضي النكاح وإنما ذلك كتزويج اليتيم والعبد إذا أمضاه الولي والسيد.
قال أبو عمر:
هذا ولم يختلف قولهم أن نكاح الأمة بغير إذن سيدها ورضاه باطل وقال أبو حنفية وأصحابه ذلك النكاح موقوف على من إليه إجازته من الأولياء وكذلك نكاح الأمة والعبد وهو موقوف على إجازة السيد قياسا على البيع الموقوف على إجازة السيد استدلالا بحديث الشاتين من حديث

(19/106)


عروة البارقي وحكيم بن حزام ولإجماع المسلمين على أن الوصية موقوفة على قبول الموصى له.
قال أبو عمر:
حديث الشاتين حدثناه عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا بكر بن حماد قال حدثنا مسدد قال حدثنا سفيان عن شبيب بن غرقدة قال حدثني الحي عن عروة البارقي قال أعطاه النبي صلى الله عليه وسلم دينارا ليشتري به أضحية أو قال الشاة فاشترى به اثنتين فباع إحداهما بدينار فأتاه بشاة ودينار فدعا له بالبركة في بيعه فكان لو اشترى ترابا لربح فيه.
قال أبو عمر:
لي في هذا الحديث حجة لمن احتج به في هذا الباب لا من جهة الإسناد ولا من جهة المعنى وقال الشافعي إذا نكحت المرأة بغير إذن وليها فلا يجوز النكاح وأن أجازه الولي حتى يبتدأ بما يجوز وكذلك البيع عنده إذا وقع فاسدا كرجل باع مال غيره بغير إذنه لا يجوز وإن أجازه صاحبه حتى يستأنفا بيعا وهو قول داود في الوجهين جميعا.
ومن حجتهم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم "أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل وأيما عبد نكح بغير إذن سيده فنكاحه باطل وهو عاهر" ولم يقل إلا أن يجيزه السيد فكذلك كل ولي كالسيد في ذلك واحتج الشافعي بحديث خنساء حين رد النبي صلى الله عليه وسلم نكاحها إذ زوجها أبوها بغير إذنها ولم يقل إلا أن تجيزي.
وقال الثوري وأحمد وإسحاق في هذه المسألة أحب أن يستقبلوا نكاحا جديدا وقال أحمد بن حنبل لا أرى للقاضي ولا للولي أن يزوج اليتيمة

(19/107)


حتى تبلغ تسع سنين قال فإن زوجت صغيرة دون تسع سنين فلا أرى أن يدخل بها حتى تبلغ تسع سنين.
قال أبو عمر:
لا أعلم أحدا قاله غيره وأظنه أخذه من قصة عائشة في الدخول وقد تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي بنت ست سنين أو سبع سنين ودخل بها وهي ابنة تسع أو عشر سنين.
حدثنا عبد الوارث حدثنا قاسم حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا موسى بن إسماعيل قال حدثنا حماد بن سلمة قال أحمد بن زهير وحدثنا أبي قال حدثنا جرير قالا أخبرنا هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت تزوجني رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنا ابنة ست أو سبع سنين وبنى بي وأنا ابنة تسع سنين وفي رواية الأسود عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوجها وهي ابنة تسع سنين.
وقال عبد الله بن محمد بن عقيل تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي ابنة عشر سنين.
قال أبو عمر:
هذا أكثر ما قيل في سن عائشة في حين نكاحها ومحمل هذا القول عندنا على البناء بها ورواية هشام بن عروة أصح ما قيل في ذلك من جهة النقل والله أعلم.
واختلفوا في سكوت اليتيمة البكر هل يكون رضا قبل إذنها في ذلك وتفويضها فعند مالك وأصحابه أن البكر اليتيمة إذا لم تأذن في النكاح فليس السكوت منها رضى فإن أذنت وفوضت أمرها وعقد نكاحها إلى وليها

(19/108)


ثم أنكحها ممن شاء ثم جاء يستأمرها فإن إذنها حينئذ الصمت عندهم إذا كانت بكرا كما ذكرنا وفي مذهب أبي حنيفة والشافعي وغيرهم أن سكوت البكر اليتيمة إذا استؤمرت وذكر لها الرجل ووصف وأخبرت بأنها تنكح منه وأنها إن سكتت لزمها فسكتت بعد هذا فقد لزمها.
قال أبو عمر:
فروع هذا الباب كثيرة واعتلال القائلين لأقوالهم فيه يطول ذكره وفيما ذكرنا منه كفاية وقد أتينا بجميع أصوله التي منها تقوم فروعه وبالله التوفيق.

(19/109)


عبدالله بن يزيد مولى الأسود بن سفيان
حديث أول لعبدالله بن يزيد
...
عبد الله بن يريد مولى الأسود بن سفيان.
هكذا قال مالك مولى الأسود بن سفيان وروى عنه أبو أويس فقال عبد الله بن يزيد مولى الأسود بن عبد الأسد المخزومي.
وروى عنه عبد الرحمن بن إسحاق فقال عن عبد الله بن يزيد مولى آل سفيان بن عبد الأسد فالصواب ما قله مالك وهو مولى الأسود بن سفيان بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم وكان لعبد الأسد ثلاثة بنين عبد الله وهو أبو سلمة زوج أم سلمة رضي الله عنها وقد ذكرناه في كتابنا في الصحابة بما فيه كفاية والأسود بن عبد الأسد قتل يوم بدر كافرا قتله حمزة وسفيان بن عبد الأسد قال العدوي وكان له قدر ولسفيان هذا ابن يسمى الأسود بن سفيان وكان لهم بنون لهم قدر وهم موالي عبد الله بن يزيد هذا شيخ مالك والذي قاله مالك

(19/110)


وعبد الرحمن بن إسحاق فيه هو الصواب عند أهل العلم بالنسب والله أعلم وما قاله أبو أويس فليس بمنكر لأنه نسب الأسود إلى جده وعبد الله بن يزيد هذا ثقة حجة فيما نقل.
ذكر العقيلي حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال سألت أبي عن عبد الله بن يزيد مولى الأسود بن سفيان فقال ثقة وسألت عنه يحيى أبن سفيان فقال ثقة حدث عنه مالك والليث بن سعد.
قال أبو عمر:
لمالك عنه من مرفوعات الموطأ خمسة أحاديث شركه في أحدها أبو النضر.

(19/111)


حديث أول بعد الله بن يزيد.
مالك عن عبد الله بن يزيد مولى الأسود بن سفيان عن أبي سلمة بن عبد الرحمن وعن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "إذا كان الحر فأبردوا عن الصلاة فإن شدة الحر من فيح جهنم" وذكر أن النار اشتكت إلى ربها فأذن لها بنفسين نفس في الشتاء ونفس في الصيف.
وقد مضى القول في معنى هذا الحديث في باب زيد بن اسلم من كتابنا هذا والذي عليه الجماعة أهل السنة أن الجنة والنار مخلوقتان بعد إحداهما رحمة الله لمن شاء من خلقه والأخرى عذابه ونقمته لمن شاء أن يعذبه من خلقه.
أخبرنا أحمد بن سعيد بن بشر قال حدثنا محمد بن عبد الله بن أبي دليم قال حدثنا محمد بن وضاح قال سألت يحيى بن معين عن الجنة والنار فقال مخلوقتان لا تبيدان.

(19/112)


قال أبو عمر:
الدلائل من الآثار كثيرة على أن الجنة ملخوقة بعد والنار مخلوقة بعد فمن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم "إذا مات أحدكم عرض عليه مقعده بالغداة والعشي إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة وإن كان من أهل النار فمن أهل النار يقال له هذا مقعدك حتى يبعثك الله إليه يوم القيامة" وقال الله عز وجل في آل فرعون {النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً} الآية وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "اطلعت في النار فرأيت أكثر أهلها النساء واطلعت في الجنة فرأيت أكثر أهلها المساكين" وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إذا دخل رمضان فتحت أبواب الجنة" وقوله اشتكت النار إلى ربها هذا الحديث أبين شيء في أنها قد خلقت وأنها باقية شتاء وصيفا.
أخبرنا خلف بن القاسم قال أخبرنا أبو قتيبة قال حدثنا إبراهيم بن هاشم قال حدثنا أبو نصر التمار قال حدثنا حماد بن سلمة عن محمد بن عمرو بن علقمة عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لما خلق الله الجنة قال يا جبريل اذهب فانظر إليها قال فذهب فنظر إليها فقال يا رب وعزتك لا يسمع بهذه أحد إلا دخلها ثم حفها بالمكاره ثم قال له اذهب فانظر إليها فذهب فنظر إليها فقال يا رب وعزتك لقد خشيت أن لا يدخلها أحد فلما خلق النار قال

(19/113)


يا جبريل اذهب فانظر إليها فنظر إليها فقال يا رب وعزتك لا يسمع بها أحد فيدخلها فحفها بالشهوات وقال اذهب فانظر إليها فنظر إليها فقال يا رب لقد خشيت ألا يبقى أحد إلا يدخلها".
وقرأت على خلف بن القاسم أن الحسين بن جعفر حدثهم قال حدثنا يوسف بن يزد قال حدثنا الحجاج بن إبراهيم الأزرق قال حدثنا إسماعيل بن جفعر عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن الله عز وجل دعا جبريل فأرسله إلى الجنة فقال "انظر إليها وانظر إلى ما أعددت لأهلها فرجع فقال وعزتك لا يسمع بها أحد إلا دخلها فحفت بالمكاره فقال ارجع فانظر إليها فرجع وقال وعزتك لقد خشيت ألا يدخلها أحد ثم أرسله إلى النار فقال اذهب إلى النار فانظر ما أعددت لأهلها فيها فرجع فقال وعزتك لا يدخلها أحد يسمع بها فحفت بالشهوات ثم قال عد إليها فانظر فرجع فقال وعزتك لقد خشيت ألا يبقى أحد إلا دخلها".
وأخبرنا خلف بن القاسم قال حدثنا أبو قتيبة سلم بن الفضل حدثنا عبد الله بن محمد بن ناجية قال حدثنا محمود بن غيلان قال حدثنا مؤمل ابن إسماعيل قال حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت البناني عن أبي رافع عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن لله ملائكة فضلاء سيارة يلتمسون مجالس الذكر فإذا مروا بقوم يذكرون الله يحفون بهم بأجنحتهم فإذا انصرفوا عرجت الملائكة إلى السماء فيقول لهم ربنا تبارك

(19/114)


وتعالى وهو أعلم من أين جئتم فيقولون من عند عبادك يسبحونك ويحمدونك ويهللونك ويسألونك ويستجيرونك فيقول وهو أعلم وما يسألون فيقولون يسألونك الجنة فيقول وهل رأوها فيقولون لا فيقول كيف لو رأوها ويقول مم يستجيرون وهو أعلم فيقولون من النار فيقول وهل رأوها فيقولون لا فيقول كيف لو رأوها ثم يقول فإني أشهدكم أني قد أعطيتهم ما سألوا وأجرتهم مما استجاروا فيقولون أي رب فيهم عبدك الخطاء ليس منهم إنما مر بهم فجلس إليهم فيقول وفلان قد غفرت له هم القوم لا يشقى بهم جليسهم".
وروى سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله سواء.
وروى الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله إلا أنه قال في آخره هم الجلساء لا يشقى بهم جليسهم والآثار في خلق الجنة والنار كثيرة جدا صحاح ثابتة يجب الإيمان بها والتسليم لما جاء منها وبالله التوفيق.
حدثنا محمد بن عبد الملك قال حدثنا أحمد بن محمد بن زياد قال حدثنا الزعفراني قال حدثنا شبابة قال حدثنا ورقاء عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبيه هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حفت النار بالشهوات وحفت الجنة بالمكاره".
وحدثناه عبد الله بن محمد بن يوسف قال حدثنا ابن أبي غالب عبيد الله ابن محمد قال حدثنا محمد بن محمد الباهلي قال حدثنا رزق الله بن

(19/115)


موسى قال حدثنا ورقاء عن أبي الزناد عن العرج عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله.
ورواه الأعمش عن أبي صالح عن هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن الجنة حفت بالمكاره وإن النار حفت بالشهوات".
وأما قوله "اشتكت النار إلى ربها" فحمله قوم على المجاز.
كقول الشاعر:
شكا إلي جملي طول السرى
وكقول عنترة:
وشكا إلي بعبرة وتحمحم
وكقول القائل
امتلأ الحوض وقال قطني ... مهلا رويدا قد ملأت بطني
وكقول العرب قالت السماء فهطلت
وقالت رجلي فخدرت ونحو هذا
وكقول عروة بن حزام حين جعل القول لمن لا يوجد منه قول
ألا يا غرابي دمنة الدار بينا ... أبا الصرم من عفرا تنتحبان
فإن كان حقا ما تقولان فانهضا ... بلحمي إلي وكريكما فكلاني
وكقول ذي الرمة:
فقالت لي العينان سمعا وطاعة ... وحدرتا مثل الجمان المنظم

(19/116)


ومثل هذا قول القائل:
كم أناس في نعيم عمروا ... في ذرى ملك تعالى فبسق
سكت الدهر زمانا عنهم ... ثم أبكاهم دما حين نطق
وهذا ومثله كثير في أشعار العرب ولغاتها وقد زدنا هذا المعنى بيانا في باب زيد ابن أسلم.
وقال جماعة من أهل العلم إن ذلك على الحقيقة وإنها تنطق ينطقها الله الذي ينطق الجلود وكل شيء ولها لسان كما شاء الله عز وجل فاستشهدوا بقوله عز وجل {يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ} وبقوله {سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً} وبما جاء من نحو هذا في الآثار الثابتة نحو قوله فتقول قط، قط وتقول وكلت بكل جبار عنيد وهذا ونحوه في القرآن والأحاديث كثير جدا وحملوا ما في القرآن والآثار من مثل هذا على الحقيقة.
واحتجوا بقول الله عز وجل {يَقُصُّ الْحَقَّ} وقوله {وَالْحَقَّ أَقُولُ} ونحو هذا ولكلا القولين وجه يطول الاعتلال له والله الموفق للصواب.

(19/117)


حديث ثان لعبدالله بن يزيد
...
حديث ثان لعبد الله بن يزيد.
مالك عن عبد الله بن يزيد مولى الأسود بن سفيان عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة "أنه قرأ {إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ} فسجد فيها فلما انصرف أخبرهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سجد فيها".
هذا حديث صحيح ولم يختلف فيه عن مالك إلا أن رجلا من أهل الإسكندرية رواه عن أبن بكير عن مالك عن الزهري وعبد الله بن يزيد جميعا عن أبي سلمة عن أبي هريرة وذكر الزهري فيه خطأ عن مالك لا يصح والحديث صحيح وقد رواه عن أبي هريرة جماعة منهم أبو سلمة والأعرج وعطاء بن ميناء وأبو رافع وأبو بكر بن عبد الرحمن ابن الحرث ومحمد بن سيرين وفي رواية ابن سيرين وعطاء بن ميناء والأعرج عن أبي هريرة زيادة و {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي}.
وفي هذا الحديث السجود في المفصل وهو أمر مختلف فيه فأما مالك وأصحابه وطائفة من أهل المدينة فإنهم لا يرون السجود في المفصل وهو قول ابن عمر وابن عباس وروي ذلك عن أبي بن كعب وهو قول سعيد

(19/118)


ابن المسيب والحسن البصري وسعيد بن جبير وعكرمة ومجاهد وطاووس وعطاء كل هؤلاء يقول ليس في المفصل سجود بالأسانيد الصحاح عنهم وقال يحيى بن سعيد أدركنا القراء لا يسجدون في شيء من المفصل وكان أيوب السختياني لا يسجد في شيء من المفصل.
وقال مالك الأمر المجتمع عليه عندهم أن عزائم سجود القرن إحدى عشرة سجدة ويعني قوله المجتمع عليه أي لم يجتمع على غيرها كما اجتمع عليها عندهم هكذا تأول في قوله هذا ابن الجهم وغيره.
وذكر عبد الرزاق عن ابن جريج قال أخبرني عكرمة بن خالد أن سعيد بن جبير أخبره أنه سمع ابن عباس وابن عمر يعدان كم في القرآن من سجدة فقالا الأعراف والرعد والنحل وبني إسرائيل ومريم والحج أولها والفرقان وطس وآلم تنزيل وص وحم السجدة إحدى عشرة سجدة قالا وليس في المفصل سجود هذه رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس وروى عنه عطاء انه لا يسجد في ص وقال عبد الرزاق أخبرنا ابن جريج عن عطاء قال عد ابن عباس سجود القرآن عشرا فذكر مثل ما تقدم غير ص فإنه أسقطها.
وروى أبو جمرة الضبعي ومجاهد عن ابن عباس مثل رواية سعيد بن جبير عنه وعن ابن عرم إحدى عشرة سجدة فيها ص ليس في المفصل منها شيء وهذا كله قول مالك وأصحابه.
وذكر عبد الرزاق عن ابن جريج قال أخبرني سليمان الحول أن مجاهدا أخبره أنه سأل ابن عباس أفي ص سجدة قال نعم ثم تلا:

(19/119)


{وَوَهَبْنَا لَه} حتى بلغ {فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} قال هو منهم وقال ابن عباس رأيت عمر قرأ ص على المنبر فنزل فسجد فيها ثم علا المنبر.
وعن معمر عن ابن طاووس عن أبيه عن ابن عباس مثله قال وحدثنا الفضل بن محمد ومعمر عن أبي جمرة الضبعي عن ابن عباس مثله وحجة من لم ير السجود في المفصل ما حدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا محمد بن رافع قال حدثنا أزهر بن القاسم رأيته بمكة قال حدثنا أبو قدامة عن مطر الوراق عن عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يسجد في شيء من المفصل منذ تحول إلى المدينة.
قال أبو عمر:
هذا عندي حديث منكر يرده قول أبي هريرة سجدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في { إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ} ولم يصحبه أبو هريرة إلا بالمدينة قال أبو داود هذا حديث لا يحفظ عن غير أبي قدامة هذا بإسناده قال أبو داود وقد روى من حديث أبي الدرداء عن النبي عليه السلام إحدى عشرة سجدة وإسناده واه.
قال أبو عمر:
رواه عمر الدمشقي مجهول عن أم الدرداء عن أبي الدرداء،

(19/120)


قال أبو عمر:
في حديث أبي الدرداء إحدى عشرة سجدة منها النجم واحتجوا أيضا بحديث زيد بن ثابت رواه وكيع عن ابن أبي ذئب عن يزيد بن قسيط عن عطاء بن يسار عن زيد بن ثابت قال قرأت على رسول الله صلى الله عليه وسلم النجم فلم يسجد فيها وليس فيه حجة إلا على من زعم أن السجود واجب وقد قيل إن معناه أن زيد بن ثابت كان القارئ فلما لم يسجد لم يسجد النبي صلى الله عليه وسلم لأن المستمع تبع للتالي وهذا يدل على صحة قول عمر إن الله لم يكتبها علينا فإنما حديث زيد بن ثابت هذا حجة على من أوجب سجود التلاوة لا غير وقال جماعة من أهل العلم السجود في المفصل في والنجم و إذا السماء انشقت و اقرأ باسم ربك هذا قول الشافعي والثو وأبي حنيفة وبه قال أحمد بن حنبل وإسحاق وأبو ثور وروي ذلك عن أبي بكر وعمر وعلي وابن مسعود وعثمان وأبي هريرة وابن عمر على اختلاف عنه وعن عمر بن عبد العزيز وجماعة من التابعين وحجة من رأى السجود في المفصل حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سجد في {إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ} و {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي}.
وأخبرنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا مسدد قال حدثنا سفيان عن أيوب بن موسى عن عطاء بن ميناء عن أبي هريرة قال سجدنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في {إذا السماء انشقت} و {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ}.
وأخبرنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود وحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا بكر ابن حماد قالا حدثنا مسدد قال حدثنا المعتمر قال سمعت أبي قال

(19/121)


حدثنا بكر عن أبي رافع قال صليت مع أبي هريرة العتمة فقرأ {إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ} فسجد قلت ما هذه السجدة قال سجدت بها خلف أبي القاسم صلى الله عليه وسلم فلا أزال أسجد بها حتى ألقاه.
قال أبو عمر:
هذا حديث ثابت أيضا صحيح لا يختلف في صحة إسناده وكذلك الذي قبله صحيح أيضا وفيه السجود في المفصل والسجود في {إذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ} معينة والسجود في الفريضة وهذه فصول كلها مختلف فيها وهذا الحديث حجة لمن قال به وحجة على من خالف ما فيه.
وأخبرنا محمد بن إبراهيم قال أخبرنا محمد بن معاوية قال حدثنا أحمد بن شعيب قال أخبرنا إسحاق بن إبراهيم قال حدثنا المعتمر عن قرة عن ابن سيرين عن أبي هريرة قال سجد أبو بكر وعمر ومن هو خير منهما في {إذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ} و {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ}.
حدثنا أحمد بن عبد الله قال حدثنا الميمون بن حمزة قال حدثنا الطحاوي قال حدثنا المزني قال حدثنا الشافعي قال حدثنا سفيان بن عتيبة عن يحيى بن سعيد عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن عمر بن عبد العزيز عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحرث بن هشام عن أبي هريرة قال سجدت مع النبي صلى الله عليه وسلم في {إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ}.

(19/122)


قال أبو عمر:
يقولون إن هذا الإسناد انفرد به ابن عيينة عن يحيى بن سعيد لم يروه عن يحيى بن سعيد غيره ويخشون أن يكون خطأ وإنما يعرف بهذا الإسناد حديث التفليس.
ويروى هذا الحديث عن عمر بن عبد العزيز عن أبي سلمة وأما بهذا الإسناد عن يحيى بن سعيد فلم يروه غير ابن عيينة والله أعلم.
وقد زاد بعضهم فيه عن ابن عيينة بإسناده {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ}.
حدثنا أحمد بن فتح قال حدثنا حمزة بن محمد قال حدثنا علي بن سعيد قال حدثنا محمد بن أبي عمر العدني حدثنا سفيان عن يحيى بن سعيد عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن عمر بن عبد العزيز عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحرث عن أبي هريرة قال سجدنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في {إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ} و {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ}.
وأخبرنا عبد الله بن محمد قال حدثنا حمزة بن محمد قال حدثنا أحمد بن شعيب قال أخبرنا محمد بن منصور وقتيبة بن سعيد قالا أخبرنا سفيان عن يحيى بن سعيد عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن عمر بن عبد العزيز عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحرث بن هشام عن أبي هريرة قال سجدنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في {إذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ} و {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ}.
وأخبرنا محمد بن إبراهيم قال أخبرنا محمد بن معاوية وأخبرنا عبد الله ابن محمد قال حدثنا حمزة بن محمد قالا أخبرنا أحمد بن شعيب قال أخبرنا محمد بن رافع قال حدثنا ابن أبي فديك قال اخبرنا ابن أبي

(19/123)


ذئب عن عبد العزيز بن عياش عن ابن قيس عن عمر بن عبد العزيز عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: سجد رسول الله صلى الله عليه وسلم في {إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ}.
قال أبو عمر:
ابن قيس هذا هو محمد بن قيس القاص وهو ثقة وروايته لهذا الحديث عن عمر بن عبد العزيز عن أبي سلمة عن أبي هريرة أصح من حديث ابن عيينة عندهم والله أعلم.
وقد ذكره عبد الله بن يوسف التنيسي في الموطأ عن مالك وروته طائفة كذلك في الموطأ عن مالك أنه بلغه عن عمر بن عبد العزيز قال لمحمد بن قيس القاص أخرج إلى الناس فمرهم أن يسجدوا في {إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ}.
حدثنا عبد الوارث بن سفيان وأحمد بن قاسم قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا الحرث بن أبي أسامة قال حدثنا يونس بن محمد قال حدثنا ليث عن يزيد بن أبي حبيب عن صفوان بن سليم عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سجد في {إذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ} و {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ}.
وحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا مطلب بن شعيب قال حدثنا عبد الله بن صالح قال حدثنا الليث قال حدثنا ابن الهادي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أنه رأى أبا هريرة وهو يصلي فسجد في {إذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ} قال أبو سلمة حين انصرف لقد

(19/124)


سجدت في سورة ما رأيت الناس يسجدون فيها قال إني لو لم أر رسول الله صلى الله عليه وسلم يسجد فيها لم أسجد.
وحدثنا أحمد بن قاسم وعبد الوارث بن سفيان قائلا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا الحرث بن أبي أسامة قال حدثنا عبد الله بن بكر السهمي قال حدثنا هشام بن أبي عبد الله عن يحيى يعني ابن أبي كثير عن أبي سلمة قال رأيت أبا هريرة قرأ {إذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ} فسجد فيها قال فقلت يا أبا هريرة ألم أرك سجدت قال لو لم أر النبي صلى الله عليه وسلم سجد ما سجدت.
قال أبو عمر:
احتج من أنكر السجود في المفصل بقول أبي سلمة لأبي هريرة لقد سجدت في سورة ما رأيت الناس يسجدون فيها قالوا فهذا دليل على أن السجود في إذا السماء انشقت كان قد تركه الناس وجرى العمل بتركه في المدينة فلهذا ما كان اعتراض أبي سلمة لأبي هريرة في ذلك واحتج من رأى السجود في إذا السماء انشقت وفي سائر المفصل بأن أبا هريرة رأى الحجة في السنة لا فيما خالفهما ورأى أن من خلافها محجوج بها وكذلك أبو سلمة لما أخبره أبو هريرة بما أخبره به عن رسول الله صلى الله عليه وسلم سكت لما لزمه من الحجة ولم يقل له الحجة في عمل الناس لا فيما تحكي أنت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بل علم أن الحجة فيما نزع به أبو هريرة فسلم وسكت وقد ثبت عن أبي بكر وعمر والخلفاء بعدهما السجود في {إذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ} فأي عمل يدعى في خلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين بعده؟

(19/125)


حدثنا عبد الله بن محمد قال أخبرنا حمزة بن محمد قال حدثنا أحمد بن شعيب قال أخبرنا عمرو بن علي قال حدثنا يحيى قال حدثنا قرة وهو ابن خالد عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة قال سجد أبو بكر وعمر رضي الله عنهما في {إذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ} ومن هو خير منهما.
وذكر عبد الرزاق عن معمر والثوري عن أبي إسحاق عن الحرث عن علي وذكره الثوري أيضا عن عاصم عن زر بن حبيش عن علي قال العزائم أربع الم تنزيل وحم السجدة والنجم و {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ} وهذا الحديث رواه شعبة عن عاصم قال سمعت زر بن حبيش قال: قال عبد الله بن مسعود عزائم السجود أربع الم تنزيل السجدة وحم السجدة والنجم و {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ} وهذا عندي خطأ وغلط من شعبة في هذا الحديث والله أعلم وكان علي بن المدني يقول هذا جاء من عاصم.
قال أبو عمر ــ رضي الله عنه:
الدليل على أن ذلك جاء من شعبة أن يعقوب بن شيبة روى عن أبي بكر بن أبي الأسود قال حدثنا سعيد بن عامر قال سمعت شعبة مرة يحدث عن عاصم عن زر عن علي في عزائم السجود ومرة عن عبد الله فهذا يدل على أن الثوري حفظه عن عاصم وضبطه وشعبة أدركه فيه الوهم والله أعلم.
وذكر عبد الرزاق عن معمر ومالك عن الزهري عن عبد الرحمن الأعرج عن أبي هريرة أن عمر سجد في النجم ثم قام فوصل إليها سورة.

(19/126)


قال أبو عمر:
هذا الخبر في الموطأ عن ابن شهاب عن الأعرج أن عمر هكذا مقطوعا ليس فيه ذكر أبي هريرة فهذا جملة ما احتج به من رأى السجود في المفصل من جهة الأثر إذ لا مدخل في هذه المسألة للنظر وقد احتج من لم ير السجود في المفصل بما أخبرنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا هناد بن السري.
وأخبرنا سعيد بن نصر وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا ابن وضاح قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قالا حدثنا وكيع عن ابن أبي ذئب عن يزيد بن عبد الله بن قسيط عن عطاء بن يسار عن زيد بن ثابت قال قرأت على رسول الله صلى الله عليه وسلم النجم فلم يسجد فيها قال أبو داود وأخبرنا ابن السرج قال أخبرنا ابن وهب قال أخبرنا أبو صخر عن ابن قسيط عن خارجة بن زيد بن ثابت عن أبيه بمعناه.
قال أبو عمر:
اختلف ابن أبي ذئب وأبو صخر في إسناد هذا الحديث والقول فيه عندي قول ابن أبي ذئب لأنه قد تابعه يزيد بن خصيفة على ذلك
حدثنا محمد بن إبراهيم قال حدثنا محمد بن معاوية قال حدثنا أحمد ابن شعيب قال أخبرنا علي بن حجر قال أخبرنا إسماعيل بن جعفر عن يزيد وهو ابن خصيفة عن يزيد بن عبد الله بن قسيط عن عطاء بن

(19/127)


يسار أنه أخبره أنه سأل زيد بن ثابت عن القراءة مع الإمام فقال لا قراءة مع الإمام في شيء وزعم انه قرأ على رسول الله صلى الله عليه وسلم {وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى} فلم يسجد فاحتج بهذا الخبر من لم ير السجود في المفصل وقال من رأى السجود في المفصل من لم ير السجود واجبا لا حجة في هذا لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد سجد في {وَالنَّجْمِ} وترك وكذلك سجود القرآن من شاء سجد ومن شاء ترك ولم يفرضها الله ولا كتبها على عباده وذكروا ما أخبرنا به عبد الله بن محمد قال أخبرنا محمد بن بكر قال أخبرنا أبو داود قال أخبرنا حفص بن عمر قال حدثنا شعبة عن أبي إسحاق عن الأسود عن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ سورة {النَّجْمُ} فسجد فيها وذكر تمام الحديث.
وروى المطلب بن أبي وداعة عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله.
وروى مالك عن هشام بن عروة عن أبيه أن عمر بن الخطاب قرأ سجدة وهو على المنبر يوم الجمعة فنزل فسجد وسجد الناس معه ثم قرأها يوم الجمعة الأخرى فتهيأ الناس للسجود فقال على رسلكم إن الله لم يكتبها علينا إلا أن نشاء فلم يسجد ومنعهم أن يسجدوا قالوا فعلى هذا معنى ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لم يسجد في {وَالنَّجْمِ} وأنه سجد فيها والله أعلم فهذا ما في سجود المفصل من الآثار الصحاح واختلاف العلماء من الصحابة ومن بعدهم رضوان الله عليهم.

(19/128)


واختلفوا أيضا في السجود في سورة ص فذهب مالك والثوري وأبو حنيفة إلى السجود فيها وروي ذلك عن عمر وعثمان وابن عمر وجماعة من التابعين وبه قال أحمد وإسحاق وأبو ثور واختلف في ذلك عن ابن عباس وذهب الشافعي إلى أن لا سجود في ص وهو قول ابن مسعود وعلقمة.
ذكر عبد الرزاق عن الثوري عن الأعمش عن أبي الضحى عن مسروق قال: قال عبد الله بن مسعود إنما هي توبة نبي ذكرت وكان لا يسجد فيها يعني "ص".
وروى ابن وهب عن عمرو بن الحرث عن سعيد بن أبي هلال عن عياض بن عبد الله بن سعد عن أبي سعيد الخدري قال قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر ص فلما بلغ السجدة نزل فسجد وسجد الناس معه فلما كان يوم آخر قرأها فلما بلغ السجدة تهيأ الناس للسجود فقال إنما هي توبة ولكني رأيتكم ثم نزل فسجد فاحتج بهذا الحديث من راى السجود في ص ومن حجة من رأى السجود في ص أيضا ما أخبرنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا موسى بن إسماعيل قال حدثنا وهيب قال حدثنا أيوب عن عكرمة عن ابن عباس قال ليس ص من عزائم السجود وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسجد فيها.
حدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم قال حدثنا الترمذي قال حدثنا الحميدي قال حدثنا سفيان قال حدثنا أيوب قال سمعت عكرمة

(19/129)


يقول سمعت ابن عباس يقول رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم سجد في "ص" وليست من عزائم السجود.
واختلفوا في السجدة الثانية من الحج بعد إجماعهم على أن السجدة الأولى منها ثابتة يسجد التالي فيها في صلاة وفي غير صلاة إذا شاء فقال مالك وأبو حنيفة وأصحابهما ليس في الحج إلا سجدة واحدة وهي الأولى.
وروي ذلك عن سعيد بن جبير والحسن البصري وإبراهيم النخعي وجابر بن زيد واختلف فيها عن ابن عباس وقال الشافعي وأصحابه وأحمد وإسحاق وأبو ثور وداود والطبري في الحج سجدتان وهو قول عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن عمر وأبي الدرداء وأبي موسى الأشعري وعبد الله بن عباس على اختلاف عنه ومسلمة بن مخلد وأبي عبد الرحمن السلمي وأبي العالية الرياحي وزر ابن حبيش.
وقال ابو إسحاق السبيعي أدركت الناس منذ سبعين سنة يسجدون في "الحج" سجدتين.
مالك عن نافع أن رجلا من أهل مصر أخبره أن عمر بن الخطاب قرأ سورة الحج فسجد فيها سجدتين ثم قال إن هذه السورة فضلت بسجدتين ومالك عن عبد الله بن دينار قال رأيت ابن عمر يسجد في سورة ا لحج سجدتين.

(19/130)


وعبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن نافع أن عمر وابن عمر كانا يسجدان في الحج سجدتين قال وقال ابن عمر لو سجدت فيها واحدة كانت السجدة الآخرة أحب إلي قال وقال ابن عمر إن هذه السورة فضلت بسجدتين.
وعن الثوري عن عاصم عن أبي العالية عن ابن عباس قال فضلت سورة ا لحج بسجدتين وعن الثوري عن عبد الأعلى عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال الأولى من سورة الحج عزيمة والآخرة تعليم وكان لا يسجد فيها.
وقال الأثرم سمعت أحمد بن حنبل يسأل كم في الحج فقال سجدتان قيل له حديث عقبة بن عامر عن النبي عليه السلام قال في الحج سجدتان قال نعم رواه ابن لهيعة عن مشرح عن عقبة بن عامر عن النبي عليه السلام قال في الحج سجدتان فمن لم يسجدهما فلا يقرأهما قال وهذا توكيد لقول عمر وابن عمر وابن عباس لأنهم قالوا فضلت سورة الحج بسجدتين.
واختلفوا في جملة عدد سجود القرآن فذهب مالك وأصحابه إلى أنها إحدى عشرة سجدة ليس في المفصل منها شيء هذا تحصيل مذهب مالك عند أصحابه.
وقد روى ابن وهب عن مالك أن سجود القرآن خمس عشرة سجدة في المفصل وغير المفصل وكان ابن وهب رحمه الله يذهب إلى هذا.

(19/131)


وروي عن ابن عمر وابن عباس على اختلاف عنهما وعن إنس والحسن وسعيد بن المسيب وكل من تقدم ذكرنا عنه أنه لا يسجد في المفصل.
وقال أبو حنيفة والثوري أربع عشرة سجدة فيها الأولى من الحج.
وقال الشافعي أربع عشرة سجدة سوى سجدة ص فإنها سجدة شكر وفي الحج عنده سجدتان.
وقال أبو ثور أربع عشرة سجدة فيها الثانية من الحج وسجدة ص وأسقط سجدة النجم.
وقال أحمد بن حنبل وإسحاق خمس عشرة سجدة في الحج سجدتان وسجدة ص.
وقال الطبري خمس عشرة سجدة ويدخل في السجدة بتكبير ويخرج منها بتسليم.
وقال الليث بن سعد استحب أن يسجد في القرآن كله في المفصل وغيره واختلفوا في وجوب سجود التلاوة فقال أبو حنيفة وأصحابه هو واجب.
وقال مالك والشافعي والأوزاعي والليث هو مسنون وليس بواجب وذكر عبد الرزاق أخبرنا ابن جريج قال أخبرني أبو بكر ابن أبي مليكة عن عثمان بن عبد الرحمن عن ربيعة بن عبد الله بن الهدير أنه حضر عمر بن الخطاب يوم الجمعة فقرا على المنبر سورة النحل حتى إذا جاء السجدة نزل فسجد وسجد الناس معه حتى إذا

(19/132)


كانت الجمعة القابلة قرأها حتى إذا جاء السجدة قال يا أيها الناس إنا نمر بالسجود فمن سجد فقد أصاب وأحسن ومن لم يسجد فلا إثم عليه قال ولم يسجد عمر قال ابن جريج وأخبرنا نافع عن ابن عمر قال لم يفرض علينا السجود إلا أن نشاء.
قال أبو عمر:
أي شيء أبين من هذا عن عمر وابن عمر ولا مخالف لهما من الصحابة فيما علمت وليس قول من أوجبهما بشيء والفرائض لا تجب إلا بحجة لا معارض لها وبالله التوفيق.
وقال الأثرم سمعت أحمد بن حنبل يسأل عن الرجل يقرا السجدة في الصلاة فلا يسجد فقال جائز أن لا يسجد وإن كنا نستحب ان يسجد فإن شاء سجد واحتج بحديث عمر ليست علينا إلا أن نشاء قيل له فإن هؤلاء يشددون يعني أصحاب أبي حنيفة فنفض يده وأنكر ذلك وأما اختلافهم في التكبير لسجود التلاوة والتسليم منها فقال الشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وأبو حنيفة يكبر التالي إذا سجد ويكبر إذا رفع رأسه في الصلاة وفي غير الصلاة.
وروي ذلك عن جماعة من التابعين وكذلك قال مالك إذا كان في صلاة واختلف عنه إذا كان في غير صلاة.
وكان الشافعي وأحمد يقولان يرفع يديه إذا أراد أن يسجد.
قال الأثرم وأخبرت عن أحمد أنه كان يرفع يديه في سجود القرآن خلف الإمام في التراويح في رمضان قال وكان ابن سيرين ومسلم بن يسار

(19/133)


يرفعان أيديهما في سجود التلاوة إذا كبر وقال أحمد يدخل هذا في حديث وائل بن حجر أن النبي كان يرفع يديه مع التكبير ثم قال من شاء رفع ومن شاء لم يرفع يديه ههنا.
وقال أبو الأحوص وأبو قلابة وابن سيرين وأبو عبد الرحمن السلمي يسلم إذا رفع رأسه من السجود وبه قال إسحاق قال يسلم عن يمينه فقط السلام عليكم.
وقال إبراهيم النخعي والحسن البصري وسعيد بن جبير ويحيى بن وثاب ليس في سجود القرآن تسليم وهو قول مالك والشافعي وأبي حنفية وأصحابهم وقال احمد بن حنبل أما التسليم فلا أدري ما هو فهذه أوصل مسائل السجود وبقيت فروع تضبطها هذه الأصول كرهنا ذكرها خشية الإطالة على شرطنا في الاعتماد على الأصول والأمهات وما في الأحاديث المذكورة من المعاني المضمنات والله المعين لا شريك له.

(19/134)


حديث ثالث لعبدالله بن يزيد
...
حديث ثالث لعبد الله بن يزيد مالك.
عن عبد الله بن يزيد مولى الأسود بن سفيان عن أبي سلمة ابن عبد الرحمن عن فاطمة بنت قيس "أن أبا عمرو بن حفص طلقها البتة وهو غائب بالشام فأرسل إليها وكيله بشعير فسخطته فقال والله ما لك علينا من شيء فجاءت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له فقال ليس لك عليه نفقة وأمرها أن تعتد في بيت أم شريك ثم قال لها تلك امرأة يغشاها أصحابي اعتدي عند ابن أم مكتوم فإنه رجل أعمى تضعين ثيابك فإذا حللت فآذنيني قالت فلما حللت ذكرت له أن معاوية بن أبي سفيان وأبا جهم بن هشام خطباني فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه وأما معاوية فصعلوك لا مال له انكحي أسامة بن زيد قالت فكرهته ثم قال انكحي

(19/135)


أسامة بن زيد قالت فنكحته فجعل الله فيه خيرا واغتبطت به".
قال أبو عمر:
أما قول يحيى في هذا الحديث إن معاوية بن أبي سفيان وأبا جهم بن هشام خطباني فمن الغلط البين ولم يقل أحد من رواة الموطأ أبا جهم ابن هشام غير يحيى وإنما في الموطأ عند جماعة الرواة غير يحيى أن معاوية ابن أبي سفيان وأبا جهم خطباني هكذا أبو جهم غير منسوب في الموطأ وهو أبو جهم بن حذيفة بن غانم العروي القرشي اسمع عمير ويقال عبيد ابن حذيفة وفي بعض نسخ الموطأ رواية ابن القاسم من طريق الحرث بن مسكين أبو جهم بن هشام وهذا كما وصفنا عن يحيى قد ذكرناه في كتابنا في الصحابة بما يغني عن ذكره ههنا وليس في الصحابة أحد يقال له أبو جهم ابن هشام.
وأما قول مالك في هذا الحديث عن فاطمة ابنة قيس أن أبا عمرو بن حفص طلقها البتة فلا خلاف عن مالك في نقل ذلك.
وكذلك روى الليث عن جعفر بن ربيعة عن الأعرج عن أبي سلمة أن فاطمة ابنة قيس كانت تحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين طلقت البتة وذكر الحديث.

(19/136)


وكذلك روى محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن فاطمة بنت قيس قالت كنت عند رجل من بني مخزوم فطلقني البتة ثم ساق الحديث نحو حديث مالك.
وكذلك روى الليث عن أبي الزبير عن عبد الحميد بن عبد الله بن أبي عمرو بن حفص أن جده طلق فاطمة البتة وكذلك روى مجالد عن الشعبي عن فاطمة قالت كنت عند أبي عمرو بن حفص بن المغيرة فطلقني فبت طلاقي وخرج إلى اليمن وذكر الحديث.
ففي هذا جواز طلاق البتة وطلاق الثلاث لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ينقل عنه أحد أنه أنكر ذلك ولكن قد اختلف عن فاطمة في طلاقها هذا فقيل إنه طلقها ثلاثا مجتمعات وقيل إنها كانت آخر ثلاث تطليقات والله أعلم.
أخبرنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا موسى بن إسماعيل قال حدثنا أبان بن يزيد العطار قال حدثني يحيى بن أبي كثير قال حدثنا أبو سلمة بن عبد الرحمن أن فاطمة بنت قيس حدثته أن أبا حفص بن المغيرة طلقها ثلاثا وساق الحديث وفيه أن خالد ابن الوليد ونفرا من بني مخزوم أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا إن أبا حفص بن المغيرة طلق امرأته ثلاثا وذكر تمام الحديث كذا قال إن أبا حفص بن المغيرة وهو خطأ والصواب ما قاله مالك أن أبا عمرو بن حفص وهو أبو عمرو بن حفص بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم قيل اسمه عبد الحميد وقد ذكرناه في كتاب الصحابة بما ينبغي من ذكره.

