Contents

الواجهة
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد
مقدمة
باب الألف
باب الثاء
باب الجيم
باب الحاء
باب الخاء
باب الدال
باب الراء
باب الزاي
تابع باب الزاء
تابع لحرف الزاء
تابع لحرف الزاء
باب الطاء
باب الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع حرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
باب النون
باب الصاد
باب الضاد
باب العين
تابع لحرف العين
تابع حرف العين
تابع لحرف العين
تابع لحرف العين
باب القاف
باب السين
باب الشين
باب الهاء
باب الواو
باب الياء
تابع باب الياء
باب الكني
باب بلاغات مالك ومرسلاته
باب مافي هذا الديوان من حديث مالك الذي ثبتت عليه أبوابه خاصة
الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج
الديباج - جزء 1
الديباج - جزء 2
الديباج - جزء 3
الديباج - جزء 4
الديباج - جزء 5
الديباج - جزء 6
المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج
المنهاج - مقدمة
المنهاج - الإيمان
المنهاج - الطهارة
المنهاج - الحيض
المنهاج - الصَّلَاة
المنهاج - المساجد ومواضع الصلاة
المنهاج - صلاة المسافرين وقصرها
المنهاج - بَاب صَلَاة الْجُمُعَة
المنهاج - بَاب صَلَاة الْعِيدَيْنِ
المنهاج - بَاب الدُّعَاء فِي صَلَاة الِاسْتِسْقَاء
المنهاج - بَاب صَلَاة الْكُسُوف
المنهاج - كِتَاب الْجَنَائِز
المنهاج - الزكاة
المنهاج - كِتَاب الصِّيَام
المنهاج - كِتَاب الِاعْتِكَاف
المنهاج - كِتَاب الْحَجّ
المنهاج - كِتَاب النِّكَاح
المنهاج - الرضاعة
المنهاج - الطلاق
المنهاج - اللِّعَان
المنهاج - العتق
المنهاج - البيوع
المنهاج - المساقاة
المنهاج - الفرائض
المنهاج - الهبات
المنهاج - الوصية
المنهاج - النذر
المنهاج - الأيمان
المنهاج - القسامة
المنهاج - الحدود
المنهاج - الأقضية
المنهاج - اللقطة
المنهاج - الجهاد والسير
المنهاج - الإمارة
المنهاج - الصيد والذبائح
المنهاج - كِتَاب الْأَضْاحَي
المنهاج - الأشربة
المنهاج - اللباس والزينة
المنهاج - الآداب
المنهاج - السلام
المنهاج - الألفاظ من الأدب وغيرها
المنهاج - الشعر
المنهاج - الرؤيا
المنهاج - الفضائل
المنهاج - فضائل الصحابة
المنهاج - البر والصلة والآداب
المنهاج - القدر
المنهاج - العلم
المنهاج - الذكر والدعاء
المنهاج - التوبة
المنهاج - صفات المنافقين
المنهاج - صفة القيامة والجنة والنار
المنهاج - الجنة وصفة نعيمها وأهلها
المنهاج - الفتن وأشراط الساعة
المنهاج - الزهد والرقائق
المنهاج - التفسير
تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي
أبواب الطهارة
أبواب الصلاة
تابع أبواب الصلاة
أبواب الوتر
أبواب الجمعة
تابع لأبواب الجمعة
أبواب العيدين
أبواب السفر
ابواب الزكاة
أبواب الصوم
أبواب الحج
تابع أبواب الحج
أبواب الجنائز
أبواب النكاح
أبواب الرضاع
أبواب الطلاق واللعان
ابواب البيوع
أبواب الأحكام
أبواب الديات
ابواب الحدود
تابع أبواب الحدود
أبواب الصيد
أبواب الأضاحي
أبواب النذور والأيمان
أبواب السير
أبواب الجهاد
أبواب اللباس
أبواب الأطعمة
أبواب الأشربة
تابع أبواب الأشربة
أبواب البر و الصله عن رسول الله صلى الله عليه و آله سلم
أبواب الطب عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الفرائض عن الرسول صلى الله عليه و سلم
أبواب الوصايا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الولاء و الهبة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب القدر عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم
أبواب الفتن عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الرؤيا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الشهادات عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
تابع لأبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صِفَةُ القِيامَة
أبواب صفة الجنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صفة جهنم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإيمان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب العلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإستئذان والآداب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب العلم
أبواب الأمثال
أبواب فضائل القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب القراءات عن رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم
أبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الدعوات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أحاديث شتى من أبواب الدعوات
المناقب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
مناقب الصحابة رضوان الله عليهم
تنوير الحوالك شرح موطأ مالك
كتاب وقوت الصلاة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب السهو
كتاب الجمعة
كتاب الصلاة في رمضان
كتاب صلاة الليل
كتاب صلاة الجماعة
كتاب قصر الصلاة في السفر
كتاب العيدين
كتاب صلاة الخوف
كتاب صلاة الكسوف
كتاب الاستسقاء
كتاب القبلة
كتاب القرآن
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب الجهاد
كتاب النذور و الأيمان
كتاب الضحايا
كتاب الذبائح
كتاب الصيد
كتاب العقيقة
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الرضاع
كتاب البيوع
كتاب القراض
كتاب المساقاة - كتاب كراء الأرض
كتاب الشفعة - كتاب الأقضية
كتاب الوصية - كتاب العتق والولاء
كتاب المكاتب - كتاب المدبر
كتاب الحدود
كتاب الأشربة - كتاب العقول
كتاب القسامة - كتاب الجامع
كتاب القدر - كتاب حسن الخلق
كتاب اللباس - كتاب صفة النبي
كتاب العين - كتاب الشعر
كتاب الرؤيا - كتاب السلام
كتاب الاستئذان والتشميت والصور والتماثيل وغيرها
كتاب البيعة - كتاب الكلام والعينة والتقى
كتاب جهنم - كتاب الصدقة
كتاب العلم - كتاب دعوة المظلوم - كتاب أسماء النبي
حاشية السندي على سنن ابن ماجة
المقدمة
الطَّهَارَة وَسُنَنهَا
الصلاة
الْأَذَان
المساجد والجماعات
أَبْوَاب إِقَامَة الصَّلَاة
الجنائز
الصوم
الزكاة
النكاح
الطلاق
الكفارات
التجارات
الأحكام
الحدود
الديات
الوصايا
الْفَرَائِض
الجهاد
المناسك
الْأَضَاحِيّ
الذبائح
الصيد
الأطعمة
الأشربة
الطب
اللباس
الْآدَاب
الدُّعَاء
تعبير الرؤيا
الْفِتَن
الزُّهْد
شرح سنن ابن ماجه لمغلطاي
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح رياض الصالحين
شرح رياض الصالحين - 01
شرح رياض الصالحين - 02
شرح رياض الصالحين - 03
شرح رياض الصالحين - 04
شرح سنن أبي داود للعيني
مقدمة التحقيق
كتاب الطهارة
كِتابُ الصَلاَةِ
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
عون المعبود شرح سنن أبي داود
كتاب الطهارة
تابع كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
كتاب الزكاة
تابع لكتاب الزكاة
كتاب اللقطة
كتاب المناسك
تابع لكتاب المناسك
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الصيام
تابع لكتاب الصيام
أول كتاب الجهاد
أول كتاب الضحايا
تابع كتاب الضحايا
أول كتاب الصيد
أول كتاب الوصايا
أول كتاب الفرائض
أول كتاب الخراج والفيء والإمارة
أول كتاب الجنائز
تابع لكتاب الجنائز
كتاب الأيمان والنذور
كتاب البيوع
كتاب الإجارة
كتاب القضاء
تابع لكتاب القضاء
كتاب العلم
كتاب الأشربة
كتاب الأطعمة
كتاب الطب
كتاب الكهانة والتطير
كتاب العتق
أول كتاب الحروف والقراءات
أول كتاب الحمام
أول كتاب اللباس
أول كتاب الترجل
أول كتاب الخاتم
أول كتاب الفتن والملاحم
أول كتاب المهدي
أول كتاب الملاحم
أول كتاب الحدود
أول كتاب الديات
أول كتاب السنة
تابع لكتاب السنة
أول كتاب الأدب
أبواب السلام
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن حجر
فتح الباري - هدي الساري مقدمة فتح الباري
فتح الباري - كتاب بدء الوحي
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب العلم
فتح الباري - كتاب الوضوء
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
فتح الباري - كتاب مواقيت الصلاة
فتح الباري - كتاب الأذان
فتح الباري - كتاب الجمعة
فتح الباري - كتاب الخوف
فتح الباري - كتاب العيدين
فتح الباري - كتاب الوتر
فتح الباري - كتاب الاستسقاء
فتح الباري - كتاب الكسوف
فتح الباري - كتاب سجود القرآن
فتح الباري - كتاب تقصير الصلاة
فتح الباري - كتاب التهجد
فتح الباري - كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة
فتح الباري - كتاب العمل في الصلاة
فتح الباري - كتاب السهو
فتح الباري - كتاب الجنائز
فتح الباري - كتاب الزكاة
فتح الباري - كتاب الحج
فتح الباري - كتاب العمرة
فتح الباري - كتاب المحصر
فتح الباري - كتاب جزاء الصيد
فتح الباري - كتاب فضائل المدينة
فتح الباري - كتاب الصوم
فتح الباري - كتاب صلاة التراويح
فتح الباري - كتاب فضل ليلة القدر
فتح الباري - كتاب الإعتكاف
فتح الباري - كتاب البيوع
فتح الباري - كتاب السلم
فتح الباري - كتاب الشفعة
فتح الباري - كتاب الإجارة
فتح الباري - كتاب الحرث والمزارعة
فتح الباري - كتاب المساقاة
فتح الباري - كتاب الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس
فتح الباري - كتاب الخصومات
فتح الباري - كتاب اللقطة
فتح الباري - كتاب المظالم
فتح الباري - كتاب الشركة
فتح الباري - كتاب الرهن
فتح الباري - كتاب العتق
فتح الباري - كتاب المكاتب
فتح الباري - كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها
فتح الباري - كتاب الشهادات
فتح الباري - كتاب الصلح
فتح الباري - كتاب الشروط
فتح الباري - كتاب الوصايا
فتح الباري - كتاب الجهاد و السير
فتح الباري - كتاب فرض الخمس
فتح الباري - كتاب الجزية و الموادعة
فتح الباري - كتاب بدء الخلق
فتح الباري - كتاب أحاديث الأنبياء
فتح الباري - كتاب المناقب
فتح الباري - كتاب فضائل الصحابة
فتح الباري - كتاب مناقب الأنصار
فتح الباري - كتاب المغازي
فتح الباري - كتاب التفسير
فتح الباري - كتاب فضائل القرآن
فتح الباري - كتاب النكاح
فتح الباري - كتاب الطلاق
فتح الباري - كتاب النفقات
فتح الباري - كتاب الأطعمة
فتح الباري - كتاب العقيقة
فتح الباري - كتاب الذبائح والصيد
فتح الباري - كتاب الأضاحي
فتح الباري - كتاب الأشربة
فتح الباري - كتاب المرضى
فتح الباري - كتاب الطب
فتح الباري - كتاب اللباس
فتح الباري - كتاب الأدب
فتح الباري - كتاب الإستئذان
فتح الباري - كتاب الدعوات
فتح الباري - كتاب الرقاق
فتح الباري - كتاب القدر
فتح الباري - كتاب الأيمان والنذور
فتح الباري - كتاب كفارات الأيمان
فتح الباري - كتاب الفرائض
فتح الباري - كتاب الحدود
فتح الباري - كتاب الديات
فتح الباري - كتاب استتابة المرتدين
فتح الباري - كتاب الإكراه
فتح الباري - كتاب الحيل
فتح الباري - كتاب التعبير
فتح الباري - كتاب الفتن
فتح الباري - كتاب الأحكام
فتح الباري - كتاب التمني
فتح الباري - كتاب أخبار الأحاد
فتح الباري - كتاب الإعتصام بالسنة
فتح الباري - كتاب التوحيد
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن رجب
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
مقدمة
خطبة الكتاب
كتاب الإيمان
كتاب العلم
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصوم
كتاب فضائل القرآن
كتاب الدعوات
كتاب المناسك
كتاب البيوع
كتاب الفرائض والوصايا
كتاب النكاح
كتاب العتق
كتاب القصاص
كتاب الديات
كتاب الحدود
كتاب الإمارة والقضاء
كتاب الجهاد
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأطعمة
كتاب اللباس
كتاب الطب والرقى
كتاب الرؤيا
كتاب الآداب
كتاب الرقاق
كتاب الفتن
كتاب صفة القيامة والجنة والنار
كتاب الفضائل والشمائل
كتاب المناقب

 
عودة لموقع هاني الطنبور
هاني الطنبور
الصفحة السابقة الصفحة التالية
 
 

 

التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد

باب بلاغات مالك ومرسلاته
الحديث الأول
...
باب بلاغات مالك ومرسلاته
مما بلغه عن الرجال الثقات وما أرسله عن نفسه في موطئه ورفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم وذلك أحد وستون حديثا
حديث أول من البلاغات
مالك عن الثقة عنده عن سليمان بن يسار وعن بسر بن سعيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "فيما سقت السماء والعيون والبعل العشر وما سقي بالنضح نصف العشر" .
وهذا الحديث يتصل من وجوه صحاح ثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث ابن عمر وجابر ومعاذ
حدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود
وحدثنا محمد بن إبراهيم قال حدثنا محمد بن معاوية قال حدثنا أحمد بن شعيب قالا أخبرنا هارون بن سعيد بن الهيثم أبو جعفر الأيلي قال حدثنا عبد الله بن وهب قال أخبرنا يونس بن يزيد عن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه قال قال رسول

(24/161)


الله صلى الله عليه وسلم: "فيما سقت السماء والأنهار والعيون أو كان بعلا العشر وما سقي بالسواني أو النضح نصف العشر" .
وحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن إسماعيل حدثنا عبد الله بن مسلمة قال حدثنا بهلول بن راشد عن يونس عن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله عن ابن عمر "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فرض فيما سقت السماء والأنهار والعيون إذا كان عثريا يسقي بالماء العشر وما سقي بالناضح نصف العشر"
أخبرنا محمد بن إبراهيم قال حدثنا محمد بن معاوية قال حدثنا أحمد بن شعيب قال أخبرنا عمرو بن سواد بن الأسود بن عمرو وأحمد بن عمرو بن السرح أبو الطاهر والحرث بن مسكين قراءة عليه وأنا أسمع عن ابن وهب قال أخبرنا عمرو بن الحرث أن أبا الزبير حدثه أنه سمع جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "فيما سقت الأنهار والعيون العشر وفيما سقي بالسانية نصف العشر" .
وأخبرنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا أحمد بن صالح قال حدثنا ابن وهب أخبرنا عمرو بن الحرث عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله أن رسول

(24/162)


الله صلى الله عليه وسلم قال: "فيما سقت الأنهار والعيون العشر وما سقي بالسواني ففيه نصف العشر" .
أخبرنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أحمد بن زهير ومحمد بن سليمان المنقري قالا حدثنا الحكم ابن موسى قال حدثنا يحيى بن حمزة عن سليمان بن داود قال حدثنا الزهري عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب وما سقت السماء وكان سيحا أو كان بعلا ففيه العشر إذا بلغ خمسة أوسق وما سقي بالرشاء والدالية ففيه نصف العشر إذا بلغ خمسة أوسق
وأخبرنا إبراهيم بن شاكر قال أخبرنا محمد بن أحمد قال حدثنا محمد بن أيوب قال حدثنا أحمد بن عمرو البزار قال حدثنا رجاء ابن محمد السقطي قال حدثنا سعيد بن عامر قال حدثنا همام عن قتادة عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم سن فيما سقت السماء والعيون العشر وما سقي بالنواضح فنصف العشر. انفرد به همام وغيره يرويه عن قتادة عن أبي الخليل
وأخبرنا محمد بن إبراهيم قال حدثنا محمد بن معاوية قال حدثنا أحمد بن شعيب أخبرنا هناد بن السري عن أبي بكر بن عياش عن عاصم عن أبي وائل عن معاذ قال بعثني رسول الله

(24/163)


صلى الله عليه وسلم إلى اليمن فأمرني أن آخذ مما سقت السماء العشر وما سقي الدوالي نصف العشر
قال أبو عمر:
هكذا قال أبو وائل عن معاذ وإنما هو أبو وائل عن مسروق عن معاذ
وأخبرنا محمد بن عمروس قال حدثنا علي بن عمر الحافظ قال حدثنا محمد بن مخلد قال حدثنا أحمد بن ملاعب قال حدثنا ابن علي بن المديني قال سمعت أبي يقول حدثنا عاصم بن عبد العزيز الأشجعي قال حدثنا الحرث بن عبد الرحمن بن أبي ذباب عن سليمان بن يسار وبسر بن سعيد عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "فيما سقت السماء العشر وفيما سقي بالنضح نصف العشر" .
قال عاصم وحدثنيه مالك وقال أخبرت عن سليمان بن يسار وبسر بن سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم لم يذكر أبا هريرة وسألت الحرث بن عبد الرحمن فقال أخبرني سعيد بن المسيب وبسر بن سعيد عن أبي هريرة قال محمد بن علي قال أبي وأظن مالكا

(24/164)


ترك حديث ابن أبي ذباب ولم يضعه في كتبه وما رأيت في كتب مالك عنه شيئا قال أحمد بن ملاعب كذا قال ابن علي بن المديني في آخره أخبرني سعيد بن المسيب وفي أوله سليمان بن يسار وسألته عنه فقال نعم هو هكذا
حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا ابن الأصبهاني قال حدثنا أبو بكر بن عياش عن عاصم عن أبي وائل عن مسروق عن معاذ قال بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن وأمرني أن آخذ مما سقت السماء أو سقي بعلا العشر وبالدوالي نصف العشر
قال أبو عمر:
قال النضر بن شميل البعل ماء المطر. وقال يحيى بن آدم البعل ما كان من الكروم والنخل فذهب عروقه في الأرض إلى الماء ولا يحتاج إلى السقي الخمس سنين والست تحتمل ترك السقي قال والعثري ما يزرع على السحاب ويقال له العثير لأنه يزرع على السحاب ولا يسقي إلا بالمطر خاصة ليس يسقي بغير ماء المطر
قال يحيى وفيه جاء الحديث ما سقي عثريا أو غيلا. قال يحيى والغيل سيل دون السيل الكثير قال والسيل ماء الوادي إذا سال وما كان دون السيل الكثير فهو غيل وقيل الغيل الماء الصافي دون

(24/165)


السيل الكثير وقال ابن السكيت الغيل الماء الجاري على الأرض وأما النضح والناضح فهي بقر السواني والرشاء حبل البئر والدلو والدالية الخطارة عندنا والغرب الدلو. وقد جاء في الحديث ما سقي بالغرب أو كان عثريا أو سقي نضحا أو سيحا أو سقي بالرشاء. وهذه الأحاديث كلها بمعنى واحد وأجمع العلماء على القول بظاهرها في المقدار المأخوذ في الشيء المزكي من الزرع وذلك العشر في البعل كله من الحبوب والثمار التي تجب فيها الزكاة عندهم كل على أصله من الحبوب والثمار التي تجب فيها الزكاة على حسبما قدمنا عنهم في باب عمرو بن يحيى من هذا الكتاب وكذلك ما سقت العيون والأنهار لأن المؤونة فيه قليلة واتباعا للسنة وأما ما سقي بالدوالي والسواني فنصف العشر فيما تجب فيه الزكاة عندهم هذا ما لا خلاف فيه بينهم
واختلفوا في معنى آخر من هذا الحديث فقالت طائفة هذا الحديث يوجب العشر في كل ما زرعه الآدميون من الحبوب والبقول وكل ما أنبتته أشجارهم من الثمرات كلها قليل ذلك وكثيره يؤخذ منه العشر أو نصف العشر على حسبما ذكرنا عند جداده وحصاده وقطافه كما قال الله عز وجل {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} يريد العشر أو نصف العشر وممن ذهب إلى هذا أبو حنيفة وزفر فقالا في قليل ما تخرجه الأرض وكثيره العشر أو نصف العشر إن سقي بالدالية والسانية إلا الحطب والقصب والحشيش

(24/166)


وقال أبو يوسف ومحمد بن الحسن لا شيء فيما تخرجه الأرض إلا فيما كان له ثمرة باقية ثم تجب فيما يبلغ خمسة أوسق لا يجب فيما دونه
وذكر عبد الرزاق عن معمر عن سماك بن الفضل قال كتب عمر ابن عبد العزيز أن يؤخذ مما أنبتت الأرض من قليل أو كثير العشر
وقال أبو حنيفة وأبو يوسف إذا بلغ الزعفران خمسة أوسق أخذ منه العشر
واعتبر مالك والثوري وابن أبي ليلى والشافعي والليث خمسة أوسق وقالوا لا زكاة فيما دونها وهو قول أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأبي ثور وابن المبارك وجمهور أهل الرأي والحديث واختلفوا في الحبوب والثمار التي تجب فيها الزكاة وقد ذكرنا أقاويلهم في ذلك في باب عمرو بن يحيى من هذا الكتاب والحمد لله
وقال داود بن علي في هذا الباب قولا بعضه كقول أبي حنيفة ومن تابعه وبعضه كقول سائر الفقهاء قال أما ما يؤكل أو يشرب مما يكال أو يزرعه الآدميون من الحبوب كلها والثمار فلا زكاة فيه حتى يبلغ خمسة أوسق وأما ما لا يكال ولا يضبط بكيل مما ينبته الناس ففي قليله وكثيره العشر أو نصف العشر على حسبما يسقى به

(24/167)


قال أبو عمر:
أما قوله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث: "فيما سقت السماء والأنهار والعيون العشر وما سقي النضح نصف العشر" فمعناه عند جماعة أهل الحجاز وجمهور أهل العراق إذا بلغ المقدار خمسة أوسق وكان ما تجب فيه الزكاة من الثمار والحبوب فحينئذ يجب فيه العشر ونصف العشر ولا فرق بين أن يرد هذا في حديثين أو في حديث واحد ويدل على صحة هذا المذهب مع استفاضة في أهل العلم أنه لم يأت عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من أصحابه ولا من التابعين بالمدينة أنه أخذ الصدقة من الخضر والبقول وكانت عندهم موجودة فدل على أن ذلك معفو عنه كما عفي عن الدور والدواب لأن الأصل العفو والوجوب طار عليه
ذكر عبد الرزاق عن قيس بن الربيع عن أبي إسحاق عن عاصم ابن ضميرة عن علي قال ليس في الخضر صدقة
وعن إبراهيم بن طهمان عن منصور عن مجاهد قال ليس في الخضر زكاة. قال منصور فذكرت ذلك لإبراهيم فقال صدق
وقال موسى بن طلحة لم يأخذ معاذ بن جبل من الخضر شيئا وقال إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ليس في الخضر زكاة" .
ومما يدل أيضا على ذلك وهو مذهب من أوجب الزكاة في الخضر أن الزكاة إنما تجب في العين المزكاة بجزء من أجزائها وأكثر

(24/168)


الذين أوجبوا الزكاة في البقول أوجبوها في قيمتها ولا أصل لأخذ القيمة في الزكاة
ذكر معمر عن الزهري قال في الخضر والفاكهة إذا بلغ ثمنها مائتي درهمك ففيها خمسة دراهم قال والزيتون يكال ففيه العشر وإن سقي بالرشاء ففيه نصف العشر
قال معمر وكان في زمن عمر بن عبد العزيز يؤخذ من الورس العشر
واختلف الفقهاء فيما سقي مرة بماء السماء والنهر ومرة بدالية فقال مالك ينظر إلى ما تم به الزرع فيزكي عليه العشر أو النصف العشر فأي ذلك كان أكثر سقيه زكي عليه هذه رواية ابن القاسم عنه
وروى ابن وهب عن مالك إذا سقي نصف سنة بالعيون ثم انقطعت فسقي بقية السنة بالناضح فإن عليه نصف زكاته عشرا والنصف الآخر نصف العشر وقال مرة أخرى زكاته بالذي تمت به حياته وقال الشافعي يزكي كل واحد منهما بحسابه وبهذا كان يفتي بكار بن قتيبة وهو حنفي وهو قول يحيى بن آدم
وقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد ينظر إلى الأغلب فيزكي به ولا يلتفت إلى ما سوى ذلك

(24/169)


قال الطحاوي قد اتفق الجميع على أنه لو سقاه بماء المطر يوما أو يومين أنه لا اعتبار به ولا يجعل لذلك حصة فدل على أن الاعتبار بالأغلب.

(24/170)


الحديث الثاني
...
حديث ثان من البلاغات عن الثقات
مالك أنه بلغه عن بسر بن سعيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا شهدت إحداكن صلاة العشاء فلا تمسن طيبا" .
وهذا الحديث حديث مشهور مسند صحيح من رواية بسر بن سعيد عن زينب الثقفية امرأة ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم
حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن غالب حدثنا أمية بن بسطام حدثنا يزيد بن زريع حدثنا روح بن القاسم عن محمد بن عجلان عن بكير بن الأشج عن بسر بن سعيد عن زينب امرأة ابن مسعود قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا شهدت إحداكن العشاء الآخرة فلا تمسن طيبا" .
أخبرنا محمد بن عبد الملك وعبيد بن محمد قالا حدثنا عبد الله ابن مسرور قال حدثنا عيسى بن مسكين قال حدثنا محمد بن سنجر الجرجاني قال حدثنا إبراهيم بن سعد قال حدثنا محمد بن عبد الله

(24/171)


ابن هشام عن بكير بن عبد الله بن الأشج عن بسر بن سعيد عن زينب الثقفية امرأة عبد الله بن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها: "إذا خرجت إلى صلاة العشاء فلا تمس طيبا" .
أخبرنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن صبغ قال حدثنا عبيد بن عبد الواحد قال حدثنا علي بن المديني قال حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد الله بن أبي فروة أبو علقمة الفروي قال حدثني يزيد بن خصيفة عن بسر بن سعيد عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أيما امرأة أصابت بخورا فلا تشهدن العشاء" .
قال أبو عمر:
هكذا قال عن بسر بن سعيد عن أبي هريرة وهو عندي خطأ وليس في الإسناد من يتهم بالخطأ فيه إلا أبو علقمة الفروي فإنه كثير الخطأ جدا والحديث إنما هو لبسر بن سعيد عن زينب الثقفية
قرأت على محمد بن إبراهيم بن سعيل أن محمد بن أحمد بن يحيى حدثهم قال حدثنا محمد بن أيوب قال حدثنا أحمد بن عمرو ابن عبد الخالق قال حدثنا الهيثم بن خالد حدثنا الحجاج بن محمد حدثنا ابن جريج حدثنا زياد بن سعد عن الزهري عن بسر بن سعيد عن زينب الثقفية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا شهدت إحداكن صلاة العشاء فلا تمسن طيبا" . وهذا الحديث يقولون إنه انفرد به حجاج عن ابن جريج

(24/172)


أخبرنا خلف بن أحمد وعبد الرحمن بن يحيى قالا أخبرنا أحمد ابن سعيد بن حزم قال حدثنا محمد بن موسى الحضرمي حدثنا إبراهيم بن أبي داود البرلسي قال أتى رجل يحيى بن معين فقال له روى الزهري عن بسر بن سعيد فوقف ثم سألني فأخبرته بحديث ابن أبي فديك وقلت له إن ههنا ببغداد حديثا آخر يرويه سنيد عن حجاج الأعور عن ابن جريج عن زياد بن سعد عن الزهري عن بسر بن سعيد عن زينب الثقفية أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أيما امرأة تبخرت واستنظفت فلا تأتي المسجد" , فلما كان يوم الجمعة الثانية قال لي نظرت في الحديثين أما حديث ابن أبي فديك فهو صحيح وأما حديث حجاج فأنا كتبته عن حجاج من أصل كتابه بالمصيصة وعارضت به كتابي قبل أن أسمعه ثم قرأه علي حجاج ثم قدم حجاج بغداد فعارضته بكتابي أيضا وحدثنا حجاج من كتابه عن ابن جريج عن زياد بن سعد عن بسر بن سعيد عن زينب ليس فيه الزهري
قال أبو عمر:
قد رواه جماعة عن حجاج كما رواه سنيد وعند ابن جريج في هذا الحديث إسناد آخر.
حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد قال حدثنا محمد بن علي بن الحسن الخلال بمرو قال حدثنا محمد بن يعقوب الأصم قال حدثنا طاهر بن عمرو بن الربيع بن طارق قال أخبرني أبي قال

(24/173)


أخبرنا عبد الله بن فروخ عن ابن جريج عن إبراهيم بن قارط عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أيما امرأة تبخرت فلا تشهد العشاء الآخرة" .
قال أبو عمر:
أخشى ألا يكون هذا الإسناد محفوظا والمحفوظ في هذا الباب عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله وليخرجن تفلات"
حدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا ابن وضاح قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا عبد الوهاب الثقفي قال حدثنا محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله وليخرجن إذا خرجن تفلات" .
وأخبرنا أحمد بن محمد قال حدثنا أحمد بن العباس أخبرنا محمد بن جرير قال حدثنا أبو كريب قال حدثنا عبدة بن سليمان والمحاربي جميعا عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله ولا يخرجن إلا تفلات" .
وهذا الحديث في معنى حديث هذا الباب سواء والتفلة هي غير المتطيبة لأن التفل نتن الريح يقال امرأة تفلة إذا كانت متغيرة الريح بنتن أو ريح غير طيبة ومنه قول امرئ القيس:

(24/174)


إذا ما الضجيج ابتزها من ثيابها ... تميل عليه هونة غير متفال
وقال الكميت:
فيهن آنسة الحديث حيية ... ليست بفاحشة ولا متفال
وسيأتي ذكر قوله صلى الله عليه وسلم: "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله" في باب بلاغات مالك إن شاء الله وقد مضى في خروج النساء إلى المساجد ما فيه شفاء في باب يحيى بن سعيد والحمد لله

(24/175)


الحديث الثالث
...
حديث ثالث من بلاغات مالك عن الثقة عنده
مالك عن الثقة عنده عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع العربان"
هكذا قال يحيى عن مالك عن الثقة عنده في هذا الحديث عن عمرو بن شعيب وتابعه قوم منهم ابن عبد الحكم. وقال القعنبي والتنيسي وجماعة عن مالك أنه بلغه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وسواء قال عن الثقة عنده أو بلغه لأنه كان لا يأخذ ولا يحدث إلا عن ثقة عنده وقد تكلم الناس في الثقة عنده في هذا الموضع وأشبه ما قيل فيه أنه أخذه عن ابن لهيعة أو عن ابن وهب عن ابن لهيعة لأن ابن لهيعة سمعه عن عمرو بن شعيب ورواه عنه حدث به عن ابن لهيعة ابن وهب وغيره وابن لهيعة أحد العلماء إلا أنه يقال إنه احترقت كتبه فكان إذا حدث بعد ذلك من حفظه غلط وما رواه عنه ابن المبارك وابن وهب فهو عند بعضهم صحيح

(24/176)


ومنهم من يضعف حديثه كله وكان عنده علم واسع وكان كثير الحديث إلا أن حاله عندهم ما وصفنا
حدثنا خلف بن قاسم حدثنا أبو محمد بكر بن عبد الرحمن الخلال حدثنا يحيى بن عثمان بن صالح بن صفوان حدثنا حرملة ابن يحيى حدثنا ابن وهب عن مالك عن عبد الله بن لهيعة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده "أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع العربان". هكذا قال عن عبد الله بن وهب عن مالك عن عبد الله بن لهيعة والمعروف فيه ابن وهب عن ابن لهيعة
وقد حدثنا خلف بن قاسم حدثنا محمد بن عبد الله بن أحمد القاضي حدثنا محمد بن يوسف الهروي حدثنا إسماعيل بن محمد ابن يوسف الجبيري حدثنا حبيب بن أبي حبيب حدثنا مالك بن أنس قال ليس الحديث على هذا إنما الحديث على حديث عبد الله بن عامر عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده "أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع العربان". والإسناد الأول أشبه لأن حبيبا هذا ضعيف له عن مالك خطأ كثير ومناكير
وجدت في أصل سماع أبي بخطه رحمه الله أن محمد بن أحمد بن قاسم حدثهم قال حدثنا سعيد بن عثمان قال حدثنا نصر ابن مرزوق قال حدثنا أسد بن موسى قال حدثنا ابن لهيعة قال حدثنا عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع العربان". وهذا الحديث أكثر ما يعرف من حديث ابن لهيعة

(24/177)


وقد جاء عن زيد بن أسلم مرسلا وقد روي من حديث الحرث بن أبي ذباب عن عمرو بن شعيب حدثناه عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن إبراهيم بن حيون قال حدثني محمد بن موسى الأثط بطرسوس قال حدثنا أبو موسى إسحاق بن موسى الأنصاري قال حدثنا عاصم بن عبد العزيز قال حدثنا الحرث يعني ابن عبد الرحمن بن أبي ذباب عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده "أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع العربان"
وقال مالك في موطئه بإثر ذكره لهذا الحديث قال مالك وذلك في ما نرى والله أعلم أن يشتري الرجل العبد أو الوليدة أو يتكارى الدابة ثم يقول للذي اشتراه منه أو تكارى منه أعطيك دينارا أو درهما أو أكثر من ذلك أو أقل على أني إن أخذت السلعة أو ركبت ما تكاريت منك فالذي أعطيتك هو من ثمن السلعة أو من كراء الدابة وإن تركت ابتياع السلعة أو كراء الدابة فما أعطيتك لك باطل بغير شيء
قال أبو عمر:
على قول مالك هذا جماعة فقهاء الأمصار من الحجازيين والعراقيين منهم الشافعي والثوري وأبو حنيفة والأوزاعي والليث

(24/178)


لأنه من بيع القمار والغرر والمخاطرة وأكل المال بغير عوض ولا هبة وذلك باطل وبيع العربان منسوخ عندهم إذا وقع قبل القبض وبعده وترد السلعة إذا كانت قائمة فإن فاتت رد قيمتها يوم قبضها وعلى كل حال يرد ما أخذ عربانا في الكراء والبيع
وقد روي عن قوم منهم ابن سيرين ومجاهد ونافع بن عبد الحارث وزيد بن أسلم أنهم أجازوا بيع العربان على ما وصفنا وذلك غير جائز عندنا وكان زيد بن أسلم يقول أجازه رسول الله صلى الله عليه وسلم
قال أبو عمر:
وهذا لا يعرف عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجه يصح وإنما ذكره عبد الرزاق عن الأسلمي عن زيد بن أسلم مرسلا وهذا ومثله ليس بحجة ويحتمل أن يكون بيع العربان الجائز على ما تأوله مالك والفقهاء معه وذلك أن يعربنه ثم يحسب عربانه من ثمنه إذا اختار تمام البيع وهذا لا خلاف في جوازه عن مالك وغيره والحمد لله

(24/179)


الحديث الرابع
...
حديث رابع من بلاغات مالك
مالك أنه بلغه عن أبي الحباب سعيد بن يسار عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ما يزال المؤمن يصاب في ولده وحامته حتى يلقى الله وليست له خطيئة" .
هكذا جاء هذا الحديث في الموطأ عند عامة رواته وقد حدثنا خلف ابن قاسم رحمه الله قال حدثنا عبد الله بن جعفر بن الورد حدثنا علي بن سعيد بن بشير الرازي حدثنا عبد الله بن جعفر بن يحيى بن خالد البرمكي حدثنا معن بن عيسى حدثنا مالك عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن أبي الحباب عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا يزال المؤمن يصاب في ولده وحامته حتى يلقى الله وما عليه خطيئة" .
قال أبو عمر:
لا أحفظه لمالك عن ربيعة عن أبي الحباب إلا بهذا الإسناد وأما معناه فصحيح محفوظ عن أبي هريرة من وجوه
وقد روى مالك عن ابن أبي صعصعة عن أبي الحباب سعيد بن يسار سمعه يقول سمعت أبا هريرة يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من يرد الله به خيرا يصب منه" .

(24/180)


وأما قوله في هذا الحديث: "وحامته" فذكر حبيب عن مالك قال حامته ابن عمه وصاحبه من جلسائه. وقال غيره حامته قرابته ومن يحزنه موته وذهابه
أخبرنا عبد الوارث حدثنا قاسم حدثنا مطرف بن عبد الرحمن ابن قيس حدثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي عن سفيان بن عيينة عن ابن أبي الزناد عن هشام بن عروة عن أبيه قال بينما عمر بن الخطاب يطوف بالبيت إذا برجل على عنقه مثل المهاة وهو يقول:
صرت لهذي جملا ذلولا ... موطأ أتبع السهولا
أعدلها بالكف أن تزولا ... أحذر أن تسقط أو تميلا
أرجو بذلك نائلا جزيلا
قال: فقال له عمر بن الخطاب: يا عبد الله من هذه التي وهبت لها حجك قال: امرأتي يا أمير المؤمنين:
أما إنها حمقاء مرعامة أكول قامة ما تبقى لنا حامة
قال فما بالك لا تطلقها قال يا أمير المؤمنين هي حسناء فلا تفرك وأم صبيان فلا تترك
قال: فشأنك بها إذا
قال الحزامي: مرعامة سال رعامها وهو المخاط فمن رعونتها لا تمسحه قامة تقم كل شيء لا تشبع. لا تبقى لنا حامة يقول لا يبقى لها أحد قاربها ممن يحوم من حامته إلا شارته

(24/181)


حدثنا أحمد بن قاسم بن عبد الرحمن وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا الحرث بن أبي أسامة قال حدثنا سعيد بن عامر قال حدثنا محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه وفي ماله وفي ولده حتى يلقى الله وليست له خطيئة" .
حدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا ابن وضاح قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا أبو أسامة عن الوليد بن كثير عن محمد بن عمرو بن عطاء عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد وأبي هريرة أنهما سمعا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ما يصيب المؤمن من وصب ولا نصب ولا سقم ولا حزن حتى الهم يهمه إلا كفر الله به عنه من خطاياه" .
وحدثنا خلف بن القاسم قال حدثنا عبد الله بن محمد الخصيبي القاضي قال حدثنا يوسف بن يعقوب القاضي قال حدثنا عمرو بن مرزوق قال حدثنا زائدة عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يزال البلاء بالعبد المؤمن والعبدة المؤمنة في ماله وولده حتى يلقى الله وما عليه من خطيئة" .
أخبرنا أحمد بن محمد قال حدثنا وهب بن مسرة قال حدثنا ابن وضاح قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا علي بن مسهر عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن رسول الله

(24/182)


صلى الله عليه وسلم قال: "لا يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة حتى يلقى الله وما عليه خطيئة" .
ورواه حماد بن سلمة وجماعة عن محمد بن عمرو بإسناده مثله
وروى في هذا المعنى عن النبي صلى الله عليه وسلم جماعة من أصحابه وإنما ذكرنا ما بلغنا فيه من حديث أبي هريرة خاصة لأنه الذي ذكر مالك أنه بلغه عن أبي الحباب عن أبي هريرة

(24/183)


الحديث الخامس
...
حديث خامس من بلاغات مالك عمن يثق به
مالك عن الثقة عنده عن يعقوب بن عبد الله بن الأشج عن بسر بن سعيد عن سعيد بن أبي وقاص عن خولة بنت حكيم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من نزل منزلا فليقل أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق فإنه لن يضره شيء حتى يرتحل" .
هكذا قال يحيى عن مالك عن الثقة عنده عن يعقوب وقال القعنبي وابن بكير وابن القاسم وابن وهب عن مالك أنه بلغه عن يعقوب والمعنى واحد ولم يكن مالك يروي إلا عن ثقة ويعقوب بن عبد الله بن الأشج يكنى أبا يوسف وهو أخو بكير بن عبد الله بن الأشج وهو موالي المسور بن مخرمة وكان يعقوب هذا رجلا صالحا توفي بأرض الروم سنة إحدى وعشرين ومائة
وبسر بن سعيد أحد فضلاء التابعين الجلة وقد ذكرناه فيما سلف من كتابنا ببعض أخباره وهو مولى لحضرموت توفي سنة مائة. وهذا الحديث رواه عن يعقوب بن الأشج جماعة ثقات منهم الحرث بن يعقوب وابن عجلان واختلفا عليه في إسناده
أخبرنا محمد بن إبراهيم قال حدثنا محمد بن معاوية قال حدثنا أحمد بن شعيب قال أخبرنا قتيبة بن سعيد حدثنا الليث عن يزيد

(24/184)


ابن أبي شبيب عن الحرث بن يعقوب عن يعقوب بن عبد الله عن بسر بن سعيد عن سعد بن أبي وقاص عن خولة بنت حكيم السلمية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من نزل منزلا ثم قال أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق لم يضره شيء حتى يرتحل من منزله ذلك" . هكذا قال عن يزيد عن الحرث وغيره يقول فيه عن الليث عن يزيد والحرث جميعا عن يعقوب وكذلك رواه ابن وهب عن عمرو بن الحرث عن يزيد والحرث جميعا عن يعقوب
وأخبرنا عبد الله بن محمد بن أسد قال حدثنا حمزة بن محمد ابن علي قال حدثنا أحمد بن شعيب قال أخبرنا محمد بن معمر قال حدثنا حبان قال حدثنا وهيب قال حدثنا ابن عجلان عن يعقوب ابن عبد الله بن الأشج عن سعيد بن المسيب عن سعد بن مالك عن خولة بنت حكيم قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لو أن أحدكم إذا نزل منزلا قال أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق لم يضره في ذلك المنزل شيء حتى يرتحل منه" .
قال أبو عمر:
أهل الحديث يقولون إن رواية الليث هي الصواب دون رواية ابن عجلان ورواية ابن وهب عن الليث أصح من رواية قتيبة عندي في هذا والله أعلم

(24/185)


قال أبو عمر:
حديث ابن عجلان رواه ابن عيينة عن ابن عجلان عن يعقوب عن سعيد مرسلا. ورواه بكير عن سليمان بن يسار وبسر بن سعيد مرسلا والقول قول من وصله وأسنده وقد مضى ما فيه من القول فيما سلف من هذا الكتاب. وفي الاستعاذة بكلمات الله أبين دليل على أن كلام الله منه تبارك اسمه وصفة من صفاته ليس بمخلوق لأنه محال أن يستعاذ بمخلوق وعلى هذا جماعة أهل السنة والحمد لله
حدثنا أحمد بن فتح قال حدثنا عبد الله بن أحمد بن حامد البغدادي الباهلي المعروف بابن ثرثال قال حدثنا الحسن بن الطيب ابن حمزة الشجاعي البلخي قال حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن راهويه الحنظلي قال ذكر سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار قال أدركت الناس منذ سبعين سنة وكان قد أدرك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فمن دونهم يقولون الله عز وجل الخالق وما سواه مخلوق إلا القرآن فإنه كلام الله منه خرج وإليه يعود.
أخبرنا عبد الله بن محمد بن يوسف قال أخبرنا الحسن بن إسماعيل بن محمد بمصر قال حدثنا عبد العزيز بن أحمد قال حدثنا علي بن عبد الرحمن بن المغيرة قال حدثنا عثمان بن صالح قال حدثنا ابن لهيعة قال حدثني عمرو بن دينار عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أدركه الليل وهو في أرض عدو

(24/186)


أو مخافة قال: "يا أرض ربي وربك الله آمنت بالذي خلقك وسواك أعوذ بالله من شر إنسك وجنك ومن شر كل حية وأسد وعقرب وأسود ومن ساكن البلد ومن شر والد وما ولد" .
حدثنا سعيد بن عثمان قال حدثنا أحمد بن دحيم قال حدثنا أحمد بن داود بن سليمان قال حدثنا يونس بن عبد الأعلى قال حدثنا ابن وهب قال أخبرني إسماعيل بن عياش عن صفوان بن عمرو عن شريح بن عبيد الحضرمي أنه سمع الزبير بن الوليد يحدث عن عبد الله بن عمرو قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا غزا أو سافر فأدركه الليل قال: "يا أرض ربي وربك الله أعوذ بالله من شرك وشر ما فيك وشر ما دب عليك أعوذ بالله من شر كل أسد وأسود وحية وعقرب ومن ساكن البلد ومن شر والد وما ولد" .
وأخبرنا عبد الله حدثنا الحسن حدثنا عثمان بن محمد البغدادي حدثنا إبراهيم بن إسحاق بن محمد الحربي حدثنا سعد بن عبد الحميد عن ابن أبي الزناد عن موسى بن عقبة عن عطاء بن أبي مروان عن أبيه عن عبد الرحمن بن مغيث عن صهيب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "اللهم رب السماوات السبع وما أظللن ورب الأرضين السبع وما أقللن ورب الشياطين وما أظللن أسألك من خير هذه القرية وخير أهلها وخير ما فيها ونعوذ بك من شرها وشر أهلها وشر ما فيها أسألك مودة خيارهم وأن تجنبني شرارهم" .

