Contents

الواجهة
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد
مقدمة
باب الألف
باب الثاء
باب الجيم
باب الحاء
باب الخاء
باب الدال
باب الراء
باب الزاي
تابع باب الزاء
تابع لحرف الزاء
تابع لحرف الزاء
باب الطاء
باب الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع حرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
باب النون
باب الصاد
باب الضاد
باب العين
تابع لحرف العين
تابع حرف العين
تابع لحرف العين
تابع لحرف العين
باب القاف
باب السين
باب الشين
باب الهاء
باب الواو
باب الياء
تابع باب الياء
باب الكني
باب بلاغات مالك ومرسلاته
باب مافي هذا الديوان من حديث مالك الذي ثبتت عليه أبوابه خاصة
الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج
الديباج - جزء 1
الديباج - جزء 2
الديباج - جزء 3
الديباج - جزء 4
الديباج - جزء 5
الديباج - جزء 6
المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج
المنهاج - مقدمة
المنهاج - الإيمان
المنهاج - الطهارة
المنهاج - الحيض
المنهاج - الصَّلَاة
المنهاج - المساجد ومواضع الصلاة
المنهاج - صلاة المسافرين وقصرها
المنهاج - بَاب صَلَاة الْجُمُعَة
المنهاج - بَاب صَلَاة الْعِيدَيْنِ
المنهاج - بَاب الدُّعَاء فِي صَلَاة الِاسْتِسْقَاء
المنهاج - بَاب صَلَاة الْكُسُوف
المنهاج - كِتَاب الْجَنَائِز
المنهاج - الزكاة
المنهاج - كِتَاب الصِّيَام
المنهاج - كِتَاب الِاعْتِكَاف
المنهاج - كِتَاب الْحَجّ
المنهاج - كِتَاب النِّكَاح
المنهاج - الرضاعة
المنهاج - الطلاق
المنهاج - اللِّعَان
المنهاج - العتق
المنهاج - البيوع
المنهاج - المساقاة
المنهاج - الفرائض
المنهاج - الهبات
المنهاج - الوصية
المنهاج - النذر
المنهاج - الأيمان
المنهاج - القسامة
المنهاج - الحدود
المنهاج - الأقضية
المنهاج - اللقطة
المنهاج - الجهاد والسير
المنهاج - الإمارة
المنهاج - الصيد والذبائح
المنهاج - كِتَاب الْأَضْاحَي
المنهاج - الأشربة
المنهاج - اللباس والزينة
المنهاج - الآداب
المنهاج - السلام
المنهاج - الألفاظ من الأدب وغيرها
المنهاج - الشعر
المنهاج - الرؤيا
المنهاج - الفضائل
المنهاج - فضائل الصحابة
المنهاج - البر والصلة والآداب
المنهاج - القدر
المنهاج - العلم
المنهاج - الذكر والدعاء
المنهاج - التوبة
المنهاج - صفات المنافقين
المنهاج - صفة القيامة والجنة والنار
المنهاج - الجنة وصفة نعيمها وأهلها
المنهاج - الفتن وأشراط الساعة
المنهاج - الزهد والرقائق
المنهاج - التفسير
تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي
أبواب الطهارة
أبواب الصلاة
تابع أبواب الصلاة
أبواب الوتر
أبواب الجمعة
تابع لأبواب الجمعة
أبواب العيدين
أبواب السفر
ابواب الزكاة
أبواب الصوم
أبواب الحج
تابع أبواب الحج
أبواب الجنائز
أبواب النكاح
أبواب الرضاع
أبواب الطلاق واللعان
ابواب البيوع
أبواب الأحكام
أبواب الديات
ابواب الحدود
تابع أبواب الحدود
أبواب الصيد
أبواب الأضاحي
أبواب النذور والأيمان
أبواب السير
أبواب الجهاد
أبواب اللباس
أبواب الأطعمة
أبواب الأشربة
تابع أبواب الأشربة
أبواب البر و الصله عن رسول الله صلى الله عليه و آله سلم
أبواب الطب عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الفرائض عن الرسول صلى الله عليه و سلم
أبواب الوصايا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الولاء و الهبة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب القدر عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم
أبواب الفتن عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الرؤيا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الشهادات عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
تابع لأبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صِفَةُ القِيامَة
أبواب صفة الجنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صفة جهنم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإيمان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب العلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإستئذان والآداب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب العلم
أبواب الأمثال
أبواب فضائل القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب القراءات عن رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم
أبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الدعوات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أحاديث شتى من أبواب الدعوات
المناقب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
مناقب الصحابة رضوان الله عليهم
تنوير الحوالك شرح موطأ مالك
كتاب وقوت الصلاة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب السهو
كتاب الجمعة
كتاب الصلاة في رمضان
كتاب صلاة الليل
كتاب صلاة الجماعة
كتاب قصر الصلاة في السفر
كتاب العيدين
كتاب صلاة الخوف
كتاب صلاة الكسوف
كتاب الاستسقاء
كتاب القبلة
كتاب القرآن
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب الجهاد
كتاب النذور و الأيمان
كتاب الضحايا
كتاب الذبائح
كتاب الصيد
كتاب العقيقة
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الرضاع
كتاب البيوع
كتاب القراض
كتاب المساقاة - كتاب كراء الأرض
كتاب الشفعة - كتاب الأقضية
كتاب الوصية - كتاب العتق والولاء
كتاب المكاتب - كتاب المدبر
كتاب الحدود
كتاب الأشربة - كتاب العقول
كتاب القسامة - كتاب الجامع
كتاب القدر - كتاب حسن الخلق
كتاب اللباس - كتاب صفة النبي
كتاب العين - كتاب الشعر
كتاب الرؤيا - كتاب السلام
كتاب الاستئذان والتشميت والصور والتماثيل وغيرها
كتاب البيعة - كتاب الكلام والعينة والتقى
كتاب جهنم - كتاب الصدقة
كتاب العلم - كتاب دعوة المظلوم - كتاب أسماء النبي
حاشية السندي على سنن ابن ماجة
المقدمة
الطَّهَارَة وَسُنَنهَا
الصلاة
الْأَذَان
المساجد والجماعات
أَبْوَاب إِقَامَة الصَّلَاة
الجنائز
الصوم
الزكاة
النكاح
الطلاق
الكفارات
التجارات
الأحكام
الحدود
الديات
الوصايا
الْفَرَائِض
الجهاد
المناسك
الْأَضَاحِيّ
الذبائح
الصيد
الأطعمة
الأشربة
الطب
اللباس
الْآدَاب
الدُّعَاء
تعبير الرؤيا
الْفِتَن
الزُّهْد
شرح سنن ابن ماجه لمغلطاي
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح رياض الصالحين
شرح رياض الصالحين - 01
شرح رياض الصالحين - 02
شرح رياض الصالحين - 03
شرح رياض الصالحين - 04
شرح سنن أبي داود للعيني
مقدمة التحقيق
كتاب الطهارة
كِتابُ الصَلاَةِ
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
عون المعبود شرح سنن أبي داود
كتاب الطهارة
تابع كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
كتاب الزكاة
تابع لكتاب الزكاة
كتاب اللقطة
كتاب المناسك
تابع لكتاب المناسك
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الصيام
تابع لكتاب الصيام
أول كتاب الجهاد
أول كتاب الضحايا
تابع كتاب الضحايا
أول كتاب الصيد
أول كتاب الوصايا
أول كتاب الفرائض
أول كتاب الخراج والفيء والإمارة
أول كتاب الجنائز
تابع لكتاب الجنائز
كتاب الأيمان والنذور
كتاب البيوع
كتاب الإجارة
كتاب القضاء
تابع لكتاب القضاء
كتاب العلم
كتاب الأشربة
كتاب الأطعمة
كتاب الطب
كتاب الكهانة والتطير
كتاب العتق
أول كتاب الحروف والقراءات
أول كتاب الحمام
أول كتاب اللباس
أول كتاب الترجل
أول كتاب الخاتم
أول كتاب الفتن والملاحم
أول كتاب المهدي
أول كتاب الملاحم
أول كتاب الحدود
أول كتاب الديات
أول كتاب السنة
تابع لكتاب السنة
أول كتاب الأدب
أبواب السلام
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن حجر
فتح الباري - هدي الساري مقدمة فتح الباري
فتح الباري - كتاب بدء الوحي
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب العلم
فتح الباري - كتاب الوضوء
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
فتح الباري - كتاب مواقيت الصلاة
فتح الباري - كتاب الأذان
فتح الباري - كتاب الجمعة
فتح الباري - كتاب الخوف
فتح الباري - كتاب العيدين
فتح الباري - كتاب الوتر
فتح الباري - كتاب الاستسقاء
فتح الباري - كتاب الكسوف
فتح الباري - كتاب سجود القرآن
فتح الباري - كتاب تقصير الصلاة
فتح الباري - كتاب التهجد
فتح الباري - كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة
فتح الباري - كتاب العمل في الصلاة
فتح الباري - كتاب السهو
فتح الباري - كتاب الجنائز
فتح الباري - كتاب الزكاة
فتح الباري - كتاب الحج
فتح الباري - كتاب العمرة
فتح الباري - كتاب المحصر
فتح الباري - كتاب جزاء الصيد
فتح الباري - كتاب فضائل المدينة
فتح الباري - كتاب الصوم
فتح الباري - كتاب صلاة التراويح
فتح الباري - كتاب فضل ليلة القدر
فتح الباري - كتاب الإعتكاف
فتح الباري - كتاب البيوع
فتح الباري - كتاب السلم
فتح الباري - كتاب الشفعة
فتح الباري - كتاب الإجارة
فتح الباري - كتاب الحرث والمزارعة
فتح الباري - كتاب المساقاة
فتح الباري - كتاب الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس
فتح الباري - كتاب الخصومات
فتح الباري - كتاب اللقطة
فتح الباري - كتاب المظالم
فتح الباري - كتاب الشركة
فتح الباري - كتاب الرهن
فتح الباري - كتاب العتق
فتح الباري - كتاب المكاتب
فتح الباري - كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها
فتح الباري - كتاب الشهادات
فتح الباري - كتاب الصلح
فتح الباري - كتاب الشروط
فتح الباري - كتاب الوصايا
فتح الباري - كتاب الجهاد و السير
فتح الباري - كتاب فرض الخمس
فتح الباري - كتاب الجزية و الموادعة
فتح الباري - كتاب بدء الخلق
فتح الباري - كتاب أحاديث الأنبياء
فتح الباري - كتاب المناقب
فتح الباري - كتاب فضائل الصحابة
فتح الباري - كتاب مناقب الأنصار
فتح الباري - كتاب المغازي
فتح الباري - كتاب التفسير
فتح الباري - كتاب فضائل القرآن
فتح الباري - كتاب النكاح
فتح الباري - كتاب الطلاق
فتح الباري - كتاب النفقات
فتح الباري - كتاب الأطعمة
فتح الباري - كتاب العقيقة
فتح الباري - كتاب الذبائح والصيد
فتح الباري - كتاب الأضاحي
فتح الباري - كتاب الأشربة
فتح الباري - كتاب المرضى
فتح الباري - كتاب الطب
فتح الباري - كتاب اللباس
فتح الباري - كتاب الأدب
فتح الباري - كتاب الإستئذان
فتح الباري - كتاب الدعوات
فتح الباري - كتاب الرقاق
فتح الباري - كتاب القدر
فتح الباري - كتاب الأيمان والنذور
فتح الباري - كتاب كفارات الأيمان
فتح الباري - كتاب الفرائض
فتح الباري - كتاب الحدود
فتح الباري - كتاب الديات
فتح الباري - كتاب استتابة المرتدين
فتح الباري - كتاب الإكراه
فتح الباري - كتاب الحيل
فتح الباري - كتاب التعبير
فتح الباري - كتاب الفتن
فتح الباري - كتاب الأحكام
فتح الباري - كتاب التمني
فتح الباري - كتاب أخبار الأحاد
فتح الباري - كتاب الإعتصام بالسنة
فتح الباري - كتاب التوحيد
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن رجب
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
مقدمة
خطبة الكتاب
كتاب الإيمان
كتاب العلم
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصوم
كتاب فضائل القرآن
كتاب الدعوات
كتاب المناسك
كتاب البيوع
كتاب الفرائض والوصايا
كتاب النكاح
كتاب العتق
كتاب القصاص
كتاب الديات
كتاب الحدود
كتاب الإمارة والقضاء
كتاب الجهاد
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأطعمة
كتاب اللباس
كتاب الطب والرقى
كتاب الرؤيا
كتاب الآداب
كتاب الرقاق
كتاب الفتن
كتاب صفة القيامة والجنة والنار
كتاب الفضائل والشمائل
كتاب المناقب

 
عودة لموقع هاني الطنبور
هاني الطنبور
الصفحة السابقة الصفحة التالية
 
 

 

التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد

باب السين
سعيد بن إسحاق
وله حديث واحد
...
باب السين
مالك عن سعيد بن إسحاق ويقال سعد حديث واحد
وهو سعد بن إسحاق بن كعب بن عجرة صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد ذكرنا جده كعب بن عجرة في كتاب الصحابة بما يغني عن ذكره ههنا وهو من بلي حليف لبني سالم من الأنصار وسعد بن إسحاق هذا ثقة لا يختلف في ثقته وعدالته روى عنه مالك ومعمر والثوري والقطان وشعبة وكان من ساكني المدينة وبها كانت وفاته سنة أربعين ومائة .
وروى عنه من الجلة ابن شهاب ويحيى بن سعيد الأنصاري وعبد الله ابن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم وقد قيل إن هذا الحديث رواه ابن شهاب عن مالك فقال فيه حدثني رجل من أهل المدينة يقال له مالك بن أنس عن سعد بن إسحاق بن كعب بن عجرة عن عمته زينب بنت كعب عن الفريعة بنت مالك بن سنان فذكر الحديث رواه أحمد بن شبيب عن أبيه عن يونس بن يزيد عن ابن شهاب كتبناه عن خلف بن قاسم من وجوه وأحمد بن شبيب يتكلمون فيه

(21/26)


مالك عن سعيد بن إسحاق بن كعب بن عجرة عن عمته زينب بنت كعب بن عجرة أن الفريعة بنت مالك بن سنان وهي أخت أبي سعيد الخدري أخبرتها أنها جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تسأله أن ترجع إلى أهلها في بني خدرة فإن زوجها خرج في طلب أعبد له أبقوا حتى إذا كانوا بطرف القدوم لحقهم فقتلوه قالت فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أرجع إلى أهلي في بني خدرة فإن زوجي لم يتركني في مسكن يملكه ولا نفقة قالت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " نعم " قالت فانصرفت حتى إذا كنت في الحجرة ناداني رسول الله صلى الله عليه وسلم أو أمرني فنوديت له فقال "كيف قلت" فرددت عليه القصة التي ذكرت من شأن زوجي فقال "امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله" قالت فاعتددت فيه أربعة أشهر وعشرا قالت فلما كان عثمان أرسل إلي فسألني عن ذلك فأخبرته فأتبعه وقضى به.
هكذا قال يحيى سعيد بن إسحاق وتابعه بعضهم وأكثر الرواة يقولون فيه سعد بن إسحاق وهو الأشهر وكذلك قال شعبة وغيره.
وقال عبد الرزاق في هذا الحديث عن الثوري ومعمر عن سعيد بن إسحاق كما قال يحيى كذلك في كتاب الدبري

(21/27)


أخبرنا خلف بن سعيد قال حدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا أحمد ابن خالد قال حدثنا إسحاق بن إبراهيم الدبري قال أخبرنا عبد الرزاق قال أخبرنا معمر عن الزهري عن ابن لكعب بن عجرة قال حدثتني عمتي وكانت تحت أبي سعيد الخدري أن فريعة حدثتها أن زوجها خرج في طلب أعلاج أباق حتى إذا كان بطرف القدوم وهو جبل أدركهم فقتلوه قالت فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت له أن زوجها قتل وأنه تركها في مسكن ليس له واستأذنته في الانتقال فأذن لها فانطلقت حتى إذا كانت بباب الحجرة أمر بها فردت وأمرها أن تعيد عليه حديثها ففعلت فأمرها ألا تبرح حتى يبلغ الكتاب أجله .
قال وأخبرنا معمر عن سعيد بن إسحاق قال أحمد بن خالد كذا قرأ علينا الدبري سعيد بن إسحاق وإنما أعرفه سعد بن إسحاق فقرأ علينا عن عبد الرزاق عن معمر عن سعيد بن إسحاق بن كعب بن عجرة أنه حدثه عن عمته زينب ابنة كعب بن فريعة بهذا الحديث وزاد معمر فلما كان في زمن عثمان أتت امرأة تسأله عن ذلك قالت فريعة فذكرت له فأرسل إلي فسألني فأخبرته فأمرها ألا تخرج من بيتها حتى يبلغ الكتاب أجله.
قال وأخبرنا الثوري عن سعيد بن إسحاق هكذا قال سعيد بن إسحاق ابن كعب بن عجرة عن عمته زينب ابنة كعب بن عجرة عن فريعة ابنة مالك

(21/28)


أن زوجها قتل بالقدوم قالت فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت له إن لها أهلا فأمرها أن تنتقل فلما أدبرت دعاها فقال "امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله أربعة أشهر وعشرا" .
قال وأخبرنا ابن جريج قال أخبرني عبد الله بن أبي بكر أن سعيد بن إسحاق بن كعب بن عجرة أخبره عن عمته زينب ابنة كعب بن عجرة أن فريعة بنت مالك أخت أبي سعيد الخدري أخبرتها أن زوجا لها خرج حتى إذا كان من المدينة على ستة أميال عند طرف جبل يقال له القدوم تعادى عليه اللصوص فقتلوه وكانت فريعة في بني الحرث بن الخزرج في مسكن لم يكن لبعلها إنما كان سكناها فجاءها إخوتها فيهم أبو سعيد الخدري فقالوا ليس بأيدينا سعة فنعطيك ونمسك ولا يصلحنا إلا أن نكون جميعا ونخشى عليك الوحش فسلي النبي صلى الله عليه وسلم فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فقصت عليه ما قال إخوتها بالوحشة واستأذنته في أن تعتد عندهم فقال "افعلي إن شئت" قالت فأدبرت حتى إذا كنت في الحجرة قال " تعالي عودي لما قلت " فعادت فقال "امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله" ثم إن عثمان بعثت إليه امرأة من قومه تسأله أن تنتقل من بيت زوجها فتعتد في غيره فقال افعلي ثم قال لمن حوله هل مضى من النبي صلى الله عليه وسلم أو من صاحبي في مثل هذا شيء فقالوا إن فريعة تحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسل إليها فأخبرته فانتهى إلى قولها وأمر المرأة أن لا تخرج من بيتها .
قال ابن جريج وأخبرت أن هذه المرأة التي أرسلت إلى عثمان أم أيوب بنت ميمون بن عامر الحضرمي وأن زوجها عمران بن طلحة بن عبيد الله

(21/29)


هكذا قال عبد الله بن أبي بكر سعد بن إسحاق وكذلك قال يحيى القطان حدثنا عبد الرحمن بن يحيى قال حدثنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن يوسف .
وحدثنا عبد الوارث بن سفيان وسعيد بن نصر قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا ابن وضاح قال حدثنا محمد بن مسعود قال حدثنا يحيى بن سعيد القطان قال حدثني سعد بن اسحاق قال حدثتني زينب بنت كعب عن فريعة بنت مالك قالت خرج زوجي في طلب أعلاج فأدركهم بطرف القدوم فقتلوه فأتى نعيه وإنا في دار شاسعة من دور أهلي فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت له إني أتاني نعي زوجي وأنا في دار شاسعة من دور أهلي ولم يدع لي نفقة ولا مالا ورثته وليس المسكن لي فلو تحولت إلى إخوتي وأهلي كان أرفق بي في بعض شأني فقال " تحولي" فلما خرجت من المسجد أو الحجرة دعاني أو أمر من دعاني فدعيت له فقال "امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله" فاعتدت أربعة أشهر وعشرا فأرسل إلي عثمان فأتيته فحدثته فأخذ به.
أخبرنا قاسم بن محمد قال حدثنا خالد بن سعد قال حدثنا أحمد بن عمرو بن منصور قال حدثنا محمد بن عبد الله بن سنجر قال حدثنا عبد الله ابن نمير قال حدثني يحيى بن سعيد عن سعد بن إسحاق بن كعب بن عجرة عن عمته زينب بنت كعب أنها سمعت فريعة ابنة مالك بن سنان تحدث أن زوجها قتل بمكان بالمدينة يسمى طرف القدوم وأن فريعة ذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهي تريد أن تنتقل من بيت زوجها إلى أهلها فذكرت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رخص لها في ذلك فقامت ثم دعا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال " امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله"

(21/30)


في هذا الحديث إيجاب العمل بخبر الواحد ألا ترى إلى عمل عثمان ابن عفان به وقضائه باعتداد المتوفى عنها " زوجها" في بيتها من أجله في جماعة الصحابة من غير نكير .
وفي هذا الحديث وهو حديث مشهور معروف عند علماء الحجاز والعراق أن المتوفى عنها زوجها عليها أن تعتد في بيتها ولا تخرج منه وهو قول جماعة فقهاء الأمصار بالحجاز والشام والعراق ومصر منهم مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابهم والثوري والأوزاعي والليث بن سعد وهو قول عمر وعثمان وابن عمر وابن مسعود وغيرهم وكان داود وأصحابه يذهبون إلى أن المتوفى عنها زوجها ليس عليها أن تعتد في بيتها وتعتد حيث شاءت لأن السكنى إنما ورد به القرآن في المطلقات ومن حجته أن المسألة مسألة اختلاف قالوا هذا الحديث إنما ترويه امرأة غير معروفة بحمل العلم وإيجاب السكنى إيجاب حكم والأحكام لا تجب إلا بنص كتاب أو سنة ثابتة أو إجماع.
قال أبو عمر:
أما السنة فثابتة بحمد الله وأما الإجماع فمستغنى عنه مع السنة لأن الاختلاف إذا نزل في مسألة كانت الحجة في قول من وافقته السنة وبالله التوفيق.
وأما الاختلاف في هذه المسألة فذكر عبد الرزاق قال أخبرنا ابن جريج قال أخبرني عطاء عن ابن عباس قال إنما قال الله تعتد أربعة

(21/31)


أشهر وعشرا ولم يقل في بيتها قال وأخبرني عطاء أن عائشة حجت واعتمرت بأختها بنت أبي بكر في عدتها وكان قتل عنها زوجها طلحة بن عبيد الله قال عطاء ولا يضر المتوفى عنها أين اعتدت .
قال ابن جريج وأخبرني ابن شهاب عن عروة قال خرجت عائشة بأختها أم كلثوم حين قتل عنها زوجها طلحة بن عبيد الله إلى مكة في عمرة قال عروة وكانت عائشة تفتي المتوفى عنها زوجها بالخروج في عدتها.
قال وأخبرنا الثوري عن عبيد الله بن عمر أنه سمع القاسم بن محمد يقول أبى الناس ذلك عليها وعن الثوري وغيره عن إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي عن علي رضي الله عنه أنه انتقل ابنته أم كلثوم في عدتها وقتل عنها عمر رحمه الله

(21/32)


قال وأخبرنا معمر عن الزهري قال أخذ المترخصون في المتوفى عنها بقول عائشة وأخذ أهل العزم والورع بقول ابن عمر.
قال وأخبرنا معمر وابن جريج عن هشام بن عروة عن أبيه قال لا تنتقل المتوفى عنها إلا أن ينتوي أهلها منزلا فتنتوي معهم وهو قول ابن شهاب وأما إذا كان المسكن بكراء فقال مالك هي أحق بسكناه من الورثة والغرماء من رأس مال المتوفى إلا أن لا يكون فيه عقد لزوجها وأراد أهل المسكن إخراجها وإذا كان المسكن لزوجها لم يبع في دينه حتى تنقضي عدتها وهذا كله قول الشافعي وأبي حنيفة وجمهور العلماء وبالله التوفيق

(21/33)


سعيد بن أبي سعيد المقبري
مدخل
...
سعيد بن أبي سعيد المقبري
يكنى بأبي سعد واسم أبيه أبو سعيد كيسان وهو مولى لبني جندع من بني ليث بن بكر بن عبد مناة كان مكاتبا لرجل منهم فأدى كتابته في زمن عمر بن الخطاب وعتق ولهما جميعا رواية عن أبي هريرة وغيره من الصحابة ويقال إنهما قد سمعا من سعد بن أبي وقاص وسماعهما واحد ممن سمعا منه أو قريب بعضه من بعض وكانا ثقتين وسعيد في الرواية أشهر من أبيه روى عنه من الأئمة جماعة منهم مالك وابن أبي ذئب وابن عيينة والليث وقيل إنه اختلط قبل وفاته بأربع سنين وسماع ابن أبي ذئب منه قبل الاختلاط وكذلك مالك.
واختلف في وفاة سعيد بن أبي سعيد فقيل كانت وفاته بالمدينة وكان بها سكناه قبل سنة ثلاث وعشرين ومائة في خلافة هشام قبل موت الزهري بعام وقيل سنة خمس وعشرين وقيل سنة ست وعشرين ومائة وتوفي أبوه أبو سعيد في خلافة عمر بن عبد العزيز وقيل في خلافة الوليد ابن عبد الملك وكان يقال له المقبري لأنه كان يسكن على المقبرة وفي المقبرة لغتان مغبرة ومقبرة بالضم والفتح.
لمالك عن سعيد بن أبي سعيد خمسة أحاديث أحدها موقوف يستند مرفوعا من وجوه ثابتة

(21/34)


الحديث الأول
...
حديث أول لسعيد بن أبي سعيد
مالك عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي شريح الكعبي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه جائزته يوم وليلة وضيافته ثلاثة أيام فما كان بعد ذلك فهو صدقة ولا يحل له أن يثوي عنده حتى يحرجه" .
لم يختلف الرواة للموطأ في هذا الحديث عن مالك وهو حديث صحيح وقد رواه عن سعيد بن أبي سعيد جماعة أجلهم يحيى بن أبي كثير لأنه في درجة مع سعيد ابن أبي سعيد في أبي سلمة وغيره وقد سمع أبو سعيد من أبي شريح الكعبي هذا الحديث.
وفي هذا الحديث آداب وسنن منها التأكيد في لزوم الصمت وقول الخير أفضل من الصمت لأن قول الخير غنيمة والسكوت سلامة والغنيمة أفضل من السلامة وكذلك قالوا قل خيرا تغنم واسكت عن شر تسلم.
قال عمار الكلبي
وقل الخير وإلا فاصمتن ... فإنه من لزم الصمت سلم

(21/35)


وقال آخر
ومن لا يملك الشفتين يسخو ... بسوء اللفظ من قيل وقال
ولقد أحسن القائل
رأيت اللسان على أهله ... إذا ساسه الجهل ليثا مغيرا
وقال آخر
لسان الفتى حتف الفتى حين يجهل ... وكل امريء ما بين فكيه مقتل
فمن كانت هذه حاله هو المأمور بالصمت لا قائل الخير وذاكر الله وقد ذكرنا هذا المعنى وكثيرا مما قيل فيه من النظم والنثر في كتاب العلم وتقصيته في كتاب بهجة المجالس والحمد لله.
وروي عن ابن مسعود أنه قال ما الشؤم إلا في اللسان وما شيء أحق بطول السجن منه .
وحدثنا أحمد بن فتح قال حدثنا عبد الله بن أحمد بن حامد قال حدثنا الحسن بن الطيب قال حدثنا داود بن بلال قال حدثنا عبد السلام بن هاشم عن خالد بن فرز عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من

(21/36)


رد غيظه دفع الله عنه عذابه ومن حفظ لسانه ستر الله عورته ومن اعتذر إلى الله قبل عذره" .
حدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن وضاح قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا أبو الأحوص عن أبي حصين عن أبي صالح عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليسكت " .
حدثنا محمد بن خليفة قال حدثنا محمد بن الحسين قال حدثنا أبو بكر ابن أبي داود قال حدثنا أحمد بن صالح المصري قال حدثنا ابن وهب قال حدثنا ابن لهيعة وعمرو بن الحرث عن يزيد بن عمرو المعافري عن أبي عبد الرحمن الحبلي عن عبد الله بن عمرو بن العاصي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من صمت نجا" .
وقال الحسن رحمه الله أربع لا مثل لهن الصمت وهو أول العبادة والتواضع وذكر الله وقلة المشي.
وقد اختلف العلماء فيما يكتب على المرء من كلامه فذكر سنيد قال حدثنا معتمر بن سليمان عن طلحة بن عمرو عن عطاء في قوله {مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} قال يكتب كل شيء حتى ما يعلل به الرجل صبيه والمرأة صبيها

(21/37)


قال وحدثنا وكيع عن سفيان عن منصور عن مجاهد في قوله" {عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ} قال كانت الحسنات عن يمينه وكانت السيئات عن شماله {مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} .
قال وحدثنا خالد بن عبد الله عن عبد الملك بن أبي سليمان عن أبي عبيد الله عن مجاهد في قوله {مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} .قال يكتب كل شيء حتى أنينه في مرضه.
قال وحدثنا معتمر عن ليث عن طلحة بن مطرف قال ما ظفرت من أيوب بشيء إلا بأنينه قال ليث فحدثت به طاوسا وهو مريض فما أن حتى مات فقال بهذا قوم وخالفهم آخرون فقالوا لا يكتب إلا الخير والشر .
ذكر أبو بكر محمد بن إبراهيم بن المنذر قال حدثنا أبو حاتم محمد بن إدريس الرازي قال حدثنا الأنصاري قال حدثنا هشام بن حسان عن عكرمة عن ابن عباس في قوله {مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} .قال يا غلام اسقني الماء وأسرج الفرس لا يكتب إلا الخير والشر.
قال وحدثنا أبو سعيد الهروي قال حدثنا محمد بن عبد المجيد قال حدثنا إسحاق بن إبراهيم قال أخبرنا النضر بن شميل قال حدثنا هشام بن حسان قال سمعت عكرمة يحدث عن ابن عباس قال يكتب عن الإنسان ما يتكلم به من خير أو شر وما سوى ذلك فلا يكتب

(21/38)


قال وحدثنا علي بن عبد العزيز قال حدثنا أبو النعمان قال حدثنا حماد بن زيد عن يزيد بن خازم عن عكرمة قال {مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} .قال لا يكتب عليه إلا ما يؤجر فيه ويؤزر فيه قال لو قال رجل لامرأته تعالي حتى نفعل كذا وكذا أكان يكتب عليه قال حماد ابن شعيب وسمعت الكلبي يقول يكتب كل شيء فإذا كان يوم الاثنين والخميس ألقي منه أطعمني واسقني وكتب البقية.
وذكر عن الأحنف وجها رابعا قال صاحب اليمين يكتب الخير وهو أمين على صاحب الشمال فإذا أصاب العبد الخطيئة قال امسك فإن استغفر الله نهاه أن يكتبها وإن أبى إلا أن يصر عليها كتبها.
وقال عطاء كانوا يكرهون فضول الكلام .
وقال شفي الأصبحي من كثر كلامه كثر خطاياه.
حدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا ابن وضاح حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا غندر عن شعبة عن عمرو بن مرة عن عبد الله ابن الحرث عن أبي كثير عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " إياكم والظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة وإياكم والفحش فإن الله لا يحب الفحش والتفحش وإياكم الشح فإنه أهلك من كان قبلكم أمرهم بالقطيعة فقطعوا وأمرهم بالبخل فبخلوا وبالفجور ففجروا" فقام رجل فقال يا رسول الله أي الإسلام أفضل قال " أن يسلم المسلمون من لسانك ويدك" وذكر تمام الحديث

(21/39)


وذكر مالك عن زيد بن أسلم عن أبيه أن عمر بن الخطاب رأى أبا بكر الصديق وهو آخذ بلسانه بيده وهو يقول إن ذا أوردني الموارد.
ورواه الدراوردي عن زيد ابن أسلم عن أبيه مثله وزاد فيه وقال ليس شيء من الجسد إلا وهو يشكو اللسان إلى الله.
وروى حماد بن زيد عن أبي الصهباء عن سعيد بن جبير عن أبي سعيد الخدري يرفعه قال " إذا أصبح ابن آدم أصبحت الأعضاء تستعيذ من شر اللسان وتقول اتق الله فينا فإنك إن استقمت استقمنا وإن اعوججت اعوججنا" .
حدثناه أحمد بن فتح قال حدثنا عبد الله بن أحمد بن حامد بن ثرثال البغدادي قال حدثنا الحسن بن الطيب بن حمزة البلخي قال حدثنا محمد بن عبيد بن حباب قال حدثنا حماد بن زيد قال حدثنا أبو الصهباء عن سعيد ابن جبير عن أبي سعيد الخدري يرفعه فذكره .
وأخبرنا خلف بن قاسم حدثنا يعقوب بن المبارك حدثنا إسحاق بن أحمد البغدادي حدثنا يعقوب بن إبراهيم الدورقي حدثنا عبد الرحمن بن مهدي حدثنا حماد بن زيد عن أبي الصهباء عن سعيد بن جبير عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم فذكره بمعناه مرفوعا .
قال ابن مهدي رأيت سفيان الثوري جالسا عند حماد بن زيد يكتب هذا الحديث

(21/40)


قال أبو يوسف يعقوب بن المبارك هكذا وجدته في كتابي عن أبي يعقوب الكاغذي.
وحدثناه يحيى بن زكرياء عن يعقوب الدورقي فلم يجز به أبا سعيد الخدري قال وحدثناه إسحاق بن أبي إسرائيل قال حدثنا حماد بن زيد عن أبي الصهباء عن سعيد بن جبير عن أبي سعيد الخدري موقوفا.
وروى شعبة عن الأعمش عن صالح بن خباب عن حصين بن عقبة عن سلمان قال ما من شيء أحق بطول السجن من اللسان.
وروى الحكم عن أبي وائل عن ابن مسعود مثله ومن ههنا اتخذ القائل قوله
وما شيء إذا فكرت فيه ... أحق بطول سجن من لسان
ومن الآداب أيضا والسنن في هذا الحديث الحض على بر الجار وإكرامه لقوله صلى الله عليه وسلم " ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره " وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث مالك وغيره أنه قال " ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه " والله عز وجل قد أوصى بالجار ذي القربى والجار الجنب قالوا الجار ذو القربى جارك من قرابتك والجار الجنب قالوا الجار المجانب وقالوا الجار من غير قرابتك من قوم آخرين .
وروى الأوزاعن عن الزهري قال جاء رجل يشكو جاره فأمر النبي صلى الله عليه وسلم مناديا ينادي "ألا إن أربعين دارا جار فلا يدخل الجنة من خاف جاره

(21/41)


بوائقه" .
قال الزهري أربعين دارا يمينا وشمالا وبين يديه ومن خلفه ذكره سنيد عن محمد بن كثير عن الأوزاعي قال سنيد وأخبرنا حجاج عن ابن أبي ذئب عن سعيد المقبري عن أبي شريح الكعبي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "والله لا يؤمن والله لا يؤمن والله لا يؤمن" قالها ثلاثا قالوا وما ذلك يا رسول الله قال " الجار الذي لا يأمن جاره بوائقه" قالوا وما بوائقه قال "شره" .
وفيه الحض على إكرام الضيف وإجازته وفي ذلك دليل على أن الضيافة ليست بواجبة وأنها مستحبة مندوب إليها غير مفترضة لقوله جائزته والجوائز لا تجب فرضا لأنها إتحاف الضيف بأطيب ما يقدر عليه من الطعام.
قال ابن وهب وسمعت مالكا يقول في تفسير جائزته يوم وليلة قال يحسن ضيافته ويكرمه .
وروى ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الخير عن عقبة بن عامر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا خير فيمن لا يضيف" رواه ابن وهب وقتيبة والوليد بن مسلم عن ابن لهيعة.
وروى أبو توبة الربيع بن نافع عن بقية عن الأوزاعي أنه قال له يا أبا عمرو الضيف ينزل بنا فنطعمه الزيتون والكامخ وعندنا ما هو أفضل منه العسل والسمن فقال إنما يفعل هذا من لا يؤمن بالله واليوم الآخر

(21/42)


قال أبو عمر:
لا أعلم خلافا بين العلماء في مدح مضيف الضيف وحمده والثناء بذلك عليه وكلهم يندب إلى ذلك ويجعله من مكارم الأخلاق وسنن المرسلين لأنه ثبت أن إبراهيم عليه السلام أول من ضيف الضيف وحض رسول الله صلى الله عليه وسلم على الضيافة وندب إليها واختلف العلماء في وجوبها فرضا فمنهم من أوجبها ومنهم من لم يوجبها وكل من لم يوجبها يندب إليها ويستحبها وممن أوجبها الليث بن سعد قال ابن وهب سألت الليث عن عبد مملوك تمر به فيقدم إليك طعاما لا تدري هل أمره سيده أم لا فقال الليث الضيافة حق واجب وأرجو أن لا يكون به بأس.
وقال مالك لا تجوز هبة العبد المأذون له ولا دعوته ولا عاريته ولا يجوز له إخراج شيء من ماله بغير عوض إلا أن يأذن له سيده وهو قول الشافعي والحسن بن حي وقال الليث لا بأس بضيافته.
وقد روى الربيع عن الشافعي أنه قال الضيافة على أهل البادية والحاضرة حق واجب في مكارم الأخلاق وقال مالك ليس على اهل الحضر ضيافة .
وقال سحنون إنما الضيافة على أهل القرى وأما الحضر فالفندق ينزل فيه المسافر.
ومن حجة من ذهب هذا المذهب ما حدثناه عبد الله بن محمد بن يوسف قال حدثنا الحسن بن إسماعيل قال حدثنا بكر بن محمد بن العلاء القشيري القاضي قال حدثنا أبو مسلم الكشي قال حدثنا إبراهيم بن عبد الله بن

(21/43)


أخي عبد الرزاق قال حدثنا عبد الرزاق عن سفيان عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "الضيافة على أهل الوبر وليست على أهل المدر" .
قال أبو عمر:
هذا حديث لا يصح وإبراهيم بن أخي عبد الرزاق متروك الحديث منسوب إلى الكذب وهذا مما انفرد به ونسب إلى وضعه ومما احتج به بعض من ذهب مذهب الليث في الضيافة حديث شعبة عن منصور عن الشعبي عن المقدام أبي كريمة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ليلة الضيف حق واجب على كل مسلم فإن أصبح بفنائه فإنه دين إن شاء اقتضاه وإن شاء تركه " .
وروى الليث عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الخير عن عقبة بن عامر قال قلنا يا رسول الله إنك تبعثنا فنمر بقوم لا يقروننا فما ترى فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن نزلتم بقوم فأمروا لكم بما ينبغي للضيف فاقبلوا فإن لم يفعلوا فخذوا منهم حق الضيف الذي ينبغي لهم" .
حدثناه محمد بن خليفة قال حدثنا محمد بن الحسين الآجري بمكة قال حدثنا موسى بن هارون قال حدثنا قتيبة بن سعيد قال حدثنا الليث فذكره

(21/44)


وروى عبد الرحمن بن أبي عوف الجرشي عن المقدام بن معدي كرب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "أيما رجل أضاف قوما فلم يقروه كان له أن يعقبهم بمثل قراه" .
وروى معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله .
وروى المثنى بن الصباح عن عطاء عن خالد عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله سواء.
وحدثنا عبد الله بن محمد بن يوسف حدثنا الحسن بن إسماعيل حدثنا علي بن عبد الله بن أبي مطر حدثنا محمد بن علي بن مروان حدثنا سليمان بن حرب أبو ايوب حدثنا الوليد حدثنا جرير بن عثمان الرحبي عن عبد الرحمن بن أبي عوف الجرشي عن المقدام بن معدي كرب الكندي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " من نزل بقوم فعليهم أن يقروه" فاحتج بهذه الآثار من ذهب مذهب الليث في وجوب الضيافة واحتجوا أيضا بما روي في تأويل قوله عز وجل {لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ} قال مجاهد ذلك في الضيافة إذا لم يضف فقد رخص له أن يقول فيه ذكره وكيع عن ابن عيينة عن ابن أبي نجيح عن مجاهد.
وقال ابن جريج عن مجاهد نزلت في رجل ضاف رجلا بفلاة من الأرض فلم يضفه فنزلت {إِلَّا مَنْ ظُلِمَ} ذكر أنه لم يضفه لا يزيد على

(21/45)


ذلك قالوا فهذه الآية تدل على أن ذلك ظلم والظلم ممنوع منه فدل على وجوب الضيافة واحتج الآخرون بحديث سعيد بن أبي سعيد هذا عن أبي شريح الكعبي العدوي عن النبي صلى الله عليه وسلم المذكور في أول هذا الباب.
وقد رواه الليث عن سعيد بن أبي سعيد كما رواه مالك سواء وفيه دليل على أن الضيافة إكرام وبر وفضيلة لا فريضة ومما يدل على ذلك أيضا ما رواه عبد الرحمن بن أبي ليلى قال حدثنا المقداد بن الأسود قال جئت أنا وصاحب لي قد كادت تذهب أبصارنا وأسماعنا من الجوع فجعلنا نتعرض للناس فلم يضفنا أحد فأتينا النبي صلى الله عليه وسلم فقلنا يا رسول الله أصابنا جوع شديد فتعرضنا للناس فلم يضفنا أحد فأتيناك فذهب بنا إلى منزله وعنده أربعة أعنز فقال " يا مقداد أحلبهن وجزئ اللبن لكل اثنين جزءا" .
ففي هذا الحديث أن المقداد وصاحبه قد استضافا فلم يضافا ولم يأمرهما النبي صلى الله عليه وسلم أن يأخذا ممن استضافا قدر ضيافتهما مع شدة حاجتهما فدل ذلك أن الضيافة غير واجبة جملة أو كانت واجبة في بعض الأوقات فنسخت وأهل العلم يأمرون بالضيافة ويندبون إليها ويستحبونها وهي عندهم على أهل البوادي آكد وقولهم ليس على أهل الحضر ضيافة يدل على تأكيد سنتها على أهل البادية ومنهم من سوى بين البادية والحاضرة في ذلك وأما اختلافهم في إيجابها فرضا فعلى ما تقدم ذكره وأما الآية فقد مضى عن مجاهد فيها في هذا الباب ما ذكرنا

(21/46)


وقال سعيد عن قتادة في قوله {لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ} الآية قال عذر الله المظلوم كما تسمعون أن يدعو على من ظلمه .
وقال ابن جريج عن عبد الله بن كثير {إِلَّا مَنْ ظُلِمَ} قال إلا من أثر ما قيل له فلم يقل هؤلاء إن الآية نزلت في الضيافة ولا في قولهم شيء يدل على أن الاية لم تنزل في الضيافة .
وقال الطحاوي الضيافة من كرامة الضيف على حديث أبي شريح الكعبي وفيه دليل على انتفاء وجوبها قال وجائز أن تكون كانت واجبة عند الحاجة إليها لقلة عدد أهل الإسلام في ذلك الوقت وتباعد أوطانهم وأما اليوم فقد عم الإسلام وتقارب أهله في الجوار قال وفي حديث أبي شريح جائزته يوم وليلة قال والجائزة منحة والمنحة إنما تكون عن اختيار لا عن وجوب وبالله التوفيق.
ومما يدل على أن الضيافة ليست بواجبة فرضا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه" وقد أجمعوا أن إكرام الجار ليس بفرض فكذلك الضيف وفي هذا الحديث وما كان مثله دليل على أن الضيافة من مكارم الأخلاق في الحاضرة والبادية ويجوز أن يحتج بهذا من سوى بين الضيافة في البادية والحاضرة إلا أن أكثر الآثار في تأكيدها إنما وردت في قوم مسافرين منعوها ومما يدل على أنها ليست بواجبة فرضا ما حدثنا عبد الله بن محمد بن يوسف حدثنا الحسن بن إسماعيل حدثنا أحمد بن عاصم حدثنا جعفر بن محمد القلانسي حدثنا أحمد بن يونس حدثنا سفيان وهو الثوري عن أبي

(21/47)


إسحاق عن أبي الأحوص عن أبيه قال قلت يا رسول الله إني مررت برجل فلم يضفني ولم يقرني أفاجازيه قال لا بل أقره .
حدثنا يونس بن عبد الله قال حدثنا محمد بن معاوية قال حدثنا جعفر ابن محمد الفريابي قال حدثنا أبو كريب قال حدثنا خالد بن مخلد قال حدثنا محمد بن جعفر بن أبي كثير قال حدثنا العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حق الضيف ثلاث ليال وما سوى ذلك فهو صدقة" .
وروى أبو صالح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله .
وروى شريك عن أبي إسحاق عن حارثة بن مطرب قال سمعت عمر ابن الخطاب يقول إكرام الضيف يوم وليلة والضيافة ثلاثة أيام فإن أصابه بعد ذلك مرض أو مطر فهو دين عليه.
قال أبو عمر:
ينبغي له أن يتنزه عما كان من الضيافة صدقة كما ينبغي له التنزه عن الصدقة وليست صدقة التطوع بمحرمة على أحد إلا أن السؤال مكروه على ما بينا فيما سلف من هذا الكتاب والحمد لله .
حدثنا عبد الله حدثنا الحسن حدثنا محمد بن أحمد بن جابر حدثنا إسحاق بن أحمد القطان حدثنا أحمد بن منصور حدثنا عثمان بن عمر حدثنا أبو عامر الجزار عن نافع قال كان ابن عمر إذا قدم مكة نزل على أصهاره فيأتيه طعامه من عند دار خالد بن أسيد فيأكل من طعامهم ثلاثة أيام ثم يقول احبسوا عنا صدقتكم ويقول لنافع أنفق من عندك الآن وقوله

(21/48)


صلى الله عليه وسلم " لا يحل له أن يثوي عنده حتى يحرجه" يريد أن يقيم عنده حتى يحرجه والثواء الإقامة
قال عنترة
طال الثواء على رسوم المنزل
وقال الحرث بن حلزة
آذنتنا ببينها أسماء ... رب ثاو يمل منه الثواء
وقال كثير
أريد الثواء عندها وأظنها ... إذا ما أطلنا عندها المكث ملت
وقوله يحرجه أي يضيق عليه بإقامته عنده حتى يحرج وتضيق نفسه هذا لا يحل له

(21/49)


الحديث الثاني
...
حديث ثان لسعيد بن أبي سعيد
مالك عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " لا يحل لامراة تؤمن بالله واليوم الآخر تسافر مسيرة يوم وليلة إلا مع ذي محرم منها"

(21/49)


هكذا رواه جماعة الرواة للموطأ عن مالك عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة ورواه بشر بن عمر عن مالك عن سعيد بن أبي سعيد عن أبيه عن أبي هريرة وكان سعيد بن أبي سعيد فيما يقولون قد سمع من أبي هريرة وسمع من أبيه عن أبي هريرة كذا قال ابن معين وغيره فجعلها كلها أحيانا عن أبي هريرة.
قال أبو عمر:
في هذا الحديث من الفقه أن المرأة لا يجوز لها أن تسافر هذه المسافة فما فوقها إلا مع ذي محرم أو زوج وقد اختلفت ألفاظ أحاديث هذا الباب في مقدار المسافة وسنذكر ذلك والمعنى فيه في آخر هذا الباب إن شاء الله .
واختلف الفقهاء من هذا المعنى في ذي المحرم للمراة هل هو من السبيل الذي ذكر الله في الحج أم لا فقالت طائفة المحرم من السبيل الذي قال الله عز وجل {مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً} فمن لم يكن لها من النساء ذو محرم فتخرج معه فليست ممن استطاع إلى الحج سبيلا لنهي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تسافر المرأة إلا مع ذي محرم منها وممن ذهب إلى هذا إبراهيم النخعي والحسن والبصري وأبو حنيفة وأصحابه وأحمد بن حنبل وإسحاق وأبو ثور .
وقال الأثرم سمعت أحمد بن حنبل يسأل عن الرجل هل يكون محرما لأم امرأته يخرجها إلى الحج فقال أما في حجة الفريضة فأرجو لأنها

(21/50)


تخرج إليها مع النساء ومع كل من أمنته وأما في غيرها فلا وكأنه ذهب إلى أنه لم يذكر في القرآن
قال أبو عمر:
يعني في قول الله عز وجل {وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} الآية كلها قال لأثرم قيل لأحمد فيحج الرجل بأخت امرأته قال لا لأنها ليست منه بمحرم لأنها قد تحل له قيل له فالأخ من الرضاعة يكون محرما قال نعم قيل له فيكون الصبي محرما قال لا حتى يحتلم لأنه لا يقوم بنفسه فكيف تخرج معه امراة في سفر لا حتى يحتلم وتجب عليه الحدود أو يبلغ خمس عشرة سنة .
وقال آخرون جائز للمراة أن تحج حجة الفريضة إذا كانت مع ثقات من ثقات المسلمات والمسلمين فأما مالك والشافعي فقالا تخرج مع جماعة النساء.
قال الشافعي وإذا خرجت مع حرة مسلمة ثقة لا شيء عليها .
وقال الأوزاعي تخرج مع قوم عدول وتتخذ سلما تصعد عليه وتنزل ولا يقربها رجل إلا أن يأخذ برأس البعير وتضع رجلها على ذراعه .
وقال ابن سيرين تخرج مع رجل من المسلمين لا بأس به .
وروى أيوب عن محمد أنه كان إذا سئل عن المرأة لم تحج وليس لها محرم

(21/51)


فربما قال إنما المؤمنون إخوة ويقول رب من ليس بمحرم أوثق من محرم ذكره عبد الرزاق عن معمر وابن التيمي عن أيوب عن ابن سيرين
قال أبو عمر:
ليس المحرم عند هؤلاء من شرائط الاستطاعة ومن حجتهم الإجماع في الرجل يكون معه الزاد والراحلة وفيه الاستطاعة ولم يمنعه فساد طريق ولا غيره أن الحج عليه واجب قالوا فكذلك المرأة لأن الخطاب واحد والمرأة من الناس .
وفي هذا الحديث أيضا دليل على صحة ما ذهب إليه مالك والشافعي وأصحابهما في تقدير المسافة التي يجوز فيها للمسافر قصر الصلاة وتحديدها لأنهم قالوا لا تقصر الصلاة في مسافة أقل من يوم وليلة وقدروا ذلك بثمانية وأربعين ميلا وهي أربعة برد وهو قول ابن عباس وابن عمر والأصل في ذلك حديث أبي هريرة هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم بما ذكرنا واستدلوا من هذا الحديث بأن كل سفر يكون دون يوم وليلة فليس بسفر حقيقة وأن حكم من سافر حكم الحاضر لأن في هذا الحديث دليلا على إباحة السفر للمرأة فيما دون هذا المقدار مع غير ذي محرم فكان ذلك في حكم خروج المراة في حوائجها إلى السوق وما قرب من المواضع المأمون عليها فيها في البادية والحاضرة وأما اليوم والليلة فظعن وانتفال يكون فيه الانفراد وتعترض فيه الأحوال فكان في حكم الأسفار الطوال لأن كل ما زاد عن اليوم والليلة من المدة في نوع اليوم والليلة وفي حكمها والله أعلم

(21/52)


وقد اختلف الفقهاء في هذا الباب واختلفت فيه الآثار فقال مالك والشافعي ما ذكرنا عنهما وهو قول ابن عباس وابن عمر على ما وصفنا وبه قال أحمد وإسحاق وحجتهم الاستدلال بحديث هذا الباب على حسبما اجتلبنا وهو حديث مالك المذكور عن سعيد بن أبي سعيد عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم وكذلك رواه ابن أبي ذئب بمعنى رواية مالك في تحديد مسيرة يوم وليلة وربما قال مسيرة يوم فما فوقه إلا أنه قال فيه عن سعيد بن أبي سعيد عن أبيه كما قال بشر بن عمر عن مالك .
وكذلك رواه شيبان عن يحيى بن أبي كثير عن سعيد بن أبي سعيد عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله على اختلاف عن سهيل في ذلك وقد روي هذا الحديث عن سهيل بن أبي صالح عن سعيد بن أبي سعيد عن ابي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا تسافر امرأة بريدا إلا مع زوج أو ذي محرم" .
ورواه ابن عجلان عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " لا تسافر امرأة إلا ومعها ذو محرم" لم يقل يوما ولا غيره والألفاظ عن سهيل في هذا الحديث مضطربة لا تقوم بها حجة من روايته.
وقالت طائفة لا تقصر الصلاة إلا في مسيرة يومين وكل سفر يكون دون ليلتين فللمراة أن تسافر بغير محرم هذا قول الحسن البصري والزهري ومن حجتهم ما رواه شعبة وغيره عن عبد الملك بن عمير عن قزعة مولى زياد عن أبي سعيد الخدري قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " لا تسافر المراة مسيرة ليلتين إلا مع زوج أو ذي محرم"

(21/53)


ورواه مسعر عن عبد الملك بن ميسرة عن قزعة عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم " لا تسافر امرأة فوق يومين إلا ومعها زوجها أو ذو محرم منها " .
وقال آخرون لا يقصر المسافر الصلاة إلا في مسيرة ثلاثة أيام فصاعدا وكل سفر يكون دون ثلاثة أيام فللمرأة أن تسافر بغير محرم هذا قول الثوري وأبي حنيفة وأصحابه وهو قول ابن مسعود قال أبو حنيفة ثلاثة أيام ولياليها مسير الإبل ومشي الأقدام ومن حجتهم ما رواه عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " لا يحل لامرأة أن تسافر مسيرة ثلاثة أيام إلا مع محرم" .
ورواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله.
وروى الأعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا تسافر المراة سفر ثلاثة أيام فصاعدا إلا ومعها زوجها أو ابنها أو ذو محرم منها" وبعض أصحاب الأعمش يقول فيه بإسناده فوق ثلاث.
وروى سهيل عن أبيه وسعيد المقبري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله سواء هذه رواية وهيب عن سهيل.
وروى روح بن القاسم عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعا مثله بمعناه والرواية الأولى عن سهيل رواها حماد بن سلمة وعبد العزيز بن المختار عن سهيل

(21/54)


وروى بكر بن خنيس عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "لا تسافر امرأة في الإسلام مسيرة بريد إلا مع زوج أو ذي محرم" .
فحصل حديث سهيل في هذا الباب مضطربا في إسناده ومتنه وقد روى سفيان بن حمزة عن كثير بن زيد عن سعيد المقبري عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " يا نساء المؤمنات لا تخرج امرأة مسيرة ليلة إلا ومعها ذو محرم" .
وقد اضطربت الآثار المرفوعة في هذا الباب كما ترى في ألفاظها ومحملها عندي والله أعلم أنها خرجت على أجوبة السائلين فحدث كل واحد بمعنى ما سمع كأنه قيل له صلى الله عليه وسلم في وقت ما هل تسافر المرأة مسيرة يوم بلا محرم فقال لا وقيل له في وقت آخر هل تسافر المرأة مسيرة يومين بغير محرم فقال لا وقال له آخر هل تسافر المرأة مسيرة ثلاثة أيام بغير محرم فقال لا وكذلك معنى الليلة والبريد ونحو ذلك فأدى كل واحد ما سمع على المعنى والله أعلم ويجمع معاني الآثار في هذا الباب وإن اختلفت ظواهرها الحظر على المرأة أن تسافر سفرا يخاف عليها الفتنة بغير محرم قصيرا كان أو طويلا والله أعلم.
ومن حجة من ذهب في هذه المسالة مذهب أبي حنيفة أن الثلاثة الأيام سفر مجتمع على تقصير الصلاة فيه والأصل في الصلاة التمام باليقين فالواجب أن لا تقصر إلا بيقين واليقين ما أجمعوا عليه في الثلاثة الأيام لأن ما دون ذلك مختلف فيه وهو قول ابن عليه وهذا وإن كان نظرا واحتياطا فليس بجيد من طريق الاتباع وأولى ما قيل في هذا الباب من طريق الاتباع مذهب ابن عمر وابن عباس وأهل المدينة والشافعي والله الموفق للصواب.
وقال الأوزاعي عامة العلماء يقولون يقصر المسافر في مسيرة اليوم التام قال وبه نأخذ وفي هذا الباب شذوذ تركنا حكايته تعلق به داود

(21/55)


الحديث الثالث
...
حديث ثالث لسعيد بن أبي سعيد
مالك عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة قال خمس من الفطرة تقليم الأظفار وقص الشارب وحلق العانة ونتف الإبط والاختتان
هذا الحديث في الموطأ موقوف عند جماعة الرواة إلا أن بشر بن عمر رواه عن مالك عن سعيد بن أبي سعيد عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم فرفعه وأسنده وهو حديث محفوظ عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم مسندا صحيحا رواه ابن شهاب عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ولصحته مرفوعا ذكرناه والحمد لله .
حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن عبد السلام قال حدثنا محمد بن بشار قال حدثنا بشر بن عمر قال حدثنا مالك بن أنس عن سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " خمس من الفطرة تقليم الأظفار وقص الشارب ونتف الإبط وحلق العانة والختان" .
وكذلك ذكره ابن الجارود عن عبد الرحمن بن يوسف عن بندار ويحيى بن حكيم جميعا عن بشر بن عمر عن مالك عن سعيد بن أبي سعيد عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم

(21/56)


ورواه محمد بن يحيى الذهلي عن بشر بن عمر عن مالك عن سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة موقوفا لم يتجاوز به أبا هريرة وهو الصحيح في رواية مالك إن شاء الله وقد روي عن مالك مرفوعا من غير رواية بشر بن عمر .
حدثنا خلف بن قاسم قال حدثنا أحمد بن الحسن بن إسحاق بن عتبة الرازي قال حدثنا يحيى بن عثمان بن صالح بن صفوان السهمي حدثنا أبي حدثنا ابن لهيعة عن عيسى بن موسى بن حميد بن أبي الجهم العدوي عن مالك بن أنس عن سعيد بن أبي سعيد عن أبي هريرة يأثره قال الفطرة قص الشارب وتقليم الأظفار ونتف الإبط وحلق العانة وأما رواية الزهري فصحيح رفعه فيها .
حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا بكر ابن حماد قال حدثنا مسدد قال حدثنا سفيان بن عيينة.
وأخبرنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا جعفر بن محمد الصائغ قال حدثنا سليمان بن داود قال أخبرنا إبراهيم بن سعد جميعا عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " الفطرة خمس الختان والاستحداد وقص الشارب وتقليم الأظفار ونتف الإبط " .
وكذلك رواه أبو داود الطيالسي عن زمعة بن صالح عن الزهري بإسناده مثله .
وقد روي أن قص الشارب والختان مما ابتلي به إبراهيم الخليل عليه السلام ذكر سنيد عن ابن علية عن أبي رجاء أنه سأل الحسن عن قوله عز

(21/57)


وجل {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ} قال ابتلاه بالكوكب فرضي وابتلاه بالقمر فرضي وابتلاه بالشمس فرضي وابتلاه بالنار فرضي وابتلاه بالهجرة فرضي وابتلاه بالختان فرضي.
وذكر عن أبي سفيان عن معمر عن الحسن مثله قال معمر وقال قتادة قال ابن عباس ابتلاه الله بالمناسك قال وقال آخرون ابتلاه الله بالطهر وقص الشارب
قال أبو عمر:
قص الشارب والختان من ملة إبراهيم لا يختلفون في ذلك ذكر مالك عن يحيى بن سعيد عن سعيد أنه قال كان إبراهيم أول من ضيف الضيف وأول الناس اختتن وأول الناس قص شاربه وأول الناس رأى الشيب فقال يا رب ما هذا فقال الله وقار يا إبراهيم فقال رب زدني وقارا.
وروى الأوزاعي عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " اختتن إبراهيم وهو ابن عشرين ومائة سنة ثم عاش بعد ذلك ثمانين سنة" .
وروى هذا الحديث غير الأوزاعي جماعة عن يحيى بن سعيد عن سعيد عن أبي هريرة موقوفا وهو مرفوع من حديث ابن عجلان عن

(21/58)


أبيه عن أبي هريرة ومن حديث المغيرة الحزامي عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وأجمع العلماء على أن إبراهيم أول من اختتن وقال أكثرهم الختان من مؤكدات سنن المرسلين ومن فطرة الإسلام التي لا يسع تركها في الرجال وقالت طائفة ذلك فرض واجب لقول الله عز وجل {ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً} قال قتادة هو الاختتان
قال أبو عمر:
ذهب إلى هذا بعض أصحابنا المالكيين إلا أنه عندهم في الرجال وقد يحتمل أن تكون ملة إبراهيم المأمور باتباعها التوحيد بدليل قوله {لكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً} .
وقد روى أبو إسحاق عن حارثة بن مضرب عن علي أن سارة لما وهبت هاجر لإبراهيم فأصابها غارت سارة فحلفت ليغيرن منها ثلاثة أشياء فخشي إبراهيم أن تقطع أذنيها أو تجذع أنفها فأمرها أن تخفضها وتثقب أذنيها.
وروي عن أم عطية أنها كانت تخفض نساء الأنصار.
وروى حجاج بن أرطاة عن ابن أبي المليح عن أبيه عن شداد بن أوس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " الختان سنة للرجال مكرمة للنساء" .
واحتج من جعل الختان سنة بحديث أبي المليح هذا وهو يدور على حجاج بن أرطاة وليس ممن يحتج بما انفرد به والذي أجمع المسلمون عليه الختان في الرجال على ما وصفنا

(21/59)


وذكر إبن إسحاق وغيره عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس عن أبي سفيان بن حرب في حديث هرقل أنه أصبح مهموما يقلب طرفه إلى السماء فقال له بطارقته لقد أصبحت أيها الملك مهموما فقال لهم إني رأيت الليلة حين نظرت في النجوم ملك الختان قد ظهر قالوا لا يهمنك إنا لا نعرف أمة تختتن إلا اليهود وهم في سلطانك وتحت يديك فابعث إلى كل من لك عليه سلطان في بلادك فليضرب أعناق من تحت يديه من اليهود واسترح من هذا الغم فبينا هم على أمرهم ذلك إذ أتي هرقل برجل أرسل به ملك غسان يخبر عن خبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما استخبره هرقل قال اذهبوا فانظروا أمختتن هو أم لا فنظروا إليه فإذا هو مختتن فسأله عن القوم فقال هم يختتون فقال هرقل هذا ملك هذه الأمة قد ظهر في حديث طويل وتواترت الروايات عن جماعة العلماء أنهم قالوا ختن إبراهيم ابنه إسماعيل لثلاث عشرة سنة وختن ابنه إسحاق لسبعة أيام.
وروي عن فاطمة رضي الله عنها أنها كانت تختن ولدها يوم السابع .
وقال الليث بن سعد يختن الصبي ما بين سبع سنين إلى عشر.
وقال ابن حنبل لم أسمع في ذلك شيئا .
وقال الميموني قلت لأبي عبد الله يعني أحمد بن حنبل مسألة سئلت عنها ختان ختن صبيا فلم يستقص قال إذا كان الختان جاوز نصف الحشفة إلى فوق فلا يعيد لأن الحشفة تغلظ وكلما غلظت ارتفع الختان فأما إذا كان الختان دون النصف فكنت أرى أن يعيد قلت فإن الإعادة شديدة جدا وقد يخاف عليه من الإعادة فقال لا أدري ثم قال لي أحمد

(21/60)


فإن ههنا رجلا ولد له ابن مختون فاغتم لذلك غما شديدا فقلت له إذا كان الله قد كفاك هذه المؤونة فما غمك بهذا
قال أبو عمر:
في هذا الباب حديث مسند غريب حدثناه أحمد بن محمد بن أحمد حدثنا محمد بن عيسى حدثنا يحيى بن أيوب بن بادي العلاف حدثنا محمد ابن أبي السري العسقلاني قال حدثني الوليد بن مسلم عن شعيب يعني ابن أبي حمزة عن عطاء الخراساني عن عكرمة عن ابن عباس أن عبد المطلب ختن النبي صلى الله عليه وسلم يوم سابعه وجعل له مأدبة وسماه محمدا قال يحيى بن أيوب طلبت هذا الحديث فلم أجده عند أحد من أهل الحديث ممن لقيته إلا عند ابن أبي السري .
وكره جماعة من العلماء الختان يوم السابع فروي عن الحسن أنه قال أكرهه خلافا على اليهود.
وقال ابن وهب قلت لمالك أترى أن يختن الصبي يوم السابع فقال لا أرى ذلك إنما ذلك من عمل اليهود ولم يكن هذا من عمل الناس إلا حديثا قلت لمالك فما حد ختانه قال إذا أدب على الصلاة قلت له عشر سنين أو أدنى من ذلك قال نعم وقال الختان من الفطرة .
وقال ابن القاسم قال مالك من الفطرة ختان الرجل والنساء قال مالك وأحب للنساء من قص الأظفار وحلق العانة مثل ما هو على الرجال ذكره الحرث بن مسكين وسحنون عن ابن القاسم وقال سفيان بن عيينة قال لي سفيان الثوري أتحفظ في الختان وقتا قلت لا قلت وأنت لا تحفظ فيه وقتا قال لا

