Contents

الواجهة
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد
مقدمة
باب الألف
باب الثاء
باب الجيم
باب الحاء
باب الخاء
باب الدال
باب الراء
باب الزاي
تابع باب الزاء
تابع لحرف الزاء
تابع لحرف الزاء
باب الطاء
باب الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع حرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
باب النون
باب الصاد
باب الضاد
باب العين
تابع لحرف العين
تابع حرف العين
تابع لحرف العين
تابع لحرف العين
باب القاف
باب السين
باب الشين
باب الهاء
باب الواو
باب الياء
تابع باب الياء
باب الكني
باب بلاغات مالك ومرسلاته
باب مافي هذا الديوان من حديث مالك الذي ثبتت عليه أبوابه خاصة
الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج
الديباج - جزء 1
الديباج - جزء 2
الديباج - جزء 3
الديباج - جزء 4
الديباج - جزء 5
الديباج - جزء 6
المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج
المنهاج - مقدمة
المنهاج - الإيمان
المنهاج - الطهارة
المنهاج - الحيض
المنهاج - الصَّلَاة
المنهاج - المساجد ومواضع الصلاة
المنهاج - صلاة المسافرين وقصرها
المنهاج - بَاب صَلَاة الْجُمُعَة
المنهاج - بَاب صَلَاة الْعِيدَيْنِ
المنهاج - بَاب الدُّعَاء فِي صَلَاة الِاسْتِسْقَاء
المنهاج - بَاب صَلَاة الْكُسُوف
المنهاج - كِتَاب الْجَنَائِز
المنهاج - الزكاة
المنهاج - كِتَاب الصِّيَام
المنهاج - كِتَاب الِاعْتِكَاف
المنهاج - كِتَاب الْحَجّ
المنهاج - كِتَاب النِّكَاح
المنهاج - الرضاعة
المنهاج - الطلاق
المنهاج - اللِّعَان
المنهاج - العتق
المنهاج - البيوع
المنهاج - المساقاة
المنهاج - الفرائض
المنهاج - الهبات
المنهاج - الوصية
المنهاج - النذر
المنهاج - الأيمان
المنهاج - القسامة
المنهاج - الحدود
المنهاج - الأقضية
المنهاج - اللقطة
المنهاج - الجهاد والسير
المنهاج - الإمارة
المنهاج - الصيد والذبائح
المنهاج - كِتَاب الْأَضْاحَي
المنهاج - الأشربة
المنهاج - اللباس والزينة
المنهاج - الآداب
المنهاج - السلام
المنهاج - الألفاظ من الأدب وغيرها
المنهاج - الشعر
المنهاج - الرؤيا
المنهاج - الفضائل
المنهاج - فضائل الصحابة
المنهاج - البر والصلة والآداب
المنهاج - القدر
المنهاج - العلم
المنهاج - الذكر والدعاء
المنهاج - التوبة
المنهاج - صفات المنافقين
المنهاج - صفة القيامة والجنة والنار
المنهاج - الجنة وصفة نعيمها وأهلها
المنهاج - الفتن وأشراط الساعة
المنهاج - الزهد والرقائق
المنهاج - التفسير
تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي
أبواب الطهارة
أبواب الصلاة
تابع أبواب الصلاة
أبواب الوتر
أبواب الجمعة
تابع لأبواب الجمعة
أبواب العيدين
أبواب السفر
ابواب الزكاة
أبواب الصوم
أبواب الحج
تابع أبواب الحج
أبواب الجنائز
أبواب النكاح
أبواب الرضاع
أبواب الطلاق واللعان
ابواب البيوع
أبواب الأحكام
أبواب الديات
ابواب الحدود
تابع أبواب الحدود
أبواب الصيد
أبواب الأضاحي
أبواب النذور والأيمان
أبواب السير
أبواب الجهاد
أبواب اللباس
أبواب الأطعمة
أبواب الأشربة
تابع أبواب الأشربة
أبواب البر و الصله عن رسول الله صلى الله عليه و آله سلم
أبواب الطب عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الفرائض عن الرسول صلى الله عليه و سلم
أبواب الوصايا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الولاء و الهبة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب القدر عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم
أبواب الفتن عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الرؤيا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الشهادات عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
تابع لأبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صِفَةُ القِيامَة
أبواب صفة الجنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صفة جهنم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإيمان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب العلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإستئذان والآداب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب العلم
أبواب الأمثال
أبواب فضائل القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب القراءات عن رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم
أبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الدعوات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أحاديث شتى من أبواب الدعوات
المناقب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
مناقب الصحابة رضوان الله عليهم
تنوير الحوالك شرح موطأ مالك
كتاب وقوت الصلاة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب السهو
كتاب الجمعة
كتاب الصلاة في رمضان
كتاب صلاة الليل
كتاب صلاة الجماعة
كتاب قصر الصلاة في السفر
كتاب العيدين
كتاب صلاة الخوف
كتاب صلاة الكسوف
كتاب الاستسقاء
كتاب القبلة
كتاب القرآن
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب الجهاد
كتاب النذور و الأيمان
كتاب الضحايا
كتاب الذبائح
كتاب الصيد
كتاب العقيقة
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الرضاع
كتاب البيوع
كتاب القراض
كتاب المساقاة - كتاب كراء الأرض
كتاب الشفعة - كتاب الأقضية
كتاب الوصية - كتاب العتق والولاء
كتاب المكاتب - كتاب المدبر
كتاب الحدود
كتاب الأشربة - كتاب العقول
كتاب القسامة - كتاب الجامع
كتاب القدر - كتاب حسن الخلق
كتاب اللباس - كتاب صفة النبي
كتاب العين - كتاب الشعر
كتاب الرؤيا - كتاب السلام
كتاب الاستئذان والتشميت والصور والتماثيل وغيرها
كتاب البيعة - كتاب الكلام والعينة والتقى
كتاب جهنم - كتاب الصدقة
كتاب العلم - كتاب دعوة المظلوم - كتاب أسماء النبي
حاشية السندي على سنن ابن ماجة
المقدمة
الطَّهَارَة وَسُنَنهَا
الصلاة
الْأَذَان
المساجد والجماعات
أَبْوَاب إِقَامَة الصَّلَاة
الجنائز
الصوم
الزكاة
النكاح
الطلاق
الكفارات
التجارات
الأحكام
الحدود
الديات
الوصايا
الْفَرَائِض
الجهاد
المناسك
الْأَضَاحِيّ
الذبائح
الصيد
الأطعمة
الأشربة
الطب
اللباس
الْآدَاب
الدُّعَاء
تعبير الرؤيا
الْفِتَن
الزُّهْد
شرح سنن ابن ماجه لمغلطاي
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح رياض الصالحين
شرح رياض الصالحين - 01
شرح رياض الصالحين - 02
شرح رياض الصالحين - 03
شرح رياض الصالحين - 04
شرح سنن أبي داود للعيني
مقدمة التحقيق
كتاب الطهارة
كِتابُ الصَلاَةِ
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
عون المعبود شرح سنن أبي داود
كتاب الطهارة
تابع كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
كتاب الزكاة
تابع لكتاب الزكاة
كتاب اللقطة
كتاب المناسك
تابع لكتاب المناسك
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الصيام
تابع لكتاب الصيام
أول كتاب الجهاد
أول كتاب الضحايا
تابع كتاب الضحايا
أول كتاب الصيد
أول كتاب الوصايا
أول كتاب الفرائض
أول كتاب الخراج والفيء والإمارة
أول كتاب الجنائز
تابع لكتاب الجنائز
كتاب الأيمان والنذور
كتاب البيوع
كتاب الإجارة
كتاب القضاء
تابع لكتاب القضاء
كتاب العلم
كتاب الأشربة
كتاب الأطعمة
كتاب الطب
كتاب الكهانة والتطير
كتاب العتق
أول كتاب الحروف والقراءات
أول كتاب الحمام
أول كتاب اللباس
أول كتاب الترجل
أول كتاب الخاتم
أول كتاب الفتن والملاحم
أول كتاب المهدي
أول كتاب الملاحم
أول كتاب الحدود
أول كتاب الديات
أول كتاب السنة
تابع لكتاب السنة
أول كتاب الأدب
أبواب السلام
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن حجر
فتح الباري - هدي الساري مقدمة فتح الباري
فتح الباري - كتاب بدء الوحي
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب العلم
فتح الباري - كتاب الوضوء
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
فتح الباري - كتاب مواقيت الصلاة
فتح الباري - كتاب الأذان
فتح الباري - كتاب الجمعة
فتح الباري - كتاب الخوف
فتح الباري - كتاب العيدين
فتح الباري - كتاب الوتر
فتح الباري - كتاب الاستسقاء
فتح الباري - كتاب الكسوف
فتح الباري - كتاب سجود القرآن
فتح الباري - كتاب تقصير الصلاة
فتح الباري - كتاب التهجد
فتح الباري - كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة
فتح الباري - كتاب العمل في الصلاة
فتح الباري - كتاب السهو
فتح الباري - كتاب الجنائز
فتح الباري - كتاب الزكاة
فتح الباري - كتاب الحج
فتح الباري - كتاب العمرة
فتح الباري - كتاب المحصر
فتح الباري - كتاب جزاء الصيد
فتح الباري - كتاب فضائل المدينة
فتح الباري - كتاب الصوم
فتح الباري - كتاب صلاة التراويح
فتح الباري - كتاب فضل ليلة القدر
فتح الباري - كتاب الإعتكاف
فتح الباري - كتاب البيوع
فتح الباري - كتاب السلم
فتح الباري - كتاب الشفعة
فتح الباري - كتاب الإجارة
فتح الباري - كتاب الحرث والمزارعة
فتح الباري - كتاب المساقاة
فتح الباري - كتاب الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس
فتح الباري - كتاب الخصومات
فتح الباري - كتاب اللقطة
فتح الباري - كتاب المظالم
فتح الباري - كتاب الشركة
فتح الباري - كتاب الرهن
فتح الباري - كتاب العتق
فتح الباري - كتاب المكاتب
فتح الباري - كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها
فتح الباري - كتاب الشهادات
فتح الباري - كتاب الصلح
فتح الباري - كتاب الشروط
فتح الباري - كتاب الوصايا
فتح الباري - كتاب الجهاد و السير
فتح الباري - كتاب فرض الخمس
فتح الباري - كتاب الجزية و الموادعة
فتح الباري - كتاب بدء الخلق
فتح الباري - كتاب أحاديث الأنبياء
فتح الباري - كتاب المناقب
فتح الباري - كتاب فضائل الصحابة
فتح الباري - كتاب مناقب الأنصار
فتح الباري - كتاب المغازي
فتح الباري - كتاب التفسير
فتح الباري - كتاب فضائل القرآن
فتح الباري - كتاب النكاح
فتح الباري - كتاب الطلاق
فتح الباري - كتاب النفقات
فتح الباري - كتاب الأطعمة
فتح الباري - كتاب العقيقة
فتح الباري - كتاب الذبائح والصيد
فتح الباري - كتاب الأضاحي
فتح الباري - كتاب الأشربة
فتح الباري - كتاب المرضى
فتح الباري - كتاب الطب
فتح الباري - كتاب اللباس
فتح الباري - كتاب الأدب
فتح الباري - كتاب الإستئذان
فتح الباري - كتاب الدعوات
فتح الباري - كتاب الرقاق
فتح الباري - كتاب القدر
فتح الباري - كتاب الأيمان والنذور
فتح الباري - كتاب كفارات الأيمان
فتح الباري - كتاب الفرائض
فتح الباري - كتاب الحدود
فتح الباري - كتاب الديات
فتح الباري - كتاب استتابة المرتدين
فتح الباري - كتاب الإكراه
فتح الباري - كتاب الحيل
فتح الباري - كتاب التعبير
فتح الباري - كتاب الفتن
فتح الباري - كتاب الأحكام
فتح الباري - كتاب التمني
فتح الباري - كتاب أخبار الأحاد
فتح الباري - كتاب الإعتصام بالسنة
فتح الباري - كتاب التوحيد
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن رجب
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
مقدمة
خطبة الكتاب
كتاب الإيمان
كتاب العلم
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصوم
كتاب فضائل القرآن
كتاب الدعوات
كتاب المناسك
كتاب البيوع
كتاب الفرائض والوصايا
كتاب النكاح
كتاب العتق
كتاب القصاص
كتاب الديات
كتاب الحدود
كتاب الإمارة والقضاء
كتاب الجهاد
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأطعمة
كتاب اللباس
كتاب الطب والرقى
كتاب الرؤيا
كتاب الآداب
كتاب الرقاق
كتاب الفتن
كتاب صفة القيامة والجنة والنار
كتاب الفضائل والشمائل
كتاب المناقب

 
عودة لموقع هاني الطنبور
هاني الطنبور
الصفحة السابقة الصفحة التالية
 
 

 

المنهاج - الإيمان

أَهَمُّ مَا يُذْكَرُ فِي الْبَاب اِخْتِلَاف الْعُلَمَاء فِي الْإِيمَان وَالْإِسْلَام ، وَعُمُومهمَا ، وَخُصُوصهمَا ، وَأَنَّ الْإِيمَان يَزِيد وَيَنْقُص أَمْ لَا ؟ وَأَنَّ الْأَعْمَال مِنْ الْإِيمَان أَمْ لَا ؟ وَقَدْ أَكْثَرَ الْعُلَمَاء رَحِمَهُمْ اللَّه تَعَالَى مِنْ الْمُتَقَدِّمِينَ وَالْمُتَأَخِّرِينَ الْقَوْل فِي كُلّ مَا ذَكَرْنَاهُ .
وَأَنَا أَقْتَصِرُ عَلَى نَقْلِ أَطْرَافٍ مِنْ مُتَفَرِّقَاتِ كَلَامِهِمْ يَحْصُل مِنْهَا مَقْصُود مَا ذَكَرْته مَعَ زِيَادَات كَثِيرَة .
قَالَ الْإِمَام أَبُو سُلَيْمَان أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن إِبْرَاهِيم الْخَطَّابِيُّ الْبُسْتِيّ الْفَقِيه الْأَدِيب الشَّافِعِيّ الْمُحَقِّق - رَحِمَهُ اللَّه - فِي كِتَابه مَعَالِم السُّنَن : مَا أَكْثَرَ مَا يَغْلَطُ النَّاسُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَة .
فَأَمَّا الزُّهْرِيّ فَقَالَ : الْإِسْلَام الْكَلِمَة ، وَالْإِيمَان الْعَمَل ، وَاحْتَجَّ بِالْآيَةِ يَعْنِي قَوْله سُبْحَانه وَتَعَالَى : { قَالَتْ الْأَعْرَاب آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُل الْإِيمَانُ فِي قُلُوبكُمْ } وَذَهَبَ غَيْره إِلَى أَنَّ الْإِسْلَام وَالْإِيمَان شَيْء وَاحِد . وَاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنْ الْمُؤْمِنِينَ فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْر بَيْت مِنْ الْمُسْلِمِينَ } قَالَ الْخَطَّابِيُّ : وَقَدْ تَكَلَّمَ فِي هَذَا الْبَاب رَجُلَانِ مِنْ كُبَرَاء أَهْل الْعِلْم ، وَصَارَ كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا إِلَى قَوْل مِنْ هَذَيْنِ . وَرَدَّ الْآخَرُ مِنْهُمَا عَلَى الْمُتَقَدِّم ، وَصَنَّفَ عَلَيْهِ كِتَابًا يَبْلُغُ عَدَدُ أَوْرَاقِهِ الْمِئَيْنِ .
قَالَ الْخَطَّابِيُّ : وَالصَّحِيح مِنْ ذَلِكَ أَنْ يُقَيَّد الْكَلَام فِي هَذَا ، وَلَا يُطْلَق ؛ وَذَلِكَ أَنَّ الْمُسْلِم قَدْ يَكُون مُؤْمِنًا فِي بَعْض الْأَحْوَال ، وَلَا يَكُون مُؤْمِنًا فِي بَعْضهَا . وَالْمُؤْمِن مُسْلِم فِي جَمِيع الْأَحْوَال ؛ فَكُلُّ مُؤْمِنٍ مُسْلِمٌ وَلَيْسَ كُلُّ مُسْلِمٍ مُؤْمِنًا . وَإِذَا حَمَلْت الْأَمْر عَلَى هَذَا اِسْتَقَامَ لَك تَأْوِيل الْآيَات ، وَاعْتَدَلَ الْقَوْل فِيهَا ، وَلَمْ يَخْتَلِف شَيْء مِنْهَا .
وَأَصْل الْإِيمَان : التَّصْدِيق ، وَأَصْل الْإِسْلَام : الِاسْتِسْلَام وَالِانْقِيَاد ؛ فَقَدْ يَكُون الْمَرْء مُسْتَسْلِمًا فِي الظَّاهِر ، غَيْرَ مُنْقَادٍ فِي الْبَاطِن ، وَقَدْ يَكُون صَادِقًا فِي الْبَاطِن غَيْرَ مُنْقَادٍ فِي الظَّاهِر . وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ أَيْضًا فِي قَوْل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " الْإِيمَان بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً " فِي هَذَا الْحَدِيث بَيَانُ أَنَّ الْإِيمَان الشَّرْعِيّ اِسْم لِمَعْنًى ذِي شُعَب وَأَجْزَاء لَهُ أَدْنَى وَأَعْلَى ، وَالِاسْم يَتَعَلَّق بِبَعْضِهَا ، كَمَا يَتَعَلَّق بِكُلِّهَا ، وَالْحَقِيقَة تَقْتَضِي جَمِيع شُعَبه ، وَتَسْتَوْفِي جُمْلَة أَجْزَائِهِ ؛ كَالصَّلَاةِ الشَّرْعِيَّة لَهَا شُعَب وَأَجْزَاء ، وَالِاسْم يَتَعَلَّق بِبَعْضِهَا ، وَالْحَقِيقَة تَقْتَضِي جَمِيع أَجْزَائِهَا وَتَسْتَوْفِيهَا . وَيَدُلّ عَلَيْهِ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " الْحَيَاء شُعْبَة مِنْ الْإِيمَان " . وَفِيهِ : إِثْبَات التَّفَاضُل فِي الْإِيمَان ، وَتَبَايُنُ الْمُؤْمِنِينَ فِي دَرَجَاتِهِ . هَذَا آخِر كَلَام الْخَطَّابِيّ . وَقَالَ الْإِمَام أَبُو مُحَمَّد الْحُسَيْن بْن مَسْعُود الْبَغَوِيُّ الشَّافِعِيّ - رَحِمَهُ اللَّه - فِي حَدِيث سُؤَال جِبْرِيلَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْإِيمَان وَالْإِسْلَام وَجَوَابه ، قَالَ : جَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْإِسْلَامَ اِسْمًا لِمَا ظَهَرَ مِنْ الْأَعْمَال ، وَجَعَلَ الْإِيمَان اِسْمًا لِمَا بَطَنَ مِنْ الِاعْتِقَاد ؛ وَلَيْسَ ذَلِكَ لِأَنَّ الْأَعْمَالَ لَيْسَتْ مِنْ الْإِيمَانِ ، وَالتَّصْدِيقَ بِالْقَلْبِ لَيْسَ مِنْ الْإِسْلَامِ ؛ بَلْ ذَلِكَ تَفْصِيلٌ لِجُمْلَةٍ هِيَ كُلُّهَا شَيْءٌ وَاحِدٌ ، وَجِمَاعهَا الدِّين ، وَلِذَلِكَ قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " ذَاكَ جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ " وَالتَّصْدِيقُ وَالْعَمَلُ يَتَنَاوَلُهُمَا اِسْمُ الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ جَمِيعًا ؛ يَدُلّ عَلَيْهِ قَوْله - سُبْحَانه وَتَعَالَى - { إِنَّ الدِّين عِنْد اللَّه الْإِسْلَام } { وَرَضِيت لَكُمْ الْإِسْلَام دِينًا } وَ { مَنْ يَبْتَغِ غَيْر الْإِسْلَام دِينًا فَلَنْ يُقْبَل مِنْهُ } فَأَخْبَرَ سُبْحَانه وَتَعَالَى أَنَّ الدِّين الَّذِي رَضِيَهُ وَيَقْبَلهُ مِنْ عِبَاده هُوَ الْإِسْلَام ، وَلَا يَكُون الدِّين فِي مَحَلّ الْقَبُول وَالرِّضَا إِلَّا بِانْضِمَامِ التَّصْدِيق إِلَى الْعَمَل . هَذَا كَلَام الْبَغَوِيِّ .
وَقَالَ الْإِمَام أَبُو عَبْد اللَّه مُحَمَّد بْن إِسْمَاعِيل بْن مُحَمَّد بْن الْفَضْل التَّمِيمِيّ الْأَصْبَهَانِي الشَّافِعِيّ - رَحِمَهُ اللَّه - فِي كِتَابه التَّحْرِير فِي شَرْح صَحِيح مُسْلِم : الْإِيمَان فِي اللُّغَة هُوَ التَّصْدِيق فَإِنْ عَنَى بِهِ ذَلِكَ فَلَا يَزِيد وَلَا يَنْقُص ؛ لِأَنَّ التَّصْدِيق لَيْسَ شَيْئًا يَتَجَزَّأ حَتَّى يُتَصَوَّرَ كَمَالُهُ مَرَّة وَنَقْصُهُ أُخْرَى . وَالْإِيمَان فِي لِسَان الشَّرْع هُوَ التَّصْدِيق بِالْقَلْبِ وَالْعَمَل بِالْأَرْكَانِ . وَإِذَا فُسِّرَ بِهَذَا تَطَرَّقَ إِلَيْهِ الزِّيَادَةُ وَالنَّقْصُ . وَهُوَ مَذْهَب أَهْل السُّنَّة ، قَالَ : فَالْخِلَاف فِي هَذَا عَلَى التَّحْقِيق إِنَّمَا هُوَ أَنَّ الْمُصَدِّق بِقَلْبِهِ إِذَا لَمْ يَجْمَعْ إِلَى تَصْدِيقِهِ الْعَمَلَ الْإِيمَان هَلْ يُسَمَّى مُؤْمِنًا مُطْلَقًا أَمْ لَا ؟ وَالْمُخْتَار عِنْدنَا أَنَّهُ لَا يُسَمَّى بِهِ . قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَا يَزْنِي الزَّانِي حِين يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِن " لِأَنَّهُ لَمْ يَعْمَل بِمُوجَبِ الْإِيمَان فَيَسْتَحِقَّ هَذَا الْإِطْلَاقَ . هَذَا آخِر كَلَام صَاحِب التَّحْرِير .
وَقَالَ الْإِمَام أَبُو الْحَسَن عَلِيّ بْن خَلَف بْن بَطَّال الْمَالِكِيّ الْمَغْرِبِيّ فِي شَرْح صَحِيح الْبُخَارِيّ : مَذْهَب جَمَاعَة أَهْل السُّنَّة مِنْ سَلَف الْأُمَّة وَخَلَفِهَا : أَنَّ الْإِيمَان قَوْل وَعَمَل يَزِيد وَيَنْقُص ، وَالْحُجَّة عَلَى زِيَادَته وَنُقْصَانه : مَا أَوْرَدَهُ الْبُخَارِيّ مِنْ الْآيَات ، يَعْنِي قَوْله عَزَّ وَجَلَّ : { لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانهمْ } ، وَقَوْله تَعَالَى : { وَزِدْنَاهُمْ هُدًى } ، وَقَوْله تَعَالَى : { وَيَزِيد اللَّه الَّذِينَ اِهْتَدَوْا هُدًى } وَقَوْله تَعَالَى : { وَاَلَّذِينَ اِهْتَدَوْا زَادَهُمْ } وَقَوْله تَعَالَى : { وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا } وَقَوْله تَعَالَى : { أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا } وَقَوْله تَعَالَى : { فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا } وَقَوْله تَعَالَى : { وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا } قَالَ اِبْن بَطَّال : فَإِيمَان مَنْ لَمْ تَحْصُلْ لَهُ الزِّيَادَةُ نَاقِصٌ ، قَالَ : فَإِنْ قِيلَ : الْإِيمَان فِي اللُّغَة التَّصْدِيق ، فَالْجَوَاب : أَنَّ التَّصْدِيق يَكْمُلُ بِالطَّاعَاتِ كُلِّهَا ، فَمَا اِزْدَادَ الْمُؤْمِن مِنْ أَعْمَال الْبِرّ كَانَ إِيمَانُهُ أَكْمَلَ ، وَبِهَذِهِ الْجُمْلَة يَزِيد الْإِيمَان وَبِنُقْصَانِهَا يَنْقُص ، فَمَتَى نَقَصَتْ أَعْمَال الْبِرّ نَقَصَ كَمَالُ الْإِيمَان ، وَمَتَى زَادَتْ زَادَ الْإِيمَان كَمَالًا . هَذَا تَوَسُّطُ الْقَوْلِ فِي الْإِيمَان . وَأَمَّا التَّصْدِيق بِاَللَّهِ تَعَالَى وَرَسُوله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَلَا يَنْقُص وَلِذَلِكَ تَوَقَّفَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّه - فِي بَعْض الرِّوَايَات عَنْ الْقَوْل بِالنُّقْصَانِ ؛ إِذْ لَا يَجُوز نُقْصَان التَّصْدِيق ؛ لِأَنَّهُ إِذَا نَقَصَ صَارَ شَكًّا ، وَخَرَجَ عَنْ اِسْم الْإِيمَان .
وَقَالَ بَعْضهمْ إِنَّمَا تَوَقَّفَ مَالِك عَنْ الْقَوْل بِنُقْصَانِ الْإِيمَان خَشْيَة أَنْ يُتَأَوَّل عَلَيْهِ مُوَافَقَةُ الْخَوَارِجِ الَّذِينَ يُكَفِّرُونَ أَهْل الْمَعَاصِي مِنْ الْمُؤْمِنِينَ بِالذُّنُوبِ ، وَقَدْ قَالَ مَالِك بِنُقْصَانِ الْإِيمَان مِثْل قَوْل جَمَاعَة أَهْل السُّنَّة . قَالَ عَبْد الرَّزَّاق : سَمِعْت مَنْ أَدْرَكْت مِنْ شُيُوخنَا وَأَصْحَابنَا سُفْيَان الثَّوْرِيّ وَمَالِك بْن أَنَس ، وَعُبَيْد اللَّه بْن عُمَر ، وَالْأَوْزَاعِيّ ، وَمَعْمَر بْن رَاشِد وَابْن جُرَيْجٍ ، وَسُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ ، يَقُولُونَ : الْإِيمَان قَوْل وَعَمَل يَزِيد وَيَنْقُص وَهَذَا قَوْلُ اِبْن مَسْعُودٍ وَحُذَيْفَةَ وَالنَّخَعِيِّ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ ، وَعَطَاءٍ ، وَطَاوُسٍ ، وَمُجَاهِدٍ ، وَعَبْد اللَّه بْن الْمُبَارَك . فَالْمَعْنَى الَّذِي يَسْتَحِقّ بِهِ الْعَبْدُ الْمَدْحَ وَالْوِلَايَة مِنْ الْمُؤْمِنِينَ هُوَ إِتْيَانه بِهَذِهِ الْأُمُور الثَّلَاثَة : التَّصْدِيق بِالْقَلْبِ ، وَالْإِقْرَار بِاللِّسَانِ ، وَالْعَمَل بِالْجَوَارِحِ ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَا خِلَاف بَيْن الْجَمِيع : أَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ وَعَمِلَ عَلَى غَيْر عِلْمٍ مِنْهُ وَمَعْرِفَةٍ بِرَبِّهِ ، لَا يَسْتَحِقّ اِسْم مُؤْمِن . وَلَوْ عَرَفَهُ ، وَعَمِلَ ، وَجَحَدَ بِلِسَانِهِ ، وَكَذَبَ مَا عَرَفَ مِنْ التَّوْحِيد ، لَا يَسْتَحِقّ اِسْم مُؤْمِن ، وَكَذَلِكَ إِذَا أَقَرَّ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَبِرُسُلِهِ - صَلَوَات اللَّه وَسَلَامه عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ - وَلَمْ يَعْمَل بِالْفَرَائِضِ ، لَا يُسَمَّى مُؤْمِنًا بِالْإِطْلَاقِ وَإِنْ كَانَ فِي كَلَام الْعَرَب يُسَمَّى مُؤْمِنًا بِالتَّصْدِيقِ فَذَلِكَ غَيْر مُسْتَحَقّ فِي كَلَام اللَّه تَعَالَى ؛ لِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ : { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبهمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاته زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاة وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ أُولَئِكَ هُمْ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا } فَأَخْبَرَنَا سُبْحَانه وَتَعَالَى : أَنَّ الْمُؤْمِن مَنْ كَانَتْ هَذِهِ صِفَته .
وَقَالَ اِبْن بَطَّال فِي بَاب مَنْ قَالَ الْإِيمَان هُوَ الْعَمَل : فَإِنْ قِيلَ : قَدْ قَدَّمْتُمْ أَنَّ الْإِيمَان هُوَ التَّصْدِيق قِيلَ : التَّصْدِيق هُوَ أَوَّل مَنَازِل الْإِيمَان ، وَيُوجِب لِلْمُصَدِّقِ الدُّخُولَ فِيهِ ، وَلَا يُوجِب لَهُ اِسْتِكْمَالَ مَنَازِلِهِ ، وَلَا يُسَمَّى مُؤْمِنًا مُطْلَقًا . هَذَا مَذْهَب جَمَاعَة أَهْل السُّنَّة : أَنَّ الْإِيمَان قَوْل وَعَمَل .
قَالَ أَبُو عُبَيْد : وَهُوَ قَوْل مَالِك وَالثَّوْرِيِّ وَالْأَوْزَاعِيّ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ أَرْبَاب الْعِلْم وَالسُّنَّة الَّذِينَ كَانُوا مَصَابِيح الْهُدَى وَأَئِمَّة الدِّين مِنْ أَهْل الْحِجَاز وَالْعِرَاق وَالشَّام وَغَيْرهمْ .
قَالَ اِبْن بَطَّال : وَهَذَا الْمَعْنَى أَرَادَ الْبُخَارِيّ - رَحِمَهُ اللَّه - إِثْبَاته فِي كِتَاب الْإِيمَان وَعَلَيْهِ بَوَّبَ أَبْوَابه كُلّهَا . فَقَالَ : بَاب أُمُور الْإِيمَان ، وَبَاب الصَّلَاة مِنْ الْإِيمَان ، وَبَاب الزَّكَاة مِنْ الْإِيمَان ، وَبَاب الْجِهَاد مِنْ الْإِيمَان ، وَسَائِر أَبْوَابه ، وَإِنَّمَا أَرَادَ الرَّدّ عَلَى الْمُرْجِئَةِ فِي قَوْلِهِمْ : إِنَّ الْإِيمَان قَوْل بِلَا عَمَلٍ وَتَبْيِين غَلَطِهِمْ ، وَسُوءَ اِعْتِقَادِهِمْ وَمُخَالَفَتهمْ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّة وَمَذَاهِب الْأَئِمَّة ثُمَّ قَالَ اِبْن بَطَّال فِي بَاب آخَر : قَالَ الْمُهَلَّبُ : الْإِسْلَام عَلَى الْحَقِيقَة هُوَ الْإِيمَان الَّذِي هُوَ عَقْد الْقَلْب الْمُصَدِّق لِإِقْرَارِ اللِّسَان الَّذِي لَا يَنْفَع عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى غَيْرُهُ .
وَقَالَتْ الْكَرَّامِيَّة وَبَعْض الْمُرْجِئَة : الْإِيمَان هُوَ الْإِقْرَار بِاللِّسَانِ دُون عَقْد الْقَلْب ، وَمِنْ أَقْوَى مَا يُرَدُّ بِهِ عَلَيْهِمْ إِجْمَاع الْأُمَّة عَلَى إِكْفَار الْمُنَافِقِينَ وَإِنْ كَانُوا قَدْ أَظْهَرُوا الشَّهَادَتَيْنِ ، قَالَ اللَّه تَعَالَى : { وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاَللَّهِ وَرَسُوله ... إِلَى قَوْله تَعَالَى وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ } هَذَا آخِر كَلَام اِبْن بَطَّال .
وَقَالَ الشَّيْخ الْإِمَام أَبُو عَمْرو بْن الصَّلَاح - رَحِمَهُ اللَّه - : قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْإِسْلَام : " أَنْ تَشْهَد أَنْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُول اللَّه وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ وَتَصُومَ رَمَضَانَ وَتَحُجَّ الْبَيْتَ إِنْ اِسْتَطَعْت إِلَيْهِ سَبِيلًا ، وَالْإِيمَان : أَنْ تُؤْمِن بِاَللَّهِ وَمَلَائِكَته ، وَكُتُبه ، وَرُسُله ، وَالْيَوْم الْآخِر ، وَتُؤْمِن بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ " قَالَ : هَذَا بَيَان لِأَصْلِ الْإِيمَان ، وَهُوَ التَّصْدِيق الْبَاطِن ، وَبَيَان لِأَصْلِ الْإِسْلَام وَهُوَ الِاسْتِسْلَام وَالِانْقِيَاد الظَّاهِر ، وَحُكْم الْإِسْلَام فِي الظَّاهِر ثَبَتَ بِالشَّهَادَتَيْنِ ، وَإِنَّمَا أَضَافَ إِلَيْهِمَا الصَّلَاة وَالزَّكَاة ، وَالْحَجّ ، وَالصَّوْم ، لِكَوْنِهَا أَظْهَرَ شَعَائِرِ الْإِسْلَامِ وَأَعْظَمِهَا وَبِقِيَامِهِ بِهَا يَتِمُّ اِسْتِسْلَامه ، وَتَرْكُهُ لَهَا يُشْعِرُ بِانْحِلَالِ قَيْدِ اِنْقِيَادِهِ أَوْ اِخْتِلَالِهِ ، ثُمَّ إِنَّ اِسْم الْإِيمَان يَتَنَاوَل مَا فُسِّرَ بِهِ الْإِسْلَامُ فِي هَذَا الْحَدِيث وَسَائِر الطَّاعَات لِأَنَّهَا ثَمَرَات لِلتَّصْدِيقِ الْبَاطِن الَّذِي هُوَ أَصْل الْإِيمَان ، وَمُقَوِّيَات وَمُتَمِّمَات وَحَافِظَات لَهُ ، وَلِهَذَا فَسَّرَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْإِيمَان فِي حَدِيث وَفْدِ عَبْد الْقَيْس بِالشَّهَادَتَيْنِ وَالصَّلَاة وَالزَّكَاة وَصَوْم رَمَضَان وَإِعْطَاء الْخُمُس مِنْ الْمَغْنَم . وَلِهَذَا لَا يَقَع اِسْم الْمُؤْمِن الْمُطْلَق عَلَى مَنْ اِرْتَكَبَ كَبِيرَةً ، أَوْ بَدَّلَ فَرِيضَة ، لِأَنَّ اِسْم الشَّيْء مُطْلَقًا يَقَع عَلَى الْكَامِل مِنْهُ ، وَلَا يُسْتَعْمَل فِي النَّاقِص ظَاهِرًا إِلَّا بِقَيْدٍ ؛ وَلِذَلِكَ جَازَ إِطْلَاق نَفْيِهِ عَنْهُ فِي قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَا يَسْرِق السَّارِق حِين يَسْرِق وَهُوَ مُؤْمِن " وَاسْم الْإِسْلَام يَتَنَاوَل أَيْضًا مَا هُوَ أَصْل الْإِيمَان وَهُوَ التَّصْدِيق الْبَاطِن ، وَيَتَنَاوَل أَصْل الطَّاعَات ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ كُلّه اِسْتِسْلَام . قَالَ : فَخَرَجَ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ وَحَقَقْنَا أَنَّ الْإِيمَان وَالْإِسْلَام يَجْتَمِعَانِ وَيَفْتَرِقَانِ ، وَأَنَّ كُلَّ مُؤْمِنٍ مُسْلِمٌ وَلَيْسَ كُلُّ مُسْلِمٍ مُؤْمِنًا . قَالَ : وَهَذَا تَحْقِيق وَافِر بِالتَّوْفِيقِ بَيْن مُتَفَرِّقَات نُصُوص الْكِتَاب وَالسُّنَّة الْوَارِدَة فِي الْإِيمَان وَالْإِسْلَام الَّتِي طَالَمَا غَلِطَ فِيهَا الْخَائِضُونَ . وَمَا حَقَّقْنَاهُ مِنْ ذَلِكَ مُوَافِق لِجَمَاهِير الْعُلَمَاء مِنْ أَهْل الْحَدِيث وَغَيْرهمْ . هَذَا آخِر كَلَام الشَّيْخ أَبِي عَمْرو بْن الصَّلَاح ، فَإِذَا تَقَرَّرَ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ مَذَاهِب السَّلَف ، وَأَئِمَّة الْخَلَف ، فَهِيَ مُتَظَاهِرَة مُتَطَابِقَة عَلَى كَوْن الْإِيمَان يَزِيد وَيَنْقُص . وَهَذَا مَذْهَب السَّلَف وَالْمُحَدِّثِينَ وَجَمَاعَةٍ مِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ .
وَأَنْكَرَ أَكْثَرُ الْمُتَكَلِّمِينَ زِيَادَتَهُ وَنُقْصَانَهُ ، وَقَالُوا : مَتَى قَبِلَ الزِّيَادَة كَانَ شَكًّا وَكُفْرًا قَالَ الْمُحَقِّقُونَ مِنْ أَصْحَابنَا الْمُتَكَلِّمِينَ : نَفْس التَّصْدِيق لَا يَزِيد وَلَا يَنْقُص . وَالْإِيمَانُ الشَّرْعِيُّ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ بِزِيَادَةِ ثَمَرَاته ، وَهِيَ الْأَعْمَال وَنُقْصَانهَا قَالُوا : وَفِي هَذَا تَوْفِيق بَيْن ظَوَاهِر النُّصُوص الَّتِي جَاءَتْ بِالزِّيَادَةِ وَأَقَاوِيل السَّلَف ، وَبَيْن أَصْلِ وَضْعِهِ فِي اللُّغَة وَمَا عَلَيْهِ الْمُتَكَلِّمُونَ ، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ هَؤُلَاءِ وَإِنْ كَانَ ظَاهِرًا حَسَنًا فَالْأَظْهَرُ - وَاَللَّه أَعْلَمُ - أَنَّ نَفْس التَّصْدِيق يَزِيد بِكَثْرَةِ النَّظَر وَتَظَاهُرِ الْأَدِلَّة وَلِهَذَا يَكُون إِيمَان الصِّدِّيقِينَ أَقْوَى مِنْ إِيمَان غَيْرهمْ بِحَيْثُ لَا تَعْتَرِيهِمْ الشُّبَهُ ، وَلَا يَتَزَلْزَلُ إِيمَانُهُمْ بِعَارِضٍ ، بَلْ لَا تَزَالُ قُلُوبُهُمْ مُنْشَرِحَةً نَيِّرَةً وَإِنْ اِخْتَلَفَتْ عَلَيْهِمْ الْأَحْوَال .
وَأَمَّا غَيْرهمْ مِنْ الْمُؤَلَّفَة وَمَنْ قَارَبَهُمْ وَنَحْوِهِمْ فَلَيْسُوا كَذَلِكَ فَهَذَا مِمَّا لَا يُمْكِنُ إِنْكَارُهُ . وَلَا يَتَشَكَّك عَاقِل فِي أَنَّ نَفْس تَصْدِيق أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ - رَضِيَ اللَّه عَنْهُ - لَا يُسَاوِيهِ تَصْدِيقُ آحَاد النَّاس ؛ وَلِهَذَا قَالَ الْبُخَارِيّ فِي صَحِيحه : قَالَ اِبْن أَبِي مُلَيْكَة : أَدْرَكْت ثَلَاثِينَ مِنْ أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُلّهمْ يَخَاف النِّفَاق عَلَى نَفْسه ، مَا مِنْهُمْ أَحَد يَقُول إِنَّهُ عَلَى إِيمَان جِبْرِيل وَمِيكَائِيل . وَاَللَّه أَعْلَمُ .
وَأَمَّا إِطْلَاق اِسْم الْإِيمَان عَلَى الْأَعْمَال فَمُتَّفَق عَلَيْهِ عِنْد أَهْل الْحَقّ . وَدَلَائِلُهُ فِي الْكِتَاب وَالسُّنَّة أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَر وَأَشْهَرُ مِنْ أَنْ تُشْهَر . قَالَ اللَّه تَعَالَى : { وَمَا كَانَ اللَّه لِيُضِيعَ إِيمَانكُمْ } أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْمُرَاد صَلَاتكُمْ .
وَأَمَّا الْأَحَادِيث فَسَتَمُرُّ بِك فِي هَذَا الْكِتَاب مِنْهَا جُمَلٌ مُسْتَكْثَرَات وَاَللَّه أَعْلَمُ .
وَاتَّفَقَ أَهْل السُّنَّة مِنْ الْمُحَدِّثِينَ وَالْفُقَهَاء وَالْمُتَكَلِّمِينَ عَلَى أَنَّ الْمُؤْمِن الَّذِي يُحْكَمُ بِأَنَّهُ مِنْ أَهْل الْقِبْلَة وَلَا يُخَلَّد فِي النَّار لَا يَكُون إِلَّا مَنْ اِعْتَقَدَ بِقَلْبِهِ دِينَ الْإِسْلَامِ اِعْتِقَادًا جَازِمًا خَالِيًا مِنْ الشُّكُوك ، وَنَطَقَ بِالشَّهَادَتَيْنِ ، فَإِنْ اِقْتَصَرَ عَلَى إِحْدَاهُمَا لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْل الْقِبْلَة أَصْلًا إِلَّا إِذَا عَجَزَ عَنْ النُّطْق لِخَلَلٍ فِي لِسَانه أَوْ لِعَدَمِ التَّمَكُّن مِنْهُ لِمُعَاجَلَةِ الْمَنِيَّةِ أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَكُون مُؤْمِنًا . أَمَّا إِذَا أَتَى بِالشَّهَادَتَيْنِ فَلَا يُشْتَرَط مَعَهُمَا أَنْ يَقُول وَأَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ دِينٍ خَالَفَ الْإِسْلَامَ إِلَّا إِذَا كَانَ مِنْ الْكُفَّار الَّذِينَ يَعْتَقِدُونَ اِخْتِصَاصَ رِسَالَةِ نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْعَرَب فَإِنَّهُ لَا يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ إِلَّا بِأَنْ يَتَبَرَّأَ ، وَمِنْ أَصْحَابنَا أَصْحَاب الشَّافِعِيّ رَحِمَهُ اللَّه مَنْ شَرَطَ أَنْ يَتَبَرَّأ مُطْلَقًا ، وَلَيْسَ بِشَيْءٍ : أَمَّا إِذَا اِقْتَصَرَ عَلَى قَوْله لَا إِلَه إِلَّا اللَّه ، وَلَمْ يَقُلْ : مُحَمَّد رَسُول اللَّه : فَالْمَشْهُور مِنْ مَذْهَبنَا وَمَذَاهِب الْعُلَمَاء أَنَّهُ لَا يَكُون مُسْلِمًا . وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ : يَكُون مُسْلِمًا وَيُطَالَب بِالشَّهَادَةِ الْأُخْرَى ، فَإِنْ أَبَى جُعِلَ مُرْتَدًّا . وَيُحْتَجّ لِهَذَا الْقَوْل بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أُمِرْت أَنْ أُقَاتِل النَّاس حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَه إِلَّا اللَّه فَإِذَا قَالُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالهمْ " وَهَذَا مَحْمُول عِنْد الْجَمَاهِير عَلَى قَوْل الشَّهَادَتَيْنِ ، وَاسْتَغْنَى بِذِكْرِ إِحْدَاهُمَا عَنْ الْأُخْرَى لِارْتِبَاطِهِمَا وَشُهْرَتِهِمَا وَاَللَّه أَعْلَمُ .
أَمَّا إِذَا أَقَرَّ بِوُجُوبِ الصَّلَاة أَوْ الصَّوْم أَوْ غَيْرهمَا مِنْ أَرْكَان الْإِسْلَام وَهُوَ عَلَى خِلَاف مِلَّته الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا فَهَلْ يُجْعَل بِذَلِكَ مُسْلِمًا ؟ فِيهِ وَجْهَانِ لِأَصْحَابِنَا ، فَمَنْ جَعَلَهُ مُسْلِمًا قَالَ : كُلّ مَا يَكْفُر الْمُسْلِمُ بِإِنْكَارِهِ يَصِيرُ الْكَافِرُ بِالْإِقْرَارِ بِهِ مُسْلِمًا . أَمَّا إِذَا أَقَرَّ بِالشَّهَادَتَيْنِ بِالْعَجَمِيَّةِ وَهُوَ يُحْسِنُ الْعَرَبِيَّةَ فَهَلْ يُجْعَلُ بِذَلِكَ مُسْلِمًا ؟ فِيهِ وَجْهَانِ لِأَصْحَابِنَا : الصَّحِيح مِنْهُمَا أَنَّهُ يَصِير مُسْلِمًا لِوُجُودِ الْإِقْرَار ، وَهَذَا الْوَجْه هُوَ الْحَقّ وَلَا يَظْهَر لِلْآخَرِ وَجْه وَقَدْ بَيَّنْت ذَلِكَ مُسْتَقْصًى فِي شَرْح الْمُهَذَّبِ وَاَللَّه أَعْلَمُ .
وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء مِنْ السَّلَف وَغَيْرهمْ فِي إِطْلَاق الْإِنْسَان قَوْله : ( أَنَا مُؤْمِن ) فَقَالَتْ طَائِفَة : لَا يَقُول أَنَا مُؤْمِن مُقْتَصِرًا عَلَيْهِ بَلْ يَقُول : أَنَا مُؤْمِن إِنْ شَاءَ اللَّه . وَحَكَى هَذَا الْمَذْهَبَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَنْ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا الْمُتَكَلِّمِينَ ، وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى جَوَاز الْإِطْلَاق وَأَنَّهُ لَا يَقُول : ( إِنْ شَاءَ اللَّه ) . وَهَذَا هُوَ الْمُخْتَار ، وَقَوْل أَهْل التَّحْقِيق . وَذَهَبَ الْأَوْزَاعِيُّ وَغَيْره إِلَى جَوَاز الْأَمْرَيْنِ . وَالْكُلّ صَحِيح بِاعْتِبَارَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ فَمَنْ أَطْلَقَ نَظَرَ إِلَى الْحَال وَأَحْكَامُ الْإِيمَانِ جَارِيَةٌ عَلَيْهِ فِي الْحَال ، وَمَنْ قَالَ : إِنْ شَاءَ اللَّه فَقَالُوا فِيهِ : هُوَ إِمَّا لِلتَّبَرُّكِ ، وَإِمَّا لِاعْتِبَارِ الْعَاقِبَة وَمَا قَدَّرَ اللَّهُ تَعَالَى ؛ فَلَا يَدْرِي أَيَثْبُتُ عَلَى الْإِيمَان أَمْ يُصْرَفُ عَنْهُ ، وَالْقَوْل بِالتَّخْيِيرِ حَسَنٌ صَحِيحٌ نَظَرًا إِلَى مَأْخَذ الْقَوْلَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ وَرَفْعًا لِحَقِيقَةِ الْخِلَاف وَأَمَّا الْكَافِر فَفِيهِ خِلَاف غَرِيب لِأَصْحَابِنَا ، مِنْهُمْ مَنْ قَالَ : يُقَال : هُوَ كَافِر ، وَلَا يَقُول إِنْ شَاءَ اللَّه ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : هُوَ فِي التَّقْيِيد كَالْمُسْلِمِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فَيُقَال عَلَى قَوْل التَّقْيِيد : هُوَ كَافِر إِنْ شَاءَ اللَّه نَظَرًا إِلَى الْخَاتِمَة وَأَنَّهَا مَجْهُولَةٌ ، وَهَذَا الْقَوْل اِخْتَارَهُ بَعْض الْمُحَقِّقِينَ وَاَللَّه أَعْلَمُ .
وَاعْلَمْ أَنَّ مَذْهَب أَهْل الْحَقّ : أَنَّهُ لَا يَكْفُرُ أَحَدٌ مِنْ أَهْل الْقِبْلَة بِذَنْبٍ وَلَا يَكْفُرُ أَهْلُ الْأَهْوَاءِ وَالْبِدَع ، وَأَنَّ مَنْ جَحَدَ مَا يُعْلَمُ مِنْ دِينِ الْإِسْلَام ضَرُورَةً حُكِمَ بِرِدَّتِهِ وَكُفْرِهِ إِلَّا أَنْ يَكُون قَرِيب عَهْد بِالْإِسْلَامِ أَوْ نَشَأَ بِبَادِيَةٍ بَعِيدَةٍ وَنَحْوه مِمَّنْ يَخْفَى عَلَيْهِ فَيُعَرَّفُ ذَلِكَ ؛ فَإِنْ اِسْتَمَرَّ حُكِمَ بِكُفْرِهِ ، وَكَذَا حُكْم مَنْ اِسْتَحَلَّ الزِّنَا أَوْ الْخَمْرَ أَوْ الْقَتْلَ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ الْمُحَرَّمَات الَّتِي يُعْلَمُ تَحْرِيمُهَا ضَرُورَةً . فَهَذِهِ جُمَل مِنْ الْمَسَائِل الْمُتَعَلِّقَة بِالْإِيمَانِ قَدَّمْتهَا فِي صَدْر الْكِتَاب تَمْهِيدًا لِكَوْنِهَا مِمَّا يَكْثُر الِاحْتِيَاج إِلَيْهِ وَلِكَثْرَةِ تَكَرُّرِهَا وَتَرْدَادِهَا فِي الْأَحَادِيث ، فَقَدَّمْتهَا لَأُحِيلَ عَلَيْهَا إِذَا مَرَرْت بِمَا يُخَرَّجُ عَلَيْهَا وَاَللَّه أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ . وَلَهُ الْحَمْد وَالنِّعْمَة وَبِهِ التَّوْفِيق وَالْعِصْمَة .


9 - قَالَ الْإِمَام أَبُو الْحُسَيْن مُسْلِم بْن الْحَجَّاج رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : ( حَدَّثَنِي أَبُو خَيْثَمَةَ زُهَيْر بْن حَرْب حَدَّثَنَا وَكِيع عَنْ كَهْمَس عَنْ عَبْد اللَّه بْن بُرَيْدَةَ عَنْ يَحْيَى بْن يَعْمُر ح وَحَدَّثَنَا عُبَيْد اللَّه بْن مُعَاذ الْعَنْبَرِيّ وَهَذَا حَدِيثه ثنا أَبِي ثنا كَهْمَس عَنْ اِبْن بُرَيْدَةَ عَنْ يَحْيَى بْن يَعْمُر قَالَ : كَانَ أَوَّل مَنْ قَالَ فِي الْقَدَر بِالْبَصْرَةِ مَعْبَد الْجُهَنِيّ إِلَى آخِر الْحَدِيث )
اِعْلَمْ أَنَّ مُسْلِمًا - رَحِمَهُ اللَّه - سَلَكَ فِي هَذَا الْكِتَاب طَرِيقَة فِي الْإِتْقَان وَالِاحْتِيَاط وَالتَّدْقِيق وَالتَّحْقِيق مَعَ الِاخْتِصَار الْبَلِيغ وَالْإِيجَاز التَّامّ فِي نِهَايَة مِنْ الْحُسْن مُصَرِّحَة بِغَزَارَةِ عُلُومه وَدِقَّة نَظَره وَحِذْقه ، وَذَلِكَ يَظْهَر فِي الْإِسْنَاد تَارَة وَفِي الْمَتْن تَارَة وَفِيهِمَا تَارَة ، فَيَنْبَغِي لِلنَّاظِرِ فِي كِتَابه أَنْ يَتَنَبَّه لِمَا ذَكَرْته فَإِنَّهُ يَجِد عَجَائِب مِنْ النَّفَائِس وَالدَّقَائِق تَقَرُّ بِآحَادِ أَفْرَادهَا عَيْنُهُ ، وَيَنْشَرِح لَهَا صَدْره ، وَتُنَشِّطُهُ لِلِاشْتِغَالِ بِهَذَا الْعِلْم . وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا يُعْرَفُ أَحَدٌ شَارَكَ مُسْلِمًا فِي هَذِهِ النَّفَائِس الَّتِي يُشِير إِلَيْهَا مِنْ دَقَائِق عِلْم الْإِسْنَاد . وَكِتَابُ الْبُخَارِيِّ وَإِنْ كَانَ أَصَحَّ وَأَجَلَّ وَأَكْثَرَ فَوَائِدَ فِي الْأَحْكَام وَالْمَعَانِي ، فَكِتَاب مُسْلِم يَمْتَاز بِزَوَائِدَ مِنْ صَنْعَة الْإِسْنَاد ، وَسَتَرَى مِمَّا أُنَبِّه عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ مَا يَنْشَرِح لَهُ صَدْرك ، وَيَزْدَاد بِهِ الْكِتَابُ وَمُصَنِّفُهُ فِي قَلْبك جَلَالَةً إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى . فَإِذَا تَقَرَّرَ مَا قُلْته فَفِي هَذِهِ الْأَحْرُف الَّتِي ذَكَرَهَا مِنْ الْإِسْنَاد أَنْوَاع مِمَّا ذَكَرْته ، فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ أَوَّلًا : حَدَّثَنِي أَبُو خَيْثَمَةَ ، ثُمَّ قَالَ فِي الطَّرِيق الْآخَر : وَحَدَّثَنَا عُبَيْد اللَّه بْن مُعَاذ ، فَفَرَّقَ بَيْن حَدَّثَنِي وَحَدَّثَنَا . وَهَذَا تَنْبِيه عَلَى الْقَاعِدَة الْمَعْرُوفَة عِنْد أَهْل الصَّنْعَة وَهِيَ أَنَّهُ يَقُول فِيمَا سَمِعَهُ وَحْدَهُ مِنْ لَفْظ الشَّيْخ : حَدَّثَنِي ، وَفِيمَا سَمِعَهُ مَعَ غَيْره مِنْ لَفْظ الشَّيْخ : حَدَّثَنَا ، وَفِيمَا قَرَأَهُ وَحْده عَلَى الشَّيْخ : أَخْبَرَنِي ، وَفِيمَا قُرِئَ بِحَضْرَتِهِ فِي جَمَاعَة عَلَى الشَّيْخ : أَخْبَرَنَا ، وَهَذَا اِصْطِلَاح مَعْرُوف عِنْدهمْ ، وَهُوَ مُسْتَحَبّ عِنْدهمْ ، وَلَوْ تَرَكَهُ وَأَبْدَلَ حَرْفًا مِنْ ذَلِكَ بِآخَر صَحَّ السَّمَاعُ وَلَكِنْ تَرَكَ الْأَوْلَى . وَاَللَّه أَعْلَمُ .
وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ فِي الطَّرِيق الْأَوَّل : ( حَدَّثَنَا وَكِيع عَنْ كَهْمَس عَنْ عَبْد اللَّه بْن بُرَيْدَةَ عَنْ يَحْيَى بْن يَعْمُر ) ثُمَّ فِي الطَّرِيق الثَّانِي أَعَادَ الرِّوَايَة ( عَنْ كَهْمَس عَنْ اِبْن بُرَيْدَةَ عَنْ يَحْيَى ) فَقَدْ يُقَال : هَذَا تَطْوِيل لَا يَلِيق بِإِتْقَانِ مُسْلِم وَاخْتِصَاره ، فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَقِف بِالطَّرِيقِ الْأَوَّل عَلَى وَكِيع ، وَيَجْتَمِع مُعَاذ وَوَكِيع فِي الرِّوَايَة عَنْ كَهْمَس عَنْ اِبْن بُرَيْدَةَ وَهَذَا الِاعْتِرَاض فَاسِد لَا يَصْدُر إِلَّا مِنْ شَدِيد الْجَهَالَة بِهَذَا الْفَنّ . فَإِنَّ مُسْلِمًا رَحِمَهُ اللَّه يَسْلُك الِاخْتِصَار لَكِنْ بِحَيْثُ لَا يَحْصُل خَلَلٌ ، وَلَا يَفُوت بِهِ مَقْصُودٌ ، وَهَذَا الْمَوْضِع يَحْصُل فِي الِاخْتِصَار فِيهِ خَلَل ، وَيَفُوت بِهِ مَقْصُود ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ وَكِيعًا قَالَ : عَنْ كَهْمَس ، وَمُعَاذ قَالَ : حَدَّثَنَا كَهْمَس . وَقَدْ عُلِمَ بِمَا قَدَّمْنَاهُ فِي بَاب الْمُعَنْعَن أَنَّ الْعُلَمَاء اِخْتَلَفُوا فِي الِاحْتِجَاج وَلَمْ يَخْتَلِفُوا فِي الْمُتَّصِل ، فَأَتَى مُسْلِم بِالرِّوَايَتَيْنِ كَمَا سُمِعَتَا لِيُعْرَفَ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ مِنْ الْمُخْتَلَف فِيهِ وَلِيَكُونَ رَاوِيًا بِاللَّفْظِ الَّذِي سَمِعَهُ . وَلِهَذَا نَظَائِرُ فِي مُسْلِمٍ سَتَرَاهَا مَعَ التَّنْبِيه عَلَيْهَا إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى وَإِنْ كَانَ مِثْل هَذَا ظَاهِرًا لِمَنْ لَهُ أَدْنَى اِعْتِنَاء بِهَذَا الْفَنّ إِلَّا أَنِّي أُنَبِّه عَلَيْهِ لِغَيْرِهِمْ وَلِبَعْضِهِمْ مِمَّنْ قَدْ يَغْفُل ، وَلِكُلِّهِمْ مِنْ جِهَة أُخْرَى وَهُوَ أَنَّهُ يَسْقُط عَنْهُمْ النَّظَر وَتَحْرِير عِبَارَة عَنْ الْمَقْصُود . وَهُنَا مَقْصُود آخَر وَهُوَ أَنَّ فِي رِوَايَة وَكِيع قَالَ : عَنْ عَبْد اللَّه بْن بُرَيْدَةَ ، وَفِي رِوَايَة مُعَاذ قَالَ : عَنْ اِبْن بُرَيْدَةَ ، فَلَوْ أَتَى بِأَحَدِ اللَّفْظَيْنِ حَصَلَ خَلَل فَإِنَّهُ إِنْ قَالَ : اِبْن بُرَيْدَةَ لَمْ نَدْرِ مَا اِسْمُهُ ، وَهَلْ هُوَ عَبْد اللَّه هَذَا ، أَوْ أَخُوهُ سُلَيْمَان بْن بُرَيْدَةَ ؟ وَإِنْ قَالَ : عَبْد اللَّه بْن بُرَيْدَةَ كَانَ كَاذِبًا عَلَى مُعَاذ فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي رِوَايَته عَبْد اللَّه وَاَللَّه أَعْلَمُ .
وَأَمَّا قَوْله فِي الرِّوَايَة الْأُولَى ( عَنْ يَحْيَى بْن يَعْمُر ) فَلَا يَظْهَر لِذِكْرِهِ أَوَّلًا فَائِدَةٌ ، وَعَادَة مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ فِي مِثْل هَذَا أَنْ لَا يَذْكُرُوا يَحْيَى بْن يَعْمُر لِأَنَّ الطَّرِيقَيْنِ اِجْتَمَعَتَا فِي اِبْن بُرَيْدَةَ وَلَفْظهمَا عَنْهُ بِصِيغَةٍ وَاحِدَةٍ إِلَّا أَنِّي رَأَيْت فِي بَعْض النُّسَخ فِي الطَّرِيق الْأُولَى عَنْ يَحْيَى فَحَسْب ، وَلَيْسَ فِيهَا اِبْن يَعْمُر ، فَإِنْ صَحَّ هَذَا فَهُوَ مُزِيل لِلْإِنْكَارِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ ؛ فَإِنَّهُ يَكُون فِيهِ فَائِدَة كَمَا قَرَّرْنَاهُ فِي اِبْن بُرَيْدَةَ وَاَللَّه أَعْلَمُ . وَمِنْ ذَلِكَ قَوْله : ( وَحَدَّثَنَا عُبَيْد اللَّه بْن مُعَاذ وَهَذَا حَدِيثه ) ، فَهَذِهِ عَادَة لِمُسْلِمٍ - رَحِمَهُ اللَّه - قَدْ أَكْثَرَ مِنْهَا وَقَدْ اِسْتَعْمَلَهَا غَيْره قَلِيلًا وَهِيَ مُصَرِّحَة بِمَا ذَكَرْته مِنْ تَحْقِيقه وَوَرَعِهِ وَاحْتِيَاطِهِ وَمَقْصُودُهُ أَنَّ الرَّاوِيَيْنِ اِتَّفَقَا فِي الْمَعْنَى وَاخْتَلَفَا فِي بَعْض الْأَلْفَاظ وَهَذَا لَفْظُ فُلَان وَالْآخَرُ بِمَعْنَاهُ وَاَللَّه أَعْلَمُ .
وَأَمَّا قَوْله ( ح ) بَعْد يَحْيَى بْن يَعْمُر فِي الرِّوَايَة الْأُولَى فَهِيَ حَاءُ التَّحْوِيلِ مِنْ إِسْنَاد إِلَى إِسْنَاد فَيَقُول الْقَارِئ إِذَا اِنْتَهَى إِلَيْهَا : ح قَالَ وَحَدَّثَنَا فُلَان هَذَا هُوَ الْمُخْتَار ، وَقَدْ قَدَّمْت فِي الْفُصُول السَّابِقَة بَيَانهَا وَالْخِلَاف فِيهَا وَاَللَّه أَعْلَمُ . فَهَذَا مَا حَضَرَنِي فِي الْحَال فِي التَّنْبِيه عَلَى دَقَائِق هَذَا الْإِسْنَاد وَهُوَ تَنْبِيه عَلَى مَا سِوَاهُ ، وَأَرْجُو أَنْ يَتَفَطَّن بِهِ لِمَا عَدَاهُ وَلَا يَنْبَغِي لِلنَّاظِرِ فِي هَذَا الشَّرْح أَنْ يَسْأَمَ مِنْ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ يَجِدهُ مَبْسُوطًا وَاضِحًا فَإِنِّي إِنَّمَا أَقْصِدُ بِذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّه الْكَرِيم الْإِيضَاحَ وَالتَّيْسِيرَ وَالنَّصِيحَةَ لِمُطَالِعِهِ وَإِعَانَتَهُ وَإِغْنَاءَهُ مِنْ مُرَاجَعَة غَيْره فِي بَيَانه ، وَهَذَا مَقْصُود الشُّرُوح . فَمَنْ اِسْتَطَالَ شَيْئًا مِنْ هَذَا وَشِبْهه فَهُوَ بَعِيد مِنْ الْإِتْقَان ، مُبَاعِد لِلْفَلَاحِ فِي هَذَا الشَّأْن ، فَلْيُعَزِّ نَفْسه لِسُوءِ حَاله ، وَلْيَرْجِعْ عَمَّا اِرْتَكَبَهُ مِنْ قَبِيح فِعَاله . وَلَا يَنْبَغِي لِطَالِبِ التَّحْقِيق وَالتَّنْقِيح وَالْإِتْقَان وَالتَّدْقِيق أَنْ يَلْتَفِت إِلَى كَرَاهَة أَوْ سَآمَة ذَوِي الْبَطَالَة ، وَأَصْحَاب الْغَبَاوَة وَالْمُهَانَة وَالْمَلَالَة ، بَلْ يَفْرَح بِمَا يَجِدهُ مِنْ الْعِلْم مَبْسُوطًا ، وَمَا يُصَادِفهُ مِنْ الْقَوَاعِد وَالْمُشْكِلَات وَاضِحًا مَضْبُوطًا ، وَيَحْمَد اللَّه الْكَرِيم عَلَى تَيْسِيره ، وَيَدْعُو لِجَامِعِهِ السَّاعِي فِي تَنْقِيحه وَإِيضَاحه وَتَقْرِيره . وَفَّقَنَا اللَّه الْكَرِيم لِمَعَالِي الْأُمُور ، وَجَنَّبَنَا بِفَضْلِهِ جَمِيع أَنْوَاع الشُّرُور ، وَجَمَعَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ أَحْبَابِنَا فِي دَار الْحُبُور وَالسُّرُور . وَاَللَّه أَعْلَمُ .
وَأَمَّا ضَبْط أَسْمَاء الْمَذْكُورِينَ فِي هَذَا الْإِسْنَاد : بِفَتْحِ الْمُعْجَمَة وَإِسْكَان الْمُثَنَّاة تَحْت وَبَعْدهَا مُثَلَّثَة .
وَأَمَّا ( كَهْمَس ) فَبِفَتْحِ الْكَاف وَإِسْكَان الْهَاء وَفَتْحِ الْمِيمِ وَبِالسِّينِ الْمُهْمَلَة وَهُوَ كَهْمَس بْن الْحَسَن أَبُو الْحَسَن التَّمِيمِيّ الْبَصْرِيّ .
وَأَمَّا ( يَحْيَى بْن يَعْمُر ) فَبِفَتْحِ الْمِيم وَيُقَال : بِضَمِّهَا ، وَهُوَ غَيْر مَصْرُوفٍ لِوَزْنِ الْفِعْلِ . كُنْيَة يَحْيَى بْن يَعْمُر أَبُو سُلَيْمَان ، وَيُقَال : أَبُو سَعِيد ، وَيُقَال : أَبُو عَدِيّ الْبَصْرِيّ ثُمَّ الْمَرْوَزِيّ قَاضِيهَا مِنْ بَنِي عَوْف بْن بَكْر بْن أَسَد قَالَ الْحَاكِم أَبُو عَبْد اللَّه فِي تَارِيخ نَيْسَابُور : يَحْيَى بْن يَعْمُر فَفِيهِ أَدِيب نَحْوِيّ مُبَرَّز . أَخَذَ النَّحْو عَنْ أَبِي الْأَسْوَد نَفَاهُ الْحَجَّاج إِلَى خُرَاسَان فَقَبِلَهُ قُتَيْبَةُ بْن مُسْلِمٍ وَوَلَّاهُ قَضَاء خُرَاسَان .
وَأَمَّا ( مَعْبَد الْجُهَنِيّ ) فَقَالَ أَبُو سَعِيد عَبْد الْكَرِيم بْن مُحَمَّد بْن مَنْصُور السَّمْعَانِيّ التَّمِيمِيّ الْمَرْوَزِيّ فِي كِتَابه الْأَنْسَاب : الْجُهَنِيّ بِضَمِّ الْجِيم نِسْبَة إِلَى جُهَيْنَة قَبِيلَة مِنْ قُضَاعَة ، وَاسْمه زَيْد بْن لَيْث بْن سَوْد بْن أَسْلَمَ بْن الْحَافّ بْن قُضَاعَة . نَزَلَتْ الْكُوفَةَ وَبِهَا مَحَلَّة تُنْسَب إِلَيْهِمْ ، وَبَقِيَّتُهُمْ نَزَلَتْ الْبَصْرَة . قَالَ : وَمِمَّنْ نَزَلَ جُهَيْنَة فَنُسِبَ إِلَيْهِمْ مَعْبَد بْن خَالِد الْجُهَنِيّ كَانَ يُجَالِس الْحَسَن الْبَصْرِيّ ، وَهُوَ أَوَّل مَنْ تَكَلَّمَ فِي الْبَصْرَة بِالْقَدَرِ ، فَسَلَكَ أَهْل الْبَصْرَة بَعْده مَسْلَكه لَمَّا رَأَوْا عَمْرو بْن عُبَيْد يَنْتَحِلهُ . قَتَلَهُ الْحَجَّاج بْن يُوسُف صَبْرًا . وَقِيلَ : إِنَّهُ مَعْبَد بْن عَبْد اللَّه بْن عُوَيْمِر هَذَا آخِر كَلَام السَّمْعَانِيّ وَأَمَّا ( الْبَصْرَة ) فَبِفَتْحِ الْبَاء وَضَمِّهَا وَكَسْرِهَا ثَلَاث لُغَات حَكَاهَا الْأَزْهَرِيّ ، وَالْمَشْهُور الْفَتْح ، وَيُقَال لَهَا الْبُصَيْرَة . بِالتَّصْغِيرِ . قَالَ صَاحِب الْمَطَالِع : وَيُقَال لَهَا : تَدْمُر ، وَيُقَال لَهَا : الْمُؤْتَفِكَة لِأَنَّهَا اِئْتَفَكَتْ بِأَهْلِهَا فِي أَوَّل الدَّهْر . وَالنَّسَب إِلَيْهَا بَصْرِيّ بِفَتْحِ الْبَاء وَكَسْرِهَا وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ . قَالَ السَّمْعَانِيّ يُقَال الْبَصْرَة قُبَّة الْإِسْلَام ، وَخِزَانَة الْعَرَب ، بَنَاهَا عُتْبَة بْن غَزْوَانَ فِي خِلَافَة عُمَر بْن الْخَطَّاب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ ، بَنَاهَا سَنَة سَبْع عَشْرَة مِنْ الْهِجْرَة ، وَسَكَنَهَا النَّاس سَنَة ثَمَانِي عَشْرَة ، وَلَمْ يُعْبَد الصَّنَم قَطُّ عَلَى أَرْضهَا ، هَكَذَا كَانَ يَقُول لِي أَبُو الْفَضْل عَبْد الْوَهَّاب بْن أَحْمَد بْن مُعَاوِيَة الْوَاعِظ بِالْبَصْرَةِ . قَالَ أَصْحَابنَا : وَالْبَصْرَة دَاخِلَة فِي أَرْض سَوَاد الْعِرَاق وَلَيْسَ لَهَا حُكْمه وَاَللَّه أَعْلَمُ .
وَأَمَّا قَوْله أَوَّل مَنْ قَالَ فِي الْقَدَر فَمَعْنَاهُ أَوَّل مَنْ قَالَ بِنَفْيِ الْقَدَر فَابْتَدَعَ وَخَالَفَ الصَّوَاب الَّذِي عَلَيْهِ أَهْل الْحَقّ . وَيُقَال الْقَدَر وَالْقَدْر بِفَتْحِ الدَّال وَإِسْكَانهَا لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ وَحَكَاهُمَا اِبْن قُتَيْبَة عَنْ الْكِسَائِيّ وَقَالَهُمَا غَيْره . وَاعْلَمْ أَنَّ مَذْهَب أَهْل الْحَقّ إِثْبَات الْقَدَر وَمَعْنَاهُ : أَنَّ اللَّه - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - قَدَّرَ الْأَشْيَاء فِي الْقِدَم ، وَعَلِمَ - سُبْحَانه - أَنَّهَا سَتَقَعُ فِي أَوْقَات مَعْلُومَة عِنْده - سُبْحَانه وَتَعَالَى - وَعَلَى صِفَات مَخْصُوصَة فَهِيَ تَقَع عَلَى حَسْب مَا قَدَّرَهَا سُبْحَانه وَتَعَالَى .
وَأَنْكَرَتْ الْقَدَرِيَّةُ هَذَا وَزَعَمْت أَنَّهُ - سُبْحَانه وَتَعَالَى - لَمْ يُقَدِّرهَا وَلَمْ يَتَقَدَّم عِلْمه سُبْحَانه وَتَعَالَى بِهَا وَأَنَّهَا مُسْتَأْنَفَةُ الْعِلْمِ أَيْ إِنَّمَا يَعْلَمُهَا سُبْحَانَهُ بَعْدَ وُقُوعِهَا وَكَذَبُوا عَلَى اللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى وَجَلَّ عَنْ أَقْوَالهمْ الْبَاطِلَة عُلُوًّا كَبِيرًا . وَسُمِّيَتْ هَذِهِ الْفِرْقَةُ قَدَرِيَّةً لِإِنْكَارِهِمْ الْقَدَرَ . قَالَ أَصْحَاب الْمَقَالَات مِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ : وَقَدْ اِنْقَرَضَتْ الْقَدَرِيَّة الْقَائِلُونَ بِهَذَا الْقَوْل الشَّنِيع الْبَاطِل ، وَلَمْ يَبْقَ أَحَد مِنْ أَهْل الْقِبْلَة عَلَيْهِ ، وَصَارَتْ الْقَدَرِيَّة فِي الْأَزْمَان الْمُتَأَخِّرَة تَعْتَقِد إِثْبَات الْقَدَر ؛ وَلَكِنْ يَقُولُونَ : الْخَيْر مِنْ اللَّه وَالشَّرّ مِنْ غَيْره ، تَعَالَى اللَّه عَنْ قَوْلهمْ .
وَقَدْ حَكَى أَبُو مُحَمَّد بْن قُتَيْبَة فِي كِتَابه غَرِيب الْحَدِيث وَأَبُو الْمَعَالِي إِمَام الْحَرَمَيْنِ فِي كِتَابه الْإِرْشَاد فِي أُصُول الدِّين أَنَّ بَعْض الْقَدَرِيَّة قَالَ : لَسْنَا بِقَدَرِيَّةٍ بَلْ أَنْتُمْ الْقَدَرِيَّة لِاعْتِقَادِكُمْ إِثْبَاتَ الْقَدَر . قَالَ اِبْن قُتَيْبَة وَالْإِمَام : هَذَا تَمْوِيه مِنْ هَؤُلَاءِ الْجَهَلَة وَمُبَاهَتَة ؛ فَإِنَّ أَهْل الْحَقّ يُفَوِّضُونَ أُمُوركُمْ إِلَى اللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى وَيُضِيفُونَ الْقَدَر وَالْأَفْعَال إِلَى اللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى ، وَهَؤُلَاءِ الْجَهَلَة يُضِيفُونَهُ إِلَى أَنْفُسهمْ ، وَمُدَّعِي الشَّيْء لِنَفْسِهِ وَمُضِيفُهُ إِلَيْهَا أَوْلَى بِأَنْ يُنْسَبَ إِلَيْهِ مِمَّنْ يَعْتَقِدهُ لِغَيْرِهِ ، وَيَنْفِيه عَنْ نَفْسه . قَالَ الْإِمَام وَقَدْ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " الْقَدَرِيَّة مَجُوس هَذِهِ الْأُمَّةِ " شَبَّهَهُمْ بِهِمْ لِتَقْسِيمِهِمْ الْخَيْر وَالشَّرّ فِي حُكْم الْإِرَادَة كَمَا قَسَّمَتْ الْمَجُوس فَصَرَفَتْ الْخَيْر إِلَى يزدان وَالشَّرَّ أهرمن إِلَى وَلَا خَفَاء بِاخْتِصَاصِ هَذَا الْحَدِيث بِالْقَدَرِيَّةِ هَذَا كَلَام الْإِمَام وَابْن قُتَيْبَة . وَحَدِيث " الْقَدَرِيَّة مَجُوس هَذِهِ الْأُمَّة " رَوَاهُ أَبُو حَازِم عَنْ اِبْن عُمَر عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنه ، وَالْحَاكِم أَبُو عَبْد اللَّه فِي الْمُسْتَدْرَك عَلَى الصَّحِيحَيْنِ ، وَقَالَ : صَحِيح عَلَى شَرْط الشَّيْخَيْنِ إِنْ صَحَّ سَمَاع أَبِي حَازِم مِنْ اِبْن عُمَر ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ : إِنَّمَا جَعَلَهُمْ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَجُوسًا لِمُضَاهَاةِ مَذْهَبهمْ مَذْهَب الْمَجُوس فِي قَوْلهمْ بِالْأَصْلَيْنِ النُّور وَالظُّلْمَة يَزْعُمُونَ أَنَّ الْخَيْر مِنْ فِعْل النُّور ، وَالشَّرّ مِنْ فِعْل الظُّلْمَة ، فَصَارُوا . وَكَذَلِكَ الْقَدَرِيَّة يُضِيفُونَ الْخَيْر إِلَى اللَّه تَعَالَى وَالشَّرّ إِلَى غَيْره ، وَاَللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى خَالِق الْخَيْر وَالشَّرّ جَمِيعًا لَا يَكُون شَيْء مِنْهُمَا إِلَّا بِمَشِيئَتِهِ فَهُمَا مُضَافَانِ إِلَيْهِ سُبْحَانه وَتَعَالَى خَلْقًا وَإِيجَادًا وَإِلَى الْفَاعِلَيْنِ لَهُمَا مِنْ عِبَاده فِعْلًا وَاكْتِسَابًا وَاَللَّه أَعْلَمُ .
وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : وَقَدْ يَحْسَب كَثِير مِنْ النَّاس أَنَّ مَعْنَى الْقَضَاء وَالْقَدَر إِجْبَار اللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى الْعَبْدَ وَقَهْره عَلَى مَا قَدَّرَهُ وَقَضَاهُ ، وَلَيْسَ الْأَمْر كَمَا يَتَوَهَّمُونَهُ وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ : الْإِخْبَار عَنْ تَقَدُّمِ عِلْمِ اللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى بِمَا يَكُون مِنْ اِكْتِسَاب الْعَبْد وَصُدُورِهَا عَنْ تَقْدِيرٍ مِنْهُ وَخَلَقَ لَهَا خَيْرَهَا وَشَرَّهَا . قَالَ : وَالْقَدَر اِسْم لِمَا صَدَرَ مُقَدَّرًا عَنْ فِعْل الْقَادِر ، يُقَال قَدَرْت الشَّيْء وَقَدَّرْته بِالتَّخْفِيفِ وَالتَّثْقِيل بِمَعْنًى وَاحِدٍ ، وَالْقَضَاء فِي هَذَا مَعْنَاهُ الْخَلْق كَقَوْلِهِ تَعَالَى : { فَقَضَاهُنَّ سَبْع سَمَوَات فِي يَوْمَيْنِ } أَيْ خَلَقَهُنَّ ، قُلْت : وَقَدْ تَظَاهَرَتْ الْأَدِلَّة الْقَطْعِيَّات مِنْ الْكِتَاب وَالسُّنَّة وَإِجْمَاع الصَّحَابَة وَأَهْل الْحَلِّ وَالْعَقْدِ مِنْ السَّلَف وَالْخَلَف عَلَى إِثْبَات قَدَر اللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى . وَقَدْ أَكْثَرَ الْعُلَمَاء مِنْ التَّصْنِيف فِيهِ وَمِنْ أَحْسَنِ الْمُصَنَّفَاتِ فِيهِ وَأَكْثَرِهَا فَوَائِدَ كِتَاب الْحَافِظ الْفَقِيه أَبِي بَكْر الْبَيْهَقِيِّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ وَقَدْ قَرَّرَ أَئِمَّتنَا مِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ ذَلِكَ أَحْسَنَ تَقْرِير بِدَلَائِلِهِمْ الْقَطْعِيَّة السَّمْعِيَّة وَالْعَقْلِيَّة وَاَللَّه أَعْلَمُ .
قَوْله : ( فَوُفِّقَ لَنَا عَبْد اللَّه بْن عُمَر )
هُوَ بِضَمِّ الْوَاو وَكَسْرِ الْفَاءِ الْمُشَدَّدَةِ ، قَالَ صَاحِب التَّحْرِير مَعْنَاهُ جُعِلَ وَفْقًا لَنَا وَهُوَ مِنْ الْمُوَافَقَة الَّتِي هِيَ كَالِالْتِحَامِ يُقَال أَتَانَا لِتِيفَاقِ الْهِلَال أَيْ حِين أَهَلَّ لَا قَبْله ، وَلَا بَعْده ، وَهِيَ لَفْظَة تَدُلّ عَلَى صِدْق الِاجْتِمَاع وَالِالْتِئَام وَفِي مُسْنَد أَبِي يَعْلَى الْمَوْصِلِيّ ( فَوَافَقَ لَنَا ) بِزِيَادَةِ أَلِف وَالْمُوَافَقَة : الْمُصَادَفَة .
قَوْله : ( فَاكْتَنَفْته أَنَا وَصَاحِبِي )
يَعْنِي صِرْنَا فِي نَاحِيَتَيْهِ . ثُمَّ فَسَّرَهُ فَقَالَ : أَحَدنَا عَنْ يَمِينه وَالْآخَر عَنْ شِمَاله . وَكَنَفَا الطَّائِرِ جَنَاحَاهُ وَفِي هَذَا تَنْبِيه عَلَى أَدَب الْجَمَاعَة فِي مَشْيهمْ مَعَ فَاضِلهمْ ، وَهُوَ أَنَّهُمْ يَكْتَنِفُونَهُ وَيَحُفُّونَ بِهِ .
قَوْله : ( فَظَنَنْت أَنَّ صَاحِبِي سَيَكِلُ الْكَلَام إِلَيَّ )
مَعْنَاهُ : يَسْكُت وَيُفَوِّضهُ إِلَيَّ لِإِقْدَامِي وَجُرْأَتِي وَبَسْطَة لِسَانِي ، فَقَدْ جَاءَ عَنْهُ فِي رِوَايَة : لِأَنِّي كُنْت أَبْسَطُ لِسَانًا .
قَوْله : ( ظَهَرَ قَبْلنَا نَاس يَقْرَءُونَ الْقُرْآن وَيَتَقَفَّرُونَ الْعِلْم )
هُوَ بِتَقْدِيمِ الْقَاف عَلَى الْفَاء ، وَمَعْنَاهُ : يَطْلُبُونَهُ وَيَتَتَبَّعُونَهُ هَذَا هُوَ الْمَشْهُور ، وَقِيلَ : مَعْنَاهُ : يَجْمَعُونَهُ ، وَرَوَاهُ بَعْض شُيُوخ الْمَغَارِبَة مِنْ طَرِيق اِبْن مَاهَان ( يَتَفَقَّرُون ) بِتَقْدِيمِ الْفَاء ، وَهُوَ صَحِيح وَهُوَ أَيْضًا مَعْنَاهُ : يَبْحَثُونَ عَنْ غَامِضه وَيَسْتَخْرِجُونَ خَفِيَّهُ . وَرُوِيَ فِي غَيْر مُسْلِم يَتَقَفَّوْنَ بِتَقْدِيمِ الْقَاف وَحَذْف الرَّاء وَهُوَ صَحِيح أَيْضًا وَمَعْنَاهُ أَيْضًا : يَتَتَبَّعُونَ . قَالَ الْقَاضِي عِيَاض : وَرَأَيْت بَعْضهمْ قَالَ فِيهِ ( يَتَقَعَّرُونَ ) بِالْعَيْنِ ، وَفَسَّرَهُ بِأَنَّهُمْ يَطْلُبُونَ قَعْرَهُ أَيْ غَامِضَهُ وَخَفِيَّهُ . وَمِنْهُ تَقَعَّرَ فِي كَلَامه إِذَا جَاءَ بِالْغَرِيبِ مِنْهُ وَفِي رِوَايَة أَبِي يَعْلَى الْمَوْصِلِيّ يَتَفَقَّهُونَ بِزِيَادَةِ الْهَاء وَهُوَ ظَاهِر .
قَوْله : ( وَذَكَرَ مِنْ شَأْنهمْ )
هَذَا الْكَلَام مِنْ كَلَام بَعْض الرُّوَاة الَّذِينَ دُون يَحْيَى بْن يَعْمُر وَالظَّاهِر أَنَّهُ مِنْ اِبْن بُرَيْدَةَ الرَّاوِي عَنْ يَحْيَى بْن يَعْمُر يَعْنِي وَذَكَرَ اِبْن يَعْمُر مِنْ حَال هَؤُلَاءِ وَوَصْفهمْ بِالْفَضِيلَةِ فِي الْعِلْم وَالِاجْتِهَاد فِي تَحْصِيله وَالِاعْتِنَاء بِهِ .
قَوْله : ( يَزْعُمُونَ أَنْ لَا قَدَر وَأَنَّ الْأَمْرَ أُنُفٌ )
هُوَ بِضَمِّ الْهَمْزَة وَالنُّون أَيْ : مُسْتَأْنَفٌ لَمْ يَسْبِقْ بِهِ قَدَرٌ وَلَا عِلْمٌ مِنْ اللَّه تَعَالَى ، وَإِنَّمَا يَعْلَمُهُ بَعْد وُقُوعه كَمَا قَدَّمْنَا حِكَايَته عَنْ مَذْهَبهمْ الْبَاطِل ، وَهَذَا الْقَوْل قَوْل غُلَاتهمْ وَلَيْسَ قَوْلَ جَمِيعِ الْقَدَرِيَّة ، وَكَذَبَ قَائِلُهُ وَضَلَّ وَافْتَرَى . عَافَانَا اللَّهُ وَسَائِرَ الْمُسْلِمِينَ .
قَوْله : ( قَالَ يَعْنِي اِبْن عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا فَإِذَا لَقِيت أُولَئِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنِّي بَرِيء مِنْهُمْ وَأَنَّهُمْ بُرَآء مِنِّي ، وَاَلَّذِي يَحْلِف بِهِ عَبْد اللَّه بْن عُمَر لَوْ أَنَّ لِأَحَدِهِمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا فَأَنْفِقْهُ مَا قَبِلَ اللَّه مِنْهُ حَتَّى يُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ )
هَذَا الَّذِي قَالَهُ اِبْن عُمَرَ رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا ظَاهِر فِي تَكْفِيرِهِ الْقَدَرِيَّةَ . قَالَ الْقَاضِي عِيَاض - رَحِمَهُ اللَّه - : هَذَا فِي الْقَدَرِيَّةِ الْأُوَلِ الَّذِينَ نَفَوْا تَقَدُّمَ عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى بِالْكَائِنَاتِ ، قَالَ : وَالْقَائِل بِهَذَا كَافِرٌ بِلَا خِلَاف ، وَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ يُنْكِرُونَ الْقَدَر هُمْ الْفَلَاسِفَة فِي الْحَقِيقَة ، قَالَ غَيْره : وَيَجُوز أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِهَذَا الْكَلَام التَّكْفِيرَ الْمُخْرِجَ مِنْ الْمِلَّة فَيَكُون مِنْ قَبِيل كُفْرَان النِّعَم . إِلَّا أَنَّ قَوْله : مَا قَبِلَهُ اللَّه مِنْهُ ، ظَاهِر فِي التَّفْكِير ؛ فَإِنَّ إِحْبَاط الْأَعْمَال إِنَّمَا يَكُون بِالْكُفْرِ إِلَّا أَنَّهُ يَجُوز أَنْ يُقَال فِي الْمُسْلِم لَا يُقْبَل عَمَله لِمَعْصِيَتِهِ وَإِنْ كَانَ صَحِيحًا ، كَمَا أَنَّ الصَّلَاة فِي الدَّار الْمَغْصُوبَة صَحِيحَة غَيْر مُحْوِجَة إِلَى الْقَضَاء عِنْد جَمَاهِير الْعُلَمَاء بَلْ بِإِجْمَاعِ السَّلَف وَهِيَ غَيْر مَقْبُولَة فَلَا ثَوَاب فِيهَا عَلَى الْمُخْتَار عِنْد أَصْحَابنَا وَاَللَّه أَعْلَمُ . وَقَوْله : فَأَنْفَقَهُ ، يَعْنِي فِي سَبِيل اللَّه تَعَالَى ، أَيْ طَاعَته كَمَا جَاءَ فِي رِوَايَة أُخْرَى . قَالَ نَفْطَوَيْهِ : سُمِّيَ الذَّهَبُ ذَهَبًا لِأَنَّهُ يَذْهَب وَلَا يَبْقَى .
قَوْله : ( لَا يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ )
ضَبَطْنَاهُ بِالْيَاءِ الْمُثَنَّاة مِنْ تَحْت الْمَضْمُومَة . وَكَذَلِكَ ضَبَطْنَاهُ فِي الْجَمْع بَيْن الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْره . وَضَبَطَهُ الْحَافِظ أَبُو حَازِم الْعَدَوِيُّ هُنَا ( نَرَى ) بِالنُّونِ الْمَفْتُوحَة ، وَكَذَا هُوَ فِي مُسْنَد أَبِي يَعْلَى الْمَوْصِلِيّ وَكِلَاهُمَا صَحِيح .
قَوْله : ( وَوَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ )
مَعْنَاهُ أَنَّ الرَّجُل الدَّاخِل وَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى فَخِذَيْ نَفْسِهِ وَجَلَسَ عَلَى هَيْئَة الْمُتَعَلِّم . وَاَللَّه أَعْلَمُ .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( الْإِسْلَام أَنْ تَشْهَد أَنْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُول اللَّه . وَالْإِيمَان أَنْ تُؤْمِن بِاَللَّهِ . . . إِلَى آخِره )
هَذَا قَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ وَإِيضَاحُهُ بِمَا يُغْنِي عَنْ إِعَادَته .
قَوْله : ( فَعَجِبْنَا لَهُ يَسْأَلُهُ وَيُصَدِّقُهُ ) سَبَب تَعَجُّبهمْ أَنَّ هَذَا خِلَاف عَادَة السَّائِل الْجَاهِل ، إِنَّمَا هَذَا كَلَام خَبِير بِالْمَسْئُولِ عَنْهُ ، وَلَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ الْوَقْت مَنْ يَعْلَم هَذَا غَيْر النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( الْإِحْسَانُ أَنْ تَعْبُد اللَّه كَأَنَّك تَرَاهُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاك )
هَذَا مِنْ جَوَامِع الْكَلِم الَّتِي أُوتِيهَا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَنَّا لَوْ قَدَّرْنَا أَنَّ أَحَدنَا قَامَ فِي عِبَادَة وَهُوَ يُعَايِن رَبّه سُبْحَانه وَتَعَالَى لَمْ يَتْرُكْ شَيْئًا مِمَّا يَقْدِر عَلَيْهِ مِنْ الْخُضُوع وَالْخُشُوع وَحُسْن السَّمْت وَاجْتِمَاعه بِظَاهِرِهِ وَبَاطِنه عَلَى الِاعْتِنَاء بِتَتْمِيمِهَا عَلَى أَحْسَن وُجُوههَا إِلَّا أَتَى بِهِ فَقَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اُعْبُدْ اللَّه فِي جَمِيع أَحْوَالك كَعِبَادَتِك فِي حَال الْعِيَان فَإِنَّ التَّتْمِيم الْمَذْكُور فِي حَال الْعِيَان إِنَّمَا كَانَ لِعِلْمِ الْعَبْد بِاطِّلَاعِ اللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى عَلَيْهِ فَلَا يُقْدِم الْعَبْد عَلَى تَقْصِير فِي هَذَا الْحَال لِلِاطِّلَاعِ عَلَيْهِ وَهَذَا الْمَعْنَى مَوْجُود مَعَ عَدَم رُؤْيَة الْعَبْد فَيَنْبَغِي أَنْ يُعْمَل بِمُقْتَضَاهُ فَمَقْصُودُ الْكَلَامِ الْحَثُّ عَلَى الْإِخْلَاص فِي الْعِبَادَة وَمُرَاقَبَةُ الْعَبْدِ رَبَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي إِتْمَام الْخُشُوع وَالْخُضُوع وَغَيْر ذَلِكَ . وَقَدْ نَدَبَ أَهْلُ الْحَقَائِقِ إِلَى مُجَالَسَة الصَّالِحِينَ لِيَكُونَ ذَلِكَ مَانِعًا مِنْ تَلَبُّسه بِشَيْءٍ مِنْ النَّقَائِص اِحْتِرَامًا لَهُمْ وَاسْتِحْيَاءً مِنْهُمْ فَكَيْفَ بِمَنْ لَا يَزَالُ اللَّه تَعَالَى مُطَّلِعًا عَلَيْهِ فِي سِرّه وَعَلَانِيَته ؟ ! ! .
قَالَ الْقَاضِي عِيَاض رَحِمَهُ اللَّه : وَهَذَا الْحَدِيث قَدْ اِشْتَمَلَ عَلَى شَرْح جَمِيع وَظَائِف الْعِبَادَات الظَّاهِرَة وَالْبَاطِنَة مِنْ عُقُود الْإِيمَان وَأَعْمَال الْجَوَارِح وَإِخْلَاص السَّرَائِر وَالتَّحَفُّظ مِنْ آفَات الْأَعْمَال حَتَّى إِنَّ عُلُوم الشَّرِيعَة كُلّهَا رَاجِعَة إِلَيْهِ وَمُتَشَبِّعَة مِنْهُ قَالَ : وَعَلَى هَذَا الْحَدِيث وَأَقْسَامه الثَّلَاثَة أَلَّفْنَا كِتَابنَا الَّذِي سَمَّيْنَاهُ بِالْمَقَاصِدِ الْحِسَان فِيمَا يَلْزَم الْإِنْسَانَ إِذْ لَا يَشِذُّ شَيْءٌ مِنْ الْوَاجِبَات وَالسُّنَن وَالرَّغَائِب وَالْمَحْظُورَات وَالْمَكْرُوهَات عَنْ أَقْسَامه الثَّلَاثَة . وَاَللَّه أَعْلَمُ .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَا الْمَسْئُول عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنْ السَّائِل )
فِيهِ أَنَّهُ يَنْبَغِي لِلْعَالِمِ وَالْمُفْتِي وَغَيْرهمَا إِذَا سُئِلَ عَمَّا لَا يَعْلَم أَنْ يَقُول : لَا أَعْلَمُ ، وَأَنَّ ذَلِكَ لَا يَنْقُصهُ بَلْ يُسْتَدَلّ بِهِ عَلَى وَرَعه وَتَقْوَاهُ وَوُفُور عِلْمه . وَقَدْ بَسَطْت هَذَا بِدَلَائِلِهِ وَشَوَاهِده وَمَا يَتَعَلَّق بِهِ فِي مُقَدِّمَة شَرْح الْمُهَذَّب الْمُشْتَمِلَة عَلَى أَنْوَاع مِنْ الْخَيْر لَا بُدّ لِطَالِبِ الْعِلْم مِنْ مَعْرِفَة مِثْلهَا وَإِدَامَة النَّظَر فِيهِ وَاَللَّه أَعْلَمُ .
قَوْله : ( فَأَخْبِرْنِي عَنْ أَمَارَاتهَا )
هُوَ بِفَتْحِ الْهَمْزَة وَالْأَمَارَة وَالْأَمَار بِإِثْبَاتِ الْهَاء وَحَذْفِهَا هِيَ الْعَلَامَةُ .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَنْ تَلِدَ الْأَمَةُ رَبَّتَهَا )
وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى : رَبَّهَا عَلَى التَّذْكِير ، وَفِي الْأُخْرَى : بَعْلَهَا وَقَالَ يَعْنِي السَّرَارِيّ . وَمَعْنَى رَبّهَا وَرَبَّتهَا . سَيِّدهَا وَمَالِكهَا وَسَيِّدَتهَا وَمَالِكَتهَا قَالَ الْأَكْثَرُونَ مِنْ الْعُلَمَاء هُوَ إِخْبَار عَنْ كَثْرَة السَّرَارِيّ وَأَوْلَادهنَّ ؛ فَإِنَّ وَلَدهَا مِنْ سَيِّدهَا بِمَنْزِلَةِ سَيِّدهَا ؛ لِأَنَّ مَال الْإِنْسَان صَائِر إِلَى وَلَده ، وَقَدْ يَتَصَرَّف فِيهِ فِي الْحَال تَصَرُّفَ الْمَالِكِينَ ، إِمَّا بِتَصْرِيحِ أَبِيهِ لَهُ بِالْإِذْنِ ، وَإِمَّا بِمَا يَعْلَمهُ بِقَرِينَةِ الْحَال أَوْ عُرْفِ الِاسْتِعْمَالِ . وَقِيلَ : مَعْنَاهُ أَنَّ الْإِمَاء يَلِدْنَ الْمُلُوكَ فَتَكُون أُمُّهُ مِنْ جُمْلَة رَعِيَّته وَهُوَ سَيِّدهَا وَسَيِّد غَيْرهَا مِنْ رَعِيَّته ، وَهَذَا قَوْل إِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ ، وَقِيلَ : مَعْنَاهُ أَنَّهُ تَفْسُد أَحْوَال النَّاس فَيَكْثُرُ بَيْع أُمَّهَات الْأَوْلَاد فِي آخِر الزَّمَان فَيَكْثُر تَرْدَادُهَا فِي أَيْدِي الْمُشْتَرِينَ حَتَّى يَشْتَرِيَهَا اِبْنُهَا وَلَا يَدْرِي ، وَيُحْتَمَل عَلَى هَذَا الْقَوْل أَنْ لَا يَخْتَصَّ هَذَا بِأُمَّهَاتِ الْأَوْلَاد فَإِنَّهُ مُتَصَوَّرٌ فِي غَيْرهنَّ ؛ فَإِنَّ الْأَمَة تَلِد وَلَدًا حُرًّا مِنْ غَيْر سَيِّدهَا بِشُبْهَةٍ ، أَوْ وَلَدًا رَقِيقًا بِنِكَاحٍ أَوْ زِنًا ثُمَّ تُبَاع الْأَمَةُ فِي الصُّورَتَيْنِ بَيْعًا صَحِيحًا وَتَدُور فِي الْأَيْدِي حَتَّى يَشْتَرِيَهَا وَلَدُهَا وَهَذَا أَكْثَرُ وَأَعَمُّ مِنْ تَقْدِيره فِي أُمَّهَات الْأَوْلَاد . وَقِيلَ فِي مَعْنَاهُ غَيْر مَا ذَكَرْنَاهُ . وَلَكِنَّهَا أَقْوَال ضَعِيفَة جِدًّا أَوْ فَاسِدَة فَتَرَكْتهَا .
وَأَمَّا بَعْلهَا فَالصَّحِيح فِي مَعْنَاهُ أَنَّ الْبَعْل هُوَ الْمَالِك أَوْ السَّيِّد فَيَكُون بِمَعْنَى رَبّهَا عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ . قَالَ أَهْل اللُّغَة بَعْلُ الشَّيْءِ رَبُّهُ وَمَالِكُهُ . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا وَالْمُفَسِّرُونَ فِي قَوْله - سُبْحَانه وَتَعَالَى - { أَتَدْعُونَ بَعْلًا } أَيْ : رَبًّا . وَقِيلَ : الْمُرَاد بِالْبَعْلِ فِي الْحَدِيث : الزَّوْج وَمَعْنَاهُ نَحْو مَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ يَكْثُر بَيْع السَّرَارِيّ حَتَّى يَتَزَوَّج الْإِنْسَان أُمَّهُ وَهُوَ لَا يَدْرِي . وَهَذَا أَيْضًا مَعْنًى صَحِيحٌ إِلَّا أَنَّ الْأَوَّل أَظْهَرُ ؛ لِأَنَّهُ إِذَا أَمْكَنَ حَمْلُ الرِّوَايَتَيْنِ فِي الْقَضِيَّة الْوَاحِدَة عَلَى مَعْنًى وَاحِدٍ كَانَ أَوْلَى . وَاَللَّه أَعْلَمُ .
وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْحَدِيث لَيْسَ فِيهِ دَلِيل عَلَى إِبَاحَة بَيْع أُمَّهَات الْأَوْلَاد ، وَلَا مَنْع بَيْعِهِنَّ . وَقَدْ اِسْتَدَلَّ إِمَامَانِ مِنْ كِبَار الْعُلَمَاء بِهِ عَلَى ذَلِكَ ، فَاسْتَدَلَّ أَحَدهمَا عَلَى الْإِبَاحَة وَالْآخَر عَلَى الْمَنْع وَذَلِكَ عَجَبٌ مِنْهُمَا . وَقَدْ أُنْكِرَ عَلَيْهِمَا فَإِنَّهُ لَيْسَ كُلّ مَا أَخْبَرَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكَوْنِهِ مِنْ عَلَامَات السَّاعَة يَكُون مُحَرَّمًا أَوْ مَذْمُومًا ، فَإِنَّ تَطَاوُلَ الرِّعَاءِ فِي الْبُنْيَان . وَفُشُوَّ الْمَالِ ، وَكَوْنَ خَمْسِينَ اِمْرَأَةً لَهُنَّ قَيِّمٌ وَاحِدٌ لَيْسَ بِحَرَامٍ بِلَا شَكٍّ ، وَإِنَّمَا هَذِهِ عَلَامَات وَالْعَلَامَة لَا يُشْتَرَط فِيهَا شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ ؛ بَلْ تَكُون بِالْخَيْرِ وَالشَّرّ وَالْمُبَاح وَالْمُحَرَّم وَالْوَاجِب وَغَيْره وَاَللَّه أَعْلَمُ .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَأَنْ تَرَى الْحُفَاةَ الْعُرَاةَ الْعَالَةَ رِعَاءَ الشَّاءِ يَتَطَاوَلُونَ فِي الْبُنْيَانِ )
أَمَّا ( الْعَالَة ) فَهُمْ الْفُقَرَاء ، وَالْعَائِلُ الْفَقِيرُ ، وَالْعَيْلَة الْفَقْر ، وَعَالَ الرَّجُل يَعِيلُ عَيْلَةً أَيْ اِفْتَقَرَ . وَالرِّعَاء بِكَسْرِ الرَّاء وَبِالْمَدِّ ، وَيُقَال فِيهِمْ ( رُعَاة ) بِضَمِّ الرَّاء وَزِيَادَة الْهَاء بِلَا مَدٍّ وَمَعْنَاهُ أَنَّ أَهْل الْبَادِيَة وَأَشْبَاههمْ مِنْ أَهْل الْحَاجَة وَالْفَاقَة تُبْسَط لَهُمْ الدُّنْيَا حَتَّى يَتَبَاهَوْنَ فِي الْبُنْيَان . وَاَللَّه أَعْلَمُ .
قَوْله ( فَلَبِثَ مَلِيًّا )
هَكَذَا ضَبَطْنَاهُ لَبِثَ آخِرَهُ ثَاء مُثَلَّثَة مِنْ غَيْرِ تَاءٍ . وَفِي كَثِير مِنْ الْأُصُول الْمُحَقَّقَة ( لَبِثْت ) بِزِيَادَةِ تَاء الْمُتَكَلِّم وَكِلَاهُمَا صَحِيح . وَأَمَّا ( مَلِيًّا ) بِتَشْدِيدِ الْيَاء فَمَعْنَاهُ وَقْتًا طَوِيلًا . وَفِي رِوَايَة أَبِي دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيّ أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ بَعْد ثَلَاث . وَفِي شَرْح السُّنَّة لِلْبَغَوِيِّ ( بَعْد ثَالِثَة ) وَظَاهِر هَذَا : أَنَّهُ بَعْد ثَلَاث لَيَالٍ . وَفِي ظَاهِر هَذَا مُخَالَفَة لِقَوْلِهِ فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة بَعْد هَذَا ثُمَّ أَدْبَرَ الرَّجُل فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " رُدُّوا عَلَيَّ الرَّجُل ، فَأَخَذُوا لِيَرُدُّوهُ فَلَمْ يَرَوْا شَيْئًا ، فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " هَذَا جِبْرِيل " ، فَيُحْتَمَل الْجَمْع بَيْنهمَا أَنَّ عُمَر - رَضِيَ اللَّه عَنْهُ - لَمْ يَحْضُر قَوْل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُمْ فِي الْحَال بَلْ كَانَ قَدْ قَامَ مِنْ الْمَجْلِس ، فَأَخْبَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحَاضِرِينَ فِي الْحَال ، وَأَخْبَرَ عُمَر - رَضِيَ اللَّه عَنْهُ - بَعْد ثَلَاث إِذْ لَمْ يَكُنْ حَاضِرًا وَقْت إِخْبَار الْبَاقِينَ . وَاَللَّه أَعْلَمُ .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( هَذَا جِبْرِيل أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ )
فِيهِ أَنَّ الْإِيمَان وَالْإِسْلَام وَالْإِحْسَان تُسَمَّى كُلُّهَا دِينًا . وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْحَدِيث يَجْمَع أَنْوَاعًا مِنْ الْعُلُوم وَالْمَعَارِف وَالْآدَاب وَاللَّطَائِف بَلْ هُوَ أَصْل الْإِسْلَام كَمَا حَكَيْنَاهُ عَنْ الْقَاضِي عِيَاض ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي ضِمْنِ الْكَلَام فِيهِ جُمَلٌ مِنْ فَوَائِده وَمِمَّا لَمْ نَذْكُرهُ مِنْ فَوَائِده أَنَّ فِيهِ أَنَّهُ يَنْبَغِي لِمَنْ حَضَرَ مَجْلِس الْعَالِم إِذَا عَلِمَ بِأَهْلِ الْمَجْلِسِ حَاجَةً ، إِلَى مَسْأَلَةٍ لَا يَسْأَلُونَ عَنْهَا أَنْ يَسْأَلَ هُوَ عَنْهَا لِيَحْصُلَ الْجَوَابُ لِلْجَمِيعِ . وَفِيهِ أَنَّهُ يَنْبَغِي لِلْعَالِمِ أَنْ يَرْفُقَ بِالسَّائِلِ ، وَيُدْنِيَهُ مِنْهُ ، لِيَتَمَكَّن مِنْ سُؤَاله غَيْرَ هَائِبٍ وَلَا مُنْقَبِضٍ .
وَأَنَّهُ يَنْبَغِي لِلسَّائِلِ أَنْ يَرْفُق فِي سُؤَاله . وَاَللَّه أَعْلَمُ .
قَوْله : ( حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عُبَيْد الْغُبَرِيّ وَأَبُو كَامِل الْجَحْدَرِيُّ وَأَحْمَد بْن عَبْدَة )
أَمَّا ( الْغُبَرِيّ ) فَبِضَمِّ الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَة وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ وَاضِحًا فِي أَوَّل مُقَدِّمَةِ الْكِتَاب ، وَ ( الْجَحْدَرِيّ ) اِسْمه الفُضَيْل بْن حُسَيْن وَهُوَ بِفَتْحِ الْجِيم وَبَعْدهَا حَاء سَاكِنَة ، وَتَقَدَّمَ أَيْضًا بَيَانُهُ فِي الْمُقَدِّمَة ، وَ ( عَبْدَة ) بِإِسْكَانِ الْبَاء وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْفُصُول بَيَان عَبْدَة وَعُبَيْدَة . وَفِي هَذَا الْإِسْنَاد
( مَطَر الْوَرَّاق )
هُوَ مَطَر بْن طَهْمَان أَبُو رَجَاء الْخُرَسَانِيّ سَكَنَ الْبَصْرَة كَانَ يَكْتُب الْمَصَاحِف فَقِيلَ لَهُ الْوَرَّاق .
قَوْله : ( فَحَجَجْنَا حِجَّةً )
هِيَ بِكَسْرِ الْحَاء وَفَتْحِهَا لُغَتَانِ فَالْكَسْر هُوَ الْمَسْمُوع مِنْ الْعَرَب ، وَالْفَتْح هُوَ الْقِيَاس ، كَالضَّرْبَةِ وَشِبْههَا كَذَا قَالَهُ أَهْل اللُّغَة .
قَوْله : ( عُثْمَان بْن غِيَاث )
هُوَ بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَة .
وَ ( حَجَّاج بْن الشَّاعِر )
هُوَ حَجَّاج بْن يُوسُف بْن حَجَّاج الثَّقَفِيّ أَبُو مُحَمَّد الْبَغْدَادِيّ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَائِلِ الْكِتَابِ بَيَانُهُ وَاتِّفَاقُهُ مَعَ الْحَجَّاج بْن يُوسُف الْوَالِي الظَّالِم الْمَعْرُوف وَافْتِرَاقُهُ .
وَفِي الْإِسْنَاد يُونُس وَقَدَّمَ تَقَدَّمَ فِيهِ سِتُّ لُغَاتٍ ضَمُّ النُّون وَكَسْرهَا وَفَتْحهَا مَعَ الْهَمْز فِيهِنَّ وَتَرْكِهِ .