(19/137)


وأخبرنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا محمود بن خالد قال حدثنا الوليد قال حدثنا أبو عمرو يعني الأوزاعي عن يحيى قال حدثني أبو سلمة قال حدثتني فاطمة بنت قيس أن أبا عمرو بن حفص المخزومي طلقها ثلاثا وساق الحديث.
قال أبو داود وكذلك رواه الشعبي والبهي وعطاء عن عبد الرحمن بن عاصم وأبو بكر بن أبي الجهم عن فاطمة أن زوجها طلقها ثلاثا.
قال أبو عمر:
يعني أبو داود أن الشعبي روى عن فاطمة أن زوجها طلقا ثلاثا وأن الزهري روى عن أبي سلمة عن فاطمة أن زوجها طلقها ثلاثا كذا رواه يونس وعقيل عن ابن شهاب وعند ابن شهاب في ذلك إسناد آخر عن عبيد الله بن عبد الله سنذكره إن شاء الله وأن أبا بكر بن أبي الجهم روى عن فاطمة أن زوجها طلقها ثلاثا وأن عطاء روى عن عبد الرحمن بن عاصم عن فاطمة أن زوجها طلقها ثلاثا وهو عبد الرحمن بن عاصم بن ثابت بن أبي الأفلح الأنصاري رواه ابن جريج عن عطاء.
ورواه حجاج بن أرطاة عن عطاء عن ابن عباس عن فاطمة وهو خطأ.
ذكر عبد الرزاق قال أخبرنا ابن جريج قال أخبرني عطاء قال أخبرني عبد الرحمن بن عاصم بن ثابت أن فاطمة ابنة قيس أخت

(19/138)


الضحاك بن قيس الفهرية وكانت عند رجل من بني مخزوم فأخبرته أن زوجها طلقها ثلاثا وخرج إلى بعض المغازي وأمر وكيلا له أن يعطيها بعض النفقة وذكر الحديث.
قرأت على عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن عبد السلام قال حدثنا محمد بن بشار قال حدثنا أبو داود قال حدثنا شعبة عن أبي بكر بن أبي الجهم قال دخلت على فاطمة بنت قيس أنا وأبو سلمة بن عبد الرحمن وهي في بيت آل الزبير فسألناها عن حديثها فقالت طلقني زوجي ثلاثا فلم يدع لي سكنى ولا نفقة فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت له لم يدع لي سكنى ولا نفقة فقالوا صدقت فقال النبي صلى الله عليه وسلم "اسكني في بيت أم شريك" ثم قال: "إن بيت أم شريك مغشي ولكن اقعدي في بيت ابن أم مكتوم فإنه رجل أعمى فإنك إن تنزعي ثيابك لم ير شيئا" قال ففعلت قالت فلما انقضت عدتي خطبني معاوية وأبو جهم فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت له ذلك فقال أما معاوية فرجل لا مال له وأما أبو جهم فرجل شديد على النساء فخطبني أسامة بن زيد فتزوجته فبارك الله لي.
وروى معمر عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله أن أبا عمرو ابن حفص أرسل إلى فاطمة بنت قيس امرأته بتطليقة كانت بقيت له من طلاقه.
وروى الليث عن عقيل عن ابن شهاب عن أبي سلمة عن فاطمة بنت قيس أنها أخبرته أنها كانت عند أبي حفص بن المغيرة وأن أبا

(19/139)


حفص بن المغيرة طلقها آخر ثلاث تطليقات هذه رواية يزيد بن خالد الرملي عن الليث ذكرها أبو داود عن يزيد هذا.
وروى عبد الله بن صالح عن الليث عن عقيل عن ابن شهاب قال أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف أن فاطمة ابنة قيس وهي أخت الضحاك بن قيس أخبرته أنها كانت تحت أبي عمرو بن حفص بن المغيرة فطلقها ثلاثا.
حدثناه عبد الوارث قال حدثنا قاسم قال حدثنا مطلب قال حدثنا عبد الله بن صالح وهذه الرواية عندي أصح من التي ذكر أبو داود عن يزيد بن خالد عن الليث لأني أخشى أن يكون صحف كما صنع في اسم زوج فاطمة إذ قال كانت عند أبي حفص بن المغيرة وإن أبا حفص بن المغيرة وقد مضى القول على من قال ذلك قبل هذا والحمد لله.
وروى يونس عن الزهري عن عبيد الله مثل حديث معمر فجمع يونس الحديثين عن الزهري حديث عبيد الله وحديث أبي سلمة وكذلك الزبيدي جمع الحديثين جميعا عن الزهري وفي حديث عبيد الله أنها طلقها زوجها تطليقة كانت بقيت لها بعث إليها بطلاقها ذلك كذلك قال معمر وغيره فيه وهذا يصحح ما قاله مالك أنه طلقها وهو غائب وقال في هذا الحديث جماعة عن الشعبي وعن أبي سلمة أنه طلقها ثم خرج إلى اليمن أو إلى بعض المغازي فالله أعلم.
وروى صالح بن كيسان وابن جريج وشعيب بن أبي حمزة عن الزهري عن أبي سلمة عن فاطمة أن زوجها طلقها آخر ثلاث تطليقات.

(19/140)


وروى ابن إسحاق عن عمران بن أبي أنس عن أبي سلمة عن فاطمة قالت كنت عند أبي عمر فبعث إلي بتطليقتي الثالثة فهذا ما بلغني مما في حديث فاطمة من الاختلاف في صفة طلاقها فلا حجة فيه لمن قال إن طلاق الثلاث مجتمعات سنة ولا لمن أنكر ذلك للاختلاف فيه وقد أوضحنا القول في هذه المسألة وبسطناه ومهدناه في باب نافع والحمد لله.
وأما قوله فأرسل إليها وكيله بشعير ففيه إباحة الوكالة وثبوتها وهذا أصل فيها.
وأما قوله والله ما لك علينا من شيء فجاءت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له فقال ليس لك عليه نفقة ففي هذا دليل بل نص أن لا نفقة للمبتوتة إلا أن تكون حاملا فيكون لها النفقة بإجماع لقول الله عز وجل {وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} وفي هذا دليل بين أنهن إن لم يكن أولات حمل لم ينفق عليهن وفاطمة بنت قيس لم تكن حاملا فلهذا ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا نفقة لك.
واختلف أهل العلم في النفقة للمبتوتة فأباها قوم وهم أهل الحجاز منهم مالك والشافعي وتابعهم على ذلك أحمد وإسحاق وأبو ثور وحجتهم ظاهرة قوية بهذا الحديث.
وقال آخرون لها النفقة وممن قال ذلك أكثر فقهاء العراقيين منهم ابن شبرمة وابن أبي ليلى والثوري والحسن بن صالح وأبو حنيفة وأصحابه وعثمان البتي وعبيد الله بن الحسن وحجتهم ما روي عن عمر وابن مسعود أنهما قالا المطلقة ثلاثا لها السكنى والنفقة.

(19/141)


أخبرنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن شاذان قال حدثنا المعلى قال حدثنا حفص بن غياث عن الأعمش عن إبراهيم عن الأسود عن عمر قال المطلقة ثلاثا لها السكنى والنفقة ما دامت في العدة.
وحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم قال حدثنا محمد ابن شاذان قال حدثنا المعلى قال حدثنا يعقوب عن الأعمش عن إبراهيم عن الأسود عن عمر بن الخطاب أنه قال لا يجوز في دين المسلمين قول امرأة وكان يجعل للمطلقة ثلاثا السكنى والنفقة.
وروى شعبة عن حماد عن إبراهيم عن شريح في المطلقة ثلاثا قال لها النفقة والسكنى.
قال إسماعيل بن إسحاق قال أبو حنيفة المطلقة ثلاثا ينفق عليها زوجها وإن كانت غير حامل ورووا في ذلك حديثا ليس بقوي الإسناد عن عمر أنه قال لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا لقول امرأة لها السكنى والنفقة قال إسماعيل والذي في كتاب ربنا أن لها النفقة إذا كانت حاملا ونحن نعلم أن عمر لا يقول ندع كتاب ربنا إلا لما هو موجود في كتاب ربنا والذي وجدنا في كتاب ربنا النفقة لذوات الأحمال قال ونحسب أن الحديث إنما هو لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا لقول امرأة لها السكنى لأن السكنى موجود في القرآن بقوله تعالى أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم وزاد بعض أهل الكوفة في الحديث عن عمر النفقة والحديث يدور على الأعمش بأسانيد مختلفة وكل رواية الأعمش على اختلافها في هذا الحديث فإنها تدور على إبراهيم وقد روى منصور وهو

(19/142)


أصح رواية من الأعمش عن إبراهيم في المطلقة ثلاثا لها السكنى والنفقة ولا يجبر على النفقة هذا كله كلام إسماعيل وفيه ما فيه من دفع ظاهر قول عمر إلى دعوى لا يسيغ هو ولا غيره لأحد مثل ذلك في دفع نص إلا أنه لما كان قول عمر خلاف نص السنة كان دفعه بتأويل ضعيف خيرا من أن ينسبه إلى مخالفة السنة الثابتة على أنهم متفقون فيما رواه العدول أنه لا يرد نص بتأويل يدفعه جملة وذلك عندي في المسند دون رأي أحد والله أعلم.
وذكر عبد الرزاق عن الثوري عن سلمة بن كهيل عن الشعبي عن فاطمة ابنة قيس قالت طلقني زوجي ثلاثا فجئت النبي صلى الله عليه وسلم فسألته فقال "لا نفقة لك ولا سكنى" قال فذكرت ذلك لإبراهيم فقال قال عمر بن الخطاب لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا لها النفقة والسكنى.
قال أبو عمر:
أما النفقة للمبتوتة ففيه نص ثابت عن النبي عليه السلام أنها لا نفقة لها وذلك قوله صلى الله عليه وسلم لفاطمة بنت قيس "ليس لك عليه نفقة" من حديث مالك وغيره فلا معنى لما خالفه وفي قول الله عز وجل {وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ} دليل على أن لا نفقة لغير حامل فهذا هو المعتمد عليه في هذا الباب وهي النكتة التي عليها مداره من الكتاب والسنة.
حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن شاذان قال حدثنا معلى قال حدثنا ليث بن سعد قال حدثنا عمران بن أبي أنس عن أبي سلمة قال سألت فاطمة بنت قيس،

(19/143)


فأخبرتني أن زوجها المخزومي طلقها وأبى أن ينفق عليها فجاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا نفقة لك فانتقلي فاذهبي إلى ابن أم مكتوم فكوني عنده فإنه رجل أعمى تضعين ثيابك عنده" ففي هذا الحديث تصريح بأن لا نفقة لها وكذلك أحاديث فاطمة كلها لم يختلف في أنها لا نفقة لها وإنما اختلف في ذكر السكنى فمنهم من ذكرها ومنهم من لم يذكرها.
وأما قوله وأمرها أن تعتد في بيت أم شريك فهذا موضع اختلاف بين أهل العلم منهم من زعم أن المبتوتة لا سكنى لها ولا نفقة لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يأمرها أن تعتد في بيت زوجها الذي كانت تسكنه وقال لا نفقة لك وقالوا لو كان لها السكنى ما أمرها أن تخرج من بيت زوجها.
ورووا أيضا منصوصا في حديث فاطمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها "لا سكنى لك ولا نفقة" وممن ذهب إلى هذا جماعة من أهل العلم وبه قال أحمد ابن حنبل وإسحاق بن راهويه وأبو ثور وداود وروي ذلك عن علي بن أبي طالب وجابر بن عبد الله وعبد الله بن عباس.
حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا احمد بن زهير قال حدثنا أبو نعيم قال حدثنا زكريا بن أبي زائدة عن عامر قال حدثتني فاطمة بنت قيس أن زوجها طلقها ثلاثا فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فأمرها فاعتدت عند ابن عمها عمرو بن أم مكتوم.
حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا بكر بن حماد قال حدثنا مسدد قال حدثنا هيثم عن سيار أبي

(19/144)


الحكم عن الشعبي عن فاطمة بنت قيس أنها أتت النبي صلى الله عليه وسلم فجعل لها السكنى والنفقة فقيل له إنه طلقها ثلاثا فقال لا سكنى ولا نفقة وأمرها أن تعتد في بيت ابن أم مكتوم.
وحدثنا عبد الوارث قال حدثنا قاسم قال حدثنا محمد بن شاذان قال حدثنا المعلى بن منصور قال حدثنا ابو عوانة عن مطرف عن عامر قال سألت فاطمة بنت قيس عن المرأة يطلقها زوجها ثلاثا فقالت طلقني زوجي ثلاثا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فلم يجعل لي سكنى ولا نفقة فقيل لعامر إن عمر لم يصدقها فقال عامر ألا تصدق امرأة فقيهة نزل بها هذا.
وحدثنا عبد الوارث قال حدثنا قاسم قال حدثنا محمد بن شاذان قال حدثنا المعلى قال حدثنا شريك عن أبي بكر بن صخر قال دخلت على فاطمة فذكر الحديث وفيه فرفع ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال "ليس لك نفقة ولا سكنى".
وروى مجالد بن سعيد وسعد بن زيد عن الشعبي عن فاطمة بنت قيس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها "إنما السكنى والنفقة للمرأة إذا كان لزوجها عليها رجعة" وفي حديث معمر عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله أن فاطمة بنت قيس قالت حين أرسل إليها مروان قبيصة بن ذؤيب يسألها عن ذلك فحدثته فأتى مروان فأخبره فقال مروان لم أسمع بهذا الحديث إلا من امرأة سنأخذ بالعصمة التي وجدنا الناس عليها فقالت فاطمة حين بلغها قول مروان بيني وبينكم القرآن قال الله {لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ} حتى بلغت {لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً} قالت هذا لمن كانت له مراجعة فأي أمر يحدث بعد

(19/145)


الثلاث فكيف تقولون لا نفقة لها أما إذا لم تكن حاملا فعلى م تحبسونها فكيف تحبس امرأة بغير نفقة.
قال أبو عمر:
تقول فاطمة إن كنتم تحبسونها على زوجها في بيته فأوجبوا لها النفقة وإن لم توجبوا لها النفقة فلا توجبوا عليها السكنى وفي قول مروان في هذا الحديث سنأخذ بالعصمة التي وجدنا الناس عليها دليل على أن العمل كان عندهم بخلاف حديث فاطمة في السكنى وقولها فعلى م تحبسونها إنما كانت تخاطب بهذا كبار التابعين وهذا كله يدل على أن العمل كان عندهم بالمدينة من زمن عمر بخلاف حديث فاطمة في السكنى والله أعلم.
حدثنا أحمد بن قاسم وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا الحرث بن أبي أسامة قال حدثنا يزيد بن هارون قال حدثنا عمرو بن ميمون بن مهران عن أبيه قال جلست إلى سعيد بن المسيب فسألته فقال إنك لتسأل سؤال رجل قد تبحر العلم قبل اليوم قال قلت إني بأرض أسأل بها قال فكيف وجدت ما أفتيت به مما يفتيك به غيري ممن سألت من العلماء قلت وافقتم إلا في فريضة واحدة قال وما هي قلت سألتك عن المطلقة ثلاثا تعتد في بيت زوجها أم تنتقل إلى أهلها فقلت تعتد في بيت زوجها وقد كان من أمر فاطمة بنت قيس ما قد علمت فقال سعيد تلك امرأة فتنت الناس وسأخبرك عن شأنها إنها لما طلقت استطالت على أحيائها وآذتهم بلسانها فأمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تنتقل إلى بيت ابن أم مكتوم قال قلت لئن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرها

(19/146)


بذلك إن لنا في رسول الله لأسوة حسنة مع أنها أحرم الناس عليه ليس له عليها رجعة ولا بينهما ميراث.
قال أبو عمر:
هذا من أحسن ما يجري من الاحتجاج في هذا المعنى يقول لو كان السكنى عليها واجبا لقصرها رسول الله صلى الله عليه وسلم ومنعها من الاستطالة بلسانها بما شاء مما يردعها عن ذلك والله أعلم مع أنه ليست منه ولا هو منها.
حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا أبو نعيم قال حدثنا جعفر بن برقان قال أخبرنا ميمون بن مهران قال قدمت المدينة فسألت عن أفقه أهلها فدفعت إلى سعيد بن المسيب فسألته وذكر معنى ما تقدم.
وأخبرنا عبد الوارث قال حدثنا قاسم قال حدثنا محمد بن شاذان قال حدثنا المعلى بن منصور قال أخبرني أبو المليح عن ميمون قال ذكرت أمر فاطمة ابنة قيس عند ابن المسيب فقال سعيد بن المسيب تلك امرأة فتنت الناس أو النساء قلت لئن كانت إنما أخذت بما أفتاها رسول الله صلى الله عليه وسلم ما فتنت الناس.
وروى جعفر بن محمد عن أبيه أن عليا قال في المبتوتة لا نفقة لها ولا سكنى وابن جريج قال أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول تعتد المبتوتة حيث شاءت وابن جريج عن عطاء عن ابن عباس قال تعتد المبتوتة حيث شاءت فهذا مذهب آخر.

(19/147)


وقال مالك والشافعي وأصحابهما والأوزاعي المبتوتة لها السكنى واجب لها وعليها ولا نفقة لها وهو قول سعيد بن المسيب وعروة ابن الزبير والقاسم بن محمد وسليمان بن يسار وروى ذلك عن ابن عمر وعائشة وعطاء وغيرهم.
ذكر عبد الرزاق عن ابن جريج عن هشام بن عروة عن أبيه قال لا نفقة للمبتوتة إلا أن تكون حاملا ولها السكنى ومعمر عن الزهري عن سالم عن ابن عمر قال لا تنتقل المبتوتة من بيت زوجها حتى يحل أجلها وقال إسماعيل بن إسحاق قال قوم لا سكنى للمبتوتة ولا نفقة.
وذهبوا إلى الحديث الذي ذكر عن فاطمة بنت قيس أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يجعل لها سكنى ولا نفقة وتأولوا قول الله عز وجل {أسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ} أن ذلك إنما هو في المرأة التي تطلق واحدة أو اثنتين ويملك زوجها رجعتها قال ولو كان ذلك كما تأولوا لكان أسكنوهن حيث سكنتم وأنفقوا عليهن ولم يستثن النفقة على الحامل خاصة لأن التي يملك زوجها رجعتها لها أحكام الزوجات في السكنى والنفقة لا فرق بينهما وبين التي لم تطلق في ذلك فعلمنا أنه لما استثنى النفقة منهن لذوات الأحمال أنها ليست التي يملك زوجها رجعتها.
أما الشافعي فاحتج في سقوط نفقة المبتوتة بحديث مالك المذكور في هذا الباب عن عبد الله بن يزيد مولى الأسود بن سفيان عن أبي سلمة ابن عبد الرحمن عن فاطمة بنت قيس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها "ليس لك نفقة" وأوجب عليها السكنى ثم نقلها عن موضعها لعلة قال

(19/148)


الشافعي وإنما اسكنها في بيت ابن أم مكتوم لأنها كان في لسانها ذرب.
قال أبو عمر:
اختلف العلماء في تأويل قول الله عز وجل في المطلقات {لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ} فقال قوم الفاحشة ههنا الزنا والخروج لإقامة الحد وممن قال ذلك عطاء ومجاهد وعمرو بن دينار والشعبي وهذا فيمن وجب السكنى عليها ولم يجب السكنى باتفاق إلا على الرجعية.
وقال ابن مسعود وابن عباس الفاحشة إذا بذت بلسانها وهو قول سعيد بن المسيب وغيره.
وقال قتادة الفاحشة النشوز قال وفي حرف ابن مسعود إلا أن تفحش وذكر عبد الرزاق عن ابن عيينة والثوري عن محمد بن عمرو بن علقمة عن إبراهيم التيمي عن ابن عباس في قوله {إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ} قال إذا بذت بلسانها فهو الفاحشة له أن يخرجها.
قال أبو عمر:
فعلى هذا تأول بعض أهل المدينة خروج فاطمة عن بيتها وهو وجه حسن من التأويل وقال بعضهم كانت فاطمة تسكن مع زوجها في موضع وحش مخوف فلهذا ما أذن لها رسول الله صلى الله عليه وسلم في الانتقال وقال بعضهم كان ذلك من سوء خلق فاطمة.

(19/149)


حدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا إسماعيل ابن إسحاق قال حدثنا أبو ثابت المدني عن عبد الله بن وهب قال أخبرني ابن أبي الزناد عن هشام بن عروة عن أبيه قال دخلت على مروان بن الحكم فقلت إن امرأة من أهلك طلقت فمررت عليها آنفا وهي تنتقل فعبت ذلك عليها فقالوا أمرتنا فاطمة ابنة قيس وأخبرتنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرها أن تنتقل إلى بيت ابن أم مكتوم حين طلقها زوجها فقال مروان أجل هي أمرتهم بذلك قال عروة فقلت له والله لقد عابت ذلك عائشة أشد العيب وقالت إن فاطمة كانت في مكان وحش مخيف على ناحيتها فلذلك أرخص لها رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وحدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا ابن وضاح قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا حفص بن غياث عن هشام بن عروة عن أبيه قال قالت فاطمة ابنة قيس يا رسول الله إني أخاف أن يقتحم علي فأمرها أن تحول.
وأخبرنا عبد الله بن محمد قال أخبرنا محمد بن بكر قال أخبرنا أبو داود قال أخبرنا هارون بن زيد بن أبي الزرقاء عن أبيه عن سفيان عن يحيى بن سعيد عن سليمان بن يسار في خروج فاطمة إنما كان ذلك من سوء الخلق قال وحدثنا أحمد بن يونس قال حدثنا زهير قال حدثنا جعفر بن برقان قال حدثنا ميمون بن مهران قال قدمت المدينة فدفعت إلى سعيد بن المسيب فقلت فاطمة ابنة قيس طلقت فخرجت من بيتها،

(19/150)


فقال سعيد بن المسيب تلك امرأة فتنت الناس إنها كانت لسنة فوضعت على يدي ابن أم مكتوم الأعمى.
وروى مالك عن يحيى بن سعيد عن القاسم بن محمد وسليمان بن يسار أنه سمعهما يذكران أن سعيد بن العاصي طلق بنت عبد الرحمن الحكم البتة فانتقلها عبد الرحمن فأرسلت عائشة إلى مروان بن الحكم وهو أمير المدينة فقالت اتق الله واردد المرأة إلى بيتها الحديث فهذا عمر وعائشة وابن عمر ينكرون على فاطمة أمر السكنى ويخالفونها في ذلك ومال إلى قولهم فقهاء التابعين بالمدينة وإليه ذهب مالك والشافعي وأصحابهما لكن من طريق الحجة وما يلزم منها قول أحمد بن حنبل ومن تابعه أصح وأحج لأنه لو وجب السكنى عليها وكانت عبادة تعبدها الله بها لألزمها ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يخرجها عن بيت زوجها إلى بيت أم شريك ولا إلى بيت ابن أم مكتوم ولأنه أجمعوا أن المرأة التي تبذو على أحمائها بلسانها تؤدب وتقصر على السكنى في المنزل الذي طلقت فيه وتمنع من أذى الناس فدل ذلك على أن من اعتل بمثل هذه العلة في الانتقال اعتل بغير صحيح من النظر ولا متفق عليه من الخبر هذا ما يوجبه عندي التأمل لهذا الحديث مع صحته وبالله التوفيق.
وإذا ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لفاطمة بنت قيس وقد طلقت طلاقا باتا "لا سكنى لك ولا نفقة وإنما السكنى والنفقة لمن عليها رجعة" فأي شيء يعارض به هذا هل يعارض إلا بمثله عن النبي صلى الله عليه وسلم الذي هو المبين عن الله مراده من كتابه ولا شيء عنه عليه السلام يدفع ذلك ومعلوم أنه أعلم بتأويل قول الله عز وجل {أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ} من غيره ص وأما الصحابة فقد اختلفوا كما رأيت منهم من يقول لها السكنى

(19/151)


والنفقة منهم عمر وابن مسعود ومنهم من يقول لها السكنى ولا نفقة منهم ابن عمر وعائشة ومنهم من يقول لا سكنى لها ولا نفقة وممن قال ذلك علي وابن عباس وجابر وكذلك اختلاف فقهاء الأمصار على هذه الثلاثة الأقوال على ما ذكرنا وبينا والحمد لله.
وأما الشافعي ومالك فلا محالة أنه لم يثبت عندهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لفاطمة "لا سكنى لك ولا نفقة" مع ما رأوا من معارضة العلماء الجلة لها في ذلك والله الموفق للصواب.
ذكر عبد الرزاق عن معمر والثوري عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة أن رجلا طلق امرأته ثلاثا فأبت أن تجلس في بيتها فأتى ابن مسعود فقال هي تريد تخرج إلى أهلها فقال احبسها ولا تدعها فقال إنها تأبى علي قال فقيدها قال إن لها إخوة غليظة رقابهم قال فاستأد عليهم الأمير.
وفي هذا الحديث وجوب استتار المرأة إذا كانت ممن للعين فيها حظ عن عيون الرجال وفي ذلك تحريم للنظر إليهن وقد روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ينظر إلى فاطمة هذه إذ جاءته في هذه القصة.
حدثنا أحمد بن محمد قال حدثنا أحمد بن الفضل قال حدثنا محمد بن جرير قال حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري قال حدثنا سفيان بن عيينة عن مجالد عن الشعبي عن فاطمة ابنة قيس قالت أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فاستتر مني وأشار عني بثوبه على وجهه وكذلك في حديث قيلة ابنة مخرمة الحديث الطويل في قدومها على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأومأ بيده خلفه إذ قيل له:

(19/152)


أرعدت المسكينة فقال ولم ينظر إلي يا مسكينة عليك السكينة وفي حديث بريدة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعلي "لا تتبع النظرة النظرة فإن لك الأولى وليست لك الآخرة".
وقد روى ذلك أيضا من حديث علي رضي الله عنه وقال جرير سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نظرة الفجأة فقال " غض بصرك" رواه جماعة منهم الثوري وابن علية ويزيد بن زريع عن يونس بن عبيد عن عمرو بن سعيد عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير عن جرير وهذا النهي إنما ورد خوفا من دواعي الفتنة وأن تحمله النظرة إلى أن يتأمل ما تقود إليه فتنة في دينه وهذا نبي من أنبياء الله عز وجل وهو داود صلى الله عليه وسلم كان سبب خطيئته إليه النظر وقد ذكرنا ما يجوز النظر إليه من الشهادة عليها وشبهها في غير هذا الموضع وأما قوله "اعتدي في بيت أم شريك" ثم قال تلك امرأة يغشاها أصحابي اعتدي في بيت ابن أم مكتوم ففيه دليل على أن المرأة الصالحة المتجالة لا بأس أن يغشاها الرجال ويتحدثون عندها ومعنى الغشيان الإلمام والورود.
قال حسان بن ثابت يمدح بني جفنة:
يغشون حتى ما تهر كلابهم ... لا يسألون عن السواد المقبل
وزعم قوم أنه أمدح بيت قالته العرب
حدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد إسماعيل قال حدثنا الحميدي قال حدثنا سفيان قال حدثنا مجالد بن سعيد الهمداني عن الشعبي عن فاطمة بنت قيس فذكر الحديث وفيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "يا بنت قيس إنما السكنى والنفقة للمرأة إذا كان

(19/153)


لزوجها عليها رجعة فإذا لم يكن له عليها رجعة فلا سكنى لها ولا نفقة" ثم قال لها "اعتدي عند أم شريك ابنة العكر ثم قال تلك امرأة يتحدث عندها اعتدي عند ابن أم مكتوم فإنه رجل محجوب البصر فتضعي ثيابك ولا يراك".
قال أبو عمر:
أم شريك هذه امرأة من بني عامر بن لؤي وقد ذكرناها في كتاب النساء من كتاب الصحابة بما يغني عن ذكرها ههنا وفي قوله في هذا الحديث فتضعي ثيابك ولا يراك دليل على أن المرأة غير واجب عليها أن تحتجب من الرجل الأعمى وهكذا في حديث محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن فاطمة بنت قيس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها "انتقلي إلى ابن أم مكتوم فإنه رجل قد ذهب بصره فإن وضعت شيئا من ثيابك لم ير شيئا" وهذا يرد حديث نبهان مولى أم سلمة عن أم سلمة قالت "دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا وميمونة جالستان فاستأذن عليه ابن أم مكتوم الأعمى فقال احتجبا منه فقلنا يا رسول الله أليس بأعمى لا يبصرنا قال أفعمياوان أنتما لا تبصرانه" ففي هذا الحديث دليل على أنه واجب على المرأة أن تحتجب عن الأعمى ويشهد له ظاهر قول الله عز وجل {وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ} الآية فمن ذهب إلى حديث نبهان هذا احتج بما ذكرنا وقال ليس في حديث فاطمة أنه أطلق لها النظر إليه وقال مكروه للمرأة أن تنظر إلى الرجل الأجنبي الذي ليس بزوج ولا ذي

(19/154)


محرم قال وكما لا يجوز للرجل أن ينظر إلى المرأة فكذلك لا يجوز للمرأة أن تنظر إلى الرجل لأن الله يقول {وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ} كما قال {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ} وقد قال بعض مشيخة الأعراب لأن ينظر إلى وليتي مائة رجل خير من أن تنظر هي إلى رجل واحد.
ومن ذهب إلى حديث فاطمة هذا على ظاهره دفع حديث نبهان عن أم سلمة وقال نبهان مجهول لم يرو عنه غير ابن شهاب وروى عنه ابن شهاب حديثين لا أصل لهما أحدهما هذا والآخر حديث المكاتب أنه إذا كان معه ما يؤذي وجب الاحتجاب منه قال وهما حديثان لا أصل لهما ودفعهما وقال حديث فاطمة بنت قيس حديث صحيح الإسناد والحجة به لازمة قال وحديث نبهان لا تقوم به حجة.
قال أبو عمر:
حديث نبهان هذا حدثناه سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن وضاح قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا عبد الله بن المبارك قال أخبرنا يونس عن الزهري قال حدثني نبهان مولى أم سلمة عن أم سلمة قالت كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وعند ميمونة فأقبل ابن أم مكتوم وذلك بعد أن أمر بالحجاب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "احتجبا منه فقلنا يا رسول الله إنه مكفوف لا يبصرنا قال أفعيماوان أنتما لا تبصرانه"؟

(19/155)


وأخبرنا عبد الله بن محمد بن حدثنا محمد بن بكر حدثنا أبو داود حدثنا محمد بن العلاء حدثنا ابن المبارك عن يونس عن الزهري قال حدثني نبهان مولى أم سلمة عن أم سلمة فذكره.
قال أبو داود هذا لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم خاصة واستدل بعض أصحابه بهذا الحديث على أن كلام المرأة ليس بعورة وهذا ما لا يحتاج إليه لتقرر الأصول عليه.
وأما قوله "يغشاها أصحابي" فمعلوم أنها عورة كما أن فاطمة عورة إلا أنه علم أن أم شريك من السترة والاحتجاب بحال ليست بها فاطمة ولعل فاطمة من شأنها أن تقعد فضلا لا تحترز كاحتراز أم شريك ولا يجوز أن تكون أم شريك وإن كانت من القواعد أن تكون فضلا ويجوز أن تكون فاطمة شابة ليست من القواعد وتكون أم شريك من القواعد فليس عليها جناح ما لم تتبرز بزينة فهذا كله فرق بين حال أم شريك وفاطمة وإن كانتا جميعا امرأتين العورة منهما واحدة ولاختلاف الحالتين أمرت فاطمة بأن تصير إلى ابن أم مكتوم الأعمى حيث لا يراها هو ولا غيره في بيته ذلك.
وأما وجه قوله لزوجته ميمونة وأم سلمة "إذا جاء ابن أم مكتوم احتجبا منه فقالتا أليس بأعمى فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أفعمياوان أنتما". فإن الحجاب على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ليس كالحجاب على غيرهن لما هن فيه من الجلالة ولموضعهن من رسول الله صلى الله عليه وسلم بدليل قول الله تعالى {يَا نِسَاءَ

(19/156)


النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ} الآية وقد يجوز للرجل أن ينظر لأهله من الحجاب بما أداه إليه اجتهاده حتى يمنع منهن المرأة فضلا عن الأعمى.
وأما الفرق بين ميمونة وأم سلمة وبين عائشة إذ أباح لها النظر إلى الحبشة فإن عائشة كانت ذلك الوقت والله أعلم غير بالغة لأنه نكحها صبية بنت ست سنين أو سبع وبنى بها بنت تسع ويجوز أن يكون قبل ضرب الحجاب مع ما في النظر إلى السودان مما تقتحمه العيون وليس الصبايا كالنساء في معرفة ما هنالك من أمر الرجال.
حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن شاذان قال حدثنا معلى قال حدثنا ليث بن سعد عن أبي الزبير قال سألت عبد الحميد بن عبد الله بن أبي عمرو بن حفص عن طلاق جده فاطمة بنت قيس فقال عبد الحميد طلقها البتة ثم خرج إلى اليمن ووكل بها عياش بن أبي ربيعة فأرسل إليها عياش ببعض النفقة فسخطتها فقال لها عياش ما لك علينا من نفقة ولا مسكن وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسليه فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عما قال فقال "ليس لك نفقة ولا مسكن ولكن متاع بالمعروف اخرجي عنهم فقالت أخرج إلى بيت أم شريك فقال إن بيتها يوطأ فانتقلي إلى بيت عبد الله بن أم مكتوم الأعمى فهو أقل واطية وأنت تضعين ثيابك عنده فانتقلت إليه حتى حلت فخطبها معاوية بن أبي سفيان وأبو جهم بن حذيفة فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أما معاوية فغلام من غلمان قريش لا يملك شيئا وأما أبو جهم فإني أخاف عليك عصاه ولكن إن شئت دللتك على رجل أسامة بن زيد قالت نعم يا رسول الله فزوجها أسامة بن زيد".

(19/157)


ففي حديث مالك في أم شريك تلك امرأة يغشاها أصحابي وفي حديث مجالد عن الشعبي تلك امرأة يتحدث عندها وفي حديث أبي بكر بن أبي الجهم وقد مضى ذكره أن بيت أم شريك يغشى وفي حديث أبي الزبير أن بيتها يوطأ وفي هذا كله دليل على أن القوم إنما كانوا يتحدثون بالمعاني وإياها كانوا يراعون وفيما ذكرنا دليل على ما وصفنا من جواز غشيان النساء الصالحات المتجالات في بيوتهن والحديث معهن.
وأما قوله إن معاوية وأبا جهم خطباني ثم خطبة رسول الله صلى الله عليه وسلم إياها لأسامة حين أخبرته أن معاوية وأبا جهم خطباها ففيه دليل على أنه لا بأس أن يخطب الرجل على خطبة أخيه مالم تكن إليه على ما قال مالك وغيره مما قد ذكرناه في باب محمد بن يحيى بن حبان وغيره من كتابنا هذا.
واتفق جمهور الفقهاء على أنه إذا ركن إلى الخاطب الأول لم يجز أن يخطب أحد على خطبته وقال بعض أصحاب الشافعي يجوز على حديث فاطمة هذا وهذا ليس بشيء لأنه يجعل الأحاديث معارضة وإذا حملت على ما قال الفقهاء لم تتعارض وقد مضى الحكم فيمن خطب على خطبة أخيه في باب محمد بن يحيى بن حبان ومثل خطبة رسول الله لأسامة بن زيد على خطبة معاوية وأبي جهم ما ذكره ابن وهب عن ابن لهيعة وغيره عن عبيد الله بن المغيرة أنه سمع الحرث بن سفيان الأسدي يحدث عن الحرث بن سعد بن أبي ذباب أن عمر بن الخطاب خطب امرأة على جرير البجلي وعلى مروان بن الحكم وعلى عبد الله بن عمر فدخل على المرأة وهي جالسة في قبتها عليها ستر فقال عمر إن جرير البجلي يخطب وهو سيد أهل المشرق ومروان يخطب وهو سيد شباب قريش وعبد الله بن عمر.

(19/158)


وهو من قد علمتم وعمر بن الخطاب فكشفت المرأة عنها فقالت أجاد أمير المؤمنين قال نعم قالت فقد أنكحت يا أمير المؤمنين أنكحوه
حدثنا سعيد بن سيد قال حدثنا يحيى بن فطر حدثنا أحمد بن زياد حدثنا ابن وضاح حدثنا محمد بن رمح أخبرنا الليث بن سعد عن عياش ابن عباس الفتياني عن بكير بن عبد الله بن الأشج أن عمر بن الخطاب أتى أهل بيت من الأزد وفتاتهم في خدرها قريبا منه فقال إن مروان بن الحكم يخطب إليكم ابنتكم وهو سيد شباب قريش وإن جرير البجلة يخطب إليكم ابنتكم وهو سيد أهل المشرق وإن أمير المؤمنين يخطب إليكم ابنتكم يريد نفسه فأجابته الفتاة من خدرها فقالت أجاد أمير المؤمنين فقال نعم قالت زوجوا أمير المؤمنين فزوجوه فولدت منه.
وأما قوله أما معاوية فصلعوك لا مال له وأما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه ففيه دليل على أن قول المرء في غيره ما فيه إذا سئل عنه عند الخطبة جائز وأن إظهار ما هو عليه من عيب فيه صواب لا بأس به وليس من باب الغيبة في شيء وهو يعارض قوله "إذا قلت في أخيك ما فيه فقد اغتبته" وقد أجمعوا على أنه جائز تبيين حال الشاهد إذا سأل عنه الحاكم وتبين حال ناقل الحديث وتبين حال الخاطب إذا سئل عنه وفي ذلك أوضح الدلائل على أن حديث الغيبة ليس على عمومه وقد قيل إن الغيبة إنما هي أن تصفه على جهة العيب له بما في خلقته من دمامة وسوء خلق أو قصر أو عمش أو عرج ونحو ذلك وأما أن تذمه بما فيه من أفعاله فليس ذلك غيبة وهذا عندي ليس بالقوي والذي عليه مدار هذا المعنى أن من استشير لزمه القول بالحق وأداء النصيحة وليس

(19/159)


ذلك من باب الغيبة لأنه لم يقصد بذلك إلى لمزه ولا إلى شفاء غيظ ولا أذى ويكون حديث الغيبة مرتبا على هذا المعنى وفي هذا أيضا دليل على استشارة ذوي الرأي وأنه جائز أن يستشير الرجل من يرضى دينه في امرأتين يسميهما له أيتهما يتزوج وكذلك للمرأة في رجلين أيهما تتزوج وفيه أن للمستشار أن يشير بغير من استشير فيه لأنه أشار عليه السلام إلى أسامة ولم تذكر له إلا أبا جهم ومعاوية وفي قوله صلى الله عليه وسلم أما معاوية فصلعوك لا مال له وأما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه دليل على جواز الإغياء في الصفة وأن المغيي لا يلحقه كذب إذا لم يقصد قصد الكذب وإنما قصد الإبلاغ في الوصف ألا ترى أن معاوية قد ملك ثوبه وغير ذلك وهو مال وفي غير حديث مالك لا يملك شيئا وكذلك قوله لا يضع عصاه عن عاتقه ومعلوم أنه كان يصلي وينام ويأكل ويشرب ويشتغل بأشياء كثيرة غير ضرب النساء ولكنه لما كان يكثر ضرب النساء نسبه إلى ذلك على ما قالت الحكماء من أكثر من شيء عرف به ونسب إليه ولم يرد بذكر العصا ههنا العصا التي يضرب بها وإنما أراد الآداب باللسان واليد وبما يحسن الأدب بمثله يصنع في أهله كما يصنع الوالي في رعيته وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لرجل أوصاه "ولا ترفع عصاك عن أهلك وأخفهم في الله" روى هذا من حديث المصريين عن عبادة بن الصامت فيما أوصاه به رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعضهم يقول فيه لاتضع عصاك عن أهلك وأنصفهم من نفسك وقال صلى الله عليه وسلم "علق سوطك حيث يراه أهلك" وفي هذا كله ما يوضح لك أن للرجل ضرب نسائه فيما يصلحهم وتصلح به حاله وحالهم معه كما له أن يضرب امرأته عند امتناعها عليه ونشوزها ضربا غير مبرح.

