Contents

الواجهة
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد
مقدمة
باب الألف
باب الثاء
باب الجيم
باب الحاء
باب الخاء
باب الدال
باب الراء
باب الزاي
تابع باب الزاء
تابع لحرف الزاء
تابع لحرف الزاء
باب الطاء
باب الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع حرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
باب النون
باب الصاد
باب الضاد
باب العين
تابع لحرف العين
تابع حرف العين
تابع لحرف العين
تابع لحرف العين
باب القاف
باب السين
باب الشين
باب الهاء
باب الواو
باب الياء
تابع باب الياء
باب الكني
باب بلاغات مالك ومرسلاته
باب مافي هذا الديوان من حديث مالك الذي ثبتت عليه أبوابه خاصة
الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج
الديباج - جزء 1
الديباج - جزء 2
الديباج - جزء 3
الديباج - جزء 4
الديباج - جزء 5
الديباج - جزء 6
المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج
المنهاج - مقدمة
المنهاج - الإيمان
المنهاج - الطهارة
المنهاج - الحيض
المنهاج - الصَّلَاة
المنهاج - المساجد ومواضع الصلاة
المنهاج - صلاة المسافرين وقصرها
المنهاج - بَاب صَلَاة الْجُمُعَة
المنهاج - بَاب صَلَاة الْعِيدَيْنِ
المنهاج - بَاب الدُّعَاء فِي صَلَاة الِاسْتِسْقَاء
المنهاج - بَاب صَلَاة الْكُسُوف
المنهاج - كِتَاب الْجَنَائِز
المنهاج - الزكاة
المنهاج - كِتَاب الصِّيَام
المنهاج - كِتَاب الِاعْتِكَاف
المنهاج - كِتَاب الْحَجّ
المنهاج - كِتَاب النِّكَاح
المنهاج - الرضاعة
المنهاج - الطلاق
المنهاج - اللِّعَان
المنهاج - العتق
المنهاج - البيوع
المنهاج - المساقاة
المنهاج - الفرائض
المنهاج - الهبات
المنهاج - الوصية
المنهاج - النذر
المنهاج - الأيمان
المنهاج - القسامة
المنهاج - الحدود
المنهاج - الأقضية
المنهاج - اللقطة
المنهاج - الجهاد والسير
المنهاج - الإمارة
المنهاج - الصيد والذبائح
المنهاج - كِتَاب الْأَضْاحَي
المنهاج - الأشربة
المنهاج - اللباس والزينة
المنهاج - الآداب
المنهاج - السلام
المنهاج - الألفاظ من الأدب وغيرها
المنهاج - الشعر
المنهاج - الرؤيا
المنهاج - الفضائل
المنهاج - فضائل الصحابة
المنهاج - البر والصلة والآداب
المنهاج - القدر
المنهاج - العلم
المنهاج - الذكر والدعاء
المنهاج - التوبة
المنهاج - صفات المنافقين
المنهاج - صفة القيامة والجنة والنار
المنهاج - الجنة وصفة نعيمها وأهلها
المنهاج - الفتن وأشراط الساعة
المنهاج - الزهد والرقائق
المنهاج - التفسير
تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي
أبواب الطهارة
أبواب الصلاة
تابع أبواب الصلاة
أبواب الوتر
أبواب الجمعة
تابع لأبواب الجمعة
أبواب العيدين
أبواب السفر
ابواب الزكاة
أبواب الصوم
أبواب الحج
تابع أبواب الحج
أبواب الجنائز
أبواب النكاح
أبواب الرضاع
أبواب الطلاق واللعان
ابواب البيوع
أبواب الأحكام
أبواب الديات
ابواب الحدود
تابع أبواب الحدود
أبواب الصيد
أبواب الأضاحي
أبواب النذور والأيمان
أبواب السير
أبواب الجهاد
أبواب اللباس
أبواب الأطعمة
أبواب الأشربة
تابع أبواب الأشربة
أبواب البر و الصله عن رسول الله صلى الله عليه و آله سلم
أبواب الطب عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الفرائض عن الرسول صلى الله عليه و سلم
أبواب الوصايا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الولاء و الهبة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب القدر عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم
أبواب الفتن عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الرؤيا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الشهادات عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
تابع لأبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صِفَةُ القِيامَة
أبواب صفة الجنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صفة جهنم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإيمان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب العلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإستئذان والآداب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب العلم
أبواب الأمثال
أبواب فضائل القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب القراءات عن رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم
أبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الدعوات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أحاديث شتى من أبواب الدعوات
المناقب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
مناقب الصحابة رضوان الله عليهم
تنوير الحوالك شرح موطأ مالك
كتاب وقوت الصلاة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب السهو
كتاب الجمعة
كتاب الصلاة في رمضان
كتاب صلاة الليل
كتاب صلاة الجماعة
كتاب قصر الصلاة في السفر
كتاب العيدين
كتاب صلاة الخوف
كتاب صلاة الكسوف
كتاب الاستسقاء
كتاب القبلة
كتاب القرآن
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب الجهاد
كتاب النذور و الأيمان
كتاب الضحايا
كتاب الذبائح
كتاب الصيد
كتاب العقيقة
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الرضاع
كتاب البيوع
كتاب القراض
كتاب المساقاة - كتاب كراء الأرض
كتاب الشفعة - كتاب الأقضية
كتاب الوصية - كتاب العتق والولاء
كتاب المكاتب - كتاب المدبر
كتاب الحدود
كتاب الأشربة - كتاب العقول
كتاب القسامة - كتاب الجامع
كتاب القدر - كتاب حسن الخلق
كتاب اللباس - كتاب صفة النبي
كتاب العين - كتاب الشعر
كتاب الرؤيا - كتاب السلام
كتاب الاستئذان والتشميت والصور والتماثيل وغيرها
كتاب البيعة - كتاب الكلام والعينة والتقى
كتاب جهنم - كتاب الصدقة
كتاب العلم - كتاب دعوة المظلوم - كتاب أسماء النبي
حاشية السندي على سنن ابن ماجة
المقدمة
الطَّهَارَة وَسُنَنهَا
الصلاة
الْأَذَان
المساجد والجماعات
أَبْوَاب إِقَامَة الصَّلَاة
الجنائز
الصوم
الزكاة
النكاح
الطلاق
الكفارات
التجارات
الأحكام
الحدود
الديات
الوصايا
الْفَرَائِض
الجهاد
المناسك
الْأَضَاحِيّ
الذبائح
الصيد
الأطعمة
الأشربة
الطب
اللباس
الْآدَاب
الدُّعَاء
تعبير الرؤيا
الْفِتَن
الزُّهْد
شرح سنن ابن ماجه لمغلطاي
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح رياض الصالحين
شرح رياض الصالحين - 01
شرح رياض الصالحين - 02
شرح رياض الصالحين - 03
شرح رياض الصالحين - 04
شرح سنن أبي داود للعيني
مقدمة التحقيق
كتاب الطهارة
كِتابُ الصَلاَةِ
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
عون المعبود شرح سنن أبي داود
كتاب الطهارة
تابع كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
كتاب الزكاة
تابع لكتاب الزكاة
كتاب اللقطة
كتاب المناسك
تابع لكتاب المناسك
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الصيام
تابع لكتاب الصيام
أول كتاب الجهاد
أول كتاب الضحايا
تابع كتاب الضحايا
أول كتاب الصيد
أول كتاب الوصايا
أول كتاب الفرائض
أول كتاب الخراج والفيء والإمارة
أول كتاب الجنائز
تابع لكتاب الجنائز
كتاب الأيمان والنذور
كتاب البيوع
كتاب الإجارة
كتاب القضاء
تابع لكتاب القضاء
كتاب العلم
كتاب الأشربة
كتاب الأطعمة
كتاب الطب
كتاب الكهانة والتطير
كتاب العتق
أول كتاب الحروف والقراءات
أول كتاب الحمام
أول كتاب اللباس
أول كتاب الترجل
أول كتاب الخاتم
أول كتاب الفتن والملاحم
أول كتاب المهدي
أول كتاب الملاحم
أول كتاب الحدود
أول كتاب الديات
أول كتاب السنة
تابع لكتاب السنة
أول كتاب الأدب
أبواب السلام
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن حجر
فتح الباري - هدي الساري مقدمة فتح الباري
فتح الباري - كتاب بدء الوحي
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب العلم
فتح الباري - كتاب الوضوء
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
فتح الباري - كتاب مواقيت الصلاة
فتح الباري - كتاب الأذان
فتح الباري - كتاب الجمعة
فتح الباري - كتاب الخوف
فتح الباري - كتاب العيدين
فتح الباري - كتاب الوتر
فتح الباري - كتاب الاستسقاء
فتح الباري - كتاب الكسوف
فتح الباري - كتاب سجود القرآن
فتح الباري - كتاب تقصير الصلاة
فتح الباري - كتاب التهجد
فتح الباري - كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة
فتح الباري - كتاب العمل في الصلاة
فتح الباري - كتاب السهو
فتح الباري - كتاب الجنائز
فتح الباري - كتاب الزكاة
فتح الباري - كتاب الحج
فتح الباري - كتاب العمرة
فتح الباري - كتاب المحصر
فتح الباري - كتاب جزاء الصيد
فتح الباري - كتاب فضائل المدينة
فتح الباري - كتاب الصوم
فتح الباري - كتاب صلاة التراويح
فتح الباري - كتاب فضل ليلة القدر
فتح الباري - كتاب الإعتكاف
فتح الباري - كتاب البيوع
فتح الباري - كتاب السلم
فتح الباري - كتاب الشفعة
فتح الباري - كتاب الإجارة
فتح الباري - كتاب الحرث والمزارعة
فتح الباري - كتاب المساقاة
فتح الباري - كتاب الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس
فتح الباري - كتاب الخصومات
فتح الباري - كتاب اللقطة
فتح الباري - كتاب المظالم
فتح الباري - كتاب الشركة
فتح الباري - كتاب الرهن
فتح الباري - كتاب العتق
فتح الباري - كتاب المكاتب
فتح الباري - كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها
فتح الباري - كتاب الشهادات
فتح الباري - كتاب الصلح
فتح الباري - كتاب الشروط
فتح الباري - كتاب الوصايا
فتح الباري - كتاب الجهاد و السير
فتح الباري - كتاب فرض الخمس
فتح الباري - كتاب الجزية و الموادعة
فتح الباري - كتاب بدء الخلق
فتح الباري - كتاب أحاديث الأنبياء
فتح الباري - كتاب المناقب
فتح الباري - كتاب فضائل الصحابة
فتح الباري - كتاب مناقب الأنصار
فتح الباري - كتاب المغازي
فتح الباري - كتاب التفسير
فتح الباري - كتاب فضائل القرآن
فتح الباري - كتاب النكاح
فتح الباري - كتاب الطلاق
فتح الباري - كتاب النفقات
فتح الباري - كتاب الأطعمة
فتح الباري - كتاب العقيقة
فتح الباري - كتاب الذبائح والصيد
فتح الباري - كتاب الأضاحي
فتح الباري - كتاب الأشربة
فتح الباري - كتاب المرضى
فتح الباري - كتاب الطب
فتح الباري - كتاب اللباس
فتح الباري - كتاب الأدب
فتح الباري - كتاب الإستئذان
فتح الباري - كتاب الدعوات
فتح الباري - كتاب الرقاق
فتح الباري - كتاب القدر
فتح الباري - كتاب الأيمان والنذور
فتح الباري - كتاب كفارات الأيمان
فتح الباري - كتاب الفرائض
فتح الباري - كتاب الحدود
فتح الباري - كتاب الديات
فتح الباري - كتاب استتابة المرتدين
فتح الباري - كتاب الإكراه
فتح الباري - كتاب الحيل
فتح الباري - كتاب التعبير
فتح الباري - كتاب الفتن
فتح الباري - كتاب الأحكام
فتح الباري - كتاب التمني
فتح الباري - كتاب أخبار الأحاد
فتح الباري - كتاب الإعتصام بالسنة
فتح الباري - كتاب التوحيد
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن رجب
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
مقدمة
خطبة الكتاب
كتاب الإيمان
كتاب العلم
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصوم
كتاب فضائل القرآن
كتاب الدعوات
كتاب المناسك
كتاب البيوع
كتاب الفرائض والوصايا
كتاب النكاح
كتاب العتق
كتاب القصاص
كتاب الديات
كتاب الحدود
كتاب الإمارة والقضاء
كتاب الجهاد
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأطعمة
كتاب اللباس
كتاب الطب والرقى
كتاب الرؤيا
كتاب الآداب
كتاب الرقاق
كتاب الفتن
كتاب صفة القيامة والجنة والنار
كتاب الفضائل والشمائل
كتاب المناقب

 
عودة لموقع هاني الطنبور
هاني الطنبور
الصفحة السابقة الصفحة التالية
 
 

 

التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد

باب حرف الهاء
هلال بن أسامة
الحديث الأول
...
باب الهاء
هلال بن أسامة
وهو هلال بن أبي ميمونة قال مصعب هو مولى عامر بن لؤي.
قال أبو عمر:
روى عنه مالك فقال هلال بن أسامة وروى عنه يحيى بن أبي كثير وزياد بن سعد فقالا هلال بن أبي ميمونة وروى عنه فليح بن سليمان فقال هلال بن علي وقيل إنه هلال بن علي بن أسامة وأبوه يكنى أبا ميمونة وبه يعرف بالكنية وهو بها أشهر لمالك عنه حديث واحد اختصره من حديثه الطويل.
مالك عن هلال بن أسامة عن عطاء بن يسار عن عمر بن الحكم أنه قال أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت يا رسول الله إن لي جارية كانت ترعى غنما لي فجئتها وقد فقدت شاة فسألتها عنها فقالت أكلها الذئب فأسفت عليها وكنت من بني آدم فلطمت حر وجهها وعلي رقبة أفأعتقها فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أين الله؟ فقالت في السماء، فقال من أنا فقالت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أعتقها" .

(22/75)


هكذا قال مالك في هذا الحديث عن هلال عن عطاء عن عمر بن الحكم لم يختلف الرواة عنه في ذلك وهو وهم عند جميع أهل العلم بالحديث وليس في الصحابة رجل يقال له عمر بن الحكم وإنما هو معاوية ابن الحكم كذلك قال فيه كل من روى هذا الحديث عن هلال وغيره ومعاوية ابن الحكم معروف في الصحابة وحديثه هذا معروف له وقد ذكرناه في الصحابة ونسبناه فأغنانا عن ذكر ذلك ههنا وأما عمر بن الحكم فهو من التابعين وهو عمر بن الحكم بن أبي الحكم وهو من بني عمرو بن عامر من الأوس وقيل بل هو حليف لهم وكان من ساكني المدينة توفي بها سنة سبع عشرة ومائة وهو عم والد عبد الحميد بن جعفر الأنصاري وعمر بن الحكم بن سنان لأبيه صحبة وعمر بن الحكم بن ثوبان هؤلاء ثلاثة من التابعين كلهم يسمى عمر بن الحكم وهم مدنيون وليس فيهم من له صحبة ولا من يروى عنه عطاء بن يسار وليس في الصحابة أحد يسمى عمر بن الحكم وإنما هذا معاوية بن الحكم لا شك فيه.
حدثنا محمد بن إبراهيم قال حدثنا محمد بن أحمد قال حدثنا محمد بن أيوب قال سمعت أحمد بن عمر والبزار يقول روى مالك عن هلال بن أبي ميمونة عن عطاء بن يسار عن عمر بن الحكم السلمي أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم فوهم فيه وإنما الحديث لعطاء بن يسار عن معاوية بن الحكم السلمي قال أبو بكر وليس أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يقال له عمر بن الحكم.
وقال أحمد بن خالد ليس أحد يقول فيه عمر بن الحكم غير مالك وهم فيه.

(22/76)


وكذلك رواه أصحابه جميعا عنه قال وإنما يقول ذلك مالك في حديثه عن هلال بن أسامة وقد رواه عن ابن شهاب عن أبي سلمة عن معاوية بن الحكم السلمي كما رواه الناس.
قال أبو عمر:
حديثه هذا من رواية يحيى عن مالك مختصر من حديث فيه طول وقد ذكره بأكمل من هذا عن مالك قوم منهم عبد الله بن يوسف وابن بكير وكذلك رواه قتيبة أيضا والشافعي عن مالك بتمامه فيه ذكر الكهان والطيرة وقد روى مالك بعض ذلك الحديث عن الزهري عن أبي سلمة عن معاوية بن الحكم السلمي فذكر أمر الكهان ولم يذكر أمر الجارية وقال فيه في روايته عن ابن شهاب معاوية بن الحكم والطيرة كما قال الناس وإنما قال مالك عمر بن الحكم في حديثه عن هلال بن أسامة ولم يتابعه أحد على ذلك وكل من رواه عن هلال قال فيه معاوية بن الحكم وهو الصواب وبالله التوفيق.
قرأت على أحمد بن عبد الله بن محمد أن الميمون بن حمزة الحسيني حدثهم قال حدثنا أبو جعفر الطحاوي قال حدثنا إسماعيل بن يحيى المزني قال حدثنا الشافعي قال أخبرنا مالك عن هلال بن أسامة عن عطاء بن يسار عن عمر بن الحكم أنه قال أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت يا رسول الله إن جارية لي كانت ترعى غنما لي فجئتها وقد فقدت شاة من الغنم فسألتها عنها فقالت أكلها الذئب فأسفت عليها وكنت امرأ من بني آدم فلطمت وجهها وعلي رقبة أفأعتقها قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أين الله؟ قالت في السماء قال: فمن أنا؟ قالت أنت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عمر

(22/77)


يا رسول الله أشياء كنا نصنعها في الجاهلية كنا نأتي الكهان فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "فلا تأتوا الكهان" قال عمر وكنا نتطير قال: طإنما ذلك شيء يجده أحدكم في نفسه فلا يصدنكم".
قال الطحاوي سمعت المزني يقول قال الشافعي مالك بن أنس يسمي هذا الرجل عمر بن الحكم وإنما هو معاوية بن الحكم قال الطحاوي وهو كما قال الشافعي وقال الطحاوي وقال مالك هلال بن أسامة وإنما هو هلال بن علي غير أن قائلا قال هو هلال بن علي بن أسامة فإن كان كذلك فإنما نسبه مالك إلى جده.
حدثنا خلف بن قاسم حدثنا عبد الله بن جعفر بن الورد حدثنا يوسف ابن يزيد حدثنا عبد الله بن عبد الحكم أخبرنا مالك عن هلال بن أسامة عن عطاء بن يسار عن عمر بن الحكم أنه قال أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت يا رسول الله إن لي جارية كانت ترعى غنما فجئتها ففقدت شاة من الغنم فسألتها عنها فقالت أكلها الذئب فأسفت عليها وكنت من بني آدم فلطمت وجهها وعلي رقبة أفأعتقها فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أين الله؟ قالت في السماء قال من أنا قالت أنت رسول الله قال أعتقها" . فقال عمر يا رسول الله أشياء كنا نصنعها في الجاهلية كنا نأتي الكهان فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تأتوا الكهان قال وكنا نتطير فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما ذلك شيء يجده أحدكم في نفسه فلا يضركم" .
حدثنا احمد بن عبد الله بن محمد قال حدثني أبي قال حدثنا الحسن ابن عبد الله الزبيدي قال حدثنا أبو محمد بن عبد الله بن الجارود قال أخبرنا عبد الله بن عبد الحكم أن ابن وهب أخبره قال أخبرنا مالك عن هلال بن اسامة عن عطاء بن يسار عن عمر بن الحكم أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر الحديث.

(22/78)


قال أبو محمد بن الجارود وكذلك حدثناه محمد بن يحيى عن مطرف عن مالك عن هلال عن عطاء عن عمر بن الحكم قال أبو محمد وليس هو عمر بن الحكم إنما هو معاوية بن الحكم وهو خطأ من مالك.
وقرأت على عبد الوارث بن سفيان أن قاسم بن أصبغ حدثهم قال حدثنا محمد بن إسماعيل الترمذي قال حدثنا عبد العزيز بن عبد الله الأويسي قال حدثنا مالك بن أنس عن ابن شهاب قال أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمان عن معاوية بن الحكم أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الطيرة فقال: "شيء يجده أحدكم فلا يصدنكم" .
وأخبرنا عبد الوارث قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا ابن وضاح قال حدثنا أبو الطاهر عن ابن وهب قال أخبرني مالك بن أنس وابن أبي ذئب ويونس بن يزيد وابن سمعان عن ابن شهاب عن أبي سلمة بن عبد الرحمان عن معاوية بن الحكم السلمي قال قلت يا رسول الله أمور كنا نصنعها في الجاهلية كنا نأتي الكهان قال: "فلا تأتوا الكهان قال قلت كنا نتطير قال ذلك شيء يجده أحدكم في نفسه فلا يصدنكم" . فهذا مالك يقول في هذا الحديث عن ابن شهاب عن معاوية بن الحكم كما سمعه منه وحفظه عنه ولو سمعه كذلك من هلال لأداه كذلك والله أعلم وربما كان هذا من هلال إلا أن جماعة رووه عن هلال فقالوا فيه معاوية بن الحكم والله أعلم.
حدثنا محمد بن عبد الملك وعبيد بن محمد قالا حدثنا عبد الله بن مسرور قال حدثنا عيسى بن مسكين وأخبرنا قاسم بن محمد قال حدثنا خالد ابن سعد قال حدثنا أحمد بن عمرو بن منصور قالا حدثنا محمد بن عبد الله ابن سنجر الجرجاني قال حدثنا أبو المغيرة قال حدثنا الأوزاعي قال حدثني

(22/79)


يحيى بن أبي كثير عن هلال بن أبي ميمونة عن عطاء بن يسار عن معاوية بن الحكم قال قلت يا رسول الله إنا كنا حديث عهد بجاهلية فجاء الله بالإسلام وإن رجالا منا يتطيرون قال ذلك شيء يجدونه في صدروهم فلا يضرهم قال يا رسول الله ورجالا منا يأتون الكهان قال فلا تأتوهم قال يا رسول الله ورجالا منا يخطون قال كان نبي الله يخط فمن وافق خطه فذاك قال وبينا أنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلاة عطس رجل من القوم فقلت يرحمك الله فحذفني القوم بأبصارهم فقلت أمياه إنكم تنظرون إلي قال فضربوا على أفخاذهم فلما رأيتهم يسكتوني لكني سكت قال فلما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم فبأبي هو وأمي ما رأيت معلما قبله ولا بعده أحسن تعليما منه والله ما ضربني ولا كهرني ولا سبني ولكن قال: "إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس إنما هي التسبيح والتكبير وتلاوة القرآن" قال ثم اطلعت غنيمة لي ترعاها جارية لي في ناحية أحد فوجدت الذئب قد أصاب منها شاة وأنا رجل من بني آدم آسف كما يأسفون فصككتها صكة ثم انصرفت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته فعظم علي قال فقلت يا رسول الله فهلا أعتقها قال: "ائتيني بها قال فجئت بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لها" أين الله؟ فقالت في السماء فقال من أنا فقالت أنت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إنها مؤمنة فأعتقها" .
قال أبو عمر:
معاني هذا الحديث واضحة يستغنى عن الكلام فيها وأما قوله: "أين الله فقالت في السماء" فعلى هذا أهل الحق لقول الله عز وجل:

(22/80)


{أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ} ولقوله: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ} ولقوله: {تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ} ومثل هذا في القرآن كثير قد أتينا عليه في باب ابن شهاب في حديث النزول وفيه رد على المعتزلة وبيان لتأويل قول الله عز وجل: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} ولم يزل المسلمون في كل زمان إذا دهمهم أمر وكربهم غم يرفعون وجوههم وأيديهم إلى السماء رغبة إلى الله عز وجل في الكف عنهم.
حدثنا أحمد بن عمر حدثنا عبد الله بن محمد حدثنا أحمد بن خالد حدثنا علي بن عبد العزيز حدثنا أبو عبيد قال سمعت ابن علية يحدث عن سعيد الجريري قال حدثت أن أبا الدرداء ترك الغزو عاما فأعطى رجلا صرة فيها دراهم فقال انطلق فإذا رأيت رجلا يسير من القوم ناحية في هيأته بذاذة فادفعها إليه قال ففعل فرفع رأسه إلى السماء وقال اللهم لم تنس حديدا فاجعل حديدا لا ينساك قال فرجع الرجل إلى أبي الدرداء فأخبره فقال ولي النعمة ربها وقد مضى في هذا المعنى ما فيه كفاية وبيان في باب ابن شهاب عن أبي عبد الله الأغر وأبي سلمة من هذا الكتاب.

(22/81)


هاشم بن هاشم
الحديث الأول
...
مالك عن هاشم بن هاشم حديث واحد
وهو هاشم بن هاشم بن عتبة بن أبي وقاص معروف مشهور النسب شريف وقيل فيه هاشم بن هاشم بن هاشم وقال بعضهم إنه معروف النسب مجهول في نفسه وهذا عندي ليس بشيء وقد روى عنه مالك والدراوردي وشجاع بن الوليد أبو بدر السكوني وأبو ضمرة أنس بن عياض ومكي بن إبراهيم وأبو أسامة ومروان الفزاري ذكره أبو حاتم الرازي وغيره ويروي هاشم بن هاشم عن سعيد بن المسيب وعامر بن سعد وعائشة بنت طلحة وعبد الله بن نسطاس وحديث مالك عنه.
مالك عن هاشم بن هاشم بن عقبة بن أبي وقاص عن عبد الله ابن نسطاس عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من حلف على منبري آثما تبوأ مقعده من النار" .
قال مصعب الزبيري عبد الله بن نسطاس يروي عن أبيه عن جابر ونسطاس مولى أبي بن خلف كان جاهليا.

(22/82)


لم يختلف الرواة عن مالك في إسناد هذا الحديث ومتنه إلا أن أكثر الرواة عن مالك يقولون فيه من حلف على منبري هذا بيمين آثمة كذا قال ابن بكير وابن القاسم والقعنبي وغيرهم.
وقال يحيى من حلف على منبري آثما والمعنى واحد وفيه اشتراط الإثم فالوعيد لا يقع إلا مع تعمد الإثم في اليمين واقتطاع حق المسلم بها وهذا المعنى موجود في هذا الحديث وفي حديث العلاء على ما مضى في بابه من هذا الكتاب ومذهبنا في الوعيد أنه غير نافذ في هذا وفي كل ما أوعد الله أهل الإيمان عليه النار والعذاب فإن الله بالخيار في عبده المذنب إن شاء أن يغفر له غفر وإن شاء أن يعذبه عذبه لقول الله عز وجل: {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} . والتوبة تمحو السيآت كلها كفرا كانت أو غير ذلك قال الله عز وجل: {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ} إلا أن حقوق الآدميين لا بد فيها من القصاص بالحسنات والسيئات وقد بينا هذا المعنى في غير موضع من كتابنا هذا والحمد لله.
وأما اليمين على منبر النبي صلى الله عليه وسلم أو غيره من المنابر فقد اختلف العلماء في ذلك فذهب ذاهبون إلى أن اليمين عند المنبر وفي الجامع لا يكون في أقل من ربع دينار أو ثلاثة دراهم فإذا كان ربع دينار أو ثلاثة دراهم أو قيمة ذلك عرضا فما زاد كانت اليمين فيه في مقطع الحق بالجامع من ذلك البلد وهذه جملة مذهب مالك قال مالك يحلف المسلم في

(22/83)


القسامة واللعان وفيما له بال من الحقوق يريد ربع دينار فصاعدا في جامع بلده في أعظم مواضعه وليس عليه التوجه إلى القبلة هذه رواية ابن القاسم.
وروى ابن الماجشون عن مالك أنه يحلف قائما مستقبل القبلة ولا يعرف مالك اليمين عند المنبر إلا منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقط يحلف عنده في ربع دينار فأكثر قال مالك ومن أبى أن يحلف عند المنبر فهو كالناكل عن اليمين ويجلب في أيمان القسامة عند مالك من كان من عمل مكة إلى مكة فيحلف بين الركن والمقام ويجلب في ذلك إلى المدينة من كان من عملها فيحلف عند المنبر ومذهب الشافعي في هذا الباب كمذهب مالك في المنبر بالمدينة وبين الركن والمقام بمكة في القسامة واللعان وأما في الحقوق فلا يحلف عنده عند المنبر في اقل من عشرين دينارا.
وذكر عن سعيد بن سالم القداح عن ابن جريج عن عكرمة قال أبصر عبد الرحمان بن عوف قوما يحلفون بين المقام والبيت فقال أعلى دم قيل لا قال أفعلى عظيم من الأمر قيل لا قال لقد خشيت أن يتهاون الناس بهذا المقام هكذا رواه الزعفراني عن الشافعي يتهاون الناس.
ورواه المزني والربيع في كتاب اليمين مع الشاهد فقالا فيه لقد خشيت أن يبهأ الناس بهذا المقام وهو الصحيح عندهم ومعنى يبهأ يأنس الناس به يقال بهأت به أي أنست به ومنبر النبي صلى الله عليه وسلم في التعظيم مثل ذلك لما ورد فيه من الوعيد على من حلف عنده بيمين آثمة تعظيما له.
وذكر حديث مالك عن هاشم بن هاشم وحديث مالك عن داود بن الحصين أنه سمع أبا غطفان بن طريف المري قال اختصم زيد بن ثابت وابن مطيع إلى مروا بن الحكم في دار فقضى باليمين على زيد بن ثابت

(22/84)


على المنبر فقال زيد أحلف له مكاني فقال له مروان لا والله لا والله إلا عند مقاطع الحقوق فجعل زيد يحلف إن حقه لحق ويأبى أن يحلف على المنبر فجعل مروان يعجب من ذلك قال مالك كره زيد صبر اليمين.
قال الشافعي وبلغني أن عمر بن الخطاب حلف على المنبر في خصومة كانت بينه وبين رجل وأن عثمان رضي الله عنه ردت عليه اليمين على المنبر فاقتدى منها وقال أخاف أن توافق قدر بلاء فيقال بيمينه قال الشافعي واليمين على المنبر ما لا اختلاف فيه عندنا بالمدينة ومكة في قديم ولا حديث قال الشافعي فعاب قولنا هذا عائب ترك فيه موضع حجتنا بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم والآثار بعده عن أصحابه وزعم أن زيد بن ثابت كان لا يرى اليمين على المنبر وأنا روينا ذلك عنه وخالفناه إلى قول مروان بغير حجة قال الشافعي هذا مروان يقول لزيد وهو عنده من أحظى أهل زنانه وأرفعهم منزلة لا والله إلا عند مقاطع الحقوق قال فما منع زيد بن ثابت لو لم يعلم أن اليمين على المنبر حق أن يقول مقاطع الحقوق مجلس الحكم كما قال أبو حنيفة وأصحابه ما كان زيد ليمتنع من أن يقول لمروان ما هو اعظم من هذا وقد قال له أتحل الربا يا مروان فقال مروان اعوذ بالله وما هذا قال فالناس يتبايعون الصكوك قبل أن يقبضوها فبعث مروان الحرس ينتزوعونها من أيدي الناس فإذا كان مروان لا

(22/85)


ينكر على زيد بهذا فكيف ينكر عليه في نفسه أن يقول لا تلزمني اليمين على المنبر لقد كان زيد من أعظم أهل المدينة في عين مروان وآثرهم عنده ولكن زيدا علم أن ما قضى به مروان هو الحق وكره أن يصبر يمينه على المنبر قال الشافعي وهذا الأمر الذي لا اختلاف فيه عندنا والذي نقل الحديث فيه كأنه تكلف لاجتماعنا على اليمين عند المنبر قال وقد روى الذين خالفونا في هذا حديثا يثبتونه عندهم عن منصور عن الشعبي وعن عاصم الأحول عن الشعبي أن عمر جلب قوما من اليمن فأدخلهم الحجر فأحلفهم فإن كان هذا ثابتا عن عمر فكيف أنكروا علينا أن يحلف من بمكة بين الركن والمقام ومن بالمدينة على المنبر ونحن لا نجلب أحدا من بلده ولو لم يحتج عليهم بأكثر من روايتهم أو بما احتجوا به علينا عن زيد لكانت الحجة بذلك لازمة فكيف والحجة فيها ثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن أصحابه بعده وهو الأمر الذي لا اختلاف فيه عندنا.
وذكر حديث أبي بكر الصديق في قصة قيس بن مكشوح فقال أخبرني من أثق به عن الضحاك بن عثمان عن المقبري عن نوفل بن مساحق العامري عن المهاجر بن أبي أمية قال كتب إلي أبو بكر أن أبعث إليه بقيس بن مكشوح في وثاق فبعثت به إليه فجعل قيس يحلف ما قتل دادويه وأحلفه أبو بكر خمسين يمينا مرددة عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالله ما قتله ولا علم له قاتلا ثم عفا عنه.
وذكر حديث مالك عن هاشم بن هاشم المذكور في هذا الباب بمثل لفظ ابن بكير وابن القاسم والقعنبي سواء.

(22/86)


حدثنا عبد الوارث بن سفيان وأحمد بن قاسم قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا الحرث بن أبي أسامة قال حدثنا محمد بن سعد قال حدثنا أبو ضمرة قال حدثني هاشم بن هاشم بن عتبة الزهري عن عبد الله بن نسطاس قال سمعت جابر بن عبد الله يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يحلف رجل على يمين آثمة عند هذا المنبر إلا يتبوأ مقعده من النار ولو على سواك أخضر" .
وحدثنا عبد الوارث قال حدثنا قاسم قال حدثنا محمد بن إسماعيل الترمذي قال حدثنا مكي بن إبراهيم قال حدثنا هاشم بن هاشم بن عتبة بن أبي وقاص عن عبد الله بن نسطاس مولى كثير بن الصلت عن جابر بن عبد الله أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من حلف من غير سبب على منبري هذا ولو كان سواكا أخضر تبوأ مقعده من النار" .
ففي هذه الآثار دليل على أن اليمين تكون على المنبر لا في مجلس الحكم واختلف الفقهاء في اليمين على المنبر وفي مقدار ما يحلف عليه عند المنبر على حسبما قدمنا ونزيد ذلك بينا فنقول مذهب مالك وأصحابه أن لا يحلف على المنبر في مسجد من المساجد الجوامع إلا على منبر النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة وأما ما عداها فيحلف في الجامع ويحلف قائما ولا يحلف على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا في المسجد الجامع بغيره من البلدان إلا في ثلاثة دراهم فصاعدا ولا يحلف في القسامة والدماء والحقوق التي تكون بين الناس إلا في المسجد الجامع دون المنبر من ذلك المصر إلا بالمدينة فإنه يحلف في القسامة واللعان على منبر النبي صلى الله عليه وسلم وفي ثلاثة دراهم فصاعدا.

(22/87)


وقال الشافعي: من أدعى مالا أو أدعي عليه فوجبت اليمين في ذلك نظر فإن كان عشرين دينارا فصاعدا فإن كان بالمدينة حلف على منبر النبي صلى الله عليه وسلم وإن كان بمكة حلف بين الركن والمقام إذا كان ما يدعيه المدعي عشرين دينارا فصاعدا قال ويحلف في ذلك على الطلاق والحدود كلها وجراح العمد صغرت أو كبرت وجراح الخطأ إن بلغ أرشها عشرين دينارا قال ولو أخطأ الحاكم في رجل عليه اليمين على منبر النبي صلى الله عليه وسلم أو بين الركن والمقام فأحلفه في مكان آخر بمكة أو بالمدينة ففيها قولان أحدهما أن لا تعاد عليه اليمين والآخر أن تعاد عليه واختار كثير من الصحابة أن لا تعاد عليه.
قال الشافعي وإن كان ذلك في بيت المقدس أحلفناه في مواضع الحرمة من مسجدها وأقرب المواضع من أن يعظمها قياسا على الركن والمقام والمنبر قال ولا يجلب أحد من بلد به حاكم إلى مكة ولا إلى المدينة ويحكم عليه حاكم بلده.
وقال مالك لا يجلب إلى المدينة للإيمان من بعد عنها إلا في الدماء أيمان القسامة قال مالك ويحلف الناس في غير المدينة في مسجد الجماعات ليعظم ذلك.
قال أبو عمر:
قد مضى في هذا الباب عن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما أنهما جلبا إلى المدينة ومكة في الإيمان في الدماء فقول مالك في ذلك أولى لما جاء عنهما وبالله التوفيق.

(22/88)


وقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد لا يجب الاستحلاف عند منبر النبي صلى الله عليه وسلم على أحد ولا بين الركن والمقام على أحد في قليل الأشياء ولا في كثيرها ولا في الدماء ولا في غيرها ولكن الحكام يستحلفون من وجبت عليه اليمين في مجالسهم.

(22/89)


هشام بن عروة بن الزبير بن العوام
الحديث الأول
...
هشام بن عروة بن الزبير بن العوام
أبو المنذر وكان أحد الحفاظ الثقات العدول أخبرنا عبد الله بن محمد حدثنا أحمد بن محمد بن إسماعيل حدثنا محمد بن الحسن الأنصاري حدثنا الزبير بن أبي بكر القاضي أخبرني عيسى بن سعيد بن زاذان عن المنذر بن عبد الله قال رويت الشعر ثلاث عشر سنة قبل أن أروي الحديث فلقي أبي هشام بن عروة فقال له إن ابنك يروي الشعر قال نعم قال فأرسله إلي فقال لي أبي اغد إلى هشام بن عروة فإنه قد استزارك وهو بالعقيق فأخذت حمارا وذهبت إليه فسلمت وجلست فقال بلغني أنك تروي الشعر فلأي العرب أنت أروى قلت لبني سليم قال فتروي لفلان كذا ولفلان كذا فجعل ينشدني لشعراء من بني سليم لم أكن سمعت بهم ثم قال لي يا ابن أخي اطلب الحديث فمن ذلك اليوم رويت الحديث.
قال الزبير وحدثني مصعب بن عثمان عن المنذر بن عبد الله قال ما سمعت من هشام بن عروة رفثا قط إلا يوما واحدا فإن رجلا من أهل البصرة كان يلزمه فقال له يا أبا المنذر نافع مولى ابن عمر كان يفضل أباك على أخيه عبد الله فقال كذب والله نافع وما يدري نافع عاض بظر أمه عبد الله والله خير وأفضل من عروة.

(22/90)


حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أحمد ابن زهير قال سمعت مصعب بن عبد الله يقول هشام بن عروة أبو المنذر قال وأمه أم ولد خراسانية اسمها صافية قال أحمد بن زهير وسمعت يحيى ابن معين يقول عمر بن عبد العزيز وهشام بن عروة والأعمش ولدوا في سنة إحدى وستين قال ورأيت في كتاب علي بن المديني سمعت يحيى بن سعيد يقول كان هشام بن عروة يخضب بالحمرة قال يحيى ومات هشام بن عروة بعد الهزيمة يعني هزيمة إبراهيم كأنه يريد السنة التي بعدها وكانت الهزيمة سنة خمس وأربعين ومائة قال وسمعت يحيى بن معين يقول مات هشام بن عروة سنة ست وأربعين ومائة.
وقال المدائني توفي هشام بن عروة سنة سبع وأربعين ومائة بعد خروج إبراهيم وكان محمد وعده أن يوليه المدينة.
وقال الطبري كان هشام بن عروة من ساكني المدينة وقدم بغداد في آخر عمره فمات بها في سنة ست وأربعين ومائة بعد أن هزم إبراهيم بن عبد الله فدفن في مقبرة الخيزران وقيل مات بالكوفة سنة ثمان وأربعين ومائة وقيل توفي هشام بن عروة سنة ست أو خمس وأربعين ومائة وهو ابن ست وتسعين سنة وولد سنة خمسين كل هذا قد قيل في مولده ووفاته رحمه الله.
وقال يحيى بن معين قال هشام بن عروة رأيت ابن سهل بن سعد وابن عمر وجابر بن عبد الله وأنس بن مالك قال هشام ومسح ابن عمر على رأسي ودعا لي وقبلني قال ورأيت عبد الله بن عمر وله جمة أو قال وفرة.
وذكر الزبير قال أخبرني عثمان بن عبد الرحمان قال قال أمير المؤمنين المنصور لهشام بن عروة حين دخل عليه هشام يا أبا المنذر تذكر يوم دخلت عليك إنا وإخوتي مع أبي الخلائف وأنت تشرب سويقا بقعبة يراع فلما خرجنا من عندك قال لنا أبونا اعرفوا لهذا الشيخ حقه فإنه لا

(22/91)


يزال في قومكم بقية ما يقي فقال هشام لا أذكر يا امير المؤمنين فلما خرج قيل له يذكرك أمير المؤمنين ما تمت به إليه فتقول لا أذكره فقال لم أكن أذكر ولم يعودني الله في الصدق إلا خيرا.
قال وحدثني عمي مصعب بن عبد الله عن جدي عبد الله بن مصعب عن هشام بن عروة قال وضع عندي محمد بن علي بن عبد الله بن العباس وصيته قال الزبير توفي هشام بن عروة بمدينة السلام عند أمير المؤمنين أبي جعفر المنصور في صحابته سنة ست وأربعين وصلى عليه المنصور وكبر عليه أربعا وكبر على مولى خمسا وذلك في وقت واحد.
لمالك عن هشام بن عروة من مرفوعات الموطأ ستة وخمسون حديثا منها ستة وثلاثون مسندة متصلة وسائرها مراسيل تستند من وجوه صحاح أحاديث عروة عن عائشة.
حديث أول لهشام بن عروة
مالك عن هشام بن عروة بن الزبير عن أبيه عن عائشة أم المؤمنين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم "كان إذا اغتسل من الجنابة بدأ فغسل يديه ثم توضا كما يتوضا للصلاة ثم يدخل أصابعه في الماء فيخلل بها أصول شعره ثم يصب على رأسه ثلاث غرفات بيديه ثم يفيض الماء على جلده كله".

(22/92)


في هذا الحديث كيفية غسل المغتسل من الجنابة وهو من أحسن حديث روي في ذلك وفيه فرض وسنة فأما السنة فالوضوء قبل الاغتسال من الجنابة ثبت ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كذلك كان يفعل إلا أن المغتسل من الجنابة إذا لم يتوضا وعم جميع جسده ورأسه ويديه ورجليه وسائر بدنه بالماء وأسبغ ذلك وأكمله بالغسل ومرور يديه فقد أدى ما عليه إذا قصد الغسل ونواه وتم غسله لأن الله عز وجل إنما فرض على الجنب الغسل دون الوضوء بقوله عز وجل: {وَلا جُنُباً إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا} وقوله: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا} وهذا إجماع لا خلاف فيه بين العلماء إلا أنهم مجمعون أيضا على استحباب الوضوء قبل الغسل للجنب تأسيا برسول الله صلى الله عليه وسلم ولأنه أعون على الغسل وأهذب فيه وأما بعد الغسل فلا.
وروى أيوب السختياني هذا الحديث عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة مثل رواية مالك إلا أن في روايته فيخلل أصول شعره مرتين أو ثلاثا ثم يفرغ الماء على سائر جسده فإن بقي في الإناء شيء صبه عليه فقال أيوب فقلت لهشام فغسل رجليه فقال وضوءه للصلاة وضوءه للصلاة يعني كفاه من ذلك وهذا الوضوء قبل الغسل لا بعده.
حدثنا سعيد بن نصر وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا ابن وضاح قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا شريك عن أبي إسحاق عن الأسود عن عائشة قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يتوضأ بعد الغسل من الجنابة.

(22/93)


وروى جميع بن عمير والقاسم بن محمد والأسود بن يزيد عن عائشة وصفها غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم من الجنابة نحو حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة بمعنى واحد متقارب وفي حديث جميع بن عمير كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ وضوءه للصلاة ثم يفيض على رأسه ثلاث مرار ونحن نفيض على رؤوسنا خمسا من أجل الضفر.
وأما حديث ميمونة في صفة غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم فحدثنا عبد الله ابن محمد حدثنا محمد بن بكر حدثنا أبو داود حدثنا مسدد قال حدثنا عبد الله بن داود عن الأعمش عن سالم بن أبي الجعد عن كريب قال حدثنا ابن عباس عن خالته ميمونة قالت وضعت للنبي صلى الله عليه وسلم غسلا يغتسل به من الجنابة فأكفأ الإناء على يده اليسرى فغسلها مرتين أو ثلاثا ثم صب على فرجه فغسل فرجه بشماله ثم ضرب بيده الأرض فغسلها ثم مضمضم واستنشق وغسل وجهه ويديه ثم صب على رأسه وجسده ثم تنحى ناحية فغسل رجليه فناولته المنديل فلم يأخذه وجعل ينفض الماء عن جسده قال الأعمش فذكرت ذلك لإبراهيم فقال كانوا لا يرون بالمنديل بأسا ولكن كانوا يكرهون العادة.
هذا الحديث لصحته يرد ما رواه شعبة مولى ابن عباس عن ابن عباس أنه كان إذا اغتسل من الجنابة غسل يديه سبعا وفرجه سبعا وشعبة هذا ليس بالقوي وقد روي عن ابن عمر قال كانت الصلاة خمسين والغسل من الجنابة سبع مرات وغسل الثوب من البول سبع مرات فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل حتى جعلت الصلاة خمسا والغسل من الجنابة مرة وغسل

(22/94)


الثوب من البول مرة وإسناد هذا الحديث أيضا عن ابن عمر فيه ضعف ولين وإن كان أبو داود قد خرجه وخرج الذي قبله عن شعبة مولى ابن عباس.
وأما قوله في حديث عائشة: "يتوضأ وضوءه للصلاة" فيحتمل أنها أرادت بدأ بمواضع الوضوء والدليل على ذلك أنه ليس في شيء من الآثار الواردة عنه صلى الله عليه وسلم في غسل الجنابة أنه أعاد غسل تلك الأعضاء ولا إعادة المضمضة ولا الاستنشاق وأجمع العلماء على ان ذلك كله لا يعاد من أوجب منهم المضمضة والاستنشاق ومن لم يوجبها وقد مضى القول في ذلك في باب زيد بن وأسلم والحمد لله.
واختلف قول مالك في تخليل الجنب لحيته في غسله من الجنابة فروى ابن القاسم عنه أنه قال ليس ذلك عليه وروى أشهب عنه أن عليه تخليل لحيته من الجنابة.
قال ابن عبد الحكم وهو أحب إلينا لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخلل شعره في غسل الجنابة واختلاف الفقهاء في ذلك على هذين القولين وفي حديث عائشة هذا ما يشهد لصحة قول من رأى التخليل لأن قولها فيه فيدخل أصابعه في الماء فيخلل بها اصول شعره يقتضي عمومه شعر لحيته ورأسه وإن كان الأظهر فيه شعر رأسه والله أعلم.
واختلف العلماء في الجنب يغتسل في الماء ويعم جسده ورأسه كله بالغسل أو ينغمس في الماء ويعم بذلك جميع جسده دون أن يتدلك فالمشهور من مذهب مالك أنه لا يجزيه حتى يتدلك لأن الله أمر الجنب

(22/95)


بالاغتسال كما أمر المتوضئ بغسل وجهه ويديه إلى المرفقين ولم يكن بد للمتوضئ من إمرار يديه مع الماء على وجهه وعلى يديه فكذلك جميع جسد الجنب ورأسه في حكم وجه المتوضئ وحكم يديه وهذا قول المزني واختياره وفي بعض روايات حديث ميمونة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غسل جسده من الجنابة.
وقال أبو الفرج وهذا هو المعقول من لفظ الغسل لأن الاغتسال في اللغة هو الافتعال ومتى لم يمر يديه فلم يفعل غير صب الماء ولا يسميه أهل اللسان غاسلا بل يسمونه صابا للماء ومنغمسا فيه قال وعلى نحو ذلك جاءت الآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "تحت كل شعرة جنابة فبلوا واغسلوا الشعر وأنقوا البشرة" قال وإنقاؤه والله أعلم لا يكون إلا لمتبعه على حد ما ذكرناه.
قال أبو الفرج وتخريج هذا عندي والله أعلم أنه لما كان المعتاد من المنغمس في الماء وصابه عليه أنهما لا يكادان يسلمان من تنكب الماء مواضع المبالغة المأمور بها وجب لذلك عليهما أن يمرا أيديهما قال فأما إن طال مكث الإنسان في ماء أو والى بين صبه عليه من غير أن يمر يديه على بدنه فإنه ينوب له عن إمرار يديه قال وإلى هذا المعنى والله أعلم ذهب مالك رحمه الله هذا كله قول أبي الفرج وقد عاد إلى جواز الغسل للمنغمس في الماء إذا أسبغ وعم وعلى ذلك جماعة الفقهاء وجمهور العلماء وقد روي ذلك عن مالك أيضا نصا.
أخبرنا أحمد بن سعيد بن بشر قال حدثنا مسلمة بن القاسم قال حدثنا محمد بن زبان قال حدثنا سلمة بن شبيب قال حدثنا مروان بن محمد قال سألت مالك بن أنس عن رجل اغتمس في ماء وهو جنب ولم يتوضأ وصلى؟

(22/96)


قال مضت صلاته فهذه الرواية فيها أنه لم يتدلك ولا توضأ وقد أجزأه عند مالك لكن المعروف من مذهبه ما وصفنا من التدلك وقد روي عن الحسن وعطاء مثل ذلك وروي عنهما خلافه.
ذكر دحيم عن كثير بن هشام عن جعفر بن برقان عن ميمون بن مهران قال إذا اغتسلت من الجنابة فادلك جلدك وكل شيء نالته يدك.
قال وحدثنا الوليد حدثنا الأوزاعي عن الزهري في الجنب ينغمس في نهر قال يجزيه.
قال وحدثنا أبو حفص أنه سأل الأوزاعي عن جنب طرح نفسه في نهر وهو جنب لم يزد على أن انغمس مكانه قال يجزيه.
وعن الشعبي ومحمد بن علي وعطاء والحسن البصري قالوا إذا اغتمس الجنب في نهر اغتماسة أجزأه.
وقال أبو حنيفة والشافعي وأصحابهما والثوري والأزاعي يجزي الجنب إذا انغمس في الماء وإن لم يتدلك وبه قال أحمد بن حنبل وأبو ثور وإسحاق وداود والطبري ومحمد بن عبد الحكم وهو قول الحسن البصري وإبراهيم النخعي وعامر الشعبي وحماد بن أبي سليمان وعطاء كل هؤلاء يقول إذا انغمس في الماء وقد وجب عليه الوضوء فعم الماء اعضاء الوضوء ونوى بذلك الطهارة أجزه وحجتهم أن كل من صب عليه الماء فقد اغتسل والعرب تقول: غسلتني السماء.
وقد حكت عائشة وميمونة صفة غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يذكرا فيه التدلك ولو كان واجبا ما تركه رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه المبين عن الله مراده ولو فعله لنقل عنه كما نقل تخليل أصول الشعر بالماء وغرفه على رأسه وغير ذلك من صفة غسله ووضوئه صلى الله عليه وسلم.
ذكر عبد الرزاق عن معمر عن أبي إسحاق عن رجل يقال له عاصم أن رهطا أتوا عمر بن الخطاب فسألوه عن الغسل من الجنابة فقال: أما الغسل

(22/97)


فتوضأ وضوءك للصلاة ثم اغسل رأسك ثلاث مرات وادلكه ثم أفض الماء على جلدك وأما غسل المرأة رأسها في الجنابة وصفة غسلها من ذلك فقد جاء عن عائشة ما ذكرنا من قولها وأما نحن فنفيض على رؤوسنا خمسا من أجل الضفر وقد أنكرت على عبد الله بن عمرو أمره النساء أن ينقضن رؤوسهن عند الغسل وقالت ما كنت أزيد على أن أفرغ على رأسي ثلاث غرفات مع رسول الله صلى الله عليه وسلم رواه أيوب عن أبي الزبير عن عبيد بن عمير عن عائشة أنه بلغها عن عبد الله بن عمرو.
وفي حديث أم سلمة أنها قالت يا رسول الله أأنقض رأسي عند الغسل فقال يكفيك أن تصبي على رأسك ثلاث مرات.
وقال سعيد بن المسيب لكل صبة عصرة وقال مالك اغتسال المرأة من الحيض كاغتسالها من الجنابة ولا تنقض رأسها.
قال أبو عمر:
قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يخلل أصول شعره في غسله ويتبع ذلك بصب الماء عليه فالواجب على كل ذي شعر من رجل أو امرأة أن يعتقد ذلك حتى يوصل الماء إلى البشرة ويجرى عليها لقوله صلى الله عليه وسلم: "تحت

(22/98)


كل شعرة جنابة فاغسلوا الشعر" ويروى: "فأرووا الشعر وأنقوا البشرة" فإن وصل الماء إلى جلد الرأس فلا وجه لنقض الشعر حينئذ.
حدثنا عبد الله بن محمد حدثنا محمد بن بكر حدثنا أبو داود حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد بن سلمة أخبرنا عطاء بن السائب عن زاذان عن علي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من ترك موضع شعرة من جنابة لم يغسلها فعل به كذا وكذا من النار" قال علي فمن ثم عاديت رأسي ثلاثا وكان يجز شعره وكان ابن عيينة يقول في تأويل الحديث وأنقوا البشر إنه أراد غسل الفرج وتضاعيفه وأنه كنى بالبشرة عن الفرج وما رأيت هذا التفسير لغير ابن عيينة.
وقال ابن وهب ما رأيت أعلم بتفسير الأحاديث من ابن عيينة وحديث فابلوا الشعر وأنقوا البشرة يدور على الحرث بن وجيه وهو ضعيف حدثناه عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا نصر بن علي قال حدثنا الحرث بن وجيه قال حدثنا مالك بن دينار عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن تحت كل شعرة جنابة فاغسلوا الشعر وأنقوا البشر" .
قال أبو داود هذا حديث ضعيف.
وحدثنا خلف بن قاسم قال حدثنا أبو حذيفة أحمد بن محمد بن علي الدينوري قال حدثنا أبو بكر عبد الله بن سليمان قال حدثنا نصر بن علي

(22/99)


الجهضمي قال حدثنا الحرث بن وجيه عن مالك بن دينار عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة قال قال النبي صلى الله عليه وسلم: "تحت كل شعرة جنابة فأبلوا الشعر وأنقوا البشر" .
وذكر عبد الرزاق أخبرنا معمر عن زيد بن أسلم قال سمعت علي بن حسين يقول ما مس الماء منك وأنت جنب فقد طهر ذلك المكان.
واختلف الفقهاء في الغسل للجنابة وفي الوضوء من غير نية فقال مالك وربيعة والشافعي والليث وداود والطبري وأحمد وأبو ثور وإسحاق وأبو عبيد لا يجزئ الطهارة للصلاة والغسل من الجنابة ولا التيمم إلا بنية وحجتهم قوله صلى الله عليه وسلم: "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى" .
وقال الله عز وجل: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} والإخلاص النية في التقرب إليه والقصد بأداء ما افترض على المؤمن.
وقال أبو حنيفة وأصحابه والثوري: تجزئ كل طهارة بماء بغير نية ولا يجزئ التيمم إلا بنية.
وقال الأوزاعي والحسن بن حي: يجزئ الوضوء والتيمم بغير نية.
وروى أبو المغيرة عبد القدوس عن الأوزاعي وسئل عن رجل يعلم أحدا التيمم ولا ينوي التيمم لنفسه فحضرت الصلاة قال يصلي بتيممه كما لو توضأ وهو لا ينوي الصلاة كان طاهرا.
وروى عبد الله بن المبارك والفريابي وعبد الرزاق عن الثوري قال إذا علمت الرجل التيمم لم يجزك إلا ان يكون نويته وإن علمته الوضوء أجزأك وإن لم تنوه وهو قول أبي حنيفة وأصحابه.