(21/61)


واستحب جماعة من العلماء في الرجل الكبير يسلم أن يختتن ذكر يونس عن ابن شهاب قال كان الرجل إذا أسلم أمر بالختان وإن كان كبيرا .
وكان عطاء يقول لا يتم إسلامه حتى يختتن وإن بلغ ثمانين سنة .
وروي عن ابن عباس وجابر بن زيد وعكرمة أن الأغلف لا تؤكل ذبيحته ولا تجوز شهادته وروي عن الحسن أنه كان يرخص للشيخ الذي يسلم ألا يختتن ولا يرى به بأسا ولا بشهادته وذبيحته وحجه وصلاته وعامة أهل العلم على هذا ولا يرون بذبيحته بأسا
قال أبو عمر:
حديث يزيد في حج الأغلف لا يثبت والصواب فيه ما عليه جماعة العلماء فهذا ما بلغنا عن العلماء في الختان وأما قص الشارب فيذكر فيه أيضا ما روينا عنهم في ذلك وبالله عوننا لا شريك له .
اختلف الفقهاء في قص الشارب وحلقه فذهب قوم إلى حلقه واستئصاله لقول النبي صلى الله عليه وسلم " أحفوا الشوارب" في حديث ابن عمر وقد حدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم حدثنا ابن وضاح حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا عبدة عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أنهكوا الشوارب واعفوا اللحى" .
وذهب آخرون إلى قصة لحديث أبي هريرة المذكور في هذا الباب ولما روي أن إبراهيم عليه السلام أول من قص شاربه وقد أمر الله

(21/62)


نبيه صلى الله عليه وسلم أن يتبع ملة إبراهيم حنيفا وقد أجمعوا أنه لا بد للمسلم من قص شاربه أو حلقه روى زيد بن أرقم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " من لم يأخذ من شاربه فليس منا" .
حدثنا أحمد بن سعيد بن بشر قال حدثنا مسلمة بن القاسم قال حدثنا احمد بن محمد بن زياد الأعرابي قال حدثنا محمد بن عيسى المدائني قال حدثنا شعيب بن حرب قال حدثنا يوسف بن صهيب عن حبيب بن يسار عن زيد بن أرقم قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من لم يأخذ من شاربه فليس منا" .
وحدثنا عبد الوارث بن سفيان قراءة مني عليه أن قاسم بن أصبغ حدثهم قال حدثنا بكر بن حماد قال حدثنا مسدد قال حدثنا يحيى يعني القطان عن يوسف بن صهيب عن حبيب بن يسار عن زيد بن أرقم قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من لم يأخذ من شاربه فليس منا" .
وروى الحسن بن صالح عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقص شاربه ويذكر أن إبراهيم كان يقص شاربه .
وروته طائفة منهم زائدة عن سماك عن عكرمة عن أبن عباس موقوفا.
وأما اختلاف الفقهاء في قص الشارب وحلقه فقال مالك في الموطأ يؤخذ من الشارب حتى يبدو طرف الشفة وهو الإطار ولا يجزه فيمثل بنفسه .
وذكر ابن عبد الحكم عنه قال وتحفى الشوارب وتعفى اللحى وليس إحفاء الشارب حلقه وأرى أن يؤدب من حلق شاربه .
وقال ابن القاسم عنه إحفاء الشوارب عندي مثله .
قال مالك وتفسير حديث النبي صلى الله عليه وسلم في إحفاء الشوارب إنما هو الإطار وكان يكره أن يؤخذ من أعلاه

(21/63)


وذكر أشهب عن مالك أنه قال في حلق الشارب هذه بدع وأرى أن يوجع ضربا من فعله.
وقال مالك كان عمر بن الخطاب إذا كربه أمر نفخ فجعل رجل يراده وهو يفتل شاربه.
وحدثنا أحمد بن عبد الله بن محمد قال حدثنا أبي قال حدثنا محمد ابن فطيس قال حدثنا يحيى بن إبراهيم قال حدثنا اصبغ بن الفرج قال حدثنا عيسى بن يونس عن عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز عن أبيه قال السنة في الشارب الإطار قال الطحاوي ولم نجد عن الشافعي شيئا منصوصا في هذا وأصحابه الذين رأيناهم المزني والربيع كانا يحفيان شواربهما ويدل ذلك على أنهما أخذا ذلك عن الشافعي قال وأما أبو حنيفة وزفر وأبو يوسف ومحمد فكان مذهبهم في شعر الرأس والشارب أن الإحفاء أفضل من التقصير .
وذكر ابن خواز بنداد عن الشافعي أن مذهبه في حلق الشارب كمذهب أبي حنيفة سواء.
وقال الأثرم رأيت أحمد بن حنبل يحفي شاربه شديدا وسمعته يسأل عن السنة في إحفاء الشوارب فقال يحفى كما قال النبي صلى الله عليه وسلم " أحفوا الشوارب" .
وذكر ابن وهب عن الليث بن سعد قال لا أحب لأحد أن يحلق شاربه جدا حتى يبدو الجلد وأكرهه ولكن يقصر الذي على طرف الشارب وأكره أن يكون طويل الشاربين

(21/64)


قال أبو عمر:
روت عائشة وأبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم عشر من الفطرة منها قص الشارب وفي إسناديهما مقال وكذلك حديث عمار بن ياسر في ذلك أيضا وأحسن ذلك ما حدثناه عبد الله بن محمد حدثنا محمد بن بكر حدثنا أبو داود حدثنا يحيى بن معين حدثنا وكيع عن زكرياء بن أبي زائدة عن مصعب بن شيبة عن طلق بن حبيب عن أبي الزبير عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " عشر من الفطرة قص الشارب وإعفاء اللحية والسواك والاستنشاق بالماء وقص الأظفار وغسل البراجم ونتف الإبط وحلق العانة وانتقاص الماء" يعني الآستنجاء بالماء قال زكرياء قال مصعب نسيت العاشرة إلا أن تكون المضمضة.
قال الطحاوي وروي المغيرة بن شعبة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ من شاربه على سواك وهذا لا يكون معه إحفاء .
وروى عكرمة عن ابن عباس قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجز شاربه قال وهذا الأغلب فيه الإحفاء وهو محتمل الوجهين.
وروى نافع عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " احفوا الشوارب وأعفوا اللحى" .
وروى العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "جزوا الشوارب وأرخوا اللحى" قال وهذا يحتمل الإحفاء أيضا.
وقد روى عمر بن أبي سلمة عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال "أحفوا الشوارب وأعفوا اللحى" فبان بهذا أن الجز في حديثه الآخر الإحفاء

(21/65)


وذكر الطحاوي هذه الآثار كلها بأسانيدها من طرق وذكر أيضا بالأسانيد عن أبي سعيد الخدري وأبي أسيد ورافع بن خديج وسهل بن سعد وعبد الله ابن عمر وجابر بن عبد الله وأبي هريرة أنهم كانوا يحفون شواربهم وقال إبراهيم بن محمد بن حاطب رأيت ابن عمر يحفي شاربه كأنه ينتفه وقال بعضهم حتى يرى بياض الجلد.
وقال الطحاوي لما كان التقصير مسنونا عند الجميع في الشارب كان الحلق فيه أفضل قياسا على الرأس قال وقد دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم للمحلقين ثلاثا وللمقصرين واحدة فجعل حلق الرأس أفضل من تقصيره فكذلك الشارب قال وما احتج به مالك أن عمر كان يفتل شاربه إذا غضب أو اهتم فجائز أن يكون كان يتركه حتى يمكن فتله ثم يحلقه كما ترى كثيرا من الناس يفعله
قال أبو عمر:
إنما في هذا الباب أصلان أحدهما أحفوا الشوارب وهو لفظ مجمل محتمل للتأويل والثاني قص الشارب وهو مفسر والمفسر يقضي على المجمل مع ما روي فيه أن إبراهيم أول من قص شاربه وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم قص الشارب من الفطرة يعني فطرة الإسلام وهو عمل أهل المدينة وهو أولى ما قيل به في هذا الباب والله الموفق للصواب وقد كان أبو بكر محمد بن أحمد بن الجهم يقول الشارب إنما هو أطراف الشعر الذي يشرب به الماء قال وإنما اشتق له لفظ شارب لقربه من موضع شرب الماء .
وذكر خبر سماك عن عكرمة عن ابن عباس قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقص من شاربه وكان إبراهيم خليل الله يقص شاربه أو من شاربه

(21/66)


وهذا الحديث حدثناه سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا ابن وضاح قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا يحيى بن آدم عن حسن ابن صالح عن سماك فذكره.
وحدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا ابن وضاح قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا وكيع عن مسعر قال حدثني أبو صخرة عن المغيرة بن عبد الله الثقفي عن المغيرة بن شعبة قال ضفت رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة فأمر بجنب فشوي ثم أخذ الشفرة فجعل يجز منها فجاء بلال فآذنه بالصلاة فألقى الشعرة فقال " ماله تربت يداه" وكان شاربي قد وفى بعضه فقصه لي على سواك.
وروى ابن وهب عن حي بن عبد الله المعافري عن أبي عبد الرحمن الحبلي عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن إبراهيم أول رجل اختتن وأول رجل قص شاربه وقلم أظفاره واستن وحلق عانته.
وذكر عبد الرزاق عن معمر عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس في قوله {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ} قال ابتلاه الله بالطهارة خمس في الرأس وخمس في الجسد قص الشارب والمضمضة والاستنشاق والسواك وفرق الرأس وفي الجسد تقليم الأظفار وحلق العانة والاختتان ونتف الإبط وغسل مكان الغائط والبول بالماء.
وذكر مطر عن أبي العالية قال ابتلي إبراهيم بعشرة أشياء هن في الإنسان سنة الاستنشاق وقص الشارب والسواك ونتف الإبط وتقليم الأطفار وغسل البراجم والختان وحلق العانة وغسل الدبر والفرج فهذا ما انتهى إلينا في قص الشارب وحلقه وقد روى هشيم عن عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء عن ابن عباس أنه قال من السنة قص الأظفار والأخذ

(21/67)


من الشارب وحلق العانة ونتف الإبط وأخذ العارضين ولم أجد أخذ العارضين إلا في هذا الخبر وسيأتي ذكر إعفاء اللحية والحكم في ذلك في باب أبي بكر بن نافع من هذا الكتاب إن شاء الله.
وأما قص الأظفار وحلق العانة فمجتمع على ذلك أيضا إلا أن من أهل العلم من وقت في حلق العانة أربعين يوما وأكثرهم على أن لا توقيت في شيء من ذلك وبالله التوفيق ومن وقت ذهب إلى حديث حدثناه أحمد بن فتح قال حدثنا عبد الله بن أحمد بن حامد بن ثرثال قال حدثنا الحسن بن الطيب قال حدثنا الحسن بن عمر بن شقيق الجرمي وقطن بن بشير قالا حدثنا جعفر بن سليمان عن أبي عمران الجوني عن أنس بن مالك قال وقت لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في حلق العانة وقص الشارب وتقليم الأظفار ونتف الإبط في كل أربعين يوما وهذا حديث ليس بالقوي من جهة النقل ولكنه قد قال به قوم وذكره سنيد قال حدثنا جعفر بن سليمان عن أبي عمران الجوني عن أنس بن مالك قال وقت لنا فذكره سواء ولم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم.
حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أحمد ابن زهير قال حدثنا أبو معاوية الغلابي غسان بن المفضل قال حدثنا عمر ابن علي بن مقدم قال قال سفيان بن حسين أتدري ما السمت الصالح ليس هو بحلق الشارب ولا تشمير الثوب وإنما هو لزوم طريق القوم إذا فعل ذلك قيل قد أصاب السمت وتدري ما الاقتصاد هو المشي الذي ليس فيه غلو ولا تقصير

(21/68)


الحديث الرابع
...
حديث رابع لسعيد بن أبي سعيد
مالك عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف أنه سال عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم كيف كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان فقالت ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة يصلي أربعا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن ثم يصلي أربعا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن ثم يصلي ثلاثا قالت عائشة فقلت يا رسول الله أتنام قبل أن توتر فقال يا عائشة "إن عيني تنامان ولا ينام قلبي"
قال أبو عمر:
هكذا هو في الموطأ عند جماعة الرواة فيما علمت وقد رواه محمد بن معاذ بن المستهل عن القعنبي عن مالك عن ابن شهاب عن أبي سلمة عن عائشة والصواب ما في الموطأ في هذا الحديث أن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان وغيره كانت واحدة وقد مضى القول في قيام رمضان وما الأصل فيه وكيف كان بدو أمره من باب ابن شهاب من هذا الكتاب وأكثر الآثار على أن صلاته كانت بالوتر إحدى عشرة ركعة وقد روي ثلاث عشرة ركعة فمنهم من قال فيها ركعتا الفجر ومنهم من قال إنها زيادة حفظها من تقبل زيادته بما نقل منها ولا يضرها تقصير من قصر عنها وكيف كان الأمر فلا

(21/69)


خلاف بين المسلمين أن صلاة الليل ليس فيها حد محدود وأنها نافلة وفعل خير وعمل بر فمن شاء استقل ومن شاء استكثر وأما قوله يصلي أربعا ثم يصلي أربعا ثم يصلي ثلاثا فذهب قوم إلى أن الأربع لم يكن بينها سلام وقال بعضهم ولا جلوس إلا في آخرها وذهب فقهاء الحجاز وجماعة من أهل العراق إلى أن الجلوس كان منها في كل مثنى والتسليم أيضا ومن ذهب هذا المذهب كان معنى قوله في هذا الحديث عنده أربعا يعني في الطول والحسن وترتيب القراءة ونحو ذلك ودليلهم على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم " صلاة الليل مثنى مثنى" لأنه محال أن يأمر بشيء ويفعل خلافه صلى الله عليه وسلم وقد مضى ما للعلماء من المذاهب والأقوال في صلاة الليل وما نزعوا به في ذلك من الآثار والاعتلال في باب ابن شهاب ونافع من هذا الكتاب ومضى في باب نافع أيضا اختلافهم في الوتر بواحدة وبثلاث وبما زاد فلا معنى لتكرير ذلك ههنا.
واختصار اختلافهم في صلاة التطوع بالليل أن مالكا والشافعي وابن أبي ليلى وأبا يوسف ومحمدا والليث بن سعد قالوا صلاة الليل مثنى مثنى تقتضي الجلوس والتسليم في كل اثنتين ألا ترى أنه لا يقال صلاة الظهر مثنى لما كانت الأخريان مضمنتين بالأوليين ولأنه قد روي في حديث عائشة هذا من رواية عروة عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسلم في كل ركعتين منها وقد ذكرنا من روى ذلك من باب ابن شهاب

(21/70)


وقال أبو حنيفة في صلاة الليل إن شئت ركعتين أو أربعا أو ستا أو ثمانيا وقال الثوري والحسن بن حي صل بالليل ما شئت بعد أن تقعد في كل اثنتين وتسلم في آخرهن وحجة هؤلاء ظواهر الأحاديث عن عائشة مثل هذا الحديث ومثل ما رواه الأسود عن عائشة أنها قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل تسع ركعات فلما أسن صلى سبع ركعات.
وقال فيه مسروق عنها كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوتر بتسع فلما أسن أوتر بسبع .
ويحيى بن الجزار عن عائشة مثل ذلك على اختلاف عنه .
وروى ابن نمير ووهب عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة يوتر منها بخمس لا يجلس في شيء من الخمس حتى يجلس في الآخرة فيسلم ورواه مالك عن هشام على غير هذا وروى يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة كان يصلي ثمان ركعات وأربع ركعات يوتر بركعة .
وروى الدراوردي عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة تسعا قائما واثنتين جالسا واثنتين قاعدا واثنتين بين النداءين

(21/71)


وقد روى الأوزاعي وابن أبي ذئب ويونس عن الزهري عن عروة عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي من الليل إحدى عشرة ركعة يسلم في كل ركعتين.
قال أبو عمر:
فلما اختلفت الآثار عن عائشة في كيفية صلاة النبي صلى الله عليه وسلم بالليل هذا الاختلاف وتدافعت واضطربت لم يكن في شيء منها حجة على غيره وقامت الحجة بالحديث الذي لم يختلف في نقله ولا في متنه وهو حديث ابن عمر رواه عنه جماعة من التابعين كلهم بمعنى واحد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال صلاة الليل مثنى مثنى وقد ذكرنا حديث ابن عمر وطرقه في باب نافع من هذا الكتاب وقضى حديث ابن عمر بأن رواية من روى عن عائشة في صلاة الليل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسلم منها في كل ركعتين أصح وأثبت لقوله صلاة الليل مثنى مثنى وبالله التوفيق .
وأما قولها في هذا الحديث أتنام قبل أن توتر فإنه لا يوجد إلا في هذا الإسناد ففيه تقديم وتأخير لأنه في هذا الحديث بعد ذكر الوتر ومعناه أنه كان ينام قبل أن يصلي الثلاث التي ذكرت وهذا يدل على أنه كان يقوم ثم ينام ثم يقوم فينام ثم يقوم فيوتر ولهذا ما جاء في هذا الحديث أربعا ثم أربعا ثم ثلاثا أظن ذلك والله أعلم من أجل أنه كان ينام بينهن فقالت أربعا ثم أربعا يعني بعد نوم ثم ثلاث بعد نوم ولهذا ما قالت له أتنام قبل أن توتر وإذا كان هذا على ما ذكرنا لم يجز لأحد أن

(21/72)


يتأول أن الأربع كن بغير تسليم لا سيما مع قوله صلى الله عليه وسلم " صلاة الليل مثنى مثنى" .
وأما رواية من روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يضطجع بعد الوتر ومن روى أنه كان يضطجع بعد ركعتي الفجر فقد ذكرنا ذلك في باب ابن شهاب عن عروة من هذا الكتاب وذكرنا عن العلماء ما صح عندهم وما ذهبوا إليه في ذلك والحمد لله هناك.
وأما قوله "إن عيني تنامان ولا ينام قلبي" فهذه جبلته صلى الله عليه وسلم التي طبع عليها وقد روي عنه عليه السلام أنه قال " إنا معشر الأنبياء تنام أعيننا ولا تنام قلوبنا" ولهذا قال ابن عباس وغيره من العلماء رؤيا الأنبياء وحي وقد ذكرنا أقاسم الوحي في باب إسحاق بن أبي طلحة وذكرنا في باب زيد ابن أسلم معنى نومه عن الصلاة في سفره حتى ضربه حر الشمس بما يغني عن إعادته ههنا.
ذكر عبد الرزاق وأبو سفيان جميعا عن معمر عن أيوب عن أبي قلابة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " قيل لي لتنم عينك وليعقل قلبك ولتسمع أذنك فنامت عيني وعقل قلبي وسمعت أذني" . وذكر الحديث وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان ينام حتى ينفخ ويغط ثم يقوم فيصلي ولا يتوضأ لأن قلبه لم يكن ينام وإنما يجب الوضوء على من غلب النوم على قلبه وغمر نفسه وكان صلى الله عليه وسلم مخصوصا دون سائر أمته بأن تنام عينه ولا ينام قلبه صلوات الله عليه وسلامه

(21/73)


حدثنا خلف بن القاسم قال حدثنا أبو بكر عبد الله بن محمد الخصبي القاضي قال حدثنا عبد الله بن الحسن بن أبي شعيب قال حدثنا عبيد الله ابن عائشة قال حدثنا حماد بن سلمة عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نام حتى سمع غطيطه ثم صلى ولم يتوضا قال عكرمة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم محفوظا
حديث خامس لسعيد بن أبي سعيد
مالك عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن عبيد بن جريج أنه قال لعبد الله بن عمر يا أبا عبد الرحمن رأيتك تصنع أربعا لم أر أحدا من أصحابك يصنعها قال ما هن يا ابن جريج قال رأيتك لا تمس من الأركان إلا اليمانيين ورأيتك تلبس النعال السبتية ورأيتك تصبغ بالصفرة ورأيتك إذا كنت بمكة أهل الناس إذا رأوا الهلال ولم تهل أنت حتى كان يوم التروية فقال عبد الله ابن عمر أما الأركان فإني لم أر رسول الله صلى الله عليه وسلم يمس إلا اليمانيين وأما النعال السبتية فإني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبس النعال التي ليس فيها شعر ويتوضأ فيها فأنا أحب أن ألبسها وأما الصفرة فإني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصبغ بها فأنا أحب أن أصبغ بها وأما الإهلال فإني لم أر رسول الله صلى الله عليه وسلم يهل حتى تنبعث به راحلته

(21/74)


عبيد بن جريج من ثقات التابعين ذكر الحسن بن علي الحلواني قال حدثنا أحمد بن صالح قال حدثنا ابن وهب قال حدثني أبو صخر عن ابن قسيط عن عبيد بن جريج قال حججت مع عبد الله بن عمر بين حج وعمرة اثنتي عشرة مرة
قال أبو عمر:
في هذا الحديث دليل على أن الاختلاف في الأفعال والأقوال والمذاهب كان في الصحابة موجودا وهو عند العلماء أصح ما يكون في الاختلاف إذا كان بين الصحابة وأما ما أجمع عليه الصحابة واختلف فيه من بعدهم فليس اختلافهم بشيء وإنما وقع الاختلاف بين الصحابة والله أعلم في التأويل المحتمل فيما سمعوه ورأوه أو فيما انفرد بعلمه بعضهم دون بعض أو فيما كان منه عليه السلام على طريق الإباحة في فعله لشيئين مختلفين وقد بينا العدل في اختلافهم في غير هذا الكتاب.
وفي هذا الحديث دليل على أن الحجة عند الاختلاف السنة وإنها حجة على من خالفها وليس من خالفها بحجة عليها ألا ترى أن ابن عمر لما قال له عبيد بن جريج رأيتك تصنع أشياء لا يصنعها أحد من أصحابك لم يستوحش من مفارقة أصحابه إذ كان عنده في ذلك علم من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يقل له ابن جريج الجماعة أعلم برسول الله صلى الله عليه وسلم منك ولعلك وهمت كما

(21/75)


يقول اليوم من لا علم له بل انقاد للحق إذ سمعه وهكذا يلزم الجميع وبالله التوفيق.
وأما قوله رأيتك لا تمس من الأركان إلا اليمانيين فالسنة التي عليها جمهور الفقهاء أن ذينك الركنين يستلمان دون غيرهما.
وأما السلف فقد اختلفوا في ذلك فروي عن جابر وأنس وابن الزبير والحسن والحسين أنهم كانوا يستلمون الأركان كلها وعن عروة مثل ذلك واختلف عن معاوية وابن عباس في ذلك فقال أحدهما ليس من البيت شيء مهجور والصحيح عن ابن عباس أنه كان لا يستلم إلا الركنين الأسود واليماني وهما المعروفان باليمانيين وهي السنة وعلى ذلك جماعة الفقهاء منهم مالك والشافعي وأبو حنيفة والثوري والأوزاعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وداود والطبري وحجتهم حديث ابن عمر هذا وما كان مثله عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك حدثنا خلف بن سعيد حدثنا عبد الله بن محمد ابن علي حدثنا أحمد بن خالد حدثنا علي بن عبد العزيز حدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس .
وحدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا أبو الوليد الطيالسي قال حدثنا الليث بن سعد عن ابن شهاب عن سالم عن ابن عمر قال لم أر رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح من البيت إلا الركنين اليمانيين .
ورواه ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب عن سالم عن أبيه مثله

(21/76)


وأخبرنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا مخلد بن خالد قال حدثنا عبد الرزاق قال أخبرنا معمر عن الزهري عن سالم عن ابن عمر أنه أخبر بقول عائشة أن الحجر بعضه من البيت فقال ابن عمر والله إني لأظن عائشة إن كانت سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم إني لأظن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يترك استلامهما إلا أنهما ليسا على قواعد البيت ولا طاف الناس من وراء الحجر إلا لذلك.
وأما قوله رأيتك تلبس النعال السبتية فهي النعال السود التي لا شعر لها كذلك فسره ابن وهب صاحب مالك وقال الخليل في العين السبت الجلد المدبوغ بالقرظ وكذلك قال الأصمعي وهو الذي ذكر ابن قتيبة وقال أبو عمرو هو كل جلد مدبوغ .
وقال أبو زيد السبت جلود البقر خاصة مدبوغة كانت أو غير مدبوغة ولا يقال لغيرها سبت وجمعها سبوت .
وقال غيره السبت نوع من الدباغ يقلع الشعر والنعال السبتية من لباس وجوه الناس وأشراف العرب وهي معروفة عندهم قد ذكرها شعراؤهم قال عنترة يمدح رجلا
بطل كأن ثيابه في سرحة ... يحذي نعال السبت ليس بتوأم
يعني أنه لم يولد توأما

(21/77)


وقال كثير
كأن مشافر النجدات منها ... إذا ما قارفت قمع الذباب
بأيدي ماتم متصاعدات ... نعال السبت أو عذب الثياب
شبه اضطراب مشافر الإبل وهي تنفي الذباب عنها بنعال السبت في أيدي المأتم والمأتم النساء اللواتي يبكين وينحن على الميت وقوله أو عذب الثياب يريد خرقا يحبسها النساء بأيديهن عند النياح ويحبسن أيضا النفال بأيديهن كان هذا من فعل المأتم في الجاهلية ولا أعلم خلافا في جواز لباس النعال السبتية في غير المقابر وحسبك أن ابن عمر يروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يلبسها وفيه الإسوة الحسنة صلى الله عليه وسلم وقد روي عنه أنه راى رجلا يلبسها في المقبرة فأمره بخلعها وقد يجوز أن يكون ذلك الذى رآه فيها أو لما شاء الله فإنه حديث مختلف فيه وقد روي عنه ما يعارضه والحديث حدثناه عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن سليمان بن داود المنقري البصري بمصر قال حدثنا سليمان بن حرب قال حدثنا الأسود بن شيبان قال أخبرني خالد بن سمير قال أخبرني بشير بن نهيك قال أخبرني بشير بن الخصاصية وكان اسمه في الجاهلية زحم فسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيرا قال بشير بينما أنا أمشي بين المقابر وعلي نعلان فإذا رجل ينادي من خلفي " يا صاحب السبتيين " فالتفت فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لي "إذا كنت في مثل هذا الموضع فاخلع نعليك" قال فخلعتهما هكذا قال إنه كان اللابس لهما والمأمور فيهما.
وأخبرنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا سهل بن بكار قال حدثنا الأسود بن شيبان عن خالد بن سمير السدوسي عن بشير بن نهيك عن بشير قال وكان اسمه في الجاهلية زحم بن معبد فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم " بل أنت بشير" قال بينما أنا أماشي رسول الله

(21/78)


صلى الله عليه وسلم مر بقبور المشركين فقال " لقد سبق هؤلاء خيرا كثيرا" ثلاثا ثم مر بقبور المسلمين فقال " لقد أدرك هؤلاء خيرا كثيرا" وحانت من رسول الله صلى الله عليه وسلم نظرة فإذا رجل يمشي في القبور وعليه نعلان فقال " يا صاحب السبتيتين ويحك ألق سبتيتيك" فنظر الرجل فلما عرف رسول الله صلى الله عليه وسلم خلعهما فرمى بهما .
وذهب قوم إلى أنه لا يجوز لأحد المشي بالنعال والحذاء بين القبور لهذا الحديث.
وقال آخرون لا بأس بذلك واحتجوا بما حدثنا عبد الله بن محمد بن يحيى قال حدثنا محمد بن بكر بن داسة قال حدثنا أبو داود قال حدثنا محمد بن سليمان الأنباري
قال حدثنا عبد الوهاب يعني ابن عطاء عن سعيد عن قتادة عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه أنه يسمع قرع نعالهم" .
وقال الأثرم سمعت أحمد بن حنبل يسأل عن المشي بين القبور في النعلين فقال أما أنا فلا أفعله أخلع نعلي على حديث بشير قال وقد تأول بعض الناس أنه ليسمع خفق نعالهم وقال أبو عبد الله الأسود بن شيبان ثقة وبشير بن نهيك ثقة روى عنه عدة قلت روى عنه النضر بن أنس وأبو مجلز وبركة قال نعم قال الأثرم حدثنا عفان وسليمان بن حرب وهذا لفظ عفان قال حدثنا الأسود بن شيبان قال حدثنا خالد بن سمير قال حدثني بشير بن نهيك عن بشير قال بينما أنا أماشي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا على قبور المسلمين فقال لقد أدرك

(21/79)


هؤلاء خيرا ثم حانت من رسول الله صلى الله عليه وسلم نظرة فإذا برجل يمشي في القبور عليه نعلاه فناداه رسول الله صلى الله عليه وسلم " يا صاحب السبتيتين ويحك ألق سبتيتيك" فنظر الرجل فلما عرف رسول الله صلى الله عليه وسلم خلع نعليه فرمى بهما .
قال وحدثنا عفان قال حدثنا حماد بن سلمة قال أخبرنا محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إنه ليسمع خفق نعالهم إذا ولوا" قال ورأيت أبا عبد الله عند المقابر معلقا نعليه بيده.
وأما قوله رأيتك تصبغ بالسفرة وقول ابن عمر رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصبغ بها فإن العلماء اختلفوا في تأويل هذا الحديث فقال قوم أراد الخضاب للحية بالصفرة واحتجوا بما حدثناه عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم ابن أصبغ قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا أبي قال حدثنا يعقوب ابن إبراهيم قال حدثنا أبي عن ابن إسحاق قال حدثني سعيد المقبري عن عبيد بن جريج قال قلت لابن عمر يا أبا عبد الرحمن إني رأيتك تصفر لحيتك قال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصفر بالورس فأنا أحب أن اصفر به كما كان يصنع.
وحدثنا عبد الوارث قال حدثنا قاسم قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا موسى بن إسماعيل قال حدثنا حماد بن سلمة عن عبيد الله بن عمر عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن ابن جريج كذا قال رأيت ابن عمر يصفر لحيته فقلت أراك تصفر لحيتك قال رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يصفر لحيته .
ورواه يحيى القطان عن عبيد الله بن عمر عن سعيد المقبري عن ابن جريج وفي حديثه أنه قال رأيته يصفر لحيته.
وحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا عيسى بن إبراهيم قال أخبرنا عبد الواحد بن زياد قال حدثنا الحجاج عن عطاء قال رأيت ابن عمر ولحيته صفراء

(21/80)


وحدثنا عبد الوارث حدثنا قاسم قال حدثنا أحمد بن زهير قال وحدثنا محمد بن عبد الله الرازي قال حدثنا محمد بن الزبير قال أبو همام الأهوازي عن مروان بن سالم عن عبد الله بن همام قال قلت يا أبا الدرداء بأي شيء كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخضب قال يا ابن أخي أو يا بني ما بلغ منه الشيب ما كان يخضب ولكنه قد كان منه ها هنا شعرات بيض وكان يغسله بالحناء والسدر.
قال وحدثنا ابن الأصبهاني قال أخبرنا شريك عن عثمان بن موهب قال رأيت شعر النبي صلى الله عليه وسلم عند بعض نسائه أحمر.
قال وحدثنا موسى بن إسماعيل قال حدثنا سلام بن أبي مطيع عن عثمان بن عبد الله بن موهب قال دخلت على أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم فأخرجت إلينا شعر النبي صلى الله عليه وسلم مخضوبا بالحناء والكتم.
قال وحدثنا ابن الأصبهاني قال أخبرنا شريك عن سدير الصيرفي عن أبيه قال كان علي لا يخضب فذكرت ذلك لمحمد بن علي قال قد خضب من هو خير منه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال وحدثنا هارون بن معروف قال حدثنا ضمرة عن علي بن أبي حملة قال كان رجاء بن حيوة لا يغير الشيب فحج فشهد عنده أربعة أن النبي صلى الله عليه وسلم غير قال فغير في بعض المرات.
ذكر البخاري عن ابن بكير عن الليث عن خالد عن سعيد بن أبي هلال عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن سمعت أنسا يصف النبي صلى الله عليه وسلم فقال كان ربعة من القوم ليس بالطويل وذكر الحديث إلى قوله وليس في رأسه ولحيته عشرون شعرة بيضاء قال ربيعة فرأيت شعرا من شعره فإذا هو

(21/81)


أحمر فسألت فقيل أحمر من الطيب وقد ذكرنا في باب حميد الطويل إجازة أكثر السلف للباس الثياب المزعفرة على ما قال مالك رحمه الله فذهب جماعة من أهل العلم إلى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخضب بالحناء ويصفر شيبه على أنهم مجمعون أنه إنما شاب منه عنفقته وشيء في صدغيه لا غير صلى الله عليه وسلم.
وقال آخرون معنى حديث مالك عن سعيد المقبري عن عبيد بن جريج عن ابن عمر رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصبغ بالصفرة أراد أنه كان يصفر ثيابه ويلبس ثيابا صفرا.
وأما الخضاب فلم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يخضب واحتجوا من الأثر بحديث ربيعة عن أنس وما كان مثله وقد ذكرنا حديث ربيعة في بابه من هذا الكتاب وبما حدثنا عبد الوارث قال حدثنا قاسم قال حدثنا أحمد ابن زهير قال حدثنا خلف بن الوليد قال حدثنا اسرائيل عن سماك عن جابر ابن سمرة قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد مشط مقدم رأسه ولحيته فإذا ادهن وامتشط لم يتبين شيبه فإذا شعث رأيته متبينا وكان كثير شعر الرأس واللحية.
وحدثنا عبد الوارث قال حدثنا قاسم قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا أبي قال حدثنا معاذ بن هشام قال حدثنا أبي عن قتادة قال سألت سعيد بن المسيب أخضب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لم يبلغ ذلك.
قال وحدثنا عاصم بن علي قال حدثنا محمد بن راشد عن مكحول عن موسى بن أنس عن أبيه قال لم يبلغ النبي صلى الله عليه وسلم من الشيب ما يخضب

(21/82)


قال وحدثنا علي بن الجعد قال حدثنا زهير بن معاوية عن حميد الطويل قال سئل أنس عن الخضاب فقال خضب أبو بكر بالحناء والكتم وخضب عمر بالحناء وحده قيل له فرسول الله صلى الله عليه وسلم قال لم يكن في لحيته عشرون شعرة بيضاء وأصغى حميد إلى رجل عن يمينه فقال كن سبع عشرة شعرة.
وذكر مالك في الموطأ عن يحيى بن سعيد قال أخبرني محمد بن إبراهيم التيمي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أن عبدالرحمن بن الأسود بن عبد يغوث قال وكان جليسا لهم وكان أبيض الرأس واللحية قال فغدا عليهم ذات يوم وقد حمرهما قال فقال له القوم هذا أحسن فقال إن أمي عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أرسلت إلي البارحة جاريتها نخيلة فأقسمت علي لأصبغن وأخبرتني أن أبا بكر الصديق كان يصبغ قال مالك في هذا الحديث بيان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يصبغ ولو صبغ رسول الله صلى الله عليه وسلم لأرسلت بذلك عائشة إلى عبد الرحمن بن الأسود وقال مالك في صبغ الشعر بالسواد لم أسمع في ذلك شيئا معلوما وغير ذلك من الصبغ أحب إلي قال وترك الصبغ كله واسع إن شاء الله ليس على الناس فيه ضيق.
قال أبو عمر:
فضل جماعة من العلماء الخضاب بالصفرة والحمرة على بياض الشيب وعلى الخضاب بالسواد واحتجوا بحديث الزهري عن أبي سلمة وسليمان بن يسار جميعا عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم" رواه سفيان بن عيينة وجماعة عن الزهري ومن حديث

(21/83)


ابن عيينة وغيره أيضا عن الزهري عن عروة عن عائشة أن أبا بكر خضب بالحنا والكتم واحتجوا بهذا أيضا وجاء عن جماعة من السلف من الصحابة والتابعين وعلماء المسلمين أنهم خضبوا بالحمرة والصفرة وجاء عن جماعة كثيرة منهم أنهم لم يخضبوا وكل ذلك واسع كما قال مالك والحمد لله وممن .
كان يخضب لحيته حمراء قانية أبو بكر وعمر ومحمد بن الحنفية وعبد الله بن أبي أوفى والحسن بن علي وأنس بن مالك و عبد الرحمن بن الأسود وخضب علي مرة ثم لم يعد وممن كان يصفر لحيته عثمان بن عفان رضي الله عنه وأبو هريرة وزيد بن وهب وابن عباس وابن عمر وعبد الله بن بسر وسلمة بن الأكوع وقيس بن أبي حازم وأبو العالية وأبو السواد وأبو وائل وعطاء والقاسم والمغيرة بن شعبة والأسود و عبد الرحمن بن يزيد ويزيد بن الأسود وجابر بن عبد الله وجابر بن سمرة.
وروي عن علي وأنس أنهما كانا يصفران لحاهما والصحيح عن علي رضي الله عنه أنه كانت لحيته بيضاء وقد ملأت ما بين منكبيه.
ذكر وكيع عن إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي قال رأيت علي بن أبي طالب أبيض الرأس واللحية قد ملأت ما بين منكبيه وقال أبو عائشة التيمي رأيت عليا أصلع أبيض الرأس واللحية .
وكان السائب بن يزيد وجابر بن زيد ومجاهد وسعيد بن جبير لا يخضبون ذكر الربيع بن سليمان قال كان الشافعي يخضب لحيته حمراء قانية وأخبرنا أحمد بن عبد الله بن محمد قال حدثنا أبي قال حدثنا محمد ابن فطيس قال حدثنا يحيى بن إبراهيم قال حدثنا يحيى بن يحيى قال

(21/84)


رأيت الليث بن سعد يخضب بالحناء قال ورأيت مالك بن أنس لا يغير الشيب وكان نقي البشرة ناصع بياض الشيب حسن اللحية لا يأخذ منها من غير أن يدعها تطول قال ورأيت عثمان بن كنانة ومحمد بن إبراهيم بن دينار وعبد الله بن نافع و عبد الرحمن بن القاسم وعبد الله بن وهب وأشهب ابن عبد العزيز لا يغيرون الشيب ولم يكن شيبهم بالكثير يعني ابن القاسم وابن وهب وأشهب وذكر الحسن بن علي الحلواني قال حدثنا أبو مسلم قال حدثنا سفيان قال كان عمرو بن دينار وأبو الزبير وابن أبي نجيح لا يخضبون.
وأخبرنا أحمد بن عبد الله قال حدثنا أبي قال حدثنا محمد بن فطيس قال حدثنا يحيى بن إبراهيم قال حدثنا محمد بن معاوية البغدادي قال حدثنا الليث بن سعد عن أبي عشانة قال رأيت عقبة بن عامر يخضب بالسواد ويقول نسود أعلاها وتأبى أصولها
قال أبو عمر:
هو بيت محفوظ له
نسود أعلاها وتابى أصولها ... ولا خير في الأعلى إذا فسد الأصل.
قال أبو عمر:
قد روي عن الحسن والحسين ومحمد بن الحنفية أنهم كانوا يخضبون بالوسمة وعن موسى بن طلحة وأبي سلمة ونافع بن حمير أنهم خضبوا بالسواد ومحمد بن إبراهيم والحسن ومحمد بن سيرين لا يرون به بأسا

(21/85)


وممن كره الخضاب بالسواد عطاء ومجاهد ومكحول والشعبي وسعيد بن جبير وذكر أبو بكر قال حدثنا يحيى بن آدم قال حدثنا حماد بن زيد عن أيوب قال سمعت سعيد بن جبير وسئل عن الخضاب بالوسمة قال يكسو الله العبد في وجهه النور فيطفئه بالسواد.
قال أبو عمر:
ومما يدل على أن الصبغ بالصفرة المذكور في هذا الحديث هو صبغ الثياب لا تصفير اللحية ما ذكره مالك عن نافع أن عبد الله بن عمر كان يلبس الثوب المصبوغ بالمشق والمصبوغ بالزعفران .
قال أبو عمر:
فحديث مالك عن نافع عن ابن عمر أنه كان يلبس الثوب المصبوغ بالمشق والزعفران مع روايته عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يصبغ بالصفرة دليل على أن تلك الصفرة كانت منه في لباسه والله أعلم وإلى هذا ذهب مالك على ما ذكرناه في باب حميد الطويل وأما غيره من العلماء فإنهم لا يجيزون للرجل أن يلبس شيئا مصبوغا بالزعفران لحديث عبد العزيز بن صهيب عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يتزعفر الرجل وهو معناه عند مالك وأكثر العلماء تخليق الجسد وتزعفره وقد ذكرنا هذا المعنى بأشبع من ذكرنا له ههنا في باب حميد الطويل من كتابنا هذا والحمد لله

(21/86)


وقد روي أن تلك الصفرة كانت في ثيابه نصا دون تأويل .
حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أحمد ابن زهير قال حدثنا يحيى بن عبد الحميد قال حدثنا سليمان بن بلال عن زيد ابن أسلم عن ابن عمر أنه كان يصبغ ثيابه بالصفرة حتى عمامته وذكر ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصبغ بالصفرة وذكره ابن وهب عن عمر بن محمد عن زيد ابن أسلم مرسلا حدثنا سعيد بن نصر وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي قال حدثنا عبد الله بن مسلمة بن قعنب قال حدثنا عبد الله بن زيد بن اسلم عن أبيه أن ابن عمر كان يصبغ ثيابه بالزعفران فقيل له فقال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصبغ به ورأيته يحبه أو رأيته أحب الصبغ إليه .
وفي الموطأ سئل مالك عن الملاحف المعصفرة في البيوت للرجال وفي الأفنية فقال لا أعلم من ذلك شيئا حراما وغير ذلك من اللباس أحب إلي .
وأما قوله في الحديث ورأيتك إذا كنت بمكة أهل الناس إذا رأوا الهلال ولم تهل أنت حتى كان يوم التروية فقال ابن عمر لم أر رسول الله صلى الله عليه وسلم يهل حتى تنبعث به راحلته فإن ابن عمر قد جاء بحجة قاطعة نزع بها وأخذ بالعموم في إهلال رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يخص مكة من غيرها وقال لا يهل الحاج إلا في وقت يتصل له عمله وقصده إلى البيت ومواضع المناسك والشعائر لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل واتصل له عمله وقد تابع ابن عمر على قوله هذا في إهلال المكي ومن بمكة من غير أهلها جماعة من أهل العلم

(21/87)


ذكر عبد الرزاق أخبرنا معمر عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس قال لا يهل أحد من مكة بالحج حتى يريد الرواح إلى منى قال ابن طاوس وكان أبي إذا أراد أن يحرم من المسجد استلم الركن ثم خرج .
قال عبد الرزاق وأخبرنا ابن جريج قال قال عطاء وجه إهلال أهل مكة أن لا يهل أحدهم حتى تتوجه به دابته نحو منى فإن كان ماشيا فحين يتوجه نحو منى قال ابن جريج قال لي عطاء أهل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخلوا في حجتهم مع النبي صلى الله عليه وسلم عشية التروية حين توجهوا إلى منى قال ابن جريج وقال لي ابن طاوس ذلك أيضا.
قال ابن جريج وأخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله وهو يخبر عن حجة النبي صلى الله عليه وسلم قال فأمرنا بعدما طفنا أن نحل وقال إذا أردتم أن تنطلقوا إلى منى فأهلوا قال فأهللنا من البطحاء.
وفي هذه المسألة وهذا الباب مذهب آخر لعمر بن الخطاب تابعه عليه أيضا جماعة من العلماء ذكر مالك في الموطأ عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه أن عمر بن الخطاب قال يا أهل مكة ما شأن الناس يأتون شعثا وأنتم مدهنون أهلوا إذا رأيتم الهلال.
ومالك عن هشام بن عروة أن عبد الله بن الزبير أقام بمكة تسع سنين يهل بالحج لهلال ذي الحجة وعروة بن الزبير معه يفعل ذلك قال مالك من أهل بمكة من أهلها ومن كان مقيما بها من أهل المدينة وغيرهم فليؤخر الطواف الواجب بالبيت والسعي بين الصفا والمروة حتى يرجع من منى ويكون إهلاله من جوف مكة لا يخرج إلى الحرم وكذلك فعل ابن عمر

(21/88)


وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين أهلوا من مكة أخروا الطواف والسعي حتى رجعوا من منى قال مالك ومن أهل بعمرة من مكة فليخرج إلى الحل.
وذكر عبد الرزاق أخبرنا معمر عن هشام بن عروة قال اقام عبد الله بن الزبير تسع سنين يهل بالحج إذا رأى هلال ذي الحجة ويطوف بين الصفا والمروة قبل أن يخرج إلى منى قال وأخبرنا هشام بن حسان قال كان عطاء بن أبي رباح يعجبه إذا توجه إلى منى أن يهل ثم يمضي على وجهه وقال عطاء إذا أحرم عشية التروية فلا يطف بالبيت حتى يروح إلى منى .
قال هشام وقال الحسن أي ذلك فعل فلا بأس إن شاء أهل حين يتوجه إلى منى وإن شاء قبل ذلك وإن أهل قبل يوم التروية فإنه يطوف باليت ويسعى بن الصفا والمروة.
قال أبو عمر:
ليس يريد الطواف الواجب لأن الطواف الواجب لا يكون إلا بعد رمي جمرة العقبة ولكنه يطوف ما بدا له بالبيت ويركع إن شاء وهو قول مالك أيضا.
قال أبو عمر:
قد روي عن ابن عمر في هذا الباب أنه فعل فيه أيضا بقول أبيه وهو كله واسع جائز لمن فعله لا يختلف الفقهاء في جواز ذلك

(21/89)


ذكر عبد الرزاق عن عبد العزيز بن أبي رواد عن نافع قال أهل ابن عمر مرة بالحج حين رأى الهلال ومرة أخرى بعد الهلال من جوف الكعبة ومرة أخرى حين راح منطلقا إلى منى.
قال وأخبرنا عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر أنه أهل بالحج من مكة ثلاث مرات فذكر مثله.
قال وأخبرنا معمر عن أيوب عن نافع عن ابن عمر مثله .
وعن معمر وابن جريج عن خصيف عن مجاهد عن ابن عمر نحوه قال مجاهد فقلت لابن عمر قد أهللت فينا إهلالا مختلفا قال أما أول عام الأول فأخذت بأخذ أهل بلدي ثم نظرت فإذا أنا أدخل على أهلي حراما وأخرج حراما وليس كذلك كنا نصنع إنما كنا نهل ثم نقبل على شأننا قلت فبأي ذلك نأخذ قال نحرم يوم التروية.
قال وأخبرنا ابن عيينة عن ابن جريج عن عطاء قال إن شاء المكي ألا يحرم بالحج إلا يوم منى فعل قال وكذلك إن كان أهله دون الميقات إن شاء أهل من أهله وإن شاء من الحرم
قال أبو عمر:
قد ذكرنا إهلال من كان مسكنه دون المواقيت إلى مكة في باب نافع من هذا الكتاب والحمد لله وفي الموطأ أيضا مالك عن سعيد بن أبي سعيد عن أبي هريرة أنه كان يقول غسل الجمعة واجب على كل محتلم كغسل الجنابة وهذا قد جاء عن رجل لا يحتج به عن عبيد الله بن عمر

(21/90)


عن سعيد بن أبي سعيد عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم وقد روى عن أبي هريرة عن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم في الغسل يوم الجمعة وقد أوردنا الآثار في ذلك وأوضحنا معانيها في باب ابن شهاب عن سالم وفي باب صفوان بن سليم أيضا ذكر من ذلك والحمد لله.
وروى مالك عن سعيد بن أبي سعيد عن أبي هريرة أنه نهى أن يتبع بنار وهذا مجتمع عليه وقد رويت الكراهية في ذلك من حديث ليث عن مجاهد عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم

(21/91)


الحديث الخامس
...
No pages

(21/)


مالك عن سعيد بن عمرو بن شرحبيل
حديث واحد
وهو سعيد بن عمرو بن شرحبيل بن سعيد بن سعد بن عبادة الأنصاري الخزرجي قد ذكرنا نسب جده سعد بن عبادة في كتاب الصحابة بما يغني عن ذكره ههنا وسعيد هذا ثقة عدل فيما نقل وحديث مالك عنه في الموطأ.
مالك عن سعيد بن عمرو بن شرحبيل بن سعيد بن سعد بن عبادة عن أبيه عن جده أنه قال خرج سعد بن عبادة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض مغازيه فحضرت أمه الوفاة بالمدينة فقيل لها أوصي فقالت فيم أوصي وإنما المال مال سعد فتوفيت قبل أن يقدم سعد فلما قدم ذكر ذلك له فقال سعد يا رسول الله هل ينفعها إن أتصدق عنها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "نعم" فقال سعد حائط كذا وكذا صدقة عنها لحائط سماه.
هكذا قال يحيى سعيد بن عمرو وعلى ذلك أكثر الرواة منهم ابن القاسم وابن وهب وابن كثير وأبو المصعب وقال فيه القعنبي سعد بن عمرو

(21/92)


وكذلك قال ابن البرقي سعد بن عمرو بن شرحبيل كما قال القعنبي والصواب فيه سعيد بن عمرو والله أعلم .
وعلى ذلك أكثر الرواة وهذا الحديث مسند لأن سعيد بن سعد بن عبادة له صحبة قد روى عنه أبو أمامة بن سهل بن حنيف وغيره وشرحبيل ابنه غير نكير أن يلقى جده سعد بن عبادة على أن حديث سعد بن عبادة هذا في قصة أمه قد روي مسندا من وجوه ومقطوعا أيضا بألفاظ مختلفة وقد ذكرناها في أبواب سلفت من كتابنا هذا منها باب ابن شهاب عن عبيد الله ومنها باب عبد الرحمن بن أبي عمرة وقد يشبه أن يكون حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة من رواية مالك وغيره في صدقة الحي عن الميت هو حديث سعد ابن عبادة هذا والله أعلم .
وأما معنى هذا الحديث فمجتمع عليه في جواز صدقة الحي عن الميت لا يختلف العلماء في ذلك وأنها مما ينتفع الميت بها وكفى بالاجتماع حجة وهذا من فضل الله على عباده المؤمنين أن يدركهم بعد موتهم عمل البر والخير بغير سبب منهم ولا يلحقهم وزر يعمله غيرهم ولا شر إن لم يكن لهم فيه سبب يسببونه أو يبتدعونه فيعمل به بعدهم حدثنا عبد الرحمن بن يحيى قال حدثنا أحمد بن سعيد قال حدثنا أحمد بن عبد العزيز بن أبي عبيد اللؤلؤي البغدادي بمكة قال حدثنا علي بن حرب قال حدثنا عبد الملك ابن عبد العزيز بن أبي سلمة قال حدثنا مالك بن أنس عن سعيد بن عمرو بن شرحبيل عن ابيه عن جده عن سعد بن عبادة أنه خرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض مغازيه وحضرت أمه الوفاة فقيل لها أوصي فقالت بم أوصي

(21/93)


إنما المال كله لسعد قال فلما قدمت أخبرت بذلك فقلت للنبي صلى الله عليه وسلم أينفعها أن أتصدق عنها قال " نعم" وهذا الإسناد عن مالك يدل على الاتصال وهو الأغلب منه والله أعلم.
وكذلك حديث الدراوردي في ذلك أخبرنا أحمد بن عبد الله أن أباه أخبره قال حدثنا عبد الله بن يونس قال حدثنا بقي بن مخلد قال حدثنا يحيى بن عبد الحميد قال حدثنا عبد العزيز بن محمد عن سعيد بن عمرو ابن شرحبيل عن سعيد بن سعد بن عبادة عن أبيه أن أمه توفيت وهو غائب فسأل النبي صلى الله عليه وسلم أينفعها إن أتصدق عنها قال " نعم" .
وقد روي متصلا من حديث أنس حدثناه أحمد بن عبد الله بن محمد قال حدثني أبي حدثنا عبد الله بن يونس حدثنا بقي قال حدثنا يعقوب بن حميد بن كاسب قال حدثنا مروان قال حدثنا حميد الطويل عن انس قال قال سعد بن عبادة يا رسول الله إن أم سعد كانت تحب الصدقة أفينفعها أن أتصدق عنها قال "نعم وعليك بالماء" .
قال وحدثنا يحيى بن عبد الحميد قال حدثنا عبد العزيز بن محمد عن عمارة بن غزية عن حميد بن أبي الصعبة عن سعيد بن سعد بن عبادة أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر سعد بن عبادة أن يسقى عنها الماء .
وسئل ابن عباس أي الصدقة أفضل فقال الماء ثم قل ألم تروا إلى أهل النار حين استغاثوا بأهل الجنة {أنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ}

(21/94)


أبو حازم سلمة بن دينار الحكيم
مدخل
...
أبو حازم سلمة بن دينار الحكيم
حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أحمد ابن زهير قال سمعت مصعب بن عبد الله يقول اسم أبي حازم سلمة بن دينار وأصله فارسي مولى لبني ليث وأمه رومية وكان أشقر أقرن أحول.
قال أحمد بن زهير وسألت يحيى بن معين عن أبي حازم فقال سلمة ابن دينار مشهور مدني ثقة وسمعت يحيى بن معين يقول مات أبو حازم المدني سنة أربعين ومائة وقيل غير ذلك وهذا أصح إن شاء الله.
وذكر الحسن بن علي الحلواني قال حدثنا مطرف قال أخبرني ابن أبي حازم عن أبيه أنه حدث بحديث عند هشام وهو عامل المدينة وابن شهاب حاضر فقال ابن شهاب ما سمعت بهذا عن النبي صلى الله عليه وسلم فقال أبو حازم أكل حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم سمعته قال لا قال فنصفه قال أرى ذلك قال فاجعل هذا في النصف الذي لم تسمع فقال ابن شهاب أصلحك الله والله إنه لجاري منذ كذا وكذا وما عرفته هكذا قط فقال أبو حازم أما والله لو كنت من الأغنياء لعرفتني منذ زمان ولكني من الفقراء.
هذا الخبر مختلف فيه قد روي عن أبي سهيل مع الزهري وروي لغيره أيضا وقصة أبي حازم في خبره الطويل عند سليمان مخطئا جرى قول الزهري فيما روى والله أعلم.
وأبو حازم القائل ما الدنيا أما ما مضى منها فإعلام وأما ما بقي فأماني وأما إبليس والله لقد أطيع فما نفع ولقد عصي فما ضر

(21/95)


وكان أبو حازم هذا أحد الفضلاء الحكماء العلماء الثقات الأثبات من التابعين وله حكم وزهديات ومواعظ ورقائق ومقطعات يطول الكتاب بذكرها.
لمالك عنه في الموطأ من مرفوعاته تسعة أحاديث فيها واحد مرسل وآخر موقوف عند أكثر الرواة

(21/96)


الحديث الأول
...
حديث أول لأبي حازم
مالك عن أبي حازم بن دينار عن سهل بن سعد الساعدي أنه قال كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل يده اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة قال أبو حازم لا أعلم إلا أنه ينمي ذلك
قال أبو عمر:
ينمي ذلك يعني يرفعه يريد إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقد مضى رفع هذا الحديث من طرق شتى ومضى ما فيه للعلماء في باب عبد الكريم أبي أمية من هذا الكتاب فلا وجه لتكرير ذلك ههنا .
وقد حدثنا أحمد بن فتح قال حدثنا أحمد بن الحسن الرازي قال حدثنا أحمد بن داود المكي قال حدثنا عمار بن مطرف قال حدثنا مالك بن أنس عن أبي حازم عن سهل بن سعد قال أمرنا أن نضع اليد اليمنى على الذراع اليسرى في الصلاة

(21/96)


الحديث الثاني
...
حديث ثان لأبي حازم
مالك عن أبي حازم عن سهل بن سعد الساعدي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " إن كان ففي الفرس والمراة والمسكن" يعني الشؤم.
ليس في هذا الحديث قطع في الشؤم لقوله إن كان وقد مضى القول في معنى هذا الحديث في باب ابن شهاب عن سالم وحمزة ابني عبد الله بن عمز من هذا الكتاب وقيل شؤم الفرس ألا يغزى عليه في سبيل الله وشؤم المراة ألا تكون ولودا ولا ودودا وشؤم الدار جيرانها إذا كانوا جيران سوء

(21/97)


الحديث الثالث
...
حديث ثالث لأبي حازم
مالك عن أبي حازم بن دينار عن سهل بن سعد الساعدي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر"
قال أبو عمر:
من السنة تعجيل الفطر وتأخير السحور والتعجيل إنما يكون بعد الاستيقان بمغيب الشمس ولا يجوز لأحد أن يفطر وهو شاك هل غابت

(21/97)


الشمس أم لا لأن الفرض إذا لزم بيقين لم يخرج عنه إلا بيقين والله عز وجل يقول {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} وأول الليل مغيب الشمس كلها في الأفق عن أعين الناظرين من شك لزمه التمادي حتى لا يشك في مغيبها قال صلى الله عليه وسلم " إذا أقبل الليل من ههنا" يعني المشرق "وأدبر النهار من ههنا" يعني المغرب "وغربت الشمس فقد أفطر الصائم" .
حدثنا سعيد بن نصر وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أحمد بن زهير ومحمد بن إسماعيل قالا حدثنا الحميدي قال حدثنا سفيان قال حدثنا هشام بن عروة قال أخبرني أبي قال سمعت عاصم بن عمر ابن الخطاب يحدث عن أبيه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا أقبل الليل من ههنا وأدبر النهار من ههنا وغربت الشمس فقد أفطر الصائم" .
واختلف الفقهاء فيمن أفطر وهو يظن أن الشمس قد غربت ثم بدت له بعد إفطاره فقال مالك والشافعي وأبو حنيفة والثوري والليث فيمن أكل وظنه ليلا ثم تبين له أنه نهار أو أفطر وهو يظن أن الشمس قد غربت فإذا بها لم تغرب فعليه القضاء.
وقال مجاهد وجابر بن زيد لا قضاء عليه في شيء من ذلك كله وبه قال داود .
وقال الشافعي وعبيد الله بن الحسن من أكل وهو شاك في الفجر فلا شيء عليه وقال الثوري يتسحر الرجل ما شك حتى يرى الفجر

(21/98)


وقال أبو حنيفة إن كان أكثر ظنه في حين أكله أنه أكل بعد طلوع الفجر فأحب إلينا أن يقضي.
أخبرنا أحمد بن محمد قال حدثنا وهب بن مسرة قال حدثنا ابن وضاح قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا أبو أسامة عن هشام بن عروة عن فاطمة بنت المنذر عن اسماء بنت أبي بكر أنهم أفطروا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في يوم غيم ثم طلعت الشمس فقلت لهشام فأمروا بالقضاء قال ومن ذلك بد.
أخبرنا أحمد بن محمد بن هشام قال حدثنا أحمد بن إبراهيم بن فراس قال حدثنا محمد بن إبراهيم الديبلي قال حدثنا علي بن زيد الفرائضي قال حدثنا محمد بن كثير عن الأوزاعي عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " قال الله عز وجل أحب عبادي إلي أسرعهم فطرا" .
قال أبو عمر:
لم يسمع الأوزاعي هذا الحديث من الزهري بينهما قرة بن حيويل كذلك رواه ثقات أصحاب الأوزاعي وأما محمد بن كثير هذا فكثير الخطأ ضعيف النقل.
حدثنا أحمد بن قاسم قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا الحرث ابن أبي أسامة قال حدثنا أبو نعيم قال حدثنا سفيان عن أبي حازم عن سهل ابن سعد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر" .
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يصلي في رمضان حتى يفطر ولو على شربة من ماء.
وقد مضت آثار هذا الباب في باب عبد الرحمن بن حرملة من هذا الكتاب

(21/99)


الحديث الرابع
...
حديث رابع لأبي حازم
مالك عن أبي حازم بن دينار عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذهب إلى بني عمرو بن عوف ليصلح بينهم وحانت الصلاة فجاء المؤذن إلى أبي بكر الصديق فقال أتصلي للناس فأقيم قال نعم فصلى أبو بكر فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس في الصلاة فتخلص حتى وقف في الصف فصفق الناس وكان أبو بكر لا يلتفت في صلاته فلما أكثر الناس من التصفيق التفت أبو بكر فرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأشار إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أمكث مكانك فرفع أبو بكر يديه فحمد الله على ما أمره به رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك ثم استأخر حتى استوى في الصف وتقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى ثم انصرف فقال "يا أبا بكر ما منعك أن تثبت إذ أمرتك" فقال أبو بكر ما كان لابن أبي قحافة أن يصلي بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ما لي رايتكم أكثرتم التصفيق من نابه شيء في صلاته فليسبح فإنه إذا سبح التفت إليه وإنما التصفيح للنساء"

(21/100)


قال أبو عمر:
لم يختلف رواة الموطأ في إسناد هذا الحديث وانفرد عبد الله بن محمد ابن ربيعة القدامي عن مالك عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " التسبيح للرجال والتصفيق للنساء" ولم يتابع عليه وحديث الزهري محفوظ عند جماعة من أصحابه وإن اختلفوا في إسناده .
وروى هذا الحديث ابن عيينة وخارجة والمسعودي عن أبي حازم عن سهل بن سعد بمعنى حديث مالك وقالوا كلهم في آخره " إنما التصفيق للنساء والتسبيح للرجال" .
والمعنى الذي له خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بني عمرو بن عوف ليصلح بينهم أن رجلين منهم تشاجرا كذا رواه أسد بن موسى عن المسعودي عن أبي حازم عن سهل بن سعد قال كان بين رجلين من الأنصار شيء فانطلق إليهما رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلح بينهما فذكر الحديث.
وقال خارجة عن أبي حازم عن سهل بن سعد كان بين بني عمرو بن عوف شيء بالمدينة فاستبوا وتراموا بالحجارة فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فانطلق يصلح بينهم والصلاة التي شهدها رسول الله صلى الله عليه وسلم عندهم صلاة العصر والمؤذن بلال .
كذلك ذكر جمهور الرواة لهذا الحديث عن أبي حازم في الصلاة أنها العصر والمؤذن أنه بلال.
حدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا عبد الله بن روح قال حدثنا عثمان بن عمر وحدثنا أحمد بن قاسم قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا الحرث بن أبي أسامة قال حدثنا يونس بن محمد قالا

(21/101)


حدثنا حماد عن أبي حازم عن سهل بن سعد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى بني عمرو بن عوف في لحاء كان بينهم فحضرت صلاة العصر فقال بلال لأبي بكر أأقيم الصلاة فتصلي بالناس قال نعم فأقام بلال وتقدم أبو بكر فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم يفرق الصفوف وصفق القوم وكان أبو بكر لا يكاد يلتفت فلما أكثروا التصفيق التفت فإذا هو برسول الله صلى الله عليه وسلم يفرق الصفوف فتأخر أبو بكر وأومأ إليه أن مكانك فتأخر وتقدم النبي صلى الله عليه وسلم فصلى بهم فلما قضى صلاته قال " يا أبا بكر مالك إذ أومأت إليك لم تقم" قال ما كان لابن أبي قحافة أن يؤم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "يا قوم ما بالكم إذا نابكم أمر صفقتم سبحوا فإنما التصفيق للنساء" .
في هذا الحديث من الفقه أن الصلاة إذا خشي فوات وقتها لم ينتظر الإمام من كان فاضلا كان أو مفضولا وفيه أن الإقامة إلى المؤذن هو أولى بها وهذا موضع اختلف العلماء فيه فذهب قوم إلى أن من أذن فهو يقيم ورووا فيه حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم بإسناد فيه لين يدور على الإفريقي عبد الرحمن بن زياد.
وقال مالك وجماعة غيره من العلماء لا بأس بأذان مؤذن وإقامة غيره واستحب الشافعي أن يقيم المؤذن فإن أقام غيره فلا بأس بذلك عنده.
وفي حديث عبد الله بن زيد ما يدل على أنه لا بأس بإقامة غير المؤذن وهو أحسن إسنادا من حديث الإفريقي.
وفيه أنه لا باس بتخلل الصفوف ودفع الناس والتخلص بينهم للرجل الذي تليق به الصلاة في الصف الأول حتى يصل إليه ومن شأن الصف الأول أن يكون فيه أهل الفضل والعلم بحدود الصلاة لقوله صلى الله عليه وسلم "ليلني منكم أهل

(21/102)