(19/160)


وقد روي عن الحسن وقتادة أن رجلا ضرب امرأته وجرحها فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم يطلبون القصاص فأنزل الله {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ} الآية فمعنى العصا في هذين الحديثين الإخافة والشدة بكل ما يتهيأ ويمكن مما يجمل ويحسن من الأدب فيما يجب الأدب فيه وقد قال بعض أصحابنا إن فيه إباحة ضرب الرجل امرأته ضربا كثيرا لأنه قصد به قصد العيب له والضرب القليل ليس بعيب لأن الله قد أباحه قال ولما لم يغير رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي جهم ما كان عليه من ذلك كان في طريق الإباحة وفيما قال من ذلك والله أعلم نظر قال ابن وهب ذمه لذلك دليل على أنه لا يجوز فعله ومن هذا قالت العرب فلان لين العصا وفلان شديد العصا يقولون ذلك في الوالي وما أشبهه وقال الشاعر:
لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا ... وما علم الإنسان إلا ليعلما
وقال معن بن أوس يصف راعي إبله:
عليها شريب وادع لين العصا ... يسائلها عما به وتسائله
العرب تسمي الطاعة والألفة والجماعة العصا ويقولون عصا الإسلام وعصا السلطان ومن هذا قول الشاعر:
إذا كانت الهيجاء وانشقت العصا ... فحسبك والضحاك سيف مهند

(19/161)


ومنه قول صلة بن أشيم إياك وقتيل العصا يقول إياك أن تقتل أو تقتل قتيلا إذا انشقت العصا والعرب أيضا تسمي قرار الظاعن عصا وقرار الأمر واستواءه عصا فإذا استغنى المسافر عن الظعن قالوا قد ألقى عصاه.
وقال الشاعر:
فألقت عصاها واستقرت بها النوى ... كما قر عينا بالاياب المسافر
وروي أن عائشة تمثلت بهذا البيت حين اجتمع الأمر لمعاوية والله أعلم وأما قوله "انكحي أسامة بن زيد قالت فنكحته" ففي هذا جواز نكاح الموالي القريشية وأسامة بن زيد بن حارثة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو رجل من كلب وفاطمة قرشية فهرية أخت الضحاك بن قيس الفهري وهذا أقوى شيء في نكاح المولي العربي والقرشية ونكاح العربي القرشية وهذا مذهب مالك وعليه أكثر أهل المدينة.
روى ابن أبي أويس عن مالك قال لم أر هذا من أهل الفقه والفضل ولم أسمع أنه أنكر أن يتزوج العرب في قريش ولا أن يتزوج الموالي في العرب وقريش إذا كان كفؤا في حاله.
قال مالك ومما يبين ذلك أن أبا حذيفة بن عتبة بن ربيعة أنكح سالما فاطمة بنت الوليد بن عتبة فلم ينكر ذلك عليه ولم يعبه أحد من أهل ذلك الزمان.
قال أبو عمر:
قد كرهه قوم وهذا الحديث حجة عليهم قال الله عز وجل {إِنَّ

(19/162)


أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} وقد روي في بعض الحديث أنهم قالوا أنكحها مولاه فقالت فاطمة رضيت بما رضي لي به رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي حديث مالك فجعل الله فيه خيرا واغتبطت به واختلف العلماء في الأكفاء في النكاح فجملة مذهب مالك وأصحابه أن الكفاءة عندهم في الدين وقال ابن القاسم عن مالك إذا أبى والد الثيب أن يزوجها رجلا دونه في النسب والشرف إلا أنه كفؤ في الدين فإن السلطان يزوجها ولا ينظر إلى قول الأب والولي من كان إذا رضيت به وكان كفؤا في دينه ولم أسمع منه في قلة المال شيئا قال مالك تزويج المولى العربية حلال في كتاب الله عز وجل قوله {إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى} الآية وقوله {فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا} واعتبر أبو حنيفة وأصحابه الكفاءة في النكاح من جهة النسب والمال والصناعات وهو قول الثوري والحسن بن حي.
قال أبو حنيفة قريش أكفاء والعرب أكفاء ومن كان له أبوان في الإسلام أكفاء ولا يكون كفؤا من لم يجد المهر والنفقة وقال أبو يوسف وسائر الناس على أعمالهم فالقصار لا يكون كفؤا لغيره من التجار وهم يتفاضلون بالأعمال فلا يجوز إلا الأمثال قال وتعذر المهر والنفقة لا يمنع من الكفاءة والعبد ليس بكفء لأحد وكان أبو الحسن الكرخي من بين أصحاب أبي حنيفة يخالف أصحابه في الكفاءة ويقول الكفاءة في الأنفس كالقصاص وسائر أصحابه يعتبرون الكفاءة في المهر والنفقة.

(19/163)


وفي الشافعي ليس نكاح غير الكفء محرما فأرده بكل حال إنما هو تقصير المتزوجة والولاة فإن رضيت ورضوا جاز قال وليس نقص المهر نقصا في النسب والمهر لها دونهم فهي أولى به منهم كالنفقة لها أن تتركها متى شاءت قال وإذا اختلف الولاة فزوجها بإذنها أحدهم كفئا جاز وإن كان غير كفء لم يثبت إلا باجتماعهم قبل نكاحه فيكون حقا لهم تركه.
قال أبو عمر:
الكفاءة عند الشافعي وأصحابه النسب والحال وأفضل الحال عندهم الدين والحال اسم جامع لمعان كثيرة منها الكرم والمروءة والمال والصناعة والدين وهو أرفعها.
روى مالك عن يحيى بن سعيد أن عمر بن الخطاب قال كرم المؤمن تقواه ودينه وحسبه ومروءته خلقه.
وحدثني خلف بن القاسم حدثنا أبو بكر بن محمد بن عبيد الله بن أحمد الصيدلاني قال أنشدنا أبو الحسن علي بن سليمان بن الفضل الأخفش لبعض المتقدمين:
إني رأيت الفتى الكريم إذا ... رغبته في صنيعة رغبا
ولم أجد عروة الخلائق إلا ... الدين لما اختبرت والحسبا
قال أبو عمر:
روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال "أنكحوا إلى الأكفاء وإياكم والزنج فإنه

(19/164)


خلق مشوه" وهذا الحديث منكر باطل لا أصل له رواه داود بن المجبر عن أبي أمية بن يعلى الثقفي عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة وداود هذا وأبو أمية ابن يعلى متروكان والحديث ضعيف منكر وكذلك حديث مبشر عن الحجاج بن أرطأة عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال "لا تنكحوا النساء إلا الأكفاء" حديث ضعيف لا يحتج بمثله ولا أصل له وكذلك حديث بقية عن زرعة عن عمران بن الفضل عن نافع عن ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال "العرب أكفاء بعضها لبعض قبيلة لقبيلة وحي لحي ورجل لرجل إلا حائك وحجام" حديث منكر موضوع وقد روي من حديث ابن جريج عن ابن أبي مليكة عن ابن عمر مرفوعا مثله ولا يصح أيضا عن ابن جريج والله أعلم وأحسن من هذه الأسانيد ما رواه حماد بن سلمة وغيره عن محمد بن عمرو ابن علقمة عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "يا بني بياضة أنكحوا أبا هند و أنكحوا إليه" وأبو هند مولى وبنو بياضة فخذ من العرب في الأنصار وقد قال صلى الله عليه وسلم "إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجه إن لم تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير" ولم يخص عربيا من مولى وحمله على العموم أولى وقد احتج من لم يجز نكاح المولى العربية بحديث شعبة عن أبي إسحاق عن أوس بن ضمعج عن سلمان أنه قال لا نؤمكم في الصلاة ولا نتزوج نساءكم يعني العرب قالوا ومثل هذا لا يقوله سلمان من رأيه.

(19/165)


قال أبو عمر:
أصح شيء في هذا الباب حديث مالك وغيره في قصة فاطمة بنت قيس ونكاحها بإذن رسول الله صلى الله عليه وسلم أسامة بن زيد وهو ممن قد جرى على أبيه السبأ والعتق.
حدثنا خلف بن القاسم الحافظ قال حدثنا مؤمل بن يحيى بن مهدي قال حدثنا محمد بن جعفر بن راشد قال حدثنا علي بن المديني قال حدثنا زيد بن حباب قال حدثنا حسين بن واقد قال حدثني عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن أحساب أهل الدنيا التي يذهبون إليها هذا المال".
وحدثنا سعيد بن نصر وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا ابن وضاح قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا زيد بن الحباب عن حسين بن واقد عن ابن بريدة عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن حساب أهل الدنيا التي يذهبون إليها هذا المال".
حدثنا خلف بن القاسم بن سهل قال حدثنا مؤمل بن يحيى قال حدثنا محمد بن جعفر بن حفص بن راشد الإمام قال حدثنا علي ابن المديني قال حدثنا يونس بن محمد قال حدثنا سلام بن أبي مطيع قال حدثنا قتادة عن سمرة بن جندب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "الحسب المال والكرم التقوى".
أخبرنا عبد الله بن محمد حدثنا محمد بن بكر حدثنا أبو داود وحدثنا عبد الوارث حدثنا قاسم حدثنا بكر بن حماد قالا حدثنا مسدد قال

(19/166)


حدثنا يحيى قال حدثني عبيد الله بن عمر قال حدثني سعيد بن أبي سعيد عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "تنكح المرأة لأربع لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها فاظفر بذات الدين تربت يداك".
وحدثنا محمد بن عبد الملك قال حدثنا ابن الأعرابي قال حدثنا سعدان ابن نصر قال حدثنا إسحاق بن يوسف الأزرق عن عبد الملك عن عطاء عن جابر أنه تزوج امرأة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فلقي النبي صلى الله عليه وسلم فقال له يا جابر تزوجت قال نعم قال أبكر أم ثيب قال بل ثيب قالا أفلا بكرا تلاعبها قال يا رسول الله كان لي أخوات فخشيت أن يدخل بيني وبينهن قال فقال فذاك إذا إن المرأة تنكح في دينها ومالها وجمالها فعليك بذات الدين تربت يداك.
قال أبو عمر:
في هذا الحديث أن الحسب غير المال ألا ترى أنه فصل بينهما بالواو الفاصلة كما فصل بين الجمال والدين وهذا أصح إسنادا من حديث بريدة وحديث سمرة وقد يحتمل أن يكون معنى حديث بريدة خرج على الذم لأهل الدينا والخبر عن حال أهلها في الأغلب والله أعلم.
حدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن وضاح قال حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير قال حدثنا عبد الله بن يزيد قال حدثنا حيوة قال حدثنا شرحبيل بن شريك أنه سمع أبا عبد الرحمن الجبلي يحدث عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "الدنيا متاع وخير متاع الدنيا المرأة الصالحة ".

(19/167)


حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن إسماعيل الصائغ قال حدثنا يحيى بن يعلى بن الحارث المحاربي قال حدثني أبي قال حدثنا غيلان بن جامع عن عثمان أبي اليقضان عن جعفر بن إياس عن مجاهد عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "ألا أخبرك بخير ما يكنز المرء: المرأة الصالحة إذا نظر إليها سرته وإذا أمرها أطاعته وإذا غاب عنها حفظته".
وحدثنا عبد الوارث قال حدثنا قاسم قال حدثنا محمد بن عيال الترمذي قال حدثنا عبد الله بن صالح قال حدثنا الليث عن ابن عجلان عن سعيد المقبري عن أبي هريرة قال قيل يا رسول الله أي النساء خير قال "التي تسره إذا نظر وتطيعه إذا أمر ولا تخالفه في نفسها ولا في ماله بما يكره".
قال أبو عمر:
هذه الآثار تدل على أن الكفاءة في الدين أولى ما اعتبر واعتمد عليه وبالله التوفيق.
روي من حديث هشيم عن مجالد عن الشعبي عن ابن عباس ومن حديث النضر بن شميل عن عوف عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إذا تزوج الرجل المرأة لدينها وجمالها كان ذلك سدادا من عوز" قال النضر بن شميل السداد بالكسر البلغة وكذلك ما سد به الشيء والسداد بالفتح القصد.

(19/168)


حديث رابع لعبدالله بن يزيد شركه فيه أبوالفضل
...
حديث رابع لعبد الله بن يزيد شركه فيه أبو النضر.
مالك عن عبد الله بن يزيد وأبي النضر عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عائشة "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي جالسا فيقرأ وهو جالس فإذا بقي من قراءته قدر ما يكون ثلاثين آية أو أربعين آية قام فقرأ وهو قائم ثم ركع ثم سجد ثم يفعل في الركعة الثاينة مثل ذلك".
في هذا الحديث إباحة صلاة النافلة جالسا وجواز أن يكون المصلي في بعضها قائما وفي بعضها جالسا وجائز أن يفتتحها جالسا ثم يقوم على ما في هذا الحديث وجائز أن يفتتحها قائما ثم يجلس كل ذلك مباح والصلاة عمل بر وقد وردت الشريعة بإباحة الجلوس في صلاة النافلة وذلك إجماع تنقله الخاصة والعامة من العلماء غير أن المصلي فيها جالسا على مثل نصف أجر المصلي قائما وقد مضى هذا المعنى مجودا فيما تقدم من هذا الكتاب فلا معنى لإعادة ذلك ههنا.

(19/169)


حديث خامس لعبدالله بن يزيد مولى الأسود بن سفيان
...
حديث خامس لعبد الله بن يزيد مولى الأسود بن سفيان.
مالك عن عبد الله بن يزيد أن زيدا أبا عياش أخبره أنه سأل سعد بن أبي وقاص عن البيضاء فقال له سعد أيتهما أفضل قال البيضاء فنهاه عن ذلك وقال سعد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل عن اشتراء التمر بالرطب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أينقص الرطب إذا يبس فقالوا نعم فنهى عن ذلك" قال مالك كل رطب بيابس من نوعه حرام.
هكذا قال يحيى عن مالك عن عبد الله بن يزيد أن زيدا أبا عياش أخبره لم يقل عبد الله بن يزيد مولى الأسود بن سفيان وتابعه على ذلك جماعة من الرواة منهم ابن القاسم وابن وهب والقعنبي وابن بكير وغيرهم كلهم روى هذا الحديث كما رواه يحيى سواء ولم يذكر واحد منهم مولى الأسود بن سفيان ولم يزد على قوله عبد الله بن يزيد وقد توهم بعض الناس أن عبد الله بن يزيد هذا ليس بمولى الأسود ابن سفيان وإنما هو عبد الله بن يزيد بن هرمز القارئ الفقيه قال ولو كان مولى الأسود

(19/170)


ابن سفيان لقاله مالك في موطأ في الحديث كما قاله في جميع موطئه غير هذا الحديث فيما رواه عن عبد الله بن يزيد مولى الأسود بن سفيان.
قال أبو عمر:
ليس كما ظن هذا القائل ولم يرو مالك عن عبد الله بن يزيد بن هرمز في موطئه حديثا مسندا وهذا الحديث لعبد الله بن يزيد مولى الأسود بن سفيان محفوظ وقد نسبه جماعة من مالك منهم الشافعي وأبو مصعب.
حدثنا أحمد بن عبد الله بن محمد بن علي قال أخبرني الميمون بن حمزة قال حدثنا الطحاوي قال حدثنا المزني قال حدثنا الشافعي عن مالك ابن أنس عن عبد الله بن يزيد مولى الأسود بن سفيان أن زيدا أبا عياش أخبره أنه سأل سعد بن أبي وقاص عن البيضاء بالسلت فقال أيتهما أفضل فقالوا البيضاء فنهى عن ذلك وقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسال عن شراء التمر بالرطب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أينقص الرطب إذا يبس فقالوا نعم فنهى عن ذلك".
حدثنا خلف بن قاسم حدثنا أحمد بن الحسن بن إسحاق الرازي حدثنا روح بن الفرج بن عبد الرحمن القطان حدثنا يوسف بن عدي حدثنا عبد الرحيم بن سليمان عن مالك بن أنس عن عبد الله بن يزيد مولى الأسود بن سفيان قال أخبرنا زيد أبو عياش مولى سعد بن أبي وقاص عن سعد بن أبي وقاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الرطب بالتمر فقال هل ينقص الرطب إذا يبس قالوا نعم فنهى عنه.

(19/171)


ففي هذا الحديث أيضا مولى الأسود بن سفيان وقد روى هذا الحديث أسامة بن زيد وغيره عن عبد الله بن يزيد مولى الأسود بن سفيان فثبت بهذا كله ما قلنا دون ما ظن القائل ما ذكرنا إلا أن أسامة بن زيد خالف مالكا في إسناد هذا الحديث.
حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا مطلب بن شعيب قال حدثنا عبد الله بن صالح قال حدثني الليث قال حدثني أسامة بن زيد وغيره عن عبد الله بن يزيد مولى الأسود بن سفيان عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن رسول الله سئل عن رطب بتمر فقال أينقص الرطب قالوا نعم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا يباع الرطب باليابس".
هكذا قال عبد الله بن صالح عن الليث عن أسامة بن زيد عن عبد الله بن يزيد مولى الأسود بن سفيان عن أبي أسامة عن رجل وخالفه ابن وهب فرواه عن أسامة بمثل إسناد مالك إلا أنه قال أبو عياش ولم يقل زيد.
وجدت في كتاب أبي رحمه الله في أصل سماعه أن محمد بن أحمد بن قاسم بن هلال قال حدثهم قال حدثنا سعيد بن عثمان العناقي قال حدثنا نصر بن مرزوق قال أخبرنا أسد بن موسى قال حدثنا عبد الله بن وهب قال أخبرني أسامة بن زيد أن عبد الله بن يزيد مولى الأسود بن سفيان حدثه قال أخبرني أبو عياش عن سعد أنه قال ابتاع رجل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مد رطب بمد تمر فسئل عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال "أرأيت الرطب إذا يبس أينقص قالوا نعم يا رسول الله قال لا تبايعوا التمر بالرطب" أما زيد أبو عياش فزعم بعض الفقهاء أنه مجهول لا

(19/172)


يعرف ولم يأت له ذكر إلا في هذا الحديث وأنه لم يرو عنه إلا عبد الله بن يزيد هذا الحديث فقط.
وقال غيره قد روى عنه أيضا عمران بن أبي أنس فقال فهي مولى أبي مخزوم وقيل عن مالك إنه مولى سعد بن أبي وقاص وقيل إنه زرقي ولا يصح شيء من ذلك والله أعلم.
وقد روى هذا الحديث إسماعيل بن أمية عن عبد الله بن يزيد عن أبي عياش عن سعد ولم يسم أبا عياش يزيد ولا غيره.
وروى هذا الحديث يحيى بن أبي كثير عن عبد الله بن عياش عن سعد ويقولون إن عبد الله بن عياش هذا هو أبو عياش الذي قال فيه مالك عن عبد الله بن يزيد أن يزيد أبا عياش أخبره أخبرنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال أخبرنا أبو داود قال أخبرنا الربيع بن نافع أبو ثوبة قال حدثنا معاوية يعني ابن سلام عن يحيى بن أبي كثير قال أخبرنا عبد الله بن عياش أنه سمع سعد بن أبي وقاص يقول نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الرطب بالتمر نسيئة قال أبو داود رواه عمران بن أبي انس عن مولى لبني مخزوم عن سعد نحوه.
قال أبو عمر:
هكذا قال نسيئة والصواب عندي ما قاله مالك وقد وافقه إسماعيل بن أمية على إسناده ولفظه وفي حديث أسامة بن زيد وإن خالفهما في الإسناد ما يعضد المعنى الذي جاء به مالك وإسماعيل بن أمية وأما قول يحيى بن أبي كثير في هذا الحديث عبد الله بن عياش فخطأ لا

(19/173)


شك فيه وإنما هو أبو عياش واسمه زيد وقد قال فيه ابن أبي عمر العدني عن سفيان بن عيينة في المصنف أخبرنا سفيان عن إسماعيل بن أمية عن عبد الله بن يزيد عن أبي عياش الزرقي أن رجلا سأل سعد بن أبي وقاص عن السلت بالشعير فقال تبايع رجلان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم هل ينقص الرطب إذا يبس فقالوا نعم فقال النبي صلى الله عليه وسلم "فلا إذا".
هكذا قال ابن أبي عمر عن ابن عيينة في هذا الحديث عن أبي عياش الزرقي وأبو عياش الزرقي له صحبة واسمه زيد بن الصامت عند أكثر أهل الحديث وقد قيل غير ذلك على ما ذكرته في بابه من كتاب الصحابة وعاش أبو عياش الزرقي إلى أيام معاوية.
أخبرنا سعيد بن نصر وعبد الوارث بن سفيان قالا أخبرنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن إسماعيل الترمذي قال حدثنا عبد الله بن الزبير الحميدي قال حدثنا سفيان بن عيينة قال حدثنا إسماعيل بن أمية عن عبد الله بن يزيد عن أبي عياش قال تبايع رجلان على عهد سعد بن أبي وقاص بسلت وشعير فقال سعد تبايع رجلان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بتمر ورطب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أينقص الرطب إذا يبس قالوا نعم قال فلا إذا".
قال أبو عمر:
في هذا الحديث تفسير البيضاء المذكورة في حديث مالك أنها الشعير وهو كذلك عند أهل العلم وقد جود إسماعيل بن أمية في ذلك.

(19/174)


ولم يختلف نسخ الموطأ في هذا اللفظ وروى القطان هذا الحديث عن مالك فلم يذكر ذلك فيه وإنما اقتصر على المرفوع منه دون قصة سعد حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا بكر ابن محمد قال حدثنا مسدد قال حدثنا يحيى عن مالك بن أنس قال حدثني عبد الله بن يزيد عن زيد بن عياش عن سعد قال سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن اشتراء الرطب بالتمر فقال لمن حوله أينقص إذا يبس قالوا نعم فنهى عنه.
قال أبو عمر:
عبد الله بن يزيد يقول في هذا الحديث أخبرني زيد أبو عياش ويحيى ابن أبي كثير يقول عبد الله بن عياش وإسماعيل بن أمية لم يسمه في حديثه ولا أسامة بن زيد ولا أدري إن كان عبد الله بن عياش الذي روى عنه يحيى بن أبي كثير عن سعد عن النبي عليه السلام أنه نهى عن بيع الرطب بالتمر نسيئة هو أبو عياش هذا أم لا؟
حدثنا عبد الله بن محمد بن أسد قال حدثنا أحمد بن محمد المكي قال حدثنا علي بن عبد العزيز وأخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قالا جميعا حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي عن مالك عن عبد الله بن يزيد أن زيدا أبا عياش أخبره أنه سأل سعد بن أبي وقاص عن البيضاء بالسلت فقال له سعد أيهما أفضل قال البيضاء قال فنهاه عن ذلك قال وسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم.

(19/175)


يسأل عن شراء التمر بالرطب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أينقص الرطب إذا يبس قالوا نعم فنهاه عن ذلك".
قال أبو عمر:
أما البيضاء فهي الشعير على ما ظهر وذكر في هذا الحديث من رواية إسماعيل بن أمية على ما تقدم ذكره وقد غلط في ذلك وكيع في روايته لهذا الحديث عن مالك فقال فيه السلت بالذرة.
حدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ بن أصبغ قال حدثنا محمد بن وضاح قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا وكيع عن مالك بن أنس عن عبد الله بن يزيد عن زيد أبي عياش قال سألت سعدا عن السلت بالذرة فكرهه وقال سعد سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرطب بالتمر فقال "أينقص إذا جف قلنا نعم فنهى عنه" وهذا غلط لأن الذرة صنف عند مالك غير السلت لم يختلف عنه في ذلك.
أخبرنا أحمد بن محمد وأحمد بن قاسم قالا حدثنا وهب بن مسرة قال حدثنا ابن وضاح قال ذكر علي بن زياد عن مالك أنه قال يعني سعد بقوله أيتهما أفضل يريد أيتهما أكثر في الكيل وليس أيتهما أفضل في الجودة.
وأخبرنا خلف بن القاسم وعبد الرحمن بن عبد الله قالا حدثنا الحسن ابن رشيق قال المفضل بن محمد بن إبراهيم الجندي أبو سعيد عن أبي المصعب قال ومعنى أيتهما أفضل يعني أيتهما أكثر في الكيل وكذلك رواه ابن نافع وأشهب عن مالك.

(19/176)


قال أبو عمر:
ففي هذا الحديث من قول سعد ما يدل على أن السلت والشعير عنده صنف واحد لا يجوز التفاضل بينهما ولا يجوزان إلا مثلا بمثل وكذلك القمح معهما صنف واحد وهذا مشهور معروف من مذهب سعد بن أبي وقاص وإليه مالك وأصحابه ذكر مالك في الموطأ أنه بلغه أن سليمان بن يسار قال في علف حمار سعد بن أبي وقاص فقال لغلامه خذ من حنطة أهلك طعاما فابتع بها شعيرا ولا تأخذ إلا مثله ومالك عن نافع عن سليمان بن يسار أنه أخبره أن عبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث في علف دابته فقال لغلامه خذ حنطة أهلك طعاما فابتع بها شعيرا ولا تأخذ إلا مثله.
ومالك أنه بلغه عن القاسم بن محمد عن ابن معيقيب الدوسي مثل ذلك قال مالك وهو الأمر عندنا.
قال أبو عمر:
معلوم أن الحنطة عندهم هي البر فقد كره سعد بن أبي وقاص وعبد الرحمن بن أسود وابن معيقيب أن يباع البر بالشعير إلا مثلا بمثل وهذا موضع اختلف فيه السلف وتنازع فيه بعدهم أخلف فذهب مالك وأصحابه إلى أن البر والشعير والسلت صنف واحد لا يجوز بيع بعض شيء من ذلك ببعضه إلا مثلا بمثل كالشيء الواحد.

(19/177)


وروى شعبة عن الحكم وحماد أنهما كرها البر بالشعير متفاضلا ومن حجة من ذهب هذا المذهب ما رواه بسر بن سعيد عن معمر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "الطعام مثلا بمثل" قال وكان طعامنا يومئذ الشعير مع ما ذكرنا من عمل الصحابة والتابعين بالمدينة.
قال أبو عمر:
ليس في حديث معمر حجة لأن فيه وكان طعامنا يومئذ الشعير ولا يختلف العلماء أن الشعير بالشعير لا يجوز إلا مثلا بمثل فهذا الحديث إنما هو كحديثه صلى الله عليه وسلم أنه قال "البر بالبر مثلا بمثل والشعير بالشعير مثلا بمثل". وقال الليث بن سعد لا يصلح الشعير بالقمح إلا مثلا بمثل وكذلك السلت والذرة والدخن والأرز لا يباع بعضه ببعض إلا مثلا بمثل لأنه صنف واحد وهو مما يخبز قال والقطاني كلها العدس والجلبان والحمص والفول يجوز فيها التفاضل لأن القطاني مختلفة في الطعم واللون والخلق.
قال أبو عمر:
جعل الليث البر والشعير والسلت والدخن والأرز والذرة صنفا واحدا هذه الستة كلها لا يجوز بيع شيء منها بشيء منها إلا مثلا بمثل يدا بيد عنده.

(19/178)


وقال أبو حنيفة والشافعي وأصحابهما والثوري يجوز بيع الحنطة بالشعير متفاضلا وكذلك الدخن والأرز والذرة والسلت كل هذه الأشياء أصناف مختلفة يجوز بيع بعضها ببعض إذا اختلف الاسم واللون متفاضلا إذا كان يدا بيد وبهذا قال أحمد وإسحاق وأبو عبيد وداود والطبري ومن حجة من هذا المذهب ما حدثناه عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثني أبي قال حدثنا إسماعيل بن إبراهيم عن سلمة بن علقمة عن محمد بن سيرين قال حدثني مسلم بن يسار وعبد الله بن عبيد وقد كان يدعى ابن هرمز قال جمع المنزل بين عبادة بن الصامت وبين معاوية إما في بيعة وإما في كنيسة فقام عبادة فقال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الذهب بالذهب والفضة بالفضة والتمر بالتمر والبر بالبر والشعير بالشعير وقال أحدهما والملح بالملح ولم يقله الآخر إلا سواء بسواء مثلا بمثل وقال أحدهما من زاد أو ازداد فقد أربى ولم يقله الآخر وأمرنا أن نبيع الذهب بالفضة والفضة بالذهب والبر بالشعير والشعير بالبر يدا بيد كيف شئنا.
وحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا أبي قال حدثنا عفان وأخبرنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا المحسن بن علي قال حدثنا بشر بن عمر قالا جميعا حدثنا همام عن قتادة عن أبي الخليل عن مسلم المكي عن أبي الأشعث الصنعاني عن عبادة بن الصامت وفي حديث عفان أنه شهد خطبة عبادة بن الصامت فحدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "الذهب بالذهب وزنا بوزن والفضة بالفضة وزنا بوزن". زاد بشر ابن عمر و لا بأس ببيع الذهب بالفضة والفضة أكثرها يدا بيد وأما نسيئة فلا ثم اتفقا والبر بالبر كيلا بكيل والشعير بالشعير كيلا بكيل،

(19/179)


ولا بأس ببيع الشعير بالبر والشعير أكثرهما يدا بيد زاد بشر بن عمر وأما نسيئة فلا.
قال أبو داود روى هذا الحديث سعيد بن أبي عروبة وهشام الدستوائي عن قتادة عن مسلم بن يسار وقال أحمد بن زهير أبو الخليل هذا هو صاح بن أبي مريم الضبعي ومسلم بن يسار هذا هو مولى عثمان بن عفان.
وأخبرنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا وكيع قال حدثنا سفيان عن خالد عن أبي قلابة عن أبي الأشعث الصنعاني عن عبادة بن الصامت عن النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الخبر يزيد وينقص زاد قال "فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد".
وذكر حماد بن زيد عن أيوب عن أبي قلابة أنه سمع هذا الحديث من أبي الأشعت مع مسلم بن يسار.
وروى محمد بن فضيل عن أبيه عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "التمر بالتمر والحنطة بالحنطة والشعير بالشعير والملح بالملح مثلا بمثل فمن زاد أو ازداد فقد أربى إلا ما اختلفت ألوانه".
وروى الزهري عن سالم عن ابن عمر قال ما اختلف ألوانه من الطعام فلا بأس به يدا بيد التمر بالبر والزبيب بالشعير وكرهه نسيئة وهذا يدل على أن مراد ابن عمر اختلاف الأنواع.

(19/180)


حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا عاصم بن علي بن عاصم قال حدثنا الربيع عن ابن سيرين عن أنس قال لا بأس بالورق بالذهب واحد باثنين يدا بيد ولا بأس بالبر بالشعير واحد باثنين يدا بيد ولا بأس بالتمر بالملح واحد باثنين يدا بيد فهذا ما في معنى البيضاء بالسلت في هذا الحديث عند العلماء.
وأما قول سعد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل عن اشتراء الرطب بالتمر فإن أهل العلم اختلفوا في بيع التمر بالرطب فجمهور علماء المسلمين على أن بيع الرطب بالتمر لا يجوز بحال من الأحوال لا مثلا بمثل ولا متفاضلا لا يدا بيد ولا نسيئة لنهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك في حديث سعد هذا ولنهيه عن بيع الرطب باليابس من جنسه على ما مضى في هذا الباب ولنهيه عن بيع التمر بالتمر والزبيب بالعنب والزرع بالحنطة وهذا كله من المزابنة المنهي عنها.
أخبرنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا ابن وضاح وحدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قالا حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا ابن أبي زائدة عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع التمر بالتمر كيلا وعن بيع العنب بالزبيب كيلا وعن بيع الزرع بالحنطة كيلا" وهذا كله نص في موضع الخلاف فبطل ما خالفه ومعلوم أن المزابنة المنهي عنها بيع الرطب باليابس من جنسه والكيل بالجزاف من جنسه.

(19/181)


وروى مالك عن نافع عن ابن عمر ان رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن المزابنة والمزابنة بيع الرطب بالتمر كيلا وبيع العنب بالزبيب كيلا فأي شيء أبين من هذا لمن لم يحرم التوفيق.
وممن ذهب إلى هذا مالك والشافعي وأصحابهما والأوزاعي والثوري والليث وأبو يوسف ومحمد بن الحسن.
وقال أبو حنيفة لا بأس ببيع الرطب بالتمر مثلا بمثل وكذلك الحنطة الرطبة باليابس وهو قول داود بن علي في ذلك وحجة أبي حنيفة ومن قال بقوله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نهى عن بيع التمر بالتمر إلا مثلا بمثل دخل في ذلك الرطب والبسر لأن ذلك كله يسمى تمرا قال ولا يخلو من أن يكون الرطب والتمر جنسا واحدا او جنسين مختلفين فإن كانا جنسا واحدا فلا بأس ببيع بعضه ببعض مثلا بمثل يدا بيد وإن كانا جنسين فذلك أحرى أن يجوز متفضالا ومثلا بمثل لقوله صلى الله عليه وسلم إذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم قال وإنما يراعى الربا في حال العقد ولا يراعى في المآل والحجة عليه للشافعي ومن قال بقوله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد راعى المآل في حديث سعد بن أبي وقاص وقال أينقص الرطب إذا يبس فهذا نص واضح في مراعاة الما وقد نص أيضا على بيع العنب بالزبيب أنه لا يجوز أصلا فكذلك الرطب بالتمر وسنبين معنى قوله أينقص الرطب في آخر هذا الباب إن شاء الله واختلف الفقهاء أيضا في بيع الرطب بالرطب والبسر بالرطب فقال مالك وأبو حنيفة وأصحابهما لا بأس ببيع الرطب بالرطب مثلا بمثل ولا بأس ببيع البسر بالبسر مثلا بمثل وقال أبو حنيفة يجوز بيع البسر بالرطب مثلا بمثل وهو قول داود.

(19/182)


وقال مالك وأبو يوسف ومحمد لا يجوز بيع الرطب بالبسر على حال وراعى محمد بن الحسن في الرطب بالتمر وما كان مثله المآل مراعاة لا يؤمن معها عدم المماثلة فقال إذا أحاط العلم أنهما إذا يبسا تساويا جاز.
وقال الشافعي لا يجوز بيع الرطب بالرطب ولا البسر بالبسر ولا كل ما ينقص في المتعقب إذا أريد بقاؤه وحجته حديث سعد عن النبي عليه السلام أنه قال أينقص الرطب إذا يبس فراعى المآل في ذلك كله إذا أريد به البقاء فقياس قوله أنه لا يجوز العنب بالعنب ولا التين الأخضر بالتين الأخضر إذا أريد تجفيف ذلك ويبسه لا مثلا بمثل ولا متفاضلا وذلك كله جائز عند مالك مثلا بمثل.
وقياس قول أبي حنيفة أن التين الأخضر باليابس جائز مثلا بمثل كالعنب بالزبيب والرطب بالتمر والبسر بالرطب.
وقال أبو يوسف يجوز بيع الحنطة باليابسة يعني الرطبة بالماء فأما الرطبة من الأصل يعني الفريك فلا يجوز باليابسة.
وقال الشافعي ومالك وأصحابهما ومحمد بن الحسن والليث بن سعد لا يجوز بيع الحنطة المبلولة باليابسة كما لا يجوز الفريك بها.
وقال أبو حنيفة يجوز بيع الحنطة الرطبة والمبلولة باليابسة وقال محمد لا يجوز إلا أن يحيط العلم بأنهما إذا يبست المبلول أو الرطبة تساويا.
ولم يختلف قول أبي حنيفة وأصحابه في جواز بيع العنب بالزبيب مثلا بمثل فهذا خلاف السنة الثابتة والله المستعان والذي أقول أنهم لو علموا نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك نصا وثبت عندهم ما خالفوه فإنما دخلت عليهم الداخلة من قلة اتساعهم في علم السنن وغير جائز

(19/183)


أن يظن بهم أحد إلا ذلك ولو خالفوا السنة جهارا بغير تأويل لسقطت عدالتهم وهذا لا يجوز أن يظن بهم مع اتباعهم ما صح عندهم من السنن فهذا شأن العلماء أجمع.
ولكن الحجة في السنة وفي قول من قال بها وعلمها لا في قول من جهلها وخالفها وبالله التوفيق.
قال أبو عمر:
أجمعوا أنه لا يجوز عندهم العجين بالعجين لا متماثلا ولا متفاضلا لا خلاف بينهم في ذلك وكذلك العجين بالدقيق فإذا طبخ العجين وصار خبزا جاز بيعه عند مالك بالدقيق متفاضلات ومتساويا لأن الصناعة قد كملت فيه وأخرجته فيما زعم أصحابه عن جنسه واختلف الغرض فيه وقول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد في بيع الدقيق بالخبز كقول مالك وأما الشافعي فلا يجوز عنده الخبز بالدقيق على حال لا متساويا ولا متفاضلا ولا يجوز عند الشافعي بيع العسل بالعسل إلا أن يكون في أحدهما شيء من الشمع فإذا كان كذلك جاز مثلا بمثل ولا يجوز عنده بيع الخل بالخل لجهل ما في واحد منهما من الماء وكذلك الشبرق بالشبرق ولا يجوز عنده على اختلاف من قوله وقياس قوله أنه لا يجوز عنده الخبز الفطير بالخمير ولا الخبز بالخبز أصلا والله أعلم.
واخلتف قول الشافعي في بيع الدقيق بالدقيق واختلف أصحابه في ذلك ولم يختلف قول الشافعي في بيع الحنطة بالدقيق أنه لا يجوز واختلف أصحابه في ذلك واختلف قول الشافعي في بيع الشيرج

(19/184)


بالشيرج هل يجوز أم لا فمرة أجازه مثلا بمثل وكذلك الدقيق بالدقيق ومرة كره ذلك على كل حال وقال الأوزاعي لا يجوز السمن بالودك إلا مثلا بمثل وكذلك الشحم غير المذاب بالسمن إلا أن يريد أكله ساعتئذ فيجوز وأما القمح بالدقيق فاختلف قول مالك فيه فمرة أجازه مثلا بمثل وهو المشهور من مذهبه الظاهر فيه وهو قول الليث ومرة منع منه وهو قول الشافعي وأبي حنيفة واصطحابهما وقد روي عن عبد العزيز ابن أبي سلمة مثل ذلك وروى عنه أن ذلك جائز على كل حال ولا خلاف عن أبي حنيفة وأصحابه أنه لا يجوز بيع الدقيق بالحنطة ولا بيع قفيز من حنطة بقفيز من سويق وهو قول الشافعي.
قال أبو عمر:
قول أبي حنيفة وأصحابه في كراهية بيع الحنطة بالدقيق متساويا نقض لقولهم في جواز بيع العنب بالزبيب ونقض لقول أبي حنيفة في جواز بيع الرطب بالتمر والله أعلم إلا أنهم يعتلون بأن الطحين لا يخرج البر عن جنسه وأن المماثلة لا يمكن فيهما مع الأمر في ذلك ولذلك لم يجيزوا بيع بعضهما ببعض أصلا.
وقال مالك لا بأس بالحنطة بالدقيق مثلا بمثل ولا بأس بالسويق بالقمح متفاضلا وهو قول الليث في السويق بالقمح أيضا وقال الأوزاعي لاتصلح القلية بالقمح مثلا بمثل ولا بأس به وزنا.

(19/185)


قال الطحاوي منع الأوزاعي من المماثلة في الكيل وأجازها في الوزن ولم نجد ذلك عن أحد من أهل العلم سواه.
وقال شعبة سألت الحكم وحمادا عن الدقيق بالبر فكرهاه.
وعن شعبة أيضا قال سألت ابن شبرمة عن الدقيق بالبر فقال شيء لا بأس به وأما السويق بالدقيق وبالحنطة فأجازه مالك متفاضلا ومتساويا وهو قول أبي يوسف وأبي ثور.
وقال أبو حنيفة لا يجوز مثلا بمثل ولا متفاضلا.
وروى ابن سماعة عن أبي يوسف عن أبي حنيفة أنه لا يجوز إلا مثلا بمثل وهو قول الثوري.
وقال مالك والليث لاتباع الجديدة بالسويق إلا مثلا بمثل لأنه سويق كله إلا أن بعضه دون بعض.
وقال الأوزاعي لاتباع الجديدة بالسويق ولا بالدقيق إلا وزنا.
وعند الشافعي لا يباع شيء من ذلك كله بعضه ببعض على حال وأما الخبز بالدقيق فلا بأس بذلك متفاضلا وعلى كل حال عند مالك والليث والثوري وأبي ثور وإسحاق.
وقال الشافعي لا يجوز بيع الدقيق بالخبز على حال من الأحوال لا متفاضلا ولا متساويا وهذا قول عبيد الله بن الحسن.
وقال أحمد بن حنبل لا يعجبني الخبز بالدقيق وكذلك لا يجوز عند الشافعي وعبد الله بن الحسن بيع الخبز بالخبز أيضا لا متساويا ولا متفاضلا وقال مالك في الخبز إذا تحرى أن تكون مثلا بمثل فلا بأس به وإن لم يوزن وهو قول الأوزاعي وأبي ثور وقد روى عنهم أن ذلك لا يجوز.

(19/186)


إلا وزنا وقال الشافعي كل ما داخله الربا في التفاضل فلا يجوز فيه التحري.
وروي عن أبي حنيفة أنه قال لا بأس بالخبز قرصا بقرصين.
قال أبو عمر:
هذا خطأ عندي وغلط فاحش لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الطعام إلا مثلا بمثل هذا عند الجميع في الجنس الواحد ومعلوم أن خبز البر كله طعام جنس واحد وكذلك خبز الشعير كله جنس واحد وكل واحد منهما تبع لأصله عند العلماء فمن جعل البر والشعير صنفا واحدا فخبر ذلك كله عنده جنس واحد على أصل قوله ومن جعل كل واحد منهما غير صاحبه وجعله جنسا على حدة فخبز كل واحد منهما صنف وجنس غير صاحبه إلا الشافعي وعبيد الله بن الحسن فإنهما لا يجيزان شيئا من الخبز بعضه ببعض لما يدخله من الماء والنار والأصل عندهما فيه أنه دقيق بدقيق لا يوصل إلى المماثلة فيه.
وعند الليث بن سعد كل ما يخبز صنف واحد من الحبوب كلها وقد روي عن مالك مثل ذلك.
قال أبو عمر:
إنما أجاز أبو حنيفة الخبز قرصا بقرصين لأنه لم يدخل عنده ذلك في الكيل الذي هو أصله فخرج من الجنس الذي يدخله الربا عنده لأن الربا عنده وعند أصحابه لا يدخل إلا فيما يكال أو يوزن وأصل الدقيق

(19/187)


عنده والبر الكيل لا الوزن وأظن الخبز عندهم ليس من الموزونات لأنه يجب عنده على مستهلكه القيمة لا المثل على أصلهم في ذلك والله أعلم.
وأجمع العلماء على أن التمر بالتمر لا يجوز إلا مثلا بمثل واختلفوا في بيع التمرة الواحدة بالتمرتين والحبة الواحدة بالحبيتين فقال الثوري والشافعي لا يجوز ذلك وهو قول أحمد وإسحاق وهو عندي قياس قول مالك.
وذكر الطحاوي قال حدثنا أبو حازم قال حدثنا ابن أبي زيدون عن الفريابي عن سفيان الثوري قال لا يجوز تمرة بتمرتين ولا تمرة بتمرة.
قال أبو حازم ما أحسن معناه في هذا ذهب إلى أن ذلك كله أصل الكيل وإلى أن التمرة بالتمرتين وبالتمرة غير مدرك بالكيل.
قال أبو عمر:
أما تمرة بتمرة فلا أدري ما في ذلك عند مالك والشافعي ومن تابعهما على القول بأن التمرة بالتمرتين لا يجوز والذي أقوله في ذلك على أصلهما أن المماثلة إن أمكنت في التمرة بالتمرة بالوزن جاز ذلك والله أعلم وقول الثوري حسن جدا لعدم المماثلة في التمرة بالتمرة وعدم الكيل الذي هو أصلها ولأن ما كان أصله الكيل فلا يرد إلى الوزن عندهم إلا مع الاضطرار.