(22/100)


واختلف عن زفر في التيمم بغير نية فروي عنه مثل قول الحسن بن حي والأوزاعي وروي عنه مثل قول أبي حنيفة والثوري في الفرق بين الوضوء والتيمم وحجة من أسقط النية ولم يراعها في الوضوء بالماء أن الوضوء ليس فيه فرض ونافلة فيحتاج المتوضئ فيه إلى نية قالوا وإنما يحتاج إلى النية فيما فيه من الأعمال فرض ونفل ليفرق بالنية بين ذلك واما الوضوء فهو فرض للنافلة والفريضة ولا يصنعه أحد إلا لذلك فاستغنى عن النية قالوا وأما التيمم فهو بدل من الوضوء فلا بد فيه من النية ومن جمع في ذلك بين التيمم والوضوء فحجته في ذلك واحدة ومن حجتهم أيضا الإجماع على إزالة النجاسات من الأبدان والثياب بغير نية وهي طهارة واجبة فرضا عندهم قالوا فكذلك الوضوء.
قال أبو عمر:
القول الصحيح قول من قال: لاتجزئ طهارة إلا بنية وقصد لأن المفروضات لا تؤدى إلا بقصد أدائها ولا يسمى الفاعل على الحقيقة فاعلا إلا بقصد منه إلى الفعل ومحال أن يتأدى عن المرء ما لم يقصد إلى أدائه وينويه بفعله وأي تقرب يكون من غير متقرب ولا قاصد والأمر في هذا واضح لمن ألهم رشده ولم تمل به عصبيته.
واختلف الفقهاء فيمن اغتسل للجمعة وهو جنب ولم يذكر جنابته فقالت طائفة تجزيه لأنه اغتسل للصلاة واستباحتها وليس عليه مراعاة الحدث ونوعه كما ليس عليه أن يراعي حدث البول من الغائط من الريح وغير ذلك من الأحداث وإنما عليه أن يتوضأ للصلاة فكذلك الغسل للصلاة يوم الجمعة تجزيه من الجنابة وإلى هذا ذهب المزني صاحب السافعي فهو قول جماعة من أصحاب مالك منهم أشهب وابن وهب وابن كنانة ومطرف وعبد الملك ومحمد بن مسلمة وقال آخرون لا يجزئ الجنب الغسل للجمعة

(22/101)


إذا لم يذكر جنابته ولا يجزيه عن الجنابة إلا الغسل الذي يعتد به لها بقصد منه إلى ذلك ونية ورفع لجنابته بإرادة ذلك وذكره لها لأن الفرائض لا تؤدى إلا بذلك ولأن الغسل للجمعة سنة واستحباب ومحال أن تجزئ سنة عن فرض كما لا تجزئ ذلك في شيء من الصلاة وسائر الأعمال التي فيها الفرض والنفل وهذا القول صح في النظر وهو قول مالك والشافعي وداود بن علي واحمد بن حنبل وإليه ذهب ابن القاسم صاحب مالك وابن عبد الحكم وروياه عن مالك.
وأما حديث مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة كنت أغتسل أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم من إناء واحد فليس عند يحيى في الموطأ ولذلك لم يذكره ههنا وعنده في ذلك حديث ابن شهاب عن عروة عن عائشة وقد تقدم ذكره وما فيه من الأحكام في باب ابن شهاب من هذا الكتاب وقد جمعهما ابن بكير وغيره حديث هشام وحديث ابن شهاب ورواه القعنبي عن مالك عن هشام أو ابن شهاب على الشك ولم يقل لفظهما.

(22/102)


الحديث الثاني
...
حديث ثان لهشام بن عروة
مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أنها قالت قالت فاطمة ابنة أبي حبيش يا رسول الله إني لا أطهر أفأدع الصلاة فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنما ذلك عرق وليس

(22/102)


بالحيضة فإذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة فإذا ذهب قدرها فاغسلي عنك الدم وصلي" .
هكذا روى هذا الحديث عن مالك جماعة رواة الموطأ فيما علمت لم يختلفوا في إسناده ولفظه وكذلك لم يختلف الرواة عن هشام في إسناده واختلفوا عنه في بعض ألفاظه وممن رواه عن هشام بهذا الإسناد حماد بن زيد وأبو حنيفة وأبو معاوية وابن عيينة وحماد بن سلمة ومحمد بن كناسة وبعضهم يذكر فيه ألفاظا لا يذكرها غيره منهم وربما أوجبت تلك الالفاظ أحكاما فرواية حماد بن زيد عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن فاطمة بنت أبي حبيش استفتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله إني أستحاض فلا أطهر افأدع الصلاة فقال: "إنما ذلك عرق وليست بالحيضة فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة فإذا أدبرت فاغسلي عنك أثر الدم وتوضئي فإنما ذلك عرق وليست بالحيضة" فقيل لحماد فالغسل فقال ومن يشك في ذلك غسلا واحدا بعد الحيضة.
وأما رواية أبي حنيفة فحدثنا خلف بن قاسم بن سهل الحافظ قال حدثنا محمد بن الحسين بن صالح السبيعي قال حدثنا محمد بن الحسين بن سماعة قال حدثنا أبو نعيم الفضل بن دكين واسم دكين عمرو قال حدثنا أبو حنيفة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن فاطمة بنت أبي حبيش قالت يا رسول الله إني أحيض في الشهر والشهرين فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "هذا عرق من دمك فإذا أقبلت حيضتك فدعي الصلاة وإذا أدبرت فاغتسلي لطهرك" .

(22/103)


وأما رواية أبي معاوية فحدثنا أحمد بن قاسم بن عيسى قال حدثنا عمر ابن إبراهيم قال حدثني الحسن بن إسماعيل المحاملي قال حدثنا يعقوب بن إبراهيم الدورقي قال حدثنا أبو معاوية قال حدثنا هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله إني امرأة استحاض فلا أطهر أفأدع الصلاة قال: "لا إنما ذلك عرق وليس بالحيضة فإذا أقبلت حيضتك فدعي الصلاة فإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم ثم اغتسلي" . قال هشام أي ثم توضئي لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت.
حدثنا عبد الوارث بن سفيان وسعيد بن نصر قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن إسماعيل قال حدثنا الحميدي قال حدثنا سفيان قال حدثنا هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن فاطمة ابنة أبي حبيش الأسدية كانت تستحاض فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لها: "إنما ذلك عرق وليس بالحيضة فإذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة وإذا أدبرت فاغتسلي وصلي أو قال اغسلي عنك الدم وصلي" قالت عائشة وهي إحدى نسائنا.
وحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا جعفر بن محمد الصائغ قال حدثنا عفان قال حدثنا حماد بن سلمة قال أخبرنا هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن فاطمة قالت يا رسول الله إني مستحاضة أفأترك الصلاة قال: "إنما ذلك عرق وليس بالحيضة فإذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة وإذا ذهب وقتها فاغسلي عنك الدم ثم تطهري وصلي" . قال هشام كان عروة يقول الغسل الأول ثم الطهر بعد.
وحدثنا أحمد بن قاسم وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا الحرث بن أبي أسامة وأحمد بن سعيد الجمال قالا حدثنا محمد بن كناسة قال حدثنا هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت أتت

(22/104)


فاطمة بنت أبي حبيش النبي صلى الله عليه وسلم فقالت إني أستحاض فلا أطهر أفأدع الصلاة قال: "إنما ذلك ليس بحيض ولكنه عرق فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي" .
ورواه يحيى بن هشام عن هشام بن عروة بإسناده مثله وقال فيه: "إذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وتوضئي عند كل صلاة وصلي" .
ورواه الزهري عن عروة فاختلف فيه عليه اختلافا كثيرا قال فيه الأوزاعي عن الزهري عن عروة وعمرة أن عائشة قالت استحيضت أم حبيبة بنت جحش وهي تحت عبد الرحمان بن عوف سبع سنين فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة وإذا أدبرت فاغتسلي وصلي" .
قال أبو داود ولم يذكر هذا الكلام أحد من أصحاب الزهري غير الأوزاعي رواه عن الزهري عمرو بن الحرث ويونس بن يزيد والليث وابن أبي ذئب ومعمر وإبراهيم بن سعد وسليمان بن كثير وإبن إسحاق وابن عيينة ولم يذكروا هذا الكلام وإنما هذا لفظ حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قال أبو داود وزاد ابن عيينة فيه أمرها أن تدع الصلاة أيام أقرائها وهو وهم من ابن عيينة قال وحديث محمد بن عمرو عن الزهري فيه شيء يقرب من الذي روى الأوزاعي في حديثه.
حدثنا محمد بن المثنى قال حدثنا ابن أبي عدي عن محمد بن عمرو قال حدثني ابن شهاب عن عروة بن الزبير عن فاطمة بنت أبي حبيش أنها كانت تستحاض فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا كان دم الحيض فإنه دم أسود يعرف فإذا كان ذلك فأمسكي عن الصلاة فإذا كان الآخر فتوضئي وصلي فإنما ذلك عرق" .

(22/105)


قال ابو داود قال ابن المثنى هكذا حدثنا به ابن أبي عدي من كتابه ثم حدثنا بعد حفظا فقال حدثنا محمد بن عمرو عن الزهري عن عروة عن عائشة أن فاطمة كانت تستحاض فذكره.
قال أبو عمر:
روى هذا الحديث سهيل بن أبي صالح عن الزهري عن عروة بن الزبير قال حدثتني فاطمة بنت أبي حبيش أو أسماء حدثتني ان فاطمة فلم يقم الحديث.
وقال فيه إبراهيم بن سعد عن ابن شهاب عن عمرة بنت عبد الرحمان أنها سمعت عائشة تقول جاءت أم حبيبة بنت جحش إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت قد استحيضت سبع سنين فاشتكت ذلك إليه واستفتته فقال لها: "إن هذا ليس بالحيضة وإنما هو عرق فاغتسلي ثم صلي" قالت عائشة فكانت أم حبيبة تغتسل لكل صلاة وتصلي.
وقال فيه عمرو بن الحرث عن ابن شهاب عن عروة وعمرة عن عائشة أن أم حبيبة بنت جحش ختنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وتحت عبد الرحمان بن عوف استحيضت سبع سنين فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن هذه ليست بالحيضة ولكن هذا عرق فاغتسلي وصلي" . وقد ذكرنا الآثار وما لعلماء الأمصار من المذاهب في هذا الباب ممهدا في باب نافع من هذا الكتاب والحمد لله.
وأما حديث مالك عن هشام ففيه من الفقه أن الحيض يمنع المرأة الحائض من الصلاة وأن من الدم الخارج من الرحم دما لا تمتنع معه المرأة من الصلاة وهوالعرق الذي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعنى قوله: "إنما ذلك عرق" يريد عرق انفجر أو انقطع وهي الاستحاضة ولهذا سألته فاطمة إذ أشكل

(22/106)


عليها ذلك فأجابها بجواب يدل على أنها كانت تميز انفصال دم حيضها من دم استحاضتها فلهذا قال لها: "إذا اقبلت الحيضة فاتركي الصلاة فإذا ذهب قدرها فاغتسلي وصلي" وهذا نص صحيح في ان الحائض تترك الصلاة ليس عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الباب أثبت منه من جهة نقل الآحاد العدول والأمة مجمعة على ذلك وعلى أن الحائض بعد طهرها لا تقضي صلاة أيام حيضتها لا خلاف في ذلك بين علماء المسلمين فلزمت حجته وارتفع القول فيه.
وقد روى أبو قلابة وقتادة جميعا عن معاذة العدوية عن عائشة أن امرأة سألتها أتقضي الحائض الصلاة فقالت لها عائشة أحرورية أنت قد كنا نحيض على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم نطهر فلا نؤمر بقضاء الصلاة وزاد بعضهم ونؤمر بقضاء الصوم وهذا إجماع أن الحائض لا تصوم في أيام حيضتها وتقضي الصوم ولا تقضي الصلاة لا خلاف في شيء من ذلك والحمد لله.
وما أجمع المسلمون عليه فهو الحق والخبر القاطع للعذر وقال الله عز وجل: {وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً} والمؤمنون هنا الإجماع لأن الخلاف لا يكون معه اتباع غير سبيل المؤمنين لأن بعض المؤمنين مؤمنون وقد اتبع المتبع سبيلهم وهذا واضح يغني عن القول فيه وأما قوله: "فإذا أدبرت الحيضة فاغسلي عنك الدم وصلي" في رواية مالك فقد فسره غيره ممن ذكرنا روايته ههنا وهو أن تغتسل عند إدبار حيضتها واقبال دم استحاضتها كما تغتسل الحائض عند رؤية طهرها سواء لأن المستحاضة طاهر ودمها دم عرق كدم جرح سواء فيلزمها عند انقطاع دم حيضتها الاغتسال كما يلزم الطاهر التي ترى دما.

(22/107)


وفي هذا الحديث دليل على أن المستحاضة لا يلزمها غير ذلك الغسل لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يأمرها بغيره وفيه رد لقول من رأى عليها الغسل لكل صلاة ورد لقول من رأى عليها الجمع بين الظهر والعصر بغسل واحد والمغرب والعشاء بغسل واحد وتغتسل للصبح لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يأمرها بشيء من ذلك في هذا الحديث وهو أصح حديث روي في هذا الباب وهو رد لقول من قال بالاستظهار يومين أو ثلاثا أو أقل أو أكثر وقد استدل بعض من يرى الاستظهار من اصحابنا بقوله عليه السلام في هذا الحديث: "فإذا ذهب قدرها" قال لأن قدر الحيض قد يزيد مرة وينقص أخرى فلهذا رأى مالك الاستظهار ثلاثة أيام ليستبين فيها انقضاء دم الحيض من دم الاستحاضة واقتصر على القضاء ثلاثة ايام استدلالا بحديث المصراة إذ حد فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة أيام في انفصال اللبن.
وقال غيره ممن يخالفه في الاستظهار معنى قوله: "فإذا ذهب قدرها" تقول إذا ذهبت وأدبرت وخرج وقتها ولم يكن في تقديرك أنه بقي شيء منه فاغتسلي حينئذ ولا تمكثي وأنت غير حائض دون غسل ودون صلاة قال ومحال أن يأمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي قد ذهبت حيضتها أن تترك الصلاة ثلاثة ايام لأنتظار حيض يجيء أو لا يجيء.
ومعنى قوله: "فإذا ذهب قدرها" لا يخلو من أن يكون أراد انقضاء أيام حيضتها أو انفصال دم حيضتها من دم استحاضتها وأي ذلك كان فقد امرها أن تغتسل وتصلي ولم يأمرها باستظهار ولو كان واجبا عليها لأمرها به قالوا والسنة تنفي الاستظهار لأن دم نجاسة جائز أن يكون استحاضة وجائز أن يكون حيضا والصلاة فرض بيقين فلا يجوز لامرأة أن تدع الصلاة حتى تستيقن أنها حائض.

(22/108)


وذكروا أن مالكا وغيره من العلماء قد جاء عنهم أنهم قالوا لأن تصلي المستحاضة وليس عليها ذلك خير من أن تدع الصلاة وهي واجبة عليها.
وفي هذا الحديث ايضا رد على من أوجب الوضوء على المستحاضة لكل صلاة لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها: "إذا ذهبت الحيضة فاغتسلي وصلي" ولم يقل توضئي لكل صلاة.
وقد ذكرنا القائلين بها في باب الوضوء عليها لكل صلاة والقائلين بإيجاب الغسل ووجه قول كل واحد منهم مبسوطا ممهدا في باب نافع عن سليمان بن يسار والحمد لله.
قال أبو عمر:
إذا أحدثت المستحاضة حدثا معروفا معتادا لزمها له الوضوء وأما دم استحاضتها فلا يوجب وضوءا لأنه كدم الجرح السائل وكيف يجب من أجله وضوء وهو لا ينقطع ومن كانت هذه حاله من سلس البول والمذي والاستحاضة لا يرفع بوضوئه حدثا لأنه لا يتمه إلا وقد حصل ذلك الحدث في الأغلب وإلى هذا المذهب ذهب مالك وأصحابه وهو ظاهر حديث هشام ابن عروة هذا في قصة فاطمة بنت أبي حبيش إلا أن عروة كان يفتي بأن المستحاضة تتوضأ لكل صلاة وذلك عند مالك على الاستحباب لاعلى الإيجاب وقد ذكرنا ما في هذا الباب من الآثار المرفوعة وغيرها على اختلافها وذكرنا من تعلق بها وذهب إليها من علماء الصحابة والتابعين وفقهاء المسلمين وذكرنا اختلافهم في ذلك وأصل كل واحد منهم في الحيض والطهر والاستحاضة ممهدا مبسوطا في باب نافع عن سليمان من هذا الكتاب فلا وجه لإعادة ذلك ههنا والحمد لله.

(22/109)


روى مالك في موطئه عن هشام بن عروة عن أبيه أنه قال ليس على المستحاضة إلا أن تغتسل غسلا واحد ثم تتوضا بعد ذلك لكل صلاة قال مالك الأمر عندنا على حديث هشام بن عروة عن أبيه وهو أحب ما سمعت إلي ومن معاني هذا الحديث وجه آخر أخرنا القول فيه في ذلك الباب إلى هذا الموضع وهو قول العلماء في المرأة التي لم تحض قط فحاضت يوما وطهرت يوما أو حاضت يومين وطهرت يوما أو يومين ونحو هذا.
فأما مالك وأصحابه فقالوا تجمع أيام الدم بعضها إلى بعض وتطرح ايام التطهر وتغتسل عند كل يوم ترى فيه الطهر أول ما تراه وتصلي ما دامت طاهرا وتكف عن الصلاة في ايام الدم اليوم واليومين وتحصي ذلك فإذا كان ما اجتمع لها من ايام الدم خمسة عشر يوما اغتسلت وصلت وإن زاد على خمسة عشر يوما فهي مستحاضة وإن كانت خمسة عشر يوما أو أقل فهي حيضة تقطعت هذه رواية المدنيين عن مالك.
وروى ابن القاسم وغيره عنه أنها تضم ايام الدم بعضها إلى بعض فإن دام بها ذلك ايام عادتها استظهرت ثلاثة أيام على أيام حيضتها فإن رات في خلال أيام الاستظهار أيضا طهرا ألغته حتى تجعل ثلاثة أيام للاستظهار وأيام الطهر وتصلي وتصوم ويأتيها زوجها ويكون ما جمعت من أيام الدم بعضه إلى بعض حيضة واحدة ولا تعد أيام الطهر في عدة من طلاق فإذا استظهرت بثلاثة ايام بعد أيام حيضتها توضأت لكل صلاة وتغتسل كل يوم من أيام الطهر عند انقطاع الدم وإنما أمرت بالغسل لأنها لا تدري لعل الدم لا يرجع إليها.

(22/110)


ورواية الربيع عن الشافعي مثل رواية المدنيين عن مالك في هذه المسألة اعتبارا لخمسة عشر يوما بلا استظهار وكذلك قال محمد بن مسلمة ولم يختلف مالك والشافعي إذا كان تقطع حيضتها يوما كاملا أو يوما وليلة أنها في يوم الحيض حائض لا مستحاضة وفي يوم الطهر طاهر أو هي حيضة متقطعة وقال محمد بن مسلمة إذا كان طهرها يوما وحيضها يوما فطهرها أقل الطهر وحيضها أكثر الحيض فكأنها قد حاضت خمسة عشر يوما متوالية وطهرت خمسة عشر فحال حيضتها لا يضرها واجتماع الأيام وافتراقها سواء ولا يكون مستحاضة.
وأما أبو حنيفة واصحابه فمذهبهم في هذه المسألة اعتبار أقل الطهر وأقل الحيض فأما أبو يوسف فاعتبر أقل الطهر خمسة عشر يوما وجعله كدم متصل وأما محمد بن الحسن فاعتبر مقدار الدم والطهر فإذا كان بين الدمين من الطهر أقل من ثلاثة ايام فإن ذلك كله كدم متصل سواء كان الحيض أكثر أو الطهر أكثر نحو أن ترى يوما حيضا أو يومين ويومين طهرا وساعة دما فيكون جميع ذلك حيضا وقال أبو جعفر الطحاوي قد اتفقوا أنه لو انقطع ساعة أو نحوها أنه كدم متصل فكذلك اليوم واليومين لأنه لا يعتد به من طلاق وقد قال أبو الفرج ليس بنكير أن تحيض يوما وتطهر يوما فتتقطع الحيضة عليها كما لا ينكر أن يتأخر حيضها عن وقته أن تأخير بعضه عن اتصاله كتأخيره كله فمن أجل ذلك كانت بالقليل أيضا ثم لم يكن القليل حيضة لأن الحيضة لا تكون إلا بان يقضى لها وقت تام وطهر تام أقله فيما روى عبد الملك خمسة ايام قال ولو أن قلة الدم يخرجه من أن يكون حيضا لا أخرجته من أن تكون استحاضه لأن الدم العرق هو الكثير الزائد على ما يعرف.

(22/111)


قال أبو عمر:
راعى عبد الملك وأحمد بن المعذل في هذه المسألة ما أصلاه في اقل الطهر خمسة أيام وراعى محمد بن مسلمة خمسة عشر طهرا وجعل كل ما يأتي من الدم قبل تمام الطهر عرقا لا تترك فيه الصلاة وكذلك يلزم كل من أصل في أقل الطهر أصلا بعدة معلومة أن يعتبرها في هذه المسألة وقد ناقض الكوفيون لأنهم قالوا في هذه المسألة بمراعاة ثلاثة أيام طهرا وقولهم في اقل الطهر إنه خمسة عشر يوما وقد ذكرنا في باب نافع من أصول العلماء وأكثرهما واختلاف العلماء في ذلك في باب نافع من هذا الكتاب والحمد لله.
قال أبو عمر:
إنما أجرينا هذه المسألة ههنا وإن كانت قد مرت في باب نافع لأنها داخلة في معنى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة فإذا ذهب قدرها وأدبرت فاغتسلي وصلي" وقد ذكرنا حكم أقل الحيض والطهر وأكثرهما واختلاف العلماء في ذلك في باب نافع من هذا الكتاب والحمد لله.

(22/112)


الحديث الثالث
...
حديث ثالث لهشام بن عروة
مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن الحرث بن هشام سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف يأتيك الوحي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أحيانا يأتيني في مثل صلصلة الجرس وهو أشده علي

(22/112)


فيفصم عني وقد وعيت ما قال وأحيانا يتمثل لي الملك رجلا فيكلمني فأعي ما يقول" قالت عائشة: ولقد رأيته ينزل عليه في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرقا".
في هذا الحديث دليل على أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يسألونه عليه السلام عن كثير من المعاني وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجيبهم ويعلمهم وكانت طائفة تسأل وطائفة تحفظ وتؤدي وتبلغ حتى اكتمل الله دينه والحمد لله.
وفي هذا الحديث نوعان أو ثلاثة من صفة نزول الوحي عليه وكيفية ذلك وقد ورد في غيرما أثر ضروب من صفة الوحي حتى الرؤيا فرؤيا الأنبياء وحي أيضا ولكن المقصد بهذا الحديث إلى نزول القرآن والله أعلم وقد بينا معنى هذا الحديث وشبهه في باب إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة من هذا الكتاب والحمد لله.
وأما قوله: "صلصلة الجرس" فإنه أراد في مثل صوت الجرس والصلصلة الصوت يقال صلصلة الطست وصلصلة الجرس وصلصلة الفخار وقد روى حماد بن سلمة عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال كان الوحي إذا نزل سمعت الملائكة صوت مرارا أو إمرار السلسلة على الصفا وفي حديث حنين أنهم سمعوا صلصلة بين السماء والأرض كإمرار الحديد على الطست الجديد وروي عن مجاهد في قول الله تعالى: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ} قال موسى حين

(22/113)


كلمه الله أو يرسل رسولا قال جبريل إلى محمد صلى الله عليهما وسلم وأشباهه من الرسل.
وروى ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب أنه سئل عن هذه الآية {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ} قال نرى هذه الآية تعد من أوحى الله إليه من البشر فالكلام ما كلم الله بن موسى من وراء حجاب والوحي ما يوحي الله إلى النبي من الهداية فيثبت الله ما أراد من وحيه في قلب النبي فيتكلم به النبي صلى الله عليه وسلم ويكتبه فهو كلام الله ووحيه ومنه ما يكون بين الله وبين رسله ومنه لا يكلم به أحد من الأنبياء أحدا من الناس ولكنه يكون سر غيب بين الله وبين رسله ومنه ما يتكلم به الأنبياء ولا يكتبونه ولكنهم يحدثون به الناس ويأمرونهم ببيانه ويبينون لهم أن الله أمرهم أن يبينوه للناس ويعلموهم إياه.
ومن الوحي ما يرسل الله من يشاء من ملائكته فيوحيه وحيا في قلوب من يشاء من رسله وقد بين لنا في كتابه أنه كان يرسل جبريل إلى محمد عليهما السلام فقال في كتابه: {قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوّاً لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ} وقال عز وجل: {وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ} إلى قوله {بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ} وأما قوله: "فيفصم عني" فمعناه ينفرج عني ويذهب كما تفصم الخلخال إذا فصمته لتخرجه من الرجل وكل عقدة حللتها فقد فصمتها قال الله عز وجل: {فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ

(22/114)


عَلِيمٌ} وانفصام العروة أن تفك عن موضعها وأصل الفصم عند العرب أن يفك الخلخال ولا يبين كسره فإذا كسرته فقد قصمته بالقاف قال ذو الرمة:
كأنه دملج من فضة نبه في ... ملعب من عذارى الحي مفصوم

(22/115)


الحديث الرابع
...
حديث رابع لهشام بن عروة
مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أنها قالت خسفت الشمس في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس فقام فأطال القيام ثم ركع فأطال الركوع ثم قام فأطال القيام وهو دون القيام الأول ثم ركع فأطال الركوع وهو دون الركوع الأول ثم رفع فسجد ثم فعل في الركعة الاخرة مثل ذلك ثم انصرف وقد تجلت الشمس فخطب الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: "إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته فإذا رأيتم ذلك فاذكروا الله وكبروا وتصدقوا ثم قال يا أمة محمد والله ما من أحد أغير من الله أن يزني عبده أو تزني أمته يا أمة محمد والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا.

(22/115)


قال أهل اللغة خسفت إذا ذهب ضوؤها ولونها وكسفت إذا تغير لونها يقال بئر خسيف إذا ذهب ماؤها وفلان كاسف اللون أي متغير اللون ومنهم من يجعل الخسوف والكسوف واحد والأول أولى والله أعلم.
وقد تقدم القول في معاني هذا الحديث وما للعلماء في صلاة الخسوف من المذاهب والمعاني ممهدا في باب زيد ابن أسلم بن أسلم من هذا الكتاب فلا معنى لإعادة ذلك ههنا.
وفي هذا الحديث حجة الشافعي في قوله: إن الإمام يخطب في الكسوف بعد الصلاة كالعيدين والاستسقاء ألا ترى إلى قوله في هذا الحديث: "ثم انصرف وقد تجلت فخطب الناس فحمد الله وأثنى عليه" وهو قول الطبري.
وقال مالك وأبو حنيفة وأصحابهما لا خطبة في الخسوف والحجة لهم أن خطبة رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ إنما كانت لأن الناس كانوا يقولون كسفت الشمس لموت إبراهيم ابن النبي صلى الله عليه وسلم فخطبهم ليعلمهم بأنه ليس كذلك وأن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته.
واحتج الشافعي ومن قال بقوله في أن القمر يصلى لكسوفه كما يصلى في كسوف الشمس سواء في جماعة وعلى هيئتها بقوله صلى الله عليه وسلم: "إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته فإذا رأيتم ذلك فصلوا" فندب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الصلاة عند خسوفهما ولم يخص إحداهما دون الأخرى بشيء وصلى عند كسوف الشمس فكان القمر في حكم ذلك عند كسوفه إذ لم ينقل عنه خلاف ذلك صلى الله عليه وسلم في القمر.

(22/116)


وقال مالك وأبو حنيفة يصلي الناس عند كسوف القمر وحدانا ركعتين ركعتين ركعتين ولا يصلون جماعة وكذلك القول عند أبي حنيفة في كسوف الشمس في هيئة الصلاة.
وقال الليث وعبد العزيز بن أبي سلمة لا يجمع فيها ولكن يصلونها منفردين على هيئة الصلاة في كسوف الشمس.
وقال الشافعي وأصحابه والطبري الصلاة في خسوف الشمس والقمر سواء على هيئة واحدة ركعتان في كل ركعة ركوعان جماعة وروي ذلك عن عثمان بن عفان وابن عباس وقد مضت هذه الآثار مهذبة في باب زيد بن أسلم من هذا الكتاب والحمد لله.

(22/117)


الحديث الخامس
...
حديث خامس لهشام بن عروة
مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا نعس أحدكم في صلاته فليرقد حتى يذهب عنه النوم فإن أحدكم إذا صلى وهو ناعس لا يدري لعله يذهب يستغفر فيسب نفسه" في هذا الحديث دلل على أن الصلاة لا ينبغي أن يقربها من لا يعقلها ويعقل حدودها وقد قال الضحاك بن مزاحم في قول الله عز وجل: {لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى} قال من النوم وأما معنى هذا

(22/117)


الحديث فبين لا مدخل للقول فيه إلا أن الاستدلال منه بأن النعاس والنوم اليسير لا ينقض الصلاة استدلال وصحيح إذا لم ينقض الصلاة لم ينقض الوضوء وقد مضى القول في أحكام النوم في باب أبي الزناد والحمد لله.
وفي هذا الحديث أيضا دليل على أن ما شغل القلب عن الصلاة وعن خشوعها وتمام ما يجب فيها فواجب تركه وواجب أن لا يصلي المرء إلا وقلبه متفرغ لصلاته ليكون متيقظا فيها مقبلا عليها وبالله التوفيق.
حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا ابن وضاح قال حدثنا موسى بن معاوية قال حدثنا وكيع عن سلمة عن الضحاك في قوله: {لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى} قال سكر النوم ولا أعلم أحدا قال ذلك غير الضحاك.
وأما عكرمة فقال نسختها {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا} الآية.
وقال مجاهد كانوا يصلون وهم سكارى قبل نزول تحريم الخمر فنزلت: {لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ} ثم نسخها تحريم الخمر.
وقال قتادة كانوا يحتسون الخمر ثم يصلون ثم نزل تحريم الخمر.
وقال ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب قال نزلت هذه الآية قبل تحريم الخمر فكانوا يجتنبونها عند الصلاة ثم نزل تحريم الخمر بعد ذلك في المائدة.

(22/118)


الحديث السادس
...
حديث سادس لهشام بن عروة
مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة ثم ينصرف فإذا سمع النداء بالصبح ركع ركعتين خفيفتين".
ذكر قوم من رواة هذا الحديث عن هشام بن عروة أنه كان لا يجلس في شيء من الخمس ركعات إلا في آخرهن رواه حماد بن سلمة وأبو عوانة ووهيب وغيرهم وذكروا أنه كان لا يسلم بينهن وذلك كله لا يثبت لأنه قد عارضه عن عائشة ما هو أثبت منه وأكثر الحفاظ رووا هذا الحديث عن هشام كما رواه مالك والأصول تعضد رواية مالك لأنه قد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "صلاة الليل مثنى مثنى" وهذا من الإحاديث التي لم يختلف في إسنادها ولا في متنها وهو حديث ثابت مجتمع على صحته وهو قاض في هذا الباب على ما كان ظاهره خلافه وقد أوضحنا هذا المعنى في غير موضع من كتابنا وذكرنا ما للعلماء في ذلك من التنازع وأخبرنا بالوجه المختار الصحيح عندنا والحمد لله ولا وجه لتكرار ذلك ههنا.
قال أبو عمر:
الرواية المخالفة في حديث هشام بن عروة هذا لرواية مالك فيه إنما حدث به عن هشام أهل العراق وما حدث به هشام بالمدينة قبل خروجه إلى العراق أصح عندهم ولقد حكى علي بن المديني عن يحيى بن سعيد القطان

(22/119)


قال رأيت مالك بن أنس في النوم فسألته عن هشام بن عروة فقال أما ما حدث به عندنا يعني بالمدينة قبل خروجه فكأنه يصححه وأما ما حدث به بعد ما خرج من عندنا فكأنه يوهنه وفي هذا الحديث دليل على أن ركعتي الفجر مما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يواظب عليهما وهما عندنا من مؤكدات السنن وإن كان بعض أصحابنا يخالف في ذلك وقد بينا الوجه فيه في باب شريك بن أبي نمر وغيره من هذا الكتاب والحمد لله.
وفي هذا الحديث من الفقه المواظبة على صلاة الليل وأن صلاة الليل آخرها الوتر إما بواحدة وإما بثلاث وقد قيل غير ذلك على حسبما أوضحناه في باب سعيد بن أبي سعيد وباب نافع والحمد لله وفيه النداء للصبح بعد الفجر وتخفيف ركعتبي الفجر وقد استدل به من زعم ان النداء بالصبح لا يكون إلا بعد الفجر وقد مضى القول في ذلك في باب ابن شهاب عن سالم والحمد لله وبه التوفيق.

(22/120)


الحديث السابع
...
حديث سابع لهشام بن عروة
مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: "كان أحب العمل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يدوم عليه صاحبه".
ومعنى هذا الحديث مفهوم لأن العمل الدائم يتصل أجره وحسناته. وما انقطع انقطع أجره وحسناته.
وفي هذا الحديث عندي دليل على أن قليل العمل إذا دام عليه صاحبه أزكى له والله يحب الرفق في الأمر كله ويرضاه ولا يرضى العنف وبالله التوفيق.

(22/120)


الحديث الثامن
...
حديث ثامن لهشام بن عروة
مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: "صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو شاك فصلى جالسا وصلى وراءه قوم قياما فأشار إليهم أن أجلسوا فلما انصرف قال: إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا ركع فاركعوا وإذا رفع فارفعوا وإذا صلى جالسا فصلوا جلوسا" .
وقد تقدم القول في معنى هذا الحديث مستوعبا مهذبا في باب ابن شهاب عن أنس من هذا الكتاب وقد روى هشام بن عروة عن أبيه مرسلا في رواية مالك ومسندا في رواية غيره نسخ هذا المعنى في الصلاة جالسا للصحيح خلف الإمام الجالس العليل وسيأتي في بابه من هذا الكتاب إن شاء الله.

(22/121)


الحديث التاسع
...
حديث تاسع لهشام بن عروة
مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أنها أخبرته: "أنها لم تر رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي صلاة الليل قاعدا قط حتى أسن فكان يقرأ قاعدا حتى إذا أراد أن يركع قام فقرأ نحوا من ثلاثين أو أربعين آية ثم ركع".

(22/121)


في هذا الحديث ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم من الصبر على الصلاة بالليل وفيه إباحة صلاة النافلة جالسا وهو أمر مجتمع عليه لا خلاف فيه وفيه رد على من أبى من أن يكون المصلي يصلي النافلة بعضها جالسا وبعضها قائما والذي عليه جمهور الفقهاء فيمن افتتح صلاة النافلة قاعدا أنه لا بأس أن يقوم فيها ويقرأ بما أحب على ما في هذا الحديث وشبهه.
واختلفوا فيمن افتتحها قائما ثم قعد فقال مالك والثوري وأبو حنيفة والشافعي يجوز أن يقعد فيها كما يجوز له أن يفتتحها قاعدا.
وقال الحسن بن حي وأبو يوسف ومحمد يصلي قائما ولا يجلس إلا من ضرورة لأنه افتتحها قائما وقال ابن جريج قلت لعطاء استفتحت الصلاة قائما فركعت ركعة وسجدت ثم قمت أفأجلس إن شئت بغير ركوع ولا سجود قال لا فأما المريض فقال ابن القاسم في المريض يصلي مضطجعا او قاعدا ثم يخف عنه المرض فيجد القوة أنه يقوم فيما بقي من صلاته ويبني على ما مضى منها وهو قول الشافعي وزفر والطبري.
وقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد فيمن صلى مضطجعا ركعة ثم صح أنه يستقبل الصلاة من أولها ولو كان قاعدا يركع ويسجد ثم صح بنى في قول أبي حنيفة ولم يبن في قول محمد.
وقال أبو حنيفة وأصحابه إذا افتتح الصلاة قائما ثم صار إلى حال الإيماء فإنه يبني.
وروي عن أبي يوسف أنه يستقبل.
وقال مالك في المريض الذي لا يستطيع الركوع ولا السجود وهو يستطيع القيام والجلوس أنه يصلي قائما ويومئ إلى الركوع فإذا أراد السجود جلس فأومأ إلى السجود وهو قول أبي يوسف وقياس قول الشافعي.
وقال أبو حنيفة وسائر اصحابه يصلي قاعدا.

(22/122)


وقال مالك وأبو حنيفة واصحابهما إذا صلى مضطجعا تكون رجلاه مما يلي القبلة مستقبل القبلة.
وقال الثوري والشافعي يصلي على جنبه ووجهه إلى القبلة وقد ذكرنا كيفية صلاة القاعد في باب إسماعيل بن محمد والحمد لله.

(22/123)


الحديث العاشر
...
حديث عاشر لهشام بن عروة
مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "مروا أبا بكر فليصل للناس فقالت عائشة إن أبا بكر إذا قام مقامك لم يسمع الناس من البكاء فمر عمر فليصل للناس قال مروا أبا بكر فليصل للناس فقالت عائشة فقلت لحفصة قولي له إن أبا بكر إذا قام في مقامك لم يسمع الناس من البكاء فمر عمر فليصل للناس ففعلت حفصة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنكن لأنتن صواحب يوسف مروا أبا بكر فليصل للناس فقالت حفصة لعائشة ما كنت لأصيب منك خيرا ".

(22/123)


في هذا الحديث من الفقه أن القوم إذا أجمعوا للصلاة فأحقهم وأولاهم بالإمامة فيها أفقههم لأن أبا بكر قدمه رسول الله صلى الله عليه وسلم للصلاة بجماعة أصحابه ومعلوم أنهم كان فيهم من هو أقرأ منه ولا سيما أبي بن كعب وهذه مسألة اختلف فيها السلف فقال مالك يؤم القوم أعلمهم إذا كانت حاله حسنة وللسن حق قيل له فأكثرهم قرآنا قال لا قد يقرأ من لا يكون فيه خير وقال الثوري يؤمهم أقرأهم فإن كانوا سواء فأعلمهم بالسنة فإن استووا فأسنهم قال الأوزاعي يؤمهم أفقههم في دين الله وقال أبو حنيفة يؤمهم أقرأهم لكتاب الله وأعلمهم للسنة فإن استووا في القراءة والعلم بالسنة فأكبرهم سنا فإن استووا في القراءة والفقه والسن فأورعهم.
قال محمد بن الحسن وغيره إنما قيل في الحديث أقرؤهم لأنهم أسلموا رجالا فتفقهوا فيما علموا من الكتاب والسنة أما اليوم فيتعلمون القرآن وهم صبيان لا فقه لهم وقال الليث يؤمهم أفضلهم وخيرهم ثم أقرؤهم ثم أسنهم إذا استووا وقال الشافعي يؤمهم أقرؤهم وأفقههم فإن لم يجتمع ذلك قدم أفقههم إذا كان يقرأ ما يكتفي به في صلاته وإن قدم أقرؤهم وعلم ما يلزمه في الصلاة فحسن وقال الأثرم قلت لأحمد بن حنبل رجلان أحدهما أفضل من صاحبه والآخر قرأ منه فقال حديث أبي مسعود يؤم القوم أقرأهم قال ألا ترى أن سالما مولى أبي حذيفة كان مع خيار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم عمر وأبو سلمة بن عبد الأسد وكان يؤمهم لأنه جمع القرآن وحديث عمرو بن سلمة أفهم للقرآن فقلت له حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مروا أبا بكر فليصل بالناس" أليس هو خلاف حديث أبي مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم: "يؤم القوم أقرؤهم" فقال: إنما قوله لأبي بكر: "يصلي بالناس" إنما أراد الخلافة وكان لأبي بكر فضل بين على غيره وإنما الأمر في الإمامة إلى القراءة وأما قصة أبي بكر فإنما أراد به الخلافة.

(22/124)


قال أبو عمر:
لما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مروا أبا بكر يصلي بالناس" في مرضه الذي توفي فيه واستخلفه على الصلاة وهي عظم الدين وكانت إليه لا يجوز أن يتقدم إليها أحد بحضرته صلى الله عليه وسلم فلما مرض استخلف عليها أبا بكر والصحابة متوافرون منهم علي وعمر وعثمان رضي الله عنهم استدل المسلمون بذلك على فضل أبي بكر وعلى أنه أحق بالخلافة بعد وعلمو ذلك فارتضوا لدنياهم وإمامتهم وخلافتهم من ارتضاه لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم لأجل دينهم وذلك إمامتهم في صلاتهم ولم يكن يمنع رسول الله صلى الله عليه وسلم من أن يصرح بخلافة أبي بكر بعده والله أعلم إلا أنه كان لا ينطق في دين الله بهواه ولا ينطق إلا بما يوحى إليه فيه قال الله عز وجل: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} ولم يكن يوحى إليه في الخلافة شيء وكان لا يتقدم بين يدي ربه في شيء وكان يحب أن يكون أبو بكر الخليفة بعده فلما لم ينزل عليه في ذلك وحي ونعني لم يؤمر بذلك ولكنه أراهم موضع الاختيار وموضع إرادته فعرف المسلمون ذلك منه فبايعوا أبا بكر بعده فخير لهم في ذلك ونفعهم الله به وبارك لهم فيه فقاتل أهل الردة حتى أقام الدين كما كان وعدل في الرعية وقسم بالسوية وسار بسيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى توفاه الله حميدا رضي الله عنه.
وقد روى هذا الحديث حماد بن سلمة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة بمعنى حديث مالك قال حماد وأخبرنا أيوب عن ابن أبي مليكة عن عائشة بمثله قال ابن أبي مليكة وأي خلافة أبين من هذا؟

(22/125)


وقد جاءت عن النبي صلى الله عليه وسلم آثار تدل على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسره ويعلم أن الخليفة بعده أبو بكر والله أعلم منها قوله صلى الله عليه وسلم: "اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر" حدثنا أحمد بن قاسم قال حدثنا قاسم ابن أصبغ قال حدثنا الحرث بن أبي أسامة قال حدثنا قبيصة بن عقبة الكوفي قال حدثنا سفيان بن سعيد بن عبد الملك بن عمير عن مولى لربيعي عن ربيعي عن حذيفة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر" .
وحدثنا أحمد بن عبد الله قال حدثنا الميمون بن حمزة قال حدثنا الطحاوي قال حدثني المزني قال حدثني الشافعي أخبرنا إبراهيم بن سعد ابن إبراهيم عن أبيه عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه أن أمرأة أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألته عن شيء فأمرها أن ترجع قالت يا رسول الله إن رجعت فلم أجدك قال كأنها تعني الموت قال: "فأتي أبا بكر" قال الشافعي وفي هذا دليل على خلافة أبي بكر.
وحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا جعفر بن محمد الصائغ قال حدثنا سليمان بن داود قال حدثنا إبراهيم بن سعد قال حدثنا أبي عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه أن امرأة أتت النبي صلى الله عليه وسلم فسألته عن شيء فقال لها: "ارجعي فقالت يا رسول الله إن رجعت فلم أجدك تعني الموت قال فأتي أبا بكر" .
حدثنا عبد الوارث قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا منصور بن سلمة الخزاعي أبو سلمة قال حدثنا إبراهيم بن سعد عن أبيه عن محمد بن جبير عن أبيه قال أتت النبي عليه السلام امرأة تكلمه في شيء فأمرها أن ترجع إليه فقالت إن جئت ولم أجدك قال: "فأتي أبا بكر".

(22/126)


أخبرنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن قال حدثنا أبو بكر محمد بن عبد الله الشافعي ببغداد إملاء في الجامع يوم الجمعة سنة تسع وأربعين وثلاثمائة قال حدثنا محمد بن أحمد بن أبي العوام الرياحي سنة ست وسبعين ومائتين قال أخبرني أبي قال حدثنا محمد بن يزيد عن إسماعيل بن أبي خالد عن زر عن عبد الله قال كان رجوع الأنصار يوم سقيفة بني ساعدة لكلام قاله عمر أنشدكم بالله أتعلمون أن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر ابا بكر أن يصلي بالناس قالوا نعم قال فأيكم تطيب نفسه أن يزيله عن مقام أقامه فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا كلنا لا تطيب أنفسنا أن نزيله عن مقام أقامة فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
أخبرنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أبو بكر محمد بن أبي العوام قال حدثني أبي أحمد بن يزيد أبي العوام قال حدثنا محمد بن يزيد الوسطي قال حدثنا إسماعيل بن أبي خالد عن زر عن عبد الله بن مسعود قال كان رجوع الأنصار يوم سقيفة بني ساعدة بكلام قاله عمر ابن الخطاب نشدتكم الله هل تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر ابا بكر أن يصلي بالناس قالوا اللهم نعم قال فأيكم تطيب نفسه أن يزيله عن مقام أقامه فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا كلنا لا تطيب نفسه نستغفر الله وأجمعوا أن أبا بكر كان يكتب من خليفة رسول الله في كتبه كلها وذكر نافع ابن عمر الجمحي عن ابن أبي مليكة أن رجلا قال لأبي بكر يا خليفة الله فقال أبو بكر أنا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا راض بذلك وبعث عمر بن عبد العزيز محمد بن الزبير إلى الحسن يسأله هل استخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر؟ فقال: نعم.

(22/127)


قال أبو عمر
إنما قال هذا استدلالا بنحو ما ذكرنا من الحديث والله أعلم ولم يختلف عن عمر أنه لما حضرته الوفاة قال: "إن أستخلف فقد استخلف أبو بكر وإن لم أستخلف فلم يستخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم" قال ابن عمر فلما ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم علمت أنه لا يستخلف وهذا معناه أنه لم يستخلف نصا ولا تصريحا والله أعلم.
حدثنا عبد الوارث قال حدثنا قاسم قال حدثنا أحمد بن زبير قال حدثنا أحمد بن محمد بن أيوب قال حدثنا إبراهيم بن سعد عن محمد بن إسحاق عن الزهري عن عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمان عن أبيه عن عبد الله بن زمعة بن الأسود قال قلت لعمر صل بالناس وأبو بكر غائب في مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما كبر سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم صوته فقال وأين أبو بكر يأبى الله ذلك والمسلمون يأبى الله ذلك والمسلمون مرتين فبعث إلى أبي بكر فجاء بعد أن صلى عمر تلك الصلاة فصلى بالناس.
حدثنا خلف بن القاسم قال حدثنا ابن المفسر حدثنا أحمد بن علي القاضي قال حدثنا عبيد الله بن عمر القوارري حدثنا عبد الله بن داود عن هشام بن عروة عن أبيه عن ابن عمر قال لما طعن عمر رحمه الله قالوا له ألا تستخلف قال احتملكم حيا وميتا حظي منكم الكفاف لا علي ولا لي إن أترككم فقد ترككم من هو خير مني ومنكم رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن استخلف فقد استخلف من هو خير مني أبو بكر قال وحدثنا أحمد بن علي قال حدثنا أبو بكر وعثمان ابنا أبي شيبة قالا حدثنا حسين بن علي عن زائدة ابن قدامة عن عاصم عن زر عن عبد الله قال لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت الأنصار منا أمير ومنكم أمير قال فأتاهم عمر بن الخطاب فقال يا معشر الأنصار الستم تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال مروا أبا بكر يؤم

(22/128)


الناس فأيكم تطيب نفسه يتقدم أبا بكر قال فقالت الأنصار نعوذ بالله أن نتقدم أبا بكر.
قال أحمد بن علي وحدثنا ابو خيثمة زهير بن حرب حدثنا معاوية ابن عمرو عن زائدة عن عاصم عن زر عن عبد الله مثله أخبرنا عبد الله ابن محمد حدثنا محمد بن بكر بن داسة حدثنا حسان بن الحسين الإمام حدثنا حجاج بن منهال حدثنا حماد بن سلمة عن حميد وثابت عن الحسن عن قيس بن عباد قال قال لي علي بن أبي طالب إن نبيكم صلى الله عليه وسلم نبي الرحمة لم يقتل قتلا ولم يمت فجأة مرض ليالي وأياما يأتيه بلال فيؤذنه بالصلاة وهو يرى مكاني فيقول ائت أبا بكر فليصل بالناس فلما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم نظرت في أمري فإذا الصلاة عظم الإسلام وقوام الدين فرضينا لدنيانا من رضيه رسول الله صلى الله عليه وسلم لديننا فبايعنا أبا بكر.
وحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا الحسين بن علي الأشناني قال حدثنا إسحاق بن إبراهيم حدثني عمرو بن الحرث قال حدثني عبد الله بن سالم عن الزبيدي قال قال عبد الرحمان بن القاسم أخبرني القاسم ان عائشة قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لقد هممت أن أرسل إلى أبي بكر فأعهد إليه فإنه رب متمن وقائل أنا أنا وسيدفع الله ويأبى ذلك والمؤمنون" . وقد استدل قوم من أهل العلم على خلافة أبي بكر بقول الله عز وجل: {قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ} الآية ومعلوم أن الداعي لأولئك القوم غير النبي صلى الله عليه وسلم لأن الله قد منع المخلفين

(22/129)


من الأعراب من الخروج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: {فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوّاً إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ} الآية وقد أرادوا الخروج معه إلى بعض ما رجوا فيه الغنيمة فأنزل الله: {سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ} يعني قوله: {لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً} ولا تبديل لكلمات الله.
وفي قوله عز وجل: {فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْراً حَسَناً وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً} أوضح الدلائل على وجوب طاعة أبي بكر وإمامته وعد الله المخلفين عن رسوله إذا أطاعوا الذي يدعوهم بعده بالأجر الحسن وأوعدهم بالعذاب الأليم إن تولوا عنه وللعلماء في قول الله عز وجل: {قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ} قولان لا ثالث لهما أحدهما أنهم قالوا أراد بقوله: {إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ} أهل اليمامة مع مسيلمة وقال آخرون أراد فارس فإن كان كما قالوا اهل اليمامة فأبو بكر هو الذي دعاهم إلى قتالهم وإن كانوا فارس فعمر دعا إلى قتالهم وعمر إنما استخلفه أبو بكر فعلى أي الوجهين كان فالقرآن يقتضي بما وصفنا إمامة أبي بكر وخلافته وإن كان أراد فارس فهو دليل إمامة عمر وخلافته وقد قال من لا علم له بتأويل القرآن إنهم هوازن وحنين وهذا ليس بشيء لقول الله: {فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوّاً} وقوله: {ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ

(22/130)


مِنْ قَبْلُ} الآية ومعلوم أن من واسى رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبه أخيرا لا يلحق في الفضل بمن واساه ونصره وصحبه أولا قال الله عز وجل: {لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ} وكان أبو بكر أول الناس عزر رسول الله صلى الله عليه وسلم ونصره وآمن به وصدقه وصابر على الأذى فيه فاستحق بذلك الفضل العظيم لأن كل ما صنعه غيره بعده قد شاركه فيه وفاتهم وسبقهم بما تقدم إليه فلفضله ذلك استحق الإمامة إذ شأنها أن تكون في الفاضل أبدا ما وجد إليه السبيل والآثار في فضائله ليس هذا موضع ذكرها وإنما ذكرنا استحقاقه للخلافة بدليل الكتاب والسنة.
روى إسرائيل عن أبي إسحاق عن إبراهيم النخعي عن عبد الرحمان ابن يزيد قال قال عبد الله بن مسعود: "اجعلوا إمامكم خيركم فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل إمامنا خيرنا بعده".
حدثنا عبد الوارث قال حدثنا قاسم قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا موسى بن إسماعيل قال حدثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن عبد الرحمان بن أبي بكرة عن أبيه أن رجلا قال يا رسول الله رأيت كأن ميزانا دلي من السماء فوزنت أنت فيه وأبو بكر فرجحت بأبي بكر ثم وزن فيه أبو بكر وعمر فرجح أبو بكر بعمر ثم رفع الميزان فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "نبوة وخلافة ثم يؤتي الله الملك من يشاء" . وأما قول رسول الله صلى الله عليه وسلم

(22/131)


لعلي: "أنت مني بمنزلة هارون من موسى" . واحتجاج أهل الزيغ به على أنه أراد بذلك استخلافه فقد أجابه عن ذلك أبو إسحاق المروزي رحمه الله بجواب على وجهين مجملين أحدهما أن هارون كان خليفة موسى في حياته ولم يكن علي خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته وإذا جاز أن يتأخر علي عن خلافة رسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته على حسبما كان هارون خليفة موسى في حياته جاز أن يتأخر بعد موته زمانا ويكون غيره مقدما عليه ويكون معنى الحديث القصد إلى إثبات الخلافة له كما ثبتت لهارون لا أنه استحق تعجيلها في الوقت الذي تعجلها هارون من موسى عليه السلام والوجه الاخر أن هذا الكلام إنما خرج من النبي عليه السلام في تفضيل علي ومعرفة حقه لا في الإمامة لأنه ليس كل من وجب حقه وصار مفضلا استحق الإمامة لأن هارون مات قبل موسى بزمان فاستخلف موسى بعده يوشع بن نون فهارون إنما كان خليفة لموسى في حياته وقد علم أن عليا لم يكن خليفة النبي صلى الله عليه وسلم في حياته ولم يكن هارون خليفة لموسى بعد موته فيكون ذلك دليلا على أن عليا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد موته.
قال أبو عمر:
كان هذا القول من النبي صلى الله عليه وسلم لعلي حين استخلفه على المدينة في وقت خروجه غازيا غزوة تبوك وهذا استخلاف منه في حياته وقد شركه في مثل هذا الاستخلاف غيره من لا يدعي له أحد خلافة جماعة قد ذكرهم أهل السنة وقد ذكرناهم في كتاب الصحابة وليس في استخلافه حين قال له ذلك القول دليل على أنه خليفة بعد موته والله أعلم وأما قوله صلى الله عليه وسلم: "من كنت

(22/132)


مولاه فعلي مولاه" . فيحتمل للتأويل لأن المولى يحتمل وجوها في اللغة أصحها أنه الولي والناصر وليس في شيء منها ما يدل على أنه استخلفه بعده ولا ينكر فضل علي مؤمن ولا يجهل سابقته وموضعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن دين الله عالم وقد ثبت عنه رضي الله عنه أنه فضل أبا بكر على نفسه من طرق صحاح وقال خير الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر ثم عمر وحسبك بهذا منه رضي الله عنه.
وأما قول عائشة: "إن أبا بكر إذا قام مقامك لم يسمع الناس من البكاء فمر عمر فليصل للناس" فإنها كرهت فيما زعموا أن يتشاءم الناس بأبيها فيقولون إنه لم ير إماما إلا في حين مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم وحين موته فقالت ما قالت فأنكر رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك عليها وعلى حفصة وقال: "إنكن صواحب يوسف" يريد إنكن فتنة قد فتنتن يوسف وغيره وصددتنه عن الحق قديما يريد النساء ويعيبهن بذلك كلاما خرج على غضب لاعتراضهن له وهن أمهات المؤمنين وخير نساء العالمين رضي الله عنهن وكذلك قول حفصة لعائشة ما كنت لأصيب منك خيرا خرج على جهة الغضب عليها لأنها عرضتها لما كرهه رسول الله صلى الله عليه وسلم منها من القول فلقيت من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لا يسرها من إنكاره عليها وانتهارها فرجعت تلوم عائشة إذ كانت سبب ذلك وهذا كله موجود في طباع بني آدم وإذا كان ذلك في أولئك فغيرهم أحرى بأن يسامح في ذلك وشبهه وبالله التوفيق.
حدثنا خلف بن القاسم وسلمة بن سعيد بن سلمة قالا حدثنا الحسن بن رشيق قال حدثنا العباس بن محمد البصري قال حدثنا خشيش بن أصرم،

(22/133)


قال حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن حمزة بن عبد الله بن عمر عن عائشة أنها قالت: "والله ما كانت مراجعتي النبي صلى الله عليه وسلم إذ قال مروا أبا بكر أن يصلي للناس إلا كراهية أن يتشاءم الناس بأول رجل يقوم مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فيكون ذلك الرجل أبي" وأما قوله: "إن أبا بكر إذا قام مقامك لم يسمع الناس من البكاء" ففيه دليل على أن البكاء في الصلاة لا يقطعها ولا يضرها إذا كان من خوف الله أو على مصيبة في دين الله ذكر ابن المبارك عن حماد بن سلمة عن ثابت البناني عن مطرف بن عبد الله بن الشخير عن أبيه قال أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي ولجوفه أزيز كأزيز المرجل يعني من البكاء.
واختلف الفقهاء في الأنين في الصلاة فقال مالك الأنين لا يقطع الصلاة للمريض وأكرهه للصحيح وروى ابن عبد الحكم عن مالك النشيج والأنين والنفخ لا يقطع الصلاة وقال ابن القاسم يقطع وقال الثوري أكره الأنين للصحيح وقال الشافعي إن كان له حروف تسمع وتفهم قطع الصلاة وقال أبو حنيفة إن كان من خوف الله لم يقطع وإن كان من وجع قطع وروي أبي يوسف أن صلاته تامة في ذلك كله لأنه لا يخلو مريض ولا ضعيف من الأنين.
قال أبو عمر:
في حديث هذا الباب مع حديث ابن الشخير دليل على أن البكاء لا يقطع الصلاة وهذا ما لم يكن كلاما تفهم حروفه ولم يكن ضعفا وعبثا وكان من خشية الله أو فيما أباحه الله تعالى وجل وبه التوفيق.

