Contents

الواجهة
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد
مقدمة
باب الألف
باب الثاء
باب الجيم
باب الحاء
باب الخاء
باب الدال
باب الراء
باب الزاي
تابع باب الزاء
تابع لحرف الزاء
تابع لحرف الزاء
باب الطاء
باب الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع حرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
باب النون
باب الصاد
باب الضاد
باب العين
تابع لحرف العين
تابع حرف العين
تابع لحرف العين
تابع لحرف العين
باب القاف
باب السين
باب الشين
باب الهاء
باب الواو
باب الياء
تابع باب الياء
باب الكني
باب بلاغات مالك ومرسلاته
باب مافي هذا الديوان من حديث مالك الذي ثبتت عليه أبوابه خاصة
الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج
الديباج - جزء 1
الديباج - جزء 2
الديباج - جزء 3
الديباج - جزء 4
الديباج - جزء 5
الديباج - جزء 6
المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج
المنهاج - مقدمة
المنهاج - الإيمان
المنهاج - الطهارة
المنهاج - الحيض
المنهاج - الصَّلَاة
المنهاج - المساجد ومواضع الصلاة
المنهاج - صلاة المسافرين وقصرها
المنهاج - بَاب صَلَاة الْجُمُعَة
المنهاج - بَاب صَلَاة الْعِيدَيْنِ
المنهاج - بَاب الدُّعَاء فِي صَلَاة الِاسْتِسْقَاء
المنهاج - بَاب صَلَاة الْكُسُوف
المنهاج - كِتَاب الْجَنَائِز
المنهاج - الزكاة
المنهاج - كِتَاب الصِّيَام
المنهاج - كِتَاب الِاعْتِكَاف
المنهاج - كِتَاب الْحَجّ
المنهاج - كِتَاب النِّكَاح
المنهاج - الرضاعة
المنهاج - الطلاق
المنهاج - اللِّعَان
المنهاج - العتق
المنهاج - البيوع
المنهاج - المساقاة
المنهاج - الفرائض
المنهاج - الهبات
المنهاج - الوصية
المنهاج - النذر
المنهاج - الأيمان
المنهاج - القسامة
المنهاج - الحدود
المنهاج - الأقضية
المنهاج - اللقطة
المنهاج - الجهاد والسير
المنهاج - الإمارة
المنهاج - الصيد والذبائح
المنهاج - كِتَاب الْأَضْاحَي
المنهاج - الأشربة
المنهاج - اللباس والزينة
المنهاج - الآداب
المنهاج - السلام
المنهاج - الألفاظ من الأدب وغيرها
المنهاج - الشعر
المنهاج - الرؤيا
المنهاج - الفضائل
المنهاج - فضائل الصحابة
المنهاج - البر والصلة والآداب
المنهاج - القدر
المنهاج - العلم
المنهاج - الذكر والدعاء
المنهاج - التوبة
المنهاج - صفات المنافقين
المنهاج - صفة القيامة والجنة والنار
المنهاج - الجنة وصفة نعيمها وأهلها
المنهاج - الفتن وأشراط الساعة
المنهاج - الزهد والرقائق
المنهاج - التفسير
تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي
أبواب الطهارة
أبواب الصلاة
تابع أبواب الصلاة
أبواب الوتر
أبواب الجمعة
تابع لأبواب الجمعة
أبواب العيدين
أبواب السفر
ابواب الزكاة
أبواب الصوم
أبواب الحج
تابع أبواب الحج
أبواب الجنائز
أبواب النكاح
أبواب الرضاع
أبواب الطلاق واللعان
ابواب البيوع
أبواب الأحكام
أبواب الديات
ابواب الحدود
تابع أبواب الحدود
أبواب الصيد
أبواب الأضاحي
أبواب النذور والأيمان
أبواب السير
أبواب الجهاد
أبواب اللباس
أبواب الأطعمة
أبواب الأشربة
تابع أبواب الأشربة
أبواب البر و الصله عن رسول الله صلى الله عليه و آله سلم
أبواب الطب عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الفرائض عن الرسول صلى الله عليه و سلم
أبواب الوصايا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الولاء و الهبة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب القدر عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم
أبواب الفتن عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الرؤيا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الشهادات عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
تابع لأبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صِفَةُ القِيامَة
أبواب صفة الجنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صفة جهنم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإيمان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب العلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإستئذان والآداب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب العلم
أبواب الأمثال
أبواب فضائل القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب القراءات عن رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم
أبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الدعوات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أحاديث شتى من أبواب الدعوات
المناقب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
مناقب الصحابة رضوان الله عليهم
تنوير الحوالك شرح موطأ مالك
كتاب وقوت الصلاة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب السهو
كتاب الجمعة
كتاب الصلاة في رمضان
كتاب صلاة الليل
كتاب صلاة الجماعة
كتاب قصر الصلاة في السفر
كتاب العيدين
كتاب صلاة الخوف
كتاب صلاة الكسوف
كتاب الاستسقاء
كتاب القبلة
كتاب القرآن
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب الجهاد
كتاب النذور و الأيمان
كتاب الضحايا
كتاب الذبائح
كتاب الصيد
كتاب العقيقة
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الرضاع
كتاب البيوع
كتاب القراض
كتاب المساقاة - كتاب كراء الأرض
كتاب الشفعة - كتاب الأقضية
كتاب الوصية - كتاب العتق والولاء
كتاب المكاتب - كتاب المدبر
كتاب الحدود
كتاب الأشربة - كتاب العقول
كتاب القسامة - كتاب الجامع
كتاب القدر - كتاب حسن الخلق
كتاب اللباس - كتاب صفة النبي
كتاب العين - كتاب الشعر
كتاب الرؤيا - كتاب السلام
كتاب الاستئذان والتشميت والصور والتماثيل وغيرها
كتاب البيعة - كتاب الكلام والعينة والتقى
كتاب جهنم - كتاب الصدقة
كتاب العلم - كتاب دعوة المظلوم - كتاب أسماء النبي
حاشية السندي على سنن ابن ماجة
المقدمة
الطَّهَارَة وَسُنَنهَا
الصلاة
الْأَذَان
المساجد والجماعات
أَبْوَاب إِقَامَة الصَّلَاة
الجنائز
الصوم
الزكاة
النكاح
الطلاق
الكفارات
التجارات
الأحكام
الحدود
الديات
الوصايا
الْفَرَائِض
الجهاد
المناسك
الْأَضَاحِيّ
الذبائح
الصيد
الأطعمة
الأشربة
الطب
اللباس
الْآدَاب
الدُّعَاء
تعبير الرؤيا
الْفِتَن
الزُّهْد
شرح سنن ابن ماجه لمغلطاي
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح رياض الصالحين
شرح رياض الصالحين - 01
شرح رياض الصالحين - 02
شرح رياض الصالحين - 03
شرح رياض الصالحين - 04
شرح سنن أبي داود للعيني
مقدمة التحقيق
كتاب الطهارة
كِتابُ الصَلاَةِ
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
عون المعبود شرح سنن أبي داود
كتاب الطهارة
تابع كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
كتاب الزكاة
تابع لكتاب الزكاة
كتاب اللقطة
كتاب المناسك
تابع لكتاب المناسك
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الصيام
تابع لكتاب الصيام
أول كتاب الجهاد
أول كتاب الضحايا
تابع كتاب الضحايا
أول كتاب الصيد
أول كتاب الوصايا
أول كتاب الفرائض
أول كتاب الخراج والفيء والإمارة
أول كتاب الجنائز
تابع لكتاب الجنائز
كتاب الأيمان والنذور
كتاب البيوع
كتاب الإجارة
كتاب القضاء
تابع لكتاب القضاء
كتاب العلم
كتاب الأشربة
كتاب الأطعمة
كتاب الطب
كتاب الكهانة والتطير
كتاب العتق
أول كتاب الحروف والقراءات
أول كتاب الحمام
أول كتاب اللباس
أول كتاب الترجل
أول كتاب الخاتم
أول كتاب الفتن والملاحم
أول كتاب المهدي
أول كتاب الملاحم
أول كتاب الحدود
أول كتاب الديات
أول كتاب السنة
تابع لكتاب السنة
أول كتاب الأدب
أبواب السلام
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن حجر
فتح الباري - هدي الساري مقدمة فتح الباري
فتح الباري - كتاب بدء الوحي
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب العلم
فتح الباري - كتاب الوضوء
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
فتح الباري - كتاب مواقيت الصلاة
فتح الباري - كتاب الأذان
فتح الباري - كتاب الجمعة
فتح الباري - كتاب الخوف
فتح الباري - كتاب العيدين
فتح الباري - كتاب الوتر
فتح الباري - كتاب الاستسقاء
فتح الباري - كتاب الكسوف
فتح الباري - كتاب سجود القرآن
فتح الباري - كتاب تقصير الصلاة
فتح الباري - كتاب التهجد
فتح الباري - كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة
فتح الباري - كتاب العمل في الصلاة
فتح الباري - كتاب السهو
فتح الباري - كتاب الجنائز
فتح الباري - كتاب الزكاة
فتح الباري - كتاب الحج
فتح الباري - كتاب العمرة
فتح الباري - كتاب المحصر
فتح الباري - كتاب جزاء الصيد
فتح الباري - كتاب فضائل المدينة
فتح الباري - كتاب الصوم
فتح الباري - كتاب صلاة التراويح
فتح الباري - كتاب فضل ليلة القدر
فتح الباري - كتاب الإعتكاف
فتح الباري - كتاب البيوع
فتح الباري - كتاب السلم
فتح الباري - كتاب الشفعة
فتح الباري - كتاب الإجارة
فتح الباري - كتاب الحرث والمزارعة
فتح الباري - كتاب المساقاة
فتح الباري - كتاب الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس
فتح الباري - كتاب الخصومات
فتح الباري - كتاب اللقطة
فتح الباري - كتاب المظالم
فتح الباري - كتاب الشركة
فتح الباري - كتاب الرهن
فتح الباري - كتاب العتق
فتح الباري - كتاب المكاتب
فتح الباري - كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها
فتح الباري - كتاب الشهادات
فتح الباري - كتاب الصلح
فتح الباري - كتاب الشروط
فتح الباري - كتاب الوصايا
فتح الباري - كتاب الجهاد و السير
فتح الباري - كتاب فرض الخمس
فتح الباري - كتاب الجزية و الموادعة
فتح الباري - كتاب بدء الخلق
فتح الباري - كتاب أحاديث الأنبياء
فتح الباري - كتاب المناقب
فتح الباري - كتاب فضائل الصحابة
فتح الباري - كتاب مناقب الأنصار
فتح الباري - كتاب المغازي
فتح الباري - كتاب التفسير
فتح الباري - كتاب فضائل القرآن
فتح الباري - كتاب النكاح
فتح الباري - كتاب الطلاق
فتح الباري - كتاب النفقات
فتح الباري - كتاب الأطعمة
فتح الباري - كتاب العقيقة
فتح الباري - كتاب الذبائح والصيد
فتح الباري - كتاب الأضاحي
فتح الباري - كتاب الأشربة
فتح الباري - كتاب المرضى
فتح الباري - كتاب الطب
فتح الباري - كتاب اللباس
فتح الباري - كتاب الأدب
فتح الباري - كتاب الإستئذان
فتح الباري - كتاب الدعوات
فتح الباري - كتاب الرقاق
فتح الباري - كتاب القدر
فتح الباري - كتاب الأيمان والنذور
فتح الباري - كتاب كفارات الأيمان
فتح الباري - كتاب الفرائض
فتح الباري - كتاب الحدود
فتح الباري - كتاب الديات
فتح الباري - كتاب استتابة المرتدين
فتح الباري - كتاب الإكراه
فتح الباري - كتاب الحيل
فتح الباري - كتاب التعبير
فتح الباري - كتاب الفتن
فتح الباري - كتاب الأحكام
فتح الباري - كتاب التمني
فتح الباري - كتاب أخبار الأحاد
فتح الباري - كتاب الإعتصام بالسنة
فتح الباري - كتاب التوحيد
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن رجب
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
مقدمة
خطبة الكتاب
كتاب الإيمان
كتاب العلم
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصوم
كتاب فضائل القرآن
كتاب الدعوات
كتاب المناسك
كتاب البيوع
كتاب الفرائض والوصايا
كتاب النكاح
كتاب العتق
كتاب القصاص
كتاب الديات
كتاب الحدود
كتاب الإمارة والقضاء
كتاب الجهاد
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأطعمة
كتاب اللباس
كتاب الطب والرقى
كتاب الرؤيا
كتاب الآداب
كتاب الرقاق
كتاب الفتن
كتاب صفة القيامة والجنة والنار
كتاب الفضائل والشمائل
كتاب المناقب

 
عودة لموقع هاني الطنبور
هاني الطنبور
الصفحة السابقة الصفحة التالية
 
 

 

التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد

المجلد العشرون
تابع لحرف العين
عبد الرحمن بن حرملة
الحديث الأول
...
عبد الرحمن بن حرملة بن عمرو الأسلمي
أبوحرملة مدني صالح الحديث ليس به بأس روى عنه مالك وابن عيينة وغيرهما من الأئمة ولم يكن بالحافظ وكان يحيى القطان يغمزه.
حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا يحيى بن معين قال حدثنا يحيى بن سعيد عن ابن حرمة قال كنت سيء الحفظ فسألت سعيد بن المسيب فرخص لي في الكتاب.
قال أبو عمر:
لحرملة والد عبد الرحمن هذا صحبة ورواية وقد ذكرناه في كتابنا في الصحابة بما يغني عن ذكره ههنا.
وتوفي عبد الرحمن بن حرملة في خلافة أبي العباس السفاح وقيل سنة خمس واربعين ومائة.
لمالك عن عبد الرحمن بن حرملة هذا في الموطأ من حديث النبي صلى الله عليه وسلم خمسة أحاديث أحدها متصل والأربعة مرسلة.

(20/5)


حديث أول لعبد الرحمن بن حرملة متصل
مالك عن عبد الرحمن بن حرملة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "الراكب شيطان والراكبان شيطانان والثلاثة ركب".
في هذا الحديث كراهية الوحدة في السفر وأنى هذا الحديث بلفظ الراكب ويدخل الراجل في معناه إذا كان وحده ولم تختلف الآثار في كراهية السفر للواحد واختلفت في الاثنين ولم يختلف في الثلاثة فما زاد أن ذلك حسن جائز وإنما وردت الكراهية في ذلك والله أعلم لأن الوحيد إذا مرض لم يجد من يمرضه ولا يقوم عليه ولا يخبر عنه ونحو هذا.
حدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن وضاح قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا الفضل بن دكين قال حدثنا عبد الله بن عامر عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال جاء رجل يسلم على النبي عليه السلام خارجا من مكة فسأله النبي صلى الله عليه وسلم: "أصحبت من أحد؟ قال لا قال الواحد شيطان والاثنان شيطانان والثلاثة ركب".
قال أبو عمر:
في هذا الحديث الذي بعد هذا بيان لمعنى هذا وقولنا فيه أبسط والحمد لله وقد كان مجاهد ينكر هذا الحديث مرفوعا ويجعله قول عمر ولا وجه لقول

(20/6)


مجاهد لأن الثقات رووه مرفوعا وخبر مجاهد أخبرناه محمد بن عبد الملك حدثنا ابن الأعرابي حدثنا سعدان بن نصر حدثنا سفيان عن أبن أبي نجيح عن مجاهد قيل له إن النبي صلى الله عليه وسلم قال "الواحد في السفر شيطان والاثنان شيطانان" قال لا لم يقله النبي صلى الله عليه وسلم قد بعث النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن مسعود وخباب بن الأرت سرية وبعث دحية سرية وحده ولكن قال عمر يحتاط للمسلمين كونوا في أسفاركم ثلاثة إن مات واحد وليه اثنان الواحد شيطان والاثنان شيطانان.
قال أبو عمر:
معنى الشيطان ههنا البعيد من الخير في الأنس والرفق وهذا أصل هذه الكلمة في اللغة من قولهم نوى شطون أي بعيدة ومما يدلك على أن الثلاثة ركب وأن حكمهم نحو حكم العسكر ما أخبرناه عبد الله بن محمد حدثنا محمد بن بكر حدثنا أبو داود حدثنا علي بن بحر بن بري حدثنا حاتم بن إسماعيل حدثنا محمد بن عجلان عن نافع عن أبي سلمة عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم" قال نافع فقلنا لأبي سلمة فأنت أميرنا وفي هذا الحديث ما يدل على أن الاثنين ليسا بجماعة فتدبره تجده كذلك إن شاء الله.

(20/7)


الحديث الثاني
...
حديث ثان لعبد الرحمن بن حرملة مرسل
مالك عن عبد الرحمن بن حرملة عن سعيد بن المسيب أنه كان يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الشيطان يهم بالواحد والاثنين فإذا كانوا ثلاثة لم يهم بهم".
لم يختلف الرواة للموطأ في إرسال هذا الحديث وقد رواه ابن أبي الزناد مسندا عن أبي هريرة حدثناه عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن الحسين بن أبي الحسين الكوفي بالكوفة قال حدثنا عبد العزيز بن محمد الكوفي قال حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد عن عبد الرحمن ابن حرملة عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الشيطان يهم بالواحد والاثنين فإذا كانوا ثلاثة لم يهم بهم" . وهذا في معنى ما ذكرنا أن الاثنين لا يحكم لهما بحكم الجماعة إلا فيما خصته السنة ولم يختلف العرب أن نون الاثنين مكسورة ونون الجمع مفتوحة ففرقت بين الاثنين والجماعة ومعناه يتصل من وجوه حسان منها ما رواه عبيد الله بن عمرو الرقي عن عبد الكريم الجزري عن عكرمة عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم.
حدثنا خلف بن القاسم قال حدثنا أبو الفرج محمد بن سعيد بن عبدان قال حدثنا عبد الله بن العباس الطيالسي قال حدثنا سعيد بن يحيى الأموي قال حدثنا أبو بكر بن عياش عن عاصم عن زر عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد" .

(20/8)


ورواه جرير بن حازم عن عبد الملك بن عمير بن جابر عن سمرة عن عمر بن الخطاب وروى غيره عن عبد الملك بن عمير قال حدثت عن عبد الله بن الزبير عن عمر بن الخطاب فذكره.
حدثنا خلف بن سعيد قال حدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا أحمد بن خالد قال حدثنا علي بن عبد العزيز قال حدثنا مالك بن إسماعيل النهدي قال حدثنا عصام بن محمد بن زيد بن عمر أنه سمع أباه يقول قال عبد الله بن عمر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لو يعلم الناس ما في الوحدة ما سار راكب بليل أبدا" .
حدثنا أحمد بن قاسم بن عبد الرحمن قال حدثنا محمد بن معاوية بن عبد الرحمن قال حدثنا إبراهيم بن موسى بن جميل قال حدثنا عبد الله بن محمد بن أبي الدنيا قال حدثنا عبيد الله بن صالح العتكي قال حدثنا خالد أبو يزيد الرقي عن يحيى المديني عن سالم بن عبد الله عن أبيه قال خرجت مرة لسفر فمررت بقبر من قبور الجاهلية فإذا رجل قد خرج من القبر يتأجج نارا في عنقه سلسلة ومعي أداوة من ماء فلما رآني قال يا عبدالله اسقني قال فقلت عرفني فدعاني باسمي أو كلمة تقولها العرب يا عبد الله إذ خرج على إثره رجل من القبر فقال يا عبد الله لا تسقه فإنه كافر ثم أخذ السلسلة فاجتذبه فأدخله القبر قال ثم أضافني الليل إلى بيت عجوز إلى جانبها قبر فسمعت من القبر صوتا يقول بول وما بول شن وما شن فقلت للعجوز ما هذا قالت كان زوجا لي وكان إذا بال لم يتق البول وكنت أقول له ويحك إن الجمل إذا بال تفاج وكان يأبى فهو ينادى من يوم مات بول وما بول قلت فما الشن قالت جاء رجل عطشان فقال اسقني فقال دونك الشن فإذا ليس فيه شيء فخر الرجل ميتا فهو ينادي منذ يوم مات شن وما شن فلما قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبرته فنهى أن يسافر الرجل وحده.

(20/9)


قال أبو عمر:
هذا الحديث ليس له إسناد ورواته مجهولون ولم نورده للاحتجاج به ولكن للاعتبار وما لم يكن فيه حكم فقد تسامح الناس في روايته عن الضعفاء والله المستعان.
أخبرنا عبد الله بن محمد قال حدثنا عبد الحميد بن أحمد قال حدثنا الخضر بن داود قال حدثنا أبو بكر الأثرم قال حدثنا موسى بن إسماعيل قال حدثنا أبو عوانة قال حدثنا المغيرة بن زياد عن أبي عمر مولى أسماء بنت أبي بكر قال أتيت عمر بن عبد العزيز وهو بجدة وهو يومئذ أمير مكة والمدينة فأتيته بطرف من طرف مكة وأمشاط من عاج وسرت ليلتي فصبحته وهو قاعد في مجلسه يقرأ في المصحف ودموعه تسيل على لحيته فلما رآني رحب بي ثم قال أبا عمر متى فارقت مكة قلت الليلة عشيا قال من جاء معك قلت ما جاء معي أحد قال بئسما صنعت أما بلغك أن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد والثلاثة صحابة إذا مات أحدهم دفنه صاحباه قال فقدمت إليه الهدية فأعجبته فقال أما هذه الأمشاط العاج فلا حاجة لنا بها قد كنا مدة نمتشط بها فأما اليوم فلا حاجة لنا فيها.
قال أبو عمر:
قوله في هذا الحديث: "وهو من الاثنين أبعد" بمعنى بعيد كما قيل الله أكبر بمعنى كبير وهذا في لسان العرب موجود كثير.

(20/10)


الحديث الثالث
...
حديث ثالث لعبد الرحمن بن حرملة مرسل يتصل من وجوه
مالك عن عبد الرحمن بن حرملة الأسلمي عن سعيد بن المسيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "بيننا وبين المنافقين شهود العشاء والصبح لا يستطيعونهما" أو نحو هذا.
قال أبو عمر:
قوله: "أو نحو هذا" شك من المحدث ولم يختلف عن مالك في إسناد هذا الحديث وإرساله ولا يحفظ هذا اللفظ عن النبي عليه السلام مسندا ومعناه محفوظ من وجوه ثابتة.
وأما قوله: "لقد هممت بالصلاة تقام ثم آمر بحطب" الحديث فحديث صحيح ايضا وقد مضى في باب ابي الزناد وقال يحيى في هذا الحديث العشاء والصبح.
وقال القعنبي وابن بكير وجمهور الرواة للموطأ عن مالك فيه صلاة العتمة والصبح على ما في ترجمة الباب وفي ذلك جواز تسمية العشاء الآخرة بالعتمة ورد على من أنكر ذلك وفيه أن النفاق بعيد من الذين يواظبون على شهود العشاء والصبح في جماعة ومن واظب على هاتين الصلاتين في جماعة فأحرى ان يواظب على غيرهما.

(20/11)


قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "من شهد معنا الصلوات شهدنا له بالإيمان ثم تلا {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ}" .
وأما الآثار المسندة في معنى هذا الحديث فمنها ما حدثنا خلف بن قاسم قال حدثنا أبو بكر محمد بن أحمد بن المسور بن أبي طنة وبكير بن الحسن الرازي قالا حدثنا يوسف بن يزيد قال حدثنا أسد بن موسى قال حدثنا هشيم عن أبي بشر عن أبي عمير عن عمومته عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول: "ما يشاهدهما منافق" يعني العشاء والفجر.
وحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن عبد السلام قال حدثنا محمد بن بشار بندار قال حدثنا ابن أبي عدي عن شعبة عن أبي بشر قال حدثني أبوعمير بن أنس بن مالك عن عمومة له من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما شهدهما منافق" يعني صلاة العشاء وصلاة الصبح قال أبو بشر وأنا أشهد أنه لا يحافظ عليهما منافق.
حدثنا خلف بن قاسم قال حدثنا أبو الحسن النيسابوري بمصر قال حدثنا أحمد بن شعيب قال أخبرنا إسماعيل بن مسعود قال حدثنا خالد عن شعبة عن أبي بشر عن أبي عمير بن أنس عن عمومته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في صلاة الصبح والعشاء: "ما يشهدهما منافق".
وحدثنا خلف بن القاسم قال حدثنا عبد الله بن جعفر بن الورد قال حدثنا هارون بن كامل قال حدثنا أبو صالح قال حدثنا معاوية بن صالح أن يحيى بن سعيد حدثه عن نافع عن ابن عمر أنه قال كنا إذا فقدنا الرجل في هاتين الصلاتين صلاة العشاء وصلاة الصبح اسأنا به الظن.

(20/12)


حدثنا محمد بن عبد الله بن حكم قال حدثنا محمد بن معاوية قال حدثنا إسحاق بن أبي حسان قال حدثنا هشام بن عمار قال حدثنا عبد الحميد بن حبيب قال حدثنا الأوزاعي قال بلغنا أن شداد بن أوس قال من أحب أن يجعله الله من الذين يدفع بهم العذاب عن أهل الأرض فليحافظ على هاتين الصلاتين في الجماعة الصبح والعتمة.
وروى الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أن أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء الآخرة وصلاة الصبح ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوا".

(20/13)


الحديث الرابع
...
حديث رابع لعبد الرحمن بن حرملة
مالك عن عبد الرحمن بن حرملة أن رجلا سأل سعيد بن المسيب فقال أعتمر قبل أن أحج فقال سعيد: "نعم قد اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يحج".
يتصل هذا الحديث من وجوه صحاح وهو أمر مجتمع عليه لا خلاف بين العلماء فيه كلهم يجيزون العمرة قبل الحج لمن شاء لا بأس بذلك عندهم وكلهم يقول: "إن رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتمر قبل حجته" وإنما اختلفوا في وجوب العمرة وفي جوازها في السنة مرارا على ما نذكره في هذا الباب بعون الله إن شاء الله.
حدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا عثمان بن أبي شيبة قال حدثنا مخلد بن يزيد ويحيى بن زكرياء عن ابن جريج عن عكرمة بن خالد عن ابن عمر قال: "اعتمر النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يحج".

(20/13)


وحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا أبي قال حدثنا إسحاق الأزرق قال حدثنا زكرياء عن أبي إسحاق عن البراء قال: "اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الحج".
وأما اختلاف الفقهاء في وجوب العمرة فذهب مالك إلى أن العمرة سنة مؤكدة وقال في موطئه ولا أعلم أحدا من المسلمين أرخص في تركها وهذا اللفظ يوجبها إلا أن أصحابه وتحصيل مذهبه على ما ذكرت لك.
وقال أبو حنيفة وأصحابه العمرة تطوع وقال الشافعي والثوري والأوزاعي العمرة فريضة واجبة وهو قول ابن عباس وابن عمر وزيد بن ثابت ومسروق وعلي بن حسين وعطاء وطاوس ومجاهد والحسن وابن سيرين وسعيد بن جبير وغيرهم واختلف في ذلك عن ابن مسعود.
قال أبو عمر:
روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لسائل سأله عن العمرة أواجبة هي؟ قال: "لا، ولأن تعتمر خير لك" . انفرد به الحجاج بن أرطاة عن محمد بن المنكدر عن جابر قال: قال خباب يا رسول الله العمرة واجبة؟ قال: "لا ولأن تعتمر خير لك" وما انفرد به الحجاج بن أرطاة فلا حجة فيه.
وروي عنه عليه السلام أنه قال: "العمرة تطوع" بأسانيد لا تصح ولا تقوم بمثلها حجة وروي عنه صلى الله عليه وسلم في إيجابها ايضا ما لا تقوم به حجة من جهة الإسناد.

(20/14)


وأما الصحابة فروي عن ابن عمر وابن عباس وزيد بن ثابت إيجاب العمرة ولا مخالف لهم من الصحابة إلا ما روي عن ابن مسعود على اختلاف عنه واختلف التابعون في هذه المسألة فأوجبها بعضهم وهم الأكثر ولم يوجبها بعضهم وأكثر أهل الحجاز على إيجابها وأهل الكوفة لا يوجبونها.
وأما قول الله عز وجل: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} فمحتمل للتأويل قالت طائفة أتموا بمعنى أقيموا الحج والعمرة لله هكذا قال السدي وغيره ومن حجة من ذهب هذا المذهب أن قوله عز وجل {وَأَتِمُّوا} بمعنى أقيموا الحج والعمرة لله هكذا قال السدي وغيره ومن حجة من ذهب هذا المذهب أن قوله عز وجل: {وَأَتِمُّوا} بمعنى أقيموا و"أقيموا" بمعنى أتموا قال الله عز وجل: {فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ} بمعنى أتموا وقال: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} بمعنى أقيموا الحج والعمرة لله.
وذكر عبد الرزاق قال أخبرنا الثوري عن أبي إسحاق قال سمعت مسروقا يقول أمرتم في القرآن بإقامة أربع أقيموا الصلاة وأتموا الزكاة وأقيموا الحج والعمرة.
حدثنا خلف بن قاسم حدثنا ابن المسور وبكير بن الحسن قالا حدثنا يوسف بن يزيد القراطيسي قال حدثنا أسد بن موسى قال حدثنا إسرائيل وأبو الأحوص عن أبي إسحاق عن مسروق قال أمرتم في كتاب الله بإقامة أربع بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وإقامة الحج والعمرة إلى بيت الله.
قال أسد وحدثنا زهير بن معاوية عن أبي إسحاق عن مسروق قال أمرتم في كتاب الله المنزل بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وإقام الحج والعمرة قال والعمرة من الحج بمنزلة الزكاة من الصلاة.

(20/15)


وقال آخرون إنما خوطب بهذا من دخل في الحج والعمرة ولا خلاف أن من دخل في واحدة منهما أن عليه إتمامها وقد قيل في الآية قول ثالث روي عن علي بن أبي طالب وجماعة أنهم قالوا في قول الله عز وجل: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} قال إتمامها أن تحرم من دويرة أهلك وموضعك وهذا في معنى قول من قال الإتمام يقع على الابتداء.
روى عن شعبة عن عمرو بن مرة عن عبد الله بن سلمة أن رجلا أتى عليا رضي الله عنه فقال أرأيت قول الله تبارك وتعالى: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} فقال إتمامها أن تحرم بها من دويرة أهلك.
أخبرنا محمد بن خليفة قال حدثنا محمد بن نافع أبو الحسن المكي قال حدثنا أبو محمد إسحاق بن محمد الخزاعي قال حدثنا سعيد بن عبد الرحمن المخزومي أبو عبيد الله قال حدثنا سفيان عن عمرو بن دينار عن طاوس قال سمعت ابن عباس يقول في قول الله عز وجل: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} والله إنها لقرينتها في كتاب الله.
وحدثنا محمد بن خليفة قال حدثنا محمد بن نافع قال حدثنا إسحاق بن أحمد قال حدثنا سعيد بن عبد الرحمن قال حدثنا عبد الله بن الوليد العدني حدثنا سفيان الثوري عن ابن جريج عن نافع عن ابن عمر قال: "ليس أحد من خلق الله إلا وعليه حجة وعمرة واجبتان".
وذكر عبد الرزاق أخبرنا ابن جريج أخبرني نافع مولى ابن عمر أنه سمع عبد الله بن عمر يقول فذكره حرفا بحرف وزاد من استطاع إلى ذلك سبيلا.
وحدثنا محمد بن خليفة قال حدثنا محمد بن نافع قال حدثنا إسحاق بن أحمد قال حدثنا أبو عبيد الله المخزومي قال حدثنا سفيان بن عيينة عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أن العمرة هي الحج الأصغر.

(20/16)


قال سفيان وقال عبد الله بن مسعود أمرنا بإقامة أربع الصلاة والزكاة والحج والعمرة قال وحدثنا أبو عبيد الله سعيد بن عبد الرحمن المخزومي قال حدثنا عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد وهشام بن سليمان المخزومي عن بن جريج قال: قال عطاء ليس من خلق الله أحد إلا عليه حجة وعمرة واجبتان لا بد منهما لمن استطاع إليهما سبيلا إلا أهل مكة فإن عليهم حجة وليس عليهم عمرة من أجل طوافهم بالبيت.
وقال عبد الرزاق أخبرنا ابن جريج عن عطاء مثله سواء أخبرنا عبد الوارث بن سفيان حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا إسماعيل بن إسحاق حدثنا حفص بن عمر عن شعبة عن سعيد بن أبي بردة قال سمعت الشعبي قرأ {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} رفعا وقال الشعبي ولا أراها إلا تطوعا قال سعيد وسمعت أبي قرأ {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} نصبا وقال لا أراها إلا واجبة.
قال أبو عمر:
لا أعلم أحدا من أئمة القراء تعلق بالشعبي في قراءته هذه ولا تابعه عليها والناس على نصب العمرة عطفا على الحج وقراءة الشعبي ليست بصحيحة المعنى لأن الإتمام يجب في العمرة كما يجب في الحج لمن دخل في واحد منهما بإجماع ولو صحت قراءة الشعبي كان فيها خلاف الإجماع وما خلافه مردود ومعلوم أن الحج لله كما العمرة لله فلا وجه لقراءة الشعبي والله أعلم.

(20/17)


حدثنا محمد بن خليفة قال حدثنا محمد بن نافع قال حدثنا إسحاق قال حدثنا محمد بن زنبوز حدثنا الفضيل بن عياض عن منصور عن مجاهد قال العمرة الحج الأصغر.
وذكر عبد الرزاق أخبرنا معمر عن ابن طاوس عن أبيه قال العمرة على الناس إلا على أهل مكة.
قال وأخبرنا معمر والثوري عن ليث عن عطاء وطاوس ومجاهد قالوا العمرة واجبة وتجزئ منها المتعة قال وأخبرنا الثوري ومعمر عن داود ابن أبي هند قال قلت لعطاء العمرة علينا فريضة كالحج قال نعم قلت أتجزئنا منها المتعة قال نعم قال وأخبرنا معمر عن الزهري عن سالم عن أبيه قال المتعة في الحج تقضى قال معمر وقال الزهري كان أهل الجاهلية يقولون العمرة الحج الأصغر قال معمر وقال قتادة العمرة واجبة.
قال وأخبرنا ابن جريج عن معمر عن عطاء عن عكرمة عن ابن عباس قال العمرة واجبة كوجوب الحج.
قال وأخبرنا الثوري عن يونس عن الحسن وابن سيرين قالا العمرة واجبة قال وأخبرنا معمر والثوري عن ابن جريج عن نافع عن ابن عمر قال العمرة واجبة.
قال وأخبرنا عبد الملك بن أبي سليمان قال سألت سعيد بن جبير عن العمرة أواجبة هي فقال نعم فقال له قيس بن رومان فإن الشعبي يقول ليست واجبة فقال كذب الشعبي إن الله عز وجل يقول: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ}.

(20/18)


قال أبو عمر:
فهؤلاء ذهبوا إلى أن العمرة واجبة فرضا كالحج وخالفهم غيرهم على ما قدمنا ذكره في هذا الباب فذهبوا إلى أن العمرة سنة وتطوع على حسبما ذكرنا عنهم.
ذكر عبد الرزاق أخبرنا عثمان بن مطر عن سعيد عن أبي معشر عن إبراهيم عن ابن مسعود قال الحج فريضة والعمرة تطوع.
قال وأخبرنا الثوري عن سماك عن إبراهيم قال العمرة سنة وليست بفريضة.
وأما اختلافهم في جواز العمرة مرارا في سنة احدة فقال مالك لا أرى لأحد أن يعتمر في السنة مرارا وكره عمرتين في سنة واحدة ومنع منها الحاج ما لم يتحلل من آخر عمله بمنى.
ومن حجة من ذهب مذهب مالك في ذلك ان رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يعتمر عمرتين في عام واحد واعتمر ثلاث عمر أو أربعا كل عمرة منها في سنة ومن حجته أيضا في ذلك أن عائشة كانت في آخر أمرها إذا حجت بقيت بمكة حتى يهل المحرم ثم تخرج من مكة إلى الميقات فتهل منه بعمرة فكان يقع حجها في عام واحد وعمرتها في عام آخر.
وقال أبو حنيفة وأصحابه العمرة مباحة في السنة كلها إلا يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق قال والحاج وغيره في ذلك سواء.
وروى بشر بن الوليد عن أبي يوسف قال لا بأس بالعمرة يوم عرفة وقال الثوري يعتمر متى شاء.
وقال الحسن بن صالح بن حي يعتمر في السنة كلها إلا في أيام التشريق.

(20/19)


وقال الشافعي لا بأس أن يعتمر في السنة مرارا ومتى شاء إلا الحاج فإنه لا يعتمر ما دام حاجا.
قال أبو عمر:
ذكر عبد الرزاق أخبرنا عبيد الله وعبد الله ابنا عمر عن نافع أن عبد الله بن عمر اعتمر في السنة مرتين قال وأخبرنا معمر والثوري عن صدقة بن يسار عن القاسم بن محمد أن عائشة اعتمرت.
قال الثوري في حديثه مرارا في السنة وقال معمر في حديثه ثلاث مرات في سنة قال صدقة فقلت للقاسم أنكر ذلك عليها أحد فقال أعلى أم المؤمنين عائشة.
قال أبو عمر:
في قول صدقة بن يسار للقاسم بن محمد أنكر ذلك عليها أحد دليل على أن الاختلاف بين السلف في هذه المسألة قديم معروف قال وأخبرنا ابن عيينة عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب قال اعتمرت عائشة في سنة ثلاث مرات من الجحفة مرة ومرة من التنعيم ومرة من ذي الحليفة.
قال وأخبرنا معمر عن صدقة بن يسار قال سمعت القاسم بن محمد يقول في كل شهر عمرة وكان يكره عمرتين في شهر واحد.
قال وأخبرنا معمر عن ابن طاوس عن أبيه قال في كل شهر عمرة قال وأخبرنا الثوري عن منصور عن إبراهيم قال كانوا لا يعتمرون في السنة إلا مرة واحدة.

(20/20)


قال أبو عمر:
لا أعلم لمن كره العمرة في السنة مرارا حجة من كتاب ولا سنة يجب التسليم لمثلها والعمرة فعل خير وقد قال الله عز وجل: {وَافْعَلُوا الْخَيْرَ} فواجب استعمال عموم ذلك والندب إليه حتى يمنع منه ما يجب التسليم به.
وأما اعتمار رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الحج فقد ذكرنا فيه حديث ابن جريج عن عكرمة بن خالدن عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتمر قبل أن يحج وهو أمر مشهور عند جميع أهل السير والعلم بالأثر يغني عن الإسناد وحديث ابن عمر هذا حديث ثابت من جهة الإسناد متصل ومما يدلك على أنه اعتمر قبل الحج صلى الله عليه وسلم أن عمرته كانت والمشركون بمكة يومئذ.
أخبرنا محمد بن إبراهيم بن سعيد قال حدثنا محمد بن معاوية قال حدثنا أحمد بن شعيب قال أخبرنا عمرو بن علي قال حدثنا يحيى بن سعيد قال حدثنا إسماعيل يعني ابن أبي خالد قال حدثنا ابن أبي أوفى قال: "اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فطاف بالبيت ثم خرج من الصفا والمروة يطوف فجعلنا نستره من أهل مكة أن يرميه أحدهم أو يصيبه بشيء".
قال أبو عمر:
ولم يكن في حجة الوداع بمكة رجل مشرك وهذا أشهر من أن يحتاج إلى الاستشهاد عليه وقد اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل حجته عمرا قيل ثلاثا وقيل أربعا وسنذكر ذلك وما جاء فيه من الأثر في باب هشام بن عروة ونزيد ذلك بيانا في باب بلاغات مالك من كتابنا هذا إن شاء الله.

(20/21)


ذكر عبد الرزاق أخبرنا هشام بن حسان عن محمد بن سرين عن كثير ابن أفلح قال سئل زيد بن ثابت عن رجل اعتمر قبل أن يحج فقال صلاتان لا يضرك بأيهما بدأت قال هشام وقال الحسن نسكان لا يضرك بأيهما بدأت قال وأخبرنا الثوري عن سليمان التيمي عن سعيد الجريري عن حيان ابن عمير قال سألت ابن عباس أعتمر قبل الحج فقال نسكان لله عليك لا يضرك بأيهما بدأت قال حيان وقال ابن عباس العمرة واجبة قال وأخبرنا ابن عيينة عن هشام بن حجير قال قيل لابن عباس تزعم أن العمرة قبل الحج وقد قال الله عز وجل {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} قال ابن عباس: فكيف تقرأ {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ} أفبالدين تبدأ أم بالوصية وقد بدأ بالوصية؟.

(20/22)


الحديث الخامس
...
حديث خامس لعبد الرحمن بن حرملة
مالك عن عبد الرحمن بن حرملة الأسلمي عن سعيد بن المسيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر".
لم يختلف الرواة عن مالك في إرسال هذا الحديث بهذا الإسناد وهو متصل في الموطأ من حديث مالك عن أبي حازم عن سهل بن سعد ويتصل أيضا من غير رواية مالك من حديث سهل بن سعد وأبي هريرة.
حدثنا أحمد بن قاسم وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا الحرث بن أبي أسامة قال حدثنا أبو نعيم قال حدثنا سفيان،

(20/22)


عن أبي حازم قال سمعت سهل بن سعد الساعدي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر".
وأخبرنا محمد إبراهيم قال حدثنا محمد بن معاوية قال حدثنا أحمد بن شعيب قال أخبرنا شعيب بن يوسف قال حدثنا يزيد بن هارون.
وأخبرنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا وهب بن بقية عن خالد جميعا عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يزال الدين ظاهرا ما عجل الناس الفطر إن اليهود يؤخرون".
وقرأت على عبد الوارث بن سفيان أن قاسم بن أصبغ حدثهم قال حدثنا ابن وضاح قال حدثنا دحيم قال حدثنا محمد بن شعيب عن الأوزاعي عن قرة بن حيويل المصري عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أحب عبادي إلي أعجلهم فطرا".
حدثنا سعيد بن نصر وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا ابن وضاح قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا حسين بن علي عن زائدة عن حميد عن أنس قال: "ما رايت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي حتى يفطر ولو على شربة من ماء".
وروى ابن وهب عن مالك وعمرو بن الحارث ويونس يزيد عن ابن شهاب عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا قرب العشاء وحضرت الصلاة فابدءوا به قبل أن تصلوا المغرب". إلا أن مالكا قال في حديثه فابدءوا بالعشاء ولا تعجلوا عن عشائكم فكان الأمر على ذلك فلما ولي عمر بن

(20/23)


الخطاب خشي أن يطول المكث على العشاء فقدم الصلاة على العشاء ثم فعل ذلك عثمان بن عفان وهذا حديث غريب لمالك عن الزهري عن أنس صحيح وفي الموطأ بإثر هذا الحديث.
مالك عن ابن شهاب عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف أن عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان كانا يصليان المغرب حين ينظران إلى الليل الأسود قبل أن يفطرا ثم يفطران بعد الصلاة وذلك في رمضان وسيأتي فقه هذا الحديث في باب أبي حازم عن سهل بن سعد إن شاء الله عز وجل.

(20/24)


عبد الرحمن بن ابي عمرة
وله حديث واحد
...
مالك عن عبد الرحمن بن أبي عمرة الأنصاري حديث واحد
هكذا قال فيه مالك عبد الرحمن بن أبي عمرة نسبة إلى جده وهو عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي عمرة الأنصاري مدني ثقة يروي عن القاسم بن محمد وعن عمه عبد الرحمن بن أبي عمرة وله رواية عن أبي سعيد الخدري وما أظنه سمع منه ولا أدركه وإنما يروي عن عمه عنه يروي عنه مالك وعبد الله ابن خالد أخو عطاف بن خالد وابن ابي الموالي وغيرهم وأما عمه عبد الرحمن بن أبي عمرة فمن كبار التابعين بالمدينة يروي عن عثمان بن عفان وأبي هريرة وزيد بن خالد الجهني وغيرهم روى عنه إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة ومحمد بن إبراهيم بن الحرث التيمي وعبد الله بن عمرو بن عثمان وغيرهم لأبيه أبي عمرة صحبة وقد ذكرناه في كتاب الصحابة وذكرنا نسبه والاختلاف في اسمه في باب الباء وفي باب الكنى والحمد لله.

(20/25)


مالك عن عبد الرحمن بن أبي عمرة الأنصاري أن أمه أرادت أن توصي ثم أخرت ذلك إلى أن تصبح فهلكت وقد كانت همت بأن تعتق قال عبد الرحمن فقلت للقاسم بن محمد أينفعها أن أعتق عنها فقال القاسم بن محمد إن سعد بن عبادة قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إن أمي هلكت فهل ينفعها أن أعتق عنها؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "نعم".
قال أبو عمر:
طائفة تقول في هذا الحديث عن مالك نعم أعتق عنها منهم ابن أبي أويس ورواية يحيى قائمة المعنى صحيحة.
هذا حديث منقطع لأن القاسم لم يلق سعد بن عبادة ولكن قصة سعد ابن عبادة وحديثه في ذلك قد روي من وجوه كثيرة متصلة ومنقطعة صحاح كلها وهو حديث مشهور عند أهل العلم من حديث سعد بن عبادة وغيره إلا أن الرواية في ذلك مختلفة المعاني فمنها الصدقة عن الميت ومنها العتق عن الميت ومنها الصيام عن الميت ومنها قضاء النذر مجملا فأما الصدقة فمن حديث مالك عن سعيد بن عمر بن شرحبيل بن سعيد بن سعد بن عبادة عن أبيه عن جده "أن سعد بن عبادة توفيت أمه وهو غائب فلما قدم سعد قال يا رسول الله أينفعها أن أتصدق عنها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "نعم" وسنذكر هذا الحديث في باب سعيد بن عمرو من كتابنا هذا إن شاء الله.
وعند مالك أيضا في هذا حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة مرفوعا في الصدقة عن الميت وأكثر الأحاديث في قصة سعيد هذه عن سعد وغيره إنما هي في الصدقة.

(20/26)


وأما العتق فلا يكاد يوجد إلا من حديث مالك عن عبد الرحمن بن أبي عمرة هذا.
وأما الصيام عن الميت فقد روي أيضا من وجوه مختلفة.
وأما النذر فمن حديث ابن شهاب عن عبيد الله عن عباس أن سعد ابن عبادة سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن نذر كان على أمه فتوفيت قبل أن تقضيه فقال: "أقضه عنها" .
فأما الصدقة عن الميت فمجتمع على جوازها لا خلاف بين العلماء فيها وكذلك العتق عن الميت جائز بإجماع أيضا إلا أن العلماء اختلفوا في الولاء فذهب مالك وأصحابه إلى أن الولاء للمعتق عنه.
وذهب الشافعي وأصحابه إلى أن الولاء للمعتق على كل حال وذهب الكوفيون إلى أن العتق إن كان بأمر المعتق عنه فالولاء له وإن كان بغير أمره فالولاء للمعتق وقد ذكرنا هذه المسألة ووجوهها في باب ربيعة من كتابنا هذا.
وأما الصيام عن الميت فمختلف فيه فجماعة أهل العلم على أنه لا يصوم أحد عن وليه إذا مات وعليه صيام من رمضان ولكنه يطعم عنه قال أكثرهم إن شاء وكذلك جمهورهم أيضا على أنه لا يصوم أحد عن أحد لا في نذر ولا في غير نذر وممن ذهب إلى ذلك مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابه والثوري ومن أهل العلم من رأى أن يصوم ولي الميت عنه في النذر دون صيام رمضان منهم إسحاق بن راهويه وهو الصحيح عن ابن عباس أنه قال ما كان من شهر رمضان يطعم عنه وما كان من صيام النذر فإنه يقضى عنه.
وقد روي عن أحمد بن حنبل مثل قول ابن عباس سواء ومنهم من رأى أن يصوم عنه في كل صيام عليه على عموم ما روي عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من مات وعليه صيام صام عنه وليه" . منهم أحمد بن حنبل على

(20/27)


اختلاف عنه ولم يختلف عن أبي ثور في جواز ذلك في الوجهين جميعا وقد ذكرنا الحكم في ذلك عن علماء الأمصار وذكرنا ما جاء في ذلك من الآثار في باب ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة من كتابنا عند ذكر حديث مالك عن ابن شهاب عن عبيد الله عن ابن عباس " أن سعد بن عبادة سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نذر كان على أمه توفيت قبل أن تقضيه فقال: اقضه عنها".
وذكرنا هناك حكم النذر المجمل وكفارته وما في ذلك للعلماء والحمد لله.
وأما حديث سعد بن عبادة في هذا الباب فأكثر ما روي فيه الصدقة من حديث القاسم بن محمد وغيره.
أخبرنا أحمد بن عبد الله بن محمد أن أباه أخبره قال حدثنا عبد الله بن يونس قال حدثنا بقي بن مخلد قال حدثنا ابن كاسب قال حدثنا ابن عيينة عن عبدالرحمن بن القاسم عن أبيه "أن سعدا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا نبي الله إن أمي ماتت ولم توص أفينفعها أن أتصدق عنها من مالها؟ قال: نعم". قال وحدثنا ابن كاسب قال حدثنا عبد الله بن وهب قال أخبرني عمرو بن الحرث أن بكيرا حدثه عن سليمان بن يسار " أن سعد بن عبادة قال للنبي صلى الله عليه وسلم إن أمي توفيت ولم توص فهل تنالها صدقتي إن تصدقت عنها قال: نعم" قال وحدثنا ابن كاسب قال حدثنا هارون عن حميد الطويل عن الحسن قال: "قال سعد الأنصاري يا رسول الله إن أم سعد كانت تحب الصدقة أفينفعها أن أتصدق عنها بعدها قال: نعم وعليك بالماء".
قال وحدثني يحيى بن عبد الحميد قال حدثنا عبد العزيز بن محمد عن عمارة بن غزية عن حميد بن أبي الصعبة عن سعد بن عبادة "أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يسقي عنها الماء".

(20/28)


قال وحدثنا يحيى بن عبد الحميد قال حدثنا عبد العزيز بن محمد عن سعيد بن عمرو بن شرحبيل عن سعيد بن سعد بن عبادة عن أبيه أن أمه توفيت وهو غائب فقال للنبي صلى الله عليه وسلم أينفعها أن أتصدق عنها؟ قال: "نعم".
ووجدت في أصل سماع أبي بخطه رحمه الله أن محمد بن أحمد بن قاسم ابن هلال حدثهم قال حدثنا سعيد بن عثمان الأعناقي قال حدثنا نصر بن مرزوق قال حدثنا اسد بن موسى قال حدثنا الربيع بن صبيح عن الحسن عن سعد بن عبادة قال "قلت يا رسول الله والدتي كانت تتصدق من مالي وتعتق من مالي حياتها فقد ماتت أرأيت إن تصدقت عنها أو أعتقت عنها أترجو لها شيئا قال: "نعم" قال: يا رسول الله دلني على صدقة قال: "اسق الماء" . قال فما زالت جرار سعد بالمدينة بعد.
ومن أحسن ما يروى في العتق عن الميت ما حدثناه عبد الله بن محمد قال حدثنا حمزة بن محمد بن علي قال حدثنا أحمد بن شعيب قال أخبرنا الربيع ابن سليمان صاحب الشافعي قال حدثنا عبد الله بن يوسف قال حدثنا عبد الله بن سالم قال حدثني إبراهيم بن أبي عبلة قال كنت جالسا باريحاء فمر بي واثلة بن الأسقع متوكئا على عبد الله بن الديلمي فأجلسه ثم جاء إلي فقال عجب ما حدثني الشيخ يعني واثلة قلت ما حدثك قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك فأتى نفر من بني سليم فقالوا يا رسول الله إن صاحبنا قد أوجب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اعتقوا عنه رقبة يعتق الله بكل عضو منها عضوا منه من النار" .

(20/29)


عبد ربه بن سعيد بن قيس الأنصاري
الحديث الأول
...
عبد ربه بن سعيد بن قيس الأنصاري أخو يحيى بن سعيد
لمالك عنه ثلاثة أحاديث احدها مرسل وهو عبد ربه بن سعيد بن قيس بن عمرو بن سهل بن ثعلبة الأنصاري لجده قيس بن عمرو صحبة وقد ذكرناه ونسبناه في كتاب الصحابة ويقال عبد ربه بن سعيد بن قيس بن أبي قيس فهد بن خالد والأول أصح.
وتوفي عبد ربه بن سعيد بن قيس سنة تسع وثلاثين ومائة وقيل سنة إحدى وأربعين ومائة وكان ثقة مأمونا روى عنه مالك وشعبة وجماعة من الأئمة.
حديث أول لعبد ربه بن سعيد
مالك عن عبد ربه بن سعيد عن أبي بكر بن عبد الرحمن ابن الحرث بن هشام عن عائشة وأم سلمة أمي المؤمنين رضي الله عنهما أنهما قالتا: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصبح جنبا من جماع غير احتلام في رمضان ثم يصوم".

(20/31)


قال أبو عمر:
هكذا يروي مالك هذا الحديث عن عبد ربه بن سعيد عن أبي بكر بن عبد الرحمن عن عائشة وأم سلمة وخالفه عمرو بن الحرث فرواه عن عبد ربه بن سعيد عن عبد الله بن كعب عن أبي بكر بن عبد الرحمن أخبرنا محمد بن إبراهيم قال حدثنا محمد بن معاوية قال حدثنا أحمد بن شعيب قال حدثنا أحمد ابن الهيثم قاضي الثغر قال حدثنا مرملة قال حدثنا ابن وهب قال أخبرني عمرو عن عبد ربه وهو ابن سعيد عن عبد الله بن كعب الحميري أن أبا بكر حدثه أن مروان ارسله إلى أم سلمة يسألها عن الرجل يصبح جنبا يصوم فقالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصبح جنبا من جماع لا حلم ثم لا يفطر ولا يقضي".
وروى قوم هذا الحديث أيضا عن أبي بكر بن عبد الرحمن عن أبيه عن عائشة وأم سلمة وقد سمعه أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحرث من عائشة وأم سلمة لأنه مضى مع أبيه إذ أرسله مروان إليهما وهذا ثابت عنه من حديث سمي وغيره من الثقات وهو معروف عند أهل العلم مشهور يستغنى عن الاستشهاد عليه وسيأتي ذكر ذلك في باب سمي من كتابنا هذا إن شاء الله وقد مضى ما للعلماء من الصحابة والتابعين من المذاهب في الجنب يصبح في رمضان ولم يغتسل وفي الحائض أيضا تصبح طاهرا ولم تغتسل مجودا ومستوعبا في باب أبي طوالة عبد الله بن عبد الرحمن بن معمر من كتابنا هذا فلا معنى لإعادة ذلك ههنا.