10 - قَوْله فِي الْإِسْنَاد الْآخَر : ( أَبُو بَكْر بْن أَبِي شَيْبَة ، وَإِسْمَاعِيل بْن عُلَيَّة )
وَهُوَ إِسْمَاعِيل بْن إِبْرَاهِيم فِي الطَّرِيق الْأُخْرَى . وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانه وَبَيَان حَال أَبِي بَكْر بْن أَبِي شَيْبَة وَحَال أَخِيهِ عُثْمَان وَأَبِيهِمَا مُحَمَّد وَجَدِّهِمَا أَبِي شَيْبَة إِبْرَاهِيم وَأَخِيهِمَا الْقَاسِم ، وَأَنَّ اِسْمَ أَبِي بَكْرٍ عَبْدُ اللَّهِ . وَاَللَّه أَعْلَمُ .
هَذَا الْإِسْنَاد ( أَبُو حَيَّان عَنْ أَبِي زُرْعَة بْن عُمَر وَابْن جَرِير بْن عَبْد اللَّه الْبَجَلِيِّ )
فَأَبُو حَيَّان بِالْمُثَنَّاةِ تَحْت وَاسْمه يَحْيَى بْن سَعِيد بْن حَيَّان التَّيْمِيُّ تَيْم الرَّبَاب الْكُوفِيّ .
وَأَمَّا ( أَبُو زُرْعَة ) فَاسْمه هَرَم وَقِيلَ عَمْرو بْن عَمْرو ، وَقِيلَ عُبَيْد اللَّه ، وَقِيلَ عَبْد الرَّحْمَن .
قَوْله : ( كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا بَارِزًا )
أَيْ : ظَاهِرًا وَمِنْهُ قَوْل اللَّه تَعَالَى { وَتَرَى الْأَرْض بَارِزَة } { وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا } { وَبُرِّزَتْ الْجَحِيمُ } { وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ } .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَنْ تُؤْمِن بِاَللَّهِ وَلِقَائِهِ وَتُؤْمِن بِالْبَعْثِ الْآخِر )
هُوَ بِكَسْرِ الْخَاء . وَاخْتُلِفَ فِي الْمُرَاد بِالْجَمْعِ بَيْن الْإِيمَان بِلِقَاءِ اللَّه تَعَالَى وَالْبَعْث فَقِيلَ : اللِّقَاء يَحْصُل بِالِانْتِقَالِ إِلَى دَار الْجَزَاء ، وَالْبَعْث بَعْده عِنْد قِيَام السَّاعَة . وَقِيلَ : اللِّقَاء مَا يَكُون بَعْد الْبَعْث عِنْد الْحِسَاب ، ثُمَّ لَيْسَ الْمُرَاد بِاللِّقَاءِ رُؤْيَة اللَّه تَعَالَى فَإِنَّ أَحَدًا لَا يَقْطَع لِنَفْسِهِ بِرُؤْيَةِ اللَّه تَعَالَى لِأَنَّ الرُّؤْيَة مُخْتَصَّة بِالْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَدْرِي الْإِنْسَانُ بِمَاذَا يُخْتَمُ لَهُ .
وَأَمَّا وَصْفُ الْبَعْثِ بِالْآخِرِ فَقِيلَ : هُوَ مُبَالَغَةٌ فِي الْبَيَان وَالْإِيضَاح وَذَلِكَ لِشِدَّةِ الِاهْتِمَام بِهِ ، وَقِيلَ سَبَبه أَنَّ خُرُوج الْإِنْسَان إِلَى الدُّنْيَا بَعْثٌ مِنْ الْأَرْحَام ، وَخُرُوجه مِنْ الْقَبْر لِلْحَشْرِ بَعْثٌ مِنْ الْأَرْض . فَقَيَّدَ الْبَعْثَ بِالْآخِرِ لِيَتَمَيَّزَ . وَاَللَّه أَعْلَمُ .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( الْإِسْلَام أَنْ تَعْبُد اللَّهَ لَا تُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا ، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ ... إِلَى آخِره )
أَمَّا الْعِبَادَة فَهِيَ الطَّاعَة مَعَ خُضُوع ، فَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِالْعِبَادَةِ هُنَا مَعْرِفَةَ اللَّه تَعَالَى وَالْإِقْرَار . فَعَلَى هَذَا يَكُون عَطْف الصَّلَاة وَالصَّوْم وَالزَّكَاة عَلَيْهَا لِإِدْخَالِهَا فِي الْإِسْلَام ؛ فَإِنَّهَا لَمْ تَكُنْ دَخَلَتْ فِي الْعِبَادَة ، وَعَلَى هَذَا إِنَّمَا اِقْتَصَرَ عَلَى هَذِهِ الثَّلَاث لِكَوْنِهَا مِنْ أَرْكَان الْإِسْلَام ، وَأَظْهَر شَعَائِرِهِ ، وَالْبَاقِي مُلْحَق بِهَا . وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِالْعِبَادَةِ الطَّاعَة مُطْلَقًا فَيَدْخُل جَمِيع وَظَائِف الْإِسْلَام فِيهَا . فَعَلَى هَذَا يَكُون عَطْف الصَّلَاة وَغَيْرهَا مِنْ بَاب ذِكْر الْخَاصّ بَعْد الْعَامّ تَنْبِيهًا عَلَى شَرَفه وَمَزِيَّته ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَإِذْ أَخَذْنَا مِنْ النَّبِيِّينَ مِيثَاقهمْ وَمِنْك وَمِنْ نُوح } وَنَظَائِره .
وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا تُشْرِك بِهِ ) فَإِنَّمَا ذَكَرَهُ بَعْد الْعِبَادَة ؛ لِأَنَّ الْكُفَّار كَانُوا يَعْبُدُونَهُ سُبْحَانه وَتَعَالَى فِي الصُّورَة ، وَيَعْبُدُونَ مَعَهُ أَوْثَانًا يَزْعُمُونَ أَنَّهَا شُرَكَاء ، فَنَفَى هَذَا . وَاَللَّه أَعْلَمُ .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَتُقِيم الصَّلَاة الْمَكْتُوبَة ، وَتُؤَدِّي الزَّكَاة الْمَفْرُوضَة ، وَتَصُوم رَمَضَان ) أَمَّا تَقْيِيد الصَّلَاة بِالْمَكْتُوبَةِ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى : { إِنَّ الصَّلَاة كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا } وَقَدْ جَاءَ فِي أَحَادِيث وَصْفُهَا بِالْمَكْتُوبَةِ كَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاة فَلَا صَلَاة إِلَّا الْمَكْتُوبَة وَأَفْضَل الصَّلَاة بَعْد الْمَكْتُوبَة صَلَاة اللَّيْل وَخَمْس صَلَوَات كَتَبَهُنَّ اللَّه " وَأَمَّا تَقْيِيد الزَّكَاة بِالْمَفْرُوضَةِ وَهِيَ الْمُقَدَّرَة فَقِيلَ اِحْتِرَاز مِنْ الزَّكَاة الْمُعَجَّلَة قَبْل الْحَوْل فَإِنَّهَا زَكَاة وَلَيْسَتْ مَفْرُوضَةً . وَقِيلَ : إِنَّمَا فَرَّقَ بَيْن الصَّلَاة وَالزَّكَاة فِي التَّقْيِيد لِكَرَاهَةِ تَكْرِير اللَّفْظ الْوَاحِد ، وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُونَ تَقْيِيد الزَّكَاة بِالْمَفْرُوضَةِ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ صَدَقَة التَّطَوُّع فَإِنَّهَا زَكَاة لُغَوِيَّة .
وَأَمَّا مَعْنَى إِقَامَة الصَّلَاة فَقِيلَ فِيهِ قَوْلَانِ : أَحَدهمَا : أَنَّهُ إِدَامَتهَا وَالْمُحَافَظَة عَلَيْهَا ،
وَالثَّانِي : إِتْمَامهَا عَلَى وَجْههَا . قَالَ أَبُو عَلِيّ الْفَارِسِيّ : وَالْأَوَّل أَشْبَهُ . قُلْت : وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيح أَنَّ رَسُول صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " اِعْتَدِلُوا فِي الصُّفُوف فَإِنَّ تَسْوِيَة الصَّفّ مِنْ إِقَامَة الصَّلَاة " مَعْنَاهُ وَاَللَّه أَعْلَمُ : مِنْ إِقَامَتهَا الْمَأْمُور بِهَا فِي قَوْله تَعَالَى { وَأَقِيمُوا الصَّلَاة } وَهَذَا يُرَجِّح الْقَوْل الثَّانِيَ . وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( وَتَصُوم رَمَضَان )
فَفِيهِ حُجَّةٌ لِمَذْهَبِ الْجَمَاهِيرِ وَهُوَ الْمُخْتَار الصَّوَاب أَنَّهُ لَا كَرَاهَة فِي قَوْل رَمَضَان مِنْ غَيْر تَقْيِيد بِالشَّهْرِ خِلَافًا لِمَنْ كَرِهَهُ وَسَتَأْتِي الْمَسْأَلَة فِي كِتَاب الصِّيَام إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى - مُوَضَّحَة بِدَلَائِلِهَا وَشَوَاهِدهَا وَاَللَّه أَعْلَمُ .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( سَأُحَدِّثُك عَنْ أَشْرَاطهَا )
هِيَ بِفَتْحِ الْهَمْزَة . وَاحِدهَا ( شَرَط ) بِفَتْحِ الشِّينِ وَالرَّاءِ ، وَالْأَشْرَاط : الْعَلَامَات . وَقِيلَ : مُقَدِّمَاتهَا وَقِيلَ : صِغَار أُمُورهَا قَبْل تَمَامهَا وَكُلّه مُتَقَارِب .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( وَإِذَا تَطَاوَلَ رِعَاء الْبَهْمِ )
هُوَ بِفَتْحِ الْبَاء وَإِسْكَان الْهَاء وَهِيَ الصِّغَار مِنْ أَوْلَاد الْغَنَم ، الضَّأْن وَالْمَعْز جَمِيعًا . وَقِيلَ : أَوْلَاد الضَّأْن خَاصَّةً . وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ الْجَوْهَرِيّ فِي صِحَاحه ، وَالْوَاحِدَة بَهْمَة . قَالَ الْجَوْهَرِيّ : وَهِيَ تَقَع عَلَى الْمُذَكَّرِ وَالْمُؤَنَّثِ . وَالسِّخَالُ أَوْلَادُ الْمِعْزَى . قَالَ : فَإِذَا جَمَعْت بَيْنهمَا قُلْت بِهَامٌ وَبَهْمٌ أَيْضًا . وَقِيلَ : إِنَّ الْبَهْمَ يَخْتَصّ بِأَوْلَادِ الْمَعْز . وَإِلَيْهِ أَشَارَ الْقَاضِي عِيَاض بِقَوْلِهِ : وَقَدْ يَخْتَصّ بِالْمَعْزِ .
وَأَصْله كُلّ مَا اِسْتَبْهَمَ عَنْ الْكَلَام ، وَمِنْهُ الْبَهِيمَة . وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْبُخَارِيّ ( رِعَاء الْإِبِل الْبُهْم ) بِضَمِّ الْبَاء . وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاض رَحِمَهُ اللَّه : وَرَوَاهُ بَعْضهمْ بِفَتْحِهَا ، وَلَا وَجْه لَهُ مَعَ ذِكْر الْإِبِلِ . قَالَ : وَرُوِّينَاهُ بِرَفْعِ الْمِيم وَجَرِّهَا فَمَنْ رَفَعَ جَعَلَهُ صِفَةً لِرِعَاءٍ أَيْ أَنَّهُمْ سُود . وَقِيلَ : لَا شَيْء لَهُمْ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : هُوَ جَمْع بَهِيم وَهُوَ الْمَجْهُول الَّذِي لَا يُعْرَف ، وَمِنْهُ أَبْهَمَ الْأَمْر . وَمَنْ جَرَّ الْمِيم جَعَلَهُ صِفَة لِلْإِبِلِ : أَيْ السُّود لِرَدَاءَتِهَا وَاَللَّه أَعْلَمُ .
قَوْله : ( يَعْنِي السَّرَارِيّ )
هُوَ بِتَشْدِيدِ الْيَاء ، وَيَجُوز تَخْفِيفهَا لُغَتَانِ مَعْرُوفَتَانِ الْوَاحِدَة سُرِّيَّة بِالتَّشْدِيدِ لَا غَيْر . قَالَ اِبْن السِّكِّيت فِي إِصْلَاح الْمَنْطِق : كُلّ مَا كَانَ وَاحِده مُشَدَّدًا مِنْ هَذَا النَّوْع جَازَ فِي جَمْعِهِ التَّشْدِيد وَالتَّخْفِيف وَالسُّرِّيَّة : الْجَارِيَة الْمُتَّخَذَة لِلْوَطْءِ . مَأْخُوذَة مِنْ السِّرّ وَهُوَ النِّكَاح . قَالَ الْأَزْهَرِيّ : السُّرِّيَّة فُعْلِيَّة مِنْ السِّرّ وَهُوَ النِّكَاح . قَالَ : وَكَانَ أَبُو الْهَيْثَم يَقُول : السُّرُّ السُّرُور فَقِيلَ لَهَا سُرِّيَّة لِأَنَّهَا سُرُورُ مَالِكِهَا . قَالَ الْأَزْهَرِيّ : وَهَذَا الْقَوْل أَحْسَنُ ، وَالْأَوَّل أَكْثَرُ .


11 - قَوْله : ( عَنْ عُمَارَة وَهُوَ اِبْن الْقَعْقَاع )
فَعُمَارَة بِالضَّمِّ وَالْقَعْقَاع بِفَتْحِ الْقَافِ الْأُولَى وَقَوْله ( وَهُوَ اِبْن ) قَدْ قَدَّمْنَا بَيَانَ فَائِدَتِهِ فِي الْفُصُول وَفِي الْمُقَدِّمَة وَأَنَّهُ لَمْ يَقَع فِي الرِّوَايَة نَسَبُهُ فَأَرَادَ بَيَانَهُ بِحَيْثُ لَا يَزِيد فِي الرِّوَايَة عَلَى مَا سَمِعَ وَاَللَّه أَعْلَمُ .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( سَلُونِي )
هَذَا لَيْسَ بِمُخَالِفٍ لِلنَّهْيِ عَنْ سُؤَاله ؛ فَإِنَّ هَذَا الْمَأْمُور بِهِ هُوَ فِيمَا يُحْتَاج إِلَيْهِ وَهُوَ مُوَافِقٌ لِقَوْلِ اللَّه تَعَالَى : { فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ } .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَإِذَا رَأَيْت الْحُفَاةَ الْعُرَاةَ الصُّمّ الْبُكْم مُلُوك الْأَرْض فَذَاكَ مِنْ أَشْرَاطهَا )
الْمُرَاد بِهِمْ الْجَهَلَة السَّفَلَة الرِّعَاع كَمَا قَالَ سُبْحَانه وَتَعَالَى : { صُمّ بُكْم عُمْي } أَيْ لَمَّا لَمْ يَنْتَفِعُوا بِجَوَارِحِهِمْ هَذِهِ فَكَأَنَّهُمْ عَدِمُوهَا هَذَا هُوَ الصَّحِيح فِي مَعْنَى الْحَدِيث . وَاَللَّه أَعْلَمُ .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( هَذَا جِبْرِيل أَرَادَ أَنْ تَعَلَّمُوا إِذْ لَمْ تَسْأَلُوا )
ضَبَطْنَاهُ عَلَى وَجْهَيْنِ أَحَدهمَا ( تَعَلَّمُوا ) بِفَتْحِ التَّاء وَالْعَيْن وَتَشْدِيد اللَّام أَيْ تَتَعَلَّمُوا ، وَالثَّانِي : تَعَلَّمُوا بِإِسْكَانِ الْعَيْن وَهُمَا صَحِيحَانِ . وَاَللَّه أَعْلَمُ .


12 - قَوْله : ( قُتَيْبَة بْن سَعِيد الثَّقَفِيّ )
اُخْتُلِفَ فِيهِ ، فَقِيلَ . قُتَيْبَة اِسْمه ، وَقِيلَ : بَلْ هُوَ لَقَب وَاسْمه عَلِيٌّ ، قَالَهُ أَبُو عَبْد اللَّه بْن مَنْدَهْ . وَقِيلَ : اِسْمه يَحْيَى . قَالَ اِبْن عَدِيّ . وَأَمَّا قَوْله ( الثَّقَفِيّ ) فَهُوَ مَوْلَاهُمْ قِيلَ : إِنَّ جَدَّهُ جَمِيلًا كَانَ مَوْلًى لِلْحَجَّاجِ بْن يُوسُف الثَّقَفِيّ .
وَفِيهِ ( أَبُو سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ )
اِسْم أَبِي سُهَيْلٍ نَافِعُ بْن مَالِكِ بْن أَبِي عَامِرٍ الْأَصْبَحِيّ ، وَنَافِع عَمّ مَالِك بْن أَنَس الْإِمَام ، وَهُوَ تَابِعِيّ سَمِعَ أَنَس بْن مَالِك .
قَوْله : ( رَجُل مِنْ أَهْل نَجْد ثَائِر الرَّأْس )
هُوَ بِرَفْعِ ثَائِر صِفَة لِرَجُلٍ وَقِيلَ يَجُوز نَصْبُهُ عَلَى الْحَال . وَمَعْنَى ثَائِر الرَّأْس قَائِمُ شَعْرِهِ مُنْتَفِشُهُ .
وَقَوْله : ( نَسْمَع دَوِيّ صَوْته وَلَا نَفْقَه مَا يَقُول )
رُوِيَ نَسْمَع وَنَفْقَه بِالنُّونِ الْمَفْتُوحَة فِيهِمَا ، وَرُوِيَ بِالْيَاءِ الْمُثَنَّاة مِنْ تَحْت الْمَضْمُومَة فِيهِمَا . وَالْأَوَّل هُوَ الْأَشْهَرُ الْأَكْثَرُ الْأَعْرَفُ .
وَأَمَّا ( دَوِيّ صَوْته ) فَهُوَ بُعْدُهُ فِي الْهَوَاء وَمَعْنَاهُ شِدَّةُ صَوْتٍ لَا يُفْهِمُ ، وَهُوَ بِفَتْحِ الدَّالِ وَكَسْرِ الْوَاوِ وَتَشْدِيد الْيَاء هَذَا هُوَ الْمَشْهُور . وَحَكَى صَاحِب ( الْمَطَالِع ) فِيهِ ضَمَّ الدَّالِ أَيْضًا .
قَوْله : ( هَلْ عَلَيَّ غَيْرهَا قَالَ : لَا . . . إِلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ )
الْمَشْهُور فِيهِ ( تَطَّوَّع ) بِتَشْدِيدِ الطَّاء عَلَى إِدْغَام إِحْدَى التَّاءَيْنِ فِي الطَّاء وَقَالَ الشَّيْخ أَبُو عَمْرو بْن الصَّلَاح رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى هُوَ مُحْتَمِل لِلتَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيف عَلَى الْحَذْف . قَالَ أَصْحَابنَا وَغَيْرهمْ مِنْ الْعُلَمَاء : قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِلَّا أَنْ تَطَّوَّع " اِسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ ، وَمَعْنَاهُ : لَكِنْ يُسْتَحَبّ لَك أَنْ تَطَّوَّع . وَجَعَلَهُ بَعْض الْعُلَمَاء اِسْتِثْنَاءً مُتَّصِلًا وَاسْتَدَلُّوا بِهِ عَلَى مَنْ شَرَعَ فِي صَلَاةِ نَفْلٍ أَوْ صَوْمِ نَفْلٍ وَجَبَ عَلَيْهِ إِتْمَامُهُ ، وَمَذْهَبنَا أَنَّهُ يُسْتَحَبّ الْإِتْمَام وَلَا يَجِب . وَاَللَّه أَعْلَمُ .
قَوْله : ( فَأَدْبَرَ الرَّجُل وَهُوَ يَقُول : وَاَللَّهِ لَا أَزِيد عَلَى هَذَا وَلَا أَنْقُصُ ، فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ )
قِيلَ : هَذَا الْفَلَاح رَاجِع إِلَى قَوْله لَا أَنْقُصُ خَاصَّة . وَالْأَظْهَر أَنَّهُ عَائِد إِلَى الْمَجْمُوع بِمَعْنَى أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَزِدْ وَلَمْ يَنْقُصْ كَانَ مُفْلِحًا لِأَنَّهُ أَتَى بِمَا عَلَيْهِ ، وَمَنْ أَتَى بِمَا عَلَيْهِ فَهُوَ مُفْلِحٌ ، وَلَيْسَ فِي هَذَا أَنَّهُ إِذَا أَتَى بِزَائِدٍ لَا يَكُون مُفْلِحًا لِأَنَّ هَذَا مِمَّا يُعْرَفُ بِالضَّرُورَةِ فَإِنَّهُ إِذَا أَفْلَحَ بِالْوَاجِبِ فَلَأَنْ يُفْلِحَ بِالْوَاجِبِ وَالْمَنْدُوبِ أَوْلَى . فَإِنْ قِيلَ : كَيْفَ قَالَ : لَا أَزِيد عَلَى هَذَا ، وَلَيْسَ فِي هَذَا الْحَدِيث جَمِيعُ الْوَاجِبَاتِ وَلَا الْمَنْهِيَّات الشَّرْعِيَّة وَلَا السُّنَن الْمَنْدُوبَات ؟ فَالْجَوَاب أَنَّهُ جَاءَ فِي رِوَايَة الْبُخَارِيّ فِي آخِر هَذَا الْحَدِيث زِيَادَةٌ تُوَضِّحُ الْمَقْصُود قَالَ : فَأَخْبَرَهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِشَرَائِعِ الْإِسْلَامِ ، فَأَدْبَرَ الرَّجُلُ وَهُوَ يَقُول : وَاَللَّه لَا أَزِيد وَلَا أَنْقُص مِمَّا فَرَضَ اللَّه - تَعَالَى - عَلَيَّ شَيْئًا . فَعَلَى عُمُوم قَوْله بِشَرَائِع الْإِسْلَام ، وَقَوْله : مِمَّا فَرَضَ اللَّه عَلَيَّ يَزُول الْإِشْكَال فِي الْفَرَائِض .
وَأَمَّا النَّوَافِل ، فَقِيلَ : يُحْتَمَل أَنَّ هَذَا كَانَ قَبْل شَرْعِهَا ، وَقِيلَ يُحْتَمَل أَنَّهُ أَرَادَ لَا أَزِيد فِي الْفَرْض بِتَغْيِيرِ صِفَته كَأَنَّهُ يَقُول لَا أُصَلِّي الظُّهْر خَمْسًا وَهَذَا تَأْوِيلٌ ضَعِيفٌ . وَيُحْتَمَل أَنَّهُ أَرَادَ أَنَّهُ لَا يُصَلِّي النَّافِلَة مَعَ أَنَّهُ لَا يُخِلُّ بِشَيْءٍ مِنْ الْفَرَائِض وَهَذَا مُفْلِحٌ بِلَا شَكٍّ وَإِنْ كَانَتْ مُوَاظَبَتُهُ عَلَى تَرْكِ السُّنَن مَذْمُومَة وَتُرَدّ بِهَا الشَّهَادَةُ إِلَّا أَنَّهُ لَيْسَ بِعَاصٍ بَلْ هُوَ مُفْلِحٌ نَاجٍ . وَاَللَّه أَعْلَمُ .
وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَمْ يَأْتِ فِي هَذَا الْحَدِيث ذِكْرُ الْحَجّ ، وَلَا جَاءَ ذِكْرُهُ فِي حَدِيث جِبْرِيل مِنْ رِوَايَة أَبِي هُرَيْرَة ، وَكَذَا غَيْر هَذَا مِنْ هَذِهِ الْأَحَادِيث لَمْ يُذْكَرْ فِي بَعْضهَا الصَّوْمُ ، وَلَمْ يُذْكَر فِي بَعْضهَا الزَّكَاةُ ، وَذُكِرَ فِي بَعْضهَا صِلَةُ الرَّحِمِ ، وَفِي بَعْضهَا أَدَاءُ الْخُمُسِ ، وَلَمْ يَقَع فِي بَعْضهَا ذِكْر الْإِيمَان ، فَتَفَاوَتَتْ هَذِهِ الْأَحَادِيث فِي عَدَد خِصَال الْإِيمَان زِيَادَةً وَنَقْصًا وَإِثْبَاتًا وَحَذْفًا . وَقَدْ أَجَابَ الْقَاضِي عِيَاض وَغَيْره رَحِمَهُمْ اللَّه عَنْهَا بِجَوَابٍ لَخَّصَهُ الشَّيْخ أَبُو عَمْرو بْن الصَّلَاح رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى وَهَذَّبَهُ فَقَالَ : لَيْسَ هَذَا بِاخْتِلَافٍ صَادِرٍ مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَلْ هُوَ مِنْ تَفَاوُتِ الرُّوَاةِ فِي الْحِفْظِ وَالضَّبْطِ ؛ فَمِنْهُمْ مَنْ قَصَّرَ فَاقْتَصَرَ عَلَى مَا حَفِظَهُ فَأَدَّاهُ وَلَمْ يَتَعَرَّض لِمَا زَادَهُ غَيْره بِنَفْيٍ وَلَا إِثْبَاتٍ إِنْ كَانَ اِقْتِصَاره عَلَى ذَلِكَ يُشْعِر بِأَنَّهُ الْكُلُّ فَقَدْ بَانَ بِمَا أَتَى بِهِ غَيْرُهُ مِنْ الثِّقَات أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِالْكُلِّ ، وَأَنَّ اِقْتِصَاره عَلَيْهِ كَانَ لِقُصُورِ حِفْظِهِ عَنْ تَمَامِهِ . أَلَا تَرَى حَدِيث النُّعْمَان بْن قَوْقَل الْآتِي قَرِيبًا اِخْتَلَفَتْ الرِّوَايَات فِي خِصَاله بِالزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَان مَعَ أَنَّ رَاوِي الْجَمِيع رَاوٍ وَاحِد وَهُوَ جَابِر بْن عَبْد اللَّه رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا فِي قَضِيَّة وَاحِدَة . ثُمَّ إِنَّ ذَلِكَ لَا يَمْنَع مِنْ إِيرَاد الْجَمِيع فِي الصَّحِيح لِمَا عُرِفَ فِي مَسْأَلَة زِيَادَة الثِّقَة مِنْ أَنَّا نَقْبَلُهَا هَذَا آخِر كَلَام الشَّيْخ وَهُوَ تَقْرِير حَسَن وَاَللَّه أَعْلَمُ .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَفْلَحَ وَأَبِيهِ إِنْ صَدَقَ )
هَذَا مِمَّا جَرَتْ عَادَتُهُمْ أَنْ يَسْأَلُوا عَنْ الْجَوَاب عَنْهُ مَعَ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاَللَّهِ " وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّ اللَّهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ " وَجَوَابه أَنَّ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَفْلَحَ وَأَبِيهِ " لَيْسَ هُوَ حَلِفًا إِنَّمَا هُوَ كَلِمَة جَرَتْ عَادَة الْعَرَب أَنْ تُدْخِلَهَا فِي كَلَامهَا غَيْرَ قَاصِدَةٍ بِهَا حَقِيقَةَ الْحَلِفِ . وَالنَّهْي إِنَّمَا وَرَدَ فِيمَنْ قَصَدَ حَقِيقَة الْحَلِف لِمَا فِيهِ مِنْ إِعْظَام الْمَحْلُوفِ بِهِ وَمُضَاهَاتِهِ بِهِ اللَّهَ سُبْحَانه وَتَعَالَى . فَهَذَا هُوَ الْجَوَاب الْمَرْضِيُّ . وَقِيلَ : يُحْتَمَل أَنْ يَكُون هَذَا قَبْل النَّهْي عَنْ الْحَلِف بِغَيْرِ اللَّه - تَعَالَى - وَاَللَّه أَعْلَمُ . وَفِي هَذَا الْحَدِيث أَنَّ الصَّلَاة الَّتِي هِيَ رُكْن مِنْ أَرْكَان الْإِسْلَام الَّتِي أُطْلِقَتْ فِي بَاقِي الْأَحَادِيث هِيَ الصَّلَوَات الْخَمْس وَأَنَّهَا فِي كُلّ يَوْم وَلَيْلَةٍ عَلَى كُلّ مُكَلَّفٍ بِهَا ، وَقَوْلُنَا بِهَا اِحْتِرَازٌ مِنْ الْحَائِض وَالنُّفَسَاء فَإِنَّهَا مُكَلَّفَة بِأَحْكَامِ الشَّرْع إِلَّا الصَّلَاة وَمَا أُلْحِقَ بِهَا مِمَّا هُوَ مُقَرَّر فِي كُتُب الْفِقْه . وَفِيهِ أَنَّ وُجُوب صَلَاة اللَّيْل مَنْسُوخ فِي حَقِّ الْأُمَّة وَهَذَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ ، وَاخْتَلَفَ قَوْل الشَّافِعِيّ رَحِمَهُ اللَّه فِي نَسْخِهِ فِي حَقِّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْأَصَحُّ نَسْخُهُ . وَفِيهِ أَنَّ صَلَاة الْوِتْر لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ ، وَأَنَّ صَلَاة الْعِيد أَيْضًا لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ وَهَذَا مَذْهَب الْجَمَاهِير ، وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّه وَطَائِفَة إِلَى وُجُوب الْوِتْر ، وَذَهَبَ أَبُو سَعِيد الْإِصْطَخْرِيُّ مِنْ أَصْحَاب الشَّافِعِيّ إِلَى أَنَّ صَلَاة الْعِيد فَرْضُ كِفَايَةٍ . وَفِيهِ أَنَّهُ لَا يَجِب صَوْم عَاشُورَاء وَلَا غَيْره سِوَى رَمَضَان . وَهَذَا مُجْمَع عَلَيْهِ وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء هَلْ كَانَ صَوْم عَاشُورَاء وَاجِبًا قَبْلَ إِيجَابِ رَمَضَان أَمْ كَانَ الْأَمْر بِهِ نَدْبًا ؟ وَهُمَا وَجْهَانِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيّ أَظْهَرُهُمَا : لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا . وَالثَّانِي كَانَ وَاجِبًا ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَة رَحِمَهُ اللَّه . وَفِيهِ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْمَال حَقٌّ سِوَى الزَّكَاةِ عَلَى مَنْ مَلَكَ نِصَابًا وَفِيهِ غَيْرُ ذَلِكَ . وَاَللَّه أَعْلَمُ .


13 - قَوْله : ( نُهِينَا أَنْ نَسْأَل رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ شَيْء فَكَانَ يُعْجِبنَا أَنْ يَجِيء الرَّجُل مِنْ أَهْل الْبَادِيَة الْعَاقِل فَيَسْأَلهُ وَنَحْنُ نَسْمَع فَجَاءَ رَجُل مِنْ أَهْل الْبَادِيَة فَقَالَ : يَا مُحَمَّد أَتَانَا رَسُولُك فَزَعَمَ لَنَا أَنَّك تَزْعُمُ أَنَّ اللَّه تَعَالَى أَرْسَلَك قَالَ : صَدَقَ )
إِلَى آخِر الْحَدِيث .
قَوْله : ( نُهِينَا أَنْ نَسْأَل ) يَعْنِي سُؤَالَ مَا لَا ضَرُورَةَ إِلَيْهِ كَمَا قَدَّمْنَا بَيَانه قَرِيبًا فِي الْحَدِيث الْآخَر : سَلُونِي أَيْ عَمَّا تَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ .
وَقَوْله : ( الرَّجُل مِنْ أَهْل الْبَادِيَة ) يَعْنِي مَنْ لَمْ يَكُنْ بَلَغَهُ النَّهْي عَنْ السُّؤَال .
وَقَوْله ( الْعَاقِل ) كَوْنه أَعْرَفَ بِكَيْفِيَّةِ السُّؤَال وَآدَابه وَالْمُهِمّ مِنْهُ ، وَحُسْنِ الْمُرَاجَعَة ؛ فَإِنَّ هَذِهِ أَسْبَابُ عِظَمِ الِانْتِفَاع بِالْجَوَابِ ، وَلِأَنَّ أَهْل الْبَادِيَة هُمْ الْأَعْرَاب ، وَيَغْلِبُ فِيهِمْ الْجَهْلُ وَالْجَفَاءُ . وَلِهَذَا جَاءَ فِي الْحَدِيث " مَنْ بَدَا جَفَا " وَالْبَادِيَة وَالْبَدْو بِمَعْنًى وَهُوَ مَا عَدَا الْحَاضِرَة وَالْعُمْرَان ، وَالنِّسْبَة إِلَيْهَا بَدْوِيٌّ ، وَالْبِدَاوَة الْإِقَامَة بِالْبَادِيَةِ وَهِيَ بِكَسْرِ الْبَاء عِنْد جُمْهُور أَهْل اللُّغَة وَقَالَ أَبُو زَيْد : هِيَ بِفَتْحِ الْبَاء قَالَ ثَعْلَب : لَا أَعْرِف الْبَدَاوَة بِالْفَتْحِ إِلَّا عَنْ أَبِي زَيْد .
قَوْله : ( فَقَالَ يَا مُحَمَّد ) قَالَ الْعُلَمَاء لَعَلَّ هَذَا كَانَ قَبْل النَّهْي عَنْ مُخَاطَبَته صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِاسْمِهِ قَبْل نُزُول قَوْل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ { وَلَا تَجْعَلُوا دُعَاء الرَّسُول بَيْنكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضكُمْ بَعْضًا } عَلَى أَحَد التَّفْسِيرَيْنِ أَيْ : لَا تَقُولُوا يَا مُحَمَّد ، بَلْ يَا رَسُول اللَّه ، يَا نَبِيّ اللَّه وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون بَعْد نُزُول الْآيَة وَلَمْ تَبْلُغْ الْآيَةُ هَذَا الْقَائِلَ .
وَقَوْله : ( زَعَمَ رَسُولك أَنَّك تَزْعُم أَنَّ اللَّه تَعَالَى أَرْسَلَك قَالَ صَدَقَ ) فَقَوْله : زَعَمَ وَتَزْعُم مَعَ تَصْدِيق رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِيَّاهُ دَلِيلٌ عَلَى أَنْ زَعَمَ لَيْسَ مَخْصُوصًا بِالْكَذِبِ وَالْقَوْلِ الْمَشْكُوكِ فِيهِ ، بَلْ يَكُون أَيْضًا فِي الْقَوْل الْمُحَقَّق ، وَالصِّدْق الَّذِي لَا شَكَّ فِيهِ . وَقَدْ جَاءَ مِنْ هَذَا كَثِيرٌ فِي الْأَحَادِيث وَعَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : زَعَمَ جِبْرِيل كَذَا وَقَدْ أَكْثَرَ سِيبَوَيْهِ وَهُوَ إِمَام الْعَرَبِيَّة فِي كِتَابه الَّذِي هُوَ إِمَام كُتُب الْعَرَبِيَّة مِنْ قَوْله : زَعَمَ الْخَلِيل ، زَعَمَ أَبُو الْخَطَّاب ، يُرِيد بِذَلِكَ الْقَوْلَ الْمُحَقَّقَ . وَقَدْ نَقَلَ ذَلِكَ جَمَاعَات مِنْ أَهْل اللُّغَة وَغَيْرهمْ ، وَنَقَلَهُ أَبُو عُمَر الزَّاهِد فِي شَرْح الْفَصِيح عَنْ شَيْخه أَبِي الْعَبَّاس ثَعْلَب عَنْ الْعُلَمَاء بِاللُّغَةِ مِنْ الْكُوفِيِّينَ وَالْبَصْرِيِّينَ . وَاَللَّه أَعْلَمُ .
ثُمَّ اِعْلَمْ أَنَّ هَذَا الرَّجُل الَّذِي جَاءَ مِنْ أَهْل الْبَادِيَة اِسْمه ضِمَام بْن ثَعْلَبَة بِكَسْرِ الضَّادِ الْمُعْجَمَة كَذَا جَاءَ مُسَمًّى فِي رِوَايَة الْبُخَارِيّ . وَغَيْره .
قَوْله : ( قَالَ : فَمَنْ خَلَقَ السَّمَاء ؟ قَالَ : اللَّه ، قَالَ : فَمَنْ خَلَقَ الْأَرْض ؟ قَالَ : اللَّه ، قَالَ : فَمَنْ نَصَبَ هَذِهِ الْجِبَالَ وَجَعَلَ فِيهَا مَا جَعَلَ ؟ قَالَ : اللَّه . قَالَ : فَبِاَلَّذِي خَلَقَ السَّمَاء وَخَلَقَ الْأَرْض وَنَصَبَ هَذِهِ الْجِبَال ، آللَّهُ أَرْسَلَك ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَالَ : وَزَعَمَ رَسُولك أَنَّ عَلَيْنَا خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي يَوْمنَا وَلَيْلَتنَا ، قَالَ : صَدَقَ . قَالَ : فَبِاَلَّذِي أَرْسَلَك آللَّهُ أَمَرَك بِهَذَا ؟ قَالَ : نَعَمْ )
. هَذِهِ جُمْلَةٌ تَدُلّ عَلَى أَنْوَاع مِنْ الْعِلْم . قَالَ صَاحِب التَّحْرِير : هَذَا مِنْ حُسْن سُؤَال هَذَا الرَّجُل وَمَلَاحَةِ سِيَاقَته وَتَرْبِيَته ؛ فَإِنَّهُ سَأَلَ أَوَّلًا عَنْ صَانِع الْمَخْلُوقَات مَنْ هُوَ ثُمَّ أَقْسَمَ عَلَيْهِ بِهِ أَنْ يَصْدُقَهُ فِي كَوْنه رَسُولًا لِلصَّانِعِ ، ثُمَّ لَمَّا وَقَفَ عَلَى رِسَالَته وَعِلْمِهَا أَقْسَمَ عَلَيْهِ بِحَقِّ مُرْسِلِهِ ، وَهَذَا تَرْتِيبٌ يَفْتَقِر إِلَى عَقْلٍ رَصِينٍ ، ثُمَّ إِنَّ هَذِهِ الْأَيْمَانَ جَرَتْ لِلتَّأْكِيدِ وَتَقْرِيرِ الْأَمْرِ لَا لِافْتِقَارِهِ إِلَيْهَا ، كَمَا أَقْسَمَ اللَّه تَعَالَى عَلَى أَشْيَاء كَثِيرَة ، هَذَا كَلَام صَاحِب التَّحْرِير قَالَ الْقَاضِي عِيَاض . وَالظَّاهِر أَنَّ هَذَا الرَّجُل لَمْ يَأْتِ إِلَّا بَعْد إِسْلَامه وَإِنَّمَا جَاءَ مُسْتَثْبِتًا وَمُشَافِهًا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاَللَّه أَعْلَمُ . وَفِي هَذَا الْحَدِيث جُمَلٌ مِنْ الْعِلْم غَيْر مَا تَقَدَّمَ .
مِنْهَا : أَنَّ الصَّلَوَات الْخَمْس مُتَكَرِّرَة فِي كُلّ يَوْم وَلَيْلَة وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ فِي يَوْمنَا وَلَيْلَتنَا .
وَأَنَّ صَوْم شَهْر رَمَضَان يَجِب فِي كُلّ سَنَة ، قَالَ الشَّيْخ أَبُو عَمْرو بْن الصَّلَاح رَحِمَهُ اللَّه : وَفِيهِ دَلَالَة لِصِحَّةِ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ أَئِمَّة الْعُلَمَاء مِنْ أَنَّ الْعَوَامّ الْمُقَلِّدِينَ مُؤْمِنُونَ ، وَأَنَّهُ يُكْتَفَى مِنْهُمْ بِمُجَرَّدِ اِعْتِقَاد الْحَقّ جَزْمًا مِنْ غَيْر شَكٍّ وَتَزَلْزُلٍ خِلَافًا لِمَنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ مِنْ الْمُعْتَزِلَة ، وَذَلِكَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَرَّرَ ضِمَامًا عَلَى مَا اِعْتَمَدَ عَلَيْهِ فِي تَعَرُّفِ رِسَالَتِهِ وَصِدْقِهِ وَمُجَرَّد إِخْبَاره إِيَّاهُ بِذَلِكَ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ ذَلِكَ وَلَا قَالَ يَجِب عَلَيْك مَعْرِفَةُ ذَلِكَ بِالنَّظَرِ فِي مُعْجِزَاتِي وَالِاسْتِدْلَال بِالْأَدِلَّةِ الْقَطْعِيَّة . هَذَا كَلَام الشَّيْخ وَفِي هَذَا الْحَدِيث الْعَمَلُ بِخَبَرِ الْوَاحِد وَفِيهِ غَيْر ذَلِكَ . وَاَللَّه أَعْلَمُ .


قَوْله : ( بَاب بَيَان أَنَّ الْإِيمَان الَّذِي يُدْخَلُ بِهِ الْجَنَّة وَأَنَّ مَنْ تَمَسَّكَ بِمَا أُمِرَ بِهِ دَخَلَ الْجَنَّة )
فِيهِ حَدِيث أَبِي أَيُّوب وَأَبِي هُرَيْرَة وَجَابِر رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ . أَمَّا حَدِيثَا أَبِي أَيُّوب وَأَبِي هُرَيْرَةَ فَرَوَاهُمَا أَيْضًا الْبُخَارِيّ .
وَأَمَّا حَدِيث جَابِر فَانْفَرَدَ بِهِ مُسْلِم . أَمَّا أَلْفَاظ الْبَاب فَأَبُو أَيُّوب اِسْمه خَالِد بْن زَيْد الْأَنْصَارِيّ وَأَبُو هُرَيْرَة عَبْد الرَّحْمَن بْن صَخْر عَلَى الْأَصَحّ مِنْ نَحْو ثَلَاثِينَ قَوْلًا ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانه بِزِيَادَاتٍ فِي مُقَدِّمَةِ الْكِتَاب .


15 - قَوْله : ( حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَص عَنْ أَبِي إِسْحَاق )
قَدْ تَقَدَّمَ بَيَان اِسْمَيْهِمَا فِي مُقَدِّمَة الْكِتَاب . فَأَبُو الْأَحْوَص سَلَّام - بِالتَّشْدِيدِ - اِبْن سُلَيْمٍ .
وَأَبُو إِسْحَاق عَمْرو بْن عَبْد اللَّه السُّبَيْعِيّ .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنْ تَمَسَّكَ بِمَا أُمِرَ بِهِ دَخَلَ الْجَنَّة )
كَذَا هُوَ فِي مُعْظَم الْأُصُول الْمُحَقَّقَة وَكَذَا ضَبَطْنَاهُ أُمِرَ بِضَمِّ الْهَمْزَة وَكَسْرِ الْمِيم ، وَ ( بِهِ ) بِبَاءٍ مُوَحَّدَة مَكْسُورَة ، مَبْنِيّ لِمَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ . وَضَبَطَهُ الْحَافِظ أَبُو عَامِر الْعَبْدَرِيّ ، ( أَمَرْته ) بِفَتْحِ الْهَمْزَة وَبِالتَّاءِ الْمُثَنَّاة مِنْ فَوْق الَّتِي هِيَ ضَمِير الْمُتَكَلِّم . وَكِلَاهُمَا صَحِيح . وَاَللَّه أَعْلَمُ .
وَأَمَّا ذِكْرُهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صِلَةَ الرَّحِمِ فِي هَذَا الْحَدِيث ، وَذِكْر الْأَوْعِيَة فِي حَدِيث وَفْد عَبْد الْقَيْس ، وَغَيْر ذَلِكَ فِي غَيْرهمَا فَقَالَ الْقَاضِي عِيَاض وَغَيْره - رَحِمَهُمْ اللَّه : ذَلِكَ بِحَسَبِ مَا يَخُصّ السَّائِل وَيَعْنِيه ، وَاَللَّه أَعْلَمُ .


16 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُر إِلَى رَجُل مِنْ أَهْل الْجَنَّة فَلْيَنْظُرْ إِلَى هَذَا )
فَالظَّاهِر مِنْهُ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلِمَ أَنَّهُ يُوفِي بِمَا اِلْتَزَمَ ، وَأَنَّهُ يَدُوم عَلَى ذَلِكَ وَيَدْخُل الْجَنَّةَ .


17 - قَوْل مُسْلِم فِي حَدِيث جَابِر : ( حَدَّثَنَا أَبُو بَكْر بْن أَبِي شَيْبَة وَأَبُو كُرَيْب قَالَا ثنا أَبُو مُعَاوِيَة عَنْ الْأَعْمَش عَنْ أَبِي سُفْيَان عَنْ جَابِر )
فَهَذَا إِسْنَاد كُلّهمْ كُوفِيُّونَ إِلَّا جَابِرًا وَأَبَا سُفْيَان فَإِنَّ جَابِرًا مَدَنِيّ وَأَبَا سُفْيَان وَاسِطِيّ ، وَيُقَال : مَكِّيّ . وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ اِسْم أَبِي بَكْر بْن أَبِي شَيْبَة عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد بْن إِبْرَاهِيم . وَإِبْرَاهِيم هُوَ أَبُو شَيْبَة .
وَأَمَّا ( أَبُو كُرَيْب ) فَاسْمه مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ الْهَمْدَانِيُّ بِإِسْكَانِ الْمِيم وَبِالدَّالِ الْمُهْمَلَة ، وَ ( أَبُو مُعَاوِيَة ) مُحَمَّد بْن حَازِم بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة . وَ ( الْأَعْمَش ) سُلَيْمَان بْن مِهْرَان أَبُو مُحَمَّد . و ( أَبُو سُفْيَان ) طَلْحَة بْن نَافِع الْقُرَشِيّ مَوْلَاهُمْ . وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ فِي سِين سُفْيَان ثَلَاثَ لُغَاتٍ الضَّمّ وَالْكَسْر وَالْفَتْح . وَقَوْل الْأَعْمَش عَنْ أَبِي سُفْيَان مَعَ أَنَّ الْأَعْمَش مُدَلِّسٌ وَالْمُدَلِّس إِذَا قَالَ ( عَنْ ) لَا يُحْتَجّ بِهِ إِلَّا أَنْ يَثْبُتَ سَمَاعُهُ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي الْفُصُول وَفِي شَرْح الْمُقَدِّمَة أَنَّ مَا كَانَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ الْمُدَلِّسِينَ ( بِعَنْ ) فَمَحْمُول عَلَى ثُبُوت سَمَاعهمْ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى . وَاَللَّه أَعْلَمُ .
قَوْله : ( أَتَى النُّعْمَانُ بْن قَوْقَل النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُول اللَّه أَرَأَيْت إِذَا صَلَّيْت الْمَكْتُوبَة ، وَحَرَّمْت الْحَرَام ، وَأَحْلَلْت الْحَلَال ، أَأَدْخُلُ الْجَنَّة ؟ فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : نَعَمْ )
أَمَّا ( قَوْقَل ) فَبِقَافَيْنِ مَفْتُوحَتَيْنِ بَيْنهمَا وَاو سَاكِنَة وَآخِرَهُ لَام .
وَأَمَّا قَوْله : ( وَحَرَّمْت الْحَرَام ) ، فَقَالَ الشَّيْخ أَبُو عَمْرو بْن الصَّلَاح رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى : الظَّاهِر أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ أَمْرَيْنِ : أَنْ يَعْتَقِدَهُ حَرَامًا ، وَأَنْ لَا يَفْعَلَهُ بِخِلَافِ تَحْلِيل الْحَلَال فَإِنَّهُ يَكْفِي فِيهِ مُجَرَّدُ اِعْتِقَادِهِ حَلَالًا .
قَوْله : ( عَنْ الْأَعْمَش عَنْ أَبِي صَالِح )
تَقَدَّمَ فِي أَوَائِل مُقَدِّمَة الْكِتَاب أَنَّ اِسْمَ أَبِي صَالِحٍ ذَكْوَانُ .


18 - قَوْله : ( قَوْل الْحَسَن بْن أَعْيَن حَدَّثَنَا مَعْقِلٌ وَهُوَ اِبْن عُبَيْد اللَّه عَنْ أَبِي الزُّبَيْر )
أَمَّا ( أَعْيَن ) فَهُوَ بِفَتْحِ الْهَمْزَة وَبِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَة وَآخِره نُون وَهُوَ الْحَسَن بْن مُحَمَّد بْن أَعْيَن الْقُرَشِيّ مَوْلَاهُمْ أَبُو عَلِيّ الْحَرَّانِيّ . وَالْأَعْيَن مَنْ فِي عَيْنَيْهِ سَعَةٌ .
وَأَمَّا ( مَعْقِلٌ ) فَبِفَتْحِ الْمِيم وَإِسْكَان الْعَيْن الْمُهْمَلَة وَكَسْرِ الْقَاف .
وَأَمَّا ( أَبُو الزُّبَيْر ) فَهُوَ مُحَمَّد بْن مُسْلِم بْن تَدْرُس بِمُثَنَّاةٍ فَوْق مَفْتُوحَة ثُمَّ دَال مُهْمَلَة سَاكِنَة ثُمَّ رَاءٍ مَضْمُومَة ثُمَّ سِين مُهْمَلَة وَقَوْله : ( وَهُوَ اِبْن عُبَيْد اللَّه ) قَدْ تَقَدَّمَ مَرَّاتٍ بَيَانُ فَائِدَتِهِ وَهُوَ أَنَّهُ لَمْ يَقَع فِي الرِّوَايَة لَفْظَةُ اِبْن عُبَيْد اللَّه فَأَرَادَ إِيضَاحه بِحَيْثُ لَا يَزِيد فِي الرِّوَايَة .