(24/187)


الحديث السادس
...
حديث سادس من بلاغات مالك
مالك أنه بلغه عن بكر بن عبد الله بن الأشج عن ابن عطية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا عدوى ولا هام ولا صفر ولا يحل الممرض على المصح وليحلل المصح حيث شاء" قالوا يا رسول الله وما ذاك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنه أذى" .
هكذا رواه يحيى وتابعه قوم ورواه القعنبي عن مالك أنه بلغه عن بكير بن عبد الله بن الأشج عن ابن عطية الأشجعي عن أبي هريرة فزاد في الإسناد عن أبي هريرة وتابعه جماعة من أصحاب مالك منهم عبد الله بن يوسف وأبو المصعب ويحيى بن بكير إلا أن ابن بكير قال فيه عن مالك عن أبي عطية الأشجعي عن أبي هريرة
ورواه ابن نافع عن مالك عن المقبري عن أبي هريرة ولم يتابع عليه
وقيل في ابن عطية اسمه عبد الله بن عطية يكنى أبا عطية وقيل هو مجهول والحديث محفوظ لأبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه كثيرة صحاح من حديث ابن شهاب وغيره وليس عند مالك فيه غير

(24/188)


ما في الموطأ ولا عنده فيه حديث ابن شهاب والله أعلم لأنه لم يروه عنه أحد من ثقات أصحابه
وقد أخبرنا محمد حدثنا علي بن عمر حدثنا أحمد بن محمد بن سعيد حدثنا أحمد بن محمد بن يحيى الخازمي حدثنا عبد الملك ابن بديل حدثنا مالك عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا يورد ممرض على مصح" .
قال علي بن عمر تفرد به عن مالك عبد الملك بن بديل وكان ضعيفا
قال أبو عمر:
الصحيح فيه عن مالك ما في الموطأ القعنبي وجمهور رواته
حدثنا خلف بن قاسم حدثنا محمد بن عبد الله بن أحمد القاضي حدثنا أحمد بن عبد الوارث بن جرير العسال حدثنا أحمد بن سعيد الهمداني حدثنا زياد بن موسى الحضرمي أخبرنا مالك أنه بلغه عن بكير بن عبد الله بن الأشج عن ابن عطية الأشجعي عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا هام ولا صفر" الحديث إلى آخره
وحدثنا خلف حدثنا محمد بن عبد الله حدثنا يحيى بن محمد بن صاعد حدثنا أبو هشام الرفاعي حدثنا بشر بن عمر الزهراني حدثنا مالك أنه بلغه عن بكير بن عبد الله بن الأشج عن أبي عطية أو ابن

(24/189)


عطية شك بشر عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا طيرة ولا هام ولا يعدي سقيم صحيحا وليحل المصح حيث شاء" .
ورويناه عن يحيى بن بكير قال سمعت مالك بن أنس يقول مات بكير بن الأشج أيام هشام بن عبد الملك وكان من نبلاء الناس
أخبرنا عبد الرحمن بن يحيى قال حدثنا علي بن محمد قال حدثنا أحمد بن داود قال حدثنا سحنون أخبرنا ابن وهب قال أخبرنا يونس بن يزيد عن ابن شهاب أن أبا سلمة بن عبد الرحمن حدثه قال كان أبو هريرة يحدثنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا عدوى وحدثنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا يورد ممرض على مصح" الحديثين كليهما ثم صمت أبو هريرة بعد ذلك عن قوله: "لا عدوى" . وأقام على أن لا يورد ممرض على مصح. قال فقال الحرث ابن أبي ذباب وهو ابن عم أبي هريرة قد كنت أسمعك يا أبا هريرة تحدثنا مع هذا الحديث حديثا آخر قد سكت عنه كنت تقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا عدوى" فأبى أبو هريرة أن يحدث ذلك وقال لا يورد ممرض على مصح. فما رآه الحرث في ذلك حتى غضب أبو هريرة ورطن بالحبشية فقال للحرث أتدري ماذا قلت قال لا قال أبو هريرة إني أقول أبيت أبيت. قال أبو سلمة فلعمري لقد كان أبو هريرة يحدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا عدوى ولا هام" فلا أدري أنسي أبو هريرة أو نسخ أحد القولين الآخر

(24/190)


ورواه الليث بن سعد عن عبد الرحمن بن خالد بن مسافر عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة مثله سواء إلى آخره بمعناه
وروى يونس أيضا ومعمر عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا عدوى ولا هامة ولا صفر" فقام أعرابي فقال يا رسول الله إن الإبل تكون في الرمل كأنها الظباء فيرد عليها البعير الأجرب فتجرب كلها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فمن أعدى الأول" هكذا قال معمر ويونس عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة فيما ذكره عبد الرزاق وغيره عن معمر وابن وهب عن يونس وخالفهما الزبيدي وشعيب وابن بكير فرووه عن الزهري عن سنان بن أبي سنان الدولي عن أبي هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا عدوى" فقام أعرابي فذكره سواء
وروى محمد بن أبي عتيق وموسى بن عقبة عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله أن أبا هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا طيرة وخيرها الفال" قالوا يا رسول الله وما الفأل قال: "الكلمة الصالحة".
وقد أخبرنا عبد الله بن محمد بن يوسف حدثنا الحسن بن إسماعيل حدثنا جعفر بن محمد بن بريد الشاهد حدثنا أبو زكرياء يحيى بن زكرياء بن حيويه النيسابوري قال حدثنا محمد بن يحيى قال حدثنا عبد الرزاق قال أخبرنا معمر عن الزهري عن عبيد الله ابن عبد الله بن عتبة عن أبي هريرة قال سمعت رسول

(24/191)


الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لا طيرة وخيرها الفأل" قيل وما الفأل قال: "الكلمة الصالحة يسمعها أحدكم" .
قال أبو عمر:
هما حديثان عند الزهري بهذين الإسنادين فحديث أبي سلمة فيه لا عدوى ولا هامة ولا صفر وليس فيه ذكر الفأل وحديث عبيد الله فيه لا طيرة وخيرها الفأل وليس فيه ذكر لا عدوى ولا صفر.
وقد روى شعبة وهشام عن قتادة عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا عدوى ولا طيرة ويعجبني الفأل الصالح" أو قال: "وأحب الفأل الصالح" قيل يا رسول الله وما الفأل قال: "الكلمة الطيبة" أو قال: "الكلمة الحسنة" .
أخبرنا محمد بن زكرياء قال حدثنا أحمد بن سعيد قال حدثنا أحمد بن خالد قال حدثنا مروان بن عبد الملك قال حدثنا عبد الرحمن ابن أخي الأصمعي قال حدثنا عمي عن ابن عون عن ابن سيرين قال كانوا يستحبون الفأل ويكرهون الطيرة قال فقلت لابن عون يا أبا عون ما الفأل قال أن تكون باغيا فتسمع يا واجد أو تكون مريضا فتسمع يا سالم.
أخبرنا عبد الله بن محمد بن يوسف قال حدثنا الحسن بن إسماعيل بن محمد قال حدثنا أحمد بن عاصم أبو جعفر الحافظ

(24/192)


قال حدثنا علي بن عبد العزيز قال حدثنا معلى بن أسد قال حدثنا عبد العزيز بن المختار قال حدثني يحيى بن عتيق قال حدثنا محمد ابن سيرين عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا عدوى ولا طيرة وأحب الفأل الصالح" .
وأخبرنا خلف بن قاسم حدثنا محمد بن جعفر بن دران غندر قال حدثنا أحمد بن علي قال حدثنا إبراهيم بن الحجاج قال حدثنا عبد العزيز بن المختار قال حدثنا يحيى بن عتيق عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا عدوى ولا طيرة ويعجبني الفأل" .
أخبرنا أحمد بن قاسم حدثنا ابن أبي دليم حدثنا ابن وضاح حدثنا كثير بن هشام عن فراك ابن سليمان عن عبد الكريم الجزري عن زياد بن أبي مريم قال خرج سعد بن أبي وقاص في سفر فأقبلت الظباء نحوه فلما دنت منه رجعت فقال له رجل ارجع أيها الأمير قال أخبرني من أيها تطيرت. أمن قرونها حين أقبلت أم من أذنابها حين أدبرت ثم قال سعد عند ذلك إن الطيرة لشعبة من الشرك.
وقد روى سعد بن أبي وقاص وعبد الله بن عباس وجماعة من الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم لا عدوى ولا طيرة ولا هامة. حدثناه عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا بكر بن

(24/193)


حماد قال حدثنا عبدة قال حدثنا يحيى حدثنا هشام عن يحيى بن أبي كثير عن الحضرمي بن لاحق عن سعيد بن المسيب قال سألت سعد بن مالك عن الطيرة فانتهرني وقال من حدثك فكرهت أن أحدثه فقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لا عدوى ولا طيرة ولا هامة وإن كانت الطيرة في شيء ففي المرأة والفرس والدار وإذا كان الطاعون بأرض وأنتم بها فلا تفروا منها" . ورواه ابن عباس
حدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا ابن وضاح قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا أبو الأحوص عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا طيرة ولا هامة ولا صفر" . فقال رجل من القوم إنا نطرح الشاة الجرباء في الغنم فتجربهن فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أو ابن عباس الأولى من أجربها.
وروينا عن عكرمة أنه قال كنا عند ابن عمر وعنده ابن عباس ومر غراب يصيح فقال رجل من القوم خير خير فقال ابن عباس لا خير ولا شر
حدثنا عبد الوارث قال حدثنا قاسم قال حدثنا إبراهيم بن إسحاق النيسابوري حدثنا يحيى بن يحيى قال أخبرنا أبو خيثمة عن أبي الزبير عن جابر قال قال رسو الله صلى الله عليه وسلم: "لا عدوى ولا طيرة ولا غول" .

(24/194)


روى الثوري وغيره عن منصور عن سلمة بن كهيل عن عيسى ابن عاصم عن زر عن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الطيرة شرك وما منا إلا ولكن الله يذهبه بالتوكل" .
وروى الليث بن سعد ومفضل بن فضالة عن عياش بن عباس عن عمران بن عبد الرحمن بن شرحبيل بن حسنة عن أبي خراش الحميري عن فضالة بن عبيد سمعه يقول من ردته الطيرة فقد قارب الشرك
قال أبو عمر:
ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن التطير وقال لا طيرة وذلك أنهم كانوا في الجاهلية يتطيرون فنهاهم عن ذلك وأمرهم بالتوكل على الله لأنه لا شيء في حكمه إلا ما شاء ولا يعلم الغيب غيره
حدثنا عبد الرحمن بن يحيى قال أخبرنا أحمد بن سعيد قال حدثنا محمد بن زبان قال حدثنا زكرياء بن يحيى بن صالح قال حدثنا المفضل بن فضالة عن عياش بن عباس القتباني عن عمران ابن عبد الرحمن القرشي عن أبي خراش الهذلي قال سمعت فضالة ابن عبيد الأنصاري يقول من ردته طيرة عن شيء فقد قارب الإشراك
أخبرنا قاسم بن محمد قال حدثنا خالد بن سعد قال حدثنا أحمد بن عمرو قال حدثنا محمد بن سنجر قال حدثنا فهد بن

(24/195)


عوف وعبيد الله بن محمد العيشي قالا حدثنا حماد بن سلمة عن أبي سنان عن أبي طلحة الخولاني سمع عمير بن سلمة يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا عدوى ولا طيرة ولا هام ألا ترى إلى البعير يكون في الصحراء فيصبح في كركرته أو في مراق بطنه نكتة من جرب لم تكن فيه قبل ذلك فمن أعدى الأول" .
أخبرنا أحمد بن محمد قال حدثنا وهب بن مسرة قال حدثنا ابن وضاح قال أخبرنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا علي بن مسهر عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يورد الممرض على المصح" .
قال أبو عمر:
أما قوله صلى الله عليه وسلم: "لا عدوى" فهو نهى عن أن يقول أحد إن شيئا يعدي شيئا وإخبار أن شيئا لا يعدي شيئا فكأنه قال لا يعدي شيء شيئا يقول ولا يصيب أحد من أحد شيئا من خلق أو فعل أو داء أو مرض وكانت العرب تقول في جاهليتها مثل هذا أنه إذا اتصل شيء من ذلك بشيء أعداه فأخبرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن قولهم ذلك واعتقادهم في ذلك ليس كذلك ونهى عن ذلك القول
وقد ذكرنا في الطيرة والتطير ما للعلماء في ذلك والحكماء ما فيه تبصير وشفاء لما في الصدور في باب ابن شهاب عن سالم وحمزة

(24/196)


وذكرنا ما جاء في الغول والغيلان فيما تقدم أيضا من هذا الكتاب ما فيه مقنع لذوي الألباب
أخبرنا عبد الوارث حدثنا قاسم حدثنا ابن قتيبة حدثنا أبو حاتم عن الأصمعي قال حدثنا سعيد بن مسلم بن قتيبة عن أبيه أنه كان يعجب ممن يصدق بالطيرة ويعيبه أشد العيب وقال فرقت لنا ناقة وأنا بالطف فركبت في إثرها فلقيني هانى ء بن عتبة من بني وائل وهو يركض ويقول:
والشر يلقى مطالع الأكم
ثم لقيني رجل آخر من الحي وهو يقول
ولئن بغت لهم بغاة ... ما البغاة بواجدينا
:من شعر لبيد ثم دفعت إلى غلام قد وقع في حفيرة من نار فقيح وجهه وفسد فقلت له هل سمعت بناقة فروق قال ههنا أهل بيت من الأعراب فانظر فوجدناها قد نتجت ومعها ولدها قال صاحب العين فرقت الناقة تفرق فروقا إذا ذهبت في الأرض بوجع ولادتها فهي فارق
وأما قوله: "ولا هامة" فاختلف فيه فقيل كانت العرب تقول إن الرجل إذا قتل خرج من رأسه طائر يزقو فلا يسكت حتى يقتل قاتله

(24/197)


قال الشاعر:
فإن تك هامة بهراة تزقو ... فقد أزقيت بالمروين هاما
يعني مرو الروذ ومرو الشاهجان كذلك ذكر أبو عبد الله العدوي
وقال أبو عبيد أما الهامة فإن العرب كانت تقول إن عظام الميت تصير هامة فتطير
وقال أبو عمرو مثل ذلك وكانوا يسمون ذلك الطائر الصدى يعني الذي يخرج من هامة البيت إذا بلي
قال أبو عبيد وهذا في أشعار العرب كثير قال أبو ذؤاد الإيادي:
سلط الموت والمنون عليهم ... فلهم في صدى المقابر هام
فذكر الصدى والهام جميعا
وقال لبيد يرثي أخاه أربد:
فليس الناس بعدك في نفير ... وما هم غير أصداء وهام
قال وقال آخرون كان أهل الجاهلية يقولون إذا مات الرجل خرجت من رأسه هامة فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا هامة" أي لا يخرج من رأسه هامة. وكانوا أيضا يقولون إن هامته صدئت من حب الشراب فنهوا عن ذلك كله
وأما قوله: "لا صفر" فاختلف فيه أيضا قال ابن وهب قال بعضهم هو من الصفار يكون بالإنسان حتى يقتله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يقتل الصفار أحدا" . قال ابن وهب وقال آخرون هو شهر

(24/198)


صفر كانوا يحرمونه عاما ويحلونه عاما فقال لا صفر يقول لا تتحول الشهور عن أسمائها.
وقد ذكر ابن القاسم عن مالك هذا القول قال كانوا يحلون بصفرين يحلونه عاما ويحرمونه عاما. قال وقال مالك والهامة أراها الطائرة التي يقال لها الهامة
وقال أبو عبيد سمعت يونس يسأل رؤبة بن العجاج عن الصفر فقال هي حية تكون في البطن تصيب الماشية والناس وهي أعدى من الحرب قال أبو عبيد فأبطل النبي صلى الله عليه وسلم أنها تعدي يقال إنها تشتد على الإنسان وتؤذيه
قال أعشى باهلة:
لا يتآوى لما في القبر يرقبه ... ولا يعض على شرسوفه الصفر
قال أبو عبيد ويقال في الصفر إنه أخر لهم المحرم إلى صفر في تحريمه
وقال العدوي قال لي الأصمعي وابن الأعرابي جميعا ما رأينا العرب يقفون على الصفر بعضهم يقول حية وبعضهم يقول داء في البطن
قال العجاج كي الطبيب نائط المصفور
ويروى قضب الطبيب نائط المصفور قال ابن قتيبة الصفار والصفر هما اجتماع الماء في البطن يعالج بقطع النائط وهو عرق في الصلب وأنشد بيت العجاج المذكور.

(24/199)


قال وقال أعشى باهلة:
لا يغمز الساق من أين ولا نصب ... ولا يعض على شرسوفه الصفر
والشرسوف اللحم الرقيق في الأضلاع وهو الطفاطف
حدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن يحيى بن عمر قال حدثنا علي بن حرب قال حدثنا سفيان بن عيينة عن منصور عن أبي وائل قال اشتكى رجل منا يقال له جثم بن العداء بطنه داء تسميه العرب الصفر فبعث له السكر فقال سل لي ابن مسعود فسألته فقال إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم
وأما قوله: "لا يحل الممرض على المصح وليحل المصح حيث شاء" فهو من حل يحل إذا نزل واحتل بقوم والممرض الذي إبله مريضة أو غنمه والمصح الذي إبله أو ماشيته صحيحة يقول لا يدنو ولا ينزل من إبله مريضة على صاحب الإبل الصحيحة فإنه يؤذيه لما يولد في قلبه من حدوث الريب في أن ذلك يعدي وإن كان لا شيء على الحقيقة والنفس تكره ذلك لا سيما مع كانوا عليه من اعتقاد الأعراب في جاهليتهم
وذكر ابن وهب عن ابن لهيعة عن أبي الزبير عن جابر قال يكره أن يدخل المريض على الصحيح وليس به إلا قول الناس
وقال أبو عبيد معنى الأذى عندي المأثم

(24/200)


أخبرنا عبد الله بن محمد قال حدثنا الحسن بن إسماعيل قال حدثنا محمد بن داود بن سليمان البغدادي قال حدثنا بشر بن موسى قال حدثنا المقرى ء عن ابن لهيعة قال أخبرني ابن هبيرة عن أبي عبد الرحمن الحبلي عن عبد الرحمن بن عمرو بن العاصي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من رجعته الطيرة من حاجة فقد أشرك" قال وما كفارة ذلك يا نبي الله قال: "أن يقول أحدهم اللهم لا طير إلا طيرك ولا خير إلا خيرك ولا إله غيرك ثم يمضي لحاجته" .
وذكر ابن وهب قال أخبرني أسامة بن زيد قال سمعت نافع بن جبير بن مطعم يقول سأل كعب الأحبار عبد الله بن عمرو فقال هل تتطير قال نعم فكيف تقول إذا تطيرت قال أقول اللهم لا طير إلا طيرك ولا خير إلا خيرك ولا رب غيرك ولا قوة إلا بك فقال كعب إنه أفقه العرب وإنها لكذلك في التوراة

(24/201)


الحديث السابع
...
حديث سابع عمن يثق به
مالك عن الثقة عنده عن بكير بن عبد الله بن الأشج عن بسر بن سعيد عن أبي سعيد الخدري عن أبي موسى الأشعري أنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الاستئذان ثلاث فإن أذن لك فادخل وإلا فارجع" .
يقال إن الثقة ههنا عن بكير هو مخرمة بن بكير ويقال بل وجده مالك في كتب بكير أخذها من مخرمة. وقال عباس عن يحيى بن معين مخرمة بن بكير ثقة وبكير ثقة ثبت
وقال ابن البرقي قال لي يحيى بن معين كان مخرمة ثبتا ولكن روايته عن أبيه من كتاب وجده لأبيه لم يسمع منه قال وبلغني أن مالكا كان يستعير كتب بكير فينظر فيها ويحدث عنها
وتوفي بكير في زمان هشام وكان يكنى أبا المسور
وقد ذكرنا طرق هذا الحديث في باب ربيعة من هذا الكتاب والحمد لله وهذا الإسناد من أحسن أسانيد هذا الحديث
وأخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن قال حدثنا أحمد بن جعفر بن حمدان قال حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال حدثني

(24/202)


أبي قال حدثني عبد الرزاق أخبرنا معمر عن سعيد الجريري عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري قال سلم عبد الله بن قيس أبو موسى الأشعري على عمر بن الخطاب ثلاث مرات فلم يؤذن له فرجع فأرسل عمر في إثره لم رجعت قال إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إذا سلم أحدكم ثلاثا فلم يوجب فليرجع" .
وحدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا أحمد بن جعفر قال حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال حدثنا أبي قال حدثنا محمد بن جعفر قال قال حدثنا شعبة عن أبي سلمة عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري. قال أحمد بن حنبل وحدثنا يزيد بن هارون قال حدثنا داود بن أبي هند عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري قال استأذن أبو موسى على عمر ثلاثا فلم يأذن له فرجع فلقيه عمر فقال ما شأنك رجعت قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من استأذن ثلاثا فلم يؤذن له فليرجع" . فقال لتأتين على هذا ببينة أو لأفعلن وأفعلن فأتى مجلس قومه فناشدهم فقلت أنا معك فقام رجلان فشهدا له فخلى عنه وهذا لفظ حديث داود
حدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا ابن وضاح قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا حفص بن غياث عن داود عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري عن أبي موسى الأشعري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا استأذن المستأذن ثلاثا فلم يؤذن له فليرجع" .

(24/203)


قال أبو عمر:
قد سمع أبو سعيد الخدري هذا الحديث من النبي صلى الله عليه وسلم وقد بان ذلك في غير ما إسناد وقد ذكرنا بعض طرقها في باب ربيعة فكان أبو سعيد مرة يرويه عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم ومرة عن النبي صلى الله عليه وسلم. وإنما هي حكاية عن قصة أبي موسى فإذا قال عن أبي موسى فإنه يريد بذلك على حسبما ذكره موسى بن هارون في حديث عمر بن سلمة عن البهزي في الحمار الوحشي وقد ذكرنا ذلك في باب يحيى بن سعيد من كتابنا هذا والحمد لله. وقد ذكرنا معاني هذا الباب في باب ربيعة.
وظاهر هذا الحديث يوجب ألا يستأذن الإنسان أكثر من ثلاث فإن أذن له وإلا رجع وهو قول أكثر العلماء وإلى هذا ذهب ابن نافع
وقال غيره إن لم يسمع فلا بأس أن يزيد والاستئذان أن يقول السلام عليكم آدخل.
وقال بعضهم المرة الأولى من الاستئذان استئذان والمرة الثانية مشورة هل يؤذن له في الدخول أم لا والثالثة علامة الرجوع ولا يزيد على الثلاث

(24/204)


الحديث الثامن
...
حديث ثامن عمن يثق به
مالك عن الثقة عنده عن بكير بن عبد الله بن الأشج عن عبد الرحمن بن الحباب الأنصاري السلمي عن أبي قتادة الأنصاري "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن ينبذ التمر والزبيب جميعا والزهو والرطب جميعا"
هكذا روى هذا الحديث عامة رواة الموطأ كما رواه يحيى وممن رواه هكذا ابن عبد الحكم والعقنبي وعبد الله بن يوسف وابن بكير وأبو المصعب وجماعتهم
ورواه الوليد بن مسلم عن مالك عن ابن لهيعة عن بكير بن الأشج:
حدثنا خلف بن قاسم حدثنا محمد بن عبد الله بن أحمد القاضي حدثنا الحسن بن هاشم بن بشر الحراني حدثنا الوليد بن عتبة حدثنا الوليد بن مسلم عن مالك بن أنس عن عبد الله بن لهيعة عن بكير بن عبد الله بن الأشج عن عبد الرحمن بن الحباب السلمي عن أبي قتادة الأنصاري "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن يشرب التمر والزبيب جميعا والزهو والرطب جميعا"

(24/205)


قال أبو عمر:
روي عن النبي صلى الله عليه وسلم هذا الحديث ومعناه من طرق شتى من حديث جماعة من أصحابه منهم ابن عمر وابن عباس وجابر وعائشة وأبو هريرة ومعقل بن يسار وأبو سعيد وأنس وقد ذكرنا كثيرا منها فيما سلف من كتابنا هذا في باب زيد بن أسلم وذكرنا هناك اختلاف العلماء في باب معنى هذا الحديث فلا وجه لإعادة ذلك ههنا ونذكر ههنا حديث أبي قتادة خاصة على شرطنا وبالله عوننا وهو حسبنا
حدثنا إسماعيل بن عبد الرحمن قال حدثنا محمد بن القاسم بن شعبان قال حدثنا محمد بن أحمد بن حماد قال حدثنا يونس بن عبد الأعلى حدثنا ابن وهب أخبرني عمرو بن الحرث أن بكير بن عبد الله بن الأشج حدثه أن عبد الرحمن بن الحرث السلمي أخبره عن أبي قتادة الأنصاري "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن ينبذ التمر والزبيب جميعا"
وحدثنا إسماعيل بن عبد الرحمن قال حدثنا محمد بن القاسم ابن شعبان حدثنا عبد الرحمن بن أحمد حدثنا محمد بن ميمون ومحمد بن عبد الله الضبي قالا حدثنا الوليد بن مسلم قال حدثنا الأوزاعي عن يحيى قال حدثني عبد الله بن أبي قتادة قال حدثني

(24/206)


أبي أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "لا تجمعوا بين الزهو والرطب والزبيب وانتبذوا كل واحد منهما على حدة" .
أخبرنا إسماعيل حدثنا محمد بن شعبان حدثنا إبراهيم بن عثمان حدثنا حاتم بن قتيبة حدثنا علي بن حجر حدثنا داود بن الزبرقان قال حدثنا هشام الدستوائي عن يحيى بن أبي كثير عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا تنبذوا الزهو والرطب جميعا ولا تنبذوا الزبيب والتمر جميعا وانتبذوا كل واحد منهما على حدته" .
حدثنا أحمد بن قاسم بن عبد الرحمن وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا الحرث بن أبي أسامة قال حدثنا عفان قال حدثنا أبان قال حدثنا يحيى بن أبي كثير قال حدثني عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه أن نبي الله صلى الله عليه وسلم نهى عن خليط البسر والتمر وعن خليط الزبيب والتمر وعن خليط الزهو والرطب وقال: "انتبذوا كل واحد على حدة" .
قال وحدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن عن أبي قتادة عن النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الحديث
وحدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا ابن وضاح قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا محمد بن بشر العبدي عن حجاج بن أبي عثمان عن يحيى بن أبي كثير عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبي قتادة عن النبي صلى الله عليه وسلم فذكره

(24/207)


وحدثنا إسماعيل بن عبد الرحمن قال حدثنا محمد بن القاسم ابن شعبان قال حدثنا علي بن سعيد قال حدثنا جبارة بن المغلس الجماني قال حدثنا قيس بن الربيع عن الربيع عن عائذ بن نصيب عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخلط التمر والزبيب جميعا وقال: "ينبذ هذا على حدة وهذا على حدة" ,
وقد ذكرنا أحكام الخليطين وما للعلماء من المذاهب في باب زيد بن أسلم والحمد لله

(24/208)


الحديث التاسع
...
حديث تاسع من بلاغات مالك
مالك أنه بلغه عن جده ملك بن أبي عامر أن عثمان بن عفان قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تبيعوا الدينار بالدينارين ولا الدرهم بالدرهمين"
هكذا هذا الحديث في الموطأ عند جماعة رواته فيما علمت ورواه ابن أبي حازم عن مالك عن مولى لهم عن مالك بن أبي عامر وابن أبي حازم عن كبار أصحاب مالك
حدثنا خلف بن قاسم حدثنا بكر بن عبد الرحمن بن عبد الله حدثنا أحمد بن داود بن موسى حدثنا يعقوب بن حميد حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم عن مالك بن أنس عن موسى لهم عن مالك بن أبي عامر عن عثمان بن عفان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تبيعوا الدينار بالدينارين ولا الدرهم بالدرهمين" .
يقال اسم هذا المولى كيسان ولا يصح وهذا الحديث يرويه بكير بن الأشج عن سليمان بن يسار عن مالك بن أبي عامر عن عثمان رضي الله عنه مسندا

(24/209)


وقد روي من حديث أبي سهيل بن مالك عن أبيه عن عثمان مسندا
أخبرنا عبد الله بن محمد بن يوسف وسعيد بن سيد قالا حدثنا عبد الله بن محمد بن علي قال حدثنا أحمد بن خالد بن يزيد قال حدثنا عبيد بن محمد الكشوري إملاء بصنعاء قال حدثنا يزيد بن خالد الدملي قال حدثنا عبد الله بن وهب قال حدثني مخرمة بن بكير عن أبيه قال سمعت سليمان بن يسار أنه سمع مالك بن أبي عامر يحدث عن عثمان بن عفان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا تبيعوا الدينار بالدينارين ولا الدرهم بالدرهمين" .
قال أحمد بن خالد قال لنا الكشوري يزيد بن خالد كتبت عنه بمكة وكان يحدث عن الليث وكان أثبت الناس فيه قال أحمد في هذا الحديث رحلة
أخبرنا إبراهيم بن شاكر قال حدثنا محمد بن أحمد بن يحيى قال حدثنا محمد بن أيوب الرقي قال حدثنا أحمد بن عمرو بن عبد الخالق قال حدثنا عمرو بن مالك قال حدثنا عبد الله بن وهب قال حدثنا مخرمة بن بكير عن أبيه قال أخبرني سليمان بن يسار أن مالك بن أبي عامر حدثه عن عثمان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تبيعوا الدينار بالدينارين ولا الدرهم بالدرهمين" قال أحمد بن عمرو البزار وهذا الحديث قد رواه أبو سهيل بن مالك عن أبيه عن عثمان رواه عاصم بن عبد العزيز الأشجعي وعاصم ليس بالقوي ولا يروى هذا الحديث عن عثمان إلا من حديث مالك بن أبي عامر

(24/210)


قال أبو عمر:
حديث أبي سهيل في هذا عن أبيه حدثناه خلف بن القاسم قال حدثنا عبد الوهاب بن محمد بن سهل بن منصور النصيبي قال حدثنا أبو يعلى أحمد بن علي بن المثنى قال حدثنا أبو موسى إسحاق ابن موسى الأنصاري قال حدثنا عاصم بن عبد العزيز الأشجعي عن أبي سهيل بن مالك عن أبيه عن عثمان بن عفان قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تبايعوا الدرهم بالدرهمين ولا الدينار بالدينارين" .
وقد مضى القول في معنى هذا الحديث في مواضع من كتابنا هذا والحمد لله

(24/211)


الحديث العاشر
...
حديث عاشر من البلاغات
مالك أنه بلغه أن سعيد بن المسيب قال يقال "لا يخرج من المسجد أحد بعد النداء إلا أحد يريد الرجوع إليه إلا منافق"
وهذا لا يقال مثله من جهة الرأي ولا يكون إلا توقيفا وقد روي معناه مسندا عن النبي صلى الله عليه وسلم فلذلك أدخلناه
حدثنا خلف بن القاسم بن سهل قال حدثنا محمد بن إبراهيم بن إسحاق بن مهران قال حدثنا أحمد بن محمد بن الجعد ببغداد وعبد الله بن الصقر الهلالي قالا حدثنا سريج بن يونس قال حدثنا عمر ابن عبد الرحمن عن محمد بن جحادة عن أبي صالح عن أبي هريرة أنه رأى رجلا يخرج من المسجد حين أذن المؤذن أو حين أخذ في أذانه فقال أما هذا فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم
أخبرنا إسماعيل بن عبد الرحمن حدثنا محمد بن القاسم بن شعبان حدثنا أحمد بن شعيب أخبرنا محمد بن عبد الله بن المبارك حدثنا أبو داود قال حدثنا شريك عن أشعث ابن أبي الشعثاء عن أبيه قال كنا مع أبي هريرة فأذن المؤذن فخرج رجل بعد الأذان فقال أبو هريرة أما هذا فقد عصى رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا نخرج حتى نصلي

(24/212)


حدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا ابن وضاح قال حدثنا أبو بكر ابن أبي شيبة قال حدثنا أبو الأحوص عن إبراهيم بن المهاجر عن أبي الشعثاء قال كنا قعودا في المسجد مع أبي هريرة فأذن المؤذن فقام رجل من المسجد يمشي فأتبعه أبو هريرة بصره حتى خرج من المسجد فقال أبو هريرة أما هذا فقد عصى
حدثنا إسماعيل بن عبد الرحمن القرشي قال حدثنا محمد بن العباس الحلبي قال حدثنا علي بن عبد الحميد الغضائري قال حدثنا محمد بن أبي عمر المصري قال حدثنا سفيان بن عيينة عن عمر بن سعيد بن مسروق عن أشعث بن أبي الشعثاء عن أبيه قال سمعت أبا هريرة ورأى رجلا يجتاز في المسجد ويخرج بعد الأذان فقال أما هذا فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم
قال أبو عمر:
أجمعوا على القول بهذا الحديث لمن لم يصل وكان على طهارة وكذلك إذا كان قد صلى وحده إلا لما لا يعاد من الصلوات على ما ذكرنا من مذاهب العلماء في ذلك عند ذكر حديث زيد بن أسلم عن بسر بن محجن فإذا كان ما ذكرنا فلا يحل له الخروج من المسجد بإجماع إلا أن يخرج للوضوء وينوي الرجوع

(24/213)


واختلفوا فيمن صلى في جماعة ثم أذن المؤذن وهو في المسجد لتلك الصلاة على ما قدمنا ذكره عنهم في باب زيد بن أسلم والحمد لله
وقد كره جماعة من العلماء خروج الرجل من المسجد بعد الأذان إلا للوضوء لتلك الصلاة بنية الرجوع إليها وسواء صلى وحده أو في جماعة أو جماعات وكذلك كرهوا قعوده في المسجد والناس يصلون لئلا يتشبه بمن ليس على دين الإسلام وسواء صلى أو لم يصل والذي عليه مذهب مالك أنه لا بأس بخروجه من المسجد إذا كان قد صلى تلك الصلاة في جماعة وعلى ذلك أكثر القائلين بقوله إلا أنهم يكرهون قعوده مع المصلين بلا صلاة ويستحبون له الخروج والبعد عنهم على ما قد أوضحناه في باب زيد بن أسلم فلا وجه لإعادته ههنا
قال مالك دخل أعرابي المسجد وأذن المؤذن فقام بحل عقال ناقته ليخرج فنهاه سعيد بن المسيب فلم ينته فما سارت به غير يسير حتى وقعت به فأصيب في جسده فقال سعيد قد بلغنا أنه من خرج بين الأذان والإقامة لغير الوضوء فإنه يصاب

(24/214)


الحديث الحادي عشر
...
حديث حادي عشر من البلاغات
مالك أنه بلغه أن سعيد بن المسيب كان يقول "يكره النوم قبل العشاء والحديث بعدها"
وهذا وإن لم يكن فيه ذكر النبي صلى الله عليه وسلم وكان على ذكر من لم يسم فاعله فإنه مروي عن النبي صلى الله عليه وسلم مشهور محفوظ عند أهل الحديث من حديث أبي برزة الأسلمي وغيره
حدثنا أحمد بن قاسم قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا الحرث بن أبي أسامة قال حدثنا هوذة بن خليفة قال حدثنا عوف عن أبي المنهال قال انطلقت إلى أبي برزة الأسلمي في حديث ذكره فيه طول قال وقلت له حدثنا كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي المكتوبة فذكر الحديث. قال وكان يستحب أن تؤخر العشاء التي تدعونها العتمة وكان يكره النوم قبلها والحديث بعدها. وذكر تمام الحديث
وحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا بكر بن حماد قال حدثنا مسدد وحدثنا محمد بن إبراهيم قال حدثنا محمد بن معاوية قال حدثنا أحمد بن شعيب قال أخبرنا

(24/215)


محمد بن بشار قالا جميعا أخبرنا يحيى بن سعيد قال حدثنا عوف قال حدثني أبو المنهال سيار بن سلامة عن أبي برزة قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن النوم قبلها والحديث بعدها يعني العشاء الآخرة. وهذا لفظ حديث عبد الوارث وحديث محمد بن إبراهيم أتم. وروي من حديث علي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "مررت ليلة أسري بي فإذا بقوم تضرب رؤوسهم بالصخر فقلت يا جبريل من هؤلاء" فقال يا محمد من أمتك قلت: "وما حالهم" قال كانوا ينامون عن العشاء الآخرة" . وهذا الحديث وإن كان إسناده عن علي ضعيفا فإن في حديث أب برزة ما يقويه ولكن معناه عندي يوضح أنهم كانوا ينامون عنها ولا يصلونها والله أعلم
وعلى هذا حمل الطحاوي قوله صلى الله عليه وسلم: "فيمن نام ليله كله حتى أصبح ذلك الرجل بال الشيطان في أذنه" . قال هذا والله أعلم على أنه نام عن صلاة العشاء فلم يصلها حتى انقضى الليل كله
واختلف العلماء في هذا الباب فقال مالك أكره النوم قبل صلاة العشاء الآخرة وأكره الحديث بعدها وذكر أنه بلغه عن سعيد بن المسيب ما ذكرنا في هذا الباب عنه وذكر أيضا في الموطأ أنه بلغه أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم كانت ترسل إلى بعض أهلها بعد العتمة فتقول ألا تريحون الكتاب
ومذهب الشافعي في هذا الباب كمذهب مالك سواء

(24/216)


وروى محمد بن الحسن عن أبي حنيفة قال حدثنا إسماعيل بن عبد الملك عن مجاهد قال لأن أصليها وحدي أحب إلي من أن أنام قبلها ثم أصليها في جماعة. قال محمد وبه نأخذ نكره النوم قبل صلاة العشاء ولم يحك عن أحد من أصحابه خلافا
وقال الثوري ما يعجبني النوم قبلها
وقال الليث قول عمر بن الخطاب فيمن رقد بعد المغرب فلا أرقد الله عينه إنما ذلك قبل ثلث الليل الأول
وحدثنا خلف بن القاسم قال حدثنا أحمد بن محمد بن عبيد بن آدم حدثنا ثابت بن نعيم حدثنا آدم حدثنا شعبة قال سألت الحكم عن النوم قبل صلاة العشاء في رمضان فقال كانوا ينامون قبل صلاة العشاء. وروى سفيان عن منصور عن إبراهيم عن الأسود أنه كان يقرأ القرآن في شهر رمضان في ليلتين وينام ما بين المغرب والعشاء
وروي عن ابن عمر أنه كان يرقد قبل صلاة العشاء ويوكل من يوقظه وروي أنه ما كانت نومة أحب إلي علي رضي الله عنه من نومة بعد العشاء قبل العشاء
قال الطحاوي يحتمل أن تكون الكراهية عن النوم بعد دخول وقت العشاء قبل العشاء والإباحة قبل دخول وقتها

(24/217)


حدثنا خلف بن القاسم قال حدثنا أبو طالب محمد بن زكرياء بن أعين ببيت المقدس حدثنا إبراهيم بن معاوية القيسراني حدثنا محمد ابن يوسف الفرياني حدثنا مسعر بن كدام عن منصور عن خيثمة عن ابن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا سمر بعد العشاء إلا لمصل أو مسافر" .