الأحلام والنهى " .
يريد ليحفظوا عنه ويعوا ما يكون منه في صلاته وكذلك ينبغي أن يكون في الصف من يصلح للاستخلاف إن ناب الإمام شيء في صلاته ممن يعرف إرقاعها وإصلاحها .
وفيه أن التصفيق لا تفسد به صلاة الرجال إن فعلوه لأنهم لم يؤمروا بإعادة ولكن قيل لهم شأن الرجال في مثل هذه الحال التسبيح .
وفيه أن أبا بكر كان لا يلتفت في صلاته ثم التفت إذ أكثر الناس للتصفيق.
وفيه أن الالتفات لا يفسد الصلاة لأنه لو أفسدها لأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم بإعادتها ولقال له قد أفسدت صلاتك بالتفاتك لأنه صلى الله عليه وسلم إنما بعث آمرا بالمعروف وناهيا عن المنكر ومعلما شرائع الدين وقد بلغ كل ما أمر به صلى الله عليه وسلم وما أقر عليه مما رآه فهو في حكم ما أباحه قولا وعملا.
وقد جاءت في النهي عن الالتفات في الصلاة أحاديث محملها عند أهل العلم على ما وصفت لك وأجمع العلماء على أن الالتفات في الصلاة مكروه وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " الالتفات في الصلاة خلسة يختلسها الشيطان من صلاة العبد" وجمهور الفقهاء على أن الالتفات لا يفسد الصلاة إذا كان يسيرا.
وقال أبو ثور إذا التفت ببدنه كله أفسد صلاته.
وقال الحكم من تأمل من عن يمينه أو يساره في الصلاة حتى يعرفه فليس له صلاة.
وأخبرنا عبد الله بن محمد بن يوسف قال حدثنا عبد الله بن محمد بن علي قال حدثنا محمد بن قاسم بن محمد قال حدثنا محمد بن عبد الله بن سليمان مطين قال حدثنا موسى بن زياد قال حدثنا الوليد بن مسلم عن

(21/103)


الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن نافع قال سئل ابن عمر أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلتفت في الصلاة قال لا ولا في غير الصلاة .
وفيه أن الإشارة في الصلاة باليد وبالعين وبغير ذلك لا بأس بذلك.
حدثنا خلف بن القاسم حدثنا أحمد بن إبراهيم حدثنا زكرياء بن يحيى السنجري حدثنا إسحاق بن إبراهيم حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن الزهري عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يشير في الصلاة.
وفيه أن رفع اليدين حمدا وشكرا ودعاء في الصلاة لا يضر بها شيء من ذلك كله وفيه دليل على جواز الاستخلاف في الصلاة إذا أحدث الإمام أو منعه مانع من تمام صلاته لأن الإمام إذا أحدث كان أولى بالاستخلاف وكان ذلك منه أجوز من تأخر أبي بكر رضي الله عنه من غير حدث لأن المحدث لا يجوز له أن يتمادى في تلك الصلاة وقد كان لأبي بكر أن يتمادى لولا موضع فضيلة رسول الله صلى الله عليه وسلم التقدم بين يديه بغير إذنه صلى الله عليه وسلم وقد كان يجوز له أن يثبت ويتمادى لإشارة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن امكث مكانك وليس كذلك المحدث ولهذا يستخلف عند جمهور العلماء وقد ذكرنا ما في هذه المسألة من الاختلاف في باب إسماعيل بن أبي حكيم والحمد لله.
وأما استئخار أبي بكر عن إمامته وتقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكانه وصلاته في موضع أبي بكر ما كان بقي عليه فهذا موضع خصوص عند جمهور العلماء لا أعلم بينهم أن إمامين في صلاة واحدة من غير عذر حدث يقطع صلاة الإمام ويوجب الاستخلاف لا يجوز وفي إجماعهم على هذا دليل على خصوص هذا الموضع لفضل رسول الله صلى الله عليه وسلم ولأنه لا نظير له في

(21/104)


ذلك ولأن الله عز وجل قد أمرهم أن لا يتقدموا بين يدي الله ورسوله وهذا على عمومه في الصلاة والفتوى والأمور كلها ألا ترى إلى قول أبي بكر ما كان لابن أبي قحافة أن يتقدم بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم أو يصلي بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وفضيلة الصلاة خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يجهلها مسلم ولا يلحقها أحد وأما سائر الناس فلا ضرورة بهم إلى ذلك لأن الأول والثاني سواء ما لم يكن عذر ولو صلى أبو بكر بهم تمام الصلاة لجاز لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " ما منعك أن تثبت إذ أمرتك" وفي هذا دليل على أنه لولا أنه أمره ما قال له ما منعك أن تثبت وفي هذا ما يدلك على أنهم قد كانوا عرفوا منه ما يدل على خصوصه في ذلك والله أعلم وموضع الخصوص من هذا الحديث هو استئخار الإمام لغيره من غير حدث يقطع عليه صلاته وأمالوا تأخر بعد حدث وقدم غيره لم يكن بذلك بأس بل في هذا الحديث دليل عليه للعلة التي ذكرنا فكذلك كل علة تمنع من تماديه في صلاته .
وقد روى عيسى عن ابن القاسم في رجل أم قوما فصلى بهم ركعة ثم أحدث فخرج وقدم رجلا ثم توضا وانصرف فأخرج الذي قدمه وتقدم هل تجزئ عنهم صلاتهم فقال قد جاء الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه جاء وأبو بكر يصلي بالناس فسبح الناس بأبي بكر فتأخر وتقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأرى أن يصلي بهم بقية صلاتهم ثم يجلسون حتى يتم هو لنفسه ثم يسلم ويسلمون قال عيسى قلت لابن القاسم فلو ذكر قبيح ما صنع بعد أن صلى ركعة قال يخرج ويقدم الذي أخرج قلت فإن لم يجده قال فليقدم غيره ممن أدرك الصلاة كلها

(21/105)


وفيه أن التصفيق لا يجوز في الصلاة لمن نابه شيء فيها ولكن يسبح وهذا ما لا خلاف فيه للرجال وأما النساء فإن العلماء اختلفوا في ذلك فذهب مالك وأصحابه إلى أن التسبيح للرجال والنساء جميعا لقوله صلى الله عليه وسلم من نابه شيء في صلاته فليسبح ولم يخص رجالا من نساء وتأولوا قول النبي صلى الله عليه وسلم إنما التصفيق للنساء أي إنما التصفيق من فعل النساء قال ذلك على جهة الذم ثم قال من نابه شيء في صلاته فليسبح وهذا على العموم للرجال والنساء هذه حجة من ذهب هذا المذهب وقال آخرون منهم الشافعي والأوزعي وعبيد الله بن الحسن والحسن بن حي وجماعة من نابه من الرجال شيء في صلاته سبح ومن نابها من النساء شيء في صلاتها صفقت إن شاءت لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد فرق بين حكم النساء والرجال في ذلك فقال التصفيق للنساء ومن نابه شيء في صلاته يعني منكم أيها الرجال فليسبح.
واحتج بحديث أبي هريرة " التسبيح للرجال والتصفيق للنساء" ففرق بين حكم الرجال والنساء وكذلك رواه جماعة في حديث سهل بن سعد هذا قال الأوزاعي إذا نادته أمه وهو في الصلاة سبح فإن التسبيح للرجال والتصفيق للنساء سنة حدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا عمرو بن عون قال أخبرنا حماد بن زيد عن أبي حازم عن سهل بن سعد قال كان قتال بين بني عمرو بن عوف فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فأتاهم ليصلح بينهم بعد الظهر فقال لبلال "إذا حضرت صلاة العصر ولم آتك فمر أبا بكر فليصل بالناس" فلما حضرت صلاة

(21/106)


العصر أذن بلال ثم أقام ثم أمر بلال أبا بكر فتقدم وذكر الحديث وقال في آخره " إذا نابكم شيء في الصلاة فليسبح الرجال وليصفق النساء" فهذا قاطع في موضع الخلاف يرفع الإشكال.
وكذلك رواه ابن عجلان وغيره جماعة قد ذكرنا بعضهم في هذا الباب عن أبي حازم عن سهل بن سعد بمعنى حديث حماد بن زيد هذا.
وحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا بكر ابن حماد قال حدثنا مسدد قال حدثنا سفيان عن أبي حازم عن سهل بن سعد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " من نابه شيء في صلاته فليقل سبحان الله إنما التصفيق للنساء والتسبيح للرجال" وهذا المعنى محفوظ من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم رواه عن أبي هريرة جماعة من أصحابه منهم سعيد بن المسيب ومحمد بن سيرين وأبو صالح السمان وأبو سلمة وأبو نضرة وغيرهم.
حدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن وضاح قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وحامد بن يحيى وأخبرنا عبد الله ابن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا قتيبة بن سعيد قالوا حدثنا سفيان عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "التسبيح للرجال والتصفيق للنساء" .
وحدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد قال حدثنا أبو داود قال حدثنا محمود بن خالد قال حدثنا الوليد عن عيسى بن أيوب قال قوله

(21/107)


التصفيح للنساء تضرب المرأة بأصبعين من يمينها على كفها الشمال.
وقال بعض أهل العلم إنما كره التسبيح للنساء وأبيح لهن التصفيق من أجل أن صوت المراة رخيم في أكثر النساء وربما شغلت بصوتها الرجال المصلين معها.
وفي هذا الحديث دليل على جواز الفتح على الإمام لقوله صلى الله عليه وسلم من نابه شيء في صلاته فليسبح فإذا جاز التسبيح جازت التلاوة.
حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن حدثنا عبد الحميد بن أحمد حدثنا الخضر بن داود قال حدثنا أبو بكر الأثرم قال حدثنا قبيصة بن عقبة قال حدثنا سفيان عن خالد الحذاء قال سمعت الحسن يقول إن أهل الكوفة يقولون لا يفتح على الإمام وما بأس به أليس الرجل يقول سبحان الله
قال أبو عمر:
ذكر الطحاوي أن الثوري وأبا حنيفة وأصحابه كانوا يقولون لا يفتح على الإمام وقالوا بأن فتح عليه لم تفسد صلاته وروى الكرخي عن أصحاب أبي حنيفة أنهم لا يكرهون الفتح على الإمام.
قال أبو عمر:
قد روى عطاء بن السائب عن أبي عبد الرحمن السلمي عن علي رحمه الله قال إذا استطعمكم الإمام فأطعموه ولا مخالف له من الصحابة وأصل هذا الباب قوله صلى الله عليه وسلم " إذا نابكم شيء في صلاتكم فسبحوا" فلما كان تسبيحه لما ينويه مباحا كان فتحه على الإمام أحرى أن يكون مباحا وقد

(21/108)


كان أبو حنيفة يقول إذا كان التسبيح جوابا قطع الصلاة وإن كان من مرور إنسان بين يديه لم يقطع وقال أبو يوسف لا يقطع وإن كان جوابا وهو الصحيح لقوله صلى الله عليه وسلم " من نابه شيء في صلاته فليسبح" وجائز أن يسبح من سلم عليه وهو في الصلاة على عموم هذا الحديث وأجمع العلماء على أن من سلم عليه وهو يصلي لا يرد كلاما وكذلك أجمعوا على أن من رد إشارة أجزأه ولا شيء عليه ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث ابن عمر عن صهيب أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي والأنصار يدخلون يسلمون عليه وكان يرد إشارة ومن سلم عليه وهو في الصلاة فلم يرد إشارة رد إذا فرغ منها كلاما وأحب إلى أهل العلم أن يشير بيده إلى من سلم عليه وقد كره قوم السلام على المصلي وأجازه الأكثر من العلماء على حكم ما ذكرنا وبالله توفيقنا

(21/109)


الحديث الخامس
...
حديث خامس لأبي حازم
مالك عن أبي حازم بن دينار عن سهل بن سعد الساعدي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءته امرأة فقالت يا رسول الله إني قد وهبت نفسي لك فقامت قياما طويلا فقام رجل فقال يا رسول الله زوجنيها إن لم يكن لك بها حاجة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " هل عندك من شيء تصدقها إياه " فقال ما عندي إلا إزاري هذا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن أعطيتها إياه جلست لا إزار لك فالتمس شيئا" فقال ما أجد شيئا قال " التمس ولو خاتما من حديد" فالتمس فلم يجد شيئا فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم " هل معك من

(21/109)


القرآن شيء" قال نعم سورة كذا وسورة كذا لسور سماها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "قد أنكحتكها بما معك من القرآن" .
روى هذا الحديث عن أبي حازم عن سهل جماعة وأحسنهم كلهم له سياقة مالك رحمه الله وهذا الحديث يدخل في التفسير المسند في قوله عز وجل {وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ} الآية والموهوبة خص بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وحده دون سائر أمته صلى الله عليه وسلم قال الله عز وجل {خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ} يعني من الصداق فلا بد لكل مسلم من صداق قل أو أكثر على حسبما للعلماء في ذلك من التحديد في قليله دون كثيره على ما نورده في هذا الباب إن شاء الله وخص النبي صلى الله عليه وسلم بأن الموهوبة له جائزة دون صداق.
وفي القياس أن كل ما يجوز البدل منه والعوض جازت هبته إلا أن الله عز وجل حرم الأبضاع من النساء إلا بالمهور وهي الصدقات المعلومات قال الله عز وجل {وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً}

(21/110)


قال أبو عبيدة يعني عن طيب نفس بالفريضة التي فرضها الله من ذلك دون خير حكومة قال وما أخذ بالحكام فلا يقال له نحلة وقد قيل إن المخاطب بهذه الآية الآباء لأنهم كانوا يستأثرون بمهور بناتهم التي فرضها الله لهن وقال الله عز وجل {الْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} يعني مهورهن وقال في الإماء لآ {فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} يعني مهروهن .
وأجمع علماء المسلمين أنه لا يجوز لأحد أن يطأ فرجا وهب له وطؤه دون رقبته بغير صداق وأن الموهوبة لا تحل لأحد غير النبي صلى الله عليه وسلم واختلفوا في عقد النكاح بلفظ الهبة مثل أن يقول الرجل للرجل قد وهبت لك ابنتي أو وليتي وسمى صداقا أو لم يسم فقال الشافعي لا يصح النكاح بلفظ الهبة ربيعة والشافعي ومالك على اختلاف عنه وأبو ثور وأبو عبيد وداود وغيرهم وذهبت طائفة من أصحاب مالك أن النكاح ينعقد بلفظ الهبة لأنه لفظ يصح للتمليك والاعتبار فيه بالمعنى لا باللفظ .
وقال ابن القاسم عن مالك لا تحل الهبة لأحد بعد النبي صلى الله عليه وسلم قال وإن كانت هبته إياها ليست على نكاح إنما وهبها له ليحضنها أو ليكفلها فلا أرى بذلك باسا

(21/111)


قال ابن القاسم وإن وهب ابنته وهو يريد إنكاحها فلا أحفظه عن مالك وهو عندي جائز كالبيع قال مالك من قال أهب لك هذه السلعة على أن تعطيني كذا وكذا فهو بيع وإلى هذا ذهب أكثر المتأخرين من المالكيين البغداديين وقالوا إذا قال رجل لرجل قد وهبت لك ابنتي على دينار جاز وكان نكاحا صحيحا قياسا على البيع .
وقال أبو حنيفة وأصحابه والثوري والحسن بن حي ينعقد النكاح بلفظ الهبة إذا كان أشهد عليه ولها المهر المسمى إن كان سمى وإن كان لم يسم لها مهرا فلها مهر مثلها ومما احتج به اصحاب أبي حنيفة في هذا أن الطلاق يقع بالتصريح وبالكناية قالوا فكذلك النكاح والذي خص به رسول الله صلى الله عليه وسلم تعري البضع من العوض لا النكاح بلفظ الهبة
قال أبو عمر:
الصحيح أنه لا ينعقد بلفظ الهبة نكاح كما أنه لا ينعقد بلفظ النكاح هبة شيء من الأموال مع ما ورد به التنزيل المحكم في الموهوبة أنها للنبي صلى الله عليه وسلم خالصة دون المؤمنين فلما لم تصح الهبة في ذلك لم يصح بلفظها نكاح هذا هو الصحيح في النظر والله أعلم.
ومن جهة النظر أيضا أن النكاح مفتقر إلى التصريح لتقع الشهادة عليه وهو ضد الطلاق فكيف يقاس عليه وقد أجمعوا أن النكاح لا ينعقد بقوله قد أبحت لك وقد أحللت لك فكذلك الهبة وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " استحللتم فروجهن بكلمة الله" بمعنى القرآن وليس في القرآن عقد النكاح بلفظ الهبة وإنما فيه التزويج والنكاح وفي إجازة النكاح بلفظ الهبة إبطال بعض خصوصية النبي صلى الله عليه وسلم والله أعلم .
وفي هذا الحديث أيضا من الفقه إجازة أخذ الأجرة على تعليم القرآن وقد اختلف في ذلك العلماء فكرهه قوم منهم أبو حنيفة وأصحابه وأجازه

(21/112)


آخرون منهم مالك والشافعي وأبو ثور وأحمد والحجة في جواز ذلك حديث هذا الباب وحديث أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه بعث سرية فنزلوا بحي فسألوهم القرى أو الشراء فلم يفعلوا فلدغ سيد الحي فقالوا لهم هل فيكم من راق فقالوا لا حتى تجعلوا لنا على ذلك جعلا فجعلوا لهم قطيعا من غنم فأتاهم رجل منهم فقرا عليه فاتحة الكتاب فبرأ فذبحوا وشووا وأكلوا فلما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكروا ذلك له فقال "ومن أين علمت أنها رقية من أخذ برقية باطل فلقد أخذت برقية حق اضربوا لي فيها بسهم" .
رواه أبو المتوكل الناجي وسليمان بن قنة وأبو نضرة عن أبي سعيد الخدري وروى الشعبي عن خارجة بن الصلت عن عمه عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله وحجة أبي حنيفة من قال بقوله حديث سعد بن طريف عن عكرمة عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " معلموا صبيانكم شراركم أقلهم رحمة باليتيم وأغلظهم على المسكين" وحديث علي بن عاصم عن حماد بن سلمة عن أبي جرهم عن أبي هريرة قال قلت يا رسول الله ما تقول في المعلمين قال " درهمهم حرام وقوتهم سحت وكلامهم رياء" .
وحديث المغيرة بن زياد عن عبادة بن نسي عن الأسود بن ثعلبة عن عبادة بن الصامت أنه علم رجلا من أهل الصفة فأهدى له قوسا فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن سرك أن يطوقك الله طوقا من نار فاقبله"

(21/113)


وروي من حديث أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله .
وهذا الأحاديث منكرة لا يصح شيء منها عند أهل العلم بالنقل وسعد بن طريف متروك الحديث وأبو جرهم مجهول لا يعرف ولم يرو حماد ابن سلمة عن أحد يقال له أبو جرهم وإنما رواه عن أبي المهزم وهو متروك أيضا وهو حديث لا أصل له وأما المغيرة بن زياد فمعروف بحمل العلم ولكنه له مناكر هذا منها.
وأما حديث القوس فمعروف عند أهل العلم لأنه روي عن عبادة من وجهين وروي عن أبي بن كعب من حديث موسى بن علي عن أبيه عن أبي ابن كعب وهو منقطع وليس في هذا الباب حديث يجب به حجة من جهة النقل والله أعلم.
واحتجوا أيضا بقوله صلى الله عليه وسلم " اقرءوا القرآن ولا تأكلوا به ولا تستكثروا" وهذا يحتمل التأويل وكذلك حديث عبادة وأبي يحتمل التأويل أيضا لأنه جائز أن يكون علمه لله ثم أخذ عليه أجرا ونحو هذا.
واختلف الفقهاء أيضا في حكم المصلي بأجرة فروى أشهب عن مالك أنه سئل عن الصلاة خلف من استؤجر في رمضان يقوم بالناس فقال أرجو أن لا يكون به بأس إن كان به بأس فعليه.
وروى عنه ابن القاسم أنه كرهه وهو أشد كراهية له في الفريضة.
وقال الشافعي وأصحابه وأبو ثور لا بأس بذلك ولا بأس بالصلاة خلفه

(21/114)


وذكر الوليد بن مزيد عن الأوزاعي أنه سئل عن رجل أم قوما فأخذ عليه أجرا فقال لا صلاة له وكرهه أبو حنيفة وأصحابه وهذه المسألة معلقة من التي قبلها وأصلهما واحد وفي هذه المسألة إعتلالات يطول ذكرها .
وفيه أيضا من الفقه أن الصداق كل ما وقع عليه اسم شيء مما يصح تملكه قل أو كثر لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقل له التمس ربع دينار فصاعدا ولا عشرة دراهم فصاعدا ألا ترى إلى قوله " هل عندك من شيء تصدقها" ثم قال "التمس ولو خاتما من حديد" فقال أصحابنا يريد بقوله التمس شيئا وهل عندك من شيء أي من شيء تقدمه إليها من صداقها لأن عادتهم جرت بأن يقدموا من الصداق بعضه .
وقال الشافعي وأصحابه يريد شيئا تصدقها إياه فيقتضي أن كل شيء وجده مما يكون ثمنا لشيء جاز أن يكون صداقا قل أو كثر وقد مضى القول في هذا المعنى مجودا في باب حميد من هذا الكتاب.
وأما اختلاف العلماء في مبلغ أقل الصداق فذهب مالك وأصحابه إلى أن النكاح لا يكون بأقل من ربع دينار ذهبا أو ثلاثة دراهم كيلا من ورق أو قيمة ذلك من العروض قياسا على قطع اليد لأنه عضو يستباح بمقدر من المال فاشبه قطع اليد ولم يكن بد من التقدير في ذلك لأن الله شرط عدم الطول في نكاح الإماء وقل ما يعدم الإنسان ما يتمول أو يتملك .
وقد ذكرنا الحجة لهذا القول في باب حميد الطويل من هذا الكتاب.
وقال أبو حنيفة وأصحابه لا يكون المهر أقل من عشرة دراهم قياسا أيضا على ما تقطع اليد فيه عندهم واحتجوا بحديث يروى عن جابر عن

(21/115)


النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال "لا صداق أقل من عشرة دراهم" هو حديث لا يثبت وروي عن الشعبي عن علي مثله ولا يصح أيضا عن علي.
وقال ابن شبرمة أقل المهر خمسة دراهم يعني كيلا وفي ذلك تقطع اليد عنده أيضا.
وروي عن النخعي ثلاثة أقاويل أحدها أنه كره أن يتزوج بأقل من أربعين درهما وروي عنه أنه قال أكره أن يكون مثل مهر البغي ولكن العشرة والعشرون .
وكان سعيد بن جبير يستحب أن يكون المهر خمسين درهما.
وقال الحسن البصري وسعيد بن المسيب وابن أبي ليلى والثوري والأوزاعي وعطاء وعمرو بن دينار والشافعي ومسلم بن خالد الزنجي وأحمد بن حنبل وإسحاق وأبو ثور والليث بن سعد والحسن بن حي والطبري وداود يجوز النكاح بقليل المال وكثيرة إلا أن الحسن يعجبه أن لا يكون أقل من دينار أو عشرة دراهم ويجيزه بدرهم.
وقال الأوزاعي كل نكاح وقع بدرهم فما فوقه لا ينقضه قاض قال والصداق ما تراضى عليه الزوجان من قليل أو كثير .
وقال الشافعي كل ما كان ثمنا لشيء أو أجره جاز أن يكون صداقا.
وقال سعيد بن المسيب لو أصدقها سوطا لحلت .
أخبرنا خلف بن قاسم حدثنا ابن شعبان حدثنا عمران بن موسى بن زكرياء حدثنا خشيش بن أصرم حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن عكرمة عن ابن عباس قال النكاح جائز على موزة إذا هي رضيت

(21/116)


قال أبو عمر:
أجمع العلماء على أن لا توقيت ولا تحديد في أكثر الصداق وذكر الله تعالى الصداق في كتابه ولم يحد في أكثره ولا في أقله حدا ولو كان الحد مما يحتاج في ذلك إليه لبينه رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ هو المبين عن الله مراده صلى الله عليه وسلم وقد قال صلى الله عليه وسلم "التمس ولو خاتما من حديد" والحدود لا تصح إلا بكتاب الله أو سنة ثابتة لا معارض لها أو إجماع يجب التسليم له هذه جملة ما احتج به من ذهب هذا المذهب .
وفي هذا الحديث أيضا دليل على أن ما يصدقه الرجل امرأته لا يملك شيئا منه وأنه للمرأة دونه ألا ترى إلى قوله "إن أعطيتها إزارك جلست لا إزار لك" وفي هذا ما يدل على أن الصداق لو كان جارية ووطئها الزوج حد لأنه وطئ ملك غيره وهذا موضع اختلف فيه السلف والآثار.
وأما فقهاء الأمصار فعلى ما ذكرت لك وهو الصحيح لقول الله عز وجل: {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ} .
ومن وطئ جارية قد أمهرها زوجته وملكتها عليه ببضعها فلم يطأ ملك يمين وتعدى.
واختلف الفقهاء في المهر المسمى هل تستحق المرأة جميعه بالعقد أم لا فالظاهر من مذهب مالك أنه لا تستحق بالعقد إلا نصفه وأما الصداق إذا كان شيئا بعينه فهلك ثم طلق قبل الدخول لم يكن له عليها شيء وأنه لو سلم وطلق قبل الدخول أخذ نصفه ناميا أو ناقصا والنماء والنقصان بينهما وقد روي عن مالك وقال به طائفة من أصحابه أنها تستحق المهر كله بالعقد

(21/117)


واستدل قائل ذلك بالموت قبل الدخول وبوجوب الزكاة في الماشية نفسها عليه وأنه لا يقال للزوج أغرم عليها الزكاة ثم تدخل وبأنه لو كانت بينهما لم تجب عليها في أربعين شاة أو خمس ذود زكاة فلما أوجبوا عليها الزكاة في ذلك علم أنها كلها على ملكها وبهذا القول قال الشافعي وأصحابه واعتلوا بالإجماع على أن الصداق إذا قبضته وكان معينا في غير ذمة الزوج وهلك قبل الدخول كان منها وكان له أن يدخل بها بغير شيء وبأنها لو كان الصداق اباها عتق عليها عقب العقد قبل الدخول بلا خلاف.
واحتجوا أيضا بقول الله عز وجل {وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً} فأمر بتسليم الصداق إليها فوجب ملكه لها وشبهوا سقوطه بالطلاق قبل الدخول بعد وجوبه وثبوته بالبائع يرجع إليه عين ملكه عند فلس المبتاع منه ولهم في ذلك ضروب من الكلام يكفي منه ما ذكرنا وهو عينه وعليه مداره والحمد لله.
وفيه إجازة اتخاذ خاتم الحديد وقد اختلف العلماء في جواز لباس خاتم الحديد على ما بينا في باب عبد الله بن دينار والحمد لله.
وفيه أيضا دليل على أن تعليم القرآن جائز أن يكون مهرا وهذا موضع اختلف فيه الفقهاء فقال مالك وأبو حنيفة وأصحابهما لا يكون القرآن ولا تعليم القرآن مهرا وهو قول الليث وحجة من ذهب هذا المذهب أن الفروج لا تستباح إلا بالأموال لذكر الله الطول في النكاح والطول المال والقرآن ليس بمال وقال الله عز وجل {نْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ} والقرآن ليس بمال ولأن التعليم من المعلم والمتعلم يختلف ولا يكاد يضبطه فأشبه الشيء المجهول قالوا ومعنى ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "قد

(21/118)


أنكحتكها بما معك من القرآن" فإنما هوعلى جهة التعظيم للقرآن وأصله لا على أنه مهر وإنما زوجه إياها لكونه من أهل القرآن كما روى أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم زوج أبا طلحة أم سليم على إسلامه والمهر مسكوت عنه لأنه معهود معلوم أنه لا بد منه.
أخبرنا إبراهيم بن شاكر قال حدثنا محمد بن أيوب قال حدثنا أحمد بن عمرو البزار قال حدثنا أحمد بن سنان الواسطي قال حدثنا يزيد بن هارون قال أخبرنا حماد بن سلمة عن ثابت البناني وإسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس بن مالك أن أبا طلحة أتى أم سليم يخطبها قبل أن يسلم فقالت أتزوج بك وأنت تعبد خشبة نحتها عبد بني فلان إن أسلمت تزوجت بك قال فأسلم أبو طلحة فتزوجها على إسلامه يريد لما أسلم استحل نكاحها وسكت عن المهر وكان أحمد بن حنبل يكره النكاح على القرآن.
وقال الشافعي وأصحابه جائز أن يكون تعليم القرآن أو سورة منه مهرا قال فإن طلقها قبل الدخول رجع عليها بنصف أجر التعليم هذه رواية المدني عنه وذكر الربيع عنه في البويطي أنه إن طلقها قبل الدخول رجع عليها بنصف مهر مثلها لأن تعليم النصف لا يوقف على حده قال فإن وقف عليه جعل امرأة تعلمها.
ومن الحجة لمذهب الشافعي في ذلك أن الحديث الثابت ورد بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم زوج ذلك الرجل تلك المراة على تعليمه إياها سورا سماها ولأن تعليم القرآن يصح أخذ الأجرة عليه فجاز أن يكون صداقا قالوا ولا

(21/119)


وجه لقول من قال إن ذلك كان من أجل حرمة القرآن ومن أجل كونه من أهل القرآن لأن في الحديث ما يبطل هذا التأويل لأنه قال "التمس شيئا" ثم قال له "التمس ولو خاتما من حديد" ثم قال له "هل معك من القرآن شيء" فقال سورة كذا فقال "قد زوجتكها بما معك من القرآن" أي بأن تعلمها تلك السورة من القرآن.
قال أبو عمر:
دعوى التعليم على الحديث دعوى باطل لا يصح وتأويل الشافعي على ما ذكرنا في هذا الباب محتمل فأما دعوى الخصوص فضعيف لا وجه له ولا دليل عليه وأكثر أهل العلم لا يجيزون ما قال الشافعي وأولى ما قيل به في هذا الباب قول مالك ومن تابعه إن شاء الله والله الموفق للصواب .
وقد أخبرنا أحمد بن عبد الله بن محمد عن أبيه عن محمد بن عمر بن لبابة قال أخبرنا مالك بن علي القرشي عن يحيى بن يحيى أن يحيى بن مضر حدثه عن مالك بن أنس في الذي أمره النبي صلى الله عليه وسلم أن ينكح بما معه من القرآن أن ذلك في أجرته على تعليمها ما معه

(21/120)


الحديث السادس
...
حديث سادس لأبي حازم
مالك عن أبي حازم بن دينار عن سهل بن سعد الساعدي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتي بشراب فشرب منه وعن يمينه غلام وعن يساره الأشياخ فقال للغلام "أتأذن لي أن أعطي هؤلاء" فقال لا والله

(21/120)


يا رسول الله لا أوثر بنصيبي منك أحدا قال فتله رسول الله صلى الله عليه وسلم في يده.
روى ابن أبي حازم هذا الحديث عن أبيه فقال فيه وعن يساره أبو بكر ثم ساق معنى حديث مالك سواء وذكر أبي بكر في هذا الحديث عندهم خطأ وإنما هو محفوظ في حديث ابن شهاب وقد مضى القول في معنى هذا الحديث في باب ابن شهاب عن أنس.
أخبرنا يحيى بن يوسف قال حدثنا يوسف بن أحمد قال حدثنا محمد ابن إبراهيم قال حدثنا أبو عيسى الترمذي حدثنا أحمد بن منيع حدثنا إسماعيل بن إبراهيم حدثنا علي بن زيد عن عمر بن أبي حرملة عن ابن عباس قال دخلت أنا وخالد بن الوليد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على ميمونة فجاءتنا بإناء من لبن فشرب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا عن يمينه وخالد عن شماله فقال لي " الشربة لك وإن شئت آثرت بها خالدا" فقلت ما كنت لأوثر بسؤرك أحدا ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من أطعمه الله طعاما فليقل اللهم بارك لنا فيه وأطعمنا خيرا منه ومن سقاه الله لبنا فليقل اللهم بارك لنا فيه وزدنا منه" وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس شيء يجزئ مكان الطعام والشراب غير اللبن " ولا يجوز عندي لأحد شرب ماء أو لبنا

(21/121)


أو غير ذلك من الأشربة الحلال وحوله من يريد أن يشرب من ذلك معه ممن به الحاجة إليه أوليس به حاجة إليه إذا وسعهم ذلك الشراب أن يناول من على يساره ألبتة بحال فاضلا كان أو مفضولا حتى يشاور من على يمينه فإنه حق له بالسنة الثابتة في هذا الحديث فإن أذن له فعل وإلا فهو أحق بالشراب من الذي على يساره وهذا نص صحيح ثابت لا يلتفت إلى ما خالفه من آراء الرجال وبالله التوفيق وهو المستعان.
والشراب المذكور في هذا الحديث كان لبنا.
حدثنا أحمد بن قاسم بن عبد الرحمن قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا الحرث بن أبي أسامة قال حدثنا حفص بن حمزة قال حدثنا إسماعيل ابن جعفر قال اخبرني أبو حازم عن سهل بن سعد قال أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بقدح من لبن وغلام عن يمينه والأشياخ أمامه وعن يساره فشرب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال للغلام "يا غلام أتأذن لي أن أسقي الأشياخ" قال ما أحب أن أوثر بفضل شربتك على نفسي أحدا من الناس فناوله رسول الله صلى الله عليه وسلم وترك الأشياخ والغلام المذكور في هذا الحديث هو ابن عباس والأشياخ خالد بن الوليد أو منهم خالد بن الوليد .
حدثنا خلف بن القاسم حدثنا أحمد بن صالح المقرئ حدثنا أحمد بن جعفر المنادي حدثنا العباس بن محمد الدوري حدثنا محمد بن الصباح البزار حدثنا إسماعيل بن زكرياء الخلقاني أبو زياد عن سفيان عن علي بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس قال أتي النبي صلى الله عليه وسلم بقعب من لبن فشرب منه وابن عباس عن يمينه وخالد بن الوليد عن يساره فقال " يا ابن

(21/122)


عباس إن الشربة لك فإن شئت أن تؤثر بها خالدا" فقال ما أنا بمؤثر بسؤرك علي أحد"ا.
وقد روى الحميدي هذا الحديث عن سفيان فخالف في إسناده الخلقاني والحميدي أثبت منه .
حدثنا سعيد بن نصر حدثنا قاسم حدثنا الترمذي حدثنا الحميدي حدثنا سفيان حدثنا علي بن زيد بن جدعان عن عمر بن أبي حرملة عن ابن عباس قال دخلت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على خالتي ميمونة ومعنا خالد ابن الوليد فقالت له ميمونة ألا نقدم إليك يا رسول الله شيئا أهدته لنا أم عفيف قال بلى فأتته بضباب مشوية فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم تفل ثلاث مرات ولم يأكل منها وأمره أن نأكل ثم أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بإناء فيه لبن فشرب وأنا عن يمينه وخالد عن يساره فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم "الشربة لك يا غلام وإن شئت آثرت بها خالدا" فقلت ما كنت لأوثر بسؤر رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدا ثم قال " من أطعمه الله طعاما فليقل الله بارك لنا فيه وأبدلنا بما هو خير منه ومن سقاه الله لبنا فليقل اللهم بارك لنا فيه وزدنا منه فإني لا أعلم شيئا يجزي من الطعام والشراب غيره" ورواه شعبة عن عمر بن أبي حرملة عن ابن عباس مثله .
وقال أبو داود الطيالسي كذا قال شعبة وغيره يقول عمر بن أبي حرملة.
وفي هذا الحديث من الفقه أن من وجب له شيء من الأشياء لم يدفع عنه ولم يتسور عليه فيه إلا بإذنه صغيرا كان أو كبيرا إذا كان ممن يجوز له

(21/123)


إذنه وليس هذا موضع "كبر كبر" لأن السن إنما يراعى عند استواء المعاني والحقوق وكل ذي حق أولى بحقه أبدا والمناولة على اليمين من الحقوق الواجبة في آداب المجالسة.
وفي هذا الحديث دليل على أن الجلساء شركاء في الهدية وذلك على جهة الأدب والمروءة والفضل والأخوة لا على الوجوب لإجماعهم على أن المطالبة بذلك غير واجبة لأحد وبالله التوفيق وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم "جلساؤكم شركاؤكم في الهدية" بإسناد فيه لين

(21/124)


الحديث السابع
...
حديث سابع لأبي حازم
مالك عن أبي حازم بن دينار عن أبي إدريس الخولاني أنه قال دخلت مسجد دمشق فإذا فتى شاب براق الثنايا وإذا الناس معه إذا اختلفوا في شيء أسندوه إليه وصدروا عن قوله فسألت عنه فقيل هذا معاذ بن جبل فلما كان الغد هجرت فوجدته قد سبقني بالتهجير ووجدته يصلي قال فانتظرته حتى قضى صلاته ثم جئت من قبل وجهه فسلمت عليه ثم قلت له والله إني لأحبك في الله فقال آلله قال فقلت آلله فقال آلله فقلت آلله قال فأخذ بحبوة ردائي يجبذني إليه وقال أبشر فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " قال الله تبارك وتعالى

(21/124)


وجبت محبتي للمتحابين في وللمتجالسين في والمتباذلين في والمتزاورين في" .
قد مضى القول والآثار في المتحابين في الله في باب أبي طوالة والحمد لله.
وفي هذا الحديث لقاء أبي إدريس الخولاني لمعاذ بن جبل وسماعة منه وهو إسناد صحيح ولكن لقاء أبي إدريس هذا لمعاذ بن جبل مختلف فيه فطائفة تنفيه وطائفة لا تنكره من أجل هذا الحديث وغيره ومن نفاه احتج بما رواه معمر وابن عيينة عن الزهري قال سمعت أبا إدريس الخولاني يقول أدركت عبادة بن الصامت وفلانا وفلانا وفاتني معاذ بن جبل فحدثني أصحاب معاذ عن معاذ وذكر الحديث .
وحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا أبي قال حدثنا سفيان عن الزهري عن أبي إدريس الخولاني قال أدركت عبادة بن الصامت ووعيت عنه وأدركت أبا الدرداء ووعيت عنه وأدركت شداد بن أوس ووعيت عنه وفاتني معاذ بن جبل ولهذا الخبر عن الزهري زعم قوم أن هذا الحديث خطأ فقال قوم وهم فيه مالك وأسقط من إسناده أبا مسلم الخولاني وزعموا أن أبا إدريس رواه عن أبي مسلم عن معاذ .
وقال آخرون وهم فيه أبو حازم وغلط في قوله عن أبي إدريس الخولاني أنه لقي معاذ بن جبل

(21/125)


قال أبو عمر:
هذا كله تخرص وتظنن لا يغني من الحق شيئا وقد رواه غير مالك جماعة عن أبي حازم كما رواه مالك سواء وروي أيضا عن أبي إدريس من وجوه شتى غير طريق أبي حازم أنه لقي معاذ بن جبل وسمع منه فلا شيء في هذا على مالك ولا على أبي حازم عند أهل العلم بالحديث والاتساع في علمه وإذا صح عن أبي إدريس أنه لقي معاذ بن جبل فيحتمل ما حكاه ابن شهاب عنه من قوله فاتني معاذ يريد فوت لزوم وطول مجالسة أو فاتني في حديث كذا أو معنى كذا والله أعلم وعلى هذا يتسق تخريج الأخبار عنه في هذا الباب والله أعلم.
حدثنا عبد الرحمن بن يحيى وأحمد بن فتح قالا حدثنا حمزة بن محمد قال حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن جابر القطان قال حدثنا سعيد بن أبي مريم قال أخبرنا مالك قال حدثنا أبو حازم عن أبي إدريس الخولاني فذكر هذا الحديث حرفا بحرف كما ذكرناه من الموطأ إلا أنه لم يقل شاب وإنما قال فتى براق الثنايا ثم ساق الحديث إلى آخره وقال فأخذ بحبوتي ولم يقل بحبوة ردائي .
قال ابن ابي مريم وأخبرني ابن أبي حازم عن أبيه عن أبي إدريس بنحوه فهذا ابن أبي حازم قد رواه عن أبي حازم كما رواه مالك وحسبك برؤية مالك مع حفظه وإتقانه وثقته .
وحدثنا عبد الوارث بن سفيان حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا عمرو بن مرزوق قال أخبرنا شعبة عن يعلى بن عطاء عن الوليد بن عبد الرحمن عن أبي إدريس قال كنت في حلقة فيها عشرون

(21/126)


من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فيهم رجل أدعج العينين أغر الثنايا حدث السن فإذا اختلفوا في شيء فقال قولا انتهوا إلى قوله فإذا به معاذ بن جبل.
ففي هذا الحديث لقاء أبي إدريس لمعاذ بن جبل وسماعه منه من غير رواية أبي حازم وهذا أيضا إسناد صحيح ثابت ووجدت في أصل سماع أبي رحمه الله بخطه أن محمد بن أحمد بن قاسم بن هلال حدثهم قال حدثنا سعيد بن عثمان الأعناقي قال حدثنا نصر ابن مرزوق قال حدثنا أسد بن موسى قال حدثنا عبد الحميد بن بهرام عن شهر بن حوشب قال حدثني عائد الله بن عبد الله أنه سمع معاذ بن جبل يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "إن الذين يتحابون لجلال الله في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله " .
وعائذ الله هذا هو أبو إدريس الخولاني لا خلاف بين أحد من العلماء بهذا الشأن في ذلك.
وحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا هارون بن معروف قال أخبرنا ضمرة عن ابن عطاء عن أبيه عن أبي إدريس الخولاني قال دخلت مسجد حمص فإذا فيه ثلاثون رجلا أو نحو ذلك في حلقة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كلهم يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم وإذا فيهم رجل وضيء الوجه أكحل العينين براق الثنايا وإذا هم يسندون حديثهم إليه فإذا هو معاذ بن جبل فهذا عطاء الخراساني وشهر بن حوشب والوليد بن عبد الرحمن الحرشي يقولون عن أبي إدريس الخولاني ما قال أبو حازم عنه من لقائه معاذ بن جبل وسماعه منه وغير نكير لقاء أبي إدريس لمعاذ لأن ابا إدريس الخولاني ولد عام حنين وولي قضاء دمشق والشام بعد فضالة بن عبيد لم يكن بينهما واسطة وفضالة من الصحابة ولي

(21/127)


القضاء بعد أبي الدرداء واسم أبي إدريس الخولاني عائذ الله بن عبد الله لا يختلفون في ذلك وقد ذكرناه في هذا الكتاب في باب ابن شهاب لروايته عنه حديث الاستجمار بالأحجار وحديث النهي عن أكل ذي الناب من السباع.
ذكر أبو حاتم محمد بن إدريس الحنظلي قال حدثنا أبو اليمان الحكم ابن نافع قال إسماعيل بن عياش عن الوليد بن أبي السائب عن مكحول أنه كان إذا ذكر أبا إدريس الخولاني قال ما رأيت مثله وكان مولده يوم حنين وسئل الوليد بن مسلم هل لقي أبو إدريس الخولاني معاذ بن جبل فقال نظن أن أبا إدريس الخولاني لقي معاذا وأبا عبيدة بن الجراح وهو ابن عشر سنين ثم قال قال سعيد بن عبد العزيز ولد أبو إدريس الخولاني أيام غزوة حنين قال الوليد ولقي أبو إدريس أبا ثعلبة وأبا الدرداء وشداد ابن أوس وعبادة بن الصامت وغيرهم .
أخبرنا عبد الوارث قال حدثنا قاسم قال حدثنا أحمد بن زهير قال سمعت يحيى بن معين يقول بلغني أن أبا إدريس الخولاني ولد عام حنين وأما معاذ بن جبل فتوفي في طاعون عمواس بالشام سنة ثمان عشرة في خلافة عمر وهو ابن ثلاث أو أربع وثلاثين سنة لا يختلفون في ذلك وقد ذكرناه في كتابنا في الصحابة ونسبناه وذكرنا اشياء من أخباره هناك والحمد لله .
حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أحمد ابن زهير قال حدثنا محمد بن إسماعيل العبدي حدثنا ابن المبارك عن يونس ابن يزيد عن الزهري عن عبد الرحمن بن كعب قال كان معاذ بن جبل شابا حليما من أفضل شباب قومه

(21/128)


وحدثنا عبد الوارث قال حدثنا قاسم قال حدثنا أحمد بن زهير قال وحدثنا يحيى بن معين قال حدثنا عبد الرزاق قال أخبرنا معمر عن الزهري عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك عن أبيه قال كان معاذ ابن جبل رجلا سمحا شابا جميلا من أفضل شباب قومه .
وحدثنا عبد الوارث قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أحمد بن زهير قال وأخبرنا المدائني قال معاذ بن جبل أبو عبد الرحمن كان أجمل الرجال لم يولد له قط طوال حسن الشعر عظيم العينين أبيض جعد قطط وقد روي هذا الحديث عن معاذ بن جبل من طرق شتى من غير رواية أبي إدريس بمعنى حديث أبي إدريس ومختصر المعنى أيضا.
حدثنا أحمد بن قاسم بن عبد الرحمن حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا الحرث بن أبي أسامة قال حدثنا روح بن عبادة قال حدثنا موسى بن عبيدة قال أخبرني عبد الله بن أبي سليمان عن أبي بحرية قال قدمت الشام فدخلت المسجد فإذا أنا بنفر جلوس في المسجد شيوخ فيهم شاب يحدثهم قد انصتوا له فقلت ألا تسألون من هؤلاء قالوا هؤلاء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت من الرجل الشاب الذي يحدثهم قالوا هذا معاذ بن جبل قال فرحت إلى الصلاة فإذا هو قد هجر فقضى صلاته ثم جلس فجلست إليه فقلت والله إني لأحبك فأخذ بحبوتي ثم جبذني فقال آلله مرتين أو ما شاء الله قال قلت نعم قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " قال الله عز وجل وجبت محبتي أو رحمتي للذين يتحابون في ويتباذلون في ويتجالسون في ويتحاورون في" فهذا أبو بحرية

(21/129)


السكوني قد روى عن معاذ نحو حديث أبي إدريس سواء في المعنى وليس في حديثه هذا ذكر مسجد دمشق ولا مسجد حمص.
وأخبرنا أحمد بن قاسم قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا الحرث بن أبي أسامة قال حدثنا روح بن عبادة قال أخبرني مالك عن أبي حازم بن دينار عن أبي إدريس الخولاني قال دخلت مسجد دمشق فإذا أنا بفتى براق الثنايا وإذا الناس حوله فذكر الحديث كما في الموطأ سواء إلا أنه قال في آخره سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "قال الله تبارك وتعالى وجبت محبتي للمتحابين في والمتجالسين في والمتجاورين في والمتباذلين في" .
وقد روى أبو مسلم الخولاني عن معاذ بن جبل مثل ما روى عنه في هذا الحديث أبو إدريس وأبو بحرية إلا أن حديثه مختصر المعنى عن معاذ وقال في مسجد حمص وألفاظ هذا الحديث رواها أبو مسلم عن عبادة وجائز أن يكون عبادة ومعاذ وغيرهما أيضا سمعا ذلك من رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا ممكن غير ممتنع على أن ابا مسلم الخولاني وإن كان فاضلا فإنهم يضعفون نقله وليس ممن يقاس بأبي إدريس الخولاني في فهمه وعلمه.
حدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ وأخبرنا أحمد بن محمد قال أخبرنا وهب بن مسرة قالا أخبرنا ابن وضاح قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا وكيع عن جعفر بن برقان عن حبيب بن أبي مرزوق عن عطاء بن أبي رباح عن أبي مسلم الخولاني قال أتيت مسجد أهل حمص

(21/130)


فإذا فيه حلقة فيها كهول من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وإذا شاب منهم أكحل العينين براق الثنايا كلما اختلفوا في شيء ردوه إلى الفتى فتى شاب قال فقلت لجليس لي من هذا قال هذا معاذ بن جبل قال فجئت من العشي فلم يحضر قال فغدوت من الغد فلم يجيء فرحت فإذا أنا بالشاب يصلي إلى سارية قال فركعت ثم تحولت إليه قال فسلم فدنوت منه فقلت إني لأحبك في الله قال فمدني إليه قال كيف قلت قال قلت إني لأحبك في الله قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "المتحابون في الله على منابر من نور في ظل العرش يوم لا ظل إلا ظله" .
قال وحدثنا وكيع عن جعفر بن برقان عن حبيب بن أبي مرزوق عن عطاء بن أبي رباح عن أبي مسلم الخولاني قال خرجت فلقيت عبادة ابن الصامت فذكرت له حديث معاذ فقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يحكي عن ربه عز وجل قال "حقت محبتي على المتحابين في وحقت محبتي على المتزاورين في وحقت محبتي على المتباذلين في والمتحابون في الله على منابر من نور في ظل العرش يوم لا ظل إلا ظله " فهذا أبو مسلم الخولاني يروي عن معاذ وعبادة جميعا هذا الحديث إن كان واحدا والحديثين جميعا عن عبادة كما ترى وأبو مسلم الخولاني اسمه عبد الله بن ثوب لا يختلف في ذلك أهل العلم بالنقل والسير وكان فاضلا عابدا جليلا من كبار التابعين وخيارهم وجلتهم له كرامات كثيرة وأخبار عجيبة مشهورة ذكرها ابن أبي خيثمة وسعيد بن اسد وغيرهما وكان أبو مسلم الخولاني مسلما على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقدم المدينة حين استخلف أبو بكر الصديق

(21/131)


وقد أجرينا ذكره في كتاب الصحابة على شرطنا وقد روى عنه أبو إدريس الخولاني حديثا نذكره في آخر هذا الباب إن شاء الله.
قال أحمد بن زهير سمعت أحمد بن حنبل يقول أبو مسلم الخولاني اسمه عبد الله بن ثوب سمعته من أبي المغيرة قال أحمد بن زهير وسألت يحيى بن معين عن أبي مسلم الخولاني فقال اسمه عبد الله بن ثوب شامي ثقة
قال أبو عمر:
قد روي عن أبي إدريس الخولاني في هذا الحديث مثل رواية أبي مسلم الخولاني سواء عن معاذ وعن عبادة فأما حديثه عن معاذ فنحو حديث أبي مسلم عنه فقد ذكرناه من رواية أسد عن عبد الحميد بن بهرام عن شهر ابن حوشب عن أبي إدريس عائذ الله بن عبد الله عن معاذ وأما حديث أبي إدريس عن عبادة فمثل حديث أبي مسلم أيضا فذكره ابن أبي شيبة قال حدثنا غندر عن شعبة عن يعلى بن عطاء عن الوليد بن عبد الرحمن عن أبي إدريس قال حدثت عبادة بن الصامت فقال لا أحدث إلا بما سمعت على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم "حقت محبتي للمتحابين في وحقت محبتي للمتزاورين في أو المتواصلين" شك شعبة "في المتواصلين والمتزاورين "وقد يمكن أن يكون أبو إدريس وأبو مسلم الخولانيان عرض لكل واحد منهما ما روي في هذا الباب عنهما مع معاذ وعبادة والله أعلم بالصحيح في ذلك ولا يقطع على خبر الآحاد

(21/132)


وأما إسناد مالك عن أبي حازم فصحيح وليس في شيء من الأسانيد عن أبي إدريس ولا عن أبي مسلم مثله ولا ما يحلق به وحديث أبي مسلم الخولاني إنما يدور على حبيب بن أبي مرزوق وليس ممن يعارض بمثله حديث لمالك عن أبي حازم وكذلك حديث يعلى بن عطاء عن الوليد أيضا ليس بحجة على حديث مالك عن أبي حازم وقد روى أبو إدريس الخولاني عن أبي مسلم الخولاني عن عوف بن مالك الأشجعي عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث تبايعوني بتمامه وهو يدخل في رواية النظير عن النظير: حدثناه أحمد بن فتح قال حدثنا أبو علي الحسن بن عبد الله بن الخضر حدثنا محمد بن صالح الدمشقي حدثنا هشام بن عمار حدثنا الوليد بن مسلم عن سعيد بن عبد العزيز عن ربيعة بن يزيد عن أبي إدريس الخولاني عن ابي مسلم الخولاني قال حدثني الحبيب الأمين أما هو إلي فحبيب وأما هو عندي فأمين عوف بن مالك الأشجعي قال كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم تسعة أو ثمانية فقال ألا تبايعون رسول الله صلى الله عليه وسلم فبسطنا أيدينا فبايعناه ثم قال قائل يا رسول الله على ما نبايعك قال " على أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وتصلوا الصلوات الخمس وتسمعوا وتطيعوا وأشد كلمة ولا تسألوا الناس شيئا" فلقد كان بعض أولئك النفر يسقط سوط أحدهم فلا يسأل أحدا يناوله إياه وهذا حديث مشهور ليس من هذا الباب ولكني ذكرته لرواية أبي إدريس له مع حديث مشهور ليس من هذا الباب ولكني ذكرته لرواية أبي إدريس له مع جلالته عن أبي مسلم فإن من الناس من جعل أبا مسلم الخولاني مجهولا وهذا جهل بهذا الشأن وحسبك برواية أبي إدريس وهو من أجل تابعي الشاميين عنه.
وأما حديثه في هذا الباب فمعروف عن معاذ وعن عبادة ايضا وهو عن معاذ أشهر وكلاهما محفوظ.
وحدثناه عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا بكر بن حماد قال حدثنا مسدد بن مسرهد قال حدثنا حماد بن زيد عن

(21/133)


الجريري عن رجل قال قلت لمعاذ بن جبل إني أحبك في الله أو أحبك لله فقال لي أنظر ما تقول قالها ثلاث مرات ثم ثم قال إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " إن الله يحب الذين يتحابون في الله ويحب الذين يتقاعدون فيه ويحب الذين يتباذلون فيه ويحب الذين يتزاورون فيه ويحب الذين يتجاورون فيه"
قال أبو عمر:
قوله براق الثنايا أي أبيض الثنايا وقد مضى في باب أبي طوالة في المتحابين في الله ما فيه كفاية والحمد لله ولقد أحسن أبو العتاهية رحمه الله في قوله
من لم يكن في الله يمنحك الهوى ... مزج الهوى بملالة وثقال

(21/134)


الحديث الثامن
...
حديث ثامن لأبي حازم
مالك عن أبي حازم بن دينار عن سعيد بن المسيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الغرر.
هكذا هذا الحديث في الموطأ بهذا الإسناد مرسل لم تختلف الرواة عن مالك فيه فيما علمت وقد روى فيه أبو حذافة عن مالك إسنادا منكرا عن نافع عن ابن عمر.
حدثنا خلف بن القاسم حدثنا الحسن بن علي المطرز حدثنا أحمد بن الحسن بن هارون الصباحي حدثنا أبو حذافة حدثنا مالك عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الغرر

(21/134)


قال أبو عمر:
هذا منكر الإسناد لا يصح والصحيح فيه عن مالك ما في الموطأ عن أبي حازم عن سعيد مرسلا وهو حديث يتصل ويستند من حديث أبي هريرة بنقل الثقات الأثبات .
حدثنا خلف بن القاسم قال حدثنا الحسن بن رشيق قال حدثنا إسحاق ابن إبراهيم بن يونس قال حدثنا محمد بن يزيد الثغري قال حدثنا روح بن عبادة قال حدثنا شعبة عن سيار عن الشعبي عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الغرر.
وحدثنا خلف بن القاسم قال حدثنا الحسن بن رشيق قال حدثنا إسحاق ابن إبراهيم قال حدثنا عبد الرحمن بن يونس قال حدثنا ابن أبي حازم عن أبيه عن سهل بن سعد عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله.
قال أبو عمر:
هذا خطأ ولم يرو هذا الحديث أبو حازم عن سهل وإنما رواه عن سعيد بن المسيب كما قال مالك وليس ابن أبي حازم في الحديث ممن يحتج به فيما خالفه غيره وهو عندهم لين الحديث ليس بحافظ وهذا الحديث محفوظ من حديث أبي هريرة ومعلوم أن سعيد بن المسيب من كبار رواة أبي هريرة .
حدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا ابن وضاح قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا عبدالله بن إدريس ويحيى بن سعيد وأبو أسامة عن عبيد الله بن عمر عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الغرر وعن بيع الحصاة

(21/135)


وحدثنا سعيد بن نصر وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا إسماعيل بن إسحاق قال حدثنا إبراهيم بن حمزة حدثنا عبد العزيز ابن محمد عن عبيد الله بن عمر عن أبي الزناد عن نافع عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الغرر وعن بيع الحصاة " وقال أيما رجل اشترى محفلة فله أن يمسكها ثلاثا فإن رضيها أمسكها وإن سخطها ردها وصاعا من تمر" .
قال أبو عمر:
بيع الغرر يجمع وجوها كثيرة منها المجهول كله في الثمن والمثمن إذا لم يوقف على حقيقة جملته فبيعه على هذا الحال من بيع الغرر وإن وقف على أكثر ذلك ويحاصر حتى لا يشكل المراد فيه فما جهل منه من التافه اليسير الحقير والنزر في جنب الصفقة إذا كان مما لا يمكن الوصول إلى معرفة حقيقته فلا يضر ذلك وهو متجاوز عنه غير مراعى عند جماعة العلماء ومن بيوع الغرر بيع الآبق والجمل الشارد والإبل الصعاب في المرعى وكذلك الرمك والبقر الصغار إذا كان الأغلب من أمرها جهل أسنانها وعدم تقليبها والحيتان في الآجام والطائر غير الداجن إذا لم يكن مملوكا مقبوضا عليه والقمار كله من بيع الغرر وبيع الحصاة من القمار ومعنى بيع الحصاة عندهم أن تكون جملة ثياب منشورة أو مطوية فيقول القائل أي هذه الثياب وقعت عليها حصاتي هذه فقد وجب فيها البيع بيني وبينك بكذا دون تأمل ولا رؤية فهذا ايضا غرر واسم بيع الغرر اسم جامع لهذه المعاني كلها وما أشبهها إلا أن العلماء اختلفوا في الآبق يكون في يد مشتريه فقال مالك لا يجوز

(21/136)


بيع الآبق إلا أن يكون بحيث يقدر على تسليمه ويعرف البائع والمشتري حاله في وقت البيع .
وقال الحسن بن حي والشافعي وعبيد الله بن الحسن لا يجوز بيع العبد الابق.
وقال أبو حنيفة وأصحابه لا يجوز بيع العبد الآبق إلا أن يكون في يد مشتريه .
وقال عثمان البتي لا بأس ببيع الابق والبعير الشارد وإن هلك فهو من مال المشتري وإن اختلفا في هلاكه فعلى المشتري البينة أنه هلك قبل أن يشتريه وإلا أعطاه قيمته وكذلك المبتاع إذا تقدم شراؤه
قال أبو عمر:
قول عثمان البتي هذا هو مردود بالسنة المذكورة في هذا الحديث وقول أبي حنيفة في جواز بيعه إذا علمه المشتري دون البائع ليس بشيء والصحيح ما قاله مالك فيما ذكرنا عنه وهو مذهب الشافعي وغيره أيضا إذا كان على ما وصفنا والبيع الفاسد من بيوع الغرر وغيرها إذا وقع فسخ إن أدرك قبل القبض وبعده فإن فات بعد القبض رد إلى قيمته بالغا ما بلغ يوم قبضه إلى يوم وقعت صفقته فإن أصيب عند البائع قبل القبض فمصيبته بكل حال منه ومن هذا الباب بيع اللبن في الضرع وبيع المغيب تحت الأرض من البقول إذا لم تر ومن ذلك بيع الدين على المفلس وعلى الميت وبيع المضامين والملاقح وحبل حبلة وقد مضى تفسير ذلك في باب نافع

(21/137)


ومن ذلك بيع الجنين في بطن أمه وكل ما لا يدري المبتاع حقيقة ما يحصل عليه ولا ما يصير إليه وفروع هذا الباب كثيرة جدا وللعلماء فيها مذاهب لو تقصيناها لخرجنا عن تأليفنا ومقصدنا وبالله التوفيق

(21/138)


الحديث التاسع
...
حديث تاسع لأبي حازم
مالك عن أبي حازم عن سهل بن سعد الساعدي قال ساعتان تفتح لهما أبواب السماء وقل داع ترد عليه دعوته حضرة النداء للصلاة والصف في سبيل الله.
هكذا هو موقوف على سهل بن سعد في الموطأ عند جماعة الرواة ومثله لا يقال من جهة الرأي وقد رواه أيوب بن سويد ومحمد بن خالد وإسماعيل بن عمرو عن مالك مرفوعا كتب إلى أبو الفضل أحمد بن أبي عمران الهروي إجازة بخطه قال حدثنا أبو بكر محمد بن علي بن عاصم الأصبهاني قال حدثنا أبو بشر الدولابي قال حدثنا أبو عمير أحمد بن عبد العزيز بن سويد البلوي حدثنا أيوب بن سويد قال حدثنا مالك عن أبي حازم عن سهل بن سعد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ساعتان تفتح فيهما أبواب السماء وقلما ترد على داع دعوته لحضور الصلاة والصف في سبيل الله" .
قال وحدثنا الطبراني قال حدثنا موسى بن جمهور قال حدثنا مؤمل ابن إهاب قال حدثنا أيوب بن سويد حدثني مالك عن أبي حازم عن سهل

(21/138)


ابن سعد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ساعتان لا ترد على داع دعوته فيهما حين تقام الصلاة والصف في سبيل الله" .
وحدثنا خلف بن قاسم حدثنا محمد بن عبد الله بن زكرياء حدثنا محمد بن جعفر الكوفي حدثنا مؤمل بن إهاب حدثنا أيوب بن سويد حدثني مالك فذكره بإسناده مرفوعا.
وحدثنا خلف حدثنا أحمد بن الحسين بن إسحاق بن عتبة الرازي وأبو القاسم علي بن الحسن بن جعفر بن أخي محمد بن جعفر الإمام بدمياط قالا حدثنا بكر بن سهل الدمياطي حدثنا محمد بن مخلد الرعيني حدثنا مالك عن أبي حازم عن سهل بن سعد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ساعتان تفتح فيهما أبواب السماء قلما ترد فيهن دعوة حضور الصلاة وعند الصف للقتال" .
وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال "لا يرد الدعاء بين الأذان والإقامة" من وجوه حسان.
أخبرنا خلف بن قاسم حدثنا ابن السكن حدثنا يحيى بن محمد بن ساعد حدثنا حفص بن عمرو الرقاشي حدثنا أبو زياد سهل بن زياد الطحان عن سليمان التيمي عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " إذا نودي بالأذان فتحت أبواب السماء واستجيب الدعاء " .
وأخبرنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا محمد ابن عبد السلام الخشني حدثنا بندار حدثنا عبد الرحمن بن مهدي حدثنا سفيان عن زيد عن أبي إياس عن أنس بن مالك قال لا يرد الدعاء بين

(21/139)


الأذان والإقامة وروى يزيد الرقاشي عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " عند الأذان تفتح أبواب السماء وعند الإقامة لا ترد دعوة" .
وقال عطاء عند نزول الغيث والتقاء الزحفين والأذان يستجاب الدعاء .
وحدثنا أحمد بن محمد حدثنا أحمد بن الفضل حدثنا محمد بن جرير حدثنا أبو عميرة عبد العزيز بن أحمد بن سويد حدثنا أيوب بن سويد الرملي حدثنا مالك بن أنس عن أبي حازم عن سهل بن سعد الساعدي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ساعتان تفتح لهما أبواب السماء وقلما ترد على الداعي فيهما دعوته حضور الصلاة والصف في سبيل الله" .
وحدثنا أحمد بن محمد حدثنا أحمد بن الفضل حدثنا محمد بن جرير حدثنا محمد بن عمارة الأسدي قال حدثنا عبيد الله بن موسى حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن يزيد بن أبي مريم عن انس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن الدعاء لا يرد بين الأذان والإقامة " .
وأخبرنا أحمد حدثنا أحمد حدثنا محمد بن جرير حدثنا أبو هشام الرفاعي حدثنا ابن عامر حدثنا سفيان عن زيد العمي عن أبي إياس معاوية بن قرة عن انس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " الدعاء لا يرد بين الأذان والإقامة" ووقفه ابن مهدي عن سفيان حدثنا أحمد حدثنا محمد حدثنا ابن بشار حدثنا عبد الرحمن حدثنا سفيان عن زيد العمي عن أبي إياس عن أنس بن مالك قال لا يرد الدعاء بين الأذان والإقامة قال وحدثنا ابن بشار وابن المثنى قالا حدثنا يحيى بن سعيد عن سليمان التيمي عن قتادة عن أنس قال إذا أقيمت الصلاة فتحت أبواب السماء واستجيب الدعاء

(21/140)


سلمة بن صفوان
وله حديث واحد
...
مالك عن سلمة بن صفوان حديث واحد
وهو سلمة بن صفوان بن سلمة الزرقي مدني ثقة يروي عن أبي سلمة وغيره روى عنه مالك وغيره .
مالك عن سلمة بن صفوان عن زيد بن طلحة بن ركانة يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لكل دين خلق وخلق الإسلام الحياء" .
هكذا هذا الحديث في الموطأ عند جمهور الرواة عن مالك ورواه وكيع عن مالك عن سلمة بن صفوان عن يزيد بن طلحة بن ركانة عن أبيه ولا أعلم أحدا قال فيه عن أبيه عن مالك إلا وكيع فإن صحت رواية وكيع فالحديث مسند من هذا الطريق وأما معناه فمتصل مستند من وجوه عن النبي صلى الله عليه وسلم وقال يحيى بن يحيى في هذا الحديث زيد بن طلحة وقال القعنبي وابن بكير وابن القاسم وغيرهم يزيد بن طلحة بن ركانة وهو