( بَاب بَيَان أَرْكَان الْإِسْلَام وَدَعَائِمه الْعِظَام )
قَالَ مُسْلِمٌ - رَحِمَهُ اللَّه : ( حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن نُمَيْر الْهَمْدَانِيُّ ثنا أَبُو خَالِد يَعْنِي سُلَيْمَانَ بْن حَيَّانَ الْأَحْمَرَ عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْجَعِيّ عَنْ سَعْد بْن عُبَيْدَة عَنْ اِبْن عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : بُنِيَ الْإِسْلَام عَلَى خَمْسَة : عَلَى أَنْ يُوَحَّدَ اللَّهُ ، وَإِقَام الصَّلَاة ، وَإِيتَاء الزَّكَاة ، وَصِيَام رَمَضَان ، وَالْحَجّ . فَقَالَ رَجُل : الْحَجِّ وَصِيَامِ رَمَضَانَ . فَقَالَ : لَا صِيَامِ رَمَضَانَ وَالْحَجِّ . هَكَذَا سَمِعْته مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَفِي الرِّوَايَة الثَّانِيَة : بُنِيَ الْإِسْلَام عَلَى خَمْسٍ : عَلَى أَنْ يُعْبَدَ اللَّهُ وَيُكْفَرَ بِمَا دُونَهُ ، وَإِقَام الصَّلَاة ، وَإِيتَاء الزَّكَاة ، وَحَجّ الْبَيْت ، وَصَوْم رَمَضَان ) .
وَفِي الرِّوَايَة الثَّالِثَة : ( بُنِيَ الْإِسْلَام عَلَى خَمْس : شَهَادَة أَنْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْده وَرَسُوله ، وَإِقَام الصَّلَاة ، وَإِيتَاء الزَّكَاة ، وَحَجّ الْبَيْت ، وَصَوْم رَمَضَان ) .
وَفِي الرِّوَايَة الرَّابِعَة : أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِعَبْدِ اللَّه بْن عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا : أَلَا تَغْزُو ؟ فَقَالَ : إِنِّي سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : إِنَّ الْإِسْلَام بُنِيَ عَلَى خَمْسَة : شَهَادَة أَنْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه ، وَإِقَام الصَّلَاة ، وَإِيتَاء الزَّكَاة ، وَصِيَام رَمَضَان ، وَحَجّ الْبَيْت ) . أَمَّا الْإِسْنَاد الْأَوَّل الْمَذْكُور هُنَا فَكُلّه كُوفِيُّونَ إِلَّا عَبْد اللَّه بْن عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا فَإِنَّهُ مَكِّيّ مَدَنِيّ .
وَأَمَّا ( الْهَمْدَانِيُّ ) فَبِإِسْكَانِ الْمِيم وَبِالدَّالِ الْمُهْمَلَة وَضُبِطَ هَذَا لِلِاحْتِيَاطِ وَإِكْمَال الْإِيضَاح وَإِلَّا فَهُوَ مَشْهُور مَعْرُوف ، وَأَيْضًا فَقَدْ قَدَّمْت فِي آخِر الْفُصُول أَنَّ جَمِيع مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ فَهُوَ هَمْدَانِيّ بِالْإِسْكَانِ وَالْمُهْمَلَة .
وَأَمَّا ( حَيَّان ) فَبِالْمُثَنَّاةِ ، وَتَقَدَّمَ أَيْضًا فِي الْفُصُول بَيَان ضَبْط هَذِهِ الصُّورَة .
وَأَمَّا ( أَبُو مَالِك الْأَشْجَعِيّ ) فَهُوَ سَعْد بْن طَارِق الْمُسَمَّى فِي الرِّوَايَة الثَّانِيَة وَأَبُوهُ صَحَابِيٌّ .
وَأَمَّا ضَبْط أَلْفَاظ الْمَتْن فَوَقَعَ فِي الْأُصُول ( بُنِيَ الْإِسْلَام عَلَى خَمْسَة ) فِي الطَّرِيق الْأَوَّل وَالرَّابِع بِالْهَاءِ فِيهَا ، وَفِي الثَّانِي وَالثَّالِث ( خَمْس ) بِلَا هَاءٍ ، وَفِي بَعْض الْأُصُول الْمُعْتَمَدَة فِي الرَّابِع بِلَا هَاء . وَكِلَاهُمَا صَحِيح وَالْمُرَاد بِرِوَايَةِ الْهَاءِ خَمْسَةُ أَرْكَانٍ أَوْ أَشْيَاءَ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ ، وَبِرِوَايَةِ حَذْف الْهَاء خَمْسُ خِصَالٍ أَوْ دَعَائِمَ أَوْ قَوَاعِدَ أَوْ نَحْو ذَلِكَ . وَاَللَّه أَعْلَمُ .
وَأَمَّا تَقْدِيم الْحَجّ وَتَأْخِيره فَفِي الرِّوَايَة الْأُولَى وَالرَّابِعَة تَقْدِيم الصِّيَام ، وَفِي الثَّانِيَة وَالثَّالِثَة تَقْدِيم الْحَجّ . ثُمَّ اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي إِنْكَار اِبْن عُمَر عَلَى الرَّجُل الَّذِي قَدَّمَ الْحَجّ مَعَ أَنَّ اِبْن عُمَر رَوَاهُ كَذَلِكَ كَمَا وَقَعَ فِي الطَّرِيقَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ . وَالْأَظْهَر وَاَللَّه أَعْلَمُ أَنَّهُ يُحْتَمَل أَنَّ اِبْن عُمَر سَمِعَهُ مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّتَيْنِ : مَرَّةً بِتَقْدِيمِ الْحَجّ ، وَمَرَّةً بِتَقْدِيمِ الصَّوْم ، فَرَوَاهُ أَيْضًا عَلَى الْوَجْهَيْنِ فِي وَقْتَيْنِ فَلَمَّا رَدّ عَلَيْهِ الرَّجُل وَقَدَّمَ الْحَجّ قَالَ اِبْن عُمَر : لَا تَرُدَّ عَلَى مَا لَا عِلْمَ لَك بِهِ وَلَا تَعْتَرِضْ بِمَا لَا تَعْرِفُهُ ، وَلَا تَقْدَح فِيمَا لَا تَتَحَقَّقهُ بَلْ هُوَ بِتَقْدِيمِ الصَّوْم هَكَذَا سَمِعْته مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَيْسَ فِي هَذَا نَفْيٌ لِسَمَاعِهِ عَلَى الْوَجْه الْآخَر . وَيُحْتَمَل أَنَّ اِبْن عُمَر كَانَ سَمِعَهُ مَرَّتَيْنِ بِالْوَجْهَيْنِ كَمَا ذَكَرْنَا ، ثُمَّ لَمَّا رَدَّ عَلَيْهِ الرَّجُلُ نَسِيَ الْوَجْهَ الَّذِي رَدَّهُ فَأَنْكَرَهُ . فَهَذَانِ الِاحْتِمَالَانِ هُمَا الْمُخْتَارَانِ فِي هَذَا .
وَقَالَ الشَّيْخ أَبُو عَمْرو بْن الصَّلَاحِ رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى : مُحَافَظَة اِبْن عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا عَلَى مَا سَمِعَهُ مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَهْيُهُ عَنْ عَكْسِهِ تَصْلُحُ حُجَّةً لِكَوْنِ الْوَاو تَقْتَضِي التَّرْتِيبَ وَهُوَ مَذْهَبُ كَثِيرٍ مِنْ الْفُقَهَاء الشَّافِعِيِّينَ ، وَشُذُوذ مِنْ النَّحْوِيِّينَ . وَمَنْ قَالَ لَا تَقْتَضِي التَّرْتِيبَ وَهُوَ الْمُخْتَار وَقَوْلُ الْجُمْهُورِ ، فَلَهُ أَنْ يَقُول : لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لِكَوْنِهَا تَقْتَضِي التَّرْتِيبَ بَلْ لِأَنَّ فَرْضَ صَوْمِ رَمَضَانَ نَزَلَ فِي السَّنَة الثَّانِيَة مِنْ الْهِجْرَة ، وَنَزَلَتْ فَرِيضَة الْحَجّ سَنَة سِتّ ، وَقِيلَ سَنَة تِسْع بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاة فَوْق . وَمِنْ حَقِّ الْأَوَّلِ أَنْ يُقَدَّمَ فِي الذِّكْرِ عَلَى الثَّانِي . فَمُحَافَظَة اِبْن عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا لِهَذَا وَأَمَّا رِوَايَة تَقْدِيم الْحَجّ فَكَأَنَّهُ وَقَعَ مِمَّنْ كَانَ يَرَى الرِّوَايَة بِالْمَعْنَى وَيَرَى أَنَّ تَأْخِير الْأَوَّل أَوْ الْأَهَمّ فِي الذِّكْر شَائِع فِي اللِّسَان فَتَصَرَّفَ فِيهِ بِالتَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِير لِذَلِكَ مَعَ كَوْنه لَمْ يَسْمَع نَهْيَ اِبْن عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا عَنْ ذَلِكَ . فَافْهَمْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ مِنْ الْمُشْكِل الَّذِي لَمْ أَرَهُمْ بَيَّنُوهُ . هَذَا آخِر كَلَام الشَّيْخ أَبِي عَمْرو بْن الصَّلَاح وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ ضَعِيفٌ مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا أَنَّ الرِّوَايَتَيْنِ قَدْ ثَبَتَتَا فِي الصَّحِيح وَهُمَا صَحِيحَتَانِ فِي الْمَعْنَى لَا تَنَافِي بَيْنهمَا كَمَا قَدَّمْنَا إِيضَاحَهُ فَلَا يَجُوز إِبْطَال إِحْدَاهُمَا .
الثَّانِي أَنَّ فَتْح بَاب اِحْتِمَال التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير فِي مِثْل هَذَا قَدْح فِي الرُّوَاة وَالرِّوَايَات فَإِنَّهُ لَوْ فُتِحَ ذَلِكَ لَمْ يَبْقَ لَنَا وَثِيق بِشَيْءٍ مِنْ الرِّوَايَات إِلَّا الْقَلِيل ، وَلَا يَخْفَى بُطْلَانُ هَذَا وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنْ الْمَفَاسِدِ وَتَعَلُّقِ مَنْ يَتَعَلَّقُ بِهِ مِمَّنْ فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ . وَاَللَّه أَعْلَمُ .
ثُمَّ اِعْلَمْ أَنَّهُ وَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي عَوَانَة الْإِسْفَرَايِينِيّ فِي كِتَابِهِ الْمُخَرَّجِ عَلَى صَحِيحِ مُسْلِمٍ شَرْطِهِ عَكْسُ مَا وَقَعَ فِي مُسْلِمٍ مِنْ قَوْل الرَّجُل لِابْن عُمَر قَدَّمَ الْحَجَّ فَوَقَعَ فِيهِ أَنَّ اِبْن عُمَرَ رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا قَالَ لِلرَّجُلِ : اِجْعَلْ صِيَام رَمَضَان آخِرهنَّ كَمَا سَمِعْت مِنْ فِي رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ الشَّيْخ أَبُو عَمْرو بْن الصَّلَاح رَحِمَهُ اللَّه : لَا يُقَاوِمُ هَذِهِ الرِّوَايَةُ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ .
قُلْت : وَهَذَا مُحْتَمَلٌ أَيْضًا صِحَّتُهُ وَيَكُون قَدْ جَرَتْ الْقَضِيَّة مَرَّتَيْنِ لِرَجُلَيْنِ وَاَللَّه أَعْلَمُ .
وَأَمَّا اِقْتِصَاره فِي الرِّوَايَة الرَّابِعَة عَلَى إِحْدَى الشَّهَادَتَيْنِ ، فَهُوَ إِمَّا تَقْصِير مِنْ الرَّاوِي فِي حَذْف الشَّهَادَة الْأُخْرَى الَّتِي أَثْبَتَهَا غَيْره مِنْ الْحُفَّاظ ، إِمَّا أَنْ يَكُون وَقَعَتْ الرِّوَايَة مِنْ أَصْلهَا هَكَذَا ، وَيَكُون مِنْ الْحَذْف لِلِاكْتِفَاءِ بِأَحَدِ الْقَرِينَتَيْنِ وَدَلَالَته عَلَى الْآخَر الْمَحْذُوف . وَاَللَّه أَعْلَمُ .
وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : عَلَى أَنْ يُوَحَّدَ اللَّهُ هُوَ بِضَمِّ الْيَاء الْمُثَنَّاة مِنْ تَحْت وَفَتْحِ الْحَاء مَبْنِيٌّ لِمَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ ، أَمَّا اِسْم الرَّجُل الَّذِي رَدَّ عَلَيْهِ اِبْن عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا تَقْدِيمَ الْحَجِّ فَهُوَ يَزِيدُ بْن بِشْرٍ السَّكْسَكِيّ ذَكَرَهُ الْحَافِظ أَبُو بَكْر الْخَطِيب الْبَغْدَادِيّ فِي كِتَابه الْأَسْمَاء الْمُبْهَمَة .
وَأَمَّا قَوْله : ( أَلَا تَغْزُو ) ؟ فَهُوَ بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاة مِنْ فَوْق لِلْخِطَابِ . وَيَجُوز أَنْ يُكْتَبَ تَغْزُوا بِالْأَلِفِ ، وَبِحَذْفِهَا . فَالْأَوَّل قَوْلُ الْكُتَّابِ الْمُتَقَدِّمِينَ ، وَالثَّانِي قَوْل بَعْض الْمُتَأَخِّرِينَ وَهُوَ الْأَصَحّ . حَكَاهُمَا اِبْن قُتَيْبَة فِي أَدَب الْكَاتِب .
وَأَمَّا جَوَاب اِبْن عُمَر لَهُ بِحَدِيثِ : بُنِيَ الْإِسْلَام عَلَى خَمْس ، فَالظَّاهِرَة أَنَّ مَعْنَاهُ لَيْسَ الْغَزْو بِلَازِمٍ عَلَى الْأَعْيَان ؛ فَإِنَّ الْإِسْلَام بُنِيَ عَلَى خَمْس لَيْسَ الْغَزْوُ مِنْهَا . وَاَللَّه أَعْلَمُ . ثُمَّ إِنَّ هَذَا الْحَدِيث أَصْلٌ عَظِيمٌ فِي مَعْرِفَة الدِّين وَعَلَيْهِ اِعْتِمَاده وَقَدْ جَمَعَ أَرْكَانَهُ . وَاَللَّه أَعْلَمُ .


19 - سبق شرحه بالباب


20 - سبق شرحه بالباب


21 - سبق شرحه بالباب


22 - سبق شرحه بالباب


( بَاب الْإِمْر بِالْإِيمَانِ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَرَسُوله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ )
إِلَخْ فِيهِ حَدِيث اِبْن عَبَّاس وَحَدِيث أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ . فَأَمَّا حَدِيث اِبْن عَبَّاس فَفِي الْبُخَارِيّ أَيْضًا .
وَأَمَّا حَدِيث أَبِي سَعِيد فَفِي مُسْلِم خَاصَّة .


23 - قَوْله فِي الرِّوَايَة الْأُولَى : ( حَدَّثَنَا حَمَّاد بْن زَيْد عَنْ أَبِي جَمْرَة قَالَ : سَمِعْت اِبْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا )
وَقَوْله فِي الرِّوَايَة الثَّانِيَة ( أَخْبَرَنَا عَبَّاد بْن عَبَّاد عَنْ أَبِي جَمْرَة عَنْ اِبْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا ) قَدْ يَتَوَهَّم مَنْ لَا يُعَانِي هَذَا الْفَنّ أَنَّ هَذَا تَطْوِيل لَا حَاجَة إِلَيْهِ ، وَأَنَّهُ خِلَاف عَادَته وَعَادَة الْحُفَّاظ ؛ فَإِنَّ عَادَتَهُمْ فِي مِثْل هَذَا أَنْ يَقُولُوا عَنْ حَمَّاد وَعَبَّاد عَنْ أَبِي جَمْرَة عَنْ اِبْن عَبَّاس . وَهَذَا التَّوَهُّم يَدُلّ عَلَى شِدَّة غَبَاوَة صَاحِبه . وَعَدَمِ مُؤَانَسَته بِشَيْءٍ مِنْ هَذَا الْفَنّ ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا يَفْعَلُونَهُ فِيمَا اِسْتَوَى فِيهِ لَفْظ الرُّوَاة ، وَهُنَا اِخْتَلَفَ لَفْظهمْ ؛ فَفِي رِوَايَة حَمَّاد عَنْ أَبِي جَمْرَة : سَمِعْت اِبْن عَبَّاس . وَفِي رِوَايَة عَبَّاد عَنْ أَبِي جَمْرَة : عَنْ اِبْن عَبَّاس . وَهَذَا التَّنْبِيه الَّذِي ذَكَرْته يَنْبَغِي أَنْ يُتَفَطَّن لِمِثْلِهِ ، وَقَدْ نَبَّهْت عَلَى مِثْله بِأَبْسَطَ مِنْ هَذِهِ الْعِبَارَة فِي الْحَدِيث الْأَوَّل مِنْ كِتَاب الْإِيمَان ، وَنَبَّهْت عَلَيْهِ أَيْضًا فِي الْفُصُول ، وَسَأُنَبِّهُ عَلَى مَوَاضِعَ مِنْهُ أَيْضًا مُفَرَّقَة فِي مَوَاضِعَ مِنْ الْكِتَابِ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى . وَالْمَقْصُود أَنْ تَعْرِف هَذِهِ الدَّقِيقَة وَيَتَيَقَّظ الطَّالِب لِمَا جَاءَ مِنْهَا فَيَعْرِفهُ وَإِنْ لَمْ أَنُصَّ عَلَيْهِ اِتِّكَالًا عَلَى فَهْمه بِمَا تَكَرَّرَ التَّنْبِيه بِهِ ، وَلِيُسْتَدَلَّ أَيْضًا بِذَلِكَ عَلَى عِظَمِ إِتْقَان مُسْلِم رَحِمَهُ اللَّه وَجَلَالَته وَوَرَعه وَدِقَّة نَظَره وَحِذْقه . وَاَللَّه أَعْلَمُ .
وَأَمَّا ( أَبُو جَمْرَة ) وَهُوَ بِالْجِيمِ وَالرَّاء وَاسْمه نَصْر ابْن عِمْرَان بْن عِصَام وَقِيلَ : اِبْن عَاصِم الضُّبَعِيُّ بِضَمِّ الضَّاد الْمُعْجَمَة الْبَصْرِيّ . قَالَ صَاحِب الْمَطَالِع : لَيْسَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَالْمُوَطَّأ أَبُو جَمْرَة ، وَلَا جَمْرَة بِالْجِيمِ إِلَّا هُوَ . قُلْت : وَقَدْ ذَكَرَ الْحَاكِم أَبُو أَحْمَد الْحَافِظ الْكَبِير شَيْخ الْحَاكِم أَبِي عَبْد اللَّه فِي كِتَابه الْأَسْمَاء وَالْكُنَى أَبَا جَمْرَة نَصْر بْن عِمْرَان هَذَا فِي الْأَفْرَاد فَلَيْسَ عِنْده فِي الْمُحَدِّثِينَ مَنْ يُكْنَى أَبَا جَمْرَة بِالْجِيمِ سِوَاهُ وَيَرْوِي عَنْ اِبْن عَبَّاس حَدِيثًا وَاحِدًا ذَكَرَ فِيهِ مُعَاوِيَة بْن أَبِي سُفْيَان وَإِرْسَال النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِ اِبْن عَبَّاس وَتَأَخُّره وَاعْتِذَاره . رَوَاهُ مُسْلِم فِي الصَّحِيح . وَحَكَى الشَّيْخ أَبُو عَمْرو بْن الصَّلَاح فِي كِتَابه عُلُوم الْحَدِيث وَالْقِطْعَة الَّتِي شَرَحَهَا فِي أَوَّل مُسْلِم عَنْ بَعْض الْحُفَّاظ أَنَّهُ قَالَ : إِنَّ شُعْبَة بْن الْحَجَّاج رَوَى عَنْ سَبْعَة رِجَال يَرْوُونَ كُلُّهُمْ عَنْ اِبْن عَبَّاس كُلُّهُمْ يُقَال لَهُ أَبُو حَمْزَة بِالْحَاءِ وَالزَّاي إِلَّا أَبَا جَمْرَة نَصْر بْن عِمْرَان فَبِالْجِيمِ وَالرَّاء قَالَ : وَالْفَرْق بَيْنهمْ يُدْرَك بِأَنَّ شُعْبَة إِذَا أَطْلَقَ وَقَالَ : عَنْ أَبِي جَمْرَة عَنْ اِبْن عَبَّاس فَهُوَ بِالْجِيمِ . وَهُوَ نَصْر بْن عِمْرَان . وَإِذَا رَوَى عَنْ غَيْره مِمَّنْ هُوَ بِالْحَاءِ وَالزَّاي فَهُوَ يَذْكُر اِسْمه أَوْ نَسَبه . وَاَللَّه أَعْلَمُ .
قَوْله : ( قَدِمَ وَفْد عَبْد الْقَيْس عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ )
قَالَ صَاحِب التَّحْرِير : الْوَفْد الْجَمَاعَة الْمُخْتَارَة مِنْ الْقَوْم لِيَتَقَدَّمُوهُمْ فِي لُقِيّ الْعُظَمَاء وَالْمَصِير إِلَيْهِمْ فِي الْمُهِمَّات وَاحِدهمْ وَافِدٌ . قَالَ : وَوَفْد عَبْد الْقَيْس هَؤُلَاءِ تَقَدَّمُوا قَبَائِل عَبْد الْقَيْس لِلْمُهَاجَرَةِ إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَكَانُوا أَرْبَعَةَ عَشَرَ رَاكِبًا : الْأَشَجّ الْعَصْرِيّ رَئِيسهمْ ، وَمَزِيدَة بْن مَالِك الْمُحَارِبِيّ ، وَعُبَيْدَة بْن هَمَّام الْمُحَارِبِيّ ، وَصَحَّار بْن الْعَبَّاس الْمُرِّيّ ، وَعَمْرو بْن مَرْجُوم الْعَصْرِيّ ، وَالْحَارِث بْن شُعَيْب الْعَصْرِيّ ، وَالْحَارِث بْن جُنْدُب مِنْ بَنِي عَايِش . وَلَمْ نَعْثُر بَعْد طُول التَّتَبُّع عَلَى أَكْثَرَ مِنْ أَسْمَاء هَؤُلَاءِ . قَالَ : وَكَانَ سَبَب وُفُودهمْ أَنَّ مُنْقِذ بْن حَيَّان أَحَد بَنِي غَنَم بْن وَدِيعَة كَانَ مَتْجَره إِلَى يَثْرِب فِي الْجَاهِلِيَّة ، فَشَخَصَ إِلَى يَثْرِب بِمَلَاحِفَ وَتَمْرٍ مِنْ هَجَرَ بَعْد هِجْرَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . فَبَيْنَا مُنْقِذ بْن حَيَّان قَاعِد إِذْ مَرَّ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَهَضَ مُنْقِذ إِلَيْهِ فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَمُنْقِذ بْن حَيَّان كَيْف جَمِيعُ هَيْئَتِك وَقَوْمِك ؟ " ثُمَّ سَأَلَهُ عَنْ أَشْرَافِهِمْ رَجُلٍ رَجُلٍ يُسَمِّيهِمْ لِأَسْمَائِهِمْ . فَأَسْلَمَ مُنْقِذٌ وَتَعَلَّمَ سُورَةَ الْفَاتِحَةِ وَاقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّك . ثُمَّ رَحَلَ قِبَلَ هَجَرَ . فَكَتَبَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَهُ إِلَى جَمَاعَةِ عَبْدِ الْقَيْس كِتَابًا فَذَهَبَ بِهِ وَكَتَمَهُ أَيَّامًا ، ثُمَّ اِطَّلَعَتْ عَلَيْهِ اِمْرَأَتُهُ وَهِيَ بِنْت الْمُنْذِر بْن عَائِذ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة اِبْن حَارِث وَالْمُنْذِر هُوَ الْأَشَجّ سَمَّاهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهِ لِأَثَرٍ كَانَ فِي وَجْهه ، وَكَانَ مُنْقِذ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ يُصَلِّي وَيَقْرَأ ، فَنَكِرَتْ اِمْرَأَته ذَلِكَ فَذَكَرَتْهُ لِأَبِيهَا الْمُنْذِر فَقَالَتْ : أَنْكَرْت بَعْلِي مُنْذُ قَدِمَ مِنْ يَثْرِب : إِنَّهُ يَغْسِل أَطْرَافه ، وَيَسْتَقْبِل الْجِهَة تَعْنِي الْقِبْلَة ، فَيَحْنِي ظَهْره مَرَّة وَيَضَع جَبِينه مَرَّة ، ذَلِكَ دَيْدَنُهُ مُنْذُ قَدِمَ ، فَتَلَاقَيَا فَتَجَارَيَا ذَلِكَ فَوَقَعَ الْإِسْلَام فِي قَلْبه . ثُمَّ ثَارَ الْأَشَجّ إِلَى قَوْمه عَصَر وَمُحَارِب بِكِتَابِ رَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ ، فَوَقَعَ الْإِسْلَام فِي قُلُوبهمْ ، وَأَجْمَعُوا عَلَى السَّيْر إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَسَارَ الْوَفْد ، فَلَمَّا دَنَوْا مِنْ الْمَدِينَة قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِجُلَسَائِهِ : " أَتَاكُمْ وَفْد عَبْد الْقَيْس خَيْر أَهْل الْمَشْرِق وَفِيهِمْ الْأَشَجّ الْعَصْرِيّ غَيْر نَاكِثِينَ وَلَا مُبَدَّلِينَ وَلَا مُرْتَابِينَ إِذْ لَمْ يُسْلِمْ قَوْمٌ حَتَّى وُتِرُوا " .
قَالَ : وَقَوْلهمْ :
( إِنَّا هَذَا الْحَيّ مِنْ رَبِيعَة )
لِأَنَّهُ عَبْد الْقَيْس بْن أَفْصَى يَعْنِي بِفَتْحِ الْهَمْزَة وَبِالْفَاءِ وَالصَّاد الْمُهْمَلَة الْمَفْتُوحَة اِبْن دَعْمِيّ بْن جَدِيلَة بْن أَسَد بِهِ رَبِيعَة بْن نِزَار وَكَانُوا يَنْزِلُونَ الْبَحْرَيْنِ الْخَطّ وَأَعْنَابهَا وَسُرَّة الْقَطِيف وَالظَّهْرَان إِلَى الرَّمْل إِلَى الْأَجْرَع مَا بَيْن هَجَرَ إِلَى قَصْر وَبَيْنُونَة ثُمَّ الْجَوْف وَالْعُيُون وَالْأَحْسَاء إِلَى حَدّ أَطْرَاف وَسَائِر بِلَادهَا . هَذَا مَا ذَكَرَهُ صَاحِب التَّحْرِير . قَوْلهمْ : ( إِنَّا هَذَا الْحَيّ ) فَالْحَيّ مَنْصُوب عَلَى التَّخْصِيص . قَالَ الشَّيْخ أَبُو عَمْرو بْن الصَّلَاح الَّذِي نَخْتَارهُ نَصْب ( الْحَيّ ) عَلَى التَّخْصِيص وَيَكُون الْخَبَر فِي قَوْلهمْ مِنْ رَبِيعَة وَمَعْنَاهُ إِنَّا هَذَا الْحَيّ حَيّ مِنْ رَبِيعَة . وَقَدْ جَاءَ بَعْد هَذَا فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى : ( إِنَّا حَيّ مِنْ رَبِيعَة ) . وَأَمَّا مَعْنَى الْحَيّ فَقَالَ صَاحِب الْمَطَالِع : الْحَيّ اِسْم لِمَنْزِلِ الْقَبِيلَة ، ثُمَّ سُمِّيَتْ الْقَبِيلَة بِهِ لِأَنَّ بَعْضهمْ يَحْيَا بِبَعْضٍ .
قَوْلهمْ : ( وَقَدْ حَالَتْ بَيْننَا وَبَيْنك كُفَّارُ مُضَر )
سَبَبه أَنَّ كُفَّار مُضَر كَانُوا بَيْنهمْ وَبَيْن الْمَدِينَة ، فَلَا يُمْكِنهُمْ الْوُصُول إِلَى الْمَدِينَة إِلَّا عَلَيْهِمْ .
قَوْلهمْ : ( وَلَا نَخْلُص إِلَيْك إِلَّا فِي شَهْر الْحَرَام )
مَعْنَى نَخْلُصُ : نَصِل ، وَمَعْنَى كَلَامهمْ : أَنَّا لَا نَقْدِر عَلَى الْوُصُول إِلَيْك خَوْفًا مِنْ أَعْدَائِنَا الْكُفَّار إِلَّا فِي الشَّهْر الْحَرَام ، فَإِنَّهُمْ لَا يَتَعَرَّضُونَ لَنَا ، كَمَا كَانَتْ عَادَة الْعَرَب مِنْ تَعْظِيم الْأَشْهُر الْحَرَام ، وَامْتِنَاعهمْ مِنْ الْقِتَال فِيهَا . وَقَوْلهمْ : ( شَهْر الْحَرَام ) كَذَا هُوَ فِي الْأُصُول كُلّهَا بِإِضَافَةِ شَهْر إِلَى الْحَرَام ، وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى أَشْهُر الْحُرُم . وَالْقَوْل فِيهِ كَالْقَوْلِ فِي نَظَائِره مِنْ قَوْلهمْ : مَسْجِد الْجَامِع ، وَصَلَاة الْأُولَى . وَمِنْهُ قَوْل اللَّه تَعَالَى : { بِجَانِبِ الْغَرْبِيّ } { وَلَدَارُ الْآخِرَة } فَعَلَى مَذْهَب النَّحْوِيِّينَ الْكُوفِيِّينَ هُوَ مِنْ إِضَافَة الْمَوْصُوف إِلَى صِفَته ، وَهُوَ جَائِز عِنْدهمْ . وَعَلَى مَذْهَب الْبَصْرِيِّينَ لَا تَجُوز هَذِهِ الْإِضَافَة وَلَكِنَّ هَذَا كُلّه عِنْدهمْ عَلَى حَذْف فِي الْكَلَام لِلْعِلْمِ بِهِ فَتَقْدِيره : شَهْر الْوَقْت الْحَرَام ، وَأَشْهُر الْأَوْقَات الْحُرُم ، وَمَسْجِد الْمَكَان الْجَامِع ، وَدَار الْحَيَاة الْآخِرَة ، وَجَانِب الْمَكَان الْغَرْبِيّ ، وَنَحْو ذَلِكَ . وَاَللَّه أَعْلَمُ . ثُمَّ إِنَّ قَوْلهمْ : ( شَهْر الْحَرَام ) الْمُرَاد بِهِ جِنْس الْأَشْهُر الْحُرُم وَهِيَ أَرْبَعَة أَشْهُرٍ حُرُمٍ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ الْعَزِيزُ ، وَتَدُلُّ عَلَيْهِ الرِّوَايَة الْأُخْرَى بَعْد هَذِهِ ( إِلَّا فِي أَشْهُر الْحُرُم ) . وَالْأَشْهُر الْحُرُم هِيَ ذُو الْقَعْدَة ، وَذُو الْحِجَّة ، وَالْمُحَرَّم ، وَرَجَب . هَذِهِ الْأَرْبَعَة هِيَ الْأَشْهُر الْحُرُم بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاء مِنْ أَصْحَاب الْفُنُون . وَلَكِنْ اِخْتَلَفُوا فِي الْأَدَب الْمُسْتَحْسَن فِي كَيْفِيَّة عَدِّهَا عَلَى قَوْلَيْنِ حَكَاهُمَا الْإِمَام أَبُو جَعْفَر النَّحَّاس فِي كِتَابه صِنَاعَة الْكِتَاب قَالَ : ذَهَبَ الْكُوفِيُّونَ إِلَى أَنَّهُ يُقَال : الْمُحَرَّم وَرَجَب وَذُو الْقَعْدَة وَذُو الْحِجَّة . قَالَ : وَالْكُتَّاب يَمِيلُونَ إِلَى هَذَا الْقَوْل لِيَأْتُوا بِهِنَّ مِنْ سَنَةٍ وَاحِدَةٍ قَالَ : وَأَهْل الْمَدِينَة يَقُولُونَ ذُو الْقَعْدَة وَذُو الْحِجَّة وَالْمُحَرَّم وَرَجَب . وَقَوْم يُنْكِرُونَ هَذَا وَيَقُولُونَ جَاءُوا بِهِنَّ مِنْ سَنَتَيْنِ . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَهَذَا غَلَط بَيِّن وَجَهْل بِاللُّغَةِ لِأَنَّهُ قَدْ عُلِمَ الْمُرَاد ، وَأَنَّ الْمَقْصُود ذِكْرُهَا ، وَأَنَّهَا فِي كُلّ سَنَة ؛ فَكَيْف يُتَوَهَّم أَنَّهَا مِنْ سَنَتَيْنِ . قَالَ : وَالْأَوْلَى وَالِاخْتِيَار مَا قَالَهُ أَهْل الْمَدِينَة لِأَنَّ الْأَخْبَارَ قَدْ تَظَاهَرَتْ عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا قَالُوا مِنْ رِوَايَة اِبْن عُمَر وَأَبِي هُرَيْرَة وَأَبِي بَكْرَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ قَالَ : وَهَذَا أَيْضًا قَوْل أَكْثَرِ أَهْل التَّأْوِيل . قَالَ النَّحَّاس : وَأُدْخِلَتْ الْأَلِفُ وَاللَّامُ فِي الْمُحَرَّم دُون غَيْره مِنْ الشُّهُور . قَالَ : وَجَاءَ مِنْ الشُّهُور ثَلَاثَة مُضَافَات شَهْر رَمَضَان وَشَهْرَا رَبِيع . يَعْنِي وَالْبَاقِي غَيْر مُضَافَات . وَسُمِّيَ الشَّهْر شَهْرًا لِشُهْرَتِهِ وَظُهُوره . وَاَللَّه أَعْلَمُ .
قَوْله : صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( آمُركُمْ بِأَرْبَعٍ ، وَأَنْهَاكُمْ عَنْ أَرْبَعٍ : الْإِيمَان بِاَللَّهِ ، ثُمَّ فَسَّرَهَا لَهُمْ فَقَالَ : شَهَادَة أَنْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُول اللَّه وَإِقَام الصَّلَاة ، وَإِيتَاء الزَّكَاة ، وَأَنْ تُؤَدُّوا خُمُسَ مَا غَنِمْتُمْ )
. وَفِي رِوَايَة : ( شَهَادَة أَنْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه وَعَقَدَ وَاحِدَةً ) وَفِي الطَّرِيق الْأُخْرَى : ( قَالَ : وَأَمَرَهُمْ بِأَرْبَعٍ ، وَنَهَاهُمْ عَنْ أَرْبَعٍ . قَالَ : أَمَرَهُمْ بِالْإِيمَانِ بِاَللَّهِ وَحْدَهُ . قَالَ : وَهَلْ تَدْرُونَ مَا الْإِيمَان بِاَللَّهِ ؟ قَالُوا : اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ . قَالَ : شَهَادَة أَنْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُول اللَّه ، وَإِقَام الصَّلَاة ، وَإِيتَاء الزَّكَاة ، وَصَوْم رَمَضَان ، وَأَنْ تُؤَدُّوا خُمُسًا مِنْ الْمَغْنَم ) . وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى قَالَ : ( آمُركُمْ بِأَرْبَعٍ ، وَأَنْهَاكُمْ عَنْ أَرْبَع : اُعْبُدُوا اللَّه وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاة ، وَآتُوا الزَّكَاة ، وَصُومُوا رَمَضَان ، وَأَعْطُوا الْخُمُس مِنْ الْغَنَائِم ) . هَذِهِ أَلْفَاظه هُنَا وَقَدْ ذَكَرَ الْبُخَارِيّ هَذَا الْحَدِيث فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ مِنْ صَحِيحه وَقَالَ فِيهِ فِي بَعْضهَا " شَهَادَة أَنْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه وَحْده لَا شَرِيك لَهُ وَذَكَرَهُ فِي بَاب إِجَازَة خَبَر الْوَاحِد ، وَذَكَرَهُ فِي بَابٍ بَعْدَ بَابِ نِسْبَة الْيَمَن إِلَى إِسْمَاعِيل صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي آخِر ذِكْر الْأَنْبِيَاء صَلَوَات اللَّه وَسَلَامه عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ ، وَقَالَ فِيهِ : " آمُركُمْ بِأَرْبَعٍ ، وَأَنْهَاكُمْ عَنْ أَرْبَعٍ : الْإِيمَان بِاَللَّهِ وَشَهَادَة أَنْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه ، وَإِقَام الصَّلَاة ، وَإِيتَاء الزَّكَاة ، وَصَوْم رَمَضَان " ، بِزِيَادَةِ وَاوٍ . وَكَذَلِكَ قَالَ فِيهِ فِي أَوَّل كِتَاب الزَّكَاة : الْإِيمَان بِاَللَّهِ ، وَشَهَادَة أَنْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه " بِزِيَادَةِ وَاو أَيْضًا . وَلَمْ يَذْكُر فِيهَا الصِّيَام . وَذَكَرَ فِي بَاب حَدِيث وَفْد عَبْد الْقَيْس : الْإِيمَان بِاَللَّهِ شَهَادَة أَنْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه . فَهَذِهِ أَلْفَاظ هَذِهِ الْقِطْعَة فِي الصَّحِيحَيْنِ ، وَهَذِهِ الْأَلْفَاظ مِمَّا يُعَدّ مِنْ الْمُشْكِل وَلَيْسَتْ مُشْكِلَةً عِنْد أَصْحَاب التَّحْقِيق . وَالْإِشْكَال فِي كَوْنه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " آمُركُمْ بِأَرْبَعٍ " . وَالْمَذْكُور فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَات خَمْسٌ . وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي الْجَوَاب عَنْ هَذَا عَلَى أَقْوَالٍ أَظْهَرُهَا : مَا قَالَهُ الْإِمَام اِبْن بَطَّال رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى فِي شَرْح صَحِيح الْبُخَارِيّ قَالَ : أَمَرَهُمْ بِالْأَرْبَعِ الَّتِي وَعَدَهُمْ بِهَا ، ثُمَّ زَادَهُمْ خَامِسَةً ، يَعْنِي أَدَاء الْخَمْس ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجَاوِرِينَ لِكُفَّارِ مُضَرَ ، فَكَانُوا أَهْلَ جِهَادٍ وَغَنَائِمَ . وَذَكَرَ الشَّيْخ أَبُو عَمْرو بْن الصَّلَاح نَحْو هَذَا فَقَالَ قَوْله : أَمَرَهُمْ بِالْإِيمَانِ بِاَللَّهِ أَعَادَهُ لِذِكْرِ الْأَرْبَع وَوَصَفَهُ لَهَا بِأَنَّهَا إِيمَان ثُمَّ فَسَّرَهَا بِالشَّهَادَتَيْنِ وَالصَّلَاة وَالزَّكَاة وَالصَّوْم فَهَذَا مُوَافِق لِحَدِيثِ بُنِيَ الْإِسْلَام عَلَى خَمْس وَلِتَفْسِيرِ الْإِسْلَام بِخَمْسٍ فِي حَدِيث جِبْرِيل صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ سَبَقَ أَنَّ مَا يُسَمَّى إِسْلَامًا يُسَمَّى إِيمَانًا وَأَنَّ الْإِسْلَام وَالْإِيمَان يَجْتَمِعَانِ وَيَفْتَرِقَانِ . وَقَدْ قِيلَ إِنَّمَا لَمْ يُذْكَرْ الْحَجُّ فِي هَذَا الْحَدِيث لِكَوْنِهِ لَمْ يَكُنْ نَزَلَ فَرْضُهُ .
وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " وَأَنْ تُؤَدُّوا خُمُسًا مِنْ الْمَغْنَم " فَلَيْسَ عَطْفًا عَلَى قَوْله " شَهَادَة أَنْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه " فَإِنَّهُ يَلْزَم مِنْهُ أَنْ يَكُون الْأَرْبَع خَمْسًا ، وَإِنَّمَا هُوَ عَطْف عَلَى قَوْله " بِأَرْبَعٍ " فَيَكُون مُضَافًا إِلَى الْأَرْبَع لَا وَاحِدًا مِنْهَا ؛ وَإِنْ كَانَ وَاحِدًا مِنْ مُطْلَق شُعَب الْإِيمَان . قَالَ : وَأَمَّا عَدَم ذِكْر الصَّوْم فِي الرِّوَايَة الْأُولَى فَهُوَ إِغْفَال مِنْ الرَّاوِي وَلَيْسَ مِنْ الِاخْتِلَاف الصَّادِر مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَلْ مِنْ اِخْتِلَاف الرُّوَاة الصَّادِر مِنْ تَفَاوُتهمْ فِي الضَّبْط وَالْحِفْظ عَلَى مَا تَقَدَّمَ بَيَانه . فَافْهَمْ ذَلِكَ وَتَدَبَّرْهُ تَجِدْهُ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى مِمَّا هَدَانَا اللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى لِحَلِّهِ مِنْ الْعُقَدِ . هَذَا آخِر كَلَام الشَّيْخ أَبِي عَمْرو . وَقِيلَ فِي مَعْنَاهُ غَيْر مَا قَالَاهُ مِمَّا لَيْسَ بِظَاهِرٍ فَتَرَكْنَاهُ . وَاَللَّه أَعْلَمُ .
وَأَمَّا قَوْل الشَّيْخ إِنَّ تَرْكَ الصَّوْم فِي بَعْض الرِّوَايَات إِغْفَال مِنْ الرَّاوِي وَكَذَا قَالَهُ الْقَاضِي عِيَاض وَغَيْره وَهُوَ ظَاهِر لَا شَكَّ فِيهِ قَالَ الْقَاضِي عِيَاض رَحِمَهُ اللَّه : وَكَانَتْ وِفَادَة عَبْد الْقَيْس عَامَ الْفَتْح قَبْل خُرُوج النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى مَكَّة وَنَزَلَتْ فَرِيضَةُ الْحَجِّ سَنَةَ تِسْعٍ بَعْدَهَا عَلَى الْأَشْهَرِ . وَاَللَّه أَعْلَمُ .
وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَأَنْ تُؤَدُّوا خُمُس مَا غَنِمْتُمْ ) فَفِيهِ إِيجَاب الْخُمُس مِنْ الْغَنَائِم وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْإِمَام فِي السَّرِيَّة الْغَازِيَة وَفِي هَذَا تَفْصِيلٌ وَفُرُوعٌ سَنُنَبِّهُ عَلَيْهَا فِي بَابهَا إِنْ وَصَلْنَاهُ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى . وَيُقَال : ( خُمُس ) بِضَمِّ الْمِيم وَإِسْكَانِهَا . وَكَذَلِكَ الثُّلُث وَالرُّبُع وَالسُّدُس وَالسُّبُع وَالثُّمُن وَالتُّسْع وَالْعُشْر بِضَمِّ ثَانِيهَا وَيُسَكَّن وَاَللَّه أَعْلَمُ .
وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَأَنْهَاكُمْ عَنْ الدُّبَّاء وَالْحَنْتَم وَالنَّقِير وَالْمُقَيَّر ) وَفِي رِوَايَة : ( الْمُزَفَّت ) بَدَل الْمُقَيَّر فَنَضْبِطهُ ثُمَّ نَتَكَلَّم عَلَى مَعْنَاهُ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى . فَالدُّبَّاء بِضَمِّ الدَّال وَبِالْمَدِّ وَهُوَ الْقَرْع الْيَابِس أَيْ الْوِعَاء مِنْهُ .
وَأَمَّا ( الْحَنْتَم )
فَبِحَاءٍ مُهْمَلَة مَفْتُوحَة ثُمَّ نُون سَاكِنَة ثُمَّ تَاء مُثَنَّاة مِنْ فَوْق مَفْتُوحَة ثُمَّ مِيم الْوَاحِدَة حَنْتَمَة .
وَأَمَّا ( النَّقِير )
فَبِالنُّونِ الْمَفْتُوحَة وَالْقَاف .
وَأَمَّا ( الْمُقَيَّر )
فَبِفَتْحِ الْقَاف وَالْيَاء .
فَأَمَّا ( الدُّبَّاء )
فَقَدْ ذَكَرْنَاهُ .
وَأَمَّا ( الْحَنْتَم ) فَاخْتُلِفَ فِيهَا فَأَصَحُّ الْأَقْوَال وَأَقْوَاهَا : أَنَّهَا جِرَار خُضْرٌ ، وَهَذَا التَّفْسِير ثَابِت فِي كِتَاب الْأَشْرِبَة مِنْ صَحِيح مُسْلِم عَنْ أَبِي هُرَيْرَة وَهُوَ قَوْل عَبْد اللَّه بْن مُغَفَّل الصَّحَابِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ ، وَبِهِ قَالَ الْأَكْثَرُونَ أَوْ كَثِيرُونَ مِنْ أَهْل اللُّغَة وَغَرِيب الْحَدِيث وَالْمُحَدِّثِينَ وَالْفُقَهَاء . وَالثَّانِي : أَنَّهَا الْجِرَار كُلّهَا قَالَهُ عَبْد اللَّه بْن عُمَر ، وَسَعِيد بْن جُبَيْر وَأَبُو سَلَمَة .
وَالثَّالِث : أَنَّهَا جِرَار يُؤْتَى بِهَا مِنْ مِصْر مُقَيَّرَات الْأَجْوَاف ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَنَس بْن مَالِك رَضِيَ اللَّه عَنْهُ . وَنَحْوه عَنْ اِبْن أَبِي لَيْلَى وَزَادَ أَنَّهَا حُمْرٌ . وَالرَّابِع : عَنْ عَائِشَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا جِرَارٌ حُمْرٌ أَعْنَاقُهَا فِي جُنُوبِهَا يُجْلَب فِيهَا الْخَمْرُ مِنْ مِصْر . وَالْخَامِس : عَنْ اِبْن أَبِي لَيْلَى أَيْضًا أَفْوَاهُهَا فِي جُنُوبِهَا يُجْلَب فِيهَا الْخَمْر مِنْ الطَّائِف . وَكَانَ نَاس يَنْتَبِذُونَ فِيهَا يُضَاهُونَ بِهِ الْخَمْرَ . وَالسَّادِس عَنْ عَطَاء : جِرَارٌ كَانَتْ تَعْمَل مِنْ طِين وَشَعْر وَدَم .
وَأَمَّا ( النَّقِير ) : فَقَدْ جَاءَ فِي تَفْسِيره فِي الرِّوَايَة الْأَخِيرَة أَنَّهُ : جِذْع يُنْقَر وَسَطه .
وَأَمَّا ( الْمُقَيَّر ) فَهُوَ الْمُزَفَّت وَهُوَ الْمَطْلِيّ بِالْقَارِ وَهُوَ الزِّفْت . وَقِيلَ : الزِّفْت نَوْع مِنْ الْقَار . وَالصَّحِيح الْأَوَّل فَقَدْ صَحَّ عَنْ اِبْن عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا أَنَّهُ قَالَ : الْمُزَفَّت هُوَ الْمُقَيَّر .
وَأَمَّا مَعْنَى النَّهْي عَنْ هَذِهِ الْأَرْبَع فَهُوَ أَنَّهُ نَهَى عَنْ الِانْتِبَاذ فِيهَا وَهُوَ أَنْ يُجْعَل فِي الْمَاء حَبَّاتٌ مِنْ تَمْرٍ أَوْ زَبِيبٍ أَوْ نَحْوِهِمَا لِيَحْلُوَ وَيُشْرَبَ . وَإِنَّمَا خُصَّتْ هَذِهِ بِالنَّهْيِ لِأَنَّهُ يُسْرِع إِلَيْهِ الْإِسْكَار فِيهَا فَيَصِير حَرَامًا نَجِسًا وَيَبْطُل مَالِيَّته فَنَهَى عَنْهُ لِمَا فِيهِ مِنْ إِتْلَاف الْمَال وَلِأَنَّهُ رُبَّمَا شَرِبَهُ بَعْد إِسْكَاره مَنْ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ . وَلَمْ يَنْهَ عَنْ الِانْتِبَاذ فِي أَسْقِيَة الْأَدَم بَلْ أَذِنَ فِيهَا لِأَنَّهَا لِرِقَّتِهَا لَا يَخْفَى فِيهَا الْمُسْكِر . بَلْ إِذَا صَارَ مُسْكِرًا شَقَّهَا غَالِبًا . ثُمَّ إِنَّ هَذَا النَّهْي كَانَ فِي أَوَّل الْأَمْر ثُمَّ نُسِخَ بِحَدِيثِ بُرَيْدَةَ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " كُنْت نَهَيْتُكُمْ عَنْ الِانْتِبَاذ إِلَّا فِي الْأَسْقِيَة فَانْتَبِذُوا فِي كُلّ وِعَاء وَلَا تَشْرَبُوا مُسْكِرًا " . رَوَاهُ مُسْلِم فِي الصَّحِيح . هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنْ كَوْنِهِ مَنْسُوخًا هُوَ مَذْهَبُنَا وَمَذْهَب جَمَاهِير الْعُلَمَاء . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : الْقَوْل بِالنَّسْخِ هُوَ أَصَحُّ الْأَقَاوِيل .
قَالَ : وَقَالَ قَوْم : التَّحْرِيمُ بَاقٍ ، وَكَرِهُوا الِانْتِبَاذ فِي هَذِهِ الْأَوْعِيَة . ذَهَبَ إِلَيْهِ مَالِك وَأَحْمَد وَإِسْحَاق وَهُوَ مَرْوِيّ عَنْ اِبْن عُمَر وَعَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ . وَاَللَّه أَعْلَمُ .


24 - قَوْله : ( قَالَ أَبُو بَكْر : حَدَّثَنَا غُنْدَر عَنْ شُعْبَة وَقَالَ الْآخَرُونَ ثنا مُحَمَّد بْن جَعْفَر قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَة )
هَذَا مِنْ اِحْتِيَاط مُسْلِم رَضِيَ اللَّه عَنْهُ فَإِنَّ غُنْدَرًا هُوَ مُحَمَّد بْن جَعْفَر وَلَكِنْ أَبُو بَكْرٍ ذَكَرَهُ بِلَقَبِهِ وَالْآخَرَانِ بِاسْمِهِ وَنَسَبه وَقَالَ أَبُو بَكْر عَنْهُ عَنْ شُعْبَة . قَالَ الْآخَرَانِ عَنْهُ حَدَّثَنَا شُعْبَة فَحَصَلَتْ مُخَالَفَة بَيْنهمَا وَبَيْنه مِنْ وَجْهَيْنِ فَلِهَذَا نَبَّهَ عَلَيْهِ مُسْلِم رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى . وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْمُقَدِّمَة أَنَّ دَالَ غُنْدَرٍ مَفْتُوحَةٌ عَلَى الْمَشْهُور ، وَأَنَّ الْجَوْهَرِيّ حَكَى ضَمَّهَا أَيْضًا . وَتَقَدَّمَ بَيَان سَبَبِ تَلْقِيبِهِ بِغُنْدَرٍ .
قَوْله : ( كُنْت أُتَرْجِم بَيْن يَدَيْ اِبْن عَبَّاس وَبَيْن النَّاس )
كَذَا هُوَ فِي الْأُصُول وَتَقْدِيره : بَيْن يَدَيْ اِبْن عَبَّاس بَيْنه وَبَيْن النَّاس فَحَذَفَ لَفْظَةَ بَيْنَهُ لِدَلَالَةِ الْكَلَام عَلَيْهَا ، وَيَجُوز أَنْ يَكُون الْمُرَاد بَيْن اِبْن عَبَّاس وَبَيْن النَّاس كَمَا جَاءَ فِي الْبُخَارِيّ وَغَيْره بِحَذْفِ " يَدَيْ " فَتَكُون " يَدَيْ " عِبَارَةً عَنْ الْجُمْلَة كَمَا قَالَ اللَّه تَعَالَى : { يَوْم يَنْظُر الْمَرْء مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ } أَيْ : قَدَّمَ وَاَللَّه أَعْلَمُ .
وَأَمَّا مَعْنَى التَّرْجَمَة فَهُوَ التَّعْبِير عَنْ لُغَة بِلُغَةٍ ، ثُمَّ قِيلَ : إِنَّهُ كَانَ يَتَكَلَّم بِالْفَارِسِيَّةِ فَكَانَ يُتَرْجِم لِابْن عَبَّاس عَمَّنْ يَتَكَلَّم بِهَا ، قَالَ الشَّيْخ أَبُو عَمْرو بْن الصَّلَاح رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى : وَعِنْدِي أَنَّهُ كَانَ يُبَلِّغ كَلَام اِبْن عَبَّاس إِلَى مَنْ خَفِيَ عَلَيْهِ مِنْ النَّاس ، إِمَّا لِزِحَامٍ مَنَعَ مِنْ سَمَاعه فَأَسْمَعَهُمْ ، وَإِمَّا لِاخْتِصَارٍ مَنَعَ مِنْ فَهْمه فَأَفْهَمَهُمْ ، أَوْ نَحْو ذَلِكَ . قَالَ : وَإِطْلَاقه لَفْظَ النَّاسِ يُشْعِرُ بِهَذَا . قَالَ : وَلَيْسَتْ التَّرْجَمَة مَخْصُوصَة بِتَفْسِيرِ لُغَةٍ بِلُغَةٍ أُخْرَى فَقَدْ أَطْلَقُوا عَلَى قَوْلهمْ بَاب كَذَا اِسْم التَّرْجَمَة لِكَوْنِهِ يُعَبِّرُ عَمَّا يَذْكُرُهُ بَعْدَهُ هَذَا كَلَامُ الشَّيْخِ . وَالظَّاهِر أَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّهُ يُفْهِمُهُمْ عَنْهُ وَيُفْهِمُهُ عَنْهُمْ . وَاَللَّه أَعْلَمُ .
قَوْله : ( فَأَتَتْهُ اِمْرَأَةٌ تَسْأَلهُ عَنْ نَبِيذ الْجَرِّ )
أَمَّا ( الْجَرُّ ) فَبِفَتْحِ الْجِيم وَهُوَ اِسْم جَمْعٍ الْوَاحِدَة جَرَّةٌ وَيُجْمَع أَيْضًا عَلَى جِرَار وَهُوَ هَذَا الْفَخَّار الْمَعْرُوف . وَفِي هَذَا دَلِيل عَلَى جَوَازِ اِسْتِفْتَاءِ الْمَرْأَةِ الرِّجَالَ الْأَجَانِبَ ، وَسَمَاعِهَا صَوْتَهُمْ ، وَسَمَاعِهِمْ صَوْتَهَا لِلْحَاجَةِ . وَفِي
قَوْله ( إِنَّ وَفْد عَبْد الْقَيْس إِلَخْ )
دَلِيل عَلَى أَنَّ مَذْهَب اِبْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُ أَنَّ النَّهْي عَنْ الِانْتِبَاذ فِي هَذِهِ الْأَوْعِيَة لَيْسَ بِمَنْسُوخٍ بَلْ حُكْمه بَاقٍ وَقَدْ قَدَّمْنَا بَيَان الْخِلَاف فِيهِ .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( مَرْحَبًا بِالْقَوْمِ )
مَنْصُوب عَلَى الْمَصْدَر اِسْتَعْمَلَتْهُ الْعَرَبُ وَأَكْثَرَتْ مِنْهُ تُرِيدُ بِهِ الْبِرّ ، وَحُسْن اللِّقَاء . وَمَعْنَاهُ صَادَفْت رَحْبًا وَسَعَةً .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( غَيْرَ خَزَايَا وَلَا النَّدَامَى )
هَكَذَا هُوَ فِي الْأُصُول ( النَّدَامَى ) بِالْأَلِفِ وَاللَّام ، وَ ( خَزَايَا ) بِحَذْفِهِمَا . وَرَوَى فِي غَيْر هَذَا الْمَوْضِع بِالْأَلِفِ وَاللَّام فِيهِمَا ، وَرُوِيَ بِإِسْقَاطِهِمَا فِيهِمَا ، وَالرِّوَايَة فِيهِ غَيْر بِنَصْبِ الرَّاء عَلَى الْحَال .
وَأَشَارَ صَاحِب التَّحْرِير إِلَى أَنَّهُ يُرْوَى أَيْضًا بِكَسْرِ الرَّاء عَلَى الصِّفَة لِلْقَوْمِ . وَالْمَعْرُوف الْأَوَّل . وَيَدُلّ عَلَيْهِ مَا جَاءَ فِي رِوَايَة الْبُخَارِيّ " مَرْحَبًا بِالْقَوْمِ الَّذِينَ جَاءُوا غَيْر خَزَايَا وَلَا نَدَامَى " ، وَاَللَّه أَعْلَمُ .
أَمَّا ( الْخَزَايَا ) فَجَمْعُ خَزْيَان كَحَيْرَان وَحَيَارَى وَسَكْرَان وَسَكَارَى وَالْخَزْيَان الْمُسْتَحِي . وَقِيلَ : الذَّلِيل الْمُهَان .
وَأَمَّا ( النَّدَامَى ) : فَقِيلَ : إِنَّهُ جَمْع نَدْمَان بِمَعْنَى نَادِمٍ ، وَهِيَ لُغَة فِي نَادِم ، حَكَاهَا الْقَزَّاز صَاحِب جَامِع اللُّغَة ، وَالْجَوْهَرِيّ فِي صِحَاحه وَعَلَى هَذَا هُوَ عَلَى بَابِهِ وَقِيلَ هُوَ جَمْع نَادِم اِتِّبَاعًا لِلْخَزَايَا وَكَانَ الْأَصْل نَادِمِينَ فَأُتْبِعَ لِخَزَايَا تَحْسِينًا لِلْكَلَامِ وَهَذَا الْإِتْبَاع كَثِير فِي كَلَام الْعَرَب وَهُوَ مِنْ فَصِيحه ، وَمِنْهُ قَوْل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " اِرْجِعْنَ مَأْزُورَات غَيْر مَأْجُورَات " ، أَتْبَعَ مَأْزُورَات لِمَأْجُورَاتٍ وَلَوْ أَفْرَدَ وَلَمْ يَضُمَّ إِلَيْهِ مَأْجُورَات لَقَالَ مَوْزُورَات . كَذَا قَالَهُ الْفَرَّاء وَجَمَاعَات . قَالُوا : وَمِنْهُ قَوْل الْعَرَب ) إِنَى لَآتِيه بِالْغَدَايَا وَالْعَشَايَا جَمَعُوا الْغَدَاة عَلَى غَدَايَا إِتْبَاعًا لِعَشَايَا وَلَوْ أُفْرِدَتْ لَمْ يَجُزْ إِلَّا غَدَوَاتٌ .
وَأَمَّا مَعْنَاهُ فَالْمَقْصُود أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْكُمْ تَأَخُّر عَنْ الْإِسْلَام وَلَا عِنَاد وَلَا أَصَابَكُمْ إِسَار وَلَا سَبَاء وَلَا مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا تَسْتَحْيُونَ بِسَبَبِهِ ، أَوْ تَذِلُّونَ أَوْ تُهَانُونَ أَوْ تَنْدَمُونَ . وَاَللَّه أَعْلَمُ .
قَوْله : ( فَقَالُوا يَا رَسُول اللَّه إِنَّا نَأْتِيك مِنْ شُقَّةٍ بَعِيدَةٍ )
الشُّقَّةُ بِضَمِّ الشِّين وَكَسْرهَا لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ أَشْهَرُهُمَا وَأَفْصَحُهُمَا الضَّمُّ وَهِيَ الَّتِي جَاءَ بِهَا الْقُرْآن الْعَزِيز . قَالَ الْإِمَام أَبُو إِسْحَاق الثَّعْلَبِيّ وَقَرَأَ عُبَيْد بْن عُمَيْر بِكَسْرِ الشِّين وَهِيَ لُغَة قَيْس . وَالشُّقَّة السَّفَر الْبَعِيد . كَذَا قَالَهُ اِبْن سِكِّيت ، وَابْن قُتَيْبَة ، وَقُطْرُب ، وَغَيْرهمْ . قِيلَ : سُمِّيَتْ شُقَّةً لِأَنَّهَا تَشُقّ عَلَى الْإِنْسَان . وَقِيلَ : هِيَ الْمَسَافَة . وَقِيلَ : الْغَايَة الَّتِي يَخْرُج الْإِنْسَان إِلَيْهَا . فَعَلَى الْقَوْل الْأَوَّل يَكُون قَوْلهمْ بَعِيدَة مُبَالَغَة فِي بُعْدهَا . وَاَللَّه أَعْلَمُ .
قَوْلهمْ : ( فَمُرْنَا بِأَمْرٍ فَصْلٍ )
هُوَ بِتَنْوِينِ ( أَمْرٍ ) . قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْره : هُوَ الْبَيِّن الْوَاضِح الَّذِي يَنْفَصِل بِهِ الْمُرَاد وَلَا يُشْكِلُ .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَأَخْبِرُوا بِهِ مَنْ وَرَاءَكُمْ وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ فِي رِوَايَته مَنْ وَرَاءَكُمْ )
هَكَذَا ضَبَطْنَاهُ وَكَذَا هُوَ فِي الْأُصُول الْأُوَل بِكَسْرِ الْمِيم وَالثَّانِي بِفَتْحِهَا وَهُمَا يَرْجِعَانِ إِلَى مَعْنًى وَاحِدٍ .
قَوْله : ( وَحَدَّثَنَا نَصْر بْن عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيّ )
هُوَ بِفَتْحِ الْجِيم وَالضَّادِ الْمُعْجَمَة وَإِسْكَان الْهَاء بَيْنهمَا وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانه فِي شَرْح الْمُقَدِّمَة .
قَوْله : ( قَالَا جَمِيعًا )
فَلَفْظَة جَمِيعًا مَنْصُوبَةٌ عَلَى الْحَال . وَمَعْنَاهُ اِتَّفَقَا وَاجْتَمَعَا عَلَى التَّحْدِيث بِمَا يَذْكُرهُ إِمَّا مُجْتَمِعَيْنِ فِي وَقْت وَاحِد وَإِمَّا فِي وَقْتَيْنِ ، وَمَنْ اِعْتَقَدَ أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُون ذَلِكَ فِي وَقْت وَاحِد فَقَدْ غَلِطَ غَلَطًا بَيِّنًا .
قَوْله : ( وَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْأَشَجِّ أَشَجّ عَبْد الْقَيْس إِنَّ فِيك لَخَصْلَتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللَّهُ الْحِلْم وَالْأَنَاةُ )
أَمَّا الْأَشَجّ فَاسْمه الْمُنْذِر بْن عَائِذ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة الْعَصْرِيّ بِفَتْحِ الْعَيْن وَالصَّاد الْمُهْمَلَتَيْنِ هَذَا هُوَ الصَّحِيح الْمَشْهُور الَّذِي قَالَهُ اِبْن عَبْد الْبَرِّ ، وَالْأَكْثَرُونَ أَوْ الْكَثِيرُونَ . وَقَالَ اِبْن الْكَلْبِيّ : اِسْمه الْمُنْذِر ابْن الْحَارِث بْن زِيَاد بْن عَصْر بْن عَوْف ، وَقِيلَ : اِسْمه الْمُنْذِر بْن عَامِر . وَقِيلَ : الْمُنْذِر بْن عُبَيْد . وَقِيلَ : اِسْمه عَائِذ ابْن الْمُنْذِر . وَقِيلَ : عَبْد اللَّه بْن عَوْف .
وَأَمَّا الْحِلْم فَهُوَ الْعَقْل ، وَأَمَّا الْأَنَاة فَهِيَ التَّثْبِيت وَتَرْك الْعَجَلَة وَهِيَ مَقْصُورَة . وَسَبَب قَوْل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ لَهُ مَا جَاءَ فِي حَدِيث الْوَفْد أَنَّهُمْ لَمَّا وَصَلُوا الْمَدِينَة بَادَرُوا إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأَقَامَ الْأَشَجّ عِنْد رِحَالهمْ فَجَمَعَهَا وَعَقَلَ نَاقَته وَلَبِسَ أَحْسَن ثِيَابه ثُمَّ أَقْبَلَ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَقَرَّبَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَجْلَسَهُ إِلَى جَانِبه ، ثُمَّ قَالَ لَهُمْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " تُبَايِعُونَ عَلَى أَنْفُسِكُمْ وَقَوْمِكُمْ " ، فَقَالَ الْقَوْم : نَعَمْ . فَقَالَ الْأَشَجُّ يَا رَسُول اللَّه إِنَّك لَمْ تُزَاوِلْ الرَّجُلَ عَنْ شَيْءٍ أَشَدَّ عَلَيْهِ مِنْ دِينِهِ . نُبَايِعك عَلَى أَنْفُسِنَا ، وَنُرْسِل مَنْ يَدْعُوهُمْ . فَمَنْ اِتَّبَعَنَا كَانَ مِنَّا وَمَنْ أَبَى قَاتَلْنَاهُ . قَالَ : " صَدَقْت ، إِنَّ فِيك خَصْلَتَيْنِ " . الْحَدِيث . قَالَ الْقَاضِي عِيَاض : فَالْأَنَاة تَرَبُّصُهُ حَتَّى نَظَرَ فِي مَصَالِحه وَلَمْ يَعْجَلْ ، وَالْحِلْم هَذَا الْقَوْل الَّذِي قَالَهُ الدَّالّ عَلَى صِحَّة عَقْله ، وَجَوْدَة نَظَرِهِ لِلْعَوَاقِبِ ، قُلْت : وَلَا يُخَالِف هَذَا مَا جَاءَ فِي مُسْنَد أَبِي يَعْلَى وَغَيْره أَنَّهُ لَمَّا قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْأَشَجِّ " إِنَّ فِيك خَصْلَتَيْنِ " الْحَدِيث . قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ كَانَا فِيَّ أَمْ حَدَثَا ؟ قَالَ : " بَلْ قَدِيم " . قَالَ : قُلْت : الْحَمْد لِلَّهِ الَّذِي جَبَلَنِي عَلَى خُلُقَيْنِ يُحِبُّهُمَا .


26 - قَوْله : ( حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِم عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ )
أَمَّا ( أَبُو عَاصِم ) فَالضَّحَّاك بْن مَخْلَد النَّبِيل وَأَمَّا ( اِبْن جُرَيْجٍ ) فَهُوَ عَبْد الْمَلِك بْن عَبْد الْعَزِيز بْن جُرَيْجٍ .
قَوْله : ( حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن رَافِع حَدَّثَنَا عَبْد الرَّزَّاق أَخْبَرَنَا اِبْن جُرَيْجٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي أَبُو قَزَعَة أَنَّ أَبَا نَضْرَةَ أَخْبَرَهُ وَحَسَنًا أَخْبَرَهُمَا أَنَّ أَبَا سَعِيد الْخُدْرِيَّ أَخْبَرَهُ )
هَذَا الْإِسْنَاد مَعْدُود فِي الْمُشْكِلَات ، وَقَدْ اِضْطَرَبَتْ قِيهِ أَقْوَال الْأَئِمَّة وَأَخْطَأَ فِيهِ جَمَاعَات مِنْ كِبَار الْحُفَّاظ . وَالصَّوَاب فِيهِ مَا حَقَّقَهُ وَحَرَّرَهُ وَبَسَطَهُ وَأَوْضَحَهُ الْإِمَام الْحَافِظ أَبُو مُوسَى الْأَصْبَهَانِيّ فِي الْجُزْء الَّذِي جَمَعَهُ فِيهِ وَمَا أَحْسَنَهُ وَأَجْوَده ، وَقَدْ لَخَّصَهُ الشَّيْخ أَبُو عَمْرو بْن الصَّلَاح رَحِمَهُ اللَّه فَقَالَ : هَذَا الْإِسْنَاد أَحَد الْمُعْضِلَات ، وَلِإِعْضَالِهِ وَقَعَ فِيهِ تَعْبِيرَات مِنْ جَمَاعَة وَاهِمَة ؛ فَمِنْ ذَلِكَ رِوَايَة أَبِي نُعَيْم الْأَصْبَهَانِيّ فِي مُسْتَخْرَجه عَلَى كِتَاب مُسْلِم بِإِسْنَادِهِ أَخْبَرَنِي أَبُو قَزَعَة أَنَّ أَبَا نَضْرَة وَحَسَنًا أَخْبَرَهُمَا أَنَّ أَبَا سَعِيد الْخُدْرِيَّ أَخْبَرَهُ وَهَذَا يَلْزَم مِنْهُ أَنْ يَكُون أَبُو قَزَعَة هُوَ الَّذِي أَخْبَرَ أَبَا نَضْرَة وَحَسَنًا عَنْ أَبِي سَعِيد ، وَيَكُون أَبُو قَزَعَة هُوَ الَّذِي سَمِعَ مِنْ أَبِي سَعِيد وَذَلِكَ مُنْتَفٍ بِلَا شَكّ . وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ أَبَا عَلِيّ الْغَسَّانِيّ صَاحِب تَقْيِيد الْمُهْمَل رَدَّ رِوَايَة مُسْلِم هَذِهِ وَقَلَّدَهُ فِي ذَلِكَ صَاحِب الْمُعَلِّم وَمِنْ شَأْنه تَقْلِيده فِيمَا يَذْكُرهُ مِنْ عِلْم الْأَسَانِيد ، وَصَوَّبَهُمَا فِي ذَلِكَ الْقَاضِي عِيَاض ، فَقَالَ أَبُو عَلِيّ : الصَّوَاب فِي الْإِسْنَاد عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو قَزَعَة أَنَّ أَبَا نَضْرَة وَحَسَنًا أَخْبَرَاهُ أَنَّ أَبَا سَعِيد أَخْبَرَهُ وَذَكَرَ أَنَّهُ إِنَّمَا قَالَ أَخْبَرَهُ وَلَمْ يَقُلْ أَخْبَرَهُمَا لِأَنَّهُ رَدَّ الضَّمِير إِلَى أَبِي نَضْرَة وَحْدَهُ وَأَسْقَطَ الْحَسَن لِمَوْضِعِ الْإِرْسَال فَإِنَّهُ لَمْ يَسْمَع مِنْ أَبِي سَعِيد وَلَمْ يَلْقَهُ ، وَذَكَرَ أَنَّهُ بِهَذَا اللَّفْظ الَّذِي ذَكَرَهُ مُسْلِم خَرَّجَهُ أَبُو عَلِيّ بْن السَّكَن فِي مُصَنَّفه بِإِسْنَادِهِ قَالَ : وَأَظُنّ أَنَّ هَذَا مِنْ إِصْلَاح اِبْن السَّكَن . وَذَكَرَ الْغَسَّانِيّ أَيْضًا أَنَّهُ رَوَاهُ كَذَلِكَ أَبُو بَكْر الْبَزَّار فِي مُسْنَده الْكَبِير بِإِسْنَادِهِ وَحُكِيَ عَنْهُ وَعَنْ عَبْد الْغَنِيّ بْن سَعِيد الْحَافِظ أَنَّهُمَا ذَكَرَا أَنَّ حَسَنًا هَذَا هُوَ الْحَسَن الْبَصْرِيّ وَلَيْسَ الْأَمْر فِي ذَلِكَ عَلَى مَا ذَكَرُوهُ بَلْ مَا أَوْرَدَهُ مُسْلِم فِي هَذَا الْإِسْنَاد هُوَ الصَّوَاب ، وَكَمَا أَوْرَدَهُ رَوَاهُ أَحْمَد بْن حَنْبَل عَنْ رَوْح بْن عُبَادَة عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ . وَقَدْ اِنْتَصَرَ لَهُ الْحَافِظ أَبُو مُوسَى الْأَصْبَهَانِيّ رَحِمَهُ اللَّه وَأَلَّفَ فِي ذَلِكَ كِتَابًا لَطِيفًا تَبَجَّحَ فِيهِ بِإِجَادَتِهِ وَإِصَابَته مَعَ وَهْمِ غَيْر وَاحِد فِيهِ ، فَذَكَرَ أَنَّ حَسَنًا هَذَا هُوَ الْحَسَن بْن مُسْلِم بْن يَنَاق الَّذِي رَوَى عَنْهُ اِبْن جُرَيْحٍ غَيْر هَذَا الْحَدِيث ، وَأَنَّ مَعْنَى هَذَا الْكَلَام أَنَّ أَبَا نَضْرَة أَخْبَرَ بِهَذَا الْحَدِيث أَبَا قَزَعَة وَحَسَن بْن مُسْلِم كِلَيْهِمَا ثُمَّ أَكَّدَ ذَلِكَ بِأَنْ أَعَادَ فَقَالَ أَخْبَرَهُمَا أَنَّ أَبَا سَعِيد أَخْبَرَهُ يَعْنِي أَخْبَرَ أَبُو سَعِيد أَبَا نَضْرَة . وَهَذَا كَمَا تَقُول : إِنَّ زَيْدًا جَاءَنِي وَعَمْرًا جَاءَنِي فَقَالَا : كَذَا وَكَذَا . وَهَذَا مِنْ فَصِيح الْكَلَام وَاحْتَجَّ عَلِيّ أَنَّ حَسَنًا فِيهِ هُوَ الْحَسَن بْن مُسْلِم بْن يَنَاق بْن سَلَمَة بْن شَبِيب وَهُوَ ثِقَة رَوَاهُ عَنْ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو قَزَعَة أَنَّ أَبَا نَضْرَة أَخْبَرَهُ وَحَسَن بْن مُسْلِم بْن يَنَاق أَخْبَرَهُمَا أَنَّ أَبَا سَعِيد أَخْبَرَهُ الْحَدِيث . وَرَوَاهُ أَبُو الشَّيْخ الْحَافِظ فِي كِتَابه الْمُخْرِج عَلَى صَحِيح مُسْلِم . وَقَدْ أَسْقَطَ أَبُو مَسْعُود الدِّمَشْقِيّ وَغَيْره ذِكْر حَسَن مِنْ الْإِسْنَاد لِأَنَّهُ مَعَ إِشْكَاله لَا مَدْخَل لَهُ فِي الرِّوَايَة . وَذَكَرَ الْحَافِظ أَبُو مُوسَى مَا حَكَاهُ أَبُو عَلِيّ الْغَسَّانِيّ وَبَيَّنَ بُطْلَانه وَبُطْلَان رِوَايَة مِنْ غَيْر الضَّمِير فِي قَوْله أَخْبَرَهُمَا وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ التَّغْيِيرَات . وَلَقَدْ أَجَادَ وَأَحْسَن رَضِيَ اللَّه عَنْهُ . هَذَا آخِر كَلَام الشَّيْخ أَبِي عَمْرو رَحِمَهُ اللَّه . وَفِي هَذَا الْقَدْر الَّذِي ذَكَرَهُ أَبْلَغ كِفَايَة . وَإِنْ كَانَ الْحَافِظ أَبُو مُوسَى قَدْ أَطْنَبَ فِي بَسْطِهِ وَإِيضَاحه بِأَسَانِيدِهِ وَاسْتِشْهَادَاته وَلَا ضَرُورَة إِلَى زِيَادَةٍ عَلَى هَذَا الْقَدْر . وَاَللَّه أَعْلَم . وَأَمَّا ( أَبُو قَزَعَة ) الْمَذْكُور فَاسْمه سُوَيْد بْن حُجَيْر بِحَاءٍ مُهْمَلَة مَضْمُومَة ثُمَّ جِيم مَفْتُوحَة وَآخِره رَاء وَهُوَ بَاهِلِيّ بَصْرِيّ اِنْفَرَدَ مُسْلِم بِالرِّوَايَةِ لَهُ دُون الْبُخَارِيّ . وَقَزَعَة بِفَتْحِ الْقَاف وَبِفَتْحِ الزَّاي وَإِسْكَانهَا وَلَمْ يَذْكُر أَبُو عَلِيّ الْغَسَّانِيّ فِي ( تَقْيِيد الْمُهْمَل ) سِوَى الْفَتْح . وَحَكَى الْقَاضِي عِيَاض فِيهِ الْفَتْح وَالْإِسْكَان . وَوُجِدَ بِخَطِّ اِبْن الْأَنْبَارِيّ بِالْإِسْكَانِ . وَذَكَرَ اِبْن مَكِّيّ فِي كِتَابه ( فِيمَا يُلْحَن فِيهِ ) أَنَّ الْإِسْكَان هُوَ الصَّوَاب وَاللَّهُ أَعْلَم .
قَوْلهمْ : ( جَعَلَنَا اللَّه فِدَاك )
هُوَ بِكَسْرِ الْفَاء وَبِالْمَدِّ مَعْنَاهُ يَقِيك الْمَكَارِه .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَعَلَيْكُمْ بِالْمُوكَى ) هُوَ بِضَمِّ الْمِيم وَإِسْكَان الْوَاو مَقْصُور غَيْر مَهْمُوز وَمَعْنَاهُ اِنْبِذُوا فِي السِّقَاء الدَّقِيق الَّذِي يُوكَى أَيْ يُرْبَط فُوهُ بِالْوِكَاءِ وَهُوَ الْخَيْط الَّذِي يُرْبَط بِهِ . وَاَللَّه أَعْلَم .
هَذَا مَا يَتَعَلَّق بِأَلْفَاظِ هَذَا الْحَدِيث .
وَأَمَّا أَحْكَامه وَمَعَانِيه فَقَدْ اِنْدَرَجَ جُمَلٌ مِنْهَا فِيمَا ذَكَرْته وَأَنَا أُشِير إِلَيْهَا مُلَخَّصَة مُخْتَصَرَة مُرَتَّبَة . فَفِي هَذَا الْحَدِيث وِفَادَة الرُّؤَسَاء وَالْأَشْرَاف إِلَى الْأَئِمَّة عِنْد الْأُمُور الْمُهِمَّة ، وَفِيهِ تَقْدِيم الِاعْتِذَار بَيْن يَدَيْ الْمَسْأَلَة . وَفِيهِ بَيَان مُهِمَّات الْإِسْلَام وَأَرْكَانه مَا سِوَى الْحَجّ . وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فُرِضَ . وَفِيهِ اِسْتِعَانَة الْعَالِم فِي تَفْهِيم الْحَاضِرِينَ وَالْفَهْم عَنْهُمْ بِبَعْضِ أَصْحَابه كَمَا فَعَلَهُ اِبْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا . وَقَدْ يُسْتَدَلّ بِهِ عَلَى أَنَّهُ يَكْفِي فِي التَّرْجَمَة فِي الْفَتْوَى وَالْخَبَر قَوْل وَاحِد . وَفِيهِ اِسْتِحْبَاب قَوْل الرَّجُل لِزُوَّارِهِ وَالْقَادِمِينَ عَلَيْهِ مَرْحَبًا وَنَحْوه وَالثَّنَاء عَلَيْهِمْ إِينَاسًا وَبَسْطًا . وَفِيهِ جَوَاز الثَّنَاء عَلَى الْإِنْسَان فِي وَجْهه إِذَا لَمْ يَخَف عَلَيْهِ فِتْنَة إِعْجَاب وَنَحْوه . وَأَمَّا اِسْتِحْبَابه فَيَخْتَلِف بِحَسَبِ الْأَحْوَال وَالْأَشْخَاص .
وَأَمَّا النَّهْي عَنْ الْمَدْح فِي الْوَجْه فَهُوَ فِي حَقّ مَنْ يُخَاف عَلَيْهِ الْفِتْنَة بِمَا ذَكَرْنَاهُ . وَقَدْ مَدَحَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَوَاضِع كَثِيرَة فِي الْوَجْه فَقَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَبِي بَكْر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : " لَسْت مِنْهُمْ " وَقَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " يَا أَبَا بَكْر لَا تَبْكِ إِنْ أَمِنَ النَّاس عَلَيَّ فِي صُحْبَته وَمَاله أَبُو بَكْر ، وَلَوْ كُنْت مُتَّخِذًا مِنْ أُمَّتِي خَلِيلًا لَاتَّخَذْت أَبَا بَكْر خَلِيلًا " وَقَالَ لَهُ : " وَأَرْجُو أَنْ تَكُون مِنْهُمْ " أَيْ مِنْ الَّذِينَ يُدْعَوْنَ مِنْ أَبْوَاب الْجَنَّة . وَقَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " اِئْذَنْ لَهُ وَبِشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ " . قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " اُثْبُتْ أُحُد فَإِنَّمَا عَلَيْك نَبِيّ وَصِدِّيق وَشَهِيدَانِ " وَقَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " دَخَلْت الْجَنَّة وَرَأَيْت قَصْرًا فَقُلْت لِمَنْ هَذَا ؟ قَالُوا لِعُمَر بْن الْخَطَّاب ، فَأَرَدْت أَنْ أَدْخُلهُ فَذَكَرْت غَيْرَتك " فَقَالَ عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُول اللَّه أَعَلَيْك أَغَارَ ؟ وَقَالَ لَهُ : " مَا لَقِيَك الشَّيْطَان سَالِكًا فَجًّا إِلَّا سَلَكَ فَجًّا غَيْر فَجّك " وَقَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " اِفْتَحْ لِعُثْمَان وَبِشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ " وَقَالَ لِعَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : " أَنْتَ مِنِّي وَأَنَا مِنْك " وَفِي الْحَدِيث الْآخَر " أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُون مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُون مِنْ مُوسَى " وَقَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِبِلَالٍ : " سَمِعْت دَقَّ نَعْلَيْك فِي الْجَنَّة " وَقَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَبْدِ اللَّه بْن سَلَّام : " أَنْتَ عَلَى الْإِسْلَام حَتَّى تَمُوت " وَقَالَ لِلْأَنْصَارِيِّ : " ضَحِكَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ أَوْ عَجِبَ مِنْ فِعَالكُمَا " وَقَالَ لِلْأَنْصَارِ : " أَنْتُمْ مِنْ أَحَبّ النَّاس إِلَيَّ " وَنَظَائِر هَذَا كَثِيرَة مِنْ مَدْحه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْوَجْه .
وَأَمَّا مَدْح الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ فَمَنْ بَعْدهمْ مِنْ الْعُلَمَاء وَالْأَئِمَّة الَّذِينَ يُقْتَدَى بِهِمْ رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ فَأَكْثَر مِنْ أَنْ يُحْصَر . وَاللَّهُ أَعْلَم . وَفِي حَدِيث الْبَاب مِنْ الْفَوَائِد أَنَّهُ لَا عَتَبَ عَلَى طَالِب الْعِلْم وَالْمُسْتَفْتِي إِذَا قَالَ لِلْعَالِمِ أَوْضِحْ لِي الْجَوَاب وَنَحْو هَذِهِ الْعِبَارَة . وَفِيهِ أَنَّهُ لَا بَأْس بِقَوْلِ رَمَضَان مِنْ غَيْر ذِكْرِ الشَّهْر . وَفِيهِ جَوَاز مُرَاجَعَة الْعَالِم عَلَى سَبِيل الِاسْتِرْشَاد وَالِاعْتِذَار لِيَتَلَطَّف لَهُ فِي جَوَاب لَا يَشُقّ عَلَيْهِ . وَفِيهِ تَأْكِيد الْكَلَام وَتَفْخِيمه لِيَعْظُم وَقْعُهُ فِي النَّفْس . وَفِيهِ جَوَاز قَوْل الْإِنْسَان لِمُسْلِمٍ جَعَلَنِي اللَّه فِدَاك . فَهَذِهِ أَطْرَاف مِمَّا يَتَعَلَّق بِهَذَا الْحَدِيث وَهِيَ وَإِنْ كَانَتْ طَوِيلَة فَهِيَ مُخْتَصَرَة بِالنِّسْبَةِ إِلَى طَالِبِي التَّحْقِيق . وَاللَّهُ أَعْلَم . وَلَهُ الْحَمْد وَالْمِنَّة . وَبِهِ التَّوْفِيق وَالْعِصْمَة .


