Contents

الواجهة
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد
مقدمة
باب الألف
باب الثاء
باب الجيم
باب الحاء
باب الخاء
باب الدال
باب الراء
باب الزاي
تابع باب الزاء
تابع لحرف الزاء
تابع لحرف الزاء
باب الطاء
باب الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع حرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
باب النون
باب الصاد
باب الضاد
باب العين
تابع لحرف العين
تابع حرف العين
تابع لحرف العين
تابع لحرف العين
باب القاف
باب السين
باب الشين
باب الهاء
باب الواو
باب الياء
تابع باب الياء
باب الكني
باب بلاغات مالك ومرسلاته
باب مافي هذا الديوان من حديث مالك الذي ثبتت عليه أبوابه خاصة
الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج
الديباج - جزء 1
الديباج - جزء 2
الديباج - جزء 3
الديباج - جزء 4
الديباج - جزء 5
الديباج - جزء 6
المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج
المنهاج - مقدمة
المنهاج - الإيمان
المنهاج - الطهارة
المنهاج - الحيض
المنهاج - الصَّلَاة
المنهاج - المساجد ومواضع الصلاة
المنهاج - صلاة المسافرين وقصرها
المنهاج - بَاب صَلَاة الْجُمُعَة
المنهاج - بَاب صَلَاة الْعِيدَيْنِ
المنهاج - بَاب الدُّعَاء فِي صَلَاة الِاسْتِسْقَاء
المنهاج - بَاب صَلَاة الْكُسُوف
المنهاج - كِتَاب الْجَنَائِز
المنهاج - الزكاة
المنهاج - كِتَاب الصِّيَام
المنهاج - كِتَاب الِاعْتِكَاف
المنهاج - كِتَاب الْحَجّ
المنهاج - كِتَاب النِّكَاح
المنهاج - الرضاعة
المنهاج - الطلاق
المنهاج - اللِّعَان
المنهاج - العتق
المنهاج - البيوع
المنهاج - المساقاة
المنهاج - الفرائض
المنهاج - الهبات
المنهاج - الوصية
المنهاج - النذر
المنهاج - الأيمان
المنهاج - القسامة
المنهاج - الحدود
المنهاج - الأقضية
المنهاج - اللقطة
المنهاج - الجهاد والسير
المنهاج - الإمارة
المنهاج - الصيد والذبائح
المنهاج - كِتَاب الْأَضْاحَي
المنهاج - الأشربة
المنهاج - اللباس والزينة
المنهاج - الآداب
المنهاج - السلام
المنهاج - الألفاظ من الأدب وغيرها
المنهاج - الشعر
المنهاج - الرؤيا
المنهاج - الفضائل
المنهاج - فضائل الصحابة
المنهاج - البر والصلة والآداب
المنهاج - القدر
المنهاج - العلم
المنهاج - الذكر والدعاء
المنهاج - التوبة
المنهاج - صفات المنافقين
المنهاج - صفة القيامة والجنة والنار
المنهاج - الجنة وصفة نعيمها وأهلها
المنهاج - الفتن وأشراط الساعة
المنهاج - الزهد والرقائق
المنهاج - التفسير
تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي
أبواب الطهارة
أبواب الصلاة
تابع أبواب الصلاة
أبواب الوتر
أبواب الجمعة
تابع لأبواب الجمعة
أبواب العيدين
أبواب السفر
ابواب الزكاة
أبواب الصوم
أبواب الحج
تابع أبواب الحج
أبواب الجنائز
أبواب النكاح
أبواب الرضاع
أبواب الطلاق واللعان
ابواب البيوع
أبواب الأحكام
أبواب الديات
ابواب الحدود
تابع أبواب الحدود
أبواب الصيد
أبواب الأضاحي
أبواب النذور والأيمان
أبواب السير
أبواب الجهاد
أبواب اللباس
أبواب الأطعمة
أبواب الأشربة
تابع أبواب الأشربة
أبواب البر و الصله عن رسول الله صلى الله عليه و آله سلم
أبواب الطب عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الفرائض عن الرسول صلى الله عليه و سلم
أبواب الوصايا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الولاء و الهبة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب القدر عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم
أبواب الفتن عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الرؤيا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الشهادات عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
تابع لأبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صِفَةُ القِيامَة
أبواب صفة الجنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صفة جهنم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإيمان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب العلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإستئذان والآداب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب العلم
أبواب الأمثال
أبواب فضائل القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب القراءات عن رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم
أبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الدعوات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أحاديث شتى من أبواب الدعوات
المناقب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
مناقب الصحابة رضوان الله عليهم
تنوير الحوالك شرح موطأ مالك
كتاب وقوت الصلاة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب السهو
كتاب الجمعة
كتاب الصلاة في رمضان
كتاب صلاة الليل
كتاب صلاة الجماعة
كتاب قصر الصلاة في السفر
كتاب العيدين
كتاب صلاة الخوف
كتاب صلاة الكسوف
كتاب الاستسقاء
كتاب القبلة
كتاب القرآن
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب الجهاد
كتاب النذور و الأيمان
كتاب الضحايا
كتاب الذبائح
كتاب الصيد
كتاب العقيقة
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الرضاع
كتاب البيوع
كتاب القراض
كتاب المساقاة - كتاب كراء الأرض
كتاب الشفعة - كتاب الأقضية
كتاب الوصية - كتاب العتق والولاء
كتاب المكاتب - كتاب المدبر
كتاب الحدود
كتاب الأشربة - كتاب العقول
كتاب القسامة - كتاب الجامع
كتاب القدر - كتاب حسن الخلق
كتاب اللباس - كتاب صفة النبي
كتاب العين - كتاب الشعر
كتاب الرؤيا - كتاب السلام
كتاب الاستئذان والتشميت والصور والتماثيل وغيرها
كتاب البيعة - كتاب الكلام والعينة والتقى
كتاب جهنم - كتاب الصدقة
كتاب العلم - كتاب دعوة المظلوم - كتاب أسماء النبي
حاشية السندي على سنن ابن ماجة
المقدمة
الطَّهَارَة وَسُنَنهَا
الصلاة
الْأَذَان
المساجد والجماعات
أَبْوَاب إِقَامَة الصَّلَاة
الجنائز
الصوم
الزكاة
النكاح
الطلاق
الكفارات
التجارات
الأحكام
الحدود
الديات
الوصايا
الْفَرَائِض
الجهاد
المناسك
الْأَضَاحِيّ
الذبائح
الصيد
الأطعمة
الأشربة
الطب
اللباس
الْآدَاب
الدُّعَاء
تعبير الرؤيا
الْفِتَن
الزُّهْد
شرح سنن ابن ماجه لمغلطاي
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح رياض الصالحين
شرح رياض الصالحين - 01
شرح رياض الصالحين - 02
شرح رياض الصالحين - 03
شرح رياض الصالحين - 04
شرح سنن أبي داود للعيني
مقدمة التحقيق
كتاب الطهارة
كِتابُ الصَلاَةِ
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
عون المعبود شرح سنن أبي داود
كتاب الطهارة
تابع كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
كتاب الزكاة
تابع لكتاب الزكاة
كتاب اللقطة
كتاب المناسك
تابع لكتاب المناسك
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الصيام
تابع لكتاب الصيام
أول كتاب الجهاد
أول كتاب الضحايا
تابع كتاب الضحايا
أول كتاب الصيد
أول كتاب الوصايا
أول كتاب الفرائض
أول كتاب الخراج والفيء والإمارة
أول كتاب الجنائز
تابع لكتاب الجنائز
كتاب الأيمان والنذور
كتاب البيوع
كتاب الإجارة
كتاب القضاء
تابع لكتاب القضاء
كتاب العلم
كتاب الأشربة
كتاب الأطعمة
كتاب الطب
كتاب الكهانة والتطير
كتاب العتق
أول كتاب الحروف والقراءات
أول كتاب الحمام
أول كتاب اللباس
أول كتاب الترجل
أول كتاب الخاتم
أول كتاب الفتن والملاحم
أول كتاب المهدي
أول كتاب الملاحم
أول كتاب الحدود
أول كتاب الديات
أول كتاب السنة
تابع لكتاب السنة
أول كتاب الأدب
أبواب السلام
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن حجر
فتح الباري - هدي الساري مقدمة فتح الباري
فتح الباري - كتاب بدء الوحي
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب العلم
فتح الباري - كتاب الوضوء
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
فتح الباري - كتاب مواقيت الصلاة
فتح الباري - كتاب الأذان
فتح الباري - كتاب الجمعة
فتح الباري - كتاب الخوف
فتح الباري - كتاب العيدين
فتح الباري - كتاب الوتر
فتح الباري - كتاب الاستسقاء
فتح الباري - كتاب الكسوف
فتح الباري - كتاب سجود القرآن
فتح الباري - كتاب تقصير الصلاة
فتح الباري - كتاب التهجد
فتح الباري - كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة
فتح الباري - كتاب العمل في الصلاة
فتح الباري - كتاب السهو
فتح الباري - كتاب الجنائز
فتح الباري - كتاب الزكاة
فتح الباري - كتاب الحج
فتح الباري - كتاب العمرة
فتح الباري - كتاب المحصر
فتح الباري - كتاب جزاء الصيد
فتح الباري - كتاب فضائل المدينة
فتح الباري - كتاب الصوم
فتح الباري - كتاب صلاة التراويح
فتح الباري - كتاب فضل ليلة القدر
فتح الباري - كتاب الإعتكاف
فتح الباري - كتاب البيوع
فتح الباري - كتاب السلم
فتح الباري - كتاب الشفعة
فتح الباري - كتاب الإجارة
فتح الباري - كتاب الحرث والمزارعة
فتح الباري - كتاب المساقاة
فتح الباري - كتاب الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس
فتح الباري - كتاب الخصومات
فتح الباري - كتاب اللقطة
فتح الباري - كتاب المظالم
فتح الباري - كتاب الشركة
فتح الباري - كتاب الرهن
فتح الباري - كتاب العتق
فتح الباري - كتاب المكاتب
فتح الباري - كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها
فتح الباري - كتاب الشهادات
فتح الباري - كتاب الصلح
فتح الباري - كتاب الشروط
فتح الباري - كتاب الوصايا
فتح الباري - كتاب الجهاد و السير
فتح الباري - كتاب فرض الخمس
فتح الباري - كتاب الجزية و الموادعة
فتح الباري - كتاب بدء الخلق
فتح الباري - كتاب أحاديث الأنبياء
فتح الباري - كتاب المناقب
فتح الباري - كتاب فضائل الصحابة
فتح الباري - كتاب مناقب الأنصار
فتح الباري - كتاب المغازي
فتح الباري - كتاب التفسير
فتح الباري - كتاب فضائل القرآن
فتح الباري - كتاب النكاح
فتح الباري - كتاب الطلاق
فتح الباري - كتاب النفقات
فتح الباري - كتاب الأطعمة
فتح الباري - كتاب العقيقة
فتح الباري - كتاب الذبائح والصيد
فتح الباري - كتاب الأضاحي
فتح الباري - كتاب الأشربة
فتح الباري - كتاب المرضى
فتح الباري - كتاب الطب
فتح الباري - كتاب اللباس
فتح الباري - كتاب الأدب
فتح الباري - كتاب الإستئذان
فتح الباري - كتاب الدعوات
فتح الباري - كتاب الرقاق
فتح الباري - كتاب القدر
فتح الباري - كتاب الأيمان والنذور
فتح الباري - كتاب كفارات الأيمان
فتح الباري - كتاب الفرائض
فتح الباري - كتاب الحدود
فتح الباري - كتاب الديات
فتح الباري - كتاب استتابة المرتدين
فتح الباري - كتاب الإكراه
فتح الباري - كتاب الحيل
فتح الباري - كتاب التعبير
فتح الباري - كتاب الفتن
فتح الباري - كتاب الأحكام
فتح الباري - كتاب التمني
فتح الباري - كتاب أخبار الأحاد
فتح الباري - كتاب الإعتصام بالسنة
فتح الباري - كتاب التوحيد
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن رجب
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
مقدمة
خطبة الكتاب
كتاب الإيمان
كتاب العلم
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصوم
كتاب فضائل القرآن
كتاب الدعوات
كتاب المناسك
كتاب البيوع
كتاب الفرائض والوصايا
كتاب النكاح
كتاب العتق
كتاب القصاص
كتاب الديات
كتاب الحدود
كتاب الإمارة والقضاء
كتاب الجهاد
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأطعمة
كتاب اللباس
كتاب الطب والرقى
كتاب الرؤيا
كتاب الآداب
كتاب الرقاق
كتاب الفتن
كتاب صفة القيامة والجنة والنار
كتاب الفضائل والشمائل
كتاب المناقب

 
عودة لموقع هاني الطنبور
هاني الطنبور
الصفحة السابقة الصفحة التالية
 
 

 

التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد

باب الياء
يزيد بن خصيفة
الحديث الأول
...
باب الياء يزيد بن خصيفة ثلاثة أحاديث
وهو يزيد بن خصيفة بن يزيد بن عبد الله الكندي ابن أخي السائب بن يزيد الكندي وكان ثقة مأمونا محدثا محسنا لا أقف له على وفاة روى عنه جماعة من أهل الحجاز .
حديث أول ليزيد بن خصيفة
مالك عن يزيد بن خصيفة عن عروة بن الزبير أنه قال سمعت عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم تقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا يصيب المؤمن مصيبة حتى الشوكة إلا قص بها أو كفر بها من خطاياه" لا يدري أيهما قال عروة .

(23/25)


لم يختلف الرواة عن مالك في هذا الحديث في الموطأ وتفرد فيه ابن وهب فيه بإسناد آخر عن مالك عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة وسائر أصحاب مالك يروونه عنه عن يزيد بن خصيفة كما في الموطأ ورواه هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة موقوفا هكذا حدث به عن هشام حماد بن سلمة والدراوردي ورواه يزيد بن الهادي عن أبي بكر بن حزم عن عمرة عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم مرفوعا وهو مرفوع صحيح وقد روي من حديث ابن شهاب عن عروة عن عائشة مرفوعا وفيه دليل على أن الذنوب تكفرها المصائب والآلام والأمراض والأسقام وهذا أمر مجتمع عليه والحمد لله .
حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن عبد السلام قال حدثنا محمد بن بشار قال حدثنا محمد بن جعفر قال حدثنا شعبة عن جامع بن شداد عن عمارة بن عمير عن أبي معمر عن عبد الله بن مسعود قال إن لا يكتب به الأجر وكان إذا حدثنا شيئا لم نسأله حتى يفسره لنا قال فكبر ذلك علينا فقال ولكن تكفر به الخطيئة .

(23/26)


الحديث الثاني
...
حديث ثان ليزيد بن خصيفة
مالك عن يزيد بن خصيفة أن السائب بن يزيد أخبره أنه سمع سفيان بن أبي زهير وهو من أزدشنؤة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يحدث ناسا معه عند باب المسجد فقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "من اقتنى كلبا لا يغني عنه زرعا ولا ضرعا نقص من عمله كل يوم قيراط" قال أنت سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إي ورب هذا المسجد.
في هذا الحديث إباحة اتخاذ الكلب للزرع والماشية وهو حديث ثابت وقد ثبت عنه أيضا صلى الله عليه وسلم إباحة اتخاذه للصيد فحصلت هذه الوجوه الثلاثة مباحة بالسنة الثابتة وما عداها فداخل في باب الحظر وقد أوضحنا ما في هذا الباب من المعاني في باب نافع من هذا الكتاب والحمد لله.
قال أبو عمر:
احتج بهذا الحديث ومثله من ذهب إلى إجازة بيع الكلب المتخذ للزرع والماشية والصيد لأنه ينتفع به في ذلك قال وكل ما ينتفع به في ذلك قال وكل ما ينتف به فجائز شراؤه وبيعه ويلزم قاتله القيمة لأنه أتلف منفعة أخيه.

(23/27)


وقد ذكرنا اختلاف الفقهاء في هذا الباب كله أيضا في باب ابن شهاب عن أبي بكر بن عبد الرحمن عن أبي مسعود "أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ثمن الكلب" ولا معنى لتكرير ذلك ههنا.

(23/28)


الحديث الثالث
...
حديث ثالث ليزيد بن خصيفة
مالك عن يزيد بن خصيفة أن عمرو بن عبد الله بن كعب السلمي أخبره أن نافع بن جبير أخبره عن عثمان ابن أبي العاص أنه أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عثمان وبي وجع قد كاد يهلكني قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "امسحه بيمينك سبع مرات وقل أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد" قال فقلت ذلك فأذهب الله ما كان بي فلم أزل آمر بذلك أهلي ومن أطاعني.
هكذا روى هذا الحديث جماعة الرواة وجمهورهم عن مالك وروته طائفة عن مالك عن يزيد بن خصيفة عن رجل أخبره أن نافع بن جبير بن مطعم أخبره أن عثمان بن أبي العاص أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم الحديث.
في هذا الحديث دليل واضح على أن صفات الله غير مخلوقة لأن الاستعاذة لا تكون بمخلوق وفيه أن الرقي يدفع البلاء ويكشفه الله به وهو من أقوى معالجة الأوجاع لمن صحبه اليقين الصحيح والتوفيق الصريح وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وهو رب العرش العظيم.

(23/29)


أخبرنا عبد الرحمن حدثنا علي حدثنا أحمد حدثنا سحنون حدثنا ابن وهب قال أخبرني يونس بن يزيد عن ابن شهاب قال أخبرني نافع بن جبير بن مطعم عن عثمان ابن أبي العاص الثقفي أنه شكا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعا يجده في جسده منذ أسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ضع يدك على الذي يألم من جسدك وقل بسم الله ثلاثا وقل سبع مرات أعوذ بالله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر".

(23/30)


يزيد بن رومان أبي روح
الحديث الأول
...
مالك عن يزيد بن رومان أبي روح حديث واحد
ويزيد بن رومان هذا مولى الزبير بن العوام كان أحد قراء أهل المدينة وكان عالما بالمغازي مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان ثقة سكن مو المدينة وبها كانت وفاته سنة ثلاثين ومائة.
مالك عن يزيد بن رومان عن صالح بن خوات عمن صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم ذات الرقاع صلاة الخوف "أن طائفة صفت معه وطائفة وجاه العدو فصلى بالتي معه ركعة ثم ثبت قائما وأتموا لأنفسهم ثم انصرفوا فصفوا وجاه العدو وجاءت الطائفة الأخرى فصلى بهم الركعة التي بقيت من صلاته ثم ثبت جالسا وأتموا لأنفسهم ثم صلى بهم".

(23/31)


لم يختلف عن مالك في إسناد هذا الحديث ومتنه ورواه أبو أويس عن يزيد بن رومان عن صالح بن خوات عن أبيه خوات بن جبير فذكر معناه .
ورواه عبد الله بن عمر عن أخيه عبيد الله بن عمر عن القاسم ابن محمد عن صالح بن خوات عن أبيه مختصرا بمعناه .
ورواه شعبة عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن صالح بن خوات عن سهل بن أبي خثمة مرفوعا ولم يختلف عن شعبة في إسناده هذا واختلف عنه في متنه على ما قد ذكرناه في باب نافع من هذا الكتاب وعند مالك فيه حديثه عن يحيى بن سعيد عن القاسم ابن محمد عن صالح بن خوات عن سهل بن أبي خثمة موقوفا .
وإلى حديث مالك عن يزيد بن رومان المذكور في هذا الباب ذهب الشافعي رحمه الله وأصحابه في صلاة الخوف وبه قال داود وهو قول مالك إلا أن ابن القاسم ذكر عنه أنه رجع ألى حديث القاسم بن محمد في ذلك والخلاف منه إنما هو في موضع واحد وذلك أن الإمام عنده لا ينتظر الطائفة الثانية إذا صلى بها ركعة ولكن يسلم ثم تقوم تلك الطائفة فتقضي لأنفسها ذهب في ذلك إلى حديثه عن يحيى بن سعيد عن القاسم بن محمد عن صالح بن خوات عن سهل ابن أبي خثمة.

(23/32)


قال ابن القاسم كان مالك يقول لا يسلم الإمام حتى تقوم الطائفة الثانية فتتم لأنفسها ثم يسلم بهم على حديث يزيد بن رومان ثم رجع إلى حديث القاسم بن محمد أن الإمام يسلم ثم تقوم الطائفة الثانية فيقضون .
قال أبو عمر:
لأهل العلم أقاويل مختلفة ومذاهب متباينة في صلاة الخوف قد ذكرناها وذكرنا الآثار التي بها نزع كل فريق منهم ومنها قال وإليها ذهب وأوضحنا ذلك ومهدناه بحججه ووجوهه وعلله في باب نافع من هذا الكتاب والحمد لله.
وأما قوله يوم ذات الرقاع فهي غزاة معروفة عند جميع أهل العلم بالمغازي واختلف في المعنى الذي سميت به ذات الرقاع فذكر الأخفش عن أبي أسامة عن يزيد بن أبي بردة عن أبي بردة عن أبي موسى قال "خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزاة فكنا نمشي على أقدامنا حتى نقبت فكنا نشدها بالخرق ونعصب عليها العصائب فسميت غزوة ذات الرقاع" قال أبو بردة فلما حدث أبو موسى بهذا الحديث ندم وقال ما كنا نصنع بذكر هذا كأنه كره أن يذكر شيئا من عمله الصالح.

(23/33)


و قال غيره إنما سميت ذات الرقاع لأنهم رقعوا فيها راياتهم والرايات دون البنود وفوق الطرادات إلى البنود ما هي وقيل كانت أرضا ذات ألوان وقيل إن ذات الرقاع شجرة نزلوا تحتها وانصرفوا يومئذ عن موادعة من غير قتال.

(23/34)


يزيد بن عبد الهادي
الحديث الأول
...
يزيد بن الهادي
وهو يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهادي ابن أخي عبد الله بن شداد الهادي الليثي من أنفسهم ويكنى أبا عبد الله وكان أعرج وهو أحد ثقات المحدثين مو بالمدينة وتوفي بها في سنة تسع وثلاثين ومائة.
روى عنه جماعة من الأئمة منهم مالك والليث.
حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أحمد بن زهير قال سئل يحيى بن معين عن يزيد بن الهادي فقال ثقة لمالك عنه من مرفوعات الموطأ ثلاثة أحاديث مسندة وبالله تعالى التوفيق.

(23/35)


حديث أول ليزيد بن الهادي
ملك عن يزيد بن عبد الله بن الهادي عن محمد بن إبراهيم بن الحرث التيمي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة أنه قال خرجت إلى الطور فلقيت كعب الأحبار فجلست معه فحدثني عن التوراة وحدثته عن رسول الله فكان فيما حدثته أن قلت قال رسول الله "خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة وفيه خلق ءادم وفيه أهبط وفيه تيب عليه وفيه مات وفيه تقوم الساعة وما من دابة إلا وهي مصيخة يوم الجمعة من حين يصبح حتى تطلع الشمس شفقا من الساعة إلا الجن والإنس وفيه ساعة لا يصادفها عبد مسلم وهو يصلي يسأل الله شيئا إلا أعطاه إياه" .
قال كعب ذلك في كل سنة مرة فقلت بل في كل جمعة فقرأ كعب التوراة فقال صدق رسول الله - قال أبو هريرة فلقيت بصرة بن أبي بصرة الغفاري فقال من أين أقبلت فقلت من الطور فقال لو أدركتك قبل أن تخرج إليه ما خرجت سمعت رسول الله يقول "لا تعمل المطي إلا إلى ثلاثة مساجد إلى المسجد الحرام أو

(23/36)


إلى مسجدي هذا أو إلى مسجد إيليا أو بيت المقدس" يشك قال أبو هريرة ثم لقيت عبد الله بن سلام فحدثته بمجلسي مع كعب وما حدثته في يوم الجمعة فقلت قال كعب ذلك في كل سنة مرة قال قال عبد الله بن سلام كذب كعب فقلت ثم قرأ كعب التوراة فقال بل هي في كل جمعة قال عبد الله بن سلام صدق كعب ثم قال عبد الله بن سلام قد علمت أية ساعة هي فقال أبو هريرة أخبرني بها ولا تضن علي فقال عبد الله بن سلام هي آخر ساعة في يوم الجمعة وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يصادفها عبد مسلم وهو يصلي وتلك الساعة لا يصلى فيها فقال عبد الله بن سلام ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم "من جلس مجلسا ينتظر الصلاة فهو في صلاة حتى يصلي" قال أبو هريرة فقلت بلى قال فهو ذلك .
قال أبو عمر:
لا أعلم أحدا ساق هذا الحديث أحسن سياقة من مالك عن يزيد بن الهادي ولا أتم معنى منه فيه إلا أنه قال فيه بصرة بن أبي بصرة ولم يتابعه أحد عليه وإنما الحديث معروف لأبي هريرة فلقيت أبا

(23/37)


بصرة الغفاري كذلك رواه يحيى بن أبي كثير عن أبي أسامة عن أبي هريرة كذلك رواه سعيد بن المسيب وسعيد المقبري عن أبي هريرة كلهم يقول فيه فلقيت أبا بصرة الغفاري ولم يقل واحد منهم فلقيت بصرة بن أبي بصرة كما في حديث مالك عن يزيد بن الهادي وأظن الوهم فيه جاء من قبل مالك أو من قبل يزيد بن الهادي والله أعلم
وفيه من الفقه والعلم ضروب فأما قوله خرجت إلى الطور فقد بان في الحديث أنه لم يخرج ألبتة إلا تبركا به ليصلي فيه ولهذا المعنى لا يجب الخروج إلا إلى الثلاثة المساجد المذكورة في هذا الحديث وعلى هذا جماعة العلماء فيمن نذر الصلاة في هذه الثلاثة المساجد أو في أحدها أنه يلزمه قصدها لذلك ومن نذر صلاة في مسجد سواها صلى في موضعه ومسجده ولا شيء عليه ولا يعرف العلماء غير الثلاثة المساجد المذكورة في هذا الحديث المسجد الحرام ومسجد الرسول ومسجد بيت المقدس لا يجري عندهم مجراها شيء من المساجد سواها .
وقد روى محمد بن خالد الجندي عن المثنى بن الصباح عن عمرو ابن شعيب عن أبيه عن جده قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "تعمل الرحال إلى أربعة مساجد إلى المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى وإلى مسجد الجند".

(23/38)


قال أبو عمر:
هذا حديث منكر لا أصل له ومحمد بن خالد الجندي والمثنى بن الصباح متروكان ولا يثبت من جهة النقل والجند باليمن بلد طاوس .
قال أبو عمر:
من كانت له حاجة من حوائج دنياه إلى ناحية الطور فليس خروجه إلى ذلك من هذا في شيء .
وأما قوله فلقيت كعب الأحبار فكعب الأحبار هو كعب بن ماتع يكنى أبا إسحاق من آل ذي رعين من حمير ذكر الغلابي عن ابن معين قال هو كعب بن ماتع من ذي هجر الحميري .
قال أبو عمر:
قيل أسلم كعب الأحبار في زمن عمر بن الخطاب وقيل كان إسلامه قبل ذلك وهو من كبار التابعين وعلمائهم وثقاتهم وكان من أعلم الناس بأخبار التوراة وكان حبرا من أحبار اليهود ثم أسلم فحسن إسلامه وكان له فهم ودين وكان عمر يرضى عنه وربما سأله وتوفي في خلافة عثمان سنة أربع وثلاثين قبل أن يقتل عثمان بعام .
وفيه الإباحة في الحديث عن التوراة لأهل العلم بها وسماع ذلك مباح ممن لا يتهم بالكذب إلا أن الحكم في الحديث عن أهل الكتاب ما

(23/39)


قد ذكرناه في آخر كتاب العلم فمن تأمل هذا المعنى هناك اكتفى إن شاء الله .
وفيه أن خير الأيام يوم الجمعة وهذا على الإطلاق والعموم وفي ذلك دليل على أن الأيام بعضها أفضل من بعض ولكن الفضائل في ذلك لا تعلم إلا بتوقيف ولا تدرك بقياس .
وذكر موسى بن معاوية عن أبي معاوية عن الأعمش عن مجاهد عن عبد الله بن ضمرة عن كعب الأحبار قال الصدقة يوم الجمعة تضاعف .
قال حدثنا محمد بن فضيل عن حصين عن هلال بن يساف عن كعب الأحبار أنه قال في يوم الجمعة إنه لتفزع فيه الخلائق كلها إلا الجن والإنس وإنه لتضعف فيه الحسنة وإنه يوم القيامة وفيه الخبر عن خلق آدم وهبوطه إلى الأرض وإنه قد تيب عليه من خطيئته وذلك والحمد لله ثابت بنص التنزيل الذي لا يجوز عليه التحريف والتبديل ولكن ليس في القرآن أن ذلك كان يوم الجمعة .
وفيه دليل على إباحة الحديث عما يأتي ويكون وهذا من علم الغيب فما كان منه عن الأنبياء الذين يجوز عليهم إدراك بعضه من جهة الرسالة أو عمن أضاف إلى الله ذلك بخبر كتبه أو رسله فذلك جائز وقيام الساعة من الغيب الذي لم يطلع عليه أحد على حقيقة ونحن وإن علمنا أنها تقوم يوم جمعة بهذا الحديث فلسنا ندري.

(23/40)


أي جمعة هي وقد سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الساعة وقيامها فقال ما المسؤول عنها بأعلم من السائل وقد سأل عنها جبريل فقال نحو ذلك وقال الله عز وجل {قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي}
وقد أخبر رسول الله عن شروط وعلامات تكون قبلها وقد ظهر أكثرها أو كثير منها وقال الله عز وجل {لا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً} .
وأما قوله وما من دابة إلا وهي مصيخة فالإصاخة الاستماع وهو ههنا استماع حذر وإشفاق وخشية الفجأة والبغتة وأما أصل الكلمة في اللغة فالاستماع .
قال أعرابي:
وحديثها كالقطر يسمعه ... راعي سنين تتابعت جدبا
فأصاخ يرجو أن يكون حيا ... ويقول من فرح أيا ربا
و قال آخر :
لم أرم حتى إذا أصاخا ... صرخت لو يسمع الصراخا
و قال أمية بن أبي الصلت:
فهم عند رب ينظرون قضاءه ... يصيخون بالأسماع للوحي ركد

(23/41)


و قال غيره يصف ثورا بريا يستمع صوت قانص:
ويصيخ أحيانا كما استمع ... المضل لصوت ناشد
والمضل: الذي قد ضل بعيره أو دابته أو شيئه يقال منه أضل الرجل دابته فهو مضل وضلت البهيمة فهي ضالة والناشد الطالب يقال منه قد نشدت ضالتي إذا ناديت فيها وطلبتها ومنه نشدتك الله أب سألتك بالله وأما المنشد فهو المعرف بالضالة وقيل هو الدال عليها والمعنى واحد متقارب ومنه قوله في لقطة مكة "لا تحل إلا لمنشد" فمن هنا يقال أنشدت كما يقال في الشعر أنشدت الشعر ومن الأول يقال نشدت هذا قول جماعة من أهل اللغة وفي هذا الحديث دليل على أن الإنس والجن لا يعلمون من معنى الساعة ما يعرف غيرهم من الدواب وهذا أمر تقصر عنه أفهامنا ومن هذا الجنس من العلم لم يؤت الناس منه إلا قليلا .
وأما قوله وفيه ساعة لا يصادفها عبد مسلم وهو يصلي يسأل الله شيئا إلا آتاه الله إياه فقد اختلف في تلك الساعة على حسبما قدمنا ذكره في باب أبي الزناد من هذا الكتاب وقول عبد الله بن سلام فيها أثبت شيء إن شاء الله ألا ترى إلى رجوع أبي هريرة إلى قوله وسكوته عندما ألزمه من الإدخال والمعارضة بأن منتظر الصلاة في صلاة وهو قول أبي هريرة وكعب وقد روي بنحو قول عبد الله بن سلام أحاديث مرفوعة قد ذكرنا بعضها هناك ومنها ما

(23/42)


حدثناه خلف بن القاسم قال حدثنا الحسن بن رشيق قال حدثنا الصباحي قال حدثنا يحيى بن أبي طالب حدثنا بكر بن بكار حدثنا محمد بن أبي حميد حدثنا موسى بن وردان عن أنس بن مالك قال قال رسول الله التمسوا الساعة التي في يوم الجمعة بعد العصر إلى غروب الشمس .
حدثنا يونس بن عبد الله قال حدثنا محمد بن معاوية قال حدثنا جعفر بن محمد الفريابي قال حدثنا أبو كريب قال حدثنا خالد بن مخلد قال حدثنا عبد السلام بن حفص عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن الساعة التي يتحرى فيها الدعاء يوم الجمعة هي آخر ساعة من الجمعة".
أخبرنا أحمد بن محمد قراءة مني عليه أن أحمد بن الفضل العباس حدثهم قال حدثنا محمد بن جرير قال حدثنا أبو كريب قال حدثنا ابن إدريس وأسد بن عمرو والمحاربي عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن في يوم الجمعة لساعة يقللها لا يوافقها عبد مسلم فيسأل الله فيها خيرا إلا أعطاه إياه" فقال عبد الله بن سلام قد علمت أي ساعة هي آخر ساعات النهار من يوم الجمعة قال الله عز وجل {خُلِقَ الْأِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ}.

(23/43)


حدثنا أحمد بن محمد حدثنا أحمد بن الفضل حدثنا محمد بن جرير قال حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم قال حدثنا ابن أبي فديك قال حدثني بن أبي ذئب عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال "إن في الجمعة لساعة لا يوافقها مؤمن يسأل الله فيها شيئا إلا أعطاه" قال فقدم علينا كعب الأحبار فقال له أبو هريرة ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم ساعة في يوم الجمعة لا يوافقها مؤمن يصلي يسأل الله شيئا إلا أعطاه قال كعب صدق والذي أكرمه إنها الساعة التي خلق الله فيها آدم والتي تقوم فيها الساعة .
وحدثنا أحمد بن محمد حدثنا أحمد بن الفضل حدثنا محمد بن جرير حدثني عمرو بن محمد العثماني حدثنا إسماعيل بن أبي أويس حدثني أخي عن سليمان بن بلال عن الثقة عن صفوان ابن سليم عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي سعيد الخدري قال قال النبي الساعة التي يستجاب فيها الدعاء يوم الجمعة بعد العصر إلى غروب الشمس .
قال وحدثنا يونس بن عبد الأعلى حدثنا ابن وهب أخبرني عمرو بن الحرث عن الجلاح مولى عمر بن عبد العزيز أن أبا سلمة

(23/44)


حدثه عن جابر عن رسول الله أنه قال "في الجمعة اثنتا عشر ساعة منها ساعة لا يوجد فيها عبد مسلم يسأل الله شيئا إلا إعطاه إياه التمسوها آخر ساعة بعد العصر".
قال أبو عمر:
الصحيح في هذا ما جاء عن أبي سلمة عن أبي هريرة وأما عن أبي سلمة عن أبي سعيد أو جابر فلا والله وأعلم
حدثنا أحمد بن محمد حدثنا أحمد بن الفضل حدثنا محمد بن جبير حدثنا ابن المثنى حدثنا وهب بن جرير حدثنا شعبة عن إبراهيم بن ميسرة قال أخبرني من أرسله عمرو بن أوس إلى أبي هريرة يسأله عن الساعة التي في الجمعة فقال هي بعد العصر وشعبة عن الحكم عن ابن عباس قوله مثله وشعبة عن يونس بن حباب عن عطاء عن أبي هريرة مثله.
وحدثنا أحمد حدثنا محمد حدثنا ابن حميد حدثنا هارون عن عبسة عن سالم عن سعيد بن جبير عن عباس قال الساعة التي تذكر يوم الجمعة ما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس وكان سعيد بن جبير إذا صلى العصر يوم الجمعة لم يتكلم إلى غروب الشمس

(23/45)


وذكر موسى بن معاوية عن جرير عن ليث عن مجاهد وطاوس عن أبي هريرة أنه قال "الساعة التي في الجمعة بعد العصر حتى تغيب الشمس أو بعد الصبح حتى تطلع الشمس قال فكان طاوس إذا صلى العصر يوم الجمعة لم يكلم أحدا ولم يلتفت مشغولا بالدعاء والذكر حتى تغيب الشمس".
وذكر سنيد عن حجاج عن ابن جريج قال أخبرني إسماعيل بن كثير أن طاوسا أخبره أن الساعة من يوم الجمعة التي تقوم فيها الساعة والتي أنزل فيها آدم والتي لا يدعو فيها المسلم بدعوة صالحة إلا استجاب الله له من حين تصفر الشمس إلى حين تغيب فهذا ما بلغنا من الأخبار في معنى قول عبد الله بن سلام في ساعة يوم الجمعة وذلك أثبت ما قيل في ذلك إن شاء الله.
أما الآثار المخالفة لذلك والأقوال فقد مضى ذكرها في باب أبي الزناد والحمد لله.
وأما قوله فقال كعب هي كل سنة مرة فقلت بل في كل جمعة ثم قرأ كعب التوراة فقال صدق رسول الله ففيه دليل على أن العالم قد يخطى ء وأنه ربما قال على أكبر ظنه فأخطأ ظنه.
وفيه أن سمع الخطأ وجب عليه إنكاره ورده على كل من سمعه منه إذا كان عنده في رده أصل صحيح كأصل أبي هريرة في إنكاره على كعب

(23/46)


وفيه أن على العالم إذا رد عليه قوله طلب التثبت فيه والوقوف على صحته حيث رجاه من مواضعه حتى تصح له أو يصح قول منكره فينصرف إليه.
وفيه دليل على أن الواجب على كل من عرف الحق أن يذعن إليه فأما قول أبي هريرة فلقيت بصرة بن أبي بصرة الغفاري إلى آخر قصته معه فهكذا في الحديث من رواية مالك بصرة بن أبي بصرة لم يختلف عنه في ذلك ولا عن يزيد بن الهادي وإنما جاء ذلك من يزيد لا من مالك فيما أظن والله أعلم.
وغير يزيد يقول في هذا الحديث فلقيت أبا بصرة الغفاري وأبو بصرة اسمه حميل بن بصرة وقد سماه زيد بن أسلم في حديثه هذا.
حدثنا سعيد بن نصر وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا زكرياء بن يحيى الناقد قال حدثنا سعيد بن سليمان عن محمد بن عبد الرحمن بن مجير قال حدثنا زيد بن أسلم عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة أنه خرج إلى الطور ليصلي فيه ثم أقبل فلقي حميل الغفاري فقال له حميل من أين جئت قال من الطور قال أما إني لو لقيتك لم تأته قال لم قال لأني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "لا تضرب أكباد الإبل إلا إلى ثلاثة مساجد مسجد الحرام ومسجدي هذا ومسجد بيت المقدس".

(23/47)


وروى القعنبي قال حدثنا الدراوردي عن زيد بن أسلم عن المقبري عن أبي هريرة أنه خرج إلى الطور يصلي فيه ثم أقبل فلقيني حميل ابن بصرة الغفاري ثم ذكر مثله حرفا بحرف إلى آخره .
أخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن قال حدثنا إسماعيل بن علي اللخمي ببغداد قال حدثنا جعفر بن محمد قال حدثنا أحمد بن إبراهيم حدثنا عثمان بن عمر قال حدثنا ابن أبي ذئب عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبيه عن عبد الله بن سلام قال "بدأ الله خلق الأرض فخلق سبع أرضين في يومين يوم الأحد ويوم الإثنين وقدر فيها أقواتها في يومين يوم الثلاثاء ويوم الأربعاء ثم استوى إلى السماء فخلقهن في يومين يوم الخميس وقضاهن في آخر يوم الجمعة وهي الساعة التي خلق الله فيها آدم على عجل والساعة التي تقوم فيه الساعة ما خلق الله عز وجل من دابة إلا هي تفزع من يوم الجمعة إلا الإنسان والشيطان" .
وحدثنا عبد الله حدثنا إسماعيل حدثنا محمد بن عثمان قال حدثنا أبو بلال الأشعري قال حدثنا الفضيل بن سليمان قال أخبرنا محمد بن زيد قال حدثنا أبو سلمة بن عبد الرحمن قال اجتمع أبو هريرة وعبد الله بن سلام فذكروا عن النبي الساعات التي في

(23/48)


يوم الجمعة وذكر أنه قالها فقال عبد الله بن سلام أنا أعلم أية ساعة هي "بدأ الله عز وجل في خلق السماوات والأرض يوم الأحد وفرغ في آخر ساعة من يوم الجمعة فهي آخر ساعة من يوم الجمعة" وفي قول عبد الله بن سلام كذب كعب ثم قوله صدق كعب دليل على ما كان القوم عليه من إنكار ما يجب إنكاره والإذعان إلى الحق والرجوع إليه إذا بان لهم ومعنى قوله كذب كعب يريد غلط كعب وقد تضع العرب أحيانا هذه اللفظة بمعنى الغلط وقد فسرنا ذلك بالشاهد عليه في باب ابن شهاب عن سالم وحمزة ابني عبد الله بن عمرو وفي قول عبد الله بن سلام قد علمت أية ساعة هي دليل على أن للعالم أن يقول أنا أعلم كذا وقد علمت كذا وأنا أعلم بكذا إذا لم يكن ذلك على سبيل الفخر والسمعة وفي قول أبي هريرة أخبرني بها ولا تضن علي أي لا تبخل علي دليل على ما كان القوم عليه من الحرص على العلم والبحث عنه وفي مراجعة أبي هريرة لعبد الله بن سلام حين قال هيب آخر ساعة من يوم الجمعة واعتراضه عليه بأنها ساعة لا يصلى فيها ورسول الله قد قال لا يوافقها عبد مسلم وهو يصلي يسأل الله شيئا إلا أعطاه إياه أدل دليل على إثبات المناظرة والمعارضة وطلب الحجة ومواضع الصواب وفي إدخال عبد الله بن سلام عليه قول رسول الله من انتظر صلاة فهو في صلاة وإذعان أبي هريرة إلى ذلك دليل بين على ما كان القوم

(23/49)


عليه من البصر بالاحتجاج والاعتراضات والإدخال والإلزامات في المناظرة وهذا سبيل أهل الفقه أجمع إلا طائفة لا تعد من العلماء أعرقوا في التقليد وأزاحوا أنفسهم من المناظرة والتفهم وسموا المذاكرة مناظرة جهلا منهم بالأصول التي منها ينزع أهل النظر وإليها يفزع أولوا البصر والله المستعان .
حدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا ابن وضاح قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا محمد بن عبيد قال حدثنا محمد بن إسحاق عن محمد بن إبراهيم بن الحارث عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن عبد الله بن سلام قال قال النبي صلى الله عليه وسلم "من انتظر الصلاة فهو في الصلاة حتى يصلي" قال أنت سمعته قلت نعم قال فهو كذلك .
وأخبرنا أحمد بن عبد الله حدثنا الحسن بن إسماعيل حدثنا عبد الملك بن يحيى حدثنا محمد بن إسماعيل حدثنا سنيد حدثنا الحجاج عن ابن جريج قال قال عطاء عن بعض أهل العلم لا أعلمه إلا ابن عباس "أنه قال في الساعة المستجاب فيها يوم الجمعة هي بعد العصر فقيل له لا صلاة بعد العصر قال بلى ولكن ما كان في مصلاه لم يقم منه فهو في الصلاة".

(23/50)


الحديث الثاني
...
حديث ثان ليزيد بن الهادي
مالك عن يزيد بن الهادي عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي سعيد الخدري أنه قال "كان رسول الله يعتكف العشر الوسط من رمضان فاعتكف عاما حتى إذا كان ليلة إحدى وعشرين وهي الليلة التي يخرج فيها من صبحتها من اعتكافه قال من كان اعتكف معي فليعتكف العشر الأواخر وقد رأيت هذه الليلة ثم أنسيتها وقد رأيتني أسجد من صبحتها في ماء وطين فالتمسوها في العشر الأواخر والتمسوها في كل وتر" قال أبو سعيد فأمطرت السماء تلك الليلة وكان المسجد على عريش فوكف المسجد قال أبو سعيد فأبصرت عيناي رسول الله انصرف وعلى جبهته وأنفه أثر الماء والطين من صبيحة إحدى وعشرين .
قال أبو عمر:
في هذا الحديث وهو من أصح حديث يروى في هذا الباب دليل على أن الاعتكاف في رمضان سنة مسنونة لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان

(23/51)


يعتكف في رمضان ويواظب على ذلك وما واظب عليه فهو سنة لأمته والدليل على أنه كان يعتكف في كل رمضان قوله "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتكف العشر الوسط من رمضان فاعتكف عاما" ثم ساق القصة وهذا يدل على أنه كان يعتكف كل رمضان والله أعلم .
وأجمع علماء المسلمين على أن الاعتكاف ليس بواجب وأن فاعله محمود عليه مأجور فيه وهكذا سبيل السنن كلها ليست بواجبة فرضا ألا ترى إلى إجماعهم على قولهم هذا فرض وهذا سنة أي هذا واجب وهذا مندوب إليه وهذه فريضة وهذه فضيلة .
وأما قوله حتى إذا كان ليلة إحدى وعشرين وهي الليلة التي يخرج فيها من صحبتها من اعتكافه فهكذا رواية يحيى من صبحتها وتابعه على ذلك جماعة منهم ابن بكير والشافعي وأما القعنبي وابن وهب وابن القاسم وجماعة أيضا فقالوا في هذا الحديث عن مالك وهي الليلة التي يخرج فيها من اعتكافه لم يقولوا من صبحتها .
و قال يحيى بن يحيى وابن بكير والشافعي من صبحتها .
حدثنا أحمد بن عبد الله بن محمد قال حدثنا الميمون بن حمزة قال حدثنا أبو جعفر الطحاوي قال حدثنا المزني قال حدثنا الشافعي قال أخبرنا مالك بن أنس عن يزيد عبد الله بن الهادي عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن

(23/52)


عن أبي سعيد الخدري قال "كان رسول الله يعتكف العشر الوسط من رمضان فاعتكف عاما حتى إذا كان ليلة إحدى وعشرين وهي الليلة التي كان يخرج من صبحتها من اعتكافه" وذكر الحديث إلى آخره حرفا بحرف كرواية يحيى إلا أنه قال في موضع وقد رأيت هذه الليلة وقال أريت هذه الليلة ثم أنسيتها وقال رأيتني أسجد فجعل في موضع وقد قال في الموضعين وقد أريت في موضع رأيت وقال فأمطرت السماء من تلك الليلة فزاد من .
وحدثنا أحمد بن محمد قال حدثنا محمد بن عيسى قال حدثنا يحيى ين أيوب وحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا مطرف بن عبد الرحمن قالا حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير عن مالك عن يزيد بن الهادي عن محمد بن إبراهيم بم الحارث التيمي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي سعيد الخدري أنه قال "كان رسول الله يعتكف العشر الوسط من رمضان فاعتكف عاما حتى إذا كان ليلة إحدى وعشرين وهي الليلة التي يخرج من صبحتها من اعتكافه" وساق الحديث كرواية يحيى حرفا بحرف إلى آخره هكذا قال ابن بكير يخرج من صبحتها وقال يحيى يخرج فيها من صبحتها وقال الشافعي:

(23/53)


يخرج من صبحتها وقال القعنبي وابن القاسم وطائفة يخرج فيها ولم يقولوا من صبحها ولا من صحبتها وروى ابن وهب وابن عبد الحكم عن مالك قال ولا بأس بالاعتكاف في أول الشهر ووسطه وآخره فمن اعتكف في أوله أو وسطه فليخرج إذا غابت الشمس من آخر يوم من اعتكافه وإن اعتكف في آخر الشهر فلينصرف إلى بيته حتى يشهد العيد مع المسلمين ويبيت ليلة الفطر في معتكفه ويرجع من المصلى إلى أهله قال وكذلك بلغني عن النبي صلى الله عليه وسلم.
و قال ابن القاسم فأن خرج ليلة الفطر فلا قضاء عليه.
و قال ابن الماجشون وسحنون يفسد اعتكافه لأنه السنة المجتمع عليها أنه يبيت في معتكفه حتى يصبح.
قال أبو عمر:
لم يقل بقولهما أحد من أهل العلم فيما علمت ولا وجه له في القياس لأن ليلة الفطر ليست بموضع اعتكاف ولا صيام ولا من شهر رمضان ولا يصح فيها عن النبي صلى الله عليه وسلم شيء .
وقد روى ابن القاسم عن مالك في المستخرجة في المعتكف يخرج ليلة الفطر من اعتكافه لا إعادة عليه وقال مالك في الموطأ أنه رأى أهل الفضل إذا اعتكفوا العشر الأواخر من رمضان لا يرجعون إلى أهليهم حتى يشهدوا العيد مع الناس.

(23/54)


و قال الشافعي إذا أراد أن يعتكف العشر الأواخر دخل قبل الغروب فإذا أهل هلال شوال فقد أتم العشر وهو قول أبي حنيفة وأصحابه.
قال أبو عمر:
قد أجمعوا في المعتكف العشر الأول أو الوسط من رمضان أنه يخرج إذا غابت الشمس من آخر يوم من اعتكافه وفي إجماعهم على ذلك ما يوهن رواية من روى يخرج من صبحتها أو في صبحتها واختلفوا في العشر الأواخر وما أجمعوا عليه يقضي على ما اختلفوا فيه من ذلك ويدل والله أعلم على تصويب رواية من روى يخرج فيها من اعتكافه يعني بعد الغروب والله أعلم والصحيح في تحصيل مذهب مالك أن مقام المعتكف ليلة الفطر في معتكفه وخروجه منه إلى العيد استحباب وفضل لا إيجاب وليس مع من أوجب ذلك حجة من جهة النظر ولا صحيح الأثر بالله التوفيق .
واختلف العلماء أيضا في المعتكف متى يدخل المسجد الذي يريد الاعتكاف فيه فقال مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابهم إذا أوجب على نفسه اعتكاف شهر دخل المسجد قبل غروب الشمس .
قال مالك وكذلك من أراد أن يعتكف يوما أو أكثر دخل معتكفه قبل

(23/55)


غروب الشمس من ليلة ذلك اليوم وقال الشافعي إذا قال لله علي اعتكاف يوم دخل قبل طلوع الفجر وخرج بعد غروب الشمس خلاف قوله في الشهر .
و قال زفر والليث بن سعد يدخل في الشهر وفي اليوم قبل طلوع الفجر وهو قول أبي يوسف ولم يفرقوا بين الشهر واليوم .
قال أبو عمر:
ذهب هؤلاء إلى أن الليل لا مدخل له في الاعتكاف إلا أن يتقدمه ويتصل به اعتكاف نهار وذهب أولئك إلى أن الليلة تبع لليوم في كل أصل فوجب اعتبار ذلك .
وروى يحيى بن سعيد عن عمرة عن عائشة "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد أن يعتكف صلى الصبح ثم دخل المكان الذي يعتكف فيه" .
قال أبو عمر:
قد ذكرنا معاني الاعتكاف وأصول مسائله وأمهات أحكامه في باب ابن شهاب عن عروة من هذا الكتاب وأجمع العلماء على أن رمضان كله موضع للاعتكاف وأن الدهر كله موضع للاعتكاف إلا الأيام التي لا يجوز صيامها وقد ذكرنا ما لهم من التنازع في الاعتكاف بغير صوم في باب ابن شهاب عن عروة وذكرنا اختلافهم في صيام أيام التشريق في غير موضع من هذا الكتاب والحمد لله.

(23/56)


وأما قوله في ليلة القدر إني رأيتها ثم أنسيتها ورأيتني أسجد من صبحتها في ماء وطين فالتمسوها في العشر الأواخر والتمسوها في كل وتر فعلى هذا أكثر العلماء أنها عندهم في الوتر من العشر الأواخر وقد ذكرنا ما في ليلة القدر من المذاهب والآثار والاعتبار والاختيار في باب حميد الطويل من كتابنا هذا فلا معنى لتكرير ذلك ههنا .
وقد روي من حديث جابر بن سمرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "التمسوا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان فإني قد رأيتها ونسيتها وهي ليلة مطر وريح" وهذا نحو معنى حديث أبي سعيد الخدري في هذا الباب .
أخبرنا إبراهيم بن شاكر قال حدثنا محمد بن أحمد بن يحيى قال حدثنا محمد بن أيوب بن حبيب قال حدثنا أحمد بن عمرو البزار قال حدثنا أحمد بن منظور قال حدثنا عبد الرحمن بن شريك عن أبيه عن سماك بن حرب عن جابر بن سمرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "التمسوا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان فإني قد رأيتها فنسيتها وهي ليلة مطر وريح أو قال قطر وريح" .
قال البزار ولا نعلم أحدا روى هذا اللفظ بهذا الحديث إلا عبد الرحمن بن شريك .
وحدثنا إبراهيم بن شاكر قال حدثنا محمد بن أحمد قال حدثنا محمد بن أيوب قال حدثنا أحمد بن عمرو حدثنا محمد بن إسماعيل البخاري حدثنا عبد الرحمن بن شريك عن أبيه عن سماك عن جابر بن سمرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في ليلة القدر "أنها ليلة ريح ومطر".

(23/57)


قال أبو عمر:
هذا معناه في ذلك العلم وذلك الوقت والله أعلم وأما قوله وكان المسجد على عريش فإنه أراد أن سقفه كان معرشا بالجريد من غير طين فوكف المسجد يعني هطل فصار من ذلك في المسجد ماء وطين فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى جبهته وأنفه أثر الماء والطين من سجوده على ذلك قال الشاعر في معنى وكف:
كأن أسطارها في بطن مهرقها ... نور يضاحك دمع الواكف الهطل
وقد اختلف قول مالك في الصلاة في الطين فمرة قال لا يجزيه إلا أن ينزل بالأرض ويسجد عليها على قدر ما يمكنه ومرة قال يجزيه أن يوميء إيماء ويجعل سجوده أخفض من ركوعه إذا كان الماء قد أحاط به .
أخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن قال حدثنا محمد بن عمر ابن يحيى قال حدثنا علي بن حرب قال حدثنا سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن جابر بن زيد أنه أومأ في ماء وطين .
قال عمرو: وما رأيت أعلم من جابر بن زيد قال عمرو وأخبرني عطاء أنه سمع ابن عباس يقول لو نزل أهل البصرة عند قول جابر ابن زيد لأوسعهم علما عما في كتاب الله وبه عن سفيان عن أبي بكر الهذلي قال ذكرت لقتادة الحسن ونفرا من نحوه فقال ما ذكرت أحدا إلا والحسن أفقه منه إلا جابر بن زيد

(23/58)


أخبرنا أبو عثمان سعيد بن نصر وسعيد بن عثمان قالا حدثنا أبو عمر أحمد بن دحيم بن خليل قال حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي قال حدثنا داود بن عمرو الضبي قال حدثنا عمرو بن الرماح قاضي بلخ قال أخبرني كثير بن زياد أبو سهل عن عمرو بن عثمان بن يعلى عن أبيه عن جده قال "كان النبي في سفر فأصابتنا السماء فكانت البلة من تحتنا والسماء من فوقنا وكان في مضيق فحضرت الصلاة فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بلالا فأذن وأقام ثم تقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى على راحلته والقوم على رواحلهم يوميء إيماء يجعل السجود أخفض من الركوع" .
وأخبرنا عبد الله بن محمد قال حدثنا عبد الحميد بن أحمد الوارق قال حدثنا الخضر بن داود قال حدثنا أحمد بن محمد بن هاني الأثرم قال حدثنا شريح بن النعمان قال حدثنا ابن الرماح عن أبي سهل كثير بن زياد البصري عن عمرو بن عثمان بن يعلى بن أمية عن أبيه عن جده "أن رسول الله انتهى إلى مضيق ومعه أصحابه والسماء من فوقهم البلة من أسفل منهم وحضرت الصلاة فأمر رسول الله المؤذن فأذن أو أقام فتقدمهم رسول الله فصلى بهم على راحلته وهم على رواحلهم يوميء إيماء يجعل السجود أخفض من الركوع أو قال يجعل سجوده أخفض من ركوعه".

(23/59)


قال: وحدثنا مسلم بن إبراهيم قال حدثنا أبان قال حدثنا أنس ابن سيرين قال "أقبلت مع أنس بن مالك من الشام حتى أتينا سواء ببط وحضرت الصلاة والأرض كلها غدير فصلى على حمار يوميء إيماء" .
قال وحدثنا موسى بن إسماعيل قال حدثنا أبو عوانة عن قتادة عن جابر بن زيد في الذي تحضره الصلاة وهو في ماء وطين قال يوميء إيماء .
قال: وحدثنا سعيد بن عفير قال حدثنا ابن لهيعة عن عمار بن غزية "في الرجل تدركه الصلاة وهو في ماء وطين قال: يصلي قائما متوجها إلى القبلة يوميء برأسه" .
قال: وحدثنا منجاب بن الحارث قال أخبرنا شريك عن ليث عن طاوس قال "إذا كان ردع أو مطر فصل على الدابة" .
قال: وسمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل يسأل عن الصلاة المكتوبة على الراحلة فقال "لا يصلى على الراحلة في الأمن إلا في موضعين إما في طين وإما في تطوع قال وصلاة الخوف" وذكر أبو عبد الله حديث يعلى بن أمية الذي ذكرناه في هذا الباب وسئل أبو عبد الله أحمد بن حنبل مرة أخرى عن الصلاة على الراحلة فقال أما في الطين فنعم يعني المكتوبة .
قال أبو عمر:
من أتى من الصلاة على الراحلة أو على قدميه بالإيماء من أجل الطين والماء احتج بحديث هذا الباب عن أبي سعيد الخدري قوله:

(23/60)


"فأبصرت عيناي رسول الله انصرف وعلى جبهته وأنفه ويروي على جبينه وأنفه أثر الماء والطين قالوا فلو حاز الإيماء في ذلك ما كان رسول الله ليضع أنفه وجبهته في الطين" وهذا حديث صحيح وحديث يعلى بن أمية ليس إسناده بشيء .
قال أبو عمر:
أما إذا كان الطين والماء مما يمكن السجود عليه وليس فيه كبير تلويث وفساد للثياب وجاز تمكين الجبهة والأنف من الأرض فهذا موضع لا تجوز فيه الصلاة على الراحلة ولا على الأقدام بالإيماء لأن الله عز وجل قد افترض الركوع والسجود على كل من قدر على ذلك كيفما قدر وأما إذا كان الطين والوحل والماء الكثير قد أحاط بالمسجون أو المسافر الذي لا يرجو الانفكاك منه ولا الخروج منه قبل خروج الوقت وكان ماء معينا غرقا وطينا قبيحا وحلا فجائز لمن كان في هذه الحال أن يصلي بالإيماء على ما جاء في ذلك عن العلماء من الصحابة والتابعين فالله أعلم بالعذر وليس بالله حاجة إلى تلويث وجهه وثيابه وليس في ذلك طاعة إنما الطاعة الخشية والعمل بما في الطاقة
وفي هذا الحديث أيضا ما يدل على أن السجود على الأنف والجبهة جميعا وأجمع العلماء على أنه إن سجد على جبهته وأنفه فقد أدى فرض الله في سجوده واختلفوا فيمن سجد على أنفه دون جبهته أو

(23/61)


جبهته دون أنفه فقال مالك يسجد على جبهته وأنفه فإن سجد على أنفه دون جبهته لم يجزه وإن سجد على جبهته دون أنفه كره ذلك وأجزأ عنه .
وقال الشافعي لا يجزيه حتى يسجد على أنفه وجبهته وهو قول الحسن بن حي .
وقد روى حماد بن سلمة عن عاصم الأحوال عن عكرمة أن رسول الله قال "من لم يضع أنفه بالأرض فلا صلاة له".
وقال أبو حنيفة إذا سجد على جبهته أو ذقنه أو أنفه أجزأه وحجته حديث ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم "أمرت أن أسجد على سبعة أرادب" ذكر منها الوجه قال فأي شيء وضع من الوجه أجزأه وهذا ليس بشيء لأن هذا الحديث قد ذكر فيه جماعة الأنف والجبهة .
وأما قوله وذلك صبيحة ليلة إحدى وعشرين فذلك يدل على أن تلك الليلة كانت ليلة القدر لا محالة والله أعلم لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إني رأيتها ثم أنسيتها ورأيتني أسجد من صبحتها في ماء وطين فكان كما رأى في نوم ومعلوم أن ليلة القدر جائز أن تكون ليلة إحدى وعشرين وفي كل وتر من العشر الأواخر أيضا وقد قيل في غير الوتر وفي غير العشر الأواخر أيضا إذا كان في شهر

(23/62)


رمضان وقد قدمنا ذكر ذلك كله في باب حميد الطويل من هذا الكتاب .
وقد ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن ليلة القدر في كل رمضان ليلة إحدى وعشرين وذهب آخرون إلى أنها ليلة ثلاث وعشرين في كل رمضان وذهب آخرون إلى أنها ليلة سبع وعشرين في كل رمضان وذهب آخرون إلى أنها تنتقل في كل وتر من العشر الأواخر وهذا عندنا هو الصحيح إن شاء الله .
وقد ذكرنا القائلين بهذه الأقاويل وما روي في ذلك كله من الأثر في باب حميد الطويل والحمد لله وذكرنا في باب أبي النضر من هذا الكتاب ما قيل في ليلة ثلاثة وعشرين ومن قطع بأنها ليلة ثلاث وعشرين أبدا وهي عندنا تنتقل وبهذا يصح استعمال الآثار المرفوعة وغيرها وبالله التوفيق .
ذكر عبد الرزاق عن الأسلمي عن جعفر بن محمد عن أبيه أن عليا كان يتحرى ليلة القدر تسع عشرة وإحدى وعشرين وثلاث وعشرين .
وعن الثوري عن الأعمش عن إبراهيم عن الأسود قال قال عبد الله بن مسعود تحروا ليلة القدر سبع عشرة صباحة بدر أو إحدى وعشرين أو ثلاث وعشرين .

(23/63)


وعن الأسلمي عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس قال ليلة القدر في كل رمضان تأتي .
ومن حديث أبي ذر أن رسول الله قال "هي في كل رمضان" .
وعن معمر عن أيوب عن أبي قلابة قال "ليلة القدر تنتقل في العشر الأواخر في كل وتر".
قال أبو عمر:
هذا أصح لأن ابن عمر روى عن رسول الله "أنه قال التمسوها في العشر الأواخر في كل وتر وهي التسع الأواخر وفي التسع الأواخر في كل وتر" .
وقد روي ذلك من حديث عمر عن النبي حدثنا إبراهيم بن شاكر قال حدثنا محمد بن أحمد بن يحيى قال حدثنا محمد بن أيوب قال حدثنا أحمد بن عمرو بن عبد الخالق قال حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن كثير حدثنا عبد الله بن إدريس عن عاصم بن كليب عن أبيه عن ابن عباس عن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر ليلة القدر فقال "التمسوها في العشر الأواخر" في وتر منها.

(23/64)


وروي مثل ذلك من حديث أبي سعيد الخدري وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم .
وقد روى الدراوردي حديث أبي سعيد عن يزيد بن الهادي بإسناده وساقه سياقة حسنة وذكر فيه "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينصرف إذا اعتكف العشر الأوسط ليلة إحدى وعشرين" وهذا يدل على أن ذلك كان ليلا وهذا يرد رواية من روى عن مالك في هذا الحديث وهي الليلة التي كان يخرج من صبحتها من اعتكافه ويصحح رواية من روى هي الليلة التي كان يخرج فيها من اعتكافه .
حدثنا أحمد بن عبد الله بن محمد قراءة مني عليه أن الميمون بن حمزة الحسني حدثهم قال حدثنا أبو جعفر الطحاوي قال حدثنا المزني قال حدثنا الشافعي قال حدثنا عبد العزيز بن محمد عن يزيد بن عبد الله بن الهادي عن محمد بن إبراهيم عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي سعيد الخدري قال "كان رسول الله يجاور في رمضان العشر التي في وسط الشهر فإذا كان يمسي من عشرين ليلة تمضي وتستقبل إحدى وعشرين يرجع إلى مسكنه ويرجع من كان يجاور معه" ثم أقام في شهر جاور فيه تلك الليلة التي كان يرجع فيها فخطب الناس وأمرهم بما شاء الله عز وجل فقال إني كنت أجاوز هذه العشر ثم بدا لي أن أجاور هذه العشر الأواخر فمن كان اعتكف معي فليثبت في معتكفه وقد رأيت هذه

(23/65)


الليلة ثم أنسيتها فابتغوها في العشر الأواخر وابتغوها في كل وتر وقد رأيتني صبيحتها أسجد في طين وماء .
قال أبو سعيد فاشتملت السماء في تلك الليلة فأمطرت فوكف المسجد في مصلى رسول الله ليلة إحدى وعشرين بصر عيني نظرت إليه انصرف من صلاة الصبح وجبينه ممتلى ء طينا وماء.

(23/66)


الحديث الثالث
...
حديث ثالث ليزيد بن الهادي
مالك عن يزيد بن عبد الله بن الهادي عن أبي مرة مولى أم هانىء عن عبد الله بن عمرو بن العاصي "أنه دخل على أبيه عمرو بن العاصي فوجده يأكل قال فدعاني قال فقلت له إني صائم فقال هذه الأيام التي نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيامهن وأمرنا بفطرهن قال مالك وهي أيام التشريق" .
"هكذا يقول يحيى في هذا الحديث عن أبي مرة مولى أم هانى ء عن عبد الله بن عمرو وأنه أخبره أنه دخل على أبيه عمرو بن العاصي فجعل الحديث عن أبي مرة عن عبد الله بن عمرو عن أبيه لم يذكر سماع أبي مرة من عمرو بن العاصي وقال يحيى أيضا مولى أم هانى ء امرأة عقيل وهو خطأ فاحش أدركه عليه ابن وضاح وأمر بطرحه قال وللصواب أنها أخته لا امرأته وقال سائر الرواة عن مالك منهم القعنبي وابن القاسم وابن وهب وابن بكير وأبو مصعب ومعن والشافعي وروح بن عبادة ومحمد بن الحسن وغيرهم في هذا الحديث عن يزيد بن الهادي عن أبي مرة مولى أم هانى ء أنه دخل مع عبد الله بن عمرو بن العاصي وروى ابن وهب وغيره عن مخرمة بن بكير بن الأشبح عن أبيه قال سمعت أبا مرة

(23/67)


يحدث عن أبي رافع مولى ابن العجماء عن عبد الله بن عمرو بن العاصي قال "دخلت على عمرو بن العاصي الغد من يوم النحر وعبد الله صائم فقال اقترب فكل فقلت إني صائم فقال عمرو فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن صيام هذه الأيام" ذكره أبو الحسن الدارقطني حدثنا أبو بكر النيسابوري حدثنا أحمد بن عبد الله محمد بن وهب حدثنا عمي عبد الله بن وهب فذكره ورواية مخرمة بن بكير هذه تشهد لرواية يحيى بن يحيى عن مالك بأن أبا مرة لم يسمع الحديث من عمرو بن العاصي والله أعلم .
وقال ابن أخي ابن وهب والربيع بن سليمان المرادي عن ابن وهب أخبرني ابن لهيمة عن مالك عن ابن الهادي عن أبي مرة مولى عقيل بن أبي طالب أنه قال دخلت مع عبد الله بن عمرو على أبيه.
هكذا يقول يزيد في هذا الحديث عن أبي مرة مولى أم هانى ء وأكثرهم يقولون مولى عقيل بن أبي طالب واسمه يزيد بن مرة .
وقال القعنبي في هذا الحديث عن مالك عن يزيد بن عبد الله بن الهادي عن أبي مرة مولى أم هانىء أنه دخل مع عبد الله بن عمرو بن العاصي على أبيه عمرو بن العاصي وكذلك قال روح بن عبادة عن مالك وكذلك قال الليث عن يزيد بن الهادي عن أبي مرة مولى عقيل أنه دخل هو وعبد الله بن عمرو بن العاصي على عمرو بن العاصي وذكر مثل حديث مالك.