(19/188)


قال أبو عمر:
لا حاجة بأحد إلى بيع تمرة بتمرة فلا وجه للتعرض إلى مثل هذه الشبهة فيما لا ضرورة ولا حاجة بالناس إليه وقد احتج من أجاز التمرة بالتمرتين بأن مستهلك التمرة والتمرتين تجب عليه القيمة فقال إنه لا مكيل ولا موزون فجاز فيه التفاضل وهذا عندي غير لازم لأن ما جرى فيه الربا في التفاضل دخل قليله وكثيره في ذلك قياسا ونظرا والله الموفق للصواب.
وقال مالك لا يجوز البيض بالبيض متفاضلا لأنه يدخر ويجوز عنده مثلا بمثل قال ويجوز بيع الصغير منه بالكبير وبيض الدجاج وبيض الأوز وبيض النعام إذا تحرى ذلك أن يكون مثلا بمثل جاز
وقال محمد بن عبد الله بن عبد الحكم جائز بيضة ببيضتين وبأكثر وجائز التفاضل في البيض لأنه ليس مما يدخر.
وقال الأوزاعي لا بأس ببيضة ببيضتين يدا بيد وجوزة بجوزتين ولا يجوز عند الشافعي بيضة ببيضتين ولا رمانة برمانتين ولا بطيخة ببطيختين لا يدا بيد ولا نسيئة لأن ذلك كله طعام مأكول وقد قدمت لك أصله واصل غيره من الفقهاء فيم يدخله الربا وعلة كل واحد منهم في ذلك في غير موضع من كتابنا هذا فلا معنى لإعادة ذلك ههنا.
وقال مالك لا يباع اللحم الرطب بالقديد ولا مثلا بمثل ولا متفاضلا قال وكذلك اللحم المشوي بالنيئ لا يجوز متساويا ولا متفاضلا ولا بأس عند مالك بالطري بالمطبوخ مثلا بمثل متفاضلا إذا أثرت فيه الصنعة وخالفت الغرض منه ومن غيره قال

(19/189)


الشافعي لا يجوز بيع اللحم من الجنس الواحد مطبوخا منه بنيئ بحال إذا كان إنما يدخر مطبوخا وكذلك المطبوخ بالمطبوخ لا يجوز إلا أن يكون لا مرق فيه ويكون جنسا واحدا فيجوز مثلا بمثل وإن كان جنسين جاز فيه التفاضل والتساوي يدا بيد.
وذكر المزني عن الشافعي قال اللحم كله صنف واحد وحشيه وإنسيه وطائره لا يجوز بيعه إلا مثلا بمثل وزنا بوزن وجعله في موضع آخر على قولين قال المزني وقد قطع بأن ألبان البقر والغنم والإبل أصناف مختلفة فلحومها التي هي أصول الألبان أولى بالاختلاف.
وقال الشافعي في الإملاء على مسائل مالك المجموعة إذا اختلفت أجناس الحيتان فلا بأس ببعضها ببعض متفاضلا وكذلك لحوم الطير إذا اختلفت أجناسها قال المزني وفي هذا كفاية يعني من قوله ومذهبه وقال الطحاوي قياس قول أبي حنيفة وأصحابه أن لا يباع اللحم النيء بالمشوي إلا يدا بيد مثلا بمثل إلا أن يكون في أحدهما شيء من التوابل فيكون الفضل لآخذ التوابل.
وذكر ابن خواز بنداد قال: قال أصحاب أبي حنيفة يجيء على قول أبي حنيفة ألا يجوز النيء بالمشوي كما قال في المقلوة بالبر ويبقى على قوله أيضا أنه يجوز كما قال في الحنطة المبلولة باليابسة قال ابن خواز بنداد اختلط المذهب على أصحاب أبي حنيفة في هذه المسألة وليس له فيها نص.
وقال أبو حنيفة وأصحابه والحسن بن حي يجوز بيع شاتين مذبوحتين إحداهما بالأخرى ولو لم يكن معهما جلد لم يجز لأن اللحم باللحم لا يجوز إلا وزنا بوزن ولا يجوز فيه التحري.
وقال الشافعي: لا يجوز التحري فيما بعضه ببعض متفاضلا ربا.

(19/190)


وقال مالك والليث لا يشترى اللحم بعضه ببعض إلا مثلا بمثل ويتحرى ذلك وإن لم يون ولا يباع المذبوح بالمذبوح إلا مثلا بمثل على التحري وكذلك الرأس بالرأسين.
وقال ابن خواز بنداد في باب بيع الرطب بالتمر فإن قيل قد اتفق الجميع أن شاة بشاتين جائز وإن كانت إحداهما أكثر لحما من الأخرى قيل له إن كان يراد بهما اللحم فلا يجوز بيع شاة بشاتين.
وقال مالك لا يجوز خل التمر بخل العنب إلا مثلا بمثل وهو عنده جنس واحد لأن الغرض فيه واحد قال وكذلك نبيذ التمر ونبيذ الزبيب ونبيذ العسل لا يجوز إلا مثلا بمثل إذا كان لا يسكر كثيره قال مالك وليس هذا مثل زيت الزيتون وزيت الفجل وزيت الجلجلان لأن هذه مختلفة ومنافعها شتى والغرض فيها مختلف.
وقال أبو حنيفة وأصحابه لا بأس بخل التمر بخل العنب اثنان بواحد ولا يجوز عند الشافعي بيع الخل بالخل أصلا إذا كان الأصل فيه واحدا.
وذكر ابن خواز بنداد عن الشافعي بيع الخل أنه قال في الزيوت كل زيت منها جنس بنفسه فزيت الزيتون غير زيت الفجل وغير زيت الجلجلان.
وقال الليث بن سعد كله صنف واحد لا يجوز إلا مثلا بمثل زيت الزيتون وزيت الجلجلان وزيت الفجل قال ولا بأس بزيت الكتان بغيره من الزيت متفاضلا يدا بيد.
قال أبو عمر:
قد ذكرنا في هذا الباب أصوله مستوعبة وذكرنا من فروعها كثيرا ليوقف

(19/191)


بذلك على أصول مذاهب العلماء به ويوقف بذلك على المعنى الجاري فيه منها الربا في الزيادة.
وأما باب المزابنة في بيع الزيت بالزيتون واللحم بالحيوان والزبد باللبن والعنب بالعصير الحلو وما أشبه ذلك كله فقد مضت منه أصول عند ذكر المزابنة في مواضع من كتابنا هذا منها حديث داود بن الحصين وحديث ابن شهاب عن سعيد وحديث نافع عن ابن عمر وذكرنا هنالك من معنى المزابنة ما يوقف به على المراد من مذاهب العلماء في ذلك إن شاء الله.
وأما قوله صلى الله عليه وسلم "أينقص الرطب إذا يبس"على ما في حديث هذا الباب فللعلماء فيه قولان أحدهما وهو أضعفهما أنه استفهام استفهم عنه أهل النخيل والمعرفة بالتمور والرطب ورد الأمر إليهم في علم نقصان الرطب إذا يبس ومن زعم ذلك قال إن هذا أصل في رد المعرفة بالعيوب وقيم المتلفات إلى أرباب النصاعات والقول الآخر وهو أصحهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يستفهم عن ذلك ولكنه قرر أصحابه على صحة نقصان الرطب إذا يبس ليبين لهم المعنى الذي منه منع فقال لهم أينقص الرطب أي أليس ينقص الرطب إذا يبس وقد نهيتكم عن بيع التمر بالتمر إلا مثلا بمثل فهذا تقرير منه وتوبيخ وليس باستفهام في الحقيقة لأن مثل هذا لا يجوز جهله على النبي صلى الله عليه وسلم والاستفهام في كلام العرب قد ياتي بمعنى التقرير كثيرا وبمعنى التوبيخ كما قال الله عز وجل {وَإِذْ قال اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ} فهذا استفهام معناه التقرير وليس معناه أنه استفهام عما جهل جل الله وتعالى عن ذلك ومن التقرير أيضا بلفظ الاستفهام قوله عز وجل {آللَّهُ

(19/192)


أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ} وقوله {آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ} وقوله {وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى} وهذا كثير وقوله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث "أينقص الرطب إذا يبس". نحو قوله أرأيت إن منع الله الثمرة فيم يأخذ أحدكم مال أخيه فإنه قد قال أليس الرطب إذا يبس نقص فكيف تبيعونه بالتمر والتمر لا يجوز بالتمر إلا مثلا بمثل والمماثلة معروفة في مثل هذا فلا تبيعوا التمر بالرطب بحال فهذا أصل في مراعاة المآل في ذلك وهذا تقرير قوله صلى الله عليه وسلم عند من نزهه ونفى عنه أن يكون جهل أن الرطب ينقص إذا يبس وهذا هو الحق إن شاء الله تعالى وبه التوفيق.

(19/193)


مالك عن عبدالله (بن عبدالله ) بن جابر ابن عتيك الأنصاري المعاوي ـ حديثان
حديث أول لعبدالله بن عبدالله بن جابر بن عتيك
...
مالك عن عبد الله بن عبد الله بن جابر
ابن عتيك الأنصاري المعاوي حديثان
وعبد الله هذا مدني تابعي ثقة روى عنه مالك وعبيد الله بن عمر وقد ذكرنا نسبه عند ذكر جده جبار بن عتيك في كتاب الصحابة.
حديث أول لعبد الله بن عبد الله بن جابر بن عتيك.
مالك عن عبد الله بن عبد الله بن جبار بن عتيك أنه قال "جاءنا عبد الله بن عمر في بني معاوية وهي قرية من قرى الأنصار فقال هل تدرون أين صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من مسجدكم هذا فقلت له نعم وأشرت له إلى ناحية منه فقال لي هل تدري ما الثلاث التي دعا بهن فيه فقلت له نعم قال فأخبرني بهن قال فقلت دعا بأن لا يظهر عليهم عدوا من غيرهم ولا يهلكهم بالسنين فأعطيهما ودعا بأن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعها قال صدقت قال ابن عمر فلن يزال الهرج إلى يوم القيامة".

(19/194)


هكذا روى يحيى هذا الحديث بهذا الإسناد وقد اضطربت فيه رواة الموطأ عن مالك اضطرابا شديدا فطائفة منهم تقول كما قال يحيى عن عبد الله بن عبد الله بن جابر بن عتيك أنه قال جاءنا عبد الله بن عمر لم يجعلوا بين عبد الله شيخ مالك هذا وبين ابن عمر أحدا منهم ابن وهب وابن بكير ومعن بن عيسى وطائفة منهم تقول عن مالك عن عبد الله ابن عبد الله بن جابر بن عتيك عن عتيك بن الحرث بن عتيك أنه قال جاءنا عبد الله بن عمر منهم ابن القاسم على اختلاف عنه وقد روى عنه مثل رواية يحيى وابن وهب وابن بكير وطائفة منهم تقول مالك عن عبد الله بن عبد الله بن جابر بن عتيك عن جابر بن عتيك أنه قال جاءنا عبد الله بن عمر منهم القعنبي على اختلاف عنه في ذلك والتنيسي وموسى بن أعين ومطرف.
قال أبو عمر:
رواية يحيى هذه أولى بالصواب عندي إن شاء الله والله أعلم من رواية القعنبي ومطرف لمتابعة ابن وهب ومعن وأكثر الرواة له على ذلك وحسبك بإتقان ابن وهب ومعن وقد صحح البخاري رحمه الله وأبو حاتم الرازي سماع عبد الله بن عبد الله بن عبد الله بن جابر بن عتيك من ابن عمر.
أخبرنا محمد بن أحمد بن محمد قال حدثنا أبو محمد جعفر بن أحمد بن عبد الله البزار بمصر قال أخبرنا أبو الفضل جعفر بن احمد بن عبد السلام البزار قال حدثنا يونس بن عبد العلى قال أخبرنا عبد الله بن وهب قال أخبرنا مالك عن عبد الله بن عبد الله بن جابر بن عتيك أنه قال:

(19/195)


"جاءنا عبد الله بن عمر في بني معاوية وهي قرية من قرى الأنصار فقال هل تدري أين صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من مسجدكم هذا فقلت نعم وأشرت إليه إلى ناحية منه فقال هل تدري ما الثلاث التي دعا بهن فيه فقلت نعم قال فأخبرني بهن فقتل دعا بان لا يظهر عليهم عدوا من غيرهم ولا يهلكهم بالسنين فأعطيهما ودعا بأن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعها فقال عبد الله بن عمر صدقت فلن يزال الهرج إلى يوم القيامة".
والدليل على أن رواية يحيى وابن وهب في إسناد هذا الحديث أصوب إن عبيد الله بن عمر روى هذا الحديث عن عبد الله بن عبد الله بن جابر بن عتيك هذا كذلك حدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا إسماعيل ابن إسحاق قال حدثنا إسماعيل بن أبي أويس قال حدثني أخي عن سليمان بن بلال عن عبيد الله بن عمر عن عبد الله بن عبد الله الأنصاري من بني معاوية "أن عبد الله بن عمر جاءهم فسأله أن يخرج له وضوءا قال فأخرجت له وضوءا فتوضأ ثم قال إن النبي صلى الله عليه وسلم دعا ربه في مسجدكم وسأل ربه ثلاثا فأعطاه اثنين ومنعه واحدة سأله أن لا يسلط على أمته عدوا من غيرهم يظهر عليهم فأعطاه ذلك وسأله أن لا يهلكهم بالسنين فأعطاه ذلك وسأله أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعه ذلك".
وقد روى هذا الحديث سعد بنحو ما رواه جابر بن عتيك وعبد الله بن عمر ذكر يعقوب بن شيبة قال حدثنا يعلى بن عبيد الطنافسي قال حدثنا عثمان بن حكم عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه قال "أقبلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى مررنا على مسجد بني معاوية فدخل فصلى ركعتين وصلينا معه وناجى ربه طويلا ثم قال سألت ربي ثلاثا سألته ألا يهلك أمتي بالعدو فأعطانيها وسألته ألا يهلك أمتي بالسنة فأعطانيها وسألته ألا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها.

(19/196)


قال أبو عمر:
في حديث مالك هذا من وجوه العمل طرح العالم المسألة من العلم على تلميذه وسؤاله إياه عما هو أعلم به منه أو مثله ليقف على حفظه وعلى ما عنده من ذلك وفيه ما يفسر قوله عليه السلام "إن لكل نبي دعوة يدعو بها فأختبأت دعوتي شفاعة لأمتي". إن ذلك على وجه الأمنية والعطاء لا على وجه الدعاء لأن دعاءه كله أو أكثره مجاب إن شاء الله ألا ترى أنه قد أجيبت دعوته في أن لا يهلك أمته بالسنين ولا يسلط عليهم عدوا من غيرهم يستأصلهم فكيف يجوز أن يظن أحد أنه لم تكن له إلا دعوة واحدة يستجاب له فيها أو لغيره من الأنبياء هذا ما لا يتوهمه ذو لب إن شاء الله.
وقد مضى القول في هذا المعنى في باب أبي الزناد والحمد لله وفيه ما كان عليه ابن عمر من التبرك بحركات رسول الله صلى الله عليه وسلم اقتداء به وتأسيا بحركاته ألا ترى أنه إنما سألهم عن الموضع الذي صلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم من مسجدهم ليصلي فيه تبركا بذلك ورجاء الخير فيه.
وفي قول ابن عمر لعبد الله بن عبد الله بن جبار بن عتيك أخبرني بهن ثم قوله له إذ أخبره بهن صدقت دليل على أنه قد كان يعلم ما سأل عنه والله أعلم وقد بان بحمد الله في هذا الحديث أن الله لا يهلك أمة محمد صلى الله عليه وسلم بالسنين ولا يعمهم في أقطار الأرض بجوع وجدب وهذا يدل على أن الأرض كلها لا يعمها الجدب أبدا لأن أمته في أكثر أقطارها وإذا لم يعمهم الجدب والقحط والجوع فأحرى ألا يعم الأرض.
وفي هذا الحديث دليل واضح على أن دين محمد صلى الله عليه وسلم لا يزال إلى أن تقوم الساعة ولا يهلك أمة محمد صلى الله عليه وسلم عدو يستأصلها أبدا وأنها في أكثر أقطار

(19/197)


الأرض والحمد لله كثيرا وفيه دليل على أن الفتن لا تزال في أمة محمد صلى الله عليه وسلم يقتل بعضها بعضا ما بقيت الدنيا لأنه قد منع صلى الله عليه وسلم ألا يجعل بأسهم بينهم قال ابن عمر فلن يزال الهرج إلى يوم القيامة.
حدثنا عبد الوارث بن سفيان وسعيد بن نصر قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا إسماعيل بن إسحاق قال حدثنا سليمان بن حرب قال حدثنا حماد بن زيد عن أيوب عن أبي قلابة عن أبي أسماء عن ثوبان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "زويت لي الأرض أو قال إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها وأن ملك أمتي سيبلغ ما زوي لي منها وأعطيت الكنزين الأحمر والأبيض وإني سألت ربي لأمتي أن لا يهكلهم بسنة بعامة ولا يسلط عليهم عدوا من قبل أنفسهم فيستبيح بيضتهم وإن ربي قال يا محمد إني إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد ولا أهلكهم بسنة بعامة ولا أسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم يستبيح بيضتهم ولو اجتمع عليهم من بين أقطارها حتى يكون بعضهم يسبي بعضا وبعضهم يهلك بعضا وإنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين وإذا وضع السيف في أمتي لم يرفع عنها إلى القيامة" وذكر تمام الحديث.
وأخبرنا أحمد بن قاسم قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا الحرث ابن أبي أسامة قال حدثنا كثير بن هشام قال حدثنا جعفر بن برقان قال حدثنا يزيد بن الأصم قال سمعت أبا هريرة يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "تظهر الفتن ويكثر الهرج" قال قلنا وما الهرج قال "القتل" وذكر الحديث.

(19/198)


وقال أبو عمر:
قد ثبت عن النبي عليه السلام من وجوه أن الهرج لا يزال إلى يوم القيامة والهرج بتسكين الراء القتل وكذلك الرواية في هذا الحديث وغيره وأصل الهرج اختلاف الناس من غير رئيس وذلك يدعوهم إلى القتل قال عبد الله بن قيس الرقيات:
ليت شعري لأول الهرج هذا ... أم زمان يكون من غير هرج
إن يعش مصعب فنحن بخير ... قد أتانا من عيشنا ما نرج
أخبرنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن قال أخبرنا محمد بن يحيى بن عمر بن علي قال أخبرنا علي بن حرب قال حدثنا سفيان بن عيينة عن عمر وسمع جابر بن عبد الله يقول لما نزلت {قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ} قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أعوذ بوجهك" {أو من تحت أرجلكم} قال "أعوذ بوجهك" {أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ} قال هاتان أهون وأيسر.
ورواه حماد بن سلمة ومعمر وحماد بن زيد عن عمرو بن دينار عن جابر مثله سواء إلا أنهم قالوا في آخره ويذيق بعضكم بأس بعض قال هذه أهون وبعضهم قال هذه أيسر وابن عيينة أثبت الناس في عمرو بن دينار.
وذكر عبد الرزاق وغيره عن عمر عن الزهري قال راقب خباب بن الأرت وكان بدريا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي حتى إذا كان الصبح قال له يا نبي الله لقد رأيتك الليلة تصلي صلاة ما رأيتك صليت مثلها قال:

(19/199)


"أجل إنها صلاة رغب ورهب سألت ربي فيها ثلاث خصال فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة سألته ألا يهلكنا بما أهلك به الأمم فأعطاني وسألته أن لا يسلط علينا عدوا فأعطاني وسألته أ ن لا يلبسنا شيعا فمنعني وذكر سنيد عن حجاج عن ابن جريج عن مجاهد في قوله {قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ} قال لأمة محمد صلى الله عليه وسلم فأعفاهم منها {أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً} قال ما كان من الفتن والاختلاف قال ابن جريج عذابا من فوقكم يقول الرمي بالحجارة أو الغرق أو بعض ما عنده من العذاب أو من تحت أرجلكم قال الخسف.
قال: وحدثنا أبو سفيان عن معمر عن قتادة في قوله فإما نذهبن بك فإنا منهم منتقمون قال ذهب النبي عليه السلام وبقيت الفتنة ولم ير النبي صلى الله عليه وسلم في أمته شيئا يكرهه حتى مضى ولم يكن نبي إلا أري في أمته العقوبة إلا نبيكم صلى الله عليه وسلم.
حدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن وضاح قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا وكيع عن عبادة بن مسلم الفزاري عن جبير بن أبي سليمان بن جبير بن مطعم عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في دعائه "اللهم إني أعوذ بك أن أغتال من تحتي" يعني الخسف.
أخبرنا إبراهيم بن شاكر حدثنا محمد بن أحمد بن يحيى حدثنا محمد بن أيوب ابن حبيب حدثنا أحمد بن عمرو البزار حدثنا محمد بن المثنى وعمرو بن علي ومحمد بن معمر قالوا حدثنا أبو عامر عن كثير بن زيد،

(19/200)


قال حدثني عبد الله بن عبد الرحمن بن كعب بن مالك قال حدثني جابر ابن عبد الله قال دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجد الفتح وقال محمد بن المثنى في مسجد قباء ثلاثا يوم الاثنين ويوم الثلاثاء ويوم الأربعاء فاستجيب له يوم الأربعاء بين الصلاتين قال جابر فلم ينزل في أمر مهم إلا توخيت تلك الساعة فأدعو فيها فأعرف الإجابة.
وأخبرنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد ابن عبد السلام قال حدثنا محمد بن بشار بندار قال حدثنا أبو عامر قال حدثنا كثير قال حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن بن كعب بن مالك قال حدثنا جابر بن عبد الله قال دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجد الفتح ثلاثا يوم الاثنين ويوم الثلاثاء ويوم الأربعاء فاستجيب له يوم الأربعاء بين الصلاتين فعرف البشر في وجهه قال جابر فلم ينزل في أمر مهم عاص إلا توخيت تلك الساعة فأدعو فيها فأعرف الإجابة.
وحدثنا أحمد بن محمد حدثنا أحمد بن الفضل حدثنا محمد بن جرير حدثنا محمد بن مروان البصري حدثنا عبد الملك بن عمرو حدثنا كثير ابن زيد قال حدثني عبد الرحمن بن كعب بن مالك قال حدثني جابر بن عبد الله قال دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكره إلى آخره.
أخبرنا سعيد حدثنا قاسم قال حدثنا إسماعيل بن إسحاق قال حدثنا سليمان بن حرب قال حدثنا حماد بن زيد عن صقعب قال حدثنا عطاء قال ثلاث خلال تفتح فيهن أبواب السماء فاغتنموا الدعاء فيهن عند نزول المطر وعند التقاء الرجفين وعند الأذان وسيأتي من هذا المعنى في باب أبي حازم إن شاء الله وبه التوفيق.

(19/201)


حديث ثان لعبدالله بن عبدالله بن جابر بن عتيك
...
حديث ثان لعبد الله بن عبد الله بن جابر بن عتيك.
مالك عن عبد الله بن عبد الله بن جابر بن عتيك عن عتيك بن الحرث ابن عتيك وهو جد عبد الله بن عبد الله بن جابر أبو أمه أنه أخبره أن جابر بن عتيك أخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء يعود عبد الله بن ثابت فوجده قد غلب فصاح به فلم يجبه فاسترجع رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال غلبنا عليك يا أبا الربيع فصاح النسوة وبكين فجعل جابر يسكتهن فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم دعهن فإذا وجب فلا تبكين باكية قالوا يا رسول الله وما الوجوب قال إذا مات فقالت ابنته والله إن كنت لأرجو أن تكون شهيدا فإنك قد كنت قضيت جهازك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله قد أوقع أجره على قدر نيته وما تعدون الشهادة قالوا القتل في سبيل الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "الشهداء سبعة سوى القتل في سبيل الله المطعون شهيد والغريق شهيد وصاحب ذات الجنب شهيد والمبطون شهيد والحريق شهيد والذي يموت تحت الهدم شهيد والمرأة تموت بجمع شهيد".

(19/202)


هكذا رواه جماعة الرواة عن مالك فيما علمت لم يختلفوا في إسناده ومتنه إلا أن غير مالك يقول في هذا الحديث دعهن يبكين ما دام عندهن وفي هذا الحديث من الفقه معان منها عيادة المريض وعيادة الرجل الكبير العالم الشريف لمن دونه وعيادة المريض سنة مسنونة فعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر بها وندب إليها وأخبر عن فضلها بضروب من القول ليس هذا موضع ذكرها فثبتت سنة ماضية لا خلاف فيها.
وفيه الصياح بالعليل على وجه النداء له ليسمع فيجيب عن حاله ألا ترى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صاح بأبي الربيع فلما لم يجبه استرجع على ذلك لأنها مصيبة والاسترجاع قول إن ا لله وإنا إليه راجعون وهو القول الواجب عند المصائب وفيه تكنية الرجل الكبير لمن دونه وهذا يبطل ما يحكى عن الخلفاء أنهم لا يكنون أحدا عصمنا الله عما دق وجل من التكبر برحمته وفيه إباحة البكاء على المريض بالصياح وغير الصياح عند حضور وفاته وفيه النهي عن البكاء عليه إذا وجب موته وفي نهي جابر بن عتيك للنساء عن البكاء دليل على أنه قد كان سمع النهي عن ذلك فتأوله على العموم فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم دعهن يعني يبكين حتى يموت ثم لا تبكين باكية يريد والله أعلم لا تبكين نياحا ولا صياحا بعد وجوب موته وعلى هذا جمهور الفقهاء أنه لا بأس بالبكاء على الميت ما لم يخلط ذلك بندبه وبنياحة وشق جيب ونشر شعر وخمش وجه.
قال ابن عباس في مثل هذا من بكاء العين دون نياحة الله أضحك وأبكى وقد مضى هذا المعنى واضحا في باب عبد الله بن أبي بكر والحمد الله.

(19/203)


وقد روى الليث بن سعد عن هشام بن عروة عن أبيه عن أبي هريرة قال مر النبي صلى الله عليه وسلم بجنازة يبكي عليها وأنا معه وعمر بن الخطاب فانتهرهم عمر فقال دعهن يا ابن الخطاب فإن النفس مصابة والعين دامعة والعهد قريب لم يتابع الليث على هذا الإسناد وإنما روته الجماعة عن هشام بن عروة عن محمد بن عمرو بن عطاء عن سلمة بن الأزرق عن أبي هريرة.
وروى عبد الرحمن بن حسان بن ثابت عن أمه سيرين قالت حضرت موت إبراهيم بن النبي صلى الله عليه وسلم فكنت كلما صحت أنا وأختي لا ينهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما مات نهانا عن الصياح.
وأما قوله فإذا وجب فلا تبكين باكية وتفسير لذلك بأنه إذا مات فأظن ذلك والله أعلم مأخوذ من وجبة الحائط إذا سقط وانهدم وفيه أن المتجهز للغزو إذا حيل بينه وبينه يكتب له أجر الغازي ويقع أجره على قدر نيته والآثار الصحاح تدل على أن من نوى خيرا وهم به ولم يصرف نيته عنه وحيل بينه وبينه أنه يكتب له أجر ما نوى من ذلك ألا ترى إلى قوله صلى الله عليه وسلم "من كانت له صلاة بليل فغلبته عليها عينه كتب له أجر صلاته وكان نومه عليه صدقة" وقوله صلى الله عليه وسلم "حبسهم العذر". يبين ما ذكرنا.
وحدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا موسى بن إسماعيل قال حدثنا حماد بن سلمة عن حميد عن موسى بن أنس بن مالك عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "لقد تركتم بالمدينة أقواما ما سرتم مسيرا ولا أنفقتم من نفقة ولا قطعتم من واد إلا وهم معكم فيه قالوا يا رسول الله وكيف يكونون معنا وهم بالمدينة قال:

(19/204)


حبسهم العذر". وقد أشبعنا هذا المعنى في باب محمد بن المنكدر من كتانا هذا والحمد لله.
وفيه دليل على أن الأعمال إنما تكون بالنيات وأن نية المؤمن خير من عمله على ما روى في الآثار وهذا معناه عندنا أن نية المؤمن خير من عمل بلا نية وفيه طرح العالم على المتعلم ألا ترى إلى قوله وما تعدون الشهادة فيكم ثم أجابهم بخلاف ما عندهم وقال لهم الشهداء سبعة سوى القتل في سبيل الله ثم ذكرهم فأما قوله المطعون شهيد فهو الذي يموت في الطاعون.
حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا عيسى بن ذكويه المعروف بالوعاث قال حدثنا فروة بن أبي المغراء قال حدثنا علي بن مسهر عن يوسف بن ميمون عن عطاء عن ابن عمر عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن فناء أمتي بالطعن والطاعون قالت الطعن قد عرفناه فما الطاعون قال غدة كغدة البعير تخرج في المراق والآباط من مات منه مات شهيدا". وذكر تمام الحديث.
حدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم قال حدثنا محمد بن وضاح قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا عفان قال حدثنا عبد الواحد ابن زياد قال حدثنا عاصم الأحول قال حدثتني حفصة بنت سيرين قالت قال لي أنس بن مالك مم مات يحيى بن أبي عمرة قلت في

(19/205)


الطاعون قال أنس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "الطاعون شهادة لكل مسلم". يحيى بن أبي عمرة هو يحيى بن أبي سيرين أخو محمد بن سيرين وسيرين أبوهم هو أبو عمرة.
وحدثنا محمد بن عبد الملك قال: قال حدثنا عبد الله بن مسروق قال حدثنا عيسى بن مسكين قال حدثنا محمد بن سنجر قال حدثنا غارم قال حدثنا داود بن أبي الفرات قال حدثنا عبد الله بن بريدة عن يحيى بن يعمر عن عائشة أنها حدثته أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الطاعون فأخبرها نبي الله صلى الله عليه وسلم أنه كان عذابا يبعثه الله على من يشاء فجعله الله رحمة للمؤمنين فليس من عبد يقع الطاعون بأرضه فيثبت فيها وهو يعلم أنه لن يصيبه إلا ما كتب الله له إلا كان له أجر شهيد.
وأما الغرق فمعروف وهو الذي يموت غرقا في الماء وذات الجنب يقولون هي الشوصة وذلك معروف وصاحبها شهيد على ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث وغيره يقال رجل جنب بكسر النون إذا كانت به ذات الجنب وقيل في صاحب ذات الجنب المجنوب.
حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا احمد بن زهير قال حدثنا أبي قال حدثنا وكيع قال حدثنا أبو العميس عن عبد الله بن عبد الله بن جابر بن عتيك عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم أتاه يعوده فقال "القتل في سبيل الله شهادة والمرأة تموت بجمع شهادة والغرق شهادة والحرق شهادة والمطعون شهادة والمبطون شهادة والمجنوب شهادة" هكذا يقول أبو العميس في إسناد هذا الحديث،

(19/206)


والصواب ما قاله فيه مالك ولم يقمه أبو العميس وأما المبطون فقيل فيه المحبور وقيل فيه صاحب الإسهال والله أعلم.
قرأت على عبد الوارث بن سفيان أن قاسم بن أصبغ حدثهم قال حدثنا بكر بن حماد قال حدثنا بشر بن حجر قال حدثنا خالد بن عبد الله عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من تعدون الشهداء فيكم قالوا من قتل في سبيل الله فهو شهيد" فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن شهداء أمتي إذا لقليل من قتل في سبيل الله فهو شهيد ومن مات في سبيل الله فهو شهيد ومن مات من طاعون فهو شهيد ومن مات من بطن فهو شهيد". قال سهيل فحدثني عبيد الله بن مقسم أنه قال أشهد على أبيك أنه زاد فيه الخامسة ومن غرق فهو شهيد.
قال أبو عمر:
قد ذكرنا معنى القتل والموت في سبيل الله بالشواهد على ذلك في باب إسحاق من هذا الكتاب والحمد لله وأما الحرق فالذي يحترق في النار فيموت وأما الذي يموت تحت الهدم فأعرف من أن يفسر وأما قوله المرأة تموت بجمع ففيه قولان لكل واحد منهما وجهان أحدهما هي المرأة تموت من الولادة وولدها في بطنها قد تم خلقه وماتت من النفاس وهو في بطنها لم تلده قال أبو عبيد الجمع التي في بطنها ولدها وأنشد قول الشاعر:

(19/207)


وردناه في مجرى سهيل يمانيا ... يصعر البري من بين جمع وخادج
قال: والخادج التي ألقت ولدها، وقيل إذا ماتت من الولادة فسواء ماتت وولدها في بطنها، أو ولدته ثم ماتت بإثر ذلك؛ والقول الآخر هي المرأة تموت عذراء لم تنكح ولم تفتض، وقيل هي المرأة تموت ولم تطمث، والمعنى واحد لقوله عز وجل: {لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ} أي لم يطأهن.
والقول الأول أشهر وأكثر. والله أعلم. قال ابن السكيت: يقال: هلكت فلانة بجمع، وبجمع لغتان أي وولدها في بطنها، قال: ويقال أيضا: العذراء هي بجمع وبجمع بالضم والكسر لغتان أيضا، وذكر قول امرأة العجاج إذ نشزت عليه، قالت للوالي: إني منه بجمع، وإن شئت بجمع.
وقد حدثني عبد العزيز بن عبد الرحمن ومحمد بن إبراهيم، قالا حدثنا أحمد بن مطرف، حدثنا سعيد بن عثمان، حدثنا أحمد بن عبد الله بن صالح، حدثنا حسين بن علي، عن زائدة قال حدثنا إبراهيم بن مهاجر البجلي عن طارق بن شهاب، قال: ذكر عند عبد الله الشهداء فقيل: إن فلانا قتل يوم كذا وكذا شهيدا، وقتل فلان يوم كذا وكذا شهيدا؛ فقال عبد الله: لئن لم يكن شهداؤكم إلا من قتل، إن شهداءكم إذا لقليل؛ إن

(19/208)


من يتردى من الجبال، ويغرق في البحور، وتأكله السباع، شهداء عند الله يوم القيامة.
وذكر الحلواني في كتاب المعرفة قال: حدثنا أبو علي الحنفي، قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر، عن عبد الملك بن عمير، قال: سمعته يقول: قال علي بن أبي طالب: من حبسه السلطان وهو ظالم له، فمات في محبسه ذلك فهو شهيد، ومن ضربه السلطان ظالما له فمات من ضربه ذلك، فهو شهيد، وكل ميتة يموت بها المسلم، فهو شهيد، غير أن الشهادة تتفاضل.

(19/209)


مالك عن عبدالله بن أبي حسين المكي حديث واحد مرسل
حديث واحد مرسل
...
مالك عن عبد الله بن أبي حسين المكي حديث واحد مرسل
وهو عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين بن الحارث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف القرشي النوفلي، من أهل مكة، كبير ثقة، فقيه عالم بالمناسك، روى عنه مالك، والثوري، وابن عيينة، وشعيب بن أبي حمزة، وروى عنه من الكبار: أبو إسحاق السبيعي الكوفي حديث: "تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك" وهو ثقة عند الجميع، كان أحمد بن حنبل يثني عليه، وقال البخاري سمع نوفل بن مساحق، ونافع بن جبير قال سعير بن الخمس: سمعت عبد الله بن حسن يقول: ما أحد أعلم بالمناسك من ابن أبي حسين.
مالك، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين المكي، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا قطع في ثمر معلق، ولا في حريسة جبل، فإذا أواه المراح أو الجرين فالقطع فيما بلغ ثمن المجن".

(19/210)


لم يختلف الرواة فيما علمت في إرسال هذا الحديث في الموطأ وهو حديث يتصل معناه من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص وغيره وقد ذكرنا بعض طرقه في باب يحيى بن سعيد عن محمد بن يحيى بن حبان ومضى هناك القول في أكثر هذا الحديث ومضى أيضا في باب ابن شهاب أصول مسائل الحرز وما للعلماء في ذلك.
حدثنا سعيد بن نصر وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن إسماعيل الترمذي وعبيد بن عبد الواحد البزار قالا حدثنا ابن أبي مريم قال حدثنا يحيى بن أيوب والليث بن سعد قالا حدثنا محمد بن عجلان عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الثمر المعلق فقال " من أصاب منه من ذي حاجة غير متخذ خبئة فلا شيء عليه ومن خرج بشيء فعليه غرامة مثليه" وقال عبد الله غرامة مثله ثم اتفقا ومن سرق منه شيئا بعد أن يأويه الجرين فبلغ ثمن المجن فعليه القطع زاد الترمذي ومن سرق دون ذلك فعليه غرامة مثله والعقوبة.
ورواه ابن وهب عن عمرو بن الحرث وهشام بن سعد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي عليه السلام مثله بمعنى واحد.

(19/211)


قال أبو عمر:
في هذا الحديث كلمة منسوخة وهي قوله "وغرامة مثليه". لا أعلم أحدا من الفقهاء قال بها إلا ما جاء عن عمر رضي الله عنه في رقيق حاطب بن أبي بلتعة حين انتحروا ناقة رجل من مزينة ورواية عن أحمد بن حنبل ومحمل هذا عندنا على العقوبة والتشديد والذي عليه الناس العقوبة في الغرم بالمثل لقول الله فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم وقوله {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ به} وأما العقوبة في البدن بالاجتهاد فغير مدفوعة عند العلماء وأما قوله في حديث مالك "لا قطع في ثمر معلق". فالثمر المعلق ما كان في رؤوس الأشجار من ضروب الثمار ولا قطع على سارقه عند جمهور العلماء لهذا الحديث وقد بينا هذا المعنى في باب يحيى بن سعيد عن محمد ابن يحيى بن حبان.
وأما الحريسة فذكر أبو عبيد قال الحريسة تفسر تفسيرين فبعضهم يجعلها السرقة نفسها تقول منه حرست أحرس حرسا إذا سرقت فيكون المعنى انه ليس فيما سرق من الماشية بالجبل قطع حتى يأويها المراح والتفسير الآخر أن تكون الحريسة هي المحروسة فيقول ليس فيما يحرس بالجبل قطع لأنه ليس بموضع حرز وإن حرس.
قال مالك والشافعي في الإبل إذا كانت في مراعيها لم يقطع من سرق منها فإن أواها المراح قطع من سرقها إذا بلغت ما يجب فيه القطع وهو قول أبي حنيفة وأبي ثور إذا لم يكن للإبل في مرعاها من يحرزها

(19/212)


ويحفظها وقولهم في الثمر المعلق إنه لا يقطع سارقه حتى يأويه الجرين فإذا أواه الجرين فسرق منه ما يجب فيه القطع قطع سارقه وقد مضى في باب نافع القول في مقدار ما يجب فيه القطع وما للعلماء في ذلك من الأقوال والاعتلال ومضى في باب ابن شهاب القول في معنى الحرز ويأتي في باب يحيى بن سعيد عن محمد بن يحيى بن حبان كثير من معاني هذا الباب بأبسط منه ههنا وأوضح إن شاء الله.
وقال مالك إذا أوى الجرين الزرع أو الثمر أو أوى المراح الغنم فعلى من يسرق من ذلك قيمة ربع دينار القطع قال مالك ولا قطع في ثمر معلق ولا كثر والكثر الجمار قال ولا قطع في النخلة الصغيرة ولا الكبيرة ومن قطع نخلة من حائط فليس فيها قطع وخالفه أشهب في النخلة فرأى فيها القطع وأما قوله الجرين فالجرين هو المربد عند أهل المدينة وأهل الحجاز ويسميه أهل العراق البيدر ويقال له بالبصرة الخوخان ويسميه أهل الشام الأندر وأما المراح فهو موضع مبيت الغنم الذي تروح إليه وتجتمع فيه ليلا وكذلك إن جمعت فيه للحرز نهارا والله أعلم.

(19/213)


مالك عن عبيدالله بن أبي عبدالله الأغر
حديث واحد، شركه فيه زيد بن رباح
...
مالك عن عبيد الله بن أبي عبد الله الأغر.
حديث واحد شركه فيه زيد بن رباح.
وعبيد الله هذا أحد ثقات أهل المدينة روى عنه مالك وموسى بن عقبة وغيرهما وأبوه أبو عبد الله الأغر اسمه سلمان مولى جهينة يقال أصلهم من أصبهان وهو من ثقات تابعي أهل المدينة يروي عن أبي هريرة وأبي سعيد روى عنه ابن شهاب وغيره.
مالك عن زيد بن رباح وعبيد الله بن أبي عبد الله عن عبد الله الأغر عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام".
قد مضى القول في معنى هذا الحديث بما فيه من الآثار واختلاف علماء الأمصار في باب زيد بن رباح من كتابنا هذا فلا وجه لإعادة ذلك ههنا.