27 - حَدِيث بَعْث مُعَاذ إِلَى الْيَمَن ، وَهُوَ مُتَّفَق عَلَيْهِ فِي الصَّحِيحَيْنِ .
قَوْله : ( عَنْ أَبِي مَعْبَد عَنْ اِبْن عَبَّاس عَنْ مُعَاذ قَالَ أَبُو بَكْر : وَرُبَّمَا قَالَ وَكِيع عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّ مُعَاذًا قَالَ )
هَذَا الَّذِي فَعَلَهُ مُسْلِم رَحِمَهُ اللَّه نِهَايَة التَّحْقِيق وَالِاحْتِيَاط وَالتَّدْقِيق فَإِنَّ الرِّوَايَة الْأُولَى قَالَ فِيهَا عَنْ مُعَاذ ، وَالثَّانِيَة أَنَّ مُعَاذًا وَبَيَّنَ ( أَنَّ ) وَ ( عَنْ ) فَرْقٌ ، فَإِنَّ الْجَمَاهِير قَالُوا : ( أَنَّ كَعَنْ ، فَيُحْمَل عَلَى الِاتِّصَال . وَقَالَ جَمَاعَة : لَا تُلْتَحَق ( أَنَّ ) ( بِعَنْ ) ، بَلْ تُحْمَل ( أَنَّ ) عَلَى الِانْقِطَاع ، وَيَكُون مُرْسَلًا ، وَلَكِنَّهُ هُنَا يَكُون مُرْسَل صَحَابِيّ لَهُ حُكْم الْمُتَّصِل عَلَى الْمَشْهُور مِنْ مَذَاهِب الْعُلَمَاء . وَفِيهِ قَوْل الْأُسْتَاذ أَبِي إِسْحَاق الْإِسْفَرَايِينِيّ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ فِي الْفُصُول أَنَّهُ لَا يُحْتَجّ بِهِ ، فَاحْتَاطَ مُسْلِم رَحِمَهُ اللَّه وَبَيَّنَ اللَّفْظَيْنِ . وَاللَّهُ أَعْلَم .
وَأَمَّا ( أَبُو مَعْبَد ) فَاسْمه نَافِذ بِالنُّونِ وَالْفَاء وَالذَّال الْمُعْجَمَة وَهُوَ مَوْلَى اِبْن عَبَّاس . قَالَ عَمْرو بْن دِينَار كَانَ مِنْ أَصْدَق مَوَالِي اِبْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّك تَأْتِي قَوْمًا مِنْ أَهْل الْكِتَاب فَادْعُهُمْ إِلَى شَهَادَة أَنْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه ، وَأَنِّي رَسُول اللَّه . فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّه تَعَالَى اِفْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْس صَلَوَات فِي كُلّ يَوْم وَلَيْلَة . فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّه اِفْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَة تُؤْخَذ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدّ فِي فُقَرَائِهِمْ . فَإِنْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَإِيَّاكَ وَكَرَائِم أَمْوَالهمْ ، وَاتَّقِ دَعْوَة الْمَظْلُوم ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنهَا وَبَيْن اللَّه حِجَاب )
أَمَّا الْكَرَائِم فَجَمْع كَرِيمَة . قَالَ صَاحِب الْمَطَالِع هِيَ جَامِعَة الْكَمَال الْمُمْكِن فِي حَقّهَا مِنْ غَزَارَة لَبَن وَجَمَال صُورَة أَوْ كَثْرَة لَحْم أَوْ صُوف . وَهَكَذَا الرِّوَايَة ( فَإِيَّاكَ وَكَرَائِم ) بِالْوَاوِ فِي قَوْله وَكَرَائِم . قَالَ اِبْن قُتَيْبَة . وَلَا يَجُوز إِيَّاكَ كَرَائِم أَمْوَالهمْ بِحَذْفِهَا . وَمَعْنَى ( لَيْسَ بَيْنهَا وَبَيْن اللَّه حِجَاب ) أَيْ أَنَّهَا مَسْمُوعَة لَا تُرَدّ . وَفِي هَذَا الْحَدِيث قَبُول خَبَر الْوَاحِد وَوُجُوب الْعَمَل بِهِ ، وَفِيهِ أَنَّ الْوِتْر لَيْسَ بِوَاجِبٍ لِأَنَّ بَعْث مُعَاذ إِلَى الْيَمَن كَانَ قَبْل وَفَاة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَلِيلٍ بَعْد الْأَمْر بِالْوَتْرِ وَالْعَمَل بِهِ . وَفِيهِ أَنَّ السُّنَّة أَنَّ الْكُفَّار يُدْعَوْنَ إِلَى التَّوْحِيد قَبْل الْقِتَال . وَفِيهِ أَنَّهُ لَا يُحْكَم بِإِسْلَامِهِ إِلَّا بِالنُّطْقِ بِالشَّهَادَتَيْنِ ، وَهَذَا مَذْهَب أَهْل السُّنَّة كَمَا قَدَّمْنَا بَيَانه فِي أَوَّل كِتَاب الْإِيمَان . وَفِيهِ أَنَّ الصَّلَوَات الْخَمْس تَجِب فِي كُلّ يَوْم وَلَيْلَة . وَفِيهِ بَيَان عِظَم تَحْرِيم الظُّلْم ، وَأَنَّ الْإِمَام يَنْبَغِي أَنْ يَعِظ وُلَاته ، وَيَأْمُرهُمْ بِتَقْوَى اللَّه تَعَالَى ، وَيُبَالِغ فِي نَهْيهمْ عَنْ الظُّلْم ، وَيُعَرِّفهُمْ قُبْحَ عَاقِبَته . وَفِيهِ أَنَّهُ يَحْرُم عَلَى السَّاعِي أَخْذ كَرَائِم الْمَال فِي أَدَاء الزَّكَاة بَلْ يَأْخُذ الْوَسَط ، وَيَحْرُم عَلَى رَبّ الْمَال إِخْرَاج شَرّ الْمَال . وَفِيهِ أَنَّ الزَّكَاة لَا تُدْفَع إِلَى كَافِر ، وَلَا تُدْفَع أَيْضًا إِلَى غَنِيٍّ مِنْ نَصِيب الْفُقَرَاء ، وَاسْتَدَلَّ بِهِ الْخَطَّابِيُّ وَسَائِر أَصْحَابنَا عَلَى أَنَّ الزَّكَاة لَا يَجُوز نَقْلهَا عَنْ بَلَد الْمَال لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتُرَدّ فِي فُقَرَائِهِمْ ، وَهَذَا الِاسْتِدْلَال لَيْسَ بِظَاهِرٍ لِأَنَّ الضَّمِير فِي فُقَرَائِهِمْ مُحْتَمَل لِفُقَرَاء الْمُسْلِمِينَ ، وَلِفُقَرَاء أَهْل تِلْكَ الْبَلْدَة وَالنَّاحِيَة وَهَذَا الِاحْتِمَال أَظْهَر وَاسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضهمْ عَلَى أَنَّ الْكُفَّار لَيْسُوا بِمُخَاطَبِينَ بِفُرُوعٍ الشَّرِيعَة مِنْ الصَّلَاة وَالصَّوْم وَالزَّكَاة وَتَحْرِيم الزِّنَا وَنَحْوهَا ؛ لِكَوْنِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ " ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُمْ إِذَا لَمْ يُطِيعُوا لَا يَجِب عَلَيْهِمْ .
وَهَذَا الِاسْتِدْلَال ضَعِيف فَإِنَّ الْمُرَاد أَعْلِمْهُمْ أَنَّهُمْ مُطَالَبُونَ بِالصَّلَوَاتِ وَغَيْرهَا فِي الدُّنْيَا ، وَالْمُطَالَبَة فِي الدُّنْيَا لَا تَكُون إِلَّا بَعْد الْإِسْلَام ، وَلَيْسَ يَلْزَم مِنْ ذَلِكَ أَنْ لَا يَكُونُوا مُخَاطَبِينَ بِهَا يُزَاد فِي عَذَابهمْ بِسَبَبِهَا فِي الْآخِرَة وَلِأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَتَّبَ ذَلِكَ فِي الدُّعَاء إِلَى الْإِسْلَام وَبَدَأَ بِالْأَهَمِّ فَالْأَهَمّ . أَلَا تَرَاهُ بَدَأَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالصَّلَاةِ قَبْل الزَّكَاة ، وَلَمْ يَقُلْ أَحَد : إِنَّهُ يَصِير مُكَلَّفًا بِالصَّلَاةِ دُون الزَّكَاة . وَاللَّهُ أَعْلَم .
ثُمَّ اِعْلَمْ أَنَّ الْمُخْتَار أَنَّ الْكُفَّار مُخَاطَبُونَ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَة الْمَأْمُور بِهِ وَالْمَنْهِيّ عَنْهُ ، هَذَا قَوْل الْمُحَقِّقِينَ وَالْأَكْثَرِينَ ، وَقِيلَ : لَيْسُوا مُخَاطَبِينَ بِهَا ، وَقِيلَ : مُخَاطَبُونَ بِالْمَنْهِيِّ دُون الْمَأْمُور . وَاللَّهُ أَعْلَم . قَالَ الشَّيْخ أَبُو عَمْرو بْن الصَّلَاح رَحِمَهُ اللَّه : هَذَا الَّذِي وَقَعَ فِي حَدِيث مُعَاذ مِنْ ذِكْرِ بَعْض دَعَائِم الْإِسْلَام دُون بَعْض هُوَ مِنْ تَقْصِير الرَّاوِي كَمَا بَيَّنَّاهُ فِيمَا سَبَقَ مِنْ نَظَائِره . وَاللَّهُ أَعْلَم .
قَوْله فِي الرِّوَايَة الثَّانِيَة ( حَدَّثَنَا اِبْن أَبِي عُمَر )
هُوَ مُحَمَّد بْن يَحْيَى بْن أَبِي عُمَر الْعَدَنِيّ أَبُو عَبْد اللَّه سَكَنَ مَكَّة . وَفِيهَا
( عَبْد بْن حُمَيْدٍ )
هُوَ الْإِمَام الْمَعْرُوف صَاحِب الْمُسْنَد ، يُكَنَّى أَبَا مُحَمَّد قِيلَ : اِسْمه عَبْد الْحَمِيد . وَفِيهَا أَبُو عَاصِم هُوَ النَّبِيل الضَّحَّاك بْن مَخْلَد .
قَوْله : ( عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ مُعَاذًا )
هَذَا اللَّفْظ يَقْتَضِي أَنَّ الْحَدِيث مِنْ مُسْنَد اِبْن عَبَّاس ، وَكَذَلِكَ الرِّوَايَة الَّتِي بَعْدَهُ .
وَأَمَّا الْأُولَى فَمِنْ مُسْنَد مُعَاذ . وَوَجْه الْجَمْع بَيْنهمَا أَنْ يَكُون اِبْن عَبَّاس سَمِعَ الْحَدِيث مِنْ مُعَاذ فَرَوَاهُ تَارَة عَنْهُ مُتَّصِلًا وَتَارَة أَرْسَلَهُ فَلَمْ يَذْكُر مُعَاذًا . وَكِلَاهُمَا صَحِيح كَمَا قَدَّمْنَاهُ أَنَّ مُرْسَل الصَّحَابِيّ إِذَا لَمْ يُعْرَف الْمَحْذُوف يَكُون حُجَّة فَكَيْفَ وَقَدْ عَرَفْنَاهُ فِي هَذَا الْحَدِيث أَنَّهُ مُعَاذ وَيُحْتَمَل أَنَّ اِبْن عَبَّاس سَمِعَهُ مِنْ مُعَاذ وَحَضَرَ الْقَضِيَّة فَتَارَة رَوَاهَا بِلَا وَاسِطَة لِحُضُورِهِ إِيَّاهَا ، وَتَارَة رَوَاهَا عَنْ مُعَاذ إِمَّا لِنِسْيَانِهِ الْحُضُور ، وَإِمَّا لِمَعْنًى آخَر . وَاللَّهُ أَعْلَم .


28 - قَوْله :
( حَدَّثَنَا أُمَيَّة بْن بِسْطَام الْعَيْشِيّ )
أَمَّا ( بِسْطَام ) فَبِكَسْرِ الْبَاء الْمُوَحَّدَة هَذَا هُوَ الْمَشْهُور ، وَحَكَى صَاحِب الْمَطَالِع أَيْضًا فَتْحَهَا . وَاخْتُلِفَ فِي صَرْفه فَمِنْهُمْ مَنْ صَرَفَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَصْرِفهُ . قَالَ الشَّيْخ أَبُو عَمْرو بْن الصَّلَاح رَحِمَهُ اللَّه : بِسْطَام عَجَمِيّ لَا يَنْصَرِف ، قَالَ اِبْن دُرَيْد لَيْسَ مِنْ كَلَام الْعَرَب . قَالَ : وَوَجَدْته فِي كِتَاب اِبْن الْجَوَالِيقِيّ فِي الْمُعْرِب مَصْرُوفًا وَهُوَ بَعِيد . هَذَا كَلَام الشَّيْخ أَبِي عَمْرو . وَقَالَ الْجَوْهَرِيّ فِي الصِّحَاح بِسْطَام لَيْسَ مِنْ أَسْمَاء الْعَرَب وَإِنَّمَا سُمِّيَ قَيْس بْن مَسْعُود اِبْنه بِسْطَامًا بِاسْمِ مَلِك مِنْ مُلُوك فَارِس ، كَمَا سَمُّوا قَابُوس فَعَرَّبُوهُ بِكَسْرِ الْبَاء . وَاللَّهُ أَعْلَم وَأَمَّا ( الْعَيْشِيّ ) فَبِالشِّينِ الْمُعْجَمَة وَهُوَ مَنْسُوب إِلَى بَنِي عَايِش بْن مَالِك بْن تَيْم اللَّه بْن ثَعْلَبَة وَكَانَ أَصْله الْعَايِشِيّ وَلَكِنَّهُمْ خَفَّفُوهُ . قَالَ الْحَاكِم أَبُو عَبْد اللَّه ، وَالْخَطِيب أَبُو بَكْر الْبَغْدَادِيّ : الْعَيْشِيّون بِالشِّينِ الْمُعْجَمَة بَصْرِيُّونَ وَالْعَبْسِيُّونَ بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَة وَالسِّين الْمُهْمَلَة كُوفِيُّونَ ، وَالْعَنْسِيّون بِالنُّونِ وَالسِّين الْمُهْمَلَة شَامِيُّونَ وَهَذَا الَّذِي قَالَاهُ هُوَ الْغَالِب . وَاَللَّه أَعْلَم .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( فَلْيَكُنْ أَوَّل مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ عِبَادَة اللَّه : فَإِذَا عَرَفُوا اللَّه فَأَخْبِرْهُمْ إِلَى آخِره )
قَالَ الْقَاضِي عِيَاض رَحِمَهُ اللَّه : هَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّهُمْ لَيْسُوا بِعَارِفِينَ اللَّه تَعَالَى ، وَهُوَ مَذْهَب حُذَّاق الْمُتَكَلِّمِينَ فِي الْيَهُود وَالنَّصَارَى أَنَّهُمْ غَيْر عَارِفِينَ اللَّه تَعَالَى ؛ وَإِنْ كَانُوا يَعْبُدُونَهُ ، وَيُظْهِرُونَ مَعْرِفَته لِدَلَالَةِ السَّمْع عِنْدهمْ عَلَى هَذَا ، وَإِنْ كَانَ الْعَقْل لَا يَمْنَع أَنْ يَعْرِف اللَّه تَعَالَى مَنْ كَذَّبَ رَسُولًا . قَالَ الْقَاضِي عِيَاض رَحِمَهُ اللَّه : مَا عَرَفَ اللَّه تَعَالَى مَنْ شَبَّهَهُ وَجَسَّمَهُ مِنْ الْيَهُود ، أَوْ أَجَازَ عَلَيْهِ الْبُدَاء ، أَوْ أَضَافَ إِلَيْهِ الْوَلَد مِنْهُمْ ، أَوْ أَضَافَ إِلَيْهِ الصَّاحِبَة وَالْوَلَد ، وَأَجَازَ الْحُلُول عَلَيْهِ ، وَالِانْتِقَال وَالِامْتِزَاج مِنْ النَّصَارَى ، أَوْ وَصَفَهُ بِمَا لَا يَلِيق بِهِ ، أَوْ أَضَافَ إِلَيْهِ الشَّرِيك وَالْمُعَانِد فِي خَلْقه مِنْ الْمَجُوس وَالثَّنَوِيّة فَمَعْبُودهمْ الَّذِي عَبَدُوهُ لَيْسَ هُوَ اللَّه وَإِنْ سَمُّوهُ بِهِ إِذْ لَيْسَ مَوْصُوفًا بِصِفَاتِ الْإِلَه الْوَاجِبَة لَهُ . فَإِذَنْ مَا عَرَفُوا اللَّه سُبْحَانه . فَتَحَقَّقَ هَذِهِ النُّكْتَة وَاعْتَمَدَ عَلَيْهَا وَقَدْ رَأَيْت مَعْنَاهَا لِمُتَقَدِّمِي أَشْيَاخنَا وَبِهَا قَطَعَ الْكَلَام أَبُو عِمْرَان الْفَارِسِيّ بَيْن عَامَّة أَهْل الْقَيْرَوَان عِنْد تَنَازُعهمْ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَة . هَذَا آخِر كَلَام الْقَاضِي رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الرِّوَايَة الْأَخِيرَة : ( فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّه فَرْض عَلَيْهِمْ زَكَاة تُؤْخَذ مِنْ أَمْوَالهمْ )
قَدْ يُسْتَدَلّ بِلَفْظَةِ ( مِنْ أَمْوَالهمْ ) عَلَى أَنَّهُ إِذَا اِمْتَنَعَ مِنْ الزَّكَاة أُخِذَتْ مِنْ مَاله بِغَيْرِ اِخْتِيَاره وَهَذَا الْحُكْم لَا خِلَاف فِيهِ ، وَلَكِنْ هَلْ تَبْرَأ ذِمَّته وَيَجْزِيه ذَلِكَ فِي الْبَاطِن ؟ فِيهِ وَجْهَانِ لِأَصْحَابِنَا . وَاَللَّه أَعْلَم .


29 - أَسْمَاء الرُّوَاة فِي الْحَدِيث : عُقَيْل عَنْ الزُّهْرِيّ هُوَ بِضَمِّ الْعَيْن وَتَقَدَّمَ فِي الْفُصُول بَيَانه .
وَفِيهِ يُونُس وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانه وَأَنَّ فِيهِ سِتَّة أَوْجُه ضَمّ النُّون وَكَسْرهَا وَفَتْحهَا ، مَعَ الْهَمْز وَتَرْكه .
وَأَمَّا فِقْهه وَمَعَانِيه
قَوْله : ( لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاسْتُخْلِفَ أَبُو بَكْر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ بَعْده ، وَكَفَرَ مَنْ كَفَرَ مِنْ الْعَرَب )
قَالَ الْخَطَّابِيُّ - رَحِمَهُ اللَّه - فِي شَرْح هَذَا الْكَلَام كَلَامًا حَسَنًا لَا بُدّ مِنْ ذِكْرِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْفَوَائِد . قَالَ رَحِمَهُ اللَّه : مِمَّا يَجِب تَقْدِيمه فِي هَذَا أَنْ يُعْلَم أَنَّ أَهْل الرِّدَّة كَانُوا صِنْفَيْنِ : صِنْفٌ اِرْتَدُّوا عَنْ الدِّين وَنَابَذُوا الْمِلَّة وَعَادُوا إِلَى الْكُفْر وَهُمْ الَّذِينَ عَنَاهُمْ أَبُو هُرَيْرَة بِقَوْلِهِ : وَكَفَرَ مَنْ كَفَرَ مِنْ الْعَرَب . وَهَذِهِ الْفِرْقَة طَائِفَتَانِ إِحْدَاهُمَا أَصْحَاب مُسَيْلِمَة مِنْ بَنِي حَنِيفَة وَغَيْرهمْ الَّذِينَ صَدَّقُوهُ عَلَى دَعْوَاهُ فِي النُّبُوَّة ، وَأَصْحَاب الْأَسْوَد الْعَنْسِيّ وَمَنْ كَانَ مِنْ مُسْتَجِيبِيهِ مِنْ أَهْل الْيَمَن وَغَيْرهمْ . وَهَذِهِ الْفِرْقَة بِأَسْرِهَا مُنْكِرَة لِنُبُوَّةِ نَبِيّنَا مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُدَّعِيَة النُّبُوَّة لِغَيْرِهِ . فَقَاتَلَهُمْ أَبُو بَكْر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ حَتَّى قَتَلَ اللَّه مُسَيْلِمَة بِالْيَمَامَةِ ، وَالْعَنْسِيّ بِصَنْعَاء وَانْفَضَّتْ جُمُوعهمْ وَهَلَكَ أَكْثَرهمْ . وَالطَّائِفَة الْأُخْرَى اِرْتَدُّوا عَنْ الدِّين وَأَنْكَرُوا الشَّرَائِع وَتَرَكُوا الصَّلَاة وَالزَّكَاة وَغَيْرهَا مِنْ أُمُور الدِّين وَعَادُوا إِلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ فِي الْجَاهِلِيَّة فَلَمْ يَكُنْ يَسْجُد لِلَّهِ تَعَالَى فِي بَسِيط الْأَرْض إِلَّا فِي ثَلَاثَة مَسَاجِد مَسْجِد مَكَّة وَمَسْجِد الْمَدِينَة وَمَسْجِد عَبْد الْقَيْس فِي الْبَحْرَيْنِ فِي قَرْيَة يُقَال لَهَا جُوَاثَا فَفِي ذَلِكَ يَقُول الْأَعْوَر الشَّنِّيّ يَفْتَخِر بِذَلِكَ : وَالْمَسْجِد الثَّالِث الشَّرْقِيّ كَانَ لَنَا وَالْمِنْبَرَانِ وَفَصْل الْقَوْل فِي الْخُطَب أَيَّام لَا مِنْبَر لِلنَّاسِ نَعْرِفهُ إِلَّا بِطِيبَة وَالْمَحْجُوب ذِي الْحُجُب وَكَانَ هَؤُلَاءِ الْمُتَمَسِّكُونَ بِدِينِهِمْ مِنْ الْأَزْدِ مَحْصُورِينَ بِجُوَاثَا إِلَى أَنْ فَتَحَ اللَّه سُبْحَانه عَلَى الْمُسْلِمِينَ الْيَمَامَة فَقَالَ بَعْضهمْ وَهُوَ رَجُل مِنْ بَنِي أَبِي بَكْر بْن كِلَاب يَسْتَنْجِد أَبَا بَكْر الصِّدِّيق رَضِيَ اللَّه عَنْهُ . أَلَا أَبْلِغْ أَبَا بَكْر رَسُولًا وَفِتْيَان الْمَدِينَة أَجْمَعِينَا فَهَلْ لَكُمْ إِلَى قَوْم كِرَام قُعُود فِي جُوَاثَا مُحْصِرِينَا كَأَنَّ دِمَاءَهُمْ فِي كُلّ فَجّ دِمَاء الْبُدْن تَغْشَى النَّاظِرِينَ تَوَكَّلْنَا عَلَى الرَّحْمَن إِنَّا وَجَدْنَا النَّصْر لَلْمُتَوَكِّلِينَا وَالصِّنْف الْآخَر هُمْ الَّذِينَ فَرَّقُوا بَيْن الصَّلَاة وَالزَّكَاة فَأَقَرُّوا بِالصَّلَاةِ ، وَأَنْكَرُوا فَرْضَ الزَّكَاة وَوُجُوب أَدَائِهَا إِلَى الْإِمَام . وَهَؤُلَاءِ عَلَى الْحَقِيقَة أَهْل بَغْي وَإِنَّمَا لَمْ يَدْعُوَا بِهَذَا الِاسْم فِي ذَلِكَ الزَّمَان خُصُوصًا لِدُخُولِهِمْ فِي غِمَار أَهْل الرِّدَّة فَأُضِيفَ الِاسْم فِي الْجُمْلَة إِلَى الرِّدَّة إِذْ كَانَتْ أَعْظَم الْأَمْرَيْنِ وَأَهَمَّهُمَا .
وَأُرِّخَ قِتَال أَهْل الْبَغْي فِي زَمَن عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ إِذْ كَانُوا مُنْفَرِدِينَ فِي زَمَانه لَمْ يَخْتَلِطُوا بِأَهْلِ الشِّرْك وَقَدْ كَانَ فِي ضِمْن هَؤُلَاءِ الْمَانِعِينَ لِلزَّكَاةِ مَنْ كَانَ يَسْمَح بِالزَّكَاةِ وَلَا يَمْنَعهَا إِلَّا أَنَّ رُؤَسَاءَهُمْ صَدُّوهُمْ عَنْ ذَلِكَ الرَّأْي وَقَبَضُوا عَلَى أَيْدِيهمْ فِي ذَلِكَ كَبَنِي يَرْبُوع ، فَإِنَّهُمْ قَدْ جَمَعُوا صَدَقَاتهمْ وَأَرَادُوا أَنْ يَبْعَثُوا بِهَا إِلَى أَبِي بَكْر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ ، فَمَنَعَهُمْ مَالِك بْن نُوَيْرَة مِنْ ذَلِكَ وَفَرَّقَهَا فِيهِمْ وَفِي أَمْر هَؤُلَاءِ عَرَضَ الْخِلَاف وَوَقَعَتْ الشُّبْهَة لِعُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ فَرَاجَعَ أَبَا بَكْر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ ، وَنَاظَرَهُ وَاحْتَجَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أُمِرْت أَنْ أُقَاتِل النَّاس حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَه إِلَّا اللَّه . فَمَنْ قَالَ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه فَقَدْ عَصَمَ نَفْسه وَمَاله " . وَكَانَ هَذَا مِنْ عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ تَعَلُّقًا بِظَاهِرِ الْكَلَام قَبْل أَنْ يَنْظُر فِي آخِره وَيَتَأَمَّل شَرَائِطه . فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : إِنَّ الزَّكَاة حَقّ الْمَال ، يُرِيد أَنَّ الْقَضِيَّة قَدْ تَضَمَّنَتْ عِصْمَة دَم وَمَال مُعَلَّقَة بِإِيفَاءِ شَرَائِطهَا . وَالْحُكْم الْمُعَلَّق بِشَرْطَيْنِ لَا يَحْصُل بِأَحَدِهِمَا وَالْآخَر مَعْدُوم . ثُمَّ قَايَسَهُ بِالصَّلَاةِ وَرَدّ الزَّكَاة إِلَيْهَا وَكَانَ فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْله دَلِيل عَلَى أَنَّ قِتَال الْمُمْتَنِع مِنْ الصَّلَاة كَانَ إِجْمَاعًا مِنْ الصَّحَابَة وَكَذَلِكَ رَدّ الْمُخْتَلَف فِيهِ إِلَى الْمُتَّفَق عَلَيْهِ فَاجْتَمَعَ فِي هَذِهِ الْقَضِيَّة الِاحْتِجَاج مِنْ عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ بِالْعُمُومِ وَمِنْ أَبِي بَكْر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ بِالْقِيَاسِ . وَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْعُمُوم يُخَصّ بِالْقِيَاسِ ، وَأَنَّ جَمِيع مَا تَضَمَّنَهُ الْخِطَاب الْوَارِد فِي الْحُكْم الْوَاحِد مِنْ شَرْط وَاسْتِثْنَاء مُرَاعًى فِيهِ وَمُعْتَبَر صِحَّته بِهِ . فَلَمَّا اِسْتَقَرَّ عِنْد عُمَر صِحَّة رَأْي أَبِي بَكْر رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا وَبَانَ لَهُ صَوَابه تَابَعَهُ عَلَى قِتَال الْقَوْم وَهُوَ مَعْنَى قَوْله ( فَلَمَّا رَأَيْت اللَّه قَدْ شَرَحَ صَدْرَ أَبِي بَكْر لِلْقِتَالِ عَرَفْت أَنَّهُ الْحَقّ ) يُشِير إِلَى اِنْشِرَاح صَدْره بِالْحُجَّةِ الَّتِي أَدْلَى بِهَا ، وَالْبُرْهَان الَّذِي أَقَامَهُ نَصًّا وَدَلَالَة . وَقَدْ زَعَمَ زَاعِمُونَ مِنْ الرَّافِضَة أَنَّ أَبَا بَكْر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ أَوَّل مَنْ سَبَى الْمُسْلِمِينَ ، وَأَنَّ الْقَوْم كَانُوا مُتَأَوِّلِينَ فِي مَنْعِ الصَّدَقَة ، وَكَانُوا يَزْعُمُونَ أَنَّ الْخِطَاب فِي قَوْله تَعَالَى ( خُذْ مِنْ أَمْوَالهمْ صَدَقَة تُطَهِّرهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتك سَكَنٌ لَهُمْ ) خِطَاب خَاصّ فِي مُوَاجِهَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دُون غَيْره وَأَنَّهُ مُقَيَّد بِشَرَائِط لَا تُوجَد فِيمَنْ سِوَاهُ ؛ وَذَلِكَ أَنَّهُ لَيْسَ لِأَحَدٍ مِنْ التَّطْهِير وَالتَّزْكِيَة وَالصَّلَاة عَلَى الْمُتَصَدِّق مَا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمِثْل هَذِهِ الشُّبْهَة إِذَا وُجِدَ كَانَ مِمَّا يُعْذَر فِيهِ أَمْثَالهمْ ، وَيُرْفَع بِهِ السَّيْف عَنْهُمْ ، وَزَعَمُوا أَنَّ قِتَالهمْ كَانَ عَسْفًا . قَالَ الْخَطَّابِيُّ رَحِمَهُ اللَّه : وَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ زَعَمُوا مَا ذَكَرْنَاهُ قَوْم لَا خَلَاق لَهُمْ فِي الدِّين وَإِنَّمَا رَأْس مَالهمْ الْبُهُت وَالتَّكْذِيب وَالْوَقِيعَة فِي السَّلَف وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ أَهْل الرِّدَّة كَانُوا أَصْنَافًا مِنْهُمْ مَنْ اِرْتَدَّ عَنْ الْمِلَّة وَدَعَا إِلَى نُبُوَّة مُسَيْلَمَة وَغَيْره ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَرَكَ الصَّلَاة وَالزَّكَاة وَأَنْكَرَ الشَّرَائِع كُلّهَا . وَهَؤُلَاءِ هُمْ الَّذِينَ سَمَّاهُمْ الصَّحَابَة كُفَّارًا وَلِذَلِكَ رَأَى أَبُو بَكْر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ سَبْي ذَرَارِيّهمْ وَسَاعَدَهُ عَلَى ذَلِكَ أَكْثَر الصَّحَابَة . وَاسْتَوْلَدَ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ جَارِيَة مِنْ سَبْي بَنِي حَنِيفَة فَوَلَدَتْ لَهُ مُحَمَّدًا الَّذِي يُدْعَى اِبْن الْحَنَفِيَّة . ثُمَّ لَمْ يَنْقَضِ عَصْر الصَّحَابَة حَتَّى أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْمُرْتَدّ لَا يُسْبَى . فَأَمَّا مَانِعُوا الزَّكَاة مِنْهُمْ الْمُقِيمُونَ عَلَى أَصْل الدِّين فَإِنَّهُمْ أَهْل بَغْي وَلَمْ يُسَمُّوا عَلَى الِانْفِرَاد مِنْهُمْ كُفَّارًا وَإِنْ كَانَتْ الرِّدَّة قَدْ أُضِيفَتْ إِلَيْهِمْ لِمُشَارَكَتِهِمْ الْمُرْتَدِّينَ فِي مَنْعِ بَعْض مَا مَنَعُوهُ مِنْ حُقُوق الدِّين ؛ وَذَلِكَ أَنَّ الرِّدَّة اِسْم لُغَوِيّ وَكُلّ مِنْ اِنْصَرَفَ عَنْ أَمْر كَانَ مُقْبِلًا عَلَيْهِ فَقَدْ اِرْتَدَّ عَنْهُ وَقَدْ وُجِدَ مِنْ هَؤُلَاءِ الْقَوْم الِانْصِرَاف عَنْ الطَّاعَة ، وَمَنْعُ الْحَقّ ، وَانْقَطَعَ عَنْهُمْ اِسْم الثَّنَاء وَالْمَدْح بِالدِّينِ وَعَلَقَ بِهِمْ الِاسْم الْقَبِيح لِمُشَارَكَتِهِمْ الْقَوْم الَّذِينَ كَانَ اِرْتِدَادهمْ حَقًّا .
وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى : { خُذْ مِنْ أَمْوَالهمْ صَدَقَة } وَمَا اِدَّعَوْهُ مِنْ كَوْن الْخِطَاب خَاصًّا لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّ خِطَاب كِتَاب اللَّه تَعَالَى عَلَى ثَلَاثَة أَوْجُه : خِطَاب عَام كَقَوْلِهِ تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاة ) الْآيَة وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَام } وَخِطَاب خَاصّ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يُشْرِكهُ فِيهِ غَيْره وَهُوَ مَا أُبِينَ بِهِ عَنْ غَيْره بِسِمَةِ التَّخْصِيص وَقَطْعِ التَّشْرِيك كَقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَمِنْ اللَّيْل فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَة لَك } وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى : { خَالِصَة لَك مِنْ دُون الْمُؤْمِنِينَ } وَخِطَاب مُوَاجَهَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ وَجَمِيع أُمَّته فِي الْمُرَاد بِهِ سَوَاء كَقَوْلِهِ تَعَالَى : { أَقِمْ الصَّلَاة لِدُلُوك الشَّمْس } . وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى : { فَإِذَا قَرَأْت الْقُرْآن فَاسْتَعِذْ بِاَللَّهِ مِنْ الشَّيْطَان الرَّجِيم ) وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَإِذَا كُنْت فِيهِمْ فَأَقَمْت لَهُمْ الصَّلَاة } وَنَحْو ذَلِكَ مِنْ خِطَاب الْمُوَاجَهَة . فَكُلّ ذَلِكَ غَيْر مُخْتَصّ بِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَلْ تُشَارِكهُ فِيهِ الْأُمَّة فَكَذَا قَوْله تَعَالَى : { خُذْ مِنْ أَمْوَالهمْ صَدَقَة } فَعَلَى الْقَائِم بَعْده صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَمْرِ الْأُمَّة أَنْ يَحْتَذِيَ حَذْوه فِي أَخْذهَا مِنْهُمْ وَإِنَّمَا الْفَائِدَة فِي مُوَاجَهَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْخِطَابِ أَنَّهُ هُوَ الدَّاعِي إِلَى اللَّه تَعَالَى وَالْمُبَيِّن عَنْهُ مَعْنَى مَا أَرَادَ فَقَدَّمَ اِسْمه فِي الْخِطَاب لِيَكُونَ سُلُوك الْأَمْر فِي شَرَائِع الدِّين عَلَى حَسَب مَا يَنْهَجهُ وَيُبَيِّنهُ لَهُمْ . وَعَلَى هَذَا الْمَعْنَى قَوْله تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا النَّبِيّ إِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاء فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ } فَافْتَتَحَ الْخِطَاب بِالنُّبُوَّةِ بِاسْمِهِ خُصُوصًا ثُمَّ خَاطَبَهُ وَسَائِر أُمَّته بِالْحُكْمِ عُمُومًا وَرُبَّمَا كَانَ الْخِطَاب لَهُ مُوَاجَهَة وَالْمُرَاد غَيْره كَقَوْلِهِ تَعَالَى : { فَإِنْ كُنْت فِي شَكّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْك فَاسْأَلْ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَاب مِنْ قَبْلِك ) إِلَى قَوْله : { فَلَا تَكُونَنَّ مِنْ الْمُمْتَرِينَ } وَلَا يَجُوز أَنْ يَكُون صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ شَكّ قَطُّ فِي شَيْء مِمَّا أُنْزِلَ إِلَيْهِ . فَأَمَّا التَّطْهِير وَالتَّزْكِيَة وَالدُّعَاء مِنْ الْإِمَام لِصَاحِبِ الصَّدَقَة فَإِنَّ الْفَاعِل فِيهَا قَدْ يَنَال ذَلِكَ كُلّه بِطَاعَةِ اللَّه وَطَاعَة رَسُوله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهَا وَكُلّ ثَوَاب مَوْعُود عَلَى عَمَل فِي زَمَنه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّهُ بَاقٍ غَيْر مُنْقَطِع . وَيُسْتَحَبّ لِلْإِمَامِ وَعَامِل الصَّدَقَة أَنْ يَدْعُوَ لِلْمُصَدِّقِ بِالنَّمَاءِ وَالْبَرَكَة فِي مَاله ، وَيُرْجَى أَنْ يَسْتَجِيب اللَّه ذَلِكَ وَلَا يُخَيِّبَ مَسْأَلَته . فَإِنْ قِيلَ كَيْف تَأَوَّلْت أَمْر الطَّائِفَة الَّتِي مَنَعَتْ الزَّكَاة عَلَى الْوَجْه الَّذِي ذَهَبْت إِلَيْهِ وَجَعَلْتهمْ أَهْل بَغْي ؟ وَهَلْ إِذَا أَنْكَرَت طَائِفَة مِنْ الْمُسْلِمِينَ فِي زَمَاننَا فَرْض الزَّكَاة وَامْتَنَعُوا مِنْ أَدَائِهَا يَكُون حُكْمهمْ حُكْم أَهْل الْبَغْي ؟ قُلْنَا : لَا فَإِنَّ مَنْ أَنْكَرَ فَرْضَ الزَّكَاة فِي هَذِهِ الْأَزْمَان كَانَ كَافِرًا بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ . وَالْفَرْق بَيْن هَؤُلَاءِ وَأُولَئِكَ أَنَّهُمْ إِنَّمَا عُذِرُوا لِأَسْبَابٍ وَأُمُور لَا يَحْدُث مِثْلهَا فِي هَذَا الزَّمَان ، مِنْهَا قُرْبُ الْعَهْد بِزَمَانِ الشَّرِيعَة الَّذِي كَانَ يَقَع فِيهِ تَبْدِيل الْأَحْكَام بِالنَّسْخِ ، وَمِنْهَا أَنَّ الْقَوْم كَانُوا جُهَّالًا بِأُمُورِ الدِّين وَكَانَ عَهْدهمْ بِالْإِسْلَامِ قَرِيبًا فَدَخَلَتْهُمْ الشُّبْهَة فَعُذِرُوا . فَأَمَّا الْيَوْم وَقَدْ شَاعَ دِينُ الْإِسْلَام وَاسْتَفَاضَ فِي الْمُسْلِمِينَ عِلْمُ وُجُوب الزَّكَاة حَتَّى عَرَفَهَا الْخَاصّ وَالْعَامّ ، وَاشْتَرَكَ فِيهِ الْعَالِم وَالْجَاهِل ، فَلَا يُعْذَر أَحَد بِتَأْوِيلِ يَتَأَوَّلهُ فِي إِنْكَارهَا . وَكَذَلِكَ الْأَمْر فِي كُلّ مَنْ أَنْكَرَ شَيْئًا مِمَّا أَجْمَعَتْ الْأُمَّة عَلَيْهِ مِنْ أُمُور الدِّين إِذَا كَانَ عِلْمه مُنْتَشِرًا كَالصَّلَوَاتِ الْخَمْس وَصَوْم شَهْر رَمَضَان وَالِاغْتِسَال مِنْ الْجَنَابَة وَتَحْرِيم الزِّنَا وَالْخَمْر وَنِكَاح ذَوَات الْمَحَارِم وَنَحْوهَا مِنْ الْأَحْكَام إِلَّا أَنْ يَكُون رَجُلًا حَدِيث عَهْدٍ بِالْإِسْلَامِ وَلَا يَعْرِف حُدُوده فَإِنَّهُ إِذَا أَنْكَرَ شَيْئًا مِنْهَا جَهْلًا بِهِ لَمْ يَكْفُر ، وَكَانَ سَبِيله سَبِيل أُولَئِكَ الْقَوْم فِي بَقَاء اِسْم الدِّين عَلَيْهِ . فَأَمَّا مَا كَانَ الْإِجْمَاع فِيهِ مَعْلُومًا مِنْ طَرِيق عِلْم الْخَاصَّة كَتَحْرِيمِ نِكَاح الْمَرْأَة عَلَى عَمَّتهَا وَخَالَتهَا ، وَأَنَّ الْقَاتِل عَمْدًا لَا يَرِث وَأَنَّ لِلْجَدَّةِ السُّدُس ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ الْأَحْكَام فَإِنَّ مَنْ أَنْكَرَهَا لَا يَكْفُر ، بَلْ يُعْذَر فِيهَا لِعَدَمِ اِسْتِفَاضَة عِلْمهَا فِي الْعَامَّة . قَالَ الْخَطَّابِيُّ رَحِمَهُ اللَّه : وَإِنَّمَا عَرَضَتْ الشُّبْهَة لِمَنْ تَأَوَّلَهُ عَلَى الْوَجْه الَّذِي حَكَيْنَاهُ عَنْهُ لِكَثْرَةِ مَا دَخَلَهُ مِنْ الْحَذْف فِي رِوَايَة أَبِي هُرَيْرَة وَذَلِكَ لِأَنَّ الْقَصْد بِهِ لَمْ يَكُنْ سِيَاق الْحَدِيث عَلَى وَجْهه وَذَكَرَ الْقِصَّة فِي كَيْفِيَّة الرِّدَّة مِنْهُمْ وَإِنَّمَا قَصَدَ بِهِ حِكَايَة مَا جَرَى بَيْن أَبِي بَكْرٍ وَعُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا وَمَا تَنَازَعَاهُ فِي اِسْتِبَاحَة قِتَالهمْ وَيُشْبِه أَنْ يَكُون أَبُو هُرَيْرَة إِنَّمَا لَمْ يَعْنِ بِذِكْرِ جَمِيع الْقِصَّة اِعْتِمَادًا عَلَى مَعْرِفَة الْمُخَاطَبِينَ بِهَا إِذْ كَانُوا قَدْ عَلِمُوا كَيْفِيَّة الْقِصَّة وَيُبَيِّن لَك أَنَّ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة مُخْتَصَر أَنَّ عَبْد اللَّه بْن عُمَر وَأَنَسًا رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ رَوَيَاهُ بِزِيَادَةٍ لَمْ يَذْكُرْهَا أَبُو هُرَيْرَة . فَفِي حَدِيث اِبْن عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " أُمِرْت أَنْ أُقَاتِل النَّاس حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُول اللَّه ، وَيُقِيمُوا الصَّلَاة وَيُؤْتُوا الزَّكَاة فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالهمْ إِلَّا بِحَقِّ الْإِسْلَام وَحِسَابهمْ عَلَى اللَّه " وَفِي رِوَايَة أَنَس رَضِيَ اللَّه عَنْهُ " أُمِرْت أَنْ أُقَاتِل النَّاس حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْده وَرَسُوله ، وَأَنْ يَسْتَقْبِلُوا قِبْلَتنَا ، وَأَنْ يَأْكُلُوا ذَبِيحَتنَا ، وَأَنْ يُصَلُّوا صَلَاتنَا . فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ حَرُمَتْ عَلَيْنَا دِمَاؤُهُمْ وَأَمْوَالهمْ إِلَّا بِحَقِّهَا . لَهُمْ مَا لِلْمُسْلِمِينَ ، وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ . وَاللَّهُ أَعْلَم . هَذَا آخِر كَلَام الْخَطَّابِيّ رَحِمَهُ اللَّه .
قُلْت : وَقَدْ ثَبَتَ فِي الطَّرِيق الثَّالِث الْمَذْكُور فِي الْكِتَاب مِنْ رِوَايَة أَبِي هُرَيْرَة أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " أُقَاتِل النَّاس حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه ، وَيُؤْمِنُوا بِي وَبِمَا جِئْت بِهِ . فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالهمْ إِلَّا بِحَقِّهَا " وَفِي اِسْتِدْلَال أَبِي بَكْر وَاعْتِرَاض عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا دَلِيل عَلَى أَنَّهُمَا لَمْ يَحْفَظَا عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا رَوَاهُ اِبْن عُمَر وَأَنَس وَأَبُو هُرَيْرَة وَكَأَنَّ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة سَمِعُوا هَذِهِ الزِّيَادَات الَّتِي فِي رِوَايَاتهمْ فِي مَجْلِس آخَرَ ، فَإِنَّ عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ لَوْ سَمِعَ ذَلِكَ لَمَا خَالَفَ ، وَلَمَا كَانَ اِحْتَجَّ بِالْحَدِيثِ ؛ فَإِنَّهُ بِهَذِهِ الزِّيَادَة حُجَّة عَلَيْهِ . وَلَوْ سَمِعَ أَبُو بَكْر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ هَذِهِ الزِّيَادَة لَاحْتَجَّ بِهَا ، وَلَمَا اِحْتَجَّ بِالْقِيَاسِ وَالْعُمُوم . وَاللَّهُ أَعْلَم .
قَوْله : ( وَاَللَّه لَوْ مَنَعُونِي عِقَالًا كَانُوا يُؤَدُّونَهُ إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَقَاتَلْتهمْ عَلَى مَنْعه ) هَكَذَا فِي مُسْلِم ( عِقَالًا ) وَكَذَا فِي بَعْض رِوَايَات الْبُخَارِيّ وَفِي بَعْضهَا ( عَنَاقًا ) بِفَتْحِ الْعَيْن وَبِالنُّونِ وَهِيَ الْأُنْثَى مِنْ وَلَد الْمَعْز وَكِلَاهُمَا صَحِيح وَهُوَ مَحْمُول عَلَى أَنَّهُ كَرَّرَ الْكَلَام مَرَّتَيْنِ فَقَالَ فِي مَرَّة عِقَالًا وَفِي الْأُخْرَى عَنَاقًا فَرُوِيَ عَنْهُ اللَّفْظَانِ . فَأَمَّا رِوَايَة الْعَنَاق فَهِيَ مَحْمُولَة عَلَى مَا إِذَا كَانَتْ الْغَنَم صِغَارًا كُلّهَا بِأَنْ مَاتَتْ فِي بَعْض الْحَوْل فَإِذَا حَال حَوْل الْأُمَّهَات زَكَّى السِّخَال بِحَوْلِ الْأُمَّهَات سَوَاء بَقِيَ مِنْ الْأُمَّهَات شَيْء أَمْ لَا . هَذَا هُوَ الصَّحِيح الْمَشْهُور . وَقَالَ أَبُو الْقَاسِم الْأَنْمَاطِيّ مِنْ أَصْحَابنَا : لَا يُزَكَّى الْأَوْلَاد بِحَوْلِ الْأُمَّهَات إِلَّا أَنْ يَبْقَى مِنْ الْأُمَّهَات نِصَاب .
وَقَالَ بَعْض أَصْحَابنَا : أَنْ لَا يَبْقَى مِنْ الْأُمَّهَات شَيْء . وَيُتَصَوَّر ذَلِكَ فِيمَا إِذَا مَاتَ مُعْظَم الْكِبَار وَحَدَثَتْ صِغَار فَحَال حَوْل الْكِبَار عَلَى بَقِيَّتهَا وَعَلَى الصِّغَار . وَاللَّهُ أَعْلَم .
وَأَمَّا رِوَايَة ( عِقَالًا ) فَقَدْ اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء قَدِيمًا وَحَدِيثًا فِيهَا ؛ فَذَهَبَ جَمَاعَة مِنْهُمْ إِلَى أَنَّ الْمُرَاد بِالْعِقَالِ زَكَاة عَام وَهُوَ مَعْرُوف فِي اللُّغَة بِذَلِكَ . وَهَذَا قَوْل النَّسَائِيِّ وَالنَّضْر بْن شُمَيْلٍ وَأَبِي عُبَيْدَة وَالْمُبَرِّد وَغَيْرهمْ مِنْ أَهْل اللُّغَة ، وَهُوَ قَوْل جَمَاعَة مِنْ الْفُقَهَاء ، وَاحْتَجَّ هَؤُلَاءِ عَلَى أَنَّ الْعِقَال يُطْلَق عَلَى زَكَاة الْعَام بِقَوْلِ عَمْرو بْن الْعَدَّاء . سَعَى عِقَالًا فَلَمْ يَتْرُك لَنَا سَبْدًا فَكَيْفَ لَوْ قَدْ سَعَى عَمْرو عِقَالَيْنِ أَرَادَ مُدَّة عِقَال فَنَصَبَهُ عَلَى الظَّرْف وَعَمْرو هَذَا السَّاعِي هُوَ عَمْرو بْن عُتْبَةَ بْن أَبِي سُفْيَان وَلَّاهُ عَمّه مُعَاوِيَة بْن أَبِي سُفْيَان رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا صَدَقَات كَلْب فَقَالَ فِيهِ قَائِلهمْ ذَلِكَ . قَالُوا : وَلِأَنَّ الْعِقَال الَّذِي هُوَ الْحَبْل الَّذِي يُعْقَل بِهِ الْبَعِير لَا يَجِب دَفْعه فِي الزَّكَاة فَلَا يَجُوز الْقِتَال عَلَيْهِ ، فَلَا يَصِحّ حَمْلُ الْحَدِيث عَلَيْهِ .
وَذَهَبَ كَثِيرُونَ مِنْ الْمُحَقِّقِينَ إِلَى أَنَّ الْمُرَاد بِالْعِقَالِ الْحَبْل الَّذِي يُعْقَل بِهِ الْبَعِير وَهَذَا الْقَوْل يُحْكَى عَنْ مَالِك وَابْن أَبِي ذِئْب وَغَيْرهمَا . وَهُوَ اِخْتِيَار صَاحِب التَّحْرِير وَجَمَاعَة مِنْ حُذَّاق الْمُتَأَخِّرِينَ .
قَالَ صَاحِب التَّحْرِير : قَوْل مَنْ قَالَ الْمُرَاد صَدَقَة عَام تَعَسُّف وَذَهَاب عَنْ طَرِيقَة الْعَرَب ، لِأَنَّ الْكَلَام خَرَجَ مَخْرَج التَّضْيِيق وَالتَّشْدِيد وَالْمُبَالَغَة ، فَتَقْتَضِي قِلَّة مَا عَلَّقَ بِهِ الْقِتَال وَحَقَارَته . وَإِذَا حُمِلَ عَلَى صَدَقَة الْعَام لَمْ يَحْصُل هَذَا الْمَعْنَى . قَالَ : وَلَسْت أُشَبِّه هَذَا إِلَّا بِتَعَسُّفِ مَنْ قَالَ فِي قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَعَنَ اللَّه السَّارِق يَسْرِق الْبَيْضَة فَتُقْطَع يَده وَيَسْرِق الْحَبْلَ فَتُقْطَع يَده " إِنَّ الْمُرَاد بِالْبَيْضَةِ بَيْضَة الْحَدِيد الَّتِي يُغَطَّى بِهَا الرَّأْس فِي الْحَرْب وَبِالْحَبْلِ الْوَاحِد مِنْ حِبَال السَّفِينَة وَكُلّ وَاحِد مِنْ هَذَيْنِ يَبْلُغ دَنَانِير كَثِيرَة .
قَالَ بَعْض الْمُحَقِّقِينَ : إِنَّ هَذَا الْقَوْل لَا يَجُوز عِنْد مَنْ يَعْرِف اللُّغَة وَمَخَارِج كَلَام الْعَرَب لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ مَوْضِع تَكْثِير لِمَا يَسْرِقهُ فَيَصْرِف إِلَيْهِ بَيْضَة تُسَاوِي دَنَانِير وَحَبْل لَا يَقْدِر السَّارِق عَلَى حَمْله . وَلَيْسَ مِنْ عَادَة الْعَرَب وَالْعَجَم أَنْ يَقُولُوا قَبَّحَ اللَّه فُلَانًا عَرَّضَ نَفْسه لِلضَّرْبِ فِي عِقْدِ جَوْهَر ، وَتَعَرَّضَ لِعُقُوبَةِ الْغُلُول فِي جِرَاب مِسْكٍ . وَإِنَّمَا الْعَادَة فِي مِثْل هَذَا أَنْ يُقَال : لَعَنَهُ اللَّه تَعَرَّضَ لِقَطْعِ الْيَد فِي حَبْل رَثّ أَوْ فِي كُبَّة شَعْر . وَكُلّ مَا كَانَ مِنْ هَذَا أَحْقَر كَانَ أَبْلَغَ . فَالصَّحِيح هُنَا أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ الْعِقَال الَّذِي يُعْقَل بِهِ الْبَعِير ، وَلَمْ يُرِدْ عَيْنه وَإِنَّمَا أَرَادَ قَدْرَ قِيمَته .
وَالدَّلِيل عَلَى هَذَا أَنَّ الْمُرَاد بِهِ الْمُبَالَغَة . وَلِهَذَا قَالَ فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى ( عَنَاقًا ) . وَفِي بَعْضهَا ( لَوْ مَنَعُونِي جَدْيًا أَذْوَطَ ) . وَالْأَذْوَط صَغِير الْفَكّ وَالذَّقَن . هَذَا آخِر كَلَام صَاحِب التَّحْرِير . وَهَذَا الَّذِي اِخْتَارَهُ هُوَ الصَّحِيح الَّذِي لَا يَنْبَغِي غَيْره . وَعَلَى هَذَا اِخْتَلَفُوا فِي الْمُرَاد بِمَنَعُونِي عِقَالًا فَقِيلَ : قَدْرُ قِيمَته وَهُوَ ظَاهِر مُتَصَوَّر فِي زَكَاة الذَّهَب وَالْفِضَّة وَالْمُعَشَّرَات وَالْمَعْدِن وَالزَّكَاة وَزَكَاة الْفِطْر وَفِي الْمَوَاشِي أَيْضًا فِي بَعْض أَحْوَالهَا كَمَا إِذَا وَجَبَ عَلَيْهِ سِنّ فَلَمْ يَكُنْ عِنْده وَنَزَلَ إِلَى سِنّ دُونهَا وَاخْتَارَ أَنْ يَرُدّ عِشْرِينَ دِرْهَمًا فَمَنَعَ مِنْ الْعِشْرِينَ قِيمَة عِقَال ، وَكَمَا إِذَا كَانَتْ غَنَمه سِخَالًا وَفِيهَا سَخْلَة فَمَنَعَهَا وَهِيَ تُسَاوِي عِقَالًا . وَنَظَائِر مَا ذَكَرْته كَثِيرَة مَعْرُوفَة فِي كُتُب الْفِقْه . وَإِنَّمَا ذَكَرْت هَذِهِ الصُّورَة تَنْبِيهًا بِهَا عَلَى غَيْرهَا ، وَعَلَى أَنَّهُ مُتَصَوَّر وَلَيْسَ بِصَعْبٍ ؛ فَإِنِّي رَأَيْت كَثِيرِينَ مِمَّنْ لَمْ يُعَان الْفِقْه يُسْتَصْعَب تَصَوُّرُهُ حَتَّى حَمَلَهُ بَعْضهمْ وَرُبَّمَا وَافَقَهُ بَعْض الْمُتَقَدِّمِينَ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ لِلْمُبَالَغَةِ وَلَيْسَ مُتَصَوَّرًا . وَهَذَا غَلَط قَبِيح وَجَهْل صَرِيح .
وَحَكَى الْخَطَّابِيُّ عَنْ بَعْض الْعُلَمَاء أَنَّ مَعْنَاهُ مَنَعُونِي زَكَاة لِعِقَالٍ إِذَا كَانَ مِنْ عُرُوض التِّجَارَة . وَهَذَا تَأْوِيل صَحِيح أَيْضًا وَيَجُوز أَنْ يُرَاد مَنَعُونِي عِقَالًا أَيْ مَنَعُونِي الْحَبْل نَفْسه عَلَى مَذْهَب مَنْ يُجَوِّز الْقِيمَة وَيَتَصَوَّر عَلَى مَذْهَب الشَّافِعِيّ رَحِمَهُ اللَّه عَلَى أَحَد أَقْوَاله . فَإِنَّ لِلشَّافِعِيِّ فِي الْوَاجِب فِي عُرُوض التِّجَارَة ثَلَاثَة أَقْوَال أَحَدهَا : يَتَعَيَّن أَنْ يَأْخُذ مِنْهَا عَرَضًا حَبْلًا أَوْ غَيْره كَمَا يَأْخُذ مِنْ الْمَاشِيَة مِنْ جِنْسهَا . وَالثَّانِي : أَنَّهُ لَا يَأْخُذ إِلَّا دَرَاهِم أَوْ دَنَانِير رُبْع عُشْر قِيمَته كَالذَّهَبِ وَالْفِضَّة .
وَالثَّالِث : يَتَخَيَّر بَيْن الْعَرَضِ وَالنَّقْد . وَاللَّهُ أَعْلَم .
وَحَكَى الْخَطَّابِيُّ عَنْ بَعْض أَهْل الْعِلْم أَنَّ الْعِقَال يُؤْخَذ مَعَ الْفَرِيضَة لِأَنَّ عَلَى صَاحِبهَا تَسْلِيمهَا وَإِنَّمَا يَقَع قَبْضهَا التَّامّ بِرِبَاطِهَا . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : قَالَ اِبْن عَائِشَة : كَانَ مِنْ عَادَة الْمُصَدِّق إِذَا أَخَذَ الصَّدَقَة أَنْ يَعْمِد إِلَى قَرَنٍ وَهُوَ بِفَتْحِ الْقَاف وَالرَّاء وَهُوَ حَبْل فَيُقْرَن بِهِ بَيْن بَعِيرَيْنِ أَيْ يَشُدّهُ فِي أَعْنَاقهمَا لِئَلَّا تَشْرُد الْإِبِل .
وَقَالَ أَبُو عُبَيْد : وَقَدْ بَعَثَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُحَمَّد بْن مَسْلَمَةَ عَلَى الصَّدَقَة فَكَانَ يَأْخُذ مَعَ كُلّ فَرِيضَتَيْنِ عِقَالهمَا وَقِرَانهمَا . وَكَانَ عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ أَيْضًا يَأْخُذ مَعَ كُلّ فَرِيضَة عِقَالًا وَاَللَّه أَعْلَم .
قَوْله : ( فَمَا هُوَ إِلَّا أَنْ رَأَيْت اللَّه تَعَالَى قَدْ شَرَحَ صَدْرَ أَبِي بَكْر لِلْقِتَالِ فَعَرَفْت أَنَّهُ الْحَقّ ) مَعْنَى رَأَيْت : عَلِمْت ، وَأَيْقَنْت . وَمَعْنَى شَرَحَ : فَتَحَ ، وَوَسَّعَ ، وَلَيَّنَ وَمَعْنَاهُ : عَلِمْت بِأَنَّهُ جَازِم بِالْقِتَالِ لِمَا أَلْقَى اللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى فِي قَلْبه مِنْ الطُّمَأْنِينَة لِذَلِكَ ، وَاسْتِصْوَابه ذَلِكَ . وَمَعْنَى قَوْله ( عَرَفْت أَنَّهُ الْحَقّ ) أَيْ بِمَا أَظْهَرَ مِنْ الدَّلِيل ، وَأَقَامَهُ مِنْ الْحُجَّة ، فَعَرَفْت بِذَلِكَ أَنَّ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ هُوَ الْحَقّ لَا أَنَّ عُمَر قَلَّدَ أَبَا بَكْر رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا ؛ فَإِنَّ الْمُجْتَهِد لَا يُقَلِّد الْمُجْتَهِد .
وَقَدْ زَعَمَتْ الرَّافِضَة أَنَّ عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ إِنَّمَا وَافَقَ أَبَا بَكْر تَقْلِيدًا ، وَبَنَوْهُ عَلَى مَذْهَبهمْ الْفَاسِد فِي وُجُوب عِصْمَة الْأَئِمَّة . وَهَذِهِ جَهَالَة ظَاهِرَة مِنْهُمْ . وَاللَّهُ أَعْلَم .


30 - ؛فِيهِ سَعِيد بْن الْمُسَيَّب وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ الْمُسَيَّب بِفَتْحِ الْيَاء عَلَى الْمَشْهُور وَقِيلَ : بِكَسْرِهَا . وَفِيهِ أَحْمَد اِبْن عَبْدَة بِإِسْكَانِ الْبَاء .
قَوْله : ( أُمِرْت أَنْ أُقَاتِل النَّاس حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَه إِلَّا اللَّه فَمَنْ قَالَ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه فَقَدْ عَصَمَ مِنِّي مَاله وَنَفْسه إِلَّا بِحَقِّهِ وَحِسَابه عَلَى اللَّه )
قَالَ الْخَطَّابِيُّ رَحِمَهُ اللَّه : مَعْلُوم أَنَّ الْمُرَاد بِهَذَا أَهْل الْأَوْثَان دُون أَهْل الْكِتَاب لِأَنَّهُمْ يَقُولُونَ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه ثُمَّ يُقَاتِلُونَ ، وَلَا يُرْفَع عَنْهُمْ السَّيْف . قَالَ : وَمَعْنَى وَحِسَابه عَلَى اللَّه أَيْ فِيمَا يَسْتَسِرّون بِهِ وَيُخْفُونَهُ دُون مَا يَخْلُونَ بِهِ فِي الظَّاهِر مِنْ الْأَحْكَام الْوَاجِبَة قَالَ : فَفِيهِ أَنَّ مَنْ أَظْهَر الْإِسْلَام ، وَأَسَرَّ الْكُفْر ، قُبِلَ إِسْلَامه فِي الظَّاهِر . وَهَذَا قَوْل أَكْثَر الْعُلَمَاء . وَذَهَبَ مَالِك إِلَى أَنَّ تَوْبَة الزِّنْدِيق لَا تُقْبَل ، وَيُحْكَى ذَلِكَ أَيْضًا عَنْ أَحْمَد بْن حَنْبَل رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا . هَذَا كَلَام الْخَطَّابِيّ . وَذَكَرَ الْقَاضِي عِيَاض مَعْنَى هَذَا ، وَزَادَ عَلَيْهِ وَأَوْضَحَهُ فَقَالَ : اِخْتِصَاص عِصْمَة الْمَال وَالنَّفْس بِمَنْ قَالَ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه تَعْبِير عَنْ الْإِجَابَة إِلَى الْإِيمَان ، وَأَنَّ الْمُرَاد بِهَذَا مُشْرِكُو الْعَرَب وَأَهْل الْأَوْثَان وَمَنْ لَا يُوَحِّد . وَهُمْ كَانُوا أَوَّل مَنْ دُعِيَ إِلَى الْإِسْلَام وَقُوتِلَ عَلَيْهِ . فَأَمَّا غَيْرهمْ مِمَّنْ يُقِرّ بِالتَّوْحِيدِ فَلَا يَكْتَفِي فِي عِصْمَته بِقَوْلِهِ : لَا إِلَه إِلَّا اللَّه إِذْ كَانَ يَقُولهَا فِي كُفْره ، وَهِيَ مِنْ اِعْتِقَاده ، فَلِذَلِكَ جَاءَ فِي الْحَدِيث الْآخَر : " وَأَنِّي رَسُول اللَّه ، وَيُقِيم الصَّلَاة ، وَيُؤْتِي الزَّكَاة " هَذَا كَلَام الْقَاضِي . قُلْت وَلَا بُدّ مَعَ هَذَا مِنْ الْإِيمَان بِجَمِيعِ مَا جَاءَ بِهِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى وَأَبِي هُرَيْرَة هِيَ مَذْكُورَة فِي الْكِتَاب : " حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه وَيُؤْمِنُوا بِي وَبِمَا جِئْت بِهِ " وَاللَّهُ أَعْلَم .
قُلْت اِخْتَلَفَ أَصْحَابنَا فِي قَبُول تَوْبَة الزِّنْدِيق هُوَ الَّذِي يُنْكِر الشَّرْع جُمْلَة فَذَكَرُوا فِيهِ خَمْسَة أَوْجُه لِأَصْحَابِنَا أَصَحّهَا وَالْأَصْوَب مِنْهَا قَبُولهَا مُطْلَقًا لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَة الْمُطْلَقَة .
وَالثَّانِي : لَا تُقْبَل وَيَتَحَتَّم قَتْله ، لَكِنَّهُ إِنْ صَدَقَ فِي تَوْبَته نَفَعَهُ ذَلِكَ فِي الدَّار الْآخِرَة وَكَانَ مِنْ أَهْل الْجَنَّة .
وَالثَّالِث : إِنْ تَابَ مَرَّة وَاحِدَة قُبِلَتْ تَوْبَته ، فَإِنْ تَكَرَّرَ ذَلِكَ مِنْهُ لَمْ تُقْبَل .
وَالرَّابِع : إِنْ أَسْلَمَ اِبْتِدَاء مِنْ غَيْر طَلَب قُبِلَ مِنْهُ ، وَإِنْ كَانَ تَحْت السَّيْف فَلَا .
وَالْخَامِس : إِنْ كَانَ دَاعِيًا إِلَى الضَّلَال لَمْ يُقْبَل مِنْهُ ، وَإِلَّا قُبِلَ مِنْهُ . وَاللَّهُ أَعْلَم .
قَوْله رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : ( وَاَللَّه لَأُقَاتِلَنّ مَنْ فَرَّقَ بَيْن الصَّلَاة وَالزَّكَاة ) ضَبْطنَا بِوَجْهَيْنِ فَرَقَ وَفَرَّقَ بِتَشْدِيدِ الرَّاء وَتَخْفِيفهَا وَمَعْنَاهُ مَنْ أَطَاعَ فِي الصَّلَاة وَجَحَدَ الزَّكَاة أَوْ مَنَعَهَا . وَفِيهِ جَوَاز الْحَلِف وَإِنْ كَانَ فِي غَيْر مَجْلِس الْحَاكِم ، وَأَنَّهُ لَيْسَ مَكْرُوهًا إِذَا كَانَ لِحَاجَةٍ مِنْ تَفْخِيم أَمْر وَنَحْوه .


31 - فِيهِ أُمَيَّة بْن بِسِطَامِ تَقَدَّمَ بَيَانه فِي الْبَاب قَبْله .
( عَبْد الْعَزِيز الدَّرَاوَرْدِيّ )
وَهُوَ بِفَتْحِ الدَّال الْمُهْمَلَة وَبَعْدهَا رَاء ثُمَّ أَلِف ثُمَّ وَاو مَفْتُوحَة ثُمَّ رَاء أُخْرَى سَاكِنَة ثُمَّ دَال أُخْرَى ثُمَّ يَاء النَّسَب وَاخْتُلِفَ فِي وَجْه نِسْبَته . فَالْأَصَحّ الَّذِي قَالَهُ الْمُحَقِّقُونَ أَنَّهُ نِسْبَة إِلَى دَرَابَجِرْد بِفَتْحِ الدَّال الْأُولَى وَبَعْدهَا رَاء ثُمَّ أَلِف ثُمَّ بَاء مُوَحَّدَة مَفْتُوحَة ثُمَّ جِيم مَكْسُورَة ثُمَّ رَاء سَاكِنَة ثُمَّ دَال . فَهَذَا قَوْل جَمَاعَات مِنْ أَهْل الْعَرَبِيَّة وَاللُّغَة مِنْهُمْ الْأَصْمَعِيّ وَأَبُو حَاتِم السِّجِسْتَانِيّ . وَقَالَهُ مِنْ الْمُحَدِّثِينَ أَبُو عَبْد اللَّه الْبُخَارِيّ الْإِمَام ، وَأَبُو حَاتِم بْن حِبَّان الْبُسْتِيّ ، وَأَبُو نَصْر الْكَلَابَاذِيّ ، وَغَيْرهمْ قَالُوا : وَهُوَ مِنْ شَوَاذّ النَّسَب قَالَ أَبُو حَاتِم وَأَصْله دِرَابِي أَوْ جَرْدِي وَدِرَابِي أَجْوَد ، قَالُوا : وَدَرَابَجِرْد مَدِينَة بِفَارِسِ . قَالَ الْبُخَارِيّ وَالْكَلَاباذِيّ : كَانَ جَدّ عَبْد الْعَزِيز هَذَا مِنْهَا . وَقَالَ الْبُسْتِيّ : كَانَ أَبُوهُ مِنْهَا . وَقَالَ اِبْن قُتَيْبَة وَجَمَاعَة مِنْ أَهْل الْحَدِيث : هُوَ مَنْسُوب إِلَى دَرَاوَرْد . ثُمَّ قِيلَ : دَرَاوَرْد هِيَ دَرَابَجِرْد . وَقِيلَ : بَلْ هِيَ قَرْيَة بِخُرَاسَان . وَقَالَ السَّمْعَانِيّ فِي كِتَاب الْأَنْسَاب قِيلَ : إِنَّهُ مِنْ أَنْدَرَابَه يَعْنِي بِفَتْحِ الْهَمْزَة وَبَعْدهَا نُون سَاكِنَة ثُمَّ دَال مُهْمَلَة مَفْتُوحَة ثُمَّ رَاء ثُمَّ أَلِف ثُمَّ بَاء مُوَحَّدَة ثُمَّ هَاء وَهِيَ مَدِينَة مِنْ عَمَل بَلْخ . وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ السَّمْعَانِيّ لَائِق بِقَوْلِ مَنْ يَقُول فِيهِ الْأَنْدَرَاوَرْدِيّ .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أُقَاتِل النَّاس حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه ، وَيُؤْمِنُوا بِي وَبِمَا جِئْت بِهِ )
فِيهِ بَيَان مَا اِخْتَصَرَ فِي الرِّوَايَات الْأُخَر مِنْ الِاقْتِصَار عَلَى قَوْل لَا إِلَه إِلَّا اللَّه وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَان هَذَا . وَفِيهِ دَلَالَة ظَاهِرَة لِمَذْهَبِ الْمُحَقِّقِينَ وَالْجَمَاهِير مِنْ السَّلَف وَالْخَلَف أَنَّ الْإِنْسَان إِذَا اِعْتَقَدَ دِين الْإِسْلَام اِعْتِقَادًا جَازِمًا لَا تَرَدُّد فِيهِ كَفَاهُ ذَلِكَ وَهُوَ مُؤْمِن مِنْ الْمُوَحِّدِينَ وَلَا يَجِب عَلَيْهِ تَعَلُّم أَدِلَّة الْمُتَكَلِّمِينَ وَمَعْرِفَة اللَّه تَعَالَى بِهَا ، خِلَافًا لِمَنْ أَوْجَبَ ذَلِكَ وَجَعَلَهُ شَرْطًا فِي كَوْنه مِنْ أَهْل الْقِبْلَة ، وَزَعَمَ أَنَّهُ لَا يَكُون لَهُ حُكْم الْمُسْلِمِينَ إِلَّا بِهِ . وَهَذَا الْمَذْهَب هُوَ قَوْل كَثِير مِنْ الْمُعْتَزِلَة وَبَعْض أَصْحَابنَا الْمُتَكَلِّمِينَ . وَهُوَ خَطَأ ظَاهِر فَإِنَّ الْمُرَاد التَّصْدِيق الْجَازِم ، وَقَدْ حَصَلَ ، وَلِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِكْتَفَى بِالتَّصْدِيقِ بِمَا جَاءَ بِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَشْتَرِط الْمَعْرِفَة بِالدَّلِيلِ ؛ فَقَدْ تَظَاهَرَتْ بِهَذَا أَحَادِيث فِي الصَّحِيحَيْنِ يَحْصُل بِمَجْمُوعِهَا التَّوَاتُر بِأَصْلِهَا وَالْعِلْم الْقَطْعِيّ . وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ هَذِهِ الْقَاعِدة فِي أَوَّل كِتَاب الْإِيمَان وَاللَّهُ أَعْلَم .


32 - فِيهِ حَفْص بْن غِيَاث عَنْ الْأَعْمَش عَنْ أَبِي سُفْيَان عَنْ جَابِر وَعَنْ أَبِي صَالِح عَنْ أَبِي هُرَيْرَة . فَقَوْله عَنْ أَبِي صَالِح يَعْنِي رَوَاهُ الْأَعْمَش أَيْضًا عَنْ أَبِي صَالِح . وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ اِسْم أَبِي هُرَيْرَة عَبْد الرَّحْمَن بْن صَخْر عَلَى الْأَصَحّ مِنْ نَحْو ثَلَاثِينَ قَوْلًا ، وَأَنَّ اِسْم أَبِي صَالِح ذَكْوَانُ السَّمَّان ، وَأَنَّ اِسْم أَبِي سُفْيَان طَلْحَة اِبْن نَافِع ، وَأَنَّ اِسْم الْأَعْمَش سُلَيْمَان بْن مِهْرَانَ .
وَأَمَّا ( غِيَاث )
فَبِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَة وَآخِره مُثَلَّثَة .
وَفِيهِ ( أَبُو الزُّبَيْر )
وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كِتَاب الْإِيمَان أَنَّ اِسْمه مُحَمَّد بْن مُسْلِم بْن تَدْرُس بِفَتْحِ الْمُثَنَّاة فَوْق .
قَوْله : ( ثُمَّ قَرَأَ { إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّر لَسْت عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِ } )
قَالَ الْمُفَسِّرُونَ مَعْنَاهُ : إِنَّمَا أَنْتَ وَاعِظ . وَلَمْ يَكُنْ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُمِرَ إِذْ ذَاكَ إِلَّا بِالتَّذْكِيرِ ، ثُمَّ أُمِرَ بَعْد بِالْقِتَالِ . وَالْمُسَيْطِر : الْمُسَلَّط وَقِيلَ : الْجَبَّار . قِيلَ : الرَّبّ . وَاَللَّه أَعْلَم . وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْحَدِيث بِطُرُقِهِ مُشْتَمِل عَلَى أَنْوَاع مِنْ الْعُلُوم وَجُمَل مِنْ الْقَوَاعِد وَأَنَا أُشِير إِلَى أَطْرَاف مِنْهَا مُخْتَصَرَة ؛ فَفِيهِ أَدَلّ دَلِيل عَلَى شَجَاعَة أَبِي بَكْر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ وَتَقَدُّمه فِي الشَّجَاعَة وَالْعِلْم عَلَى غَيْره . فَإِنَّهُ ثَبَتَ لِلْقِتَالِ فِي هَذَا الْمَوْطِن الْعَظِيم الَّذِي هُوَ أَكْبَرَ نِعْمَة أَنْعَمَ اللَّه تَعَالَى بِهَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ بَعْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَاسْتَنْبَطَ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ مِنْ الْعِلْم بِدَقِيقِ نَظَرِهِ وَرَصَانَة فِكْرِهِ مَا لَمْ يُشَارِكهُ فِي الِابْتِدَاء بِهِ غَيْره . فَلِهَذَا وَغَيْره مِمَّا أَكْرَمَهُ اللَّه تَعَالَى بِهِ أَجْمَع أَهْل الْحَقّ عَلَى أَنَّهُ أَفْضَل أُمَّة رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَقَدْ صَنَّفَ الْعُلَمَاء رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ فِي مَعْرِفَة رُجْحَانه أَشْيَاء كَثِيرَة مَشْهُورَة فِي الْأُصُول وَغَيْرهَا .
وَمِنْ أَحْسَنهَا كِتَاب ( فَضَائِل الصَّحَابَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ ) لِلْإِمَامِ أَبِي الْمُظَفَّر مَنْصُور بْن مُحَمَّد السَّمْعَانِيّ الشَّافِعِيّ . وَفِيهِ جَوَاز مُرَاجَعَة الْأَئِمَّة وَالْأَكَابِر وَمُنَاظَرَتهمْ لِإِظْهَارِ الْحَقّ . وَفِيهِ أَنَّ الْإِيمَان شَرْطه الْإِقْرَار بِالشَّهَادَتَيْنِ مَعَ اِعْتِقَادهمَا وَاعْتِقَاد جَمِيع مَا أَتَى بِهِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَقَدْ جَمَعَ ذَلِكَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِهِ : " أُقَاتِل النَّاس حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَه إِلَّا اللَّه ، وَيُؤْمِنُوا بِي وَبِمَا جِئْت بِهِ " وَفِيهِ وُجُوب الْجِهَاد . وَفِيهِ صِيَانَة مَال مَنْ أَتَى بِكَلِمَةِ التَّوْحِيد وَنَفْسه وَلَوْ كَانَ عِنْد السَّيْف . وَفِيهِ أَنَّ الْأَحْكَام تَجْرِي عَلَى الظَّاهِر ، وَاللَّهُ تَعَالَى يَتَوَلَّى السَّرَائِر . وَفِيهِ جَوَاز الْقِيَاس وَالْعَمَل بِهِ . وَفِيهِ وُجُوب قِتَال مَانِعِي الزَّكَاة أَوْ الصَّلَاة أَوْ غَيْرهمَا مِنْ وَاجِبَات الْإِسْلَام قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا لِقَوْلِهِ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : " لَوْ مَنَعُونِي عِقَالًا أَوْ عَنَاقًا " . وَفِيهِ جَوَاز التَّمَسُّك بِالْعُمُومِ لِقَوْلِهِ : " فَإِنَّ الزَّكَاة حَقّ الْمَال " . وَفِيهِ وُجُوب قِتَال أَهْل الْبَغْي . وَفِيهِ وُجُوب الزَّكَاة فِي السِّخَال تَبَعًا لِأُمَّهَاتِهَا وَفِيهِ اِجْتِهَاد الْأَئِمَّة فِي النَّوَازِل . وَرَدّهَا إِلَى الْأُصُول ، وَمُنَاظَرَة أَهْل الْعِلْم فِيهَا ، وَرُجُوع مَنْ ظَهَرَ لَهُ الْحَقّ إِلَى قَوْل صَاحِبه . وَفِيهِ تَرْكُ تَخْطِئَة الْمُجْتَهِدِينَ الْمُخْتَلِفِينَ فِي الْفُرُوع بَعْضهمْ بَعْضًا . وَفِيهِ أَنَّ الْإِجْمَاع لَا يَنْعَقِد إِذَا خَالَفَ مِنْ أَهْل الْحَلّ وَالْعَقْد وَاحِد ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح الْمَشْهُور ، وَخَالَفَ فِيهِ بَعْض أَصْحَاب الْأُصُول . وَفِيهِ قَبُول تَوْبَة الزِّنْدِيق ، وَقَدْ قَدَّمْت الْخِلَاف فِيهِ وَاضِحًا . وَاَللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى أَعْلَم بِالصَّوَابِ ، وَلَهُ الْحَمْد وَالنِّعْمَة وَالْفَضْل وَالْمِنَّة ، وَبِهِ التَّوْفِيقُ وَالْعِصْمَة .


33 - ( أَبُو غَسَّان الْمِسْمَعِيّ مَالِك بْن عَبْد الْوَاحِد )
هُوَ بِكَسْرِ الْمِيم الْأُولَى وَفَتْح الثَّانِيَة وَإِسْكَان الْمُهْمَلَة بَيْنهمَا مَنْسُوب إِلَى مِسْمَع بْن رَبِيعَة وَتَقَدَّمَ بَيَان صَرْف غَسَّان وَعَدَمه ، وَأَنَّهُ يَجُوز الْوَجْهَانِ فِيهِ .
وَفِيهِ
( وَاقِد بْن مُحَمَّد )
وَهُوَ بِقَافِ وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي الْفُصُول أَنَّهُ لَيْسَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَافِد بِالْفَاءِ بَلْ كُلّه بِالْقَافِ .