(22/134)


الحديث الحادي عشر
...
حديث حادي عشر لهشام بن عروة
مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: "أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بصبي فبال على ثوبه فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بماء فأتبعه إياه".
وقد مضى القول في معنى هذا الحديث وما للعلماء فيه من المذاهب في باب ابن شهاب عن عبد الله من هذا الكتاب.
حدثنا أحمد بن القاسم بن عيسى قال حدثنا عبيد الله بن محمد بن حبابة قال قال حدثنا البغوي قال حدثنا علي بن الجعد قال أخبرني المبارك بن فضالة عن الحسن بن عبد الله عن أم سلمة قالت: "بول الغلام يصب عليه الماء وبول الجارية يغسل طعمت أو لم تطعم".
قال أبو عمر:
وهو قول ابن وهب رحمه الله وروى حميد عن الحسن أنه قال في بول الجارية يغسل غسلا وبول الغلام يتبع بالماء وعلى هذا القول تكون الآثار المرفوعة في هذا الكتاب كلها غير متدافعة ولا متضادة وقد ذكرنا كثيرا من آثار هذا الباب ومعانيه في باب ابن شهاب عن عبيد الله من هذا الكتاب.

(22/135)


الحديث الثاني عشر
...
حديث ثاني عشر لهشام بن عروة
مالك عن هشام عن عروة عن أبيه عن عائشة "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى في جدار القبلة بصاقا أو مخاطا أو نخامة فحكه".
قال أبو عمر:
يقال إن البصاق ما خرج من الفم وفيه لغتان بصاق وبزاق والمخاط ما خرج من الأنف والنخامة ما خرج من الحلق وليس شيء من ذلك بنجس ولكن القبلة يجب أن تنزه عن ذلك وقد تقدم القول في معنى هذا الحديث في باب نافع من هذا الكتاب والحمد لله.

(22/136)


الحديث الثالث عشر
...
حديث ثالث عشر لهشام بن عروة
مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: "كنت أرجل رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا حائض".
هكذا روى هذا الحديث أكثر الرواة ومنهم من يقول فيه وهو معتكف وأنا في حجرتي حدثنا خلف بن قاسم حدثنا محمد بن إبراهيم بن إسحاق السراج حدثنا محمد بن الحسن حدثنا عبد الله بن مسلمة حدثنا مالك عن

(22/136)


هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج إلي رأسه من المسجد وهو مجاور وأنا في حجرتي فأرجل رأسه وأنا حائض" وقد مضى القول في معنى العمل في الاعتكاف وما يجتنبه المعتكف وما لا بأس عليه في عمله مجودا في باب ابن شهاب وفي هذا الحديث تفسير لقول الله عز وجل: {وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} وفيه بيان أن مباشرة المرأة للرجل ليست كمباشرة الرجل لها وأن المعنى المراد بالمباشرة ههنا الجماع وما كان في معناه وقد تقدم القول في ذلك كله والحمد لله.
وفي هذا الحديث دليل على أن الحائض ليست بنجس وهو أمر مجتمع عليه وقد قال صلى الله عليه وسلم لعائشة: "ناوليني الخمرة فقالت إني حائض فقال إن حيضتك ليست بيدك" وقد مضى القول في معنى هذا الحديث في باب ربيعة وفي ترجيل عائشة شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي حائض تفسير لقول الله عز وجل: { فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ} لأن اعتزالهن كان يحتمل أن لا يقربن في البيوت ولا يجتمع معهن في مواكلة ولا مشاربة ويحتمل أن يكون اعتزال الوطء لا غير ويحتمل أن يكون مباشرتهن مؤتزرات فبين رسول الله صلى الله عليه وسلم مراد الله من ذلك على ما قد أوضحناه وذكرنا اختلاف العلماء فيه وما جاء في ذلك من الآثار عن النبي عليه السلام في باب ربيعة وقد ذكرنا كثيرا من حكم طهارة الحائض في باب ابن شهاب عن عروة في حديث الاعتكاف وذكرنا في باب نافع الحكم في الضوء بسؤر المراة وفضل وضوئها والاغتسال معها في إناء واحد وهو أمر صحت به الآثار واتفق عليه فقهاء الأمصار وفيه دليل على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ذا شعر وقد مضى في باب زيد بن سعد من هذا الكتاب أنه كان يسدل ناصيته ثم فرق بعد

(22/137)


ومضى القول هناك في شعره صلى الله عليه وسلم وفي هذا الحديث دليل على إباحة ترجيل الشعر وقد كره رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجل رآه ثائر شعر الرأس وأمره بتسكين شعره وترجيله إلا أنه قد روي عنه عليه السلام أنه نهى عن الترجل إلا غبا.
حدثنا عبد الوارث قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أبو مسلم الكشي قال حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا هشام عن الحسن عن عبد الله بن معقل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم "نهى عن الترجل إلا غبا".
وفي هذا الحديث دليل على إباحة حبس الشعر والجمم والوفرات والحلق ايضا مباح لأن الرسول صلى الله عليه وسلم حلق رؤوس بني جعفر بن أبي طالب بعد أن أتاه خبر قتله بثلاثة أيام ولو لم يجز الحلق ما حلقهم والحلق في الحج نسك ولو كان مثله كان كما قال من قال ذلك ما جاز في الحج ولا في غيره لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن المثلة وقد أجمع العلماء في جميع الآفاق على إباحة حبس الشعر وعلى إباحة الحلاق وكفى بهذا حجة وبالله التوفيق.
حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا عفان بن مسلم وموسى بن إسماعيل عن مهدي بن ميمون عن محمد بن أبي يعقوب عن الحسن بن سعد عن عبد الله بن جعفر أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى آل جعفر بعد ثلاث يعني من موت جعفر فقال لا تبكوا على أخي بعد اليوم ادعوا لي بني أخي قال فجيء فأغيلمة كأنهم أفرخ محمد وعون وعبد الله فقال ادعوا لي الحلاق قال فجاء الحلاق فحلق رؤوسهم ثم

(22/138)


أخذ بيد عبد الله فأشالها فقال: "اللهم اخلف جعفرا في أهله وبارك لعبد الله في صفقة يمينه" فجاءت أمهم فقال تخافين عليهم العيلة وأنا وليهم في الدنيا والآخرة.

(22/139)


الحديث الرابع عشر
...
حديث رابع عشر لهشام بن عروة
مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أنها قالت: "إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليقبل بعض أزواجه وهو صائم ثم تضحك". قد مضى القول في القبلة للصائم في باب زيد بن أسلم عن عطاء ابن يسار من هذا الكتاب وقد روى هذا الحديث ابن سلمة عن عروة عن عائشة وسماع أبي سلمة من عائشة صحيح وهو أسن من عروة.
حدثنا خلف بن القاسم قال حدثنا عبد الله بن محمد الحمصي القاضي قال حدثنا يوسف بن يعقوب القاضي حدثنا مسلم بن إبراهيم حدثنا هشام عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن عروة عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقبل وهو صائم.

(22/139)


الحديث الخامس عشر
...
حديث خامس عشر لهشام بن عروة
ملاك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كفن في ثلاثة أثواب بيض سحولية ليس فيها قميص ولا عمامة.
هذا أثبت حديث يروى في كفن الرسول صلى الله عليه وسلم وهو الأصل في كفن الرجل الميت وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كفن في ثوب حبرة وقد روي أنه كفن في ريطتين وبرد نجراني وهذا غير صحيح لأن عائشة قالت أخر عنه البرد.
حدثنا عبد الله بن محمد قال قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا أحمد بن حنبل قال حدثنا الوليد بن مسلم قال حدثنا الأوزاعي قال حدثنا الزهري عن القسم بن محمد عن عائشة قالت أدرج النبي صلى الله عليه وسلم في ثوب حبرة ثم أخر عنه.
وقد روي من حديث أهل اليمن عن وهب بن منبه عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا توفي أحدكم فوجد شيئا فليكفن في برد حبرة وأما قوله في هذا الحديث: "بيض سحولية" فالسحولية ثياب قطن تصنع باليمن وقيل السحولية البيض.
قال المسيب بن علس
في الآل يخفضها ويرفعها
...
ريع يلوح كأنه سحل

(22/140)


والسحل الثوب الأبيض يشبه الطريق به ويقال سحول قرية باليمن حدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا أحمد بن حنبل قال حدثنا يحيى بن سعيد عن هشام بن عروة قال أخبرني أبي قال أخبرتني عائشة قالت كفن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثلاثة أثواب بيض ليس فيها قميص ولا عمامة.
ورواه حفص بن غياث عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة وزاد من كرسف قال فذكر لعائشة قولهم في ثوبين وبرد حبرة فقالت أتي بالبرد ولكنهم ردوه ولم يكفنوه فيه.
وكذلك روى الثوري عن هشام في هذا الحديث أنها من كرسف والكرسف القطن.
حدثنا عبد الوارث بن سفيان وأحمد بن قاسم قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا الحرث بن أبي أسامة قال حدثنا أبو نعيم قال حدثنا سفيان عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت كفن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثلاثة اثواب سحول كرسف ليس فيها قميص ولا عمامة.
وحدثنا سعيد بن نصر وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا إسماعيل بن إسحاق قال حدثنا سليمان بن حرب قال حدثنا حماد ابن سلمة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت كفن رسول الله صلى الله عليه وسلم

(22/141)


صلى الله عليه وسلم في ثلاثة أثواب سحولية بيض يمانية ليس فيها قميص ولا وكان عبد الله بن أبي بكر قد أعطاهم حلة حبرة فأدرجوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها ثم استخرجوه منها.
قال إسماعيل وحدثنا هدبة بن خالد قال حدثنا ابن المبارك عن هشام ابن عروة عن أبيه قال ذكر لعائشة فقالت نحن أعلم إنما تلك الحلة كانت لعبد الله بن أبي بكر أرادوا أن يكفنوه فيها فلم يفعلوا كفن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثلاثة اثواب بيض سحولية.
قال أبو عمر:
هذه الآثار الصحاح ترد حديث يزيد بن أبي زياد عن مقسم عن ابن عباس قال كفن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثلاثة أثواب في قميصه الذي مات فيه وحلة له نجرانية وكيف يكفن في قميصه وعائشة تقول ليس فيها قميص وحديثها من جهة الاسناد أثبت وقد بانت فيه حلة البرد وأنه لم يتم تكفينه فيه فهذه زيادة يجب قبولها والمصير إليها أولى والله أعلم.
وأما الفقهاء فأكثرهم يستحبون في الكفن ما في هذا الحديث وكلهم لا يرون في الكفن شيئا واجبا لا يجوز غيره وما كفن فيه الميت منها يواري عورته ويستره أجزأ.
قال مالك رحمه الله ليس في كفن الميت حد ويستحب الوتر وفي رواية أخرى عنه أحب إلي أن يكفن الرجل في ثلاثة أثواب ويعمم ولا أحب أن يكفن في أقل من ثلاثة أثواب.

(22/142)


وقال أبو حنيفة واصحابه أدنى ما تكفن فيه المرأة ثلاثة اثواب والسنة فيها خمسة والرجل في ثوبين والسنة فيه ثلاثة.
وقال الأوزاعي والثوري يكفن الرجل في ثلاثة أثواب والمرأة في خمسة وهو أحد قولي الشافعي وهو قول أحمد وإسحاق وأبي ثور وروي عن الشافعي أيضا أنه قال أحب إلي أن لا يجاوز خمسة أثواب في كفن المرأة والثوب يجزئ واستحب ابن علية القميص في الكفن.
قال أبو عمر:
قولهم في هذا الباب كله استحسان والأصل ما ذكرت لك وقد كفن أبو بكر في ثوبين وثوب كان يلبسه باليا رواه عبد الرحمان بن القاسم عن أبيه وهشام بن عروة عن أبيه وكان ابن عمر يعمم الميت ويسدل طرف العمامة على وجهه رواه معمر عن أيوب عن نافع ورواه ابن جريج وعبد الله عن نافع عن ابن عمر.
وروى مالك عن ابن شهاب عن حميد بن عبد الرحمان عن عبد الله بن عمرو بن العاصي قال الميت يقمص ويؤزر ويلف في الثياب فإن لم يكن إلا ثوب واحد لف فيه.
وروى أيوب عن نافع أن ابن عمر كفن ابنه واحدا في خمسة أثواب قميص وثلاث لفائف وعمامة وعممه من تحت لحيته.
وأجمعوا أن حمزة كفن في ثوب واحد وأن مصعب بن عمير كفنه رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثوب واحد وهذا كله يوضح لك أن ما حد من العدد في الكفن استحسان واستحباب فمن وجد فليستعمل ما استحبوا ومن لم يجد أجزأه ما ستره.

(22/143)


وقيل لأبي بكر الصديق رضي الله عنه ألا تشتري لك ثوبا جديدا فقال الحي أحوج إلى الجديد من الميت إنما هو للمهلة كفنوني في ثوبي هذا واغسلوه وكان به مشق مع ثوبين آخرين قال ابن حبيب المهلة بكسر الميم صديد الجسد والمهلة بضم الميم عكر الزيت ومنه قوله عز وجل: {بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ} والمهلة بضم الميم التمهل وأخبرنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا محمد بن عبيد المحاربي قال حدثنا عمرو بن هشام أبو مالك الجنبي عن إسماعيل بن خالد عن عامر عن علي بن أبي طالب قال لا تغالوا في كفن فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لا تغالوا في الكفن فإنه يسلب سلبا سريعا" .
قال أبو عمر:
استحب مالك أن يعمم الميت وزعم أصحابه أن العمامة عندهم معروفة بالمدينة في كفن الرجل قالوا وكذلك الخمار للمراة وكذلك استحب مالك أيضا أن يقمص الميت وأما الشافعي فقال أحب الكفن إلي ثلاثة اثواب لفائف بيض ليس فيها قميص ولا عمامة فإن ذلك الذي اختاره الله لنبيه صلى الله عليه وسلم واختاره له أصحابه رحمهم الله.
وقال عيسى بن دينار لا ينبغي لمن لم يجد أن ينقص الميت من ثلاثة اثواب يدرج فيها إدراجا لا يجعل له إزار ولا عمامة ولكن يدرج كما

(22/144)


أدرج النبي صلى الله عليه وسلم ولا ينبغي أن يزاد الرجل على ثلاثة أثواب وينبغي لمن يجد أن لا ينقص المرأة من خمسة اثواب درع وخمار وثلاث لفائف أما الخمار فيخمر به رأسها وأما الدرع فيفتح في وسطه ثم تلبسه ولا يخاط في جوانبه وأحد اللفائف يلف على حجزتها وفخذيها حتى يستوي ذلك منها بسائر جسدها ثم تدرج في اللفافتين الباقيتين كما يدرج الرجل.
قال أبو عمر:
أما اللفافة التي تلف على حجزتها فهو المئزر الذي تشعر به يلي جلدها وهو النطاق عند أهل العلم وقد ذكرناه عند قوله صلى الله عليه وسلم: "أشعرنها إياه" في حديث أيوب وجمهور الفقهاء على أن الكفن من رأس المال.
قال عيسى بن دينار يجبر الغرماء والورثة على ثلاثة أثواب من مال الميت تكون من أوسط ثيابه التي كانت تترك عليه لو أفلس.
قال أبو عمر:
خير ما كفن فيه الموتى البياض من الثياب ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال قال: "خير ثيابكم البياض فكفنوا فيها أمواتكم وليلبسها أحياؤكم" .
والحبرة محمود أيضا في الكفن لمن قدر عليه ويكره الخز والحرير والثوب الرقيق الذي يصف والمصبوغ كله غيره أفضل منه وما كفن فيه الميت مما ستر العورة ووارى أجزأ وبالله التوفيق.

(22/145)


الحديث السادس عشر
...
حديث سادس عشر لهشام بن عروة
مالك عن هشام بن عروة عن أبيه أن حمزة بن عمرو الأسلمي قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم يا رسول الله إني رجل أصوم أفأصوم في السفر فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن شئت فصم وإن شئت فأفطر" .
هكذا قال يحيى عن مالك عن هشام عن أبيه أن حمزة بن عمرو وقال سائر أصحاب مالك عن هشام عن أبيه عن عائشة أن حمزة بن عمرو الأسلمي قال يا رسول الله أصوم في السفر وكان كثير الصيام.
والحديث محفوظ عن هشام عن أبيه عن عائشة كذلك رواه جماعة عن هشام منهم ابن عيينة وحماد بن سلمة ومحمد بن عجلان وعبد الرحيم بن سليمان ويحيى القطان ويحيى بن هاشم ويحيى بن عبد الله بن سالم وعمرو بن هاشم وابن نمير وأبو أسامة ووكيع وأبو معاوية والليث بن سعد وأبو ضمرة وأبو إسحاق الفزاري كلهم رووه عن هشام عن أبيه عن عائشة كما رواه جمهور أصحاب مالك عن مالك عن هشام عن أبيه عن عائشة.
ورواه أبو معشر المدني وجرير بن عبد الحميد والمفضل بن فضالة كلهم عن هشام عن أبيه أن حمزة بن عمرو كما رواه يحيى عن مالك سواء حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن الجهم قال حدثنا عبد الوهاب قال أخبرنا أبو معشر المدني عن هشام بن عروة عن أبيه أن حمزة بن عمرو الأسلمي قال جئت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسالته فقلت يا رسول الله إني رجل أصوم أفأصوم في السفر قال: "إن شئت فصم وإن شئت فأفطر" .

(22/146)


وروى ابن وهب في موطئه قال أخبرني عمرو بن الحرث عن أبي الأسود عن عروة بن الزبير عن أبي مراوح عن حمزة بن عمرو الأسلمي انه قال يا رسول الله أجد بي قوة على الصيام في السفر فهل علي من جناح فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هي رخصة من الله فمن أخذ بها فحسن ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه" فهذا أبو الأسود وهو ثبت في عروة وغيره قد خالف هشاما فجعل الحديث عن عروة عن أبي مراوح عن حمزة وهشام يجعله عن عروة عن عائشة.
وفي رواية أبي الأسود ما يدل على أن رواية يحيى ليست بخطأ وقد روى سليمان بن يسار هذا الحديث عن حمزة بن عمرو الأسلمي وسنه قريب من سن عروة والحديث صحيح لعروة وقد يجوز أن يكون عروة سمعه من عائشة ومن أبي مراوح جميعا عن حمزة فحدث به عن كل واحد منهما وأرسله أحيانا والله أعلم.
وفي هذا الحديث التخيير للصائم في رمضان إن شاء أن يصوم في سفره وإن شاء أن يفطر وهو أمر مجتمع عليه من جماعة فقهاء الأمصار وهو الصحيح في هذا الباب.
وذكر عبد الرزاق عن معمر عن أيوب قال دعا عمر بن عبد العزيز سالم بن عبد الله وعروة بن الزبير فسألهما عن الصيام في السفر فقال عروة يصوم وقال سالم لا يصوم فقال عروة إنما أحدث عن عائشة وقال سالم:

(22/147)


إنما أحدث عن عبد الله بن عمر قال فلما امتريا قال عمر: "اللهم غفرا صمه في اليسر وأفطره في العسر".
وقد بينا ما في هذه المسألة من التنازع بين السلف وما فيها بين الخلف من الاختلاف في الأفضل من الصوم أو الفطر في السفر في رمضان وأوضحنا المعاني في ذلك وبسطناها في غير موضع من كتابنا هذا منها باب حميد الطويل وباب ابن شهاب عن عبيد الله وباب سمي والله الموفق للصواب لا شريك له.

(22/148)


الحديث السابع عشر
...
حديث سابع عشر لهشام بن عروة
مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: "كان يوم عاشوراء يوما تصومه قريش في الجاهلية وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصومه في الجاهلية فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم صامه وأمر بصيامه فلما فرض رمضان كان هو الفريضة وترك يوم عاشوراء فمن شاء صامه ومن شاء تركه".
اختلف في ألفاظ هذا الحديث عن عائشة وغيرها وقد ذكرنا ما يجب من القول في ذلك كله في باب ابن شهاب عن حميد بن عبد الرحمان من هذا الكتاب فلا معنى لإعادة ذلك ههنا وأجمع العلماء على أن لا فرض في الصوم غير شهر رمضان وعلى أن يوم عاشوراء مندوب إلى صومه وأن له فضلا

(22/148)


على غيره على ما قد بيناه في باب ابن شهاب عن حميد بن عبد الرحمان بن عوف ومعنى قول عائشة وترك يوم عاشوراء أي ترك صومه على الإيجاب إذ لا فرض غير رمضان ومثل حديث عائشة هذا حديث ابن عمر روى ابن القاسم عن مالك عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ذكر يوم عاشوراء فقال: "كان يوما يصومه أهل الجاهلية فمن شاء فليصمه ومن شاء فليفطره" وهذا إسناد غريب لمالك في هذا الحديث لا أعلمه لغير ابن القاسم عن مالك حدثناه عبد الرحمان بن يحيى قال حدثنا الحسن بن الخضر قال حدثنا أحمد بن شعيب عن الحرث بن مسكين عن ابن القاسم عن مالك عن نافع عن ابن عامر عن النبي صلى الله عليه وسلم فذكره وهو محفوظ لنافع عن ابن عمر وقد ذكرنا في باب ابن شهاب عن عروة أن فرض صيام رمضان كان بالمدينة قبل بدر وقد صامه رسول الله صلى الله عليه وسلم تعظيما له إلى أن مات.
روى الحميدي وغيره عن ابن عيينة قال سمعت عبد الله بن أبي لبيد قال سمعت ابن عباس يقول ما علمت ان رسول الله صلى الله عليه وسلم صام يوما تحرى فضله على الأيام إلا هذا اليوم يعني يوم عاشوراء.
ومن حديث ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا كان العام المقبل صمنا التاسع" فلم يأت العام المقبل حتى مات صلى الله عليه وسلم وقد ذكرنا هذا الخبر وغيره مما يدل عل فضله وذكرنا مذاهب العلماء في صومه واهتبالهم به في باب ابن شهاب عن حميد بن عبد الرحمان والحمد لله.

(22/149)


حدثنا عبد الوارث حدثنا قاسم حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا أحمد ابن يونس قال حدثنا زهير قال حدثنا أبو إسحاق عن الأسود قال ما رأيت أحدا أمر بصوم عاشوراء من علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأبي موسى يعني الأشعري.

(22/150)


الحديث الثامن عشر
...
حديث ثامن عشر لهشام بن عروة
مالك عن هشام بن عروة عن أبيه أنه قال قلت لعائشة أم المؤمنين وأنا يومئذ حديث السن أرأيت قول الله عز وجل: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا} فما على الرجل شيء الا يطوف بهما قالت عائشة كلا لو كان كما تقول لكانت فلا جناح عليه ألا يطوف بهما إنما أنزلت هذه الآية في الأنصار كانوا يهلون لمناة وكانت مناة حذو قديد وكانوا يتحرجون أن يطوفوا بين الصفا والمروة فلما جاء الإسلام سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فأنزل عز وجل: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا}.

(22/150)


قال ابن وهب مناة حجر كان أهل الجاهلية يعبدونه وكان في المشلل الجبل الذي تصدر منه إلى قديد.
قال أبو عمر:
في هذا الحديث من قول عائشة دليل على وجوب السعي بين الصفا والمروة في الحج وقد بينت عائشة معنى نزول الآية ومخرجها وجاءت بالعلم الصحيح في ذلك وعلى قولها على وجوب السعي بين الصفا والمروة مالك والشافعي وأصحابهما وبه قال أحمد وإسحاق وأبو ثور وكل هؤلاء يقول إن السعي بين الصفا والمروة واجب فرضا وعلى من نسيه أو نسي شوطا واحدا منه أن ينصرف إليه حيث ذكره في بلده أو غير بلده حتى يأتي به كاملا كمن نسي الطواف الواجب طواف الإفاضة سواء أو نسي شيئا منه ولا خلاف بين علماء المسلمين في وجوب طواف الإفاضة وهو الذي يسميه العراقيون طواف الزيارة يوم النحر بعد رمي جمرة العقبة إلا أن منهم من يقول إن عمل الحج ينوب فيه التطوع عن الفرض على ما بيناه عنهم في غير هذا الموضع واختلفوا في وجوب السعي بين الصفا والمروة فذهب مالك والشافعي وأصحابهما وأحمد وإسحاق وأبو ثور إلى ما ذكرنا وهو مذهب عائشة رضي الله عنها ومذهب عروة وغيره.
وكان أنس بن مالك وعبد الله بن الزبير ومحمد بن سيرين يقولون هو تطوع وليس ذلك بواجب وروي ذلك عن ابن عباس ويشبه أن يكون مذهب أبي بن كعب وابن مسعود لأن في مصحف أبي ومصحف ابن مسعود {فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا} .

(22/151)


وقال أبو حنيفة والثوري من ترك السعي بين الصفا والمروة فعليه دم وهو قول الحسن البصري إلا أن تلخيص أبي حنيفة في ذلك إن طاف أربعة أشواط وترك ثلاثة فعليه إطعام ثلاثة مساكين لكل مسكين نصف صاع من حنطة وإن ترك شوطين أطعم مسكينين كذلك نصف صاع لكل واحد منهما وإن ترك شوطا واحدا أطعم مسكينا واحدا نصف صاع من حنطة إلا أن يكون طعامه هذا يبلغ دما فإن بلغ دما أطعم من ذلك ما شاء فأجزى عنه وإن ترك السعي كله بين الصفا والمروة في الحج ناسيا أو في العمرة فعليه دم.
وروي عن طاوس في هذا المسألة أنه قال على من ترك السعي بين الصفا والمروة عمرة.
واختلف عن عطاء في هذه المسألة على ثلاثة أقوال أحدها أنه لا شيء على من ترك السعي بين الصفا والمروة والآخر أنه عليه دم والثالث أنه إن شاء أطعم مساكين وإن شاء ذبح شاة فأطعمها المساكين.
قال أبو عمر:
قد مضت هذه المسألة مجودة ممهدة مبسوطة بما فيها من الحجة لمن قال بقولنا من جهة الأثر إذ لا مدخل فيها للنظر في باب جعفر بن محمد من كتابنا هذا فكرهنا إعادة ذلك ههنا.

(22/152)


الحديث التاسع عشر
...
تاسع عشر لهشام بن عروة
مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر صفية بنت حيي فقيل إنها قد حاضت فقال رسول الله

(22/152)


الله صلى الله عليه وسلم: لعلها حابستنا فقالوا يا رسول الله إنها قد طافت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا إذا".
هذا حديث لا خلاف بين فقهاء الأمصار بالحجاز والعراق والشام في القول به وأن المرأة إذا حاضت بعد طوافها بالبيت طوافها للإفاضة أنها تنفر ولا تنتظر طهرها لطواف الوداع وأن طواف الوداع ساقط عنها ولا شيء في ذلك عليها ولا يحبس عليها كري ولا غيره اتباعا لهذا الحديث وهو أمر مجتمع عليه عندهم وقد ذكرنا هذه المسألة وما فيها عن السلف وما يجب في المرأة لو كان حيضها قبل طواف الإفاضة وما في ذلك كله ووجوهه ممهدا في باب عبد الله بن أبي بكر من هذا الكتاب والحمد لله.

(22/153)


الحديث العشرون
...
حديث موفي عشرين لهشام بن عروة
مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن رجلا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن أمي افتلتت نفسها وأراها لو تكلمت تصدقت أفأتصدق عنها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم نعم" .
وهذا الحديث أيضا مجتمع على القول بمعناه ولا خلاف بين العلماء أن صدقة الحي عن الميت جائزة مرجو نفعها وقبولها إذا كانت من طيب فإن

(22/153)


الله لا يقبل إلا الطيب وليس الصدقة عندهم من باب عمل البدن في شيء فلا يجوز لأحد أن يصلي عن أحد وجائز له أن يتصدق عن وليه وعن غيره وهذا مما ثبتت به السنة ولم تختلف فيه الأمة ويقولون إن الرجل المذكور في هذا الحديث هو سعد بن عبادة وقد مضى القول في قصة سعد بن عبادة وصدقته عن أمه في غير موضع من كتابنا هذا والحمد لله.
وأما قوله: "افتلتت نفسها" فإنه أراد اختلست نفسها وماتت فجأة.
قال الشاعر:
من يأمن الأيام بعد صبيرة القرشي ماتا ... سبقت منيته المشيب وكان ميتته افتلاتا
وقال خالد بن يزيد:
فإن تفتلتها فالخلافة تنفلت ... بأكرم علقي منبر وسرير
وقال أبو بكر بن شاذان: سألت أبا زيد النحوي عن قول عمر كانت بيعة أبي بكر فلتة فقال أراد فجأة وأنشد قول الشاعر:
وكان ميتته افتلاتا ...
قال وتقول العرب إذا رأت الهلال بغير قصد إلى ذلك رأيت الهلال فلتة.

(22/154)


الحديث الحادي و العشرون
...
حديث حاد وعشرون لهشام بن عروة
مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أنها قالت جاء عمي من الرضاعة يستأذن علي فأبيت أن آذن له علي حتى أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألته عن

(22/154)


ذلك فقال: "إنه عمك فأذني له فقلت يا رسول الله إنما أرضعتني المرأة ولم يرضعني الرجل فقال إنه عمك فليلج عليك" قالت عائشة وذلك بعدما ضرب الحجاب وقالت عائشة يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة.
هذا أبين حديث في تحريم لبن الفحل ألا ترى إلى قول عائشة فقلت يا رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما أرضعتني المرأة ولم يرضعني الرجل.
والرجل هو أبو القعيس والمستأذن على عائشة هو أخوه أفلح.
وكذلك قال مالك في حديثه عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة أنها أخبرته أن أفلح أخا أبي القعيس استأذن عليها وهو عمها من الرضاعة بعد أن ضرب الحجاب وذكر الحديث على حسبما مضى ذكره في باب ابن شهاب فأبو القعيس هو الذي ارضعت امرأته عائشة فصارت أما لها من الرضاعة وصار هو أباها لأن اللبن منه تولد وجاء اخوه يستأذن عليها وهو أخو أبيها من الرضاعة فظنت عائشة أن اللبن ليس من الفحل فقالت إنما أرضعتني المرأة تريد وليس هذا أخا المراة فيكون عمي أو خالي وإنما هو أخو زوجها فأخبرها رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه عمها لأن أخاه أبوها بإرضاع زوجته إياها وهذا بين وهو مذهب ابن عباس وإليه ذهب فقهاء الأمصار بالحجاز والعراق والشام منهم مالك والشافعي وأبو حنيفة والثوري والليث والأوزاعي وأحمد بن حنبل وعليه جماعة أهل الحديث.

(22/155)


قرأت على عبد الوارث بن سفيان أن قاسم بن أصبغ حدثهم قال حدثنا محمد بن عبد السلام قال حدثنا محمد بن بشار قال حدثنا محمد بن جعفر قال حدثنا شعبة عن الحكم عن عراك بن مالك عن عروة بن الزبير قال استأذن أفلح بن قعيس أو ابن أبي قعيس على عائشة فقال إني عمك أرضعتك امرأة أخي فأبت أن تأذن له فلما جاء النبي صلى الله عليه وسلم أخبرته فقال: "أئذني له فإنه عمك" .
أخبرنا خلف بن قاسم قال أخبرنا أبو الطاهر محمد بن أحمد بن عبد الله ابن نصر بن بحير بن عبد الله بن صالح بن أسامة الذهلي القاضي قال حدثنا يوسف بن يعقوب القاضي قال حدثنا محمد بن كثير قال حدثنا سفيان عن هشام بن عروة عن عروة عن عائشة قالت دخل علي أفلح بن أبي القعيس قالت فاستترت منه فقال أتستترين مني وأنا عمك قال من أين قال أرضعتك امرأة أخي قالت إنما أرضعتني المرأة ولم يرضعني الرجل فدخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم فحدثته فقال: "إنه عمك فليلج عليك" .
وأخبرنا خلف حدثنا أبو الطاهر حدثنا يوسف بن يعقوب حدثنا محمد ابن كثير حدثنا سفيان عن ابن أبي ليلى عن الحكم بن عتيبة عن عراك عن عروة عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "تربت يداك" في هذا الحديث أو ما علمت أنه يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب فإلى هذا ذهب من ذكرنا من فقهاء الأمصار وذهب جماعة من التابعين بالمدينة وغيرها إلى أن لبن الفحل لا يحرم شيئا وقد ذكرنا من قال بالقولين جميعا من العلماء وذكرنا الحجة لكل فريق منهم وما نزعوا به لمذاهبهم وذكرنا الوجه المختار عندنا في ذلك وهو ما وافق هذا الحديث وشبهه من السنن وأوضحنا ذلك كله ومهدناه في باب ابن شهاب عن عروة من هذا الكتاب فلم نر لتكرير ذلك ههنا وجها وبالله التوفيق.

(22/156)


الحديث الثاني و العشرون
...
حديث ثان وعشرون لهشام بن عروة
مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الرقاب أيها أفضل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أغلاها ثمنا وأنفسها عند أهلها" .
هكذا روى يحيى هذا الحديث في الموطأ عن مالك عن هشام عن أبيه عن عائشة وكذلك رواه أبو المصعب ومطرف وابن أبي أويس وروح بن عبادة وحدث به إسماعيل بن إسحاق عن أبي مصعب عن مالك عن هشام عن أبيه مرسلا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الرقاب وهو عندنا في موطأ أبي المصعب عن عائشة.
ورواه قوم عن مالك عن هشام عن أبيه مرسلا لم يذكروا عائشة ورواه أصحاب هشام بن عروة غير مالك عن هشام عن أبيه عن أبي مراوح عن أبي ذر وزعم قوم أن هذا الحديث كان اصله عند مالك عن هشام عن أبيه عن عائشة فلما بلغه أن غيره من اصحاب هشام يخالفونه في الإسناد جعله عن هشام عن أبيه مرسلا هكذا قالت طائفة من أهل العلم بالحديث فالله أعلم.
وعند ابن وهب وحده عن مالك عن ابن شهاب عن حبيب مولى عروة عن عروة أنه سمعه يقول جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله أي الأعمال أفضل قال: إيمان بالله قال فأي العتاقة أفضل قال أنفسها عند أهلها قال أرأيت إن لم أجد يا رسول الله قال

(22/157)


فتعين الضائع أو تصنع لأخرق قال أفرأيت إن لم أستطع قال تدع الناس من شرك فإنها صدقة تصدق بها عن نفسك" .
هكذا رواه يونس بن عبد الأعلى والحرث بن مسكين وجماعة أصحاب ابن وهب عن ابن وهب عن مالك عن ابن شهاب وتابعه البرمكي عن معن عن مالك.
ورواه معمر عن ابن شهاب عن حبيب مولى عروة عن عروة عن أبي مراوح عن أبي ذر مثل رواية هشام بن عروة سواء في غير رواية مالك.
أخبرنا أحمد بن عمر قال حدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد ابن فطيس قال حدثنا يحيى بن إبراهيم قال حدثنا مطرف قال حدثنا مالك ابن أنس عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل أي الرقاب أفضل فقال: "أغلاها ثمنا وأنفسها عند أهلها".
وأخبرنا أحمد بن عبد الله بن محمد قال حدثني أبي قال حدثنا محمد ابن قاسم والحسن بن عبد الله قالا حدثنا عبد الله بن علي بن الجارود قال حدثنا محمد بن النعمان بن بشير المقدسي قال حدثنا إسماعيل بن أبي أويس قال حدثني مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مثله.
قال ابن الجارود وحدثنا مسرور بن نوح قال حدثنا ابن نمير قال حدثنا روح قال حدثنا مالك بن أنس عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر مثله.

(22/158)


قال ابن الجارود وحدثنا محمد بن يحيى قال حدثنا مطرف قال حدثنا مالك بن أنس عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الرقاب أيها أفضل فقال: "أغلاها ثمنا وأنفسها عند أهلها" .
قال ابن الجارود لا أعلم أحدا قال عن عائشة غير مالك قال ورواه الثوري ويحيى القطان وابن عيينة ووكيع وغير واحد عن هشام بن عروة عن أبيه عن أبي مراوح عن أبي ذر.
قال أبو عمر:
أما حديث الثوري فحدثناه عبد الوارث بن سفيان وأحمد بن قاسم قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا الحرث بن أبي أسامة قال حدثنا أبو نعيم قال حدثنا سفيان عن هشام بن عروة عن أبي مراوح عن أبي ذر قال سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم حسبته قال أي الرقاب أفضل أنا أشك قال: "أنفسها عند أهلها وأغلاها ثمنا" .
وأما حديث القطان فحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن عبد السلام قال حدثنا محمد بن بشار قال حدثنا يحيى قال حدثنا هشام بن عروة قال حدثني أبي أن أبا مراوح الغفاري أخبره أن أبا ذر أخبره قال قلت يا رسول الله أي الأعمال أفضل وأحب إلى الله قال: "إيمان بالله وجهاد في سبيله قال فأي الرقاب أفضل قال أنفسها عند أهلها وأغلاها ثمنا" .
وأما حديث ابن عيينة فحدثنا سعيد بن نصر وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن إسماعيل الترمذي قال حدثنا الحميدي قال حدثنا سفيان بن عيينة قال حدثنا هشام بن عروة قال أخبرني

(22/159)


أبي عن أبي مراوح الغفاري عن أبي ذر قال قلت يا رسول الله أي العمل أفضل قال: "إيمان بالله وجهاد في سبيله قلت فأي الرقاب أفضل قال أغلاها ثمنا وأنفسها عند أهلها" .
وذكره البزار حدثنا محمد بن أبان القرشي قال حدثنا عبد العزيز بن محمد عن هشام عن أبيه عن أبي مراوح عن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم وهكذا رواه حبيب كاتب مالك وسعيد بن داود الزبيدي عن مالك عن هشام عن أبيه عن أبي مرواح عن أبي ذر وليس في هذا الحديث معنى يشكل ولا يحتاج إلى القول فيه والحمد لله وبه التوفيق.

(22/160)


الحديث الثالث و العشرون
...
حديث ثالث وعشرون لهشام بن عروة
مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أنها قالت جاءت بريرة فقالت إني كاتبت أهلي على تسع أواقي في كل عام أوقية فأعينيني فقالت عائشة إن أحب أهلك أن أعدها لهم ويكون ولاؤك لي فعلت فذهبت بريرة إلى أهلها فقالت لهم ذلك فأبوا عليها فجاءت من عند أهلها ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس فقالت لعائشة إني قد عرضت عليهم ذلك فأبوا إلا أن

(22/160)


يكون الولاء لهم فسمع ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألها فأخبرته عائشة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " خذيها واشترطي لهم الولاء فإنما الولاء لمن أعتق" ففعلت عائشة ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: "أما بعد فما بال رجال يشترطون شروطا ليست في كتاب الله ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط قضاء الله أحق وشرط الله أوثق وإنما الولاء لمن أعتق" .
قال أبو عمر:
الكلام في حديث بريرة قد سبق كثير من الناس إليه وأكثروا فيه من الاستنباط فمنهم من جود ومنهم من خلط وأتى بما ليس له معنى كقول بعضهم فيه إباحة البكاء في المحبة لبكاء زوج بريرة وفيه قبول الهدية بعد الغضب وفيه إباحة أكل المرأة ما تحب دون بعلها وفيه إباحة سؤال الرجل عما يراه في بيته من طعام إلى كثير من مثل هذا القول الذي لا معنى له في الفقه والعلم عند أحد من العلماء ونحن بحمد الله وعونه نذكر ههنا ما في حديثها من الأحكام التي توجبه ألفاظه ونبين ما روي مما يعارضه ويوافقه ونوضح القول فيه بمبلغ علمنا على مذاهب أهل العلم مختصرا كافيا إلى ما قدمنا من القول في كثير من أحكام حديث بريرة في باب ربيعة وبالله عوننا لا شريك له.

(22/161)


في هذا الحديث من الفقه استعمال عموم الخطاب في قوله: {فَكَاتِبُوهُمْ} لأنه دخل في ذلك الأمة ذات الزوج وغيرها لأن بريرة كانت ذات زوج خيرت تحته إذ أعتقت وفيه جواز كتابة الأمة دون زوجها وفي ذلك دليل على أن زوجها ليس له منعها من البيع في كتابتها ولو استدل مستدل من هذا المعنى بأن الزوجة ليس عليها خدمة زوجها كان حسنا.
وفيه دليل على أن العبد زوج الأمة ليس له منعها من الكتابة التي تؤول إلى عتقها وفراقها له كما أن لسيد الأمة عتق أمته تحت العبد وإن أدى ذلك إلى إبطال نكاحه وكذلك له أن يبيع أمته من زوجها الحر وإن كان في ذلك بطلان نكاحه.
وفيه دليل على جواز نكاح العبد الحرة لأنها إذا خيرت فاختارته بقيت معه وهي حرة وهو عبد.
وفيه أن المكاتب جائز له السؤال والسعي في كتابته والتكسب بذلك وجائز لسيده أن يكاتبه وهو لا شيء معه ألا ترى أن بريرة جاءت عائشة تخبرها بأنها كاتبت أهلها وسألتها أن تعينها وذلك كان في أول كتابتها قبل ان تؤدي منها شيئا كذلك ذكر ابن شهاب عن عروة في هذا الحديث.
روى ابن وهب عن يونس والليث عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة قالت جاءت بريرة إلي فقالت يا عائشة إني كاتبت أهلي على تسع أواقي في كل عام أوقية فأعينيني ولم تكن قضت من كتابتها شيئا فقالت لها عائشة ارجعي إلى اهلك فإن أحبوا أن أعطيهم ذلك جميعا ويكون ولاؤك لي فعلت فذهبت بريرة إلى أهلها فعرضت ذلك عليهم فأبوا وقالوا إن شاءت أن تحتسب عليك فلتفعل ويكون ولاؤك لنا فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لا يمنعك ذلك منها ابتاعي وأعتقي فإنما الولاء لمن أعتق ففعلت وقام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس فحمد الله ثم قال: "أما بعد فما بال

(22/162)


رجال يشترطون شروطا ليست في كتاب الله من اشترط شرطا ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط قضاء الله أحق وشرط الله أوثق وإنما الولاء لمن أعتق" .
ففي حديث ابن شهاب هذا عن عروة أن بريرة لم تكن قضت من كتابتها شيئا حتى جاءت تستعين عائشة وفي هذا دليل على إجازة كتابة الأمة وهي غير ذات صنعة ولا حرفة ولا مال إذ ظاهر هذا الخبر أنها ابتدأت بالسؤال من حين كوتبت ولم يقل النبي صلى الله عليه وسلم حين سمع أنها كوتبت هل لها كسب يعلم أو عمل واجب أو مال ولو كان هذا واجبا لسأل عنه ليقع حكمه عليه لأنه بعث مبينا ومعلما صلى الله عليه وسلم وهذا يبين ما رواه ابن وهب عن مسلم بن خالد عن العلاء بن عبد الرحمان عن أبيه عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن كسب الأمة إلا أن يكون لها عمل واجب أو كسب يعرف وجهه.
وقد روى شعبة عن محمد بن جحادة عن أبي حازم عن أبي هريرة قال: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن سب الإماء" وهذا وما كان مثله يكون خوفا عليهن أن يكتسبن بفروجهن.
وروى أحمد بن حنبل عن هاشم بن القاسم عن عكرمة بن عمار عن طارق بن عبد الرحمان القرشي قال جاء رفاعة بن رافع إلى مجلس الأنصار فقال: "نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كسب الأمة إلا ما عملت بيدها".

(22/163)


وقال هكذا بأصابعه نحو الخبز والغزل والنفش وهذا نحو ما جاء عن عثمان رضي الله عنه من النهي عن ذلك لئلا يكتسبن بفروجهن على ما كن يصنعن بإذن مواليهن وبغير إذنهم في الجاهلية من البغاء.
وأما المكاتبة فليست من ذلك في شيء لأنها قد أبيح لها السؤال لانفرادها بكسبها دون مواليها وندب الناس إلى عون المكاتبين لما في ذلك من فك الرقاب من الرق وسنبين هذا ونوضحه إن شاء الله.
وفي هذا رد على من قال لا تجوز كتابة المكاتب حتى يكون له ما واحتج بقول الله تعالى: {فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً} روي عن جماعة منهم ابن عباس وعطاء في قول الله عز وجل: {إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً} قال المال.
وعن عمرو بن دينار المال والصلاح وقال مجاهد الغنى والأداء وكان ابن عمر يكره أن يكاتب عبده إذا لم تكن له حرفة.
وقال إبراهيم النخعي في قوله: {إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً} قال صدقا ووفاء وقال عكرمة قوة وقال الثوري دينا وأمانة وقال الشافعي إذا جمع القوة على الاكتساب والأمانة.
وقال الشافعي وليس الخير ههنا المال في الظاهر لمعنيين أحدهما أن المال يكون عنده لا

(22/164)


فيه والثاني أن المال الذي في يده لسيده فكيف يكاتبه بماله ولكن يكون فيه الاكتساب الذي يفيده المال قال وسواء ذو الصنعة وغيرها من عبد أو أمة ذكر ذلك كله المزني عن الشافعي في المختصر الكبير.
وذكر الربيع عن الشافعي قال قد يكون قويا على الأداء بما فرض الله له في الصدقات فإن الله فرض فيها للرقاب وهم عندنا المكاتبون قال ولهذا لم أكره كتابة الأمة غير ذات الصنعة مع رغبة الناس في الصدقة على المكاتبين تطوعا قال ولا تشبه الكتابة أن تكلف الأمة الكسب لأنها لا حق لها حينئذ في الصدقات ولا رغبة للناس في الصدقة عليها كرغبتهم في الصدقة على المكاتبة.
وذكر سعيد بن منصور عن هشيم عن يونس بن عبيد قال كنا جلوسا عند الحسن وعنده أخوه سعيد بن أبي الحسن فتذاكرنا هذه الآية {فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً} فقال سعيد إن كان عنده مال فكاتبه وإن لم يكن عنده مال فلا تعلقه صحيفة يغدو بها على الناس ويروح فيسألهم فيحرجهم فيؤثمهم فقال الحسن {إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً} صدقا وأمانة من أعطاه كان مأجورا ومن سئل فرد خيرا كان مأجورا.
قال أبو عمر:
قد رخص مالك وأبو حنيفة والشافعي في مكاتبه من لا حرفة له وإن كان قد اختلف قول مالك في ذلك وكره الأوزاعي وأحمد وإسحاق مكاتبه من لا حرفة له وروي نحو ذلك عن عمر وابن عمر ومسروق والحجة في السنة لا فيما خالفها وفي حديث بريرة هذا دلالة على أن قول الله عز وجل: {إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً} أنه الكسب لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يسأل

(22/165)


بريرة أمعك مال أم لا ولم ينهها عن السؤال وقد يكون الكسب بالمسألة وقد قيل المسألة آخر كسب المؤمن وقد كوتبت بريرة ولم يعلم لها كسب واجب والله أعلم ولم ينكره النبي صلى الله عليه وسلم.
وفي هذا الحديث دليل على إجازة أخذ السيد نجوم المكاتب من مسألة الناس لترك النبي صلى الله عليه وسلم وجوها عن مسألة عائشة إذ كانت تستعينها في آداء نجمها وهذا يرد قول من كره كتابة المكاتب الذي يسأل الناس وقال تطعمني اوساخ الناس وليس كما قال ولا كما ظن لأن ما طاب لبريرة أخذه كان لسيدها قبضه عنها في الكتابة لأنه داخل عليه من غير الجهة التي دخل عليها وقد بينا هذا المعنى في باب ربيعة عند ذكر اللحم الذي تصدق به على بريرة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هو عليها صدقة ولنا هدية" وكيف لا يبدر الناس إلى إعطاء المكاتب ويطيب له ما أعطي فيصير ماله ويؤديه عن نفسه والنبي صلى الله عليه وسلم قد حض على إعطائه وندب إلى ذلك.
روى سهل بن حنيف وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من أعان غازيا في سبيل الله أو غارما في عسرته أو مكاتبا في رقبته أظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله" .
وقد روى عبد الرحمان بن عوسجة عن البراء بن عازب قال جاء أعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله علمني عملا يدخلني الجنة قال: لئن كنت أقصرت في الخطبة لقد أعرضت في المسألة أعتق النسمة وفك الرقبة قال أو ليسا واحدا قال لا عتق النسمة أن تفرد عتقها وفك الرقبة أن تعتق في ثمنها" . وذكر تمام الحديث

(22/166)


ولو كان غير جائز للسيد أن يأخذ من مكاتبه ما تصدق به عليه لكان محظورا أيضا على كل غني أن يأخذ من الفقير ما تصدق به عليه ولو كان ذلك كذلك ما انتفع الفقير بشيء يأخذه من المال ولضاق عليه التصرف فيه والانتفاع به وهذا ما لا يخفى فساده على أحد وحسبك برسول الله صلى الله عليه وسلم كان قد حرم الله عليه الصدقة ولم يمتنع لذلك من قبول هدية بريرة مما تصدق به عليها.
حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن عبد السلام بن ثعلبة قال حدثنا محمد بن بشار بندار قال حدثنا محمد بن جعفر غندر قال حدثنا شعبة عن قتادة عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أتي بلحم قالوا إنه تصدق به على بريرة فقال: "هو لها صدقة ولنا هدية" .
واختلف العلماء في الكتابة هل تجب فرضا على السيد إذا ابتغاها العبد وعلم فيه خيرا فقال عطاء وعمرو بن دينار ما نرى ذلك إلا واجبا وهو قول الضحاك بن مزاحم قال هي عزمة وإلى هذا ذهب داود واحتج بظاهر القرآن في الأمر بالكتابة واحتج أيضا بأن سيرين أبا محمد بن سيرين سأل أنس بن مالك وهو مولاه الكتابة فأبى أنس فرفع عليه عمر الدرة وتلا: {فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً} فكاتبه أنس وقال داود ما كان عمر ليرفع الدرة على أنس فيما له مباح ألا يفعله وحجة قائلي هذه المقالة ظاهر قول الله عز وجل: {فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً} وهذا أمر حقيقته الوجوب إذا لم يتفق على أنه أريد به الندب.