(20/32)


الحديث الثاني
...
حديث ثان لعبد ربه بن سعيد
مالك عن عبد ربه بن سعيد بن قيس عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أنه قال سئل عبد الله بن عباس وأبو هريرة عن الحامل يتوفى عنها زوجها فقال ابن عباس آخر الأجلين وقال أبو هريرة إذا ولدت فقد حلت فدخل أبو سلمة بن عبد الرحمن على أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم فسألها عن ذلك فقالت أم سلمة: "ولدت سبيعة الأسلمية بعد وفاة زوجها بنصف شهر فخطبها رجلان أحدهما شاب والآخر كهل فحطت إلى الشاب فقال الشيخ لم تحل بعد وكان أهلها غيبا ورجا إذا جاء أهلها أن يوثروه بها فجاءت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "قد حللت فانكحي من شئت " .
قال أبو عمر:
هذا حديث صحيح جاء من طرق شتى كثيرة ثابتة كلها من رواية الحجازيين والعراقيين وأجمع العلماء على القول به إلا ما روي عن ابن عباس في هذا الحديث وغيره وروي مثله عن علي بن أبي طالب من وجه منقطع أنه قال في الحامل المتوفى عنها زوجها عدتها آخر الأجلين يعني إن كان الحمل أكثر من أربعة اشهر وعشر اعتدت بوضعه وإن وضعت قبل أربعة أشهر وعشر أكملت أربعة أشهر وعشرا فهذا مذهب ابن عباس وعلي بن أبي طالب على أنه قد روي

(20/33)


عن ابن عباس رجوعه إلى حديث أم سلمة في قصة سبيعة ومما يصحح هذا عنه أن أصحابه عكرمة وعطاء وطاوس وغيرهم على القول بأن المتوفي عنها الحامل عدتها أن تضع حملها على حديث سبيعة وكذلك سائر العلماء من الصحابة والتابعين وسائر أهل العلم أجمعين كلهم يقول كعدة الحامل المتوفي عنها أن تضع ما في بطنها من أجل حديث سبيعة هذا وأما مذهب علي وابن عباس في هذه المسألة فمعناه الأخذ باليقين لمعارضة عموم قوله عز وجل في المتوفي عنهن: {يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً} ولم يخص حاملا من غير حامل وعموم قوله عز وجل: {وَأُولاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} .
ولم يخص متوفى عنها من غيرها فمن لم يبلغه حديث سبيعة لزمه الأخذ باليقين في عدة المتوفى عنها الحامل ولا يقين في ذلك لمن جهل السنة في سبيعة إلا الاعتداد بآخر الأجلين ومثال هذا مسألة أم الولد تكون تحت زوج قد زوجها منه سيدها ثم يموت ويموت زوجها ولا تدري أيهما مات قبل صاحبه فإنها تعتد من حين مات الآخر منهما أربعة أشهر وعشرا فيها حيضة وعلى هذا جماعة العلماء القائلين بأن عدة أم الولد من سيدها حيضة ومن زوجها شهران وخمس ليال كلهم يقول ههنا بدخول إحدى العدتين في الأخرى ومعلوم أنهما لا يلزمانها معا وإنما يلزمها إحداهما فإذا جاءت بهما معا على الكمال في وقت واحد فذلك اكثر ما يلزمها لأنها إن كان سيدها قد مات قبل زوجها فلا استبراء عليها من سيدها وإن كان سيدها مات بعد مضي شهرين وخمس ليال فعليها أن تأتي

(20/34)


بحيضة تستبرئ بها نفسها من سيدها ومعنى هذه المسألة الشك في أيهما مات أولا وفي المدة هل هي شهران وخمس ليال أو أكثر وقد قيل إن معنى هذه المسألة أنها لا تدري هل بين موتيهما يوم واحد أو شهران وخمس ليال أو أكثر وفي هذه المسألة لأهل الرأي نظر ليس هذا موضع ذكره وإنما ذكرناها من جهة التمثيل وأنه من وجب عليه أحد شيئين يجلهه بعينه لزمه الإتيان بهما جميعا.
ذكر عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء قال كان ابن عباس يقول إن طلقها وهي حامل ثم توفي عنها فآخر الأجلين أو مات عنها وهي حامل فآخر الأجلين قيل له {وَأُولاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} قال ذلك في الطلاق.
قال وأخبرنا ابن جريج عن عطاء قال إن طلقها حبلى فإذا وضعت فلتنكح حين تضع وهي في دمها لم تطهر قال وأخبرنا ابن جريج عن عمرو ابن مسلم عن عكرمة أنه أخذ في ذلك بحديث سبيعة قال وأخبرنا معمر والثوري عن الأعمش عن أبي الضحى عن مسروق قال: قال أبي مسعود ومن شاء بإهلته أو لاعنته إن الآية التي في سورة النساء القصرى {وَأُولاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} نزلت بعد الآية التي في سورة البقرة {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً} الآية قال وبلغه أن عليا رضي الله عنه قال هي آخر الأجلين فقال ذلك.
قال أبو عمر:
روي عن عمر وابن عمر مثل قول ابن مسعود وهو قول سعيد بن المسيب وابن شهاب وعليه الناس.

(20/35)


ذكر عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن سالم عن أبيه قال إذا وضعت حملها فقد حل أجلها قال وقال إن رجلا من الأنصار قال لابن عمر سمعت أباك يقول لو وضعت حملها وهو على سريره لم يدفن لحلت.
أحبرنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا المطلب بن شعيب قال حدثني عبد الله بن صالح قال حدثني الليث قال حدثني يونس عن ابن شهاب وأخبرنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا سليمان بن داود المهري قال أخبرنا ابن وهب قال أخبرنا يونس عن ابن شهاب قال حدثني عبيد الله بن عبد الله ابن عتبة أن أباه كتب إلى عمر بن عبد الله بن الأرقم الزهري يأمره أن يدخل على سبيعة ابن الحرث الأسلمية فيسألها عن حديثها وعما قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم حين استفتته فكتب عمر بن عبد الله بن الأرقم إلى عبد الله بن عتبة يخبره: "أن سبيعة بنت الحرث أخبرته أنها كانت تحت سعد بن خولة وهو من بني عامر ابن لؤي وكان ممن شهد بدرا توفي عنها في حجة الوداع وهي حامل فلم تلبث أن وضعت حملها بعد وفاته فلما تعلت من نفاسها تجملت للخطاب فدخل عليها أبو السنابل بن بعلك رجل من بني عبد الدار فقال ما لي أراك متجملة لعلك ترجين النكاح إنك والله ما أنت بناكح حتى يمر عليك أربعة اشهر وعشر قالت سبيعة فلما قال لي ذلك جمعت علي ثيابي حين أمسيت فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فسألته عن ذلك فأفتاني بأني قد حللت حين وضعت حملي وأمرني بالتزويج أن بدا لي" قال ابن شهاب ولا أرى بأسا أن تتزوج حين وضعت وإن كانت في دمها غير أنه لا يقربها حتى تطهر وليس في حديث الليث قول ابن شهاب ولفظ الحديثين سواء.

(20/36)


قال أبو عمر:
لما كان عموم الآيتين معارضا أعني قول الله عز وجل: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً} وقوله: {وَأُولاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} لم يكن بد من بيان رسول الله صلى الله عليه وسلم لمراد الله منهما على ما أمره الله عز وجل بقوله: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} فبين رسول الله صلى الله عليه وسلم مراد الله من ذلك بما أفتى به سبيعة الأسلمية فكل ما خالف ذلك فلا معنى له من جهة الحجة وبالله التوفيق.

(20/37)


الحديث الثالث
...
حديث ثالث لعبد ربه بن سعيد مرسل تتصل معانيه من وجوه شتى صحاح كلها
مالك عن عبد ربه بن سعيد عن عمرو بن شعيب "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين صدر من حنين وهو يريد الجعرانة سأله الناس حتى دنت به ناقته من شجرة فتشبكت بردائه حتى نزعته عن ظهره فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ردوا علي ردائي أتخافون أن لا أقسم بينكم ما أفاء الله عليكم والذي نفسي بيده لو أفاء الله عليكم مثل سمر تهامة نعما لقسمته بينكم ثم لا تجدونني بخيلا ولا جبانا ولا كذابا". فلما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم قام في الناس فقال : "أدوا الخائط والمخيط

(20/37)


فإن الغلول عار ونار وشنار على أهله يوم القيامة". قال ثم تناول من الأرض وبرة من بعير أو شيئا ثم قال: "والذي نفسي بيده ما لي مما أفاء الله عليكم ولا مثل هذه إلا الخمس والخمس مردود عليكم".
لا خلاف عن مالك في إرسال هذا الحديث عن عمرو بن شعيب وقد روي متصلا عن عمرو بن شعيب عن ابيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم بأكمل من هذا المساق وأتم ألفاظ من رواية الثقات.
وروى هذا الحديث أيضا الزهري عن عمر بن أخي محمد بن جبير بن مطعم عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه ورواه معمر ويونس بن يزيد عن ابن شهاب عن عمر بن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه عن جده وروي أيضا عن بن كعب بن مالك عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم وسنذكر هذه الأحاديث وغيرها مما في معنى حديث مالك هذا في هذا الباب بعد القول بما فيه من المعاني إن شاء الله.
في هذا الحديث دليل على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غزا غزوة حنين وغنم فيها وإن كان هذا لا يحتاج إلى دليل لثبوت معرفة ذلك عند العامة والخاصة من العلماء ولكن ذكرنا ذلك لأن بمثل هذا الحديث وشبهه عرف ذلك وفيه إباحة سؤال العسكر للخليفة حقوقهم من الغنيمة أن يقسمه بينهم وفيه جواز قسم الغنائم في دار الحرب لأن الجعرانة كانت يومئذ من دار الحرب وفيها قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم غنائم حنين وذلك موجود في حديث جبير بن مطعم وجابر وقسمة الغنائم في دار الحرب موضع اختلف فيه العلماء فذهب مالك والشافعي

(20/38)


والأوزاعي وأصحابهم إلى أن الغنائم يقسمها الإمام على العسكر في دار الحرب قال مالك وهم أولى برخصها وقال أبو حنيفة لا تقسم الغنائم في دار الحرب.
وقال أبو يوسف أحب إلي ألا تقسم في دار الحرب إلا أن لا يجد حمولة فيقسمها في دار الحرب.
قال أبو عمر:
القول الصحيح في هذه المسألة ما قاله مالك والشافعي والأوزاعي ولا وجه لقول من خالفهم في ذلك من معنى صحيح مع ثبوت الأثر عن النبي صلى الله عليه وسلم بخلافه.
وفيه جواز مدح الرجل الفاضل الجليل لنفسه ونفيه عن نفسه ما يعيبه بالحق الذي هو فيه وعليه إذا دفعت إلى ذلك ضرورة أو معنى يوجب ذلك فلا بأس بذلك وقد قال الله عز وجل حاكيا عن يوسف صلى الله عليه وسلم أنه قال: {إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ} وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أنا أول من تنشق عنه الأرض وأول شافع وأول مشفع وأنا سيد ولد آدم ولا فخر" ومثل هذا كثير في السنن وعن علماء السلف لا ينكر ذلك إلا من لا علم له بآثار من مضى وفيه دليل والله اعلم على أن الخليفة على المسلمين لا يجوز أن يكون كذابا ولا بخيلا ولا جبانا.
وقد أجمع العلماء على أن الإمام يجب أن لا تكون فيه هذه الخلال السوء وأن يكون أفضل أهل وقته حالا وأجملهم خصالا وقد سوى رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث بين البخل والجبن والكذب وأكثر الآثار على هذا وفي

(20/39)


ذلك ما يعارض حديث صفوان بن سليم أن المؤمن يكون جبانا وبخيلا ولا يكون كذابا وقد ذكرنا هذا المعنى بما يجب فيه من القول في باب صفوان والحمد لله.
وأجمع الحكماء على أن الكذب في السلطان أقبح منه في غيره وأنه من أكبر عيوبه وأهدمها لسلطانه لأنه لا يوثق منه بوعد ولا وعيد وفي الكذب في الوعد والوعيد فساد امره كما قال معاوية لعمرو بن العاص رضي الله عنهما إن فساد هذا الأمر بأن يعطوا على الهوى لا على الغناء وأن يكذبوا في الوعد والوعيد وكذلك البخل والجبن في السلطان أقبح واضر وأشد فسادا منه على غيره وللكلام في سيرة السلطان موضع غير كتابنا هذا.
ويروي أهل الأخبار أن عبد الملك بن مروان كتب إلى ابن عمر أن بايع الحجاج فإن فيك خصالا لا تصلح معها للخلافة وهي البخل والغيرة والعي ويروى أن ذلك كان من معاوية إليه فالله أعلم في بيعة يزيد وهو خبر لا إسناد له فجاوبه ابن عمر {سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} اللهم إن ابن مروان يعيرني بالبخل والغيرة والعي فلو وليت وأعطيت الناس حقوقهم وقسمت بينهم فيئهم أي حاجة كان بهم حينئذ إلى مالي فيبخلوني ولو جلست لهم في مجالسهم فقضيت حوائجهم لم تكن لهم حاجة إلى بيتي فيعرفوا غيرتي وما من قرأ كتاب الله ووعظ به بعيي.
وأما قوله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث: "أدو الخائط والمخيط" فالخائط واحد الخيوط المعروفة والمخيط الإبرة ومن روى أدوا الخياط والمخيط فإن الخياط قد

(20/40)


يكون الخيوط وقد يكون الخياط والمخيط بمعنى واحد وهي الإبرة ومنه قول الله عز وجل: {حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ} يعني ثقب الإبرة ولا خلاف أن المخيط بكسر الميم الإبرة وقال الفراء ويقال خياط ومخيط كما قيل لحاف وملحف وقناع ومقنع وإزار ومئزر وقرام ومقرم وهذا كلام خرج على القليل ليكون ما فوقه أحرى بالدخول في معناه كما قال عز وجل: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ} ومعلوم أن من يعمل أكثر من مثقال ذرة أحرى أن يراه وفي هذا الحديث دليل على أن الغلول كثيره وقليله حرام نار قال الله عز وجل: {وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} وقد ذكرنا في معنى الغلول وحكمه وحكم الغال وحكم عقوبته ما فيه كفاية في باب ثور بن زيد من كتابنا هذا.
وأما قوله في هذا الحديث: "فإن الغلول عار ونار وشنار يوم القيامة" فالشنار لفظة جامعة لمعنى العار والنار ومعناها الشين والنار يريد أن الغلول شين وعار ومنقصة في الدنيا ونار وعذاب في الآخرة والغلول مما لا بد فيه من المجازاة لأنه من حقوق الآدميين وإن لم يتعين صاحبه فإن جملة أصحابه متعينة وهو أشد في المطالبة ولا بد من المجازاة فيه بالحسنات والسيئات والله أعلم.

(20/41)


حدثنا خلف بن قاسم حدثنا أبو بكر محمد بن عمير الخطاب الضرير بمصر حدثنا يحيى بن أيوب بن بادي العلاف حدثنا عبد العزيز بن يحيى حدثنا مالك بن أنس وهو أوثق من سمعناه منه عن سعيد بن أبي سعيد عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من كانت لأخيه عنده مظلمة في مال أو عرض فليأته فليستحله منها قبل أن يؤخذ منه يوم القيامة وليس ثم دينار ولا درهم فإن كانت له حسنات أخذ من حسناته لصاحبه وإلا أخذ من سيآت صاحبه فطرحت عليه". رواه جماعة عن مالك وعن ابن أبي ذئب عن سعيد عن أبي هريرة لم يقولوا عن أبيه وإنما قال فيه عن أبيه يحيى بن أيوب العلاف وحده والله أعلم.
وأما قوله: "ما لي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس والخمس مردود عليكم" . فإنه أراد إلا الخمس فإنه إلي أعمل فيه برأيي وارده عليكم باجتهادي لأن الأربعة الأخماس من الغنيمة مقسومة على الموجفين ممن حضر القتال على الشريف والمشروف والرفيع والوضيع والغني والفقير بالسواء للفارس ثلاثة اسهم إذا كان حرا ذكرا غير مستأجر وللراجل منهم سهم واحد وليس للرأي والاجتهاد في شيء من ذلك مدخل وهذا ما لا خلاف فيه بين العلماء قرنا بعد قرن وراثة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا ما اختلف فيه من سهم الفارس على ما قد ذكرناه في باب نافع عن ابن عمر فإن من أهل العلم طائفة منهم أبو حنيفة يقولون للفارس سهمان والجمهور على أن للفرس سهمين ولراكبه سهما ثلاثة اسهم وقد قال جماعة من أهل العلم إن هذا الحديث فيه نفي الصفي لقوله عليه السلام وقد أخذ وبرة من البعير: "والذي نفسي بيده مالي مما أفاء الله عليكم ولا مثل هذه إلا الخمس والخمس مردود عليكم" .

(20/42)


وقال آخرون ممن أوجب الصفي كان هذا القول منه قبل أن يجعل الله له الصفي وقال آخرون يحتمل أن يكون سكت عن الصفي لمعرفتهم به إذ خاطبهم وقالت طائفة لا صفي ولم تعرفه واحتجت بظاهر هذا الحديث.
قال أبو عمر:
سهم الصفي لرسول الله صلى الله عليه وسلم معلوم وذلك أنه كان يصطفي من رأس الغنيمة شيئا واحدا له عن طيب أنفس أهلها ثم يقسمها بينهم على ما ذكرنا وأمر الصفي مشهور في صحيح الآثار معروف عند أهل العلم ولا يختلف أهل السير أن صفية زوج النبي صلى الله عليه وسلم كانت من الصفي.
روى هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت كانت صفية من الصفي.
وروى عمرو بن أبي عمرو عن أنس بن مالك قال لما افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر واصطفى صفية بنت حيي لنفسه خرج بها وذكر الحديث رواه الدراوردي ويعقوب بن عبد الرحمن الزهري عن عمرو.
وفي هذا الحديث إن صح أن الصفي كان قبل خيبر لأن خيبر كانت قبل حنين وقد خولف عمرو بن أبي عمرو في لفظ هذا الحديث عن أنس وفي الصفي أيضا حديث أبي العلاء يزيد بن عبد الله بن الشخير وهو حديث رواه قرة وسعيد بن أبي عروبة عنه قال قرأت كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بني زهير بن أقيش فإذا فيه : "من محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بني زهير بن أقيش إنكم

(20/43)


إن شهدتم أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وأقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وأديتم الخمس من المغنم وسهم النبي عليه السلام والصفي أو قال وسهم الصفي فأنتم آمنون بأمان الله ورسوله".
وروى أبو حمزة عن ابن عباس في حديث وفد عبد القيس عن النبي عليه السلام أنه قال وتعطوا سهم الله من المغانم والصفي وروى عمر بن عبد الواحد عن سعيد بن بشير عن قتادة قال " كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا غزا كان له سهم صاف يأخذه من حيث شاء فكانت صفية من ذلك السهم وكان إذا لم يغز بنفسه ضرب له بسهم ولم يخيب".
أخبرنا عبد الله بن محمد قال أخبرنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا محمد بن بشار قال حدثنا ابو عاصم وأزهر قالا حدثنا ابن عون قالت سألت محمد يعني ابن سيرين عن سهم النبي صلى الله عليه وسلم والصفي فقال كان يضرب له بسهم مع المسلمين وإن لم يشهد والصفي يؤخذ له رأس من الخمس قبل كل شيء قال وحدثنا محمد بن كثير قال أخبرنا سفيان عن مطرف عن الشعبي قال كان للنبي صلى الله عليه وسلم سهم يدعى الصفي إن شاء عبدا وإن شاء أمة وإن شاء فرسا يختاره قبل الخمس
قال أبو عمر:
قد أجمع العلماء طرا على أن سهم الصفي ليس لأحد بعد النبي صلى الله عليه وسلم فارتفع القول في ذلك إلا أن أبا ثور حكي عنه ما يخالف هذا الإجماع قال يؤخذ الصفي ويجرى مجرى سهم النبي صلى الله عليه وسلم قال إن كان بينهم الصفي ثابتا.

(20/44)


قال أبو عمر:
الآثار المرفوعة في الصفي متعارضة وليس فيه عن الصحابة شيء يثبت وأما سهم النبي صلى الله عليه وسلم فللعلماء في سهم النبي صلى الله عليه وسلم من الخمس اقوال منها أنه يرد إلي من سمي في الآية قال ذلك طائفة من أهل العلم ورأوا أن يقسم الخمس أرباعا وقال آخرون هو إلى الخليفة بعده يصرفه فيما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصرف فيه وقال آخرون يجعل في الخيل والعدة في سبيل الله وممن قال هذا قتادة وبه قال أحمد بن حنبل وقال الشافعي يضع الإمام سهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل أمر ينفع الإسلام من سد ثغر وكراع وسلاح وإعطاء أهل العناء والبلاء في الإسلام والنفل عند الحرب.
وأما أبو حنيفة فقال سهم الرسول وسهم ذي القربى سقطا بموت النبي صلى الله عليه وسلم قال ويقسم الخمس على ثلاثة أسهم لليتامى والمساكين وابن السبيل وأما مالك رحمه الله فقال يجعل الخمس في بيت المال ويجتهد الإمام في قسمه إلا أنه لم يسقط سهم ذي القربى وقال يعطيهم الإمام ويجتهد في ذلك.
وأما اختلافهم في قسم الخمس فعلى ما أصف لك قال مالك قسمة الخمس كقسمة الفيء وهما جميعا يجعلان في بيت المال قال ويعطى أقرباء رسول الله صلى الله عليه وسلم من هما على ما يرى الإمام قال ويجتهد في ذلك فإن تكافأ أهل البلدان في الحاجة بدأ بالذي المال فيهم وإن كان بعض البلدان أشد حاجة نقل إليهم أكثر المال.
قال ابن القاسم وكان مالك يرى التفضيل في العطاء على قدر الحاجة ولا يخرج مال من بلد إلى بلد غيره حتى يعطي أهل البلد الذي فيه المال ما يغنيهم على وجه النظر والاجتهاد قال ويجوز أن يجيز الوالي على وجه الدين أو الأمر يراه قد استحق به الجائزة قال والفيء حلال للأغنياء.

(20/45)


وقال سفيان الثوري الفيء ما صولح عليه الكفار والغنيمة ما غلبوا عليه قسرا قال وسهم النبي صلى الله عليه وسلم من الخمس هو خمس الخمس وما بقي من الخمس فللطبقات التي سمى الله في آية الخمس قال الطحاوي فهذا من قول الثوري يدل على أن سهم ذوي القربى باق بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم وقال الثوري في موضع آخر الخمس إلى الإمام يضعه حيث أراه الله وهذا كقول مالك سواء.
وقال أبو حنيفة في ا لجامع الصغير يقسم الخمس على ثلاثة أسهم للفقراء والمساكين وابن السبيل فأسقط بينهم ذا القربى.
وقال أبو يوسف سهم ذي القربى مردود على من سمى الله عز وجل في الآية قال وخمس الله والرسول واحد.
قال أبو عمر:
الآية قول الله عز وجل: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ} الآية والغنيمة ما أخذ عنوة وأوجف عليه المسلمون بالخيل والركاب وأجلوه من ديارهم وتركوه بالرعب لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ونصرت بالرعب".
وقال الشافعي في الغنيمة الخمس كما قال الله عز وجل قال وفي الفيء الخمس أيضا قال الغنيمة ما أوجف عليه بخيل أو ركبا وهي لمن حضر الوقيعة من غني أو فقير بعد إخراج الخمس قال ويقسم الخمس على من سمى الله عز وجل قال وسهم ذي القربى لبني هاشم وبني المطلب غنيهم وفقيرهم

(20/46)


فيه سواء للذكر مثل حظ الأنثيين وخالفه المزني وأبو ثور فقالا الذكر والأنثى فيه سواء قال الشافعي والفيء ما لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب وفيه الخمس أيضا قال وعطاء المقاتلة في الفيء والنساء والذرية ولا بأس أن يعطى الرجل أكثر من كفايته وليس للمماليك فيه شيء ولا للأعراب الذين هم أهل الصدقة قال ويسوى في العطاء كما فعل أبو بكر.
وقال الأوزاعي خمس الغنيمة مقسوم على من سمى الله في الآية.
وقال محمد بن جرير يقسم الخمس على أربعة أسهم لأن سهم النبي صلى الله عليه وسلم مردود على من سمى معه في الآية قياسا على ما أجمعوا عليه فيمن عدم من سهمان الصدقات قال وأجمعوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقسم الخمس على ست فعلم بذلك أن قوله عز وجل: {لِلَّهِ} مفتاح كلام وكذلك قال أكثر أهل التفسير قال ويقسم سهم ذي القربى على بني هاشم بن عبد مناف وبني المطلب بن عبد مناف الذكر والأنثى في ذلك سواء لأنهم إنما استحقوه باسم القرابة.
قال أبو عمر:
أما قول الشافعي إن في الفيء خمسا فقول ضعيف لا وجه له من جهة النظر الصحيح ولا الأثر وأما قوله وقول من تابعه على أن ذوي القربى الذين عنوا بالآية في خمس الغنيمة هم بنو هاشم وبنو المطلب فهو موجود صحيح من حديث ابن شهاب عن سعيد بن المسيب عن جبير بن مطعم قال قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم لبني هاشم وبني المطلب من الخمس وقال إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد الحديث ولي في هذا الباب حديث مسند غير هذا وهو حديث صحيح وبه قال الشافعي وأبو ثور وروى عن ابن عباس ومحمد بن الحنفية

(20/47)


أن ذوي القربى الذين عنى الله في آية الخمس هم أهل البيت يعني بني هاشم وعن عمر بن عبد العزيز أنه بعث إلى بني هاشم سهم الرسول وسهم ذي القربى ومن مذهبه أيضا أن يقسم الخمس أخماسا كمذهب الشافعي ومجاهد وقتادة وابن جريج ومسلم بن خالد الزنجي.
قال أبو عمر:
وأما اعتلال الفقهاء واعتلال أصحابهم لمذاهبهم في هذا الباب فشيء لا يقوم به كتاب لأنه موضع اتسع لهم فيه القول وطال جدا ولا سبيل إلى اجتلاب ذلك في هذا الكتاب خشية التطويل والعدول عن المراد فيه وإنما ذكرنا مذاهب الفقهاء في قسمة الخمس لما جرى فيه من ذكر الخمس في حديث هذا الباب وذلك قوله صلى الله عليه وسلم: "ما لي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس والخمس مردود عليكم". فذكرنا ما لأهل العلم في كيفية رد الخمس على أهله ووجه قسمته ليقف الناظر في كتابنا هذا على ذلك ولعلنا أن نفرد للخمس والفيء أيضا كتابا نورد فيه أقاويل العلماء من السلف والخلف بما لكل واحد منهم من وجوه الحجة والاعتلال لأقوالهم من جهة الأثر والنظر إن شاء الله.
وأما الأحاديث المسندة في معاني الحديث المرسل في هذا الباب فأخبرنا أحمد بن عبد الله بن محمد بن علي قال أخبرني أبي قال حدثنا أحمد بن خالد قال حدثنا علي بن عبد العزيز قال حدثنا حجاج بن منهال وأخبرنا قاسم بن محمد قال حدثنا خالد بن سعيد قال حدثنا احمد بن عمرو بن منصور قال حدثنا محمد بن عبد الله بن سنجر قال حدثنا موسى بن إسماعيل قالا جميعا حدثنا حماد بن سلمة عن محمد بن إسحاق عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: "شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أتته وفود حنين فقالوا يا محمد إنا

(20/48)


أهل وعشيرة" فذكر الحديث وفيه قال: "وركب رسول الله صلى الله عليه وسلم راحلته واتبعه الناس فقالوا اقسم علينا فيئنا اقسم علينا فيئنا حتى ألجأوه إلى شجرة فخطفت رداءه فقال: "يا أيها الناس ردوا علي ردائي فوالله لو أن لكم بعدد شجر تهامة نعما لقسمته بينكم ثم لا تلفونني جبانا ولا بخيلا ولا كذوبا" ثم مال إلى راحلته فأخذ منها وبرة فوضعها بين أصبعيه ثم قال: "أيها الناس إنه ليس لي من هذا الفيء شيء ولا هذه إلا الخمس والخمس مردود عليكم فأدوا الخيط والمخيط فإن الغلول يكون على أهله يوم القيامة عارا وشنارا" فقام رجل ومعه كبة شعر فقال: يا رسول الله أخذت هذه لأصلح بها برذعة لي فقال: "أما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لك" فقال: أما إذ بلغت ما أرى فلا أرب لي فيها ونبذها.
وهذا حديث متصل جيد الإسناد وقد أحاط بمعاني حديث مالك وألفاظه وزاد وحدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا إسماعيل بن إسحاق قال حدثنا ابن أبي أويس قال حدثني أبي عن ثور بن زيد عن عكرمة عن ابن عباس أنه قال "تعلق ثوب النبي صلى الله عليه وسلم يوم حنين بشجرة والناس مجتمعون يسألونه المغانم فحسب النبي صلى الله عليه وسلم أنهم أمسكوا بردائه فغضب وقال: "أرسلوا ردائي تريدون أن تبخلوني فوالله لو أفاء الله عليكم مثل شجر تهامة نعما لقسمته بينكم ولا تجدوني بخيلا ولا جبانا ولا كذابا". فقالوا: إنما تعلقت بك سمرة فخلصوه.

(20/49)


وأخبرنا عبد الرحمن بن مروان قال حدثنا أحمد بن سليمان بن عمرو البغدادي قال حدثنا أبو حفص عمر بن الحسن قاضي حلب قال حدثنا المسيب ابن واضح قال حدثنا أبو إسحاق عن سفيان عن عبد الرحمن بن عياش عن سليمان بن موسى عن محكول عن أبي سلام عن أبي أمامة عن عبادة بن الصامت قال: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين وبرة من جنب بعير فقال: "أيها الناس إنه لا يحل لي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس والخمس مردود عليكم".
قال أبو عمر:
عبد الرحمن بن عياش وقع عنده في أصل كتابه وإنما هو عبد الرحمن بن الحرث بن عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة روي هذا الحديث عن سليمان بن موسى الأشدق عن محكول عن أبي سلام الحبشي عن أبي أمامة الباهلي عن عبادة بن الصامت قال: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين وبرة من جنب بعير ثم قال: "أيها الناس إنه لا يحل لي من هذا الذي افاء الله عليكم قدر هذه إلا الخمس والخمس مردود عليكم فأدوا الخيط والمخيط وإياكم والغلول فإنه عار على أهله يوم القيامة وعليكم بالجهاد فإنه باب من أبواب الجنة يذهب الله به الغم والهم". قال وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكره الأنفال ويقول: "ليرد قوي المؤمنين على ضعيفهم" هكذا ذكره علي بن المديني عن أبيه عن عبد الرحمن بن الحرث عن سليمان بن موسى بإسناده.
وحدثنا محمد بن عبد الله بن حكم قال حدثنا محمد بن معاوية بن عبد الرحمن قال حدثنا إسحاق بن أبي حسان الأنماطي قال حدثنا هشام بن عمار قال حدثنا الوليد بن مسلم قال حدثنا أبو العلاء سمع أبا سلام الأسود يقول:

(20/50)


سمعت عمرو بن عبسة يقول: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بعير من المغنم فلما سلم أخذ وبرة من جنب البعير ثم قال: "لا يحل لي من غنائمكم إلا الخمس والخمس مردود عليكم". وحدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا إسماعيل بن إسحاق قال حدثنا ابن أبي أويس قال حدثنا أخي عن سليمان بن بلال عن محمد ابن أبي عتيق وموسى بن عقبة عن ابن شهاب قال أخبرني عمر بن محمد بن جبير بن مطعم قال أخبرني جبير بن مطعم: أنه بينما هو يسير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه الناس مقفلة من حنين اختلف عليه الأعراب فسألوه حتى اضطروه إلى سمرة فخطفت رداءه فوقف رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "أعطوني ردائي لو كان لي عدد هذه العضاه نعما لقسمته بينكم ثم لا تجدونني بخيلا ولا جبانا ولا كذابا" .
أخبرنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا سلمة بن شبيب قال حدثنا عبد الرزاق قال أخبرنا معمر عن همام ابن منبه قال هذا ما حدثنا أبو هريرة وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما أوتيكم من شيء ولا أمنعكموه إن أنا إلا خازن أضع حيث أمرت".

(20/51)


عبدالحميد بن سهيل
وله حديث واحد
...
مالك عن عبد الحميد بن سهيل
ويقال عبد المجيد يكنى أبا عبد الرحمن وقيل: يكنى أبا وهب وهو عبد المجيد بن سهيل بن عبد الرحمن بن عوف القرشي الزهري المدني سمع سعيد ابن المسيب وعثمان بن عبد الرحمن وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة روى عنه مالك بن أنس وابن عيينة وسليمان بن بلال وعبد العزيز بن محمد الدراوردي وهو ثقة حجة عندهم فيما نقل.
لمالك عنه في الموطأ حديث واحد اختلف على مالك في اسم هذا الرجل فقال يحيى بن يحيى صاحبنا عنه فيه عبد الحميد وتابعه ابن نافع وعبد الله بن يوسف التنيسي وروى بعض أصحاب ابن عيينة عن ابن عيينة عنه حديثه هذا فقال فيه عبد الحميد كما قال يحيى وابن نافع والتنيسي وقال جمهور رواة الموطأ عن مالك فيه عبد المجيد وهو المعروف عند الناس وكذلك قال فيه الدراوردي وسليمان بن بلال عنه في هذا الحديث وابن عيينة في غير هذا الحديث ونسبه مالك والدراوردي وسليمان بن بلال في حديثه هذا فقالوا فيه عبد المجيد بن سهيل بن عبد الرحمن بن عوف ونسبه غيرهما فقال فيه عبد المجيد بن سهيل بن عبد العزيز بن عبد الرحمن بن عوف والقول فيه قول مالك ومن تابعه.

(20/53)


قال أبو عمر:
سهيل والد عبد الحميد هذا هو الذي تزوج الثريا بنت عبد الله بن الحرث بن أمية الأصغر بن عبد شمس بن عبد مناف وفيه يقول عمر بن أبي ربيعة:
أيها المنكح الثريا سهيلا ... عمرك الله كيف يلتقيان
هي شامية إذا ما استقلت ... وسهيل إذا استقل يمان
وأول هذا الشعر:
أيها الطارق الذي قد عناني ... بعدما نام سائر الركبان
زار من نازح بغير دليل ... يتخطى إلي حتى أتاني
قد قالت طائفة من أهل العلم بالنسب والخبر إن سهيلا الذي تزوج الثريا وذكره عمر بن أبي ربيعة في شعره هذا هو سهيل بن عبد العزيز بن مروان قالوا إنها حملت إلى مصر وكانت معه بمصر قالوا ولم يكن سهيل بن عبد الرحمن بن عوف بمصر وقال الزبير بن بكار وهو قول طائفة من أهل النسب تزوج الثريا بنت عبد الله بن عوف وأمه مجد بنت يزيد بن سلامة الحميري وأبنه عبد المجيد روى عنه مالك وغيره الحديث كذا قال الزبير عبد المجيد بالجيم قال الزبير والثريا هذه هي مولاة الغريض وخالف الزبير غيره فقال هي الثريا بنت عبد الله بن محمد بن عبد الله بن الحرث بن أمية الأصغر.
وذكر عمر بن شبة أن الثريا هذه هي بنت علي بن عبد الله بن أمية الأصغر وقال بما ذكره عمر بن شبة طائفة من أهل العلم بالنسب ولعبد الله

(20/54)


ابن الحرث بن أمية الأصغر بنون كثير منهم علي الأكبر وعلي الأصغر ولم يختلف في أن الثريا هذه هي التي ذكرها عمر بن أبي ربيعة في شعره ولا اختلف في أنها من ولد عبد الله بن الحرث بن أمية الأصغر وبنو أمية الأصغر يعرفون بالعبلات.
أخبرنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن يحيى قال حدثنا محمد بن عمر ابن علي قال حدثنا علي بن حرب قال حدثنا سفيان عن عبد المجيد بن سهيل ابن عبد الرحمن عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة: أن مجوسيا دخل على النبي صلى الله عليه وسلم وقد أعفى شاربه وأحفى لحيته فقال: "من أمرك بهذا؟" قال أمرني ربي قال: "لكن ربي أمرني أن أحفي شاربي وأعفي لحيتي".
هكذا قال علي ابن حرب عن سفيان بن عيينة عبد المجيد وهو الصواب في اسم هذا الرجل وكذلك ذكره البخاري والعقيلي في باب عبد المجيد ومن قال فيه عبد الحميد فقد غلط والله أعلم.
أخبرنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أبو يحيى عبد الله بن أحمد بن أبي مسرة قال حدثنا القعنبي قال حدثنا سليمان بن بلال عن عبد المجيد بن سهيل بن عبد الرحمن بن عوف أنه سمع سعيد بن المسيب يحدث أن أبا هريرة وأبا سعيد الخدري حدثاه "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أخا بني عدي الأنصاري استعمله على خيبر فقدم بتمر جنيب فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أكل تمر خيبر هكذا؟" قال: لا والله يا رسول الله إنا لنشتري الصاع بالصاعين من الجمع فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تفعلوا ولكن مثلا بمثل أو بيعوا هذا واشتروا بثمنه من هذا وكذلك الميزان" .

(20/55)


وأخبرنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا إسماعيل بن إسحاق قال حدثنا إبراهيم بن حمزة قال حدثنا عبد العزيز بن محمد عن عبد المجيد بن سهيل بن عبد الرحمن بن عوف فذكره بإسناده مثله سواء فاتفق ابن عيينة وسليمان بن بلال والدراوردي فيه على عبد المجيد وكذلك قال جمهور رواة الموطأ عن مالك فيه عبد المجيد وهو الحق الذي لا شك فيه إن شاء الله.
مالك عن عبد المجيد بن سهيل بن عبد الرحمن بن عوف عن سعيد بن المسيب عن أبي سعيد الخدري وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمل رجلا على خيبر فجاءه بتمر جنيب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أكل تمر خيبر كهذا؟" فقال لا والله يا رسول الله إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين والصاعين بالثلاثة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تفعل بع الجمع بالدراهم وابتع بالدراهم جنيبا" .
قال أبو عمر:
ذكر أبي هريرة في هذا الحديث لا يوجد من غير رواية عبد المجيد بن سهيل هذا وإنما يحفظ هذا الحديث لأبي سعيد الخدري كذلك رواه قتادة عن سعيد بن المسيب عن أبي سعيد الخدري من رواية حفاظ أصحاب قتادة هشام الدستوائي وابن أبي عروبة وكذلك رواه يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة وعقبة ابن عبد الغافر عن أبي سعيد الخدري وكذلك رواه محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي سعيد الخدري وروى الدراوردي عن عبد المجيد بن سهيل في هذا الحديث إسنادين أحدهما عن سعيد بن المسيب عن أبي سعيد وأبي هريرة كما

(20/56)


روى مالك وغيره والآخر عن عبد المجيد بن سهيل عن أبي صالح السمان عن أبي هريرة وأبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله سواء ولا نعرفه بهذا الإسناد هكذا إلا من حديث الدراوردي وكل من روى حديث عبد المجيد بن سهيل هذا عنه بإسناده عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة وأبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم ذكره في آخره وكذلك الميزان إلا مالك فإنه لم يذكره في حديثه هذا وهو أمر مجتمع عليه لا خلاف بين أهل العلم فيه كل يقول على أصله إن ما داخله الربا في الجنس الواحد من جهة التفاضل والزيادة لم تجز فيه الزيادة والتفاضل لا في كيل ولا في وزن والكيل والوزن عندهم في ذلك سواء إلا أن ما كان أصله الكيل لا يباع إلا كيلا وما كان أصله الوزن لا يباع إلا وزنا وما كان أصله الكيل فبيع وزنا فهو عندهم مماثلة وإن كرهوا ذلك وأما ما كان موزونا فلا يجوز أن يباع كيلا عند جميعهم لأن المماثلة لا تدرك بالكيل إلا فيما كان كيلا لا وزنا اتباعا للسنة قال صلى الله عليه وسلم: "البر بالبر مدي بمدي". وقد تدرك المماثلة بالوزن في كل شيء وقد اجمعوا أن الذهب والورق والنحاس وما أشبه ذلك لا يجوز شيء من ذلك كله كيلا بكيل بوجه من الوجوه فكذلك كل موزون لا يباع كيلا بكيل على حال من الأحوال وأجمع العلماء أيضا أن التمر بالتمر لا يجوز بعضه ببعض إلا مثلا بمثل وسواء فيه الطيب والدون وأجناس التمور كلها لا

(20/57)


يجوز بيع شيء منها بشيء إلا مثلا بمثل كيلا بكيل والتمر كله على اختلاف أنواعه صنف واحد لا يجوز التفاضل فيه في البيع والمساومة بوجه من الوجوه وكذلك البر والزبيب وكل طعام مكيل من قطنية أو غيرها لا يجوز شيء من ذلك كله بشيء من جنسه إلا مثلا بمثل وقد تقدم في مواضع من كتابنا هذا أصول الربا في المأكولات والمشروبات والمكيلات والموزونات وكيف يجري الربا منها في الجنس الواحد وغيره وما للعلماء في ذلك كله من الاعتلال والمذاهب وما جعله كل واحد منهم أصلا في هذا الباب فلا معنى لإعادة ذلك ههنا.
وأما الجنيب من التمر فقيل هو الجنس الواحد غير المختلط والجمع المختلط وقيل الجنيب المتخير الذي قد اخرج عنه حشفه ورديئه.
وبيع التمر الجمع بالدراهم وشراء الجنيب بها من رجل واحد يدخله ما يدخل الصرف في بيع الذهب بدراهم والشراء بتلك الدراهم ذهبا من رجل واحد في وقت واحد والمراعاة في ذلك كله واحدة فمالك يكره ذلك على أصله وكل من قال بالذرائع كذلك وغيره يراعى السلامة في ذلك ولا يفسخ بيعا قد انعقد إلا بيقين وقصد وبالله التوفيق.
وأما سكوت من سكت من المحدثين في الحديث عن ذكر فسخ البيع الذي باعه العامل على خيبر فلأنه معروف في الأصول أن ما ورد التحريم به لم يجز العقد عليه ولا بد من فسخه وقد جاء الفسخ فيه منصوصا في هذا الحديث ذكر مسلم بن الحجاج قال حدثنا مسلمة بن الحجاج قال حدثنا سلمة بن شبيب قال حدثنا الحسن بن أعين قال حدثنا معقل عن أبي قزعة الباهلي عن أبي

(20/58)


نضرة عن أبي سعيد قال أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بتمر فقال: "ما هذا التمر من تمرنا" فقال الرجل يا رسول الله بعنا تمرنا صاعين بصاع من هذا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هذا الربا فردوه ثم بيعوا تمرنا واشتروا لنا من هذا". ولو لم يأت هذا منصوصا احتمل ما ذكرنا واحتمل أن يكون عامل خيبر فعل هذا على أصل الإباحة التي كانوا عليها ثم نزل عليه صلى الله عليه وسلم تحريم الربا بعد عقد صفقته على أصل ما كان عليه كما قال سعيد بن جبير كان الناس على أمر جاهليتهم حتى يؤمروا أو ينهوا يريد فما لم يؤمروا ولم ينهوا نفذ فعلهم وبالله التوفيق.

(20/59)


عبد الكريم بن مالك
وله حديث واحد
...
عبد الكريم بن مالك الجزري
لمالك عنه حديث واحد وعبد الكريم بن مالك هذا يكنى أبا سعيد يقال مولى قيس غيلان وقيل مولى بني أمية وقيل مولى محمد بن مروان بن الحكم وهذا هو الصحيح إن شاء الله.
كان عبد الكريم هذا أصله من اصطخر فانتقل إلى حران وسكنها إلى أن مات بها سنة سبع وعشرين ومائة وهو معدود في أهل الجزيرة نسب إلى البلدة وهو ابن عم خصيف الجزري لحا وكان عبد الكريم هذا ثقة مأمونا محدثا كثير الحديث روى عنه جماعة من الأئمة منهم شعبة ومالك والثوري وابن عيينة ويروى أنه رأى إنس بن مالك رواه عبد الله بن جعفر الرقي عن عبيد الله بن عمرو الرقي عن عبد الكريم الجزري قال رأيت أنس بن مالك يطوف بالبيت وعليه ثوب خز وقال الثوري ما رأيت أفضل منه كان يحدثنا بالشيء لا يوجد إلا عنده فلا نعرف ذلك فيه.
وقال ابن عيينة عبد الكريم الجزري رضي لا يقول إلا حدثنا أو سمعت وقال علي بن المديني ويحيى بن معين وأحمد بن حنبل عبد الكريم الجزري ثقة.

(20/61)


مالك عن عبد الكريم بن مالك الجزري عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن كعب بن عجرة أنه كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم محرما فأذاه القمل في رأسه فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحلق رأسه وقال له: "صم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين مدين مدين لكل إنسان أو انسك بشاة" . أي ذلك فعلت أجزأ عنك.
قال أبو عمر
هكذا روى يحيى هذا الحديث عن مالك عن عبد الكريم الجزري عن ابن أبي ليلى وتابعه أبو المصعب وابن بكر والقعنبي ومطرف والشافعي ومعن ابن عيسى وسعيد بن عفير وعبد الله بن يوسف التنيسي ومصعب الزبيري ومحمد بن المبارك الصوري كل هؤلاء رووه عن مالك كما رواه يحيى لم يذكروا مجاهدا في إسناد هذا الحديث ورواه ابن وهب وابن القاسم ومكي بن إبراهيم عن مالك عن عبد الكريم الجزري عن مجاهد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن كعب بن عجرة وذكر الطحاوي أن القعنبي رواه هكذا كما رواه ابن وهب وابن القاسم فذكر فيه مجاهدا.
قال أبو عمر:
الصواب في إسناد هذا الحديث قول من جعل فيه مجاهدا بين عبد الكريم وبين ابن بي ليلى ومن أسقطه فقد أخطأ فيه والله أعلم وزعم الشافعي أن مالكا هو الذي وهم فيه فرواه عن عبد الكريم عن ابن أبي ليلى وأسقط من إسناده مجاهدا.

(20/62)


قال أبو عمر:
وعبد الكريم لم يلق ابن أبي ليلى ولا رآه والحديث محفوظ لمجاهد عن ابن أبي ليلى من طرق شتى صحاح كلها وهذا عند أهل الحديث أبين من أن يحتاج فيه إلى استشهاد وتوفي مجاهد بن جبر ويقال ابن جبير والأكثر يقولون ابن جبر سنة ثلاث ومائة وهو ابن ثلاث وثمانين سنة ويقولون إنه مات ساجدا.
حدثنا سعيد بن نصر حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا جعفر بن محمد الصائغ حدثنا محمد بن سابق حدثنا إبراهيم بن طهمان عن أبي الزبير عن مجاهد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن كعب بن عجرة الأنصاري أنه حدثه أنه كان أهل في ذي القعدة وأنه قمل رأسه فأتى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يوقد تحت قدر له فقال له "كأنك يؤذيك هوام رأسك؟" قال أجل قال: احلق رأسك واهد هديا فقال ما أجد هديا قال فأطعم ستة مساكين فقال ما أجد فقال صم ثلاثة أيام قال فحلقت وصمت".
قال أبو عمر:
في رواية أبي الزبير لهذا الحديث عن مجاهد وهو تابع مثله ما يدلك على أنه حديث احتيج فيه إلى مجاهد وهو معروف به عند الحجازيين وقد روي هذا الحديث عن مجاهد جماعة جلة منهم أيوب السختياني وابن أبي نجيح وحميد بن قيس وغيرهم.
وأما رواية إبراهيم بن طهمان لهذا الحديث على الترتيب فلم يتابع عليها في رواية مجاهد له والله أعلم.
ورواية من روى فيه التخيير أكثر وقد ذكرنا كثيرا من طرق هذا الحديث في باب حميد بن قيس وسيأتي منها كثير أيضا في باب عطاء الخراساني إن شاء الله.

(20/63)


وقد روى هذا الحديث مكي بن إبراهيم عن مالك كما رواه ابن وهب وابن القاسم حدثنا عبد الله بن محمد بن يوسف قال أخبرنا عبد الله بن أحمد ابن علي بن طالب البغدادي أبو القاسم قال حدثنا أبو محمد عبد الله بن جعفر بن درتسويه الفارسي النحوي قال حدثنا أحمد بن الخباب قال حدثنا مكي بن إبراهيم عن مالك بن أنس عن عبد الكريم الجزري عن مجاهد عن عبد الرحمن ابن أبي ليلى عن كعب بن عجرة "أنه كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم محرما" فذكر الحديث كما تقدم عن مالك حرفا بحرف وقد ذكرنا ما في هذا الحديث من الأحكام والمعاني في باب حميد بن قيس من كتابنا هذا فلا معنى لتكرير ذلك ههنا.
ولفظ حديث مالك هذا عن عبد الكريم مستعمل عند جميع العلماء فيمن حلق رأسه من أذى وضرورة لا يختلفون في شيء منه وقد روي هذا الحديث بألفاظ مختلفة ومعان في بعضها تفاوت وقد ذكرنا ذلك كله أو أكثره وذكرنا تنازع العلماء فيه في باب حميد بن قيس والحمد لله.
وحديث مالك هذا أحسن ما نقل عن كعب بن عجرة في قصته هذه لأن ما فيه لمن حلق من ضرورة قد اتفق العلماء عليه إلا أن اختلافهم في موضع الدم والإطعام أيضا على ما قدمنا في باب جميد بن قيس وفي نحر علي بن أبي طالب عن ابنه الحسين بالسقيا جزورا حين حلق رأسه من المرض الذي اصابه ما تسكن النفس إليه لظهوره وعلوه وبالله التوفيق.

(20/64)


عبد الكريم بن ابي المخارق
وله حديث واحد
...
عبد الكريم بن أبي المخارق
واسم أبي المخارق طارق وقيل قيس هو أبو أمية البصري لقيه مالك بمكة فروى عنه له عنه في الموطأ من مرفوع الأثر حديث واحد فيه ثلاثة أحاديث مرسلة تتصل من غير روايته وتستند من وجوه صحاح وعبد الكريم هذا ضعيف لا يختلف أهل العلم بالحديث في ضعفه إلا أن منهم من يقبله في غير الأحكام خاصة ولا يحتج به على حال ومن أجل من جرحه واطرحه أبو العالية وأيوب السختياني تكلم فيه مع ورعه ثم شعبة والقطان وأحمد بن حنبل وعلي بن المديني ويحيى بن معين روى عن الحسن وعطاء ومجاهد وإبراهيم النخعي روى عنه الثوري ومالك وابن عيينة وسعيد بن أبي عروبة وكان مؤدب كتاب وكان حسن السمت غر مالكا منه سمته ولم يكن من أهل بلده فيعرفه كما غر الشافعي من إبراهيم بن أبي يحيى حذقه ونباهته فروى عنه وهو أيضا مجتمع على تجريحه وضعفه ولم يخرج مالك عن عبد الكريم بن أبي المخارق حكما في موطئه وإنما ذكر فيه عنه ترغيبا وفضلا وكذلك الشافعي لم يحتج بابن أبي يحيى في حكم أفرده به.
حدثني محمد بن إبراهيم بن سعيد قال حدثنا محمد بن أحمد بن يحيى قال حدثنا محمد بن أيوب بن حبيب قال حدثنا أحمد بن عمرو البزار قال حدثنا الحسين بن مهدي قال أخبرنا عبد الرزاق قال أخبرنا معمر قال قلت

(20/65)


لأيوب كيف لم تسمع من طاوس قال أتيته فإذا قد اكتنفه ثقيلان ليث بن أبي سلم وعبد الكريم بن أبي المخارق فتركته.
أخبرنا أحمد بن محمد قال: قال حدثنا أحمد بن الفضل قال حدثنا محمد ابن جرير قال حدثنا محمد بن إسحاق قال حدثنا يحيى بن معين قال حدثنا هشام بن يوسف عن معمر قال: قال لي أيوب عبد الكريم أبو أمية غير ثقة فلا تحمل عنه قال فما حملت عنه شيئا.
وحدثنا أحمد بن محمد قال حدثنا أحمد بن الفضل قال حدثنا محمد بن جرير قال حدثنا عبد الله بن محمد بن عمرو الغزي قال حدثنا الحميدي قال أخبرنا سفيان بن عيينة قال قلت لأيوب يا أبا بكر ما لك لم تكثر عن طاوس قال جئته لأجلس إليه فوجدته بين ثقيلين عبد الكريم أبي أمية وليث بن أبي سليم فرجعت وتركته.
حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا عبد الرحمن بن يونس قال حدثنا سفيان بن عيينة قال أول من جالست من الناس عبد الكريم أبو أمية جالسته وأنا ابن خمس عشرة سنة وتوفي في سنة ست وعشرين مائة قال أحمد بن زهير وسئل يحيى ابن معين عن عبد الكريم بن أبي المخارق فقال هو أبو أمية ليس بشيء وقال البخاري عن علي بن المديني عن ابن عيينة قال هلك سنة سبع وعشرين وذكر العقيلي قال حدثنا داود بن محمد حدثنا حجاج بن يوسف أخبرنا عبد الرزاق قال لي معمر ما رأيت أيوب اغتاب أحدا قط إلا عبد الكريم فإنه

(20/66)


ذكره فقال رحمه الله كان غير ثقة لقد سألني عن حديث لعكرمة ثم قال سمعت عكرمة قال وأخبرنا أحمد بن علي حدثنا عبد الواحد بن غياث قال سمعت عبد الكريم بن أمية يقول الحسن ومحمد بن سيرين ضالان قال وحدثنا عبد الله بن احمد بن حنبل حدثنا أبي حدثنا سفيان قال كان أبو أمية يحيى يوم الجمعة فيتخطى ويقول رحم الله من لم يتأذ قال عبد الله سألت أبي عن عبد الكريم بن أبي المخارق فقال ضعيف.
قال أبو عمر:
أما الأحاديث التي ذكر عنه مالك فصحاح مشهورة جاءت من طرق ثابتة ونحن نذكر من طرقها ههنا ما حضرنا ذكره بفضل الله وعونه لا شريك له.
مالك عن عبد الكريم بن أبي المخارق البصري أنه قال "من كلام النبوة إذا لم تستحي فاصنع ما شئت ووضع اليدين أحداهما على الأخرى في الصلاة يضع اليمنى على اليسرى وتعجيل الفطر والاستيناء بالسحور".
قال أبو عمر:
أما الحديث الأول من كلام النبوة فحدثنا عبد الرحمن بن يحيى قال حدثنا أحمد بن سعيد قال حدثنا محمد بن بدر قال حدثنا الحسن بن عرفة،

(20/67)


قال حدثنا محمد بن خازم عن أبي مالك الأشجعي عن ربعي بن حراش عن حذيفة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أن مما أدرك الناس من أمر النبوة الأولى إذا لم تستحي فاصنع ما شئت".
قال أبو عمر:
هذا الحديث خطأ ويقولون إن الخطأ فيه من أبي مالك الأشجعي ورواية منصور عندهم صواب رواها شعبة والثوري وشريك وغيرهم عن منصور عن ربعي عن أبي مسعود الأنصاري ولا يصح في هذا الحديث عندهم غير هذا الإسناد وإنما هو لربعي بن حراش عن أبي مسعود الأنصاري عقبة ابن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم وليس لربعي عن حذيفة.
حدثنا عبد الله بن محمد بن يوسف قال حدثنا أحمد بن الحسين بن علي وحدثنا أحمد بن قاسم بن عيسى قال حدثنا عبيد الله بن محمد بن حبابة قالا حدثنا البغوي قال حدثنا علي بن الجعد قال أخبرنا شعبة وشريك عن منصور عن ربعي عن أبي مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستحي فاصنع ما شئت".
حدثنا خلف بن القاسم قال حدثنا أبو بكر بن محمد بن الحسين بن صالح السبيعي الحلبي بدمشق قال حدثنا أبو علي محمد بن معاذ بن المستهل البصري قال حدثنا القعنبي عبد الله بن مسلمة أبو عبد الرحمن قال حدثنا شعبة بن الحجاج عن منصور عن ربعي عن أبي مسعود الأنصاري قال: قال

(20/68)


رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستحي فاصنع ما شئت".
وحدثنا خلف بن سعيد قال حدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا أحمد ابن خالد وحدثناه عبد الله بن محمد بن أسد قال حدثنا ابن جامع السكري قالا حدثنا علي بن عبد العزيز قال حدثنا القعنبي قال حدثنا شعبة عن منصور عن ربعي بن حراش عن أبي مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستحي فاصنع ما شئت".
وحدثناه عبد الله بن محمد بن أسد قال حدثنا ابن جامع قال حدثنا علي بن عبد العزيز فذكره.
قال أبو عمر:
لم يرو القعنبي عن شعبة غير هذا الحديث حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن عبد السلام قال حدثنا محمد بن بشار وحدثنا عبد الوارث قال حدثنا قاسم قال حدثنا بكر بن حماد قال حدثنا مسدد قال حدثنا يحيى بن سعيد عن سفيان عن منصور عن ربعي ابن حراش عن أبي مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "آخر ما تعلق الناس به من كلام النبوة الأولى إذا لم تستحي فاصنع ما شئت".
وحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا أحمد بن يونس قال حدثنا زهير قال حدثنا منصور عن ربعي بن حراش قال حدثنا أبو مسعود عقبة بن عمرو قال: قال رسول

(20/69)


الله صلى الله عليه وسلم: "إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستحي فافعل ما شئت" .
حدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا ابن وضاح قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا شريك بن عبد الله عن منصور عن ربعي عن أبي مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "آخر ما كان من كلام النبوة إذا لم تستحي فافعل ما شئت".
قال أبو عمر:
هذا الحديث وإن كان ورد بلفظ الأمر فإنه وما كان مثله في معنى الخبر بأن من لم يكن له حياء يحجزه عن محارم الله فسواء عليه فعل الصغائر وارتكاب الكبائر وفيه معنى التحذير والوعيد على قلة الحياء ومن هذا المعنى حديث المغيرة بن شعبة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من باع الخمر فليشقص الخنازير".
فليس هذا على إباحة شقص الخنازير ولكنه تقريع وإخبار وتوبيخ يقول من استحل بيع الخمر وقد نهاه الله عن بيعها فمن شأنه ومن نظير أفعاله ألا يرعوي عن شقص الخنازير ومن هذا الباب قول عمر من وجد سعة واستطاع سبيلا إلى الحج ولم يحج فليمت يهوديا أو نصرانيا ومن ذلك قول أبي هريرة من وجد سعة ولم يحج فلا يقرب مصلانا ومن معنى حديث هذا الباب أخذ القائل قوله:
إذا لم تخش عاقبة الليالي ... ولم تستحي فاصنع ما تشاء
فلا والله ما في العيش خير ... ولا الدنيا إذا ذهب الحياء

(20/70)


وقال أبو دلف العجلي:
إذا لم تصن عرضا ولم تخش خالقا ... وتستحي مخلوقا فما شئت فاصنع
وقد قيل: إن معنى هذا الحديث افعل ما شئت مما لا تستحيا من فعله أي ما حل لك وأبيح فعله فلا تستحي منه ولا عليك أن تفعله إذ لا تستحيي من فعله وهذا تأويل ضعيف والأول هو المعروف عند العلماء والمشهور مخرجه عند العرب والفصحاء.
وأما وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة ففيه آثار ثابتة أيضا عن النبي صلى الله عليه وسلم.
حدثنا أحمد بن فتح بن عبد الله قال حدثنا أبو الحسن محمد بن عبد الله ابن زكرياء النيسابوري بمصر قال حدثنا أحمد بن عمرو قال حدثنا محمد بن عبد الملك القرشي قال حدثنا بشر بن المفضل وحدثنا محمد بن إبراهيم قال حدثنا محمد بن معاوية قال حدثنا أحمد بن شعيب قال أخبرنا سويد بن نصر قال حدثنا عبد الله بن المبارك عن زائدة قالا حدثنا عاصم بن كليب عن أبيه عن وائل بن حجر قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يضع اليمنى على اليسرى في الصلاة .
حدثنا يعيش بن سعيد وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أحمد بن محمد البرتي قال حدثنا أبو معمر حدثنا عبد الوارث قال حدثنا محمد يعني ابن جحادة قال حدثني عبد الجبار بن وائل بن حجر قال كنت غلاما لا اعقل صلاة أبي فحدثني وائل بن علقمة عن أبي وائل بن حجر قال: صليت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان إذا دخل الصلاة رفع يديه فكبر ثم التحف ثم أدخل يده في ثوبه فأخذ شماله بيمينه هكذا قال في إسناد هذا الحديث وائل بن علقمة وإنما أعرف علقمة بن وائل.