34 - قَوْله : ( وَأَبُو مَالِك عَنْ أَبِيهِ )
فَأَبُو مَالِك اِسْمه سَعْد بْن طَارِق . وَطَارِق صَحَابِيّ وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرهمَا فِي بَاب أَرْكَان الْإِسْلَام . وَتَقَدَّمَ فِيهِ أَيْضًا أَنَّ أَبَا خَالِد اِسْمه سُلَيْمَان بْن حَيَّانِ بِالْمُثَنَّاةِ .


35 - فِيهِ حَدِيث وَفَاة أَبِي طَالِب وَهُوَ حَدِيث اِتَّفَقَ الْبُخَارِيّ وَمُسْلِم عَلَى إِخْرَاجه فِي صَحِيحَيْهِمَا مِنْ رِوَايَة سَعِيد بْن الْمُسَيِّب عَنْ أَبِيهِ عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَلَمْ يَرْوِهِ عَنْ الْمُسَيِّب إِلَّا اِبْنه سَعِيد . كَذَا قَالَهُ الْحُفَّاظ وَفِي هَذَا رَدّ عَلَى الْحَاكِم أَبِي عَبْد اللَّه بْن الرَّبِيع الْحَافِظ رَحِمَهُ اللَّه فِي قَوْله لَمْ يُخَرِّج الْبُخَارِيّ وَلَا مُسْلِم رَحِمهمَا اللَّه عَنْ أَحَد مِمَّنْ لَمْ يَرْوِ عَنْهُ إِلَّا رَاوٍ وَاحِد وَلَعَلَّهُ أَرَادَ مِنْ غَيْر الصَّحَابَة وَاَللَّه أَعْلَم .
أَمَّا أَسْمَاء رُوَاة الْبَاب فَفِيهِ ( حَرْمَلَة التَّجِيبِيّ )
وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانه فِي الْمُقَدِّمَة وَأَنَّ الْأَشْهَر فِيهِ ضَمّ التَّاء وَيُقَال بِفَتْحِهَا ، وَاخْتَارَهُ بَعْضهمْ . وَتَقَدَّمَتْ اللُّغَات السِّتّ فِي يُونُس فِيهَا ، وَتَقَدَّمَ فِيهَا الْخِلَاف فِي فَتْح الْيَاء مِنْ الْمُسَيَّب وَالِد سَعِيد هَذَا خَاصَّة وَكَسْرهَا ، وَأَنَّ الْأَشْهَر الْفَتْح . وَاسْم أَبِي طَالِب عَبْد مَنَافٍ ، وَاسْم أَبِي جَهْل عَمْرو بْن هِشَام .
وَفِيهِ ( صَالِح عَنْ الزُّهْرِيّ عَنْ اِبْن الْمُسَيِّب )
هُوَ صَالِح بْن كَيْسَانَ ، وَكَانَ أَكْبَرَ سِنًّا مِنْ الزُّهْرِيِّ ، وَابْتَدَأَ بِالتَّعَلُّمِ مِنْ الزُّهْرِيِّ وَلِصَالِحِ تِسْعُونَ سَنَة مَاتَ بَعْد الْأَرْبَعِينَ وَمِائَة . وَاجْتَمَعَ فِي الْإِسْنَاد طُرْفَتَانِ إِحْدَاهُمَا رِوَايَة الْأَكَابِر عَنْ الْأَصَاغِر ، وَالْأُخْرَى ثَلَاثَة تَابِعِيُّونَ بَعْضهمْ عَنْ بَعْض .
وَفِيهِ ( أَبُو حَازِم عَنْ سَهْل عَنْ أَبِي هُرَيْرَة )
وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ أَبَا حَازِم الرَّاوِي عَنْ أَبِي هُرَيْرَة اِسْمه سَلْمَان مَوْلَى عِزَّة وَأَمَّا أَبُو حَازِم عَنْ سَهْل بْن سَعْد فَاسْمه سَلَمَة بْن دِينَار .
وَأَمَّا قَوْله : ( لَمَّا حَضَرَتْ أَبَا طَالِب الْوَفَاة )
فَالْمُرَاد قَرُبَتْ وَفَاته وَحَضَرَتْ دَلَائِلهَا وَذَلِكَ قَبْل الْمُعَايَنَة وَالنَّزْع ، وَلَوْ كَانَ فِي حَال الْمُعَايَنَة وَالنَّزْع لَمَا نَفَعَهُ الْإِيمَان ، وَلِقَوْلِ اللَّه تَعَالَى : { وَلَيْسَتْ التَّوْبَة لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَات حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدهمْ الْمَوْت قَالَ إِنِّي تُبْت الْآن } . وَيَدُلّ عَلَى أَنَّهُ قَبْل الْمُعَايَنَة مُحَاوَرَته لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَعَ كُفَّار قُرَيْش . قَالَ الْقَاضِي عِيَاض رَحِمَهُ اللَّه : وَقَدْ رَأَيْت بَعْض الْمُتَكَلِّمِينَ عَلَى هَذَا الْحَدِيث جَعَلَ الْحُضُور هُنَا عَلَى حَقِيقَة الِاحْتِضَار ، وَأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجَا بِقَوْلِهِ ذَلِكَ حِينَئِذٍ أَنْ تَنَالهُ الرَّحْمَة بِبَرَكَتِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ الْقَاضِي رَحِمَهُ اللَّه : وَلَيْسَ هَذَا بِصَحِيحٍ لِمَا قَدَّمْنَاهُ .
وَأَمَّا قَوْله : ( فَلَمْ يَزَلْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْرِضهَا عَلَيْهِ وَيُعِيد لَهُ تِلْكَ الْمَقَال )
فَهَكَذَا وَقَعَ فِي جَمِيع الْأُصُول وَيُعِيد لَهُ يَعْنِي أَبَا طَالِب . وَكَذَا نَقَلَهُ الْقَاضِي رَحِمَهُ اللَّه عَنْ جَمِيع الْأُصُول وَالشُّيُوخ قَالَ : وَفِي نُسْخَة ( وَيُعِيدَانِ لَهُ ) عَلَى التَّثْنِيَة لِأَبِي جَهْل وَابْن أَبِي أُمَيَّة . قَالَ الْقَاضِي وَهَذَا أَشْبَهُ . وَقَوْله ( يَعْرِضهَا ) بِفَتْحِ الْيَاء وَكَسْرِ الرَّاء .
وَأَمَّا قَوْله : ( قَالَ أَبُو طَالِب آخِر مَا كَلَّمَهُمْ بِهِ هُوَ عَلَى مِلَّة عَبْد الْمُطَّلِب )
فَهَذَا مِنْ أَحْسَن الْآدَاب وَالتَّصَرُّفَات وَهُوَ أَنَّ مَنْ حَكَى قَوْل غَيْره الْقَبِيح أَتَى بِهِ بِضَمِيرِ الْغَيْبَة لِقُبْحِ صُورَة لَفْظه الْوَاقِع .
وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَمْ وَاَللَّه لَأَسْتَغْفِرَنّ لَك )
فَهَكَذَا ضَبَطْنَاهُ ( أَمْ ) مِنْ غَيْر أَلِف بَعْد الْمِيم وَفِي كَثِير مِنْ الْأُصُول أَوْ أَكْثَرهَا ( أَمَا ) وَاَللَّه بِأَلِفٍ بَعْد الْمِيم وَكِلَاهُمَا صَحِيح .
قَالَ الْإِمَام أَبُو السَّعَادَات هِبَة اللَّه بْن عَلِيّ بْن مُحَمَّد الْعَلَوِيّ الْحَسَنِيّ الْمَعْرُوف بِابْن الشَّجَرِيّ فِي كِتَابه " الْأَمَالِي " : مَا الْمَزِيدَة لِلتَّوْكِيدِ رَكَّبُوهَا مَعَ هَمْزَة الِاسْتِفْهَام وَاسْتَعْمَلُوا مَجْمُوعهمَا عَلَى وَجْهَيْنِ : أَحَدهمَا : أَنْ يُرَاد بِهِ مَعْنَى حَقًّا فِي قَوْلهمْ : أَمَا وَاَللَّه لَأَفْعَلَنّ .
وَالْآخَر أَنْ يَكُون اِفْتِتَاحًا لِلْكَلَامِ بِمَنْزِلَةِ ( أَلَا ) كَقَوْلِك أَمَا إِنَّ زَيْدًا مُنْطَلِق . وَأَكْثَر مَا تُحْذَف أَلِفهَا إِذَا وَقَعَ بَعْدهَا الْقَسَم لِيَدُلُّوا عَلَى شِدَّة اِتِّصَال الثَّانِي بِالْأَوَّلِ لِأَنَّ الْكَلِمَة إِذَا بَقِيَتْ عَلَى حَرْف وَاحِد لَمْ تَقُمْ بِنَفْسِهَا فَعُلِمَ بِحَذْفِ أَلِف ( مَا ) اِفْتِقَارهَا إِلَى الِاتِّصَال بِالْهَمْزَةِ . وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَم .
وَفِيهِ جَوَاز الْحَلِفِ مِنْ غَيْر اِسْتِحْلَاف وَكَانَ الْحَلِف هُنَا لِتَوْكِيدِ الْعَزْم عَلَى الِاسْتِغْفَار وَتَطْيِيبًا لِنَفْسِ أَبِي طَالِب . وَكَانَتْ وَفَاة أَبِي طَالِب بِمَكَّة قَبْل الْهِجْرَة بِقَلِيلٍ . قَالَ اِبْن فَارِس : مَاتَ أَبُو طَالِب وَلِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تِسْع وَأَبْعُوَن سَنَة وَثَمَانِيَة أَشْهُر وَأَحَدَ عَشَرَ يَوْمًا ، وَتُوُفِّيَتْ خَدِيجَة أُمّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّه عَنْهَا بَعْد مَوْت أَبِي طَالِب بِثَلَاثَةِ أَيَّام .
وَأَمَّا قَوْل اللَّه تَعَالَى : { مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَاَلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ } : فَقَالَ الْمُفَسِّرُونَ وَأَهْل الْمَعَانِي : مَعْنَاهُ مَا يَنْبَغِي لَهُمْ . قَالُوا : وَهُوَ نَهْي وَالْوَاو فِي قَوْله تَعَالَى : { وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى } وَاو الْحَال . وَاللَّهُ أَعْلَم .
وَأَمَّا قَوْله عَزَّ وَجَلَّ : { إِنَّك لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْت وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاء وَهُوَ أَعْلَم بِالْمُهْتَدِينَ }
. فَقَدْ أَجْمَعَ الْمُفَسِّرُونَ عَلَى أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي أَبِي طَالِب . وَكَذَا نَقَلَ إِجْمَاعهمْ عَلَى هَذَا الزَّجَّاج وَغَيْره . وَهِيَ عَامَّة فَإِنَّهُ لَا يَهْدِي وَلَا يُضِلّ إِلَّا اللَّه تَعَالَى .
قَالَ الْفَرَّاء وَغَيْره : قَوْله تَعَالَى : { مَنْ أَحْبَبْت } يَكُون عَلَى وَجْهَيْنِ أَحَدهمَا مَعْنَاهُ مَنْ أَحْبَبْته لِقَرَابَتِهِ . وَالثَّانِي مَنْ أَحْبَبْت أَنْ يَهْتَدِي
قَالَ اِبْن عَبَّاس وَمُجَاهِد وَمُقَاتِل وَغَيْرهمْ : { وَهُوَ أَعْلَم بِالْمُهْتَدِينَ } أَيْ بِمَنْ قُدِّرَ لَهُ الْهُدَى . وَاللَّهُ أَعْلَم .


37 - قَوْله : ( يَقُولُونَ إِنَّمَا حَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ الْجَزَع لَأَقْرَرْت بِهَا عَيْنك )
فَهَكَذَا هُوَ فِي جَمِيع الْأُصُول وَجَمِيع رِوَايَات الْمُحَدِّثِينَ فِي مُسْلِم وَغَيْره ( الْجَزَع ) بِالْجِيمِ وَالزَّاي . وَكَذَا نَقَلَهُ الْقَاضِي عِيَاض وَغَيْره عَنْ جَمِيع رِوَايَات الْمُحَدِّثِينَ وَأَصْحَاب الْأَخْبَار أَيْ التَّوَارِيخ وَالسِّيَر . وَذَهَبَ جَمَاعَات مِنْ أَهْل اللُّغَة إِلَى أَنَّهُ ( الْخَرَع ) بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وَالرَّاء الْمَفْتُوحَتَيْنِ أَيْضًا . وَمِمَّنْ نَصَّ عَلَيْهِ كَذَلِكَ الْهَرَوِيُّ فِي الْغَرِيبَيْنِ وَنَقَلَهُ الْخَطَّابِيُّ عَنْ ثَعْلَب مُخْتَارًا لَهُ . وَقَالَهُ أَيْضًا شِمْرٌ . وَمَنْ الْمُتَأَخِّرِينَ أَبُو الْقَاسِم الزَّمَخْشَرِيّ .
قَالَ الْقَاضِي عِيَاض رَحِمَهُ اللَّه : وَنَبَّهْنَا غَيْر وَاحِد مِنْ شُيُوخنَا عَلَى أَنَّهُ الصَّوَاب . قَالُوا : وَالْخَرَع هُوَ الضَّعْف وَالْخَوَر . قَالَ الْأَزْهَرِيّ : وَقِيلَ : الْخَرَع الدَّهْش . قَالَ شِمْر : كُلّ رَخْو ضَعِيف خَرِيع وَخَرَع . قَالَ : وَالْخَرَع الدَّهْش . قَالَ : وَمِنْهُ قَوْل أَبِي طَالِب . وَاللَّهُ أَعْلَم .
وَأَمَّا قَوْله ( لَأَقْرَرْت بِهَا عَيْنك ) فَأَحْسَن مَا يُقَال فِيهِ مَا قَالَهُ أَبُو الْعَبَّاس ثَعْلَب قَالَ : مَعْنَى أَقَرَّ اللَّه عَيْنه : أَيْ بَلَّغَهُ اللَّه أُمْنِيَّته حَتَّى تَرْضَى نَفْسه وَتَقَرّ عَيْنه فَلَا تَسْتَشْرِف لِشَيْءٍ . وَقَالَ الْأَصْمَعِيّ : مَعْنَاهُ أَبْرَد اللَّه دَمْعَته لِأَنَّ دَمْعَة الْفَرَح بَارِدَة . وَقِيلَ مَعْنَاهُ أَرَاهُ اللَّه مَا يَسُرّهُ . وَاللَّهُ أَعْلَم .


هَذَا الْبَاب فِيهِ أَحَادِيث كَثِيرَة وَتَنْتَهِي إِلَى حَدِيث الْعَبَّاس بْن عَبْد الْمُطَّلِب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : ( ذَاقَ طَعْمَ الْإِيمَان مَنْ رَضِيَ بِاَللَّهِ رَبًّا ) .
وَاعْلَمْ أَنَّ مَذْهَب أَهْل السُّنَّة وَمَا عَلَيْهِ أَهْل الْحَقّ مِنْ السَّلَف وَالْخَلَف أَنَّ مَنْ مَاتَ مُوَحِّدًا دَخَلَ الْجَنَّة قَطْعًا عَلَى كُلّ حَال . فَإِنْ كَانَ سَالِمًا مِنْ الْمَعَاصِي كَالصَّغِيرِ ، وَالْمَجْنُون وَاَلَّذِي اِتَّصَلَ جُنُونه بِالْبُلُوغِ ، وَالتَّائِب تَوْبَة صَحِيحَة مِنْ الشِّرْك أَوْ غَيْره مِنْ الْمَعَاصِي إِذَا لَمْ يُحْدِث مَعْصِيَة بَعْد تَوْبَته ، وَالْمُوَفَّق الَّذِي لَمْ يُبْتَلَ بِمَعْصِيَةٍ أَصْلًا ، فَكُلّ هَذَا الصِّنْف يَدْخُلُونَ الْجَنَّة ، وَلَا يَدْخُلُونَ النَّار أَصْلًا ، لَكِنَّهُمْ يَرِدُونَهَا عَلَى الْخِلَاف الْمَعْرُوف فِي الْوُرُود . وَالصَّحِيح أَنَّ الْمُرَاد بِهِ الْمُرُور عَلَى الصِّرَاط وَهُوَ مَنْصُوب عَلَى ظَهْرِ جَهَنَّم . أَعَاذَنَا اللَّه مِنْهَا وَمِنْ سَائِر الْمَكْرُوه .
وَأَمَّا مَنْ كَانَتْ لَهُ مَعْصِيَة كَبِيرَة وَمَاتَ مِنْ غَيْر تَوْبَة فَهُوَ فِي مَشِيئَة اللَّه تَعَالَى : فَإِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ وَأَدْخَلَهُ الْجَنَّة أَوَّلًا وَجَعَلَهُ كَالْقِسْمِ الْأَوَّل ، وَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ الْقَدْرَ الَّذِي يُرِيدهُ سُبْحَانه وَتَعَالَى ، ثُمَّ يُدْخِلهُ الْجَنَّة فَلَا يَخْلُد فِي النَّار أَحَد مَاتَ عَلَى التَّوْحِيد وَلَوْ عَمِلَ مِنْ الْمَعَاصِي مَا عَمِلَ . كَمَا أَنَّهُ لَا يَدْخُل الْجَنَّة أَحَد مَاتَ عَلَى الْكُفْر وَلَوْ عَمِلَ مِنْ أَعْمَال الْبِرّ مَا عَمِلَ .
هَذَا مُخْتَصَر جَامِع لِمَذْهَبِ أَهْل الْحَقّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَة . وَقَدْ تَظَاهَرَتْ أَدِلَّة الْكِتَاب وَالسُّنَّة وَإِجْمَاع مَنْ يُعْتَدّ بِهِ مِنْ الْأُمَّة عَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَة ، وَتَوَاتَرَتْ بِذَلِكَ نُصُوص تَحَصَّلَ الْعِلْم الْقَطْعِيّ . فَإِذَا تَقَرَّرَتْ هَذِهِ الْقَاعِدَة حُمِلَ عَلَيْهَا جَمِيع مَا وَرَدَ مِنْ أَحَادِيث الْبَاب وَغَيْره . فَإِذَا وَرَدَ حَدِيث فِي ظَاهِره مُخَالَفَة وَجَبَ تَأْوِيله عَلَيْهَا لِيَجْمَع بَيْن نُصُوص الشَّرْع ، وَسَنَذْكُرُ مِنْ تَأْوِيل بَعْضهَا مَا يُعْرَف بِهِ تَأَوَّلَ الْبَاقِي إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى . وَاللَّهُ أَعْلَم .
وَأَمَّا شَرْح أَحَادِيث الْبَاب فَنَتَكَلَّم عَلَيْهَا مُرَتَّبَة لَفْظًا وَمَعْنًى إِسْنَادًا وَمَتْنًا .


38 - قَوْله فِي الْإِسْنَاد الْأَوَّل ( عَنْ إِسْمَاعِيل بْن إِبْرَاهِيم )
وَفِي رِوَايَة ( أَبِي بَكْرِ بْن أَبِي شَيْبَة حَدَّثَنَا اِبْن عُلَيَّة عَنْ خَالِد قَالَ : حَدَّثَنِي الْوَلِيد بْن مُسْلِم عَنْ حُمْرَان عَنْ عُثْمَان رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُول صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَنْ مَاتَ وَهُوَ يَعْلَم أَنْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه دَخَلَ الْجَنَّة : " ) أَمَّا إِسْمَاعِيل بْن إِبْرَاهِيم فَهُوَ اِبْن عُلَيَّة ، وَهَذَا مِنْ اِحْتِيَاط مُسْلِم رَحِمَهُ اللَّه فَإِنَّ أَحَد الرَّاوِيَيْنِ قَالَ : اِبْن عُلَيَّة وَالْآخَر قَالَ : إِسْمَاعِيل بْن إِبْرَاهِيم ، فَبَيَّنَهُمَا وَلَمْ يَقْتَصِر عَلَى أَحَدهمَا . وَ ( عُلَيَّة ) أُمّ إِسْمَاعِيل وَكَانَ يَكْرَه أَنْ يُقَال لَهُ اِبْن عُلَيَّة ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانه .
وَأَمَّا ( خَالِد ) فَهُوَ اِبْن مِهْرَانَ الْحَذَّاء كَمَا بَيَّنَهُ فِي الرِّوَايَة الثَّانِيَة ، وَهُوَ مَمْدُود وَكُنْيَته أَبُو الْمَنَازِل بِالْمِيمِ الْمَضْمُومَة وَالنُّون وَالزَّاي وَاللَّام . قَالَ أَهْل الْعِلْم : لَمْ يَكُنْ خَالِد حَذَّاء قَطُّ ، وَلَكِنَّهُ كَانَ يَجْلِس إِلَيْهِمْ ، فَقِيلَ لَهُ الْحَذَّاء لِذَلِكَ . هَذَا هُوَ الْمَشْهُور . وَقَالَ فَهْد بْن حَيَّان بِالْفَاءِ : إِنَّمَا كَانَ يَقُول : أَحْذُوا عَلَى هَذَا النَّحْو فَلُقِّبَ بِالْحَذَّاءِ . وَخَالِد يُعَدّ فِي التَّابِعِينَ .
وَأَمَّا الْوَلِيد بْن مُسْلِم بْن شِهَاب الْعَنْبَرِيّ الْبَصْرِيّ أَبُو بِشْر فَرَوَى عَنْ جَمَاعَة مِنْ التَّابِعِينَ ، وَرُبَّمَا اِشْتَبَهَ عَلَى بَعْض مَنْ لَمْ يَعْرِف الْأَسْمَاء بِالْوَلِيدِ بْن مُسْلِم الْأُمَوِيّ مَوْلَاهُمْ الدِّمَشْقِيّ أَبِي الْعَبَّاس صَاحِب الْأَوْزَاعِيِّ ، وَلَا يَشْتَبِه ذَلِكَ عَلَى الْعُلَمَاء بِهِ فَإِنَّهُمَا مُفْتَرِقَانِ فِي النَّسَب إِلَى الْقَبِيلَة وَالْبَلْدَة وَالْكُنْيَة كَمَا ذَكَرْنَا ، وَفِي الطَّبَقَة فَإِنَّ الْأَوَّل أَقْدَم طَبَقَة وَهُوَ فِي طَبَقَة كِبَار شُيُوخ الثَّانِي ، وَيَفْتَرِقَانِ أَيْضًا فِي الشُّهْرَة وَالْعِلْم وَالْجَلَالَة ؛ فَإِنَّ الثَّانِي مُتَمَيِّز لِذَلِكَ كُلّه .
قَالَ الْعُلَمَاء : اِنْتَهَى عِلْم الشَّام إِلَيْهِ وَإِلَى إِسْمَاعِيل بْن عَيَّاش ، وَكَانَ أَجَلّ مِنْ اِبْن عَيَّاش رَحِمَهُمْ اللَّه أَجْمَعِينَ . وَاللَّهُ أَعْلَم .
وَأَمَّا ( حُمْرَان ) فَبِضَمِّ الْحَاء الْمُهْمَلَة وَإِسْكَان الْمِيم وَهُوَ حُمْرَان بْن أَبَان مَوْلَى عُثْمَان بْن عَفَّان رَضِيَ اللَّه عَنْهُ . كُنْيَة حُمْرَان أَبُو زَيْد كَانَ مِنْ سَبْي عَيْن التَّمْر .
وَأَمَّا مَعْنَى الْحَدِيث وَمَا أَشْبَهَهُ فَقَدْ جَمَعَ فِيهِ الْقَاضِي عِيَاض رَحِمَهُ اللَّه كَلَامًا حَسَنًا جَمَعَ فِيهِ نَفَائِس ، فَأَنَا أَنْقُل كَلَامه مُخْتَصَرًا ثُمَّ أَضُمّ بَعْده إِلَيْهِ مَا حَضَرَنِي مِنْ زِيَادَة . قَالَ الْقَاضِي عِيَاض رَحِمَهُ اللَّه اِخْتَلَفَ النَّاس فِيمَنْ عَصَى اللَّه تَعَالَى مِنْ أَهْل الشَّهَادَتَيْنِ فَقَالَتْ الْمُرْجِئَة : لَا تَضُرّهُ الْمَعْصِيَة مَعَ الْإِيمَان ، وَقَالَتْ الْخَوَارِج : تَضُرّهُ وَيَكْفُر بِهَا ، وَقَالَتْ الْمُعْتَزِلَة يَخْلُد فِي النَّار إِذَا كَانَتْ مَعْصِيَته كَبِيرَة ، وَلَا يُوصَف بِأَنَّهُ مُؤْمِن وَلَا كَافِر ، وَلَكِنْ يُوصَف بِأَنَّهُ فَاسِق .
وَقَالَتْ الْأَشْعَرِيَّة : بَلْ هُوَ مُؤْمِن وَإِنْ لَمْ يُغْفَر لَهُ وَعُذِّبَ فَلَا بُدّ مِنْ إِخْرَاجه مِنْ النَّار وَإِدْخَاله الْجَنَّة . قَالَ : وَهَذَا الْحَدِيث حُجَّة عَلَى الْخَوَارِج وَالْمُعْتَزِلَة .
وَأَمَّا الْمُرْجِئَة فَإِنْ اِحْتَجَّتْ بِظَاهِرِهِ قُلْنَا : مَحْمَله عَلَى أَنَّهُ غُفِرَ لَهُ ، أَوْ أُخْرِج مِنْ النَّار بِالشَّفَاعَةِ ، ثُمَّ أُدْخِل الْجَنَّة . فَيَكُون مَعْنَى قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " دَخَلَ الْجَنَّة " أَيْ دَخَلَهَا بَعْد مُجَازَاته بِالْعَذَابِ . وَهَذَا لَا بُدّ مِنْ تَأْوِيله لِمَا جَاءَ فِي ظَوَاهِر كَثِيرَة مِنْ عَذَاب بَعْض الْعُصَاة فَلَا بُدّ مِنْ تَأْوِيل هَذَا لِئَلَّا تَتَنَاقَض نُصُوص الشَّرِيعَة .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَهُوَ يَعْلَم )
إِشَارَة إِلَى الرَّدّ عَلَى مَنْ قَالَ مِنْ غُلَاة الْمُرْجِئَة : إِنَّ مُظْهِرَ الشَّهَادَتَيْنِ يُدْخِل الْجَنَّة وَإِنْ لَمْ يَعْتَقِد ذَلِكَ بِقَلْبِهِ . وَقَدْ قَيَّدَ ذَلِكَ فِي حَدِيث آخِر بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " غَيْر شَاكّ فِيهِمَا " . وَهَذَا يُؤَكِّد مَا قُلْنَاهُ .
قَالَ الْقَاضِي : وَقَدْ يَحْتَجّ بِهِ أَيْضًا مَنْ يُرَى أَنَّ مُجَرَّد مَعْرِفَة الْقَلْب نَافِعَة دُون النُّطْق بِالشَّهَادَتَيْنِ لِاقْتِصَارِهِ عَلَى الْعِلْم . وَمَذْهَب أَهْل السُّنَّة أَنَّ الْمُعَرَّقَة مُرْتَبِطَة بِالشَّهَادَتَيْنِ لَا تَنْفَع إِحْدَاهُمَا وَلَا تُنَجِّي مِنْ النَّار دُون الْأُخْرَى إِلَّا لِمَنْ لَمْ يَقْدِر عَلَى الشَّهَادَتَيْنِ لِآفَةٍ بِلِسَانِهِ أَوْ لَمْ تُمْهِلهُ الْمُدَّة لِيَقُولَهَا ، بَلْ اِخْتَرَمَتْهُ الْمَنِيَّة . وَلَا حُجَّة لِمُخَالِفِ الْجَمَاعَة بِهَذَا اللَّفْظ ؛ إِذْ قَدْ وَرَدَ مُفَسَّرًا فِي الْحَدِيث الْآخَر : " مَنْ قَالَ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه وَمَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَه اللَّه وَأَنِّي رَسُول اللَّه " وَقَدْ جَاءَ هَذَا الْحَدِيث وَأَمْثَاله كَثِيرَة فِي أَلْفَاظهَا اِخْتِلَاف ، وَلِمَعَانِيهَا عِنْد أَهْل التَّحْقِيق اِئْتِلَاف ، فَجَاءَ هَذَا اللَّفْظ فِي هَذَا الْحَدِيث .
وَفِي رِوَايَة مُعَاذ عَنْهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَنْ كَانَ آخِر كَلَامه لَا إِلَه إِلَّا اللَّه دَخَلَ الْجَنَّة " . وَفِي رِوَايَة عَنْهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَنْ لَقِيَ اللَّه لَا يُشْرِك بِهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّة " وَعَنْهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَا مِنْ عَبْد يَشْهَد أَنْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُول اللَّه إِلَّا حَرَّمَهُ اللَّه عَلَى النَّار " وَنَحْوه فِي حَدِيث عُبَادَةَ بْن الصَّامِت وَعِتْبَان بْن مَالِك وَزَادَ فِي حَدِيث عُبَادَةَ " عَلَى مَا كَانَ مِنْ عَمَل " .
وَفِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة " لَا يَلْقَى اللَّه تَعَالَى بِهِمَا عَبْد غَيْر شَاكّ فِيهِمَا إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّة وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ " .
وَفِي حَدِيث أَنَس : " حَرَّمَ اللَّه عَلَى النَّار مَنْ قَالَ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْه اللَّه تَعَالَى " .
هَذِهِ الْأَحَادِيث كُلّهَا سَرَدَهَا مُسْلِم رَحِمَهُ اللَّه فِي كِتَابه ، فَحَكَى عَنْ جَمَاعَة مِنْ السَّلَف رَحِمَهُمْ اللَّه مِنْهُمْ اِبْن الْمُسَيِّب أَنَّ هَذَا كَانَ قَبْل نُزُول الْفَرَائِض وَالْأَمْر وَالنَّهْي ، وَقَالَ بَعْضهمْ هِيَ مُجْمَلَة تَحْتَاج إِلَى شَرْح ، وَمَعْنَاهُ : مَنْ قَالَ الْكَلِمَة وَأَدَّى حَقّهَا وَفَرِيضَتهَا . وَهَذَا قَوْل الْحَسَن الْبَصْرِيّ . وَقِيلَ : إِنَّ ذَلِكَ لِمَنْ قَالَهَا عِنْد النَّدَم وَالتَّوْبَة . وَمَاتَ عَلَى ذَلِكَ وَهَذَا قَوْل الْبُخَارِيّ .
وَهَذِهِ التَّأْوِيلَات إِنَّمَا هِيَ إِذَا حُمِلَتْ الْأَحَادِيث عَلَى ظَاهِرهَا . وَأَمَّا إِذَا نَزَلَتْ مَنَازِلهَا فَلَا يُشْكِل تَأْوِيلهَا عَلَى مَا بَيَّنَهُ الْمُحَقِّقُونَ . فَنُقَرِّر أَوَّلًا أَنَّ مَذْهَب أَهْل السُّنَّة بِأَجْمَعِهِمْ مِنْ السَّلَف الصَّالِح وَأَهْل الْحَدِيث وَالْفُقَهَاء وَالْمُتَكَلِّمِينَ عَلَى مَذْهَبهمْ مِنْ الْأَشْعَرِيِّينَ أَنَّ أَهْل الذُّنُوب فِي مَشِيئَة اللَّه تَعَالَى . وَأَنَّ كُلّ مَنْ مَاتَ عَلَى الْإِيمَان وَتَشَهَّدَ مُخْلِصًا مِنْ قَلْبه بِالشَّهَادَتَيْنِ فَإِنَّهُ يَدْخُل الْجَنَّة . فَإِنْ كَانَ تَائِبًا أَوْ سَلِيمًا مِنْ الْمَعَاصِي دَخَلَ الْجَنَّة بِرَحْمَةِ رَبِّهِ وَحَرُمَ عَلَى النَّار بِالْجُمْلَةِ . فَإِنْ حَمَلْنَا اللَّفْظَيْنِ الْوَارِدَيْنِ عَلَى هَذَا فِيمَنْ هَذِهِ صِفَته كَانَ بَيِّنًا .
وَهَذَا مَعْنَى تَأْوِيلَيْ الْحَسَن وَالْبُخَارِيّ ، وَإِنْ كَانَ هَذَا مِنْ الْمُخَلَّطِينَ بِتَضْيِيعِ مَا أَوْجَبَ اللَّه تَعَالَى عَلَيْهِ ، أَوْ بِفِعْلِ مَا حُرِّمَ عَلَيْهِ . فَهُوَ فِي الْمَشِيئَة لَا يُقْطَع فِي أَمْرِهِ بِتَحْرِيمِهِ عَلَى النَّار وَلَا بِاسْتِحْقَاقِهِ الْجَنَّة لِأَوَّلِ وَهْلَة . بَلْ يُقْطَع بِأَنَّهُ لَا بُدّ مِنْ دُخُوله الْجَنَّة آخِرًا . وَحَاله قَبْل ذَلِكَ فِي خَطَر الْمُشِيئَة . إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى عَذَّبَهُ بِذَنْبِهِ ، وَإِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ بِفَضْلِهِ . وَيُمْكِن أَنْ تَسْتَقِلّ الْأَحَادِيث بِنَفْسِهَا وَيُجْمَع بَيْنهَا فَيَكُون الْمُرَاد بِاسْتِحْقَاقِ الْجَنَّة مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ إِجْمَاع أَهْل السُّنَّة أَنَّهُ لَا بُدّ مِنْ دُخُولهَا لِكُلِّ مُوَحِّد إِمَّا مُعَجَّلًا مُعَافًى ، وَإِمَّا مُؤَخَّرًا وَالْمُرَاد بِتَحْرِيمِ النَّار تَحْرِيم الْخُلُود خِلَافًا لِلْخَوَارِجِ وَالْمُعْتَزِلَة فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ . وَيَجُوز فِي حَدِيث : " مَنْ كَانَ آخِر كَلَامِهِ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه دَخَلَ الْجَنَّة " أَنْ يَكُون خُصُوصًا لِمَنْ كَانَ هَذَا آخِر نُطْقه وَخَاتِمَة لَفْظه ، وَإِنْ كَانَ قَبْل مُخَلِّطًا فَيَكُون سَبَبًا لِرَحْمَةِ اللَّه تَعَالَى إِيَّاهُ وَنَجَاته رَأْسًا مِنْ النَّار ، وَتَحْرِيمه عَلَيْهَا بِخِلَافِ مَنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ آخِر كَلَامه مِنْ الْمُوَحِّدِينَ الْمُخَلِّطِينَ . وَكَذَلِكَ مَا وَرَدَ فِي حَدِيث عُبَادَة مِنْ مِثْل هَذَا وَدُخُوله مِنْ أَيّ أَبْوَاب الْجَنَّة شَاءَ يَكُون خُصُوصًا لِمَنْ قَالَ مَا ذَكَرَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَرَنَ بِالشَّهَادَتَيْنِ حَقِيقَة الْإِيمَان وَالتَّوْحِيد الَّذِي وَرَدَ فِي حَدِيثه فَيَكُون لَهُ مِنْ الْأَجْر مَا يَرْجَح عَلَى سَيِّئَاته ، وَيُوجِب لَهُ الْمَغْفِرَة وَالرَّحْمَة وَدُخُول الْجَنَّة لِأَوَّلِ وَهْلَة إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى . وَاَللَّه أَعْلَم .
هَذَا آخِر كَلَام الْقَاضِي عِيَاض رَحِمَهُ اللَّه وَهُوَ فِي نِهَايَة الْحُسْن .
وَأَمَّا مَا حَكَاهُ عَنْ اِبْن الْمُسَيِّب وَغَيْره فَضَعِيف بَاطِل وَذَلِكَ لِأَنَّ رَاوِيَ أَحَد هَذِهِ الْأَحَادِيث أَبُو هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُ وَهُوَ مُتَأَخِّر الْإِسْلَام أَسْلَمَ عَام خَيْبَر سَنَة سَبْع بِالِاتِّفَاقِ ، وَكَانَتْ أَحْكَام الشَّرِيعَة مُسْتَقِرَّة وَأَكْثَر هَذِهِ الْوَاجِبَات كَانَتْ فُرُوضهَا مُسْتَقِرَّة ، وَكَانَتْ الصَّلَاة وَالصِّيَام وَالزَّكَاة وَغَيْرهَا مِنْ الْأَحْكَام قَدْ تَقَرَّرَ فَرْضهَا ، وَكَذَا الْحَجّ عَلَى قَوْل مَنْ قَالَ فُرِضَ سَنَة خَمْس أَوْ سِتّ ، وَهُمَا أَرْجَح مِنْ قَوْل مَنْ قَالَ سَنَة تِسْع . وَاَللَّه أَعْلَم . وَذَكَرَ الشَّيْخ أَبُو عَمْرو بْن الصَّلَاح رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى تَأْوِيلًا آخَر فِي الظَّوَاهِر الْوَارِدَة بِدُخُولِ الْجَنَّة بِمُجَرَّدِ الشَّهَادَة فَقَالَ : يَجُوز أَنْ يَكُون ذَلِكَ اِقْتِصَارًا مِنْ بَعْض الرُّوَاة نَشَأَ مِنْ تَقْصِيره فِي الْحِفْظ وَالضَّبْط لَا مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِدَلَالَةِ مَجِيئِهِ تَامًّا فِي رِوَايَة غَيْره . وَقَدْ تَقَدَّمَ نَحْو هَذَا التَّأْوِيل قَالَ : وَيَجُوز أَنْ يَكُون اِخْتِصَارًا مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا خَاطَبَ بِهِ الْكُفَّار عَبَدَة الْأَوْثَان الَّذِينَ كَانَ تَوْحِيدهمْ لِلَّهِ تَعَالَى مَصْحُوبًا بِسَائِرِ مَا يَتَوَقَّف عَلَيْهِ الْإِسْلَام وَمُسْتَلْزِمًا لَهُ . وَالْكَافِر إِذَا كَانَ لَا يُقِرّ بِالْوَحْدَانِيَّةِ كَالْوَثَنِيِّ وَالثَّنَوِيِّ فَقَالَ : لَا إِلَه إِلَّا اللَّه ، وَحَاله الْحَال الَّتِي حَكَيْنَاهَا ، حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ . وَلَا نَقُول وَالْحَالَة هَذِهِ مَا قَالَهُ بَعْض أَصْحَابنَا مِنْ أَنَّ مَنْ قَالَ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه يُحْكَم بِإِسْلَامِهِ ثُمَّ يُجْبَر عَلَى قَبُول سَائِر الْأَحْكَام فَإِنَّ حَاصِله رَاجِع إِلَى أَنَّهُ يُجْبَر حِينَئِذٍ عَلَى إِتْمَام الْإِسْلَام ، وَيُجْعَل حُكْمه حُكْم الْمُرْتَدّ إِنْ لَمْ يَفْعَل مِنْ غَيْر أَنْ يُحْكَم بِإِسْلَامِهِ بِذَلِكَ فِي نَفْس الْأَمْر ، وَفِي أَحْكَام الْآخِرَة . وَمَنْ وَصَفْنَاهُ مُسْلِم فِي نَفْس الْأَمْر وَفِي أَحْكَام الْآخِرَة . وَاَللَّه أَعْلَم .


39 - قَوْله : ( حَدَّثَنَا عُبَيْد اللَّه الْأَشْجَعِيُّ عَنْ مَالِك بْن مِغْوَل عَنْ طَلْحَة بْن مُصَرِّف عَنْ أَبِي صَالِح عَنْ أَبِي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ : كُنَّا مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحَدِيث )
وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى ( عَنْ الْأَعْمَش عَنْ أَبِي صَالِح عَنْ أَبِي هُرَيْرَة أَوْ عَنْ أَبِي سَعِيد شَكَّ الْأَعْمَشُ قَالَ : لَمَّا كَانَ يَوْم غَزْوَة تَبُوك الْحَدِيث ) هَذَانِ الْإِسْنَادَانِ مِمَّا اِسْتَدْرَكَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَعَلَّلَهُ . فَأَمَّا الْأَوَّل فَعَلَّلَهُ مِنْ جِهَة أَنَّ أَبَا أُسَامَة وَغَيْره خَالَفُوا عُبَيْد اللَّه الْأَشْجَعِيَّ فَرَوَوْهُ عَنْ مَالِك بْن مِغْوَلٍ عَنْ طَلْحَة عَنْ أَبِي صَالِح مُرْسَلًا وَأَمَّا الثَّانِي فَعَلَّلَهُ لِكَوْنِهِ اُخْتُلِفَ فِيهِ عَنْ الْأَعْمَش . فَقِيلَ فِيهِ أَيْضًا عَنْهُ عَنْ أَبِي صَالِح عَنْ جَابِر وَكَانَ الْأَعْمَش يَشُكّ فِيهِ . قَالَ الشَّيْخ أَبُو عَمْرو بْن الصَّلَاح رَحِمَهُ اللَّه : هَذَانِ الِاسْتِدْرَاكَانِ مِنْ الدَّارَقُطْنِيِّ مَعَ أَكْثَر اِسْتِدْرَاكَاته عَلَى الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِم قَدْح فِي أَسَانِيدهمَا غَيْر مُخْرِج لِمُتُونِ الْأَحَادِيث مِنْ حَيِّز الصِّحَّة . وَقَدْ ذُكِرَ فِي هَذَا الْحَدِيث أَبُو مَسْعُود إِبْرَاهِيم بْن مُحَمَّد الدِّمَشْقِيُّ الْحَافِظ فِيمَا أَجَابَ الدَّارَقُطْنِيَّ عَنْ اِسْتِدْرَاكَاته عَلَى مُسْلِم رَحِمَهُ اللَّه أَنَّ الْأَشْجَعِيَّ ثِقَة مُجَوِّد ، فَإِذَا جَوَّدَ مَا قَصَّرَ فِيهِ غَيْره حُكِمَ لَهُ بِهِ وَمَعَ ذَلِكَ فَالْحَدِيث لَهُ أَصْل ثَابِت عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِرِوَايَةِ الْأَعْمَش لَهُ مُسْنَدًا ، وَبِرِوَايَةِ يَزِيد بْن أَبِي عُبَيْد وَإِيَاس بْن سَلَمَة بْن الْأَكْوَع عَنْ سَلَمَة . قَالَ الشَّيْخ : رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ سَلَمَة عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَأَمَّا شَكُّ الْأَعْمَشِ فَهُوَ غَيْر قَادِح فِي مَتْن الْحَدِيث فَإِنَّهُ شَكٌّ فِي عَيْن الصَّحَابِيِّ الرَّاوِي لَهُ وَذَلِكَ غَيْر قَادِح لِأَنَّ الصَّحَابَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ كُلّهمْ عُدُول . هَذَا آخِر كَلَام الشَّيْخِ أَبِي عَمْرو رَحِمَهُ اللَّه . قُلْت : وَهَذَانِ الِاسْتِدْرَاكَانِ لَا يَسْتَقِيم وَاحِد مِنْهُمَا .
أَمَّا الْأَوَّل : فَلِأَنَّا قَدَّمْنَا فِي الْفُصُول السَّابِقَة أَنَّ الْحَدِيث الَّذِي رَوَاهُ بَعْض الثِّقَات مَوْصُولًا وَبَعْضهمْ مُرْسَلًا فَالصَّحِيح الَّذِي قَالَهُ الْفُقَهَاء وَأَصْحَاب الْأُصُول وَالْمُحَقِّقُونَ مِنْ الْمُحَدِّثِينَ أَنَّ الْحُكْم لِرِوَايَةِ الْوَصْل سَوَاء كَانَ رَاوِيهَا أَقَلّ عَدَدًا مِنْ رِوَايَة الْإِرْسَال ، أَوْ مُسَاوِيًا لَهَا ؛ لِأَنَّهَا زِيَادَة ثِقَة . فَهَذَا مَوْجُود هُنَا وَهُوَ كَمَا قَالَ الْحَافِظ أَبُو مَسْعُود الدِّمَشْقِيُّ جَوَّدَ وَحَفِظَ مَا قَصَّرَ فِيهِ غَيْره . وَأَمَّا الثَّانِي : فَلِأَنَّهُمْ قَالُوا : إِذَا قَالَ الرَّاوِي : حَدَّثَنِي فُلَان أَوْ فُلَان وَهُمَا ثِقَتَانِ اُحْتُجَّ بِهِ بِلَا خِلَاف ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُود الرِّوَايَة عَنْ ثِقَة مُسَمًّى ، وَقَدْ حَصَلَ . وَهَذِهِ قَاعِدَة ذَكَرَهَا الْخَطِيب الْبَغْدَادِيُّ فِي الْكِفَايَة ، وَذَكَرَهَا غَيْره . وَهَذَا فِي غَيْر الصَّحَابَة فَفِي الصَّحَابَة أَوْلَى ؛ فَإِنَّهُمْ كُلّهمْ عُدُول . فَلَا غَرَض فِي تَعْيِين الرَّاوِي مِنْهُمْ . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَأَمَّا ضَبْط لَفْظ الْإِسْنَاد فَمِغْوَل بِكَسْرِ الْمِيم وَإِسْكَان الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَفَتْح الْوَاو .
وَأَمَّا ( مُصَرِّف ) فَبِضَمِّ الْمِيم وَفَتْح الصَّاد الْمُهْمَلَة وَكَسْر الرَّاء . هَذَا هُوَ الْمَشْهُور الْمَعْرُوف فِي كُتُب الْمُحَدِّثِينَ وَأَصْحَاب الْمُؤْتَلِف ، وَأَصْحَاب أَسْمَاء الرِّجَال وَغَيْرهمْ . وَحَكَى الْإِمَام أَبُو عَبْد اللَّه الْقَلَعِيُّ الْفَقِيه الشَّافِعِيُّ فِي كِتَابه ( أَلْفَاظ الْمُهَذَّب ) أَنَّهُ يُرْوَى بِكَسْرِ الرَّاء وَفَتْحهَا . وَهَذَا الَّذِي حَكَاهُ مِنْ رِوَايَة الْفَتْح غَرِيب مُنْكَر وَلَا أَظُنّهُ يَصِحّ وَأَخَاف أَنْ يَكُون قَلَّدَ فِيهِ بَعْض الْفُقَهَاء أَوْ بَعْض النُّسَخ أَوْ نَحْو ذَلِكَ ، وَهَذَا كَثِير يُوجَد مِثْله فِي كُتُب الْفِقْه ، وَفِي الْكُتُب الْمُصَنَّفَة فِي شَرْح أَلْفَاظهَا ، فَيَقَع فِيهَا تَصْحِيفَات وَنُقُول غَرِيبَة لَا تُعْرَف . وَأَكْثَر هَذِهِ أَغَالِيطُ لِكَوْنِ النَّاقِلِينَ لَهَا لَمْ يَتَحَرَّوْا فِيهَا . وَاَللَّه أَعْلَم .
قَوْله : ( حَتَّى هَمَّ بِنَحْرِ بَعْض حَمَائِلهمْ )
رُوِيَ بِالْحَاءِ وَبِالْجِيمِ . وَقَدْ نَقَلَ جَمَاعَة مِنْ الشُّرَّاح الْوَجْهَيْنِ لَكِنْ اِخْتَلَفُوا فِي الرَّاجِح مِنْهُمَا - فَمِمَّنْ نَقَلَ الْوَجْهَيْنِ صَاحِب التَّحْرِير وَالشَّيْخ أَبُو عَمْرو بْن الصَّلَاح ، وَغَيْرهمَا . وَاخْتَارَ صَاحِب التَّحْرِير الْجِيم . وَجَزَمَ الْقَاضِي عِيَاض بِالْحَاءِ وَلَمْ يَذْكُر غَيْرهَا . قَالَ الشَّيْخ أَوْ عَمْرو رَحِمَهُ اللَّه : وَكِلَاهُمَا صَحِيح فَهُوَ بِالْحَاءِ جَمْع حَمُولَة بِفَتْحِ الْحَاء وَهِيَ الْإِبِل الَّتِي تَحْمِل . وَبِالْجِيمِ جَمْع جِمَالَة بِكَسْرِهَا جَمْع جَمَل . وَنَظِيره حَجَرٌ وَحِجَارَة . وَالْجَمَل هُوَ الذَّكَر دُون النَّاقَة وَفِي هَذَا الَّذِي هَمَّ بِهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيَان لِمُرَاعَاةِ الْمَصَالِح وَتَقْدِيم الْأَهَمّ فَالْأَهَمّ وَارْتِكَاب أَخَفِّ الضَّرَرَيْنِ لِدَفْعِ أَضَرِّهِمَا . وَاَللَّه أَعْلَم .
قَوْله : ( فَقَالَ عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : يَا رَسُول اللَّه لَوْ جَمَعْت مَا بَقِيَ مِنْ أَزْوَاد الْقَوْم )
هَذَا فِيهِ بَيَان جَوَاز عَرْض الْمَفْضُول عَلَى الْفَاضِل مَا يَرَاهُ مَصْلَحَة لِيَنْظُر الْفَاضِل فِيهِ ، فَإِنْ ظَهَرَتْ لَهُ مَصْلَحَة فَعَلَهُ وَيُقَال : بَقِيَ بِكَسْرِ الْقَاف وَفَتْحهَا وَالْكَسْر لُغَة أَكْثَر الْعَرَب . وَبِهَا جَاءَ الْقُرْآن الْكَرِيم وَالْفَتْح لُغَة طَيٍّ . وَكَذَا يَقُولُونَ فِيمَا أَشْبَهَهُ وَاَللَّه أَعْلَم .
قَوْله : ( فَجَاءَ ذُو الْبُرّ بِبُرِّهِ ، وَذُو التَّمْر بِتَمْرِهِ . قَالَ : وَقَالَ مُجَاهِد : وَذُو النَّوَاة بِنَوَاهُ )
هَكَذَا هُوَ فِي أُصُولنَا وَغَيْرهَا . الْأَوَّل النَّوَاة بِالتَّاءِ فِي آخِره وَالثَّانِي بِحَذْفِهَا . وَكَذَا نَقَلَهُ الْقَاضِي عِيَاض عَنْ الْأُصُول كُلّهَا ثُمَّ قَالَ : وَوَجْهه ذُو النَّوَى بِنَوَاهُ كَمَا قَالَ ذُو التَّمْر بِتَمْرِهِ . قَالَ الشَّيْخ أَبُو عَمْرو : وَجَدْته فِي كِتَاب أَبِي نُعَيْم الْمُخَرَّج عَلَى صَحِيح مُسْلِم ذُو النَّوَى بِنَوَاهُ . قَالَ : وَلِلْوَاقِعِ فِي كِتَاب مُسْلِم وَجْه صَحِيح وَهُوَ أَنْ يَجْعَل النَّوَاة عِبَارَة عَنْ جُمْلَة مِنْ النَّوَى أُفْرِدَتْ عَنْ غَيْرهَا كَمَا أُطْلِقَ اِسْم الْكَلِمَة عَلَى الْقَصِيدَة أَوْ تَكُون النَّوَاة مِنْ قَبِيل مَا يُسْتَعْمَل فِي الْوَاحِد وَالْجَمْع . ثُمَّ إِنَّ الْقَائِل قَالَ : مُجَاهِد هُوَ طَلْحَة بْن مُصَرِّف . قَالَهُ الْحَافِظ عَبْد الْغَنِيِّ بْن سَعِيد الْمِصْرِيُّ . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَفِي هَذَا الْحَدِيث جَوَاز خَلْط الْمُسَافِرِينَ أَزْوَادهمْ وَأَكْلهمْ مِنْهَا مُجْتَمِعِينَ وَإِنْ كَانَ بَعْضهمْ يَأْكُل أَكْثَر مِنْ بَعْض . وَقَدْ نَصَّ أَصْحَابنَا عَلَى أَنَّ ذَلِكَ سُنَّة وَاَللَّه أَعْلَم .
قَوْله : ( كَانُوا يَمَصُّونَهَا )
هُوَ بِفَتْحِ الْمِيم هَذِهِ اللُّغَة الْفَصِيحَة الْمَشْهُورَة وَيُقَال : مَصِصْت الرُّمَّانَة وَالتَّمْرَة وَشِبْههمَا بِكَسْرِ الصَّاد أَمَصّهَا بِفَتْحِ الْمِيم . وَحَكَى الزُّهْرِيُّ عَنْ بَعْض الْعَرَب ضَمّ الْمِيم . وَحَكَى أَبُو عُمَر الزَّاهِد فِي شَرْح الْفَصِيح عَنْ ثَعْلَب عَنْ اِبْن الْأَعْرَابِيِّ هَاتَيْنِ اللُّغَتَيْنِ ( مَصِصْت ) بِكَسْرِ الصَّاد ( أَمُصّ ) بِضَمِّ الْمِيم ، وَمَصَصْت بِفَتْحِ الصَّاد أَمُصّ بِضَمِّ الْمِيم مَصًّا فِيهِمَا فَأَنَا مَاصّ وَهِيَ مَمْصُوصَة . وَإِذَا أَمَرْت مِنْهُمَا قُلْت مَصَّ الرُّمَّانَة وَمَصِّهَا وَمُصَّهَا وَمُصِّهَا وَمُصُّهَا فَهَذِهِ خَمْس لُغَات فِي الْأَمْر فَتْح الْمِيم مَعَ الصَّاد وَمَعَ كَسْرهَا وَضَمّ الْمِيم مَعَ فَتْح الصَّاد وَمَعَ كَسْرهَا وَضَمّهَا هَذَا كَلَام ثَعْلَب . وَالْفَصِيح الْمَعْرُوف فِي مَصِّهَا وَنَحْوه مِمَّا يَتَّصِل بِهِ هَاء التَّأْنِيث لِمُؤَنَّثٍ أَنَّهُ يَتَعَيَّن فَتْح مَا يَلِي الْهَاء وَلَا يُكْسَر وَلَا يُضَمّ .
قَوْله : ( حَتَّى مَلَأ الْقَوْم أَزْوِدَتهمْ )
هَكَذَا الرِّوَايَة فِيهِ فِي جَمِيع الْأُصُول وَكَذَا نَقَلَهُ عَنْ الْأُصُول جَمِيعهَا الْقَاضِي عِيَاض وَغَيْره . قَالَ الشَّيْخ أَبُو عَمْرو بْن الصَّلَاح : الْأَزْوِدَة جَمْع زَاد وَهِيَ لَا تُمْلَأ إِنَّمَا تُمْلَأ بِهَا أَوْعِيَتهَا قَالَ وَوَجْهه عِنْدِي أَنْ يَكُون الْمُرَاد حَتَّى مَلَأ الْقَوْم أَوْعِيَة أَزْوِدَتهمْ فَحُذِفَ الْمُضَاف وَأُقِيم الْمُضَاف إِلَيْهِ مَقَامه . قَالَ الْقَاضِي عِيَاض : وَيُحْتَمَل أَنَّهُ سَمَّى الْأَوْعِيَة أَزْوَادًا بِاسْمِ مَا فِيهَا كَمَا فِي نَظَائِره . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَفِي هَذَا الْحَدِيث عَلَمٌ مِنْ أَعْلَام النُّبُوَّة الظَّاهِرَة . وَمَا أَكْثَر نَظَائِره الَّتِي يَزِيد مَجْمُوعهَا عَلَى شَرْط التَّوَاتُر وَيُحَصِّل الْعِلْمَ الْقَطْعِيَّ وَقَدْ جَمَعَهَا الْعُلَمَاء وَصَنَّفُوا فِيهَا كُتُبًا مَشْهُورَة . وَاَللَّه أَعْلَم .


40 - قَوْله : ( لَمَّا كَانَ يَوْم غَزْوَة تَبُوك أَصَابَ النَّاس مَجَاعَة )
هَكَذَا ضَبَطْنَاهُ ( يَوْم غَزْوَة تَبُوك ) وَالْمُرَاد بِالْيَوْمِ هُنَا الْوَقْت وَالزَّمَان لَا الْيَوْم الَّذِي هُوَ مَا بَيْن طُلُوع الْفَجْر وَغُرُوب الشَّمْس . وَلَيْسَ فِي كَثِير مِنْ الْأُصُول أَوْ أَكْثَرهَا ذِكْر الْيَوْم هُنَا . وَأَمَّا الْغَزْوَة فَيُقَال فِيهَا أَيْضًا الْغُزَاة . وَأَمَّا ( تَبُوك ) فَهِيَ مِنْ أَدْنَى أَرْض الشَّام . وَالْمَجَاعَة بِفَتْحِ الْمِيم وَهُوَ الْجُوع الشَّدِيد .
قَوْله : ( فَقَالُوا يَا رَسُول اللَّه لَوْ أَذِنْت لَنَا فَنَحْرنَا نَوَاضِحنَا فَأَكَلْنَا وَادَّهَنَّا )
النَّوَاضِح مِنْ الْإِبِل الَّتِي يُسْتَقَى عَلَيْهَا . قَالَ أَبُو عُبَيْد : الذَّكَر مِنْهَا نَاضِح وَالْأُنْثَى نَاضِحَة . قَالَ صَاحِب ( التَّحْرِير ) : قَوْله ( وَادَّهَنَّا ) لَيْسَ مَقْصُوده مَا هُوَ الْمَعْرُوف مِنْ الِادِّهَان وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ : اِتَّخَذْنَا دُهْنًا مِنْ شُحُومهَا . وَقَوْلهمْ : ( لَوْ أَذِنْت لَنَا ) هَذَا مِنْ أَحْسَن آدَاب خِطَاب الْكِبَار وَالسُّؤَال مِنْهُمْ . فَيُقَال : لَوْ فَعَلْت كَذَا . أَوْ أَمَرْت بِكَذَا ، لَوْ أَذِنْت فِي كَذَا ، وَأَشَرْت بِكَذَا .
وَمَعْنَاهُ لَكَانَ خَيْرًا أَوْ لَكَانَ صَوَابًا وَرَأْيًا مَتِينًا أَوْ مَصْلَحَة ظَاهِرَة وَمَا أَشْبَهَ هَذَا . فَهَذَا أَجْمَل مِنْ قَوْلهمْ لِلْكَبِيرِ : اِفْعَلْ كَذَا بِصِيغَةِ الْأَمْر . وَفِيهِ أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِأَهْلِ الْعَسْكَر مِنْ الْغُزَاة أَنْ يُضَيِّعُوا دَوَابَّهُمْ الَّتِي يَسْتَعِينُونَ بِهَا فِي الْقِتَال بِغَيْرِ إِذْن الْإِمَام ، وَلَا يَأْذَن لَهُمْ إِلَّا إِذَا رَأَى مَصْلَحَة ، أَوْ خَافَ مَفْسَدَة ظَاهِرَة . وَاَللَّه أَعْلَم .
قَوْله : ( فَجَاءَ عُمَر فَقَالَ : يَا رَسُول اللَّه إِنْ فَعَلْت قَلَّ الظَّهْر )
فِيهِ جَوَاز الْإِشَارَة عَلَى الْأَئِمَّة وَالرُّؤَسَاء . وَأَنَّ لِلْمَفْضُولِ أَنْ يُشِير عَلَيْهِمْ بِخِلَافِ مَا رَأَوْهُ إِذَا ظَهَرَتْ مَصْلَحَته عِنْده ، وَأَنْ يُشِير عَلَيْهِمْ بِإِبْطَالِ مَا أَمَرُوا بِفِعْلِهِ . وَالْمُرَاد بِالظَّهْرِ هُنَا الدَّوَابّ ، سُمِّيَتْ ظَهْرًا لِكَوْنِهَا يُرْكَب عَلَى ظَهْرهَا ، أَوْ لِكَوْنِهَا يُسْتَظْهَر بِهَا وَيُسْتَعَان عَلَى السَّفَر .
قَوْله : ( ثُمَّ اُدْعُ اللَّه تَعَالَى لَهُمْ عَلَيْهَا بِالْبَرَكَةِ لَعَلَّ اللَّه تَعَالَى أَنْ يَجْعَل فِي ذَلِكَ )
هَكَذَا وَقَعَ فِي الْأُصُول الَّتِي رَأَيْنَا . وَفِيهِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ يَجْعَل فِي ذَلِكَ بَرَكَة أَوْ خَيْرًا أَوْ نَحْو ذَلِكَ . فَحَذَفَ الْمَفْعُول بِهِ لِأَنَّهُ فَضْلَة . وَأَصْل الْبَرَكَة كَثْرَة الْخَيْر وَثُبُوته . وَتَبَارَكَ اللَّهُ ثَبَتَ الْخَيْرُ عِنْدَهُ ، وَقِيلَ غَيْر ذَلِكَ .
قَوْله : ( فَدَعَا بِنِطَعٍ )
فِيهِ أَرْبَع لُغَات مَشْهُورَة أَشْهُرهَا : كَسْر النُّون مَعَ فَتْح الطَّاء وَالثَّانِيَة : بِفَتْحِهِمَا . وَالثَّالِثَة : بِفَتْحِ النُّون مَعَ إِسْكَان الطَّاء . وَالرَّابِعَة : بِكَسْرِ النُّون مَعَ إِسْكَان الطَّاء .
قَوْله :
( وَفَضَلَتْ فَضْلَة )
يُقَال : فَضِلَ وَفَضَلَ بِكَسْرِ الضَّاد وَفَتْحهَا لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ .


41 - قَوْله : ( حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْن رُشَيْد حَدَّثَنَا الْوَلِيد يَعْنِي اِبْن مُسْلِم عَنْ اِبْن جَابِر قَالَ : حَدَّثَنِي عُمَيْر بْن هَانِئ قَالَ : حَدَّثَنِي جُنَادَةُ بْن أَبِي أُمَيَّة قَالَ : حَدَّثَنَا عُبَادَةُ بْن الصَّامِت )
أَمَّا ( رُشَيْد ) فَبِضَمِّ الرَّاء وَفَتْح الشِّين . وَأَمَّا ( الْوَلِيد بْن مُسْلِم ) فَهُوَ الدِّمَشْقِيُّ صَاحِب الْأَوْزَاعِيِّ وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي أَوَّل هَذَا الْبَاب بَيَانه . وَقَوْله ( يَعْنِي اِبْن مُسْلِم ) قَدْ قَدَّمْنَا مَرَّات فَائِدَته ، وَأَنَّهُ لَمْ يَقَع نَسَبه فِي الرِّوَايَة فَأَرَادَ إِيضَاحه مِنْ غَيْر زِيَادَة فِي الرِّوَايَة . وَأَمَّا ( اِبْن جَابِر ) فَهُوَ عَبْد الرَّحْمَن بْن يَزِيد بْن جَابِر الدِّمَشْقِيُّ الْجَلِيلُ . وَأَمَّا ( هَانِئ ) فَهُوَ بِهَمْزٍ آخِره . وَأَمَّا ( جُنَادَةُ ) بِضَمِّ الْجِيم فَهُوَ جُنَادَةُ بْن أَبِي أُمَيَّة وَاسْم أَبِي أُمَيَّة كَبِير بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَة . وَهُوَ دَوْسِيٌّ أَزْدِيٌّ نَزَلَ فِيهِمْ شَامِيٌّ . وَجُنَادَةُ وَأَبُوهُ صَحَابِيَّانِ هَذَا هُوَ الصَّحِيح الَّذِي قَالَهُ الْأَكْثَرُونَ . وَقَدْ رَوَى لَهُ النَّسَائِيُّ حَدِيثًا فِي صَوْم يَوْم الْجُمُعَة أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ثَمَانِيَة أَنْفُس وَهُمْ صِيَام . وَلَهُ غَيْر ذَلِكَ مِنْ الْحَدِيث الَّذِي فِيهِ التَّصْرِيح بِصُحْبَتِهِ . قَالَ أَبُو سَعِيد بْن يُونُس فِي تَارِيخ مِصْر : كَانَ مِنْ الصَّحَابَة ، وَشَهِدَ فَتْح مِصْر . وَكَذَا قَالَ غَيْره . وَلَكِنَّ أَكْثَر رِوَايَاته عَنْ الصَّحَابَة . وَقَالَ مُحَمَّد بْن سَعْد كَاتِب الْوَاقِدِيِّ : قَالَ اِبْن عَبْد اللَّه الْعِجْلِيُّ : وَهُوَ تَابِعِيٌّ مِنْ كِبَار التَّابِعِينَ . وَكُنْيَة جُنَادَةَ أَبُو عَبْد اللَّه كَانَ صَاحِب غَزْو رَضِيَ اللَّه عَنْهُ . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَهَذَا الْإِسْنَاد كُلّه شَامِيُّونَ إِلَّا دَاوُدَ بْن رُشَيْد فَإِنَّهُ خُوَارِزْمِيٌّ سَكَنَ بَغْدَاد .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ قَالَ : أَشْهَد أَنْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه وَحْدَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْده وَرَسُوله وَأَنَّ عِيسَى عَبْد اللَّه وَابْن أَمَتِهِ وَكَلِمَته أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَم وَرُوح مِنْهُ ، وَأَنَّ الْجَنَّة حَقّ ، وَأَنَّ النَّار حَقّ أَدْخَلَهُ اللَّه مِنْ أَيِّ أَبْوَاب الْجَنَّة الثَّمَانِيَة شَاءَ )
هَذَا حَدِيث عَظِيم الْمَوْقِع وَهُوَ أَجْمَع أَوْ مِنْ أَجْمَع الْأَحَادِيث الْمُشْتَمِلَة عَلَى الْعَقَائِد فَإِنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَمَعَ فِيهِ مَا يُخْرِج عَنْ جَمِيع مِلَل الْكُفْر عَلَى اِخْتِلَاف عَقَائِدهمْ وَتَبَاعُدهمْ فَاخْتَصَرَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذِهِ الْأَحْرُف عَلَى مَا يُبَايِن بِهِ جَمِيعهمْ وَسَمَّى عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام كَلِمَة لِأَنَّهُ كَانَ بِكَلِمَةِ " كُنْ " فَحُسِبَ مِنْ غَيْر أَبٍ بِخِلَافِ غَيْره مِنْ بَنِي آدَم . قَالَ الْهَرَوِيُّ سُمِّيَ كَلِمَة لِأَنَّهُ كَانَ عَنْ الْكَلِمَة فَسُمِّيَ بِهَا . كَمَا يُقَال لِلْمَطَرِ رَحْمَة . قَالَ الْهَرَوِيُّ : وَقَوْله تَعَالَى : { وَرُوح مِنْهُ } أَيْ رَحْمَة . قَالَ : وَقَالَ اِبْن عَرَفَة : أَيْ لَيْسَ مِنْ أَب إِنَّمَا نَفَخَ فِي أُمّه الرُّوح وَقَالَ غَيْره وَرُوح مِنْهُ أَيْ مَخْلُوقَة مِنْ عِنْده وَعَلَى هَذَا يَكُون إِضَافَتهَا إِلَيْهِ إِضَافَة تَشْرِيف كَنَاقَةِ اللَّه وَبَيْت اللَّه . وَإِلَّا فَالْعَالَم لَهُ سُبْحَانه وَتَعَالَى وَمِنْ عِنْده . وَاَللَّه أَعْلَم .
قَوْله : ( حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم الدَّوْرَقِيُّ )
هُوَ بِفَتْحِ الدَّال وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانه فِي الْمُقَدِّمَة . وَتَقَدَّمَ أَنَّ اِسْم الْأَوْزَاعِيِّ عَبْد الرَّحْمَن بْن عَمْرو مَعَ بَيَان الِاخْتِلَاف فِي الْأَوْزَاع الَّتِي نُسِبَ إِلَيْهَا .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَدْخَلَهُ اللَّه الْجَنَّة عَلَى مَا كَانَ مِنْ عَمَل )
هَذَا مَحْمُول عَلَى إِدْخَاله الْجَنَّة فِي الْجُمْلَة فَإِنْ كَانَتْ لَهُ مَعَاصٍ مِنْ الْكَبَائِر فَهُوَ فِي الْمَشِيئَة فَإِنْ عُذِّبَ خُتِمَ لَهُ بِالْجَنَّةِ وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا فِي كَلَام الْقَاضِي وَغَيْره مَبْسُوطًا مَعَ بَيَان الِاخْتِلَاف فِيهِ . وَاَللَّه أَعْلَم .


42 - قَوْله : ( عَنْ اِبْن عَجْلَانَ عَنْ مُحَمَّد بْن يَحْيَى بْن حَبَّانَ عَنْ اِبْن مُحَيْرِيزٍ عَنْ الصُّنَابِحِيِّ عَنْ عُبَادَةَ بْن الصَّامِت رَضِيَ اللَّه عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : دَخَلْت عَلَيْهِ وَهُوَ فِي الْمَوْت فَبَكَيْت فَقَالَ : مَهْلًا )
أَمَّا ( اِبْن عَجْلَان ) بِفَتْحِ الْعَيْن فَهُوَ الْإِمَام أَبُو عَبْد اللَّه مُحَمَّد بْن عَجْلَان الْمَدَنِيُّ مَوْلَى فَاطِمَة بِنْت الْوَلِيد بْن عُتْبَةَ بْن رَبِيعَة كَانَ عَابِدًا فَقِيهًا وَكَانَ لَهُ حَلْقَة فِي مَسْجِد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَ يُفْتِي . وَهُوَ تَابِعِيٌّ أَدْرَكَ أَنَسًا وَأَبَا الطُّفَيْل . قَالَهُ أَبُو نُعَيْم رَوَى عَنْ أَنَس وَالتَّابِعِينَ . وَمِنْ طُرَف أَخْبَاره أَنَّهُ حَمَلَتْ بِهِ أُمّه أَكْثَر مِنْ ثَلَاث سِنِينَ . وَقَدْ قَالَ الْحَاكِم أَبُو أَحْمَد فِي كِتَاب الْكُنَى : مُحَمَّد بْن عَجْلَان يُعَدُّ فِي التَّابِعِينَ لَيْسَ هُوَ بِالْحَافِظِ عِنْده . وَوَثَّقَهُ غَيْره . وَقَدْ ذَكَرَهُ مُسْلِم هُنَا مُتَابَعَة . قِيلَ إِنَّهُ لَمْ يَذْكُر لَهُ فِي الْأُصُول شَيْئًا . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَأَمَّا ( حَبَّانُ ) فَبِفَتْحِ الْحَاء وَبِالْمُوَحَّدَةِ . وَمُحَمَّد بْن يَحْيَى هَذَا تَابِعِيٌّ سَمِعَ أَنَس بْن مَالِك رَضِيَ اللَّه عَنْهُ .
وَأَمَّا ( اِبْن مُحَيْرِيزٍ ) فَهُوَ عَبْد اللَّه بْن مُحَيْرِيزٍ بْن جُنَادَةَ بْن وَهْب الْقُرَشِيُّ الْجُمَحِيُّ مِنْ أَنْفُسهمْ الْمَكِّيُّ أَبُو عَبْد اللَّه التَّابِعِيّ الْجَلِيل . سَمِعَ جَمَاعَة مِنْ الصَّحَابَة مِنْهُمْ عُبَادَةُ بْن الصَّامِت وَأَبُو مَحْذُورَة وَأَبُو سَعِيد الْخُدْرِيّ وَغَيْرهمْ رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ . سَكَنَ بَيْت الْمَقْدِس . قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : مَنْ كَانَ مُقْتَدِيًا فَلْيَقْتَدِ بِمِثْلِ اِبْن مُحَيْرِيزٍ ؛ فَإِنَّ اللَّه تَعَالَى لَمْ يَكُنْ لِيُضِلّ أُمَّة فِيهَا مِثْل اِبْن مُحَيْرِيزٍ . وَقَالَ رَجَاء بْن حَيْوَةَ بَعْد مَوْت اِبْنِ مُحَيْرِيزٍ : وَاَللَّه إِنْ كُنْت لَأَعُدّ بَقَاء اِبْن مُحَيْرِيزٍ أَمَانًا لِأَهْلِ الْأَرْض .
وَأَمَّا ( الصُّنَابِحِيُّ ) بِضَمِّ الصَّادِ الْمُهْمَلَة فَهُوَ أَبُو عَبْد اللَّه عَبْد الرَّحْمَن بْن عُسَيْلَة بِضَمِّ الْعَيْن وَفَتْح السِّين الْمُهْمَلَتَيْنِ الْمُرَادِيُّ . وَالصُّنَابِح بَطْن مِنْ مُرَاد وَهُوَ تَابِعِيّ جَلِيل رَحَلَ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُبِضَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ فِي الطَّرِيق وَهُوَ بِالْجُحْفَةِ قَبْل أَنْ يَصِل بِخَمْسِ لَيَالٍ أَوْ سِتٍّ . فَسَمِعَ أَبَا بَكْر الصِّدِّيق وَخَلَائِق مِنْ الصَّحَابَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ . وَقَدْ يُشْتَبَه عَلَى غَيْر الْمُشْتَغِل بِالْحَدِيثِ الصُّنَابِحِيّ هَذَا بِالصُّنَابِحِ اِبْن الْأَعْسَر الصَّحَابِيِّ - رَضِيَ اللَّه عَنْهُ - وَاَللَّه أَعْلَم .
وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْإِسْنَاد فِيهِ لَطِيفَة مُسْتَطْرَفَة مِنْ لَطَائِف الْإِسْنَاد وَهِيَ أَنَّهُ اِجْتَمَعَ فِيهِ أَرْبَعَةٌ تَابِعِيُّونَ يَرْوِي بَعْضهمْ عَنْ بَعْض : اِبْن عَجْلَان ، وَابْن حَبَّانَ ، وَابْن مُحَيْرِيزٍ ، وَالصُّنَابِحِيُّ . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَأَمَّا قَوْله : ( عَنْ الصُّنَابِحِيِّ عَنْ عُبَادَةَ أَنَّهُ قَالَ دَخَلْت عَلَيْهِ ) فَهَذَا كَثِير يَقَع مِثْله وَفِيهِ صَنْعَة حَسَنَة وَتَقْدِيره عَنْ الصُّنَابِحِيِّ أَنَّهُ حَدَّثَ عَنْ عُبَادَةَ بِحَدِيثٍ قَالَ فِيهِ : دَخَلْت عَلَيْهِ وَمِثْله مَا سَيَأْتِي قَرِيبًا فِي كِتَاب الْإِيمَان فِي حَدِيث " ثَلَاث يُؤْتَوْنَ أَجْرهمْ مَرَّتَيْنِ " قَالَ مُسْلِم رَحِمَهُ اللَّه : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْن يَحْيَى قَالَ : أَنَا هُشَيْم عَنْ صَالِح بْن صَالِح عَنْ الشَّعْبِيِّ قَالَ : رَأَيْت رَجُلًا سَأَلَ الشَّعْبِيَّ فَقَالَ يَا أَبَا عَمْرو إِنَّ مِنْ قِبَلِنَا مِنْ أَهْل خُرَاسَان نَاسٌ يَقُولُونَ كَذَا ، فَقَالَ الشَّعْبِيُّ حَدَّثَنِي أَبُو بُرْدَة عَنْ أَبِيهِ . فَهَذَا الْحَدِيث مِنْ النَّوْع الَّذِي نَحْنُ فِيهِ فَتَقْدِيره قَالَ هُشَيْم حَدَّثَنِي صَالِح عَنْ الشَّعْبِيِّ بِحَدِيثٍ قَالَ فِيهِ صَالِح : رَأَيْت رَجُلًا سَأَلَ الشَّعْبِيَّ . وَنَظَائِر هَذَا كَثِيرَة سَنُنَبِّهُ عَلَى كَثِير مِنْهَا فِي مَوَاضِعهَا إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَقَوْله : ( مَهْلًا ) هُوَ بِإِسْكَانِ الْهَاء وَمَعْنَاهُ أَنْظِرْنِي . قَالَ الْجَوْهَرِيُّ : يُقَال مَهْلًا يَا رَجُل بِالسُّكُونِ وَكَذَلِكَ لِلِاثْنَيْنِ وَالْجَمْع وَالْمُؤَنَّث وَهِيَ مُوَحَّدَة بِمَعْنَى أَمْهِلْ . فَإِذَا قِيلَ لَك مَهْلًا قُلْت : لَا مَهْلَ وَاَللَّه . وَلَا تَقُلْ : لَا مَهْلًا . وَتَقُول : مَا مَهْل وَاَللَّه بِمُغْنِيَةٍ عَنْك شَيْئًا . وَاَللَّه أَعْلَم .
قَوْله : ( مَا مِنْ حَدِيث لَكُمْ فِيهِ خَيْر إِلَّا وَقَدْ حَدَّثْتُكُمُوهُ )
قَالَ الْقَاضِي عِيَاض رَحِمَهُ اللَّه : فِيهِ دَلِيل عَلَى أَنَّهُ كَتَمَ مَا خَشِيَ الضَّرَر فِيهِ وَالْفِتْنَة مِمَّا لَا يَحْتَمِلهُ عَقْل كُلّ وَاحِد ، وَذَلِكَ فِيمَا لَيْسَ تَحْته عَمَل ، وَلَا فِيهِ حَدٌّ مِنْ حُدُود الشَّرِيعَة . قَالَ : وَمِثْل هَذَا عَنْ الصَّحَابَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ كَثِير فِي تَرْكِ الْحَدِيث بِمَا لَيْسَ تَحْته عَمَل ، وَلَا تَدْعُو إِلَيْهِ ضَرُورَة ، أَوْ لَا تَحْمِلهُ عُقُول الْعَامَّة ، أَوْ خُشِيَتْ مَضَرَّتُهُ عَلَى قَائِله أَوْ سَامِعه لَا سِيَّمَا مَا يَتَعَلَّق بِأَخْبَارِ الْمُنَافِقِينَ وَالْإِمَارَة وَتَعْيِين قَوْم وُصِفُوا بِأَوْصَافٍ غَيْر مُسْتَحْسَنَة وَذَمّ آخَرِينَ وَلَعْنِهِمْ . وَاَللَّه أَعْلَم .
قَوْله : ( وَقَدْ أُحِيط بِنَفْسِي )
مَعْنَاهُ قَرُبْت مِنْ الْمَوْت وَأَيِسْت مِنْ النَّجَاة وَالْحَيَاة . قَالَ صَاحِب ( التَّحْرِير ) أَصْل الْكَلِمَة فِي الرَّجُل يَجْتَمِع عَلَيْهِ أَعْدَاؤُهُ فَيَقْصِدُونَهُ فَيَأْخُذُونَ عَلَيْهِ جَمِيع الْجَوَانِب بِحَيْثُ لَا يَبْقَى لَهُ فِي الْخَلَاص مَطْمَع فَيُقَال أَحَاطُوا بِهِ أَيْ أَطَافُوا بِهِ مِنْ جَوَانِبه وَمَقْصُوده قَرُبَ مَوْتِي وَاَللَّه أَعْلَم .