(23/68)


حدثنا عبد الوارث بن سفيان حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا محمد ابن الجهم السمري حدثنا روح بن عبادة عن مالك عن يزيد بن عبد الله بن الهادي عن أبي مرة مولى أم هانىء "أنه دخل مع عبد الله بن عمرو على أبيه عمرو بن العاصي يقرب إليه طعاما قال كل قال إني صائم فقال عمرو كل فهذه الأيام التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا بفطرها وينهانا عن صيامها قال مالك وهي أيام التشريق" .
وقد روي هذا الحديث عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم وإنما هو عن عبد الله بن عمرو عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم وأحسن أسانيد حديث عمرو بن العاصي هذا إسناد مالك هذا عن يزيد بن الهادي عن أبي مرة عن عبد الله بن عمرو عن أبيه .
وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم "أنه نهى عن صيام أيام التشريق جماعة" من الصحابة منهم علي بن أبي طالب وعبد الله بن حذافة وبشر ابن سحيم وعمرو بن العاصي وعقبة بن عامر .
حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا الحسن بن علي قال حدثنا ابن وهب قال حدثنا موسى بن علي وحدثنا عبد الله ابن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا عثمان بن أبي شيبة قال حدثنا وكيع عن موسى بن علي والأخبار في حديث بن

(23/69)


وهب قال سمعت أبي يقول إنه سمع عقبة بن عامر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق عيد أهل الإسلام وهي أيام أكل وشرب" لا يوجد ذكر يوم عرفة في غير هذا الحديث وقد مضى القول في ذلك في غير هذا الباب من هذا الكتاب منها باب ابن شهاب وباب أبي النضر ومضى هنالك كثير من معاني هذا الباب والحمد لله .
واختلف الفقهاء في صيام أيام التشريق للمتمتع إذا لم يجد الهدي ولم يصم قبل يوم النحر ولمن نذر صومها أو صوم بعضها فذكر ابن عبد الحكم عن مالك قال لا بأس بصيام الدهر إذا أفطر يوم الفطر ويوم النحر وأيام التشريق لنهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيامها .
و قال في موضع آخر ولا يتطوع أحد بصيام أيام منى .
وروى ابن وهب عن مالك قال لا يصام يوم الفطر ويوم النحر وأيام التشريق .
وروى ابن القاسم عن مالك قال لا يصوم أحد يوم الفطر ولا يوم النحر بحال من الأحوال ولا ينبغي لأحد أن يصوم أيام الذبح الثلاثة قال وأما اليومان اللذان بعد يوم النحر فلا يصومهما أحد

(23/70)


متطوعا ولا يقضي فيهما صياما واجبا من نذر ولا رمضان ولا يصومهما إلا المتمتع الذي لم يصم في الحج ولم يجد الهدي قال وأما آخر أيام التشريق فيصام إن نذره رجل أو نذر صيام ذي الحجة فأما قضاء رمضان أو غيره فلا يفعل إلا أن يكون قد صام قبل ذلك صياما متتابعا فمرض ثم صح وقوي على الصيام في هذا اليوم فيبني على الصيام الذي كان صامه في الظهار أو قتل النفس .
وأما رمضان خاصة فإنه لا يصومه عنه .
وقال الشافعي في رواية الربيع والمزني ولا يصام يوم الفطر ولا يوم النحر ولا أيام منى فرضا ولا تطوعا ولو صامها متمتع لم يجد هديا لم يجز عنه بحال .
قال المزني وقد قال مرة يجزي عنه ثم رجع عنه وأصحاب الشافعي على القولين جميعا .
وقال أبو حنيفة وأصحابه وابن علية لا يصام يوم الفطر ولا يوم النحر ولا أيام التشريق على حال ومن نذر صيامها لم يجز له وقضاها ولا يصومها المتمتع ولا غيره .
وقال الليث لا يصوم أحد أيام منى متمتع ولا غيره والحجة لمذهب الليث ومن قال كقوله "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر مناديه فنادى

(23/71)


في أيام التشريق أنها أيام أكل وشرب ونهى عن صيامها وقد علم أن في أصحابه من المتمتعين من يمكن أن يكون لا يجد هديا وحقيقة النهي حمله على العموم إلا أن يتفق على أنه أريد به الخصوص .
وقد روي عن عمر وابن عباس أنهما نهيا المتمتع عن صيام أيام منى وقد أجمعوا على أن النهي عن صيام يوم النحر ويوم الفطر نهى عموم فكذلك نهيه عن صيام أيام منى هذه جملة ما احتج به الكوفيون ومن قال بقولهم في ذلك .
ومن حجة من أجاز صيام أيام التشريق للمتمتع إذا لم يجد الهدي عموم قول الله عز وجل في المتمتع {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ} ومعلوم أنها من أيام الحج لما فيها من عمله فبهذا قلنا إن النهي خرج على التطوع بها كنهيه عن الصلاة بعد العصر والصبح على ما قد ذكرناه والحمد لله .
قال أبو عمر:
تحصيل مذهب مالك في صيام المتمتع إذا لم يجد الهدي ولم يصم الثلاثة الأيام في الحج أنه يصوم أيام التشريق وهو قول ابن عمر وعائشة وهو أحد قولي الشافعي قال مالك فإن فاته صيام أيام التشريق صام العشرة كلها إذا رجع إلى بلاده وأجزأه وإن وجد هديا بعد رجوعه أهدى ولم يصم.

(23/72)


قال أبو عمر:
روي عن ابن عمر والزبير وأبي طلحة والأسود بن يزيد أنهم يصومون أيام التشريق تطوعا وليس ذلك بصحيح عنهم ولو صح كان الحجة فيما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا فيما جاء عنهم وجماعة العلماء والفقهاء على كراهية صيام أيام التشريق تطوعا وبالله التوفيق .
وأيام التشريق هي أيام منى وأيام الذبح بعد يوم النحر عند جماعة من أهل العلم وقد اختلف العلماء في أيام الذبح للأضحى وقد ذكرنا اختلافهم في ذلك باب يحيى ابن سعيد عن بشير بن يسار من هذا الكتاب والحمد لله.
وفي اشتقاق أيام التشريق لأهل اللغة قولان أحدهما أنها سميت بذلك لأن الذبح فيها يجب بعد شروق الشمس والآخر أنها سميت بذلك لأنهم كانوا يشرقون فيها لحوم الأضاحي إذا قددت .
قال قتادة وقول ثالث إنما سميت أيام التشريق لأنهم كانوا يشرقون الشمس في غير بيوت ولا أبنية للحج هذا قول أبي جعفر محمد بن علي

(23/73)


يزيد بن عبد الله بن قسيط الليثي
الحديث الأول
...
مالك عن يزيد بن عبد الله بن قسيط حديث واحد
وهو يزيد بن عبد الله بن قسيط الليثي من أنفسهم يكنى أبا عبد الله وكان من سكان المدينة ومعدود في علمائها وثقاتها وفقهائها .
روى عن أبي هريرة وابن عمر وسمع منهما روى عنه مالك بن أنس وعبيد الله بن عمر وابن أبي ذئب وكان أعرج يجمع من رجله .
قال الواقدي توفي يزيد بن عبد الله بن قسيط بالمدينة سنة اثنتين وعشرين في خلافة هشام وقال غيره سنة ثلاث وعشرين .
أخبرنا أبو القاسم خلف بن القاسم بن سهل بن أسود الحافظ قال حدثنا أبو بكر أحمد بن صالح بن عمر المقرىء قال حدثنا أبو الحسين أحمد بن جعفر بن محمد بن عبيد الله المنادي المقرىء قال حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال حدثني أبي أملاه علي إملاء قال حدثنا عبد الرزاق قال أخبرنا ابن جريج قال حدثني سفيان بن سعيد عن مالك بن أنس عن يزيد بن عبد الله بن قسيط عن سعيد بن المسيب أن عمر وعثمان قضيا في الملطا وفي السمحاق بنصف الموضحة قال عبد الرزاق ثم قدم علينا سفيان فحدثنا به عن مالك عن يزيد عن ابن المسيب عن عمر وعثمان مثله فلقيت مالكا فقلت له إن سفيان حدثنا عنك عن يزيد بن عبد الله بن قسيط عن ابن

(23/74)


المسيب عن عمر وعثمان أنهما قضيا في الملطا بنصف الموضحة فحدثني به فقال لا لست أحدث به اليوم وصدق قد حدثته ثم تبسم وقال بلغني أنه يحدث به عني ولست أحدث به اليوم فقال له مسلم بن خالد عزمت عليك إلا حدثته به وهو إلى جنبه فقال لا تعزم علي فلو كنت محدثا به اليوم أحدا حدثته قلت فلم لا تحدثني به قال ليس العمل عليه عندنا وذلك أن صاحبنا ليس عندنا بذاك يعني يزيد بن عبد الله بن قسيط .
قال أبو عمر:
قد قال مالك في موطئه لم أعلم أحدا من الأئمة في القديم ولا في الحديث قضى فيما دون الموضحة بشيء معلوم وهذا القول يعارض حديث يزيد بن قسيط هذا وحديث يزيد بن قسيط يدفع قول مالك هذا في موطئه فما أدري ما هذا ولا مخرج له إلا أن يكون لم يصح عنده وأما حديثه المسند في الموطأ - فهو :
مالك عن يزيد بن قسيط عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان عن أبيه عن عائشة "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أن يستمتع بجلود الميتة إذا دبغت".

(23/75)


هذا حديث ثابت من جهة الإسناد وبه أخذ مالك في جلود الميتة إذا دبغت أن يستمتع بها ولا تباع ولا ترهن ولا يصلى عليها ولا يتوضأ فيها ويستمتع بها في سائر ذلك من وجوه الانتفاع لأن طهارة الدباغ عنده ليست بطهارة كاملة وأكثر الفقهاء يقولون إن دباغها طهورها طهارة كاملة في كل شيء لقوله صلى الله عليه وسلم "أيما إهاب دبغ فقد طهر" وقد ذكرنا ما للعلماء في هذا الباب من المذاهب والأقوال والحجج والإعلال في باب يزيد بن أسلم عن ابن وعلة من هذا الكتاب والحمد لله .
وروى مالك عن يزيد بن قسيط عن سعيد بن المسيب أنه كان يقول ذكاة ما في بطن الذبيحة ذكاة أمه إذا كان قد نبت شعره وتم خلقه .
وقد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم ذكاة الجنين ذكاة أمه جابر وابن عمر وأبو سعيد وأبو أيوب بأسانيد حسان وليس في شيء منها ذكر شعر ولا تمام خلق

(23/76)


ويقول سعيد بن المسيب بقول مالك إن تم خلقه وأشعر أكل وإن لم يتم خلقه لم يؤكل .
و قال الثوري والليث بن سعد والأوزاعي وأبو يوسف ومحمد والشافعي وأحمد وإسحاق وداود يؤكل الجنين بذكاة أمه إن كان ميتا ولم يذكروا تمام خلق ولا شعر .
وروى عن ابن عباس "أحلت لكم بهيمة الأنعام" قال الجنين .
و قال أبو حنيفة وزفر لا يؤكل إلا إن كان حيا فيذكى وهو قول إبراهيم النخعي .
و قال الحسن في قوله "أحلت لكم بهيمة الأنعام" قال الشاة والبقرة والبعير .
وروى أبو إسحاق عن الحرث عن علي وأيوب عن نافع عن ابن عمر قالا ذكاة الجنين ذكاة أمه إذا أشعر وهذا القول ليس فيه رد للآثار المرفوعة بل هو تفسير لها وهو أول ما قيل به في هذا الباب لأنه إذا لم يتم خلقه ولا نبت شيء من شعره فهو في حكم مضغة الدم والله أعلم وهو الموفق للصواب.

(23/77)


يزيد بن زياد القرظي
الحديث الأول
...
مالك عن يزيد بن زياد القرظي حديثان
مالك عن يزيد بن زياد عن محمد بن كعب القرظي قال قال معاوية بن أبي سفيان وهو على المنبر "أيها الناس لا مانع لما أعطى الله ولا معطي لما منع الله ولا ينفع ذا الجد منه الجد من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين" ثم قال سمعت هؤلاء الكلمات من رسول الله على هذه الأعواد .
وهذا حديث مسند صحيح وإن كان ظاهره في هذا الإسناد الانقطاع وقد سمع ذلك محمد بن كعب من معاوية ذكر ذلك بعض رواة مالك عن مالك وهو محفوظ أيضا من غير طريق مالك .
وأما محمد بن كعب فأحد العلماء الفضلاء الثقات ومن التابعين بالمدينة وكان من أعلمهم بتأويل القرآن واقرئهم له ويكنى أبا حمزة توفي سنة عشرين ومائة وهو ابن ثمان وسبعين سنة وقد قيل توفي سنة سبع عشرة أو ثمان عشرة هذا قول الواقدي وغيره .
و قال أبو معشر وأبو نعيم مات محمد بن كعب القرظي سنة ثمان ومائة وهو محمد بن كعب بن حبان بن سليمان بن أسد القرظي من قريظة حلفاء الأوس وقد روى القاسم بن محمد عن

(23/78)


محمد بن كعب القرظي وحسبك بذلك جلالة له وقد سمع هذا الحديث ابن عجلان من محمد بن كعب القرظي .
حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا بكر بن حماد قال حدثنا مسدد قال حدثنا يحيى بن سعيد عن ابن عجلان قال سمعت محمد بن كعب القرظي قال كان معاوية يخطب بالمدينة يقول "تعلمن أيها الناس أنه لا مانع لما أعطى الله ولا معطي لما منع الله ولا ينفع ذا الجد منه الجد من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين سمعت هذه الأحرف من رسول الله صلى الله عليه وسلم على هذه الأعواد" .
لم تختلف الرواية والله أعلم في هذا الحديث عن محمد بن كعب عن معاوية أنه سمع هذا الحديث من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي رواية أهل المدينة وأما أهل العراق فيروون أن المغيرة بن شعبة كتب بهذا الحديث إلى معاوية والله أعلم .
وقد يجوز أن يكون قوله "من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين" سمعه معاوية من رسول الله صلى الله عليه وسلم فأشار إليه لأن ذلك ليس في حديث المغيرة وسائره في حديث المغيرة وعلى هذا التخريج تصح الأحاديث في ذلك لأنها منقولة بأسانيد صحاح والحمد لله .
أخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن قال حدثنا أحمد بن جعفر بن حمدان قال حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال حدثني

(23/79)


أبي قال حدثنا عبد الرزاق وروح وابن بكر قالوا حدثنا ابن جريج قال أخبرني عبدة بن أبي لبابة أن ورادا مولى المغيرة بن شعبة أخبره أن المغيرة بن شعبة كتب إلى معاوية .
كتب ذلك الكتاب له وراد إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول حين يسلم "لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد اللهم لا مانع لما أعطيت ولا ممنوع لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد" قال وراد ثم قدمت بعد ذلك على معاوية فسمعته على المنبر يأمر الناس بذلك القول ويعلمهموه .
قال أحمد بن حنبل وحدثنا روح قال حدثنا ابن عون قال أنبأني أبو سعيد قال أنبأني وراد كاتب المغيرة بن شعبة قال كتب معاوية إلى المغيرة أن أكتب إلى بشيء حفظته من رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال كان إذا صلى ففرغ قال "لا إله إلا الله قال وأظنه قال وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء

(23/80)


قدير اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد منك الجد" وسمعته ينهى عن قيل وقال وعن كثرة السؤال وإضاعة المال وعن وأد البنات وعقوق الأمهات ومنع وهات .
قال وحدثنا علي بن عاصم قال أخبرنا الحريري عن عبدة عن وراد عن المغيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله إلا أنه لم يذكر وأد البنات .
قال وحدثنا محمد بن جعفر قال حدثنا شعبة عن منصور قال سمعت المسيب بن رافع يحدث عن وراد كاتب المغيرة بن شعبة أن المغيرة بن شعبة كتب إلى معاوية "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا سلم قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد".
حدثنا عبد الوارث بن سفيان ويعيش بن سعيد قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا مضر بن محمد قال حدثنا هناد بن السري قال حدثنا عبدة عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن المغيرة بن شعبة قال "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سلم من الصلاة قال اللهم لك الحمد لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد".

(23/81)


قال أبو عمر:
أما قوله لا ينفع ذا الجد منك الجد فالرواية فيه بفتح الجيم لم أعلم عن مالك في ذلك خلافا وقد روي بكسر الجيم فأما الجد بفتح الجيم فهو الحظ وهو الذي يقال له البخت عند العامة .
يقولون بخت فلان خير من بخت فلان والعرب تقول جد فلان أحظى من جد فلان ومنه قولهم اسع بجد لا بكد .
و قال الشاعر وبالجد يسعى المرى ء لا بالتقلب .
و قال أبو عبيد المعنى في هذا الحديث ولا ينفع ذا الغنى منك غناه إنما ينفعه طاعتك والعمل بما يقرب منك .
واحتج بقول النبي صلى الله عليه وسلم قمت على باب الجنة فإذا عامة من دخلها الفقراء وإذا أصحاب الجد محبوسون يريد أصحاب الغنى في الدنيا محبوسون يومئذ وقال هو منزلة قوله {لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} .
وبمنزلة قوله: {وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً} .
وقال غير أبي عبيد في تأويل هذا الحديث نحو قول أبي عبيد وزاد قال الجد في هذا الموضع الحظ على ما قدمنا ذكره قال ومعنى هذا.

(23/82)


الحديث لا ينفع ذا الحظ منك الحظ وإنما ينفعه العمل بطاعتك قال وهو مأخوذ من قول العرب لفلان جد في هذا الأمر أي حظ واستشهد بقول امرى ء القيس:
ألا يا لهف نفسي إثر قوم ... هم كانوا الشفاء فلم يصابوا
وقاهم جدهم ببني أبيهم ... وبالأشقين ما كان العقاب
أراد وقاهم حظهم .
و قال الأخطل:
أعطاكم الله جدا تنصرون به ... لا جد إلا صغير بعد محتقر
و قال غيره:
عش بجد ولا يضرك نوك ... إنما عيش من ترى بالجدود
و قال آخر:
عش بجد ولا يضرك النو ... كما لقيت جدا
و قال أحمد بن حميد:
بالجد أجدى على امرى ء طلبه ... ومن يطل حرصه يطل تعبه
و قال ابن دريد عفا الله عنه:
لا يرفع اللب بلا جدولا ... يحطك الجهل إذا الجد علا

(23/83)


أخبرنا عبد الله بن محمد بن يحيى قال حدثنا أبو الحسن عبد الباقي بن نافع القاضي ببغداد قال حدثنا عبد الله بن أحمد بن سعيد قال حدثنا أبو غسان مالك بن سعد قال حدثنا روح بن عبادة قال حدثنا شعبة قال سمعت قتادة وسماك بن حرب وأبان ابن تغلب ينشدون هذا البيت:
أرى كل ذي جد ينوء بجده ... فلوشاء ربي كنت عمرو بن مرثد
و قال بعض أهل هذا العصر:
لا تشرهن إلى دنيا تملكها ... قوم كثير بلا عقل ولا أدب
ولا تقل إنني أبصرت ما جهلوا ... من الإدارة في مر ومنقلب
فبالجدود هم نالوا الذي ملكوا ... لا بالعقول ولا بالعلم والأدب
وأيسر الجد يجزي كل ممتنع ... على التمكن عند البغي والطلب
وإن تأملت أحوال الذين مضوا ... رأيت من ذا وهذا أعجب العجب
قال أبو عمر:
ومن روى هذا الحديث بكسر الجيم قال الجد الاجتهاد والمعنى أنه لا ينفع ذا الاجتهاد في طلب الرزق اجتهاده وإنما يأتيه ما قدر له وليس يرزق الناس على قدر اجتهادهم ولكن الله يعطي من يشاء ويمنع فلا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع وهذا وجه حسن والقول الأول أكثر وقول أبي عبيد في هذا الباب حسن أيضا وبالله التوفيق.

(23/84)


حدثنا خلف بن القاسم قال حدثنا عبد الله بن محمد القاضي الخصيبي قال حدثنا جعفر بن محمد الغريابي وأحمد بن يحيى بن إسحاق الحلواني قالا حدثنا علي بن حكيم الأودي قال أخبرنا شريك عن أبي عمر عن أبي جحيفة قال تذاكروا الجدود عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال بعضهم جدي في الغنم وقال بعضهم جدي في الخيل وقال بعضهم جديث في الإبل وحضرت الصلاة فصلى بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما رفع رأسه من الركوع قال سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد ملء السماوات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد لا ينفع ذا الجد منك الجد يرفع بها صوته .

(23/85)


الحديث الثاني
...
حديث ثان ليزيد بن زياد
ملك عن يزيد بن زياد عن عبد الله بن رافع مولى أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنه سأل أبا هريرة عن وقت الصلاة فقال أبو هريرة أنا أخبرك "صل الظهر إذا كان ظلك مثلك والعصر إذا كان ظلك مثليك والمغرب إذا غربت الشمس والعشاء ما بينك وبين ثلثي الليل فإن نمت إلى نصف الليل فلا نامت عينك وصل الصبح بغبش يعني الغلس" .
هذا حديث موقوف في الموطأ عند جماعة رواته والمواقيت لا تؤخذ بالرأي ولا تدرك إلا بالتوقيف وقد روي عن أبي هريرة حديث المواقيت مرفوعا بأتم من حديث يزيد هذا إلا أنه إنما اقتصر فيه على ذكر أواخر الأوقات المستحبة دون أوائلها وجعل للمغرب وقتا واحدا وقد روي عن أبي هريرة مرفوعا كلاما بذكر أوائل الأوقات وأواخرها .
أخبرنا محمد بن إبراهيم حدثنا محمد بن معاوية حدثنا أحمد بن شعيب أخبرنا الحسين بن حريث أبو عثمان أخبرنا الفضل بن موسى عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "هذا جبريل جاءكم يعلمكم دينكم فصلى الصبح

(23/86)


حين طلع الفجر وصلى الظهر حين زاغت الشمس ثم صلى العصر حين رأى الظل مثله ثم صلى العصر حين كان الظل مثليه ثم صلى المغرب حين غربت الشمس وحل فطر الصائم ثم صلى العشاء حين ذهب شفق الليل ثم جاء الغداة فصلى الصبح حين أسفر قليلا ثم صلى الظهر حين كان الظل مثله ثم صلى المغرب لوقت واحد حين غربت الشمس وحل فطر الصائم ثم صلى العشاء حين ذهب ساعة من الليل ثم قال الما بين صلاتك أمس وصلاتك اليوم".
هذا حديث مسند ثابت صحيح لا مطعن فيه لأحد من أهل العلم بالحديث وفيه صلاة جبريل بالنبي صلى الله عليه وسلم لوقتين كل صلاة وأنه جعل للوقت أولا وآخرا إلا المغرب وقد ذكرنا مذاهب العلماء في أوقات الصلوات وذكرنا اختلاف الآثار في ذلك وأوضحنا وجوهها ونزوع أهل العلم منها لما أوجبوه من ذلك وما استحبوه ممهدا مبسوطا في باب ابن شهاب عن عروة من هذا الكتاب والحمد لله.

(23/87)


يحيى بن سعيد الأنصاري
الحديث الأول
...
يحيى بن سعيد الأنصاري رحمه الله
وهو يحيى بن سعيد بن قيس بن عمر بن سهل بن ثعلبة بن الحرث بن زيد بن ثعلبة بن غنم بن مالك بن النجار ولجده قيس بن عمرو صحبة وقد ذكرناه في كتاب الصحابة وقال قوم جد يحيى بن سعيد قيس بن فهد وقال آخرون قيس بن عاصم "وكل ذلك خطأ" وإنما جده قيس بن عمرو على ما ذكرناه وهو الصحيح عندنا ويكنى يحيى بن سعيد أبا سعيد وكان فقيها عالما محدثا حافظا ثقة مأمورنا عدلا مرضيا وكان كريما جوادا حين أدرك الغنى بعد ولايته القضاء وكان نزه النفس وكان في أول أمره مقلا قد ركبه الدين ثم أثرى بعد وله أخبار كثيرة كرهت اجتلابها وسنذكر ما يستدل به على ما قلنا إن شاء الله .
حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا يحيى بن معين قال حدثنا ابن مهدي عن حماد بن زيد عن هشام بن عروة قال حدثني الأمين المأمون على ما يعيب عليه يحيى بن سعيد عن عروة قال يقطع

(23/88)


الآبق إذا سرق قال وسمعت أبي ويحيى ابن معين يقولان يحيى بن سعيد بن قيس الأنصاري مدني ثقة .
وأخبرنا عبد الله بن محمد قال حدثنا إسماعيل بن محمد قال حدثنا إسماعيل بن إسحاق قال سمعت علي بن المديني يقول أربعة من أهل الأمصار يسكن القلب إليهم في الحديث يحيى بن سعيد بالمدينة وعمرو بن دينار بمكة وأيوب بالبصرة ومنصور بالكوفة .
وذكر الواقدي قال لما استخلف الوليد بن يزيد بن عبد الملك استعمل على المدينة يوسف بن محمد بن يوسف الثقفي فاستقضى سعد بن إبراهيم على المدينة ثم عزله واستقضى يحيى بن سعيد الأنصاري .
قال الواقدي وقدم يحيى بن سعيد على أبي جعفر الكوفة وهو بالهاشمية فمات بها سنة ثلاث وأربعين .
قال وأخبرنا سليمان بن بلال قال خرج يحيى بن سعيد إلى إفريقية لميراث وجب له هناك وطلب له ربيعة بن أبي عبد الرحمن البريد فركبه إلى إفريقية فقدم بذلك الميراث وهو خمسمائة دينار قال فأتاه الناس يسلمون عليه وأتاه ربيعة فسلم عليه فلما أراد ربيعة أن يقوم حبسه فلما ذهب الناس أمر بالباب فأغلق ثم دعا بمنطقته فصبها بين يدي ربيعة وقال يا أبا عثمان والله الذي لا إله إلا هو ما غيبت منها دينارا إلا شيئا أنفقته في الطريق ثم عد خمسين ومائتي دينار فدفعها إلى ربيعة وأخد خمسين ومائتي دينار لنفسه قاسمه إياها وكان ثقة صدوقا .

(23/89)


أخبرنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي قال حدثنا يحيى بن محمد قال حدثنا سليمان بن بلال قال لما خرج يحيى بن سعيد إلى العراق خرجت أشيعه فكان أول من استقبلته جنازة فتغير وجهي لذلك فالتفت إلي فقال يا أبا محمد كأنك تطيرت فقلت اللهم لا طير إلا طيرك فقال لا عليك والله لئن صدق لينعشن الله أمري قال فمضى والله ما أقام إلا شهرين حتى بعث بقضاء دينه ونفقه أهله وأصاب خيرا .
قال وحدثنا إبراهيم بن المنذر قال حدثنا يحيى بن محمد بن طلحة بن عبد الله بن أبي بكر الصديق قال حدثني سليمان بن بلال قال كان يحيى بن سعيد قد ساءت حاله وأصابه ضيق شديد وركبه الدين فبينما هو على ذلك إذ جاءه كتاب أبي العباس يستقضيه قال سليمان فوكلني يحيى بأهله وقال لي والله ما خرجت وأنا أجهل شيئا فلما قدم العراق كتب إلي أبي كنت قلت لك حين خرجت قد خرجت وما أجهل شيئا وإنه والله لأول خصمين جلسا بين يدي فاقتصا شيئا والله ما سمعته قط فإذا جاءك كتابي هذا فسل ربيعة بن أبي عبد الرحمن واكتب إلي بما يقول ولا يعلم أني كتبت إليك بذلك.

(23/90)


قال وحدثنا إبراهيم بن المنذر قال حدثنا ابن وهب قال حدثنا مالك قال قال لي يحيى بن سعيد اكتب لي أحاديث من أحاديث ابن شهاب في الأقضية قال فكتب له ذلك في صحيفة كأني أنظر إليها صفراء فقيل لمالك يا أبا عبد الله أعرض عليك قال هو كان أفقه من ذلك .
قال أبو عمر:
يحيى بن سعيد من فقهاء التابعين بالمدينة سمع من أنس بن مالك وروى عنه أحاديث مسندة وغير مسندة وليس عند مالك عنه عن أنس حديث مسند .
قال محمد بن عبد الله بن نمير مات يحيى بن سعيد سنة ثلاث وأربعين ومائة ويكنى أبا سعيد وكذلك قال يزيد بن هارون والواقدي إلا أنهما قالا بالهاشمية سنة ثلاث وأربعين .
ولمالك عنه في الموطأ من حديث النبي صلى الله عليه وسلم خمسة وسبعون حديثا منها ثلاثون حديثا مسندة في يسير منها انقطاع ومنها تسعة موقوفة وسائرها مرسلة ومنقطعة وبلاغات وكلها مرفوعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم نصا أو معنى.

(23/91)


يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب تسعة أحاديث
حديث أول ليحيى بن سعيد
مالك عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب أنه سمعه يقول لما صدر عمر بن الخطاب من منى اناخ بالأبطح ثم كوم كومة بطحاء ثم طرح عليها رداءه واستلقى ثم مد يديه إلى السماء فقال اللهم كبرت سني وضعفت قوتي وانتشرت رعيتي فاقبضني إليك غير مضيع ولا مفرط ثم قدم المدينة فخطب الناس فقال أيها الناس قد سنت لكم السنن وفرضت لكم الفرائض وتركتم على الواضحة إلا أن تضلوا بالناس يمينا وشمالا وضرب بإحدى يديه على الأخرى ثم قال إياكم أن تهلكوا عن آية الرجم أن يقول قائل لا نجد حدين في كتاب الله فقد رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد رجمنا والذي نفسي بيده لولا أن يقول الناس زاد عمر بن الخطاب في كتاب الله لكتبتها الشيخ والشيخة فارجموهما ألبتة فإنا قد قرأناها قال ملك قال يحيى بن سعيد قال سعيد بن المسيب فما انسلخ ذو الحجة حتى قتل عمر رحمه الله قال مالك الشيخ والشيخة الثيب والثيبة فارجموهما ألبتة.

(23/92)


قال أبو عمر:
هذا حديث مسند صحيح والذي يستند منه قوله فقد رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأما سماع سعيد بن المسيب من عمر بن الخطاب فمختلف فيه قالت طائفة من أهل العلم لم يسمع من عمر شيئا ولا أدركه إدراك من يحفظ عنه وذكروا ما رواه ابن لهيعة عن بكير بن الأشج قال قيل لسعيد بن المسيب أدركت عمر بن الخطاب قال لا .
وقال آخرون قد سمع سعيد بن المسيب من عمر أحاديث حفظها عنه منها هذا الحديث ومنها قوله حين رأى البيت وزعموا أن سعيد بن المسيب شهد هذه الحجة مع عمر وحفظ عنه فيها أشياء وأداها عنه وهي آخر حجة حجها عمر وكانت خلافته عشر سنين وستة أشهر وأربعة أيام وقتل بعد انصرافه من حجته تلك الأربع بقين من ذي الحجة سنة أربع وعشرين .
حدثني عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا ابن وضاح قال حدثنا نصر بن المهاجر قال حدثنا عبد الصمد قال حدثنا شعبة عن قتادة قال قلت لسعيد بن المسيب رأيت عمر بن الخطاب قال نعم قال ابن وضاح ولد سعيد بن المسيب لسنتين مضتا من خلافة عمر وسمع منه كلامه الذي قال حين نظر إلى الكعبة اللهم أنت السلام ومنك السلام فحينا ربنا بالسلام كذلك قال لي ابن كاسب وغير واحد ابن وضاح يقوله.

(23/93)


قال أبو عمر:
أصح ما قيل في قوله يقصد أنه لسنتين مضتا من خلافة عمر وقد قيل لسنتين بقيتا. وقال مالك والليث كان سعيد بن المسيب يقال له رواية عمر .
وذكر الحلواني فقال حدثنا أسباط عن الشيباني عن بكير بن الأخنس عن سعيد بن المسيب قال سمعت عمر يقول على هذا المنبر لا أجد أحدا جامع ولم يغتسل أنزل أو لم ينزل إلا عاقبته .
قال الحسن بن علي الحلواني وحدثنا الأصمعي قال حدثنا طلحة ابن محمد بن سعيد بن المسيب عن سعيد بن المسيب قال أنا في الغلمة الذين جروا جعدة العقيلي إلى عمر .
قال وحدثنا عبد الصمد قال حدثنا شعبة عن إياس بن معاوية قال قال لي سعيد بن المسيب ممن أنت قلت من مزينة فقال إني لأذكر اليوم الذي نعى فيه عمر بن الخطاب النعمان بن مقرن المزني إلى الناس على المنبر وكان علي بن المديني يصحح سماعه من عمر .
قال أبو عمر:
معنى هذا الحديث يستند من وجوه صحاح ثابتة من حديث ابن عباس عن عمر أخبرنا سعيد بن نصر وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن إسماعيل الترمذي قال حدثنا الحميدي قال حدثنا سفيان بن عيينة قال حدثنا معمر عن

(23/94)


الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس قال سمعت عمر ابن الخطاب يقول "إن الله بعث محمدا بالحق وأنزل عليه الكتاب وكان فيما أنزل عليه آية الرجم فرجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجمنا بعده" .
قال سفيان وقد سمعته من الزهري بطوله فحفظت منه أشياء وهذا مما لم أحفظه يومئذ .
قال أبو عمر:
قول ابن عيينة وقد سمعته من الزهري بطوله يعني حديث السقيفة وفيه هذا الكلام عن عمر في الرجم .
وقد روى حديث السقيفة عن الزهري بتمامه مالك وغيره رواه عن مالك جماعة منهم ابن وهب وإسحاق بن محمد الفروي وعبد العزيز بن يحيى وجويرية بن أسماء .
حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن إسماعيل قال حدثنا إسحاق بن محمد الفروي قال حدثنا مالك بن أنس عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن ابن عباس .
وأخبرنا عبد الوارث قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا عبد الله بن محمد بن أسماء قال حدثنا جويرية بن أسماء عن مالك عن الزهري أن عبيد الله بن عبد الله ابن عتبة أخبره أن عبد الله بن عباس أخبره أنه كان يقرىء عبد

(23/95)


الرحمن بن عوف فذكرا حديث السقيفة بطوله وفيه قال عمر أما بعد فإني قائل لكم مقالة قد قدر لي أن أقولها لعلها بين يدي أجلي فمن وعاها وعقلها فليحدث بها حيث انتهت به راحلته ومن خشي أن لا يعيها فلا أحل له أن يكذب علي إن الله بعث محمدا بالحق وأنزل عليه الكتاب وكان مما أنزل عليه آية الرجم فقرأناها وعقلناها ورجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجمنا وأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل والله ما نجد آية الرجم في كتاب الله فنترك فريضة أنزلها الله فيضلوا فإن الرجم في كتاب الله على من زنا إذا أحصن من الرجال والنساء إذا قامت البينة أو كان الحبل أو الاعتراف وذكر الحديث بتمامه .
وذكر مالك في الموطأ هذا الكلام الآخر عن ابن شهاب عن عبيد الله عن ابن عباس أنه قال سمعت عمر بن الخطاب يقول "الرجم في كتاب الله حق على من زنا من الرجال والنساء إذا أحصن إذا قامت عليه البينة أو كان الحبل أو الاعتراف" .
وأجمع العلماء على أن البينة إذا كانوا شهودا أربعة عدولا أقيم الحد على الزاني وكذلك الاعتراف إذا ثبت على العاقل البالغ ولم

(23/96)


ينزع عنه واختلفوا في الحبل يظهر بالمرأة: هل يكون مثل البينة والاعتراف أم لا ففي حديث عمر هذا التسوية بين البينة والاعتراف والحبل فذهب قوم إلى أن المرأة إذا ظهر بها حمل ولم يعلم لها زوج أن عليها الحد ولا ينفعها قولها إنه من زوج أو من سيد إن كانت أمة إذا لم يعلم ذلك قالوا وهذا حد قد وجب بظهور الحمل فلا يزيله إلا يقين من بينة النكاح أو ملك يمين .
وقال مالك إذا وجدت امرأة حاملا فقالت تزوجت أو استكرهت لم يقبل ذلك منها إلا ببينة على ما ذكرت لك أو جاءت تستغيث وهي تدمي أو نحو ذلك من فضيحة نفسها وإلا أقيم عليها الحد هكذا رواه ابن عبد الحكم وغيره عن مالك .
وقال ابن القاسم إن كانت طارئة غريبة فلا حد عليها وإلا أقيم عليها الحد وهو قول عثمان البتي وقال أبو حنيفة والشافعي لا حد عليها إلا أن تقر بالزنا أو تقوم بذلك عليها بينة ولم يفرقوا بين طارئة وغير طارئة .
وروى حديث السقيفة بتمامه عن ابن شهاب عقيل ويونس ومعمر وابن إسحاق وعبد الله بن أبي بكر وغيرهم .
وحدثنا أحمد بن قاسم بن عبد الرحمن قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا الحرث بن أبي أسامة قال حدثنا إسحاق بن عيسى

(23/97)


وحدثنا عبد الوارث قال حدثنا قاسم قال حدثنا بكر بن حماد قال حدثنا مسدد قالا حدثنا حماد بن زيد واللفظ لحديث مسدد وهو أتم عن علي بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس قال سمعت عمر بن الخطاب يخطب فقال "أيها الناس إن الرجم حق فلا تخدعن عنه وإن آية ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد رجم وأن أبا بكر قد رجم وإنا قد رجمنا بعدهما وسيكون قوم من هذه الأمة يكذبون بالرجم ويكذبون بالدجال ويكذبون بطلوع الشمس من مغربها ويكذبون بالشفاعة ويكذبون بقوم يخرجون من النار بعدما امتحشوا ".
قال أبو عمر:
الخوارج كلها والمعتزلة تكذب بكل هذه الفصول الستة وأهل السنة على التصديق بها وهم الجماعة والحجة على من خالفهم بما هم عليه من استمساكهم بسنة نبيهم صلى الله عليه وسلم ولا خلاف بين علماء المسلمين أهل الحديث والرأي أن المحصن إذا زنى حده الرجم وجمهورهم يقول ليس عليه مع الرجم شيء ومنهم من يقول يجلد ويرجم وهم قليل وقد ذكرنا هذه المسألة مجودة في باب ابن شهاب عن عبيد الله عن زيد بن خالد من هذا الكتاب والحمد لله.

(23/98)


وذكر حماد بن سلمة عن الحجاج عن الحسن بن سعد عن عبد الله بن شداد أن عمر رجم رجلا في الزنا ولم يجلده وفي حديث مالك هذا دليل على أن آية الرجم مما نسخ خطه من القرآن ولم يكتبه عثمان في المصحف ولا جمعه أبو بكر في الصحف وقد ذكرنا وجوه النسخ في القرآن عند ذكر حديث زيد بن أسلم من كتابنا هذا فلا معنى لتكريره ههنا.

(23/99)


الحديث الثاني
...
حديث ثان ليحيى بن سعيد
مالك عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب أن أبا موسى الأشعري أتى عائشة زوج النبي فقال لها لقد شق علي اختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمر إني لأعظم أن أستقبلك به فقالت ما هو ما كنت سائلا عنه أمك فسلني عنه فقال الرجل يصيب أهله ثم يكسل ولا ينزل فقالت "إذا جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل" فقال أبو موسى لا أسأل عن هذا أحدا بعدك أبدا .
هكذا هذا الحديث موقوفا في الموطأ عند جماعة الرواة وقد روي عن أبي قرة عن مالك مرفوعا ما حدثناه خلف بن القاسم حدثنا أبو الحسن علي بن محمد بن أحمد المقدسي بمنى في مسجد الخيف إملاء من حفظه قال حدثنا أبو سعيد الخدري حدثنا علي بن زياد اللخمي حدثنا أبو قرة قال ذكر مالك بن أنس عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب عن أبي موسى عن عائشة أن النبي قال "إذا التقى الختانان وجب الغسل" وهذا خطأ والصواب ما في الموطأ وهذا الحديث يدخل في المسند بالمعنى والنظر لأنه محال

(23/100)


أن ترى عائشة نفسها في رأيها حجة على غيرها من الصحابة في حين اختلافهم في هذه المسألة النازلة بينهم ومحال أن يسلم أبو موسى لعائشة قولها من رأيها في مسألة قد خالفها فيها من الصحابة غيرها برأيه لأن كل واحد ليس بحجة على صاحبه عند التنازع لأنهم أمروا إذا تنازعوا في شيء أن يردوه إلى كتاب الله وسنة رسوله وهذا يدلك على أن تسليم أبي موسى لعائشة في هذه المسألة إنما كان من أجل أن علم ذلك كان عندها عن رسول الله فلذلك سلم لها إذ هي أولى بعلم مثل ذلك من غيرها ومع ما ذكرنا من جهة الاستدلال فقد روي هذا الحديث عن عائشة عن النبي مسندا وروي أن سعيد بن المسيب دخل مع أبي موسى على عائشة في هذه القصة فبان بذلك حقيقة قولنا وصحة استدلالنا وبالله التوفيق .
وأخبرنا عبد الوارث وأحمد بن قاسم قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا الحرث بن أبي أسامة قال حدثنا يحيى بن أبي بكير قال حدثنا زائدة قال حدثنا علي بن زيد بن جدعان عن سعيد بن المسيب قال نازع أبو موسى ناسا من الأنصار فقالوا الماء من الماء قال سعيد فانطلقت أنا وأبو موسى حتى دخلنا على عائشة فقال لها أبو موسى الذي تنازعوا فيه فقالت عائشة عندي الشفاء من ذلك ،

(23/101)


قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إذا جلس الرجل بين الشعب الأربع وألصق الختان بالختان فقد وجب الغسل".
وروى هشام وشعبة عن قتادة عن الحسن عن أبي رافع عن أبي هريرة عن النبي مثله سواء ذكره البخاري من طريق هشام ثم قال تابعه عمرو عن شعبة .
وقد حدثناه عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أحمد بن زهير حدثنا مسلم بن إبراهيم حدثنا شعبة وهشام عن قتادة عن الحسن عن أبي رافع عن أبي هريرة عن النبي قال "إذا قعد بين شعبها الأربع ولزق الختان بالختان فقد وجب الغسل".
وحدثنا سعيد بن نصر حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا ابن وضاح حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا أبو معاوية عن حجاج عن عمرو ابن شعيب عن أبيه عن جده قال قال رسول الله "إذا التقى الختانان وتوارت الحشفة فقد وجب الغسل".
وحدثنا عبد الوارث بن سفيان وأحمد بن قاسم قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أحمد بن زهير والحرث ابن أبي أسامة قالا حدثنا عفان بن مسلم قال حدثنا همام وأبان قالا حدثنا قتادة عن

(23/102)


الحسن عن أبي رافع عن أبي هريرة عن النبي قال "إذا قعد بين شعبها الأربع وأجهد نفسه فقد وجب الغسل أنزل أو لم ينزل".
قال أحمد بن زهير سئل يحيى بن معين عن أبان وهمام أيهما أحب إليك فقال كان يحيى ابن سعيد يروي عن أبان وكان أحب أليه وأما أنا فهمام أحب إلي وكلاهما ثقة.
أخبرنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا إبراهيم بن عبد الرحيم حدثنا عفان قال حدثنا حماد بن سلمة قال حدثنا ثابت عن عبد الله بن رباح عن عبد العزيز بن النعمان عن عائشة قالت "كان رسول الله إذا التقى الختانان اغتسل".
وقال فيه سليمان بن حرب عن حماد بن سلمة بإسناده هذا أن النبي قال "إذا التقى الختانان وجب الغسل".
قال أبو عمر:
هذا إسناد كله ثقة عن ثقة لا أعلم فيه علة إلا أن البخاري قال لا أعلم لعبد العزيز بن النعمان سماعا من عائشة
وحدثنا سعيد بن نصر وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا عبد الله بن روح قال حدثنا عثمان بن عمر

(23/103)


قال أخبرنا عبيد الله بن زياد عن عطاء قال قالت عائشة "إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل قد كنت أنا ورسول الله نفعله فنغتسل" .
ورواه أبو الزبير عن جابر عن أم كلثوم عن عائشة مثله مرفوعا ورواه القاسم بن محمد عن عائشة .
حدثنا عبد الوارث بن سفيان قراءة مني عليه أن قاسم بن أصبغ حدثهم قال حدثنا عبيد بن عبد الواحد قال حدثنا علي بن المديني قال حدثنا الوليد بن مسلم قال حدثنا الأوزاعي قال حدثني عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة قالت "إذا جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل فعلته أنا ورسول الله فاغتسلنا".
قال أبو عمر:
تسليم أبي موسى لعائشة في هذه المسألة دليل على صحة رفعها إلى النبي لأن مثل هذا لا يقال من جهة الرأي وكذلك قطعها رضي الله عنها بصحة ذلك ألا ترى إلى توبيخها لأبي سلمة في ذلك .
روى مالك عن أبي النضر مولى عمر بن عبد الله عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أنه قال سألت عائشة ما يوجب الغسل فقالت "هل

(23/104)


تدري ما مثلك يا أبا سلمة مثل الفروج يسمع الديكة تصرخ فيصرخ معها إذا جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل" .
قال أبو عمر:
على هذا القول جمهور أهل الفتوى بالحجاز والعراق والشام ومصر وإليه ذهب مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابهم والليث بن سعد والأوزاعي والثوري وأحمد بن حنبل وإسحاق وأبو ثور وأبو عبيد والطبري .
واختلف أصحاب داود في هذه المسألة فبعضهم قال بما عليه الفقهاء والجمهور على ما وصفنا من إيجاب الغسل بمجاوزة الختان الختان ومنهم من قال لا غسل عليه إلا بإنزال الماء الدافق وجعل في الإكسال الوضوء واحتج من ذهب هذا المذهب بما حدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا بكر بن حماد قال حدثنا مسدد قال حدثنا يحيى القطان عن هشام بن عروة قال أخبرني أبي قال أخبرني أبو أيوب الأنصاري قال أخبرني أبي بن كعب قال يا رسول الله إذا جامع الرجل المرأة فلم ينزل قال "يغسل ما مس المرأة ثم يتوضأ ويصلي" .
وذكره البخاري عن مسدد بإسناده مثله سواء .
وذكره عبد الرزاق عن ابن جريج قال حدثني هشام بن عروة بإسناده مثله حرفا بحرف وهذا حديث صحيح من جهة الإسناد ،

(23/105)


إلا أن حديث عائشة يعارضه لأن مثلها لا يجهل الحكم في هذا المعنى وأيضا فإن حديث أبي بن كعب هو في نفسه واهـ من جهة رجوع أبي بن كعب عن القول به وهو الذي رواه ولو كان عنده غير منسوخ لما رجع عنه لأن ما لم ينسخ من الكتاب والسنة لا يجوز تركه بوجه من الوجوه وقد كان هشام بن عروة يقول به ذكر عبد الرزاق عن مظهر قال سمعت هشام بن عروة يقول لقد أصبت فأكسلت ولم أنزل فما اغتسلت .
وذكر عبد الرزاق أيضا عن الثوري عن هشام بن عروة عن أبيه عن أبي أيوب الأنصاري عن أبي بن كعب أنه سمع النبي يقول "إذا جامع أحدكم فأكسل فليتوضأ وضوءه للصلا" .
قال أبو عمر:
من روى هذا الحديث عن أبي بن كعب عن النبي لزمه القول به وعساه لم يبلغه رجوع أبي بن كعب عنه وأما رجوع أبي بن كعب عن ذلك فروى مالك في موطئه عن يحيى بن سعيد عن عبد الله بن كعب مولى عثمان بن عفان أن محمود بن لبيد الأنصاري سأل زيد بن ثابت عن الرجل يصيب أهله ثم يكسل ولا ينزل فقال زيد يغتسل فقال محمود بن لبيد إن أبي بن كعب كان لا يرى الغسل فقال زيد إن أبيا نزع عن ذلك قبل أن يموت .

(23/106)


وأخبرنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا مطلب بن شعيب قال حدثني عبد الله بن صالح قال حدثنا الليث قال حدثني عقيل عن ابن شهاب عن سهل بن سعد قال حدثني أبي بن كعب أن الفتيا التي كانوا يفتون بها قولهم إنما الماء من الماء رخصة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أرخص فيها في أول الإسلام ثم أمر بالغسل بعد فهذا بين في أن الماء من الماء منسوخ بالتقاء الختانين .
وروى هذا الحديث معمر عن الزهري عن سهل بن سعد لم يتجاوزه ولم يسمع الزهري هذا الحديث من سهل بن سعد .
حدثنا عبد الرحمن بن يحيى قال حدثنا أحمد بن سعيد قال حدثنا عبد الملك بن بحر قال سمعت موسى بن هارون يقول كان الزهري إنما يقول في هذا الحديث قال سهل بن سعد ولم يسمع الزهري هذا الحديث من سهل بن سعد وقد سمع من سهل أحاديث إلا أنه لم يسمع هذا منه رواه ابن وهب عن عمرو بن الحرث عن الزهري قال حدثني بعض من أرضى أن سهل بن سعد أخبره قال موسى ولعمري إن كان الزهري سمعه من أبي حازم فإن أبا حازم رضى فقد روى أبو حازم هذا الحديث عن سهل بن سعد .
قال أبو عمر:
أما رواية ابن وهب عن عمرو بن الحرث عن الزهري في هذه القصة فأخبرنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال

(23/107)


حدثنا أبو داود قال حدثنا أحمد بن صالح قال حدثنا ابن وهب قال أخبرني عمرو بن الحرث عن ابن شهاب قال حدثني بعض من أرضى أن سهل بن سعد الساعدي أخبره أن أبي بن كعب أخبره أن رسول الله إنما جعل ذلك رخصة للناس في أول الإسلام ثم أمر بالغسل ونهى عن ذلك قال أبو داود يعني الماء من الماء قال أبو داود وحدثنا محمد بن مهران البزار الرازي قال حدثنا مبشر الحلبي عن محمد أبي غسان وهو ابن مطرف عن أبي حازم عن سهل بن سعد قال حدثني أبي بن كعب أن الفتيا التي كانوا يفتون الماء من الماء كانت رخصة رخصها رسول الله في بدء الإسلام ثم أمر بالاغتسال بعد .
قال أبو داود وحدثني أحمد بن صالح قال حدثنا ابن وهب قال أخبرني عمرو بن الحرث عن ابن شهاب عن أبي سلمة عن أبي سعيد الخدري "أن رسول الله قال الماء من الماء" وكان أبو سلمة يفعل ذلك .
وهذا إسناد صحيح من جهة النقل ثابت ولكنه يحتمل التأويل لأن قوله الماء من الماء ليس فيه ما يدفع الماء من التقاء الختانين لأن من أوجب الغسل من التقاء الختانين يقول الماء من الماء ومن التقاء الختانين أيضا زيادة حكم وقد قيل معنى الماء من الماء في الاحتلام لا في اليقظة وهذا مجتمع عليه فيمن رأى أنه يجامع ولم ينزل أنه لا غسل عليه وهذا لعمري تأويل محتمل في

(23/108)


الماء من الماء لولا أن بعضهم يروي حديث أبي بن كعب وحديث أبي سعيد الخدري بغير هذا اللفظ وذلك قوله إذا جامع أحدكم فأكسل أو أقحط فلا يغتسل ولكن يتوضأ .
ذكر عبد الرزاق عن الثوري عن الأعمش عن ذكوان عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله "إذا أعجل أحدكم أو أقحط فلا يغتسل" .
ورواه شعبة عن الحكم عن ذكوان أبي فلح عن أبي سعيد مثله .
وهذا يحتمل أن يكون أعجل فلم يبلغ مجاوزة الختان إلا أنه قد روي عن عثمان عن النبي في ذلك ما حدثناه سعيد بن نصر وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا ابن وضاح قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا عبيد الله بن موسى عن شيبان عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة أن عطاء بن يسار أخبره أن زيد بن خالد الجهني أخبره "أنه سأل عثمان بن عفان قال قلت أرأيت إذا جامع الرجل امرأته ولم يمن قال عثمان يتوضأ كما يتوضأ للصلاة ويغسل ذكره سمعته من رسول الله" قال وسأل عن ذلك عليا والزبير وطلحة وأبي بن كعب فأمروه بذلك".

(23/109)


وذكره البخاري عن سعد بن حفص قال حدثنا النفيلي عن شيبان بإسناده مثله سواء إلى آخره .
ورواه حسين المعلم كما رواه شيبان عن يحيى سواء وهو حديث انفرد به يحيى بن أبي كثير وقد جاء عن عثمان وعلي وأبي بن كعب ما يدفعه من نقل الثقات الأثبات ويعارضه وقد دفعه جماعة منهم أحمد بن حنبل وغيره وقال علي وأبي بخلافه .
قال يعقوب بن شيبة سمعت علي بن المديني وذكر حديث يحيى بن أبي كثير هذا فقال إسناده جيد ولكنه حديث شاذ .
قال وقد روي عن عثمان وعلي وأبي بن كعب أنهم أفتوا بخلافه قال يعقوب بن شيبة هو حديث منسوخ كان في أول الإسلام ثم جاء بعد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر بالغسل "من مس الختان الختان أنزل أم لم ينزل" .
قال أبو عمر:
روى مالك عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب أن عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعائشة زوج النبي كانوا يقولون

(23/110)


"إذا مس الختان الختان فقد وجب الغسل" وهذا هو الصحيح عن عثمان من نقل الثقات الأئمة الحفاظ .
وذكر عبد الرزاق عن معمر عن ابن المسيب قال كان عمر وعثمان وعائشة والمهاجرون الأولون يقولون إذا مس الختان الختان فقد وجب الغسل وعلى أن لفظ حديث عثمان المرفوع ليس فيه تصريح لمجاوزة الختان الختان وهو محتمل التأويل الذي ذكرناه في حديث أبي سعيد .
وقال الأثرم قلت لأحمد بن حنبل حديث حسين المعلم عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن عطاء بن يسار عن زيد بن خالد قال سألت خمسة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب وطلحة والزبير وأبي بن كعب فقالوا الماء من الماء فيه علة تدفعه بها قال نعم بما يروى عنهم من خلافه قلت عن عثمان وعلي وأبي بن كعب قال نعم وقال أحمد بن حنبل الذي أرى إذا جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل قيل له قد كنت تقول غير هذا فقال ما أعلمني قلت غير هذا قط قيل له قد بلغنا ذلك عنك قال الله المستعان

(23/111)


قال أبو عمر:
قد تكلم في حديث أبي سلمة للاختلاف عنه فيه لأن ابن شهاب يرويه عن أبي سلمة عن أبي سعيد ويحيى بن أبي كثير يرويه عن أبي سلمة عن عطاء بن يسار عن زيد بن خالد عن عثمان ومن أهل العلم بالحديث من جعلهما حديثين وصححهما وهو الصواب لأن حديث أبي سعيد روي من وجوه عن أبي سعيد فهو غير حديث عثمان بلا شك والله الموفق للصواب .
وأما الروايات عن الصحابة ومن بعدهم في هذا الباب فمنها ما ذكر عبد الرزاق عن الثوري عن جابر عن الشعبي قال حدثني الحارث عن علي وعلقمة عن عبد الله بن مسعود ومسروق عن عائشة قالوا "إذا جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل" قال مسروق وكانت أعلمهم بذلك يعني عائشة .
وعن معمر عن عبد الله بن محمد بن عقيل أن عليا قال كما يجب منه الحد كذلك يجب منه الغسل وعن محمد ابن مسلم عن عمرو بن دينار عن أبي جعفر أن عليا وأبا بكر وعمر قالوا "ما أوجب الحدين الرجم والجلد أوجب الغسل".

(23/112)


وعن علي وشريح قالا أيوجب الحد ولا يوجب قدحا من ماء .
وعن ابن جريج وعبد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال "إذا جاوز الختان الختان وجب الغسل".
وعن الثوري عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة أن ابن مسعود سئل عن ذلك فقال إذا بلغت ذلك اغتسلت قال سفيان والجماعة على الغسل .
قال أبو عمر:
ذكر ابن خواز بنداد أن إجماع الصحابة انعقد على إيجاب الغسل من التقاء الختانين وليس ذلك عندنا كذلك ولكنا نقول إن الاختلاف في هذا ضعيف وأن الجمهور الذين هم الحجة على من خالفهم من السلف والخلف .
انعقد إجماعهم على إيجاب الغسل من التقاء الختانين ومجاوزة الختان الختان وهو الحق إن شاء الله وكيف يجوز القول بإجماع الصحابة في شيء من هذه المسألة مع ما ذكرناه في هذا الباب ومع ما ذكره عبد الرزاق عن ابن عيينة عن زيد بن أسلم ،

(23/113)


عن عظاء بن يسار ، عن زيد بن خالد ، قال: سمعت خمسة من المهاجرين الأولين منهم علي بن أبي طالب ، فكلهم قال:الماء من الماء .
قال عبد الرزاق: وأخبرنا ابن مجاهد ، عن أبيه ، قال اختلف المهاجرون والأنصار فيما يوجب الغسل ، فقالت طائفة الأنصار الماء من الماء ، وقال المهاجرون: إذا مس الختان الختان وجب الغسل فحكموا بينهم علي بن أبي طالب - واختصموا إليه ، فقال علي: أرايتم لو رأيتم رجلا يدخل ويخرج ، أيجب عليه الحد؟ قالوا: نعم ، قال: فيوجب الحد ولايوجب صاعاً من ماء. فقضى للمهاجرين ، فبلغ ذلك عائشة فقالت: ربما فعلنا ذلك أنا ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقمنا واغتسلنا . قال: وأخبرنا ابن عيينة عن عمرو بن دينار ، قال أخبرني إسماعيل الشيباني على امرأة رافع بن خديج ، كان لا يغتسل إلا إذا أنزل الماء وكان إسماعيل قد خلف على امرأة رافع ، قال وأخبرنا ابن جريج ، قال أخبرني عمرو بن دينار ، عن عبيد الله بن أبي عياض ، عن أبي سعيد الخدري - أنه قال: الماء من الماء .

(23/114)


قال وأخبرنا ابن جريج قال قال لي عطاء سمعت ابن عباس يقول "الماء من الماء ".
قال وأخبرنا ابن عيينة عن عمرو عن عطاء عن ابن مسعود مثله .
قال أبو عمر:
عطاء لم يسمع من ابن مسعود وقد قدمنا بإسناد صحيح عن ابن مسعود خلاف هذا وأما أصحاب داود فاختلفوا في هذه المسألة فطائفة منهم قالت بما عليه جمهور الفقهاء من إيجاب الغسل إذا التقى الختانان ومنهم من أبى ذلك وقال لا غسل إلا بالإنزال وهو المشهور عن داود واحتج من ذهب مذهبه في ذلك بأن الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بذكر الماء من الماء أثبت من جهة النقل رواه أبي بن كعب وعثمان بن عفان وأبو سعيد الخدري وغيرهم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في الإكسال الوضوء وفي الإنزال الغسل قالوا وعلى ذلك جماعة الأنصار وجمهورهم ومن المهاجرين علي وابن عباس وعثمان وغيرهم وضعفوا حديث علي في إيجاب الغسل من التقاء الختانين لأنه يدور على جابر الجعفي والحارث الأعور وهما ضعيفان وقالوا حديث عثمان المسند أولى بالمصير إليه مما روى عنه في ذلك لأن الحديث عليه حجة وليس هو على الحديث حجة وإنما يسوغ ما ذهب إليه راوي الحديث إذا لم يدفعه فأما إذا دفعه

(23/115)


فالحجة في المسند ولهم في هذا المعنى كلام طويل تركته قالوا ورجوع أبي بن كعب عن ذلك لا يصح لأن خبر زيد بن ثابت وأبي في ذلك يدور على عبد الله بن كعب ولم يصح له سماع من زيد بن ثابت وإنما يروى عن خارجة بن زيد وهو أيضا غير مشهور بنقل العلم وخبر ابن شهاب في ذلك لم يسمعه من سهل بن سعد ولا يدري من بينهما على صحة قالوا وأقل أحوال هذه المسألة أن تتكافأ فيها الحجج وتتعارض فيها الأثار فيرجع حينئذ إلى ظاهر كتاب الله وليس في كتاب الله إيجاب الغسل إلا على من كان جنبا ولا جنب إلا الذي ينزل الماء الدافق قالوا ووجه آخر أن الفرائض لا تجب إلا بيقين في هذه المسألة إلا على قول من لم يوجب الغسل إلا بإنزال الماء وهو الاتفاق الذي يقطع عليه ويستيقن وبالله التوفيق .
قال أبو عمر:
لا مدخل عند أولي الألباب من العلماء للنظر عند ثبوت الأثر وما ادعاه هؤلاء من ثبوت حديث الماء من الماء فقد مضى الجواب عن ذلك وعلة حديث أبي بينة لرجوعه عن الفتيا به ومعلوم أنه لا يجوز أن يدع الناسخ ويأخذ المنسوخ ولا حجة في حديث أبي أيوب لأنه إنما يرويه عن أبي كعب وحديث أبي سعيد وغيره يحتمل أن يكون أكسل ولم يجاوز الختان الختان فهذا فيه الوضوء للملامسة والمباشرة ولا يصح عن المهاجرين ما ذكر بل الصحيح عنهم غير ما

(23/116)


وصف على ما تقدم عنهم في هذا الباب وحديث عثمان المرفوع لا يصح لأنه لو صح عن عثمان وعنده ما خالف وقد كان يفتي بخلافه وكل خبر مروي في الماء من الماء يحتمل التأويل على ما وصفنا في هذا الباب وخبر ابن شهاب عن سهل صحيح عندنا لرواية أبي حازم له وموضع ابن شهاب موضعه وعبد الله بن كعب معروف روى عنه يحيى بن سعيد ومحمد بن إسحاق وغيرهما وقد مضى القول في هذه المعاني مبسوطا لمن تدبرها وأما ما رجحوه من الاحتياط في ترك إيجاب الفرض إلا بيقين فإنه يدخل عليهم إن الصلاة لا تجب أن تؤدى إلا بطهارة مجتمع عليها وقد أجمعنا على أن المجامع إذا أكسل ولم ينزل فقد وجبت عليه طهارة وصار في حالة لا يدخل معها في الصلاة حتى يطهر وأجمعوا أن الغسل طهارة له إن فعله ولم يجمعوا على أن الوضوء طهارة له فالواجب على الاحتياط القول بالغسل إن شاء الله والأحوط الصحيح في هذا ما جاء عن عائشة مرفوعا وموقوفا وعلى حديثها المدار في هذا الباب وحديث أبي هريرة مثله ولا يصح فيه دعوى إجماع الصحابة وقد يقرب فيه دعوى إجماع من دونهم إلا من شذ ممن لا يعد خلافا عليهم ويلزمهم الرجوع إليهم والقول بأن لا غسل من التقاء الختانين شذوذ وقول عند جمهور الفقهاء مهجور مرغوب عنه ومعيب والجماعة على الغسل وبالله التوفيق.

(23/117)


الحديث الثالث
...
حديث ثالث ليحيى بن سعيد
مالك عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب "أن رجلا من أسلم جاء إلى أبي بكر الصديق فقال إن الآخر زنى فقال له أبو بكر هل ذكرت ذلك لأحد غيري فقال لا فقال له أبو بكر فتب إلى الله واستتر بستر الله فإن الله يقبل التوبة عن عباده فلم تقرره نفسه حتى أتى عمر بن الخطاب فقال له عمر مثل الذي قال له أبو بكر فلم تقرره نفسه حتى جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له إن الآخر زنى فقال سعيد فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات كل ذلك يعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا أكثر عليه بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهله فقال أيشتكي أبه جنة فقالوا يا رسول الله والله إنه لصحيح فقال أبكر أم ثيب فقالوا بل ثيب يا رسول الله فأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجم" .
هذا الحديث مرسل عند جماعة الرواة عن مالك وقد تابعه على إرساله طائفة من أصحاب يحيى بن سعيد وروى هذا الحديث الزهري فاختلف عليه فرواه يونس عن الزهري عن أبي سلمة عن جابر أن رجلا من أسلم أتى النبي صلى الله عليه وسلم الحديث .

(23/118)


ورواه شعيب بن أبي حمزة وعقيل بن خالد عن ابن شهاب عن أبي سلمة وسعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال شعيب أتى رجل من أسلم النبي صلى الله عليه وسلم وقال عقيل أتى رجل من المسلمين رسول الله صلى الله عليه وسلم بمعنى واحد وألفاظ مختلفة ولم تختلف ألفاظهم في أنه ماعز الأسلمي وأنه رده رسول الله صلى الله عليه وسلم أربع مرات .
وروى هذا الحديث مالك عن ابن شهاب مرسلا وقد ذكرناه في مراسل ابن شهاب وذكرنا هناك الآثار المروية في هذا الباب وكثيرا من الأحكام التي توجبها ألفاظها والحمد لله .
وفي هذا الحديث من الفقه أن الستر أولى بالمسلم على نفسه إذا وقع حدا من الحدود من الاعتراف به عند السلطان وذلك مع اعتقاد التوبة والندم على الذنب وتكون نيته ومعتقده إلا يعود فهذا أولى به من الاعتراف فإن الله يقبل التوبة عن عباده ويحب التوابين وهذا فعل أهل العقل والدين والندم والتوبة واعتقاد أن لا عودة ألا ترى إلى قوله أيشتكي أبه جنة .
وروى يزيد بن هارون عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب أن ماعز بن مالك الأسلمي أتى إلى أبي بكر فأخبره أنه زنى فقال له أبو بكر هل ذكرت ذلك لأحد قبلي؟

(23/119)


فقال لا فقال له أبو بكر استتر بستر الله وتب إلى الله فإن الناس يعيرون ولا يغيرون وأن الله يقبل التوبة عن عباده .
وأما إعراض رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه ففيه مذاهب لأهل العلم منهم من زعم أن ذلك كان لأن الإقرار لا بد أن يكون أربع مرات كالشهادات على الزنى وكان إعراضه لئلا يتم الإقرار الموجب للحد محبة في الستر فلما تم الإقرار على حكمه أمر بالرجم ومنهم من قال مرة واحدة تجزىء وقد ذكرنا مذاهبهم والآثار التي منها نزع وفرع كل فريق منهم قوله في باب مرسل ابن شهاب من هذا الكتاب .
وفي قوله عليه السلام أيشتكي أبه جنة دليل على أنه إنما رده وأعرض عنه من أجل ذلك والله أعلم لا ليتم إقراره وأربع مرات كما زعم من قال ذلك .
ويدل على صحة هذا التأويل قوله صلى الله عليه وسلم في حديث ابن شهاب "واغد يا أنيس على امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها" ولم يقل إن اعترفت أربع مرات .
وفي حديث الأوزاعي عن يحيى عن أبي قلابة عن أبي المهاجر عن عمران بن حصين أن امرأة قالت "يا رسول الله إني أصبت حدا فأقمه علي فأمر بها فشكت عليها ثيابها" وقد ذكرنا هذا الخبر في باب يعقوب بن زيد من هذا الكتاب .
وفيه أيضا دليل على أن المجنون لا يلزمه حد ولهذا ما سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أيشتكي أبه جنة وهذا إجماع أن المجنون المعتوه لا حد عليه والقلم عنه مرفوع .

(23/120)


وفيه دليل على أن إظهار الإنسان ما يأتيه من الفواحش حمق لا يفعله إلا المجانين وأنه ليس من شأن ذوي العقول كشف ما واقعه من الحدود والاعتراف به عند السلطان وغيره وإنما من شأنها الستر على أنفسهم والتوبة من ذنوبهم وكما يلزمهم الستر على غيرهم فكذلك يلزمهم الستر على أنفسهم وسنذكر في هذا الباب الذي بعده في الستر أحاديث يستدل بها الناظر في كتابنا على صحة هذا إن شاء الله .
وفيه دليل على أن حد الثيب حد البكر في الزنى ولهذا ما سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أبكر هو أم ثيب ولا خلاف بين علماء المسلمين أن حد البكر في الزنى غير حد الثيب وأن حد البكر الجلد وحده وحد الثيب الرجم وحده إلا أن من أهل العلم من رأى على الثيب الجلد والرجم جميعا وهم قليل روي ذلك عن علي وعبادة وتعلق به داود وأصحابه والجمهور على أن الثيب يرجم ولا يجلد وقد ذكرنا الاختلاف في ذلك في باب ابن شهاب عن عبيد الله وأما أهل البدع من الخوارج والمعتزلة فلا يرون الرجم على أحد من الزناة ثيبا كان أو غير ثيب وإنما حد الزناة عندهم الجلد الثيب وغير الثيب سواء عندهم وقولهم في ذلك خلاف سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلاف سبيل المؤمنين فقد رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم والخلفاء بعده وعلماء المسلمين في أقطار الأرض متفقون على ذلك من أهل الرأي والحديث وهم أهل الحق وبالله التوفيق .