(24/218)


الحديث الثاني عشر
...
حديث ثاني عشر من البلاغات
مالك أنه بلغه عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه أنه قال كان رجلان أخوان فهلك أحدهما قبل أن يهلك صاحبه بأربعين ليلة فذكرت فضيلة الأول عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "ألم يكن الآخر مسلما" قالوا بلى يا رسول الله وكان لا بأس به فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وما يدريكم ما بلغت به صلاته إنما مثل الصلاة كمثل نهر غمر عذب بباب أحدكم. يقتحم فيه كل يوم خمس مرات فما ترون ذلك يبقى من درنه فإنكم لا تدرون ما بلغت به صلاته" .
النهر الغمر الكثير الماء والدرن الوسخ
ويدل هذا الحديث والله أعلم على أن العذب من المياه أشد إنقاء للدرن من غير العذب كما أن الكثير أنقى من اليسير وهذا مثل ضربه رسول الله صلى الله عليه وسلم للصلاة يخبر بأنها تكفر ما قبلها من الذنوب إذا اجتنبت الكبائر وقد مضى هذا المعنى مجودا في باب زيد بن أسلم والحمد صلى الله عليه وسلم والرواية الصحيحة يبقى بالباء لا بالنون

(24/219)


قال أبو عمر:
أما قصة الأخوين فليست تحفظ من حديث سعيد بن أبي وقاص إلا في مرسل مالك هذا وقد أنكره أبو بكر البزار وقطع بأنه لا يوجد من حديث سعد ألبتة وما كان ينبغي له أن ينكره لأن مراسيل مالك أصولها صحاح كلها وجائز أن يروي ذلك الحديث سعد وغيره وقد رواه ابن وهب عن مخرمة بن بكير عن أبيه عن عامر بن سعد عن أبيه مثل حديث مالك سواء وأظن مالكا أخذه من كتب بكير بن الأشج وأخبره به عنه مخرمة ابنه أو ابن وهب والله أعلم فإن هذا حديث انفرد به ابن وهب لم يروه أحد غيره فيما قال جماعة من العلماء بالحديث
قال أبو عمر:
تحفظ قصة الأخوين من حديث طلحة بن عبيد الله ومن حديث أبي هريرة ومن حديث عبيد بن خالد ومن حديث سعد هذا من رواية مالك هذه ومرسل حديث مالك هذا أقوى من مسند بعض حديث هؤلاء
وأما آخر هذا الحديث قوله: "مثل الصلوات الخمس كمثل نهر عذاب غمر" فهو محفوظ من حديث أبي هريرة وحديث جابر وحديث أبي سعيد الخدري من طرق صحاح ثابتة
ويروي مثل الصلوات الخمس أيضا من حديث عامر بن سعد عن أبان بن عثمان عن عثمان عن النبي صلى الله عليه وسلم وزعم أبو بكر البزار أن حديث مالك هذا كله خطأ في

(24/220)


قصة الأخوين وقصة مثل الصلوات الخمس قال البزار ولم يرو أحد عن سعد عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: "مثل الصلوات الخمس" ولا أعلمه من حديث سعد والله أعلم
قال أبو عمر:
قد رواه ابن وهب كما وصفنا عن مخرمة عن أبيه حدثناه عبد الرحمن بن مروان حدثنا الحسن بن علي بن داود حدثنا عباس بن محمد حدثنا أحمد بن صالح حدثنا ابن وهب قال أخبرني مخرمة ابن بكير عن أبيه عن عامر بن سعد بن أبي وقاص قال سمعت سعدا وأناسا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون كان رجلان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أخوان وكان أحدهما أفضل من الآخر فتوفي الذي هو أفضلهما ثم عمر الآخر بعده أربعين ليلة ثم توفي فذكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم فضيلة الأول على الآخر فقال: "أو لم يكن يصلي" فقالوا بلى وكان لا بأس به يا رسول الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما يدريكم ما بلغت به صلاته" ثم قال عند ذلك: "إنما الصلاة كمثل نهر غمر عذب بباب رجل يقتحم فيه كل يوم خمس مرات فماذا ترون ذلك يبقى من درنه إنكم لا تدرون ما بلغت به صلاته" . تفرد به ابن وهب
فأما حديث طلحة في قصة الأخوين فحدثنا عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن قال حدثنا أحمد بن جعفر بن حمدان قال حدثنا عبد الله

(24/221)


ابن أحمد بن حنبل قال حدثنا أبي قال حدثنا قتيبة بن سعيد قال حدثنا بكر بن مضر عن ابن الهادي
وحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أبو إسماعيل محمد بن إسماعيل الترمذي قال حدثنا سعيد بن أبي مريم قال أخبرنا ابن لهيعة ويحيى بن أيوب قالا حدثنا ابن الهادي عن محمد بن إبراهيم عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن طلحة بن عبد الله أن رجلين من بلي قدما على رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان إسلامهما جميعا وكان أحدهما أشد اجتهادا من الآخر فغزا المجتهد منهما فاستشهد ثم مات الآخر بعده بسنة قال طلحة بينما أنا عند باب الجنة إذ أتي بهما فخرج خارج من الجنة فأذن للذي توفي الآخر منهما ثم خرج فأذن للذي استشهد ثم رجع إلي فقال ارجع فإنك لم يأن لك بعد فأصبح طلحة يحدث الناس فعجبوا لذلك فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أي ذلك تعجبون" قالوا يا رسول الله هذا كان أشد الرجلين اجتهادا ثم استشهد في سبيل الله ودخل هذا الجنة قبله قال: "أليس هذا قد مكث بعده سنة" قالوا بلى قال: "وأدرك رمضان وصامه" قالوا بلى قال: "وصلى كذا وكذا من سجدة في السنة" قالوا بلى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بينهما أبعد ما بين السماء والأرض" .
سئل يحيى بن معين عن حديث أبي سلمة عن طلحة بن عبيد الله فقال مرسل لم يسمع من طلحة بن عبيد الله

(24/222)


قال أبو عمر:
هو عند أبي سلمة عن أبي هريرة عن طلحة وسنذكره ههنا إن شاء الله بعد هذا
حدثنا عبد الله بن محمد بن يحيى قال حدثنا أحمد بن جعفر بن حمدان قال حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثني أبي حدثنا محمد بن عبيد حدثنا محمد بن إسحاق عن محمد بن إبراهيم عن أبي سلمة قال نزل رجلان من أهل اليمن على طلحة بن عبيد الله فقتل أحدهما مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم مكث الآخر بعده سنة ثم مات على فراشه فرأى طلحة بن عبيد الله أن الذي مات على فراشه دخل الجنة قبل الآخر بحين فذكر ذلك طلحة لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كم مكث بعده" قال حولا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "على ألف وثمانمائة صلاة وصام رمضان" .
وقد روى هذه القصة إبراهيم بن محمد بن طلحة عن جده في ثلاثة إخوة بنحو هذا المعنى أخبرناه قاسم بن محمد قال حدثنا خالد بن سعد قال حدثنا أحمد بن عمرو بن منصور قال حدثنا محمد بن سنجر الجرجاني قال حدثنا سعيد بن منصور قال حدثنا صالح بن موسى بن عبيد الله بن إسحاق بن طلحة عن أبيه عن إبراهيم بن محمد بن طلحة عن جده طلحة بن عبيد الله قال نزل علي ثلاثة إخوة من بلي وهم من بني عذرة فغزا رجل منهم في بعض

(24/223)


مغازي النبي صلى الله عليه وسلم فقتل وغزا الآخر بعده في بعض مغازي النبي صلى الله عليه وسلم فمات وبقي الآخر فمات بعدهما فأريت في منامي كأنهم أحضروا باب الجنة فبديء بالذي مات فأدخل الجنة ثم ثني بالذي مات في الغزو فأدخل الجنة ثم ثلث بالذي قتل في سبيل الله فأدخل الجنة ثم ذهبت لأدخل فحجبت فأصبحت مذعورا فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته فقال: "وما أذعرك يا أبا محمد إن الذي مات على فراشه أدرك من فضل العمل ما بديء به وأن الذي مات في سبيل الله أدرك من فضل العمل بعد صاحبه ما ثني به وأن الذي قتل في سبيل الله فأدخل الجنة بقتله في سبيل الله وأنت فلم يحضرك أجلك فتدخلها" .
ولم يسمعه إبراهيم بن محمد بن طلحة من جده بينهما عبد الله ابن شداد
أخبرنا عبد الله بن محمد بن يحيى قال حدثنا أحمد بن جعفر بن حمدان حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثنا أبي حدثنا وكيع حدثنا طلحة بن يحيى عن إبراهيم بن محمد بن طلحة عن عبد الله ابن شداد أن نفرا من بني عذرة ثلاثة أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فأسلموا قال فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "من يكفلهم" قال طلحة أنا قال فكانوا عند طلحة فبعث النبي صلى الله عليه وسلم بعثا فخرج فيه أحدهم فاستشهد قال ثم بعث بعثا فخرج فيه آخر فاستشهد قال ثم مات الثالث على فراشه قال قال طلحة فرأيت هؤلاء الثلاثة الذين كانوا عندي في

(24/224)


الجنة فرأيت الميت على فراشه أمامهم ورأيت الذي استشهد أخيرا يليه ورأيت الذي استشهد أولهم آخرهم قال فدخلني من ذلك فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وما أنكرت من ذلك ليس أحد أفضل عند الله من مؤمن يعمر في الإسلام لتسبيحه وتكبيره وتهليله" .
وأما رواية أبي سلمة عن أبي هريرة عن طلحة لهذا الحديث فحدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا ابن وضاح قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا محمد بن بشر قال حدثنا محمد بن عمرو حدثنا أبو سلمة عن أبي هريرة قال جاء رجلان من بلي من قضاعة فأسلما مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستشهد أحدهما وأخر الآخر بعد سنة قال طلحة بن عبيد الله فرأيت كأني أدخلت الجنة فرأيت المؤخر منهما دخل قبل الشهيد فعجبت من ذلك فأصبحت فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "أليس صام بعده رمضان وصلى بعده كذا وكذا ركعة صلاة السنة" .
وروى هذا المعنى عبيد بن خالد رجل من الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم حدثناه قاسم بن محمد قراءة مني عليه أن خالد بن سعد حدثهم قال حدثنا محمد بن فطيس قال حدثنا إبراهيم بن مرزوق قال حدثنا وهب بن جرير حدثنا شعبة عن عمرو بن مرة عن عمرو ابن ميمون عن عبد الله بن ربيعة عن عبيد بن خالد أن النبي صلى الله عليه وسلم آخى بين رجلين فقتل أحدهما في سبيل الله ثم توفي الآخر

(24/225)


بعده فصلوا عليه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما قلتم عليه" قالوا دعونا الله أن يغفر له ويرحمه ويلحقه بصاحبه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فأين صلاته بعد صلاته وصيامه بعد صيامه وعمله بعد عمله لما بينهما أبعد مما بين السماء والأرض" .
أخبرنا عبد الله بن محمد حدثنا محمد بن بكر حدثنا أبو داود حدثنا محمد بن كثير قال أخبرنا شعبة عن عمرو بن مرة قال سمعت عمرو بن ميمون عن عبد الله بن ربيعة عن عبيد بن خالد السلمي قال آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين رجلين فقتل أحدهما ومات الآخر بعده بجمعة ونحوها فصلينا عليه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما قلتم له" قالوا دعونا له وقلنا اللهم اغفر له وألحقه بصاحبه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فأين صلاته بعد صلاته أو صومه بعد صومه" شك شعبة في صومه "وعمله بعد عمله إن بينهما كما بين السماء والأرض" .
قال أبو عمر:
يفسر هذا المعنى ويوضحه قوله صلى الله عليه وسلم: "خير الناس من طال عمره وحسن عمله" .
وأخبرنا عبد الله حدثنا إسماعيل حدثنا إسماعيل بن إسحاق حدثنا علي بن المديني قال حدثنا جعفر بن عون قال حدثنا محمد بن إسحاق عن محمد بن إبراهيم عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال

(24/226)


قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ألا أخبركم بخياركم" قال بلى قال: "أطولكم أعمارا وأحسنكم أعمالا" .
وأما قوله صلى الله عليه وسلم: "مثل الصلوات الخمس" فحدثنا إبراهيم بن شاكر قال حدثنا محمد بن أحمد بن يحيى قال حدثنا محمد بن أيوب قال حدثنا أبو بكر أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزار قال حدثنا العباس بن جعفر ومحمد بن عبد الرحيم وإبراهيم بن زياد قالوا حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد قال حدثنا محمد بن عبد الله بن أخي الزهري عن عمه ابن شهاب عن صالح بن عبد الله بن أبي فروة أن عامر بن سعيد بن أبي وقاص أخبره عن أبان بن عثمان عن عثمان أنه أخبره أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "أرأيت لو أن لأحدكم نهرا جاريا ما بين منزله ومعتمله ويغتمس فيه كل يوم خمس مرات هل كان يبقي من درنه شيئا" قالوا لا قال: "فكذلك الصلوات الخمس" .
قال البزار وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن عثمان عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا من هذا الوجه عن عثمان وقد روي عن غير عثمان عن النبي صلى الله عليه وسلم وهذا الحديث أرفع حديث في هذا الباب عن النبي صلى الله عليه وسلم.
قال أبو عمر:
وقد حدثناه خلف بن القاسم قال حدثنا جعفر بن محمد بن الفضل البغدادي يعرف بابن المارستاني قال حدثنا محمد بن العباس ابن الفضل بن يونس الموصلي قال حدثنا أبو جعفر بن أحمد

(24/227)


ابن المثنى حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم قال حدثنا ابن أخي ابن شهاب محمد بن عبد الله عن عمه محمد بن مسلم قال أخبرني صالح بن عبد الله بن أبي فروة أن عامر بن سعد بن أبي وقاص حدثه أنه سمع أبان بن عثمان يقول قال عثمان سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "أرأيت لو كان بفناء أحدكم نهر يجري يغتسل منه كل يوم خمس مرات ماذا كان مبقيا من درنه" قالوا لا شيء قال: "فكذلك الصلوات الخمس يذهبن الذنوب كما يذهب الماء الدرن" .
وأما حديث غير عثمان في هذا فحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أبو قلابة قال حدثنا يحيى بن حماد عن أبي عوانة عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "مثل الصلوات الخمس مثل رجل ببابه نهر جار يغتسل فيه كل يوم خمس مرات فماذا يبقى من درنه" .
حدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا ابن وضاح قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا محمد بن عبيد عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "مثل الصلوات الخمس كمثل نهر جار على باب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات" .

(24/228)


قال أبو عمر:
اختلف عن الأعمش في هذا الحديث فمن أهل العلم من لا يحتج بحديثه هذا من أجل أبي سفيان طلحة بن نافع فهو ضعيف ومنهم من يجعلهما إسنادين وأصح إسناد في هذا إن شاء الله ما حدثناه عبد الله بن محمد بن أسد قال حدثنا سعيد بن عثمان ابن السكن قال حدثنا محمد بن يوسف قال حدثنا البخاري قال حدثنا إبراهيم بن حمزة قال حدثنا ابن أبي حازم عن يزيد يعني ابن عبد الله بن الهادي عن محمد بن إبراهيم عن أبي سلمة عن أبي هريرة أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لو أن نهرا بباب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمسا ما تقول ذلك يبقى من درنه" قال لا يبقى من درنه شيئا قال: "فكذلك الصلوات الخمس يمحوا الله بها الخطايا" .
وبلغني أن أبا زرعة الرازي قال خطر ببالي تقصير الناس وتقصيري في الأعمال من النوافل والحج والصيام والجهاد فكبر ذلك في قلبي فرأيت ليلة فيما يرى النائم كأن آتيا أتاني فضرب بيده بين كتفي وقال قد أكثرت في العبادة وأي عبادة أفضل من الصلوات الخمس في جماعة

(24/229)


قال أبو عمر:
لا مدخل للقول في هذا الباب إذا المعنى فيه واضح لا اختلاف فيه والحمد لله.

(24/230)


الحديث الثالث عشر
...
حديث ثالث عشر من البلاغات
مالك أنه بلغه عن علي بن حسين أنه كان يقول "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يسير يومه جمع بين الظهر والعصر وإذا أراد أن يسير ليله جمع بين المغرب والعشاء".
وقد تقدمت الآثار المسندة في هذا الباب عند ذكر حديث داود بن الحصين عن الأعرج وتقدم القول في معنى ذلك في باب أبي الزبير والحمد لله

(24/231)


الحديث الرابع عشر
...
حديث رابع عشر من البلاغات
مالك أنه بلغه أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى عامل من عماله أنه بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا بعث سرية يقول لهم: "اغزوا بسم الله في سبيل الله تقاتلون من كفر بالله لا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدا وقل ذلك لجيوشك وسراياك إن شاء الله" .
وهذا الحديث يتصل معناه عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه صحاح من حديث بريدة الأسلمي وأنس بن مالك وصفوان بن عسال وأبي موسى الأشعري والنعمان بن مقرن وابن عباس وجرير بن عبد الله البجلي
حدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود وحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا عبيد بن عبد الواحد قالا حدثنا أبو صالح محبوب بن موسى الأنطاكي الفراء قال أخبرنا أبو إسحاق الفزاري عن سفيان عن علقمة بن مرثد عن سليمان بن بريدة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا أمر أميرا على جيش أو سرية أوصاه في خاصة نفسه ومن معه من المسلمين خيرا ثم قال: "اغزوا بسم الله وفي سبيل الله

(24/232)


وقاتلوا من كفر بالله اغزوا ولا تعتدوا ولا تغدروا ولا تغلوا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدا"
وليس في حديث عبد الوارث ولا تعتدوا
أخبرنا عبد الله بن محمد حدثنا محمد بن بكر حدثنا أبو داود حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا يحيى بن آدم وعبيد الله بن موسى عن حسن بن صالح عن خالد بن الفزر قال حدثني أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "انطلقوا بسم الله وبالله وعلى ملة رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تقتلوا شيخا فانيا ولا طفلا ولا صغيرا ولا امرأة ولا تغلوا وضموا غنائمكم وأصلحوا وأحسنوا إن الله يحب المحسنين" .
أخبرنا قاسم بن محمد حدثنا خالد بن سعد حدثنا أحمد بن عمرو بن منصور حدثنا محمد بن سنجر حدثنا عفان حدثنا عبد الواحد بن زياد حدثنا أبو روق عطية بن الحرث قال حدثنا أبو الغريف عبيد الله بن خليفة عن صفوان بن عسال قال بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم في سرية فقال: "اغزوا بسم الله في سبيل الله لا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدا وذكرنا ما في الحديث في المسح على الخفين" .
قال أبو عمر:
أجمع العلماء على القول بهذا الحديث ولم يختلفوا في شيء منه فلا يجوز عندهم الغلول ولا الغدر ولا المثلة ولا قتل الأطفال في دار

(24/233)


الحرب والغدر أن يؤمن الحربي ثم يقتل وهذا لا يحل بإجماع قال صلى الله عليه وسلم: "يرفع لكل غادر لواء عند أسته يوم القيامة يقال هذه غدرة فلان" . رواه مالك عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم ولم يقل عند أسته.
وقد كان عمر رضي الله عنه يقول لا أوتي بأحد فعل ذلك إلا قتلته وهذا عند أهل الحجاز تغليظ إذ لا يقتل مؤمن بكافر عندهم وهو الحق لثبوت الخبر به عن النبي صلى الله عليه وسلم وكذلك المثلة لا تحل بإجماع والمثلة المعروفة نحو قطع الأنف والأذن وفقء العين وشبه ذلك من تغيير خلق الله عبثا قال صلى الله عليه وسلم: "أعف الناس قتلة" أو قال: "أحسن الناس قتلة أهل الإيمان وليس من وجب قتله يجب بذلك قطع أعضائه إلا أن يوجبه خصوصا كتاب أو سنة أو إجماع" فقف على هذا فإنه أصل
أخبرنا عبد الله بن محمد حدثنا محمد بن بكر حدثنا أبو داود حدثنا محمد بن عيسى وزياد بن أيوب قالا حدثنا هشيم قال أخبرنا مغيرة عن سماك عن إبراهيم عن هني بن نويرة عن علقمة عن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أعف الناس قتلة أهل الإيمان" .
وروى سمرة بن جندب وعمران بن حصين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يحث على الصدقة وينهى عن المثلة

(24/234)


وقد مضى القول في الغلول وإثمه وحكم الغال في باب ثور بن زيد ومضى القول في قتل النساء والولدان في باب نافع من هذا الكتاب والحمد لله.

(24/235)


الحديث الخامس عشر
...
حديث خامس عشر من البلاغات
مالك أنه بلغه أن عمر بن عبد العزيز كان يقول: بلغني أن رسول الله عليه وسلم قال: "للفرس سهمان وللراجل سهم" .
هكذا هو في الموطأ عند جميع رواته عن مالك وهذا يستند من حديث عبيد الله بن عمر عن نافع عن بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم وقد روي من حديث زيد بن ثابت وحديث ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم.
حدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثا أحمد بن حنبل قال حدثنا أبو معاوية قال حدثنا عبيد الله عن نافع عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أسهم لرجل ولفرسه ثلاث أسهم سهم له وسهمان لفرسه
ورواه أبو أسامة وعبد الله بن نمير عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل للفرس سهمين وللراجل سهما. وهذا كرواية أبي معاوية
ورواه ابن المبارك عن عبيد الله بإسناده فقال فيه للفارس سهمان وللراجل سهم
وذكر علي بن المديني عن يحيى القطان قال سألت عبيد الله عن هذا الحديث فقال نافع مرسل. وأما حديث زيد بن ثابت في قصة

(24/236)


الزبير فإنه انفرد به الزبيري عن مالك وقد روي من حديث هشام ابن عروة عن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه
واختلف الفقهاء في هذا الباب فقال مالك وابن أبي ليلى والثوري وأبو يوسف ومحمد والليث بن سعد والأوزاعي والشافعي وأحمد للفارس ثلاثة أسهم لفرسه سهمان وله سهم وللراجل سهم. وحجتهم حديث عبيد الله بن عمر المذكور
وقال أبو حنيفة للفارس سهمان وللراجل سهم وحجته حديث مجمع بن جارية عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قسم يوم خيبر لمائة فارس فأعطى للفارس سهمين وأعطى الراجل سهما. ومن حجته أيضا رواية ابن المبارك لحديث عبيد الله بن عمر ولا حجة في ذلك لأن الأكثر من أصحاب عبيد الله خالفوه وكذلك لا حجة في حديث مجمع لأن ابن عباس روى خلافه فيما قسمه رسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر
حدثنا سعيد حدثنا قاسم حدثنا ابن وضاح حدثنا أبو بكر حدثنا محمد بن فضيل عن حجاج عن أبي صالح عن ابن عباس قال قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم خيبر للفارس ثلاثة أسهم وللراجل سهم
واختلفوا فيمن غزا بأفراس فقال مالك وأبو حنيفة والشافعي وأصحابهم لا يسهم إلا لفرس واحد
وقال أبو يوسف ومحمد والثوري والأوزاعي والليث يسهم لفرسين. واختاره محمد بن الجهم المالكي وقال هو قول أهل الثغور وعليه جمهور التابعين وأهل الأمصار فذكره عن الحسن البصري

(24/237)


ومكحول الشامي ويحيى بن سعيد الأنصاري والمزني وقال أنا برى ء من قول مالك في أنه لا يسهم إلا لفرس واحد. قال والفرس الواحد لا تؤمن عليه الحوادث وصاحبه كالراجل هذه حجته قال ولم يجاهد مالك ولا شاهد الثغور هذا كله قول ابن الجهم
قال أبو عمر:
القياس ألا يسهم إلا لفرس واحد ولو أسهم لفرسين لأسهم لثلاثة وأكثر وهم لا يقولون بهذا والفرس آلة والآلات لا يسهم لها ولولا الأثر في الفرس ما أسهم له ولا أعلم أحدا قال يسهم لأكثر من فرسين إلا ما ذكره ابن جريج عن سليمان بن موسى قال إذا أدرب الرجل بأفراس قسم لكل فرس سهمان ذكره محمد بن بكر وعبد الرزاق عن ابن جريج

(24/238)


الحديث السادس عشر
...
حديث سادس عشر من البلاغات
مالك أنه سمع غير واحد من علمائهم يقول "لم يكن في الفطر والأضحى نداء ولا إقامة منذ زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليوم"
قال أبو عمر:
لم يكن عند مالك في هذا الباب حديث مسند وفيه أحاديث صحاح مسندة ثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو أمر لا خلاف فيه بين العلماء ولا تنازع بين الفقهاء أنه لا أذان ولا إقامة في العيدين ولا في شيء من الصلوات المسنونات والنوافل وإنما الأذان للمكتوبات لا غير وعلى هذا مضى عمل الخلفاء أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وجماعة الصحابة وعلماء التابعين وفقهاء الأمصار وأظن ذلك والله أعلم لأنه لا يشبه فرض بنافلة ولا أذان لصلاة على جنازة ولا لصلاة كسوف ولا لصلاة استسقاء ولا في العيدين لمفارقة الصلوات المفروضات والله أعلم. هذا قول مالك في أهل المدينة والليث بن سعد في أهل مصر والأوزاعي في أهل الشام والشافعي في أهل الحجاز والعراق من أتباعه من النظار والمحدثين وهو قول أبي حنيفة والثوري وسائر الكوفيين وبه قال أحمد بن حنبل وإسحاق وأبو ثور وداود والطبري وكان بنو أمية يؤذن لهم في العيدين وقد مضى القول في أول من فعل ذلك في باب ابن شهاب من هذا الكتاب

(24/239)


فأما الروايات عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الباب فحدثنا خلف بن القاسم قال حدثنا أبو بكر محمد بن أحمد بن محمد البغدادي المفيد قال حدثنا أحمد بن محمد بن أحمد الواسطي قال حدثنا عمي علي ابن أحمد وأبي محمد بن أحمد قالا حدثنا محمد بن صبيح الموصلي قال حدثنا عبد الله بن خراش بن حوشب قال حدثنا واسط ابن الحرث عن عطاء بن أبي رباح عن جابر بن عبد الله قال صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم عيد ركعتين بغير أذان ولا إقامة وبدأ بالصلاة قبل الخطبة
وقد ذكرنا لحديث جابر هذا طرقا شتى في باب ابن شهاب عن أبي عبيد مولى ابن أزهر من كتابنا هذا فلا معنى لإعادتها ههنا
وحدثنا أحمد بن عمر بن عبد الله قال حدثنا عبد الله بن محمد ابن علي قال حدثنا محمد بن فطيس قال حدثنا مالك بن سيف قال حدثنا علي بن معبد قال حدثنا أبو الأحوص عن سماك بن حرب عن جابر بن سمرة قال صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم غير مرة ولا مرتين للعيد بغير أذان ولا إقامة
وقد تقدم من آثار هذا الباب والقول فيه ما يغني ويشفي في باب ابن شهاب عن أبي عبيد من هذا الكتاب والحمد لله ومضى هناك القول في تقديم الصلاة على الخطبة وهذا أيضا اتفاق من الآثار وإجماع من علماء الأمصار وذلك والله أعلم لمفارقة الجمعة التي هي فرض وخطبتها قبلها فلما كانت هذه سنة غير فريضة ونافلة غير مكتوبة كانت الصلاة فيها قبل الخطبة

(24/240)


الحديث السابع عشر
...
حديث سابع عشر من البلاغات
مالك أنه بلغه عن أهل العلم أنهم كانوا يقولون "الشهداء في سبيل الله لا يغسلون ولا يصلى عليهم ويدفنون في الثياب التي قتلوا فيها
قال ملك وتلك السنة فيمن قتل في المعترك فلم يدرك حتى مات قال وأما من حمل منهم فعاش ما شاء الله بعد ذلك فإنه يغسل ويصلى عليه كما عمل بعمر بن الخطاب رضي الله عنه.
وذكر مالك عن نافع عن ابن عمر أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه غسل وكفن وصلي عليه وكان شهيدا رحمه الله
قال أبو عمر:
فيما حكاه مالك عن أهل العلم في هذا الباب في الشهداء المقتولين في المعترك أنهم لا يغسلون ولا يصلى عليهم حديث جابر انفرد به الليث عن الزهري عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك أن جابر بن عبد الله أخبره "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يجمع بين الرجلين من قتلى أحد في ثوب واحد ويقول: "إنهم أكثر قرآنا" فإذا أشاروا إلى

(24/241)


أحدهما قدمه في اللحد وقال: "أنا الشهيد على هؤلاء يوم القيامة" وأمر بدفنهم بدمائهم ولم يصل عليهم ولم يغسلوا ذكره داود عن قتيبة ويزيد بن خالد جميعا عن الليث
وكذلك رواه ابن وهب عن الليث وفي هذا الباب أيضا حديث شعبة عن عبد ربه بن سعيد عن الزهري عن ابن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم وفيه عن الزهري عن أنس رواه أسامة بن زيد عنه ذكره ابن وهب عن أسامة بن زيد عن الزهري عن أنس أن شهداء أحد لم يغسلوا ودفنوا بدمائهم ولم يصل عليهم
ورواه ابن عباس أيضا ذكره أبو داود قال أخبرنا زياد بن أيوب حدثنا علي بن عاصم عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتلى أحد أن ينزع عنهم الحديد والجلود وأن يدفنوا بدمائهم وثيابهم
ورواه ابن وهب عن عبد الله بن السمح أنه أخبره عن عباد بن كثير عن عمر بن الخطاب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال قال النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد: "انزعوا عنهم الحديد وادفنوهم في ثيابهم" .
واختلف الفقهاء في غسل الشهداء والصلاة عليهم فذهب مالك وأبو حنيفة والشافعي والثوري والليث بن سعد إلى أنهم لا يغسلون وحجتهم حديث جابر وسائر ما ذكرنا عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل الأحاديث في هذا الباب وبذلك قال أحمد بن حنبل والأوزاعي وإسحاق وداود وجماعة فقهاء الأمصار وأهل الحديث وابن علية

(24/242)


وقال سعيد بن المسيب والحسن البصري يغسل الشهداء قال أحدهما إنما لم يغسل شهداء أحد لكثرتهم وللشغل عن ذلك ولم يقل بقول سعيد والحسن هذا أحد من فقهاء الأمصار إلا عبيد الله بن الحسن العنبري البصري وليس ما ذكروا من الشغل عن غسل شهداء أحد علة لأن كل واحد منهم كان له ولي يشتغل به ويقوم بأمره والعلة والله أعلم في ترك غسلهم ما جاء في الحديث المرفوع في دمائهم أنها تأتي يوم القيامة كريح المسك رواه الزهري عن عبد الله بن ثعلبة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لقتلى أحد: "زملوهم بجراحهم فإنه ليس من كلم يكلمه المؤمن في سبيل الله إلا أتي يوم القيامة لونه لون الدم وريحه ريح المسك" .
وروي مثل هذا من وجوه فبان أن العلة ليست الشغل كما قال من قال ذلك وليس لهذه المسألة مدخل في القياس والنظر وإنما هي مسألة اتباع للأثر الذي نقلته الكافة في قتلى أحد أنهم لم يغسلوا ولثبوت أخبار الآحاد العدول بذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم
وقد احتج بعض المتأخرين ممن ذهب مذهب الحسن وسعيد في هذه المسألة بقوله صلى الله عليه وسلم في شهداء أحد: "أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة" . وقال هذا يدل على خصوصهم وأنهم لا يشركهم في ذلك غيرهم. قال ويلزم من قال في المحرم الذي وقصته ناقته فقال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تخمروا رأسه ولا تقربوه طيبا فإنه يبعث ملبيا" .

(24/243)


أن ذلك خصوص بذكر بعثه ملبيا ولا يقال ذلك في غيره أن يقول مثل ذلك في الشهداء بأحد لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لشهداء أحد: "أنا شهيد على هؤلاء" , وخصهم بترك الغسل
قال أبو عمر:
القول بهذا خلاف على الجمهور وهو يشبه الشذوذ والقول بترك غسلهم أولى لثبوت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم في قتلى أحد وغيرهم
أخبرنا عبد الله بن محمد حدثنا أبو داود حدثنا عبيد الله بن عمر حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن إبراهيم بن طهمان عن أبي الزبير عن جابر قال رمي رجل بسهم في صدره أو في حلقه فمات فأدرج في ثيابه كما هو قال ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم
وأما الصلاة عليهم فإن العلماء اختلفوا في ذلك واختلف فيه الآثار فذهب مالك والليث والشافعي وأحمد وداود إلى أن لا يصلى عليهم لحديث الليث عن الزهري عن ابن كعب بن مالك عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم بذلك في قتلى أحد على ما تقدم ذكره.
وقال فقهاء الكوفة والبصرة والشام يصلى عليهم ورووا آثارا كثيرة أكثرهم مراسيل أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على حمزة وعلى سائر شهداء أحد
وأجمع العلماء على أن الشهيد إذا حمل حيا ولم يمت في المعترك وعاش أقل شيء فإنه يصلى عليه كما صنع بعمر رضي الله

(24/244)


عنه واختلفوا في غسل من قتل مظلوما كقتيل الخوارج وقطاع السبيل واللصوص وما أشبه ذلك ممن قتل مظلوما فقال مالك لا يغسل إلا من قتله الكفار ومات في المعترك هذا وحده وأما من قتل في فتنة أو ثائرة أو قتله اللصوص أو البغاة أو قتل قودا أو قتل نفسه وكل مقتول غير المقتول في المعترك قتيل الكفار فإنه يغسل ويصلى عليه
وقال أبو حنيفة والثوري كل من قتل مظلوما لم يغسل ولكنه يصلى عليه وعلى كل شهيد وهو قول سائر أهل العراق
ورووا من طرق كثيرة صحاح عن زيد بن صوحان أنه قال لا تنزعوا عني ثوبا ولا تغسلوا عني دماء وادفنوني في ثيابي وقد روي عنه إلا الخفين. وقتل زيد بن صوحان يوم الجمل وثبت عن عمار بن ياسر أنه قال مثل قول زيد بن صوحان وقتل عمار بصفين سنة سبع وثلاثين وصلى عليه علي ولم يغسله
وروى هشام بن حسان عن محمد بن سيرين في خبر حجر بن عدي بن الأدبر أنه قال لا تطلقوا عني حديدا ولا تغسلوا عني دماء وادفنوني في ثيابي فإني لاق معاوية بالجادة وإني مخاصم
وللشافعي في ذلك قولان أحدهما يغسل جميع الموتى إلا من قتله أهل الحرب والآخر لا يغسل قتيل البغاة
وقول أحمد بن حنبل في هذا الباب كله كقول مالك سواء

(24/245)


وروى شعبة والثوري ومسعر بمعنى واحد عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب أن سعد بن عبيد القاري وهو أبو زيد قال يوم القادسية إني مستشهد غدا فلا تغسلوا عني دما ولا تنزعوا عني ثوبا
وسئل مكحول عن الشهيد أيصلى عليه قال نعم وينزع عنه كل خف ومنطقة وخاتم وجلد إلا الفرو فإنه من ثيابه ولا ينزع عنه شيء من ثيابه ولا يزاد عليه ثوب إلا أن تضم عليه ثيابه بثوب يلفونه به قال مكحول فإن لم يقتل قعصا ولم يجهز عليه وبات وطعم ثم مات نزعت عنه ثيابه وطهر وهو قول فقهاء الشام الأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز وجماعتهم
قال أبو عمر:
غسل الموتى قد ثبت بالإجماع ونقل الكافة فواجب غسل كل ميت إلا من أخرجه إجماع أو سنة ثابتة وهذا قول مالك والله الموفق للصواب

(24/246)


الحديث الثامن عشر
...
حديث ثامن عشر من البلاغات
مالك أنه بلغه أن عبد الرحمن بن أبي بكر دخل على عائشة يوم مات سعد بن أبي وقاص فدعا بوضوء فقالت له عائشة يا عبد الرحمن أسبغ الوضوء فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ويل للأعقاب من النار" .
هذا الحديث يرويه سالم الدوسي وهو سالم بن عبد الله مولى دوس ويقال مولى النصريين ويقال مولى مالك بن أوس بن الحدثنان النصري وهو سالم سبلان فاختلف عليه فيه وقيل بل الاختلاف على يحيى بن أبي كثير في حديثه عن عائشة وهو حديث مدني حسن روي عن النبي من وجوه شتى
فأما حديث عائشة فحدثناه عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن شاذان الجوهري قال حدثنا عاصم بن علي قال حدثنا ابن أبي ذئب عن عمران بن بشير عن سالم سبلان قال خرجنا مع عائشة رحمها الله إلى مكة وكانت تخرج معها بأبي يحيى التيمي يصلي بها قال فأدركها عبد الرحمن ابن أبي بكر فأساء عندها الوضوء فقالت عائشة يا عبد الرحمن

(24/247)


أسبغ الوضوء فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ويل للأعقاب من النار" .
وروى هذا الحديث يحيى بن أبي كثير عن سالم الدوسي فاختلف فيه على يحيى فرواه عكرمة بن عمار عن يحيى بن أبي كثير قال حدثني أبو سلمة قال حدثني سالم مولى المهري قال سمعت عائشة تنادي عبد الرحمن أسبغ الوضوء فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ويل للأعقاب من النار" .
وذكره مسلم من رواية عكرمة أيضا عن يحيى عن أبي سلمة عن سالم مولى المهري قال خرجت أنا وعبد الرحمن بن أبي بكر في جنازة سعد بن أبي وقاص فمررنا على باب حجرة عائشة فذكر الحديث
ورواه أيوب بن عتبة عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن معيقب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ويل للأعقاب من النار" . وهذا خطأ والله أعلم والصواب في هذا الحديث عن يحيى بن أبي كثير ما رواه عنه الأوزاعي وحرب بن شداد وحسين المعلم وشيبان فإنهم اتفقوا فيه فرووه عن يحيى عن سالم عن عائشة لا ذكر فيه لأبي سلمة وليس حديث عكرمة بن عمار مما يرفع لأنه قد يجوز أن يكون يحيى ابن أبي كثير سمعه من أبي سلمة من سالم عن عائشة ثم سمعه من سالم فحدث به عنه عن عائشة فإن قال قائل إن المقبري رواه عن أبي سلمة عن عائشة قيل له يحتمل أن يكون أبو سلمة أرسله عن عائشة وهو قد سمعه من سالم عنها

(24/248)


فإن قيل إن ابن عجلان يقول فيه عن المقبري عن أبي سلمة أنه سمع عائشة تقول يا عبد الرحمن أسبغ الوضوء فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ويل للأعقاب من النار" . قيل له لم يقل ذلك عن ابن عجلان من يوثق بحفظه
حدثنا سعيد بن نصر حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا محمد بن إسماعيل الترمذي حدثنا الحميدي حدثنا سفيان عن محمد بن عجلان عن سعيد بن أبي سعيد عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال توضأ عبد الرحمن بن أبي بكر عند عائشة فقالت له يا عبد الرحمن أسبغ الوضوء فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ويل للأعقاب من النار" . فهذه الرواية عن ابن عجلان تدل والله أعلم على أنه لم يسمعه أبو سلمة من عائشة
وأما رواية أيوب بن عتبة عن يحيى عن أبي سلمة عن معيقب فخطأ لا شك فيه والله أعلم وأيوب بن عتبة ضعيف جدا والصواب فيه ما رواه الأوزاعي ومن تابعه ورواية عكرمة بن عمار غير مرفوعة في هذا والله أعلم
حدثنا محمد بن عبد الله بن حكم قال حدثنا محمد بن معاوية قال حدثنا إسحاق ابن أبي حسان قال حدثنا هشام بن عمار قال حدثنا عبد الحميد بن حبيب قال حدثنا الأوزاعي قال حدثني يحيى

(24/249)


ابن أبي كثير عن سالم الدوسي قال دخلت مع عبد الرحمن بن أبي بكر على عائشة فدعا بوضوء فقالت يا عبد الرحمن أسبغ الوضوء فإن سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ويل للأعقاب من النار" .
حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أحمد بن يزيد المعلم قال حدثنا يزيد بن محمد قال حدثنا يزيد بن زريع وحدثنا عبد الوارث قال حدثنا قاسم قال حدثنا أحمد بن محمد البرتي قال حدثنا أبو معمر قال حدثنا عبد الوارث قالا حدثنا حسين قال حدثنا يحيى بن أبي كثير قال حدثني سالم زاد عبد الوارث بن عبد الله ثم اتفقا الدوسي قال دخلت أنا وعبد الرحمن أسبغ الوضوء فإن سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ويل للأعقاب من النار" .
وحدثنا سعيد بن نصر وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا جعفر بن محمد قال حدثنا محمد بن سابق قال حدثنا شيبان عن يحيى بن أبي كثير عن سالم مولى دوس أنه سمع عائشة تقول لعبد الرحمن فذكر مثله.
وقد روى هذا الحديث حيوة بن شريح قال أخبرنا أبو الأسود أن أبا عبد الله مولى شداد بن الهادي حدثه أنه دخل على عائشة وعندها عبد الله بن أبي بكر فذكر الحديث.

(24/250)


وقد روى هذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أبو هريرة من حديث سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة ومن حديث شعبة عن محمد بن زياد عن أبي هريرة
حدثنا أحمد بن قاسم بن عيسى قال حدثنا عبيد الله بن محمد بن حبابة قال حدثنا عبد الله ابن محمد بن عبد العزيز البغوي قال حدثنا علي بن الجعد أخبرنا شعبة عن محمد بن زياد قال سمعت أبا هريرة وكان يمر بنا والناس يتطهرون من المطهرة فيقول أسبغوا الوضوء فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ويل للعقب من النار" .
ورواه جابر من حديث أبي إسحاق عن عبد الله بن خليفة وعبيد الله بن مرثد أو ابن أبي مريد وسعيد بن أبي كريب عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا أنه اختلف فيه عن أبي إسحاق فطائفة ترويه عنه عن عبد الله بن خليفة وطائفة عن عبيد الله بن أبي مرثد وطائفة عن سعيد بن أبي كريب وكلهم ليس بالمشهور
ورواه عبد الله بن الحرث بن جزء الزبيري من حديث الليث وابن لهيعة عن حيوة بن شريح عن عقبة بن مسلم سمع عبد الله ابن الحرث صاحب النبي صلى الله عليه وسلم قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ويل للأعقاب وبطون الأقدام من النار" .

(24/251)


حدثنا عبد الرحمن بن يحيى قال حدثنا أحمد بن مطرف قال حدثنا سعيد بن عثمان وسعيد بن حميد قالا حدثنا يحيى بن إبراهيم قال حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير عن الليث فذكره. وحدثنا عبد الوارث وأحمد بن قاسم قالا حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا الحرث ابن أبي أسامة حدثنا الحسن بن موسى قال حدثنا عبد الله بن لهيعة قال حدثني حيوة بن شريح عن عقبة بن مسلم قال سمعت عبد الله بن الحرث صاحب النبي صلى الله عليه وسلم يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ويل للأعقاب وبطون الأقدام من النار" .
ورواه ابن أبي مريم عن نافع بن بريد والليث فلم يذكر فيه بطون الأقدام حدثناه خلف بن قاسم حدثنا الحسن بن جعفر حدثنا يوسف بن يزيد حدثنا سعيد بن أبي مريم أخبرنا نافع بن يزيد والليث بن سعد قالا حدثنا حيوة بن شريح عن عقبة بن مسلم عن عبد الله بن الحرث بن جزء قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ويل للأعقاب من النار" .
ورواه عبد الله بن عمرو من حديث منصور عن هلال بن يساف عن أبي يحيى عن عبد الله بن عمرو. رواه الثوري وغيره عن منصور وروي أيضا من حديث أبي بشر عن يوسف بن ماهك عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم وروي من حديث جابر وأبي ذر وأبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم وفيها ضعف

(24/252)


حدثنا خلف بن قاسم حدثنا أحمد بن محمد بن عبيد بن آدم حدثنا أبو معن ثابت بن نعيم حدثنا آدم ابن أبي إياس حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن سعيد ابن أبي كريب عن جابر بن عبد الله قال رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في قدم رجل نحو الدرهم لم يغسله فقال: "ويل للأعقاب من النار" .
اختلف فيه على أبي إسحاق وأصح حديث في هذا حديث في هذا الباب من جهة الإسناد حديث أبي هريرة وحديث عبد الله بن الحرث بن جزء الزبيري وحديث عبد الله بن عمرو بن العاصي ثم حديث عائشة فهو مدني حسن
أخبرنا محمد بن إبراهيم قال حدثنا محمد بن معاوية قال حدثنا أحمد بن شعيب قال أخبرنا عمرو بن علي قال حدثنا عبد الرحمن قال حدثنا سفيان عن منصور عن هلال بن يساف عن أبي يحيى عن عبد الله بن عمرو قال رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم قوما يتوضئون فرأى أعقابهم تلوح فقال: "ويل للأعقاب من النار أسبغوا الوضوء" .
وحدثنا عبد الوارث قال حدثنا بكر بن حماد قال حدثنا مسدد قال حدثنا أبو عوانة عن أبي بشر عن يوسف بن ماهك عن عبد الله بن عمرو قال تخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفرة سافرناها فأدركنا وقد أرهقتنا الصلاة صلاة العصر ونحن

(24/253)


نتوضأ فجعلنا نمسح على أرجلنا فنادى بأعلى صوته ويل للأعقاب من النار مرتين أو ثلاثا
قال أبو عمر:
في هذا الحديث من الفقه إيجاب غسل الرجلين وفي ذلك تفسير لقول الله عز وجل {وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ} وبيان أنه أراد الغسل لا المسح وإن كانت قد قرئت {وَأَرْجُلَكُمْ} بالجر فذلك معطوف على اللفظ دون المعنى والمعنى فيه الغسل على التقديم والتأخير فكأنه قال عز وجل "إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وأرجلكم إلى الكعبين وامسحوا برؤوسكم". والقراءتان بالنصب والجر صحيحتان مستفيضتان والمسح ضد الغسل ومخالف له وغير أن تبطل إحدى القراءتين بالأخرى ما وجد إلى تخريج الجمع بينهما سبيل وقد وجدنا العرب تخفض بالجوار كما قال امرؤ القيس:
كبير أناس في بجاد مزمل
فخفض بالجوار وإنما المزمل الرجل وإعرابه ههنا الرفع

(24/254)


وكما قال زهير:
لعب الزمان بها وغيرها ... بعدي سوافي المور والقطر
قال أبو حاتم كان الوجه القطر بالرفع ولكن جره على جوار المور كما قالت العرب هذا جحر ضب خرب فجرته وإنما هو رفع وخفضه بالمجاورة ومن هذا قراءة أبي عمرو {يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ} بالجر لأن النحاس الدخان فعلى ما ذكرنا تكون معنى القراءة بالجر النصب ويكون الخفض على اللفظ للمجاورة والمعنى الغسل وقد يراد بلفظ المسح الغسل عند العرب من قولهم تمسحت للصلاة والمراد الغسل ويشير إلى هذا التأويل كله قول النبي صلى الله عليه وسلم: "ويل للأعقاب من النار" . وعلى هذا القول والتأويل جمهور علماء المسلمين وجماعة فقهاء الأمصار بالحجاز والعراق والشام من أهل الحديث والرأي وإنما روي مسح الرجلين عن بعض الصحابة وبعض التابعين وتعلق به الطبري وذلك غير صحيح في نظر ولا أثر. والدليل على وجوب غسل الرجلين قوله صلى الله عليه وسلم: "ويل للأعقاب من النار" . فخوفنا بذكر النار من مخالفة مراد الله عز وجل ومعلوم أنه لا يعذب بالنار إلا على ترك الواجب ألا ترى إلى ما في حديث عبد الله بن عمر فرأى أعقابنا تلوح فقال: "ويل للأعقاب من النار" . وأوضح من هذا ما في حديث عبد الله بن الحرث ويل للأعقاب وبطون الأقدام من النار. ومعلوم أن المسح ليس شأنه

(24/255)


الاستيعاب ولا خلاف بين القائلين بالمسح على الرجلين أن ذلك على ظهورهما لا على بطونهما فتبين بهذا الحديث بطلان قول من قال بمسح القدمين إذ لا مدخل لمسح بطونهما عندهم وأن ذلك إنما يدرك بالغسل لا بالمسح ودليل آخر من الإجماع وذلك أنهم أجمعوا على أن من غسل قدميه أدى الواجب الذي عليه
واختلفوا فيمن مسح قدميه فاليقين ما أجمعوا عليه دون ما اختلفوا فيه وقد اتفقوا أن الفرائض إنما يصلح أداؤها باليقين وإذا جاز عند من قال بالمسح على القدمين أن يكون من غسل قدميه قد أدى الفرض عنده فالقول في هذا الحال بالاتفاق هو اليقين مع قوله صلى الله عليه وسلم: "ويل للأعقاب من النار" .
وقد قيل إن من قرأ {وَأَرْجُلَكُمْ} بالخفض أراد به المسح على الخفين مع ما روي في ذلك من الآثار والله أعلم
وذكر أشهب عن مالك أنه سئل عن قول الله عز وجل {وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ} في آية الوضوء أبالنصب أم بالخفض فقال هو الغسل ولا يجزي المسح
قال أبو عمر:
من قرأ بالنصب فصل بين المسح والغسل بالإعراب فكأنه قال اغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وأرجلكم إلى الكعبين وكأن ذلك أشبه بفعل النبي صلى الله عليه وسلم وبأمره فأما فعله فما نقل الجمهور كافة عن

(24/256)


كافة عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يغسل رجليه في وضوئه مرة واثنتين وثلاثا حتى ينقيهما
وأما أمره فقوله صلى الله عليه وسلم: "ويل للأعقاب من النار" وقد جاء عنه ويل للأعقاب وبطون الأقدام من النار وويل للعراقيب من النار, ولو لم يكن الغسل واجبا ما خوف من لم يغسل عقبيه وعرقوبيه بالنار لأن المسح ليس من شأنه الاستيعاب ولا يبلغ به العراقيب ولا الأعقاب
قال أبو عمر:
العرقوب هو مجمع مفصل الساق والقدم والكعب هو الناتئ في أصل الساق يدلك على ذلك حديث النعمان بن بشير قال أقبل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بوجهه فقال: "أقيموا صفوفكم" قال فرأيت الرجل يلزق كعبه بكعب صاحبه. والعقب هو مؤخر الرجل تحت العرقوب. وقد ذكرنا اختلاف العلماء في الكعبين وأوضحنا المذاهب عن العرب وأهل العلم في العرقوب والكعب في باب عمرو بن يحيى والحمد لله
وقال ابن وهب عن مالك ليس على أحد تخليل أصابع رجليه في الوضوء ولا في الغسل ولا خير في الجفاء والغلو. قال ابن وهب تخليل أصابع رجليه في الوضوء مرغب فيه ولا بد من ذلك في أصابع

(24/257)


اليدين وأما أصابع رجليه فإن لم يخللها فلا بد من إيصال الماء إليها
وقال ابن القاسم عن مالك من لم يخلل أصابع رجليه فلا شيء عليه
وقال محمد بن خالد عن ابن القاسم عن مالك فيمن توضأ على نهر فحرك رجليه أنه لا يجزيه حتى يغسلهما بيديه. قال ابن القاسم وإن قدر على غسل إحداهما بالأخرى أجزاه.
قال أبو عمر:
يلزم من قال إن الغسل لا يكون إلا بمرور اليدين أن يقول إنه لا يجزيه أن غسل إحداهما بالأخرى ويلزمه أن يقول تخليل أصابع اليدين والرجلين لأن الأمر بغسلهما واحد
وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا توضأ يدلك أصابع رجليه بخنصره وهذا عندنا على الكمال
وقد مضى في صفة الغسل من الجنابة في باب هشام بن عروة من هذا الكتاب ما يستدل به على معنى هذا الباب ومضى في باب عمرو ابن يحيى من هذا الكتاب أيضا القول في غسل المرفقين مع اليدين والكعبين مع الرجلين فلا معنى لإعادة ذلك ههنا
وقد كان مالك رحمه الله في آخر عمره يدلك أصابع رجليه بأصابع يديه لحديث حدثه ابن وهب ذكر أحمد بن وهب قال

(24/258)


حدثني عمي عبد الله بن وهب قال سئل مالك عن تخليل أصابع الرجلين في الوضوء فقال أليس ذلك على الناس فأمهلته حتى خف الناس عنه ثم قلت له يا أبا عبد الله سمعتك تفتي في مسألة عندنا فيها سنة قال وما هي قلت حدثنا ابن لهيعة والليث بن سعد عن يزيد بن عمرو المعافري عن أبي عبد الرحمن الحبلي عن المستورد ابن شداد القرشي قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ فيخلل بختصره ما بين أصابع رجليه. قال فقال لي مالك إن هذا لحسن وما سمعت به قط إلا الساعة. قال ابن وهب ثم سمعته بعد ذلك يسأل عن تخليل الأصابع في الوضوء فيأمر به
وروى غيره عن ابن وهب فرأيته يعمل به ولم يقل بأمره

(24/259)


الحديث التاسع عشر
...
حديث تاسع عشر من البلاغات
مالك أنه بلغه عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها قالت "استأذن رجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت عائشة وأنا معه في البيت فقال رسول الله: "بئس ابن العشيرة" ثم أذن له قالت عائشة فلم أنشب أن سمعت ضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم معه فلما خرج الرجل قلت يا رسول الله قلت فيه ما قلت ثم لم تنشب أن ضحكت معه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن من شر الناس من اتقاه الناس لشره" .
وهذا الحديث عند طائفة من رواة الموطأ عن مالك عن يحيى بن سعيد أنه بلغه عن عائشة ولم يذكر يحيى وجماعة معه يحيى ابن سعيد في هذا الحديث وقد روي عن عائشة من وجوه صحاح من حديث عبد الله بن دينار عن عروة عن عائشة ومن حديث مجاهد عن عائشة ومن حديث ابن المنكدر عن عروة عن عائشة وهو حديث مجتمع على صحته وأصح أسانيده محمد بن المنكدر عن عروة عن عائشة حدثناه خلف بن القاسم قال حدثنا أبو بكر عبد الله بن محمد بن عبد الله بن الخصيب القاضي الخصيبي بمصر قال حدثنا جعفر بن محمد الفرياني قال حدثنا علي بن عبد الله بن جعفر.