(19/214)


مالك عن عبيدالله بن عبدالرحمن ـ حديث واحد
مالك عن عبيدالله بن عبدالرحمن ـ حديث واحد
...
مالك عن عبيد الله بن عبد الرحمن حديث واحد.
وهو عبيد الله بن عبد الرحمن بن السائب بن عمير مدني ثقة مالك عن عبيد الله بن عبد الرحمن عن عبيد بن حنين مولى آل زيد ابن الخطاب أنه قال سمعت أبا هريرة يقول "أقبلت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فسمع رجلا يقرأ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "وجبت" فسألته ماذا يا رسول الله فقال "الجنة" قال أبو هريرة فأردت أن أذهب إليه فأبشره ثم فرقت أن يفوتني الغذاء مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فآثرت الغذاء ثم ذهبت إلى الرجل فوجدته قد ذهب".
هكذا قال يحيى في هذا الحديث مالك عن عبيد الله بن عبد الرحمن وتابعه أكثر الرواة منهم ابن وهب وابن القاسم وابن بكير وأبو المصعب وعبد الله بن يوسف وقال فيه القعنبي ومطرف مالك عن عبد الله بن عبد الرحمن عن عبيد بن حنين والصواب ما قاله يحيى ومن تابعه وقد غلط في هذا أحمد بن خالد غلطا بينا فأدخل هذا الحديث في

(19/215)


باب أبي طوالة عبد الله بن عبد الرحمن بن معمر الأنصاري وإنما دخل عليه الغلط فيه من رواية القعنبي وقوله فيه عبد الله فتوهم أن قول يحيى عبيد الله غلط وظنه أبا طوالة فليس كما ظن وهو عبيد الله بن عبد الرحمن بن السائب بن عمير مدني ثقة معروف عند أهل الحديث هكذا وكذلك هو عبيد الله في نسخة ابن القاسم وابن وهب وأبي المصعب ومصعب الزبيري وجماعتهم وهو الصواب لا شك فيه وقد رأيته في بعض الروايات عن القعنبي عبيد الله بن عبد الرحمن ولكن علي بن عبد العزيز وأبا داود قالا فيه عن القعبني عبد الله وكذلك رواه العقبني والله أعلم وقد تابعه مطرف فيما رأينا.
وقد حدثنا خلف بن قاسم حدثنا محمد بن عبد الله القاضي حدثنا ابن أبي داود حدثنا الرمادي حدثنا ابن عثمة حدثنا مالك عن عبيد الله بن عبد الرحمن بن معمر عن عبيد بن حنين عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع رجلا يقرأ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} فقال "وجبت" قيل يا رسول الله ما وجبت قال "وجبت له الجنة" هكذا قال فيه ابن معمر جعله أبا طوالة وذلك خطأ وغلط لا أدري ممن أتى واللغط والوهم لا يسلم منه أحد وأما عبيد بن حنين فهكذا قال فيه مالك عن عبيد بن حنين مولى آل زيد بن الخطاب.
وقال فيه محمد بن إسحاق عبيد بن حنين مولى الحكم بن أبي العاصي وكذلك قال فيه الزبير بن بكار وأما مصعب فيدل قوله على ما قاله مالك والله أعلم.
حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أحمد بن زهير قال أخبرنا مصعب بن عبد الله قال عبيد بن حنين مولى لبابة ابنة أبي لبابة بن عبد المنذر أم عبد الرحمن بن زيد يعني ابن الخطاب

(19/216)


فجر ولاءه وهم من سبي عين التمر سباهم خالد بن الوليد في زمن أبي بكر الصديق انتسبوا في العرب وكان عبيد بن حنين يسكن الكوفة وتزوج بها امرأة من بني معيض بن عامر بن لؤي من قريش فأنكر ذلك مصعب بن الزبير وهو أمير العراق يومئذ وطلبه فتغيب منه فهدم داره فلحق بعبد الله بن الزبير وقال:
هذا مقام مطرد هدمت مساكنه ودوره ... قذفت عليه وشاته ظلما فعاقبه اميره
ولقد قطعت الخرق بعد الخرق معتسقا أسيره ... حتى أتيت خليفة الرحمن ممهودا سريره
حييته بتحية في مجلس حضرت صقوره ... والخصم عند فنائه من غيظه تغلي قدوره
فكتب له عبد الله بن الزبير إلى مصعب أن يبني داره ويخلي بينه وبين أهله.
قال مصعب وعبيد بن حنين روى عن أبي هريرة وتوفي بالمدينة سنة خمس ومائة.
وقال الطبري وغيره عبيد بن حنين كان ثقة وليس بكثير الحديث قال الطبري هو فليح بن سليمان وهو فليح بن سليمان بن أبي المغيرة بن حنين قال وقيل إنهم من سبي عين التمر الذين بعث بهم خالد بن الوليد إلى المدينة في خلافة أبي بكر الصديق.
قال أبو عمر:
قد خولف الطبري في هذا قال الزبير بن بكار فليح بن سليمان مولى

(19/217)


أسلم وقال الواقدي توفي عبيد بن حنين بالمدينة سنة خمس ومائة وهو ابن خمس وتسعين.
قال أبو عمر:
ليس في هذا الحديث معنى يوجب القول وهو وإن كان خصوصا لذلك الرجل فإن الرجاء عموم ورحمة الله واسعة ورضاه وعفوه ورحمته قريب من المحسنين.

(19/218)


عبدالرحمن بن عبدالله بن أبي صعصعة الأنصاري المازني ـ مدني ثقة
حديث أول لعبدالرحمن بن أبي صعصعة
...
عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي صعصعة الأنصاري المازني مدني ثقة
روى عنه مالك ويحيى بن سعيد الأنصاري وابن عيينة لمالك عنه في الموطأ خمسة أحاديث منها ثلاثة مسندة واثنان مرسلان أحدهما عن سليمان بن يسار والآخر عن نفسه.
حديث أول لعبد الرحمن بن أبي صعصعة.
مالك عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة عن أبيه عن أبي سعيد الخدري أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "يوشك أن يكون خير مال المسلم غنما يتبع بها شعب الجبال ومواقع القطر يفر بدينه من الفتن".
هكذا وقع في هذه الرواية شعب الجبال وهو عندهم غلط وإنما يرويه الناس شعف الجبال وشعف الجبال عند أهل اللغة رؤوسها وشعفة كل شيء: أعلاه.

(19/219)


قال الأخفش الشعف أطراف الجبال وظهورها وأعلاها الواحدة شعفة.
قال الشاعر:
كنا كزوج من حمام ترتقي شعف الجبال ... ترعى النهار ولا تراع بذي حابل أونصال
وأما الشعب فهو عندهم ما انفرج بين الجبلين وقد قيل في قوله شعب الجبال ما تشعب منها وما توعر وهذا الحديث إنما ورد خبرا عن حال آخر الزمان وما المحمود في ذلك الوقت لكثرة الفتن وقد كان صلى الله عليه وسلم يحض في أول الإسلام على لزوم الخواص للجماعات والجمعات ويقول من بدا جفا والحديث المذكور في هذا الباب من أحسن حديث في العزلة والفرار من الفتنة والبعد عن مواضعها من الحواضر وغيرها والفتنة المذكورة في هذا الحديث تحتمل أن تكون فتنة الأهل والمال وفتنة النظر إلى أهل الدنيا وفتنة الدخول إلى السلطان وغير ذلك من أنواع الفتن ولم يرد الفتنة النازلة بين المسلمين الحاملة على القتال في طلب الإمارة دون غيرها من الفتن بل أراد بقوله يفر بدينه من الفتن جميع أنواع الفتن والله أعلم وفي ذلك دليل على فضل العزلة والانفراد في آخر الزمان كزماننا هذا وقد ذكرنا لمعا في العزلة وفضلها وفضل اعتزال الناس ولزوم البيوت في باب أبي طوالة من هذا الكتاب وذكرنا هناك آثارا مرفوعة حسانا تدل على فضل العزلة أيضا والجهاد فلا معنى لإعادتها ههنا وفي هذا الحديث حض على كسب الغنم وفي ذلك فضل لها وتبرك بها إلى ما روي فيها عن أبي هريرة أنها من دواب الجنة وفي ذلك فضل لرعيها ومعاناتها وما من نبي إلا وقد رعى الغنم

(19/220)


حدثنا خلف بن القاسم قال حدثنا أحمد بن محمد بن يزيد الحلبي القاضي قال حدثنا عمر بن حفص العسكري قال حدثنا أبو خيثمة مصعب بن سعيد الضرير بحلب إملاء قال حدثنا عيسى بن يونس عن مسعر عن سعد بن إبراهيم عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف عن عبد الرحمن بن عوف قال مررنا بثمر الأراك فقال النبي صلى الله عليه وسلم "عليكم بالأسود منه فإني قد كنت اجتنيه وإنا أرعى الغنم قالوا يا رسول الله ورعيت قال نعم ما من نبي إلا وقد رعى" .
قال أبو عمر:
قال الله عز وجل {وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى قال هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي} الآية.
أخبرنا أحمد بن محمد قال حدثنا وهب بن مسرة وأخبرنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قالا حدثنا ابن وضاح قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا عبد الله بن نمير عن يحيى بن سعيد عن عبد الرحمن بن عبد الله الأنصاري عن أبيه أنه سمع أبا سعيد الخدري يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "يوشك أن يكون خير مال المسلم غنما يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر يفر بدينه من الفتن" .
حدثنا خلف بن القاسم حدثنا عمر بن محمد بن القاسم ومحمد بن أحمد بن كامل ومحمد بن أحمد بن المسور قالوا حدثنا بكر بن سهل حدثنا عبد الله بن يوسف حدثنا مالك عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة عن أبيه عن أبي سعيد الخدري أنه قال:

(19/221)


قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "يوشك أن يكون خير مال المسلم غنما يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر يفر بدينه من الفتن".
حدثنا خلف بن القاسم قال حدثنا عبد الله بن محمد بن المفسر قال حدثنا علي بن غالب بن سالم حدثنا علي بن المديني قال حدثنا معاذ بن هشام صاحب الاستوائي قال حدثني أبي عن محمد بن جحادة عن نعيم ابن أبي هند الأشجعي عن أبي حازم عن حسين بن خارجة قال لما قتل عثمان أكلت علي الفتنة فقلت اللهم أرني أمرا أتمسك به قال فرأيت فيما يرى النائم الدنيا والآخرة بينهما حائط فقلت لو تسنمت هذا الحائط لعلي أهبط على قتلى أشجع فيخبروني فهبط الحائط فإذا أنا بأرض ذات شجر وإذا بنهر فقلت أنتم الشهداء قالوا لا بل نحن الملائكة قال قلت فأين الشهداء قالوا اصعد إلى الدرجات العلى قال فصعدت درجة الله اعلم بما فيها ثم صعدت أخرى فإذا محمد صلى الله عليه وسلم وإبراهيم عنده شيخ وإذا محمد صلى الله عليه وسلم يقول "استغفر لأمتي" قال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك إنهم أهرقوا دماءهم وقتلوا إمامهم فهلا فعلوا كما فعل خليلي سعد؟ قال فقلت لقد رأيت رؤيا لعل الله عز وجل أن ينفعني بها انطلق فانظر مع من كان سعد فأكون معه قال فأتيت سعدا فقصصتها عليه فما أكبر بها فرحا وقال لقد خاب من لم يكن له إبراهيم خليلا قال فقلت أي الطائفتين قال ما أنا في واحدة منهما قال فما تأمرني قال هل لك من غنم قلت لا قال فاشتر غنما فكن فيها".

(19/222)


حديث ثان لعبدالرحمن بن أبي صعصعة
...
حديث ثان لعبد الرحمن بن أبي صعصعة.
مالك عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة الأنصاري ثم المازني عن أبيه أنه أخبره "أن أبا سعيد الخدري قال له إني أراك تحب الغنم والبادية فإذا كنت في غنمك أو باديتك فأذنت بالصلاة فارفع صوتك بالنداء فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا إنس إلا شهد له يوم القيامة قال أبو سعيد سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم هكذا" هذا الحديث عند جماعة الرواة عن مالك لم يختلفوا في إسناده في الموطأ وغيره والمدى الغاية وحيث ينتهي الصوت.
حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا بكر بن حماد قال حدثنا مسدد قال حدثنا يحيى عن مالك بن أنس قال حدثني عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي صعصعة عن أبيه عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "إذا أذنت فارفع صوتك فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن شيء إلا شهد له". وقد وهما بن عيينة في اسم هذا الشيخ شيخ مالك إذ روى عنه هذا الحديث.

(19/223)


حدثنا أحمد بن عبد الله بن محمد قال حدثنا ميمون بن حمزة قال حدثنا الطحاوي قال حدثنا المزني قال حدثنا الشافعي قال حدثنا سفيان قال سمعت عبد الله بن عبد الرحمن بن صعصعة قال سمعت أبي وكان يتيما في حجر أبي سعيد الخدري قال: قال لي أبو سعيد الخدري أي بني إذا كنت في هذه البوادي فارفع صوتك بالأذان فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "لا يسمعه إنس ولا جن ولا حجر إلا شهد له". ثم ذكر الشافعي حديث مالك هذا بإسناده سواء كما ذكرناه عن مالك ثم قال الشافعي مالك أصاب اسم الرجل فيما أرى وقد أخطأ فيه ابن عيينة.
أخبرنا أحمد بن عبد الله بن محمد حدثنا الحسن بن إسماعيل حدثنا عبد الملك بن بحر حدثنا محمد بن إسماعيل حدثنا سنيد قال حدثنا هشيم قال أخبرنا يعلى بن عطاء عن أبيه قال كنت مع عبد الله بن عمرو فلما حضرت الصلاة قال لي أذن واشدد صوتك فإنه لا يسمعك من حجر ولا شجر ولا بشر إلا شهد لك يوم القيامة ولا يسمعك من شيطان إلا ولى وله نفير حتى لا يسمع صوتك وإنهم لأمد الناس أعناقا يوم القيامة.
قال سنيد وأخبرنا خالد بن عبد الله عن طلحة بن يحيى عن عيسى ابن طلحة عن معاوية بن أبي سفيان انه سمع المؤذن فتشهد كما تشهد ثم قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "المؤذنون أطول الناس أعناقا يوم القيامة" قال سنيد وأخبرنا حجاج عن ابن لهيعة عن عبيد الله بن أبي جعفر عن نافع عن ابن عمر قال من أذن اثنتي عشر سنة وجبت له الجنة وكتب له بكل تأذينة ستون حسنة وبكل إقامة ثلاثون حسنة.

(19/224)


قال وحدثنا هشيم قال حدثنا إسماعيل بن أبي خالد قال حدثنا سهيل بن عوف الحلي أن عمر بن الخطاب قال من مؤذنكم اليوم قلنا موالينا وعبيدنا قال إن ذلك بكم لنقص كبير.
قال:وقال إسماعيل قال عمر بن الخطاب لو كنت أطيق مع الخليفى لأذنت قال هشيم وأخبرنا حصين قال حدثت أن عمر بن الخطاب قال لولا أن تكون سنة ما أذن غيري.
حدثنا محمد بن إبراهيم بن سعيد قال أخبرنا محمد بن معاوية قال أخبرنا أبو يعقوب إسحاق بن احمد بن جعفر البغدادي قال حدثنا أحمد بن منصور الرمادي قال حدثنا عتاب بن زياد قال حدثنا أبو حمزة السكري عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن اللهم أرشد الأئمة واغفر للم ؤذنين" قالوا: يا رسول الله لقد تركتنا نتنافس بعدك في الأذان فقال "إن بعدكم قوما سفلتهم مؤذنوهم" وهذه الزيادة لا تجيء إلا بهذا الإسناد وهو إسناد رجاله ثقات معروفون أبو حمزة السكري وعتاب بن زياد مرزونان ثقتان وسائر الإسناد يستغنى عن ذكرهم لشهرتهم إلا أن أحمد بن حنبل ضعف الحديث كله ويقال إنه لم يسمعه الأعمش من أبي صالح قال أحمد بن حنبل رواه ابن فضيل عن الأعمش عن رجل ما أدري لهذا الحديث أصلا ورواه ابن نمير عن الأعمش فقال نبئت عن أبي صالح ولا أراني إلا قد سمعته منه.

(19/225)


قال أبو عمر:
فضائل الأذان كثيرة وقد روي عن عائشة أنها قالت في قول الله عز وجل {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقال إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} الآية نزلت في المؤذنين وحديث هذا الباب ومثله يشهد بفضل رفع الصوت فيه ولا أدري كيفية فهم الموات والجماد كما لا أدري كيفية تسبيحها {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ } الآية {وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً} وقد مضى في باب نافع حكم الأذان في السفر والحضر وكيفية وجوبه سنة أو فرضا على الكفاية ومذاهب العلماء في ذلك كله ممهدا والحمد لله.

(19/226)


حديث ثالث لعبدالرحمن بن أبي صعصعة
...
حديث ثالث لعبد الرحمن بن أبي صعصعة.
مالك عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة عن أبيه عن أبي سعيد الخدري أنه سمع رجلا يقرأ قل هو الله أحد يرددها فلما أصبح غدا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له وكان الرجل يتقالها فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم "والذي نفسي بيده إنها لتعدل ثلث القرآن".
قال أبو عمر:
هكذا هذا الحديث في الموطأ عند جماعة رواته فيما علمت لم يتجاوز به أبو سعيد وليس بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم أحد وكذلك رواه يحيى القطان وغيره عن مالك.
حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا بكر بن حماد قال حدثنا مسدد قال حدثنا يحيى بن سعيد عن مالك بن

(19/227)


أنس قال حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة عن أبيه عن أبي سعيد الخدري قال كان رجل يصلي من الليل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقرأ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} ويرددها فذكر ذلك الرجل لرسول الله صلى الله عليه وسلم وكأنه تقاله يقول استقلها فقال إنها لتعدل ثلث القرآن.
ورواه إسماعيل بن جعفر وإبراهيم بن المختار عن مالك بإسناده عن أبي سعيد عن قتادة بن النعمان عن النبي صلى الله عليه وسلم وقتادة بن النعمان هو أخو أبي سعيد الخدري لأمه وهو رجل من كبار الأنصار من بني ظفر من الأوس قد ذكرناه في كتابنا في الصحابة بما يغني عن ذكره ههنا.
وقد روي أن قتادة هذا هو الرجل الذي كان يقرأ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} ويتقالها على ما ذكر في هذا الحديث.
وروى ابن وهب عن ابن لهيعة عن الحرث بن يزيد عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري أنه قال بات قتادة بن النعمان يقرأ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} حتى أصبح فذكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال "والذي نفسي بيده إنها لتعدل ثلث القرآن أو نصفه".
قال أبو عمر:
أو نصفه شك من المحدث لا يجوز أن يكون شكا من النبي صلى الله عليه وسلم على أنها لفظة غير محفوظة في هذا الحديث ولا في غيره والمحفوظ الثابت الصحيح في هذا الحديث وغيره أنها لتعدل ثلث القرآن دون شك وقد يحتمل أن يكون الشك من النبي صلى الله عليه وسلم على مذهب من تأول في هذا الحديث أن الرجل لم يزل يكررها ويرددها في ليلته يقطعها بها إذ كان لا يحفظ غيرها فيما ذكروا حتى بلغ تكراره لها وترداده إياها موازاة حروف ثلث القرآن أو نصفه.

(19/228)


وهذا يمكن فيه الشك على هذا الوجه فلا يكون لها في ذاتها فضل على غيرها لأنها إنما عدلت بثلث القرآن لبلوغ تكرارها إلى ذلك ونحوه وهذا التأويل فيه بعد عن الظاهر جدا والله الموفق للصواب.
حدثنا خلف بن القاسم قال حدثنا محمد بن إبراهيم بن إسحاق بن مهران السراج وعبد الله بن محمد بن عبد الله الحصيبي القاضي قالا حدثنا محمد بن عبدوس بن كامل السراج قال حدثنا أبو معمر قال حدثنا إسماعيل بن جعفر عن ملك عن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي صعصعة الأنصاري عن أبيه عن أبي سعيد لخدري قال أخبرني قتادة بن النعمان أن رجلا قال يا رسول الله إن فلانا قام الليلة يقرأ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ} يرددها لا يزيد عليها كأن الرجل يتقالها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "والذي نفسي بيده إنها لتعدل ثلث القرآن".
وحدثنا خلف بن القاسم حدثنا عبد الوهاب بن محمد بن سهيل ابن منصور بن الحجاج النصيبي وثوابة بن أحمد بن ثوابة الموصلي وعلي ابن الحسن بن علال الحراني وأبو يوسف يعقوب بن مسدد بن يعقوب القلوسي قالوا حدثنا أحمد بن علي بن المثنى الموصلي حدثنا أبو معمر الهذلي إسماعيل بن إبراهيم القطيعي حدثنا إسماعيل بن جعفر عن مالك ابن أنس عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة الأنصاري عن أبيه عن أبي سعيد الخدري قال أخبرني قتادة بن النعمان أخي أن رجلا قام في زمن النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ من السحر {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} يرددها لا يزيد عليها فلما أصبح أتى رجل النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إن فلانا بات يقرأ الليلة من السحر {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ

(19/229)


الصَّمَدُ لم يلد ولم يولد وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ} يرددها لا يزيد عليها كأن الرجل يتقالها فقال النبي صلى الله عليه وسلم "والذي نفسي بيده إنها لتعدل ثلث القرآن" لفظ الحديث لعبد الوهاب وألفاظهم متقاربة والمعنى واحد وأخبرنا عبد الله بن محمد قال حدثنا حمزة بن محمد قال أخبرنا أبو يعلى أحمد بن علي المثنى قال حدثنا أبو معمر إسماعيل بن إبراهيم قال حدثنا إبراهيم بن جعفر قال حدثني مالك بن أنس عن عبد الرحمن بن عبد الله ابن عبد الرحمن بن ابي صعصعة عن أبيه عن أبي سعيد الخدري قال حدثني أخي قتادة بن النعمان قال قام رجل من الليل يقرأ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} السورة يرددها لا يزيد عليها فلما أصبحنا قال رجل يا رسول الله إن رجلا قام الليلة من السحر يقرأ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} لا يزيد عليها كأن الرجل يتقالها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "والذي نفسي بيده إنها لتعدل ثلث القرآن".
قال أبو عمر:
هذا الحديث سمعه أبو سعيد وقتادة جميعا من النبي صلى الله عليه وسلم ورواية الموطأ وغيرها تدل على ذلك.
وحدثنا أحمد بن فتح وخلف بن قاسم قالا حدثنا أحمد بن الحسن بن إسحاق الرازي قال حدثنا علي بن سعيد بن بشير قال حدثنا محمد ابن حميد قال حدثنا إبراهيم بن المختار قال حدثنا مالك بن أنس عن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي صعصعة عن أبيه عن أبي سعيد الخدري عن أخيه قتادة بن النعمان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ}" تعدل ثلث القرآن".

(19/230)


وقد ذكرنا من الأخبار المتواترة عن النبي عليه السلام في أن {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} تعدل ثلث القرآن في باب ابن شهاب عن حميد بن عبد الرحمن ما فيه شفاء واكتفاء وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ذلك ونحن نقول بما ثبت عنه ولا نعدوه ونكل ما جهلنا من معناه إليه صلى الله عليه وسلم فبه علمنا ما علمنا وهو المبين عن الله مراده والقرآن عندنا مع هذا كله كلام الله وصفة من صفاته ليس بمخلوق ولا ندري لم تعدل ثلث القرآن والله يتفضل بما يشاء على عباده وقد قيل إن ذلك الرجل مخصوص وحده بأنها تعدل ذلك له وهذه دعوى لا برهان عليها وقيل إنها لما تضمنت التوحيد والإخلاص كانت كذلك فلو كان هذا الاعتلال وهذا المعنى صحيحا لكانت كل آية تضمنت هذا المعنى يحكم لها بحكمها وهذا ما لا يقدم العلماء عليه من القياس وكلهم يأباه ويقف عند ما رواه.
حدثنا محمد بن خليفة قال حدثنا محمد بن الحسين قال حدثنا ابن الأعرابي قال حدثنا عمر بن مدرك القاضي قال حدثنا الهيثم بن خارجة قال حدثنا الوليد بن مسلم قال سألت الأوزاعي وسفيان الثوري ومالك ابن أنس والليث بن سعد عن الأحاديث التي فيها الصفات فكلهم قال مروها كما جاءت بلا تفسير وقال أحمد بن حنبل يسلم لها كما جاءت فقد تلقاها العلماء بالقبول.
وأما قول الله عز وجل {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا} فمعناه بخير منها لنا لا في نفسها والكلام في صفة الباري كلام يستبشعه أهل السنة وقد سكت عنه الأئمة فما أشكل علينا من مثل هذا

(19/231)


الباب وشبهه أمررناه كما جاء وآمنا به كما نصنع بمتشابه القرآن ولم نناظر عليه لأن المناظرة إنما تسوغ وتجوز فيما تحته عمل ويصحبه قياس والقياس غير جائز في صفات الباري تعالى لأنه {ليْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء}
قال مصعب الزبيري سمعت مالك بن أنس يقول أدركت أهل هذا البلد يعني المدينة وهم يكرهون المناظرة والجدال إلا فيما تحته عمل يريد مالك رحمه الله الأحكام في الصلاة والزكاة والطهارة والصيام والبيوع ونحو ذلك ولا يجوز عنده الجدال فيما تعتقده الأفئدة مما لا عمل تحته أكثر من الاعتقاد وفي مثل هذا خاصة نهي السلف عن الجدال وتناظروا في الفقه وتقايسوا فيه وقد أوضحنا هذا المعنى في كتاب بيان العلم فمن أراده تأمله هناك وبالله التوفيق.
أخبرنا أحمد بن محمد وعبيد بن محمد قالا حدثنا الحسن بن سلمة بن المعلي قال حدثنا عبد الله بن الجارود قال حدثنا إسحاق بن منصور قال قلت لأحمد بن حنبل حديث النبي صلى الله عليه وسلم من قرأ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} فكأنما قرأ ثلث القرآن فلم يقم لي على أمر بين قال وقال لي إسحاق بن راهويه إنما معنى ذلك أن الله جعل لكلامه فضلا على سائر الكلام ثم فضل بعض كلامه على بعض فجعل لبعضه ثوابا أضعاف ما جعل لغيره من كلامه تحريضا من النبي صلى الله عليه وسلم أمته على تعليمه وكثرة قراءته وليس معناه أن لو قرأ القرآن كله كانت قراءة {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} تعدل ذلك إذا قرأها ثلاث مرات لا ولو قرأها أكثر من مائتي مرة.
قال أبو عمر:
من لم يجب في هذا أخلص ممن أجاب فيه والله أعلم.

(19/232)


حدثنا أحمد بن فتح قال حدثنا محمد بن عبد الله بن زكرياء النيسابوري بمصر قال حدثنا أبو عبد الله أحمد بن علي بن سهل المروزي قال حدثنا الحسين بن الحسن القرشي قال حدثنا سليم بن منصور بن عمار قال كتب بشر الريسي إلى أبي رحمه الله أخبرني عن القرآن أخالق أم مخلوق فكتب إليه أبي بسم الله الرحمن الرحيم عافانا الله وإياك من كل فتنة وجعلنا وإياك من أهل السنة وممن لا يرغب بدينه عن الجماعة فإنه إن يفعل فأولى بها نعمة وإلا يفعل فهي الهلكة وليس لأحد على الله بعد المرسلين حجة ونحن نرى أن الكلام في القرآن بدعة تشارك فيها السائل والمجيب تعاطى السائل ما ليس له وتكلف المجيب ما ليس عليه ولا أعلم خالقا إلا الله والقرآن كلام الله فانته أنت والمختلفون فيه إلى ما سماه الله به تكن من المهتدين ولا تسم القرآن باسم من عندك فتكون من الهالكين جعلنا الله وإياك من الذين يخشونه بالغيب وهم من الساعة مشفقون.

(19/233)


حديث رابع لعبدالرحمن بن أبي صعصعة
...
حديث رابع لعبد الرحمن بن أبي صعصعة.
مالك نع عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة عن سليمان بن يسار أنه قال "دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بيت ميمونة بنت الحرث فإذا ضباب فيها بيض ومعه عبد الله بن عباس وخالد بن الوليد فقال من أين لكم هذا فقالت أهدته أختي إلي هزيلة بنت الحرث فقال لعبد الله بن عباس وخالد بن الوليد كلا فقالا ولا تأكل يا رسول الله فقال إني تحضرني من الله حاضرة قالت ميمونة أنسقيك يا رسول الله من لبن عندنا قال نعم فلما شرب قال من أين لكم هذا فقالت أهدته إلي أختي هزيلة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أرأيتك جاريتك التي كنت استأمرتني في عتقها أعطيها أختك وصلي بها رحمك ترعى عليها فإنه خير لك".

(19/234)


قال أبو عمر:
هكذا قال يحيى فإذا ضباب فيها بيض وقال ابن القاسم فإذا بضباب فيها بيض وقال القعنبي وابن نافع وابن بكير ومطرف فأتي بضباب قال القعنبي فيهن بيض وقال غيره فيها بيض وقال يحيى أرأيتك وقال غيره أرأيت وقال يحيى وصلي بها رحمك وقال غيره وصليها بها ترعى عليها والمعاني في ذلك كله متقاربة وكذلك ألفاظ الرواة في الموطأ في متون الأحاديث متقاربة المعاني غير متدافعة ولم يختلف الرواة للموطأ في إسناد هذا الحديث وإرساله على حسبما ذكرناه عن يحيى وقد رواه بكير بن الأشج عن سليمان بن يسار عن ميمونة فأما ما في هذا الحديث من ذكر الضب وامتناع رسول الله صلى الله عليه وسلم من أكله وإذنه لخالد بن الوليد وعبد الله بن عباس في أكله فقد مضى هذا المعنى مسندا في حديث ابن شهاب عن أبي أمامة من كتابنا هذا ومضى أيضا في الضب حدث مالك عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر عن النبي عليه السلام وقد ذكرنا في باب عبد الله بن دينار ما لفقهاء الأمصار من الاختلاف في أكل الضب وما نزعت به كل فرقة وذهبت إليه من الآثار في ذلك بأبسط ما يكون وأوضحه فمن أراد الوقوف على ذلك تأمله هناك فلا معنى لإعادة ما مضى من ذلك ههنا.
أما قوله في هذا الحديث فقال إني تحضرني من الله حاضرة فعناه إن صحت هذه اللفظة لأنها لا توجد في غير هذا الحديث معناها ما

(19/235)


ظهر في حديث ابن عباس وخالد بن الوليد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال فيه "لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه".
وقد روي عن عمر بن الخطاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قذر الضب فلم يأكله وقد بينا المعنى في ذلك كله في باب ابن شهاب وعبد الله بن دينار والحمد لله.
حدثنا أحمد بن قاسم وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثنا قاسم بن اصبغ قال حدثنا الحرث بن أبي أسامة قال حدثنا عبد الوهاب بن عطاء قال حدثنا سعيد عن قتادة عن سليمان اليشكري عن جابر بن عبد الله عن عمر بن الخطاب أن نبي الله صلى الله عليه وسلم لم يحرم الضب ولكن قذره وأن الله لينفع به غير واحد وأنه لطعام الرعاء ولو كان عندي لأكلته.
حدثنا قاسم بن محمد قال حدثنا خالد بن سعيد قال حدثنا محمد بن فطيس قال حدثنا إبراهيم بن مرزوق قال حدثنا وهب بن جرير قال حدثنا شعبة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال "أهدت خالتي أم حفيد إلى النبي صلى الله عليه وسلم أقطا وسمنا وأضبا فأكل النبي صلى الله عليه وسلم من الأقط والسمن ولم يأكل من الأضب وأكل على مائدة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو كان حراما لم يؤكل على مائدة رسول الله صلى الله عليه وسلم" وهذا الحديث من أصح ما يروى من المسندات في معنى حديث هذا الباب المرسل وأظن أم حفيد المذكورة في حديث ابن عباس هذا هي هزيلة أم حفيد لأن أم ابن عباس هي أم الفضل بنت الحارث أخت ميمونة وأخت هزيلة أم حفيد فهزيلة المذكورة في حديث مالك هي أم حفيد والله أعلم ومن تدبر ذلك في الحديثين لم يخف عليه إن شاء الله.

(19/236)


وما نزع به ابن عباس فحجة واضحة لأنه لو كان حراما ما أكل على مائدة رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما بعث آمرا بالمعروف وناهيا عن المنكر ومعلما صلى الله عليه وسلم وقد تكرر هذا المعنى في غير موضع من كتابنا هذا بما فيه شفاء وبيان والله المستعان.
وفي هذا الحديث أيضا الأكل من الصدقة وقبولها وفيه أن الصدقة على الأقارب وذوي الأرحام أفضل من العتق ولهذا ما سيق هذا الحديث وما كان مثله في معناه.
وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم هذا المعنى من وجوه متصلة ومنقطعة صحاح أخبرنا محمد بن إبراهيم قال حدثنا محمد بن معاوية قال حدثنا أحمد ابن شعيب قال أخبرنا هناد بن السري عن عبدة عن ابن إسحاق وأخبرنا سعيد بن نصر وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن وضاح قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا يعلى قال حدثنا محمد بن إسحاق عن بكير بن عبد الله بن الأشج عن سليمان بن يسار عن ميمونة قالت كانت لي جارية فأعتقتها فدخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته بعتقها فقال آجرك الله أما إنك لو أعطيتها أخوالك لكان أعظم لأجرك.
ورواه ابن وهب عن عمرو بن الحرث عن بكير عن كريب عن ميمونة والقول في إسناد هذا الحديث قول ابن إسحاق والله أعلم.
وعند ابن إسحاق في هذا الحديث إسناد آخر أخبرنا محمد بن إبراهيم،

(19/237)


قال حدثنا محمد بن معاوية قال أخبرنا أحمد بن شعيب قال أخبرني محمد ابن عبد الله بن عبد الرحيم قال حدثنا أسد بن موسى
ووجدت في أصل سماع أبي بخطه رحمه الله أن محمد بن أحمد بن قاسم حدثهم قال حدثنا سعيد بن عثمان قال حدثنا نصر بن مرزوق قال حدثنا أسد بن موسى قال حدثنا أبو معاوية محمد بن خازم عن محمد بن إسحاق عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ميمونة أنها سألت النبي صلى الله عليه وسلم خادما فأعطاها خادما فأعتقتها فقال لها ما فعلت الخادم قلت يا رسول الله أعتقتها قال أما إنك لو أعطيتها أخوالك كان أعظم لأجرك.
أخبرنا أحمد بن عبد الله قال أخبرنا مسلمة بن القاسم قال أخبرنا محمد ابن ريان قال أخبرنا محمد بن رمح قال أخبرنا الليث عن يزيد بن أبي حبيب عن عراك بن مالك أن عروة بن الزبير أخبره أن رجلا من بني غفار لحق برسول الله صلى الله عليه وسلم فصحبه وترك أبويه فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم "من كان يمهن لأبويك" قال أنا فأخدمه رسول الله صلى الله عليه وسلم خادما فلبث رسول الله صلى الله عليه وسلم أياما ثم سأله عن العبد ما فعل قال أعتقته قال "لو أعطيته أبويك كان خيرا لك".
أخبرنا عبد الرحمن بن يحيى قال حدثنا أحمد بن سعيد قال حدثنا محمد ابن إبراهيم الديلي قال حدثنا عبد الحميد بن صبيح قال حدثنا سفيان بن عيينة عن ابن طاووس عن أبيه أن ميمونة أعتقت جارية لها فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم "أفلا أعطيتها أختك الأعرابية".
قال أبو عمر:
يعني هزيلة وهي أم حفيد والله أعلم.

(19/238)


حديث خامس لعبدالرحمن بن أبي صعصعة
...
حديث خامس لعبد الرحمن بن أبي صعصعة.
مالك عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة أنه بلغه "أن عمرو بن الجموح وعبد الله بن عمرو الأنصاريين ثم السلميين كانا قد حفر السيل قبرهما وكان قبرهما مما يلي السيل وكانا في قبر واحد وهما ممن استشهد يوم أحد فحفر عنهما ليغير من مكانهما فوجدا لم يتغيرا كأنما ماتا بالأمس وكان أحدهما قد جرح فوضع يده على جرحه فدفن وهو كذلك فأميطت يده عن جرحه ثم أرسلت فرجعت كما كانت وكان بين أحد وبين يوم حفر عنهما ست وأربعون سنة".
هكذا هذا الحديث في الموطأ مقطوعا لم يختلف على مالك فيه وهو يتصل من وجوه صحاح بمعنى واحد متقارب.
قال أبو عمر:
عبد الله بن عمرو هذا هو والد جابر بن عبد الله وهو عبد الله بن عمرو ابن حرام وعمرو بن الجموح بن زيد بن حرام بن كعب بن غنم بن كعب ابن سلمة فهما ابنا عم وكانا صهرين وقتلا يوم أحد ودفنا في قبر واحد وقد ذكرناهما وطرفا من أخبراهما في كتاب الصحابة.
أخبرنا عبد الله بن محمد بن يوسف قال أخبرنا محمد بن محمد بن أبي دليم قال أخبرنا عمر بن حفص بن أبي تمام قال أخبرنا محمد بن عبد

(19/239)


الله بن عبد الحكم قال حدثنا أبو زرعة وهب الله بن راشد قال أخبرنا حيوة بن شريح قال أخبرنا أبو صخر حميد بن زياد أن يحيى بن النضر حدثه عن أبي قتادة أنه حضر عمرو بن الجموح أتى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله أرأيت إن قاتلت في سبيل الله حتى أقتل أتراني أمشي برجلي هذه في الجنة وكانت رجله عرجاء فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "نعم فقتل يوم أحد هو وابن أخيه فمر عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال كأني أراه يمشي في الجنة وأمر بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعلا في قبر واحد".
هكذا في هذا الحديث فقتل يوم أحد هو وابن أخيه وليس هو ابن أخيه إنما هو ابن عمه على ما تقدم ذكرنا له وهو عبد الله بن عمر بن حرام والد جابر بن عبد الله دفن معه في قبر واحد على ما في حديث مالك وغيره.
ذكر الفرياني عن سفيان عن أيوب عن حميد بن هلال عن هشام بن عامر قال لما كان يوم أحد شكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الحرج فقالوا يا رسول الله إنه يشتد علينا الحفر لكل إنسان فقال عمقوا وأحسنوا وادفنوا الاثنين والثلاثة في قبر قالوا يا رسول الله فمن نقدم قال أكثرهم قرآنا قال فدفن أبي ثالث ثلاثة في قبر ذكرنا هذا الخبر وإن لم يكن فيه ذلك لعمرو بن الجموح ولا لعبد الله بن عمرو لما فيه من صفة الدفن يومئذ وقد روى سفيان عن الأسود بن قيس عن نبيح عن جابر ابن عبد الله قال لما كان يوم أحد حمل القتلى ليدفنوا في البقيع فنادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم إن رسول الله قال "يأمركم أن تدفنوا القتلى في مضاجعهم بعدما حملت أبي وخالي عديلين لندفنهم في البقيع فردوا".

(19/240)


حدثنا خلف بن القاسم بن سهل قال حدثنا بكر بن عبد الرحمن قال حدثنا يحيى بن عثمان بن صالح قال حدثنا حسان بن غالب قال حدثنا ابن لهيعة عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله قال استصرخ بنا إلى قتلانا يوم أحد وأجرى معاوية بن أبي سفيان العين فاستخرجهم بعد ستة وأربعين سنة لينة أجسادهم تنثني أطرافهم.
قال أبو عمر:
هذا هو الصحيح والله أعلم أنهم استخرجوا بعد ست وأربعين سنة لأن معاوية لم يجر العين إلا بعد اجتماع الناس عليه خليفة وكان اجتماع الناس عليه عام أربعين من الهجرة في آخرها وقد قيل عام إحدى وأربعين وذلك حين بايعه الحسن بن علي وأهل العراق فسمى عام الجماعة وتوفي سنة ستين وقد روى أبو مسلمة سعيد بن يزيد عن أبي نضرة عن جابر أنهم أخرجوا بعد ستة أشهر فإن صح هذا فمرتين أخرج والد جابر من قبره وأما خروجه وخروج غيره في حين إجراء معاوية العين فصحيح وذلك بعد ستة وأربعين عاما على ما في حديث مالك وغيره.
حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أحمد بن زيهر حدثنا خالد بن حراش قال حدثنا غسان بن مضر قال حدثنا سعيد بن يزيد أبو مسلمة عن أبي نضرة عن جابر بن عبد الله قال دعاني أبي وقد حضر قتال أحد فقال لي يا جابر إني لا أراني إلا أول مقتول يقتل غدا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وإني لأن أدع أحدا

(19/241)


أعز علي منك غير نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن لك أخوات فاستوص بهن خيرا وإن علي دينا فاقض عني فكان أول قتيل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فدفنته هو وآخر في قبر واحد فكان في نفسي منه شيء فاستخرجته بعد ستة أشهر كيوم دفنته إلا هنية عند رأسه وروى هذا الحديث شعبة عن أبي مسلمة عن أبي نضرة عن جابر مثله سواء بمعناه إلا أنه قال بعد ستة أشهر أو سبعة أشهر.
وقد ذكرنا هذا الخبر فيما تقدم من كتابنا في باب أبي الرحال حدثنا محمد بن إبراهيم بن سعيد قال أخبرنا أحمد بن مطرف قال حدثنا سعيد ابن عثمان قال حدثنا إسحاق بن إسماعيل قال حدثنا سفيان بن عيينة عن أبي الزبير عن جابر قال لما أراد معاوية أن يجري العين بأحد نودي بالمدينة من كان له قتيل فليأت قتيله قال جابر فأتيناهم فأخرجناهم رطابا يتثنون فأصابت المسحاة أصبع رجل منهم فانفطرت دما قال أبو سعيد الخدري لا ننكر بعد هذا منكرا أبدا.
قال أبو عمر:
الذي أصابت المسحاة أصبعه هو حمزة رضي الله عنه رواه عبد الأعلى ابن حماد قال حدثنا عبد الجبار يعني ابن الورد قال سمعت أبا الزبير يقول سمعت جابر بن عبد الله يقول رأيت الشهداء يخرجون على رقاب الرجال كأنهم رجال توم حتى إذا أصابت المسحاة قدم حمزة رضي الله عنه فانبثقت دما وبالله التوفيق.

(19/242)


عبدالرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق رضي الله عنهم
حديث أول لعبدالرحمن بن القاسم
...
عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق يكنى أبا محمد رضي الله عنهم.
قال مصعب الزبيري أمه قريبة ابنة عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق وقال غيره أمه أسماء بنت عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق وكان من خيار المسلمين.
قال أبو عمر:
كان عبد الرحمن بن القاسم هذا فقيها جليلا معظما بالمدينة ثقة حجة فيما نقل كان نقش خاتمه عبد الرحمن بن القاسم وكان أيوب السختياني يجله ويعظمه وكان إذا كتب إليه بدأ به وكان يحيى بن سعيد الأنصاري يحدث عن عمرة عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال "تقطع اليد في ربع دينار فصاعدا" فنهاه عبد الرحمن بن القاسم عن رفعه وقال إنها لم ترفعه فترك يحيى الرفع فيه إلى أن مات إجلالا له.
وقال البخاري حدثنا علي بن المديني عن بن عيينة أخبرنا عبد الرحمن بن القاسم وكان أفضل أهل زمانه أنه سمع أباه القاسم بن محمد وكان أفضل أهل زمانه وقال ابن عيينة مات الزهري سنة أربع وعشرين قبل عبد الرحمن بن القاسم.