(23/121)


وأما قوله إن رجلا من أسلم جاء إلى أبي بكر الصديق فهذا الرجل هو ماعز الأسلمي لا يختلف أهل العلم في ذلك وقد تقدم من رواية يزيد بن هارون عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب أنه ماعز بن مالك الأسلمي وهو معروف عند العلماء محفوظ لا يختلفون فيه .
أخبرنا قاسم بن محمد حدثنا خالد بن سعد حدثنا أحمد بن عمرو بن منصور حدثنا محمد بن عبد الله بن سنجر حدثنا عبيد الله بن موسى قال أخبرنا إسرئيل عن سماك عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال "أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ماعز بن مالك فاعترف مرتين فقال اذهبوا به ثم ردوه فاعترف مرتين حتى اعترف أربعا فقال اذهبوا به فارجموه" .
قال ابن سنجر وحدثنا عارم قال حدثنا أبو عوانة عن سماك ابن حرب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لماعز ما بلغني عنك قال وما بلغك عني قال وقعت على جارية بني فلان قال نعم قال فشهد على نفسه أربع شهادات أو أقر أربع مرات قال فأمر النبي صلى الله عليه وسلم برجمه" وفي الباب بعد هذا في قصة هزال بيان ذلك أيضا .
حدثنا أحمد بن عبد الله قال حدثنا الميمون بن حمزة قال حدثنا الطحاوي قال حدثنا المزني قال حدثنا الشافعي قال أخبرنا عبد

(23/122)


المجيد عن ابن جريج قال أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول "رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا من أسلم ورجلا من اليهود وامرأة ".
حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد قال حدثنا عبد الصمد بن عبد الرحمن المروزي قال حدثنا عبد الله بن الحسين قال حدثنا الحارث بن أبي أسامة قال حدثنا بشر بن عمر الزهراني قال حدثنا عبد الله بن لهيعة قال حدثنا أبو الزبير قال سألت جابر بن عبد الله هل رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "رجم رجلا من أسلم ورجلا من اليهود وامرأة وقال لليهودي نحن نحكم عليكم اليوم" .
حدثنا خلف بن القاسم قال حدثنا عبد الرحمن بن إسماعيل أبو عيسى الأسوائي قال حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن يونس قال حدثنا سفيان بن وكيع بن الجراح الرواسي حدثني أبي عن إسرائيل عن جابر عن عامر الشعبي عن عبد الرحمن بن أبزى عن أبي بكر الصديق أن ماعزا أقر على نفسه بالزنى عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات فقال له النبي صلى الله عليه وسلم إن إقررت الرابعة أقمت عليك الحد فأقر عنده الرابعة فأمر به فحبس ثم سأل عنه فذكروا خيرا فرجم .
وليس في هذا الحديث حجة من أجل جابر الجعفي وإنما ذكرناه ليعرف وقد أجمعوا على أنه يكتب حديثه واختلفوا في الاحتجاج به وكان يحيى وعبد الرحمن لا يحدثان عنه وكان أحمد وابن معين يضعفانه وشهد له بالصدق والحفظ الثوري وشعبة ووكيع وزهير

(23/123)


ابن معاوية وقال وكيع مهما شككتم في شيء فلا تشكوا أن جابر الجعفي ثقة .
حدثنا محمد بن عبد الله بن حكم قال حدثنا محمد بن معاوية قال حدثنا إسحاق بن أبي حسان قال حدثنا هشام بن عمار قال حدثنا عبد الحميد قال حدثنا الأوزاعي قال أخبرني عثمان بن أبي سودة قال حدثني من سمع عبادة بن الصامت يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن الله ليستر العبد من الذنب ما لم يخرقه قالوا وكيف يخرقه يا رسول الله قال يحدث به الناس" .
وأما قوله إن الاخر زنى فالرواية بكسر الخاء وهو الصواب ومعناه أن الرذل الدني زنى كأنه يدعو على نفسه ويعيبها بما نزل له من مواقعة الزنى .
قال أبو عبيد ومن هذا قولهم السؤال اخر كسب الرجل أي أرذل كسب الرجل .
وقال الأخفش كنى عن نفسه فكسر الخاء وهذا إنما يكون لمن حدث عن نفسه بقبيح يكره أن ينسب ذلك إلى نفسه .

(23/124)


الحديث الرابع
...
حديث رابع ليحيى بن سعيد
مالك عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب أنه قال بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لرجل من أسلم يقال له هزال "ياهزال لو سترته بردائك لكان خيرا لك" قال يحيى بن سعيد فحدثت بهذا الحديث في مجلس فيه يزيد بن نعيم بن هزال الأسلمي فقال يزيد هزال جدي وهذا الحديث حق .
وهذا الحديث لا خلاف في إسناده في الموطأ على الأرسال كما ترى وهو يستند من طرق صحاح .
أخبرنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا مطلب بن شعيب قال حدثني عبد الله بن صالح قال حدثني الليث عن يحيى بن سعيد عن يزيد بن نعيم عن جده هزال وعن محمد بن المنكدر عن هزال "أنه أمر ماعز الأسلمي أن يأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فيخبره بحدثه فأتاه ماعز فأخبره بحدثه فأعرض عنه مرارا وهو يردد ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم فبعث إلى قومه فسألهم أبه جنة فقالوا لا فسأل عنه أثيب أم بكر فقالوا ثيب فأمر به فرجم ثم قال يا هزال لو سترته بردائك كان خيرا لك".

(23/125)


وأخبرنا عبد الوارث قال حدثنا قاسم قال حدثنا محمد بن وضاح قال حدثنا موسى بن معاوية قال حدثنا وكيع قال حدثنا هشام بن سعد قال حدثني يزيد بن نعيم بن هزال عن أبيه " أن ماعز بن مالك كان في حجر أبيه هزال فلما فجر قال له أبي لو أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته فلهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لهزال حين لقيه يا هزال لو سترته بردائك كان خيرا لك" .
حدثنا عبد الرحمن بن يحيى قال حدثنا أحمد بن محمد البغادي بكير بمكة حدثنا محمد بن يونس الكريمي قال حدثنا الربيع بن يحيى الأشناني قال حدثنا شعبة عن يحيى بن سعيد عن محمد بن المنكدر عن ابن هزال عن أبيه "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لو سترته بردائك كان خيرا لك" .
قال أبو عمر:
هذا الحديث وإن كنا ذكرناه من رواية الكريمي فإنه محفوظ عن يحيى بن سعيد عن محمد بن المنكدر عن ابن الهزال عن هزال وعن يحيى بن سعيد عن يزيد بن نعيم بن هزال من وجوه وقد ذكرنا الحكم في معاني هذا الحديث في مواضع سلفت من كتابنا والحمد لله .
وقد رويت آثار عن النبي صلى الله عليه وسلم في فضل الستر على المسلم أذكر منها ما حضرني ذكره بعون الله:

(23/126)


حدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا إسماعيل بن إسحاق قال حدثنا محمد بن الفضل عارم قال حدثنا أبو عوانة عن سليمان الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة وربما قال عن أبي سعيد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من نفس عن مسلم كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب الآخرة ومن يسر على مسلم يسر الله عليه في الدنيا والآخرة ومن ستر على مسلم ستر الله عليه في الدنيا والآخرة والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه" .
حدثنا أحمد بن عمر قال حدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن فطيس قال حدثنا مالك بن عبد الله بن سيف قال حدثنا إسماعيل بن مسلمة بن قعنب قال حدثنا حماد بن زيد عن محمد ابن واسع عن أبي صالح عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من فرج عن أخيه كربة من كرب الدنيا فرج الله عنه كربة من كرب الآخرة ومن ستر أخاه ستره الله في الدنيا والآخرة والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه" .
أخبرنا أحمد بن محمد قال حدثنا وهب بن مسرة قال حدثنا ابن وضاح قال حدثنا أحمد بن عمرو بن السرح قال حدثنا ابن وهب عن عمرو بن الحرث عن أبيه عن مولى لخارجة حدثه عن أبي صياد الأسود الأنصاري وكان عريفهم أن رجلا قدم فحل بباب

(23/127)


مسلمة بن مخلد واستأذن فأذن له وقال حل قال لا ولكن أرسل معي إلى عقبة ابن عامر فأرسل معه أبا صياد فدخلوا على عقبة فرحب به فقال الرجل لعقبة هل تذكر مجلسا كنا فيه عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من ستر عورة مؤمن كانت له كموؤدة أحياها" قال عقبة نعم لعمري إني لحاضر ذلك وسمعته منه فكبر الرجل وقال لهذا ارتحلت ورجع .
حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أبو جعفر محمد بن سليمان المنقري قال حدثنا أبو الوليد الطيالسي قال حدثنا همام بن يحيى قال حدثنا إسحاق بن أبي طلحة قال حدثنا شيبة الحضرمي قال شهدت عروة بن الزبير يحدث عمر بن عبد العزيز عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ثلاث كنت حالفا عليهم ولو حلفت على الرابعة رجوت أن لا إثم لا يجعل الله من له سهم في الإسلام كمن لا سهم له قال وسهام الإسلام الصلاة والصيام والصدقة ولا يحب رجل قوما إلا جاء معهم يوم القيامة ولا يتولى الله عبد في الدنيا يوليه غيره يوم القيامة والرابعة لا يستر الله على عبد في الدنيا إلا ستره يوم القيامة" هكذا

(23/128)


قال شيبة الحضرمي وإنما هو شيبة الحضري وكذلك رواه عفان عن همام ذكر ابن أبي شيبة قال حدثنا عفان قال حدثنا همام قال سمعت إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة قال حدثني شيبة الحضري أنه شهد عروة يحدث عمر بن عبد العزيز عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "لا يجعل الله رجلا له سهم في الإسلام كمن لا سهم له" وذكر الحديث سواء إلى آخره بمعناه وزاد فقال عمر بن عبد العزيز إذا سمعتم بمثل هذا الحديث عن مثل عروة عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم فاحفظوه .
حدثنا خلف بن القاسم بن سهل بن محمد بن أسود الحافظ قال حدثنا أبو الطيب محمد بن جعفر غندر قال حدثنا يحيى بن محمد بن صاعد قال حدثنا الحسين بن الحسن حدثنا يحيى بن سليم حدثنا إسماعيل بن كثير قال سمعت مجاهدا يقول "إن الملائكة مع ابن آدم فإذا ذكر أخاه المسلم بخير قالت الملائكة ولك مثله وإذا ذكره بشر قالت الملائكة ابن آدم المستور عورته أربع على نفسك واحمد الله الذي ستر عورتك" .
حدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم قال حدثنا محمد بن وضاح قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا عفان قال حدثنا وهيب قال حدثنا سهيل عن أبيه عن أبي هريرة عن

(23/129)


النبي صلى الله عليه وسلم قال "لا يستر عبد عبدا في الدنيا إلا ستره الله يوم القيامة" .
حدثنا محمد بن عبد الله ومحمد بن إبراهيم قالا حدثنا محمد بن معاوية قال حدثنا أبو خليفة الفضل بن الحباب قال حدثنا أبو الوليد الطيالسي قال حدثنا الليث بن سعد قال حدثني إبراهيم بن نشيط الخولاني عن كعب بن علقمة عن دخين أبي الهيثم كاتب عقبة قال قلت لعقبة بن عامر إن لنا جيرانا يشربون الخمر وأنا داع لهم الشرط فيأخذونهم قال لا تفعل ولكن عظهم وتهددهم قال يفعل ذلك بهم شهرا ثم جاء دخين إلى عقبة فقال إني نهيتهم فلم ينتهوا وإني داع لهم الشرط فقال له عقبة ويحك لا تفعل فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "من ستر على مؤمن عورة فكأنما استحيا موؤودة" .
وهذا الحديث رواه ابن وهب عن إبراهيم بن نشيط عن كعب بن علقمة عن كثير مولى عقبة بن عامر عن عقبة بن عامر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "من رأى عورة فسترها كان كمن استحيا موؤودة من قبرها" .

(23/130)


حدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن وضاح قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من نفس عن مسلم كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب الآخرة ومن ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه ومن سلك طريقا يلتمس فيها علما سهل الله له طريقا إلى الجنة وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده ومن أبطأ به عمله لم يسرع به حسبه" .
حدثنا خلف بن القاسم قال حدثنا الحسن بن رشيق قال حدثنا أحمد بن الحسن الصباحي قال حدثنا يحيى بن ورد بن عبد الله حدثني أبي حدثنا عدي عن داود بن أبي هند عن عكرمة عن ابن عباس أن عمار بن ياسر أخذ سارقا فقال ألا أستره لعل الله يسترني

(23/131)


الحديث الخامس
...
حديث خامس ليحيى بن سعيد
مالك عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب أنه قال "ما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر والعصر يوم الخندق حتى غابت الشمس" .
وهذا يستند من حديث ابن مسعود وحديث أبي سعيد الخدري وحديث جابر وبعضها أتم معنى من بعض وقد يجوز أن يكون هذا النسيان وارد شغل عظيم .
روى هشام عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن جابر قال "جعل عمر بن الخطاب يسب كفار قريش يوم الخندق ويقول يا رسول الله والله ما صليت العصر حتى غابت الشمس أو كادت تغيب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم والله ما صليتها ونزلنا معه إلى بطحان فتوضأ للصلاة وتوضأنا معه فصلى العصر بعدما غربت الشمس ثم صلى بعدها المغرب" .
وأما قوله صلى الله عليه وسلم يوم الخندق "شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر" حتى غربت الشمس فقد ذكرنا طرق هذا الحديث في باب زيد بن أسلم وذكرنا حديث أبي سعيد الخدري وحديث ابن مسعود في باب مرسل زيد أيضا وفي حديثهما "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم شغل يومئذ عن أربع صلوات الظهر والعصر والمغرب والعشاء" وفي حديث جابر:

(23/132)


العصر وحدها وفي مرسل سعيد الظهر والعصر والمعنى في ذلك كله سواء والحمد لله .
قرأت على عبد الله بن محمد بن يوسف أن محمد بن أحمد بن يحيى حدثهم قال حدثنا أحمد بن محمد بن زياد قال حدثنا أحمد ابن عبد الجبار قال حدثنا يونس بن بكير قال حدثنا هشام بن سنبر عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن جابر بن عبد الله قال "جعل عمر بن الخطاب يسب كفار قريش يوم الخندق ويقول يا رسول الله ما صليت العصر حتى كادت الشمس تغيب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم والله ما صليتها فنزلنا معه إلى بطحان فتوضأ للصلاة وتوضأنا معه فصلى العصر بعدما غربت الشمس ثم صلى بعدها المغرب" وقد تقدم القول في معاني هذا الحديث في باب زيد بن أسلم.

(23/133)


الحديث السادس
...
حديث سادس ليحيى بن سعيد
مالك عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب "أنه قال صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن قدم المدينة ستة عشر شهرا نحو بيت المقدس ثم حولت القبلة قبل بدر بشهرين" .
هكذا هذا الحديث في الموطأ عن مالك عن يحيى بن سعيد مرسلا .
ورواه محمد بن خالد بن عثمة عن مالك عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال "صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن قدم المدينة ستة عشر شهرا نحو بيت المقدس حتى حولت القبلة قبل بدر بشهرين".
انفرد به عن محمد بن خالد بن عثمة عبد الرحمن بن خالد بن نجيح وعبد الرحمن ضعيف لا يحتج به .
وفي هذا الحديث بيان النسخ في أحكام الله عز وجل وهو باب يستغني عن القول فيه لاتفاق أهل الحق عليه وقد أتينا بلمع من علله في مواضع من كتابنا والحمد لله .
وذكرنا نسخ الصلاة إلى الكعبة وكيف كان الوجه في ذلك وكثيرا من معاني استقبال القبلة في باب ابن شهاب عن عروة وفي باب عبد الله بن دينار فأغنى عن ذكر ذلك ههنا وهذا الحديث ومثله أصل في علم الخبر وحفظ السير وقد روى معناه مسندا من وجوه من حديث البراء وغيره ولم يختلف العلماء في أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قدم.

(23/134)


المدينة صلى إلى بيت المقدس ستة عشر شهرا وقيل سبعة عشر وقيل ثمانية عشر وإنما اختلفوا في صلاته بمكة فقالت طائفة كانت إلى الكعبة وقال آخرون كانت إلى بيت المقدس وقد ذكرنا ما روي في ذلك وقيل به في باب ابن شهاب عن عروة من هذا الكتاب في باب صلاة جبريل بالنبي صلى الله عليه وسلم بمكة حين فرض الصلاة وذكرنا بعض ذلك مع حكم من صلى إلى غير القبلة مجتهدا وغير مجتهد في باب عبد الله بن دينار .
أخبرنا عبد الله بن محمد بن أسد قال حدثنا حمزة بن محمد بن علي قال حدثنا أحمد بن شعيب أخبرنا محمد بن إسماعيل بن إبراهيم قال حدثنا إسحاق عن زكرياء عن أبي إسحاق عن البراء بن عازب قال "قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فصلى نحو بيت المقدس ستة عشر شهرا ثم إنه وجه إلى الكعبة فمر رجل قد كان صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم على قوم من الأنصار فقال أشهد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد وجه إلى الكعبة فانصرفوا" .
حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا سنيد قال حدثنا وكيع عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن البراء قال "لما قدم النبي عليه السلام المدينة صلى نحو بيت المقدس ستة عشر شهرا أو سبعة عشر شهرا وكان

(23/135)


يحب أن يوجه إلى الكعبة فأنزل الله {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا} فوجه نحو الكعبة وكان يحب ذلك .
وحدثنا عبد الوارث قال حدثنا قاسم قال حدثنا بكر بن حماد قال حدثنا مسدد قال حدثنا أبو الأحوص قال حدثنا أبو إسحاق عن البراء قال "صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى بيت المقدس ستة عشر شهرا فلما أنزلت هذه الآية في القبلة {فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} ، قال فنزلت بعدما صلى النبي صلى الله عليه وسلم فانطلق رجل من القوم فمر بناس من الأنصار وهم يصلون فحدثهم الحديث فولوا وجوههم" .
وقد روى هذا الحديث شعبة والثوري وزهير بن معاوية وهو أتمهم له سياقة عن أبي إسحاق عن البراء مثله وقد ذكرنا تاريخ تحويل القبلة إلى الكعبة والاختلاف في ذلك في باب ابن شهاب عن عروة والحمد لله.

(23/136)


الحديث السابع
...
حديث سابع ليحيى بن سعيد
مالك عن يحيى بن سعيد أنه سمع عن سعيد بن المسيب يقول سمعت أبا هريرة يقول اختتن إبراهيم صلى الله عليه وسلم بالقدوم وهو ابن مائة وعشرين سنة ثم عاش بعد ذلك ثمانين سنة .
مثل هذا لا يكون رأيا وقد تابع مالكا على توقيف هذا الحديث جماعة عن يحيى بن سعيد منهم يحيى بن سعيد القطان وعلي بن مسهر .
ورواه الأوزاعي عن يحيى بن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "اختتن إبراهيم وهو ابن عشرين ومائة سنة ثم عاش بعد ذلك ثمانين سنة" .
وروي مسندا من غير رواية يحيى بن سعيد من وجوه منها ما ذكره ابن بكير عن الليث عن ابن عجلان عن أبيه عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "اختتن إبراهيم حين بلغ ثمانين سنة واختتن بقدوم" .

(23/137)


قال ابن بكير وحدثني بمثلها عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم وروى يحيى القطان عن ابن عجلان سمع أباه سمع أبا هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله .
ورواه المغيرة بن عبد الرحمن وورقاء بن عمر اليشكري عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا أن حديث أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة مرفوعا "أن إبراهيم اختتن بعدما مر عليه ثمانون سنة واختتن بالقدوم" .
حدثنا عبد الله بن محمد بن يوسف حدثنا عبيد الله بن محمد بن أبي غالب بمصر حدثنا محمد بن محمد بن بدر حدثنا رزق الله بن موسى حدثنا شبابة بن سوار حدثنا ورقاء بن عمر عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "اختتن إبراهيم بعدما مر عليه ثمانون سنة واختتن بالقدوم" .
وذكر المروزي حديث الأوزاعي عن أبي الوليد أحمد بن عبد الرحمن قال حدثنا الوليد قال أخبرني أبو عمرو يعني الأوزاعي عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: قال

(23/138)


رسول الله صلى الله عليه وسلم "اختتن إبراهيم وهو ابن عشرين ومائة سنة ثم عاش بعد ذلك ثمانين سنة".
قال وحدثنا أبو قدامة قال حدثنا يحيى عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب قال سمعت أبا هريرة يقول اختتن إبراهيم وهو ابن عشرين ومائة سنة ثم عاش بعد ذلك ثمانين سنة .
قال وحدثنا همام قال حدثنا علي بن مسهر عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال "اختتن إبراهيم بالقدوم وهو ابن عشرين ومائة سنة" .
قال سعيد وهو أول من اختتن وأول من أضاف الضيف وأول من استحد وأول من قلم الأظافر وأول من قص الشارب وأول من شاب فلما رأى الشيب قال ما هذا قال وقار قال يا ربي زدني وقارا .
قال وحدثنا أبو كامل قال حدثنا يزيد بن زريع قال حدثني عمارة قال حدثني عكرمة قال أوحى الله إلى إبراهيم إنك قد أكملت الإسلام إلا بضعة منك فألقها فقدم يختن نفسه بالفأس فصرف بصره عن عورته أن ينظر إليها .
قال عكرمة واختتن إبراهيم وهو ابن ثمانين سنة قال ولم يطف بالبيت بعد على ملة إبراهيم إلا مختون .
قال أبو عمر:
هكذا قال عكرمة في إبراهيم إنه اختتن وهو ابن ثمانين سنة وقد قاله المسيب بن رافع كذلك ذكر المروزي قال حدثنا محمد بن

(23/139)


الصباح قال حدثنا جرير عن مغيرة عن المسيب بن رافع "أوحى الله إلى إبراهيم أن تطهر فتوضأ فأوحى الله إليه أن تطهر فاغتسل فأوحى الله إليه أن تطهر فاختتن بالقدوم بعد ثمانين سنة".
وهذا هو المحفوظ في حديث عجلان وحديث الأعرج عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم وقد مضى القول في الختان في باب سعيد بن أبي سعيد وتقصينا هنالك ما للعلماء في ذلك .
وفي هذا الحديث دليل على جواز القول في سير الأنبياء والصالحين وفي معنى ذلك الحديث عن الماضين وأيام الناس جملة وبالله التوفيق .
قرأت على أبي عمر أحمد بن محمد بن أحمد أن أبا عبد الله محمد بن عيسى حدثهم قال سأل رجل يحيى بن أيوب بن بادي العلاف ونحن عنده عن ختان النبي صلى الله عليه وسلم فقال قد طلبت ذلك عند أكثر من لقيت ممن كتبت عنه فلم أجده حتى أتيت محمد ابن أبي السري العسقلاني في سفرتي الثانية فسألته عنه عند توديعي له منصرفا فقال حدثني الوليد بن مسلم عن شعيب عن عطاء الخرساني عن عكرمة عن ابن عباس "أن عبد المطلب ختن النبي صلى الله عليه وسلم يوم سابعه وجعل له مأدبة وسماه محمدا" وقد قيل إن النبي صلى الله عليه وسلم ولد مختونا فالله أعلم وقد ذكرنا ما للعلماء في هذا

(23/140)


المعنى مجودا في باب سعيد بن أبي سعيد عند قوله عليه السلام خمس من الفطرة فذكر منها الختان.

(23/141)


الحديث الثامن
...
حديث ثامن ليحيى بن سعيد
مالك عن يحيى بن سعيد أن سعيد بن المسيب كان يقول "إن الرجل ليرفع بدعاء ولده من بعده وأشار بيديه نحو السماء يرفعهما" .
لم يختلف رواة الموطأ عن مالك في أن هذا الحديث فيه هكذا ورواه ابن وهب عن عمرو بن الحرث ومالك بن أنس عن يحيى بن سعيد قال كان سعيد بن المسيب يقول فذكره هكذا سواء من قول سعيد ابن المسيب وهذا لا يدرك بالرأى وقد روي بإسناد جيد عن النبي صلى الله عليه وسلم .
قرأت على أبي عمر أحمد بن محمد بن أحمد أن أبا العباس أحمد بن الفضل الخفاف حدثهم قال حدثنا أبو جعفر محمد بن جرير قال حدثنا إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني قال حدثنا يونس بن محمد قال حدثنا حماد بن سلمة عن عاصم عن أبي صالح عن أبي هريرة "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن الله ليرفع العبد الدرجة فيقول أي رب أنى لي هذه الدرجة يقال باستغفار ابنك لك" .

(23/142)


وحدثنا خلف بن قاسم حدثنا ابن السكين إملاء حدثنا محمد بن الحسين بن حميد بن الربيع الخزاز حدثنا حميد بن علي النجيرمي حدثنا زيد بن حباب حدثنا سفيان الثوري عن عاصم عن أبي صالح عن أبي هريرة قال وأكبر ظني أنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "إن المؤمن لترفع له الدرجة في الجنة فيقول" فذكره .

(23/143)


الحديث التاسع
...
حديث تاسع ليحيى بن سعيد
مالك عن يحيى بن سعيد أنه قال سمعت سعيد بن المسيب يقول "ألا أخبركم بخير من كثير من الصلاة والصدقة والصوم قالوا بلى قال إصلاح ذات البين وإياكم والبغضاء فإنها هي الحالقة" .
هكذا هذا الحديث موقوفا على سعيد في الموطأ لم يختلف على مالك فيه الرواة إلا إسحاق بن بشر الكاهلي وهو ضعيف متروك الحديث فإنه رواه عن مالك عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم حدثنا بحديثه خلف بن قاسم قال حدثنا محمد بن عبد الله بن أحمد القاضي قال حدثنا أبي قال حدثنا الفضل بن سليمان الأشج بمكة قال حدثنا إسحاق بن بشر الكاهلي حدثنا مالك عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب عن أبي الدرداء قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إياكم والبغضاء فإنها الحالقة ألا أخبركم بخير من كثير من الصلاة والصدقة قالوا بلى يا رسول الله قال صلاح ذات البين" وقد روي هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم مرفوعا مسندا ومرسلا من حديث يحيى بن سعيد حدثناه

(23/144)


سلمة بن سعيد بن سلمة قال حدثنا علي بن عمر الحافظ قال حدثنا محمد بن القاسم بن زكرياء المحاربي قال حدثنا أبو كريب محمد بن العلاء قال حدثنا حفص بن غياث عن يحيى بن سعيد ابن المسيب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ألا أخبركم بخير من كثير من الصلاة والصيام والصدقة إصلاح ذات البين وإياكم والبغضة فإنما هي الحالقة" .
وحدثنا سلمة قال حدثنا علي قال حدثنا محمد بن القاسم قال حدثنا أبو كريب قال حدثنا حسين بن علي الجعفي عن ابن عيينة عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله .
قال أبو الدرداء أما إني لا أقول حالقة الشعر ولكنها حالقة الدين .
قال أبو الحسن علي بن عمر تفرد به أبو كريب وقد روي هذا الحديث من غير رواية مالك وسنذكره إن شاء الله وفيه علة ذكرها علي بن المديني فقال وذلك ما أخبرناه عبد الله بن محمد حدثنا محمد بن عثمان حدثنا إسماعيل حدثنا علي بن المديني قال حدثنا معن بن عيسى حدثنا مالك عن يحيى بن سعيد قال سمعت سعيد بن المسيب قال "ألا أخبركم بخير من كثير من الصلاة" وذكر الحديث قال علي فقلت لمعن إن هذا الحديث لم يسمعه يحيى بن

(23/145)


سعيد من سعيد بن المسيب بينهما رجل فلا تقل فيه سمعت سعيد بن المسيب واجعله عن سعيد بن المسيب فكان لا يقول فيه إلا عن سعيد بن المسيب قال علي وقد حدثناه عبد الوهاب ويزيد بن هارون وغيرهما عن يحيى بن سعيد عن إسماعيل بن أبي حكيم عن سعيد بن المسيب مرفوعا .
وقد روى الأعمش عن عمرو بن مرة عن سالم بن أبي الجعد عن أم الدرداء عن أبي الدرداء قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ألا أدلكم على أفضل من كثير من الصلاة والصدقة قالوا ماذا يا رسول الله قال صلاح ذات البين".
ذكره البزار قال حدثنا محمد بن المثنى وصالح بن معاذ قالا حدثنا أبو معاوية عن الأعمش فذكره .
وقد روى يحيى بن أبي كثير عن يعيش بن الوليد عن مولى الزبير عن الزبير عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال "دب إليكم داء الأمم قبلكم الحسد والبغضاء أو قال العداوة والبغضاء وهي الحالقة لا أقول حالقة الشعر ولكن حالقة الدين" .
وقد ذكرنا هذا الخبر من وجوه في كتاب العلم وفيه مع خبر هذا الباب أوضح حجة في تحريم العداوة وفضل المؤاخاة وسلامة الصدر من الغل .

(23/146)


الحديث العاشر
...
حديث عاشر ليحيى بن سعيد يحيى عن أبي سلمة
مالك عن يحيى بن سعيد عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أنه قال سمعت أبا قتادة بن ربعي يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "الرؤيا الصالحة من الله والحلم من الشيطان فإذا رأى أحدكم الشيء يكرهه فلينفث عن يساره ثلاث مرات إذا استيقظ وليتعوذ بالله من شرها فإنها لن تضره قال أبو سلمة إن كنت لأرى الرؤيا هي أثقل علي من الجبل فلما سمعت هذا الحديث فما كنت أباليها" .
هذا الحديث بين المعنى وفيه دليل على أن الرؤيا السيئة لا تضر من استعاذ بالله من شرها ونفث عن يساره والرؤيا السيئة حلم وتهويل من الشيطان وتحزين لابن آدم على ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم بما قد ذكرناه في باب إسحاق بن أبي طلحة من هذا الكتاب .
وقد روى هذا الحديث الزهري عن أبي سلمة وهو عند معمر وابن عيينة وعقيل وليس عند مالك

(23/147)


قال أبو عمر:
ذكر الجوهري والنسائي في مسنده حديث مالك عن يحيى بن سعيد عن أبي سلمة عن عائشة سمعها تقول إن كان ليكون علي الصيام من رمضان فما أستطيع أن أقضيه حتى يأتي شعبان فأدخلا هذا في المسند ولا وجه له عندي إلا وجه بعيد وذلك أنه زعم أن ذلك كان لحاجة رسول الله صلى الله عليه وسلم إليها واستدل بحديث مالك عن أبي النضر عن أبي سلمة عن عائشة قالت "ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر صياما منه في شعبان".
وقد يستدل من قول عائشة هذا على جواز تأخير قضاء رمضان لأن الأغلب أن تركها لقضاء ما كان عليها من رمضان لم يكن إلا بعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم وإذا كان ذلك كذلك كان فيه بيان لمراد الله عز وجل من قوله {فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} لأن الأمر يقتضي الفور حتى تقوم الدلالة على التراخي كما يقتضي الانقياد إليه ووجوب العمل به حتى

(23/148)


تقوم الدلالة على غير ذلك وفي تأخير عائشة قضاء ما عليها من صيام رمضان دليل على التوسعة والرخصة في تأخير ذلك وذلك دليل على أن شعبان أقصى الغاية في ذلك فمن أخره حتى يدخل عليه رمضان آخر وجبت عليه الكفارة التي أفتى بها جمهور السلف والخلف من العلماء وذلك مد عن كل يوم والله أعلم.

(23/149)


الحديث الحادي عشر
...
حديث حادي عشر ليحيى بن سعيد
يحيى عن سليمان بن يسار - أربعة أحاديث:
ملك عن يحيى بن سعيد عن سليمان بن يسار أن عبد الله بن عباس وأبا سلمة بن عبد الرحمن اختلفا في المرأة تنفس بعد وفاة زوجها بليال فقال أبو سلمة إذا وضعت ما في بطنها فقد حلت وقال ابن عباس آخر الأجلين فجاء أبو هريرة فقال أنا مع ابن أخي يعني أبا سلمة فبعثوا كريبا مولى عبد الله بن عباس إلى أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم يسألها عن ذلك فجاءهم فأخبرهم أنها قالت ولدت سبيعة الأسلمية بعد وفاة زوجها بليال فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال "قد حللت فانكحي من شئت" .
في هذا الحديث دليل على جلالة أبي سلمة وأنه كان يفتي مع الصحابة وأبو سلمة القائل لو رفقت بابن عباس لأخرجت منه علما .
وفيه دليل على أن العلماء لم يزالوا يتناظرون ولم يزل منهم الكبير لا يرتفع على الصغير ولا يمنعون الصغير إذا علم أن ينطق

(23/150)


بما علم ورب صغير في السن كبير في علمه والله يمن على من يشاء بحكمته ورحمته .
وفيه دليل على أن المناظرة وطلب الدليل وموقع الحجة كان قديما من لدن زمن الصحابة هلم جرا لا ينكر ذلك إلا جاهل .
وفيه دليل على أن الحجة عند التنازع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما لا نص فيه من كتاب الله وفيما فيه نص أيضا إذا احتمل الخصوص لأن السنة تفيد مراد الله من كتابه .
قال الشافعي رحمه الله من عرف الحديث قويت حجته ومن نظر في النحو رق طبعه ومن حفظ القرآن مثل قدره ومن لم يصن نفسه لم يصنه العلم وقد مضى القول في معنى هذا الحديث في باب عبد ربه بن سعيد من هذا الكتاب وفي حديث عبد ربه أن الاختلاف في عدة الحامل المتوفى عنها كان بين أبي هريرة وابن عباس وأن أبا سلمة كان رسولهما إلى أم سلمة في ذلك وعبد ربه ثقة ويحيى ثقة والمعنى الذي له جلب الحديث غير مختلف فيه والحمد لله وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل الوضع من الحامل المتوفى عنها انقضاء عدتها وهذا المعنى لم يختلف فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم وفي ذلك بيان لمراد الله من قوله {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً} أنه عنى منهن من لم تكن حاملا .

(23/151)


وقد جاء عن علي وابن عباس في هذه المسألة ما قد ذكرناه وأوضحنا معناه في باب عبد ربه والحمد لله .
وحديث يحيى بن سعيد هذا عن سليمان بن يسار ليس عند القعنبي ولا ابن بكير في الموطأ وهو عند ابن وهب وجماعة .
حدثنا خلف بن قاسم حدثنا أحمد بن محمد بن الحسين حدثنا الربيع بن سليمان حدثنا ابن وهب حدثنا مالك فذكره إلى آخره وبالله التوفيق .

(23/152)


الحديث الثاني عشر
...
حديث ثاني عشر ليحيى بن سعيد عن سليمان بن يسار
ملك عن يحيى بن سعيد عن سليمان بن يسار أن عروة بن الزبير حدثه "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل بيت أم سلمة وفي البيت صبي يبكي فذكروا أن به العين قال عروة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا تسترقون له من العين" .
هذا حديث مرسل عند جميع الرواة عن مالك في الموطأ وهو حديث صحيح يستند معناه من طرق ثابتة وقد تقدم ذكر بعضها في باب حميد بن قيس من كتابنا هذا في قصة ابني جعفر وفيه رواية النظير عن النظير .
وقد روى هذا الحديث أبو معاوية عن يحيى بن سعيد عن سليمان بن يسار عن عروة عن أم سلمة ذكره البزار قال حدثنا أبو كريب قال حدثنا أبو معاوية .
وحدثنا أحمد بن قاسم وعبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا الحارث بن أبي أسامة قال حدثنا روح قال حدثني ابن جريج قال أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله

(23/153)


يقول إن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأسماء ابنة عميس "ما شأن أجسام بني أخي ضارعة أتصيبهم حاجة قالت لا ولكن تسرع إليهم العين أفترقيهم قال وبمذا فعرضت عليه فقال أرقيهم" .
وحدثنا خلف بن أحمد قال حدثنا أحمد بن سعيد قال حدثنا محمد بن الربيع بن سليمان قال حدثنا يوسف بن سعيد قال حدثنا حجاج بن محمد عن ابن جريج قال أخبرني أبو الزبير قال سمعت جابر بن عبد الله يقول كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أرخص لبني عمرو ابن حزم في رقية الحمة قال وقال لأسماء بنت عميس ما شأن أجسام بني أخي ضارعة فذكر مثله حرفا بحرف إلى آخره .
وحدثنا عبد الوارث قال حدثنا قاسم قال حدثنا بكر بن حماد قال حدثنا مسدد قال حدثنا سفيان عن عمرو بن دينار عن عروة ابن عامر عن عبيد بن رفاعة البارقي "أن أسماء بنت عميس قالت يا رسول الله إن ابني جعفر تصيبهم العين أفأسترقي لهم قال نعم لو كان شيء سابق القدر لسبقته العين" .
وحدثنا عبد الوارث قال حدثنا قاسم قال حدثنا محمد بن غالب قال حدثنا سهل بن بكار قال حدثنا وهيب عن أبي واقد عن أبي سلمة عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "استعيذوا بالله من العين فإن العين حق" .

(23/154)


قال أبو واقد وذكر ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب قال بلغني عن رجال من أهل العلم أنهم كانوا يقولون إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الرقى حين قدم المدينة وكانت الرقى في ذلك الزمان فيها كثير من كلام الشرك فلما قدم المدينة لدغ رجل من أصحابه فقالوا يا رسول الله قد كان آل حزم يرقون من الحمة فلما نهيت عن الرقى تركوها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ادعوا لي عمارة بن حزم ولم يكن له ولد وكان قد شهد بدرا فدعي له فقال اعرض علي رقيتك فعرضها عليه فلم ير بها بأسا وأذن لهم بها .
قال ابن وهب وأخبرني أسامة بن زيد الليثي قال حدثني أبو بكر ابن محمد بن عمرو بن حزم قال عرض آل عمرو بن حزم رقيتهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمرهم أن يرقوا بها .
قال ابن وهب وأخبرني ابن لهيعة عن أبي الزبير عن جابر قال جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إني أرقي من العقرب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل".
قال ابن وهب وأخبرني ابن لهيعة عن عبد الله بن المغيرة أن كثير بن أبي سليمان العدوي أخبره عن عبد الله بن عمرو أنه قال كثير من الرقي والأخذة والكهانة ونظر في النجوم طرف من السحر .

(23/155)


قال ابن وهب وأخبرني ابن سمعان قال سمعت رجالا من أهل العلم يقولون إذا لدغ الإنسان فنهشته حية أو لسعته عقرب فليقرأ الملدوغ بهذه الآية {نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِين} فإنه يعافى بإذن الله .
قال أبو عمر:
لا أعلم خلافا بين أهل العلم في جواز الاسترقاء من العين والحمة وقد ثبت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم والآثار في الرقي أكثر من أن تحصى .
و قال جماعة من أهل العلم الرقى جائز من كل وجع ومن كل ألم ومن العين وغير العين .
وحجتهم حديث عثمان بن أبي العاصي ومثله عن النبي صلى الله عليه وسلم في جواز الرقى من الوجع وقد ذكرنا حديث عثمان بن أبي العاصي في باب يزيد بن خصيفة من هذا الكتاب وحديث ابن شهاب عن عروة عن عائشة "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا اشتكى قرأ على نفسه بالمعوذات" ونفث وروى إبراهيم عن الأسود مثله بمعناه .
وروى أنس وعائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم "0 أنه كان إذا دخل على مريض قال أذهب البأس رب الناس" الحديث .
وروى محمد بن حاطب عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله .

(23/156)


وروى صالح بن كيسان عن أبي بكر بن سليمان بن أبي حثمة عن الشفاء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل عليها فقال لها "علمي حفصة رقية النملة كما علمتها الكتاب" .
ومن حديث عبادة وأبي سعيد الخدري وميمونة وعائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم جواز الرقى من كل شيء يشتكي به من الأوجاع كلها .
و قال آخرون لا رقية إلا من عين أو لدغة عقرب واحتجوا بقوله صلى الله عليه وسلم "لا رقية إلا من عين أو حمة"
والحمة لدغة العقرب وهذا حديث يرويه الشعبي واختلف عليه فيه اختلافا كثيرا .
حدثنا سعيد بن نصر وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن وضاح قال حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير قال حدثنا إسحاق بن سليمان عن أبي جعفر الرازي عن حصين عن الشعبي عن بريدة الأسلمي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا رقية إلا من عين أو حمة" وحدثنا خلف بن القاسم قال حدثنا الحسين بن جعفر الزيات قال حدثنا يوسف بن يزيد قال حدثنا العباس بن طالوت حدثنا أبو عوانة عن حصين عن الشعبي عن بريدة الأسلمي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا رقية إلا من عين أو حمة".

(23/157)


ورواه مالك بن مغول عن حصين عن الشعبي عن عمران بن حصين حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا أبو نعيم الفضل بن دكين قال حدثنا مالك بن مغول عن حصين عن الشعبي عن عمران بن حصين قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا رقية إلا من عين أو حمة" .
ورواه مجاهد عن الشعبي عن جابر ورواه العباس بن ذريح عن الشعبي عن أنس .
حدثنا عبد الوارث حدثنا قاسم حدثنا أحمد بن زهير حدثنا عبد الله محمد الكرماني حدثنا يحيى بن زكرياء بن أبي زائدة حدثنا مجاهد عن الشعبي عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "لا رقية إلا من عين أو حمة أو دم لا يرقأ" .
وقد مضى في باب حميد بن قيس في قصة ابني جعفر كثير من معاني هذا الباب
ومضى فيه حديث حجاج عن ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرخص لبني عمرو بن حزم في رقية الحمة" قال ابن وهب الحمة اللدغة .

(23/158)


الحديث الثالث عشر
...
حديث ثالث عشر ليحيى بن سعيد
مالك عن يحيى بن سعيد عن سليمان بن يسار "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه في الصلاة"
هكذا هذا الحديث مرسلا عند كل من رواه عن مالك وكذلك رواه شعبة عن يحيى بن سعيد وفي هذا الباب أحاديث مسندة كثيرة عند مالك وغيره نذكر منها في هذا الباب ما يشبهه ويليق به إن شاء الله .
أخبرنا سعيد بن نصر ويحيى بن عبد الرحمن قالا حدثنا محمد بن أبي دليم قال حدثنا ابن وضاح قال حدثنا آدم بن أبي إياس قال حدثنا شعبة عن يحيى بن سعيد عن سليمان بن يسار قال "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرفع يديه إذا كبر في الصلاة" .
حدثنا خلف بن القاسم قال حدثنا أبو الميمون محمد بن عبد الله بن مطرف العسقلاني بعسقلان قال حدثنا أبو معن ثابت بن نعيم قال حدثنا آدم بن أبي إياس قال حدثنا شعبة بن الحجاج عن يحيى بن سعيد عن سليمان بن يسار قال "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرفع يديه إذا كبر لافتتاح الصلاة وإذا رفع رأسه من الركوع" .

(23/159)


قال أبو عمر:
روى رفع اليدين عن النبي صلى الله عليه وسلم عند افتتاح الصلاة وعند الركوع وعند رفع الرأس من الركوع جماعة من أصحابه رضي الله عنهم منهم عبد الله بن عمر ووائل بن حجر ومالك بن الحويرث وأبو هريرة وأنس وأبو حميد الساعدي في عشرة من الصحابة وروي من حديث البراء بن عازب وعبد الله بن مسعود أنه كان يرفع يديه في أول افتتاح الصلاة ثم لا يعود وهما حديثان معلولان وقد تقدم القول في رفع اليدين وما في ذلك اعتلال الآثار ومذاهب علماء الأمصار ممهدا مجودا مختصرا موعبا في باب ابن شهاب عن سالم من هذا الكتاب فلا معنى لإعادة ذلك ههنا .
أخبرنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا عبد الملك بن شعيب بن الليث قال حدثني أبي عن جدي عن يحيى بن أيوب عن عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج عن ابن شهاب عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام عن أبي هريرة قال "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كبر للصلاة رفع يديه حذو منكبيه وإذا ركع فعل مثل ذلك وإذا رفع للسجود فعل مثل ذلك وإذا قام من الركعتين فعل مثل ذلك" .
حدثنا خلف بن القاسم قراءة مني عليه أن أبا الميمون محمد بن عبد الله العسقلاني حدثهم بعسقلان قال حدثنا أبو معن ثابت بن نعيم قال حدثنا آدم حدثنا شعبة حدثنا الحكم قال: رأيت

(23/160)


طاوس يرفع يديه عند التكبير وعند ركوعه وعند رفع رأسه من الركوع حذو منكبيه فسألت رجلا من أصحابه فقال إنه يحدث به عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم .
وحدثنا خلف قال حدثنا محمد قال حدثنا ثابت قال حدثنا آدم حدثنا شعبة قال سمعت عاصم بن كليب قال سمعت أبي يحدث عن وائل الحضرمي قال "رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم كبر للصلاة فرفع يديه حذو منكبيه ثم كبر ورفع يديه ثم كبر وسجد ورفع يديه" .
وحدثنا خلف بن القاسم قال حدثنا محمد بن عبد الله قال حدثنا ثابت قال حدثنا آدم قال حدثنا شعبة قال حدثنا قتادة عن نصر بن عاصم عن مالك بن الحويرث قال "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرفع يديه إذا كبر وإذا ركع وإذا رفع رأسه من الركوع حذو أذنيه" .
قال أبو عمر:
في حديث وائل بن حجر أنه كان صلى الله عليه وسلم يرفع يديه عند السجود وهذا معناه عندنا إذا انحط إلى السجود من الركوع لأن ابن شهاب روى عن سالم عن ابن عمر "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يرفع بين السجدتين" .
وقال ابن عمر كان يرفع يديه حذو منكبيه وهو أثبت ممن روى حذو أذنيه .
وقد ذكرنا هذه المعاني كلها وما روى فيها من الآثار وذكرنا الاختلاف عن مالك في هذه المسألة وما للفقهاء فيها من التنازع في باب ابن شهاب من كتابنا هذا والحمد لله .

(23/161)


الحديث الرابع عشر
...
حديث رابع عشر ليحيى بن سعيد
مالك عن يحيى بن سعيد عن سليمان بن يسار "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم احتجم وهو محرم فوق رأسه وهو يومئذ بلحيي جمل مكان بطريق مكة" .
هذا مرسل في الموطأ عند جماعة الرواة وقد روي مسندا من وجوه صحاح من حديث ابن عباس وجابر وعبد الله بن بحينة وأنس .
حدثنا محمد بن إبراهيم حدثنا محمد بن معاوية حدثنا أحمد بن شعيب قال أخبرنا هلال بن بشر قال حدثنا محمد بن خالد بن عثمة قال حدثنا سليمان بن بلال قال حدثني علقمة بن أبي علقمة أنه سمع الأعرج قال سمعت عبد الله بن بحينة يحدث "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم احتجم وسط رأسه وهو محرم بلحيي جمل من طريق مكة" وهذا حديث مدني لفظه لفظ حديث مالك سواء .
وحدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا أحمد بن حنبل قال حدثنا سفيان عن عمرو بن دينار عن عطاء وطاوس عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم "أنه احتجم وهو محرم" .

(23/162)


حدثنا خلف بن القاسم قال حدثنا علي بن الحسن بن عبد الله يعرف بابن قلنبة الاسكندراني قال حدثنا أحمد بن عبد الوارث قال حدثنا عيسى بن حماد أخبرنا الليث بن سعد عن أبي الزبير عن عطاء عن ابن عباس "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم احتجم وهو محرم" .
حدثنا قاسم بن محمد قال حدثنا خالد بن سعد قال حدثنا محمد بن فطيس قال حدثنا إبراهيم بن مرزوق قال حدثنا وهب بن جرير أخبرنا شعبة عن يزيد عن مقسم عن ابن عباس قال "احتجم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو صائم محرم" .
حدثنا خلف بن سعيد قال حدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا أحمد بن خالد وحدثنا عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن قال حدثنا إبراهيم بن جامع قالا حدثنا علي بن عبد العزيز قال حدثنا معلى بن أسد العمي قال حدثنا وهيب عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم احتجم وهو محرم واحتجم وهو صائم" .
وأخبرنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا عثمان بن أبي شيبة قال حدثنا يزيد بن هارون أخبرنا هشام عن عكرمة عن ابن عباس "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم احتجم وهو محرم في رأسه من داء كان به".

(23/163)


أخبرنا محمد بن إبراهيم قال حدثنا محمد بن معاوية قال حدثنا محمد بن يحيى بن سليمان المروزي قال حدثنا داود بن عمرو الضبي قال حدثنا عبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم عن حميد عن أنس "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم احتجم وهو محرم من داء كان برأسه".
قال أبو عمر:
لا خلاف بين العلماء في أن للمحرم أن يحتجم إذا كان به أذى ونزل به ضر إلا أنه إن حلق شيئا من الشعر في موضع المحاجم فعليه فدية إذا حلق شيئا له بال عند مالك وإن حلق عند مالك شعرة أو شعرتين فلا شيء عليه ويستحب له أن يطعم قبضة من طعام .
و قال جماعة من أهل العلم إن حكم شعر البدن غير شعر الرأس للمحرم وليس في شعر البدن شيء وقد ذكرنا اختلاف العلماء في حكم حلاق الشعر وما لهم في ذلك من المذاهب فيما تقدم من هذا الكتاب.

(23/164)


الحديث الخامس عشر
...
حديث خامس عشر ليحيى بن سعيد
يحيى بن قاسم بن محمد - حديث واحد:
مالك عن يحيى بن سعيد عن القاسم بن محمد عن صالح ابن خوات الأنصاري أن سهل بن أبي حثمة حدثه "أن صلاة الخوف أن يقوم الإمام ومعه طائفة من أصحابه وطائفة مواجهة العدو يركع الإمام ركعة ويسجد بالذين معه ثم يقوم فإذا استوى قائما ثبت وأتموا لأنفسهم الركعة الباقية ثم يسلمون وينصرفون والإمام قائم فيكونون وجاه العدو ثم يقبل الآخرون الذين لم يصلوا فيكبرون وراء الإمام فيركع بهم ويسجد ثم يسلم فيقومون فيركعون لأنفسهم الركعة الثانية ثم يسلمون" .
هذا الحديث موقوف على سهل في الموطأ عند جماعة الرواة عن مالك ومثله لا يقال من جهة الرأي وقد روي مرفوعا مسندا بهذا الإسناد عن القاسم بن محمد عن صالح بن خوات عن سهل بن أبي حثمة عن النبي صلى الله عليه وسلم رواه عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه وعبد الرحمن أسن من يحيى بن سعيد وأجل .

(23/165)


رواه شعبة عن عبد الرحمن كذلك وكان مالك يقول في صلاة الخوف بحديثه عن يزيد بن رومان ثم رجع إلى حديثه هذا عن يحيى بن سعيد عن القاسم وإنما بينهما انتظار الإمام الطائفة الثانية حتى تتم فيسلم بهم هكذا في حديث يزيد بن رومان وفي حديث يحيى أنه يسلم إذا صلى بها الركعة الثانية ثم يقومون فيركعون لأنفسهم وقد ذكرنا هذه المسألة مجودة في باب يزيد بن رومان من هذا الكتاب وذكرنا اختلاف الآثار واختلاف فقهاء الأمصار في صلاة الخوف ممهدا مبسوطا في باب نافع من هذا الكتاب فلا وجه لإعادة ذلك ههنا .
وأما حديث سهل بن أبي حثمة هذا فاختلف فيه على خمسة أوجه منها الوجهان اللذان عند مالك عن يزيد بن رومان عن يحيى بن سعيد على ما ذكرنا من اختلافهما في انتظار الإمام الطائفة الثانية حتى تتم ركعتها ثم يسلم بها .
والوجه الثالث هو أن الإمام ينتظر الطائفة الأخرى قاعدا فإذا كبروا خلفه قام وصلى بهم ركعة وسجدتين ثم قعد حتى يقضوا ركعة ثم يسلم بهم وفي هذا الوجه وهذه الرواية أن الإمام ينتظر الطائفة الأخرى قاعدا واتفق حديث يزيد بن رومان ويحيى بن سعيد هذا على أن الإمام إنما ينتظرهم قائما .
والوجه الرابع أن الإمام يصف الطائفتين خلفه صفين فيحرم بهم ثم يركع ويسجد بالذين يلونه ثم يقوم قائما حتى يصلي الصف الذي خلفهم ركعة ثم يتقدمون ويتأخر الذين كانوا قدامهم فيصلي

(23/166)


بهم ركعة ثم يجلس حتى يصلي الذين تخلفوا ركعة ثم يسلم بهم .
والوجه الخامس أن يصلي بكل طائفة ركعة ثم يسلم فتقضي كل واحدة من الطائفتين ركعة ركعة بعد سلامه بمعنى حديث ابن عمر .
وهذه الثلاثة الأوجه في حديث سهل بن أبي حثمة اختلف فيها أصحاب شعبة عن شعبة عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن صالح عن سهل عن النبي صلى الله عليه وسلم ولم يختلفوا في هذا الإسناد ولا في رفع الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم .
حدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا عبيد الله بن معاذ العنبري قال حدثنا أبي قال حدثنا شعبة عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن صالح بن خوات عن سهل بن أبي حثمة "أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بأصحابه في خوف فجعلهم صفين فصلى بالذين يلونه ركعة ثم قام فلم يزل قائما حتى صلى الذين خلفه ركعة ثم تقدموا وتأخر الذين كانوا قدامهم فصلى بهم النبي صلى الله عليه وسلم ركعة ثم قعد حتى صلى الذين خلفه ركعة ثم سلم" .
حدثنا محمد بن إبراهيم قال حدثنا محمد بن معاوية قال حدثنا أحمد بن شعيب قال أخبرنا عمرو بن علي قال حدثنا يحيى عن

(23/167)


شعبة عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن صالح بن خوات عن سهل بن أبي حثمة "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بهم صلاة الخوف فصف صفا خلفه وصفا مصافي العدو فصلى بهم ركعة ثم ذهب هؤلاء وجاء أولائك فصلى بهم ركعة ثم قاموا فقضوا ركعة ركعة" .
قال أبو عمر:
هذا موافق لحديث نافع وسالم عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم وقد اختلف على شعبة كما ترى ولم يختلف على مالك في حديثه هذا وهو أصح شيء عندي في هذا الباب وأولى والصواب إن شاء الله لما فيه من مطابقة ظاهر القرآن لاستفتاح الإمام ببعضها وذلك قوله {فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ} ثم قال {وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ} وفي حديث مالك هذا أن الطائفة الثانية لا تدخل في الصلاة إلا بعد انصراف الطائفة الأولى بخلاف رواية يحيى عن شعبة وفي حديث مالك أن الثانية لا تنصرف عن الإمام وعلى شيء من الصلاة وهذا أشبه بظاهر القرآن أيضا لما فيه من التسوية بين الطائفتين في افتتاحهم .

(23/168)


الحديث السادس عشر
...
حديث سادس عشر ليحيى بن سعيد
يحيى عن أبي بكر بن حزم - حديث واحد:
مالك عن يحيى بن سعيد عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن عمر بن عبد العزيز عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحرث بن هشام عن أبي هريرة "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أيما رجل أفلس فأدرك الرجل ماله بعينه فهو أحق به من غيره" .
هذا حديث متفق على صحة إسناده وقد مضى القول في معناه مجودا ممهدا في باب ابن شهاب عن أبي بكر بن عبد الرحمن من هذا الكتاب.

(23/169)


الحديث السابع عشر
...
حديث سابع عشر ليحيى بن سعيد
يحيى عن أبي الحباب حديثان:
مالك عن يحيى بن سعيد قال سمعت أبا الحباب سعيد بن يسار يقول سمعت أبا هريرة يقول "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرت بقرية تأكل القرى يقولون يثرب وهي المدينة تنفي الناس كما ينفي الكير خبث الحديد" .
هكذا هذا الحديث في الموطأ عند جماعة الرواة ورواه إسحاق بن عيسى الطباع عن مالك عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة وهو خطأ والصواب فيه مالك عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن يسار أبي الحباب كما في الموطأ والله أعلم .
وأبو الحباب هذا سعيد بن يسار مولى الحسن بن علي وقيل مولى شميسة امرأة نصرانية أسلمت بالمدينة على يدي الحسن بن علي وقيل أبو الحباب سعيد بن يسار مولى شقران مولى النبي صلى الله عليه وسلم وكان أبو الحباب أحد الثقات من التابعين بالمدينة وبها توفي سنة سبع عشرة ومائة .
وأما قوله صلى الله عليه وسلم تأكل القرى فروي عن مالك أنه قال معناه تفتح القرى وتفتح منها القرى لأن من المدينة افتتحت المدائن كلها

(23/170)


بالإسلام وفي هذا الحديث دليل على كراهية تسمية المدينة بيثرب على ما كانت تسمى في الجاهلية وأما القرآن فنزل بذكر يثرب على ما كانوا يعرفون في جاهليتهم ولعل تسمية رسول الله صلى الله عليه وسلم إياها بطيبة كان بعد ذلك وهو الأغلب في ذلك وأما قوله تنفي الناس فإنه أراد شرار الناس ألا ترى أنه مثل ذلك وشبهه بما يصنع الكير في الحديد والكير إنما ينفي رديء الحديد وخبثه ولا ينفي جيده وهذا عندي والله أعلم إنما كان في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم فحينئذ لم يكن يخرج من المدينة رغبة عن جواره فيها إلا من لا خير فيه .
وأما بعد وفاته فقد خرج منها الخيار الفضلاء الأبرار وأما الكير فهو موضع نار الحداد والصائغ وليس الجلد الذي تسميه العامة كيرا هكذا قال أهل العلم باللغة ومن هذا حديث أبي أمامة وأبي ريحانة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال "الحمى كير من جهنم وهي نصيب المؤمن من النار" .
حدثنا خلف بن أحمد حدثنا أحمد بن مطرف حدثنا سعيد بن عثمان حدثنا علي بن معبد حدثنا يزيد بن هارون حدثنا أبو غسان محمد بن مطرف عن أبي الحصين عن أبي صالح الأشعري عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "الحمى كير من جهنم فما إصاب المؤمن منها كان حظه من النار" والله أعلم.

(23/171)


الحديث الثامن عشر
...
حديث ثامن عشر ليحيى بن سعيد
مالك عن يحيى بن سعيد عن أبي الحباب سعيد بن يسار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "من تصدق بصدقة من كسب طيب ولا يقبل الله إلا الطيب كان إنما يضعها في كف الرحمن يربيها كما يربي أحدكم فلوه أو فصيله حتى يكون مثل الجبل" .
هكذا روى يحيى هذا الحديث عن مالك في الموطأ مرسلا وتابعه أكثر الرواة عن مالك على ذلك وممن تابعه ابن القاسم وابن وهب مطرف وأبو المصعب وجماعة ورواه معن بن عيسى ويحيى بن عبد الله بن بكير عن مالك عن يحيى عن أبي الحباب عن أبي هريرة مسندا حدثناه عبد الرحمن بن يحيى قال حدثنا الحسن بن الخضر قال حدثنا أحمد بن شعيب قال حدثنا علي بن شعيب قال حدثنا معن بن عيسى عن مالك عن يحيى بن سعيد عن أبي الحباب سعيد بن يسار عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "من تصدق بصدقة" وذكر الحديث .
حدثنا أحمد بن محمد قال حدثنا محمد بن عيسى قال حدثنا يحيى بن عمر ويحيى بن أيوب قالا حدثنا ابن بكير عن مالك

(23/172)


وحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا مطرف بن عبد الرحمن قال حدثنا ابن بكير عن مالك عن يحيى بن سعيد عن أبي الحباب سعيد بن يسار عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "من تصدق من كسب طيب ولا يقبل الله إلا طيبا كان كإنما يضعها في كف الرحمن فيربيها له كما يربي أحدكم فصيله أو فلوه حتى يكون مثل الجبل" .
قال أبو عمر:
موطأ ابن بكير بهذين الإسنادين قرأته على أبي عمر أحمد بن محمد بن أحمد وعلى أبي القاسم عبد الوارث بن سفيان رحمهما الله بالإسنادين المذكورين .
وأخبرناه أيضا أبو القاسم خلف بن قاسم رحمه الله قال أخبرنا أبو محمد الحسن بن رشيق قال حدثنا أحمد بن محمد بن عبد العزيز المؤدب قال حدثنا ابن بكير وهذا الحديث رواه سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي الحباب عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم .
وروي عن أبي هريرة من وجوه وروته طائفة من الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو حديث صحيح مجتمع على صحته وفيه أن الله عز وجل إنما يقبل من الصدقات ما طاب كسبه وأريد به وجهه والكسب الطيب هو الحلال المحض أو المتشابه فإن المتشابه عندنا في حيز الحلال بدلائل قد ذكرناها في غير هذا الكتاب وللعلماء.

(23/173)


في المتشابه أقاويل أشبهها عندنا من جهة النظر ما ذكرنا وبالله توفيقنا ومعنى هذا الحديث يعضده قول الله عز وجل {يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ} قيل لبعض العلماء إن الله قال {يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا} وإنما نرى أصحاب الربا تنمى أموالهم فقال إنما يمحق الله الربا حيث يربي الصدقات ويضعفها وذلك في القيامة إذا نظر العبد إلى أعماله فرآها ممحوقة أو مضاعفة كما قال .
روى وكيع عن عباد بن منصور عن القاسم بن محمد عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن العبد إذا تصدق بصدقة وضعت في كف الرحمن قبل أن تقع في كف السائل قال فيربيها كما يربي أحدكم فصيله أو فلوه حتى أن اللقمة لتصير مثل أحد ثم قرأ {يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ} " .
وفي قول رسول الله صلى الله عليه وسلم "اتقوا النار ولو بشق تمرة" دليل على عظيم فضل الصدقة .
وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال "ما أحسن عبد الصدقة إلا أحسن الله الخلافة على بنيه وكان في ظل الله يوم لا ظل إلا ظله وحفظ في يوم صدقته من كل عاهة أو آفة".

(23/174)


وفي فضل الصدقات آثار كثيرة ومن طلب العلم للعمل وأراد به الله فالقليل يكفيه إن شاء الله .
حدثنا خلف بن القاسم حدثنا أبو الطاهر محمد بن أحمد بن بحير القاضي قال حدثنا جعفر بن محمد الفريابي قال حدثنا سليمان بن عبد الرحمن قال حدثنا الحكم بن يعلى قال حدثنا عمرو بن الحرث عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الخير عن عقبة بن عامر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "إن الصدقة لتطفىء على أهلها حر القبور" .
أخبرنا خلف بن أحمد قال حدثنا أحمد بن مطرف قال حدثنا سعيد بن عثمان القيسي قال حدثنا أبو البشر عبد الرحمن بن الجارود قال حدثنا عبد الله بن صالح قال حدثني حرملة بن عمران عن ابن أبي حبيب عن أبي الخير قال سمعت عقبة بن عامر يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "كل امرىء في ظل صدقته حتى يفصل بين الناس أو قال يحكم بين الناس" .
قال يزيد وكان أبو الخير لا يخطيه يوم إلا تصدق فيه بكعكة أو بصلة أو شيء .
وحدثنا خلف حدثنا أحمد بن مطرف حدثنا سعيد بن عثمان حدثنا يونس بن عبد الأعلى حدثنا يحيى بن حسان قال حدثنا عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن علي بن حسين قال دعوة المتصدق عليه للمتصدق لا ترد .

(23/175)


الحديث التاسع عشر
...
حديث تاسع عشر ليحيى بن سعيد
يحيى عن بشير بن يسار - أربعة أحاديث:
مالك عن يحيى بن سعيد عن بشير بن يسار مولى بني حارثة عن سويد بن النعمان أنه أخبره "أنه خرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام خيبر حتى إذا كانوا بالصهباء وهي من أدنى خيبر نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى العصر ثم دعا بالأزواد فلم يؤت إلا بالسويق فأمر به فثري فأكل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأكلنا ثم قام إلى المغرب فمضمض ومضمضنا ثم صلى ولم يتوضأ " .
وبشير بن يسار هذا هو بشير بن أبي كيسان مولى بني حارثة من الأنصار مدني تابعي ثقة .
وهذا حديث صحيح إسناده ثابت معناه أدخله مالك في باب ترك الوضوء مما مست النار وهذا يدلك على أن السويق من الطعام الذي قد مسته النار وأنه لا وضوء فيه وقد أوضحنا هذا المعنى وجودناه من جهة الأثر والنظر ومهدناه وبسطناه وجلبنا فيه الاختلاف ووجوه الاعتلال في باب زيد بن أسلم من هذا الكتاب والحمد لله.

(23/176)


وأما قوله فثري يعني بل الماء ومنه قيل للتراب الندي الثرى .
وفي هذا الحديث دليل على أن الصالحين والفضلاء لا يستغنون عن الزاد في سفرهم وهو يبطل مذهب الصوفية الذين لا يدخرون لغد .
وفيه دليل على أن جمع الأزواد واجتماع الأيدي عليها أعظم بركة ولذلك قال بعض العلماء جمع الأزواد في السفر سنة وقد أجاز لنا أبو ذر عبد بن أحمد الهروي قال حدثنا أبو بكر بن عبدان قال حدثنا يحيى بن محمد بن صاعد قال حدثنا أبو هشام الرفاعي محمد بن يزيد قال حدثنا حفص بن غياث عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال "شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الجوع فقال اجمعوا أزوادكم قال فجعل الرجل يجيء بالحفنة من التمر والحفنة من السويق وطرحوا الأنطاع أو قال الأكسية فوضع النبي صلى الله عليه وسلم يده عليها ثم قال كلوا فأكلنا وشبعنا وأخذنا في مزاودنا ثم قال أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله من قالها غير شاك فقد دخل الجنة" .
وقد استدل بعض الفقهاء بهذا الحديث لما فيه من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بإخراج أزوادهم للمساواة فيها على أنه جائز للإمام عند قلة الطعام وارتفاع السعر وغلاء الأقوات أن يأمر من عنده طعام فوق قوته بإخراجه للبيع ويجبره على ذلك لما فيه من ترميق مهج الناس وإحيائهم والإبقاء عليهم وقد روينا من طريق منقطع عن النبي صلى الله عليه وسلم

(23/177)


أنه قال من السنة أن يخرج القوم إذا خرجوا في سفر نفقتهم جميعا فإن ذلك أطيب لأنفسهم وأحسن لأخلاقهم .
وروينا عن ابن عمر من وجوه أنه قال من كرم الرجل طيب زاده في سفره وروينا أن محمد بن إسحاق لما أراد الخروج إلى العراق قال له رجل من أصحابه إني أحسب السفرة عندك خسيسة يا أبا عبد الله وكان ابن إسحاق ذلك الوقت قد رقت حالته فقال إن كانت السفرة خسيسة فما أخلاقنا بخسيسة ولربما قصر الدهر باع الكريم .
أخبرنا عبد الله بن محمد بن يوسف حدثنا الحسن بن إسماعيل الضراب حدثنا علي بن جعفر الفريابي قال حدثنا أحمد بن عبد الله الأقطع قال حدثنا أبو زرعة الرازي قال حدثنا سويد بن سعيد قال حدثنا أبو فراس عبد الرحيم بن عبيد قال سمعت ربيعة بن أبي عبد الرحمن يقول للسفر مروءة وللحضر مروءة فأما المروءة في السفر فبذل الزاد وقلة الخلاف على الأصحاب وكثرة المزاح في غير مساخط الله وأما المروءة في الحضر فالإدمان إلى المساجد وتلاوة القرآن وكثرة الإخوان في الله عز وجل .
وأتى رجلان إلى ابن عون يودعانه ويسألانه أن يوصيهما فقال لهما عليكم بكظم الغيظ وبذل الزاد فرأى أحدهما في المنام أن ابن عون أهدى إليهما حلتين .