(24/260)


المديني قال حدثنا سفيان بن عيينة قال سمعت محمد بن المنكدر يقول حدثني عروة بن الزبير أنه سمع عائشة تقول استأذن رجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "ائذنوا له فبئس ابن العشيرة" أو "بئس أخو العشيرة" فلما دخل ألان له القول فلما خرج قلت يا رسول الله قلت الذي قلت ثم ألنت له القول فقال: "يا عائشة إن من شر الناس منزلة عند الله يوم القيامة من ودعه الناس اتقاء فحشه" . قال ابن المنكدر لا أدري قال تركه الناس أو ودعه الناس قال سفيان فعجبت من حفظ ابن المنكدر
وحدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثني الترمذي قال حدثني الحميدي وحدثنا عبد الوارث قال حدثنا قاسم قال حدثنا بكر بن حماد قال حدثنا مسدد قالا حدثنا سفيان بن عيينة قال حدثنا محمد بن المنكدر أنه سمع عروة بن الزبير يحدث عن عائشة أنه سمعها تقول:
"استأذن على رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ائذنوا له فبيس ابن العشيرة" أو قال: "أخو العشيرة" فلما دخل ألان له القول فلما خرج قلت له يا رسول الله قلت الذي قلت ثم ألنت له القول فقال: "يا عائشة إن شر الناس منزلة عند الله يوم القيامة من تركه أو ودعه الناس اتقاء فحشه" .

(24/261)


قال الحميدي قال سفيان فقلت لمحمد بن المنكدر وأنت لمثل هذا تشك في هذا الحديث.
قال أبو عمر:
يعني قوله: "بئس ابن العشيرة" أو "أخو العشيرة" وقوله: "تركه" أو "ودعه الناس" أي إن مثل هذا لا يسأل عنه ومن هذا الباب قوله عليه السلام: "مداراة الناس صدقة" . ويقال إن الرجل الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بئس ابن العشيرة" : عيينة بن بدر الفزاري والله أعلم
حدثنا خلف بن القاسم حدثنا أبو طالب العباس بن أحمد بن سعيد بن مقاتل بن صالح مولى عبد الله بن جعفر بن أبي طالب قال حدثنا محمد بن محمد بن الأشعث الكوفي قال حدثني موسى ابن إسماعيل بن موسى بن جعفر بن محمد قال حدثني أبي عن أبيه عن جده جعفر بن محمد عن أبيه عن جده علي بن حسين عن أبيه عن علي بن أبي طالب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن شرار الناس عند الله الذين يكرمون اتقاء شرهم" .
حدثنا خلف بن القاسم قال حدثنا بكر بن عبد الرحمن العطار بمصر قال حدثنا يحيى بن عثمان بن صالح بن صفوان حدثنا أبو

(24/262)


صالح عبد الله بن صالح حدثني ابن لهيعة عن أبي قبيل عن عبد الله بن عمرو بن العاصي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "شرار الناس الذين يتقون بغير سلطان" .

(24/263)


الحديث العشرون
...
حديث موفي عشرين من البلاغات
مالك أنه بلغه أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم كانت إذا ذكرت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل وهو صائم تقول "وأيكم أملك لإربه من رسول الله صلى الله عليه وسلم"
وهذا الحديث يتصل ويستند عن عائشة من وجوه صحاح والحمد لله فنذكر منها ما حضرنا مما فيه كفاية إن شاء الله
حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا بكر بن حماد قال حدثنا مسدد قال حدثنا يحيى عن عبيد الله بن عمر قال سمعت القاسم بن محمد يحدث عن عائشة قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلني وهو في رمضان صائم قال ثم تقول عائشة وأيكم كان أملك لإربه من رسول الله صلى الله عليه وسلم
وحدثنا عبد الوارث وسعيد بن نصر قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا ابن وضاح قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا علي بن مسهر عن عبيد الله بن عمر عن القاسم بن محمد عن عائشة قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلني وهو صائم وأيكم يملك إربه كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يملك أربه
أخبرنا عبد الله بن محمد بن أسد قال حدثنا حمزة بن محمد بن علي قال حدثنا أحمد بن شعيب قال أخبرنا الربيع بن سليمان قال

(24/264)


حدثنا ابن وهب قال أخبرني أسامة بن زيد أن ابن شهاب حدثه عن عروة عن عائشة أخبرته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقبل وهو صائم قالت عائشة وأيكم كان أملك لإربه من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال أبو عمر:
رواه ابن أبي ذئب ومعمر وعقيل عن ابن شهاب عن أبي سلمة عن عائشة. وقد رواه هشام الدستوائي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن عروة عن عائشة فدل على أن الحديث لعروة عن عائشة كما هو للقاسم عن عائشة ولعلقمة عن عئشة وللأسود عن عائشة. وقد رواه هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رواه مالك وغيره عن هشام وقد ذكرناه في هشام بن عروة من هذا الكتاب والحمد لله
أخبرنا سعيد بن نصر وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثنا قاسم ابن أصبغ قال حدثنا محمد بن إسماعيل الترمذي قال حدثنا الحميدي قال حدثنا سفيان قال حدثنا منصور عن إبراهيم عن علقمة قال خرجنا حجاجا فتذاكر القوم الصائم يقبل فلما قدمنا المدينة دخلنا على عائشة فقالوا لي يا أبا شبل سلها فقلت لا أرفث عندها سائر اليوم فسمعت مقالتهم فقالت ما كنتم تقولون إنما أنا أمكم قالوا يا أم المؤمنين الصائم يقبل فقالت عائشة "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل ويباشر وهو صائم وكان أملككم لإربه"

(24/265)


وأخبرنا عبد الرحمن بن مروان قال حدثنا الحسن بن يحيى القاضي قال حدثنا عبد الله بن علي بن الجارود قال حدثنا محمد بن آدم قال حدثنا سفيان عن منصور عن إبراهيم عن علقمة عن عائشة "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبل ويباشر وهو صائم وكان أملككم لإربه"
أخبرنا عبد الله بن محمد بن يحيى قال حدثنا محمد بن بكر بن داسة قال حدثنا أبو داود قال حدثنا مسدد قال حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن إبراهيم عن الأسود وعلقمة عن عائشة قالت "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل وهو صائم ويباشر وهو صائم ولكنه أملك لإربه"
قال أبو عمر:
قولها أملك لإربه يعني أملك لنفسه ولشهوته وقد اختلف العلماء في كراهية القبلة للصائم على حسب ما قدمنا ذكره مبسوطا في باب زيد بن أسلم من هذا الكتاب فلا وجه لإعادته ههنا
وقد احتج بعض من كره القبلة للصائم بقول عائشة هذا وأيكم أملك لإربه من رسول الله صلى الله عليه وسلم وفتوى عائشة بجواز القبلة للصائم دليل على أن ذلك مباح لكل من أمن على نفسه إفساد صومه
ذكر مالك عن أبي النضر عن عائشة بنت طلحة أنها كانت عند عائشة فدخل عليها زوجها هنالك وهو عبد الله بن عبد الرحمن

(24/266)


ابن أبي بكر الصديق وهو صائم فقالت له عائشة ما يمنعك أن تدنو من أهلك فتقبلها وتلاعبها فقال أقبلها وأنا صائم قالت نعم وهي التي روت الحديث وعلمت مخرجه ومن خاف على أمة محمد ما لم يخفه عليها نبيها فقد جاء من التعسف بما لا يخفى ولما كان التأسي به مندوبا إليه استحال أن يأتي منه ما يكون خصوصا أو يسكت عليه وقد مضى من هذا الباب والمعنى ما فيه شفاء في باب زيد بن أسلم عن عطاء والحمد لله
وأما حديث مالك أنه بلغه أن عائشة رضي الله عنها كانت تقول كسر عظم المسلم ميتا ككسره حيا تعني في الإثم فقد مضى ذكره في باب أبي الرجال من هذا الكتاب وذكرنا هناك من أسنده ورفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم وذلك عند حديثه في المختفي النباش وصلى الله على محمد

(24/267)


الحديث الحادي والعشرون
...
حديث حاد وعشرون من البلاغات
مالك أنه بلغه أن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما من نبي يموت حتى يخير" قالت فسمعته يقول: "اللهم الرفيق الأعلى" فعرفت أنه ذاهب
قال أبو عمر:
قد روى عن هشام بن عروة عن عباد بن عبد الله بن الزبير عن عائشة أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يموت وهو مستند إلى صدرها وأصغت إليه يقول: "اللهم اغفر لي وارحمني وألحقني بالرفيق" . وهذا يكاد أن يكون ذلك المرسل إلا ذكر التخيير وقد روى هذا الحديث مسندا من وجه صحيح من حديث أهل المدينة ذكر التخيير والحديث كله
حدثنا أحمد بن فتح بن عبد الله قراءة مني عليه أن أبا الفضل جعفر بن محمد بن يزيد الجوهري حدثه إملاء عليهم بمصر سنة سبع وخمسين وثلاثمائة قال حدثنا محمد بن عبدان بن عبد الغفار بمكة قال حدثنا أبو مروان يعني محمد بن عثمان قال حدثنا إبراهيم بن سعد عن أبيه عن عروة عن عائشة قالت سمعت

(24/268)


رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ما من نبي مرض إلا خير بين الدنيا والآخرة" . قالت ولما كان في مرضه الذي قبض فيه أخذته بحة شديدة فسمعته يقول: {مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً} فعلمت أنه خير
وحدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا إسماعيل بن إسحاق قال حدثنا إبراهيم بن حمزة حدثنا إبراهيم بن سعد بن إبراهيم عن أبيه عن عروة عن عائشة قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر مثله سواء هذا تفسير قوله: "وألحقني بالرفيق" وقوله: "اللهم الرفيق الأعلى" .
وقد روي من وجوه أن الله عز وجل خيره بين الدنيا والآخرة فاختار الآخرة من حديث مالك وغيره وخير بين أن يؤتى مفاتيح خزائن الأرض أو ما عند الله فاختار ما عند الله والآثار في ذلك كثيرة صحاح وإنما ذكرنا في هذا الباب حديث عائشة فقط على حسب بلاغ مالك عنها وقد روى مالك في أن النبي صلى الله عليه وسلم خيره الله بين الدنيا والآخرة فاختار ما عنده خبرا متصلا ثابتا من غير حديث عائشة.
أخبرنا عبد الرحمن بن يحيى قال حدثنا الحسن بن الخضر قال حدثنا أحمد بن شعيب قال حدثنا عبد الملك بن عبد الحميد قال حدثنا القعنبي وأخبرنا عبد الله بن محمد بن أسد قال حدثنا أحمد ابن محمد المكي قال حدثنا علي بن عبد العزيز قال حدثنا القعنبي

(24/269)


قال قرأت على مالك بن أبي النضر عن عبيد بن حنين عن أبي سعيد الخدري "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جلس على المنبر فقال: "إن عبدا خيره الله بين أن يؤتيه من زهرة الدنيا وبين ما عنده فاختار ما عنده" فبكى أبو بكر وقال فديناك بآبائنا وأمهاتنا يا رسول الله قال فعجبنا له وقلنا انظروا إلى هذا الشيخ يخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عبد خير وهو يقول فديناك بآبائنا وأمهاتنا فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو المخير وكان أبو بكر أعلمنا به"

(24/270)


الحديث الثاني والعشرون
...
حديث ثان وعشرون من البلاغات
مالك أنه بلغه عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من لم يجد ثوبين فليصل في ثوب واحد ملتحفا به فإن كان الثوب قصيرا فليتزر به" .
وهذا الحديث محفوظ عن جابر من رواية أهل المدينة حدثناه عبيد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا هشام بن عمار وسليمان بن عبد الرحمن ويحيى بن الفضل السجستاني قالوا حدثنا حاتم بن إسماعيل قال حدثنا يعقوب بن مجاهد أبو حرزة عن عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت قال أنبأنا جابر بن عبد الله قال سرت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة فقام يصلي وكانت علي بردة ذهبت أخالف بين طرفيها فلم تبلغ بي وكانت لها ذباذب فنكستها ثم خالفت بين طرفيها ثم تراقصت عليها لا تسقط ثم جئت حتى قمت عن يسار رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ بيدي فأدارني حتى أقامني عن يمينه فجاء ابن صخر حتى قام

(24/271)


عن يساره فأخذنا بيديه جميعا حتى أقامنا خلفه قال وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يرمقني وأنا لا أشعر ثم فطنت به فأشار إلي أن أتزر بها فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "يا جابر" قلت لبيك يا رسول الله قال: "إذا كان واسعا فخالف بين طرفيه وإن كان ضيقا فاشدده عليك" .
وقد روي هذا الحديث عن جابر من طرق وري هذا المعنى عن النبي صلى الله عليه وسلم جماعة من أصحابه وقد ذكرنا الآثار بذلك في باب ابن شهاب عن سعيد بن المسيب
وفي هذا الحديث دليل على أن الواجب ستره في الصلاة العورة فقط وقد ذكرنا مذاهب العلماء في العورة من الرجل والمرأة مع سائر أحكام هذا الباب في باب ابن شهاب المذكور والحمد لله فلا وجه لإعادة ذلك ههنا
حدثنا عبد الله بن محمد حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا سليمان بن حرب قال حدثنا حماد بن زيد عن أيوب عن نافع عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أو قال عمر "إذا كان لأحدكم ثوبان فليصل فيهما فإن لم يكن إلا ثوب فليتزر به ولا يشتمل اشتمال اليهود" .

(24/272)


الحديث الثالث والعشرون
...
حديث ثالث وعشرون من البلاغات
مالك أنه بلغه عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا عاد الرجل المريض خاض الرحمة حتى إذا قعد عنده قرت فيه أو نحو هذا" .
وهذا حديث محفوط عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث جابر كما قال مالك ولا يحفظ أيضا من حديث أنس ومن حديث عمرو بن حزم وغيرهم وحديث عمرو بن حزم كحديث جابر سواء ونذكر ههنا حديث جابر خاصة وهو حديث مدني صحيح
حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أبو قلابة عبد الملك بن محمد الرقاشي قال حدثنا بكر بن بكار حدثنا عبد الحميد بن جعفر قال حدثتني أمي مندوس بنت علي قالت مرض عمر بن الحكم فعاده أهل المسجد فقال عمر بن الحكم سمعت جابر بن عبد الله يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من عاد مريضا خاض الرحمة فإذا جلس عنده استنقع فيها فإذا خرج من عنده خاض الرحمة حتى يرجع إلى بيته" .
وهذا الحديث رواه الواقدي قال حدثنا عبد الحميد بن جعفر سمع عمر بن الحكم قال سمعت جابر بن عبد الله يقول سمعت رسول

(24/273)


الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من عاد مريضا خاض الرحمة حتى إذا قعد استقر فيها" .
حدثناه أحمد بن قاسم قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا الحرث بن أبي أسامة قال حدثنا محمد بن عمر الواقدي فذكره وهو خطأ من الواقدي ولم يسمعه عبد الحميد من عمر بن الحكم وإنما رواه عن أمه عنه والله أعلم والواقدي ضعيف عند أكثرهم
وقد رواه هشيم عن عبد الحميد بن جعفر عن عمر بن الحكم بن ثوبان عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا أنه لم يقل إن عبد الحميد سمعه من عمر بن الحكم كما قال الواقدي وحديث هشيم ذكره أبو بكر ابن أبي شيبة ويحيى بن معين عن هشيم
حدثنا خلف بن قاسم حدثنا عبد الله بن محمد بن المفسر حدثنا أحمد بن علي بن سعيد حدثنا يحيى بن معين حدثنا هشيم حدثنا عبد الحميد بن جعفر عن عمر بن حكم بن ثوبان عن جابر بن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من عاد مريضا لم يزل يخوض الرحمة حتى يجلس فإذا جلس انغمس فيها" .
وذكر البزار قال حدثنا زيد بن أحزم قال حدثنا عبد الله بن حمدان قال حدثنا عبد الحميد بن جعفر عن عمر بن الحكم عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم وقال في آخره: "فإذا جلس عنده غمرته" .

(24/274)


ولا أحفظ لحديث جابر في هذا غير هذا الإسناد ولا أعلم لجابر حديثا في عيادة المريض غير هذا إلا ما رواه محمد بن المنكدر عن جابر قال كان النبي صلى الله عليه وسلم يعودني ليس براكب بغلا ولا برذونا ذكره أبو داود عن أحمد بن حنبل عن عبد الرحمن بن مهدي عن الثوري عن محمد بن المنكدر عن جابر.
وفي فضل العيادة آثار كثيرة رواها جماعة من الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم منهم علي وابن عباس وأبو أيوب وأبو موسى وعائشة وأنس وأبو سعيد الخدري وثوبان ولكنها بغير لفظ حديث مالك هذا وبغير معناه
أخبرنا سعيد حدثنا قاسم حدثنا ابن وضاح حدثنا أبو بكر حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن الحكم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال جاء أبو موسى يعود الحسن بن علي وكان شاكيا فقال علي أعائدا جئت أم شامتا قال بلى عائدا فقال علي أما إذ جئت عائدا فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إذا عاد الرجل أخاه المسلم مشى في خرافة الجنة حتى يجلس فإذا جلس غمرته الرحمة فإن كان غدوة صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يمسي وإن كان مساء صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يصبح" .
وأما لفظ حديث مالك ففي حديث جابر على حسبما ذكرنا من رواية عبد الحميد بن جعفر ومثله حديث أنس قال سمعت رسول

(24/275)


الله صلى الله عليه وسلم يقول: "عائد المريض يخوض الرحمة فإذا جلس غمرته" . وليس إسناد حديث أنس بالقوي
وأما لفظ حديث عمرو بن حزم فبلفظ حديث جابر هذا وفي هذا الحديث فضل عيادة المريض وهذا على عمومه في الصالح وغيره وفي المسلم وغيره والله أعلم
وقد عاد رسول الله صلى الله عليه وسلم كافرا وقد كره بعض أهل العلم عيادة الكافر لما في العيادة من الكرامة وقد أمرنا أن لا نبدأهم بالسلام فالعيادة أولى أن لا تكون فإن أتونا فلا بأس بحسن تلقيهم لقول الله عز وجل {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً} دخل فيه الكافر والمؤمن ولقوله صلى الله عليه وسلم: "إذا أتاكم كريم قوم أو كريمة قوم فأكرموه" . وقد أكثر الناس في هذين المعنيين وقد كان طاوس من يسلم على كل من لقي من مسلم وذمي ويقول هي للمسلم تحية وللكافر ذمة. وعلى هذا الحديث وعمومه لا بأس بالعيادة في كل وقت وقد كرهها طائفة من العلماء في أوقات
قال الأثرم سمعت أبا عبد الله يعني أحمد بن حنبل وقال له شيخ كان يخدمه تجيء إلى فلان مريض سماه يعوده وذلك عند ارتفاع النهار في الصيف فقال ليس هذا وقت عيادة وقال

(24/276)


الأثرم حدثنا أبو الوليد قال حدثنا مندل بن علي عن إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي قال عيادة حمقى القرى أشد على أهل المريض من مرض صاحبهم يجيئون في غير حين عيادة ويطيلون الجلوس
قال أبو عمر:
لقد أحسن ابن حذار في نحو هذا حيث يقول:
إن العيادة يوم بين يومين ... واجلس قليلا كلحظ العين بالعين
لا تبرمن مريضا في مساءلة ... يكفيك من ذاك تسأل بحرفين
ذكر الحسن بن علي الحلواني قال حدثنا أبو سعيد الجعفي قال حدثنا ضمرة قال حدثني الأوزاعي قال خرجت إلى البصرة أريد محمد بن سيرين فوجدته مريضا به البطن فكنا ندخل عليه نعوده قياما
حدثنا أحمد بن عمر قال حدثنا عبد الله بن محمد بن علي قال حدثنا محمد بن فطيس قال حدثنا محمد بن إسحاق السجزي قال حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن ابن طاوس عن أبيه قال أفضل العيادة أخفها
وقال ابن وضاح في تفسير الحديث أفضل العيادة أخفها قال هو أن لا يطول الرجل في القعود إذا عاد المريض

(24/277)


الحديث الرابع والعشرون
...
حديث رابع وعشرون من البلاغات
مالك أنه بلغه عن عبد الله بن عمر أنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله" .
وهذا الحديث يرويه جماعة عن ابن عمر منهم سالم ونافع وحبيب بن أبي ثابت ومجاهد وبلال بن عبد الله بن عمر. وقد ذكرنا آثار هذا الباب في باب يحيى بن سعيد من هذا الكتاب عند قول عائشة لو رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أحدث النساء بعده لمنعهن المسجد. ومضى هنالك من مذاهب العلماء في خروج النساء إلى المسجد ما فيه شفاء وإشراف على هذا الشأن في ذلك والحمد لله ونذكر هاهنا ما حضرنا ذكره من مسند حديث عبد الله بن عمر خاصة في هذا الباب بعون الله
حدثنا سعيد بن نصر حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا ابن وضاح حدثنا ابن أبي شيبة حدثنا عبد الله بن نمير حدثنا عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله" .
وحدثنا عبد الوارث حدثنا قاسم حدثنا محمد بن عبد السلام حدثنا محمد بن بشار حدثنا يحيى بن سعيد عن عبيد الله قال

(24/278)


أخبرنا نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله" .
حدثنا خلف بن سعيد قال حدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا أحمد بن خالد قال حدثنا علي بن عبد العزيز قال حدثنا مسلم بن إبراهيم حدثنا شعبة عن أيوب عن نافع عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله" .
وقرأت على أحمد بن قاسم بن عيسى رحمه الله أن عبيد الله ابن محمد بن حبابة حدثهم قال حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي قال حدثنا عبد الله بن الهيثم العبدي حدثنا سعيد بن عامر وحدثنا أحمد بن قاسم بن عيسى أيضا قال حدثنا ابن حبابة حدثنا البغوي قال حدثنا الحسن بن محمد قال حدثنا ابن عباد وحدثنا أحمد بن قاسم قال حدثنا ابن حبابة قال حدثنا البغوي قال حدثنا عمي قال حدثنا مسلم قالوا حدثنا شبعة عن أيوب عن نافع عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تمنعوا نساءكم المساجد" .
قال البغوي هكذا رواه غير واحد عن شعبة إلا أن نصر بن علي حدثنا به عن أبيه عن شعبة بإسناده وزاد فيه بالليل

(24/279)


قال أبو عمر:
قد ذكرنا من قال فيه بالليل في باب يحيى بن سعيد والأسانيد التي ذكرنا هناك أرفع وكلها ثابتة صحاح والحمد لله
حدثنا أحمد بن قاسم بن عيسى قال حدثنا عبيد الله بن حبابة وحدثنا عبد الرحمن بن مروان قال حدثنا أحمد بن سليمان الجريري قالا حدثنا البغوي قال حدثنا أبو الربيع الزهراني قال حدثنا حماد بن زيد عن أيوب عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تمنعوا النساء المساجد" .
وفي حديث عبد الرحمن بن مروان قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تمنعوا إماء الله أن يصلين في المساجد" .
حدثنا أحمد بن قاسم بن عيسى المقرى ء قال حدثنا إدريس بن علي ابن إسحاق ببغداد قال حدثنا أبو حامد محمد بن هارون الحضرمي قال حدثنا يعقوب بن إبراهيم الدورقي قال حدثنا أبو أسامة قال حدثنا عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال كانت امرأة لعمر تشهد صلاة الصبح والعشاء في جماعة فقيل لها لم تخرجين وقد تعلمين أن عمر يكره ذلك ويغار قالت فما يمنعه أن ينهاني قالوا يمنعه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله" .
حدثنا خلف بن القاسم قال حدثنا محمد بن يوسف بن يعقوب الكندي قال حدثنا أبو الوليد عبد الملك بن يحيى بن عبد الله بن بكير قال حدثنا أبي قال حدثني عرابي بن معاوية عن عبد الله بن هبيرة

(24/280)


اللبائي قال حدثني بلال بن عبد الله بن عمر أن عبد الله بن عمر قال يوما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تمنعوا النساء حظوظهن من المساجد" . فقلت أنا أما أنا فسأمنع أهلي فمن شاء فليسرح أهله فالتفت إلي فقال لعنك الله لعنك الله لعنك الله تسمعني أقول إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر ألا يمنعن ثم قام مغضبا
وروى الثوري عن الأعمش عن مجاهد عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ائذنوا للنساء في المساجد بالليل" . فقال ابنه وذكر معنى حديث بلال
وحدثنا أحمد بن عبد الله بن محمد قال حدثنا الميمون بن حمزة قال حدثنا الطحاوي قال حدثنا المزني قال حدثنا الشافعي قال أخبرنا سفيان بن عيينة عن الزهري قال أخبرنا سالم بن عبد الله عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا استأذنت أحدكم امرأته إلى المسجد فلا يمنعها" .
وفي هذا الحديث من الفقه جواز خروج المرأة إلى المسجد لشهود العشاء بالليل لأنها زيادة حافظ وقد يدخل في ذلك كل صلاة لعموم لفظ الأحاديث في ذلك وأن المعنى واحد وفي معنى هذا الحديث أيضا الإذن لها في الخروج لكل مباح حسن من زيارة الآباء والأمهات وذوي المحارم من القرابات لأن الخروج لهن إلى المسجد ليس بواجب عليهن بل قد جاءت الآثار الثابتة تخبر بأن الصلاة لهن في بيوتهن أفضل فصار الإذن لهن إلى المسجد وإذا لم يكن للرجل أن

(24/281)


يمنع امرأته المسجد إذا استأذنته في الخروج إليه كان أوكد أن يجب عليه أن لا يمنعها الخروج لزيارة من في زيارته صلة لرحمها ولا من شيء لها فيه فضل أو إقامة سنة وإذا كان ذلك كذلك فالإذن ألزم لزوجها إذا استأذنته في الخروج إلى بيت الله الحرام للحج. وقد أوضحنا ما للعلماء في هذا المعنى في باب سعيد بن أبي سعيد والحمد لله
وقد احتج بعض أصحابنا وغيرهم في إيجاب الإذن للمرأة على الزوج في الخروج إلى أداء فريضة الحج بقوله عز وجل {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ} الآية وفيما ذكرناه في باب سعيد بن أبي سعيد كفاية والحمد لله

(24/282)


الحديث الخامس والعشرون
...
حديث خامس وعشرون من البلاغات
مالك أنه بلغه أن أبا هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "للمملوك طعامه وكسوته بالمعروف ولا يكلف من العمل إلا ما يطيق" .
وهذا الحديث محفوظ مشهور من حديث أبي هريرة وقد رواه مالك مسندا عن ابن عجلان عن أبيه عن أبي هريرة إلا أنهم قد تكلموا في إسناده هذا وقد روي من حديث الزهري عن سعيد وأبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم وليس دون الزهري من يحتج به.
فأما حديث مالك عن ابن عجلان في ذلك فحدثنا أحمد بن عبد الله بن محمد بن قاسم قال حدثنا حفص بن عبد الله قال حدثني أبي قال حدثنا إبراهيم بن طهمان عن مالك بن أنس عن ابن عجلان عن أبيه عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "للعبد طعامه وكسوته بالمعروف ولا يكلف من العمل إلا ما يطيق" .

(24/283)


قال أبو داود هذا الحديث إنما يرويه ابن عجلان عن بكير بن عبد الله بن الأشج عن ابن عجلان عن أبيه عن أبي هريرة ولكن هكذا قال مالك
قال أبو عمر:
هو كما قال أبو داود إلا أنا قد وجدنا الثوري تابع مالكا على ذلك.
حدثنا سعيد بن نصر حدثنا أحمد بن دحيم حدثنا يحيى بن محمد بن صاعد حدثنا الحسين بن الحسن المروزي حدثنا ابن المبارك أخبرنا سفيان عن محمد بن عجلان عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "للمملوك طعامه وكسوته ولا يكلف من العمل إلا ما يطيق" .
حدثنا أحمد بن فتح حدثنا حمزة بن محمد حدثنا عبد الله بن على النيسابوري حدثنا أحمد بن حفص بن عبد الله حدثنا أبي حدثنا إبراهيم بن طهمان عن مالك بن أنس عن ابن عجلان عن أبيه عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكره
وحدثنا أحمد بن عبد الله بن محمد حدثنا أبي حدثنا محمد بن قاسم حدثنا مالك بن عيسى الحافظ قال وحدثناه الفضل بن الحسن البهراني حدثنا محمد بن عامر حدثنا أبي عن النعمان عن

(24/284)


مالك عن ابن عدلان عن أبيه عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكره
قال أبو عمر:
هذا الحديث لم يكن يعرف مسندا من حديث مالك إلا برواية إبراهيم بن طهمان عنه وقد ذكره مالك بن عيسى وكان محدثا محسنا من طريق النعمان عن مالك ولا أدري من النعمان هذا لأنه لم ينسبه وربما كان النعمان بن راشد فإن كان النعمان بن راشد فهو في قصد مالك لروايته عن الزهري ولا أدري من هو.
وأما الحديث فمحفوظ معروف من حديث ابن عجلان عن بكير عن عجلان عن أبي هريرة هكذا يرويه الناس وهو طريقه المعروف إلا أن مالكا والثوري قد روياه عن ابن عجلان عن أبيه عن أبي هريرة كما رأيت وأما غيرهما فإنما يروونه عن ابن عجلان عن بكير بن الأشج عن العجلان عن أبي هريرة.
أخبرنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا ابن وضاح قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا عفان قال حدثنا وهيب قال أخبرنا محمد بن عجلان عن بكير بن عبد الله بن الأشج عن عجلان أبي محمد عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "للمملوك طعامه وكسوته ولا يكلف من العمل إلا ما يطيق" .

(24/285)


أخبرنا احمد بن عبد الله قال حدثنا الميمون بن حمزة قال حدثنا الطحاوي قال حدثنا المدني قال حدثنا الشافعي قال أخبرنا سفيان ابن عيينة قال حدثنا ابن عجلان عن بكير بن الأشج عن عجلان أبي محمد عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "للمملوك طعامه وكسوته ولا يكلف من العمل إلا ما يطيق" .
وحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا يحيى بن عبد الحميد قال حدثنا سليمان بن بلال عن محمد بن عجلان قال أخبرنا بكير بن عبد الله ابن الأشج عن عجلان يعني أبا محمد بن عجلان عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "للمملوك كسوته وطعامة ولا يكلف من العمل ما لا يطيق" .
وحدثنا عبد الوارث قال حدثنا قاسم قال حدثنا محمد بن إسماعيل الترمذي قال حدثنا عبد الله بن صالح حدثني الليث حدثني ابن عجلان عن بكير بن عبد الله بن الأشج أن العجلان أبا محمد حدثه قبل وفاته أنه سمع أبا هريرة يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "للمملوك طعامه وكسوته ولا يكلف من العمل إلا ما يطيق" .
وكذلك رواه سعيد بن أبي أيوب وعبد العزيز الدراوردي قالا حدثنا محمد بن عجلان عن بكير بن عبد الله عن العجلان عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم
قال أبو عمر:
لم يقل واحد منهم عن ابن عجلان في هذا الحديث بالمعروف إلا مالك وحده فإنه قال فيه بالمعروف وهي لفظة حسنة تحتمل

(24/286)


التأويل وقد جعلها قوم معارضة لقوله عليه السلام أطعموهم مما تأكلون واكسوهم مما تلبسون وهذا الحديث روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه كثيرة من حديث ابن عباس وعبادة وأبي ذر وغيرهم وأحسنها حديث أبي ذر وغيرها مختلف في ألفاظها وأسانيدها
حدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا مسدد قال حدثنا عيسى بن يونس
وحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن عبد السلام قال حدثنا محمد بن المثنى قال حدثنا أبو معاوية قال حدثنا الأعمش عن المعروف بن سويد قال دخلنا على أبي ذر بالربذة فإذا عليه برد وإذا على غلامه مثله فقلنا يا أبا ذر لو أخذت برد غلامك إلى بردك فكانت حلة وكسوته ثوبا غيره فقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إخوانكم خولكم جعلهم الله تحت أيديكم فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل وليكسه مما يلبس ولا يكلفه ما يغلبه فإن كلفه مما يغلبه فليعنه" . وهذا لفظ حديث عيسى بن يونس وحديث أبي معاوية مثله بمعناه سواء إلا أنه لم يقل فإن كلفه ما يغلبه فليعنه وقال من جعل قوله: "بالمعروف" معارضا لقوله: "أطعموهم مما تأكلون واكسوهم مما تلبسون", قالوا المعروف أن العبد لا يساوي سيده في مطعم ولا ملبس وحسبه أن يكسوه ويطعمه ما يعرف لمثله من المطعم والملبس" قالوا وقوله: "أطعموهم مما تأكلون واكسوهم مما تلبسون" , هو أمر معناه الندب

(24/287)


والاستحسان وليس ذلك عليهم بواجب وعلى هذا مذهب العلماء قديما وحديثا لا أعلم بينهم فيه اختلافا ومما يدل على صحة ما ذكرنا ما حدثناه عبد الرحمان بن يحيى بن محمد قال حدثنا عمر ابن محمد بن أحمد بن عبد الرحمان القرشي الجمحي بمكة قال حدثنا علي بن عبد العزيز البغوي قال حدثنا القعنبي قال حدثنا داود بن قيس عن موسى بن يسار عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا صنع لأحدكم خادمه طعاما وقد ولي حره ودخانه فليقعده معه فليأكل فإن كان الطعام قليلا فليضع في يده منه أكلة أو أكلتين" . قال داود يعني لقمة أو لقمتين
وحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن الهيثم قال حدثنا الحنيني عن داود بن قيس عن موسى بن يسار عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا جاء خادم أحدكم بطعامه قد ولي حره ودخانه فليقل له اجلس فإن أبى فليتناوله لقمة أو لقمتين" . وأشار الحنيني بيده وهذا يدل على أنه ليس عليه أن يكون طعامه وطعام غلامه واحدا سواء فإن فعل فقد أحسن وإن لم يفعل فلا حرج والذي أحب له أن لا يخيبه مما يتناول له عمله ويقدمه بين يديه
وفي حديث هذا الباب أيضا دليل على وجوب نفقة المماليك على مالكيهم وأجمع العلماء على أن نفقة المماليك واجبة على ساداتهم بالمعروف صغارا كانوا أو كبارا زمنى كانوا أو أقوياء يلزم السيد

(24/288)


النفقة على مملوكه ويجبر على ذلك لأنه له من الإنفاق أو البيع أو العتق وللسيد أن يستعمل عبده وأمته في كل ما يطيق كل واحد منهما ويحسنه ويخارجه في ذلك إن شاء.
ومن الدليل على وجوب نفقة المملوك على سيده حديث أبي هريرة في ذلك حدثناه أحمد بن فتح قال حدثنا إسحاق بن إبراهيم قال حدثنا أحمد بن خالد قال حدثنا علي بن عبد العزيز قال حدثنا أبو النعمان عارم بن الفضل قال حدثنا حماد بن زيد قال حدثنا عاصم ابن بهدلة عن أبي صالح عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خير الصدقة ما أبقى غنى واليد العليا خير من اليد السفلى وابدأ بمن تعول" . ثم اتبع الحديث: "تقول امرأتك أنفق علي أو طلقني ويقول مملوكك أنفق علي أو بعني ويقول ولدك إلى من تكلني" فهذا بين في وجوب نفقات الزوجات والبنين والمماليك وليس في وجوب نفقة المماليك ذكرانا كانوا أو إناثا بالمعروف اختلاف على قدر حال المملوك أو المملوكة
أخبرنا عبد الرحمان حدثنا علي حدثنا أحمد حدثنا سحنون حدثنا ابن وهب قال أخبرني يونس بن يزيد عن ابن شهاب قال لا يتصدق المملوك من مال سيده بشيء له بال إلا بإذنه وكذلك لا يصيب من ماله شيئا إلا بإذنه ولا أرى عليه بأسا أن يسقى من لبن ماشيته إذا وليها ظمآنا يمر به وأن ينبل من ذلك بالمعروف من غشيه قال يونس وسألت ربيعة عن ذلك فقال لا إلا من الطعام يأكله أو نحوه ولا بأس عليه إن ولي لسيده حائطا فأتاه مسكين أن يناوله القبضة ونحوها

(24/289)


الحديث السادس والعشرون
...
حديث سادس وعشرون من البلاغات
مالك أنه بلغه أن عبد الله بن مسعود كان يحدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أيما بيعين تبايعا فالقول قول البائع أو يترادان" .
هكذا قال مالك في هذا الحديث أيما بيعين تبايعا ولم يقل فاختلفا وهي لفظة مدار الحديث عليها ومن أجلها ورد وسقطت لمالك كما ترى وفي قوله فيه: "فالقول قول البائع" دليل على اختلافهما والله أعلم
وهذا الحديث محفوظ عن ابن مسعود كما قال مالك وهو عند جماعة العلماء أصل تلقوه بالقبول وبنوا عليه كثيرا من فروعه واشتهر عندهم بالحجاز والعراق شهرة يستغنى بها عن الإسناد كما اشتهر عندهم قول عليه السلام: "لا وصية لوارث" . ومثل هذا من الآثار التي قد اشتهرت عند جماعة العلماء استفاضة يكاد يستغنى فيها عن الإسناد لأن استفاضتها وشهرتها عندهم أقوى من الإسناد

(24/290)


أخبرنا أحمد بن عبد الله بن محمد قال حدثنا الميمون بن حمزة الحسيني قال حدثنا الطحاوي قال حدثنا المزني قال حدثنا الشافعي أخبرنا سفيان بن عيينة عن محمد بن عجلان عن عون بن عبد الله بن عتبة عن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا اختلف البيعان فالقول ما قال البائع والمبتاع بالخيار" . وهذا مرسل لأن عونا لم يسمع من ابن مسعود
وحدثنا سعيد بن نصر وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثنا قاسم ابن أصبغ قال حدثنا ابن وضاح قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا سفيان بن عيينة ويحيى بن سعيد عن ابن عجلان عن عون بن عبد الله عن ابن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا اختلف البيعان فالقول ما قال البائع والمبتاع بالخيار" .
أخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن قال حدثنا محمد بن بكر ابن داسة قال حدثنا أبو داود قال حدثنا محمد بن يحيى بن فارس قال حدثنا عمر بن حفص بن غياث قال حدثني أبي عن الأعمش قال أخبرني عبد الرحمن بن قيس بن محمد بن الأشعث عن أبيه عن جده قال اشترى الأشعث رقيقا من رقيق الخمس من عبد الله بعشرين ألفا فأرسل عبد الله إليه في ثمنهم فقال إنما أخذتهم بعشرة آلاف فقال عبد الله فاختر رجلا يكون بيني وبينك. قال الأشعث أنت بيني وبين نفسك قال عبد الله فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إذا اختلف البيعان وليس بينهما بينة فهو ما يقول

(24/291)


رب السلعة أو يتتاركان" هكذا في كتابي في مصنف أبي داود وذكره ابن الجارود عن محمد بن يحيى عن عمر بن حفص بن غياث عن أبيه عن أبي العميس عن عبد الرحمن بن قيس بن محمد بن الأشعث عن أبيه عن جده مثله سواء. ولأبي العميس يعرف هذا الحديث عن عبد الرحمن هذا لا عن الأعمش وعبد الرحمن هذا غير معروف بحمل العلم وهذا الإسناد ليس بحجة عند أهل العلم ولكن هذا الحديث عندهم مشهور ومعلوم والله أعلم
وحدثنا عبد الله بن ممد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي قال حدثنا هشيم أخبرنا ابن أبي ليلى عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه أن ابن مسعود باع من الأشعث بن قيس رقيا. فذكر معناه والكلام يزيد وينقص. هكذا رواه ابن أبي ليلى وعمر بن قيس الماصر عن القاسم ابن عبد الرحمن عن أبيه وعمر بن قيس الماصر هذا كوفي ثقة روى عنه ابن عون, وغيره
ذكر العقيلي قال حدثنا محمد بن إدريس قال حدثنا محمد بن سعيد بن سابق عن عمرو بن أبي قيس عن عمر بن قيس الماصر عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه عن عبد الله بن مسعود قال

(24/292)


قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا تبايع المتبايعان بيعا ليس بينهما شهود فالقول ما قال البائع أو يترادان البيع" .
حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا بكر بن حماد قال حدثنا مسدد قال حدثنا حماد عن أبان بن تغلب عن القاسم بن عبد الرحمن أن الأشعث اشترى من عبد الله رقيقا من رقيق الإمارة فأتاه فقاضاه فاختلفا في الثمن فقال له عبد الله أترضى أن أقضي بيني وبينك بقضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا اختلف البيعان فالقول ما قال البائع أو يترادان" .
ورواه حجاج عن ابن جريج قال أخبرني إسماعيل بن أمية عن عبد الملك بن عبيدة قال حضرنا أبا عبيدة بن عبد الله بن مسعود فذكر عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم معناه.
قال أبو عمر:
هذا الحديث وإن كان في إسناده مقال من جهة الانقطاع مرة وضعف بعض نقلته أخرى فإن شهرته عند العلماء بالحجاز والعراق يكفي ويغني
وأما اختلاف الفقهاء في هذا الباب فقال ابن أبي ليلى والثوري وأبو حنيفة والشافعي وأصحابهم وأحمد وإسحاق إذا اختلف

(24/293)