43 - قَوْله : ( هَدَّاب بْن خَالِد )
هُوَ بِفَتْحِ الْهَاء وَتَشْدِيد الدَّال الْمُهْمَلَة وَآخِره بَاءٌ مُوَحَّدَة . وَيُقَال ( هُدْبَة ) بِضَمِّ الْهَاء وَإِسْكَان الدَّال . وَقَدْ ذَكَرَهُ مُسْلِم رَحِمَهُ اللَّه فِي مَوَاضِع مِنْ الْكِتَاب . يَقُول فِي بَعْضهَا هُدْبَة ، وَفِي بَعْضهَا ( هَدَّاب ) ، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ أَحَدهمَا اِسْم وَالْآخَر لَقَب . ثُمَّ اِخْتَلَفُوا فِي الِاسْم مِنْهُمَا فَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْغَسَّانِيُّ ، وَأَبُو مُحَمَّد عَبْد اللَّه بْن الْحَسَن الطَّبَسِيُّ ، وَصَاحِب الْمَطَالِع ، وَالْحَافِظ عَبْد الْغَنِيّ الْمَقْدِسِيُّ الْمُتَأَخِّر : هُدْبَة هُوَ الِاسْم وَهَدَّاب لَقَب . وَقَالَ غَيْرهمْ : هَدَّاب اِسْم وَهُدْبَة لَقَب . وَاخْتَارَ الشَّيْخ أَبُو عَمْرو هَذَا ، وَأَنْكَرَ الْأَوَّل . وَقَالَ أَبُو الْفَضْل الْفَلَكِيُّ الْحَافِظ : إِنَّهُ كَانَ يَغْضَب إِذَا قِيلَ لَهُ هُدْبَة . وَذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخه ، فَقَالَ : هُدْبَة بْن خَالِد ، وَلَمْ يَذْكُرهُ هَدَّابًا . فَظَاهِره أَنَّهُ اِخْتَارَ أَنَّ هُدْبَة هُوَ الِاسْم وَالْبُخَارِيُّ أَعْرَف مِنْ غَيْره فَإِنَّهُ شَيْخُ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِم رَحِمَهُمْ اللَّه أَجْمَعِينَ . وَاَللَّه أَعْلَم .
قَوْله : ( كُنْت رِدْف رَسُول صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنه إِلَّا مُؤْخِرَة الرَّحْل فَقَالَ : يَا مُعَاذ بْن جَبَل قُلْت : لَبَّيْكَ يَا رَسُول اللَّه وَسَعْدَيْكَ . ثُمَّ سَارَ سَاعَة ثُمَّ قَالَ : يَا مُعَاذ بْن جَبَل قُلْت : لَبَّيْكَ يَا رَسُول اللَّه وَسَعْدَيْكَ . ثُمَّ سَارَ سَاعَة ثُمَّ قَالَ : يَا مُعَاذ بْن جَبَل . قُلْت : لَبَّيْكَ يَا رَسُول اللَّه وَسَعْدَيْكَ إِلَى آخِر الْحَدِيث )
أَمَّا قَوْله : ( رِدْف ) فَهُوَ بِكَسْرِ الرَّاء وَإِسْكَان الدَّال هَذِهِ الرِّوَايَة الْمَشْهُورَة الَّتِي ضَبَطَهَا مُعْظَم الرُّوَاة . وَحَكَى الْقَاضِي عِيَاض رَحِمَهُ اللَّه أَنَّ أَبَا عَلِيٍّ الطَّبَرِيَّ الْفَقِيه الشَّافِعِيَّ أَحَد رُوَاة الْكِتَاب ضَبَطَهُ بِفَتْحِ الرَّاء وَكَسْر الدَّال . وَالرِّدْف وَالرَّدِيف هُوَ الرَّاكِب خَلْف الرَّاكِب . يُقَال مِنْهُ رَدِفْته أَرْدَفَهُ بِكَسْرِ الدَّال فِي الْمَاضِي وَفَتْحهَا فِي الْمُضَارِع إِذَا رَكِبْت خَلْفه وَأَرْدَفْته أَنَا وَأَصْله مِنْ رُكُوبه عَلَى الرِّدْف وَهُوَ الْعَجُز قَالَ الْقَاضِي : وَلَا وَجْه لِرِوَايَةِ الطَّبَرِيِّ إِلَّا أَنْ يَكُون فَعِلَ هُنَا اِسْم فَاعِل مِثْل عَجِل وَزَمِنَ إِنْ صَحَّت رِوَايَة الطَّبَرِيِّ وَاَللَّه تَعَالَى أَعْلَم .
قَوْله : ( لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنه إِلَّا مُؤْخِرَة الرَّحْل ) أَرَادَ الْمُبَالَغَة فِي شِدَّة قُرْبه لِيَكُونَ أَوْقَع فِي نَفْس سَامِعه لِكَوْنِهِ أَضْبَط . وَأَمَّا ( مُؤْخِرَة الرَّحْل ) فَبِضَمِّ الْمِيم بَعْده هَمْزَة سَاكِنَة ثُمَّ خَاءٌ مَكْسُورَة هَذَا هُوَ الصَّحِيح وَفِيهِ لُغَة أُخْرَى ( مُؤَخَّرَة ) فَتْح الْهَمْزَة وَالْخَاء الْمُشَدَّدَة . قَالَ الْقَاضِي عِيَاض رَحِمَهُ اللَّه أَنْكَرَ اِبْن قُتَيْبَة فَتْح الْخَاء . وَقَالَ ثَابِت : مُؤَخَّرَة الرَّحْل وَمُقَدَّمَته بِفَتْحِهِمَا ، وَيُقَال آخِرَة الرَّحْل بِهَمْزَةٍ مَمْدُودَةٍ وَهَذِهِ أَفْصَح وَأَشْهَر . وَقَدْ جَمَعَ الْجَوْهَرِيُّ فِي صِحَاحه فِيهَا سِتّ لُغَات فَقَالَ : فِي قَادِمَتَيْ الرَّحْل سِتّ لُغَات : مُقْدِم وَمُقْدِمَة بِكَسْرِ الدَّال مُخَفَّفَة وَمُقَدَّم وَمُقَدَّمَة بِفَتْحِ الدَّال مُشَدَّدَة وَقَادِم وَقَادِمَة . قَالَ : وَكَذَلِكَ هَذِهِ اللُّغَات كُلُّهَا فِي آخِرَة الرَّحْل . وَهِيَ الْعُود الَّذِي يَكُون خَلْف الرَّاكِب . وَيَجُوز فِي ( يَا مُعَاذ بْن جَبَل ) وَجْهَانِ لِأَهْلِ الْعَرَبِيَّة أَشْهُرهمَا وَأَرْجَحهمَا فَتْح مُعَاذ وَالثَّانِي ضَمُّهُ . وَلَا خِلَاف فِي نَصْب اِبْن .
وَقَوْله ( لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ ) فِي مَعْنَى لَبَّيْكَ أَقْوَالٌ نُشِير هُنَا إِلَى بَعْضهَا ، وَسَيَأْتِي إِيضَاحُهَا فِي كِتَاب الْحَجّ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى . وَالْأَظْهَر أَنَّ مَعْنَاهَا إِجَابَة لَك بَعْد إِجَابَة لِلتَّأْكِيدِ . وَقِيلَ : مَعْنَاهُ قُرْبًا مِنْك وَطَاعَة لَك . وَقِيلَ : أَنَا مُقِيم عَلَى طَاعَتك ، وَقِيلَ : مَحَبَّتِي لَك . وَقِيلَ غَيْر ذَلِكَ . وَمَعْنَى سَعْدَيْكَ أَيْ سَاعَدْت طَاعَتك مُسَاعَدَة بَعْد مُسَاعَدَة . وَأَمَّا تَكْرِيره صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نِدَاء مُعَاذ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ فَلِتَأْكِيدِ الِاهْتِمَام بِمَا يُخْبِرهُ ، وَلِيَكْمُلَ تَنَبُّهُ مُعَاذ فِيمَا يَسْمَعُهُ . وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيح أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ أَعَادَهَا ثَلَاثًا لِهَذَا الْمَعْنَى . وَاَللَّه أَعْلَم .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( هَلْ تَدْرِي مَا حَقّ اللَّه عَلَى الْعِبَاد ؟ وَهَلْ تَدْرِي مَا حَقّ الْعِبَاد عَلَى اللَّه تَعَالَى )
قَالَ صَاحِب التَّحْرِير اِعْلَمْ أَنَّ الْحَقّ كُلّ مَوْجُود مُتَحَقِّق أَوْ مَا سَيُوجَدُ لَا مَحَالَة وَاَللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى هُوَ الْحَقّ الْمَوْجُود الْأَزَلِيّ الْبَاقِي الْأَبَدِيُّ وَالْمَوْت وَالسَّاعَة وَالْجَنَّة وَالنَّار حَقّ لِأَنَّهَا وَاقِعَة لَا مَحَالَة وَإِذَا قِيلَ لِلْكَلَامِ الصِّدْق حَقّ فَمَعْنَاهُ أَنَّ الشَّيْء الْمُخْبَر عَنْهُ بِذَلِكَ الْخَبَر وَاقِع مُتَحَقِّق لَا تَرَدُّد فِيهِ ، وَكَذَلِكَ الْحَقّ الْمُسْتَحَقّ عَلَى الْعَبْد مِنْ غَيْر أَنْ يَكُون فِيهِ تَرَدُّد وَتَحَيُّر . فَحَقّ اللَّه تَعَالَى عَلَى الْعِبَاد مَعْنَاهُ مَا يَسْتَحِقُّهُ عَلَيْهِمْ مُتَحَتِّمًا عَلَيْهِمْ وَحَقّ الْعِبَاد عَلَى اللَّه تَعَالَى مَعْنَاهُ أَنَّهُ مُتَحَقِّق لَا مَحَالَة . هَذَا كَلَام صَاحِب التَّحْرِير وَقَالَ غَيْره : إِنَّمَا قَالَ حَقّهمْ عَلَى اللَّه تَعَالَى عَلَى جِهَة الْمُقَابَلَة لِحَقِّهِ عَلَيْهِمْ ، وَيَجُوز أَنْ يَكُون مِنْ نَحْو قَوْل الرَّجُل لِصَاحِبِهِ حَقّك وَاجِب عَلَيّ أَيْ مُتَأَكِّد قِيَامِي بِهِ . وَمِنْهُ قَوْل النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " حَقّ عَلَى كُلّ مُسْلِم أَنْ يَغْتَسِل فِي كُلّ سَبْعَة أَيَّام " . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا )
فَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَاخِر الْبَاب الْأَوَّل مِنْ كِتَاب الْإِيمَان بَيَانه ، وَوَجْه الْجَمْع بَيْن هَذَيْنِ اللَّفْظَيْنِ . وَاَللَّه أَعْلَم .


44 - قَوْله : ( كُنْت رِدْف رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حِمَار يُقَال لَهُ عُفَيْر )
بِعَيْنِ مُهْمَلَة مَضْمُومَة ثُمَّ فَاءٍ مَفْتُوحَة . هَذَا هُوَ الصَّوَاب فِي الرِّوَايَة وَفِي الْأُصُول الْمُعْتَمَدَة وَفِي كُتُب أَهْل الْمَعْرِفَة بِذَلِكَ . قَالَ الشَّيْخ أَبُو عَمْرو بْن الصَّلَاح رَحِمَهُ اللَّه وَقَوْل الْقَاضِي عِيَاض رَحِمَهُ اللَّه إِنَّهُ بَغَيْنَ مُعْجَمَة مَتْرُوك قَالَ الشَّيْخ : وَهُوَ الْحِمَار الَّذِي كَانَ لَهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قِيلَ : إِنَّهُ مَاتَ فِي حَجَّة الْوَدَاع . قَالَ : وَهَذَا الْحَدِيث يَقْتَضِي أَنْ يَكُون هَذَا فِي مَرَّة أُخْرَى غَيْر الْمَرَّة الْمُتَقَدِّمَة فِي الْحَدِيث السَّابِق ؛ فَإِنَّ مُؤْخِرَة الرَّحْل تَخْتَصّ بِالْإِبِلِ ، وَلَا تَكُون عَلَى حِمَار . قُلْت : وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُونَا قَضِيَّة وَاحِدَة ، وَأَرَادَ بِالْحَدِيثِ الْأَوَّل قَدْر مُؤْخِرَة الرَّحْل . وَاَللَّه أَعْلَم .


45 - قَوْله : ( عَنْ أَبِي حَصِين )
هُوَ بِفَتْحِ الْحَاء وَكَسْر الصَّادِ وَاسْمه عَاصِم . وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانه فِي أَوَّل مُقَدِّمَة الْكِتَاب .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيث مُحَمَّد بْن مُثَنَّى وَابْن بَشَّار : ( أَنْ يُعْبَد اللَّهُ وَلَا يُشْرَك بِهِ شَيْءٌ )
هَكَذَا ضَبَطْنَاهُ يُعْبَد بِضَمِّ الْمُثَنَّاة تَحْت . وَشَيْء بِالرَّفْعِ . وَهَذَا ظَاهِر . وَقَالَ الشَّيْخ أَبُو عَمْرو رَحِمَهُ اللَّه : وَوَقَعَ فِي الْأُصُول شَيْئًا بِالنَّصْبِ . وَهُوَ صَحِيح عَلَى التَّرَدُّد فِي قَوْله : " يُعْبَد اللَّه وَلَا يُشْرِك بِهِ شَيْئًا " بَيْن وُجُوه ثَلَاثَة أَحَدهَا : يَعْبُد اللَّه بِفَتْحِ الْيَاء الَّتِي هِيَ لِلْمُذَكَّرِ الْغَائِب أَيْ يَعْبُد الْعَبْدُ اللَّهَ وَلَا يُشْرِك بِهِ شَيْئًا . قَالَ : وَهَذَا الْوَجْه أَوْجَه الْوُجُوه .
وَالثَّانِي : تَعْبُد بِفَتْحِ الْمُثَنَّاة فَوْق لِلْمُخَاطَبِ عَلَى التَّخْصِيص لِمُعَاذٍ لِكَوْنِهِ الْمُخَاطَب وَالتَّنْبِيه عَلَى غَيْره . وَالثَّالِث : يُعْبَد بِضَمِّ أَوَّله وَيَكُون شَيْئًا كِنَايَة عَنْ الْمَصْدَر لَا عَنْ الْمَفْعُول بِهِ أَيْ لَا يُشْرَك بِهِ إِشْرَاكًا . وَيَكُون الْجَارُّ وَالْمَجْرُور هُوَ الْقَائِم مَقَام الْفَاعِل . قَالَ : وَإِذَا لَمْ تُعَيِّن الرِّوَايَة شَيْئًا مِنْ هَذِهِ الْوُجُوه فَحَقٌّ عَلَى مَنْ يَرْوِي هَذَا الْحَدِيث مِنَّا أَنْ يَنْطِق بِهَا كُلّهَا وَاحِدًا بَعْد وَاحِد لِيَكُونَ آتِيًا بِمَا هُوَ الْمَقُول مِنْهَا فِي نَفْس الْأَمْر جَزْمًا . وَاَللَّه أَعْلَم .
هَذَا آخِر كَلَام الشَّيْخ . وَمَا ذَكَرْنَاهُ أَوَّلًا صَحِيح فِي الرِّوَايَة وَالْمَعْنَى . وَاَللَّه أَعْلَم .
قَوْله : ( نَحْو حَدِيثهمْ )
يَعْنِي أَنَّ الْقَاسِم بْن زَكَرِيَّا شَيْخ مُسْلِم فِي الرِّوَايَة الرَّابِعَة رَوَاهُ نَحْو رِوَايَة شُيُوخ مُسْلِم الْأَرْبَعَة الْمَذْكُورِينَ فِي الرِّوَايَات الثَّلَاث الْمُتَقَدِّمَة وَهُمْ هَدَّاب ، وَأَبُو بَكْر بْن أَبِي شَيْبَة ، وَمُحَمَّد بْن مُثَنَّى ، وَابْن بَشَّار . وَاَللَّه أَعْلَم .
قَوْله : ( حَدَّثَنَا الْقَاسِم حَدَّثَنَا حُسَيْن عَنْ زَائِدَة )
هَكَذَا هُوَ فِي الْأُصُول كُلّهَا حُسَيْن بِالسِّينِ وَهُوَ الصَّوَاب . وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاض : وَقَعَ فِي بَعْض الْأُصُول حَصِين بِالصَّادِ . وَهُوَ غَلَط . وَهُوَ حُسَيْن بْن عَلِيٍّ الْجُعْفِيُّ وَقَدْ تَكَرَّرَتْ رِوَايَته عَنْ زَائِدَة فِي الْكِتَاب . وَلَا يُعْرَف حَصِين بِالصَّادِ عَنْ زَائِدَة وَاَللَّه أَعْلَم .


46 - قَوْله : ( حَدَّثَنِي أَبُو كَثِير )
هُوَ بِالْمُثَلَّثَةِ وَاسْمه يَزِيد بِالزَّايِ اِبْن عَبْد الرَّحْمَن بْن أُذَيْنَة . وَيُقَال : اِبْن غُفَيْلَةَ بِضَمِّ الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَبِالْفَاءِ . وَيُقَال : اِبْن عَبْد اللَّه بْن أُذَيْنَة . قَالَ أَبُو عَوَانَة الْإِسْفَرَايِينِيّ فِي مُسْنَده : غُفَيْلَةُ أَصَحّ مِنْ أُذَيْنَة .
قَوْله : ( كُنَّا قُعُودًا حَوْل رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَنَا أَبُو بَكْر وَعُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا فِي نَفَر )
قَالَ أَهْل اللُّغَة يُقَال قَعَدْنَا حَوْله وَحَوْلَيْهِ وَحَوَالَيْهِ وَحَوَالَهُ بِفَتْحِ الْحَاء وَاللَّام فِي جَمِيعهمَا أَيْ عَلَى جَوَانِبه . قَالُوا : وَلَا يُقَال : حَوَالِيه بِكَسْرِ اللَّام .
وَأَمَّا قَوْله ( وَمَعَنَا أَبُو بَكْر وَعُمَر ) فَهُوَ مِنْ فَصِيح الْكَلَام وَحُسْن الْإِخْبَار فَإِنَّهُمْ إِذَا أَرَادُوا الْإِخْبَار عَنْ جَمَاعَة فَاسْتَكْثَرُوا أَنْ يَذْكُرُوا جَمِيعهمْ بِأَسْمَائِهِمْ ، ذَكَرُوا أَشْرَافهمْ أَوْ بَعْض أَشْرَافهمْ ، ثُمَّ قَالُوا : وَغَيْرهمْ .
وَأَمَّا قَوْله ( مَعَنَا ) بِفَتْحِ الْعَيْن هَذِهِ اللُّغَة الْمَشْهُورَة . وَيَجُوز تَسْكِينهَا فِي لُغَة حَكَاهَا صَاحِب الْمُحْكَم وَالْجَوْهَرِيّ وَغَيْرهمَا وَهِيَ لِلْمُصَاحَبَةِ . قَالَ صَاحِب الْمُحْكَم : ( مَعَ ) اِسْم مَعْنَاهُ الصُّحْبَة وَكَذَلِكَ ( مَعْ ) بِإِسْكَانِ الْعَيْن . غَيْر أَنَّ الْمُحَرَّكَة تَكُون اِسْمًا وَحَرْفًا ، وَالسَّاكِنَة لَا تَكُون إِلَّا حَرْفًا . قَالَ اللِّحْيَانِيُّ : قَالَ الْكِسَائِيُّ : رَبِيعَة وَغَنَم يُسَكِّنُونَ فَيَقُولُونَ مَعْكُمْ وَمَعْنَا فَإِذَا جَاءَتْ الْأَلِف وَاللَّام أَوْ أَلِف الْوَصْل اِخْتَلَفُوا فَبَعْضهمْ يَفْتَح الْعَيْن وَبَعْضهمْ يَكْسِرهَا فَيَقُولُونَ مَعَ الْقَوْم وَمَعَ اِبْنك ، وَبَعْضهمْ يَقُول مَعِ الْقَوْم وَمَعِ اِبْنك . أَمَّا مَنْ فَتَحَ فَبَنَاهُ عَلَى قَوْلك كُنَّا مَعًا وَنَحْنُ مَعًا . فَلَمَّا جَعَلَهَا حَرْفًا وَأَخْرَجَهَا عَنْ الِاسْم حَذَفَ الْأَلِف وَتَرَكَ الْعَيْن عَلَى فَتْحَتهَا . وَهَذِهِ لُغَة عَامَّة الْعَرَب . وَأَمَّا مَنْ سَكَّنَ ثُمَّ كَسَرَ عِنْد أَلِف الْوَصْل فَأَخْرَجَهُ مَخْرَج الْأَدَوَات مِثْل ( هَلْ ) وَ ( بَلْ ) فَقَالَ : مَعِ الْقَوْم ، كَقَوْلِك هَلِ الْقَوْم ؟ وَبَلِ الْقَوْم . وَهَذِهِ الْأَحْرُف الَّتِي ذَكَرْتهَا فِي ( مَعَ ) وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هَذَا مَوْضِعهَا فَلَا ضَرَر فِي التَّنْبِيه عَلَيْهَا لِكَثْرَةِ تَرْدَادِهَا . وَاَللَّه أَعْلَم .
قَوْله : ( فَقَامَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ بَيْن أَظْهُرِنَا )
وَقَالَ بَعْده : ( كُنْت بَيْن أَظْهُرنَا ) ، هَكَذَا هُوَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ أَظْهُرنَا . وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاض رَحِمَهُ اللَّه : وَوَقَعَ الثَّانِي فِي بَعْض الْأُصُول ظَهْرَيْنَا وَكِلَاهُمَا صَحِيح . قَالَ أَهْل اللُّغَة يُقَال : نَحْنُ بَيْن أَظْهُرِكُمْ وَظَهْرَيْكُمْ وَظَهْرَانَيْكُمْ بِفَتْحِ النُّون أَيْ بَيْنكُمْ .
قَوْله : ( وَخَشِينَا أَنْ يُقْتَطَع دُونَنَا )
أَيْ يُصَاب بِمَكْرُوهِ مِنْ عَدُوّ إِمَّا بِأَسْرٍ وَإِمَّا بِغَيْرِهِ .
قَوْله : ( وَفَزِعْنَا وَقُمْنَا فَكُنْت أَوَّل مَنْ فَزِعَ )
قَالَ الْقَاضِي عِيَاض رَحِمَهُ اللَّه الْفَزَع يَكُون بِمَعْنَى الرَّوْع ، وَبِمَعْنَى الْهُبُوب لِلشَّيْءِ وَالِاهْتِمَام بِهِ ، وَبِمَعْنَى الْإِغَاثَة . قَالَ : فَتَصِحّ هَذِهِ الْمَعَانِي الثَّلَاثَة أَيْ ذُعِرنَا لِاحْتِبَاسِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنَّا . أَلَا تَرَاهُ كَيْف قَالَ : وَخَشِينَا أَنْ يُقْتَطَع دُوننَا ؟ وَيَدُلّ عَلَى الْوَجْهَيْنِ الْآخَرَيْنِ قَوْله : فَكُنْت أَوَّل مَنْ فَزِعَ .
قَوْله : ( حَتَّى أَتَيْت حَائِطًا لِلْأَنْصَارِ )
أَيْ بُسْتَانًا وَسُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ حَائِط لَا سَقْف لَهُ .
قَوْله : ( فَإِذَا رَبِيع يَدْخُل فِي جَوْف حَائِط مِنْ بِئْرٍ خَارِجَةٍ وَالرَّبِيعُ الْجَدْوَل )
أَمَّا ( الرَّبِيع ) فَبِفَتْحِ الرَّاء عَلَى لَفْظ الرَّبِيع الْفَصْل الْمَعْرُوف . وَ ( الْجَدْوَل ) بِفَتْحِ الْجِيم وَهُوَ النَّهَر الصَّغِير . وَجَمْع الرَّبِيع أَرْبِعَاء كَنَبِيٍّ وَأَنْبِيَاء . وَقَوْله ( بِئْر خَارِجَة ) هَكَذَا ضَبَطْنَاهُ بِالتَّنْوِينِ فِي بِئْر وَفِي خَارِجَة عَلَى أَنَّ خَارِجَة صِفَة لِبِئْرٍ . وَكَذَا نَقَلَهُ الشَّيْخ أَبُو عَمْرو بْن الصَّلَاح عَنْ الْأَصْل الَّذِي هُوَ بِخَطِّ الْحَافِظ أَبِي عَامِر الْعَبْدَرِيِّ ، وَالْأَصْل الْمَأْخُوذ عَنْ الْجُلُودِيِّ . وَذَكَرَ الْحَافِظ أَبُو مُوسَى الْأَصْبَهَانِيُّ وَغَيْره أَنَّهُ رُوِيَ عَلَى ثَلَاثَة أَوْجُه : أَحَدهَا هَذَا . وَالثَّانِي مِنْ بِئْرٍ خَارِجُهُ بِتَنْوِينِ بِئْر وَبِهَاءٍ فِي آخِر خَارِجه مَضْمُومَة وَهِيَ هَاء ضَمِير الْحَائِط أَيْ الْبِئْر فِي مَوْضِع خَارِجٍ عَنْ الْحَائِط . وَالثَّالِث مِنْ بِئْرِ خَارِجَةَ بِإِضَافَةِ بِئْرٍ إِلَى خَارِجَة آخِرُهُ تَاء التَّأْنِيث وَهُوَ اِسْم رَجُل . وَالْوَجْه الْأَوَّل هُوَ الْمَشْهُور الظَّاهِر . وَخَالَفَ هَذَا صَاحِب التَّحْرِير فَقَالَ : الصَّحِيح هُوَ الْوَجْه الثَّالِث . قَالَ : وَالْأَوَّل تَصْحِيف . قَالَ : وَالْبِئْر يَعْنُونَ بِهَا الْبُسْتَان . قَالَ : وَكَثِيرًا مَا يَفْعَلُونَ هَذَا فَيُسَمُّونَ الْبَسَاتِينَ بِالْآبَارِ الَّتِي فِيهَا يَقُولُونَ : بِئْر أَرِيس ، وَبِئْر بُضَاعَةَ ، وَبِئْر حَاء وَكُلّهَا بَسَاتِين . هَذَا كَلَام صَاحِب التَّحْرِير وَأَكْثَره أَوْ كُلّه لَا يُوَافَق عَلَيْهِ . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَالْبِئْر مُؤَنَّثَة مَهْمُوزَة يَجُوز تَخْفِيف هَمْزَتهَا وَهِيَ مُشْتَقَّة مِنْ بَأرْت أَيْ حَفَرْت وَجَمْعهَا فِي الْقِلَّة أَبْؤُر وَأَبْآر بِهَمْزَةِ بَعْد الْبَاء فِيهِمَا . وَمِنْ الْعَرَب مَنْ يَقْلِب الْهَمْزَة فِي أَبْآر وَيَنْقُل فَيَقُول آبَار . وَجَمْعهَا فِي الْكَثْرَة بِئَار بِكَسْرِ الْبَاء بَعْدهَا هَمْزَة . وَاَللَّه أَعْلَم .
قَوْله : ( فَاحْتَفَزْت كَمَا يَحْتَفِز الثَّعْلَب )
هَذَا قَدْ رُوِيَ عَلَى وَجْهَيْنِ رُوِيَ بِالزَّايِ ، وَرُوِيَ بِالرَّاءِ . قَالَ الْقَاضِي عِيَاض : رَوَاهُ عَامَّة شُيُوخنَا بِالرَّاءِ عَنْ الْعَبْدَرِيِّ وَغَيْره . قَالَ : وَسَمِعْنَا عَنْ الْأَسَدِيِّ عَنْ أَبِي اللَّيْث الشَّاشِيّ عَنْ عَبْد الْغَافِر الْفَارِسِيِّ عَنْ الْجُلُودِيِّ بِالزَّايِ . وَهُوَ الصَّوَاب . وَمَعْنَاهُ تَضَامَمْت لِيَسَعَنِي الْمَدْخَل . وَكَذَا قَالَ الشَّيْخ أَبُو عَمْرو : إِنَّهُ بِالزَّايِ فِي الْأَصْل الَّذِي بِخَطِّ أَبِي عَامِر الْعَبْدَرِيِّ ، وَفِي الْأَصْل الْمَأْخُوذ عَنْ الْجُلُودِيِّ وَإِنَّهَا رِوَايَة الْأَكْثَرِينَ وَإِنَّ رِوَايَة الزَّاي أَقْرَب مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى ، وَيَدُلّ عَلَيْهِ تَشْبِيهه بِفِعْلِ الثَّعْلَب وَهُوَ تَضَامُّهُ فِي الْمَضَايِق . وَأَمَّا صَاحِب التَّحْرِير فَأَنْكَرَ الزَّاي وَخَطَّأَ رُوَاتهَا وَاخْتَارَ الرَّاء وَلَيْسَ اِخْتِيَاره بِمُخْتَارٍ . وَاَللَّه أَعْلَم .
قَوْله : ( فَدَخَلْت عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : أَبُو هُرَيْرَة فَقُلْت : نَعَمْ )
مَعْنَاهُ أَنْتَ أَبُو هُرَيْرَة .
قَوْله : ( فَقَالَ : يَا أَبَا هُرَيْرَة وَأَعْطَانِي نَعْلَيْهِ ، وَقَالَ : اِذْهَبْ بِنَعْلَيَّ هَاتَيْنِ )
فِي هَذَا الْكَلَام فَائِدَة لَطِيفَة فَإِنَّهُ أَعَادَ لَفْظَة قَالَ ، وَإِنَّمَا أَعَادَهَا لِطُولِ الْكَلَام وَحُصُول الْفَصْل بِقَوْلِهِ يَا أَبَا هُرَيْرَة وَأَعْطَانِي نَعْلَيْهِ وَهَذَا حَسَن وَهُوَ مَوْجُود فِي كَلَام الْعَرَب بَلْ جَاءَ أَيْضًا فِي كَلَام اللَّه تَعَالَى . قَالَ اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى : { وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ } قَالَ الْإِمَام أَبُو الْحَسَن الْوَاحِدِيُّ : قَالَ مُحَمَّد بْن يَزِيد : قَوْله تَعَالَى : { فَلَمَّا جَاءَهُمْ } تَكْرِير لِلْأَوَّلِ لِطُولِ الْكَلَام . قَالَ وَمِثْله قَوْله تَعَالَى : { أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ } أَعَادَ { أَنَّكُمْ } لِطُولِ الْكَلَام . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَأَمَّا إِعْطَاؤُهُ النَّعْلَيْنِ فَلِتَكُونَ عَلَامَة ظَاهِرَة مَعْلُومَة عِنْدهمْ يَعْرِفُونَ بِهَا أَنَّهُ لَقِيَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَكُون أَوْقَع فِي نُفُوسهمْ لِمَا يُخْبِرهُمْ بِهِ عَنْهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَلَا يُنْكَر كَوْن مِثْل هَذَا يُفِيد تَأْكِيدًا وَإِنْ كَانَ خَبَره مَقْبُولًا مِنْ غَيْر هَذَا . وَاَللَّه أَعْلَم .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَمَنْ لَقِيَتْ مِنْ وَرَاء هَذَا الْحَائِط يَشْهَد أَنْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه مُسْتَيْقِنًا بِهَا قَلْبه فَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ )
مَعْنَاهُ أَخْبِرْهُمْ أَنَّ مَنْ كَانَتْ هَذِهِ صِفَته فَهُوَ مِنْ أَهْل الْجَنَّة . وَإِلَّا فَأَبُو هُرَيْرَة لَا يَعْلَم اِسْتِيقَان قُلُوبهمْ . وَفِي هَذَا دَلَالَة ظَاهِرَة لِمَذْهَبِ أَهْل الْحَقّ أَنَّهُ لَا يَنْفَع اِعْتِقَاد التَّوْحِيد دُون النُّطْق ، وَلَا النُّطْق دُون الِاعْتِقَاد . بَلْ لَا بُدّ مِنْ الْجَمْع بَيْنهمَا . وَقَدْ تَقَدَّمَ إِيضَاحه فِي أَوَّل الْبَاب . وَذِكْر الْقَلْب هُنَا لِلتَّأْكِيدِ وَنَفْيِ تَوَهُّم الْمَجَاز . إِلَّا فَالِاسْتِيقَان لَا يَكُون إِلَّا بِالْقَلْبِ .
قَوْله : ( فَقَالَ : مَا هَاتَانِ النَّعْلَانِ يَا أَبَا هُرَيْرَة ؟ فَقُلْت : هَاتَيْنِ نَعْلَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَنِي بِهِمَا )
هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيع الْأُصُول . ( فَقُلْت : هَاتَيْنِ نَعْلَا ) بِنَصْبِ هَاتَيْنِ وَرَفْعِ نَعْلَا وَهُوَ صَحِيح مَعْنَاهُ فَقُلْت يَعْنِي هَاتَيْنِ هُمَا نَعْلَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . فَنَصَبَ هَاتَيْنِ بِإِضْمَارِ يَعْنِي وَحَذَفَ هُمَا الَّتِي هِيَ الْمُبْتَدَأ لِلْعِلْمِ بِهِ . وَأَمَّا قَوْله : ( بَعَثَنِي بِهِمَا ) فَهَكَذَا ضَبَطْنَاهُ ( بِهِمَا ) عَلَى التَّثْنِيَة وَهُوَ ظَاهِر . وَوَقَعَ فِي كَثِير مِنْ الْأُصُول أَوْ أَكْثَرهَا ( بِهَا ) مِنْ غَيْر مِيم . وَهُوَ صَحِيح أَيْضًا . وَيَكُون الضَّمِير عَائِدًا إِلَى الْعَلَامَة ؛ فَإِنَّ النَّعْلَيْنِ كَانَتَا عَلَامَة . وَاَللَّه أَعْلَم .
قَوْله : ( فَضَرَبَ عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ بَيْن ثَدْيَيَّ فَخَرَرْت لِاسْتِي ، فَقَالَ اِرْجِعْ يَا أَبَا هُرَيْرَة )
أَمَّا قَوْله ( ثَدْيَيَّ ) فَتَثْنِيَة ثَدْي بِفَتْحِ الثَّاء وَهُوَ مُذَكَّر وَقَدْ يُؤَنَّث فِي لُغَة قَلِيلَة . وَاخْتَلَفُوا فِي اِخْتِصَاصه بِالْمَرْأَةِ . فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : يَكُون لِلرَّجُلِ وَالْمَرْأَة . وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : هُوَ لِلْمَرْأَةِ خَاصَّة فَيَكُون إِطْلَاقه فِي الرَّجُل مَجَازًا وَاسْتِعَارَة . وَقَدْ كَثُرَ إِطْلَاقه فِي الْأَحَادِيث لِلرَّجُلِ وَسَأَزِيدُهُ إِيضَاحًا إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى فِي بَاب غِلَظ تَحْرِيم قَتْل الْإِنْسَان نَفْسه .
وَأَمَّا قَوْله : ( لِاسْتِي ) فَهُوَ اِسْم مِنْ أَسْمَاء الدُّبُر وَالْمُسْتَحَبّ فِي مِثْل هَذَا الْكِنَايَة عَنْ قَبِيح الْأَسْمَاء وَاسْتِعْمَال الْمَجَاز وَالْأَلْفَاظ الَّتِي تُحَصِّل الْغَرَض وَلَا يَكُون فِي صُورَتهَا مَا يُسْتَحَيَا مِنْ التَّصْرِيح بِحَقِيقَةِ لَفْظِهِ . وَبِهَذَا الْأَدَب جَاءَ الْقُرْآن الْعَزِيز وَالسُّنَن كَقَوْلِهِ تَعَالَى : { أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ } { وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضكُمْ إِلَى بَعْضٍ } { وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ } { أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ الْغَائِطِ } { فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ } وَقَدْ يَسْتَعْمِلُونَ صَرِيح الِاسْم لِمَصْلَحَةٍ رَاجِحَة وَهِيَ إِزَالَة اللَّبْس أَوْ الِاشْتِرَاك أَوْ نَفْيِ الْمَجَاز أَوْ نَحْو ذَلِكَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى { الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي } وَكَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَنِكْتَهَا " وَكَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَدْبَرَ الشَّيْطَان وَلَهُ ضُرَاط " وَكَقَوْلِ أَبِي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : " الْحَدَث فُسَاء أَوْ ضُرَاط " وَنَظَائِر ذَلِكَ كَثِيرَة ، وَاسْتِعْمَال أَبِي هُرَيْرَة هُنَا لَفْظ الِاسْت مِنْ هَذَا الْقَبِيل . وَاَللَّه أَعْلَم وَأَمَّا دَفْع عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ لَهُ فَلَمْ يَقْصِد بِهِ سُقُوطه وَإِيذَاؤُهُ بَلْ قَصَد رَدَّهُ عَمَّا هُوَ عَلَيْهِ ، وَضَرَبَ بِيَدِهِ فِي صَدْره لِيَكُونَ أَبْلَغَ فِي زَجْره . قَالَ الْقَاضِي عِيَاض وَغَيْره مِنْ الْعُلَمَاء رَحِمَهُمْ اللَّه : وَلَيْسَ فِعْل عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ وَمُرَاجَعَته النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِعْتِرَاضًا عَلَيْهِ وَرَدًّا لِأَمْرِهِ إِذْ لَيْسَ فِيمَا بَعَثَ بِهِ أَبَا هُرَيْرَة غَيْر تَطْيِيب قُلُوب الْأُمَّة وَبُشْرَاهُمْ ، فَرَأَى عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ أَنَّ كَتْم هَذَا أَصْلَحَ لَهُمْ وَأَحْرَى أَنْ لَا يَتَّكِلُوا ، وَأَنَّهُ أَعْوَد عَلَيْهِمْ بِالْخَيْرِ مِنْ مُعَجَّل هَذِهِ الْبُشْرَى . فَلَمَّا عَرَضَهُ عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَوَّبَهُ فِيهِ . وَاَللَّه تَعَالَى أَعْلَم .
وَفِي هَذَا الْحَدِيث أَنَّ الْإِمَام وَالْكَبِير مُطْلَقًا إِذَا رَأَى شَيْئًا وَرَأَى بَعْض أَتْبَاعه خِلَافه أَنَّهُ يَنْبَغِي لِلتَّابِعِ أَنْ يَعْرِضهُ عَلَى الْمَتْبُوع لِيَنْظُر فِيهِ فَإِنْ ظَهَرَ لَهُ أَنَّ مَا قَالَهُ التَّابِع هُوَ الصَّوَاب رَجَعَ إِلَيْهِ وَإِلَّا بَيَّنَ لِلتَّابِعِ جَوَاب الشُّبْهَة الَّتِي عَرَضَتْ لَهُ . وَاَللَّه أَعْلَم .
قَوْله : ( فَأَجْهَشْت بُكَاء وَرَكِبَنِي عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ وَإِذَا هُوَ عَلَى أَثَرِي )
أَمَّا قَوْله : ( أَجْهَشْت ) فَهُوَ بِالْجِيمِ وَالشِّين الْمُعْجَمَة ، وَالْهَمْزَة وَالْهَاء مَفْتُوحَتَانِ . هَكَذَا وَقَعَ فِي الْأُصُول الَّتِي رَأَيْنَاهَا . وَرَأَيْت فِي كِتَاب الْقَاضِي عِيَاض رَحِمَهُ اللَّه : فَجَهَشْت بِحَذْفِ الْأَلِف وَهُمَا صَحِيحَانِ . قَالَ أَهْل اللُّغَة . يُقَال : جَهْشًا وَجُهُوشًا وَأَجْهَشْت إِجْهَاشًا . قَالَ الْقَاضِي عِيَاض رَحِمَهُ اللَّه : وَهُوَ أَنْ يَفْزَع الْإِنْسَان إِلَى غَيْره وَهُوَ مُتَغَيِّر الْوَجْه مُتَهَيِّئٌ لِلْبُكَاءِ ، وَلَمَّا يَبْكِ بَعْد . قَالَ الطَّبَرِيُّ : هُوَ الْفَزَع وَالِاسْتِغَاثَة . وَقَالَ أَبُو زَيْد : جَهَشْت لِلْبُكَاءِ وَالْحُزْن وَالشَّوْق . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَأَمَّا قَوْله : بُكَاء فَهُوَ مَنْصُوب عَلَى الْمَفْعُول لَهُ . وَقَدْ جَاءَ فِي رِوَايَة ( لِلْبُكَاءِ ) ، وَالْبُكَاء يُمَدّ وَيُقْصَر لُغَتَانِ .
وَأَمَّا قَوْله ( وَرَكِبَنِي عُمَر ) فَمَعْنَاهُ تَبِعَنِي وَمَشَى خَلْفِي فِي الْحَال بِلَا مُهْلَة .
وَأَمَّا قَوْله ( عَلَى أَثَرِي ) فَفِيهِ لُغَتَانِ فَصِيحَتَانِ مَشْهُورَتَانِ بِكَسْرِ الْهَمْزَة وَإِسْكَان الثَّاء وَبِفَتْحِهِمَا . وَاَللَّه أَعْلَم .
قَوْله : ( بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي )
مَعْنَاهُ أَنْتَ مُفَدًّى أَوْ أَفْدِيك بِأَبِي وَأُمِّي . وَاعْلَمْ أَنَّ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة هَذَا مُشْتَمِل عَلَى فَوَائِد كَثِيرَة تَقَدَّمَ فِي أَثْنَاء الْكَلَام مِنْهُ جُمَل . فَفِيهِ جُلُوس الْعَالِم لِأَصْحَابِهِ وَلِغَيْرِهِمْ مِنْ الْمُسْتَفْتِينَ وَغَيْرهمْ يُعَلِّمهُمْ وَيُفِيدهُمْ وَيُفْتِيهِمْ . وَفِيهِ مَا قَدَّمْنَاهُ أَنَّهُ إِذَا أَرَادَ ذِكْر جَمَاعَة كَثِيرَة فَاقْتَصَرَ عَلَى ذِكْر بَعْضهمْ ذَكَر أَشْرَافهمْ أَوْ بَعْض أَشْرَافهمْ ثُمَّ قَالَ : وَغَيْرهمْ . وَفِيهِ بَيَان مَا كَانَتْ الصَّحَابَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ عَلَيْهِ مِنْ الْقِيَام بِحُقُوقِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِكْرَامه وَالشَّفَقَة عَلَيْهِ وَالِانْزِعَاج الْبَالِغ لِمَا يُطْرِقهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
وَفِيهِ اِهْتِمَام الْأَتْبَاع بِحُقُوقِ مَتْبُوعهمْ وَالِاعْتِنَاء بِتَحْصِيلِ مَصَالِحه وَدَفْع الْمَفَاسِد عَنْهُ . وَفِيهِ جَوَاز دُخُول الْإِنْسَان مِلْك غَيْره بِغَيْرِ إِذْنه إِذَا عَلِمَ بِرِضَا ذَلِكَ لِمَوَدَّةٍ بَيْنهمَا أَوْ غَيْر ذَلِكَ . فَإِنَّ أَبَا هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُ دَخَلَ الْحَائِط وَأَقَرَّهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى ذَلِكَ ، وَلَمْ يُنْقَل أَنَّهُ أَنْكَرَ عَلَيْهِ . وَهَذَا غَيْر مُخْتَصٍّ بِدُخُولِ الْأَرْض بَلْ يَجُوز لَهُ الِانْتِفَاع بِأَدَوَاتِهِ وَأَكْل طَعَامه وَالْحَمْل مِنْ طَعَامه إِلَى بَيْته وَرُكُوب دَابَّته وَنَحْو ذَلِكَ مِنْ التَّصَرُّف الَّذِي يُعْلَم أَنَّهُ لَا يَشُقّ عَلَى صَاحِبه . هَذَا هُوَ الْمَذْهَب الصَّحِيح الَّذِي عَلَيْهِ جَمَاهِير السَّلَف وَالْخَلَف مِنْ الْعُلَمَاء رَحْمَة اللَّه عَلَيْهِمْ ، وَصَرَّحَ بِهِ أَصْحَابنَا . قَالَ أَبُو عُمَر بْن عَبْد الْبَرّ : وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَتَجَاوَز الطَّعَام وَأَشْبَاهه إِلَى الدَّرَاهِم وَالدَّنَانِير وَأَشْبَاههمَا . وَفِي ثُبُوت الْإِجْمَاع فِي حَقّ مَنْ يُقْطَع بِطِيبِ قَلْب صَاحِبه بِذَلِكَ نَظَر . وَلَعَلَّ هَذَا يَكُون فِي الدَّرَاهِم الْكَثِيرَة الَّتِي يُشَكُّ أَوْ قَدْ يُشَكُّ فِي رِضَاهُ بِهَا فَإِنَّهُمْ اِتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ إِذَا تَشَكَّكَ لَا يَجُوز التَّصَرُّف مُطْلَقًا فِيمَا تَشَكَّكَ فِي رِضَاهُ بِهِ . ثُمَّ دَلِيل الْجَوَاز فِي الْبَاب الْكِتَاب وَالسُّنَّة وَفِعْل وَقَوْل أَعْيَان الْأُمَّة .
فَالْكِتَاب قَوْله تَعَالَى : { لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ } إِلَى قَوْله تَعَالَى : { أَوْ صَدِيقِكُمْ } وَالسُّنَّة هَذَا الْحَدِيث ، وَأَحَادِيث كَثِيرَة مَعْرُوفَة بِنَحْوِهِ . وَأَفْعَال السَّلَف وَأَقْوَالهمْ فِي هَذَا أَكْثَر مِنْ أَنْ تُحْصَى . وَاَللَّه تَعَالَى أَعْلَم .
وَفِيهِ إِرْسَال الْإِمَام وَالْمَتْبُوع إِلَى أَتْبَاعه بِعَلَامَةٍ يَعْرِفُونَهَا لِيَزْدَادُوا بِهَا طُمَأْنِينَة .
وَفِيهِ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ الدَّلَالَة لِمَذْهَبِ أَهْل الْحَقّ أَنَّ الْإِيمَان الْمُنْجِي مِنْ الْخُلُود فِي النَّار لَا بُدّ فِيهِ مِنْ الِاعْتِقَاد وَالنُّطْق .
وَفِيهِ جَوَاز إِمْسَاك بَعْض الْعُلُوم الَّتِي لَا حَاجَة إِلَيْهَا لِلْمَصْلَحَةِ أَوْ خَوْف الْمَفْسَدَة .
وَفِيهِ إِشَارَة بَعْض الْأَتْبَاع عَلَى الْمَتْبُوع بِمَا يَرَاهُ مَصْلَحَة ، وَمُوَافَقَة الْمَتْبُوع لَهُ إِذَا رَآهُ مَصْلَحَة ، وَرُجُوعه عَمَّا أَمَرَ بِهِ بِسَبَبِهِ .
وَفِيهِ جَوَاز قَوْل الرَّجُل لِلْآخَرِ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي . قَالَ الْقَاضِي عِيَاض رَحِمَهُ اللَّه : وَقَدْ كَرِهَهُ بَعْض السَّلَف . وَقَالَ : لَا يُفْدَى بِمُسْلِمٍ . وَالْأَحَادِيث الصَّحِيحَة تَدُلّ عَلَى جَوَازه سَوَاء كَانَ الْمُفَدَّى بِهِ مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا حَيًّا كَانَ أَوْ مَيِّتًا . وَفِيهِ غَيْر ذَلِكَ . وَاَللَّه أَعْلَم .


47 - قَوْل مُسْلِم رَحِمَهُ اللَّه : ( حَدَّثَنِي إِسْحَاق بْن مَنْصُور أَخْبَرَنِي مُعَاذ بْن هِشَام حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ قَتَادَةَ حَدَّثَنَا أَنَس بْن مَالِك رَضِيَ اللَّه عَنْهُ )
هَذَا الْإِسْنَاد كُلّه بَصْرِيُّونَ إِلَّا إِسْحَاق فَإِنَّهُ نَيْسَابُورِيٌّ فَيَكُون الْإِسْنَاد بَيْنِي وَبَيْن مُعَاذ بْن هِشَام نَيْسَابُورِيَّيْنِ وَبَاقِيه بَصْرِيُّونَ .
قَوْله : ( فَأَخْبَرَ بِهَا مُعَاذ عِنْد مَوْته تَأَثُّمًا )
هُوَ بِفَتْحِ الْهَمْزَة وَضَمِّ الْمُثَلَّثَة الْمُشَدَّدَة . قَالَ أَهْل اللُّغَة : تَأَثَّمَ الرَّجُل إِذَا فَعَلَ فِعْلًا يَخْرُج بِهِ مِنْ الْإِثْم . وَتَحَرَّجَ أَزَالَ عَنْهُ الْحَرَج . وَتَحَنَّثَ أَزَالَ عَنْهُ الْحِنْث . وَمَعْنَى تَأَثُّمِ مُعَاذٍ أَنَّهُ كَانَ يَحْفَظ عِلْمًا يَخَاف فَوَاته وَذَهَابه بِمَوْتِهِ فَخَشِيَ أَنْ يَكُون مِمَّنْ كَتَمَ عِلْمًا وَمِمَّنْ لَمْ يَمْتَثِل أَمْر رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي تَبْلِيغ سُنَّته فَيَكُون آثِمًا فَاحْتَاطَ وَأَخْبَرَ بِهَذِهِ السُّنَّة مَخَافَةً مِنْ الْإِثْم وَعَلِمَ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَنْهَهُ عَنْ الْإِخْبَار بِهَا نَهْي تَحْرِيم . قَالَ الْقَاضِي عِيَاض رَحِمَهُ اللَّه : لَعَلَّ مُعَاذًا لَمْ يَفْهَم مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّهْي لَكِنْ كَسَرَ عَزْمَهُ عَمَّا عَرَضَ لَهُ مِنْ بُشْرَاهُمْ بِدَلِيلِ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُ " " مَنْ لَقِيت يَشْهَد أَنْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه مُسْتَيْقِنًا قَلْبه فَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ " قَالَ : أَوْ يَكُون مَعْنَاهُ بَلِّغْهُ بَعْد ذَلِكَ أَمْر النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَبِي هُرَيْرَة وَخَافَ أَنْ يَكْتُم عِلْمًا عَلِمَهُ فَيَأْثَم أَوْ يَكُون حَمَل النَّهْي عَلَى إِذَاعَته . وَهَذَا الْوَجْه ظَاهِر . وَقَدْ اِخْتَارَهُ الشَّيْخ أَبُو عَمْرو بْن الصَّلَاح رَحِمَهُ اللَّه فَقَالَ : مَنَعَهُ مِنْ التَّبْشِير الْعَامّ خَوْفًا مِنْ أَنْ يَسْمَع ذَلِكَ مَنْ لَا خِبْرَة لَهُ وَلَا عِلْم فَيَغْتَرّ وَيَتَّكِل . وَأَخْبَرَ بِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْخُصُوص مَنْ أَمِنَ عَلَيْهِ الِاغْتِرَار وَالِاتِّكَال مِنْ أَهْل الْمَعْرِفَة . فَإِنَّهُ أَخْبَرَ بِهِ مُعَاذًا فَسَلَكَ مُعَاذ هَذَا الْمَسْلَك فَأَخْبَرَ بِهِ مِنْ الْخَاصَّة مَنْ رَآهُ أَهْلًا لِذَلِكَ . قَالَ : وَأَمَّا أَمْرُهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة بِالتَّبْشِيرِ فَهُوَ مِنْ تَغَيُّر الِاجْتِهَاد . وَقَدْ كَانَ الِاجْتِهَاد جَائِزًا لَهُ وَوَاقِعًا مِنْهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْد الْمُحَقِّقِينَ وَلَهُ مَزِيَّة عَلَى سَائِر الْمُجْتَهِدِينَ بِأَنَّهُ لَا يُقَرّ عَلَى الْخَطَأ فِي اِجْتِهَاده . وَمَنْ نَفَى ذَلِكَ وَقَالَ : لَا يَجُوز لَهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْقَوْل فِي الْأُمُور الدِّينِيَّة إِلَّا عَنْ وَحْي فَلَيْسَ يَمْتَنِع أَنْ يَكُون قَدْ نَزَلَ عَلَيْهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْد مُخَاطَبَته عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ وَحْي - بِمَا أَجَابَهُ بِهِ - نَاسِخٌ لِوَحْيٍ سَبَقَ بِمَا قَالَهُ أَوَّلًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذَا كَلَام الشَّيْخ . وَهَذِهِ الْمَسْأَلَة وَهِيَ اِجْتِهَاده صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهَا تَفْصِيل مَعْرُوف .
فَأَمَّا أُمُور الدُّنْيَا فَاتَّفَقَ الْعُلَمَاء رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ عَلَى جَوَاز اِجْتِهَاده صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . فِيهَا وَوُقُوعه مِنْهُ .
وَأَمَّا أَحْكَام الدِّين فَقَالَ أَكْثَر الْعُلَمَاء بِجَوَازِ الِاجْتِهَاد لَهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَنَّهُ إِذَا جَازَ لِغَيْرِهِ فَلَهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْلَى . وَقَالَ جَمَاعَة : لَا يَجُوز لَهُ لِقُدْرَتِهِ عَلَى الْيَقِين . وَقَالَ بَعْضهمْ : كَانَ يَجُوز فِي الْحُرُوب دُون غَيْرهَا . وَتَوَقَّفَ فِي كُلّ ذَلِكَ آخَرُونَ : ثُمَّ الْجُمْهُور الَّذِينَ جَوَّزُوهُ اِخْتَلَفُوا فِي وُقُوعه فَقَالَ الْأَكْثَرُونَ مِنْهُمْ : وُجِدَ ذَلِكَ . وَقَالَ آخَرُونَ : لَمْ يُوجَد . وَتَوَقَّفَ آخَرُونَ . ثُمَّ الْأَكْثَرُونَ الَّذِينَ قَالُوا بِالْجَوَازِ وَالْوُقُوع اِخْتَلَفُوا هَلْ كَانَ الْخَطَأ جَائِزًا عَلَيْهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . فَذَهَبَ الْمُحَقِّقُونَ إِلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ جَائِزًا عَلَيْهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَذَهَبَ كَثِيرُونَ إِلَى جَوَازه وَلَكِنْ لَا يُقَرّ عَلَيْهِ بِخِلَافِ غَيْره . وَلَيْسَ هَذَا مَوْضِع اِسْتِقْصَاء هَذَا . وَاَللَّه أَعْلَم .


48 - قَوْله : ( حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْن فَرُّوخَ )
هُوَ بِفَتْحِ الْفَاء وَضَمَّ الرَّاء وَبِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وَهُوَ غَيْر مَصْرُوف لِلْعُجْمَةِ وَالْعَلَمِيَّة . قَالَ صَاحِب كِتَاب الْعَيْن فَرُّوخ اِسْمُ اِبْنٍ لِإِبْرَاهِيم الْخَلِيل صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ أَبُو الْعَجَم . وَكَذَا نَقَلَ صَاحِب الْمَطَالِع وَغَيْره : أَنَّ فَرُّوخ اِبْنٌ لِإِبْرَاهِيم صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَّهُ أَبُو الْعَجَم . وَقَدْ نَصَّ جَمَاعَة مِنْ الْأَئِمَّة عَلَى أَنَّهُ لَا يَنْصَرِف لِمَا ذَكَرْنَاهُ . وَاَللَّه أَعْلَم .
قَوْله : ( حَدَّثَنِي ثَابِت عَنْ أَنَس بْن مَالِك رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ : حَدَّثَنِي مَحْمُود اِبْن الرَّبِيع عَنْ عِتْبَانِ اِبْن مَالِك قَالَ : قَدِمْت الْمَدِينَة فَلَقِيت عِتْبَانَ فَقُلْت : حَدِيث بَلَغَنِي عَنْك )
هَذَا اللَّفْظ شَبِيه بِمَا تَقَدَّمَ فِي هَذَا الْبَاب مِنْ قَوْله عَنْ اِبْن مُحَيْرِيزٍ عَنْ الصُّنَابِحِيِّ عَنْ عُبَادَةَ بْن الصَّامِت رَضِيَ اللَّه عَنْهُ ، وَقَدْ قَدَّمْنَا بَيَانه وَاضِحًا . وَتَقْرِير هَذَا الَّذِي نَحْنُ فِيهِ حَدَّثَنِي مَحْمُود بْن الرَّبِيع عَنْ عِتْبَانَ بِحَدِيثٍ قَالَ فِيهِ مَحْمُود : قَدِمْت الْمَدِينَة فَلَقِيت عِتْبَانَ . وَفِي هَذَا الْإِسْنَاد لَطِيفَتَانِ مِنْ لَطَائِفه إِحْدَاهُمَا : أَنَّهُ اِجْتَمَعَ فِيهِ ثَلَاثَة صَحَابِيُّونَ بَعْضهمْ عَنْ بَعْض وَهُمْ أَنَس ، وَمَحْمُود ، وَعِتْبَانَ . وَالثَّانِيَة : أَنَّهُ مِنْ رِوَايَة الْأَكَابِر عَنْ الْأَصَاغِر ؛ فَإِنَّ أَنَسًا أَكْبَر مِنْ مَحْمُود سِنًّا وَعِلْمًا وَمَرْتَبَة . رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ . وَقَدْ قَالَ فِي الرِّوَايَة الثَّانِيَة ( عَنْ ثَابِت عَنْ أَنَس قَالَ : حَدَّثَنِي عِتْبَانُ بْن مَالِك ) ، وَهَذَا لَا يُخَالِف الْأَوَّل ؛ فَإِنَّ أَنَسًا سَمِعَهُ أَوَّلًا مِنْ مَحْمُود عَنْ عِتْبَانَ ، ثُمَّ اِجْتَمَعَ أَنَس بِعِتْبَانَ فَسَمِعَهُ مِنْهُ . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَ ( عِتْبَانُ ) بِكَسْرِ الْعَيْن الْمُهْمَلَة وَبَعْدهَا تَاء مُثَنَّاة مِنْ فَوْق سَاكِنَة ثُمَّ بَاءَ مُوَحَّدَة . وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنْ كَسْر الْعَيْن هُوَ الصَّحِيح الْمَشْهُور الَّذِي لَمْ يَذْكُر الْجُمْهُور سِوَاهُ . وَقَالَ صَاحِب الْمَطَالِع وَقَدْ ضَبَطْنَاهُ مِنْ طَرِيق اِبْن سَهْل بِالضَّمِّ أَيْضًا . وَاَللَّه أَعْلَم .
قَوْله : ( أَصَابَنِي فِي بَصَرِي بَعْض الشَّيْء )
وَقَالَ فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى : ( عَمِيَ ) ، يُحْتَمَل أَنَّهُ أَرَادَ بِبَعْضِ الشَّيْء الْعَمَى ، وَهُوَ ذَهَاب الْبَصَر جَمِيعه ، وَيُحْتَمَل أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ ضَعْف الْبَصَر ، وَذَهَاب مُعْظَمه ، وَسَمَّاهُ عَمًى فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى لِقُرْبِهِ مِنْهُ وَمُشَارَكَته إِيَّاهُ فِي فَوَات بَعْض مَا كَانَ حَاصِلًا فِي حَال السَّلَامَة . وَاَللَّه أَعْلَم .
قَوْله : ( ثُمَّ أَسْنَدُوا عُظْم ذَلِكَ وَكُبْره إِلَى مَالِك بْن دُخْشُمٍ )
أَمَّا ( عُظْم ) فَهُوَ بِضَمِّ الْعَيْن وَإِسْكَان الظَّاء أَيْ مُعْظَمه . وَأَمَّا ( كُبْره ) فَبِضَمِّ الْكَاف وَكَسْرِهَا لُغَتَانِ فَصِيحَتَانِ مَشْهُورَتَانِ ، وَذَكَرهمَا فِي هَذَا الْحَدِيث الْقَاضِي عِيَاض وَغَيْره ؛ لَكِنْهُمْ رَجَّحُوا الضَّمَّ وَقُرِئَ قَوْل اللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى : { وَاَلَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ } بِكَسْرِ الْكَاف وَضَمِّهَا . الْكَسْر قِرَاءَة الْقُرَّاء السَّبْعَة ، وَالضَّمّ فِي الشَّوَاذّ . قَالَ الْإِمَام أَبُو إِسْحَاق الثَّعْلَبِيّ الْمُفَسِّر رَحِمَهُ اللَّه قِرَاءَة الْعَامَّة بِالْكَسْرِ ، وَقِرَاءَة حُمَيْدٌ الْأَعْرَجُ ، وَيَعْقُوب الْحَضْرَمِيُّ بِالضَّمِّ . قَالَ أَبُو عَمْرو بْن الْعَلَاء : هُوَ خَطَأ . قَالَ الْكِسَائِيُّ : هُمَا لُغَتَانِ . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَمَعْنَى قَوْله : ( أَسْنَدُوا عُظْم ذَلِكَ وَكُبْره ) أَنَّهُمْ تَحَدَّثُوا وَذَكَرُوا شَأْن الْمُنَافِقِينَ وَأَفْعَالهمْ الْقَبِيحَة ، وَمَا يَلْقَوْنَ مِنْهُمْ ، وَنَسَبُوا مُعْظَم ذَلِكَ إِلَى مَالِك .
وَأَمَّا قَوْله ( اِبْن دُخْشُمٍ ) فَهُوَ بِضَمِّ الدَّال الْمُهْمَلَة وَإِسْكَان الْخَاء الْمُعْجَمَة وَضَمَّ الشِّين الْمُعْجَمَة وَبَعْدهَا مِيم . هَكَذَا ضَبَطْنَاهُ فِي الرِّوَايَة الْأَوْلَى ، وَضَبَطْنَاهُ فِي الثَّانِيَة بِزِيَادَةِ يَاء بَعْد الْخَاء عَلَى التَّصْغِير . وَهَكَذَا هُوَ فِي مُعْظَم الْأُصُول . وَفِي بَعْضهَا فِي الثَّانِيَة مُكَبَّر أَيْضًا ثُمَّ إِنَّهُ فِي الْأُولَى بِغَيْرِ أَلِفٍ وَلَامٍ ، وَفِي الثَّانِيَة بِالْأَلِفِ وَاللَّام . قَالَ الْقَاضِي عِيَاض رَحِمَهُ اللَّه : رَوَيْنَاهُ دُخْشُمٌ مُكَبَّرًا وَدُخَيْشِمٌ مُصَغَّرًا . قَالَ : وَرَوَيْنَاهُ فِي غَيْر مُسْلِم بِالنُّونِ بَدَل الْمِيم مُكَبَّرًا وَمُصَغَّرًا . قَالَ الشَّيْخ أَبُو عَمْرو بْن الصَّلَاح : وَيُقَال أَيْضًا : اِبْن الدِّخْشِ بِكَسْرِ الدَّال وَالشِّين . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَاعْلَمْ أَنَّ مَالِك بْن دُخْشُمٍ هَذَا مِنْ الْأَنْصَار . ذَكَرَ أَبُو عُمَر بْن عَبْد الْبَرّ اِخْتِلَافًا بَيْن الْعُلَمَاء فِي شُهُوده الْعَقَبَة . قَالَ : وَلَمْ يَخْتَلِفُوا أَنَّهُ شَهِدَ بَدْرًا وَمَا بَعْدهَا مِنْ الْمَشَاهِد . قَالَ : وَلَا يَصِحّ عَنْهُ النِّفَاق ، فَقَدْ ظَهَرَ مِنْ حُسْن إِسْلَامه مَا يَمْنَع مِنْ اِتِّهَامه . هَذَا كَلَام أَبِي عُمَر رَحِمَهُ اللَّه . قُلْت : وَقَدْ نَصَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى إِيمَانِهِ بَاطِنًا وَبَرَاءَته مِنْ النِّفَاق بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رِوَايَة الْبُخَارِيِّ رَحِمَهُ اللَّه . " أَلَا تَرَاهُ قَالَ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه يَبْتَغِي بِهَا وَجْه اللَّه تَعَالَى " فَهَذِهِ شَهَادَة مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُ بِأَنَّهُ قَالَهَا مُصَدِّقًا بِهَا مُعْتَقِدًا صِدْقهَا مُتَقَرِّبًا بِهَا إِلَى اللَّه تَعَالَى ، وَشَهِدَ لَهُ فِي شَهَادَته لِأَهْلِ بَدْر بِمَا هُوَ مَعْرُوف . فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُشَكَّ فِي صِدْق إِيمَانه رَضِيَ اللَّه عَنْهُ . وَفِي هَذِهِ الزِّيَادَة رَدٌّ عَلَى غُلَاة الْمُرْجِئَة الْقَائِلِينَ بِأَنَّهُ يَكْفِي فِي الْإِيمَان النُّطْق مِنْ غَيْر اِعْتِقَادٍ فَإِنَّهُمْ تَعَلَّقُوا بِمِثْلِ هَذَا الْحَدِيث . وَهَذِهِ الزِّيَادَة تَدْمَغهُمْ . وَاَللَّه أَعْلَم .
قَوْله : ( وَدُّوا أَنَّهُ دَعَا عَلَيْهِ فَهَلَكَ وَوَدُّوا أَنَّهُ أَصَابَهُ شَرّ )
وَهَكَذَا هُوَ فِي بَعْض الْأُصُول ( شَرّ ) ، وَفِي بَعْضهَا ( بِشَرٍّ ) ، بِزِيَادَةِ الْبَاء الْجَارَّة وَفِي بَعْضهَا ( شَيْءٌ ) ، وَكُلّه صَحِيح . وَفِي هَذَا دَلِيل عَلَى جَوَاز تَمَنِّي هَلَاك أَهْل النِّفَاق وَالشِّقَاق ، وَوُقُوع الْمَكْرُوه بِهِمْ .
قَوْله : ( فَخُطّ لِي مَسْجِدًا )
أَيْ أَعْلِمْ لِي عَلَى مَوْضِعٍ لِأَتَّخِذهُ مَسْجِدًا أَيْ مَوْضِعًا أَجْعَل صَلَاتِي فِيهِ مُتَبَرِّكًا بِآثَارِك . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَفِي هَذَا الْحَدِيث أَنْوَاع مِنْ الْعِلْم تَقَدَّمَ كَثِير مِنْهَا . فَفِيهِ جَوَاز التَّبَرُّك بِآثَارِ الصَّالِحِينَ . وَفِيهِ زِيَارَة الْعُلَمَاء وَالْفُضَلَاء وَالْكُبَرَاء أَتْبَاعهمْ وَتَبْرِيكهمْ إِيَّاهُمْ . وَفِيهِ جَوَاز اِسْتِدْعَاء الْمَفْضُول لِلْفَاضِلِ لِمَصْلَحَةٍ تَعْرِض . وَفِيهِ جَوَاز الْجَمَاعَة فِي صَلَاة النَّافِلَة . وَفِيهِ أَنَّ السُّنَّة فِي نَوَافِل النَّهَار رَكْعَتَانِ كَاللَّيْلِ . وَفِيهِ جَوَاز الْكَلَام وَالتَّحَدُّث بِحَضْرَةِ الْمُصَلِّينَ مَا لَمْ يَشْغَلهُمْ وَيُدْخِل عَلَيْهِمْ لَبْس فِي صَلَاتهمْ أَوْ نَحْوه . وَفِيهِ جَوَاز إِمَامَة الزَّائِر الْمَزُور بِرِضَاهُ . وَفِيهِ ذِكْر مَنْ يُتَّهَم بِرِيبَةٍ أَوْ نَحْوهَا لِلْأَئِمَّةِ وَغَيْرهمْ لِيُتَحَرَّز مِنْهُ . وَفِيهِ جَوَاز كِتَابَة الْحَدِيث وَغَيْره مِنْ الْعُلُوم الشَّرْعِيَّة لِقَوْلِ أَنَس لِابْنِهِ : اُكْتُبْهُ ، بَلْ هِيَ مُسْتَحَبَّة ، وَجَاءَ فِي الْحَدِيث النَّهْي عَنْ كَتْب الْحَدِيث ، وَجَاءَ الْإِذْن فِيهِ فَقِيلَ : كَانَ النَّهْي لِمَنْ خِيفَ اِتِّكَاله عَلَى الْكِتَاب وَتَفْرِيطه فِي الْحِفْظ مَعَ تَمَكُّنه مِنْهُ ، وَالْإِذْن لِمَنْ لَا يَتَمَكَّن مِنْ الْحِفْظ . وَقِيلَ : كَانَ النَّهْي أَوَّلًا لَمَّا خِيفَ اِخْتِلَاطه بِالْقُرْآنِ ، وَالْإِذْن بَعْده لَمَّا أُمِنَ مِنْ ذَلِكَ . وَكَانَ بَيْن السَّلَف مِنْ الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ خِلَاف فِي جَوَاز كِتَابَة الْحَدِيث ، ثُمَّ أَجْمَعَتْ الْأُمَّة عَلَى جَوَازهَا وَاسْتِحْبَابهَا وَاَللَّه أَعْلَم .
وَفِيهِ الْبُدَاءَة بِالْأَهَمِّ فَالْأَهَمّ ؛ فَإِنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيث عِتْبَانَ هَذَا بَدَأَ أَوَّل قُدُومه بِالصَّلَاةِ ثُمَّ أَكَلَ . وَفِي حَدِيث زِيَارَته لِأُمِّ سُلَيْمٍ بَدَأَ بِالْأَكْلِ ، ثُمَّ صَلَّى . لِأَنَّ الْمُهِمّ فِي حَدِيث عِتْبَانَ هُوَ الصَّلَاة فَإِنَّهُ دَعَاهُ لَهَا ، وَفِي حَدِيث أُمّ سُلَيْمٍ دَعَتْهُ لِلطَّعَامِ . فَفِي كُلّ وَاحِد مِنْ الْحَدِيثِينَ بَدَأَ بِمَا دُعِيَ إِلَيْهِ وَاَللَّه أَعْلَم .
وَفِيهِ جَوَاز اِسْتِتْبَاع الْإِمَام وَالْعَالِم أَصْحَابه لِزِيَارَةٍ أَوْ ضِيَافَةٍ أَوْ نَحْوهَا . وَفِيهِ غَيْر ذَلِكَ مِمَّا قَدَّمْنَاهُ ، وَمَا حَذَفْنَاهُ . وَاَللَّه أَعْلَم بِالصَّوَابِ ، وَلَهُ الْحَمْد وَالنِّعْمَة ، وَالْفَضْل وَالْمِنَّة ، وَبِهِ التَّوْفِيق وَالْعِصْمَة .


49 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( ذَاقَ طَعْم الْإِيمَان مَنْ رَضِيَ بِاَللَّهِ رَبًّا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَسُولًا )
قَالَ صَاحِب التَّحْرِير رَحِمَهُ اللَّه : مَعْنَى رَضِيت بِالشَّيْءِ قَنَعْت بِهِ وَاكْتَفَيْت بِهِ ، وَلَمْ أَطْلُب مَعَهُ غَيْره . فَمَعْنَى الْحَدِيث لَمْ يَطْلُب غَيْر اللَّه تَعَالَى ، وَلَمْ يَسْعَ فِي غَيْر طَرِيق الْإِسْلَام ، وَلَمْ يَسْلُك إِلَّا مَا يُوَافِق شَرِيعَة مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَلَا شَكَّ فِي أَنَّ مَنْ كَانَتْ هَذِهِ صِفَته فَقَدْ خَلَصَتْ حَلَاوَة الْإِيمَان إِلَى قَلْبه ، وَذَاقَ طَعْمه . وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاض رَحِمَهُ اللَّه : مَعْنَى الْحَدِيث صَحَّ إِيمَانه وَاطْمَأَنَّتْ بِهِ نَفْسه وَخَامَرَ بَاطِنه ؛ لِأَنَّ رِضَاهُ بِالْمَذْكُورَاتِ دَلِيل لِثُبُوتِ مَعْرِفَته وَنَفَاذ بَصِيرَته وَمُخَالَطَة بَشَاشَته قَلْبه ؛ لِأَنَّ مَنْ رَضِيَ أَمْرًا سَهُلَ عَلَيْهِ . فَكَذَا الْمُؤْمِن إِذَا دَخَلَ قَلْبه الْإِيمَان سَهُلَ عَلَيْهِ طَاعَات اللَّه تَعَالَى ، وَلَذَّتْ لَهُ . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَفِي الْإِسْنَاد
الدَّرَاوَرْدِيُّ
وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانه فِي الْمُقَدِّمَة .
وَفِيهِ يَزِيد بْن عَبْد اللَّه بْن الْهَادِ
هُوَ يَزِيد بْن عَبْد اللَّه بْن أُسَامَة بْن الْهَادِ . هَكَذَا يَقُولهُ الْمُحَدِّثُونَ الْهَادِ مِنْ غَيْر يَاء وَالْمُخْتَار عِنْد أَهْل الْعَرَبِيَّة فِيهِ وَفِي نَظَائِره بِالْيَاءِ كَالْعَاصِي وَابْن أَبِي الْمَوَالِي . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَهَذَا الْحَدِيث مِنْ أَفْرَاد مُسْلِم رَحِمَهُ اللَّه لَمْ يَرْوِهِ الْبُخَارِيُّ رَحِمَهُ اللَّه فِي صَحِيحه .


50 - قَوْله : ( أَبُو عَامِر الْعَقَدِيُّ )
هُوَ بِفَتْحِ الْعَيْن وَالْقَاف . وَاسْمه عَبْد الْمَلِك بْن عَمْرو بْن قَيْس . وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانه وَاضِحًا فِي أَوَّل الْمُقَدِّمَة فِي بَاب النَّهْي عَنْ الرِّوَايَة عَنْ الضُّعَفَاء .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( الْإِيمَان بِضْع وَسَبْعُونَ شُعْبَة )
هَكَذَا رَوَاهُ عَنْ أَبِي عَامِر الْعَقَدِيّ عَنْ سُلَيْمَان بْن بِلَال عَنْ عَبْد اللَّه بْن دِينَار عَنْ أَبِي صَالِح عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَفِي رِوَايَة زُهَيْر عَنْ جَرِير عَنْ سُهَيْل عَنْ عَبْد اللَّه بْن دِينَار عَنْ أَبِي صَالِح عَنْ أَبِي هُرَيْرَة بِضْع وَسَبْعُونَ أَوْ بِضْع وَسِتُّونَ كَذَا وَقَعَ فِي مُسْلِم مِنْ رِوَايَة سُهَيْل بِضْع وَسَبْعُونَ أَوْ بِضْع وَسِتُّونَ عَلَى الشَّكِّ . وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي أَوَّل الْكِتَاب مِنْ رِوَايَة الْعَقَدِيِّ بِضْع وَسِتُّونَ بِلَا شَكٍّ . وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَغَيْرهمَا مِنْ رِوَايَة سُهَيْل بِضْع وَسَبْعُونَ بِلَا شَكٍّ وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ مِنْ طَرِيقٍ آخَر وَقَالَ فِيهِ أَرْبَعَة وَسِتُّونَ بَابًا . وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي الرَّاجِحَة مِنْ الرِّوَايَتَيْنِ فَقَالَ الْقَاضِي عِيَاض : الصَّوَاب مَا وَقَعَ فِي سَائِر الْأَحَادِيث وَلِسَائِرِ الرُّوَاة بِضْع وَسِتُّونَ وَقَالَ الشَّيْخ أَبُو عَمْرو بْن الصَّلَاح رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى : هَذَا الشَّكُّ الْوَاقِع فِي رِوَايَة سُهَيْل هُوَ مِنْ سُهَيْل . كَذَا . قَالَهُ الْحَافِظ أَبُو بَكْر الْبَيْهَقِيُّ رَحِمَهُ اللَّه . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ سُهَيْل بِضْع وَسَبْعُونَ مِنْ غَيْر شَكٍّ . وَأَمَّا سُلَيْمَان بْن بِلَال فَإِنَّهُ رَوَاهُ عَنْ عَمْرو بْن دِينَار عَلَى الْقَطْع مِنْ غَيْر شَكٍّ وَهِيَ الرِّوَايَةِ الصَّحِيحَة أَخْرَجَاهَا فِي الصَّحِيحَيْنِ غَيْر أَنَّهَا فِيمَا عِنْدنَا مِنْ كِتَاب مُسْلِم بِضْع وَسَبْعُونَ وَفِيمَا عِنْدنَا مِنْ كِتَاب الْبُخَارِيِّ بِضْع وَسِتُّونَ .
وَقَدْ نَقَلْت كُلّ وَاحِدَة عَنْ كُلّ وَاحِد مِنْ الْكِتَابَيْنِ وَلَا إِشْكَال فِي أَنَّ كُلّ وَاحِدَة مِنْهُمَا رِوَايَة مَعْرُوفَة فِي طُرُق رِوَايَات هَذَا الْحَدِيث وَاخْتَلَفُوا فِي التَّرْجِيح قَالَ : وَالْأَشْبَه بِالْإِتْقَانِ وَالِاحْتِيَاط تَرْجِيح رِوَايَة الْأَقَلّ . قَالَ : وَمِنْهُمْ مَنْ رَجَّحَ رِوَايَة الْأَكْثَر ، وَإِيَّاهَا اِخْتَارَ أَبُو عَبْد اللَّه الْحَلِيمِيُّ ؛ فَإِنَّ الْحُكْم لِمَنْ حَفِظَ الزِّيَادَة جَازِمًا بِهَا .
قَالَ الشَّيْخ : ثُمَّ إِنَّ الْكَلَام فِي تَعْيِين هَذِهِ الشُّعَب يَطُول وَقَدْ صُنِّفَتْ فِي ذَلِكَ مُصَنَّفَات . وَمِنْ أَغْزَرهَا فَوَائِد كِتَاب ( الْمِنْهَاج ) لِأَبِي عَبْد اللَّه الْحَلِيمِيِّ إِمَام الشَّافِعِيِّينَ بِبُخَارَى . وَكَانَ مِنْ رُفَعَاءِ أَئِمَّة الْمُسْلِمِينَ . وَحَذَا حَذْوه الْحَافِظ أَبُو بَكْر الْبَيْهَقِيُّ رَحِمَهُ اللَّه فِي كِتَابه الْجَلِيل الْحَفِيل كِتَاب " شُعَب الْإِيمَان هَذَا كَلَام الشَّيْخ .
قَالَ الْقَاضِي عِيَاض رَحِمَهُ اللَّه : الْبِضْع وَالْبِضْعَة بِكَسْرِ الْبَاء فِيهِمَا وَفَتْحهَا هَذَا فِي الْعَدَد فَأَمَّا بَضْعَة اللَّحْم فَبِالْفَتْحِ لَا غَيْر . وَالْبِضْع فِي الْعَدَد مَا بَيْن الثَّلَاث وَالْعَشْر . وَقِيلَ : مِنْ ثَلَاث إِلَى تِسْع . وَقَالَ الْخَلِيل : الْبِضْع سَبْع . وَقِيلَ : مَا بَيْن اِثْنَيْنِ إِلَى عَشْرَة ، وَمَا بَيْن اِثْنَيْ عَشْر إِلَى عِشْرِينَ . وَلَا يُقَال فِي اِثْنَيْ عَشْر . قُلْت : وَهَذَا الْقَوْل هُوَ الْأَشْهُر الْأَظْهَر . وَأَمَّا الشُّعْبَة فَهِيَ الْقِطْعَة مِنْ الشَّيْء فَمَعْنَى الْحَدِيث : بِضْع وَسَبْعُونَ خَصْلَة . قَالَ الْقَاضِي عِيَاض رَحِمَهُ اللَّه : وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ أَصْل الْإِيمَان فِي اللُّغَة التَّصْدِيق ، وَفِي الشَّرْع تَصْدِيق الْقَلْب وَاللِّسَان . وَظَوَاهِر الشَّرْع تُطْلِقهُ عَلَى الْأَعْمَال كَمَا وَقَعَ هُنَا ( أَفْضَلهَا لَا إِلَه إِلَّا اللَّه ) ، وَآخِرهَا ( إِمَاطَة الْأَذَى عَنْ الطَّرِيق ) ، وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ كَمَالَ الْإِيمَان بِالْأَعْمَالِ ، وَتَمَامه بِالطَّاعَاتِ ، وَأَنَّ اِلْتِزَام الطَّاعَات وَضَمِّ هَذِهِ الشُّعَب مِنْ جُمْلَة التَّصْدِيق ، وَدَلَائِل عَلَيْهِ ، وَأَنَّهَا خُلُق أَهْل التَّصْدِيق فَلَيْسَتْ خَارِجَة عَنْ اِسْم الْإِيمَان الشَّرْعِيِّ وَلَا اللُّغَوِيِّ . وَقَدْ نَبَّهَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَنَّ أَفْضَلهَا التَّوْحِيد الْمُتَعَيِّن عَلَى كُلّ أَحَد ، وَاَلَّذِي لَا يَصِحّ شَيْء مِنْ الشُّعَب إِلَّا بَعْد صِحَّتِهِ . وَأَدْنَاهَا مَا يُتَوَقَّع ضَرَره بِالْمُسْلِمِينَ مِنْ إِمَاطَة الْأَذَى عَنْ طَرِيقهمْ . وَبَقِيَ بَيْن هَذَيْنِ الطَّرَفَيْنِ أَعْدَاد لَوْ تَكَلَّفَ الْمُجْتَهِد تَحْصِيلهَا بِغَلَبَةِ الظَّنِّ ، وَشِدَّة التَّتَبُّع لَأَمْكَنَهُ . وَقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ بَعْض مَنْ تَقَدَّمَ .
وَفِي الْحُكْم بِأَنَّ ذَلِكَ مُرَاد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صُعُوبَة ، ثُمَّ إِنَّهُ لَا يَلْزَم مَعْرِفَة أَعْيَانهَا ، وَلَا يَقْدَح جَهْل ذَلِكَ فِي الْإِيمَان إِذْ أُصُول الْإِيمَان وَفُرُوعه مَعْلُومَة مُحَقَّقَة ، وَالْإِيمَان بِأَنَّهَا هَذَا الْعَدَد وَاجِب فِي الْجُمْلَة . هَذَا كَلَام الْقَاضِي رَحِمَهُ اللَّه .
وَقَالَ الْإِمَام الْحَافِظ أَبُو حَاتِم بْن حِبَّانَ بِكَسْرِ الْحَاء : تَتَبَّعْت مَعْنَى هَذَا الْحَدِيث مُدَّة ، وَعَدَدْت الطَّاعَات فَإِذَا هِيَ تَزِيد عَلَى هَذَا الْعَدَد شَيْئًا كَثِيرًا ، فَرَجَعَتْ إِلَى السُّنَن فَعَدَدْت كُلّ طَاعَة عَدَّهَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْإِيمَان فَإِذَا هِيَ تَنْقُص عَنْ الْبِضْع وَالسَّبْعِينَ ، فَرَجَعَتْ إِلَى كِتَاب اللَّه تَعَالَى فَقَرَأَتْهُ بِالتَّدَبُّرِ وَعَدَدْت كُلّ طَاعَة عَدَّهَا اللَّه تَعَالَى مِنْ الْإِيمَان فَإِذَا هِيَ تَنْقُص عَنْ الْبِضْع وَالسَّبْعِينَ ، فَضَمَمْت الْكِتَاب إِلَى السُّنَن ، وَأَسْقَطَتْ الْمُعَاد فَإِذَا كُلّ شَيْء عَدَّهُ اللَّه تَعَالَى وَنَبِيّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْإِيمَان تِسْع وَسَبْعُونَ شُعْبَة لَا يَزِيد عَلَيْهَا وَلَا تَنْقُص ، فَعَلِمَتْ أَنَّ مُرَاد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ هَذَا الْعَدَد فِي الْكِتَاب وَالسُّنَن . وَذَكَرَ أَبُو حَاتِم رَحِمَهُ اللَّه جَمِيع ذَلِكَ فِي كِتَاب وَصْف الْإِيمَان وَشُعَبه وَذَكَرَ أَنَّ رِوَايَة مَنْ رَوَى بِضْع وَسِتُّونَ شُعْبَة أَيْضًا صَحِيحَة ؛ فَإِنَّ الْعَرَب قَدْ تَذْكُر لِلشَّيْءِ عَدَدًا وَلَا تُرِيد نَفْي مَا سِوَاهُ . وَلَهُ نَظَائِر أَوْرَدَهَا فِي كِتَابه مِنْهَا فِي أَحَادِيث الْإِيمَان وَالْإِسْلَام . وَاَللَّه تَعَالَى أَعْلَم .
قَوْله : ( وَالْحَيَاء شُعْبَة مِنْ الْإِيمَان )
وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى ( الْحَيَاء مِنْ الْإِيمَان ) وَفِي الْأُخْرَى ( الْحَيَاء لَا يَأْتِي إِلَّا بِخَيْرِ ) وَفِي الْأُخْرَى ( الْحَيَاء خَيْر كُلّه أَوْ قَالَ كُلّه خَيْر ) الْحَيَاء مَمْدُود وَهُوَ الِاسْتِحْيَاء . قَالَ الْإِمَام الْوَاحِدِيُّ رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى : قَالَ أَهْل اللُّغَة الِاسْتِحْيَاء مِنْ الْحَيَاة ، وَاسْتَحْيَا الرَّجُل : مِنْ قُوَّة الْحَيَاة فِيهِ لِشِدَّةِ عِلْمه بِمَوَاقِع الْعَيْب . قَالَ : فَالْحَيَاء مِنْ قُوَّة الْحِسّ وَلُطْفه وَقُوَّة الْحَيَاة . وَرَوَيْنَا فِي رِسَالَة الْإِمَام الْأُسْتَاذ أَبِي الْقَاسِم الْقُشَيْرِيِّ عَنْ السَّيِّد الْجَلِيل أَبِي الْقَاسِم الْجُنَيْدِ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ : الْحَيَاء رُؤْيَة الْآلَاء أَيْ النِّعَم ، وَرُؤْيَة التَّقْصِير ، فَيَتَوَلَّد بَيْنهمَا حَالَةٌ تُسَمَّى الْحَيَاء . وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاض وَغَيْره مِنْ الشُّرَّاح : إِنَّمَا جُعِلَ الْحَيَاء مِنْ الْإِيمَان وَإِنْ كَانَ غَرِيزَة لِأَنَّهُ قَدْ يَكُون تَخَلُّقًا وَاكْتِسَابًا كَسَائِرِ أَعْمَال الْبِرِّ ، وَقَدْ يَكُون غَرِيزَة وَلَكِنَّ اِسْتِعْمَاله عَلَى قَانُونَ الشَّرْع يَحْتَاج إِلَى اِكْتِسَابٍ وَنِيَّة وَعِلْمِ فَهُوَ مِنْ الْإِيمَان بِهَذَا ، وَلِكَوْنِهِ بَاعِثًا عَلَى أَفْعَال الْبِرّ ، وَمَانِعًا مِنْ الْمَعَاصِي . وَأَمَّا كَوْن الْحَيَاء خَيْرًا كُلّه ، وَلَا يَأْتِي إِلَّا بِخَيْرِ فَقَدْ يَشْكُل عَلَى بَعْض النَّاس مِنْ حَيْثُ إِنَّ صَاحِب الْحَيَاء قَدْ يَسْتَحْيِي أَنْ يُوَاجِه بِالْحَقِّ مَنْ يُجِلُّهُ ، فَيَتْرُك أَمْره بِالْمَعْرُوفِ وَنَهْيه عَنْ الْمُنْكَر . وَقَدْ يَحْمِلهُ الْحَيَاء عَلَى الْإِخْلَال بِبَعْضِ الْحُقُوق وَغَيْر ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مَعْرُوف فِي الْعَادَة . وَجَوَاب هَذَا مَا أَجَابَ بِهِ جَمَاعَة مِنْ الْأَئِمَّة مِنْهُمْ الشَّيْخ أَبُو عَمْرو بْن الصَّلَاح رَحِمَهُ اللَّه أَنَّ هَذَا الْمَانِع الَّذِي ذَكَرْنَاهُ لَيْسَ بِحَيَاءٍ حَقِيقَة بَلْ هُوَ عَجْز وَخَوَر وَمَهَانَة وَإِنَّمَا تَسْمِيَته حَيَاء مِنْ إِطْلَاق بَعْض أَهْل الْعُرْف أَطْلَقُوهُ مَجَازًا لِمُشَابَهَتِهِ الْحَيَاء الْحَقِيقِيَّ وَإِنَّمَا حَقِيقَة الْحَيَاء خُلُق يَبْعَث عَلَى تَرْك الْقَبِيح ، وَيَمْنَع مِنْ التَّقْصِير فِي حَقّ ذِي الْحَقّ ، وَنَحْو هَذَا ، وَيَدُلّ عَلَيْهِ مَا ذَكَرْنَاهُ عَنْ الْجُنَيْدِ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ ، وَاَللَّه أَعْلَم .