(23/178)


ولبعض بني أسد وقيل إنها لحاتم الطائي :
إذا ما رفيقي لم يكن خلف ناقتي ... له مركب فضلا فلا حملت رجلي
ولم يك من زادي له شطر مزودي ... فلا كنت ذا زاد ولا كنت ذا فضل
شريكان فيما نحن فيه وقد أرى ... علي له فضلا بما نال من فضل
و قال آخر :
وإني لأستحيي رفيقي أن يرى ... مكان يدي من جانب الزاد أقرعا
أبيت هضيم الكشح مضطرم الحشى ... من الجوع أخشى الذم أن أتضلعا
وإنك إن أعطيت بطنك سؤله ... وفرجك نالا منتهى الذم أجمعا

(23/179)


الحديث العشرون
...
حديث موفي عشرين ليحيى بن سعيد
مالك عن يحيى بن سعيد عن بشير بن يسار "أن أبا بردة ابن نيار ذبح أضحيته قبل أن يذبح رسول الله يوم الأضحى فزعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره أن يعود لضحية أخرى فقال أبو بردة لا أجد إلا جذعا قال فاذبح" .
أبو بردة بن نيار اسمه هانىء بن نيار وقد ذكرناه في كتاب الصحابة بما يغني عن ذكره ههنا ويقال إن بشير بن يسار لم يسمع من أبي بردة وقد رواه معن بن عيسى عن مالك عن يحيى بن سعيد عن بشير بن يسار عن أبي بردة بن نيار أنه ذبح قبل أن يذبح رسول الله فذكر الحديث هكذا ذكره إسماعيل بن إسحاق عن علي بن المديني عن معن .
وحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا بكر بن حماد قال حدثنا مسدد قال حدثنا يحيى بن سعيد عن بشير بن يسار عن أبي بردة بن نيار أنه ذبح فذكر الحديث مثله .
وقصة أبي بردة هذه محفوظة من حديث البراء بن عازب حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا بكر بن حماد قال حدثنا مسدد قال حدثنا أبو الأحوص قال حدثنا

(23/180)


المنصور بن المعتمر عن الشعبي عن البراء بن عازب قال "خطبنا رسول الله يوم النحر بعد الصلاة فقال من صلى صلاتنا ونسك نسكنا فقد أصاب النسك ومن نسك قبل الصلاة فتلك شاة لحم. فقام أبو بردة بن نيار فقال والله يا رسول الله لقد نسكت قبل أن أخرج إلى الصلاة وعرفت أن اليوم يوم أكل وشرب فعجلت وأكلت ثم أطعمت أهلي وجيراني فقال رسول الله تلك شاة لحم قال فإن عندي عناقا جذعة هي خير من شاتي لحم فهل تجزي عني قال نعم ولن تجزيء عن أحد بعدك".
ورواه داود بن أبي هند ومطرف بن طريف وعامر الأحول وسيار عن الشعبي عن البراء مثله بمعناه ومن رواه عن الشعبي عن جابر فقد أخطأ .
وفي حديث مالك من الفقه أن الذبح لا يجوز قبل ذبح الإمام لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر الذي ذبح قبل أن يذبح بالإعادة وقد أمرنا الله بالتأسي به وحذرنا من مخالفة أمره ولم يخبرنا رسول الله أن ذلك خصوص له فالواجب في ذلك استعمال عمومه وقد أجمع العلماء على أن الأضحى مؤقت بوقت لا يتقدم إلا أنهم أختلفوا في تعيين ذلك الوقت على ما نورده عنهم في هذا الباب

(23/181)


إن شاء الله وأجمعوا على أن الذبح لأهل الحضر لا يجوز قبل الصلاة لقوله "ومن ذبح قبل الصلاة فتلك شاة لحم " وأما الذبح بعد الصلاة وقبل ذبح الإمام فموضع اختلف فيه العلماء لاختلاف الآثار في ذلك فذهب مالك والشافعي وأصحابهما والأوزاعي إلى أنه لا يجوز لأحد أن يذبح أضحيته قبل ذبح الإمام
وحجتهم حديث مالك هذا عن يحيى بن سعيد عن بشير بن يسار "أن رسول الله أمر أبا بردة بن نيار لما ذبح أضحيته قبل ذبح رسول الله أن يعيد بضحية أخرى" .
وروى ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر "أن النبي صلى يوم النحر بالمدينة فتقدم رجال فنحروا وظنوا أن رسول الله قد نحر فأمر من كان نحر أن يعيد بذبح آخر ولا ينحر حتى ينحر النبي" ذكره سنيد عن حجاج عن ابن جريج ففي هذين الحديثين أن النحر لا يجوز قبل نحر الإمام .
و قال معمر عن الحسن في قول الله عز وجل {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} نزلت في قوم ذبحوا قبل أن ينحر النبي أو قبل أن يصلي صلى الله عليه وسلم النبي فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يعيدوا

(23/182)


وقال أبو حنيفة وأصحابه والثوري والليث بن سعد لا يجوز ذبح الأضحية قبل الصلاة ويجوز بعد الصلاة قبل أن يذبح الإمام وحجتهم حديث الشعبي عن البراء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "من نسك قبل الصلاة فإنما هي شاة لحم" وقد ذكرنا هذا الحديث فيما تقدم من هذا الباب .
وحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أحمد بن زياد أبو جعفر البزاز ببغداد قال حدثنا زكرياء بن عدي قال حدثنا حفص عن داود وعاصم عن الشعبي عن البراء قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في خطبته يوم النحر "من ذبح قبل الصلاة فليعد" .
وحدثنا قاسم بن محمد قال حدثنا خالد بن سعد قال حدثنا أحمد بن عمرو وحدثنا محمد بن عبد الملك وعبيد بن محمد قالا حدثنا عبد الله بن مسرور قال حدثنا عيسى بن مسكين قالا حدثنا ابن سنجر قال حدثنا هشام بن عبد الملك قال حدثنا شعبة عن زبيد عن الشعبي عن البراء بن عازب عن النبي أنه قال "أول ما نبدأ به في يومنا هذا أن نصلي ثم ننحر فمن فعل ذلك فقد أصاب سنتنا ومن تعجل فإنما هو لحم قدمه لأهله وكان أبو بردة ابن نيار ذبح قبل الصلاة فقال يا رسول الله إن عندي جذعة خيرا من مسنة فقال اجعلها مكانه ولن تجزىء أو توفي عن أحد بعدك".

(23/183)


وذكر الطحاوي حديث ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر المذكور في هذا الباب وقال لا حجة فيه لأنه قد خالفه حماد بن سلمة فرواه عن أبي الزبير عن جابر أن رجلا ذبح قبل أن يصلي النبي عتودا جذعا فقال النبي صلى الله عليه وسلم لا تجزىء عن أحد بعدك ونهى أن يذبحوا قبل أن يصلي فجعل ذبح أبي بردة كان قبل الصلاة لا قبل ذبح الإمام بعد الصلاة كما قال ابن جريج ومن حجتهم أيضا ما حدثناه سعيد بن نصر وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا إسماعيل بن إسحاق قال حدثنا سليمان بن حرب قال حدثنا حماد بن زيد عن أيوب عن محمد بن سيرين عن أنس بن مالك وقفه مرة ورفعه أخرى أن رسول الله صلى ثم خطب فقال "من ذبح قبل الصلاة أعاد ذبحا فقام رجل من الأنصار فقال يا رسول الله إن جيراني إما قال بهم حاجة أو قال فاقة فذبحت قبل الصلاة وعندي عناق لهي أحب إلي من شاتي لحم قال فرخص له" فإن كانت رخصته عدت ذلك الرجل فلا علم لي ثم انكفأ إلى كبشين أملحين فذبحهما وتفرق الناس إلى غنيمة فتجزعوها .
وحدثنا عبد الوارث قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا إسحاق بن الحسن الحربي حدثنا موسى بن داود حدثنا سفيان الثوري عن الأسود بن قيس عن جندب قال خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم

(23/184)


يوم أضحى فرأى قوما قد ذبحوا وقوما لم يذبحوا فقال "من كان ذبح قبل صلاتنا فليعد ومن لم يذبح فليذبح باسم الله".
وذكره الشافعي قال أخبرنا سفيان بن عيينة قال حدثنا الأسود ابن قيس قال سمعت جندب بن عبد الله البحلي قال "شهدت العيد مع النبي وأن ناسا ذبحوا قبل الصلاة فقال من كان منكم ذبح قبل الصلاة فليعد ذبيحته ومن لم يكن ذبح فليذبح على اسم الله" قالوا فهذه الآثار كلها تدل على اعتبار الصلاة ومراعاتها دون ما سواها .
وأما قوله في حديث مالك لا أجد إلا جذعا فإن الجذع الذي أراد أبو بردة كان عناقا أو عتودا وقد بان ذلك في الأحاديث التي ذكرنا من غير رواية مالك وهو أمر مجتمع عليه عند أهل العلم أن الجذع المذكور في حديث أبي بردة هذا كان عناقا أو عتودا على ما جاء في حديث البراء وحديث جابر وأنس بن مالك والعناق والعتود والجفرة لا تكون إلا من ولد المعز خاصة ولا تكون من ولد الضأن وهذا ما لا خلاف فيه بين أهل اللغة وفيها قال رسول الله لأبي بردة لا تجزى ء عن أحد بعدك وهو أمر مجتمع عليه عند العلماء أن الجذع من المعز لا تجزى ء اليوم عن أحد لأن أبا بريدة خص بذلك .
قال أهل اللغة الجفر والجفرة والعريض والعتود هذه كلها لا يكون إلا في أولاد المعز خاصة وهي كلها أسماء تقع على الجدي

(23/185)


والجدي الذكر والأنثى عناق من أولاد المعز خاصة والجفرة منها ما كان يرضع وينال من الكلأ فيجتمع فيه الرعي واللبن واختلف في سن الجذع من الضأن فقيل ابن سبعة أشهر أو ثمانية وقيل ابن عشرة وقيل ما بين الستة أشهر إلى العشر أشهر وقيل ما بين ثمانية أشهر إلى سنة وأول سن تقع من البهائم فهو جذع والسن الثانية إذا وقعت فهو ثني والسن الثالثة إذا وقعت فهو رباع فإذا استوت أسنانه فهو قارح من ذوات الحافر ومن الإبل بازل ومن الغنم ضالع .
قالوا وأما أولاد الضأن فهي الخروف والبذح والحمل وي قال رخل فإذا أتى عليه الحول فالذكر كبش والأنثى نعجة وضانية وإذا أتى على ولد المعز الحول فالذكر تيس والأنثى عنز والسخلة والبهمة يقال في أولادهما جميعا .
أخبرنا إبراهيم بن شاكر قال حدثنا محمد بن إسحاق القاضي قال حدثنا أحمد بن مسعود الزبيري قال حدثنا محمد بن عبد الله ابن الحكم وأخبرنا أحمد بن محمد قال حدثنا الميمون بن حمزة الحسيني قال حدثنا أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الطحاوي قال حدثنا إسماعيل بن يحيى المزني قالا حدثنا محمد بن إدريس الشافعي قال أخبرنا عبد الوهاب بن عبد المجيد عن داود بن أبي

(23/186)


هند عن عامر الشعبي عن البراء بن عازب "أن رسول الله قام يوم النحر خطيبا فحمد الله وأثنى عليه ثم قال لا يذبحن أحد حتى نصلي قال فقام خالي فقال يا رسول الله هذا يوم اللحم فيه معدوم وإني ذبحت نسيكتي فأطعمت أهلي وجيراني فقال له النبي متى فعلت قال قبل الصلاة قال فأعد ذبحا آخر فقال عندي عناق لبن هي خير من شاتي لحم فقال هي خير نسيكتيك ولن تجزىء جذعة عن أحد بعدك" .
قال عبد الوهاب أظن أنها ماعز قال الشافعي هي ماعزة كما قال عبد الوهاب إنما يقال للضانية رخل .
قال الشافعي وقول النبي في هذا الحديث هي خير نسيكتيك لأنك ذبحتهما تنوي نسيكتين فلما ذبحت الأولى قبل وقت الذبح كانت الأخرى هي النسيكة والأول عير نسيكة وإن نويت بها النسيكة .
وقوله لن تجزىء عن أحد بعدك أنها له خاصة وقوله عناق لبن يعني عناقا تقتنى للبن .
وأخبرنا إبراهيم بن شاكر قال حدثنا محمد بن أحمد بن يحيى قال قال أخبرنا أحمد بن بهزاد بن مهران السيرافي قال حدثنا الربيع ابن سليمان في كتاب البويطي عن الشافعي قال قال الشافعي ولا يذبح أحد حتى يذبح الإمام إلا أن يكون ممن لا يذبح فإذا صلى وفرغ من الخطبة حل الذبح قال وينبغي للإمام أن يحضر ضحيته المصلى فيذبح حين يفرغ من الخطبة فإن لم يفعل فليتوخ الناس قدر

(23/187)


انصرافه وذبحه ومن ذبح قبل الإمام فلا ضحية له وأحب له أن يضحي بغيرها فإن لم يفعل فلا شيء عليه ولا ضحية له .
قال أبو عمر:
ومثل قول الشافعي في هذا كله قول مالك وقال أحمد بن حنبل إذا انصرف الإمام فاذبح وهو قول إبراهيم وقال إسحاق إذا فرغ الإمام من الخطبة فاذبح واعتبر الطبري قدر مضي وقت صلاة النبي وخطبته بعد ارتفاع الشمس وحكى المزني نحوه عن الشافعي .
قال أبو عمر:
لا أعلم خلافا بين العلماء من ذبح قبل الصلاة وكان من أهل المصر أنه غير مضح وكذلك لا أعلم خلافا أن الجذع من المعز ومن كل شيء يضحى به غير الضأن لا يجوز وإنما يجوز من ذلك كله الثني فصاعدا ويجوز الجذع من الضأن بالسنة المسنونة والذي يضحى به بإجماع من المسلمين الأزواج الثمانية وهي الضأن والمعز والإبل والبقر وقد اختلف الفقهاء في الأفضل من ذلك وقد ذكرنا ذلك في باب سمي من هذا الكتاب .
وأما حديث عاصم بن كليب عن أبيه عن النبي أنه قال "إن الجذع يوفي مما يوفي منه الثني" فهذا إنما هو في الضأن بدليل حديث البراء وغيره في قصة أبي بردة بن نيار أن رسول الله قال له في العناق وهي من المعز أنها لن تجزى ء عن أحد بعدك وأما الأضحية بالجذع من الضأن فمجتمع عليها عند جماعة الفقهاء

(23/188)


وأخبرنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا ابن وضاح قال حدثنا سحنون قال حدثنا ابن وهب قال أخبرني عمرو بن الحارث أن بكير بن الأشج حدثه أن معاذ بن خبيب حدثه عن عقبة بن عامر الجهني قال "ضحينا مع رسول الله بجذع من الضأن" .
وأما قوله في حديث مالك فأمره أن يعيد بضحية أخرى فبهذا احتج من ذهب إلى أن الضحية واجبة فرضا لأن ما لم يكن واجبا فرضا لم يؤمر فيه بالإعادة وهذا موضع اختلف العلماء فيه فقال أبو حنيفة الضحية واجبة وقال أبو يوسف ليست بواجبة وقال محمد بن الحسن الأضحى واجب على كل مقيم في الأمصار إذا كان موسرا هكذا ذكره الطحاوي عنهم في كتاب الخلاف وذكر عنهم في مختصره قال أبو حنيفة الأضحية واجبة على المقيمين الواجدين من أهل الأمصار وغيرهم ولا تجب على المسافرين قال ويجب على الرجل من الأضحية على ولده الصغير مثل الذي يجب عليه عن نفسه قال وخالفه أبو يوسف ومحمد فقالا ليست الأضحية بواجبة ولكنها سنة غير مرخص لمن وجد السبيل إليها في تركها قال وبه نأخذ .
و قال إبراهيم النخعي الأضحى واجب على أهل الأمصار ما خلا الحاج وحجة من ذهب إلى إيجابه أمر رسول الله أبا بردة بن نيار بأن يعيد الضحية إذ أفسدها قبل وقتها وقال له في الجذعة:

(23/189)


العناق لا يجزىء عن أحد بعدك ومثل هذا إنما يقال في الفرائض الواجبة لا في التطوع .
و قال الطحاوي فإن قيل لأنه كان أوجبها فأتلفها فأوجب عليه إعادتها قيل له لو أراد هذا لتعرف قيمة المتلفة ليأمره بمثلها فلما لم يعتبر ذلك دل على أنه لم يقصد إلى ما ذكرت واحتجوا أيضا بما حدثناه سعيد بن نصر وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا ابن وضاح قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا زيد بن الحباب قال حدثنا عبد الله بن عياش قال حدثني عبد الرحمن الأعرج عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من كان له سعة فلم يضح فلا يشهد مصلانا" .
وحدثنا عبد الوارث قال حدثنا قاسم قال حدثنا أبو يحيى بن أبي ميسرة قال حدثنا عبد الله بن يزيد المقرى ء قال حدثنا عبد الله بن عياش بن عباس القتباني قال حدثنا عبد الرحمن بن هرمز الأعرج عن أبي هريرة قال قال رسول الله فذكر مثله قالوا وهذه غاية في تأكيدها ووجوبها .
قال أبو عمر:
هذا حديث رواه ابن وهب عن عبد الله بن عياش القتباني هذا عن الأعرج عن أبي هريرة موقوفا لم يرفعه كذا هو في موطئه

(23/190)


وكذلك رواه عبيد الله بن أبي جعفر عن الأعرج عن أبي هريرة موقوفا وعبيد الله بن أبي جعفر فوق عبد الله بن عياش .
حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن إسماعيل الترمذي قال حدثنا ابن أبي مريم قال أخبرنا يحيى بن أيوب عن عبيد الله بن أبي جعفر عن الأعرج عن أبي هريرة قال وأخبرنا الليث بن سعد وبكر بن مضر قالا أخبرنا عبيد الله بن أبي جعفر عن ابن هرمز قال سمعت أبا هريرة وهو في المصلى يقول "من قدر على سعة فلم يضح فلا يقربن مصلانا" .
قال أبو عمر:
الأغلب عندي في هذا الحديث أنه موقوف على أبي هريرة والله أعلم .
و قال مالك على الناس كلهم أضحية المسافر والمقيم ومن تركها من غير عذر فبئسما صنع .
و قال الثوري والشافعي ليست بواجبة وقال الثوري لا بأس بتركها وقال الشافعي هي سنة وتطوع ولا يجب لأحد قدر عليها تركها وتحصيل مذهب مالك أن الضحية سنة مؤكدة لا ينبغي تركها وهي على كل مقيم ومسافر إلا الحاج بمنى ويضحى عنده عن اليتيم والمولود وعن كل حر واجد .

(23/191)


وقال الشافعي: هي سنة على جميع الناس وعلى الحاج بمنى أيضا وليست بواجبة .
وقول أبي ثور في هذا كقول الشافعي وكان ربيعة والليث يقولان لا نرى أن يترك المسلم الموسر المالك لأمره الضحية.
وروي عن سعيد بن المسيب وعطاء وعلقمة والأسود أنهم كانوا لا يوجبونها وهو قول أحمد بن حنبل وروي عن الشعبي أن الصدقة أفضل من الأضحية وقد روي عن مالك مثله وروى عنه أيضا أن الضحية أفضل والصحيح عنه وعن أصحابه في مذهبه أن الضحية أفضل من الصدقة إلا بمنى فإن الصدقة بثمن الأضحية بمنى أفضل لأنه ليس بموضع أضحية وقد روي عنه أن الصدقة بثمن الأضحية بمنى أفضل وقال ربيعة وأبو الزناد وأبو حنيفة وأصحابه وأحمد بن حنبل الضحية أفضل من الصدقة وقال أبو ثور الصدقة أفضل من الأضحية.
قال أبو عمر:
الضحية عندنا أفضل من الصدقة لأن الضحية سنة وكيدة كصلاة العيد ومعلوم أن صلاة العيد أفضل من سائر النوافل وكذلك صلوات السنن أفضل من التطوع كله.
وقد روي في فضل الضحايا آثار حسان فمنها ما رواه سعيد بن داود بن أبي الزبير عن مالك عن ثور بن زيد عن عكرمة عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ما من نفقة بعد صلة الرحم أعظم

(23/192)


عند الله من إهراق الدم" حدثناه خلف بن القاسم حدثنا أحمد بن محمد بن عثمان بن أبي التمام قال حدثنا كثير بن معمر الجوهري حدثنا محمد بن علي بن داود البغدادي حدثنا سعيد بن داود بن أبي زنبر حدثنا مالك بن أنس فذكره بإسناده إلى أخره وهو غريب من حديث مالك .
وأخبرنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن الجهم السمري قال حدثنا نصر بن حماد قال حدثنا محمد بن راشد عن سليمان بن موسى عن عطاء بن أبي رباح عن عائشة قالت "يا أيها الناس ضحوا وطيبوا بها أنفسا فإني سمعت رسول الله يقول ما من عبد توجه بأضحيته إلى القبلة إلا كان دمها وفرثها وصوفها حسنات محضرات في ميزانه يوم القيامة فإن الدم وإن وقع في التراب فإنما يقع في حرز الله حتى يوفيه صاحبه يوم القيامة" وقال رسول الله "اعملوا يسيرا تجزوا كثيرا".
قال أبو عمر:
احتج الشافعي في سقوط وجوب الضحية بحديث أم سلمة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال "إذا دخل العشر عشر ذي الحجة فأراد أحدكم أن يضحي فلا يأخذن من شعره ولا من أظفاره" .
قال في قوله فأراد أن يضحي دليل على أنها غير واجبة وهذا الحديث رواه شعبة عن

(23/193)


مالك بن أنس عن عمر بن مسلم عن سعيد بن المسيب عن أم سلمة وكان مالك لا يحدث به أصحابه لأنه كان لا يأخذ بما فيه من معنى المنع من حلق الشعر وقطع الظفر لمن أراد الضحية وإنما لم يأخذ به لحديث عائشة "أن رسول الله كان يبعث بهديه ثم لا يحرم عليه شيء مما يحرم على المحرم حتى ينحر الهدي" وقد ذكرنا هذا المعنى مجودا في باب عبد الله بن أبي بكر .
وذكر عمران بن أنس قال سألت مالكا عن حديث أم سلمة هذا فقال ليس من حديثي قال فقلت لجلسائه قد رواه عنه شعبة وحدث به عنه وهو يقول ليس من حديثي فقالوا إنه إذا لم يأخذ بالحديث قال فيه ليس من حديثي وقد رواه عن مالك جماعة وروي من غير حديث مالك من وجوه قد ذكرناها في باب عبد الله بن أبي بكر والحمد لله
وروى الشعبي عن أبي سريحة الغفاري قال رأيت أبا بكر وعمر وما يضحيان وقال ابن عمر في الضحية ليست بحتم ولكنها سنة ومعروف .
وقال أبو مسعود الأنصاري إني لأدع الأضحى وأنا موسر مخافة أن يرى جيراني أنها حتم علي وقال عكرمة كان ابن عباس يبعثني يوم الأضحى بدرهمين أشتري له لحما ويقول من لقيت فقل هذه أضحية ابن عباس وهذا أيضا محمله عند أهل العلم لئلا يعتقد فيها

(23/194)


للمواظبة عليها أنها واجبة فرضا وكانوا أئمة يقتدى بهم من بعدهم ممن ينظر في دينه إليهم لأنهم الواسطة بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين أمته فساغ لهم من الاجتهاد في ذلك ما لا يسوغ اليوم لغيرهم والأصل في هذا الباب أن الضحية سنة مؤكدة لأن رسول الله فعلها وواظب عليها أو ندب أمته إليها وحسبك أن من فقهاء المسلمين من يراها فرضا لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم المضحي قبل وقتها بإعادتها وقد بينا ما في ذلك والحمد لله .
وأما وقت الأضحى فإن العلماء مجمعون على أن يوم النحر يوم أضحى وأجمعوا على أن قوله عز وجل {وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ} إنما قصد به أيام الذبح والنحر
واختلفوا في تعيينها فقالت طائفة هي أيام العشر وروي هذا عن ابن عباس وإليه ذهب الشافعي والطبري وفرقة واحتج بعض من ذهب إلى هذا بأنه جائز أن يكون مراد الله من قوله {فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ} بعض تلك الأيام وهو يوم النحر كما قال عز وجل {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ} يريد بعض الأشهر وأقلها كما قال عز وجل {وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً} وليس القمر في السبع السموات وإنما هو في بعضهن .

(23/195)


وقال الآخرون الأيام المعلومات هي أيام الذبح وذلك يوم النحر ويومان بعده وروي ذلك عن علي وابن عمر وابن عباس أيضا وعلى هذا القول أكثر الناس وأما تمهيد أقوال العلماء في مدة أيام النحر فإنهم أجمعوا على أنه لا يكون أضحى قبل طلوع الفجر من يوم النحر لا لحضري ولا لبدوي واختلفوا فيما بعد ذلك فروي عن ابن سيرين أن الأضحى يوم واحد يوم النحر وحده .
وعن سعيد بن جبير وجابر بن زيد أن الأضحى في الأمصار يوم واحد وبمنى ثلاثة أيام.
وعن قتادة: النحر يوم النحر وستة أيام بعده .
وعن الحسن: الأضحى إلى هلال المحرم .
قال أبو عمر:
هذه أقاويل كلها شاذة وقال مالك وأبو حنيفة وأصحابهما والثوري وأحمد بن حنبل وأكثر أهل العلم الأضحى يوم النحر ويومان بعده .
وروي عن علي وابن عمر وابن عباس وأنس مثله .
و قال الشافعي والأوزاعي الأضحى يوم النحر وثلاثة أيام بعده وروي ذلك عن علي بن أبي طالب أيضا وهو قول عطاء وروى أيضا مثله عن ابن عباس والحسن على اختلاف عنهما وهو قول عمر بن عبد العزيز .

(23/196)


حدثنا أحمد بن قاسم حدثنا محمد بن معاوية حدثنا أحمد بن الحسن الصوفي حدثنا الهيثم بن خارجة حدثنا إسمعيل بن عياش عن عمرو بن مهاجر أن عمر بن عبد العزيز قال "الأضحى يوم النحر وثلاثة أيام بعده" .
وروى إسمعيل بن عياش أيضا عن سليمان بن موسى عن نافع بن جبير بن مطعم عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم "كل فجاج مكة منحر وكل أيام التشريق ذبح" واحتج بهذا أصحاب الشافعي .
وأما أهل الحديث فإنهم يقولون إنه مما انفرد بوصله إسمعيل بن عياش ولم يتابع على ذلك وإنما هو مرسل .
و قال أحمد بن حنبل الصحيح فيه مرسل قال أحمد وقد روي الأضحى يوم النحر ويومان بعده عن غير واحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.
حدثنا إبراهيم بن شاكر قال حدثنا عبد الله بن محمد بن عثمن قال حدثنا سعيد بن عثمن قال حدثنا أحمد بن عبد الله بن صالح قال حدثنا عبيد الله بن موسى قال حدثنا ابن أبي ليلى عن أبي المنهال عن زر عن علي رضي الله عنه قال "الأيام المعدودات يوم النحر ويومان بعده اذبح في أيها شئت وأفضلها أولها".
وقال الطحاوي مثله لا يكون رأيا فدل أنه توقيف والله أعلم.

(23/197)


الحديث الحادي و العشرون
...
حديث حاد وعشرون ليحيى بن سعيد
مالك عن يحيى بن سعيد عن بشير بن يسار أنه أخبره "أن عبد الله بن سهل الأنصاري ومحيصة بن مسعود خرجا إلى خيبر فتفرقا في حوائجهما فقتل عبد الله بن سهل فقدم محيصة فأتى هو وأخوه حويصة وعبد الرحمن بن سهل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فذهب عبد الرحمن ليتكلم لمكانه من أخيه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كبر كبر فتكلم محيصة وحويصة فذكرا شأن عبد الله بن سهل فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم "أتحلفون خمسين يمينا وتستحقون دم صاحبكم أو قاتلكم "قالوا يا رسول الله صلى الله عليه وسلم لم نشهد ولم نحضر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فتبرئكم يهود بخمسين يمينا فقالوا يا رسول الله كيف نقبل أيمان قوم كفار قال يحيى فزعم بشير أن رسول الله وداه من عنده" .
لم يختلف الرواة عن مالك في إرسال هذا الحديث وقد رواه حماد بن زيد وسفيان بن عيينة والليث بن سعد وعبد الوهاب الثقفي عن يحيى بن سعيد عن بشير بن يسار عن سهل بن أبي حثمة وبعضهم يجعل مع سهل بن أبي حثمة رافع بن خديج جميعا عن النبي صلى الله عليه وسلم وكلهم يجعله عن سهل بن أبي حثمة مسندا

(23/198)


أخبرنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا عبيد الله بن عمرو بن ميسرة ومحمد بن عبيد المعنى قالا حدثنا حماد بن زيد عن يحيى بن سعيد عن بشير بن يسار عن سهل بن أبي حثمة ورافع بن خديج "أن محيصة بن مسعود وعبد الله بن سهل انطلقا قبل خيبر فتفرقا في النخل فقتل عبد الله بن سهل فاتهموا اليهود فجاء أخوه عبد الرحمن بن سهل وأنبأ عميه حويصة ومحيصة فأتوا النبي فتكلم عبد الرحمن في أمر أخيه وهو أصغرهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم الكبر الكبر قال ليبدأ الأكبر فتكلموا في أمر صاحبهم فقال رسول الله يقسم منكم خمسون على رجل فيدفع برمته قالوا أمر لم نشهده كيف نحلف قال فتبرئكم يهود بأيمان خمسين منهم. قالوا يا رسول الله قوم كفار قال فوداه رسول الله من قبله" قال قال سهل دخلت مربد التمر فركضتني ناقة من تلك الأبل ركضة برجلها هذا أو نحوه قال أبو داود رواه مالك وبشر بن المفضل عن يحيى فقالا فيه "أتحلفون خمسين يمينا وتستحقون دم صاحبكم أو قاتلكم" ولم يذكر بشير دم وقال عبدة عن يحيى كما قال حماد .

(23/199)


قال أبو عمر:
في حديث حماد بن زيد هذا دليل واضح على أنه لا يقتل بالقسامة إلا واحد لأنه أمرهم بتعيين رجل يقسمون عليه فيدفع إليهم برمته وهو حجة لمالك وأصحابه في ذلك وكذلك في حديث الزهري عن سهل ابن أبي حثمة تسمون قاتلكم ثم تحلفون عليه خمسين يمينا فيسلم إليكم ومن جهة النظر فلأن الواحد أقل من يستيقن أنه قتله فوجب أن يقتصر بالقسامة عليه
قال أبو داود ورواه ابن عيينة عن يحيى فبدأ بقوله "تبرئكم يهود بخمسين يمينا تحلفون" ولم يذكر الاستحقاق هكذا قال أبو داود وليس عندنا حديث ابن عيينة كذلك وهو عندنا من رواية الحميدي وهو أثبت الناس في ابن عيينة على غير ما ذكره
حدثنا سعيد بن نصر وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن إسمعيل قال حدثنا الحميدي قال حدثنا سفيان قال حدثنا يحيى بن سعيد قال أخبرني بشير بن يسار أنه سمع سهل بن أبي حثمة يقول "وجد عبد الله بن سهل قتيلا في فقير أو قليب من قلب خيبر فأتى أخوه النبي عبد الرحمن بن سهل وعماه حويصه ومحيصة ابنا مسعود فذهب عبد الرحمن يتكلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم الكبر الكبر فتكلم محيصة فذكر مقتل عبد الله بن سهل فقال يا رسول الله إنا وجدنا عبد الله بن

(23/200)


سهل قتيلا وأن اليهود أهل كفر وغدر وهم الذين قتلوه فقال رسول الله تحلفون خمسين يمينا وتستحقون صاحبكم أو دم صاحبكم قالوا يا رسول الله كيف نحلف على ما لم نحضر ولم نشهد قال فتبرئكم يهود بخمسين يمينا قالوا كيف نقبل أيمان قوم مشركين قال فوداه رسول الله من عنده" قال سهل فلقد ركضتني بكرة منها .
ورواه الشافعي وغيره جماعة عن ابن عيينة كما قال أبو داود وأخبرنا محمد بن إبراهيم وأحمد بن محمد قالا حدثنا أحمد بن مطرف قال حدثنا عبيد الله بن يحيى قال أخبرني أبي عن الليث عن يحيى بن سعيد عن بشير بن يسار عن سهل بن أبي حثمة قال يحيى حسبت أنه قال وعن رافع بن خديج أنهما قالا "خرج عبد الله ابن سهل بن زيد ومحيصة بن مسعود بن زيد حتى إذا كانا بخيبر تفرقا في بعض ما هنالك ثم إذا محيصة يجد عبد الله قتيلا فدفنه ثم أقبل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم هو وحويصة بن مسعود وعبد الرحمن بن سهل وكان أصغر القوم فذهب عبد الرحمن ليتكلم قبل صاحبيه فقال رسول الله كبر للكبر في السن فصمت وتكلم صاحباه ثم تكلم معهما فذكروا لرسول الله صلى الله عليه وسلم مقتل عبد الله بن سهل فقال أتحلفون خمسين يمينا فتستحقون صاحبكم أو قتيلكم فقالوا وكيف نحلف ولم نشهد قال فتبرئكم يهود بخمسين يمينا ،

(23/201)


قالوا وكيف نقبل أيمان قوم كفار فلما رأى ذلك رسول الله أعطى عقله" .
وقد رواه بشر بن المفضل عن يحيى بن سعيد عن بشير بن يسار عن سهل بن أبي حثمة قال وجد عبد الله بن سهل قتيلا فجاء أخوه وعماه وذكر الحديث .
وحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا عبيد بن عبد الواحد قال حدثنا أحمد بن محمد بن أيوب قال حدثنا إبراهيم بن سعد عن ابن إسحاق قال فحدثني الزهري عن سهل بن أبي حثمة قال ابن إسحاق وحدثني أيضا بشير بن يسار عن سهل بن أبي حثمة قال "أصيب عبد الله بن سهل بخيبر وكان خرج إليها في أصحاب له يمتار منها تمرا فوجد في عين قد كسرت عنقه ثم طرح فيها فأخذوه فغيبوه ثم قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكروا له شأنه فتقدم إليه أخوه عبد الرحمن ومعه ابنا عمه حويصة ومحيصة ابنا مسعود وكان عبد الرحمن من أحدثهم سنا وكان صاحب الدم وكان ذا قدم في القوم فلما تكلم قبل ابني عمه قال رسول الله "الكبر الكبر" فسكت فتكلم حويصة ومحيصة ثم تكلم هو بعد فذكروا لرسول الله قتل صاحبهم فقال رسول الله "تسمون قاتلكم ثم تحلفون عليه خمسين

(23/202)


يمينا فيسلم إليكم" فقالوا يا رسول الله ما كنا لنحلف على ما لا نعلم قال "فيحلفون لكم بالله خمسين يمينا ولا يعلمون له قاتلا ثم يبرؤون من دمه" قالوا يا رسول الله ما كنا لنقبل أيمان يهود ما فيهم من الكفر من أعظم من أن يحلفوا على إثم قال فوداه رسول الله من عنده مائة ناقة" قال سهل فوالله ما أنسى بكرة منها حمراء ضربتني وأنا أحوزها .
ففي هذه الروايات لمالك وغيره إثبات تبدئة المدعين بالأيمان في القسامة وفي حديث مالك هذا من الفقه إثبات القسامة في الدم وهو أمر كان في الجاهلية فأقرها رسول الله في الإسلام .
ذكر معمر ويونس عن الزهري قال أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن وسليمان بن يسار عن رجال أو رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأنصار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقر القسامة على ما كانت عليه في الجاهلية ذكره عبد الرزاق عن معمر .
وذكره ابن وهب عن يونس قال يونس عن رجل وقال معمر عن رجال وقال معمر عن الزهري عن ابن المسيب كانت القسامة في الجاهلية فأقرها رسول الله صلى الله عليه وسلم وقضى بها في الأنصاري الذي وجد مقتولا في جب اليهود بخيبر .
وفيه أن القوم إذا اشتركوا في معنى من معاني الدعوى وغيرها كان أولاهم بأن يبدأ بالكلام أكبرهم فإذا سمع منه تكلم الأصغر

(23/203)


فسمع منه أيضا إن احتيج إلى ذلك وهذا أدب وعلم فإن كان في الشركاء في القول والدعوى من له بيان ولتقدمته في القول وجه لم يكن بتقديمه بأس إن شاء الله .
أخبرنا محمد بن زكرياء قال حدثنا أحمد بن سعيد قال حدثنا أحمد بن خالد قال حدثنا مرون بن محمد قال حدثنا أبو حاتم عن العتبي قال قال سفيان بن عيينة قدم وفد من العراق على عمر بن عبد العزيز فنظر عمر إلى شاب منهم يريد الكلام ويهش إليه فقال عمر كبروا كبروا يقول قدموا الكبار قال الفتى يا أمير المؤمنين إن الأمر ليس بالسن ولو كان الأمر كذلك لكان في المسلمين من هو أسن منك قال صدقت فتكلم رحمك الله قال إنا وفد شكر وذكر الخبر .
وفيه أن المدعين الدم يبدؤون بالأيمان في القسامة خاصة وهو يخص قول النبي صلى الله عليه وسلم "البينة على المدعي واليمين على المنكر" فكأنه قال بدليل هذا الحديث إلا في القسامة ولا فرق بين أن يجيء ذلك في حديث واحد أو حديثين لأن ذلك كله بسنته صلى الله عليه وسلم.
وقد حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أبو يحيى بن أبي مسرة قال حدثنا مطرف بن عبد الله قال حدثنا مسلم بن خالد الزنجي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "البينة على المدعي واليمين على من

(23/204)


أنكر إلا في القسامة" وهذا الحديث وإن كان في إسناده لين فإن الآثار المتواترة في حديث هذا الباب تعضده ولكنه موضع اختلف فيه العلماء فقال مالك رحمه الله الأمر المجتمع عليه عندنا والذي سمعت ممن أرضى في القسامة والذي اجتمعت عليه الأمة في القديم والحديث أن يبدأ بالأيمان المدعون في القسامة قال وتلك السنة التي لا اختلاف فيها عندنا والذي لم يزل عليه عمل الناس أن المبدئين في القسامة أهل الدم الذين يدعونه في العمد والخطأ لأن رسول الله بدأ الحارثيين في صاحبهم الذي قتل بخيبر .
وذهب الشافعي في تبدئة المدعين الدم بالأيمان إلى ما ذهب إليه مالك في ذلك على ظواهر هذه الأحاديث المتقدم ذكرها في هذا الباب .
ومن حجة مالك والشافعي في تبدئة المدعين الدم باليمين مع صحة الأثر بذلك قول الله عز وجل {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ} وقوله عز وجل {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا} فالعداوة التي كانت بين الأنصار واليهود بدأ الحارثيين بالأيمان وجعل العداوة سببا تقوى به دعواهم لأنه لطخ يليق بهم في الأغلب لعداوتهم ومن سنته صلى الله عليه وسلم أن من قوي سببه في دعواه وجبت تبدئته باليمين ولهذا جاء اليمين مع الشاهد والله

(23/205)


أعلم مع ما في هذا من قطع التطرق إلى سفك الدماء وقبض أيدي الأعداء عن إراقة دم من عادوه على الدنيا والله أعلم .
وذهب جمهور أهل العراق إلى تبدئة المدعى عليهم بالأيمان في الدماء كسائر الحقوق وممن قال ذلك أبو حنيفة وأصحابه وعثمن البتي والحسن بن صالح وسفيان الثوري وابن أبي ليلى وابن شبرمة كل هؤلاء قالوا يبدأ المدعى عليهم على عموم قول رسول الله "البينة على من ادعى واليمين على من أنكر" .
حدثنا أحمد بن عبد الله قال حدثنا الميمون بن حمزة قال حدثنا الطحاوي قال حدثنا المزني قال حدثنا الشافعي قال أخبرنا مسلم بن خالد عن ابن جريج عن ابن أبي مليكة عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه".
قال وهذا على عمومه في سائر الحقوق من الدماء أو غيرها لأنه قد روي أن مخرج هذا الخبر كان في دعوى دم وذكروا ما حدثناه عبد الوارث بن سفيان وأحمد بن قاسم قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن إسمعيل الصائغ بمكة والحارث بن أبي أسامة قالا حدثنا يحيى بن أبي بكير قال حدثنا نافع بن عمر عن ابن أبي مليكة قال كتبت إلى ابن عباس في امرأتين أخرجت إحداهما يدها تشخب دما فقالت أصابتني هذه وأنكرت الأخرى فكتب إلى ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "إن اليمين على المدعى عليه وقال لو

(23/206)


أن الناس أعطوا بدعواهم لادعى ناس دماء قوم وأموالهم ادعها فاقرأ عليها {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً أُولَئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ} فقرأت عليها فاعترفت فبلغه فسره .
وحدثنا عبد الوارث قال حدثنا قاسم حدثنا محمد بن الجهم حدثنا عبد الوهاب قال أخبرنا ابن جريج عن عبد الله ابن أبي مليكة عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "لو يعطى الناس بدعواهم لادعى ناس دماء قوم وأموالهم ولكن اليمين على المدعى عليه".
قالوا فهذا عندنا في جميع الحقوق وعارضوا الآثار المتقدمة بما حدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا الحسن بن علي قال حدثنا عبد الرزاق قال أخبرنا معمر عن الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن يسار عن رجال من الأنصار أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لليهود وبدأ بهم "أيحلف منكم خمسون رجلا فأبوا فقال للأنصار استحقوا فقالوا نحلف على الغيب يا رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلعها رسول الله على يهود لأنه وجد بين أظهرهم" .
وأخبرنا عبد الله بن محمد حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا عبد العزيز بن يحيى الحراني قال حدثنا محمد بن سلمة وحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ

(23/207)


قال حدثنا عبيد بن عبد الواحد قال حدثني أحمد بن محمد بن أيوب قال حدثنا إبراهيم بن سعد جميعا عن محمد بن إسحاق واللفظ لحديث عبد الوارث قال حدثني محمد بن إبراهيم بن الحرث عن عبد الرحمن بن بجيد بن قيظي أحد بني حارثة قال محمد بن إبراهيم وأيم الله ما كان سهل بأكثر علما منه ولكنه كان أسن منه أنه قال والله ما كان الشأن هكذا ولكن سهل أوهم ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "احلفوا على ما لا علم لكم به" ولكنه كتب إلى يهود حين كلمته الأنصار أنه قد وجد وقتيلا بين أبياتكم فدوه فكتبوا إليه يحلفون بالله ما قتلوه ولا يعلمون له قاتلا فوداه رسول الله من عنده .
قال أبو عمر:
ليس قول عبد الرحمن بن بجيد هذا مما يرد به قول سهل بن أبي حثمة لأن سهلا أخبر عما رأى وعاين وشاهد حتى ركضته منها ناقة واحدة وعبد الرحمن بن بجيد لم يلق النبي ولا رآه ولا شهد هذه القصة وحديثه مرسل وليس إنكار من أنكر شيئا بحجة على من أثبته ولكن قد تقدم عن سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار عن رجال من الأنصار مخالفة في تبدئة الأيمان في هذه القصة وهو حديث ثابت وكذلك اختلف في حديث سهل بن أبي حثمة

(23/208)


أيضا ولكن الرواية الصحيحة في ذلك إن شاء الله رواية مالك ومن تابعه عن يحيى بن سعيد وغيره على ما ذكرناه في هذا الباب .
ومن الاختلاف في حديث سهل ما حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن إسماعيل الترمذي قال حدثنا أبو نعيم قال حدثنا سعيد يعني ابن عبيد الطائي عن بشير بن يسار أن رجلا من الأنصار يقال له سهل بن أبي حثمة أخبره "أن نفرا من قومه انطلقوا إلى خيبر فتفرقوا فيها فوجدوا منهم قتيلا فقالوا للذين وجدوه عندهم قتلتم صاحبنا قالوا ما قتلناه ولا علمنا له قاتلا قال فانطلقوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالو يا نبي الله انطلقنا إلى خيبر فوجدنا أحدنا قتيلا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "الكبر الكبر فقال لهم تأتون بالبينة على من قتل فقالوا ما لنا بينة قال فيحلفون لكم قالوا ما نرضى أيمان يهود فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبطل دمه فوداه بمائة من إبل الصدقة" .
قال أبو عمر:
هذه رواية أهل العراق عن بشير بن يسار في هذا الحديث ورواية أهل المدينة عنه أثبت إن شاء الله وهم به أقعد ونقلهم أصح عند أهل العلم وقد حكى الأثرم عن أحمد بن حنبل أنه ضعف حديث سعيد بن عبيد هذا عن بشير بن يسار وقال الصحيح عن بشير ابن يسار ما رواه عنه يحيى بن سعيد قال أحمد وإليه أذهب .

(23/209)


وأخبرنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا الحسن بن علي بن راشد قال حدثنا هشيم عن أبي حيان التيمي قال حدثنا عباية بن رفاعة عن رافع بن خديج قال أصبح رجل من الأنصار مقتولا بخيبر فانطلق أولياؤه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فذكروا ذلك له فقال لهم "شاهدان يشهدان على قتل صاحبكم قالوا يا رسول الله لم يكن ثم أحد من المسلمين وإنما هم يهود وقد يجترئون على أعظم من هذا قال فاختاروا منهم خمسين فاستحلفوهم فأبوا فوداه رسول الله من عنده" .
قال أبو عمر:
في هذه الأحاديث كلها تبدئة المدعى عليهم بالأيمان في القسامة وفي الآثار المتقدمة عن سهل بن أبي حثمة تبدئة المدعين بالأيمان وقد روى ابن شهاب هذه وهذه وقضى بما في حديث سهل فدل على أن ذلك عنده الأثبت والأولى على ما قال أحمد بن حنبل وعلى ما ذهب إليه الحجازيون والله أعلم فإن قيل قد روي عن ابن شهاب عن عراك بن مالك وسليمان بن يسار أن عمر بن الخطاب بدأ المدعى عليهم بالأيمان في القسامة قيل له المصير إلى المسند الثابت أولى من قول الصاحب من جهة الحجة وفي هذا الحديث حديث يحيى بن سعيد عن بشير بن يسار نكول الفريقين عن الأيمان وفي ذلك ما

(23/210)


يدل على أن الدية إنما جعلها رسول الله من عنده تبرعا لئلا يبطل ذلك الدم وذلك ليس بواجب والله أعلم .
وقد روى ابن عبد الحكم عن مالك في قتيل ادعى بعض ولاته أنه قتل عمدا وقال بعضهم لا علم لنا بمن قتله ولا نحلف فإن دمه يطل وللفقهاء في القسامة وفيما يوجبها من الأسباب وفيما يجب بها من القود أو الدية مذاهب نذكرها هنا نحن ليتبين للناظر في كتابنا معنى القسامة بيانا واضحا إن شاء الله.
قال مالك رحمه الله القسامة لا تجب إلا بأحد أمرين إما أن يقول المقتول دمي عند فلان أو يأتي ولاة المقتول بلوث من بينة وإن لم تكن قاطعة على الذي يدعى عليه الدم فهذا يوجب القسامة لمدعي الدم على من ادعوه فيحلف من ولاة الدم خمسون رجلا خمسين يمينا فإن قل عددهم أو نكل بعضهم ردت الأيمان عليهم إلا أن ينكل أحد من ولاة المقتول الذين يجوز عفوهم فلا يقتل حينئذ أحد ولا سبيل إلى الدم إذا نكل واحد منهم ولا ترد الأيمان على من بقي إذا نكل أحد ممن يجوز له العفو عن الدم وإن كان واحدا قال مالك وإنما ترد الأيمان على من بقي إذا نكل أحد ممن لا يجوز له عفو فإن نكل واحد ممن يجوز له العفو فإنه إذا كان ذلك ردت الأيمان حينئذ على المدعى عليهم الدم فيحلف منهم خمسون رجلا

(23/211)


خمسين يمينا فإن لم يبلغوا خمسين رجلا ردت الخمسون يمينا على من حلف منهم حتى تكمل الخمسون يمينا فإن لم يوجد أحد يحلف إلا الذي ادعى عليه الدم حلف وحده خمسين يمينا قال مالك لا يقسم في قتل العمد إلا إثنان من المدعين فصاعدا يحلفان خمسين يمينا تردد عليهما ثم قد استحقا الدم وقتلا من حلفا عليه وكذلك إن كان ولي الدم الذي ادعاه واحدا بدى ء به فحلف وحده خمسين يمينا فإذا حلف المدعون خمسين يمينا استحقوا صاحبهم وقتلوا من حلفوا عليه ولا يقتل في القسامة إلا واحد ولا يقتل فيها اثنان هذا كله قول مالك في موطئه وموطأ ابن وهب .
قال أبو عمر:
إنما جعل مالك قول المقتول دمي عند فلان شبهة ولطخا وجب به تبدئة أوليائه بالأيمان في القسامة لأن المعروف من طباع الناس عند حضور الموت الإنابة والتوبة والتندم عى ما سلف من سيىء العمل ألا ترى إلى قول الله عز وجل {لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ} وقوله {حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ} فهذا معهود من طباع الإنسان وغير معلوم من عادته أن يعدل عن قاتله إلى غيره ويدع

(23/212)


قاتله وما خرج عن هذا فنادر في الناس لا حكم له فلهذا وشبهه مما وصفنا ذهب مالك إلى ما ذكرنا والله أعلم .
وقد نزع بعض أصحابنا في ذلك بقصة قتيل البقرة لأنه قبل قوله في قاتله وفي هذا ضروب من الاعترافات وفيما ذكرنا كفاية إن شاء الله .
وذكر ابن القاسم عن مالك قال إذا شهد رجل عدل على القاتل أقسم رجلان فصاعدا خمسين يمينا وقال ابن القاسم والشاهد في القسامة إنما هو لوث وليست شهادة وعند مالك أن ولاة الدم إذا كانوا جماعة لم يقسم إلا اثنان فصاعدا واعتل بعض أصحابه لقوله هذا بأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما عرضها على جماعة والقسامة في قتل الخطأ كهي في العمد لا تستحق بأقل من خمسين يمينا من أجل أن الدية إنما تجب عن دم والدم لا يستحق بأقل من خمسين يمينا فالقسامة على الخطأ وإن لم يكن يجب بها قتل ولا قود كالقسامة في قتل العمد واليمين في القسامة على من سمى أنه ضربه وأن من ضربته مات فأن أقسم ولاة المقتول على واحد لأنه لا يقتل بالقسامة أكثر من واحد قتل المحلوف عليه فإن كان معه ممن ادعى عليه الدم جماعة غيره ضربوا مائة مائة وسجنوا سنة ثم خلي عنهم والدية في

(23/213)


قتل الخطأ على عاقلة الذي يقسمون عليه أنه مات من فعله به خطأ قال مالك وإنما يحلفون في قسامة الخطأ على قدر ميراث كل واحد منهم في الدية فإن وقع في الأيمان كسور أتممت اليمين على أكثرهم ميراثا ومعنى ذلك أن يحلف هذا يمينا وهذا يمينا ثم يرجع إلى الأول فيحلف ثم الذي يليه حتى تتم الأيمان كلها .
و قال مالك إذا ادعى الدم بنون أو أخوة فعفا أحدهم عن المدعى عليه لم يكن إلى الدم سبيل وكان لمن بقي منهم أنصباؤهم من الدية بعد أيمانهم قال ابن القاسم لا يكون لهم من الدية شيء إلا أن يكونوا قد أقسموا ثم عفا بعضهم فأما إذا نكل أحدهم عن القسامة لم يكن لمن بقي شيء من الدية .
ولأصحاب مالك في عفو العصبات مع البنات وفي نوازل القسامة مسائل لا وجه لذكرها ههنا .
و قال مالك في الموطأ إنما فرق بين القسامة في الدم وبين الأيمان في الحقوق وأن الرجل إذا داين الرجل استثبت عليه في حقه وأن الرجل إذا أراد أن يقتل الرجل لم يقتله في جماعة من الناس وإنما يلتمس الخلوة قال فلو لم تكن القسامة إلا فيما ثبت بالبينة وعمل فيها كما يعمل في الحقوق هلكت الدماء وبطلت اجترأ الناس عليها إذا عرفوا القضاء فيها ولكن إنما جعلت القسامة إلى ولاة المقتول يبدؤون فيها ليكف الناس عن الدم وليحذر القاتل أن يؤخذ في ذلك بقول المقتول .

(23/214)


وقال الشافعي إذا وجد القتيل في دار قوم محيطة أو قبيلة وكانوا أعداء للمقتول وادعى أولياؤه قتله فلهم القسامة وكذلك الزحام إذا لم يفترقوا حتى وجدوا بينهم قتيلا أو في ناحية ليس إلى جانبه إلا رجل واحد أو يأتي شهود متفرقون من المسلمين من نواح لم يجتمعوا فيها يثبت كل واحد منهم على الانفراد على رجل أنه قتله فتتواطأ شهادتهم ولم يسمع بعضهم بشهادة بعض وإن لم يكونوا ممن يعدل أو شهد رجل عدل أنه قتله لأن كل سبب من هذا يغلب على عقل الحاكم أنه كما ادعى وليه فللولي حينئذ أن يقسم على الواحد وعلى الجماعة سواء كان جرح أو غيره لأنه قد يقتل بما لا أثر له قال ولا ينظر إلى دعوى الميت .
وقال الأوزاعي يستحلف من أهل القرية خمسون رجلا خمسين يمينا ما قتلنا ولا علمنا قاتلا فإن حلفوا بروا وإن نقصت قسامتهم وليها المدعون فأحلفوا بمثل ذلك عن رجل واحد فإن حلفوا استحقوا وإن نقصت قسامتهم أو نكل رجل منهم لم يعطوا الدم وعقل قتيلهم إذا كان بحضرة الذين ادعي عليهم في ديارهم .
وقال الليث بن سعد الذي يوجب القسامة أن يقول المقتول قبل موته فلان قتلني أو يأتي من الصبيان أو النساء أو النصارى ومن أشبههم ممن لا يقطع بشهادته أنهم رأوا هذا حين قتل هذا فإن القسامة تكون مع ذلك.

(23/215)


وقال أبو حنيفة إذا وجد قتيل في محله وبه أثر وادعى الولي على أهل المحلة أنهم قتلوه أو على واحد منهم بعينه استحلف من أهل المحلة خمسون رجلا بالله ما قتلنا ولا علمنا قاتلا يختارهم الولي فإن لم يبلغوا خمسين كرر عليهم الأيمان ثم يغرمون الدية وإن نكلوا عن اليمين حبسوا حتى يقروا أو يحلفوا وهو قول زفر .
وروى الحسن بن زياد عن أبي يوسف إذا أبوا أن يقسموا تركهم ولم يحبسهم وجعل الدية على العاقلة في ثلاث سنين .
وقالوا جميعا يعني أبا حنيفة وأصحابه إن ادعى الولي على رجل من غير أهل المحلة فقد أبرأ أهل المحلة ولا شيء له عليهم .
وقال الثوري في هذا كله مثل قول أبي حنيفة إلا أن ابن المبارك روى عن الثوري أنه إن ادعى الولي على رجل بعينه من أهل المحلة فقد برى ء أهل المحلة وصار دمه هدرا إلا أن يقيم البينة على ذلك الرجل .
وقال الحسن بن حي يحلف من كان حاضرا من أهل المحلة من ساكن أو مالك خمسين يمينا ما قتلته ولا علمت قاتلا فإذا حلفوا كان عليهم الدية ولا يستحلف من كان غائبا وإن كان مالكا وسواء كان به أثر أو لم يكن .
وقال عثمان البتي يستحلف منهم خمسون رجلا ما قتلنا ولا علمنا قاتلا ثم لا شيء عليهم غير ذلك إلا أن تقوم البينة على رجل بعينه أنه قتله .

(23/216)


وكان مسلم بن خالد الزنجي وأهل مكة لا يرون القسامة وهو قول عمر بن عبد العزيز وسليمان بن يسار وسالم بن عبد الله وقتادة والحسن وإليه ذهب ابن علية .
وقال الحسن البصري القتل بالقسامة جاهلية .
قال أبو عمر:
من حجة مالك والشافعي في أحد قوليه أنه يوجب القود في القسامة ومن قال بقولهما مع الآثار المتقدم ذكرها في هذا الباب ما حدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا محمود بن خالد وكثير بن عبيد قالا حدثنا الوليد بن مسلم عن الأوزاعي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل بالقسامة رجلا من بني نصر بن مالك" وقد روي عن عمر بن عبد العزيز أنه قضى فيها بالقود وقضى بها عبد الله بن الزبير وحسبك بقول مالك أنه الذي لم يزل عليه علماء أهل المدينة قديما وحديثا واحتج بعض أصحاب أبي حنيفة لقوله في هذا الباب بحديث مالك عن ابن أبي ليلى عن سهل بن أبي حثمة في هذه القصة قوله إما أن يدوا صاحبكم وإما أن يؤذنوا بحرب قالوا ومعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقل ذلك لهم إلا وقد تحقق عندهم قبل

(23/217)


ذلك وجود القتيل بخيبر فدل ذلك على وجوب الدية على اليهود لوجود القتيل بينهم لأنه لا يجوز أن يؤذنوا بحرب إلا بمنعهم حقا واجبا عليهم .
واحتجوا أيضا بما روي عن عمر بن الخطاب في رجل وجد قتيلا بين قريتين فجعله على أقربهما وأحلفهم خمسين يمينا ما قتلنا ولا علمنا قاتلا ثم أغرمهم الدية .
فقال الحرث بن الأزمع نحلف ونغرم قال نعم قالوا وحديث سهل مضطرب قالوا والمصير إلى حديث ابن شهاب عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة وسليمان بن يسار عن رجال من الأنصار في هذه القصة أولى لأن نقلته أئمة فقهاء حفاظ لا يعدل بهم غيرهم وفيه فجعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم دية على اليهود لأنه وجد بين أظهرهم .
وأما مالك والشافعي والليث بن سعد فقالوا إذا وجد قتيل في محلة قوم أو قبيلة قوم لم يستحق عليهم بوجوده شيء ولم تجب به قسامة حتى تكون الأسباب التي شرطوها كل على أصله الذي قدمنا عنه .
قال ابن القاسم عن مالك سواء وجد القتيل في محلة قوم أو دار قوم أو أرض قوم أو في سوق أو مسجد جماعة فلا شيء فيه ولا قسامة وقد طل دمه .

(23/218)


قال أبو عمر:
المحلة قرية البوادي والمجاشر والقياطن وكذلك القبائل والمياه والأحياء وقال الشافعي إذا وجد في محلة أو قبيلة قتيل وهم أعداؤه لا يحيط بهم غيرهم فذلك لوث يقسم معه وإن خالطهم غيرهم فقد طل دمه إلا أن يدعي الأولياء على أهل المحلة فيحلفون ويبرؤون وفرق الشافعي بين أن يكون أهل القبيلة والمحلة أعداء المقتول فيجعل عقله عليهم مع القسامة أو لا يكونوا فلا يلزمهم شيء وكذلك لو وجد قتيل في ناحية ليس بقرية إلا رجل واحد وجد بقرية رجل في يده سكين ملطوخة بالدم فإنه يجعل ذلك لوثا يقسم معه وسواء كان به أثر أم لم يكن.
واعتبر أبو حنيفة إن كان بالقتيل أثر فيجعله على القبيلة أو لا يكون أثر له فلا يجعله على أحد وقول الثوري وابن شبرمة وعثمان البتي وابن أبي ليلى في القسامة كقول أبي حنيفة إلا أنه سواء عندهم كان به أثر أم لم يكن به أثر .
وقال الشافعي وأبو حنيفة والثوري والأوزاعي وسائر أهل العلم غير مالك والليث لا يعتبر بقول المقتول دمي عند فلان ولا يستحق بهذا القول قسامة .
واحتج جماعة من المالكيين لمذهب مالك في ذلك بقصة المقتول من بني إسرائيل إذ ذبحت البقرة وضرب ببعضها فأحياه الله وقال:

(23/219)


فلان قتلني فأخذ بقوله ورد المخالف هذا بأن تلك آية لبني إسرائيل لا سبيل إليها اليوم وبأن شريعتنا فيها أن الدماء والأموال لا تستحق بالدعاوى دون البينات ولم نتعبد بشريعة من قبلنا لقوله عز وجل {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً} .
وقتيل بني إسرائيل لم يقسم أحد عليه مع قوله هذا قتلني وهذا لا ي قوله أحد من علماء المسلمين أن المدعى عليه يقتل بقول المدعي دون بينة ولا قسامة فلا معنى لذكر قتيل بني إسرائيل ههنا وقد أجمع العلماء على أن قول الذي تحضره الوفاة لا يصدق على غيره في شيء من الأموال فالدماء أحق بذلك وقد علمنا أن من الناس من يحب الاستراحة من الأعداء للبنين والأعقاب ونحو هذا مما يطول ذكره .
وقال مالك إذا كان القتل عمدا حلف أولياء المقتول خمسين يمينا على رجل واحد وقتلوه قال ابن القاسم لا يقسم في العمد إلا اثنان فصاعدا كما أنه لا يقتل بأقل من شاهدين وكذلك لا يحلف النساء في العمد لأن شهادتهن لا تجوز فيه ويحلفن في الخطأ من أجل أنه مال وشهادتهن جائزة في الأموال .
وعند الشافعي يقسم الولي واحدا كان أو أكثر على واحد مدعى عليه وعلى جماعة مدعى عليهم ومن حجة الشافعي أنه ليس في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم "يقسم منكم خمسون على رجل منهم" فيدفع إليهم برمته ما يدل على أنه لا يجوز قتل أكثر من واحد وإنما فيه التنبيه

(23/220)


على تعيين المدعى عليه الدم واحدا كان أو جماعة ومن حجته أيضا في ذلك أن القسامة بدل من الشهادة فلما كانت الشهادة تقتل بها الجماعة فكذلك القسامة والله أعلم والاحتجاج على هذه الأقوال ولها يطول والله المستعان .
وقال أبو حنيفة لا يستحق بالقسامة قود خلاف قول مالك وعلى كلا القولين جماعة من السلف وعن الشافعي روايتان إحداهما أن القسامة يستحق بها القود ويقتل بها الواحد والجماعة إذا أقسموا عليهم في العمد لقوله صلى الله عليه وسلم "وتستحقون دم صاحبكم أو قاتلكم" والقول الآخر كقول أبي حنيفة أن القسامة توجب الدية دون القود في العمد والخطأ جميعا إلا أنها في العمد في أموال الجناة وفي الخطأ على العاقلة والحجة من جهة الأثر في إسقاط القود في القسامة حديث أبي ليلى عن سهل عن النبي قوله إما أن يدوا صاحبكم وإما أن يؤذنوا بحرب وتأول من ذهب إلى هذا في قوله دم صاحبكم دية صاحبكم لأن من استحق دية صاحبه فقد استحق دمه لأن الدية قد تؤخذ في العمد فيكون ذلك استحقاقا للدم .
قال أبو عمر:
الظاهر في ذكر الدم القود والله أعلم وسيأتي ذكر حديث أبي ليلى في موضعه من هذا الكتاب إن شاء الله ويأتي القول في هذا المعنى فيه هناك بعون الله .

(23/221)


قال أبو عمر:
كل من أوجب الحكم بالقسامة من علماء الحجاز والعراق فهم في ذلك على معنيين وقولين فقوم أوجبوا الدية والقسامة بوجوب القتيل فقط ولم يراعوا معنى آخر وقوم اعتبروا اللوث فهم يطلبون ما يغلب على الظن وما يكون شبهة يتطرق بها إلى حراسة الدماء ولم يطلبوا في القسامة الشهادة القاطعة ولا العلم البت وإنما طلبوا شبهة وسموه لوثا لأنه يلطخ المدعى عليه ويوجب الشبهة ويتطرق بها إلي حراسة الأنفس وحقن الدماء إذ في القصاص حياة والخير كله في ردع السفهاء والجناة وقد قدمنا عن مالك وغيره هذا المعنى فلذلك وردت القسامة والله أعلم ولا أصل لهم في القسامة غير قصة عبد الله بن سهل الحارثي الأنصاري المقتول بخيبر على ما قد ذكرنا من الروايات بذلك على اختلافها موعبة واضحة في هذا الباب والحمد لله .
وفي رد رسول الله صلى الله عليه وسلم الأيمان في القسامة دليل على رد اليمين على المدعي إذا نكل المدعى عليه عنها في سائر الحقوق وإلى هذا ذهب مالك والشافعي في رد اليمين وهذا أصلهم في ذلك .
وأما أبو حنيفة وأهل العراق فهم يقضون بالنكول ولا يرون رد يمين في شيء من الحقوق والدعاوى والقول برد اليمين أولى وأصح لما روى من الأثر في ذلك وأما النكول فلا أثر فيه ولا أصل يعضده ولم نر في الأصول حقا ثبت على منكر بسبب واحد والنكول سبب واحد فلم يكن بد من ضم شيء غيره إليه كما ضم شاهد إلى شاهد مثله أو يمين الطالب والله الموفق للصواب .

(23/222)


الحديث الثاني و العشرون
...
حديث ثان وعشرون ليحيى بن سعيد
يحيى عن ععدي بن ثابت - حديثان:
مالك عن يحيى بن سعيد عن عدي بن ثابت الأنصاري عن البراء بن عازب أنه قال "صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم العشاء فقرأ فيها بالتين والزيتون".
لم يختلف على مالك في هذا الحديث وكذلك رواه جماعة عن يحيى بن سعيد إلا أن مسعرا رواه فزاد فيه وما سمعت أحسن صوتا منه صلى الله عليه وسلم .
وقد ذكرنا هذا الخبر في باب تحسين الصوت بالقرآن من كتاب البيان عن تلاوة القرآن والحمد لله فلا معنى لذكره ههنا وهذا الحديث عندنا محله على أنه قد قرأ بالتين والزيتون مع أم القرآن بديل قوله صلى الله عليه وسلم "لا صلاة لمن لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب وكل صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج" وقد ذكرنا مذاهب الفقهاء في هذا الباب العلاء من هذا الكتاب وليس في هذا الحديث بعد هذا معنى يشكل وما قرأ به المصلي في الركعتين الأوليين من الظهر والعصر والمغرب والعشاء مع أم القرآن فحسن وكذلك صلاة الصبح .

(23/223)


وفي قول رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب وكل صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج" دليل على أن من قرأ فاتحة الكتاب في كل ركعة من صلاته ولم يزد فقد صلى صلاة كاملة وتامة غير ناقصة وحسبك بهذا وقد قدمنا ذكر الدلائل على أن ذكر الصلاة في هذين الحديثين أريد به الركعة في غير موضع من كتابنا هذا فلا وجه لتكرير ذلك ههنا .
وقد كان بعض أصحاب مالك يرى الإعادة على من تعمد ترك السورة مع أم القرآن وهو قول ضعيف لا أصل له في نظر ولا أثر وجمهور أصحاب مالك على أنه قد أساء وصلاته تجزؤه عنه وكذلك قول سائر العلماء والحمد لله وللفقهاء استحبابات فيما يقرأ به مع أم القرآن في الصلوات ومراتب وتحديد كل ذلك استحسان وليس بواجب وبالله التوفيق .

(23/224)


الحديث الثالث و العشرون
...
حديث ثالث وعشرون ليحيى بن سعيد
مالك عن يحيى بن سعيد عن عدي بن ثابت الأنصاري أن عبد الله بن يزيد الخطمي أخبره أن أبا أيوب الأنصاري أخبره "أنه صلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع المغرب والعشاء بالمزدلفة جميعا" عدي بن ثابت هذا هو عدي بن ثابت بن عبيد بن عازب أخي البراء بن عازب ولجده صحبة وقد روى عن أبيه عن جده أحاديث وجده لأمه عبد الله بن يزيد الخطمي هذا فيما ذكر غير واحد .
وقال الطحاوي عدي بن ثابت الأنصاري كوفي وجده قيس بن الخطيم الشاعر وأما عبد الله بن يزيد هذا فله صحبة ورواية وقد ذكرناه في كتاب الصحابة بما يغني عن ذكره ههنا .
وكان عبد الله بن يزيد هذا أميرا على الكوفة لعبد الله بن الزبير ذكر ذلك الليث بن سعد عن يحيى بن سعيد عن عدي بن ثابت وقد ذكرنا ما في هذا الحديث مع المعاني ومضى القول في ذلك في باب ابن شهاب عن سالم من هذا الكتاب والحمد لله .

(23/225)


الحديث الرابع و العشرون
...
حديث رابع وعشرون ليحيى بن سعيد
يحيى عن الأعرج - حديث واحد:
مالك عن يحيى بن سعيد عن الأعرج عبد الرحمن بن هرمز عن عبد الله بن بحينة أنه قال "صلى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر فقام في اثنتين ولم يجلس فيهما فلما قضى صلاته سجد سجدتين ثم سلم بعد ذلك" .
قد مضى القول في هذا الحديث مجودا ممهدا في باب ابن شهاب عن الأعرج من هذا الكتاب .

(23/226)


الحديث الخامس و العشرون
...
حديث خامس وعشرون ليحيى بن سعيد
يحيى عن أبي صالح:
مالك عن يحيى بن سعيد عن أبي صالح السمان عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "لولا أن أشق على أمتي لأحببت أن لا أتخلف عن سرية تخرج في سبيل الله ولكني لا أجد ما أحملهم عليه ولا يجدون ما يتحملون عليه فيخرجون وييشق عليهم أن يتخلفوا بعدي فوددت أني أقاتل في سبيل الله فأقتل ثم أحيا فأقتل ثم أحيا فأقتل" .
في هذا الحديث دليل على أن الجهاد ليس بفرض معين على كل أحد في خاصته ولو كان فرضا معينا ما تخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو شق على أمته والجهاد عندنا بالغزوات والسرايا إلى أرض العدو فرض على الكفاية فإذا قام بذلك من فيه كفاية ونكاية للعدو سقط عن المتخلفين فإذا أظل العدو بلدة مقاتلا لها تعين الفرض على كل أحد حينئذ في خاصته على قدر طاقته خفيفا وثقيلا شابا وشيخا حتى يكون فيمن يكاثر العدو كفاية بهم .

(23/227)


ومن أوضح شيء في أن الجهاد إلى أرض العدو ليس فرضا على الجميع قول الله عز وجل {فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلّاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى} .
وفي هذا إباحة القعود والتخلف وتفضيل المجاهد على القاعد فصار الجهاد فضيلة لمن سبق إليه وقام به لا فريضة على الجميع .