(22/167)


وقال مالك والثوري وأبو حنيفة والشافعي والأوزاعي وأصحابهم ليست الكتابة بواجبة ومن شاء كاتب ومن شاء لم يكاتب وهو قول الشعبي والحسن البصري وجماعة ومن حجتهم أنه لما لم يكن عليه واجب أن يبيعه ولا يهبه بإجماع وفي الكتابة إخراج ملكه عن يده بغير تراض ولا طيب نفس منه كانت الكتابة أحرى ألا تجب عليه وكان ذلك دليلا على أن الآية على الندب لا على الإيجاب ويحتمل أن يكون فعل عمر لأنس على الاختيار والاستحسان لا على الوجوب.
وقال إسحاق بن راهويه لا يسع السيد إلا أن يكاتبه إذا اجتمع فيه الأمانة والخير من غير أن يجبره الحاكم عليه وأخشى أن يأثم إن لم يفعل.
وأما قولها إني كاتبت أهلي على تسع أواقي في كل عام أوقية ففيه دليل على أن الكتابة تكون بقليل المال وكثيره وتكون على أنجم وهذا ما لا خلاف فيه بين العلماء كلهم يقول فيما علمت إن الكتابة حكمها أن تكون على أنجم معلومة قال الشافعي أقلها ثلاثة.
واختلفوا في الكتابة إذا وقعت على نجم واحد او وقعت حالة فأكثر أهل العلم يجيزونها على نجم واحد وقال الشافعي لا تجوز على نجم واحد ولا تجوز حالة ألبتة.
قال أبو عمر:
ليست كتابة إذا كانت حالة وإنما هو عتق على صفة كأنه قال إذا أديت إلي كذا وكذا فأنت حر.
وقد احتج بهذا الحديث أعني بقوله فيه في كل عام أوقية من أجاز النجوم في الديون كلها على مثل هذا في كل شهر كذا وفي كل عام كذا ولا يقول في أول الشهر أو وسطه أو آخره وأبى من ذلك آخرون حتى

(22/168)


يسمي الوقت من الشهر والعام ويكون محدودا معروفا والحجة في هذا الحديث لمن نزع به صحيحة لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقل لها إنها كتابة فاسدة إذ لم يعرف متى يأخذ النجم أو الأوقية من العام وحسبهم في ذلك أن العام إذا انقضى أو انسلخ الشهر وجب النجم ومن أداه قبل ذلك قبل منه وليست الكتابة كالبيوع في كل شيء عند العلماء لأن العبد مع سيده أكثرهم لا يرى بينهما ربا ألا ترى أن المكاتب لو عجز حل لسيده ما أخذ منه وليس ذلك كبيع العربان وللكلام في هذه المسألة موضع غير هذا وأما قوله: "تسع أواقي" فالأوقية مؤنثة في اللفظ مقدارها أربعون درهما كيلا لا اختلاف في ذلك والدرهم الكيل درهم وخمسان بدراهمنا على ما قد مضى ذكره في باب عمرو بن يحيى ويجمع الأوقية أواقي بالتشديد كذلك قال أبو زيد الأنصاري وغيره من أهل اللغة قال أبو زيد وقد يتجاوز في الجمع فيقال أواق.
وقال أبو حاتم يقال أوقية وأواقي وبختية وبخاتي وأمنية وأماني وسرية وسراري قال وبعضهم يقول بخات وأمان وسرار وأواق.
وأما قول عائشة إن أحب أهلك أن أعدها لهم عددتها لهم ففيه دليل على أن العد في الدراهم الصحاح تقوم مقام الوزن وأن الشراء بها جائز من غير ذكر الوزن لأنها لم تقل أزنها لهم ولم يقل النبي صلى الله عليه وسلم عدد الأواقي غير جائز ولو كان غير جائز لقال لهم إن العد في مثل هذا لا يجوز.
وفي هذا الحديث أيضا دليل على أن التبايع كان بين الناس في ذلك الزمان بالأواقي وبالنواة وبالنش وهي أوزان معروفة فالأوقية أربعون

(22/169)


درهما والنش نصفها والنواة زنة خمسة دراهم فقد ذكرنا ذلك كله في باب حميد من هذا الكتاب.
ذكر الواقدي قال وفيها يعني سنة ست وسبعين أمر عبد الملك بن مروان أن تنقش الدنانير والدراهم حدثني بذلك سعد بن راشد عن صالح بن كيسان قال وحدثني ابن أبي الزناد عن أبيه أن عبد الملك بن مروان ضرب الدنانير والدراهم وهو أول من أحدث ضربها.
قال وحدثني عبد الرحمان بن حزم الليثي عن هلال بن أمية قال سألت ابن المسيب في كم تجب الزكاة من الدنانير قال في كل عشرين مثقالا بالشامي نصف مثقال قلت ما بال الشامي من البصري قال هو الذي يضرب عليه الدنانير وكان ذلك وزن الدنانير قبل أن تضرب كانت اثنين وعشرين قيراطا إلا حبة وكانت العشرة وزن سبعة.
وقال غير الواقدي كانت الدنانير في الجاهلية وأول الإسلام بالشام وعند عرب الحجاز كلها رومية تضرب ببلاد الروم عليها صورة الملك واسم الذي ضربت في أيامه مكتوب بالرومية ووزن كل دينار منها مثقال كمثقالنا هذا وهو وزن درهم ودانقين ونصف وخمسة أسباع حبة وكانت الدراهم بالعراق وأرض المشرق كلها كسروية عليها وصورة كسرى واسمه فيها مكتوب بالفارسية ووزن كل درهم منها مثقال فكتب ملك الروم واسمه لاوي بن فلفظ إلى عبد الملك أنه قد أعد له سككا ليوجه بها إليه فيضرب عليها الدنانير فقال عبد الملك لرسوله لا حاجة لنا فيها قد علمنا سككا نقشنا عليها توحيد الله واسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان عبد الملك قد جعل الدنانير مثاقيل من زجاج لئلا تغير

(22/170)


أو تحول إلى زيادة أو نقصان وكانت قبل ذلك من حجارة وأمر فنودي ألا يتبايع أحد بعد ثلاثة أيام من ندائه بدينار رومي فكثرت الدنانير العربية وبطلت الرومية.
وذكر أبو عبيد في كتاب الأموال وذكر ذلك جماعة من أهل العلم بالسير والخبر أن الدراهم كانت غير معلومة إلى ايام عبد الملك بن مروان فجمعها وجعل كل عشرة من الدراهم وزن سبعة مثاقيل قال وكانت الدراهم يومئذ درهم من ثمانية دوانق زيف ودرهم من أربعة دوانق جيد قال فاجتمع رأي علماء ذلك الوقت لعبد الملك على أن جمعوا الأربعة الدوانق إلى الثمانية فصارت اثني عشر داقا فجعلوا الدرهم ستة دوانق وسموه كيلا فاجتمع لهم في ذلك أن في كل مائتي درهم زكاة وأن أربعين درهما أوقية وأن في الخمس الأواق التي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس فيما دونها صدقة مائتي درهم لا زيادة وهي نصاب الصدقة.
وأما قولها إن أحب أهلك أن أعدها لهم ويكون ولاؤك لي فعلت وفي حديث ابن شهاب عن عروة إن أحبوا أن أعطيهم لك جميعا ويكون ولاؤك لي فعلت فظاهر هذا الخطاب أنها أرادت أن تشتري منهم الولاء بعد عقد الكتابة وأن تؤدي في ذلك جميع الكتابة فأبى القوم من ذلك وطلبوا أن يكون الولاء لهم عند أداء عائشة لجميع الكتابة كأنها تبرعت بذلك وأرادت الولاء أو قصدت إلى ابتياع الولاء وهذا لا يصح عندنا والله أعلم لأنه لا خلاف بين علماء المسلمين أن الولاء لا يباع وأن من أدى عن مكاتب كتابته لم يكن له الولاء ولو صح هذا كان يكون النكير حينئذ على عائشة رحمها الله في إرادتها أن يكون الولاء لها بأذائها الكتابة عنها ولكن في حديث هشام بن عروة خذيها واشترطي الولاء لهم فإنما الولاء لمن أعتق ففعلت عائشة.

(22/171)


وقد قال وهيب وكان من الحفاظ في هذا الحديث عن هشام بن عروة إن أحب أهلك أن أعدها عدة واحدة وأعتقك ويكون ولاؤك لي فعلت فقولها وأعتقك دليل على شرائها لها شراء صحيحا لأنها لاتعتقها إلا بعد شرائها لها وهذا هو الظاهر في قولها أعتقك والله اعلم.
وفي حديث ابن شهاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعائشة: "لا يمنعك ذلك ابتاعي وأعتقي" و قوله: "ابتاعي واعتقي" في حديث ابن شهاب يفسر قوله في حديث هشام: "خذيها" لأن قوله: "ابتاعيها وأعتقيها" أمر منه صلى الله عليه وسلم لعائشة بالشراء ابتداء وعتقها لها بعد ملكها ليكون الولاء لها وهذا هو الصحيح في الأصول وإياه يعضد سائر الآثار عن عائشة في هذه القصة ألا ترى إلى ما روى مالك عن نافع عن ابن عمر أن عائشة أرادت أن تشتري بريرة فتعتقها فقال أهلها نبيعكها على أن الولاء لنا فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "لا يمنعك ذلك فإنما الولاء لمن أعتق" وقد ذكرنا هذا الخبر في باب نافع من كتابنا هذا وليس في شيء من أخبار بريرة أصح من هذا الإسناد عن ابن عمر وليس فيه اختلاف كما في حديث هشام من اختلاف ألفاظه وقد بان في حديث ابن عمر أن عائشة أرادت شراء بريرة وعتقها فأراد أهلها اشتراط الولاء لهم وفي مثل هذا يصح الإنكار المذكور في حديث هشام بن عروة على أهل بريرة لأن الولاء يثبت للمشتري المعتق ثبوت النسب فلا يجوز لأحد تحويله عنه ببيع ولا اشتراط وكذلك في سياقه أكثر الأحاديث ما يدل على أن بريرة بيعت من عائشة لا أنها أدت عنها كتابتها إلا أن في هذا الحديث شرط الولاء مع البيع وإباحة النبي صلى الله عليه وسلم شراءها على ذلك دون إعمال الشرط وفي ذلك صحة البيع وإبطال الشرط.

(22/172)


وروى الأعمش عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة أن أهل بريرة أرادوا أن يبيعوها ويشترطوا الولاء فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال اشتريها وأعتقيها فإنما الولاء لمن أعتق فبان بحديث الأسود عن عائشة وبحديث ابن شهاب أيضا المتقدم ذكره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرها بالشراء ابتداء وبعتقها بعد ملكها ليكون الولاء لها وهذه الرواية عن عائشة موافقة لما رواه ابن عمر وهو الصحيح في ذلك على ما قدمنا ذكره.
وفي رواية إبراهيم عن الأسود عن عائشة أيضا ما يبين رواية هشام عن أبيه عن عائشة في قوله عليه السلام: "خذيها ولا يمنعك ذلك فإنما الولاء لمن أعتق" وفيه دليل بل نص على صحة شرائها وصحة ملكها وصحة عتقها بعد ذلك واستحقاق ولائها والله أعلم واشتراط أهل بريرة ولاءها مع فضل بيعها على العتق فهو الذي خطبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بإنكاره لتقدمه إليهم وإلى غيرهم في النهي عن بين الولاء وهبته وفي هذا الحديث على ما ذكرنا إجازة البيع على شرط العتق وهذه مسألة أختلف الفقهاء فيها وقد ذكرناها في باب نافع عن ابن عمر من هذا الكتاب فلا معنى لتكرير ذلك ها هنا.
وفيه دليل على أن المكاتب عبد ما بقي عليه من كتابته شيء لأنه لو لم يكن عبدا ما جاز بيعه وفي كونه عبدا رد لقول من قال إذا عقدت كتابته فهو غريم من الغرباء ورد لقول من قال إذا أدى قيمته فهو غريم ورد لقول من قال إذا أدى الثلث فهو غريم ورد لقول من قال إذا أدى الشطر فهو غريم ورد لقول من قال يعتق منه بقدر ما أدى.
وروى الحكم بن عتيبة عن علي قال تجرى العتاقة فيه من أول نجم وروى إبراهيم عن علي قال تجرى الحدود عليه بقدر ما أدى وقال عنه عامر يعتق منه بقدر ما أدى وكان الحرث العكلي يقول كان علي رضي الله عنه أفقه من يقول يعتق من المكاتب بقدر ما أدى منكرا لذلك عنه

(22/173)


وهذه أقاويل اختلف فيها عن علي وابن مسعود وما أعلم أحدا من الفقهاء تعلق بها.
وروى عن شريح أنه قال إذا أدى الثلث فهو غريم وعن النخعي إذا أد الشطر فهو غريم.
وروى ذلك عن عمر وعلي وهو غير صحيح والله أعلم وقال جابر بن عبد الله من كاتب مكاتبا فإن شرط عليه أن يعود في الرق إن عجز كان كذلك وإن شرط أن يعتق منه بقدر ما ادى فهو كذلك وقد ذكرنا حكم ولاء المكاتب ومن اجاز بيع ولائه ومن كرهه ومن قال لا بد من شرطه العتق عند الأداء وإلا فهو على الرق أبدا ومن أجاز للمكاتب أن يشترط ولاء نفسه في باب عبد الله بن دينار من هذا الكتاب فأغنى ذلك عن ذكره ههنا.
وفي حديث بريرة هذا مع صحته عن النبي صلى الله عليه وسلم دليل واضح على أن المكاتب عبد ولولا ذلك ما بيعت بريرة وقد روى عن عمر وابن عمر وزيد ابن ثابت وعائشة وأم سلمة المكاتب عبد ما بقي عليه درهم وهو قول سعيد ابن المسيب والقاسم وسليمان بن يسار والزهري وقتادة وعطاء وبه قال مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابهم والثوري وابن شبرمة وأحمد وإسحاق وأبو ثور وداود والطبري وقد روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "المكاتب عبد ما بقي عليه درهم" واختلف القائلون هو عبد ما بقي عليه درهم إذا مات قبل أن يؤدي وترك مالا

(22/174)


فقالت طائفة كل ما ترك فهو لسيده قليلا كان أو كثيرا وإن عجز عاد رقيقا وممن قال بهذا مجاهد وعمر بن عبد العزيز والشافعي وأحمد بن حنبل وأبو ثور وروي عن ابن المسيب وشريح والزهري نحوه قال الزهري حكمه حكم العبد وجنايته في عتقه وهو قول الثوري.
وروى الحكم عن علي وابن مسعود وشريح يعطي سيده من تركته ما بقي من كتابته فإن فضل شيء كان لورثة المكاتب.
وروى عطاء وإبراهيم وأبو البختري عن علي نحوه وقد روي عن الزهري نحوه وبه قال ابن المسيب وأبو سلمة بن عبد الرحمان والنخعي والشعبي والحسن وأبو حنيفة وأصحابه ومالك بن أنس جعلوه كغريم حل دينه غير أن مالكا جعل من كان معه في كتابته أحق ممن لم يكن معه من ورثته.
وقد روى الشعبي عن علي إذا مات المكاتب وترك مالا قسم ما ترك على ما أدى وعلى ما بقي فما أصاب ما أدى فهو لورثته وما اصاب ما بقي فلمواليه وهذا خلاف ما روى الحكم وعطاء وإبراهيم وأبو البختري عن علي رضي الله عنه.
وقد احتج من قال في المكاتب يعتق منه بقدر ما أدى برواية ابن شهاب في هذا الحديث وذلك قوله: "ولم تكن أدت من كتابتها شيئا" واحتج من قال يعتق منه بقدر ما ادى بحديث يحيى بن أبي كثير عن عكرمة عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يؤدي المكاتب بقدر ما أدى دية الحر وبقدر ما رق منه دية عبد" . رواه حجاج الصواف وهشام الدستوائي وغيرهما عن يحيى ابن أبي كثير عن عكرمة عن ابن عباس مسند.ا

(22/175)


وقد روي عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس مثله مسندا وقد ارسله بعضهم عن عكرمة قال يحيى بن أبي كثير وكان علي بن أبي طالب ومروان ابن الحكم يقولان ذلك وبه كان عكرمة يفتي وكان يقول المكاتب يؤدي بقدر ما أعتق منه وإن جنى جناية أو أصاب حدا فبقدر ما أعتق منه وقد ناظر علي بن أبي طالب زيد بن ثابت في المكاتب فقال لعلي أكنت راجمه لوزني أو مجيز شهادته إن شهد فقال علي لا فقال زيد فهو عبد ما بقي عليه شيء.
وفيه إجازة بيع المكاتب إذا رضي بالبيع وإن لم يكن عاجزا عن أداء نجم قد حل عليه خلاف قول من زعم أن بيع المكاتب غير جائز إلا بالعجز لأن بريرة لم تذكر أنها عجزت عن أداء نجم ولا أخبرت بأن النجم قد حل عليها ولا قال لها النبي صلى الله عليه وسلم: "أعاجزة أنت أم هل حل عليك نجم فلم تؤديه؟" ولو لم يجز بيع المكاتب والمكاتبة إلا بالعجز عن أداء نجم قد حل لكان النبي صلى الله عليه وسلم قد سألها أعاجزة هي أم لا وما كان ليأذن في شرائها إلا بعد علمه صلى الله عليه وسلم أنها عاجزة ولو عن أداء نجم واحد قد حل عليها وفي خبر الزهري أنها لم تكن قضت من كتابتها شيئا ولا أعلم في هذا الباب حجة أصح من حديث بريرة هذا ولم يرو عن النبي صلى الله عليه وسلم شيء يعارضه ولا في شيء من الأخبار دليل على عجزها.
وأما اختلاف الفقهاء في بيع المكاتب فإن ابن شهاب وأبا الزناد وربيعة كانوا يقولون لا يجوز بيعه إلا برضى منه فإن رضي بالبيع فهو عجز منه وجاز بيعه.

(22/176)


وقال مالك لا يجوز بيع المكاتب إلا أن يعجز عن الآداء فإن لم يعجز فليس له ولا لسيده بيعه قال وإذا كان المكاتب ذا مال ظاهر فليس له تعجيز نفسه وإن لم يظهر له مال فذلك إليه وله تعجيزه دون السلطان ويمضي ذلك وكذلك إن عجز نفسه قبل حل النجم بالأيام والشهر وإنما الذي لا يعجزه إلا السلطان فهو الذي يريد سيده تعجيزه بعدما حل عليه ما عليه وهو يأبى العجز ويقول يؤدي إلا أنه يمطل سيده فالسلطان يتلوم له فإن رأى له وجه أداء تركه وإن لم ير ذلك له عجزه بعد التلوم ولا يعجزه السيد وهو آب ولو أخر نجما أو أنجما إلا بالسلطان قال ولو شرط ذلك عليه لم يكن عاجزا إلا بقضية سلطان قال ولو غاب المكاتب فحلت نجومه فليس إشهاد السيد بتعجيزه تعجيزا إلا بنظر السلطان وهو إذا قدم على كتابته إن أدى وإلا نظر في ذلك السلطان.
وقال مالك الذي يقع بنفسي في قصة بريرة أنها كانت قد عجزت ولذلك اشترتها عائشة.
وقال إبراهيم النخعي وعطاء والليث بن سعد وأحمد وأبو ثور جائز بيع المكاتب على أن يمضي في كتابته فإن أدى عتق وكان ولاؤه للذي ابتاعه وإن عجز فهو عبد له.
وقال أبو حنيفة وأصحابه لا يجوز بيع المكاتب ما دام كاتبا حتى يعجز ولا يجوز بيع كتابته بحال وهو قول الشافعي بمصر لا يجوز بيع المكاتب وكان بالعراق يقول بيعه جائز وأما بيع كتابته فغير جائزة عنده وقال أبو حنيفة والشافعي جائز تعجيز المكاتب بغير حضرة السلطان وفعل ذلك ابن عمر وهو قول شريح والنخعي.

(22/177)


وقال ابن أبي ليلى لا يجوز إلا عند قاض.
وكان الشافعي وأبو حنيفة وأصحابهم يقولون للسيد أن يعجزه إذا حل نجم من نجومه قال أبو حنيفة فإن قال أخروني وكان له مال حاضر أو غائب يرجو قدومه أخرته يومين أو ثلاثة لا أزيده على ذلك شيئا وبه قال محمد بن الحسن.
وقال الحكم وابن أبي ليلى والحسن بن صالح أقل ما يعجز به حلول نجمين وهو قول أبي يوسف.
وقال الثوري منهم من يقول نجم ومنهم من يقول نجمان قال والاستيناء به أحب إلي.
وقال أحمد نجمان أحب إلينا.
وقال الأوزاعي يستأنى به شهرين ونحو ذلك.
وروي عن الحسن البصري في هذه المسألة قول شاذ أن المكاتب إذا عجز استسعى بعد العجز سنتين وهذا ليس بشيء.
وأجمع العلماء على أن المكاتب إذا حل عليه نجم من نجومه أو نجمان أو نجومه كلها فوقف السيد عن مطالبته وتركه بحاله أن الكتابة لا تنفسخ ما داما على ذلك ثابتين واختلفوا إذا كان قويا على الأداء أو كان له مال فعجز نفسه فقال مالك ما قدمنا ذكره أنه ليس ذلك له إلا أن لم يعلم له مال.
وقال الأوزاعي لا يمكن من تعجيز نفسه إذا كان قويا على الأداء وقال الشافعي له أن يعجز نفسه علم له مال أو قوة على الكتابة او لم يعلم وإذا قال قد عجزت وأبطلت الكتابة فذلك إليه.

(22/178)


قال أبو عمر:
يحتمل حديث بريرة أن ينزع منه مالك لمذهبه والشافعي لمذهبه هذا وبالله التوفيق.
واختلفوا في المكاتب يعجز وبيده مال من الصدقات تصدق به عليه فقال أكثر أهل العلم إن كل ما قبضه السيد منه من كتابته وما فضل بيده بعد عجزه من صدقة وغيرها فهو لسيده يطيب أخذ ذلك كله له هذا قول الشافعي وأبي حنيفة وأصحابهما وأحمد بن حنبل ورواية عن شريح.
وقال بعض أصحاب الشافعي إذا كان ما أخذه السيد من المكاتب قبل عجزه هو من كسب العبد لم يرده وإن كان استقرضه العبد أو أخذه من زكاة رجل فعلى السيد رده.
وعن الشعبي عن مسروق في مكاتب عجز كيف يصنع سيده بما أخذ منه قال يجعله في مثله من الرقاب قال وقال شريح إن عجز رد في الرق ولم يأخذ من مولاه ما أخذ منه.
وقال مالك إذا عجز المكاتب فكل ما قبضه منه السيد قبل العجز حل له كان من كسبه أو من صدقة عليه قال وأما ما أعين به على فكاك رقبته فلم يف ذلك بكتابته كان لكل من أعانه الرجوع بما أعطى أو يحلل منه المكاتب ولو أعانوه صدقة لا على فكاك رقبته فذلك إن عجز حل لسيده ولو تم به فكاكه وبقيت فضله فإن كان بمعنى الفكاك ردها إليهم بالحصص أو يحللونه منها هذا كله مذهب مالك فيما ذكر ابن القاسم.
وقال الثوري يجعل السيد ما أعطاه في الرقاب وهو قول مسروق والنخعي ورواية عن شريح.

(22/179)


وقالت طائفة ما قبض منه السيد فهو له وما فضل بيده بعد العجز فهو له دون سيده وهذا قول بعض من ذهب إلى أن العبد يملك.
وقال إسحاق ما أعطى لحال الكتابة رد على أربابه وهذه المسائل كلها في معنى الحديث المذكور في هذا الباب في قصة بريرة فلذلك ذكرناها وأما فروع مسائل المكاتب فكثيرة جدا لا سبيل في مثل تأليفنا هذا إلى إيرادها على شرطنا وبالله توفيقنا.
وفيه أيضا أن عقد الكتابة من غير اداء لا يوجب شيئا من العتق خلاف قول من جعله غريما من الغرماء وقد مضى ذكر ذلك عند ذكر قول من قال يعتق منه بقدر ما أدى والدليل على أن عقد الكتابة لا يوجب عتقها أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أجاز بيعها ولو كان فيها شيء من العتق ما أجاز بيع ذلك إذ من سنته المجتمع عليها أن لا يباع الحر.
وأما قول هشام بن عروة في حديثه هذا خذيها واشترطي لهم الولاء فإنما الولاء لمن أعتق فكذلك رواه جمهور الرواة عن مالك واشترطي الولاء ورواه الشافعي عن مالك عن هشام بإسناده ولفظه إلا أنه قال اشرطي لهم الولاء ذكر ذلك عنهم الطحاوي فلم يدخل التاء قال الطحاوي ومعنى أشرطي لهم الولاء أي أظهري لهم حكم الولاء فإنما الولاء لمن أعتق أي أظهري لهم ذلك وعرفيهم أن الولاء لمن أعتق لأن الاشراط هو الإظهار في كلام العرب.
قال أوس بن حجر:
فاشرط فيها نفسه وهو معصم
...
وألقى بأسباب له وتوكلا
يعني أظهر نفسه لما حاول أن يفعل.

(22/180)


قال وأما رواية سائر الرواة عن مالك في ذلك واشترطي لهم الولاء فيحتمل أن يكون اشترطي لهم الولاء أي اشترطي عليهم الولاء أنه لك أي اشتريت وأعتقت ك قوله عز وجل: {وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا} بمعنى عليها وكقوله: {وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ} يعني عليهم اللعنة، قال: ويجوز أن يكون معناه الوعيد كقوله تعالى: {وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ} .
قال أبو عمر:
ليس في حديث الشافعي عندنا من رواية المزني إلا اشترطي بالتاء فالله أعلم.
وقال أبو بكر بن داود قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اشترطي لهم الولاء فإنما الولاء لمن أعتق" معلوم أنه لم يكن إلا بعد تحريم اشتراط الولاء لأنه لا يجوز في صفته صلى الله عليه وسلم أن يأمر بترك شيء ثم يخبر أنه لمن تركه بغير سبب حادث من المتروك له قال وإنما معناه اشترطي لهم الولاء فإن اشتراطهم إياه بعد علمهم بأن اشتراطه لا يجوز غير ضائر لك ولا نافع لهم لا أنه صلى الله عليه وسلم أمر باشتراط الولاء لهم ليقع البيع بينها وبينهم فيبطل الشرط ويصح البيع وهم غير عالمين بأن اشتراطهم ذلك لأنفسهم غير جائز لهم لأن هذا مكر وخديعة لهم ورسول الله صلى الله عليه وسلم أبعد الناس من أن يفعل ما ينهى عن فعله أو يرضى لنفسه ما لا يرضاه لغيره وإنما كان هذا القول منه تهددا لمن رغب عن حكمه وخالف عن أمره وأقدم على فعل ما قد نهى عن فعله وتهاونا بالشرط إذ كان غير

(22/181)


نافع لمشترطه قال الله عز وجل: {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً} والله عز وجل لم يجز للمشركين كيد الأنبياء والمرسلين ولا أباح لهم أن يكونوا بدعاء الأصنام معتصمين وإنما أعلمهم أن ذلك غير ضائر للمؤمنين ولا نافع للمشركين قال ومثله قوله تعالى ذكره: {قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلا تُنْظِرُونِ إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ} الآية.
وكذلك قول هود: {فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ} الآية وهذا ليس بأمر ولا إغراء ولكنه تهاون بكيدهم واستخاف بتوعدهم وإظهار لعجزهم وذكر آيات كثيرة من هذا الباب وقال هذا الباب مشهور في كلام العرب يستعمله منهم من فلج بحجته وأمن من كيد خصمه.
قال المتلمس يهجو عمرو بن هند حين قتل طرفة بن العبد يخبر أنه غير خائف من توعده ولا جازع من تهدده:
فإذا حللت ودون بيتي غارة ... فأبرق بأرضك ما بدا لك وأرعد
قال فليس هذا القول أمرا منه له بالدوام على تهدده ولا نهيا له عن الإقامة على تخويفه وتوعده وإنما هو إعلام أن إيعاده غير ضائر له وأن مكائده غير لاحقة به.
قال وكذلك قوله: {وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلادِ وَعِدْهُمْ} ثم قال: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ} فهذا كله داخل

(22/182)


في باب التهاون وللتحذير خارج من باب الإباحة والتفويض ومن معنى الأغوار والتحريض لأنه قد أخبر عز وجل أن فعله ذلك غير ضائر لمن تولاه من عباده وأحب هدايته وأنه لا سلطان له عليهم وكفى بربك وكيلا.
أخبرنا محمد حدثنا علي حدثنا أبو محمد يحيى بن محمد بن صاعد وأبو سهل بن زياد وعثمان بن أحمد الرقاق قالوا حدثنا إسماعيل بن إسحاق قال حدثني أبو ثابت قال حدثني عبد الله بن وهب قال أخبرني مالك أنه سأل ابن شهاب عن رجل خطب على عبده وليدة قوم واشترط أن ما ولدت الأمة من ولد فلي شطره وقد أعطاها العبد مهرها قال ابن شهاب هذا من الشرط الذي لا نرى له جوازا قال وقال ابن شهاب أخبرني عروة بن الزبير أن عائشة قالت قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فخطب الناس فقال: " يا معشر المسلمين ما بال قوم يشترطون شروطا ليست في كتاب الله من اشترط شرطا ليس في كتاب الله وإن كان شرط مائة شرط فليس له شرطه شرط الله أحق وأوثق" .
قال أبو الحسن: هذا حديث صحيح غريب من حديث مالك تفرد به إسماعيل بن إسحاق عن أبي ثابت.
قال أبو عمر:
وفي هذا الحديث أيضا دليل على أن بيع الأمة ذات الزوج ليس بطلاق لها لأن العلماء قد اجمعوا ولم تختلف في ذلك الاثار أيضا أن بريرة كانت إذ اشترتها عائشة ذات زوج وإنما اختلفوا في زوجها هل كان حرا أو عبدا وقد أجمع علماء المسلمين على أن الأمة إذا أعتقت وزوجها عبد أنها تخير واختلفوا إذا كان زوجها حرا هل تخير أم لا وقد ذكرنا اختلافهم في ذلك كله وفي حكمها إذا خيرت وحكم فرقتها وعدتها وسائر

(22/183)


معانيها وحجة كل فرقة منهم في باب ربيعة من هذا الكتاب والحمد لله وفي إجماعهم على أن بريرة قد خيرت تحت زوجها بعد أن اشترتها عائشة فأعتقتها خيرها النبي صلى الله عليه وسلم بين أن تقر عند زوجها وبين أن يفسخ نكاحها وفي تخييره لها في ذلك دليل على أن بيع الأمة ليس بطلاقها لأن بيعها لو كان طلاقا ما خيرت وهي مطلقة وعلى القول بأن بيع الأمة ليس بطلاقها جماعة فقهاء الأمصار من أهل الرأي والحديث وجمهور السلف.
وقد روي عن بعضهم أن بيع الأمة طلاقها وممن روي ذلك عنه ابن مسعود وابن عباس.
وقال أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة رحمه الله في فتوى ابن عباس رضي الله عنه إن بيع الأمة طلاقها مع رواياته لقصة بريرة وتخيير رسول الله صلى الله عليه وسلم إياها بعد البيع والعتق وشهادته أنه راى زوجها يتبعها في سكك المدينة دليل على أن المخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم بالخبر وإن كان فقيها عالما مبرزا قد يعزب عنه بعض دلائل الخبر الذي رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم لأن ابن عباس قد عزب عنه مع علمه وفهمه وفقهه موضع الاستدلال بذلك إذ كان يقول بيع الأمة طلاقها قال ومن هذا الباب قول النبي صلى الله عليه وسلم: "نضر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها ثم أداها لمن لم يسمعها فرب مبلغ أوعى له من سامع" .
وروى ابن سيرين هذا الخبر وقال قد والله كان ذلك رب مبلغ كان أوعى للخبر من سامعه.

(22/184)


وفيه أيضا دليل على أن من شأن الخطبة أن يقال فيها أما بعد وقد اختلف في قول الله عز وجل: {وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ} فقال قوم فصل الخطاب أما بعد.
وقال آخرون فصل الخطاب البينات والشهود ومعرفة القضاء.
وفيه أيضا أن النبي صلى الله عليه وسلم أجاز بيع بريرة على ذلك الشرط الفاسد وهو اشتراط موالي بريرة لأنفسهم الولاء دون عائشة وهي المعتقة وهذا خلاف قول من زعم أن البيع يفسد إذا كان فيه شرط فاسد وفي إجازة النبي صلى الله عليه وسلم البيع وشرط العتق معا وإبطاله شرط الولاء لغير المعتقة دليل على أن من الشروط ما يبطل ولا يلزم ولا يضر البيع والشروط في البيع على وجوه ثلاثة أحدها مثل هذا فاسد ولا يبطل البيع لبطلانه بل يصح البيع ويبطل الشرط والآخر يجوز اشتراطه فيجوز البيع والشرط معا والثالث قد يكون في البيع شروط يكون البيع معها فاسدا ولبيان ذلك وبسطه وتلخيصه موضع غير هذا.
أخبرنا خلف بن القاسم وعبد الله بن محمد بن اسد قالا حدثنا محمد ابن عبد الله بن أشته الأصبهاني المقرئ قال أخبرنا أبو علي أحمد بن محمد الصحاف قال حدثنا عبد الله بن أيوب بن زاذان الضرير قال حدثنا محمد بن سليمان الذهلي قال حدثنا عبد الوارث بن سعيد قال قدمت مكة فوجدت بها أبا حنيفة وابن أبي ليلى وابن شبرمة فسألت أبا حنيفة فقلت ما تقول في رجل باع بيعا وشرط شرطا فقال البيع باطل والشرط باطل ثم أتيت ابن أبي ليلى فسألته فقال البيع جائز والشرط باطل ثم أتيت ابن شبرمة فسالته فقال البيع جائز والشرط جائز فقلت يا سبحان الله ثلاثة من فقهاء العراق اختلفتم في مسألة واحدة فأتيت أبا حنيفة فأخبرته فقال لا أدري ما قالا

(22/185)


حدثني عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم "نهى عن بيع وشرط" البيع باطل والشرط باطل ثم أتيت ابن أبي ليلى فأخبرته فقال لا أدري ما قال حدثني هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أشتري بريرة فأعتقها وإن أشترط أهلها الولاء فإنما الولاء لمن أعتق البيع جائز والشرط باطل ثم أتيت ابن شبرمة فأخبرته فقال ما أدري ما قالا حدثني مسعر بن كدام عن محارب بن دثار عن جابر بن عبد الله قال بعت من النبي صلى الله عليه وسلم ناقة وشرط لي حلابها أو ظهرها إلى المدينة البيع جائز والشرط جائز.
قال أبو عمر:
كان ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم مع جابر في غزوة ذات الرقاع وذلك سنة أربع من الهجرة كذلك ذكر ابن إسحاق عن وهب بن كيسان عن جابر قال خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى غزوة ذات الرقاع وذكر الحديث في شرائه منه جمله ولم يذكر أنه اشترط عليه فيه شيئا واضطراب ألفاظ الناقلين لخبر جابر في ذلك كثير.
وأما قوله: "كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل" فمعناه كل شرط ليس في حكم الله وقضائه في كتابه أو سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن الله قد قرن طاعة رسوله بطاعته في آيات كثيرة من كتابه وقال الله عز وجل: {كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ} يريد حكم الله عليكم وقضاؤه فيكم أن حرم عليكم ما ذكر في تلك الآية وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن قضاء الله وشرطه أن يكون الولاء لمن أعتق ولا يعلم في نص كتاب الله ولا في دلالة منه أن الولاء للمعتق وإنما ذلك في سنة رسول الله المأثورة عنه بنقل أهل العدالة من جهة الخبر الخاص.

(22/186)


وأما أمر الله عز وجل باتباع رسوله صلى الله عليه وسلم جاز أن يقال لكل حكم حكم بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم حكم الله وقضاؤه ألا ترى إلى حديث الزهري عن عبيد الله عن أبي هريرة وزاد ابن خالد الجهني في الرجلين اللذين أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالا يا رسول الله اقض بيننا بكتاب الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله أما المائة شاة والخادم فرد عليك وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام" فقد أقسم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقضي بينهما بكتاب الله وهو صادق في قوله صلى الله عليه وسلم وليس في كتاب الله أن على الزاني والزانية نفي سنة مع الجلد ولا فيه أن على الثيب الرجم وهذه الأحكام كلها إنما هي في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وفيه أيضا دليل على أن الشروط وإن كثرت حتى تبلغ مائة شرط أو أكثر أنها جائز اشتراطها إذا كانت جائزة لا يردها كتاب ولا سنة ولا ما كان في معناهما ألا ترى إلى قوله: "كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط قضاء الله أحق وشرطه أوثق وإنما الولاء لمن أعتق" وفي قوله: "إنما الولاء لمن أعتق" نفي ان يكون الولاء إلا لمعتق وذلك ينفي أن يكون لمن أسلم على يديه ولاء أو للملتقط ولاء وأن يوالي أحد أحدا بغير عتاقة و قوله: "لمن أعتق" يدخل فيه الذكر والأنثى والواحد والجميع لأن من يصلح لذلك كله إلا أن النساء ليس لهن من الولاء إلا ولاء من أعتقن أو عتيقه وقد ذكرنا كثيرا من أحكام الولاء مستوعبة ممهدة في باب ربيعة من هذا الكتاب فلا وجه لتكرير ذلك ههنا.
وفيه أيضا دلالة على أن المكاتب إذا بيع للعتق برضى منه بعد الكتابة وقبض بائعه لم يجب عليه أن يعطيه من ثمنه شيئا وسواء باعه لعتق أو لغير عتق وليس ذلك كالسيد يؤدي مكاتبه إليه كتابته فيؤتيه منها أو يضع عنه من آخرها نجما أو ما شاء على ما أمر الله عز وجل به في قوله: {وَآتُوهُمْ

(22/187)


مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ} لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر موالي بريرة بإعطائها مما قبضوا شيئا وإن كانوا قد باعوها للعتق.
واختلف أهل العلم في معنى قول الله عز وجل: {وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ} فذهبت طائفة من أهل العلم وهو قول بعض أهل النظر من متأخري أصحاب الشافعي إلى أن قوله عز وجل: {وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ} لم يرد به سيدي المكاتبين وإنما هو خطاب عام للناس مقصود به إلى من آتاه الله مالا تجب فيه زكاة فأعلم الله عباده أن وضع الزكاة في العبد المكاتب جائز وإن كان لا يؤمن عليه العجز وخصه من بين سائر العبيد بذلك فجعل للمكاتبين حقا في الزكوات بقوله: {وَفِي الرِّقَابِ} قالوا وهذا هو الوجه الذي يجب الاعتماد عليه في الإيتاء المذكور في الآية لأن وضع بعض الكتابة لا تسميه العرب إيتاء والإيتاء هو إعطاء ما تتناوله الأيدي بالدفع والقبض هذا هو المعروف عند أهل اللسان قالوا ولو أراد الوضع عن المكاتب لقال ضعوا عنهم أو فأعينوهم به بل هو من مال غير الكتابة ومعروف في نظام القرآن أن يسبق بضمير على غيره كما قال: {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ} والمأمور بترك العضل الأولياء لا المطلقون ومثله قوله: {أُولَئِكَ مُبَرَّأُونَ مِمَّا يَقُولُونَ} والمبرؤون غير القائلين وهذا كثير في القرآن.

(22/188)


وقال مالك والشافعي هو أن يوضع عن المكاتب من آخر كتابته شيء قال مالك وقد وضع ابن عمر خمسة آلاف درهم من خمسة وثلاثين ألفا وكان مالك يرى هذا ندبا واستحسانا ويستحبه ولا يجبر عليه ولا يوجبه وكان الشافعي يوجبه ولا يجد فيه حدا وكانا جميعا يستحبان أن يوضع عنه من آخر الكتابة ربعها وهو قول الثوري وإسحاق بن راهويه في إستحباب الوضع من الكتابة وكان الشافعي يرى أن يجبر السيد على أن يضع من آخرها لا يجد.
وقال قتادة يوضع عنه عشر الكتابة.
وروى عن علي بن أبي طالب وابن عباس في قوله عز وجل: {وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ} قال الربع من كتابته.
وقال أبو حنيفة وأصحابه ليس على السيد أن يضع عن مكاتبه شيئا من كتابته وتأويل قول الله عز وجل عندهم {وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ} على الندب والحض على الخير لا على الإيجاب.
وممن روي عنه أن الأمر بالإيتاء ندب وحض بريدة الأسلمي والحسن البصري وإبراهيم النخعي وسفيان الثوري وكان داود بن علي يرى الكتابه فرضا إذا ابتغاها العبد وعلم فيه الخير وكان يرى الإيتاء أيضا فرضا من غير حد ولا يرى وضع آخرها من هذا المعنى.
وفي هذا الحديث أيضا دليل على إباحة تسجيع الكلام فيما يجوز وينبغي من القول وذلك بيان لقوله في تسجيع الأعرابي: "إنما هو من إخوان الكهان" وقد مضى هذا المعنى مجودا في باب ابن شهاب من هذا الكتاب ومضى ذكر الولاء واختلاف العلماء في أحكامه في باب ربيعة والحمد لله.

(22/189)


الحديث الرابع و العشرون
...
حديث رابع وعشرون لهشام بن عروة
مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: "لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وعك أبو بكر وبلال قالت فدخلت عليهما فقلت يا أبت كيف تجدك ويا بلال كيف تجدك قالت فكان أبو بكر إذا أخذته الحمى يقول:
كل امرئ مصبح في أهله ... والموت أدنى من شراك نعله
وكان بلال إذا أقلع عنه يرفع عقيرته ويقول:
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة ... بواد وحولي إذخر وجليل
وهل أردن يوما مياه مجنة ... وهل يبدون لي شامة وطفيل
قالت عائشة: فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته فقال: "اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد وصححها وبارك لنا في صاعها ومدها وانقل حماها واجعلها في الجحفة" .
وأما قوله: "إذخر وجليل" فهما نبتان من الكلأ طيبا الرائحة يكونان بمكة وأوديتها لا يكادان يوجدان بغيرها "وشامة وطفيل" جبلان بمكة وقيل أحدهما بجدة وقيل بوادي فخ

(22/190)


ولم يختلف رواة الموطأ فيما علمت عن مالك في إسناد هذا الحديث ولا في متنه ولم يذكر مالك فيه قول عامر بن فهيرة وسائر رواة هشام يذكرونه عنه فيه بهذا الإسناد وذكره مالك في الموطأ عن يحيى بن سعيد قال قالت عائشة وكان عامر بن فهيرة يقول:
قد رأيت الموت قبل ذوقه ... إن الجبان حتفه من فوقه
ورواه ابن عيينة ومحمد بن إسحاق عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة فجعل الداخل على أبي بكر وبلال وعامر رسول الله صلى الله عليه وسلم لا عائشة وقد تابع مالكا على روايته في ذلك سعيد بن عبد الرحمان التحرومي أخبرنا عبد الرحمان بن يى قال حدثنا علي بن محمد قال حدثنا أحمد بن داود قال حدثنا سحنون قال حدثنا ابن وهب قال أخبرني سعيد بن عبد الرحمان عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أنها قالت لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وعك أبو بكر وبلال وعامر بن فهيرة قالت فدخلت عليهم وهم في بيت فقلت يا أبت كيف تجدك يا بلال كيف تجدك يا عامر كيف تجدك فكان أبو بكر إذا أخذته الحمى يقول:
كل امرئ مصبح في أهله ... والموت أدنى من شراك نعله
ويقول عامر بن فهيرة:
قد ذقت طعم الموت قبل ذوقه
...
إن الجبان حتفه من فوقه
وكان بلال إذا اقلع عنه يرفع عقيرته فيقول:
ألا ليت شعري فذكر البيتين.
والحديث إلى آخره كرواية مالك سواء إلا أنه ذكر فيه قول عامر بن فهيرة كما ترى وجعل الداخل عليهم عائشة

(22/191)


وأما حديث ابن عيينة فحدثناه سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن إسماعيل الترمذي قال حدثنا الحميدي قال حدثنا سفيان قال حدثنا هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت لما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة حم أصحابه قالت فدخل رسول الله على أبي بكر يعوده فقال: "كيف تجدك يا أبا بكر فقال أبو بكر:
كل امرئ مصبح في أهله ... والموت أدنى من شراك نعله
قالت ودخل على عامر بن فهيرة فقال: "كيف تجدك" فقال:
وجدت طعم الموت قبل ذوقه ... إن الجبان حتفه من فوقه
كالثور يحمي جلده بروقه ...
قالت: "ودخل على بلال فقال: "كيف تجدك" فقال:
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة ... بفخ وحولي إذخر وجليل
وربما قال سفيان بواد:
وهل أردن يوما مياه مجنة ... وهل يبدون لي شامة وطفيل
فقال رسول الله: "اللهم إن إبراهيم عبدك وخليلك دعاك لأهل مكة وأنا عبدك ورسولك أدعوك لأهل المدينة بمثل ما دعاك إبراهيم لأهل مكة الله بارك لنا في صاعنا وبارك لنا في مدنا وبارك لنا في مدينتنا" .
قال سفيان وأراه قال: "وفي فرقنا اللهم حببها إلينا ضعفي ما حببت إلينا مكة أو أشد وصححها وانقل وباءها إلى خم أو الجحفة"

(22/192)


هكذا قال ابن عيينة في هذا الحديث ان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو كان الداخل على أبي بكر وعلى بلال وعامر بن فهيرة يعودهم وهو كان المخاطب لهم وشك في قول بلال في البيت الذي أنشده بفخ أو بواد.
وروى ابن إسحاق هذا الحديث عن عبد الله بن عروة عن عروة عن عائشة بمثل رواية ابن عيينة سواء في المعنى إلا أنه قال بفخ من غير شك ولم يقل بواد.
قال الفاكهي وفخ الوادي الذي بأصل الثنية البيضاء إلى بلدح.
قال أبو عمر:
وهو قرب ذي طوى وإياه عنى الشاعر النميري حيث قال:
تضوع مسكا بطن نعمان أن مشت ... به زينب في نسوة خفرات
مررن بفخ رائحات عشية ... يلبين للرحمان معتمرات
ونعمان وادي عرفات وقال آخر:
ماذا بفخ من الإشراق والطيب ... ومن حوار تقيات رعابيب
وأما قول ابن عيينة وانقل وباءها إلى خم أو الجحفة شك فإن خم أيضا من الجحفة قريب.
وقال ابن إسحاق في حديثه وانقل وباءها إلى مهيعة وهي الجحفة.
وقد روى ابن أبي الزناد عن موسى بن عقبة عن سالم عن ابن عمر قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "رأيت في المنام امرأة سوداء ثائرة الشعر تفلة أخرجت من المدينة فأسكنت مهيعة فأولتها وباء المدينة ينقلها الله

(22/193)


إلى مهيعة" . وفي هذا الحديث بيان ما هو متعارف حتى الآن من تنكر البلدان على من لم يعرف هواها ولم يغذ بمائها وفيه عيادة الجلة السادة لإخوانهم ومواليهم الصالحين وفي فضل العيادة آثار كثيرة قد وقعت في مواضعها من هذا الكتاب.
وفيه سؤال العليل عن حاله بكيف تجدك وكيف أنت ونحو ذلك.
وفيه أن إشارة المريض إلى ذكر ما يجد ليس بشكوى وإذا جاز استخبار العليل جاز إخباره عما به ومن رضي فله الأجر والرضى ومن سخط فله السخط والبلوى.
وفيه إجازة إنشاد الشعر والتمثل به واستماعه وإذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمعه وأبو بكر ينشده فهل للتقليد والاقتداء موضع أرفع من هذا وما استنشده رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنشد بين يديه أكثر من أن يحصى ولا ينكر الشعر الحسن أحد من أولي العلم ولا من أولي النهى قال آخر:
ماذا بفخ من الإشراق والطيب ... ومن حوار تقيات رعابيب
وليس أحد من كبار الصحابة وأهل العلم وموضع القدوة إلا وقد قال الشعر وتمثل به أو سمعه فرضيه وذلك ما كان حكمه أو مباحا من القول ولم يكن فيه فحش ولا خنى ولا لمسلم أذى فإن كان ذلك فهو والمنشور من الكلام سواء لا يحل سماعه ولا قوله.
حدثنا محمد بن عبد الملك قال حدثنا ابن الأعرابي قال حدثنا الزعفراني حدثنا سفيان بن عيينة عن عبد الملك بن عمير عن أبي سلمة عن

(22/194)


أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر يقول: "أصدق أو أشعر كلمة قالتها العرب قول لبيد:
ألا كل شيء ما خلا الله باطل" ...
وروينا من وجوه عن ابن سيرين وكان من الورع بمنزلة ذهبت مثلا أنه أنشد شعرا فقال له بعض جلسائه مثلك ينشد الشعر يا أبا بكر فقال ويلك يا لكع وهل الشعر إلا كلام لا يخالف سائر الكلام إلا في القوافي فحسنه حسن وقبيحه قبيح قال وقد كانوا يتذاكرون الشعر قال وسمعت ابن عمر ينشد:
يحب الخمر من مال الندامى ... ويكره أن تفارقه الفلوس
حدثنا عبد الله بن محمد حدثنا سعيد بن السكن حدثنا محمد بن يوسف حدثنا البخاري أخبرنا أبو اليمان أخبرنا شعيب عن الزهري قال أخبرني أبو بكر بن عبد الرحمان أن مروان بن الحكم أخبره أن عبد الرحمان ابن الأسود بن عبد يغوث أخبره أن أبي بن كعب أخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن من الشعر حكمة" وقد كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم شعراء يناضلون عنه ويردون عنه الأذى وهم حسان بن ثابت وكعب بن مالك وعبد الله بن رواحة وفيهم نزلت {إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} لأنه لما نزلت {وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ} جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول

(22/195)


الله قد أنزل الله هذا في الشعراء فنزلت {إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيراً} فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أنتم هم" {وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا} قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أنتم هم" وفي هذا دليل على أن الشعر لا يضر من آمن وعمل صالحا وقال حقا وأنه كالكلام المنثور يؤجر منه المرء على ما يؤجر منه ويكره له منه ما يكره منه والله أعلم.
قال أبو عمر:
وأما قوله صلى الله عليه وسلم: "لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا خير من أن يمتلئ شعرا" فأحسن ما قيل في تأويله والله أعلم أنه الذي قد غلب الشعر عليه فامتلأ صدره منه دون علم سواه ولا شيء من الذكر غيره ممن يخوض به في الباطل ويسلك به مسالك لا تحمد له كالمكثر من الهذر واللغط والغيبة وقبيح القول ولا يذكر الله كثيرا وهذا كله مما اجتمع العلماء على معنى ما قلت منه ولهذا قلنا فيما روي عن ابن سيرين والشعبي ومن قال بقولهما من العلماء الشعر كلام فحسنه حسن وقبيحه قبيح أنه قول صحيح وبالله التوفيق.
وأما قوله في حديث مالك: "فرفع بلال عقيرته" فمعناه رفع بالشعر صوته كالمتغني به ترنما وأكثر ما تقول العرب رفع عقيرته لمن رفع بالغناء صوته.
وفي هذا الحديث دليل على أن رفع الصوت بإنشاد الشعر مباح ألا ترى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ينكر على بلال رفع عقيرته بالشعر وكان بلال قد حمله على ذلك شدة تشوقه إلى وطنه فجرى في ذلك على عادته فلم ينكر رسول

(22/196)


الله صلى الله عليه وسلم عليه وهذا الباب من الغناء قد أجازه العلماء ووردت الآثار عن السلف بإجازته وهو يسمى غناء الركبان وغناء النصب والحذاء هذه الأوجه من الغناء لا خلاف في جوازها بين العلماء.
روى ابن وهب عن أسامة وعبد الله ابني زيد بن أسلم عن أبيهما زيد ابن أسلم عن أبيه أن عمر بن الخطاب قال الغناء من زاد الراكب أو قال زاد المسافر.
أخبرنا أحمد بن محمد قال حدثنا أحمد بن الفضل قال حدثنا محمد بن جرير قال حدثنا إسماعيل بن موسى الفزاري قال أخبرنا سفيان بن عيينة عن هشام بن عروة عن أبيه قال قال عمر: "نعم زاد الراكب الغناء نصبا".
وأخبرنا احمد حدثنا محمد بن بشار حدثنا وهب بن جرير حدثني أبي قال سمعت محمد بن إسحاق يحدث عن صالح بن كيسان عن عبيد الله بن عبد الله قال رأيت أسامة بن زيد مضطجعا على باب حجرته رافعا عقيرته يتغنى قال وحدثنا ابن بشار أخبرنا أبو عاصم أخبرنا ابن جريج قال قال ابن شهاب عن عمر بن عبد العزيز أن محمد بن نوفل أخبره أنه رأى أسامة بن زيد واضعا إحدى رجليه على الأخرى يتغنى النصب.
وروى شعيب بن أبي حمزة عن الزهري قال أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أن أباه أخبره أنه سمع عبد الله بن الأرقم رافعا عقيرته يتغنى قال عبد الله بن عتيبة لا والله ما رأيت رجلا أخشى لله من عبد الله بن الأرقم.
وقد ذكر أهل الأخبار أن عمر بن الخطاب أتى دار عبد الرحمان بن عوف فسمعه يتغنى بالركبانية:
وكيف توائي بالمدينة بعدما
...
قضى وطرا منها جميل بن معمر

(22/197)


هكذا ذكر هذا الخبر الزبير بن بكار وذكره المبرد مقلوبا أن عبد الرحمان سمع ذلك من عمر والصواب ما قاله الزبير والله أعلم.
حدثنا أحمد بن محمد حدثنا أحمد بن الفضل حدثنا محمد بن جرير حدثني أبو السائب حدثنا ابن إدريس عن ابن جريج قال سألت عطاء عن الحداء والشعر والغناء قال ابن إدريس يغني غناء الركبان فقال لا بأس به ما لم يكن فحشا وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدأ له في السفر روي ذلك من حديث ابن مسعود وابن عباس.
وروى شعبة عن ثابت البناني عن أنس قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسير ومعهم حاد وسائق.
حدثنا احمد بن محمد قراءة مني عليه أن أحمد بن الفضل بن العباس حدثهم قال حدثنا محمد بن جرير بن يزيد قال حدثنا مجاهد بن موسى قال أخبرنا يزيد قال أخبرنا حماد بن سلمة عن ثابت البناني عن أنس بن مالك قال كان البراء جيد الحداء وكان حادي الرجال وكان الجثمة يحدو بالنساء فحدا ذات ليلة فأعنقت الإبل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ويحك يانجشة رويدا سوقك بالقوارير" وقد حدا به صلى الله عليه وسلم عبد الله بن رواحة وعامر ابن سنان وجماعة فهذا مما لا أعلم فيه خلافا بين العلماء إذا كان الشعر سالما من الفحش والخنى.
وأما الغناء الذي كرهه العلماء فهذا الغناء بتقطيع حروف الهجاء وإفساد وزن الشعر والتمطيط به طلبا للهو والطرب وخروجا عن مذاهب العرب والدليل على صحة ما ذكرنا أن الذين أجازوا ما وصفنا من النصب والحداء هم كرهوا هذا النوع من الغناء وليس منهم يأتي شيئا وهو ينهى عنه.