(20/71)


حدثنا عبد الله بن محمد بن أسد قال حدثنا حمزة بن محمد بن علي قال حدثنا أحمد بن شعيب بن علي قال حدثنا سويد بن نصر المروزي قال أخبرنا عبد الله بن المبارك عن موسى بن عمير العنبري وقيس قالا حدثنا علقمة بن وائل عن أبيه قال: " رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان قائما في الصلاة قبض بيمينه على شماله" .
وأخبرنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أبو إسماعيل الترمذي قال حدثنا أبو نعيم قال حدثنا موسى بن عمير العنبري قال حدثني علقمة بن وائل بن حجر عن أبيه: "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قام إلى الصلاة قبض على شماله بيمينه ورأيت علقمة يفعله" .
أخبرنا محمد بن إبراهيم بن سعيد قال حدثنا محمد بن معاوية بن عبد الرحمن قال حدثنا أحمد بن شعيب قال أخبرنا عمرو بن علي قال حدثنا عبد الرحمن قال حدثنا هشيم عن الحجاج بن أبي زينب قال سمعت ابا عثمان يحدث عن ابن مسعود قال: "رآني النبي صلى الله عليه وسلم قد وضعت شمالي على يميني في الصلاة فأخذ يميني فوضعها على شمالي" قال أبو عبد الرحمن غير هشيم أرسل هذا الحديث.
قال أبو عمر:
أرسله يزيد بن هارون عن الحجاج عن أبي عثمان وهشيم احفظ من الذي أرسله وفي هذا الباب حديث أبي حميد الساعدي أيضا وقد ذكرناه في باب عبد الرحمن بن القاسم.

(20/72)


أخبرنا عبد الله بن محمد بن يحيى قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا نصر بن علي حدثنا ابو أحمد قال حدثنا العلاء بن صالح عن زرعة بن عبد الرحمن قال سمعت ابن الزبير يقول صف القدمين ووضع اليد على اليد من السنة.
أخبرنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن وضاح قال أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا زيد بن حباب قال حدثنا معاوية بن صالح قال حدثني يونس بن سيف العبسي عن الحرث بن غطيف أو غطيف بن الحرث الكندي شك معاوية قال: "مهما رأيت شيئا فنسيته فإني لم أنس أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وضع يده اليمنى على اليسرى يعني في الصلاة" وذكر عباس الدوري هذا الحديث عن ابن معين عن عبد الله بن صالح كاتب الليث عن معاوية بن صالح بإسناده مثله وقال الحرث بن غطيف من غير شك وكان أحمد بن حنبل يقول هو الحرث بن غطيف.
قال أبو عمر:
قد ذكرناه في الصحابة وذكرنا الاختلاف فيه بما يغني عن ذكره ههنا حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا بكر بن حماد قال حدثنا مسدد قال حدثنا شريك بن عبد الله عن سماك بن حرب عن قبيصة بن هلب عن أبيه "أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم واضعا يده اليمنى على اليسرى في الصلاة ورأيته ينصرف عن يمينه وعن شماله في الصلاة".

(20/73)


قال أبو عمر:
هلب لقب واسمه يزيد وقد ذكرناه ونسبناه في كتاب الصحابة.
حدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا ابن وضاح قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا وكيع عن سفيان عن سماك بن حرب عن قبيصة بن هلب عن أبيه قال: "رأيت النبي صلى الله عليه وسلم واضعا يمينه على شماله في الصلاة" قال وحدثنا ابن إدريس عن عاصم بن كليب عن أبيه عن وائل ابن حجر قال: "رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين كبر أخذ شماله بيمينه" قال وحدثنا وكيع عن إسماعيل بن أبي خالد عن الأعمش عن مجاهد عن مسروق عن أبي الدرداء قال "من أخلاق النبيئين وضع اليمنى على الشمال في الصلاة".
قال أبو عمر:
لم تختلف الآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الباب ولا أعلم عن أحد من الصحابة في ذلك خلافا إلا شيء روي عن ابن الزبير أنه كان يرسل يديه إذا صلى وقد روي عنه خلافه مما قدمنا ذكره عنه وذلك قوله صلى الله عليه وسلم: "وضع اليمين على الشمال من السنة" . وعلى هذا جمهور التابعين وأكثر فقهاء المسلمين من أهل الرأي والأثر فأما اختلاف الفقهاء في هذا الباب فذهب مالك في رواية ابن القاسم عنه والليث بن سعد إلى سدل اليدين في الصلاة قال مالك وضع اليدين إحداهما على الأخرى في الصلاة إنما يفعل ذلك في النوافل من طول القيام،

(20/74)


قال وتركه أحب إلي هذه رواية ابن القاسم عنه وقال عنه غير ابن القاسم لا بأس بذلك في الفريضة والنافلة وهي رواية المدنيين عنه.
وقال الليث سدل اليدين في الصلاة أحب إلي إلا أن يطيل القيام فيعيا فلا بأس أن يضع اليمنى على اليسرى.
قال عبد الرزاق رأيت ابن جريج يصلي في إزار ورداء مسدلا يديه.
وقال الأوزاعي من شاء فعل ومن شاء ترك وهو قول عطاء.
وقال سفيان الثوري وأبو حنيفة والشافعي وأصحابهم والحسن بن صالح وأحمد بن حنبل وإسحاق وأبو ثور وأبو عبيد وداود بن علي والطبري يضع المصلي يمينه على شماله في الفريضة والنافلة وقالوا كلهم وذلك سنة مسنونة قال الشافعي عند الصدر وروي عن علي بن أبي طالب أنه وضعهما على صدره.
وعن طاوس قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يضع يده اليمنى على يده اليسرى ثم يشهدهما على صدره وهو في الصلاة" .
وقال الثوري وأبو حنيفة وإسحاق أسفل السرة وروي ذلك عن علي وأبي هريرة والنخعي ولا يثبت ذلك عنهم وهو قول أبي مجلز.
وقال أحمد بن حنبل فوق السرة وهو قول سعيد بن جبير قال أحمد ابن حنبل وإن كانت تحت السرة فلا بأس به.

(20/75)


قال أبو عمر:
قد ذكرنا أن الصحابة لم يرو عن أحد منهم في هذا الباب خلاف لما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم فيه وروي عن الحسن وإبراهيم أنهما كانا يرسلان أيدهما في الصلاة وليس هذا بخلاف لأن الخلاف كراهية ذلك وقد يرسل العالم يديه ليري الناس أن ليس ذلك بحتم واجب.
وقد ذكر ابن أبي شيبة عن جرير عن مغيرة عن أبي معشر عن إبراهيم قال لا بأس أن يضع اليمنى على اليسرى في الصلاة وذكر عن عمر بن هارون عن عبد الله بن يزيد قال ما رأيت سعيد بن المسيب قابضا يمينه على شماله في الصلاة كان يرسلهما وهذا أيضا يحتمل ما ذكرنا وذكر عن يحيى بن سعيد عن عبد الله بن العيزار قال كنت أطوف مع سعيد بن جبير فرأى رجلا يصلي واضعا إحدى يديه على الأخرى هذه على هذه وهذه على هذه فذهب ففرق بينهما ثم جاء وهذا يحتمل أن يكون رأى يسرى يديه على يمينه فانتزعها على نحو ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صنعه بابن مسعود وقد روي عن سعيد بن جبير ما يصحح هذا التأويل لأنه ثبت عنه أنه كان يضع يده اليمنى على اليسرى في صلاته فوق السرة فهذا ما روي عن بعض التابعين في هذا الباب وليس بخلاف لأنه لا يثبت عن واحد منهم كراهية ولو ثبت ذلك ما كانت فيه حجة لأن الحجة في السنة لمن اتبعها ومن خالفها فهو محجوج بها ولا سيما سنة لم يثبت عن واحد من الصحابة خلافها.

(20/76)


ذكر أبو بكر بن أبي شيبة عن يحيى بن سعيد القطان عن ثور بن يزيد عن خالد بن معدان عن أبي زياد مولى آل دراج قال ما رأيت فنسيت فإني لم أنس أن أبا بكر رضي الله عنه كان إذا قام إلى الصلاة قال هكذا ووضع اليمنى على اليسرى.
قال وحدثنا وكيع قال حدثنا عبد السلام بن شداد العبدي أبو طالوت عن غزوان بن جرير الضبي عن أبيه قال كان علي إذا قام في الصلاة وضع يمينه على رسغه فلا يزال كذلك حتى يركع متى ما ركع إلا أن يصلح ثوبه أو يحك جسده.
قال وحدثنا أبو معاوية عن عبد الرحمن بن إسحاق عن زياد بن زيد عن السوائي عن أبي جحيفة عن علي قال من سنة الصلاة وضع الأيدي على الأيدي تحت السرر.
قال وحدثنا عبد الأعلى عن المستمر بن الريان عن أبي الجوزاء أنه كان يأمر أصحابه أن يضع أحدهم يده اليمنى على اليسرى وهو يصلي.
قال وحدثنا وكيع قال حدثنا يزيد بن زياد بن أبي الجعد عن عاصم الجحدري عن عقبة بن ظهير عن علي في قوله عز وجل: { فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} قال وضع اليمين على الشمال في الصلاة.

(20/77)


ورواه حماد بن سلمة عن عاصم الجحدري عن عقبة بن صهبان عن علي مثله سواء.
ذكر الأثرم قال حدثنا أبو الوليد الطيالسي قال حدثنا حماد بن سلمة عن عاصم الجحدري عن عقبة بن صهبان سمع عليا يقول في قول الله عز وجل: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} قال وضع اليمنى على اليسرى تحت السرة.
قال وحدثنا العباس بن الوليد قال حدثنا أبو رجاء الكفي قال حدثني عمرو بن مالك عن أبي الجوزاء عن عبد الله بن عباس: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} قال وضع اليمنى على الشمال في الصلاة.
وروى طلحة بن عمرو عن عطاء عن ابن عباس أنه قال إن من سنن المرسلين وضع اليمين على الشمال وتعجيل الفطر والاستيناء بالسحور.
وأكثر أحاديث هذا الباب في وضع اليد على اليد لينة لا تقوم بها حجة أعني الأحاديث عن التابعين في ذلك وقد قدمنا في أول هذا الباب آثارا صحاحا مرفوعة والحمد لله.
أخبرنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا مسدد قال حدثنا عبد الواحد عن عبد الرحمن بن إسحاق الكوفي عن سيار أبي الحكم عن أبي وائل عن أبي هريرة قال أخذ الأكف على الأكف في الصلاة تحت السرة.
قال أبو داود سمعت أحمد بن حنبل يضعف عبد الرحمن بن إسحاق الكوفي وقال هو يروي عن أبي هريرة وعن علي في أخذ اليسرى باليمنى في الصلاة تحت السرة.

(20/78)


قال أبو عمر:
روي عن مجاهد أنه قال إن كان وضع اليمين على الشمال فعلى كفه أو على الرسغ عند الصدر وكان يكره ذلك ولا وجه لكراهية من كره ذلك لأن الأشياء أصلها الإباحة ولم ينه الله عن ذلك ولا رسوله فلا معنى لمن كرهه هذا لو لم يرو إباحته عن النبي صلى الله عليه وسلم فكيف وقد ثبت عنه ما ذكرنا وكذلك لا وجه لتفرقة من فرق بين النافلة والفريضة ولو قال قائل إن ذلك في الفريضة دون النافلة لأن أكثر ما كان يتنفل رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته ليلا ولو فعل ذلك في بيته لنقل ذلك عنه أزواجه ولم يأت عنهن في ذلك شيء ومعلوم أن الذين رووا عنه أنه كان يضع يمينه على يساره في صلاته لم يكونوا ممن يبيت عنده ولا يلج بيته وإنما حكوا عنه ما رأوا منه في صلاتهم خلفه في الفرائض والله أعلم.
حدثنا خلف بن القاسم قال حدثنا أحمد بن إبراهيم الحداد قال حدثنا زكرياء بن يحيى قال حدثنا الحسن بن حماد سجادة قال حدثنا يحيى بن يعلى عن أبي فروة يزيد بن سنان عن زيد بن أبي انيسة عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا صلى على جنازة رفع يديه في أول تكبيرة ثم وضع اليمنى على اليسرى".
قال أبو عمر:
يحيى بن يعلى الأسلمي وأبو فروة ضعيفان وإنما ذكرنا هذا الحديث لأن فيه عن سعيد بن المسيب ما يعضد قولنا عنه فيما تقدم والله أعلم فهذا تمهيد ما روي في وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة.

(20/79)


وأما قوله: "وتعجيل الفطر والاستيناء بالسحور" فقد مضى في باب عبد الرحمن بن حرملة بعض هذا المعنى مسندا صحيحا.
حدثنا خلف بن القاسم بن سهل أبو القاسم الحافظ رحمه الله قال حدثنا أحمد بن إبراهيم بن الحداد قال حدثنا أبو عبد الرحمن زكرياء بن يحيى خياط السنة حدثنا وهب بن بقية حدثنا محمد بن المطلب عن أبان بن بشير المعلم حدثنا يحيى بن أبي كثير حدثنا أبو سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ثلاث من النبوة تعجيل الإفطار وتأخير السحور ووضع اليمنى على اليسرى في الصلاة" .
وأخبرنا خلف بن القاسم قال حدثنا إبراهيم بن محمد بن إبراهيم الديبلي قال حدثنا محمد بن علي بن زيد الصائغ قال حدثنا سعيد بن منصور أخبرنا هشيم أخبرنا منصور بن زاذان عن محمد بن ابان الأنصاري عن عائشة قالت: "ثلاث من النبوة تعجيل الإفطار وتأخير السحور ووضع اليمنى على اليسرى في الصلاة".

(20/80)


عثمان بن حفص بن عمر
وله حديث واحد
...
مالك عن عثمان بن حفص بن عمر بن خلدة حديث واحد مقطوع
وهو عثمان بن حفص بن عمر بن عبدالرحمن بن خلدة الزرقي الأنصاري ثقة روى عنه مالك وعبد العزيز بن أبي سلمة ولم يرو عنه غيرهما فيما علمت إلا أنه قد قيل إن عثمان بن حفص الذي روى عنه عباد بن إسحاق عن إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من قال يثرب فليقل المدينة".
هو عثمان بن حفص بن خلدة هذا وهذا الحديث رواه إبراهيم بن طهمان عن عباد بن إسحاق عن عثمان وعثمان هذا يروي عن الزهري روى عنه مالك حديثين أحدهما حديث هذا الباب في قصة أبي لبابة والآخر رواه عنه أيضا عن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله بن عمر أن عبد الله بن عمر سئل عن الرجل يكون له الدين على الرجل إلى أجل فيضع عنه صاحب الحق ويعجل له الآخر فكره ذلك عبد الله بن عمر ونهى عنه.
وله عن معاوية حديث منقطع وروى الزهري عن جده عمر بن عبد الرحمن بن خلدة وأظن عمر هذا الذي روى عنه ابن شهاب هو عمر بن خلدة الذي روى ابن أبي ذئب عن أبي المعتمر عنه عن أبي هريرة حديث التفليس وبنو خلدة معرفون بالمدينة لهم أحوال وشرف وجلالة في الفقه ومحل العلم وأما حديث مالك عن عثمان هذا فهو بلاغ.

(20/81)


مالك عن عثمان بن حفص بن عمر بن خلدة عن ابن شهاب أنه بلغه أن أبا لبابة بن عبد المنذر حين تاب الله عليه قال يا رسول الله أهجر دار قومي التي أصبت فيها الذنب وأجاورك وانخلع من مالي صدقة إلى الله ورسوله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يجزيك من ذلك الثلث".
هكذا هذا الحديث في الموطأ عند يحيى بن يحيى وطائفة من رواته منهم ابن القاسم وروته طائفة منهم التنيسي عبد الله بن يوسف في الموطأ عن مالك أنه بلغه أن أبا لبابة حين تاب الله عليه الحديث لم يذكر عثمان بن حفص ولا ابن شهاب وليس هذا الحديث في الموطأ عند القعنبي ولا أكثر الرواة ورواه العقيلي عن يحيى بن أيوب عن ابن بكير عن مالك عن عمر بن حفص ابن عمر بن خلدة عن ابن شهاب أن أبا لبابة حين تاب الله عليه فذكر الحديث هكذا قال فيه العقيلي عن يحيى بن أيوب عن ابن بكير عمر بن حفص وأدخله في باب عمر من تاريخه الكبير وهذا غلط فاحش ولا يعرف عمر بن حفص بن خلدة في هذا الحديث ولا غيره وإنما يعرف عمر بن خلدة جد عثمان شيخ مالك على ما قدمنا ذكره فابن بكير وهم حين جعل في موضع عثمان عمر والعقيلي أيضا جهل ذلك فأدخله في باب عمر ولم يبين أمره وليس هذا الحديث عند ابن بكير في الموطأ ولا أحد من رواه الموطأ.
وروى ابن وهب هذا الحديث في موطئه عن يونس بن يزيد أنه أخبره عن ابن شهاب قال أخبرني بعض بين أبي السائب بن أبي لبابة: "أن أبا لبابة حين ارتبط فتاب الله عليه قال يا رسول الله إن من توبتي أن أهجر دار

(20/82)


قومي التي أصبت فيها الذنب وأجاورك وأنخلع من مالي صدقة إلى الله ورسوله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يجزي عنك الثلث". فقد بان في رواية يونس عن ابن شهاب البلاغ الذي ذكره مالك عن ابن شهاب في هذا الخبر وعند ابن شهاب في نحو معنى حديث ابي لبابة هذا حديث كعب بن مالك وهو متصل صحيح ذكره ابن وهب قال أخبرني يونس عن ابن شهاب قال أخبرني عبد الله بن كعب ابن مالك عن أبيه "أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم يا رسول الله أنخلع من مالي صدقة إلى الله ورسوله فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك". ويحتمل أن يكون البعض في هذا الحديث هو الثلثان في حديث أبي لبابة والله أعلم.
وقد ذكر إبراهيم بن إسماعيل بن علية عن أبيه عن الزهري عن ابن لكعب بن مالك عن أبيه وعن أبن أبي لبابة عن أبيه ولا يتصل حديث أبي لبابة فيما علمت ولا يستند وقصته مشهورة في السير محفوظة.
روى عبد الرزاق ومحمد بن ثور وأبو سفيان المعمري كلهم عن معمر عن الزهري في قول الله عز وجل: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ} الآية نزلت في أبي لبابة "لما بعثه النبي صلى الله عليه وسلم إلى بني قريظة فأشار إلى حلقه إنه الذبح فقال أبو لبابة لا والله لا أذوق طعاما ولا شرابا حتى أتوب ويتوب الله علي فمكث سبعة أيام لا يذوق فيها طعاما ولا شرابا حتى يخر مغشيا عليه ثم تاب الله عليه فقيل له يا أبا لبابة قد تيب عليك قال لا والله لا أحل نفسي حتى يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم هو يحلني فجاء فحله بيده ثم قال له أبو لبابة يا رسول الله إن من توبتي أن أهجر دار قومي التي أصبت فيها الذنب وأن أنخلع من مالي كله صدقة إلى الله

(20/83)


ورسوله فقال يجزئك الثلث أن تصدق به يا أبا لبابة" وذكر ابن إسحاق هذه القصة فجودها.
أخبرنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا عبيد بن عبد الواحد قال حدثنا أحمد بن محمد بن أيوب قال حدثنا إبراهيم بن سعد عن ابن إسحاق في قصة بني قريظة فذكرها بطولها وتمامها وذكر خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم مع أصحابه بعد انصراف الأحزاب عن المدينة قال وحاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسا وعشرين ليلة فذكر قول حيي بن أخطب لهم قال ثم إنهم بعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أبعث إلنا أبا لبابة بن عبد المنذر أخا بني عمرو بن عوف وكانوا حلفاء الأوس نستشيره في أمرنا فأرسله رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم فلما رأوه قام إليه الرجلان وجهش إليه النساء والصبيان يبكون في وجهه فرق لهم وقالوا له يا أبا لبابة ترى أن ننزل على حكم محمد قال نعم وأشار بيده على حلقه إنه الذبح قال أبو لبابة فوالله ما زالت قدماي من مكانهما حتى عرفت أني قد خنت الله ورسوله ثم انطلق أبو لبابة على وجهه ولم يأت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ارتبط في المسجد إلى عمود من عمده وقال لا أبرح مكاني هذا حتى يتوب الله علي مما صنعت وأعاهد الله ألا أطأ بني قريظة أبدا ولا أرى في بلد خنت الله ورسوله فيه أبدا فلما بلغ رسول الله خبره وكان قد استبطأه قال أما إنه لو جاءني لاستغفرت له فأما إذ فعل ما فعل فما أنا بالذي يطلقه من مكانه حتى يتوب الله عليه.
قال فحدثني يزيد بن عبد الله قسيط "أن توبة أبي لبابة نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في بيت أم سلمة قالت أم سلمة فسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم من السحر وهو يضحك قالت فقلت له مم تضحك أضحك الله سنك قال: "تيب على أبي لبابة" قالت فقلت أفلا أبشره يا رسول الله قال: "بلى إن شئت" قال فقامت على باب حجرتها وذلك قبل أن يضرب عليهن الحجاب،

(20/84)


فقالت: يا أبا لبابة أبشر فقد تاب الله عليك قالت فثار الناس إليه ليطلوقه فقال لا والله حتى يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي يطلقني فلما مر عله خارجا إلى الصبح أطلقه".
وذكر ابن هشام هذه القصة عن زياد عن ابن إسحاق ثم قال ابن هشام أقام أبو لبابة مرتبطا بالجذع ست ليال تأتيه امرأته في كل وقت الصلاة فتحله للصلاة ثم يعود فيرتبط بالجذع فيما حدثني بعض أهل العلم قال والآية التي نزلت في توبته {وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلاً صَالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} ذكر سنيد قال حدثني من سمع سفيان بن عيينة يحدث عن إسماعيل بن أبي خالد قال سمعت عبد الله بن أبي أوفى قال في قوله عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ} نزلت في أبي لبابة بن عبد المنذر وذكر بقي بن مخلد قال حدثنا هناد بن السري قال حدثنا يونس قال حدثني عنبسة بن الأزهر عن سماك بن حرب عن عكرمة قال: نزلت {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} في أبي لبابة أشار إلى بني قريظة حيث قالوا ننزل على حكم سعد قال لا تفعلوا فإنه الذبح وأمر يده على حلقه قال بقي وحدثنا إبراهيم بن محمد الشافعي قال حدثنا سفيان بن عيينة عن ابن أبي خالد قال سمعت عبد الله بن أبي قتادة قال نزلت في أبي لبابة {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ} قال سفيان هكذا قرأ

(20/85)


قال أبو عمر:
قد قرأ أمانتكم على التوحيد جماعة والصواب عندي والله أعلم في حديث سفيان بن عيينة هذا عبد الله بن أبي قتادة لا عبد الله بن أبي أوفى وإن كان إسماعيل بن أبي خالد سمع من ابن أبي أوفى واسم أبي لبابة بشير وقيل رفاعة وقد ذكرناه ونسبناه في كتابنا في الصحابة.
وذكر علي بن أبي طلحة عن أبي عباس في قوله: {وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ} قال ما افترض عليكم من الفرائض وكذلك قال الضحاك بن مزاحم وقال يزيد بن أبي حبيب وغيره هو الأغلال بالسلاح في المغازي والبعوث.
حدثنا أحمد بن فتح قال حدثنا أحمد بن الحسن الرازي حدثنا أحمد بن داود بن موسى المكي حدثنا عبيدالله بن محمد بن عائشة وعبد الأعلى بن حماد قالا حدثنا حماد بن سلمة عن عبد الله بن المختار عن عبد الملك بن عمير عن عبد الله بن الزبير عن عمر بن الخطاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من سرته حسنته وساءته سيئته فهو مؤمن".
وأما قوله في الحديث: "يجزئك منه الثلث" فإن مالكا ذهب إلى أن من حلف بصدقة ماله كله في المساكين ثم حنث أنه يجزئه من ذلك الثلث وهو قول ابن شهاب.
وذكر ابن وهب عن ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن سعيد بن المسيب مثله قال مالك فإن حلف حالف بصدقة شيء من ماله بعينه ثم حنث لزمه أن يخرجه كله وإن كان أكثر من الثلث وإن حلف مرارا بصدقة ماله ثم حنث مرارا فإنه يخرج ثلث ماله يوم حلف كل مرة مرة بعد مرة إذا كانت يمينه وحنثه مرة بعد مرة وأصل مالك فيما ذهب إليه في هذا الباب

(20/86)


حديث أبي لبابة هذا وهو حديث منقطع لا يتصل إسناده إلا على ما ذكرنا والله أعلم.
وفيه حديث كعب بن مالك في معنى حديث أبي لبابة وهو حديث متصل صحيح وأما سائر العلماء فإنهم اختلفوا في ذلك فذكر أبو عبد الله المروزي وغيره عن الحرث العكلي والحكم بن عتيبة وابن أبي ليلى فيمن حلف بماله في المساكين صدقة أنه ليس عليه شيء من كفارة ولا غيرها ذهبوا إلى أن اليمين لا تكون إلا بالله عز وجل لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تحلفوا إلا بالله" قالوا فمن حلف بغير الله فهو عاص وليس عليه كفارة ولا عليه أن يتصدق بماله ولا بشيء منه لأنه لم يقصد به قصد التقرب إلى الله عز وجل بالصدقة ولا نذر ذلك فيلزمه الوفاء به وإنما أراد اليمين.
قال أبو عمر:
وإلى هذا ذهب محمد بن الحسن وبه قال داود بن علي وغيره وهو مذهب عبد الرحمن بن كيسان الأصم وجماعة قال أبو عبد الله المروزي ويروى عن عمر ابن الخطاب وعائشة وابن عمر وابن عباس وحفصة وأم سلمة أنهم قالوا من حلف بصدقة ماله ثم حنث عليه كفارة يمين وهو قول الشافعي وأحمد بن حنبل وأبي عبيد وأبي ثور.
وذكر المروزي عن أصحاب الرأي أنهم قالوا يتصدق من ماله بما تجب فيه الزكاة من الذهب والفضة والمواشي ولا يجب عليه أن يتصدق بشيء من العقار والمتاع وسائر الأموال غير ما تجب فيه الزكاة من العين والحرث والمواشي.

(20/87)


قال أبو عمر:
هكذا ذكر المروزي عن أصحاب الرأي أبي حنيفة وأصحابه والمشهور عن أبي حنيفة عند أصحابه فيمن حلف بصدقة ماله أنه يخرجه كله ولا يترك لنفسه إلا ثيابه التي تواري عورته ويقومها فإذا أفاد قيمتها أخرجها وأظن هؤلاء حكموا فيه بحكمهم في المفلس الذي يقسم عندهم ماله بين غرمائه ويترك له ما لا بد منه حتى يستفيد فيؤدي إليهم.
وأما محمد بن الحسن فالذي قدمنا ذكره عنه هو مذهبه فيما ذكره الطحاوي وغيره وقد روي عن ابن عباس وابن عمر وابن الزبير نحو الذي ذكر المروزي عن أصحاب الرأي.
أخبرنا سعيد بن عثمان قال حدثنا أحمد بن دحيم قال حدثنا البغوي قال حدثنا داود بن عمرو الضبي قال حدثنا مسلم بن خالد قال حدثنا إسماعيل ابن أمية عن رجل يقال له عثمان بن حاضر قال إسماعيل وكان رجلا صالحا قاصا أن رجلا قال لإمرأته اخرجي في ظهري فأبت أن تخرج فلم يزل الكلام بينهما حتى قالت هي تنحر نفسها وجاريتها حرة وكل مال لها في سبيل الله إن خرجت ثم بدا لها فخرجت قال عثمان بن حاضر فأتتني تسألني فأخذت بيدها فذهبت بها إلى ابن عباس فقصت عليه القصة فقال ابن عباس أما جاريتك فحرة وأما قولك تنحرين نفسك فانحري بدنة ثم تصدقي بها على المساكين وأما قولك مالي في سبيل الله فاجمعي مالك كله فأخرجي منه مثل ما يجب فيه من الصدقة قال ثم ذهبت بها الى ابن عمر فقال لها مثل ذلك ثم ذهبت بها إلى ابن الزبير فقال لها مثل ذلك قال وأحسب أنه قال ثم

(20/88)


ذهبت بها إلى جابر بن عبد الله فقال مثل قولهم فأما الثلاثة فقد أتيتهم وقال قتادة وجابر بن زيد فيمن حلف بصدقة ماله وحنث يتصدق بخمسه ذكره ابن علية عن سعيد عن قتادة عن جابر بن زيد وقال به قتادة على اختلاف عنه وقد روي عنه كفارة يمين وقال ابن علية عليه إن يتصدق بجيمع ماله ويمسك ما يستغنى به عن الناس فإذا استفاد مالا تصدق بقدر ما أمسك وقال إسحاق بن راهويه يتصدق بكفارة الظهار على ترتيبها.
وقال ربيعة بن أبي عبد الرحمن يؤدي زكاة ماله لا غير ذكره محمد بن الجهم عن إبراهيم الحربي عن الحسن بن عبد العزيز عن الحرث بن مسكين عن ابن وهب قال كان ربيعة يقول فيمن حلف بصدقة ماله فحنث وذكره وكان عبد الله بن وهب يقول في الحالف بصدقة ماله إذا حنث إن كان مليا أخذت فيه بقول مالك أنه يخرج ثلث ماله وإن كان فقيرا فكفارة يمين وإن كان متوسطا أخذت فيه بقول ربيعة إنه يطهر ماله بالزكاة.
وروي عن القاسم وسالم فيمن حلف بصدقة ماله أو بصدقة شيء من ماله قالا يتصدق به على بناته وهذا عندي من قولهما دليل على أنه لا يلزمه شيء عندهما فأحبا له ما ذكرا الله أعلم.
قرأت على عبد الوارث بن سفيان أن قاسم بن اصبغ حدثهم قال حدثنا محمد بن عبد السلام قال حدثنا محمد بن بشار قال حدثنا محمد بن جعفر قال حدثنا شعبة قال سألت الحكم وحمادا عن رجل قال إن فارقت غريمي فمالي عليه في المساكين صدقة قالا ليس بشيء قال شعبة وقاله ابن أبي ليلى.
وروي عن ابن عباس وأبي هريرة وعطاء وطاوس والحسن وسليمان ابن يسار والقاسم وسالم وقتادة فيمن حلف بصدقة ماله فحنث قالوا كفارة

(20/89)


يمين عن عائشة قالت كل يمين وإن عظمت لا يكون فيها طلاق ولا عتاق فيكفرها كفارة اليمين وهو قول الشافعي والثوري والأوزاعي وبه قال ابن وهب وأبو زيد بن أبي الغمر وعليه أكثر أهل العلم قال الشافعي الطلاق والعتاق من حقوق العباد والكفارات إنما تلزم في حقوق الله لا في حقوق العباد.
قال أبو عمر:
لا خلاف بين علماء الأمة سلفهم وخلفهم أن الطلاق لا كفارة فيه وأن اليمين بالطلاق كالطلاق على الصفة وأنه لازم مع وجود الصفة واختلفوا فيما عدا الطلاق من الأيمان وقد ذكرنا اختلافهم ههنا فيمن حلف بصدقة ماله لأن الحديث المذكور في هذا الباب ليس فيه إلا معنى ذلك دون ما سواه فأما وجوه أقوالهم في ذلك فوجه قول مالك ومن تابعه حديث ابن شهاب في قصة أبي لبابة ووجه قول الحكم بن عتيبة ومن تابعه قد ذكرناه ووجه قول من أوجب في ذلك كفارة يمين عموم قوم الله عز وجل: {ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ} يعني فحنثتم فعم الأيمان كلها إلا ما أجمعوا عليه منها أو ما كان في معنى ما أجمعوا عليه من حقوق العباد ولقائل هذا القول سلف من الصحابة رضي الله عنهم وهو أعلى ما قيل في هذا الباب ووجه حديث أبي لبابة عند القائلين بهذا القول أنه كان على المشورة منه لرسول الله صلى الله عليه وسلم في هجره دار قومه والخروج عن ماله إلى الله ورسوله لا أنه حلف فأشار عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ شاوره بأن يمسك على نفسه ثلثي ماله ويتقرب إلى الله بالثلث شكرا لتوبته عليه من ذنبه ذلك هذا على أن حديثه أيضا منقطع لا يتصل بوجه من الوجوه والله أعلم.

(20/90)


عامر بن عبد الله بن الزبير
الحديث الأول
...
عامر بن عبد الله بن الزبير لمالك عنه حديثان
وهو عامر بن عبد الله بن الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد القرشي الأسدي يكنى أبا الحرث كذلك قال الزبير بن بكار وغيره وكان ثقة فاضلا ناسكا من العباد المنقطعين.
أخبرنا عبد الله بن محمد بن يوسف قال حدثنا أحمد بن محمد بن إسماعيل قال حدثنا محمد بن الحسن قال حدثنا الزبير بن أبي بكر قال حدثني عياش بن المغيرة قال كان عامر بن عبد الله إذا شهد جنازة وقف على القبر فقال ألا أراك ضيقا ألا أراك مظلما لأتأهبن لك أهبتك فأول شيء تراه عيناه يتقرب به إلى ربه فلقد كان رقيقه يتعرضون له عند انصرافه من الجنائز ليعتقهم قال وحدثني محمد بن الضحاك الحزامي أن عامر بن عبد الله بن الزبير دفع إلى محمد ابن زياد مولى مصعب بن الزبير ثلاثين ألف درهم وقال اقسمها في بيوتات الأنصار ولا تعطي بيتا حارثيا منها درهما فإني سمعت الله يقول إنهم قالوا {إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَاراً} وهم الذين أدخلوا على قومي يوم الحرة.
قال وحدثني عمي مصعب بن عبد الله ومحمد بن الضحاك ومن شئت من أصحابنا أن رجلا أودع محمد بن المنكدر خمسمائة دينار فاستنفقها محمد بن المنكدر فقدم الرجل فجعل محمد بن المنكدر يدعو ويقول اللهم إنك تعلم أن

(20/91)


فلانا أودعني خمسمائة دينار واستنفقتها وقد قدم وليست عندي اللهم فاقضها عني ولا تفضحني فسمع عامر دعاءه فانصرف إلى منزله فصر خمسمائة دينار ثم جاء بها فوضعها بين يدي محمد بن المنكدر ومحمد مشغول بالصلاة والدعاء لا يشعر فانصرف محمد من صلاته فرآها بين يديه فأخذها وحمد الله قال عامر فخشيت أن يفتتن فذكرت له أني وضعتها وأخبرته بما خفت عليه من الفتنة.
قال وبلغ عبد الله بن الزبير أن ابنه عامر يصحب أقرانا يصعقون فقال له إن بلغني بعد أنك تجالسهم أوجعتك ضربا.
قال عبد الله بن أحمد بن حنبل سمعت أبي يقول عامر بن عبد الله ابن الزبير ثقة من أوثق الناس.
وذكر العقيلي قال أخبرنا أحمد بن محمد الشافعي قال حدثنا عمي قال سمعت جدي محمد علي يقول ما رأيت أحدا أعبد من عامر بن عبد الله بن الزبير قال وكان أكثر كلامه استغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه.
وقال مصعب عن مالك بن أنس كان عامر بن عبد الله بن الزبير يواصل الصيام ثلاثة أيام فكنت آتيه آخر يوم من صيامه أساله عن حاله بعد العصر فيشير بيده يرد السلام وكان يرسلني إليه ربيعة.
وروى محمد بن مسلمة عن مالك أن عامر بن عبد الله بن الزبير كان يواصل في رمضان ثلاثا فقيل له ثلاثة أيام قال لا من يقوى على ثلاثة أيام بل ثلاثا من الدهر يومين وليلة.
وقال مصعب وقال ابن عيينة كان عامر بن عبد الله بن الزبير يرخي عمامته يسدلها من خلفه شبرا.

(20/92)


وتوفي عامر هذا بالشام سنة أربع وعشرين وقيل سنة إحدى أو اثنتين وعشرين ومائة.
قال الزبير حدثني عمي مصعب قال سمع عامر بن عبد الله بن الزبير المؤذن وهو يجود بنفسه ومنزله قريب من المسجد فقال خذوا بيدي فقيل له أنت عليل فقال أسمع داعي الله فلا أجيبه فأخذوا بيده فدخل في صلاة المغرب فركع مع الإمام ركعة ثم مات رحمه الله.
وروى إسحاق بن محمد الفروي حدثني مالك بن أنس قال لم أر مثل عامر بن عبد الله بن الزبير في زمانه فضلا قال ولقد شهدت ابن ذي الزوائد السعدي ينشده في المسجد فأعطاه عن كل بيت دينارا وذلك أنه مدح أبويه وكان إذا مدح فذكر أبواه أو أحدهما أثاب من فعل وإذا لم يذكرا لم يفعل.
حديث أول لعامر بن عبد الله بن الزبير
مالك عن عامر بن عبد الله بن الزبير عن عمرو بن سليم الزرقي عن أبي قتادة الأنصاري "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي وهو حامل أمامة ابنة زينب ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولأبي العاصي بن ربيع ابن عبد شمس فإذا سجد وضعها وإذا قام حملها".

(20/93)


قال أبو عمر:
رواه يحيى ولأبي العاصي بن ربيعة بهاء التأنيث وتابعه ابن وهب والقعنبي وابن القاسم والشافعي وابن بكير والتنيسي ومطرف وابن نافع وقال معن وأبو مصعب ومحمد بن الحسن الشيباني وغيرهم ولأبي العاصي بن الربيع وكذلك أصلحه ابن وضاح في رواية يحيى وهو الصواب إن شاء الله.
وأما أمامة هذه ابنة أبي العاصي بن الربيع فقد ذكرناها وذكرنا أباها وأمها وخبرهما في كتاب الصحابة وأما معنى هذا الحديث فقد ذكر أشهب عن مالك أن ذلك كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة النافلة وأن مثل هذا الفعل غير جائز في الفريضة وحسبك بتفسير مالك ومن الدليل على صحة ما قاله مالك في ذلك أني لا أعلم خلافا أن مثل هذا العمل في الصلاة مكروه وفي هذا ما يوضح أن الحديث إما أن يكون كان في النافلة كما روي عن مالك وإما أن يكون منسوخا وقد قال بعض أهل العلم إن فاعلا لو فعل مثل ذلك لم أر عليه إعادة من أجل هذا الحديث وإن كنت لا أحب لأحد فعله وقد كان أحمد بن حنبل يجيز بعض هذا.
ذكر الأثرم قال سمعت أبا عبد الله يسأل أيأخذ الرجل ولده وهو يصلي قال نعم واحتج بحديث أبي قتادة وغيره في قصة أمامة بنت زينب.
قال أبو عمر:
لو ثبت أن هذا الحديث غير منسوخ ما جاز لأحد أن يقول إني لا أحب فعل مثل ذلك وفي كراهية الجمهور لذلك في الفريضة دليل على ما ذكرنا وروى أشهب وابن نافع عن مالك أنه سئل عن حمل رسول الله صلى الله عليه وسلم أمامة بنت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم على رقبته يحملها إذا قام ويضعها إذا

(20/94)


سجد ذلك جائز للناس اليوم على حب الولد أو على حال الضرورة قال ذلك جائز على حال الضرورة إلى ذلك فأما أن يجد من يكفيه ذلك فلا أرى ذلك ولا أرى ذلك على حب الرجل ولده فلم يخص في هذه الرواية فريضة من نافلة وحمله على حال الضرورة.
وقد أجمع العلماء أن العمل الخفيف في الصلاة لا يفسدها مثل حك المرء جسده حكا خفيفا وأخذ البرغوث وطرده له عن نفسه والإشارة والالتفات الخفيف والمشي الخفيف إلى الفرج ودفع المار بين يديه وقتل العقرب وما يخاف أذاه بالضربة الواحدة ونحوها مما يخف والتصفيق للنساء ونحو هذا كله ما لم يكن عملا متتابعا وأجمعوا أن العمل الكثير في الصلاة يفسدها وأن قليل الأكل والشرب والكلام عمدا فيها لغير صلاحها يفسدها وهذه أصول هذا الباب فاضبطها ورد فروعها إليها تصب وتفقه إن شاء الله.
وأما حديث هذا الباب فقد ذكر فيه محمد بن إسحاق أنه كان في صلاة الفريضة فمن قبل زيادته وتفسيره جعل حديثه هذا أصلا في جواز العمل في الصلاة ولعمري لقد عول عليه المصنفون للحديث في هذا الباب إلا أن الفقهاء على ما وصفت لك.
وروى ابن عيينة عن عثمان بن أبي سليمان وابن عجلان سمعا عامر بن عبد الله بن الزبير يحدث عن عمرو بن سليم الزرقي عن أبي قتادة الأنصاري قال "رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤم الناس وأمامة بنت أبي العاصي وهي بنت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم على عاتقه فإذا ركع وضعها وإذا رفع من السجود أعادها" ذكره مسلم بن الحجاج عن ابن أبي عمر المقري عن سفيان بن عيينة وذكره أيضا عن أبي الطاهر وهارون الأيلي عن ابن وهب عن مخرمة بن بكير،

(20/95)


عن أبيه عن عمرو بن سليم الزرقي قال سمعت أبا قتادة الأنصاري قال: "رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بالناس وأمامة بنت أبي العاصي على عاتقه فإذا سجد وضعها".
وأما رواية محمد بن إسحاق لهذا الحديث فحدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا يحيى بن خلف قال حدثنا عبد الأعلى قال حدثنا محمد بن إسحاق عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن عمرو بن سليم الزرقي عن أبي قتادة صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "بينما نحن ننتظر رسول الله صلى الله عليه وسلم في الظهر أو العصر وقد دعا بلال إلى الصلاة إذ خرج علينا وأمامة بنت أبي العاصي ابنة ابنته على عاتقه فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم في مصلاه فقمنا خلفه وهي في مكانها الذي وضعها فيه قال فكبر فكبرنا حتى إذا أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يركع أخذها فوضعها ثم ركع وسجد حتى إذا فرغ من سجوده وقام أخذها فردها في مكانها فما زال رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع ذلك بها في كل ركعة حتى فرغ من صلاته".
قال أبو عمر:
روى هذا الحديث الليث بن سعد عن سعيد بن أبي سعيد بإسناده ولم يقل في الظهر ولا في العصر ولا فيه ما يدل على أن ذلك كان في فريضة.
حدثنا أحمد بن قاسم وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا الحرث بن أبي أسامة قال حدثنا أبو النضر هاشم بن القاسم وحدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال

(20/96)


حدثنا قتيبة بن سعيد قالا جميعا حدثنا الليث بن سعد عن سعيد بن أبي سعيد وقال أبو النضر حدثني سعيد بن أبي سعيد ثم اتفقا عن عمرو بن سليم أنه سمع أبا قتادة يقول "بينا نحن في المسجد جلوس خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يحمل أمامة بنت أبي العاصي وأمها زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي صبية يحملها على عاتقه فصلى وهي على عاتقه يضعها إذا ركع ويعيدها إذا قام حتى قضى صلاته يفعل ذلك بها ".
ورواه بكير بن الأشج عن عمرو بن سليم عن أبي قتادة مثله ورواه ابن عيينة عن عثمان بن أبي سليمان ومحمد بن عجلان جميعا عن عامر بن عبد الله بن الزبير عن عمرو بن سليم عن أبي قتادة مثل حديث مالك سواء.
وفي حديث محمد بن إسحاق وقد دعا بلال إلى الصلاة وهذا الدعاء يحتمل أن يكون الأذان المعروف اليوم ويحتمل أن يكون كان في أول الإسلام قبل أن يبين الأذان ثم أحكمت الأمور بعد والله أعلم.
أخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا مسلم بن إبراهيم قال حدثنا علي بن المبارك قال حدثنا يحيى بن أبي كثير عن ضمضم بن جوشن عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اقتلوا الأسودين في الصلاة الحية والعقرب".
ورواه معمر وغيره عن يحيى بن أبي كثير بإسناده مثله.
حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا بكر بن حماد قال حدثنا مسدد وأخبرنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا أحمد بن حنبل ومسدد قالا حدثنا بشر بن

(20/97)


المفضل قال حدثنا برد بن سنان عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي والباب عليه مغلق فجئت فاستفتحت فمشى ففتح لي ثم رجع إلى مصلاه" قال أحمد بن حنبل وذكرت أن الباب كان في القبلة.
قال أبو عمر:
هذا كان منه في النافلة صلى الله عليه وسلم لا يختلفون في ذلك ومحمل هذا عندهم أن الباب كان قريبا منه وأنه من العمل الخفيف على ما ذكرنا وهذه الأحاديث هي أصول هذا الباب.
حدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا أحمد بن حنبل.
وحدثنا سعيد بن نصر وعبد الوارث بن سفيان قالا حثدنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا ابن وضاح قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قالا حدثنا بشر بن المفضل قال حدثنا غالب القطان عن بكر بن عبد الله عن أنس بن مالك قال "كنا نصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في شدة الحر فإذا لم يستطع أحدنا أن يمكن وجهه من الأرض بسط ثوبه فسجد عليه " فهذا كله وما كان قبله من العمل الخفيف جائز في الصلاة إذا لم يقصد المصلي إلى العبث في صلاته والتهاون بها وإفسادها وحمله أمامة في هذا الحديث عند أهل العلم أنها كانت عليها ثياب طاهرة وأنه صلى الله عليه وسلم لم ير منها ما يحدث من الصبيان من البول وجائز أن يعلم من ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لا يعلم غيره وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم رؤوفا رحيما بالأطفال وغيرهم وكان ربما تجاوز في صلاته وخففها لبكاء الطفل يسمعه خشية أن يشق على أمه خلفه.

(20/98)


أخبرنا أحمد بن فتح قال حدثنا عبد الله بن أحمد بن حامد بن ثرثال البغدادي قال حدثنا الحسن بن الطيب بن حمزة البلخي قال حدثنا قتيبة بن سعيد قال حدثنا جعفر بن سليمان عن ثابت البناني عن أنس بن مالك قال "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمع بكاء الصبي مع أمه وهو في الصلاة فيقرأ بالسورة القصيرة أو قال الخفيفة".
وقال الأثرم سئل أحمد بن حنبل عن رجل أحرم وأمامه سترة فسقطت فأخذها فأركزها فقال أرجو ألا يكون به بأس فحكوا له عن ابن المبارك أنه أمر رجلا صنع هذا أن يعيد التكبير فقال أما أنا فلا آمره أن يعيد التكبير وأرجو أن لا يكون به بأس.
قال أبو عمر
الفرق بين العمل القليل الجائز مثله في الصلاة ما لم يكن عبثا ولعبا وبين العمل الكثير الذي لا يجوز مثله في الصلاة ليس عن العلماء فيه حد محدود ولا سنة ثابتة وإنما هو الاجتهاد والاحتياط في الصلاة أولى فأولى للنهي وبالله العصمة والهدى.

(20/99)


الحديث الثاني
...
حديث ثان لعامر بن عبد الله بن الزبير
مالك عن عامر بن عبد الله بن الزبير عن عمرو بن سليم الزرقي عن أبي قتادة الأنصاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا دخل

(20/99)


أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس". قال مالك وذلك حسن وليس بواجب.
حدثنا عبد الرحمن بن يحيى حدثنا الحسن بن الخضر وحدثنا خلف بن قاسم حدثنا أحمد بن محمد بن عثمان بن أبي الهمام قالا حدثنا أحمد بن شعيب قال أخبرنا قتيبة بن سعيد عن مالك بن أنس عن عامر بن عبد الله بن الزبير عن عمرو بن سليم عن أبي قتادة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا جاء أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس".
قال أبو عمر:
لا يختلف العلماء أن كل من دخل المسجد في وقت يجوز فيه التطوع بالصلاة أنه يستحب له أن يركع فيه عند دخوله ركعتين قالوا فيهما تحية المسجد وليس ذلك بواجب عند أحد على ما قال مالك رحمه الله إلا أهل الظاهر فإنهم يوجبونهما والفقهاء بأجمعهم لا يوجبونهما فإذا دخل المسجد أحد بعد العصر أو بعد الصبح فلا يركع للنهي الوارد عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس وبعد الصبح حتى تطلع الشمس وقد قدمنا ذكر مذاهب العلماء وأصولهم في الصلاة بعد الصبح وبعد العصر بما فيه كفاية وبيان في باب محمد بن يحيى بن حبان.