(23/228)


الحديث السادس و العشرون
...
حديث سادس وعشرون ليحيى بن سعيد
يحيى عن عباد بن تميم - حديث واحد:
مالك عن يحيى بن سعيد عن عباد بن تميم أن عويمر بن أشقر ذبح أضحيته قبل أن يغدو إلى المصلى فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأمره أن يعود بأضحية أخرى .
لم يختلف عن مالك في هذا الحديث ورواه حماد بن سلمة عن يحيى بن سعيد عن عباد بن تميم عن عويمر بن أشقر أنه ذبح قبل أن يصلي فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يعيد .
قال أبو عمر:
ذكر أحمد بن زهير عن يحيى بن معين أن حديث عباد بن تميم هذا عن عويمر بن أشقر مرسل وأظن يحيى بن معين إنما قال ذلك من أجل رواية مالك هذه عن يحيى عن عباد بن تميم أن عويمر بن أشقر ذبح أضحيته وظاهر هذا اللفظ الانقطاع لأن عباد بن تميم لا يجوز أن يظن به أحد من أهل العلم أنه أدرك ذلك الوقت ولكنه ممكن أن يدرك عويمر بن أشقر فقد روى هذا الحديث عبد العزيز الدراوردي عن يحيى بن سعيد عن عباد بن تميم أن عويمر بن أشقر أخبره أنه ذبح قبل الصلاة وذكر ذلك

(23/229)


لرسول الله صلى الله عليه وسلم بعدما صلى فأمره أن يعيد أضحيته وهذه الرواية مع رواية حماد بن سلمة تدل على غلط يحيى بن معين وقوله في ذلك ظن لم يصب فيه والله أعلم .
ولا خلاف بين العلماء أن من ذبح أضحيته قبل أن يغدو إلى المصلى ممن عليه صلاة العيد فهو غير مضح وأنه ذبح قبل وقت الذبح وكذلك من ذبح قبل الصلاة وإنما اختلفوا فيمن ذبح بعد الصلاة وقبل ذبح الإمام وقد ذكرنا ذلك فيما تقدم من هذا الكتاب في باب يحيى عن بشير بن يسار والحمد لله .

(23/230)


الحديث السابع و العشرون
...
حديث سابع وعشرون ليحيى بن سعيد
يحيى بن سعيد عن سعيد بن أبي سعيد:
مالك عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه أنه قال "جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إن قتلت في سبيل الله صابرا محتسبا مقبلا غير مدبر أيكفر الله عني خطاياي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم نعم فلما أدبر الرجل ناداه رسول الله صلى الله عليه وسلم أو أمر به فنودي له فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف قلت فأعاد عليه قوله فقال له النبي صلى الله عليه وسلم نعم إلا الدين كذلك قال لي جبريل" .
هكذا روى يحيى هذا الحديث عن مالك عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن أبي سعيد وتابعه على ذلك جمهور الرواة للموطأ عن مالك وممن تابعه ابن وهب وابن القاسم ومطرف وابن بكير وأبو المصعب وغيرهم .
ورواه معن بن عيسى والقعنبي جميعا عن مالك عن سعيد بن أبي سعيد لم يذكروا يحيى بن سعيد فالله أعلم وفي الممكن أن يكون مالك قد سمعه من يحيى عن سعيد ثم سمعه من سعيد .

(23/231)


وقد رواه الليث بن سعد وابن أبي ذئب عن سعيد بن أبي سعيد .
حدثنا محمد بن عبد الله قال حدثنا محمد بن معاوية قال حدثنا إسحاق بن أبي حسان قال حدثنا هشام بن عمار قال حدثنا الوليد بن مسلم قال حدثنا ابن أبي ذئب والليث بن سعد عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "من قتل في سبيل الله صابرا محتسبا مقبلا غير مدبر كان ذلك تكفيرا لخطاياه إلا الدين فإنه" مأخوذ كما زعم جبريل .
في هذا الحديث أن الخطايا تكفر بالأعمال الصالحة مع الاحتساب والنية في العمل وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال "قتل الصبر كفارة مجملا" وهذا عندي إنما يكون لمن احتسب كما جاء في هذا الحديث أو يكون مظلوما فمن قتل مظلوما كفرت خطاياه على كل حال .
وفيه دليل على أن أعمال البر المتقبلات لا يكفر من الذنوب إلا ما بين العبد وبين ربه فأما تبعات بني آدم فلا بد فيها من القصاص وقد ذكرنا وجوه الذنوب المكفرات بالأعمال الصالحة في غير موضع من كتابنا هذا والحمد لله .
حدثنا أحمد بن قاسم قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا الحارث بن أبي أسامة قال حدثنا هدبة ويزيد بن هارون قالا حدثنا همام قال حدثنا القاسم بن عبد الواحد قال سمعت عبد الله بن محمد يحدث عن جابر بن عبد الله قال بلغني حديث عن رجل من

(23/232)


أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فابتعت بعيرا فشددت عليه رحلي ثم سرت إليه فسرت إليه شهرا حتى قدمت الشام فإذا عبد الله بن أنيس الأنصاري فأتيت منزله فأرسلت إليه إن جابرا على الباب فرجع إلي الرسول فقال جابر بن عبد الله فقلت نعم فرجع إليه فخرج فاعتنقته واعتنقني قال فقلت حديث بلغني أنك سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم في المظالم لم أسمعه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "يحشر الله العباد أو قال الناس شك همام وأومأ بيديه إلى الشام عراة غرلا بهما قلنا ما بهما قال ليس معهم شيء فيناديهم بصوت يسمعه من بعد ومن قرب أنا الملك أنا الديان لا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة وأحد من أهل النار يطلبه بمظلمة حتى اللطمة قال قلنا كيف وإنما نأتي الله عراة حفاة غرلا قال بالحسنات والسيئات" .
حدثنا خلف بن قاسم قال حدثنا أبو طالب محمد بن زكرياء بن يحيى المقدسي ببيت المقدس قال حدثنا محمد بن النعمان بن بشير قال حدثنا إسماعيل بن أبي أويس قال حدثني مالك عن سعيد المقبري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال "من كانت عنده مظلمة لأحد فليتحلله فإنه ليس ثم دينار ولا درهم من قبل أن يؤخذ لأخيه من حسناته فإن لم تكن له حسنات أخذ من سيئاته وطرحت عليه" .

(23/233)


وحدثنا خلف بن قاسم حدثنا إبراهيم بن محمد بن إبراهيم الديبلي قال حدثنا محمد بن علي بن زيد .
وحدثنا خلف حدثنا عبد الله بن عمر بن إسحاق حدثنا أحمد بن محمد بن بن الحجاج قالا حدثنا عبد العزيز بن يحيى المدني قال حدثنا مالك عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "من كانت عنده مظلمة لأخيه" فذكر الحديث .
وحدثنا خلف بن قاسم حدثنا عبد الله بن عمر بن إسحاق حدثنا أحمد بن محمد بن الحجاج حدثنا هانيء بن متوكل من كتابه سنة ثمان وعشرين ومائتين حدثني خالد بن حميد حدثنا مالك عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "من كانت عنده مظلمة لأخيه من مال أو عرض فليأته فليتحلله قبل أن يؤخذ منه وليس ثم دينار ولا درهم فإن كانت عنده حسنات وإلا أخذ من سيئات صاحبه فطرحت عليه" .
وذكر ابن الجارود قال حدثنا أزهر بن زفر بن صدقة مولى جبر ابن نعيم قال حدثني هانيء بن المتوكل قال حدثني خالد بن حميد عن مالك بن أنس عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "من كانت عنده مظلمة لأخيه في مال أو عرض" فذكر معناه .

(23/234)


قال ابن الجارود وحدثنا إبراهيم بن الحسن قال حدثنا إسحاق بن محمد قال حدثنا مالك عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه أنه سمع أبا هريرة يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "هل تدرون من المقلون قالوا يا رسول الله المقلون فينا من لا درهم له ولا متاع له فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن المقلين من يأتي يوم القيامة بصيام وصلاة وزكاة ويأتي قد شتم عرض هذا وأكل مال هذا وقذف هذا وضرب هذا فيقعد يوم القيامة فيقتص هذا كله من حسناته فإن ذهبت قبل أن يقتص منه الذي عليه من الخطايا أخذ من خطاياهم فتطرح عليه" .
ليس هذان الحديثان في الموطأ وهما من حديث مالك حدثنا أحمد بن فتح قال حدثنا أبو الفضل جعفر بن محمد بن يزيد الجوهري بمصر قال حدثنا أحمد بن سلام البغدادي قال حدثنا أبو معمر حدثنا إبراهيم بن سعد عن أبيه عن عمر بن أبي مسلمة عن أبيه عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه" .
وحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا موسى بن إسماعيل قال حدثنا إبراهيم بن سعد عن أبيه عن عمر بن أبي سلمة عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه".

(23/235)


وحدثنا عبد الوارث قال حدثنا قاسم قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا الفضل بن دكين قال حدثنا سفيان قال أحمد بن زهير وحدثنا أبي قال حدثنا وكيع عن سفيان عن سعد بن إبراهيم عن عمر بن أبي سلمة عن أبيه عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم نفس المؤمن معلقة ما كان عليه دين قال أحمد بن زهير سئل يحيى بن سعيد عن هذا الحديث فقال هو صحيح وسئل عن عمر ابن أبي سلمة فقال ضعيف الحديث وقال علي بن المديني عن يحيى القطان كان شعبة يضعف عمر بن أبي سلمة .
قال أبو عمر:
هذه الأحاديث تفسر حديث هذا الباب حدثنا قاسم بن محمد قال حدثنا خالد بن سعيد قال حدثنا أحمد بن عمرو حدثنا ابن سنجر قال حدثنا حجاج بن منهال قال حدثنا حماد بن سلمة أخبرني عبد الملك أبو جعفر عن أبي نضرة عن سعد بن الأطول قال إن أخاه مات وترك ثلاثمائة درهم وترك عيالا قال فأردت أن أنفقها عليهم فقال النبي صلى الله عليه وسلم "إن أخاك محبوس بدينه فاقض عنه قال فقضيت عنه ثم جئت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت قد قضيت عنه ولم تبق إلا امرأة تدعي بدينارين وليس لها بينة فقال أعطهما فإنها صادقة".

(23/236)


وحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا محمد بن عبد الله الخزاعي قال حدثنا حماد بن سلمة فذكر بإسناده مثله سواء .
وفي حديث هذا الباب معان من الفقه منها أن الورثة لا ينفق عليهم ولا لهم ميراث حتى يؤدى الدين .
وروى إسماعيل بن جعفر عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبي كثير مولى محمد بن جحش عن محمد بن جحش قال كنا جلوسا في موضع الجنائز مع النبي صلى الله عليه وسلم "إذ رفع رأسه ثم نكسه ثم وضع راحته على جبهته وقال سبحان الله ماذا نزل من التشديد فسكتنا وفرقنا فلما كان من الغد سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم ما هذا التشديد الذي نزل قال في الدينوالذي نفسي بيده لو أن رجلا قتل في سبيل الله ثم أحيي ثم قتل ثم أحيي ثم قتل وعليه دين ما دخل الجنة حتى يقضى عنه" هكذا ذكره ابن سنجر قال حدثنا سعيد بن سليمان قال حدثنا إسماعيل بن جعفر قال أخبرنا العلاء بن عبد الرحمن فذكره .
ورواه أنس بن عياض عن محمد بن أبي يحيى عن أبي كثير مولى الأشجعيين قال سمعت محمد بن عبد الله بن جحش وكانت له صحبة يقول "إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه رجل فقال يا رسول الله ما لي إن قاتلت في سبيل الله حتى أقتل قال الجنة فلما ولى

(23/237)


الرجل قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كروه علي فلما جاءه قال إن جبريل قال إلا أن يكون عليه دين" .
وروى سعيد بن سليمان قال حدثنا المبارك بن فضالة عن كثير أبي محمد عن البراء قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "صاحب الدين مأسور يوم القيامة يشكو إلى الله الوحدة" .
قال أبو عمر:
كثير أو محمد هو كثير بن أعين المرادي بصري ومنها أن المرء يحبس عن الجنة من أجل دينه حتى يقع القصاص ومنها أن القضاء عن الميت بعده في الدنيا ينفع الميت في الآخرة ومنها أن الميت إنما يحبس عن الجنة بدينه إذا كان له وفاء ولم يوص به ولم يشهد عليه والوصية بالدين فرض عند الجميع إذا لم يكن عليه بينة فإذا لم يوص به كان عاصيا وبعصيانه ذلك يحبس عن الجنة والله أعلم .
وفي قوله في هذا الحديث أعطها فإنها صادقة دليل على أن الحاكم يقضي بعلمه وقد تكلمنا على هذا المعنى في غير هذا الموضع والدين الذي يحبس به صاحبه عن الجنة والله أعلم هو الذي قد ترك له وفاء ولم يوص به أو قدر على الأداء فلم يؤد أو

(23/238)


أدانه في غير حق أو في سرف ومات ولم يؤده وأما من أدان في حق واجب لفاقة وعشرة ومات ولم يترك وفاء فإن الله لا يحبسه به عن الجنة إن شاء الله لأن على السلطان فرضا أن يؤدي عنه دينه إما من جملة الصدقات أو من سهم الغارمين أو مت الفيء الراجع على المسلمين من صنوف الفيء .
وقد قيل إن قول رسول الله صلى الله عليه وسلم وتشديده في الدين كان من قبل أن يفتح الله عليه ما يجب منه الفيء والصدقات لأهلها .
حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا بكر بن حماد قال حدثنا مسدد قال حدثنا حماد بن زيد عن بديل عن علي بن أبي طلحة عن راشد بن سعد عن أبي عامر الهوزي عن المقدام الكندي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أنا أولى بكل مؤمن من نفسه من ترك دينا أو ضيعة فإلي ومن ترك مالا فلورثته" وذكر تمام الحديث .
حدثنا عبد الوارث قال حدثنا قاسم قال حدثنا مطلب بن شعيب قال حدثنا عبد الله بن صالح حدثنا الليث قال حدثني عقيل عن ابن شهاب أخبرني أبو سلمة عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم فمن توفي من المسلمين فترك دينا فعلي قضاؤه ومن ترك مالا فلورثته".
وحدثنا عبد الوارث قراءة مني عليه أن قاسم بن أصبغ حدثهم قال حدثنا محمد بن وضاح قال حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم

(23/239)


دحيم قال حدثنا الوليد حدثنا الأوزاعي عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم "إذا دعي إلى رجل من المسلمين ليصلي عليه أقبل على أصحابه فقال هل ترك من دين فإن قالوا نعم قال فهل ترك من وفاء فإن قالوا لا قال صلوا على صاحبكم فلما فتح الله على رسوله الفتوح قال أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم من ترك دينا أو ضياعا فعلى الله ورسوله ومن ترك مالا فلورثته" .
وعند سعيد بن أبي سعيد المقبري في هذا حديث آخر في هذا المعنى أخبرنا قاسم بن محمد قال أخبرنا خالد بن سعد قال حدثنا أحمد بن عمرو بن منصور قال حدثنا محمد بن سنجر قال حدثنا يعلى بن عبيد قال حدثنا محمد بن عمرو عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه قال "أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بجنازة ليصلي عليها فقال أعليه دين قالوا نعم ديناران فقال أترك لهم وفاء قالوا لا قال صلوا على صاحبكم قال أبو قتادة هما علي يا رسول الله قال فصلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم" .
وفي قوله عليه السلام كذلك قال لي جبريل دليل على أن من الوحي ما يتلى وما لا يتلى وماهو قرآن وما ليس بقرآن

(23/240)


وقالت طائفة من أهل العلم بالقرآن في قوله تعالى {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ} ، قالوا القرآن آيات الله والحكمة سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم .
قال أبو عمر:
وكل من الله إلا ما قام عليه الدليل فإنه لا ينطق عن الهوى صلى الله عليه وسلم وشرف وكرم .

(23/241)


الحديث الثامن و العشرون
...
حديث ثامن وعشرون ليحيى بن سعيد
يحيى عن عمرو بن كثير:
مالك عن عمرو بن كثير بن أفلح عن أبي محمد مولى أبي قتادة عن أبي قتادة بن ربعي أنه قال "خرجنا مع رسول الله عام حنين فلما التقينا كانت للمسلمين جولة قال فرأيت رجلا من المشركين قد علا رجلا من المسلمين قال فاستدرت له حتى أتيته من ورائه فضربته بالسيف على حبل عاتقه فأقبل علي فضمني ضمة وجدت منها ريح الموت ثم أدركه الموت فأرسلني قال فلقيت عمر بن الخطاب فقلت ما بال الناس فقال أمر الله ثم إن الناس رجعوا فقال رسول الله من قتل قتيلا له عليه بينة فله سلبه قال فقمت ثم قلت من يشهد لي ثم جلست ثم قال رسول الله من قتل قتيلا له عليه بينة فله سلبه فقمت فقلت من يشهد لي وجلست ثم قال ذلك الثالثة فقمت فقال رسول الله ما لك يا أبا قتادة فاقتصصت عليه القصة فقال رجل من القوم صدق يا رسول الله وسلب ذلك القتيل عندي فأرضه منه يا رسول الله فقال أبو بكر لاها الله إذا لا يعمد إلى أسد من أسد الله يقاتل عن الله وعن رسوله فيعطيك سلبه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم صدق فأعطه إياه ،

(23/242)


فأعطانيه فبعت الدرع فاشتريت به مخرفا في بني سلمة فإنه لأول مال تأثلته في الإسلام" .
هكذا قال يحيى عن مالك في هذا الحديث عن يحيى بن سعيد عن عمرو بن كثير وتابعه قوم وقال الأكثر عمر بن كثير بن أفلح .
وقال الشافعي عن مالك عن يحيى بن سعيد عن ابن كثير بن أفلح ولم يسمه والصواب فيه عن مالك عمر بن كثير وكذلك قال فيه كل من رواه عن يحيى بن سعيد منهم ابن عيينة وحفص بن غياث .
وقال البخاري والعقيلي عمر بن كثير بن أفلح مدني روى عنه ابن عجلان وغيره .
وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل سألت أبي عمر بن كثير بن أفلح فقال هذا مولى أبي أيوب روى عنه ابن عون .
وذكر البخاري والعقيلي في باب عمرو عمرو بن كثير بن أفلح مدني روى عنه ابن أبي فديك وعثمان بن اليمان .
قال أبو عمر:
عمرو بن كثير بن أفلح الذي روى عنه ابن أبي فديك ليس هو عمر الذي روى عنه يحيى بن سعيد وإنما الذي روى عنه يحيى بن سعيد هو الذي روى عنه ابن عجلان وغيره وهو الذي روى عنه

(23/243)


ابن عون وهو من التابعين ممن لقي ابن عمر وأنس بن مالك وهو كبير أكبر من عمرو بن كثير وأظنهما أخوين ولكن عمر بن كثير بن أفلح أجل من عمرو بن كثير بن أفلح وأشهر وهو الذي في الموطأ وليس لعمرو بن كثير في الموطأ ذكر إلا عند من لم يقم اسمه وصحفه .
وأما أبو محمد مولى أبي قتادة فمن كبار التابعين واسمه نافع يعرف بالأقرع وقد روى عنه ابن شهاب وحسبك وروى عنه صالح بن كيسان وجماعة من الجلة .
وأما أبو قتادة الأنصاري فاسمه الحارث بن ربعي على اختلاف قد ذكرناه في كتاب الصحابة وكان يقال له فارس رسول الله ولم يقل ذلك لغيره كما قيل لخالد بن الوليد سيف الله وكان أبو قتادة من شجعان فتيان الصحابة رضي الله عنهم .
ورواية ابن عيينة لهذا الحديث مختصرة عن يحيى بن سعيد عن عمر بن كثير بن أفلح عن أبي محمد عن أبي قتادة أن رسول الله نفله سلب قتيله .
وأما مالك فساق سياقة حسنة وكان حافظا وروى هذا الحديث حماد بن سلمة قال حدثنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن

(23/244)


أنس بن مالك أن رسول الله قال يوم حنين "من قتل كافرا فله سلبه" فقتل أبو طلحة عشرين قتيلا وأخذ أسلابهم وقال أبو قتادة يا رسول الله إني ضربت رجلا على حبال العاتق وعليه درع فأعجلت عنها أن آخذها فانظر مع من هي فقام رجل فقال أنا أخذتها فارضه منها أو أعطنيها فسكت رسول الله وكان لا يسأل شيئا إلا أعطاه أو سكت فقال عمر لا ينزعها من أسد من أسد الله ويعطيكها .
فضحك رسول الله وقال صدق عمر وفي حديث أبي قتادة هذا من الفقه معرفة غزاة حنين وذكل أمر يستغنى بشهرته عن إيراده ولولا كراهتنا التطويل لذكرنا هنا خبر تلك الغزاة وقد ذكرنا ذلك في كتاب الدرر في اختصار المغازي والسير .
وفي هذاالحديث دليل على أن المسلمين هزموا يوم حنين وأنهم كانت لهم الكرة بعد والظفرة والغلبة والحمد لله وقال الله عز وجل {وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ} الآية وقال الله عز وجل {وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ} .
وفيه دليل على موضع أبي قتادة من النجدة والشجاعة وفيه أن السلب للقاتل وهذا موضع اختلف فيه السلف والخلف على وجوه نذكرها إن شاء الله ولهذا النكتة وهذا المعنى جلب هذا الحديث ونقل فجملة مذهب مالك أنه لا ينفل إلا بعد إحراز الغنيمة وقد

(23/245)


ذكرنا حكم النفل في مذهبه ومذهب غيره في باب نافع من هذا الكتاب .
قال مالك وإنما قال النبي صلى الله عليه وسلم "من قتل قتيلا وله عليه بينة فله سلبه" بعد أن برد القتال يوم حنين ولم يحفظ عنه ذلك في غير يوم حنين قال ولا بلغني فعله على الخليفتين فليس السلب للقاتل حتى يقول ذلك الإمام والاجتهاد في ذلك إلى الإمام .
وقال ابن أبي زيد ظاهر حديث أبي قتادة هذا يدل على أن ذلك حكم فيما مضى ولم يرد به رسول الله أن يكون أمرا لازما في المستقبل لأنه أعطاه السلب بشهادة رجل واحد بلا يمين ويخرج ذلك على الاجتهاد من الخمس إذا رأى ذلك الإمام مصلحة والاجتهاد فيه مؤتنف .
قال أبو عمر:
بل أعطاه إياه والله أعلم لأنه أقر له به من كان قد حازه لنفسه في القتال ثم أقر أن أبا قتادة أحق بما في يديه منه فأمر بدفع ذلك إليه .
قال مالك والسلب من النفل والفرس من النفل وكذلك قال ابن عباس ولا نفل في ذهب ولا فضة ولا نفل إلا من الخمس ويكون في أول مغنم وآخره على الاجتهاد وكره مالك أن يقول الإمام من أصاب شيئا فهو له وكره أن يسفك أحد دمه على هذا وقال هو قتال على جعل وكره للإمام أن يقول من قاتل فله كذا ومن بلغ موضع كذا فله كذا ومن قتل قتيلا فله كذا أو نصف ما غنم قال وإنما

(23/246)


نفل النبي صلى الله عليه وسلم بعد القتال هذا جملة مذهب مالك في هذا الباب ومذهب أبي حنيفة والثوري نحو ذلك واتفق مالك والثوري وأبو حنيفة على أن السلب من غنيمة الجيش حكمه كحكم سائر الغنيمة إلا أن يقول الأمير من قتل قتيلا فله سلبه فيكون حينئذ له .
وقال الأوزاعي والليث والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وأبو عبيد السلب للقاتل على كل حال قال ذلك الأمير أو لم يقله إلا أن الشافعي قال إنما يكون السلب للقاتل إذا قتل قتيله مقبلا عليه وأما إذا قتله وهو مدبر عنه فلا سلب له .
وقال الأوزاعي ومكحول السلب مغنم ويخمس .
قال الشافعي يخمس كل شيء من الغنيمة إلا السلب فإنه لا يخمس وهن قول أحمد بن حنبل والطبري واحتجوا بقول عمر بن الخطاب كنا لا نخمس السلب على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ذكر عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن ابن سيرين قال بارز البراء بن مالك أخو أنس بن مالك مرزبان الزآرة فقتله وأخذ سلبه فبلغ سلبه ثلاثين ألفا فبلع ذلك عمر بن الخطاب فقال لأبي طلحة إنا كنا لا نخمس السلب وإن سلب البراء قد بلغ مالا كثيرا ولا أرانا إلا خامسيه .
وذكر ابن أبي شيبة عن عيسى بن يونس عن ابن عون وهشام بن حسان عن ابن سيرين عن أنس بن مالك أن البراء بن مالك حمل على مرزبان الزآرة فطعنه طعنة دق قربوس سرجه وقتله وسلبه فذكر معنى ما تقدم .

(23/247)


قال محمد بن سيرين فحدثني أنس بن مالك أنه أول سلب خمس في الإسلام وقال إسحاق بهذا القول إذا استكثر الإمام السلب خمسه وذلك إليه .
وقد حدثنا محمد بن عبد الله بن حكم قال حدثنا محمد بن معاوية قال حدثنا أبو خليفة الفضل بن الحباب القاضي قال حدثنا أبو الوليد الطيالسي قال حدثنا عكرمة بن عمار قال حدثنا عبد الله بن عبيد بن عمير أن عمر بن الخطاب بعث أبا قتادة فقتل ملك فارس بيده وعليه منطقة ثمنها خمسة عشر ألف درهم فنفله عمر إياها .
وذكر ابن أبي شيبة عن عبد الرحيم بن سليمان عن حجاج عن نافع عن ابن عمر قال قال لي عمر بلغني أنك بارزت دهقانا وقتلته قلت نعم فأعجبه ذلك ونفله سلبه .
قال أبو عمر:
أحسن شيء في هذا مما يحتج به مرفوعا ما حدثناه عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا سعيد بن منصور قال أخبرنا إسماعيل بن عياش عن صفوان بن

(23/248)


عمرو عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه عن عوف بن مالك الأشجعي وخالد بن الوليد "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بالسلب للقاتل ولم يخمس السلب" .
وقال محمد بن جرير من قتل قتيلا كان له سلبه نادى به الإمام أم لم يناد مقبلا قتله أو مدبرا هاربا أو مبارزا إذا كان في المعركة وليس سبيل السلب سبيل النفل لأن النفل لا يكون إلا أن يتقدم الإمام به قبل .
قال أبو عمر:
روى عبد الرزاق ومحمد بن بكر عن ابن جريج قال سمعت نافعا مولى ابن عمر يقول لم نزل نسمع إذا التقى المسلمون والكفار فقتل رجل من المسلمين رجلا من الكفار فإن سلبه له إلا أن يكون في معمعة القتال فإنه لا يدري حينئذ من قتل قتيلا وظاهر هذا الحديث يرد قول الطبري لاشتراطه في السلب القتل في المعركة خاصة .
وقال أبو ثور السلب لكل قاتل في معركة كان أو غير معركة في الإقبال والإدبار والهروب والانتهاز على كل الوجوه واحتج قائلوا هذه المقالة بعموم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم "من قتل قتيلا فله سلبه" لم يخص حالا من حال واحتجوا أيضا بخبر سلمة بن الأكوع

(23/249)


قال أبو عمر:
ليس في خبر سلمة بن الأكوع حجة لأبي ثور ولا لغيره على الشافعي لأن سلمة لم يقتله إلا ملاقيا ومتحيلا في قتله مغافصا له وقد قيل إنه بارزه .
وأخبرنا قاسم بن محمد قال حدثنا خالد بن سعد قال حدثنا أحمد بن عمرو قال حدثنا محمد بن سنجر قال حدثنا هشام بن عبد الملك قال حدثنا عكرمة بن عمار قال حدثني إياس بن سلمة قال حدثني أبي سلمة بن الأكوع قال "غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم هوازن قال فبينما نحن نعود نتضحى إذ جاء رجل على جمل أحمر فانتزع طاقا من خف البعير فقيد به بعيره ثم جاء يمشي حتى قعد معنا يتغذى فنظر في القوم فإذا في أظهرهم رقة وأكثرهم مشاة فلما نظر إلى القوم خرج فانطلق يعدو فأتى بعيره فقعد عليه فخرج يركضه وهو طليعة للكفار فاتبعه رجل منا من أسلم على ناقة له ورقاء قال إياس قال أبي فاتبعته أعدو قال والناقة عند ورك الجمل فلحقته فكنت عند ورك الناقة ثم تقدمت حتى كنت عند ورك الجمل ثم تقدمت حتى آخذ بخطام البعير فاخترطت سيفي فضربت رأسه فبرد ثم جئت بناقته أقودها عليها سلبة فاستقبلني رسول الله صلى الله عليه وسلم مع الناس فقال "من قتل الرجل قالوا ابن الأكوع قال لك سلبه أجمع".

(23/250)


وحدثنا سعيد بن نصر وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا ابن وضاح قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا وكيع عن أبي العميس عن إياس بن سلمة عن أبيه أنه بارز رجلا فقتله فنفله النبي سلبه
واحتج أصحاب الشافعي لمذهبهم في أن القاتل لا يستحق سلب قتيله إلا أن يقتله مقبلا بأشياء يطول ذكرها أحسنها عندي ما ذكره أبو العباس بن سريج قال ليس الحديث من قتل قتيلا فله سلبه على عمومه لاجتماع العلماء على أن من قتل أسيرا أو امرأة أو شيخا أنه ليس له سلب واحد منهم وكذلك من دفف على جريح أو قتل من قد قطعت يداه ورجلاه قال وكذلك المنهزم لا يمتنع في انهزامه وهو كالمكتوف فعلم بذلك أن الحديث إنما جعل السلب لمن قتله معنى زائد ولمن في قتله فضيلة وهو القاتل في الإقبال لما في ذلك من المؤنة ولم يكن مخرج الحديث إلا على من في قتله مؤنة وله شوكة وأما من أثخن فلا ولو كان كما زعموا كان الذي أثخنه أولى بسلبه وليس بقاتل والسلب إنما هو للقاتل على المعنى الذي وصفنا والله أعلم هذا معنى قوله .
و قال المزني عن الشافعي الغنيمة كلها مقسومة على ما وصفنا إلا السلب للقاتل في الإقبال قال ذلك الإمام أو لم يقله لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم نفل أبا قتادة يوم حنين سلب قتيله وما نفله إياه إلا بعد تقضي

(23/251)


الحرب ونفل محمد بن مسلمة ثياب مرحب يوم خيبر ونفل يوم بدر عددا أسلابا ويوم أحد رجلا أو رجلين أسلاب قتلاهم قال وما علمته حضر محضرا فقتل رجل قتيلا في الإقبال إلا نفله سلبه .
قال ولقد فعل ذلك بعد النبي أبو بكر وعمر .
قال أبو عمر:
أما قول رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين "من قتل قتيلا فله سلبه" فمحفوظ من رواية الثقات غير مختلف فيه وأما قوله ذلك يوم بدر وأحد فأكثر ما يوجد ذلك في رواية أهل المغازي وقد روى من حديث أهل السير وغيرهم أن سعد بن أبي وقاص قتل يوم بدر سعيد بن العاصي وأخد سيفه فنفله رسول الله إياه حتى نزلت سورة الأنفال وأن الزبير بن العوام بارز يومئذ رجلا فقتله فنفله رسول الله سلبه وأن ابن مسعود نفله رسول الله يومئذ سيف أبي جهل
أخبرنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا موسى بن إسماعيل قال حدثنا حماد عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس بن مالك قال قال رسول الله يومئذ يعني يوم حنين "من قتل كافرا فله سلبه" فقتل أبو طلحة يومئذ عشرين رجلا وأخذ أسلابهم ولقي أبو طلحة

(23/252)


أم سليم ومعها خنجر فقال يا أم سليم ما هذا معك قالت أردت والله إن دنا مني بعضهم أن أبعج به بطنه فأخبر بذلك أبو طلحة رسول الله صلى الله عليه وسلم .
حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا سعيد بن سليمان قال حدثنا يوسف بن الماجشون قال حدثني صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه عن جده عبد الرحمن بن عوف أن النبي قضى أن السلب للقاتل .
قال أبو عمر:
حديث عبد الرحمن بن عوف هذا أصله يوم بدر
حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا إسماعيل الترمذي قال حدثنا عبد العزيز بن عبد الله الأويسي قال حدثني يوسف بن الماجشون عن صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه عن عبد الرحمن بن عوف قال "إني لواقف يوم بدر فنظرت عن يميني وشمالي فإذا أنا بين فتيين من الأنصار حديثة أسنانهما فتمنيت أن أكون بين أضلع منهما فعرفني أحدهما فقال لي يا عم أتعرف أبا جهل قال قلت نعم فما حاجتك إليه يا ابن أخي قال أخبرت أنه يسب رسول الله صلى الله عليه وسلم .

(23/253)


والذي نفسي بيده لئن رأيته لا يفارق سوادي سواده حتى يموت الأعجل منا قال فتعجبت من ذلك قال وغمزني الآخر فقال مثله فلم أنشب أن رأيت أبا جهل يجول في الناس فقلت لهما ألا تريان هذا هو صاحبكما الذي تسألاني عنه فابتدراه فضرباه بسيفهما حتى قتلاه ثم انصرفا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبراه فقال رسول الله أيكما قتله قال كل واحد منهما أنا قتلته قال فهل مسحتما سيفكما قالا لا فنظر رسول الله إلى سيفهما فقال كلاكما قتله وقضى بسلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح والآخر معاذ بن عفراء .
وحدثنا قاسم بن محمد قال حدثنا خالد بن سعد قال حدثنا أحمد بن عمرو قال حدثنا محمد بن سنجر قال حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا يوسف بن يعقوب الماجشون قال حدثني صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه عن جده قال "بينما أنا واقف في الصف يوم بدر" فذكر مثله سواء إلى آخره .
وحدثنا عبد الوارث قال حدثنا قاسم قال حدثنا محمد بن وضاح قال حدثنا موسى ين معاوية حدثنا وكيع قال حدثنا إسرائيل وأبي عن أبي إسحاق عن أبي عبيدة قال قال عبد الله انتهيت إلى أبي جهل يوم بدر وقد ضربت رجله وهو صريع وهو يذب الناس عنه بسيفه فذكر قصة قال فأخذت سيفه فضربته حتى برد وزاد فيه أبي عن أبي إسحاق عن أبي عبيدة عن عبد الله فنفلني رسول الله سيفه

(23/254)


واحتج بهذه الآثار من قال إن السلب للقاتل على كل حال نادى به الإمام أم لم يناد ولا حجة في ذلك لأن ذلك كان فيما ذكروا قبل نزول {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ} الآية واحتج من جعل ذلك إلى الإمام وأنه أمر ليس بلازم إلا أن يجتهد في ذلك الإمام وينادي به على حسبما يراه وأن له منع القاتل من السلب وله إعطاؤه على حسبما يؤدي إليه اجتهاده بما حدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا أحمد بن حنبل قال حدثنا الوليد بن مسلم قال حدثني صفوان بن عمرو عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه عن عوف بن مالك الأشجعي قال "خرجت مع زيد بن حارثة في غزوة مؤتة ورافقني مودي من أهل اليمن ليس معه غير سيفه فنحر رجل من المسلمين جزورا فسأله المودي طائفة من جلده فأعطاه إياه فاتخذه كهيئة الدرق ومضينا فلقينا جموع الروم وفيهم رجل على فرس أشقر عليه سرج مذهب وسلاح مذهب فجعل الرومي يغري بالمسلمين وقعد له المودي خلف صخرة ومر به الرومي فعرقب فرسه فخر وعلاه فقتله وحاز فرسه وسلاحه فلما فتح الله على المسلمين بعث إليه خالد بن الوليد فأخذ منه السلب قال عوف:

(23/255)


فأتيته فقلت يا خالد أما علمت أن رسول الله قضى بالسلب للقاتل قال بلى ولكني استكثرته فقلت لتردنه إليه أو لأعرفنك عند رسول الله فأبى أن يرد عليه قال عوف فاجتمعنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فاقتصصت عليه قصة المودي ما فعل خالد فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "يا خالد ما حملك على ما صنعت" فقال يا رسول الله استكثرته له فقال رسول الله يا خالد رد عليه ما أخذت منه فقال عوف دونك يا خالد ألم أف لك فقال رسول الله وما ذاك فاخبرته فغضب رسول الله وقال يا خالد لا ترده عليه هل أنتم تاركون لي أمرائي لكم صفوة أمرهم وعليهم كدره".
قال وحدثنا أحمد بن حنبل قال حدثنا الوليد قال سألت ثورا عن هذا الحديث فحدثني عن خالد بن معدان عن جبير بن نفير عن عوف بن مالك الأشجعي نحوه
وذكر هذا الحديث أبو إسحاق الفزاري عن صفوان بن عمرو بإسناده ومعناه
قال الفزاري وأخبرني غير صفوان عن خالد بن معدان بنحو حديث صفوان وهذا الحديث يدل على ما ذكرنا أن السلب إنما يكون

(23/256)


للقاتل إذا أمضى ذلك الإمام ورآه وأداه اجتهاده إليه وهذا كله يدل على صحة ما ذهب إليه مالك في هذا الباب والله أعلم .
وذكر عبد الرزاق عن الثوري عن الأسود بن قيس عن شبر بن علقمة العبدي قال "كنا بالقادسية فخرج رجل منهم عليه السلاح والهيئة فقال مرد ومرد يقول رجل إلى رجل فعرضت على أصحابي أن يبارزوه فأبوا وكنت رجلا قصيرا قال فتقدمت إليه فصاح صوتا وهدر وصحت وكبرت وحمل علي فاحتملني فضرب بي قال وتميل به فرسه فأخذت خنجره فوثبت على صدره فذبحته قال وأخذت منطقة له وسيفا ودرعا وسوارين فقوم باثني عشر ألفا فأتيت به سعد بن مالك فقال رح إلي ورح بالسلب قال فرحت إليه فقام على المنبر فقال هذا سلب شبر بن علقمة خذه هنيئا مريئا فنفلنيه كله" وهذا يدل على أن أمر السلب إلى الأمير والله أعلم .
وذكر ابن أبي شيبة عن وكيع عن سفيان عن الأسود بن قيس مثله سواء بمعناه في قصة شبر بن علقمة يوم القادسية قال وأخبرنا أبو الأحوص عن الأسود بن قيس عن شبر بن علقمة قال بارزت رجلا يوم القادسية فقتلته وأخذت سلبه فأتيت سعدا فخطب سعد أصحابه ثم قال هذا سلب شبر بن علقمة لهو خير من اثني عشر ألف درهم وإنا قد نفلناه إياه.

(23/257)


قال أبو عمر:
لو كان السلب للقاتل قضاء من النبي ما احتاج الأمراء إلى أن يضيفوا ذلك إلى أنفسهم باجتهادهم ولأخذه القاتل دون أمرهم والله أعلم .
واختلف الفقهاء في الرجل يدعي أنه قتل رجلا بعينه وادعى سلبه فقالت طائفة منهم يكلف على ذلك البينة فإن جاء بشاهدين أخذه وإن جاء بشاهد واحد حلف معه وكان له سلبه واحتجوا بحديث أبي قتادة وبأنه حق يستحق بشاهد ويمين وممن قال ذلك الشافعي والليث بن سعد وجماعة من أصحاب الحديث .
وقال الأوزاعي إذا قال إنه قتله أعطي سلبه ولم يسأل عن ذلك بينة .
واختلفوا في النفر يضربون الرجل الكافر ضربات مختلفة فكان الشافعي يقول إذا قطع يديه ورجليه ثم قتله آخر فالسلب لقاطع اليدين والرجلين فإن ضربه وأثبته وبقي معه ما يمتنع به ثم قتله آخر كان السلب للآخر وإنما يكون السلب لمن صيره بحال لا يمتنع فيها .
واختلف الشافعي والأوزاعي في مبارز عانق رجلا وحمل عليه آخر فقتله فقال الأوزاعي السلب للمعانق وقال الشافعي السلب للقاتل .
وفي هذا الباب مسائل كثير لها فروع لو ذكرناها خرجنا عن تأليفنا وفيما أوردنا من أصول هذا الباب بما فيه كفاية وبالله التوفيق .

(23/258)


وأما قوله: فاشتريت به مخرفا في بني سلمة فقال ابن وهب هي الجنينة الصغيرة وقال غيره هو ما يخرف ويخترف أي يحفظ ويجتني وهو الحائط الذي فيه ثمر قد طاب وبدا صلاحه قالوا والحائط يقال له بالحجاز الخارف والخارف بلغة أهل اليمن الذي يجتني لهم الرطب .
وقال أبو عبيد يقال النخل بعينه مخرف قال ومنه قول أبي طلحة إن لي مخرفا قال وقال الأصمعي في حديث النبي صلى الله عليه وسلم "عائد المريض في مخارف الجنة" قال واحدها مخرف وهو جني النخل وإنما سمي مخرفا لأنه يخرف منه أي يجتني منه .
قال الأخفش المخرف بكسر الميم القطعة من النخل التي يخترف منها الثمر والمخرف بفتح الميم النخل أيضا .
وأما قوله فإنه لأول مال تأثلته في الإسلام فإنه أراد أول أصل باق من المال اقتناه وجمعه ومن اكتسب ما يبقى ويحمد فقد تأثل .
قال امرؤ القيس:
ولكنما أسعى لمجد مؤثل ... وقد يدرك المجد المؤثل أمثالي
وقال لبيد:
لله نافلة الأجل الأفضل ... وله العلى وأثيث كل مؤثل
ومن هذا حديث عمر في وقفه أرضه قال ولمن وليها أن يأكل منها أو يوكل صديقا عير متأثل مالا .

(23/259)


الحديث التاسع و العشرون
...
حديث تاسع وعشرون ليحيى بن سعيد
يحيى عن واقد:
مالك عن يحيى بن سعيد عن واقد بن سعد بن معاذ عن نافع بن جبير بن مطعم عن مسعود بن الحكم عن علي بن أبي طالب "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقوم في الجنائز ثم جلس بعد" .
هكذا قال يحيى عن مالك واقد بن سعد بن معاذ وتابعه على ذلك أبو المصعب وغيره وسائر الرواة عن مالك يقولون عن واقد ابن عمرو بن سعد بن معاذ وهو الصواب إن شاء الله وكذلك قال ابن عيينة وزهير بن معاوية وهو واقد بن عمرو بن سعد بن معاذ بن النعمان بن امرى ء القيس الأشهلي الأنصاري يكنى أبا عبد الله مدني ثقة كناه خليفة بن خياط وذكره الحسن بن عثمان في بني عبد الأشهل وقال كانت وفاته سنة عشرين ومائة وكان محمد بن عمرو بن علقمة يقول فيه واقد بن عمر بن سعد بن معاذ يهم فيه .

(23/260)


روى يزيد بن هارون عن محمد بن عمرو عن واقد بن عمر بن سعد بن معاذ قال "دخلت على أنس بن مالك وكان واقد من أعظم الناس وأطولهم فقال لي من أنت فقلت واقد بن عمر بن سعد بن معاذ قال إنك بسعد لشبيه ثم بكى فأكثر البكاء وقال يرحم الله سعدا كان من أعظم الناس وأطولهم" .
وقد مضى ذكر نافع بن جبير بن مطعم في باب ابن شهاب وأما مسعود بن الحكم فرجل من بني زريق من الأنصار كبير جليل ولد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مسعود بن الحكم بن الربيع بن عامر بن خالد بن عامر بن زريق وكان له بالمدينة قدر وجلالة وهيئة وقد ذكرناه في كتاب الصحابة .
قال أبو عمر:
حديث مالك في هذا الباب يدل على أن القيام للجنائز إذا مرت بالإنسان وقيامه إذا شيعها وشهدها حتى تدفن منسوخ وذلك أن الأمر أولا كان أن لا يجلس مشيع الجنازة حتى توضع في اللحد أو في الأرض وأن من مرت به الجنازة قام ثم نسخ ذلك بالتخفيف والحمد لله .
وروى ابن عيينة ومعمر عن الزهري عن سالم عن أبيه عن عامر بن ربيعة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إذا رأيتم الجنازة فقوموا حتى تخلفكم أو توضع" حدثناه سعيد بن نصر وعبد الوارث بن

(23/261)


سفيان قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن إسماعيل الترمذي قال حدثنا الحميدي قال حدثنا سفيان بن عيينة حدثنا الزهري عن سالم عن أبيه عن عامر بن ربيعة عن النبي صلى الله عليه وسلم فذكره .
قال الحميدي وهذا منسوخ .
وذكر عبد الرزاق عن معمر بإسناده مثله وروى أيوب عن نافع عن ابن عمر عن عامر بن ربيعة النبي صلى الله عليه وسلم مثله.
وروى يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إذا رأيتم الجنازة فقوموا فمن تبعها فلا يقعد حتى توضع" .
وروى ربيعة بن سيف عن أبي عبد الرحمن الجبلي عن عبد الله بن عمرو بن العاصي قال سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال "يا رسول الله تمر بنا جنازة الكافر أفنقوم لها قال نعم قوموا لها فإنكم إنما تقومون إعظاما للذي يقبض النفوس" .
وروى في القيام للجنائز أبو موسى وجابر ويزيد وزيد ابنا ثابت وقيس بن سعد وسهل بن حنيف كلهم عن النبي صلى الله عليه وسلم .

(23/262)


وروى الأوزاعي عن عبيد الله بن مقسم قال حدثني جابر بن عبد الله قال كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم إذ مرت جنازة فقام لها فلما ذهبت فإذا بها جنازة يهودي فقلنا يا رسول الله إنها جنازة يهودي فقال "إن الموت فزع فإذا رأيتم الجنازة فقوموا" .
وروى الثوري عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إذا شيعتم جنازة فلا تجلسوا حتى توضع في الأرض".
ورواه أبو معاوية عن سهيل بإسناده مثله إلا أنه قال حتى توضع في اللحد .
ورواه زهير بن معاوية عن سهيل عن أبيه عن أبي سعيد الخدري وقول الثوري أشبه وأولى إن شاء الله فهذه الآثار وهي صحاح ثابتة توجب القيام للجنازة على ما ذكرنا وقد جاءت آثار ناسخة لذلك .
روى جنادة بن أبي أمية عن عبادة بن الصامت قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوم في الجنازة حتى توضع في اللحد فمر حبر من أحبار

(23/263)


اليهود فقال هكذا نفعل فجلس النبي صلى الله عليه وسلم وقال "اجلسوا وخالفوهم".
ذكره أبو داود بإسناده .
وروى الثوري عن ليث بن أبي سليم عن مجاهد عن أبي معمر عن علي بن أبي طالب "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتشبه بأهل الكتاب فيما لم ينزل فيه وحي وكان يقوم للجنازة فلما نهي انتهى" .
ورواه ابن عيينة عن ليث عن مجاهد عن أبي معمر عبد الله بن سخبرة الأزدي قال كانوا عند علي بن أبي طالب فمرت بهم جنازة فقاموا لها فقال علي ما هذا فقالوا أمر أبي موسى الأشعري فقال إنما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم مرة واحدة ثم لم يعد .
واختلف العلماء في هذا الباب فمن روى عنه أنه قال بالأحاديث التي زعمنا أنها منسوخة واستعملها ولم يرها منسوخة وقالوا لا يجلس من اتبع الجنازة حتى توضع من أعناق الرجال الحسن بن علي وأبو هريرة والمسور بن مخرمة وابن عمر وابن الزبير وأبو سعيد الخدري وأبو موسى الأشعري والنخعي والشعبي وابن سيرين وذهب إلى ذلك الأوزاعي وأحمد وإسحاق وبه قال محمد بن الحسن وحجتهم قوله صلى الله عليه وسلم "إذا شيعتم جنازة فلا تجلسوا حتى توضع".

(23/264)


وروي عن أبي مسعود البدري وأبي سعيد الخدري وقيس بن سعد وسهل بن حنيف وسالم أنهم كانوا يقومون للجنازة إذا مرت بهم وقال أحمد وإسحاق من قام لها من أعبه ومن قعد فغير آثم وحجة هؤلاء قوله "إذا رأيتم الجنازة فقوموا فإن الموت فزع" .
وروى علي بن أبي طالب وعبد الله بن عباس أن القيام في الجنازة كان قبل الأمر بالجلوس فبان بذلك أنهما علما الناسخ في ذلك من المنسوخ وليس على من لم يقف على ذلك نقيصة في تماديه على ما علم وهوالواجب عليه حتى يعلم أن ذلك قد رفع حكمه ونسخ .
وقد زعم بعض العلماء أن علم الناسخ من المنسوخ في الحديث أشد نعذرا من علم ناسخ القرآن ومنسوخه ولذلك قال ابن شهاب الله أعلم أعيا الفقهاء أن يعرفوا ناسخ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم من منسوخه
قال أبو عمر:
لأن ذلك لا يصح إلا بعلم الآخر من الأول في غير باب الإباحة وذلك إنما يوقف عليه بنص أو تاريخ .
حدثنا سعيد بن نصر وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا إسماعيل بن إسحاق قال حدثنا سليمان بن حرب قال حدثنا حماد بن زيد عن أيوب عن محمد أن جنازة مرت بعبد الله بن عمر والحسن بن علي فقعد ابن عباس وقام الحسن ،

(23/265)


فقال الحسن أليس قد قام رسول الله صلى الله عليه وسلم لجنازة يهودي فقال ابن عباس بلى وجلس بعد .
قال أبو عمر:
الصواب في هذا الباب المصير إلى ما قال علي وابن عباس فقد حفظا الوجهين جميعا وعرفا الناس أن الجلوس كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد القيام فوجب امتثال ذلك من سنته والآخر منها ناسخ .
وهو أمر واضح وإلى هذا ذهب سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير ومالك والشافعي القيام لها منسوخ .
وذكر عبد الرزاق عن معمر عن هشام بن عروة عن أبيه أنه كان يعيب من قام للجنازة وينكر ذلك عليه .
حدثنا سعيد بن نصر وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن إسماعيل وأحمد بن زهير قالا حدثنا الحميدي قال حدثنا سفيان عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن واقد بن عمرو عن نافع بن جبير عن مسعود بن الحكم عن علي بن أبي طالب قال "إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام مرة واحدة ثم لم يعد " حدثنا عبد الوارث حدثنا قاسم حدثنا أحمد بن زهير حدثنا مالك بن إسماعيل حدثنا زهير حدثنا يحيى بن سعيد الأنصاري قال

(23/266)


أخبرني واقد بن عمرو بن سعد بن معاذ قال بينما أنا واقف أنتظر جنازة توضع فلما وضعت جلست إلى نافع بن جبير بن مطعم فقال لي نافع كأنك نظرت هذه الجنازة أن توضع قلت أجل قال نافع حدثني مسعود بن الحكم الأنصاري أنه سمع علي بن أبي طالب يقول "إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام ثم قعد" .
قال أبو عمر:
اتفق مالك وابن عيينة وزهير على واقد بن عمرو فدل ذلك على أن قول محمد بن عمرو واقد بن عمر خطأ هذا إن صح عن محمد بن عمرو وأما رواية يحيى وقوله واقد بن سعد فجائز أن ينسب المرء إلى جده والذي عند جمهور الرواة للموطأ واقد بن عمرو بن سعد وقد روى هذا الحديث عن مسعود بن الحكم ابنه قيس بن مسعود .
ذكر عبد الرزاق عن ابن جريج قال أخبرني موسى بن عقبة عن قيس بن مسعود عن أبيه أنه شهد جنازة مع علي بن أبي طالب بالكوفة فرأى الناس قياما ينتظرون الجنازة أن توضع فأشار إليهم أن اجلسوا فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جلس بعد ما كان يقوم .
ورواه أيضا عن مسعود بن الحكم محمد بن المنكدر حدثنا أحمد بن قاسم بن عيسى المقرى ء حدثنا عبيد الله بن محمد بن حبابة ببغداد حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي قال

(23/267)


حدثنا يوسف بن موسى حدثنا وكيع قال البغوي وحدثنا علي بن مسلم حدثنا أبو داود قال البغوي وحدثنا خلاد أخبرنا النضر بن شميل قال البغوي وحدثنا يعقوب بن إبراهيم حدثنا يحيى بن أبي بكير قال البغوي وحدثنا عباس حدثنا قراد قالوا كلهم حدثنا شعبة عن محمد بن المنكدر عن مسعود بن الحكم عن علي بن أبي طالب قال "قام رسول الله صلى الله عليه وسلم للجنازة فقمنا ثم جلس فجلسنا" وهذا لفظ حديث وكيع .
واختلف أيضا في القائم على القبر بعد أن توضع الجنازة في اللحد فكرة ذلك قوم وعمل به آخرون ذكر مالك عن أبي بكر بن عثمان بن سهل بن حنيف أنه يسمع أبا أمامة بن سهل بن حنيف يقول "كنا نشهد الجنائز فما يجلس آخر الناس حتى يؤذنوا" وهذا عندي لم يدخل في المنسوخ لأن النسخ إنما جاء في القيام للجنازة عند رؤيتها شيعت حتى توضع وقد كان من أهل العلم جماعة يذهبون إلى نسخ القيام على القبر وغيره في الجنائز وأظنهم ذهبوا إلى أن القيام كله في الجنائز منسوخ لقول علي "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوم في الجنائز ثم قعد بعد" ومن هنا والله أعلم قال أبو قلابة قيام الرجل على القبر حتى يوضع الميت في اللحد بدعة وقد جاء عن علي وهو روى حديث النسخ ما يدل على أن القيام على اللحد لم يدخل في النسخ .
حدثنا سعيد بن نصر حدثنا ابن أبي دليم حدثنا ابن وضاح حدثنا أبو مروان عبد الملك بن حبيب المصيصي حدثنا ابن المبارك عن

(23/268)


قيس بن مسلم عن عمر بن سعد أن عليا قام على قبر ابن المكفف فقيل له ألا تجلس يا أمير المؤمنين فقال قليل لأخينا قيامنا على قبره قال ابن وضح وحدثنا يزيد بن موهب عن يحيى بن زكرياء ابن أب زائدة عن مالك بن مغول عن عمير بن سعد عن علي مثله قال ابن وضاح وحدثنا موسى حدثنا وكيع عن سفيان عن قيس عن عمير بن سعد عن علي قال ليل أحدكم القيام على قبر أخيه حتى يدفنه .
قال وحدثنا إبراهيم بن طيفور حدثنا علي بن الحسن بن شقيق حدثنا الحسين بن واقد عن فرقد السجي عن سعيد بن جبير قال رأيت ابن عمر قام على قبر قائما حين وضع في القبر وقال يستحب إذا أنس من الرجل الخير أن يفعل به ذلك .
قال وحدثنا يوسف بن عدي عن أبي المليح عن ميمون بن مهران أنه وقف على قبر فقيل له أواجب هذا قال لا ولكن هؤلاء أهل البيت هذا لهم مني قليل .
وقد روي في هذا المعنى حديث حسن مرفوع حدثنا سعيد بن نصر حدثنا ابن أبي دليم حدثنا ابن وضاح حدثنا أبو خيثمة مصعب بن سعد حدثنا محمد بن سلمة عن محمد بن إسحاق عن

(23/269)


الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام على قبر حتى دفن" .
وذكر يعقوب بن شيبة قال حدثنا إسحاق بن إدريس الأسواري وإسحاق بن أبي إسرائيل قالا حدثنا هشام بن يوسف الصنعاني عن عبد الله بن بجير وأثنى عليه خيرا أنه سمع هانئا مولى عثمان بن عفان يذكر عن عثمان قال "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا فرغ من دفن الرجل وقف عليه فقال استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبت فإنه الآن يسأل".
وبهذا الإسناد عن هانىء مولى عثمان قال كان عثمان إذا وقف على قبر بكى حتى تبتل لحيته قيل له تذكر الجنة والنار ولا تبكي وتبكي من هذا قال فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "إن القبر أول منازل الآخرة فإن نجا منه فما بعده أيسر منه وإن لم ينج منه فما بعده أشد منه".
و قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ما رأيت منظرا إلا والقبر أفظع منه" وبالله التوفيق .

(23/270)


الحديث الثلاثون
...
حديث موفي ثلاثين ليحيى بن سعيد
يحيى عن عبادة بن الوليد:
مالك عن يحيى بن سعيد قال أخبرني عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت عن أبيه عن جده قال "بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره وأن لا ننازع الأمر أهله وأن نقول أو نقوم بالحق حيثما كنا لا نخاف في الله لومة لائم".
هكذا روى هذا الحديث عن مالك بهذا الإسناد جمهور رواته وهو الصحيح منهم ابن وهب وابن القاسم ومعن وابن بكير وابن أويس وغيرهم وما خالفه عن مالك فليس بشيء ورواه القعنبي في جامع الموطأ عن مالك عن يحيى عن عبادة بن الوليد عن عبادة بن الصامت ولم يذكر أباه وتابعه عبد الله بن يوسف ورواه قتيبة عن مالك عن يحيى عن عبادة بن الوليد أخبرني أبي قال "بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم" ولم يذكر عبادة بن الصامت وتابعه أبو مسهر وأبو مصعب عن محمد بن زريق بن جامع منه وقد

(23/271)


اختلف فيه على يحيى بن سعيد فرواه بعضهم عنه عن عبادة بن الوليد عن أبيه قال وبايعنا رسول الله الحديث لم يذكر عبادة بن الصامت وزعم أن البيعة المذكورة في هذا الحديث ليست بيعة العقبة وأن الوليد بن عبادة له صحبة وأنه ممكن أن يشاهد هذه البيعة لأنها كانت على الحرب وذلك بالمدينة .
ورواه سفيان بن عيينة عن يحيى بن سعيد عن عبادة بن الوليد عن جده عبادة بن الصامت لم يذكر الوليد بن عبادة هكذا رواه الحميد عن ابن عيينة .
ورواه أبو إسحاق الفزاري عن يحيى بن سعيد عن الوليد بن عبادة بن الصامت عن أبيه لم يذكر عبادة بن الوليد وهذا عندي غلط والله أعلم والصحيح فيه إن شاء الله يحيى بن سعيد عن عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت عن أبيه عن جده حدثنا أحمد بن محمد قال حدثنا أحمد بن الفضل قال حدثنا محمد بن جرير قال حدثنا محمد بن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق قال حدثني عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت عن أبيه الوليد عن أبيه عبادة بن الصامت وكان أحد النقباء قال "بايعنا رسول الله بيعة الحرب وكان عبادة من الاثني عشر الذين بايعوا في العقبة الأولى على السمع والطاعة في عسرنا ويسرنا ومنشطنا ومكرهنا وأن لا ننارع الأمر أهله وأن نقول بالحق حيثما كنا لا نخاف في الله لومة لائم".

(23/272)


قال أبو عمر:
كان عبادة بن الصامت قد شهد العقبة الأولى والثانية وشهد بدرا والحديبية والمشاهد كلها وبايع رسول الله مرارا وقد ذكرنا من خبره في كتاب الصحابة ما فيه الكفاية .
حدثنا أبو محمد عبد الله بن محمد قال حدثنا أبو بكر أحمد بن سلمان بن الحسن النجاد الفقيه ببغداد قال حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال حدثني أبي قال حدثني يعقوب بن إبراهيم بن سعد قال حدثني يزيد بن أبي حبيب عن مرثد بن عبد الله اليزني عن أبي عبد الله عبد الرحمن بن عسيلة الصنابحي عن عبادة بن الصامت قال "كنا فيمن حضر العقبة الأولى وكنا اثني عشر رجلا فبايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على بيعة النساء وذلك قبل أن يفترض عليهم الحرب على أن لا نشرك بالله شيئا ولا نشرق ولا نزني ولا نقتل أولادنا ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا ولا نعصيه في معروف قال فإن وفيتم فلكم الجنة وإن غشيتم من ذلك شيئا فأمركم إلى الله إن شاء عذب وإن شاء غفر" .
قال أحمد بن حنبل وحدثنا يحيى ين زكرياء بن أبي زائدة قال حدثني أبي ومجالد عن عامر الشعبي عن أبي مسعود الأنصاري قال "انطلق النبي معه العباس عمه إلى السبعين من الأنصار عند العقبة تحت الشجرة فقال ليتكلم متكلمكم ولا يطيل الخطبة

(23/273)


فإن عليكم من المشركين عينا وإن يعلموا بكم يفضحوكم" قال قائلهم وهو أبو أمامة سل يا محمد لربك ما شئت وسل لنفسك ولأصحابك ما شئت ثم أخبرنا بما لنا من الثواب على الله إذا فعلنا ذلك قال "أسألكم لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا وأسألكم لنفسي ولأصحابي أن تؤونا وتنصرونا وتمنعونا مما منعتم منه أنفسكم "قالوا فما لنا إذا فعلنا ذلك قال لكم الجنة قالوا فلك ذلك".
قال الشعبي: وكان أبو مسعود أصغرهم .
قال أحمد بن حنبل: وحدثني يحيى بن زكرياء قال حدثني إسماعيل بن أبي خالد قال سمعت الشعبي يقول ما سمع الشيب ولا الشبان خطبة مثلها .
قال أبو عمر:
هذه البيعة التي انفرد بها الأنصار بهذا اللفظ وهذا المعنى وسائر البيعات التي ذكر عبادة وغيره هي بيعات جماعات الناس قريش والأنصار وسائر أبناء العرب ممن دخل في الإسلام والله أعلم .
قال أحمد بن حنبل سمعت سفيان بن عيينة وقيل له تسمي النقباء فقال نعم سعد بن عبادة وأسعد بن زرارة وسعد بن

(23/274)


الربيع وسعد بن خيثمة وعبد الله بن رواحة والمنذر بن عمرو وأبو الهيثم بن التيهان والبراء بن معرور وأسيد بن حضير وعبد الله بن عمرو بن حرام أبو جابر وعبادة بن الصامت ورافع بن مالك من بني زريق قال سفيان عبادة عقبي بدري أحدى شجري نقيب .
قال أبو عمر:
ما ذكره سفيان في النقباء خلاف ما ذكره ابن إسحاق فيهم في السير فالله أعلم ولم يختلفوا أنهم اثنا عشر رجلا وهم الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في العقبة الأولى وكان بينها وبين العقبة الثانية عام أو نحوه وكانوا في بيعة العقبة الثانية ثلاثا وسبعين رجلا فيما ذكر ابن إسحاق وامرأتين وكانت العقبة الثانية قبل الهجرة بأشهر يسيرة .
حدثنا عبد الله بن محمد حدثنا أحمد بن سلمان حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثني أبي قال حدثنا حجاج بن محمد حدثنا الليث حدثنا عقيل عن ابن شهاب أنه كان بين ليلة العقبة وبين مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة أشهر أو نحوها قال وكانت بيعة الأنصار ليلة العقبة في ذي الحجة وقدم رسول الله المدينة في ربيع الأول .
حدثنا أحمد بن محمد حدثنا أحمد بن الفضل حدثنا محمد بن جرير حدثنا أحمد بن الوليد حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة

(23/275)


عن سيار ويحيى بن سعيد أنهما سمعا عبادة بن الوليد يحدث عن أبيه قال سيار عن النبي صلى الله عليه وسلم وقال يحيى بن سعيد عن أبيه عن جده قال "بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن نقوم بالحق حيثما كان" .
فهذا شعبة قد جوده ففرق بين رواية سيار ورواية يحيى ين سعيد فدل ذلك على صحة من جعل حديث يحيى بن سعيد عن عبادة بن الوليد بن عبادة عن أبيه عن جده .
حدثنا خلف بن قاسم حدثنا عبد الله بن جعفر بن الورد وعبد الرحمن بن عمر بن إسحاق قالا حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن جابر قال حدثنا سعيد بن أبي مريم قال حدثنا مالك والليث بن سعد عن يحيى بن سعيد قال حدثني عبادة بن الوليد بن عبادة قال أخبرني أبي عن عبادة بن الصامت قال "بايعت رسول الله على العسر واليسر والمكره والمنشط وأن لا ننازع الأمر أهله وأن نقوم أو نقول بالحق حيثما كنا لا نخاف في الله لومة لائم" وهذا هو الصحيح في إسناد هذا الحديث إن شاء الله .
وأما قوله فيه بايعنا رسول الله على السمع والطاعة فقول مجمل يفسره حديث مالك عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر قال "كنا إذا بايعنا رسول الله على السمع والطاعة يقول لنا فيما استطعتم وأطقتم" وكذلك كان أخذه على النساء في البيعة كان يقول لهن فيما استطعتن وأطقتن وهذا كله يتضمنه قول الله عز

(23/276)


وجل {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا} ولا يلزم من طاعة الخليفة المبايع إلا ما كان في المعروف لأن رسول الله لم يكن يأمر إلا بالمعروف وقد قال "إنما الطاعة في المعروف".
وأجمع العلماء على أن من أمر بمنكر لا تلزم طاعته قال الله عز وجل {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} .
حدثنا محمد بن عبد الله قال حدثنا محمد بن معاوية قال حدثنا إسحاق بن أبي حسان قال حدثنا هشام بن عمار قال حدثنا الوليد بن مسلم قال حدثنا ابن ثوبان قال حدثني عمير بن هانى ء قال حدثني جنادة بن أبي أمية قال حدثني عبادة بن الصامت قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "عليك بالسمع والطاعة في عسرك ويسرك ومنشطك ومكرهك وأثرة عليك وأن لا تنازع الأمر أهله إلا أن يأمروك بأمر عندك تأويله من الكتاب" قال عمير وحدثني خضير الأسلمي أنه سمع عبادة بن الصامت يحدث به عن النبي صلى الله عليه وسلم.
قال خضير فقلت لعبادة أفرأيت إن أنا أطعته قال يؤخذ بقوائمك فتلقى في النار وليجيء هذا فينقذك .
حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أحمد بن زهير حدثنا الحوظي حدثنا بقية بن الوليد حدثنا سعيد بن عبد العزيز حدثني ربيعة بن يزيد قال قعدت إلى الشعبي بدمشق.

(23/277)


في خلافة عبد الملك فحدث رجل من التابعين عن رسول الله أنه قال "اعبدوا ربكم ولا تشركوا به شيئا وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الأمراء فإن كان خيرا فلكم وإن كان شرا فعليهم وأنتم منه براء" قال الشعبي كذبت لا طاعة في معصية إنما الطاعة في المعروف .
وأما قوله في العسر واليسر والمنشط والمكره فمعناه فيما تقدر عليه وإن شق علينا وأيسر بنا وفيما نحبه وننشط له وفيما نكرهه ويثقل علينا وعلى هذا المعنى جاء حديث ابن عمر عن النبي في ذلك .
حدثنا أحمد بن قاسم ومحمد بن إبراهيم قال حدثنا محمد بن معاوية قال حدثنا محمد بن يحيى المروزي قال حدثنا سعيد بن سليمان قال حدثنا ليث بن سعد عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر عن النبي قال "على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب أو كره" .
وروى عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان الثوري عن محمد بن المنكدر قال قال ابن عمر حين بويع يزيد بن معاوية "إن كان خيرا رضينا وإن كان بلاء صبرنا" .
وأما قوله وأن لا ننازع الأمر أهله فاختلف الناس في ذلك فقال قائلون أهله أهل العدل والإحسان والفضل والدين فهؤلاء لا ينازعون

(23/278)


لأنهم أهله وأما أهل الجور والفسق والظلم فليسوا له بأهل ألا ترى إلى قول الله عز وجل لإبرهيم عليه السلام قال {إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} وإلى منازعة الظالم الجائر ذهبت طوائف من المعتزلة وعامة الخوارج .
وأما أهل الحق وهم أهل السنة فقالوا هذا هو الاختيار أن يكون الإمام فاضلا عدلا محسنا فإن لم يكن فالصبر على طاعة الجائرين من الأئمة أولى من الخروج عليه لأن في منازعته والخروج عليه استبدال الأمن بالخوف ولأن ذلك يحمل على هراق الدماء وشن الغارات والفساد في الأرض وذلك أعظم من الصبر على جوره وفسقه والأصول تشهد والعقل والدين أن أعظم المكروهين أولاهما بالترك وكل إمام يقيم الجمعة والعيد ويجاهد العدو ويقيم الحدود على أهل العداء وينصف الناس من مظالمهم بعضهم لبعض وتسكن له الدهماء وتأمن به السبل فواجب طاعته في كل ما يأمر به من الصلاح أو من المباح .
حدثني خلف بن أحمد حدثنا أحمد بن مطرف حدثنا أيوب بن سليمان ومحمد بن عمر قالا حدثنا أبو زيد عبد الرحمن بن إبراهيم قال حدثنا عبيد الله بن موسى عن الأعمش عن زيد بن وهب عن عبد الرحمن بن عبد رب الكعبة عن عبد الله بن عمرو بن العاصي قال "كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فنزلنا منزلا فمنا من ينتضل

(23/279)


ومنا من يصلح جناه ومنا من هو في جشرة إذ نادى منادي النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة جامعة فانتهيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول "إنه لم يكن نبي قبلي إلا كان لله عليه حق أن يدل أمته على الذي هو خير لهم وينذرهم الذي هو شر لهم وأن هذه الأمة جعلت عافيتها في أولها وسيصيب آخرها بلاء وأمور ينكرونها وفتن مرفق بعضها بعضا تجيء الفتنة فيقول المؤمن هذه مهلكتي ثم تنكشف ثم تجيء أخرى فيقول هذه هذه ثم تنكشف فمن أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتدركه منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر وليأت إلى الناس ما يحب أن يؤتى إليه ومن بايع إماما فأعطاه صفقة يمينه وثمرة قلبه فليطعه ما استطاع فإن جاء أحد ينازعه فاضربوا عنق الآخر" .
قال عبد الرحمن فخرجت في الناس فقلت أنت سمعت هذا من رسول الله قال سمعته أذناي ووعاه قلبي قلت إن هذا ابن عمك معاوية يأمرنا أن نأكل أموالنا بيننا بالباطل ونقتل أنفسنا والله يقول {لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} ، {َلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} قال فضرب بيده على جبهته وأكب طويلا ثم قال أطعه فيما أطاع الله واعصه فيما عصى الله.