51 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
( وَأَدْنَاهَا إِمَاطَة الْأَذَى عَنْ الطَّرِيق )
أَيْ تَنْحِيَته وَإِبْعَاده . وَالْمُرَاد بِالْأَذَى كُلّ مَا يُؤْذِي مِنْ حَجَر أَوْ مَدَر أَوْ شَوْك أَوْ غَيْره .


52 - قَوْله : ( يَعِظ أَخَاهُ فِي الْحَيَاء )
أَيْ يَنْهَاهُ عَنْهُ ، وَيُقَبِّح لَهُ فِعْله ، وَيَزْجُرهُ عَنْ كَثْرَته . فَنَهَاهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ ، فَقَالَ : دَعْهُ فَإِنَّ الْحَيَاء مِنْ الْإِيمَان . أَيْ دَعْهُ عَلَى فِعْل الْحَيَاء وَكُفَّ عَنْ نَهْيه . وَوَقَعَتْ لَفْظَة ( دَعْهُ ) فِي الْبُخَارِيِّ وَلَمْ تَقَع فِي مُسْلِم .


53 - قَوْل مُسْلِم رَحِمَهُ اللَّه : ( حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى وَمُحَمَّد بْن بَشَّار قَالَا : حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن جَعْفَر حَدَّثَنَا شُعْبَة عَنْ قَتَادَةَ قَالَ : سَمِعْت أَبَا السَّوَّار يُحَدِّث أَنَّهُ سَمِعَ عِمْرَانَ بْن الْحُصَيْن )
وَقَالَ مُسْلِم فِي الطَّرِيق الثَّانِي ( حَدَّثَنَا يَحْيَى بْن حَبِيب الْحَارِثِيِّ حَدَّثَنَا حَمَّاد بْن زَيْد عَنْ إِسْحَاق وَهُوَ اِبْن سُوَيْد أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ حَدَّثَ قَالَ : كُنَّا عِنْد عِمْرَانَ بْن الْحُصَيْن فِي رَهْط فَحَدَّثَنَا إِلَى آخِره ) ، هَذَانِ الْإِسْنَادَانِ كُلّهمْ بَصْرِيُّونَ وَهَذَا مِنْ النَّفَائِس اِجْتِمَاع الْإِسْنَادَيْنِ فِي الْكِتَاب مُتَلَاصِقَيْنِ جَمِيعهمْ بَصْرِيُّونَ . وَشُعْبَة وَإِنْ كَانَ وَاسِطِيًّا فَهُوَ بَصْرِيٌّ أَيْضًا ، فَكَانَ وَاسِطِيًّا بَصْرِيًّا فَإِنَّهُ اِنْتَقِلْ مِنْ وَاسِط إِلَى الْبَصْرَة وَاسْتَوْطَنَهَا .
وَأَمَّا ( أَبُو السَّوَّار ) فَهُوَ بِفَتْحِ السِّين الْمُهْمَلَة وَتَشْدِيد الْوَاو وَآخِره رَاءٌ وَاسْمه حَسَّان بْن حُرَيْثٍ الْعَدَوِيُّ .
وَأَمَّا ( أَبُو قَتَادَةَ ) هَذَا فَاسْمه تَمِيم بْن نُذَيْر بِضَمِّ النُّون وَفَتْح الذَّال الْمُعْجَمَة الْعَدَوِيُّ ، وَيُقَال تَمِيم بْن الزُّبَيْر ، وَيُقَال اِبْن يَزِيد بِالزَّايِ ، ذَكَرَهُ الْحَاكِم أَبُو أَحْمَد .


54 - وَأَمَّا الرَّهْط
فَهُوَ مَا دُون الْعَشَرَة مِنْ الرِّجَال خَاصَّة لَا يَكُون فِيهِمْ اِمْرَأَة وَلَيْسَ لَهُ وَاحِد مِنْ اللَّفْظ وَالْجَمْع أَرْهُط وَأَرْهَاط وَأَرَاهِط وَأَرَاهِيط .
قَوْله : ( فَقَالَ بُشَيْر بْن كَعْب إِنَّا لَنَجِدُ فِي بَعْض الْكُتُب أَوْ الْحِكْمَة أَنَّ مِنْهُ سَكِينَة وَوَقَارًا لِلَّهِ تَعَالَى ، وَمِنْهُ ضَعْف . فَغَضَب عِمْرَانُ حَتَّى اِحْمَرَّتَا عَيْنَاهُ وَقَالَ أَنَا أُحَدِّثُك عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتُعَارِض فِيهِ إِلَى قَوْله فَمَا زِلْنَا نَقُول : إِنَّهُ مِنَّا يَا أَبَا نُجَيْد ، إِنَّهُ لَا بَأْس بِهِ )
أَمَّا ( بُشَيْر ) فَبِضَمِّ الْبَاء وَفَتْح الشِّين وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانه وَبَيَان أَمْثَاله فِي آخَر الْفُصُول ، وَقَدْ تَقَدَّمَ هُوَ أَيْضًا فِي أَوَّل الْمُقَدِّمَة .
وَأَمَّا نُجَيْدُ فَبِضَمِّ النُّون وَفَتْح الْجِيم وَآخِره دَال مُهْمَلَة . وَأَبُو نُجَيْد هُوَ عِمْرَانُ بْن الْحُصَيْن كُنِّي بِابْنِهِ نُجَيْد .
وَأَمَّا الضَّعْف فَبِفَتْحِ الضَّاد وَضَمَّهَا لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ .
وَقَوْله ( حَتَّى اِحْمَرَّتَا عَيْنَاهُ ) كَذَا هُوَ فِي الْأُصُول وَهُوَ صَحِيح جَارٍ عَلَى لُغَة أَكَلُونِي الْبَرَاغِيث وَمِثْله { وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا } عَلَى أَحَد الْمَذَاهِب فِيهَا وَمِثْله " يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلَائِكَة " وَأَشْبَاهه كَثِيرَة مَعْرُوفَة . وَرَوَيْنَاهُ فِي سُنَن أَبِي دَاوُدَ ( وَاحْمَرَّتْ عَيْنَاهُ ) مِنْ غَيْر أَلِفٍ وَهَذَا ظَاهِر .
وَأَمَّا إِنْكَار عِمْرَانَ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ فَلِكَوْنِهِ قَالَ : ( مِنْهُ ضَعْف ) بَعْد سَمَاعه قَوْل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ خَيْر كُلّه . وَمَعْنَى تُعَارِض تَأْتِي بِكَلَامٍ فِي مُقَابَلَته وَتَعْتَرِض بِمَا يُخَالِفهُ .
وَقَوْلهمْ : ( إِنَّهُ مِنَّا لَا بَأْس بِهِ ) مَعْنَاهُ لَيْسَ هُوَ مِمَّنْ يُتَّهَم بِنِفَاقٍ أَوْ زَنْدَقَة أَوْ بِدْعَة أَوْ غَيْرهَا مِمَّا يُخَالِف بِهِ أَهْل الِاسْتِقَامَة . وَاَللَّه أَعْلَم .
قَوْل مُسْلِم رَحِمَهُ اللَّه : ( أَنْبَأَنَا إِسْحَاق بْن إِبْرَاهِيم أَنْبَأَنَا النَّضْر حَدَّثَنَا أَبُو نَعَامَة الْعَدَوِيُّ قَالَ : سَمِعْت حُجَيْرَ بْن الرَّبِيع الْعَدَوِيَّ يَقُول : عَنْ عِمْرَانَ بْن الْحُصَيْن )
هَذَا الْإِسْنَاد أَيْضًا كُلّه بَصْرِيُّونَ إِلَّا إِسْحَاق فَإِنَّهُ مَرْوَزِيُّ .
فَأَمَّا ( النَّضْر ) فَهُوَ اِبْن شُمَيْلٍ الْإِمَام الْجَلِيل . وَأَمَّا ( أَبُو نَعَامَة ) فَبِفَتْحِ النُّون وَاسْمه عَمْرو بْن عِيسَى بْن سُوَيْد وَهُوَ مِنْ الثِّقَات الَّذِينَ اِخْتَلَطُوا قَبْل مَوْتهمْ .
وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي الْفُصُول وَبَعْدهَا أَنَّ مَا كَانَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ الْمُخْتَلِطِينَ فَهُوَ مَحْمُول عَلَى أَنَّهُ عَلِمَ أَنَّهُ أَخَذَ عَنْهُمْ قَبْل الِاخْتِلَاط . وَأَمَّا ( حُجَيْرٌ ) فَبِضَمِّ الْحَاء وَبَعْدهَا جِيم مَفْتُوحَة وَآخِره رَاءٌ . وَاَللَّه أَعْلَم بِالصَّوَابِ وَلَهُ الْحَمْد وَالْمِنَّة .


55 - قَوْله : ( قُلْت يَا رَسُول اللَّه قُلْ لِي فِي الْإِسْلَام قَوْلًا لَا أَسْأَل عَنْهُ غَيْرك قَالَ : قُلْ آمَنْت بِاَللَّهِ ثُمَّ اِسْتَقِمْ )
قَالَ الْقَاضِي عِيَاض رَحِمَهُ اللَّه : هَذَا مِنْ جَوَامِع كَلِمه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مُطَابِق لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اِسْتَقَامُوا } أَيْ وَحَّدُوا اللَّه ، وَآمَنُوا بِهِ ، ثُمَّ اِسْتَقَامُوا فَلَمْ يَحِيدُوا عَنْ التَّوْحِيد ، وَالْتَزَمُوا طَاعَته سُبْحَانه وَتَعَالَى إِلَى أَنْ تُوُفُّوا عَلَى ذَلِكَ . وَعَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ أَكْثَر الْمُفَسِّرِينَ مِنْ الصَّحَابَة فَمَنْ بَعْدهمْ وَهُوَ مَعْنَى الْحَدِيث إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى . هَذَا آخَر كَلَام الْقَاضِي رَحِمَهُ اللَّه . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا فِي قَوْل اللَّه تَعَالَى : { فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ } مَا نَزَلَتْ عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي جَمِيع الْقُرْآن آيَة أَشَدّ وَلَا أَشَقُّ عَلَيْهِ مِنْ هَذِهِ الْآيَة وَلِذَلِكَ قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَصْحَابِهِ حِين قَالُوا : قَدْ أَسْرَعَ إِلَيْك الشَّيْب فَقَالَ : " شَيَّبَتْنِي هُود وَأَخَوَاتهَا " قَالَ الْأُسْتَاذ أَبُو الْقَاسِم الْقُشَيْرِيُّ فِي رِسَالَته : الِاسْتِقَامَة دَرَجَة بِهَا كَمَالُ الْأُمُور وَتَمَامهَا ، وَبِوُجُودِهَا حُصُول الْخَيْرَات وَنِظَامهَا ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مُسْتَقِيمًا فِي حَالَته ضَاعَ سَعْيه وَخَابَ جَهْده . قَالَ : وَقِيلَ : الِاسْتِقَامَة لَا يُطِيقهَا إِلَّا الْأَكَابِر لِأَنَّهَا الْخُرُوج عَنْ الْمَعْهُودَات وَمُفَارَقَة الرُّسُوم وَالْعَادَات ، وَالْقِيَام بَيْن يَدِي اللَّه تَعَالَى عَلَى حَقِيقَة الصِّدْق . وَلِذَلِكَ قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " اِسْتَقِيمُوا وَلَنْ تُحْصُوا " . وَقَالَ الْوَاسِطِيُّ الْخَصْلَة الَّتِي بِهَا كَمُلَتْ الْمَحَاسِن ، وَبِفَقْدِهَا قَبُحَتْ الْمَحَاسِن . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَلَمْ يَرْوِ مُسْلِم رَحِمَهُ اللَّه فِي صَحِيحه لِسُفْيَان بْن عَبْد اللَّه الثَّقَفِيِّ رَاوِي هَذَا الْحَدِيث عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئًا . وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ هَذَا الْحَدِيث ، وَزَادَ فِيهِ : ( قُلْت : يَا رَسُول اللَّه مَا أَخْوَف مَا أَخَاف عَلَيّ ؟ فَأَخَذَ بِلِسَانِ نَفْسه ثُمَّ قَالَ : هَذَا ) وَاَللَّه أَعْلَم .


56 - فِيهِ : ( عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيُّ الْإِسْلَام خَيْرٌ ؟ قَالَ : " تُطْعِم الطَّعَام وَتَقْرَأ السَّلَام عَلَى مَنْ عَرَفْت وَمَنْ لَمْ تَعْرِف )
وَفِي رِوَايَة ( أَيُّ الْمُسْلِمِينَ خَيْرٌ ؟ قَالَ : مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانه وَيَده ) ، وَفِي رِوَايَة جَابِر ( الْمُسْلِم مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانه وَيَده ) قَالَ الْعُلَمَاء رَحِمَهُمْ اللَّه : قَوْله : أَيُّ الْإِسْلَامِ خَيْر ؟ مَعْنَاهُ أَيُّ خِصَاله وَأُمُوره وَأَحْوَاله . قَالُوا : وَإِنَّمَا وَقَعَ اِخْتِلَاف الْجَوَاب فِي خَيْر الْمُسْلِمِينَ لِاخْتِلَافِ حَال السَّائِل وَالْحَاضِرِينَ ؛ فَكَانَ فِي أَحَد الْمَوْضِعَيْنِ الْحَاجَة إِلَى إِفْشَاء السَّلَام وَإِطْعَام الطَّعَام أَكْثَر وَأَهَمُّ لِمَا حَصَلَ مِنْ إِهْمَالهمَا وَالتَّسَاهُل فِي أُمُورهمَا ، وَنَحْو ذَلِكَ . وَفِي الْمَوْضِع الْآخَر إِلَى الْكَفّ عَنْ إِيذَاء الْمُسْلِمِينَ .
وَمَعْنَى ( تَقْرَأ السَّلَام عَلَى مَنْ عَرَفْت وَمَنْ لَمْ تَعْرِف ) أَيْ تُسَلِّم عَلَى كُلّ مَنْ لَقِيته ، عَرَفْته أَمْ لَمْ تَعْرِفهُ . وَلَا تَخُصّ بِهِ مَنْ تَعْرِفهُ كَمَا يَفْعَلهُ كَثِيرُونَ مِنْ النَّاس . ثُمَّ إِنَّ هَذَا الْعُمُوم مَخْصُوص بِالْمُسْلِمِينَ فَلَا يُسَلَّم اِبْتِدَاء عَلَى كَافِر . وَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيث جُمَل مِنْ الْعِلْم . فَفِيهَا الْحَثّ عَلَى إِطْعَام الطَّعَام وَالْجُود وَالِاعْتِنَاء بِنَفْعِ الْمُسْلِمِينَ وَالْكَفّ عَمَّا يُؤْذِيهِمْ بِقَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ بِمُبَاشَرَةٍ أَوْ سَبَب وَالْإِمْسَاك عَنْ اِحْتِقَارهمْ . وَفِيهَا الْحَثّ عَلَى تَأَلُّف قُلُوب الْمُسْلِمِينَ وَاجْتِمَاع كَلِمَتهمْ وَتَوَادّهمْ وَاسْتِجْلَاب مَا يُحَصِّلُ ذَلِكَ . قَالَ الْقَاضِي رَحِمَهُ اللَّه : وَالْأُلْفَة إِحْدَى فَرَائِض الدِّينِ وَأَرْكَان الشَّرِيعَة وَنِظَام شَمْل الْإِسْلَام . قَالَ : وَفِيهِ بَذْل السَّلَام مَنْ عَرَفْت وَلِمَنْ لَمْ تَعْرِف وَإِخْلَاص الْعَمَل فِيهِ لِلَّهِ تَعَالَى لَا مُصَانَعَة وَلَا مَلَقًا . وَفِيهِ مَعَ ذَلِكَ اِسْتِعْمَال خُلُق التَّوَاضُع وَإِفْشَاء شِعَار هَذِهِ الْأُمَّة . وَاَللَّه تَعَالَى أَعْلَم .
وَأَمَّا أَسْمَاء رِجَال الْبَاب فَقَالَ مُسْلِم رَحِمَهُ اللَّه . فِي الْإِسْنَاد الْأَوَّل : ( وَحَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن رُمْح بْن الْمُهَاجِر حَدَّثَنَا اللَّيْث عَنْ يَزِيد بْن أَبِي حَبِيب عَنْ أَبِي الْخَيْر عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو ) يَعْنِي اِبْن الْعَاصِي قَالَ مُسْلِم رَحِمَهُ اللَّه : ( حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِر أَحْمَد بْن عُمَر الْمِصْرِيُّ أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب عَنْ عَمْرو بْن الْحَارِثِ عَنْ يَزِيد بْن أَبِي حَبِيب عَنْ أَبِي الْخَيْر أَنَّهُ سَمِعَ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا . وَهَذَانِ الْإِسْنَادَانِ كُلُّهُمْ مِصْرِيُّونَ أَئِمَّة جِلَّةٌ وَهَذَا مِنْ عَزِيز الْأَسَانِيد فِي مُسْلِمٍ بَلْ فِي غَيْره ؛ فَإِنَّ اِتِّفَاق جَمِيع الرُّوَاة فِي كَوْنِهِمْ مِصْرِيِّينَ فِي غَايَة الْقِلَّة ، وَيَزْدَاد قِلَّةً بِاعْتِبَارِ الْجَلَالَة .
فَأَمَّا ( عَبْد اللَّه بْن عَمْرو بْن الْعَاصِي رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا )
فَجَلَالَته وَفِقْهه وَكَثْرَة حَدِيثه وَشِدَّة وَرَعه وَزَهَادَته وَإِكْثَارَهُ مِنْ الصَّلَاة وَالصِّيَام وَسَائِر الْعِبَادَات وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاع الْخَيْر فَمَعْرُوفَة مَشْهُورَة لَا يُمْكِن اِسْتِقْصَاؤُهَا . فَرَضِيَ اللَّه عَنْهُ .
وَأَمَّا ( أَبُو الْخَيْر )
بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وَاسْمه مَرْثَد بِالْمُثَلَّثَةِ اِبْن عَبْد اللَّه الْيَزَنِيُّ بِفَتْحِ الْمُثَنَّاة تَحْت وَالزَّاي مَنْسُوب إِلَى يَزَن بَطْن مِنْ حِمْيَر . قَالَ أَبُو سَعِيد بْن يُونُس : كَانَ أَبُو الْخَيْر مُفْتِي أَهْل مِصْر فِي زَمَانه ، مَاتَ سَنَة سَبْعِينَ مِنْ الْهِجْرَة .
وَأَمَّا ( يَزِيد بْن أَبِي حَبِيب )
فَكُنْيَته أَبُو رَجَاء وَهُوَ تَابِعِيٌّ . قَالَ اِبْن يُونُس : وَكَانَ مُفْتِي أَهْل مِصْر فِي زَمَانه ، وَكَانَ حَلِيمًا عَاقِلًا ، وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ أَظْهَر الْعِلْم بِمِصْرَ وَالْكَلَام فِي الْحَلَال وَالْحَرَام ، وَقَبْل ذَلِكَ كَانُوا يَتَحَدَّثُونَ بِالْفِتَنِ وَالْمَلَاحِم وَالتَّرْغِيب فِي الْخَيْر . وَقَالَ اللَّيْث بْن سَعْد : يَزِيد سَيِّدُنَا وَعَالِمنَا . وَاسْم أَبِي حَبِيب سُوَيْد .
وَأَمَّا اللَّيْث بْن سَعْد
رَضِيَ اللَّه عَنْهُ فَإِمَامَته وَجَلَالَته وَصِيَانَته وَبَرَاعَته وَشَهَادَة أَهْل عَصْره بِسَخَائِهِ وَسِيَادَته وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ جَمِيل حَالَاته أَشْهَر مِنْ أَنْ تُذْكَر ، وَأَكْثَر مِنْ أَنْ تُحْصَر . وَيَكْفِي فِي جَلَالَته شَهَادَة الْإِمَامَيْنِ الْجَلِيلِينَ الشَّافِعِيِّ ، وَابْنِ بَكِيرٍ - رَحِمَهُمَا اللَّه تَعَالَى - أَنَّ اللَّيْث أَفْقَه مِنْ مَالِك رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ . فَهَذَانِ صَاحِبَا مَالِك رَحِمَهُ اللَّه وَقَدْ شَهِدَا بِمَا شَهِدَا ، وَهُمَا بِالْمَنْزِلَةِ الْمَعْرُوفَة مِنْ الْإِتْقَان وَالْوَرَع ، وَإِجْلَال مَالِك ، وَمَعْرِفَتهمَا بِأَحْوَالِهِ . هَذَا كُلُّهُ مَعَ مَا قَدْ عُلِمَ مِنْ جَلَالَة مَالِك وَعِظَم فِقْهه رَضِيَ اللَّه عَنْهُ . قَالَ مُحَمَّد بْن رُمْح : كَانَ دَخْل اللَّيْث ثَمَانِينَ أَلْف دِينَار مَا أَوْجَبَ اللَّه تَعَالَى ، عَلَيْهِ زَكَاة قَطُّ . وَقَالَ قُتَيْبَة : لَمَّا قَدِمَ اللَّيْث أَهْدَى لَهُ مَالِك مِنْ طَرَف الْمَدِينَة ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ اللَّيْث أَلْفَ دِينَار . وَكَانَ اللَّيْث مُفْتِي أَهْل مِصْر فِي زَمَانه .
وَأَمَّا ( مُحَمَّد بْن رُمْح )
فَقَالَ : اِبْن يُونُس : هُوَ ثِقَة ثَبْت فِي الْحَدِيث وَكَانَ أَعْلَم النَّاس بِأَخْبَارِ الْبَلَد وَفِقْهه ، وَكَانَ إِذَا شَهِدَ فِي كِتَاب دَارٍ عَلِمَ أَهْلُ الْبَلَد أَنَّهَا طَيِّبَة الْأَصْل . وَذَكَره النَّسَائِيُّ فَقَالَ : مَا أَخْطَأَ فِي حَدِيث ، وَلَوْ كَتَبَ عَنْ مَالِك لَأَثْبَتّه فِي الطَّبَقَة الْأُولَى مِنْ أَصْحَاب مَالِك . وَأَثْنَى عَلَيْهِ غَيْرهمَا . وَاَللَّه أَعْلَم .


57 - وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانه وَيَده )
مَعْنَاهُ مَنْ لَمْ يُؤْذِ مُسْلِمًا بِقَوْلٍ وَلَا فِعْل . وَخَصَّ الْيَد بِالذِّكْرِ لِأَنَّ مُعْظَم الْأَفْعَال بِهَا . وَقَدْ جَاءَ الْقُرْآن الْعَزِيز بِإِضَافَةِ الِاكْتِسَاب وَالْأَفْعَال إِلَيْهَا لِمَا ذَكَرْنَاهُ . وَاَللَّه تَعَالَى أَعْلَم .
وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانه وَيَده ) قَالُوا : مَعْنَاهُ الْمُسْلِم الْكَامِل وَلَيْسَ الْمُرَاد نَفْي أَصْل الْإِسْلَام عَنْ مَنْ لَمْ يَكُنْ بِهَذِهِ الصِّفَة ، بَلْ هَذَا كَمَا يُقَال : الْعِلْم مَا نَفَعَ ، أَوْ الْعَالِم زَيْد أَيْ الْكَامِل ، أَوْ الْمَحْبُوب . وَكَمَا يُقَال : النَّاس الْعَرَب ، وَالْمَال الْإِبِلُ . فَكُلُّهُ عَلَى التَّفْضِيل لَا لِلْحَصْرِ . وَيَدُلّ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ مَعْنَى الْحَدِيث قَوْله أَيُّ الْمُسْلِمِينَ خَيْر ؟ قَالَ : " مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانه وَيَده " ثُمَّ إِنَّ كَمَالَ الْإِسْلَام وَالْمُسْلِم مُتَعَلِّق بِخِصَالٍ أُخَرَ كَثِيرَة ، وَإِنَّمَا خَصَّ مَا ذَكَرَ لِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الْحَاجَة الْخَاصَّة . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَأَمَّا ( عَبْد اللَّه بْن وَهْب )
فَعِلْمه وَوَرَعه وَزُهْده وَحِفْظه وَإِتْقَانه وَكَثْرَة حَدِيثه وَاعْتِمَاد أَهْل مِصْرَ عَلَيْهِ وَإِخْبَارهمْ بِأَنَّ حَدِيث أَهْل مِصْر وَمَا وَالَاهَا يَدُور عَلَيْهِ فَكُلّه أَمْر مَعْرُوف مَشْهُور فِي كُتُب أَئِمَّة هَذَا الْفَنِّ . وَقَدْ بَلَغَنَا عَنْ مَالِك بْن أَنَس رَضِيَ اللَّه عَنْهُ أَنَّهُ لَمْ يَكْتُب إِلَى أَحَد وَعَنْوَنَهُ بِالْفِقْهِ إِلَّا إِلَى اِبْن وَهْب رَحِمَهُ اللَّه .
وَأَمَّا ( عَمْرو بْن الْحَارِثِ )
فَهُوَ مُفْتِي أَهْل مِصْر فِي زَمَنه وَقَارِئِهِمْ . قَالَ أَبُو زُرْعَة رَحِمَهُ اللَّه : لَمْ يَكُنْ لَهُ نَظِير فِي الْحِفْظ فِي زَمَنه وَقَالَ أَبُو حَاتِم : كَانَ أَحْفَظ النَّاس فِي زَمَانه ، وَقَالَ مَالِك بْن أَنَس : عَمْرو بْن الْحَارِثِ دُرَّة الْغَوَّاص . وَقَالَ : هُوَ مُرْتَفِع الشَّأْن . وَقَالَ اِبْن وَهْب : سَمِعْت مِنْ ثَلَثِمِائَةٍ وَسَبْعِينَ شَيْخًا فَمَا رَأَيْت أَحْفَظ مِنْ عَمْرو بْن الْحَارِثِ . رَحِمَهُ اللَّه . وَاَللَّه أَعْلَم .


58 - قَوْله : ( أَبُو عَاصِم عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْر )
أَمَّا ( أَبُو عَاصِم ) وَالضَّحَّاك بْن مُخَلَّد . وَأَمَّا ( بْن جُرَيْجٍ ) فَهُوَ عَبْد الْمَلِكِ بْن عَبْد الْعَزِيز بْن جُرَيْجٍ . وَأَمَّا ( أَبُو الزُّبَيْر ) فَهُوَ مُحَمَّد بْن مُسْلِم بْن تَدْرُسَ . وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانهمْ .


59 - وَقَوْله ( أَبُو بُرْدَة عَنْ أَبِي بُرْدَة عَنْ أَبِي مُوسَى )
فَأَبُو بُرْدَة الْأَوَّل اِسْمه بُرَيْد بِضَمِّ الْمُوَحَّدَة : وَقَدْ سَمَّاهُ فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى . وَأَبُو بُرْدَة الثَّانِي اُخْتُلِفَ فِي اِسْمِهِ . فَقَالَ الْجُمْهُور : اِسْمه عَامِر . وَقَالَ يَحْيَى بْن مَعِينٍ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ : عَامِرٌ . كَمَا قَالَ الْجُمْهُور . وَفِي الْأُخْرَى : الْحَارِثُ . وَأَمَّا ( أَبُو مُوسَى ) فَهُوَ الْأَشْعَرِيُّ وَاسْمه عَبْد اللَّه بْن قَيْسٍ وَإِنَّمَا نَقْصِد بِذِكْرِ مِثْل هَذَا وَإِنْ كَانَ عِنْد أَهْل هَذَا الْفَنِّ مِنْ الْوَاضِحَات الْمَشْهُورَات الَّتِي لَا حَاجَة إِلَى ذِكْرِهَا لِكَوْنِ هَذَا الْكِتَاب لَيْسَ مُخْتَصًّا بِالْفُضَلَاءِ بَلْ هُوَ مَوْضُوعٌ لِإِفَادَةِ مَنْ لَمْ يَتَمَكَّن فِي هَذَا الْفَنّ . وَاَللَّه تَعَالَى أَعْلَم بِالصَّوَابِ .


60 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( ثَلَاث مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ بِهِنَّ حَلَاوَةَ الْإِيمَان مَنْ كَانَ اللَّهَ وَرَسُوله أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا ، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْء لَا يُحِبّهُ إِلَّا لِلَّهِ ، وَأَنْ يَكْرَه أَنْ يَعُود فِي الْكُفْر بَعْد أَنْ أَنْقَذَهُ اللَّه مِنْهُ كَمَا يَكْرَه أَنْ يُقْذَف فِي النَّار )
وَفِي رِوَايَة : ( مِنْ أَنْ يَرْجِع يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا ) ، هَذَا حَدِيث عَظِيمٌ أَصْل مِنْ أُصُول الْإِسْلَام . قَالَ الْعُلَمَاء رَحِمَهُمْ اللَّه : مَعْنَى حَلَاوَة الْإِيمَان اِسْتِلْذَاذ الطَّاعَات وَتَحَمُّلِ الْمَشَقَّات فِي رِضَا اللَّه عَزَّ وَجَلَّ ، وَرَسُوله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَإِيثَار ذَلِكَ عَلَى عَرَضِ الدُّنْيَا ، وَمَحَبَّة الْعَبْد رَبّه - سُبْحَانه وَتَعَالَى - بِفِعْلِ طَاعَته ، وَتَرْكِ مُخَالَفَته ، وَكَذَلِكَ مَحَبَّة رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَالَ الْقَاضِي رَحِمَهُ اللَّه : هَذَا الْحَدِيث بِمَعْنَى الْحَدِيث الْمُتَقَدِّم : ( ذَاقَ طَعْم الْإِيمَان مَنْ رَضِيَ بِاَللَّهِ رَبًّا ، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا ، وَبِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَسُولًا ) وَذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ الْمَحَبَّة لِلَّهِ وَرَسُوله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَقِيقَة وَحُبُّ الْآدَمِيِّ فِي اللَّه وَرَسُوله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَرَاهَة الرُّجُوع إِلَى الْكُفْر إِلَّا لِمَنْ قَوَّى بِالْإِيمَانِ يَقِينَهُ ، وَاطْمَأَنَّتْ بِهِ نَفْسه ، وَانْشَرَحَ لَهُ صَدْره ، وَخَالَطَ لَحْمه وَدَمه . وَهَذَا هُوَ الَّذِي وَجَدَ حَلَاوَته . قَالَ : وَالْحُبُّ فِي اللَّه مِنْ ثَمَرَات حُبّ اللَّه . قَالَ بَعْضهمْ : الْمَحَبَّة مُوَاطَأَة الْقَلْب عَلَى مَا يُرْضِي الرَّبّ سُبْحَانه ؛ فَيُحِبّ مَا أَحَبَّ ، وَيَكْرَه مَا كَرِهَ . وَاخْتَلَفَتْ عِبَارَات الْمُتَكَلِّمِينَ فِي هَذَا الْبَاب بِمَا لَا يَئُول إِلَى اِخْتِلَاف إِلَّا فِي اللَّفْظ . وَبِالْجُمْلَةِ أَصْل الْمَحَبَّة الْمَيْل إِلَى مَا يُوَافِق الْمُحِبِّ ، ثُمَّ الْمَيْل قَدْ يَكُون لِمَا يَسْتَلِذُّهُ الْإِنْسَان ، وَيَسْتَحْسِنهُ كَحُسْنِ الصُّورَة وَالصَّوْت وَالطَّعَام وَنَحْوهَا وَقَدْ يَسْتَلِذُّهُ بِعَقْلِهِ لِلْمَعَانِي الْبَاطِنَة كَمَحَبَّةِ الصَّالِحِينَ وَالْعُلَمَاء وَأَهْل الْفَضْل مُطْلَقًا ، وَقَدْ يَكُون لِإِحْسَانِهِ إِلَيْهِ ، وَدَفْعه الْمَضَارَّ وَالْمَكَارِهَ عَنْهُ . وَهَذِهِ الْمَعَانِي كُلُّهَا مَوْجُودَة فِي النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَا جَمَعَ مِنْ جَمَال الظَّاهِر وَالْبَاطِن ، وَكَمَال خِلَال الْجَلَال ، وَأَنْوَاع الْفَضَائِل ، وَإِحْسَانه إِلَى جَمِيع الْمُسْلِمِينَ بِهِدَايَتِهِ إِيَّاهُمْ إِلَى الصِّرَاط الْمُسْتَقِيم ، وَدَوَام النِّعَم ، وَالْإِبْعَاد مِنْ الْجَحِيم . وَقَدْ أَشَارَ بَعْضهمْ إِلَى أَنَّ هَذَا مُتَصَوَّر فِي حَقّ اللَّه تَعَالَى ، فَإِنَّ الْخَيْر كُلّه مِنْهُ سُبْحَانه وَتَعَالَى . قَالَ مَالِك وَغَيْره : الْمَحَبَّة فِي اللَّه مِنْ وَاجِبَات الْإِسْلَام . هَذَا كَلَام الْقَاضِي رَحِمَهُ اللَّه .
وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( يَعُود أَوْ يَرْجِع ) فَمَعْنَاهُ يَصِير . وَقَدْ جَاءَ الْعَوْد وَالرُّجُوع بِمَعْنَى الصَّيْرُورَة .
وَأَمَّا أَبُو قِلَابَةَ
الْمَذْكُور فِي الْإِسْنَاد فَهُوَ بِكَسْرِ الْقَافِ وَتَخْفِيف اللَّام وَبِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَة وَاسْمه عَبْد اللَّه بْن زَيْد .


61 - وَأَمَّا قَوْل مُسْلِم : ( حَدَّثَنَا اِبْن مُثَنَّى وَابْن بَشَّار قَالَا : حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن جَعْفَر حَدَّثَنَا شُعْبَة قَالَ : سَمِعْت قَتَادَةَ يُحَدِّث عَنْ أَنَس رَضِيَ اللَّه عَنْهُ )
فَهَذَا إِسْنَادٌ كُلُّهُ بَصْرِيُّونَ . وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ شُعْبَة وَاسِطِيٌّ بَصْرِيٌّ . وَاَللَّه تَعَالَى أَعْلَم بِالصَّوَابِ .


62 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا يُؤْمِن عَبْد حَتَّى أَكُون أَحَبّ إِلَيْهِ مِنْ أَهْله وَمَاله وَالنَّاس أَجْمَعِينَ )
وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى ( مِنْ وَلَده وَوَالِده وَالنَّاس أَجْمَعِينَ ) ، قَالَ الْإِمَام أَبُو سُلَيْمَان الْخَطَّابِيُّ : لَمْ يُرِدْ بِهِ حُبّ الطَّبْع ، بَلْ أَرَادَ بِهِ حُبّ الِاخْتِيَار ، لِأَنَّ حُبّ الْإِنْسَان نَفْسه طَبْعٌ وَلَا سَبِيل إِلَى قَلْبه . قَالَ : فَمَعْنَاهُ لَا تَصْدُق فِي حُبِّي حَتَّى تُفْنِي فِي طَاعَتِي نَفْسك ، وَتُؤْثِر رِضَايَ عَلَى هَوَاك ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ هَلَاكك . هَذَا كَلَام الْخَطَّابِيِّ . وَقَالَ اِبْن بَطَّال ، وَالْقَاضِي عِيَاض ، وَغَيْرهمَا رَحْمَة اللَّه عَلَيْهِمْ : الْمَحَبَّة ثَلَاثَة أَقْسَام مَحَبَّة إِجْلَال وَإِعْظَام كَمَحَبَّةِ الْوَالِد ، وَمَحَبَّة شَفَقَة وَرَحْمَة كَمَحَبَّةِ الْوَلَد ، وَمَحَبَّة مُشَاكَلَة وَاسْتِحْسَانٍ كَمَحَبَّةِ سَائِر النَّاس فَجَمَعَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصْنَاف الْمَحَبَّة فِي مَحَبَّته . قَالَ اِبْن بَطَّال رَحِمَهُ اللَّه : وَمَعْنَى الْحَدِيث : أَنَّ مَنْ اِسْتَكْمَلَ الْإِيمَان عَلِمَ أَنَّ حَقّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آكَدُ عَلَيْهِ مِنْ حَقّ أَبِيهِ وَابْنه وَالنَّاس أَجْمَعِينَ ؛ لِأَنَّ بِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اُسْتُنْقِذْنَا مِنْ النَّار ، وَهُدِينَا مِنْ الضَّلَال . قَالَ الْقَاضِي عِيَاض رَحِمَهُ اللَّه : وَمِنْ مَحَبَّته صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نُصْرَة سُنَّته ، وَالذَّبِّ عَنْ شَرِيعَته ، وَتَمَنِّي حُضُور حَيَاته ؛ فَيَبْذُل مَاله وَنَفْسه دُونه . قَالَ : وَإِذَا تَبَيَّنَ مَا ذَكَرْنَاهُ تَبَيَّنَ أَنَّ حَقِيقَة الْإِيمَان لَا يَتِمُّ إِلَّا بِذَلِكَ ، وَلَا يَصِحّ الْإِيمَان إِلَّا بِتَحْقِيقِ إِعْلَاء قَدْر النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَنْزِلَته عَلَى كُلّ وَالِد ، وَوَلَد ، وَمُحْسِن ، وَمُفَضَّل . وَمَنْ لَمْ يَعْتَقِد هَذَا ، وَاعْتَقَدَ سِوَاهُ ، فَلَيْسَ بِمُؤْمِنٍ . هَذَا كَلَام الْقَاضِي رَحِمَهُ اللَّه . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَأَمَّا إِسْنَاد هَذَا الْحَدِيث فَقَالَ مُسْلِمٌ رَحِمَهُ اللَّه : ( وَحَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْن أَبِي شَيْبَة حَدَّثَنَا عَبْد الْوَارِث عَنْ عَبْد الْعَزِيز عَنْ أَنَس )
وَهَذَا الْإِسْنَاد رُوَاته بَصْرِيُّونَ كُلّهمْ . وَشَيْبَانُ بْن أَبِي شَيْبَة هَذَا هُوَ شَيْبَانُ بْن فَرُّوخ الَّذِي رَوَى عَنْهُ مُسْلِم فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ . وَاَللَّه أَعْلَم بِالصَّوَابِ .


63 - قَالَ مُسْلِم : ( وَحَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن مُثَنَّى وَابْن بَشَّار قَالَا : حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن جَعْفَر حَدَّثَنَا شُعْبَة قَالَ سَمِعْت قَتَادَةَ يُحَدِّث عَنْ أَنَس )
وَهَذَا الْإِسْنَاد رُوَاته بَصْرِيُّونَ كُلُّهُمْ .


64 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا يُؤْمِن أَحَدكُمْ حَتَّى يُحِبّ لِأَخِيهِ أَوْ قَالَ لِجَارِهِ مَا يُحِبّ لِنَفْسِهِ )
هَكَذَا هُوَ فِي مُسْلِم لِأَخِيهِ أَوْ لِجَارِهِ عَلَى الشَّكِّ ، وَكَذَا هُوَ فِي مُسْنَد عَبْد بْن حُمَيْدٍ عَلَى الشَّكِّ ، وَهُوَ فِي الْبُخَارِيِّ وَغَيْره ( لِأَخِيهِ ) مِنْ غَيْر شَكٍّ ، قَالَ الْعُلَمَاء رَحِمَهُمْ اللَّه : مَعْنَاهُ لَا يُؤْمِن الْإِيمَان التَّامّ ، وَإِلَّا فَأَصْلُ الْإِيمَان يَحْصُل لِمَنْ لَمْ يَكُنْ بِهَذِهِ الصِّفَة . وَالْمُرَاد يُحِبّ لِأَخِيهِ مِنْ الطَّاعَات وَالْأَشْيَاء الْمُبَاحَات وَيَدُلّ عَلَيْهِ مَا جَاءَ فِي رِوَايَة النَّسَائِيِّ فِي هَذَا الْحَدِيث " حَتَّى يُحِبّ لِأَخِيهِ مِنْ الْخَيْر مَا يُحِبّ لِنَفْسِهِ " قَالَ الشَّيْخ أَبُو عَمْرو بْن الصَّلَاح : وَهَذَا قَدْ يُعَدُّ مِنْ الصَّعْب الْمُمْتَنِع ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ ، إِذْ مَعْنَاهُ لَا يَكْمُل إِيمَان أَحَدكُمْ حَتَّى يُحِبّ لِأَخِيهِ فِي الْإِسْلَام مِثْل مَا يُحِبّ لِنَفْسِهِ ، وَالْقِيَام بِذَلِكَ يَحْصُل بِأَنْ يُحِبّ لَهُ حُصُول مِثْل ذَلِكَ مِنْ جِهَةٍ لَا يُزَاحِمهُ فِيهَا ، بِحَيْثُ لَا تَنْقُص النِّعْمَة عَلَى أَخِيهِ شَيْئًا مِنْ النِّعْمَة عَلَيْهِ ، وَذَلِكَ سَهْل عَلَى الْقَلْب السَّلِيم ، إِنَّمَا يَعْسُرُ عَلَى الْقَلْب الدَّغِل . عَافَانَا اللَّه وَإِخْوَانَنَا أَجْمَعِينَ . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَأَمَّا إِسْنَاده فَقَالَ مُسْلِم رَحِمَهُ اللَّه : ( حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى وَابْن بَشَّار قَالَا حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن جَعْفَر حَدَّثَنَا شُعْبَة قَالَ : سَمِعْت قَتَادَةَ يُحَدِّث عَنْ أَنَس )
وَهَؤُلَاءِ كُلّهمْ بَصْرِيُّونَ . وَاَللَّه أَعْلَم .


66 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا يَدْخُل الْجَنَّة مَنْ لَا يَأْمَن جَاره بَوَائِقه )
الْبَوَائِق جَمْع بَائِقَة وَهِيَ الْغَائِلَة وَالدَّاهِيَة وَالْفَتْك ، وَفِي مَعْنَى " لَا يَدْخُل الْجَنَّة " جَوَابَانِ يَجْرِيَانِ فِي كُلِّ مَا أَشْبَهَ هَذَا . أَحَدهمَا : أَنَّهُ مَحْمُول عَلَى مَنْ يَسْتَحِلّ الْإِيذَاء مَعَ عِلْمه بِتَحْرِيمِهِ ؛ فَهَذَا كَافِرٌ لَا يَدْخُلُهَا أَصْلًا . وَالثَّانِي : مَعْنَاهُ جَزَاؤُهُ أَنْ لَا يَدْخُلهَا وَقْت دُخُول الْفَائِزِينَ إِذَا فُتِحَتْ أَبْوَابهَا لَهُمْ ، بَلْ يُؤَخَّر ثُمَّ قَدْ يُجَازَى ، وَقَدْ يُعْفَى عَنْهُ فَيَدْخُلهَا أَوَّلًا . وَإِنَّمَا تَأَوَّلْنَا هَذَيْنِ التَّأْوِيلَيْنِ لِأَنَّا قَدَّمْنَا أَنَّ مَذْهَب أَهْل الْحَقّ أَنَّ مَنْ مَاتَ عَلَى التَّوْحِيد مُصِرًّا عَلَى الْكَبَائِر فَهُوَ إِلَى اللَّه تَعَالَى إِنْ شَاءَ اللَّه عَفَا عَنْهُ فَأَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ أَوَّلًا ، وَإِنْ شَاءَ عَاقَبَهُ ثُمَّ أَدْخَلَهُ الْجَنَّة . وَاَللَّه أَعْلَم .


67 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ كَانَ يُؤْمِن بِاَللَّهِ وَالْيَوْم الْآخِر فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُت ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِن بِاَللَّهِ وَالْيَوْم الْآخِر فَلْيُكْرِمْ جَاره ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِن بِاَللَّهِ وَالْيَوْم الْآخِر فَلْيُكْرِمْ ضَيْفه )
وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى ( فَلَا يُؤْذِي جَاره ) قَالَ أَهْل اللُّغَة : يُقَال : صَمَتَ يَصْمُت بِضَمِّ الْمِيم صَمْتًا وَصُمُوتًا وَصُمَاتًا أَيْ سَكَتَ . قَالَ الْجَوْهَرِيُّ : وَيُقَال أَصْمُتُ بِمَعْنَى صَمَتّ وَالتَّصْمِيت السُّكُوت . وَالتَّصْمِيت أَيْضًا التَّسْكِيت . قَالَ الْقَاضِي عِيَاض رَحِمَهُ اللَّه : مَعْنَى الْحَدِيث أَنَّ مَنْ اِلْتَزَمَ شَرَائِع الْإِسْلَام لَزِمَهُ إِكْرَام جَاره وَضَيْفه ، وَبِرِّهِمَا . وَكُلّ ذَلِكَ تَعْرِيف بِحَقِّ الْجَار ، وَحَثّ عَلَى حِفْظه . وَقَدْ أَوْصَى اللَّه تَعَالَى بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهِ فِي كِتَابه الْعَزِيز . وَقَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَا زَالَ جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام يُوصِينِي بِالْجَارِ حَتَّى ظَنَنْت أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ " . وَالضِّيَافَة مِنْ آدَاب الْإِسْلَام ،وَخُلُق النَّبِيِّينَ وَالصَّالِحِينَ . وَقَدْ أَوْجَبَهَا اللَّيْث لَيْلَة وَاحِدَة . وَاحْتَجَّ بِالْحَدِيثِ : " لَيْلَة الضَّيْف حَقٌّ وَاجِب عَلَى كُلّ مُسْلِم " وَبِحَدِيثِ عُقْبَة : " إِنْ نَزَلْتُمْ بِقَوْمٍ فَأَمَرُوا لَكُمْ بِحَقِّ الضَّيْف فَاقْبَلُوا ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا فَخُذُوا مِنْهُمْ حَقّ الضَّيْف الَّذِي يَنْبَغِي لَهُمْ " وَعَامَّة الْفُقَهَاء عَلَى أَنَّهَا مِنْ مَكَارِم الْأَخْلَاق . وَحُجَّتهمْ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " جَائِزَته يَوْم وَلَيْلَة " وَالْجَائِزَة الْعَطِيَّة وَالْمِنْحَة وَالصِّلَة وَذَلِكَ لَا يَكُون إِلَّا مَعَ الِاخْتِيَار . وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَلْيُكْرِمْ وَلْيُحْسِنْ ) يَدُلّ عَلَى هَذَا أَيْضًا إِذْ لَيْسَ يُسْتَعْمَل مِثْله فِي الْوَاجِب مَعَ أَنَّهُ مَضْمُوم إِلَى الْإِكْرَام لِلْجَارِ وَالْإِحْسَان إِلَيْهِ ، وَذَلِكَ غَيْر وَاجِب . وَتَأَوَّلُوا الْأَحَادِيث أَنَّهَا كَانَتْ فِي أَوَّل الْإِسْلَام إِذْ كَانَتْ الْمُوَاسَاة وَاجِبَة . وَاخْتَلَفُوا هَلْ الضِّيَافَة عَلَى الْحَاضِر وَالْبَادِي أَمْ عَلَى الْبَادِي خَاصَّة ؟ فَذَهَبَ الشَّافِعِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ ، وَمُحَمَّد بْن الْحَكَم إِلَى أَنَّهَا عَلَيْهِمَا . وَقَالَ مَالِك وَسُحْنُونٌ : إِنَّمَا ذَلِكَ عَلَى أَهْل الْبَوَادِي لِأَنَّ الْمُسَافِر يَجِد فِي الْحَضَر الْمَنَازِل فِي الْفَنَادِق وَمَوَاضِع النُّزُول ، وَمَا يَشْتَرِي مِنْ الْمَأْكَل فِي الْأَسْوَاق . وَقَدْ جَاءَ فِي حَدِيث " الضِّيَافَة عَلَى أَهْل الْوَبَر وَلَيْسَتْ عَلَى أَهْل الْمَدَر " وَلَكِنَّ هَذَا الْحَدِيث عِنْد أَهْل الْمَعْرِفَة مَوْضُوع . وَقَدْ تَتَعَيَّن الضِّيَافَة لِمَنْ اِجْتَازَ مُحْتَاجًا وَخِيفَ عَلَيْهِ ، وَعَلَى أَهْل الذِّمَّة إِذَا اُشْتُرِطَتْ عَلَيْهِمْ . هَذَا كَلَام الْقَاضِي .
وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُت ) فَمَعْنَاهُ أَنَّهُ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَتَكَلَّم فَإِنْ كَانَ مَا يَتَكَلَّم بِهِ خَيْرًا مُحَقَّقًا يُثَاب عَلَيْهِ ، وَاجِبًا أَوْ مَنْدُوبًا فَلْيَتَكَلَّمْ . وَإِنْ لَمْ يَظْهَر لَهُ أَنَّهُ خَيْر يُثَاب عَلَيْهِ ، فَلْيُمْسِك عَنْ الْكَلَام سَوَاء ظَهَرَ لَهُ أَنَّهُ حَرَام أَوْ مَكْرُوه أَوْ مُبَاح مُسْتَوِي الطَّرَفَيْنِ . فَعَلَى هَذَا يَكُون الْكَلَام الْمُبَاح مَأْمُورًا بِتَرْكِهِ مَنْدُوبًا إِلَى الْإِمْسَاك عَنْهُ مَخَافَةً مِنْ اِنْجِرَاره إِلَى الْمُحَرَّم أَوْ الْمَكْرُوه . وَهَذَا يَقَع فِي الْعَادَة كَثِيرًا أَوْ غَالِبًا . وَقَدْ قَالَ اللَّه تَعَالَى : { مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ } وَاخْتَلَفَ السَّلَف وَالْعُلَمَاء فِي أَنَّهُ هَلْ يُكْتَب جَمِيع مَا يَلْفِظ بِهِ الْعَبْد وَإِنْ كَانَ مُبَاحًا لَا ثَوَاب فِيهِ وَلَا عِقَاب لِعُمُومِ الْآيَة أَمْ لَا يُكْتَب إِلَّا مَا فِيهِ جَزَاء مِنْ ثَوَاب أَوْ عِقَاب ؟ وَإِلَى الثَّانِي ذَهَبَ اِبْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا ، وَغَيْره مِنْ الْعُلَمَاء . وَعَلَى هَذَا تَكُون الْآيَة مَخْصُوصَة ، أَيْ مَا يَلْفِظ مِنْ قَوْل يَتَرَتَّب عَلَيْهِ جَزَاء . وَقَدْ نَدَبَ الشَّرْع إِلَى الْإِمْسَاك عَنْ كَثِير مِنْ الْمُبَاحَات لِئَلَّا يَنْجَرَّ صَاحِبهَا إِلَى الْمُحَرَّمَات أَوْ الْمَكْرُوهَات . وَقَدْ أَخَذَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ مَعْنَى الْحَدِيث فَقَالَ : إِذَا أَرَادَ أَنْ يَتَكَلَّم فَلْيُفَكِّرْ ؛ فَإِنْ ظَهَرَ لَهُ أَنَّهُ لَا ضَرَر عَلَيْهِ تَكَلَّمَ ، إِنْ ظَهَرَ لَهُ فِيهِ ضَرَر ، أَوْ شَكَّ فِيهِ أَمْسَكَ . وَقَدْ قَالَ الْإِمَام الْجَلِيل أَبُو مُحَمَّد عَبْد اللَّه بْن أَبِي زَيْد إِمَام الْمَالِكِيَّة بِالْمَغْرِبِ فِي زَمَنه : جِمَاع آدَاب الْخَيْر يَتَفَرَّع مِنْ أَرْبَعَة أَحَادِيث : قَوْل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَنْ كَانَ يُؤْمِن بِاَللَّهِ وَالْيَوْم الْآخِر فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُت " ، وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مِنْ حُسْن إِسْلَام الْمَرْء تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيه " وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلَّذِي اِخْتَصَرَ لَهُ الْوَصِيَّة : " لَا تَغْضَب " ، وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَا يُؤْمِن أَحَدكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ " . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَرَوَيْنَا عَنْ الْأُسْتَاذ أَبِي الْقَاسِم الْقُشَيْرِيِّ رَحِمَهُ اللَّه قَالَ : الصَّمْت بِسَلَامَةٍ وَهُوَ الْأَصْل وَالسُّكُوت فِي وَقْته صِفَة الرِّجَال كَمَا أَنَّ النُّطْق فِي مَوْضِعه مِنْ أَشْرَفَ الْخِصَال قَالَ : وَسَمِعْت أَبَا عَلِيّ الدَّقَّاقَ يَقُول : مَنْ سَكَتَ عَنْ الْحَقّ فَهُوَ شَيْطَان أَخْرَس . قَالَ : فَأَمَّا إِيثَار أَصْحَاب الْمُجَاهَدَة السُّكُوت فَلِمَا عَلِمُوا مَا فِي الْكَلَام مِنْ الْآفَات ، ثُمَّ مَا فِيهِ مِنْ حَظِّ النَّفْس ، وَإِظْهَار صِفَات الْمَدْح ، وَالْمَيْل إِلَى أَنْ يَتَمَيَّز مِنْ بَيْن أَشْكَاله بِحُسْنِ النُّطْق ، وَغَيْر هَذَا مِنْ الْآفَات وَذَلِكَ نَعْتُ أَرْبَاب الرِّيَاضَة ، وَهُوَ أَحَد أَرْكَانهمْ فِي حُكْم الْمُنَازَلَة وَتَهْذِيب الْخُلُق . وَرَوَيْنَا عَنْ الْفُضَيْلِ بْن عِيَاض رَحِمَهُ اللَّه قَالَ : مَنْ عَدَّ كَلَامه مِنْ عَمَله قَلَّ كَلَامُهُ فِيمَا لَا يَعْنِيه . وَعَنْ ذِي النُّون رَحِمَهُ اللَّه : أَصْوَنُ النَّاس لِنَفْسِهِ أَمْسَكُهُمْ لِلِسَانِهِ . وَاَللَّه أَعْلَم .


68 - وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَلَا يُؤْذِي جَاره )
فَكَذَا وَقَعَ فِي الْأُصُول ( يُؤْذِي ) بِالْيَاءِ فِي آخِره وَرَوَيْنَا فِي غَيْر مُسْلِم ( فَلَا يُؤْذِ ) بِحَذْفِهَا . وَهُمَا صَحِيحَانِ . فَحَذْفُهَا لِلنَّهْيِ وَإِثْبَاتهَا عَلَى أَنَّهُ خَبَرٌ يُرَاد بِهِ النَّهْي فَيَكُون أَبْلَغَ . وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى : { لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا } عَلَى قِرَاءَة مَنْ رَفَعَ . وَمِنْهُ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَا يَبِيعُ أَحَدُكُمْ عَلَى بَيْع أَخِيهِ " وَنَظَائِره كَثِيرَة . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَأَمَّا أَسَانِيد الْبَاب فَقَالَ مُسْلِم رَحِمَهُ اللَّه : ( حَدَّثَنَا أَبُو بَكْر بْن أَبِي شَيْبَة حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَص عَنْ أَبِي حَصِينٍ عَنْ أَبِي صَالِح عَنْ أَبِي هُرَيْرَة )
وَهَذَا الْإِسْنَاد كُلُّهُ كُوفِيُّونَ مَكِّيُّونَ إِلَّا أَبَا هُرَيْرَة فَإِنَّهُ مَدَنِيٌّ . وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ أَسْمَائِهِمْ كُلِّهِمْ فِي مَوَاضِع . وَحَصِين بِفَتْحِ الْحَاء .


69 - وَقَوْله ( عَنْ أَبِي شُرَيْح الْخُزَاعِيِّ )
قَدْ قَدَّمْنَا فِي آخِر شَرْح مُقَدِّمَة الْكِتَاب الِاخْتِلَاف فِي اِسْمه وَأَنَّهُ قِيلَ : اِسْمه خُوَيْلِد بْن عَمْرٍو ، وَقِيلَ : عَبْد الرَّحْمَن ، وَقِيلَ : عَمْرو بْن خُوَيْلِد ، وَقِيلَ : هَانِئ بْن عَمْرو ، وَقِيلَ : كَعْب . وَأَنَّهُ يُقَال الْخُزَاعِيُّ وَالْعَدَوَيُّ وَالْكَعْبِيُّ . وَاَللَّه أَعْلَم .


70 - قَوْله : ( أَوَّل مَنْ بَدَأَ بِالْخُطْبَةِ يَوْم الْعِيد قَبْل الصَّلَاة مَرْوَان )
قَالَ الْقَاضِي عِيَاض رَحِمَهُ اللَّه اُخْتُلِفَ فِي هَذَا ، فَوَقَعَ هُنَا مَا نَرَاهُ . وَقِيلَ : أَوَّل مَنْ بَدَأَ بِالْخُطْبَةِ قَبْل الصَّلَاة عُثْمَان رَضِيَ اللَّه عَنْهُ ، وَقِيلَ : عُمَر بْن الْخَطَّاب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ ، لَمَّا رَأَى النَّاس يَذْهَبُونَ عِنْد تَمَام الصَّلَاة ، وَلَا يَنْتَظِرُونَ الْخُطْبَة . وَقِيلَ : بَلْ لِيُدْرِك الصَّلَاةَ مَنْ تَأَخَّرَ وَبَعُدَ مَنْزِله . وَقِيلَ : أَوَّلُ مَنْ فَعَلَهُ مُعَاوِيَة . وَقِيلَ : فَعَلَهُ اِبْن الزُّبَيْر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ . وَاَلَّذِي ثَبَتَ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْر وَعُمَر وَعُثْمَان وَعَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ تَقْدِيم الصَّلَاة . وَعَلَيْهِ جَمَاعَة فُقَهَاء الْأَمْصَار . وَقَدْ عَدَّهُ بَعْضهمْ إِجْمَاعًا يَعْنِي وَاَللَّه أَعْلَم بَعْد الْخِلَاف ، أَوْ لَمْ يَلْتَفِت إِلَى خِلَاف بَنِي أُمَيَّة بَعْد إِجْمَاع الْخُلَفَاء وَالصَّدْر الْأَوَّل .
وَفِي قَوْله بَعْد هَذَا : ( أَمَّا هَذَا فَقَدْ قَضَى مَا عَلَيْهِ ) بِمَحْضَرٍ مِنْ ذَلِكَ الْجَمْع الْعَظِيم دَلِيل عَلَى اِسْتِقْرَار السُّنَّة عِنْدهمْ عَلَى خِلَاف مَا فَعَلَهُ مَرْوَان ، وَبَيَّنَهُ أَيْضًا اِحْتِجَاجه بِقَوْلِهِ : سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : " مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ " وَلَا يُسَمَّى مُنْكَرًا لَوْ اِعْتَقَدَهُ وَمَنْ حَضَرَ ، أَوْ سَبَقَ بِهِ عَمَل ، أَوْ مَضَتْ بِهِ سُنَّة . وَفِي هَذَا دَلِيل عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَعْمَل بِهِ خَلِيفَة قَبْل مَرْوَان ، وَأَنَّ مَا حُكِيَ عَنْ عُمَر وَعُثْمَان وَمُعَاوِيَة لَا يَصِحُّ . وَاَللَّه أَعْلَم .
قَوْله : ( فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُل فَقَالَ : الصَّلَاة قَبْل الْخُطْبَة ، فَقَالَ : قَدْ تُرِك مَا هُنَالِكَ . فَقَالَ أَبُو سَعِيد : أَمَّا هَذَا فَقَدْ قَضَى مَا عَلَيْهِ . سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ الْحَدِيث )
قَدْ يُقَال كَيْف تَأَخَّرَ أَبُو سَعِيد رَضِيَ اللَّه عَنْهُ عَنْ إِنْكَار هَذَا الْمُنْكَر حَتَّى سَبَقَهُ إِلَيْهِ هَذَا الرَّجُل ؟ وَجَوَابه أَنَّهُ يُحْتَمَل أَنَّ أَبَا سَعِيد لَمْ يَكُنْ حَاضِرًا أَوَّل مَا شَرَعَ مَرْوَان فِي أَسْبَاب تَقْدِيم الْخُطْبَة ، فَأَنْكَرَ عَلَيْهِ الرَّجُل ، ثُمَّ دَخَلَ أَبُو سَعِيد وَهُمَا فِي الْكَلَام . وَيُحْتَمَل أَنَّ أَبَا سَعِيد كَانَ حَاضِرًا مِنْ الْأَوَّل وَلَكِنَّهُ خَافَ عَلَى نَفْسه أَوْ غَيْره حُصُول فِتْنَة بِسَبَبِ إِنْكَاره فَسَقَطَ عَنْهُ الْإِنْكَار ، وَلَمْ يَخَفْ ذَلِكَ الرَّجُل شَيْئًا لِاعْتِضَادِهِ بِظُهُورِ عَشِيرَته ، أَوْ غَيْر ذَلِكَ ، أَوْ أَنَّهُ خَافَ وَخَاطَرَ بِنَفْسِهِ وَذَلِكَ جَائِز فِي مِثْل هَذَا ، بَلْ مُسْتَحَبّ . وَيُحْتَمَل أَنَّ أَبَا سَعِيد هَمَّ بِالْإِنْكَارِ فَبَدَرَهُ الرَّجُل ، فَعَضَّدَهُ أَبُو سَعِيد . وَاَللَّه أَعْلَم .
ثُمَّ جَاءَ فِي الْحَدِيث الْآخَر الَّذِي اِتَّفَقَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا عَلَى إِخْرَاجه فِي بَاب صَلَاة الْعِيد أَنَّ أَبَا سَعِيد هُوَ الَّذِي جَذَبَ بِيَدِ مَرْوَان حِين رَآهُ يَصْعَد الْمِنْبَر ، وَكَانَا جَاءَا مَعًا فَرَدَّ عَلَيْهِ مَرْوَان بِمِثْلِ مَا رَدّ هُنَا عَلَى الرَّجُل . فَيُحْتَمَل أَنَّهُمَا قَضِيَّتَانِ إِحْدَاهُمَا لِأَبِي سَعِيد وَالْأُخْرَى لِلرَّجُلِ بِحَضْرَةِ أَبِي سَعِيد . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَأَمَّا قَوْله : ( فَقَدْ قَضَى مَا عَلَيْهِ ) فَفِيهِ تَصْرِيح بِالْإِنْكَارِ أَيْضًا مِنْ أَبِي سَعِيد .
وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَلْيُغَيِّرْهُ ) فَهُوَ أَمْر إِيجَابٍ بِإِجْمَاعِ الْأُمَّة . وَقَدْ تَطَابَقَ عَلَى وُجُوب الْأَمْر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَنْ الْمُنْكَر الْكِتَاب وَالسُّنَّة وَإِجْمَاعُ الْأُمَّة وَهُوَ أَيْضًا مِنْ النَّصِيحَة الَّتِي هِيَ الدِّين . وَلَمْ يُخَالِف فِي ذَلِكَ إِلَّا بَعْض الرَّافِضَة ، وَلَا يُعْتَدّ بِخِلَافِهِمْ كَمَا قَالَ الْإِمَام أَبُو الْمَعَالِي إِمَام الْحَرَمَيْنِ : لَا يُكْتَرَث بِخِلَافِهِمْ فِي هَذَا ، فَقَدْ أَجْمَع الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِ قَبْل أَنْ يَنْبُغ هَؤُلَاءِ . وَوُجُوبه بِالشَّرْعِ لَا بِالْعَقْلِ خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ .
وَأَمَّا قَوْل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : { عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اِهْتَدَيْتُمْ } فَلَيْسَ مُخَالِفًا لِمَا ذَكَرْنَاهُ لِأَنَّ الْمَذْهَب الصَّحِيح عِنْد الْمُحَقِّقِينَ فِي مَعْنَى الْآيَة أَنَّكُمْ إِذَا فَعَلْتُمْ مَا كُلِّفْتُمْ بِهِ فَلَا يَضُرُّكُمْ تَقْصِير غَيْركُمْ مِثْل قَوْله تَعَالَى : { وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى } وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَمِمَّا كُلِّفَ بِهِ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَر ، فَإِذَا فَعَلَهُ وَلَمْ يَمْتَثِل الْمُخَاطَب فَلَا عَتْبَ بَعْد ذَلِكَ عَلَى الْفَاعِل لِكَوْنِهِ أَدَّى مَا عَلَيْهِ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ الْأَمْر وَالنَّهْي لَا الْقَبُول . وَاَللَّه أَعْلَم .
ثُمَّ إِنَّ الْأَمْر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَنْ الْمُنْكَر فَرْض كِفَايَة إِذَا قَامَ بِهِ بَعْض النَّاس سَقَطَ الْحَرَج عَنْ الْبَاقِينَ ، وَإِذَا تَرَكَهُ الْجَمِيع أَثِمَ كُلّ مَنْ تَمَكَّنَ مِنْهُ بِلَا عُذْرٍ وَلَا خَوْف . ثُمَّ إِنَّهُ قَدْ يَتَعَيَّن كَمَا إِذَا كَانَ فِي مَوْضِعٍ لَا يَعْلَم بِهِ إِلَّا هُوَ أَوْ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ إِزَالَته إِلَّا هُوَ ، وَكَمَنْ يَرَى زَوْجَته أَوْ وَلَده أَوْ غُلَامه عَلَى مُنْكَر أَوْ تَقْصِير فِي الْمَعْرُوف قَالَ الْعُلَمَاء رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ : وَلَا يَسْقُط عَنْ الْمُكَلَّف الْأَمْر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَنْ الْمُنْكَر لِكَوْنِهِ لَا يُفِيد فِي ظَنِّهِ بَلْ يَجِب عَلَيْهِ فِعْلُهُ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَع الْمُؤْمِنِينَ . وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ الَّذِي عَلَيْهِ الْأَمْر وَالنَّهْي لَا الْقَبُول . وَكَمَا قَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : { مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ } وَمَثَّلَ الْعُلَمَاءُ هَذَا بِمَنْ يَرَى إِنْسَانًا فِي الْحَمَّام أَوْ غَيْره مَكْشُوفَ بَعْضِ الْعَوْرَةِ وَنَحْو ذَلِكَ . وَاَللَّه أَعْلَم . قَالَ الْعُلَمَاء : وَلَا يُشْتَرَط فِي الْآمِر وَالنَّاهِي أَنْ يَكُون كَامِل الْحَال مُمْتَثِلًا مَا يَأْمُر بِهِ مُجْتَنِبًا مَا يَنْهَى عَنْهُ ، بَلْ عَلَيْهِ الْأَمْر وَإِنْ كَانَ مُخِلًّا بِمَا يَأْمُر بِهِ ، وَالنَّهْي وَإِنْ كَانَ مُتَلَبِّسًا بِمَا يَنْهَى عَنْهُ ؛ فَإِنَّهُ يَجِب عَلَيْهِ شَيْئَانِ أَنْ يَأْمُر نَفْسه وَيَنْهَاهَا ، وَيَأْمُر غَيْره وَيَنْهَاهُ ، فَإِذَا أَخَلَّ بِأَحَدِهِمَا كَيْف يُبَاح لَهُ الْإِخْلَال بِالْآخَرِ ؟ قَالَ الْعُلَمَاء : وَلَا يَخْتَصُّ الْأَمْر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَنْ الْمُنْكَر بِأَصْحَابِ الْوِلَايَات بَلْ ذَلِكَ جَائِز لِآحَادِ الْمُسْلِمِينَ . قَالَ إِمَام الْحَرَمَيْنِ : وَالدَّلِيل عَلَيْهِ إِجْمَاع الْمُسْلِمِينَ ؛ فَإِنَّ غَيْر الْوُلَاة فِي الصَّدْر الْأَوَّل ، وَالْعَصْر الَّذِي يَلِيه كَانُوا يَأْمُرُونَ الْوُلَاة بِالْمَعْرُوفِ ، وَيَنْهَوْنَهُمْ عَنْ الْمُنْكَر ، مَعَ تَقْرِير الْمُسْلِمِينَ إِيَّاهُمْ ، وَتَرْكِ تَوْبِيخهمْ عَلَى التَّشَاغُل بِالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَنْ الْمُنْكَر مِنْ غَيْر وِلَايَة . وَاَللَّه أَعْلَم .
ثُمَّ إِنَّهُ إِنَّمَا يَأْمُر وَيَنْهَى مَنْ كَانَ عَالِمًا بِمَا يَأْمُر بِهِ وَيَنْهَى عَنْهُ ؛ وَذَلِكَ يَخْتَلِف بِاخْتِلَافِ الشَّيْء ؛ فَإِنْ كَانَ مِنْ الْوَاجِبَات الظَّاهِرَة ، وَالْمُحَرَّمَات الْمَشْهُورَة كَالصَّلَاةِ وَالصِّيَام وَالزِّنَا وَالْخَمْر وَنَحْوهَا ، فَكُلّ الْمُسْلِمِينَ عُلَمَاء بِهَا ، وَإِنْ كَانَ مِنْ دَقَائِق الْأَفْعَال وَالْأَقْوَال وَمِمَّا يَتَعَلَّق بِالِاجْتِهَادِ لَمْ يَكُنْ لِلْعَوَامِّ مَدْخَل فِيهِ ، وَلَا لَهُمْ إِنْكَاره ، بَلْ ذَلِكَ لِلْعُلَمَاءِ . ثُمَّ الْعُلَمَاء إِنَّمَا يُنْكِرُونَ مَا أُجْمِعَ عَلَيْهِ أَمَّا الْمُخْتَلَف فِيهِ فَلَا إِنْكَار فِيهِ لِأَنَّ عَلَى أَحَد الْمَذْهَبَيْنِ كُلّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ . وَهَذَا هُوَ الْمُخْتَار عِنْد كَثِيرِينَ مِنْ الْمُحَقِّقِينَ أَوْ أَكْثَرهمْ . وَعَلَى الْمَذْهَب الْآخَر الْمُصِيب وَاحِد وَالْمُخْطِئ غَيْر مُتَعَيَّن لَنَا ، وَالْإِثْم مَرْفُوع عَنْهُ ، لَكِنْ إِنْ نَدَبَهُ عَلَى جِهَة النَّصِيحَة إِلَى الْخُرُوج مِنْ الْخِلَاف فَهُوَ حَسَن مَحْبُوب مَنْدُوب إِلَى فِعْلِهِ بِرِفْقٍ ؛ فَإِنَّ الْعُلَمَاء مُتَّفِقُونَ عَلَى الْحَثّ عَلَى الْخُرُوج مِنْ الْخِلَاف إِذَا لَمْ يَلْزَم مِنْهُ إِخْلَال بِسُنَّةٍ أَوْ وُقُوعٍ فِي خِلَاف آخَر . وَذَكَرَ أَقْضَى الْقُضَاة أَبُو الْحَسَن الْمَاوَرْدِيُّ الْبَصْرِيُّ الشَّافِعِيُّ فِي كِتَابه " الْأَحْكَام السُّلْطَانِيَّةُ " خِلَافًا بَيْن الْعُلَمَاء فِي أَنَّ مَنْ قَلَّدَهُ السُّلْطَان الْحِسْبَة هَلْ لَهُ أَنْ يَحْمِل النَّاس عَلَى مَذْهَبه فِيمَا اِخْتَلَفَ فِيهِ الْفُقَهَاء إِذَا كَانَ الْمُحْتَسِب مِنْ أَهْل الِاجْتِهَاد أَمْ لَا يُغَيِّر مَا كَانَ عَلَى مَذْهَب غَيْره ؟ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يُغَيِّر لِمَا ذَكَرْنَاهُ . وَلَمْ يَزَل الْخِلَاف فِي الْفُرُوع بَيْن الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ فَمَنْ بَعْدهمْ رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ . وَلَا يُنْكِر مُحْتَسِب وَلَا غَيْره عَلَى غَيْره . وَكَذَلِكَ قَالُوا : لَيْسَ لِلْمُفْتِي وَلَا لِلْقَاضِي أَنْ يَعْتَرِض عَلَى مَنْ خَالَفَهُ إِذَا لَمْ يُخَالِف نَصًّا أَوْ إِجْمَاعًا أَوْ قِيَاسًا جَلِيًّا . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْبَاب أَعْنِي بَاب الْأَمْر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَنْ الْمُنْكَر قَدْ ضُيِّعَ أَكْثَره مِنْ أَزْمَانٍ مُتَطَاوِلَة ، وَلَمْ يَبْقَ مِنْهُ فِي هَذِهِ الْأَزْمَان إِلَّا رُسُوم قَلِيلَة جِدًّا . وَهُوَ بَاب عَظِيم بِهِ قِوَام الْأَمْر وَمِلَاكُهُ . وَإِذَا كَثُرَ أَوَّلًا عَمّ الْعِقَابُ الصَّالِحَ وَالطَّالِحَ . وَإِذَا لَمْ يَأْخُذُوا عَلَى يَد الظَّالِم أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمْ اللَّه تَعَالَى بِعِقَابِهِ { فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } فَيَنْبَغِي لِطَالِبِ الْآخِرَة ، وَالسَّاعِي فِي تَحْصِيل رِضَا اللَّه عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يَعْتَنِيَ بِهَذَا الْبَاب ، فَإِنَّ نَفْعَهُ عَظِيم لَا سِيَّمَا وَقَدْ ذَهَبَ مُعْظَمُهُ ، وَيُخْلِص نِيَّته ، وَلَا يُهَادِن مَنْ يُنْكِر عَلَيْهِ لِارْتِفَاعِ مَرْتَبَته ؛ فَإِنَّ اللَّه تَعَالَى قَالَ : { وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ } وَقَالَ تَعَالَى : { وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاَللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } . وَقَالَ تَعَالَى : { وَاَلَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا } . وَقَالَ تَعَالَى : { أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ } وَاعْلَمْ أَنَّ الْأَجْر عَلَى قَدْر النَّصَب ، وَلَا يُتَارِكهُ أَيْضًا لِصَدَاقَتِهِ وَمَوَدَّته وَمُدَاهَنَته وَطَلَب الْوَجَاهَة عِنْده وَدَوَام الْمَنْزِلَة لَدَيْهِ ؛ فَإِنَّ صَدَاقَته وَمَوَدَّته تُوجِب لَهُ حُرْمَة وَحَقًّا ، وَمَنْ حَقّه أَنْ يَنْصَحهُ وَيَهْدِيه إِلَى مَصَالِح آخِرَته ، وَيُنْقِذهُ مِنْ مَضَارِّهَا . وَصَدِيق الْإِنْسَان وَمُحِبُّهُ هُوَ مَنْ سَعَى فِي عِمَارَة آخِرَتِهِ وَإِنْ أَدَّى ذَلِكَ إِلَى نَقْصٍ فِي دُنْيَاهُ . وَعَدُوُّهُ مَنْ يَسْعَى فِي ذَهَاب أَوْ نَقْص آخِرَته وَإِنْ حَصَلَ بِسَبَبِ ذَلِكَ صُورَة نَفْعٍ فِي دُنْيَاهُ . وَإِنَّمَا كَانَ إِبْلِيس عَدُوًّا لَنَا لِهَذَا وَكَانَتْ الْأَنْبِيَاء صَلَوَات اللَّه وَسَلَامه عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ أَوْلِيَاء لِلْمُؤْمِنِينَ لِسَعْيِهِمْ فِي مَصَالِح آخِرَتهمْ ، وَهِدَايَتهمْ إِلَيْهَا ، وَنَسْأَل اللَّه الْكَرِيم تَوْفِيقنَا وَأَحْبَابنَا وَسَائِر الْمُسْلِمِينَ لِمَرْضَاتِهِ ، وَأَنْ يَعُمَّنَا بِجُودِهِ وَرَحْمَته . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَيَنْبَغِي لِلْآمِرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهِي عَنْ الْمُنْكَر أَنْ يَرْفُق لِيَكُونَ أَقْرَب إِلَى تَحْصِيل الْمَطْلُوب . فَقَدْ قَالَ الْإِمَام الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : ( مَنْ وَعَظَ أَخَاهُ سِرًّا فَقَدْ نَصَحَهُ وَزَانَهُ ، وَمَنْ وَعَظَهُ عَلَانِيَة فَقَدْ فَضَحَهُ وَشَانَهُ ) وَمِمَّا يَتَسَاهَل أَكْثَر النَّاس فِيهِ مِنْ هَذَا الْبَاب مَا إِذَا رَأَى إِنْسَانًا يَبِيع مَتَاعًا مَعِيبًا أَوْ نَحْوه فَإِنَّهُمْ لَا يُنْكِرُونَ ذَلِكَ ، وَلَا يُعَرِّفُونَ الْمُشْتَرِي بِعَيْبِهِ ، وَهَذَا خَطَأٌ ظَاهِرٌ . وَقَدْ نَصَّ الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّهُ يَجِب عَلَى مَنْ عَلِم ذَلِكَ أَنْ يُنْكِر عَلَى الْبَائِع ، وَأَنْ يُعْلِم الْمُشْتَرِي بِهِ . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَأَمَّا صِفَة النَّهْي وَمَرَاتِبه فَقَدْ قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا الْحَدِيث الصَّحِيح : " فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ "
فَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَبِقَلْبِهِ )
مَعْنَاهُ فَلْيَكْرَهْهُ بِقَلْبِهِ . وَلَيْسَ ذَلِكَ بِإِزَالَةٍ وَتَغْيِيرٍ مِنْهُ لِلْمُنْكَرِ وَلَكِنَّهُ هُوَ الَّذِي فِي وُسْعِهِ .
وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَذَلِكَ أَضْعَف الْإِيمَان )
مَعْنَاهُ وَاَللَّه أَعْلَم أَقَلُّهُ ثَمَرَة ، قَالَ الْقَاضِي عِيَاض رَحِمَهُ اللَّه : هَذَا الْحَدِيث أَصْل فِي صِفَة التَّغْيِير فَحَقُّ الْمُغَيِّر أَنْ يُغَيِّرهُ بِكُلِّ وَجْه أَمْكَنَهُ زَوَاله بِهِ قَوْلًا كَانَ أَوْ فِعْلًا ؛ فَيَكْسِر آلَات الْبَاطِل ، وَيُرِيق الْمُسْكِر بِنَفْسِهِ ، أَوْ يَأْمُر مَنْ يَفْعَلهُ ، وَيَنْزِع الْغُصُوبَ وَيَرُدَّهَا إِلَى أَصْحَابهَا بِنَفْسِهِ ، أَوْ بِأَمْرِهِ إِذَا أَمْكَنَهُ وَيَرْفُق فِي التَّغْيِير جَهْده بِالْجَاهِلِ وَبِذِي الْعِزَّة الظَّالِم الْمَخُوف شَرّه ؛ إِذْ ذَلِكَ أَدْعَى إِلَى قَبُول قَوْله . كَمَا يُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُون مُتَوَلِّي ذَلِكَ مِنْ أَهْل الصَّلَاح وَالْفَضْل لِهَذَا الْمَعْنَى . وَيُغْلِظ عَلَى الْمُتَمَادِي فِي غَيّه ، وَالْمُسْرِف فِي بَطَالَته ؛ إِذَا أَمِنَ أَنْ يُؤَثِّر إِغْلَاظُه مُنْكَرًا أَشَدّ مِمَّا غَيَّرَهُ لِكَوْنِ جَانِبه مَحْمِيًّا عَنْ سَطْوَة الظَّالِم . فَإِنْ غَلَبَ عَلَى ظَنّه أَنَّ تَغْيِيرَهُ بِيَدِهِ يُسَبِّبُ مُنْكَرًا أَشَدّ مِنْهُ مِنْ قَتْله أَوْ قَتْل غَيْره بِسَبَبٍ كَفَّ يَدَهُ ، وَاقْتَصَرَ عَلَى الْقَوْل بِاللِّسَانِ وَالْوَعْظ وَالتَّخْوِيف . فَإِنْ خَافَ أَنْ يُسَبِّب قَوْله مِثْل ذَلِكَ غَيَّرَ بِقَلْبِهِ ، وَكَانَ فِي سَعَة ، وَهَذَا هُوَ الْمُرَاد بِالْحَدِيثِ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى وَإِنْ وَجَدَ مَنْ يَسْتَعِينُ بِهِ عَلَى ذَلِكَ اِسْتَعَانَ مَا لَمْ يُؤَدِّ ذَلِكَ إِلَى إِظْهَار سِلَاحٍ وَحَرْبٍ ، وَلْيَرْفَع ذَلِكَ إِلَى مَنْ لَهُ الْأَمْر إِنْ كَانَ الْمُنْكَر مِنْ غَيْره ، أَوْ يَقْتَصِر عَلَى تَغْيِيره بِقَلْبِهِ . هَذَا هُوَ فِقْه الْمَسْأَلَة ، وَصَوَاب الْعَمَل فِيهَا عِنْد الْعُلَمَاء وَالْمُحَقِّقِينَ خِلَافًا لِمَنْ رَأَى الْإِنْكَار بِالتَّصْرِيحِ بِكُلِّ حَالٍ وَإِنْ قُتِلَ وَنِيل مِنْهُ كُلّ أَذَى . هَذَا آخِر كَلَام الْقَاضِي رَحِمَهُ اللَّه .
قَالَ إِمَام الْحَرَمَيْنِ رَحِمَهُ اللَّه : وَيَسُوغ لِآحَادِ الرَّعِيَّة أَنْ يَصُدَّ مُرْتَكِبَ الْكَبِيرَة وَإِنْ لَمْ يَنْدَفِع عَنْهَا بِقَوْلِهِ مَا لَمْ يَنْتَهِ الْأَمْر إِلَى نَصْبِ قِتَال وَشَهْر سِلَاح . فَإِنْ اِنْتَهَى الْأَمْر إِلَى ذَلِكَ رَبَطَ الْأَمْر بِالسُّلْطَانِ قَالَ : وَإِذَا جَارَ وَالِي الْوَقْت ، وَظَهَرَ ظُلْمُهُ وَغَشْمُهُ ، وَلَمْ يَنْزَجِر حِين زُجِرَ عَنْ سُوء صَنِيعه بِالْقَوْلِ ، فَلِأَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْد التَّوَاطُؤ عَلَى خَلْعه وَلَوْ بِشَهْرِ الْأَسْلِحَة وَنَصْبِ الْحُرُوب . هَذَا كَلَامُ إِمَام الْحَرَمَيْنِ . وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ مِنْ خَلْعه غَرِيب ، وَمَعَ هَذَا فَهُوَ مَحْمُول عَلَى مَا إِذَا لَمْ يُخَفْ مِنْهُ إِثَارَة مَفْسَدَة أَعْظَم مِنْهُ . قَالَ : وَلَيْسَ لِلْآمِرِ بِالْمَعْرُوفِ الْبَحْث وَالتَّنْقِير وَالتَّجَسُّس وَاقْتِحَام الدُّور بِالظُّنُونِ ، بَلْ إِنْ عَثَرَ عَلَى مُنْكَر غَيَّرَهُ جَهْده . هَذَا كَلَام إِمَام الْحَرَمَيْنِ .
وَقَالَ أَقْضَى الْقُضَاة الْمَاوَرْدِيُّ : لَيْسَ لِلْمُحْتَسِبِ أَنْ يَبْحَث عَمَّا لَمْ يَظْهَر مِنْ الْمُحَرَّمَات . فَإِنْ غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ اِسْتِسْرَار قَوْم بِهَا لِأَمَارَة وَآثَار ظَهَرَتْ ، فَذَلِكَ ضَرْبَانِ .
أَحَدهمَا : أَنْ يَكُون ذَلِكَ فِي اِنْتَهَاك حُرْمَة يَفُوت اِسْتِدْرَاكهَا ، مِثْل أَنْ يُخْبِرَهُ مَنْ يَثِقَ بِصِدْقِهِ أَنَّ رَجُلًا خَلَا بِرَجُلٍ لِيَقْتُلهُ أَوْ بِامْرَأَةِ لِيَزْنِيَ بِهَا فَيَجُوز لَهُ فِي مِثْل هَذَا الْحَال أَنْ يَتَجَسَّسَ ، وَيُقْدِم عَلَى الْكَشْف وَالْبَحْث حَذَرًا مِنْ فَوَات مَا لَا يُسْتَدْرَك . وَكَذَا لَوْ عَرَفَ ذَلِكَ غَيْرُ الْمُحْتَسِبِ مِنْ الْمُتَطَوِّعَة جَازَ لَهُمْ الْإِقْدَام عَلَى الْكَشْف وَالْإِنْكَار .
الضَّرْب الثَّانِي : مَا قَصُرَ عَنْ هَذِهِ الرُّتْبَة فَلَا يَجُوز التَّجَسُّس عَلَيْهِ ، وَلَا كَشْف الْأَسْتَار عَنْهُ . فَإِنْ سَمِعَ أَصْوَات الْمَلَاهِي الْمُنْكَرَة مِنْ دَارٍ أَنْكَرَهَا خَارِج الدَّار لَمْ يَهْجُم عَلَيْهَا بِالدُّخُولِ لِأَنَّ الْمُنْكَر ظَاهِر وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَكْشِف عَنْ الْبَاطِن . وَقَدْ ذَكَرَ الْمَاوَرْدِيُّ فِي آخَر الْأَحْكَام السُّلْطَانِيَّة بَابًا حَسَنًا فِي الْحِسْبَة مُشْتَمِلًا عَلَى جُمَل مِنْ قَوَاعِد الْأَمْر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَنْ الْمُنْكَر وَقَدْ أَشَرْنَا هُنَا إِلَى مَقَاصِدهَا ، وَبَسَطْت الْكَلَام فِي هَذَا الْبَاب لِعِظَمِ فَائِدَته ، وَكَثْرَة الْحَاجَة إِلَيْهِ ، وَكَوْنه مِنْ أَعْظَم قَوَاعِد الْإِسْلَام . وَاَللَّه أَعْلَم .
قَوْله : ( وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَة حَدَّثَنَا الْأَعْمَش عَنْ إِسْمَاعِيل بْن رَجَاء عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي سَعِيد وَعَنْ قَيْس بْن مُسْلِم عَنْ طَارِق بْن شِهَاب عَنْ أَبِي سَعِيد )
فَقَوْله : وَعَنْ قَيْس مَعْطُوف عَلَى إِسْمَاعِيل . مَعْنَاهُ رَوَاهُ الْأَعْمَش عَنْ إِسْمَاعِيل عَنْ قَيْس . وَاَللَّه أَعْلَم .