(20/100)


واختلف الفقهاء في الذي يركع ركعتي الفجر في بيته ثم يأتي المسجد هل يركع فيه أم لا فقال أبو حنيفة والليث والأوزاعي إذا صلى ركعتي الفجر في بيته ثم أتى المسجد ولم تقم الصلاة أنه لا يركع لدخول المسجد ويجلس.
وروى أشهب عن مالك أنه قال يركع أحب إلي وروى عنه ابن القاسم أنه قال أحب إلي أن لا يفعل ولا أحفظ فيه عن الشافعي شيئا وحجة من كره له الركوع ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا صلاة بعد الفجر إلا ركعتي الفجر".
روى عبد الرزاق وغيره عن الثوري عن عبد الرحمن بن حرملة عن سعيد بن المسيب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا صلاة بعد النداء إلا ركعتي الفجر" وهذا مرسل قال وأخبرني الثوري عن عبد الرحمن بن زياد عن عبدالله بن يزيد عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا صلاة بعد طلوع الفجر إلا ركعتي الفجر" وعبد الرحمن بن زياد هذا هو الإفريقي وليس عند أكثرهم بحجة والحديث الأول مرسل ويحتمل أن يكون أراد لا صلاة بعد الفجر في البيوت إلا ركعتي الفجر أي لا تطوع بعد الفجر.
قرأت على خلف بن القاسم أن الحسين بن إبراهيم الحداد حدثهم قال حدثنا أحمد بن الحسن بن عبد الجبار حدثنا إسماعيل بن إبراهيم الترجماني حدثنا عبد العزيز الدراوردي عن قدامة بن موسى عن محمد بن الحصين عن أبي علقمة

(20/101)


مولى ابن عباس عن سيار مولى ابن عمر قال رآني ابن عمر أصلي بعد الفجر فحصبني وقال يا سيار كم صليت قلت لا أدري قال لا دريت "إن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج علينا ونحن نصلي هذه الصلاة فتغيظ علينا تغيظا شديدا ثم قال: ليبلغ شاهدكم غائبكم أن لا صلاة بعد الفجر إلا ركعتي الفجر".
قال أبو عمر:
في هذا الإسناد مجهولون لا تقوم بهم حجة وقد ذكر عبد الرزاق عن أبي بكر بن محمد عن موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا صلاة بعد طلوع الفجر إلا ركعتي الفجر" وأظن أبا بكر هذا هو ابن أبي سبرة وهو أيضا ضعيف لا يحتج به ولو صح هذا الخبر احتمل أن يكون لا صلاة نافلة بعد الفجر يفعلها المرء تطوعا ليس مما ندب رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه وعينه لأنه صلى الله عليه وسلم قد أمر من دخل المسجد أن يركع ركعتين كما أمر بركعتي الفجر ولكن سنته بعضها أوكد من بعض على قدر مواظبته عليها أو ندبه إليها وتلقي أصحابه لها بما فهموه عنه فيها وغير نكير أن يكون تقدير قوله صلى الله عليه وسلم: "لا صلاة بعد الفجر إلا ركعتي الفجر إلا أن يدخل أحدكم المسجد فيركع ركعتين" . وإذا كان هذا جائزا لو جاء في حديث واحد فكذلك هو وإن جاء في حديثين من جهة النظر في استعمال السنن وترتيب بعضها على بعض على أن قوله صلى الله عليه وسلم: "إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين" أثبت من جهة الإسناد ووجه آخر من جهة النظر أن تحية المسجد بركعتين فعل خير فلا يجب أن يمتنع منه إلا أن يصح أن

(20/102)


السنة نهت عنه من وجه لا معارض له وقد عارض بعض أهل الظاهر حديث: "لا صلاة بعد الفجر إلا ركعتي الفجر" بقوله صلى الله عليه وسلم: "لا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس ولا بعد الصبح حتى تطلع الشمس" قال فدخل ما عدا هذين الوقتين من سائر أوقات النهار في الإباحة لمن شاء أن يصلي فصار هذا الحديث مع تواتر مجيئه معارضا لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا صلاة بعد الفجر إلا ركعتي الفجر" فإذا تعارض الخبران سقطا ووجب الرجوع إلى أصول الباب ووجدنا الصلاة من أرفع أفعال الخير فوجب أن لا يمتنع من فعلها إلا بدليل لا معارض له بظاهر قول الله عز وجل: {وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}.
وقد اختلف العلماء في صلاة التطوع بعد الفجر فقال مالك من غلبته عينه ففاته بعض حزبه أو ركوع كان يركعه بالليل فأرجو أن يكون خفيفا أن يصليه بعد طلوع الفجر وأما غير ذلك فلا يعجبني أن يصلي بعد انفجار الصبح إلا ركعتين.
وقال أبو حنيفة وأصحابه والثوري لا يصلي أحد تطوعا بعد الفجر إلا ركعتي الفجر.
قال أبو عمر:
حجة هؤلاء ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا صلاة بعد الفجر إلا ركعتي الفجر" وحجة مالك ما روي عن عمر بن الخطاب أنه قال من فاته حزبه من الليل فلا بأس أن يقرأه بعد الفجر قبل صلاة الصبح وهذا حديث لا تقوم به حجة لأنه مختلف فيه عن عمر أكثر رواته يقولون فيه عنه من فاته

(20/103)


ورده أو حزبه من الليل فقرأه ما بين صلاة الصبح وصلاة الظهر فكأنه لم يفته أو قد قرأه من الليل كذلك رواه ابن شهاب عن عبيد الله والسائب بن يزيد عن عبد الرحمن بن عبد القاري عن عمر ومن الرواة من يرفعه.
ورواه مالك عن داود بن الحصين عن الأعرج عن عبد الرحمن بن عبد القاري عن عمر موقوفا من فاته حزبه من الليل فقرأه حين تزول الشمس إلى صلاة الظهر فكأنه أدركه أو لم يفته وقد رخص قوم من أهل العلم في الصلاة جملة بعد الفجر تطوعا منهم طاوس وغيره ولكن قوله صلى الله عليه وسلم: "لا صلاة بعد الفجر إلا ركعتي الفجر" أولى أن يصار إليه لأنه ليس في هذا الباب عن النبي صلى الله عليه وسلم شيء يعارضه وأمره عليه السلام الداخل في المسجد أن يركع ركعتين ليس بمعارض له ولكنه استثناء وتخصيص فتدبر.
ذكر عبد الرزاق عن ابن عيينة عن ابن أبي نجيح عن طاوس قال إذا طلع الفجر فصل ما شئت قال وأخبرنا محمد بن راشد قال أخبرني عبد الكريم أبو أمية قال رأيت عطاء وطاوسا يصليان بعد الفجر ثمان ركعات فسألتهما فقالا صلاة من الليل نمنا عنها قال وأخبرنا ابن التيمي عن أبيه عن الحسن قال صل بعد طلوع الفجر ما شئت قال وأخبرنا ابن جريج قال سألت عطاء أتكره الصلاة إذا انتشر الفجر على رؤوس الجبال إلا ركعتي الفجر قال نعم قال وأخبرني الثوري عن أبي رياح عن ابن المسيب أنه

(20/104)


رأى رجلا يكثر الركوع والسجود بعد طلوع الفجر فنهاه فقال يا أبا محمد أيعذبني الله على الصلاة قال لا ولكن يعذبك على خلاف السنة.
قال أبو عمر:
هذا كله في التطوع في ذلك الوقت وأما من دخل المسجد فركع ركعتين فليس مخالفا للسنة بل هو مستعمل للسنة ومن ترك الركوع فغير حرج لأنه لم يترك واجبا ومن تحرج عن الركوع متأولا لما ذكرنا فغير معنت إن شاء الله وبه التوفيق.
حدثنا محمد بن عبد الملك قال حدثنا أحمد بن محمد بن زياد الأعرابي قال حدثنا سعدان بن نصر قال حدثنا سفيان بن عيينة عن سالم أبي النضر عن أبي سلمة أنه قال ما يمنع مولاك إذا دخل المسجد أن يركع ركعتين فإنهما من السنة وروى مالك عن أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أنه قال له ألم أر صاحبك إذا دخل المسجد يجلس قبل أن يركع قال أبو النضر يعني بذلك عمر بن عبيد الله ويعيب ذلك عليه قال مالك وذلك حسن وليس بواجب.
قال أبو عمر:
هو حسن مستحب عند الجميع وليس بواجب وإن كان لفظه الأمر والدليل على أن ذلك عند العلماء ليس بواجب كما قال مالك ما رواه أبو المصعب الزهري عن المغيرة بن عبد الرحمن عن عبد الله بن عمر عن أخيه

(20/105)


عبيد الله بن عمر قال رأيت القاسم بن محمد يدخل المسجد فيجلس فيه ولا يصلي.
وروى عفان عن وهيب عن عبيد الله بن عمر قال رأيت سالم بن عبد الله يمر في المسجد مقبلا ومدبرا لا يصلي فيه.
وذكر ابن أبي شيبة عن الدراوردي عن زيد بن أسلم قال "كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخلون المسجد ثم يخرجون ولا يصلون" قال زيد ورأيت ابن عمر يفعله.
وروى حماد بن زيد عن الجريري عن جابر بن زيد قال إذا دخلت مسجدا فصل فيه فإن لم تصل فيه فاذكر الله فكأنك صليت فيه.
قال أبو عمر:
وسمعت غير واحد من شيوخي يذكر أن الغازي بن قيس لما رحل إلى المدينة سمع من مالك وقرأ على نافع القاري فبينما هو في أول دخوله المدينة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ دخل ابن أبي ذئب فجلس ولم يركع فقال له الغازي قم يا هذا فاركع ركعتين فإن جلوسك دون أن تحيي المسجد بركعتين جهل او نحو هذا من جفاء القول فقام ابن أبي ذئب فركع ركعتين وجلس فلما انقضت الصلاة أسند ظهره وتحلق الناس إليه فلما رأى ذلك الغازي بن قيس خجل واستحيا وندم وسأل عنه فقيل له هذا ابن أبي ذئب أحد فقهاء المدينة وأشارفهم فقام يعتذر إليه فقال له ابن أبي ذئب يا أخي لا عليك أمرتنا بخير فأطعناك وبالله التوفيق.

(20/106)


علقمة بن ابي علقمة
الحديث الأول
...
علقمة بن أبي علقمة
مالك عنه حديثان يقال له علقمة بن أم علقمة وعلقمة بن أبي علقمة وأسم أبي علقمة أبيه بلال مولى عائشة أم المؤمنين وأمه أيضا مولاة عائشة يقال اسمها مرجانة ولم يختلف في أمه أنها مولاة عائشة واختلف في أبيه فقال مالك علقمة بن أبي علقمة مولى عائشة وقال الزبير بن بكار علقمة بن أبي علقمة مولى مصعب بن عبد الرحمن بن عوف وأمه مولاة عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم وقال مصعب قال إني تعلمت النحو في كتاب علقمة بن أبي علقمة مولى عائشة وأمه أيضا مولاة عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم وكان نحويا.
قال أبو عمر
كان علقمة ثقة مأمونا روى عنه مالك وغيره من الأئمة وقد قيل إن علقمة هذا من بني سليم فالله أعلم.

(20/107)


حديث أول لعلقمة بن أبي علقمة
مالك عن عائشة بن أبي علقمة أن عائشة رضي الله عنها قالت "أهدى أبو جهم بن حذيفة لرسول الله صلى الله عليه وسلم خميصة شامية لها علم فشهد فيها الصلاة فلما انصرف قال ردي هذه الخميصة إلى أبي جهم فإني نظرت إلى علمها في الصلاة فكاد يفتنني.
قال أبو عمر:
هكذا قال يحيى عن مالك في إسناد هذا الحديث عن علقمة بن أبي علقمة أن عائشة ولم يتابعه على ذلك أحد من الرواة وكلهم رواه عن مالك في الموطأ عن علقمة بن أبي علقمة عن أمه عن عائشة وسقط ليحيى عن أمه وهو مما عد عليه والحديث صحيح متصل لمالك عن علقمة بن أبي علقمة عن أمه عن عائشة كذلك رواه جماعة أصحاب مالك عنه.
وقد روى هذا الحديث أيضا الزهري عن عروة عن عائشة.
وفي هذا الحديث من الفقه قبول الهدايا وفي قبول رسول الله صلى الله عليه وسلم لها دليل على أن التهادي وقبول الهدايا من الفعل الحسن المندوب إليه لما في ذلك من التواخي والتحاب وقد مضى في قبول الإمام للهدايا ما فيه كفاية في باب

(20/108)


ثور بن زيد وسيأتي من ذكر التهادي طرف صالح في باب عطاء الخراساني إن شاء الله.
وقال ابن عيينة إنما رد رسول الله صلى الله عليه وسلم الخميصة إلى أبي جهم لأنه كرهها إذ كانت سبب غفلة وشغل عن ذكر الله كما فعل في الموضع الذي نام فيه عن الصلاة لما نال فيه الشيطان منهم من الغفلة قال ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليبعث إلى أبي جهم بشيء يكرهه لنفسه ألم تسمع قوله لعائشة لا تتصدقي بما لا تأكلين وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أقوى خلق الله على أمر الله وعلى رد كل وسوسة ولكنه كرهها وأبغضها إذ كانت سبب الغفلة عن الذكر هذا معنى قول ابن عيية في سؤال نعيم بن حماد له عن ذلك حدثناه جماعة عن عبد الله بن عثمان عن سعد بن معاذ عن ابن أبي مريم عن نعيم عنه.
وفيه الصلاة في الأكسية لأن الخميصة كساء صوف معلم.
وفيه دليل على أن الالتفات في الصلاة والنظر إلى ما يشغل الإنسان عنها لا يفسدها إذا تمت بحدودها من ركوعها وسجودها وسائر فرائضها لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ نظر إلى أعلام خميصة أبي جهم واشتغل بها لم يعد صلاته.
حدثنا سعيد بن نصر وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن إسماعيل الترمذي قال حدثنا الحميدي قال حدثنا سفيان قال حدثنا الزهري عن عروة عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في خميصة لها أعلام فقال شغلتني أعلام هذه فاذهبوا بها إلى أبي جهم وائتوني بانبجانية قال الحميدي أبو جهم رجل من آل عدي بن كعب.

(20/109)


قال أبو عمر:
اسم أبي جهم عبيد بن حذيفة بن غانم العدوي قد ذكرناه ونسبناه وذكرنا خبره في كتاب الصحابة والأبنجاني كساء غليظ لا علم فيه وأما الخميصة فكساء رقيق قد يكون بعلم وبغير علم وقد يكون أبيض معلما ويكون أصفر وأحمر وأسود والخمائص من لباس أشراف العرب.

(20/110)


الحديث الثاني
...
حديث ثان لعلقمة بن أبي علقمة
مالك عن علقمة بن أبي علقمة عن أمه أنها قالت سمعت عائشة تقول "قام رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة فلبس ثيابه ثم خرج قالت فأمرت جاريتي بريرة أن تتبعه فتبعته حتى إذا جاء البقيع وقف في أدناه ما شاء الله أن يقف ثم انصرف فسبقته بريرة فأخبرتني فلم أذكر له شيئا حتى أصبح ثم ذكرت ذلك له فقال: إني بعثت إلى أهل البقيع لأصلي عليهم".
قال أبو عمر:
يحتمل أن تكون الصلاة ههنا الدعاء ويحتمل أن تكون كالصلاة على الموتى وذلك خصوص له والله أعلم لأن صلاته على من صلى عليه رحمة فكأنه أمر أن يستغفر لهم كما قيل له: {وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ}.

(20/110)


وأما قوله: "إني بعثت إلى أهل البقيع" ومسيره إليهم فلا يدري لمثل هذا علة والله أعلم وقد يحتمل أن يكون ليعمهم بالصلاة منه عليهم لأنه ربما دفن منهم من لم يصل عليه كالمسكينة ومثلها ممن دفن ليلا ولم يشعر به ليكون مساويا بينهم في صلاته عليهم ولا يؤثر بعضهم بذلك ليتم عدله فيهم.
وقد روى أبو مويهبة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا القصة حديثا حسنا يدل على أن ذلك كان منه عليه السلام حين خيره الله بين الدنيا والآخرة ونعيت إليه نفسه فاختار ما عنده صلى الله عليه وسلم.
قرأت على عبد الوارث بن سفيان أن قاسم بن أصبغ حدثهم قال حدثنا احمد بن زهير حدثنا أحمد بن محمد بن أيوب قال حدثنا إبراهيم بن سعد عن محمد بن إسحاق قال حدثني عبد الله بن عمر بن علي العيلي عن عبيد بن جبير مولى الحكم بن أبي العاصي عن عبد الله بن عمرو قال أخبرني أبو مويهبة مولى للنبي صلى الله عليه وسلم قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا أبا مويهبة إني قد أمرت أن أستغفر لأهل البقيع فاستغفر لهم" ثم انصرف فأقبل علي فقال: "يا أبا مويهبة إن الله قد خيرني في مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها ثم الجنة أو لقاء ربي فاخترت لقاء ربي فأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم من تلك الليلة فبدأه وجعه الذي مات منه صلى الله عليه وسلم".
وأخبرنا عبد الله بن محمد بن أسد قال حدثنا أحمد بن محمد المكي قال حدثنا علي بن عبد العزيز قال حدثنا القعنبي قال قرأت على مالك عن أبي

(20/111)


النضر عن عبيد بن حنين عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جلس على المنبر فقال: "إن عبدا خيره الله بين أن يؤتيه من زهرة الدنيا ما شاء وبين ما عنده فاختار ما عنده" فبكى أبو بكر وقال: فديناك بأبائنا وأمهاتنا يا رسول الله قال فعجبنا له وقال الناس: انظروا إلى هذا الشيخ يخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عبد خير وهو يقول فديناك بأبائنا وأمهاتنا فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو المخير وكان أبو بكر أعلمنا به فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن أمن الناس علي في صحبته وماله أبو بكر ولو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر ولكن أخوة في الإسلام لا يبقين في المسجد خوخة إلا خوخة أبي بكر". وهذا الحديث ليس عند يحيى عن مالك وهو عند القعنبي في الزيادات.

(20/112)


عمرو بن يحيى المازني
الحديث الأول
...
عمرو بن يحيى المازني لمالك عنه أربعة أحاديث أحدها مرسل منقطع
وهو عمرو بن يحيى بن عمارة بن أبي حسن المازني الأنصاري مدني ثقة روى عنه مالك وشعبة وخالد الواسطي والثوري ووهيب وسليمان بن بلال وابن عيينة وغيرهم من الأئمة وروى عنه ممن فوق هؤلاء يحيى بن سعيد الأنصاري وعبيد الله بن عمر وأبوه يحيى بن عمارة تابعي ثقة روى عنه محمد ابن يحيى بن حبان وغيره.
وتوفي عمرو بن يحيى سنة أربعين ومائة.
حديث أول لعمرو بن يحيى متصل صحيح
مالك عن عمرو بن يحيى المازني عن أبيه "أنه قال لعبد الله ابن زيد بن عاصم وهو جد عمرو بن يحيى وكان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم هل تستطيع أن تريني كيف " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ فقال عبد الله بن زيد نعم فدعا بوضوء فأفرغ على يديه فغسل يديه مرتين مرتين ثم تمضمض واستنثر ثلاثا ثم غسل وجهه ثلاثا ثم

(20/113)


غسل يديه مرتين مرتين إلى المرفقين ثم مسح رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر بدءا بمقدم رأسه ثم ذهب بهما إلى قفاه ثم ردهما حتى رجع إلى المكان الذي بدأ منه ثم غسل رجليه.
لم يختلف على مالك في إسناد هذا الحديث ولا في لفظه إلا أن ابن وهب رواه في موطئه عن مالك عن عمرو بن يحيى بن عمارة المازني عن أبيه عن عبد الله بن زيد بن عاصم المازني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر معنى ما في الموطأ مختصرا ولم يقل وهو جد عمرو بن يحيى.
وذكره سحنون في المدونة عن مالك عن عمرو بن يحيى بن عمارة بن أبي حسن المازني عن أبيه يحيى أنه سمع جده أبا حسن يسأل عبد الله بن زيد بن عاصم ولم يقل وهو جد عمرو بن يحيى ولا ذكر عمن رواه عن مالك وقال أحمد ابن خالد لا نعرف هذه الرواية عن مالك إلا أن تكون لعلي بن زياد وليس هذا الحديث في نسخة القعنبي فإما أسقطه وإما سقط له ولم يقل أحد من رواة هذا الحديث في عبد الله بن زيد بن عاصم وهو جد عمرو بن يحيى إلا مالك وحده ولم يتابعه عليه أحد فإن كان جده فعسى أن يكون جده لأمه.
وممن رواه عن عمرو بن يحيى سليمان بن بلال ووهب وابن عيينة وخالد الواسطي وعبد العزيز بن أبي سلمة وغيرهم لم يقل فيه أحد منهم وهو جد عمرو بن يحيى وقد نسبنا عمرو بن يحيى بما لا اختلاف فيه.
وذكر ابن سنجر حدثنا خالد بن مخلد حدثنا سليمان بن بلال حدثنا عمرو بن يحيى المازني عن أبيه قال كان عمي يكثر من الوضوء فقال لعبد الله ابن زيد أخبرني كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ فدعا بتور من ماء وذكر معنى حديث مالك.

(20/114)


قال ابن سنجر وحدثنا موسى بن إسماعيل قال حدثنا وهب قال حدثنا عمرو بن يحيى عن أبيه قال شهدت عمي ابن أبي حسن سأل عبد الله بن زيد عن وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فدعا بتور من ماء فتوضأ لهم وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكفأ على يديه من التور فغسل يديه ثلاثا ثم أدخل يده في التور فتمضمض واستنثر من ثلاث غرفات ثم أدخل يده فغسل وجهه ثلاث مرات ثم أدخل يده غسل يديه مرتين مرتين إلى المرفقين ثم ذكر مثل حديث مالك.
ورواه ابن عيينة عن عمرو بن يحيى فأخطأ فيه في موضعين أحدهما أنه قال فيه عن عبد الله بن زيد بن عبد ربه وهذا خطأ وإنما هو عبد الله بن زيد بن عاصم وقد نسبناهما في كتاب الصحابة وأوضحنا أمرهما.
وأما عبد الله بن زيد بن عبد ربه فهو الذي أري الأذان في النوم وليس هو الذي يروي عنه يحيى بن عمارة هذا الحديث في الوضوء وغيره وعبد الله بن زيد بن عاصم هو عم عباد بن تميم وهو أكثر رواية عن النبي صلى الله عليه وسلم من عبد الله بن زيد بن عبد ربه وقد كان أحمد بن زهير يزعم أن إسماعيل بن إسحاق وهم فيهما فجعلهما واحدا فيما حكى قاسم بن أصبغ عنه والغلط لا يسلم منه أحد إذا كان ابن عيينة مع جلالته يغلط في ذلك فإسماعيل بن إسحاق أين يقع من ابن عيينة إلا أن المتأخرين أوسع علما وأقل عذرا.
أما الموضع الثاني الذي وهم ابن عيينة فيه في هذا الحديث فإنه ذكر فيه مسح الرأس مرتين ولم يذكر فيه أحد مرتين غير ابن عيينة وأظنه والله اعلم تأول الحديث قوله فمسح رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر وما ذكرناه عن ابن

(20/115)


عيينة فمن رواية مسدد ومحمد بن منصور وأبي بكر بن أبي شيبة كلهم ذكر فيه عن ابن عيينة ما حكينا عنه وأما الحميدي فإنه ميز ذلك فلم يذكره أو حفظ عن ابن عيينة أنه رجع عنه فذكر فيه عن ابن عيينة ومسح رأسه وغسل رجليه فلم يصف المسح ولا قال مرتين وقال في الإسناد عن عبد الله بن زيد لم يزد لم يقل ابن عاصم ولا ابن عبد ربه فتخلص.
وروى عبد العزيز بن أبي سلمة قال "أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخرجنا له ماء في تور من صفر فتوضأ فغسل وجهه ثلاثا ويديه مرتين مرتين ومسح برأسه فأقبل به وأدبر وغسل رجليه" فزاد عبد العزيز بن أبي سلمة فيه ذكر تور الصفر.
ورواه خالد بن عبد الله الواسطي عن عمرو بن يحيى المازني عن أبيه عن عبد الله بن زيد بن عاصم فذكره وقال فيه فمضمض واستنشق من كف واحدة ففعل ذلك ثلاث مرات ثم ذكر معنى حديث مالك.
ورواه ابن وهب عن عمرو بن الحرث أن حبان بن واسع حدثه أن أباه حدثه أنه سمع عبد الله بن زيد بن عاصم المازني يذكر "أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر وضوءه قال تمضمض واستنثر ثم غسل وجهه ثلاثا ويده اليمنى ثلاثا والأخرى ثلاثا ومسح برأسه بماء غير فضل يديه وغسل رجليه حتى أنقاهما".
تركنا ذكر الأسانيد بيننا وبين هؤلاء للاختصار وكذلك اختصرنا المتون إلا موضع الاختلاف المولد للحكم والزائد في الفقه وبالله التوفيق.

(20/116)


وأما ما في هذا الحديث من المعاني فأول ذلك غسل اليدين قبل إدخالهما في الإناء مرتين وقد مضى القول في غسل اليدين قبل إدخالهما في الإناء وما للعلماء في ذلك من الاستحباب والإيجاب وما للرواة فيه من ذكر مرتين أو ثلاثا مستوعبا ممهدا في باب أبي الزناد والحمد لله.
وأما قوله ثم مضمض واستنثر ثلاثا فالثلاث في ذلك وفي سائر أعضاء الوضوء أكمل الوضوء وأتمه وما زاد فهو اعتداء ما لم تكن الزيادة لتمام نقصان وهذا ما لا خلاف فيه والمضمضة معروفة وهي أخذ الماء بالفم من اليد وتحركيه في الفم هي المضمضة وليس إدخال الأصبع ودلك الأسنان بها من المضمة في شيء فمن شاء فعل ومن شاء لم يفعل وقد مضى ما للعلماء في المضمضة من الأقوال في الإيجاب والاستحباب والاعتلال لذلك بما فيه كفاية وبيان في باب زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن الصنابحي ومضى هناك أيضا القول في الاستنشاق والاستنثار وما للعلماء في ذلك من المذاهب والاختيار وزدنا ذلك بيانا في باب أبي الزناد والحمد لله.
وأما غسل الوجه ثلاثا فهو الكمال والغسلة الواحدة إذا عمت تجزئ بإجماع العلماء لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ مرة مرة ومرتين مرتين وثلاثا ثلاثا وهذا أكثر ما فعل من ذلك صلى الله عليه وسلم وتلقت الجماعة ذلك من فعله على الإباحة والتخيير وطلب الفضل في الثنتين والثلاث لا على أن شيئا من ذلك نسخ لغيره

(20/117)


منه فقف على إجماعهم فيه والوجه مأخوذ من المواجهة وهو من منابت شعر الرأس إلى العارض والذقن والأذنين وما أقبل من اللحيتين.
وقد اختلف في البياض الذي بين الأذن والعارض في الوضوء فروى ابن وهب عن مالك قال ليس ما خلف الصدغ الذي من وراء شعر اللحية إلى الأذن من الوجه.
وقال الشافعي يغسل المتوضيء وجهه من منابت شعر رأسه إلى أصول أذنيه ومنتهى اللحية إلى ما أقبل من وجهه وذقنه فإن كان أمرد غسل بشرة وجهه كلها وإن نبتت لحيته وعارضاه أفاض على لحيته وعارضيه وإن لم يصل الماء إلى بشرة وجهه التي تحت الشعر أجزأه إذا كان شعره كثيرا.
قال أبو عمر
قد أجمعوا أن المتيمم ليس عليه أن يمسح ما تحت شعر عارضيه فقضى إجماعهم في ذلك على مراد الله منه لأن الله أمر المتيمم بمسح وجهه كما أمر المتوضئ بغسله وهذا الذي ذكرت لك عليه جماعة العلماء وقال أحمد بن حنبل غسل الوجه من منابت شعر الرأس إلى ما انحدر من اللحيين والذقن وإلى أصول الأذنين ويتعاهد المفصل ما بين اللحيين والأذن.
وقال أبو حنيفة وأصحابه البياض الذي بين العذار وبين الأذن من الوجه وغسله واجب.
قال أبو عمر:
لا أعلم أحدا من فقهاء الأمصار قال بما رواه ابن وهب عن مالك في ذلك ولقد قال بعض أهل المدينة وبعض أهل العراق ما أقبل من الأذنين فمن

(20/118)


الوجه وما أدبر منهما فمن الرأس فما دون الأذنين إلى الوجه أحرى بذلك وقد ذكرنا حكم الأذنين عند العلماء في باب زيد بن أسلم والحمد لله.
حدثنا محمد بن عبد الله بن حكم قراءة مني عليه أن محمد بن معاوية ابن عبد الرحمن حدثهم قال حدثنا الفضل بن الحباب القاضي بالبصرة قال حدثنا أبو الوليد الطيالسي قال حدثنا قيس بن الربيع عن جابر عن هرمز قال سمعت عليا رضي الله عنه يقول يبلغ بالوضوء مقاص الشعر.
واختلف العلماء في تخليل اللحية والذقن فذهب مالك والشافعي والثوري والأوزاعي إلى أن تخليل اللحية ليس بواجب في الوضوء وقال مالك وأصحابه وطائفة من أهل المدينة ولا في غسل الجنابة لا يجب تخليل اللحية أيضا.
وقال الشافعي وأبو حنيفة وأصحابهما والثوري والأوزاعي والليث وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأبو ثور وداود والطبري وأكثر أهل العلم تخليل اللحية في غسل الجنابة واجب ولا يجب ذلك عندهم في الوضوء وأظنهم فرقوا بين ذلك والله أعلم لقوله صلى الله عليه وسلم: "تحت كل شعرة جنابة فبلوا الشعر وأنقوا البشرة". وأظن مالكا ومن قال بقوله ذهبوا إلى أن الشعر لا يمنع وصول الماء لرقة الماء وتوصله إلى البشرة من غير تخليل إذا كان هناك تحريك والله أعلم.
وقد ذكر ابن عبد الحكم عن مالك قال ويحرك اللحية في الوضوء إن كانت كبيرة ولا يخللها وأما في الغسل فليحركها وإن صغرت وتخليلها أحب إلينا وذكر ابن القاسم عن مالك قال يحرك المتوضئ ظاهر لحيته من غير أن يدخل يده فيها قال وهي مثل أصابع الرجل يعني أنها لا تخلل.

(20/119)


وقال محمد بن عبد الله بن عبد الحكم تخليل اللحية واجب في الوضوء والغسل وأخبرنا خلف بن القاسم قال حدثنا أحمد بن عبد الله بن عبد المؤمن قال حدثنا المفضل بن محمد قال حدثنا علي بن زياد قال حدثنا أبو قرة قال سمعت مالكا يذكر تخليل اللحية فيقول يكفيها ما يمسها من الماء مع غسل الوجه ويحتج في ذلك بحديثه عن عبد الله بن زيد عن وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أراه الرجل الذي سأله عنه لم يذكر فيه تخليل اللحية وكان الأوزاعي يقول ليس تحريك العارضين وتخليل اللحية بواجب.
قال أبو عمر:
روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه خلل لحيته في وضوئه من وجوه كلها ضعيفة وأما الصحابة والتابعون فروي عن جماعة منهم تخليل اللحية وأكثرهم لم يفرقوا بين الوضوء والجنابة وروي عن جماعة منهم الرخصة في ترك تخليل اللحية وإيجاب غسل ما تحت اللحية إيجاب فرض والفرائض لا تثبت إلا بيقين لا اختلاف فيه ومن احتاط وأخذ بالأوثق فهو أولى به في خاصته وأما الفتوى بإيجاب الإعادة فما ينبغي أن يكون إلا عن يقين وبالله التوفيق.
وذكر ابن خواز بنداد أن الفقهاء اتفقوا على أن تخليل اللحية ليس بواجب في الوضوء إلا شيء روي عن سعيد بن جبير قال أبو عمر: الذي روي عن سعيد بن جبير.
قوله: "ما بال الرجل يغسل لحيته قبل أن تنبت فإذا نبتت لم يغسلها وما بال الأمرد يغسل ذقنه ولا يغسله ذو اللحية".

(20/120)


وقال الطحاوي التيمم واجب فيه مسح البشرة قبل نبات اللحية ثم سقط بعدها عند جميعهم فكذلك الوضوء.
وقال سحنون عن ابن القاسم سمعت مالكا يسأل هل سمعت بعض أهل العلم يقول إن اللحية من الوجه فليمر عليها الماء قال مالك وتخليلها في الوضوء ليس من أمر الناس وعاب ذلك على من فعله قيل لسحنون أرأيت من غسل وجهه ولم يمر الماء على لحيته قال هو بمنزلة من لم يمسح رأسه وعليه الإعادة.
واختلف قول الشافعي فيما ينسدل من شعر اللحية فقال مرة أحب إلي أن يمر الماء على ما سقط من اللحية عن الوجه فإن لم يفعل ففيها قولان قال يجزيه في أحدهما ولا يجزيه في الآخر.
قال المزني يجزيه أشبه بقوله لأنه لا يجعل ما سقط يعني ما اسندل عن منابت شعر الرأس من الرأس فكذلك يلزمه أن لا يجعل ما سقط من منابت شعر الوجه من الوجه.
قال أبو عمر:
من جعل غسل اللحية كلها واجبا جعلها وجها والله قد أمر بغسل الوجه أمرا مطلقا لم يخص صاحب لحية من أمرد فكل ما وقع عليه اسم وجه فواجب غسله لأن الوجه مأخذو من المواجهة وغير ممتنع أن تسمى اللحية وجها فوجب غسلها بعموم الظاهر لأنها بدل من البشرة ومن لم يوجب غسل ما انسدل من اللحية ذهب إلى الأصل المأمور بغسله البشرة وإنما وجب غسل اللحية لأنها ظهرت فوق البشرة وصارت البشرة باطنا وصار الظاهر هو اللحية

(20/121)


فصار غسلها بدلا من البشرة وما انسدل من اللحية ليس تحته ما يلزم غسله فيكون غسل اللحية بدلا منه كما أن جلد الرأس مأمور بمسحه فلما نبت عليه الشعر ناب مسح الشعر عن مسح الرأس لأنه ظاهر بدل من الرأس الباطن تحته وما انسدل من الرأس وسقط فليس تحته بشرة يلزم مسحها ومعلوم أن الرأس سمي رأسا لعلوه ونبات الشعر فيه وما سقط من شعره واسندل فليس برأس فكذلك ما انسدل من اللحية فليس بوجه والله أعلم ولأصحاب مالك أيضا في هذه المسألة قولان كأصحاب الشافعي سواء والله المتسعان.
وأما غسل اليدين فقد أجمعوا أن الأفضل أن يغسل اليمنى قبل اليسرى وأجمعوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كذلك كان يتوضأ وكان صلى الله عليه وسلم يحب التيامن في امره كله في وضوئه وانتعاله وغير ذلك من امره وكذلك أجمعوا أن من غسل يسرى يديه قبل يمناه أنه لا إعادة عليه وروينا عن علي وابن مسعود أنهما قالا لا تبالي بأي يديك بدأت.
وقال معن بن عيسى سألت عبد العزيز بن أبي سلمة عن إجالة الخاتم عند الوضوء فقال إن كان ضيقا فأجله وإن كان سلسا فأقره وأما إدخال المرفقين في الغسل فعلى ذلك أكثر العلماء وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد وأبي حنيفة وأصحابه إلا زفر فإنه اختلف عنه في ذلك فروي عنه أنه يجب غسل المرافق مع الذراعين وروي عنه أنه لا يجب ذلك وبه قال الطبري وبعض أصحاب داود وبعض المالكيين أيضا ومن أصحاب داود من قال بوجوب غسل المرفقين مع الذراعين فمن لم يوجب غسلهما حمل قوله عز وجل: {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} على أن إلى ههنا غاية وأن المرفقين غير داخلين في الغسل مع الذراعين كما لا يجب دخول الليل في الصيام لقوله عز

(20/122)


وجل: {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} ومن أوجب غسلهما جعل إلى في هذه الآية بمعنى الواو أو بمعنى مع كإنه قال فاغسلوا وجوهكم وايديكم والمرافق أو مع المرافق و إلى بمعنى الواو وبمعنى مع معروف في كلام العرب كما قال عز وجل: {مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ} أي مع الله وكما قال: {وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ} أي مع أموالكم وأنكر بعض أهل اللغة أن تكون إلى ههنا بمعنى الواو وبمعنى مع وقال لو كان كذلك لوجب غسل اليد كلها واليد عند العرب من أطراف الأصابع إلى الكتف وقال ولا يجوز أن تخرج إلى عن بابها ويذكر أنها بمعنى الغاية أبدا قال وجائز أن تكون إلى ههنا بمعنى الغاية وتدخل المرافق مع ذلك في الغسل لأن الثاني إذا كان من الأول كا ما بعد إلى داخلا فيما قبله نحو قول الله عز وجل: {إِلَى الْمَرَافِقِ} فالمرافق داخلة في الغسل وإذا كان ما بعدها ليس من الأول فلي بداخل فيه نحو {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ}.
قال أبو عمر:
يقول إنه ليس الليل من النهار فلم يدخل الحد في المحدود وإنما يدخل الحد في المحدود إذا كان من جنسه والمرافق من جنس الأيدي والأذرع فوجب أن يدخل الحد منها في المحدود لأن هذا أصل حكم الحدود والمحدودات عند أهل الفهم والنظر والله أعلم ومن غسل المرفقين مع الذراعين فقد أدى فرض طهارته وصلاته بيقين واليقين في أداء الفرائض واجب وأما المسح بالرأس فقد أجمعوا أن من مسح برأسه كله فقد أحسن وفعل أكمل ما يلزمه وكلهم يقول

(20/123)


بمسح الرأس مسحة واحدة موعنة كاملة لا يزيد عليها إلا الشافعي فإنه قال أكمل الوضوء أن يتوضأ ثلاثا ثلاثا. كلها سابغة ويمسح برأسه ثلاثا.
وروي مسح الرأس ثلاثا عن أنس وسعيد بن جبير وعطاء وغيرهم وكان ابن سرين يقول بمسح رأسه مرتين وكان مالك يقول في مسح الرأس يبدأ بمقدم رأسه ثم يذهب بيديه إلى مؤخره ثم يردهما إلى مقدمه على حديث عبد الله بن زيد هذا وبحديث عبد الله بن زيد هذا يقول أيضا الشافعي وأحمد وكان الحسن بن حي يقول يبدأ بمؤخر الرأس وروي عن ابن عمر أنه كان يبدأ من وسط رأسه ولا يصح.
وفي حديث عبد الله بن زيد بدأ بمقدم رأسه وهذا هو النص الذي ينبغي أن يمتثل ويحتمل عليه وروى معاوية والمقدام بن معدي كرب عن النبي صلى الله عليه وسلم في مسح الرأس مثل رواية عبد الله بن زيد سواء وأما قوله في حديث عبد الله بن زيد ثم سمح رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر فقد توهم بعض الناس أنه بدأ بمؤخر رأسه لقوله فأقبل بهما وأدبر وتوهم غيره أنه بدأ من سوط رأسه فأقبل بيديه وأدبر وهذه كلها ظنون لا تصح وفي قوله بدأ بمقدم رأسه ما يدفع الإشكال لمن فهم وهو تفسير قوله فأقبل بهما وأدبر وتفسيره أنه كلام حرج على التقديم والتأخير كأنه قال فأدبر بهما وأقبل لأن الواو لا توجب الرتبة وإذ احتمل الكلام التأويل كان قوله بمقدم رأسه ثم ذهب هما إلى قفاه تفسير ما أشكل من ذلك.
أخبرنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا محمود بن خالد ويعقوب بن كعب الأنطاكي قالا حدثنا الوليد بن مسلم عن جرير بن عثمان عن عبد الرحمن بن ميسرة عن المقدام بن معدي

(20/124)


كرب قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ فلما بلغ مسح رأسه وضع كفيه على مقدم رأسه فأمرهما حتى بلغ القفا ثم ردهما إلى المكان الذي بدأ منه.
وروى معاوية أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ مثل ذلك سواء وأما قول الحسن بن حي يبدأ بمؤخر رأسه فإنه قد روى في حديث الربيع بنت معوذ بن عفراء أنها وصفت وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ت ومسح رأسه مرتين بدأ بمؤخر رأسه ثم بمقدمه وبأذنه ظهورهما وبطونهما وهو حديث مختلف في الفاظه وهو يدور على عبد الله بن محمد بن عقيل عن الربيع وهذا لفظ بشر بن المفضل والحسن بن صالح عن عبد الله بن محمد بن عقيل وعبد الله بن محمد بن عقيل ليس بالحافظ عندهم وقد اختلف عنه في هذا وروى طلحة بن مصرف عن أبيه عن جده قال رأيت النبي صلى الله عليه وسلمي مسح رأسه مسحة واحدة حتى بلغ القذال وهو أول القفا بدأ من مقدمه إلى مؤخره حتى أخرج يديه من تحت أذنيه وأصح حديث في هذا حديث عبد الله بن زيد المذكور فيه.
واختلف الفقهاء فيمن مسح بعض الرأس فقال مالك الفرض مسح جميع الرأس وإن ترك شيئا منه كان كمن ترك غسل شيء من وجهه هذا هو المعروف من مذهب مالك وهو قول ابن علية قال ابن علية قد أمر الله بمسح الرأس في الوضوء كما أمر مسح الوجه في التيمم وأمر بغسله في الوضوء.
وقد أجمعوا أنه لا يجوز غسل بعض الوجه في الوضوء ولا مسح بعضه في التيمم فكذلك مسح الرأس قال وقد أجمعوا على أن الرأس يمسح كله ولم يقل أحد إن مسح بعضه سنة وبعضه فريضة فلما أجمعوا أن ليس مسح بعضه سنة دل على أنه كله فريضة مسحه والله أعلم.

(20/125)


واحتج إسماعيل وغيره من أصحابنا لوجوب العموم في مسح الرأس بقول الله عز وجل: {وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} وقد أجمعوا أنه لا يجوز الطواف ببعضه فكذلك مسح الرأس وقوله عز وجل: {وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ} معناه عندهم امسحوا رؤوسكم ومن مسح بعض رأسه فلم يمسح رأسه.
ومن الحجة أيضا لهم أن الفرائض لا تؤدي إلا بيقين واليقين ما أجمعوا عليه من مسح جميع الرأس هذا هو المشهور من مذهب مالك لكن أصحابه اختلفوا في ذلك فقال أشهب يجوز مسح بعض الرأس وذكر أبو الفرج المالكي قال اختلف متأخرو أصحابنا في ذلك فقال بعضهم لا بد أن يمسح كل الرأس او أكثره حتى يكون المسموح أكثر الرأس فيجزئ ترك سائره.
قال أبو عمر
هذا قول محمد بن مسلمة وزعم الأبهري أنه لم يقله غيره من المالكيين قال أبو الفرج وقال آخرون إذا مسح الثلث فصاعدا أجزأه وإن كان المتروك هو أكثر قال وهذا أشبه القولين عندي وأولاهما من قبل أن الثلث فما فوقه قد جعله في حيز الكثير في غير موضع من كتبه ومذهبه وزعم الأبهري أنه لم يقل أحد من أصحاب مالك ما ذكره أبو الفرج عنهم وأن المعروف لمحمد بن مسلمة ومن قال بقوله أن المسموح من الرأس إذا كان الأكثر والمتروك منه الأقل جاز على أصل مالك في أن الثلث يسير مستندر عنده في كثير من أصول مسائله ومذهبه.

(20/126)


قال أبو عمر:
ما ذكره أبو الفرج خارج على أصل مالك في أن الثلث كثير في مسائل كثيرة من مذهبه وكذلك ما ذكره الأبهري أيضا لأن الثلث عنده في أشياء كثير وفي أشياء قليل وليس هذا موضع ذكرها.
وأما الشافعي فقال الفرض مسح بعض الرأس ولم يحد وهو قول الطبري وقد روي عنهما إن مسح ثلث الرأس فصاعدا أجزأ قال الشافعي احتمل قول الله عز وجل: {وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ} مسح بعض الرأس ومسح جميعه فدلت السنة أن مسح بعضه يجزئ وقال في موضع آخر فإن قيل قد قال الله عز وجل في التيمم {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ} أيجزئ بعض الوجه في التيمم قيل له مسح الوجه في التيمم بدل من عموم غسله فلا بد من أن يأتي بالمسح على جميع موضع الغسل فيه ومسح الرأس أصل فهذا فرق ما بينهما وعفا الله عز وجل في التيمم عن الرأس والرجلين ولم يعف عن الوجه واليدين فلا بد من الإتيان بذلك على كماله وأصله.
وقال أبو حنيفة وأصحابه إن مسح المتوضئ ربع رأسه أجزأ ويبدأ بمقدم رأسه إلى مؤخره واختلف أصحاب داود فقال بعضهم مسح الرأس كله واجب فرضا كقول مالك وقال بعضهم المسح ليس شأنه في اللسان الاستيعاب والبعض يجزئ.
وقال الثوري والأوزاعي والليث يجزئ مسح الرأس ويسمح المقدم وهو قول أحمد وقد قدمنا عن جميعهم أن مسح جميع الرأس أحب إليهم وكان

(20/127)


ابن عمر وسلمة بن الأكوع يسمحان مقدم رؤوسهما وعن جماعة من التابعين إجازة مسح بعض الرأس.
حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا أبي قال حدثنا إسماعيل بن علية عن أيوب عن محمد ابن سيرين عن عمرو بن وهب قال كنا عند المغيرة بن شعبة فقال "مسح نبي صلى الله عليه وسلم بناصيته".
قال أبو عمر
بين ابن سيرين وبين عمرو بن وهب في هذا الحديث رجل كذلك قال حماد بن زيد عن أيوب.
وأخبرنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا مسدد قال حدثنا يحيى عن سليمان التيمي قال أخبرنا بكر عن الحسن عن ابن المغيرة بن شعبة عن أبيه "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ ومسح بناصيته ثم ذكر فوق العمامة".
قال أبو عمر:
الناصية مقدم الرأس وأخبرنا عبد الله بن محمد قال أخبرنا محمد بن بكر قال أخبرنا أبو داود قال حدثنا أحمد بن صالح قال حدثنا ابن وهب قال حدثني معاوية بن صالح عن عبد العزيز بن مسلم عن أبي معقل عن إنس بن مالك قال "رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ وعليه عمامة قطرية فأدخل يده

(20/128)


من تحت العمامة فمسح مقدم رأسه ولم ينقض العمامة" وأجاز الثوري والشافعي مسح الرأس بأصبع واحدة وقال أبو حنيفة إن مسح رأسه أو بعضه بثلاثة أصابع فما زاد أجزأه وإن مسح بأقل من ذلك لم يجزه والمرأة عند جميع العلماء في مسح رأسها كالرجل سواء كل على أصله.
وأما غسل الرجلين ففي حديث عبد الله بن زيد بن عاصم ثم غسل رجليه ولم يحد وفي حديث عثمان وعلي إذ وصفا وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض الروايات عنهما ثم غسل رجليه ثلاثا وفي بعضها ثم غغسل حتى أنقاهما وفي بعضها ثم غسل رجليه فقط وكذلك في بعض الروايات عن عثمان ثم سمح رأسه ثلاثا وفي أكثرها ثم مسح رأسه فقط وفي بعضها ثم مسح رأسه مرة واحدة والوضوء كله ثلاثا ثلاثا وأجمع العلماء أن غسلة واحدة سابغة في الرجلين وسائر الوضوء تجزئ.
وكان مالك لا يحد في الوضوء واحدة ولا اثنتين ولا ثلاثا وكان يقول إنما هو الغسل وما عم من ذلك أجزأ والرجلان وسائر الأعضاء سواء.
والقول عند العلماء على ما قدمنا في أصولهم في دخول المرفقين في الذراعين كذلك القول عندهم في دخول الكعبين في غسل الرجلين وجملة قول مالك وتحصيل مذهبه أن المرفقين إن بقي شيء منهما مع القطع غسلا قال وأما الكعبان فهما باقيان مع القطع ولا بد من غسلهما مع الرجلين هذا هو المختار من المذهب والكعبان هما الناتئان في أصل الساق وعلى هذا مذهب الشافعي وأحمد بن حنبل وداود بن علي في الكعبين وأما العرقوب فهو مجمع مفصل الساق والقدم.

(20/129)


وقال أبو جعفر الطحاوي كل مفصل عند العرب كعب وقال للناس في الكعبين ثلاثة أقوال فالذي يذهب إليه محمد بن الحسن أن في القدم كعبا وفي الساق كعبا ففي كل رجل كعبان قال وغيره يقول في كل قدم كعب وموضعه ظهر القدم مما يلي الساق قال وآخرون يقولون الكعب هو الدائر بمغرز الساق وهو مجتمع العروق من ظهر القدم إلى العراقيب قال والعرب تقول الكعبان هما العرقوبان.
قال أبو عمر:
قد ذكرنا في باب بلاغات مالك عند قوله صلى الله عليه وسلم: "ويل للأعقاب من النار" أحكام غسل الرجلين وإبطال قول من قال بمسحهما وذكرنا الحجة في ذلك من جهة الأثر والنظر وذكرنا القول المختار عندنا في الكعبين هناك والحمد لله.
واتفق مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابهم أن الرأس لا يجزئ مسحه إلا بماء جديد يأخذه المتوضئ له كما يأخذه لسائر الأعضاء ومن مسح رأسه بماء فضل من البلل في يديه عن غسل ذراعيه لم يجزه.
وقال الأوزاعي وجماعة من التابعين يجزئ وقد مضى القول في الوضوء بالماء المستعمل في باب زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن الصنابحي وليس في حديث عبد الله بن زيد هذا ذكر مسح الأذنين وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه أنه كان يمسح أذنيه في وضوئه وقد مضى القول في مسح الأذنين وما في ذلك من الحكم والاختيار لفقهاء الأمصار في باب زيد ابن أسلم عن عطاء بن

(20/130)


يسار عن الصنابحي أيضا من كتابنا هذا ومضى هناك أيضا ذكر المضمضة والاستنثار والحمد لله كثيرا لا شريك له.

(20/131)


الحديث الثاني
...
حديث ثان لعمرو بن يحيى المازني
مالك عن عمرو بن يحيى المازني عن أبي الحباب سعيد بن يسار عن عبد الله بن عمر أنه قال: "رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي وهو على حمار متوجه إلى خيبر".
هكذا هو في الموطأ عند جميع الرواة ورواه محمد بن إبراهيم بن قحطبة عن إسحاق بن إبراهيم الحنيني عن مالك عن الزهري عن أنس قال "رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو متوجه إلى خيبر على حمار يصلي على الحمار ويومئ إيماء" وهذا مما تفرد به ابن قحطبة عن الحنيني وهو خطأ لا شك عندهم فيه وصواب إسناده ما في الموطأ مالك عن عمرو بن يحيى عن أبي الحباب عن ابن عمر وهو حديث انفرد بذكر الحمار فيه عمرو بن يحيى والله أعلم.
قال أبو عمر:
هذا في التطوع الفريضة بإجماع من العلماء لا تنازع بينهم في ذلك فأغنانا إجماعهم عن الاستدلال على ما وصفنا وقد ذكرنا الآثار الدالة على

(20/131)


ذلك في باب عبد الله بن دينار من هذا الكتاب وذكرنا هناك ما للعلماء في هذا الباب من الاتفاق والاختلاف في السفر الذي جوز فيه التطوع على الدابة مستوعبا مبسوطا والحمد لله وقال النسائي لم يتابع عمرو بن يحيى على قوله يصلي على حمار وإنما يقولون على راحلته.
قال أبو عمر:
بين الصلاة على الحمار والصلاة على الراحلة فرق في التمكن لا يجهل والمحفوظ في حديث ابن عمر " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي على راحلته تطوعا في السفر حيث توجهت به وتلا ابن عمر {وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ}" وهذا معناه في النافلة بالسنة إن كان أمنا وأما الخوف فتصلى الفريضة على الدابة لقول الله عز وجل: {فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً} وهذا كله مجتمع عليه من فقهاء الأمصار وجمهور العلماء.
وأما قول النسائي إن عمرو بن يحيى انفرد بقوله على حمار فإنما أراد والله أعلم في حديث ابن عمر فإنه لا يعرف في حديث ابن عمر إلا على راحلته وأما غير ابن عمر فقد روي من حديث جابر قال "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي أينما كان وجهه على الدابة" رواه مسعر عن بكير بن الأخنس عن جابر بن عبد الله.

(20/132)


وقال الحسن كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلون في أسفارهم على دوابهم أينما كانت وجوههم رواه هشيم عن علي بن زيد قال حدثنا الحسن فذكره.

(20/133)


الحديث الثالث
...
حديث ثالث لعمرو بن يحيى
مالك عن عمرو بن يحيى المازني عن أبيه أنه قال سمعت أبا سعيد الخدري يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ليس فيما دون خمس ذود صدقة وليس فيما دون خمس أواق صدقة وليس فيما دون خمسة أوسق صدقة".
هذا حديث صحيح الإسناد عند جميع أهل الحديث وأما حديث مالك عن محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة عن أبيه عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم في مثل هذا المتن فخطأ في الإسناد وإنما هذا الحديث محفوظ ليحيى بن عمارة عن أبي سعيد الخدري وقد ذكرنا الرواية الصحيحة في ذلك في باب محمد بن أبي صعصعة من كتابنا هذا والحمد لله.

(20/133)


وهذا الحديث رواه عن عمرو بن يحيى جماعة من جلة العلماء احتاجوا إليه فيه ورواه عن أبيه أيضا جماعة والحديث صحيح بهذا الإسناد.
أخبرنا عبد الله بن محمد بن أسد قال حدثنا حمزة بن محمد وحدثنا محمد ابن إبراهيم بن سعيد قال حدثنا محمد بن معاوية قالا حدثنا أحمد بن شعيب قال أخبرنا محمد بن المثنى ومحمد بن بشار قالا حدثنا عبد الرحمن قال حدثنا سفيان وشعبة ومالك عن عمرو بن يحيى عن أبيه عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ليس فيما دون خمسة أوسق ولا فيما دون خمس ذود ولا فيما دون خمس أواق فضة صدقة".
قال وأخبرنا عيسى بن حماد قال أخبرنا الليث عن يحيى بن سعيد عن عمرو بن يحيى بن عمارة عن أبيه عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ليس فيما دون خمس ذود ولا فيما دون خمس أواق صدقة ولا فيما دون خمسة أوسق صدقة". قال أخبرنا إسماعيل بن مسعود قال حدثنا يزيد بن زريع قال حدثنا روح بن القاسم قال حدثني عمرو بن يحيى بن عمارة عن أبيه عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا يحل في البر والتمر زكاة حتى تبلغ خمسة أوسق ولا تحل في الورق زكاة حتى تبلغ خمسة أواق ولا تحل في الإبل زكاة حتى تبلغ خمس ذود" . قال وأخبرنا أحمد بن عبدة قال أخبرنا حماد عن يحيى بن سعيد وعبيد الله بن عمر عن عمرو بن يحيى عن أبيه عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ليس فيما دون خمس أواق صدقة ولا فيما دون خمس ذود صدقة ولا فيما دون خمسة أوسق صدقة".

(20/134)


قال وأخبرنا محمد بن المثنى قال حدثنا عبد الرحمن قال حدثنا سفيان عن إسماعيل بن أمية عن محمد بن يحيى بن حبان عن يحيى بن عمارة عن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ليس في حب ولا تمر صدقة حتى تبلغ خمسة أوسق ولا فيما دون خمس ذود ولا فيما دون خمس أواق صدقة". قال حمزة لم يذكر أحد في هذا الحديث في حب غير إسماعيل ابن أمية وهو ثقة قرشي من ولد سعيد بن العاصي قال وهذه السنة لم يروها عن النبي صلى الله عليه وسلم أحد من أصحابه غير أبي سعيد الخدري.
قال أبو عمر:
هو كما قال حمزة لم يقل أحد في هذا الحديث من حب غير إسماعيل بن أمية عن محمد بن يحيى بن حبان عن يحيى بن عمارة عن أبي سعيد الخدري وقد قيل إن هذا الحديث ليس يأتي من وجه لا مطعن فيه ولا علة عن أبي سعيد الخدري إلا من حديث يحيى بن عمارة عنه من رواية ابنه عمرو بن يحيى عنه ومن رواية محمد بن يحيى بن حبان عنه وقد روي من حديث ابن أبي صعصعة عن أبي سعيد الخدري وقد مضى ذكر العلة فيه بهذا الإسناد وقد وجدناه من حديث ابي هريرة بإسناد حسن.
حدثنا سعيد بن نصر حدثنا قاسم بن أصبغ قا ابن وضاح حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا علي بن إسحاق عن ابن المبارك عن معمر قال حدثني سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : "ليس فيما دون خمسة أوساق صدقة وليس فيما دون خمس أواق صدقة وليس فيما دون خمس ذود صدقة".