(22/198)


روى شعبة وسفيان عن الحكم وحماد عن إبراهيم قال قال عبد الله بن مسعود: الغناء ينبت النفاق في القلب.
وروى ابن وهب عن سليمان بن بلال عن كثير بن زيد أنه سمع عبيد الله بن عبد الله بن عمر يقول للقاسم بن محمد كيف ترى في الغناء فقال القاسم هو باطل قال قد عرفت أنه باطل فكيف ترى فيه قال القاسم أرأيت الباطل أين هو قال في النار قال فهو ذاك.
وروي من حديث أنس وحديث عبد الرحمان بن عوف عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "معنى ما أقول لك صوتان ملعونان فاجران أنهى عنهما صوت مزمار ورنة شيطان عند نغمة ونوح ورنة عند مصيبة ولطم وجوه وشق جيوب" . فهذا ما اتى في كراهية الغناء وقد أتى ما هو أثبت من هذا من جهة الإسناد في خصوص الرخصة في ذلك في الأعياد والإملاك خاصة.
روى ابن شهاب وهشام بن عروة عن عروة عن عائشة أن أبا بكر دخل عليها وعندها جاريتان تغنيان في يوم عيد أو في أيام منى ويضربان بالدف ورسول الله صلى الله عليه وسلم يسمع ذلك ولا ينهاهما فانتهرهما أبو بكر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "دعهما يا أبا بكر فإنها أيام عيد" .
وفي كلا الوجهين آثار عن السلف كثيرة تركت ذكرها لأن مدار الباب كله على ما أوردنا فيه والله أسأله العصمة والتوفيق.
وقد رويت الرخصة في الألحان التي تعرفها العرب ورفع العقيرة بها دون ألحان الأعاجم المكروهة عن جماعة من علماء السلف لو ذكرناهم لطال الكتاب بذكرهم وحسبك منهم بسعيد بن المسيب ومحمد بن سيرين وهما ممن يضرب المثل بهما ذكر وكيع محمد بن خلف قال حدثني عبد الله بن سعد قال حدثني الحسن بن علي بن منصور قال أخبرني أبو عتاب عن

(22/199)


إبراهيم بن محمد بن العباس المطلبي أن سعيد بن المسيب مر في بعض أزقة مكة فسمع الأخضر الحدي يتغنى في دار العاصي بن وائل:
تضوع مسكا بطن نعمان إن مشت ... به زينب في نسوة خفرات
فضرب سعيد برجله وقال: هذا والله ما يلذ إستماعه ثم قال:
وليست كأخرى اوسعت جيب درعها ... وأبدت بنان الكف بالجمرات
وعلت بنان المسك وحفا مرجلا ... على مثل بدر لاح في ظلمات
وقامت ترائي يوم جمع فأفتنت ... برؤيتها من راح من عرفات
قال: فكانوا يرون أن هذا الشعر لسعيد بن المسيب.
قال أبو عمر:
يحفظ لسعيد أبيات كثيرة وتمثل أيضا بأبيات لغيره كثيرة وليس هذا في شعر النميري والذي حفظناه من شعر النميري ورويناه ليس فيه هذه الأبيات فهي لسعيد والله أعلم.
والنميري هذا ليس هو من بني نمير إنما هو ثقفي وهو محمد بن عبد الله نسب إلى جده.
وروى قتيبة بن سعيد عن أبي بكر بن شعيب بن الحجاب المعولي عن أبيه قال كنت عند ابن سيرين فجاءه إنسان يسأله عن شيء من الشعر قبل صلاة العصر فأنشده ابن سيرين:
كأن المدامة والزنجبيل ... وريح الخزامى وذوب العسل
يعل به برد أنيابها ... إذا النجم وسط المساء اعتدل

(22/200)


وقال: الله أكبر ودخل في الصلاة وهذا الشعر أيضا للنميري المذكور في زينب أخت الحجاج التي له فيها الشعر الثاني أوله:
ألا من لقلب معنى غزل ... يحب المحلة أخت المحل
تراءت لنا يوم فرع الأراك ... بين العشاء وبين الأصل
كأن القرنفل والزنجبيل ... وريح الخزامى وذوب العسل
يعل به برد أنيابها ... إذا ما صغا الكوكب المعتدل
قد مضى في مواضع من هذا الكتاب في أمر استتار النساء والحجاب وفضائل المدينة ما يغني عن تكريره في هذا الباب والحمد لله.

(22/201)


الحديث الخامس و العشرون
...
حديث خامس وعشرون لهشام بن عروة
مالك عن هشام بن عروة عن أبيه أنه قال سئل أسامة بن زيد وأنا جالس كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسير في حجة الوداع حين دفع من عرفة فقال كان يسير العنق فإذا وجد فرجة نص.
قال هشام والنص فوق العنق.
هكذا قال يحيى فرجة وتابعه جماعة منهم أبو المصعب وابن بكير وسعيد بن عفير وقالت طائفة منهم ابن وهب وابن القاسم والقعنبي فإذا وجد فجوة والفجوة والفرجة سواء في اللغة وليس في هذا الحديث أكثر من

(22/201)


معرفة كيفية السير في الدفع من عرفة وهو شيء يجب الوقوف عليه وامتثاله على أئمة الحاج فمن دونهم لأن في استعجال السير إلى مزدلفة استعجال الصلاة بها ومعلوم أن المغرب لا تصلى تلك الليلة إلا مع العشاء وتلك سنتهما فيجب أن يكون ذلك على حسب ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم فمن قصر عن ذلك أو زاد فقد أساء إذا كان عالما بما جاء في ذلك وأما حكم الجمع بين الصلاتين في المزدلفة فقد ذكرناها في باب ابن شهاب من هذا الكتاب والحمد لله.
والعنق مشي معروف للدواب لا يجهل وقد يستعمل مجازا في غير الدواب قال الشاعر:
يا جارتي يا طويلة العنق ... أخرجتني بالصدود عن عنق
النص ههنا كالخبب وهو فوق العنق وأرفع في الحركة وأصل النص في اللغة الرفع يقال منه نصصت الدابة في سيرها قال الشاعر:
ألست التي كلفتها سير ليلة ... من أهل منى نصا إلى أهل يثرب
وقال اللهبي:
يا رب بيداء وليل داج ... قطعته بالنص والإدلاج
وقال آخر:
ونص الحديث إلى أهله ... فإن الوثيقة في نصه
أي ارفعه إلى أهله وانسبه إليهم.

(22/202)


وقال أبو عبيد النص التحريك الذي يستخرج به من الدابة اقصى سيرها وأنشد قول الراجز:
تقطع الخرق بسير نص. ...
وأما النص في الشريعة فما استوى من خطاب القرآن وغيره ظاهره مع باطنه وفهم مراده من ظاهره ومنهم من قال النص ما لا يصح أن يرد عليه التخصيص ويسلم من العلل ولهم في حدوده كلام كثير ليس هذا موضع ذكره وبالله التوفيق.

(22/203)


الحديث السادس و العشرون
...
حديث سادس وعشرون لهشام بن عروة
مالك عن هشام بن عروة عن أبيه أن عبد الله بن الأرقم كان يؤم أصحابه فحضرت الصلاة يوما فذهب لحاجته ثم رجع فقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إذا أراد أحدكم الغائط فليبدأ به قبل الصلاة" .
قد ذكرنا عبد الله بن الأرقم في كتابنا في الصحابة بما يغني عن ذكره ههنا ولم يختلف عن مالك في إسناد هذا الحديث ولفظه واختلف فيه عن هشام بن عروة فرواه مالك كما ترى وتابعه زهير بن معاوية وسفيان بن عيينة وحفص بن غياث ومحمد بن إسحاق وشجاع بن الوليد وحماد بن زيد ووكيع وأبو معاوية والمفضل بن فضالة ومحمد بن كناسة كلهم رواه عن هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن الأرقم كما رواه مالك ورواه

(22/203)


وهيب بن خالد وأنس بن عياض وشعيب بن إسحاق عن هشام بن عروة عن أبيه عن رجل حدثه عن عبد الله بن الأرقم فأدخل هؤلاء بين عروة وبين عبد الله بن الأرقم رجلا.
ذكر ذلك أبو داود ورواه ايوب بن موسى عن هشام عن أبيه أنه سمعه من عبد الله بن الأرقم فالله أعلم.
ذكر عبد الرزاق قال أخبرنا ابن جريج عن أيوب بن موسى عن هشام بن عروة عن عروة قال خرجنا في حج أو عمرة مع عبد الله بن الأرقم الزهري فأقام الصلاة ثم قال صلوا وذهب لحاجته فلما رجع قال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا أقيمت الصلاة وأراد أحدكم الغائط فليبدأ بالغائط" فهذا الإسناد يشهد بأن رواية مالك ومن تابعه في هذا الحديث متصلة وابن جريج وأيوب بن موسى ثقتان حافظان.
حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أحمد ابن سعيد الجمال قال حدثنا محمد بن عبد الله بن كناسة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن الأرقم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا حضرت الرجل الصلاة وأراد الخلاء بدأ بالخلاء" .
وحدثنا عبد الوارث قال حدثنا قاسم قال حدثنا بكر بن حماد قال حدثنا مسدد قال حدثنا حماد بن زيد عن هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله ابن الأرقم أنه كان يسافر فكان يؤذن لأصحابه ويؤمهم فثوب بالصلاة يوما فقال: "ليؤمكم أحدكم فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إذا أراد أحدكم أن يأتي الخلاء وأقيمت الصلاة فليبدأ بالخلاء" .

(22/204)


وحدثنا عبد الوارث قال حدثنا قاسم قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا أبي قال حدثنا وكيع قال حدثنا هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله ابن الأرقم قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر نحوه.
ورواه أبو الأسود عن عروة عن عبد الله بن الأرقم ذكره ابن وهب عن ابن لهيعة عن أبي الأسود في هذا الحديث من الفقه أن لا يصلي أحد وهو حاقن واختلف الفقهاء فيمن صلى وهو حاقن فقال ابن القاسم عن مالك إذا شغله ذلك فصلى كذلك فإني أحب أن يعيد في الوقت وبعده وقال الشافعي وأبو حنيفة وعبيد الله بن الحسن يكره أن يصلي وهو حاقن وصلاته جائزة مع ذلك إن لم يترك شيئا من فرضها.
وقال الثوري إذا خاف أن يسبقه البول قدم رجلا وانصرف.
وقال الطحاوي: لا يختلفون أنه لو شغل قلبه بشيء من أمر الدنيا لم تستحب له الإعادة كذلك إذا شغله البول.
قال أبو عمر:
أحسن شيء روي مسندا في هذا الباب حديث عبد الله بن الأرقم وحديث عائشة فأما حديث عبد الله بن الأرقم فقد مضى وأما حديث عائشة فأحسن أسانيده ما حدثناه عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا أحمد بن حنبل ومحمد بن عيسى ومسدد المعنى قالوا حدثنا يحيى بن سعيد القطان عن أبي حرزة قال حدثنا عبد الله بن محمد يعني ابن أبي بكر أخو القاسم بن محمد قال كنا عند عائشة فجيء بطعامها فقام القاسم يصلي فقالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم

(22/205)


يقول: "لا يصلي أحد بحضرة الطعام ولا هو يدافعه الأخبثان" وهذا حديث ثابت صحيح.
وأما ما روي عن الزهري عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا يصلي أحدكم وهو يدافع الأخبثين الغائط والبول" فلا أصل له في حديث مالك وهو موضوع الإسناد.
قال أبو عمر:
قد أجمعوا أنه لو صلى بحضرة الطعام فأكمل صلاته ولم يترك من فرائضها شيئا أن صلاته مجزية عنه فكذلك إذا صلاها حاقنا فأكمل صلاته وفي هذا دليل على أن النهي عن الصلاة بحضرة الطعام من أجل خوف اشتغال بال المصلي بالطعام عن الصلاة وتركه إقامتها على حدودها فإذا أقامها على حدودها خرج من المعنى المخوف عليه وأجزته صلاته لذلك وقد روى يزيد بن شريح الحضرمي عن أبي حي المؤذن عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا يحل لمؤمن أن يصلي وهو حاقن جدا" رواه ثور ابن يزيد الشامي عن يزيد بن شريح.
ورواه حبيب بن صالح عن يزيد بن شريح عن أبي حي المؤذن عن ثوبان عن النبي صلى الله عليه وسلم ومثل هذا الخبر لا تقوم به حجة عند أهل العلم بالحديث ولو صح كان معناه أنه إذا كان حاقنا جدا لم يتهيأ له إكمال الصلاة على وجهها والله أعلم.

(22/206)


وقد روي عن عمر بن الخطاب أنه قال من استطاع منكم فلا يصلي وهو موجع من خلاء أو بول وهذا والله أعلم يدل على الاستحباب وروى عنه أيضا أنه قال لا يدافعن أحدكم الخبث في الصلاة ذكره ابن المبارك أخبرنا عمران بن حدير عن نصر بن عاصم عن عمر بن الخطاب والخبر الأول عن عمر ذكره أيضا ابن المبارك عن حيوة بن شريح عن جعفر بن ربيعة عن عبد الله بن رافع الحضرمي المصري عن عمرو بن معدي كرب سمع عمر يقول.
وذكر مالك عن زيد بن أسلم أن عمر بن الخطاب قال: "لا يصلين أحدكم وهو ضام بين وركيه".
وقرأت على عبد الوارث بن سفيان أن قاسم بن أصبغ حدثهم قال حدثنا محمد بن إسماعيل الترمذي قال حدثنا نعيم قال حدثنا ابن المبارك قال أخبرنا هشام عن عكرمة عن ابن عباس قال لأن أصلي وهو في ناحية من ثوبي احب إلي من أن أصلي وأنا أدافعه فهؤلاء كرهوا الصلاة للحاقن وجاءت فيه رخصة عن إبراهيم النخعي وطاوس اليماني.
ذكر ابن المبارك عن الثوري عن الحسن بن عبيد الله عن إبراهيم قال لا بأس به مالم يعجلك وعن سفيان عن إبراهيم بن ميسرة عن طاوس قال إنا لنصره ضما وإنا لنضغطه.
قال أبو عمر:
الذي نقول به أنه لا ينبغي لأحد أن يفعله فإن فعل وسلمت له صلاته أجزأت عنه وبئسما صنع وفي قوله في هذا الحديث وغيره: "إذا أراد أحدكم الغائط" ما يدلك على هروب العرب من الفحش والقذع ودناءة القول وفسولته،

(22/207)


ومجانبتهم للخنا كله فلهذا قالوا لموضع الغائط الخلاء والمذهب والمخرج والكنيف والحش والمرحاض وكل ذلك كناية وفرار عن التصريح في ذلك.

(22/208)


الحديث السابع و العشرون
...
حديث سابع وعشرون لهشام بن عروة
مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن المسور بن مخرمة أنه أخبره أن سبيعة الأسلمية نفست بعد وفاة زوجها بليال فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قد حللت فانكحي من شئت" .
قد مضى القول في معنى هذا الحديث في باب عبد ربه بن سعيد فلا معنى لتكريره ها هنا وأكثر رواة الموطأ ليس هذا الحديث عندهم بهذا الإسناد.
وفقه هذا الحديث أن المتوفى عنها الحامل عدتها تضع ما في بطنها خلاف قول من قال عدتها آخر الأجلين وقد بينا ذلك كله وأوضحنا القول فيه والحجة والحمد لله.

(22/208)


الحديث الثامن و العشرون
...
حديث ثامن وعشرون لهشام بن عروة
مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عمر بن أبي سلمة أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي في ثوب واحد مشتملا به في بيت أم سلمة واضعا طرفيه على عاتقه.
لم يختلف عن مالك في إسناد الحديث ولفظه وكذلك رواه جماعة أصحاب هشام كما رواه مالك بإسناده وقد روى ابن أبي الزناد عن أبيه عن عروة بن الزبير عن عبد الله بن أبي امية أخي أم سلمة أنه أبصر رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي في بيت أم سلمة ملتحفا في ثوب.
ذكره ابن أبي فديك عن ابن أبي الزناد وهذا عندي والله اعلم خطأ والقول قول مالك وكذلك رواه الناس عن هشام كما رواه مالك ورواية هشام اولى من رواية ابن أبي الزناد عندهم وابن أبي الزناد عبد الرحمان ضعيف لا يحتج به وبما خولف فيه أو انفرد به ولو انفرد بروايته هذه لكان الحديث مرسلا لأن عروة لم يدرك عبد الله بن أبي أمية أخا أم سلمة لأنه استشهد يوم الطائف شهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم المشهد ورمي بسهم يومئذ فمات منه بعد ذلك.

(22/209)


وقال الأخفش الاشتمال أن يلتف الرجل بردائه وبكسائه من رأسه إلى قدميه يرد طرف الثوب الأيمن على منكبه الأيسر فهذا هو الاشتمال.
قال وقد حدثنا عبيد الله بن موسى عن هشام بن عروة عن أبيه عن عمر بن أبي سلمة قال: "رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي في ثوب واحد" قد خالف بين طرفيه قال وهذا هو التوشح وهو أن يأخذ طرف الثوب الأيسر من تحت يده اليسرى فيلقيه على منكبه الأيمن ويلقي طرف الثوب الأيمن من تحت يده اليمنى على منكبه الأيسر قال فهذا هو التوشح الذي جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه صلى في ثوب واحد متوشحا به.
وقد مضى القول في معنى هذا الحديث مستوعبا ممهدا في باب ابن شهاب عن سعيد بن المسيب من هذا الكتاب.

(22/210)


الحديث التاسع و العشرون
...
حديث تاسع وعشرون لهشام بن عروة
مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن حمران مولى عثمان بن عفان أن عثمان بن عفان جلس على المقاعد فجاء المؤذن فآذنه بصلاة العصر فدعا بماء فتوضأ ثم قال والله لأحدثنكم حديثا لولا أنه في كتاب الله ما حدثتكموه ثم قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ما من امرئ يتوضأ فيحسن

(22/210)


وضوءه ثم يصلي الصلاة إلا غفر له ما بينه وبين الصلاة الأخرى حتى يصليها" قال مالك أراه يريد هذه الآية {وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ} .
وحمران مولى عثمان هو حمران بن أعين بن خالد بن عبد عمرو بن عقيل بن كعب بن سعد بن جندلة بن مسلم بن أوس بن زيد مناة بن النمر بن قاسط وهو ابن عم صهيب بن سنان يلتقي هو وصهيب في خالد بن عبد عمرو وكان حمران من سبي عين النمر وهو أول سبي دخل المدينة في خلافة أبي بكر الصديق سباه خالد بن الوليد فرآه غلاما أحمر مختونا كيسا فتوجه به إلى عثمان رضي الله عنه فأعتقه ودار حمران بالبصرة مشرفة على رحبة المسجد الجامع وكان عثمان أقطعه إياها وأقطعه أيضا أرضا على فراسخ من الأيلة فيما يلي البحر ذكر ذلك أهل السير والعلم بالخبر قالوا وكان حمران أحد العلماء الجلة أهل الوداعة والرأي والشرف بولائه ونسبه وهو أحد الشاهدين على الوليد بن عقبة بشرب الخمر فجلده بشهادته علي جعل ذلك إليه عثمان وتولى ضرب الوليد بيده عبد الله بن جعفر بأمر علي له بذلك وكان جلده له أربعين جلدة.
وهكذا روى هذا الحديث عن مالك جماعة رواة الموطأ وغيره وليس فيه صفة الوضوء ثلاثا ولا اثنتين وقد رواه جماعة عن هشام بن عروة بإسناده عن

(22/211)


عروة عن حمران عن عثمان فذكروا فيه صفة الوضوء المضمضمة والاستنشاق وغسل الوجه واليدين ثلاثا ثلاثا واختلفوا في ألفاظه منهم شعبة وأبو أسامة وابن عيينة وجماعة ورواه عن عروة جماعة أيضا منهم أبو الزناد وأبو الأسود وعبد الله بن أبي بكر وفي حديثهم أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ ثلاثا ثلاثا.
حدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن إسماعيل الترمذي قال حدثنا الحميدي قال حدثنا سفيان قال حدثنا هشام بن عروة عن أبيه عن حمدان قال توضأ عثمان بن عفان على المقاعد ثلاثا ثلاثا وقال هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ ثم قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ما من رجل يتوضأ فيحسن الوضوء ثم يصلي إلا غفر له ما بينه وبين الصلاة الأخرى حتى يصليها" .
ففي هذا الحديث والحمد لله أن الصلاة تكفر الذنوب وهو تأويل قول الله عز وجل: {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} على حسبما نزع به مالك رحمه الله والقول في هذا عندي كالقول في حديثه صلى الله عليه وسلم: "الجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهما والعمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما" فسبحان المتفضل المنعم المحسن هو الله وحده لا شريك له.
وقد روى هذا الحديث أعني حديث الوضوء عن حمران جماعة كثيرة من الجلة ومن دونهم منهم عروة وعطاء بن يزيد الليثي وجامع بن شداد أبو صخرة ومعبد الجهني وشقيق بن سلمة أبو وائل وأبو سلمة بن عبد الرحمان ومسلم بن يسار ومحمد بن كعب القرظي وموسى بن طلحة وزيد

(22/212)


بن أسلم ومحمد بن المنكدر ومجاهد بن جبير ومعاذ بن عبد الرحمن وعبد الملك بن عمير وغيرهم كلهم عن حمران عن عثمان عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا أن ألفاظهم عن حمران مختلفة ولكنها متقاربة المعنى.
وأما قوله: "لولا أن في كتاب الله" فاختلف في هذه اللفظة فطائفة روت لولا أنه في كتاب الله بالنون وهاء الضمير وطائفة روت لولا آية في كتاب الله بالياء وتاء التأنيث وقد روي عن عروة أن الآية قوله: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى} الآية وروى آخرون كما قال مالك {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} الآية وعلى هذا المعنى ينبغي أن تكون الرواية لولا أنه بالنون وهاء الضمير والله أعلم وقول مالك أراه يريد هذه الآية يحتمل الوجهين جميعا أيضا.
وأما قوله: "على المقاعد" فقيل هي الدكاكين كانت عند باب دار عثمان كانوا يجلسون عليها فسميت المقاعد والله أعلم.
وقوله: "آذنه بصلاة العصر" يريد أعلمه بحضورها ومن هذا قول الحرث ابن حلزة:
آذنتنا ببينها أسماء.
حدثنا خلف بن القاسم قال حدثنا الحسن بن رشيق قال حدثنا إسحاق ابن إبراهيم بن يونس قال حدثنا احمد بن سليمان بن نوفل المعمري قال حدثنا مالك بن يحيى بن عمرو بن مالك البكري عن أبيه عن جده عن أبي الجوزاء عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لم أر شيئا أحسن طلبا ولا أحسن إدراكا من حسنة حديثة لذنب قديم ثم قرأ {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ} ".

(22/213)


الحديث الثلاثون
...
حديث موفي ثلاثين لهشام بن عروة
عروة عن زينب بنت أبي سلمة حديثان ذكر الحسن بن علي الحلواني قال حدثنا عارم قال حدثنا معتمر عن أبيه قال حدثنا بكر قال أخبرني أبو رافع قال كنت إذا ذكرت امرأة بالمدينة فقيهة ذكرت زينب بنت أبي سلمة.
مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن زينب بنت أبي سلمة عن أم سلمة أنها قالت جاءت أم سليم امرأة أبي طلحة الأنصاري إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله إن الله لا يستحي من الحق هل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت؟ قال: "نعم إذا رأت الماء" .
هكذا روى هذا الحديث مالك عن هشام بن عروة عن أبي عن زينب بنت أبي سلمة عن أم سلمة عند جماعة رواة الموطأ الا القعنبي فإنه أرسله عن مالك عن هشام عن أبيه وأما ابن شهاب فرواه عن عروة فمرة أرسله ومرة جعله عن عروة عن عائشة وقد ذكرنا ذلك كله في باب ابن شهاب عن عروة من هذا الكتاب.
وفي هذا الحديث دليل واضح على أن النساء يحتلمن وينزلن الماء وذلك عندي في الأغلب لا على العموم وذلك بين إنكار عائشة لقول أم سليم والله أعلم وقد يوجد في الرجال من لا يحتلم فكيف في النساء وقد

(22/214)


قيل إن عائشة إنما قالت ذلك لصغر سنها وكونها مع زوجها والاحتلام إنما يجده النساء عند عدم الأزواج إذا فقدوا وبعدوا عنهن وقيل إنه قد يكون في النساء من لا يحتلم فجائز ان تكون عائشة رضي الله عنها من أولئك فالله أعلم وكيف كان فإن عائشة لم تنكره إلا لأنها لم تعرفه وقد جاء عن أم سلمة في ذلك نحو ما جاء عن عائشة فيه وقد ذكرنا هذا المعنى وما جاء فيه وفي سائر معاني هذا الخبر ممهدا مبسوطا في باب ابن شهاب من كتابنا هذا والحمد لله.

(22/215)


الحديث الحادي و الثلاثون
...
حديث حاد وثلاثون لهشام بن عروة
مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن زينب بنت أبي سلمة عن أم سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إلي فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع منه فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذ منه شيئا فإنما أقطع له قطعة من النار" .

(22/215)


هذا حديث لم يختلف عن مالك في إسناده فيما علمت ورواه كما رواه مالك سواء عن هشام بإسناده هذا جماعة من الأئمة الحفاظ منهم الثوري وابن عيينة والقطان وغيرهم وقد رواه معمر عن الزهري عن عروة عن زينب بنت أبي سلمة عن أم سلمة عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثل حديث هشام سواء وقد روى هذا المعنى عن النبي صلى الله عليه وسلم أبو هريرة كما روته أم سلمة.
وفي هذا الحديث من الفقه أن البشر لا يعلمون ما غيب عنهم وستر من الضمائر وغيرها لأنه قال صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث: "إنما أنا بشر" أي إني من البشر ولا أدري باطن ما تتحاكمون فيه عندي وتختصمون فيه إلي وإنما أقضي بينكم على ظاهر ما تقولون وتدلون به من الحجاج فإذا كان الأنبياء لا يعلمون ذلك فغير جائز أن يصح دعوى ذلك لأحد غيرهم من كاهن أو منجم وإنما يعلم الأنبياء من الغيب ما أعلموا به بوجه من وجوه الوحي.
وفيه أن بعض الناس أدرى بموقع الحجة وتصرف القول من بعض قال أبو عبيد معنى قوله: "ألحن بحجته" يعني أفطن لها وأحدى بها قال أبو عبيدة اللحن بفتح الحاء الفطنة واللحن بالجزم الخطأ في القول.
وفيه أن بعض الناس أدرى بموقع الحجة وتصرف القول من بعض قال أبو بينات على حسبما أحكمته السنة في ذلك وفي ذلك رد وإبطال للحكم بالهوى قال الله عز وجل: {يا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى} الآية.
وقد احتج بعض أصحابنا بهذا الحديث في رد حكم القاضي بعلمه لقوله: "فأقضي له على نحو ما أسمع منه" ولم يقل على نحو ما علمت منه قال وإنما تعبدنا بالبينة والإقرار وهو المسموع الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنما أقضي على نحو ما أسمع" قال والعلة في القضاء بالبينة دون

(22/216)


العلم التهمة لأنه يدعي ما لا يعلم إلا من جهته وقد أجمعوا أن القاضي لو قتل أخاه لعلمه بأنه قتل من لم يجب قتله من المسلمين لم يرثه وهذا لموضع التهمة وأجمعوا على أنه لا يقضي بعلمه في الحدود.
قال أبو عمر:
من أفضل ما يحتج به في أن القاضي لا يقضي بعلمه حديث معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث أبا جهم على صدقة فلاجه رجل في فريضة فوقع بينهم شجاج فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم وخبروه فأعطاهم لأرش ثم قال: "إني خاطب الناس ومخبرهم أنكم قد رضيتم أرضيتم قالوا نعم فصعد رسول الله صلى الله عليه وسلم المنبر فخطب وذكر القصة وقال أرضيتم قالوا: لا فهم بهم المهاجرون فنزل النبي صلى الله عليه وسلم فأعطاهم ثم صعد فخطب فقال أرضيتم فقالوا: نعم" وهذا بين لأنه لم يؤاخذهم بعلمه فيهم ولا قضى بذلك عليهم وقد علم رضاهم.
ومن حجة من ذهب إلى أن القاضي له أن يقضي بما علمه لأن البينة إنما تعلمه بما ليس عنده ليعلمه فيقضي به وقد تكون كاذبة وواهمة وعلمه بالشيء أوكد وقد أجمعوا على أن له أن يعدل ويسقط العدول بعلمه فكذلك ماعلم صحته وأجمعوا أيضا على أنه إذا علم أن ما شهد به الشهود على غير ما شهدوا به أنه ينفذ علمه في ذلك دون شهادتهم ولا يقضي.

(22/217)


واحتج بعضهم بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم سودة زوجة أن تحتجب من ابن وليدة زمعة لما علمه ورآه من شبهه بعتبة وقالوا إنما يقضي بما يسمع فيما طريقه السمع من الإقرار او البينة وفيما طريقه علمه قضى بعلمه ولهم في هذا الباب منازعات أكثرها تشغيب والسلف من الصحابة والتابعين مختلفون في قضاء القاضي بعلمه على حسب اختلاف فقهاء الأمصار في ذلك ومما احتج به من ذهب إلى أن القاضي يقضي بعلمه مع ما قدمنا ذكره ما رويناه من طرق عن عروة عن مجاهد جميعا بمعنى واحد أن رجلا من بني مخزوم استعدى عمر بن الخطاب على أبي سفيان بن حرب أنه ظلمه حدا في موضع كذا وكذا من مكة فقال عمر إني لأعلم الناس بذلك وربما لعبت أنا وأنت فيه ونحن غلمان فإذا قدمت مكة فائتني بأبي سفيان فلما قدم مكة أتاه المخزومي بأبي سفيان فقال له عمر يا أبا سفيان أنهض إلى موضع كذا فنهض ونظر عمر فقال يا أبا سفيان خذ هذا الحجر من ههنا فضعه ههنا فقال والله لا أفعل فقال والله لتفعلن فقال لا أفعل فعلاه عمر بالدرة وقال خذه لا أم لك وضعه ههنا فإنك ما علمت قديم الظلم فأخذ الحجر أبو سفيان ووضعه حيث قال عمر ثم إن عمر استقبل القبلة فقال اللهم لك الحمد إذ لم تمتني حتى غلبت أبا سفيان على رأيه وأذللته لي بالإسلام قال فاستقبل أبو سفيان القبلة وقال اللهم لك الحمد إذ لم تمتني حتى جعلت في قلبي من الإسلام ما ذللت به لعمر.
ففي هذا الخبر قضى عمر بعلمه فيما قد علمه قبل ولايته وإلى هذا ذهب أبو يوسف ومحمد والشافعي وأبو ثور سواء عندهم علمه قبل أن يلي القضاء أو بعد ذلك في مصره كان أو في غير مصره له أن يقضي في ذلك

(22/218)


كله عندهم بعلمه لأن يقينه في ذلك أكثر من شهادة الشهود الذين لا يقطع على غيب ما شهدوا به كما يقطع على صحة ما علموا.
وقال أبو حنيفة: ما علمه قبل أن يلي القضاء أو رآه في غير مصره لم يقض فيه بعلمه وما علمه بعد أن استقضى أو رآه بمصره قضى في ذلك بعلمه ولم يحتج في ذلك إلى غيره واتفق أبو حنيفة وأصحابه أنه لا يقضي القاضي بعلمه في شيء من الحدود لا فيما علمه قبل ولا بعد ولا فيما رآه بمصره ولا بغير مصره.
وقال الشافعي وأبو ثور: حقوق الناس وحقوق الله سواء في ذلك والحدود وغيرها سواء في ذلك وجائز أن يقضي القاضي في ذلك كله بما علمه.
وقال مالك وأصحابه لا يقضي القاضي في شيء من ذلك كله بما علمه حدا كان أو غير حد لا قبل ولايته ولا بعدها ولا يقضي إلا بالبينات والإقرار وبه قال أحمد بن حنبل وأبو عبيد وهو قول شريح والشعبي وفي قوله عليه السلام: "فأقضي له على نحو ما أسمع منه" دليل على إبطال القضاء بالظن والاستحسان وإيجاب القضاء بالظاهر ألا ترى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى في المتلاعنين بظاهر أمرهما وما ادعاه كل واحد منهما ونفاه فأحلفهما بأيمان اللعان ولم يلتفت إلى غير ذلك بل قال إن جاءت به على كذا وكذا فهو للزوج وإن جاءت به على نعت كذا وكذا فهو للذي رميت به فجاءت به على النعت المكروه فلم يلتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ذلك بل أمضى حكم الله فيهما بعد أن سمع منهما ولم يعرج على الممكن ولا أوجب بالشبهة حكما فهذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم: "إنما أقضي على نحو ما أسمع" .

(22/219)


وأما قوله عليه السلام: "فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار" فإنه بيان واضح في أن قضاء القاضي بالظاهر الذي تعبد به لا يحل في الباطن حراما قد علمه الذي قضى له به وأن حكمه بالظاهر بينهم لا يحل لهم ما حرم الله عليهم مثال ذلك رجل ادعى على رجل بدعوى وأقام عليه بنية زور كاذبة فقضى القاضي بشهادتهم بظاهر عدالتهم عنده وألزم المدعى عليه ما شهدوا به فإنه لا يحل ذلك للمدعي إذا علم أنه لا شيء له عنده وأن بينته كاذبة إما من جهة تعمد الكذب أو من جهة الغلط.
ومما احتج به الشافعي وغيره لقضاء القاضي بعلمه حديث عبادة وأن تقوم بالحق حيث ما كنا لا تخاف في الله لومة لائم و قوله: {كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ} وحديث عائشة في قصة هند بنت أبي سفيان قوله: "خذي ما يكفيك وولدك" وكذلك لو ثبت على رجل لرجل حق بإقرار أو بينة فادعى دفعه إليه والبراءة منه وهو صادق في دعواه ولم يكن له بينة وجحده المدعي الدفع إليه وحلف له عليه وقبض منه ذلك الحق مرة أخرى بقضاء قاض فإن ذلك ممن قطع له أيضا قطعة من النار ولا يحل له قضاء القاضي بالظاهر ما حرم الله عليه في الباطن ومثل هذا كثير قال الله عز وجل: {وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْأِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} وهذه الآية في معنى هذا الحديث سواء.

(22/220)


قال معمر عن قتادة في قوله: {وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ} قال: لا تدلي بمال أخيك إلى الحاكم وأنت تعلم أنك له ظالم فإن قضاءه لا يحل لك شيئا كان حراما عليك.
قال أبو عمر:
وعلى هذه المعاني كلها المذكورة في هذا الحديث المستنبطة منه جرى مذهب مالك والشافعي والثوري والأوزاعي وأحمد بن حنبل وإسحاق وأبي ثور وداود وسائر الفقهاء كلهم قد جعل هذا الحديث أصلا في هذا الباب.
وجاء عن أبي حنيفة وأبي يوسف وروى ذلك عن الشعبي قبلهما في رجلين تعمدا الشهادة بالزور على رجل أنه طلق امرأه فقبل القاضي شهادتهما لظاهر عدالتهما عنده وهما قد تعمدا الكذب في ذلك أو غلطا أو وهما ففرق القاضي بين الرجل وامرأته بشهادتهما ثم اعتدت المراة أنه جائز لأحدهما أن يتزوجها وهو عالم أنه كاذب في شهادته وعالم بأن زوجها لم يطلقها لأن حكم الحاكم لما أحلها للأزواج كان الشهود وغيرهم في ذلك سواء وهذا إجماع أنها تحل للأزواج غير الشهود مع الاستدلال بفرقة المتلاعنين من غير طلاق يوقعه.
وقال من خالفهم من الفقهاء هذا خلاف سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: "فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار" ومن حق هذا الرجل عصمة زوجته التي لم يطلقها.
وقال مالك والشافعي وسائر من سميناه من الفقهاء في هذا الباب لا يحل لواحد من الشاهدين أن يتزوجها إذا علم أن زوجها لم يطلقها وأنه كاذب أو غالط في شهادته وهذا هو الصحيح من القول في هذه المسألة وبالله التوفيق.

(22/221)


أخبرنا عبد الله بن محمد حدثنا محمد بن بكر حدثنا أبو داود حدثنا الربيع بن نافع حدثنا ابن المبارك عن أسامة بن زيد عن عبد الله بن رافع مولى أم سلمة عن أم سلمة قالت أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلان يختصمان في مواريث لهما فلم تكن لهما بينة إلا دعواهما فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون الحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع منه فمن قضيت له من حق أخيه بشيء فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار فبكى الرجلان وقال كل واحد منهما لصاحبه حقي لك فقال لهما النبي صلى الله عليه وسلم أما إذ فعلتما فاقتسما وتوخيا الحق ثم استهما ثم تحللا" .
وفي هذا الحديث أيضا من الفقه مع الأحكام التي قدمنا في حديث مالك الصلح على الإنكار خلاف قول الشافعي وفيه أن للشريكين أن يقتسما من غير حكم حاكم وأن الهبة تصح بالقول ولا يحتاج إلى قبض في الوقت لقوله حقي لك ولم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم لايصح لك حتى تقبضه ومن ههنا قال مالك تصح المطالبة بالهبة قبل القبض لتقبض.
وفيه جواز البراءة من المجهول والصلح منه وهبته.
وفيه جواز الاجتهاد للحاكم فيما لم يكن فيه نص.
وفيه جواز التحري في أداء المظالم.
وفيه استعمال القرعة عند استواء الحق.
وفيه جواز ترديد الخصوم حتى يصطلحوا وقد جاء ذلك عن عمر رحمه الله نصا وذلك فيما أشكل لا فيما بان والله المستعان.

(22/222)


الحديث الثاني و الثلاثون
...
حديث ثان وثلاثون لهشام بن عروة
مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن الزبير عن سفيان بن أبي زهير أنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "تفتح اليمن فيأتي قوم يبسون فيتحملون بأهليهم ومن أطاعهم والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون وتفتح الشام فيأتي قوم يبسون فيتحملون بأهليهم ومن أطاعهم والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون وتفتح العراق فيأتي قوم يبسون فيتحملون بأهليهم ومن أطاعهم والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون" .
قد ذكرنا سفيان بن أبي زهير في الصحابة بما يغني عن ذكره ههنا وأما قوله: "تفتح اليمن" فاليمن افتتحت في أيامة صلى الله عليه وسلم وافتتح بعضها في أيام أبي بكر بمقاتلة الأسود العنسي المتنبي الكذاب بصنعاء قتله أبو بكر في خلافته كما قتل مسيلمة في بني حنيفة وقد قيل إن الأسود العنسي قتل والنبي صلى الله عليه وسلم مريض مرضه الذي مات منه سنة إحدى عشرة وهو الأكثر عند أهل السير.

(22/223)


وأما الشام والعراق فكان افتتاحهما في زمن عمر رضي الله عنه.
وفي هذا الحديث علم من أعلام نبوته صلى الله عليه وسلم لأنه غيب كان بعده قد أخبر به وهو لا يعلم من الغيب إلا ما أظهره الله عليه وأوحى به إليه فقد افتتحت بعده الشام والعراق واليمن بعضها وقد خرج الناس من المدينة إلى الشام وإلى اليمن وإلى العراق وكان ما قاله صلى الله عليه وسلم وكذلك لو صبروا بالمدينة لكان خيرا لهم قال صلى الله عليه وسلم: "لا يصبر أحد على لأوائها وشدتها إلا كنت له شهيدا او شفيعا يوم القيامة" .
وفي هذا الحديث فضل المدينة على اليمن وعلى الشام وعلى العراق وهو أمر مجتمع عليه لا خلاف بين العلماء فيه وفي ذلك دليل على أن بعض البقاع أفضل من بعض ولا يوصل إلى شيء من ذلك إلا بتوقيف من جهة الخبر وأما القياس والنظر فلا مدخل له في شيء من ذلك وقد صحت الأخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم بفضل المدينة وأجمع علماء الأمة على أنها لها فضلا معروفا لمسجد النبي صلى الله عليه وسلم وقبره فيها وإنما اختلفوا في الأفضل منها ومن مكة لا غير وقد بينا ذلك كله في مواضع من هذا الكتاب والحمد لله والله الموفق للصواب.
وأما قوله: "يبسون" فمن رواه يبسون برفع الياء وكسر الباء من أبس يبس على الرباعي فقال معناه يزينون لهم البلد الذي جاءوا منه ويحببونه إليهم ويدعونهم إلى الرحيل إليه من المدينة قالوا والإبساس مأخوذ من إبساس الحلوبة عند حلابها كي تدر باللبن وهو أن تجري يدك على وجهها وصفحة عنقها كأنك تزين ذلك عندها وتحسنه لها.

(22/224)


ومنه قول عمران بن حطان:
والدهر دو درة من غير إبساس
...
وإلى هذا ذهب ابن وهب قال معناه يزينون لهم الخروج من المدينة وكذلك رواية أبن وهب يبسون بالرفع من الرباعي وكذلك رواية ابن حبيب عن مطرف عن مالك يبسون من الرباعي وفسر ابن حبيب الكلمة بنحو هذا النفسير وأنكر قول من قال إنها من السير كل الإنكار.
وقال ابن بكير يبسون بفتح الياء وكذلك روايته وفسره يسيرون قال من قوله: {وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسّاً} يعني سارت ويقال سالت.
وذكر حبيب عن مالك مثل تفسير ابن بكير.
وقال ابن القاسم عن مالك يبسون يدعون وأظن رواية ابن القاسم بفتح الياء وضم الباء ورواية ابن بكير بكسرها وكل ذلك من الثلاثي.
وقال ابن هشام والبس أيضا المبالغة في فت الشيء ومنه قيل في الدقيق المصنوع بالزيت ونحوه البسيس.
قال الراجز:
أخبزا خبزا وبسا بسا ...
يريد عملا بسيسا.
قال أبو عمر:
وقال غيره يبسون يسرعون السير وقيل يزجرون دوابهم وقال غيره يبسون يسألون عن البلدان ويتشفون من أخبارها ليتحملوا إليها وهذا

(22/225)


لا يكاد يعرفه أهل اللغة وأهل الرباعي فلا خلاف فيه وفي معناه وليس له إلا وجه واحد وأما الثلاثي ففيه لغتان بس يبس بكسر الباء ويبس بضمها ومثل هذه الكلمة عندي قتر وأقتر فيه لغتان قتر على الثلاثي وأقتر على الرباعي وفي الثلاثي لغتان في المستقبل منه يقتر بكسر التاء ويقتر بضمها وقد قرئ قوله عز وجل: {لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا} على الثلاثة الأوجه يقتروا من الرباعي ويقتروا من الثلاثي ويقتروا منه أيضا وأما رواية يحيى بن يحيى في يبسون عند أكثر شيوخنا الذين اعتمدنا عليهم في التقييد فعلى فتح الياء وكسر الباء من الثلاثي وفسروه يسيرون على نحو رواية ابن بكير وتفسيره ولا يصح في رواية يحيى بن يحيى غير هذا الضبط ومن روى في موطأ يحيى غير ذلك فقد روى ما لم يرو يحيى والله أعلم.
وكان ابن حبيب ينكر رواية يحيى ويحمل عليه في ذلك وقد رواه ابن بكير وابن نافع وحبيب وغيرهم كذلك ويقال إن ابن القاسم رواه يبسون بفتح الياء وضم الباء فالله أعلم.
وأما قوله في هذا الحديث: "والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون" فقيل فيه خير لهم من أجل أنها لا يدخلها الطاعون ولا الدجال وقد قيل إن الفتن فيها دونها في غيرها وقيل من أجل فضل مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم والصلاة فيه ومجاورة قبره صلى الله عليه وسلم ولم يقل في هذا الحديث ينفي خبثها كما قال ذلك في حياته للفار عن صحبته وجواره وقد علمنا أن جملة من خرج بعده من أصحابه لم يكونوا خبثا بل كانوا دررا رضي الله عنهم أجمعين.

(22/226)


هشام عن زوجه فاطمة بنت المنذر بن الزبير بن العوام وهي بنت عمه ثلاثة أحاديث.

(22/227)


الحديث الثالث و الثلاثون
...
حديث ثالث وثلاثون لهشام بن عروة
مالك عن هشام بن عروة عن فاطمة ابنة المنذر أن أسماء بنت أبي بكر كانت إذا أتيت بالمرأة وقد حمت تدعو لها أخذت الماء فصبته بينها وبين جيبها وقالت: "إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأمر أن يبردها بالماء".
في هذا الحديث التبرك بدعاء الإنسان الصالح رجاء الشفاء في دعائه وفي ذلك دليل على أن الدعاء يصرف البلاء وهذا إن شاء الله ما لا يشك فيه مسلم.
وفيه تفسير لقوله صلى الله عليه وسلم: "إن الحمى من فيح جهنم فأبردوها بالماء" لأن أسماء حكت في فعلها ذلك ما يدل على ان التبريد بالماء والله اعلم هو الصب بين المحموم وبين جيبه وذلك أن يصب الماء بين طوقه وعنقه حتى يصل إلى جسده فمن فعل كذلك وكان معه يقين صحيح رجوت له الشفاء من الحمى إن شاء الله.

(22/227)


ذكر ابن وهب عن مالك وابن سمعان عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "الحمى من فيح جهنم فأطفئوها بالماء" .
قال نافع وكان عبد الله بن عمر يقول: "اللهم اكشف عنا الرجز" وهذا حديث ليس في الموطأ عند أكثر الرواة وهو فيه عند ابن القاسم وابن وهب وابن عفير وذكر ابن وهب في صفة الغسل للحمى حديثا مرفوعا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لرجل شكا إليه الحمى: "اغتسل ثلاثة أيام قبل طلوع الشمس كل يوم وقل بسم الله وبالله اذهبي يا أم ملدم وإن لم تذهب فاغتسل سبعا" .
وقد حدثنا سعيد بن نصر حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا محمد بن وضاح حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا عفان قال حدثنا همام عن أبي حمزة قال كنت أدفع الناس عن ابن عباس فاحتبست أياما فقال ما حبسك قلت الحمى قال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن الحمى من فيح جهنم فأبردوها بماء زمزم" .
وحدثنا أحمد بن عبد الله حدثنا ابي حدثنا عبد الله بن يونس حدثنا بقي بن مخلد حدثنا أبو بكر قال حدثنا ابن فضيل عن يزيد بن أبي زياد عن مقسم عن ابن عباس أنه كان إذا حم بل ثوبه ثم لبسه ثم قال إنها من فيح جهنم فأبردوها بالماء.

(22/228)


الحديث الرابع و الثلاثون
...
حديث رابع وثلاثون لهشام بن عروة
مالك عن هشام بن عروة عن فاطمة بنت المنذر عن أسماء بنت أبي بكر أنها قالت سألت امرأة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت:

(22/228)


أرأيت إحدانا إذا اصاب ثوبها الدم من الحيضة كيف تصنع فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا أصاب ثوب إحداكن الدم من الحيضة فلتقرصه ثم لتنضحه بالماء ثم لتصل فيه" .
وقع في كتاب يحيى ونسخته في رواية أبيه وغيره عنه في هذا الحديث.
مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن فاطمة وهذا خطأ بين وغلط لا شك فيه وهو من خطأ اليد وجهل يحيى بالإسناد لأن عروة لم يرو قط عن فاطمة هذه وهي فاطمة بنت المنذر بن الزبير زوج هشام بن عروة وإنما الحديث في الموطأ لهشام عن فاطمة امرأته وكذلك رواه كل من رواه عن هشام بن عروة مالك وغيره وقد روى ابن وضاح من روايته عن أبيه.
قال أبو عمر:
وروي فتلقرصه بفتح التاء وضم الراء وكسرها أيضا ويروى على التكثير فتلقرصه بضم التاء وكسر الراء وتشديدها.
قال أبو عبيد فلتقرصه يقول فلتقطعه بالماء وكل مقطع فهو مقرص يقال منه المرأة قد قرصت العجين إذا قطعته.

(22/229)


قال أبو عمر
قول أبي عبيد عندي في هذا بعيد وخير منه قول الأخفش سئل عن هذه الكلمة فأراهم كيف ذلك القرص فضم أصبعيه الإبهام والسبابة وأخذ بهما شيئا من ثوبه فقال هكذا يفعل بالماء في موضع الدم ثم كما يقرص الرجل جاريته هو كذلك القرص قال وأما القرس بالسين فهو قرس البرد.
قال أبو عمر:
هؤلاء إنما فسروا اللفظة في اللغة وأما المعنى المقصود إليه بهذا الحديث في الشريعة فهو غسل دم الحيض من الثوب إذا أصابه والخبر بأنه يجب غسله لنجاسته وحكم كل دم كدم الحيض إلا أن قليل الدم متجاوز عنه لشرط الله عز وجل في نجاسة الدم أن يكون مسفوحا فحينئذ هو رجس والرجس النجاسة وهذا إجماع من المسلمين أن الدم المسفوح رجس نجس إلا أن المسفوح وإن كان أصله الجاري في اللغة فإن المعنى فيه في الشريعة الكثير إذ القليل لا يكون جاريا مسفوحا فإذا سقطت من الدم الجاري نقطة في ثوب أو بدن لم يكن حكمها حكم المسفوح الكثير وكان حكمها حكم القليل ولم يلتفت إلى أصلها في اللغة.
ذكر نعيم بن حماد عن ابن المبارك عن مبارك بن فضالة عن الحسن أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقتل القمل في الصلاة أو قتل القمل في الصلاة قال نعيم هذا أول حديث سمعته من ابن المبارك ومعلوم أن في قتل القمل سيل يسير من الدم.

(22/230)


حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن قال حدثنا عبدا لحميد بن احمد بن عيسى قال حدثنا الخضر بن داود قال أخبرنا أبو بكر الأثرم قال حدثنا عقبة بن مكرم قال أخبرنا يونس بن بكير قال أخبرنا محمد بن إسحاق عن عبد الله بن عبد الرحمان بن معمر الأنصاري قال أدركت فقهاءنا يقولون ما أذهبه الحك من الدم فلا يضر وما أذهبه الفتل فيما يخرج من الأنف فلا يضر قال وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا شريك عن عمران بن مسلم عن مجاهد عن أبي هريرة أنه لم يكن يرى بالقطرة والقطرتين من الدم في الصلاة بأسا.
قال أبو بكر الأثرم وقيل لأبي عبد الله يعني أحمد بن حنبل إلى أي شيء تذهب في الدم فقال إذا كان فاحشا قيل له في الثوب فقال في الثوب وإذا خرج من الجرح قيل له السائل أو القاطر فقال إذا فحش أذهب إلى الفاحش على حديث ابن عباس قال وقال ابو عبد الله عدة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم تكلموا فيه أبو هريرة كان يدخل أصابعه في أنفه وابن عمر عصر بثرة وابن ابي أوفى تنخم دما وجابر أدخل أصابعه في أنفه وابن عباس قال إذا كان فاحشا.
قال أبو بكر الأثرم أخبرنا معاوية بن عمرو عن سفيان عن عطاء بن السائب أنه رأى عبد الله بن أبي أوفى يتنخم دما عبيطا وهو يصلي قال وحدثنا موسى بن إسماعيل قال حدثنا حماد قال أخبرنا حميد عن بكر بن عبد الله المزني أن ابن عمر عصر بثرة في وجهه فخرج منها شيء من دم وقيح فمسحه بيده وصلى ولم يتوضأ.

(22/231)


قال أبو بكر سمعت أبا عبد الله يقول البول والغائط غير الدم لأن البول والغائط تعاد منهما الصلاة ويغسل قليلهما وكثيرهما قال والدم إذا فحش تعاد منه الصلاة في الوقت وغيره كما يعاد من قليل البول والعذرة.
قال أبو عمر:
قد أجمع العلماء على التجاوز والعفو عن دم البراغيث ما لم يتفاحش وهذا اصل في هذا الباب وهذا الحديث أصل في غسل النجاسات من الثياب ولا أعلم عن النبي صلى الله عليه وسلم في غسل النجاسات أبين من هذا الحديث وعليه اعتمد الفقهاء في غسل النجاسات وجعلوه أصل هذا الباب إلا أنهم اختلفوا في وجوب غسل النجاسات كالدماء والعذرات والأبوال وسائر النجاسات المعروفات من الثياب والأبدان فقال منهم قائلون غسلها فرض واجب ولا تجزئ صلاة من صلى بثوب نجس عالما كان بذلك او ساهيا عنه واحتجوا بقول الله عز وجل: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} وظاهره تطهير الثياب المعروفة عند العرب التي نزل القرآن بذكرها في قوله: {فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ} {وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ} وهذا كثير في القرآن وفي أشعار العرب وكلامها وإن كانت قد تكنى عن القلب وطهارته وطهارة الجيب بطهارة الثوب فهذه استعارة والأصل في الثوب ما قلنا.
وقد روي عن ابن عباس والحسن وابن سيرين في قوله {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} قالوا اغسلها بالماء وأنقها من الدرن ومن القذر واحتجوا بأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بغسل النجاسات من الثياب والأرض والبدن فمن ذلك

(22/232)


حديث أسماء هذا في غسل الثوب من دم الحيض ليس فيه خصوص مقدار درهم ولا غيره فهذا الأصل في تطهير الثياب بالماء من النجاسات ومنها حديث الصب على بول الأعرابي وهو الأصل في تطهير الأرض ومنها الصب والنضح على الثوب الذي بال عليه الصبي وقد قلنا إن النضح المراد به الغسل وقد قال صلى الله عليه وسلم: "أكثر عذاب القبر في البول" قال في الذي كان لا يتنزه ولا يستتر من بوله والآثار في مثل هذا كله كثيرة جدا.
وقال بعض من يرى غسل النجاسة فرضا لما أجمعوا على أن الكثير من النجاسة واجب غسله من الثوب والبدن وجب أن يكون القليل منها في حكم الكثير كالحدث قياسا ونظرا لإجماعهم على أن قليل الحدث مثل كثيره في نقض الطهارة وإيجاب الوضوء فيما عدا النوم وكذلك دم البرغوث ومثله خارج عن الدماء بشرط الله في الدم أن يكون مسفوحا وهو الكثير الذي يجري وهذا كله أصل وإجماع قالوا فلهذا قلنا إن من صلى وفي ثوبه أو موضع سجوده وركوعه او في بدنه نجاسة بطلت صلاته لأن القليل والكثير في ذلك سواء قياسا على الحديث قالوا ولما أجمعوا إلا من شذ ممن لا يعد خلافا على الجميع لخروجه عنهم على أن من تعمد الصلاة بالثوب النجس تفسد صلاته ويصليها أبدا متى ما ذكرها كان من سها عن غسل النجاسة ونسيها في حكم من تعمدها لأن الفرائض لا تسقط بالنسيان في الوضوء والصلاة قالوا ألا ترى أن من نسي مسح رأسه أو غسل وجهه وصلى في حكم من تعمد ترك ذلك في إعادة الصلاة سواء وكذلك من نسي سجدة أو ركعة في حكم من تعمد تركها سواء وكذلك من نسي الماء في رحله ولم

(22/233)


يطلبه ونسي الثوب وهو معهإ وصلى عريانا ونظائر هذا كثيرة جدا إلا أن الناسي غير آثم والمتعمد آثم فهذا الفرق بينهما من جهة الإثم وأ من جهة الحكم فلا قالوا ولما كان من تعمد ترك سنة من السنن لم تجب عليه بذلك إعادة صلاته كمن ترك رفع اليدين أو قراءة سورة مع أم القرآن أو التسبيح أو الذكر في الركوع والسجود ونحو ذلك من سنن الصلاة وسنن الوضوء علمنا ان من ترك غسل النجاسات فقد ترك فرضا لإجماعهم على أن من ترك ذلك عامدا وصلى بثوب نجس أن صلاته فاسدة قالوا وبان بها كله أن غسل الثياب فرض لا سنة والله أعلم.
فإن قيل لم ادعيت الإجماع فيمن صلى بثوب نجس عامدا أنه يعيد في الوقت وغير الوقت وأشهب يقول لا يعيد العامد وغير العامد إلا في الوقت ومنهم من يرويه عنه عن مالك قيل له ليس أشهب ولا روايته الشاذة عن مالك مما يعد خلافا فالصحابة وسائر العلماء يمنع من إدعاء إجماعهم لأن من شذ عنهم مأمور باتباعهم وهو محجوج بهم.
وقال المغيرة وابن دينار وابن القاسم وعبد الملك يعيد العامد في الوقت وغير الوقت وهو الصحيح عن مالك قالوا وقد قال الله عز وجل: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} فجمعت الآية تطهير الثياب وما قاله أهل التفسير من تطهير القلب وأفادت المعنين جميعا قالوا ومن حمل الآية على أكمل الفوائد كان اولى على أن القرآن ليس فيه آية تنص أن الثياب القلوب وقد سمى الله عز وجل في كتابه الثياب ثيابا ولم يسم القلوب ثيابا فهذه جملة ما احتج به من ذهب إلى إيجاب غسل النجاسات وإزالتها من الثوب والأرض والبدن فرضا وهو قول الشافعي وأحمد وأبي ثور وإليه مال أبو الفرج المالكي ولا يلتفت الشافعي إلى تفسير يخالف الظاهر إلا أن يجمعوا عليه.