(19/243)


قال أبو عمر: يعني أن عبد الرحمن بن القاسم توفي بعد الزهري في عام واحد سنة أربع وعشرين وكان لعبد الرحمن بن القاسم ابن يسمى عبد الله بن عبد الرحمن بن القاسم ولي قضاء المدينة أيام حسن بن زيد وابنه محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن القاسم ولي قضاء المدينة للمأمون والمأمون بخراسان وقيل كانت وفاة عبد الرحمن بن القاسم سنة ست وعشرين ومائة وقيل سنة إحدى وثلاثين ومائة لمالك عنه عشرة أحاديث أحدها مرسل وسائرها مسندة.

(19/244)


حديث أول لعبد الرحمن بن القاسم.
مالك عن عبد الرحمن بن القاسم بن محمد عن عبد الله بن عبد الله ابن عمر أنه أخبره "أنه كان يرى عبد الله بن عمر يتربع في الصلاة إذا جلس قال ففعلته وأنا يومئذ حديث السن فنهاني عبد الله وقال إنما سنة الصلاة أن تنصب رجلك اليمنى وتثني رجلك اليسرى قال فقلت له فإنك تفعل ذلك فقال إن رجلي لا تحملاني".
قال أبو عمر:
هذا الحديث يدخل في المسند لقول ابن عمر إنما سنة الصلاة وقد بان في هذا الحديث أن التربع في الصلاة لا يجوز وليس من سنتها وعلى هذا جماعة الفقهاء فلا وجه للإكثار فيه.
وقد روى عن ابن عباس وأنس ومجاهد وأبي جعفر محمد بن علي وسالم وابن سيرين وبكر المزني أنهم كانوا يصلون متربعين وهذا عند أهل العلم على أنهم كانوا يصلون جلوسا عند عدم القوة على القيام أو كانوا متنقلين جلوسا لأنهم كلهم قد روي عنهم أن التربع في الجلوس للصلاة لا يجوز إلا لمن اشتكى أو تنفل.

(19/245)


ذكر ابن أبي شيبة عن الثقفي عن أيوب عن محمد بن سيرين قال كان يكره أن يتربع الرجل في صلاته حين يتشهد وعن ابن علية عن أيوب عن ابن سيرين قال نبئت أن ابن عمر صلى متربعا وقال أنه ليس بسنة إنما فعله من وجع.
وعن محمد بن فضيل عن حصين عن الهيثم بن شهاب قال سمعت عبد الله بن مسعود يقول لأن أقعد على رضفتين أحب إلي من أن أقعد متربعا في الصلاة وقد اختلف الفقهاء في كيفية صلاة القاعد الذي لا يقدر على القيام في الفريضة والمصلي جالسا في النافلة فذكر ابن عبد الحكم عن مالك في المريض أنه يتربع في حال القراءة والركوع ويثني رجليه في حال السجود فيسجد وكذلك قال الليث بن سعد.
وروى المزني عن الشافعي قال يجلس المريض والمصلي جالسا في صلاته كجلوس التشهد وروى عنه البويطي أنه يصلي متربعا في موضع القيام.
وروى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة وزفر أنه يجلس كجلوس الصلاة في التشهد وكذلك يركع ويسجد واحتج من ذهب هذا المذهب بقول ابن مسعود وقد تقدم ذكره لأن أقعد على رضفتين أحب إلي من أن أقعد متربعا في الصلاة وحمل هذا على الصلاة التي يجوز فيها الجلوس قال وقال أبو يوسف يكون في حال قيامه متربعا وفي ركوعه وسجوده كجلوس التشهد.

(19/246)


قال الطحاوي المشهور من قول أبي يوسف ومحمد أنه يكون متربعا في حال الركوع.
قال أبو عمر:
ذكر ابن أبي شيبة عن وكيع قال حدثنا سفيان عن حماد عن إبراهيم قال إذا صلى قاعدا جعل قيامه متربعا قال وكيع وقال سفيان إذا صلى جالسا جعل قيامه متربعا فإذا أراد أن يركع ركع وهو متربع وإذا أراد أن يسجد ثنى رجليه.
وعن أسباط بن محمد عن مطرف عن سليمان بن بزيع قال دخلت على سالم وهو يصلي جالسا فإذا كان الجلوس جثا لركبتيه وإذا كان القيام تربع وكرهت طائفة التربع على كل حال منهم طاووس وكان طاووس يقول هي جلسة مملكة وهذا كله في النافلة لمن صلى جالسا فيها أو للمريض وأما الصحيح فلا يجوز له التربع في كل حال في الصلاة بإجماع من العلماء وكذلك أجمعوا أنه من لم يقدر على هيئة الجلوس في الصلاة صلى على حسبما يقدر ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها.
واختلف الفقهاء في هيئة الجلوس وكيفيته في الصلاة المكتوبة فقال مالك يفضي باليتيه إلى الأرض وينصب رجله اليمنى ويثني رجله اليسرى وهذا كله عنده في كل جلوس في الصلاة هكذا والمرأة والرجل في ذلك كله عنده سواء.
وقال الثوري وأبو حنيفة وأصحابه ينصب الرجل اليمنى ويقعد على اليسرى هذا في الرجل والمرأة عندهم تقعد كأيسر ما يكون لها وقال الثوري تسدل رجليها من جانب واحد ورواه عن إبراهيم وقال

(19/247)


الشعبي تقعد كيف تيسر لها وكان عبد الله بن عمر يأمر نساءه أن يجلسن في الركعتين والأربع متربعات.
قال الشافعي يقعد المصلي في الجلسة الوسطى كما قال أبو حنيفة والثوري وفي الجلسة من الرابعة كما قال مالك وقال الشافعي أيضا إذا قعد في الرابعة أماط رجليه جميعا فأخرجهما عن وركه اليمنى وأفضى بمقعدته إلى الأرض وأضجع اليسرى ونصب اليمنى قال وكذلك القعدة في صلاة الصبح.
وقال أحمد بن حنبل مثل قول الشافعي سواء في كل شيء إلا في الجلوس للصبح فإنه عنده كالجلوس في ثنتين وهو قول داود وقال الطبري إن فعل هذا فحسن وإن فعل هذا فحسن لأن ذلك كله قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم.
قال أبو عمر:
ما ذهب إليه مالك فقد روي عن ابن عمر أنه السنة وحسبك وما ذهب إليه الثوري وأبو حنيفة فموجود في حديث وائل بن حجر عن النبي صلى الله عليه وسلم وما ذهب إليه الشافعي فموجود في حديث أبي حميد الساعدي عن النبي صلى الله عليه وسلم.
أخبرنا محمد بن إبراهيم بن سعيد قال حدثنا محمد بن معاوية بن عبد الرحمن قال حدثنا أحمد بن شعيب قال أخبرنا قتيبة قال حدثنا الليث عن يحيى بن سعيد عن القاسم بن محمد عن عبد الله بن عبد الله بن عمر عن أبيه أنه قال إن من سنة الصلاة أن تضجع رجلك اليسرى

(19/248)


وتنصب اليمنى وكذلك رواه عبد الوهاب الثقفي قال سمعت يحيى بن سعيد قال سمعت القاسم يقول أخبرني عبد الله بن عبد الله أنه سمع عبد الله بن عمر يقول سنة الصلاة أن تضجع رجلك اليسرى وتنصب اليمنى ذكره أبو داود عن بن معاذ عن الثقفي وكذلك رواه جرير عن يحيى بن سعيد.
وروى هذا الحديث مالك في الموطأ عن يحيى بن سعيد أن القاسم بن محمد أراهم الجلوس في التشهد فنصب رجله اليمنى وثنى رجله اليسرى وجلس على وركه الأيسر ولم يجلس على قدمه ثم قال أراني هذا عبد الله بن عبد الله بن عمر وحدثني أن أباه كان يفعل ذلك.
هكذا قال مالك في حديث يحيى بن سعيد هذا لم يذكر فيه أن ذلك من سنة الصلاة كما ذكر في حديثه عن عبد الرحمن بن القاسم وكذلك رواه حماد بن زيد عن يحيى بن سعيد أن القاسم بن محمد أراهم الجلوس فذكر مثل ما ذكره مالك سواء ولم يذكر أن ذلك من السنة كما قال عبد الوهاب والليث وجرير فلهذا لم نذكر في هذا الكتاب حديث مالك عن يحيى بن سعيد عن القاسم في باب يحيى بن سعيد لأن مالكا لم يقل عنه فيه من السنة ولا نشك أن ذلك من السنة لأن مالكا ذكر عن عبد الرحمن بن القاسم عن عبد الله بن عبد الله بن عمر عن أبيه وأظن عبد الرحمن شهد ذلك من عبد الله بن عبد الله مع أبيه القاسم لأن رواية مالك عنه تدل على ذلك وعبد الرحمن ممن أدرك بسنه من الصحابة مثل أنس وطبقته وإن كان لم تحفظ له عنهم رواية فهو أحرى أن يصير مع أبيه

(19/249)


في درجة في مثل هذا الحديث عن عبد الله بن عبد الله بن عمر هذا ما لا خلاف فيه ولا مدفع.
أخبرنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي عن مالك عن عبد الرحمن بن القاسم عن عبد الله بن عبد الله بن عمر عن عبد الله بن عمر قال سنة الصلاة أن تنصب رجلك اليمنى وتثني رجلك اليسرى.
قال أبو عمر:
رواية يحيى بن سعيد عن القاسم أكمل من رواية عبد الرحمن هذه والمعنى في ذلك بين واضح والحمد لله وقد روي في هذا الباب عن عائشة حديث اختلف في متنه ولفظه أخبرنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن عيسى الواسطي قال حدثنا عمرو بن عون عن هشيم عن منصور عن محمد بن أبان عن عائشة قالت أربع من السنة تعجيل الإفطار وتأخير السحور ووضع الرجل اليسرى في التشهد ونصب اليمنى.
قال أبو عمر:
منصور هذا هو منصور بن زاذان ومحمد بن أبان هذا هو محمد بن أبان الأنصاري المديني إلا أني أظن أنه لم يدرك عائشة وأخشى أن يكون محمد بن أبان الذي يروي عن القاسم عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم من نذر أن يعصي الله فلا يعصه وقد جعلهما العقيلي رجلين وكذلك جعلهما أبو حاتم رجلين.
وذكر العقيلي هذا الحديث فقال أخبرنا محمد بن عيسى الواسطي قال أخبرنا عمرو بن عون أخبرنا هشيم عن منصور بن زاذان عن

(19/250)


محمد بن أبان عن عائشة قالت أربع من السنة تعجيل الإفطار وتأخير السحور ووضع اليسرى ونصب اليمنى في التشهد
قال وأخبرنا محمد بن علي حدثنا سعيد بن نصر أخبرنا هشيم أخبرنا منصور بن زاذان عن محمد بن أبان الأنصاري عن عائشة قالت ثلاث من النبوة تعجيل الإفطار وتأخير السحور ووضع اليمنى على اليسرى في الصلاة.
ورواه حجاج بن منهال عن هشيم مثله بإسناده فسقط هذا الحديث أن يحتج به في هذا الباب للاختلاف في متنه وعناه وقد روى حارثة بن بي الرجال وهو ممن لا يحتج به أيضا عن عمرة عن عائشة أنها وصفت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرتها وقالت في آخرها ثم يرفع رأسه فيجلس على قدمه اليسرى وينصب اليمنى ويكره أن يسقط على شقه الأيسر ذكره أبو بكر بن أبي شيبة عن عبدة عن حارثة. وأما حديث وائل بن حجر في هذا الباب فأحسن طرقه ما حدثناه عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن وضاح قال حدثنا حامد بن يحيى قال حدثنا سفيان قال حدثني عاصم ابن كليب الجرمي قال سمعت أبي يقول سمعت وائل بن حجر الحضرمي قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي فذكر الحديث وفيه قال ورأيته إذا جلس في الصلاة أضجع رجله اليسرى ونصب رجله اليمنى.

(19/251)


وأخبرنا محمد بن إبراهيم قال حدثنا محمد بن معاوية قال حدثنا أحمد ابن شعيب قال أخبرنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقرئ حدثنا سفيان حدثنا عاصم بن كليب عن أبيه عن وائل بن حجر قال أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأيته يرفع يديه إذا افتتح الصلاة حتى يحاذي منكبيه وإذا أراد أن يركع وإذا جلس في الركعتين أضجع اليسرى ونصب اليمنى وذكر الحديث.
وأما حديث أبي حميد الساعدي فحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال أخبرنا محمد بن عبد السلام قال حدثنا محمد ابن بشار قال حدثنا أبو عاصم قال أخبرنا عبد الحميد بن جعفر قال حدثني محمد بن عمرو بن عطاء قال سمعت أبا حميد الساعدي في عشرة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فيهم أبو قتادة بن زيعي فقال أبو حميد أنا أعلمكم بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا لم فو الله ما كنت أكثرنا له تبعة ولا أقدمنا له صحبة قال بلى قالوا فاعرض قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة كبر ثم يرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه ويقر كل عظم في موضعه ثم يكبر ثم يقرأ ثم يرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه ثم يركع فيضع راحتيه على ركبتيه معتدلا لا يصب رأسه ولا يقع معتدلا ثم يقول سمع الله لمن حمده ثم يرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه حتى يقر كل عظم إلى موضعه ثم يهوي إلى الأرض ويجافي يديه عن جنبيه ثم يرفع رأسه ويثني رجله اليسرى فيقعد عليها ويفتح أصابع رجليه ثم يسجد ثم يكبر وجلس على رجله اليسرى حتى يرجع كل عظم إلى موضعه ثم يقوم فيضع في الركعة الأخرى مثل ذلك ثم إذا قام من الركعتين رفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه كما صنع عند افتتاح الصلاة ثم يصلي بقية صلاته

(19/252)


هكذا إذا كان في السجدة التي فيها التسليم أخر رجله وجلس على شقه الأيسر متوركا قالوا صدقت هكذا كان يصلي النبي صلى الله عليه وسلم.
وأخبرنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال أخبرنا أحمد بن حنبل قال حدثنا أبو عاصم قال حدثنا عبد الحميد ابن جعفر فذكر بإسناده مثله قال أبو داود وحدثنا مسدد قال حدثنا يحيى قال حدثنا عبد الحميد بن جعفر قال حدثني محمد بن عمرو ابن عطاء عن أبي حميد الساعدي فذكره.
وأخبرنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا المطلب بن شعيب قال حدثنا عبد الله بن صالح قال حدثنا الليث عن يزيد بن محمد القرشي ويزيد بن أبي حبيب عن محمد بن عمرو بن طلحة عن محمد بن عمرو بن عطاء أنه كان جالسا مع نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرنا صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أبو حميد أنا أحفظكم بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم رأيته إذا كبر جعل يديه حذو منكبيه وإذا ركع أمكن كفيه من ركبتيه ثم هصر ظهر فإذا رفع رأسه استوى حتى يعود كل فقار مكانه فإذا سجد وضع يديه غير مفترش ولا قابضهما واستقبل بأطراف أصابع رجليه القبلة فإذا جلس في الركعتين جلس على رجله اليسرى وإذا جلس في الركعة الآخرة قدم رجله اليسرى وقعد على مقعدته ورواه ابن وهب عن الليث بإسناده هذا مثله سواء.
ورواه ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن محمد بن عمرو بن طلحة عن محمد بن عمرو العامري قال كنت في مجلس فذكر هذا الحديث قال فيه فإذا قعد في الركعتين قعد على بطن قدمه اليسرى

(19/253)


ونصب اليمنى وإذا كان في الرابعة أفضى بوركه الأيسر إلى الأرض وأخرج قدميه من ناحية واحدة ورواه فليح بن سليمان وعيسى بن عبد الله بن مالك عن عباس بن سهل بن سعد الساعدي قال اجتمع أبي وأبو حميد وأبو أسيد ومحمد بن مسلمة فذكر هذا الحديث وقال فيه ثم جلس فافترش رجله اليسرى وأقبل بصدر اليمنى على قبلته.
قال أبو عمر: لم أجد استقبال القبلة بصدر القدم اليمنى في الصلاة عند الجلوس للتشهد إلا في حديث أبي حميد هذا وفي رواية عمرو بن الحرث عن يحيى بن سعيد عن القاسم بن محمد في حديث ابن عمر حدثناه محمد ابن إبراهيم قال حدثنا محمد بن معاوية قال حدثنا أحمد بن شعيب قال حدثنا الربيع بن سليمان بن داود حدثنا إسحاق بن بكر بن مضر قال حدثني أبي عن عمرو بن الحارث عن يحيى بن سعيد أن القاسم حدثه عن عبد الله وهو ابن عبد الله بن عمر عن أبيه قال من سنة الصلاة أن تنصب القدم اليمنى وتستقبل بأصابعها القبلة والجلوس على اليسرى.
واختلف الفقهاء في النهوض من السجود إلى القيام فقال مالك والأوزاعي والثوري وأبو حنيفة وأصحابه ينهض على صدور قدميه ولا يجلس وروي ذلك عن ابن مسعود وابن عمر وابن عباس وقال النعمان بن أبي عياش أدركت غير واحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك وقال أبو الزناد تلك السنة وبه قال أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه قال أحمد أكثر الأحاديث على هذا قال الأثرم ورأيت أحمد بن حنبل ينهض بعد السجود على صدور قدميه ولا يجلس قبل أن ينهض،

(19/254)


وذكر عن ابن مسعود وابن عمر وأبي سعيد وابن عباس وابن الزبير أنهم كانوا ينهضون على صدور أقدامهم.
وقال الشافعي إذا رفع رأسه من السجدة جلس ثم نهض معتمدا على الأرض بيديه حتى يعتدل قائما.
ومن حجة من ذهب مذهب مالك ومن تابعه حديث أبي حميد الساعدي المذكور في هذا الباب فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم لما رفع رأسه من السجدة قام ولم يذكر قعودا.
وفي حديث رفاعة بن رافع عن النبي صلى الله عليه وسلم في تعليم الأعرابي ثم اسجد حتى تعتدل ساجدا ثم قم ولم يأمره بالقعدة واحتج أبو جعفر الطحاوي لهذا المذهب أيضا بأن قال قد اتفقوا انه يرجع من السجود بتكبير ثم لا يكبر تكبيرة أخرى للقيام قالوا فلو كانت القعدة مسنونة لكان الانتقال منها إلى القيام بالذكر كسائر أحوال الانتقال.
وحجة الشافعي لما ذهب إليه في ذلك حديث مالك بن الحويرث أخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن قال أخبرنا محمد بن بكر بن داسة قال حدثنا أبو داود قال حدثنا زياد بن أيوب ومسدد قال حدثنا إسماعيل عن أيوب عن أبي قلابة قال جاءنا أبو سليمان مالك بن الحويرث إلى مسجدنا فقال والله إني لأصلي وما أريد الصلاة ولكني أريد أن أريكم كيف رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي قال فقعد في الركعة الأولى حين رفع رأسه من السجدة الآخرة ثم قام.
حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا بكر بن حماد وحدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال

(19/255)


حدثنا أبو داود قالا حدثنا مسدد قال حدثنا هشيم عن خالد عن أبي قلابة عن مالك بن الحويرث أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان في وتر من صلاته لم ينهض حتى يستوي قاعدا.
وأخبرنا محمد بن إبراهيم قال حدثنا محمد بن معاوية قال حدثنا أحمد ابن شعيب قال أخبرنا محمد بن بشار قال حدثنا عبد الوهاب قال حدثنا خالد عن أبي قلابة قال كان مالك بن الحويرث يأتينا فيقول ألا أحدثكم عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فيصلي في غير وقت صلاة فإذا رفع رأسه من السجدة الثانية في أول ركعة استوى قاعدا ثم قام فاعتمد على الأرض قال أصحاب الشافعي فحديث ابن الحويرث أولى ما قيل به في هذه المسألة لأن فيه زيادة سكت عنها غيره فوجب قبولها.
واختلف الفقهاء في الاعتماد على اليدين عند النهوض إلى القيام فقال مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابهم يعتمد على يديه إذا أراد القيام وروي عن ابن عمر أنه كان يعتمد على يديه إذا أراد القيام وكذلك روي عن مكحول وعمر بن عبد العزيز وجماعة من التابعين.
ذكر عبد الرزاق عن عبد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر أنه كان يقوم إذا رفع رأسه من السجدة معتمدا على يديه قبل أن يرفعهما وقال الثوري لا يعتمد على يديه إلا أن يكون شيخا كبيرا وروي ذلك عن علي ابن أبي طالب وهو قول إبراهيم النخعي.
وقال الأثرم رأيت أحمد بن حنبل إذا نهض يعتمد على فخذيه وذكر عن علي رضي الله عنه قال إن من السنة في الصلاة إذا نهض الرجل في

(19/256)


الركعتين الأوليين ألا يعتمد بيديه على الأرض إلا أن يكون شيخا كبيرا لا يستطيع.
عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه أن السنة في الجلوس في الصلاة أن يثني اليسرى ويقعي باليمنى وعن معمر قال سألت الزهري عن الجلوس في مثنى في الصلاة قال تثني اليسرى تحت اليمنى وعن معمر عن أيوب عن نافع قال تربع ابن عمر في صلاته فقال إنها ليست من سنة الصلاة ولكني أشتكي رجلي وعن ابن جريج عن عطاء قال رأيت ابن عمر يجلس في مثنى فجلس على يسراه فيبسطها جالسا عليها ويقعي على أصابع يمناه ثانيها وراءه على كل أصابعها قال أبو عمر قد مضى معنى الإقعاء وما فيه للعلماء في باب صدقة بن يسار من كتابنا هذا فلا معنى لإعادة ذلك ههنا ومضى في هذا الباب ما فيه كفاية.

(19/257)


حديث ثان لعبدالرحمن بن القاسم
...
حديث ثان لعبد الرحمن بن القاسم.
مالك عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفرد الحج".
قال أبو عمر:
هذا أصح حديث يروى عن النبي عليه السلام أنه أفرد الحج وإليه ذهب مالك في اختياره الإفراد وأصحابه وأبو ثور وجماعة وري ذلك عن أبي بكر وعمر وعثمان وهو أحد قولي الشافعي واختياره.
وروى محمد بن الحسن عن مالك أنه قال إذا جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثان مختلفان وبلغنا أن أبا بكر وعمر عملا بأحد الحديثين وتركا الآخر كان في ذلك دلالة أن الحق فيما عملا به وقد مضى القول ممهدا في هذا المعنى وما فيه للعلماء السلف منهم والخلف من التنازع والاختلاف فيما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم به محرما في حجته وهل كان حينئذ مفردا أو متمتعا او قارنا وذكرنا هناك اختلاف الآثار في ذلك وما ذهب إليه فقهاء

(19/258)


الأمصار وذلك في باب ابن شهاب عن عروة من كتابنا هذا والحمد لله.
حدثنا خلف بن قاسم بن سهل بن محمد حدثنا أحمد بن إبراهيم بن أحمد بن محمد بن عطية حدثنا أبو عبد الرحمن زكرياء بن يحيى السجزي حدثنا ابن الرماح قال قلت الإفراد أحب إليك أم القران قال الأفراد قلت من أين قال لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفرد الحج قلت عمن فقال حدثني عبد الرحمن ابن القاسم عن أبيه عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم أفرد الحج وحدثنا خلف بن القاسم حدثنا أبو بكر محمد بن الحسين بن صالح السبيعي بدمشق حدثنا أحمد بن خالد بن يزيد بن عبد الله الكندي الحلبي حدثنا مطرف بن عبد الله المدني حدثنا مالك عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم أفرد الحج ورواه مطرف أيضا عن ابن أبي حازم عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله.
ورواه الوليد بن مسلم عن الأوزاعي وابن جريج عن عطاء عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله سواء وأبو معاوية عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله.
وأما الحج في الشريعة فقصد الكعبة البيت الحرام والطواف والسعي بين الصفا والمروة والرمي والوقوف بعرفة على سنتها ثم بالمزدلفة على سنتها ثم إتيان منى والمقام بها لرمي الجمار ثم الطواف وكل ذلك على سنته فيما هو معلوم والحمد لله.

(19/259)


وقد أتينا على إيضاح ذلك في مواضعه من هذا الكتاب.
وأما الحج في اللغة: فالقصد قال الشاعر:
وأشهد من عوف حلولا كثيرة ... يحجون سب الزبرقان المزعفرا
السب الثوب أو العمامة.
وقال جرير:
قوم إذا حاولوا حجا لبيعتهم ... صروا الفلوس وحجوا غير إبرار

(19/260)


حديث ثالث لعبدالرحمن بن القاسم
...
حديث ثالث لعبد الرحمن بن القاسم.
مالك عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة أنها قالت قدمت مكة وأنا حائض فلم أطف بالبيت ولا بين الصفا والمروة فشكوت ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال "افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت ولا بين الصفا والمروة حتى تطهري".
هكذا قال يحيى عن مالك في هذا الحديث غير أن لا تطوفي بالبيت ولا بين الصفا والمروة حتى تطهري.
وقال غيره من رواة الموطأ غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري لم يذكروا ولا بين الصفا والمروة ولا ذكر أحد من رواة الموطأ في هذا الحديث ولا بين الصفا والمروة غير يحيى فيما علمت وهو عندي وهم منه والله أعلم.
والمعروف من مذهب مالك أن الحائض لا بأس أن تسعى بين الصفا والمروة إذا كانت قد طافت بالبيت قبل أن تحيض ذكر مالك في موطئه قال والمرأة الحائض إذا كانت قد طافت بالبيت قبل أن تحيض فإنها تسعى بين الصفا والمروة وتقف بعرفة والمزدلفة وترمي الجمار غير أن لا تطوف بالبيت حتى تطهر من حيضتها.

(19/261)


قال أبو عمر: رواية يحيى هذه إن صحت فتشبه مذهب ابن عمر ذكر مالك في الموطأ عن نافع عن عبد الله بن عمر أنه كان يقول في المرأة الحائض التي تهل بحج أو عمرة إنها تهل بحجها أبو بعمرتها إذا أرادت ولكن لا تطوف بالبيت ولا بين الصفا والمروة ولا تقرب المسجد حتى تطهر وهي لا تحل حتى تطوف بالبيت وبين الصفا والمروة فقول ابن عمر هذا على نحو رواية يحيى إلا أن ذلك غير محفوظ في حديث عبد الرحمن بن القاسم هذا عن أبيه عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم وفقهاء الأمصار بالحجاز والعراق والشام لا يرون بأسا بالسعي بين الصفا والمروة على غير طهارة وما جاز عندهم لغير الطاهر أن يفعله جاز للحائض أن تفعله وهذا مذهب مالك والشافعي وأبي حنيفة وأصحابهم وهو قول عطاء وبه قال أحمد وأبو ثور وغيرهم وحجتهم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لعائشة في هذا الحديث "افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت" وكان الحسن البصري يقول من سعى بين الصفا والمروة على غير طهارة فإن ذكر قبل أن يحل فليعد وإن ذكر بعدما حل فلا شيء عليه.
وأجمعوا أنه لا يجوز لأحد الطواف بالبيت إلا على طهارة واختلفوا فيمن فعله على غير طهارة ثم خرج إلى بلدة قبل أن يعلم به فقال مالك والشافعي حكمه حكم من لم يطف أصلا وقال أبو حنيفة يبعث بدم ويجزئه.

(19/262)


حديث رابع لعبدالرحمن بن القاسم
...
حديث رابع لعبد الرحمن بن القاسم.
مالك عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة أنها قالت "خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام حجة الوداع فأهللنا بعمرة ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"من كان معه هدي فليهل بالحج مع العمرة ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعا" قالت فقدمت مكة وأنا حائض فلم أطف بالبيت ولا بين الصفا والمروة فشكوت ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال "انقضي رأسك وامتشطي وأهلي بالحج ودعي العمرة" قالت ففعلت فلما قضيت الحج أرسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم مع عبد الرحمن بن أبي بكر إلى التنعيم فاعتمرت فقال هذه مكان عمرتك فطاف الذين أهلوا بالعمرة بالبيت وبين الصفا والمروة ثم حلوا ثم طافوا طوافا آخر بعد أن رجعوا من منى لحجهم وأما الذين كانوا أهلوا بالحج أو جمعوا الحج والعمرة فإنما طافوا طوافا واحدا".
هكذا روى يحيى هذا الحديث عن مالك بهذا الإسناد عن عبد الرحمن ابن القاسم عن أبيه عن عائشة ولم يتابعه عليه أحد فيما علمت من رواة الموطأ وإنما هذا الحديث في الموطأ عند جماعة الرواة عن مالك عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة هكذا بهذا الإسناد وهو عند يحيى بهذا الإسناد كذلك أيضا وبإسناد آخر عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه،

(19/263)


عن عائشة فانفرد يحيى لهذا الحديث بهذا الإسناد وحمل عنده هذا الحديث بهذين الإسنادين عن مالك في الموطأ وليس ذلك عند أحد غيره في الموطأ والله أعلم.
وقد تقدم ذكرنا لذلك في باب ابن شهاب وقد يجوز ويحتمل أن يكون عند مالك في هذا الحديث إسنادان فيدخل الحديث في موطئه بإسناد واحد منهما ثم رأى أن يردف الإسناد الآخر إذ ذكره أو نشط إليه فأفاد بذلك يحيى وكان يحيى من آخر من عرض عليه الموطأ ولكن أهل العلم بالحديث يجعلون إسناد عبد الرحمن بن القاسم في هذا الحديث خطأ لانفراد واحد به عن الجماعة.
وأما قوله "انقضي رأسك وامتشطي" فهذا لم يقله أحد عن عائشة غير عروة لا القاسم ولا غيره وقد أوضحنا ذلك كله في باب ابن شهاب عن عروة من هذا الكتاب.
وأما معاني هذا الحديث فقد مضى القول فيها في باب ابن شهاب عن عروة من هذا الكتاب والحمد لله كثيرا.

(19/264)


حديث خامس لعبدالرحمن بن القاسم
...
حديث خامس لعبد الرحمن بن القاسم.
مالك عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة أنها قالت "خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره حتى إذا كنا بالبيداء أو بذات الجيش انقطع عقد لي فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم على التماسه وأقام الناس معه وليسوا على ماء وليس معهم ماء فأتى الناس إلى أبي بكر الصديق فقالوا ألا ترى ما صنعت عائشة أقامت برسول الله صلى الله عليه وسلم وبالناس وليسوا على ماء وليس معهم ماء قالت عائشة فجاء أبو بكر ورسول الله صلى الله عليه وسلم واضع رأسه على فخذي قد نام فقال حبست رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس وليسوا على ماء وليس معهم ماء فعاتبني أبو بكر وقال ما شاء الله أن يقول وجعل يطعن بيده في خاصرتي فما يمنعني من التحرك إلا مكان رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم على فخذي فنام رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أصبح على غير ماء فأنزل الله آية التيمم فقال أسيد بن حضير ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر قالت فبعثنا البعير الذي كنت عليه فوجدنا العقد تحته".

(19/265)


هذا أصح حديث روي في هذا الباب وفيه من الفقه خروج النساء مع الرجال في الأسفار وخروجهن مع الرجال في الغزوات وغير الغزوات مباح إذا كان العسكر كبيرا يؤمن عليه الغلبة.
حدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا عبد السلام بن مطهر قال حدثنا جعفر بن سليمان عن ثابت البناني عن أنس قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغزو بأم سليم ونسوة من الأنصار يسقين الماء ويداوين الجرحى.
حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا شريح بن النعمان قال حدثنا عبد الواحد بن زياد عن خالد بن ذكوان قال قلت للربيع بنت معوذ هل كنتن تغزون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت نعم كنا نغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نحمل الجرحى نسقيهم أو نداويهم.
قال أبو عمر:
وخروج الرجل مع أهله في السفر من العمل المباح فإذا كان له نساء حرائر لم يجز له أن يسافر بواحدة منهن حتى يقرع بينهن فإذا أقرع بينهن ووقعت القرعة على من وقعت منهن خرجت معه واستأثرت به في سفرها فإذا رجع من سفره استأنف القسمة بينهن ولم يحاسب التي خرجت معه بأيام سفره معها وكانت مشقتها في سفرها ونصبها فيه بإزاء نصيبها منه وكونها معه.
أخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن قال حدثنا أبو بكر أحمد بن سلمان النجار الفقيه ببغداد قال حدثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي قال حدثنا إسماعيل بن أبي أويس عن أبيه عن هشام بن عروة عن أبيه

(19/266)


عن عائشة قالت كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه فأيتهن خرج سهمها خرج بها.
وأخبرنا عبد الله بن محمد قال حدثنا أحمد بن سلمان قال حدثنا إسماعيل بن إسحاق قال حدثنا إسماعيل بن أبي أويس قال حدثنا أبي قال حدثني الحسن بن زيد بن حسين بن علي بن أبي طالب عن عبد الله ابن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري النجاري عن عمرة بنت عبد الرحمن عن عائشة مثله والسفر المذكور في هذا الحديث يقال أنه كان في غزاة بني المصطلق والله أعلم.
وأما قوله في هذا الحديث حتى إذا كنا بالبيداء أو بذات الجيش فهكذا في حديث عبد الرحمن بن القاسم وروى هشام بن عروة هذا الحديث فاختلف عنه في اسم الموضع الذي انقطع فيه العقد حدثني يونس ابن عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن معاوية قال حدثنا جعفر بن محمد الفريابي قال حدثنا منجلب بن الحرث عن علي بن مسهر عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أنها استعارت من أسماء قلادة لها وهي في سفر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فانسلت منها وكان ذلك المكان يقال له الصلصل فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فطلبوها حتى وجدوها وحضرت الصلاة فلم يكن معهم ماء فصلوا بغير وضوء فأنزل الله آية التيمم فقال لها أسيد بن الحضير جزاك الله خيرا فو الله ما نزل بك أمر تكرهينه إلا جعل الله لك فيه وللمسلمين خيرا.
هكذا في الحديث أن القلادة كانت لأسماء وأن عائشة استعارتها منها وقال قلادة ولم يقل عقدا وقال في المكان يقال له الصلصل.

(19/267)


وروى ابن عيينة هذا الحديث عن هشام بن عروة فقال فيه سقطت قلادتها ليلة الأبواء فأضاف القلادة إليها وقال في الموضع الأبواء.
حدثنا سعيد بن نصر وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن إسماعيل قال حدثنا الحميدي قال حدثنا سفيان قال حدثنا هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أنها سقطت قلادتها ليلة الأبواء فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلين من المسلمين في طلبها فحضرت الصلاة وليس معهما ماء فلم يدريا كيف يصنعان قال فنزلت آية التيمم قال أسيد بن حضير جزاك الله خيرا فما نزل بك أمر تكرهينه إلا جعل الله لك منه مخرجا وجعل للمسلمين فيه خيرا.
قال أبو عمر:
الرجلان اللذان بعثهما رسول الله صلى الله عليه وسلم في طلب القلادة كان أحدهما أسيد بن حضير.
أخبرنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي قال حدثنا أبو معاوية قال أبو داود وحدثنا عثمان بن أبي شيبة قال حدثنا عبدة جميعا عن هشام بن عروة المعنى واحد عن أبيه عن عائشة قالت بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أسيد بن حضير وأناسا معه في طلب قلادة أضلتها عائشة فحضرت الصلاة فصلوا بغير وضوء فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكروا ذلك فنزلت آية التيمم زاد ابن نفيل فقال لها أسيد رحمك الله ما نزل بك أمر تكرهينه إلا جعل الله للمسلمين فيه فرجا.
قال أبو عمر:
ليس اختلاف النقلة في العقد والقلادة ولا في الموضع الذي سقط ذلك فيه لعائشة ولا في قول القاسم عن عائشة عقد لي وقول هشام إن القلادة استعارتها من أسماء عائشة ما يقدح في الحديث ولا يوهن شيئا

(19/268)


منه لأن المعنى المراد من الحديث والمقصود إليه هو نزول آية التيمم ولم يختلفوا في ذلك.
وفي هذا الحديث من رواية هشام بن عروة حكم كبير قد اختلف فيه العلماء وتنازعوه وهو الصلاة بغير طهور بماء ولا تيمم لمن عدم الماء ولم يقدر على التيمم لعلل منعته من ذلك وسنذكر هذا الحكم وما للعلماء فيه في هذا الباب إن شاء الله.
حدثنا يونس بن عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن معاوية بن عبد الرحمن قال حدثنا جعفر بن محمد بن المستفاض قال حدثنا إبراهيم بن الحجاج السلمي قال حدثنا حماد بن سلمة عن هشام بن عروة عن أبيه أن عائشة كانت في سفر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان في عنقها قلادة لأسماء ابنة أبي بكر فعرسوا فانسلت القلادة من عنقها فلما ارتحلوا قالت يا رسول الله انسلت قلادة أسماء من عنقي فأرسل رسول الله رجلين إلى المعرس يلتمسان القلادة فوجداها فحضرت الصلاة فصلوا بغير طهور فأنزل الله آية التيمم {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً} فقال أسيد بن حضير يرحمك الله يا عائشة ما نزل بك أمر تكرهينه إلا جعل الله فيه للمسلمين فرجا.
قال أبو عمر:
فهذا ما في حديث عائشة في بدو التيمم والسبب فيه وقد رواه عمار بن ياسر بأتم معنى.
حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن قال حدثنا أحمد بن جعفر بن حمدان قال حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال حدثني أبي قال حدثنا

(19/269)


يعقوب بن إبراهيم بن سعد قال حدثني أبي عن صالح بن كيسان عن ابن شهاب قال حدثني عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس عن عمار بن ياسر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عرس بأولات الجيش ومعه عائشة زوجته فانقطع عقد لها من جزع ظفار فحبس الناس ابتغاء عقدها ذلك حتى أضاء الصبح وليس مع الناس ماء فأنزل الله تبارك وتعالى على رسوله رخصة التطهر بالصعيد الطيب فقام المسلمون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فضربوا بأيديهم الأرض ثم رفعوا أيديهم ولم يقبضوا من التراب شيئا فمسحوا بها وجوههم وأيديهم إلى المناكب ومن بطون أيديهم إلى الآباط.
قال أبو عمر:
ليس في الموطأ في ذكر التيمم حديث مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم غير حديث عبد الرحمن بن القاسم هذا وهو أصل التيمم إلا أنه ليس فيه رتبة التيمم ولا كيفيته وقد نقلت آثار في التيمم عن النبي صلى الله عليه وسلم مختلفة في كيفيته وعلى قدر ذلك من اختلافها اختلف فقهاء الأمصار في القول بها ونحن نذكر أقاويلهم والآثار التي منها نزعوا في هذا الباب إن شاء الله.
وأجمع علماء الأمصار بالحجاز والعراق والشام والمشرق والمغرب فيما علمت أن التيمم بالصعيد عند عدم الماء طهور كل مريض أو مسافر وسواء كان جنبا أو على غير وضوء لا يختلفون في ذلك وقد كان عمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود يقولان الجنب لا يطهره إلا الماء ولا يستبيح بالتيمم صلاة لقول الله عز وجل {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا} ولقوله {وَلا جُنُباً إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى

(19/270)


تَغْتَسِلُوا} {أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً} وكانا يذهبان إلى أن الملامسة ما دون الجماع وقد ذكرنا اختلاف العلماء في الملامسة في باب أبي النضر والحمد لله.
ولم يتعلق بقول عمر وعبد الله في هذا المسألة أحد من فقهاء الأمصار من أهل الرأي وحملة الآثار وذلك والله أعلم لحديث عمار ولحديث عمران بن حصين ولحديث أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم في تيمم الجنب أجمع العلماء على القول بذلك إلا ما ذكرنا عن عمر وابن مسعود وهذا يدلك على أن أخبار الآحاد العدول من علم الخاصة قد يخفى على الجليل من العلماء منها الشيء وحسبك بما في الموطأ مما غاب عن عمر منها وهذا من ذلك الباب ولما لم يصل إليهما علم ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم في تيمم الجنب أو لم يثبت ذلك عندهما تأولا في الآية المحكمة في الوضوء أن الجنب منفرد بحكم التطهر بالماء والاغتسال به وانه لم يرد بالتيمم وذلك جائز سائغ من التأويل في الآية لولا ما بينه رسول الله صلى الله عليه وسلم في تيمم الجنب والحديث في ذلك ما حدثناه خلف بن القاسم وعبد الله بن محمد بن أسد قالا حدثنا سعيد بن عثمان بن السكن قال حدثنا محمد بن يوسف قال حدثنا البخاري قال حدثنا آدم قال حدثنا شعبة قال حدثنا الحكم عن ذر عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه قال جاء رجل إلى عمر بن

(19/271)


الخطاب فقال إني أجنبت فلم أصب الماء فقال عمار لعمر أما تذكر أنا كنا في سفر أنا وأنت فأما أنت فلم تصل وأما إنا فتمعكت ثم صليت فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال إنما كان يكفيك هكذا فضرب النبي صلى الله عليه وسلم بكفيه الأرض ونفخ فيهما ومسح بهما وجهه وكفيه قال البخاري وحدثني عمر بن حفص بن غياث قال حدثنا أبي قال حدثنا الأعمش قال سمعت شقيق بن سلمة قال كنت عند عبد الله وأبي موسى فقال أرأيت يا أبا عبد الرحمن إذا أجنبت فلم تجد ماء كيف تصنع فقال عبد الله حتى نجد الماء فقال أبو موسى كيف تصنع بقول عمار حين قال له النبي صلى الله عليه وسلم "كان يكفيك" يعني الصعيد قال ألم تر عمر لم يقنع بذلك قال أبو موسى فدعنا من قول عمار كيف تصنع بهذه الآية فما درى عبد الله ما يقول فقال لو أنا رخصنا لهم في هذا لأوشك إذا برد على أحدهم الماء أن يدعه ويتمم فقلت لشقيق فإنما كرهه عبد الله لهذا قال نعم.
قال أبو عمر:
هذا معروف مشهور عند أهل العلم عن ابن مسعود وعمر لا يجهله إلا من لا عناية له بالآثار وبأقاويل السلف وقد غلط في هذا بعض أهل العلم فزعم أن ابن مسعود كان لا يرى الغسل للجنب إذا تيمم ثم وجد الماء وهذا جهل بهذا المعنى بين لا خفاء به والله المستعان.