(20/135)


وروى أبو البختري عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ليس فيما دون خمسة أوساق زكاة" رواه وكيع وغيره عن إدريس الأودي عن عمرو بن مرة عن أبي البختري ويقولون إن أبا البختري لم يسمع من أبي سعيد الخدري.
قال أبو عمر:
قد روى أبو البختري عن أبي سعيد الخدري أحاديث غير هذا وسنه فوق إدراك أبي سعيد وقد تقدم عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل ذلك ولكنه غريب غير محفوظ حدثناه عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أحمد بن محمد البرتي قال حدثنا أبو حذيفة موسى بن مسعود قال حدثنا محمد بن مسلم الطائفي عن عمرو بن دينار قال كان جابر بن عبد الله يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا صدقة في شيء من الزرع أو النخل أو الكرم حتى يكون خمسة أوسق ولا في الرقة حتى تبلغ مائتي درهم". وهذه سنة جليلة تلقاها الجميع بالقبول.
قال أبو عمر:
أما قوله: "ليس فيما دون خمس ذود صدقة" فالذود واحد من الإبل فكأنه قال ليس فيما دون خمس من الإبل أو خمس إبل أو خمس جمال أو خمس نوق صدقة والذود واحد من هذه كلها ومنه قيل الذود إلى الذود إبل وقد قيل إن الذود القطعة من الإبل ما بين الثلاث إلى العشر والأول أكثر وأشهر، قال

(20/136)


الحطيئة:
ونحن ثلاثة وثلاث ذود ... لقد عال الزمان على عيالي
أي مال عليهم والصدقة الزكاة المعروفة وهي الصدقة المفروضة سماها الله صدقة وسماها زكاة قال: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} وقال: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ} الآية يعني الزكوات وقال: {وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} وقال: {الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ} فهي الصدقة وهي الزكاة وهذا ما لا تنازع فيه ولا اختلاف ففي هذا الحديث دليل على أن ما كان دون خمس من الإبل فلا زكاة فيه وهذا إجماع أيضا من علماء المسلمين فإذا بلغت خمسا ففيها شاة واسم الشاة يقع على واحدة من الغنم والغنم الضأن والمعز جميعا وهذا أيضا إجماع من العلماء أنه ليس في خمس الإبل إلا شاة واحدة وهي فريضتها إلى تسع فإذا بلغت الإبل عشرا ففيها شاتان وهي فريضتها إلى أربع عشرة فإذا بلغت خمس عشرة ففيها ثلاث شياه وهي فريضتها إلى عشرين فإذا بلغت عشرين ففيها أربع شياه وهي فريضتها إلى أربع وعشرين فإذا بلغت خمسا وعشرين ففيها ابنة مخاض وهو ابنة حول كامل فإن لم تكن بنت مخاض فابن لبون ذكر وقد وصفنا أسنان الإبل كلها من أولها إلى آخرها ما يؤخذ منها في الصدقات وفي الديات في باب عبد الله بن أبي بكر من هذا الكتاب فلا معنى لإعادة ذلك ههنا.

(20/137)


وابنة مخاض أو ابن لبون إن لم توجد ابنة مخاض فريضة خمس وعشرين من الإبل إلى خمس وثلاثين منها فإذا كانت ستا وثلاثين ففيها ابنة لبون وهي فريضتها إلى خمس وأربعين فإذا كانت ستا وأربعين ففيها حقة وهي فريضتها حتى تبلغ ستين فإذا كانت إحدى وستين ففيها جذعة وهي فريضتها إلى خمس وسبعين فإذا كانت ستا وسبعين ففيها ابنتا لبون وهي فريضتها إلى تسعين فإذا كانت إحدى وتسعين ففيها حقتان وهي فريضتها إلى عشرين ومائة فإذا كانت إحدى وعشرين ومائة فهذا موضع اختلاف بين العلماء وكل ما قدمت لك إجماع لا خلاف فيه وأما اختلافهم في هذا الموضع فإن مالكا قال إذا زادت الإبل على عشرين ومائة واحدة فالمصدق بالخيار إن شاء أخذ ثلاث بنات لبون وإن شاء أخد حقتين.
قال ابن القاسم وقال ابن شهاب إذا زادت واحدة على عشرين ومائة ففيها ثلاث بنات لبون إلى أن تبلغ ثلاثين ومائة فيكون فيها حقة وابنتا لبون قال ابن قاسم يتفق ابن شهاب ومالك في هذا ويختلفان فيها بين واحد وعشرين ومائة إلى تسع وعشرين ومائة قال ابن القاسم ورأيي على قول ابن شهاب.
وذكر ابن حبيب أن عبد العزيز بن أبي سلمة وعبد العزيز بن أبي حازم وابن دينار يقولون بقول مالك إن الساعي مخير إذا زادت الإبل على عشرين ومائة في حقتين أو ثلاث بنات لبون كما قال مالك وذكر أن المغيرة المخزومي كان يقول إذا زادت الإبل على عشرين ومائة ففيها حقتان لا غير إلى ثلاثين ومائة وليس الساعي في ذلك مخيرا قال وأخذ عبد الملك بن الماجشون بقول المغيرة في ذلك.

(20/138)


قال أبو عمر
إذا بلغت الإبل ثلاثين ومائة ففيها حقة وابنتا لبون بإجماع من العلماء لأن الأصل في فرائض الإبل المجتمع عليها في كل خمسين حقة وفي كل أربعين بنت لبون فلما احتملت الزيادة على عشرين ومائة للوجهين جميعا وقع الاختلاف كما رأيت للاحتمال في الأصل.
وقال الشافعي والأوزاعي إذا زادت الإبل على عشرين ومائة ففيها ثلاث بنات لبون وفي كل خمسين حقة وفي كل أربعين بنت لبون.
وقال أبو حنيفة وأصحابه والثوري إذا زادت الإبل على عشرين ومائة استقبل الفريضة وهذا الذي ذكرت لك أنه إجماع من العلماء في هذا الباب هو الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم بنقل الكافة ونقله الآحاد أيضا في كتاب عمرو بن حزم وغيره وفي كتاب أبي بكر الصديق وعمر الفاروق إلى العمال وهو المعمول به عند جماعة العلماء في جميع الآفاق والأحاديث في ذلك كثير قد ذكرها المصنفون وكثروا فيها وما ذكرنا وحكينا يغني عنها وأحسن شيء منها ما حدثناه عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا المطلب بن شعيب قال حدثنا عبد الله بن صالح قال حدثني الليث قال حدثني يونس عن ابن شهاب في الصدقات قال ابن شهاب هذه نسخة كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصدقة وهي عند آل عمر بن الخطاب قال يونس حدثني ابن شهاب قال أقرأنيها سالم فوعيتها على وجهها وهي التي انتسخ عمر بن عبد العزيز من عبد الله وسالم ابني عبد الله بن عمر وأمر عماله بالعمل بها ولم يزل الخلفاء يعملون بها وهذا كتاب تفسيرها: "لا يؤخذ في شيء من الإبل صدقة حتى تبلغ خمس ذود فإذا بلغت خمسا ففيها شاة حتى تبلغ عشرا فإذا بلغت عشرا فيها شاتان حتى تبلغ خمس عشرة فإذا بلغت خمس عشرة ففيها ثلاث شياه حتى تبلغ عشرين فإذا بلغت عشرين ففيها أربع شياه حتى تبلغ خمسا وعشرين فإذا

(20/139)


بلغت خمسا وعشرين افترضت فكان فيها فريضة ابنة مخاض فإن لم توجد ابنة مخاص فابن لبون ذكر حتى تبلغ خمسا وثلاثين فإذا كانت ستا وثلاثين ففيها ابنة لبون حتى تبلغ خمسا وأربعين فإذا كانت ستا وأربعين ففيها حقة طروقة الجمل حتى تبلغ ستين فإذا كانت إحدى وستين ففيها جذعة حتى تبلغ خمسا وسبعين فإذا بلغت ستا وسبعين ففيها ابنتا لبون حتى تبلغ تسعين فإذا كانت إحدى وتسعين ففيها حقتان طروقتا الجمل حتى تبلغ عشرين ومائة فإذا كانت إحدى وعشرين ومائة ففيها ثلاث بنات لبون حتى تبلغ تسعا وعشرين مائة فإذا كانت ثلاثين ومائة ففيها حقة وابنتا لبون حتى تبلغ تسعا وثلاثين ومائة فإذا كانت أربعين ومائة ففيها حقتان وابنة لبون حتى تبلغ تسعا وأربعين ومائة فإذا كانت خمسين ومائة ففيها ثلاث حقاق حتى تبلغ تسعا وخمسين ومائة فإذا كانت ستين ومائة ففيها أربع بنات لبون حتى تبلغ تسعا وستين ومائة فإذا بلغت سبعين ومائة ففيها حقة وثلاث لبون بنات حتى تبلغ تسعا وسبعين ومائة فإذا بلغت ثمانين ومائة ففيها حقتان وابنتا لبون حتى تبلغ تسعا وثمانين ومائة فإذا كانت تسعين ومائة ففيها ثلاث حقاق وابنة لبون حتى تبلغ تسعا وتسعين ومائة فإذا كانت مائتين ففيها أربع حقاق أو خمس بنات لبون أي السنين وجدت أخذت ولا تؤخذ من الغنم صدقة حتى تبلغ أربعين فإذا بلغت أربعين ففيها شاة حتى تبلغ عشرين ومائة فإذا كانت إحدى وعشرين ومائة ففيها شاتان حتى تبلغ مائتي شاة فإذا كانت مائتي شاة وشاة ففيها ثلاث شياه حتى تبلغ ثلاثمائة فإذا زادت على ثلاثمائة شاة ففي كل مائة شاة فليس فيها إلا ثلاث شياه حتى تبلغ أربعمائة شاة ففيها أربع شياه حتى تكون خمسمائة ففيها خمس شياه ثم ذكرها هكذا إلى ألف فيكون فيها عشر شياه في كل مائة

(20/140)


شاة شاة قال ثم كلما زادت مائة ففيها شاة ولس في الورق صدقة حتى تبلغ مائتي درهم فإذا بلغت مائتي درهم ففيها خمسة دراهم ثم في كل أربعين ردهما زاد على مائتي درهم درهم وليس في الذهب صدقة حتى يبلغ صرفها مائتي درهم فإذا بلغ صرفها مائتي درهم ففيها خمسة دراهم ثم في كل ما يبلغ صرفه أربعين درهما درهم حتى تبلغ أربعين دينارا فإذا بلغت أربعين دينارا ففيها دينار ثم ما زاد على ذلك من الذهب ففي صرف أربعين درهما درهم وفي كل أربعين دينارا دينار وليس في السوائم من الإبل والبقر ولا بقر الحرث صدقة من أجل أنها سوائم الزرع وعوامل الحرث وفي كل ثلاثين بقرة تبيع ذكر وفي كل أربعين بقرة بقرة".
قال أبو عمر:
أما قوله: في زكاة الذهب وبقر الحرث والسوائم عوامل الإبل فليس ذلك في شيء من الأحاديث المرفوعة إلا في هذا الحديث وهو من رأي ابن شهاب محفوظ وكثيرا ما كان يدخل في أواخر الحاديث رأيه فيظن السامع أن ذلك في الحديث وكل ما في هذا الحديث فإجماع من العلماء إلا في زكاة الذهب فإن الجمهور على خلاف ابن شهاب في ذلك والخلاف فيه على ما نذكره بعد في هذا الباب وكذلك الخلاف في موضع واحد من زكاة الغنم وفي زكاة العوامل من الإبل والبقر.
فأما اختلافهم في زكاة الإبل العوامل والبقر العوامل فذهب مالك إلى أن الزكاة فيها واجبة كغير العوامل سواء وهو قول مكحول وقتادة ورواية عن الليث رواها ابن وهب عنه.
وقال الثوري والأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز والشافعي وأبو حنيفة وأصحابهما والحسن بن صالح وأحمد وإسحاق وأبو ثور وأبو عبيد وداود،

(20/141)


والطبري ليس في العوامل من الإبل والبقر صدقة وروي ذلك عن علي ومعاذ وجابر بن عبد الله ولا مخالف لهم من الصحابة.
وروى عبد الله بن صالح عن الليث مثل ذلك وهو قول جماعة التابعين بالحجاز والعراق وحجة من أوجب الزكاة في العوامل من الإبل والبقر ظاهر الأحاديث في الإبل والبقر في كل ثلاثين بقرة تبيع وفي كل أربعين مسنة لم يخص عاملا عن غير عامل.
وحجة من أسقط عنها الزكاة حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "في كل إبل سائمة من كل أربعين بنت لبون" الحديث قالوا والسائمة هي الراعية التي يطلب نماؤها في نسلها ورسلها قالوا وفي ذكر السائمة نفي للزكاة عن العاملة وبين أصحاب مالك وبين مخالفيهم في زكاة العوامل من جهة النظر والمقايسات ما رغبت عن ذكره.
قال أبو عمر :
وأما الموضع الذي اختلفوا فيه من زكاة الغنم فهو إذا زادت على ثلاثمائة شاة فإن الحسن بن صالح بن حي قال إذا كانت الغنم ثلاثمائة شاة وشاة ففيها أربع شياه وإذا كانت أربعمائة شاة وشاة ففيها خمس شياه ثم هكذا كلما زادت في كل مائة شاة وروي عن منصور عن إبراهيم نحوه.
وقال مالك والثوري وأبو حنيفة والشافعي وسائر الفقهاء في مائتي شاة وشاة ثلاث شياه ثم لا شيء فيها زائدا إلى أربعمائة فتكون فيها أربع شياه ثم كلما زادت مائة ففيها شاة اتفاقا وإجماعا والآثار المروية عن النبي صلى الله عليه وسلم كلها تدل على ما قال مالك وسائر الفقهاء دون ما قال الحسن بن حي لأن في جميعها في صدقة الغنم فإذا زادت على ثلاثمائة ففي كل مائة شاة وهذا يقتضي ما قال

(20/142)


الفقهاء وجماعة العلماء دون ما قال الحسن بن حي وهذه مسألة وهم فيها ابن المنذر وحكى فيها عن العلماء الخطأ وغلط وأكثر الغلط.
وأما قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث هذا الباب: "وليس فيما دون خمس أواق صدقة" فإنه إجماع من أهل العلم أيضا وفي هذا القول معنيان أحدهما نفي الزكاة عما دون خمس اواق والمعنى الثاني إيجابها في ذلك المقدار وفيما زاد عليه بحسابه هذا ما يوجبه ظاهر هذا الحديث لعدم النص عن العفو بعد الخمس الأواقي حتى تبلغ مقدارا ما فلما عدم النص في ذلك وجب القول بإيجابها في القليل والكثير بدلالة العفو عما دون الخمس الأواقي وعلى هذا أكثر العلماء وسنذكر القائلين به والخلاف فيه في هذا الباب بعد إن شاء الله.
والأوقية عندهم أربعون درهما كيلا لا خلاف في ذلك والأصل في الأوقية ما ذكر أبو عبيد في كتاب الموال قال كانت الدراهم غير معلومة إلى أيام عبد الملك بن مروان فجمعها وجعل كل عشرة من الدراهم وزن سبعة مثاقيل قال وكانت الدراهم يومئذ درهم من ثمانية دوانق زيف ودرهم من اربعة دوانق جيد قال فاجتمع رأي علماء ذلك الوقت لعبد الملك على أن جمعوا الأربعة الدوانق إلى الثمانية فصارت اثني عشر دانقا فجعلوا الدرهم ستة دوانق وسموه كيلا واجتمع لهم في ذلك أن في كل مائتي درهم زكاة وأن أربعين درهما أوقية وأن في الخمس الأواقي التي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس فيما دونها صدقة مائتي درهم لا زيادة وهي نصاب الصدقة.

(20/143)


قال أبو عمر:
ما حكاه أبو عبيد يستحيل لأن الأوقية على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يجز أن تكون مجهولة المبلغ من الدراهم في الوزن ثم يوجب الزكاة عليها وهي لا يعلم مبلغ وزنها ووزن الدينار درهمان أمر مجتمع عليه معروف في الآفاق عند جماعة أهل الإسلام إلا أن الوزن عندنا بالأندلس مخالف لوزنهم فالدرهم الكيل عندهم هو عندنا بالأندلس درهم وأربعة أعشار درهم لأن دراهمنا مبنية على دخل أربعين مائة في مائة كيلا هكذا أجمع الأمراء والناس عليها عندنا بالأندلس في جميع نواحيها فعلى ما ذكرنا في الدرهم المعهود عندنا أنه درهم وخمسان تكون المائتا درهم كيلا مائتي درهم وثمانين درهما وقيل إن الدرهم المعهود بالمشرق وهو الدرهم الكيل المذكور هو بوزننا المعهود اليوم بالأندلس درهم ونصف وأظن ذلك بمصر وما والاها وأما أوزان العراق فعلى ما ذكرت لك لم يختلف عليها أن درهمهم درهم وأربعة أعشار درهم بوزننا وقد حكى الأثرم عن أحمد ابن حنبل أنه ذكر اختلاف الدينار والدرهم باليمن وناحية عدن فقال قد اصطلح الناس على دراهمنا وإن كان بينهم في ذلك اختلاف قال وأما الدنانير فليس فيها اختلاف فجملة النصاب ومبلغه عندنا اليوم بوزننا ودخلنا على حسبما وصفنا خمسة وثلاثون دينارا دراهم حساب الدينار ثمانية دراهم بدراهمنا التي هي دخل أربعين ومائة في مائة كيلا وهذا على حساب الدرهم الكيل درهم وأربعة أعشار درهم وعلى حساب الدرهم درهم ونصف يكون سبعة وثلاثين دينارا دراهم فإذا ملك الحر المسلم وزن المائتي درهم المذكورة من فضة مضروبة أو غير مضروبة وهي الخمس الأواقي المنصوصة في الحديث حولا كاملا فقد وجبت عليه صدقتها وذلك ربع عشرها خمسة دراهم للمساكين والفقراء ومن ذكر في آية الصدقات إلا المؤلفة قلوبهم فإن الله قد أغنى الإسلام

(20/144)


وأهله اليوم عن أن يتألف عليه وسائر الأصناف المذكورات من وضع زكاته في صنف منهم أجزأه إلا العاملين على الصدقات فإنما لهم بقدر عمالتهم وقد ذكرنا ما للعلماء في قسم الصدقات على الأصناف المذكورين في الآية من التنازع في غير هذا الموضع وما ذكرت لك ههنا فهو المعتمد عليه المعمول به وما زاد على المائتي درهم من الورق فبحساب ذلك في كل شيء منه ربع عشره قل أو كثر هذا قول مالك والليث والشافعي وأكثر أصحاب أبو حنيفة وابن أبي ليلى والثوري والأواعي واحمد ابن حنبل وأبي ثور وإسحاق وأبي عبيد وروي ذلك عن علي وابن عمر.
وقالت طائفة من أهل العلم لا شيء فيما زاد على المائتي درهم حتى تبلغ الزيادة أربعين درهما فإذا بلغتها كان فيها درهم وذلك ربع عشرها هذا قول سعيد بن المسيب والحسن وعطاء وطاوس والشعبي وابن شهاب الزهري ومحكول وعمرو بن دينار والأوزاعي وأبي حنيفة.
وأما زكاة الذهب فأجمع العلماء على أن الذهب إاذ كان عشرون دينارا قيمتها مائتا درهم فما زاد أن الزكاة فيها واجبة إلا رواية جاءت عن الحسن وعن الثوري مال إليها بعض أصحاب داود بن علي أن الذهب لا زكاة فيه حتى يبلغ أربعين دينارا والدينار من الذهب هو المثقال الذي وزنه درهمان عددا بدراهمنا لا كيلا وهذا أمر مجتمع عليه لا خلاف فيه إلا ما كان من اختلاف الأوزان بين أهل البلدان.
وقد روي عن جابر بن عبد الله بإسناد لا يصح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الدينار أربعة وعشرون قيراطا" وهذا الحديث وإن لم يصح إسناده ففي قول جماعة العلماء به وإجماع الناس على معناه ما يغني عن الإسناد فيه والقيراط

(20/145)


وزنه ثلاث حبات من حبوب الشعير الممتلئة غير الخارجة عن المعهود من مقادير الحبوب وذلك اثنتان وسبعون حبة وزن جميعها درهمان بدراهمنا اليوم والحمد لله وأجمعوا على أن لا زكاة فيما دون عشرين مثالا إذا لم تبلغ قيمتها مائتي درهم واختلفوا في العشرين دينارا إذا لم تبلغ قيمتها مائتي درهم وفيما يساوي من الذهب مائتي درهم وإن لم يكن وزنه عشرين دينارا فالذي عليه جمهور أهل العلم أن الذهب تجب فيه الزكاة على من ملكه حولا إذا كان وزنه عشرين دينارا فصاعدا يجب فيه ربع عشره وسواء ساوى مائتي درهم كيلا أم لم يساو وما زاد على العشرين مثقالا فبحساب ذلك في القليل والكثير وما نقص من عشرين دينارا فلا زكاة فيه سواء كانت قيمته مائتي درهم أو أكثر والمراعاة فيه وزنه في نفسه من غير قيمة هذا مذهب مالك والشافعي وأصحابهما والليث بن سعد والثوري في أكثر الروايات عنه وأحمد وإسحاق وأبي ثور وأبي عبيد وهو قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه وجماعة من التابعين بالعراق والحجاز منهم عروة بن الزبير وعمر بن عبد العزيز وابن سيرين والنخعي والحكم وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد إلا أن أبا حنيفة قال لا شيء فيما زاد على العشرين مثالا حتى يبلغ أربعة مثاقيل وهو قول الأوزاعي.
وقال آخرون ليس في الذهب زكاة حتى يبلغ صرفها مائتي درهم فإذا بلغ صرفها مائتي درهم ففيها ربع العشر وإن كان وزنها أقل من عشرين دينارا ولو كانت عشرين دينارا أو أزيد ولم يبلغ صرفها مائتي درهم لم تجب فيها زكاة حتى تبلغ أربعين دينارا فإذا بلغت أربعين دينارا ففيها دينار ولا يراعى فيها الصرف والقيمة إذا بلغت أربعين دينارا هذا قول الزهري وقد رواه يونس عنه في الحديث المذكور عن سالم وعبد الله ابني عبد الله بن عمر في ذلك الكتاب والصحيح عندي والله أعلم أنه من رأي ابن شهاب كذلك ذكره عنه معمر وغيره وهو قول عطاء وطاوس وبه قال أيوب السختياني وسليمان بن حرب.

(20/146)


وقالت طائفة: ليس في الذهب شيء حتى تبلغ أربعين دينارا فإذا بلغت أربعين دينارا ففيها ربع عشرها دينار ثم ما زاد فبحساب ذلك هذا قول الحسن ورواية عن الثوري وبه قال أكثر أصحاب داود بن علي ولا خلاف بين علماء المسلمين أن في كل أرعين دينارا من الذهب دينارا يجب إخراجه زكاة على مالكها حولا كاملا تاجرا كان أو غير تاجر ما لم يكن حليا متخذا للبس النساء فإن كان حليا من ذهب أو فضة قد اتخذ للبس النساء أو كان خاتم فضة لرجل أو حلية سيف أو مصحف من فضة لرجل أو ما أبيح له إتخاذه من غير الآنية فإن العلماء اختلفوا في وجوب الزكاة فيه فذهب مالك وأصحابه إلى أن لا زكاة فيه وبه قال أحمد وإسحاق وأبو ثور وأبو عبيد وهو قول الشافعي بالعراق ووقف فيه بعد ذلك بمصر وقال أستخير الله فيه.
وروي عن ابن عمر وعائشة وأسماء وجابر رضي الله عنهم أن لا زكاة في الحلي وعن جماعة من التابعين بالمدينة والبصرة مثل ذلك.
وقال الثروي وأبو حنيفة وأصحابه والأوزاعي في ذلك كله الزكاة.
وروي ذلك عن عمر وابن مسعود وابن عباس وعبد الله بن عمر وهو قول جماعة ابن عباس وسعيد بن المسيب والزهري وروي عنه عليه السلام بإسناد لا يحتج بمثله.
وقال الليث ما كان منه يلبس ويعار فلا زكاة فيه وما صنع ليفر به من الصدقة ففيه الصدقة وأما قوله صلى الله عليه وسلم: "ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة" ففيه معنيان أحدهما نفي وجوب الزكاة عما أن دون هذا المقدار كما أن قوله: "ليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة" قد نفى وجوب الزكاة فيما دون ذلك والمعنى الآخر وجوب المزكاة في هذا المقدار فما فوقه والوسق ستون صاعا

(20/147)


بإجماع من العلماء بصاع النبي صلى الله عليه وسلم والصاع أربعة أمداد بمده صلى الله عليه وسلم ومده زنته رطل وثلث وزيادة شيء هذا قول عامة العلماء بالحجاز والعراق فهي ألف مد ومائتا مد وهي بالكيل القرطبي عندنا بالأندلس خمسة وعشرون قفيز على حساب كل قفيز ثمانية وأربعون مدا وإن كان القفيز اثنين وأربعين مدا كما زعم جماعة من الشيوخ عندنا فهي ثمانية وعشرون قفيزا ونصف فقيز أو أربعة أسباع قفيز ووزن جميعها ثلاثة وخمسون ربعا وثلث ربع كل ربع منها من ثلاثين رطلا فهذا هو المقدار الذي لا تجب الزكاة فيما دونه وتجب فيه وفيما فوقه كيلا لأن الحديث إنما نبه على الكيل وهذا إجماع من العلماء أن الزكاة لا تجب فيما دون خمسة أوسق إلا أبا حنيفة وزفر ورواية عن بعض التابعين فإنهم قالوا الزكاة في كل ما أخرجته الأرض قليل ذلك وكثيره إلا الطرفاء والقصب الفارسي والحشيش والحطب.
وخالفه أصحابه فصاروا إلى ما عليه جماعة العلماء من الصحابة والتابعين وفقهاء المسلمين بالحجاز والعراق والشام ومصر في اعتبار الخمسة الأوسق المذكورة في هذا الحديث وأجمع العلماء كلهم من السلف والخلف على أن الزكاة واجبة في الحنطة والشعير والتمر والزبيب واختلفوا فيما سوى ذلك من الحبوب فقال مالك الحبوب التي تجب فيها الزكاة الحنطة والشعير والسلت والذرة والدخن والأرز والحمص والعدس والجلبان واللوبيا وما أشبه ذلك من الحبوب والقطاني كلها قال وفي الزيتون الزكاة.
وقال الشافعي كل ما يزرعه الأدميون وييبس ويدخر ويقتات مأكولا خبزا وسويقا وطحينا وطبيخا ففيه الصدقة قال والقطاني كلها

(20/148)


فيها الصدقة قال وليس في الأبزار والقت والقثاء ولا حبوب البقل ولا الشوينز صدقة قال ولا يؤخذ في شيء من ثمر الشجر صدقة إلا في النخل والعنب.
واختلف قوله في الزيتون وآخر ما رجع إليه أن لا زكاة فيه لأنه إدام وقال أبو يوسف ومحمد بن الحسن لا شيء فيما تخرجه الأرض إلا ما كان له ثمرة باقية تبلغ مكيلتها خمسة أوسق ولا تجب الزكاة فيما دون خمسة أوسق وقال الثوري وابن أبي ليلى ليس في شيء من الزرع والثمار زكاة إلا التمر والزبيب والبر والشعير وهو قول الحسن بن حي.
وقول الطبري في هذا الباب كله كقول الشافعي ولا زكاة عنده في الزيتون وقال أبو ثور الزكاة في الحنطة والشعير والأرز والحمص والعدس والذرة وجميع الحبوب مما يدخر ويؤكل.
قال وفي السلت والدخن واللوبيا والقرطم وما أشبه ذلك الزكاة.
وقال عطاء الصدقة في النخل والعنب والحبوب كلها وهو قول أحمد.
وروي عن أحمد أيضا أن كان كل شيء يدخر ويبقى فيه الزكاة.
وقال إسحاق كل ما وقع عليه اسم الحب وهو مما بقى في أيدي الناس ويصير في بعض الأزمنة عند الضرورة طعام القوم فهو حب يؤخذ منه العشر.
واختلفوا في ضم هذه الحبوب بعضها إلى بعض فمذهب مالك أن البر والشعير والسلت صنف واحد يضم بعض ذلك إلى بعض في الزكاة ولا يجوز فيها التفاضل قال وتضم القطاني كلها بعضها إلى بعض في الزكاة وهي عنده أصناف مختلفة في البيوع يجوز فيها التفاضل دون النساء والقطاني عنده الفول والحمص واللوبيا والجلبان والعدس قال وما يعرفه الناس من القطاني فإذا بلغ جميع

(20/149)


ذلك خمسة أوسق أخذ من كل واحد بحصته والدخن عنده صنف على حدة وكذلك الذرة صنف والأرز صنف ولا يضم شيء منها إلى صاحبه في الزكاة.
وقال الشافعي والثوري والأوزاعي وأبو يوسف ومحمد لا يضم شعير إلى حنطة ولا يضم جنس ولا نوع إلى غيره إذا خالفه في الاسم واللون ولا يضم من القطاني كلها وغيرها شيء إلى غيره ويعتبر من كل واحد خمسة أوسق.
وذكر ابن وهب عن الليث قال السلت والذرة والدخن والأرز والقمح والشعير صنف واحد يضم بعضه إلى بعض وتؤخذ منه الزكاة ولا يباع صنف منه بالآخر إلا مثل بمثل يدا بيد والقطاني كلها عنده صنف واحد في الزكاة ومختلفة الأجناس في البيع.
وعن الحسن والزهري في ضم الأصناف بعضها إلى بعض في هذا الباب نحو قول مالك.
وعن عطاء ومحكول والحسن بن صالح وشريك في ذلك مثل قول الشافعي وبه قال أبو عبيد وأحمد وأبو ثور وأجمعوا أنه لا يضاف التمر إلى الزبيب ولا إلى البر ولا البر إلى الزبيب ولا الإبل إلى البقر ولا البقر إلى الغنم والغنم الضأن والمعز يضاف بعضها إلى بعض بإجماع واختلفوا في ضم الذهب والورق بعضها إلى بعض في الزكاة فقال مالك والأوزاعي وأبو حنيفة وأصحابه والثوري يضم أحدهما إلى الآخر فيكمل به النصاب إلا أن أبا حنيفة قال يضم بالقيمة وكذلك قال الثوري إلا أنه قال يضم القليل إلى الكثير بقيمة الأكثر وتفسير ضهما بالقيمة أن يقوم أحدهما بالآخر فإن بلغت قيمته ما تجب فيه الزكاة من ذلك الصنف جعلهما كأنهما صنف واحد وزكاهما زكاة ذلك الصنف.

(20/150)


قال أبو حنيفة فإن كانت قيمة كل واحد من الصنفين تبلغ مع الصنف الآخر المقدار الذي تجب فيه الزكاة منه نظر ما فيه الحظ للمساكين فجعل الصنفين كأنهما من ذلك الصنف وجعل فيهما جميعا زكاة ذلك الصنف وإن كان في التقويم بأحدهما دون الآخر زكاة قوم بالذي يجب بالتقويم فيه الزكاة وقد روي عن الثوري مثل هذا أيضا.
وقال أبو يوسف ومحمد ومالك والأوزاعي تضم بالأجزاء ويحسب الدينار بعشرة دراهم على ما كانت في الزمان الأول فمن كانت له عشرة دنانير ومائة درهم وجبت عليه الزكاة وأخرج من كل واحد بحسابه منه وهو قول الحسن وقتادة ومن تفسير الضم بالأجزاء أن تكون عنده من كل واحد من الصنفين الذهب والورق نصف كل نصف منهما او يكون عنده ثلث أحدهما ومن الآخر ثلثاه على هذا المعنى فإن كانت الأجزاء على هذا المعنى غير متكاملة فلا زكاة فإن تكاملت بأقل الأجزاء مثل أن تكون عنده تسعون ومائة درهم ودينار أو تسعة عشر دينارا وعشرة دراهم وجبت فيهما جميعا الزكاة.
وقال ابن أبي ليلى والحسن بن صالح وشريك والشافعي وأصحابه وأبو ثور وأحمد وإسحاق وأبو عبيد والطبري وداود بن علي لا يضم شيء منهما إلى صاحبه ويعتبرون تمام النصاب في كل واحد منهما وهو قول صحيح في النظر ومعنى الأثر وبالله التوفيق.
قال أبو عمر:
أما التمر فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من نقل الآحاد الثقات أنه قال: "ليس فيما دون خمسة أوسق من التمر صدقة" من رواية مالك عن محمد بن عبد الله

(20/151)


ابن الرحمن بن أبي صعصعة وقد ذكرناه في باب محمد من هذا الكتاب وذكرنا هناك من روى مثل روايته وما الصحيح من ذلك وذكرنا في هذا الباب من حديث إسماعيل بن أمية عن محمد بن يحيى بن حبان عن يحيى بن عمارة عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ليس فيما دون خمسة أوساق من حب وتمر صدقة" وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بخرص التمر للزكاة وقد ذكرنا طرق حديثه بذلك في باب شهاب من هذا الكتاب.
وأما البر فقد ذكرنا في الباب من رواية روح بن القاسم عن عمرو ابن يحيى عن أبيه عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا يجب أو يحل في البر والتمر زكاة حتى تبلغ خمسة أوسق" وذكرنا حديث جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا صدقة في شيء من الزرع أو النخل أو الكرم حتى يكون خمسة أوسق".
وروى عبد الرحمن بن إسحاق عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن عتاب بن أسيد قال أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أخرص العنب وآخذ زكاته زبيبا كما تؤخذ زكاة التمر تمرا فهذا ما في الأحاديث من ذكر الحبوب والتمر والزبيب وحديث إسماعيل بن أمية يجمع كل حب وقد أجمع العلماء على أخذ الزكاة من البر والشعير والتمر والزبيب كما ذكرنا واختلفوا فيما سوى ذلك على ما وصفنا وبالله توفيقنا.
وأما اختلافهم في زكاة الزيتون فقال الزهري ومالك والأوزاعي والليث بن سعيد وسفيان الثوري وأبو حنيفة وأصحابه وأبو ثور فيه الزكاة قال الزهري والأوزاعي والليث يخرص زيتونا ويؤخذ زيتا صافيا.

(20/152)


وقال مالك: لا يخرص ولكن يؤخذ العشر بعد أن يعصر ويبلغ كيل الزيتون خمسة أوسق.
وقال أبو حنيفة والثوري وأبو ثور تؤخذ الزكاة من حبه.
وكان ابن عباس يوجب في الزيتون الزكاة.
وروي عن عمر ولا يصح عنه فيه شيء.
وكان الشافعي يقول بالعراق في الزيتون الزكاة ثم قال بمصر لا أعلم أن الزكاة تجب في الزيتون.
أخبرني قاسم بن محمد قال حدثنا خالد بن سعد قال سمعت سعيد بن عثمان يقول سمعت محمد بن عبد الله بن عبد الحكم يقول اجتمع على هذه المسألة ثلاثة أنا أخالفهم مالك وابن القاسم وأشهب يقولون إن في الزيت الزكاة ما اجتمع الناس على حبه فكيف على زيته.
قال أبو عمر
قد احتج الشافعي في إيجاب الزكاة بقول الله عز وجل: {وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} ونزع مالك بهذه الآية كما صنع الشافعي فدل على أن الآية عندهم محكمة غير منسوخة واتفقا جميعا على أن لا زكاة في الرمان ثم اضطرب الشافعي في الزيتون وكان يلزمهما إيجاب الزكاة في الزيتون والرمان بهذه الآية فإن كان الرمان خرج باتفاق فقد أبان بذلك أن الآية ليست على عمومها،

(20/153)


وأنها موقوفة على ما أخذ منه من الأموال وما عفي عنه فكان الضمير على هذا التأويل عائدا على النخل والزرع وقد ذكرنا ما أجمعوا عليه من ذلك وما اختلفوا فيه.
وأما الزيتون فواجب فيه الزكاة بهذه الآية وجمهور العلماء على أن هذه الآية محكمة وروي عن ابن عباس أنه قال في تأويل قول الله عز وجل: {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} قال العشر ونصف العشر وقال مرة أخرى حقه الزكاة المفروضة يوم يكال أو يعلم كيله.
وروي عن أنس في قوله: {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} قال الزكاة وبهذا قال جابر بن زيد أبو الشعثاء وسعيد بن المسيب وطاوس والحسن وقتادة والضحاك وزيد بن اسلم وأبو صالح وعكرمة وقال مجاهد حقه أن يلقي لهم من السنبل إذا حصد زرعه ويلقي لهم من الشماريخ إذا جد نخله فإذا كاله زكاه وهو قول عطاء وسعيد بن جبير أوجبوا عند الصرام والحصاد شيئا سوى الزكاة ثم الزكاة.
وروي عن ابن عمر نحوه قال يعطون من اعتر بهم الشيء وقال الربيع ابن أنس هو إلقاء السنبل ونحوه عن علي بن الحسين وهذا كله في معنى قول مجاهد.
وقالت طائفة هذه الآية منسوخة نزلت قبل نزول الزكاة لأن السورة مكية قالوا لم تنزل آية الزكاة إلا بالمدينة قوله خذ من أموالهم صدقة الآية وقوله وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ونحو هذا؛

(20/154)


وممن قال إن الآية منسوخة بالزكاة العشر أو نصف العشر محمد بن الحنيفة ومحمد بن علي بن الحسين وإبراهيم النخعي والسدي وعطية العوفي.
وأما الخضر والفواكه فجمهور أهل العلم على أن لا زكاة فيها وسنذكر ذلك في باب الثقة عند مالك عن سليمان بن يسار وبسر بن سعيد من هذا الكتاب عنده ذكر قوله صلى الله عليه وسلم: "فيما سقت السماء والعيون والبعل العشر وما سقي بالنضح نصف العشر" ونبين المعنى في ذلك هنالك إن شاء الله.
قال أبو عمر:
أما زكاة الزرع والثمار والحبوب فيجب أداؤها في حين الحصاد الجداد بعد الدرس والذر ويعتبر وجوب ذلك فيمن مات عن زرعه أو باعه أو عن نخله بالإزهاء وبدو الصلاح في التمر وبالاستحصاد واليبس والاستغناء عن الماء في الزرع وهذا إجماع من العلماء لا خلاف فيه إلا شذوذ.
وأما زكاة الإبل والبقر والغنم فتجب أيضا بتمام استكمال الحول والنصاب وعلى هذا جماعة العلماء إلا ما روي عن مالك أنه قال إنما تجب بمرور الساعي مع تمام الحول وهذا معناه عند أهل الفهم أن الساعي كان لا يخرج إلا بعد تمام مرور الحول فكان علامة لاستكمال الحول.
وأما الذهب والورق فلا تجب الزكاة في شيء منها إلا بعد تمام الحول أيضا وعلى هذا جمهور العلماء والخلاف فيه شذوذ لا أعلمه إلا شيء روي عن ابن عباس ومعاوية أنهما قالا من ملك النصاب من الذهب والورق وجبت عليه الزكاة في الوقت وهذا قول لم يعرج عليه أحد من العلماء ولا قال به أحد من أئمة الفتوى إلا رواية عن الأوزاعي فمن باع عبده أو داره أنه يزكي الثمن

(20/155)


حين يقع في يده إلا أن يكون له شهر معلوم فيؤخره حتى يزكيه مع ماله والذي عليه جمهور العلماء مراعاة الحول والنصاب إلا أن اختلافهم في ضم الفوائد بعضها إلى بعض في الحول اختلاف يطول ذكره وتتشعب فروعه ولا يليق بنا في كتابنا هذا اجتلابه.
وحدثنا سعيد بن عثمان قال حدثنا أحمد بن دحيم قال حدثنا أبو عروبة الحراني قال حدثنا عمران بن بكار قال حدثنا حيوة بن شريح الحضرمي قال حدثنا بقية بن الوليد عن إسماعيل بن عياش عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "ليس في مال زكاة حتى يحول عليه الحول" ورواه مالك عن نافع عن ابن عمر موقوفا والناس عليه والحمد لله.
ذكر الأثرم قال حدثنا أبو عبد الله يعني احمد بن حنبل قال حدثنا أبو يزيد خالد بن حبان الخراز عن جعفر بن برقان عن ميمون بن مهران عن ابن عباس في الرجل يستفيد المال قال يزكيه حين يستفيد قال وقال ابن عمر ليس عليه زكاة حتى يحول عليه الحول قال ميمون ما اختلف ابن عمر وابن عباس في شيء إلا أخذ ابن عمر بأوثقهما إلا في هذا قال أبو عبد الله هذا حديث غريب وخالد بن حبان لم يكن به بأس.
وذكر أبو عبد الله عن وكيع عن سفيان عن أبي إسحاق عن هبيرة قال كان عبد الله يعطينا العطاء ويزكيه وليس هذا مذهب أبي عبد الله وقال كان أبو بكر وعمر وعثمان وعلي يسألون هل عندك من مال وجبت عليك فيه الزكاة وإلى هذا يذهب أبو عبد الله ليس عنده في مال زكاة حتى يحول عليه الحول لا عطية ولا غيرها قال الأثرم وحدثنا القعنبي حدثنا سليمان بن بلال عن جعفر بن محمد عن أبيه أن عليا رضي الله عنه قال ليس في المال زكاة حتى يحول عليه الحول وصلى الله على محمد.

(20/156)


الحديث الرابع
...
حديث رابع لعمرو بن يحيى مرسل
مالك عن عمرو بن يحيى المازني عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا ضرر ولا ضرار".
لم يختلف عن مالك في إسناد هذا الحديث وإرساله هكذا وقد رواه الدراوردي عن عمرو بن يحيى عن أبيه عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم ورواه كثير بن عمرو بن عوف عن أبيه ن عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم وإسناد كثير هذا عن أبيه عن جده غير صحيح وأما معنى هذا الحديث فصحيح في الأصول وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حرم الله من المؤمن دمه وماله وعرضه وأن لا يظن به إلا الخير وقال إن دمائكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام" يعني من بعضكم على بعض وقال حاكيا عن ربه عز وجل: "يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي فلا تظالموا" وقال الله عز وجل: {وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً} وأصل الظلم وضع الشيء غير موضعه وأخذه من غير وجهه ومن أضر

(20/157)


بأخيه المسلم أو بمن له ذمة فقد ظلمه والظلم ظلمات يوم القيامة كما ثبت في الأثر الصحيح.
وقد روى عبد الرواق عن معمر عن جابر الجعفي عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا ضرر ولا ضرار وللرجال أن يغرز خشبه في جدار جاره".
قال أبو عمر:
كان شعبة والثوري يثنيان على جابر الجعفي ويصفانه بالحفظ والإتقان وكان ابن عيينة يذمه ويحكي عنه من سوء مذهبه ما يسقط روايته واتبعه على ذلك أصحابه ابن معين وعلي وأحمد وغيرهم فلهذا قلت إن هذا الحديث لا يستند من وجه صحيح والله أعلم.
وأما قوله صلى الله عليه وسلم: "لا ضرر ولا ضرار" فقيل إنهما لفظتان بمعنى واحد تكلم بهما جميعا على وجه التأكيد.
وقال ابن حبيب الضرر عند أهل العربية الاسم والضرار الفعل قال ومعنى لا ضرر لا يدخل على أحد ضرر لم يدخله على نفسه ومعنى لا ضرار لا يضار أحد بأحد هذا ما حكى ابن حبيب.
وقال الخشني الضرر الذي لك فيه منفعة وعلى جارك فيه مضرة والضرار الذي ليس لك فيه منفعة وعلى جارك فيه المضرة وهذا وجه حسن المعنى في الحديث والله أعلم.

(20/158)


أخبرنا عبد الله بن محمد بن يوسف قال حدثنا أحمد بن محمد بن إسماعيل ابن الفرج قال حدثنا أبي قال حدثنا أبو علي الحسن بن سليمان قبيطة حدثنا عبد الملك بن معاذ النصيبي حدثنا عبد العزيز بن محمد الدراوردي عن عمرو بن يحيى بن عمارة عن أبيه عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا ضرر ولا ضرار من ضار ضر الله به ومن شاق شق الله عليه" وقال غيره الضرر والضرار مثل القتل والقتال فالضرر أن تضر بمن لا يضرك والضرار أن تضر بمن قد اضر بك من غير جهة الاعتداء بالمثل والانتصار بالحق وهو نحو قوله صلى الله عليه وسلم: "أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك". وهذا معناه عند أهل العلم لا تخن من خانك بعد أن انتصرت منه في خيانته لك والنهي إنما وقع على الابتداء أو ما يكون في معنى الابتداء كأنه يقول ليس لك أن تخونه وإن كان قد خانك كما من لم يكن له أن يخونك أولا وأما من عاقب بمثل ما عوقب به وأخذ حقه فليس بخائن وإنما الخائن من أخذ ما ليس له أو أكثر مما له.
وقد اختلف الفقهاء في الذي يجحد حقا عليه لأحد ويمنعه منه ثم يظفر المجحود بمال الجاحد قد ائتمنه عليه ونحو ذلك فقال منهم قائلون ليس له أن يأخذ حقه من ذلك ولا يجحده إياه واحتجوا بظاهر قوله: "أد الأمانة إلى من ائمتنك ولا تخن من خانك" وقال آخرون: له أن ينتصف منه ويأخذ حقه

(20/159)


من تحت يده واحتجوا بحديث عائشة في قصة هند مع أبي سفيان واختلف قول مالك في هذه المسألة على الوجهين المذكورين فروي الرواية الأولى عنه ابن القاسم وروى الخرى عنه زياد بن عبد الرحمن وغيره وللفقهاء في هذه المسألة وجوه واعتلالات ليس هذا باب ذكرها وإنما ذكرنا ههنا لما في معنى الضرار من مداخلة الانتصار بالإضررا ممن أضر بك والذي يصح في النظر ويثبت في الأصول أنه ليس لأحد أن يضر بأحد سواء أضر به قبل أم لا إلا أن له أن ينتصر ويعاقب إن قدر بما أبيح له من السلطان والاعتداء بالحق الذي له هو مثل ما اعتدى به عليه والانتصار ليس باعتداء ولا ظلم ولا ضرر إذا كان على الوجه الذي أباحته السنة وكذلك ليس لحد أن يضر بأحد من غير الوجه الذي هو الانتصاف من حقه ويدخل الضرر في الأموال من وجوه كثيرة لها أحكام مختلفة فمن أدخل على أخيه المسلم ضررا منع منه فإن أدخل على أخيه ضررا بفعل ما كان له فعله فيما له فأضر فعله ذلك بجاره أو غير جاره نظر إلى ذلك الفعل فإن كان تركه أكبر ضررا من الضرر الداخل على الفاعل ذلك في ماله إذا قطع عنه ما فعله قطع أكبر الضررين وأعظمهما حرمة في الأصول مثال ذلك رجل فتح كوة يطلع منها على دار أخيه وفيها العيال والأهل ومن شأن النساء في بيوتهن إلقاء بعض ثيابهن والانتشار في حوائجهن ومعلوم أن الإطلاع على العورات محرم قد ورد فيه النهي ألا ترى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لرجل اطلع عليه من خلال باب داره "لو علمت أنك تنظر لفقأت عينك إنما جعل الاستئذان من أجل النظر " وقد جعل جماعة من أهل العلم ممن فقئت عينه في مثل هذا هدرا للأحاديث الواردة بمعنى ما ذكرت لك وأبى ذلك آخرون وجعلوا فيه القصاص منهم مالك وغيره فلحرمة الاطلاع على العورات رأى العلماء أن يغلقوا على فاتح الكوة والباب ما فتح ما له فيه منفعة وراحة وفي

(20/160)


غلقه عليه ضرر لأنهم قصدوا إلى قطع أعظم الضررين إذا لم يكن بد من قطع أحدهما وكذلك من احدث بناء في رحا ماء أو غير رحا فيبطل ما أحدثه على غيره منفعة قد استحقت وثبت ملكها لصاحبها منع من ذلك لأن إدخاله المضرة على جاره بما له فيه منفعة كإدخاله عليه المضرة ما لا منفعة فيه ألا ترى أنه لو أراد هدم منفعة جاره وإفسادها من غير بناء يبنيه لنفسه لم يكن ذلك له فكذلك إذا بنى أو فعل لنفسه فعلا يضر به بجاره ويفسد عليه ملكه أو شيئا قد استحقه وصار ماله وهذه أصول قد بانت عللها فقس عليها ما كان في معناها تصب إن شاء الله وهذا كله باب واحد متقارب المعاني متداخل فاضبط أصله ومن هذا الباب وجه آخر من الضرر منع منه العلماء كدخان الفرن والحمام وغبار الأندر والإنتان والدود المتولدة من الزبل المبسوط في الرحاب وما كان مثل ذلك كله فإنه يقطع منه ما بان ضرره وبقي أثره وخشي تماديه وأما ما كان ساعة خفيفة مثل نفض التراب والحصر عند الأبواب فإن هذا مما لا غنى بالناس عنه وليس مما يستحق به شيء يبقى والضرر في منع مثل هذا أكبر وأعظم من الصبر على ذلك ساعة خفيفة وللجار على جاره في أدب السنة أن يصبر من أذاه على ما يقدر كما عليه أن لا يؤذيه وأن يحسن إليه ولقد أوصى به رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى كاد أن يورثه {وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} {وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ} {إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ} {وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ}.

(20/161)


قال حدثنا أبو بكر أحمد بن صالح بن عمر المقرئ قال حدثنا أبو علي الحسن بن الطيب الكوفي قال حدثنا سعيد بن أبي الربيع السمان البصري قال حدثنا عنبسة بن سعيد قال حدثنا فرقد السبخي عن مرة الطيب عن أبي بكر الصديق قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ملعون من ضار مسلما أو ماكره".
حدثنا أحمد بن فتح بن عبد الله قال حدثنا عبد الله بن أحمد بن حامد البغدادي المعروف بابن ثرثال قال حدثنا الحسن بن الطيب بن حمزة الشجاعي البلخي قال حدثنا سعيد بن أبي الربيع السمان قال حدثنا عنبسة بن سعيد قال حدثنا فرقد السبخي عن مرة الطيب عن أبي بكر الصديق قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ملعون من ضار أخاه المسلم أو ماكره" وهذا حديث في إسناده رجال معرفون بضعف الحديث فليس مما يحتج به ولكنه مما يخاف عقوبة ما جاء فيه ومما يدخل في هذا الباب مسألة ذكرها إسماعيل بن أبي أويس عن مالك أنه سئل عن امرأة عرض لها يعني مسا من الجن فكانت إذا اصابها زوجها أو جنبت أو دنا منها اشتد ذلك بها فقال مالك لا أرى أن يقربها وأرى للسلطان أن يحول بينه وبينهإن قال وقال مالك من مثل بامرأته فرق بينهما بتطليقة قال وإنما يفرق بينهما مخافة أن يعود إليها فيمثل بها أيضا كالذي فعل أول مرة وإنما ذلك في المثلة البينة التي يأتيها متعمدا مثل فقء العين وقطع اليد وأشباه ذلك قال وقد يفرق بين الرجل وامرأته بما هو أيسر من هذا وأقل ضررا إن شاء الله.

(20/162)


عمرو بن الحرث المصري
وله حديث واحد
...
مالك عن عمرو بن الحرث المصري حديث واحد
وهو عمرو بن الحرث بن يعقوب بن عبد الله مولى سعد بن عبادة وقيل مولى قيس بن سعد بن عبادة يكنى أبا أمية.
قال سعيد بن كثير بن عفير في تاريخ أهل مصر ولد عمرو بن الحرث ابن يعقوب مولى قيس بن سعد بن عبادة سنة اثنتين وتسعين وتوفي سنة ثمان وأربعين ومائة ويكنى أبا أمية وكان من أحفظ الناس وأرواهم للشعر وأبلغهم في رسالة.
قال البخاري كنيته أبو أمية وهو مولى الأنصار وقال مصعب أخرجه صالح بن علي من المدينة إلى مصر مؤدبا لبنيه.
وقال ابن وهب لو بقي لنا عمرو بن الحرث ما احتجنا إلى مالك بن أنس ذكره العقيلي عن أحمد بن علي عن أحمد بن وزير قال سمعت ابن وهب فذكره وذكر الحلواني عن أبي سعيد الجعفي عن ابن وهب قال: قال لي ابن مهدي انتق لي من حديث ابن الحرث مائتي حديث وجئني بها قال فانتقيتها ثم حملتها إلى مكة فحدثته بها.

(20/163)


وذكر ابن وهب عن ابن زيد عن ربيعة أنه قال لا يزال بذلك المغرب فقه ما كان فيه ذلك القصير يعني عمرو بن الحرث وقد قيل إن عمرو بن الحرث توفي سنة تسع وأربعين ومائة.
مالك عن عمرو بن الحرث عن عبيد بن فيروز عن البراء بن عازب "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل ماذا يتقى من الضحايا فأشار بيده وقال: أربعا". وكان البراء يشير بيده ويقول يدي أقصر من يد رسول الله صلى الله عليه وسلم العرجاء البين ظلعها والعوراء البين عروها والمريضة البين مرضها والعجفاء التي لا تنقي.
هكذا روى مالك هذا الحديث عن عمرو بن الحرث عن عبيد بن فيروز لم يختلف الرواة عن مالك في ذلك والحديث إنما رواه عمرو بن الحرث عن سليمان ابن عبد الرحمن عن عبيد بن فيروز عن البراء بن عازب فسقط لمالك ذكر سليمان بن عبد الرحمن ولا يعرف هذا الحديث إلا لسليمان بن عبد الرحمن هذا ولم يروه غيره عن عبيد بن فيروز ولا يعرف عبيد بن فيروز إلا بهذا الحديث وبرواية سليمان عنه ورواه عن سليمان جماعة من الأئمة منهم شعبة والليث وعمرو بن الحرث ويزيد بن أبي حبيب وغيرهم.