(22/234)


وقال آخرون غسل النجاسات سنة مسنونة من الثياب والأبدان والأرض سن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكروا قول سعيد بن جبير أنه قال لمن خالفه في ذلك إقرأ علي آية تأمر بغسل الثياب قالوا وأما قول الله عز وجل: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} فهذه كناية عن الكفر وتطهير القلب منه ألا ترى أنه عطف على ذلك قوله عز وجل: {وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ} يعني الأوثان فكيف يأمره بتطهير الثياب قبل ترك عبادة الأوثان قالوا والعرب تقول فلان نقي الثوب وطاهر الجيب إذا كان مسلما عفيفا يكنون بذلك عن سلامته ويريدون بذلك غسل ثوبه من النجاسة قالوا ويبعد أن يكون الله عز وجل يعطف النهي عن عبادة الأوثان على تطهير الثياب من النجاسات قالوا ودليل ذلك أن هذه السورة نزلت قبل نزول الشرائع من وضوء وصلاة وغير ذلك وإنما أريد بها الطهارة من أوثان الجاهلية وشركها ومن الأعمال الخبيثة.
حدثنا عبد الوارث حدثنا أحمد بن دحيم حدثنا إبراهيم حدثنا إسماعيل حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وعلي بن عبد الله ومحمود بن خداش قالوا حدثنا جرير بن عبد الحميد عن منصور عن أبي رزين في قوله: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} قال عملك أصلحه قال كان الرجل إذا كان حسن العمل قيل فلان طاهر الثياب.
قال وحدثنا مسدد حدثنا يحيى بن سعيد عن ابن جريج قال حدثنا عطاء عن ابن عباس قوله: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} قال في كلام العرب فلان نقي الثياب.

(22/235)


ورواه بندار عن يحيى القطان عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس في قوله: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} قال في كلام العرب أنقها وهذا خلاف حديث مسدد.
حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد ابن وضاح قال حدثنا موسى بن معاوية قال حدثنا وكيع عن سفيان عن مغيرة عن إبراهيم {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} قال من الإثم.
قال وأخبرنا وكيع عن سفيان عن الأجلح عن عكرمة لا تلبسها على معصية.
وذكر معمر عن قتادة في قوله: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} قال كلمة تقولها العرب طهر ثيابك أي من الذنب وذكر حجاج عن ابن جريج عن مجاهد وثيابك فطهر قال لست بساحر ولا كاهن فأعرض عما قالوا.
قال ابن جريج وأخبرني عطاء عن ابن عباس انه سمعه يقول في {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} قال من الإثم يقول في كلام العرب.
وذكر إسماعيل قال حدثنا نصر بن علي قال حدثنا أبو أسامة عن الأجلح قال سمعت عكرمة سئل عن قول الله عز وجل: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} قال أمر أن لا يلبس ثوبه على غدرة أما سمعت قول غيلان بن سلمة الثقفي:
وإني بحمد الله لا ثوب فاجر ... لبست ولا من غدرة أتقنع
قال أبو عمر:
معروف عند العرب أنها تكني بطهارة الثوب عن العفاف وبفضلة الثوب وسعته عن العطاء.

(22/236)


أخبرنا خلف بن القاسم قال حدثنا أحمد بن إبراهيم الكندي قال حدثنا موسى بن عبيد الله بن خاقان قال حدثنا عبد الله بن أبي سعيد الوراق قال حدثني احمد بن معاوية قال سمعت الأصمعي قال سمعت طلحة بن محمد بن سعيد بن المسيب يحدث عن أعرابي قال بنو سيار فلان فارسهم وفلان لسانهم وفلان أوسعهم عليهم ثوبا يعني اكثرهم عليهم فضلا وهو قول رؤية لابنه وهو عليك واسع العطاف.
وقال عنترة:
نفى الدم عن أثوابه مثل ما نفى ... أذى درنا عن جلده الماء غاسل
أراد نفي الماء إذا غسل درنا قالوا وأما ما احتج به من خالفنا من اجماعهم على أن من تعمد الصلاة بثوب نجس فيه نجاسة كثيرة أنه عليه إعادتها في ثوب طاهر فإنما ذلك لأنه استخف وعاند قالوا وقد وجدنا من السنن ما تفسد الصلاة بتركها عمدا من ذلك الجلسة الوسطى هي عندنا سنة وعندكم ومن تعمد تركها فسدت صلاته فغير نكير أن يكون مثل ذلك من تعمد الصلاة في الثوب النجس.
قال أبو عمر:
الفرق بين غسل النجاسة عندنا وبين الجلسة الوسطى أن الصلاة تفسد بالسهو عن الجلسة الوسطى إذا لم يذكر ذلك إلا بعد خروج الوقت ولا تفسد صلاة من سها فصلى بثوب نجس إذا خرج الوقت فلهذا لا يصح الانفصال بما ذكر هذا القائل على مذهب مالك.

(22/237)


قال أبو عمر:
أما حكاية أقوال الفقهاء في هذا جملة فجملة مذهب مالك وأصحابه إلا أبا الفرج أن إزالة النجاسة من الثياب والأبدان واجب بالسنة وجوب سنة وليس بفرض قالوا ومن صلى بثوب نجس أعاد في الوقت فإن خرج الوقت فلا شيء عليه.
وقال مالك في يسير الدم لا تعاد منه الصلاة في وقت ولا بعده وتعاد من يسير البول والغائط ونحو هذا كله من مذهب مالك قول الليث بن سعد ومن حجتهم على استحباب الإعادة في الوقت لأن فاعل ذلك مع بقاء الوقت مستدرك فضل السنة في الوقت ألا ترى أن من صلى وحده ثم أدرك الجماعة يصلي تلك الصلاة في وقتها يندب إلى إعادة تلك الصلاة معهم إذا كانت ظهرا او عشاء بإجماع وفي غيرهما اختلاف ولو وجدهم بجمعون تلك الصلاة بعد خروج الوقت لم يأمره أحد بالدخول معهم وفي هذا دليل على أن استدراك فضل السنة في مثل هذا إنما ينبغي أن يكون في الوقت لا في بعده ومما استدل به من لم يبطل صلاة من صلى وفي ثوبه نجاسة وجعل غسل النجاسة سنة لا فرطا ما رواه حماد بن سلمة عن أبي نعامة قيس بن عبابة عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري ان النبي صلى الله عليه وسلم دخل الصلاة ونعلاه في رجليه ثم خلعهما فخلع الناس نعالهم فلما انصرف قال لهم: "لم خلعتم نعالكم قالوا لما رأيناك خلعت خلعنا فقال إنما خلعتهما لأن جبريل أخبرني أن فيهما قذرا" .
ففي هذا الحديث ما يدل على أن غسل القذر ليس بواجب فرضا ولا كون في الثوب يفسد الصلاة لأنه لم يذكر إعادة.

(22/238)


وقال الشافعي: قليل الدم والبول والعذرة وكثير ذلك كله سواء تعاد منه الصلاة أبدا إلا ما كان نحو دم البراغيث وما يتعافاه الناس فإنه لا يفسد الثوب ولا تعاد منه الصلاة وبنحو قول الشافعي في هذا كله قال أبو ثور واحمد بن حنبل إلا أنهما لا يوجبان غسل الدم حتى يتفاحش وهو قول الطبري إلا أن الطبري قال إن كانت النجاسة قدر الدرهم أعاد الصلاة أبدا ولم يجد اولئك شيئا وكلهم يرى غسل النجاسة فرضا وقول أبي حنيفة وأبي يوسف في هذا الباب كقول الطبري في مراعاة قدر الدرهم من النجاسة.
وقال محمد بن الحسن إن كانت النجاسة ربع الثوب فبما دون جازت الصلاة.
وأما قولهم مفسرا في هذا الباب فقال مالك في الدم اليسير إن رآه في ثوبه وهو في الصلاة مضى فيها وفي الكثير ينزعه ويستأنف الصلاة وإن رآه بعد فراغه أعاد ما دام في الوقت وقال في البول والرجيع والمني والمذي وخرو الطير التي تأكل الجيف إن ذكره وهو في الصلاة في ثوبه قطعها واستقبلها وإن صلى أعاد ما دام في الوقت فإذا ذهب الوقت لم يعد.
قال ابن القاسم والقيء عند مالك ليس بنجس إلا أن يكون القيء قد تغير في جوفه فإن كان كذلك فهو نجس.
وقال الشافعي في الدم والقيح إذا كان قليلا كدم البراغيث وما يتعافاه الناس لم يعد ويعيد في الكثير من ذلك قال وأما البول والعذرة والخمر فإنه يعيد في القليل من ذلك والكثير والإعادة عنده واجبة لا يسقطها خروج الوقت.

(22/239)


وقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد في الدم والعذرة والبول ونحوه إن صلى وفي ثوبه من ذلك مقدار الدرهم جازت صلاته وكذلك قال أبو حنيفة في الروث حتى يكون كثيرا فاحشا.
وقال ابو حنيفة وأبو يوسف في بول ما يؤكل لحمه حتى يكون كثيرا فاحشا.
وذهب محمد بن الحسن إلى أبن بول كل ما يؤكل لحمه طاهر كقول مالك وقال الشافعي بول ما يؤكل لحمه نجس.
قال أبو عمر:
اختلاف العلماء في أبوال ما يؤكل لحمه وما لا يؤكل من البهائم ليس هذا موضع ذكره ولا موضع اختلاف الحجة فيه.
وقال زفر في البول قليله وكثيره يفسد الصلاة وفي الدم حتى يكون أكثر من قدر الدرهم.
وقال الحسن بن حي في الدم في الثوب يعيد إذا كان مقدار الدرهم وإن كان أقل من ذلك لم يعد وكان يقول إن كان في الجسد أعاد وإن كان أقل من قدر الدرهم وقال في البول والغائط يفسد الصلاة في القليل والكثير إن كان في الثوب وقال الثوري يغسل الروث والدم ولم يعرف قدر الدرهم.
وقال الأوزاعي في البول في الثوب إذا لم يجد الماء تيمم وصلى ولا إعادة عليه إن وجد الماء.
وروي عن الأوزاعي أنه إن وجد الماء. في الوقت أعاد وقال في القيء يصيب الثوب ولا يعلم به حتى يصلي مضت صلاته وقال إنما جاءت

(22/240)


الإعادة في الرجيع قال وكذلك في دم الحيض لا يعيد وقال في البول يعيد في الوقت فإذا مضى الوقت فلا إعادة عليه.
قال أبو عمر:
أقاويل الأوزاعي في هذا الباب مضطربة لا يضبطها أصل وقال الليث في البول والروث والدم وبول الدابة ودم الحيض والمني يعيد فات الوقت أو لم يفت وقال في يسير الدم في الثوب لا يعيد في الوقت ولا بعده قال وسمعت الناس لا يرون في يسير الدم يصلى به وهو في الثوب بأسا ويرون أن تعاد الصلاة في الوقت من الدم الكثير قال والقيح مثل الدم.
قال أبو عمر:
هذا أصح عن الليث مما قدمنا عنه وقد أوردنا في هذا الباب أقاويل الفقهاء وأهل الفتيا مجملة ومفسرة بعد إيراد الأصل الذي منه تفرعت أقوالهم من الكتاب والسنة والإجماع والذي أقول به أن الاحتياط للصلاة واجب وليس المرء على يقين من أدائها إلا في ثوب طاهر وبدن طاهر من النجاسة وموضع طاهر على حدودها فلينظر المؤمن لنفسه ويجتهد.
وأما الفتوى بالإعادة لمن صلى وحده وجاء مستفتيا فلا إذا كان ساهيا ناسيا لأن إيجاب الإعادة فرضا يحتاج إلى دليل لا تنازع فيه وليس ذلك موجودا في هذه المسألة.
وقد روي عن ابن عمر وسعيد بن المسيب وسالم وعطاء وطاوس ومجاهد والشعبي والزهري ويحيى بن سعيد الأنصاري في الذي يصلي بالثوب النجس وهو لا يعلم ثم علم بعد الصلاة أنه لا إعادة عليه وبهذا قال إسحاق واحتج بحديث ابي سعيد المذكور في هذا الباب.

(22/241)


قال أبو عمر:
والحديث حدثناه عبد الله بن محمد حدثنا محمد بن بكر حدثنا أبو داود حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد بن سلمة عن أبي نعامة السعدي عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري قال بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بأصحابه إذ خلع نعليه فوضعهما عن يساره فلما رأى ذلك القوم ألقوا نعالهم فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاته قال: "ما حملكم على إلقاء نعالكم قالوا رأيناك ألقيت نعليك فألقينا نعالنا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن جبريل أتاني فأخبرني أن فيهما قذرا" وقال إذا جاء أحدكم المسجد فلينظر فإن رأى في نعليه قذرا أو أذى فليمسح وليصل فيهما وهكذا رواه أبو الوليد الطيالسي ويزيد بن هارون وعفان بن مسلم عن حماد بن سلمة بإسناده مثله.
ورواه حماد بن زيد عن أيوب عن أبي نضرة مرسلا ورواه أبان عن قتادة عن بكر المزني عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله.
ففي هذا الحديث ما يدل على جواز صلاة من صلى وفي ثوبه نجاسة إذا كان ساهيا عنها غير عالم بها على ما ذهب إليه هؤلاء من التابعين وغيرهم وفي ذلك دليل على أن غسل النجاسات ليس بفرض والله أعلم وقد احتج بعض أصحابنا بحديث ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما وضع عقبة بن أبي معيط سلا الجزور على ظهره وهو يصلي فلم يقطع لذلك صلاته كان ذلك دليلا على أن النجاسة ليس بفرض غسلها ولو سلم له ظاهر هذا الحديث بأن يكون السلا من جزور غير مذكى لما كان غسل النجاسات سنة ولا فرضا وقد أجمعوا أن من شرط الصلاة طهارة الثياب والماء والبدن فدل على نسخ هذا الخبر

(22/242)


وقد روي عن ابن مسعود في ذلك نحو حديث أبي سعيد الخدري.
حدثنا سعيد بن نصر حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا محمد بن وضاح حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا أبو غسان خالد بن إسماعيل النمري عن زهير بن معاوية قال أخبرنا أبو ضمرة عن إبراهيم بن يزيد عن علقمة عن عبد الله بن مسعود قال خلع النبي صلى الله عليه وسلم نعليه وهو يصلي فخلع من خلفه فقال: "ما حملكم على خلع نعالكم قالوا يا رسول الله رأيناك خلعت فخلعنا قال إن جبريل أخبرني أن في إحداهما قذرا فإنما خلعتهما لذلك فلا تخلعوا نعالكم" وأما قول من قال بالإعادة في الوقت لمن صلى بثوب نجس فإنما ذلك استحباب واستحسان لتدرك فضل السنة والكمال في الوقت على ما تقدم ذكرنا له.
وروى حماد بن زيد عن هشام بن حسان والأشعث الحمراني أن الحسن كان يقول إذا رأى في ثوبه دما بعد ما صلى أنه يعيد ما كان في الوقت وإن كان في جلده أعاد وإن ذهب الوقت قال حماد وقال هشام إذا رأى دما أو جنابة أو نجسا أعاد وإن ذهب الوقت وقاله أبو قلابة وهو قول أبي حنفة والشافعي وأحمد وأبي ثور والطبري لأن الإعادة إذا وجبت لم يسقطها خروج الوقت ولا فرق في القياس بين البدن والثوب وقد تقدمت الحجة في هذا الباب لكلا القولين وأما قول من راعى في النجاسات قدر الدرهم فقول لا أصل له ولا معنى يصح لأن التحديد لا يثبت إلا من جهة التوقيف لا من جهة الرأي والذي يصح عندي في مذهب مالك بما أقطع على صحته عنه فيما دل عليه عظم مذهبه في أجوبته أنه من صلى بثوب

(22/243)


نجس فيه نجاسة ظاهرة لا تخفى فإنه يعيد أبدا كمن صلى بماء قد ظهرت فيه النجاسة فغيرته أو تيمم على موضع النجاسة فيه ظاهرة غالبة ومن صلى بثوب قد استيقن فيه نجاسة إلا أنها غير ظاهرة فيه أعاد في الوقت وعليه أن يغسله كله لما يستقبل كمن توضا بماء لم تغيره النجاسة أو تيمم على موضع لم تظهر فيه نجاسة هذا عندي أصح ما يجيء على مذهب مالك وما استوحش ممن خالفني عنه في ذلك وبالله العصمة والتوفيق لا شريك له.
وقياسهم ذلك على حلقة الدبر في الاستنجاء مع إقرارهم أن ذلك موضع مخصوص بالأحجار لأنها لا تزيل النجاسة إزالة صحيحة كالماء وإن ما عدا المخرج لا يطهره إلا الماء أو ما يعمل عمل الماء عندهم في إزالة عين النجاسة قياسا على غير نظير ولا علة معلولة وبالله التوفيق.
وأما قوله: "ثم تنضحه بالماء ثم لتصل فيه" فيحتمل أن يكون النضح ههنا الغسل على ما بينا في غير موضع من كتابنا هذا ويحتمل أن يكون النضح الرش لما شك فيه ولا يرى فيقطع بذلك الوسوسة إذ الأصل في الثوب الطهارة حتى تستيقن النجاسة فإذا استوقنت لزم الغسل والتطهير وأما الرش فلا يزيل نجاسة في النظر وقد بينا أيضا هذا المعنى في مواضع من هذا الكتاب ولولا أن السلف جاء عنهم النضح ما قلنا بشيء منه ولكن قد جاء عن عمر حين اجنب في ثوبه أغسل ما رأيت وأنضح ما لم اره وعن أبي هريرة وغيره مثل ذلك وذلك عندي والله أعلم قطع لحزازات النفوس ووساوس الشيطان.
روى الأوزاعي عن عبد الرحمان بن القاسم عن أبيه عن عائشة قالت إذا حاضت المرأة في الثوب ثم طهرت فلتتبع ما اصاب ثوبها من الدم فلتغسله وتنضح باقيه ثم تصلي فيه.

(22/244)


وفي هذا الحديث وحديث أسماء المذكور في هذا الباب دليل على أن قليل الماء يطهر النجاسة إذا غلب عليها واستهلكها ومعلوم أن دم الحيض في ذلك الثوب قد طهره ما دون القلتين وقد بينا الصحيح عندنا في الماء من مذاهب العلماء في باب إسحاق بن أبي طلحة والحمد لله.

(22/245)


الحديث الخامس و الثلاثون
...
حديث خامس وثلاثون لهشام
مالك عن هشام بن عروة عن فاطمة بنت المنذر عن أسماء بنت أبي بكر أنها قالت أتيت عائشة حين خسفت الشمس فإذا الناس قيام يصلون وإذا هي قائمة تصلي فقلت ما للناس فأشارت بيدها نحو السماء وقالت سبحان الله فقلت آية فأشارت برأسها أن نعم قالت فقمت حتى تجلاني الغشي وجعلت أصب فوق رأسي الماء فحمد الله رسول الله صلى الله عليه وسلم وأثنى عليه ثم قال: "ما من شيء كنت لم أره إلا وقد رأيته في مقامي هذا حتى الجنة والنار ولقد أوحي إلي أنكم تفتنون في القبور مثل أو قريبا من فتنة الدجال لا أدري أيتهما قالت أسماء يؤتى أحدكم فيقال له ما علمك بهذا الرجل فأما المؤمن أو الموقن لا أدري أي ذلك قالت أسماء فيقول هو محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءنا بالبينات والهدى فأجبنا وآمنا واتبعنا فيقال له نم صالحا قد علمنا إن كنت

(22/245)


لمؤمنا وأما المنافق أو المرتاب لا أدري أيهما قالت أسماء فيقول لا أدري سمعت الناس يقولون شيئا فقلته" .
قد مضى معنى الكسوف والخسوف في اللغة فيما تقدم من حديث هشام ومضت معاني صلاة الكسوف في باب زيد بن أسلم وفي هذا الحديث من الفقه أن الشمس إذا كسفت بأقل شيء منها وجبت الصلاة لذلك على سنتها ألا ترى إلى قول أسماء ما للناس فأشارت لها عائشة إلى السماء فلو كان كسوفا بينا ما خفي على أسماء ولا غيرها حتى تحتاج ان يشار إلى السماء وقالت طائفة من أصحابنا وغيرهم إن الشمس لا يصلى لها حتى تسود بالكسوف أو يسود أكثرها لما روى في حديث الكسوف إن الشمس كسف بها وصارت كأنها تنومة أي ذهب ضوؤها واسودت والتنوم نبات أسود وهذا القول ليس بشيء لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقل لا يصلى لكسوفها حتى تسود بل صلى لها في كلتا الحالتين وليس في إحداهما ما يدفع الأخرى وليس ما ذكر في الصحة كحديث أسماء.
وفيه أيضا من الفقه دليل على أن خسوف الشمس يصلي لها في جماعة وهذا المعنى وإن قام دليله من هذا الحديث فقد جاء منصوصا في غيره والحمد لله وهو أمر لا خلاف فيه وإنما الاختلاف في كيفية تلك الصلاة وفيه دليل على أن صلاة خسوف الشمس لا يجهر فيها بالقراءة وقد ذكرنا الحجة في أن القراءة في الكسوف سرا واختلاف العلماء في ذلك ووجوه أقوالهم في باب زيد بن أسلم من هذا الكتاب.

(22/246)


وفيه أن المصلي إذا كلم أشار ولم يتكلم لأن الكلام ممنوع منه في الصلاة.
وفيه أن النساء يسبحن إذا نابهن شيء في الصلاة لقول عائشة حين سألتها أسماء ما للناس فقالت سبحان الله وأشارت بيدها ولم تصفق وفي هذا حجة لمالك في قوله: إن النساء والرجال في هذا المعنى سواء من نابه منهم شيء في صلاته سبح ولم يصفق رجلا كان أو امرأة وقد ذكرنا ما في هذه المسألة من الآثار واختلافها وما للعلماء من المذاهب فيها في باب أبي حازم من كتابنا هذا والحمد لله.
وفيه أن الإشارة باليد وبالرأس لا تضر المصلي ولا بأس بها وأما قولها فقمت حتى تجلاني الغشي فمعناه أنها قامت حتى غشي عليها أو كاد أن يغشى عليها من طول القيام وفي هذا دليل على طول القيام في صلاة الكسوف.
وأما قوله: "فحمد الله وأثنى عليه" فذلك كان بعد الفراغ من الصلاة وقد ذكرنا اختلاف الفقهاء في الخطبة بعد الكسوف فيما تقدم من حديث هشام بن عروة في هذا الكتاب.
وأما رؤيته صلى الله عليه وسلم للجنة والنار فذلك ثابت عنه في كثير من الآثار ونحن لا نكيف ذلك ولا نجده.
وأما قوله: "أوحي إلي أنكم تفتنون في قبوركم" فإنه أراد فتنة الملكين منكر ونكير حين يسألان العبد من ربك وما دينك ومن نبيك والاثار في هذا متواترة وأهل السنة والجماعة كلهم على الإيمان بذلك ولا ينكره إلا أهل البدع وفي قوله: مثل أو قريب من فتنة الدجال دليل على أنهم كانوا يراعون الألفاظ في الحديث المسند وهذا في طائفة من أهل العلم وطائفة

(22/247)


يجيزون الحديث بالمعاني وهذا إنما يصح لمن يعرف المعاني ومذاهب العرب وهو مذهب ابن شهاب وعطاء والحسن وجماعة غيرهم وكان مالك لا يجيز الإخبار بالمعاني في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن قدر على الإتيان بألفاظه.
حدثنا خلف بن أحمد قال حدثنا أحمد بن مطرف قال حدثنا أحمد بن خالد قال حدثنا يحيى بن عمر قال حدثنا الحرث بن مسكين أخبرنا يوسف ابن عمرو عن ابن وهب قال سمعت مالكا وسئل عن المسائل إذا كان المعنى واحدا والكلام مختلف فقال لا بأس به إلا الأحاديث التي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
حدثنا أحمد بن سعيد بن بشر قال حدثنا ابن أبي دليم قال حدثنا ابن وضاح قال حدثنا زيد بن البشر قال سمعت ابن وهب يقول سأل مالكا رجل فقال الكتاب يعرض عليك فينقلب به صاحبه فيبيت عنده أيجوز أن أحدث به قال: نعم.
قال أبو عمر:
هذا خلاف رواية اشهب لأن أشهب روى في مثل هذا المعنى أخشى أن يزاد في كتبه بالليل ومحمل الروايتين عندي على ان الثقة جائز أن يعار الكتب ثم يحدث بما استعار من ذلك وأما غير الثقة المأمون عليها فلا وأما الفتنة فلها في كلام العرب وجوه كثيرة منها أن يفتن الرجل في دينه ببلوى من سلطان غالب أو بهوى يصرفه عن الصواب في الدين أو بحب يشغل قلبه حتى يركب ما لا يحل له فهذه فتنة تشربها القلوب كما أشرب بنو إسرائيل حب العجل وفتنوا به والفتنة الحرق بالنار وللفتنة وجوه كثيرة.
وأما قوله صلى الله عليه وسلم: "إنكم تفتنون في قبوركم كفتنة الدجال او قريب منها" فالفتنة ههنا معناها الابتلاء والامتحان والاختبار ومن ذلك قول الله

(22/248)


عز وجل لموسى: {وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً} أي ابتليناك ابتلاء واختبرناك اختبارا وفي عذاب القبر نزلت {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ} .
حدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي قال حدثنا عمرو بن مرزوق قال أخبرنا شعبة عن علقمة بن مرثد عن سعد بن عبيدة عن البراء بن محارب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ} قال في القبر إذا سئل من ربك وما دينك ومن نبيك.
ورواه غندر وغيره هكذا عن شعبة بإسناده مثله.
وروى أبو معاوية عن الأعمش عن سعد بن عبيدة عن البراء مثله موقوفا.
وذكر بقي قال حدثنا إسحاق بن أبي إسرائيل قال حدثنا هشام بن يوسف عن ابن جريج {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ} المسألة في القبر أخبرنيه ابن طاوس عن أبيه.
وروى الأعمش ويونس بن خباب عن المنهال بن عمرو عن زاذان عن البراء بن عازب قال خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة فذكر الحديث الطويل أمامه وفيه في صفة المؤمن ثم يعاد روحه إلى جسده وأنه ليسمع خفق نعال أصحابه إذا ولوا عنه ويدخل عليه ملكان فيقولان له من ربك فيقول الله فيقولان له ما دينك فيقول الإسلام فيقولان له ما كنت تقول في هذا الرجل فيقول وأي رجل فيقولان محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول أشهد أن رسول الله قال فينتهرانه ويقولان له وما

(22/249)


يدريك فيقول إني قرأت كتاب الله فصدقت به وآمنت قال فهي آخر فتنة تعرض على المؤمن وذلك قول الله عز وجل {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ} قال وينادي مناد من السماء أن صدق عبيد فأفرشوه من الجنة وألبسوه من الجنة وأروه مقعده من الجنة فيأتيه من طيبها وساق الحديث إلى صفة المنافق والمرتاب قال فيدخل عليه ملكان فيقولان له اجلس قال وإنه ليسمع خفق نعال أصحابه إذ ولوا عنه قال فيجلس فيقولان له من ربك وما دينك ومن نبيك ففي رواية يونس بن خباب فيقول ربي الله وديني الإسلام ونبيي محمد صلى الله عليه وسلم فينتهرانه انتهارا شديدا ويقولان من ربك وما دينك ومن نبيك فقول لا أدري فيقولان لا دريت ولا تليت".
وقال الأعمش في حديثه فيقولان من ربك وما دينك فيقول لاأدري فيقولان ما تقول في هذا الرجل فيقول وأي رجل فيقولان محمد فيقول لا أدري سمعت الناس قالوا قولا فقلت كما يقول الناس قال فينادي مناد من السماء أن كذب عبدي فأفرشوه من النار وأروه مقعده من النار ويضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه وساقا الحديث إلى آخره.
وروينا عن محمد بن عمرو بن علقمة عن أصحابه وعن معمر عن عمرو ابن دينار وعن سعد بن إبراهيم عن عطاء بن يسار دخل حديث بعضهم في بعض والمعنى واحد ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعمر: "كيف بك يا عمر إذا

(22/250)


جاءك منكر ونكير إذا مت وانطلق بك قومك فقاسوا ثلاثة أذرع وشبرا في ذراع وشبر ثم غسلوك وكفنوك وحنطوك واحتملوك فوضعوك فيه ثم أهالوا عليك التراب فإذا انصرفوا عنك أتاك فتانا القبر منكر ونكير أصواتهما كالرعد القاصف وأبصارهما كالبرق الخاطف يجران شعورهما معهما مرزبة لو اجتمع عليها أهل الأرض لم يقلوها فقال عمر إن فرقنا فنحن أحق أن نفرق أنبعث على ما نحن عليه قال نعم إن شاء الله قال إذن أكفيكهما" .
وذكر سنيد عن إسماعيل بن عليه عن عباد بن إسحاق عن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا مات المسلم أو المؤمن أتاه ملكان أزرقان أسودان يقال لأحدهما منكر والآخر نكير فيقولان ما كنت تقول في هذا الرجل فيقول ما كان يقول في الدنيا هو عبد الله ورسوله جاء بالحق فيقال له قد كنت تقول هذا ثم يفتح له في قبره سبعين ذراعا في سبعين وينور له عنده نور ويقال له نم صالحا فيقول أرجع إلي أهلي فأخبرهم فيقال له نم نومة العروس الذي لا يوقظه إلا أحب الناس إليه حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك وإن كان منافقا قال سمعت الناس يقولون شيئا فقلته فيقال قد كنت تقول ذلك قال ثم تؤمر الأرض فتلتئم عليه حتى تختلف أضلاعه فلا يزال كذلك معذبا حتى يبعثه الله" . والآثار في عذاب القبر لا يحوط بها كتاب وإنما ذكرنا منها ههنا ما في معنى حديثنا وما رجونا أن يكون تفسيرا له والآثار المرفوعة كلها في هذا المعنى تدل على أن الفتنة والله أعلم مرة واحدة.

(22/251)


وكان عبيد بن عمير فيما ذكر ابن جريج عن الحرث بن أبي الحرث عنه يقول يفتن رجلان مؤمن ومنافق فأما المؤمن فيفتن سبعا وأما المنافق فيفتن أربعين صباحا.
قال أبو عمر:
الآثار الثابتة في هذا الباب إنما تدل على أن الفتنة في القبر لا تكون إلا لمؤمن او منافق ممن كان في الدنيا منسوبا إلى أهل القبلة ودين الإسلام ممن حقن دمه بظاهر الشهادة وأما الكافر الجاحد المبطل فليس ممن يسأل عن ربه ودينه ونبيه وإنما يسأل عن هذا أهل الإسلام والله أعلم {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ} الآية.
وأما ما جاء من الآثار في أن اليهود تعذب في قبورها ففي حديث أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر مع بلال على البقيع فقال: "ألا تسمع ما أسمع يا بلال؟ قال: لا والله يا رسول الله ما أسمع قال: أما تسمع أهل القبور يعذبون" يعني قبور الجاهلية فهذا والله اعلم عذاب غير الفتنة والابتلاء الذي يعرض المؤمن وإنما هذا عذاب واصب للكفار إلى أن تقوم الساعة فيصيرون إلى النار ألا ترى إلى قول الله عز وجل: {وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ لنَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ} وجائز أن يكون عذاب القبر غير فتنة القبر.
وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يستعيذ من فتنة القبر وعذاب القبر وعذاب النار في حديث واحد وذلك دليل على أن عذاب القبر غير فتنة القبر والله أعلم لأن الفتنة قد تكون فيه النجاة وقد يعذب الكافر في قبره على كفره دون أن يسأل والله أعلم.

(22/252)


أخبرنا عبد الله بن محمد بن أسد قال حدثنا حمزة بن محمد قال حدثنا أحمد بن شعيب قال أخبرنا محمد بن عبد الله بن المبارك قال حدثنا أبو أسامة قال حدثنا هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيرا ما يدعو بهؤلاء الكلمات: "اللهم إني أعوذ بك من فتنة النار وعذاب القبر وشر فتنة المسيح الدجال ومن شر فتنة القبر ومن شر فتنة الغنى اللهم اغسل خطاياي بماء الثلج والبرد وأنق قلبي من الخطايا كما أنقيت الثوب الأبيض من الدنس وباعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب اللهم أني أعوذ بك من الكسل والهرم والمأثم والمغرم" .
أخبرنا عبد الله بن محمد قال حدثنا حمزة بن محمد قال حدثنا أحمد ابن شعيب قال أخبرنا إسحاق بن إبراهيم قال أخبرنا جرير عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "اللهم إني أعوذ بك من عذاب النار وفتنة النار وعذاب القبر وفتنة القبر ومن شر فتنة المسيح الدجال ومن شر الغنى وشر فتنة الفقر اللهم اغسل خطاياي" وذكر تمام الحديث بمعنى ما تقدم سواء فهذا الحديث يدل على أن فتنة القبر غير عذاب القبر لأن الواو تفصل بين ذلك هذا ما توجبه اللغة وهو الظاهر في الخطاب والله أعلم.
وقد تقدم عن عبيد بن عمير أنه قال إنما يفتن رجلان مؤمن ومنافق وهو معنى ما قلنا وفي حديث زيد بن ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن هذه الأمة تبتلى في قبورها" ومنهم من يرويه تسأل في قبورها وهذا اللفظ يحتمل أن تكون هذه الأمة خصت بذلك وهو أمر لا يقطع عليه والله أعلم.

(22/253)


وحديث زيد بن ثابت هذا رواه عنه أبو سعيد الخدري ذكره سنيد وأبو بكر بن أبي شيبة قالا حدثنا إسماعيل بن علية عن الجريري عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري قال حدثنا زيد بن ثابت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن هذه الأمة تبتلى في قبورها" وقال ابن أبي شيبة تسأل في قبروها فلولا أن لا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر ما أسمع.
وقد يجوز أن يتأول متأول في هذا الحديث وسياقته على ما ذكره ابن أبي شيبة فيه أن فتنة القبر والسؤال فيه هو عذاب القبر ولكن ما ذكرنا أظهر في المعنى وأحكام الآخرة لا مدخل فيها للقياس والاجتهاد ولا للنظر والاحتجاج والله يفعل ما يشاء لا شريك له.
وقد ذكر سنيد عن إسماعيل بن علية عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة قال ذكر لنا أن عذاب القبر ثلاثة أثلاث ثلث من البول وثلث من الغيبة وثلث من النميمة وهذا لا حجة فيه لأنه ليس بمسند ولا متصل ولا يحتج بمثله على أنه يحتمل أن يكون عذاب القبر ههنا للمرتاب بعد السؤال الذي هو الفتنة وسببها والله أعلم ويحتمل أن يكون قوله: "عذاب القبر" بمعنى فتنة القبر فإنها تؤول إلى العذاب وفيها عذاب والله أعلم بحقيقة ذلك لا شريك له.

(22/254)


الحديث السادس و الثلاثون
...
حديث سادس وثلاثون لهشام بن عروة
مالك عن هشام بن عروة عن عباد بن عبد الله بن الزبير أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أخبرته أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم

(22/254)


قبل أن يموت وهو مستند إلى صدرها وأصغت إليه يقول: "اللهم أغفر لي وارحمني وألحقني بالرفيق الأعلى" .
قال أبو عمر:
إذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر يدعو بالرحمة والمغفرة فغيره أولى أن لا يفتر من الاستغفار وسؤال الرحمة من العزيز الغفار ألهمنا الله لدعائه وسؤاله والله لا يخيب من دعاه ولا يحرم سائله ولقد أحسن القائل وهو عبيد:
من يسأل الناس يحرموه ... وسائل الله لا يخيب
وأما قوله في هذا الحديث: "وألحقني بالرفيق" فقيل الرفيق أعلى الجنة وقيل الرفيق الملائكة والأنبياء والصالحون من قوله عز وجل: {وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً} .
قال أهل اللغة رفيقا ههنا بمعنى رفقاء كما يقال صديق بمعنى أصدقاء وعدو بمعنى أعداء.

(22/255)


الحديث السابع و الثلاثون
...
حديث سابع وثلاثون لهشام وهو أول المراسيل
مالك عن هشام بن عروة عن أبيه أن عمر بن الخطاب قال وهو يطوف بالبيت للركن الأسود إنما أنت حجر ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبلك ما قبلتك ثم قبله.

(22/255)


هذا الحديث مرسل في الموطأ هكذا لم يختلف فيه وهو يستند من وجوه صحاح ثابتة.
ذكر ابن وهب في موطئه قال أخبرني يونس وعمرو بن الحرث عن ابن شهاب عن سالم عن أبيه أنه حدثه قال قبل عمر الحجر ثم قال أما والله لقد علمت أنك حجر ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك قال عمرو بن الحرث وحدثني بمثلها زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر.
قال أبو عمر:
زعم أبو بكر البزار أن هذا الحديث رواه عن عمر مسندا أربعة عشر رجلا.
قال أبو عمر:
أفضلها وأثبتها وإن كانت كلها ثابتة حديث الزهري عن سالم عن أبيه.
وحدثنا خلف بن القاسم قال حدثنا وجيه بن الحسن قال حدثنا بكار بن قتيبة قال حدثنا مؤمل قال حدثنا سفيان عن عاصم عن عبد الله بن سرجس قال رأيت عمر بن الخطاب يقبل الحجر ويقول إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ولكن رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك فأنا أقبلك.
وحدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن إسماعيل قال حدثنا الحميدي قال حدثنا سفيان بن عيينة وحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا بكر بن حماد قال حدثنا مسدد قال حدثنا حماد بن زيد قالا حدثنا عاصم الأحول قال سمعت عبد الله بن سرجس قال رأيت الأصلع عمر بن الخطاب رحمة الله عليه أتى

(22/256)


الركن الأسود فقبله ثم قال والله إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك.
أخبرنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا ابن كثير قال حدثنا سفيان عن الأعمش عن إبراهيم عن عائش بن ربيعة عن عمر أنه جاء إلى الحجر فقبله فقال إني لأعلم أنك حجر لا تنفع ولا تضر ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك.
وحدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا جعفر بن محمد الصائغ قال حدثنا محمد بن سابق قال حدثنا إسرائيل عن إبراهيم بن عبد الأعلى عن سويد بن غفلة قال رأيت عمر بن الخطاب يقبل الحجر ويقول إني لأعلم أنك حجر ولكني رأيت أبا القاسم صلى الله عليه وسلم بك حفيا.
قال أبو عمر:
لا يختلفون أن تقبيل الحجر الأسود في الطواف من سنن الحج لمن قدر على ذلك ومن لم يقدر على تقبيله وضع يده عليه ورفعها إلى فيه فإن لم يقدر على ذلك أيضا للزحام كبر إذا قابله فمن لم يفعل فلا حرج عليه ولا ينبغي لمن قدرعلى ذلك أن يتركه تأسيا برسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه بعده.
أخبرنا محمد بن خليفة قال حدثنا محمد بن نافع المكي قال حدثنا إسحاق بن أحمد الخزاعي قال حدثنا محمد بن علي قال حدثنا سعيد بن منصور قال حدثنا أبو عوانة عن عامر بن أبي سلمة عن أبيه أن عبد الرحمان ابن عوف كان إذا أتى الركن فوجدهم يزدحمون عليه استقبله وكبر ودعا ثم طاف فإذا رأى خلوة استلمه.

(22/257)


الحديث الثامن و الثلاثون
...
حديث ثامن وثلاثون لهشام بن عروة
مالك عن هشام بن عروة عن أبيه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعبد الرحمان بن عوف: "كيف صنعت يا أبا محمد في استلام الركن؟ فقال عبد الرحمان استلمت وتركت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اصبت" .
قال أبو عمر:
كان ابن وضاح يقول في موطأ يحيى إنما الحديث كيف صنعت يا أبا محمد في استلام الركن الأسود وزعم أن يحيى سقط له من كتابه الأسود وأمر ابن وضاح بإلحاق الأسود في كتاب يحيى ولم يرو يحيى الأسود ولكنه رواه ابن القاسم وابن وهب والقعنبي وجماعة وقد روى أبو مصعب وغيره كما روى يحيى لم يذكروا الأسود وكذلك رواه ابن عيينة وغيره عن هشام بن عروة عن أبيه لم يذكروا الأسود كما روى يحيى وهو أمر محتمل جائز في الوجهين جميعا.
ورواه الثوري عن هشام عن أبيه فقال فيه كيف صنعت في استلامك الحجر وسنذكر في آخر هذا الباب بعض ما ذكرنا من أسانيد هذا الحديث إن شاء الله.

(22/258)


وقد صنع ابن واضح مثل هذا أيضا في موطأ يحيى في قول مالك سمعت بعض أهل العلم يستحب إذا رفع الذي يطوف بالبيت يده عن الركن اليماني أن يضعها على فيه فأمر ابن وضاح بطرح اليماني من رواية يحيى وهذا مما تسور فيه على رواية يحيى وهي أصوب من رواية يحيى ومن تابعه في هذا الموضع وكذلك روى ابن وهب وابن القاسم وابن بكير وأبو المصعب وجماعة في هذا الموضع عن مالك أنه سمع بعض أهل العلم يستحب إذا رفع الذي يطوف بالبيت يده عن الركن اليماني أن يضعها على فيه زاد ابن وهب من غير تقبيل وقالوا كلهم الركن اليماني والعجب من ابن وضاح وقد روى موطأ ابن القاسم وفيه اليماني كيف أنكره.
وقد روى القعنبي عن مالك في ذلك قال سمعت بعض أهل العلم يستحبون إذا رفع الذي يطوف بالبيت يده عن الركن الأسود أن يضعها على فيه هكذا قال القعنبي الركن الأسود وأظن ابن وضاح إنما أنكر اليماني في رواية يحيى لأنه راى رواية القعنبي أو من تابع القعنبي على قوله الأسود فمن هناك أنكر اليماني على أن ابن وضاح لم يرو موطأ القعنبي وروى موطأ ابن القاسم وموطأ ابن وهب وفيهما جميعا اليماني كما روى يحيى وهي بأيدي أهل بلدنا في الشهرة كرواية يحيى ولكن الغلط لا يسلم منه احد وأما إدخاله في حديث عبد الرحمان بن عوف الأسود فكذلك رواه أكثر رواة الموطأ فابن وضاح في هذا معذور ولكنه لم يكن بنبغي له أن يزيد في رواية الرجل ولا يردها إلى رواية غيره ففي ذلك من الإحالة ما لا يرضاه أهل الحديث وهذا المعنى في الفقه كله جائز عند أهل العلم لا نكير فيه فجائز عندهم أن يستلم الركن اليماني والركن الأسود لا يختلفون في شيء من ذلك،

(22/259)


وإنما الذي فرقوا بينهما فيه التقبيل لا غير فرأوا تقبيل الركن الأسود والحجر ولم يروا تقبيل اليماني وأما استلامهما جميعا فأمر مجتمع عليه وإنما اختلفوا في استلام الركنين الآخرين وقد ذكرنا اختلافهم في ذلك في مواضع من كتابنا والحمد لله.
وقد كان عروة بن الزبير وهو راوية هذا الحديث يستلم الأركان كلها ذكر مالك في الموطأ عن هشام بن عروة أن أباه كان إذا طاف بالبيت يستلم الأركان كلها وكان لا يدع الركن اليماني إلا أن يغلب عليه.
وذكر ابن وهب في موطأ مالك عن مالك قال سمعت بعض أهل العلم يستحب إذا رفع الذي يطوف يده على الركن اليماني أن يضعها على فيه من غير تقبيل ولا يقبل إلا الركن الأسود يقبل ويستلم باليد وتوضع على الفم ولا يقبل اليد فيهما جميعا.
قال أبو عمر:
فهذا كله من قول مالك في موطئه من رواية ابن وهب وغيره يبين ما بينا وبالله توفيقنا.
وفي استلام الركنين الأسود واليماني آثار ثابتة مسندة أحسنها حديث ابن شهاب عن سالم عن ابن عمر قال لم أر رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمح من البيت إلا الركنين اليمانيين قال وأخبر ابن عمر بقول عائشة أن الحجر من البيت فقال إن كانت عائشة سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم إني لأظن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يترك استلامهما إلا أنهما ليسا على قواعد إبراهيم صلى الله عليه وسلم ولا طاف الناس من وراء الحجر إلا لذلك.

(22/260)


قال أبو عمر:
قوله: "الركنين اليمانيين" يريد الركن الأسود واليماني ولقد ذكرنا مراتبهما والأحاديث فيهما واختلاف السلف في كيفية استلامهما وأخبرنا بأن الفقهاء على استلام الركنين خاصة على حديث ابن عمر وعائشة وبسطنا ذلك كله في حديث ابن شهاب وغيره من هذا الكتاب.
حدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا مسدد قال حدثنا يحيى بن عبد العزيز بن أبي رواد عن نافع عن ابن عمر قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يدع أن يستلم الركن اليماني والحجر في كل طوفة قال وكان عبد الله بن عمر يفعله.
قال أبو عمر
هذا أفضل ما روي في هذا الباب وأولاه وأصحه وقد روي عن مجاهد وطاوس أنهما كانا يستحبان استلام الركنين الأسود واليماني في كل وتر من الطواف روي ذلك عنهما من طرق وأما إنكار ابن وضاح لاستلام الركن اليماني فلا وجه له اللهم إلا أن يكون أنكر اللفظة في حديث مالك عن هشام عن أبيه في قصة عبد الرحمان بن عوف دون أن ينكر استلام الركن اليماني فإن استلامه لا خلاف بين العلماء فيه روينا عن مجاهد وعطاء من وضع يده على الركن اليماني ثم دعا استجيب له وعن الزبير الركن اليماني باب من أبواب الجنة وفي الترغيب في استلامه آثار كثيرة ذكره الخزاعي في كتاب فضائل مكة الكتاب الكبير وقد روى عبد الله بن مسلم بن

(22/261)


هرمز عن مجاهد عن بن عباس قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا استلم الركن اليماني قبله ووضع خده الأيمن عليه.
قال أبو عمر:
هذا لا يصح وإنما المعروف قبل يده وإنما يعرف تقبيل الحجر الأسود ووضع الوجه عليه وقد جاء هذا الحديث كما ترى وليس يعرف بالمدينة العمل به فالله أعلم.
حدثنا محمد بن خليفة قال حدثنا محمد بن نافع المكي قال حدثنا إسحاق بن أحمد الخزاعي قال حدثنا محمد بن علي قال حدثنا سعيد بن منصور قال حدثنا أبو عوانة عن عمر بن أبي سلمة عن أبيه أن عبد الرحمان ابن عوف كان إذا أتى الركن فوجدهم يزدحمون عليه استقبله وكبر ودعا ثم طاف فإذا وجد خلوة استلمه.
أخبرنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا عبد الله بن احمد بن ابي مسرة قال حدثنا يعقوب بن محمد الزهري قال أخبرنا القاسم بن محمد بن عبد الرحمان الأنصاري من ولد أحيحة بن الجلاح عن أبي نجيح عن أبي سلمة بن عبد الرحمان عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: "يا أبا محمد كيف صنعت حين طفت قال استلمت وتركت قال أصبت" .
أخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن قال حدثنا أبو العباس أحمد بن إبراهيم بن محمد بن جامع السكري قراءة عليه من كتابه سنة أربع وأربعين وثلاثمائة وأنا أسمع قال حدثنا علي بن عبد العزيز قال حدثنا ابو نعيم الفضل بن دكين قال حدثنا سفيان الثوري عن هشام بن عروة عن عروة عن عبد الرحمان بن عوف قال قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كيف صنعت في استلامك الحجر؟ قال استلمت وتركت قال أصبت" .

(22/262)


وعند هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم طاف في حجة الوداع حول الكعبة يستلم الركن بمحجن كراهية أن يصرف عنه الناس وليس هذا عند مالك عن هشام.
قال أبو عمر:
الاستلام للرجال دون النساء عن عائشة وعطاء وغيرهما وعليه جماعة الفقهاء.

(22/263)


الحديث التاسع و الثلاثون
...
حديث تاسع وثلاثون لهشام
مالك عن هشام بن عروة عن أبيه أن صاحب هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يا رسول الله كيف أصنع بما عطب من الهدي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كل بدنة عطبت من الهدي فانحرها ثم ألق قلائدها في دمها ثم خل بين الناس وبينها يأكلونها" .
هذا حديث مرسل في الموطأ وهو في غير الموطأ مسند لأن جماعة من الحفاظ رووه عن هشام بن عروة عن أبيه عن ناجية الأسلمي صاحب بدن رسول الله صلى الله عليه وسلم وغير نكير أن يسمع عنه عروة.
حدثنا محمد بن عبد الله بن حكم قال حدثنا محمد بن معاوية بن عبد الرحمان قال حدثنا الفضل بن الحباب القاضي بالبصرة أبو خليفة قال حدثنا محمد بن كثير قال حدثنا سفيان بن سعيد عن هشام بن عروة عن أبيه عن ناجية الأسلمي أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث معه بهدي قال إن عطب فانحره ثم اصبغ نعله في دمه ثم خل بينه وبين الناس.

(22/263)


حدثنا أحمد بن عبد الله قال حدثنا الميمون بن حمزة قال حدثنا الطحاوي قال حدثنا المدني قال حدثنا الشافعي قال أخبرنا سفيان بن عيينة عن هشام بن عروة عن أبيه عن ناجية صاحب بدن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال يا رسول الله كيف أصنع بما عطب من الهدي؟ قال: "انحره ثم اغمس قلائده في دمه ثم اضرب بها صفحة عنقه ثم خل بينه وبين الناس" .
أخبرنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا موسى بن إسماعيل قال حدثنا وهب بن خالد قال حدثنا هشام بن عروة عن أبيه عن ناجية صاحب هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف يصنع بما عطب من الهدي فأمره أن ينحر كل بدنة عطبت ثم يلقي حبلها في دمها ويخلي بينها وبين الناس يأكلونها كذا وقع عنده حبلها في دمها وإنما هو نعلها في دمها.
وناجية هذا هو ناجية بن جندب الأسلمي وقد ذكرناه ورفعنا في نسبه في كتاب الصحابة.
وروى ابن عباس هذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم وزاد فيه: "ولا تأكل منها أنت ولا أحد من رفقتك" وسنذكره ههنا إن شاء الله.
وفي هذا الحديث من الفقه أن الهدي يقلد وأن التقليد من شأنه وسنته والتقليد أن يعلق في عنق البدن نعل علامة ليعرف أنها هدي.
وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قلد هديه نعلين وكذلك كان ابن عمر يفعل وبه قال الشافعي واستحسنه والنعل عندي تجزئ وهو قول مالك والزهري وجماعة العلماء كلهم لا يختلفون في تقليد الهدي ويجزئ عند جميعهم نعل واحدة والذي أجمعوا عليه من تقليد الهدي الإبل والبقر واختلفوا في

(22/264)


تقليد الغنم فكان مالك وأبو حنيفة وأصحابهم ينكرون تقليد الغنم وأجاز تقليده الشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور لقول عائشة كنت أقلد الغنم لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قول عطاء وجماعة وقد مضى في هذا الكتاب في باب عبد الله بن أبي بكر القول في تقليد الهدي هل يوجب على صاحبه أن يكون محرما لذلك أم لا والصحيح في ذلك حديث عائشة على ما ذكرناه هناك من احسن طرقه ما أخبرنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا يزيد بن خالد وقتيبة بن سعيد أن الليث حدثهم عن ابن شهاب عن عروة وعمرة بنت عبد الرحمان أن عائشة قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يهدي من المدينة فأفتل قلائد هديه ثم لا يجتنب شيئا مما يجتنبه المحرم.
وأما قوله: "كيف أصنع بما عطب من الهدي؟" فجاوبه رسول الله صلى الله عليه وسلم بما ذكر في حديث هشام هذا فإن هذا محمله عند العلماء على الهدي التطوع وكذلك كان هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم تطوعا لأنه كان في حجته مفردا والله اعلم وقد ذكرنا الاختلاف عنه في ذلك في باب ابن شهاب وغيره والهدي التطوع لا يجوز لأحد ساقه أكل شيء منه إذا عطب قبل أن يبلغ محله لئلا يكون ذلك ذريعة إلى أكل الهدي قبل محله من أجل أنه تطوع فينصرف من الناس من لم تصح نيته فيما أخرجوه لله ويعتلون بأنه عطب.
ذكر أبو ثابت وأسد وسحنون وابن أبي الغمر عن ابن القاسم قلت لابن القاسم أرأيت هدي التطوع إذا عطب كيف يصنع به صاحبه في قول مالك قال قال مالك يرمي بقلائده في دمه إذا نحره ويخلي بن الناس وبينه ولا يأمر أحدا أن يأكل منه فقيرا ولا غنيا فإن أكل هو أو أمر أحدا من الناس

(22/265)


بأكله أو حز شيئا من لحمه كان عليه البدل قال ابن القاسم وقال مالك كل هدي مضمون إذا عطب فليأكل منه صاحبه وليطعم منه الأغنياء والفقراء ومن أحب ولا يبيع من لحمه ولا من جلده ولا من قلائده شيئا.
قال مالك ومن الهدي المضمون ما إن عطب قبل أن يبلغ محله جاز له أن يأكل منه وهو أن بلغ محله لم يأكل منه وهو جزاء الصيد وفدية الأذى ونذر المساكين فهذا إن عطب قبل محله جاز له أن يأكل منه لأن عليه بدله وإذا بلغ محله أجزأه عن الذي ساقه ولا يجزيه أن يأكل منه.
قال إسماعيل بن إسحاق لأن الهدي المضمون إذا عطب قبل أن يبلغ محله كان عليه بدنة وبذلك جاز له أن يأكل منه ولا يطعم لأنه لما لم يكن عليه بدله خيف أن يفعل ذلك بالهدي وينحر من غير أن يعطب فاحتيط على الناس وبذلك مضى العمل في هدي التطوع إذا عطب في الطريق نحره صاحبه وخلى بينه وبين الناس وذكر إسماعيل بن إسحاق حديث هشام هذا عن أبيه عن ناجية وحديث ابن عباس عن ذؤيب الخزاعي.
قال أبو عمر:
أما حديث ناجية فقد تقدم ذكره وأما حديث ابن عباس فاختلف فيه عنه فطائفة روت عنه ما يدل على أن ناجية الأسلمي حدثه وطائفة روت عنه أن ذؤيبا الخزاعي حدثه وذؤيب هذا هو والد قبيصة بن ذؤيب وربما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أيضا معه هديا فسأله كما سأله ناجية فالله أعلم .
دثنا أحمد بن عبد الله بن محمد قال حدثنا الميمون بن حمزة قال حدثنا الطحاوي قال حدثنا المزني قال حدثنا الشافعي قال أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم يعني ابن عليه قال حدثنا أبو التياح عن موسى بن سلمة عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث بثمان عشرة بدنة مع رجل فأمره فيها

(22/266)


بأمر فانطلق ثم رجع إليه فقال أرأيت إن عطب منه شيء؟ قال: "فانحرها ثم أصبغ نعلها في دمها ثم اجعلها على صفحتها ولا تأكل منها أنت ولا أحد من أهل رفقتك" .
أخبرنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا إسماعيل بن إسحاق قال حدثنا سليمان بن حرب قال حدثنا حماد بن زيد قال حدثنا أبو النياح عن موسى بن سلمة قال خرجت أنا وسنان بن سلمة ومعنا بدنتان فأزحفتا علينا بالطريق فلما قدمنا مكة أتينا ابن عباس فسألناه فقال على الخبير سقطت بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم فلانا الأسلمي وبعث معه بثمان عشرة بدنة فقال يا رسول الله أرأيت إن أزحف علي منها شيء بالطريق قال: "تنحرها وتصبغ نعلها أو قال تغمس نعلها في دمها فتضرب بها على صفحتها ولا تأكل منها أنت ولا أحد من أهل رفقتك".
وروى شعبة وسعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن سنان بن سلمة عن ابن عباس أن ذؤيبا الخزاعي حدثه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يبعث معه بالبدن ثم يقول: "إذا عطب شيء منها فخشيت عليه موتا فانحره ثم أغمس نعله في دمه ثم اضرب صفحته ولا تطعم منها ولا أحد من أهل رفقتك" .
قال أبو عمر:
قوله: "ولا أحد من أهل رفقتك" لا يوجد إلا في حديث ابن عباس هذا بهذا الآسناد عن موسى بن سلمة وسنان بن سلمة وليس ذلك في حديث هشام بن عروة عن أبي عن ناجية وهذا عندنا أصح من حديث ابن عباس عن ذؤيب وعليه العمل عند الفقهاء ومن جهة النظر أهل رفقته وغيرهم في ذلك

(22/267)


سواء ويدخل في قوله عليه السلام: "وخل بين الناس وبينه يأكلونه" أهل رفقته وغيرهم وإنما الضمان على من أكل من هديه التطوع وإن لم يكن موجدا في الحديث المسند فإن ذلك عن الصحابة والتابعين وعليه جماعة فقهاء الأمصار.
وروي عن عمر وعلي وابن مسعود إن أكل من الهدي التطوع غرم وعن ابن عباس إن أكلت أو أمرت بأكله غرمت وعن ابن المسيب مثله سواء من رواية مالك عن ابن شهاب.
وروى ابن أبي ذئب عن ابن شهاب. عن ابن المسيب قال مضت السنة إذا أصيبت البدنة تطوعا في الطريق أن ينحرها ويغمس قلائدها في دمها ثم لا يأكل منها ولا يطعم ولا يقسم فإن فعل شيئا من ذلك ضمن.
وعن ابن عمر وابن عباس وعطاء والنخعي في الهدي الواجب يعطب قالوا كل إن شئت إذا نحرته وعليك البدل.
وأما اختلاف الفقهاء في هذه المسألة فقال مالك ما عطب من الهدي قبل أن يبلغ محله فإن كان واجبا أكل منه إن شاء وأبدله وإن كان تطوعا نحره ثم صبغ قلائده في دمه وخلى بين الناس وبينه ولم يأكل ولم يطعم ولم يتصدق فإن أكل أو أطعم أو تصدق ضمن وهو قول الشافعي والأوزاعي والثوري إلا أنهم قالوا يضمن ما أكل أو أطعم أو تصدق وليس عليه البدل إلا لما أتلف فإن أتلفه كله ضمنه كله وكذلك قال أبو حنيفة أيضا إلا أنه قال يتصدق بالهدي التطوع إذا عطب أفضل من أن يتركه فتأكله السباع قال ولو أطعم منه غنيا ضمن وقال في الهدي الواجب لا بأس أن

(22/268)


يبيع لحمه وهو قول عطاء يستعين به في ثمن هدي وهؤلاء لا يرون بيعه.
واختلفوا فيما يؤكل من الهدي إذا بلغ محله فقال مالك يؤكل من الهدي كله إذا بلغ محله إلا جزاء الصيد ونسك الأذى وما نذر للمساكين وقال الشافعي لا يؤكل من الهدي كله شيء إذا بلغ محله إلا بالتطوع وحده فأما الهدي الواجب فلا يأكل شيئا منه.
وقال أبو حنيفة يؤكل من هدي المتعة والقرآن والتطوع ولا يؤكل مما سواه.
وقال الثوري يؤكل من هدي المتعة والإحصار والوصية والتطوع.