المتبايعان في الثمن والسلعة قائمة تحالفا وترادا البيع وبدئ البائع باليمين ثم قيل للمشتري إما أن تأخذ بما حلف عليه البائع وإما أن تحلف على دعواك وتبرأ فإن حلفا جميعا رد البيع وإن نكلا جميعا رد البيع وإن حلف أحدهما ونكل الآخر كان البيع لمن حلف وسواء عند هؤلاء كلهم كانت السلعة قائمة بيد البائع أو بيد المشتري بعد أن تكون قائمة وكذلك روى ابن القاسم عن مالك إن السلعة إذا كانت قائمة بيد البائع أو بيد المشتري تحالفا وترادا على حسبما ذكرنا عن هؤلاء سواء
ابن وهب عن مالك أن السلعة إذا بان بها المشتري إلى نفسه لم يتحالفا وكان القول قول المشتري مع يمينه وإنما يتحالفان إذا كانت السلعة قائمة بيد البائع هذه رواية ابن وهب عن مالك
وقال سحنون رواية ابن وهب عن مالك هو قول مالك الأول وعليه اجتمع الرواة وقول مالك الذي رواه ابن القاسم وأخذ به هو آخر قول مالك واختلفوا والمسألة بحالها إذا فاتت السلعة بيد المشتري وهلكت ولم تكن قائمة. فقال مالك وأصحابه كلهم حاشا أشهب القول قول المشتري مع يمينه ولا يتحالفان وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف والثوري والحسن بن حي والليث بن سعد.
وقال الشافعي ومحمد بن الحسن وهو قول أشهب صاحب مالك إنهما يتحالفان ويتفاسخان ويرد المشتري القيمة وهو قول عبيد الله بن الحسن العنبري قاضي البصرة

(24/294)


وقال زفر إن اتفقا في هذه المسألة أن الثمن كان من جنس واحد كان القول قول المشتري وإن اختلفا في جنسه تحالفا وترادا قيمة البيع وقول الشافعي سواء كانت السلعة قائمة بيد البائع أو بيد المشتري أو هلكت عند البائع وعند المشتري هما أبدا إذا اختلفا في الثمن يتحالفان ويترادان السلعة إن كانت قائمة أو قيمتها إن كانت فائتة
وقال أبو ثور في اختلاف المتبايعين في الثمن القول أبدا قول المشتري وسواء كانت السلعة قائمة بيد البائع أو بيد المشتري أو فاتت عند البائع أو عند المشتري القول أبدا في ذلك كله قول المشتري مع يمينه وضعف أبو ثور الحديث في هذا الباب ولم يوجب به حكما ولكل واحد منهم حجج من جهة النظر تكاد تتوازى وأما أبو ثور فلم يقل بشيء من معنى حديث هذا الباب وشذ في ذلك إلى قياس يعارضه قياس مثله لخصمه والله المستعان.
فمن حجة أبي ثور أن البائع مقر بزوال ملكه عن السلعة مصدق للمشتري في زوالها عن ملكه فصار القول قول المشتري مع يمينه على كل حال
وروى ابن سماعة عن أبي يوسف قال قال أبو حنيفة القياس في المتبايعين إذا اختلفا فادعى البائع ألفا وخمسمائة وادعى المشتري ألفا أن يكون المقول قول المشتري ولا يتحالفان ولا يترادان لأنهما

(24/295)


قد أجمعا على ملك المشتري السلعة المبيعة واختلفا في ملك البائع على المشتري من الثمن ما لا يقربه المشتري فهما كرجلين ادعى أحدهما على الآخر ألف درهم وخمسمائة درهم وأقر هو بألف درهم فالقول قوله إلا أنا تركنا القياس للأثر في حال قيام السلعة فإذا فاتت السلعة عاد القياس
قال أبو عمر:
هذا القياس الذي ذكره أبو حنيفة امتثله كل من ذهب في هذا الباب مذهبه من أصحابه ومن المالكيين وغيرهم قال أبو محمد بن أبي زيد ظاهر قوله في الحديث: "أو يترادان" الإشارة إلى رد الأعيان فإذا ذهبت الأعيان خرج من ظاهر الحديث لأن ما فات بيد المبتاع لا سبيل إلى رده وصار المبتاع مقرا بثمن يدعى عليه أكثر منه فدخل في باب الحديث الآخر البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه.
قال أبو عمر:
من حجة الشافعي وأشهب وعبيد الله بن الحسن ومن ذهب مذهبهم في هذا الباب وجعل المتبايعين إذا اختلفا في الثمن يتحالفان ويترادان أبدا أنه يقول إن البائع لم يقر بخروج السلعة عن ملكه إلا بصفة ما لا يصدقه عليها المبتاع وكذلك المشتري لم يقر بانتقال الملك إليه إلا بصفة ما لا يصدقه عليها البائع والأصل أن السلعة

(24/296)


للبائع فلا تخرج من ملكه إلا بيقين من إقرار أو بينة وإقراره منوط بصفة لا سبيل إلى دفعها لعدم بينة المشتري بدعواه فحصل كل واحد منهما مدع ومدعى عليه ووردت السنة بأن يبدأ البائع باليمين وذلك والله علم لأن الأصل أن السلعة له فلا يعطاها أحد بدعواه فإذا حلف خير المبتاع في أخذ بما حلف البائع عليه إن شاء وإلا حلف أنه ما ابتاع إلا بما ذكر ثم يفسخ البيع بينهما وبهذا المعنى وردت السنة مجملة لم تخص كون السلعة بيد واحد دون آخر ومعلوم أن التراد إذا وجب بالتحالف والسلعة حاضة وجب بعد هلاكها لأن القيمة تقوم مقامها كما تقوم في كل ما فات مقامه ومن ادعى في شيء من ذلك خصوصا فقد ادعى ما لا يقوم من ظاهر الحديث ولا معناه
قالوا وليس اختلاف المتبايعين من باب البينة على المدعى واليمين على من أنكر. في شيء لأن ذلك حكم ورد به الشرع في المدعي والمدعى عليه والمدعى عليه المدعي بغير ذلك وكل أصل في نفسه يجب امتثاله ولكل واحد منهم حجج يطول ذكرها ومدارها على ما ذكرنا
وقال ابن القاسم إذا اختلف المتبايعان في قلة الثمن وكثرته والسلعة بيد المبتاع لم تفت ولم تتغير في بدن أو سوق أو لم يكن قبضها أحلف البائع أو لا على ما ذكر أنه ما باعها إلا بكذا فإن حلف خير المبتاع في أخذها بذلك أو يحلف ما ابتاع إلا بكذا ثم يراد إلا أن يرضى قبل الفسخ أخذها بما قال البائع قال سحنون بل

(24/297)


بتمام التحالف ينفسخ البيع ورواه سحنون عن شريح قال شريح إذا اختلف المتبايعان ولا بينة بينهما أنهما إن حلفا ترادا وإن نكلا ترادا وإن حلف أحدهما ونكل الآخر ترك البيع يريد على قول الحالف
وروى ابن المواز عن ابن القاسم مثل قول شريح
وقال ابن حبيب إذا استحلفا فسخ وإن نكلا كان القول قول البائع وذكره عن مالك وقال ابن القاسم إن قبضها المبتاع ثم فاتت بيده بنماء أو نقصان أو تغير سوق أو بيع أو كتابة أو عتق أو هبة أو هلاك أو تقطيع في الثياب فالقول قول المبتاع مع يمينه وكذلك لو كانت دارا فبناها أو طال الزمان أو تغيرت المساكن
وأما الشافعي فليس يجعل شيئا من هذا كله فوتا في معنى من المعاني وفي هذه المسألة عنده يتحالفان إذا فاتت السلعة وتقوم القيمة مقامها وهو قول أشهب
ومن أصل مذهب مالك وأصحابه في هذه المسألة أن من جاء منهما بما لا يشبه كان القول قول الآخر وإنما يحلف من ادعى ما يشبه ولو اختلف المتبايعان في الأجل فقال البائع حال وقال المشتري إلى شهر فإن لم يتقابضا تحالفا وترادا وإن قبض المشتري السلعة فالقول قوله مع يمينه على رواية ابن وهب

(24/298)


وروى ابن القاسم أنهما يتحالفان إن كانت السلعة قائمة عند البائع أو عند المشتري وإن فاتت فالقول قول المشتري مع يمينه إلا أن يكون للناس عرف وعادة في تلك السلعة في شرائها بالنقد والأجل فلا يكون لواحد منهما قوله ويحملان على عرف الناس في تلك السلعة ويكون القول قول من ادعى العرف هذا كله مذهب مالك والليث بن سعد
وقال الشافعي وعبيد الله بن الحسن الاختلاف في الأجل كالاختلاف في الثمن والقول في ذلك واحد
وقال أبو حنيفة إذا قال البائع هو حال وقال المشتري إلى شهر فالقول قول البائع مع يمينه وكذلك إذا قال البائع إلى شهر وقال المشتري إلى شهرين وهو قول الثوري
قال أبو عمر:
في هذه المسألة قول آخر غير ما ذكرنا عن هؤلاء ذكره المروزي قال قال بعض أصحابنا إن كان المشتري هو المستهلك للسلعة تحالفا ورد القيمة وإن كانت السلعة هلكت من غير فعل المشتري تحالفا فإن حلفا لم يكن على المشتري رد قيمة ولا غيرها لأنه لم يكن متعديا على السلعة ولا جانيا ولا يضمن إلا جان أو متعد قال المروزي وهذا القياس

(24/299)


الحديث السابع والعشرون
...
حديث سابع وعشرون من البلاغات
مالك أنه بلغه أن معاذ بن جبل قال آخر ما أوصاني به رسول الله صلى الله عليه وسلم حين وضعت رجلي في الغرز أن قال: "أحسن خلقك للناس يا معاذ بن جبل" .
هكذا روى يحيى هذا الحديث وتابعه ابن القاسم والقعنبي ورواه ابن بكير عن مالك عن يحيى بن سعيد عن معاذ بن جبل وهو مع هذا منقطع جدا ولا يوجد مسندا عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث معاذ ولا غيره بهذا اللفظ والله أعلم
قال البزار لا أحفظ في هذا مسندا عن النبي صلى الله عليه وسلم
قال أبو عمر:
يريد بهذا اللفظ لأنه قد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم من حديث أنس قال بعث النبي صلى الله عليه وسلم معاذ بن جبل إلى اليمن فقال: "يا معاذ اتق الله وخالق الناس بخلق حسن وإذا عملت سيئة فأتبعها حسنة". قال قلت يا رسول الله لا إله إلا الله من الحسنات قال: "هي من أكبر الحسنات" . رواه حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس وقد ذكرناه في باب زياد بن أبي زياد
وقد حدثنا خلف بن القاسم قال حدثنا محمد بن الحسين

(24/300)


الآجري قال حدثنا جعفر بن محمد الفرياني قال حدثنا سعيد بن حفص خال النفيلي قال أخبرنا موسى بن أعين عن الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت عن ميمون بن أبي شبيب عن معاذ بن جبل قال قلت يا رسول الله علمني ما ينفعني قال: "اتق الله حيث كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن" .
قوله صلى الله عليه وسلم: "خالق الناس بخلق حسن" أو "حسن خلقك للناس" معنى واحد لا يختلف والحمد لله وقد روي من وجوه عن معاذ بن جبل أنه قال آخر ما أوصاني به رسول الله صلى الله عليه وسلم أن قال: "لا يزال لسانك رطبا من ذكر الله" .
حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا عبيد بن عبد الواحد قال حدثنا علي بن المديني قال حدثنا الوليد بن مسلم قال حدثنا ابن ثوبان عن أبيه عن محكول عن جبير بن نفير عن مالك بن يخامر قال سمعت معاذ بن جبل يقول إن آخر كلمة فارقت عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت يا رسول الله أي العلم أفضل قال: "لا يزال لسانك رطبا من ذكر الله" .
وحدثنا سلمة بن سعيد قال حدثنا علي بن عمر قال حدثنا أحمد ابن عيسى ابن السكين الباري قال حدثنا أبو عمرو الزبير ابن محمدبن الزبير الرهاوي قال حدثنا قتادة بن الفضيل الجرشي عن ثور بن يزيد عن خالد بن معدان عن معاذ بن جبل قال إن آخر شيء فارقت عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت يا رسول الله أي شيء أنجى لابن

(24/301)


آدم من عذاب الله قال: "أن يموت ولسانه رطب من ذكر الله عز وجل" .
وفي حسن الخلق أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم كثيرة وقد مضى منها في باب يحيى بن سعيد قوله عليه السلام: "إن الرجل ليدرك بحسن خلقه درجة القائم بالليل الظامئ بالهواجر" وسيأتي قوله عليه السلام: "إنما بعثت لأتمم محاسن الأخلاق" في موضعه من بلاغات مالك في هذا الكتاب إن شاء الله ومنها قوله عليه السلام: "أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا" .
وحدثنا خلف بن سعيد قال حدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا أحمد بن خالد قال حدثنا علي بن عبد العزيز قال حدثنا عتيق بن يعقوب الزبيري قال حدثنا عقبة بن علي مولى آل الزبير عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أنا زعيم ببيت في ربض الجنة وبيت في وسط الجنة وبيت في أعلى الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقا ولمن ترك الكذب وإن كان لاعبا لمن حسنت مخالطته للناس" .
قال أبو عمر:

(24/302)


الغرز موضع الركاب من رحل البعير كركاب السرج وفي أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم معاذا بتحسين خلقه إذ بعثه إلى اليمن أمر بالرفق بالناس وكذلك يلزم الخليفة إذا بعث عاملا أن يوصيه بذلك وبمثله تأسيا برسول الله صلى الله عليه وسلم.

(24/303)


الحديث الثامن والعشرون
...
حديث ثامن وعشرون من البلاغات
مالك أنه بلغه أن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون قال: "نعم إذا كثر الخبث" .
وهذا الحديث لا يعرف لأم سلمة بهذا اللفظ عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا من وجه ليس بالقوي يروي عن محمد بن سوقة عن نافع بن جبير ابن معطم عن أم سلمة وقد روي في معنى هذ الباب حديث عن أم سلمة في هذا المعنى بغير هذا اللفظ
وأما هذا اللفظ فإنما هو معروف لزينب بنت جحش عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو مشهور محفوظ من حديث ابن شهاب وقد اختلف عليه في بعض إسناده
حدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا محمد ابن إسماعيل الترمذي قال حدثنا الحميدي
وحدثنا أحمد بن قاسم بن عبد الرحمن قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا الحرث بن أبي أسامة قال حدثنا إسحاق بن عيسى قالا حدثنا سفيان بن عيينة قال حدثنا الزهري عن عروة عن زينب بنت أم سلمة عن حبيبة بنت أم حبيبة عن أمها أم حبيبة

(24/304)


عن زينب بنت جحش قالت استيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم من نومه محمرا وجهه وهو يقول: "لا إله إلا الله ويل للعرب من شر قد اقترب فتح اليوم من ردم ياجوج وماجوج مثل هذه" وحلق سفيان بيده وعقد عشرة قالت فقلت يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون قال: "نعم إذا كثر الخبث" .
قال الحميدي قال سفيان أحفظ في هذا الحديث من الزهري أربع نسوة قال سفيان وقد رأين النبي صلى الله عليه وسلم اثنتين من أزواجه أم حبيبة وزينب بنت جحش وثنتين ربيبتيه زينب بنت أم سلمة وحبيبة بنت أم حبيبة أبوها عبيد الله بن جحش مات بأرض الحبشة هكذا قال ابن عيينة وخالفه عقيل فرواه عن ابن شهاب أن عروة حدثه أن زينب بنت أم سلمة حدثته عن أم حبيبة بنت أبي سفيان عن زينب بنت جحش عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله ولم يذكر إلا ثلاث نسوة لم يذكر حبيبة بنت أم حبيبة حدثناه عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا المطلب بن شعيب قال حدثنا عبد الله بن صالح قال حدثني الليث قال حدثني عقيل
وقال محمد بن يحيى النيسابوري وكذلك رواه صالح بن كيسان وشعيب بن أبي حمزة وسليمان بن كثير وعبد الرحمن بن إسحاق والزبيري كلهم عن الزهري عن عروة عن زينب عن أم حبيبة عن زينب ليس فيه ذكر حبيبة كما رواه عقيل قال وهو المحفوظ عندنا

(24/305)


قال وكذلك رواه مسدد وسعيد بن منصور ونعيم بن حماد عن سفيان بن عيينة
قال ورواه علي بن المديني وجماعة عن سفيان فذكروا فيه حبيبة قال وذلك غير محفوظ عندنا قال وإنما رواه هؤلاء عن سفيان بأخرة قال وقلت لمسدد فإنهم يروون عن سفيان أربع نسوة فقال هكذا سمعته منه سنة أربع وسبعين وقال سعيد بن منصور سمعته منه سنة ست وسبعين هكذا وسمعوه بأخرة يقول حبيبة
قال أبو عمر:
وممن رواه عن ابن عيينة كما قال النيسابوري نعيم وسعيد ابن منصور ومسدد وعبد الرحمن بن شيبة الجدي
حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا بكر بن حماد قال حدثنا مسدد وحدثنا خلف بن القاسم قال حدثنا الحسين بن جعفر قال حدثنا يوسف بن يزيد قال حدثنا عبد الرحمن بن شيبة الجدي قال حدثنا سفيان بن عيينة عن الزهري عن عروة عن زينب بنت أبي سلمة عن أم حبيبة عن زينب بنت جحش قالت "استيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم من نوم محمرا وجهه وهو يقول: "ويل للعرب من شر قد اقترب فتح اليوم من ردم يأجوج وما

(24/306)


جوج مثل هذا" وحلق عشرة فقلت يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون قال: "نعم إذا كثر الخبث" .
قال أبو عمر:
رواه أسد بن موسى كما رواه الحميدي وعلي بن المديني ومن تابعهما. وأما قوله فيه: "إذا كثر الخبث" فمعناه عند أكثرهم الزنا وأولاد الزنا وجملة القول عندي في معناه أنه اسم جامع يجمع الزنا وغيره من الشر والفساد والمنكر في الدين والله أعلم
أخبرني أحمد بن سعيد بن بشر قال حدثنا محمد بن عبد الله بن أبي دليم قال حدثنا ابن وضاح قال حدثنا عبد العزيز بن مقلاص قال سمعت عبد الله بن وهب يقول في تفسير الخبث حين يكثر الخبث قال أولاد الزنا ومما يشهد لهذا التأويل ما حدثناه خلف بن القاسم قال حدثنا يوسف بن عدي الكوفي قال حدثنا أبو الأحوص عن سماك بن حرب عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه عبد الله بن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا ظهر الربا والزنا في قرية أذن الله في هلاكها" .
وأما حديث أم سلمة في هذا الباب فأخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن قال حدثنا أحمد بن جعفر بن حمدان قال حدثنا عبد الله

(24/307)


ابن أحمد بن حنبل قال حدثني أبي قال حدثنا يزيد بن هارون أخبرنا شريك بن عبد الله عن جامع بن أبي راشد عن منذر الثوري عن الحسن بن محمد قال حدثتني امرأة من الأنصار هي حية قالت دخلت على أم سلمة فدخل عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم كأنه غضبان فاستترت بكم درعي فتكلم بكلام لم أفهمه فقلت يا أم المؤمنين كأني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل وهو غضبان فقالت نعم أو ما سمعت ما قال قلت وما قال قالت قال: "إن السوء إذا فشا في الأرض فلم يتناه عنه أرسل الله بأسه على أهل الأرض" . قالت قلت يا رسول الله وفيهم الصالحون قال: "نعم وفيهم الصالحون يصيبهم ما أصابهم ثم يقبضهم الله إلى مغفرته ورضوانه أو إلى رضوانه ومغفرته" .
وحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا بكر بن حماد قال حدثنا مسدد قال حدثنا يزيد بن زريع ويحيى بن سعيد قالا حدثنا يزيد بن حاتم بن أبي صغيرة
وقال يحيى أبو يونس قال حدثني مهاجر بن القبطية أنه سمع أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم وهي جالسة في هذه البطحاء تقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ليخسفن بجيش يغزون هذا البيت ببيداء من الأرض" فقال رجل من القوم يا رسول الله وإن كان فيهم الكاره قال: "يبعث كل رجل على نيته" .
وذكر أحمد بن حنبل عن جرير عن عبد العزيز بن رفيع عن عبيد الله بن القبطية عن أم سلمة مثله بمعناه

(24/308)


أخبرنا عبد الله بن محمد قال حدثنا أحمد بن جعفر بن حمدان قال حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال حدثني أبي قال حدثنا حسين حدثنا خلف يعني ابن خليفة عن ليث عن علقمة بن مرثد عن المعرو بن سويد عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إذا ظهرت المعاصي في أمتي عمهم الله بعذاب من عنده" . قلت يا رسول الله أما فيهم يومئذ أناس صالحون قال: "بلى" قلت كيف يصنع بأولئك قال: "يصيبهم ما أصابهم ثم يصيرون إلى مغفرة من الله ورضوان" .
حدثنا أحمد بن محمد قال حدثنا أحمد بن الفضل قال حدثنا محمد بن جرير قال حدثنا علي بن سهل وسهل بن موسى واللفظ له قالا حدثنا الوليد بن مسلم عن الأوزاعي قال سمعت بلال بن سعد يقول إن الخطيئة إذا أخفيت لم تضر إلا صاحبها فإذا ظهرت لم تغير ضرت العامة
وقد روى أنس بن مالك في هذا الباب حديثا جيدا بإسناد حسن من رواية أهل المدينة بنحو معناه نحو حديث زينب المذكور في هذا الباب حدثناه خلف بن القاسم الحافظ قال حدثنا أبو بكر عبد الله بن محمد الخصيبي القاضي قال حدثنا محمد بن نصر بن منصور أبو جعفر الصائغ حدثنا محمد بن إسحاق المسيبي حدثنا

(24/309)


أبو ضمرة أنس بن عياض عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن أنس ابن مالك قال ذكر خسف قبل المشرق فقالوا يا رسول الله يخسف بأرض فيها مسلمون قال: "نعم إذا أكثر أهلها الخبث" .
وأخبرنا أحمد بن قاسم بن عبد الرحمن البزار قال حدثنا محمد ابن عبد الله بن أبي دليم قال حدثنا محمد بن وضاح قال حدثنا هارون بن عبد الله الحمال حدثنا سيار بن حاتم حدثني جعفر بن هارون بن عبد الله الحمال حدثنا سيار بن حاتم حدثني جعفر بن سليمان حدثنا إبراهيم بن عمرو الصنعاني عن الرضين بن عطاء الشامي قال أوحى الله إلى يوشع بن نون أني مهلك من قومك مائة ألف أربعين ألفا من خيارهم وستين ألفا من شرارهم. قال يا رب تهلك شرارهم فما بال خيارهم قال إنهم يدخلون على الأشرار فيواكلونهم ويشاربونهم ولا يغضبون بغضبي
حدثنا خلف بن سعيد قال حدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا أحمد بن خالد قال حدثنا علي بن عبد العزيز قال حدثنا محمد بن عبد الله الرقاشي قال حدثنا عبد الله بن المبارك عن يوسف بن يزيد عن الزهري عن حمزة بن عبد الله بن عمر عن أبيه عن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا أصاب الله قوما ببلاء عم به من بين أظهرهم ثم يبعثون على أعمالهم" .
حدثنا أحمد بن محمد حدثنا أحمد بن الفضل حدثنا محمد بن جرير حدثنا أبو كريب حدثنا أبو بكر بن عياش حدثنا مغيرة عن الشعبي قال سمعت النعمان بن بشير قال سمعت رسول الله

(24/310)


صلى الله عليه وسلم يقول على هذا المنبر: "مثل المنتهك لحدود الله والمدهن فيها والقائم بها مثل ثلاثة نفر اصطحبوا في سفينة فجعل أحدهم يحفرها فقال الآخر إنما تريد أن تغرقنا وقال الآخر دعه فإنما يحفر مكانه" .
قال أبو عمر:
دخل هذا في معنى قول الله عز وجل {أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ} الآية فلم يذكر في النجاة إلا من نهى وسكت عمن لم ينه وأما من رضي فليس فيه اختلاف قال صلى الله عليه وسلم في الأمراء: "ولكن من رضي وتابع" ومعلوم أن العقوبة إنما تستوجب بفعل ما نهي عنه وترج فعل ما أمر به وقد لزم النهي عن المنكر كل مستطيع بقوله عز وجل {الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ} ومن مكن في الأرض لم يضعف عن ذلك ومن ضعف لزمه التغيير بقلبه فإن لم يغير بقلبه فقد رضي وتابع
وقال عمر بن عبد العزيز كان يقال إن الله لا يعذب العامة بذنب الخاصة ولكن إذا صنع المنكر جهارا استحقوا العقوبة ذكره مالك عن إسماعيل بن أبي حكيم عن عمرو بن عبد العزيز وهذا معناه إذا قدروا وكانوا في عز وامتناع من الأذى والله أعلم

(24/311)


أخبرنا عبد الله بن محمد قال حدثنا أحمد بن جعفر بن حمدان قال حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال حدثنا أبي. قال حدثنا وكيع عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن عبيد الله بن جرير عن أبيه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما من قوم يعمل فيهم بالمعاصي هم أعز وأمنع لا يغيرون إلا عمهم الله بعقابه" .
وحدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا إسماعيل بن إسحاق قال حدثنا سليمان بن حرب قال حدثنا حماد ابن زيد عن المعلى بن زياد عن الحسن عن ضبة بن محصن عن أم سلمة
وحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا بكر بن حماد قال حدثنا مسدد قال حدثنا حماد بن زيد عن المعلى بن زيادة وهشام بن حسان عن الحسن عن ضبة بن محصن عن أم سلمة
وحدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم قال حدثنا عبد الله بن روح المدائني قال حدثنا يزيد بن هارون
وحدثنا عبد الوارث قال حدثنا قاسم قال حدثنا بكر بن حماد قال حدثنا مسدد قال حدثنا يحيى قالا أخبرنا هشام بن حسان عن الحسن عن ضبة بن محصن عن أم سلمة واللفظ لحديث سليمان ابن حرب قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يكون عليكم أئمة تعرفون

(24/312)


عنهم وتنكرون فمن أنكر فقد برئ ومن كره فقد سلم ولكن من رضي وتابع فأبعده الله" قيل يا رسول الله أفلا نقتلهم قال: "لا ما صلوا" .
وحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا ابن زهير قال حدثنا يحيى بن عبد الحميد الحمادي قال حدثنا أبو بكر بن عياش عن مغيرة بن زياد عن عدي بن عدي عن العرس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "سيليكم ولاة يعملون أعمالا تنكرونها فمن أنكر سلم ومن غاب عنها فرضيها كان كمن شهدها" .
وذكره بقي بن مخلد قال حدثنا يحيى بن عبد الحميد وعبيد بن يعيش قالا حدثنا أبو بكر بن عياش عن المغيرة بن زياد عن عدي بن عدي عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يقال له العرس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا عمل بالمعصية فمن شهدها وكرهها كان كمن غاب عنها ومن غاب عنها ورضيها كان كمن شهدها" .
وروى من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله
وروى أبو جحيفة عن علي أنه قال أول ما تغلبون عليه من دينكم الجهاد بأيديكم ثم الجهاد بألسنتكم ثم الجهاد بقلوبكم فمن لم يعرف قلبه المعروف وينكر قلبه المنكر نكس فجعل أعلاه أسفله
وقال عبد الله بن مسعود بحسب المؤمن إذا رأى منكرا لا يستطيع تغييره أن يعلم الله من قلبه أنه له كاره. حدثناه

(24/313)


أحمد بن محمد قال حدثنا أحمد بن الفضل حدثنا محمد بن جرير حدثنا ابن المثنى حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن عبد الملك أبو عبيد قال سمعت ربيع بن عميلة قال سمعت عبد الله بن مسعود يقول فذكره
وحدثنا أحمد بن محمد حدثنا أحمد بن الفضل حدثنا محمد بن جرير قال حدثنا ابن المثنى قال حدثنا عبد الرحمن قال حدثنا شعبة عن الأعمش عن سليمان بن ميسرة عن طارق بن شهاب قال قال عبد الله بن مسعود إنكم في زمن الناطق فيه خير من الصامت والقائم فيه خير من القاعد وسيأتي عليكم زمان الصامت فيه خير من الناطق والقاعد فيه خير من القائم فقال له رجل يرونه طارقا كيف يكون أمر من عمل به اليوم كان هدى ومن عمل به بعد اليوم كان ضلالة فقال اعتبر ذلك برجلين من القوم يعملون بالمعاصي فصمت أحدهما فسلم وقال الآخر إنكم تفعلون وتفعلون فأخذوه فذهبوا به إلى سلطانهم فلم يزالوا به حتى عمل مثل عملهم
حدثنا أحمد بن محمد حدثنا أحمد بن الفضل حدثنا محمد بن جرير حدثنا محمد بن حميد حدثنا جرير عن الأعمش عن سليمان ابن ميسرة عن طارق بن شهاب الأحمسي عن عبد الله بن مسعود قال إنكم في زمان الناطق فيه خير من الصامت وذكره مثله سواء بمعناه

(24/314)


وبه عن الأعمش عن عمرو بن مرة عن أبي البختري عن زاذان قال قال حذيفة ليأتين عليكم زمان خياركم فيه من لم يأمر بالمعروف ولم ينه عن المنكر
حدثنا أحمد بن محمد حدثنا أحمد بن الفضل حدثنا محمد بن جرير حدثنا يعقوب بن إبراهيم حدثنا إسماعيل بن إبراهيم حدثنا خالد عن أبي قلابة قال قال حذيفة إني لأشتري ديني بعضه ببعض مخافة أن يذهب كله. قال خالد فحدثت به محمد بن سيرين فقال نعم قال حذيفة إني لأصنع أشياء أكرهها مخافة أكثر منها
حدثنا أحمد بن محمد حدثنا أحمد بن الفضل حدثنا محمد بن جرير حدثنا جعفر بن مكرم حدثنا قريش بن أنس عن ابن عون عن الحسن عن الأحنف أنه كان جالسا عند معاوية فقال يا أبا بحر ألا تتكلم قال إني أخاف الله إن كذبت وأخافكم إن صدقت
وروى مجالد وإسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم قال سمعت أبا بكر يقول في خطبته أيها الناس إنكم تقرؤون هذه الآية {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} . وإن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه يوشك أن يعمهم الله بعقابه
حدثنا أحمد بن محمد حدثنا أحمد بن الفضل حدثنا محمد بن جرير حدثنا أبو كريب حدثنا وكيع حدثنا يونس بن أبي

(24/315)


إسحاق عن أبي إسحاق عن هلال بن خباب عن عكرمة بن عمرو عن عبد الله بن عمرو قال قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كيف بك إذا بقيت في حثالة من الناس وقد مرجت عهودهم وأماناتهم" قال قلت كيف أصنع يا رسول الله قال: "عليك بخويصة نفسك ودع عوامهم" .
حدثنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن بن يحيى قال حدثنا أبو بكر بن محمد بن عبد الرزاق التمار بالبصرة قال حدثنا أبو داود قال حدثنا أبو الربيع سليمان بن داود العتكي قال حدثنا ابن المبارك عن عتبة بن أبي حكيم قال حدثني عمرو بن جارية اللخمي قال حدثنا أبو أمية الشعباني قال سألت أبا ثعلبة الخشني فقلت يا أبا ثعلبة كيف تقول في هذه الآية {عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ} قال أما والله لقد سألت عنها خبيرا سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر حتى إذا رأيت شحا مطاعا وهوى متبعا ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك بنفسك ودع العوام" . وقال: "من ورائكم أيام الصبر فيها كقبض على الجمر للعامل فيهم مثل أجر خمسين رجلا يعملون مثل عمله" .
قال أبو عمر:
قد قدمنا في باب يحيى بن سعيد عن عبادة بن الوليد من الآثار ما يوضح أن الحرج مرفوع عن كل من يخاف على نفسه في تغيير المنكر أو يضعف عن القيام بذلك

(24/316)


وفي هذا الباب من الحديث المرفوع وغيره ما يكفي ويشفي لمن وفق لفهمه والله الموفق لا شريك له.

(24/317)


الحديث التاسع والعشرون
...
حديث تاسع وعشرون من البلاغات
مالك أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "استقيموا ولن تحصوا واعملوا وخير أعمالكم الصلاة ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن" .
قوله: "استقيموا" أي لا تزيغوا وتميلوا عما سن لكم وفرض عليكم فقد تركتم على الواضحة ليلها كنهارها وليتكم تطيقون ذلك
وهذا الحديث يتصل مسندا عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث ثوبان وحديث عبد الله بن عمرو بن العاصي
فأما حديث ثوبان فحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا موسى بن إسماعيل قال حدثنا عبد الواحد بن زياد حدثنا الأعمش عن سالم ابن أبي الجعد عن ثوبان قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "استقيموا ولن تحصوا واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن" .
أخبرنا إبراهيم بن شاكر ومحمد بن إبراهيم قالا حدثنا محمد بن أحمد بن يحيى قال حدثنا محمد بن أيوب قال حدثنا أحمد بن

(24/318)


عمرو البزار قال حدثنا يوسف بن موسى قال حدثنا جرير عن منصور عن سالم بن أبي الجعد عن ثوبان قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "استقيموا ولن تحصوا" فذكر مثله.
وأما حديث الشاميين في هذا فحدثناه محمد بن عبد الله بن حكم قال حدثنا محمد بن معاوية قال حدثنا إسحاق بن أبي حسان قال حدثنا هشام بن عمار قال حدثنا الوليد بن مسلم قال حدثنا عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان قال حدثنا حسان بن عطية أن أبا كبشة السلول حدثه قال حدثني ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "سددوا وقاربوا واعملوا وخير أعمالكم الصلاة ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن" .
وأما حديث عبد الله بن عمرو فأخبرنا يعيش بن سعيد قال حدثنا محمد بن معاوية قال حدثنا جعفر بن محمد الفرياني قال حدثنا أبو بكر وعثمان ابنا أبي شيبة قالا حدثنا حسين بن علي عن زائدة عن ليث عن مجاهد عن عبد الله بن العاصي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "استقيموا ولن تحصوا واعلموا أن من أفضل أعمالكم الصلاة ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن" .
قال أبو عمر:
قوله في هذا الحديث: "سددوا وقاربوا" يفسر قوله: "استقيموا ولن تحصوا" يقول سددوا وقاربوا فلن تبلغوا حقيقة البر ولن تطيقوا

(24/319)


الإحاطة في الأعمال ولكن قاربوا فإنكم إن قاربتم ورفقتم كان أجدر أن تدوموا على عملكم
حدثنا محمد بن إبراهيم قال حدثنا أحمد بن مطرف قال حدثنا سعيد بن عثمان قال حدثنا إسحاق بن إسماعيل الأيلي حدثنا سفيان بن عيينة عن ابن شبرمة عن الحسن في قول الله عز وجل {عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ} قال لن تطيقوه.

(24/320)


الحديث الثلاثون
...
حديث موفي ثلاثين من البلاغات
مالك أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدعو فيقول: "اللهم إني أسألك فعل الخيرات وترك المنكرات وحب المساكين وإذا أردت في الناس فتنة فاقبضني إليك غير مفتون" .
وهذا الحديث قد روته طائفة من رواة الموطأ عن مالك عن يحيى ابن سعيد أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدعو الحديث منهم عبد الله بن يوسف التنسي وغيره ولا أعرفه بهذه الألفاظ في شيء من الأحاديث إلا في حديث عبد الرحمن بن عائش الحضرمي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو حديث حسن رواه الثقات
وقد روي أيضا من حديث ابن عباس وحديث معاذ بن جبل وحديث ثوبان وحديث أبي أمامة الباهلي وروي لأخي أبي أمامة أيضا
وأما حديث ابن عباس فرواه عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن أبي قلابة عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أتاني الليلة ربي في أحسن صورة" أحسبه قال: في المنام "فقال يا محمد هل تدري فيم يختصم الملأ الأعلى" وذكر الحديث

(24/321)


ورواه قتادة عن أبي قلابة عن خالد بن اللجلاج عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم حدثنا أحمد بن فتح بن عبد الله قال حدثنا محمد ابن عبد الله بن زكرياء النيسابوري قال حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن يونس حدثنا العباس بن الوليد بن مزيد قال حدثني أبي قال حدثنا ابن جابر والأوزاعي قالا حدثنا خالد بن اللجلاج قال سمعت عبد الرحمن بن عائش الحضرمي يقول صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات غداة فقال له قائل ما رأيتك أسفر منك وجها الغداة قال: "وما لي وقد تبدى لي ربي في أحسن صورة قال: فيم يختصم الملأ الأعلى يا محمد قال: قلت: في الكفارات قال: وما هن قال: المشي على الأقدام إلى الجمعات والجلوس في المساجد خلف الصلوات وإبلاغ الوضوء أماكنه في المكاره. قال: ومن يفعل ذلك يعش بخير ويمت بخير ويكون من خطيئته كيوم ولدته أمه ومن الدرجات إطعام الطعام وبذل السلام وأن تقوم بالليل والناس نيام سل تعطه. قال: اللهم إني أسألك الطيبات وترك المنكرات وحب المساكين وأن تتوب علي وإذا أردت في قوم فتنة فتوفني غير مفتون فتعلموهن فو الذي نفسي بيده إنهن لحق" .
وأخبرنا قاسم بن محمد قال حدثنا خالد بن سعد قال حدثنا أحمد بن عمرو وأخبرنا عبيد ابن محمد قال حدثنا عبد الله بن مسرور قال حدثنا عيسى بن مسكين قالا حدثنا محمد بن عبد الله بن سنجر قال حدثنا أبو مسهر قال حدثني صدقة عن ابن

(24/322)


جابر قال مر بنا خالد بن اللجلاج فدعاه مكحول فقال يا أبا إبراهيم حدثنا حديث عبد الرحمن بن عائش الحضرمي قال سمعت عبد الرحمن بن عائش الحضرمي يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "رأيت ربي في أحسن صورة فقال: فيم يختصم الملأ الأعلى يا محمد قال: قلت: أنت أعلم أي ربي" قال فوضع يده بين كتفي فوجدت بردها بين ثديي فعلمت ما في السماوات والأرض ثم تلا هذه الآية {وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ} " قال: ففيم يختصم الملأ الأعلى يا محمد قلت: في الكفارات قال: وما هي قلت: المشي على الأقدام إلى الجمعات والجلوس في المساجد خلف الصلوات وإسباغ الوضوء أماكنه في المكاره قال من يفعل ذلك يعش بخير ويمت بخير ويكون من خطيئته كيوم ولدته أمه ومن الدرجات إطعام الطعام وبذل السلام وأن يقوم بالليل والناس نيام قال قل اللهم إني أسألك الطيبات وترك المنكرات وحب المساكين وأن تتوب علي وإذا أردت في قوم فتنة فتوفني غير مفتون" ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تعلموهن والذي نفسي بيده إنهن لحق" .
ورواه مهضم بن عبد الله عن يحيى بن أبي كثير عن زيد بن سلام عن أبي سلام عن عبد الرحمن بن عائش الحضرمي عن مالك بن يخامر السكسكي عن معاذ بن جبل عن النبي صلى الله عليه وسلم. ورواه الوليد بن مسلم وبشر بن بكر عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر

(24/323)


عن خالد بن اللجلاج عن عبد الرحمن بن عائش الحضرمي قال بشر ابن بكر عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقال الوليد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر الحديث.
قال أبو عيسى الترمذي سألت محمد بن إسماعيل البخاري عن هذا الحديث فقال حديث معاذ بن جبل فيه أصح قال وحديث بشر ابن بكر أصح من حديث الوليد بن مسلم قال وعبد الرحمن بن عائش لم يدرك النبي صلى الله عليه وسلم.
وأما حديث أبي أمامة فحدثناه أحمد بن سعيد بن بشر قال حدثنا محمد بن عبد الله بن أبي دليم قال حدثنا ابن وضاح قال حدثنا الحسن بن عيسى قال حدثنا جرير عن ليث عن ابن سابط عن أبي أمامة الباهلي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تراءى لي ربي في أحسن صورة فقال يا محمد فقلت لبيك ربي وسعديك قال فيم يختصم الملأ الأعلى قلت في الكفارات والدرجات فأما الكفارات فإسباغ الوضوء في السبرات ونقل الأقدام في الجمعات وانتظار الصلوات إلى الصلوات وأما الدرجات فإفشاء السلام وإطعام الطعام والصلاة والناس نيام قال صدقت من فعل ذلك عاش بخير وكان من خطيئته كيوم ولدته أمه ثم قال: اللهم أني أسألك عملا بالحسنات وترك السيئات وحب المساكين وأن تغفر لي ذنبي وتتوب علي وإذا أردت بقوم فتنة وأنا فيهم فنحني إليك غير مفتون" .

(24/324)


قال أبو عمر:
قوله في هذا الحديث: "رأيت ربي" معناه عند أهل العلم في منامه والله أعلم.

(24/325)


الحديث الحادي والثلاثون
...
حديث حاد وثلاثون من البلاغات
مالك أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ما من داع يدعو إلى هدى إلا كان له مثل أجر من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا وما من داع يدعو إلى ضلالة إلا كان عليه مثل أوزارهم لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئا" .
وهذا الحديث يستند عن النبي صلى الله عليه وسلم من طرق شتى من حديث أبي هريرة وحديث جرير وحديث عمرو بن عوف وحذيفة وغيرهم
حدثنا يونس بن عبد الله قال حدثنا محمد بن معاوية قال حدثنا جعفر بن محمد الفرياني قال حدثنا أبو كريب محمد بن العلاء قال حدثنا خالد بن مخلد قال حدثنا محمد بن جعفر بن أبي كثير قال حدثنا العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا" .
حدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا ابن وضاح قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا يزيد بن هارون

(24/326)


قال حدثنا سفيان بن حسين عن الحسن عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من سن سنة هدى فاتبع عليها كان له أجره أو مثل أجر من اتبعه غير منقوص من أجورهم شيئا ومن سن سنة ضلالة فاتبع عليها كان عليه وزرها ومثل أوزار من اتبعه غير منقوص من أوزارهم شيئا" .
قال أبو عمر:
اختلف في سماع الحسن من أبي هريرة فأكثرهم لا يصححونه لأنه يدخل أحيانا بينه وبين أبي هريرة أبا رافع وغيره ومنهم من يصحح سماعه من أبي هريرة
وقد روي عن الحسن أنه قال حدثنا أبو هريرة ونحن إذ ذاك بالمدينة وقد سمع الحسن من عثمان وسعد بن أبي وقاص فغير نكير أن يسمع من أبي هريرة.
حدثنا قاسم بن محمد حدثنا خالد بن سعد حدثنا محمد بن فطيس حدثنا إبراهيم بن مرزوق البصري بمصر حدثنا وهب بن جرير حدثنا شعبة عن عون بن أبي جحيفة عن المنذر بن جرير عن أبيه جرير قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من سن في الإسلام سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها من بعده لا ينقص من أجورهم شيء ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها

(24/327)


ووزر من عمل بها من بعده لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئا" في حديث طويل ذكره.
حدثنا عبد الرحمن بن يحيى حدثنا أحمد بن سعيد حدثنا محمد ابن إبراهيم الديبلي حدثنا علي بن زيد الفرائضي الحنيني عن كثير بن عبد الله يعني ابن عمرو بن عوف عن أبيه عن جده قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أحيا سنة من سنتي قد أميتت بعدي كان له أجر من عمل بها ولا ينقص ذلك من أجورهم شيئا" .
أخبرنا عبد الوارث بن سفيان حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا أحمد ابن زهير حدثنا أبو نعيم الفضل بن دكين عن محمد بن قيس عن مسلم بن صبيح قال سمعت جرير بن عبد الله وهو يخطب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من سن في الإسلام سنة حسنة فله مثل أجر من عمل بها لا ينقص من أجورهم شيئا ومن سن في الإسلام سنة سيئة فعليه مثل وزر من عمل بها من غير أن ينقص من أوزارهم شيئا" .
أخبرنا عبيد بن محمد بن عبيد حدثنا عبد الله بن مقرور حدثنا عيسى بن مسكين قال حدثنا ابن سنجر حدثنا إسماعيل ابن أبي ويس حدثنا كثير المزني عن أبيه عن جده قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من أحيا سنة من سنتي قد أميتت بعدي فإن له من الأجر مثل أجر من عمل بها من الناس لا ينقص ذلك من أجورهم

(24/328)


ومن ابتدع بدعة لا يرضاها الله ورسوله فإن عليه مثل إثم من عمل بها من الناس لا ينقص ذلك من آثام الناس شيئا" .
وحدثنا عبيد حدثنا عبد الله حدثنا عيسى حدثنا ابن سنجر قال حدثنا الحميدي قال حدثنا مروان بن معاوية قال حدثنا كثير ابن عبد الله عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لبلال بن الحرث المزني: "اعلم أنه من أحيا سنة من سنتي قد أميتت " فذكر مثله إلى آخره.
قال أبو عمر:
حديث هذا الباب أبلغ شيء في فضائل تعليم العلم اليوم والدعاء إليه وإلى جميع سبل البر والخير لأن الميت منها كثير جدا ومثل هذا الحديث في المعنى قوله صلى الله عليه وسلم: "ينقطع عمل المرء بعده إلا من ثلاث علم علمه فعمل به بعده وصدقة موقوفة يجري عليه أجرها وولد صالح يدعو له" . وقد جمعنا والحمد لله من فضائل العلم وأهله في صدر كتاب جامع بيان العلم وفضله وما ينبغي في روايته وحمله ما فيه شفاء واستغناء والحمد لله وعلى قدر فضل معلم الخير وأجره يكون وزر من علم الشر ودعا إلى الضلال لأنه يكون عليه وزر من تعلمه منه ودعا إليه وعمل به عصمنا الله برحمته
وحدثنا أحمد بن قاسم بن عيسى المقرئ قال حدثنا عبيد الله بن حبابة البزار البغدادي ببغداد قال حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد

(24/329)


العزيز البغوي قال حدثنا علي بن الجعد أخبرنا شعبة عن عون بن أبي جحيفة قال سمعت المنذر بن جرير يحدث عن أبيه قال كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم في صدر النهار فجاءه قوم حفاة عراة مجتابي النمار عليهم العباء والصوف عامتهم من مضر بل كلهم من مضر قال فرأيت وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم يتغير لما رأى بهم من الفاقة فذكر الحديث بطوله وفي آخره: ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من سن في الإسلام سنة حسنة فعمل بها من بعده كان له أجرها ومثل أجر من عمل بها من غير أن ينقص من أجورهم شيئا ومن سن في الإسلام سنة سيئة فعمل بها من بعده كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من غير أن ينقص من وزرهم شيئا" .
حدثنا خلف بن القاسم قال حدثنا أبو يوسف يعقوب بن مسدد ابن يعقوب حدثني أبي عبد الله بن جعفر الرقي عبيد الله بن عمرو عن عبد الكريم الجزري عن زياد بن أبي مريم عن عبد الله ابن مسعود في قول الله عز وجل {عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ} قال ما قدمت من سنة صالحة يعمل بها من بعده فله أجر من عمل بها من غير أن ينقص من أجورهم شيئا وما أخرت من سنة سيئة يعمل بها بعده فإن عليه مثل وزر من عمل بها من غير أن ينقص من أوزارهم شيئا

(24/330)


الحديث الثاني والثلاثون
...
حديث ثان وثلاثون من البلاغات
مالك أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة نبيه" .
وهذا أيضا محفوظ معروف مشهور عن النبي صلى الله عليه وسلم عند أهل العلم شهرة يكاد يستغني بها عن الإسناد وروى في ذلك من أخبار الآحاد أحاديث من أحاديث أبي هريرة وعمرو بن عوف
حدثنا عبد الرحمن بن مروان قال حدثنا أحمد بن سليمان البغدادي قال حدثنا البغوي قال حدثنا داود بن عمرو الضبي قال حدثنا صالح بن موسى الطلحي قال حدثنا عبد العزيز بن رفيع عن أبي صالح عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إني قد خلفت فيكم اثنتين لن تضلوا بعدهما أبدا كتاب الله وسنتي" .
وحدثنا عبد الرحمن بن يحيى قال حدثنا أحمد بن سعيد قال حدثنا محمد بن إبراهيم الديبلي قال حدثنا علي بن زيد الفرائضي قال حدثنا الحنيني عن كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف عن أبيه عن جده قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم" .