(20/164)


وذكر ابن وهب هذا الحديث عن عمرو بن الحرث والليث بن سعد وابن لهيعة أن سليمان بن عبد الرحمن حدثهم عن عبيد بن فيروز مولى بني شيبان عن البراء بن عازب.
أخبرنا عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد قال حدثنا محمد بن تميم قال حدثنا عيسى بن مسكين وحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا ابن وضاح قالا حدثنا سحنون قال حدثنا عبد الله بن وهب قال أخبرني عمرو بن الحرث والليث بن سعد وابن لهيعة أن سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي حدثهم عن عبيد بن فيروز مولى بين شيبان عن البراء بن عازب الأنصاري قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأشار بأصبعه قال وأصبعي أقصر من أصبع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يشير بأصبعه يقول لا يجوز من الضحايا أربع العوراء البين عورها والعرجاء البيت عرجها والمريضة البيت مرضها والعجفاء التي لا تنقي قال البراء بن عازب فلقد رأيتني وإني لآتي الشاة قد تركت وأشير إليها فإذا أطرفت أخذتها فضحيت بها.
حدثنا سعيد بن نصر وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا عبد الله بن روح المدائني قال حدثنا شبابة قال حدثنا شعبة عن سليمان بن عبد الرحمن عن عبيد بن فيروز قال سألت البراء بن عازب ما يتقى من الأضاحي قال قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ويدي أقصر من يده فقال العوراء البين عورها والعرجاء البين ظلعها والمريضة البين مرضها والكسيرة التي لا تنقى يعني المهزولة قال قلت للبراء إني لأكره أن يكون في القرن نقص او في الأذن نقص أو في السن نقص قال فما كرهته فدعه ولا تحرمه على أحد.

(20/165)


ووجدت في أصل سماع أبي بخطه رحمه الله أن محمد بن أحمد بن قاسم ابن هلال حدثهم قال حدثنا سعيد بن عثمان قال حدثنا نصر بن مرزوق قال حدثنا أسد بن موسى قال حدثنا شعبة عن سليمان بن عبد الرحمن مولى بني أسد ابن موسى قال سمعت عبيد بن فيروز مولى بني شيبان قال سألت البراء بن عازب ما كره رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأضاحي وما نهى عنه فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ويدي أقصر من يده أربع لا يجزين العوراء البين عورها والعرجاء البين ظلعها والمريضة البين مرضها والكسيرة التي لا تنقي قال قلت فإني أكره أن يكون في السن نقص أو في الأذن نقص أو في القرن نقص قال إن كرهت شيئا فدعه ولا تحرمه على أحد.
وحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا عفان وعاصم بن علي قالا حدثنا شعبة عن سليمان ابن عبد الرحمن مولى بني أسد قال سمعت عبيد بن فيروز مولى بني شيبان قال سألت البراء بن عازب ما كره رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأضاحي وماذا نهى عنه فقال: قال النبي صلى الله عليه وسلم ويدي أقصر من يد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ذكر مثله.
وروى هذا الحديث عثمان بن عمر عن الليث بن سعد عن سليمان بن عبد الرحمن عن القاسم مولى يزيد بن معاوية عن عبيد بن فيروز فأدخل بين سليمان وبين عبيد بن فيروز القاسم وهذا لم يذكره غيره وقد ذكرنا من رواية شعبة عن سليمان بن عبد الرحمن سمعت عبيد بن فيروز وشعبة موضعه من الاتقان والبحث موضعه وابن وهب أثبت في الليث من عثمان بن عمر، ولم يذكر

(20/166)


ما ذكر عثمان بن عمر فاستدلنا بهذا أن عثمان بن عمر وهم في ذلك والله أعلم. حدثنا عبد الوارث بن سفيان وسعيد بن نصر قراءة مني عليهما أن قاسم بن أصبغ حدثهما قال حدثنا جعفر بن محمد الصائغ قال حدثنا محمد بن سابق قال حدثنا شيبان عن يحيى بن أبي كثير عن إسماعيل بن أبي خالد الفدكي أنه حدثه أن البراء بن عازب سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الأضاحي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أكره العوراء البين عورها والمريضة البين مرضها والمهزولة البين هزالها والمكسورة بعض قوائمها بين كسرها".
قال أبو عمر:
استدل بعض من ذهب إلى إيجاب الضحية فرضا بهذا الحديث لقوله فيه أربع لا تجزئ أو لا تجوز في الضحايا قالو فقوله لا تجزئ دليل على وجوبها لأن التطوع لا يقال فيه لا يجزئ قالوا والسلامة من العيوب إنما تراعى في الرقاب الواجبة وأما التطوع فجائز أن يتقرب إلى الله فيه بالأعور وغيره قالوا فكذلك الضحايا.
قال أبو عمر:
ليس في هذا حجة لأن الضحايا قربان سنه رسول الله صلى الله عليه وسلم يتقرب به إلى الله عز وجل على حسبما ورد به الشرع وهو حكم ورد به التوقيف فلا يتعدى به سنته صلى الله عليه وسلم لأنه محال أن يتقرب إليه بما قد نهى عنه على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أخرنا القول في إيجاب الأضحية فرضا أو سنة أو تطوع إلى باب يحيى بن سعيد من هذا الكتاب فهناك موضع القول في ذلك وذكرنا في

(20/167)


ذلك الباب ما للعلماء فيه من الأقوال والمعاني والاعتلال واقتصرنا من القول ههنا على أحكام العيوب في الضحايا ليقع في كل باب ما هو أولى به من معانيه وبالله التوفيق.
قال أبو عمر:
أما العيوب الأربعة المذكورة في هذا الحديث فمجتمع عليها لا أعلم خلافا بين العلماء فيها ومعلوم أن ما كان في معناها داخل فيها ولا سيما إذا كانت العلة فيها أبين ألا ترى أن العوراء إذا لم تجز فالعمياء أحرى ألا تجوز وإذا لم تجز العرجاء فالمقطوعة الرجل أو التي لا رجل لها المقعدة أحرى ألا تجوز وهذا كله واضح لا خلاف فيه والحمد لله وفي هذا الحديث دليل على أن المرض الخفيف يجوز في الضحايا والعرج الخفف الذي تلحق به الشاة الغنم لقوله صلى الله عليه وسلم: "البين مرضها والبين ظلعها" . وكذلك النقطة في العين إذا كانت يسيرة لقوله العوراء البين عورها وكذلك المهزولة التي ليست بغاية في الهزال لقوله والعجفاء التي لا تنقي يريد التي لا شيء فيها من الشحم والنقي الشحم وقد بان في نسق ما أوردنا من الحاديث تفسير هذه اللفظة وقد جاء في الحديث الآخر البين هزالها وفي لفظ حديث شعبة والكسير التي لا تنقي ومعنى الكسير هي التي لا تقوم ولا تنهض ومن الهزال من العيوب التي تتقى في الضحايا بإجماع قطع الأذن أو أكثره والعيب في الأذن مراعى عند جماعة العلماء في الضحايا.
واختلفوا في السكاء وهو التي خلقت بلا أذن فمذهب مالك والشافعي أنها إذا لم تكن لها أذن خلقة لم تجز وإن كانت صغيرة الأذن أجزأت.
وروى بشر بن الوليد عن أبي يوسف عن أبي حنيفة مثل ذلك وذكر محمد بن الحسن عنه وعن أصحابه أنها إذا لم تكن لها أذن خلقة أجأزت في الضحية قال والعمياء خلقة لا تجوز في الضحية.

(20/168)


وقال مالك والليث المقطوعة الأذن أو جل الأذن لا تجزئ والشق للميسم يجزئ وهو قول الشافعي وجماعة الفقهاء.
واختلفوا في جواز الأبتر في الضحية فروي عن ابن عمر وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير والحسن وإبراهيم النخعي أنه يجزئ في الضحية وكان الليث بن سعد يكره الضحية بالأبتر.
وذكر ابن وهب عن الليث أنه سمع يحيى بن سعيد يقول يكره ذهاب الذنب والعور والعجف وذهاب الأذن أو نصفها.
وعن ابن لهيعة عن خالد بن زيد عن عطاء أن الأبتر لا يجوز في الضحايا وقد روى في الأبتر حديث مرفوع ليس بالقوي وفيه نظر.
حدثنا عبد الله بن محمد بن يوسف قال حدثنا أحمد بن محمد بن إسماعيل حدثنا محمد بن أحمد بن حماد الدولابي حدثنا إسحاق بن الحسن حدثنا آدم حدثنا شعبة قال حدثنا جابر الجعفي قال سمعت محمد بن قرظة يحدث عن أبي سعيد الخدري أنه قال "اشتريت كبشا لأضحي به فأكل الذئب من ذنبه أو قال أكل ذنبه فسألت عنه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ضح به" وهذا يحتمل وجوها منها أنه قطع بعض ذنبه ومنها أنه قطع كله ومنها أنه إذا كان القطع طارئا عليه ولم يخلق أبتر فلا بأس به إذا كان يسيرا ومنها أنه لم يخص خلقه من غيرها ومنها أنه عرض له بعد أن شتراه ضحية فأوجبه على مذهب من سوى بين ذلك وبين الهدي وقد قيل إنه لم يسمع محمد بن قرظة من أبي سعيد الخدري وقد تكلموا في جابر الجعفي ولكن شعبة. روى عنه وكان يحسن الثناء عليه وحسبك بذلك من مثل شعبة.
وحدثنا أحمد بن سعيد بن بشر حدثنا مسلمة بن قاسم حدثنا جعفر بن محمد بن الحسن الأصبهاني حدثنا يونس بن حبيب حدثنا أبو داود الطيالسي قال حدثنا شعبة عن جابر عن محمد بن قرظة عن أبي سعيد الخدري قال:

(20/169)


"اشتريت كبشا أضحي به فاكل الذئب ذنبه أو من ذنبه فسألت النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ضح به".
وروى مالك عن نافع عن ابن عمر أنه كان يتقي في الضحايا والبدن التي نقص من خلقها والتي لم تسن قال ابن قتيبة قوله لم تسن أي لم تنبت أسنانها كأنها لم تعط أسنانا وهذا كما يقول لم تلبن لم تعط لبنا ولم تسمن أي لم تعط سمنا ولم تعسل أن لم تعط عسلا هذا مثل النهي عن الصماء في الأضاحي وهذا أصح عن ابن عمر عندي والله أعلم من رواية من روى عنه جواز الأضحية بالأبتر إلا أنه يحتمل أن يكون اتقى ابن عمر لمثل ذلك ورعا ويحتمل أن يكون اتقاؤه كان لما نقص منها خلقة وحمل حديثه على عمومه أولى به ولا حجة مع ذلك فيه.
وذكر ابن وهب قال أخبرني يونس عن ابن شهاب أنه قال لا يجوز من الضحية المجذوعة ثلث الأذن ومن أسفل منها ولا يجوز مسلولة الأسنان ولا العوراء ولا العرجاء البين عرجها والمصرمة الأطباء المقطوعة حلمة الثدي قال وأخبرني عبد الجبار بن عمر عن ربيعة أنه كان يكره كل نقص يكون في الضحية أن يضحى به قال وأخبرني عمرو بن الحرث وابن لهيعة عن بكير بن الأشج عن سليمان بن يسار أنه كان يكره من الضحايا التي بها من العيب ما ينقص من ثمنها.

(20/170)


قال: وسمعت مالكا يكره كل نقص يكون في الضحايا إلا القرن وحده فإنه لا يرى بأسا أن يضحي بمكسورة القرن ويراه بمنزلة الشاة الجماء.
قال أبو عمر:
على هذا جماعة الفقهاء لا يرون بأسا أن يضحي بالمكسور القرن وسواء كان قرنه يدمي أو لا يدمي وقد روي عن مالك أنه كرهه إذا كان يدمي أنه جعله من المرض.
وأجمع العلماء على أن الضحية بالجماء جائزة وقالت جماعتهم وجمهورهم أنه لا بأس أن يضحى بالخصي واستحسنه بعضهم إذا كان أسمن من غيره.
قال ابن وهب قال لي مالك العرجاء إذا لم تلحق الغنم فلا تجوز في الضحايا.
قال أبو عمر:
روى قتادة عن جزي بن كليب عن علي بن أبي طالب "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى في الضحايا عن عضباء الأذن والقرن" قال قتادة فقلت لسعيد ابن المسيب ما عضب الأذن والقرن قال النصف أو أكثر.
قال أبو عمر:
لا يوجد ذكر القرن في غير هذا الحديث وبعض أصحاب قتادة لا يذكر فيه القرن ويقتصر فيه على ذكر الأذن وحدها كذلك روى هشام وغيره عن قتادة وجملة القول أن هذا حديث لا يحتج بمثله مع ما ذكرنا من مخالفة

(20/171)


الفقهاء له في القرن خاصة وأما الأذن فكلهم على القول بما فيه في الأذن وفي الأذن عن النبي صلى الله عليه وسلم آثار حسان.
حدثنا سعيد بن نصر وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا ابن وضاح قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا وكيع قال حدثنا سفيان بن عيينة عن سلمة بن كهيل عن حجية بن عدي عن علي قال: "أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نستشرف العين والأذن".
وحدثنا سعيد وعبد الوارث قالا حدثنا قاسم قال حدثنا ابن وضاح قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا عبيد الله أخبرنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن شريح بن النعمان عن علي قال "أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نستشرف العين الأذن ولا نضحي بمقابلة لا مدابرة ولا شرقاء ولا خرقاء والمقابلة ما قطع طرف أذنها والمدابرة ما قطع من جانبي الأذن والشرقاء المشقوقة الأذن والخرقاء المثقوبة الأذن .
قال أبو عمر:
كان بعض العلماء يقول في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أربع لا تجوز في الضحايا" دليل على أن ما عدا تلك الأربع من العيوب في الضحايا يجوز والله أعلم.

(20/172)


وهذا لعمري كما زعم إن لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم غير ذلك.
وما إذا ثبت عنه شيء منصوص بخلاف هذا التأويل فلا سبيل إلى ا لقول به وما زيد عليه من السنن الثابتة في غيره فمضموم إليه وحديث علي في استشراف العين والأذن حديث حسن الإسناد ليس بدون حديث البراء وبالله التوفيق.

(20/173)


عمرو بن عمرو
وله حديث واحد
...
مالك عن عمرو بن أبي عمرو حديث واحد
وهو عمرو بن أبي عمرو يكنى أبا عثمان واسم أبي عمرو ميسرة وهو مولى المطلب بن عبد الله بن حنطب المخزومي القرشي مدني ليس به بأس روى عن إنس بن مالك وعكرمة مولى ابن عباس وعن مولاه المطلب بن عبد الله بن حنطب والمطلب مولاه يكنى أبا الحكم.
وروى عن عمرو بن أبي عمرو مالك بن أنس وعبد العزيز الدراوردي قال عبد الله بن أحمد بن حنبل سألت أبي عن عمرو بن أبي عمرو فقال سمع من أنس ليس به بأس روى عنه مالك بن أنس وقال ابن أبي حاتم سألت أبي عن عمرو بن أبي عمرو فقال لا بأس به روى عنه مالك وسئل أبو زرعة عن عمرو بن أبي عمرو فقال مدني ثقة.
وأما ابن معين فروى عنه عياض الدوري أنه قال عمرو بن أبي عمرو ليس بحجة وقول أبي زرعة أولى من قول ابن معين إن شاء الله لرواية مالك عنه وكان لا يروى عندهم إلا عن ثقة.
قال أبو عمر:
قد ضعفه بعضهم ولم يفرده مالك في موطئه بحكم.
مالك عن عمرو بن أبي عمرو مولى المطلب عن أنس بن

(20/175)


مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طلع له أحد فقال: "هذا جبل يحبنا ونحبه اللهم إن إبراهيم حرم مكة وإني أحرم ما بين لابتيها".
لم يختلف عن مالك في إسناد هذا الحديث ولا في لفظه فيما علمت ورواه سفيان بن بشر عن مالك عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة فأخطأ فيه والصواب ما في الموطأ مالك عن عمرو عن أنس حدثنا خلف بن القاسم قال حدثنا أبو عمرو عثمان بن محمد بن عبد الرحمن بن معاوية ابن عبد الرحمن بن محمد بن عتبة بن أبي سفيان بن حرب قال حدثنا أبو شيبة داود بن إبراهيم البغدادي قال حدثنا عبد الأعلى بن حماد قال قرأت على مالك ابن أنس عن عمرو مولى المطلب عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طلع له أحد فقال: "إن هذا جبل يحبنا ونحبه اللهم إن إبراهيم حرم مكة وإني أحرم ما بين لابتيها" يعني المدينة.
حدثنا خلف قال حدثنا عبد الله بن عمر بن إسحاق حدثنا محمد بن جعفر بن أعين وحدثنا خلف حدثنا أبو العباس أحمد بن إبراهيم بن علي بن محمد الكندي ومحمد بن عبد الله قالا حدثنا عبد الله بن عبد العزيز البغوي قالا حدثنا عبد الأعلى بن حماد قال قرأت على مالك بن أنس عن عمرو بن أبي عمرو عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم طلع له أحد فذكره.

(20/176)


قال أبو عمر:
للناس في هذا مذهبان أحدهما أن ذلك مجاز ومجازه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يفرح بأحد إذا طلع له استبشارا بالمدينة ومن فيها من أهلها ويحب النظر إليه لقربه من النزول بأهله والأوبة من سفره فلهذا والله أعلم كان يحب الجبل وأما حب الجبل له فكأنه قال وكذلك كان يحبنا لو كان ممن تصح وتمكن منه محبة وقد مضى هذا المعنى في باب عبد الله بن يزيد واضحا عند قوله صلى الله عليه وسلم اشتكت النار إلى ربها الحديث والحمد لله ومن هذا قول عمر بن الوليد بن عقبة.
بكى أحد إن فارق اليوم أهله ... فكيف بذي وجد من القوم آلف
وقد قيل معنى قوله يحبنا أي يحبنا أهله يعني الأنصار الساكنين قربه وكانوا يحبون رسول الله صلى الله عليه وسلم ويحبهم لأنهم آووه ونصروه وأقاموا دينه فخرج قوله صلى الله عليه وسلم على هذا التاويل مخرج قول الله عز وجل: { وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا} يريد أهل القرية وهذا معروف في لسان العرب وقد تكون الإرادة للجبل مجازا أيضا فيكون القول في حب الجبل كالقول في إرادة الجدار أن ينقض سواء ومن حمل ذلك على المجاز

(20/177)


جعله كقول الشاعر:
يريد الرمح صدر أبي براء ... ويرغب عن دماء بني عقيل
وزعم أن العرب خوطبت من ذلك بما تعرفه بينها من مخاطباتها ومفهوم كلامها فهذا كله مذهب من حمل هذا الألفاظ وما كان مثلها في الكتاب والسنة على المجاز المعروف من لسان العرب والمذهب الآخر أن ذلك حقيقة ومن حمل هذا على الحقيقة جعل للجدار إرادة يفهمها من شاء الله وجعل لكل شيء تسبيحا حقيقة لا يفقهها الناس بقوله عز وجل: {يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ} وقوله: {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ} وجعل للسماوات والأرض بكاء. قولا في مثل هذا المعنى صحيحا والقول في كلا المذهبين يتسع وقد أكثر الناس في هذا وبالله التوفيق.
وأما قوله: "إن إبراهيم حرم مكة وإني أحرم ما بين لابتيها".
فقد روى هذا المعنى أبو هريرة ورافع بن خديج عن النبي صلى الله عليه وسلم حدثنا عبد الوارث حدثنا قاسم حدثنا احمد بن زهير حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا بكر بن مضر عن ابن الهادي عن أبي بكر بن محمد عن عبد الله بن عمرو بن عثمان عن رافع بن خديج قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن إبراهيم حرم مكة".
وقال أحمد بن زهير حدثنا مصعب بن عبد الله حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم عن كثير بن زيد عن الوليد بن رباح عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن إبراهيم حرم مكة".

(20/178)


ورواه جابر وسعد بن أبي وقاص أيضا كذلك حدثنا عبد الوارث حدثنا قاسم حدثنا أحمد بن زهير حدثنا أبي حدثنا جرير عن منصور عن مجاهد عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة: "إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السماوات والأرض فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة لا يعضد شوكه ولا ينفر صيده ولا تلتقط لقطته إلا من عرفها" وذكر تمام الحديث.
وحدثنا عبد الوارث حدثنا قاسم قال حدثنا ا أحمد بن زهير حدثنا أبي حدثنا وهب بن جرير حدثنا أبي قال سمعت يونس بن يزيد يحدث عن الزهري عن مسلم بن يزيد أحد بني سعد بن بكر أنه سمع أبا شريح الخزاعي ثم الكعبي يقول ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فأثنى على الله بما هو أهله ثم قال: "أما بعد فإن الله حرم مكة لم يحرمها الناس وإنما أحلها لي ساعة من النهار آمن وإنها اليوم حرام كما حرمها أول مرة أحرم ما بين لابتيها" يعني المدينة.
أخبرنا سعيد بن نصر حدثنا قاسم حدثنا إسماعيل بن إسحاق حدثنا محمد بن أبي بكر حدثنا الفضل بن سليمان حدثنا محمد بن أبي يحيى عن أبي إسحاق عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما بين لابتي المدينة حرام كما حرم إبراهيم مكة اللهم اجعل البركة فيها بركتين وبارك لهم في صاعهم ومدهم وإني أحرم ما بين لابتيها" يعني المدينة.
ففي هذا كله تصريح بتحريم المدينة وأنها لا يجوز الاصطياد فيها وفي تلك ما يبطل قول الكوفيين ويشهد لصحة قول أهل المدينة.
قال عبد الملك بن عبد العزيز بن الماجشون التحريم للصيد بالمدينة حق لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اللهم إن إبراهيم حرم مكة وإني أحرم ما بين لابتيها" قال عبد الملك وحد ذلك ما لو التقت الحرتان كانت البيوت شاغلة

(20/179)


عنه وما فوق ذلك وأسفل فمباح قال وقال مالك أكره ما قرب جدا من فوق وأسفل.
وبلغنا أن سعدا أخذ ثوب من فعل ذلك وفأسه فكلم فيه فقال لا أدع ما أعطانيه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وبلغنا أن عمر بن الخطاب قال لمولى لقدامة بن مظعون يدعى بسالم إذا رأيت من يقطع من الشجر يعني شجر المدينة شيئا فخذ فأسه قال وثوبه يا أمير المؤمنين قال لا ولكن فأسه.
قال أبو عمر:
لم يختلف العلماء أنه لا يجوز أخذ فأس اصطاد بالمدينة اليوم ولا ثوبه وقد احتج بذلك من زعم أن تحريم صيدها منسوخ بذلك وهذا ليس بشيء لأن الحديث في ذلك عن سعد وعمر رضي الله عنهما ضعيف الإسناد ولا يحتج به وقد ثبت تحريمها من الطرق الصحاح وليس في سقوط وجوب الجزاء على من اصطاد فيها ما يسقط تحريمها لما قدمناه من الحجة في ذلك في باب ابن شهاب عن سعيد بن المسيب وثم أشبعنا القول في هذه المسألة ولم يكن في شريعة إبراهيم جزاء صيد فيما قال أهل العلم والنبي صلى الله عليه وسلم إنما حرم المدينة كما حرم إبراهيم مكة ووجوب الجزاء في صيد الحرم شيء ابتلى الله به هذه الأمة ألا ترى إلى قوله عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ} ولم يكن قبل ذلك والله أعلم والصحابة فهموا المراد في تحريم صيد

(20/180)


المدينة فتلقوه بالوجوب دون جزاء كذلك قال أبو هريرة وزيد بن ثابت وأبو سعيد.
ذكر إسماعيل بن إسحاق قال حدثنا إسماعيل بن أبي أويس قال حدثني أخي عن سليمان بن بلال عن سعد بن إسحاق بن كعب بن عجرة عن زينب بنت كعب بن عجرة عن أبي سعيد الخدري "أن النبي صلى الله عليه وسلم حرم ما بن لابتي المدينة وأنه حرم شجرها أن يعضد" قالت زينب فكان أبو سعيد يضرب بنيه إذا صادوا فيها ويرسل الصيد.
قال وحدثنا مسدد قال حدثنا عبد الواحد بن زياد قال حدثنا عاصم الأحول قال " قلت لأنس بن مالك حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة قال نعم".
وقد قالت فرقة في صيد المدينة جزاء واحتجوا بأنه حرم نبي كما مكة حرم نبي واعتلوا بقوله إن إبراهيم حرم مكة وإني احرم ما بين لابتيها والوجه المختار ما قدمنا ذكره وهو قول مالك والشافعي وأبي حنيفة وأكثر أهل العلم والأصل أن الذمة بريئة فلا يجب فيها شيء إلا بيقين.
وأما حرم المدينة وكم يبلغ من المسافة ومعنى لابتيها وهما الحرتان فقد مضى في كتابنا هذا في باب ابن شهاب عن سعيد بن المسيب والحمد الله.

(20/181)


العلاء بن عبد الرحمن
الحديث الأول
...
مالك عن العلاء بن عبد الرحمن
وهو العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب مولى الحرقة، الحرقة امرأة جهينة وهي فخذ من أفخاذ جهينة ينسب إليه الحرقيون.
روى عنه جماعة من الأمئة منهم مالك وشعبة والثوري وابن عيينة وهو من تابعي أهل المدينة سمع أنس بن مالك كان ابن معين لا يرضاه وليس قوله فيه بشيء قال أحمد بن زهير سمعت يحيى بن معين يقول العلاء بن عبد الرحمن ليس بذاك قال وسمعت يحيى بن معين يقول لم يزل الناس يتقون حديث العلاء بن عبد الرحمن.
قال أبو عمر:
ليت شعري من الناس الذين كانوا يتقون حديثه وقد حدث عنه هؤلاء الأئمة الجلة وجماعة غيرهم كثيرة وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل سمعت أبي يقول العلاء بن عبد الرحمن ثقة والعلاء من التابعين بإدراكه أنس بن مالك وأبوه من التابعين أدرك أبا هريرة وأبا سعيد وجده يعقوب أدرك ابن الخطاب فهو من كبار التابعين.
وذكر ابن إسحاق وعبد العزيز بن أبي حازم وإسماعيل بن جعفر وغيرهم عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه ومعنى حديثهم واحد دخل بعضه في بعض أن يعقوب أباه كان مكاتبا لأوس بن الحدثان النصري فتزوج جده مولاة

(20/183)


لرجل من الحرقة فولدت له عبد الرحمن أبا العلاء هذا ثم إن يعقوب قضى كتابته بعدما ولد عبد الرحمن فقدم الحرقي فأخذ بيد عبد الرحمن فقال مولاي وقال النصري مولاي فارتفعا إلى عثمان بن عفان فقضى عثمان بان الولاء للحرقي وأن ما ولدت أم عبد الرحمن ويعقوب مكاتب فهو للحدقي وما ولدت بعد عتقه وأداء كتابته فهو لأوس بن الحدثان النصري.
وروى الليث بن سعد عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي النضر عن عبد الرحمن بن يعقوب مولى الحرقة معنى ما تقدم من ولاء يعقوب وامرأته إلا أنه جعل مكان الكتابة تدبيرا.
قال أبو عمر:
لمالك عن العلاء بن عبد الرحمن عشرة أحاديث مرفوعة أحدها مقطوع وتوفي العلاء في خلافة أبي جعفر سنة تسع وثلاثين ومائة.
حديث أول للعلاء بن عبدالرحمن
مالك عن العلاء بن عبد الرحمن قال دخلنا على أنس بن مالك بعد الظهر فقام يصلي العصر فلما فرغ من صلاته ذكرنا تعجيل العصر أو ذكرها فقال "سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: تلك صلاة المنافقين تلك صلاة المنافقين ثلاثا يجلس أحدهم حتى إذا

(20/184)


أصفرت الشمس فكانت بين قرني الشيطان أو على قرن الشيطان قام فنقر أربعا لا يذكر الله فيها إلا قليلا".
لم يختلف في إسناد هذا الحديث ولا في لفظه في الموطأ عن مالك فيما علمت وفي هذا الحديث دليل على سعة الوقت و وأن الناس كانوا يصلون في ذلك الزمان على قدر ما يمكنهم من سعة الوقت فتختلف صلاتهم لأن بعضهم كان يصلي في أول الوقت وبعضهم في وسطه وبعضهم ربما في آخره وقد قال صلى الله عليه وسلم في أول الوقت وآخره: "ما بين هذين وقت" وأما تأخير صلاة العصر حتى تصفر الشمس فمركوه لمن لم يكن له عذر بدليل هذا الحديث وغيره وقد ذكرنا ما في وقت صلاة العصر من السعة وما للعلماء في ذلك من المذاهب في مواضع من كتابنا هذا منها حديث زيد ابن أسلم عن عطاء بن يسار وبسر بن سعيد والأعرج عن أبي هريرة ومنها حديث ابن شهاب عن أنس وذكرنا مواقيت الصلوات كلها ممهدة مبسوطة في باب ابن شهاب عن عروة فلا معنى لإعادة ذلك ههنا وقد روى هذا الحديث ابن أبي حازم عن العلاء بأتم ألفاظ.
حدثناه يونس بن عبد الله بن مغيث قال حدثنا محمد بن معاوية بن عبد الرحمن قال حدثنا جعفر بن محمد الفريابي قال حدثنا أبو مروان قال حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم عن العلاء بن عبد الرحمن أنه دخل على أنس

(20/185)


ابن مالك هو وعمر بن ثابت بالبصرة قال حين سلمنا من الظهر قال وكان خالد بن عبد الله بن أسيد واليا علينا كان يحين وقت الصلاة فلما انصرفنا من الظهر دخلنا على أنس بن مالك وداره عند باب المسجد فقال ما صليتما قلنا صلينا الظهر قال فقوما فصليا العصر قال فخرجت أنا وعمر بن ثابت إلى الحجرة فصلينا العصر ثم دعانا فدخلنا عليه فقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "تلك صلاة المنافقين تلك صلاة المنافقين ينتظر أحدهم الشمس حتى إذا أصفرت وكانت على قرني الشيطان قام فنقرها أربعا لا يذكر الله فيها إلا قليلا".
قال أبو عمر:
قد كان عمر بن عبد العزيز وهو بالمدينة عرض لمن صلى معه مثل هذا مع أنس أيضا وقد ذكرنا تأخير بني أمية للصلاة ممهدا في باب ابن شهاب عن عروة من هذا الكتاب والحمد لله.
حدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا إسماعيل ابن إسحاق قال حدثنا إبراهيم بن حمزة قال حدثنا عبد العزيز بن محمد عن عمرو بن يحيى عن خالد بن خلاد أنه قال صلينا مع عمر بن عبد العزيز الظهر يوم ثم دخلنا على أنس بن مالك فوجدناه قائما يصلي العصر فقلنا إنما انصرفنا الآن من الظهر مع عمر فقال "إني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي هذه الصلاة هكذا فلا أتركها أبدا".

(20/186)


الحديث الثاني
...
حديث ثان للعلاء بن عبد الرحمن
مالك عن العلاء بن عبد الرحمن أنه سمع أبا السائب مولى هشام بن زهرة يقول سمعت أبا هريرة يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج فهي خداج فهي خداج غير تمام" قال فقلت يا أبا هريرة أني أكون أحيانا وراء الإمام قال فغمز ذراعي وقال إقرأ بها في نفسك يا فارسي فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول قال الله عز وجل: "قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين فنصفها لي ونصفها لعبدي ولعبدي ما سأل قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اقرأوا يقول العبد {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} يقول الله حمدني عبدي يقول العبد {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} يقول الله أثنى علي عبدي يقول العبد {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} يقول الله مجدني عبدي يقول العبد {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} فهذه الآية بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل يقول العبد ) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ} فهؤلاء لعبدي ولعبدي ما سأل".
ليس هذا الحديث في الموطأ إلا عن العلاء عند جميع الرواة وقد انفرد مطرف في غير الموطأ عن مالك عن ابن شهاب عن أبي السائب مولى هشام ابن زهرة عن أبي هريرة بهذا الحديث وساقه في الموطأ سواء ولا يحفظ لمالك عن ابن شهاب إنما يحفظ لمالك عن العلاء قال الدارقطني وهو غريب من

(20/187)


حديث مالك عن ابن شهاب لم يروه غير مطرف وتفرد به عند أبو سبرة بن عبد الله المدني وهو صحيح من حديث الزهري حدث به عنه عقيل هكذا عن الزهري عن أبي السائب عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم.
قال أبو عمر:
وهكذا يروي مالك هذا الحديث عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبي السائب عن أبي هريرة وتابعه جماعة منهم محمد بن عجلان وابن جريج والوليد بن كثير ومحمد بن إسحاق فرووه عن العلاء عن أبي السائب عن أبي هريرة كما رواه مالك إلا أن ابن إسحاق قال فيه عن أبي السائب مولى عبد الله ابن هشام بن زهرة.
قال علي بن المديني هشام بن زهرة هو جد زهرة بن معمر بن عبد الله ابن هشام القرشي الذي روى عنه أهل مصر.
قرأت على عبد الوارث بن سفيان أن قاسم بن أصبغ حدثهم قال حدثنا أبو إسماعيل الترمذي قال حدثنا أبو صالح قال حدثني الليث قال حدثني محمد ابن العجلان عن العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب مولى الحرقة عن أبي السائب مولى هشام بن زهرة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أيما رجل صلى صلاة بغير قراءة أم القرآن فهي خداج فهي خداج غير تمام قال قلت إني لأستيطع أقرأ مع الإمام قال إقرأ بها في نفسك فإن الله يقول قسمت الصلاة بيني وبين عبدي فأولها لي وأوسطها بيني وبين عبدي وآخرها لعبدي وله ما سأل قال {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} قال حمدني عبدي قال {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قال أثنى علي عبدي قال {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} قال مجدني عبدي فهذا لي قال {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} قال أخلص العبادة لي واستعانني عليها فهذه بيني وبين عبدي وله ما سأل قال {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} إلى قوله {وَلا الضَّالِّينَ} هذا لعبدي ولعبدي ما سأل".

(20/188)


وهكذا رواه قتيبة وغيره عن الليث عن ابن عجلان وانتهى حديث أبو جريج إلى قوله اقرا بها يا فارسي في نفسك لم يزد وقال فيه حدثني العلاء أن أبا السائب أخبره أنه سمع أبا هريرة فذكره بلفظ حديث مالك إلى حيث ذكرنا.
قال أبو عمر:
ورواه شعبة وسفيان الثوري وسفيان بن عيينة وروح بن القاسم وعبد العزيز بن أبي حازم كلهم عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة وليس هذا باختلاف والحديث صحيح للعلاء عن أبيه وعن أبي السائب جميعا عن أبي هريرة قد جمعهما عنه أبو أويس وغيره قال علي بن المديني وكذلك رواه ابن عجلان عن العلاء عن أبيه عن أبي السائب جميعا عن أبي هيررة يعني كما رواه أبو أويس.
قرأت على يونس بن عبد الله بن محمد أن محمد بن معاوية حدثهم قال حدثنا جعفر بن محمد الفريابي وحدثنا أحمد بن فتح قال حدثنا محمد بن عبد الله ابن زكرياء النيسابروي قال حدثنا أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزار قالا حدثنا إسماعيل بن إسحاق قال حدثنا إسماعيل بن أبي أويس قال حدثنا أبي عن العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب مولى الحرقة قال سمعت من أبي ومن أبي السائب جمعيا وكانا جليسين لأبي هريرة قالا قال أبو هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من صلى صلاة لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداع" وذكر الفريابي الحديث بطوله وأما البزار فاختصر ولم يزد على قوله صلى الله عليه وسلم: "كل صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج غير تمام".

(20/189)


وحدثنا سعيد بن نصر قراءة مني عليه أن قاسم بن أصبغ حدثهم قال حدثنا إسماعيل بن إسحاق قال حدثنا إسماعيل بن أبي اويس قال حدثنا أبي عن العلاء بن عبد الرحمن قال سمعت من أبي ومن ابن أبي السائب جميعا وكانا جليسين لأبي هريرة قالا قال أبو هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من صلى صلاة لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداع غير تمام فقلت يا أبا هريرة إني أكون أحيانا وراء الإمام فغمز ذراعي وقال اقرأ بها في نفسك يا فارسي" وساق الحديث على وجهه كما رواه مالك.
وحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا إسماعيل بن إسحاق وأحمد بن زهير قالا حدثنا إسماعيل بن أبي أويس فذكره بإسناده سواء قال إسماعيل بن إسحاق قال علي بن المديني وكان هذا الحديث عند عباد بن صهيب عن الرجلين جميعا فأبان ذلك في هذا الحديث أن الذي رواه ابن عيينة عن العلاء عن أبيه عن أبي هريرة كما رواه ولم يكن معارضا لحديث مالك هكذا حكى إسماعيل عن علي.
قال أبو عمر:
أما حديث ابن عيينة فحدثناه عبد الوارث بن سفيان أن قاسم بن أصبغ حدثهم قال حدثنا ابن وضاح قال حدثنا حامد بن يحيى قال حدثنا سفيان عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كل صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج" قال عبد الرحمن "فإني أسمع قراءة الإمام فغمزني بيده أبو هريرة وقال يا فراسي أو يا ابن الفارسي أقرأها في نفسك".

(20/190)


وحدثنا عبد الوارث قال حدثنا قاسم قال حدثنا محمد بن عبد السلام قال حدثنا محمد بن يحيى العدني قال حدثنا سفيان عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه أنه سمع أبا هريرة يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الله: "قسمت الصلاة بيني وبين عبدي" فذكر نحو حديث مالك بمعناه سواء ولا أعلم لهذا الحديث في الموطأ ولا في غيره إسنادا غير هذا وروي عن مجد بن خالد بن عثمة وزياد بن يونس جميعا عن مالك عن الزهري عن محمود بن الربيع عن عبادة ابن الصامت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عثمة: "كل صلاة لا يقرأ فيها بأم القرى فهي خداج" وفي حديث زياد بن يونس "من لم يقرأ بفاتحة الكتاب فصلاته خداج" وهذا غريب من حديث مالك ومحفوظ من حديث الزهري من رواية ابن عيينة وجماعة عنه إلا أن لفظ أكثرهم في حديث عبادة ابن الصامت "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب" هكذا.
قال أبو عمر:
أما قوله صلى الله عليه وسلم: "من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج" فإن هذا يوجب قراءة فاتحة الكتاب في كل صلاة وأن الصلاة إذا لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج والخداج النقص والفساد من ذلك قولهم اخدجت الناقة وخدجت إذا ولدت قبل تمام وقتها وقيل تمام الخلق وذلك نتاج فاسد.
وأما نحويو أهل البصرة فيقولون إن هذا اسم خرج على المصدر يقولون أخدجت الناقة ولدها نقاصا للوقت فهي مخدج والولد مخدج والمصدر الإخداج وأما خدجت فرمت بولدها قبل الوقت ناقصا أو غير نقاص فهي خادج والولد خديج ومخدوج ومنه سميت خديجة وخديج والمصدر الخداج قالوا ويقال صلاة مخدجة أي ناقصة الركوع والسجود،

(20/191)


هذا كله قول الخليل والأصمعي وأبي حاتم وغيرهم وقال الأخفش خدجت الناقة إذا ألقت ولدها لغير تمام وأخدجت إذا قذفت به قبل وقت الولادة وإن كان تم الخلق.
وقد زعم من لم يوجب قراءة فاتحة الكتاب في الصلاة وقال هي وغيرها سواء أن قوله خداج يدل على جواز الصلاة لأنه النقصان والصلاة الناقصة جائزة وهذا تحكم فاسد والنظر يوجب في النقصان الذي صرحت به السنة أن لا تجوز معه الصلاة لأنها صلاة لم تتم ومن خرج من صلاته وهي لم تتم بعد فعليه إعادتها تامة كما أمر على حسب حكمها ومن ادعى أنها تجوز مع إقراره بنقصها فعليه الدليل ولا سبيل له إليه من وجه يلزم والله أعلم.
وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا صلاة لمن لم يقرا فيها بفاتحة الكتاب" وأنه قال: "من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج غير تمام" فأي بيان أوضح من هذا وأين المذهب عنه ولم يأت عن النبي صلى الله عليه وسلم شيء يخالفه وأما اختلاف العلماء في هذا الباب فإن مالكا والشافعي وأحمد وإسحاق وأبا ثور وداود بن علي وجمهور أهل العلم قالوا لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب قال ابن خواز بنداد المالكي البصري وهي عندنا متعينة في كل ركعة قال ولم يختلف قول مالك فيمن نسيها في ركعة من صلاة ركعتين أن صلاته تبطل أصلا ولا تجزئه واختلف قول مالك إنه من نسيها في ركعة من صلاة رباعية أو ثلاثية فقال مرة يعيد الصلاة ولا تجزئه وهو قول ابن القاسم وروايته واختياره من قول مالك وقال مالك مرة أخرى يسجد سجدتي السهو

(20/192)


وتجزئه وهي رواية ابن عبد الحكم وغيره عنه قال وقد قيل إنه يعيد تلك الركعة ويسجد للسهو بعد السلام قال وقال الشافعي وأحمد بن حنبل لا تجزئه حتى يقرأ بفاتحة الكتاب في كل ركعة نحو قولنا قال وقال أبو حنيفة والثوري والأوزاعي إن تركها عامدا في صلاته كلها وقرأ غيرها أجزأه قال أبو عمر: على اختلاف عن الأوزاعي في ذلك وقال الطبري يقرأ المصلي بأم القرآن في كل ركعة فإن لم يقرأ بها لم يجزه إلا مثلها من القرآن عدد آياتها وحروفها.
وقال أبو حنيفة لا بد في الأوليين من قراءة أقل ذلك في كل ركعة منها آية وقال أبو يوسف ومحمد أقله ثلاث آيات أو آية طويلة كآية الدين.
وقال مالك إذا لم يقرأ أم القرى في الأوليين أعاد ولم يختلف قوله في ذلك ولا في قراءتها في الآخرتين.
وقال الشافعي أقل ما يجزئ المصلي من القراءة قراءة فاتحة الكتاب إن أحسنها فإن كان لا يحسنها ويحسن غيرها من القرآن قرأ بعددها سبع آيات لا يجزئه دون ذلك وإن لم يحسن شيئا من القرآن حمد الله وكبر مكان القراءة لا يجزئه غيره قال ومن أحسن فاتحة الكتاب فإن ترك منها حرفا واحدا وخرج من الصلاة أعاد الصلاة.
وروي عن عمر بن الخطاب وعبد الله بن عباس وأبي هريرة وعثمان بن أبي العاصي وخوات بن جبير وأبي سعيد الخدري أنهم قالوا لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب وهو قول ابن عون والمشهور من مذهب الأوزاعي وأما ما روي عن عمر أنه صلى صلاة لم يقرأ فيها فقيل له فقال كيف كان الركوع والسجود قالوا حسن فقال لا بأس إذا فحديث منكر اللفظ منقطع الإسناد لأنه يرويه محمد بن إبراهيم بن الحرث التيمي عن عمر ومرة يرويه محمد بن إبراهيم عن

(20/193)


أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عمر وكلاهما منقطع لا حجة فيه عند أحد من أهل العلم بالنقل وقد روي عن عمر من وجوه متصلة أنه أعاد تلك الصلاة.
روى يحيى بن يحيى النيسابوري قال حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن إبراهيم النخعي عن همام بن الحرث أن عمر نسي القراءة في المغرب فأعاد بهم الصلاة وهذا حديث متصل شهده هشام من عمر روي ذلك من وجوه.
وذكر عبد الرزاق عن عكرمة بن عمار عن ضمضم بن جوس عن عبد الله ابن حنظلة قال صليت مع عمر فلم يقرأ فأعاد الصلاة.
وروى إسرائيل عن جابر عن الشعبي عن زياد بن عياض أنه عمر صلى بهم فلم يقرأ فأعاد الصلاة وقال لا صلاة إلا بقراءة.
وعن معمر عن قتادة وأبان عن جابر بن يزيد أن عمر أعاد تلك الصلاة بإقامة وعن ابن جريج عن عكرمة بن خالد أن عمر المؤذن فأقام وأعاد تلك الصلاة.
وأجمع العلماء على إيجاب القراءة في الركعتين الأوليين من صلاة أربع على حسبما ذكرنا من اختلافهم في فاتحة الكتاب من غيرها واختلفوا في الركعتين الآخرتين فمذهب مالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور وداود أن القراءة فيهما بفاتحة الكتاب واجبة ومن لم يقرأ فيهما بها فلا صلاة له وعليه إعادة ما صلى كذلك وقال الطبري القراءة فيهما واجبة ولم يعين أم القرآن.

(20/194)


وقال ابن خواز بن بنداد لم يختلف قول مالك أن القراءة في الركعتين الآخرتين واجبة وبه قال الشافعي وأحمد بن حنبل.
قال أبو عمر:
الأوليان عند مالك والآخرتان سواء في وجوب القراءة إلا ما ذكرت لك عنه في نسيانها من ركعة واحدة.
حدثنا محمد بن إبراهيم بن سعيد وعبد العزيز بن عبد الرحمن قالا حدثنا محمد بن معاوية قال حدثنا أحمد بن شعيب قال أخبرنا محمد بن المتني قال حدثنا عبد الرحمن بن مهدي قال حدثنا أبان بن يزيد عن يحيى بن أبي كثير عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في الظهر والعصر في الركعتين الاوليين بأم القرآن وسورة وفي الآخرتين بأم القرآن كان يسمعنا الآية أحيانا وكان يطيل أول ركعة من الظهر.
وحدثنا أحمد بن قاسم قال حدثنا محمد بن معاوية قال حدثنا محمد بن يحيى المروزي قال حدثنا أبو طالب قال حدثنا عبيد الله بن عمرو عن عبد الكريم الجزري عن زياد بن أبي مريم قال كنت عند ابن عمر فجاءه رجل فقال يا أبا عبد الرحمن هل في الظهر والعصر قراءة فقال هل تكون صلاة بغير قراءة؟.
وقال أبو حنيفة القراءة في الآخرتين لا تجب وكذلك قال الثوري والأوزاعي قال الثوري يسبح في الآخرتين أحب إلي من أن يقرأ.

(20/195)


قال أبو عمر:
روي عن علي بن أبي طالب وجابر بن عبد الله والحسن وعطاء والشعبي وسعيد بن جبير القراءة في الركعتين الآخرتين من الظهر والعصر بفاتحة الكتاب في كل ركعة منهما وثبت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم فلا وجه لما خالفه والحمد لله.
وقال الثوري وأبو حنيفة وأصحابه يقرأ في الركعتين الأوليين وأما في الآخرتين فإن شاء قرأ وإن شاء سبح وإن لم يقرأ ولم يسبح جازت صلاته وهو قول إبراهيم النخعي وروي ذلك عن علي رضي الله عنه والرواية الأولى عنه أثبت رواها عنه أهل المدينة.
قال أبو عمر:
قوله صلى الله عليه وسلم: "كل صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج غير تمام" وقوله: "لا صلاة لمن لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب" يقضي في هذا الباب بين المختلفين فيه وهو الحجة اللازمة ولم يرو عن النبي صلى الله عليه وسلم شيء يدفع ذلك ولا يعارضه.
حدثنا أحمد بن فتح قال حدثنا محمد بن عبد الله بن زكرياء النيسابوري قال حدثنا أحمد بن عمرو البزار قال حدثنا أبو سلمة يحيى بن خلف قال حدثنا عبد الأعلى بن عبد الأعلى عن محمد بن إسحاق وحدثنا خلف بن القاسم واللفظ لحديثه قال حدثنا محمد بن أحمد المسور قال حدثنا مقدام بن داود قال حدثنا أبو الأسود النضر بن عبد الجبار قال حدثنا الليث بن سعد عن ابن عجلان جميعا عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبي السائب عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أيما رجل صلى صلاة بغير قراءة أم القرآن فهي خداج فهي خداج فهي خداج".

(20/196)


وحدثنا خلف بن القاسم الحافظ قال حدثنا مؤمل بن يحيى بن مهدي الفقيه قال حدثنا محمد بن جعفر بن الإمام قال حدثنا علي بن عبد الله بن المديني قال حدثنا سفيان عن الزهري عن محمود بن الربيع عن عبادة بن الصامت ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا صلاة لمن لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب".
وحدثنا خلف حدثنا مؤمل حدثنا محمد حدثنا علي قال حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن الزهري بإسناده مثله.
وحدثنا خلف بن القاسم حدثنا مؤمل بن يحيى حدثنا محمد بن جعفر حدثنا علي بن المديني حدثنا يحيى بن سعيد حدثنا جعفر بن ميمون حدثنا أبو عثمان النهدي عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر رجلا أن ينادي في الناس: "أن لا صلاة إلا بقرآن فاتحة الكتاب فما زاد".
وحدثنا أحمد بن فتح حدثنا محمد بن عبد الله النيسابوري حدثنا أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزار حدثنا عمرو بن علي حدثنا يحيى بن سعيد القطان عن جعفر بن ميمون عن أبي عثمان النهدي عن أبي هريرة قال أمر النبي صلى الله عليه وسلم مناديا ينادي: "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب" فمن خالف ظواهر هذه الآثار الثابتة فهو مخصوم محجوج مخطأ وبالله التوفيق.
واختلفوا فيمن ترك القراءة في ركعة فأما مذهب مالك فيمن ترك قراءة أم القرآن في ركعة فقد ذكرناه.
وقال الأوزاعي من قرأ في نصف صلاته مضت صلاته وإن قرأ في ركعة واحدة من المغرب أو الظهر أو العصر أو العشاء ونسي أن يقرأ فيما بقي من الصلاة أعاد الصلاة.