(22/269)


الحديث الأربعون
...
حديث موفي أربعين لهشام بن عروة
مالك عن هشام بن عروة عن أبيه أن مخنثا كان عند أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم فقال لعبد الله بن أبي أمية ورسول الله صلى الله عليه وسلم يسمع يا عبد الله إن فتح الله عليكم الطائف غدا فإني أدلك على ابنة غيلان فإنها تقبل بأربع وتدبر بثمان فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يدخلن هؤلاء عليكم" .
هكذا روى هذا الحديث جمهور الرواة عن مالك مرسلا ورواه سعيد بن أبي مريم عن مالك عن هشام عن أبيه عن أم سلمة والصواب عن مالك ما في الموطأ ولم يسمعه عروة من أم سلمة وإنما رواه عن زينب ابنتها عنها كذلك قال ابن عيينة وأبو معاوية عن هشام فأما حديث ابن أبي مريم عن

(22/269)


مالك فحدثناه أحمد بن محمد بن أحمد قال حدثنا محمد بن عيسى قال حدثنا يحيى بن أيوب قال حدثنا سعيد بن أبي مريم قال أخبرنا مالك قال حدثنا هشام بن عروة عن أبيه عن أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان عندها وكان مخنث عندهم جالسا فقال المخنث لعبد الله ابن أبي أمية أخي أم سلمة إن فتح الله عليكم الطائف غدا فأنا أدلك على ابنة غيلان فإنها تقبل بأربع وتدبر بثمان فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تدخلن هؤلاء عليكم" .
وأما حديث ابن عيينة فحدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن إسماعيل الترمذي قال حدثنا الحميدي قال حدثنا سفيان قال حدثنا هشام بن عروة عن أبيه عن زينب بنت أبي سلمة عن أمها أم سلمة قالت دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وعندي مخنث فسمعه يقول لعبد الله بن أبي أمية يا عبد الله أرأيت إن فتح الله عليكم الطائف غدا فعليك بابنة غيلان فإنها تقبل بأربع وتدبر بثمان قالت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تدخلن هؤلاء عليكم" قال سفيان قال ابن جريج اسمه هيت يعني المخنث.
وأخبرنا محمد بن إبراهيم وإبراهيم بن شاكر قالا حدثنا محمد بن أحمد ابن يحيى قال حدثنا محمد بن أيوب بن حبيب الرقي قال حدثنا أحمد بن عمرو بن عبد الخالق قال حدثنا أبو كريب قال حدثنا أبو معاوية عن هشام ابن عروة عن أبيه عن زينب بنت أبي سلمة عن أم سلمة فذكرا الحديث بتمامه.
قال أبو عمر:
ذكر عبد الملك بن حبيب عن حبيب كاتب مالك قلت لمالك إن سفيان زاد في حديث ابنة غيلان أن مخنثا يقال له هيت وليس في كتابك

(22/270)


هيت فقال مالك صدق وهو كذلك وكان النبي صلى الله عليه وسلم غربه إلى الحمى وهو موضع من ذي الحليفة ذات الشمال من مسجدها قال حبيب وقلت لمالك وقال سفيان في الحديث إذا قعدت تثنت وإذا تكلمت تغنت قال مالك صدق كذلك هو في الحديث قال وقلت لمالك قال سفيان في تفسير تقبل بأربع وتدبر بثمان يعني مظلة الأعراب مقدمها أربع ومدبرها ثمان فقال مالك لم تصنع شيئا إنا هي عكن أربع إذا أقبلت وثمان إذا أدبرت وذلك أن الظهر لا تنكسر فيه العكن.
قال أبو عمر:
كل ما ذكره حبيب كاتب مالك عن سفيان بن عيينة أنه قال في الحديث يعني حديث هشام بن عروة هذا فغير معروف فيه عند أحد من رواته عن هشام لا ابن عيينة ولا غيره ولم يقل سفيان في نسق الحديث أن مخنثا يدعى هيت وإنما ذكره عن ابن جريج بعد تمام الحديث على ما ذكرناه عن الحميدي عنه وهو أثبت الناس في ابن عيينة وكذلك قوله عن سفيان أنه كان يقول في الحديث إذا فعدت تثنت وإذا تكلمت تغنت هذا ما لم يقله سفيان ولا غيره فيما علمت في حديث هشام بن عروة وهذا اللفظ لا يحفظ إلا من رواية الواقدى والعجب أنه يحكيه عن سفيان ويحكي عن مالك أنه كذلك فصارت رواية عن مالك ولم يرو ذلك عن مالك احد غير حبيب ولا ذكره عن سفيان غيره أيضا والله أعلم وحبيب كاتب مالك

(22/271)


متروك الحديث ضعيف عند جميعهم لا يكتب حديثه ولا يلتفت إلى ما يجيء به.
أخبرنا عبد الله بن محمد بن يوسف قال حدثنا محمد بن أحمد بن يحيى قال حدثنا أبو سعيد بن الأعرابي قال حدثنا أحمد بن محمد بن عبد الجبار العطاردي قال حدثنا يونس بن بكير عن هشام بن عروة عن أبيه عن زينب ابنة أم سلمة عن أم سلمة قالت كان عندي مخنث فقال لعبد الله أخي إن فتح الله عليكم الطائف غدا فإن أدلك على ابنة غيلان فإنها تقبل بأربع وتدبر بثمان فسمع رسول الله قوله فقال: "لا يدخلن هؤلاء عليكم" .
قال وحدثنا يونس بن بكير عن أبي إسحاق قال وقد كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مولى لخالته فاخته ابنة عمرو بن عائذ مخنث يقال له ماثع يدخل على نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم ويكون في بيته ولا يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يفطن لشيء من أمر النساء مما يفطن إليه الرجال ولا يرى أن له في ذلك أربا فسمعه وهو يقول لخالد بن الوليد يا خالد إن فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم الطائف فلا تنفلتن منك بادية ابنة غيلان بن سلمة فإنها تقبل بأربع وتدبر بثمان فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين سمع هذا منه ألا أرى الخبيث يفطن لما أسمع ثم قال لنسائه: "لا يدخل عليكم" فحجب عن بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وفي هذا الحديث من الفقه إباحة دخول المخنثين من الرجال على النساء وإن لم يكونوا منهن بمحرم والمخنث الذي لا بأس بدخوله على النساء هو المعروف عندنا اليوم بالمؤنث وهو الذي لا أرب له في النساء ولا يهتدي إلى

(22/272)


شيء من أمورهن فهذا هو المؤنث المخنث الذي لا بأس بدخوله على النساء فأما إذا فهم معاني النساء والرجال كما فهم هذا المخنث وهو المذكور في هذا الحديث لم يجز للنساء أن يدخل عليهن ولا جاز له الدخول عليهن بوجه من الوجوه لأنه حينئذ ليس من الذين قال الله عز وجل فيهم: {غَيْرِ أُولِي الْأِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ} وليس المخنث الذي تعرف فيه الفاحشة خاصة وتنسب إليه وإنما المخنث شدة التأنيث في الخلقة حتى يشبه المرأة في اللين والكلام والنظر والنغمة وفي العقل والفعل وسواء كانت فيه عاهة الفاحشة أم لم تكن وأصل التخنث التكسر واللين فإذا كان كما وصفنا لك ولم يكن له في النساء ارب وكان ضعيف العقل لا يفطن لأمور الناس أبله فحينئذ يكون من غير أولي الإربة الدين أبيح لهم الدخول على النساء ألا ترى أن ذلك المخنث لما فهم من أمور النساء قصة بنت غيلان نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم حينئذ عن دخوله على النساء ونفاه إلى الحمى فيما روي.
واختلف العلماء في معنى قوله عز وجل: {أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْأِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ} اختلافا متقارب المعنى لمن تدبر.
ذكر أبن أبي شيبة قال حدثنا سهل بن يوسف عن عمرو عن الحسن {أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْأِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ} قال هم قوم طبعوا على التخنيث فكان الرجل منهم يتبع الرجل يخدمه ليطعمه وينفق عليه لا يستطيعون غشيان النساء ولا يشتهونه.
قال وحدثنا ابن إريس عن ليث عن مجاهد في قوله: {غَيْرِ أُولِي الْأِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ} قال هو الأبله الذي لا يعرف أمر النساء.

(22/273)


قال وأخبرنا جرير عن مغيرة عن الشعبي قال هو الذي لم يبلغ أربه أن يطلع على عورات النساء وذكر محمد بن ثور وعبد الرزاق جميعا عن معمر عن قتادة {أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْأِرْبَةِ} قال هو التابع الذي يتبعك فيصيب من طعامك غير أولي الإربة يقول لا أرب له ليس له في النساء حاجة.
وعن علقمة قال هو الأحمق الذي لا يريد النساء ولا يردنه.
وعن طاوس وعكرمة مثله.
وعن سعيد بن جبير هو الأحمق الضعيف العقل.
وعن عكرمة أيضا هو العنين.
ووكيع عن سفيان عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قال هو الذي يريد الطعام ولا يريد النساء ليس له هم إلا بطنه.
وعن الشعبي أيضا وعطاء مثله.
وعن الضحاك هو الأبله.
وقال الزهري هو الأحمق الذي لا همة له في النساء ولا أرب.
وقيل كل من لا حاجة له في النساء من الأتباع نحو الشيخ والهرم والمجبوب والطفل والمعتوه والعنين.
قال أبو عمر:
هذه أقاويل متقاربة المعنى ويجتمع في أنه لا فهم له ولاهمة ينتبه بها إلى أمر النساء وبهذه الصفة كان ذلك المخنث عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما سمع منه ما سمع من وصف محاسن النساء أمر بالاحتجاب منه.

(22/274)


وذكر معمر عن الزهري وهشام بن عروة عن عروة عن عائشة قالت كان رجل يدخل على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم مخنث فكانوا يعدونه من غير أولي الإربة فدخل علينا النبي صلى الله عليه وسلم يوما وهو عند بعض نسائه وهو ينعت امرأة فقال إنها إذا أقبلت أقبلت بأربع وإذا أدبرت أدبرت بثمان فقال لأرى هذا يعلم ما ههنا لا يدخلن هذا عليكم فحجبوه.
وأما قوله: "تقبل بأربع وتدبر بثمان" فالذي ذكر حبيب عن مالك هو كذلك أو قريب منه وإنما وصف امرأة لها في بطنها أربع عكن فإذا بلغت خصريها صارت أطراف العكن ثمانيا أربع من ههنا وأربعا ههنا فإذا أقبلت إليك واستقبلتك ببطنها رأيت لها أربعا فإذا أدبرت عنك صارت تلك الأربع ثمانيا من جهة الأطراف المجتمعة وهكذا فسره كل من تكلم في هذا الحديث واستشهد عليه بعضهم بقول النابغة في قوائم ناقته
على هضبات بينما هن أربع ... أنخن لتعريس فعدن ثمانيا
يعني أن هذه الناقة إذا رفعت قوائمها أربع فإذا انحنت قوائها وانطوت صارت ثمانيا.
وقد روي هذا الخبر عن سعد بن أبي وقاص بخلاف هذا اللفظ.
حدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا ابن واضح قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا بكر بن عبد الرحمان قال حدثنا عيسى بن المختار عن ابن أبي ليلى عن عبد الكريم عن مجاهد عن عامر بن سعد عن سعد بن مالك أنه خطب امرأة وهو بمكة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ليت عندي من رآها ومن يخبرني عنها فقال رجل مخنث يدعى هيت أنا أنعتها لك إذا أقبلت قلت تمشي على ست وإذا أدبرت قلت تمشي على أربع فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما أرى هذا إلامنكرا ما أراه إلا يعرف أمر النساء" وكان يدخل على سودة فنهاه أن يدخل عليها فلما قدم المدينة نفاه،

(22/275)


فكان كذلك حتى أمر عمر فجلد فكان يرخص له يدخل المدينة يوم الجمعة فيتصدق يعني يسأل الناس قاله ابن وضاح.
وأما الواقدي وابن الكلبي فإنهما قد ذكرا أن هيتا المخنث قال لعبد الله ابن أبي أمية المخزومي وهو أخو أم سلمة لأبيها وأمه عاتكة عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له وهو في بيت أخت أم سلمة ورسول الله صلى الله عليه وسلم يسمع إن افتتحتم الطائف فعليك ببادية ابنة غيلان بن سلمة الثقي فإنها تقبل بأربع وتدبر بثمان مع ثغر كالأقحوان إن جلست تثنت وأن تكلمت تغنت بين رجليها مثل الإناء المكفو وهي كما قال قيس بن الحطيم.
تغترق الطرف وهي لاهية
...
كأنما شف وجهها نزف
بين شكول النساء خلقتها
...
قصدا فلا جبلة ولا قصف
تنام عن كبر شأنها فإذا
...
قامت رويدا تكاد تنقصف
قال له النبي صلى الله عليه وسلم: "لقد غلغلت النظر إليها يا عبد الله" ثم أجلاه عن المدينة إلى الحمى قال فلما افتتحت الطائف تزوجها عبد الرحمان بن عوف فولدت له بريهة في قول ابن الكلبي قال ولم يزل هيت بذلك المكان حتى قبض النبي صلى الله عليه وسلم فلما ولي أبو بكر كلم فيه فأبى أن يرده فلما ولي عمر كلم فيه فأبى ثم كلم فيه بعد وقيل له إنه قد كبر وضعف فأذن له أن يدخل كل جمعة فيسأل ويرجع إلى مكانه قال وكان هيت مولى لعبد الله بن أبي أمية المخزومي وكان مونا له أيضا فمن ثم قيل الخنث.

(22/276)


قال أبو عمر:
يقال بادية ابنة غيلان بالياء وبادنه بالنون والصواب عندهم بالياء نادية وهو قول أكثرهم وكذلك ذكره الزبير بالياء فالله أعلم.
وأما قوله: "تغنت" فقالوا إنه من العنة لا من الغناء أي كانت تتغنن في كلامها من لينها ورخامة صوتها يقال من هذه الكلمة تغنن الرجل وتغنى مثل تظنن وتظني قال ابن إسحاق وممن استشهد يوم الطائف عبد الله بن أبي أمية بن المغيرة أخو سلمة من زمعة.

(22/277)


الحديث الحادي و الأربعون
...
حديث حاد وأربعون لهشام
مالك عن هشام بن عروة عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "خمس فواسق يقتلن في الحرم الفأرة والعقرب والغراب والحدأة والكلب العقور" هذا حديث يتصل عن النبي صلى الله عليه وسلم ويستند من حديث ابن عمر وعائشة وكلاهما قد سمع منه عروة.
وقد روى هذا الحديث وكيع عن مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ولم يذكر فيه عائشة من رواة الموطأ احد فيما علمت والله أعلم.
وهو محفوظ عن عائشة وعن ابن عمر فأما حديث ابن عمر فقد ذكرناه في

(22/277)


باب نافع من هذا الكتاب وذكرنا هناك ما فيه من الأحكام والمعاني وما للعلماء في ذلك من المذاهب والحمد لله.
ويشبه أن يكون عروة أخذ هذا الحديث عن عائشة لأنه راويتها وابن أختها وروايته عنها أكثر من روايته عن ابن عمر فكيف وقد رواه الثقات عن هشام عن أبيه عن عائشة.
حدثنا أحمد بن عبد الله بن محمد قال حدثنا أبي قال حدثنا أحمد بن خالد قال حدثنا علي بن عبد العزيز قال حدثنا حجاج بن منهال قال حدثنا حماد بن سلمة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم الكلب العقور والفأرة والحدأة والعقرب والغراب" قال وسئل عروة عن لحم الغراب فكرهه وقال سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم فاسقا.
وذكر عبد الرزاق عن معمر عن الزهري قال كره رجال من أهل العلم أكل الحدأة والغراب حيث سماهن رسول الله صلى الله عليه وسلم فواسق الدواب التي تقتل في الحرم.
قال أبو عمر:
قد ذكرنا الاختلاف في أكلها وأوضحنا الوجوه التي منها نزعوا في باب نافع وبالله التوفيق.

(22/278)


الحديث الثاني و الأربعون
...
حديث ثان وأربعون لهشام
مالك عن هشام بن عروة عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا يخرج أحد من المدينة رغبة عنها إلا أبدلها الله خيرا منه" .
وهذا الحديث قد وصله معن بن عيسى وأسنده عن مالك عن هشام عن أبيه عن عائشة في الموطأ ولم يسنده غيره في الموطأ والله أعلم وقد روي من حديث أبي هريرة أيضا وحديث جابر.
حدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا ابن وضاح قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا ابن نمير عن هاشم بن هاشم قال حدثني أبو صالح مولى الساعدي عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن رجالا يستنفرون عشائرهم فيقولون الخير الخير والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون والذي نفس محمد بيده لا يصبر على وائها وشدتها أحد إلا كنت له شهيدا أو شفيعا يوم القيامة والذي نفس محمد بيده إنها لتنفي خبث أهلها كما ينفي الكير خبث الحديد والذي نفس محمد بيده لا يخرج منها أحد رغبة عنها إلا أبدلها الله خيرا منه" .
أخبرنا عبد الله بن محمد بن يوسف حدثنا محمد بن أحمد بن يحيى حدثنا محمد بن أيوب حدثنا أحمد بن عمرو البزار حدثنا محمد بن المثنى وعمرو بن علي قالا حدثنا عبد الوهاب عن الجريري عن أبي نضرة عن جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يخرج أحد من المدينة رغبة عنها إلا أبدلها الله به خيرا منه والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون" .

(22/279)


معنى هذا عندي والله أعلم في حايته صلى الله عليه وسلم وهذا في مثل الأعرابي الذي قال أقلني بيعتي ومعلوم من رغب عن جوار النبي صلى الله عليه وسلم أبدله الله خيرا منه.
وأما بعد وفاته صلى الله عليه وسلم فقد خرج منها جماعة من أصحابه ولم تعوض المدينة بخير منهم.
وروى شعبة قال حدثني يحيى بن هانئ بن عروة المرادي قال سمعت نعيم بن دجاجة قال سمعت عمر بن الخطاب يقول: "لا هجرة بعد النبي صلى الله عليه وسلم".

(22/280)


الحديث الثالث و الأربعون
...
حديث ثالث وأربعون لهشام بن عروة
مالك عن هشام بن عروة عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من أحيى أرضا ميتة فهي له وليس لعرق ظالم حق" .
وهذا الحديث مرسل عند جماعة الرواة عن مالك لا يختلفون في ذلك واختلف فيه على هشام فروته عند طائفة عن أبيه مرسلا كما رواه مالك وهو أصح ما قيل فيه إن شاء الله وروته طائفة عن هشام عن أبيه عن سعيد بن زيد وروته طائفة عن هشام عن وهب بن كيسان عن جابر وروته طائفة عن هشام عن عبيد الله بن عبد الرحمان بن رافع عن جابر وبعضهم يقول فيه عن هشام عن عبيد الله بن أبي رافع عن جابر وفيه اختلاف كثير ذكر عبد الرزاق عن معمر عن هشام بن عروة قال خاصم رجل إلى عمر بن عبد العزيز في أرض حازها فقال عمر: "من أحيا من ميت الأرض شيئا فهو له" فقال له عروة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أحيا شيئا من ميت الأرض فهو له وليس لعرق ظالم حق" .

(22/280)


والعرق الظالم أن ينطلق الرجل إلى أرض غيره فيغرسها.
وحدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا محمد بن المثنى قال حدثنا عبد الوهاب قال حدثنا أيوب عن هشام بن عروة عن أبيه عن سعيد بن زيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من أحيا أرضا ميتة فهي له وليس لعرق ظالم حق" .
ولعروة عن سعيد بن زيد حديث آخر أيضا في أبيه زيد بن عمرو بن نفيل أنه يبعث أمة وحده.
حدثنا محمد بن إبراهيم وأحمد بن قاسم قالا حدثنا محمد بن معاوية قال حدثنا محمد بن يحيى بن سلمان المروزي قال حدثنا خلف بن هشام عن حماد بن زيد عن هشام بن عروة عن وهب بن كيسان عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من أحيى أرضا ميتة فهي له وما أكلت العافية فهو له صدقة" .
وحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا عبد الله بن عمرو بن محمد العثماني بالمدينة قال حدثني أبي قال حدثنا عبد الله بن نافع بن ثابت الزبيري عن عبد الله بن محمد بن يحيى بن عروة عن هشام بن عروة عن عبيد الله بن أبي رافع الأنصاري أنه أخبره عن جابر ابن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من أحيا أرضا ميتة فله فيها أجر وما أكلت العافية منها فهو له صدقة" .

(22/281)


وأخبرنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا ابن وضاح قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا وكيع عن هشام بن عروة عن أبي رافع عن جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أحيا أرضا ميتة فله فيها أجر وما أكلت العافية كان له فيها صدقة" .
قال أبو عمر
ليس في حديث جابر هذا فهي له وإنما فيه فله فيها أجر وهما عندي حديثان عند هشام أحدهما عن أبيه والآخر عن عبيد الله بن أبي رافع ولفظهما مختلف فهما حديثان والله أعلم.
وأما لفظ حديث سعيد بن زيد فعلى لفظ حديث مالك وهو لهشام عن أبيه وقد روى هذا الخبر يحيى بن عروة عن أبيه مثله عن رجل لم يسمه من الصحابة فصار الحديث مسندا من هذه الرواية أيضا وفيه زيادة هي تفسير لمعنى الحديث إن شاء الله.
أخبرنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا هناد بن السري قال حدثنا عبدة عن محمد بن إسحاق عن يحيى ابن عروة بن الزبير عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من أحيا أرضا ميتة فهي له وليس لعرق ظالم حق" .
قال عروة ولقد حدثني الذي حدثني هذا الحديث أن رجلين اختصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم غرس أحدهما نخلا في أرض الآخر فقضى لصاحب الأرض بأرضه وأمر صاحب النخل أن يخرج نخله منها قال فلقد رأيتها وإنها لتضرب أصولها بالفؤوس وإنها لنخل عم حتى أخرجت منها.

(22/282)


قال أبو داود وحدثنا أحمد بن سعيد الدارمي قال حدثنا وهب بن جرير عن أبيه عن ابن إسحاق بإسناده ومعناه إلا أنه قال فكان الذي حدثني هذا الحديث فقال الرجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وأكثر ظني أنه أبو سعيد الخدري فأنا رأيت الرجل يضرب في أصول النخل.
وحدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا أحمد بن عبدة الآملي قال حدثنا عبد الله بن عثمان قال حدثنا عبد الله بن المبارك قال أخبرنا نافع بن عمر عن ابن أبي مليكة عن عروة قال: "أشهد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى أن الأرض أرض الله والعباد عباد الله ومن أحيا مواتا فهو أحق به" جاءنا بهذا عن النبي صلى الله عليه وسلم الذين جاءوا بالصلوات عنه.
وأخبرنا أحمد بن سعيد بن بشر قال أخبرنا مسلمة بن قاسم حدثنا جعفر ابن محمد بن الحسن بن سعيد الأصبهاني حدثنا يونس بن حبيب حدثنا أبو داود الطيالسي قال حدثنا زمعة بن صالح عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "العباد عباد الله والبلاد بلاد الله فمن أحيا من موات الأرض شيئا فهو له وليس لعرق ظالم حق" .
قال أبو عمر:
هذا الاختلاف عن عروة يدل على ان الصحيح في إسناد هذا الحديث عنه الإرسال كما روى مالك ومن تابعه وهو أيضا صحيح مسند على ما

(22/283)


أوردنا والحمد لله وهو حديث متلقى بالقبول عند فقهاء الأمصار وغيرهم وإن اختلفوا في بعض معانيه وقد روي هذا الحديث بمثل لفظ حديث مالك من حديث عمرو بن عوف عن النبي صلى الله عليه وسلم.
حدثنا سعيد بن نصر وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا ابن وضاح قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وحدثنا عبيد بن محمد قال حدثنا عبد الله بن مسرور قال حدثنا عيسى بن مسكين قال حدثنا ابن سنجر قالا حدثنا خالد بن مخلد قال حدثنا كثير بن عبد الله وهو ابن عمرو بن عوف عن أبيه عن جده قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من أحيا مواتا من الأرض في غير حق مسلم فهو له وليس لعرق ظالم حق" .
حدثنا خلف بن القاسم حدثنا أحمد بن إبراهيم بن الحداد حدثنا بهلول إبن إسحاق بن بهلول الأنباري بالأنبار قال حدثنا إسماعيل بن أبي أويس قال حدثنا كثير عن أبيه عن جده عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من أحيا مواتا من الأرض في غير حق مسلم فهو له وليس لعرق ظالم حق" .
وأما قوله: "وليس لعرق ظالم حق" فقد فسره هشام بن عروة ومالك بن أنس بما لا أعلم فيه لغيرهما خلافا.
أخبرنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا أحمد بن السرح قال أخبرنا ابن وهب قال أخبرني مالك قال قال هشام العرق الظالم أن يغرس الرجل في أرض غيره ليستحقها بذلك قال مالك العرق الظالم كلما أخذ واحتفر وغرس في غير حق.

(22/284)


قال أبو عمر:
لم يختلف فيما ذكره مالك من الأعيان المغصوبات وكذلك عند مالك من غصب أرضا فزرعها أو اكتراها أو غصب دارا فسكنها أو أكراها ثم استحقها ربها أن على الغاصب كراء ما سكن ورد ما أخذ في الكراء واختلف قوله: "إذا غضبها فلم يسكنها ولم يزرع الأرض وعطلها" فالمشهور من مذهبه أنه ليس عليه فيما لم يسكن ولم يكر ولم يزرع شيء وقد روي عنه أن عليه كراء ذلك كله واختاره الوقار وهو مذهب الشافعي ومن حجته قوله صلى الله عليه وسلم: "ليس لعرق ظالم حق".
وأما العروض والحيوان والثياب فليس هذا الباب موضع ذكر شيء من ذلك.
قال أبو عمر:
أجمع العلماء على أن ما عرف ملكا لمالك غير منقطع أنه لا يجوز إحياؤه وملكه لأحد غير أربابه إلا أنهم اختلفوا في إحياء الأرض الموات بغير أمر السلطان فذهب الكوفيون إلى أنها إنما تحيى بأمر الإمام وسواء عندهم في ذلك ما قرب من العمران وما بعد وهذا قول أبي حنيفة وقال مالك أما ما كان قريبا من العمران وإن لم يكن مملوكا فلا يحاز ولا يعمر إلا بإذن الإمام وأماما كان في فيافي الأرض فلك أن تحييه بغير إذن الإمام قال والإحياء في ميت الأرض شق الأنهار وحفر الآبار والبناء وغرس الشجر والحرث فما فعل من هذا كله فهو إحياء هذا قول مالك وابن القاسم.
وقال أشهب ولو نزل قوم أرضا من أرض البرية فجعلوا يرعون ما حولها فذلك إيحاء وهم أحق بها من غيرهم ما أقاموا عليها.
قال ابن القاسم ولا يعرف مالك التحجير إحياء ولا ما قيل من حجر أرضا وتركها ثلاث سنين فإن أحياها وإلا فهي لمن أحياها لا يعرف ذلك

(22/285)


مالك قال مالك ومن أحيا أرضا ثم تركها حتى دثرت وطال الزمان وهلكت الأشجار وتهدمت الآبار وعادت كأول مرة ثم أحياها غيره فهي لمحييها آخرا بخلاف ما ملك بخطة أو شراء.
وقال المزني عن الشافعي بلاد المسلمين شيئان عامر وموات فالعامر لأهله وكل ما أصلح به العامرون من طريق وفناء ومسيل ماء وغيره فهو كالعامر في أن لا يملك على أهله إلا بإذنهم.
والموات شيئان موات قد كان عامرا لأهله معروفا في الإسلام ثم ذهبت عمارته فصار مواتا فذلك كالعامر لأهله لا يملك إلا بإذنهم والموات الثاني ما لم يملكه أحد في الإسلام يعرف ولا عمارة ملك في الجاهلية إذا لم يملك فذلك الموات الذي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أحيا أرضا ميتة فهي له ومن أحيا مواتا فهو له" . قال والإحياء ما عرفه الناس إحياء لمثل المحيي إن كان مسكنا فبان يبنى بناء مثله أو ما يقرب قال وأقل عمارة الأرض الزرع فيها والبئر يحفر ونحو ذلك قال ومن اقتطع أرضا وتحجرها فلم يعمرها رأيت للسلطان أن يقول له إن أحييتها وإلا خلينا بينها وبين من يحييها فإن تأجله رأيت أن يفعل.
قال أبو عمر:
من رأى التحجيز إحياء فحجته ما رواه شعبة وغيره من أصحاب قتادة عن قتادة عن الحسن عن سمرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من أحاط حائطا على أرض فهي له" والحسن عندهم لم يسمع من سمرة وإنما هي فيما زعموا صحيحة إلا أنهم لم يختلفوا أن الحسن سمع من سمرة حديث العقيقة لأنه وقف على ذلك فقال سمعته من سمرة.

(22/286)


وقد روى الترمذي عن البخاري أن سماع الحسن من سمرة صحيح وقد ذكر عبد الرزاق قال أخبرنا معمر وابن عيينة عن ابن شهاب عن سالم عن ابن عمر قال كان الناس يتحجرون على عهد عمر في الأرض التي ليست لأحد فقال عمر: "من أحيا أرضا فهي له".
وأما قوله في حديث جابر: "وما أكلت العافية فهو له صدقة " فالعافية والعوافي سباع الوحش والطير والدواب.
وأما قوله في حديث عروة: "وإنها لنخل عم" فالعم التامة الكاملة.

(22/287)


الحديث الرابع و الأربعون
...
حديث رابع وأربعون لهشام بن عروة
مالك عن هاشم بن عروة عن أبيه: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي في مسجد ذي الحليفة ركعتين فإذا استوت به راحلته أهل".
لم يختلف الرواة عن مالك في إرسال هذا الحديث بهذا الإسناد وقد روي معناه مسندا من حديث ابن عمر وأنس من وجوه ثابتة.
أخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن قال حدثنا محمد بن يحيى بن عمر قال حدثنا علي بن حرب الطائي قال حدثنا سفيان بن عيينة عن إبراهيم ابن ميسرة ومحمد بن المنكدر سمعا أنس بن مالك يقول: "صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة أربعا وبذي الحليفة ركعتين".
وأخبرنا محمد بن إبراهيم قال حدثنا محمد بن معاوية قال حدثنا أحمد ابن شعيب قال أخبرنا عيسى بن إبراهيم عن ابن وهب قال أخبرني يونس عن

(22/287)


ابن شهاب أن سالم بن عبد الله أخبره أن عبد الله بن عمر قال: "رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يركب راحلته بذي الحليفة ثم يصلي حين تستوي به قائمة".
أخبرنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال أخبرنا ابن جريج عن محمد بن المنكدر عن أنس قال: "صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر بالمدينة أربعا وصلى العصر بذي الحليفة ركعتين ثم بات بذي الحليفة حتى أصبح فلما ركب راحلته واستوت به أهل".
قال وحدثنا أحمد بن حنبل قال حدثنا روح قال حدثنا أشعث عن الحسن عن أنس بن مالك "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الظهر ثم ركب راحلته فلما علا جبل البيداء أهل".
قال وحدثنا ابن بشار قال حدثنا وهب بن جرير قال حدثنا أبي قال سمعت محمد بن إسحاق يحدث عن أبي الزناد عن عائشة بنت سعد بن أبي وقاص قالت قال سعد: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أخذ طريق الفرع أهل إذا استقلت به راحلته وإذا أخذ طريق أحد أهل إذا أشرف على البيداء". في حديث مالك عن سعيد المقبري عن عبيد بن جريج عن ابن عمر قال لم أر رسول الله صلى الله عليه وسلم يهل حتى انبعثت به راحلته وقد ذكرنا هذا الخبر بتمامه وما فيه من المعاني في باب سعيد المقبري وذكرنا الاختلاف في موضع إهلاله صلى الله عليه وسلم وما جاء في ذلك في معنى الإهلال من جهة اللغة والشريعة ومهدنا كله في باب موسى بن عقبة وغير ما باب من هذا الكتاب والحمد لله.

(22/288)


الحديث الخامس و الأربعون
...
حديث خامس وأربعون لهشام بن عروة
مالك عن هشام بن عروة عن أبيه "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يعتمر إلا ثلاثا إحداهن في شوال واثنتين في ذي القعدة".
وهذا حديث مرسل أيضا عند جميع الرواة عن مالك وقد روي مسندا عن عائشة.
حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا عبد الأعلى بن حماد قال حدثنا داود بن عبد الرحمان عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتمر عمرتين عن عائشة يريد بن سنان الزهاوي ومسلم بن خالد الزنجي وليس هؤلاء ممن يذكر مع مالك في صحة النقل.
وحدثنا عمر بن حسين قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا أبي قال حدثنا جرير عن منصور عن مجاهد قال دخلت أنا وعروة بن الزبير المسجد وإذا ابن عمر جالس إلى حجرة عائشة فسألناه كم اعتمر النبي صلى الله عليه وسلم فقال أربعا إحداهن في رجب فكرهنا أن نرد عليه فقال عروة يا أم المؤمنين أما تسمعين ما يقول أبو عبد الرحمان قالت ما يقول قال يقول اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أربع عمر،

(22/289)


إحداهن في رجب قالت يرحم الله أبا عبد الرحمان ما اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرة إلا وهو شاهده وما اعتمر في رجب قط.
قال أبو عمر:
روي عن جماعة من السلف منهم ابن عباس وعائشة وإليه ذهب ابن عيينة والزهري وجماعة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتمر أربع عمر ثلاث مفترقات وواحدة مع حجته وهذا على مذهب من جعله قارنا أو متمتعا وأما من جعله مفردا في ججته فهو ينفي أن تكون عمره إلا ثلاثا.
وقد ذكرنا الآثار في القرآن والتمتع والإفراد في باب ابن شهاب من هذا الكتاب وأما ابن شهاب وهو أعلم الناس بالسير عندهم فكان يقول إن رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتمر ثلاثا كلهن في ذي القعدة.
حدثنا عمر بن حسين قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا إبراهيم بن المنذر الخزامي قال حدثنا محمد بن فليح عن موسى بن عقبة عن ابن شهاب قال اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث عمر اعتمر من الجحفة عام الحديبية فصده الذين كفروا في ذي القعدة سنة ست واعتمر من العام المقبل في ذي القعدة من سنة سبع آمنا هو وأصحابه ثم اعتمر الثالثة في ذي القعدة سنة ثمان حين أقبل من الطائف من الجعرانة.
حدثنا إبراهيم بن شاكر قال حدثنا محمد بن أحمد بن يحيى قال حدثنا محمد بن أيوب قال حدثنا أحمد بن عمرو البزار قال حدثنا محمد بن معمر قال حدثنا أشهل بن بكار قال حدثنا وهيب عن عبد الله بن عثمان بن خيثم عن سعيد بن جبير وطلق بن حبيب وأبي الزبير عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم

(22/290)


اعتمر ثلاث عمر كلها في ذي القعدة إحداهن زمن الحديبية والأخرى في صلح قريش والأخرى مرجع من الطائف زمن حنين من الجعرانة.
حدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا ابن وضاح قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا يزيد بن هارون عن زكرياء عن أبي إسحاق عن البراء قال اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث عمر.
حدثنا عبد الوارث قال حدثنا قاسم قال حدثنا بكر بن حماد قال حدثنا مسدد قال حدثنا الحجاج عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم اعتمر ثلاث عمر في ذي القعدة كل ذلك يلبي حتى يستلم الحجر.
قال أبو عمر:
قد ذكرنا في باب عبد الرحمان بن حرملة من هذا الكتاب ما للعلماء من المذاهب في العمرة ووجوبها وهل يعتمر في السنة أكثر من مرة فلا معنى لذكر شيء من ذلك ههنا وسيأتي زيادة في باب عمرة رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذكر بلاغات مالك إن شاء الله وفي اعتمار رسول الله صلى الله عليه وسلم في شوال وذي القعدة أوضح الدلائل على رد قول من كره العمرة في اشهر الحج على أني لا أعرف أحدا كره ذلك إلا من لا يعد خلافا فيه لشذوذه في ذلك وقد شبه عليه بقول عمر رضي الله عنه افصلوا بين حجكم وعمرتكم فإن ذلك أتم لحج أحدكم وأتم لعمرته أن يعتمر في غير أشهر الحج وهذا إنما أراد به عمر ندب

(22/291)


الناس إلى افراد الحج وكراهية التمتع فإذا أفرد الإنسان الحج وأتم عليه خرج من شهوره وجازت له العمرة عند عمر وغيره وقد بينا هذا المعنى في باب عبد الرحمان بن حرملة ولم يختلف العلماء في جواز العمرة في شهور الحج في شوال وذي القعدة وذي الحجة لمن تمتع وإن لم يتمتع وفي إجماعهم على ما وصفنا دليل على ان معنى قول عمر عندهم ما ذكرنا أو على أنهم تركوه ونبذوه ولم يلتفتوا إليه لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت عمره في شهور الحج وقد صح عن عمر أنه أذن لعمر بن أبي سلمة أن يعتمر في شوال فصار ما وصفنا إجماعا صحيحا والحمد لله.
وقال أهل العلم إن عمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في شوال وذي القعدة إنما كانت ليقطع بذلك ما كان عليه المشركون من إنكار العمرة في شهور الحج ولهذا ما فسخ أصحابه حجتهم بأمره في عمرة ولهذا ما أعمرت عائشة من التنعيم في ذي الحجة كل ذلك دفع لما كان المشركون عليه من كراهيتهم العمرة في أشهر الحج ألا ترى إلى ما روى من قولهم إذا دخل صفر حلت العمرة لمن اعتمر وقد ذكرنا هذا الخبر بتمامه في باب ابن شهاب والحمد لله.

(22/292)


الحديث السادس و الأربعون
...
حديث سادس وأربعون لهشام بن عروة مالك
عن هشام بن عروة عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن الحمى من فيح جهنم فأبردوها بالماء" .
هذا الحديث غير حديث هشام عن فاطمة عن أسماء المتقدم ذكره في هذا الخبر ولفظهما مختلف وإن كان المعنى متقاربا وهكذا هذا الحديث في

(22/292)


الموطأ مرسلا إلا عند معن بن عيسى فإنه رواه مسندا في الموطأ عن مالك عن هشام عن أبيه عن عائشة وزعم الجوهري أنه لم يسنده في الموطأ غير معن وقد اسنده عن مالك عبد الله بن وهب في غير الموطأ وقد رواه جماعة من أصحاب هشام عن هشام عن أبيه عن عائشة مسندا كما رواه ابن وهب عن مالك فأما رواية ابن وهب فحدثنا عبد الرحمان بن يحيى حدثنا علي بن محمد حدثنا أحمد بن داود حدثنا سحنون.
وحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا ابن وضاح قال حدثنا سحنون وأبو الطاهر قالا حدثنا ابن وهب عن مالك عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "الحمى من فيح جهنم فأطفئوها بالماء" .
قال ابن وهب وسمعت مالكا يحدث عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله هكذا عطفه ابن وهب على حديث مالك عن نافع عن ابن عمر ولفظ حديث ابن عمر "فأطفئوها" ولفظ حديث هشام "فأبردوها" وهذا يدلك على ما قدمنا ذكره في هذا الكتاب أن جماعة من العلماء يجيزون الحديث بالمعاني وبالله التوفيق.
ومن رواية من أسنده عن هشام ما حدثناه أحمد بن قاسم بن عيسى المقري قال حدثنا عبيد الله بن محمد بن حبابة قال حدثنا البغوي قال حدثنا علي بن الجعد قال حدثنا زهير بن معاوية وحدثنا أحمد بن قاسم بن عبد الرحمان البزار قال حدثنا محمد بن معاوية قال حدثنا محمد بن يحيى المروزي قال حدثنا عاصم بن علي قال حدثنا أبو خيثمة يعني زهير بن معاوية قال حدثنا هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الحمى من فيح جهنم فأبردوها بالماء" .

(22/293)


وحدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا ابن وضاح قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا عبد الله بن نمير عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن الحمى من فيح جهنم فأبردوها بالماء" .
وحدثنا عبد الله بن محمد بن يوسف قال حدثنا أحمد بن محمد بن إسماعيل قال حدثنا أحمد بن الحسن الصباحي قال حدثنا يعقوب بن إبراهيم الدورقي قال حدثنا محمد بن عبد الرحمان الطفاوي قال حدثنا هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن الحمى من فيح جهنم فأبردوها بالماء" وقد تقدم القول في معنى هذا الحديث في حديث هشام بن عروة عن فاطمة بنت المنذر عن أسماء بنت أبي بكر من هذا الكتاب والحمد لله كثيرا.

(22/294)


الحديث السابع و الأربعون
...
حديث سابع وأربعون لهشام بن عروة
مالك عن هشام بن عروة عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "تحروا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان" .
لم يختلف عن مالك فيما علمت في إرسال هذا الحديث وقد رواه أنس بن عياض أبو ضمرة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة وهذا المعنى يتصل أيضا من حديث نافع وعبد الله بن دينار عن ابن عمر.

(22/294)


ومن حديث الزهري عن سالم عن ابن عمر أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال إني رأيت ليلة القدر ليلة كذا وكذا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أرى رؤياكم قد تواطأت فالتمسوها في العشر الأواخر في الوتر منها" . وعروة قد أدرك ابن عمر.
وقد روي هذا المعنى أيضا من حديث الفلتان الجرمي وأبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم رواه الجريري عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا أيها الناس إني أبينت لي ليلة القدر فخرجت أحدثكم بها فجاء رجلان يختصمان ومعهما الشيطان فنسيتها فالتمسوها في العشر الأواخر من رمضان التمسوها في التاسعة والتمسوها في السابعة والتمسوها في الخامسة" .
حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا بكر ابن حماد قال حدثنا مسدد قال حدثنا يزيد بن زريع عن الجريري عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم بمعناه مختصرا.
وحدثنا عبد الوارث وسعيد بن نصر قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا ابن وضاح قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا حسين بن علي عن زائدة عن عاصم بن كليب عن أبيه عن الفلتان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من كان منكم ملتمسا ليلة القدر فليلتمسها في العشر الأواخر" .
قال أبو عمر:
الفلتان هذا هو الفلتان بن عاصم الجرمي خال كليب الجرمي وهو راويته وقد مضى القول في معنى هذا الحديث مبسوطا ممهدا في باب حميد الطويل والحمد لله.

(22/295)


حدثنا خلف بن القاسم قال حدثنا عبد الله بن عمر بن إسحاق الجوهري قال حدثنا محمد بن جعفر بن أعين قال حدثنا علي بن الجعد قال حدثنا المسعودي عن محارب بن دثار عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "التمسوا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان" قال فقال رجل لمحارب بن دثار إن هذا الحديث ثبت قال وما يمنعه أن يكون ثبتا وهو عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم.
أخبرنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن يحيى بن عمر قال حدثنا علي بن حرب قال حدثنا سفيان بن عيينة عن أبي يعفور عن مسلم عن مسروق قال سمعت عائشة تقول: "كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخلت العشر الأواخر من رمضان شد المئزر وأحيا الليل وأيقظ أهله ".

(22/296)


الحديث الثامن و الأربعون
...
حديث ثامن وأربعون لهشام بن عروة
مالك عن هشام بن عروة عن أبيه قال كان بالمدينة رجلان أحدهما يلحد والآخر لا يلحد فقال أيهما جاء أول عمل عمله فجاء الذي يلحد فلحد لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
لم يختلف عن مالك في إرسال هذا الحديث وقد رواه حماد بن سلمة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة.

(22/296)


أخبرني أحمد بن عبد الله حدثنا أبي حدثنا أحمد بن خالد حدثنا علي بن عبد العزيز حدثنا حجاج بن منهال حدثنا حماد بن سلمة عن هشام ابن عروة عن أبيه عن عائشة قالت لما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا أين ندفنه قال أبو بكر في المكان الذي مات فيه قالت وكان في المدينة قباران أحدهما يلحد والآخر يشق ويضرح فبعثوا إليهما وقالوا اللهم خر لرسولك فجاء الذي يلحد فلحد لرسول الله صلى الله عليه وسلم يقال إن الذي يلحد أبو طلحة والذي كان يشق أبو عبيدة فالله أعلم.
وفي هذا الحديث من المعاني أن اللحد إن شاء الله أفضل من الشق لأنه الذي اختاره الله لنبيه صلى الله عليه وسلم وفيه على أن الشق واللحد مباح ذلك كله ومما يدل على فضل اللحد قوله صلى الله عليه وسلم: "اللحد لنا والشق لغيرنا" .
حدثنا سعيد بن نصر وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا ابن وضاح قال حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير قال حدثنا حكام ابن سلم الرازي قال سمعت علي بن عبد الأعلى يذكر عن أبيه عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اللحد لنا والشق لغيرنا" .
وذكره أبو داود عن إسحاق بن إسماعيل عن حكام بن سلم بإسناده مثله.
حدثنا عبد الوارث قال حدثنا قاسم قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا أبو نعيم قال حدثنا سفيان عن أبي اليقظان عن زاذان عن جرير عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "اللحد لنا والشق لغيرنا" .

(22/297)


وقد روي من حديث عائشة وابن عمر وسعد وجابر أن النبي صلى الله عليه وسلم ألحد له لحدا وأنه قال: "اللحد لنا والشق لغيرنا" .
وروى عثمان بن زفر قال سمعت جعفر بن محمد يحدث عن أبيه أنه قال الذي ألحد قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو طلحة الأنصاري والذي ألقى المنطقة تحته شقران مولاه قال جعفر وأخبرني ابن أبي رافع قال سمعت شقران يقول أنا والله طرحت القطيفة تحت رسول الله صلى الله عليه وسلم في القبر.

(22/298)


الحديث التاسع و الأربعون
...
حديث تاسع وأربعون لهشام بن عروة
مالك عن هشام بن عروة عن أبيه أنه قال سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقيل له يا رسول الله إن ناسا من أهل البادية يأتوننا بلحمان ولا ندري هل سموا الله عليها أم لا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "سموا الله عليها ثم كلوا" .
لم يختلف عن مالك فيما علمت في إرسال هذا الحديث وقد أسنده جماعة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة.
حدثنا عبد الله بن محمد بن أسد قال حدثنا سعيد بن السكن قال حدثنا محمد بن يوسف قال حدثنا البخاري قال حدثنا محمد بن عبيد الله قال حدثنا أسامة بن حفص المدني عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن قوما قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم إن قوما يأتوننا باللحم لا ندري أذكر اسم الله عليه أم لا؟ فقال: "سموا الله ثم كلوا" . قال وكانوا حديثي العهد بالكفر قال البخاري تابعه علي عن الدراوردي وتابعه أبو خالد والطفاوي.

(22/298)


قال أبو عمر:
روى هذا الحديث مرسلا كما رواه مالك جماعة منهم ابن عيينة ويحيى بن سعيد القطان ورواه مسندا جماعة منهم هؤلاء الذين ذكر البخاري وغيرهم.
حدثنا سعيد بن نصر وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا ابن وضاح قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا عبد الرحيم بن سليمان عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أم المؤمنين أن قوما قالوا يا رسول الله إن قوما ياتوننا بلحم لا ندري أذكر اسم الله عليه أم لا قال: "سموا أنتم عليه وكلوا" وكانوا حديث عهد بالكفر.
وحدثنا محمد بن إبراهيم وإبراهيم بن شاكر قالا حدثنا محمد بن أحمد ابن يحيى قال حدثنا محمد بن أيوب قال حدثنا أحمد بن عمرو البزار قال حدثنا حوثرة بن محمد قال حدثنا أبو أسامة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة فذكره.
في هذا الحديث من الفقه أن ما ذبحه المسلم ولم يعرف هل سمى الله عليه أم لا أنه لا بأس بأكله وهو محمول على أنه قد سمى والمؤمن لا يظن به إلا الخير وذبيحته وصيده أبدا محمول على السلامة حتى يصح فيه غير ذلك من تعمد ترك التسمية ونحوه وقد قيل في معنى هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أمرهم بأكلها في أول الإسلام قبل أن ينزل عليه {وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} وهذا قول ضعيف لا دليل على صحته ولا يعرف وجه ما قال قائله وفي الحديث نفسه ما يرده لأنه أمرهم فيه بتسمية الله على الأكل فدل على أن الآية قد كانت نزلت عليه ومما يدل

(22/299)


أيضا على بطلان ذلك القول أن هذا الحديث كان بالمدينة وأن أهل باديتها إليهم أشير بالذكر في ذلك الحديث ولا يختلف العلماء أنه قوله عز وجل: {وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} نزل في سورة الأنعام بمكة وأن الأنعام مكية فهذا يوضح لك أن الآية قد كانت نزلت عليه بخلاف ظن من ظن ذلك والله أعلم.
وقد أجمع العلماء على أن التسمية على الأكل إنما معناها التبرك لا مدخل فيه للذكاة بوجه من الوجوه لأن الميت لا تدركه ذكاة.
وقد استدل جماعة من أهل العلم على أن التسمية على الذبيحة ليست بواجبة بهذا الحديث وقالوا لو كانت التسمية واجبة فرضا على الذبيحة لما أمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بأكل لحم ذبحته الأعراب بالبادية إذ ممكن أن يسموا وممكن أن لا يسموا الله لجهلهم ولو كان الأصل ألا يؤكل من ذبائح المسلمين إلا ما صحت التسمية عليه لم يجز استباحة شيء من ذلك إلا بيقين من التسمية إذ الفرائض لا تؤدي إلا بيقين وإذ الشك والإمكان لا يستباح به المحرمات قالوا وأما قول الله عز وجل: {وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} فإنما خرج على تحريم الميتة وتحريم ما ذبح للنصب وأهل به لغير الله وفي ذلك نزلت الآية حين خاصم المشركون النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن غالب التمتام قال حدثنا أمية بن بسطام العيشي وأخبرنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا عثمان ابن أبي شيبة قال حدثنا عمران بن عيينة قال حدثنا عطاء بن السائب عن

(22/300)


سعيد بن جبير عن ابن عباس قال خاصمت اليهود النبي صلى الله عليه وسلم قالوا نأكل ما قتلنا ولا نأكل ما قتل الله فأنزل الله تعالى: {وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} هكذا في هذا الحديث خاصمته اليهود وإنما هو خاصمه المشركون لأن اليهود لا يأكلون الميتة.
أخبرنا عبد الله بن محمد بن اسد قال حدثنا حمزة بن محمد قال حدثنا أحمد بن شعيب قال أخبرنا عمرو بن علي قال حدثنا يحيى بن سعيد قال حدثنا سفيان قال حدثني هارون بن أبي وكيع عن ابيه عن ابن عباس في قوله: {وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} قال خاصمهم المشركون فقالوا ما ذبح الله لا تأكلوه وما ذبحتم أنتم أكلتموه.
قال أبو عمر:
المخاصمة التي ذكر ابن عباس هي التي قال الله تعالى: {وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ} يريد قولهم ما قتل الله لستم تأكلونه واختلف العلماء فيمن ترك التسمية على الذبيحة والصيد ناسيا أو عامدا فقال مالك والثوري وأبو حنيفة وأصحابه والحسن بن حي إن تركها عمدا لم تؤكل الذبيحة ولا الصيد فإن نسي التسمية عند الذبيحة وعند الإرسال على الصيد أكلت وهو قول إسحاق ورواية عن أحمد بن حنبل ومن حجة من ذهب إلى ذلك أن تارك التسمية عمدا متلاعب بإخراج النفس على غير شريطتها وقد أجمعوا أن من شرائط الذبيحة والصيد التسمية فمن استباح ذلك على غير شريطته عامدا دخل في الفسق الذي قال الله: {وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ}.