(21/141)


الصواب وهو يزيد بن طلحة بن ركانة بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب ابن عبد مناف وقد أنكر يحيى بن معين على وكيع في هذا الحديث قوله عن أبيه وقال ليس فيه عن أبيه وهو مرسل وقد رواه محمد بن سليمان الأنباري عن وكيع عن مالك بن أنس عن سلمة بن صفوان عن ابن ركانة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكره وهذا يشبه أن يكون مثل رواية جماعة أصحاب مالك لأنه لم يقل فيه عن أبيه وإن كان لم يسمه ولا أعلمه يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم هذا الحديث بغير هذا الإسناد إلا ما انفرد به معاوية بن يحيى عن الزهري عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "لكل دين خلق وخلق الإسلام الحياء" .
ومعاوية بن يحيى ضعيف لا يحتج بحمله ولا يوثق بنقله وقد روى من حديث الشاميين بإسناد حسن.
حدثناه خلف بن القاسم رحمه الله قال حدثنا أبو بكر محمد بن الحسين بن صالح السبيعي الحلبي بدمشق قال حدثنا أبو عمر عبد الله بن محمد بن يحيى الأزدي قال حدثنا آدم بن أبي إياس العسقلاني عن معن ابن الوليد عن ثور بن يزيد عن خالد بن مهران عن معاذ بن جبل قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لكل دين خلق وخلق الإسلام الحياء من لا حياء له لا دين له" وبإسناده عن معاذ بن جبل قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " زينوا الإسلام بخصلتين" قلنا وما هما فقال "الحياء والسماحة في الله لا في غيره " .
وأما حديث وكيع فحدثنا خلف بن القاسم قال حدثنا أبو الحسن علي ابن محمد بن بديع البغدادي المعدل حدثنا محمد بن صالح بن ذريح حدثنا

(21/142)


هناد بن السدي حدثنا وكيع عن مالك بن أنس عن سلمة بن صفوان عن يزيد بن ركانة عن أبيه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن لكل دين خلقا وإن خلق هذا الدين الحياء" .
وحدثنا خلف بن القاسم قال حدثنا أبو العباس محمد بن إسماعيل بن محمد الزبيري حدثنا يوسف بن محمد بن عيسى حدثنا يوسف بن موسى القطان حدثنا وكيع عن مالك بن أنس عن ابن صفوان عن يزيد بن ركانة عن أبيه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "إن لكل دين خلقا وإن خلق هذا الدين الحياء " .
وقد روي عن عيسى بن يونس عن مالك عن الزهري عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال "لكل دين خلق وخلق هذا الدين الحياء" وذلك عندنا خطأ وإنما هو لمالك عن سلمة بن صفوان لا عن الزهري عن أنس.
وحديث عيسى بن يونس إنما هو عن معاوية بن يحيى عن الزهري عن أنس لا عن مالك بن أنس ذكره البزار قال حدثنا أحمد بن منصور حدثنا نعيم بن حماد حدثنا عيسى بن يونس بن يحيى عن الزهري عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم فذكره وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال "الحياء شعبة من الإيمان" رواه عبد الله بن دينار عن أبي صالح عن أبي هريرة وروى ابن شهاب عن سالم عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال "الحياء من الإيمان " وقد مضت هذه الاثار في باب ابن شهاب عن سالم من هذا الكتاب والحمد لله

(21/143)


حدثنا عبد الله بن محمد قال أخبرنا حمزة بن محمد قال حدثنا أحمد بن شعيب أخبرنا يحيى بن حبيب بن عربي حدثنا خالد بن الحرث عن ابن عجلان عن عبد الله بن دينار عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "الحياء شعبة من الإيمان"

(21/144)


أبو النضر مولى عمر بن عبيد الله
مدخل
...
أبو النضر مولى عمر بن عبيد الله
واسمه سالم بن أبي أمية مولى عمر بن عبيد الله بن معمر التيمي تيم قريش وكان كاتبا لعمر بن عبيد الله وهو أحد الثقات الأثبات من أهل المدينة روى عن جماعة من التابعين بالمدينة وقد رأى عبد الله بن عمر وسمع منه ويروي عن ابن أبي أوفى والسائب بن يزيد.
حدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا إسماعيل بن إسحاق قال حدثنا إسحاق بن محمد الفروي حدثنا عبد الله بن عمر عن أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله قال كنت جالسا مع عبد الله بن عمر فجاء رجل فسلم عليه فرأى بين عينيه أثر سجدة فقال ما هذا صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر فلم أر ههنا شيئا ومسح عبد الله بين عينيه .
وروى عن أبي النضر جماعة من الأئمة منهم مالك والثوري وابن عينة ومحمد بن إسحاق وعبيد الله بن عمر وغيرهم ونسبه محمد بن إسحاق فقال سالم بن أبي أمية وتوفي أبو النضر في سنة ثلاثة وثلاثين وقيل سنة ثلاثين ومائة.
لمالك عنه في الموطأ خمسة عشر حديثا منها تسعة متصلة مسندة ومنها حديث ظاهره الاتصال وليس بمتصل وسائرها منقطعة مرسلة

(21/145)


قال عبد الله بن أحمد بن حنبل سألت أبي عن سالم أبي النضر فقال ثقة وقال يحيى بن معين سالم أبو النضر مدني ثقة وقال الحميدي سئل سفيان بن عيينة عن سالم أبي النضر فقال ثقة وكان مالك يصفه بالفضل والعقل والعبادة

(21/146)


الحديث الأول
...
حديث أول لأبي النضر
مالك عن أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله عن بسر بن سعيد أن زيد بن خالد أرسله إلى أبي جهيم يسأله ماذا سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم في المار بين يدي المصلي فقال أبو جهيم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه لكان أن يقف أربعين خيرا له من أن يمر بين يديه" قال أبو النضر لا أدري أربعين يوما أو شهرا أو سنة
قال أبو عمر:
أبو جهيم هذا هو أبو جهيم بن الحرث بن الصمة الأنصاري وهو ابن أخت أبي بن كعب وقد قيل فيه عبد الله بن جهيم أبو جهيم وقد ذكرناه في الصحابة بما يغني عن ذكره ههنا ولم تختلف الرواة عن مالك في شيء من هذا الحديث

(21/146)


وروى ابن عيينة هذا الحديث مقلوبا عن أبي النضر عن بسر بن سعيد جعل في موضع زيد بن خالد أبا جهيم وفي موضع أبي جهيم زيد بن خالد والقول عندنا قول مالك وقد تابعه الثوري وغيره.
أخبرنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا أبي قال حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان يعني الثوري عن سالم أبي النضر عن بسر بن سعيد قال أرسلني زيد بن خالد إلى أبي جهيم أسأله ماذا سمع فذكر مثل حديث مالك.
وأخبرنا قاسم بن محمد قال حدثنا خالد بن سعيد قال حدثنا أحمد بن عمرو قال حدثنا محمد بن سنجر قال حدثنا قبيصة قال حدثنا سفيان عن سالم أبي النضر عن بسر بن سعيد قال أرسلني زيد بن خالد الجهني إلى أبي جهيم أسأله ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في الذي يمر بين يدي المصلي قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " لأن يقوم الرجل مقامه خير له من أن يمر بين يدي المصلي" .
ورواه وكيع عن سفيان عن سالم أبي النضر عن بسر بن سعيد عن عبد الله بن جهيم قال قال لي النبي صلى الله عليه وسلم فذكره هكذا قال عبد الله بن جهيم ذكره أبو بكر بن أبي شيبة عن وكيع وهو وهم من وكيع والصحيح في ذلك رواية مالك ومن تابعه.
وذكر ابن أبي شيبة أيضا عن وكيع عن عبد الله بن عبد الرحمن بن موهب عن عمه عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لو يعلم أحدكم ما له في أن يمر بين يدي المصلي معترضا كان لأن يقف مائة عام خير له من الخطوة التي خطا"

(21/147)


وأما حديث ابن عيينة فرواه الحميدي وغيره عنه بمعنى واحد مقلوبا كما وصفنا وزاد عنه أو ساعة.
وحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أحمد بن زهير بن حرب قال حدثنا أبي قال حدثنا سفيان عن سالم أبي النضر عن بشر بن سعيد قال أرسلني أبو جهيم إلى زيد بن خالد ما سمع من النبي صلى الله عليه وسلم في الذي يمر بين يدي المصلي فقال "لأن يقوم أربعين خير من أن يمر بين يديه لا أدري سنة او يوما أو ساعة" .
قال أحمد بن زهير سئل يحيى بن معين عن هذا الحديث فقال خطأ إنما هو زيد إلى أبي جهيم كما روى مالك
قال أبو عمر:
لا خلاف بين العلماء في كراهية المرور بين يدي المصلي لكل أحد ويكرهون للمصلي أيضا أن يدع أحدا يمر بين يديه وعليه عندهم أن يدفعه جهده ما لم يخرج إلى حد من العمل يفسد به على نفسه صلاته.
وقد مضى القول في درء المصلي من يمر بين يديه والحكم في ذلك مبسوطا في باب زيد بن أسلم من هذا الكتاب والإثم على المار بين يدي المصلي فوق الإثم على الذي يدعه يمر بين يديه وكلاهما عاص إذا كان بالنهي عالما والمار أشد إثما إذا تعمد ذلك وهذا ما لا أعلم فيه خلافا ومع هذا فإنه لا يقطع صلاة من مر بين يديه على ما قد قدمنا ذكره في باب زيد ابن أسلم والحمد لله

(21/148)


حدثنا خلف بن أحمد قال حدثنا أحمد بن مطرف قال حدثنا محمد بن عمر بن لبابة وأيوب بن سليمان قالا حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم حدثنا عبد الله بن يزيد المقرئ حدثنا أيوب بن موسى الغافقي حدثني أبو عمر أن الغافقي قال سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص يقول لأن يكون الرجل رمادا يذرى خير له من أن يمر بين يدي رجل يصلي متعمدا
قال أبو عمر:
قال بعض أهل العلم إن من صلى إلى غير سترة لم يحرم على أحد المرور بين يديه ولا يجوز له أن يدفع من مر بين يديه إذا صلى إلى غير سترة قال وإنما المعنى في هذا الباب لمن صلى إلى سترة وغيره يقول السترة وغير السترة في هذا الباب سواء ولمالك عن أبي النضر عن بسر بن سعيد حديث آخر موقوف عند مالك وقد وصله غيره من الثقات منهم موسى بن عقبة وغيره حدثنا محمد بن إبراهيم قال حدثنا محمد بن معاوية قال حدثنا أحمد ابن شعيب قال حدثنا أحمد بن سليمان قال حدثنا عفان بن مسلم قال حدثنا وهيب قال سمعت موسى بن عقبة قال سمعت أبا النضر يحدث عن بسر بن سعيد عن زيد بن ثابت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "صلوا أيها الناس في بيوتكم فإن أفضل صلاة المرء في بيته إلا الصلاة المكتوبة" .
ورواه ابن جريج عن موسى بن عقبة عن أبي النضر عن بسر عن زيد مثله عن النبي صلى الله عليه وسلم مرفوعا وهو حديث ثابت مرفوع صحيح ومثله لا يكون رأيا وإذا كانت صلاة النافلة في البيت أفضل منها في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم لأنه

(21/149)


عليه خرج هذا الخبر فما ظنك بها في غير هذا البلد ولهذا قال بعض الحكماء إخفاء العمل نجاة وإخفاء العلم هلكة والمأمور بستره من أعمال البر النوافل دون المكتوبات والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات

(21/150)


الحديث الثاني
...
حديث ثان لأبي النضر
مالك عن أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله عن نافع مولى أبي قتادة عن أبي قتادة أنه كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره حتى إذا كانوا ببعض طريق مكة تخلف مع أصحاب له محرمين وهو غير محرم فرأى حمار وحش فاستوى على فرسه فسأل أصحابه أن يناولوه سوطه فأبوا فسألهم رمحه فأبوا فأخذه ثم شد على الحمار فقتله فأكل منه بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وأبى بعضهم فلما أدركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم سألوه عن ذلك فقال "إنما هي طعمة أطعمكموها الله" .
و هذا حديث ثابت صحيح لا يختلف أهل العلم بالحديث في ثبوته وصحته وقد روي عن أبي قتادة من وجوه وقد رواه جابر أيضا عن أبي قتادة أخبرنا سعيد بن نصر وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا إسماعيل بن إسحاق حدثنا سليمان بن حرب وحجاج بن منهال قالا حدثنا حماد بن سلمة عن أبي الزبير عن جابر أن أبا قتادة أصاب حمار وحش وهو حلال فأكلوا منه

(21/150)


قال حماد بن سلمة سمعت محمد بن المنكدر يحدث عن أبي هريرة وجابر بمثل هذا الحديث.
أخبرنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا مطلب بن شعيب حدثنا أبو صالح حدثنا الليث قال حدثني يزيد بن أبي حبيب عن محمد بن إسحاق عن عبد الله بن أبي سلمة أنه حدثه أن نافعا الأقرع مولى بني غفار حدثه أن أبا قتادة حدثه أنه اعتمر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر الحديث نحوا من حديث مالك.
وروى مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي قتادة في الحمار الوحشي مثل حديث أبي النضر إلا أن في حديث زيد بن أسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "هل معكم من لحمه شيء " .
وأخبرنا سعيد بن نصر وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن إسماعيل حدثنا الحميدي حدثنا سفيان حدثنا صالح بن كيسان قال سمعت أبا محمد يقول سمعت أبا قتادة يقول خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كنا بالقاحة فمنا المحرم وغير المحرم إذ بصرت بأصحابي يتراءون شيئا فنظرت فإذا أنا بحمار وحش فأسرجت فرسي وأخذت رمحي وركبت فرسي فسقط سوطي فقلت لأصحابي ناولوني وكانوا محرمين فقالوا لا والله لا نعينك عليه بشيء فتناولت سوطي ثم أتيت الحمار من خلفه وهو وراء أكمة فطعنته برمحي فعقرته فأتيت به أصحابي فقال بعضهم نأكله وقال بعضهم لا نأكله قال وكان النبي صلى الله عليه وسلم أمامنا فحركت فرسي فأدركته فسألته فقال "هو حلال فكلوه "

(21/151)


قال أبو عمر:
يقال إن أبا قتادة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وجهه على طريق البحر مخافة العدو فلذلك لم يكن محرما إذا اجتمع مع أصحابه لأن مخرجهم لم يكن واحدا وكان ذلك عام الحديبية أو بعده بعام عام القضية وكان اصطياد أبي قتادة الحمار لنفسه لا لأصحابه والله أعلم .
وفي حديث أبي قتادة هذادليل على أن لحم الصيد حلال أكله للمحرم إذا لم يصده وصاده الحلال وفي ذلك أيضا دليل على أن قوله عز وجل َ{حُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً} معناه الاصطياد وقتل الصيد وأكله لمن صاده وأما من لم يصده فلي ممن عني بالآية والله أعلم وتكون هذه الآية على هذا التأويل مثل قوله عز وجل {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} سواء لأن هذه الاية إنما نهي فيها عن قتل الصيد واصطياده لا غير وهذا باب اختلف فيه السلف والخلف فكان عطاء ومجاهد وسعيد بن جبير يرون للمحرم أكل ما صاده الحلال من الصيد مما يحل للحلال أكله وبه قال ابو حنيفة وأصحابه وهو قول عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان والزبير بن العوام وأبي هريرة وحجة من ذهب هذا المذهب حديث أبي قتادة هذا وحديث البهزي وسنذكره في باب يحيى بن سعيد من كتابنا هذا إن شاء الله وحديث طلحة بن عبيد الله.
أخبرنا محمد بن إبراهيم قال حدثنا محمد بن معاوية قال حدثنا أحمد ابن شعيب قال أخبرنا عمرو بن علي قال حدثنا يحيى بن سعيد قال حدثنا ابن جريج قال حدثني محمد بن المنكدر عن معاذ بن عبد الرحمن التيمي

(21/152)


عن أبيه قال كنا مع طلحة بن عبيد الله ونحن محرمون فأهدي لنا طير وهو راقد فأكل بعضنا فاستيقظ طلحة فوفق من أكله وقال أكلناه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال آخرون لحم الصيد محرم على المحرمين على كل حال ولا يجوز لمحرم أكل لحم صيد ألبته على ظاهر عموم قول عز وجل {وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً} قال ابن عباس هي مبهمة وكذلك كان علي بن أبي طالب وابن عمر لا يريان أكل الصيد للمحرم ما دام محرما وكره ذلك طاوس وجابر بن زيد وروي عن الثوري وإسحاق مثل ذلك وحجة من ذهب هذا المذهب حديث ابن عباس عن الصعب بن جثامة أنه أهدى لرسول الله صلى الله عليه وسلم حمار وحش أو لحم حمار وحش بالأبواء أو بودان فرده عليه وقال "لم نرده عليك إلا أنا حرم" وقد ذكرنا هذا الخبر في باب ابن شهاب من هذا الكتاب وحجتهم أيضا حديث زيد بن ارقم وابن عباس.
حدثنا عبد الوارث حدثنا قاسم حدثنا جعفر بن محمد حدثنا عفان وحدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود حدثنا أبو سلمة قالا جميعا حدثنا حماد بن سلمة قال أخبرنا قيس بن سعد عن عطاء عن ابن عباس أنه قال لزيد بن أرقم يا زيد أما علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهدي له عضد صيد وقال عفان عضو صيد فلم يقبله وقال أنا حرم قال نعم وقال عفان بلى.
وروي عن علي بن زيد عن عبد الله بن الحرث بن نوفل عن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم معناه في حديث فيه طول وفيه عن عثمان إجازة ذلك وقال آخرون ما صاده الحلال للمحرم أو من أجله فلا يجوز له أكله وما لم يصد له ولا من أجله فلا بأس للمحرم بأكله وهو الصحيح عن عثمان

(21/153)


في هذا الباب وبه قال مالك والشافعي وأصحابهما وأحمد وإسحاق وأبو ثور وروي أيضا عن عطاء مثل ذلك وحجة من ذهب هذا المذهب أنه عليه تصح الأحاديث في هذا الباب وأنها إذاحملت على ذلك لم تتضاد ولا تدافعت وعلى هذا يجب أن تحمل السنن ولا يعارض بعضها ببعض ما وجد إلى استعمالها سبيل هذا وجه النظر في ذلك.
وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث مثل ذلك حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا ابن وضاح قال حدثنا يوسف بن عدي قال حدثنا ابن وهب عن يعقوب بن عبد الرحمن عن عمرو مولى المطلب أخبره عن المطلب بن عبد الله بن حنطب عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "لحم صيد البر لكم حلال وأنتم حرم ما لم تصطادوه أو يصطد لكم" .
أخبرنا عبد الله بن محمد قال حدثنا حمزة بن محمد قال حدثنا أحمد ابن شعيب قال أخبرنا قتيبة بن سعيد قال حدثنا يعقوب عن عمرو عن المطلب عن جابر قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "صيد البر لكم حلال ما لم تصيدوه أو يصد لكم" .
قال حمزة قال لنا أبو عبد الرحمن عمرو بن أبي عمر ليس بالقوي في الحديث وإن كان مالك قد روى عنه واختلف عن مالك وطائفة من أهل المدينة فيما صيد لقوم معينين من المحرمين هل يجوز أكله لغيرهم من المحرمين فقال بعضهم لا يجوز وأجازه بعضهم على مذهب عثمان رحمه الله وقد أتينا بما للعلماء في هذه المسألة وأخواتها من التنازع والمذاهب في كتاب الاستذكار والحمد لله

(21/154)


قال أبو عمر:
وفي حديث أبي قتادة أنه لما استوى على فرسه سأل أصحابه أن يناولوه سوطه أو رمحه فأبوا وفي هذا دليل على أن المحرم إذا أعان الحلال على الصيد بما قل أو كثر فقد فعل ما لا يجوز له وهذا إجماع من العلماء واختلفوا في المحرم يدل المحرم أو الحلال على الصيد فأما إذا دل المحرم الحلال على الصيد فقال مالك والشافعي وأصحابهما يكره له ذلك ولا جزاء عليه وهو قول ابن الماجشون وأبي ثور ولا شيء عليه.
وقال المزني جائز أن يدل المحرم الحلال على الصيد وقال أبو حنيفة واصحابه عليه الجزاء قال أبو حنيفة ولو دله في الحرم لم يكن عليه جزاء وقال زفر عليه الجزاء في الحل دله عليه أو الحرم وبه قال أحمد وإسحاق وهو قول علي وابن عباس وعطاء.
قال أبو عمر:
القول الأول أقيس وأصح في النظر واختلف العلماء أيضا فيما يجب على المحرم يدل المحرم على الصيد فيقتله فقال قوم عليهما كفارة واحدة منهم عطاء وحماد بن أبي سليمان.
وقال آخرون على كل واحد منهما كفارة روي ذلك عن سعيد بن جبير والشعبي والحرث العكلي وبه قال أبو حنيفة وأصحابه .
وعن سعيد بن جبير أنه قال على كل واحد من القاتل والآمر والمشير والدال جزاء وقال الشافعي وأبو ثور لا جزاء إلا على القاتل وحده .
واختلفوا في الجماعة يشتركون في قتل الصيد فقال مالك إذا قتل جماعة محرمون صيدا أو جماعة محلون في الحرم صيدا فعلى كل واحد منهم جزاء كامل وبه قال الثوري والحسن بن حي وهو قول الحسن البصري

(21/155)


والنخعي ورواية عن عطاء وقال أبو حنيفة وأصحابه إذا قتل جماعة محرمون صيدا فعلى كل واحد منهم جزاء كامل وإن قتل جماعة محلون صيدا في الحرم فعلى جماعتهم جزاء واحد وقال الشافعي عليهم كلهم جزاء واحد وسواء كانوا محرمين أو محلين في الحرم وهو قول عطاء والزهري وبه قال أحمد وإسحاق وأبو ثور.
وروي عن عمر و عبد الرحمن بن عوف أنهما حكما على رجلين أصابا ظبيا بشاة.
قال أبو عمر:
من جعل على كل واحد منهم جزاء قاسه على الكفارة في قتل النفس لأنهم لا يختلفون في وجوب الكفارة على جميع القتلة خطأ على كل واحد منهم كفارة ومن جعل فيه جزاء واحدا قاسه على الدية ولا يختلفون أن من قتل نفسا خطأ وإن كانوا جماعة إنما عليهم دية واحدة يشتركون فيها وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي قتادة هذا ما يدل على أن المشير المحرم لا يجوز له أكل ما أشار بقتله على الحلال.
أخبرنا محمد بن إبراهيم قال حدثنا محمد بن معاوية قال حدثنا أحمد ابن شعيب أخبرنا محمود بن غيلان قال حدثنا أبو داود قال أخبرنا شعبة قال أخبرني عثمان بن عبد الله بن موهب قال سمعت عبد الله بن أبي قتادة يحدث عن أبيه أنهم كانوا في مسير لهم بعضهم محرم وبعضهم ليس بمحرم قال فرأيت حمار وحش فركبت فرسي وأخذت الرمح فاستعنتهم فأبوا أن يعينوني فاختلست سوطا من بعضهم وشددت على الحمار فأصبته فأكلوا منه فأشفقوا قال فسئل عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال "هل أشرتم أو أعنتم" قالوا لا قال "فكلوه"

(21/156)


الحديث الثالث
...
حديث ثالث لأبي النضر
مالك عن أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله عن عمير مولى ابن عباس عن أم الفضل بنت الحرث أنا أناسا اختلفوا عندها في يوم عرفة في رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال بعضهم هو صائم وقال بعضهم ليس بصائم فأرسلت إليه بقدح لبن وهو واقف على بعيره فشربه
قال أبو عمر:
محمل هذا الحديث عندنا أنه كان بعرفة وقد روي ذلك منصوصا وإذا كان بعرفة فالفطر أفضل تأسيا برسول الله صلى الله عليه وسلم وقوة على الدعاء وقد قال صلى الله عليه وسلم "أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة" ونهى عن صوم يوم عرفة بعرفة وتخصيصه بعرفة دليل على أن غير عرفة ليست كذلك وقد روي عنه صلى الله عليه وسلم فضل صوم عرفة وأنه يكفر سنتين والله أعلم.
وقد روي عن ميمونة في هذا الباب مثل حديث أم الفضل سواء حدثناه أحمد بن سعيد حدثنا ابن أبي دليم حدثنا ابن وضاح حدثنا يعقوب بن حميد حدثنا الدراوردي عن إبراهيم بن عقبة عن كريب عن ابن عباس عن ميمونة أنهم تماروا في صيام رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم عرفة فقالت ميمونة سأبعث إليه بشراب فإن كان مفطرا لم يرده فبعثت إليه بقدح لبن فشرب والناس ينظرون يعني يوم عرفة

(21/157)


وكان مالك والثوري والشافعي يختارون الفطر يوم عرفة بعرفة.
قال إسماعيل عن ابن ابي أويس عن مالك أنه كان يأمر بالفطر يوم عرفة في الحج ويذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ذلك اليوم مفطرا .
وقال الشافعي أحب صوم يوم عرفة لغير الحاج فأما من حج فأحب إلي أن يفطر ليقويه الفطر على الدعاء
قال أبو عمر:
قول الشافعي أحسن شيء في هذا الباب وكان ابن الزبير وعائشة يصومان يوم عرفة وعن عمر بن الخطاب وعثمان بن أبي العاصي مثل ذلك إلا أنه قد جاء عن عمر أنه لم يصم يوم عرفة وهذا عندي على أنه بعرفة لئلا تتضاد عنه الرواية في ذلك روى سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن عطاء عن عبيد بن عمير أن عمر بن الخطاب لم يصم يوم عرفة وأما عثمان ابن أبي العاصي فكان يصومه.
ذكر الفاكهي قال حدثنا حسين بن حسن ويعقوب بن حميد قالا حدثنا المعتمر بن سليمان قال سمعت حميدا يحدث عن الحسن قال لقد رأيت عثمان بن أبي العاصي يرش عليه ماء في يوم عرفة وهو صائم وهذا يحتمل أن يكون بغير عرفة أيضا .
قال وحدثنا يعقوب بن حميد حدثنا الوليد بن مسلم عن ابن جابر عن أبيه عن عطاء قال صيام يوم عرفة كصيام ألف يوم وهذا أيضا بغير عرفة والله أعلم وكان إسحاق بن راهويه يميل إلى صومه بعرفة وغير عرفة وقال قتادة لا بأس به إذا لم يضعف عن الدعاء وكان عطاء يقول أصومه في الشتاء ولا أصومه في الصيف وهذا لئلا يضعفه صومه مع الحر عن الدعاء والله أعلم

(21/158)


وكان ابن عمر يقول لم يصمه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أبو بكر ولا عمر ولا عثمان فأنا لا أصومه .
حدثنا عبد الله بن محمد حدثنا محمد بن عمر حدثنا علي بن حرب حدثنا سفيان عن ابن أبي نجيح عن أبيه عن ابن عمر قال حججت مع النبي صلى الله عليه وسلم فلم يصمه ومع أبي بكر فلم يصمه ومع عمر فلم يصمه ومع عثمان فلم يصمه ولا أصومه ولا آمر بصيامه ولا أنهى عنه وهذا يوضح لك أن ذلك كان في الحج بعرفة لما ذكرنا والله أعلم.
أخبرنا خلف بن سعيد قال حدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا أحمد ابن خالد قال حدثنا علي بن عبد العزيز قال حدثنا مسلم بن إبراهيم وحدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا إسماعيل بن إسحاق قال حدثنا مسدد قالا جميعا حدثنا الحرث بن عبيد أبو قدامة الإيادي قال حدثنا هوذة أبو الأشهب ابن خليفة بن عبد الله البصري عن أبيه عن جده قال مر عمر بن الخطاب بأبيات بعرفات فقال ما هذه الأبيات قلنا لعبد القيس فقال لهم خيرا ودعا لهم ونهاهم عن صوم يوم عرفة .
قال وحج أبي وطليق بن محمد الخزاعي فاختلفا في صوم يوم عرفة فقال أبي بيني وبينك سعيد بن المسيب فأتيناه فقلت له يا ابا محمد إنا اختلفنا في صوم يوم عرفة فجعلناك بيننا فقال أنا أخبركم عثمان هو خير مني عبد الله بن عمر كان لا يصومه وقال حججت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومع أبي بكر ومع عمر ومع عثمان فكلهم كان لا يصومه وأنا لا أصومه

(21/159)


قال أبو عمر:
محمل هذا عندي بعرفة خاصة والله أعلم والآثار تدل على ذلك ألا ترى أن في هذا الحديث عن عمر أنه مر بأبيات بعرفات لعبد القيس ومعلوم أن عمر إنما كان يأتي في خلافته عرفة في أيام الحج خاصة ومثل هذا حديث ابن أبي نجيح عن أبيه عن ابن عمر أنه سئل عن صيام يوم عرفة فقال حججت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يصمه وحججت مع عمر فلم يصمه وحججت مع عثمان فلم يصمه وأنا لا أصومه ولا آمر به ولا أنهى عنه وهذا يبين أن ذلك في أيام الحج وأنه لا يصح النهي عن صوم يوم عرفة إلا بعرفة في أيام الحج ومثل هذا أيضا حديث يحيى بن أبي إسحاق عن سعيد ابن المسيب عن ابن عمر في ذلك .
حدثنا سعيد بن نصر قراءة مني عليه أن قاسم بن أصبغ حدثهم قال حدثنا إسماعيل بن إسحاق قال حدثنا سليمان بن حرب قال حدثنا حماد ابن زيد قال حدثني يحيى بن أبي إسحاق قال سألت سعيد بن المسيب عن صوم يوم عرفة فقال كان ابن عمر لا يصومه فقلت غيره فقال حسبك به شيخا .
أخبرنا عبد الله بن محمد حدثنا محمد بن بكر حدثنا أبو داود حدثنا سليمان بن حرب قال حدثنا حوشب بن عقيل عن مهدي الهجري قال حدثنا عكرمة قال كنا عند ابي هريرة في بيته فحدثنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن صوم يوم عرفة بعرفة

(21/160)


وحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أحمد بن زهير حدثنا سليمان بن حرب قال حدثنا حوشب بن عقيل عن مهدي الهجري قال حدثنا عكرمة قال كنا عند أبي هريرة في منزله فحدثنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن صوم يوم عرفة بعرفة .
وروى حماد بن زيد وإسماعيل بن علية عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس قال أفطر رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرفة وبعثت إليه أم الفضل بلبن فشربه .
وفي حديث حماد بن زيد عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس قال حدثتني أم الفضل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفطر بعرفة أتته بلبن فشربه.
حدثنا أحمد بن قاسم قال حدثنا قاسم قال حدثنا الحرث بن أبي أسامة قال حدثنا داود بن نوح حدثنا حماد حدثنا أيوب عن عكرمة عن ابن عباس أنه أفطر بعرفة وأتي برمان فأكله. وقال حدثتني أم الفضل فذكره .
وحديث ابن علية ذكره ابن أبي شيبة عنه وهذا كله يدل على أن فطر رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم عرفة في حديث أم الفضل كان بعرفة وقد ذهبت طائفة إلى ترك صومه بعرفة وغير عرفة للدعاء وقالوا دعاء يوم عرفة بعرفة وغيرها دعاء مرجو إجابته وممن ذهب إلى هذا عبيد بن عمير ومحمد بن المنكدر وكان ابن عباس يقول لأصحابه من صحبني من ذكر أو أنثى فلا يصم يوم عرفة.
وروى سفيان عن سالم عن سعيد بن جبير أنه قال أفطر يوم عرفة لأتقوى على الدعاء وهذا ممكن أن يكون بعرفة لأنه موضع الاجتهاد في الدعاء مع ما فيه القوم من النصب والتعب بالسفر وأما ما روي في فضل صومه وذلك يدل على أنه بغيره والله أعلم.
فحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن إسماعيل قال حدثنا الحميدي قال حدثنا سفيان قال حدثنا داود بن

(21/161)


شابور عن أبي قزعة عن أبي الخليل عن أبي حرملة عن أبي قتادة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "صيام يوم عرفة يكفر هذه السنة والتي تليها" .
وهذا الحديث اختلف في إسناده اختلافا يطول ذكره وأبو الخليل وأبو حرملة لا يحتج بهما وطائفة تقول أبو حرملة وطائفة تقول حرملة بن إياس الشيباني ولكنه صحيح عن أبي قتادة من وجوه روى شعبة عن غيلان بن جرير المعولي عن عبد الله بن معبد الزماني عن أبي قتادة قال سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صوم عرفة فقال "يكفر السنة الماضية والباقية" ذكره أبو بكر بن أبي شيبة عن شبابة عن شعبة .
وحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن عبد السلام حدثنا محمد بن بشار حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن غيلان بن جرير سمع عبد الله بن معبد الزماني عن أبي قتادة الأنصاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن صوم يوم عرفة فقال "يكفر السنة الماضية والباقية" وسئل عن صوم يوم عاشوراء فقال "يكفر السنة الماضية" وهذا إسناد حسن صحيح وهو يعضد ما تقدم.
حدثنا خلف بن سعيد قال حدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا أحمد ابن خالد حدثنا علي بن عبد العزيز حدثنا سليمان بن أحمد الواسطي حدثنا عمر بن عبد الواحد حدثنا إسحاق بن عبد الله عن عياض بن عبد الله بن أبي سرح عن أبي سعيد الخدري عن قتادة بن النعمان قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "صوم يوم عرفة كفارة سنتين سنة أمامه وسنة خلفه"

(21/162)


قال أبو عمر:
إسحاق هذا هو إسحاق بن أبي فروة وهو ضعيف والفضائل يتسامح في أسانيدها.
وذكر الفاكهي قال حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال حدثنا المعتمر بن سليمان قال قرات على فضيل عن أبي حريز أنه سمع سعيد بن جبير يحدث أن رجلا سأل ابن عمر عن صوم يوم عرفة فقال كنا ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نعدله بصوم سنة وهذا يوضح لك ما ذكرناه وبذلك يصح استعمال الروايات كلها عن ابن عمر وغيره في هذا الباب وأما حديث عقبة بن عامر في هذا الباب .
فحدثناه أحمد بن محمد بن احمد قال حدثنا وهب بن مسرة قال حدثنا ابن وضاح قال حدثنا موسى بن معاوية وأبو بكر بن أبي شيبة قالا حدثنا وكيع بن الجراح عن موسى بن علي بن رياح عن أبيه عن عقبة بن عامر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "إن يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق عندنا أهل الإسلام وهي أيام أكل وشرب" .
وحدثنا أحمد بن محمد قال حدثنا وهب بن مسرة قال حدثنا محمد بن إبراهيم بن حيون قال حدثنا بشر بن موسى قال حدثنا عبد الله بن يزيد المقرئ عن موسى بن علي بن رياح عن أبيه عن عقبة بن عامر عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله.
قال أبو عمر:
هذا حديث انفرد به موسى بن علي عن أبيه وما انفرد به فليس بالقوي وذكر يوم عرفة في هذا الحديث غير محفوظ وإنما المحفوظ عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه "يوم الفطر ويوم النحر وأيام التشريق أيام أكل وشرب"

(21/163)


وقد أجمع العلماء على أن يوم عرفة جائز صيامه للمتمتع إذا لم يجد هديا وأنه جائز صيامه بغير مكة ومن كره صومه بعرفة فإنما كرهه من أجل الضعف عن الدعاء والعمل في ذلك الموقف والنصب لله فيه فإن صيامه قادرا على الإتيان بما كلف من العمل بعرفة بغير حرج ولا إثم.
وفي حديث موسى بن علي هذا ذكر عرفة مع بيان حكمه وذكر يوم النحر وقد أجمعوا على أنه لا يحل لأحد صومه وذكر أيام التشريق وقد اختلف العلماء في صيامها للمتمتع وغيره على ما يأتي ذكره في موضعه في هذا الكتاب إن شاء الله.

(21/164)


الحديث الرابع
...
حديث رابع لأبي النضر
مالك عن أبي النضر عن أبي سلمة عن عائشة أنها قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم حتى نقول لايفطر ويفطر حتى نقول لا يصوم وما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم استكمل صيام شهر قط إلا رمضان وما رأيته في شهر أكثر صياما منه في شعبان ليس.
في هذا الحديث معنى يشكل ولا للعلماء فيه تنازع وصيام غير شهر رمضان نافلة وتطوع والصيام سنة وفعل خير وعمل بر فمن شاء استقل ومن شاء استكثر وبالله توفيقنا

(21/164)


الحديث الخامس
...
حديث خامس لأبي النضر
مالك عن عبد الله بن يزيد وأبي النضر عن أبي سلمة عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي جالسا فيقرأ وهو جالس فإذا بقي من قراءته قدر ما يكون ثلاثين آية أو أربعين آية قام فقرأ وهو قائم ثم ركع وسجد ثم صنع في الركعة الثانية مثل .
لا خلاف فيمن افتتح صلاة نافلة قاعدا أن له أن يقوم فيها واختلفوا فيمن افتتحها قائما ثم قعد وقد ذكرنا ذلك في باب هشام بن عروة وهذا الحديث في الموطأ لمالك عن عبد الله بن يزيد وأبي النضر جميعا عن أبي سلمة عن عائشة وقال فيه عبيد الله بن يحيى عن أبيه عن مالك عن عبد الله بن يزيد عن أبي النضر فسقط له الواو وإنما هو وعن أبي النضر هذا ما لا خلاف بين الرواة فيه ولا إشكال ورواية عبيد الله عن أبيه وهم واضح لا يعرج عليه ولا يلتفت إليه ولا إلى مثله والله المستعان
قال أبو عمر:
ومعنى هذا الحديث في النافلة ولا يجوز لأحد أن يصلي في الفريضة جالسا وهو على القيام قادر وقد مضى القول في هذا المعنى مكررا في

(21/165)


مواضع من هذا الكتاب وجائز أن يصلي المرء في النافلة جالسا صلاته كلها وبعض صلاته إن شاء على ما في هذا الحديث وغيره ومن تطوع خيرا فهو خير له وهو مخير في النافلة كيف شاء عن قيام وقعود وأما الفريضة فإنه إذا ضعف عن إتمامه قائما قعد وبنى على صلاته كالعريان يجد ثوبا في الصلاة فيتستر به ويبنى ما لم يطل عمله في ذلك وهذا بيان ليس هذا موضع استيفاء القول فيه وبالله التوفيق.

(21/166)


الحديث السادس
...
حديث سادس لأبي النضر
مالك عن أبي النضر عن أبي سلمة عن عائشة أنها قالت كنت أنام بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجلاي في قبلته فإذا سجد غمزني فقبضت رجلي وإذا قام بسطتهما قالت والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح .
هذا من اثبت حديث يروى في هذا المعنى وقد روى القاسم عن عائشة مثله حدثناه خلف بن قاسم قال حدثنا سعيد بن عثمان بن السكن قال حدثنا عبد الله بن محمد البغوي قال حدثنا عبيد الله بن عمر القواريري قال حدثنا خالد بن الحرث قال حدثنا عبيد الله بن عمر عن القاسم قال بلغ عائشة أن أبا هريرة يقول إن المراة تقطع الصلاة فقالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي فتقع رجلي بين يديه أو بحذائه فيضربها فأقبضها

(21/166)


وحدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا ابو داود وحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا بكر ابن حماد قالا حدثنا مسدد حدثنا يحيى عن عبيد الله قال سمعت القاسم ابن محمد يحدث عن عائشة قالت بئسما عدلتمونا بالحمار والكلب لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي وأنا معترضة بين يديه فإذا أراد أن يسجد غمز رجلي فضممتهما إلي ثم يسجد .
وفيه من الفقه وجوه منها أن المرأة لا تبطل صلاة من صلى إليها ولا صلاة من مرت بين يديه وهذا موضع اختلفت فيه الآثار واختلف فيه العلماء أيضا فقالت طائفة يقطع الصلاة على المصلي إذا مر بين يديه الكلب والحمار والمرأة وممن قال هذا أنس بن مالك وأبو الأحوص والحسن البصري وحجة من قال بهذا القول حديث حميد بن هلال عن عبد الله بن الصامت عن أبي ذر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "يقطع صلاة الرجل إذا لم يكن بين يديه قيد آخره الرحل الحمار والمرأة والكلب الأسود" فقلت ما بال الأسود من الأحمر من الأصفر من الأبيض فقال يا ابن أخي سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم كما سألتني فقال" الكلب الأسود شيطان".
وروى يحيى بن أبي كثير عن عكرمة عن ابن عباس احسبه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "إذا صلى أحدكم إلى غير سترة فإنه يقطع صلاته الكلب والحمار والمجوسي والمرأة وتجزئ إذا مر بين يديه على قدفه بحجر" .
وروي عن عائشة أنها قالت لا يقطع الصلاة إلا الكلب الأسود وبه قال أحمد بن حنبل وقال في نفسي من المرأة والحمار شيء وكان ابن عباس وعطاء ابن أبي رياح يقولان يقطع الصلاة الكلب الأسود والمرأة الحائض

(21/167)


وحجة من قال هذا القول ما حدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود حدثنا مسدد حدثنا يحيى عن شعبة قال حدثنا قتادة قال سمعت جابر بن زيد يحدث عن ابن عباس رفعه شعبة قال يقطع الصلاة المراة الحائض والكلب.
وقال جمهور العلماء لا يقطع الصلاة شيء وهو قول مالك والشافعي وأبي حنيفة وأصحابهم والثوري وأبي ثور وداود والطبري وجماعة من التابعين.
قال أبو عمر:
الآثار المرفوعة في هذا الباب كلها صحاح من جهة النقل غير أن حديث أبي ذر وغيره في المراة والحمار والكلب منسوخ ومعارض فمما عارضه أو نسخه عند أكثر العلماء حديث عائشة المذكور في هذا الباب.
وأخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن حدثنا محمد بن عمر بن علي حدثنا علي بن حرب حدثنا سفيان عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي صلاته من الليل وأنا معترضة بينه وبين القبلة كاعتراض الجنازة.
حدثنا محمد بن عبد الله قال حدثنا محمد بن معاوية قال حدثنا إسحاق بن أبي حسان حدثنا هشام بن عمار حدثنا عبد الحميد حدثنا الأوزاعي قال حدثنا عطاء بن أبي رباح والزهري قالا حدثنا عروة بن الزبير عن عائشة قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل وأنا معترضة فيما بينه وبين القبلة فسقط بهذا الحديث أن تكون المرأة تقطع الصلاة وكيف تقطع الصلاة بمرورها وفي هذا الحديث أن اعتراضها في القبلة نفسها لا يضر

(21/168)


وروى شعبة عن سعد بن إبراهيم عن عروة عن عائشة قالت كنت بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين القبلة قال شعبة وأحسبها قالت وأنا حائض قال أبو داود رواه الزهري وعطاء وأبو بكر بن حفص وهشام بن عروة وعراك ابن مالك وأبو الأسود وتميم بن سلمة كلهم عن عروة عن عائشة ولم يذكروا فيه وأنا حائض قال أبو داود ورواه أيضا إبراهيم عن الأسود عن عائشة وأبو الضحى عن مسروق عن عائشة والقاسم وأبو سلمة عن عائشة ولم يذكروا وأنا حائض.
أخبرنا عبد الله بن محمد حدثنا محمد بن بكر حدثنا أبو داود حدثنا عبد الوارث قال حدثنا قاسم قال حدثنا بكر قالا حدثنا مسدد قال حدثنا يحيى عن عبيد الله قال سمعت القاسم يحدث عن عائشة قالت بئسما عدلتموني بالحمار والكلب لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي وأنا معترضة بين يديه فإذا أراد أن يسجد غمز رجلي فضممتهما إلي ثم يسجد.
وأما الحمار ففي رواية الزهري عن عبيد الله عن ابن عباس قال جئت على حمار فمررت بين يدي الصفوف وهذا الأغلب منه أنه مر بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يذكر سترة ولهذا سبق الحديث ولو من خلف السترة ما احتج بالحديث من ساقه كذلك والله أعلم.
هكذا رواه ابن عيينة وغيره عن الزهري وقال فيه عن مالك عن الزهري بإسناده أقبلت راكبا على آتان فمررت بين يدي بعض الصف فلم ينكر ذلك علي أحد وقد روى الليث عن يحيى بن أيوب عن محمد بن عمر بن علي

(21/169)


عن عباس بن عبيد الله بن عباس عن الفضل بن عباس قال أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن في بادية ومعه عباس فصلى في صحراء ليس بين يديه ستر وحمارة لنا وكلبة تعبثان بين يديه فما بالا بذلك.
ذكره أبو داود عن عبد الملك بن شعيب بن الليث عن أبيه عن جده ففي هذا الحديث ما يدل على أن الحمار والكلب لا يقطعان الصلاة ومن جهة النظر لا يجب أن يحكم بقطع الصلاة لشيء من الأشياء إلا بما لا تنازع فيه وقد تعارضت الآثار في هذا الباب واضطربت والأصل أن الحكم لا يجب إلا بيقين.
وقد روى مجالد عن أبي الوداك عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا يقطع الصلاة شيء وادرءوا ما استطعتم إنماهو شيطان" .
وقد ذكرنا أخبار هذا الباب مستوعبة وذكرنا ما للعلماء في ذلك في باب ابن شهاب من هذا الكتاب .
وأما قوله في حديثنا في هذا الباب ورجلاي في قبلته فإذا سجد غمزني فقبضت رجلي وفي حديث القاسم عن عائشة غمز رجلي فضممتهما إلي ففيه دليل على أن الملامسة لا تنقض الطهارة ما لم يكن معها اللذة وهذا مما نزع به واستدل جماعة من أصحابنا في باب الملامسة.
قرأت على أبي عمر أحمد بن عبد الله بن محمد أن أباه أخبره قال أخبرنا محمد بن عمر بن لبابة قال حدثني قاسم بن محمد قال حدثنا أبي قال قال لي المزني من اين قال مالك بن أنس إنه من لمس لشهوة انتقض وضوؤه ومن لمس لغير شهوة لم ينتقض عليه وضوؤه فقلت له قال

(21/170)


الله عز وجل {أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً} الآية فكان واجبا بظاهر الآية انتقاض وضوء كل ملامس كيف لامس فدلت السنة على أن الوضوء على بعض الملامس دون بعض فقال وأين السنة فقلت له حديث عائشة فقدت رسول الله صلى الله عليه وسلم فطلبته فوضعت يدي على قدميه وهو ساجد يقول "أعوذ برضاك من سخطك وبعفوك من عقوبتك وبك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك" قال قاسم فلما وضعت يدها على قدمه وهو ساجد وتمادى في سجوده كان دليلا على أن الوضوء لا ينتقض إلا على بعض الملامسين دون بعض قال المزني فإني أقول إنه كان على قدمه حائل شيء كالثوب يسترها أو نحوه قال قاسم فقلت له القدم بلا حائل حتى يثبت الحائل
قال أبو عمر:
ما أدري كيف يجوز على مثل المزني مع جلالته وفقهه وسعة فهمه مثل هذا الإدخال والاحتجاج والأغلب أن النائم مشتمل في ثوبه ملتحف به وإذا أمكن ذلك وهو الأغلب لم يجب أن يقطع بملامسة فيها مباشرة إلا بيقين ولا يقين في هذا الحديث لإمكان ستر القدم واحتماله وإذا احتمل لم تكن فيه حجة لأن الحجة ما لا تنازع فيه ولا يحتمل تأويل الخصم وحديث هذا الباب أولى من الحديث الذي احتج به قاسم لأن في حديثنا في هذا الباب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يغمز رجل عائشة أو رجليها فهو الملامس في هذا الحديث لو ثبت أنه باشرها أو شيئا من جسدها بالملامسة لأنه قد يحتمل أن يغمزها على الثوب أو يضرب رجلها بكمه ونحو هذا

(21/171)


والحديث الذي احتج به قاسم يرويه مالك عن يحيى بن سعيد عن محمد بن إبراهيم التيمي عن عائشة وهو منقطع من هذا الوجه ولكنه يستند من طرق صحيحة سنذكرها في باب يحيى بن سعيد من كتابنا هذا إن شاء الله.
وأما اختلاف العلماء في الملامسة التي تنقض الطهارة وتوجب الوضوء على من أراد الصلاة فاختلاف قديم وجدناه عن السلف والخلف ونحن نورد منه من وجوه أقاويلهم فيها ما فيه كفاية إن شاء الله .
قال سفيان الثوري وأبو حنيفة والأوزاعي وأكثر أهل العراق وطائفة من أهل الحجاز الملامسة التي ذكر الله عز وجل في كتابه في قوله {أَوْ لامَسْتُمُ} أو لامستم على ما قرئ من ذلك كله هي الجماع نفسه الموجب للغسل وأدنى ذلك مس الختان وأما ما كان دون ذلك من القبلة والجسة وغيرها فليس من الملامسة ولا ينقض الوضوء وهو مذهب ابن عباس ومسروق وعطاء والحسن وطاوس.
وروي عن علي بن أبي طالب مثل ذلك .
وقال الثوري من قبل امرأته وهو على وضوء لم أر عليه وضوءا.
وقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد من قبل امرأته أو باشرها أو لامسها لشهوة أو لغير شهوة فلا وضوء عليه إلا أن ينتشر ومن قصد مسها لشهوة ليس بينهما ثوب فمسها وانتشر فإن كان هذا انتقض وضوؤه عند أبي حنيفة وأبي يوسف وقال محمد لا ينتقض وضوؤه إلا أن يخرج منه مذي أو غيره.
وقد قال الأوزاعي في الذي يقبل امرأته إن جاء يسألني قلت يتوضأ وإن لم يتوضأ لم أعب عليه وقال في الرجل يدخل رجليه في ثياب امرأته فيمس فرجها أو بطنها لا ينقض ذلك وضوءه

(21/172)


قال أبو عمر:
كلهم ذهب إلى أن الملمس باليد لا بالرجل لقول الله عز وجل {فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ} والمباشرة عند مالك بالجسد كاللمس باليد يراعون فيه اللذة على ما يأتي بعد واضحا إن شاء الله.
وقال أبو ثور لا وضوء على من قبل امرأته أو باشرها أو لمسها
قال أبو عمر:
فمما احتج به من ذهب هذا المذهب أن قال الملاسمة واللمس نظيرها في كتاب الله المسيس والمس والمماسة مثل الملامسة قال الله عز وجل {وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ} وقد أجمعوا على أن رجلا لو تزوج امرأة فمسها بيده أو قبلها في فمها أو جسدها ولم يخل بها ولم يجامعها أنه لا يجب عليه إلا نصف الصداق كمن لم يصنع شيئا من ذلك وأن المس والمسيس عني به ههنا الجماع فكذلك اللمس والملامسة قالوا وكذلك قال ابن عباس إن الله عز وجل حي كريم يكني عن الجماع بالمسيس وبالمباشرة وباللمس وبالرفث ونحو ذلك .
وذكروا ما حدثناه إبراهيم بن شاكر قال حدثنا عبد الله بن محمد بن عثمان قال حدثنا سعيد بن عثمان قال حدثنا أحمد بن عبد الله بن صالح قال حدثنا أبو صالح الفراء قال حدثنا أبو إسحاق الفزاري عن أبي إسحاق الشيباني عن بكير بن الأخنس عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال إن

(21/173)


الله حي كريم يكني قال {فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ} فهذا باب من الجماع وقد كنى وقال {وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} وقال: {فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ} فهذا باب من الجماع وقد كنى وقال تبارك وتعالى أَوْ لامَسْتُمُ} فهذا باب من الجماع وقد كنى.
وحدثناه عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا عبيد الله بن عبد الواحد البزار قال حدثنا أبو صالح محبوب بن موسى الفراء قال حدثنا أبو إسحاق الفزاري فذكره إلى آخره.
وحدثناه عبد الوارث أيضا حدثنا قاسم حدثنا ابن وضاح حدثنا عبد الملك بن حبيب المصيصي حدثنا أبو إسحاق الفزاري فذكره .
واحتجوا من الأثر المرفوع بما رواه وكيع وغيره عن الأعمش عن حبيب ابن أبي ثابت عن عروة عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قبل امرأة من نسائه ثم خرج إلى الصلاة ولم يتوضأ قال قلت من هي إلا أنت فضحكت.
ووكيع عن سفيان عن أبي رؤوف عن إبراهيم التيمي عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قبلها فلم يتوضأ قالوا ولا معنى لطعن من طعن على حديث حبيب بن أبي ثابت عن عروة في هذا الباب لأن حبيبا ثقة ولا يشك أنه أدرك عروة وسمع ممن هو أقدم من عروة فغير مستنكر أن يكون سمع هذا الحديث من عروة فإن لم يكن سمعه عنه فإن أهل العلم لم يزالوا يروون

(21/174)


المرسل من الحديث والمنقطع ويحتجون به إذا تقارب عصر المرسل والمرسل عنه ولم يعرف المرسل بالرواية عن الضعفاء والأخذ عنهم ألا ترى أنهم قد أجمعوا على الاحتجاج بحديث ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم وجله مراسيل والقول في رواية إبراهيم التيمي عن عائشة مثل ذلك لأنه لم يلق عائشة وهو ثقة فيما يرسل ويسند قالوا وقد روي هذا الخبر عن عائشة من وجوه وإن كان بعضها مرسلا فإن الطرق إذا كثرت قوى بعضها بعضا وذكروا ما روى شعبة وغيره عن أبي بشر عن سعيد بن جبير قال ذكروا اللمس فقال ناس من الموالي ليس الجماع وقال ناس من العرب اللمس الجماع فأتيت ابن عباس فقلت إن ناسا من الموالي والعرب اختلفوا في اللمس وأخبرته بقولهم فقال مع أي الفريقين كنت قلت مع الموالي قال غلب فريق الموالي إن اللمس والمباشرة الجماع ولكن الله يكني بما شاء قالوا والكتاب والسنة والقياس والنظر كل ذلك يدل على أن الملامسة المقصود إلى ذكرها في آية الوضوء هي الجماع قالوا فأما الكتاب فقول الله عز وجل {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ} يريد وقد أحدثتم قبل ذلك {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} الآية فأوجب غسل الأعضاء التي ذكرها بالماء ثم قال {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا} يريد الاغتسال بالماء ثم قال {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ} يريد الجماع الذي يوجب الجنابة ولم تجدوا ماء تتوضأون به من الغائط أو تغتسلون به من الجنابة كما أمرتكم في أول الآية {فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً} قالوا فإنما أوجب في آخر الآية التيمم على من كان أوجب عليه الوضوء والاغتسال بالماء في أولها قالوا وقول من

(21/175)


خالفنا إن الله لما ذكر طهارة الجنب في أول الآية ذكر الملامسة في آخر الآية موصولا بذكر الغائط استدلوا بذلك على أنه غير الجنابة فليس كما قالوا وإنما كان يكون ما قالوا دليلا لو كان إنما أوجب على الملامس في آخر الآية الطهارة التي أوجبها على الجنب في أولها فكان يكون دليلا على أن اللمس غير الجنابة لأنه قد أوجب الطهارة من الجنابة في أول الآية فلم يكن لإعادة إيجاب الطهارة منها في آخرها معنى يصح ولكنه إنما أوجب عليه في أول الآية الاغتسال بالماء وأوجب عليه في آخرها التيمم بدلا من الماء إذا كان مسافرا لا يجد الماء أو مريضا قالوا فهذا المعنى أصح وأشبه بالتأويل مما ذهب إليه من خالفنا
قال أبو عمر:
وقال أكثر أهل الحجاز وبعض أهل العراق اللمس ما دون الجماع مثل القبلة والجسة والمباشرة باليد ونحو ذلك مما دون الجماع وهو مذهب مالك وأصحابه والأوزاعي والشافعي وأصحابه وأحمد بن حنبل وإسحاق إلا أنهم اختلفوا في معنى اعتبار اللذة على ما نذكره بعد في هذا الباب إن شاء الله وممن روي عنه أن اللمس ما دون الجماع عمر وابن مسعود وابن عمر وجماعة من التابعين بالمدينة والكوفة والشام.
وروى مالك عن ابن شهاب عن سالم عن أبيه أنه كان يقول قبلة الرجل امرأته وجسها بيده من الملامسة فمن قبلها أو جسها بيده وجب عليه الوضوء .
ورواه الدراوردي عن ابن أخي ابن شهاب عن ابن شهاب عن سالم عن أبيه عن عمر قال القبلة من اللمم فتوضؤوا منها وهذا عندهم خطأ وإنما هو عن ابن عمر صحيح لا عن عمر

(21/176)


وروى الأعمش عن إبراهيم عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود قال قال عبد الله ابن مسعود القبلة من اللمس ومنها الوضوء واللمس ما دون الجماع.
وذكر عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن ابن سيرين عن عبيدة مثله وعن سعيد بن المسيب مثله.
وحكى ابن وهب عن مالك والليث وعبد العزيز بن أبي سلمة في قبلة الرجل امرأته الوضوء.
وحكى الزعفراني والربيع والمزني عن الشافعي أنه قال من لمس امرأته أو قبلها وجب عليه الوضوء قال الزعفراني عنه ولو ثبت حديث معبد ابن نباتة في القبلة لم أر فيها شيئا ولا في اللمس فإن معبد بن نباتة يروي عن محمد بن عمرو بن عطاء عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقبل ولا يتوضأ ولكن لا أدري كيف معبد بن نباتة هذا فإن كان ثقة فالحجة فيما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم
قال أبو عمر:
قد استدل أصحابنا على صحة ما ذهبوا إليه في أن الملامسة ما دون الجماع بأدلة يطول ذكرها منها أن قالوا الملامسة لم يرد الله بذكرها في آية الوضوء الجماع لأنه أفردها من ذكر الجنابة بقوله {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا} فجاء بالشرط وجوابه ثم استأنف فقال : {إِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} فجاء بالشرط وجوابه فدل ذلك على أن الملامسة غير قوله {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً} وانتفى بذلك أن تكون الملامسة الجماع ودخلت

(21/177)


في باب الحدث الموجب الوضوء والتيمم لأنه جمعها في الذكر مع الغائط وجاء بجواب واحد لذلك الشرط كما جاء في قوله : {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ} فجاء بالشرط وجوابه ثم استأنف ذكر الجماع بحكم مفرد قال {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا} فجاء بالشرط وجوابه تاما قالوا وهذا هو المفهوم من كلام العرب قالوا ولهذا كان ابن مسعود وعمر يذهبان إلى أن الجنب لا يتيمم لأنه أفرد بحكم الغسل ولم يريا الجماع من الملامسة وقد ذكرنا وجه قولهما وما يرده من السنة في باب عبد الرحمن بن القاسم من كتابنا هذا والحمد لله.
وتقدير الآية في مذهب من أنكر أن تكون الملامسة الجماع ممن يرى التيمم للجنب أن يكون فيها تقديم وتأخير كأنه قال عز وجل {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ} من النوم أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ} لأن القائلين بهذا التقدير في الآية اختلفوا في تيمم الحاضر الصحيح إذا فقد الماء وخشي فوات الوقت على ما ذكرنا في غير هذا الموضع فدخل في التيمم الجنب وغيره على هذا الترتيب من التقدير والتأخير.
قالوا والتقديم والتأخير في كتاب الله كثير لا ينكره عالم

(21/178)


قال أبو عمر:
ثم اختلف القائلون بأن اللمس ما دون الجماع فقال بعضهم إنما اللمس الذي يجب منه الوضوء أن يلمس الرجل المرأة لشهوة فإن لمسها لغير شهوة فلا وضوء عليه هذا مذهب مالك وأصحابه وبه قال أحمد بن حنبل. وإسحاق بن راهويه وروي ذلك عن النخعي والشعبي.
ورواه شعبة عن الحكم وحماد واحتج إسحاق فقال أخبرنا محمد بن بكر قال أخبرنا ابن جريج قال أخبرنا عبد الكريم أنه سمع الحسن يقول كان النبي صلى الله عليه وسلم جالسا في مسجد في الصلاة فقبض على قدم عائشة غير متلذذ وضعف حديث حبيب بن أبي ثابت عن عروة عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم انه كان يقبلها ولا يتوضأ وقال ليس بصحيح ولا نظن أن حبيبا لقي عروة قال وقد يكن أن يقبل الرجل امراته لغير شهوة برا بها وإكراما لها ورحمة ألا ترى إلى ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قدم من سفر فقبل فاطمة وهذا حديث يرويه الفضل بن موسى عن الحسين بن واقد عن يزيد النحوي عن عكرمة قال فالقبلة تكون لشهوة ولغير شهوة .
وروى عيسى بن دينار عن ابن القاسم عن مالك في المريض تغمز امرأته رجليه أو رأسه لا وضوء فيه إلا أن يلتذا قال ولا وضوء عليهما وإن تماسا إلا أن يلتذا قال والجسة من فوق الثوب ومن تحته سواء إن كان للذة وقال علي بن زياد عن مالك إن كان الثوب كثيفا فلا شيء عليه وإن كان خفيفا فعليه الوضوء وجملة مذهب مالك أن من التذ من الملامسين فعليه الوضوء المراة والرجل في ذلك سواء

(21/179)


وقال عبد الملك بن الماجشون من تعمد مس امرأته بيده لملاعبة فليتوضأ التذ أم لم يلتذ.
وقال الشافعي بمصر إذا أفضى الرجل بيده إلى أمراته أو ببعض جسده لا حائل بينها وبينه لشهوة ولغير شهوة وجب عليه الوضوء وكذلك إن لمسته هي وجب عليها وعليه الوضوء وسواء في ذلك أي بدنيهما أفضى إلى الآخر إذا مست البشرة البشرة إلا الشعر خاصة فلا وضوء على من مس شعر امرأته لشهوة كان أو لغير شهوة والشعر مخالف للبشر ولو احتاط فتوضأ إذا مس شعرها كان حسنا ولو مسها بيده أو مسته بيدها من فوق الثوب فالتذا لذلك أم لا يلتذا لم يكن شيء حتى يفضيا إلى البشرة قال ولا معنى للذة من فوق الثوب ولا من تحته ولا معنى للشهوة في القبلة وإنما المعنى للفعل .
قال أبو عبد الله محمد بن نصر المروزي فهذا مذهب الشافعي فيمن وافقه من أصحابه وهو قول مكحول والأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز وجماعة هكذا حكى المروزي عنهم.
وأما الطبري فذكر عن الأوزاعي ما تقدم ذكرنا له وكذلك ذكر الطحاوي أيضا عن الأوزاعي كما حكى الطبري أن لمس المراة لا وضوء فيه على حال وقال المروزي قول الشافعي هذا هو أشبه بظاهر الكتاب لأن الله عز وجل قال :{أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ} ولم يقل لشهوة ولا من شهوة قال وكذلك الذين أوجبوا في ذلك الوضوء من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لم يشترطوا الشهوة قال وكذلك عامة التابعين قال وقد احتج بعض من ذهب هذا المذهب بأن قال قد اجتمعت الأمة أن رجلا لو استكره امراة فمس ختانه ختانها وهي لا تلتذ بذلك او كانت نائمة فلم تلتذ ولم تشته أن

(21/180)


الغسل واجب عليهما قالوا فكذلك من مس امرأته لشهوة أو لغير شهوة أو قبلها لشهوة أو لغير شهوة انتقضت طهارته ووجب عليه الوضوء لأن المعنى في الجسة واللمس والقبلة للفعل لا للذة
قال أبو عمر:
القول الصحيح في هذا الباب ما ذهب إليه مالك والقائلون بقوله والله أعلم لأن الصحابة رضي الله عنهم لم يأت عنهم في معنى الملامسة إلا قولان أحدهما الجماع والآخر ما دون الجماع والقائلون منهم بأنه ما دون الجماع إنما أرادوا ما يلتذ به مما ليس بجماع ولم يريدوا من اللمس اللطم واللمس بغير لذة لأن ذلك ليس من الجماع ولا يشبهه ولا يؤول إليه ولما لم يجز أن يقال إن اللمس أريد به اللطم وغيره لتباين ذلك من الجماع لم يبق إلا أن يقال إنه ما وقع به الالتذاذ لإجماعهم على أن من لطم امرأته أو داوى جرحها أو المرأة ترضع ولدها لا وضوء على هؤلاء والله أعلم.
قال أبو عبد الله بن نصر فأما ما ذهب إليه مالك من مراعاة الشهوة واللذة لمن لمس امرأته من فوق الثوب وتلذذ بمسها أنه قد وجب عليه الوضوء فقد وافقه على ذلك الليث بن سعد قال المروزي ولا نعلم أحدا قال ذلك غيرهما قال ولا يصح ذلك في النظر لأن من فعل ذلك فهو غير لامس لامرأته وغير مماس لها في الحقيقة إنما هو لامس لثوبها.
وقد أجمعوا أنه لو تلذذ واشتهى دون أن يلمس لم يجب عليه وضوء فكذلك من لمس فوق الثوب لأنه غير لامس للمرأة هذا جملة ما احتج به