(19/272)


أخبرنا عبد الله بن محمد حدثنا محمد بن بكر حدثنا أبو داود حدثنا محمد بن كثير العبدي أخبرنا سفيان عن سلمة بن كهيل عن أبي مالك عن عبد الرحمن بن أبزى قال كنت عند عمر فجاءه رجل فقال إنا نكون بالمكان الشهر والشهرين قال عمر أما أنا فلم أكن أصلي حتى أجد الماء قال عمار يا أمير المؤمنين أما تذكر إذ كنت إنا وأنت في الإبل فأصابتنا جنابة فأما إنا فتمعكت فأتينا النبي فذكرنا ذلك فقال إنما كان يكفيك أن تقول وضرب بيديه هكذا ثم نفخهما ثم مسح بهما وجهه ويديه إلى نصف الذراع قال عمر يا عمار اتق الله فقال يا أمير المؤمنين إن شئت والله لم أذكره أبدا قال كلا والله ولكن نوليك ذلك ما توليت.
قال أبو عمر:
روى ابن مهدي هذا الحديث عن الثوري عن سلمة بن أبي مالك وعبد الله بن عبد الرحمن بن أبزى عن عبد الرحمن بن أبزى مثله وروي حديث عمار عنه من طرق كثيرة فإن قال قائل إن في بعض الأحاديث عن عمار في هذا الخبر أن عمر لم يقنع بقول عمار فالجواب إن عمر كان يذهب إلى أن الجنب لا يجزيه إلا الغسل بالماء فلما أخبره عمار عن النبي صلى الله عليه وسلم بأن التيمم يكفيه سكت عنه ولن ينهه فلما لم ينهه علمنا أنه قد وقع بقلبه تصديق عمار لأن عمارا قال له إن شئت لم أذكره ولو وقع في قلبه تكذيب عمار لنهاه لما كان الله قد جعل في قلبه من تعظيم حرمات الله ولا شيء أعظم من الصلاة وغير متوهم على عمر أن يسكت على صلاة تصلى عنده بغير طهارة وهو الخليفة المسؤول عن العامة وكان أتقى الناس لربه وأنصحهم لهم في دينهم في ذلك الوقت رحمة الله عليه وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم تيمم الجنب من حديث عمران بن حصين وأبي ذر وعلى ذلك جماعة العلماء والحمد لله.

(19/273)


أخبرنا عبد الله بن محمد بن أسد قال حدثنا سعيد بن عثمان بن السكن قال حدثنا محمد بن يوسف قال حدثنا البخاري قال حدثنا عبدان قال أخبرنا عبد الله بن المبارك قال أخبرنا عوف عن أبي رجاء قال حدثنا عمران بن حصين الخزاعي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلا معتزلا لم يصل في القوم فقال يا فلان ما منعك أن تصلي مع القوم فقال يا رسول الله أصابتني جنابة ولا ماء فقال عليك بالصعيد فإنه يكفيك.
قال أبو عمر: فلما بين رسول الله صلى الله عليه وسلم مراد ربه من معنى آية الوضوء بأن الجنب داخل فيمن قصد بالتيمم عند عدم الماء بقوله " فلم تجدوا ماء فتيمموا" تعلق العلماء بهذا المعنى ولم يعرجوا على قول عمر وابن مسعود وليس أحد من خلق الله إلا يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يصح عنه.
روى أبو معاوية وغيره عن الأعمش عن أبي وائل عن ابن مسعود قال لا يتيمم الجنب وإن لم يجد الماء شهرا.
وروى أيوب عن أبي قلابة عن رجل من بني عامر سمع أبا ذر قال كنت أعزب عن الماء ومعي أهلي فتصيبني الجنابة فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال "إن الصعيد الطيب طهور وإن لم تجد الماء عشر سنين فإذا وجدت الماء فأمسه جلدك أو بشرتك" هكذا رواه حماد بن يزد وعبد الوارث عن أيوب عن أبي قلابة عن رجل من بني عامر عن أبي ذر.
ورواه خالد الحذاء عن أبي قلابة عن عمر بن بحران عن أبي ذر بمعنى واحد.

(19/274)


واختلف الفقهاء في الذي يدخل عليه وقت الصلاة ويخشى خروجه وهو لا يجد الماء ولا يستطيع الوصول إليه ولا إلى صعيد يتيمم به فقال ابن القاسم في المحبوس إذا لم يجد ماء ولم يقدر على الصعيد صلى كما هو وأعاد إذا قدر على الماء أو على الصعيد.
وقال أشهب في المنهدم عليهم والمحبوسين والمربوط ومن صلب في خشبة ولم يمت لا صلاة عليهم حتى يقدروا على الماء أو على الصعيد وإذا قدروا صلوا.
وقال ابن خواز بنداد الصحيح من مذهب مالك إن كل من لم يقدر على الماء ولا على الصعيد حتى خرج الوقت أنه لا يصلي ولا عليه شيء قال رواه المدنيون عن مالك قال وهو الصحيح من المذهب.
قال أبو عمر: ما أعرف كيف أقدم على أن جعل هذا هو الصحيح من المذهب مع خلافه جمهور السلف وعامة الفقهاء وجماعة المالكيين وأظنه ذهب إلى ظاهر حديث مالك هذا في قوله وليسوا على ماء فنام رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أصبح وهم على غير ماء فأنزل الله آية التيمم ولم يذكر أنهم صلوا وهذا لا حجة فيه لأنه لم يذكر أنهم لم يصلوا وقد ذكر هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة في هذا الحديث أنهم صلوا بغير وضوء ولم يذكر إعادة وقد ذهب إلى هذا طائفة من الفقهاء قال أبو ثور وهو القياس وقال ابن القاسم يصلون إن قدروا وكان عقلهم معهم ثم يعيدون إذا قدروا على الطهارة بالماء أو بالتيمم.
وقد روى ابن دينار عن معن بن مالك فيمن كتفه الوالي وحبسه فمنعه من الصلاة حتى خرج وقتها أنه لا إعادة عليه وإلى هذه الرواية والله

(19/275)


أعلم ذهب ابن خواز بنداد وكأنه قاسه على المغمى عليه وليس هذا وجه القياس لأن المغمى عليه مغلوب على عقله وهذا معه عقله.
وقال ابن القاسم وسائر العلماء الصلاة عليه واجبة إذا كان عقله معه فإن زال المانع له توضأ أو تيمم وصلى.
وذكر عبد الملك بن حبيب قال سألت مطرفا وابن الماجشون وأصبغ ابن الفرج عن الخائف تحضره الصلاة وهو على دابته على غير وضوء ولا يجد إلى النزول للوضوء والتيمم سبيلا فقال بعضهم يصلي كما هو على دابته إيماء فإذا أمن توضأ إن وجد الماء أو تيمم إن لم يجد الماء وأعاد الصلاة في الوقت وغير الوقت وقال لي أصبغ بن الفرج لا يصلي وإن خرج الوقت حتى يجد السبيل إلى الطهور بالوضوء أو التيمم قال ولا يجوز لأحد الصلاة بغير طهر قال عبد الملك بن حبيب وهذا أحب إلي قال وكذلك الأسير المغلول لا يجد السبيل إلى الوضوء بالماء ولا التيمم والمريض المثبت الذي لا يجد من يناوله الماء ولا يستطيع التيمم هما مثل الذي وصفنا من الخائف وكذلك قال أصبغ بن الفرج في هؤلاء الثلاثة قال وهو أحسن ذلك عندي وأقواه وعن الشافعي روايتان إحداهما لا يصلي حتى يجد طهارة والأخرى يصلي كما هو ويعيد وهو المشهور عنه.
قال المزني إذا كان محبوسا لا يقدر على تراب نظيف صلى وأعاد إذا قدر.
وقال أبو حنيفة في المحبوس في المصر إذا لم يجد ماء ولا ترابا نظيفا لم يصل وإذا وجد ذلك صلى.

(19/276)


وقال أبو يوسف ومحمد والثوري والشافعي والطبري يصلي ويعيد وقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد والشافعي إن وجد المحبوس في الصمر ترابا نظيفا صلى في قولهم وأعاد.
وقال زفر لا يتيمم ولا يصلي وإن وجد ترابا نظيفا على أصله في أنه لا يتيمم في الحضر.
وقال ابن القاسم لو تيمم على التراب النظيف أو على وجه الأرض لم تكن عليه إعادة إذا وجد الماء.
قال أبو عمر: ههنا مسألة أخرى في تيمم الذي يخشى فوت الوقت وهو في الحضر ولا يقدر على الماء وهو قادر على الصعيد سنذكرها ونذكر اختلاف العلماء فيما بعد هذا إن شاء الله.
وقد ذكر أبو ثور أن من أهل العلم من قال أنه يصلي كما هو ولا يعيد ومذهب أبي ثور في ذلك كمذهب الشافعي ومن تابعه وزعم أبو ثور أن القياس أن لا إعادة عليه لأنه كمن لم يجد ثوبا صلى عريانا ولا إعادة عليه قال وإنما الطهارة بالماء أو بالصعيد كالثوب فمن لم يقدر عليها سقطت عنه والصلاة له لازمة على حسب قدرته وقد أداها في وقتها على قدر طاقته.
وقد اختلفوا في وجوب إعادتها ولا حجة لمن أوجب الإعادة عليه وأما الذين قالوا من لم يقدر على الماء ولا على الصعيد صلى كما هو وأعاد إذا قدر على الطهارة فإنهم احتاطوا للصلاة فذهبوا إلى حديث عائشة المذكور في هذا الباب من رواية هشام بن عروة وفيه أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الذين بعثهم في طلب القلادة حضرتهم الصلاة فصلوا بغير وضوء إذ لم يجدوا الماء فلم يعنفهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا نهاهم وكانت طهارتهم الماء فلما عدموه صلوا كما كانوا في الوقت ثم نزلت آية التيمم فكذلك إذا لم يقدر

(19/277)


على الماء ولا على التيمم عند عدم الماء صلى في الوقت كما هو فإذا وجد الماء أو قدر على التيمم عند عدم الماء أعاد تلك الصلاة احتياطا لأنها صلاة بغير طهور وقالوا لا يقبل الله صلاة بغير طهور لمن قدر على الطهور فأما من لم يقدر على الطهور فليس كذلك لأن الوقت فرض وهو قادر عليه فيصلي كما قدر في الوقت ثم يعيد فيكون قد أخذ بالاحتياط في الوقت والطهارة جميعا وذهب الذين قالوا إنه لا يصلي حتى يجد الماء أو التيمم إلى ظاهر قول النبي صلى الله عليه وسلم "لا يقبل الله صلاة بغير طهور" قالوا ولما أوجبوا عليه الإعادة إذا قدر على الماء أو التيمم لم يكن لأمرهم إياه بالصلاة معنى وفي حديث مالك هذا عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة قولها فيه فنام رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أصبح على غير ماء دليل على أن من عدم الطهارة لم يصل حتى تمكنه وبالله التوفيق.
أخبرنا محمد بن إبراهيم قال حدثنا محمد بن معاوية قال حدثنا أحمد ابن شعيب قال أخبرنا قتيبة بن سعيد قال حدثنا أبو عوانة عن قتادة عن أبي الملح عن أبيه قال: قال رسول صلى الله عليه وسلم "لا يقبل الله صلاة بغير طهور ولا صدقة من غلول".
وأخبرنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا مسلم بن إبراهيم قال حدثنا شعبة عن قتادة عن أبي الملح عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "لا تقبل صدقة من غلول ولا صلاة بغير طهور".
حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا بكر بن حماد قال حدثنا مسدد قال حدثنا يحيى عن شعبة عن سماك بن

(19/278)


حرب عن مصعب بن سعد أن ابن عمر قال لابن عامر سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "لا يقبل الله صلاة بغير طهور ولا صدقة من غلول".
وروى سعيد بن سنان عن أبه عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله.
حدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا أحمد بن حنبل قال حدثنا عبد الرزاق قال أخبرنا معمر عن همام بن منبه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ".
وفي قوله في حديث مالك وليسوا على ماء وليس معهم ماء دليل على أن الوضوء قد كان لازما لهم قبل نزول آية الوضوء وأنهم لم يكنوا يصلون إلا بوضوء قبل نزول الآية لأن قوله فأنزل الله آية التيمم وهي آية الوضوء المذكورة في سورة المائدة أو الآية التي في سورة النساء ليس التيمم مذكورا في هاتين الآيتين وهما مدنيتان والآية ليست بالكلمة ولا الكلمتين وإنما هي الكلام المجتمع الدال على الإعجاز الجامع لمعنى مستفاد قائم بنفسه.
ومعلوم أن غسل الجنابة لم يفترض قبل الوضوء كما أنه معلوم عند جميع أهل السير أن النبي صلى الله عليه وسلم منذ افترضت عليه الصلاة بمكة لم يصل إلا بوضوء مثل وضوئنا اليوم وهذا ما لا يجهله عالم ولا يدفعه إلا معاند وفيما ذكرنا دليل على أن آية الوضوء إنما ما نزلت ليكون فرضها المتقدم متلو في التنزيل ولها نظائر كثيرة ليس هذا موضع ذكرها وفي قوله في حديث مالك فنزلت آية التيمم ولم يقل آية الوضوء ما يتبين به أن الذي طرأ إليهم من العلم في ذلك الوقت حكم التيمم لا حكم الوضوء والله أعلم.

(19/279)


ومن فضل الله ونعمته أن نص على حكم الوضوء وهيئته بالماء ثم أخبر بحكم التيمم عند عدم الماء وقد تقدم القول في فرض الصلاة ولا وضوء في باب ابن شهاب عن عروة والحمد لله.
وفي قوله أيضا ليسوا على ماء وليس معهم ماء وإقامة رسول الله صلى الله عليه وسلم مع تلك الحال على التماس العقد دليل على أنه ليس للمرء أن ينصرف عن سفر لا يجد فيه ماء ولا يترك سلوك طريق لذلك وحسبه وسلوك ما أباح الله له.
وأما التيمم فمعناه في اللغة القصد ومعناه في الشريعة القصد إلى الصعيد خاصة للطهارة عند عدم الماء فيضرب عيه من كفيه ثم يمسح بهما وجهه ويده قال أبو بكر بن الأنباري قولهم قد تيمم الرجل معناه قد مسح التراب على يديه ووجهه قال وأصل تيمم قصد فمعنى تيمم قصد التراب فتمسح به قال الله عز وجل {وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ} معناه لا تعمدوا الخبيث فتنفقوا منه.
قال الممزق أو المثقب:
وما أدري إذا يممت وجها
... أريد الخير أيهما يليني
أألخير الذي أنا أبتغيه ... أم الشر الذي هو يبتغيني
يريد: قصدت واعتمدت وجها.
وقال آخر:
وفي الأظعان آنسة لعوب ... تيمم أهلها بلدا فساروا

(19/280)


يعني قصد أهلها بلدا.
وقال حميد بن ثور:
وما يلبث العصران يوم وليلة ... إذا طلبا أن يدركا ما تيمما
وقال امرؤ القيس:
تيممتها من أذرعات وأهلها ... بيثرب أدنى دارها نظر عال
وقال خفاف بن ندية م:
فإن تك خيلي قد أصيب صميمها ... فعمدا على عين تيممت مالكا
معناه: تعمدت مالكا.
وقال آخر:
إني كذلك إذا ما ساءني بلد ... يممت صدر بعيري غيره بلدا.
يعني قصدت ومثل هذا كثير فمعنى قول الله عز وجل {فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً} أي اقصدوا صعيدا طيبا والصعيد وجه الأرض وقيل التراب الطيب الطاهر قال صلى الله عليه وسلم "جعلت لي الأرض كلها مسجدا طهورا" وطهور بمعنى طاهر مطهر على ما ذكرنا في غير موضع من كتابنا هذا كما قال الله عز وجل {وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُوراً} يعني طاهرا مطرها.

(19/281)


واختلف العلماء في كيفية التيمم فقال مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابهم والثوري وابن أبي سلمة والليث ضربتان ضربة للوجه يمسح بها وجهه وضربة لليدين يمسحهما إلى المرفقين يمسح اليمنى باليسرى واليسرى باليمنى إلا أن بلوغ المرفقين عند مالك ليس بفرض وإنما الفرض عنده إلى الكوعين والاختيار عنده إلى المرفقين وسائر من ذكرنا معه من الفقهاء يرون بلوغ المرفقين بالتيمم فرضا واجبا وممن روي عنه التيمم إلى المرفقين ابن عمر والشعبي والحسن وسالم وقال الأوزاعي التيمم ضربتان ضربة للوجه وضربة لليدين إلى الكوعين وهما الرسغان.
وروي ذلك عن علي بن أبي طالب وقد روي عن الأوزاعي وهو أشهر عنه أن التيمم ضربة واحدة يمسح بها وجهه ويديه إلى الكوعين وهو قول عطاء والشعبي في رواية وبه قال أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وداود بن علي والطبري وهو أثبت ما روي في ذلك من حديث عمار رواه شقيق بن سلمة أبو وائل عن أبي موسى عن عمار فقال فيه ضربة واحدة لوجهه وكفيه ولم يختلف في حديث أبي وائل هذا وسائر أحاديث عمار مختلف فيها وحديث أبي وائل هذا عند الثوري وأبي معاوية وجماعة عن الأعمش.
وقال مالك إن مسح وجهه ويديه بضربة واحدة أجزأه وإن مسح يديه إلى الكوعين أجزاه وأحب له أن يعيد في الوقت والاختيار عند مالك ضربتان وبلوغ المرفقين وحجة من رأى أن التيمم إلى الكوعين جائز ولم ير بلوغ المرفقين واجبا ظاهر قول الله عز وجل {فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ} ولم يقل إلى المرفقين {وَمَا كَانَ رَبُّكَ

(19/282)


نَسِيّاً} فلم يجب بهذا الخطاب إلا أقل ما يقع عليه اسم يد لأنه اليقين وما عدا ذلك شك والفرائض لا تجب إلا بيقين وقد قال الله عز وجل {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} وثبتت السنة المجتمع عليها أن الأيدي في ذلك أريد بها من الكوع فكذلك التيمم إذ لم يذكر فيه المرفقين وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في أكثر الآثار في التيمم أنه مسح وجهه وكفيه وكفى بهذا حجة لأنه لو كان ما زاد على ذلك واجبا لم يدعه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقال أبو حنيفة والثوري والليث والشافعي لا يجزيه إلا ضربتان ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين ولا يجزيه دون المرفقين وبه قال محمد بن عبد الله بن عبد الحكم وإليه ذهب إسماعيل ابن إسحاق القاضي وقال ابن أبي ليلى والحسن بن حي التيمم ضربتان يمسح بكل ضربة منهما وجهه وذراعيه ومرفقيه ولم يقل ذلك أحد من أهل العلم غيرهما فيما علمت وقال الزهري يبلغ بالتيمم الآباط ولم يقل ذلك أحد غيره أيضا والله أعلم.
فأما ما ذهب إليه ابن شهاب من التيمم إلي المناكب والآباط فإنه صار إلى ما رواه في ذلك مع أن اللغة تقضي أن اليد من المنكب.
أخبرنا محمد بن إبراهيم قال حدثنا محمد بن معاوية قال حدثنا أحمد بن شعيب قال أخبرنا العباس بن عبد العظيم قال حدثنا عبد الله بن محمد بن أسماء عن جويرية عن مالك عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أنه أخبره عن أبيه عن عمار بن ياسر قال تمسحنا مع

(19/283)


رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتراب فمسحنا بوجوهنا وأيدينا إلى المناكب هكذا قال مالك في هذا الحديث عن ابن شهاب عن عبيد الله عن أبيه عن عمار وتابعه أبو أويس.
ورواه صالح بن كيسان وابن أخي ابن شهاب عن ابن شهاب عن عبيد الله عن عبد الله عن ابن عباس عن عمار وكذلك رواه ابن إسحاق سواء في إسناده وخالفه في سياقته ومتنه.
حدثنا عبد الله بن محمد حدثنا محمد بن بكر حدثنا أبو داود حدثنا محمد بن أبي خلف ومحمد بن يحيى في آخرين قالوا حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد قال حدثني أبي عن صالح عن ابن شهاب قال حدثني عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس عن عمار بن ياسر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عرس بأولات الجيش ومعه عائشة فانقطع عقد لها من جزع ظفار فحبس الناس ابتغاء عقدها حتى أضاء الفجر وليس مع الناس ماء فتغيظ عليها أبوب كر وقال حبست الناس وليس معهم ماء فأنزل الله على رسوله رخصة التطهر بالصعيد الطيب فقام المسلمون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فضربوا بأيديهم إلى الأرض ثم رفعوا أيديهم ولم يقبضوا من التراب شيئا فمسحوا بها وجوهم وأيديهم إلى المناكب ومن بطون أيديهم إلى الآباط زاد ابن يحيى في حديثه قال ابن شهاب ولا يعتبر بهذا الناس.
هكذا قال صالح بن كيسان ضربة واحدة للوجه واليدين.

(19/284)


ورواه يونس وابن أبي ذئب ومعمر عن الزهري عن عبيد الله عن عمار ولم يقولوا عن أبيه كما قال مالك ولا قالوا عن ابن عباس كما قال صالح وابن إسحاق وذكروا فيه ضربتين ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المناكب والآباط وكذلك ذكر فيه معمر ضربتين واضطرب ابن عيينة عن الزهري في هذا الحديث في إسناده ومتنه وهذا الحديث عن عمار في التيمم إلى المناكب كان في حين نزول آية التيمم في قصة عائشة كذلك ذكر صالح بن كيسان ومعمر وطائفة من أصحاب ابن شهاب وقد ذكرنا حديث صالح.
وأما حديث معمر فأخبرناه عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن وكتبته من أصل سماعه قال أخبرنا أحمد بن جعفر بن حمدان قال حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال حدثني أبي قال حدثنا عبد الرزاق قال أخبرنا معمر عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أن عمار بن ياسر كان يحدث أنه كان مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر معه عائشة فهلك عقدها فاحتبس الناس في ابتغائه حتى أصبحوا وليس معهم ماء فنزل التيمم قال عمار فقاموا فمسحوا فضربوا بأيدهم فمسحوا بها وجوهم ثم عادوا فضربوا بأيدهم ثانية فمسحوا بها أيديهم إلى الإبطين أو قال إلى المناكب ثم قد روي عن عمار خلاف ذلك في التيمم رواه عنه عبد الرحمن بن أبزى فاختلف عليه فيه فقال عنه قوم ومسح ذراعيه إلى نصف الساعد وقال آخرون إلى المرفقين وقال أكثرهم عنه فيه وجهه وكفيه
واختلف فيه الحكم بن عتبة وسلمة بن هكيل عن ذر الهمداني عن ابن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه عن عمار.

(19/285)


وأخبرنا عبد الله بن محمد قال أخبرنا محمد بن بكر قال أخبرنا أبو داود قال حدثنا محمد بن المنهال قال حدثنا يزيد بن زريع عن سعيد عن قتادة عن عزرة عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه عن عمار بن ياسر قال سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن التيمم فأمرني ضربة واحدة للوجه والكفين وسؤاله كان بعد ذلك والله أعلم.
حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا عفان قال حدثنا أبان قال أخبرنا قتادة عن عزرة عن سعيد بن عبد الرحمن عن أبيه عن عمار أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "في التيمم ضربة للوجه والكفين".
قال أبو عمر: عند قتادة في حديث عمار هذا إسناد آخر بخلاف هذا المعنى حدثنا عبد الوارث قال حدثنا قاسم قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا موسى بن إسماعيل قال حدثنا أبان بن يزيد قال سئل قتادة عن التيمم في السفر فقال كان ابن عمر يقول إلى المرفقين وكان الحسن يقول إلى المرفقين وكان إبراهيم النخعي يقول إلى المرفقين.
وحدثني محدث عن الشعبي عن عبد الرحمن بن أبزى عن عمار ابن ياسر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "إلى المرفقين" ومما يدلك على أن حديث عمار في التيمم للوجه والكفين أو إلى المرفقين غير حديثه في قصة نزول آية التيمم حين تيمم إلى المناكب أنه في حديث أبي إسحاق عن ناجية أبي خفاف عن عمار وفي حديث أبي وائل عن أبي موسى عن عمار أنه قال أجنبت فتمعكت في التراب ثم سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال "كان يكفيك التيمم ضربة للوجه واليدين".

(19/286)


قال أبو عمر: أكثر الآثار المرفوعة عن عمار في هذا الحديث إنما فيها ضربة واحدة للوجه واليدين وكل ما يورى في هذا الباب عن عمار فمضطرب مختلف فيه وذهبت طائفة من أهل الحديث إلى أن أصح حديث روي عن مالك عن عمار حديث قتادة عن عزرة وقال بعض من يقول بالتيمم إلى المرفقين قتادة إذا لم يقل سمعت أو حدثنا فلا حجة في نقله وهذا تعسف والله أعلم.
وأما ما روي مرفوعا في التيمم إلى المرفقين فروى ابن الهادي عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تيمم إلى المرفقين وأصحاب نافع الحفاظ يروونه عن نافع عن ابن عمر فعله أنه كان يتيمم إلى المرفقين هكذا رواه مالك وغيره.
ورواه محمد بن ثابت العبدي عن نافع عن ابن عمر مرفوعا وإنكروه عليه وضعفوه من اجله وبعضهم يرويه عنه عن نافع عن ابن عباس ان رسول الله صلى الله عليه وسلم تيمم في السكة فضرب بيديه على الحائط ومسح بهما وجهه ثم ضرب ضربة أخرى فمسح بها ذراعيه وهذا لم يروه عن نافع أحد غير محمد بن ثابت هذا به يعرف ومن أجله يضعف وهو عندهم حديث منكر لا يعرفه أصحاب نافع.
قال أبو عمر: لما اختلفت الآثار في كيفية التيمم وتعارضت كان الواجب في ذلك الرجوع إلى ظاهر الكتاب وهذا يدل على ضربتين للوجه ضربة ولليدين أخرى إلى المرفقين قياسا على الوضوء وإتباعا لفعل ابن عمر رحمه الله فإنه من لا يدفع علمه بكتاب الله ولو ثبت شيء عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك وجب الوقوف عنده وبالله التوفيق.

(19/287)


وقال الطحاوي لما اختلفت الآثار في كيفية التيمم رجعنا إلى الاعتبار فوجدنا الأعضاء التي ذكرها الله في الوضوء قد سقط التيمم عن بعضها وهو الرأس والرجلان فبطل بذلك قول من قال إلى المناكب لأن التيمم لما بطل عن بعض ما يوضأ كان ما لا يوضأ أحرى أن لا يلزمه التيمم قال ثم رأينا الوجه ييمم بالصعيد كما يغسل بالماء ورأينا الرأس والرجلين لا ييممان فكان ما سقط التيمم عن بعضه سقط عن كله وما وجب فيه التيمم كان كالوضوء سواء لأنه جعل بدلا منه فلما ثبت أن بعض ما يغسل من اليدين في حال وجود الماء ييمم في حال عدم الماء ثبت بذلك أن التيمم في اليدين إلى المرفقين قياسا ونظرا.
وقال غيره لما ذكر الله عز وجل إلى المرفقين في الوضوء استغنى عن ذكر ذلك وتكريره في التيمم كما أنه لما اشترط المس في تحرير الرقبة على المظاهر وفي صيامه حيث قال من قبل أن يتماسا استغنى عن ذكر ذلك واشتراطه في الإطعام لأنه بدل منه وحكم البدل حكم المبدل منه فالسكوت عن ذلك اكتفاء والله أعلم.
قال أبو عمر: لما قال الله في آية الوضوء فاغسلوا وجوهكم وأيديكم وأجمعوا أن ذلك ليس في غسلة واحدة وأن غسل الوجه غير غسل اليدين فكذلك يجب أن تكون الضربة في التيمم للوجه غير الضرب لليدين قياسا والله أعلم إلا أن يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم خلاف ذلك فيسلم له وكذلك البلوغ إلى المرفقين قياسا على الوضوء إن لم يثبت خلافه عن النبي صلى الله عليه وسلم.

(19/288)


واختلفوا في الصعيد فقال مالك وأصحابه الصعيد وجه الأرض ويجوز التيمم عند مالك بالحصباء والجبل والرمل والتراب وكل ما كان وجه الأرض.
وقال أبو حنيفة وزفر يجوز أن يتيمم بالنورة والحجر والزرنيخ والجص والطين والرخام وكل ما كان من الأرض وقال الأوزاعي يجوز التيمم على الرمل.
وقال الثوري وأحمد بن حنبل يجوز التيمم بغبار الثوب واللبد ولا يجوز عند مالك التيمم بغبار اللبد والثوب.
وذكر ابن خواز بنداد قال الصعيد عندنا وجه الأرض وكل أرض جائز التيمم عليها صحراء كانت أو معدنا أو ترابا قال وبذلك قال أبو حنيفة والأوزاعي والثوري والطبري قال ويجوز التيمم عند مالك على الحشيش إذا كان دون الأرض واختلفت الرواية عنه في التيمم على الثلج فأجازه مرة ومنع منه أخرى قال وكل ما صعد على وجه الأرض فهو صعيد ومن حجته في ذلك قول الله عز وجل {صَعِيداً جُرُزاً} يعني أرضا غليظة لا تنبت شيئا و صعيدا زلقا وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "يحشر الناس على صعيد واحد أي أرض واحدة".

(19/289)


وقال الشافعي وأبو يوسف وداود الصعيد التراب ولا يجزي عندهم التيمم بغير التراب وقال الشافعي لا يقع صعيد إلا على تراب ذي غبار فأما الصحراء الغليظة والرقيقة والكثيب أو الغليظ فلا يقع عليه اسم صعيد.
وقال أبو ثور لا يتيمم إلا بتراب أو رمل.
قال أبو عمر: أجمع العلماء على أن التيمم بالتراب ذي الغبار جائز وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "جعلت لنا الأرض مسجدا تربتها طهورا" وهو يقضي على قوله مسجدا وطهورا ويفسره والله أعلم.
وقال ابن عباس أطيب الصعيد أرض الحرث.
ذكر عبد الرزاق عن الثوري عن قابوس عن أبي ظبيان قال سئل ابن عباس أي الصعيد أطيب فقال: الحرث.
وقال الشاعر:
قتلى حنيطهم الصعيد وغسلهم ... نجع الترائب والرؤوس تقطف
وهذا البيت عندي محتمل للتأويل.
حدثنا أحمد بن محمد قال حدثنا وهب بن مسرة قال حدثنا ابن وضاح قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا محمد بن فضيل عن أبي مالك الأشجعي عن ربعي عن حذيفة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "فضلنا على الناس بثلاث جعلت لنا الأرض كلها مسجدا وجعلت تربتها لنا إذا لم نجد الماء طهورا" وذكر تمام الحديث.

(19/290)


قال وحدثنا يحيى بن أبي كثير عن زهير بن محمد عن عبد الله بن محمد ابن عقيل عن محمد بن علي بن الحنفية أنه سمع علي بن أبي طالب يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أعطيت ما لم يعط أحد من الأنبياء نصرت بالرعب وأعطيت مفاتيح الأرض وسميت أحمد وجعل التراب لي طهورا وجعلت أمتي خير الأمم".
وجماعة العلماء على إجازة التيمم بالسباخ إلا إسحاق بن راهويه فإنه قال لا يتيمم بتراب السبخة.
وروي عن ابن عباس فيمن أدركه التيمم وهو في طين قال يأخذ من الطين فيطلي به بعض جسده فإذا جف تيمم به.
وأجمع العلماء على أن طهارة التيمم لا ترفع الجنابة ولا الحديث إذا وجد الماء وإن المتيمم للجنابة أو الحديث إذا وجد الماء عاد جنبا كما كان أو محدثا وإنه إن صلى بالتيمم ثم فرغ من صلاته فوجد الماء وقد كان اجتهد في طلبه فلم يجده ولم يكن في رحله أن صلاته تامة ومنهم من استحب له أن يعيد في الوقت إذا توضأ أو اغتسل ولم يختلفوا أن الماء إذا وجده المتيمم بعد تيممه وقبل دخوله في الصلاة أنه بحاله قبل أن يتمم وأنه لا يستبيح صلاة بذلك التيمم إلا شذوذ.
روي في ذلك عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أنه يصلي بذلك التيمم واختلفوا إذا رأى الماء بعد دخوله في الصلاة فقال مالك والشافعي وأصحابهما وداود والطبري يتمادى في صلاته ويجزيه فإذا فرغ ووجد الماء للصلاة الأخرى وجب عليه استعماله وأما الصلاة فلا يقطعها لرؤية الماء وحجتهم أنه مأمور بطلب الماء إذ أوجب عليه القيام إلى الصلاة

(19/291)


بدخول وقتها فإن لم يجد الماء تيمم وما لم يدخل في الصلاة فهو مخاطب بذلك فإذا دخل في الصلاة سقط عنه الطلب لاشتغاله بما هو مأمور به من عمل الصلاة التي دخل فيها وإذا سقط عنه الطلب سقط عنه استعمال الماء إذا وجده لأنه مشتغل بفرض آخر عن طلب الماء فليس عليه استعماله إذا سقط عنه طلبه وقد أجمعوا أنه يدخل في صلاته بالتيمم عند عدم الماء واختلفوا في قطع تلك الصلاة إذا رأى الماء ولم تثبت سنة بقطعها ولا إجماع وليس قول من قال إن رؤية الماء حدث بشيء لأن ذلك لو كان كذلك كان الجنب إذا تيمم ثم وجد الماء يعود كالمحدث لا يلزمه إلا الوضوء والبناء عندهم على ما صلى كسائر المحدثين وهذا لا يقوله أحد وقال أبو حنيفة وأصحابه وجماعة منهم أحمد بن حنبل والمزني وابن علية إذا وجد الماء أو رآه وهو في الصلاة قطع وخرج إلى استعماله في الوضوء أو في الغسل واستقبل صلاته وحجتهم أن التيمم لما بطل بوجود الماء قبل الصلاة كان كذلك في الصلاة لأنه لما لم يجز له عملها بالتيمم مع وجود الماء كان كذلك لا يجوز له عمل ما بقي منها مع وجود الماء وإذا بطل بعضها بطلت كلها واحتجوا أيضا بالإجماع على المعتدة بالشهور لا يبقى عليها منها إلا أقلها ثم تحيض أنها تستقبل عدتها بالحيض قالوا والذي يطرأ عليه الماء وهو في الصلاة كذلك وللفريقين ضروب من الحجج في هذه المسألة يطول ذكرها وفي هذا الحديث التيمم في السفر وهو أمر مجتمع عليه واختلف العلماء في التيمم في الحضر عند عدم الماء فذهب مالك وأصحابه إلى أن التيمم في السفر والحضر سواء إذا عدم الماء أو تعذر استعماله لمرض أو خوف شديد أو

(19/292)


خوف خروج الوقت وهذا كله قول أبي حنيفة ومحمد وحجتهم أن ذكر الله المرضى والمسافرين في شرط التيمم خرج على الأغلب فيمن لا يجد الماء والحاضرون الأغلب عليهم وجود الماء فلذلك لم ينص عليهم فإذا لم يجد الحاضر الماء أو منعه منه مانع وجب عليه التيمم للصلاة ليدرك وقتها لأن التيمم عندهم إنما ورد لإدراك وقت الصلاة وخوف فوته وكذلك أمر الله بالتيمم حفظا للوقت ومراعاته فكل من لم يجد الماء تيمم المسافر بالنص والحاضر بالمعنى وكذلك المريض بالنص والصحيح بالمعنى والله أعلم.
وقال الشافعي لا يجوز للحاضر الصحيح أن يتمم إلا أني خاف التلف وبه قال الطبري وقال أبو يوسف وزفر لا يجوز التيمم في الحضر إلا لمرض ولا لخوفه خروج الوقت وحجة هؤلاء أن الله جعل التيمم رخصة للمريض والمسافر كالفطر وقصر الصلاة ولم يبح التيمم إلا بشرط المرض أو السفر فلا دخول للحاضر في ذلك لخروجه من شرط الله تبارك اسمه والكلام بين الفرق في هذه المسألة طويلا وبالله التوفيق.
وقال الشافعي أيضا والليث والطبري إذا عدم الماء في الحضر مع خوف فوت الوقت للصحيح والسقيم تيمم وصلى ثم أعاد.
فصل التيمم للمريض والمسافر إذا لم يجد الماء بالكتاب والسنة والإجماع إلا ما ذكرت لك في تيمم الجنب فإذا وجد المريض أو المسافر الماء حرم عليه التيمم إلا أن يخاف المريض ذهاب نفسه وتلف مهجته فيجوز له حينئذ التيمم مع وجود الماء بالسنة لا بالكتاب إلا أن يتأول {وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} وقد أبان رسول الله صلى الله عليه وسلم التيمم لعمرو بن

(19/293)


العاص وهو مسافر إذ خاف إن اغتسل بالماء فالمريض أحرى بذلك والله أعلم.
وقال عطاء بن أبي رباح لا يتيمم المريض إذا وجد الماء ولا غير المريض لأن الله يقول {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً} فلم يبح التيمم لأحد إلا عند فقد الماء ولولا قول الجمهور وما روي من الأثر كان قول عطاء صحيحا والله أعلم.
واختلف الفقهاء أيضا في التيمم هل تصلى به صلوات أم يلزم التيمم لكل صلاة فقال مالك لا يصلي صلاتين بتيمم واحد ولا يصلي نافلة ومكتوبة بتيمم واحد إلا أن تكون نافلة بعد مكتوبة قال وإن صلى ركعتي الفجر بتيمم الفجر أعاد التيمم لصلاة الفجر.
وقال الشافعي يتمم لكل صلاة فرض ويصلي النافلة والفرض وصلاة الجنائز بتيمم واحد ولا يجمع بين صلاتي فرض بتيمم واحد في سفر ولا في حضر.
وقال شريك بن عبد الله القاضي يتيمم لكل صلاة نافلة وفريضة ولم يختلف قول مالك وأصحابه فيمن تيمم لصلاة فصلاها فلما سلم منها ذكر صلاة نسيها أنه يتيمم لها واختلفوا فيمن صلى صلاتي فرض بتيمم واحد فروى يحيى عن ابن القاسم فيمن صلى صلوات كثيرة بتيمم واحد أنه يعيد ما زاد على واحدة في الوقت واستحب أن يعيد أبدا.
وروى أبو زيد بن أبي الغمر عنه أنه يعيدها أبدا وقال أصبغ إن جمع بين صلاتين بتيمم واحد نظر فإن كانتا مشتركتين في الوقت أعاد الآخرة في الوقت وإن كانتا غير مشتركتين كالعصر والمغرب أعاد الثانية أبدا.

(19/294)


وذكر ابن عبدوس أن ابن نافع روي عن مالك في الذي يجمع بين الصلاتين أنه يتيمم لكل صلاة.
وقال أبو الفرج في ذاكر الصلوات إن قضاهن بتيمم واحد فلا شيء عليه وذلك جائز له ولأصحاب مالك في هذا الباب ضروب من الاضطراب ومن حجة من رأى التيمم لكل صلاة أن الله أوجب على كل قائم إلى الصلاة طلب الماء وأوجب عند عدمه التيمم وعلى المتيمم عند دخول وقت صلاة أخرى ما عليه في الأولى وليست الطهارة بالصعيد كالطهارة بالماء لأنها طهارة ناقصة طهارة ضرورة لاستباحة الصلاة قبل خروج الوقت بدليل إجماع المسلمين على بطلانها بوجود الماء وإن لم يحدث وليس كذلك الطهارة بالماء ألا ترى أن السنة المجتمع عليها قد وردت بجواز صلوات كثيرة بوضوء واحد بالماء لأن الوضوء الثاني في حكم الأول ليس بناقض له وليس كذلك إذا وجد الماء بعد التيمم فلذلك أمر بطلبه لكل صلاة وإذا طلبه ولم يجده تيمم بظاهر قول الله {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} ولما أجمعوا أنه لا يتيمم قبل دخول الوقت دل على أنه يلزمه التيمم لكل صلاة لئلا تكون قبل دخول الوقت.
وقال أبو حنيفة والثوري والليث والحسن بن حي وداود يصلي ما شاء بتيمم واحد ما لم يحدث لأنه طاهر ما لم يجد الماء وليس عليه طلب الماء إذا يئس منه وللكلام في هذه المسألة وجوه يطول الباب بذكرها وفي التيمم مسائل كثيرة هي فروع لو أتينا بها خرجنا عن شرطنا وبالله توفيقنا.

(19/295)


حديث سادس لعبدالرحمن بن قاسم
...
حديث سادس لعبد الرحمن بن القاسم.
مالك عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة أنها قالت "كنت أطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم لإحرامه قبل أن يحرم ولحله قبل أن يطوف بالبيت".
هذا حديث صحيح ثابت لا يختلف أهل العلم بالحديث في صحته وثبوته ولكن الفقهاء اختلفوا في القول به على حسبما ذكرناه في باب حميد بن قيس من كتابنا هذا وذكرنا اعتلال كل طائفة لمذهبها في ذلك من جهة الأثر والنظر هناك وسنذكر ههنا فيه من جهة الأثر مالم يقع هناك لتكمل الفائدة إن شاء الله.
وهذا الحديث روي عن عائشة من وجوه فممن رواه عنها القاسم وسالم وعروة والأسود ومسروق وعمرة وممن رواه عن القاسم ابنه عبد الرحمن وأفلح بن حميد ورواه عن عروة ابن شهاب وعثمان بن عروة وهشام بن عروة ولم يسمعه هشام من أبيه إنما سمعه من أخيه عثمان عن أبيه.