(23/280)


قال أبو عمر:
قوله في هذا الحديث ومنا من ينتضل فإنه يريد الرمي إلى الأغراض وقوله ومنا من هو في جشره يريد أنه خرج في إبله يرعاها .
حدثنا أحمد بن فتح وعبد الرحمن بن يحيى قالا حدثنا حمزة بن محمد بن علي قال حدثنا أبو محمد إسحاق بن بنان بن معن الأنماطي البغدادي قال حدثنا الحسن بن حماد حدثنا أبو بكر بن عياش عن أبي حصين عن أبي صالح عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "تعس عبد الدينار وعبد الدرهم وعبد القطيفة وعبد الخميصة إن أعطي رضي وإن لم يعط لم يف".
وأما قوله وأن نقوم أو نقول بالحق فالشك من المحدث إما يحيى بن سعيد وإما مالك فإنه لم يختلف عن مالك في ذلك وفي ذلك دليل على الإتيان بالألفاظ ومراعاتها وقد بينا هذا المعنى في كتاب العلم .
وأما قوله لا نخاف في الله لومة لائم فقد أجمع المسلمون أن المنكر واجب تغييره على كل من قدر عليه وإنه إذا لم يلحقه في تغييره إلا اللوم الذي لا يتعدى إلى الأذى فإن ذلك لا يجب أن يمنعه من تغييره بيده فإن لم يقدر فبلسانه فإن لم يقدر فبقلبه ليس عليه أكثر من ذلك وإذا أنكره بقلبه فقد أدى ما عليه إذا لم يستطع

(23/281)


سوى ذلك والأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في تأكيد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كثيرة جدا ولكنها كلها مقيدة بالاستطاعة .
قال أبو ذر "أوصاني رسول الله أن أقول الحق وإن كان مرا وأن لا أخاف في الله لومة لائم".
وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه أنه قال فضل الجهاد كلمة حق عند ذي سلطان وقال الله عز وجل {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ} ولما وجبت مجاهدة الكفار حتى يظهر دين الحق فكذلك كل من عاند الحق من أهل الباطل واجب مجاهدته على من قدر عليه حتى يظهر الحق .
حدثنا أحمد بن محمد حدثنا أحمد بن الفضل حدثنا محمد بن جرير حدثنا محمد بن بشار حدثنا عبد الرحمن عن سفيان عن أبيه عن الشعبي عن أبي جحيفة قال قال علي الجهاد بثلاثة باليد واللسان والقلب فأولها اليد ثم اللسان ثم القلب فإذا كان لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا نكس فجعل أعلاه أسفله .
حدثنا أحمد بن محمد حدثنا أحمد بن الفضل حدثنا محمد بن جرير حدثنا محمد بن المثنى حدثنا وهب بن جرير حدثنا شعبة عن معاوية بن إسحاق عن سعيد بن جبير قال قلت لابن عباس "آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر قال إن خشيت أن يقتلك فلا".

(23/282)


أخبرنا أحمد بن قاسم حدثنا محمد بن معاوية حدثنا إبراهيم بن موسى بن جميل حدثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي حدثنا نصر بن علي قال أخبرنا الأصمعي عن أبي الأشهب عن الحسن قال إنما يكلم مؤمن يرجى أو جاهل يعلم فإما من وضع سيفه أو سوطه وقال لك اتقني اتقني فمالك وله .
حدثنا أحمد بن محمد حدثنا أحمد بن الفضل حدثنا محمد بن جرير حدثنا يعقوب بن إبراهيم حدثنا إسماعيل بن إبراهيم حدثنا أيوب عن مطرف بن الشخير أنه كان يقول لئن لم يكن لي دين حتى أقوم إلى رجل معه مائة ألف سيف أرمي إليه كلمة فيقتلني إن ديني إذا لضيق .
حدثنا أحمد بن محمد حدثنا أحمد بن الفضل حدثنا محمد بن جرير حدثنا ابن بشار حدثنا عبد الرحمن حدثنا سفيان وحدثنا أحمد حدثنا أحمد حدثنا محمد بن المثنى حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة جميعا عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب قال جاء عتريس بن عرقوب إلى عبد الله فقال هلك من لم يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر فقال عبد الله بل هلك من لم يعرف المعروف بقلبه وينكر المنكر بقلبه .
حدثنا أحمد بن محمد حدثنا أحمد بن الفضل حدثنا محمد بن جرير حدثنا ابن المثنى حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن

(23/283)


عبد الملك بن عمير قال سمعت ربيع بن عميلة قال سمعت عبد الله بن مسعود يقول "حسب المؤمن إذا رأى منكرا لا يستطيع تغييره أن يعلم الله من قبله أنه له كاره".
حدثنا عبد الوارث حدثنا قاسم حدثنا ابن وضاح حدثنا عبد الله بن أبي حسان عن ابن لهيعة عن الأعرج عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا يحل لمؤمن أن يذل نفسه".
قالوا يا رسول الله وما إذلاله لنفسه قال يتعرض من البلاء لما لا يقوم له .
وقد زدنا هذا المعنى بيانا بالآثار في باب بلاغ مالك عن أم سلمة قولها يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون وأشبعناه هناك والحمد لله وبه التوفيق .

(23/284)


الحديث الحادي و الثلاثون
...
حديث حاد وثلاثون ليحيى بن سعيد
يحيى عن محمد بن يحيى بن حبان - أربعة أحاديث:
مالك عن يحيى بن سعيد عن محمد بن يحيى بن حبان أن زيد بن خالد الجهني قال "توفي رجل يوم خيبر وأنهم ذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فزعم أنه قال صلوا على صاحبكم فتغيرت وجوه الناس لذلك فزعم زيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن صاحبكم قد غل في سبيل الله قال ففتحنا متاعه فوجدنا خرزات من خرز يهود ما تساوين درهمين" .
هكذا في كتاب يحيى وروايته عن مالك عن يحيى بن سعيد عن محمد بن يحيى بن حبان أن زيد بن خالد لم يقل عن أبي عمرة ولا عن ابن أبي عمرة وهو غلط منه وسقط من كتابه ذكر أبي عمرة واختلف أصحاب مالك في أبي عمرة أو ابن أبي عمرة في هذا الحديث أيضا فقال القعنبي وابن القاسم ومعن بن عيسى وأبو المصعب وسعيد بن عفير وأكثر النسخ عن ابن بكير كلهم قالوا في هذا الحديث عن مالك عن يحيى بن سعيد عن محمد بن يحيى بن

(23/285)


حبان عن ابن أبي عمرة أن زيد بن خالد الجهني قال توفي رجل فذكروا الحديث .
و قال ابن وهب وصعب الزبيري عن مالك عن يحيى بن سعيد عن محمد بن يحيى بن حبان عن أبي عمرة عن زيد بن خالد وابن وهب يقول في حديث ألا أخبركم بخير الشهداء .
مالك عن عبد الله بن أبي بكر عن أبيه عن عبد الله بن عمرو بن عثمان عن ابن أبي عمرة وسماه عبد الرحمن واختلاف أصحاب مالك عن مالك في إسناد حديث عبد الله بن أبي بكر هذا أكثر من اختلافهم عنه في إسناد يحيى بن سعيد هذا وقد ذكرنا ذلك في باب عبد الله بن أبي بكر .
وروى ابن جريج وحماد بن زيد وابن عيينة عن يحيى بن سعيد هذا الحديث فقالوا فيه عن محمد بن يحيى عن أبي عمرة كما قال ابن وهب ومصعب وقالت فيه طائفة عن ابن أبي عمرة وكان عند أكثر شيوخنا في الموطأ عن يحيى في هذا الحديث توفي رجل يوم حنين وهو وهم إنما هو يوم خيبر وعلى ذلك جماعة الرواة وهو الصحيح والدليل على صحته قوله فوجدنا خرزات من خرزات يهود ولم يكن بحنين يهود والله أعلم .

(23/286)


وأما قوله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث صلوا على صاحبكم فإن ذلك كان كالتشديد بغير الميت من أجل أن الميت قد غل لينتهي الناس عن الغلول لما رأوا من ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة على من غل وكانت صلاته على من صلى عليه رحمة فلهذا لم يصل عليه عقوبة له وتشديدا لغيره والله أعلم .
وفي قوله صلى الله عليه وسلم "صلوا على صاحبكم" دليل على أن الذنوب لا تخرج المذنب عن الأيمان لأنه لو كفر بغلوله كما زعمت الخوارج لم يكن ليأمر بالصلاة عليه فإن الكافر والمشرك لا يصلي عليه المسلمون لا أهل الفضل ولا غيرهم ويجوز أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم علم أن ذلك الميت قد كان غل بوحي من الله ويجوز بغير ذلك والله أعلم .
وقد ذكرنا أحكام الغلول وعقوبة الغال وما للعلماء في ذلك كله ممهدا في باب ثور بن زيد من هذا الكتاب والحمد لله وبه التوفيق .

(23/287)


الحديث الثاني و الثلاثون
...
حديث ثان ثلاثون ليحيى بن سعيد
مالك عن يحيى بن سعيد عن محمد بن يحيى بن حبان عن ابن محيريز أن رجلا من بني كنانة يدعى المخدجي سمع رجلا بالشام يكنى أبا محمد يقول إن الوتر واجب قال المخدجي فرحت إلى عبادة بن الصامت فاعترضت له وهو رائح إلى المسجد فأخبرته بالذي قال أبو محمد قال عبادة كذب أبو محمد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "خمس صلوات كتبهن الله عز وجل على العباد فمن جاء بهن لم يضيع منهن شيئا استخفافا بحقهن كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة ومن لم يأت بهن فليس له عند الله عهد إن شاء عذبه وإن شاء أدخله الجنة"
لم يختلف عن مالك في إسناد هذا الحديث فهو حديث صحيح ثابت رواه عن محمد بن يحيى بن حبان جماعة منهم يحيى بن سعيد وعبد ربه بن سعيد ومحمد بن إسحاق وعقيل بن خالد ومحمد بن عجلان وغيرهم بهذا الإسناد ومعناه سواء إلا أن ابن عجلان وعقيلا لم يذكرا المخدجي في إسناده فيما روى الليث عنهما.

(23/288)


ورواه الليث أيضا عن يحيى بن سعيد كما رواه مالك سواء وإنما قلنا إنه حديث ثابت لأنه روي عن عبادة من طرق ثابتة صحاح من غير طريق المخدجي بمثل رواية المخدجي فأما ابن محيريز فهو عبد الله بن محيريز وهو من جلة التابعين وهو معدود في الشاميين يروي عن معاذ بن جبل وأبي سعيد الخدري ومعاوية وأبي محذورة وغيرهم توفي في خلافة الوليد بن عبد الملك وأما المخدجي فإنه لا يعرف بغير هذا الحديث وقال مالك المخدجي لقب وليس بنسب في شيء من قبائل العرب وقيل إن المخدجي اسمه رفيع ذكر ذلك عن يحيى بن معين .
وأما أبو محمد في قال إنه مسعود بن أوس الأنصاري وي قال سعد بن أوس وي قال إنه بدري وقد ذكرناه في الصحابة .
وفي هذا الحديث من الفقه دليل على ما كان القوم عليه من البحث عن العلم والاجتهاد في الوقوف على الصحة منه وطلب الحجة وترك التقليد المؤدي إلى ذهاب العلم .
وفيه دليل على أن السلف من قال بوجوب الوتر وهو مذهب أبي حنيفة وقد ذكرنا وجه قوله والحجة عليه في غير موضع من كتابنا هذا والحمد لله.

(23/289)


وقد روى أبو عصمة نوح بن أبي مريم عن أبان بن أبي عياش عن عكرمة عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "الوتر علي فريضة وهو لكم تطوع والأضحى علي فريضة وهو لكم تطوع والغسل يوم الجمعة علي فريضة وهو لكم تطوع" وهذا حديث منكر لا أصل له ونوح بن أبي مريم ضعيف متروك وي قال اسم أبيه أبي مريم يزيد بن جعدبة وكان نوح أبو عصمة هذا قاضي مرو مجتمع على ضعفه وكذلك أبان بن أبي عياش مجتمع على ضعفه وترك حديثه .
وفيه أن الصلوات المكتوبات المفترضات خمس لا غير وهذا محفوظ في غير هذا محفوظ في غير ما حديث وفيه دليل على أن من لم يصل من المسلمين في مشيئة الله إذا كان موحدا مؤمنا بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم مصدقا مقرا وإن لم يعمل وهذا يرد قول المعتزلة والخوارج بأسرها ألا ترى أن المقر بالإسلام في حين دخوله فيه يكون مسلما قبل الدخول في عمل الصلاة وصوم رمضان بإقراره واعتقاده وعقدة نيته فمن جهة النظر لا يجب أن يكون كافرا إلا برفع ما كان به مسلما وهو الجحود لما كان قد أقر به واعتقده والله أعلم .
وقد ذكرنا اختلاف العلماء في قتل من أبى من عمل الصلاة إذا كان بها مقرا في باب زيد بن أسلم من هذا الكتاب والحمد لله .

(23/290)


حدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن إسماعيل الترمذي قال حدثنا الحميدي قال حدثنا سفيان بن عيينة قال حدثني يحيى بن سعيد ومحمد بن عجلان عن محمد بن يحيى بن حبان عن عبد الله بن محيريز عن المخدجي قال قيل لعبادة بن الصامت إن أبا محمد يقول الوتر واجب قال وكان أبو محمد رجلا من الأنصار فقال عبادة كذب أبو محمد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "خمس صلوات كتبهن الله على العباد في اليوم والليلة فمن أتى بهن لم ينتقص من حقهن شيئا استخفافا بهن كان حقا على الله أن يدخله الجنة ومن لم يأت بهن فليس له عند الله عهد إن شاء غفر له وإن شاء عذبه" .
وروى زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن عبد الله بن الصنابحي قال زعم أبو محمد أن الوتر فرض واجب فقال عبادة بن الصامت كذب أبو محمد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "خمس صلوات افترضهن الله من أحسن وضوءهن وصلاهن لوقتهن وأتم ركوعهن وسجودهن كان له عند الله عهد أن يغفر له وإن لم يفعل جاء وليس له عند الله عهد إن شاء عذبه وإن شاء غفر له ".
حدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا محمد بن حرب الواسطي قال حدثنا يزيد بن هارون قال أخبرنا محمد بن مطرف عن زيد بن أسلم فذكره.

(23/291)


حدثنا أحمد بن قاسم قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا الحارث بن أبي أسامة قال حدثنا محمد بن عمر الواقدي قال حدثنا عبد الحميد بن جعفر عن أبيه عن عبد الرحمن بن أبي عمرة النجاري أنه سأل عبادة بن الصامت عن الوتر قال أمر حسن جميل وقد عمل به رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون بعده وليس بواجب قال وكان عبادة يوتر بثلاث وربما خرج والمؤذن يقيم فأمر المؤذن أن يجلس حتى يوتر ويقيم .
وحدثنا خلف بن القاسم قال حدثنا عبد الله بن جعفر بن الورد قال حدثنا يوسف بن موسى بن عبد الله الأودي حدثنا عبد الله بن حنين حدثنا يوسف بن أسباط عن السري بن إسماعيل عن الشعبي عن كعب بن عجرة قال "خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أتدرون ما قال ربكم قال قلنا الله ورسوله أعلم قال يقول من صلى الصلاة لوقتها ولم يضيعها استخفافا بحقها فله علي أن أدخل الجنة ومن لم يصلها لوقتها وضيعها استخفافا بحقها فلا عهد له علي إن شئت غفرت له وإن شئت عذبته".
أخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن وعبد الرحمن بن عبد الله بن خالد قالا حدثنا أحمد بن جعفر بن حمدان ببغداد قال حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال حدثنا أبي قال حدثنا هشيم قال حدثنا عيسى بن المسيب البجلي عن الشعبي عن

(23/292)


كعب بن عجرة قال "بينما نحن جلوس في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم مسندي ظهورنا إلى قبلة مسجده سبعة رهط أربعة من موالينا وثلاثة من عربنا إذ خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم لصلاة الظهر حتى انتهى إلينا فقال ما يجلسكم ههنا قلنا يا رسول الله ننتظر الصلاة قال فأرم قليلا ثم رفع رأسه فقال أتدرون ما يقول ربكم تبارك وتعالى يقول من صلى الصلاة لوقتها وحافظ عليها ولم يضيعها استخفافا بحقها فله علي عهد أن أدخله الجنة ومن لم يصلها لوقتها ولم يحافظ عليها وضيعها استخفافا بحقها فلا عهد له إن شئت عذبته وإن شئت غفرت له" .
قال أبو عمر:
ذهبت طائفة من أهل العلم إلى أن معنى حديث عبادة المذكور في هذا الباب ومعنى حديث كعب بن عجرة هذا أن التضييع للصلاة الذي لايكون معه لفاعله المسلم عند الله عهد هو أن لا يقيم حدودها من مراعاة وقت وطهارة وتمام ركوع وسجود ونحو ذلك وهو مع ذلك يصليها ولا يمتنع من القيام بها في وقتها وغير وقتها إلا أنه لا يحافط على أوقاتها قالوا فأما من تركها أصلا ولم يصلها فهو كافر قالوا وترك الصلاة كفر واحتجوا بآثار منها حديث أبي الزبير وأبي سفيان عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال "بين العبد وبين الكفر ترك الصلاة" وما كان في معنى هذه الآثار قد ذكرناها

(23/293)


في باب زيد بن أسلم عند ذكرنا اختلاف العلماء في أحكام تارك الصلاة هنالك فلا معنى لذكر ذلك ههنا .
أخبرنا أبو ذر عبد بن حمد فيما أجاز لنا قال حدثنا محمد بن عبد الله بن خميرويه قال أخبرنا محمد بن عبد الرحمن السامي حدثنا أحمد بن أبي رجاء حدثنا عبد الوهاب الثقفي عن أيوب عن محمد بن سيرين قال نبئت أن أبا بكر وعمر كانا يعلمان من دخل في الإسلام "تؤمن بالله ولا تشرك به شيئا وتقيم الصلاة التي افترض الله عليك لمواقيتها فإن في تفريطها الهلكة وتؤدي الزكاة طيب النفس بها وتصوم رمضان وتحج البيت وتطيع لمن ولاه الله أمرك وتعمل لله ولا تعمل للناس" ومما احتجوا به في أن معنى حديث عبادة في هذا الباب تضييع الوقت وشبهه ما حدثناه عبد الوارث بن سفيان حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا الحسن بن علي الأشناني حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن زريق حدثنا بقية بن الوليد عن ضبارة بن عبد الله عن دويد بن نافع عن الزهري عن سعيد بن المسيب أن أبا قتادة بن ربعي أخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "إن الله تبارك وتعالى افترض على أمتي خمس صلوات وعهد عنده عهدا من حافظ عليهن لوقتهن أدخله الله الجنة ومن لم يحافظ عليهن فلا عهد له عنده ".
وذكر إسماعيل قال حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير قال حدثنا حفص عن الأعمش عن أبي الضحى عن مسروق قال كل شيء في القرآن ساهون ودائمون وحافظون فعلى مواقيتها.

(23/294)


قال وحدثنا ابن نمير قال حدثني أبي قال حدثنا الأعمش عن مسلم عن مسروق قال الحفاظ على الصلاة الصلاة لوقتها والسهو عنها ترك وقتها .
وعن عبد الله بن مسعود مثل ذلك وقد ذكرنا خبر ابن مسعود في باب زيد بن أسلم .
وأصح شيء في هذا الباب من جهة النظر ومن جهة الأثر أن تارك الصلاة إذا كان مقرا بها غير جاحد ولا مستكبر فاسق مرتكب لكبيرة موبقة من الكبائر الموبقات وهو مع ذلك في مشيئة الله عز وجل إن شاء غفر له وإن شاء عذبه فإنه لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء وقد يكون الكفر يطلق على من لم يخرج من الإسلام ألا ترى إلى قوله صلى الله عليه وسلم في النساء "رأيتهن أكثر أهل النار بكفرهن قيل يا رسول الله أيكفرن بالله قال يكفرن بالعشير ويكفرن الإحسان".
فأطلق عليهن اسم الكفر لكفرهن العشير والإحسان وقد يسمى كافر النعمة كافرا وأصل الكفر التغطية للشيء ألم تسمع قول لبيد .
في ليلة كفر النجوم غمامها .
فيحتمل والله أعلم إطلاق الكفر على تارك الصلاة أن يكون معناه أن تركه الصلاة غطى إيمانه وغيبه حتى صار غالبا عليه وهو مع ذلك مؤمن باعتقاده ومعلوم أن من صلى صلاته وإن لم يحافظ على أوقاتها أحسن حالا ممن لم يصلها أصلا وإن كان مقرا بها.

(23/295)


حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن إسماعيل الترمذي قال حدثنا أبو صالح قال حدثني الليث قال حدثني يزيد بن أبي حبيب عن أبي الخير عن الصنابحي عن عبادة بن الصامت أنه قال "إني من النقباء الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال بايعناه على أن لا نشرك بالله شيئا ولا نسرق ولا نزني ولا نقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا ننتهب ولا نعصي فالجنة إن فعلنا ذلك فإن غشينا من ذلك شيئا كان أمر ذلك إلى الله" .
وحدثنا عبد الوارث قال حدثنا قاسم قال حدثنا محمد بن إسماعيل الترمذي قال حدثنا أبو توبة الربيع بن نافع قال حدثنا محمد بن مهاجر عن عروة بن رويم عن أبي حاجب عن عبادة بن الصامت قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "من مات يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله وجبت له الجنة ".
وحدثنا عبد الوارث قال حدثنا قاسم قال حدثنا أحمد بن محمد البرتي ومحمد بن غالب التمتام قالا حدثنا أبو حذيفة قال حدثنا أبو مسلم عن عثمان بن عبد الله بن أوس قال سمعت أوس بن عبد الله يقول سمعت عبادة بن الصامت يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "من لقي الله لا يشرك به شيئا دخل الجنة".

(23/296)


وحدثنا عبد الوارث قال حدثنا قاسم قال حدثنا الترمذي قال حدثنا سعيد بن الحكم بن أبي مريم حدثنا يحيى بن أيوب قال حدثني محمد بن عجلان عن محمد بن يحيى بن حبان عن عبد الله بن محيريز الجمحي عن الصنابحي أنه قال "دخلت على عبادة بن الصامت وهو في الموت فلما رأيت ما به من العلز بكيت فقال ما يبكيك فوالله لئن شفعت لأشفعن لك ولئن سئلت لأشهدن لك ولئن استطعت لأنفعنك والله ما كتمتك حديثا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا حديثا واحدا سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "من لقي الله يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل الجنة" .
قال أبو عمر:
محمل هذه الأحاديث بعد القصاص والعفو أن يكون آخرا من الموحدين إلى الجنة والحمد لله .
وحدثنا عبد الوارث قال حدثنا قاسم قال حدثنا بكر بن حماد قال حدثنا مسدد قال حدثنا حماد بن زيد وعبد الواحد وهشيم ويزيد بن زريع قالوا حدثنا خالد الحذاء عن أبي قلابة عن أبي أسماء عن عبادة قال "أخذ علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في البيعة حيث أخذ على النساء أن لا نشرك بالله شيئا ولا نزني ولا نسرق ولا نقتل أولادنا ولا بعضنا بعضا ولا نعصي في معروف فمن أتى منكم حدا في الدنيا فعجلت له عقوبته فهو كفارته ومن أخر ذلك عنه فأمره إلى الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له".

(23/297)


وحدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن إسماعيل الترمذي قال حدثنا الحميدي قال حدثنا سفيان قال سمعت الزهري يقول حدثني أبو إدريس الخولاني أنه سمع عبادة بن الصامت يقول كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم في مجلس فقال "تبايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئا ولا تسرقوا ولا تزنوا الآية فمن وفى منكم فأجره على الله ومن أصاب من ذلك شيئا فستره الله عليه فذلك إلى الله إن شاء غفر له وإن شاء عذبه".
قال سفيان كنا عند الزهري فلما حدث بهذا الحديث أشار علي أبو بكر الهذلي أن أحفظه فكتبته فلما قدم الزهري أخبرت به أبا بكر .
قال أبو عمر:
قوله في حديث ابن شهاب هذا ومن أصاب من ذلك شيئا يريد مما في الحدود ما عدا الشرك وقد بان ذلك في الحديث الذي قبل هذا وذلك مقيد بقول الله عز وجل {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} ومقيد بالإجماع على أن من مات مشركا فليس في المشيئة ولكنه في النار وعذاب الله أجارنا الله وعصمنا برحمته من كل ما يقود إلى عذابه.

(23/298)


أخبرنا أحمد بن قاسم قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا الحارث بن أبي أسامة قال حدثنا معلى بن الوليد بن عبد الله العبسي وحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا مضر بن محمد قال حدثنا الحكم بن موسى قالا حدثنا مبشر بن إسماعيل الحلبي عن الأوزاعي عن عمير بن هانى ء عن جنادة بن أبي أمية عن عبادة بن الصامت قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله زاد الحكم وأن الجنة حق وأن النار حق وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور ثم اتفقا وأن عيسى بن مريم عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه أدخله الله الجنة على ما كان من عمل" وقال الحكم من عمله .
وذكر الطحاوي قال حدثنا فهد بن سليمان قال حدثنا عمرو بن عون الواسطي قال حدثنا جعفر بن سليمان عن عاصم عن شفيق عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال "أمر بعبد من عباد الله عز وجل أن يضرب في قبره بمائة جلدة فلم يزل يسأل الله ويدعوه حتى صارت جلدة واحدة فجلد جلدة واحدة فامتلأ قبره عليه نارا فلما ارتفع عنه أفاق فقال علام جلدتموني قالوا إنك صليت صلاة بغير طهور ومررت على مظلوم فلم تنصره".

(23/299)


قال الطحاوي وفي هذا ما يدل على أن تارك الصلاة ليس بكافر لأن من صلى صلاة بغير طهور فلم يصل وقد أجيبت دعوته ولو كان كافرا ما سمعت دعوته لأن الله يقول {وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ} واحتج أيضا بقوله صلى الله عليه وسلم "الذي يترك صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله" قال فلو كان كافرا لكان القصد إلى ذكر ما ذهب من أيمانه لا إلى ذهاب أهله وماله .
ومعلوم أن ما زاد على صلاة واحدة من الصلوات في حكم الصلاة الواحدة ألا ترى أن تاركها عامدا حتى يخرج وقتها يستتاب على الوجوه التي ذكرنا عن العلماء على مذاهبهم في ذلك في باب زيد بن أسلم وجملة القول في هذا الباب أن من لم يحافظ على أوقات الصلوات لم يحافظ على الصلوات كما أن من لم يحافظ على كمال وضوئها وتمام ركوعها وسجودها فليس بمحافظ عليها ومن لم يحافظ عليها فقد ضيعها ومن ضيعها فهو لما سواها أضيع كما أن من حفظها وحافظ عليها حفظ دينه ولا دين لمن لا صلاة له ورحم الله أبا العتاهية حيث يقول:
أقم الصلاة لوقتها بطهورها ... ومن الضلال تفاوت الميقات
قال أبو عمر:
إنما ذكرت أحاديث هذا الباب وإن كان فيها للمرجئة تعلق لأن المعتزلة أنكرت الحديث المروي في قوله "ومن لم يأت بهن فليس له عند الله عهد إن شاء عذبه وإن شاء غفر له وقالت من لم يأت

(23/300)


بهن فهو في النار مخلد".
فردت الحديث المأثور في ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم من نقل العدول الثقات وأنكرت ما أشبهه من تلك الأحاديث ودفعت قول الله عز وجل {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} فضلت وأضلت فذكرنا في هذا الباب من الآثار ما يضارع هذه الآية حجة عليهم والحمد لله.

(23/301)


الحديث الثالث و الثلاثون
...
حديث ثالث وثلاثون ليحيى بن سعيد
مالك عن يحيى بن سعيد عن محمد بن يحيى بن حبان عن عمه واسع بن حبان عن عبد الله بن عمر أنه كان يقول "إن ناسا يقولون إذا قعدت على حاجتك فلا تستقبل القبلة ولا بيت المقدس قال عبد الله لقد ارتقيت على ظهر بيت لنا فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم على لبنتين مستقبلا بيت المقدس لحاجته" .
لم يختلف عن مالك في هذا الحديث وتابعه على لفظه في هذا الحديث عبد الوهاب الثقفي وسليم بن بلال ذكره المروزي عن إسحاق عن عبد الوهاب وعن القعنبي عن سليمان كلاهما عن يحيى بن سعيد بإسناده هذا مثل حديث مالك في استقبال بيت المقدس خاصة لا زيادة .
ورواه جماعة عن يحيى بن سعيد بإسناده فقالوا فيه على لبنتين يقضي حاجته نحو القبلة وربما زاد بعضهم أو بيت المقدس .
ورواه عبيد الله بن عمر عن محمد بن يحيى بن حبان عن عمه عن بن عمر قال فيه "رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسا لحاجته مستقبل بيت المقدس مستدبر الكعبة" .
وفي هذا الحديث أن قوما يقولون لا تستقبل الكعبة ولا بيت المقدس لحاجة الإنسان ومن قال ذلك في بيت المقدس من العلماء ابن سيرين ومجاهد وإبراهيم وقد ذكرنا ما للفقهاء من المذاهب في هذا الباب في باب إسحاق والحمد لله .

(23/302)


الحديث الرابع و الثلاثون
...
حديث رابع وثلاثون ليحيى بن سعيد
مالك عن يحيى بن سعيد عن محمد بن يحيى بن حبان أن عبدا سرق وديا من حائط رجل فغرسه في حائط سيده فخرج صاحب الودي يلتمس وديه فوجده فاستعدى على العبد مروان بن الحكم فسجن مروان العبد وأراد قطع يده فانطلق سيد العبد إلى رافع بن خديج فسأله عن ذلك فأخبره أنه سمع رسول الله يقول " لا قطع في ثمر ولا في كثر والكثر الجمار" .
قال الرجل فإن مروان بن الحكم أخذ غلاما لي وهو يريد قطعه فأنا أحب أن تمشي معي إليه فتخبره بالذي سمعت من رسول الله فمعشى معه رافع إلى مرون بن الحكم فقال أخذت غلاما لهذا فقال نعم قال فما أنت صانع به قال أردت قطع يده فقال له رافع سمعت رسول الله يقول "لا قطع في ثمر ولا في كثر" فأمر مروان بالعبد فأرسل
قال أبو عمر:
هذا حديث منقطع لأن محمد بن يحيى لم يسمعه من رافع بن خديج وقد رواه ابن عيينة عن يحيى بن سعيد عن محمد بن يحيى بن حبان عن عمه واسع بن حبان عن رافع بن خديج فإن صح

(23/303)


هذا فهو متصل مسند صحيح ولكن قد خولف ابن عيينة في ذلك ولم يتابع عليه إلا ما رواه حماد بن دليل المدائني عن شعبة فإنه رواه عن شعبة عن يحيى بن سعيد عن محمد بن يحيى بن حبان عن عمه عن رافع بن خديج .
وأما غير حماد بن دليل فإنما رواه عن شعبة عن يحيى عن محمد عن رافع كما رواه مالك وكذلك رواه الثوري وحماد بن زيد وحماد بن سلمة وأبو عوانة ويزيد بن هارون وأبو خالد الأحمر وعبد الوارث بن سعيد وأبو معاوية كلهم عن يحيى بن سعيد عن محمد بن يحيى بن حبان عن رافع بن خديج .
ورواه ابن جريج وأبو أسامة والليث بن سعد على اختلاف عنه عن يحيى بن سعيد عن محمد بن يحيى بن حبان عن رجل من قومه عن رافع بن خديج .
ورواه بشر بن المفضل عن يحيى بن سعيد عن محمد بن يحيى بن حبان عن رجل من قومه عن عمه عن رافع بن خديج .
ورواه الليث عن يحيى بن سعيد عن محمد بن يحيى بن حبان عن عمة له أن غلاما سرق وديا وساق الحديث .
ورواه الدراوردي عن يحيى بن سعيد عن محمد بن يحيى بن حبان عن أبي ميمون عن رافع بن خديج فأما رواية ابن عيينة فحدثنا سعيد بن نصر وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثنا قاسم بن

(23/304)


أصبغ قال حدثنا محمد بن إسماعيل قال حدثنا الحميدي قال حدثنا سفيان عن يحيى بن سعيد عن محمد بن يحيى بن حبان عن عمه واسع بن حبان أن عبدا سرق وديا من حائط فجاء به فغرسه في حائط أهله فأتى به مروان بن الحكم فأراد أن يقطعه فشهد رافع بن خديج أن رسول الله قال "لاقطع في ثمر ولا كثر" فأرسله مرون .
قال الحميدي قال لنا سفيان أخبرنا عبد الكريم قال اسم الذي سرق الودي فيل .
قال الحميدي فقيل لسفيان ليس يقول أحد في هذا الحديث عن عمه فقال هكذا حفظي قال الحميدي فقال لي أبو زيد المدائني حماد بن دليل أثبت عليه فإن شعبة كذا حدثنا عن يحيى بن سعيد عن محمد بن يحيى بن حبان عن عمه .
وقال أحمد بن زهير سمعت يحيى بن معين يقول حماد بن دليل ليس به بأس كان على المدائن قاضيا ولا أدري من أين أصله .
وأما حديث شعبة من غير رواية حماد بن دليل فحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن عبد السلام قال حدثنا محمد بن بشار قال حدثنا ابن أبي عدي عن شعبة عن يحيى بن سعيد عن محمد بن يحيى بن حبان قال: سرق

(23/305)


غلام من الأنصار نخلا صغارا فأتى به مرون فأمر به أن يقطع فقال رافع بن خديج سمعت رسول الله يقول "لا يقطع السارق في ثمر ولا كثر" فقلت ليحيى ما الكثر قال الجمار فضربه وحبسه .
وأما رواية الثوري فحدثنا أحمد بن قاسم بن عبد الرحمن قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا الحرث بن أبي أسامة قال حدثنا أبو نعيم قال حدثنا سفيان عن يحيى بن سعيد عن محمد بن يحيى بن حبان عن رافع بن خديج قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا قطع في ثمر ولا كثر".
وأما رواية حماد بن زيد فحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا بكر بن حماد قال حدثنا مسدد قال حدثنا حماد عن يحيى بن سعيد عن محمد بن يحيى بن حبان أن غلاما لعمه واسع بن حبان سرق وديا من أرض جار له فغرسه في أرضه فرفع إلى مرون فأمر بقطعه فأتى مولاه رافع بن خديج فذكر ذلك له فقال لا قطع عليه فقال له تعال معي إلى مرون فجاء به فحدثه أن رسول الله قال "لا قطع في ثمر ولا كثر" فدرأ عنه القطع
وأما رواية أبي أسامة فأخبرنا عبد الله بن محمد قال حدثنا حمزة بن محمد قال حدثنا أحمد بن شعيب قال أخبرنا الحسين بن منصور حدثنا أبو أسامة حدثنا يحيى بن سعيد عن محمد بن

(23/306)


يحيى بن حبان عن رجل من قومه عن رافع بن خديج قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "لا قطع في ثمر ولا كثر" .
وأما رواية بشر بن المفضل فأخبرنا محمد بن إبراهيم قال حدثنا محمد بن معاوية قال حدثنا أحمد بن شعيب قال أخبرنا عمرو بن علي قال حدثنا بشر بن المفضل حدثنا يحيى بن سعيد عن محمد بن يحيى بن حبان أن رجلا من قومه حدثه عن عمة له أن رافع بن خديج قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "لا قطع في ثمر ولا كثر ".
ورواه يزيد بن هارون عن يحيى بن سعيد عن محمد بن يحيى بن حبان أنه أخبره أن غلاما لعمه يقال له فيل أسود سرق وديا لرجل فأتى به مرون بن الحكم فأراد أن يقطعه فقال له رافع سمعت رسول الله يقول "لا قطع في ثمر ولا كثر" فأرسله مروان فباعه أو نفاه .
وأخبرنا قاسم بن محمد قال حدثنا خالد بن سعد قال حدثنا محمد بن فطيس قال أخبرنا عمران بن موسى قال حدثنا مسدد بن مسرهد قال حدثنا أبو عوانة قال كنت عند أبي حنيفة فأتاه رسول صاحب الشرطة فقال أرسلني إليك فلان يعني صاحب الشرطة أتى برجل سرق وديا من أرض قوم فقال إن كان قيمة الودي عشرة

(23/307)


دراهم فاقطعه فقلت له يا أبا حنيفة حدثنا يحيى بن سعيد عن محمد بن يحيى بن حبان عن رافع بن خديج أن رسول الله قال "لا قطع في ثمر ولا كثر" قال ما تقول قلت نعم أرسل فى إثر الرسول فإني أخاف أن يقطع الرجل فقال قد مضى الحكم فقطع الرجل .
قال أبو عمر:
هذا لا يصح عن أبي حنيفة لأن مذهبه المشهور عنه أنه لا قطع في ثمر ولا كثر ولا في أصل شجرة يقلع ولا في كل ما يبقى من الطعام ويخشى فساده لأنه عندهم في معنى الثمر المعلق .
واختلف الفقهاء في هذا الباب فقال مالك لا قطع في كثر والكثر الجمار ولا قطع في النخلة الصغيرة ولا الكبيرة ومن قلع نخلة أو قطعها من حائط فليس فيها قطع قال ولا قطع في ثمر الأشجار ولا في الزرع ولا في الماشية فإذا أوى الجرين الزرع أو الثمر وأوى المراح الغنم فعلى من سرق من ذلك قيمة ربع دينار القطع .
قال ابن المواز من سرق نخلة أو ثمرة في دار رجل قطع بخلاف ثمر شجر الحائط والجنان.

(23/308)


قال أبو عمر:
لم يختلف قول مالك وأصحابه أن القطع واجب على من سرق رطبا أو فاكهة رطبة إذا بلغت قيمتها ثلاث دراهم وسرقت من حرز وهو قول الشافعي لحديث عثمان أنه قطع سارقا سرق أترجة قومت بثلاثة دراهم قال مالك وهي الأترجة التي يأكلها الناس .
قال أبو عمر:
وهذا يدل على أن القطع واجب في الثمر الرطب صلح أن ييبس أو لم يصلح لأن الأترج لا ييبس .
وقال أشهب يقطع سارق النخلة المطروحة في الجنان المحروسة وقال ابن القاسم لا يقطع .
وقال الثوري إذا كانت الثمرة في رؤوس النخل أو في شجرها فليس فيه قطع ولكن يعزر .
وقال عطاء يعزر ويغرم ولا قطع عليه إلا فيما أحرز الجرين .
وقال الشافعي الحوائط ليست بحرز للنخل ولا للثمر لأن أكثرها مباح يدخل من جوانب الحائط حيث شاء فمن سرق من حائط شيئا من شجرة أو ثمر معلق لم يقطع فإذا أواه الجرين قطع .
قال الشافعي وذلك الذي تعرفه العامة عندنا أن الجرين حرز للثمر والحائط ليس بحرز .
وقال أبو حنيفة وأصحابه في الثمر يسرق من رؤوس النخل والشجر أو السنبل من قبل أن يحصد فلا قطع في شيء من ذلك.

(23/309)


وسواء كان الحائط قد استوثق منه وحظر أو لم يكن لأنه بلغنا أن رسول الله قال "لا قطع في ثمر ولا كثر" قالوا وكذلك النخلة تسرق بأصلها والشجرة تسرق بأصلها لا قطع في شيء من ذلك .
وقال أبو ثور إذا سرق ثمر نخل أو شجر أو عنب كرم وذلك الثمر قائم في أصله وكان محروزا فبلغ قيمة المسروق من ذلك ما تقطع فيه اليد قطعت يده وذلك أن هذا كله ملك لمالكه لا يحل أخذه وعلى من استهلكه قيمته في قول جماعة أهل العلم لا أعلمهم اختلفوا في ذلك فلذلك رأينا على من سرق من ذلك ما يوجب القطع القطع .
قال أبو عمر:
لأهل العلم في تأويل حديث هذا الباب قولان أحدهما أن المعنى المقصود إليه بهذا الحديث جنس الثمر والكثر من غير مراعاة حرز فمن ذهب إلى هذا المذهب لم ير القطع على سارق سرق من الثمر كله وأجناس الفواكه والطعام الذي لا يبقى ولا يؤمن فساده كثيرا كانت السرقة من ذلك كله أو قليلا من حرز كانت من غير حرز قالوا وهذا معنى حديث هذا الباب لأنه لو أراد ما لم يكن محروزا ما كان لذكر الثمر وتخصيصه فائدة هذا كله قول أبي حنيفة وأصحابه .
والقول الآخر أن المعنى المقصود بهذا الحديث الحرز وفيه بيان أن الحوائط ليست بحرز للثمار حتى يأويها الجرين وما لم يكن في الجرين فليست محروزة .

(23/310)


وقد قيل إن الحديث إنما قصد به حوائط المدينة خاصة لأنها حوائط لا حيطان لها وما كان لها حيطان منها فهي حيطان لا تمنع لقصرها من أراد الوصول إلى ما داخلها فهذا ما في هذا الحديث من المذاهب لمن استعمله ولم يدفعه وقد دفعته فرقة ولم تقل به .
قال أبو عمر:
قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث البراء بن عازب أنه قضى بأن على أهل الحوائط حفظها وحرزها بالنهار وقضى بأن لا قطع في ثمر فخرج ما في الحيطان والأجنة من الثمار بذلك من حكم الحرز في سقوط القطع كما خرج المقدار المعتبر في المسروق بالسنة عن جملة وجوب القطع على عموم الآية في السراق والسارقات والله أعلم .
وذكر محمد بن الحسين الخرقي الحنبلي في مختصره على مذهب أحمد بن حنبل قال وإذا سرق السارق ربع دينار من الذهب أو ثلاثة دراهم من الورق أو قيمة ثلاثة دراهم من العروض كلها طعاما كان أو غيره وأخرجه من الحرز فعليه القطع ما لم يكن ثمرا ولا كثرا.

(23/311)


وذكر إسحاق بن منصور قال سمعت أحمد بن حنبل يقول القطع فيما أوى الجرين أو المراح قال والمراح للغنم والجرين للثمار قال وقال إسحاق يعني بن راهويه كما قال أحمد .
قال أبو عمر:
ذكر ابن خواز أن أحمد بن حنبل وأهل الظاهر وطائفة من أهل الحديث لا يعتبرون الحرز في السرقة ويقولون إن كل سارق سرق ما يجب فيه القطع من حرز ومن غير حرز .
قال أبو عمر:
هذا غير صحيح عن أحمد بن حنبل والصحيح ما ذكرنا عنه في هذا الباب مما ذكره الخرقي وإسحاق بن منصور على ما ذكرنا .
وقال الأثرم سمعت أحمد بن حنبل يذهب إلى حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم فيمن سرق الثمر المعلق أنه لا قطع فيه حتى يأويه الجرين وأن عليه غرامة مثليه .
واحتج أيضا بحديث عمر في ناقة المدني .
قال أبو عمر:
حديث عمرو بن شعيب أصل عند جمهور أهل العلم في مراعاة الحرز واعتباره في القطع حدثناه عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا

(23/312)


الليث عن ابن عجلان عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن عبد الله بن عمرو بن العاصي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن الثمر المعلق قال ما أصاب منه من ذي حاجة غير متخذ خبئه فلا شيء عليه ومن خرج بشيء منه فعليه غرامة مثليه والعقوبة ومن سرق منه شيئا بعد أن يؤويه الجرين فبلغ ثمن المجن فعليه القطع .
قال أبو عبيد الثمر المعلق هو الذي في رؤوس النخل لم يجذ ولم يحرز في الجرين .
قال أبو عمر:
وكذلك سائر ما في رؤوس الأشجار من سائر الثمار قال أبو عبيد والجرين يسميه أهل العراق البيدر ويسميه أهل الشام الأندر ويسمى بالبصرة الجودان ويقال بالحجاز المربد .
قال أبو عبيد والودي النخل الصغار وأكثرها جمار النخل في كلام العرب .
قال أبو عمر:
أما داود وأهل الظاهر فذهبوا إلى قطع كل سارق تلزمه الحدود إذا سرق ما يجب فيه القطع من حرز ومن غير حرز على عموم قول الله عز وجل وظاهره في السارق والسارقة وظاهر قول النبي صلى الله عليه وسلم "القطع في ربع دينار فصاعدا" ولم يذكر الحرز وضعف داود حديث عمرو بن شعيب .

(23/313)


وحدث رافع بن خديج وشذ في ذلك عن جمهور الفقهاء كما شذ أهل البدع في قطع كل سارق قليلا أو كثيرا من حرز ومن غيره والذي عليه جمهور العلماء القول بهذين الحديثين على ما ذكرنا عنهم وكذلك لا أعلم أحدا قال بتضعيف القيمة غير أحمد بن حنبل وسائر العلماء يقولون بالقيمة أو المثل على حسبما ذكرنا في باب نافع من هذا الكتاب .
قال أبو عمر:
قوله في هذ الحديث فعليه غرامة مثليه منسوخ بالقرآن والسنة فالقرآن قول الله عز وجل {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ} .
ولم يقل بمثلي ما عوقبتم له وقضى النبي صلى الله عليه وسلم فيمن أعتق شقصا له في عبد بقيمته قيمة عدل ولم يقل بمثلي قيمته ولا بتضعيف قيمته وقضى في الصحفة بمثليها لا بمثيلها وقد ذكرنا خبر الصحفة في باب نافع وأجمع فقهاء الأمصار على أن لا تضعيف في شيء من الغرامات وأجمعوا على إيجاب المثل على مستهلك المكيلات والموزونات واختلفوا في العروض على ما ذكرناه في باب نافع من هذا الكتاب والحمد لله وبه التوفيق.

(23/314)


الحديث الخامس و الثلاثون
...
حديث خامس وثلاثون ليحيى بن سعيد
يحيى عن محمد بن إبراهيم - أربعة أحاديث:
مالك عن يحيى بن سعيد عن محمد بن إبراهيم بن الحرث التيمي عن أبي حازم التمار عن البياضي "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج على الناس وهم يصلون وقد علت أصواتهم بالقراءة فقال إن المصلي يناجي ربه فلينظر بما يناجيه به ولا يجهر بعضكم على بعض بالقرآن" .
محمد بن إبراهيم بن الحرث هذا هو أحد ثقات أهل المدينة ومحدثيهم معدود في التابعين روي عنه أنه قال رأيت سعد بن أبي وقاص وعبد الله بن عمر يأخذان برمانة المنبر ثم ينصرفان ويكنى أبا عبد الله وهو محمد بن إبراهيم بن الحرث بن خالد بن صخر بن عامر بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة قال الواقدي كان جده الحرث بن خالد من المهاجرين الأولين وتوفي محمد بن إبراهيم سنة عشرين ومائة في خلافة هشام.

(23/315)


وأبو حازم التمار يقال اسمه دينار مولى الأنصار ويقال مولى أبي رهم الأنصاري .
وذكر حبيب عن مالك أن اسم أبي حازم التمار يسار مولى قيس بن سعد بن عبادة .
وأما البياضي فيقولون اسمه فروة بن عمر بن وذفة بن عبيد بن عامر بن بياضة فخذ من الخزرج .
وهذا الحديث معناه في صلاة النافلة إذا كان كل أحد يصلي لنفسه وأما صلاة الفريضة فقد أحكمت السنة سرها وجهرها وأنها خلف إمام الجماعة أبدا هذه سنتها وكان أصل هذا الحديث في صلاة رمضان لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يجمعهم لها إلا على ما قد مضى في باب ابن شهاب عن عروة من أنه صلى بهم ليلة وثانية وثالثة ثم امتنع من الخروج إليهم خشية أن تفرض عليهم .
وقد روي هذا الحديث حماد بن زيد عن يحيى بن سعيد فقال فيه إن ذلك في رمضان .
حدثنا عبد الوارث بن سفيان قراءة مني عليه أن قاسم بن أصبغ حدثهم قال حدثنا بكر بن حماد قال حدثنا مسدد قال حدثنا

(23/316)


حماد بن زيد عن يحيى بن سعيد عن محمد بن إبراهيم عن أبي حازم مولى الأنصار "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان معتكفا في رمضان في قبة على بابها حصير قال وكان الناس يصلون عصبا عصبا قال فلما كان ذات ليلة رفع باب القبة فأطلع رأسه فلما رآه الناس أنصتوا فقال إن المصلي يناجي ربه فلينظر أحدكم ما يناجي به ربه ولا يجهر بعضكم على بعض بالقرآن".
هكذا قال حماد بن زيد في هذا الباب عن يحيى بن سعيد عن محمد عن أبي حازم عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا لم يذكر البياضي كذلك رواه كل من رواه عن حماد بن زيد .
وقد روى هذا الحديث يزيد بن الهادي عن محمد بن إبراهيم عن أبي حازم عن البياضي وعن محمد بن إبراهيم عن عطاء بن يسار عن البياضي حدثناه خلف بن القاسم قال حدثنا الحسن بن الحجاج الطبراني حدثنا الحسين بن محمد المدني حدثنا يحيى بن بكير حدثنا الليث حدثنا ابن الهادي عن محمد بن إبراهيم عن عطاء بن يسار عن رجل من بني بياضة من الأنصار أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول وهو مجاور في المسجد يوما فوعظ الناس وحذرهم ورغبهم ثم قال "ليس مصل يصلي إلا وهو يناجي ربه فلا يجهر بعضكم على بعض بالقرآن".

(23/317)


قال الليث وحدثنا ابن الهادي عن محمد بن إبراهيم عن أبي حازم مولى الغفاريين أنه حدثهم هذا الحديث البياضي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن إسماعيل وعبيد بن عبد الواحد قالا حدثنا ابن أبي مريم قال أخبرنا يحيى بن أيوب وابن لهيعة قالا حدثنا ابن الهادي عن محمد بن إبراهيم عن عطاء بن يسار عن رجل من بني بياضة أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكره سواء إلى آخره .
وقد روى هذا الحديث أبو سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم أخبرنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا الحسن بن علي قال حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن إسماعيل بن أمية عن أبي سلمة عن أبي سعيد قال "اعتكف رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد فسمعهم يجهرون بالقراءة فكشف الستر وقال ألا إن كلكم مناج ربه فلا يؤذين بعضكم بعضا ولا يرفع بعضكم على بعض في القراءة أو قال في الصلاة" ولم يذكر أبو داود حديث البياضي وذكر حديث أبي سعيد هذا .
وقد روى خالد الطحان عن مطرف عن أبي إسحاق عن الحارث عن علي قال "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرفع الرجل صوته بالقرآن".

(23/318)


قبل العشاء وبعدها يغلط أصحابه وهم يصلون وهذا تفرد به خالد الطحان وهو ضعيف وإسناده كله ليس مما يحتج به .
وحديث البياضي وحديث أبي سعيد ثابتان صحيحان والله أعلم والحمد لله وليس فيهما معنى يشكل يحتاج إلى القول فيه إن شاء الله .
وإذا لم يجز للتالي المصلي رفع صوته لئلا يغلط ويخلط على مصل إلى جنبه فالحديث في المسجد مما يخلط على المصلي أولى بذلك وألزم وأمنع وأحرم والله أعلم وإذا نهي المسلم عن أذى أخيه المسلم في عمل البر وتلاوة الكتاب فأذاه في غير ذلك أشد تحريما وقد نظر عبد الله بن عمرو إلى الكعبة فقال والله إن لك لحرمة ولكن المؤمن عند الله أعظم حرمة منك حرم منه عرضه ودمه وماله وأن لا يظن به إلا خير وحسبك بالنهي عن أذى المسلم في المعنى الوارد في هذا الحديث فكيف بما هو أشد من ذلك والله المستعان.

(23/319)


الحديث السادس و الثلاثون
...
حديث سادس وثلاثون ليحيى بن سعيد
مالك عن يحيى بن سعيد عن محمد بن إبراهيم بن الحرث التيمي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي سعيد الخدري قال سمعت رسول الله يقول "يخرج فيكم قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم وصيامكم مع صيامهم وأعمالكم مع أعمالهم يقرؤون القرآن ولا يجاوز حناجرهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية تنظر في النصل فلا ترى شيئا وتنظر في القدح فلا ترى شيئا وتنظر في الريش فلا ترى شيئا وتتمارى في الفوق" .
هذا حديث صحيح الإسناد ثابت وقد روي معناه من وجوه كثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ولم يختلف عن مالك فيما علمت في إسناد هذا الحديث .
ورواه القعنبي عن الدراوردي عن يحيى بن سعيد أن محمد بن إبراهيم أخبره عن أبي سلمة بن عبد الرحمن وعطاء بن يسار أنهما سألا أبا سعيد الخدري عن الحرورية فقالا هل سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكرها فقال لا أدري ما الحرورية ولكني سمعت رسول الله يقول "يخرج في هذه الأمة ولم يقل منها قوم تحقورن صلاتكم مع صلاتهم يقرؤون القرآن لا يجاوز حلوقهم أو

(23/320)


قال حناجرهم يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية فينظر الرامي إلى سهمه ثم إلى نصله ثم إلى رصافه فيتمارى في الفوقة هل علق بها من الدم شيء" ذكره يعقوب بن شيبة قال حدثنا عبد الله بن مسلمة بن قعنب قال حدثنا عبد العزيز الدراوردي عن يحيى بن سعيد فذكره بإسناده إلى آخره كما ذكرناه .
فأما قوله يخرج فيكم فمن هذه اللفظة سميت الخوارج خوارج ومعنى قوله يخرج فيكم يريد فيكم أنفسكم يعني أصحابه أي يخرج عليكم وكذلك خرجت الخوارج ومرقت المارقة في زمن الصحابة رضي الله عنهم وأول من سماهم حرورية علي رضي الله عنه إذ خرجوا مخالفين للمسلمين ناصبين لراية الخلاف والخروج وأما تسمية الناس لهم بالمارقة وبالخوارج فمن أصل ذلك هذا الحديث وهي أسماء مشهورة لهم في الأشعار والأخبار .
قال عبد الله بن قيس الرقيات :
ألا طرقت من آل بثنة طارقه ... على أنها معشوقة الدل عاشقة
تبيت وأرض السوس بيني وبينها ... وسولاب رستاق حمته الأزارقة
إذا نحن شئنا فارقتنا عصابة ... حرورية أضحت من الدين مارقة
"والأزارقة من الخوارج أصحاب نافع بن الأزرق وأتباعه".

(23/321)


والمعنى في هذا الحديث ومثله مما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك عند جماعة أهل العلم المراد به عندهم القوم الذين خرجوا على علي بن أبي طالب يوم النهروان فهم أصل الخوارج وأول خارجة خرجت إلا أن منهم طائفة كانت ممن قصد المدينة يوم الدار في قتل عثمان رحمه الله .
قال أبو عمر:
كان للخوارج مع خروجهم تأويلات في القرآن ومذاهب سوء مفارقة لسلف هذه الأمة من الصحابة والتابعين لهم بإحسان الذين أخذوا الكتاب والسنة عنهم وتفقهوا معهم فخالفوا في تأويلهم ومذاهبهم الصحابة والتابعين وكفروهم وأوجبوا على الحائض الصلاة ودفعوا رجم المحصن الزاني ومنهم من دفع الظهر والعصر وكفروا المسلمين بالمعاصي واستحلوا بالذنوب دماءهم وكان خروجهم فيما زعموا تغيير للمنكر ورد الباطل فكان ما جاءوا به أعظم المنكر وأشد الباطل إلى قبيح مذاهبهم مما قد وقفنا على أكثرها وليس هذا والحمد لله موضع ذكرها فهذا أصل أمر الخوارج وأول خروجهم كان على علي رضي الله عنه فقتلهم بالنهروان ثم يقيت منهم بقايا من أنسابهم ومن غير أنسابهم على مذاهبهم يتناسلون ويعتقدون مذاهبهم وهم بحمد الله مع الجماعة مستترون بسوء مذهبهم.

(23/322)


غير مظهرين لذلك ولا ظاهرين به والحمد لله وكان للقوم صلاة بالليل والنهار وصيام يحتقر الناس أعمالهم عندها وكانوا يتلون القرآن آناء الليل والنهار ولم يكن يتجاوز حناجرهم ولا تراقيهم لأنهم كانوا يتأولونه بغير علم بالسنة المبينة فكانوا قد حرموا فهمه والأجر على تلاوته فهذا والله أعلم معنى قوله لا يجاوز حناجرهم يقول لا ينتفعون بقراءته كما لا ينتفع الآكل والشارب من المأكلون والمشروب بما لا يجاوز حنجرته .
وقد قيل إن معنى ذلك أنهم كانوا يتلونه بألسنتهم ولا تعتقده قلوبهم وهذا إنما هو في المنافقين .
وروى ابن وهب عن سفيان بن عيينة عن عبيد الله بن أبي يزيد قال ذكرت الخوارج واجتهادهم عند ابن عباس وأنا عنده فسمعته يقول ليسوا بأشد اجتهادا من اليهود والنصارى وهم يضلون .
وحدثناه خلف بن قاسم قال حدثنا عبد الله يعني ابن إسحاق الجوهري قال حدثنا أحمد بن محمد بن الحجاج قال حدثنا خالي أبو الربيع قال حدثنا ابن وهب فذكره.

(23/323)


قال أحمد: وحدثنا أحمد بن صالح وعبد الرحمن بن يعقوب وسعيد بن ديسم قالوا حدثنا سفيان بن عيينة عن عبيد الله بن أبي يزيد فذكره .
وكانوا بتكفيرهم الناس لا يقبلون خبر أحد عن النبي صلى الله عليه وسلم فلم يعرفوا لذلك شيئا من سنته وأحكامه المبينة لمجمل كتاب الله والمخبرة عن مراد الله من خطابه في تنزيله بما أراد الله من عباده في شرائعه التي تعبدهم بها وكتاب الله عربي وألفاظه محتملة للمعاني فلا سبيل إلى مراد الله منها إلا ببيان رسوله ألا ترى إلى قول الله عز وجل {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} وألا ترى أن الصلاة والزكاة والحج والصيام وسائر الأحكام إنما جاء ذكرها وفرضها في القرآن مجملا ثم بين النبي صلى الله عليه وسلم أحكامها فمن لم يقبل أخبار العدول عن النبي بذلك ضل وصار في عمياء فلما لم يقبل القوم أخبار الأمة عن نبيها ولم يكن عندهم بنبيهم عدل ولا مؤمن وكفروا عليا وأصحابه فمن دونهم ضلوا وأضلوا ومرقوا من الدين وخالفوا سبيل المؤمنين عافانا الله وعصمنا من الضلال كله برحمته وفضله فإنه قادر على ذلك لا شريك له .
ذكر عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن نافع قال قيل لابن عمر إن نجدة يقول إنك كافر وأراد قتل مولاك إذ لم يقل إنك

(23/324)


كافر فقال عبد الله كذب والله ما كفرت منذ أسلمت قال نافع وكان ابن عمر حين خرج نجدة يرى قتاله .
قال عبد الرزاق وأخبرنا معمر عن ابن طاوس عن أبيه أنه كان يحرض الناس على قتال زريق الحروري فأما قوله "يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم" فالحناجر جمع حنجرة وهي آخر الحلق مما يلي الفم ومنه قول الله عز وجل {وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ} وقيل الحنجرة أعلى الصدر عند طرف الحلقوم .
وأما قوله يمرقون من الدين فالمروق الخروج السريع كما يمرق السهم من الرمية والرمية الطريد من الصيد المرمية وأتت بهاء التأنيث لأنه ذهب مذهب الأسماء التي لم تجيء على مذهب النعت وإن كان فعيل نعتا للمؤنث وهو في تأويل مفعول كان بغير هاء نحو لحية خصيب وكف دهين وشاة رمي لأنها في تأويل مخضوبة ومدهونة ومرمية وقد تجيء فعيل بالهاء وهي في تأويل مفعولة تخرج مخرج الأسماء ولا يذهب بها مذهب النعوت نحو النطيحة والذبيحة والفريسة وأكيلة السبع وهي فعيلة من الرمي لأن كل فاعل يبنى على فعله فالاسم منه فاعل والمفعول منه مفعول كقولك ضرب فهو ضارب والمفعول مضروب والأنثى مضروبة فإذا بنيت الفعل من بنات الياء قلت رمى فهو رام

(23/325)


والمفعول مرمي وكان أصله مرموي حتى يكون على وزن مفعول فاستثقلت العرب ياء قبلها ضمة فقلبت الواو ياء ثم أدغمتها في الياء التي بعدها فصار مرمي فإذا أنثته قلت مرمية وإذا أدخلت عليها الألم واللام قلت المرمية والرمية مثل المقتولة والقتيلة .
قال الشاعر :
والنفس موقوفة والموت غايتها ... نصب الرمية للأحداث ترميها
قال أبو عبيد في قوله كما يخرج السهم من الرمية قال يقول يخرج السهم ولم يتمسك بشيء كما خرج هؤلاء من الإسلام ولم يتمسكوا بشيء .
وقال غيره تتمارى في الفوق أي تشك والتماري الشك وذلك يوجب أن لا يقطع على الخوارج ولا على غيرهم من أهل البدع بالخروج من الإسلام وأن يشك في أمرهم وكل شيء يشك فيه فسبيله التوقف عنه دون القطع عليه
وقال الأخفش شبهه برمية الرامي الشديد الساعد إذا رمى فأنفذ سهمه في جنب الرمية فخرج السهم من الجانب الآخر من شدة رميه وسرعة خروج سهمه فلم يتعلق بالسهم دم ولا فرث فكأن الرامي أخذ ذلك السهم فنظر في النصل وهو الحديدة التي في السهم فلم

(23/326)


ير شيئا يريد من فرث ولا دم ثم نظر في القدح والقدح عود السهم نفسه فلم ير شيئا ونظر في الريش فلم ير شيئا وقوله تتمارى في الفوق الفوق هو الشق الذي يدخل في الوتر أي تشك إن كان إصاب الدم الفوق يقول فكما خرج السهم خاليا نقيا من الفرث والدم لم يتعلق منها شيء فكذلك خرج هؤلاء من الدين يعني الخوارج .
وفي غير حديث مالك ذكر الرعظ وهو مدخل السهم في الزج والرصاف وهو العقب الذي يشد عليه والقذذ وهو الريش واحدتها قذة .
أخبرنا خلف حدثنا عبد الله بن عمر حدثنا أحمد بن محمد بن الحجاج حدثنا أحمد بن صالح قال النصل الحديدة والرصاف العقب والقذذ الريش والنضي السهم كله إلى الريش .
قال أبو عمر:
قد قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج قوم من أمتي إن صحت هذن اللفظة فقد جعلهم من أمته وقد قال قوم معناه من أمتي بدعواهم .

(23/327)


ذكر الحميدي عن ابن عيينة عن ابن جدعان عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "لا تقوم الساعة حتي تقتتل فئتان عظيمتان دعواهما واحدة" فبينما هم كذلك إذ مرقت مارقة كأنما يمرق السهم من الرمية تقتلها أولى الطائفتين بالحق" .
حدثنا أحمد بن محمد حدثنا أحمد بن الفضل حدثنا أبو علي الحسن بن علي الرافقي بإنطاكية سنة ثلاث وعشرين قال حدثنا أحمد بن محمد بن أبي الحناجر قال حدثنا مؤمل بن إسماعيل قال حدثنا مبارك بن فضالة عن علي بن زيد عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "تلتقي من أمتي فئتان عظيمتان دعواهما واحدة فبينا هم كذلك إذ مرقت بينهما مارقة تقتلهم أولى الطائفتين بالحق".
حدثنا أحمد بن قاسم حدثنا محمد بن معاوية حدثنا أبو يعلى محمد بن زهير الأيلي القاضي بالأيلة حدثنا يعقوب بن إسحاق بن زياد القلوسي حدثنا بشير بن عباد الساعدي حدثنا القاسم بن الفضل حدثنا أبو نضرة عن أبي سعيد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "تمرق مارقة عند فرقة من الناس تقتلها أولى الطائفتين بالحق".
حدثنا عبد الوارث بن سفيان قراءة مني عليه أن قاسم بن أصبغ حدثهم قال حدثنا بكر بن حماد قال حدثنا مسدد قال

(23/328)


حدثنا عبد الواحد قال حدثنا مجالد قال حدثنا أبو الوداك قال سمعت أبا سعيد الخدري يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "يخرج قوم من أمتي بعد فرقة من الناس أو عند اختلاف من الناس قوم يقرؤون القرآن كأحسن ما يقرأه الناس ويرعونه كأحسن ما يرعاه الناس يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية يرمي الرجل الصيد فينفذ الفرث والدم فيأخذ السهم فيتمارى أصابه شيء أم لا هم شرار الخلق والخليقة يقتلهم أولى الطائفتين بالله أو أقرب الطائفتين إلى الله".
حدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن وضاح قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا علي بن مسهر عن الشيباني يعني أبا إسحاق عن بشير بن عمرو قال سألت سهل بن حنيف هل سمعت رسول الله يذكر هؤلاء الخوارج قال سمعته وأشار بيده نحو المشرق يقول "يخرج منه قوم يقرؤون القرآن بألسنتهم لا يعدو تراقيهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية" .
وروى ابن وهب عن يونس بن يزيد عن ابن شهاب عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي سعيد الخدري قال بينا نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقسم قسما أتاه ذو الخويصرة وهو رجل من بني تميم فقال يا رسول الله اعدل فقال رسول الله

(23/329)


صلى الله عليه وسلم "ويلك ومن يعدل إذا لم أعدل لقد خبت وخسرت إذا لم أعدل فقال عمر يا رسول الله ائذن لي فيه فأضرب عنقه فقال دعه فإن له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية ينظر إلى نصله فلا يوجد فيه شيء ثم ينظر إلى رصافه فلا يوجد فيه شيء ثم ينظر إلى نضيه فلا يوجد فيه شيء وهو القدح ثم ينظر إلى قذذه فلا يوجد فيه شيء سبق الفرث والدم آيتهم رجل أسود إحدى عضديه مثل ثدي المرأة أو مثل البضعة تدردر يخرجون على حين فرقة من الناس".
قال أبو سعيد فأشهد أني سمعت هذا من رسول الله وأشهد أن علي بن أبي طالب قاتلهم وأنا معه فأمر بذلك الرجل فالتمس فوجد فأتي به حتى نظرت إليه على نعت رسول الله الذي نعت .
وحدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم قال حدثنا ابن وضاح قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا يحيى بن آدم عن سعيد بن عبد العزيز قال حدثنا إسحاق بن راشد عن الزهري عن أبي سلمة عن عبد الرحمن والضحاك بن قيس عن أبي سعيد

(23/330)


الخدري قال "بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم مغنما يوم حنين أتاه رجل من بني تميم يقال له ذو الخويصرة فقال يا رسول الله اعدل قال لقد خبت وخسرت إن لم أعدل فقال عمر يا رسول الله دعني أقتله قال لا إن لهذا أصحابا يخرجون عند اختلاف من الناس يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم أو حناجرهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية آيتهم رجل منهم كأن يده ثدي المرأة أو كأنها بضعة تدردر" فقال أبو سعيد سمعت أذني من رسول الله يوم حنين وبصرت عيني مع علي بن أبي طالب حين قتلهم فنظرت إليه .
وذكر الضحاك في هذا الحديث طائفة عن يونس وعن الأوزاعي عن الزهري وطائفة تقول فيه الضحاك المشرقي وطائفة تقول الضحاك بن مزاحم ولم يذكره معمر .
وروى ابن وهب عن عمرو بن الحارث عن بكير بن عبد الله بن الأشج عن بسر بن سعيد عن عبيد الله بن أبي رافع مولى رسول الله أن الحرورية لما خرجت وهو مع علي بن أبي طالب فقالوا لا حكم إلا لله فقال علي كلمة حق أريد بها باطل إن رسول الله وصف أناسا إني لأعرف صفتهم في هؤلاء يقولون الحق بألسنتهم لا يجاوز هذا منهم وأشار إلى حلقه من أبغض خلق الله إليه منهم أوسد إحدى يديه كطبي شاة وحلمة ثدي فلما قتلهم

(23/331)


علي بن أبي طالب قال انظروا انظروا فلم يجدوا شيئا فقال ارجعوا فوالله ما كذبت ولا كذبت مرتين أو ثلاثا ثم وجدوه في خربة فأتوا به حتى وضعوه بين يديه فقال عبيد الله أنا حاضر ذلك من أمرهم وقول علي فيهم قال بكير بن الأشج وحدثني رجل عن إبراهيم بن حنين أنه قال رأيت ذلك الأسود .
قال أبو عمر:
قوله يخرج وقوله إن لهذا أصحابا يخرجون عند اختلاف من الناس يدل على أنهم لم يكونوا خرجوا بعد وأنهم يخرجون فيهم وقد استدل بنحو هذا الاستدلال من زعم أن ذا الخويصرة ليس ذا الثدية والله أعلم .
ويحتمل قوله إن لهذا أصحابا يريد على مذهبه وإن لم يكونوا ممن صحبه كما يقال لأتباع الشافعي وأتباع مالك وأتباع أبي حنيفة وغيرهم من الفقهاء فيمن تبعهم على مذاهبهم هؤلاء أصحاب فلان وهذا من أصحاب فلان والله أعلم .
ويقال إن ذا الخويصرة اسمه حرقوص وروى عن محمد بن كعب القرظي أنه قال حرقوص بن زهير هو ذو الثدية وهو الذي قال للنبي صلى الله عليه وسلم ما عدلت .
وذكر المدائني عن نعيم بن حكيم عن أبي مريم قصة ذي الثدية بتمامها وطولها وقال يقال له نافع ذو الثدية .