(24/331)


وذكر أبو عيسى الترمذي قال حدثنا عبد بن حميد قال حدثنا محمد بن بشر العبدي ويعلى بن عبيد عن الحجاج بن دينار عن أبي غالب عن أبي أمامة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل" ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم {مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلاً بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ} . وهذا لفظ حديث مالك سواء والكتاب والسنة قد هدي من تمسك بهما.

(24/332)


الحديث الثالث والثلاثون
...
حديث ثالث وثلاثون من البلاغات
مالك أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "بعثت لأتمم حسن الأخلاق" .
وهذا الحديث يتصل من طرق صحاح عن أبي هريرة وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم.
حدثنا أحمد بن قاسم بن عيسى المقرى قال حدثنا عبيد الله بن محمد بن إسحاق بن حبابة البزاز ببغداد قال حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي قال حدثنا مصعب بن عبد الله الزبيري قال حدثنا عبد العزيز بن محمد الدراوردي عن ابن عجلان عن القعقاع بن حكيم عن أبي صالح السمان عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قال إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق" .
حدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي قال حدثنا إبراهيم بن حمزة الزبيري حدثنا عبد العزيز بن محمد عن ابن عجلان عن القعقاع بن حكيم عن أبي صالح عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إنما بعثت

(24/333)


لأتمم صالح الأخلاق" . وهذا حديث مدني صحيح ويدخل في هذا المعنى الصلاح والخير كله والدين والفضل والمروءة والإحسان والعدل فبذلك بعث ليتممه صلى الله عليه وسلم
وقد قالت العلماء إن أجمع آية للبر والفضل ومكارم الأخلاق قوله عز وجل {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} .
وروينا عن عائشة ذكره ابن وهب وغيره أنها قالت مكارم الأخلاق صدق الحديث وصدق الناس وإعطاء السائل والمكافأة وحفظ الأمانة وصلة الرحم والتدمم للصاحب وقرى الضيف والحياء رأسها قالت وقد تكون مكارم الأخلاق في الرجل ولا تكون في ابنه وتكون في ابنه ولا تكون فيه وقد تكون في العبد ولا تكون في سيده يقسمها الله لمن أحب. وقد أحسن أبو العتاهية في قوله:
ليس دنيا إلا بدين ... وليس الدين إلا مكارم الأخلاق
إنما المكر والخديعة في النا ... ر هما من فروع أهل النفاق
حدثنا أبو الفضل أحمد بن قاسم بن عبد الرحمن البزاز قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا الحرث بن أبي أسامة قال حدثنا يزيد بن هارون قال أخبرنا عبد الرحمن بن أبي بكر عن عبد الله ابن عبد الرحمن بن أبي حسين عن مكحول عن شهر بن حوشب

(24/334)


عن معاذ بن جبل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "إنما بعثت على تمام محاسن الأخلاق" . قال يزيد بن هارون لا أعلمه إلا قال عن شهر بن حوشب عن عبد الرحمن بن غنم عن معاذ بن جبل.

(24/335)


الحديث الرابع والثلاثون
...
حديث رابع وثلاثون من البلاغات
قال مالك أكره أن يلبس الغلمان شيئا من الذهب لأنه بلغني "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن التختم بالذهب للرجال الكبير منهم والصغير"
قال أبو عمر:
قد ثبت النهي عن تختم الذهب وعن لباس الذهب للرجال من طرق شتى عن النبي صلى الله عليه وسلم فمن حديث مالك عن نافع عن إبراهيم ابن عبد الله بن حنين عن علي بن أبي طالب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن تختم الذهب وعن قراءة القرآن في الركوع وعن لبس القسي. وقد مضى القول في معنى هذا الحديث في باب نافع من هذا الكتاب والحمد لله ومن غير حديث مالك ما أخبرنا محمد بن عبد الملك قال حدثنا أحمد بن محمد بن زياد الأعرابي قال حدثنا الحسن بن محمد الزعفراني قال حدثنا عمرو بن مرزوق أخبرنا شعبة عن قتادة عن النضر بن أنس عن بشير بن نهيك عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن خاتم الذهب

(24/336)


وحدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا إسماعيل بن إسحاق قال حدثنا إسحاق بن محمد الفروي قال حدثنا محمد بن جعفر أخبرني إبراهيم بن عقبة عن كريب عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى خاتما من ذهب في يد رجل فنزعه وطرحه وقال "يعمد أحدكم إلى جمرة من نار فيجعلها في يده" . فقيل للرجل بعدما ذهب صلى الله عليه وسلم خذ خاتمك فانتفع به قال لا والله لا آخذه أبدا وقد طرحه رسول الله صلى الله عليه وسلم
قال أبو عمر:
قد تكلمنا على معنى هذا الحديث في باب نافع والحمد لله وهذا إنما هو للرجال دون النساء في اللباس دون التملك وهو أمر لا خلاف فيه والله أعلم
حدثنا أحمد بن فتح قال حدثنا حمزة بن محمد بن علي قال حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن جابر قال أخبرنا سعيد بن أبي مريم أخبرنا محمد بن جعفر بن أبي كثير حدثنا عبد الله بن سعيد بن أبي هند عن أبيه عن أبي موسى الأشعري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حرام على ذكور أمتي أن يلبسوا الحرير والذهب وهو لنسائهم" .
وحدثنا أحمد بن فتح قال حدثنا حمزة بن محمد قال حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن جابر قال حدثنا سعيد بن أبي مريم قال

(24/337)


حدثنا يحيى بن أيوب قال حدثنا الحسن بن ثوبان وعمرو بن الحرث عن هشام بن أبي رقية قال سمعت مسلمة بن مخلد يقول لعقبة بن عامر قم فأخبر الناس بما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عقبة سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "الحرير والذهب حرام على ذكور أمتي حلال لإناثهم" . وسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من جهنم".
قال أبو عمر:
قد روي عن بعض السلف أنه كان يتختم بالذهب وهذا غير صحيح عنهم ولو صح عن أحدهم كان معلوما أنه لم يبلغه النهي عنه والله أعلم. وممن روي عنه أنه كان يتختم بالذهب البراء بن عازب
وقد ذكر الحلواني قال سمعت علي بن عبد الله قال حدثنا يحيى ابن سعيد عن شعبة قال قال أبو السفر وهو عند أبي إسحاق رأيت علي البراء بن عازب خاتما من ذهب قال فقال أبو إسحاق ويلك يا أبا السفر أتكذب أنا ذهبت بك إلى البراء أفرأيته أنت عليه ولم أره أنا عليه.
قال أبو عمر:
أما كراهة مالك للصغير التختم بالذهب فلأنه متعبد فيه أبواه وحاضنته وكافله فكما لا يجوز له أن يسقيه الخمر وغيرها من المحرمات لأنه متعبد فيه بذلك هذا والله أعلم.

(24/338)


الحديث الخامس والثلاثون
...
حديث خامس وثلاثون من البلاغات
مالك أنه بلغه "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل المسجد فوجد فيه أبا بكر الصديق وعمر بن الخطاب فسألهما فقالا أخرجنا الجوع فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وأنا أخرجني الجوع" فذهبوا إلى أبي الهيثم بن التيهان الأنصاري فأمر لهم بشعير عنده يعمل وقام فذبح لهم شاة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "نكب عن ذات الدر" فذبح لهم شاة واستعذب لهم ماء فعلق في نخلة ثم أتوا بذلك الطعام فأكلوا منه وشربوا من ذلك الماء فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لتسألن عن نعيم هذا اليوم" .
وهذا الحديث يستند من وجوه صحاح من حديث أبي هريرة وغيره وفيه ما كان القوم عليه في أول الإسلام من ضيق الحال وشظف العيش وما زال الأنبياء والصالحون يجوعون مرة ويشبعون أخرى وتزوي عنهم الدنيا وفيه طلب الرزق والنزول على الصديق وأكل ماله والسنة في الضيافة وبر الضيف بكل ما يمكن ويحضر إذا كان مستحقا لذلك. وفيه كراهية ذبح ما يجري نفعه مياومة ومداومة كراهية إرشاد لا كراهية تحريم. وفيه استعذاب الماء وتخيره وتبريده للريح وغيره ذلك في معناه.

(24/339)


وفيه دليل على أن ما سد الجوع وستر العورة من خشن الطعام واللباس لا يسأل عنه المرء في القيامة والله أعلم وإنما يسأل عن النعيم هذا قاله ابن عيينة واحتج بقول الله عز وجل لآدم {وَأَنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيهَا وَلا تَضْحَى} وبقوله {ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ} وهذه المسألة فيها نظر واختلاف وليس هذا موضع ذكر ذلك وبالله التوفيق
وأما أبو الهيثم بن التيهان فاسمه مالك بن التيهان وقد ذكرناه في الصحابة ونسبناه وذكرنا خبره فأغنى عن ذكره ههنا
حدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا ابن وضاح قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا خلف بن خليفة عن يزيد بن كيسان عن أبي حازم عن أبي هريرة قال خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة فإذا هو بأبي بكر وعمر فقال: "ما أخرجكما من بيوتكما في هذه الساعة" قالا الجوع يا رسول الله قال: "وأنا والذي نفسي بيده لأخرجني الذي أخرجكما فقوموا" فقاموا معه فأتى رجلا من الأنصار فإذا هو ليس في بيته فلما رأته المرأة قالت مرحبا وأهلا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أين فلان" قالت انطلق ليستعذب لنا من الماء إذا جاء الأنصاري فنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبيه فقال: الحمد لله وما أحد اليوم أكرم أضيافا مني قال فانطلق فجاءهم بعذق فيه بسر وتمر رطب فقال كلوا من هذا وأخذ المدية فقال له

(24/340)


رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إياك والحلوب" فذبح لهم شاة فأكلوا من الشاة ومن ذلك العذق وشربوا فلما أن شبعوا ورووا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر وعمر: "والذي نفسي بيده لتسألن عن هذا النعيم يوم القيامة أخرجكما من بيوتكما الجوع ثم لم ترجعوا حتى أصابكم هذا النعيم" .
وقال عبد الله بن رواحة في هذه القصة يمدح بها أبا الهيثم ابن التيهان:
فلم أر كالإسلام عزا لأمة ... ولا مثل أضياف الأراشي معشرا
نبي وصديق وفاروق أمة ... وخير بني حواء فرعا وعنصرا
فوافق للميقات قدر قضية ... وكان قضاء الله قدرا مقدرا
إلى رجل نجد يبارى بجوده ... شموس الضحى جودا ومجدا ومفخرا
وفارس خلق الله في كل غارة ... إذا لبس القوم الحديد المسمرا
ففدى وحيا ثم أدنى قراهم ... فلم يقرهم إلا سمينا معمرا
وقرأت على قاسم بن محمد أن خالد بن سعد حدثهم قال حدثنا محمد بن فطيس قال حدثنا محمد بن إسماعيل الصائغ بمكة قال حدثنا يحيى بن أبي بكير قال حدثنا شيبان بن عبد الرحمن عن عبد الملك بن عمير عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة قال خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في ساعة لا يخرج فيه ولا يلقاه فيها أحد فأتاه أبو بكر فقال: "ما أخرجك يا أبا بكر" قال خرجت للقاء رسول الله صلى الله عليه وسلم والنظر في وجهه قال فلم يلبث أن جاء عمر فقال: "ما أخرجك يا عمر" قال الجوع قال: "وأنا قد وجدت بعض الذي تجد انطلقوا بنا إلى أبي الهيثم بن التيهان" وكان كثير النخل والشاه

(24/341)


ولم يكن له خدم فأتوه فلم يجدوه ووجدوا امرأته فقالوا أين صاحبك فقالت ذهب يستعذب لنا الماء من قناة بني فلان فلم يلبث أن جاء بقربة فوضعها ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل يلتزمه ويفديه بأبيه وأمه فانطلق بهم إلى ظل وبسط لهم بساطا ثم انطلق إلى نخله فجاء بقنو فوضعه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ألا تنقيت لنا من رطبه" فقال أردت أن تتخيروا من رطبه وبسره فأكلوا ثم شربوا من الماء فلما فرغوا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هذا والذي نفسي بيده من النعيم الذي أنتم عليه مسئولون هذا الظل البارد والرطب البارد عليه الماء البارد" ثم انطلق يصنع لهم طعاما فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تذبح ذات در" قال فذبح لهم عناقا فأكلوا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هل لك من خادم" قال لا قال: "فإذا أتانا شيء أو قال سبي فأتنا" قال فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسان ليس لهما ثالث فأتاه يعني أبا الهيثم فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اختر أحدهما" فقال يا رسول الله خر لي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "المستشار مؤتمن خذ هذا فإني رأيته يصلي واستوص به معروفا" فأتى به امرأته فحدثها بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت له امرأته ما أنت ببالغ ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه حتى تعتقه قال هو عتيق فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله لم يبعث نبيا ولا خليفة إلا له بطانتان بطانة تأمره بالمعروف وتنهاه عن المنكر وبطانة لا تألوه خبالا ومن يوق بطانة الشر فقد وقي" .

(24/342)


وروى هذا الحديث بتمامه عن عبد الملك بن عمير أبو عوانة وأبو حمزة السكري كما رواه شيبان وقد رواه حسين المروزي عن شيبان مختصرا حدثناه سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا جعفر بن محمد الصائغ قال حدثنا حسين بن محمد المروزي قال حدثنا شيبان عن عبد الملك بن عمير عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر أبا الهيثم ابن التيهان الأنصاري فأكلوا من رطبه وبسره وشربوا من الماء فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هذا والذي نفسي بيده النعيم الذي أنتم عنه مسؤولون يوم القيامة هذا الظل البارد والرطب البارد والماء البارد" ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هل لك من خادم" فذكر الحديث إلى آخره سواء
وروي من حديث جابر مختصرا حدثنا عبد الرحمن بن يحيى قال حدثنا أحمد بن بكير قال حدثنا موسى بن هارون الحمال قال حدثنا إبراهيم بن الحجاج قال حدثنا حماد بن سلمة عن عمار بن أبي عمار عن جابر بن عبد الله قال جاءنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر فأطعمناهم رطبا وسقيناهم من الماء فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هذا من النعيم الذي تسألون عنه" .
وقد روي هذا الحديث عن أبي بكر وعمر وأبي الهيثم بن التيهان وأم سلمة بأسانيد صالحة ومعان متقاربة
وذكر الفرياني قال حدثنا ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله {ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ} قال كل شيء من لذة الدنيا.

(24/343)


الحديث السادس والثلاثون
...
حديث سادس وثلاثون من البلاغات
مالك أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ما من نبي إلا قد رعى الغنم" قيل وأنت يا رسول الله قال: "وأنا" .
وفي هذا الحديث إباحة التحدث عن الماضين من الأنبياء والأمم لسيرهم وأخبارهم وفيه أن التحرف في المعيشة ليس في شيء منها إذا لم تنه عنه الشريعة نقيصة وفيه أن الأنبياء والمرسلين أحوالهم في تواضعهم غير أحوال الملوك والجبارين وكذلك أحوال الصالحين والحمد لله رب العالمين
وهذا الحديث لا أعلمه يروي إلا من حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن بعضهم يجعله عن أبي سلمة عن أبي هريرة وبعضهم يجعله عن أبي سلمة مرسلا وبعضهم يجعله عن أبي سلمة عن أبيه وبعضهم يجعله عن جابر حدثناه خلف بن القاسم قال حدثنا أحمد بن محمد بن يزيد قاضي حلب قال حدثنا أبو سعيد عمر ابن حفص العسكري قال حدثنا أبو خيثمة مصعب بن سعيد بحلب إملاء قال حدثنا عيسى بن يونس عن مسعر عن سعد بن إبراهيم

(24/344)


عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف عن عبد الرحمن بن عوف قال مررنا بمثر الأراك فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "عليكم بالأسود منه فإني قد كنت أجتنيه وأنا أرعى الغنم" قالوا يا رسول الله ورعيت الغنم قال: "نعم وما من نبي إلا وقد رعى الغنم" .
وحدثنا يعيش بن سعيد قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن غالب قال حدثنا ثابت بن محمد الزاهد بالكوفة قال حدثنا مسعر عن سعد بن إبراهيم عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال مر النبي صلى الله عليه وسلم بثمر أراك فقال: "عليكم بأسوده فإني كنت أجتنيه إذ كنت أرعى الغنم" قالوا يا رسول الله وكنت ترعى الغنم قال: "نعم وما من نبي إلا وقد رعى الغنم" .
وحدثنا يعيش قال حدثنا قاسم قال حدثنا محمد بن غالب حدثنا بشر بن آدم حدثنا إبراهيم بن سعد قال حدثنا أبي سعد بن إبراهيم عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله
وأخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن قال حدثنا أحمد بن جعفر بن حمدان قال حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال حدثنا أبي قال حدثنا عثمان بن عمر حدثنا يونس عن الزهري عن أبي سلمة عن جابر بن عبد الله قال كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نجني الكباث فقال: "عليكم بالأسود منه فإنه أطيبه" قال قلنا وكنت ترعى الغنم يا رسول الله قال: "نعم وهل من نبي إلا وقد رعاها" .

(24/345)


قال أبو عمر:
هذا الإسناد هكذا عند عثمان بن عمر وخالفه الليث بن سعد وقد أخبرناه عبد الله بن محمد بن يحيى قال حدثنا محمد بن عبد الله الشافعي إملاء في الجامع ببغداد سنة تسع وأربعين وثلاثمائة قال حدثنا عبيد بن عبد الواحد قال حدثنا يحيى بن بكير قال حدثنا الليث بن سعد عن يونس عن ابن شهاب عن أبي سلمة أن جابرا قال كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمر الظهران نجني الكباث وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "عليكم بالأسود منه فإنه أطيبه" . قالوا كنت ترعى الغنم قال: "نعم قال وهل من نبي إلا وقد رعاها" .
قول الليث فيه عن جابر أولى بالصواب من قول عثمان بن عمر والله أعلم

(24/346)


الحديث السابع والثلاثون
...
حديث سابع وثلاثون من البلاغات
مالك أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن كان دواء يبلغ الداء فإن الحجامة تبلغه" .
وهذا يحفظ معناه من حديث أبي سلمة عن أبي هريرة ومن حديث حميد عن أنس ومن حديث سمرة والألفاظ مختلفة
حدثنا سعيد بن نصر وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثنا قاسم ابن أصبغ قال حدثنا ابن وضاح قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا أسود بن عامر وحدثنا قاسم بن محمد قال حدثنا خالد بن سعد قال حدثنا أحمد بن عمرو بن منصور قال حدثنا محمد بن سنجر قال حدثنا حجاج قالا حدثنا حماد بن سلمة عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: "قال إن كان في شيء مما تتداوون به خير فالحجامة" .
وأخبرنا عبد الرحمن بن يوسف صاحبنا رحمه الله قال حدثنا عبد الرحمن بن أحمد بن أصبغ بن ميكائل قال حدثنا أبو الحسن علي بن عمر الحافظ الدارقطني قال حدثنا أبو بكر محمد بن

(24/347)


إبراهيم بن يبرور الأنماطي قال حدثنا أبو داود سليمان بن سيف قال حدثنا سعيد بن سلام قال حدثنا عمر بن محمد عن صفوان بن سليم عن أبي سلمة عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن كان شيء ينفع من الداء فإن الحجامة تنفع من الداء اطلبوا الحجامة صبيحة سبع عشرة أو تسع عشرة أو إحدى وعشرين" .
وحدثنا إبراهيم بن شاكر قال حدثنا محمد بن إسحاق القاضي قال حدثنا عبد الملك بن يحيى بن شاذان قال حدثنا محمد بن إسماعيل الصائغ قال حدثنا عبد الله بن بكر السهمي من سهم باهلة قال حدثنا حميد عن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن أمثل ما تداويتم به الحجامة والقسط البحري فلا تعذبوا صبيانكم بالغمز" .
حدثنا سعيد بن نصر وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثنا قاسم ابن أصبغ قال حدثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي قال حدثنا عمرو ابن مرزوق حدثنا شعبة عن عبد الملك بن عمير قال سمعت حصين ابن أبي الحر يحدث عن سمرة بن جندب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قال خير ما تداووا به الحجامة" .
حدثنا عبد الله بن محمد بن يوسف قال حدثنا أحمد بن محمد ابن إسماعيل قال حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي

(24/348)


قال حدثنا أحمد بن منيع حدثنا مروان بن شجاع الخصفي عن سالم الأفطس عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال الشفاء في ثلاثة في شربة عسل أو شرطة محجم أو كية نار
ورفع الحديث. وذكر البخاري قال حدثنا محمد بن عبد الرحيم حدثنا سريج بن يونس حدثنا مروان بن شجاع عن سالم الأفطس عن سعيد بن بسر عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الشفاء في ثلاثة شرطة محجم أو شربة عسل أو كية وأنا أنهي عن الكي" .
وأخبرنا قاسم بن محمد قال حدثنا خالد بن سعد قال حدثنا محمد بن فطيس قال حدثنا إبراهيم بن مرزوق حدثنا أبو عامر حدثنا عبد الرحيم بن سليمان عن عاصم بن عمر بن قتادة عن جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن يكن في شيء من أدويتكم هذه خير ففي شرطة محجم أو شربة عسل أو لدغة نار توافق داء وما أحب أن أكتوي" .
قال أبو عمر:
لا مدخل للقول في هذا الباب وقد مضى في التداوي في باب زيد ابن أسلم ما فيه شفاء وظاهره هذه الأحاديث في الحجامة العموم

(24/349)


وتحتمل الخصوص بأن يقال خير ما تداويتم به في فضل كذا أو لعلة كذا الحجامة وإن كان الشفاء من كذا ففي كذا أو يكون الحديث على جواب السائل فحفظ الجواب دون السؤال كأنه قال الشفاء فيما سألت عنه وإن كان دواء يبلغ الداء الذي سألت عنه فالحجامة تبلغه وهذا كثير معروف في الأحاديث ومعلوم أن الحجامة ليست دواء لكل داء وإنما هي لبعض الأدواء وذلك دليل واضح على ما تأولنا وذكرنا وبالله توفيقنا.
والحجامة على ظاهر هذا الحديث غير ممنوع منها في كل يوم وقد جاء عن الزهري ومكحول جميعا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من احتجم يوم الأربعاء أو يوم السبت أو اطلى فأصابه وضح فلا يلومن إلا نفسه" .
وجاء عن الحجاج بن أرطاة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من كان محتجما فليحتجم يوم السبت" .
وهذان حديثان ليس في واحد منهما حجة ومرسل الزهري ومحول أشبه من مرسل الحجاج لأن مسند الحجاج بن أرطأة مما ينفرد به ليس بالقوي فكيف مرسله
قال الأثرم سمعت أحمد بن حنبل يسأل عن الحجامة يوم السبت فقال يعجبني أن تتوقى لحديث الزهري وإن كان مرسلا قال وكان حجاج بن أرطأة يروي فيه رخصة حديث ليس له إسناد

(24/350)


قال أبو عمر:
ذكر ابن وهب حديث الزهري فقال أخبرني ابن سمعان عن ابن شهاب أنه أخبره عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة بن عبد الرحمن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من احتجم يوم السبت أو يوم الأربعاء فمرض فلا يلومن إلا نفسه" .
قال وأخبرني السري بن يحيى عن سليمان التيمي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من احتجم يوم السبت أو يوم الأربعاء فأصابه وضح فلا يلومن إلا نفسه" .
وذكر عن عبد الكريم البصري قال يقال يوم الثلاثاء لسبع عشرة من الشهر إذا وافق ذلك أحد فاحتجم فيه كان له دواء لسنة كلها
حدثنا خلف بن قاسم حدثنا محمد بن أحمد بن كامل حدثنا أحمد بن محمد بن الحجاج قال سئل أحمد بن صالح عن الحجامة يوم السبت والأربعاء والاطلاء فيهما فقال مكروه.
وفيه النهي عن النبي صلى الله عليه وسلم وروي النهي فيه أيضا عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة بن عبد الرحمن

(24/351)


الحديث الثامن والثلاثون
...
حديث ثامن وثلاثون من البلاغات
مالك أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا وضع رجله في الغرز وهو يريد السفر يقول: "بسم الله اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل اللهم ازو لنا الأرض وهون علينا السفر اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر ومن كآبة المنقلب ومن سوء المنظر في المال والأهل" .
أما قوله: "ازو لنا الأرض" فمعناه اطو لنا الطريق وقربه وسهله وأصل الأنزواء الانضمام ووعثاء السفر شدته وخشونته والكآبة الحزن والمعنى في قوله: "وكآبة المنقلب" أن لا ينقلب الرجل وينصرف من سفره إلى أمر يحزنه ويكتئب منه وأما سوء المنظر في الأهل والمال فكل ما يسوؤك النظر إليه وسماعه في أهلك ومالك
وأما الغرز فموضع الركاب ولا يكون الغرز إلا في الرحال بمنزلة الركوب للسروج وهذا يستند من وجوه صحاح من حديث عبد الله ابن سرجس ومن حديث أبي هريرة وحديث ابن عمر وغيرهم
حدثنا خلف بن قاسم قال حدثنا عبد الله بن جعفر بن محمد بن الورد قال حدثنا أحمد بن حماد بن مسلم بن زغبة قال حدثنا

(24/352)


سعيد بن أبي مريم ويحيى بن عبد الله بن بكير قالا حدثنا حماد ابن زيد عن عاصم عن عبد الله بن سرجس قال كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا سافر قال: "اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة على الأهل اللهم أصحبنا في سفرنا وأخلفنا في أهلنا اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر وكآبة المنقلب ومن الحور بعد الكون ومن دعوة المظلوم وسوء المنظر في الأهل والمال" .
حدثنا خلف بن قاسم حدثنا عبد الله بن جعفر قال حدثنا عبد الرحمن بن معاوية العتبي قال حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير قال حدثنا حماد بن زيد عن عاصم عن عبد الله بن سرجس قال كان النبي صلى الله عليه وسلم فذكر الحديث مثله سواء، وزاد وسئل عاصم عن الحور بعد الكون قال صار بعد ما كان.
قال أبو عمر:
يعني رجع عما كان عليه من الخير ومن رواه الحور بعد الكور فمعناه أيضا مثل ذلك أي رجع عن الاستقامة وذلك مأخوذ عندهم من كور العمامة وأكثر الرواة إنما يروونه بالنون.
وكذلك رواه عبد الرزاق عن معمر عن عاصم عن عبد الله بن سرجس في هذا الحديث.
حدثنا أحمد بن فتح بن عبد الله قال حدثنا حمزة بن محمد الحافظ ومحمد بن عبد الله بن زكرياء قالا حدثنا أحمد بن شعيب قال أخبرنا زكرياء بن يحيى قال حدثنا جرير عن مطرف عن أبي

(24/353)


إسحاق عن البراء قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خرج إلى سفر قال: "اللهم بلاغا يبلغ خيرا ومغفرة ورضوانا بيدك الخير إنك على كل شيء قدير اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل اللهم هون علينا السفر واطو لنا الأرض اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر وكآبة المنقلب" .
حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا عبيد بن عبد الواحد قال حدثنا محبوب بن موسى أخبرنا الفزاري عن عاصم عن عبد الله بن سرجس قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سافر يقول: "اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر وكآبة المنقلب والحور بعد الكون ودعوة المظلوم وسوء المنظر في الأهل والمال" .
حدثني عبد الرحمن بن يحيى وأحمد بن فتح قالا حدثنا حمزة ابن محمد بن علي قال أخبرنا محمد بن إسماعيل البغدادي حدثنا ابن أبي صفوان حدثنا ابن أبي عدي حدثنا شعبة عن عبد الله بن بشر الخثعمي عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير عن أبي هريرة قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سافر يركب راحلته قال بأصبعه هكذا وقال: "اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل والمال اللهم أصحبنا بنصح وأقلبنا بذمة اللهم ازو لنا الأرض وهون علينا السفر أعوذ بك من وعثاء السفر وكآبة المنقلب" .

(24/354)


وحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن الجهم السمري حدثنا جعفر بن عون أخبرنا أسامة ابن زيد عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة قال جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال إني أريد سفرا قال: "أوصيك بتقوى الله والتكبير على كل شرف" قال فلما ولى الرجل قال: "اللهم ازو له الأرض وهون عليه السفر" .
أخبرنا عبد الوارث بن سفيان وأحمد بن قاسم بن عبد الرحمن قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا الحرث بن أبي أسامة قال حدثنا روح بن عبادة قال حدثنا ابن جريج قال أخبرني أبو الزبير أن عليا الأزدي أخبره أن ابن عمر علمه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا استوى على بعيره خارجا في سفر كبر ثلاثا ثم قال: " {سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ} اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر وكآبة المنقلب وسوء المنظر في الأهل والملل وإذا رجع قالهن وزاد فيهن آئبون تائبون عابدون لربنا حامدون" .
أخبرنا عبد الله بن محمد بن يوسف أخبرنا الحسن بن إسماعيل حدثنا أحمد بن إبراهيم الموصلي قال حدثنا أحمد بن علي البربهاري قال حدثنا محمد بن سابق قال حدثنا إبراهيم بن طهمان عن أبي الزبير عن علي بن عبد الله عن عبد الله بن عمر أنه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سافر فإذا استوى على راحلته وانبعثت به

(24/355)


قال: "الله أكبر الله أكبر، ثم يقول: {سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ} اللهم إني أسألك في سفري هذا البر والتقوى ومن العمل ما ترضى اللهم هون علينا السفر واطو عنا بعده اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل اللهم إنا نعوذ بك من وعثاء السفر وكآبة المنقلب وسوء المنظر في الأهل والمال تائبون آيبون عابدون لربنا حامدون" .
وقد روي هذا من حديث سماك عن عكرمة عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم.
حدثنا عبد الله بن محمد بن يحيى قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا الحسن بن علي قال حدثنا عبد الرزاق قال أخبرنا ابن جريج أخبرني أبو الزبير أن عليا الزدي أخبره أن ابن عمر علمه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا استوى على بعيره خارجا إلى السفر كبر ثلاثا ثم قال: " {سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ} ا للهم إني أسألك في سفرنا هذا البر والتقوى ومن العمل ما ترضى اللهم هون علينا سفرنا اللهم اطو لنا البعد اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل والمال" . وإذا رجع قالهن وزاد "آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون" .
حدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا مسدد قال حدثنا يحيى قال حدثنا محمد بن

(24/356)


عجلان قال أخبرني سعيد المقبري عن أبي هريرة قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سافر قال: "اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر وكآبة المنقلب وسوء المنظر في الأهل والمال اللهم اطو لنا الأرض وهون علينا السفر" .
وروينا من وجوه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من خرج من بيته يريد سفرا ومخرجا فقال حين يخرج بسم الله آمنت بالله توكلت على الله واعتصمت بالله وفوضت أمري إلى الله لا حول ولا قوة إلا بالله رزق خير ذلك المخرج وصرف عنه شره" .
حدثنا سعيد بن عثمن حدثنا أحمد بن دحيم حدثنا أحمد بن داود بن سليمان حدثنا يونس بن عبد الأعلى حدثنا ابن وهب قال أخبرني إسماعيل بن عياش عن صفوان بن عمرو عن شريح بن عبيد الحضرمي أنه سمع الزبير بن الوليد يحدث عن عبد الله بن عمرو قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا غزا أو سافر فأدركه الليل قال: "يا أرض ربي وربك الله أعوذ بالله من شرك وشر ما فيك وشر ما دب عليك أعوذ بالله من شر كل أسد وأسود وحية وعقرب ومن ساكن البلد ومن شر والد وما ولد" .
أخبرنا خلف بن قاسم قال حدثنا إبراهيم بن محمد بن إبراهيم الديبلي أبو إسحاق بمكة في المسجد الحرام قال حدثنا موسى بن هارون قال حدثنا شيبان قال حدثنا عمارة بن زاذان الصيدلاني

(24/357)


قال حدثنا زياد النميري عن أنس بن مالك قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا علا شرفا من الأرض قال: "اللهم لك الشرف على كل شرف ولك الحمد على كل حال" .

(24/358)


الحديث التاسع والثلاثون
...
حديث تاسع وثلاثون من البلاغات
مالك أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا تحل الصدقة لآل محمد إنما هي أوساخ الناس" .
وهذا حديث يرويه مالك مسندا رواه عنه سعيد بن داود بن أبي زند وجويرية بن أسماء
وقد روي من غير حديث مالك أيضا. وهو حديث فيه طول يستند من حديث عبد المطلب بن ربيعة بن الحرث بن عبد المطلب
قرأت على عبد الوارث بن سفيان أن قاسم بن أصبغ حدثهم قال حدثنا أبو عبيدة بن أحمد قال حدثنا محمد بن علي بن داود قال حدثنا سعيد بن داود قال حدثنا مالك بن أنس أن ابن شهاب حدثه أن عبد المطلب بن ربيعة بن الحرث حدثه قال اجتمع ربيعة بن الحرث وعباس بن عبد المطلب فقالا والله لو بعثنا هذين الغلامين لي والفضل ابن عباس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلماه فأمرهما على هذه الصدقة فأديا ما يؤدي الناس وأصابا ما يصيب الناس قال فبينا هم كذلك جاء علي بن أبي طالب فدخل عليهما فذكرا ذلك له فقال علي لا تفعلا فوالله ما هو بفاعل فانتحاه ربيعة بن الحرث فقال والله ما

(24/359)


تفعل هذا إلا نفاسة علينا فوالله لقد نلت صهر رسول الله صلى الله عليه وسلم فما نفسناه عليك فقال أنا أبو حسن أي قرم فأرسلوهما فانظروا ثم اضطجع قال فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر سبقناه إلى الحجر فقمنا عندها حتى جاء فأخذ بأيدينا ثم قال: "اخرجا ما تصدران" ثم دخل ودخلنا عليه وهو يومئذ عند زينب بنت جحش قال فتواكلنا الكلام ثم تكلم أحدنا فقال يا رسول الله أنت أبر الناس وأوصل الناس وقد بلغنا النكاح فجئنا لتؤمرنا على هذه الصدقات فنؤدي إليك ما يودي العمال ونصيب ما يصيبون قال فسكت طويلا حتى أردنا أن نكلمه حتى جعلت زينب تلمع إلينا من وراء الحجاب ألا تكلماه ثم قال: "إن الصدقة لا تنبغي لآل محمد إنما هي أوساخ الناس ادعوا لي محمية" وكان على الخمس ونوفل بن الحرث بن عبد المطلب فجاءاه فقال لمحمية "أنكح هذا الغلام ابنتك" للفضل بن عباس فأنكحه وقال لنوفل بن الحرث "أنكح هذا الغلام" لي فأنكحني ثم قال لمحمية "اصدق عنهما من الخمس كذا وكذا" . قال ابن شهاب ولم يسمه لي.
وهكذا رواه جويرية بن أسماء عن مالك بإسناده مثله إلا أنه قال أنا أبو حسن القرم وكذلك في حديث يزيد بن أبي زياد عن عبد الله بن عبد الحرث عن عبد المطلب بن ربيعة بن الحرث أنا أبو حسن القرم وفيه إنما الصدقة غسالة أوساخ الناس
وحديث الزهري هذا أتم معنى وأحسن سياقة وأثبت من جهة الإسناد وقد تقدم في تحريم الصدقة المفروضة على محمد وعلى آله

(24/360)


ما فيه كفاية وشفاء وبيان فيما سلف من كتابنا هذا والحمد لله
حدثنا محمد بن إبراهيم ومحمد بن عبد الله بن حكم قالا حدثنا محمد بن معاوية قال حدثنا الفضل بن الحباب القاضي حدثنا محمد ابن كثير أخبرنا شعبة عن الحكم عن ابن أبي رافع عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تحل الصدقة لمحمد ولا لآل محمد ومولى القوم من أنفسهم" .
أخبرنا أحمد بن عبد الله قال حدثني أبي قال حدثنا أبو سعيد عثمان بن جرير وحدثنا إبراهيم بن شاكر قال حدثنا عبد الله بن محمد بن عثمان قال حدثنا سعيد بن عثمان الأعناقي قالا حدثنا أحمد بن عبد الله بن صالح قال حدثنا يعلى بن عبيد قال حدثنا أبو حيان التيمي عن يزيد بن حيان قال قيل ليزيد بن أرقم من آل محمد الذين تحرم عليهم الصدقة قال آل علي وآل جعفر وآل عباس وآل عقيل.
قال أبو عمر:
الذي عليه جماعة أهل العلم أن بني هاشم بأسرهم لا يحل لهم أكل الصدقات المفروضات أعني الزكوات وقد مضى من بيان هذا المعنى في باب ربيعة وغيره ما فيه كفاية

(24/361)


الحديث الأربعون
...
حديث موفي أربعين من البلاغات
مالك أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل على أم سلمة وهي حاد على أبي سلمة وقد جعلت على عينيها صبرا فقال: "ما هذا يا أم سلمة" إنما هو صبر يا رسول الله قال: "فاجعليه بالليل وامسحيه بالنهار" .
وهذا الحديث معروف عن أم سلمة من حديث بكير بن الأشج وهو حديث فيه طويل اختصره مالك وأرسله حدثناه عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا أحمد بن صالح.
وحدثنا عبد الوارث بن سفيان قراءة مني عليه أن قاسم بن أصبغ حدثهم قال حدثنا ابن وضاح قال حدثنا سحنون قالا جميعا أخبرنا ابن وهب قال أخبرني مخرمة عن أبيه قال سمعت المغيرة بن الضحاك يقول أخبرتني أم حكيم ابنة أسيد عن أمها أن زوجها توفي وكانت تشتكي عينيها فتكتحل بكحل الجلاء فأرسلت مولى لها إلى أم سلمة فسألتها عن كحل الجلاء فقالت لا تكتحلي به إلا من أمر لا بد منه يشتد عليك فتكتحلي بالليل وتمسحيه بالنهار ثم قالت عند ذلك

(24/362)


أم سلمة دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم حين توفي أبو سلمة وقد جعلت على عيني صبرا فقال: "ما هذا يا أم سلمة" قالت قلت إنما هو صبر يا رسول الله ليس فيه طيب قال: "إنه يشب الوجه فلا تجعليه إلا بالليل وتنزعيه بالنهار ولا تمتشطي بالطيب ولا بالحناء فإنه خضاب" . قالت قلت فبأي شيء أمتشط يا رسول الله قال: "بالسدر تغلفين به رأسك" .
قال أبو عمر:
في حديث أم سلمة هذا دليل على أن المرأة المحد لا تكتحل بشيء يزينها ويشبها فإن اضطرت إلى شيء من ذلك جعلته ليلا ومسحته بالنهار وكل ما جاء عن أم سلمة من الحديث في النهي عن اكتحال المرأة المحد فهذا يفسره ويقضي عليه وعليه فتوى الفقهاء قال مالك لا تكتحل المرأة الحاد إلا أن تضطر فإن اضطرت فتكتحل بالليل وتمسحه بالنهار ويكون الكحل بغير طيب ولا تكتحل بالإثمد
قال أبو عمر:
هذا يدل على أن ذلك الكحل فيه شيء من الزينة ولهذا منعت منه بالنهار مع اضطرارها إليه وأبيح لها بالليل لأن الليل خلاف النهار في رؤية الناس لها وقول الشافعي في هذا كقول مالك قال الشافعي

(24/363)


لا تكتحل بكحل فيه زينة فإن اضطرت إلى كحل زينة اكتحلت بالليل ومسحته بالنهار.
وقال أبو حنيفة إذا اشتكت عينيها اكتحلت بالكحل الأسود وغيره
وقال أحمد وإسحاق لا تختضب ولا تكتحل
أخبرنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا زهير بن حرب قال حدثنا يحيى بن أبي بكير قال حدثنا إبراهيم بن طهمان حدثني بديل عن الحسن بن مسلم عن صفية بنت شيبة عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن المتوفى عنها زوجها لا تلبس المعصفر من الثياب ولا الممشقة ولا الحلي ولا تختضب ولا تكتحل" .
قال أبو عمر:
وهذا على التزيين بالكحل وأما على الاضطرار فهو معنى آخر بالليل خاصة وقد ذكرنا في كحل المرأة المحد وسائر ما تجتنبه في عدتها وما للعلماء في ذلك من المذاهب ممهدا مبسوطا موعبا في باب عبد الله بن أبي بكر والحمد لله وبه التوفيق.