(19/296)


وروى هذا الحديث عن عبد الرحمن بن القاسم يحيى بن سعيد الأنصاري ومنصور بن المعتر والثوري وحماد بن سلمة وابن عيينة وغيرهم.
حدثنا خلف بن قاسم حدثنا عبد الله بن جعفر بن الورد حدثنا الحسن بن مخلد العطار حدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس حدثنا مالك عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة قالت "طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم لإحرامه قبل أن يحرم ولحله قبل أن يحل".
أخبرنا محمد بن إبراهيم بن سعيد قال أخبرنا محمد بن معاوية بن عبد الرحمن قال أخبرنا أحمد بن شعيب قال أخبرنا حسين بن منصور بن جعفر النيسابوري قال حدثنا عبد الله بن نمير قال حدثنا يحيى بن سعيد عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة قالت "طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم لإحرامه حين أحرم ولحله حين أحل".
وأخبرنا محمد بن إبراهيم قال حدثنا محمد بن معاوية قال حدثنا أحمد ابن شعيب قال أخبرنا أحمد بن حرب قال حدثنا ابن إدريس عن يحيى ابن سعيد عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة قالت "كنت أطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم بأطيب ما أجد لحرمه ولحله وحين يريد أن يزور البيت".
وأخبرنا عبد الله بن محمد بن أسد قال حدثنا حمزة بن محمد بن علي قال حدثنا أحمد بن شعيب قال أخبرنا يعقوب بن إبراهيم قال حدثنا هشيم قال أخبرنا منصور عن عبد الرحمن بن القاسم عن القاسم،

(19/297)


قال قالت عائشة "طيبت النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يحرم ويوم النحر قبل أن يطوف بالبيت بطيب فيه مسك".
أخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن قال حدثنا محمد بن عمر بن يحيى قال حدثنا علي بن حرب قال حدثنا سفيان عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة قالت "طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي هاتين لحرمه حين أحرم ولحله قبل أن يطوف بالبيت قالت ولا أعلم أن المحرم يحله غير الطواف بالبيت".
حدثنا خلف بن القاسم قال حدثنا وجيه بن الحسن قال حدثنا بكار ابن قتيبة قال حدثنا أبو عامر العقدي قال حدثنا أفلح بن حميد عن القاسم ابن محمد عن عائشة قالت "طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم لإحرامه حين أحرم ولحله قبل أن يطوف بالبيت".
حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد قال حدثنا التميمي قال حدثنا عيسى بن مسكين قال حدثنا سحنون قال حدثنا ابن وهب قال أخبرني أسامة بن زيد وأفلح بن حميد عن القاسم بن محمد عن عائشة قالت "طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي لحرمه حين احرم ولحله حين حل قبل أن يطوف بالبيت".
قال ابن وهب وأخبرني أسامة بن زيد قال حدثني أبو بكر بن حزم عن عمرة بنت عبد الرحمن عن عائشة مثله.
أخبرنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أبو إسماعيل محمد بن إسماعيل الترمذي قال حدثنا عبد الله بن الزبير الحميدي قال حدثنا سفيان قال سمعت الزهري يحدث عن عروة عن

(19/298)


عائشة قالت "طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي هاتين لحرمه حين احرم ولحله قبل أن يطوف بالبيت".
ورواه الأوزاعي قال فيه عنه عن الزهري عن عروة عن عائشة وطيبته لإحلاله طيبا لا يشبه طيبكم هذا يعني ليس له بقاء هكذا رواه ضمرة بن ربيعة عن الأوزاعي.
ورواه عيسى بن يونس عن الأوزاعي بإسناده مثله.
حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا أبي قال حدثنا سفيان بن عيينة قال حدثنا عثمان ابن عروة بن الزبير عن أبيه عن عائشة أنها قالت طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي هاتين بأطيب الطيب قال أحمد بن زهير قال حدثنا أبي قال سفيان ابن عيينة قال عثمان بن عروة هشام يرويه عني.
وأخبرنا عبد الله بن محمد بن يحيى قال حدثنا محمد بن عمر بن يحيى قال حدثنا علي بن حرب قال حدثنا سفيان عن عثمان بن عروة عن أبيه عن عائشة قال سألتها بأي شيء كنت تطيبين رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت بأطيب طيب.
حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أبو يحيى بن أبي مسرة قال حدثنا أبي قال حدثنا هشام عن ابن جريج قال أخبرني عمر بن عبد الله بن عروة سمع عروة والقاسم بن محمد يخبران عن عائشة قالت "طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم بالذريرة في حجة الوداع في الحل والإحرام".

(19/299)


أخبرنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا أبي قال حدثنا وكيع عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت "طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي هاتين بأطيب ما أجد". أخبرنا محمد بن إبراهيم قال حدثنا محمد بن معاوية قال حدثنا أحمد ابن شعيب قال حدثنا أحمد بن يحيى بن الوزير قال حدثنا شعيب ابن الليث عن أبيه عن هشام بن عروة عن عثمان بن عروة عن عروة عن عائشة قالت "لقد كنت أطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم عند إحرامه بأطيب ما أجد".
أخبرنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا محمد بن الصباح قال حدثنا إسماعيل بن زكريا عن الحسن بن عبيد الله عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة قالت "كأني أنظر إلى وبيص المسك في مفرق رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محرم".
ورواه الثوري وشعبة عن منصور والأعمش عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة مثله سواء إلا أنهم قالوا في موضع المسك الطيب ورواه عبد الرحمن بن الأسود وأبو إسحاق عن الأسود عن عائشة مثله بمعناه.

(19/300)


وحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم قال حدثنا أحمد بن زهير حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا عبد الواحد بن زياد قال حدثنا الحسن بن عبيد الله قال حدثنا إبراهيم عن الأسود عن عائشة قالت "كأني أنظر إلى وبيص المسك في مفرق رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محرم".
حدثنا عبد الوارث قال حدثنا قاسم قال حدثنا روح بن الفرج أبو الزنباع قال حدثنا أبو زيد بن أبي الغمر قال حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن الزهري عن موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر عن عائشة قالت "كنت أطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم بالغالية الجيدة".
وهذا الحديث بهذا اللفظ وهذا الإسناد لم يروه إلا أبو زيد بن أبي الغمر وقد أنكروه عليه.
وحدثنا عبد الوارث قال حدثنا قاسم قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا أبي قال حدثنا وكيع قال حدثنا الأعمش عن أبي الضحى عن مسروق عن عائشة قالت "كأني أنظر إلى وبيص الطيب في مفارق رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يلبي".
حدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن إسماعيل قال حدثنا الحميدي قال حدثنا سفيان قال حدثنا عمرو عن سالم عن عائشة قالت "طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم لحرمه قبل أن يحرم ولحله بعد ما رمى الجمرة وقبل أن يزور".
حدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا ابن وضاح قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا شريك عن أبي

(19/301)


إسحاق عن الأسود عن عائشة "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتطيب قبل أن يحرم فترى اثر الطيب في مفرقه بعد ذلك بثلاث".
أخبرنا أحمد بن محمد قال حدثنا وهب بن مسرة قال حدثنا ابن وضاح قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا ابن فضيل عن عطاء ابن السائب عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة قالت "رأيت بصيص الطيب في مفارق رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ثلاث وهو محرم".
حدثنا سعيد بن نصر وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أبو إسماعيل الترمذي قال حدثنا الحميدي قال حدثنا سفيان قال حدثنا عطاء بن السائب عن إبراهيم النخعي عن الأسود ابن يزيد عن عائشة أنها قالت "رأيت الطيب في مفارق رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ثالثة وهو محرم".
قال أبو عمر: فذهب قوم إلى القول بهذه الآثار وقالوا لا بأس أن يتطيب المحرم قبل إحرامه بما شاء من الطيب ومسكا كان أو غيره مما يبقى عليه بعد إحرامه ولا يضره بقاؤه عليه بعد إحرامه إذا تطيب قبل إحرامه لأن بقاء الطيب عليه ليس بابتداء منه وليس بمتطيب بعد الإحرام وإنما المنهي عنه التطيب بعد الإحرام قالوا ولا بأس أن يتطيب أيضا إذا رمى جمرة العقبة قبل أن يطوف بالبيت وحجتهم فيما ذهبوا إليه من ذلك كله حديث عائشة هذا وهو حديث ثابت وقد عملت به عائشة رضي الله عنها وجماعة من الصحابة منهم سعد بن أبي وقاص وعبد الله ابن عباس وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن جعفر،

(19/302)


وأبو سعيد الخدري وجماعة من التابعين بالحجاز والعراق واليه ذهب الشافعي وأصحابه والأوزاعي والثوري وأبو حنيفة وأبو يوسف وزفر وبه قال أحمد بن حنبل وإسحاق وأبو ثور وكل هؤلاء يقول لا بأس أن يتطيب قبل أن يحرم وبعد رمي جمرة العقبة.
قرأت على أحمد بن عبد الله بن محمد أن أباه أخبره قال حدثنا عبد الله ابن يونس قال حدثنا بقي بن مخلد قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا أبو أسامة عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه قال رأيت عائشة تنكت في مفارقها الطيب قبل أن تحرم ثم تحرم.
قال أبو بكر وحدثنا وكيع عن محمد بن قيس عن الشعبي قال كان سعد يتطيب عند الإحرام بالذريرة.
وذكرعبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن عائشة بنت سعد عن سعد مثله.
وذكر أبو بكر حدثنا وكيع عن عيينة بن عبد الرحمن عن أبيه عن ابن عباس وابن الزبير أنهما كانا لا يريان بالطيب عند الإحرام بأسا قال وحدثنا وكيع عن محمد بن قيس عن الشعبي قال كان عبد الله ابن جعفر يموت المسك ثم يجعله على يافوخه قبل أن يحرم.
قال وحدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن أبي الضحى قال رأيت عبد الله بن الزبير وفي رأسه ولحيته من الطيب وهو محرم ما لو كان لرجل لاتخذ منه رأس ماله.

(19/303)


قال وحدثنا وكيع وأبو أسامة عن هشام بن عروة عن أبيه عن ابن الزبير أنه كان يتطيب بالغالية الجيدة عند إحرامه.
قال وحدثنا أبو أسامة عن سعيد عن قتادة أن ابن عباس كان لا يرى بأسا بالطيب عند إحرامه ويوم النحر.
وذكر عبد الرزاق عن الأسلمي عن إسحاق بن كعب بن عجرة عن زينب أن أبا سعيد الخدري كان يدهن بألبان عند الإحرام قال وأخبرنا الأسلمي قال أخبرني صالح مولى التوأمة أنه سمع ابن عباس يقول إني لأتطيب بأجود ما أجد من الطيب إذا أردت أن أحرم وإذا حللت قبل أن أفيض.
وذكر أبو بكر قال حدثنا وكيع عن علي عن كثير بن بسام عن ابن الحنفية أنه كان يغلف رأسه بالغالية الجيدة إذا أراد أن يحرم.
وعبد الرزاق عن معمر عن ابن شهاب أن عروة كان يتطيب عند الإحرام بألبان والذريرة وهو مذهب القاسم والشعبي وإبراهيم وقال آخرون منهم مالك وأصحابه لا يجوز أن يتطيب المحرم قبل إحرامه بما يبقى عليه رائحته بعد الإحرام وإذا أحرم حرم عليه الطيب حتى يطوف بالبيت وهذا مذهب عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعبد الله بن عمر وعثمان بن أبي العاصي وبه قال عطاء والزهري وسعيد بن جبير والحسن وابن سيرين وإليه ذهب محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة وهو اختيار الطحاوي.
وحجة من ذهب هذا المذهب من جهة الأثر حديث يعلى بن أمية عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر الرجل الذي أحرم بعمرة وعليه طيب خلوق أو غيره،

(19/304)


وعليه جبة أن ينزع عنه الجبة ويغسل الطيب وادعوا الخصوص في حديث عائشة لأن الرسول الله صلى الله عليه وسلم كان أملك الناس لأربه ولأن ما يخاف على غيره من تذكر الجماع الممنوع منه في الإحرام مأمون منه صلى الله عليه وسلم وقالوا لو كان على عمومه للناس عامة ما خفي على عمر وعثمان وابن عمر مع علمهم بالمناسك وغيرها وجلالتهم في الصحابة وموضع عطاء من علم المناسك موضعه وموضع الزهري من علم الأثر موضعه.
ذكر عبد الرزاق قال أخبرنا ابن عيينة عن ابن جريج عن عطاء قال أخبرني صفوان بن يعلى أن يعلى كان يقول لعمر أرني نبي الله صلى الله عليه وسلم حين ينزل عليه فلما كان بالجعرانة وعلى النبي صلى الله عليه وسلم ثوب أظل به عليه معه خمسة ناس من أصحابه منهم عمر بن الخطاب إذ جاء رجل عليه جبة متضمخ بطيب فقال يا رسول الله كيف ترى في رجل أحرم بعمرة في جبة بعدما تضمخ بطيب فسكت ساعة فجاءه الوحي فأشار عمر إلى يعلى بيده أن تعال فجاء وأدخل رأسه فإذا النبي صلى الله عليه وسلم محمر الوجه يغط كذلك ساعة ثم سري عنه فقال أين السائل عن العمرة آنفا فالتمس الرجل فأتي به فقال النبي صلى الله عليه وسلم "أما الطيب الذي بك فاغسله عنك ثلاث مرات وأما الجبة فانزعها ثم اصنع في عمرتك ما تصنع في حجك".
قال ابن جريج كان عطاء يأخذ في الطيب للمحرم بهذا الحديث قال ابن جريج وكان عطاء يكره الطيب عند الإحرام ويقول إن كان به شيء منه فليغسله ولينقه وكان يأخذ بشأن صاحب الجبة قال ابن جريج:

(19/305)


وكان شأن صاحب الجبة قبل حجة الوداع والآخر فالآخر من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أحق أن يتبع.
قال أبو عمر: مذهب ابن جريج في هذا الباب خلاف مذهب عطاء وحجته أن الآخر ينسخ الأول حجة صحيحة ولا خلاف بين جماعة أهل العلم بالسير والأثر أن قصة صاحب الجبة كانت عام حنين بالجعرانة سنة ثمان وحديث عائشة عام حجة الوداع وذلك سنة عشر فإذا لم يصح الخصوص في حديث عائشة فالأمر فيه واضح جدا وقد ذكرنا خبر يعلى ابن أمية عن النبي صلى الله عليه وسلم في قصة صاحب الجبة من طرق شتى في باب حميد ابن قيس من كتابنا هذا وذكرنا هناك كثيرا من اعتلال الطائفتين للمذهبين والحمد لله.
وذكر عبد الرزاق عن معمر أنه أخبره عن الزهري عن سالم عن أبيه قال وجد عمر بن الخطاب طيبا وهو بالشجرة فقال ما هذا الريح فقال معاوية مني طيبتني أم حبيبة زوج النبي صلى الله عليه وسلم فتغيط عليه عمر وقال منك لعمري أقسمت عليك لترجعن إلى أم حبيبة فلتغسله عنك كما طيبتك وكان الزهري يأخذ بقول عمر فيه.
وروى مالك عن نافع عن أسلم مولى عمر عن عمر أنه وجد ريح طيب وهو بالشجرة فذكر مثله.
ورواه أيوب عن نافع عن أسلم عن عمر مثله سواء وزاد قال فرجع معاوية إليها حتى لحقهم ببعض الطريق ومالك عن الصلت بن زبيد عن غير واحد من أهله أن عمر بن الخطاب وجد ريح طيب وهو

(19/306)


بالشجرة وإلى جنبه كثير بن الصلت فقال عمر ممن هذه الريح فقال كثير مني لبدت رأسي وأردت أن أحلق قال عمر فاذهب إلى شربة فادلك رأسك حتى تنقيه ففعل كثير بن الصلت.
قال أبو عمر: الشربة مستنقع الماء عند أصول الشجر حوض يكون مقدار ريها وقال ابن وهب هو الحوض حول النخلة يجتمع فيها الماء وأنشد أهل اللغة في هذا المعنى من شاهد الشعر قول زهير:
ينهضن من شربات ماؤها طحل ... على الجذوع يخفن الغم والغرقا
وهذا مما عيب على زهير وقالوا أخطأ لأن خروج الضفادع من الماء ليس مخافة الغرق وإنما ذلك لأنهن يبضن على شطوط الماء ومن هذا قول كثير عزة:
من القلب من عضدان هامة شربت ... بسقي وجمت للنواضح بيرها
فمعنى قوله شربت أي جعلت لها شرب والعضيد والعضد والعضدان قالوا بنات النخل والشربات جمع شربة والشرب جمع شرب.
وذكر أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا وكيع قال حدثنا محمد بن قس عن بشير بن يسار الأنصاري قال لما أحرموا وجد عمر ريح طيب فقال ممن هذه الريح فقال البراء بن عازب مني يا أمير المؤمنين قال قد علمنا أن امرأتك عطرة أو عطارة إنما الحاج الأنفر الأغبر قال وحدثنا أبو خالد الأحمد عن يحيى بن سعيد عن الزهري أن عمر بن الخطاب دعا بثوب،

(19/307)


فأتي بثوب فيه ريح طيب فرده ومالك عن نافع وعبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر أن عمر بن الخطاب خطب الناس بعرفة وعلمهم أمر الحج وقال لهم فيما قال إذا جئتم منى فمن رمى الجمرة فقد حل له ما حرم على الحاج إلا النساء أو الطيب لا يمس أحد نساء ولا طيبا حتى يطوف بالبيت.
وكيع عن شعبة عن سعد بن إبراهيم عن أبيه أن عثمان رضي الله عنه رأى رجلا قد تطيب عند الإحرام فأمره أن يغسل رأسه بطين.
وأخبرنا عبد الله بن محمد بن أسد قال أخبرنا حمزة بن محمد قال حدثنا أحمد بن شعيب قال أخبرنا هناد بن السري عن وكيع عن مسعر وسفيان عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر عن أبيه قال سمعت ابن عمر يقول لأن أصبح مطليا بقطران أحب إلي من أن أصبح محرما أنضخ طيبا فدخلت على عائشة فأخبرتها بقوله فقالت طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم فطاف في نسائه ثم أصبح محرما قال وأخبرنا حميد بن مسعدة عن بشر بن المفضل قال حدثنا شعبة عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر عن أبيه قال سألت ابن عمر عن الطيب عند الإحرام فقال لأن أطلى بالقطران أحب إلي من ذلك فذكرت ذلك لعائشة فقالت يرحم الله أبا عبد الرحمن قد كنت أطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيطوف على نسائه ثم يصبح ينضخ طيبا قد ذكرنا ما للعلماء في معنى قوله في هذا الحديث ينضخ طيبا وتقصينا القول في الطيب للمحرم بما في ذلك من الاعتلال والنظر ومعاني الأثر ممهدا ذلك كله في باب حميد بن قيس من كتابنا هذا فلا معنى لإعادة ذلك ههنا.

(19/308)


وذكر عبد الرزاق قال أخبرنا معمر عن الزهري عن سالم قال كان ابن عمر يترك المجمر قبل الإحرام بجمعتين وأبو بكر قال حدثنا عبد الأعلى عن برد عن نافع عن ابن عمر أنه كان إذا أراد أن يحرم ترك إجمار ثيابه قبل ذلك بخمس عشرة قال وحدثنا يحيى بن سعيد القطان عن ابن جريج عن عطاء أنه كره الطيب عند الإحرام وقال إن كان به منه شيء فليغسله ولينقه قال وحدثنا عبد الله بن نمير عن عبد الملك عن سعيد بن جبير أنه كان يكره للمحرم حين يحرم أن يدهن بدهن فيه مسك أو أفواه أبو عبير قال وحدثنا عبد الأعلى عن هشام عن محمد أنه كان يكره أن يتطيب الرجل عند إحرامه قال وحدثنا عبد العلى عن هشام عن الحسن مثل ذلك ويحب أن يحيى أشعث أغبر.
قال أبو عمر:
قد أجمعوا على أنه لا يجوز للمحرم بعد أن يحرم أن يمس شيئا من الطيب حتى يرمي جمرة العقبة واختلفوا في ذلك إذا رمى الجمرة قبل أن يطوف بالبيت على ما ذكرنا وأجمعوا أنه إذا طاف بالبيت طواف الإفاضة يوم النحر بعد رمي جمرة العقبة أنه قد حل له الطيب والنساء والصيد وكل شيء وتم حله وقضى حجه وههنا مسائل كثيرة للعلماء فيها تنازع على أصولهم هي فروع ليس من شرطنا ذكرها وفي هذا الباب للفقهاء حجج من جهة النظر قد ذكرنا منها ما عليه مدار الباب عند ذكر حديث حميد بن قيس عن عطاء في قصة الأعرابي صاحب الجبة لا وجه لإعادتها ههنا وجملة القول على مذهب مالك في هذا الباب أن الطيب عنده للإحرام وبعد العقبة ليس بحرام وإنما هو مكروه ومال فيه إلى اتباع عمر وابن عمر لقوة ذلك عنده وبالله التوفيق.

(19/309)


ذكر مالك عن يحيى بن سعيد وعبد الله بن أبي بكر وربيعة أن الوليد ابن عبد الملك سأل سالم بن عبد الله وخارجة بن زيد بن ثابت بعد أن رمى الجمرة وحلق رأسه وقبل أن يفيض عن الطيب فنهاه سالم وأرخص له خارجة وروى جماعة عن مالك أنه أخذ في هذه المسألة بقول خارجة ولم ير على من تطيب بعد رمي جمرة العقبة وقبل أن يطوف طواف الإفاضة شيئا وإن كان يكره له ذلك وأخذه في هذا بقول خارجة ترك لقول عمر ومذهبه في ذلك لأن عمر قال من رمى جمرة العقبة فقد حل له كل شيء إلا النساء والطيب ومعلوم أنه إذا لم يحل له الطيب فهو حرام عليه وتلزمه الفدية إن تطيب قبل الإفاضة على مذهب عمر وقد خالف مالك عمر أيضا في معنى حديثه هذا لأن مالكا يقول لا يحل الاصطياد لمن رمى جمرة العقبة حتى يطوف طواف الإفاضة وقد قال عمر إلا النساء والطيب ولم يقل والصيد.
وزعم بعض أصحاب مالك أن ذلك الموضع لم يكن موضع صيد فلذلك استغنى عن ذكره عمر رحمه الله وحجة مالك قول الله عز وجل {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا} ومن لم يفض لم يحل كل الحل لأنه حرام من النساء عند الجميع.
وقال الشافعي وجماعة من رمى جمرة العقبة فقد حل له كل شيء إلا النساء.
قال أبو عمر: فإذا طاف طواف الإفاضة فقد تم حجه وحل له كل شيء بإجماع وإنما رخص الشافعي ومن تابعه في الطيب لمن رمى جمرة العقبة،

(19/310)


لحديث عائشة طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم لإحرامه قبل أن يحرم ولحله قبل أن يطوف بالبيت تريد بعد رمي جمرة العقبة ورخص في الصيد من أجل قول عمر إلا النساء والطيب ولم يقل والصيد وقد قال الله عز وجل {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا} ومن رمى جمرة العقبة فقد حل له الحلاق والتفث كله بإجماع فقد دخل تحت اسم الإحلال وفي هذه المسألة ضروب من الاعتلال تركتها والله المستعان.

(19/311)


حديث سابع لعبدالرحمن بن القاسم
...
حديث سابع لعبد الرحمن بن القاسم.
مالك عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة "أن صفية بنت حيي حاضت فذكروا ذلك لرسول صلى الله عليه وسلم فقال "أحابستنا هي فقيل إنا قد أفاضت قال فلا إذا".
صفية هذه بنت حيي بن أخطب إحدى أزواج النبي صلى الله عليه وسلم قد ذكرناها وأخبارها في كتاب النساء من كتاب الصحابة وقد مضى القول في معاني هذا الحديث وما فيه للسلف والخلف من المذاهب والوجوه في باب عبد الله بن أبي بكر عن أبيه من كتابنا هذا فلا معنى لإعادة ذلك ههنا إن شاء الله.

(19/312)


حديث ثامن لعبدالرحمن بن القاسم
...
حديث ثامن لعبد الرحمن بن القاسم.
مالك عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن أسماء بنت عميس أنها ولدت محمد بن أبي بكر بالبيداء فذكر ذلك أبو بكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال "مرها فلتغتسل ثم أهل".
هكذا هذا الحديث في الموطأ مرسلا عند جماعة الرواة عن مالك لم يختلفوا فيه فيما علمت ألا أن بعض رواة الموطأ يقول فيه عن مالك عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه أن أسماء وبعضهم يقول فيه عن أسماء أنها ولدت والقاسم لم يلق أسماء بنت عميس فهو مرسل في رواية مالك وقد ذكره سليمان بن بلال حدثنا سعيد بن نصر حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا بن وضاح حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا خالد بن مخلد عن سليمان بن بلال قال حدثني يحيى بن سعيد قال سمعت القاسم بن محمد يحدث عن أبيه عن أبي بكر الصديق أنه خرج حاجا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه امرأته أسماء بنت عميس فولدت بالشجرة محمد بن أبي بكر فأتى أبو بكر النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأمرها أن تغتسل ثم تهل بالحج ثم تصنع ما يصنع الناس إلا أنها لا تطوف بالبيت.

(19/313)


وقد روي عن سعيد بن المسيب أيضا من وجوه صحاح وهو أيضا مرسل ومنهم من يجعل حديث سعيد من قول أبي بكر كذلك رواه ابن عيينة عن عبد الكري الجزري ويحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب أن أسماء بنت عميس نفست بذي الحليفة محمد بن أبي بكر فأمرها أبو بكر أن تغتسل ثم تهل ورواه ابن وهب عن الليث بن سعد ويونس بن يزيد وعمرو بن الحارث أنهم أخبروه من ابن شهاب عن سعيد بن المسيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أسماء بنت عميس بن عبد الله بن جعفر وكانت عاركا أن تغتسل ثم تهل بالحج.
قال ابن شهاب فلتفعل المرأة في العمرة ما تفعل في الحج وروي هذا الحديث متصلا من وجوه من حديث عائشة وجابر وابن عمر.
أخبرنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا عثمان بن أبي شيبة قال حدثنا عبدة عن عبيد الله عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة قالت نفست أسماء بنت عميس بمحمد بن أبي بكر بالشجرة فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر أن تغتسل وترحل وتهل.
حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا إسماعيل بن إسحاق وأحمد بن زهير قالا حدثنا إسحاق بن محمد الفروي قال حدثنا عبد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر أن أبا بكر خرج مع النبي صلى الله عليه وسلم ومعه أسماء بنت عميس حتى إذا كان بذي الحليفة ولدت أسماء محمد بن أبي بكر فاستفتى لها أبو بكر النبي صلى الله عليه وسلم فقال مرها فلتغتسل ثم تهل.

(19/314)


وحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا إسحاق بن محمد الفروي قال حدثنا عبد الله بن عمر عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة فذكره ولهذا الإختلاف في إسناد هذا الحديث أرسله مالك والله أعلم فكثيرا ما كان يصنع ذلك وقد روى قصة أسماء هذه جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر في الحديث الطويل وهو حديث صحيح.
وروى ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم في الحائض والنفساء هذا المعنى وهو صحيح مجتمع عليه لا خلاف بين العلماء فيه كلهم يأمر النفساء بالاغتسال على ما في هذا الحديث وتهل بحجها وعمرتها وهي كذلك وحكمها حكم الحائض تقضي المناسك كلها وتشهدها غير أنها لا تطوف بالبيت حتى تطهر.
أخبرنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا محمد بن عيسى وإسماعيل بن إبراهيم أبو معمر قالا حدثنا مروان بن شجاع عن خصيف عن عكرمة ومجاهد وعطاء عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "النفساء والحائض إذا أتتا على الوقت تغتسلان وتحرمان وتقضيان المناسك كلها غير الطواف بالبيت".
قال أبو داود ولم يذكر ابن عيسى عكرمة ومجاهد قال عن عطاء عن ابن عباس.
قال أبو عمر: في أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أسماء وهي نفساء بالغسل عند الإهلال وقوله في الحائض والنفساء أنهما تغسلان ثم تحرمان دليل على

(19/315)


تأكيد الغسل للإحرام إلا أن جمهور أهل العلم لا يوجبونه وهو عند مالك وأصحابه سنة مؤكدة لا يرخصون في تركها إلا من عذر بين.
وروى ابن نافع عن مالك أنه استحب الأخذ بقول ابن عمر في الاغتسال للإهلال بذي الحليفة وبذي طوى لدخول مكة وعند الرواح إلى عرفة قال ولو تركه تارك من غير عذر لم أر عليه شيئا.
وقال ابن القاسم لا يترك الرجل ولا المرأة الغسل عندا لإحرام إلا من ضرورة قال وقال مالك إن اغتسل بالمدينة وهو يريد الإحرام ثم مضى من فوره إلى ذي الحليفة فأحرم فأرى غسله مجيزا عنه قال وإن اغتسل بالمدينة غدوة ثم أقام إلى العشي ثم راح إلى ذي الحليفة فأحرم قال لا يجزئه الغسل إلا أن يغتسل ويركب من فوره أو يأتي ذا الحليفة فيغتسل إذا أراد الإحرام.
قال أحمد بن المعذل عن عبد الملك بن الماجشون الغسل عند الإحرام لازم إلا أنه ليس في تركه ناسيا ولا عامدا دم ولا فدية قال وإن ذكره بعد الإهلال فلا أرى عليه غسلا ولم أسمع أحدا قاله قال فالحائض تغتسل لأنها من أهل الحج وكذلك النفساء تغتسلان للإحرام والوقوف بعرفة.
وقال ابن نافع عن مالك لا تغتسل الحائض بذي طوى لأنها لا تطوف بالبيت وقد روي عن مالك أنها تغتسل كما تغتسل غير الحائض وإن لم تطف.

(19/316)


وذكر ابن خواز بنداد أن مذهب مالك في الغسل للإهلال أنه سنة قال وهو أوكد عنده من غسل الجمعة ولا يجوز ترك السنة اختيارا قال ومن تركه فقد أساء وإحرامه صحيح كمن صلى الجمعة على غير غسل قال وقال الشافعي ينبغي لكل من أراد الإحرام أن يغتسل فإن لم يفعل فقد أساء إن تعمد ذلك ولا شيء عليه.
قال وقال أبو حنيفة والأوزاعي والثوري يجزئه الوضوء وهو قول إبراهيم وقال أهل الظاهر الغسل عند الإهلال واجب على كل من أراد أن يحرم بالحج طاهرا كان أو غير طاهر وقد روي عن الحسن البصري ما يدل على هذا المذهب قال الحسن إذا نسي الغسل عند إحرامه فإنه يغتسل إذا
ذكر. وقد روي عن عطاء إيجابه وروي عنه أن الوضوء يكفي عنه.

(19/317)


حديث تاسع لعبدالرحمن بن القاسم
...
حديث تاسع لعبد الرحمن بن القاسم.
مالك عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عبد الرحمن ومجمع ابني يزيد ابن جارية عن خنساء بنت خدام الأنصارية "أن أباها زوجها وهي ثيب فكرهت ذلك فجاءت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له فرد نكاحها.
وقد جرى من ذكر خنساء في كتاب الصحابة ما فيه كفاية وهذا حديث صحيح مجتمع على صحته وعلى القول به لأن القائلين لا نكاح إلا بولي يقولون إن الثيب لا يزوجها وليها أبا كان أو غيره إلا بإذنها ورضاها ومن قال ليس للولي مع الثيب أمر فهو أحرى باستعمال هذا الحديث وكذلك الذين أجازوا النكاح بغير ولي وقد ذكرنا القائلين بهذه الأقوال كلها وذكرنا وجوهها والاعتلال لها في باب عبد الله بن الفضل ومدار هذا الحديث ومعناه الذي من أجله ورد أن الثيب لا يجوز عليها في نكاحها إلا ما ترضاه ولا أعلم مخالفا في أن الثيب لا يجوز لأبيها ولا لأحد من أوليائها إكراهها على النكاح إلا الحسن البصري فإن أبا بكر بن أبي شيبة ذكر قال حدثنا ابن علية عن يونس عن الحسن أنه

(19/318)


كان يقول نكاح الأب جائز على ابنته بكرا كانت أو ثيبا أكرهت أو لم تكره.
وقال إسماعيل القاضي لا أعلم أحدا قال في الثيب بقول الحسن.
وذكر عبد الرزاق أخبرنا معمر عن صالح بن كيسان عن نافع بن جبير بن مطعم عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "ليس للولي مع الثيب أمر".
وقال ابن القاسم قال لي مالك في الأخ يزوج أخته الثيب برضاها والأب ينكر أن ذلك جائز على الأب قال مالك وماله ولها وهي مالكة أمرها.
وقال أبو حنيفة وأصحابه في الثيب لا ينبغي لأبيها أن يزوجها حتى يستأمرها فإن أمرته زوجها وإن لم تأمره لم يزوجها بغير أمرها فإن زوجها بغير أمرها ثم بلغها كان لها أن تجيزه فيجوز أو تبطله فيبطل.
وقال إسماعيل بن إسحاق أصل قول مالك في هذه المسألة أنه لا يجوز إلا أن يكون بالقرب فإنه استحسن إجازته لأنه كان في وقت واحد وفور واحد وإنما أبطله مالك لأن عقد الولي بغير أمر المرأة كأنه لم يكن ولو بلغ المرأة فأنكرت لم يكن فيه طلاق لأنه لم يكن هناك نكاح.
وذكر عن أبي ثابت عن ابن القاسم قال ولقد سألت مالكا عن الرجل يزوج ابنه البالغ المنقطع عنه أو ابنته الثيب وهي غائبة عنه فيرضيان بما فعل أبوهما فقال مالك لا يقام على هذا النكاح وإن رضيا لأنهما لو ماتا لم يكن بينهما ميراث قال وسألت مالكا عن

(19/319)


رجل زوج أخته ثم بلغها فقالت ما وكلت ولا أرضى ثم كلمت في ذلك فرضيت قال مالك لا أراه نكاحا جائزا ولا يقام عليه حتى يستأنفا نكاحا جديدا إن أحبت.
وقال الشافعي وأحمد بن حنبل ومن زوج ابنته الثيب بغير أمرها فالنكاح باطل وإن رضيت قال الشافعي لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقل لخنساء إلا أن تجيزي.
قال أبو عمر:
ليس في حديث مالك في هذا الباب ذكر بمن كانت خنساء تحته حين آمت منه ولا من الذي زوجها منه أبوها فكرهته ولا إلى من صارت بعد ذلك وكانت خنساء هذه تحت أنيس بن قتادة فآمت منه قتل عنها يوم أحد فزوجها أبوها رجلا من بني عوف فكرهته وشكت ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فرد ذلك التزويج ونكحت أبا لبابة بن عبد المنذر.
قرأت على خلف بن القاسم أن أبا علي سعيد بن السكن حدثهم قال حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي قال حدثنا عبد الله ابن عمر بن أبان الجعفي قال حدثنا عبد الرحيم بن سليمان عن محمد بن إسحاق عن حجاج بن السائب عن أبيه عن جدته خنساء بنت خدام أنها كانت أيما من رجل فزوجها أبوها رجلا من بني عوف فحنت إلى أبي لبابة بن عبد المنذر فارتفع شأنها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أباها أن يلحقها بهواها فتزوجت أبا لبابة.

(19/320)


وذكر عبد الرزاق قال أخبرنا معمر عن سعيد بن عبد الرحمن الحجشي عن أبي بكر بن محمد أن رجلا من الأنصار يقال له أنيس بن قتادة تزوج خنساء بنت خدام فقتل عنها يوم أحد فأنكحها أبوها رجلا من بني عوف فجاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت إن أبي أنكحني رجلا وإن عم ولدي أحب إلي منه فجعل النبي صلى الله عليه وسلم أمرها إليها.
قال وأخبرنا ابن جريج قال أخبرنا عطاء الخراساني عن ابن عباس إن خداما أبا وديعة أنكح ابنته رجلا فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فاشتكت إليه أنها أنكحت وهي كارهة فانتزعها النبي صلى الله عليه وسلم من زوجها وقال لا تكرهوهن فنكحت بعد ذلك أبا لبابة الأنصاري وكانت ثيبا قال ابن جريج أخبرت أنها خنساء ابنة خدام من أهل قباء.
قال عبد الرزاق وأخبرنا الثوري عن أبي الحويرث عن نافع بن جبير قال أمت خنساء بنت خدام فزوجها أبوها وهي كارهة فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت إن أبي زوجني وأنا كارهة وقد ملكت أمري قال فلا نكاح له انكحي من شئت فرد نكاحه ونكحت أبا لبابة الأنصاري.

(19/321)


حديث عاشر لعبدالرحمن بن القاسم مرسل ، يتصل من وجه صالح
...
حديث عاشر لعبد الرحمن بن القاسم مرسل يتصل من وجه صالح.
مالك عن عبد الرحمن بن القاسم بن محمد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "ليعز المسلمين في مصائبهم المصيبة بي".
وهذا الحديث روته طائفة عن مالك عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه وقد روي مسندا من حديث سهل بن سعد الساعدي رواه سعيد بن أبي مريم عن موسى بن يعقوب الزمعي عن أبي حازم عن سهل بن سعد عن النبي صلى الله عليه وسلم وروي من حديث المسور بن مخرمة وحديث عائشة مسندا وسنذكر ذلك كله في هذا الباب إن شاء الله.
وذكر محمد بن يوسف الفريابي،قال حدثنا فطر بن خليفة ،قال حدثنا عطاء بن أبي رباح قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا أصاب أحدكم مصيبة فليذكر مصيبته بي فإنها من أعظم المصائب".
وقد روي عن مالك عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا يصح هذا وإنما هو لمالك عن عبد الرحمن بن القاسم كما في الموطأ وصدق صلى الله عليه وسلم لأن المصيبة به أعظم من كل مصيبة يصاب بها المسلم بعده إلى يوم

(19/322)


القيامة انقطع الوحي وماتت النبوة وكان أول ظهور الشر بارتداد العرب وغير ذلك مما يطول ذكره كان أول انقطاع الخير وأول نقصانه.
قال أبو سعيد الخدري ما نفضنا أيدينا من تراب قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أنكرنا قلوبنا ولقد أحسن أبو العتاهية في نظمه معنى هذا الحديث حيث يقول:
اصبر لكل مصيبة وتجلد ... واعلم بأن المرء غير مخلد
أو ما ترى أن المصائب جمة ... وترى المنية للعباد بمرصد
من لم يصب ممن ترى بمصيبة ... هذا سبيل لست فيه بأوحد
وإذا ذكرت محمدا ومصابه ... فاجعل مصابك بالنبي محمد
وأحسن الراجز في قوله:
لو كنت يا أحمد فينا حيا ... إذا رشدنا وفقدنا الغيا
بأب أنت وأمي من نبي ... لم تر عيناي ولا عين أبي
ما حل من بعدك في الإسلام ... من الأذى والفتن العظام
أليس من بعدك قل العدل ... وكثر الجور وشاع القصل
ولأبي العتاهية:
لنا فكرة في أولينا وعبرة ... بها يقتدي ذو العقل منا ويهتدي
لكل أخي ثكل عزاء وأسوة ... إذا كان من أهل التقى في محمد

(19/323)


ورحم الله أبا العتاهية فلقد أحسن حيث يقول:
لمن تبتغي الذكرى بما هو أهله ... إذا كنت للنبي المطهر ناسيا
تكدر من بعد النبي محمد ... عليه سلام الله ما كان صافيا
فكم من منار كان أوضحه لنا ... ومن علم أضحى وأصبح عافيا
ركنا إلى الدنيا الدنية بعده ... وكشفت الطماع منا المساويا
في شعر طويل محكم عجيب له رحمة الله عليه ومن أحسن ما قيل في هذا المعنى قول منصور الفقيه:
ألا أيها النفس النئوم تنبهي ... وألقي إلى السمع القاء حازمه
ضلال وادخان وظن مكذب ... رجاؤك أن تبقى على الدهر سالمه
وقد غص بالكأس الكريهة أحمد ... ومات فمات الحق إلا معالمه
عليه سلام الله ما فضل الذي ... وصدق ذو الشح المطاع لوائمه
أخبرنا خلف بن القاسم قال حدثنا أبو محمد بكر العطار قال حدثنا يحيى بن عثمان بن صالح قال حدثنا حسان بن غالب قال حدثني الليث ابن سعد عن أبي بكر بن عبد الرحمن عن المسور بن مخرمة أن رسول الله قال من عظمت مصيبته فليتذكر مصيبته بي فإنه ستهون عليه مصيبته هكذا كتبته عن أبي القاسم رحمه الله من أصله وقرأته عليه الليث عن أبي بكر بن عبد الرحمن وهو غير متصل.
أخبرنا عبد الله بن محمد بن يوسف وسعيد بن سيد بن سعيد قالا أخبرنا عبد الله بن محمد بن علي بن علي قال حدثنا أحمد بن خالد قال حدثنا الحسن بن أحمد قال حدثنا محمد بن عبيد بن حساب قال حدثنا عبد الله ابن جعفر قال أخبرني مصعب بن محمد بن شرحبيل عن أبي سلمة بن

(19/324)


عبد الرحمن عن عائشة قالت أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه على الناس فقال "أيها الناس من أصيب منكم بمصيبة فليتعز بي عن مصيبته التي تصيبه فإنه لن يصاب أحد من أمتي بعدي بمثل مصيبته بي".
وحدثنا أحمد بن قاسم قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن إسماعيل الترمذي قال حدثنا نعيم بن حماد قال حدثنا ابن المبارك قال حدثنا سفيان عن علقمة بن مرثد عن عبد الرحمن بن سابط قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا أصابت أحدكم مصيبة فليذكر مصابه بي وليعزه ذلك من مصيبته".
حدثنا خلف بن القاسم قال حدثنا الحسن بن رشيق قال حدثنا عبد الله بن أحمد بن زيد القاضي بمصر قال حدثنا محمد بن شداد بن عيسى قال حدثنا الأصمعي عن العمري عن القاسم بن محمد قال كان أبو بكر الصديق إذا عزي عن ميت قال لوليه ليس مع العزاء مصيبة ولا مع الجزع فائدة والموت أهون ما بعده وأشد ما قبله اذكروا فقد نبيكم تهون عندكم مصيبتكم صلى الله عليه وسلم وأعظم أجركم.

(19/325)