(20/197)


وأما إسحاق فقال إذا قرأ في ثلاث ركعات إماما أو منفردا فصلاته جائزة بما اجتمع الناس عليه أن من أدرك الركوع أدرك الركعة.
وقال الثوري إن قرأ في ركعة من الصبح ولم يقرأ في الأخرى أعاد الصلاة وإن قرأ في ركعة ولم يقرأ في الثلاث من الظهر أو العصر أو العشاء أعاد.
وروي عن الحسن البصري أنه قال إذا قرأت في ركعة واحدة من الصلاة أجزأك وقال به أكثر فقهاء أهل البصرة.
وقال المغيرة بن عبد الرحمن المخزومي إذا قرأ بأم القرآن مرة واحدة في الصلاة أجزأه ولم تكن عليه إعادة.
وقد روي عن مالك قول شاذ لا يعرفه أصحابه أن الصلاة تجزئ بغير قراءة على ما روي عن عمر وهي رواية منكرة.
وقال الشافعي عليه أن يقرأ في كل ركعة بفاتحة الكتاب ولا ركعة إلا بقراءة فاتحة الكتاب قال وكما لا ينوب سجود ركعة وركوعها عن ركعة أخرى فكذلك لا ينوب قراءة ركعة عن ركعة غيرها وهذا قول ابن عون وأبي ثور وروي مثله عن الأوزاعي.
قال أبو عمر:
ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب" "ومن صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج غير تمام" فثبت بهذا النص وجوب قراءتها في كل صلاة لمن قدر عليها وبطل بهذا قول من قال إن أم القرآن وغيرها في ذلك سواء وقول من قال يقرأ بعدد آياتها وحروفها من غيرها من القرآن ويجزئه لأن النص عليها والتعيين لها قد خصها بهذا الحكم دون غيرها وهذا لا إشكال فيه إلا على من حرم رشده وعمي قلبه ومحال أن يجيء بالبدل

(20/198)


منها من وجبت عليه فتركها وهو قادر عليها وإنما عليه أن يجيء بها ويعود إليها إذا كان قادرا عليها كسائر المفروضات المعينات في العبادات ولم يبق بعد هذا البيان إلا الكلام هل يتعين وجوبها في كل ركعة أو مرة واحدة في الصلاة كلها على ظاهر الحديث لأنه لا يخلو قوله صلى الله عليه وسلم: "لا صلاة لمن لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب" وقوله: "من صلى صلاة لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج غير تمام" من أن يكون على ظاهره أو يكون معنى قوله كل صلاة كل ركعة فإن كان الحديث على ظاهره فينبغي أن يكون من صلى صلاة من أربع ركعات أو ثلاث أو ركعتين فقرأ فيها مرة واحدة بفاتحة الكتاب أن تجزئه صلاته تلك وتكون تامة غير خداج لأنها صلاة قد قرئ فيها بأم القرآن فليست بخداج غير تمام بل هي تمام لا خداج فيها إذا قرئ فيها بأم القرآن على ظاهر الحديث على ما ذهب إليه بعض أهل البصرة والمغيرة المخزومي فلما رأينا جماعتهم وجمهورهم وعامتهم التي هي الحجة على من خالفها ولا يجوز الغلط عليها في التأويل ولا الاتفاق على الباطل ولا التواطؤ عليه مع اختلاف مذاهبها وتباين آرائها قد اتفقوا إلا من شذ ممن لا يعد خلافا على الجمهور بل هو محجوج بهم ومأمور بالرجوع إليهم إذ شذ عنهم اتفقوا على أن من لم يقرأ في ركعتين من صلاته أنه لا تجزئه صلاته تلك وعليه إعادتها وهو في حكم من لم يصلها استدللنا بهذا الاتفاق والإجماع في هذا المعنى على أن قوله صلى الله عليه وسلم: "لا صلاة لمن يقرأ فيها بفاتحة الكتاب" "ومن صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرى فهي خداج بغير تمام" . معناه كل ركعة لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب وكذلك قال جابر بن عبد الله رحمه الله كل ركعة لم يقرأ فيها بأم القرآن فلم يصل إلا وراء الإمام وجابر أحد علماء الصحابة الذين يسلم لهم في التأويل لمعرفتهم بما خرج عليه القول ولا خلاف بين أهل العلم والنظر أن المسألة إذا كان فيها وجهان فقام الدليل على بطلان الوجه

(20/199)


الواحد منهما أن الحق في الوجه الآخر وأنه مستغن عن قيام الدليل على صحته بقيام الدليل على بطلان ضده وقد قام الدليل من أقوالهم أن القراءة لا بد منها في ركعتين أقل شيء فعلمنا بذلك أن الحديث المذكور ليس على ظاهره وأن معنى قوله صلى الله عليه وسلم: "من صلى صلاة لم يقرا فيها بفاتحة الكتاب فلا صلاة له وهي خداج غير تمام" أنه أراد كل ركعة بدليل ما وصفنا والركعة تسمى صلاة في اللغة والشرع بدليل الوتر بركعة منفصلة عما قبلها وبالله توفيقنا.
وأما قوله في الحديث: "قال الله عز وجل: "قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين فنصفها لي ونصفها لعبدي ولعبدي ما سأل اقرأوا يقول العبد {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}" فبدأ بالحمد لله رب العالمين فجعلها آية ثم {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} آية ثم {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} آية فهذه ثلاث آيات لم يختلف فيها المسلمون جعلها الله له تبارك وتعالى ثم الآية الرابعة جعلها بينه وبين عبده ثم ثلاث آيات لعبده تتمة سبع آيات فهذا يدل على أن {أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} آية ثم الآية السابعة إلى آخرها على ما تقدم في الحديث في هذا الباب لأنه قال في قوله: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} إلى آخر السورة هؤلاء لعبدي ولعبدي ما سأل وهؤلاء إشارة إلى جماعة ما يعقل وما لا يعقل وأقل الجماعة ثلاثة فعلمنا بقوله هؤلاء أنه أراد هؤلاء الآيات والآيات أقلها ثلاث لأنه لو أراد آية واحدة لقال كهذه كما قال في قوله: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} هذه الآية بيني وبين عبدي ولو أراد آيتين لقال هاتان لعبدي فلما قال هؤلاء لعبدي علمنا أنه عني ثلاث آيات وإذا كان من قوله: {اهْدِنَا} إلى آخر السورة ثلاث آيات كانت السبع آيات من قوله: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} إلى قوله: {وَلا الضَّالِّينَ} وصح قسمة السبع الآيات على السواء ثلاث وثلاث وآية بينهما ألا ترى أنه قال اقرأوا يقول العبد: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} يقول الله حمدني عبدي فهذه آية يقول العبد: {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} يقول الله أثنى علي عبدي فهذه آيتان يقول العبد: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} يقول الله:

(20/200)


مجدني عبدي فهذه ثلاث آيات كلها لله عز وجل يقول العبد: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} فهذه الآية بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل فهذه أربع آيات ثم قال يقول العبد: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ} فهؤلاء لعبدي ولعبدي ما سأل فلما قال فهؤلاء علمنا أنها ثلاث آيات وتقدمت أربع تتمة سبع آيات ليس فيها {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} الثلاث له تبارك اسمه والرابعة بينه وبين عبده والثلاث لعبده وقد أجمعت الأمة على أن فاتحة الكتاب سبع آيات وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "وهي السبع المثاني" ثم جاء في هذا الحديث أنه عدها سبع آيات ليس فيها {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} فهذه حجة من ذهب إلى أن فاتحة الكتاب ليس يعد فيها {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} ومن أسقط {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} من فاتحة الكتاب عد أنعمت عليهم آية وهو عدد أهل المدينة وأهل الشام وأهل البصرة وأكثر أيمة القراء وأما أهل مكة وأهل الكوفة من القراء فإنهم عدوا فيها {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} ولم يعدوا {أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} وأما العلماء فإنهم اختلفوا في ذلك على ما نذكره ههنا بعون الله إن شاء الله.
حدثنا أحمد بن قاسم بن عيسى المقرئ قال حدثنا عبيد الله بن محمد بن حبابة قال حدثنا البغوي قال حدثنا جدي قال حدثنا يزيد بن هارون قال حدثنا ابن أبي ذئب عن المقرئ عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "فاتحة الكتاب السبع المثاني والقرآن العظيم" فإن قيل كيف تكون قسمت الصلاة

(20/201)


عبارة عن السورة وهو يقول قسمت الصلاة ولم يقل قسمت السورة قيل معلوم أن السورة القراءة وقد يعبر عن الصلاة بالقراءة كما قال :{وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً} أي قراءة صلاة الفجر وقد ذكرنا هذه الآية في باب أبي الزناد من هذا الكتاب والحمد لله.
ومن حجة من قال إن {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} ليست أيضا آية من فاتحة الكتاب ولا من غيرها إلا في سورة النمل قول الله عز وجل: {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيرا} والاختلاف موجود في {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} ههنا فعلمنا أنها ليست من كتاب الله لأن ما كان من كتاب الله فقد نفى عنه الاختلاف بقوله: {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيرا} وقوله: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}.
وأما من جهة الأثر فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن أبي بكر وعمر وعثمان أنهم كانوا يفتتحون القراءة بـ {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} وقالت عائشة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفتتح الصلاة بالتكبير والقراءة بـ {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} مع حديث أبي هريرة في هذا الباب حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا مضر بن محمد قال حدثنا يحيى بن معين قال حدثنا ابن أبي عدي عن حميد عن قتادة عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر وعثمان كانوا يفتتحون القراءة بـ {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} روى هذا الحديث مالك عن حميد الطويل عن أنس ابن مالك أنه قال "قمت وراء أبي بكر وعمر وعثمان فكلهم كان لا يقرأ {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} إذا افتتحوا الصلاة" لم يرفعه مالك ولم يسمعه حميد

(20/202)


من أنس وإنما يرويه عن قتادة عن أنس وأكثر أحاديثه عن أنس لم يسمعها من أنس إنما يرويها عن ثابت أو قتادة أو الحسن عن أنس ويرسلها عن أنس كذلك قال أهل العلم بالحديث.
أخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن قال حدثنا محمد بن بكر بن عبد الرزاق قال حدثنا أبو داود قال حدثنا مسلم بن إبراهيم قال حدثنا هشام بن قتادة عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر وعثمان كانوا يفتتحون القراءة بـ {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}.
وحدثنا أحمد بن قاسم وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا الحرث بن أبي أسامة قال حدثنا سعيد بن عامر عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أنس "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر وعثمان كانوا يفتتحون القراءة بـ {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} ". ورواه شعبة وشيبان وأيوب وأبو عوانة عن قتادة عن أنس "أن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر" لم يذكروا عثمان وأصحاب قتادة الذين يحتج بهم فيه شعبة والدستوائي وسعيد بن أبي عروبة فإذا اختلفوا أو اجتمع منهم اثنان كانا حجة على الثالث إذا خالفهما وقد روى هذا الحديث هشام بن حسان عن قتادة كما رواه هشام الدستوائي وابن أبي عروبة مرفوعا وذكر فيه عثمان.
حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد ابن إسماعيل قال حدثنا إبراهيم بن حمزة قال حدثنا حاتم بن إسماعيل عن هشام ابن حسان عن قتادة عن إنس قال "صليت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان فكانوا يفتتحون القراءة بـ {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}".
وقد روى هذا الحديث عائذ بن شريح عن أنس فزاد فيه ذكر علي ولم يقله غيره

(20/203)


حدثنا خلف بن القاسم الحافظ قال حدثنا أحمد بن إبراهيم بن أحمد بن عطية البغدادي المعروف بابن الحداد بمصر قال حدثنا أحمد بن عمرو بن عبد الخالق أبو بكر البزار قال حدثنا أبو همام قال حدثنا أبو الأحوص قال حدثنا يوسف بن اسباط عن عائذ بن شريح عن انس بن مالك قال "صليت خلف النبي صلى الله عليه وسلم وخلف أبي بكر وخلف عمر وخلف عثمان وخلف علي فكانوا يستفتحون القراءة بـ {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}". قال أبو همام فلقيت يوسف ابن أسباط فسألته عنه فحدثنيه عن عائذ بن شريح عن أنس.
قال أبو عمر :
ذكر علي في هذا الحديث غير محفوظ ولا يصح والله أعلم وقد حدثني خلف بن قاسم حدثنا أبو بكر أحمد بن محمد بن كامل حدثنا أبو أحمد إبراهيم ابن إسحاق بن إبراهيم البغدادي حدثنا الحرث بن محمد حدثنا أبو مصعب حدثنا مالك عن ابن شهاب عن القاسم بن محمد عن عائشة قالت "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفتتح القراءة بـ {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} . وسمعت أبا بكر الصديق يفتتح القراءة بـ {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}. وسمعت عمر بن الخطاب يفتتح القراءة بـ {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}. وسمعت عثمان بن عفان يفتتح القراءة بـ {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}". وهذا حديث موضوع بهذا الإسناد لا أصل له في حديث مالك ولا في حديث ابن شهاب وهو منكر كذب عن هؤلاء وعن القاسم بن محمد أيضا ولا يصح عن احد منهم والمعروف فيه عن عائشة: ما

(20/204)


أخبرناه أحمد بن قاسم وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا الحرث بن أبي أسامة قال حدثنا سعيد بن عامر عن سعيد بن عروبة عن بديل عن أبي الجوزاء عن عائشة قالت "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفتتح الصلاة بالتكبير والقراءة بـ {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}. ويختمها بالتسليم".
حدثنا عبد الرحمن بن مروان قال حدثنا أحمد بن سليمان بن عمرو قال حدثنا عبد الله بن محمد البغوي قال حدثنا داود بن عمرو قال حدثنا صالح بن محمد الواسطي وأخبرنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا ابو داود قال حدثنا مسدد قال حدثنا عبد الوارث قالا أخبرنا حسين المعلم عن بديل بن ميسرة العقيلي عن ابي الجوزاء عن عائشة قالت "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفتتح الصلاة بالتكبير وكان يفتتح القراءة بـ {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}. وكان إذا ركع لم يشخص رأسه ولم يصوبه وكان إذا رفع رأسه من الركوع لم يسجد حتى يستوي قائما وكان يقول في الركعتين التحية وكان يفرش رجله اليسرى وأحسبه قال وينصب اليمنى وكان ينهى عن عقب الشيطان وكان ينهى أن يفترش الرجل ذراعيه افتراش السبع وكان يختم الصلاة بالتسليم" واللفظ لحديث صالح بن محمد وهو أتم.
قال أبو عمر:
اسم أبي الجوزاء اوس بن عبد الله الربعي لم يسمع من عائشة وحديثه عنها مرسل.

(20/205)


حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم قال حدثنا أبو قلابة قال حدثنا محمد بن عثمان العجلي قال حدثنا حسين المعلم عن بديل بن ميسرة عن أبي الجوزاء عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفتتح القراءة بـ {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}..
حدثنا سعيد بن نصر وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا ابن وضاح قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا إسماعيل بن إبراهيم عن الجريري عن قيس بن عباية قال حدثني ابن عبد الله بن مغفل قال "سمعني أبي وأنا أقرأ {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} فقال أي بني إياك والحدث فإني صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومع أبي بكر وعمر وعثمان فلم أسمع رجلا منهم يقوله فإذا قرأت فقل {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}".
قال أبو عمر:
قيس بن عباية هذا هو أبو نعامة الحنفي وهو ثقة لكن ابن عبد الله ابن مغفل غير معروف بحمل العلم مجهول لم يرو عنه أحد غير أبي نعامة هذا فهذه الآثار كلها احتج بها من كره قراءة {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} في أول فاتحة الكتاب ولم يعدها آية منها وأكثرها لا حجة فيه لأن المعنى أنهم كانوا يفتتحون القراءة في الصلوات كلها وفي كل ركعة منها بـ {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} هذه السورة قبل سائر السور كما لو قال كان يفتتح بـ {ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ} أو بـ {نْ وَالْقَلَمِ} أو بـ {حم تَنْزِيلُ} ونحو ذلك وللعلماء في {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} أقاويل فجملة مذهب مالك وأصحابه أنها ليست عندهم آية من فاتحة الكتاب ولا من غيرها وليست من القرآن إلا في سورة النمل ولا يقرأ بها المصلي في المكتوبة في فاتحة الكتاب ولا في

(20/206)


غيرها سرا ولا جهرا قال مالك ولا بأس أن يقرأ بها في النافلة من يعرض القرآن عرضا وقول الطبري في {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} مثل قول مالك سواء في ذلك كله.
وللشافعي في {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قولان أحدهما أنها آية من فاتحة الكتاب دون غيرها من السور التي أثبتت في أوائلها والقول الآخر هي آية في أول كل سورة وكذلك اختلف أصحابه على القولين جميعا.
وقال أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأبو ثور وأبو عبيد هي آية من فاتحة الكتاب.
وأما أصحاب أبي حنيفة فزعموا أنهم لا يحفظون عنه هل هي آية من فاتحة الكتاب أم لا ومذهبه يقتضي أنها ليست آية من فاتحة الكتاب لأنه يسر بها في الجهر والسر.
وقال داود هي آية من القرآن في كل موضع وقعت فيه وليست من السور وإنما هي آية مفردة غير ملحقة بالسور.
وزعم الرازي أن مذهب أبي حنيفة هكذا.
وقال الزهري هي آية من كتاب الله تركها الناس.
وقال عطاء هي آية من أم القرآن وقال ابن المبارك من ترك {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} فقد ترك مائة آية وثلاث عشرة آية من القرآن.
واتفق أبو حنيفة والثوري على أن الإمام يقرأ {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} في أول فاتحة الكتاب سرا ويخفيها في صلاة الجهر وغيرها يخصها بذلك.

(20/207)


وروي مثل ذلك عن عمر وعلي وابن مسعود وعمار وابن الزبير وهو قول الحكم وداود وبه قال أحمد بن حنبل وأبو عبيد وروي عن الأوزاعي مثل ذلك وروي عن الأوزاعي أيضا مثل قول مالك أنه لا يقرأ بها في المكتوبة سرا ولا جهرا وأنها ليست آية من فاتحة الكتاب وهو قول الطبري.
وقال الشافعي وأصحابه يجهر بها في صلاة الجهر لأنها آية من فاتحة الكتاب حكمها كسائر السورة وبه قال داود على اختلاف عنه في ذلك وهو قول ابن عمر وابن عباس وطاوس ومجاهد وسعيد بن جبير وعطاء وعمرو بن دينار وروي ذلك عن عمر أيضا وابن الزبير.
قال أبو عمر:
أما من قرأ بها سرا في صلاة السر وجهرا في صلاة الجهر فحجته أنها آية من السورة لا يختلف حكمها والمناظرة بينه وبين من يخالفه في هذا الأصل وأما من أسر بها وجهر كسائر السورة فإنما مال إلى الأثر وقرأ بها كذلك من جهة الحكم بخبر الواحد الموجب للعمل دون العلم واحتجوا من الأثر في ذلك بما حدثناه محمد بن إبراهيم قال حدثنا محمد بن معاوية قال حدثنا أحمد بن شعيب قال أخبرنا محمد بن علي بن الحسن بن شقيق قال سمعت أبي يقول أخبرنا أبو حمزة عن منصور بن زاذان عن أنس بن مالك قال صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يسمعنا قراءة {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} وصلى بنا أبو بكر وعمر فلم نسمعها منهما.

(20/208)


وأخبرنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن غلاب حدثنا أبو الجواب قال أخبرنا عمار بن رزيق عن الأعمش عن شعبة عن ثابت عن أنس قال "صليت خلف النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما فلم أسمع أحدا منهم يجهر بـ {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}".
أخبرنا عبد الله بن محمد قال حدثنا حمزة بن محمد بن علي قال أخبرنا أحمد بن شعيب النسائي قال أخبرنا عبد الله بن سعيد قال حدثنا عقبة قال حدثنا شعبة وابن أبي عروبة عن قتادة عن أنس قال "صليت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان فلم أسمع أحدا منهم يجهر بـ {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}" ففي هذه الآثار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يجهر بها وفي ذلك دليل على أنه كان يخفيها ويقرأ بها فإلى هذا ذهب من رأى إخفاءها وعلى هذا حملوا ما روي عن علي ومن ذكرنا معه في ذلك.
ذكر عبد الرزاق عن إسرائيل عن ثوير بن أبي فاختة عن أبيه أن عليا كان لا يجهر بـ {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} وكان يجهر بـ {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}.
وعن الثوري عن عبد الملك بن أبي بشير عن عكرمة عن ابن عباس قال الجهر بـ {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قراءة الأعراب.

(20/209)


وأما الذين أثبتوها آية من كتاب الله في أول فاتحة الكتاب وفي أول كل سورة والذين جعلوها آية منفردة في أول كل سورة فإنهم قالوا إن المصحف لم يثبت الصحابة فيه ما ليس من القرآن لأنه محال أن يضيفوا إلى كتاب الله ما ليس منه ويكتبوه بالمداد كما كتبوا القرآن هذا ما لا يجوز أن يضيفه أحد إليهم ألا ترى أن الذين رأوا منهم الشكل فيه كرهوه وقالوا نسيتم المصحف كيف تضيفون إليه ما ليس منه واحتجوا من الأثر بما حدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا قتيبة بن سعيد قال حدثنا سفيان عن عمرو عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال "كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يعرف فصل السورة حتى ينزل عليه {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}" قال أبو داود وحدثنا هناد بن السري قال حدثنا محمد بن فضيل عن المختار بن فلفل قال سمعت أنس بن مالك يقول "سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: أنزلت علي آنفا سورة" فقرأ {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ} حتى ختمها ثم قال: "هل تدرون ما الكوثر؟ قالوا الله ورسوله أعلم قال فإنه نهر وعدنيه ربي في الجنة".
وذكر النسائي هذ الخبر عن علي بن حجر عن علي بن مسهر عن المختار ابن فلفل عن أنس مثله.
وذكر عبد الرزاق قال أخبرنا ابن جريج قال أخبرني عمرو بن دينار أن سعيد بن جبير أخبره أن المؤمنين في عهد النبي صلى الله عليه وسلم كانوا لا يعلمون انقضاء

(20/210)


السورة حتى تنزل {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} فإذا نزلت {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} علموا أن قد انقضت السورة ونزلت الأخرى.
وهكذا روى هذا الخبر طائفة أصحاب ابن عيينة عن ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن سعيد بن جبير مرسلا وبعضهم رواه عن ابن عيينة عن عمرو عن سعيد عن ابن عباس مسندا فهذه حجة من جعل {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} من كل سورة آية.
وأخبرنا عبد الله بن محمد بن يوسف قال حدثنا عبد الله بن محمد علي قال حدثنا محمد بن فطيس قال حدثنا أبو زهير عبد المجيد بن إبراهيم قال حدثنا عمرو بن هاشم قال حدثنا عبد العزيز بن الحصين عن عمرو بن دينار عن ابن عباس قال سرق الشيطان من أئمة المسلمين آية من كتاب الله {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قال ابن عباس نسيها الناس كما نسوا التكبير في الصلاة والله ما كنا نقضي السورة حتى تنزل {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}.
قال عمرو بن هاشم صليت خلف الليث بن سعد فكان يجهر بـ {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} وبـ "آمين".
وأما ما حكيناه عن ابن عباس وابن عمر وغيرهما من السلف في هذا الباب فذكر عبد الرزاق أخبرنا ابن جريج قال حدثني عبد الله بن عثمان بن خثيم عن عبد الله بن أبي بكر بن حفص بن عمر بن سعد أن معاوية صلى للناس بالمدينة العتمة فلم يقرأ {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} ولم يكبر بعض هذا التكبير الذي يكبر الناس فلما انصرف ناداه من سمع ذلك من المهاجرين.

(20/211)


والأنصار فقالوا يا معاوية أسرقت الصلاة أم نسيت أين {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} والله أكبر حين تهوى ساجدا فلم يعد معاوية لذلك بعد.
وروى هذا الخبر عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد عن ابن جريج عن عبد الله بن عثمان بن خثيم عن أبي بكر بن حفص عن أنس بن مالك قال صلى بنا معاوية صلاة يجهر فيه بالمدينة فذكر معناه.
وذكر عبد الرزاق أيضا أخبرنا ابن جريج قال أخبرني أبي أن سعيد ابن جبير أخبره أن ابن عباس قال في قول الله عز وجل: {وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ} قال: أم القرآن قال وقرأها علي سعيد كما قرأتها عليك ثم قال {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} الآية السابعة وقال ابن عباس قد أخرجها الله لكم وما أخرجها لأحد من قبلكم قال عبد الرزاق وقرأها علينا ابن جريج {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} آية {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} آية {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} آية {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} آية {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} آية {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} آية {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ} آية.
قال وأخبرنا معمر عن أيوب عن عمرو بن دينار أن ابن عباس كان يفتتح بـ {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}.

(20/212)


قال وأخبرنا إبراهيم بن محمد بن صالح مولى التوءمة أنه سمع أبا هريرة يفتتح بـ {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}.
قال وأخبرنا معمر عن ايوب عن نافع عن ابن عمر كان يفتتح القراءة بـ {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}.
قال وأخبرنا ابن جريج قال أخبرني نافع أن ابن عمر كان لا يدع {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} يستفتح بها لأم القرآن والسورة التي بعدها.
قال وأخبرنا الثوري عن عاصم بن أبي النجود عن سعيد بن جبير أنه كان يجهر بـ {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} في كل ركعة.
قال وأخبرنا ابن جريج عن عطاء قال لا أدع {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} في مكتوبة وتطوع أبدا إلا ناسيا لأم القرآن وللسورة التي بعدها قال وهي آية من القرآن.
قال ابن جريج وقال يحيى بن جعدة اختلس الشيطان من الأيمة آية {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قال وأخبر معمر عن الزهري أنه كان يفتتح بـ {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} ويقول هي آية من كتاب الله تركها الناس.

(20/213)


قال وأخبرنا محمد بن مسلم عن إبراهيم بن ميسرة عن مجاهد قال نسي الناس {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} وهذا التكبير.
قال أبو عمر:
في قول ابن شهاب ومجاهد ويحيى بن جعدة دليل على أن العمل كان عندهم ترك { بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} فهذا من جهة العمل وأما من جهة الأثر فحديث العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: "قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين فنصفها لي ونصفها لعبدي إقرأوا يقول: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}" الحديث على حسبما بينا منه فيما مضى من هذا الباب وحديث عبد الله بن مغفل أنه لم يسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أبا بكر ولا عمر يقرؤون {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} وحديث أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر وعثمان كانوا يفتتحون بـ {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} وحديث عائشة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفتتح الصلاة بالتكبير والقراءة بـ {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} فالظاهر من هذه الأخبار إسقاط {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} منها وتأويل المخالف فيها بعيد إذ زعم أن قولهم كانوا يفتتحون بـ {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} إعلام بأنهم كانوا يقرءون هذه السورة في أول صلاتهم وفي كل ركعة قالوا وإنما في هذه الآثار رد قول من قال إن غيرها من سور القرآن يغني عنها قالوا وحديث أنس مختلف فيه أكثر أصحاب قتادة يقولون فيه كانوا لا يقرءون {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} وبعض رواته عن أنس يقول فيه كانوا يقرؤون {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}.

(20/214)


ورواه معمر عن قتادة وحميد الطويل عن أنس بن مالك قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر وعثمان يقرؤون {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} قالوا فحديث أنس هذا وما كان في معناه محتمل للتأويل على ما وصفنا قالوا وحديث ابن عبد الله بن مغفل لا يثبت أيضا لأنه عن أبيه وهو مجهول قالوا والعلاء بن عبد الرحمن قد تكلم فيه وليس بحجة قالوا وأما قول من احتج بقول الله عز وجل :{وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً} فلا حجة فيه لأن الاختلاف في المعوذات وفي فاتحة الكتاب أيضا موجود بين الصحابة وكذلك الاختلاف في تأويل كثير من آي القرآن فدل ذلك على أن معنى الآية غير ما نزع به المخالف من ظاهرها والله أعلم.
قال أبو عمر:
العلاء بن عبد الرحمن ثقة روى عنه جماعة من الأئمة ولم يثبت فيه لأحد حجة وهو حجة فيما نقل والله أعلم وحديثه في هذا الباب يقضي بأن {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} ليست آية فاتحة الكتاب وهو نص في موضع الخلاف لا يحتمل التأويل وقد أمر الله عند التنازع بالرجوع إلى الله وإلى رسوله وقد اختلف السلف في هذا الباب وسلك الخلف سبيلهم في ذلك واختلفت الآثار فيه وحديث العلاء هذا قاطع لتعلق المتنازعين وهو أولى ما قيل به في هذا الباب إن شاء الله والله الموفق للصواب.
حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد ابن عبد السلام قال حدثنا محمد بن بشار وحدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد قال حدثنا عبد الرحمن بن محمد بن شيبة البغدادي حدثنا أبو خليفة

(20/215)


الجمحي الفضل بن الحباب قال حدثنا مسدد بن مسرهد قالا حدثنا يحيى قال حدثنا شعبة قال حدثني حبيب بن عبد الله الرحمن عن حفص ابن عاصم عن أبي سعيد بن المعلى قال "مر بي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا في المسجد فدعاني فلم آته فقال ما منعك أن تجيبني قلت إني كنت أصلي قال ألم يقل الله عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ} ثم قال ألا أعلمك أفضل سورة في القرآن قبل أن أخرج قال فلما ذهب يخرج ذكرت له فقال: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته" واللفظ لحديث عبد الوارث ففي هذا الحديث تسمية السورة بـ {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} وفيه أنها السبع الثماني وفيه أن الصلاة لا يجوز فيها الكلام ولا الاشتغال بغيرها ما دام فيها لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يعنفه إذ قال له كنت أصلي بل سكت عنه تسليما لذلك وإذا لم يقطع الصلاة بكلام ولا عمل لرسول الله صلى الله عليه وسلم فغيره أحرى بذلك وبالله التوفيق.
وذكر عبد الرزاق عن ابن جريج قال قلت لعطاء أيجزئ عني في كل ركعة {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ} وليس معها أم القرآن في المكتوبة قال لا ولا سورة البقرة قال الله {وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثَانِي} فهي السبع المثاني قلت فأين السابعة قال: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قال: وكان عطاء يوجب أم القرآن في كل ركعة.

(20/216)


الحديث الثالث
...
حديث ثالث للعلاء بن عبد الرحمن
مالك عن العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب أن أبا سعيد مولى عامر بن كريز أخبره "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نادى أبي بن كعب وهو يصلي فلما فرغ من صلاته لحقه فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده على يده وهو يريد أن يخرج من باب المسجد فقال: "إني لأرجو أن لا تخرج من المسجد حتى تعلم سورة ما أنزل الله في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الفرقان مثلها قال أبي فجعلت أبطئ في المشي رجاء ذلك ثم قلت يا رسول الله السورة التي وعدتني قال كيف تقرأ إذا افتتحت الصلاة قال فقرأت عليه {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} حتى أتيت على آخرها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هي هذه السورة وهي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أعطيت".
قال أبو عمر:
أبو سعيد مولى عامر بن كريز لا يوقف له على اسم وهو معدود في أهل المدينة روى عنه محمد بن عجلان وداود بن قيس وصفوان بن سليم والعلاء بن عبد الرحمن وأسامة بن زيد وروايته عن أبي هريرة وحديثه هذا مرسل وقد روي هذا الحديث عن أبي سعيد بن المعلى وأبو سعيد بن المعلى رجل من الصحابة لا يوقف له أيضا على اسم روى عنه حفص بن عاصم وسعيد بن جبير وقد ذكرناه في كتاب الصحابة والحمد لله.

(20/217)


ولم يختلف الرواة على مالك عن العلاء في إسناد هذا الحديث وخالفه فيه غيره جماعة عن العلاء فرواه ابن جريج وابن عجلان ومحمد بن إسحاق عن العلاء مرسلا عن النبي صلى الله عليه وسلم ورواه إسماعيل ومحمد ابنا جعفر ابن أبي كثير وعبد العزيز بن أبي سلمة وروح بن القاسم وعبد السلام بن حفص عن العلاء عن أبي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم مسندا.
ورواه عبد الحميد بن جعفر عن العلاء عن أبيه عن أبي هريرة عن أبي ابن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو الأشبه عندي والله أعلم.
حدثنا يونس بن عبد الله قال حدثنا محمد بن معاوية قال حدثنا جعفر بن محمد الفريابي قال حدثنا أبو كريب قال حدثنا خالد بن مخلد قال حدثنا عبد السلام بن حفص قال حدثنا العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بن كعب: "ألا أعلمك سورة لم ينزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في الفرقان مثلها قال نعم يا رسول الله صلى الله عليه وسلم" فذكر الحديث.
وذكر محمد بن إسحاق السراج في تاريخه قال حدثنا أحمد بن المقدام حدثنا يزيد بن زريع حدثنا روح بن القاسم عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة قال "خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي ابن كعب وهو يصلي فقال السلام عليك أبي فالتفت إليه ولم يجبه ثم إن أبي بن كعب خفف الصلاة ثم انصرف إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال السلام عليك يا رسول الله قال: وعليك

(20/218)


السلام ما منعك يا أبي أن تجيبني إذ دعوتك قال يا رسول الله كنت أصلي قال أفلست تجد فيما أوحي إلي أن {اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ} قال بلى يا رسول الله ولا أعود أبدا قال أي أبي أتحب أن أعلمك سورة لم ينزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في الفرقان مثلها قال نعم يا رسول الله قال فإني لا أخرج من هذا الباب حتى تعلمها قال ثم أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي يحدثني وأنا أتبطأ مخافة أن يبلغ الباب فلما دنونا من الباب قلت يا رسول الله السورة التي وعدتني قال كيف تقرأ في الصلاة قال فقرأت عليه أم القرآن قال هي هذه السورة وهي السبع المثاني والقرآن العظيم".
حدثنا أحمد بن قاسم بن عيسى المقرئ قال حدثنا عمر بن إبراهيم المقرئ قال حدثنا الحسين بن إسماعيل المحاملي قال حدثنا يوسف بن موسى بن راشد القطان قال حدثنا أبو اسامة قال حدثنا عبد الحميد بن جعفر عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة عن أبي بن كعب قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ألا أعلمك سورة ما أنزل الله في التوراة ولا في الزبور ولا في الإنجيل ولا في الفرقان مثلها قلت بلى يا رسول الله قال فقال لعلك ألا تخرج من هذا الباب حتى تعلمها قال وقام فأخذ بيدي يمشي فجعلت أتباطأ به مخافة أن يخرج قبل أن يخبرني فلما تقرب من الباب قلت يا رسول الله السورة التي وعدتني قال كيف تقرأ إذا قمت تصلي فقرأت بفاتحة الكتاب فقال هي هي وهي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أعطيت".

(20/219)


قال أبو عمر:
في هذا الحديث جواز مناداة من في الصلاة ليجيب إذا فرغ من صلاته وفيه أن من دعي به وهو في الصلاة لا يجيب حتى يفرغ من صلاته وقد تقدم في هذا الكتاب من الأصول في الكلام في الصلاة وما يجوز فيها ما يضبط به مثل هذا وشبهه من الفروع وفيه وضع اليد على اليد وهذا يستحسن من الكبير للصغير لأن فيه تأنيسا وتأكيدا للود وفيه ما كان عليه أبي بن كعب من الحرص على العلم وحرصه حمله على قوله يا رسول الله السورة التي وعدتني؟.
واستدل بعض أصحابنا بقوله: "كيف تقرأ إذا افتتحت الصلاة؟ قال فقرأت عليه {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} فقال في ذلك دليل على سقوط الاستعاذة في أول السورة قبل القراءة قال ودليل أيضا على سقوط قراءة {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} وفي ذلك اعتراض للمخالف لقوله في هذا الحديث: "كيف تقرأ؟" فأجابه بما يفتتح به القراءة لكن الظاهر ما قال به أصحابنا لأن الاستعاذة قراءة والتوجيه قراءة.
قال أبو عمر:
في هذا الحديث دليل على أن فاتحة الكتاب تقرأ في أول ركعة وحكم كل ركعة كحكم أول ركعة في القياس والنظر وظاهر قوله فقرأت عليه {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} والأغلب منه أنه افتتحها بذلك والله أعلم.
وقد تقدم في الباب قبل هذا من وجوه القول في ذلك ما فيه كفاية وهذا الحديث يخرج في التفسير المسند في تأويل قول الله عز وجل: {وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ} أن السبع المثاني فاتحة الكتاب قيل لها ذلك لأنها تثنى في كل ركعة كذلك قال أهل العلم بالتأويل.

(20/220)


وقد روي عن ابن عباس في قوله ولقد آتيناك سبعا من المثاني أنها فاتحة الكتاب وروي عنه أنها السبع الطول البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنعام والأعراف والأنفال وبراءة وهو قول مجاهد وسعيد بن جبير لأنها تثني فيها حدود القرآن والفرائض والقول الأول أثبت عنه وهو الصحيح في تأويل الآية لأنه قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه صحاح أحسنها حديث شعبة عن حبيب بن عبد الرحمن عن حفص بن عاصم عن أبي سعيد بن المعلى وقد ذكرناه في الباب قبل هذا وعند شعبة في هذا حديث آخر رواه عن العلاء ابن عبد الرحمان.
حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن عبد السلام قال حدثنا محمد بن المثني ومحمد بن بشار قالا حدثنا محمد بن جعفر قال حدثنا شعبة قال سمعت العلاء بن عبد الرحمن يحدث عن أبيه عن أبي بن كعب قالا السبع المثاني {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} وهو قول قتادة.
وروى معمر عن قتادة سبعا من المثاني قال هي فاتحة الكتاب تثني في كل ركعة مكتوبة وتطوع.
وأخبرنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا ابن وضاح قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا أبو أسامة عن عبد الحميد بن جعفر عن العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب عن أبيه عن أبي هريرة عن أبي كعب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما في التوراة ولا في الإنجيل مثل أم القرآن وهي السبع المثاني وهي مقسومة بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل".

(20/221)


اختلف على العلاء في هذا الحديث كما ترى في الإسناد والمتن وأظنه كان في حفظه شيء والله أعلم.
وقد جوده ابن أبي شيبة ويوسف بن موسى عن أبي أسامة عن عبد الحميد بن جعفر وبالله التوفيق

(20/222)


الحديث الرابع
...
حديث رابع للعلاء بن عبد الرحمن
مالك عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ألا أخبركم بما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات إسباغ الوضوء عند المكاره وكثرة الخطى إلى المساجد وانتظار الصلاة بعد الصلاة فذلكم الرباط فذلكم الرباط فذلكم الرباط".
قال أبو عمر :
في هذا الحديث طرح العالم العلم على المتعلم وابتداؤه إياه بالفائدة وعرضها عليه وهذا الحديث من أحسن ما يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم في فضائل الأعمال.
وأما قوله: "إسباغ الوضوء على المكاره" فالإسباغ الإكمال والإتمام في اللغة من ذلك قول الله عز وجل: {وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً

(20/222)


وَبَاطِنَةً} يعني أتمها عليكم وأكملها وإسباغ الوضوء أن تأتي بالماء على كل عضو يلزمك غسله وتعمه كله بالماء وجر اليد وما لم تأت عليه بالماء منه فلم تغسله بل مسحته ومن سمح عضوا يلزمه غسله فلا وضوء له ولا صلاة حتى يغسل ما أمر الله بغسله على حسبما وصفت لك.
فأما قوله: "على المكاره" فقيل اراد البرد وشدته وكل حال يكره المرء فيها نفسه فدفع وسوسة الشيطان في تكسيله إياه عن الطاعة والعمل الصالح والله أعلم.
وأما قوله: "فذلكم الرباط" فالرباط هنا ملازمة المسجد لأنتظار الصلاة وذلك معروف في اللغة قال صاحب كتاب العين الرباط ملازمة الثغور قال والرباط مواظبة الصلاة أيضا.
حدثنا يونس بن عبد الله قال حدثنا محمد بن معاوية قال حدثنا جعفر ابن محمد الفريابي قال حدثنا أبو كريب قال حدثنا خالد بن مخلد قال حدثنا محمد بن جعفر يعني ابن أبي كثير قال حدثنا العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ألا أدلكم على ما يحط الله به الخطايا ويرفع به الدرجات قالوا بلى يا رسول الله قال إسباغ الوضوء على المكاره وكثرة الخطى إلى المساجد وانتظار الصلاة بعد الصلاة فذلكم الرباط فذلكم الرباط".
أخبرنا أحمد بن محمد بن عبد الله قال حدثنا الحسن بن محمد قال حدثنا عبد الملك بن يحيى قال حدثنا محمد بن إسماعيل الصائغ قال حدثنا سنيد بن داود قال حدثنا إسماعيل بن جعفر عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي

(20/223)


هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات قالوا بلى يا رسول الله قال إسباغ الوضوء على المكاره وكثرة الخطى إلى المساجد وانتظار الصلاة بعد الصلاة فذلكم الرباط فذلكم الرباط".
قال سنيد وحدثنا عبد الله بن المبارك عن مصعب بن ثابت عن داود ابن صالح عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال ما كان الرباط على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن نزلت في انتظار الصلاة بعد الصلاة يعني قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا}.
قال وأخبرني أحمد بن كردوس الكندي عن عبد الله بن وهب عن أبي صخر عن محمد بن كعب القرظي قال يقول اصبروا على دينكم وصابروا الوعد الذي وعدتكم ورابطوا عدوي وعدوكم حتى يترك دينه لدينكم واتقوني فيما بيني وبينكم لعلكم تفلحون إذا لقيتموني غدا.
قال وأخبرني أبو سفيان عن معمر عن قتادة قال صابروا المشركين ورابطوا في سبيل الله.
أخبرنا عبد الوارث بن سفيان حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا أحمد بن زهير حدثنا أبي حدثنا صفوان بن عيسى عن الحرث بن عبد الرحمن بن أبي ذباب عن سعيد بن المسيب عن علي بن أبي طالب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إسباغ الوضوء في المكاره وإعمال الأقدام إلى المساجد وانتظار الصلاة بعد الصلاة تغسل الخطايا غسلا".

(20/224)


الحديث الخامس
...
حديث خامس للعلاء بن عبد الرحمن
مالك عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه قال سألت أبا سعيد الخدري عن الإزار فقال أنا أخبرك بعلم سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "أزرة المسلم إلى أنصاف ساقيه لا جناح عليه فيما بينه وبين الكعبين ما أسفل من ذلك ففي النار" قال ذلك ثلاث مرات "لا ينظر الله عز وجل إلى من جر إزاره بطرا".
هكذا روي هذا الحديث عن مالك عن العلاء لم يختلف عليه فيه أحد وكذلك رواه شعبة وغيره عنه كما رواه مالك.
حدثنا عبد الوارث بن سفيان حدثنا قاسم حدثنا أحمد بن زهير حدثنا هارون بن معروف قال حدثنا ضمرة قال حدثنا سعدان بن سالم الأيلي عن يزيد بن أبي سمية قال سمعت ابن عمر فيما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الإزار فهو في القميص يعني ما تحت الكعبين من القميص في النار كما قال في الإزار.
وقد روى أبو خيثمة زهير بن معاوية قال سمعت أبا إسحاق السبيعي يقول أدركتهم وقمصهم إلى نصف الساق أو قريب من ذلك وكم أحدهم لا يجاوز يده.

(20/225)


قال أبو عمر:
تكميش الإزار إلى نصف الساق كانت العرب تمدح فاعله ثم جاء الله بالإسلام فسنه النبي صلى الله عليه وسلم قال دريد بن الصمة يرثي أخاه ويمدحه:
قليل التشكي للمصيبات حافظ ... مع اليوم أدبار الأحاديث في غد
كميش الإزار خارج نصف ساقه ... صبور على الضراء طلاع أنجد
صبا ما صبا حتى إذا شاب رأسه ... وأحدث حلما قال للباطل أبعد
ورحم الله إسحاق بن سويد حيث يقول:
إن المنافق لا تصفو خليقته ... فيها مع الهمز إيماض وإيماء
عابوا على من يرى تشمير أزرهم ... وخطة العائب التشمير حمقاء
عدوهم كل قار مؤمن ورع ... وهم لمن كان شريبا أخلاء

(20/226)


وقال متمم بن نويرة في رثائه لأخيه:
تراه كنصل السيف يهتز للندى
... وليس على العكبين من ثوبه فضل
وقال العرجي وهو عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان:
رأتني خضيب الرأس شمرت مئزري ... وقد عهدتني أسود الرأس مسبلا
فقالت لأخرى دونها تعرفينه ... أليس به قالت بلى ما تبدلا
سوى أنه قد لاحت الشمس لونه ... وفارق أشياع الصبا وتبتلا
أماطت كساء الخز عن حر وجهها ... وأرخت على الخدين بردا مهلهلا
من اللائي لم يحججن يبغين حسبة ... ولكن ليقتلن البريء المغفلا
وأنشد أبو عبيد العجير السلولي:
وكنت إذا داع دعا لمعونة ... أشمر حتى ينصف الساق مئزري

(20/227)


قوله لمعونة أي الضيافة:
قال أبو عبيدة: ثلاثة أحرف جاءت عن العرب على غير قياس معونة وهي من أعان يعين ومثوبة وهي من أثاب يثيب ومضوفة من أضاف يضيف.
وروي عن عمر بن الخطاب أنه كان يكره فضول الثياب ويقول فضول الثياب في النار.
وسئل سالم بن عبد الله بن عمر عما جاء في إسبال الإزار أذلك في الإزار خاصة فقال بلى في القميص والإزار والرداء والعمامة.
وقال طاوس الرداء فوق القميص والقميص فوق الإزار.
وروي عن نافع أنه سئل عن قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما أسفل من الكعبين ففي النار من الثياب" فقال وما ذنب الثياب بل هو من القدمين.
قال أبو عمر:
لا يجوز للرجل أن يجر ثوبه خيلاء وبطرا والله أعلم فإن قيل إن ابن مسعود كان يسبل إزاره لما ذكره ابن أبي شيبة عن وكيع عن منصور عن أبي وائل عن ابن مسعود أنه كان يسبل إزاره فقيل له فقال إني رجل حمش الساقين قيل ذلك لعله أذن له كما أذن لعرفجة أن يتخذ أنفا من ذهب فيتجمل به.

(20/228)


وذكر أبو بكر عن عيسى بن يونس عن الأوزاعي عن عمرو بن مهاجر قال كانت قمص عمر بن عبد العزيز وثيابه فيما بين الكعب والشراك وهذا يحتمل أن يكون عمر ذهب إلى أن يستغرق الكعبين كما إذ قيل في الوضوء إلى الكعبين استغرقهما وكان الاحتياط أن يقصر عنهما إلا أن معنى هذا مخالف لمعنى الوضوء ولكن عمر ليس منهم كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر: "لست منهم" أي لست ممن يجر ثوبه خيلاء وبطرا وقد مضى هذا المعنى مكررا في مواضع من كتابنا هذا والحمد لله.

(20/229)


الحديث السادس
...
حديث سادس للعلاء بن عبد الرحمن
مالك عن العلاء بن عبد الرحمن عن ابيه وإسحاق أبي عبد الله أنهما أخبراه أنهما سمعا أبا هريرة يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا ثوب بالصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون وائتوها وعليكم السكينة فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا فإن أحدكم في صلاة ما كان يعمد إلى الصلاة".
هذا الحديث لم يختلف على مالك فيما علمت في إسناده ولا في متنه وقد روي عن أبي هريرة رضي الله عنه من وجوه كثيرة أجلها ما حدثناه سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا إسماعيل بن إسحاق قال

(20/229)


حدثنا إبراهيم بن حمزة قال حدثنا إبراهيم بن سعد عن ابن شهاب عن أبي سلمة ابن عبد الرحمن وسعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون وائتوها وأنتم تمشون عليكم السكينة فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا".
وحدثنا سعيد قال حدثنا قاسم قال حدثنا إسماعيل قال حدثنا إبراهيم ابن حمزة عن إبراهيم بن سعيد عن أبيه عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله.
وأخبرنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا أحمد بن صالح حدثنا عنبسة أخبرني يونس عن ابن شهاب قال أخبرني سعيد بن المسيب وأبو سلمة بن عبد الرحمن أن أبا هريرة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إذا اقيمت الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون وائتوها تمشون وعليكم السكينة فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا".
قال أبو داود وكذلك قال الزبيدي وابن أبي ذئب ومعمر وإبراهيم بن سعد وشعيب بن أبي حمزة كلهم عن الزهري بإسناده قالوا وما افتكم فأتموا وقال ابن عيينة وحده وما فاتكم فاقضوا.
وقال محمد بن عمرو عن أبي سلمة.
وجعفر بن ربيعة عن العرج عن أبي هريرة فأتموا.
وكذلك روى ابن مسعود وابو قتادة وأنس عن النبي صلى الله عليه وسلم فأتموا واختلف عن أبي ذر فروي عنه فأتموا وفاقضوا.

(20/230)


قال أبو داود وحدثنا أبو الوليد الطيالسي قال حدثنا شعبة عن سعد ابن إبراهيم قال سمعت أبا سلمة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ائتوا الصلاة وعليكم السكينة فصلوا ما أدركتم واقضوا ما سبقكم". قال أبو داود وكذلك قال ابن سيرين وابو رافع عن أبي هريرة واقضوا.
قال أبو عمر:
أما قوله: "إذا ثوب بالصلاة" فإنه أراد بالتثويب ههنا الإقامة وقد ذكرنا هذا المعنى مجودا في باب أبي الزناد وقد بان في رواية سعيد بن المسيب وأبي سلمة عن أبي هريرة لهذا الحديث أن التثويب المذكور في حديث العلاء هو الإقامة.
وأما قوله: "فلا تأتوها وأنتم تسعون" فالسعي ههنا في هذا الحديث المشي بسرعة والاشتداد فيه والهرولة هذا هو السعي المذكور في هذا الحديث وهو معروف مشهور في كلام العرب ومنه السعي بين الصفا والمروة وقد يكون السعي في كلام العرب العمل من ذلك قوله: {وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا} و {إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى} ونحو هذا كثير.
ذكر سنيد قال حدثنا وكيع عن موسى بن عبيدة عن محمد بن كعب قال السعي العمل.

(20/231)


واختلف العلماء في السعي إلى الصلاة لمن سمع الإقامة فروى مالك عن نافع عن ابن عمر أنه سمع الإقامة وهو بالبقيع فاسرع المشي وروى ذلك عن ابن عمر من طرق.
وروي عن عمر أنه كان يهرول إلى الصلاة وفي إسناده عنه لين وضعف والله أعلم.
أخبرنا أحمد بن عبد الله حدثنا الحسن بن إسماعيل حدثنا عبد الملك بن بحر حدثنا محمد بن إسماعيل الصائغ حدثنا سنيد بن داود حدثنا وكيع عن سفيان عن الأعمش عن إبراهيم عن ابن مسعود قال لو قرأت {فَاسَعَوْا} لسعيت حتى يسقط ردائي وكان يقرأ "فامضوا إلى ذكر الله".
قال أبو عمر:
وهي قراءة عمر رحمه الله وروي عن ابن مسعود أنه قال أحق ما سعينا إليه الصلاة رواه عنه ابنه أبو عبيدة ولم يسمع منه.
وروي عن الأسود بن يزيد وعبد الرحمن بن يزيد وسعيد بن جبير أنهم كانوا يهرولون إلى الصلاة فهؤلاء كلهم ذهبوا إلى أنه من خاف الفوت سعى ومن لم يخف مشى على هيئته.
وروى وكيع عن المسعودي عن القاسم بن عبد الرحمن قال: قال عبد الله بن مسعود: " إذا أتيتم الصلاة فأئتوها وعليكم السكينة فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا".

(20/232)


وروى المسعودي أيضا عن علي بن الأقمر عن أبي الأحوص قال: قال عبد الله لقد رأيتنا وإنا لنقارب بين الخطى.
وروى أبو الأشهب جعفر بن حيان عن ثابت عن أنس بن مالك قال خرجت مع زيد بن ثابت إلى المسجد فاسرعت في المشي فحبسني.
وروى محمد بن مسلم عن عمرو بن دينار عن أبي نضرة عن أبي ذر قال إذا أقيمت الصلاة فامش إليها كما كنت تمشي فصل ما أدركت واقض ما سبقك.
قال أبو عمر:
قد اختلف السلف في هذا الباب كما ترى وعلى القول بظاهر حديث النبي في هذا الباب جمهور العلماء وجماعة الفقهاء وقد روى ابن القاسم في سماعه قال سئل مالك عن الإسراع في المشي إلى الصلاة إذا اقيمت قال لا أرى بذلك بأسا ما لم يسع أو يخب قال وسئل عن الرجل يخرج إلى الحرس فيسمع مؤذن المغرب في الحرس فيحرك فرسه ليدرك الصلاة قال مالك لا أرى بذلك بأسا.
وقال إسحاق إذا خاف فوات التكبيرة الأولى فلا بأس أن يسعى.
قال أبو عمر:
معلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما زجر عن السعي من خاف الفوت قال فما أدركتم فصلوا فالواجب أن يأتي الصلاة من خاف فوتها ومن لم يخف ذلك فالوقار والسكينة وترك السعي وتقريب الخطى لأمر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك وهو

(20/233)


الحجة صلى الله عليه وسلم وأما قوله: "وما فاتكم فأتموا" على ما روى مالك وغيره ممن تقدم ذكره في هذا الباب ففيه دليل على أن ما أدرك المصلي مع إمامه فهو أول صلاته وهذا موضع اختلف فيه العلماء.
فأما مالك فاختلفت الرواية عنه فيما أدرك المصلي من صلاة الإمام هل هو أول صلاته أو آخرها فروى سحنون عن جماعة من أصحاب مالك منهم ابن القاسم عنه أن ما أدرك فهو أول صلاته ولكنه يقضي ما فاته بالحمد وسورة وهذا هو المشهور من المذهب.
وقال ابن خواز بنداد وهو الذي عليه أصحابنا وهو قول الأوزاعي والشافعي ومحمد بن الحسن وأحمد بن حنبل والطبري وداود بن علي وروى أشهب وهو الذي ذكره ابن عبد الحكم عن مالك ورواه عيسى عن ابن القاسم عن مالك أن ما أدرك فهو آخر صلاته وهو قول أبي حنيفة والثوري والحسن بن حي.
قال أبو عمر:
هكذا حكى ابن خواز بنداد عن مالك وأصحابه عن محمد بن الحسن وذكر الطحاوي عن محمد عن أبي يوسف عن أبي حنيفة أن الذي يقضيه أول صلاته وكذلك يقرأ فيها ولم يحك خلافا ولا خلاف عن مالك وأصحابه أن من أدرك مع الإمام ركعتين أنه يقرا فيها بأم القرآن وحدها معه في كل ركعة ثم يقوم إذا سلم الإمام فيقرأ بأم القرآن وسورة فيما يقضي في كل ركعة وهذا قول الشافعي أيضا فكيف يصح مع هذا المذهب الدعوى على من قال بهذا القول أن ما أدرك فهو أول صلاته بل الظاهر الصحيح على ما ذكرنا أن ما أدرك آخر صلاته وأما البناء فلا أعلم خلافا فيه بين العلماء أن المصلي يبني فيه على صلاة نفسه ولا يجلس إلا حيث يجب له إذا قام لقضاء ما عليه وقد صرح الشافعي

(20/234)


بأن قال ما أدرك فهو أول صلاته وقوله في القضاء والقراءة كقول مالك سواء وكذلك صرح الأوزاعي بأن ما أدرك من صلاة الإمام فهو أول صلاته وأظنهم راعوا الإحرام لأنه لا يكون إلا في أول الصلاة والتشهد والتسليم لا يكون إلا في آخرها فمن ههنا قالوا إن ما أدرك فهو أول صلاته والله أعلم.
وقال الثوري يصنع فيما يقضي مثل ما يصنع الإمام فيه.
وقال الحسن بن حي فيهما ذكر الطحاوي أول صلاة الإمام أول صلاتك وآخر صلاة الإمام آخر صلاتك إذا فاتك بعض صلاته.
وأما المزني وإسحاق وداود فقالوا ما أدرك فهو اول صلاته يقرأ فيه مع الإمام بالحمد لله وسورة إن أدرك ذلك معه وإذا قام للقضاء قرأ بالحمد لله وحدها فيما يقضي لنفسه لأنه آخر صلاته وهو قول عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون فهؤلاء أطرد على أصلهم قولهم وفعلهم.
وأما السلف رضي الله عنهم فروي عن عمر وعلي وأبي الدرداء بأسانيد ضعاف ما أدركت فاجعله آخر صلاتك.
وثبت عن سعيد بن المسيب والحسن البصري وعمر بن عبد العزيز ومكحول وعطاء والزهري والأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز ما أدركت فاجعله أول صلاتك والذي يجيء على أصولهم إن لم يثبت عنهم نص في ذلك ما قاله المزني وإسحاق وداود.
وروي عن ابن عمر أنه قال ما أدركت فاجعله آخر صلاتك وعن مجاهد وابن سيرين مثل ذلك.
وذكر ابن المنذر أن مالكا والثوري والشافعي وأحمد بهذا يقولون.

(20/235)


قال أبو عمر:
ظن ذلك من أجل قولهم في القراءة في القضاء والله أعلم واحتج القائلون بأن ما أدرك هو أول صلاته بقوله صلى الله عليه وسلم: "وما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا" قالوا والتمام هو الآخر واحتج الآخرون بقوله: "ما فاتكم فاقضوا" قالوا والذي يقضيه هو الفائت والحجج متساوية لكلا المذهبين من جهة الأثر والنظر إلا أن رواية من روى فأتموا أكثر وأما من جعل ما أدرك مع الإمام أول صلاته فليس يطرد فيه ويستقيم إلا ما قاله ابن أبي سلمة والمزني وإسحاق وداود والله أعلم وبه التوفيق والسداد لا شريك له.
وقد زعم بعض المتأخرين من اصحابنا أن من ذهب مذهب ابن أبي سلمة والمزني في هذا المسألة أسقط سنة الجهر في صلاة الليل وسنة السورة مع أم القرآن وهذا ليس بشيء لأن إمامه قد جاء بذلك وحصلت صلاته على سنتها في سرها وجهرها وغير ذلك من أحكامها وإنما هذا كرجل أحرم والإمام راكع ثم انحنى فلا يقال له أسقطت سنة الوقوف والقراءة وكرجل أدرك مع إمامه ركعة فجلس معه في موضع قيامه أو انفرد فلا يقال له أسأت أو أسقطت شيئا وحسبه إذا أتم صلاته أن يأتي بها على سنة آخرها ولا يضره ما سبقه إمامه في أولها لأنه مأمور باتباع إمامه وإنما جعل الإمام ليؤتم به.
وقال أبو بكر الأثرم قلت لأبي عبد الله يعني أحمد بن حنبل ارأيت قول من قال يجعل ما أدرك مع الإمام أول صلاته ومن قال يجعله آخر صلاته أي شيء الفرق بينهما قال من أجل القراءة فيما يقضي قلت له فحديث النبي صلى الله عليه وسلم على أي القولين يدل عندك قال على أنه يقضي ما فاته قال صلى الله عليه وسلم: "صلوا ما أدركتم واقضوا ما سبقكم" وقد احتج داود وغيره من القائلين بأن من أدرك الإمام يوم الجمعة في التشهد صلى ركعتين بهذا الحديث قوله صلى الله عليه وسلم: "ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا" أو "فاقضوا" قالوا فالذي فاته ركعتان لا أربع فإنما عليه أن يقضي ما فاته ويتم صلاته.

(20/236)


قال أبو عمر:
ولعمري إن هذا لوجه لو لم يكن هناك ما يعارضه وينقضه لكن لما قال صلى الله عليه وسلم: "من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة" . كان في هذا القول دليل كالنص على أن من لم يدرك ركعة من الصلاة فلم يدرك الصلاة ومعلوم أن من لم يدرك الجمعة يصلي أربعا على أن داود قد جعل مثل هذا الدليل أصلا جاريا في الأحكام وترك الاستدلال به ههنا لما ذكرنا والله المستعان.
وقد ذكرنا هذه المسألة في باب ابن شهاب عن أبي سلمة من هذا الكتاب والحمد لله.

(20/237)


الحديث السابع
...
حديث سابع للعلاء بن عبد الرحمن
مالك عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "نهى أن ينبذ في الدباء والمزفت".
قد مضى القول في هذا الحديث في باب ربيعة وغيره من هذا الكتاب أخبرنا خلف بن قاسم حدثنا عبد الله بن جعفر بن الورد حدثنا يوسف بن يزيد حدثنا عبد الله بن عبد الحكم أخبرنا مالك عن العلاء عن أبيه عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم "نهى أن ينبذ في الدباء والمزفت".
وهكذا رواه القعنبي والتنيسي وابن بكير وأبو المصعب وقتيبة وجماعتهم.