(21/181)


المروزي لمذهب الشافعي الذي اختاره في ذلك وفي المسألة نظر ومن تدبر ما أوردناه اكتفى بما وصفنا والله الموفق للصواب والهادي إليه لا شريك له.
وفي هذا الحديث ما كانوا عليه من ضيق العيش والصبر على الإقلال ألا ترى أنهم كانت يومئذ بيوتهم دون مصابيح وفي قول عائشة رحمها الله والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح دليل على أنها إذ حدثت بهذا الحديث كانت بيوتهم فيها المصابيح وذلك أن الله فتح عليهم بعد النبي صلى الله عليه وسلم من الدنيا فوسعوا على أنفسهم إذ وسع الله عليهم وقولها يومئذ يريد حينئذ لأنا لو جعلنا اليوم النهار على المعهود استحال ان تكون المصابيح نهارا في بيوتهم فعلمنا أنها أرادت بقولها يومئذ أي حنيئذ وهذا مشهور في لسان العرب أنها كانت تعبر باليوم عن الحين والوقت كما تعبر به عن النهار واليوم وهو النهار كما قال الشاعر
أجدك هذا الليل لا يتردد ... وأي نهار لا يكون له غد
يقول إذا طال عليه الليل أجدى أن يكون ليل لا يتردد أو أن يكون يوم لا يكون له غد أو ليل لا يكون له غد وهذا اشهر عندهم من أن يحتاج فيه إلى الاستشهاد

(21/182)


الحديث السابع
...
حديث سابع لأبي النضر
مالك عن محمد بن المنكدر وأبي النضر عن عامر بن سعد ابن أبي وقاص عن أسامة بن زيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "الطاعون رجز أرسل على طائفة من بني إسرائيل" .
مثل حديث محمد ابن المنكدر سواء إلا أن في حديث أبي النضر "إذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا منها لا يخرجكم إلا فرارا منه" .
هكذا في الموطأ إلا فرارا في حديث أبي النضر وقد جعله جماعة من أهل العلم لحنا وغلطا.
والوجه فيه عند أهل العربية أن دخول إلا في هذا الموضع إنما هو لايجاب بعض ما نفي بالجملة كأنه قال لا تخرجوا منها إذا لم يكن خروجكم إلا فرارا أي إذا كان خروجكم فرارا فلا تخرجوا والنصب هنا بمعنى الحال لا يمعنى الاستثناء والله أعلم.
وفي ذلك إباحة الخروج ذلك الوقت من موضع الطاعون للسفر على الجاري من العادات إذا لم يكن القصد الفرار من الطاعون وقد كان بعض شيوخنا وشويخ شيوخنا يروونه في هذا الحديث لا يخرجكم إلا فرار منه بالرفع وهذا إن صح بمعنى قوله "فلا تخرجوا منها لا يخرجكم إلا فرار منه" أي لا تخرجوا منها الخروج الذي يخرجكموه إلا فرار منه وقد كان بعض الشيوخ ممن رواه بالرفع يرويه لا يخرجكم إلا الإفرار منه على المصدر

(21/183)


وهذا ينكره أهل النحو في مصدر الفرار وأجازه أهل اللغة على لغة شاذة في الفرار والله أعلم وهذا المصدر خطأ عند أهل النحو واللغة وغير معروف في الرواية ورواه ابن بكير عن مالك عن أبي النضر عن عامر ابن سعد بن أبي وقاص عن أسامة بن زيد عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل حديث ابن المنكدر إلا أن في حديث أبي النضر "فإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا منها إلا فرارا منه" وهذا لا وجه له إلا أن يحمل على ما ذكرنا .
وروى القعنبي عن مالك حديث محمد بن المنكدر وليس عنده حديث أبي النضر وأكثر رواة الموطأ جمعوا في هذا الحديث عن مالك أبا النضر ومحمد بن المنكدر جميعا.
ورواه ابن أبي مريم وأبو مصعب عن مالك كما رواه يحيى سواء عن محمد بن المنكدر وأبي النضر جميعا عن عامر بن سعد عن أبيه أنه سمعه يسأل أسامة بن زيد وقالا في آخره قال أبو النضر لا يخرجكم إلا الفرار منه وهذا معناه كمعنى رواية يحيى سواء في رواية من رواه بالرفع وهذا أبين بالألف واللام والمعنى سواء والله أعلم .
وأما ابن وهب فجوده ذكر ابن وهب في الموطأ عن مالك عن أبي النضر عن عامر بن سعد بن أبي وقاص أنه سمع أباه يسأل أسامة بن زيد أسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر الطاعون فقال نعم فقال كنت سمعته قال سمعته يقول " هو رجز سلط على بني إسرائيل أو على قوم فإذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه"

(21/184)


هكذا قال ابن وهب عن مالك في حديث أبي النضر مفردا لا تخرجوا فرارا منه ولم يعطفه على حديث ابن المنكدر بل ساقه عن مالك عن أبي النضر من أوله إلى آخره وقال في آخره "فلا تخرجوا فرارا منه" وهذا هو الصواب المعروف الذي لا إشكال فيه.
وقال ابن وهب أيضا أخبرني عمرو بن الحرث أن أبا النضر حدثه عن عامر بن سعد بن أبي وقاص أنه سمع أسامة بن زيد يخبر سعد بن أبي وقاص وسأله عن الوجع فقال أسامة ذكر عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال "هو رجز سلط على من قبلكم أو على بني إسرائيل فإذا سمعتم به ببلدة فلا تدخلوا عليه فيها وإذا وقع وأنتم بها فلا يخرجنكم منها فرارا" أو قال "منه فرارا" ورواية ابن وهب صحيحة المعنى مجتمع عليها.
وفي هذا الحديث إباحة الخبر عن الأمم الماضية من بني إسرائيل وغيرهم .
وروي عن عبد الله بن مسعود أنه قال ما زال رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدثنا عمن خلا من الأمم حتى لو مرت عقاب فقلب جناحها فكانت وفاتها لأخبرناكم وقد مضى تفسير معنى الطاعون في مواضع من هذا الكتاب فلا وجه لإعادة ذلك ههنا والحمد لله

(21/185)


الحديث الثامن
...
حديث ثامن لأبي النضر
مالك عن أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله أن أبا مرة مولى عقيل بن أبي طالب أخبره أنه سمع أم هانئ بنت أبي طالب تقول ذهبت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح فوجدته يغتسل وفاطمة ابنته تستره بثوب قالت فسلمت قال "من هذه" فقلت أنا أم هانئ بنت أبي طالب فقال "مرحبا بأم هانئ" فلما فرغ من غسله قام فصلى ثماني ركعات ملتحفا في ثوب واحد ثم انصرف فقلت يا رسول الله زعم ابن أمي علي أنه قاتل رجلا أجرته فلان بن هبيرة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ" قالت أم هانئ وذلك ضحى.
قد ذكرنا أبا مرة فيما سلف من كتابنا هذا وهو الذي يقال له مولى أم هانئ اسمه يزيد وهو إن شاء الله أصح ما قيل فيه وهو مدني ثقة وذكرنا أم هانئ في كتاب الصحابة بما يغني عن ذكرها ههنا واسمها هند ويقال بل اسمها فاختة.
وفي هذا الحديث صلاة الضحى وقد مضى القول فيها مستوعبا بما في ذلك من الأثر في باب ابن شهاب عن عروة من هذا الكتاب ومضى القول أيضا في معان من هذا الحديث مجردة من إسناده ومتنه في باب موسى

(21/186)


ابن ميسرة من هذا الكتاب وأما قوله "قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ" فقد استدل به قوم على جواز أمان المرأة وقالوا جائز أمانها على كل حال وقال آخرون أمانها موقوف على جواز الإمام فإن أجازه جاز وإن رده رد واحتج من قال هذه المقالة بأن أمان أم هانئ لو كان جائزا على كل حال دون إذن الإمام ما كان علي ليريد قتل من لا يجوز قتله لأمان من يجوز أمان.
وفي قوله "قد أجرنا من أجرت" دليل على ذلك لأنه لو كان أمان المراة غير محتاج إلى إجازة الإمام لقال لها من أمنته أنت أو غيرك فلا سبيل إلى قتله وهو آمن ولما قال لها" قد أمنا من أمنت وأجرنا من أجرت" كان ذلك دليلا على أن أمان المرأة موقوف على إجازة الإمام فهذه حجة من ذهب هذا المذهب .
قالوا وهذا هو الظاهر في معنى هذا الحديث والله أعلم.
حدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا أحمد بن صالح قال حدثنا ابن وهب قال أخبرني عياض بن عبد الله عن مخرمة بن سليمان عن كريب عن ابن عباس قال حدثتني أم هانئ بنت أبي طالب أنها أجارت رجلا من المشركين يوم الفتح وأتت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له فقال "أجرنا من أجرت وأمنا من أمنت " .
وأما من قال يجوز أمان المرأة على كل حال بإذن الإمام وبغير إذنه فمن حجتهم قوله صلى الله عليه وسلم "المسلمون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم ويجير عليهم أقصاهم وهم يد على من سواهم" قالوا فلما قال أدناهم جاز بذلك أمان العبد وكانت المرأة الحرة أحرى بذلك واحتجوا أيضا بما

(21/187)


حدثناه عبد الله بن محمد حدثنا محمد بن بكر حدثنا أبو داود حدثنا عثمان ابن أبي شيبة حدثنا سفيان بن عيينة عن منصور عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة قالت إن كانت المرأة لتجير على المسلمين فيجوز .
ورواه الأعمش عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة قالت إن كانت المرأة لتجير على المسلمين.
ومن حجتهم أيضا ما حدثنا عبد الوارث بن سفيان حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا عبيد بن عبد الواحد البزار حدثنا محبوب بن موسى حدثنا أبو إسحاق الفزاري عن أبي سعد قال أخبرنا عمرو بن مرة عن أبي البختري عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ذمة المسلمين واحدة وإن جارت عليهم جائرة فلا تخفروها فإن لكل غادر لواء يوم القيامة يعرف به " .
الآثار كلها تدل على جواز أمان المرأة على كل حال.
وقد اختلف العلماء أيضا في أمان العبد فقال مالك والشافعي وأصحابهما والثوري والأوزاعي والليث وأحمد وإسحاق وأبو ثور وداود بن علي أمانة جائز قائل أو لم يقاتل وهو قول محمد بن الحسن.
وقال أبو حنيفة أمانه غير جائز إلا أن يقاتل وهو قول أبي يوسف وروي عن عمر معناه.
حدثنا عبد الوارث قال حدثنا قاسم حدثنا عبيد بن عبد الواحد حدثنا محبوب بن موسى الفراء حدثنا أبو إسحاق الفزاري عن ابن أبي أنيسة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال لما كان يوم الفتح خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مسند ظهره إلى جدار الكعبة فحمد الله وأثنى عليه ثم قال "المؤمنون يد على من سواهم تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم

(21/188)


ويعقد عليهم أولادهم ويرد عليهم أقصاهم ولا يقتل مؤمن بكافر ولا ذو عهد في عهده" .
وروي من حديث علي بن أبي طالب عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله.
وحدثنا سعيد بن نصر وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا محمد بن إسماعيل الترمذي حدثنا الحميدي حدثنا سفيان حدثنا محمد ابن عجلان عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي مرة مولى عقيل عن أم هانئ قالت أتاني يوم الفتح حموان لي فأجرتهما فجاء علي يريد قتلهما فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في قبته بالأبطح بأعلا مكة فذكر حديثا فيه فقلت يا رسول الله إني أجرت حموين لي وإن ابن أمي عليا أراد قتلهما فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ليس ذلك له قد أجرنا من أجرت وأمنا من أمنت " .
في هذا الخبر وخبر مالك أن الذي أجارته أم هانئ ولد هبيرة بن أبي وهب بن عمرو بن عائد بن عمران بن مخزوم واحدا كان أو اثنين لأن في حديث أبي النضر ما يدل على أنه كان واحدا وفي حديث المقبري اثنين وهبيرة بن أبي وهب زوجها وولده حمو لها وقد قيل إن الذي أجارته يومئذ وأراد علي قتله الحرث بن هشام وعبد الله بن أبي هبيرة وكلاهما من بني مخزوم وقيل فيه غير ذلك .
وأما قول من قال إنه جعدة بن هبيرة أو أن أحدهما جعدة بن هبيرة فما أدري ما هو لأن جعدة بن هبيرة أبنها لا حموها ولم تكن تحتاج إلى إجارة ابنها ولا كانت مثل تلك المخاطبة تجري بينها وبين أخيها علي في

(21/189)


ابنها والله أعلم ولم يذكر أهل النسب فيما علمت لهبيرة ابنا يكنى جعدة من غير أم هانئ ولا ذكروا له بنين من غير أم هانئ والله أعلم.
وذكر البزار حدثنا محمد بن مسكين بن ثميلة حدثنا يحيى بن حسان حدثنا سليمان بن بلال عن كثير بن زيد عن الوليد بن رباح عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "يجير على الناس أدناهم " .
وروى مالك عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم "يرفع لكل غادر لواء يوم القيامة الحديث" .
قال أبو العباس بن سريج القاضي الرجلان اللذان أجارتهما أم هانئ يوم الفتح جعدة بن هبيرة المخزومي ورجل آخر معه وكانا من الشرذمة الذين قاتلوا خالدا ولم يقبلوا الأمان ولا ألقوا السلاح فأراد علي قتلهما فأجارتهما أم هانئ وكانا من أحمائها فأجار رسول الله صلى الله عليه وسلم من أجارت هكذا قال وقد مضى القول فيه وأيا كان فالحديث إنما سيق لجواز جوار المرأة لا لغير ذلك.
قال أبو عمر:
وعلى جواز أمان المرأة جمهور علماء المسلمين أجاز ذلك الإمام أو لم يجزه على ظواهر الأخبار المذكورة في هذا الباب عن أم هانئ وعائشة وغيرهما وممن قال ذلك مالك وأصحابه إلا عبد الملك بن الماجشون وهو قول الشافعي وأبي حنيفة وأصحابهما والثوري والأوزاعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور وقال عبد الملك بن عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون لا يجوز

(21/190)


أمان المرأة إلا أن يجيزه الإمام فشذ بقوله ذلك عن هذا الجمهور والله الموفق للصواب وهو المستعان وهو حسبي ونعم الوكيل.
أخبرنا محمد بن إبراهيم حدثنا محمد بن أحمد حدثنا محمد بن أيوب حدثنا أحمد بن عمرو البزار حدثنا رجاء بن محمد حدثنا عبيد الله بن موسى حدثنا بشير بن المهاجر عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ما نقض قوم العهد إلا كان القتل بينهم ولا ظهرت فاحشة في قوم إلا سلط عليهم الموت ولا منع قوم الزكاة إلا حبس الله عنهم القطر" ولا يروى مرفوعا عن النبي صلى الله عليه وسلم هذا الحديث إلا عن بريدة بهذا الإسناد والله أعلم

(21/191)


الحديث التاسع
...
حديث تاسع لأبي النضر
مالك عن أبي النضر عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أنه دخل على أبي طلحة الأنصاري يعوده قال فوجد عنده سهل بن حنيف قال فدعا أبو طلحة إنسانا فنزع نمطا كان تحته فقال له سهل لم نزعته قال لأن فيه تصاوير وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها ما قد علمت قال سهل أو لم يقل "إلا ما كان رقما في ثوب" قال بلى ولكنه أطيب لنفسي

(21/191)


لم يختلف الرواة عن مالك في إسناد هذا الحديث ومتنه في الموطأ وفيه عن عبيد الله أنه دخل علي أبي طلحة فأنكر ذلك بعض أهل العلم وقال لم يلق عبيد الله أبا طلحة وما أدري كيف قال ذلك وهو يروي حديث مالك هذا وأظن ذلك والله اعلم من أجل أن بعض أهل السير قال توفي أبو طلحة سنة أربع وثلاثين في خلافة عثمان رضي الله عنه وعبيد الله لم يكن في ذلك الوقت ممن يصح له سماع.
قال أبو عمر:
اختلف في وفاة أبي طلحة وأصح شيء في ذلك ما رواه أبو زرعة قال سمعت أبا نعيم يحدث عن حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس قال سرد أبو طلحة الصوم بعد النبي صلى الله عليه وسلم أربعين سنة فكيف يجوز أن يقال إنه مات سنة أربع وثلاثين وهو قد صام بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعين سنة وإذا كان ذلك كما ذكرنا صح أن وفاته لم تكن إلا بعد خمسين سنة من الهجرة والله أعلم.
وأما سهل بن حنيف فلا يشك عالم بأن عبيد الله بن عبد الله لم يره ولا لقيه ولا سمع منه وذكره في هذا الحديث خطأ لا شك فيه لأن سهل بن حنيف توفي سنة ثمان وثلاثين وصلى عليه علي رضي الله عنه ولا يذكره في الأغلب عبيد الله بن عبد الله لصغر سنه يومئذ والصواب في ذلك والله أعلم عثمان بن حنيف وكذلك رواه محمد بن إسحاق عن أبي النضر سالم عن عبيد الله بن عبد الله قال انصرفت مع عثمان بن حنيف إلى دار

(21/192)


أبي طلحة نعوده فوجدنا تحته نمطا وساق الحديث بمعنى حديث مالك عن أبي النضر واختلف في وفاة عبيد الله بن عبد الله بن عتبة فقال ابن بكير عن يعقوب بن عبد الرحمن عن أبيه قال مات عبيد الله بن عبد الله قبل علي بن حسين.
قال أبو عمر:
مات علي بن حسين رحمه الله سنة أربعة وتسعين وفيها مات عروة وأبو سلمة وجماعة من الفقهاء وقال الواقدي توفي عبيد الله بن عبد الله سنة ثمان وتسعين وقال يحيى بن معين مات عبيد الله بن عبد الله سنة اثنتين ومائة قال ويقال سنة تسع وتسعين
قال أبو عمر:
قول محمد بن عمر الواقدي أصح ما في ذلك عندنا وهو أعلم بهذا الشأن.
قال أبو عمر:
قد يكون إنكار من أنكر هذا الحديث في دخول عبيد الله على أبي طلحة وسهل بن حنيف من أجل رواية ابن شهاب لهذا الحديث على مارواه ابن أبي ذئب فصح بهذا وهم مالك في سهل بن حنيف وكذلك وهم أبو النضر في روايته له عن عبيد الله بن عبد الله عن أبي طلحة ولم يدخل بينهما ابن عباس فالصحيح في هذا الحديث رواية الزهري له عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس عن أبي طلحة كذا قال علي بن المديني وغيره وهو عندي كما قالوه والله أعلم.
فأما رواية ابن شهاب له فحدثنا خلف بن القاسم قال حدثنا ابن أبي الخصيب قال حدثنا عبد الله بن الحسن بن أبي شعيب قال حدثنا يحيى بن

(21/193)


عبد الله قال حدثنا أبو الحرث محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب العامري المدني عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن عبد الله بن عباس عن أبي طلحة صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "لا تدخل الملائكة بيتا فيه تصاوير" .
وحدثنا خلف بن قاسم حدثنا أبو الطاهر محمد بن أحمد القاضي الذهلي قال حدثنا أبو مسلم الكشي قال حدثنا أبو عاصم عن ابن أبي ذئب عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس عن أبي طلحة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا صورة" وقد خالف الأوزاعي ابن أبي ذئب في هذا الحديث.
حدثنا قاسم بن محمد حدثنا خالد بن سعد وحدثنا أحمد بن عمر حدثنا عبد الله بن محمد قالا حدثنا محمد بن فطيس قال حدثنا بحر بن نصر قال حدثنا بشر بن بكر قال حدثنا الأوزاعي أخبرني الزهري قال حدثني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال حدثني أبو طلحة الأنصاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا صورة"
قال أبو عمر:
هذا عندهم خطأ من الأوزاعي وكان في حفظه شيء لم يكن بالحافظ وقد تابع ابن أبي ذئب عبد العزيز بن أبي سلمة الماجسون حدثنا خلف بن قاسم حدثنا أبو الطاهر محمد بن أحمد بن عبد الله بن نصر بن بجير القاضي الذهلي قال حدثنا أبو مسلم الكشي قال حدثنا عبد الله

(21/194)


ابن رجاء قال حدثنا عبد العزيز بن الماجشون عن ابن شهاب عن عبيد الله ابن عبد الله عن ابن عباس عن أبي طلحة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا صورة" .
وحديث معمر رواه علي بن المديني وغيره عن عبد الرزاق عن معمر عن الزهري قال أخبرني عبيد الله بن عبد الله أنه سمع ابن عباس يقول سمعت أبا طلحة يقول فذكره وقد يحتمل ان يكون حديث ابن شهاب في هذا الباب غير حديث أبي النضر لأن في حديث ابن شهاب عموم الصور دون استثناء شيء منها.
وفي حديث أبي النضر استثناء ما كان رقما في ثوب وفيه جمع سهل ابن حنيف في ذلك مع أبي طلحة فهو غير حديث أبي النضر والله أعلم وقد كان ابن شهاب يذهب في هذا الباب إلى استعمال العموم في كراهة الصور كلها على ما ذكرنا عنه في باب إسحاق من هذا الكتاب وحديث نافع عن القاسم بن محمد بمثل حديث ابن شهاب عام أيضا في الثياب وغيرها وقد ذكرنا ذلك في باب نافع من كتابنا هذا.
وقد روى عبد العزيز بن عمران عن مالك بن أنس عن الزهري وأبي النضر جميعا عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن أبي طلحة أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن التصاوير في البيوت وهو غريب لمالك عن الزهري خاصة تفرد به عنه عبد العزيز بن عمران رواه عنه يعقوب بن محمد الزهري.
وللعلماء في هذا الباب أقاويل ومذاهب منها أنه لا يجوز أن يمسك الثوب الذي فيه تصاوير وتماثيل سواء كان منصوبا أو مبسوطا ولا يجوز

(21/195)


دخول البيت الذي فيه التصاوير والتماثيل في حيطانه وذلك مكروه كله لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا تدخل الملائكة بيتا فيه تصاوير" فإن فعل ذلك فاعل بعد علمه بالنهي عن ذلك كان عاصيا عندهم ولم يحرم عليه بذلك مالك الثوب ولا البيت ولكنه ينبغي له أن يتنزه عن ذلك كله ويكرهه وينابذه لما ورد من النهي فيه وحجة من ذهب هذا المذهب في الثياب وفي حيطان البيوت وغيرها حديث ابن شهاب وغيره عن القاسم بن محمد بن عائشة قالت دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا مستترة بقرام فيه صور فتلون وجهه وتناول الستر فهتكه ثم قال "إن من أشد الناس عذابا يوم القيامة الذين يشبهون بخلق الله" .
وروى نافع هذا الخبر عن القاسم بهذا المعنى وزاد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "إن البيت الذي فيه الصور لا يدخله الملائكة" وقد ذكرنا هذا الخبر من طرق في باب نافع من كتابنا هذا وذكرنا هناك اختلاف ألفاظ ناقليه وأن زيادة من زاد فيه من الثقات الحفاظ إباحة ما يتوسد من ذلك ويرتفق به ويمتهن يجب قبولها وإن كان ظاهر حديث مالك في ذلك كراهية عموم الصور على كل حال وإلى ذلك ذهب ابن شهاب وهو راوية الحديث والله أعلم لمخرجه.
ذكر ابن أبي شيبة عن عبد الأعلى عن معمر عن الزهري أنه كان يكره التصاوير ما نصب منها وما بسط وكان مالك لا يرى بذلك بأسا في البسط والوسائد والثياب على حديث سهل بن حنيف هذا إلا ما كان رقما في ثوب وقد ذكرنا مذهب مالك في الصور والتماثيل على كل حال ومذهب سائر

(21/196)


فقهاء الأمصار فيها في باب إسحاق ابن أبي طلحة من هذا الكتاب فلا وجه لإعادة ذلك ها هنا ونذكر ها هنا ما جاء عن السلف من الصحابة والتابعين في ذلك مما بلغنا عنهم لتتم فائدة الكتاب إن شاء الله.
حدثنا سعيد بن نصر وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا جعفر بن محمد الصائغ حدثنا عفان حدثنا حماد بن سلمة عن هشام عن أبيه عن عائشة قالت كان على بابي درنوك فيه الخيل ذوات الأجنحة فقال النبي صلى الله عليه وسلم "ألقوا هذا" .
وقال آخرون إنما يكره من الصور ما كان في الحيطان وصور في البيوت وأما ما كان رقما في ثوب فلا واحتجوا بحديث سهل بن حنيف وأبي طلحة وهو حديث أبي النضر المذكور في هذا الباب فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم "إلا ما كان رقما في ثوب" فكل صورة مرقومة في ثوب فلا بأس بها على كل حال لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم استثنى الرقم في الثوب ولم يخص من ذلك شيئا ولا نوعا وذكروا عن القاسم وهو راوية حديث عائشة ما رواه ابن أبي شيبة عن أزهر عن ابن عون قال دخلت على القاسم وهو بأعلى مكة في بيته فرأيت في بيته حجلة فيه تصاوير السندس والعنقاء وقال آخرون لا يجوز استعمال شيء من الصور رقما كان في ثوب أو غير ذلك إلا أن يكون

(21/197)


الثوب يوطأ ويمتهن فأما أن ينصب كالستر ونحوه فلا قالوا وفي حديث عائشة من رواية ابن شهاب ما يخص الثياب ويعينها وهو يعارض حديث سهل ابن حنيف وأبي طلحة إلا أنا قد روينا عن عائشة أن ذلك من الثياب فيما ينصب دون ما يبسط فبان بذلك وجه الحديثين وأنهما غير متعارضين وعائشة قد علمت مخرج حديثها ووقفت عليه وذكروا من الأثر مارواه وكيع وغيره عن أسامة بن زيد عن عبد الرحمن بن القاسم عن ابيه عن عائشة قالت سترت سهوة لي بستر فيه تصاوير فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم هتكه فجعلت منه منبذتين فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم متكئا على إحداهما قالوا ألا ترى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كره من ذلك ما كان سترا منصوبا ولم يكره ما اتكأ عليه من ذلك وامتهنه.
قال أبو عمر:
وقد يحتمل أن يكون الستر لما هتكه رسول الله صلى الله عليه وسلم تغيرت صورته وتهتكت فلما صنع منه ما يتكأ عليه لم تظهر فيه صورة بتمامها وإذا احتمل هذا لم يكن في حديث عائشة هذا حجة على ابن شهاب ومن ذهب مذهبه إلا أن من سلف من العلماء جماعة ذهبوا إلى ما كان من رقم الصور فيما يوطأ ويمتهن ويتكأ عليه من الثياب لا باس به.
ذكر ابن أبي شيبة عن حفص بن غياث عن الجعد رجل من أهل المدينة قال حدثتني ابنة سعد أن أباها جاء من فارس بوسائد فيها تماثيل فكنا نبسطها وعن ابن فضيل عن ليث قال رأيت سالم بن عبد الله متكئا على وسادة حمراء فيها تماثيل فقلت له في ذلك فقال إنما يكره هذا لمن ينصبه ويصنعه

(21/198)


وعن ابن المبارك عن هشام بن عروة عن أبيه أنه كان يتكئ على المرافق فيها التماثيل الطير والرجال.
وعن ابن علية عن سلمة بن علقمة عن محمد بن سيرين قال كانوا لا يرون ما وطئ وبسط من التصاوير مثل الذي نصب.
وعن إسماعيل بن علية أيضا عن أيوب عن عكرمة أنه كان يقول في التصاوير في الوسائد والبسط التي توطأ هو أذل لها.
وعن أبي معاوية عن عاصم عن عكرمة قال كانوا يكرهون ما نصب من التماثيل نصبا ولا يرون بأسا بما وطئته الأقدام.
وعن ابن إدريس عن هشام بن حسان عن ابن سيرين انه كان لا يرى بأسا بما وطئ من التصاوير .
وعن ابن يمان عن عثمان بن الأسود عن عكرمة بن خالد قال لا بأس بالصورة إذا كانت توطأ وعن ابن يمان عن الربيع بن المنذر عن سعيد بن جبير قال لا بأس بالصورة إذا كانت توطأ.
وعن عبد الرحيم بن سليمان عن عبد الملك عن عطاء في التماثيل ما كان مبسوطا يوطأ أو يبسط فلا بأس به وما كان منه ينصب فإني أكرهها .
وعن الحسن بن موسى الأشهب عن حماد بن سلمة عن عمرو بن دينار عن سالم بن عبد الله قال كانوا لا يرون بما يوطأ من التصاوير بأسا
قال أبو عمر:
هذا أعدل المذاهب وأوسطها في هذا الباب وعليه أكثر العلماء ومن مل عليه الآثار لم تتعارض على هذا التأويل وهو أولى ما اعتقد فيه والله الموفق للصواب وقد ذهب قوم إلى أن ما قطع رأسه فليس بصورة

(21/199)


روى أبو داود الطيالسي قال حدثنا ابن أبي ذئب عن شعبة مولى ابن عباس قال دخل المسور بن مخرمة على ابن عباس وهو مريض وعليه ثوب استبرق وبين يديه ثوب عليه تصاوير فقال المسور ما هذا يا ابن عباس فقال ابن عباس ما علمت به وما أرى رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن هذا إلا للكبر والتجبر ولسنا بحمد الله كذلك فلما خرج المسور أمر ابن عباس بالثوب فنزع عنه وقال اقطعوا رؤوس هذه التصاوير.
وروى ابن المبارك قال أخبرنا يونس بن أبي إسحاق قال حدثنا مجاهد قال حدثنا أبو هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن جبريل أتاني البارحة فلم يمنعه أن يدخل إلي إلا أنه كان في البيت حجال وستر فيه تماثيل وكلب فأمر برأس التمثال أن يقطع وبالستر أن يثنى ويجعل منه وسادتان توطآن وبالكلب أن يخرج" .
وذكر ابن أبي شيبة عن ابن علية عن أيوب عن عكرمة قال إنما الصورة الرأس فإذا قطع فلا بأس وعن يحيى بن سعيد عن سلمة أبي بشر عن عكرمة في قوله {إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} قال أصحاب التصاوير .
وذهب جماعة من أهل العلم إلى أن الصورة المكروهة في صنعتها واتخاذها ما كان له روح وحجتهم حديث القاسم عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال "من أشد الناس عذابا يوم القيامة المصورون يقال لهم أحيوا ما

(21/200)


خلقتم" ففي هذا دليل على أن الحياة إنما قصد بذكرها إلى الحيوان ذوات الأرواح .
وقد حدثنا أحمد بن قاسم قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا الحرث ابن أبي أسامة قال حدثنا هوذة بن خليفة قال حدثنا عوف عن سعيد بن أبي الحسن قال كنت عند ابن عباس إذ جاءه رجل فقال إني أردت أن أنمي معيشتي من صنعة يدي وإني أصنع هذه التصاوير فقال ابن عباس لا أحدثك إلا ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول سمعته يقول "من صور صورة فإن الله معذبه يوم القيامة حتى ينفخ فيها الروح وليس بنافخ فيها أبدا" قال فكبا لها الرجل كبوة شديدة واصفر وجهه ثم قال ويحك إن أبيت إلا أن تصنع فعليك بهذه الشجر وكل شيء ليس فيه روح وقد كان مجاهد يكره صورة الشجر وهذا لا أعلم أحدا تابعه على ذلك.
ذكر ابن أبي شيبة عن عبد السلام عن ليث عن مجاهد أنه كان يكره أن يصور الشجر المثمر ومما يدل على أن الاختلاف في هذا الباب قديم ما ذكره ابن أبي شيبة عن ابن علية عن ابن عون قال كان في مجلس محمد ابن سيرين وسائد فيها تماثيل عصافير فكان أناس يقولون في ذلك فقال محمد إن هؤلاء قد أكثروا علينا فلو حولتموها وهذا من ورع ابن سيرين رحمه الله

(21/201)


الحديث العاشر
...
حديث عاشر لأبي النضر
مالك عن أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله عن سليمان بن يسار عن المقداد بن الأسود أن علي بن أبي طالب أمره أن يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل إذا دنا من أهله فخرج منه المذي ماذا عليه فإن عندي ابنته وأنا أستحي أن أسأله قال المقداد فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال "إذا وجد ذلك أحدكم فلينضح ذكره وليتوضأ وضوءه للصلاة" .
هذا إسناد ليس بمتصل لأن سليمان بن يسار لم يسمع من المقداد ولا من علي ولم ير واحدا منهما.
ومولد سليمان بن يسار سنة أربع وثلاثين وقيل سنة سبع وعشرين ولا خلاف أن المقداد توفي سنة ثلاث وثلاثين وهو المقداد بن عمرو الكندي يكنى أبا معبد تبناه الأسود بن عبد يغوث الزهري فنسب إليه .
وقد ذكرنا أخبار المقداد وسنه في كتاب الصحابة بما يغني عن ذكره ههنا وبين سليمان بن يسار وعلي في هذا الحديث ابن عباس وسماع سليمان بن يسار من ابن عباس غير مرفوع:

(21/202)


حدثنا خلف بن القاسم قال حدثنا عبد الله بن محمد بن ناصح قال حدثنا أحمد بن علي بن سعيد قال حدثنا أحمد بن عيسى قال حدثنا ابن وهب قال أخبرني مخرمة بن بكير عن أبيه عن سليمان بن يسار عن ابن عباس قال قال علي بن أبي طالب أرسلت المقداد بن الأسود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأله عن المذي يخرج من الإنسان كيف يفعل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "توضأ وانضح فرجك" وقد روي هذا الخبر عن ابن عباس عن علي من غير هذا الوجه.
حدثنا خلف بن القاسم حدثنا الحسين بن جعفر حدثنا يوسف بن يزيد حدثنا سعيد بن منصور حدثنا سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن عطاء عن ابن عباس أنه سمع علي بن أبي طالب بالكوفة يقول كنت رجلا أجد من المذي أذى فأمرت عمارا يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن ابنته كانت تحتي فقال "يكفيك منه الوضوء" هكذا قال عطاء عن ابن عباس عن علي وخالفه الحميدي وغيره فجعله عن عطاء عن عائش البكري عن علي.
حدثنا سعيد بن نصر وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن إسماعيل قال حدثنا الحميدي حدثنا سفيان حدثنا عمرو قال أخبرني عطاء قال سمعت عائش بن أنس يقول سمعت عليا على المنبر يقول كنت أجد من المذي شدة فأردت أن أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت ابنته عندي فاستحييت أن اسأله فأمرت عمارا فسأله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إنما يكفي منه الوضوء" وهكذا رواه معمر عن عمرو بن دينار عن عائش بن أنس عن علي.

(21/203)


وحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا بكر ابن حماد قال حدثنا مسدد قال حدثنا يحيى عن ابن جريج قال أخبرني عطاء عن عائش بن أنس البكري قال تذاكر علي والمقداد وعمار بن ياسر المذي فقال علي إني رجل مذاء وأنا أستحيي أن أسأله من أجل ابنته تحتي فقال لأحدهما سله قال عطاء سماه لي عائش ونسيت اسمه فسأله فقال ذلك المذي ليغسل ذاك منه قال عطاء ما ذاك منه قال ذكره ويتوضأ فيحسن وضوءه أو يتوضأ مثل وضوئه للصلاة وينضح فرجه.
ففي هذا الحديث بيان أن عليا والمقداد وعمار بن ياسر تذاكروا المذي فلذلك ما يجيء في بعض الآثار عن علي فأمرت المقداد وفي بعضها فأمرت عمارا وجائز أن يأمر أحدهما وجائز أن يأمر كل واحد منهما أن يسأل له فسأل فكان الجواب واحدا فحدث به مرة عن عمار ومرة عن المقداد هذا كله غير مرفوع لإمكانه وصحته في المعنى وحسبك أنهم ثلاثتهم قد اشتركوا في المذاكرة بهذا الحديث وعلمه والخبر عنه.
وذكر عبد الرزاق عن ابن جريج قال قال قيس لعطاء أرأيت المذري أكنت ماسحه مسحا قال لا المذي أشد من البول يغسل غسلا ثم أنشأ يحدثنا حينئذ قال أخبرني عائش بن أنس أخو بني سعد بن ليث قال تذاكر علي بن أبي طالب وعمار بن ياسر والمقداد بن الأسود المذي فقال علي إني رجل مذاء فاسألوا عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن استحيي أن أسأله عن ذلك لمكان ابنته مني ولولا مكان ابنته مني لسألته قال عائش فسألته أحد الرجلين عمار أو المقداد فسمى لي عائش الذي سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك منهما فنسيته فقال النبي صلى الله عليه وسلم "ذلكم المذي إذا وجده أحدكم فليغسل ذلك منه ثم ليتوضأ فيحسن وضوءه ثم لينتضح في فرجه"

(21/204)


قال ابن جريج فسألت عطاء عن قول النبي صلى الله عليه وسلم "يغسل ذلك منه" قال حيث المذي يغسل منه أم ذكره كله فقال بل حيث المذي منه قط فقلت لعطاء أرأيت إن وجدت مذيا فغسلت ذكري كله أنضح في ذلك فرجي قال لا حسبك وقال مالك المذي عندنا أشد من الودي لأن الفرج يغسل من المذي والودي عندنا بمنزلة البول قال مالك وليس على الرجل أن يغسل أنثييه من المذي إلا أن يظن أنه قد أصابهما منه شيء قال مالك والودي من الجمام يأتي بغثر البول أبيض خاثر قال والمذي تكون معه شهوة وهو رقيق إلى الصفرة يكون عند ملاعبة الرجل أهله وعند حدوث الشهوة له.
قال أبو عمر:
يحتمل قول مالك المذي عندنا أشد من المذي لأن الودي يستنجى منه بالأحجار والمذي لا بد من غسله ولا تطهر منه الأحجار فقد قال بهذا قوم من أصحاب مالك وغيرهم وقال بعضهم تطهره الأحجار إلا عند وجود الماء خاصة وفي هذا القول ضعف والأول أولى بقول مالك لأن الفرج يغسل من المذي ولأن الأصل في النجاسات الغسل إلا ما خصت السنة من المعتادات بالاستنجاء ولما لم يتعد بالأحجار إلى غير المخرج وجب أن لا يتعدى بها إلى غير المعتادات .
وقال الشافعي لا يجوز الاستنجاء من الدم الخارج من الدبر ولا من المذي كما لا يجوز للمستحاضة أن تستنجي بغير الماء وأبو حنيفة على أصله في جواز إزالة النجاسات بكل ما أزالها

(21/205)


وقال بعض أصحاب مالك المذي يغسل منه الذكر كله ولا يغسل من الودي إلا المخرج وحده وما مسه وعلى الوجهين قد تنازع فيه العلماء فمن ذهب إلى غسل الذكر قد جعله عبادة تعبد بها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله "يغسل ذكره" ولم يقل بعض ذكره لأن عموم هذا اللفظ يوجب غسل الذكر كله ما يبين منه الأذى من أجل المذي ويكون غسل سائره عبادة كسائر العبادات في الغسل وغيره وسنذكر اختلاف الآثار بذلك في آخر هذا الباب وماذا عن السلف إن شاء الله.
حدثنا خلف بن القاسم قال حدثنا عبد الله بن محمد بن المفسر قال حدثنا أحمد بن علي بن سعيد القاضي وحدثنا سعيد بن نصر وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا ابن وضاح قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا وكيع وأبو معاوية وهشيم عن الأعمش عن منذر بن يعلى الثوري يكنى أبا يعلى عن ابن الحنفية عن علي قال كنت رجلا مذاء فكنت أستحيي أن أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم لمكان ابنته فأمرت المقداد بن الأسود فسأله فقال "يغسل ذكره ويتوضأ"
قال أبو عمر:
هذا حديث مجتمع على صحته لا يختلف أهل العلم فيه ولا في القول به والمذي عند جميعهم يوجب الوضوء ما لم يكن خارجا عن علة أبردة وزمانة فإن كان كذلك فهو أيضا كالبول عند جميعهم فإن كان سلسا لا ينقطع فحكمه كحكم سلس البول عند جميعهم أيضا إلا أن طائفة توجب

(21/206)


الوضوء على من كانت هذه حاله لكل صلاة قياسا على الاستحاضة عندهم وطائفة تستحبه ولا توجبه وقد ذكرنا هذا المعنى وأوضحنا القول فيه في باب المستحاضة عند ذكر حديث نافع عن سليمان بن يسار من هذا الكتاب .
وأما المذي المعهود المعتاد المتعارف وهو الخارج عند ملاعبة الرجل أهله لما يجده من اللذة أو لطول عزوبة فعلى هذا المعنى خرج السؤال في حديث علي هذا وعليه وقع الجواب وهو موضع إجماع لا خلاف بين المسلمين في إيجاب الوضوء منه وإيجاب غسله لنجاسته.
أخبرنا سعيد بن نصر وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا ابن وضاح قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا هشيم بن بشير عن يزيد بن أبي زياد قال حدثنا عبد الرحمن بن أبي ليلى عن علي رضي الله عنه قال سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن المذي فقال "فيه الوضوء وفي المني الغسل" .
وقد روى سهل بن حنيف عن النبي صلى الله عليه وسلم في المذي مثل حديث علي.
قرأت على عبد الوارث بن سفيان أن قاسم بن أصبغ حدثهم قال حدثنا محمد بن إسماعيل قال حدثنا نعيم بن حماد قال أخبرنا عبد الله بن المبارك وإسماعيل بن علية قالا أخبرنا محمد بن إسحاق عن سعيد بن عبيد ابن السباق عن أبيه عن سهل بن حنيف قال كنت ألقى من المذي شدة وكنت اغتسل فسألت رسول الله عن ذلك فقال "يجزئك من ذلك الوضوء" قلت يا رسول الله فكيف بما أصاب ثوبي قال "تأخذ كفا من ماء فانضح به ثوبك حيث ترى أنه أصابك"

(21/207)


وحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا بكر ابن حماد قال حدثنا مسدد قال حدثنا حماد بن زيد عن محمد بن إسحاق عن سعيد بن عبيد عن أبيه أن سهل بن حنيف سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المذي فقال "يكفيك منه الوضوء" قلت أرأيت ما أصاب ثوبي منه فذكر الحديث مثل ما تقدم سواء .
وأما قوله "فلينضح فرجه وليتوضأ" فإن النضح عني به ههنا الغسل وقد فسرنا ذلك من جهة اللغة والمعنى في باب ابن شهاب عن عبيد الله من هذا الكتاب ومما يدلك على أن قوله في حديث مالك ومن تابعه في هذا الباب "فلينضح ذكره ولتيوضأ" أنه أريد بالنضح الغسل لأنه قد روي منصوصا "ليغسل ذلك منه ويغسل ذكره" وهذا معروف قد أوضحناه فيما مضى وفي أمره بغسل الفرج من المذي وغسل ما مس منه دليل على أن ذلك لا يجوز فيه الاستنجاء بالأحجار كما يجوز في البول والغائط لأن الآثار كلها على اختلاف ألفاظها وأسانيدها ليس في شيء منها ذكر استنجاء بالأحجار فاستدل بهذا من قال إن الاستنجاء بالأحجار لا يكون إلا في المعتاد عند الغائط وهو الرجيع والبول وهو استدلال صحيح والله الموفق للصواب فعلى هذا من خرج من أحد مخرجيه دم أو ودي لم يجزه إلا الماء والله أعلم.
وأما إيجاب الوضوء من المذي فبالسنة المجتمع عيها على ما ذكرنا من حديث هذا الباب وأما معنى غسل الذكر من المذي فإنه يريد غسل مخرجه وما مس الأذى منه وهذا الأصح عندي في النظر والله أعلم وقد قالت طائفة من أصحابنا وغيرهم بوجوب غسل الذكر كله من المذي على ظاهر الخبر في ذلك اتباعا وجعلوا ذلك من باب التعبد وذهب غيرهم إلى أن قوله في المذي يغسل ذكره ويتوضأ وضوءه للصلاة يحتمل أن يكون

(21/208)


أراد يغسل ما مس الأذى منه وقالوا ألا ترى أن أحدا لا يقتصر على غسل الذكر وحده إذا كان المذي قد مس موضعا من الجسد غيره فلا بد من غسل كل ما مس المذي منه وفي هذا ما يستدل به على أن المراد غسل ما مس المذي الذكر والله أعلم.
ذكر عبد الرزاق عن الثوري عن منصور عن مجاهد عن ابن عباس في المذي والودي والمني قال في المني الغسل ومن المذي والودي الوضوء يغسل حشفته ويتوضأ.
وعن الثوري عن زياد بن الفياض قال سمعت سعيد بن جبير يقول في المذي يغسل حشفته وعن هشيم عن أبي حمزة عن ابن عباس في المذي قال اغسل ذكرك وما أصابك ثم توضأ وضوءك للصلاة فهذا ابن عباس يقول في هذا الخبر اغسل ذكرك وقد تقدم عنه فيه غسل الحشفة فدل على أن مراده ما وصفنا بلفظه وبالله التوفيق

(21/209)


الحديث الحادي عشر
...
حديث حادي عشر لأبي النضر
مالك عن أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله أن عبد الله بن أنيس الجهني قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم يا رسول الله إني شاسع الدار فمرني ليلة أنزل لها فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم "انزل ليلة ثلاثة وعشرين" .
هذا حديث منقطع ولم يلق أبو النضر عبد الله بن أنيس ولا رآه ولكنه يتصل من وجوه شتى صحاح ثابتة.
ورواه الضحاك بن عثمان عن أبي النضر عن بسر بن سعيد عن عبد الله ابن أنيس ولكن جاء بلفظ حديث أبي سعيد الخدري وذلك عندي منكر في هذا الإسناد .
حدثنا أحمد بن قاسم قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا الحرث بن أبي أسامة قال حدثنا محمد بن عمر الواقدي قال حدثنا الضحاك بن عثمان عن أبي النضر عن بسر بن سعيد عن عبد الله بن أنيس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "أريت ليلة القدر ثم أنسيتها ثم أراني صبيحتها أسجد في ماء وطين" فمطرنا ليلة ثلاث وعشرين فصلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فانصرف وإن أثر الماء والطين لفي أنفه وجبهته وكان عبد الله بن أنيس ينزل ليلة ثلاث وعشرين

(21/210)


قال أبو عمر:
محمد بن عمر المذكور في هذا الإسناد هو الواقدي وهو ضعيف الحديث والضحاك بن عثمان كثير الخطأ ليس بحجة فيما روى حدثنا عبد الوارث بن سفيان حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا أحمد بن زهير حدثنا أبو بكر بن الأسود ن قال حدثنا يزيد بن زريع قال حدثنا محمد بن إسحاق عن محمد بن إبراهيم التيمي عن ابن عبد الله بن أنيس الجهني قال حدثني أبي قال قلت يا رسول الله إني أكون في باديتي وأنا بحمد الله أصلي فيها فمرني بليلة من هذا الشهر أنزلها بهذا المسجد أصليها فيه قال "أنزل ليلة ثلاث وعشرين فصلها فيه" .
ورواه الزهري عن ضمرة بن عبد الله بن أنيس عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله .
ورواه الأسلمي عن داود بن الحصين عن عطية بن عبد الله بن أنيس عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله بمعناه .
ورواه العمري عن عيسى بن عبد الله بن أنيس عن أبيه مرفوعا مثله وحدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي حدثنا إبراهيم بن حمزة حدثنا عبد العزيز بن محمد الدراوردي عن يزيد بن الهادي عن أبي بكر بن محمد عن عبد الله بن عبد الرحمن بن كعب عن عبد الله بن أنيس قال كنا نبتدئ في رمضان فقال قومنا إنه ليشق علينا أن ننزل بعيالنا وثقلنا وإنا نخشى عليهم الضيعة إن نزلنا وتركناهم وإنا لنكره أن تفوتنا هذه الليلة فهل لكم أن نرسل إلى رسول

(21/211)


الله صلى الله عليه وسلم نذكر له هذا ونسأله أن يأمرنا بليلة ننزلها قالوا نعم قال عبد الله بن أنيس فأرسلوني وكنت أحدث القوم فجئت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألته أن يأمرنا بليلة ننزلها فقال "انزلوا ليلة ثلاث وعشرين" فكان عبد الله بن أنيس ينزل تلك الليلة فإذا أصبح رجع.
ورواه يحيى بن أيوب عن يزيد بن الهادي عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن عبد الله بن أنيس نحوه بمعناه كذا قال عبد الرحمن بن كعب بن مالك .
ورواه عبد الله بن قدامة الجمحي عن عبد الله بن عبد الرحمن فأخطأ فيه وأظنه لم يسمعه منه .
حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا عبيد ابن عبد الواحد ومحمد بن إسماعيل الترمذي قالا حدثنا سعيد بن الحكم بن أبي مريم حدثنا يحيى بن أيوب حدثنا يزيد بن الهادي أن أبا بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أخبره عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن عبد الله بن أنيس قال كنا بالبادية فقلنا إن قدمنا بأهلنا شق علينا وإن خلفناهم أصابتهم ضيعة قال فبعثوني وكنت أصغرهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت له قولهم فأمرنا بليلة ثلاث وعشرين قال ابن الهادي وكان محمد بن إبراهيم يجتهد تلك الليلة.
وقد روى عبد الله بن عباس في هذا الباب بإسناد صحيح أيضا حديثا يشبه أن يكون حديث عبد الله بن أنيس هذا .
حدثنا خلف بن القاسم قال حدثنا أحمد بن صالح القرئ قال حدثنا عبد الله بن محمد البغوي حدثنا أحمد بن حنبل حدثنا معاذ بن هشام حدثنا

(21/212)


أبي عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إني شيخ كبير عليل يشق علي القيام فمرني بليلة لعل الله يوفقني فيها لليلة القدر فقال "عليك بالسابعة"
قال أبو عمر:
يريد سابعة تبقى والله أعلم وذلك محفوظ في حديث ابن عباس إذ ذكر ما خص الله على سبع من خلقه ثم قال وما أراها إلا ليلة ثلاث وعشرين لسبع بقين وقد ذكرنا هذا الخبر في باب حميد الطويل وقد مضى القول في ذلك وفي سائر معاني هذا الباب مستوعبا ممهدا مبسوطا هناك فلا وجه لتكرير ذلك ههنا.
أخبرنا محمد بن عبد المالك وعبيد بن محمد قالا حدثنا عبد الله بن مسرور قال حدثنا عيسى بن مسكين قال حدثنا محمد بن سنجر قال حدثنا أحمد بن خالد الوهبي حدثني محمد بن إسحاق عن معاذ بن عبد الله بن حبيب عن أبيه عن عبد الله بن عبد الله بن حبيب قال وكان رجلا في زمن عمر بن الخطاب قال جلس إلينا عبد الله بن أنيس في مجلس حسبته قال في آخر رمضان فقلنا له يا أبا يحيى هل سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الليلة المباركة من شيء قال جلسنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر هذا الشهر فقلنا له يا نبي الله متى نلتمس هذه الليلة المباركة لمساء قال "التمسوها لمساء ثلاث وعشرين" فقال له رجل من القوم فهي إذن أولى ثمان فقال "إنها ليست بأولى ثمان ولكنها أولى سبع إن الشهر لا يتم"

(21/213)


قال ابن سنجر وحدثنا أبو صالح حدثني الليث حدثني يزيد بن أبي حبيب عن محمد بن إسحاق عن معاذ بن عبد الله بن حبيب عن عبد الله بن حبيب عن عبد الله بن أنيس أنه سئل عن ليلة القدر فقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "التمسوها الليلة" وتلك الليلة ليلة ثلاث وعشرين فقال رجل يا رسول الله هي إذن أولى ثمان فقال "بل أولى سبع إن الشهر لا يتم" .
وحدثنا سعيد بن نصر حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا ابن وضاح حدثنا أبو أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا أبو الأحوص عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس قال بينا أنا نائم في رمضان فقيل لي إن الليلة ليلة القدر فقمت وأنا ناعس فتعلقت ببعض أطراف فسطاط رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي فنظرت في الليلة فإذا ليلة ثلاث وعشرين قال وقال ابن عباس إن الشيطان يطلع مع الشمس كل يوم إلا ليلة القدر وذلك أنها تطلع يومئذ لا شعاع لها.
قال أبو عمر:
يقال إن ليلة الجهني معروفة بالمدينة ليلة ثلاث وعشرين وحديثه هذا مشهور عند خاصتهم وعامتهم.
وروى ابن جريج هذا الخبر لعبد الله بن أنيس وقال في آخره فكان الجهني يمسي تلك الليلة يعني ليلة ثلاث وعشرين في المسجد فلا يخرج منه حتى يصبح ولا يشهد شيئا من رمضان قبلها ولا بعدها ولا يوم الفطر .
وذكر عبد الرزاق عن ابن جريج عن عبيد الله بن أبي يزيد قال كان ابن عباس ينضح على أهله الماء ليلة ثلاث وعشرين

(21/214)


وعن ابن جريج قال أخبرني يونس بن يوسف أنه سمع سعيد بن المسيب يقول استقام ملأ القوم على أنها لثلاث وعشرين يعني في ذلك العام والله أعلم.
وفي سياقة هذا الخبر ما يدل على ذلك وقد ذكرناه بتمامه في باب حميد الطويل من هذا الكتاب وذكر عبد الرزاق أيضا عن الثوري عن منصور عن إبراهيم عن الأسود قال كانت عائشة توقظ أهلها ليلة ثلاث وعشرين.
وعن محمد بن راشد عن مكحول أنه كان يراها ليلة ثلاث وعشرين فحدثه الحسن بن الحر عن عبدة بن أبي لبابة أنه قال هي ليلة سبع وعشرين وأنه قد جرب ذلك بأشياء وبالنجوم فلم يلتفت مكحول إلى ذلك .
وعن معمر عن أيوب عن نافع عن ابن عمر قال جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إني رأيت في النوم ليلة القدر كأنها ليلة سابعة فقال النبي صلى الله عليه وسلم "أرى رؤياكم قد تواطأت إنها في ليلة سابعة فمن كان متحريها منكم فليتحرها في ليلة سابعة" قال معمر فكان أيوب يغتسل في ليلة ثلاث وعشرين ويمس طيبا.
أخبرنا سعيد بن سيد وأحمد بن عمر قالا حدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا أحمد بن خالد قال حدثنا ابن وضاح قال حدثنا أحمد بن عمرو قال

(21/215)


حدثنا رشدين بن سعد عن زهرة بن معبد قال أصابني احتلام في أرض العدو وأنا في البحر ليلة ثلاث وعشرين في رمضان قال فذهبت لأغتسل قال فزلقت فسقطت في الماء فإذا الماء عذب فأذنت أصحابي وأعلمتهم أني في ماء عذب.
قال أبو عمر:
أفردنا في هذا الباب أقوال القائلين بأنها ليلة ثلاث وعشرين على ما في حديث عبد الله بن انيس المذكور في هذا الباب وقد مضى في باب حميد الطويل من هذا الكتاب شفاء في هذا المعنى وما في ذلك من مذاهب العلماء ممهدا والحمد لله كثيرا.

(21/216)


الحديث الثاني عشر
...
حديث ثاني عشر لأبي النضر
مالك عن أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها أمرت أن يمر عليها سعد بن أبي وقاص في المسجد حين مات لتدعو له فأنكر ذلك الناس عليها فقالت عائشة ما أسرع الناس ما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على سهيل بن بيضاء إلا في المسجد

(21/216)


هكذا هو في الموطأ عند جمهور الرواة منقطعا ورواه حماد بن خالد الخياط عن مالك عن أبي النضر عن أبي سلمة عن عائشة فانفرد بذلك عن مالك.
حدثنا خلف بن القاسم قال حدثنا محمد بن عبد الله بن أحمد القاضي حدثنا يحيى بن محمد بن صاعد حدثنا محمد بن خديمة الواسطي حدثنا حماد بن خالد الخياط عن مالك وعبد العزيز بن أبي سلمة عن أبي النضر عن أبي سلمة عن عائشة قالت ما أسرع الناس إلى الشر ما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على سهيل بن بيضاء إلا في المسجد.
حدثنا أحمد بن عبد الله بن محمد قال حدثنا أبي قال حدثنا محمد بن قاسم قال حدثنا البغوي قال حدثني جدي أحمد بن منيع قال حدثنا حماد ابن خالد الخياط قال حدثنا مالك عن أبي النضر عن أبي سلمة عن عائشة قالت ما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على سهيل بن بيضاء إلا في المسجد.
وكذلك رواه الضحاك بن عثمان عن أبي النضر عن أبي سلمة عن عائشة حدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا هارون بن عبد الله قال حدثنا ابن أبي فديك عن الضحاك يعني ابن عثمان عن أبي النضر عن أبي سلمة عن عائشة قالت والله لقد صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على ابني بيضاء في المسجد سهيل وأخيه.
وحدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا سعيد بن منصور قال حدثنا فليح بن سليمان عن صالح عن ابن عجلان ومحمد بن عبد الله بن عباد عن عباد بن عبد الله بن الزبير عن عائشة قالت ما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على سهيل بن البيضاء إلا في المسجد

(21/217)


قال أبو عمر:
أما قول عائشة في هذا الحديث ما أسرع الناس ففيه عندهم قولان أحدهما ما أسرع النسيان إلى الناس أو ما أسرع ما نسي الناس والقول الآخر ما أسرع الناس إلى إنكار ما لا يعرفون أو إنكار ما لا يحب أو إنكار ما قد نسوه أو جهلوه أو ما أسرع الناس إلى العيب والطعن ونحوه هذا ثم احتجت عليهم بالحجة اللازمة لهم إذ أنكروا عليها أمرها بأن يمر بسعد عليها فيصلي عليه في المسجد وكان سعد بن أبي وقاص هذا قد مات في قصره بالعقيق على عشرة أميال من المدينة فحمل إلى المدينة على رقاب الرجال ودفن بالبقيع وقد ذكرنا خبره في بابه من كتاب الصحابة.
وكان سعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد قد عهدا أن يحملا من العقيق إلى البقيع مقبرة المدينة فيدفنا بها وذلك والله أعلم لفضل علموه هناك فإن فضل المدينة غير منكور ولا مجهول ولو لم يكن إلا مجاورة الصالحين والفضلاء من الشهداء وغيرهم وليس هذا مما اجتمع عليه العلماء ألا ترى أن مالكا ذكر عن هشام بن عروة عن أبيه أنه قال ما أحب أن أدفن في البقيع لأن أدفن في غيره أحب إلي ثم بين العلة مخافة أن ينبش له عظام رجل صالح أو يجاور فاجرا وهذا يستوي فيه البقيع وغيره ولو كان له فضل عنده لأحبه والله أعلم وقد يستحسن الإنسان أن يدفن بموضع قرابته وإخوانه وجيرانه لا لفضل ولا لدرجة وقد كان عمر رضي الله عنه يقول اللهم إني أسألك الشهادة في سبيلك ووفاة ببلد رسولك وهذا يحتمل

(21/218)


الوجهين مذهب سعد وسعيد ومذهب عروة والأظهر فيه تفضيل البلد والله أعلم.
وقد احتج قوم بهذا الحديث في إثبات عمل المدينة وأن العمل أولى من الحديث عندهم لأنهم أنكروا على عائشة ما روته لما استفاض عندهم.
واحتج آخرون بهذا الخبر في دفع الاحتجاج بالعمل بالمدينة وقالوا كيف يحتج بعمل قوم تجهل السنة بين أظهرهم وتعجب أم المؤمنين من نسيانهم لها أو جهلهم وإنكارهم لما قد صنعه رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنه فيها وصنعه الخلفاء الراشدون وجلة الصحابة بعده وقد صلي على أبي بكر وعمر في المسجد قالوا فكيف يصح مع هذا إدعاء عمل أو كيف يسوغ الاحتجاج به وكثير ما كان يصنع عندهم مثل هذا حتى يخبره الواحد بما عنده في ذلك فينصرفوا إليه وقالوا ألا ترى أن عائشة أم المؤمنين لم تر إنكارهم حجة وإنما رأت الحجة فيما علمته من السنة
قال أبو عمر:
القول في هذا الباب يتسع وقد أكثر فيه المخالفون وليس هذا موضع تلخيص حججهم وللقول في ذلك موضع غير هذا وأما اختلاف الفقهاء في الصلاة على الجنائز في المسجد فروى ابن القاسم عن مالك أنه قال لا يصلى على الجنائز في المسجد ولا يدخل بها المسجد قال وإن صلي عليها عند باب المسجد وتضايق الناس وتزاحموا فلا بأس أن يكون بعض الصفوف في المسجد وقد قال في كتاب الاعتكاف من المدونة في صلاة المعتكف على

(21/219)


الجنازة في المسجد ما يدل على انه معروف عندهم الصلاة على الجنازة في المسجد قال ابن نافع قال مالك في المعتكف وإن انتهى إليه زحام الناس الذين يصلون على الجنازة وهو في المسجد فإنه لا يصلى عليها وهو قول أبي حنيفة ومحمد بن الحسن إنه لا يصلى على الجنائز في المسجد وأجاز ذلك أبو يوسف .
ووقال الشافعي وأصحابه وأحمد بن حنبل وإسحاق وأبو ثور وداود لا بأس أن يصلى على الجنائز في المسجد من ضيق وغير ضيق على كل حال وهو قول عامة أهل الحديث واحتجوا بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى على ابني بيضاء في المسجد وأن أبا بكر صلي عليه في المسجد وأن عمر صلي عليه في المسجد ومن حجة داود في ذلك أن الله لم ينه عن ذلك ولا رسوله ولا اتفق الجميع عليه والأصل إباحة فعل الخير في كل موضع إلا موضع تقوم بالمنع من ذلك فيه حجة لا معارض لها .
وحجة من قال بقول مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحفظ عنه أنه صلى على غير ابن بيضاء في المسجد وأن إنكار من أنكره على عائشة لا يكون إلا لأصل عندهم لأنهم يستحيل عليهم أن يروا رأيهم حجة عليها .
واحتجوا من الأثر بما حدثناه عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود .
وحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا بكر ابن حماد قالا حدثنا مسدد قال حدثنا يحيى عن ابن أبي ذئب قال حدثني

(21/220)


صالح مولى التوءمة عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من صلى على جنازة في المسجد فلا شيء له" .
وحدثنا أحمد بن قاسم بن عيسى قال حدثنا عبيد الله بن محمد بن حبابة قال حدثنا البغوي قال حدثنا علي بن الجعد أخبرنا ابن أبي ذئب عن صالح مولى التوءمة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "من صلى على جنازة في المسجد فلا شيء له" .
قال البغوي وقد روى هذا الحديث سفيان الثوري عن ابن أبي ذئب حدثني به أحمد بن محمد القاضي حدثنا أبو حذيفة حدثنا سفيان عن ابن أبي ذئب عن صالح عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من صلى على جنازة في المسجد فليس له أجر" .
واحتج من ذهب مذهب مالك بحديث صالح مولى التوءمة هذا مع ما ذكرنا من إنكار من أنكر ذلك على عائشة.
وقال الآخرون أما رواية أبي حذيفة عن الثوري لهذا الحديث وقوله فيه فليس له أجر فخطأ لا أشكال فيه ولم يقل أحد في هذا الحديث ما قاله أبو حذيفة قالوا والصحيح في هذا الحديث ما قاله يحيى القطان وسائر رواة هذا الحديث عن ابن أبي ذئب بإسناده عن النبي صلى الله عليه وسلم وذلك قوله "من صلى على جنازة في المسجد فلا شيء له" .
هذا هو الصحيح في هذا الحديث قالوا ومعنى قوله "لا شيء له" يريد لا شيء عليه قالوا وهذا صحيح معروف في لسان العرب قال الله عز

(21/221)


وجل {إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لَأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا} بمعنى فعليها ومثله كثير.
قالوا: وصالح مولى التوءمة من أهل العلم بالحديث من لا يقبل شيء من حديثه لضعفه ومنهم من يقبل من حديثه ما رواه ابن أبي ذئب عنه خاصة لأنه سمع منه قبل الاختلاط ولا خلاف أنه اختلط فكان لا يضبط ولا يعرف ما يأتي به ومثل هذا ليس بحجة فيما انفرد به وليس يعرف هذا الحديث من غير روايته ألبتة فإن صح فمعناه ما ذكرنا وبالله توفيقنا.
حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أحمد ابن زهير قال حدثنا إبراهيم بن عرعرة قال حدثنا سفيان بن عيينة قال لقينا صالحا مولى التوءمة وهو مختلط.
قال أبو عمر:
حديث عائشة صحيح نقله الثقات من وجهين صحيحين وحديث أبي هريرة انفرد به صالح بن أبي صالح مولى التوءمة وليس بحجة لضعفه ولو صح حديثه لم يكن فيه حجة للتأويل الذي ذكرنا وعلى هذا التأويل لا يكون معارضا لحديث عائشة وهو أولى ما حملت عليه الأحاديث التي جاءت معارضة له ويدل على صحة ذلك أن أبا بكر صلى عليه عمر في المسجد وصلى صهيب على عمر في المسجد بمحضر جلة الصحابة من غير نكير منهم وليس من أنكر ذلك بعدهم بحجة عليهم فصار بما ذكر هنا سنة يعمل بها قديما فلا يجوز مخالفتها وبالله التوفيق

(21/222)


قال أبو عمر:
احتج بعض من لا يرى الصلاة في المسجد على الجنائز من أصحابنا بحديث سعيد بن المسيب عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج بالناس إلى المصلى حين صلى على النجاشي قال فالخروج بالجنازة إلى الجنازة أحرى بذلك ولا يصلى عليها في المسجد قال وإنما صلي على أبي بكر وعمر في المسجد لأنهما دفنا فيه وهذا لا يلزم إلا لمن قال لايصلى على الجنائز إلا في المسجد ولم يقله أحد وأما من قال يصلى عليها في المسجد وفي غير المسجد فغير لازم له ما ذكر من ذكرنا قوله وقد مضى القول في هذا المعنى في باب ابن شهاب من هذا الكتاب والحمد لله وأن اولى الناس بإجازة الصلاة في المسجد على الجنازة من زعم أن الثوب الذي يجفف فيه الميت ويغسل طاهر يستغنى عن الغسل

(21/223)


الحديث الثالث عشر
...
حديث ثالث عشر لأبي النضر
مالك عن أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله أنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما مات عثمان بن مظعون ومر بجنازته "ذهبت ولم تلبس منها بشيء" .
هكذا هو في الموطأ عند جماعة الرواة مرسلا مقطوعا لم يختلفوا في ذلك عن مالك وقد رويناه متصلا مسندا من وجه صالح حسن.