(22/301)


هذا معنى ما احتجوا به وقال الشافعي وأصحابه تؤكل الذبيحة والصيد في الوجهين جميعا تعمد ذلك أو نسيه وهو قول ابن عباس وأبي هريرة.
وروي عن ابن عباس وأبي وائل قالا إنما ذبحت بدينك.
واحتج من ذهب هذا المذهب بأن قال لما كان المجوسي لا ينتفع بتسميته إن سمى وتعمد ذلك وقصد إليه فكذلك لا يضر المسلم ترك التسمية لأنه إنما ذبح بدينه.
وقال أبو ثور وداود بن علي من ترك التسمية عامدا او ناسيا لم تؤكل ذبيحته ولا صيده.
قال أبو عمر:
ما أعلم أحدا من السلف روي عنه هذا المذهب إلا محمد بن سيرين والشعبي ونافعا مولى ابن عمر وأما جمهور العلماء فعلى قول مالك والثوري وأبي حنيفة وعلى قول الشافعي على هذين القولين الناس.
وقد روي عن الشعبي خلاف ما حكيناه عنه ذكر بقي قال حدثنا يحيى ابن عبد الحميد قال حدثنا خالد بن عبد الله عن عطاء بن السائب عامر في رجل ذبح ونسي أن يسمي قال يأكل وعن يحيى بن عبد الحميد الجماني عن ابن المبارك عن سعيد عن قتادة عن سعيد بن المسيب والحسن في رجل ذبح ونسي أن يسمي الله قالا يأكل.
وروى إسماعيل بن علية عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن سعيد بن المسيب والحسن قالا إذا نسي الرجل أن يسمي عن ذبح فليأكل وليذكر اسم الله في قلبه وهذا هو الصحيح عن الحسن وسعيد بن المسيب.
وروى أشعث بن سوار وعمرو بن عبيد عن الحسن قال من نسي التسمية إذا ذبح فليأكل من تركها متعمدا فلا يأكل وسفيان عن مغيرة عن إبراهيم مثله.

(22/302)


وروى ابن أبي غنية ومسعد عن الحكم بن عتبة عن عبد الرحمان بن أبي ليلى قال إذا ذبح ونسي أن يسمي فكل فإما ذبح بملته وإنا هي الملة ذكاة كل قوم ملتهم ألا ترى أن المجوسي لو ذبح فسمى الله لم يأكل.
وذكر وكيع عن سفيان عن سلمة بن كميل عن أبي مالك في الرجل يذبح وينسى أن يسمي قال لا بأس به قلت فأين قول الله: {وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ} قال إنما ذبحت بدينك وإنما هذا في ذبائح المشركين وعن ابن عباس من طرق شتى مثل ذلك.

(22/303)


الحديث الخمسون
...
حديث موفي خمسين لهشام بن عروة
مالك عن هشام بن عروة عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الصلاة بمنى ركعتين وأن أبا بكر صلاها بمنى ركعتين وأن عمر صلاها بمنى ركعتين وأن عثمان صلاها بمنى ركعتين شطر إمارته ثم أتمها بعد وهذا لم يختلف في إرساله في الموطأ وهو مسند صحيح من حديث ابن عمر وابن مسعود ومعاوية أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بمنى ركعتين فحديث ابن عمر رواه سالم ونافع وحديث ابن مسعود رواه أبو إسحاق السبيعي وإبراهيم النخعي عن عبد الرحمان بن يزيد عن ابن مسعود وحديث معاوية رواه ابن إسحاق عن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عن معاوية.

(22/303)


وفي حديث مالك هذا من الفقه قصر الصلاة في السفر وفيه أن الإمام المسافر لا يتم بمنى وهذا إذا لم ينو إقامة فإن نوى إقامة لزمه الإتمام وهذا عندنا إذا نوى إقامة أربع فما عدا.
وفيه أن عثمان أتم بعد تقصيره وعلمه بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر قصروا في مثل ما أتم هو فيه فدل ذلك على إباحة القصر والتمام عنده وقد تأول قوم على عثمان في إتمامه ذلك تأويلات منها أنه نوى الإقامة واتخذ دارا بمكة وأهلا وهذا لا يعرف بل المعروف بأنه لم يكن له فيها أهل ولا مال وقيل كان قد اتخذ أهلا بالطائف وقيل لأنه كان أمير المؤمنين فكانت أعماله كأنها داره وهذا عله لا يصح في نظر ولا يثبت في خبر وقد كان المقام بمكة بعد تمام الحج عند عثمان مكروها على ذلك جماعة من أهل العلم لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقم فيما بعد تمام حجته ولا أبو بكر ولا عمر ولهذا قال من قال من السلف ا لجوار بمكة بدعة.
وقد ذكر مالك في الموطأ أنه بلغه أن عثمان بن عفان كان إذا اعتمر ربما لم يحطط عن راحلته حتى يرجع وهذا يدلك على أنه لم يتخذ بمكة أهلا قط والله أعلم ومنها أنه إنما فعل ذلك من أجل أعرابي صلى معه فقصر العام كله في أهله ثم أخبره من قابل بما صنع فعز على عثمان فعله ذلك فأتم وهذا أيضا ضعيف من التأويل ومنها أنه أخذ بالإباحة في ذلك وهذا أصح ما فيه والله أعلم.
وقد مضى القول في قصر الصلاة في السفر وفي أحكامها واختلاف العلماء فيها بمنى وغيرها ممهدا مبسوطا بعلل كل فرقة ووجوه قولها في باب ابن شهاب عن رجل من آل خالد بن اسيد من هذا الكتاب وفي باب صالح بن كيسان أيضا فلا معنى لتكرير ذلك ههنا.

(22/304)


حدثنا عبد الرحمان بن مروان قال حدثنا الحسن بن يحيى بالقلزم قال حدثنا عبد الله بن الجارود قال حدثنا عبد الله بن هاشم قال حدثنا يحيى بن سعيد عن عبيد الله قال أخبرني نافع عن ابن عمر قال صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم ركعتين ومع أبي بكر ركعتين ومع عمر ركعتين ومع عثمان ركعتين صدرا من إمارته ثم أتمها عثمان.
وأخبرنا عبد الله بن محمد حدثنا سعيد بن عثمان بن السكن قال حدثنا محمد بن يوسف قال حدثنا البخاري قال حدثنا مسدد قال حدثنا يحيى حدثنا عبيد الله أخبرني نافع عن ابن عمر قال صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم بمنى ركعتين ومع أبي بكر وعمر ومع عثمان صدرا من إمارته ثم أتمها.
قال البخاري: وقد روى حفص بن عاصم عن ابن عمر صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان لا يزيد في السفر على ركعتين وأبا بكر وعمر وعثمان كذلك.
قال أبو عمر:
حديث حفص بن عاصم هذا عن ابن عمر حدثناه عبد الرحمان بن يحيى قال حدثنا عمر بن محمد الجمحي بمكة قال حدثنا علي بن عبد العزيز قال حدثنا القعنبي قال حدثنا عيسى بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب عن أبيه قال صحبت ابن عمر بطريق مكة فصلى بها الظهر ركعتين ثم أقبل وأقبلنا معه حتى جاء رحله فجلس وجلسنا معه فحانت منه التفاته نحو الموضع حيث صلى فرأى ناسا قياما فقال ما يصنع هؤلاء؟

(22/305)


فقلت يتمون فقال يا ابن أخي صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم في السفر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله ثم صحبت أبا بكر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله وصحبت عمر بن الخطاب فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله ثم صحبت عثمان فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله وقد قال الله عز وجل: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} .
في هذا الحديث أن عثمان لم يتم في سفره حتى مات وهذا يعارض رواية من روى أنه أتم شطر إمارته وتلك الرواية أولى من جهة الأثر ومن جهة النظر لأنها زيادة.
وفيه دليل على أن القصر سنة مسنونة ولو كان فرضا ما تركهم ابن عمر والإتمام ولغير ذلك عليهم وأمرهم بالإعادة لإفسادهم صلاتهم ولو كان كذلك ما وسعه السكوت عليه ولكن لما عرف أن القصر أفضل وأن الأخذ بالسنة أولى ندبهم إلى التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم لما في ذلك من الفضل وسواء كان القصر رخصة او لم يكن هو أفضل لأنه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وروينا عن ابن مسعود نحو هذا المعنى الذي جاء عن ابن عمر فيما ذكرنا.
حدثنا قاسم بن محمد قال حدثنا خالد بن سعد قال حدثنا محمد بن فطيس قال حدثنا إبراهيم بن مرزوق قال حدثنا بشر بن عمر قال شعبة قال أخبرني سليمان عن عمارة بن عمير وإبراهيم عن عبد الرحمان بن يزيد عن عبد الله قال صلينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومع أبي بكر ومع عمر ركعتين فليت حظنا من أربع ركعتين متقبلتين وهذا يدل على الإباحة أيضا والله أعلم.

(22/306)


حدثنا أحمد بن عبد الله بن محمد قال حدثنا الميمون بن حمزة قال حدثنا الطحاوي قال حدثنا المزني قال حدثنا الشافعي قال أخبرنا إسماعيل ابن إبراهيم قال حدثنا علي بن زيد بن جذعان عن أبي نضرة قال مر عمران بن حصين فجلسنا فقام إليه فتى من القوم وسأله عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الغزو والحج والعمرة فجاء فوقف علينا فقال إن هذا سألني عن أمر فأردت أن تسمعوه أو كما قال غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يصل إلا ركعتين حتى رجع إلى المدينة وحججت معه فلم يصل إلا ركعتين حتى رجع إلى المدينة وشهدت معه الفتح فأقام بمكة ثمان عشرة ليلة لا يصلي إلا ركعتين ثم يقول لأهل البلد صلوا أربعا فإنا على سفر واعتمرت معه ثلاث عمر لايصلي إلا ركعتين وحججت مع أبي بكر الصديق وغزوت فلم يصل إلا ركعتين حتى رجع إلى المدينة وحججت مع عمر بن الخطاب حجات فلم يصل إلا ركعتين حتى رجع إلى المدينة وحج عثمان سبع سنين من إمارته لا يصلي إلا ركعتين ثم صلاها بمنى أربعا.
قال الطحاوي في هذا الحديث معنى لا يوجد في غيره وهو قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل البلد الذين صلى بهم فيه هذه الصلاة: "صلوا أربعا فإنا على سفر" وهي سنة يتفق أهل العلم عليها ولم نجدها في غير هذا الحديث وهذه السنة مما تفرد به أهل البصرة دون من سواهم.

(22/307)


الحديث الحادي و الخمسون
...
حديث حاد وخمسون لهشام بن عروة
مالك عن هشام بن عروة عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الاستطابة فقال: "أولا يجد أحدكم ثلاثة أحجار" .

(22/307)


هكذا روى هذا الحديث عن مالك جماعة الرواة مرسلا إلا ما ذكره سحنون في رواية بعض الشيوخ عنه عن ابن القاسم عن مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن أبي هريرة وقد روي عن ابن بكير أيضا في الموطأ هكذا عن مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن أبي هريرة وهذا غلط فاحش ولم يروه أحد كذلك لا من أصحاب هشام ولا من أصحاب مالك ولا رواه أحد عن عروة عن أبي هريرة وإنما رواه بعض أصحاب عروة عن عروة عن عائشة وهو مسلم بن قرط وأما هشام بن عروة فاختلف عليه فيه فطائفة ترويه عنه عن أبيه مرسلا كما رواه مالك وطائفة ترويه عنه عن عمرو بن خزيمة المدني عن عمارة بن خزيمة بن ثابت عن خزيمة بن ثابت وطائفة ترويه عنه عن أبي وجرة عن عمارة بن خزيمة عن أبيه خزيمة بن ثابت حدثنا عبد العزيز بن عبد الرحمان ومحمد بن إبراهيم قالا حدثنا أحمد ابن مطرف حدثنا سعيد بن عثمان حدثنا أحمد بن عبد الله بن حدثنا حسين بن علي الجعفي حدثنا زائدة عن هشام بن عروة عن عمرو بن صالح خزيمة المدني عن عمارة بن خزيمة بن ثابت الأنصاري عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ثلاثة أحجار ليس فيهن رجيع" يعني الاستطابة وفي إسناد هذا ا لحديث اضطراب كثير.
حدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا ابن وضاح قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا عبدة بن سليمان عن هشام بن عروة عن عمرو بن خزيمة عن عمارة بن خزيمة بن ثابت عن خزيمة بن ثابت قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "في الاستطابة ثلاثة أحجار ليس فيها رجيع" .

(22/308)


وكذلك رواه أبو معاوية وابن نمير وابو أسامة عن هشام بن عروة بمثل هذا الإسناد.
ورواه عبد الرزاق عن ابن عيينة عن هشام بن عروة عن أبي وجرة عن خزيمة بن ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله.
ورواه إبراهيم بن المنذر الخزامي عن ابن عيينة عن هشام بن عروة عن أبي وجرة عن عمارة بن خزيمة بن ثابت عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله.
ورواه الحميدي عن ابن عيينة عن هشام بن عروة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا مثل رواية مالك وكذلك رواه ابن جريج عن هشام عن أبيه مرسلا مثل رواية مالك.
ورواه معمر عن هشام بن عروة عن رجل من مزينة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الاستطابة ثلاثة أحجار عند الخلاء ليس منهن رجيع والرجيع الذي ينتن.
ورواه الفضل بن فضالة عن هشام بن عروة عن عمرو بن خزيمة عن عمارة بن خزيمة أخبرنا عبد الرحمان بن يحيى قال حدثنا أحمد بن سعيد قال حدثنا محمد بن زبان قال حدثنا زكرياء بن يحيى بن صالح قال حدثنا المفضل بن فضالة عن هشام بن عروة أن عمرو بن خزيمة المزني أخبره أن عمارة بن خزيمة الأنصاري أخبره عن أبيه خزيمة بن ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ثلاثة أحجار ليس فيها رجيع" يعني في الاستطابة وروى ابن المبارك عن هشام بن عروة الحديثين جميعا فدل على أنهما حديثان وبان به ذلك والحمد لله.
قرأت على عبد الوارث بن سفيان أن قاسم بن أصبغ حدثهم قال حدثنا محمد بن إسماعيل الترمذي قال حدثنا نعيم بن حماد قال حدثنا ابن المبارك،

(22/309)


قال أخبرنا هشام بن عروة يعني الحجر مرتين قال ابن المبارك وأخبرنا هشام بن عروة عن أبيه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أو لا يجد أحدكم ثلاثة أحجار؟" .
قال أبو عمر:
جود ابن المبارك هذا الحديث بالإسنادين وما زال مجودا رضي الله عنه وقد ذكر عبد الرزاق عن ابن عيينة الحديثين جميعا عن هشام عن أبيه مرسلا.
وعن هشام عن أبي وجرة عن خزيمة عن النبي صلى الله عليه وسلم.
قال أبو عمر:
قوله صلى الله عليه وسلم: "ليس فيها رجيع" يرد قول الطبري حيث قال كل طاهر وكل نجس أزال النجو أجزأ ويرده أيضا حديث ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم إذ رمى بالروثة وقال هي رجس أو ركس والذي عليه جمهور الفقهاء أنه لا يجوز الاستنجاء بغير الطاهر من الأحجار وما قام مقامها وقد مضى في باب ابن شهاب ما للعلماء في هذا الباب كله من التنازع واختلاف المذاهب والحمد لله.
وأما رواية مسلم بن قرط عن عروة في هذا الحديث فأخبرنا عبد الله بن محمد بن يحيى قال حدثنا محمد بن بكر بن داسة قال حدثنا ابو داود قال حدثنا سعيد بن منصور وقتيبة بن سعيد قالا حدثنا يعقوب بن عبد الرحمان عن أبي حازم عن مسلم بن قرط عن عروة عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فليذهب معه بثلاثة أحجار يستطيب بها فإنها تجزئ عنه" .

(22/310)


وحدثنا محمد بن إبراهيم قال حدثنا محمد بن معاوية قال حدثنا أحمد بن شعيب قال أخبرني قتيبة بن سعيد قال حدثنا يعقوب بن عبد الرحمان وعبد العزيز بن أبي حازم عن أبي حازم عن مسلم بن قرط عن عروة عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله.
قال أبو عمر:
روى في هذا الباب جماعة من الصحابة فيهم أبو أيوب وسليمان وأبو هريرة وأثبتها حديث أبي هريرة وسلمان وكلها حسان قال الأخفش الاستطابة الاستنجاء بالأحجار يقال منه استطاب الرجل وأطاب إذا استنجى ويقال رجل مطيب إذا فعل ذلك.
قال الشاعر وهو الأعشى:
يا رخما قاظ على مصلوب
...
يعجل كف الخاري المطيب.
وأما قوله: قاظ فإنه أراد قام عليه في القيظ في اليوم الصائف.
قال أبو عمر:
الاستطابة والاستنجاء والاستجمار معنى هذه الثلاثة الفاظ واحد وقد فسرنا معنى الاستجمار في اللغة والفقه وما للعلماء في الاستنجاء من المذاهب في اصول مسائله وفروعها مبسوطا ممهدا في باب ابن شهاب عن أبي إدريس الخولاني فلا وجه لتكرير ذلك ها هنا.
حدثنا خلف بن القاسم قال حدثنا أبو الفوارس أحمد بن محمد السندي قال حدثنا الربيع بن سليمان قال حدثنا بشر بن بكر قال حدثنا الأوزاعي قال حدثني عثمان بن أبي سودة قال حدثني أبو شعيب الحضرمي،

(22/311)


قال سمعت أبا أيوب الأنصاري الذي نزل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا تغوط أحدكم فليستنج بثلاثة أحجار فإن ذلك طهوره".
وحدثنا خلف بن القاسم قال حدثنا بكير بن الحسن الرازي قال حدثنا بكار بن قتيبة القاضي قال حدثنا صفوان بن عيسى قال حدثنا محمد بن عجلان عن القعقاع بن حكيم عن أبي صالح عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنما أنا لكم مثل الوالد أعلمكم فإذا أتى أحدكم الغائط فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها وإذا استطاب فلا يستطيب بيمينه وكان يأمر بثلاثة أحجار وينهى عن الروث والرمة" .
وقرأت على عبد الوارث بن سفيان أن قاسم بن أصبغ حدثهم قال حدثنا علي بن عبد العزيز قال حدثنا هدبة بن خالد قال حدثنا حماد بن الجعد حدثنا قتادة حدثني خالد بن السائب الجهني عن أبيه السائب أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا دخل أحدكم الخلاء فليتمسح بثلاثة أحجار" .
قال أبو عمر:
هذه الآثار كلها المرسل منها والمسند وهي صحاح كلها يوجب الاقتصار على ثلاثة أحجار في الاستنجاء دون تقصير عن هذا العدد وهذا موضع اختلف فيه العلماء فذهب مالك وأبو حنيفة وأصحابهما إلى أنه جائز الاستنجاء بأقل من ثلاثة أحجار إذا ذهب النجو هذا هو المشهور من مذهب مالك لقوله صلى الله عليه وسلم: "من استجمر فليوتر" والوتر قد يكون واحدا وثلاثة وخمسة وأكثر من ذلك.

(22/312)


وقال الشافعي وأحمد بن حنبل وجماعة لا يجوز أن يقتصر على أقل من ثلاثة أحجار في الاستنجاء وذكر أبو الفرج أنه مذهب مالك واحتج له بحديث أبي هريرة المذكور في هذا الباب وحديث سلمان.
حدثنا محمد بن إبراهيم قال حدثنا محمد بن معاوية قال حدثنا أحمد ابن شعيب قال حدثنا إسحاق بن إبراهيم قال أخبرنا أبو معاوية عن الأعمش عن إبراهيم عن عبدالرحمن بن بزيد عن سلمان قال له رجل إن صاحبكم ليعلمكم حتى الخراءة قال أجل نهانا أن نستقبل القبلة بغائط أو بول أو نستنجي بأيماننا أو نكتفي بأقل ثلاثة أحجار.
قال أبو عمر:
تحصيل مذهب مالك عند أصحابه أن الاستنجاء بثلاثة أحجار حسن والوتر فيها حسن لما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من أوتر يعني في ذلك فقد أحسن ومن لا فلا حرج" . وجائز عندهم الاقتصار على أقل من ثلاثة احجار لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتي بحجرين وروثه فأخذ الحجرين ورمى الروثة ولم يدع بالبدل منها.
ومذهب أبي حنيفة في الاستنجاء نحو مذهب مالك سواء قال أصحابه يستنجي بثلاثة أحجار فإن لم ينق زاد حتى ينقي وأن أنقى حجر واحد اجزى وكذلك غسله بالماء إن أنقى بغسلة واحدة أجزأه في المخرج وما عدا المخرج فإنما يغسل بالماء وهو قول مالك والشافعي وأصحابهما فيما عدا المخرج من النجو أنه لا يطهره إلا الماء.
وقد ذكرنا أحكام الاستنجاء وكثيرا من مسائله مستوعبة مجودة في باب ابن شهاب عن أبي إدريس من هذا الكتاب والحمد لله.

(22/313)


الحديث الثاني و الخمسون
...
حديث ثان وخمسون لهشام بن عروة
مالك عن هشام بن عروة عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لبس خميصة لها علم ثم أعطاها أبا جهم وأخذ من أبي جهم أنبجانية له فقال يا رسول الله ولم فقال: "إني نظرت إلى علمها في الصلاة".
وهذا أيضا مرسل عند جميع الرواة عن مالك إلا معن بن عيسى فإنه رواه عن مالك عن هشام عن أبيه عن عائشة مسندا وكذلك يرويه جماعة أصحاب هشام عن هشام مسندا عن أبيه عن عائشة وقد يستند من رواية مالك عن علقمة بن أبي علقمة عن أمه عن عائشة وقد ذكرناه في باب علقمة من هذا الكتاب وقد رواه الزهري عن عروة عن عائشة.
فأما حديث هشام فحدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن وضاح قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا وكيع عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كانت له خميصة لها علم فكان يتشاغل بها في الصلاة فأعطاها أبا جهم وأخذ كساءله انبجانيا.
وأما حديث الزهري فحدثنا عبد الرحمان بن يحيى قال حدثنا أحمد بن سعيد قال حدثنا محمد بن إبراهيم الديبلي قال حدثنا عبد الحميد بن صبيح وأخبرنا محمد بن إبراهيم قال حدثنا أحمد بن مطرف قال حدثنا سعيد بن عثمان قال حدثنا إسحاق بن إسماعيل الأيلي قالا حدثنا سفيان بن عيينة عن الزهري عن عروة عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في خميصة لها علم فلما قضى صلاته قال: "شغلتني أعلام هذه اذهبوا بها إلى أبي جهم وأتوني

(22/314)


بانبجانية" والخميصة كساء رقيق يصبغ بالحمرة أو بالسواد أو الصفرة وكانت الخمائص من لباس أشراف الناس والانبجاني كساء غليظ كاللبد ومنهم من يقول لا تكون الخميصة إلا معلمة ومنهم من يقول تكون بعلم وبغير علم وقد مضى القول في معنى هذا الحديث في باب علقمة من هذا الكتاب والحمد لله.

(22/315)


الحديث الثالث و الخمسون
...
حديث ثالث وخمسون لهشام بن عروة
مالك عن هشام بن عروة عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج في مرضه فأتى فوجد أبا بكر وهو قائم يصلي بالناس فاستأخر أبو بكر فأشار إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن كما أنت فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جنب أبي بكر فكان أبو بكر يصلي بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان الناس يصلون بصلاة أبي بكر.
لم يختلف عن مالك فيما علمت في إرسال هذا الحديث وقد اسنده جماعة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة منهم حماد بن سلمة وابن نمير وأبو أسامة وفي هذا الحديث نسخ لقوله صلى الله عليه وسلم في الإمام: "إذا صلى جالسا فصلوا جلوسا" لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الصلاة صلى جالسا وأبو بكر إلى جنبه قائما يصلي بصلاته ويقتدى به والناس يصلون ويقتدون بأبي بكر قياما ومعلوم أن صلاته هذه في مرضه الذي توفي منه وأن قوله: "إذا صلى الإمام جالسا فصلوا جلوسا" كان في حين سقط من فرسه فجحش شقه

(22/315)


قبل هذا الوقت والآخر من فعله ينسخ الأول لأنه كان جالسا في هذه الصلاة وأبو بكر قائم خلفه والنسا فلم يأمر أبا بكر بالجلوس ولا أحد وهذا بين غير مشكل والحمد لله ومع هذا فإن النظر يعضد هذا الحديث لأن القيام فرض في الصلاة بإجماع المسلمين على كل من قدر على القيام وأظن ذلك أيضا لقول الله عز وجل: {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} .
وإذا كان القيام فرضا في الصلاة على كل أحد في خاصته فمحال أن يسقط عنه فرض قد وجب عليه لضعف غيره عنه وهو قوي عليه إلا أن يسقط بكتاب أو سنة أو إجماع وذلك معدوم في هذه المسألة ألا ترى أنه لا يحمل عنه ركوعا ولا سجودا فإن احتج محتج بأن الآثار متواترة عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال في الإمام: "إذا صلى جالسا فصلوا جلوسا" رواها أنس وعائشة وأبو هريرة وجابر وابن عمر قيل له لسنا ندفع ثبوت تلك الآثار ولكنا نقول إن الآخر من فعله صلى الله عليه وسلم ينسخ ذلك فإن قيل له إنه قد اختلف عن عائشة في صلاته تلك فروي عنها أن أبا بكر كان المقدم قيل له ليس هذا باختلاف لأنه قد يجوز أن يكون أبو بكر هو المقدم في وقت ورسول الله صلى الله عليه وسلم المقدم في وقت آخر.
وقد روى الثقات الحفاظ أن أبا بكر كان خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بصلاته والناس قيام يصلون بصلاة أبي بكر فهذه زيادة حافظ وصف الحال وأتى بالحديث على وجهه.
حدثنا سعيد بن نصر وعبد الوارث بن سفيان قالا قاسم بن أصبغ قال حدثنا ابن وضاح قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا عبد الله بن نمير عن هشام بن عروة عن عروة عن عائشة قالت أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر أن يصلي بالناس في مرضه وكان يصلي بهم.

(22/316)


قال عروة فوجد رسول الله صلى الله عليه وسلم من نفسه خفة فخرج وإذا أبو بكر يؤم الناس فلما رآه أبو بكر استأخر فأشار إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن كما أنت فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم حذاء أبي بكر إلى جنبه فكان أبو بكر يصلي بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس يصلون بصلاة أبي بكر.
وحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن وضاح قال حدثنا يوسف بن عدي قال حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة قالت لما ثقل رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء بلال يؤذنه بالصلاة فقال: "مروا أبا بكر فليصل بالناس قالت فلما دخل أبو بكر في الصلاة وجد رسول الله صلى الله عليه وسلم خفة فقام يهادي بين رجلين ورجلاه تخطان في الأرض حتى أتى المسجد قالت فلما دخل المسجد وجد أبو بكر حسه فذهب يتأخر فأومأ إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن قم كما أنت فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جلس عن يسار أبي بكر فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بالناس جالسا وأبو بكر قائما يقتدي بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس يقتدون بصلاة أبي بكر".
فإن قيل إن شعبة روى عن الأعمش عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى خلف أبي بكر قيل له ليس هذا بخلاف لأنه يمكن أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى خلف أبي بكر في غير تلك الصلاة في مرضه ذلك وليس بين المسلمين تنازع في جواز صلاة الجالس المريض خلف الإمام القائم الصحيح لأن كلا يؤدي فرضه على قدر طاقته وإنما التنازع بينهم في الصحيح القادر على القيام هل يجوز له أن يصلي جالسا خلف إمام مريض جالس في صلاته أم لا فقال قوم ذلك جائز

(22/317)


لقوله صلى الله عليه وسلم: "فإذا صلى جالسا فصلوا جلوسا" وممن ذهب إلى هذا أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه قالا جائز أن يصلي الإمام بالناس جالسا من علة ويصلون رواءه قعودا وهم قادرون على القيام واحتجوا بقوله صلى الله عليه وسلم: "إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا ركع فاركعوا وإذا رفع فارفعوا وإذا صلى جالسا فصلوا جلوسا" قال أحمد بن حنبل وفعله أربعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم جابر وأبو هريرة وأسيد بن حضير وقيس بن فهد.
قال أبو بكر الأثرم قيل لأحمد فمن احتج بحديث عائشة آخر صلاة صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس وأبو بكر قائم يأتم به والناس قائمون يأتمون بأبي بكر فقال قد كان الشافعي يحتج بهذا وليس في هذا حجة لأن أبا بكر ابتدأ الصلاة قائما بقيام.
قال أبو عمر:
فهذا قول وقال آخرون منهم ا لشافعي وأبو ثور وأبو حنيفة وأبو يوسف وزفر والأوزاعي جائز أن يقتدي القائم بالقاعد في صلاة الفريضة وغيرها وهو قول داود وقالوا لا يجوز لأحد أن يصلي جالسا وهو قادر على القيام إماما كان أو ماموما قالوا وجائز أن يصلي الإمام لعلة تمنعه من القيام وهو جالس بقوم قيام لأن كلا يؤدي فرضه على قدر طاقته.

(22/318)


وحجة قائلي هذه المقالة أن أبا بكر كان واقفا خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس يقتدي به والناس قيام يصلون بصلاة أبي بكر في صلاة واحدة.
وروى الوليد بن مسلم عن مالك أنه أجاز للإمام المريض أن يصلي بالناس جالسا وهم قيام قال وأحب إلي أن يكون إلى جنبه من يعلم بصلاته ونحو هذا مذهب الشافعي.
وروى جماعة أصحاب مالك عن مالك وهو المشهور من مذهبه أن ليس لأحد أن يؤم جالسا وهو مريض بقوم أصحاء ومن قعل ذلك فصلاته فاسدة وعليهم الاعادة منهم من قال في الوقت ومنهم من قال أبدا وبعضهم قال لا يعيد الإمام المريض وبعضهم قال يعيد كما ذكرنا كل ذلك قاله أصحاب مالك وقد ذكرنا الحجة لمالك ومن قال بقوله في هذه المسألة مستوعبة في باب ابن شهاب عن أنس من هذا الكتاب والحمد لله.
وقال أبو حنيفة وأكثر أصحابه في مريض صلى قاعدا يركع ويسجد فائتم به قوم فصلوا خلفه قياما قال يجزيه ويجزيهم قالوا وإن كان الإمام يومئ إيماء أو كان مضطجعا والقوم يصلون خلفه قياما لم يجزهم ويجزيه هو.
وقال محمد بن الحسن ومالك والحسن بن حي والثوري في قائم اقتدى بجالس أو جماعة صلوا قياما خلف إمام جالس مريض أنه يجزيه ولا يجزيهم.

(22/319)


وذكر ابن خواز بنداد عن مالك قال لا يؤم قاعد قياما فإن فعلوا أعادوا في الوقت وقال عبد الملك بن عبد العزيز ومطرف يعيدون أبدا.
وقال سحنون اختلف في ذلك قول مالك واتفق أبو حنيفة وابو يوسف ومحمد أنه لا يقتدي من يركع ويسجد قائما أو قاعدا بالمومئ وقال زفر يقتدي به إذا زال العذر في الصلاة واتفق الشافعي وأبو حنيفة وابو يوسف وزفر والأوزاعي وأبو ثور على جواز اقتداء القائم الصحيح بالقاعد المريض.
وقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد لا يقتدي القائم بالمضطجع ولا يالمومئ قال أبو حنيفة وأبو يوسف وإنما يقتدي بالقاعد.
وقال محمد بن الحسن ولا بالقاعد وهو قول مالك في غير رواية الوليد بن مسلم واحتج محمد بن الحسن لمذهبه في هذا الباب بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا يؤمن أحد بعدي جالسا" وهذا حديث مرسل ضعيف لا يرى أحد من أهل العلم كتابه ولا روايته وهو حديث انفرد به جابر الجعفي فرواه عن الشعبي عن النبي عليه السلام وجابر قد تكلم فيه ابن عيينة ومراسل الشعبي ليست عندهم بشيء فإن قيل قد روى شعبة عن موسى بن أبي عائشة عن عبيد الله بن عبد الله عن عائشة أن أبا بكر صلى بالناس ورسول الله صلى الله عليه وسلم خلفه فالجواب في ذلك كالجواب في حديث شعبة عن الأعمش وقد مضى في هذا الباب.
وقد حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن عبد السلام قال حدثنا محمد بن بشار قال حدثنا أبو داود قال حدثنا شعبة عن سليمان الأعمش عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة قالت من الناس من يقول كان أبو بكر المقدم بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصف ومنهم من يقول كان النبي صلى الله عليه وسلم المقدم بين يدي أبي بكر.

(22/320)


قال أبو عمر:
فأكثر أحوال حديث عائشة هذا عند المخالف أن يجعل متعارضا فلا يوجب حكما وإذا كان ذلك كذلك كانت رواية ابن عباس تقضي على ذلك فكيف ورواية من روى أن أبا بكر كان يصلي بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس يصلون بصلاة أبي بكر فيها بيان وزيادة يجب قبولها وهي مفسرة ورواية من روى أن أبا بكر كان المقدم مجملة محتملة للتاويل لأنه جائز أن تكون صلاة أخرى ولو صح أنها كانت صلاة واحدة كان في رواية من روى عن عائشة وغيرها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان المقدم زيادة بيان لأنه قد أثبت ما قال غيره من تقدم ابي بكر وزاد تأخره وتقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن روى أن أبا بكر كان المقدم لم يحفظ قصة تأخره وتقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقدير ذلك أن تكون جماعتهم رأوا أبا بكر في حال دخوله في الصلاة فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وانتهى إلى الصف الأول والصفوف كثيرة علم من قرب تغير حال أبي بكر وانتقال الإمامة إلى النبي صلى الله عليه وسلم ولم يعلم ذلك من بعد فلهذا قلنا إن من نقل انتقال الإمامة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم علم ما خفي على من قال إن الإمام كان أبا بكر وقد يحتمل وجها آخر وذلك أن يكون أراد القائل أن أبا بكر كان الإمام يعني كان إماما في أول الصلاة وزاد القائل بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان إماما يعني أنه كان إماما في آخر تلك الصلاة هذا لو صح أنها كانت صلاة واحدة ولو جاز أن يكون رواية عائشة متعارضة لكانت رواية ابن عباس التي لم يختلف فيها قاضية في هذا الباب على حديث عائشة المختلف فيه وذلك أن ابن عباس قال إن أبا بكر كان يصلي بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقتدي به والناس يصلون بصلاة أبي بكر كما قال هشام بن عروة عن أبيه في حديث عائشة فبان برواية ابن عباس أن الصحيح في حديث عائشة الوجه الموافق لقوله وبالله التوفيق لأنه يعضده ويشهد له.

(22/321)


وأما حديث ربيعة بن أبي عبد الرحمان فمنقطع لا حجة فيه وقد تكلمنا على معناه في تقديم أبي بكر وقول ربيعة فيه ما مات نبي حتى يؤمه رجل من أمته فليس فيه ما يدل على أن أبا بكر المقدم لأنه قد صلى صلى الله عليه وسلم خلف عبد الرحمان بن عوف في السفر وقول ربيعة لا يتصل ولا يحتج به أحد له أدنى فهم بالحديث اليوم وكذلك ليس في قول من قال لعله نسخ لأنه لم يفعله أبو بكر ولا من بعده ما يشتغل به.
أخرنا عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن قال حدثنا عبد الحميد بن أحمد الوراق قال حدثنا الخضر بن داود قال حدثنا أبو بكر الأثرم قال حدثنا عبد الله بن رجاء قال أخبرنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن أرقم بن شرحبيل قال سافرت مع ابن عباس من المدينة إلى الشام فسألته أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أوصى فقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما مرض مرضه الذي مات فيه فذكر حديثا طويلا وفيه قال ليصل للناس أبو بكر فتقدم أبو بكر فصلى بالناس ورأى رسول الله صلى الله عليه وسلم من نفسه خفة فخرج يهادي بين رجلين فلما أحس به الناس سبحوا فذهب أبو بكر يتأخر فأشار إليه بيده مكانك فاستفتح رسول الله صلى الله عليه وسلم من حيث انتهى أبو بكر من القراءة وأبو بكر قائم ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس فائتم أبو بكر برسول الله صلى الله عليه وسلم وائتم الناس بأبي بكر فهذا حديث صحيح عن ابن عباس يعضد ما رواه عروة وغيره عن عائشة ولو انفرد لكان فيه كفاية وغنى عن غيره والحمد لله.
وأرقم بن شرحبيل هذا هو أخو هذيل بن شرحبيل وأخو عمرو بن شرحبيل أبي ميسرة ثقة جليل ذكر العقيلي عن محمد بن إسماعيل الصائغ عن

(22/322)


الحسن بن علي الحلواني عن أبي أسامة عن إسرائيل عن أبي إسحاق قال كان أرقم بن شرحبيل أخو أبي ميسرة من اشراف الناس وخيارهم.
قال العقيلي وحدثنا محمد بن إسماعيل قال أخبرنا الفضل بن زياد الواسطي قال حدثنا يحيى بن زكرياء بن أبي زائدة عن أبيه عن أبي إسحاق عن الأرقم بن شرحبيل عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم انتهى إلى أبي بكر وهو يؤم الناس فجلس إلى جنب أبي بكر عن يمينه وأخذ من الآية التي انتهى إليها أبو بكر فجعل أبو بكر يأتم بالنبي صلى الله عليه وسلم والناس يأتمون بأبي بكر.
قال أبو عمر:
قد قال أبو إسحاق المروزي من جعل أبا بكر المقدم وأنكر تقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم في تلك الصلاة زعم أن تقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم خلاف سنته صلى الله عليه وسلم وأن قيام أبي بكر إلى جنبه كذلك أيضا ليس معروفا من سنته ولا معنى له قال أبو إسحاق وهذا خطأ من قائله لأن قيام أبي بكر إلى جنب النبي صلى الله عليه وسلم له معنى حسن وهو أن الإمام يحتاج إلى أن يسمع الناس تكبيرة ويحتاج إلى أن تظهر لهم أفعاله ويرى قيامه وركوعه ليقتدوا به فلما ضعف النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك أقام أبا بكر إلى جنبه لينوب عن النبي صلى الله عليه وسلم في إسماعهم تكبيره ورؤيتهم لخفضه ورفعه ليعلموا أنه يفعل ذلك بفعل النبي صلى الله عليه وسلم كما يفعل في مساجد الجماعات أن يقام فيها من يرفع صوته بالتكبير لعجز الإمام عن اسماع جماعتهم فهذا المعنى في قيام أبي بكر خلف النبي صلى الله عليه وسلم وقد مضى القول في خلافة أبي بكر فيما تقدم من حديث هشام بن عروة في هذا الكتاب والحمد لله.

(22/323)


الحديث الرابع و الخمسون
...
حديث رابع وخمسون لهشام بن عروة
مالك عن هشام بن عروة عن أبيه أنه قال نزلت عبس وتولى في عبد الله بن أم مكثوم جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل يقول يا محمد استدنني وعند النبي صلى الله عليه وسلم رجل من عظماء المشركين فجعل النبي عليه السلام يعرض عنه ويقبل على الآخر ويقول: "يا فلان هل ترى بما أقول بأسا فيقول لا والدمى ما أرى بما تقول بأسا فأنزلت: {عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى}.
وهذا الحديث لم يختلف الرواة عن مالك في إرساله وهو يستند من حديث عائشة من رواية يحيى بن سعيد الأموي ويزيد بن سنان الزهاوي عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ومالك أثبت من هؤلاء ورواه ابن جريج عن هشام بن عروة بمثل حديث مالك وروى وكيع عن هشام عن أبيه عن أبيه عروة في قوله عز وجل: {عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى} . قال نزلت في ابن أم مكتوم.
وقال معمر عن قتادة قال جاء ابن أم مكتوم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يكلم يومئذ أبي بن خلف فأعرض عنه فنزلت الآية {عَبَسَ وَتَوَلَّى} فكان بعد ذلك يكرمه.

(22/324)


وأخبرنا يحيى بن يوسف حدثنا يوسف بن أحمد حدثنا محمد بن إبراهيم حدثنا محمد بن عيسى الترمذي حدثنا سعيد بن يحيى بن سعيد قال حدثنا أبي قال مما عرضنا على هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت أنزلت {عَبَسَ وَتَوَلَّى} في ابن أم مكتوم الأعمى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل يقول يا رسول الله استدنني وعند رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل من عظماء المشركين فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرض عنه ويقبل على الآخر ويقول أترى بما أقول بأسا فيقول لا ففي هذا أنزلت {عَبَسَ وَتَوَلَّى}.
وأخبرنا عثمان بن أحمد قال حدثنا محمد بن علي قال حدثنا الحسن ابن إبراهيم قال حدثنا أبو عيسى محمد بن عيسى فذكره وأخبرنا خلف بن القاسم قال حدثنا أبو بكر عبد الله بن محمد بن عبد الله بن محمد الخصيب القاضي بمصر قال حدثنا أبو محمد الهيثم بن خلف ابن عبد الرحمان بن مجاهد الغطوطي الدوري قال حدثنا إسحاق بن موسى الأنصاري قال حدثنا أحمد بن بشير حدثنا أبو البلاد عن مسلم بن صحيح عن مسروق قال دخلت على عائشة وعندها رجل مكفوف تقطع له الأترج وتطعمه إياه بالعسل فقلت من هذا يا أم المؤمنين فقالت ابن أم مكتوم الذي عاتب الله فيه نبيه صلى الله عليه وسلم أتى النبي صلى الله عليه وسلم وعنده عقبة وشيبة فأقبل عليهم فنزلت {عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى} وذكر حجاج عن ابن جريج قال قال ابن عباس جاءه ابن أم مكتوم وعنده رجال من قريش فقال له علمني مما علمك الله فأعرض عنه وعبس في وجهه وأقبل على القوم يدعوهم إلى الإسلام فأنزلت {عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى} فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نظر إليه بعد ذلك مقبلا بسط رداءه حتى يجلسه عليه وكان إذا خرج من المدينة استخلفه يصلي بالناس حتى

(22/325)


يرجع وقال ابن جريج عن مجاهد في قوله: {أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى} قال عتبة وشيبة ابنا ربيعة {فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى وَهُوَ يَخْشَى فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى} قال ابن جريج ابن أم مكتوم {كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ} قال ابن جريج قال ابن عباس تذكرة الغني والفقير قال سنيد وقال غير ابن جريج {أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى} قال تقبل عليه بوجهك {وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى} قال ألا يصلح {وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى} بعمل من الخير {وَهُوَ يَخْشَى فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى} قال تعرض ثم وعظه فقال: {كَلَّا} لا تقبل على من استغنى وتعرض عن من يخشى {إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ} قال موعظة: {فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ} قال القرآن من شاء فهم القرآن وتدبره واتعظ به.
قال أبو عمر:
فيما أوردنا في هذا الباب عن ابن عباس ومجاهد وقتادة وغيرهم ما يفسر معنى هذا الحديث ويغنينا عن القول فيه وأما قوله: "لا والدمى" بضم الدال فالمعنى الأصنام التي كانوا يعبدون ويعظمون واحدتها الدمية وطائفة روت عنه لا والدماء بكسر الدال والمعنى دماء الهدايا التي كانوا يذبحون بمنى لآلهتهم.

(22/326)


قال الشاعر وهو توبة بن الحمير:
علي دماء البدن إن كان بعلها ... يرى لي ذنبا غير أني أزورها
وقال آخر:
أما ودماء المزجيات إلى منى ... لقد كفرت أسماء غير كفور

(22/327)


الحديث الخامس و الخمسون
...
حديث خامس وخمسون لهشام بن عروة
مالك عن هشام بن عروة عن أبيه أنه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إذا بدا حاجب الشمس فأخروا الصلاة حتى تبرز وإذا غاب حاجب الشمس فأخروا الصلاة حتى تغيب" .
وهذا أيضا لم يختلف عن مالك في إرساله وقد رواه أيوب بن صالح عن مالك عن هشام عن أبيه ولم يتابع عليه عن مالك وأيوب بن صالح هذا ليس بالمشهور بحمل العلم ولا ممن يحتج به.
وحديثه هذا حدثناه خلف بن القاسم حدثنا عبد المطلب بن العباس بن أحمد بن محمد بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم حدثنا أبو المنذر سفيان ابن المنذر القرشي حدثنا أيوب بن صالح حدثنا مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا تحروا بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها فإنها تطلع بين قرني شيطان حتى تبرز فإذا برز حاجب الشمس فأخروا الصلاة حتى تغرب" .

(22/327)


وقد رواه جماعة من الحفاظ عن هشام بن عروة عن أبيه عن ابن عمر وهو حديث محفوظ عن ابن عمر من وجوه منها حديث مالك عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا يتحر أحدكم فيصلي عند طلوع الشمس ولا عند غروبها" . وهو مذهب ابن عمر المشهور عنه كان لا يكره الصلاة بعد العصر ولا بعد الصبح إلا عند طلوع الشمس وعند غروبها فقط وقد ذكرنا مذهبه ومذهب سائر العلماء في هذا الباب في مواضع من هذا الكتاب.
ومنها حديث زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن الصنابحي ومنها حديث محمد بن يحيى بن حبان وحديث نافع.
حدثنا سعيد بن نصر وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن إسماعيل قال حدثنا الحميدي قال حدثنا سفيان قال سمعت عبيد الله بن عمر غير مرة قال سمعت نافعا يقول سمعت ابن عمر يقول لست أنهى أحدا صلى أي ساعة من ليل ولا من نهار ولكني أفعل كما رأيت أصحابي يفعلون وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تحروا بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها" قيل لسفيان هذا يروى عن هشام قال ما سمعت هشاما ذكر هذا قط.
قال أبو عمر:
إن كان لم يسمعه فقد سمعه غيره ذكر البزار قال حدثنا عبيد بن إسماعيل الهباري قال حدثنا أبو أسامة عن هشام بن عروة عن أبيه عن ابن

(22/328)


عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا تحروا بصلاتكم طلوع الشمس ولا عروبها" .
حدث محمد بن إبراهيم قال حدثنا محمد بن معاوية قال حدثنا أحمد ابن شعيب قال أخبرنا عمرو بن علي قال حدثنا يحيى بن سعيد قال حدثنا هشام بن عروة قال أخبرني أبي قال أخبرني ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا تتحروا بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها فإنها تطلع على قرني شيطان" .
قال وأخبرنا عمرو بن علي قال حدثنا يحيى بن سعيد قال حدثنا هشام بن عروة قال أخبرني أبي قال أخبرني ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا طلع حاجب الشمس فأخروا الصلاة حتى تشرق وإذا غاب حاجب الشمس فأخروا الصلاة حتى تغرب" . وهذا أثبت ما يكون من

(22/329)


الأسانيد وأصحها مسندا وهما حديثان ومعناهما واحد وقد مضى ما في حديث هذا الباب من المعاني في غير موضع من هذا الكتاب والحمد لله وبه التوفيق.

(22/330)


الحديث السادس و الخمسون
...
حديث سادس وخمسون لهشام بن عروة
مالك عن هشام بن عروة عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طلع له أحد فقال: "هذا جبل يحبنا ونحبه" .
وهذا مرسل في الموطأ عند جماعة الرواة وهو مسند عن مالك من حديثه عن عمرو بن أبي عمرو بن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو محفوظ من حديث أنس ومن حديث سويد بن النعمان الأنصاري.
حدثنا عبد الله بن محمد بن يوسف قال حدثنا أحمد بن محمد بن إسماعيل قال حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي قال حدثنا عبيد الله بن محمد العيشي قال حدثنا حماد بن سلمة عن محمد بن إسحاق عن جميل بن عبد الله عن أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أحد جبل يحبنا ونحبه وأنه لعلى ترعة من ترع الجنة" .
وحدثنا خلف بن القاسم قال حدثنا عبد الرحمان بن عبد الله بن عمر بن راشد بدمشق قال حدثنا أبو زرعة قال حدثنا أبو اليمان الحكم بن نافع قال أخبرنا شعيب بن أبي حمزة عن الزهري قال أخبرني عقبة بن سويد الأنصاري

(22/330)


أن أباه أخبره أنهم قفلوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة تبوك فلما قدمنا المدينة بدا لنا أحد فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هذا جبل يحبنا ونحبه" .
قال أبو عمر:
ذهب جماعة من أهل العلم إلى حمل هذا القول على الحقيقة وقالوا جائز أن يحبهم الجبل كما يحبونه وعلى هذا حملوا كل ما جاء في القرآن وفي الحديث من مثل هذا نحو قوله عز وجل: {فما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ} و {قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ} و {يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ} أي سبحي معه و {جِدَاراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ} ومثله في القرآن كثير.
وأما الحديث ففيه ما لا يحصى من مثل هذا نحو ما روي أن البقاع لتتزين للمصلي وأن البقاع لينادي بعضها بعضا هل مر بك اليوم ذاكرا لله.
وقال آخرون هذا مجاز يريد أنه جبل يحبنا أهله ونحبهم وأضيف الحب إلى الجبل لمعرفة المراد في ذلك عند المخاطبين مثل قوله: {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} يريد أهلها وقد ذكرنا هذا المعنى بدلائل المجاز فيه وما للعلماء من المذاهب في ذلك عند قوله صلى الله عليه وسلم: "اشتكت النار إلى ربها" في باب عبد الله بن يزيد وباب زيد ين أسلم والحمد لله.

(22/331)


الحديث السابع و الخمسون
...
حديث سابع وخمسون لهشام بن عروة
مالك عن هشام بن عروة عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إجعلوا من صلاتكم في بيوتكم" .
وهذا مرسل في الموطأ عند جميعهم وقد رواه عبيد الله بن عمر العمري عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم واختلف في معنى هذا الحديث فقيل من صلاتكم يريد المكتوبة وقيل النافلة ومن قال إنها المكتوبة فل قوله صلى الله عليه وسلم: "أفضل الصلاة صلاتكم في بيوتكم إلا المكتوبة" فكيف يأمرهم بما قد أخبرهم أن غيره أفضل منه ومعروف أن حرف من حقيقته التبعيض لما في ذلك من تعليم الأهل حدود الصلاة معاينة وهو أثبت أحيانا من التعليم بالقول وقيل أراد بقول هذا النافلة على أن معنى قوله: "اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم" أي اجعلوا صلاتكم في بيوتكم يعني النافلة وتكون من زائدة كقولهم ما جاءني من أحد.
وأما ما جاء في الموطأ من حديث هشام بن عروة موقوفا وهو مرفوع مسند في غير الموطأ عند جماعة من العلماء فمن ذلك حديث مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن رجل من المهاجرين لم ير به بأسا أنه قال سألت عبد الله بن عمرو بن العاصي أأصلي في أعطان الابل قال لا ولكن صل في مراح الغنم ومثل هذا من الفرق بين الغنم والإبل لا يدرك بالرأي والعطن موضع بروك الإبل بين الشربتين لأنها في سقيها ترد الماء مرتين طائفة بعد أخرى.

(22/332)


وقد روى هذا الحديث يونس بن بكير عن هشام بن عرنة عن أبيه عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "صلوا في مراح الغنم ولا تصلوا في أعطان الإبل" . ويونس بن بكير ليس ممن يحتج به عن هشام بن عروة فيما خالفه فيه مالك لأنه ليس ممن يقاس بمالك وليس بالحافظ عندهم والصحيح في إسناد هشام ما قاله مالك وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم هذا المعنى من حديث أبي هريرة والبراء وجابر بن سمرة وعبد الله بن مغفل وكلها بأسانيد حسان وأكثرها تواترا وأحسنها حديث البراء وحديث عبد الله بن مغفل رواه نحو خمسة عشر رجلا عن الحسن وسماع الحسن من عبد الله بن مغفل صحيح.
وفي هذا الحديث دليل على أن ما يخرج من مخرجي الحيوان المأكول لحمه ليس بنجس وأصح ما قيل في الفرق بين مراح الغنم وعطن الإبل أن الإبل لا تكاد تهدأ ولا تقر في العطن بل تثور فربما قطعت على المصلي صلاته وجاء في الحديث الثابت أنها جن خلقت من جن فبين العلة في ذلك وقد قيل إنما كان يستتر بها عند الخلاء وهذا لا يعرف في الأحاديث المسندة وفي الأحاديث المسندة غير ذلك.
حدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا عثمان بن أبي شيبة قال حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن عبد الله بن عبد الله الرازي عن عبد الرحمان بن أبي ليلى عن البراء بن عازب قال سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصلاة في مبارك الإبل فقال: "لا تصلوا في مبارك الإبل فإنها من الشياطين" وسئل عن الصلاة في مراح الغنم فقال: "صلوا فيها فإنها بركة" .

(22/333)


حدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا ابن وضاح حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة أخبرنا يونس عن الحسن عن عبد الله بن مغفل المزني قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "صلوا في مرابض الغنم ولا تصلوا في أعطان الإبل فإنها خلقت من الشياطين" . وفي بعض هذه الآثار فإنها جن خلقت من جن وهذا كله يشهد لما اخترناه من التأويل في ذلك والحمد لله.
وأما حديث مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أنها قالت ما أبالي في الحجر صليت أم في البيت فهذا يستند من حديث علقمة بن أبي علقمة عن أمه عن عائشة ذكره أحمد بن شعيب النسائي قال حدثنا إسحاق ابن إبراهيم حدثنا عبد العزيز بن محمد حدثنا علقمة بن أبي علقمة عن أمه عن عائشة قالت أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي فأدخلني الحجر وقال: "إذا أردت دخول البيت فصلي ههنا فإنه قطعة من البيت" .
وقد ذكرنا بنيان الكعبة فيما تقدم من حديث ابن شهاب والحمد لله.

(22/334)