(20/237)


قال أبو عمر:
النبذ الرمي والترك والنبيذ المنبوذ.
قال القطامي:
فهن ينبذن من قول يصبن به ... مواقع الماء من ذي الغلة الصادي

(20/238)


الحديث الثامن
...
حديث ثامن للعلاء بن عبد الرحمن
مالك عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى المقبرة فقال: "السلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون وددت أني قد رأيت إخواننا قالوا يا رسول الله ألسنا بإخوانك قال بل أنتم أصحابي وإخواننا الذين لم يأتوا بعد وأنا فرطهم على الحوض قالوا يا رسول الله كيف تعرف من يأتي بعدك من أمتك قال أرأيت لو كانت لرجل خيل غر محلجة في خيل دهم بهم ألا يعرف خيله قالوا بلى يا رسول الله قال فإنهم يأتون يوم القيامة غرا محجلين من الوضوء وأنا فرطهم على الحوض فلا يذادن رجل عن

(20/238)


حوضي كما يذاد البعير الضال أناديهم ألا هلم ألا هلم ألا هلم فيقال إنهم قد بدلوا بعدك فأقول فسحقا فسحقا فسحقا".
قال أبو عمر:
في هذا الحديث من الفقه إباحة الخروج إلى المقابر وزيارة القبور وهذا أمر مجتمع عليه للرجال ومختلف فيه للنساء وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها ولا تقولوا هجرا فإنها تذكر الآخرة".
وقد مضى القول في هذا المعنى عند ذكر هذا الحديث في باب ربيعة ومضى القول في زيارة النساء للمقابر وما للعلماء في ذلك وما روي فيه من الأثر في غير موضع من كتابنا هذا فلا وجه لتكرار ذلك ههنا.
وأما قوله في المقبرة: " السلام عليكم دار قوم مؤمنين" فقد روي من وجوه حسان وحديث العلاء هذا من أحسنها إسنادا.
وقد روى شعبة وسفيان عن علقمة بن مرثد عن سليمان بن بريدة عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا مر على القبور قال: "السلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون غفر الله العظيم لنا ولكم ورحمنا وإياكم".

(20/239)


وقد حدثنا أحمد بن قاسم ويعيش بن سعيد ومحمد بن حكم قالوا حدثنا محمد بن معاوية قال حدثنا أبو خليفة الفضل بن الحباب قال حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي قال حدثنا عبد العزيز بن محمد الدراوردي قال حدثنا شريك بن عبد الله بن أبي نمر عن عطاء بن يسار عن عائشة أنها قالت كان النبي صلى الله عليه وسلم يخرج من الليل إلى المقبرة فيقول: "السلام عليكم دار قوم مؤمنين أتانا وإياكم ما توعدون وإنا إن شاء الله بكم لاحقون اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد".
وقد احتج به من ذهب إلى أن أرواح الموتى على أفنية القبور والله أعلم بما أراد رسوله صلى الله عليه وسلم بسلامه عليهم وقد نادى أهل القليب ببدر وقال ما أنتم بأسمع منهم إلا أنهم لا يستطيعون أن يجيبوا قيل إن هذا خصوص وقيل إنهم لم يكونوا مقبورين لقوله تعالى: {وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ} . وما أدري ما هذا.
وقد روى قتادة عن أنس في الميت حين يقبر أنه يسمع خفق نعالهم إذا ولوا عنه مدبرين وهذه أمور لا يستطاع على تكييفها وإنما فيها الاتباع والتسليم.
قال أبو عمر:
ينبغي لمن دخل المقبرة أن يسلم ويقول ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " فإن لم يفعل فلا حرج ولا بأس عليه" وممكن أن يكون قوله ذلك صلى الله عليه وسلم على وجه الاعتبار والفكرة في حال الأموات.

(20/240)


حدثنا عبد العزيز بن عبد الرحمن قال حدثنا أحمد بن مطرف وحدثنا إبراهيم بن شاكر قال حدثنا عبد الله بن محمد بن عثمان قالا حدثنا سعيد بن عثمان قال حدثنا أحمد بن عبد الله بن صالح قال حدثنا محمد بن الصباح قال حدثنا شريك عن عاصم بن عبيد الله عن عبد الله بن عامر بن ربيعة عن عائشة قالت فقدت النبي صلى الله عليه وسلم فاتبعته فأتى البقيع فقال: "السلام عليكم دار قوم مؤمنين أنتم لنا فرط وإنا بكم لاحقون اللهم لا تحرمنا أجورهم ولا تفتنا بعدهم".
ورواه أبو داود الطيالسي قال حدثنا شريك عن عاصم بن عبيد الله عن القاسم بن محمد عن عائشة مثله.
وذكر العقيلي قال حدثنا حجاج بن عمران حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الرحيم البرقي حدثنا سعيد بن هاشم حدثنا مسلم بن خالد عن زيد بن أسلم عن صخر بن أبي سمية عن عبد الله بن عمر أنه قام على باب عائشة مرة وقدم من سفر فقال: "السلام عليك يا رسول الله السلام عليك يا أبا بكر السلام عليك يا أبت".
وروينا عن أبي هريرة أنه قال: "من دخل المقابر فاستغفر لأهل القبور وترحم على الموات فكأنما شهد جنائزهم وصلى عليهم".
وقال الحسن من دخل المقابر فقال اللهم رب الأجساد البالية والعظام النخرة إنها خرجت من الدنيا وهي بك مؤمنة فأدخل عليها روحا منك وسلاما مني كتب الله له بعددهم حسنات وأظن قوله وسلاما مني مأخوذا من قول النبي صلى الله عليه وسلم: "السلام عليكم".

(20/241)


وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه خرج إلى المقابر فلما أشرف على أهل القبور رفع صوته فنادى يا أهل القبور أتخبرونا عنكم أو نخبركم خبر ما عندنا أما خبر ما قبلنا فالمال قد اقتسم والنساء قد تزوجن والمساكن قد سكنها قوم غيركم هذا خبر ما قبلنا فأخبرونا خبر ما قبلكم ثم التفت إلى اصحابه فقال أما والله لو استطاعوا أن يجيبوا لقالوا لم نر زادا خير من التقوى وهذا كله مر على سبيل الاعتبار وما يذكر إلا أولو الأبصار.
أخبرنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا ابن وضاح قال حدثنا محمد بن مسعود قال حدثنا يحيى بن سعيد القطان عن سليمان التيمي عن أبي عثمان النهدي قال خرج رجل في يوم فيه دفء فأتى الجبان فصلى ركعتين ثم أتى قبرا فأتكأ عليه فسمع صوتا ارتفع عني ولا تؤذيني إنكم تقولون ولا تعلمون ونحن نعلم ولا نقول لأن يكون لي مثل ركعتيك أحب إلي من كذا وكذا.
وروينا عن ثابت البناني أنه قال بينا أنا أمشي في المقابر إذا إنا بهاتف يهتف من روائي يقول يا ثابت لا يغرنك سكوتنا فكم من مغموم فيها قال فالتفت فلم أر أحدا.
وروينا أن عمر بن الخطاب مر ببقيع الغرقد فقال السلام عليكم أهل القبور أخبار ما عندنا أن نساءكم قد تزوجن ودوركم قد سكنت وأموالكم قد فرقت فأجابه هاتف يا عمر بن الخطاب أخبار ما عندنا أن ما قدمناه قد وجدناه وما أنفقناه فقد ربحناه وما خلفناه فقد خسرناه.

(20/242)


ومن أحسن ما قيل في هذا المعنى من النظم قول أبي العتاهية:
أهل القبور عليكم مني السلام ... إني أكلمكم وليس بكم كلام
لا تحسبوا أن الأحبة لم يسغ ... من بعدكم لهم الشراب ولا الطعام
كلا لقد رفضوكم واستبدلوا بكم ... وفرق ذات بينكم الحمام
والخلق كلهم كذلك فكل من ... قد مات ليس له على حي ذمام
وأما قوله صلى الله عليه وسلم: "وإنا إن شاء الله بكم لاحقون" ففي معناه قولان أحدهما أن الاستثناء مردود على معنى قوله دار قوم مؤمنين أي وإنا بكم لاحقون مؤمنين إن شاء الله يريد في حال إيمان لأن الفتنة لا يأمنها مؤمن ألا ترى إلى قول إبراهيم عليه السلام: {وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ} وقول يوسف صلى الله عليه وسلم: {تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ} والوجه الثاني أنه قد يكون الاستثناء في الواجبات التي لا بد من وقوعها كالموت والكون في القبر ولا بد منه ليس على سبيل الشك ولكنها لغة العرب ألا ترى إلى قول الله تعالى: {لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ} والشك لا سبيل إلى إضافته إلى الله عز وجل تعالى عن ذلك علام الغيوب.
وأما قوله: "وددت أني رأيت إخواننا فقيل يا رسول الله لسنا بإخوانك قال بلى أنتم أصحابي وإخواننا الذين لم يأتوا بعد" فظاهر هذا الكلام أن إخوانه صلى الله عليه وسلم غير أصحابه وأصحابه الذين رأوه وصحبوه مؤمنين،

(20/243)


وإخوانه الذين آمنوا به ولم يروه وقد جاء منصوصا عنه صلى الله عليه وسلم والإخوان والإخوة هنا معناهما سواء وقد قرئت {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ} وبين إخوتكم وبين إخوانكم.
وقد روي عن الحسن البصري أنه قرأ بهذه الثلاث قرأ بين أخويكم وإخوتكم وإخوانكم قال أبو حاتم والمعنى واحد ألا ترى إلى قوله: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} وقوله: {أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ} إلا أن العامة أولعت بأن تقول إخوتي في النسب وإخواني في الصداقة وممن قرأ "فأصلحوا بين أخويكم" ثابت البناني وعاصم الجحدري وروي ذلك عن زيد بن ثابت وابن مسعود ويعقوب إخوتكم وقراءة العامة أخويكم على اثنين في اللفظ.
وأما الأصحاب فمن صحبك وصحبته وجائز أن يسمى الشيخ صاحبا للتلميذ والتليمذ صاحبا للشيخ والصاحب القرين المماشي المصاحب فهؤلاء كلهم أصحاب وصحابة.
حدثنا خلف بن قاسم قال حدثنا ابن أبي رافع بمصر قال حدثنا إسماعيل إبن إسحاق حدثنا علي بن المديني قال حدثنا حماد بن اسامة قال حدثنا الأحوص بن حكيم عن أبي عون عن أبي إدريس الخولاني عن أبي سعيد الخدري،

(20/244)


أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أنتم أصحابي وإخواني الذين آمنوا بي ولم يروني" . هذا إسناد ليس في واحد منهم مقال إلا الأحوص بن حكيم فإن ابن معين وطائفة من أهل العلم بالحديث ضعفوه وقالوا عنده مناكير وكان ابن عيينة يوثقه ويثني عليه وأبو عون هو محمد بن عبيد الله الثقفي أجمعوا أنه ثقة وسائر من في الإسناد أئمة.
وحدثنا عبد الوارث بن سفيان وسعيد بن نصر قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن وضاح قال حدثنا حامد بن يحيى وإبراهيم بن المنذر قالا حدثنا محمد بن معن الغفاري قال حدثنا داود بن خالد بن دينار قال مررت يوما أنا ورجل من بني تيم يقال له يوسف أو أبو يوسف على ربيعة بن أبي عبد الرحمن فقال له أبو يوسف يا أبا عثمان إنا لنجد عند غيرك من الحديث ما لا نجد عندك فقال إن عندي حديثا كثيرا ولكن ربيعة بن الهدير أخبرني وكان يلزم طلحة بن عبيد الله أنه لم يسمع طلحة يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا قط غير حديث واحد قال ربيعة بن أبي عبد الرحمن لربيعة ابن الهدير وما هو قال لي طلحة خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أشرفنا على حرة واقم وتدلينا منها فإذا قبور مجبنة فقلنا يا رسول الله هذه قبور إخواننا قال هذه قبور أصحابنا ثم مشينا حتى جئنا قبور الشهداء فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه قبور إخواننا.
قال أبو عمر:
هذا حيث صحيح الإسناد وفيه أنه قال صلى الله عليه وسلم في قبور الشهداء: "هذه قبور إخواننا" ومعلوم عنه أنه قال في الشهداء في عصره أنا شهيد عليهم.

(20/245)


وقد روى الحميدي هذا الحديث عن محمد بن معن الغفاري ورواه أيضا علي بن عبد الله المديني عن محمد بن معن الغفاري.
ورواه أحمد بن حنبل عن علي بن المديني أخبرنا به عبد الله بن محمد ابن يحيى قال حدثنا أحمد بن جعفر بن حمدان قال حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال حدثني أبي قال حدثنا علي بن عبد الله قال حدثني محمد بن معن الغفاري قال حدثني داود بن خالد بن دينار أنه مر هو ورجل يقال له أبو يوسف من بني تيم على ربيعة بن أبي عبد الرحمن فقال له أبو يوسف إنا لنجد غيرك من الحديث ما لا نجد عندك فقال أما إن عندي حديثا كثيرا ولكن ربيعة بن الهدير حدثني وكان يلزم طلحة بن عبيد الله أنه لم يسمع طلحة بن عبيد الله يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا قط غير حديث واحد قال ربيعة بن عبد الرحمن وما هو قال: قال لي طلحة بن عبيد الله خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أشرفنا على حرة واقم قال فتدلينا منها فإذا قبور بمجبنة فقلنا يا رسول الله قبور إخواننا هذه قال قبور أصحابنا ثم خرجنا وأتينا قبور الشهداء فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هذه قبور إخواننا".
قال أبو عمر:
حرة واقم هي الحرة التي كانت بها الوقيعة يوم الحرة بالمدينة أوقعها بهم مسلم بن عقبة أيام يزيد بن معاوية وإياها عنى الشاعر بقوله:
فإن تقتلونا يوم حرة واقم ... فنحن على الإسلام أول من قتل
قال علي بن المديني لا أحفظ لداود بن خالد غير هذا الحديث.

(20/246)


قال أبو عمر:
هذا حديث مدني حسن الإسناد محمد بن معن عندهم ثقة وداود بن خالد بن دينار لم يذكره أحد بجرحة ولا ضعفه أحد من نقلة أئمة أهل الحديث ولم ينكره أحد منهم.
حدثنا خلف بن قاسم قال حدثنا عبد الله بن عمر بن إسحاق الجوهري قال حدثنا أحمد بن محمد بن الحجاج قال حدثنا عمرو بن خالد قال حدثنا ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن بكير بن عبد الله بن الأشج عن عبد الرحمن بن أبي عمرة عن أبيه قال قيل يا رسول الله أرأيت من آمن بك ولم يرك وصدقك ولم يرك فقال صلى الله عليه وسلم: "أولئك إخواننا أولئك معنا طوبى لهم طوبى لهم ".
ومن حديث ابن أبي أوفى قال خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما فعقد وجاء عمر فقال: "يا عمر إني أشتاق إلى إخواني فقال عمر ألسنا بإخوانك يا رسول الله قال: لا ولكنكم أصحابي وإخواني قوم آمنوا بي ولم يروني".
أخبرنا عبد الرحمن بن يحيى قال حدثنا أحمد بن سعيد قال حدثنا محمد ابن إبراهيم الديبلي قال حدثنا علي بن زيد الفرائضي قال حدثنا موسى بن داود عن همام عن قتادة عن أنس عن أبي أمامة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "طوبى لمن رآني وآمن بي وطوبى سبع مرات لمن لم يراني وآمن بي ورواه أبو داود الطيالسي قال حدثنا همام عن قتادة عن أنس عن أبي أمامة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول طوبى لمن رآني وآمن بي وطوبى سبعا لمن لم يرني وآمن بي".

(20/247)


وهذا الحديث في مسند أبي داود الطيالسي أخبرنا بجميعه أحمد بن سعيد ابن بشر وأحمد بن عبد الله بن محمد بن علي إجازة عن مسلمة بن قاسم عن جعفر بن محمد بن الحسن الأصبهاني عن يونس بن حبيب بن عبد القاهر عن أبي داود وذكر مسلم بن الحجاج قال حدثنا قتيبة بن سعيد قال حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من أشد أمتي حبا لي ناس يكونون بعدي يود أحدهم لو رآني بأهله وماله".
ومن مسند أبي داود الطيالسي عن محمد بن أبي حميد عن زيد بن اسلم عن أبيه عن عمر قال كنت جالسا عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "أتدرون أي الخلق أفضل إيمانا قلنا الملائكة قال وحق لهم بل غيرهم قلنا الأنبياء قال حق لهم بل غيرهم قلنا الشهداء قال هم كذلك وحق لهم بل غيرهم ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل الخلق إيمانا قوم في أصلاب الرجال يؤمنون بي ولم يروني يجدون ورقا فيعملون بما فيه هم أفضل الخلق إيمانا".
وحدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن شاكر قال حدثنا محمد بن أحمد بن يحيى قال حدثنا إسحاق بن محمد بن حمدان قال حدثنا أبو يحيى زكرياء بن يحيى الساجي قال حدثنا محمد بن المتني قال حدثنا ابن أبي عدي عن ابن أبي حميد عن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر بن الخطاب قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "أنبئوني بأفضل أهل الإيمان إيمانا قلنا الملائكة" وذكر الحديث كما تقدم وذكر سنيد عن خلف بن خليفة عن عطاء بن السائب قال: قال ابن عباس يوما لأصحابه أي الناس أعجب إيمانا قالوا الملائكة قال وكيف لا تؤمن الملائكة والأمر فوقهم قالوا الأنبياء قال وكيف لا تؤمن الأنبياء والأمر ينزل عليهم غدوة وعشية قالوا فنحن قال كيف لا

(20/248)


تؤمنون وأنتم ترون من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ترون ثم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أعجب الناس إيمانا قوم يأتون بعدي يؤمنون بي ولم يروني أولئك إخواني حقا".
وكان سفيان بن عيينة يقول تفسير هذا الحديث وما كان مثله بين في كتاب الله وهو قوله: {وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ} وروى مال عن صفوان بن سليم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن أهل الجنة ليتراءون أهل الغرف من فوقهم كما تتراءون الكوكب الدري في الأفق من المشرق أو المغرب لتفاضل بينهم قالوا يا رسول الله تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم قال بلى والذي نفسي بيده رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين" . وروى فليح بن سليمان عن هلال بن علي عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه وقال محمد بن يحيى كلاهما غير مرفوع.
حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا هارون بن معروف قال حدثنا ضمرة عن مرزوق بن نافع عن صالح بن جبير عن أبي جمعة قال قلنا يا رسول الله هل أحد خير منا؟ قال: "نعم قوم يجيئون من بعدكم فيجدون كتابا بين لوحين يؤمنون بما فيه ويؤمنون بي ولم يروني".

(20/249)


قال أبو عمر:
أبو جمعة له صحبة فاسمه حبيب بن سباع وقد ذكرناه بما ينبغي عن ذكره في كتاب الصحابة وصالح بن جبير من ثقات التابعين روى عنه قوم جلة منهم أبو عبيد حاجب سليمان بن عبد الملك شيخ مالك ومرزوق بن نافع ومعاوية بن صالح وهشام بن سعد ورجاء بن أبي سلمة وغيرهم قال عثمان بن سعيد السجستاني الدارمي سألت يحيى بن معين عن صالح بن جبير كيف هو فقال ثقة.
وروى أبو ثعلبة الخشني عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن أمامكم أياما الفائز فيهن كالقابض على الجمر للعامل فيهم أجر خمسين رجلا يعمل مثل عمله قيل: يا رسول الله منهم؟ قال بل منكم". وهذه اللفظة بل منكم قد سكت عنها بعض رواة هذا الحديث فلم يذكرها.
حدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن وضاح قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا أبو خالد الأحمر عن يحيى بن سعيد عن أبي صالح عن رجل من بني أسد عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن من اشد أمتي حبا لي قوما يأتون من بعدي يود أحدهم لو يعطيى ماله وأهله ويراني".
قال أبو عمر:
قد عارض قوم هذه الأحاديث بما جاء عنه صلى الله عليه وسلم: "خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم" وهو حديث حسن المخرج جيد الإسناد وليس ذلك عندي بمعارض لأن قوله صلى الله عليه وسلم: "خير الناس قرني" ليس على عمومه بدليل

(20/250)


ما يجمع القرن من الفاضل والمفضول وقد جمع قرنه مع السابقين من المهاجرين والأنصار جماعة من المنافقين المظهرين للإيمان وأهل الكبائر الذين أقام عليهم أو على بعضهم الحدود وقال لهم ما تقولون في الشارب والسارق والزاني وقال مواجهة لمن هو في قرنه: "لا تسبوا أصحابي فلو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصفه" وقال لخالد بن الوليد في عمار: "لا تسب من هو خير منك".
وقال عمر بن الخطاب في قوله عز وجل: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} قال من فعل مثل فعلهم كان مثلهم.
وقال ابن عباس في قوله {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} هم الذين هاجروا من مكة إلى المدينة وشهدوا بدرا والحديبية وهذا كله يشهد أن خير قرنه فضلا أصحابه وأن قوله خير الناس قرني أنه لفظ خرج على العموم ومعناه الخصوص وقد قيل في قول الله: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} أنهم أمة محمد صلى الله عليه وسلم يعني الصالحين منهم وأهل الفضل هم شهداء على الناس يوم القيامة قالوا وإنما صار أول هذه الأمة خير القرون لأنهم آمنوا حين كفر الناس وصدقوه حين كذبه الناس وعزروه ونصروه وآووه وواسوه بأموالهم وأنفسهم وقاتلوا غيرهم على كفرهم حتى أدخلوهم في الإسلام وقد قيل في توجيه أحاديث الباب مع قوله خير الناس قرني إن قرنه إنما فضل لأنهم كانوا غرباء في إيمانهم لكثرة الكفار وصبرهم على أذاهم وتمسكهم بدينهم وإن آخر هذه الأمة إذا أقاموا الدين وتمسكوا به وصبروا على طاعة ربهم في حين ظهور الشر والفسق،

(20/251)


والهرج والمعاصي والكبائر كانوا عند ذلك أيضا غرباء وزكت أعمالهم في ذلك الزمن كما زكت أعمال أوائلهم ومما يشهد لهذا قوله صلى الله عليه وسلم: "إن الإسلام بدا غريبا وسيعود غريبا فطوبى للغرباء" ويشهد له أيضا حديث أبي الخشني وقد تقدم ذكره ويشهد له أيضا قوله صلى الله عليه وسلم: "أمتي كالمطر لا يدرى أوله خير أم آخره".
وقد ذكر البخاري قال حدثنا محمد بن بشار قال حدثنا ابن أبي عدي عن حميد عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض الله الله".
قال أبو عمر:
فما تلك بعبادة الله وإظهار دينه في ذلك الوقت أليس هو كالقابض على الجمر لصبره على الذل والفاقة وإقامة الدين والسنة.
وروينا أن عمر بن عبد العزيز لما ولي الخلافة كتب إلى سالم بن عبد الله بن عمر أن أكتب إلي بسيرة عمر بن الخطاب لأعمل بها فكتب إليه سالم إن عملت بسيرة عمر فإنها فضل عمر لأن زمانك ليس كزمان عمر ولا رجالك كرجال عمر قال وكتب إلى فقهاء زمانه فكلهم كتب إليه بمثل قول سالم وقد عارض بعض الجلة من العلماء قوله صلى الله عليه وسلم: "خير الناس قرني" بقوله عليه السلام "خير الناس من طال عمره وحسن عمله".
حدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا إسماعيل بن إسحاق قال حدثنا علي بن المديني قال حدثنا عفان قال حدثنا حماد بن سلمة عن حميد ويونس عن الحسن عن أبي بكرة أن رجلا قال يا رسول الله: أي

(20/252)


الناس خير؟ قال: "من طال عمره وحسن عمله" قال: فأي الناس شر؟ قال: "من طال عمره وساء عمله".
وأما قوله صلى الله عليه وسلم: "أمتي كالمطر لا يدرى أوله خير أم آخره" فروي من حديث أنس وحديث عبد الله بن عمرو بن العاصي من وجوه حسان منها ما رواه أبو داود الطيالسي بالإسناد المتقدم عنه قال حدثنا حامد بن يحيى الأبح قال حدثنا ثابت البناني عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أمتي كالمطر لا يدرى أوله خير أم آخره" وبه عن أبي داود الطيالسي قال حدثنا عمران عن قتادة قال حدثنا صاحب لنا عن عمار بن ياسر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "مثل أمتي كالمطر لا يدرى أوله خير أم آخره" وذكر أبو عيسى الترمذي قال حدثنا قتيبة بن سعيد قال حدثنا حماد بن يحيى الأبج عن ثابت عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أمتي كالمطر لا يدري أوله خير أم آخره".
حدثنا عبد الوارث حدثنا قاسم حدثنا أحمد بن زهير قال سمعت يحيى ابن معين يقول حماد بن يحيى الأبح ثقة.
قال بو عمر
من قبله ومن بعده يستغنى عن ذكرهم لأنهم حجة عندهم في نقلهم.
وحدثنا خلف بن أحمد قال حدثنا أحمد بن مطرف قال حدثنا أبو صالح ايوب بن سليمان وأبو عبد الله بن محمد بن عمر بن لبابة قالا حدثنا أبو

(20/253)


زيد عبد الرحمن بن إبراهيم قال حدثنا أبو عبد الرحمن بن عبد الله بن يزيد المقرئ عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم عن عبد الله بن يزيد أبي عبد الرحمن ابن زياد الحبلي عن عبد الله بن عمرو بن العاصي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أمتي كالمطر لا يدرى أوله خير أم آخره" وقد روي هذا الحديث عن مالك عن الزهري عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم رواه عنه هشام بن عبيد الله وهشام بن عبيد الله الرازي هذا ثقة لا يختلفون في ذلك.
حدثنا خلف بن قاسم قال حدثنا أبو نصر أحمد بن الحسن بن أحمد السجستاني بمصر قال حدثنا أبو علي الرفاء بهراة وحدثنا خلف بن قاسم قال حدثنا محمد بن عبد الله قال حدثنا جعفر بن محمد بن إدريس القزويني قالا حدثنا محمد بن المغيرة السكري قال حدثنا هشام بن عبيد الله الرازي قال حدثنا مالك بن أنس عن ابن شهاب عن أنس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مثل أمتي مثل المطر لا يدرى أوله خير أم آخره".
وذكر أبو الحسن علي بن عمر الدارقطني في مسند حديث مالك له فقال حدثنا أبو علي حامد بن يحيى الهروي قال حدثنا محمد بن المغيرة السكري بهمدان قال حدثنا هشام بن عبيد الله الرازي قال حدثنا مالك بن أنس عن الزهري عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مثل أمتي مثل المطر لا يدرى أوله خير أم آخره".
وروى ابن مسعود وابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لما عرضت الأمم عليه فرأى أمته سوادا كثيرا فرح فقيل له: بأن لك سوى هؤلاء من أمتك سبعون ألفا يدخلون الجنة لا حساب عليهم فقال بعض أصحابه لبعض من ترون هؤلاء

(20/254)


فقالوا: ما نراهم إلا قوم ولدوا في الإسلام لم يشركوا بالله شيئا وعملوا بالإسلام حتى ماتوا عليه فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "بل هم الذين لا يسترقرون ولا يكتوون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون فقال عكاشة يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم" وذكر تمام الخبر. وهذه الأحاديث تقتضي مع تواتر طرقها وحسنها التسوية بين أول هذه الأمة وآخرها والمعنى في ذلك ما قدمنا ذكره من الإيمان والعمل الصالح في الزمن الفاسد الذي يرفع فيه العلم والدين من أهله ويكثر الفسق والهرج ويذل المؤمن ويعز الفاجر ويعود الدين غريبا كما بدأ ويكون القائم فيه بدينه كالقابض على الجمر فيتسوي حنيئذ أول هذه الأمة بآخرها في فضل العمل إلا أهل بدر والحديبية والله أعلم ومن تدبر آثار هذا الباب بان له الصواب والله يؤتي فضله من يشاء.
وأما قوله: "وأنا فرطكم على الحوض" فالفرط والمتفارط هو الماشي المتقدم أمام القوم إلى الماء هذا قول أبي عبيد وغيره وقال ابن وهب أنا فرطكم يقول أنا أمامكم وأنتم ورائي تتبعوني واستشهد أبو عبيد وغيره على قوله الفارط المتقدم إلى الماء بقول الشاعر:
فأثار فارطهم غطاطا جثما ... أصواته كتراطن الفرس
قال وقال القطامي:
فاستعجلونا وكانوا من صحابتنا ... كما تعجل فراط لوراد
وقال لبيد:
فوردنا قبل فراط القطا ... إن من روي تغليس النهل

(20/255)


وقال آخر:
ومنهل وردته التقاطا ... لم ألق إذ وردته فراطا
إلا القطا أو بدا غطاطا
...
وقال ابن هرمة:
ذهب الذين أحبهم فرطا ... وبقيت كالمغمر في خلف
الفارط السائر إلى الماء أي أغلس ومشى بليل والنهل الشربة الأولى وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين مات ابنه إبراهيم: "لولا أنه وعد صادق وأن الماضي فرط للباقي" وقال له أيضا: ألحق بفرطنا عثمان بن مظعون.
قال الخليل القطاط طير يشبه القط والأوابد الطير التي لا تبرح شتاء ولا صيفا من بلدانها والقواطع التي تقطع من بلد إلى بلد في زمن بعد زمن.
وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال أنا فرطكم على الحوض جماعة من أصحابه منهم ابن مسعود وجابر بن سمرة والصنابح بن الأعسر وجندب وسهل بن سعد وغيرهم وقد ذكرنا أحاديث الحوض في باب خبيب من هذا الكتاب وأما قوله فليذادن فمعناه ليبعدن وليطردن.

(20/256)


قال زهير:
ومن لا يذد عن حوضه بسلاحه ... يهدم ومن لا يظلم الناس يظلم
قال الراجز:
ياخوي نهنها وذودا ... إني أرى حوضكما مورودا
أما رواية يحيى فلا يذادن على النهي فقيل إنه قد تابعه على ذلك ابن نافع ومطرف وقد خرج بعض شيوخنا معنى لرواية يحيى ومن تابعه أي لا يفعل أحد فعلا يطرد به عن حوضي ومما يشبه رواية يحيى هذه ويشهد لها ما حدثنا سعيد بن نصر حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا ابن وضاح حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا هاشم بن القاسم حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار عن أبي حازم عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أنا فرطم على الحوض من ورد علي شرب ومن شرب لم يظمأ أبدا ألا ليردن علي أقوام أعرفهم ويعرفونني ثم يحال بيني وبينهم" وهذا في معنى رواية يحيى.
وقد ذكر البخاري وغيره حديث سهل بن سعد هذا فقال: "وليردن علي الحوض قوم أعرفهم ويعرفونني ثم يحال بيني وبينهم".
أخبرني أحمد بن قاسم بن عبد الرحمن ويونس بن عبد الله بن مغيث قالا حدثنا محمد بن معاوية بن عبد الرحمن قال حدثنا جعفر بن محمد الفريابي قال حدثنا قتيبة بن سعيد قال أخبرنا مالك عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى المقبرة فقال: "السلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون وددت أني رأيت إخواننا قالوا يا

(20/257)


رسول الله ألسنا بإخوانك قال بل أنتم أصحابي وإخواننا الذين لم يأتوا بعد وأنا فرطهم على الحوض قالوا يا رسول الله كيف تعرف من يأتي بعدك من أمتك قال أرأيت لو كان لرجل خيل غر محجلة في خيل دهم بهم ألا يعرف خيله قالوا بلى يا رسول الله قال فإنهم يأتون يوم القيامة غرا محجلين من الوضوء وأنا فرطهم على الحوض فليذادن رجال عن حوضي كما يذاد البعير الضال أناديهم ألا هلم ألا هلم فيقال إنهم قد بدلوا بعدك فأقول فسحقا فسحقا".
وأما قوله: "فإنهم يأتون يوم القيامة غرا محجلين من الوضوء" ففيه دليل على أن الأمم أتباع الأنبياء لا يتوضأون مثل وضوئنا على الوجه فاليدين فالرجلين لأن الغرة في الوجه والتحجيل في اليدين والرجلين هذا ما لا مدفع فيه على هذا الحديث إلا أن يتأؤل متأول هذا الحديث أن وضوء سائر الأمم لا يكسبها غرة ولا تحجيلا وأن هذه الأمة بورك لها في وضوئها بما أعطيت من ذلك شرفا دائما ولنبيها صلى الله عليه وسلم كسائر فضائلها على سائر الأمم كما فضل نبيها بالمقام المحمود وغيره على سائر الأنبياء والله أعلم وقد يجوز أن يكون الأنبياء يتوضؤون فيكسبون بذلك الغرة والتحجيل ولا يتوضأ أبتاعهم ذلك الوضوء كما خص نبينا صلى الله عليه وسلم بأشياء دون أمته منها نكاح ما فوق الأربع والموهوبة بغير صداق والوصال وغير ذلك فيكون ذلك من فضائل هذه الأمة أن تشبه كلها الأنبياء كما جاء عن موسى عليه السلام أنه قال أجد أمته كلهم كالأنبياء فاجعلها أمتي قال تلك أمة أحمد في حديث فيه طول.
وحدثنا خلف بن قاسم حدثنا محمد بن القاسم بن شعبان حدثنا محمد بن العباس بن اسلم حدثنا أبن أبي ناجية حدثني زياد بن يونس عن مسلمة بن

(20/258)


علي عن إسماعيل عن رافع عن سالم بن عبد الله بن عمر سمعه يحدث عن كعب أنه سمع رجلا يحدث أنه رأى في المنام أن الناس جمعوا للحساب ثم دعي الأنبياء مع كل نبي أمته وأنه رأى لكل نبي نورين يمشي بينهما ولمن ابتعه من أمته نورا واحدا يمشي به حتى دعي محمد صلى الله عليه وسلم فإذا شعر رأسه ووجهه نور كله يراه كل من نظر إليه وإذا لمن اتبعه من أمته نوران كنور الأنبياء فقال كعب وهو لا يشعر أنها رؤيا من حدثك بهذا الحديث وما أعلمك به فأخبره أنها رؤيا فناشده كعب بالله الذي لا إله إلا هو لقد رأيت ما تقول مناما فقال نعم والله لقد رأيت ذلك فقال كعب والذي نفسي بيده أو قال والذي بعث محمدا بالحق إن هذه لصفة أحمد وأمته وصفة الأنبياء في كتاب الله لكان ما قرأته من التوراة وقد قيل إن سائر الأمم كانوا يتوضوؤن والله أعلم وهذا لا أعرفه من وجه صحيح.
وأما قوله صلى الله عليه وسلم: "إذ توضأ ثلاثا ثلاثا فقال هذا وضوئي ووضوء الأنبياء قبلي" فحديث ضعيف لا يجيئ من وجه صحيح ولا يحتج بمثله فكيف أن يتعارض به مثل هذا الحديث الذي قد روي من وجوه صحاح ثابتة من أحاديث الأئمة وحديث: "هذا وضوئي ووضوء الأنبياء قبلي" فإنما يدور على زيد بن الحواري العمي والد عبد الرحيم بن زيد وهو انفرد به وهو ضعيف ليس بثقة ولا ممن يحتج به وقد اختلف عليه فيه أيضا فرواه عبد الله بن عرابة عن زيد بن الحواري العمي عن معاوية بن قرة عن عبيد بن عمير عن أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم.

(20/259)


ورواه عبد الله بن عبد الوهاب الحجبي عن عبد الرحيم بن زيد عن أبيه عن معاوية بن قرة عن ابن عمر وهو حديث لا أصل له وعبد الرحيم وابوه زيد متروكان والحديث حدثناه محمد بن خليفة قال حدثنا محمد بن الحسين قال حدثنا أبو بكر بن أبي داود قال حدثنا أبو الطاهر أحمد بن عمرو بن السرح ومحمد بن عبد الله بن عمرو الفربي قالا حدثنا إسماعيل بن مسلمة بن قعنب قال حدثنا عبد الله بن عرابة عن زيد بن حواري عن معاوية بن قرة عن عبيد بن عمرو عن أبي بن كعب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ فتوضأ مرة مرة ثم قال: "هذا وظيفة الوضوء الذي لا يقبل الله صلاة إلا به ثم توضأ مرتين مرتين فقال هذا وضوئي ووضوء الأنبياء من قبلي".
وحدثنا عبد الرحمن بن يحيى قال حدثنا أحمد بن محمد بكير الحداد قال حدثنا إبراهيم بن عبد الله الكشي قال حدثنا عبد الله بن عبد الوهاب قال حدثني عبد الرحيم بن زيد العمي عن أبيه عن معاوية بن قرة عن ابن عمر قال توضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم مرة مرة وقال: "هذا وظيفة الوضوء الذي لا يقبل الله صلاة إلا به ثم توضأ مرتين مرتين وقال هذا الفضل من الوضوء ويضعف الله الأجر لصاحبه مرتين ثم توضأ ثلاثا ثلاثا ثم قال هذا وضوئي ووضوء خليل الله إبراهيم ووضوء الأنبياء من قبلي ومن قال بعد فراغه أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير فتح الله له من الجنة ثمانية أبواب" هذا كله منكر في الإسناد والمتن وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يتوضأ مرة مرة رواه ابن عباس وغيره من حديث الثقات وأجمعت الأمة أن من توضأ مرة واحدة سابغة أجزأه وكيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ مرة مرة فيرغب بنفسه عن الفضل الذي قد ندب غيره إليه أو كيف كان يتوضأ مرة أو مرتين ويقصر عن ثلاث إذا كانت الثلاث وضوء إبراهيم صلى الله عليه وسلم وقد أمر أن يتبع ملة إبراهيم حنيفا وليس يشتغل أهل العلم بالنقل بمثل حديث عبد الرحيم بن زيد العمي وأبيه وقد أجمعوا على تركهما.

(20/260)


وأما قوله في هذا الحديث: "من قال بعد فراغه يعني من وضوئه أشهد أن لا إله إلا الله" إلى آخر الحديث فروي بأسانيد صالحة وإن كانت معلولة من حديث عمر وحديث عقبة بن عامر وهكذا يصنع الضعفاء يخلطون ما يعرف بما لا يعرف والله المستعان.
وحدثنا سعيد بن نصر حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن وضاح حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا يحيى بن زكرياء بن أبي زائدة عن أبي مالك الأشجعي عن أبي حازم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يردون علي غرا محجلين من الوضوء سيما أمتي ليس لأحد غيرها".
روى الوليد بن مسلم عن صفوان بن عمرو قال أخبرني يزيد بن حضير عن عبد الله بن بسر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أمتي يوم القيامة غر من السجود محجلون من الوضوء".
حدثنا أحمد بن قاسم وأحمد بن محمد وسعيد بن نصر قالوا حدثنا قاسم ابن أصبغ قال حدثنا محمد بن إسماعيل الترمذي قال حدثنا نعيم بن حماد قال حدثنا ابن المبارك قال أخبرنا ابن لهيعة قال حدثني يزيد بن أبي حبيب عن عبد الرحمن بن جبير سمع أبا ذر وأبا الدرداء قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أنا أول من يؤذن له في السجود يوم القيامة وأول من يؤذن له برفع رأسه فأنظر بين يدي فأعرف أمتي من بين الأمم وأنظر عن يميني فأعرف أمتي من بين الأمم وأنظر عن شمالي فأعرف أمتي من بين الأمم وأنظر من خلفي فأعرف أمتي فقال رجل يا رسول الله وكيف تعرف أمتك من بين الأمم ما بين نوح إلى

(20/261)


أمتك؟ قال: غر محجلون من آثار الوضوء ولا يكون من الأمم كذلك أحد غيرهم " وذكر تمام الحديث.
قال ابن المبارك وأخبرنا يحيى بن أيوب البجلي قال سمعت رجلا يحدث عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير سمع أبا هريرة يقول الحلية تبلغ حيث انتهى الوضوء.
حدثنا إبراهيم بن شاكر رحمه الله قال حدثنا عبد الله بن بن عثمان قال حدثنا سعيد بن عثمان الأعناقي قال حدثنا أحمد بن عبد الله بن صالح قال حدثنا يزيد بن هارون عن حماد بن سلمة عن عاصم عن زر عن عبد الله أنهم قالوا يا رسول الله كيف تعرف من لم تر من أمتك؟ قال: "غر محجلون بلق من آثار الوضوء" فهذه الاثار كلها تشهد لما قلنا وبالله توفيقنا.
وأما قوله في حديثنا في هذا الباب: "فسحقا" فمعناه فبعدا والسحق والبعد والإسحاق والإبعاد سواء بمعنى واحد وكذلك النأي والبعد لفظتان بمعنى واحد إلا أن سحقا وبعدا هكذا إنما تجيئ بمعنى الدعاء على الإنسان كما يقال أبعده الله وقاتله الله وسحقه الله ومحقه وأسحقه أيضا ومن هذا قول الله عز وجل: {فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ} يعني بعيد وكل من أحدث في الدين ما لا يرضاه الله ولم يأذن به الله فهو من المطرودين عن الحوض المبعدين عنه والله أعلم واشدهم طردا من خالف جماعة المسلمين وفارق سبيلهم مثل الخوارج على اختلاف فرقها والروافض على تباين ضلالها والمعتزلة على أصناف أهوائها فهؤلاء كلهم يبدلون وكذلك الظلمة المسرفون في الجور والظلم وتطميس الحق وقتل أهله وإذلالهم والمعلنون بالكبائر المستخفون بالمعاصي وجميع أهل الزيغ والأهواء والبدع كل هؤلاء يخاف عليهم أن يكونوا عنوا بهذا الخبر ولا يخلد في

(20/262)


النار إلا كافر جاحد ليس في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان وقد قال ابن القاسم رحمه الله قد يكون من غير أهل الأهواء من هو شر من أهل الأهواء وكان يقال تمام الإخلاص تجنب المعاصي.

(20/263)


الحديث التاسع
...
حديث تاسع للعلاء بن عبد الرحمن
مالك عن العلاء بن عبد الرحمن عن معبد بن كعب بن مالك عن أخيه عن عبد الله بن كعب عن أبي أمامة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه حرم الله عليه الجنة وأوجب له النار قالوا فإن كان شيئا يسيرا يا رسول الله قال وإن قضيبا من أراك". قال ذلك ثلاث مرات.
قال أبو عمر:
قد ذكرنا بني كعب بن مالك في باب ابن شهاب وأبو أمامة هذا ليس هو أبو أمامة الباهلي إنما هو أبو أمامة الحارثي الأنصاري أحد بني حارثة قيل اسمه إياس بن ثعلبة وقيل ثعلبة بن سهيل وقد ذكرناه في كتاب الصحابة بما يغني عن ذكره ههنا.

(20/263)


وفي هذا الحديث دليل على أن اليمين الغموس وهي يمين الصبر التي يقتطع بها مال المسلم من الكبائر لأن كل ما أوعد الله عليه بالنار أو رسوله صلى الله عليه وسلم فهو من الكبائر وفي معنى هذا الحديث نزلت: {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً أُولَئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}.
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم في تأويل هذه الآية حديث ابن مسعود رواه الأعمش وعاصم بن أبي النجود وعبد الملك بن أعين وجامع بن شداد عن أبي وائل عن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من حلف على يمين هو فيها فاجر ليقتطع بها مال امرئ مسلم لقي الله وهو عليه غضبان" فقال الأشعث بن قيس في نزلت هذه الآية كانت بيني وبين رجل خصومة وبعضهم قال فيه وبين رجل يهودي خصومة في أرض فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ألك بينة قلت لا قال فيحلف صاحبك فقلت إذن يذهب بمالي فنزلت هذه الآية".
وروى أبو الأحوص وأبو البختري عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من حلف على يمين صبر متعمدا فيها لأثم ليقتطع بها مالا بغير حق لقي الله يوم القيامة وهو عليه غضبان".
وروى الشعبي عن الأشعث بن قيس عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله.
وروى وائل بن حجر عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله بمعناه.
وروى عدي بن عمير بن فروة عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله.
وروى وائل بن حجر عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله.
وروى معقل بن يسار عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله.

(20/264)


وروى عمران بن حصين عن النبي صلى الله عليه وسلم: "من حلف على يمين مصبورة كاذبا فليتبوأ مقعده من النار".
وروى جابر وأبو موسى الأشعري وجابر بن عتيك عن النبي صلى الله عليه وسلم معناه.
وأما حديث أبي أمامة هذا فيروى من وجوه من حديث العلاء وغيره.
حدثنا خلف بن القاسم قال حدثنا عبد الله بن جعفر قال حدثنا يوسف بن يزيد قال حدثنا علي بن معبد بن شداد العبدي قال حدثنا عبيد الله بن عمرو عن زيد بن أبي أنيسة عن العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب بن معبد بن كعب عن أخيه عبد الله بن كعب عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من حلف على يمين فاجره ليقتطع بها مال امرئ مسلم بغير حقه حرم الله عليه الجنة وأوجب له النار فقلت يا رسول الله وإن كان شيئا يسيرا قال وإن كان قضيبا من أراك".
وحدثنا خلف بن جعفر قال حدثنا عبد الوهاب بن الحسن بن الوليد بدمشق قال حدثنا علي بن محمد بن كأس إملاء قال حدثنا أحمد بن يحيى بن زكرياء الأودي قال حدثنا أبو أسامة عن الوليد بن كثير عن محمد بن كعب القرظي أن أخاه عبد الله بن كعب أخبره أنه سمع أبا أمامة الحارثي يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يقتطع رجل مال امرئ مسلم بيمينه إلا حرم الله عليه الجنة وأوجب له النار قيل يا رسول الله وإن كان شيئا يسيرا قال وإن كان سواكا من أراك".

(20/265)


كذا وقع في كتاب الشيخ خلف بن جعفر محمد بن كعب القرظي ومن قال القرظي فقد أخطأ وإنما هو ابن كعب بن مالك الأنصاري.
وذكر إسماعيل بن إسحاق في كتابه في تفسير القرآن وإعرابه ومعانيه الكتاب الكبير قال حدثنا العباس بن الوليد النرسي قال حدثنا عيسى بن يونس عن الوليد بن كثير مولى لبني مخزوم من أهل المدينة قال حدثني محمد بن كعب مالك عن أخيه عبد الله بن كعب أن أبا أمامة الحارثي حدثه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما من رجل يقتطع حق امرئ مسلم بيمينه إلا حرم الله عليه الجنة وأوجب له النار قالوا يا رسول الله وإن كان شيئا يسيرا قال وإن كان سواكا من أراك" .
قال وحدثنا علي قال حدثنا عمر بن يونس اليمامي وكان ثقة ثبتا عن عكرمة بن عمار أنه حدثهم قال حدثني طارق بن عبد الرحمن قال سمعت عبد الله بن كعب بن مالك وابوه كعب بن مالك أحد الثلاثة الذين تخلفوا قال حدثني أبو أمامة وهو مسند ظهره إلى هذه السارية سارية من سواري مسجد الرسول قال كنت أنا وأبوك كعب بن مالك وأخوك محمد بن كعب قعودا عند هذه السارية ونحن نذكر الرجل يحلف على مال الآخر كاذبا يقتطعه بيمينه فبينما نحن نتذاكر ذلك إذ دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد فقال: "ما كنتم تذكرون قالوا يا نبي الله كنا نذكر الرجل يحلف على مال الآخر فيقتطعه بيمينه كاذبا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك أيما رجل حلف كاذبا يعني على مال فاقطتعه بيمينه فقد برئت منه الجنة ووجبت له النار".

(20/266)


قال وحدثنا علي قال حدثنا يزيد بن هارون قال أخبرنا محمد بن إسحاق عن معبد بن كعب بن مالك عن أخيه عن أبي أمامة أحد بني حارثة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لا يقتطع رجل مال أخيه المسلم بيمينه إلا حرم الله عليه الجنة فأوجب له النار فقال رجل يا رسول الله وإن كان شيئا يسيرا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن كان سواكا من أراك".
ورواه ابن عيينة عن محمد بن إسحاق فخلط في إسناده.
وأما قول الوليد بن كثير فيه محمد بن كعب فخطأ وإنما هو معبد ابن كعب فهذه الآثار كلها تدل على أن هذه اليمين من الكبائر.
وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ذلك نصا على ما قدمنا ذكره في باب زيد بن أسلم من هذا الكتاب وأجمع العلماء على أن اليمين إذا لم يقتطع بها مال أحد ولم يحلف بها على مال فإنها ليست اليمين الغموس التي ورد فيها الوعيد والله أعلم وقد تسمى غموسا على القرب وليست عندهم كذلك وإنما هي كذبة ولا كفارة عند أكثرهم فيها إلا الاستغفار وكان الشافعي وأصحابه ومعمر بن راشد والأوزاعي وطائفة يرون فيها الكفارة.
وروي عن جماعة من السلف أن اليمين الغموس لا كفارة لها وبه قال جمهور فقهاء الأمصار وكان الشافعي والأوزاعي ومعمر وبعض التابعين فيما حكى المروزي يقولون إن فيها الكفارة فيما بينه وبين الله في حنثه فإن اقتطع بها مال مسلم فلا كفارة لذلك إلا أداء ذلك والخروج عنه لصاحبه ثم يكفر عن يمينه بعد خروجه مما عليه في ذلك.
وقال غيرهم من الفقهاء منهم مالك والثوري وأبو حنيفة لا كفارة في ذلك وعليه أن يؤدي ما اقتطعه من مال أخيه ثم يتوب إلى الله ويستغفره وهو فيه بالخيار إن شاء غفر له وغن شاء عذبه وأما الكفارة فلا مدخل لها عندهم في اليمين الكاذبة إذا حلف بها صاحبها عمدا متعمدا للكذب وهذا لا يكون

(20/267)


إلا في الماضي أبدا وأما المستقبل في من الأفعال فلا وسنذكر وجوه الأيمان التي تكفر والتي لا تكفر ومعانيها في باب سهيل من كتابنا هذا إن شاء الله.
ومما يدل على صحة ما ذهب إليه مالك ومن تابعه على قوله في هذا الباب ما روى حماد بن سلمة عن أبي التياح عن أبي العالية رفيع بن مسعود كان يقول كنا نعد من الذنب الذي لا كفارة له اليمين الغموس أن يحلف الرجل على مال أخيه كاذبا ليقتطعه.
وروى يونس عن الحسن أنه تلا {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً} إلى آخر الآية فقال هو الذي يحلف ليقتطع مال أخيه حدثنا خلف بن قاسم حدثنا ابن المسور وبكير بن الحسن قالا حدثنا يوسف بن يزيد قال حدثنا اسد بن موسى قال حدثنا زيد بن أبي الزرقاء عن جعفر بن برقان قال سمعت ميمون بن مهران يقول من حلف على يمين كاذبة وهو يعلم أنه كاذب حين حلف عليها فهو منافق.
وروى معمر عن الزهري عن ابن المسيب في قوله: {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً} قال هي اليمين الفاجرة قال واليمين الفاجرة من الكبائر ثم تلا هذه الآية.
وروى الدراوردي عن ابن أخي الزهري عن عمه عن سعيد بن المسيب أن اليمين الفاجرة من الكبائر ثم تلا: {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً} إلى آخر الآية.

(20/268)


وقد روى ابن عيينة وغيره عن العلاء حديثا يدخل في هذا الباب حدثناه محمد بن عبد المالك قال حدثنا أحمد بن محمد بن زياد الأعرابي قال حدثنا سعدان بن نصر قال حدثنا سفيان عن العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب الجهني عن أبيه عن أبي هريرة يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم قال: "اليمين الكاذبة منفقة للسلعة ممحقة للكسب ".

(20/269)


الحديث العاشر
...
حديث عاشر للعلاء بن عبد الرحمن
أسنده عنه جماعة وهو في الموطأ من قول العلاء وكان مالك يشك في رفعه ومثله لا يكون رأيا وهو محفوظ مسند.
مالك عن العلاء بن عبد الرحمن أنه سمعه يقول: "ما نقصت صدقة من مال وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا وما تواضع عبد الله إلا رفعه الله".
قال مالك لا أدري أيرفع هذا الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم أم لا.
هكذا روى هذا الحديث جماعة الرواة عن مالك منهم ابن وهب وابن القاسم والقعنبي ومعن بن عيسى وغيرهم وهو حديث محفوظ للعلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم رواه عنه جماعة هكذا ومثله لا يقال من جهة الرأي فلذلك كله ذكرناه وبالله التوفيق.

(20/269)


حدثنا يونس بن عبد الله قال حدثنا محمد بن معاوية قال حدثنا جعفر ابن محمد قال حدثنا أبو كريب قال حدثنا خالد بن مخلد قال حدثنا محمد بن جعفر بن أبي كثير عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ما زاد عبد بعفو إلا عزا ولا تواضع عبد لله إلا رفعه الله وما نقصت صدقة من مال".
حدثنا خلف بن القاسم قال حدثنا علي بن جعفر بن محمد البغدادي قال حدثنا يوسف بن يعقوب القاضي حدثنا أبو الربيع.
وحدثنا أحمد بن فتح قال حدثنا محمد بن عبد الله بن زكرياء النيسابوري قال حدثنا محمد بن جعفر بن محمد عن عاصم بن علي قالا حدثنا إسماعيل بن جعفر قال أخبرني العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ما نقصت صدقة من مال وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله".
وحدثنا إبراهيم بن شاكر قال حدثنا محمد بن أحمد قال حدثنا محمد بن أيوب قال حدثنا أحمد بن عمرو البزار قال حدثنا محمد بن عامر قال حدثنا أبو توبة الربيع بن نافع قال حدثنا حفص بن ميسرة عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما نقصت صدقة من مال" فذكره.
وحدثنا أبو محمد إسماعيل بن عبد الرحمن بن علي قال حدثنا أبو الحسين محمد بن العباس بن يحيى الحلبي قال حدثنا علي بن عبد الحميد بن سليمان أبو الحسن الغضائري سنة أثنتي عشرة وثلاثمائة قال حدثنا منصور بن أبي مزاحم قال حدثنا إسماعيل بن جعفر عن العلاء عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ما نقصت صدقة من مال وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله".

(20/270)


أخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن بن يحيى قال حدثنا أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عمرو القاضي المالكي قال حدثنا إبراهيم بن حماد ابن إسحاق قال حدثنا القاضي عمي إسماعيل بن إسحاق قال حدثنا القعنبي قال حدثنا عبد العزيز بن محمد عن العلاء عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما نقصت صدقة من مال وما زاد الله رجلا بعفو إلا عزا وما تواضع لله أحد إلا رفعه الله".
حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن عبد السلام قال حدثنا محمد بن بشار قال حدثنا محمد بن جعفر قال حدثنا شعبة عن العلاء عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما نقصت صدقة من مال قط ولا عفا رجل عن مظلمة إلا زاده الله عزا ولا تواضع رجل إلا رفعه الله". وبالله التوفيق.

(20/271)