(21/223)


أخبرنا سعيد بن عثمان قال أخبرنا أحمد بن دحيم بن خليل قال حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي قال حدثنا محمد بن عبد الوهاب قال حدثنا محمد بن عبد الله بن عبيد بن عمير الليثي عن يحيى بن سعيد عن القاسم بن محمد عن عائشة قالت لما مات عثمان بن مظعون كشف النبي صلى الله عليه وسلم الثوب عن وجهه وقبل بين عينيه وبكى بكاء طويلا فلما رفع على السرير قال "طوبى لك يا عثمان لم تلبسك الدنيا ولم تلبسها" .
قال أبو عمر:
روى الثوري عن عاصم بن عبيد الله عن القاسم عن عائشة قالت رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل عثمان بن مظعون وهو ميت حتى رأيت دموعه تسيل على خده وروى الثوري أيضا عن موسى بن أبي عائشة عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس وعائشة أن أبا بكر قبل النبي صلى الله عليه وسلم وهو ميت.
وأما قوله "ذهبت ولم تلبس منها بشيء" فكان عثمان بن مظعون أحد الفضلاء العباد الزاهدين في الدنيا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم المتبتلين منهم وقد كان هو وعلي بن أبي طالب همَََّّا أن يترهبا ويتركا النساء ويقبلا على العبادة ويحرما طيب الطعام على أنفسهما فنزلت {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ} الآية .
ذكر معمر وغيره عن قتادة في هذه الآية قال نزلت في علي بن أبي طالب وعثمان بن مظعون أرادوا أن يقلوا من الدنيا ويتركوا النساء ويترهبوا

(21/224)


وذكر ابن جريج عن مجاهد قال أراد رجال منهم عثمان بن مظعون وعبد الله بن عمر أن يتبتلوا أو يخصوا أنفسهم ويلبسوا المسوح فنزلت هذه الآية إلى قوله {َاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ} .
قال ابن جريج وقال عكرمة إن علي بن أبي طالب وعثمان بن مظعون وابن مسعود والمقداد بن عمرو وسالما مولى أبي حذيفة تبتلوا وجلسوا في البيوت واعتزلوا النساء ولبسوا المسوح وحرموا طيبات الطعام واللباس وهموا بالاخصاء وأدمنوا القيام بالليل وصيام النهار فنزلت {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ} الآية يعني النساء والطعام واللباس.
وقال محمد بن المنكدر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن الله أبدلنا بالرهبانية الجهاد والتكبير على كل شرف من الأرض" .
وذكر سنيد حدثنا معمر ابن سليمان عن إسحاق بن سويد عن أبي فاختة مولى جعدة بن هبيرة قال كان عثمان بن مظعون يريد أن ينظر هل يستطيع السياحة وكانوا يعدون السياحة صيام النهار وقيام الليل ففعل ذلك حتى تركت المرأة الطيب والمعصفر والخضاب والكحل فدخلت على بعض أمهات المؤمنين ورأتها عائشة فقالت ما لي أراك كأنك مغيبة فقالت إني مشهدة كالمغيبة فعرفت ما عنت فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فقالت يا نبي الله إن امرأة عثمان دخلت علي فلم أر بها كحلا ولا طيبا ولا صفرة ولا خضابا فقلت مالي أراك كأنك مغيبة فقالت إني مشهدة كالمغيبة فعرفت ما عنت فأرسل إلى عثمان فقال "يا عثمان أتؤمن بما نؤمن" قال نعم بأبي أنت وأمي قال "إن كنت تؤمن بما نؤمن فأسوة لك بنا وأسوة ما لدينا"

(21/225)


قال إسحاق بن سويد فأتيت خراسان فصادفت يحيى بن معمر يحدث القوم بهذا الحديث لم يدع منه حرفا غير أنه قال في آخر حديثه "إن كنت تؤمن بما تؤمن فاصنع كما نصنع" قال ذلك مرتين.
حدثنا أحمد بن قاسم وأحمد بن محمد وسعيد بن نصر قالوا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن إسماعيل قال حدثنا نعيم بن حماد قال حدثنا ابن المبارك قال أخبرنا رشدين بن سعد قال حدثني ابن أنعم عن سعد ابن مسعود أن عثمان بن مظعون أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال ائذن لي في الاختصاء فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ليس منا من اختصى إن خصا أمتي الصيام" قال يا رسول الله ائذن لنا في السياحة قال "إن سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله" قال يا رسول الله ائذن لنا في الترهب قال "إن ترهب أمتي الجلوس في المساجد انتظار الصلاة" .
أخبرنا محمد بن إبراهيم بن سعد قراءة مني عليه أن أحمد بن مطرف حدثهم قال حدثنا سعيد بن عثمان قال حدثنا إسحاق بن إسماعيل الأيلي قال حدثنا سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن الزهري عن خارجة بن زيد قال لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة استهم المسلمون المنازل فطار سهم عثمان على امراة منها يقال لها أم العلاء فلما حضرته الوفاة قالت شهادتي عليك أبا السائب أن الله قد أكرمك قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم "أنا رسول الله ما أدري ما يفعل بي ولا به ولكن قد أتاه اليقين فنحن نرجو له الخير" فشق ذلك على المسلمين مشقة شديدة وقالوا عثمان في فضله وصلاحه يقال له هذا فلما دفن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض أهله قال "رد على سلفنا عثمان بن مظعون" فقالوا سلف رسول الله صلى الله عليه وسلم السلف الصالح قالت أم العلاء لا أزكي بعده أحدا أبدا

(21/226)


قال أبو عمر:
اختلف العلماء في معنى قول الله عز وجل : {وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ} فقال منهم قائلون ذلك في الدنيا وأحكامها نحو الاختبار بالجهاد والفرائض من الحدود والقصاص وغير ذلك وقالوا لا يجوز غير هذا التأويل لأن الله قد أعلم ما يفعل به وبالمؤمنين وما يفعل بالمشركين بقوله {إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ} وقوله {إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ} وقوله {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ} وقوله {قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ} .
وروى وكيع عن أبي بكر الهذلي عن الحسن في قوله {وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ} قال في الدنيا.
وقال آخرون بل ذلك على وجهه في أمر الدنيا وفي ذنوبه وما يختم له من عمله حتى نزلت {لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} ففرح رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال "هي أحب إلي مما طلعت عليه الشمس" وهذا معنى تفسير قتادة والضحاك والكلبي وروى مثله يزيد بن إبراهيم التستري عن الحسن

(21/227)


الحديث الرابع عشر
...
حديث رابع عشر لأبي النضر
مالك عن أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لشهداء أحد "هؤلاء أشهد عليهم" فقال أبو بكر الصديق ألسنا يا رسول الله بإخوانهم أسلمنا كما أسلموا وجاهدنا كما جاهدوا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "بلى ولكن لا أدري ما تحدثون بعدي" قال فبكى أبو بكر وقال إئنا لكائنون بعدك.
هذا الحديث مرسل هكذا منقطع عند جميع الرواة للموطأ ولكن معناه يستند من وجوه صحاح كثيرة ومعنى قوله "أشهد عليهم" أي أشهد لهم بالإيمان الصحيح والسلامة من الذنوب الموبقات ومن التبديل والتغيير والمنافسة في الدنيا ونحو ذلك والله أعلم.
وفيه من الفقه دليل على أن شهداء أحد ومن مات من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قبله أفضل من الذين تخلفهم بعده والله أعلم وهذا عندي في الجملة المحتملة للتخصيص لأن من أصحابه من أصاب من الدنيا بعده وأصابت منه وأما الخصوص والتعيين فلا سبيل إليه إلا بتوقيف يجب التسليم له.
وأما أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين تخلفهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بعده فأفضلهم أبو بكر وعمر على هذا جماعة علماء المسلمين إلا من شذ وقد قالت طائفة كثيرة من أهل العلم إن أفضل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر وعمر لم يستثنوا من مات قبله ممن مات بعده

(21/228)


وأما قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لشهداء أحد "أنا أشهد لهؤلاء أو أنا شهيد لهؤلاء" ونحو هذا فقد روي هذا اللفظ ومعناه من وجوه.
أخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن قال حدثنا محمد بن يحيى بن عمر قال حدثنا علي بن حرب قال حدثنا سفيان بن عيينة عن الزهري قال سفيان وثبته معمر عن ابن أبي الصعير قال أشرف النبي صلى الله عليه وسلم على قتلى أحد فقال "إني قد شهدت على هؤلاء فزملوهم بكلومهم ودمائهم" .
أخبرنا عبد الله بن محمد بن أسد قال حدثنا سعيد بن عثمان بن السكن قال حدثنا محمد بن يوسف قال حدثنا البخاري قال حدثنا عمرو بن خالد حدثنا الليث عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الخير عن عقبة بن عامر أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج يوما فصلى على أهل أحد صلاته على الميت ثم انصرف إلى المنبر فقال "إني فرط لكم وأنا شهيد عليكم وإني لأنظر إلى حوضي الآن وإني أعطيت مفاتيح خزائن الأرض وإني والله ما أخاف عليكم أن تشركوا بعدي ولكني أخاف عليكم أن تنافسوا فيها" .
حدثنا عبد الرحمن بن يحيى حدثنا أحمد بن سعيد حدثنا محمد بن ربان حدثنا محمد بن رمح حدثنا الليث بن سعد حدثني ابن شهاب عن عبد الرحمن بن كعب عن جابر قال كان النبي صلى الله عليه وسلم يجمع بين الرجلين من قتلى أحد ثم يقول أيهم أكثر أخذا للقرآن فإذا أشير له إلى أحدهما قدمه في اللحد وقال "أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة" وأمر بدفنهم بدمائهم ولم يصل عليهم.
أخبرنا عبد الله بن محمد بن يوسف قال حدثنا أحمد بن محمد بن إسماعيل قال حدثنا أحمد بن محمد بن عبد الواحد قال حدثنا سليمان بن

(21/229)


سلمة قال حدثنا أحمد بن خالد قال حدثني أسامة بن زيد قال أخبرني أبن شهاب الزهري عن أنس بن مالك قال لم يصل النبي صلى الله عليه وسلم على شهداء أحد وقال "أنا الشاهد عليكم اليوم" وكان يجمع بين الثلاثة نفر والاثنين ثم يسأل "أيهما أكثر قرآنا" فيقدمه في اللحد ويكفن الرجلين والثلاثة في الثوب الواحد.
قال أبو عمر:
اختلف على ابن شهاب في هذا الحديث اختلافا كثيرا ورواية الليث عندهم بالصواب أولى.
وأخبرنا خلف بن القاسم قال حدثنا ابن أبي العقب حدثنا أبو زرعة حدثنا الحكم بن نافع أبو اليمان حدثنا شعيب عن الزهري أخبرني أيوب من بشير الأنصاري عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم حين خرج تلك الخرجة استوى على المنبر فتشهد فلما قضى تشهده كان أول كلام تكلم به أن استغفر للشهداء الذين قتلوا يوم أحد ثم قال "إن عبدا من عباد الله خير بين الدنيا وبين ما عند ربه فاختار ما عند ربه" ففطن بها أبو بكر الصديق أول الناس وعرف إنما يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه فبكى أبو بكر فقال النبي صلى الله عليه وسلم "على رسلك سدوا هذه الأبواب الشوارع في المسجد إلا باب أبي بكر فإني لا أعلم امرءا أفضل عندي يدا في الصحبة من أبي بكر"

(21/230)


الحديث الخامس عشر
...
حديث خامس عشر لأبي النضر مرسل
مالك عن أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله عن سليمان بن يسار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن صيام أيام منى .
لم يختلف عن مالك في إسناده هذا الحديث وإرساله وعند مالك في هذا المعنى حديثه عن يزيد بن الهادي عن أبي مرة عن عمرو بن العاصي متصل مسند وفي هذا الباب آثار كثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم من طرق شتى.
فأما حديث سليمان بن يسار هذا فرواه الثوري عن أبي النضر وعبد الله ابن أبي بكر عن سليمان ابن يسار عن عبد الله بن حذافة حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن عبد السلام قال حدثنا محمد بن المثنى قال حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان عن سالم أبي النضر وعبد الله بن أبي بكر عن سليمان بن يسار عن عبد الله بن حذافة أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن ينادي في أيام التشريق أنها أيام أكل وشرب.
قال عبد الرحمن وقرأته على مالك عن أبي النضر عن سليمان بن يسار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن صيام أيام منى قال ابن مهدي وما أراه إلا أثبت من حديث سفيان.
وحدثنا عبد الوارث قال حدثنا قاسم قال حدثنا أحمد بن زهير قال سئل يحيى بن معين عن حديث عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان عن عبد الله بن أبي بكر وسالم أبي النضر عن سليمان بن يسار عن عبد الله بن حذافة أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن ينادي أيام التشريق أنها أيام أكل وشرب فقال مرسل

(21/231)


قال أبو عمر:
هذا وإن كان مرسلا فإنه حديث يتصل من غير ما وجه ويتصل حديث عبد الله بن حذافة من رواية ابن شهاب عن سعيد عن ابي هريرة حدثنا عبد الوارث قال حدثنا قاسم قال حدثنا محمد بن الجهم قال حدثنا روح بن عبادة قال حدثنا صالح قال حدثنا ابن شهاب عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث عبد الله بن حذافة يطوف في منى لا تصوموا هذه الأيام فإنها أيام أكل وشرب وذكر لله.
أخبرنا عبد الوارث حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا ابن وضاح حدثنا موسى ابن معاوية ومحمد بن سليمان قالا حدثنا وكيع بن الجراح حدثنا سفيان عن حبيب بن أبي ثابت عن نافع بن جبير عن بشر بن سحيم الغفاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب في أيام التشريق فقال "لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة مسلمة وإن هذه أيام أكل وشرب" ورواه أبو إسحاق السبيعي عن حبيب بن أبي ثابت بإسناده مثله.
وأخبرنا قاسم بن محمد حدثنا خالد بن سعد حدثنا أحمد بن عمرو بن منصور حدثنا ابن سنجر حدثنا إسماعيل بن عبد المالك الربعي حدثنا إبراهيم ابن طهمان عن أبي الزبير عن ابن كعب بن مالك عن أبيه كعب بن مالك أنه حدثه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه وأوس بن الحدثان في أيام التشريق فنادى لا يدخل الجنة إلا مؤمن وأيام منى أيام أكل وشرب.
وروى محمد بن يحيى بن حبان عن أم الحرث بنت عياش بن أبي ربيعة أنها رأت بديل بن ورقاء يطوف على جمل على أهل المنازل بمنى يقول إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهاكم أن تصوموا هذه الأيام فإنها أيام أكل وشرب

(21/232)


وروى سفيان بن عيينة عن جعفر بن محمد عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث بديل بن ورقاء الخزاعي فذكر مثله وزاد فيه وقال.
قال أبو عمر:
لا خلاف بين العلماء أن أيام منى هي الأيام المعدودات التي ذكر الله عز وجل في قوله {وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ} وهي أيام التشريق وأن هذه الثلاثة الأسماء واقعة عليها.
وقد ذكرنا اختلاف العلماء في أيام الذبح وهي الأيام المعلومات في باب يحيى بن سعيد وذكرنا معنى أيام التشريق في باب يزيد بن الهادي وأيام منى هي أيام رمي الجمار بمنى وهي واقعة بإجماع على الثلاثة الأيام التي يتعجل الحاج منها في يومين بعد يوم النحر فأيام منى ثلاثة بإجماع وهي أيام التشريق وهي الأيام المعدودات فقف على ذلك ومما يدلك على أنها ثلاثة قول العرجي
ما نلتقي إلا ثلاث منى ... حتى يفرق بيننا النفر
وقال عروة بن أذينة
نزلوا ثلاث منى بمنزل غبطة ... وهم على سفر لعمرك ما همو
وقال كثير بن عبد الرحمن
تفرق أهواء الحجيج على منى ... وفرقهم صرف النوى مثنى أربع

(21/233)


قال أبو عمر:
من تعجل من الحاج في يومين من أيام منى صار مقامه بمنى ثلاثة أيام بيوم النحر ومن لم ينفر منها إلا في آخر اليوم الثالث حصل له بمنى مقام أربعة أيام من أجل يوم النحر والتعجيل لا يكون أبدا إلا في آخر النهار وكذلك اليوم الثالث لأن الرمي في تلك الأيام إنما وقته بعد الزوال ومنى اسم لذلك الموضع يذكر عند أهل اللغة ويؤنث.
قال ابن الأنباري هو مشتق من منيت الدم إذا أصبته قال وقال أبو هفان يقال هو منى وهي منى فمن ذكره ذهب إلى المكان ومن أنثه ذهب إلى البقعة وتكتب في الوجهين جميعا بالياء وأنشد في تذكيره لبعض بني جمح
سقى منى ثم رواه وساكنه ... ومن نوى فيه واهى الودق منبعق
وأنشد في تأنيثها للعرجي
ليومنا بمنى إذ نحن ننزلها ... أشد من يومنا بالعرج أو ملل
وروى ابن جريج عن عطاء قال حد منى رأس العقبة مما يلي منى إلى المنحر قال ابن جريج حد منى إذا هبطت من وادي محسر فأصعدت في بطن المسيل فأنت في منى إلى العقبة عند جمرة العقبة .
وأجمع العلماء على أن صيام أيام منى لا يجوز تطوعا وأنها أيام لا يتطوع أحد بصيامهن.
وقد روى عن بعض الصحابة وبعض التابعين جواز صيامها تطوعا على ما ذكرنا عنهم في مراسيل ابن شهاب وذلك لا يصح وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم النهي عن صيامها ولم يختلفوا أنها لا يتطوع أحد بصيامها واختلفوا في

(21/234)


صيامها للمتمتع إذا لم يجد هديا لقول الله عز وجل {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ} وهي من أيام الحج فمنهم من أجاز له صيامها إذا لم يصم قبل يوم النحر ومنهم من لم يجز له ذلك لنهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيامها وحمل النهي في ذلك على العموم وجعلها كيوم الفطر ويوم النحر في تحريم الصيام وقد أوضحنا اختلافهم في صيام أيام منى في باب يزيد بن الهادي وباب مرسل ابن شهاب والحمد لله

(21/235)


سهيل بن أبي صالح
مدخل
...
سهيل بن أبي صالح
واسم أبي صالح ذكوان يقال له السمان ويقال له الزيات وهو مولى جويرية امرأة من غطفان قاله مصعب وغيره ولا خلاف بينهم في ذلك قال مصعب كان أبو صالح السمان قد قدم الكوفة في تجارة فروى عنه هناك الأعمش وروى عنه ابنه سهيل وتوفي أبو صالح بالمدينة سنة إحدى ومائة.
قال أبو عمر:
هو معدود في أهل المدينة وروى عنه جماعة من علمائها جلة مثل زيد ابن أسلم ويحيى بن سعيد وعبد الله بن دينار وغيرهم وكان أبو هريرة إذا رأى أبا صالح يقول ما ضر هذا أن لا يكون من بني عبد مناف وأما ابنه سهيل فروى عنه مالك والثوري وموسى بن عقبة ووهيب وابن عيينة والدراوردي وغيرهم وهو ثقة فيما نقل إلا أن يحيى بن معين كان يضعفه ولا حجة له في ذلك وقد روى عنه الأئمة واحتجوا به ولا يلتفت إلى قول ابن معين فيه وقد روى عباس الثوري عن ابن معين قال بنو أبي صالح سهيل وعباد وصالح كلهم ثقة وذكر العقيلي عن محمد بن عيسى عن محمد بن علي قال سمعت أحمد بن حنبل وقيل له سهيل بن أبي صالح كيف حديثه فقال صالح قيل له إن يحيى القطان يقدم محمد بن عمرو على سهيل فقال لم يكن له بسهيل علم وكان قد جالس محمد بن عمرو

(21/236)


وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل سألت أبي عن سهيل بن أبي صالح ومحمد بن عمرو بن علقمة أيهما أحب إليك فقال ما أقربهما ثم قال سهيل أحب إلي وتوفي سهيل في أول خلافة أبي جعفر المنصور.
لمالك عنه في الموطأ من حديث النبي صلى الله عليه وسلم عشرة أحاديث منها واحد مرسل يتصل من وجوه وسائر التسعة مسندة

(21/237)


الحديث الأول
...
حديث أول لسهيل بن أبي صالح
مالك عن سهيل بن أبي صالح السمان عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "إذا أحب الله العبد قال لجبريل يا جبريل قد أحببت فلانا فأحبه فيحبه جبريل ثم ينادى في أهل السماء إن الله قد أحب فلانا فأحبوه فيحبه أهل السماء ثم يوضع له القبول في الأرض وإذا أبغض الله العبد" قال مالك لا أحسبه إلا قال في البغض مثل ذلك .
لم يختلف الرواة فيما علمت عن مالك في هذا الحديث وقد رواه عن سهيل جماعة فبعضهم لم يشكوا وقطعوا في البغض بمثل ذلك وممن رواه كذلك عن سهيل بإسناده هذا وذكر البغض من غير شك معمر وعبد العزيز

(21/237)


ابن المختار وحماد بن سلمة قالوا في آخره وإذا أبغض بمثل ذلك ولم يشكوا.
ورواه ابن أبي سلمة عن سهيل فلم يذكر البغض أصلا.
حدثنا سعيد بن نصر حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا ابن وضاح حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا يزيد بن هارون عن عبد العزيز بن أبي سلمة عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه سمعت أبا هريرة يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إذا أحب الله عبدا قال يا جبريل إني أحب فلانا فأحبوه فينادي جبريل في السماء إن الله يحب فلانا فأحبوه فإذا أحبه أهل السماء أحبه أهل الأرض" .
وقد روى نافع مولى ابن عمر عن أبي هريرة الحديث بمثل ذلك لم يذكر البغض.
حدثنا أحمد بن قاسم بن عبد الرحمن قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا الحرث بن أبي أسامة قال حدثنا روح بن عبادة قال حدثنا ابن جريج قال أخبرنا موسى بن عقبة عن نافع أن أبا هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إذا أحب الله العبد نادى جبريل عليه السلام إن الله قد أحب فلانا فاحبه فيحبه جبريل ثم ينادي جبريل في أهل السماء إن الله قد أحب فلانا فأحبوه فيحبه أهل السماء ثم يوضع له القبول في الأرض" .
وذكر سنيد عن حجاج عن ابن جريج بإسناده مثله إلى آخره سواء.
في هذا الحديث من العلم والفقه أن الله عز وجل في السماء ليس في الأرض وأن جبريل أقرب الملائكة إليه وأحظاهم عنده صلى الله عليه وسلم

(21/238)


وفيه أن الود والمحبة بين الناس الله يبتدئها ويبسطها والقرآن يشهد بذلك قال الله عز وجل {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً} قال المفسرون يحبهم ويحببهم إلى الناس.
ذكر سنيد عن حجاج عن ابن جريج عن مجاهد في قوله {سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً} قال يحبهم ويحببهم إلى الناس .
قال وحدثنا علي بن هاشم عن أبن أبي ليلى عن الحكم عن سعيد ابن جبير عن ابن عباس قال يحبهم ويحببهم وقال عز وجل فيما يعدد من نعمته على موسى نبيه ورسوله وكليمه عليه السلام {وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي} .
ذكر ابن أبي شيبة عن حسين بن علي عن موسى بن قيس عن سلمة بن كهيل {وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي} .قال حببتك إلى عبادي .
وذكر سنيد حدثنا حجاج عن أبي جعفر عن الربيع بن انس قال إذا أحب الله عبدا ألقى له مودة في قلوب أهل السماء ثم ألقى له مودة في قلوب أهل الأرض.
قال وحدثنا حماد بن زيد عن هشام عن حفصة بنت سيرين عن ربيع بن زياد عن كعب قال والله ما استقر لعبد ثناء في أهل الدنيا حتى يستقر له في السماء .
قال وحدثني شيخ عن حماد بن سلمة عن ثابت البناني عن عبد الله ابن رباح عن كعب قال قرأت في التوراة أنه لم تكن محبة لأحد من أهل الأرض إلا كان بدؤها من الله ينزلها على أهل السماء ثم ينزلها على أهل

(21/239)


الأرض ثم قرأت القرى فوجدت فيه {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً} .
حدثنا أحمد بن محمد حدثنا أحمد بن الفضل حدثنا محمد بن جرير قال حدثنا ابن المغني حدثنا غندر حدثنا شعبة عن عمرو بن مرة عن ابن أبي ليلى قال كتب أبو الدرداء إلى مسلمة بن مخلد وهو أمير على مصر أما بعد فإن العبد إذا عمل بطاعة الله أحبه الله فإذا أحبه الله حببه إلى خلقه وإذا عمل بمعصية الله أبغضه الله وإذا أبغضه الله بغضه إلى خلقه.
قال أبو عمر:
هذا كلام خرج على العموم ومعناه الخصوص أي حبب أهل الطاعة إلى أهل الإيمان وبغض إليهم أهل النفاق والعصيان ودليل ذلك قوله صلى الله عليه وسلم "القلوب أجناد مجندة ما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف" .
وقال سعيد بن أبي عروبة وشيبان عن قتادة قال قال هرم بن حبان ما أقبل عبد بقلبه إلى الله إلا أقبل الله بقلوب أهل الإيمان عليه حتى يرزقه مودتهم ورحمتهم.
وقال عبد الله بن مسعود لا تسألن أحدا عن وده إياك ولكن انظر ما في نفسك له فإن في نفسه مثل ذلك إن الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف.
حدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا ابن وضاح قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا خالد بن مخلد حدثنا موسى بن يعقوب قال حدثنا سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "الأرواح جنود مجندة تطوف بالليل فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف"

(21/240)


الحديث الثاني
...
حديث ثان لسهيل
مالك عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة أن رجلا من أسلم قال ما نمت الليلة فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم "ولم" قال لدغتني عقرب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إنك لو قلت حين أمسيت أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق لم يضرك إن شاء الله" .
وروى ابن وهب هذا الحديث عن مالك بإسناده مثله إلا أنه قال في آخره لم يضرك شيء.
قال ابن وهب وحدثني سعيد بن عبد الرحمن الجمحي عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بنحو ذلك.
قال وقال سهيل فوالله لربما قلتها فضربتني فما بمنعني ذلك من حضور العشاء .
قال سعيد وبلغني أنه من قال حين يمسي سلام على نوح في العالمين لم تلدغه عقرب.
وفي هذا الحديث من الفقه أيضا أن كلام الله عز وجل غير مخلوق وعلى ذلك أهل السنة أجمعون وهم أهل الحديث والرأي في الأحكام ولو كان كلام الله أو كلمات الله مخلوقة ما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدا أن يستعيذ بمخلوق دليل ذلك قول الله عز وجل {وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْأِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً}

(21/241)


وفيه إباحة الرقى بكتاب الله أو ما كان في معناه من ذكر الله وفي ذلك دليل على إباحة المعالجة والتطبب والرقى وقد مهدنا هذا المعنى في باب زيد ابن أسلم وتكرر في مواضع من هذا الكتاب والحمد لله

(21/242)


الحديث الثالث
...
حديث ثالث لسهيل بن أبي صالح
مالك عن سهيل بن أبي صالح السمان عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "إذا رأيت الرجل يقول هلك الناس فهو أهلكهم " .
هذا معناه عند أهل العلم أن يقولها الرجل احتقارا للناس وإزراء عليهم وإعجابا بنفسه وأما إذا قال ذلك تأسفا وتحزنا وخوفا عليهم لقبح ما يرى من أعمالهم فليس ممن عني بهذا الحديث والفرق بين الأمرين أن يكون في الوجه الأول راضيا عن نفسه معجبا بها حاسدا لمن فوقه محتقرا لمن دونه ويكون في الوجه الثاني ماقتا لنفسه موبخا لها غير راض عنها .
روينا عن أبي الدرداء رحمه الله أنه قال لن يفقه الرجل كل الفقه حتى يمقت الناس كلهم في ذات الله ثم يعود إلى نفسه فيكون لها أشد مقتا.
حدثنا أحمد بن محمد حدثنا أحمد بن الفضل حدثنا محمد بن جرير حدثنا عبد الجبار بن يحيى الرملي حدثنا ضمرة بن ربيعة عن صدقة بن يزيد عن صالح بن خالد قال إذا أردت أن تعمل من الخير شيئا فأنزل الناس منزلة البقر إلا أنك لا تحقرهم

(21/242)


قال أبو عمر:
معنى هذا والله أعلم أي لا تلتمس من أحد فيه شيئا غير الله وأخلص عملك له وحده كما أنك لو اطلع عليك البقر وأنت تعمله لم ترج منها عليه شيئا فكذلك لا ترجو من الادميين ثم بين لك المعنى فقال إلا أنك لا تحقرهم.
وحدثنا أحمد بن محمد قال حدثنا أحمد بن الفضل قال حدثنا محمد بن جرير حدثنا ابن حميد حدثنا حكام عن أبي سنان عن حبيب بن أبي ثابت عن يحيى بن جعدة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث ذكره "إنما الكبر من غمط الحق وحقر الناس" هكذا قال "وحقر الناس" .
وذكر ابن المبارك عن عبد الله بن مسلم بن يسار عن أبيه قال إذا لبست ثوبا فظننت أنك في ذلك الثوب أفضل منك في غيره فبئس الثوب هو لك وقال مسلم بن يسار كفى بالمرء من الشر أن يرى أنه أفضل من أخيه

(21/243)


الحديث الرابع
...
حديث رابع لسهيل
مالك عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليكفر عن يمينه وليفعل الذي هو خير" .
لم يختلف الرواة عن مالك في شيء من هذا الحديث ولا اختلف على سهيل في ذلك أيضا وقد روى هذا المعنى عن النبي صلى الله عليه وسلم جماعة من

(21/243)


أصحابه منهم عبد الرحمن بن سمرة وأبو موسى الأشعري وعدي بن حاتم وأبو هريرة إلا أنهم اختلف عن جميعهم في هذا الحديث في الكفارة قبل الحنث أو الحنث قبل الكفارة فروي عن كل واحد منهم الوجهان جميعا واختلف الفقهاء في جواز الكفارة قبل الحنث على ما نذكره في هذا الباب بعد ذكر ما حضرني من الآثار فيه وأجمعوا على أن الحنث قبل الكفارة مباح حسن جائز وهو عندهم أولى.
حدثنا خلف بن القاسم رحمه الله قال حدثنا عبد الله بن جعفر بن الورد قال حدثنا عبيد الله بن محمد العمري وحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا إسماعيل بن إسحاق قالا حدثنا إبراهيم ابن حمزة الزبيري حدثنا عبد العزيز بن محمد الدراوردي عن عبيد الله بن عمر عن يونس بن عبيد عن الحسن البصري عن عبد الرحمن بن سمرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "يا عبد الرحمن بن سمرة لا تسأل الإمارة فإنك إن تعطها عن مسألة لا تعان عليها وإن تعطها عن غير مسألة تعان عليها وإذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها فكفر عن يمينك وأئت الذي هو خير منها" .
فهذا على مثل ما في حديث سهيل عن أبيه عن أبي هريرة جواز تقديم الكفارة على الحنث.
وحدثنا خلف بن القاسم حدثنا الحسين بن جعفر بن إبراهيم الزيات أبو أحمد قال حدثنا يوسف بن يزيد قال حدثنا سعيد بن منصور قال حدثنا هشيم قال أخبرنا يونس ومنصور وحميد عن الحسن عن عبد الرحمن بن سمرة القرشي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "يا عبد الرحمن بن سمرة إذا آليت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها فائت الذي هو خير وكفر عن

(21/244)


يمينك" قال " ولا تسألن الإمارة فإنك إن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها أو وكلت فيها إلى نفسك وإن أعطيتها عن غير مسألة أعنت عليها" .
ففي هذا الحديث عن عبد الرحمن بن سمرة خلاف ما تقدم وأظن ذلك والله أعلم لأن الحديث الأول من رواية أهل المدينة عن أهل البصرة فجاءوا به على مذهبهم في ذلك والحديث الثاني من رواية أهل البصرة بعضهم عن بعض فجاءوا به على مذهبهم أيضا ورواية أهل المدينة في هذا أثبت وأكثر وما أظن حديث هشيم هذا إلا وهما لأن عبيد الله بن عمر أثبت منه .
وقد روى حماد بن سلمة عن يونس عن الحسن خلاف ما رواه هشيم عن يونس ورواية حماد بن سلمة توافق رواية عبيد الله بن عمر .
وحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا إسماعيل بن إسحاق قال حدثنا حجاج بن منهال قال حدثنا حماد بن سلمة عن يونس وحميد وثابت وحبيب عن الحسن عن عبد الرحمن بن سمرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " يا عبد الرحمن بن سمرة إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها فكفر عن يمينك وائت الذي هو خير" .
فهؤلاء كلهم على تقديم الكفارة قبل الحنث وكذلك رواه قتادة عن الحسن عن عبد الرحمن بن سمرة ذكره أبو داود عن يحيى بن خلف عن عبد الأعلى عن سعيد عن قتادة وكذلك رواه سليمان التيمي عن الحسن عن عبد الرحمن بن سمرة حدثناه عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا مضر قال حدثنا أمية بن بسطام قال حدثنا المعتمر بن سليمان قال سمعت أبي

(21/245)


وكذلك رواه قرة بن خالد عن الحسن عن عبد الرحمن بن سمرة حدثناه عبد الوارث قال حدثنا قاسم قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا مسلم بن إبراهيم قال حدثنا قرة.
وكذلك رواه حماد بن زيد عن يونس وهشام وسماك بن عطية عن الحسن عن عبد الرحمن بن سمرة سعيد بن نصر وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا إسماعيل بن إسحاق حدثنا محمد بن عبيد حدثنا حماد بن زيد.
ورواه ابن عون عن الحسن عن عبد الرحمن بن سمرة فجعل الحنث قبل الكفارة .
وأما رواية أبي موسى الأشعري فأحسن ما فيها وأصحه تقديم الكفارة قبل الحنث.
حدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا سليمان بن حرب قال حدثنا حماد قال حدثنا غيلان بن جرير عن أبي بردة بن أبي موسى عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "إني والله إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا كفرت عن يميني وأتيت الذي هو خير" أو قال "أتيت الذي هو خير وكفرت عن يميني" .
قال أبو داود أحاديث أبي موسى الأشعري وعدي بن حاتم وأبي هريرة كذا روى عن كل واحد منهم في بعض الروايات الكفارة قبل الحنث وفي بعض الروايات الحنث قبل الكفارة قال وسمعت أحمد بن حنبل يقول إن شاء كفر بعد الحنث وإن شاء كفر قبل الحنث

(21/246)


قال أبو عمر:
وعلى هذا مذهب مالك والشافعي وأصحابهما وهو الثابت في حديث عبد الرحمن بن سمرة وأبي هريرة وليس في هذا الباب أعلى منهما ولا تقدم الكفارة إلا في اليمين بالله خاصة .
وقال مالك وجمهور أصحابه إلا أشهب من كفر عن غيره بأمره أو بغير أمره أجزأه.
وقال أشهب لا يجزيه إذا كفر عنه بغير أمره لأنه لا نية للكفارة في تلك الكفارة واختاره الأبهري لأن الكفارة فرض لا يتأدى إلا بنية إليك أدائه وهذا قول الشافعي وأكثر الفقهاء وقد ذكرنا هذه المسألة في تكفير الرجل عن غيره في باب ربيعة من هذا الكتاب .
وكان أبو حنيفة وأصحابه لا يجيزون الكفارة قبل الحنث لأنها إنما تجب بالحنث والعجب لهم أنهم لا تجب الزكاة عندهم إلا بتمام مرور الحول ويجيزون تقديمها قبل الحول من غير أن يروا في ذلك مثل هذه الآثار ويأبون من تقديم الكفارة قبل الحنث مع كثرة الرواية بذلك والحجة في السنة ومن خالفها محجوج بها والله المستعان .
وأما الأيمان فمنها ما يكفر بإجماع ومنها ما لا كفارة فيه بإجماع ومنها ما اختلف في الكفارة فيه فأما التي فيها الكفارة بإجماع من علماء المسلمين فهي اليمين بالله على المستقبل من الأفعال وهي تنقسم قسمين أحدهما أن يحلف بالله ليفعلن ثم لا يفعل والآخر أن يحلف أن لا يفعل في المستقبل أيضا ثم يفعل.
وأما التي لا كفارة فيها بإجماع فاللغو إلا أن العلماء اختلفوا في مراد الله من لغو المين التي لا يؤاخذ الله عباده بها ولم يوجب الكفارة فيها

(21/247)


فقال قوم هو أن يحلف الرجل على الماضي في الشيء يظن أكبر ظنه أنه كما حلف عليه وأنه صادق في يمينه ثم ينكشف له بخلاف ذلك هذا قول روي معناه عن جماعة من السلف .
أخبرنا عبد الوارث حدثنا قاسم حدثنا ابن وضاح حدثنا دحيم حدثنا عبد الله بن نافع قال حدثنا أبو معشر عن محمد بن قيس عن أبي هريرة قال إذا حلف الرجل على الشيء لا يظن إلا أنه إياه فإذا ليس هو فهو اللغو وليس فيه كفارة .
وروى ابن المبارك عن الحجاج عن الوليد بن العيزار عن عكرمة عن ابن عباس في قوله {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ} قال هو الرجل يحلف على الأمر يرى أنه كذلك وليس كذلك.
وجاء عن الحسن وإبراهيم وسليمان بن يسار ومجاهد وأبي مالك وزرارة بن أوفى مثل ذلك وإليه ذهب مالك وأصحابه والأوزاعي وأحمد وإسحاق وأبو حنيفة وأصحابه إلا أن مالكا وأصحابه يقولون إن اللغو أن يحلف على الشيء الماضي يوقن أنه كما حلف عليه ولا يشك فيه فإن شك فيه فهي عندهم يمين غموس حنيئذ لا كفارة فيها لعظم إثمها كاليمين الغموس الكاذبة سواء.
وقال آخرون اللغو قول الرجل لا والله وبلى والله وهو غير معتقد لليمين ولا مريد لها هذا قول عائشة وجماعة من التابعين وفقهاء المسلمين منهم الشافعي

(21/248)


واختلف عن ابن عباس في ذلك فروي عنه كقول أبي هريرة وروي عنه كقول عائشة وهو قول عطاء والشعبي والقاسم بن محمد وعكرمة والحسن البصري وقد روي عن ابن عباس في اللغو قول ثالث إن صح عنه قال لغو اليمين أن تحلف وأنت غضبان.
وقال مسروق اللغو من اليمين كل يمين في معصية وليس فيها كفارة وقال سعيد بن جبير هو تحريم الحلال مثل ان يحلف فيما لا ينبغي له أو يحرم شيئا هو له حلال فلا يواخذه الله بتركه ويؤاخذه إن فعله .
وأما التي اختلف في الكفارة فيها فهي اليمين الغموس وهي أن يحلف الرجل على الشيء الماضي وهو يعلم أنه كاذب في يمينه يتعمد ذلك فذهب الأكثر من العلماء إلى أن لا كفارة فيها على ما ذكرنا في باب العلاء من كتابنا هذا وذهب قوم منهم الشافعي والأوزاعي إلى أن فيها الكفارة .
وقال ابن خواز بنداد حاكيا عن أصحاب مالك ومذهبه الأيمان عندنا ثلاثة لغو وغموس لا كفارة فيهما ويمين معقودة فيما يستقبل فيها الاستثناء والكفارة قال وصفة اللغو أن يحلف الرجل على الماضي أو الحال في الشيء يظن أنه صادق ثم ينكشف له بخلاف ذلك فلا كفارة عليه .
قال والغموس هو أن يعمد للكذب في يمينه على الماضي قال ولا لغو في عتق ولا طلاق وإنما اللغو في اليمين بالله وفيها الاستثناء.
قال وقال أبو حنيفة والثوري والليث والطبري بقولنا أن لا كفارة الغموس قال وقال الأوزاعي والشافعي في الغموس الكفارة

(21/249)


وقال الشافعي اللغو سبق اللسان باليمين من غير قصد ولا اعتقاد وذلك سواء في الماضي والمستقبل.
قال الشافعي ولو عقد اليمين على شيء يظنه صدقا فانكشف له خلاف ذلك فإن عليه الكفارة وسواء في ذلك الماضي والمسقبل.
قال أبو عمر:
اختلاف السلف في اللغو على أربعة أقاويل أحدها قول مالك ومن قال بقوله في الرجل يحلف على الشيء يرى أنه كذلك وليس كذلك على ما تقدم.
وقال بعضهم هي اليمين في الغضب.
وقال بعضهم هي اليمين في المعصية.
وقال بعضهم هو قول الرجل لا والله وبلى والله من غير اعتقاد يمين وهو قول عائشة وابن عباس في رواية وإليه ذهب الشافعي.
وقال الثوري في جامعه وذكره المروزي عنه أيضا قال سفيان الثوري الأيمان أربعة يمينان تكفران وهو أن يقول الرجل والله لا أفعل فيفعل أو يقول والله لأفعلن ثم لا يفعل ويمينان لا تكفران أن يقول والله ما فعلت وقد فعل أو يقول والله لقد فعلت وما فعل .
قال المروزي أما اليمينان الأوليان فلا اختلاف فيهما بين العلماء أنه على ما قال سفيان وأما اليمينان الأخريان فقد اختلف أهل العلم فيهما فإن كان الحالف على أنه لم يفعل كذا وكذا أو أنه قد فعل كذا وكذا عند نفسه صادقا يرى أنه على ما حلف عليه فلا أثم عليه في قول مالك وسفيان وأصحاب الرأي وكذلك قال أحمد وأبو عبيد وأبو ثور.
وقال الشافعي لا إثم عليه وعليه الكفارة قال المروزي وليس قول الشافعي في هذا بالقوي قال وإن كان الحالف على أنه لم يفعل كذا وقد

(21/250)


فعل كذا متعمدا للكذب فهو آثم ولا كفارة عليه في قول عامة العلماء مالك وسفيان وأصحاب الرأي وأحمد بن حنبل وأبي ثور وأبي عبيد وكان الشافعي يقول يكفر قال وقد روي عن بعض التابعين مثل قول الشافعي.
قال المروزي أميل إلى قول مالك وسفيان وأحمد قال وأما يمين اللغو التي اتفق عامة العلماء على أنها لغو فهو قول الرجل لا والله وبلى والله في حديثه وكلامه غير معتقد لليمين ولا مريدها.
قال أبو عمر:
قد مضى من قوله وحكايته عن مالك وسفيان وأصحاب الرأي وأحمد وأبي عبيد وأبي ثور في معنى اللغو غير هذا والذي حكاه في الوجهين جميعا في اللغو صحيح والذي عليه أكثر العلماء ما ذكر آخرا وهو قول عائشة وابن عباس وقد مضى في اليمين الغموس من كشف مذهب الشافعي وسائر العلماء في ذلك ما فيه كفاية وبيان في باب العلاء بن عبد الرحمن من كتابنا هذا فلا معنى لتكرير ذلك ههنا وبالله التوفيق والرشاد لا شريك له.
ذكر ابن وهب قال أخبرني يونس عن ابن شهاب أن عروة بن الزبير حدثه أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت ايمان اللغو ما كان في المراء والهزل في المزاحة والحديث الذي لا يعقد عليه القلب وأيمان الكفارة كل يمين حلف فيها على وجه من الأمر في غضب أو غيره ليفعلن أو ليتركن فذلك عقد الأيمان التي فرض الله فيها الكفارة قال ابن شهاب قال الله {لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ} وسئل عن الأيمان ما توكيدها فقال توكيدها ما حلف عليه الرجل أن يفعله جادا ففي تلك الكفارة وما كان من يمين لغو فإن الله قد عفا عنها

(21/251)


وذكر بقي عن وهب عن خالد عن مغيرة عن إبراهيم لغو اليمين أن أقول لا والله وبلى والله صلة الحديث.
قال وحدثنا هناد عن أبي الأحوص عن مغيرة عن الشعبي قسم لغو قول الرجل لا والله وبلى والله يصل بها كلامه ما لم يكن مقس عليه قلبه وهو قول عكرمة وأبي صالح وأبي قلابة وطائفة وكان سعيد بن جبير يذهب إلى أن اللغو أن يحلف الرجل فيما لا ينبغي له أن يحلف عليه مثل أن يحرم شيئا هو له مالك فلا يؤاخذه الله بتركه ولكن يؤاخذه إن فعله.
حدثنا أحمد بن محمد قال حدثنا أحمد بن الفضل حدثنا أحمد بن يعقوب بن جهور حدثنا أبو أمية محمد بن إبراهيم حدثنا محمد بن عبد الله ابن كناسة حدثنا هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت كان أبي لا يحنث حتى نزلت كفارة اليمين.
واخلتفوا في الكفارة إذا مات الحالف فقال الشافعي وأبو ثور كفارات اليمين تخرج من رأس مال الميت .
وقال أبو حنيفة تكون في الثلث وكذلك قال مالك إن أوصى بها

(21/252)


الحديث الخامس
...
حديث خامس لسهيل مالك
عن سهيل بن أبي صالح السمان عن أبيه عن أبي هريرة أن سعد بن عبادة قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم أرأيت إن وجدت مع امرأتي رجلا أأمهله حتى آتي بأربعة شهداء قال "نعم"
قال أبو عمر:
في هذا الحديث النهي عن قتل من هذه حاله تعظيما للدم وخوفا من التطرق إلى إراقة دماء المسلمين بغير ما أمرنا الله به من البينات أو الإقرار الذي يقام عليه وسد الباب الافتيات على السلطان في الحدود التي جعلت في الشريعة إليه وأمر فيها بإقامة الحق على الوجوه التي ورد التوقيف بها وقد مضى في غير موضع من كتابنا هذا ذكرها.
وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " لو أعطي قوم بدعواهم لادعى أقوام دماء أقوام وأموالهم" .
وروى مالك رحمه الله عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب أن رجلا من أهل الشام يدعى ابن خيري وجد مع امرأته رجلا فقتله أو قتلهما فأشكل على معاوية القضاء فيه فكتب إلى أبي موسى الأشعري يسأل له علي

(21/253)


ابن أبي طالب فسأل أبو موسى عن ذلك علي بن أبي طالب فقال له علي بن أبي طالب إن هذا لشيء ما هو بأرضي عزمت عليك لتخبرني فقال أبو موسى كتب إلى معاوية بن أبي سفيان أسألك عن ذلك فقال علي أنا أبو الحسن إن لم يأت بأربعة شهداء فليعط برمته فأدخل مالك في موطئه قول علي هذا فأخذ حديثه المسند عن سهيل تفسيرا له وكشفا عن معناه وعملا به ولم يزد على ذلك في بابه وهو كاف على ما وصفنا وعلى ذلك جمهور العلماء.
وزعم أبو بكر البزار أن مالكا انفرد بحديثه عن سهيل في هذا الباب وأنه لم يروه غيره ولا تابعه أحد عليه وأظنه لما رآى حماد بن سلمة قد أرسله وأسنده مالك ظن أنه انفرد به وليس كما ظن البزار .
وقد رواه سليمان بن بلال عن سهيل مسندا عن أبيه عن أبي هريرة كما رواه مالك.
ورواه الدراوردي أيضا عن سهيل بإسناده نحو رواية سليمان بن بلال حدثنا سعيد بن نصر .
حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا ابن وضاح حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا خالد بن مخلد قال حدثنا سليمان بن بلال قال حدثني سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة قال قال سعد بن عبادة لرسول الله صلى الله عليه وسلم لو وجدت رجلا مع أهلي لم أقتله حتى آتي بأربعة شهداء قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "نعم" قال لا والذي بعثك بالحق إن كنت لأعاجله بالسيف قبل ذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "اسمعوا إلى ما يقول سيدكم إنه لغيور ولأنا أغير منه والله أغير مني"

(21/254)


قال أبو عمر:
فهذا سليمان بن بلال قد رواه مسندا كما رواه مالك ولو لم يروه أحد غير مالك كما زعم البزار ما كان في ذلك شيء لكن أكثر السنن والأحاديث قد انفرد بها الثقات وليس ذلك بضائر لها ولا لشيء منها والمعنى الموجود في هذا الحديث مجتمع عليه قد نطق به الكتاب المحكم وقد وردت به السنة الثابتة واجتمعت عليه الأمة فأي انفراد في هذا وليت كل ما انفرد به المحدثون كان مثل هذا.
وذكر مسلم بن الحجاج قال حدثنا قتيبة بن سعيد قال حدثنا عبد العزيز يعني الدراوردي عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة أن سعد بن عبادة الأنصاري قال يا رسول الله أرأيت الرجل يجد مع امرأته رجلا أيقتله قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا" قال سعد بلى والذي أكرمك بالحق فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "اسمعوا إلى ما يقول سيدكم" .
وذكر مسلم أيضا حديث مالك وحديث سليمان بن بلال عن سهيل على حسبما ذكرناهما ههنا .
وأما حديث حماد بن سلمة فأخبرناه خلف بن أحمد قال حدثنا أحمد ابن مطرف قال حدثنا سعيد بن عثمان قال حدثنا الحسن بن عبد الله البالسي قال حدثنا الهيثم بن جميل قال حدثنا حماد بن سلمة عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن سعد بن عبادة أنه قال يا رسول الله أرأيت لو رأيت رجلا مع امرأتي لأتركه حتى أدعو أربعة من الشهداء فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "نعم" فقال والذي أنزل عليك الكتاب إذا لأعجلته بالسيف فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن سعدا لغيور وإني لأغير منه وإن الله لأغير منا"

(21/255)


قال أبو عمر:
يريد والله أعلم أن الغيرة لا تبيح للغيور ما حرم عليه وأنه يلزمه مع غيرته الانقياد لحكم الله ورسوله وأن لا يتعدى حدوده فالله ورسوله أغير ولا خلاف علمته بين العلماء فيمن قتل رجلا ثم ادعى أنه إنما قتله لأنه وجده مع امرأته بين فخذيها ونحو ذلك من وجوه زناه بها ولم يعلم ما ذكر عنه إلا بدعواه أنه لا يقبل منه ما ادعاه وأنه يقتل به إلا أن يأتي بأربعة شهداء يشهدون أنهم رأوا وطئه لها وإيلاجه فيها ويكون مع ذلك محصنا مسلما بالغا أو من يحل دمه بذلك فإن جاء بشهداء يشهدون له بذلك نجا وإلا قتل وهذا أمر واضح لو لم يجيء به الخبر لأوجبه النظر لأن الله حرم دماء المسلمين تحريما مطلقا فمن ثبت عليه أنه قتل مسلما فادعى أن المسلم قد كان يجب قتله لم يقبل منه رفعه القصاص عن نفسه حتى يتبين ما ذكر وهكذا كل من لزمه حق لآدمي لم يقبل قوله في المخرج منه إلا ببينة تشهد له بذلك.
وفي حديث مالك عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب عن علي في قصة ابن خيري الذي قدمنا بيان ما وصفنا وقد رواه عن يحيى بن سعيد كما رواه مالك سواء معمر والثوري وابن جريج ذكره عبد الرزاق عنهم وذكره عبد الرزاق عن معمر عن الزهري قال سأل رجل النبي صلى الله عليه وسلم فقال رجل يجد مع امرأته رجلا أيقتله فقال النبي صلى الله عليه وسلم "لا إلا بالبينة" فقال سعد بن عبادة وأي بينة أبين من السيف فقال النبي صلى الله عليه وسلم " ألا تسمعون ما يقول سيدكم" قالوا لا تلمه يا رسول الله فإنه رجل غيور والله ما تزوج امرأة قط إلا بكرا ولا طلق امرأة قط فاستطاع أحد منا أن يتزوجها فقال النبي صلى الله عليه وسلم "يأبى الله إلا بالبينة"

(21/256)


قال وأخبرنا معمر عن كثير بن زياد عن الحسن في الرجل يجد مع امرأته رجلا قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "كفى بالسيف شا " يريد أن يقول شاهدا فلم يتم الكلمة قال إذا تتابع فيه السكران والغيران فسر أبو عبيد التتابع قال التهافت فعل الشيء بغير تثبت .
ووذكر عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن عكرمة قال لما نزلت {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ} قال سعد بن عبادة أي لكع إن تفخذها رجل فذهبت أن أجمع الشهداء لم أجمعهم حتى يقضي حاجته فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ألا تسمعون إلى قول سيدكم" وذكر معنى حديث ابن شهاب إلى آخره وقال فقال النبي صلى الله عليه وسلم "لا إلا بالبينة التي ذكر الله" .
وقد روى أهل العراق في هذه المسألة عن عمر بن الخطاب أنه أهدر دمه ولم يصح وإنما يصح عن عمر أنه أهدر دم الذي أراد اغتصاب الجارية الهذلية نفسها فرمته بحجر ففضت كبده فمات فارتفعوا إلى عمر فقال ذلك قتيل الله والله لا يودى أبدا ذكره معمر عن الزهري عن القاسم بن محمد عن عبيد بن عمير قال الزهري ثم قضت القاضة بعد بأن يودي.
قال أبو عمر:
ففي هذا جاء عن عمر أنه أهدر دمه لأنها دفعته عن نفسها فأتى دفعها على روحه لا في الذي وجد مع امرأته رجلا .
وقد روى الثوري عن مغيرة بن النعمان عن هانئ بن حرام أن رجلا وجد مع امرأته رجلا فقتلهما فكتب عمر بكتاب في العلانية أن أقيدوه وكتابا

(21/257)


في السر أن أعطوه الدية وهذا لا يصح مثله عن عمر والله أعلم ولم تكن في أخلاقه المداهنة في دين الله.
وقد روى هذا الحديث قبيصة بن عقبة عن الثوري عن المغيرة بن النعمان عن مالك بن أنس عن هانئ بن حزام وهانئ بن حزام أو حزام مجهول وحديثه هذا لا حجة فيه لضعفه.
وذكر وكيع عن عاصم عن الشعبي قال كان رجلان أخوان من الأنصار يقال لأحدهما أشعث فغزا في جيش من جيوش المسلمين قال فقالت امرأة أخيه لأخيه هل لك في امرأة أخيك معها رجل يحدثها فصعد فأشرف عليه وهو معها على فراشها وهي تنتف له دجاجة وهو يقول
وأشعث غره الإسلام مني ... خلوت بعرسه ليل التمام
أبيت على حسناياها ويمسى ... على دهماء لاحقة الحزام
كأن مواضع الربلات منها ... فئام قد جمعن فئام
قال فوثب إليه الرجل فضربه بالسيف حتى قتله ثم ألقاه فأصبح قتيلا بالمدينة فقال عمر أنشد الله رجلا كان عنده من هو أعلم إلا قام به فقام رجل فأخبره بالقصة فقال سحقا وبعدا.
قال أبو عمر:
هذا خبر منقطع وليس فيه شهادة قاطعة على معاينة القتل ولا إقرار القاتل فلا حجة فيه وقد روى هذا الخبر ابن جريج عن عبد الله بن عبيد بن عمير فجعله في غير هذه القصة وأنشد الأبيات

(21/258)


وأشعث غره الإسلام مني ... لهوت بعرسه ليل التمام
أبيت على ترائبها ويطوي ... على حمراء مائلة الحزام
كأن مواضع الربلات منها ... فئام يرجعون إلى فئام
وقد ذكر عبد الرزاق عن ابن جريج عن مجاهد أنه كان ينكر أن يكون عمر أهدر دمه إلا بالبينة.
قال ابن جريج وقال عطاء لا إلا بالبينة.
وقد جاء عن عمر في رجل وجد رجلا في داره ملفوفا في حصير بعد العتمة أنه ضربه مائة جلدة وأصبح ما في هذا ما قاله علي رضي الله عنه إن لم يأت بأربعة شهداء فليعط برمته وهو معنى حديث النبي صلى الله عليه وسلم وقوله في ذلك "لا إلا بالبينة" وعلى هذا جمهور الفقهاء وقد قال ابن القاسم في هذه المسألة لو كان المقتول بكرا حده الجلد فقتله ثم أتى بأربعة شهداء أنهم رأوا ذلك كالمرود في المكحلة قال ابن القاسم يستحب في هذا أن تكون الدية على القاتل في ماله يؤديها إلى أولياء المقتول وغيره يرى عليه في ذلك القود لأنه قتل من لم يجب عليه القتل.
وذكر عبد الرزاق عن الثوري قال إذا قطع رجل يد السارق أو قتل الزاني قبل أن يبلغ السلطان فعليه القصاص وليس على الزاني والسارق غير ذلك قد أخذ منهما الذي كان عليهما قال وإذا قتل المرتد قبل رفعه إلى السلطان فليس على قاتله شيء.
وقال معمر عن الزهري فيمن افتات على السلطان في حد عليه العقوبة ولا يقتل

(21/259)


قال أبو عمر:
قول مالك وأصحابه وأكثر الفقهاء في هذا كقول الزهري وليس هذا الباب موضع ذكر هذه المسألة وقد ذكرنا منها ما فيه والحمد لله كفاية وشفاء وقد مضى القول في أحكام اللعان ممهدا في باب ابن شهاب وباب نافع من هذا الكتاب والحمد لله

(21/260)


الحديث السادس
...
حديث سادس لسهيل
مالك عن سهيل بن أبي صالح السمان عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "إذا توضأ العبد المسلم أو المؤمن فغسل وجهه خرجت من وجهه كل خطيئة نظر إليها بعينيه مع الماء أو مع آخر قطر الماء أو نحو هذا فإذا غسل يديه خرجت من يديه كل خطيئة بطشتهما يداه مع الماء أو مع آخر قطر الماء حتى يخرج نقيا من الذنوب" .
هكذا هو في الموطأ في هذا الحديث بطشتهما يداه ليحيى وغيره جماعة بتثنية الضمير المتصل بالفعل وهو ضمير الخطيئة والخطيئة مفردة وليس بالجيد لأن التثنية إنما هي لليدين لا للخطيئة ويقال إنه في رواية ابن وهب عن مالك كذلك أيضا

(21/260)


قال أبو عمر:
في رواية ابن وهب عن مالك في هذا الحديث زيادة ليست لغيره من الرواة عن مالك وذلك أنه زاد في هذا الحديث ذكر الرجلين فقال "إذا غسل رجليه خرجت كل خطيئة مشتهما رجلاه مع الماء أو مع آخر قطر الماء" وهكذا قال مشتهما فثنى أيضا ولم يقل في شيء من الحديث أو نحو هذا وسائر الرواة قالوا في هذا الحديث كما قال يحيى.
وأما قوله "العبد المسلم" أو "المؤمن" فهو شك من المحدث من كان مالك أو غيره وقوله "مع الماء أو مع آخر قطر الماء " شك أيضا من المحدث ولا يجوز أن يكون ذلك شكا من النبي صلى الله عليه وسلم ولا يظن ذلك إلا جاهل مجنون ويحمل على الشك في مثل هذه الألفاظ التحري في الإتيان بلفظ الحديث دون معناه وهذا شيء قد اختلف فيه السلف وقد ذكرنا ما جاء عنهم في ذلك في كتاب العلم والحمد لله .
وفيه من الفقه تكفير الخطايا بالوضوء وقد مضى القول في هذا المعنى ممهدا في باب زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن الصنابحي فلا معنى لتكرير ذلك ههنا ومعاني هذا الحديث كلها قد مضى القول فيها هناك وبالله التوفيق

(21/261)


الحديث السابع
...
حديث سابع لسهيل
مالك عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "تفتح أبواب الجنة يوم الاثنين ويوم الخميس فيغفر لكل عبد مسلم لا يشرك بالله شيئا إلا رجلا كانت بينه وبين أخيه شحناء فيقال أنظروا هذين حتى يصطلحا أنظروا هذين حتى يصطلحا" .
في هذا الحديث دليل على أن الجنة مخلوقة وأن لها أبوابا وقد جاء في الآثار الصحاح أن لها ثمانية أبواب.
وقد ذكرنا ذلك في باب ابن شهاب عن حميد بن عبد الرحمن من هذا الكتاب من طرق شتى فلا وجه لإعادة ذلك ها هنا .
وفيه أن المغفرة لا تكون إلا للعبد المسلم الذي لا يشرك بالله شيئا قال الله عز وجل {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} .
وفيه أن المهاجرة والعداوة والشحناء والبغضاء من الذنوب العظام والسيئات الجسام وإن لم تكن في الكبائر مذكورة ألا ترى أنه استثنى في هذا الحديث غفرانها وخصها بذلك.
وقد بينا الوجه في الهجرة وما يجوز منها وما لا يجوز وكيف المخرج والتوبة منها في باب ابن شهاب عن انس وغيره من هذا الكتاب

(21/262)


وفيه أن الذنوب إذا كانت بين العباد فوقعت بينهم فيها المغفرة والتجاوز والعفو سقطت المطالبة بها من قبل الله عز وجل ألا ترى إلى قوله " حتى يصطلحا" فإذا اصطلحا غفر لهما ذلك وغيره من صغائر ذنوبهما بأعمال البر من الطهارة والصلاة والصيام والصدقة.
وفيه دليل على فضل يوم الاثنين والخميس على غيرهما من الأيام وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصومهما ويندب أمته إلى صيامهما وكان يتحراهما بالصيام وأظن هذا الخبر إنما توجه إلى أمة وطائفة كانت تصومهما تأكيدا على لزوم ذلك والله أعلم وولد رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين ونبئ يوم الاثنين ودخل المدينة يوم الاثنين وتوفي يوم الاثنين صلى الله عليه وسلم.
حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا بكر ابن حماد قال حدثنا مسدد قال حدثنا خالد بن عبد الله وأبو عوانة قالا حدثنا سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " تفتح أبواب الجنة كل يوم اثنين وخميس فيغفر لكل عبد لا يشرك بالله شيئا إلا رجلا كانت بينه وبين أخيه شحناء فيقال أنظروا هذين حتى يصطلحا "

(21/263)


الحديث الثامن
...
حديث ثامن لسهيل
مالك عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ضافه ضيف كافر فأمر له رسول الله صلى الله عليه وسلم بشاة فحلبت فشرب حلابها ثم أخرى فشربه ثم أخرى فشربه شرب حلاب سبع شياه ثم إنه أصبح فأسلم فأمر له رسول الله صلى الله عليه وسلم

(21/263)