(24/364)


الحديث الحادي والأربعون
...
حديث حاد وأربعون من البلاغات
قال ملك السنة في الذي يرفع رأسه قبل الإمام في ركوع أو سجود أن يخر راكعا أو ساجدا ولا يقف ينتظر الإمام وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه" .
وقال أبو هريرة الذي يرفع رأسه ويخفضه قبل الإمام إنما ناصيته بيد شيطان
أما قوله السنة فإنه أمر لا أعلم فيه خلافا وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم التغليظ فيمن رفع رأسه قبل الإمام
روى شعبة عن محمد بن زياد عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام راكعا أو ساجدا أن يحول الله رأسه رأس حمار أو صورته صورة حمار" .
وهذا وعيد وتهديد وليس فيه أمر بإعادة فهو فعل مكروه لمن فعله ولا شيء عليه إذا أكمل ركوعه وسجوده. قد أساء وخالف سنة المأموم وعلى كراهية هذا الفعل للمأموم جماعة العلماء من غير

(24/365)


أن يوجبوا فيه إعادة وكذلك قال أبو هريرة ناصيته بيد شيطان ولم يأمر فيه بإعادة
وذكر مالك عن محمد بن عمرو بن علقمة عن مليح بن عبد الله السعدي عن أبي هريرة قال الذي يرفع رأسه ويخفض قبل الإمام فإنما ناصيته بيد شيطان
وأما قوله وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه" ، فإن قوله: "إنما جعل الإمام ليؤتم به" يستند من حديث مالك عن ابن شهاب عن أنس وقد مضى ذكره في باب ابن شهاب إلا أنه ليس فيه فلا تختلفوا عليه ويستند قوله: "فلا تختلفوا عليه" من حديث مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قال إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه فإذا كبر فكبروا وإذا رجع فاركعوا وإذا قال سمع الله لمن حمده فقولوا اللهم ربنا ولك الحمد وإذا صلى قاعدا فصلوا قعودا أجمعين" رواه معن بن عيسى وحده في الموطأ عن مالك وقد روي من حديث همام بن منبه عن أبي هريرة
ذكر عبد الرزاق حدثنا معمر بن همام بن منبه أنه سمع أبا هريرة يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه فإذا كبر فكبروا وإذا ركع فاركعوا وإذا قال سمع الله لمن

(24/366)


حمده فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد وإذا سجد فاسجدوا وإذا صلى جالسا فصلوا جلوسا أجمعين" .
وقد مضى القول في معنى هذا الحديث في باب ابن شهاب إلا قوله: "فلا تختلفوا عليه"
وفي قوله: "فلا تختلفوا عليه" دليل على أنه لا يجوز أن يكون الإمام في صلاة ويكون المأموم في غيرها مثل أن يكون الإمام في ظهر والمأموم في عصر أو يكون الإمام في نافلة والمأموم في فريضة وهذا موضع اختلف الفقهاء فيه فقال مالك وأصحابه لا يجزي أحدا أن يصلي صلاة الفريضة خلف المتنفل ولا يصلي عصرا خلف من صلى ظهرا وهو قول أبي حنيفة وأصحابه والثوري وقول جمهور التابعين بالمدينة والكوفة وحجتهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إنما جعل الإمام ليؤتم به فمن خالفه في نيته فلم يأتم به وقال فلا تختلفوا عليه" ، ولا اختلاف أشد من اختلاف النيات إذ هي ركن العمل
ومعلوم أن من صلى ظهرا خلف من يصلي عصرا أو صلى فريضة خلف من يصلي نافلة فلم يأتم بإمامه وقد اختلف عليه فبطلت صلاته وصلاة الإمام جائزة لأنه المتبوع لا التابع واحتجوا من قصة معاذ برواية عمرو بن يحيى عن معاذ بن رفاعة الزرقي عن رجل من بني سلمة أنه شكا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تطويل معاذ بهم فقال له

(24/367)


رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا معاذ لا تكن فتانا إما أن تصلي معي وإما أن تخفف عن قومك " . قالوا وهذا يدل على أن صلاته بقومه كانت فريضته وكان متطوعا بصلاته مع النبي صلى الله عليه وسلم.
قالوا وصلاة المتنفل خلف من يصلي الفريضة لا يختلفون في جوازها
وقال الشافعي والأوزاعي وداود والطبري وهو المشهور عن أحمد ابن حنبل بجواز أن يقتدي في الفريضة بالمتنفل ويصلي الظهر خلف من يصلي العصر فإن كل مصل يصلي لنفسه ومن حجتهم أن قالوا إنما أمرنا أن نأتم به فيما ظهر من أفعاله أما النية فمغيبة عنا وما غاب عنا فإنا لم نكلفه. قالوا وفي هذا الحديث نفسه دليل على صحة ذلك لأنه قال: "إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه إذا ركع فاركعوا وإذا سجد فاسجدوا وإذا كبر فكبروا وإذا صلى جالسا فصلوا جلوسا" . فعرفنا أفعاله التي يأتم به فيها وهي الظاهرة إلينا من ركوعه وسجوده وتكبيره وقيامه وقعوده ففي هذه أمرنا أن لا نختلف عليه
قالوا والدليل على صحة هذا التأويل حديث جابر في قصة معاذ إذ كان يصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم العشاء ثم ينصرف فيؤم قومه في تلك الصلاة هي له نافلة ولهم فريضة وهو حديث ثابت صحيح لا يختلف في صحته

(24/368)


قالوا ولا يصح أن يجعل معاذ صلاته مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نافلة ويزهد في فضل الفريضة معه صلى الله عليه وسلم ويدلك على ذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة" وهذا مانع لكل أحد أن تقام صلاة فريضة لم يصلها فيشتغل بنافلة عنها
وقد روى ابن جريج عن عمرو بن دينار عن جابر أن معاذا كان يصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم العشاء الآخرة ثم ينصرف إلى قومه فيصلي معهم هي له تطوع ولهم فريضة
قال ابن جريج وحديث عكرمة عن ابن عباس أن معاذا فذكر مثل حديث جابر سواء
ومثل ذلك أيضا حديث أبي بكرة في صلاة الخوف صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بطائفة ركعتين ثم بطائفة ركعتين وهو مسافر خائف فعلمنا أنه في الثانية متنفل
وقد أجمعوا أنه جائز أن يصلي النافلة خلف من يصلي الفريضة إن شاء وفي ذلك دليل على أن النيات لا تراعى في ذلك والله أعلم

(24/369)


الحديث الثاني والأربعون
...
حديث ثان وأربعون من البلاغات
مالك قال بلغني "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد العكوف في رمضان ثم رجع فلم يعتكف حتى إذا ذهب رمضان اعتكف عشرا من شوال"
هذا المعنى عند مالك في باب قضاء الاعتكاف من الموطأ عن يحيى ابن سعيد عن عمرة بنت عبد الرحمن مرسلا. كذلك رواه جماعة الرواة للموطأ عن مالك ويحيى بن سعيد عن عمرة إلا يحيى بن يحيى الأندلسي فإنه رواه عن ابن شهاب عن عمرة وقيل إنه غلط منه لا شك فيه لأنه لم يتابعه أحد من رواة الموطأ على ذكر ابن شهاب في هذا الحديث والله أعلم. ولا أدري أمن يحيى جاء ذلك أم من زياد بن عبد الرحمن فإن يحيى لم يسمع من باب خروج المعتكف إلى العيد في الموطأ إلا آخر الاعتكاف من مالك فرواه عن زياد عن مالك فوقع فيه حديثه عن زياد عن مالك عن ابن شهاب عن عمرة بنت عبد الرحمن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد أن يعتكف فلما انصرف إلى المكان الذي أراد أن يعتكف فيه وجد أخبية خباء عائشة وخباء حفصة وخباء زينب فلما رآها سأل عنها فقيل له هذا

(24/370)


خباء عائشة وحفصة وزينب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "البر تقولون بهن" ثم انصرف فلم يعتكف حتى اعتكف عشرا من شوال.
هكذا روى يحيى هذا الحديث عن زياد بن عبد الرحمن الأندلسي القرطبي المعروف بشبطون مالك عن ابن شهاب عن عمرة ولم يتابع على ذلك في الموطأ وقد يمكن أن يكون لمالك عن ابن شهاب كما قال يحيى وفي ألفاظه خلاف لألفاظ حديث يحيى بن سعيد وإن كان المعنى واحدا فالله أعلم. وإنما الحديث في الموطأ لمالك عن يحيى بن سعيد عن عمرة وهو محفوظ ليحيى بن سعيد عن عمرة مسندا عن عائشة من رواية الثقات فهو حديث يحيى بن سعيد معروف لا حديث ابن شهاب فلذلك لم نذكر هذا الحديث في باب يحيى بن سعيد من كتابنا هذا وذكرناه في باب ابن شهاب عن عمرة من أجل رواية يحيى وإن كانت عندنا وهما وقد بينا ذلك هناك وذكرنا ما للعلماء في معنى هذا الحديث من المعاني والمذاهب مبسوطا هناك والحمد لله فلا وجه لتكرير ذلك ههنا وإنما ذكرنا الحديث ههنا لأن مالكا قال في قضاء الاعتكاف بعد ذكر حديث عمرة هذا قال مالك بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد الاعتكاف في رمضان ثم رجع فلم يعتكف حتى إذا ذهب رمضان اعتكف عشرا من شوال هكذا ذكره مختصرا في الباب كما ذكرناه ولهذا ما ذكرناه ههنا

(24/371)


حدثنا سعيد بن نصر وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثنا قاسم ابن أصبغ قال حدثنا محمد بن إسماعيل الترمذي قال حدثنا الحميدي قال حدثنا سفيان قال سمعت يحيى بن سعيد يحدث عن عمرة عن عائشة قالت أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعتكف العشر الأواخر من شهر رمضان فسمعت بذلك فاستأذنته فأذن لها ثم استأذنته حفصة فأذن لها ثم استأذنته زينب فأذن لها فذكر الحديث وقال فيه فلم يعتكف رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك العشر واعتكف عشرا من شوال.

(24/372)


الحديث الثالث والأربعون
...
حديث ثالث وأربعون من البلاغات
مالك أنه سمع من يثق به من أهل العلم يقول "إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أري أعمار الناس قبله أو ما شاء الله من ذلك فكأنه تقاصر أعمار أمته ألا يبلغوا من العمل مثل الذي بلغ غيرهم في طول العمر فأعطاه الله ليلة القدر خيرا من ألف شهر"
لا أعلم هذا الحديث يروى مسندا من وجه من الوجوه ولا أعرفه في غير الموطأ مرسلا ولا مسندا وهذا أحد الأحاديث التي انفرد بها مالك ولكنها رغائب وفضائل وليست أحكاما ولا بنى عليها في كتابه ولا في موطئه حكما
حدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا ابن وضاح قال حدثنا محمد بن مصفر حدثنا بقية بن الوليد حدثني يحيى بن سعيد عن خالد بن سعدان عن عبادة بن الصامت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ليلة القدر في العشر البواقي من قامهن ابتغاء حسبتهن فإن الله يغفر له ما تقدم من ذنبه وهي ليلة تسع أو سبع أو خامسة أو ثالثة أو آخر ليلة" . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن أمارة ليلة

(24/373)


القدر أنها صافية بلجاء كان فيها قمرا ساطعا ساكنة لا برد فيها ولا حر ولا يحل لكوكب أن يرمى به فيها حتى يصبح وإن أمارة الشمس صبيحتها تخرج مستوية ليس فيها شعاع مثل القمر ليلة البدر ولا يحل للشيطان أن يخرج معها يومئذ" .
قال أبو عمر:
هذا حديث حسن غريب وبقية بن الوليد ليس بمتروك بل هو محتمل روى عنه جماعة من الجلة وهو من علماء الشاميين ولكنه يروى عن الضعفاء وأما حديثه هذا فمن ثقات أهل بلده وأما إذا روى عن الضعفاء فليس بحجة فيما رواه وحديثه هذا إنما ذكرنا أنه حديث حسن لا يدفعه أصل وفيه ترغيب وليس فيه حكم وقد ذكرنا في ليلة القدر من صحيح الأثر ومذاهب العلماء ما يشفي ويكفي في باب حميد الطويل من هذا الكتاب والحمد لله

(24/374)


الحديث الرابع والأربعون
...
حديث رابع وأربعون من البلاغات
مالك أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إني لأنسى أو أنسى لأسن" .
أما هذا الحديث بهذا اللفظ فلا أعلمه يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم بوجه من الوجوه مسندا ولا مقطوعا من غير هذا الوجه والله أعلم وهو أحد الأحاديث الأربعة في الموطأ التي لا توجد في غيره مسندة ولا مرسلة والله أعلم ومعناه صحيح في الأصول وقد مضت آثار في باب نومه عن الصلاة تدل على هذا المعنى نحو قول صلى الله عليه وسلم: "إن الله قبض أرواحنا لتكون سنة لمن بعدكم" .
وقال صلى الله عليه وسلم: "إنما أنا بشر أنسى كما تنسون" . وثبت صلى الله عليه وسلم معلما فما سن لنا اتبعناه وقد بلغ ما أمر به ولم يتوفاه الله حتى أكمل دينه سننا وفرائض والحمد لله.

(24/375)


حدثنا خلف بن القاسم قال حدثنا أبو الطيب وجيه بن الحسن بن يوسف قال حدثنا أبو بكرة بكار بن قتيبة القاضي قال حدثنا أبو داود الطيالسي حدثنا أبو بكر النهشلي حدثنا عبد الرحمن بن الأسود بن يزيد عن أبيه عن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الظهر أو العصر شك أبو بكر لا يدري أيهما قال عبد الرحمن وقد سماها عبد الرحمن فصلى خمسا فقيل يا رسول الله أزيد في الصلاة قال: "وما ذاك" قال صليت خمسا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنما أنا بشر مثلكم أذكر كما تذكرون وأنسى كما تنسون" .

(24/376)


الحديث الخامس والأربعون
...
حديث خامس وأربعون من البلاغات
مالك أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: "إذا أنشأت بحرية ثم تشاءمت فتلك عين غديقة" .
هذا حديث لا أعرفه بوجه من الوجوه في غير الموطأ إلا ما ذكره الشافعي في كتاب الاستسقاء عن إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى عن إسحاق بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا نشأت بحرية ثم استحالت شآمية فهو أمطر لها" .
وابن أبي يحيى مطعون عليه متروك وإن كان فيه نبل ويقظة اتهم بالقدر والرفض وبلاغ مالك خير من حديثه والله أعلم
وأما قوله: "إذا نشأت بحرية" فمعناه إذا ظهرت سحابة من ناحية البحر وارتفعت يقال أنشأ فلان يقول كذا إذا ابتدأ قوله وأظهره بعد سكوت وكذلك قولهم أنشأ فلان حائط نخل أو بئرا أو كرما أي عمل ذلك وأظهره للناس وكل ما بدأ من الأعمال وظهر

(24/377)


فقد أنشأ ومنه قول الله عز وجل {وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ} أي السفن الظاهرات في البحر كالجبال الظاهرات في الأرض وإنما سمى السحابة بحرية لظهورها من ناحية البحر يقول إذا طلعت سحابة من ناحية البحر وناحية البحر بالمدينة الغرب ثم تشاءمت أي أخذت نحو الشام والشام من المدينة في ناحية الشمال كأنه يقول إذا مالت السحابة الظاهرة من جهة الغرب إلى جهة الشمال فتلك عين غديقة أي ماء معين والعين مطر أيام لا يقلع وقيل العين ماء عن يمين قبلة العراق وقيل كل ماء مر من ناحية الفرات يقول فتلك سحابة يكون ماؤها غدقا والغديق الغزير وغديقة تصغير غدقة وسمي الرجل الغيداق لكثرة سخائه ومن هذا قول الله عز وجل {لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً} أي غزيرا كثيرا
قال كثير:
وتغدق أعداد به ومشارب
يقول يكثر المطر عليه وأعداد جمع عد وهو الماء الغزير ومنه الحديث في الماء العد
وقال عمر بن أبي ربيعة:
إذا ما زينب ذكرت ... سكبت الدمع متسقا
كأن سحابة تهمي ... بماء حملت غدقا

(24/378)


وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث إنما خرج على العرف والعادة لا على أنه يعلم نزول الماء بشيء من الأشياء علما صحيحا لا يخلف لأن ذلك من علم الغيب بل قد صح أن المدرك لعلم شيء من ذلك مرة قد يخطئ فيه من الوجه الذي أصاب مرة أخرى فليس بعلم صحيح يقطع عليه ومعلوم أن النوء قد يخوي فلا ينزل شيئا وإنما هي تجارب تخطيء وتصيب وعلم الغيب على صحة هو لله عز وجل وحده لا شريك له ونزول الغيث من مفاتيح الغيب الخمس التي لا يعلمها إلا الله عز وجل
حدثنا خلف بن قاسم حدثنا عبد الله بن عمر بن إسحاق الجوهري حدثنا أحمد بن محمد بن الحجاج حدثنا يحيى بن بكير وسعيد بن عفير قالا حدثنا مالك عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر أنه قال مفاتيح الغيب خمس لا يعلمها إلا الله لا يعلم ما في غد إلا الله ولا يعلم ما تغيض الأرحام إلا الله ولا يعلم متى يأتي المطر إلا الله ولا تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري بأي أرض تموت ولا يعلم متى تقوم الساعة إلا الله. هكذا حدثني به موقوفا عن ابن عمر لم يتجاوزه.

(24/379)


وقد روي هذا الحديث مرفوعا عن مالك عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "مفاتيح الغيب خمس لا يعلمها إلا الله" ثم تلا {إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}
وممن رفع هذا الحديث سليمان بن بلال وإسماعيل بن جعفر وصالح بن قدامة رووه عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من قال مطرنا بنوء كذا فهو كافر بالله مؤمن بالكوكب" وهذا عند أهل العلم محمول على ما كان أهل الشرك يقولونه من إضافة المطر إلى الأنواء دون الله تعالى فمن قال ذلك واعتقده فهو كافر بالله كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن النوء مخلوق والمخلوق لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا
وأما من قال مطرنا بنوء كذا وكذا على معنى مطرنا في وقت كذا وكذا فإن النوء الوقت في لسان العرب أيضا يريد أن ذلك الوقت يعهد فيه ويعرف نزول الغيث بفعل الله وفضله ورحمته فهذا ليس بكافر. وقد جاء عن عمر أنه قال للعباس ما بقي من نوء الثريا وما

(24/380)


بقي من نوء الربيع على العادة والعرف عندهم أن تلك الأوقات أوقات أمطار إذا شاء ذلك الواحد القهار وقد زدنا هذا المعنى بيانا في باب صالح بن كيسان من هذا الكتاب والحمد لله.

(24/381)


الحديث السادس والأربعون
...
حديث سادس وأربعون من البلاغات
مالك أن رجالا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أروا ليلة القدر في المنام بالسبع الأواخر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إني أرى رؤياكم قد تواطأت في السبع الأواخر فمن كان متحريها فليتحرها في السبع الأواخر" .
هكذا روى يحيى عن مالك هذا الحديث وتابعه قوم ورواه القعنبي والشافعي وابن وهب وابن القاسم وابن بكير وأكثر الرواة عن مالك عن نافع عن ابن عمر أن رجالا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكروا الحديث مثله سواء هو محفوظ مشهور من حديث نافع عن ابن عمر لمالك وغيره ومحفوظ أيضا لمالك عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "تحروا ليلة القدر في السبع الأواخر" .
أخبرنا أحمد بن سعيد بن بشر وأحمد بن عبد الله قالا حدثنا مسلمة بن القاسم قال حدثنا أبو رزق أحمد بن محمد بن بكير البهزاني البصري بالبصرة قال حدثنا أبو عمر محمد بن محمد بن خلاد الباهلي قال حدثنا معن بن عيسى القزاز قال حدثنا مالك عن

(24/382)


نافع عن ابن عمر أن رجالا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أروا ليلة القدر في المنام في السبع الآواخر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إني أرى رؤياكم قد تواطأت في السبع الأواخر فمن كان متحريها فليتحرها في السبع الأواخر" .
ورواه حماد بن زيد عن أيوب عن نافع عن ابن عمر قال كانوا لا يزالون يقصون على رسول الله صلى الله عليه وسلم الرؤيا أنها في الليلة السابعة من العشر الأواخر فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إني أرى رؤياكم قد تواطأت إنها ليلة السابعة في العشر الأواخر فمن كان متحريها فليتحرها ليلة السابعة من العشر الأواخر" وقد مضى القول ممهدا مبسوطا في ليلة القدر عند ذكر حديث حميد الطويل عن أنس من هذا الكتاب والحمد لله.
أخبرنا عبد الرحمن بن مروان قال حدثنا أبو محمد الحسن بن يحيى القلزمي قال حدثنا عبد الله بن علي بن الجارود قال حدثنا إسحاق بن منصور قال حدثنا عبد الرحمن بن مهدي قال حدثنا جابر بن يزيد بن رفاعة عن يزيد بن أبي سليمان قال سمعت زر بن حبيش يقول لولا سفهاؤكم لوضعت يدي في أذني ثم ناديت ألا إن ليلة القدر في السبع الأواخر قبلها ثلاث وبعدها ثلاث نبأ من لم يكذبني عن نبأ من لم يكذبه يعني به أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم

(24/383)


الحديث السابع والأربعون
...
حديث سابع وأربعون من البلاغات
مالك أنه بلغه "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع وسلف"
وهذا الحديث محفوظ من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو حديث صحيح رواه الثقات عن عمرو بن شعيب وعمرو بن شعيب ثقة إذا حدث عنه ثقة وإنما دخلت أحاديثه عن جده صحيفة يقول إنها مسموعة صحيحة وكتاب عبد الله بن عمرو عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم أشهر عند أهل العلم وأعرف من أن يحتاج إلى أن يذكر ههنا ويوصف وقد ذكرناه من طريق في كتاب العلم والحمد لله.
وحديثا عمرو بن شعيب هذا حدثناه عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثني أبي قال حدثنا إسماعيل بن إبراهيم عن أيوب عن عمرو بن شعيب قال حدثني أبي عن جدي حتى ذكر عبد الله بن عمرو قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يحل بيع وسلف ولا شرطان في بيع ولا بيع ما ليس عندك" .

(24/384)


قال أبو عمر:
أجمع العلماء على أن من باع بيعا على شرط سلف يسلفه أو يستسلفه فبيعه فاسد مردود إلا أن مالكا في المشهور من مذهبه يقول في البيع والسلف إنه إذا طاع الذي اشترط السلف بترك سلفه فلم يقبضه جاز البيع. هذا قوله في موطئه وتحصيل مذهبه عند أصحابه أن البائع إذا أسلف المشتري مع السلعة ذهبا أو ورقا معجلا وأدرك ذلك فسخ وإن فاتت رد المشتري السلعة ورجع عليه بقيمة سلعته يوم قبضها ما بينه وبين ما باعها به فأدنى من ذلك فإن زادت قيمتها على الثمن الذي باعها به لم يرد عليه شيئا لأنه قد رضي به على أن أسلف ولو أن المشتري كان هو الذي أسلف البائع فسخ البيع أيضا بينهما ورجع البائع بقيمة سلعته بالغا ما بلغت إلا أن تنقص قيمتها من الثمن فلا ينقص المشتري من الثمن لأنه قد رضي به على أن أسلف معه سلفا
وقال محمد بن مسلمة من باع عبدا بمائة دينار وشرط أنه يسلفه سلفا فإن البيع مفسوخ إلا أن يقول المشتري لا حاجة لي بالسلف قبل أن يقبضه فيجوز البيع
وقال محمد بن عبد الله بن عبد الحكم لا يجوز البيع وإن رضي مشترط السلف بترك السلف وهو قول الشافعي وجمهور العلماء لأن البيع وقع فاسدا فلا يجوز وإن أجيز

(24/385)


وقال الأبهري قد روى بعض المدنيين عن مالك أنه لا يجوز وإن ترك السلف قال وهو القياس أن يكون عقد البيع فاسدا في اشتراط السلف كالبيع في الخمر والخنزير لأن البيع قد وقع فاسدا في عقده فلا بد من فسخه إلا أن يفوت فيرد السلف ويصلح بالقيمة
وقد سأل محمد بن أحمد بن سهل البركاني إسماعيل بن إسحاق القاضي عن الفرق بين البيع والسلف وبين رجل باع غلاما بمائة دينار وزق خمر أو شيء حرام ثم قال أنا أدع الزق أو الشيء الحرام قيل أن يأخذه وهذا البيع مفسوخ عند مالك غير جائز فقال إسماعيل الفرق بينهما أن مشترط السلف هو مخير في أخذه أو تركه وليس مسألتك كذلك ولو قال أبيعك غلامي بمائة دينار على أني إن شئت أن تزيدني زق خمر زدتني وإن شئت تركته ثم ترك الزق خمر جاز البيع ولو أخذه فسخ البيع بينهما فهذا مثل مسألة البيع والسلف. هذا معنى كلام إسماعيل
وكان سحنون يقول إنما يصح البيع في ذلك إذا لم يقبض السلف وترك وأما إذا قبض السلف فقد تم الربا بينهما والبيع حينئذ حرام مفسوخ على كل حال
وقال يحيى بن عمر سحنون أصلحه بترك السلف وإنما كان يرد السلف. وقال الفضل بن سلمة وكذلك قرأناه على يحيى بن عمر إذا رد السلف

(24/386)


قال أبو عمر:
ما حكاه الفضل فيشبه أن يكون في غير الموطأ وأما لفظ الموطأ من رواية القعنبي وابن القاسم وابن بكير وابن وهب ويحيى بن يحيى فإنما هو قال مالك فإن ترك السلف جاز البيع وترك غير رد لأن الرد لا يكون إلا بعد القبض وإذا قبض السلف فهو كما قال سحنون وإن كان من أصل مالك إجازة بيوع وقعت فاسدة ثم أدركها الإصلاح كبيع الغاصب يخبره بعد العقد مالكه ونحو هذا وكذلك نكاح العبد عنده موقوف على إجازة سيده.

(24/387)


الحديث الثامن والأربعون
...
حديث ثامن وأربعون من البلاغات
مالك أنه بلغه "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيعتين في بيعة"
وهذا يتصل ويستند من حديث ابن عمر وأبي هريرة وابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه صحاح وهو حديث مشهور عند جماعة الفقهاء معروف غير مرفوع عند واحد منهم:
حدثنا سعيد بن نصر ويحيى بن عبد الرحمن قالا حدثنا محمد ابن عبد الله بن أبي دليم قال حدثنا محمد بن وضاح قال حدثنا يحيى بن معين حدثنا هشيم أخبرنا يونس عن نافع عن ابن عمر "أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيعتين في بيعة"
وحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا أحمد ابن زهير قال حدثنا يحيى بن معين قال حدثنا هشيم عن يونس ابن عبيد عن نافع عن ابن عمر "أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيعتين في بيعة"
وحدثنا سعيد بن نصر وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثنا قاسم ابن أصبغ قال حدثنا ابن وضاح قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا يحيى بن أبي زائدة عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيعتين في بيعة"

(24/388)


وأخبرنا محمد بن عبد الله قال حدثنا الميمون بن حمزة قال حدثنا الطحاوي قال حدثنا المزني قال حدثنا الشافعي قال حدثنا الدراوردي عن محمد بن عمرو بن علقمة عن أبي سلمة عن أبي هريرة "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيعتين في بيعة"
وأخبرنا عبد الرحمن بن مروان قال حدثنا أبو محمد القلزمي قال حدثنا ابن الجارود قال حدثنا عبد الله بن هاشم قال حدثنا يحيى بن سعيد القطان عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيعتين في بيعة"
وأخبرنا إبراهيم بن شاكر حدثنا محمد بن أحمد حدثنا محمد بن أيوب حدثنا أحمد بن عمرو البزار حدثنا الفضل بن سهل حدثنا أسود بن عامر قال حدثنا شريك عن سماك بن حرب عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه "أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيعتين في بيعة"
وأخبرنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة عن يحيى بن زكرياء عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الربا" .

(24/389)


قال أبو عمر:
معنى هذا الحديث عند أهل العلم أن يبتاع الرجل سلعتين مختلفتين إحداهما بعشرة والأخرى بخمسة عشر قد وجب البيع في إحدى السلعتين بأيهما شاء المشتري هو في ذلك بالخيار بما سمي من الثمن ورد الأخرى ولا يعين المأخوذة من المتروكة فهذا من بيعتين في بيعة عند مالك وأصحابه فإن كان البيع على أن المشتري بالخيار فيهما جميعا بين أن يأخذ أيتهما شاء وبين أن يردهما جميعا ولا بيع بينهما فذلك جائز وليس من باب بيعتين في بيعة ومن ذلك أن يبتاع الرجل من آخر سلعة بعشرة نقدا أو بخمسة عشر إلى أجل قد وجبت للمشتري بأحد الثمنين وافترقا على ذلك وهكذا فسره مالك وغيره وقال مالك هذا لا ينبغي لأنه إن أخر العشرة كانت خمسة عشر إلى أجل وإن نقد العشرة كان كأنه اشترى بالخمسة عشر إلى أجل قال مالك وكذلك إذا باع رجل سلعة بدينار نقدا أو بشاة موصوفة إلى أجل قد وجب البيع عليه بأحد الثمنين ذلك مكروه لا ينبغي لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيعتين في بيعة وهذا من بيعتين في بيعة قال مالك ومن ذلك أيضا أن يشتري منه العجوة خمسة عشر صاعا بدينار والصيحاني عشرة أصوع قد وجبت إحداهما فهذا من المخاطرة ويفسخ عند مالك هذا البيع أبدا فإن فات البيع ضمن المبتاع قيمته يوم قبضه لا يوم البيع بالغا ما بلغ إلا أن يكون مكيلا غير رطب فيرد مكيلته وإن قبض

(24/390)


السلعتين وفاتتا ردا جميعا إلى القيمة يوم قبضهما المشتري بالغا ما بلغت وأما إذا كان ما قدمنا ذكره في السلعتين على وجه المساومة من غير إيجاب أو كان البيع على أن المشتري بالخيار فيهما جميعا بين أن يأخذ أيتهما شاء وبين أن يردهما جميعا ولا بيع بينهما فلا بأس بذلك لأن المشتري بالخيار في أي الثمنين شاء وبالخيار أيضا في الأخذ أو الترك
وقال الشافعي هما وجهان أحدهما أن يقول قد بعتك هذا العبد بألف دينار نقدا أو بألفين إلى سنة قد وجب لك البيع بأيهما شئت أنا أو شئت أنت فهذا بيع الثمن فيه مجهول. والثاني أن يقول قد بعتك عبدي هذا بألف على أن تبيعني دارك بألف إذا وجب لك عبدي وجبت دارك لي لأن ما نقص كل واحد منهما مما باع ازداده فيما اشتراه فالبيع في هذا كله مفسوخ فإن فات ففيه القيمة حين قبض ومثل هذا عند الشافعي أن يبيعه سلعة بكذا على أن يبيعه بالثمن كذا كرجل قال لآخر أبيعك ثوبي هذا بعشر دنانير على أن تبيعني بالعشرة دنانير دابة كذا أو سلعة كذا أو مثاقيل عدد كذا هذا كله من باب بيعتين في بيعة عند الشافعي وجماعة
قال ومن هذا الباب نهيه عليه السلام عن بيع وسلف لأن من سنته أن تكون الأثمان معلومة والبيع معلوما وإذا انعقد البيع على السلف والمنفعة بالسلف مجهولة فصار الثمن غير معلوم

(24/391)


قال أبو عمر:
كل يخرج للحديث معنى على أصله ومن أصل مالك مراعاة الذرائع ومن أصل الشافعي ترك مراعاتها وللكلام في ذلك موضع غير هذا والله الموفق للصواب
ولم يختلف قول مالك وأصحابه فيما علمت من مشهور مذهبهم فيمن باع سلعته بدراهم على أن يأخذ بالدراهم دنانير وكان ذلك في عقد الصفقة أن ذلك جائز وأن البيع إنما وقع بالدنانير لا بالدراهم وليس ذلك عندهم من باب بيعتين في بيعة وذلك عند الشافعي كما وصفنا
واتفق مالك والشافعي وأبو حنيفة على فساد البيع إذا كان من باب بيعتين في بيعة على حسبما ذكرنا من النقد بكذا والنسيئة بكذا أو إلى أجلين أو نقدين مختلفين أو صفتين من الطعام مختلفتين وما أشبه هذا كله
وقال الأوزاعي لا بأس بذلك ولا يفارقه حتى يأتيه بأحد البيعتين وإن أخذ السلعة على ذلك فهي بأقل الثمنين إلى أبعد الأجلين
وقال ابن شبرمة إذا فارقه على ذلك ففات البيع عليه أقل الثمنين نقدا

(24/392)


قال أبو عمر:
عليه في قول مالك والشافعي وأبي حنيفة القيمة كسائر البيوع الفاسدة عندهم.

(24/393)


الحديث التاسع والأربعون
...
حديث تاسع وأربعون من البلاغات
مالك أنه بلغه "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توفي يوم الاثنين ودفن يوم الثلاثاء وصلى الناس عليه أفذاذا لا يؤمهم أحد فقال ناس يدفن عند المنبر وقال آخرون يدفن بالبقيع فجاء أبو بكر فقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ما دفن نبي قط إلا في مكانه الذي توفي فيه" فحفر له فيه فلما كان عند غسله أرادوا نزع قميصه فسمعوا صوتا يقول لا تنزعوا القميص فلم ينزع القميص وغسل وهو عليه صلى الله عليه وسلم".
قال أبو عمر:
هذا الحديث لا أعلمه يروي على هذا النسق بوجه من الوجوه غير بلاغ مالك هذا ولكنه صحيح من وجوه مختلفة وأحاديث شتى جمعها مالك والله أعلم
فأما وفاته يوم الاثنين فقرأت على أبي القاسم خلف بن القاسم ابن سهل أن أبا بكر محمد بن أحمد بن المسور حدثهم قال حدثنا أبو القاسم عبد الرحمن بن معاوية العتبي قال حدثنا يحيى بن بكير قال حدثني الليث بن سعد عن عقيل عن ابن شهاب قال

(24/394)


أخبرني أنس بن مالك أن المسلمين بيناهم في صلاة الفجر من يوم الاثنين وأبو بكر رضي الله عنه يصلي بهم لم يفجئهم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد كشف حجرة عائشة فنظر إليهم وهم صفوف في الصلاة يضحك فنكص أبو بكر على عقبيه ليصل الصف يظن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد أن يخرج إلى الصلاة. قال أنس فهم المسلمون أن يفتتنوا في صلاتهم فرحا برسول الله صلى الله عليه وسلم فأشار إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده أن أتموا صلاتكم ثم دخل الحجرة وأرخى الستر قال أنس بن مالك فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك اليوم
وحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا أحمد بن محمد بن أيوب قال حدثنا إبراهيم بن سعد قال أخبرنا ابن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر عن الزهري عن أنس قال لما كان يوم الاثنين الذي قبض فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر الحديث
وحدثنا عبد الوارث قال حدثنا قاسم قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا موسى بن إسماعيل قال حدثنا حماد بن سلمة قال حدثنا هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن أبا بكر قال لعائشة أي يوم توفي فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت يوم الاثنين. وهذا لا خلاف بين العلماء فيه وقالت عائشة توفي بين سحري ونحري وفي يومي ودولتي لم أظلم فيه أحدا ذكره ابن إسحاق عن يحيى بن

(24/395)


عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عن عائشة بالإسناد المتقدم عن ابن إسحاق. وأما دفنه يوم الثلاثاء فمختلف فيه فمن أهل العلم بالسير من يصحح ذلك على ما قال مالك ومنهم من يقول دفن ليلة الأربعاء وقد جاء الوجهان في أحاديث بأسانيد صحيحة
حدثنا عبد الوارث قال حدثنا قاسم قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا موسى بن إسماعيل قال حدثنا عبد العزيز بن محمد الدراوردي عن شريك بن أبي نمر عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دفن يوم الثلاثاء
وحدثنا عبد الوارث قال حدثنا قاسم قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا إبراهيم بن المنذر حدثنا محمد بن فليح عن موسى بن عقبة عن ابن شهاب قال توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم على صدر عائشة حين زاغت الشمس فشغل الناس عن دفنه بشأن الأنصار فلم يدفن حتى كانت العتمة ولم يله إلا أقاربه ولم يصل الناس عليه إلى عصبا بعضهم قبل بعض
وحدثنا عبد الوارث قال حدثنا قاسم قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا أحمد بن محمد بن أيوب حدثنا إبراهيم بن سعد عن محمد بن إسحاق قال حدثني عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن امرأته فاطمة ابنة محمد بن عمارة عن عمرة بنت عبد الرحمن عن عائشة قالت ما علمنا بدفن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى سمعنا صوت المساحي من جوف الليل ليلة الأربعاء. قال ابن إسحاق وحدثتني فاطمة بنت محمد بن عمارة بهذا الحديث

(24/396)


وحدثنا عبد الوارث قال حدثنا قاسم قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثني أبي قال حدثنا عبدة بن سليمان عن محمد بن إسحاق عن فاطمة بنت محمد بن عمارة عن عمرة عن عائشة فذكره
وأما صلاة الناس عليه أفذاذا فمجتمع عليه عند أهل السير وجماعة أهل النقل لا يختلفون فيه وقد ذكرناه عن ابن شهاب أيضا في هذا الباب وهو محفوظ في حديث سالم بن عبيد الأشجعي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الحديث الطويل في مرضه ووفاته صلى الله عليه وسلم أخبرناه عبد الوارث بن سفيان حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن العباس الكابلي قال حدثنا عاصم بن علي قال حدثنا إسحاق بن يوسف الأزرق عن سلمة بن نبيط عن نعيم بن أبي هند عن نبيط بن شريط وكان قد أدرك النبي صلى الله عليه وسلم عن سالم بن عبيد وكان من أهل الصفة فذكر الحديث قال فيه فلما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا قوما أميين ولم يكن فيهم نبي قبله قال عمر لا يتكلمن بموته أحد إلا ضربته بسيفي هذا فقالوا لي اذهب إلى صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم فادعه يعني أبا بكر قال فذهبت أمشي فوجدته في المسجد فأجهشت فقال لي لعل رسول الله صلى الله عليه وسلم توفي فقلت إن عمر قال لا يتكلمن بموته أحد إلا ضربته بسيفي هذا قال فأخذ بساعدي ثم أقبل يمشي حتى دخل بيته فأكب على رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى كان وجهه يمس وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى استبان له أنه قد توفي فقال {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ} قالوا يا صاحب رسول الله

(24/397)


توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم قال نعم قالوا يا صاحب رسول الله هل يصلى على الأنبياء قال يجيء قوم فيكبرون ويدعون ويجيء آخرون حتى يفرغ الناس قال فعرفوا أنه كما قال ثم قال قالوا يا صاحب رسول الله هل يدفن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال نعم قالوا أين قال حيث قبض الله روحه فإنه لم يقبضه إلا في مكان طيب قال فعرفوا أنه كما قال ثم قال عندكم صاحبكم ثم خرج فاجتمع إليه المهاجرون وذكر تمام الحديث
ورواه مسدد بن مسرهد قال حدثنا عبد الله بن داود قال حدثنا سلمة بن نبيط عن نعيم بن أبي هند عن نبيط بن شريط عن سالم ابن عبيد قال قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عمر لا أسمع رجلا يقول مات رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا ضربته بالسيف وكانوا أميين ولم يكن فيهم نبي قبله فقال اسكنوا قالوا يا سالم بن عبيد اذهب إلى صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم فادعه وساق الحديث بمعنى ما تقدم إلى آخره.
وأما دفنه في الموضع الذي دفن فيه وحديث أبي بكر في ذلك فمعروف أيضا رواه عن أبي بكر في ذلك فمعروف أيضا رواه عن أبي بكر عائشة وابن عباس:
حدثنا خلف بن سعيد قال حدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا أحمد بن خالد قال حدثنا علي بن عبد العزيز قال حدثنا يحيى بن عبد الحميد الحماني حدثنا أبو معاوية عن عبد الرحمن ابن أبي بكر عن ابن أبي مليكة عن عائشة قالت اختلفوا في دفن رسول الله صلى الله عليه وسلم

(24/398)


حين قبض فقال أبو بكر سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لا يقبض النبي إلا في أحب الأمكنة إليه" فقال ادفنوه حيث قبض.
وحدثنا إبراهيم بن شاكر قال حدثنا محمد بن أحمد بن يحيى قال حدثنا محمد بن أيوب بن حبيب الرقي قال حدثنا أحمد بن عمرو بن عبد الخالق قال وجدت في كتابي عن أبي كريب قال حدثنا أبو معاوية قال حدثنا عبد الرحمن بن أبي بكر عن ابن أبي مليكة عن عائشة عن أبي بكر عن النبي صلى الله عليه وسلم فذكره
وحدثنا إبراهيم بن شاكر قال حدثنا محمد بن أحمد قال حدثنا محمد بن أيوب قال حدثنا أحمد بن عمرو قال حدثنا محمد ابن عبد الله بن عبيد بن عقيل قال حدثني جدي عبيد بن عقيل قال حدثنا عبد الرحمن بن أبي بكر عن ابن أبي مليكة عن عائشة عن أبي بكر قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ما قبض نبي إلا دفن حيث يقبض" .
وحدثنا ابن شاكر قال حدثنا محمد بن أحمد قال حدثنا محمد ابن أيوب قال حدثنا أحمد بن عمرو حدثنا محمد بن عثمان العقيلي حدثنا عبد الأعلى بن عبد الأعلى حدثنا محمد بن إسحاق حدثني حسين بن عبد الله عن عكرمة عن ابن عباس قال لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم اختلفوا في دفنه فقال أبو بكر سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ما قبض نبي إلا دفن حيث يقبض" .

(24/399)


وقد استدل قوم على فضل المدينة بدفن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها وأن المولود يخلق من التربة التي يدفن فيها ورووا بذلك أثرا. وقد أخبرنا خلف بن أحمد حدثنا أحمد بن مطرف حدثنا سعيد بن عثمان حدثنا مالك بن عبد الله بن سيف قال حدثنا عبد الوهاب بن عطاء الخفاف عن داود بن أبي هند قال حدثني عطاء الخراساني أن الملك ينطلق فيأخذ من تراب المكان الذي يدفن فيه فيذره على النطفة فيخلق من التراب ومن النطفة وذلك قوله {مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى} .
وأما قصة نزع القميص وأنه غسل في قميصه صلى الله عليه وسلم فقد روى مالك عن جعفر بن محمد عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غسل في قميص وقد ذكرنا هذا الخبر في باب جعفر بما يغني عن ذكره ههنا وقد روي هذا الحديث مسندا من وجه صحيح من حديث أهل المدينة ذكروا التخيير والحديث كله
وأخبرنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا النفيلي حدثنا محمد بن سلمة عن محمد بن إسحاق قال حدثني يحيى بن عباد عن أبيه عباد بن عبد الله بن الزبير قال سمعت عائشة تقول لما أرادوا غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا والله ما ندري أنجرد رسول الله صلى الله عليه وسلم من ثيابه كما

(24/400)


نجرد موتانا أم نغسله وعليه ثيابه فلما اختلفوا ألقى الله عليهم النوم حتى ما منهم رجلا إلا وذقنه في صدره ثم كلمهم مكلم من ناحية البيت لا يدرون من هو أن اغسلوا النبي صلى الله عليه وسلم وعليه ثيابه فقاموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فغسلوه وعليه قميصه يصبون الماء فوق القميص ويدلكونه بالقميص دون أيديهم وكانت عائشة تقول لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما غسله إلا نساؤه
وذكر مالك في باب دفن الميت أنه بلغه أن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت ما صدقت بموت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى سمعت وقع الكرازين ولا أحفظه عن أم سلمة متصلا والمعروف حديث عائشة ما علمنا بدفن رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن صح حديث أم سلمة فلعله أن يكون أدركها من الجزع عليه ما أدرك عمر رضي الله عنه فظنت أنه غشي عليه وأسري به إلى ربه على نحو ما ظن عمر حين خطبهم فقال إن محمدا لم يمت وأنه ذهب به إلى ربه وسيرجع فيقطع أيدي رجال فبلغ ذلك أبا بكر فأتاهم فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت ثم تلا {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى

(24/401)


أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً} الآية قال عمر فكأني لم أسمع هذه الآية إلا يومئذ
قال أبو عمر:
الكرازين يعني المساحي والمحافر وقد ذكرنا هذا الخبر من حديث عائشة مسندا في هذا الباب والحمد لله. وقد مضى في باب جعفر ابن محمد خبر غسله في قميصه صلى الله عليه وسلم وجرى ذكره ههنا لما في خبر مالك من ذلك ولم يختلف في أن الذين غسلوه علي والفضل بن عباس واختلف في العباس وأسامة بن زيد وقثم بن العباس وشقران مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقيل هؤلاء كلهم شهدوا غسله وقيل لم يغسله غير علي والفضل كان يصب الماء وعلي يغسله وقيل كان الناس قد تنازعوا ذلك. فصاح أبو بكر يا معشر الناس كل قوم أولى بجنائزهم من غيرهم فانطلق الأنصار إلى العباس فكلموه فأدخل معهم أوس ابن خولي وكان الفضل والعباس يقلبانه وأسامة بن زيد وقثم يصبان الماء على علي رحمه الله
وروي من وجه آخر أن العباس كان بالباب لم يحضر الغسل يقول لم يمنعني أن أحضره إلا أني كنت أراه صلى الله عليه وسلم يستحيي أن يراني أراه حاسرا صلوات الله وسلامه عليه ورضي الله عن جميع صحابته وأزواجه وسلم تسليما

(24/402)


الحديث الخمسون
...
حديث موفي خمسين من البلاغات
مالك أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: "لا ومقلب القلوب" .
وهذا يستند من حديث ابن عمر وغيره من طرق حجازية صحاح حدثنا سعيد بن نصر وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثنا قاسم ابن أصبغ قال حدثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي قال حدثنا محمد ابن أبي بكر المقدمي حدثنا بشر بن منصور عن عبد الرحمن بن إسحاق عن الزهري عن سالم عن أبيه قال كانت أكثر أيمان النبي صلى الله عليه وسلم "لا ومقلب القلوب"
وقد روى هذا الحديث نافع عن سالم حدثناه خلف بن القاسم قال حدثنا إبراهيم بن محمد بن إبراهيم الديبلي حدثنا محمد بن علي ابن زيد الصائغ حدثنا عبد العزيز بن يحيى حدثنا سليمان بن بلال عن موسى بن عقبة عن نافع عن سالم بن عبد الله عن عبد الله بن عمر قال كانت يمين رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيرا ما سمعتها منه لا ومقلب القلوب. هكذا قال عن موسى عن نافع عن سالم ورواه ابن المبارك عن موسى عن سالم لم يذكر نافعا أخبرنا خلف بن

(24/403)


أحمد حدثنا أحمد بن مطرف حدثنا سعيد بن عثمان حدثنا علي بن معبد حدثنا سعيد بن منصور حدثنا عبد الله بن المبارك عن موسى بن عقبة عن سالم عن أبيه قال كانت يمين رسول الله صلى الله عليه وسلم التي يحلف بها "لا ومقلب القلوب"
ورواه عبد الله بن عمرو بن العاصي أخبرناه خلف بن أحمد حدثنا أحمد بن مطرف حدثنا سعيد بن عثمان حدثنا علي بن معبد حدثنا عبد الله بن يزيد المقرئ حدثنا حيوة بن شريح عن أبي هانى ء الخولاني عن أبي عبد الرحمن الحبلي عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "قلوب بني آدم بين أصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه حيث شاء" ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا مصرف القلوب اصرف قلوبنا إلى طاعتك" .
ورواه النواس بن سمعان ذكره ابن المبارك عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر عن بسر بن عبيد الله قال سمعت أبا إدريس الخولاني يقول سمعت النواس بن سمعان الكلابي يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ما من قلب إلا بين أصبعين من أصابع الرحمن إن شاء أقامه وإن شاء أزاغه" وكان يقول: "يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك" قال: والميزان بيد الرحمن يرفع أقواما ويخفض آخرين إلى يوم القيامة

(24/404)


وحدثنا أحمد بن فتح حدثنا محمد بن عبد الله بن زكرياء النيسابوري حدثنا العباس بن محمد حدثنا سلمة بن شبيب أخبرنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن هشام عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: "يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك" قالت له أم سلمة ما أكثر ما يقول يا مقلب القلوب فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن القلوب بين أصبعين من أصابع الله يقلبها كيف يشاء" . ويستند أيضا من حديث عائشة وأم سلمة وروى المستورد وغيره أن أكثر ما كانت يمين رسول الله صلى الله عليه وسلم والذي نفسي بيده ونفس أبي القاسم بيده وهذا كله هو اليمين بالله وذلك أمر مجتمع عليه والحمد لله. ومخرج هذه الأحاديث كلها مجاز في الصفات مفهوم عند أهل العلم يفيدها قول الله عز وجل {رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا} الآية.