(23/332)


وذكر عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي سعيد الخدري قال "بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم قسما إذ جاء ابن أبي الخويصرة فقال اعدل يا محمد قال "ويلك إذا لم أعدل فمن يعدل قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن له أصحابا يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية فيهم رجل إحدى يديه أو على يديه مثل ثدي المرأة أو مثل البضعة تدردر يخرجون على حين فترة من الناس" قال فنزلت فيهم {وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ} .
قال أبو سعيد أشهد أني سمعت هذا الحديث من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأشهد أن عليا قتلهم وأنا حين قتلهم معه حتى أتى الرجل على النعت الذي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم .
أخبرنا عبد الوارث بن سفيان وسعيد بن نصر قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا إسماعيل بن إسحاق قال حدثنا محمد بن كثير قال حدثنا سفيان وحدثنا عبد الوارث قال حدثنا قاسم قال حدثنا أحمد بن زهير حدثنا علي بن الجعد حدثنا زهير جميعا عن الأعمش عن خيثمة عن سويد بن غفلة عن علي بن أبي طالب قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "يكون قوم في آخر الزمان سفهاء

(23/333)


الأحلام يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية فإنما لقيتهم فاقتلهم فإن قتلهم أجر لمن قتلهم".
وروى يحيى بن آدم عن إسرائيل عن محمد بن معن عن الحارث بن مالك قال شهدت مع علي النهروان فلما فرغ منهم قال اطلبوه اطلبوه فطلبوه فلم يقدروا على شيء فأخذه الكرب فرأيت جبينه يتحدر منه العرق ثم وجده فخر ساجدا وقال والله ما كذبت ولا كذبت .
وروينا عن خليفة الطائي قال لما رجعنا من النهروان لقينا العزار الطائي قبل أن ينتهي إلى المدائن فقال لعدي بن حاتم يا أبا طريف أغانم سالم أم ظالم آثم قال بل غانم سالم إن شاء الله قال فالحكم والأمر إذا إليك فقال الأسود بن يزيد والأسود بن قيس المراديان ما أخرج هذا الكلام منك إلا شر وأنا لنعرفك برأي القوم فأتيا به عليا فقالا إن هذا يرى رأي الخوارج وقد قال كذا وكذا قال فما أصنع به قال تقتله قال لا أقتل من لا يخرج علي قال فتحبسه قال ولا أحبسن من ليست له جناية خليا سبيل الرجل .
حدثنا خلف بن قاسم حدثنا عبد الله يعني ابن إسحاق حدثنا أحمد بن محمد بن الحجاج حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير قال حدثني ابن لهيعة قال حدثني بكير بن عبد الله بن الأشج أنه

(23/334)


سأل نافعا كيف كان رأى ابن عمر في الخوارج فقال "كان يقول هم شرار الخلق انطلقوا إلى آيات أنزلت في الكفار فجعلوها على المؤمنين".
وحدثنا خلف بن قاسم حدثنا عبد الله بن إسحاق حدثنا أحمد بن محمد بن الحجاج قال حدثني خالي أبو الربيع وأحمد بن عمرو وأحمد بن صالح قالوا حدثنا ابن وهب قال أخبرني عمرو بن الحرث أن بكير بن الأشج حدثه أنه سأل نافعا كيف كان رأي ابن عمر في الحرورية قال يراهم شرار خلق الله قال إنهم انطلقوا إلى آيات في الكفار فجعلوها على المؤمنين .
وروى حكيم بن جابر وطارق بن شهاب والحسن وغيرهم عن علي بمعنى واحد أنه سئل عن أهل النهروان أكفارهم قال من الكفر فروا قيل فمنافقون هم قال إن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلا .
قيل فما هم قال قوم أصابتهم فتنة فعموا فيها وصموا وبغوا علينا وحاربونا وقاتلونا فقتلناهم .
وروى عنه أن هذا القول كان منه في أصحاب الجمل والله أعلم .
وأخبار الخوارج بالنهروان وقتلهم للرجال والولدان وتكفيرهم الناس واستحلالهم الدماء والأموال مشهور معروف ولأبي زيد عمر ابن شبة في أخبار النهروان وأخبار صفين ديوان كبير من تأمله اشتفى من تلك الأخبار ولغيره في ذلك كتب حسان والله المستعان .

(23/335)


وروى إسرائيل عن مسلم بن عبيد عن أبي الطفيل عن علي في قول الله عز وجل {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً} الآية قال هم أهل النهر .
وروي الثوري عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب أن عتريس بن عرقوب أتى عبد الله بن مسعود فقال يا أبا عبد الرحمن هلك من لم يأمر بالمعروف ولم ينه عن المنكر فقال عبد الله بن مسعود هلك من لم ينكر المنكر بقلبه ولم يعرف المعروف بقلبه .
أخبرنا أحمد بن محمد حدثنا محمد بن عيسى حدثنا بكر بن سهل حدثنا نعيم بن حماد حدثنا وكيع عن مسعر عن عامر بن شقيق عن أبي وائل عن علي قال لم نقاتل أهل النهر على الشرك .
حدثنا نعيم حدثنا وكيع عن ابن أبي خالد عن حكيم بن جابر عن علي مثله .
حدثنا نعيم حدثنا عثمان بن سعيد بن كثير حدثنا هشام بن يحيى الغسابي عن أبيه أن عمر بن عبد العزيز كتب إليه في الخوارج إن كان من رأى القوم أن يسيحوا في الأرض من غير فساد على الأئمة ولا على أحد من أهل الذمة ولا يتناولون أحدا ولا قطع سبيل من سبل المسلمين فليذهبوا حيث شاؤوا وإن كان رأيهم القتال فوالله لو أن أبكاري من ولدي خرجوا رغبة عن جماعة المسلمين لأرقت دماءهم التمس بذلك وجه الله والدار الآخرة.

(23/336)


وذكر ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب قال صاحبت الفتنة الأولى فأدركت رجالا ذوي عدد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ممن شهد بدرا فبلغنا أنهم كانوا يرون أن يهدر أمر الفتنة فلا يقام فيها على رجل قصاص في قتل ولا دم ولا يرون على امرأة سيبت فأصيبت حدا ولا يرون بينها وبين زوجها ملاعنة ومن رماها جلد الحد وترد إلى زوجها بعد أن تعتد من الآخر .
قال ابن شهاب وقالوا لا يضمن مال ذهب إلا أن يوجد شيء بعينه فيرد إلى أهله .
وقال ابن القاسم بلغني أن مالكا قال الدماء موضوعة عنهم وأما الأموال فإن وجد شيء بعينه أخذ وإلا لم يتبعوا بشيء قال ذلك في الخوارج قال ابن القاسم وفرق بين المحاربين وبين الخوارج لأن الخوارج خرجوا واستهلكوا ذلك على تأويل يرون أنه صواب والمحاربون خرجوا فسقا مجونا وخلاعة على غير تأويل فيوضع عن المحارب إذا تاب قبل أن يقدر عليه حد الحرابة ولا توضع عنه حقوق الناس يعني في دم ولا مال .
قال أبو عمر:
قال إسماعيل بن إسحاق رأى مالك قتل الخوارج وأهل القدر من أجل الفساد الداخل في الدين وهو من باب الفساد في الأرض وليس

(23/337)


إفسادهم بدون فساد قطاع الطريق والمحاربين للمسلمين على أموالهم فوجب بذلك قتلهم إلا أنه يرى استتبابتهم لعلهم يراجعون الحق فإن تمادوا قتلوا على إفسادهم لا على كفر .
قال أبو عمر:
هذا قول عامة الفقهاء الذين يرون قتلهم واستتابتهم ومنهم من يقول لا يتعرض لهم باستتابة ولا غيرها ما استتروا ولم يبغوا ويحاربوا وهذا مذهب الشافعي وأبي حنيفة وأصحابهما وجمهور أهل الفقه وكثير من أهل الحديث .
قال الشافعي رحمه الله في كتاب قتال أهل البغي لو أن قوما أظهروا رأي الخوارج وتجنبوا جماعة المسلمين وكفروهم لم تحل بذلك دماؤهم ولا قتالهم لأنهم على حرمة الإيمان حتى يصيروا إلى الحال التي يجوز فيها قتالهم من خروجهم إلى قتال المسلمين وإشهارهم السلاح وامتناعهم من نفوذ الحق عليهم وقال بلغنا أن علي بن أبي طالب بينما هو يخطب إذا سمع تحكيما من ناحية المسجد فقال ما هذا فقيل رجل يقول لا حكم إلا لله فقال علي رحمه الله كلمة حق أريد بها باطل لا نمنعكم مساجد الله أن يذكروا فيها اسم الله ولا نمنعكم الفيء ما كانت أيديكم من أيدينا ولا نبدؤكم بقتال .
قال وكتب عدي إلى عمر بن عبد العزيز أن الخوارج عندنا يسبونك فكتب إليه عمر إن سبوني فسبوهم أو اعفوا عنهم وإن

(23/338)


شهروا السلاح فأشهروا عليهم وإن ضربوا فاضربوا قال الشافعي وبهذا كله نقول فإن قاتلونا على ما وصفنا قاتلناهم فإن انهزموا لم نتبعهم ولم نجهز على جريحهم .
قال أبو عمر:
قول مالك في ذلك ومذهبه عند أصحابه في أن لا يتبع مدبر من الفئة الباغية ولا يجهز على جريح كمذهب الشافعي سواء وكذلك الحكم في قتال أهل القبلة عند جمهور الفقهاء وقال أبو حنيفة إن انهزم الخارجي أو الباغي إلى فئة اتبع وإن انهزم إلى غير فئة لم يتبع .
قال أبو عمر:
أجمع العلماء على أن من شق العصا وفارق الجماعة وشهر على المسلمين السلاح وأخاف السبيل وأفسد بالقتل والسلب فقتلهم وإراقة دمائهم واجب لأن هذا من الفساد العظيم في الأرض والفساد في الأرض موجب لإراقة الدماء بإجماع إلا أن يتوب فاعل ذلك من قبل أن يقدر عليه والانهزام عندهم ضرب من التوبة وكذلك من عجز عن القتال لم يقتل إلا بما وجب عليه قبل ذلك .
ومن أهل الحديث طائفة تراهم كفارا على ظواهر الأحاديث فيهم مثل قوله من حمل علينا السلاح فليس منا ومثل قوله يمرقون من الدين وهي آثار يعارضها غيرها فيمن لا يشرك بالله شيئا ويريد بعمله

(23/339)


وجهه وإن أخطأ في حكمه واجتهاده والنظر يشهد أن الكفر لا يكون إلا بضد الحال التي يكون بها الإيمان لأنهما ضدان وللكلام في هذه المسألة موضع غير هذا وبالله التوفيق .

(23/340)


الحديث السابع و الثلاثون
...
حديث سابع وثلاثون ليحيى بن سعيد
مالك عن يحيى بن سعيد أنه قال أخبرني محمد بن إبراهيم بن الحرث التيمي عن عيسى بن طلحة بن عبيد الله عن عمير بن سلمة الضمري عن البهزي "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج يريد مكة وهو محرم حتى إذا كان بالروحاء إذا حمار وحشي عقير فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال "دعوه فإنه يوشك أن يأتي صاحبه فجاء البهزي وهو صاحبه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله شأنكم بهذا الحمار فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر فقسمه بين الرفاق ثم مضى حتى إذا كان بالأثاية بين الرويثة والعرج إذا ظبي حاقف في ظل شجرة وفيه سهم فزعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر رجلا أن يقف عنده لا يريبه أحد من الناس حتى يجاوزه" .
لم يختلف على مالك في إسناد هذا الحديث واختلف أصحاب يحيى بن سعيد فيه على يحيى بن سعيد فرواه جماعة كما رواه مالك ورواه حماد بن زيد وهشيم ويزيد بن هارون وعلي بن مسهر عن يحيى بن سعيد عن محمد بن إبراهيم عن عيسى بن طلحة عن عمير بن سلمة عن النبي صلى الله عليه وسلم.

(23/341)


قرأت على سعيد بن نصر أن قاسم بن أصبغ حدثهم قال حدثنا عبد الله بن روح المدائني قال حدثنا يزيد بن هارون قال أخبرنا يحيى بن سعيد أن محمدا بن إبراهيم أخبره عن عيسى بن طلحة عن عمير بن سلمة الضمري .
وأخبرنا قاسم بن محمد واللفظ لحديثه قال حدثنا خالد بن سعد قال حدثنا أحمد بن عمرو قال حدثنا محمد بن سنجر قال حدثنا عارم قال حدثنا حماد بن زيد قال حدثني يحيى عن محمد بن إبراهيم بن الحرث التيمي عن عيسى بن طلحة عن عمير بن سلمة الضمري "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقبل أو خرج وهم محرومون حتى إذا كانوا بالروحاء فإذا في بعض أفنائها حمار وحش عقير فقيل يا رسول الله هذا حمار عقير فقال دعوه حتى يأتي طالبه قال فجاء رجل من بهز فقال يا رسول الله أصبت هذا بالأمس فشأنكم به فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر أن يقسم لحمه بين الرفاق قال ثم سار حتى إذا كان بالأثاية بين العرج والرويثة إذا ظبي حاقف في ظل فيه سهم فقيل يا رسول الله هذا ظبي حاقف في ظل فيه سهم قال لا يعرض له حتى يمر آخر الناس فأمر رجلا أن يقيم عنده حتى يمر آخر الناس" .
هكذا قال حماد بن زيد في هذا الحديث عن عمير بن سلمة عن النبي صلى الله عليه وسلم .
وعمير بن سلمة من كبار الصحابة وقد ذكرناه في كتاب الصحابة بما يغني عن

(23/342)


ذكره ههنا فالحديث لعمير بن سلمة عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما قال حماد بن زيد وتابعه على ذلك جماعة منهم هشيم وعلي بن مسهر ويزيد بن هارون وجعله مالك عن عمير عن البهزي عن النبي صلى الله عليه وسلم ومما يدلك على صحة رواية حماد بن زيد ومن تابعه عن يحيى بن سعيد على ما ذكرنا أن يزيد بن الهادي وعبد ربه بن سعيد رويا هذا الحديث عن محمد بن إبراهيم عن عيسى بن طلحة عن عمير بن سلمة الضمري قال خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي حديث يزيد بن الهادي بينما نحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم رواه الليث بن سعد هكذا عن يزيد بن الهادي وقال موسى بن هارون والصحيح عندنا أن هذا الحديث رواه عمير بن سلمة عن النبي صلى الله عليه وسلم ليس بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم فيه أحد قال وذلك بين في رواية يزيد بن الهادي وعبد ربه بن سعيد قال موسى بن هارون ولم يأت ذلك من مالك لأن جماعة رووه عن يحيى بن سعيد كما رواه مالك ولكن إنما جاء ذلك من يحيى بن سعيد كان يرويه أحيانا فيقول فيه عن البهزي وأحيانا لا يقول فيه عن البهزي وأظن المشيخة الأولى كان ذلك جائزا عندهم وليس هو رواية عن فلان وإنما هو عن قصة فلان هذا كله كلام موسى بن هارون .
قال أبو عمر:
البهزي اسمه زيد بن كعب وقد ذكرناه في الصحابة

(23/343)


قال أبو عمر:
الروحاء والأثاية والعرج مواضع ومناهل بين مكة والمدينة وإلى العرج نسب العرجي الشاعر وقيل بل نسب العرجي الشاعر إلى موضع آخر يدعى أيضا بالعرج قرب الطائف كان نزله لأنه كان له به مال .
واسم العرجي الشاعر عبد الله بن عمر بن عمرو بن عثمان بن عفان وهو أشعر بني أمية .
وفي هذا الحديث من الفقه أن كل ما صاد الحلال جائز للمحرم أكله وهذا موضع اختلف العلماء فيه قديما وحديثا واختلفت الآثار فيه أيضا وقد بينا ذلك وأوضحناه في باب ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله وفي باب أبي النضر أيضا من هذا الكتاب والحمد لله .
وفيه أيضا دليل على أن المحرم لا يجوز له أن ينفر الصيد ولا يعين عليه ألا ترى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر رجلا أن يقف عند الظبي الحاقف حتى يجاوزه الناس لا يريبه أحد أي لا يمسه أحد ولا يحركه ولا يهيجه أحد والحاقف الواقف المنثني والمنحني وكل منحن فهو محقوقف وإذا صار رأس الظبي بين يديه إلى رجليه وميل رأسه فهو حاقف ومحقوقف هذا قول الأخفش وقال غيره من أهل اللغة الحاقف الذي قد لجأ إلى حقف وهو ما انعطف من الرمل .

(23/344)


وقال العجاج: سماوة الهلال حتى احقوقف .
يعني انعطف وسماوته شخصه .
وقال أبو عبيد حاقف يعني قد انحنى وتثنى في نومه ويقال للرجل إذا انحنى حقف فهو حاقف قال وأما الأحقاف فجمع حقف ومن ذلك قول الله عز وجل {إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ} .
قال أبو عبيد إنما سميت منازلهم بالأحقاف لأنها كانت بالرمال .
وفي هذا الحديث أيضا من الفقه أن الصائد إذا أثبت الصيد برمحه أو نبله فقد ملكه بذلك إذا كان الصيد لا يمتنع من أجل ذلك الفعل لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم "يوشك أن يأتي صاحبه" وقد استدل قوم بهذا الحديث أيضا على جواز هبة المشاع لقول البهزي للجماعة شأنكم بهذا الحمار ثم قسمه أبو بكر بينهم بأمر من رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وفيه من الفقه جواز أكل الصيد إذا غاب عنه صاحبه أو بات تحته وإذا عرف أنها رميته وليس في حديث مالك ما يدل على أن ذلك الظبي كان قد غاب عن صاحبه ليلة وذلك في حديث حماد بن زيد لقوله فيه أصبت هذا بالأمس .
وقد اختلف الفقهاء في هذا المعنى فقال مالك إذا أدركه الصائد من يومه أكله في الكلب والسهم جميعا وإن كان ميتا إذا كان فيه أثر جرحه وإن كان قد بات عنه لم يأكله .

(23/345)


وقال الثوري إذا غاب عنه يوما وليلة كرهت أكله .
وقال أبو حنيفة وأصحابه إذا توارى عنه الصيد وهو في طلبه فوجده وقد قتله جاز أكله فإن ترك الطلب واشتغل بعمل غيره ثم ذهب في طلبه فوجده مقتولا والكلب عنده كرهنا أكله .
وقال الأوزاعي إذا وجده من الغد ميتا ووجد فيه سهما أو أثرا فليأكله .
و قال الشافعي القياس ألا يأكله إذا غاب عنه .
وروي عن ابن عباس كل ما أصبت ودع ما أنميت يريد كل ما عاينت صيده وموته من سلاحك أو كلبك ودع ما غاب عنك .
وفي حديث أبي رزين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كره أكل ما غاب عنك مصرعه من الصيد وهو حديث مرسل لأنه ليس بأبي رزين العقيلي وإنما هو أبو رزين مولى أبي وائل رواه عنه موسى بن أبي عائشة من حديث الثوري وغيره .
وروى أبو ثعلبة الخشني عن النبي صلى الله عليه وسلم في الذي يدرك صيده بعد ثلاث يأكله ما لم ينتن .
وفي حديث عدي بن حاتم أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصيد يغيب عن صاحبه الليلة والليلتين فقال إذا وجدت فيه سهمك ولم تجد أثر سبع وعلمت أن سهمك قتله فكله .

(23/346)


وفي حديث هذا الباب رد لقول أبي حنيفة وأصحابه في اشتراطهم التراخي في الطلب لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقل للبهزي هل تراخيت في طلبه وأباح لأصحابه المحرمين ولم يسأله عن ذلك وبالله التوفيق .

(23/347)


الحديث الثامن و الثلاثون
...
حديث ثامن وثلاثون ليحيى بن سعيد
مالك عن يحيى بن سعيد عن محمد بن إبراهيم التيمي أن عائشة أم المؤمنين قالت "كنت نائمة إلى جنب رسول الله صلى الله عليه وسلم ففقدته من الليل فلمسته بيدي فوضعت يدي على قدميه وهو ساجد يقول أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك وبك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك" .
هذا حديث مرسل في الموطأ عند جماعة الرواة لم يختلفوا عن مالك في ذلك وهو يستند من حديث الأعرج عن أبي هريرة عن عائشة ومن حديث عروة عن عائشة من طرق صحاح ثابتة .
حدثني أحمد بن محمد قراءة مني عليه قال حدثنا أحمد بن الفضل الدينوري قال حدثنا محمد بن جرير الطبري قال حدثني ابن عبد الرحيم البرقي قال حدثنا ابن أبي مريم قال أخبرنا يحيى بن أيوب قال حدثني عمارة بن غزية قال سمعت أبا النضر يقول سمعت عروة بن الزبير يقول قالت عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم "فقدت رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان معي على فراشي فوجدته ساجدا راصا عقبيه مستقبلا بأطراف أصابعه القبلة فسمعته يقول أعوذ برضاك من سخطك وبعفوك من عقوبتك وبك منك أثني عليك لا أبلغ كل ما

(23/348)


فيك قالت فلما انصرف قال يا عائشة أخذك شيطانك فقلت أما لك شيطان قال ما من آدمي إلا له شيطان فقلت يا رسول الله وأنت قال وأنا ولكني دعوت الله فأعانني عليه فأسلم" .
حدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن وضاح قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وحدثنا أحمد بن قاسم بن عيسى المقريء قال حدثنا عمر بن إبراهيم المقريء ببغداد قال حدثنا الحسين بن إسماعيل المحاملي قال حدثنا علي بن شعيب وحدثنا خلف بن القاسم الحافظ قال حدثنا سعيد بن عثمان بن السكن الحافظ قال حدثنا الحسين بن إسماعيل قال حدثنا يعقوب الدورقي وعلي بن شعيب ومحمد بن عثمان بن كرامة قالوا حدثنا أبو أسامة قال حدثنا عبيد الله بن عمر عن محمد بن يحيى بن حبان عن عبد الرحمن الأعرج عن أبي هريرة عن عائشة قالت "فقدت رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة من الفراش فالتمسته في البيت وجعلت أطلبه بيدي فوقعت يدي على قدميه وهما منتصبتان" وفي حديث قاسم منصوبتان وهو ساجد فسمعته يقول "أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك" ولفظهم متقارب والمعنى سواء .
وفي هذا الحديث والله أعلم دليل على أن اللمس باليد لا ينقض الطهارة إذا كان لغير شهوة والله أعلم وفي ذلك نظر لأن من العلماء

(23/349)


من لا ينقض الطهارة بملامسة اليد على حال ومنهم من ينقضها بملامسة اليد على كل حال وقد بينا مسألة الملامسة وما للعلماء فيها من المذاهب وما بينهم في ذلك من التنازع وما احتج به كل فريق منهم لمذهبه ومهدنا ذلك وأوضحناه في باب أبي النضر من كتابنا هذا والحمد لله .
وروينا عن مالك أنه قال في قوله في هذا الحديث لا أحصي ثناء عليك يقول وإن اجتهدت في الثناء عليك فلن أحصي نعمك وثناءك وإحسانك .
قال أبو عمر:
في قوله أنت كما أثنيت على نفسك دليل على أنه لا يبلغ وصفه وأنه لا يوصف إلا بما وصف به نفسه تبارك اسمه وتعالى جده ولا إله غيره .
وقد روي عن يحيى بن سعيد من حديث عائشة حديث يوافق حديث هذا الباب في بعض معانيه وهو عندي حديث آخر والله أعلم .
حدثنا أحمد بن محمد قال حدثنا أحمد بن الفضل قال حدثنا محمد بن جرير قال حدثنا محمد بن بشار قال حدثنا يزيد بن هارون قال أخبرنا يحيى بن سعيد عن عبادة بن الوليد بن عبادة أن عائشة ذكرت "أنها فقدت النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة فأتته فإذا هو في المسجد فأدخلت يدها في شعره وانصرفت فقال ما شأنك أقد جاءك

(23/350)


شيطانك قلت أو مالك شيطان قال بلى ولكن الله أعانني عليه فأسلم" .
وحدثنا أحمد بن محمد حدثنا أحمد بن الفضل حدثنا محمد بن جرير حدثنا محمد بن بشار قال حدثنا عبد الوهاب قال سمعت يحيى بن سعيد يقول أخبرني عبادة بن الوليد بن عبادة أنه بلغه "أن عائشة كانت نائمة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ففقدته من الليل فسمعت صوته وهو يصلي قالت فقمت إليه فأدخلت يدي في شعره فمسسته أبه بلل ثم رجعت إلى فراشي ثم إنه سلم فقال أجاءك شيطانك فقلت أما لك شيطان قال بلى ولكن الله أعانني عليه فأسلم".
حدثنا سعيد بن نصر حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا ابن وضاح حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا يزيد بن هارون عن حماد بن سلمة عن هشام بن عمرو عن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام عن علي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في آخر وتره "اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك".

(23/351)


الحديث التاسع و الثلاثون
...
حديث تاسع وثلاثون ليحيى بن سعيد
مالك عن يحيى بن سعيد عن محمد بن إبراهيم عن عبد الرحمن بن أبي عمرة أنه قال "جاء عثمان بن عفان إلى صلاة العشاء فرأى أهل المسجد قليلا فاضطجع في مؤخر المسجد ينتظر الناس أن يكثروا فأتاه ابن أبي عمرة فجلس إليه فسأله من هو فأخبره فقال له ما معك من القرآن فأخبره فقال عثمان "من شهد العشاء فكأنما قام نصف ليلة ومن شهد الصبح فكأنما قام ليلة".
وهذا أيضا لا يكون مثله رأيا ولا يدرك مثل هذا بالرأي وقد روي مرفوعا عن النبي صلى الله عليه وسلم .
ورواه ابن جريج عن يحيى عن سعيد قال أخبرني محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي عن عبد الرحمن بن أبي عمرة قال خرج عثمان إلى العشاء الآخرة فذكر مثل حديث مالك سواء إلى آخره بلفظه ومعناه موقوفا لم يرفعه ذكره عبد الرزاق عن ابن جريج وكذلك رواه عن يحيى بن سعيد موقوفا كما رواه مالك وابن جريج ويزيد بن هارون وعبد الوهاب الثقفي .

(23/352)


ورواه عثمان بن حكيم بن عباد بن حنيف وهو عندهم ثقة لا بأس به وليس كيحيى بن سعيد في الإتقان والجلالة عن محمد بن إبراهيم عن ابن أبي عمرة عن عثمان مرفوعا .
رواه عن عثمان بن حكيم سفيان الثوري وعبد الواحد بن زياد العبدي ذكره عبد الرزاق عن الثوري عن عثمان بن حكيم عن عبد الرحمن بن أبي عمرة عن عثمان بن عفان عن النبي صلى الله عليه وسلم "من صلى العشاء في جماعة فهو كنصف قيام ليلة ومن صلى العشاء والصبح في جماعة فهو كقيام ليلة" .
وأخبرنا عبد الله بن محمد حدثنا محمد بن بكر حدثنا أبو داود حدثنا أحمد بن حنبل حدثنا إسحاق بن يوسف قال حدثنا سفيان عن أبي سهل يعني عثمان بن حكيم قال حدثنا عبد الرحمن بن أبي عمرة عن عثمان بن عفان قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من صلى العشاء في جماعة كان كقيام نصف ليلة ومن صلى العشاء والفجر في جماعة كان كقيام ليلة" هكذا في حديث عثمان بن حكيم هذا المرفوع من صلى العشاء والفجر في جماعة فكأنما قام ليلة .
وفي حديث يحيى بن سعيد من قول عثمان رضي الله عنه من شهد الصبح في جماعة فكأنما قام ليلة لم يذكر معها العشاء.

(23/353)


وكذلك في حديث الشفاء عن عمر بن الخطاب من قوله ذكره مالك عن ابن شهاب عن أبي بكر بن سليمان بن أبي حثمة أن عمر بن الخطاب فقد سليمان بن أبي حثمة في صلاة الصبح وأن عمر غدا إلى السوق ومسكن سليمان بين المسجد والسوق فمر على الشفاء أم سليمان فقال لم أر سليمان في الصبح فقالت أنه بات يصلي فغلبته عيناه فقال عمر "لأن أشهد صلاة الصبح أحب إلي من أن أقوم ليلة" هكذا رواه مالك وخالفه معمر في إسناده والقول في ذلك قول مالك والله أعلم .
ورواه أبو حفص الأبار عن يحيى بن سعيد مرفوعا إلا أنه جعل في موضع العشاء الصبح وفي موضع الصبح العشاء حدثناه أحمد بن محمد حدثنا أحمد بن الفضل حدثنا أحمد بن الحسن الصيرفي حدثنا أبو الربيع الزهراني عن عمر بن عبد الرحمن الأبار عن يحيى بن سعيد عن محمد بن إبراهيم عن عبد الرحمن بن أبي عمرة عن عثمان بن عفان قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "صلاة العشاء في جماعة تعدل قيام ليلة وصلاة الصبح في جماعة تعدل قيام نصف ليلة" .
ذكر عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن سليمان بن أبي حثمة عن الشفاء ابنة عبد الله قالت دخل علي بيتي عمر بن الخطاب فوجد عندي رجلين نائمين فقال ما شأن هذين أما شهدا معنا الصلاة قالت يا أمير المؤمنين صليا مع الناس وكان ذلك في

(23/354)


رمضان فلم يزالا يصليان حتى أصبحا ثم صليا الصبح ثم ناما فقال عمر لأن أصلي الصبح في جماعة أحب إلى من أن أصلي ليلة حتى أصبح .
ليس في هذا الحديث حكم وإنما فيه فضل صلاة الفريضة في جماعة وزعم بعض الناس أن فيه دليلا على جواز صلاة الرجل وحده وإن كانت مفضولة وليس ذلك بالبين في هذا الحديث لأنه يجوز أن يكون صلاها بعد كالفائتة وقد مضى القول في هذه المسألة .

(23/355)


الحديث الأربعون
...
حديث موفي أربعين ليحيى بن سعيد يحيى بن عمرة
مالك عن يحيى بن سعيد قال حدثتني عمرة بنت عبد الرحمن أنها سمعت عائشة أم المؤمنين تقول "خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لخمس ليال بقين من ذي القعدة ولا نرى إلا أنه الحج فلما دنونا من مكة أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم من لم يكن معه هدي إذا طاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة أن يحل قالت عائشة فدخل علينا يوم النحر بلحم بقر فقلت ما هذا قالوا نحر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أزواجه".
قال يحيى بن سعيد فذكرت هذا الحديث للقاسم بن محمد فقال أتتك والله بالحديث على وجهه .
قال أبو عمر:
هذا خلاف رواية عروة عنها لأن عروة يقول عنها خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأهللنا بعمرة وهي حجة واحدة وخروج واحد

(23/356)


وقد تقدم القول في ذلك كله مبسوطا في باب ابن شهاب عن عروة من هذا الكتاب .
وأما قولها فلما دنونا من مكة أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم من لم يكن معه هدي إذا طاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة أن يحل فهذا فسخ الحج في العمرة .
وقد تواترت به الرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم من طرق صحاح من حديث عائشة وغيرها ولم يرو عن النبي صلى الله عليه وسلم شيء يدفعه إلا أن أكثر العلماء يقولون إن ذلك خصوص لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم خاصة واعتلوا بأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أمر أصحابه أن يفسخوا الحج في العمرة ليوري الناس أن العمرة في أشهر الحج جائزة وذلك أن قريشا كانت تراها في أشهر الحج من أفجر الفجور وكانت لا تستجيز ذلك ألبتة وكانت تقول إذا خرج صفر وكانوا يجعلون المحرم صفر وبرأ الدبر وعفا الأثر حلت العمرة لمن اعتمر .
فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه من لم يكن منهم معه هدي أن يفسخ حجه في عمرة ليعلم الناس أنه لا بأس بالعمرة في أشهر الحج .
واعتلوا بقول الله عز وجل {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} وهذا يوجب إتمام الحج على كل من دخل فيه إلا من خص بالسنة الثابتة وهم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم على الوجه الذي ذكرنا واعتلوا بأن عمر بن الخطاب كان يقول "متعتان كانتا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا أنهى عنهما وأعاقب عليهما متعة النساء ومتعة الحج" يعني فسخ

(23/357)


الحج في العمرة ومعلوم أن عمر لم يكن لينهى عن شيء فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم أو أباحه أو أمر به ولا ليعاقب عليه إلا وقد علم أن ذلك إما خصوص وإما منسوخ هذا ما لا شك فيه ذو لب .
واعتلوا أيضا بما روي في ذلك عن أبي ذر وبلال بن الحارث المزني أن ذلك خصوص لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم .
وممن ذهب إلى أن فسخ الحج في العمرة لا يجوز لأحد اليوم وأنه لم يجز لغير أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابهم والثوري والأوزاعي والليث بن سعد في جماعة من التابعين بالحجاز والعراق والشام ومصر وبه قال أبو ثور وإسحاق بن راهويه وأبو عبيد والطبري وهو قول أكثر أهل العلم وكان أحمد بن حنبل وداود بن علي يذهبان إلى أن فسخ الحج في العمرة جائز إلى اليوم ثابت وأن كل من شاء أن يفسخ حجه في عمرة إذا كان ممن لم يسق هديا كان ذلك له اتباعا للآثار التي رويت عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك .
وقال أحمد بن حنبل في فسخ الحج أحاديث ثابتة لا تترك لمثل حديث أبي ذر وحديث بلال بن الحارث وضعفهما وقال من المرقع بن صيفي الذي يرويه عن أبي ذر قال وروي الفسخ عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث جابر وعائشة وأسماء ابنة أبي بكر وابن عباس وأبي موسى الأشعري وأنس بن مالك وسهل بن حنيف

(23/358)


وأبي سعيد الخدري والبراء بن عازب وابن عمر وسبرة الجهني قال أحمد من أهل الحج مفردا أو قرن الحج مع العمرة فإن شاء أن يجعلها عمرة فعل ويفسخ إحرامه في عمرة إن شاء فعل وإن شاء لم يفعل .
واحتج أيضا أحمد ومن ذهب مذهبه بقوله صلى الله عليه وسلم "لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي ولجعلتها عمرة" ويقول سراقة بن جعشم "يا رسول الله علمنا تعليم قوم أسلموا اليوم أعمرتنا هذه لعامنا هذا أم لأبد فقال بل لأبد بل لأبد".
قال أبو عمر:
ليس في هذا حجة لأن قوله صلى الله عليه وسلم "لو استقبلت من أمري ما استدبرت لجعلتها عمرة" إنما معناه لأهللت بعمرة وجعلت إحرامي بعمرة أتمتع بها وإنما في هذا حجة لمن فضل التمتع وأما من أجاز فسخ الحج في العمرة فما له في هذا حجة لاحتمال ما ذكرنا وهو الأظهر فيه .
وأما قوله لسراقة بل للأبد فإنما معناه أن حجته تلك وعمرته ليس عليه ولا على من حج معه غيرها للأبد ولا على أمته غير حجة واحدة أو عمرة واحدة في مذهب من أوجبها في دهره للأبد لا فريضة في الحج غيرها هذا معنى قوله لسراقة والله أعلم.

(23/359)


وذكر عبد الرزاق قال أخبرنا ابن جريج ومعمر عن ابن طاوس عن أبيه قال قدموا بالحج خالصا لا يخالطه شيء وكانوا يرون العمرة في أشهر الحج أفجر الفجور وكانوا يقولون إذا برأ الدبر وعفا الأثر وانسلخ صفر حلت العمرة لمن اعتمر وكانوا يدعون المحرم صفر فلما حج النبي صلى الله عليه وسلم خطبهم فقال "من كان أهل بالحج فليطف بالبيت وبين الصفا والمروة ثم ليحلق أو ليقصر ثم ليحل إلا من كان معه هدي قال فبلغه أنهم يقولون يأمرنا أن نحل فقال لو شعرت ما أهديت نزل الأمر عليه من السماء بعدما طاف بين الصفا والمروة فكلمهم بذلك فقال سراقة يا رسول الله علمنا تعليم قوم أسلموا اليوم عمرتنا هذه لعامنا هذا أم لأبد فقال بل لأبد بل لأبد" .
قال أبو عمر:
يحتمل أن يكون قوله هذا نحو حديث الزهري عن أبي سنان عن ابن عباس أن الأقرع بن حابس سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله الحج في كل عام أو مرة واحدة قال "بل مرة واحدة ومن زاد فهو متطوع".
وروى أبو هريرة وأبو واقد الليثي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لأزواجه في حجة الوداع "هذه ثم ظهور الحصر".
حدثنا أحمد بن قاسم حدثنا عبيد الله بن محمد بن حبابة ببغداد حدثنا البغوي حدثنا جدي حدثنا يزيد بن هارون أخبرنا ابن أبي

(23/360)


ذئب عن صالح مولى التوءمة عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لنسائه في حجة الوداع "هذه ثم ظهور الحصر" .
ورواه صالح بن كيسان عن صالح مولى التوءمة مثله قال بشر بن عمر سألت مالك بن أنس عن صالح مولى التوءمة فقال ليس بثقة .
وذكر عباس عن ابن معين قال هو ثقة ولكنه خرف فمن سمع منه قبل أن يختلط فهو ثبت .
وهو صالح بن نبهان مولى التوءمة بنت أمية بن خلف الجمحي .
وذكر عبد الله بن أحمد بن حنبل لأبيه قول مالك في صالح مولى التوءمة فقال أدركه مالك وقد اختلط ومن سمع منه قديما فلا بأس وقد روى عنه أكابر أهل المدينة وقال أبو حاتم الرازي روى عنه أبو الزناد وزياد بن سعد وعمارة بن غزية والثوري وابن جريج وابن أبي ذئب .
أخبرنا عبد الله حدثنا محمد حدثنا أبو داود حدثنا النفيلي حدثنا عبد العزيز بن محمد عن زيد بن أسلم عن ابن لأبي واقد الليثي عن أبيه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لأزواجه في حجة الوداع "هذه ثم ظهور الحصر".

(23/361)


وروى شعبة عن عبد الملك عن طاوس عن سراقة بن جعشم أنه قال "يا رسول الله أرأيت عمرتنا هذه لعامنا أم للأبد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبد".
وذكر النسائي عن هناد عن عبدة عن ابن أبي عروبة عن مالك ابن دينار عن عطاء عن سراقة قال "تمتعنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلنا ألنا خاصة أم للأبد فقال بل للإبد" وهذا يحتمل أن يكون التمتع المعروف لا فسخ الحج .
وأما حديث بلال بن الحارث المزني فحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا يحيى بن عبد الحميد وأخبرنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم قال حدثنا محمد بن إسماعيل قال حدثنا الحميدي قالا حدثنا عبد العزيز بن محمد الدراوردي عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن الحارث بن بلال المزني عن أبيه قال قلت يا رسول الله "فسخ الحج لنا خاصة أم للناس عامة فقال بل لنا خاصة ".
وحدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن إسماعيل قال حدثنا الحميدي قال حدثنا سفيان عن يحيى ين سعيد عن المرقع عن أبي ذر أنه قال "إنما كان فسخ الحج من رسول الله صلى الله عليه وسلم لنا خاصة".

(23/362)


حدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا النفيلي قال حدثنا عبد العزيز يعني ابن محمد قال أخبرني ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن الحارث بن بلال بن الحارث عن أبيه قال "قلت يا رسول الله فسخ الحج لنا خاصة أم لمن بعدنا قال لكم خاصة ".
وحدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود حدثنا هناد بن السري قال حدثنا محمد بن إسحاق عن عبد الرحمن بن الأسود أن أبا ذر كان يقول فيمن حج ثم فسخها عمرة لم يكن ذلك إلا للركب الذين كانوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وأخبرنا محمد بن إبراهيم قال حدثنا محمد بن معاوية قال حدثنا أحمد بن شعيب قال أخبرنا إسحاق بن إبراهيم عن قال أخبرنا عبد العزيز عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن الحارث بن بلال عن أبيه قال قلت يا رسول الله "أفسخ الحج لنا خاصة أم للناس عامة قال بل لنا خاصة" .
وأخبرنا محمد بن إبراهيم قال أخبرنا محمد بن معاوية قال أخبرنا أحمد بن شعيب قال أخبرنا عمرو بن يزيد عن عبد الرحمن

(23/363)


حدثنا سفيان عن الأعمش وعياش الغامري عن إبراهيم التيمي عن أبيه عن أبي ذر في متعة الحج قال "كانت لنا رخصة".
وأخبرنا محمد بن إبراهيم قال أخبرنا محمد بن معاوية قال أخبرنا أحمد بن شعيب قال أخبرنا بشر بن خالد قال أخبرنا غندر عن شعبة عن سليمان عن إبراهيم التيمي عن أبيه عن أبي ذر قال "كانت المتعة رخصة لنا".
وأخبرنا محمد بن إبراهيم قال أخبرنا محمد بن معاوية قال حدثنا أحمد بن شعيب قال أخبرنا عبد الأعلى بن واصل قال حدثنا أبو أسامة عن وهيب بن خالد قال حدثنا عبد الله بن طاوس عن أبيه عن ابن عباس قال "كانوا يرون أن العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور في الأرض ويجعلون المحرم صفر ويقولون إذا برأ الدبر وعفا الوبر وانسلخ صفر أو قال دخل صفر حلت العمرة لمن اعتمر فقدم النبي صلى الله عليه وسلم صبيحة رابعة مهلين فأمرهم أن يجعلوها عمرة فتعاظم ذلك عندهم فقالوا يا رسول الله أي الحل قال الحل كله".
حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أبو عبيدة بن أحمد قال حدثنا أبو خالد يزيد بن سنان

(23/364)


البصري حدثنا مكي بن إبراهيم حدثنا مالك بن أنس عن نافع عن ابن عمر قال قال عمر "متعتان كانتا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا أنهى عنهما وأعاقب عليهما متعة النساء ومتعة الحج".
وحدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا إسماعيل بن إسحاق قال حدثنا سليمان بن حرب قال حدثنا حماد ابن زيد عن أيوب عن أبي قلابة قال قال عمر فذكر مثله .
قال أبو عمر:
فسخ الحج في العمرة هي المتعة التي كان عمر ينهى عنها في الحج ويعاقب عليها لا التمتع الذي أذن الله ورسوله فيه .
وقال بعض أصحابنا في أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه أن يفسخوا حجهم في عمرة أوضح دليل على أنه لا يجوز إدخال العمرة على الحج لأنه لو جاز ذلك لم يؤمروا بفسخ الحج في العمرة إذ الغرض كان في ذلك أن يريهم صلى الله عليه وسلم جواز العمرة في أشهر الحج لا غير لما كانوا عليه من أن ذلك لا يحل ولا يجوز على ما كانوا عليه في جاهليتهم فأراهم صلى الله عليه وسلم فسخ ذلك وإبطاله بعمل العمرة في أشهر الحج ولو جاز إدخالها على الحج ما احتاج والله أعلم إلى الخروج عما دخل فيه واستئنافه بعد المعنى المذكور والله الموفق للصواب.

(23/365)


وفي قوله "نحر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أزواجه البقر" دليل على أن نحر البقر جائز وعلى جواز ذلك أهل العلم إلا أنهم يستحبون الذبح في البقر لقول الله عز وجل في البقرة {فَذَبَحُوهَا} ولم يقل فنحروها فذبح البقرة ونحرها جائز بالقرآن والسنة والحمد لله .
وقال الشافعي عن مالك في هذا الحديث نحر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أزواجه بقرة ومنهم من يرويه بقرا وقد ذكرنا هذا المعنى في باب مرسل بن شهاب من هذا الكتاب وذكرنا حكم الاشتراك في الهدي هناك وفي باب أبي الزبير فلا وجه لإعادة ذلك ههنا.

(23/366)


الحديث الحادي و الأربعون
...
حديث حاد وأربعون ليحيى بن سعيد
مالك عن يحيى بن سعيد عن عمرة بنت عبد الرحمن بن أسعد بن زرارة الأنصارية أنها أخبرته عن حبيبة بنت سهل "أنها كانت تحت ثابت بن قيس بن شماس وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى الصبح فوجد حبيبة بنت سهل عند بابه في الغلس فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من هذه فقالت أنا حبيبة ابنة سهل يا رسول الله قال ما شأنك قالت لا أنا ولا ثابت بن قيس لزوجها فلما جاء زوجها ثابت بن قيس قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه حبيبة قد ذكرت ما شاء الله أن تذكر فقالت حبيبة يا رسول الله كل ما أعطاني عندي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لثابت خذ منها فأخذ منها وجلست في أهلها" .
لم يختلف على مالك في هذا الحديث وهو حديث صحيح ثابت مسند متصل وهو الأصل في الخلع وفيه إباحة اختلاع المرأة من زوجها بجميع صداقها وفي معنى ذلك جائز أن تختلع منه بأكثر من ذلك وأقل لأنه مالها كما الصداق مالها فجائز الخلع بالقليل والكثير إذا لم يكن الزوج مضرا بها فتفتدي من أجل ضرره.

(23/367)


وأجمع العلماء على إجازة الخلع بالصداق الذي أصدقها إذا لم يكن مضرا بها وخافا ألا يقيما حدود الله واختلفوا في الخلع على أكثر مما أعطاها فذهب مالك والشافعي إلى جواز الخلع بقليل المال وكثيره وبأكثر من الصداق وبمالها كله إذا كان ذلك من قبلها قال مالك لم أزل أسمع إجازة الفدية بأكثر من الصداق لقول الله عز وجل {فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ} ولحديث حبيبة بنت سهل مع ثابت بن قيس قال فإذا كان النشوز من قبلها جاز للزوج ما أخذ منها بالخلع وإن كان أكثر من الصداق إذا رضيت بذلك وكان لم يضر بها فإن كان لخوف ضرره أو لظلم ظلمها أو أضر بها لم يجز له أخذه وإن أخذ شيئا منها على هذا الوجه رده ومضى الخلع عليه .
وقال الشافعي الوجه الذي تحل به الفدية والخلع أن تكون المرأة مانعة لما يجب عليها غير مؤدية حقه كارهة له فتحل الفدية حينئذ للزوج قال الشافعي وإذا حل له أن يأكل ما طابت به نفسا له على غير فراق جاز له أن يأكل ما طابت له به نفسا وتأخذه بالفراق إذا كان ذلك برضاها ولم يضرها .
قال الشافعي والمختلعة لا يلحقها طلاق وإن كانت في العدة وهو قول ابن عباس وابن الزبير .
قال أبو عمر:
وبه قال مالك وهو القياس والنظر لأنها ليست زوجة.

(23/368)


وقال إسماعيل القاضي اختلف الناس فيما يأخذ منها على الخلع فاحتج الذين قالوا يأخذ منها أكثر مما أعطاها بقول الله عز وجل {فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ} قال إسماعيل فإن قال قائل إنما هو معطوف على ما أعطاها من صداق أو بعضه قيل له لو كان كذلك لكان فلا جناح عليهما فيما افتدت به منه أو من ذلك قال وهو بمنزلة من قال لا تضربن فلانا إلا أن تخاف منه فإن خفته فلا جناح عليك فيما صنعت به فهذا إن خافه كان الأمر إليه فيما يفعل به لأنه لو أراد الضرب خاصة لقال من الضرب أو فيما صنعت به منه .
واحتج الذين قالوا لا يحل له من ذلك شيء حتى يراها على فاحشة ب قوله {وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ} .
واحتج الذين قالوا إنه لا يجوز الأخذ إذا كانت الإساءة من قبله بقوله {وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً} الآية هكذا قال إسماعيل قال ومن قال بأن قوله {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ} منسوخ بالآيتين فإن قوله مدفوع بأنه إنما يكون النسخ بالخلاف ولا خلاف في الآيتين للآية الأخرى لأنهما إذا خافا ألا يقيما حدود

(23/369)


الله فقد صار الأمر منهما جميعا والعمل في الآية الأخرى منسوب إلى الزوج خاصة وذلك إرادته لاستبدال زوج مكان زوج ولأن الزوجة إذا خافت ألا تقيم حدود الله فاختلعت منه فقد طابت نفسها بما أعطت وهو قول عامة أهل العلم وذكر حديث حبيبة بنت سهل عن أبي مصعب عن مالك ثم قال حدثنا سليمان بن حرب قال حدثنا حماد بن سلمة عن حميد عن رجاء بن حيوة عن قبيصة بن ذؤيب أنه تلا {فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ}.
قال هو أن يأخذ منها أكثر مما أعطاها .
قال وحدثنا سليمان بن حرب قال حدثنا حماد بن زيد عن هشام بن عروة قال كان أبي يقول إذا جاء الفساد من قبل المرأة حل له الخلع وإن جاء من قبل الرجل فلا ولا نعمة .
قال أبو عمر:
ذكر عبد الرزاق عن معمر عن الزهري قال لا يحل للرجل أن يأخذ من امرأته شيئا من الفدية حتى يكون النشوز من قبلها قيل له وكيف يكون النشوز قال أن تظهر له البغضاء وتسيء عشرته وتظهر له الكراهية وتعصي أمره فإذا فعلت ذلك فقد حل له أن يقبل منها ما أعطاها لا يحل له أكثر مما أعطاها وهو قول أبي حنيفة.

(23/370)


قال أبو عمر:
روي عن علي بن أبي طالب بإسناد منقطع لا يأخذ منها أكثر مما أعطاها وهو قول الحسن وعطاء وطاوس وعن ابن المسيب والشعبي كرها أن يأخذ منها كل ما أعطاها وروي عن ابن عمر وابن عباس أنه لا بأس أن يأخذ منها أكثر مما أعطاها وهو قول عكرمة وإبراهيم ومجاهد وجماعة .
ذكر عبد الرزاق عن ابن جريج عن موسى بن عقبة عن نافع أن ابن عمر جاءته مولاة لامرأته اختلعت من زوجها بكل شيء لها وبكل ثوب عليها فلم ينكر ذلك عبد الله .
وقال عكرمة يأخذ منها حتى قرطها وقال مجاهد وإبراهيم يأخذ منها حتى عقاص رأسها .
واختلفوا في فرقة الخلع فذهب مالك والثوري وأبو حنيفة وأصحابهم إلى أن الخلع تطليقة بائنة وهو أحد قولي الشافعي وأحب إلى المزني .
وقال أحمد وإسحاق الخلع فرقة وليس بطلاق وهو قول داود .
وقال الشافعي في أحد قوليه إن الرجل إذا خلع امرأته فإن نوى بالخلع طلاقا أو سماه فهو طلاق فإن كان سمى واحدة فهي تطليقة بائنة وإن لم ينو طلاقا ولا شيئا لم تقع فرقة .

(23/371)


وقال أبو ثور إذا لم يسم الطلاق فالخلع فرقة وليس بطلاق وأن سمي تطليقة فهي تطليقة فهي تطليقه والزوج أملك برجعتها ما دامت في العدة .
قال أبو عمر:
احتج من لم ير الخلع طلاقا بحديث ابن عيينة عن عمرو عن طاوس عن ابن عباس أن إبراهيم بن سعد بن أبي وقاص سأله فقال رجل طلق امرأته تطليقتين ثم اختلعت منه أيتزوجها قال نعم لينكحها ليس الخلع بطلاق ذكر الله عز وجل الطلاق في أول الآية وآخرها والخلع فيما بين ذلك فليس الخلع بشيء ثم قال {الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} وقرا {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ} .
واحتج من جعل الخلع طلاقا بحديث شعبة عن الحكم عن خيثمة عن عبد الله بن شهاب قال شهدت عمر بن الخطاب أتته المرأة ورجل في خلع فأجازه وقال إنما طلقك بمالك وبحديث مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن جمهان مولى الأسلميين عن أم بكرة الأسلمية أنها اختلعت من زوجها عبد الله بن أسيد ثم أتيا عثمان بن عفان في ذلك فقال هي تطليقة إلا أن تكون سميت فهو كما سميت.

(23/372)


قال إسماعيل وكيف يجوز القول في رجل قالت له امرأته طلقني على ماله فطلقها أنه لا يكون طلاقا وهو لو جعل أمرها بيدها من غير شيء فطلقت نفسها كان طلاقا .
قال فأما قوله {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ} فهو معطوف على {الطَّلاقُ مَرَّتَانِ} لأن قوله {أَوْ تَسْرِيحٌ} إنما يعني به أو تطليق والله أعلم فلو كان الخلع معطوفا على التطليقتين لكان لا يجوز الخلع أصلا إلا بعد تطليقتين وهذا لا ي قوله أحد قال ومثل هذا في القرآن كثير مثل {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلا تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ} .
وهي على كل حال حلق محصر أو غير محصر لأنه لم يخص المحصر كما لم يخص بالفدية من قد طلق تطليقتين بل هي للأزواج كلهم .
واختلف الفقهاء أيضا في عدة المختلعة فقال مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابهم وهو قول أحمد بن حنبل عدة المختلعة كعدة المطلقة فإن كانت ممن تحيض فثلاث حيض وإن كانت من اليائسات فثلاثة أشهر ويروى هذا عن عمر وعلي وابن عمر .
وقال إسحاق وأبو ثور عدة المختلعة حيضة ويروى هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث هشام بن يوسف عن معمر عن عمرو بن

(23/373)


مسلم عن عكرمة عن ابن عباس "أن ثابت بن قيس اختلعت منه امرأته فجعل النبي صلى الله عليه وسلم عدتها حيضة".
حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن إبراهيم بن حيون حدثنا محمد بن عبد الرحيم قال حدثنا علي بن حرب قال حدثنا هشام عن معمر بإسناده .
ورواه عبد الرزاق عن معمر عن عمرو بن مسلم عن عكرمة مرسلا .
وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أيضا من وجه آخر وكلاهما ليس بالقوي حدثناه عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن شاذان قال حدثنا المعلى بن منصور حدثنا ابن لهيعة قال حدثني أبو الأسود عن أبي سلمة بن عبد الرحمن ومحمد بن عبد الرحمن بن ثوبان عن ربيع بنت معوذ قالت "سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر امرأة ثابت بن قيس حين اختلعت منه أن تعتد بحيضة" .
وروي عن عثمان بن عفان رضي الله عنه في ذلك بما حدثناه عبد الرحمن بن يحيى قال حدثنا أحمد بن سعيد قال حدثنا محمد بن زبان حدثنا محمد بن رمح قال حدثنا الليث بن سعد عن نافع أنه سمع الربيع ابنة معوذ بن عفراء تخبر عبد الله بن عمر أنها اختلعت من زوجها في زمان عثمان فجاء معها عمها معاذ بن عفراء إلى

(23/374)


عثمان فقال إن ابنة معوذ اختلعت من زوجها أفتنتقل فقال عثمان تنتقل ولا ميراث بينهما ولا عدة عليها ولكن لا تنكح حتى تحيض حيضة خشية أن يكون بها حمل فقال ابن عمر عثمان خيرنا وأعلمنا .
وفي رواية أيوب وعبيد الله بن عمر في هذا الحديث عن نافع عن ابن عمر ولا نفقة لها .
قال أبو عمر:
في هذا الحديث أحكام وعلوم منها أن عثمان رضي الله عنه أجاز الخلع وعلى ذلك جماعة الناس إلا بكر بن عبد الله المزني فإنه قال إن قوله عز وجل {فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ} منسوخ نسخه قوله {وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً} الآية .
قال عقبة بن أبي الصهباء سألت بكر بن عبد الله المزني عن الرجل يريد أن يخالع امرأته فقال لا يحل له أن يأخذ منها شيئا قلت فأين قول الله عز وجل {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ} قال هي منسوخة قلت وما نسخها قال ما في سورة النساء قوله {وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً أَتَأْخُذُونَهُ} الآية.

(23/375)


قال أبو عمر:
قول بكر هذا خلاف السنة الثابتة في قصة ثابت بن قيس وحبيبة بنت سهل وخلاف جماعة العلماء والفقهاء بالحجاز والعراق والشام وكان ابن سيرين وأبو قلابة يقولان لا يحل للرجل الخلع حتى يجد على بطنها رجلا لأن الله يقول {إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ} .
قال أبو قلابة فإذا كان ذلك جاز له أن يضارها ويشق عليها حتى تختلع منه .
قال أبو عمر:
ليس هذا بشيء لأن له أن يطلقها أو يلاعنها وإما أن يضارها ليأخذ مالها فليس ذلك له .
وفي حديث عثمان أيضا من الفقه إجازة الخلع عند غير السلطان وهو خلاف قول الحسن وزياد وسعيد بن جبير ومحمد بن سيرين قال سعيد بن أبي عروبة قلت لقتادة عمن أخذ الحسن الخلع إلى السلطان قال عن زياد وفيه انه جعله طلاقا خلافا لقول ابن عباس أنه فسخ بغير طلاق وفيه أنه أجازه بالمال ولم يسأل أهو أكثر من صداقها أو أقل على خلاف ما يقول أبو حنيفة والزهري وعطاء ومن تابعهم في أن الخلع لا يكون بأكثر من الصداق وفيه أنه أجاز للمختلعة أن تنتقل فلم يجعل لها سكنى

(23/376)


وجعلها خلافا للمطلقة وهذا خلاف قول مالك والشافعي وأبي حنيفة .
وفيه أنه لم يجعل عدتها عدة المطلقة وجعل عدتها حيضة وبهذا قال إسحاق بن راهويه وأبو ثور وهو قول ابن عباس بلا اختلاف عنه وأحد قولي الشافعي وروي عن ابن عمر مثل ذلك .
وروي عنه أن عدة المختلعة عدة المطلقة رواه مالك وغيره عن نافع عن ابن عمر وهو أصح عن ابن عمر وهو المشهور من قول الشافعي وبه قال سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار وسالم وعروة وعمر بن عبد العزيز والزهري والحسن والنخعي ومالك والأوزاعي وأبو حنيفة وأحمد بن حنبل .
وفيه أن المختلعة أملك لنفسها لا تنكح إلا برضاها خلاف قول أبي ثور .
وفيه دليل على أن المختلعة لا يلحقها طلاق ولا ظهار ولا إيلاء ولا لعان لأنه لم يجعل لها سكنى ولا نفقة ولا يتوارثان وجعلها بخلاف الرجعية وقول أبي حنيفة إنها يلحقها الطلاق خلاف أقاويل الفقهاء وكذلك ما رواه طاوس عن ابن عباس في أن الخلع ليس بطرق شذوذ في الرواية وما احتج به فغير لازم لأن قوله عز وجل {الطَّلاقُ مَرَّتَانِ} عند أهل العلم كلام تام بنفسه وقوله {وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً} حكم مستأنف

(23/377)


فيمن طلقت وفيمن لم تطلق ثم قال {فَإِنْ طَلَّقَهَا} فرجع إلى المعنى الأول في قوله {الطَّلاقُ مَرَّتَانِ} ومثل هذا التقديم والتأخير ودخول قصة على أخرى في القرآن كثير ولطاوس مع جلالته روايتان شاذتان عن ابن عباس هذه إحداهما في الخلع والأخرى في الطلاق الثلاث المجتمعات أنها واحدة .
وروى عن ابن عباس جماعة من أصحابه خلاف ما روى طاوس في طلاق الثلاث أنها لازمة في المدخول بها وغير المدخول بها أنها ثلاث لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره وعلى هذا جماعة العلماء والفقهاء بالحجاز والعراق والشام والمشرق والمغرب من أهل الفقه والحديث وهم الجماعة والحجة وإنما يخالف في ذلك أهل البدع الخشبية وغيرهم من المعتزلة والخوارج عصمنا الله برحمته وذكر إسماعيل القاضي حدثنا علي بن المديني حدثنا سفيان بن عيينة عن ابن أبي نجيح قال تكلم طاوس فقال الخلع ليس بطلاق هو فراق فأنكره عليه أهل مكة فجمع ناسا منهم ابنا عباد وعكرمة بن خالد فاعتذر إليهم من هذا القول وقال إنما ابن عباس قاله .
قال القاضي لا نعلم أحدا من أهل العلم قاله إلا من رواية طاوس .

(23/378)


قال أبو عمر:
قال مالك رحمه الله المختلعة هي التي اختلعت من جميع مالها والمفتدية هي التي افتدت ببعض مالها والمبارئة هي التي بارأت زوجها من قبل أن يدخل بها فقالت قد أبرأتك مما كان يلزمك من صداقي ففارقني قال وكل هذا سواء هي تطليقة بائنة .
قال أبو عمر:
قد تدخل عند غيره من أهل العلم بعض هذه الألفاظ على بعض في قال مختلعة وإن دفعت بعض مالها وكذلك المفتدية ببعض مالها وكل مالها وهذا توجيه اللغة والله أعلم .
قال أبو عمر:
واختلف العلماء في المختلعة هل لزوجها أن يخطبها في عدتها ويراجعها بإذنها ورضاها على حكم النكاح فقال أكثر أهل العلم ذلك جائز له وحده وليس لأحد غيره أن يخطبها في عدتها وهو مذهب مالك والشافعي وجمهور الفقهاء وهو قول سعيد بن المسيب والزهري وعطاء وطاوس والحسن وقتادة وغيرهم .
وقالت طائفة من المتأخرين لا يخطبها في عدتها هو ولا غيره وهو وغيره في نكاحها وعدتها سواء وهذا شذوذ وبالله التوفيق "والعصمة".

(23/379)


الحديث الثاني و الأربعون
...
حديث ثان وأربعون ليحيى بن سعيد
مالك عن يحيى بن سعيد عن عمرة عن عائشة أنها قالت "ما طال علي وما نسيت القطع في ربع دينار فصاعدا".
قال أبو عمر:
هذا حديث مسند بالدليل الصحيح لقول عائشة ما طال علي وما نسيت فكيف وقد رواه الزهري وغيره مسندا وقد رواه الحنيني عن مالك عن الزهري عن عروة عن عمرة عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم مسندا .
وكذلك رواه الأوزاعي عن الزهري عن عروة عن عمرة عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم وهذان الإسنادان عن مالك والأوزاعي ليسا بصحيحين لأن دونهما من لا يحتج به والحديث للزهري عروة وعن عمرة جميعا عن عائشة رواه ابن عيينة وإبراهيم بن سعد وابن مسافر ومعمر عن الزهري عن عمرة عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم "أنه كان يقطع اليد في ربع دينار فصاعدا" .
ورواه يونس بن يزيد عن الزهري عن عروة وعمرة جميعا عن عائشة وهو صحيح عندي للزهري عنهما حدثنا عبد الرحمن بن يحيى قال حدثنا أحمد بن سعيد قال حدثنا محمد بن ريان قال حدثنا أبو الطاهر أحمد بن عمرو

(23/380)


وحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن إسماعيل قال حدثنا الحميدي قالا جميعا حدثنا سفيان بن عيينة قال أبو الطاهر عن الزهري عن عمرة عن عائشة "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقطع السارق في ربع دينار فصاعدا" .
وقال الحميدي قال الزهري قال أخبرتني عمرة بنت عبد الرحمن أنها سمعت عائشة تقول "إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقطع في ربع دينار فصاعدا" .
وحدثنا عبد الوارث قال حدثنا قاسم قال حدثنا محمد بن إسماعيل قال حدثنا الحميدي قال حدثنا سفيان قال حدثنا أربعة عن عمرة عن عائشة لم يرفعوه عبد الله بن أبي بكر ورزيق بن حكيم الأيلي وعبد ربه بن سعيد ويحيى بن سعيد والزهري أحفظهم كلهم إلا أن في حديث يحيى ما دل على الرفع ما نسيت ولا طال علي القطع في ربع دينار فصاعدا .
قال الحميدي وحدثنا عبد العزيز بن أبي حازم قال حدثني يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهادي عن أبي بكر بن محمد بن عمرو ابن حزم عن عمرة بنت عبد الرحمن عن عائشة أنها قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "لا يقطع السارق إلا في ربع دينار فصاعدا" .

(23/381)


فحدثت سفيان حديث ابن أبي حازم هذا فأعجب به وقال الزهري أحفظهم .
حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا مطلب بن شعيب قال حدثني عبد الله بن صالح قال حدثني الليث قال حدثني ابن الهادي عن أبي بكر بن محمد عن عمرة عن عائشة أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "لا يقطع السارق إلا في ربع دينار فصاعدا".
أخبرنا عبد الوارث قال حدثنا قاسم قال حدثنا جعفر بن محمد الصائغ حدثنا سليمان بن داود حدثنا إبراهيم بن سعد عن ابن شهاب عن عمرة عن عائشة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مثله .
أخبرنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا أحمد بن صالح قال حدثنا ابن وهب قال أخبرني يونس عن ابن شهاب عن عروة وعمرة عن عائشة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "القطع في ربع دينار فصاعدا" .
وهكذا هو في موطأ ابن وهب من رواية سحنون وغيره ورواه القاسم بن مبرور عن يونس عن الزهري عن عروة عن عائشة .
قال أبو عمر:
هذا حديث ثابت صحيح وعليه عول أهل الحجاز في مقدار ما تقطع فيه يد السارق ولم يختلفوا أنه يقطع إن سرق من ذهب ربع

(23/382)


دينار فصاعدا وخالفهم أهل العراق على حسبما قد ذكرناه في باب نافع من هذا الكتاب .
واختلف مالك والشافعي في تقويم العروض المسروقة فذهب مالك إلى أنها تقوم بالدراهم وإذا بلغت ثلاثة دراهم كيلا قطع لحديث ابن عمر في قيمة المجن .
وقال الشافعي "لا يقطع إلا أن تبلغ قيمة ما سرق ربع دينار" وهو قول الأوزاعي وداود وقد ذكرنا وجه المذهبين واعتلال الفريقين ومن قال من العلماء بالقولين وغيرهما في باب نافع عن ابن عمر من كتابنا هذا والحمد لله وبه التوفيق.

(23/383)


الحديث الثالث و الأربعون
...
حديث ثالث وأربعون ليحيى بن سعيد
مالك عن يحيى بن سعيد عن عمرة بنت عبد الرحمن "أن بريرة جاءت تستعين عائشة أم المؤمنين فقالت لها عائشة إن أحب أهلك أن أصب لهم صبة واحدة وأعتقك فعلت ويكون لي ولاؤك فذكرت ذلك بريرة لأهلها فقالوا لا إلا أن يكون ولاؤك لنا".
قال مالك قال يحيى فزعمت عمرة أن عائشة ذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال "لا يمنعك ذلك اشتريها وأعتقيها فإنما الولاء لمن أعتق".
قد مضى القول ممهدا مبسوطا في معنى هذا الحديث في باب هشام بن عروة من هذا الكتاب والحمد لله.