بشاة فحلبت فشرب حلابها ثم أمر بأخرى فلم يستتمها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن المؤمن يشرب في معي واحد والكافر يشرب في سبعة أمعاء" .
هذا الحديث ظاهره العموم والمراد به الخصوص وهو خبر خرج على رجل بعينه كافر ضاف رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرض له معه ما ذكر في هذا الحديث فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه بأنه إذ كان كافرا كان يأكل في سبعة أمعاء ولما أسلم أكل في معي واحد والمعنى في ذلك أنه كان إذ كان كافرا رجلا أكولا أجوف لا يقوم به شيء في أكله فلما أسلم بورك له في إسلامه فنزع الله من جوفه ما كان فيه من الكلب والجوع وشدة القوة على الأكل فانصرفت حاله إلى سبع ما كان يأكل إذ كان كافرا فكأنه إذ كان كافرا يأكل سبعة أمثال ما كان يأكل بعد ذلك إذ أسلم والله أعلم.
وقد روي أن هذا الرجل الذي أضاف رسول الله صلى الله عليه وسلم وعرض له معه ما ذكر في هذا الحديث هو جهجاه بن سعيد الغفاري وقد ذكرناه وذكرنا خبره في كتاب الصحابة ومن طرق حديثه ما حدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن وضاح قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا زيد بن الحباب قال حدثنا موسى بن عبيدة قال حدثنا عبيد الله بن أبي عبد الله الأغر عن عطاء بن يسار عن جهجاه الغفاري أنه قدم في نفر من قومه يريدون الإسلام فحضروا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم المغرب فلما سلم قال "يأخذ كل رجل منكم بيد جليسه" فلم يبق في المسجد غير رسول

(21/264)


الله صلى الله عليه وسلم وغيري وكنت رجلا عظيما طوالا لا يقدم علي أحد فذهب بي رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى منزله فحلب لي عنزا فأتيت عليها حتى حلب لي سبعة أعنز فأتيت عليها ثم أتيت بصبيغ برمته فأتيت عليها فقالت أم أيمن أجاع الله من أجاع رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الليلة فقال "مه يا ام أيمن أكل رزقه ورزقنا على الله" فأصبحوا قعودا فاجتمع هو وأصحابه فجعل الرجل يخبر بما أتى عليه فقال جهجاه حلبت لي سبعة أعنز فأتيت عليها وصبيغ برمته فأتيت عليها فصلوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم المغرب فقال ليأخذ كل رجل منكم جليسه فلم يبق في المسجد غير رسول الله صلى الله عليه وسلم وغيري وكنت رجلا عظيما طويلا لا يقدم علي أحد فذهب بي رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى منزله فحلبت لي عنز فترويت وشبعت فقالت أم أيمن يا رسول الله أليس هذا ضيفنا قال "بلى" فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إنه أكل في معي مؤمن الليلة وأكل قبل ذلك في معي كافر والكافر يأكل في سبعة أمعاء والمؤمن يأكل في معي واحد"
قال أبو عمر:
يحتمل أن الإشارة بالألف واللام في الكفار والمؤمن في هذا الحديث إلى ذلك الرجل بعينه وإنما يحملنا على هذا التأويل لأن المعاينة وهي أصح علوم الحواس تدفع أن يكون ذا عموما في كل كافر ومؤمن ومعروف من كلام العرب الإتيان بلفظ العموم والمراد به الخصوص ألا

(21/265)


ترى إلى قول الله عز وجل {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ} وهذه الإشارة في الناس إنما هي إلى رجل واحد أخبر أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أن قريشا جمعت لهم وجاء اللفظ كما ترى على العموم ومثله {تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ}{مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ} ومثل هذا كثير لا يجهله إلا من لا عناية له بالعلم وقد قيل إنه في كل كافر وإنه لموضع التسمية يقل أكله وهذا تدفعه المشاهدة وعلم الضرورة فلا وجه له .
وأما قوله في هذا الإسناد عبيد الله الأغر فليس عبيد الله يعرف بالأغر وإنما يعرف بالأغر أبوه وهو عبيد الله بن سلمان الأغر وهو عبيد الله ابن أبي عبد الله الأغر وأبو عبد الله الأغر اسمه سلمان والله المستعان

(21/266)


الحديث التاسع
...
حديث تاسع لسهيل بن أبي صالح
مالك عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة أنه قال كان الناس إذا رأوا أول الثمر جاؤا به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا أخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "اللهم بارك لنا في ثمرنا وبارك لنا في مدينتنا وبارك لنا في صاعنا وبارك لنا في مدنا اللهم إن إبراهيم عبدك وخليلك ونبيك وإني عبدك ونبيك وأنه دعاك

(21/266)


لمكة وإني أدعوك للمدينة بمثل ما دعاك به لمكة ومثله معه" ثم يدعو أصغر وليد يراه فيعطيه ذلك الثمر.
وقد ذكر البخاري قال حدثنا محمد بن المثنى حدثنا حسين بن الحسن عن ابن عون عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "اللهم بارك لنا في شامنا ويمننا" قالوا وفي نجدنا قال "اللهم بارك لنا في شامنا ويمننا" قالوا وفي نجدنا قال "هناك الزلازل والفتن وبها يطلع قرن الشيطان" .
في هذا الحديث اختصاص الرئيس وانتخابه بأول ما يطل من الفاكهة إما هدية وجلالة وتعظيما ومحبة وإما تبركا بدعائه والذي يغلب على أن ذلك إنما كان من الصحابة رضوان الله عليهم ليدعو لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبركة وسياق هذا الحديث يدل على ذلك والمعنيان جميعا محتملان.
وأما دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فمجاب لا محالة وقد ظن قوم أن هذا الحديث يدل على أن المدينة أفضل من مكة لدعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم لها بمثل دعاء إبراهيم لمكة ومثله معه وهذا يحتمل لموضع دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وموضع التضعيف في ذلك إلا أنه قد جاء في مكة آثار كثيرة تدل على فضلها وقد اختلف العلماء قديما وحديثا في الأفضل منهما وقد بينا الصحيح من ذلك عندنا في باب خبيب بن عبد الرحمن من كتابنا هذا وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال "بني الإسلام على خمس" فذكر منها حج البيت الحرام وجعل الإلحاد فيه من الكبائر وجعله قبلة الأحياء والأموات ورضي عن عباده فحط أوزارهم بقصد القاصد له مرة من دهره وقال صلى الله عليه وسلم وهو بالحزورة

(21/267)


"والله إني لأعلم أنك خير أرض الله وأحبها إلى الله ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت" وقد مضى من هذا المعنى ما يكفي في باب خبيب وباب زيد ابن رباح وبالله التوفيق.
وفي قول رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن الله حرم مكة يوم خلق السماوات والأرض" وقوله "إن الله حرم مكة ولم يحرمها الناس" دليل على فضلها على سائر ما حرمه الناس وأن دعاء إبراهيم لمكة كان كما قال عز وجل عنه {رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ} الآية ولو كان الدعاء بالبركة في صاع المدينة ومدها يدل على فضلها على مكة لكان كذلك دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبركة في الشام واليمن تفضيلا منه لهما على مكة وهذا لا يقوله أحد وأما دعاء إبراهيم عليه السلام فهو معنى قول الله عز وجل {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} .
ذكر الفرياني حدثنا قيس بن الربيع عن خصيف عن سعيد بن جبير ومجاهد في قوله {وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ} قالا سأل الرزق لمن آمن .
وحدثنا محمد بن عبد الله بن حكم قال حدثنا محمد بن معاوية قال حدثنا إسحاق بن أبي حسان قال حدثنا هشام بن عمار قال حدثنا حاتم بن إسماعيل قال حدثنا حميد عن عمار الدهني عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله {اجْعَلْ هَذَا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ} قال كان إبراهيم يحجرها على المؤمنين دون الناس ومن كفر أيضا فإني أرزقه كما

(21/268)


أرزق المؤمنين أأخلق خلقا لا أرزقهم {نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلاً ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظ} قال ثم قرأ ابن عباس {كُلّاً نُمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً} .
وفي هذا الحديث من الآداب وجميل الأخلاق إعطاء الصغير من الولدان وإتحافه بالطرف وذلك يدل على أنه أولى بذلك من الكبير لقلة صبره وفرحه بذلك وفي رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة في كل حال

(21/269)


الحديث العاشر
...
حديث عاشر لسهيل بن أبي صالح مرسل متصل من وجوه
مالك عن سهيل بن أبي صالح السمان عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله يرضى لكم ثلاثا ويسخط لكم ثلاثا يرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا وأن تعتصموا بحبل الله جميع وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم ويسخط لكم قيل وقل وإضاعة المال وكثرة السؤال" .
هكذا روى يحيى هذا الحديث مرسلا لم يذكر أبا هريرة وتابعه ابن وهب من رواية يونس بن عبد الأعلى عنه والقعنبي ومطرف وابن نافع وأسنده عن ابن وهب أحمد بن صالح والربيع بن سليمان ذكرا فيه أبا هريرة

(21/269)


وكذلك رواه ابن بكير وأبو المصعب ومصعب الزبيري وعبد الله بن يوسف التيمي وسعيد بن عفير وابن القاسم ومعن بن عيسى وأبو قرة موسى ابن طارق والأويسي وابن عبد الحكم والحنيني وأكثر الرواة عن مالك عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم مسندا.
حدثنا خلف بن قاسم حدثنا عمر بن محمد بن القاسم ومحمد بن أحمد ابن كامل ومحمد بن أحمد بن المسور قالوا حدثنا بكر بن سهل قال حدثنا عبد الله بن يوسف قال حدثنا مالك عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال. " إن الله يرضى لكم ثلاثا ويكره لكم ثلاثا يرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا وأن تعتصموا بحبل الله جميعا وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم ويكره لكم قيل وقال وإضاعة المال وكثرة السؤال" .
والحديث مسند محفوظ لمالك وغيره عن سهيل عن ابيه عن أبي هريرة كذلك روه حماد بن سلمة وغيره عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم وليس لهذا الحديث في الموطأ غير هذا الإسناد وعند مالك فيه إسناد آخر رواه عنه عبد العزيز بن أبي رواد عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة وأخشى أن يكون هذا الإسناد غير محفوظ وأن يكون خطأ لأن ابن أبي رواد هذا قد روى عن مالك أحاديث أخطأ فيها أشهرها خطأ أنه روى عن مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "إنما الأعمال بالنيات" الحديث وهذا خطأ لا شك فيه عند أحد من أهل العلم بالحديث وإنما حديث الأعمال بالنيات عند مالك عن يحيى بن سعيد عن محمد بن إبراهيم عن علقمة بن وقاص عن عمر ليس له غير هذا الإسناد وكذلك رواه الناس عن يحيى بن سعيد

(21/270)


وأما حديث ابن أبي رواد في هذا الباب فحدثناه أحمد بن عبد الله بن محمد قال حدثنا أبي قال حدثنا محمد بن قاسم قال حدثنا مالك بن عيسى قال حدثنا حاجب بن سليمان قال حدثنا ابن أبي رواد قال حدثنا مالك بن أنس عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "يحب الله لكم ثلاثا ويسخط لكم ثلاثا يحب لكم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا وأن تنصحوا ولاة الأمر ويسخط لكم ثلاثا قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال" .
قال أبو عمر:
أما حديث سهيل فمحفوظ ولعل حديث أبي الزناد أن يكون له أصل والله أعلم.
حدثنا أحمد بن محمد قال حدثنا محمد بن عيسى قال حدثنا يحيى بن أيوب بن بادي وحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا مطرف بن عبد الرحمن قالا حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير وحدثنا خلف بن قاسم حدثنا عبد الله بن جعفر بن الورد حدثنا يحيى بن أيوب واحمد بن حماد قالا حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير عن مالك عن سهيل ابن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "إن الله يرضى لكم ثلاثا ويسخط لكم ثلاثا يرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا وأن تعتصموا بحبل الله جميعا وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم ويسخط لكم قيل وقال وإضاعة المال وكثرة السؤال" .

(21/271)


في هذا الحديث ضروب من العلم منها أن الله يحب من عباده الإخلاص في عبادته في التوحيد وسائر الأعمال كلها التي يعبد بها وفي الإخلاص طرح الرياء كله لأن الرياء شرك أو ضرب من الشرك قال أهل العلم بالتأويل إن قول الله عز وجل {مَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً} نزلت في الرياء.
ويدخل في الإخلاص أيضا التوكل على الله وأنه لا يضر ولا ينفع ولا يعطي ولا يمنع على الحقيقة غيره لأنه لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع لا شريك له .
وفيه الحض على الاعتصام والتمسك بحبل الله في حال اجتماع وائتلاف وحبل الله في هذا الموضع فيه قولان أحدهما كتاب الله والآخر الجماعة ولا جماعة إلا بإمام وهو عندي معنى متداخل متقارب لأن كتاب الله يأمر بالألفة وينهى عن الفرقة قال الله عز وجل {وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا} الآية وقال {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا} .
وروى يزيد بن زريع عن سعيد عن قتادة في قوله {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا} الآية قال حبل الله الذي أمر أن يعتصم به القرآن وقال قتادة إن الله قد كره إليكم الفرقة وقدم إليكم فيها وحذركموها ونهاكم عنها ورضي لكم بالسمع والطاعة والألفة والجماعة فارضوا لأنفسكم بما رضي الله لكم فقد ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان

(21/272)


يقول "من فارق جماعة المسلمين قيد شبر فقد خلع ربقه الإسلام من عنقه" .
وروى معمر عن قتادة في قوله {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً} قال بعهد الله وأمره وروى ابن عيينة عن جامع بن أبي راشد عن أبي وائل عن عبد الله بن مسعود {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً} قال القرآن.
وابن عيينة أيضا عن إبراهيم الهجري عن أبي الأحوص عن عبد الله قال حبل الله هو القرآن وقيس بن الربيع عن منصور عن أبي وائل عن ابن مسعود {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً} قال حبل الله وصراط الله المستقيم كتاب الله.
وأبو معاوية عن الهجري عن أبي الأحوص عن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن هذا القرآن هو حبل الله" فهذا قول والقول الثاني روى بقي حدثنا يحيى بن عبد الحميد قال حدثنا هشيم عن العوام بن حوشب عن الشعبي عن عبد الله بن مسعود {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً } قال حبل الله الجماعة .
قال بقي وحدثنا عثمان ابن أبي شيبة قال حدثنا محمد بن الحسن الأسدي عن هشيم عن العوام بن حوشب عن الشعبي عن عبد الله في قوله {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً } الآية قال الحبل الذي أيد الله به الجماعة قال وحدثنا أبو كريب حدثنا أبو بكر بن عياش عن أبي حصين عن الشعبي عن ثابت بن قطبة قال قال عبد الله بن مسعود في خطبته أيها الناس عليكم بالطاعة والجماعة فإنها حبل الله الذي أمر به وإن ما تكرهون في الجماعة خير مما تحبون في الفرقة

(21/273)


وروى الوليد بن مسلم عن الأوزاعي عن حسان بن عطية عن عبد الرحمن بن سابط عن عمرو بن ميمون قال قال عبد الله بن مسعود الجماعة القائل بالحق وإن كان وحده.
وفيما أجاز لنا أبو ذر الهروي قال حدثنا علي بن عمر بن محمد بن سادان الشكري قال حدثنا عبد الله بن محمد البغوي قال حدثنا عبيد الله بن عمر قال حدثنا حماد بن زيد قال حدثنا مجالد عن الشعبي عن ثابت بن قطبة قال خطبنا ابن مسعود خطبة لم يخطبنا قبلها ولا بعدها فقال أيها الناس اتقوا الله وعليكم بالطاعة والجماعة فإنهما حبل الله الذي أمر به وأن ما تكرهون في الجماعة خير مما تحبون في الفرقة وأن الله عز وجل لم يخلق شيئا من الدنيا إلا جعل له نهاية فينتهي إليه وأن الإسلام بدأ فثبت ويوشك أن ينقص ويزيد إلى يوم القيامة وآية ذلك أن تقطعوا أرحامكم وأن تفشو فيكم الفاقة حتى لا يخاف الغني إلا الفقر وحتى لا يجد الفقير من يعطف عليه حتى يرى الرجل أخاه وابن عمه فقيرا لا يعطف عليه وحتى يقوم السائل يسأل فيما بين الجمعتين فلا يوضع في يده شيء فبينما الناس كذلك إذ خارت الأرض خورة مثل خوار البقر يحسب كل قوم إنما خارت من ساحتهم ثم يكون رجوع ثم تخور الثانية بأفلاذ كبدها قيل وما أفلاذ كبدها قال أمثال هذه السواري من الذهب والفضة فمن يومئذ لا ينفع الذهب والفضة إلى يوم القيامة حتى لايجد الرجل من يقبل منه ماله صدقة
قال أبو عمر:
الظاهر في حديث سهيل هذا في قوله "ويرضى لكم أن تعتصموا بحبل الله جميعا" أنه أراد الجماعة والله اعلم وهو أشبه بسياقة الحديث

(21/274)


وأما كتاب الله فقد أمر الله عز وجل بالتمسك والاعتصام به في غير ما آية وغير ما حديث غير أن هذا الحديث المراد به والله أعلم الجماعة على إمام يسمع له ويطاع فيكون ولي من لا ولي له في النكاح وتقديم القضاة للعقد على الأيتام وسائر الأحكام ويقيم الأعياد والجمعات وتؤمن به السبل وينتصف به المظلوم ويجاهد عن الأمة عدوها ويقسم بينها فيها لأن الاختلاف والفرقة هلكة والجماعة نجاة قال ابن المبارك رحمه الله
إن الجماعة حبل الله فإعتصموا ... منه بعروته الوثقى لمن دانا
كم يرفع الله بالسلطان مظلمة ... في ديننا رحمة منه ودنيانا
لولا الخلافة لم تؤمن لنا سبل ... وكان أضعفنا نهبا لأقوانا
وروى شعبة عن عمر بن سليمان بن عاصم بن عمر بن الخطاب عن عبد الرحمن بن أبان بن عثمان عن أبيه عن زيد بن ثابت قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في حديث ذكره "ثلاث لا يغل عليهن قلب امرئ مسلم إخلاص العمل لله ومناصحة ولاة الأمر ولزوم الجماعة فإن دعوتهم تحيط من ورائهم" .
وهذا حديث ثابت في معنى حديث سهيل في هذا الباب وهو يفسره وقد رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم جماعة منهم جبير بن مطعم وعبد الله بن مسعود وأنس بن مالك وقد ذكرنا طرقه في كتاب العلم .
حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن عبد السلام قال حدثنا محمد بن بشار قال حدثنا أبو داود قال حدثنا شعبة عن عمر بن سليمان قال سمعت عبد الرحمن بن أبان يحدث عن أبيه قال خرج زيد بن ثابت من عند مروان نصف النهار قلت ما بعث فيه

(21/275)


هذه الساعة إلا لشيء سأله عنه فسألته فقال سألنا عن أشياء سمعناها من رسول الله صلى الله عليه وسلم سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "نضر الله أمرأ سمع منا حديثا فبلغه فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه ورب حامل فقه ليس بفقيه ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم إخلاص العمل لله ومناصحة ولاة الأمر ولزوم الجماعة فإن دعوتهم تحيط من ورائهم ومن كانت الدنيا نيته فرق الله عليه أمره وجعل فقره بين عينيه ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له ومن كانت الآخرة نيته جمع الله أمره وجعل غناه في قلبه وأتته الدنيا وهي راغمة" وسألنا عن الصلاة الوسطى وهي الظهر .
حدثنا أحمد بن قاسم بن عبد الرحمن قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا الحرث بن أبي أسامة قال حدثنا محمد بن عمر قال حدثنا محمد بن إسحاق عن الزهري عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب بخيف منى فقال "نضر الله عبدا سمع مقالتي فوعاها ثم أداها إلى من لم يسمعها فرب حامل فقه لا فقه له ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه ثلاث لا يغل عليهن قلب مؤمن إخلاص العلم لله ولزوم الجماعة ومناصحة ولاة الأمر فإن دعوة المسلمين من ورائهم محيطة" ورواه عيسى بن يونس عن محمد بن إسحاق بإسناده مثله ألا ترى أنه صلى الله عليه وسلم دعا لمن حفظ مقالته هذه فوعاها ثم أداها تأكيدا منه في حفظها وتبليغها وهي قوله "ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم إخلاص العمل لله ولزوم الجماعة ومناصحة أولي الأمر"

(21/276)


فأما قوله "ثلاث لا يغل عليهن قلب مؤمن" فمعناه لا يكون القلب عليهن ومعهن غليلا أبدا يعني لا يقوى فيه مرض ولا نفاق إذا أخلص العمل لله ولزم الجماعة وناصح أولي الأمر .
وأما قوله "فإن دعوتهم تحيط من ورائهم" أو "هي من ورائهم محيطة" فمعناه عند أهل العلم أن أهل الجماعة في مصر من أمصار المسلمين إذا مات

(21/277)


إمامهم ولم يكن لهم إمام فأقام أهل ذلك المصر الذي هو حضرة الإمام وموضعه إماما لأنفسهم اجتمعوا عليه ورضوه فإن كل من خلفهم وأمامهم من المسلمين في الآفاق يلزمهم الدخول في طاعة ذلك الإمام إذا لم يكن معلنا بالفسق والفساد معروفا بذلك لأنها دعوة محيطة بهم يجب إجابتها ولا يسع أحدا التخلف عنها لما في إقامة إمامين من اختلاف الكلمة وفساد ذات البين.
حدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن إسماعيل الترمذي وأحمد بن زهير واللفظ للترمذي قالا حدثنا الحميدي قال حدثنا سفيان قال حدثنا عبد الملك بن عمير عن مرة عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "نضر الله عبدا سمع مقالتي" فذكر الحديث وفيه "ثلاث لا يغل عليهن قط مسلم إخلاص العمل لله ومناصحة المسلمين ولزوم جماعتهم فإن دعوتهم تحيط من ورائهم " هكذا قال "ومناصحة المسلمين" وإنما المحفوظ في هذا الحديث خاصة "ومناصحة ولاة المسلمين" وإن كانت مناصحة المسلمين قد وردت في غير ما حديث.
حدثنا محمد بن خليفة قال حدثنا محمد بن الحسين قال حدثنا إبراهيم ابن موسى الجوزي قال حدثنا داود بن رشيد قال حدثنا الوليد بن مسلم عن ثور بن يزيد عن خالد بن معوان عن عبد الرحمن بن عمرو السلمي وحجر الكلاعي قالا دخلنا على العرباض بن سارية وهو الذي نزل فيه {وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ}

(21/278)


الآية وهو مريض فقلنا إنا جئناك زائرين وعائدين ومقتبسين فقال عرباض إن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى صلاة الغداة ثم أقبل علينا فوعظنا بموعظة بليغة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب فقال قائل يا رسول الله إن هذه لموعظة مودع فما تعهد إلينا قال "أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن كان عبدا حبشيا فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرا فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجد وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة" .
وروى الحرث الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال "آمركم بخمس أمرني الله بهن الجماعة والسمع والطاعة والهجرة والجهاد" .
حدثناه قاسم بن محمد قال حدثنا خالد بن سعد قال حدثنا أحمد بن عمرو بن منصور قال حدثنا محمد بن سنجر قال حدثنا موسى بن إسماعيل قال حدثنا ابان قال حدثنا يحيى يعني ابن أبي كثير أن زيدا حدثه أن أبا سلام حدثه أن الحرث الأشعري حدثه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "إن الله أمر يحيى بن زكرياء بخمس كلمات يعمل بهن ويامر بني إسرائيل أن يعملوا بهن وأنه كان يبطئ بهن وأن عيسى بن مريم قال له إن الله أمرك بخمس كلمات تعمل بهن وتأمر بني إسرائيل أن يعملوا بهن فإما أن تأمرهم وإما أن نأمرهم قال يا أخي إنك إن تسبقني بهن خشيت أن أعذب أو يخسف بي فجمع الناس في بيت المقدس حتى امتلأ وقعد الناس على الشرف فقال إن الله أمرني بخمس كلمات أن أعمل بهن وآمركم أن تعملوا بهن أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وإن مثل من أشرك بالله كمثل رجل اشترى عبدا من

(21/279)


خالص ماله بذهب أو ورق فقال هذه داري وهذا عملي فاعمل وأد إلي فجعل العبد يعمل ويؤدي إلى غير سيده فأيكم يسره أن يكون عبده كذلك وإن الله خلقكم ورزقكم فلا تشركوا به شيئا وآمركم بالصلاة فإذا صليتم فلا تلتفتوا فإن الله ينصب وجهه لعبده ما لم يلتفت في صلاته وإن الله أمركم بالصيام وإن مثل الصيام كمثل رجل معه صرة فيها مسك في عصابة كلهم يعجبه أن يجد ريحها وإن الصيام عند الله أطيب من ريح المسك وآمركم بالصدقة وإن مثل ذلك كمثل رجل أسره العدو فاوثقوه إلى عنقه وقربوه ليضربوا عنقه فقال لهم هل لكم أن أفدي نفسي منكم فجعل يعطيهم القليل والكثير حتى فدى نفسه منهم وآمركم بذكر الله كثيرا وإن مثل ذلك كرجل أصابه العدو سراعا في إثره حتى أتى على حصن حصين فأحرز نفسه فيه وكذلك العبد لا يحرز نفسه من الشيطان إلا بذكر الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا آمركم بخمس أمرني الله بهن الجماعة والسمع والطاعة والهجرة والجهاد في سبيل الله فمن فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من رأسه إلا أن يرجع ومن دعا بدعوى الجاهلية فإنه من حثاء جهنم" قال رجل وإن صام وصلى قال "إن صام وصلى أدعو بدعوى الله الذي سماكم المؤمنين عباد الله"
قال أبو عمر:
كذا قال حثاء جهنم وغيره يرويه جثاء جهنم بالجيم وذلك كله خطأ عند أهل العلم باللغة وقد أنكره أبو عبيدة وغيره وقال أبو عبيد إنما هو من حثاء جهنم وهو كما قال أبو عبيد

(21/280)


حدثنا عبد الوارث بن سفيان حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا محمد بن إسماعيل الصائغ حدثنا يحيى بن معين بمكة حدثنا غندر حدثنا شعبة عن حبيب بن الزبير قال سمعت عبد الله بن أبي الهذيل قال كان عمرو بن العاصي يتخولنا فقال رجل من بكر بن وائل لئن لم تنته قريش لنضعن هذا الأمر في جمهور من جماهير العرب غيرهم فقال عمرو بن العاصي كذبت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم "يقول قريش ولاة الناس في الخير والشر إلى يوم القيامة" وروي من حديث أبي ذر وأبي هريرة وابن عباس بمعنى واحد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال "من خرج من الطاعة وفارق الجماعة فمات فميتته جاهلية" .
وروى ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سمعه يقول "من نزع يدا من طاعة فلا حجة له ومن مات ولا طاعة عليه كان ميتته ضلالة" .
وروى أبو إدريس الخولاني عن حذيفة قال قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم "الزم جماعة المسلمين وإمامهم " قلت فإن لم يكن جماعة ولا إمام قال "تعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض على شجرة حتى يدركك الموت وأنت كذلك" .
وروى النعمان بن بشير عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال "الجماعة رحمة والفرقة عذاب" والآثار المرفوعة عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الباب كثيرة جدا وكذلك عن الصحابة أيضا .
وروى أبو صادق عن علي بن أبي طالب أنه قال إن الإسلام ثلاث أثافي الإيمان والصلاة والجماعة فلا تقبل الصلاة إلا بإيمان ومن آمن صلى وجامع ومن فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقه الإسلام من عنقه

(21/281)


حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا أحمد بن زهير حدثنا صبيح بن عبد الله الفرغاني قال حدثنا أبو إسحاق الفزاري عن الأوزاعي قال كان يقال خمس كان عليها أصحاب محمد والتابعون لهم بإحسان لزوم الجماعة وإتباع السنة وعمارة المساجد وتلاوة القرآن والجهاد في سبيل الله.
قال أبو عمر:
الآثار المرفوعة في هذا الباب كلها تدل على أن مفارقة الجماعة وشق عصا المسلمين والخلاف على السلطان المجتمع عليه ويريق الدم ويبيحه ويوجب قتال من فعل ذلك فإن قيل قد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها فقد عصموا دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله فمن قال لا إله إلا الله حرم دمه" قيل لقائل ذلك لو تدبرت قوله في هذا الحديث إلا بحقها لعلمت أنه خلاف ما ظننت ألا ترى أن أبا بكر الصديق قد رد على عمر ما نزع به من هذا الحديث وقال من حقها الزكاة ففهم عمر ذلك من قوله وانصرف إليه وأجمع الصحابة عليه فقاتلوا مانعي الزكاة كما قاتلوا أهل الردة وسماهم بعضهم أهل ردة على الاتساع لأنهم ارتدوا عن أداء الزكاة ومعلوم مشهور عنهم أنهم قالوا ما تركنا ديننا ولكن شححنا على أموالنا فكما جاز قتالهم عند جميع الصحابة على منعهم الزكاة وكان ذلك عندهم في معنى قوله عليه السلام إلا بحقها فكذلك من شق عصا المسلمين وخالف إمام جماعتهم وفرق كلمتهم لأن الفرض الواجب إجتماع كلمة أهل دين الله المسلمين على من خالف دينهم من الكافرين حتى تكون كلمتهم واحدة وجماعتهم غير مفترقة ومن الحقوق المريقة للدماء المبيحة للقتال الفساد

(21/282)


في الأرض وقتل النفس وانتهاب الأهل والمال والبغي على السلطان والامتناع من حكمه هذا كله داخل تحت قوله إلا بحقها كما يدخل في ذلك الزاني المحصن وقاتل النفس بغير حق والمرتد عن دينه.
وقد أمر الله عز وجل بقتال الفئة الباغية بقوله {فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّه} وفي قوله {فَقَاتِلُوا} دليل على أن الباغي إذا انهزم عن القتال أو ضعف عنه بما لحقه من الآفات المانعة للقتال حرم دمه لأنه غير مقاتل ولم نؤمر بقتاله إلا إذا قاتل لأن الله تعالى قال {فَقَاتِلُوا} ولم يقل فاقتلوا والمقاتلة إنما تكون لمن قاتل والله أعلم لأنها تقوم من اثنين وعلى هذا كان حكم علي رضي الله عنه فيمن بغى عليه وتلك كانت سيرته فيهم رضي الله عنه وعلى ذلك جمهور العلماء وللكلام في هذه المسألة موضع غير هذا إن شاء الله.
وقال نعيم بن حماد قلت لسفيان بن عيينة أرأيت قوله "من ترك الجماعة فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه" فقال من فارق الجماعة خلع طاعة الله والاستسلام لأمره وللرسول ولأولي الأمر قال ولا أعلم أحدا عوقب بأشد من عقوبتهم ثم قال {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَاداً} الآية هذا في أهل الإسلام

(21/283)


وأما قوله "تناصحوا من ولاه الله أمركم" ففيه إيجاب النصحية على العامة لولاة الأمر وهم الأئمة والخلفاء وكذلك سائر الأمراء وقد قال صلى الله عليه وسلم "الدين النصيحة الدين النصيحة الدين النصيحة" ثلاثا قيل لمن يا رسول الله قال "لله عز وجل ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم " وهذا حديث رواه مالك عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم كذلك رواه كل من رواه عن مالك .
وزعم ابن الجارود وغيره أن مالكا وهم في إسناده لأن سفيان بن عيينة رواه عن سهيل بن أبي صالح عن عطاء بن يزيد عن تميم الداري.
حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن وضاح قال حدثنا حامد بن يحيى قال حدثنا سفيان قال حدثنا سهيل بن أبي صالح قال أخبرني عطاء بن يزيد الليثي صديقا كان لأبي من أهل الشام أنه سمع تميم الداري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن الدين النصيحة إن الدين النصيحة إن الدين النصيحة" قالوا لمن يا رسول الله قال "لله ولكتابه ولنبيه ولأئمة المسلمين وعامتهم " .
قال سفيان وكان عمرو بن دنيار حدثناه أولا عن القعقاع بن حكيم عن أبي صالح فلقيت سهيلا فسألته ليحدثنيه عن أبيه فأكون أنا وغيري فيه سواء فقال سهيل أنا سمعته من الذي سمعه منه أي أخبرنيه عطاء بن يزيد الليثي صديقا كان لأبي من أهل الشام

(21/284)


قال أبو عمر:
وكذلك رواه سفيان الثوري وحماد بن سلمة والضحاك بن عثمان وغيرهم عن سهيل عن عطاء بن يزيد الليثي عن تميم الداري والحديث عندي صحيح من الوجهين لأن محمد بن عجلان قد رواه عن القعقاع بن حكيم وزيد بن أسلم وعبيد الله بن مقسم كلهم عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم رواه الليث عن محمد بن عجلان عن زيد بن أسلم والقعقاع بن حكيم عن أبي صالح عن أبي هريرة ورواه سليمان بن بلال عن محمد بن عجلان عن القعقاع وعبيد الله بن مقسم عن أبي صالح عن أبي هريرة وهذا كله يعضد رواية مالك عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة والله أعلم .
ففي هذا الحديث أن من الدين النصح لأئمة المسلمين وهذا أوجب ما يكون فكل من واكلهم وجالسهم وكل من أمكنه نصح السلطان لزمه ذلك إذا رجا أن يسمع منه.
وروى معمر عن الزهري عن السائب بن يزيد قال قال رجل لعمر بن الخطاب ألا أخاف في الله لومة لائم خير لي أم أقبل على أمري فقال أما من ولي من أمر المسلمين شيئا فلا يخف في الله لومة لائم ومن كان خلوا فليقبل على نفسه ولينصح لأميره.
وسئل مالك بن أنس أيأتي الرجل إلى السلطان فيعظه وينصح له ويندبه إلى الخير فقال إذا رجا أن يسمع منه وإلا فليس ذلك عليه

(21/285)


قال أبو عمر:
إنما فر من فر من الأمراء لأنه لا يمكنه أن ينصح لهم ولا يغير عليهم ولا يسلم من متابعتهم.
روى كعب بن عجرة وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال "سيكون بعدي أمراء فمن دخل عليهم وصدقهم بكذبهم وأعانهم على ظلمهم فليس مني ولست منهم ولا يرد علي الحوض ومن لم يصدقهم بكذبهم ولم يعنهم على ظلمهم فهو مني وأنا منه وسيرد علي الحوض " .
وروى أبو سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال "إن أفضل الجهاد كلمة حق" أو قال "كلمة عدل عند ذي سلطان جائر" رواه ابن عيينة وغيره عن علي ابن زيد عن أبي نضرة عن أبي سعيد.
وأخبرنا أحمد بن قاسم بن عيسى قال حدثنا عبيد الله بن محمد بن حبابة قال حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي قال حدثنا علي بن الجعد أخبرنا حماد بن سلمة عن أبي غالب عن أبي أمامة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "أفضل الجهاد من قال كلمة حق عند ذي سلطان جائر" .
وقد ذكرنا خبر بلال بن الحرث في باب محمد بن عمرو من هذا الكتاب وهو في معنى الكلام عند السلطان على حسبما فسرناه هناك وقد كان الفضيل بن عياض يشدد في هذا فيقول ربما دخل العالم على السلطان ومعه دينه فيخرج وما معه منه شيء قالوا كيف ذلك قال يمدحه في وجهه ويصدقه في كذبه.
وذكر احمد بن حنبل عن ابن المبارك قال لا تأتهم فإن أتيتهم فاصدقهم قال وأنا أخاف ألا أصدقهم

(21/286)


قال أبو عمر:
إن لم يكن يتمكن نصح السلطان فالصبر والدعاء فإنهم كانوا ينهون عن سب الأمراء.
أخبرنا محمد بن خليفة قال حدثنا محمد بن الحسين البغدادي قال حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد الحميد قال حدثنا أبو هشام الرفاعي قال حدثنا يحيى ابن يمان قال حدثنا سفيان عن قيس بن وهب عن أنس بن مالك قال كان الأكابر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهوننا عن سب الأمراء .
وحدثنا محمد بن خليفة قال حدثنا محمد بن الحسين قال حدثنا أبو بكر بن أبي داود قال حدثنا عيسى بن محمد أبو عمير الرملي عن ضمرة عن رجاء بن أبي سلمة عن عبادة بن نسي قال وقف أبو الدرداء على باب معاوية فحجبه لشغل كان فيه فكأن أبا الدرداء وجد في نفسه فقال من يأت أبواب السلطان قام وقعد ومن يجد بابا مغلقا يجد إلى جنبه بابا رجا فتحا إن سأل أعطي وإن استعاذ أعيذ وإن أول نفاق المرء طعنه على إمامه .
وحدثنا محمد بن خليفة قال حدثنا محمد بن الحسين قال حدثنا أبو بكر عبد الله بن محمد بن عبد الحميد الواسطي قال حدثنا أبو هشام الرفاعي قال حدثنا يحيى بن يمان عن إسرائيل عن أبي إسحاق قال ما سب قوم أميرهم إلا حرموا خيره.
أخبرنا أحمد بن سعيد بن بشر قال حدثنا أحمد بن سعيد بن حزم قال حدثنا محمد بن أحمد قال حدثنا ابن وضاح قال حدثنا أبو بكر نصر بن مهاجر قال حدثنا الفيض بن إسحاق عن زهير بن معاوية عن الأعمش قال قال حذيفة إذا كان والي القوم خيرا منهم لم يزالوا في علياء وإذا كان واليهم شرا منهم أو قال شرهم لم يزدادوا إلا سفالا

(21/287)


وذكر البخاري من حديث أبي هريرة مرفوعا " إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة وحينئذ ترفع الأمانة"
قال أبو عمر:
ويجب على الإمام من النصح لرعيته كالذي يجب عليهم له قال صلى الله عليه وسلم "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته فالإمام الذي على الناس راع عليهم وهو مسئول عنهم" الحديث رواه ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم .
وروى ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال "ما من أمير يؤمر على عشرة إلا يسئل عنهم يوم القيامة " .
وروى الحسن عن معقل بن يسار قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "من استرعاه الله رعية ومات وهو لها غاش حرم الله عليه الجنة " .
حدثناه أحمد ابن قاسم بن عبد الرحمن قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا الحرث بن أبي أسامة قال حدثنا علي بن الجعد أخبرنا أبو الأشهب عن الحسن فذكره .
وحدثنا عبد الوارث بن سفيان وأحمد بن قاسم قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أحمد بن زهير والحرث بن أبي أسامة قالا حدثنا هوذة قال حدثنا عوف عن الحسن قال مرض معقل بن يسار مرضا ثقل فيه فأتاه زياد يعوده فقال إني محدثك حديثا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "من استرعي رعية فلم يحطهم بنصيحة لم يجد ريح الجنة وريحها يوجد من مسيرة خمسمائة عام"

(21/288)


حدثنا محمد بن خليفة قال حدثنا محمد بن الحسين قال حدثنا ابن شاهين قال حدثنا أبو هشام محمد بن يزيد الرفاعي قال حدثنا إسحاق بن سهل عن المغيرة بن مسلم عن قتادة عن أبي الدرداء قال لا إسلام إلا بطاعة ولا خير إلا في الجماعة والنصح لله وللخليفة وللمؤمنين عامة .
وأما قوله "ويكره لكم قيل وقال وكثرة السؤال" فمعنى قيل وقال والله اعلم الحديث بما لا معنى لا ولا فائدة فيه من أحاديث الناس التي أكثرها غيبة ولغط وكذب ومن أكثر من القيل والقال مع العامة لم يسلم من الخوض في الباطل ولا من الاغتياب ولا من الكذب والله أعلم وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال "كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما يسمع" ومكتوب في حكمة داود وفي صحف إبراهيم من عد كلامه من عمله قل كلامه إلا فيما يعنيه وفي المثل السائر التقي ملجم وقد مضى قوله صلى الله عليه وسلم "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليسكت" في باب سعيد بن أبي سعيد ومضى هناك في الصمت وحفظ اللسان بعض ما يكفي إن شاء الله .
وأما قوله "وكثرة السؤال" فمعناه عند أكثر العلماء التكثير في السؤال من المسائل والنوازل والأغلوطات وتشقيق المولدات وقد أوضحنا هذا الباب وبسطناه وأشبعنا القول فيه من جهة الأثر في كتاب العلم.

(21/289)


وقال مالك أما نهي رسول الله عن كثرة السؤال فلا أدري أهو الذي أنهاكم عنه من كثرة المسائل فقد كره رسول الله صلى الله عليه وسلم المسائل وعابها أم هو مسألة الناس
قال أبو عمر:
الظاهر في لفظ هذا الحديث كراهة السؤال عن المسائل إذا كان ذلك على الإكثار لا على الحاجة عند نزول النازلة لأن السؤال في مسألة الناس إذا لم يجز فليس ينهى عن كثرته دون قلته بل الآثار في ذلك آثار عموم لا تفرق بين القلة والكثرة لمن كره له ذلك وقد مضى في معنى السؤال وما يجوز منه ولمن يجوز أبواب كافية في هذا الكتاب.
وأما حديث هذا الباب فمعناه والله أعلم ما ذكرنا على أنه قد اختلف فيه على ما وصفنا وكان الأصل في هذا أنهم كانوا يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أشياء ويلحون فيها فينزل تحريمها قال الله عز وجل {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ} .
ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "أعظم المسلمين في المسلمين جرما من سأل عما لم يحرم فحرم على الناس من أجل مسألته" .
وروي عن الزهري ومجاهد وقتادة وعكرمة بمعنى واحد أنهم قالوا كانوا يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألوه يوما فأكثروا عليه فقام مغضبا وقال "سلوني فوالله لا تسألوني أو لا يسألني أحد عن شيء في مقامي هذا إلا أخبرته ولو سألني عن أبيه لأخبرته" فقام عبد الله بن حذافة فقال من أبي فقال "أبوك

(21/290)


حذافة" قال الزهري فقالت أمه ما رأيت ولدا أعق منك أكنت تأمن أن تكون أمك قارفت ما قارف أهل الجاهلية فتفضحها وقام رجل فقال الحج واجب في كل عام أم مرة واحدة فقال "بل مرة واحدة ولو قلتها لوجبت" وقام سعد مولى شيبة فقال من أنا يا رسول الله قال "أنت سعد مولى شيبة بن ربيعة" وقام رجل من بني أسد فقال أين أنا يا رسول الله قال "أنت في النار" فقام عمر فقال رضينا بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا نعوذ بالله من غضب الله وغضب رسوله فنزلت عند ذلك {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} الآية.
ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال قال ابن جريج عن عطاء وعمرو بن دينار عن عبيد بن عمير أن الله حرم أشياء وأحل أشياء فما حرم فاجتنبوه وما أحل فاستحلوه وما سكت عنه فهو عفو فلا تسألوا عنه .
وقال آخرون معنى نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن كثرة السؤال أراد سؤال المال والإلحاح فيه على المخلوقين واستدلوا بعطفه على ذلك قوله وإضاعة المال وبما رواه المغيرة بن شعبة وعمار بن ياسر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال "إن الله كره لكم قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال ومنع وهات ووأد البنات وعقوق الأمهات" قالوا فقوله ومنع وهات هو من باب السؤال والمنع في المال لا في العلم قالوا فكذلك نهيه عن كثرة السؤال والله أعلم.
حدثنا عبد الله بن محمد بن يحيى حدثنا أحمد بن جعفر بن حمدان حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثني أبي أخبرنا هشيم قال أخبرنا غير واحد منهم مغيرة عن الشعبي عن وراد كاتب المغيرة بن شعبة أن معاوية كتب إلى المغيرة اكتب إلي بحديث سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم فكتب إليه المغيرة إني

(21/291)


سمعته يقول عند انصرافه من الصلاة "لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير" ثلاث مرات وكان ينهى عن قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال ومنع وهات وعقوق الأمهات ووأد البنات.
قال أبو عمر:
قد مضى فيما يحل من السؤال وما لا يحل أبواب كافية فيما سلف من هذا الكتاب والسؤال إذا لم يحل فلا يحل منه الكثير ولا القليل وإذا كان جائزا حلالا فلا بأس بالإكثار منه حتى يبلغ إلى الحد المنهي عنه والله أعلم.
وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكره كثرة المسائل ويعيبها والانفكاك عندي من هذا المعنى والانفصال من هذا السؤال والإدخال أن السؤال اليوم لا يخاف منه أن ينزل تحريم ولا تحليل من أجله فمن سأل مستفهما راغبا في العلم ونفي الجهل عن نفسه باحثا عن معنى يجب الوقوف في الديانة عليه فلا بأس به فشفاء العي السؤال ومن سأل معنتا غير متفقه ولا متعلم فهذا لا يحل قليل سؤاله ولا كثيرة وقد أوضحنا هذه المعاني كلها في كتاب العلم بما لا سبيل إلى ذكره ههنا.
وأما قوله "وإضاعة المال" فللعلماء في تأويل معناه ثلاثة أقوال أحدها أنه أراد بذكر المال ههنا الحيوان من ملك اليمين أن يحسن إليهم ولا يضيعون فيهلكون وهذا قول رواه السري بن إسماعيل عن الشعبي

(21/292)


واحتج من ذهب هذا المذهب بحديث أنس وأم سلمة أن عامة وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم حين حضرته الوفاة كانت قوله "الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم" .
والقول الثاني: إضاعة المال بترك إصلاحه والنظر فيه وكسبه واحتج من قال هذا بقول قيس بن عاصم لبنيه حين حضرته الوفاة يا بني عليكم بالمال واصطناعه فإن فيه منبهة للكريم ويستغنى به عن اللئيم وبقول عمرو بن العاصي في خطبته حيث قال يا معشر الناس إياي وخلالا أربعا فإنها تدعو إلى النصب بعد الراحة وإلى الضيق بعد السعة وإلى المذلة بعد العز إياي وكثرة العيال وإخفاض الجلال والتضييع للمال والقيل والقال في غير درك ولا نوال.
والقول الثالث : إضاعة المال إنفاقه في غير حقه من الباطل والإسراف والمعاصي لا جعلنا الله ممن يستعين بنعمه على معاصيه آمين برحمته.
حدثنا عبد الرحمن حدثنا علي حدثنا أحمد حدثنا سحنون حدثنا ابن وهب حدثنا إبراهيم بن نشيط قال سألت عمر مولى عفرة عن الإسراف ما هو قال كل شيء أنفقته في غير طاعة الله فهو سرف وإضاعة المال.
أخبرنا أحمد بن عبد الله بن محمد أن أباه حدثه قال حدثنا عبد الله بن يونس قال حدثنا بقي بن مخلد قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا يعلى بن عبيد عن محمد بن سوقة عن سعيد بن جبير أنه سأله رجل عن إضاعة المال فقال أن يرزقك الله فتنفقه فيما حرم الله عليك وهكذا قال مالك

(21/293)


المجلد الثاني و العشرون
تابع لحرف السين
سمي مولى ابي بكر
الحديث الأول
...
سمي مولى أبي بكر
هو سمي مولى أبي بكر بن عبد الرحمان بن الحرث بن هشام المخزومي مدني ثقة ثبت لا قول فيه ولا مقال روى عنه جماعة من الأئمة ولا يختلفون في عدالته وأمانته إلا أن علي بن المديني قال قلت ليحيى بن سعيد أسمي اثبت عندك أو القعقاع بن حكيم قال القعقاع أحب إلي منه.
وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل سألت أبي عن سمي فقال ثقة روى عنه مالك وقتل سمي رحمه الله بقديد وكانت غزوة قديد في صفر سنة ثلاثين ومائة أخبرنا عبد الله بن محمد حدثنا إسماعيل بن محمد حدثنا إسماعيل بن إسحاق أخبرنا علي بن المديني قال قال سفيان أتيت المدينة فسألت عن سمي قالوا خرج إلى الغزو قيل لسفيان كأن سميا قتل قال زعموا أن الخوارج قتلته.

(22/7)


قال أبو عمر:
لمالك عنه ثلاثة عشر حديثا أحدها مرسل وفي حديث واحد منها ثلاثة أحاديث فتصير خمسة عشر حديثا.
حديث أول لسمي
مالك عن سمي مولى أبي بكر بن عبد الرحمان عن أبي صالح السمان عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "بينما رجل يمشي بطريق إذ اشتد عليه العطش فوجد بئرا فنزل فيها فشرب فخرج فإذا كلب يلهث يأكل الثرى من العطش فقال الرجل لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي بلغ مني فنزل البئر فملأ خفه ثم أمسكه بفيه حتى رقي فسقى الكلب فشكر الله له فغفر له فقالوا يا رسول الله وإن لنا في البهائم لأجرا قال في كل كبد رطبة أجر".
في هذا الحديث دليل على أن الإساءة إلى البهائم والحيوان لا يجوز ولا يحل وأن فاعلها يأثم فيها لأن النص إذا ورد بأن في الإحسان إليهن أجرا وحسنات قام الدليل بأن في الإساءة إليهن وزرا وذنوبا والله يعصم من يشاء وهذا ما لا شك فيه ولا مدفع له.

(22/8)


وقد روى مالك عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "دخلت امرأة النار في هرة ربطتها فلا هي أطعمتها ولا هي أطلقتها تأكل من خشاش الأرض حتى ماتت فعذبت في ذلك" . فهذا يبين لك ما قلنا وهو أمر لا تنازع بين العلماء فيه.
وفي هذا الحديث دليل على وجوب نفقات البهائم المملوكة على مالكيها وهذا ما لا خلاف فيه أيضا ولا في القضاء به والحمد لله.
حدثنا احمد بن قاسم بن عبد الرحمان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا الحرث بن أبي أسامة قال حدثنا يزيد بن هارون قال حدثنا مهدي بن ميمون عن محمد بن عبد الله بن أبي يعقوب عن الحسن بن سعد عن عبد الله ابن جعفر قال اردفني رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم خلفه فأسر إلي حديثا لا أخبر به أحدا أبدا وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب إليه ما استتر به في حاجته هدفا او حائش نخل فدخل يوما حائطا من حيطان الأنصار فغذا جمل قد أتاه فجرجر وذرفت عيناه فمسح رسول الله صلى الله عليه وسلم سراته وذفراه فسكن فقال: "من صاحب الجمل؟ فجاء فتى من الأنصار فقال هو لي يا رسول الله فقال أما تتقي الله في هذه البهيمة التي ملكك الله إنه شكا إلي أنك تجيعه وتدئبه" .

(22/9)


وروي هذا الخبر من حديث يعلى بن صرة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم بمعنى حديث عبد الله بن جعفر وفيه فاستوص به خيرا قال فقال صاحبه لا جرم والله لا أكرم مالا كرامته أبدا.
وأما قوله: "ذرفت عيناه" فمعناه قطرت دموعهما قطرا ضعيفا والسراة الظهر والذفرى ما وراء الأذنين عن يمين النقرة وشمالها تثنى الذفران وتجمع الذفارى.
قال ذو الرمة:
والقرط في حرة الذفرى معلقة ... تباعد الحبل منه فهو يضطرب
والحائش حائط النخل والحديقة منه أخبرنا محمد حدثنا علي بن عمر حدثني محمد بن عبد الله النيسابوري صاحبنا حدثنا الحسن بن محمد ابن إسحاق الإسفراني حدثني خالي أبو عوامة يعقوب بن إسحاق الإسفراني حدثنا أبو سعيد أحمد بن بكر وبه حدثنا زيد بن الحباب عن مالك عن الزهري عن عروة بن الزبير عن سراقة بن مالك بن جعثم أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم في وجعه فقال يا رسول الله أرأيت الضالة ترد على حوض إبلي هل لي فيها من أجر إن سقيتها قال: "نعم في الكبد الحرى أجر" .
قال أبو الحسن هذا غريب عن مالك وإنما يرويه أصحاب الزهري عن الزهري عن عبد الرحمان بن مالك بن جعثم عن أبيه عن أخيه سراقة بن جعثم كذلك رواه موسى بن عقبة ومحمد بن إسحاق وغيرهما عن الزهري.

(22/10)


الحديث الثاني
...
حديث ثان لسمي
مالك عن سمي مولى أبي بكر عن أبي صالح عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "بينما رجل يمشي بطريق إذ وجد غصن شوك على الطريق فأخذه فشكر الله له فغفر له وقال الشهداء خمسة المطعون والمبطون والغرق وصاحب الهدم والشهيد في سبيل الله وقال لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا ان يستهموا عليه لاستهموا ولو يعلمون ما في التهجير لاتسبقوا إليه ولو يعلمون ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبوا".
قال أبو عمر:
هذه ثلاثة أحاديث في واحد كذلك يرويها جماعة من أصحاب مالك وكذا هي محفوظة عن أبي هريرة أحدها حديث الذي نزع غصن الشوك عن الطريق والثاني حديث الشهداء والثالث قوله: "لو يعلم الناس ما في النداء" إلى آخر الحديث وهذا القسم الثالث سقط ليحيى من باب وهو عنده في باب آخر منها ما كان ينبغي أن يكون في باب العتمة والصبح و قوله: "ولو يعلم الناس ما في النداء إلى قوله: "ولو حبوا" فلم يروه عنه ابنه عبيد الله في ذلك الباب ورواه ابن وضاح عن يحيى وهو عند جماعة الرواة للموطأ عن مالك لا يختلفون في ذلك فيما علمت.

(22/11)


وفي هذا الحديث من الفقه أن نزع الأذى من الطرق من أعمال البر وأن اعمال البر تكفر السيئات وتوجب الغفران والحسنات ولا ينبغي للعاقل المؤمن أن يحتقر شيئا من أعمال البر فربما غفر له بأقلها ألا ترى إلى ما في هذا الحديث من أن الله شكر له إذ نزع غصن الشوك عن الطريق فغفر له ذنوبه وقد قال صلى الله عليه وسلم: "الإيمان بضع وسبعون شعبة إحداها لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان" . وقال الله عز وجل: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ} . وقال الحكيم:
ومتى تفعل الكثير من الخيـ ... ــر إذا كنت تاركا لأقله
حدثنا إبراهيم بن شاكر قال حدثنا عبد الله بن محمد بن عثمان قال حدثنا سعيد بن خمير وسعد بن عثمان قالا حدثنا أحمد بن عبد الله بن صالح قال حدثنا النضر بن محمد قال حدثنا عكرمة بن عمار قال حدثنا أبو زميل عن مالك بن مرثد عن أبيه عن أبي ذر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تبسمك في وجه أخيك صدقة وأمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر صدقة وإرشادك الرجل في أرض الضلالة صدقة ونظرك للرجل الردئ البصر صدقة وإماطتك الحجر والشوكة والعظم عن الطريق صدقة وإفراغك من دلوك في دلو أخيك لك صدقة" .

(22/12)


أخبرنا محمد بن إبراهيم حدثنا محمد بن أحمد حدثنا محمد بن أيوب حدثنا أحمد بن عمرو البزار حدثنا محمد بن يوسف بن سابق حدثنا أبو معاوية عن هشام بن عروة عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حوسب رجل فلم يوجد له من الخير إلا غصن شوك نحاه عن الطريق فغفر له" . هكذا رواه أبو معاوية عن هشام بهذا الإسناد وخالفه فيه غير من أصحاب هشام.
وأما قوله: "الشهداء خمسة" فهكذا جاء في هذا الحديث وقد جاء في غيره مما قد ذكرناه في باب عبد الله بن جابر بن عتيك من كتابنا هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "الشهداء سبعة سوى القتل في سبيل الله" وهذه زيادة وقد مضى القول في ذلك كله ومعانيه في ذلك الباب من هذا الكتاب والحمد لله.
أخبرني خلف بن القاسم حدثنا علي بن جعفر بن محمد بن عيسى البغدادي حدثنا جعفر بن محمد حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا مالك عن سمي عن أبي صالح عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "الشهداء خمسة المطعون والمبطون والغريق وصاحب الهدم والشهيد في سبيل الله" .
وروى مالك عن عبد الله بن عبد الله بن جبار بن عتيك بن الحرث بن عتيك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "الشهداء سبعة سوى القتل في سبيل الله المطعون والغرق وصاحب ذات الجنب والمبطون والحرق والذي يموت تحت الهدم والمرأة تموت بجمع" يعني كلهم شهيد.

(22/13)


وقد تقدم تفسير معاني هذا الباب ممهدا في باب عبد الله بن جابر من هذا الكتاب فلا وجه لإعادة ذلك ههنا والحمد لله.
وفي هذا الحديث أيضا فضل النداء وهو الأذان وفضل الصف الأول وفضل البكور بالهاجرة إلى الصلاة في المسجد في الجمعة وغيرها ولا أعلم خلافا بين العلماء أن من بكر وانتظر الصلاة وإن لم يصل في الصف الأول أفضل ممن تأخر ثم تخطى إلى الصف الأول وفي هذا ما يوضح لك معنى فضل الصف الأول أنه ورد من أجل البكور إليه والتقدم والله أعلم.
وفيه فضل شهود العتمة والصبح في جماعة وقد مضت هذه المعاني مكررة في غير موضع من كتابنا هذا فلا معنى لتكريرها بعد ههنا.
وفي هذا الحديث أيضا جواز تسمية العشاء بالعتمة وهو موضع اختلاف بين اهل العلم فمن كره ذلك احتج بأن الله عز وجل سماها العشاء بقوله: {وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشَاءِ} واحتج أيضا بحديث أبي سلمة عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم هذه إنما هي العشاء وإنما يسمونها العتمة لأنهم يعتمون بالإبل" . ومن أجاز تسمية العشاء بالعتمة فحجته حديث سمي المذكور في هذا الباب والله الموفق للصواب..
وأما قوله صلى الله عليه وسلم: "لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا" فإنما الاستهام على الصف لا على الأذان وعليه رجع الضمير في عليه وقال ابن حبيب إنما ذلك في الموضع الذي لا يؤذن فيه إلا واحد كالمغرب والجمعة تجمع كثرة المؤذنين.

(22/14)


قال أبو عمر:
يحضهم على ذلك لئلا يزهدوا في الأذان فتبطل السنة فيه بالتواكل وقلة الرغبة وقد روى أبو حمزة السكري عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن اللهم ارشد الأئمة واغفر للمؤذنين قالوا يا رسول الله لقد تركتنا بعدك نتنافس في الأذان فقال إن بعدكم قوما سفلتهم مؤذنوهم" وهذا حديث انفرد به أبو حمزة هذا وليس بالقوي وبالله التوفيق.

(22/15)


الحديث الثالث
...
حديث ثالث لسمي
مالك عن سمي مولى أبي بكر بن عبد الرحمان عن أبي صالح عن ابي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: طإذا قال الإمام غير المغضوب عليهم ولا الضالين فقولوا آمين فإنه من وافق قوله قول الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه" .
هكذا هذا الحديث في الموطأ عند جماعة رواته بهذا الإسناد وروى ابن وهب فيه عن مالك إسنادا آخر عن نعيم بن عبد الله المجمر عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا قال الإمام {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا

(22/15)


الضَّالِّينَ} فقولوا آمين فإنه من وافق قوله من أهل الأرض قول أهل غفر له ما تقدم من ذنبه" .
في هذا الحديث دليل على أن الإمام لا يقول آمين وأن المأموم يقولها دونه وهذا الحديث يفسر عند أصحابنا قوله صلى الله عليه وسلم: "إذا أمن الإمام فأمنوا" يريد إذا دعا بقوله: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} إلى آخر السورة لأن الداعي يسمى مؤمنا كما يسمى المؤمن داعيا واستدلوا بقول الله عز وجل لموسى وهارون: {قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا} وإنما كان هارون مؤمنا وموسى الداعي فيما قال أهل العلم بتأويل القرآن.
وقال بعض من يقول بأن الإمام يقول آمين إذا قال: {وَلا الضَّالِّينَ} لم يرد رسول الله صلى الله عليه وسلم بما جاء عنه في هذا الحديث أن الإمام لا يقول آمين لأنه قد صح عنه قوله: "إذا أمن الإمام فأمنوا" وصح عنه أنه كان إذا قال: {وَلا الضَّالِّينَ} قال: آمين ورفع بها صوته وإنما أراد بما جاء عنه في حديث سمي هذا أن يعرفهم بالموضع الذي يقولون فيه آمين وهو إذا قال الإمام: {وَلا الضَّالِّينَ} ليكون قولهما معا ولا يتقدموه بقول آمين والله أعلم واحتجوا بقول بلال يا رسول الله لا تسبقني بآمين وقد مضى هذا الخبر فيما سلف من هذا الكتاب في باب أبي الزناد وباب ابن شهاب ومضى

(22/16)


من القول في معنى هذا الحديث هناك ما فيه كفاية والحمد لله وفي هذا الحديث دلالة على أن المأموم لا يقرأ خلف الإمام إذا جهر لا بأم القرآن ولا بغيرها لأن القراءة بها لو كانت عليهم لأمرهم إذا فرغوا من فاتحة الكتاب أن يؤمن كل واحد منهم بعد فراغه من قراءته لأن السنة فيمن قرأ بأم القرآن أن يؤمن عند فراغه منها ومعلوم أن المأمومين إذا اشتغلوا بالقراءة خلف الإمام لم يكادوا يسمعون فراغه من قراءة فاتحة الكتاب فكيف يؤمرون بالتأمين عند قول الإمام: {وَلا الضَّالِّينَ} ويؤمرون بالاشتغال عن استماع ذلك هذا ما لا يصح.
وقد أجمع العلماء على أنه لا يقرأ مع الإمام فيما جهر فيه بغير فاتحة الكتاب والقياس أن فاتحة الكتاب وغيرها سواء في هذا الموضع لأن عليهم إذا فرغ إمامهم منها أن يؤمنوا فوجب عليهم أن لا يشتغلوا بغير الاستماع والله أعلم.
وأجمع العلماء على ان مراد الله عز وجل من قوله: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا} يعني في الصلاة وقد مضى القول في معنى هذا الحديث كله واختلاف العلماء في تأمين الإمام وحجة كل فريق منهم من جهة الأثر والنظر في ذلك ممهدا مبسوطا في باب ابن شهاب عن سعيد وأبي سلمة من هذا الكتاب فلا معنى لتكرير ذلك ههنا.

(22/17)


الحديث الرابع
...
حديث رابع لسمي
مالك عن سمي مولى أبي بكر بن عبد الرحمان عن أبي صالح السمان عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من قال سبحان الله وبحمده في يوم مائة مرة حطت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر" .
هذا من أحسن حديث يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم في فضائل الذكر والآثار في هذا الباب كثيرة جدا بمعان متقاربة وبركاتها وفائدتها العمل بها ورحم الله الشعبي حيث قال كنا نستعين على حفظ الحديث بالعمل به.
حدثنا أحمد بن قاسم بن عبد الرحمان ومحمد بن إبراهيم بن سعيد قالا حدثنا محمد بن معاوية حدثنا محمد بن يحيى بن سليمان المروزي أبو بكر قال حدثنا عاصم بن علي قال حدثنا أبو معشر عن مسلم بن أبي مريم عن صالح مولى وجرة عن أم هانيء بنت أبي طالب قالت جئت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت يا رسول الله إني امرأة قد ثقلت فعلمني شيئا أقوله وأنا جالسة قال: "قولي الله أكبر مائة مرة فهو خير لك من مائة بدنة متجللة متقبلة وقولي سبحان الله مائة مرة فهو خير لك من مائة فرس مسرجة ملجمة تحملها في سبيل الله وقولي الحمد لله مائة مرة فهو خير من مائة رقبة تعتقها من ولد إسماعيل وقولي لا إله إلا الله مائة مرة لا تذر ذنبا ولا يشبهها عمل" .

(22/18)


الحديث الخامس
...
حديث خامس لسمي
مالك عن سمي مولى أبي بكر عن أبي صالح عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير في يوم مائة مرة كانت له عدل عشر رقاب وكتبت له مائة حسنة ومحيت عنه مائة سيئة ولم يات أحد بأفضل مما جاء به إلا أحد عمل أكثر من ذلك" .
في هذا الحديث دليل على أن الذكر أفضل الأعمال ألا ترى أن هذا الكلام إذا قيل مائة مرة يعدل عشر رقاب إلى ما ذكر فيه من الحسنات ومحو السيئات وهذا أمر كثير فسبحان المتفضل المنعم لا إله إلا هو العليم الخبير.
ومن هذا الباب على ما قلنا قول أبي الدرداء: "ألا أدلكم أو أخبركم بخير أعمالكم وأرفعها في درجاتكم وأزكاها عند مليككم وخير لكم من إعطاء الذهب والورق وخير من كثير من الصدقة والصوم وخير من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم قالوا بلى قال ذكر الله" .
وقال معاذ بن جبل: "ما عمل ابن آدم من عمل أنجى له من عذاب الله من ذكر الله وقالوا ذكر الله خير من حطم السيوف في سبيل الله".