(24/405)


الحديث الحادي والخمسون
...
حديث حاد وخمسون من البلاغات
مالك أنه بلغه أن رجلا من الأنصار من بني الحرث بن الخزرج تصدق على أبويه بصدقة فهلكا فورث ابنهما المال وهو نخل فسأل عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "قد أجرت في صدقتك وخذها بميراثك" .
وهذا الحديث في رجوع الصدقة بالميراث روي من وجوه عن النبي صلى الله عليه وسلم أحسنها حديث بريدة الأسلمي وقد تكلمنا على معنى رجوع الصدقة إلى المتصدق بالميراث والشراء وبالهبة ونحو ذلك وذكرنا مذاهب العلماء في ذلك عند ذكر قصة لحم بريرة في باب ربيعة من هذا الكتاب فلا وجه لتكرير ذلك ههنا
أخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن حدثنا محمد بن بكر حدثنا أبو بكر حدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس حدثنا زهير حدثنا عبد الله بن عطاء عن عبد الله بن بريدة عن أبيه أن امرأة أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت كنت تصدقت على أمي بوليدة وأنها ماتت وتركت تلك الوليدة قال: "وجب أجرك ورجعت إليك بالميراث" .

(24/406)


قال أبو عمر:
على القول بجواز رجوع الصدقة إلى الوارث بالميراث جمهور العلماء على ما في هذا الخبر إلا فرقة شذت وكرهت ذلك وفرقة استحبت للوارث أن يتصدق بها. لا معنى للاشتغال بحكاية قولها مع مخالفة السنة لها وما توفيقي إلا بالله.
وقد روي هذا الحديث عن عبد الله بن زيد بن عبد ربه عن النبي صلى الله عليه وسلم بإسناد فيه لين ولكنه احتمل.

(24/407)


الحدييث الثاني والخمسون
...
حديث ثان وخمسون من البلاغات
مالك أنه بلغه "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل من الجعرانة"
وهذا إنما أحفظه مسندا من حديث محرش الكعبي الخزاعي عن رجل من الصحابة قد ذكرناه ونسبناه في كتاب الصحابة ولا يعرف هذا الحديث إلا به والله أعلم وهو حديث صحيح من رواية أهل مكة حدثناه سعيد بن نصر قراءة مني عليه أن قاسم بن أصبغ حدثهم قال حدثنا عبد الله بن روح المدائني قال حدثنا عثمان بن عمر قال أخبرنا ابن جريج عن مزاحم بن أخي مزاحم عن عبد العزيز بن أبي عبد الله عن محرش أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم الجعرانة معتمرا فدخل .
هكذا قال شيخنا في هذا الإسناد عبد العزيز بن أبي عبد الله وإنما هو عبد العزيز بن عبد الله ولكنه كذلك كان في كتاب قاسم في حديث عبد الله بن روح
وحدثنا محمد بن خليفة قال حدثنا محمد بن نافع قال حدثنا إسحاق بن أحمد الخزاعي قال حدثنا سعيد بن عبد الرحمن حدثنا

(24/408)


هشام بن سليمان وعبد المجيد بن عبد العزيز عن ابن جريج قال أخبرني مزاحم بن أبي مزاحم عن عبد العزيز بن عبد الله عن محرش الكعبي "أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج من الجعرانة حين أمسى معتمرا فدخل مكة ليلا فقضى عمرته ثم خرج من تحت ليلته فأصبح بالجعرانة كبائت حتى إذا زالت الشمس خرج من الجعرانة في بطن سرف حتى جامع الطريق طريق المدينة بسرف. قال محرش فلذلك خفيت عمرته على كثير من الناس.
وحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا إسماعيل بن إبراهيم قال حدثنا ابن عيينة عن إسماعيل بن أمية عن مزاحم عن عبد العزيز بن عبد الله أن محرش الكعبي أخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتمر من الجعرانة ثم أصبح بمكة كبائت قال فرأيت ظهره كأنه سبيكة فضة
وروى معمر عن هشام بن عروة عن أبيه قال لما رجع النبي صلى الله عليه وسلم من الطائف فكان بالجعرانة اعتمر منها

(24/409)


الحديث الثالث والخمسون
...
حديث ثالث وخمسون من البلاغات
مالك أنه بلغه "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتمر ثلاثا عام الحديبية وعام القضية وعام الجعرانة"
وهذا يروى أيضا من وجوه قد ذكرنا كثيرا منها في باب هشام بن عروة
حدثنا عبد الوارث بن سفيان وعمر بن حسين قالا حدثنا قاسم ابن أصبغ قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي قال حدثنا محمد بن فليح عن موسى بن عقبة عن ابن شهاب قال اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث عمر اعتمر من الجحفة عام الحديبية فصده الذين كفروا في ذي القعدة سنة ست واعتمر من العام المقبل في ذي القعدة سنة ست واعتمر من العام المقبل في ذي القعدة سنة سبع آمنا هو وأصحابه ثم اعتمر الثالثة في ذي القعدة سنة ثمان حين أقبل من الطائف من الجعرانة
قال أبو عمر:
هكذا كان ابن شهاب يقول كلهن في ذي القعدة وكذلك في حديث عبد الله بن عمرو بن العاصي وغيره وقد ذكرنا ذلك في باب هشام

(24/410)


ابن عروة وفي حديث هشام بن عروة عن أبيه إحداهن في شوال واثنتان في ذي القعدة.
وروى معمر عن الزهري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتمر أربعا فذكر مثل ما ذكر موسى بن عقبة عنه وزاد منهن واحدة مع حجته وذهب إلى هذا جماعة وقد ذكرنا ذلك في باب هشام بن عروة عن أبيه من كتابنا هذا والحمد لله
حدثنا إبراهيم بن شاكر قال حدثنا محمد بن أيوب بن حبيب الرقي حدثنا أحمد بن عمرو بن عبد الخالق حدثنا محمد بن معمر حدثنا سهل بن بكار حدثنا وهيب عن عبد الله بن عثمان بن خيثم عن سعيد بن جبير وطلق بن حبيب وأبي الزبير عن جابر أن النبي الله صلى الله عليه وسلم اعتمر ثلاث عمر كلها في ذي القعدة إحداهن زمن الحديبية والأخرى في صلح قريش والأخرى مرجعه من الطائف زمن حنين من الجعرانة
أخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن حدثنا أحمد بن جعفر بن حمدان حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثنا أبي حدثنا يزيد أخبرنا زكرياء عن أبي إسحاق عن البراء قال اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يحج ثلاث عمر فقالت عائشة لقد علم أنه اعتمر أربع عمر بعمرته التي حج فيها

(24/411)


قال أبو عمر:
قد مضى القول في إيجاب العمرة وجوازها قبل الحج وجواز اعتمار عمر في عام واحد وما في ذلك كله للعلماء من المذاهب والتنازع والوجوه في باب عبد الرحمن بن حرملة من هذا الكتاب والحمد لله.

(24/412)


الحديث الرابع والخمسون
...
حديث رابع وخمسون من البلاغات
مالك أنه بلغه "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا قضى طوافه بالبيت ركع الركعتين وإذا أراد أن يخرج إلى الصفا استلم الركن الأسود"
هكذا هذا الحديث عند رواة الموطأ عن مالك ورواه الوليد بن مسلم عن مالك عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر وهو محفوظ من حديث جابر من طرق صحاح من رواية مالك وغيره
أخبرنا محمد بن إبراهيم قال حدثنا محمد بن معاوية قال حدثنا أحمد بن شعيب أخبرنا عمرو بن عثمان بن سعيد بن كثير عن الوليد عن مالك عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما انتهى إلى مقام إبراهيم قرأ {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً} فصلى ركعتين فقرأ فاتحة الكتاب و {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} و {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} ثم عاد إلى الركن واستلمه ثم خرج إلى الصفا

(24/413)


أخبرنا عبد الله بن محمد بن أسد قال حدثنا حمزة بن محمد بن علي قال حدثنا أحمد بن شعيب قال أخبرنا علي بن حجر أخبرنا إسماعيل بن جعفر عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طاف سبعا رمل ثلاثا ومشى أربعا ثم قرأ {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً} فصلى سجدتين جعل المقام بينه وبين الكعبة ثم استلم الركن ثم خرج فقال: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} نبدأ بما بدأ الله به
قال أبو عمر:
هذا الحديث من حديث جابر الطويل في الحج رواه حاتم بن إسماعيل وجماعة عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر في حديثه الطويل قال فيه ثم رجع فاستلم الحجر ثم خرج من الباب إلى الصفا. وطرقه كثيرة جدا صحاح كلها فأما ركوع الطائف بالبيت إذا فرغ من طوافه وطاف سبعا فإنه يصلي ركعتين عند المقام إن قدر وإلا فحيثما قدر من المسجد وهذا إجماع من العلماء لا خلاف بينهم في ذلك واختلفوا إذا صلاهما في الحجر فجمهور العلماء على أن ذلك جائز لا بأس به وهو مذهب عطاء والثوري والشافعي وأبو حنيفة وروي ذلك عن ابن عمر وابن الزبير وسعيد بن جبير وغيرهم. وقال مالك إن صلى صلاة الطواف الواجب في الحجر أعاد

(24/414)


الطواف والسعي بين الصفا والمروة وإن لم يركعهما حتى بلغ بلده أهراق دما ولا إعادة عليه
قال أبو عمر:
أكثر أهل العلم لا يرون الدم مدخلا في شيء من أبواب الصلاة في الحج وغير الحج وإنما يرون في ذلك الإعادة على من لم يصل ما وجب عليه من ذلك ناسيا إذا ذكر
واختلفوا فيمن نسي ركعتي الطواف حتى خرج من الحرم أو رجع إلى بلده فقال الشافعي وأبو حنيفة يركعهما حيثما ذكر من حل أو حرم
وقال سفيان الثوري يركعهما حيثما شاء ما لم يخرج من الحرم
وقال مالك إن لم يركعهما حتى يرجع إلى بلده فعليه هدي
قال أبو عمر:
من أوجب الدم في ذلك فحجته أن ذلك النسك والشعائر وقد قال ابن عباس من نسي من نسكه شيئا فليهرق دما إلا أن مالكا لا يرى على من نسي طواف الوداع أو تركه دما وهو من النسك عند جميعهم ومن حجة من لم ير في ركعتي الطواف غير القضاء القياس

(24/415)


على الصلاة المكتوبة في الحج وليس ركعتا الطواف بأوكد من المكتوبة وأكثر أحوالهما أن يحكم لهما بحكمهما في القضاء على من نسيهما أو تركهما وبالله التوفيق
وأما استلام الركن فسنة مسنونة عند ابتداء الطواف وعند الخروج بعد الطواف والرجوع إلى الصفا لا يختلف أهل العلم في ذلك قديما وحديثا والحمد لله
حدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن وضاح قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا حفص بن غياث عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طاف بالبيت وصلى الركعتين عند المقام قرأ فيهما {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} و {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} ثم قرأ {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً} ثم عاد إلى الحجر فاستلمه ثم خرج إلى الصفا
قال أبو عمر:
كان مالك يستحب لمن طاف بالبيت أن يركع عند المقام فإن لم يقدر فحيث أمكنه فإذا ركع أتى الحجر فاستلمه بيده ووضع يده عليه فيه ثم خرج إلى الصفا للسعي ومن ترك الاستسلام فلا شيء عليه ألا ترى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعبد الرحمن بن عوف: "كيف صنعت في استلام الركن الأسود" فقال استلمت وتركت فقال: "أصبت" .

(24/416)


الحديث الخامس والخمسون
...
حديث خامس وخمسون من البلاغات
مالك أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "عرفة كلها موقف وارتفعوا عن بطن عرنة والمزدلفة كلها موقف وارتفعوا عن بطن محسر" .
وهذا الحديث يتصل من حديث جابر بن عبد الله ومن حديث ابن عباس ومن حديث علي بن أبي طالب قال ابن وهب سألت سفيان ابن عيينة عن عرنة فقال موضع الممر في عرفة ثم ذلك الوادي كله قبلة المسجد إلى العلم الموضوع للحرم بطريق مكة وأما بطن محسر فذكر ابن وهب أيضا عن سفيان بن عيينة قال بطن محسر حين تنحدر من الجبل الذي عند المشعر الحرام عند النخيلات عند المشلل
أخبرنا عبد الله بن محمد قال حدثنا أحمد بن جعفر بن عمران قال حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال حدثنا أبي قال حدثنا عثمان بن عمر قال حدثنا أسامة يعني ابن زيد عن عطاء عن جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "عرفة كلها موقف ومنى كلها منحر وكل فجاج مكة طريق ومنحر" .

(24/417)


قال أبو عمر:
هذا هو الصحيح إن شاء الله ومن رواه عن عطاء عن ابن عباس فليس بشيء روى من حديث عبيد الله بن عمر عن عطاء عن ابن عباس وليس دون عبيد الله من يحتج به في ذلك
وأخبرنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا أحمد بن حنبل قال حدثنا يحيى بن سعيد قال حدثنا جعفر بن محمد حدثني أبي عن جابر قال ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: "قد نحرت ههنا ومنى كلها منحر" ووقف بعرفة فقال: "قد وقفت ههنا وعرفة كلها موقف" ووقف بالمزدلفة فقال: "قد وقفت ههنا والمزدلفة كلها موقف" . وحدثنا عبد الوارث قال حدثنا قاسم قال حدثنا بكر بن حماد قال حدثنا مسدد قال حدثنا قاسم قال حدثنا بكر بن حماد قال حدثنا مسدد قال حدثنا حفص عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "وقفت ههنا بعرفة وعرفة كلها موقف، ووقفت ههنا بجمع وجمع كلها موقف، ونحرت ههنا بمنى ومنى كلها منحر فانحروا في رحالكم" .
قال أبو عمر:
أكثر الآثار ليس فيها استثناء بطن عرنة من عرفة ولا بطن محسر من المزدلفة وكذلك نقلها الحفاظ الأثبات الثقات من أهل الحديث في حديث جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر في الحديث الطويل في الحج ليس فيه استثناء عرنة ولا محسر
وقد روى الدراوردي عن محمد بن أبي حميد عن ابن المنكدر عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل حديث مالك سواء المزدلفة كلها موقف إلا بطن

(24/418)


محسر وعرفة كلها موقف إلا بطن عرنة. ومحمد بن أبي حميد مدني ضعيف. وذكره ابن وهب في موطئه قال أخبرني محمد بن أبي حميد عن محمد بن المنكدر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كل عرفة موقف إلا ما جاز بطن عرنة وكل المزدلفة موقف إلا ما خلف بطن محسر" قال وقال لي مالك الوقوف بعرفة على الدواب والإبل أحب إلي من أن أقف قائما وإن وقف قائما فلا بأس أن يستريح
قال ابن وهب وأخبرني يزيد بن عياض عن إسحاق بن عبد الله عن عمرو بن شعيب وسلمة بن كهيل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "هذا الموقف وكل عرفة موقف وارتفعوا عن بطن عرنة ومن أجاز بطن عرنة قال أن تغيب الشمس فلا حج له" .
قال أبو عمر:
يزيد بن عياض متروك الحديث لا يرى أهل العلم بالحديث أن يكتب حديثه وحديثه هذا أيضا منقطع ليس بشيء من جهة الإسناد وأما بطن عرنة فهو بغربي مسجد عرفة حتى لقد قال بعض العلماء إن الجدار الغربي من مسجد غرفة لو سقط في بطن عرنة.
وقال الشافعي وعرفة ما جاز وادي عرنة الذي فيه المسجد قال ووادي عرنة من عرفة إلى الجبال المقابلة على عرفة كلها مما يلي حوائط بني عامر وطريق حضن فإذا جاوزت ذلك فليس بعرفة.

(24/419)


وأما وادي محسر فهو دون المزدلفة فكل من وقف بعرفة للدعاء ارتفع عن بطن عرنة وكذلك من وقف صبيحة يوم النحر للدعاء بالمشعر بالحرام وهو المزدلفة ارتفع عن وادي محسر
قال الشافعي والمزدلفة مما يلي عرفة وليس المأزمان من المزدلفة إلى أن تأتي وادي محسر عن يمينك وشمالك من تلك البطون والشعاب والجبال كلها من مزدلفة
واختلف الفقهاء فيمن وقف من عرفة بعرنة فقال مالك فيما ذكر ابن المنذر عنه يهريق دما وحجه تام. وهذه رواية رواها خالد بن نزار عن مالك
قال أبو إسحاق بن شعبان عرنة موضع الممر من عرفة ثم ذلك الوادي من فناء المسجد إلى مكة إلى العلم الموضوع للحرم قال وعرفة كل سهل وجبل أقبل على الموقف فيما بين التلعة إلى أن يفضوا إلى طريق نعمان وما أقبل من كبكب من عرفة
وذكر أبو المصعب أنه كمن لم يقف وحجه فائت وعليه الحج من قابل إذا وقف ببطن عرنة. وروي عن ابن عباس قال من أفاض من عرنة فلا حج له
وقال القاسم وسالم من وقف بعرنة حتى دفع فلا حج له
وذكر ابن المنذر هذا القول عن الشافعي قال وبه أقول لأنه لا يجزيه أن يقف بمكان أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا يقف به

(24/420)


قال أبو عمر:
قد ذكرنا أن الاستثناء لبطن عرنة من عرفة لم يجيء مجيئا تلزم حجته لا من جهة النقل ولا من جهة الإجماع والذي ذكر المزني عن الشافعي قال ثم يركب فيروح إلى الموقف عند الصخرات ثم يستقبل القبلة بالدعاء قال وحيثما وقف الناس من عرفة أجزأهم لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "هذا موقف وكل عرفة موقف" .
قال أبو عمر:
ومن حجة من ذهب مذهب أبي المصعب أن الوقوف بعرفة فرض مجتمع عليه في موضع معين فلا يجوز أداؤه إلا بيقين ولا يقين مع الاختلاف
قال أبو عمر:
قد ذكرنا فرض الوقوف بعرفة بالليل والنهار وما في ذلك ما تنازع علماء الأمصار ووجوه ذلك كله ومعانيه في باب ابن شهاب عن سالم وكذلك مضى القول في باب بن شهاب عن سالم في أحكام الوقوف بالمزدلفة والمبيت بها ممهدا ذلك كله مبسوطا واضحا والحمد لله
أخبرنا عبد الله بن محمد حدثنا محمد بن بكر حدثنا أبو داود حدثنا ابن نفيل حدثنا سفيان عن عمرو بن دينار عن عمرو بن عبد

(24/421)


الله بن صفوان عن يزيد بن سنان قال أتانا ابن مربع الأنصاري ونحن بعرفة في مكان يباعده عمرو عن الإمام فقال أنا رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم إليكم يقول: "قفوا على مشاعركم فإنكم على إرث من إرث إبراهيم" .
وروى هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت كانت قريش ومن دان دينها يقفون بالمزدلفة وكانوا يسمون الحمس وكان سائر الناس يقفون بعرفة قالت فلما جاء الإسلام أمر الله نبيه أن يأتي عرفات فيقف بها ثم يفيض منها فذلك قوله {ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ} .
وأما بطن محسر فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أسرع السير في بطن محسر.
أخبرنا عبد الله بن محمد قال حدثنا أحمد بن جعفر بن حمدان قال حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال حدثنا أبي قال حدثنا وكيع قال حدثنا سفيان عن أبي الزبير عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم أوضع في وادي محسر
ورواه أبو نعيم والقطان وابن مهدي ومحمد بن كثير عن الثوري قال حدثني أبو الزبير عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله

(24/422)


قال أبو عمر:
الإيضاع سرعة السير وذكر ابن وهب عن يحيى بن عبد الله بن سالم عن عبد الرحمن بن الحرث عن زيد بن علي بن حسين عن أبيه عن علي بن أبي طالب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف بعرفة وقال: "هذا الموقف وكل عرفة موقف" ثم دفع فجعل يسير العنق ويقول: "السكينة" حتى جاء المزدلفة فجمع بها بين الصلاتين ثم وقف بالمزدلفة على قزح قال: "هذا الموقف وكل المزدلفة موقف" ثم دفع فجعل يسير العنق وهو يقول: "السكينة أيها الناس" حتى وقف على محسر فعرج راحلته فخبت به حتى خرج عنه ثم سار سيره الأول حتى رمى ثم دخل المنحر فقال: "هذا المنحر وكل منى منحر" .
وفي حديث جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر الحديث الطويل في الحج رواه عن جعفر بن جماعة من أئمة أهل الحديث وفيه حتى أتى عرفة فوجد القبة قد ضربت له بنمرة فنزل بها.
وفيه أنه أردف الفضل بن عباس حتى أتى محسر فحرك قليلا
وروى هشام بن عروة عن أبيه أن عمر بن الخطاب كان يحرك في محسر ويقول:
إليك تعدو قلقا وضينها ... مخالفا دين النصارى دينها
وزاد غير هشام:
معترضا في بطنها جنينها ... قد ذهب الشحم الذي يزينها

(24/423)


الحديث السادس والخمسون
...
حديث سادس وخمسون من البلاغات
مالك أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال بمنى: "هذا المنحر وكل منى منحر" وقال في العمرة: "هذا المنحر وكل فجاج مكة وطرقها منحر" .
قال ابن وهب منى كلها منحر إلى العقبة وما وراء العقبة فليس بمنحر ومكة في العمرة منحر فجاجها بين بيوتها وما قاربها وما تباعد من البيوت فليس بمنحر
قد مضى في الباب قبل هذا كثير من أحاديث هذا الباب
وحدثنا خلف بن القاسم قال حدثنا إبراهيم بن محمد بن إبراهيم الديبلي قال حدثنا عامر بن محمد القرمطي قال حدثنا أبو مصعب الزبيري قال حدثنا الحسين بن زيد بن علي عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نحر بدنة بالحربة وهو بمنى وقال: "هذا المنحر وكل منى منحر" .
قال أبو عمر:
المنحر في الحج بمنى إجماع من العلماء. وأما العمرة فلا طريق لمنى فيها فمن أراد أن ينحر في عمرته وساق هديا يتطوع به نحره

(24/424)


بمكة حيث شاء منها وهذا إجماع أيضا لا خلاف فيه يغني عن الإسناد والاستشهاد فمن فعل ذلك فقد أصاب السنة ومن لم يفعل ونحر في غيرهما فقد اختلف العلماء في ذلك فذهب مالك إلى أن المنحر لا يجوز في الحج إلا بمنى ولا في العمرة إلا بمكة ومن نحر في غيرهما لم يجزه ومن نحر في الحج أو في العمرة في أحد الموضعين أجزأه لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعلهما موضعا للنحر وخصهما بذلك وقال الله عز وجل {هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ} فلا بد من أن يبلغ به البيت ومنى من مكة
وقال الشافعي وأبو حنيفة إن نحر في غير منى ومكة من الحرم أجزأه قالوا وإنما لمكة ومنى اختصاص الفضيلة والمعنى في ذلك الحرم لأن مكة ومنى حرم وقد أجمعوا أن من نحر في غير الحرم لم يجزه
ومن أحسن طريق حديث هذا الباب ما حدثنا خلف بن القاسم قال حدثنا أبو الطيب وجيه بن الحسن بن يوسف قال حدثنا بكار ابن قتيبة القاضي قال حدثنا عبد الله بن الزبير الحميدي قال حدثنا سفيان عن عبد الرحمن بن الحرث بن عياش بن أبي ربيعة عن زيد بن علي عن أبيه عن عبيد الله بن أبي رافع عن علي بن أبي

(24/425)


طالب قال وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرفة فقال: "هذه عرفة وهذا الموقف وعرفة كلها موقف" ثم أفاض حين غربت الشمس فأردف أسامة وجعل يسير على يمينه والناس يضربون يمينا وشمالا وهو يقول: "يا أيها الناس عليكم بالسكينة" ثم أتى جمعا فصلى بها الصلاتين جمعا فلما أصبح أتى قزح فقال: "هذا قزح وهذا الموقف وجمع كلها موقف" ثم أفاض فلما انتهى إلى وادي محسر قرع ناقته حتى جاز الوادي ثم وقف وأردف الفضل ثم أتى الجمرة فرماها ثم أتى المنحر بمنى فقال: "هذا المنحر ومنى كلها منحر" فاستقبلته جارية من خثعم شابة فقالت إن أبي شيخ كبير قد أدركته فريضة الله في الحج أفيجزي أن أحج عنه فقال: "حجي عن أبيك" ولوى عنق الفضل فقال له العباس يا رسول الله لويت عنق ابن عمك فقال: "رأيت شابا وشابة فلم آمن الشيطان عليهما" . فأتى رجل فقال يا رسول الله إني ذبحت قبل أن أرمي قال ارم ولا حرج ثم أتى البيت فطاف به ثم أتى زمزم فقال "يا بني عبد المطلب سقايتكم فلولا أن يغلبكم الناس عليها لنزعت منها" .
وأخبرنا محمد بن إبراهيم قال حدثنا محمد بن معاوية قال حدثنا أحمد بن شعيب أخبرنا محمد بن المثنى حدثنا يحيى بن

(24/426)


سعيد عن جعفر بن محمد قال حدثني أبي قال حدثنا جابر قال قال نبي الله صلى الله عليه وسلم: "منى كلها منحر" .
قال أبو عمر:
هذا القول خرج على المنحر في الحج لأنه قاله في حجته صلى الله عليه وسلم.

(24/427)


الحديث السابع والخمسون
...
حديث سابع وخمسون من البلاغات
قال مالك لا ينبغي لأحد أن يجاوز المعرس إذا قفل يعني من حجته حتى يصلي فيه وإن مر به في غير وقت صلاة فليقم حتى تحل الصلاة ثم يصلي ما بدا له لأنه بلغني "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عرس به وأن عبد الله بن عمر أناخ به"

(24/428)


قال أبو عمر:
المعرس هو البطحاء التي تقرب من ذي الحليفة فيما بينهما وبين المدينة فبلاغ مالك في هذا الموضع هو مسند قد تقدم ذكره في باب نافع لأن مالكا روى عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أناخ بالبطحاء التي بذي الحليفة فصلى بها. قال نافع وكان عبد الله بن عمر يفعل ذلك
وذكره ابن وهب عن مالك أنه أخبره أن نافعا حدثهم أن عبد الله ابن عمر قال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا صدر من الحج أو العمرة أناخ بالبطحاء التي بذي الحليفة فصلى بها قال نافع وكان عبد الله ابن عمر يفعل ذلك وهذا يدل على أن بلاغات مالك لا يحيل فيها إلا على ثقة
وقد مضى القول في هذا الحديث في موضعه من هذا الكتاب
وأما المحصب فيقال له الأبطح وهو قرب مكة وفيه مقبرة مكة وهو منزل نزله رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجته قبل دخوله مكة وفي خروجه عنها منصرفا فقال قوم النزول به سنة وقال آخرون ليس بسنة وكان مالك يستحب ذلك
أخبرنا عبد الله بن محمد قال حدثنا حمزة بن محمد قال حدثنا أحمد بن شعيب أخبرنا سليمان بن داود والحرث بن مسكين قراءة

(24/429)


عليه وأنا أسمع عن ابن وهب قال أخبرني عمرو بن الحرث أن قتادة حدثه أن أنس بن مالك حدثه أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء ورقد رقدة بالمحصب ثم ركب إلى البيت فطاف به
وذكر مالك في الموطأ عن نافع أن عبد الله بن عمر كان يصلي الظهر والعصر والمغرب والعشاء بالمحصب ثم يدخل مكة من الليل فيطوف بالبيت
وروى الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال حين أراد أن ينفر من منى: "نحن نازلون غدا إن شاء الله بخيف بني كنانة" يعني المحصب.
وروى نزوله في المحصب جماعة منهم عائشة وأبو جحيفة وأنس وغيرهم
وذكر معمر عن الزهري عن سالم أن أبا بكر وعمر وابن عمر كانوا ينزلون الأبطح
وعن الزهري عن عروة عن عائشة أنها لم تكن تفعل ذلك وقالت إنما نزله النبي صلى الله عليه وسلم لأنه كان منزلا أسمح لخروجه
وروى الزهري وهشام بن عروة عن عروة عن عائشة قالت ليس المحصب بسنة إنما هو منزل نزله رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه كان أسمح لخروجه

(24/430)


وروى ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن عطاء عن ابن عباس قال ليس المحصب بشيء إنما هو منزل نزله رسول الله صلى الله عليه وسلم
قال أبو عمر:
يقال أيضا للمحصب الأبطح أخبرنا محمد بن إبراهيم قال حدثنا محمد بن معاوية قال حدثنا أحمد بن شعيب أخبرنا عمرو بن علي حدثنا عبد الله بن داود قال حدثنا الحسن بن صالح قال سألت عمرو بن دينار عن التحصيب بالأبطح فقال قال ابن عباس إنما كان منزلا نزله رسول الله صلى الله عليه وسلم
وفي حديث أبي جحيفة قال دفعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بالأبطح في قبة يعني المحصب
وقال مالك من تعجل في يومين فلا نعلمه يحصب
حدثنا إسماعيل بن عبد الرحمن حدثنا ابن شعبان حدثنا محمد ابن أحمد حدثنا يونس عن ابن وهب عن ابن أبي ذئب وغيره عن ابن شهاب أنه لا حصبة لمن تعجل في يومين
قال أبو إسحاق بن شعبان إنما التحصيب لمن صدر آخر أيام منى وبذلك سميت تلك الليلة ليلة الحصبة

(24/431)


الحديث الثامن والخمسون
...
حديث ثامن وخمسون من البلاغات
قال مالك بلغني "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا في الصلاة المكتوبة"
قال أبو عمر:
روى الدعاء في الصلاة عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه من حديث ابن مسعود وابن عباس وابن عمر وجبير بن مطعم وعائشة وغيرهم. وهذا إجماع إذا كان الدعاء بما في القرآن وعند أهل العلم يدعو بما شاء في دين ودنيا ما لم يدع بإثم ولا قطيعة رحم.
حدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود حدثنا عبيد الله بن عمر بن ميسرة حدثنا عبد الله بن يزيد المقرئ حدثنا حيوة بن شريح قال سمعت عقبة بن مسلم يقول حدثني أبو عبد الرحمن الحبلي عن الصنابحي عن معاذ بن جبل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذه بيده وقال: "يا معاذ والله إني لأحبك وقال: أوصيك يا معاذ لا تدعن في كل صلاة تقول اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك" وأوصى بذلك معاذ الصنابحي وأوصى بذلك الصنابحي أبا عبد الرحمن
حدثنا عبد الله بن محمد حدثنا محمد بن بكر حدثنا أبو داود حدثنا مسدد حدثنا يحيى عن سليمان الأعمش قال حدثني شقيق

(24/432)


ابن سلمة عن عبيد الله بن مسعود فذكر حديث التشهد عن النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال: "ليتحر أحدكم من الدعاء أعجبه إليه فيدعو به" .
وثبت من حديث عائشة وابن عباس وأبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدعو في الصلاة المكتوبة وفي حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا الدعاء" . والآثار في هذا كثيرة جدا والحمد لله.

(24/433)


الحديث التاسع والخمسون
...
حديث تاسع وخمسون من البلاغات
مالك أنه بلغه أنه كان يقال "إن أحدا لن يموت حتى يستكمل رزقه فأجملوا في الطلب"
وهذا لا يكون رأيا وإنما هو توقيف ممن يجب التسليم له ولا يدرك بالرأي مثله. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه حسان
وقد ذكر الحلواني حدثنا محمد بن عيسى قال حدثنا حماد بن زيد عن يحيى بن عتيق قال كان محمد بن سيرين إذا قال كان يقال لم نشك أنه عن النبي صلى الله عليه وسلم
قال أبو عمر:
وكذلك كان مالك إن شاء الله
وأما الحديث المسند في ذلك فحدثنا قاسم بن محمد حدثنا خالد ابن سعد حدثنا محمد بن فطيس حدثنا عبيد بن عبد الرحمن بدمياط حدثني أبي حدثنا عبد المجيد بن أبي رواد عن ابن جريج

(24/434)


عن أبي الزبير عن جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن أحدكم لن يموت حتى يستوفي رزقه فاتقوا الله وأجملوا في الطلب خذوا ما حل ودعوا ما حرم" .
حدثني أحمد بن قاسم وسعيد بن نصر وعبد الوارث بن سفيان قالوا حدثنا محمد بن معاوية حدثنا إبراهيم بن موسى بن جميل حدثنا عبد الله بن محمد بن عبيد بن أبي الدنيا قال حدثنا يحيى بن عبد الحميد الحماني حدثنا سليمان بن بلال عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن عبد الملك بن سعيد بن سويد عن أبي حميد الساعدي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أجملوا في طلب الدنيا فكل ميسر لما كتب الله له منها" .
وحدثني أحمد وسعيد وعبد الوارث قالوا حدثنا محمد بن معاوية حدثنا إبراهيم بن موسى حدثنا ابن أبي الدنيا قال حدثنا هاشم بن القاسم قال حدثنا أبو اليمان الحمصي حدثنا عفير بن معدان عن سليم بن عامر عن أبي أمامة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "نفث روح القدس في روعي إن أحدكم لن يخرج من الدنيا حتى يستكمل رزقه فاتقوا الله أيها الناس وأجملوا في الطلب ولا يحملنكم استبطاء الرزق على أن تطلبوه بمعصية الله فإن الله لا ينال فضله بمعصيته" .

(24/435)


ومن حديث ابن وهب عن عمرو بن الحرث أنه أخبره عن سعيد ابن أبي هلال عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تستبطئوا الرزق فإنه لم يكن أحد ليموت حتى يبلغ آخر رزق هو له فأجملوا في الطلب في أخذ الحلال وترك الحرام" .
وروي مثل هذا أيضا من حديث ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه عن ابن مسعود
وروي من حديث بريد بن أبي مريم عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله ومعناه فأخذ أبو العتاهية هذا المعنى فقال:
أقلب طرفي مرة بعد مرة ... لأعلم ما في الناس والقلب ينقلب
فلم أر حظا كالقنوع لأهله ... وأن يجمل الإنسان ما عاش في الطلب
ومن حديث مالك بن عبادة الغافقي قال مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بعبد الله بن مسعود فقال: "يا عبد الله لا يكثر همك ما يقدر يكن وما ترزق يأتك"
وفيما أجاز لنا أبو ذر عبد بن أحمد الهروي قال حدثنا بشر بن أبي الحسن المزني إملاء قال أخبرنا أبو جعفر أحمد بن محمد بن

(24/436)


عبد الرحمن السامي قال حدثنا محمد بن يحيى بن أبي عمر العدني قال حدثنا مروان بن معاوية الغزاري قال حدثنا أبان بن إسحاق قال حدثنا الصباح بن محمد بن أبي حازم عن مرة الهمداني أن عبد الله بن مسعود حدثه أنه سمع نبي الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الله تبارك وتعالى قسم بينكم أخلاقكم كما قسم بينكم أرزاقكم وإن الله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب ولا يعطي الدين إلا من يحب فمن أعطاه الله الدين فقد أحبه لا يسلم عبد حتى يسلم قلبه ولسانه ولا يؤمن جار حتى يأمن جاره بوائقه" . قلنا يا نبي الله فما بوائقه قال: "غشمه وظلمه ولا يكسب مالا من حرام فينفق منه فيبارك له فيه ولا يتصدق به فيتقبل منه إن الله لا يمحو السيئ بالسيئ ولكن يمحو السيئ بالحسن إن الخبيث لا يمحو الخبيث" . وهذا حديث حسن الألفاظ ضعيف الإسناد وأكثره من قول علي رضي الله عنه

(24/437)


الحديث الستون
...
حديث موفي ستين من البلاغات
قال مالك السنة التي لا اختلاف فيها عندنا "أنها لا تجوز وصية لوارث"
وهذا كما قال مالك رحمه الله وهي سنة مجتمع عليها لم يختلف العلماء فيها إذا لم يجزها الورثة فإن أجازها الورثة فقد اختلف في ذلك فذهب جمهور الفقهاء المتقدمين إلى أنها جائزة للوارث إذا أجازها له الورثة بعد موت الموصي
وذهب داود بن علي وأبو إبراهيم المزني وطائفة إلى أنها لا تجوز وإن أجازها الورثة على عموم ظاهر السنة في ذلك. وقد أوضحنا هذا في باب نافع من كتابنا هذا والحمد لله.
وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من أخبار الآحاد أحاديث حسان في أنه لا وصية لوارث من حديث عمرو بن خارجة وأبي أمامة الباهلي وخزيمة بن ثابت ونقله أهل السير في خطبته بالوداع صلى الله عليه وسلم وهذا أشهر من أن يحتاج فيه إلى إسناد

(24/438)


حدثنا عبد الله بن محمد حدثنا محمد بن بكر حدثنا أبو داود قال حدثنا عبد الوهاب بن نجدة قال حدثنا إسماعيل بن عياش عن شرحبيل بن مسلم قال سمعت أبا أمامة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الله عز وجل قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث" .
وأما قول مالك لا بأس بأكل صيد المجوسي لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في البحر: "هو الطهور ماؤه الحل ميتته" . فقد مضى ذكر هذا الحديث في باب صفوان بن سليم ومضى القول في معانيه وما للعلماء فيه من المذاهب هناك ومضى في باب وهب بن كيسان تصحيح ذلك أيضا بما فيه كفاية والحمد لله

(24/439)


الحديث الحادي والستون
...
حديث حاد وستون من البلاغات
مالك أنه بلغه أنه كان يقول "الحمد لله الذي خلق كل شيء كما ينبغي والذي لا يعجل شيء أناه وقدره حسبي الله وكفى سمع الله لمن دعا ليس وراء الله مرمى"
قال أبو عمر:
هكذا روى يحيى هذا الخبر شيء أناه بتخفيف يعجل من الفعل الرباعي وشيء رفعا في موضع الفاعل وأناه مكسور الهمزة مقصور في موضع المفعول وقدره كذلك اسم في موضع المفعول وتابع يحيى على هذه الرواية جماعة من رواة الموطأ وروته طائفة منهم القعنبي عن مالك أنه بلغه أنه كان يقال الحمد لله الذي خلق كل شيء كما ينبغي الذي لم يعجل شيئا أناه وقدره فجعل لم في موضع لا ويعجل مثقل وشيئا مفعول يعجل أناءه ممدود مفتوح الهمزة وقدره فعل مثقل فالمعنى في رواية يحيى الحمد لله الذي لا يتقدم شيء وقته أي الحمد لله الذي من حكمه وحكمته وقضائه أن لا يتقدم

(24/440)


شيء وقته وحينه الذي قدر له ولا يكون شيء قبل الوقت الذي قدر له وقت وأناء الشيء وقته وغايته قال الله عز وجل {غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ} أي وقته والمعنى في رواية القعنبي ومن تابعه الحمد لله الذي لم يعجل شيئا سبق في علمه تأخره ولا نقض شيئا من قضائه وقدره أي كل ما سبق في اللوح المحفوظ يكون كما قضاه وقدره أي ما أخره فهو مؤخر أبدا لا يعجل ولا ينقض ما أبرم من قضائه وقدره وكذلك لا يبدو له فيؤخر ما قضى بتعجيله ولا يجرى خلقه إلا بما سبق في قضائه وقدره لا شريك له والمعنى كله في الروايتين جميعا واحد في أن الخلق كله يجري على ما سبق من علمه وقضائه وقدره لا يبدل القول لديه ولا بد من المصير إليه لا إله إلا هو العزيز الحكيم وآنيت أخرت
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للذي أتى فتخطى رقاب الناس وهو يخطب في الجمعة: "آنيت وآذيت" أي أخرت المجيء وآذيت الناس بالتخطي.
قال الشاعر:
وآنيت العشاء إلى سهيل ... أو الشعرى فطال بي الأناء
حدثنا أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد قال حدثنا علي بن محمد بن أحمد بن لؤلؤ البغدادي قال حدثنا أبو عمرو سهل

(24/441)


ابن موسى قال حدثنا أحمد بن عبدة قال حدثنا أبو توبة نعيم بن مورع بن توبة العنبري قال حدثني محمد بن سلمة المخزومي عن أبيه عن جده عن عبد الرحمن بن عوف قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا عبد الرحمن ألا أعلمك عوذة كان إبراهيم يعوذ بها ابنيه إسماعيل وإسحاق وأنا أعوذ بها الحسن والحسين" قال قلت بلى يا رسول الله قال: "كفى بسمع الله واعيا لمن دعا إلا مرمى وراء أمر الله لرام رمى" .
وأخبرنا قاسم بن محمد حدثنا خالد بن سعد حدثنا أحمد بن عمرو بن منصور حدثنا ابن سنجر حدثنا إسماعيل بن أبان الوراق حدثنا محمد بن يعلى حدثنا أبو توبة بن مورع العنبري عن محمد ابن خالد المخزومي عن أبيه عن جده عن عبد الرحمن بن عوف قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكره سواء وصلى الله على محمد
أخبرني أبو عبد الله محمد بن خليفة رحمه الله قراءة مني عليه قال حدثنا أبو بكر محمد بن الحسين قال حدثنا جعفر بن محمد الفرياني قال حدثنا منجاب بن الحرث قال أخبرنا علي بن مسهر عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن عطاء بن أبي رباح عن جابر بن عبد الله قال أخبرني عبد الرحمن بن عوف قال أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي فانطلق بي إلى النخل الذي فيه ابنه إبراهيم فوجده يجود بنفسه فأخذه فوضعه في حجره ثم قال:

(24/442)


"يا إبراهيم ما نملك لك من الله شيئا وذرفت عيناه" قلت تبكي يا رسول الله أو لم تنه عن البكاء قال: "ما نهيت عنه ولكني نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين صوت عند نغمة لهو ولعب ومزامير شيطان وصوت عند مصيبة خمش وجوه وشق جيوب ورنة الشيطان وهذه رحمة ومن لا يرحم لا يرحم يا إبراهيم لولا أنه أمر حق ووعد صدق وأنها سبيل مأتية وأن آخرنا سيلحق بأولنا لحزنا عليك حزنا أشد من هذا وإنا بك لمحزونون تدمع العين ويحزن القلب ولا نقول ما يسخط الرب" .
قال أبو عمر:
قد أتينا والحمد لله على ما شرطناه وأكملنا بعون الله وفضله ما رسمناه وبحوله وطوله وصلنا إلى ذلك وأدركناه وله الحمد كثيرا دائما طيبا مباركا عدد كلماته وملء أرضه وسماواته وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم تسليما.

(24/443)