(23/384)


الحديث الرابع و الأربعون
...
حديث رابع وأربعون ليحيى بن سعيد
مالك عن يحيى بن سعيد عن عمرة عن عائشة أنها قالت "إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلي الصبح فينصرف النساء متلففات بمروطهن ما يعرفن من الغلس" .
في هذا الحديث التغليس بصلاة الصبح وهو الأفضل عندنا لأنها كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر ألا ترى إلى كتاب عمر إلى أعماله أن صلوا الصبح والنجوم بادية مشتبكة وإلى هذا ذهب مالك والشافعي وأحمد بن حنبل وعامة فقهاء الحجاز وإليه ذهب داود بن علي وقد روينا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر كانوا يغلسون بالصبح فلما قتل عمر أسفر بها عثمان .
ومن حجة من ذهب إلى أن التغليس أفضل من الإسفار بصلاة الصبح حديث أم فروة ذكر عبد الرزاق عن عبيد الله بن عمر العمري عن القاسم بن غنام عن بعض أمهاته أو جداته عن أم فروة وكانت قد بايعت النبي صلى الله عليه وسلم قالت سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الأعمال أفضل قال "الصلاة لأول وقتها".

(23/385)


وذكر أبو داود عن القعنبي ومحمد بن عبد الله الخزاعي جميعا عن العمري عن القاسم بن غنام عن بعض أمهاته عن أم فروة قالت "سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الأعمال أفضل قال الصلاة في أول وقتها" .
وذهب العراقيون قديما وحديثا إلى الإسفار بها وقالوا الإسفار بها أفضل .
واحتج من ذهب مذهبهم بحديث رافع بن خديج عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال "أسفروا بالفجر فإنه أعظم للأجر" وبعضهم يزيد في هذا الحديث أسفروا بالفجر فكلما أسفرتم فهو أعظم للأجر .
حدثنا أحمد بن قاسم حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا الحرث بن أبي أسامة حدثنا أبو نعيم حدثنا سفيان عن ابن عجلان عن عاصم بن عمر بن قتادة عن محمود بن لبيد عن رافع بن خديج قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أسفروا بالفجر فكلما أسفرتم فهو أعظم للأجر" .
قال أبو عمر:
هذا الحديث إنما يدور على عاصم بن عمر وليس بالقوي وذكر عبد الرزاق عن الثوري وابن عيينة عن محمد بن عجلان عن عاصم

(23/386)


ابن عمر بن قتادة عن محمود بن لبيد عن رافع بن خديج قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أسفروا بصلاة الغداة فإنه أعظم لأجركم".
وذكره أبو داود عن إسحاق بن إسماعيل عن ابن عيينة بإسناده مثله إلا أنه قال "أصبحوا بالصبح فإنه أعظم لأجوركم".
وذكره ابن أبي شيبة حدثنا أبو خالد الأحمر عن محمد بن عجلان عن عاصم بن عمر بن قتادة عن محمود بن لبيد عن رافع بن خديج قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أسفروا بالفجر فإنه كلما أسفرتم كان أعظم للأجر" .
وحدثنا وكيع عن هشام عن سعد عن زيد بن أسلم قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أسفروا بالفجر فكلما أسفرتم فهو أعظم للأجر" .
وذكر عبد الرزاق أيضا عن الثوري عن سعيد بن عبيد الطائي عن علي بن ربيعة قال سمعت عليا يقول لمؤذنه أسفر أسفر يعني بصلاة الصبح .
وعن الثوري عن أبي إسحاق عن عبد الرحمن بن يزيد قال كان عبد الله يسفر بصلاة الغداة.

(23/387)


قال أبو عمر:
على مذهب علي وعبد الله في هذا الباب جماعة أصحاب ابن مسعود وهو قول إبراهيم النخعي وطاوس وسعيد بن جبير وإلى ذلك ذهب فقهاء الكوفيين وقد يحتمل أن يكون الإسفار المذكور في حديث رافع بن خديج وفي هذا الحديث عن علي وعبد الله يراد به وضوح الفجر وبيانه فإذا انكشف الفجر فذلك الإسفار المراد والله أعلم .
من ذلك قول العرب أسفرت المرأة عن وجهها إذا كشفته وذلك أن من كان شأنه التغليس جدا لم يؤمن عليه الصلاة قبل الوقت فلهذا قيل لهم أسفروا أي تبينوا وإلى هذا التأويل في الإسفار ذهب جماعة من أهل العلم منهم أحمد وإسحاق وداود .
حدثنا عبيد بن محمد وأحمد بن محمد قالا حدثنا الحسن بن سلمة قال حدثنا عبد الله بن الجارود قال حدثنا إسحاق بن منصور قال قلت لأحمد بن حنبل ما الإسفار فقال الإسفار أن يتضح الفجر فلا تشك فيه أنه قد طلع الفجر قال إسحاق كما قال .
وقال أبو بكر الأثرم قلت لأبي عبد الله يعني أحمد بن حنبل كان أبو نعيم يقول في حديث رافع بن خديج أسفروا بالفجر.

(23/388)


وكلما أسفرتم بها فهو أعظم للأجر فقال نعم كله سواء إنما هو إذا تبين الفجر فقد أسفر .
قال أبو عمر:
على هذا التأويل ينتفي التعارض والتدافع في الأحاديث في هذا الباب وهو أولى ما حملت عليه والأحاديث في التغليس عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه أثبت من جهة النقل وعليها فقهاء الحجاز في صلاة الصبح عند أول الفجر الآخر .
ذكر عبد الرزاق عن ابن جريج قال قلت لعطاء أي حين أحب إليك أن أصلي الصبح إماما وخلوا قال حين ينفجر الفجر الآخر ثم يطول في القراءة والركوع والسجود حتى ينصرف منها وقد تبلج النهار وتتآم الناس قال ولقد بلغني عن عمر بن الخطاب أنه كان يصليها حين ينفجر الفجر الآخر وكان يقرأ في إحدى الركعتين بسورة يوسف .
قال أبو عمر:
إنما ذكرنا ههنا مذاهب العلماء في الأفضل من التغليس بالصبح والإسفار بها وقد ذكرنا أوقات الصلوات مجملة ومفسرة في باب ابن شهاب عن عروة وجرى ذكر وقت صلاة الصبح في مواضع من هذا الكتاب والحمد لله.

(23/389)


وفي هذا الحديث شهود النساء في الصلوات في الجماعة ويؤكد ذلك قوله "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله" .
وسيأتي هذا المعنى مبسوطا ممهدا في باب يحيى عن عمرة عن عائشة قولها لو أدرك النبي صلى الله عليه وسلم ما أحدث النساء بعده لمنعهن المسجد إن شاء الله .
وأما قوله متلففات بالفاء فهي رواية يحيى وتابعه جماعة ورواه كثير منهم متلفعات بالعين والمعنى واحد والمروط أكسية الصوف وقد قيل المرط كساء صوف مربع سداه شعر وفي انصراف النساء من صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم الصبح وهن لا يعرفن من الغلس دليل على أن قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة الصبح لم تكن بالسور الطوال جدا لأنه لو كان ذلك كذلك لم ينصرف إلا مع الإسفار .
وقد أجمع العلماء على أن لا توقيت في القراءة في الصلوات الخمس إلا أنهم يستحبون أن يكون الصبح والظهر أطول قراءة من غيرهما والغلس بقية الليل عند أهل اللغة ومن ذهب إلى هذا جعل آخر الليل طلوع الشمس وضوء الفجر من الشمس والله أعلم .
والغبش بالشين المنقوطة والباء النور المختلط بالظلمة والغلس والغبش سواء إلا أنه لا يكون الغلس إلا في آخر الليل وقد يكون الغبش في أول الليل وفي آخره وأما الغبس بالباء والسين فغلط عندهم وبالله التوفيق.

(23/390)


الحديث الخامس و الأربعون
...
حديث خامس وأربعون ليحيى بن سعيد
مالك عن يحيى بن سعيد عن عمرة عن عائشة أن يهودية جاءت تسألها فقالت أعاذك الله من عذاب القبر فسألت عائشة رسول الله صلى الله عليه وسلم "أيعذب الناس في قبورهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عائذا بالله من ذلك ثم ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات غداة مركبا فخسفت الشمس فرجع ضحى فمر بين ظهري الحجر ثم قام يصلي وقام الناس وراءه فقام قياما طويلا ثم ركع ركوعا طويلا ثم رفع فقام قياما طويلا وهو دون القيام الأول ثم ركع ركوعا طويلا وهو دون الركوع الأول ثم رفع فسجد ثم قام قياما طويلا وهو دون القيام الأول ثم ركع ركوعا طويلا وهو دون الركوع الأول ثم رفع فقام قياما طويلا وهو دون القيام الأول ثم ركع ركوعا طويلا وهو دون الركوع الأول ثم رفع ثم سجد ثم انصرف فقال ما شاء الله أن يقول ثم أمرهم أن يتعوذوا من عذاب القبر".
في هذا الحديث دليل على أن عذاب القبر تعرفه اليهود وذلك والله أعلم في التوراة لأن مثل هذا لا يدرك بالرأي.

(23/391)


وأما صلاة الكسوف فقد مضى القول فيها ممهدا في باب زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن ابن عباس وحديثه عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة وحديثه هذا عن يحيى بن سعيد عن عمرة عن عائشة كلها في صلاة الكسوف بمعنى واحد ركعتين في كل ركعة ركوعان والقول فيها في موضع واحد يغني وقد مضى من القول والأثر في عذاب القبر في باب هشام بن عروة عن فاطمة بنت المنذر عن أسماء من هذا الكتاب ما فيه كفاية .
وأما قوله خسفت الشمس فالخسوف بالخاء عند أهل اللغة ذهاب لونها وأما الكسوف بالكاف فتغير لونها قالوا يقال بئر خسيف إذا غار ماؤها وفلان كاسف اللون متغير اللون إلى السواد .
وقد قيل الخسوف والكسوف بمعنى واحد والله أعلم .
قرأت على خلف بن أحمد بن مطرف حدثهم قال حدثنا أيوب بن سليمان ومحمد بن عمر بن لبابة قالا حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم أبو زيد قال حدثنا عبد الله بن يزيد المقرى ء عن موسى بن علي قال سمعت أبي ليقول كنت عند عمرو بن العاصي بالإسكندرية فكسف بالقمر ليلة فقال رجل من القوم سمعت قسطال هذه المدينة يقول يكسف بالقمر هذه الليلة فقال رجل من الصحابة كذب أعداء الله هذا هم علموا ما في الأرض فما علمهم بما في السماء ولم ير عمرو ذلك كبيرا أو كثيرا ثم قال عمرو إنما الغيب خمس ما

(23/392)


سوى ذلك يعلمه قوم ويجهله آخرون {إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} .
وذكره ابن وهب في جامعه عن موسى بن علي عن أبيه مثله سواء .
قال أبو عمر:
روى مالك وغيره عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال "مفاتيح الغيب خمس" ثم ذكر مثله سواء وبالله التوفيق.

(23/393)


الحديث السادس و الأربعون
...
حديث سادس وأربعون ليحيى بن سعيد
مالك عن يحيى بن سعيد عن عمرة بنت عبد الرحمن عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها قالت "لو أدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أحدث النساء لمنهن المسجد كما منعه نساء بني إسرائيل" قال يحيى بن سعيد فقلت لعمرة "أو منع نساء بني اسرائيل المساجد قالت نعم" .
قال أبو عمر:
"سائر رواة الموطأ يقولون في هذا الحديث لمنعهن المسجد ولم يقل المساجد غير يحيى بن يحيى" .
في هذا الحديث دليل على أن النساء كن يشهدن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة وفيه دليل على أن أحوال الناس تغيرت بعد موت رسول الله صلى الله عليه وسلم نساء ورجالا وروي عن أبي سعيد الخدري أنه قال "ما نفضنا أيدينا عن قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أنكرنا قلوبنا" .
وإن كان في هذا الحديث دليل على أن مشاهدة النساء الصلوات مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن النص في ذلك ثابت مغن عن الاستدلال إلا ترى إلى قول عائشة "إن النساء كن ينصرفن متلففات بمروطهن من صلاة الصبح فما يعرفن من الغلس".

(23/394)


وقد روى معمر والزبيدي وغيرهما عن الزهري عن هند ابنة الحرث وكانت تحت معبد بن المقداد الكندي أخبرته وكانت تدخل على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم "أن أم سلمة أخبرتها أن النساء كن يشهدن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح فينصرفن إلى بيوتهن متلففات في مروطهن ما يعرفن من الغلس" قالت وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا سلم مكث قليلا وكانوا يرون أن ذلك كيما ينفذ النساء قبل الرجال دخل حديث بعضهم في بعض ولا بأس عند جمهور العلماء بمشاهدة المتجالات من النساء ومن لا يخشى عليهن ولا منهن الفتنة والافتتان بين الصلوات وأما الشواب فمكروه ذلك لهن .
وقد ثبت من حديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أذن لهن في مشاهدة الصلوات بالليل لا بالنهار وقال مع ذلك وبيوتهن خير لهن .
حدثنا أحمد بن محمد حدثنا أحمد بن الفضل حدثنا محمد بن جرير حدثنا ابن حميد وابن وكيع قالا حدثنا جرير عن الأعمش عن مجاهد عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ائذنوا للنساء إلى المساجد بالليل" .
قال وحدثنا ابن وكيع ومجاهد بن موسى قالا حدثنا يزيد بن هارون عن العوام بن حوشب عن حبيب بن أبي ثابت عن ابن عمر

(23/395)


قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا تمنعوا نساءكم المساجد وبيوتهن خير لهن" .
قال ابن جرير وحدثنا سوار بن عبد الله بن سوار العنبري قال حدثنا المعتمر بن سليمان عن ليث بن أبي سليم عن مجاهد عن عبد الله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "إذا استأذنكم النساء إلى المساجد بالليل فلا تمنعوهن وليخرجن ثفلات" وسيأتي معنى ثفلات في بلاغات مالك أنه بلغه أن بسر بن سعيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "إذا شهدت إحداكن العشاء فلا تمسن طيبا إن شاء الله" .
أخبرنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا عثمان بن أبي شيبة قال حدثنا جرير وأبو معاوية عن الأعمش عن مجاهد قال قال عبد الله بن عمر قال النبي صلى الله عليه وسلم "ائذنوا للنساء إلى المساجد بالليل" فقال ابن له والله لا نأذن لهن فيتخذنه دغلا والله لا نأذن لهن قال فسبه وغضب وقال أقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ائذنوا لهن وتقول لا نأذن لهن" .
وروى حماد بن زيد عن أيوب عن نافع عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله" ولم يقل بالليل

(23/396)


ولا بالنهار ذكره أبو داود حدثنا سليمان بن حرب حدثنا حماد بن زيد .
وروى محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله ولكن ليخرجن وهن ثفلات" رواه ابن عيينة وحماد بن سلمة وجماعة عن محمد بن عمرو وروى ابن أبي الرجال عن أبيه عن عمرة عن عائشة مثله .
وحدثنا سعيد بن نصر وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن وضاح قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا أبو أسامة قال حدثنا عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال "كانت امرأة لعمر تشهد العشاء والصبح في جماعة في المسجد فقيل لها تخرجين وقد تعلمين أن عمر يكره ذلك ويغار قالت فما يمنعه أن ينهاني قالوا يمنعه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله" .
وحدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا أبو معمر قال حدثنا عبد الوارث قال حدثنا أيوب عن نافع عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لو تركنا هذا الباب للنساء قال فلم يدخل منه ابن عمر حتى مات" .

(23/397)


قال أبو داود رواه إسماعيل بن إبراهيم عن أيوب عن نافع قال قال عمر لو تركنا هذا الباب للنساء فذكره موقوفا عن عمر وهذا أصح .
وحدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا محمد بن المثنى حدثنا عمرو بن عاصم حدثنا همام عن قتادة عن مورق العجلي عن أبي الأحوص عن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في حجرتها وصلاتها في مخدعها أفضل من صلاتها في بيتها" .
حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا هارون بن معروف حدثنا ابن وهب حدثني داود بن قيس عن عبد الله بن سويد الأنصاري عن عمته أم حميد أنها جاءت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت "يا رسول الله إني أحب الصلاة معك قال فقال لها قد علمت أنك تحبين الصلاة معي وصلاتك في بيتك خير لك من صلاتك في حجرتك وصلاتك في حجرتك خير من صلاتك في دارك وصلاتك في دارك خير من صلاتك في مسجد قومك وصلاتك في مسجد قومك خير لك من صلاتك في مسجدي قال فأمرت فبني لها مسجد في أقصى شيء في بيتها وأظلمه فكانت تصلي فيه حتى لقيت الله".

(23/398)


أخبرنا أحمد بن محمد قال حدثنا أحمد بن الفضل قال حدثنا محمد بن جرير قال حدثنا أبو كريب قال حدثنا أبو أسامة قال حدثنا جرير بن أيوب قال حدثنا أبو زرعة قال سمعت أبا هريرة يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "صلاة المرأة في داخلتها وربما قال في مخدعها أعظم لأجرها من أن تصلي في بيتها ولأن تصلي في بيتها أعظم لأجرها من أن تصلي في دارها ولأن تصلي في دارها أعظم لأجرها من أن تصلي في مسجد قومها ولأن تصلي في مسجد قومها أعظم لأجرها من أن تصلي في مسجد الجماعة ولأن تصلي في الجماعة أعظم لأجرها من الخروج يوم الخروج" .
حدثنا عبد الوارث بن سفيان وسعيد بن نصر قالا حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا محمد بن وضاح حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا المعلى بن منصور حدثنا عبد العزيز بن محمد عن أبي اليمان عن شداد بن أبي عمرو بن حماس عن أبيه عن حمزة بن أبي أسيد عن أبيه قال "رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو خارج من المسجد فاختلط النساء بالرجال فقال لا تحفظن الطريق عليكن بحافات الطريق" وذكر تمام الحديث .
حدثنا عبد الوارث حدثنا قاسم حدثنا إبراهيم بن إسحاق النيسابوري حدثنا إسماعيل بن عيسى العطار قال حدثنا سوار بن مصعب عن عطية العوفي عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.

(23/399)


"ليس للنساء نصيب في الخروج وليس لهن نصيب في الطريق إلا في جوانب الطريق" .
حدثنا سعيد بن نصر وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا إسماعيل بن إسحاق حدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس حدثنا أبو شهاب عن ابن أبي ليلى عن عبد الكريم عن عبد الله بن الطيب عن أم سليمان ابنة أبي حكيم أنها قالت "أدركت القواعد يصلين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الفرائض" .
حدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا عثمان بن أبي شيبة قال حدثنا يزيد بن هارون قال أخبرنا العوام بن حوشب قال حدثني حبيب بن أبي ثابت عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا تمنعوا نساءكم المساجد وبيوتهن خير لهن" .
وأخبرنا سعيد بن نصر وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن وضاح قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا يزيد بن هارون قال أخبرني العوام بن حوشب عن حبيب بن أبي ثابت عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا تمنعوا النساء المساجد وبيوتهن خير لهن" قال ابن لعبد الله بن عمر والله لنمنعهن فقال ابن عمر تراني أقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقول لتمنعهن.

(23/400)


حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا مضر بن محمد حدثنا سعيد بن حفص الحراثي حدثنا موسى بن أعين عن عمرو بن الحارث عن أبي السمح عن السائب مولى أم سلمة عن أم سلمة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "خير مساجد النساء قعر بيوتهن" .
حدثنا سعيد بن نصر وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا إسماعيل بن إسحاق حدثنا أبو ثابت حدثنا حاتم بن إسماعيل عن يحيى بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي لبيبة عن جده عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "صلاة المرأة في بيتها خير من صلاتها في حجرتها وصلاتها في حجرتها خير من صلاتها في دارها وصلاتها في دارها خير من صلاتها فيما وراء ذلك" .
قال أبو عمر:
قد أوردنا من الآثار المسندة في هذا الباب ما فيه كفاية وغنى فمن تدبرها وفهمها وقف على فقه هذا الباب .
وأما أقاويل الفقهاء فيه فقال مالك لا يمنع النساء الخروج إلى المساجد فإذا جاء الاستسقاء والعيد فلا أرى بأسا أن تخرج كل امرأة متجالة هذه رواية ابن القاسم عنه .

(23/401)


وروى عنه أشهب قال تخرج المرأة المتجالة إلى المسجد ولا تكثر التردد وتخرج الشابة مرة بعد مرة وكذلك في الجنائز يختلف في ذلك أمر العجوز والشابة في جنائز أهلها وأقاربها .
وقال الثوري ليس للمرأة خير من بيتها وإن كانت عجوزا قال الثوري قال عبد الله المرأة عورة وأقرب ما تكون إلى الله في قعر بيتها فإذا خرجت استشرفها الشيطان .
وقال الثوري أكره اليوم للنساء الخروج إلى العيدين .
و قال ابن المبارك أكره اليوم الخروج للنساء في العيدين فإن أبت المرأة إلا أن تخرج فليأذن لها زوجها أن تخرج في أطهارها ولا تتزين فإن أبت أن تخرج كذلك فللزوج أن يمنعها من ذلك .
وذكر محمد بن الحسن عن أبي يوسف عن أبي حنيفة قال كان النساء يرخص لهن في الخروج إلى العيد فأما اليوم فإني أكرهه قال وأكره لهن شهود الجمعة والصلاة المكتوبة في الجماعة وأرخص للعجوز الكبيرة أن تشهد العشاء والفجر فأما غير ذلك فلا .
وروى بشر بن الوليد عن أبي يوسف عن أبي حنيفة أنه قال خروج النساء في العيدين حسن ولم يكن يرى خروجهن في شيء من الصلوات ما خلا العيدين .
وقال أبو يوسف لا بأس أن تخرج العجوز في الصلوات كلها وأكره ذلك للشابة .

(23/402)


قال أبو عمر:
أقوال الفقهاء في هذا الباب متقاربة المعنى وخيرها قول ابن المبارك لأنه غير مخالف لشيء منها ويشهد له قول عائشة "لو أدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أحدثه النساء لمنعهن المسجد" .
ومع أحوال الناس اليوم ومع فضل صلاة المرأة في بيتها فتدبر ذلك .
حدثنا عبد الوارث بن سفيان حدثنا قاسم حدثنا إبراهيم بن إسحاق النيسابوري حدثنا إسماعيل بن عيسى العطار قال حدثنا سوار بن مصعب عن عطية العوفي عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ليس للنساء نصيب في الخروج وليس لهن نصيب في الطريق إلا في جوانب الطريق" .
حدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا موسى بن إسماعيل قال حدثنا حماد عن أيوب ويونس وحبيب ويحيى بن عتيق وهشام في آخرين عن محمد أن أم عطية قالت "أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نخرج ذوات الخدور يوم العيد قيل فالحيض قال يشهدن الخير ودعوة المسلمين فقالت امرأة يا رسول الله إن لم يكن لإحدانا ثوب كيف تصنع قال تلبسها صاحبتها طائفة من ثوبها" .
قال وحدثنا محمد بن عبيد حدثنا حماد بن زيد حدثنا أيوب عن محمد عن أم عطية بهذا الخبر قال ويعتزل الحيض مصلى المسلمين

(23/403)


قال أبو جعفر الطحاوي يحتمل أن يكون ذلك والمسلمون يومئذ قليل فأريد التكثير بحضورهن إرهابا للعدو واليوم فلا يحتاج إلى ذلك .
أخبرنا قاسم بن محمد قال حدثنا خالد بن سعد حدثنا أحمد بن عمرو وحدثنا ابن سنجر حدثنا ابن نمير حدثنا هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت "خرجت سودة لحاجتها ليلا بعدما ضرب علينا الحجاب وكانت امرأة تفرع النساء جسمة فوافقها عمر فناداها يا سودة إنك والله ما تخفين علينا إذا خرجت فانظري كيف تخرجين فانكفت راجعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فوافقته يتعشى فأخبرته بما قال عمر وإن العرق لفي يده فأوحى الله إليه ثم رفع عنه وإن العرق لفي يده فقال قد أذن لكن أن تخرجن لحاجتكن" .
وذكر مالك عن يحيى بن سعيد أن عاتكة ابنة زيد بن عمرو بن نفيل امرأة عمر بن الخطاب كانت تستأذنه إلى المسجد فيسكت فتقول لأخرجن إلا أن تمنعني .
وأخبرنا أحمد بن عبد الله بن محمد وأحمد بن سعيد بن بشر قالا حدثنا مسلمة بن القاسم قال حدثنا أحمد بن عيسى المقرى ء المعروف بابن الوشا قال حدثنا محمد بن إبراهيم بن زياد مولى بني

(23/404)


هاشم قال حدثنا إبراهيم بن عبد الله الهروي قال حدثنا هشيم بن بشير قال حدثنا رجل من أهل المدينة يقال له محمد بن مجبر عن زيد بن أسلم وعبد الرحمن بن القاسم عن أبيه قال تزوج عبد الله بن أبي بكر الصديق عاتكة ابنة زيد بن عمرو بن نفيل وكانت امرأة جميلة وكان يحبها حبا شديدا فقال له أبو بكر الصديق طلق هذه المرأة فإنها قد شغلتك عن الغزو فأبى وقال:
ومن مثلي في الناس طلق مثلها ... وما مثلها في غير بأس تطلق
قال ثم خرج في بعض المغازي فجاء نعيه فقالت فيه عاتكة :
رزيت بخير الناس بعد نبيهم ... وبعد أبي بكر وما كان قصرا
فآليت لا تنفك عيني حزينة ... عليك ولا ينفك جلدي أغبرا
فلله عينا من رأى مثله فتى ... أعف وأحصى في الهياج وأصبرا
قال فلما انقضت عدتها زارت حفصة ابنة عمر فدخل عمر على حفصة فلما رأت عاتكة عمر قامت فاستترت فنظر إليها عمر فإذا امرأة بارعة ذات خلق وجمال فقال عمر لحفصة من هذه فقالت هذه عاتكة ابنة زيد عمرو بن نفيل فقال عمر اخطبيها علي قال فذكرت حفصة لها ذلك فقالت إن عبد الله بن أبي بكر جعل لي جعلا على أن لا أتزوج بعده فقالت ذلك حفصة لعمر فقال لها عمر مريها فلتردي ذلك على ورثته وتزوجي قال فذكرت ذلك لها حفصة فقالت لها عاتكة أنا اشترط عليه ثلاثا ألا يضربني ولا يمنعني من الحق .

(23/405)


ولا يمنعني عن الصلاة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم العشاء الآخرة فقالت حفصة لعمر ذلك فتزوجها فلما دخل عليها أو لم عليها ودعا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعا فيهم علي بن أبي طالب فلما فرغوا من الطعام وخرجوا خرج علي فوقف فقال أههنا عاتكة قالوا نعم فصارت خلف الستر وقالت ما تريد بأبي وأمي فذكرها بقولها في عبد الله بن أبي بكر:
فآليت لا تنفك عيني سخينة ... عليك ولا ينفك جلدي أغبرا
تلك الأبيات وقال لها هل تقولين الآن هذا فبكت عاتكة فسمع عمر البكاء فقال ما هذا فأخبر فقال لعلي ما دعاك إلى ذلك غممتها وغممتنا قال فلبثت عنده حتى أصيب رحمه الله فرثته بأبيات قد ذكرتها في بابها من كتاب النساء من كتابي في الصحابة ثم اعتدت فلما انقضت عدتها خطبها الزبير بن العوام فقالت له نعم إن اشترطت لي الثلاث الخصال التي اشترطتها على عمر فقال لك ذلك فتزوجها فلما أرادت أن تخرج إلى الشعاء شق ذلك على الزبير فلما رأت ذلك قالت ما شئت أتريد أن تمنعني فلما عيل صبره خرجت ليلة إلى العشاء فسبقها الزبير فقعد لها على الطريق من حيث لا تراه فلما مرت جلس خلفها فضرب بيده على

(23/406)


عجزها فنفرت من ذلك ومضت فلما كانت الليلة المقبلة سمعت الأذان فلم تتحرك فقال لها الزبير مالك هذا الأذان قد جاء فقالت فسد الناس ولم تخرج بعد فلم تزل مع الزبير حتى خرج الزبير إلى الجمل فقتل فبلغها قتله فرثته فقالت:
يا عمرو لو نبهته لوجدته ... لا الطائش منه الجنان ولا اليد
وهي أبيات قد ذكرتها في بابها من كتاب الصحابة .
وأخبرنا عبد الله بن محمد قال حدثنا عبد الله بن مسرور حدثنا عيسى بن مسكين حدثنا محمد بن سنجر حدثنا عبيد الله بن موسى أخبرنا موسى بن عبيدة عن داود بن مدرك عن عروة بن الزبير عن عائشة قالت "بينما النبي صلى الله عليه وسلم جالسا في المسجد إذ دخلت امرأة من مزينة ترفل في زينة لها في المسجد فقال النبي صلى الله عليه وسلم أيها الناس انهوا نساءكم عن لبس الزينة والتبختر في المساجد فإن بني إسرئيل لم يلعنوا حتى لبس نساؤهم الزينة وتبختروا في المسجد" .
هذا ما ليحيى بن سعيد عن عمرة وله عن عمرة حديث الاعتكاف قد ذكرناه في باب ابن شهاب برواية يحيى له عن مالك عن ابن شهاب وهو مما رواه عن زياد عن مالك وذلك خطأ .
وإنما الحديث ليحي بن سعيد عند جماعة الرواة ليس لابن شهاب والله الموفق للصواب وهو حديث مالك عن يحيى بن سعيد عن عمرة بنت عبد الرحمن "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد أن يعتكف فلما انصرف إلى

(23/407)


المكان الذي أراد أن يعتكف فيه رأى خباء عائشة وخباء حفصة وخباء زينب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم البر تقولون بهن ثم انصرف فلم يعتكف حتى اعتكف عشرا من شوال" .
هكذا هو في الموطأ مرسلا وقد وصله الوليد بن مسلم عن مالك وكذلك رواه جماعة عن يحيى بن سعيد عن عمرة عن عائشة مسندا وقد ذكرنا ذلك وذكرنا ما في هذا الحديث من المعاني وما للعلماء فيها من المذاهب في باب ابن شهاب عن عمرة وإن كان ذلك خطأ لا شك فيه ولكن لما رواه يحيى بن يحيى عن مالك كذلك على ما وصفنا وبالله توفيقنا .
حدثنا خلف بن قاسم حدثنا محمد بن عبد الله حدثنا ابن ملاس حدثنا أبو عامر العقري حدثنا الوليد بن مسلم حدثنا أبو عمرو والأوزاعي ومالك بن أنس عن يحيى بن سعيد عن عمرة عن عائشة ذكرت "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد أن يعتكف العشر الأواخر من شهر رمضان فاستأذنته عائشة فأذن لها وسألته حفصة أن يأذن لها ففعل فلما رأت ذلك زينب بنت جحش أمرت ببناء لها قال فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى الصبح انصرف إلى بنائه فأبصر الأبينة فقال ما هذا قالوا عائشة وحفصة وزينب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أنا بمعتكف فرجع فلما أفطر اعتكف عشرا من شوال" .

(23/408)


الحديث السابع و الأربعون
...
حديث سابع وأربعون ليحيى بن سعيد
(يحيى بن النعمان بن مرة حديث واحد وهو أول مراسيل يحيى):
مالك عن يحيى بن سعيد عن النعمان بن مرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "ما ترون في الشارب والسارق والزاني وذلك قبل أن ينزل فيهم قالوا الله ورسوله أعلم قال هن فواحش وفيهن عقوبة وأسوأ السرقة الذي يسرق صلاته قالوا وكيف يسرق صلاته قال لا يتم ركوعها ولا سجودها" .
لم يختلف الرواة عن مالك في إرسال هذا الحديث عن النعمان بن مرة وهو حديث صحيح يستند من وجوه من حديث أبي هريرة وأبي سعيد .
أخبرنا أحمد بن سعيد بن بشر أخبرنا مسلمة بن قاسم أخبرنا أبو عبد الله جعفر بن محمد بن الحسن بن سعيد الأصبهاني بسيراف حدثنا أبو بشر يونس بن حبيب بن عبد القاهر قال حدثنا أبو داود الطيالسي قال حدثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن سعيد بن المسيب عن أبي سعيد الخدري .
وحدثنا أحمد بن فتح قال حدثنا محمد بن عبد الله بن زكرياء النيسابوري قال حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن يونس قال

(23/409)


حدثنا هارون بن عبد الله قال حدثنا أبو داود قال حدثنا حماد عن علي بن زيد عن سعيد بن المسيب عن أبي سعيد الخدري .
وحدثنا قاسم بن محمد قال حدثنا خالد بن سعد قال حدثنا أحمد بن عمرو قال حدثنا محمد بن سنجر قال حدثنا حجاج قال حدثنا حماد قال أخبرنا علي بن زيد عن سعيد بن المسيب عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "إن أسوأ السرقة سرقة الذي يسرق صلاته قالوا وكيف يسرقها قال لا يتم ركوعها ولا سجودها" .
وحدثنا محمد بن عبد الله بن حكم قال حدثنا محمد بن معاوية قال حدثنا إسحاق بن أبي حسان الأنماطي قال حدثنا هشام بن عمار قال حدثنا عبد الحميد بن حبيب قال حدثنا الأوزاعي حدثني يحيى حدثني أبو سلمة حدثني أبو هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن شر الناس سرقة الذي يسرق صلاته قالوا وكيف يسرق صلاته قال لا يتم ركوعها ولا سجودها" .
وروى الحكم بن عبد الملك عن قتادة عن الحسن عن عمران بن حصين قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ما تعدون الكبائر فيكم قلنا الشرك والزنا والسرقة وشرب الخمر قال هن كبائر وفيهن عقوبات ألا أنبئكم بأكبر الكبائر قلنا بلى قال شهادة الزور" .
والحكم هذا ضعيف عنده مناكير لا يحتج به ولكن فيما تقدم ما يعضد هذا.

(23/410)


في حديث مالك من الفقه طرح العالم على المتعلم المسائل وفيه أن شرب الخمر والسرقة والزنا فواحش والله عز وجل قد حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن ومعلوم أنه لم يرد شرب الماء وإنما أراد شرب ما حرمه الله من الأشربة .
وفيه دليل على أن الشارب يعاقب وعقوبته كانت مردودة إلى الاجتهاد فلذلك جمع عمر الصحابة فشاورهم في حد الخمر فاتفقوا على ثمانين فصارت سنة وبها العمل عند جماعة فقهاء المدينة ومكة والكوفة والبصرة والشام والمغرب وجمهور أهل الحديث وما خالفهم شذوذ وبالله التوفيق .
وأما السرقة والزنى فقد أحكم الله حدودهما في كتابه وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم بما لا مدخل للرأي فيه وأظن قوله صلى الله عليه وسلم هذا كان عند نزول قول الله عز وجل في فاحشة الزنى {وَالَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا} وبعد قوله {فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ} ثم نسخ ذلك كله بالجلد والحد .
وفيه دليل على أن ترك الصلاة أو ترك إقامتها على حدودها من أكبر الذنوب ألا ترى أنه ضرب المثل لذلك بالزاني والسارق ومعلوم أن السرقة والزنا من الكبائر ثم قال وشر السرقة أو أسوأ السرقة الذي يسرق صلاته كأنه قال وشر ذلك سرقة من يسرق صلاته فلا

(23/411)


يتم ركوعها ولا سجودها وقد مضى القول في تارك الصلاة ممن يؤمن بفرضها في باب زيد بن أسلم من هذا الكتاب .
حدثني قاسم بن محمد قال حدثني خالد بن سعد قال حدثنا محمد بن فطيس قال حدثنا إبراهيم بن مرزوق حدثنا بشر بن عمر حدثنا شعبة أخبرني سليمان الأعمش سمعت عمارة بن عمير عن أبي معمر عن أبي مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "لا صلاة لمن لا يقيم صلبه في الركوع والسجود".
حدثنا عبد الرحمن بن يحيى قال حدثنا أحمد بن سعيد حدثنا عبد الملك بن بحر حدثنا موسى بن هارون حدثنا ابن أخي جويرية حدثنا مهدي بن ميمون عن واصل الأحدب عن أبي وائل عن حذيفة "أنه رأى رجلا يصلي لا يقيم ركوعه ولا سجوده فلما قضى صلاته دعاه فقال مذ كم صليت هذه الصلاة قال صليتها منذ كذا وكذا فقال له حذيفة ما صليت لله صلاة" .
وقال مالك في رواية ابن وهب عنه والشافعي والثوري وجمهور الفقهاء من لم يتم ركوعه ولا سجوده في الصلاة وجب عليه إعادتها وكذلك عندهم من لم يعتدل قائما في ركوعه ولا جالسا بين السجدتين وقد روى ابن القاسم عن مالك في ذلك ما يشبه قول أبي حنيفة وقد أوضحنا أن قول أبي حنيفة في ذلك شذوذ عن جمهور الفقهاء وخلاف لظاهر الآثار المرفوعة في هذا الباب وذكرنا

(23/412)


اختلاف الفقهاء فيمن لم يعتدل في ركوعه ولا سجوده في باب أبي الزناد عند قوله من أم الناس فليخفف وأوضحنا ذلك المعنى هناك بالآثار فلا معنى لإعادة ذلك ههنا .
وقد حدثنا خلف بن قاسم حدثنا أحمد بن عبد الله بن عبد المؤمن حدثنا المفضل بن محمد حدثنا علي بن زياد حدثنا أبو قرة قال سمعت ملكا يقول إذا نقص الرجل صلاته في ركوعه وسجوده فإني أحب أن يبتدئها .
قال أبو عمر:
كأنه يقول إنه أحب إليه من إلغاء الركعة.

(23/413)


الحديث الثامن و الأربعون
...
حديث ثامن وأربعون ليحيى بن سعيد
مالك عن يحيى بن سعيد وغير واحد عن الحسن بن أبي الحسن البصري وعن محمد بن سيرين "أن رجلا في زمن رسول الله أعتق عبيدا له ستة عند موته فأسهم رسول الله بينهم فأعتق ثلث تلك العبيد" .
هكذا روى يحيى هذا الحديث عن مالك عن يحيى بن سعيد وغير واحد وتابعه طائفة من رواة الموطأ وروته أيضا جماعة عن مالك عن يحيى بن سعيد عن غير واحد عن الحسن وابن سيرين مثله مرسلا .
وقال مالك بلغني أنه لم يكن للرجل مال غيرهم وهذا الحديث يتصل من حديث الحسن وابن سيرين عن عمران بن حصين عن النبي وهو حديث ثابت صحيح .
رواه عن الحسن جماعة منهم قتادة وسماك بن حرب وأشعث بن عبد الملك ويونس بن عبيد ومبارك بن فضالة وخالد الحذاء ويتصل أيضا من حديث أبي هريرة من رواية ابن سيرين وغيره .
أخبرنا أحمد بن محمد بن أحمد قال حدثنا أحمد بن الفضل بن العباس حدثنا محمد بن جرير حدثنا أبو كريب حدثنا وكيع عن

(23/414)


يزيد بن إبراهيم عن الحسن وابن سيرين عن عمران بن حصين "أن رجلا أعتق ستة أعبد في مرضه فأقرع رسول الله بينهم فأعتق اثنين وأرق أربعة" سقط هذا الحديث ومن حديث مالك قوله فيه ليس له مال غيرهم وهو لفظ محفوظ في هذا الحديث عند الجميع والأصول كلها تشهد بأن الأمر الموجب للقرعة بينهم أنه لم يكن له مال غيرهم .
وحدثنا محمد بن خليفة قال حدثنا محمد بن الحسين البغدادي بمكة قال حدثنا عبد الله بن صالح البخاري حدثنا عبد الأعلى بن حماد حدثنا حماد بن سلمة عن أيوب عن محمد بن سيرين عن عمران بن حصين وعن قتادة وحميد وسماك عن الحسن عن عمران بن حصين "أن رجلا أعتق ستة مملوكين له عند موته وليس له مال غيرهم فأقرع رسول الله بينهم فأعتق اثنين ورد أربعة في الرق" .
قال حماد بن سلمة وحدثنا عطاء الخراساني عن سعيد بن المسيب عن النبي مثله .
حدثنا أحمد بن قاسم بن عيسى المقرى ء قال حدثنا عبيد الله بن محمد بن حبابة ببغداد قال حدثنا عبد الله بن محمد البغوي قال حدثنا علي بن الجعد قال أخبرنا مبارك بن فضالة عن الحسن عن عمران بن حصين "أن رجلا أعتق ستة مملوكين له عند موته لم يكن له مال غيرهم فرفع ذلك إلى النبي فأقرع بينهم فأعتق اثنين وأرق أربعة".

(23/415)


قال أبو عمر:
قال يحيى القطان مبارك أحب إلي في الحسن من الربيع بن صبيح .
حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا بكر بن حماد وحدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قالا حدثنا مسدد قال حدثنا حماد عن يحيى بن عتيق وأيوب عن محمد بن سيرين عن عمران بن حصين "أن رجلا أعتق ستة أعبد له عند موته ولم يكن له مال غيرهم فبلغ ذلك النبي أقرع بينهم فأعتق اثنين وأرق أربعة" قال يحيى وقال محمد لو لم يبلغني عن النبي لكان رأي .
أخبرنا محمد بن خليفة قال أخبرنا محمد بن الحسين قال أخبرنا عبد الله بن أبي داود حدثنا نصر بن علي حدثنا يزيد بن زريع حدثنا هشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن عمران بن حصين "أن رجلا كان له ستة أعبد لم يكن له مال غيرهم فأعتقهم عند موته فرفع ذلك إلى النبي فجزأهم ثلاثة أجزاء فأعتق اثنين وأرق أربعة" .
حدثنا سعيد بن نصر وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا إسماعيل بن إسحاق حدثنا علي بن المديني قال حدثنا محمد بن عبد الله قال حدثنا الأشعث عن الحسن عن عمران بن

(23/416)


حصين " أن رجلا أعتق ستة مملوكين لم يكن له مال غيرهم عند موته فأقرع النبي بينهم فأعتق اثنين فأرق أو أبقى أربعة" .
وأخبرنا محمد بن خليفة قال حدثنا محمد بن الحسين قال حدثنا قاسم بن زكرياء المطرز قال حدثنا أحمد بن سفيان وأبو بكر بن رنجويه قال حدثنا الفرياني عن سفيان عن سماك وخالد عن الحسن عن عمران بن حصين "أن رجلا من الأنصار أعتق ستة أعبد غلمة عند الموت فأقرع النبي بينهم فأعتق ثلثهم وقال لو علمنا ما صلينا عليه أو ما دفن في مقابرنا" .
وحدثنا سعيد بن نصير وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا إسماعيل بن إسحاق قال حدثنا علي بن المديني حدثنا سفيان بن عيينة عن عمرو عن الحسن عن عمران بن حصين "أن رجلا مات وأعتق ستة مملوكين ليس له مال غيرهم فأقرع النبي بينهم فأعتق اثنين وأرق أربعة وقال لو أدركته ما صليت عليه" .
وحدثنا عبد الوارث قال حدثنا قاسم قال حدثنا بكر قال حدثنا مسدد حدثنا أبو عوانة عن سماك بن حرب بن أبي الحسن البصري عن عمران بن حصين "أن رجلا أعتق عند موته ستة رجلة فجاء ورثته من الأعراب فأخبروا رسول الله بما صنع فقال أو فعل ذلك قالوا نعم قال لو علمنا إن شاء الله ما صلينا عليه فأقرع بينهم فأعتق منهم اثنين ورد أربعة في الرق".

(23/417)


وحدثنا سعيد وعبد الوارث قالا حدثنا قاسم حدثنا إسماعيل بن إسحاق قال حدثنا مسدد قال حدثنا يزيد بن زريع قال حدثنا يونس بن عبيد عن الحسن عن عمران بن حصين "أن رجلا كان له ستة أعبد فأعتقهم عند موته لم يكن له مال غيرهم فرفع ذلك إلى رسول الله فكره ذلك ثم جزأهم ثلاثة أجزاء فأقرع بينهم رسول الله فأعتق اثنين وأرق أربعة" .
حدثنا سعيد بن نصر وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا إسماعيل بن إسحاق قال حدثنا سليمن بن حرب قال حدثنا حماد بن زيد قال حدثنا أيوب عن محمد أن عمران بن حصين كان يحدث "أن رجلا من الأنصار أعتق ستة أعبد له عند موته لم يكن له مال غيرهم فبلغ ذلك النبي فدعا بهم فجزأهم ثم أقرع بينهم فأعتق اثنين ورد أربعة في الرق" فهذه رواية الحسن وابن سيرين لهذا الحديث وقد رواه أبو المهلب عن عمران بن حصين وهو حديث بصري انفرد به أهل البصرة .
حدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو دواد وحدثنا سعيد بن نصر وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا إسماعيل بن إسحاق قالا حدثنا سليمن بن حرب قال حدثنا حماد عن أيوب عن أبي قلابة عن أبي المهلب عن عمران بن حصين "أن رجلا أعتق ستة أعبد له عند موته لم يكن له مال غيرهم فبلغ ذلك رسول الله فقال للرجل قولا شديدا

(23/418)


ثم دعاهم فجزأهم ثلاثة أجزاء فأقرع بينهم فأعتق اثنين وأرق أربعة" .
ورواه أبو هريرة عن النبي حدثناه سعيد بن نصر وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا ابن وضاح قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا عبد الله بن موسى قال حدثنا إسرائيل عن عبد الله بن المختار عن محمد بن زياد عن أبي هريرة "أن رجلا كان له ستة أعبد فأعتقهم عند موته فأقرع النبي بينهم فأعتق منهم اثنين وأرق أربعة" .
ورواه بشر بن المفضل عن عوف عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة عن النبي ذكره إسماعيل بن إسحاق حدثنا محمد بن أبي بكر حدثنا بشر بن المفضل أخبرنا إسماعيل بن أمية أنه سمع مكحولا يحدث عن سعيد بن المسيب "أن امرأة أعتقت ستة مملوكين على عهد رسول الله ليس لها مال غيرهم فأقرع النبي بينهم فأعتق اثنين وأرق أربعة" .
قال حدثنا علي أخبرنا عبد الرزاق أخبرنا ابن جريج قال أخبرني قيس بن سعد أنه سمع مكحولا يقول سمعت سعيد بن المسيب يقول "أعتقت امرأة أو رجل ستة أعبد لها عند الموت لم يكن لها مال غيرهم" فذكر الحديث.

(23/419)


قال وأخبرنا ابن جريج قال أخبرني سليمان بن موسى قال سمعت مكحولا يقول "أعتقت امرأة من الأنصار توفيت أعبدا لها ستة لم يكن لها مال غيرهم فلما بلغ النبي غضب وقال في ذلك قولا شديدا ثم دعا بستة قداح فأقرع بينهم فأعتق اثنين" .
قال سليمن بن موسى كنت أراجع مكحولا فأقول إن كان ثمن عبد ألف دينار أصابته القرعة فذهب المال فقال قف على أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال ابن جريج قلت لسليمان الأمر يستقيم على ما قال مكحول قال كيف قلت يقامون قيمة فإن زاد اللذان أعتقا على الثلث أخذ منهما وإن نقصا أعتق ما بقي أيضا بالقرعة فإن فضل عليه أخذ منه قال لم يبلغنا أن النبي أقامهم .
قال إسماعيل القاضي قد ذكر غير واحد في الأحاديث المسندة أن النبي جزأهم فهذا يدل على القيمة ولو لم يذكر التجزئة في الحديث لعلم أن القيمة لا بد منها إذا كان الواجب في ذلك إخراج الثلث فإن استوى الرقيق كانوا على العدد وإن لم يستووا كانوا على القيمة على ما فسره ابن جريج وهو قول مالك .
حدثنا سعيد وعبد الوارث قالا حدثنا قاسم قال حدثنا إسماعيل بن إسحاق حدثنا سليمن بن حرب قال حدثنا حماد عن أيوب

(23/420)


وعن كثير بن شبطير أن الحسن حدث به عن عمران بن حصين وكان يراه ويقضي به .
وحدثنا سعيد وعبد الوارث قالا حدثنا قاسم قال حدثنا إسماعيل بن إسحاق حدثنا سليمن بن حرب قال حدثنا حماد عن أيوب عن يحيى قال ذهب بعض الناس إلى أن يراجع محمدا فيه فقال لو لم يبلغني عن النبي صلى الله عليه وسلم لكان رأيي .
قال أبو عمر:
اختلف العلماء في الرجل يعتق عنه موته عبيدا له في مرضه ولا مال له غيرهم أو يوصي بعتقهم كلهم ولا مال له غيرهم فقال مالك والشافعي وأصحابهما بهذا الأثر الصحيح وذهبوا إليه وهو قول أحمد وإسحاق وأبي ثور وداود والطبري وجماعة من أهل الرأي والأثر .
ذكر ابن عبد الحكم قال من أعتق عبيدا له عند الموت ليس له مال غيرهم قسموا ثلاثا ثم يسهم بينهم فيعتق ثلثهم بالسهم ويرق ما بقي وإن كان فيهم فضل رد السهم عليهم فأعتق الفضل وسواء ترك مالا غيرهم أو لم يترك قال ومن أعتق رقيقا له عند الموت وعليه دين يحيط بنصفهم فإن استطاع أن يعتق من كل واحد نصفه فعل ذلك بهم.

(23/421)


قال ومن قال ثلث رقيقي حر أسهم بينهم وإن أعتقهم كلهم أسهم بينهم إذا لم يكن له مال غيرهم وإن قال ثلث كل رأس حر أو نصفه لم يسهم بينهم .
وقال ابن القاسم كل من أوصى بعتق عبيده أو بتل عتقهم في مرضه ولم يدع غيرهم فإنه يعتق بالسهم ثلثهم وكذلك لو ترك مالا والثلث لا يسعهم لعتق مبلغ الثلث منهم بالسهم وكذلك لو أعتق منهم جزءا سماه أو عددا سماه وكذلك لو قال رأس منهم حر فبالسهم يعتق منهم من يعتق إن كانوا خمسة فخمسهم أو ستة فسدسهم خرج لذلك أقل من واحد أو أكثر ولو قال عشرة وهم ستون عتق سدسهم أخرج السهم أكثر من عشرة أو أقل وهذا كله مذهب مالك .
قال أبو عمر:
لم يختلف مالك وأصحابه في الذي يوصي بعتق عبيده في مرضه ولا مال له غيرهم أنه يقرع بينهم فيعتق ثلثهم بالسهم وكذلك لم يختلف قول مالك وجمهور أصحابه إن هذا حكم الذي يعتق عبيده في مرضه عتقا بتلا ولا مال له غيرهم .
وقال أشهب وأصبغ إنما القرعة في الوصية وأما في البتل فهم كالمدبرين .
قال أبو عمر:
حكم المدبرين عندهم إذا دبرهم سيدهم في كلمة واحدة أنه لا يبدأ بعضهم على بعض ولا يقرع بينهم ويفض الثلث على جميعهم

(23/422)


بالقيمة فيعتق من كل واحد حصته من الثلث وإن لم يدع مالا غيرهم عتق ثلث كل واحد وإن دبر في مرضه واحدا بعد واحد بدأ الأول فالأول كما لو دبرهم في الصحة أو في مرض ثم صح .
قال أبو عمر:
قول أشهب وأصبغ هذا خلاف السنة ولأن الحديث إنما ورد في رجل أعتق في مرضه ستة مملوكين لا مال له غيرهم وهو أيضا مخالف لقول أهل الحجاز ومخالف لقول أهل العراق .
وذكر ابن حبيب عن ابن القاسم وابن كنانة وابن الماجشون ومطرف قالوا "إذا أعتق الرجل في مرضه عبيدا له عتقا بتلا أو أوصى لهم بالعتاقة كلهم أو بعضهم سماهم أو لم يسمهم إلا أن الثلث لا يحملهم أن السهم يجزيء فيهم كان له مال سواهم أو لم يكن" .
قال ابن حبيب وقال ابن نافع إن كان له مال سواهم لم يسهم بينهم وأعتق من كل واحد ما ينوبه وإن لم يكن له مال سواهم أو كان له مال تافه فإنه يقرع بينهم .
وقال الشافعي وإذا أعتق الرجل في مرضه عبيدا له عتق بتات انتظر بهم فإن صح عتقوا من رأس ماله وإن مات ولا مال له غيرهم أقرع بينهم فأعتق ثلثهم قال الشافعي والحجة في أن العتق البتات في المرض وصية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم "أقرع بين ستة مملوكين

(23/423)


أعتقهم الرجل في مرضه وأنزل عتقهم وصية فأعتق ثلثهم" قال ولو أعتق في مرضه عبيدا له عتق بتات وله مدبرون وعبيد أوصى بعتقهم بعد موته بدى ء بالذين بت عتقهم لأنهم يعتقون عليه إن صح وليس له الرجوع فيهم بحال قال الشافعي والقرعة أن تكتب رقاع ثم تكتب أسماء العبيد ثم تبندق بنادق من طين ويجعل في كل رقعة بندقة ويجزأ الرقيق أثلاثا ثم يؤمر رجل لم يحضر الرقاع فيخرج رقعة على كل جزء بعينه وإن لم يستووا في القيمة عدلوا وهم قليل الثمن إلى كثير الثمن وجعلوا ثلاثة أجزاء قلوا أو كثروا إلا أن يكونوا عبدين فأن وقع العتق على جزء فيه عدة رقيق أقل من الثلث أعيدت القرعة بين السهمين الباقيين فأيهم وقع عليه عتق منه باقي الثلث وقول أحمد بن حنبل في هذا كله كقول الشافعي .
وقال أبو حنيفة وأصحابه فيمن أعتق عبيدا له في مرضه ولا مال له غيرهم أنه يعتق من كل واحد منهم ثلثه ويسعى في ثلثي قيمته الورثة قال أبو حنيفة وحكمه ما دام يسعى حكم المكاتب .
وقال أبو يوسف ومحمد هم أحرار وثلثا قيمتهم دين عليهم يسعون في ذلك حتى يؤدوه إلى الورثة .
قال أبو عمر:
وإنما حمل الكوفيين على ذلك أصلهم في أخبار الآحاد لأنهم لا يقبلون منها ما عارضه شيء من معاني السنن المجتمع عليها وقالوا

(23/424)


من السنة المتفق عليها فيمن بتل عتق عبيده في مرضه وله مال يحملهم ثلثه أنهم يعتقون كلهم والقياس على هذا إذا لم يكن له مال غيرهم أن يعتق من كل واحد ثلث فليس منهم أحد أولى من صاحبه .
قال أبو عمر:
رد الكوفيون هذه السنة ولم يقولوا بها ورأوا القرعة في ذلك من القمار الخطر حتى لقد حكى مؤمل بن إسماعيل عن حماد بن زيد عن محمد بن ذكوان أنه سمع حماد بن أبي سليمن فذكر له الحديث الذي جاء في القرعة بين الأعبد فقال هذا قول الشيخ يعني إبليس فقال له محمد بن ذكوان وضع القلم عن ثلاثة أحدهم المجنون حتى يفيق أي أنك مجنون وكان حماد يصرع في بعض الأوقات ثم يفيق فقال له حماد ما دعاك إلى هذا فقال له محمد بن ذكوان وأنت ما دعاك إلى هذا؟
قال أبو عمر:
في قول الكوفيين في هذا الباب ضروب من الخطأ والاضطراب مع خلاف السنة في ذلك وقد رد عليهم في ذلك جماعة من المالكيين والشافعيين وغيرهم منهم إسماعيل وغيره .
وحكمهم بالسعاية فيه ظلم لأنهم أحالوهم على سعاية لا يدرى ما يحصل منها وظلم للورثة إذ أجازوا عليهم في الثلث عتق الجميع بما لا يدرى أيضا أيحصل أم لا وظلم للعبيد لأنهم ألزموا مالا من غير جناية وبين

(23/425)


الشافعي ومالك في هذا الباب من فروعه تنازع ليس هذا موضع ذكره لتشعب القول فيه .
قال أبو عمر:
أما القول في هذا الباب بالقرعة فقد احتج فيه الشافعي وغيره بقول الله عز وجل {وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ} الآية وبقوله عز وجل {وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ} وكفى بحديث النبي في الذي أعتق ستة مملوكين له عند موته لا مال له غيرهم فأقرع رسول الله بينهم فأعتق ثلثهم وبأنه كان يقرع بين نسائه أيتهن يخرج بها إذا أراد سفرا لاستوائهم في الحق لهن وبإجماع العلماء على أن دورا لو كانت بين قوم قسمت بينهم وأقرع بينهم في ذلك وهذا طريق الشركة في الأملاك التي تقع فيها القسمة بالقرعة على قدر القيمة لأن حق المريض الثلث وحق الورثة الثلثان فصار بمنزلة شريكين لأحدهما سهم وللآخر سهمان كما لو أن الميت وهب العبيد كلهم لقوم ثم مات لقسموا بين القوم وبين الورثة بالقرعة هكذا وإنما نفر

(23/426)


أبو حنيفة ومن قال بقوله من هذا القول لأنهم جعلوا هذا بمنزلة من أعتق ثلث كل عبد من عبيده فلم يجز أن يعتق بالقرعة بعضهم فغلطوا ههنا في التشبيه والله المستعان .
أخبرنا فائق مولى أحمد بن سعيد عنه عن عبد الملك بن بحر بن شاذان عن محمد بن إسماعيل الصائغ عن الحسن بن علي الحلواني قال حدثنا عفان بن مسلم قال أخبرنا سليم قال حدثنا ابن عون قال قال لي محمد جاءني خالد فقال أرأيت الذين قالوا في القرعة إنه أقرع بينهم فقلت له إن نقصا برأيك أن ترى أن رأيك أفضل من رأي رسول الله وأصحابه ولولا أنه كان في بيتي لأسمعته غير ذلك .
قال أبو عمر:
في هذا الحديث أيضا من الفقه إبطال السعاية ورد لقول العراقيين في ذلك لأن رسول الله لم يجعل على أولئك العبيد سعاية .
وفيه دليل على أن أفعال المريض كلها من عتق وهبة وعطية ووصية لا يجوز منها أكثر من الثلث وأن ما بتله في مرضه حكمه حكم الوصية وعلى ذلك جماعة فقهاء الأمصار وخالفهم في ذلك أهل الظاهر وطائفة من أهل النظر والحجة عليهم بينة بهذا الحديث.

(23/427)


وفيه أيضا دليل على أن الوصية جائزة لغير الوالدين والأقربين لأن العبيد عتقهم في المرض وصية لهم ومعلوم أنهم لم يكونوا بوالدين لمالكهم المعتق لهم ولا بأقربين له .
وقد مضى ذكر الوصايا ممهدا في باب نافع من هذا الكتاب والحمد لله.

(23/428)


الحديث التاسع و الأربعون
...
حديث تاسع وأربعون ليحيى بن سعيد
يحيى بن سعيد عن عبد الله بن المغيرة:
مالك عن يحيى بن سعيد عن عبد الله بن المغيرة بن أبي بردة الكناني أنه بلغه "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى الناس في قبائلهم يدعو لهم وأنه ترك قبيلة من القبائل قال وإن القبيلة وجدوا في برذعة رجل منهم عقد جزع غلولا فأتاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فكبر عليهم كما يكبر على الميت" .
هذا الحديث لا أعلمه في حفظي أنه روي مسندا بوجه من الوجوه والله أعلم .
وأما تركه الدعاء للقوم الذين وجد عند بعضهم الغلول فعلى وجه العقوبة والتشديد والإعلام بعظيم ما جنوه وقد مضى القول في عقوبة الغال وما للعلماء في ذلك من المذاهب في باب ثور بن زيد من هذا الكتاب وهذا الحديث عندي لا يوجب حكما لأنه منقطع عمن لا يعرف بكبير علم وليس مثل هذا مما يحتج به لأن عبد الله بن المغيرة هذا مجهول قوم يقولون فيه عبد الله بن المغيرة بن أبي

(23/429)


بردة وقوم يقولون المغيرة بن عبد الله بن أبي بردة وأما تكبيره عليهم فالله أعلم به وجملة القول أن هذا حديث لا يحتج بمثله فلا وجه للاشتغال بتخريج معانيه .
"وقد رواه الليث بن سعد عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الخير عن عقبة بن عامر "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج يوما فصلى على أهل أحد صلاته على الميتة وليس هذا من حديث هذا الباب في شيء والله أعلم".
وروى مالك عن يحيى بن سعيد أنه بلغه عن عبد الله بن عباس أنه قال "ما ظهر الغلول في قوم قط إلا ألقي في قلوبهم الرعب ولا فشا الزنا في قوم قط إلا كثر فيهم الموت ولا نقص قوم المكيال والميزان إلا قطع عنهم الرزق ولا حكم قوم بغير الحق إلا فشا فيهم الدم ولا ختر قوم بالعهد إلا سلط عليهم العدو" .
قال أبو عمر:
وهذا حديث قد رويناه متصلا عن ابن عباس ومثله والله أعلم لا يكون رأيا أبدا .
حدثنا أحمد بن إبراهيم ومحمد بن عبد الله بن حكم قالا حدثنا محمد بن معاوية قال حدثنا أبو خليفة الفضل بن الحباب الجمحي القاضي بالبصرة قال حدثنا محمد بن كثير وأبو الوليد جميعا عن

(23/430)


شعبة قال أخبرني الحكم عن الحسن بن مسلم عن ابن عباس قال ما ظهر البغي في قوم قط إلا ظهر فيهم الموتان ولا ظهر البخس في الميزان في قوم إلا ابتلوا بالسنة ولا ظهر نقض العهد في قوم إلا أديل منهم عدوهم.

(23/431)


الحديث الخمسون
...
حديث موفي خمسين ليحيى بن سعيد
يحيى بن سعيد عن عمرو بن شعيب - حديثان:
مالك عن يحيى بن سعيد عن عمرو بن شعيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا استسقى قال "اللهم اسق عبادك وبهيمتك وانشر رحمتك وأحي بلدك الميت" .
هكذا رواه مالك عن يحيى عن عمرو بن شعيب مرسلا وتابعه جماعة على إرساله منهم المعتمر بن سليمن وعبد العزيز بن مسلم القسملي فرووه عن يحيى بن سعيد عن عمرو بن شعيب مرسلا .
ورواه جماعة عن يحيى بن سعيد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مسندا منهم حفص بن غياث والثوري وعبد الرحيم بن سليمان وسلام أبو المنذر .
فأما حديث الثوري فذكره أبو داود قال حدثنا سهل بن صالح حدثنا علي بن قادم حدثنا سفيان عن يحيى بن سعيد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا استسقى يقول" فذكر مثل لفظ حديث مالك سواء .
وذكر العقيلي حدثنا محمد بن يحيى العسكري حدثنا سهل بن عثمان حدثنا حفص بن غياث عن يحيى بن سعيد عن عمرو بن

(23/432)


شعيب عن أبيه عن جده قال "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا استسقى قال اللهم أسق عبادك وأحي بلدك الميت وانشر رحمتك" .
وأحسن شيء روي في الدعاء في الاستسقاء مرفوعا ما أخبرناه عبد الله بن محمد حدثنا محمد بن بكر حدثنا أبو داود حدثنا ابن أبي خلف حدثنا محمد بن عبيد قال حدثنا مسعر عن يزيد الفقيمي عن جابر بن عبد الله قال أتى النبي صلى الله عليه وسلم بواكي فقال "اللهم اسقنا غيثا مغيثا مريئا مريعا نافعا غير ضار عاجلا غير آجل" قال فأطبقت عليهم السماء .
وحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن الهيثم حدثنا الحسن بن الربيع حدثنا ابن إدريس قال حدثنا حصين عن حبيب بن أبي ثابت عن ابن عباس قال "جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله لقد جئتك من عند قوم ما يتزود لهم راع ولا يخطر لهم فحل فصعد المنبر فحمد الله ثم قال "اللهم اسقنا غيثا مغيثا مريعا مريئا طبقا غدقا عاجلا غير رائث ثم نزل" فما يأتيه أحد من وجه من الوجوه إلا قال قد أحيينا" .
وذكر ابن أبي شيبة عن وكيع عن عيسى بن حفص عن عطاء ابن أبي مروان عن أبيه قال خرجنا مع عمر بن الخطاب نستسقى فما زاد على الاستغفار

(23/433)


وعن وكيع عن سفيان عن مطرف عن الشعبي أن عمر خرج يستسقي فصعد المنبر فقال {اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارا} واستغفروا ربكم إنه كان غفارا ثم نزل فقيل يا أمير المؤمنين لو استسقيت فقال لقد طلبت بمجاديح السماء التي يستنزل بها القطر .
وروينا من وجوه عن عمر رحمه الله أنه خرج يستسقي وخرج معه بالعباس فقال اللهم إنا نتقرب إليك بعم نبيك ونستشفع به فاحفظ فيه نبيك كما حفظت الغلامين لصلاح أبيهما وأتيناك مستغفرين مستشفعين ثم أقبل على الناس فقال {اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً} ـ إلى قوله: {أَنْهَارا} .
ثم قال العباس وعيناه تنضحان فطال عمر ثم قال اللهم أنت الراعي لا تهمل الضالة ولا تدع الكسير بدار مضيعة فقد ضرع الصغير ورق الكبير وارتفعت الشكوى وأنت تعلم السر والنجوى اللهم فأغثهم بغياثك من قبل أن يقنطوا فيهلكوا فإنه لا ييأس من روحك إلا القوم الكافرون .
فنشأت طريرة من سحاب فقال الناس ترون ترون ثم تلاءمت واستتمت وهبت فيها ريح ثم هرت

(23/434)


ودرت فوالله ما برحوا حتى اعتلقوا الحذاء وقلطوا المباز وطفق الناس بالعباس يمسحون أركانه ويقولون هنيئا لك ساقي الحرمين .
وقد ذكرنا كثيرا من معاني هذا الباب في باب شريك بن أبي نمر من هذا الكتاب.

(23/435)


الحديث الحادي و الخمسون
...
حديث حاد وخمسون ليحيى بن سعيد
مالك عن يحيى بن سعيد عن عمرو بن شعيب "أن رجلا من بني مدلج يقال له قتادة حذف ابنه بالسيف فأصاب ساقه فنزي في جرحه فمات" .
فقدم سراقة بن جعشم على عمر بن الخطاب فذكر ذلك له فقال له عمر اعدد على ماء قديد عشرين ومائة بعير حتى أقدم عليك فلما قدم عليه عمر أخذ من تلك الإبل "ثلاثين حقة وثلاثين جذعة وأربعين خلفة ثم قال أين أخو المقتول قال هأنذا قال خذها فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ليس لقاتل شيء" .
لم يختلف على مالك في هذا الحديث وإرساله وقد رواه حماد بن سلمة عن يحيى بن سعيد عن عمرو بن شعيب أن عمر بن الخطاب قال "سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ليس لقاتل شيء" مختصرا وهذا منقطع كرواية مالك سواء .
وقد روي مسندا من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم وكذلك روي قوله صلى الله عليه وسلم "لا يقاد والد بولد" من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده .

(23/436)


ومن حديث عمر بن الخطاب أيضا ومن حديث ابن عباس وهو حديث مشهور عند أهل العلم بالحجاز والعراق مستفيض عندهم يستغني بشهرته وقبوله والعمل به عن الإسناد فيه حتى يكاد أن يكون الإسناد في مثله لشهرته تكلفا .
وأما قوله حذف ابنه بالسيف فمعناه رماه فقطعه والحذف الرمي والقطع بالسيف أو العصا ومن رواه بالخاء المنقوطة فقد صحف لأن الخذف بالخاء إنما هو الرمي بالحصى أو النوى .
وحديث هذا الباب ليس فيه تصريح بطرح القود بين الأب وابنه إذا قتله ولكنه فيه دليل على ذلك لأن عمر إنما أمر فيه بالمدية المغلظة لطرح القود وهذا ما لا إشكال فيه إن شاء الله .
وقد اختلف الفقهاء في ذلك بعض الاختلاف فروي عن مالك أنه قال يقتل الوالد بولده إذا قتله عمدا وهو قول عثمن البتي ودفع من ذهب هذا المذهب ما روى من الأثر في ذلك لأنها كلها معلولة الأسانيد والمشهور من مذهب مالك عند أصحابه أن الرجل إذا ذبح ولده أو عمل به عملا لا يشك في أنه عمد إلى قتله دون أدب فإنه يقاد به وإن حذفه بسيف أو عصا لم يقتل به .
وقال الشافعي وأبو حنيفة والأوزاعي لا يقاد والد بولده على حال وكذلك الجد لا يقاد بابن ابنه .

(23/437)


وقال الحسن بن حي يقاد الجد بابن الابن ولا يقاد الأب بابنه وكان يجيز شهادة الجد لابن ابنه .
وفي هذا الحديث أيضا تغليظ الدية على الأب في قتله ابنه لأن عمر غلظها على قتادة المدلجي في قتله ابنه وقد يحتمل أن يكون قتله عمدا ويحتمل أن يكون شبه عمد على مذهب من أثبت شبه العمد وقد ذكرما حكم الديات في العمد وشبهه وفي الخطأ وما يغلظ منها وما لا يغلظ وكيف الحكم فيها ممهدا مبسوطا في باب عبد الله بن أبي بكر من هذا الكتاب والحمد لله .
ولم يدخل مالك هذا الحديث في باب الديات وإنما أدخل