(22/19)


وقال سعيد بن المسيب وغيره في قول الله عز وجل: {وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ} هي قول لا إله إلا الله والحمد لله وسبحان الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله".
وقال الله عز وجل: {خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً} فحسبك بما في الكتاب والسنة من فضل الذكر وفقنا الله وحبب إلينا طاعته وأعاننا عليها بفضله ورحمته آمين.
وهذا وما كان مثله يوضح لك أن الكلام بالخير من ذكر الله وتلاوة القرآن وأعمال البر أفضل من الصمت وكذلك القول بالحق كله والإصلاح بين الناس وما كان مثله وإنما الصمت المحمود الصمت عن الباطل.
ذكر معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: {وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ} قال عن الباطل.
وقال قتادة في قوله: { وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاماً} قال لا يساعدون أهل الباطل على باطلهم ولا يمالئونهم.
وقال مجاهد إذا أوذوا صفحوا.
وروى محمد بن يزيد بن خنيس عن سفيان عن سعيد بن حسان عن أم صالح عن صفية بنت شيبة عن أم حبيبة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كلام ابن آدم عليه لا له إلا أمر بمعروف أو نهي عن منكر أو ذكر الله" . قال

(22/20)


ابن خنيس فتعجب القوم فقال سفيان مم تعجبون أليس الله يقول: {لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ} . وقال: {يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفّاً لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَاباً} .
قال أبو عمر
مما يبين لك أن الكلام بالخير والذكر أفضل من الصمت أن فضائل الذكر الثابتة في الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم لا يستحقها الصامت.
روى شعبة عن الحكم عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيى ويميت وهو على كل شيء قدير مائة مرة إذا أصبح ومائة مرة إذا أمسى لم يجئ أحد بأفضل من عمله إلا من قال أفضل من ذلك" .

(22/21)


الحديث السادس
...
حديث سادس لسمي
مالك عن سمي مولى أبي بكر بن عبد الرحمان عن أبي صالح السمان عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة ومن راح في الساعة

(22/21)


الثالثة فكأنما قرب كبشا أقرن ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة فإذا خرج الإمام طويت الصحف وحضرت الملائكة يستمعون الذكر" . قال أبو عمر:
الذكر ههنا الخطبة وما فيها من ذكر الله وتلاوة القرآن واختلف العلماء في تأويل هذا الحديث فقالت طائفة أراد ساعات النهار من أوله واحتجوا بظاهر هذا الحديث وقالوا لا بأس بالمسير إلى الجمعة مع طلوع الشمس وهو أفضل عندهم على هذا الحديث وكان مالك يكره البكور إلى الجمعة غدوة وضحى ويستحب التهجير على قدر إلا من كان منزله بعيدا عن المسجد فليخرج قدر ما يأتي المسجد فيدرك الصلاة والخطبة.
وقال الشافعي وأبو حنيفة ودواد: يستحب البكور إلى الجمعة قال الشافعي البكور بعد الفجر إلى الزوال.
وذكر الأثرم قال: قيل لأبي عبد الله يعني أحمد بن حنبل كان مالك بن أنس يقول لا ينبغي التهجير يوم الجمعة باكرا فقال هذا خلاف حديث النبي صلى الله عليه وسلم وأنكره وقال سبحان الله إلى أي شيء ذهب في هذا والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: "كالمهدي جزورا وكالمهدي كذا" .
وكان ابن حبيب يميل إلى هذا القول وينكر قول مالك وقال هو تحريف في تأويل الحديث ومحال من وجوه قال وذلك أنه لا تكون ساعات في ساعة واحدة قال والشمس إنما تزول في الساعة السادسة من النهار وهو وقت الآذان وخروج الإمام إلى الخطبة فدل ذلك على أن الساعات المذكورة

(22/22)


في هذا الحديث هي ساعات النهار المعروفات فبدأ بأول ساعات اليوم فقال من راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة ثم قال في الخامسة بيضة ثم انقطع التهجير وحان وقت الأذان قال فشرح الحديث بين في لفظه ولكنه حرف عن وجهه وشرح بالخلف من القول وبما لا يتكون وزهد شارحه الناس فيما رغبهم فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم من التهجير في أول النهار وزعم أن ذلك كله إنما يجتمع في ساعة واحدة عند زوال الشمس قال وقد جاءت الآثار بالتهجير إلى الجمعة في أول النهار وقد سقنا من ذلك في موضعه من كتاب واضح السنن ما فيه بيان وكفاية هذا كله قول ابن حبيب.
قال أبو عمر:
هذا منه تحامل على مالك رضي الله عنه فهو الذي قال القول الذي أنكره ابن حبيب وجعله خلفا من القول وتحريفا من التأويل والذي قاله مالك هو الذي تشهد له الآثار الصحاح الثابتة من رواية الفقهاء الأئمة مع ما صحبه عنده من عمل العلماء ببلده لأن مثل هذا يصح فيه الاحتجاج بالعمل لأن مالكا كان مجالسا لعلماء المدينة ومشاهدا لوقت حركتهم وخروجهم إلى الجمعة وكان أشد الفقهاء اتباعا لسلفه ولو رآهم يبكرون إلى الجمعة ويخرجون إليها مع طلوع الشمس ما أنكر ذلك مع حرصه على اتباعهم.
قال أحمد بن حنبل مالك عندي أتبع من سفيان يريد أشد اتباعا لسلفه والله أعلم.
قال يحيى بن عمر عن حرملة أن سأل ابن وهب عن تفسير هذه الساعات أهو الغدو من أول الساعات النهار أو إنما أراد بهذه الساعات ساعة الرواح فقال ابن وهب سألت مالكا عن هذا فقال أما الذي يقع في قلبي فإنه إنما أراد

(22/23)


ساعة واحدة تكون فيها هذه الساعات من راح في أول تلك الساعة أو الثانية أو الثالثة أو الرابعة أو الخامسة ولو لم تكن كذلك ما صليت الجمعة حتى يكون النهار تسع ساعات في وقت العصر أو قريب من ذلك.
قال أبو عمر:
فهذا قول مالك الذي أنكره ابن حبيب وأما الآثار التي تشهد لصحة ما ذهب إليه مالك في ذلك فأخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن قال حدثنا محمد بن يحيى بن عمر أبو جعفر قال حدثنا علي بن حرب قال حدثنا سفيان عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا كان يوم الجمعة كان على كل باب من أبواب المسجد ملائكة يكتبون الناس الأول فالأول المهجر إلى الجمعة كالمهدي بدنة ثم الذي يليه كالمهدي بقرة ثم الذي يليه كالمهدي كبشا حتى ذكر الدجاجة والبيضة فإذا جلس الإمام طويت الصحف واستمعوا الخطبة ألا ترى إلى ما في هذا الحديث انه قال يكتبون الناس الأول فالأول المهجر إلى الجمعة كالمهدي بدنة ثم الذي يليه الحديث فجعل الأول مهجرا وهذه اللفظة إنما هي مأخذوة من الهاجرة والهجر وذلك وقت النهوض إلى الجمعة وليس ذلك عند طلوع الشمس لأن ذلك الوقت ليس بهاجرة ولا هجير والله أعلم.
وحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا ابن وضاح قال حدثنا حامد بن يحيى قال حدثنا سفيان عن الزهري وحفظته منه عن سعيد بن المسيب أنه أخبره عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا كان يوم الجمعة كان على كل باب من المسجد ملائكة يكتبون

(22/24)


الناس على منازلهم الأول فالأول فإذا خرج الإمام طويت الصحف واستمعوا الخطبة فالمهجر إلى الصلاة كالمهدي بدنة ثم الذي يليه كالمهدي بقرة ثم الذي يليه كالمهدي كبشا" حتى ذكر الدجاجة والبيضة قيل لسفيان يقولون هذا عن الأعرج عن أبي هريرة قال ما سمعت الزهري ذكر الأعرج قط ما سمعته يقول إلا عن سعيد أنه أخبره عن أبي هريرة.
قال أبو عمر:
ففي هذا الحديث المهجر كما ترى ثم الذي يليه ثم الذي يليه ثم الذي يليه لم يذكر الساعات.
ورواه ابن أبي ذئب عن الزهري عن الأعرج عن أبي هريرة بنحوه حدثناه سعيد بن نصر وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا عبد الله بن روح قال حدثنا يزيد بن هارون قال أخبرنا محمد بن عبد الرحمان بن أبي ذئب عن الزهري عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "المتعجل إلى الجمعة كالمهدي بدنة ثم كالمهدي بقرة ثم كالمهدي شاة ثم كالمهدي طائرا" . هكذا قال ابن أبي ذئب المتعجل ولم يقل المهجر ولا ذكر الساعات المذكورة في حديث سمي.
وروى هذا الحديث سليمان بن بلال عن يحيى بن سعيد عن ابن شهاب عن أبي سلمة وسعيد بن المسيب وأبي عبد الله الأغر عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "المهجر إلى الصلاة كالذي يهدي بدنة ثم كالذي يهدي بقرة ثم كالذي يهدي كبشا ثم كالذي يهدي دجاجة" قال وحسبت أنه قال كالذي يهدي بيضة حدثناه سعيد بن نصر وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثنا قاسم قال حدثنا إسماعيل بن إسحاق قال حدثنا إسماعيل بن أبي أويس قال حدثني أخي عن سليمان بن بلال.

(22/25)


وروى إبراهيم بن سعد عن ابن شهاب عن الأغر أبي عبد الله عن أبي هريرة نحو هذا الحديث مختصرا.
وقد روى ابن عجلان حديث سمي فلم يذكر فيه الساعات التي ذكر مالك وجاء بلفظ هو نحو حديث ابن شهاب.
حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أبو إسماعيل الترمذي قال حدثنا أبو صالح قال حدثني الليث قال حدثني محمد ابن العجلان عن سمي مولى أبي بكر عن أبي صالح السمان عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "تقعد ملائكة يوم الجمعة على أبواب المسجد يكتبون الناس على منازلهم فالناس فيها كرجل قدم بدنة وكرجل قدم بقرة وكرجل قدم شاة وكرجل قدم دجاجة وكرجل قدم عصفورا وكرجل قدم بيضة" قال وحدثني العجلان مثلا بمثل إلا انه لم يضعف.
ورواه يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة بمثل حديث بن شهاب إلا أنه قال المتعجل ولم يقل المهجر.
حدثنا محمد بن عبد الله بن حكم قال حدثنا محمد بن معاوية قال حدثنا إسحاق بن أبي حسان قال حدثنا هشام بن عمار قال حدثنا عبد الحميد ابن حبيب قال حدثنا الأوزاعي قال حدثني يحيى بن أبي كثير قال حدثني أبو سلمة قال حدثني أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "المتعجل إلى الجمعة كالمهدي جزورا والذي يليه كالمهدي بقرة والذي يليه كالمهدي شاة والذي يليه كالمهدي الطير فإذا جلس الإمام على المنبر ختمت الصحف" . فهكذا أحاديث الأئمة الفقهاء مثل حديث سعيد بن المسيب،

(22/26)


وأبي سلمة إنما فيها المهجر والمتعجل والذي يليه والذي يليه والذي يليه ليس فيها ساعات وهذه الآثار كلها تدل على ما ذهب إليه مالك والله أعلم.
ورواه العلاء بن عبد الرحمان عن أبيه عن أبي هريرة فلم يذكر فيه الساعات أيضا حدثناه يونس بن عبد الله قال حدثنا محمد بن معاوية قال حدثنا جعفر بن محمد الفريابي قال حدثنا أبو كريب محمد بن العلاء قال حدثنا خالد بن مخلد قال حدثنا محمد بن جعفر قال حدثنا العلاء بن عبد الرحمان عن أبيه عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تطلع الشمس على يوم أفضل من يوم الجمعة وما من دابة إلا وهي تفزع ليوم الجمعة إلا هذين الثقلين الجن والإنس على باب من أبواب المسجد ملكان يكتبان الأول فالأول كرجل قدم بدنة وكرجل قدم بقرة وكرجل قدم شاة وكرجل قدم طيرا وكرجل قدم بيضة فإذا قعد الإمام طويت الصحف" .
قال أبو عمر:
لم أجد ذكر الساعات إلا في حديث مالك عن سمي وفي حديث علي ابن زيد عن أوس بن خالد عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الملائكة يوم الجمعة على أبواب المسجد يكتبون الناس على منازلهم جاء فلان من ساعة كذا جاء فلان من ساعة كذا جاء فلان من ساعة كذا جاء فلان والإمام يخطب جاء فلان وقد أدرك الصلاة جاء فلان ولم يدرك الجمعة إذا لم يدرك الخطبة" . حدثناه سعيد بن نصر وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا جعفر بن محمد قال حدثنا عفان حدثنا حماد بن سلمة أخبرنا علي بن زيد.
وأخبرنا عبد الله بن محمد حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا إبراهيم بن موسى قال أخبرنا عيسى يعني ابن يونس قال أخبرنا عبد الرحمان بن يزيد بن جابر قال حدثني عطاء الخراساني عن مولى امرأته

(22/27)


أم عثمان يعني ابن عطاء قال سمعت عليا على منبر الكوفة يقول: "إذا كان يوم الجمعة غدت الشياطين براياتها إلى الأسواق فيرمون الناس بالترابيث ويبطئونهم عن الجمعة وتغدو الملائكة فيجلسون على باب المسجد فيكتبون الرجل من ساعة والرجل من ساعتين حتى يخرج الإمام فإذا جلس الرجل مجلسا يستمكن فيه من الاستماع والنظر والصمت ولم يلغ كان له كفلان من الأجر وإن جلس مجلسا يستمكن فيه من الاستماع والنظر فلغا ولم ينصت كان له كفل من وزر ومن قال لصاحبه يوم الجمعة صه فقد لغا ومن لغا فليس له في جمعته تلك شيء" ثم يقول في آخر ذلك سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ذلك.
قال أبو داود رواه الوليد بن مسلم عن ابن جابر قال بالترابيث وقال مولى امراته أم عثمان بن عطاء.
قال أبو عمر:
ففي هذه الأحاديث وحدنا ذكر الساعات فالله أعلم وكان الشافعي رحمه الله يقول أحب التبكير إلى الجمعة وأن لا تؤتى إلا مشيا وفي قوله: "التبكير" دليل على أنه الاستعجال في أول النهار وقد جاء في كثير من هذه الأحاديث المهجر وجاء فيها المتعجل وقال بعض أصحاب الشافعي ليس في قوله: "المهجر ما يدل على أنه من وقت الهجير والهاجرة قال وإنما

(22/28)


هو من التهجير الذي يراد به البدار والاستعجال وترك الحاجات وإطراح الأشغال ومن ذلك قيل المهاجر لمن ترك أهله ووطنه وبادر إلى صحبة محمد صلى الله عليه وسلم.
قال أبو عمر:
وقد استدل بحديث سمي المذكور في هذا الباب الشافعي وأصحابه ومن قال بقولهم في تفضيل البدن في الضحايا على الكباش وهذا موضع اختلف فيه الفقهاء فقال مالك وأصحابه أفضل الضحايا الفحول من الضأن وإناث الضأن خير من فحول المعز وفحول المعز خير من إناثها وإناث المعز خير من الإبل والبقر وحجة من ذهب هذا المذهب قول الله عز وجل: {وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ} وذلك كبش لا جمل ولا بقرة.
وروى مجاهد وغيره عن ابن عباس أنه سأله رجل فقال إني نذرت أن أنحر نفسي فقال يجزيك كبش سمين ثم قرأ {وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ} وقال بعضهم لو علم الله حيوانا أفضل من الكبش لفدى به إسحاق وضحى رسول الله صلى الله عليه وسلم بكبشين أملحين وأكثر ما ضحى به الكباش.
وذكر ابن أبي شيبة عن ابن علية عن ليث عن مجاهد قال الذبح العظيم الشاة.
حدثنا سعيد بن عثمان قال حدثنا أحمد بن دحيم قال حدثنا أبو جعفر محمد بن الحسين بن زيد قال حدثنا فهد بن سليمان قال حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن يونس الحنيني عن هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "نزل علي جبريل في

(22/29)


يوم عيد فقال له النبي صلى الله عليه وسلم يا جبريل كيف رأيت عيدنا فقال يا محمد لقد تباهى به أهل السماء وقال يا محمد اعلم أن الجذع من الضأن خير من السيد من البقر والجذع من الضأن خير من السيد من البقر والجذع من الضأن خير من السيد من الإبل ولو علم الله ذبحا هو خير منه لفدى به إبراهيم ابنه" .
قال أبو عمر:
هذا الحديث عندهم ليس بالقوي والحنيني عنده مناكير.
وقال الشافعي: الإبل أحب إلي أن يضحى بها من البقر والبقر أحب إلي من الغنم والضأن أحب إلي من المعز.
وقال أبو حنيفة وأصحابه: الجزور في الأضحية أفضل ما ضحي به ثم يتلوه البقر في ذلك ثم تتلوه الشاة وحجة من ذهب إلى هذا المذهب قوله صلى الله عليه وسلم: "المهجر إلى الجمعة كالمهدي بدنة ثم الذي يليه كالمهدي بقرة ثم الذي يليه كالمهدي شاة" فبان بهذا الحديث أن التقرب إلى الله عز وجل بالإبل أفضل من التقرب إليه بالبقر ثم بالغنم على ما في هذا الحديث وقد أجمعوا على أن أفضل الهدايا الإبل واختلفوا في الضحايا فكان ما أجمعوا عليه في الهدي قاضيا على ما اختلفوا فيه في الأضاحي لأنه قربان كله وقد أجمعوا على أنه ما استيسر من الهدي شاة فدل على نقصان ذلك عن مرتبة غيره وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أفضل الرقاب أغلاها ثمنا وأنفسها عند أهلها" ومعلوم أن الإبل أكثر ثمنا من الغنم فوجب أن تكون أفضل استدلالا بهذا الحديث.

(22/30)


وأما الذبح العظيم الذي فدي به الذبيح فجائز أن يطلق عليه عظيم لما ذكر ابن عباس أنه كبش رعى في الجنة أربعين خريفا وأنه الذي قربه ابن آدم فتقبل منه ورفع إلى الجنة.
قال أبو عمر:
لو لم يكن فضل الكبش إلا أنه أول قربان تقرب به إلى الله في الدنيا فتقبله وأنه فدي به نبي كريم من الذبح قال الله فيه {بِذِبْحٍ عَظِيمٍ}.
ذكر عبد الرزاق عن معمر عن يحيى بن أبي كثير عن محمد بن عبد الرحمان بن ثوبان قال مر النعمان بن أبي قطبة على النبي صلى الله عليه وسلم بكبش أعين أقرن فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "ما أشبه هذا الكبش بالكبش الذي ذبحه إبراهيم فاشترى معاذ بن عفراء كبشا أقرن أعين وأهداه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فضحى به" .

(22/31)


الحديث السابع
...
حديث سابع لسمي
مالك عن سمي مولى أبي بكر بن عبد الرحمان عن أبي صالح السمان عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا قال الإمام سمع الله لمن حمده فقولوا اللهم ربنا ولك الحمد فإنه من وافق قوله قول الملائكة غفر له ما تقدم من ذنب" .ه

(22/31)


وهذا الحديث يوجب أن يقتصر الإمام على قول سمع الله لمن حمده وألا يقول معها ربنا ولك الحمد ويقتصر المأموم على ربنا لك الحمد ولا يقول معها سمع الله لمن حمده وقد ذكرنا اختلاف العلماء في ذلك وفي سائر معاني هذا الباب في باب ابن شهاب عن أنس وسعيد من هذا الكتاب فلا معنى لتكرير ذلك ههنا.
ومعنى سمع الله لمن حمده تقبل الله حمد من حمده ومنه قولهم سمع الله دعاءك أي أجابه الله وتقبله.
وأما قوله في هذا الحديث: "فإنه من وافق قوله قول الملائكة غفر ما تقدم من ذنبه" فقد مضى في باب ابن شهاب في معنى التأمين ما يدل على معنى هذا الباب إن شاء الله والوجه عندي في هذا والله أعلم تعظيم فضل الذكر وأنه يحط الأوزار ويغفر الذنوب وقد أخبر الله عن الملائكة إنهم ويستغفرون للذين آمنوا يقولون: {رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ} فمن كان منه من القول مثل هذا بإخلاص واجتهاد ونية صادقة وتوبة صحيحة غفرت ذنوبه إن شاء الله ومثل هذه الأحاديث المشكلة المعاني البعيدة التأويل عن مخارج لفظها واجب ردها إلى الأصول المجتمع عليها وبالله التوفيق.
وقد روي عن عكرمة ما يدل على أن أهل السماء يصلون في حين صلاة أهل الأرض على نحو صلاة أهل الأرض ويؤمنون أيضا فمن وافق ذلك منهم غفر له والله أعلم وكل ذلك ندب إلى الخير وإرشاد إلى البر وبالله التوفيق.

(22/32)


الحديث الثامن
...
حديث ثامن لسمي
مالك عن سمي مولى أبي بكر عن أبي صالح عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "السفر قطعة من العذاب يمنع أحدكم نومه وطعامه وشرابه فإذا قضى أحدكم نهمته من وجهه فليعجل إلى أهله" .
هذا حديث انفرد به مالك عن سمي لا يصح لغيره عنه وانفرد به سمي أيضا فلا يحفظ عن غيره.
حدثنا خلف بن قاسم حدثنا محمد بن عبد الرحمان حدثنا أحمد بن عبد الجبار البغدادي حدثنا الهيثم بن خارجة حدثنا مالك عن سمي عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "السفر قطعة من العذاب يمنع الرجل طعامه وشرابه فإذا قضى أحدكم نهمته من سفره فليعجل الرجوع إلى أهله" .
وهكذا هو في الموطأ عند جماعة الرواة بهذا الإسناد ورواه ابن مهدي وبشر بن عمر عن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "السفر قطعة من العذاب" الحديث مرسلا وكان وكيع يحدث به عن مالك هكذا أيضا مرسلا حينا وحينا يسنده كما في الموطأ عن سمي عن أبي صالح عن أبي هريرة وهذا إنما هو من نشاط المحدث وكسله أحيانا ينشط فيسند وأحيانا يكسل فيرسل على حسب المذاكرة والحديث مسند صحيح ثابت احتاج الناس فيه إلى مالك وليس له غير هذا الإسناد من وجه الصحيح.

(22/33)


روى عبيد الله بن المتاب عن سليمان بن إسحاق المكلحي عن هارون الفروي عن عبد الملك بن الماجشون قال قال مالك ما بال أهل العراق يسألوني عن حديث السفر قطعة من العذاب قيل له لم يروه أحد غيرك فقال لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما حدثت به.
وقد رواه عصام بن رواد بن الجراح عن أبيه عن مالك عن ربيعة عن القاسم عن عائشة وعن مالك عن سمي مولى أبي بكر عن أبي صالح عن أبي هريرة قالا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "السفر قطعة من العذاب يمنع أحدكم طعامه وشرابه ولذته فإذا قضى أحدكم حاجته فليعجل إلى أهله" .
حدثنا خلف بن قاسم حدثنا محمد بن جعفر غندر حدثنا محمد بن خالد بن يزيد بمكة حدثنا عصام بن رواد بن الجراح حدثنا أبي حدثنا مالك عن ربيعة بن أبي عبد الرحمان عن القاسم عن عائشة وعن سمي عن أبي صالح عن أبي هريرة.
قال أبو عمر:
الإسناد الأول لمالك عن ربيعة عن القاسم عن عائشة غير محفوظ لا أعلم رواه عن مالك غير رواد هذا والله أعلم وهو خطأ وليس رواد بن الجراح ممن يحتج به ولا يعول عليه والإسناد الثاني صحيح وقد رواه خالد بن مخلد عن محمد بن جعفر الوركاني عن مالك عن سهيل بن أبي

(22/34)


صالح عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا يصح لمالك عن سهيل والله أعلم وإنما هو لمالك عن سمي لا عن سهيل إلا أنه لا يبعد أن يكون عن سهيل أيضا وليس بمعروف لمالك عنه.
وروي عن عتيق بن يعقوب الزبيري عن مالك عن أبي النضر مولى عمر ابن عبيد الله عن أبي صالح عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "السفر قطعة من العذاب" الحديث ولا يصح هذا الإسناد أيضا عندي وهو خطأ وإنما هو لمالك عن سمي لا عن سهيل ولا عن ربيعة ولا عن أبي النضر والله أعلم.
وقد زاد فيه بعض الضعفاء عن مالك وليتخذ لأهله هدية وإن لم يجد إلا حجرا فليلقه في مخلاته قال والحجارة يومئذ تضرب بها القداح وهذه زيادة منكرة لا تصح والصحيح ما في الموطأ بإسناده ولفظه والله أعلم.
وقد رواه ابن سمعان قاضي المدينة عن زيد ابن أسلم عن جهان عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن السفر قطعة من العذاب يمنع أحدكم نومه وطعامه وشرابه فإذا قضى أحدكم نهمته من سفره فليعجل إلى أهله" . وابن سمعان هذا هو عبد الله بن زياد بن سليمان بن سمعان قاضي المدينة كان مالك يرميه بالكذب حدثه عن ابن قحطان بقية بن الوليد وقد رويناه عن الدراوردي عن سهيل بإسناد صالح لكنه لا تقوى الحجة به.
أخبرنا أحمد بن عبد الله بن محمد قال حدثني أبي قال حدثنا أبو عمرو عثمان بن عبد الرحمان قال حدثنا إبراهيم بن قاسم قال حدثنا أبو المصعب أحمد بن أبي بكر بن الحرث بن زرارة بن مصعب بن عبد الرحمان ابن عوف قال حدثنا عبد العزيز بن محمد الدراوردي عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "السفر قطعة من

(22/35)


العذاب فإذا فرغ أحدكم من مخرجه أو من سفره فليعجل الكرة إلى أهله وإذا عرستم فتجنبوا الطريق فإنها مأوى الهوام والدواب" .
وفي هذا الحديث دليل على أن طول التغرب عن الأهل لغير حاجة وكيدة من دين أو دنيا لا يصلح ولا يجوز وأن من انقضت حاجته لزمه الاستعجال إلى أهله الذين يمونهم ويقوتهم مخافة ما يحدثه الله بعده فيهم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كفى بالمرء إثما أن يضيع من يقوت" .
وقد روينا عن مالك من حديث سمي حديثا يدخل في هذا الباب حدثناه خلف بن قاسم قال حدثنا أبو القاسم عثمان بن محمد بن عثمان البغدادي الدباغ حدثنا أحمد بن يوسف المنيجي حدثنا حاجب بن سليمان حدثنا وكيع بن الجراح حدثنا مالك بن أنس عن سمي مولى أبي بكر عن أبي صالح السمان عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لو يعلم الناس ما للمسافر لأصبحوا على ظهر سفر إن الله لينظر إلى الغريب في كل يوم مرتين" وهذا حديث غريب لا أصل له في حديث مالك ولا في غيره والله أعلم.
ومما يدخل في هذا الباب أيضا من رواية مالك وغيره سافروا تصحوا وقد ظنه قوم معارضا لحديث: "السفر كقطعة من العذاب" وليس كذلك لاحتماله أن يكون العذاب هو التعب والتعب ههنا مستديما للصحة.

(22/36)


وحدثنا خلف بن قاسم قال حدثنا أبو محمد أحمد بن محمد بن عبيد بن آدم بن أبي إياس قال حدثنا محمد بن الحسن بن قتيبة العسقلاني قال حدثنا عبد الله بن عيسى المدني الأصم قال حدثنا مطرف بن عبد الله قال حدثنا مالك عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "سافروا تصحوا وتسلموا" .
حدثنا عبد الله بن محمد حدثنا الحسن بن إسماعيل بن القاسم حدثنا أحمد بن إسماعيل بن القاسم وعلي بن أحمد بن إسحاق والفضل بن عبيد الله الهاشمي قالوا حدثنا محمد بن الحسن بن قتيبة قال حدثنا أبو علقمة الفروي عبد الله بن عيسى الأصم قال حدثنا مطرف عن مالك بن أنس عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "سافروا تصحوا وتسلموا" .
وحدثنا عبد الله حدثنا الحسن حدثنا محمد بن موسى بن هارون الزهري حدثنا محمد بن إبراهيم بن حماد حدثنا محمد بن سنان العوفي حدثنا محمد بن عبد الرحمان بن زرارة عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "سافروا تصحوا وتغنموا" .
وحدثنا عبد الله حدثنا الحسن حدثنا محمد بن سعد حدثنا موسى بن عيسى الحتلي حدثنا داود بن رشيد حدثنا بسطام بن حبيب قال حدثنا القاسم ابن عبد الرحمان عن أبي حازم عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "سافروا تصحوا وترزقوا.

(22/37)


الحديث التاسع
...
حديث تاسع لسمي
مالك عن سمي مولى أبي بكر بن عبد الرحمان عن أبي صالح السمان عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة" .
هذا حديث انفرد به سمي ليس يرويه غيره واحتاج الناس إليه فيه سمي عن أبيه أبي صالح.
حدثنا عبد الوارث بن سفيان وسعيد بن نصر قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي قال حدثنا جعفر بن عمر قال حدثنا شعبة عن سهيل بن أبي صالح عن سمي عن أبي صالح عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة والعمرة إلى العمرة تكفر ما بينهما" .
وحدثنا أحمد بن فتح قال حدثنا حمزة بن محمد بن علي قال حدثنا بكر بن محمد بن عبد الوهاب البصري قال حدثنا محمد بن عبد الملك قال حدثنا عبد العزيز بن المختار عن سهيل عن سمي عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة والعمرة إلى العمرة تكفر ما بينهما" .
قال أبو عمر:
قوله: "العمرة إلى العمرة تكفر ما بينهما" مثل قوله: "الجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهما ما اجتنبت الكبائر" وقد مضى القول في هذا المعنى مجودا في باب زيد ابن أسلم عن عطاء بن يسار عن الصنابحي من هذا الكتاب.

(22/38)


وأما الحج المبرور فقيل هو الذي لا رياء فيه ولا سمعة ولا رفث فيه ولا فسوق ويكون بمال حلال والله اعلم وبالله التوفيق.

(22/39)


الحديث العاشر
...
حديث عاشر لسمي
مالك عن سمي مولى أبي بكر بن عبد الرحمان بن الحرث بن هشام أنه سمع ابا بكر بن عبد الرحمان بن الحرث بن هشام يقول كنت أنا وأبي عند مروان بن الحكم وهو أمير المدينة فذكر له أن أبا هريرة يقول من أصبح جنبا أفطر ذلك اليوم فقال مروان أقسمت عليك يا عبد الرحمان لتذهبن إلى أم المؤمنين عائشة وأم سلمة فلتسألنهما عن ذلك فذهب عبد الرحمان وذهبت معه حتى دخلنا على عائشة فسلم عليها ثم قال يا أم المؤمنين إنا كنا عند مروان فذكر له أن أبا هريرة يقول من أصبح جنبا أفطر ذلك اليوم قالت عائشة ليس كما قال أبو هريرة يا عبد الرحمان أترغب عما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع قال عبد الرحمان لا والله قالت عائشة فأشهد على رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يصبح جنبا من جماع غير احتلام ثم يصوم ذلك اليوم قال ثم خرجنا حتى دخلنا على ام سلمة فسألها عن ذلك فقالت مثل ما قالت عائشة قال فخرجنا حتى جئنا مروان بن الحكم فذكر له عبد الرحمان ما قالتا فقال مروان أقسمت عليك يا أبا محمد لتركبن

(22/39)


دابتي فإنها بالباب فلتذهبن إلى أبي هريرة فإنه بأرضه بالعراق فلتخبرنه ذلك فركب عبد الرحمان وركبت معه حتى أتينا أبا هريرة فتحدث معه عبد الرحمان ساعة ثم ذكر له ذلك فقال أبو هريرة لا علم لي بذلك إنما أخبرنيه مخبر.
هذا الإسناد أثبت اسانيد هذا الحديث وهو حديث جاء من وجوه كثيرة متواترة صحاح في هذا الحديث دخول الفقهاء على السلطان ومذاكرتهم له بالعلم وفيه ما كان عليه مروان من الاهتبال بالعلم ومسائل الدين مع ما كان فيه من الدنيا ومروان عندهم أحد العلماء وكذلك ابنه عبد الملك.
وفيه ما يدل على ان الشيء إذا تنوزع فيه رد إلى من يظن به أنه يوجد عنده علم منه وذلك أن أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلم الناس بهذا المعنى بعده من أجله صلى الله عليه وسلم.
وفيه أن من كان عنده علم في شيء وسمع خلافه كان عليه إنكاره من ثقة سمع ذلك أو غير ثقة حتى يتبين له صحة خلاف ما عنده.
وفيه أن الحجة القاطعة عند الاختلاف فيما لا نص فيه من الكتاب سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وفيه إثبات الحجة في العمل بخبر الواحد العدل وأن المراة في ذلك كالرجل سواء وأن طريق الإخبار في هذا غير طريق الشهادات.

(22/40)


وفيه طلب الحجة وطلب الدليل والبحث عن العلم حتى يصح فيه وجه العمل ألا ترى ان مروان حين أخبره عبد الرحمان بن الحرث عن عائشة وام سلمة بما أخبره به في هذا الحديث بعث إلى أبي هريرة طالبا الحجة وباحثا عن موقعها ليعرف من أين قال أبو هريرة ما قاله من ذلك ز وفيه اعتراف العالم بالحق وإنصافه إذا سمع الحجة وهكذا أهل الدين والعلم وأولو انصاف واعتراف.
وفيه الحكم الذي من أجله ورد هذا الحديث وذلك أن الجنب إذا أصابته جنابة من الليل في رمضان لم يضره أن يصبح جنبا ولم يفسد ذلك صيامه ولا قدح في شيء منه وهذا موضع للعلماء فيه اختلاف وتنازع قد ذكرنا ذلك كله في باب أبي طوالة عبد الله بن عبد الرحمان بن معمر من هذا الكتاب ولم نر تكريره ههنا.
حدثنا خلف بن القاسم قال حدثنا مؤمل بن يحيى قال حدثنا محمد بن جعفر قال حدثنا علي بن المديني قال حدثنا يحيى بن سعيد قال حدثنا شعبة قال حدثني قتادة عن سعيد بن المسيب عن عامر بن أبي أمية أخي أم سلمة عن أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصبح جنبا ثم يصوم ذلك اليوم.
وأما الرواية عن أبي هريرة أنه من أصبح جنبا فقد افطر ذلك اليوم فقد ذكرنا بعضها في باب أبي طوالة أيضا.
وأخبرنا محمد بن أبان قال حدثنا محمد بن يحيى وحدثنا خلف بن سعيد قال حدثنا عبد الله بن محمد وحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا أحمد بن سعيد قالوا حدثنا أحمد بن خالد قال حدثنا إسحاق بن إبراهيم قال أخبرنا عبد الرزاق قال أخبرنا معمر عن الزهري عن أبي بكر بن عبد الرحمان بن الحرث بن هشام قال سمعت أبا هريرة يقول قال رسول الله: "من أدركه الصبح جنبا فلا صوم له قال فانطلقت أنا وأبي فدخلنا عل عائشة وأم سلمة فسألناهما عن ذلك فأخبرانا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان

(22/41)


يصبح جنبا من غير حلم ثم يصوم قال فدخلنا على مروان فأخبرناه بقولهما وقول أبي هريرة فقال مروان عزمت عليكما لما ذهبتما إلى أبي هريرة فأخبرتماه قال فلقينا أبا هريرة عند باب المسجد فقال له أبي إن الأمير عزم علينا في أمر لنذكره لك فقال وما هو قال فحدثه أبي قال فتلون وجه أبي هريرة ثم قال هكذا حدثني الفضل بن عباس وهن أعلم" قال الزهري فحول الحديث إلى غيره.
قال عبد الرزاق وأخبرنا ابن جريج قال أخبرني عمرو بن دينار أن يحيى بن جعدة أخبره عن عبد الله بن عمر بن عبد القاري أنه سمع أبا هريرة يقول ورب هذا البيت ما أنا قلت من أدركه الصبح جنبا فليفطر ولكن محمد قاله.
قال ابن جريج قلت لعطاء أيبيت الرجل جنبا في شهر رمضان حتى يصبح يتعمد ذلك ثم يصوم قال أما أبو هريرة فكان ينهى عن ذلك وأما عائشة فكانت تقول ليس بذلك بأس فلما اختلفا على عطاء قال يتم صوم يومه ذلك ويبدل يوما.
قال أبو عمر:
قد ثبت أن أبا هريرة لم يسمع ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم واختلف عليه فيمن أخبره بذلك ففي رواية سمي عن أبي بكر بن عبد الرحمان عنه أنه قال أخبرنيه مخبر ولم يسم أحدا وفي رواية الزهري عن أبي بكر بن عبد

(22/42)


الرحمان عن أبي هريرة أنه قال أخبرني بذلك الفضل بن عباس وكذلك روى جعفر بن ربيعة عن عراك بن مالك عن أبي بكر بن عبد الرحمان عن أبي هريرة أنه قال أخبرني بذلك الفضل بن عباس وكذلك رواه يعلى بن عتبة وعكرمة بن خالد وعبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمان كلهم عن أبي بكر بن عبد الرحمان عن أبي هريرة أن قال حدثنيه الفضل بن عباس ورواه المقبري عن أبي هريرة قال ابن عباس حدثنيه ورواه عمر بن أبي بكر ابن عبد الرحمان عن أبيه عن جده عن عائشة فساق الخبر وقال فأخبرت أبا هريرة فقال هي أعلم برسول الله صلى الله عليه وسلم منا إنما أسامة بن زيد حدثني بذلك ذكره النسائي عن جعفر بن مسافر عن أبن أبي فديك عن ابن أبي ذئب عن عمر بن أبي بكر بن عبد الرحمان.
ورواه أبو حازم عن عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمان بن الحرث ابن هشام عن أبيه عن أبي هريرة بهذا الحديث وفيه قال مروان لعبد الرحمان عزمت عليك لما أتيته فحدثته أعن رسول الله صلى الله عليه وسلم تروي هذا قال لا إنما حدثني فلان وفلان فرجعت إلى مروان فأخبرته ذكره النسائي عن عمرو بن علي عن فضيل بن سليمان عن أبي حازم عن عبد الملك بن أبي بكر والرواية الأولى عن عبد الملك بن أبي بكر رواها ابن جريج عنه.
حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا بكر ابن حماد وإسماعيل بن إسحاق قالا حدثنا مسدد قال حدثنا يحيى عن أبي جريج قال حدثني عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمان عن أبيه أنه سمع أبا

(22/43)


هريرة يقول من أصبح جنبا فلا يصم فانطلق أبو بكر وأبوه عبد الرحمان فدخلوا على أم سلمة وعائشة فكلتاهما قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصبح جنبا من غير حلم ثم يصوم فانطلق أبو بكر وعبد الرحمان حتى أتيا أبا هريرة فأخبراه قال هما قالتاه لكما قالا نعم قال هما أعلم إنما حدثنيه أو أنبأنيه الفضل بن عباس.
أخبرنا محمد بن إبراهيم قال حدثنا محمد بن معاوية قال حدثنا أحمد ابن شعيب قال أخبرني أحمد بن عثمان ومعاوية بن صالح قالا حدثنا خالد ابن مخلد قال حدثنا يحيى بن عمير قال سمعت المقبري يقول كان أبو هريرة يفتي الناس أنه من يصبح جنبا فلا يصوم ذلك اليوم فبعثت إليه عائشة لا تحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثل هذا فأشهد على رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يصبح جنبا من أهله ثم يصوم فقال ابن عباس حدثنيه.
قال أبو عمر:
رجع أبو هريرة عن فتياه هذه إذا بلغه عن عائشة وأم سلمة حديثهما في ذلك.
حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن الجهم قال حدثنا عبد الوهاب أخبرنا عمر بن قيس عن عطاء ابن ميناء عن أبي هريرة أنه قال كنت حدثتكم من أصبح جنبا فقد أفطر فإنما ذلك من كيس أبي هريرة فمن أصبح جنبا فلا يفطر.

(22/44)


حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن عبد السلام قال حدثنا محمد بن بشار قال حدثنا محمد ويحيى قالا حدثنا شعبة قال سمعت قتادة يحدث عن سعيد بن المسيب أن أبا هريرة ترك فتياه بعد ذلك.
حدثنا عبد الوارث قال حدثنا قاسم قال حدثنا محمد بن الجهم قال حدثنا عبد الوهاب أخبرنا سعيد عن قتادة عن سعيد بن المسيب أن أبا هريرة رجع عن قوله ذلك قبل موته.
أخبرنا محمد بن إبراهيم قال حدثنا محمد بن معاوية قال حدثنا أحمد ابن شعيب قال أخبرنا عبد الملك بن شعيب بن الليث قال حدثني أبي عن جدي قال حدثني عقيل عن ابن شهاب قال أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عمر أنه احتلم ليلا في رمضان فاستيقظ قبل أن يطلع الفجر ثم نام قبل أن يغتسل فلم يستيقظ حتى أصبح قال فلقيت أبا هريرة حين أصبحت فاستفتيته فقال تفطر فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأمر بالفطر إذا أصبح الرجل جنبا قال عبيد الله فجئت عبد الله بن عمر فذكرت له الذي أفتاني أبو هريرة قال أقسم بالله لئن أفطرت لأوجعن متينك فإن بدالك فصم يوما آخر.
قال أبو عمر:
لم يختلف فقهاء الأمصار بالحجاز والعراق في الصائم في رمضان وغيره يصبح جنبا أنه يصوم ذلك اليوم ويجزيه.
وروي عن بعض التابعين أنهم كانوا يستحبون لمن أصبح جنبا في رمضان أن يصوم ذلك اليوم ويبدله ومال إليه الحسن بن صالح بن حي وهو

(22/45)


قول لا يصح في النظر ولا من جهة الأثر وقد ذكرنا اختلاف الفقهاء على وجهة في هذه المسألة ووجوهها في باب أبي طوالة من هذا الكتاب والحمد لله.
وذكر عبد الرزاق عن ابن عيينة عن هشام بن عروة عن أبيه قال من أدركه الصبح جنبا وهو متعمد لذلك أبدل الصيام ومن أتى ذلك على غير عمد لم يبدله.
وروي عن علي وابن عمر وابن مسعود وأبي الدرداء وزيد بن ثابت وابن عباس لا يبدله وهؤلاء فقهاء الصحابة وهم القدوة مع ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم من رواية عائشة وأم سلمة في ذلك وبالله التوفيق.

(22/46)


الحديث الحادي عشر
...
حديث حادي عشر لسمي
مالك عن سمي مولى أبي بكر بن عبد الرحمان عن أبي بكر ابن عبد الرحمان عن عائشة وأم سلمة زوجي النبي صلى الله عليه وسلم أنهما قالتا إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصبح جنبا من جماع غير احتلام ثم يصوم.

(22/46)


روى هذا الحديث قوم عن أبي بكر بن عبد الرحمان عن أبيه عن عائشة وأم سلمة ولا معنى لذكر أبيه فيه لأنه شهد القصة مع أبيه كلها عند أبي هريرة وعند عائشة وأم سلمة وهذا محفوظ من رواية سمي وغيره جماعة وبالله التوفيق.

(22/47)


الحديث الثاني عشر
...
حديث ثاني عشر لسمي
مالك عن سمي مولى أبي بكر بن عبد الرحمان عن أبي بكر ابن عبد الرحمان عن بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر الناس في سفره عام الفتح بالفطر وقال: "تقووا لعدوكم" وصام رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أبو بكر قال الذي حدثني لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعرج يصب الماء على رأسه من العطش أو من الحر ثم قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم إن طائفة من الناس قد صاموا حين صمت فلما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بالكديد دعا بقدح فشرب فأفطر الناس".
هذا حديث مسند صحيح ولا رق بين أن يسمي التابع الصاحب الذي حدثه أو لا يسميه في وجوب العمل بحديثه لأن الصحابة كلهم عدول مرضيون ثقات أثبات ومما أمر مجتمع عليه عند أهل العلم بالحديث.

(22/47)


وقد روي معنى هذا الحديث من وجوه عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث ابن عباس وجابر وأبي سعيد الخدري وقد ذكرناها في باب حميد الطويل ومنها ما ذكرنا في باب ابن شهاب.
وفي هذا الحديث من الفقه الصيام في السفر في رمضان لأن سفره هذا عام الفتح كان في رمضان لا خلاف في ذلك وفي صومه صلى الله عليه وسلم رمضان في سفره إبطال قول من قال لا يصوم أحد رمضان في السفر وجعل الفطر عزمة من الله لقوله عز وجل: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} يقول إن المسافر لا يصوم في سفره لأن الله أراد منه صيام أيام أخر وهذا قول يروى عن عبيدة وسويد بن غفلة وكان أبو مجاز يقول لا يسافر أحد في رمضان فإن سافر ولا بد فليصم.
وفي هذا الحديث وشبهه مما تقدم ذكرنا له في باب ابن شهاب عن عبيد الله ما يبطل هذا التأويل وعلى إجازة الصوم في السفر في رمضان وغيره جماعة فقهاء الأمصار.
حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن عبد السلام قال حدثنا محمد بن بشار قال حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن منصور عن مجاهد عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج من المدينة في رمضان حين فتح مكة فصام حتى أتى عسفان ثم دعا بماء أو أتي بماء فشرب فكان ابن عباس يقول: "من شاء صام ومن شاء أفطر" .

(22/48)


وفي هذا الحديث وشبهه بطلان قول من قال الصائم في السفر كالمفطر في الحضر وهو قول شاذ هجره الفقهاء كلهم يروى عن عبد الرحمان بن عوف والسنة ترده وقد ذكرنا كثيرا من معاني هذا الحديث في باب حميد وباب ابن شهاب عن عبيد الله من هذا الكتاب واتفق الفقهاء في المسافر في رمضان أنه لا يجوز له أن يبيت الفطر لأن المسافر لا يكون مسافرا بالنية وإنما يكون مسافرا بالعمل والنهوض في سفره وليست النية في السفر كالنية في الإقامة لأن المسافر إذا نوى الإقامة كان مقيما في الحين لأن الإقامة لا تفتقر إلى علم والمقيم إذا نوى أن يسافر لم يكن مسافرا حتى يأخذ في السفر ويعمل عمل المسافر ويبرز عن الحضر فيجوز له حينئذ تقصير الصلاة وأحكام المسافر ولا خلاف بينهم في الذي يؤمل السفر أنه لا يجوز له أن يفطر في الحضر حتى يخرج.
واختلف أصحاب مالك في هذا إن أفطر قبل أن يخرج فذكر ابن سحنون عن عبد الملك بن الماجشون أنه قال إن سافر فلا شيء عليه من الكفارة وإن لم يسافر عليه الكفارة قال وقال أشهب لا شيء عليه من الكفارة سافر أو لم يسافر قال وقال سحنون عليه الكفارة سافر أو لم يسافر وهو بمنزلة المراة تقول غدا تأتيني حيضتي فتفطر لذلك ثم رجع إلى قول عبد الملك وقال ليس مثل المرأة لأن الرجل يحدث السفر إذا شاء والمرأة لا تحدث الحيضة.
وقال ابن حبيب إن كان قد تأهب لسفره وأخذ في سبب الحركة فلا شيء عليه وحكي ذلك عن أصبغ وعن ابن الماجشون فإن عاقه عن السفر عائق كان عليه الكفارة وحسبه أن ينجو إن سافر.

(22/49)


وروى عيسى عن ابن القاسم أنه ليس عليه إلا قضاء يوم لأنه متأول في فطره.
واختلف الفقهاء في الذي يصبح في الحضر صائما في رمضان ثم يسافر في صبيحة يومه ذلك وينهض في سفره هل له أن يفطر ذلك اليوم أم لا فذهب مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابهم إلى أن لا يفطر ذلك اليوم بحال وهو قول الزهري ويحيى بن سعيد والأوزاعي وبه قال أبو ثور.
واختلفوا إن فعل فكلهم قال يقضي ولا يكفر وروي عن بعض أصحاب مالك أنه يقضي ويكفر وهو قول ابن كنانة والمخزومي وليس قولهما هذا بشيء لأن الله قد أباح له الفطر في الكتاب والسنة وإنما قولهم لا يفطر استحبابا لتمام ما عقده فإن أخذ برخصة الله كان عليه القضاء وأما الكفارة فلا وجه لها ومن أوجبها فقد أوجب ما لم يوجبه الله.
وروي عن ابن عمر في هذه المسألة أنه يفطر إن شاء في يومه ذلك إذا خرج مسافرا وهو قول الشعبي وبه قال أحمد بن حنبل وإسحاق قال أحمد يفطر إذا برز عن البيوت وقال إسحاق يفطر حين يضع رجله في الرحل وهو قول داود.
وقال الحسن البصري يفطر في بيته إن شاء يوم يريد أن يخرج.
قال أبو عمر:
قول الحسن شاذ ولا ينبغي لأحد أن يفطر وهو حاضر لا في نظر ولا في أثر وقد روي عن الحسن خلاف ذلك.
ذكر عبد الرزاق عن معمر عمن سمع الحسن يقول لا يفطر ذلك اليوم إلا أن يشتد عليه العطش فإن خاف على نفسه أفطر.
وقال إبراهيم لا يفطر ذلك اليوم.

(22/50)


واختلفوا في الذي يختار الصوم في السفر فيصوم ثم يفطر نهارا من غير عذر فكان مالك يوجب عليه القضاء والكفارة وقد روي عنه أنه لا كفارة عليه وهو قول أكثر أصحابه إلا عبد الملك فإنه قال إن أفطر بجماع كفر لأنه لا يقوى بذلك على سفره ولا عذر له وعلى ذلك مذاهب سائر الفقهاء بالحجاز والعراق أنه لا كفارة عليه.
وروى البويطي عن الشافعي قال إن صح حديث الكديد لم أر بأسا أن يفطر المسافر بعد دخوله في الصوم في سفره.
وروى المديني عنه كقول مالك أنه لا يرى الكفارة على من فعل ذلك.
قال أبو عمر:
الحجة في سقوط الكفارة واضحة من جهة النظر لأنه متأول غير هاتك لحرمة صومه عند نفسه وهو مسافر قد دخل في عموم إباحة الفطر ومن جهة الأثر أيضا حدثنا خلف بن القاسم قال حدثنا عبد الله بن جعفر بن الورد قال حدثنا عبد الرحيم بن عبد الله بن عبد الرحيم البرقي حدثنا عبد الله بن يوسف التميمي حدثنا سعيد بن عبد العزيز عن عطية بن قيس عن قزعة بن يحيى عن أبي سعيد الخدري قال آذننا رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح بالرحيل لليلتين خلتا من رمضان فخرجنا صواما حتى بلغنا الكديد فأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالفطر واصبح الناس شرجين منهم الصائم ومنهم المفطر حتى إذا بلغنا الظهران آذننا بلقاء العدو وأمرنا بالفطر فأفطرنا أجمعين.

(22/51)


حدثنا محمد بن إبراهيم قال حدثنا محمد بن معاوية قال حدثنا أحمد ابن شعيب قال أخبرنا محمد بن حاتم وأخبرنا سويد أخبرنا عبد الله عن شعبة عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج في رمضان فصام حتى أتى قديدا فأتي بقدح من لبن فشرب فأفطر هو وأصحابه وحدثنا محمد بن إبراهيم قال حدثنا محمد بن معاوية قال حدثنا أحمد ابن شعب قال أخبرنا محمد بن قدامة عن جرير عن منصور عن مجاهد عن طاوس عن ابن عباس قال سافر رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان فصام حتى بلغ عسفان ثم دعا بإناء فشرب نهارا يراه الناس ثم أفطر حتى أتى مكة.
وحدثنا عبد الوارث بن سفيان وسعيد بن نصر قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن وضاح قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا عبد الأعلى عن خالد عن عكرمة عن ابن عباس قال خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان إلى حنين والناس مختلفون فصائم ومفطر فلما استوى على راحلته دعا بإناء من ماء قال فوضعه على راحلته ثم نظر الناس فقال المفطرون للصوام أفطروا.
وحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا مطلب بن شعيب قال حدثنا عبد الله بن صالح قال حدثنا الليث قال حدثني ابن الهادي عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر بن عبد الله قال خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة عام الفتح في رمضان فصام حتى بلغ كراع الغميم فصاح الناس فبلغه أن الناس قد شق عليهم الصيام فدعا بقدح من بعد العصر فشرب والناس ينظرون فأفطر بعض الناس وصام بعض فبلغه أن ناسا صاموا فقال: "أولئك العصاة" .

(22/52)


فهذه الآثار كلها تبين لك أن للصائم أن يفطر في سفره بعد دخوله في الصوم مختارا له في رمضان وفيها دليل على أن الفطر أولى إن شاء الله وقد تقدم ذكر اختلاف العلماء في الأفضل من ذلك في باب حميد الطويل.
ذكر عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس قال خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح في شهر رمضان فصام حتى بلغ الكديد ثم أفطر قال الزهري فكان الفطر آخر الأمرين.
قال وأخبرنا معمر عن أيوب عن نافع قال كان ابن عمر لا يصوم في السفر قال وما رأيته صام في السفر قط إلا يوما واحدا فإني رأيته أفطر حين أمسى فقلت له أكنت صائما قال نعم كنت أرى أني سأدخل مكة اليوم فكرهت أن يكون الناس صياما وأنا مفطر وذلك في رمضان.
واختلفوا في المسافر يكون مفطرا في سفره ويدخل الحضر في بقية من يومه ذلك فقال مالك والشافعي وأصحابهما وهو قول ابن عليه وداود في المرأة تطهر والمسافر يقدم وقد أفطروا في السفر أنهما يأكلان ولا يمسكان قال مالك والشافعي ولو قدم مسافر في هذه الحال فوجد امرأته قد طهرت جاز له وطؤها قال الشافعي أحب لهما أن يستترا بالأكل والجماع خوف التهمة.
وروى الثوري عن أبي عبيد عن جابر بن زيد أنه قدم من سفر في شهر رمضان فوجد المرأة قد اغتسلت من حيضتها فجامعها.
وروي عن ابن مسعود أنه قال من أكل أول النهار فليأكل آخره.

(22/53)


قال سفيان هو كصنيع جابر بن زيد ولم يذكر سفيان عن نفسه خلافا لهما.
وقال ابن علية القول ما قال ابن مسعود من أكل أول النهار فليأكل آخره.
وقال أبو حنيفة واصحابه والحسن بن حي وعبيد الله بن الحسن في المرأة تطهر في بعض النهار والمسافر يقدم وقد أفطر في سفره أنهما يمسكان بقية يومهما وعليهما القضاء واحتج لهم الطحاوي بأن قال لم يختلفوا أن من غم عليه هلال رمضان فأكل ثم علم أنه يمسك عما يمسك عنه الصائم قال فكذلك الحائض والمسافر وفرق ابن شبرمة بين الحائض والمسافر فقال في الحائض تأكل ولا تصوم إذا طهرت بقية يومها والمسافر إذا قدم ولم يأكل شيئا يصوم يومه ويقضي.
قال أبو عمر:
قد روى ابن جريج عن عطاء في الذي يصبح مفطرا في أول يوم من رمضان يظنه من شعبان فيأكل ثم ياتيه الخبر الثبت أنه رمضان أنه يأكل ويشرب بقية يومه إن شاء ولا نعلم أحدا قاله غير عطاء والله اعلم وقد مضى القول في كثير من معاني هذا الباب في باب ابن شهاب عن عبيد الله من هذا الكتاب والحمد لله رب التوفيق.

(22/54)


الحديث الثالث عشر
...
حديث ثالث عشر لسمي
مالك عن سمي مولى أبي بكر بن عبد الرحمان أنه سمع أبا بكر بن عبد الرحمان يقول جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت إني كنت تجهزت للحج فاعترض لي فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اعتمري في رمضان فإن عمرة فيه كحجة".
هكذا روى هذا الحديث جماعة الرواة للموطأ وهو مرسل في ظاهره إلا أنه قد صح أن أبا بكر سمعه من تلك المرأة فصار مسندا بذلك والحديث صحيح مشهور من رواية أبي بكر وغيره وفيه من الفقه تطوع النساء بالحج وهذا إذا كانت الطرق مأمونة وكان مع المرأة ذو محرم أو كانت في جماعة نساء يعين بعضهن بعضا وينبغي أن ينضم الرجل إليهن عند الركوب والنزول وفيه أن الأعمال قد يفضل بعضها بعضا في أوقات وأن الشهور بعضها أفضل من بعض والعمل في بعضها افضل من بعض وأن شهر رمضان مما يضاعف فيه عمل البر وذلك دليل على عظيم فضله وفيه أن الحج أفضل من العمرة وذلك والله أعلم لما فيه من زيادة المشقة في العمل والانفاق وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم "عمرة في رمضان تعدل حجة" من وجوه كثيرة من حديث علي بن أبي طالب وأنس وابن عباس ووهب بن خنيش وأبي طليق وأم معقل وهو حديثها وقد قيل أم سنان والأشهر أم عقيل وأحسنها

(22/55)


إسنادا حديث ابن عباس فمن أسانيد هذا الحديث المسند ما رواه عبد الرزاق قال أخبرنا معمر عن الزهري عن أبي بكر بن عبد الرحمان عن امرأة من بني أسد بن خزيمة يقال لها أم معقل قالت قلت يا رسول الله إني أردت الحج فضل جملي أو قالت بعيري فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اعتمري في شهر رمضان فإن عمرة فيه تعدل حجة" هكذا قال الزهري في اسم المرأة أم معقل وهو المشهور المعروف وقد تابعه على ذلك جماعة وقد ذكرناها في كتاب الصحابة وذكرنا الاختلاف فيه هناك بما يغني عن ذكره ههنا.
حدثنا محمد بن خليفة قال حدثنا محمد بن نافع قال حدثنا إسحاق بن أحمد حدثنا سعيد بن عبد الرحمان حدثنا عبد المجيد عن ابن جريج عن عطاء قال سمعت ابن عباس يخبر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لامرأة من الأنصار: "إذا كان شهر رمضان فاعتمري فإن عمرة فيه تعدل حجة" قال ابن جريج وسمعت داود بن عاصم يحدث هذا الحديث عن ابي بكر بن عبد الرحمان وقال اسم المرأة أم سنان.
حدثنا خلف بن القاسم قال حدثنا أحمد بن إبراهيم بن الحداد قال حدثنا محمد بن محمد بن سليمان وعبد الجبار السمرقندي قالا حدثنا محمد ابن الوزير الواسطي قال حدثنا إسحاق الأزرق عن سفيان الثوري عن إبراهيم

(22/56)


ابن مهاجر عن أبي بكر بن عبد الرحمان بن الحرث بن هشام أنه كان رسول مروان إلى أم معقل يسألها عن الحديث فقالت كان علي حجة وكان أبو معقل يعني زوجها قد أعد بكرا له في سبيل الله في بني كعب فسألته البكر فذكر لي ما صنع فيه قالت فسألته من صرام النخل فقال قوت أهلي فذكرت ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "ادفع إليها البكر فلتحج عليه فإنه في سبيل الله" قالت وقد كان حج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ماشيا فقال يا رسول الله: إني قد كبرت وعلي حجة فما يجزي منها فقال: "عمرة في رمضان تجزيك من حجتك".
وحدثنا عبد الرحمان بن مروان حدثنا الحسن بن يحيى حدثنا ابن الجارود حدثنا عبد الله بن هشام حدثنا يحيى بن سعيد عن ابن جريج قال أخبرني عطاء قال سمعت ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لامرأة من الأنصار سماها ابن عباس فنسيت اسمها: "ما منعك أن تحجي معنا العام قالت يا نبي الله إنه كان لنا ناضحان فركب أبو فلان وابنه تعني زوجها وابنها ناضحا وترك ناضحا ننضح عليه الماء فقال النبي صلى الله عليه وسلم: فإن كان رمضان فاعتمري فيه فإن عمرة فيه تعدل حجة أو قال كحجة" .
وأخبرنا إبراهيم بن شاكر حدثنا محمد بن أحمد حدثنا محمد بن أيوب حدثنا أحمد بن عمرو البزار حدثنا أحمد بن عبدة حدثنا يزيد بن زريع

(22/57)


حدثنا حبيب المعلم عن عطاء عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "عمرة في رمضان تعدل حجة" .
قال أبو عمر:
أحسن الناس سياقة لهذا الحديث محمد بن إسحاق عن عيسى بن معقل عن يوسف بن عبد الله بن سالم حدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا محمد بن عمرة الطائي وحدثنا قاسم بن محمد قال حدثنا خالد بن سعد قال حدثنا أحمد بن عمرو ابن منصور قال حدثنا محمد بن سنجر واللفظ لحديثه وهو أتم قالا حدثنا أحمد بن خالد الوهبي قال حدثنا محمد بن إسحاق عن عيسى بن معقل بن أم معقل الأسدي أسد خزيمة قال حدثني يوسف بن عبد الله بن سلام عن جدته أم معقل قالت لما حج بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة الوداع أمر الناس أن يتهيئوا معه قالت ففعلوا قالت وأصابتنا هذه القرحة الحصبة او الجدري قالت فدخل علينا من ذلك ما شاء الله أن يدخل فأصابني مرة وأصاب أبا معقل فأما أبو معقل فهلك فيها قالت وكان لنا جمل ننضح عليه نخلات فكان هو الذي يريد أن يحج عليه قالت فجعله أبو معقل في سبيل الله وشغلنا بما أصابنا وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما فرغ من حجته جئته حين تماثلت من وجعي فدخلت فقال: "يا أم معقل ما منعك أن تخرجي معنا في وجهنا هذا؟ قالت يا نبي الله لقد تهيأ لنا ذلك فأصابتنا هذه القرحة فهلك فيها أبو معقل وأصابني فيها مرضي هذا حتى صححت

(22/58)


منه وكان لنا جمل هو الذي يريد أن نخرج عليه فأوصى به أبو معقل في سبيل الله قال فهلا خرجت عليه فإن الحج من سبل الله إذا فاتتك هذه الحجة معنا فاعتمري عمرة في رمضان فإنها كحجة قالت وكانت تقول الحج حجة والعمرة عمرة وقد قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك والله ما أدري أخاصة لي لما فاتني من الحج أم هي للناس عامة" .
قال يوسف فحدثت بهذا الحديث مروان بن الحكم وهو أمير المدينة زمن معاوية فقال من سمع هذا الحديث معك قلت ابنها معقل بن أبي معقل وهو رجل صدق فأرسل إليه فحدثه بمثل ما حدثني قال فقيل لمروان إنها حية في دارها فوالله ما اطمأن إلى حديثنا حتى ركب إليها في الناس فدخل عليها فحدثته هذا الحديث.
وحدثنا قاسم بن محمد قال حدثنا خالد بن سعد قال حدثنا أحمد بن عمرو قال حدثنا ابن سنجر حدثنا أحمد بن خالد حدثنا محمد بن إسحاق عن يحيى بن عباد عن الحرث بن أبي بكر بن عبد الرحمان بن الحرث بن هشام عن أبيه قال كنت في الناس مع مروان حين دخل عليها فسمعناها تحدث بهذا الحديث قال فكان أبو بكر لا يعتمر إلا في العشر الأواخر من رمضان لذلك من حديث ام معقل حدثنا محمد بن خليفة حدثنا محمد بن المنكدر عن يوسف بن عبد الله بن سلام قال بعثني مروان بن الحكم إلى رجل من الأنصار أسأله عن العمرة في رمضان فجئته فحدثني أن

(22/59)


رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له ولامرأته: "اعتمرا في شهر رمضان فإن عمرة فيه كحجة" . قال أبو عمر:
القول في هذا الحديث قول ابن إسحاق والله أعلم.
وقد حدثنا قاسم بن محمد قال حدثنا خالد بن سعد قال حدثنا أحمد ابن عمرو قال حدثنا محمد بن سنجر قال حدثنا أبو المغيرة قال حدثنا الأوزاعي قال حدثني يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة قال حدثني ابن أم معقل الأسدية قال قالت أمي يا رسول الله إني أريد الحج وجملي أعجف فقال: "اعتمري في رمضان فإن عمرة في رمضان كحجة" .
ورواه الأسود بن يزيد عن أم معقل أخبرنا عبد الرحمان بن يحيى قال حدثنا أحمد بن سعيد قال حدثنا محمد بن محمد بن بدر قال حدثنا الحسن ابن حماد قال حدثنا علي بن عابس عن ابي إسحاق عن الأسود عن أم معقل قالت أردت أن أحج فقلت لأبي معقل أعطني بكرك فأحج عليه أو تمر نخلك فأبى علي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اعتمري في رمضان فإن عمرة في رمضان تعدل حجة" .
وقد روى أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل حديث أم معقل هذا.
حدثنا محمد بن خليفة قال حدثنا محمد بن نافع قال حدثنا إسحاق بن أحمد قال حدثنا أحمد بن صالح قال حدثنا سعيد بن أبي مريم قال حدثنا إبراهيم بن سويد عن هلال بن يسار عن انس بن مالك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "عمرة في رمضان كحجة" .
وقد ذكرنا حكم من اعتمر في رمضان فحل من عمرته في شوال وأحكام التمتع ووجوها في باب ابن شهاب عن محمد بن عبد الله والحمد لله.

(22/60)