71 - قَوْله : ( عَنْ صَالِح بْن كَيْسَانَ عَنْ الْحَارِثِ عَنْ جَعْفَر بْن عَبْد اللَّه بْن الْحَكَم عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن الْمِسْوَر عَنْ أَبِي رَافِع عَنْ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود رَضِيَ اللَّه عَنْهُ أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَا مِنْ نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللَّه فِي أُمَّة قَبْلِي إِلَّا كَانَ لَهُ مِنْ أُمَّته حَوَارِيُّونَ وَأَصْحَاب يَأْخُذُونَ بِسُنَّتِهِ وَيَقْتَدُونَ بِأَمْرِهِ ، ثُمَّ إِنَّهَا تَخْلُفُ مِنْ بَعْدهمْ خُلُوف يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ وَيَفْعَلُونَ مَا لَا يُؤْمَرُونَ فَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِيَدِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِلِسَانِهِ فَهُوَ مُؤْمِن وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِقَلْبِهِ فَهُوَ مُؤْمِن وَلَيْسَ وَرَاء ذَلِكَ مِنْ الْإِيمَان حَبَّة خَرْدَل قَالَ أَبُو رَافِع : فَحَدَّثْت عَبْد اللَّه بْن عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا فَأَنْكَرَهُ عَلَيَّ ، فَقَدِمَ اِبْن مَسْعُود رَضِيَ اللَّه عَنْهُ فَنَزَلَ بَقَنَاةَ فَاسْتَتْبَعَنِي إِلَيْهِ عَبْد اللَّه بْن عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا يَعُودهُ ، فَانْطَلَقْت مَعَهُ ، فَلَمَّا جَلَسْنَا سَأَلْت اِبْن مَسْعُود عَنْ هَذَا الْحَدِيث فَحَدَّثَنِيهِ كَمَا حَدَّثْته اِبْن عُمَر . قَالَ صَالِح : وَقَدْ تُحُدِّثَ بِنَحْوِ ذَلِكَ عَنْ أَبِي رَافِع )
أَمَّا ( الْحَارِثُ ) فَهُوَ اِبْنُ فُضَيْلٍ الْأَنْصَارِيُّ الْخَطْمِيُّ أَبُو عَبْد اللَّه الْمَدَنِيُّ رَوَى عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي قَرَّاد الصَّحَابِيّ . قَالَ يَحْيَى بْن مَعِينٍ : هُوَ ثِقَة .
وَأَمَّا ( أَبُو رَافِع ) فَهُوَ مَوْلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْأَصَحُّ أَنَّ اِسْمه أَسْلَمُ ، وَقِيلَ : إِبْرَاهِيمُ ، وَقِيلَ : هُرْمُز ، وَقِيلَ : ثَابِت ، وَقِيلَ : يَزِيدُ ، وَهُوَ غَرِيب حَكَاهُ اِبْن الْجَوْزِيِّ فِي كِتَابه ( جَامِع الْمَسَانِيد ) وَفِي هَذَا الْإِسْنَاد طَرِيفَةٌ وَهُوَ أَنَّهُ اِجْتَمَعَ فِيهِ أَرْبَعَةٌ تَابِعِيُّونَ يَرْوِي بَعْضهمْ عَنْ بَعْض : صَالِح ، وَالْحَارِث ، وَجَعْفَر ، وَعَبْد الرَّحْمَن . وَقَدْ تَقَدَّمَ نَظِير هَذَا . وَقَدْ جَمَعْت فِيهِ بِحَمْدِ اللَّه تَعَالَى جُزْءًا مُشْتَمِلًا عَلَى أَحَادِيث رُبَاعِيَّات : مِنْهَا أَرْبَعَة صَحَابِيُّونَ بَعْضهمْ عَنْ بَعْض ، وَأَرْبَعَة تَابِعِيُّونَ بَعْضهمْ عَنْ بَعْض .
وَأَمَّا قَوْله : ( قَالَ صَالِح وَقَدْ تُحُدِّثَ بِنَحْوِ ذَلِكَ عَنْ أَبِي رَافِع ) فَهُوَ بِضَمِّ التَّاء وَالْحَاء . قَالَ الْقَاضِي عِيَاض رَحِمَهُ اللَّه : مَعْنَى هَذَا أَنَّ صَالِح بْن كَيْسَانَ قَالَ : إِنَّ هَذَا الْحَدِيث رُوِيَ عَنْ أَبِي رَافِع عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ غَيْر ذِكْرِ اِبْن مَسْعُود فِيهِ . وَقَدْ ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ كَذَلِكَ فِي تَارِيخِهِ مُخْتَصَرًا عَنْ أَبِي رَافِع عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْجَيَّانِيُّ عَنْ أَحْمَدَ بْن حَنْبَل رَحِمَهُ اللَّه قَالَ : هَذَا الْحَدِيثُ غَيْر مَحْفُوظ . قَالَ : وَهَذَا الْكَلَامُ لَا يُشْبِه كَلَام اِبْن مَسْعُود . وَابْنُ مَسْعُودٍ يَقُول : اِصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي . هَذَا كَلَام الْقَاضِي - رَحِمَهُ اللَّه - وَقَالَ الشَّيْخ أَبُو عَمْرو : وَهَذَا الْحَدِيث قَدْ أَنْكَرَهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ رَحِمَهُ اللَّه . وَقَدْ رَوَى عَنْ الْحَارِثِ هَذَا جَمَاعَةٌ مِنْ الثِّقَات ، وَلَمْ نَجِد لَهُ ذِكْرًا فِي كُتُب الضُّعَفَاء . وَفِي كِتَاب اِبْن أَبِي حَاتِم عَنْ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ أَنَّهُ ثِقَة . ثُمَّ إِنَّ الْحَارِثَ لَمْ يَنْفَرِد بِهِ بَلْ تُوبِعَ عَلَيْهِ عَلَى مَا أَشْعَرَ بِهِ كَلَام صَالِح بْن كَيْسَانَ الْمَذْكُور . وَذَكَرَ الْإِمَام الدَّارَقُطْنِيُّ رَحِمَهُ اللَّه فِي كِتَاب " الْعِلَل " أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ قَدْ رُوِيَ مِنْ وُجُوه أُخَرَ : مِنْهَا عَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ عَنْ اِبْن مَسْعُود عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
وَأَمَّا قَوْله : ( اِصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي ) فَذَلِكَ حَيْثُ يَلْزَم مِنْ ذَلِكَ سَفْكُ الدِّمَاء أَوْ إِثَارَة الْفِتَن أَوْ نَحْو ذَلِكَ . وَمَا وَرَدَ فِي هَذَا الْحَدِيث مِنْ الْحَثِّ عَلَى جِهَاد الْمُبْطِلِينَ بِالْيَدِ وَاللِّسَان فَذَلِكَ حَيْثُ لَا يَلْزَم مِنْهُ إِثَارَة فِتْنَة . عَلَى أَنَّ هَذَا الْحَدِيث مَسُوق فِيمَنْ سَبَقَ مِنْ الْأُمَم وَلَيْسَ فِي لَفْظه ذِكْرٌ لِهَذِهِ الْأُمَّة . هَذَا آخِر كَلَام الشَّيْخ أَبِي عَمْرو ، وَهُوَ ظَاهِر كَمَا قَالَ . وَقَدْح الْإِمَام أَحْمَد رَحِمَهُ اللَّه فِي هَذَا بِهَذَا عَجَبٌ . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَأَمَّا الْحَوَارِيُّونَ الْمَذْكُورُونَ فَاخْتُلِفَ فِيهِمْ فَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ وَغَيْره هُمْ خُلْصَان الْأَنْبِيَاء وَأَصْفِيَاؤُهُمْ . وَالْخُلْصَان الَّذِينَ نُقُّوا مِنْ كُلّ عَيْب . وَقَالَ غَيْرهمْ . أَنْصَارهمْ . وَقِيلَ : الْمُجَاهِدُونَ . وَقِيلَ : الَّذِينَ يَصْلُحُونَ لِلْخِلَافَةِ بَعْدهمْ .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( ثُمَّ إِنَّهَا تَخْلُف مِنْ بَعْدهمْ خُلُوف ) الضَّمِير فِي ( إِنَّهَا ) هُوَ الَّذِي يُسَمِّيه النَّحْوِيُّونَ ضَمِير الْقِصَّة وَالشَّأْن ، وَمَعْنَى ( تَخْلُف ) تَحْدُث وَهُوَ بِضَمِّ اللَّام . وَأَمَّا ( الْخُلُوف ) فَبِضَمِّ الْخَاء وَهُوَ جَمْع خَلْف بِإِسْكَانِ اللَّام وَهُوَ الْخَالِف بِشَرٍّ . وَأَمَّا بِفَتْحِ اللَّام فَهُوَ الْخَالِف بِخَيْرِ . هَذَا هُوَ الْأَشْهَر . وَقَالَ جَمَاعَة وَجَمَاعَات مِنْ أَهْل اللُّغَة مِنْهُمْ أَبُو زَيْد يُقَال : كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا بِالْفَتْحِ وَالْإِسْكَان . وَمِنْهُمْ مَنْ جَوَّزَ الْفَتْح فِي الشَّرّ وَلَمْ يُجَوِّز الْإِسْكَان فِي الْخَيْر . وَاَللَّه أَعْلَم .
قَوْله : ( فَنَزَلَ بَقَنَاةَ ) هَكَذَا هُوَ فِي بَعْض الْأُصُول الْمُحَقَّقَة ( بَقَنَاةَ ) بِالْقَافِ الْمَفْتُوحَة وَآخِره تَاء التَّأْنِيث . وَهُوَ غَيْر مَصْرُوف لِلْعَلَمِيَّةِ وَالتَّأْنِيث . وَهَكَذَا ذَكَرَهُ أَبُو عَبْد اللَّه الْحُمَيْدِيُّ فِي الْجَمْع بَيْن الصَّحِيحَيْنِ . وَوَقَعَ فِي أَكْثَر الْأُصُول وَلِمُعْظَمِ رُوَاة كِتَاب مُسْلِم ( بِفِنَائِهِ ) بِالْفَاءِ الْمَكْسُورَة وَبِالْمَدِّ وَآخِره هَاء الضَّمِير قَبْلهَا هَمْزَة . ( وَالْفِنَاء ) مَا بَيْن أَيْدِي الْمَنَازِل وَالدُّور . وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو عَوَانَة الْإِسْفَرَايِينِيّ . قَالَ الْقَاضِي عِيَاض رَحِمَهُ اللَّه : فِي رِوَايَة السَّمَرْقَنْدِيِّ ( بَقَنَاةَ ) وَهُوَ الصَّوَاب . وَقَنَاةُ وَادٍ مِنْ أَوْدِيَة الْمَدِينَة عَلَيْهِ مَال مِنْ أَمْوَالهَا قَالَ : وَرِوَايَة الْجُمْهُور : ( بِفِنَائِهِ ) ، وَهُوَ خَطَأ وَتَصْحِيف .
وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
( يَهْتَدُونَ بِهَدْيِهِ )
هُوَ بِفَتْحِ الْهَاء وَإِسْكَان الدَّال أَيْ بِطَرِيقَتِهِ وَسَمْتِهِ .
قَوْل مُسْلِم - رَحِمَهُ اللَّه - : ( وَلَمْ يَذْكُر قُدُوم اِبْن مَسْعُود وَاِجْتِمَاع اِبْن عُمَر مَعَهُ )
هَذَا مِمَّا أَنْكَرَهُ الْحَرِيرِيُّ فِي كِتَابه ( دُرَّة الْغَوَّاص ) فَقَالَ : لَا يُقَال اِجْتَمَعَ فُلَان مَعَ فُلَان ، وَإِنَّمَا يُقَال اِجْتَمَعَ فُلَان وَفُلَان . وَقَدْ خَالَفَهُ الْجَوْهَرِيُّ فَقَالَ فِي ( صِحَاحه ) : جَامَعَهُ عَلَى كَذَا أَيْ اِجْتَمَعَ مَعَهُ .


فِي هَذَا الْبَاب ( أَشَارَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِهِ نَحْو الْيَمَنِ فَقَالَ : أَلَّا إِنَّ الْإِيمَان هَاهُنَا ، وَإِنَّ الْقَسْوَة وَغِلَظ الْقُلُوب فِي الْفَدَّادِينَ عِنْد أُصُول أَذْنَاب الْإِبِل حَيْثُ يَطْلُع قَرْنَا الشَّيْطَان فِي رَبِيعَة وَمُضَر ) وَفِي رِوَايَة ( جَاءَ أَهْل الْيَمَنِ هُمْ أَرَقّ أَفْئِدَة الْإِيمَان يَمَانٍ ، وَالْفِقْه يَمَانٍ ، وَالْحِكْمَة يَمَانِيَة ) وَفِي رِوَايَة ( أَتَاكُمْ أَهْل الْيُمْن هُمْ أَضْعَفُ قُلُوبًا وَأَرَقّ أَفْئِدَة الْفِقْه يَمَانٍ ، وَالْحِكْمَة يَمَانِيَة ) وَفِي رِوَايَة ( رَأْس الْكُفْر نَحْو الْمَشْرِق ، وَالْفَخْر وَالْخُيَلَاء فِي أَهْل الْخَيْل وَالْإِبِل الْفَدَّادِينَ أَهْل الْوَبَر ، وَالسَّكِينَةُ فِي أَهْل الْغَنَم ) وَفِي رِوَايَةٍ ( الْإِيمَان يَمَانٍ ، وَالْكُفْر قِبَل الْمَشْرِق وَالسَّكِينَة فِي أَهْل الْغَنَم ، وَالْفَخْر وَالرِّيَاء فِي الْفَدَّادِينَ أَهْل الْخَيْل وَالْوَبَر ) وَفِي رِوَايَةٍ ( أَتَاكُمْ أَهْل الْيَمَن هُمْ أَلْيَن قُلُوبًا وَأَرَقُّ أَفْئِدَة الْإِيمَانُ يَمَانٍ ، وَالْحِكْمَة يَمَانِيَة ، وَرَأْس الْكُفْر قِبَل الْمَشْرِق ) وَفِي رِوَايَة ( غِلَظ الْقُلُوب وَالْجَفَاء فِي الْمَشْرِق ، وَالْإِيمَان فِي أَهْل الْحِجَاز ) .
قَدْ اُخْتُلِفَ فِي مَوَاضِع هَذَا الْحَدِيث ، وَقَدْ جَمَعَهَا الْقَاضِي عِيَاض رَحِمَهُ اللَّه ، وَنَقَّحَهَا مُخْتَصَرَة بَعْده الشَّيْخ أَبُو عَمْرو بْن الصَّلَاح رَحِمَهُ اللَّه ، وَأَنَا أَحْكِي مَا ذَكَرَهُ . قَالَ : أَمَّا مَا ذُكِرَ مِنْ نِسْبَة الْإِيمَان إِلَى أَهْل الْيَمَن فَقَدْ صَرَفُوهُ عَنْ ظَاهِره مِنْ حَيْثُ إِنَّ مَبْدَأ الْإِيمَان مِنْ مَكَّة ثُمَّ مِنْ الْمَدِينَة حَرَسَهُمَا اللَّه تَعَالَى فَحَكَى أَبُو عُبَيْد إِمَامُ الْغَرْب ثُمَّ مَنْ بَعْدَهُ فِي ذَلِكَ أَقْوَالًا
أَحَدُهَا : أَنَّهُ أَرَادَ بِذَلِكَ مَكَّة فَإِنَّهُ يُقَال : إِنَّ مَكَّة مِنْ تِهَامَة ، وَتِهَامَة مِنْ أَرْض الْيَمَن .
وَالثَّانِي : أَنَّ الْمُرَاد مَكَّة وَالْمَدِينَة ، فَإِنَّهُ يُرْوَى فِي الْحَدِيث أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ هَذَا الْكَلَام وَهُوَ بِتَبُوك ، وَمَكَّة وَالْمَدِينَة حِينَئِذٍ بَيْنه وَبَيْن الْيَمَن ، فَأَشَارَ إِلَى نَاحِيَة الْيَمَن ، وَهُوَ يُرِيد مَكَّة وَالْمَدِينَة ، فَقَالَ : الْإِيمَان يَمَان وَنَسَبهمَا إِلَى الْيَمَن لِكَوْنِهِمَا حِينَئِذٍ مِنْ نَاحِيَة الْيَمَن ، كَمَا قَالُوا الرُّكْن الْيَمَانِيُّ وَهُوَ بِمَكَّة لِكَوْنِهِ إِلَى نَاحِيَة الْيَمَن .
وَالثَّالِث : مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ كَثِير مِنْ النَّاس وَهُوَ أَحْسَنُهَا عِنْد أَبِي عُبَيْد أَنَّ الْمُرَاد بِذَلِكَ الْأَنْصَار لِأَنَّهُمْ يَمَانُونَ فِي الْأَصْل فَنَسَب الْإِيمَان إِلَيْهِمْ لِكَوْنِهِمْ أَنْصَاره .
قَالَ الشَّيْخ أَبُو عَمْرو - رَحِمَهُ اللَّه - : وَلَوْ جَمَعَ أَبُو عُبَيْد وَمَنْ سَلَكَ سَبِيله طُرُق الْحَدِيث بِأَلْفَاظِهِ كَمَا جَمَعَهَا مُسْلِم وَغَيْره ، وَتَأَمَّلُوهَا لَصَارُوا إِلَى غَيْر مَا ذَكَرُوهُ ، وَلَمَا تَرَكُوا الظَّاهِر ، وَلَقَضَوْا بِأَنَّ الْمُرَاد الْيَمَن ، وَأَهْل الْيَمَن عَلَى مَا هُوَ الْمَفْهُوم مِنْ إِطْلَاق ذَلِكَ ؛ إِذْ مِنْ أَلْفَاظه أَتَاكُمْ أَهْل الْيَمَن وَالْأَنْصَار مِنْ جُمْلَة الْمُخَاطَبِينَ بِذَلِكَ فَهُمْ إِذْن غَيْرهمْ . وَكَذَلِكَ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " جَاءَ أَهْل الْيَمَن " وَإِنَّمَا جَاءَ حِينَئِذٍ غَيْر الْأَنْصَار ثُمَّ إِنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَفَهُمْ بِمَا يَقْضِي بِكَمَالِ إِيمَانِهِمْ وَرَتَّبَ عَلَيْهِ الْإِيمَان يَمَان فَكَانَ ذَلِكَ إِشَارَة لِلْإِيمَانِ إِلَى مَنْ أَتَاهُ مِنْ أَهْل الْيَمَن لَا إِلَى مَكَّة وَالْمَدِينَة . وَلَا مَانِع مِنْ إِجْرَاء الْكَلَام عَلَى ظَاهِره ، وَحَمْله عَلَى أَهْل الْيَمَن حَقِيقَة ؛ لِأَنَّ مَنْ اِتَّصَفَ بِشَيْءٍ وَقَوِيَ قِيَامه بِهِ ، وَتَأَكَّدَ اِطِّلَاعه مِنْهُ ، يُنْسَب ذَلِكَ الشَّيْءُ إِلَيْهِ إِشْعَارًا بِتَمَيُّزِهِ بِهِ ، وَكَمَالِ حَاله فِيهِ ، وَهَكَذَا كَانَ حَال أَهْل الْيَمَن حِينَئِذٍ فِي الْإِيمَان ، وَحَال الْوَافِدِينَ مِنْهُ فِي حَيَاة رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَفِي أَعْقَاب مَوْته كَأُوَيْسِ الْقَرْنِيِّ ، وَأَبِي مُسْلِم الْخَوْلَانِيِّ ، رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا ، وَشِبْههمَا مِمَّنْ سَلِمَ قَلْبُهُ ، وَقَوِيَ إِيمَانه فَكَانَتْ نِسْبَة الْإِيمَان إِلَيْهِمْ لِذَلِكَ إِشْعَارًا بِكَمَالِ إِيمَانهمْ مِنْ غَيْر أَنْ يَكُون فِي ذَلِكَ نَفْيٌ لَهُ عَنْ غَيْرهمْ ، فَلَا مُنَافَاة بَيْنه وَبَيْن قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " الْإِيمَان فِي أَهْل الْحِجَاز " ثُمَّ الْمُرَاد بِذَلِكَ الْمَوْجُودُونَ مِنْهُمْ حِينَئِذٍ لَا كُلّ أَهْل الْيَمَن فِي كُلّ زَمَان فَإِنَّ اللَّفْظ لَا يَقْتَضِيه . هَذَا هُوَ الْحَقّ فِي ذَلِكَ وَنَشْكُر اللَّه تَعَالَى عَلَى هِدَايَتنَا لَهُ . وَاَللَّه أَعْلَم .
قَالَ : وَأَمَّا مَا ذَكَرَ مِنْ الْفِقْه وَالْحِكْمَة فَالْفِقْه هُنَا عِبَارَة عَنْ الْفَهْم فِي الدِّين ، وَاصْطَلَحَ بَعْد ذَلِكَ الْفُقَهَاء وَأَصْحَاب الْأُصُول عَلَى تَخْصِيص الْفِقْه بِإِدْرَاكِ الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة الْعَمَلِيَّة بِالِاسْتِدْلَالِ عَلَى أَعْيَانهَا .
وَأَمَّا الْحِكْمَة فَفِيهَا أَقْوَال كَثِيرَة مُضْطَرِبَةٌ قَدْ اِقْتَصَرَ كُلٌّ مِنْ قَائِلِيهَا عَلَى بَعْض صِفَات الْحِكْمَة . وَقَدْ صَفَا لَنَا مِنْهَا أَنَّ الْحِكْمَة عِبَارَة عَنْ الْعِلْم الْمُتَّصِف بِالْأَحْكَامِ ، الْمُشْتَمِل عَلَى الْمَعْرِفَة بِاَللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ، الْمَصْحُوب بِنَفَاذِ الْبَصِيرَة وَتَهْذِيب النَّفْس ، وَتَحْقِيق الْحَقّ ، وَالْعَمَل بِهِ ، وَالصَّدّ عَنْ اِتِّبَاع الْهَوَى وَالْبَاطِل . وَالْحَكِيمُ مَنْ لَهُ ذَلِكَ .
وَقَالَ أَبُو بَكْر بْن دُرَيْدٍ : كُلُّ كَلِمَة وَعَظَتْك ، وَزَجَرَتْك ، أَوْ دَعَتْك إِلَى مَكْرُمَة ، أَوْ نَهَتْك عَنْ قَبِيح ، فَهِيَ حِكْمَة وَحُكْم . مِنْهُ قَوْل صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّ مِنْ الشَّعْر حِكْمَةً " وَفِي بَعْض الرِّوَايَات حُكْمًا . وَاَللَّه أَعْلَم .
قَالَ الشَّيْخ وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَلْيَن قُلُوبًا وَأَرَقُّ أَفْئِدَة ) الْمَشْهُور أَنَّ الْفُؤَاد هُوَ الْقَلْب . فَعَلَى هَذَا يَكُون كَرَّرَ لَفْظ الْقَلْب بِلَفْظَيْنِ ، وَهُوَ أَوْلَى مِنْ تَكْرِيره بِلَفْظٍ وَاحِدٍ . وَقِيلَ : الْفُؤَادُ غَيْر الْقَلْب ، وَهُوَ عَيْن الْقَلْب ، وَقِيلَ : بَاطِن الْقَلْب ، وَقِيلَ : غِشَاء الْقَلْب . وَأَمَّا وَصْفُهَا بِاللِّينِ وَالرِّقَّة وَالضَّعْف فَمَعْنَاهُ أَنَّهَا ذَاتُ خَشْيَة وَاسْتِكَانَة سَرِيعَة الِاسْتِجَابَة وَالتَّأْثِير بِقَوَارِع التَّذْكِير سَالِمَة مِنْ الْغِلَظ وَالشِّدَّة وَالْقَسْوَة الَّتِي وَصَفَ بِهَا قُلُوب الْآخَرِينَ .
قَالَ : وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( فِي الْفَدَّادِينَ ) فَزَعَمَ أَبُو عَمْرو الشَّيْبَانِيُّ أَنَّهُ بِتَخْفِيفِ الدَّال وَهُوَ جَمْع ( فَدَّانٍ ) بِتَشْدِيدِ الدَّال وَهُوَ عِبَارَة عَنْ الْبَقَر الَّتِي يُحْرَث عَلَيْهَا . حَكَاهُ عَنْهُ أَبُو عُبَيْد ، وَأَنْكَرَهُ عَلَيْهِ . وَعَلَى هَذَا الْمُرَاد بِذَلِكَ أَصْحَابُهَا فَحَذَفَ الْمُضَاف . وَالصَّوَاب فِي ( الْفَدَّادِينَ ) بِتَشْدِيدِ الدَّال جَمْع ( فَدَّاد ) بِدَالَيْنِ أُولَاهُمَا مُشَدَّدَة . وَهَذَا قَوْل أَهْل الْحَدِيث ، وَالْأَصْمَعِيِّ ، وَجُمْهُور أَهْل اللُّغَة . وَهُوَ مِنْ ( الْفَدِيد ) وَهُوَ الصَّوْت الشَّدِيد . فَهُمْ الَّذِينَ تَعْلُو أَصْوَاتهمْ فِي إِبِلهمْ ، وَخَيْلهمْ وَحُرُوثِهِمْ ، وَنَحْو ذَلِكَ . وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة مَعْمَر بْن الْمُثَنَّى : هُمْ الْمُكْثِرُونَ مِنْ الْإِبِل الَّذِينَ يَمْلِك أَحَدُهُمْ الْمِائَتَيْنِ مِنْهَا إِلَى الْأَلْف .
وَقَوْله ( إِنَّ الْقَسْوَة فِي الْفَدَّادِينَ عِنْد أُصُول أَذْنَاب الْإِبِل ) مَعْنَاهُ الَّذِينَ لَهُمْ جَلَبَة وَصِيَاح عِنْد سَوْقهمْ لَهَا .
وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( حَيْثُ يَطْلُع قَرْنَا الشَّيْطَان فِي رَبِيعَة وَمُضَر ) . قَوْله ( رَبِيعَة وَمُضَر ) بَدَل مِنْ الْفَدَّادِينَ ، وَأَمَّا قَرْنَا الشَّيْطَان فَجَانِبَا رَأْسِهِ ، وَقِيلَ : هُمَا جَمْعَاهُ اللَّذَانِ يُغْرِيهِمَا بِإِضْلَالِ النَّاس ، وَقِيلَ : شِيعَتَاهُ مِنْ الْكُفَّار . وَالْمُرَاد بِذَلِكَ اِخْتِصَاص الْمَشْرِق بِمَزِيدٍ مِنْ تَسَلُّط الشَّيْطَان وَمِنْ الْكُفْر كَمَا قَالَ فِي الْحَدِيث الْآخَر : " رَأْسُ الْكُفْرِ نَحْو الْمَشْرِق " وَكَانَ ذَلِكَ فِي عَهْده صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِين قَالَ ذَلِكَ ، وَيَكُون حِين يَخْرُج الدَّجَّال مِنْ الْمَشْرِق . وَهُوَ فِيمَا بَيْن ذَلِكَ مَنْشَأ الْفِتَن الْعَظِيمَة ، وَمَثَار الْكَفَرَة التُّرْك الْغَاشِمَة الْعَاتِيَة الشَّدِيدَة الْبَأْس .
قَالَ الشَّيْخ وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( يَمَان وَيَمَانِيَة ) هُوَ بِتَخْفِيفِ الْيَاء عِنْد جَمَاهِير أَهْل الْعَرَبِيَّة لِأَنَّ الْأَلِفَ الْمَزِيدَةَ فِيهِ عِوَضٌ مِنْ يَاء النَّسَب الْمُشَدَّدَة فَلَا يُجْمَع بَيْنهمَا . وَقَالَ اِبْن السَّيِّد فِي كِتَابه ( الِاقْتِضَاب ) : حَكَى الْمُبَرِّد وَغَيْره أَنَّ التَّشْدِيد لُغَة . قَالَ الشَّيْخ : وَهَذَا غَرِيب . قُلْت : وَقَدْ حَكَى الْجَوْهَرِيُّ وَصَاحِبُ الْمَطَالِع وَغَيْرهمَا مِنْ الْعُلَمَاء عَنْ سِيبَوَيْهِ : أَنَّهُ حَكَى عَنْ بَعْض الْعَرَب أَنَّهُمْ يَقُولُونَ الْيَمَانِيّ بِالْيَاءِ الْمُشَدَّدَة وَأَنْشَدَ لِأُمَيَّة بْن خَلَفٍ : يَمَانِيًّا يَظَلُّ يَشِبّ كِيرًا وَيَنْفُخُ دَائِمًا لَهَبَ الشُّوَاظ وَاَللَّه أَعْلَم .
وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( الْفَخْر وَالْخُيَلَاء ) فَالْفَخْر هُوَ الِافْتِخَار ، وَعَدُّ الْمَآثِر الْقَدِيمَة تَعْظِيمًا وَالْخُيَلَاء الْكِبْر وَاحْتِقَار النَّاس .
وَأَمَّا قَوْله : ( فِي أَهْل الْخَيْل وَالْإِبِل الْفَدَّادِينَ أَهْل الْوَبَر ) فَالْوَبَر وَإِنْ كَانَ مِنْ الْإِبِل دُون الْخَيْل فَلَا يَمْتَنِع أَنْ يَكُون قَدْ وَصَفَهُمْ بِكَوْنِهِمْ جَامِعِينَ بَيْن الْخَيْل وَالْإِبِل وَالْوَبَر .
وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( السَّكِينَة فِي أَهْل الْغَنَم ) فَالسَّكِينَة : الطُّمَأْنِينَة وَالسُّكُون . عَلَى خِلَاف مَا ذَكَرَهُ مِنْ صِفَة الْفَدَّادِينَ . هَذَا آخِرُ مَا ذَكَرَهُ الشَّيْخ أَبُو عَمْرو رَحِمَهُ اللَّه وَفِيهِ كِفَايَة فَلَا نُطَوِّل بِزِيَادَةٍ عَلَيْهِ . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَأَمَّا أَسَانِيد الْبَاب فَقَالَ مُسْلِم رَحِمَهُ اللَّه : ( حَدَّثَنَا أَبُو بَكْر بْن أَبِي شَيْبَة حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَة قَالَ : وَحَدَّثَنَا اِبْن نُمَيْر حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ : وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ حَدَّثَنَا اِبْن إِدْرِيسَ كُلّهمْ عَنْ إِسْمَاعِيل بْن أَبِي خَالِد قَالَ : وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْن حَبِيب حَدَّثَنَا مُعْتَمِر عَنْ إِسْمَاعِيل قَالَ : سَمِعْت قَيْسًا يَرْوِي عَنْ أَبِي مَسْعُود ) ، هَؤُلَاءِ كُلّهمْ كُوفِيُّونَ إِلَّا يَحْيَى بْن حَبِيب وَمُعْتَمِرًا فَإِنَّهُمَا بَصْرِيَّانِ . وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ اِسْم اِبْن أَبِي شَيْبَة : عَبْدُ اللَّه اِبْن مُحَمَّد بْن إِبْرَاهِيم بْن أَبِي شَيْبَة ، وَأَنَّ أَبَا أُسَامَة : حَمَّاد بْن أُسَامَة ، وَابْن نُمَيْر مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن نُمَيْر ، وَأَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّد بْن الْعَلَاء ، وَابْن إِدْرِيس عَبْد اللَّه ، وَأَبُو خَالِد هُرْمُز ، وَقِيلَ : سَعْد ، وَقِيلَ : كَثِير . وَأَبُو مَسْعُود عُقْبَةُ بْن عَمْرو الْأَنْصَارِيُّ الْبَدْرِيُّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ . وَفِي الْإِسْنَاد الْآخَر الدَّارِمِيُّ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي مُقَدِّمَة الْكِتَاب أَنَّهُ مَنْسُوب إِلَى جَدٍّ لِلْقَبِيلَةِ اِسْمه دَارِم ، وَفِيهِ أَبُو الْيَمَان وَاسْمه الْحَكَمُ بْن نَافِع ، وَبَعْده أَبُو مُعَاوِيَة مُحَمَّدُ بْن خَازِم بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة ، وَالْأَعْمَش سُلَيْمَان بْن مِهْرَانَ ، وَأَبُو صَالِح ذَكْوَانُ ، وَابْن جُرَيْجٍ عَبْد الْمَلِكِ بْن عَبْد الْعَزِيز بْن جُرَيْجٍ ، وَأَبُو الزُّبَيْر مُحَمَّد بْن مُسْلِم بْن تَدْرُس . وَكُلُّ هَذَا وَإِنْ كَانَ ظَاهِرًا وَقَدْ تَقَدَّمَ فَإِنَّمَا أَقْصِد بِتَكْرِيرِهِ وَذِكْرِهِ الْإِيضَاحَ لِمَنْ لَا يَكُون مِنْ أَهْل هَذَا الشَّأْن فَرُبَّمَا وَقَفَ عَلَى هَذَا الْبَاب ، وَأَرَادَ مَعْرِفَة اِسْم بَعْض هَؤُلَاءِ لِيَتَوَصَّل بِهِ إِلَى مُطَالَعَة تَرْجَمَته ، وَمَعْرِفَة حَاله ، أَوْ غَيْر ذَلِكَ مِنْ الْأَغْرَاض ، فَسَهَّلْت عَلَيْهِ الطَّرِيق بِعِبَارَةٍ مُخْتَصَرَةٍ . وَاَللَّه أَعْلَم بِالصَّوَابِ .


72 - سبق شرحه بالباب


73 - سبق شرحه بالباب


74 - سبق شرحه بالباب


75 - سبق شرحه بالباب


76 - سبق شرحه بالباب


77 - سبق شرحه بالباب


78 - سبق شرحه بالباب


79 - سبق شرحه بالباب


80 - سبق شرحه بالباب


81 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا ، وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا أَوَلَا أَدُلّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ : أَفْشُوا السَّلَام بَيْنكُمْ )
وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى : ( وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا تَدْخُلُونَ الْجَنَّة حَتَّى تُؤْمِنُوا ) هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيع الْأُصُول وَالرِّوَايَات وَلَا تُؤْمِنُوا بِحَذْفِ النُّون مِنْ آخِره وَهِيَ لُغَةٌ مَعْرُوفَةٌ صَحِيحَةٌ .
وَأَمَّا مَعْنَى الْحَدِيث فَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا ) مَعْنَاهُ لَا يَكْمُل إِيمَانكُمْ وَلَا يَصْلُح حَالُكُمْ فِي الْإِيمَان إِلَّا بِالتَّحَابِّ .
وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا تَدْخُلُونَ الْجَنَّة حَتَّى تُؤْمِنُوا ) فَهُوَ عَلَى ظَاهِرِهِ وَإِطْلَاقِهِ فَلَا يَدْخُل الْجَنَّةِ إِلَّا مَنْ مَاتَ مُؤْمِنًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَامِل الْإِيمَان ، فَهَذَا هُوَ الظَّاهِر مِنْ الْحَدِيث .
وَقَالَ الشَّيْخ أَبُو عَمْرو رَحِمَهُ اللَّه . مَعْنَى الْحَدِيث لَا يَكْمُل إِيمَانُكُمْ إِلَّا بِالتَّحَابِّ . وَلَا تَدْخُلُونَ الْجَنَّة عِنْدَ دُخُول أَهْلهَا إِذَا لَمْ تَكُونُوا كَذَلِكَ . وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ مُحْتَمَل . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَأَمَّا قَوْله : ( أَفْشُوا السَّلَام بَيْنكُمْ ) فَهُوَ بِقَطْعِ الْهَمْزَةِ الْمَفْتُوحَةِ . وَفِيهِ الْحَثُّ الْعَظِيمُ عَلَى إِفْشَاء السَّلَام وَبَذْله لِلْمُسْلِمِينَ كُلِّهِمْ ؛ مَنْ عَرَفْت ، وَمَنْ لَمْ تَعْرِف ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيث الْآخَر . وَالسَّلَامُ أَوَّل أَسْبَاب التَّأَلُّف ، وَمِفْتَاح اِسْتِجْلَاب الْمَوَدَّة . وَفِي إِفْشَائِهِ تَمَكَّنُ أُلْفَة الْمُسْلِمِينَ بَعْضهمْ لِبَعْضِ ، وَإِظْهَار شِعَارهمْ الْمُمَيِّز لَهُمْ مِنْ غَيْرهمْ مِنْ أَهْل الْمِلَل ، مَعَ مَا فِيهِ مِنْ رِيَاضَة النَّفْس ، وَلُزُوم التَّوَاضُع ، وَإِعْظَام حُرُمَات الْمُسْلِمِينَ وَقَدْ ذَكَرَ الْبُخَارِيُّ رَحِمَهُ اللَّه فِي صَحِيحه عَنْ عَمَّار بْن يَاسِر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : ( ثَلَاثٌ مَنْ جَمَعَهُنَّ فَقَدْ جَمَعَ الْإِيمَان : الْإِنْصَافُ مِنْ نَفْسك ، وَبَذْل السَّلَام لِلْعَالَمِ ، وَالْإِنْفَاق مِنْ الْإِقْتَار . رَوَى غَيْر الْبُخَارِيِّ هَذَا الْكَلَام مَرْفُوعًا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَبَذْل السَّلَام لِلْعَالَمِ ، وَالسَّلَام عَلَى مَنْ عَرَفْت وَمَنْ لَمْ تَعْرِف ، وَإِفْشَاء السَّلَام كُلّهَا بِمَعْنَى وَاحِد . وَفِيهَا لَطِيفَة أُخْرَى وَهِيَ أَنَّهَا تَتَضَمَّنُ رَفْع التَّقَاطُع وَالتَّهَاجُر وَالشَّحْنَاء وَفَسَاد ذَات الْبَيْن الَّتِي هِيَ الْحَالِقَة ، وَأَنَّ سَلَامه لِلَّهِ لَا يَتْبَع فِيهِ هَوَاهُ ، وَلَا يَخُصّ أَصْحَابه وَأَحْبَابه بِهِ . وَاَللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى أَعْلَم بِالصَّوَابِ .


82 - فِيهِ ( عَنْ تَمِيم الدَّارِيِّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قَالَ : الدِّين النَّصِيحَةُ قُلْنَا : لِمَنْ ؟ قَالَ : لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ )
هَذَا حَدِيث عَظِيم الشَّأْن وَعَلَيْهِ مَدَار الْإِسْلَام كَمَا سَنَذْكُرُهُ مِنْ شَرْحه . وَأَمَّا مَا قَالَهُ جَمَاعَات مِنْ الْعُلَمَاء أَنَّهُ أَحَد أَرْبَاع الْإِسْلَام أَيْ أَحَد الْأَحَادِيث الْأَرْبَعَة الَّتِي تَجْمَع أُمُورَ الْإِسْلَام فَلَيْسَ كَمَا قَالُوهُ ، بَلْ الْمَدَارُ عَلَى هَذَا وَحْدَهُ . وَهَذَا الْحَدِيث مِنْ أَفْرَاد مُسْلِم ، وَلَيْسَ لِتَمِيمٍ الدَّارِيِّ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْءٌ ، وَلَا لَهُ فِي مُسْلِمٍ عَنْهُ غَيْر هَذَا الْحَدِيث . وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي آخِر مُقَدِّمَة الْكِتَاب بَيَان الِاخْتِلَاف فِي نِسْبَة تَمِيمٍ وَأَنَّهُ دَارِيٌّ أَوْ دَيْرِيٌّ .
وَأَمَّا شَرْح هَذَا الْحَدِيث فَقَالَ الْإِمَام أَبُو سُلَيْمَان الْخَطَّابِيُّ رَحِمَهُ اللَّه : النَّصِيحَةُ كَلِمَةٌ جَامِعَةٌ مَعْنَاهَا حِيَازَة الْحَظِّ لِلْمَنْصُوحِ لَهُ . قَالَ : وَيُقَال : هُوَ مِنْ وَجِيز الْأَسْمَاء ، وَمُخْتَصَر الْكَلَام ، وَلَيْسَ فِي كَلَام الْعَرَب كَلِمَة مُفْرَدَة يُسْتَوْفَى بِهَا الْعِبَارَة عَنْ مَعْنَى هَذِهِ الْكَلِمَة . كَمَا قَالُوا فِي الْفَلَاح لَيْسَ فِي كَلَام الْعَرَب كَلِمَة أَجْمَع لِخَيْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَة مِنْهُ . قَالَ : وَقِيلَ : النَّصِيحَة مَأْخُوذَة مِنْ نَصَحَ الرَّجُل ثَوْبه إِذَا خَاطَهُ . فَشَبَّهُوا فِعْل النَّاصِح فِيمَا يَتَحَرَّاهُ مِنْ صَلَاح الْمَنْصُوح لَهُ بِمَا يَسُدّهُ مِنْ خَلَل الثَّوْب . قَالَ : وَقِيلَ : إِنَّهَا مَأْخُوذَة مِنْ نَصَحْت الْعَسَلَ إِذَا صَفَّيْته مِنْ الشَّمْع ، شَبَّهُوا تَخْلِيصَ الْقَوْل مِنْ الْغِشّ بِتَخْلِيصِ الْعَسَل مِنْ الْخَلْط . قَالَ : وَمَعْنَى الْحَدِيث : عِمَاد الدِّين وَقِوَامه النَّصِيحَة . كَقَوْلِهِ : الْحَجُّ عَرَفَة أَيْ عِمَاده وَمُعْظَمه عَرَفَة . وَأَمَّا تَفْسِير النَّصِيحَة وَأَنْوَاعهَا فَقَدْ ذَكَرَ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْره مِنْ الْعُلَمَاء فِيهَا كَلَامًا نَفِيسًا أَنَا أَضُمّ بَعْضه إِلَى بَعْض مُخْتَصَرًا . قَالُوا : أَمَّا النَّصِيحَة لِلَّهِ تَعَالَى فَمَعْنَاهَا مُنْصَرِفٌ إِلَى الْإِيمَان بِهِ ، وَنَفْيِ الشَّرِيكِ عَنْهُ ، وَتَرْكِ الْإِلْحَاد فِي صِفَاته وَوَصْفِهِ بِصِفَاتِ الْكَمَال وَالْجَلَال كُلّهَا ، وَتَنْزِيهه سُبْحَانه وَتَعَالَى مِنْ جَمِيع النَّقَائِص ، وَالْقِيَام بِطَاعَتِهِ ، وَاجْتِنَاب مَعْصِيَته ، وَالْحُبّ فِيهِ ، وَالْبُغْض فِيهِ ، وَمُوَالَاة مَنْ أَطَاعَهُ ، وَمُعَادَاة مَنْ عَصَاهُ ، وَجِهَاد مَنْ كَفَرَ بِهِ ، وَالِاعْتِرَاف بِنِعْمَتِهِ ، وَشُكْره عَلَيْهَا ، وَالْإِخْلَاص فِي جَمِيع الْأُمُور ، وَالدُّعَاء إِلَى جَمِيع الْأَوْصَاف الْمَذْكُورَة ، وَالْحَثّ عَلَيْهَا ، وَالتَّلَطُّف فِي جَمْع النَّاس ، أَوْ مَنْ أَمْكَنَ مِنْهُمْ عَلَيْهَا . قَالَ الْخَطَّابِيُّ رَحْمه اللَّه : وَحَقِيقَةُ هَذِهِ الْإِضَافَة رَاجِعَة إِلَى الْعَبْد فِي نُصْحه نَفْسه ، فَاَللَّه تَعَالَى غَنِيٌّ عَنْ نُصْحِ النَّاصِح . وَأَمَّا النَّصِيحَة لِكِتَابِهِ سُبْحَانه وَتَعَالَى فَالْإِيمَان بِأَنَّهُ كَلَام اللَّه تَعَالَى وَتَنْزِيله ، لَا يُشْبِههُ شَيْءٌ مِنْ كَلَام الْخَلْق ، وَلَا يَقْدِر عَلَى مِثْله أَحَد مِنْ الْخَلْق ، ثُمَّ تَعْظِيمه وَتِلَاوَته حَقّ تِلَاوَته ، وَتَحْسِينُهَا وَالْخُشُوع عِنْدهَا ، وَإِقَامَة حُرُوفه فِي التِّلَاوَة ، وَالذَّبّ عَنْهُ لِتَأْوِيلِ الْمُحَرِّفِينَ وَتَعَرُّض الطَّاعِنِينَ ، وَالتَّصْدِيق بِمَا فِيهِ ، وَالْوُقُوف مَعَ أَحْكَامه ، وَتَفَهُّم عُلُومه وَأَمْثَاله ، وَالِاعْتِبَار بِمَوَاعِظِهِ ، وَالتَّفَكُّر فِي عَجَائِبه ، وَالْعَمَل بِمُحْكَمِهِ ، وَالتَّسْلِيم لِمُتَشَابِهِهِ ، وَالْبَحْث عَنْ عُمُومه وَخُصُوصه وَنَاسِخه وَمَنْسُوخه ، وَنَشْر عُلُومه ، وَالدُّعَاء إِلَيْهِ وَإِلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ نَصِيحَته .
وَأَمَّا النَّصِيحَة لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَصْدِيقه عَلَى الرِّسَالَة ، وَالْإِيمَان بِجَمِيعِ مَا جَاءَ بِهِ ، وَطَاعَته فِي أَمْرِهِ وَنَهْيه ، وَنُصْرَتِهِ حَيًّا وَمَيِّتًا ، وَمُعَادَاة مَنْ عَادَاهُ ، وَمُوَالَاة مَنْ وَالَاهُ ، وَإِعْظَام حَقّه ، وَتَوْقِيره ، وَإِحْيَاء طَرِيقَته وَسُنَّته ، وَبَثّ دَعَوْته ، وَنَشْرِ شَرِيعَته ، وَنَفْي التُّهْمَة عَنْهَا ، وَاسْتِثَارَة عُلُومهَا ، وَالتَّفَقُّه فِي مَعَانِيهَا ، وَالدُّعَاء إِلَيْهَا ، وَالتَّلَطُّف فِي تَعَلُّمهَا وَتَعْلِيمهَا ، وَإِعْظَامهَا ، وَإِجْلَالهَا ، وَالتَّأَدُّب عِنْد قِرَاءَتهَا ، وَالْإِمْسَاك عَنْ الْكَلَام فِيهَا بِغَيْرِ عِلْم ، وَإِجْلَال أَهْلهَا لِانْتِسَابِهِمْ إِلَيْهَا ، وَالتَّخَلُّق بِأَخْلَاقِهِ ، وَالتَّأَدُّب بِآدَابِهِ ، وَمَحَبَّة أَهْل بَيْته وَأَصْحَابه ، وَمُجَانَبَة مَنْ اِبْتَدَعَ فِي سُنَّته ، أَوْ تَعَرَّضَ لِأَحَدٍ مِنْ أَصْحَابه ، وَنَحْو ذَلِكَ .
وَأَمَّا النَّصِيحَة لِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ فَمُعَاوَنَتهمْ عَلَى الْحَقّ ، وَطَاعَتُهُمْ فِيهِ ، وَأَمْرُهُمْ بِهِ ، وَتَنْبِيههمْ وَتَذْكِيرهمْ بِرِفْقٍ وَلُطْفٍ ، وَإِعْلَامهمْ بِمَا غَفَلُوا عَنْهُ وَلَمْ يَبْلُغهُمْ مِنْ حُقُوق الْمُسْلِمِينَ ، وَتَرْك الْخُرُوج عَلَيْهِمْ ، وَتَأَلُّف قُلُوب النَّاس لِطَاعَتِهِمْ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ رَحِمَهُ اللَّه : وَمِنْ النَّصِيحَة لَهُمْ الصَّلَاة خَلْفهمْ ، وَالْجِهَاد مَعَهُمْ ، وَأَدَاء الصَّدَقَات إِلَيْهِمْ ، وَتَرْك الْخُرُوج بِالسَّيْفِ عَلَيْهِمْ إِذَا ظَهَرَ مِنْهُمْ حَيْفٌ أَوْ سُوءُ عِشْرَة ، وَأَنْ لَا يُغَرُّوا بِالثَّنَاءِ الْكَاذِب عَلَيْهِمْ ، وَأَنْ يُدْعَى لَهُمْ بِالصَّلَاحِ . وَهَذَا كُلُّهُ عَلَى أَنَّ الْمُرَاد بِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ الْخُلَفَاء وَغَيْرهمْ مِمَّنْ يَقُوم بِأُمُورِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَصْحَاب الْوِلَايَاتِ . وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُور . وَحَكَاهُ أَيْضًا الْخَطَّابِيُّ . ثُمَّ قَالَ : وَقَدْ يُتَأَوَّل ذَلِكَ عَلَى الْأَئِمَّة الَّذِينَ هُمْ عُلَمَاء الدِّين ، وَأَنَّ مِنْ نَصِيحَتهمْ قَبُول مَا رَوَوْهُ ، وَتَقْلِيدهمْ فِي الْأَحْكَام ، وَإِحْسَان الظَّنِّ بِهِمْ .
وَأَمَّا نَصِيحَة عَامَّة الْمُسْلِمِينَ وَهُمْ مَنْ عَدَا وُلَاة الْأَمْر فَإِرْشَادهمْ لِمَصَالِحِهِمْ فِي آخِرَتهمْ وَدُنْيَاهُمْ ، وَكَفّ الْأَذَى عَنْهُمْ فَيُعَلِّمهُمْ مَا يَجْهَلُونَهُ مِنْ دِينهمْ ، وَيُعِينهُمْ عَلَيْهِ بِالْقَوْلِ وَالْفِعْل ، وَسِتْر عَوْرَاتهمْ ، وَسَدّ خَلَّاتهمْ ، وَدَفْع الْمَضَارّ عَنْهُمْ ، وَجَلْب الْمَنَافِع لَهُمْ ، وَأَمْرهمْ بِالْمَعْرُوفِ ، وَنَهْيهمْ عَنْ الْمُنْكَر بِرِفْقٍ وَإِخْلَاصٍ ، وَالشَّفَقَة عَلَيْهِمْ ، وَتَوْقِير كَبِيرهمْ ، وَرَحْمَة صَغِيرهمْ ، وَتَخَوُّلهمْ بِالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَة ، وَتَرْك غِشِّهِمْ وَحَسَدِهِمْ ، وَأَنْ يُحِبَّ لَهُمْ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ مِنْ الْخَيْر ، وَيَكْرَه لَهُمْ مَا يَكْرَه لِنَفْسِهِ مِنْ الْمَكْرُوه ، وَالذَّبّ عَنْ أَمْوَالهمْ وَأَعْرَاضهمْ ، وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ أَحْوَالهمْ بِالْقَوْلِ وَالْفِعْل ، وَحَثّهمْ عَلَى التَّخَلُّق بِجَمِيعِ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ أَنْوَاع النَّصِيحَة ، وَتَنْشِيط هَمِّهِمْ إِلَى الطَّاعَات . وَقَدْ كَانَ فِي السَّلَف رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ مَنْ تَبْلُغ بِهِ النَّصِيحَة إِلَى الْإِضْرَار بِدُنْيَاهُ . وَاَللَّه أَعْلَم .
هَذَا آخِر مَا تَلَخَّصَ فِي تَفْسِير النَّصِيحَة . قَالَ اِبْن بَطَّال - رَحِمَهُ اللَّه - فِي هَذَا الْحَدِيث : أَنَّ النَّصِيحَة تُسَمَّى دِينًا وَإِسْلَامًا وَأَنَّ الدِّين يَقَع عَلَى الْعَمَل كَمَا يَقَع عَلَى الْقَوْل . قَالَ : وَالنَّصِيحَة فَرْضٌ يَجْزِي فِيهِ مَنْ قَامَ بِهِ ، وَيَسْقُط عَنْ الْبَاقِينَ . قَالَ : وَالنَّصِيحَة لَازِمَة عَلَى قَدْر الطَّاقَة إِذَا عَلِمَ النَّاصِحُ أَنَّهُ يُقْبَل نُصْحه ، وَيُطَاع أَمْرُهُ ، وَأَمِنَ عَلَى نَفْسه الْمَكْرُوه . فَإِنْ خَشِيَ عَلَى نَفْسه أَذًى فَهُوَ فِي سَعَةٍ . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَأَمَّا مَا يَتَعَلَّق بِأَسَانِيد الْبَاب فَفِيهِ
أُمَيَّة بْن بِسْطَامٍ
وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي الْمُقَدِّمَة الْخِلَاف فِي أَنَّهُ هَلْ يُصْرَف أَوْ لَا يُصْرَف ؟ وَفِي أَنَّ الْبَاء مَكْسُورَة عَلَى الْمَشْهُور ، وَأَنَّ صَاحِب الْمَطَالِع حَكَى أَيْضًا فَتْحَهَا .


83 - وَأَمَّا قَوْل مُسْلِم : ( حَدَّثَنَا أَبُو بَكْر بْن أَبِي شَيْبَة حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن نُمَيْر وَأَبُو أُسَامَة عَنْ إِسْمَاعِيل بْن أَبِي خَالِد عَنْ قَيْسٍ عَنْ جَرِيرٍ )
فَهَذَا إِسْنَاد كُلُّهُ كُوفِيُّونَ .
وَأَمَّا حَدِيث جَرِير رَضِيَ اللَّه عَنْهُ ( قَالَ : بَايَعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى إِقَام الصَّلَاة ، وَإِيتَاء الزَّكَاة وَالنُّصْح لِكُلِّ مُسْلِم )
وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى : ( عَلَى السَّمْع وَالطَّاعَة فَلَقَّنَنِي فِيمَا اِسْتَطَعْت ) وَإِنَّمَا اِقْتَصَرَ عَلَى الصَّلَاة وَالزَّكَاة لِكَوْنِهِمَا قَرِينَتَيْنِ ، وَهُمَا أَهَمّ أَرْكَان الْإِسْلَام بَعْد الشَّهَادَتَيْنِ ، وَأَظْهَرهَا . وَلَمْ يَذْكُر الصَّوْم وَغَيْره لِدُخُولِهَا فِي السَّمْع وَالطَّاعَة .
وَمِمَّا يَتَعَلَّقُ بِحَدِيثِ جَرِير مَنْقَبَة وَمَكْرُمَة لِجَرِيرٍ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ رَوَاهَا الْحَافِظ أَبُو الْقَاسِم الطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادِهِ . اِخْتِصَارُهَا : أَنَّ جَرِيرًا أَمَرَ مَوْلَاهُ أَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ فَرَسًا فَاشْتَرَى لَهُ فَرَسًا بِثَلَثِمِائَةِ دِرْهَم ، وَجَاءَ بِهِ وَبِصَاحِبِهِ لِيَنْقُدَهُ الثَّمَنَ ، فَقَالَ جَرِير لِصَاحِبِ الْفَرَس : فَرَسُك خَيْرٌ مِنْ ثَلَثمِائَةِ دِرْهَم . أَتَبِيعُهُ بِأَرْبَعِمِائَةِ دِرْهَم ؟ قَالَ ذَلِكَ إِلَيْك يَا أَبَا عَبْد اللَّه . فَقَالَ : فَرَسُك خَيْر مِنْ ذَلِكَ . أَتَبِيعُهُ بِخَمْسِمِائَةِ دِرْهَم ؟ ثُمَّ لَمْ يَزُلْ يَزِيدُهُ مِائَة ، فَمِائَة ، وَصَاحِبه يَرْضَى ، وَجَرِيرٌ يَقُول : فَرَسَك خَيْر إِلَى أَنْ بَلَغَ ثَمَانمِائَةِ دِرْهَم . فَاشْتَرَاهُ بِهَا . فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ ، فَقَالَ : إِنِّي بَايَعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى النُّصْح لِكُلِّ مُسْلِم . وَاَللَّه أَعْلَم .


84 - وَأَمَّا مَا يَتَعَلَّقُ بِأَسَانِيد الْبَاب فَفِيهِ زِيَاد بْن عِلَاقَةَ بِكَسْرِ الْعَيْن وَبِالْقَافِ .


85 - وَأَمَّا قَوْله : ( حَدَّثَنَا سُرَيْج وَيَعْقُوب قَالَا : حَدَّثَنَا هُشَيْم عَنْ سَيَّار عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ جَرِيرٍ )
، ثُمَّ قَالَ مُسْلِم فِي آخِره :
( قَالَ يَعْقُوب فِي رِوَايَته : حَدَّثَنَا سَيَّار )
فَفِيهِ تَنْبِيه عَلَى لَطِيفَةٍ وَهِيَ أَنَّ هُشَيْمًا مُدَلِّس وَقَدْ قَالَ ( عَنْ ) سَيَّار وَالْمُدَلِّس : إِذَا قَالَ : ( عَنْ ) ، لَا يُحْتَجُّ بِهِ إِلَّا إِنْ ثَبَتَ سَمَاعه مِنْ جِهَة أُخْرَى . فَرَوَى مُسْلِم رَحِمَهُ اللَّه حَدِيثه هَذَا عَنْ شَيْخَيْنِ وَهُمَا سُرَيْجٌ وَيَعْقُوبُ .
فَأَمَّا سُرَيْجٌ فَقَالَ حَدَّثَنَا هُشَيْم عَنْ سَيَّار . وَأَمَّا يَعْقُوب فَقَالَ : حَدَّثَنَا هُشَيْم قَالَ : حَدَّثَنَا سَيَّار . فَبَيَّنَ مُسْلِم رَحِمَهُ اللَّه اِخْتِلَافُ عِبَارَة الرَّاوِيَيْنِ فِي نَقْلِهِمَا عِبَارَته ، وَحَصَلَ مِنْهُمَا اِتِّصَال حَدِيثه ، وَلَمْ يَقْتَصِر مُسْلِم رَحِمَهُ اللَّه عَلَى إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ . وَهَذَا مِنْ عَظِيم إِتْقَانه ، وَدَقِيق نَظَرِهِ ، وَحُسْن اِحْتِيَاطه رَضِيَ اللَّه عَنْهُ . وَسَيَّار بِتَقْدِيمِ السِّين عَلَى الْيَاء . وَاَللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى أَعْلَم بِالصَّوَابِ .
وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فِيمَا اِسْتَطَعْت )
مُوَافِق لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا } وَالرِّوَايَة ( اِسْتَطَعْت ) بِفَتْحِ التَّاء . وَتَلْقِينُهُ مِنْ كَمَالِ شَفَقَته صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ قَدْ يَعْجِز فِي بَعْض الْأَحْوَال . فَلَوْ لَمْ يُقَيِّدْهُ بِمَا اِسْتَطَاعَ لَأَخَلَّ بِمَا اِلْتَزَمَ فِي بَعْض الْأَحْوَال . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَأَمَّا مَا يَتَعَلَّق بِأَسَانِيد الْبَاب فَفِيهِ سُرَيْج بْن يُونُس بِالسِّينِ الْمُهْمَلَة وَبِالْجِيمِ . وَفِيهِ الدَّوْرَقِيُّ بِفَتْحِ الدَّال ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْمُقَدِّمَة بَيَان هَذِهِ النِّسْبَة . وَاَللَّه أَعْلَم .


86 - فِي الْبَاب قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( لَا يَزْنِي الزَّانِي حِين يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِن ، وَلَا يَسْرِق السَّارِق حِين يَسْرِق وَهُوَ مُؤْمِن ، وَلَا يَشْرَبُ الْخَمْر حِين يَشْرَبُهَا وَهُوَ مُؤْمِن )
الْحَدِيث وَفِي رِوَايَة : ( وَلَا يَغُلُّ أَحَدكُمْ حِين يَغُلّ وَهُوَ مُؤْمِن ) وَفِي رِوَايَة ( وَالتَّوْبَة مَعْرُوضَة بَعْد ) ، هَذَا الْحَدِيث مِمَّا اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي مَعْنَاهُ . فَالْقَوْلُ الصَّحِيحُ الَّذِي قَالَهُ الْمُحَقِّقُونَ أَنَّ مَعْنَاهُ : لَا يَفْعَل هَذِهِ الْمَعَاصِي وَهُوَ كَامِل الْإِيمَان . وَهَذَا مِنْ الْأَلْفَاظ الَّتِي تُطْلَق عَلَى نَفْيِ الشَّيْء وَيُرَاد نَفْي كَمَالِهِ وَمُخْتَاره كَمَا يُقَال : لَا عِلْم إِلَّا مَا نَفَعَ ، وَلَا مَال إِلَّا الْإِبِل ، وَلَا عَيْش إِلَّا عَيْش الْآخِرَة . وَإِنَّمَا تَأَوَّلْنَاهُ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ لِحَدِيثِ أَبِي ذَرّ وَغَيْره " مَنْ قَالَ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه دَخَلَ الْجَنَّة وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ " وَحَدِيث عُبَادَةَ بْن الصَّامِت الصَّحِيح الْمَشْهُور أَنَّهُمْ بَايَعُوهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَنْ لَا يَسْرِقُوا وَلَا يَزْنُوا ، وَلَا يَعْصُوا إِلَى آخِره . ثُمَّ قَالَ لَهُمْ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " فَمَنْ وَفَّى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّه ، وَمَنْ فَعَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَعُوقِبَ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ كَفَّارَته ، وَمَنْ فَعَلَ وَلَمْ يُعَاقَب فَهُوَ إِلَى اللَّه تَعَالَى إِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ ، وَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ " فَهَذَانِ الْحَدِيثَانِ مَعَ نَظَائِرهمَا فِي الصَّحِيح مَعَ قَوْل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : { إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ } مَعَ إِجْمَاع أَهْل الْحَقّ عَلَى أَنَّ الزَّانِيَ وَالسَّارِقَ وَالْقَاتِلَ وَغَيْرَهُمْ مِنْ أَصْحَاب الْكَبَائِر غَيْر الشِّرْك ، لَا يَكْفُرُونَ بِذَلِكَ ، بَلْ هُمْ مُؤْمِنُونَ نَاقِصُو الْإِيمَان . إِنْ تَابُوا سَقَطَتْ عُقُوبَتهمْ ، وَإِنْ مَاتُوا مُصِرِّينَ عَلَى الْكَبَائِر كَانُوا فِي الْمَشِيئَة . فَإِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى عَفَا عَنْهُمْ وَأَدْخَلَهُمْ الْجَنَّة أَوَّلًا ، وَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُمْ ، ثُمَّ أَدْخَلَهُمْ الْجَنَّة . وَكُلّ هَذِهِ الْأَدِلَّة تَضْطَرُّنَا إِلَى تَأْوِيل هَذَا الْحَدِيث وَشِبْهِهِ . ثُمَّ إِنَّ هَذَا التَّأْوِيل ظَاهِرٌ سَائِغ فِي اللُّغَة مُسْتَعْمَلٌ فِيهَا كَثِير . وَإِذَا وَرَدَ حَدِيثَانِ مُخْتَلِفَانِ ظَاهِرًا وَجَبَ الْجَمْع بَيْنهمَا . وَقَدْ وَرَدَا هُنَا فَيُجِبْ الْجَمْع وَقَدْ جَمَعْنَا . وَتَأَوَّلَ بَعْض الْعُلَمَاء هَذَا الْحَدِيث عَلَى مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ مُسْتَحِلًّا لَهُ مَعَ عِلْمه بِوُرُودِ الشَّرْع بِتَحْرِيمِهِ . وَقَالَ الْحَسَن وَأَبُو جَعْفَر مُحَمَّد بْن جَرِير الطَّبَرِيُّ : مَعْنَاهُ يُنْزَع مِنْهُ اِسْم الْمَدْح الَّذِي يُسَمَّى بِهِ أَوْلِيَاء اللَّه الْمُؤْمِنِينَ ، وَيَسْتَحِقُّ اِسْم الذَّمّ فَيُقَال : سَارِق ، وَزَانٍ وَفَاجِر ، وَفَاسِق . وَحُكِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا أَنَّ مَعْنَاهُ : يُنْزَع مِنْهُ نُور الْإِيمَان . وَفِيهِ حَدِيث مَرْفُوع . وَقَالَ الْمُهَلَّبُ : يُنْزَع مِنْهُ بَصِيرَته فِي طَاعَة اللَّه تَعَالَى . وَذَهَبَ الزُّهْرِيُّ إِلَى أَنَّ هَذَا الْحَدِيث . وَمَا أَشْبَهَهُ ، يُؤْمَنُ بِهَا ، وَيُمَرُّ عَلَى مَا جَاءَتْ ، وَلَا يُخَاض فِي مَعْنَاهَا وَأَنَّا لَا نَعْلَم مَعْنَاهَا . وَقَالَ : أَمِرُّوهَا كَمَا أَمَرَّهَا مَنْ قَبْلكُمْ . وَقِيلَ فِي مَعْنَى الْحَدِيث غَيْر مَا ذَكَرْته مِمَّا لَيْسَ بِظَاهِرٍ ، بَلْ بَعْضهَا غَلَطٌ ، فَتَرَكْتهَا . وَهَذِهِ الْأَقْوَال الَّتِي ذَكَرْتهَا فِي تَأْوِيله كُلُّهَا مُحْتَمَلَة . وَالصَّحِيح فِي مَعْنَى الْحَدِيث مَا قَدَّمْنَاهُ أَوَّلًا وَاَللَّه أَعْلَم .
وَأَمَّا قَوْل اِبْن وَهْب : ( أَخْبَرَنِي يُونُس عَنْ اِبْن شِهَاب قَالَ : سَمِعْت أَبَا سَلَمَة وَسَعِيد بْن الْمُسَيِّب يَقُولَانِ : قَالَ أَبُو هُرَيْرَة : إِنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " لَا يَزْنِي الزَّانِي حِين يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِن " إِلَى آخِره قَالَ اِبْن شِهَاب فَأَخْبَرَنِي عَبْد الْمَلِكِ بْن أَبِي بَكْر بْن عَبْد الرَّحْمَن أَنَّ أَبَا بَكْر كَانَ يُحَدِّثُهُمْ هَؤُلَاءِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة ثُمَّ يَقُول : وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَة يُلْحِقُ مَعَهُنَّ : " وَلَا يَنْتَهِب نُهْبَة ذَات شَرَف يَرْفَع النَّاس إِلَيْهِ فِيهَا أَبْصَارهمْ حِين يَنْتَهِبهَا وَهُوَ مُؤْمِن " )
فَظَاهِر هَذَا الْكَلَام أَنَّ قَوْله ( وَلَا يَنْتَهِب إِلَى آخِره ) لَيْسَ مِنْ كَلَام النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، بَلْ هُوَ مِنْ كَلَام أَبِي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُ ، مَوْقُوف عَلَيْهِ ، وَلَكِنْ جَاءَ فِي رِوَايَة أُخْرَى مَا يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ مِنْ كَلَام النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَقَدْ جَمَعَ الشَّيْخ أَبُو عَمْرو بْن الصَّلَاح رَحِمَهُ اللَّه فِي ذَلِكَ كَلَامًا حَسَنًا فَقَالَ : رَوَى أَبُو نُعَيْم فِي مُخَرَّجه عَلَى كِتَاب مُسْلِم رَحِمَهُ اللَّه مِنْ حَدِيث هَمَّام بْن مُنَبَّه هَذَا الْحَدِيث ، وَفِيهِ " وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يَنْتَهِب أَحَدكُمْ " وَهَذَا مُصَرَّح بِرَفْعِهِ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَالَ : وَلَمْ يَسْتَغْنِ عَنْ ذِكْر هَذَا بِأَنَّ الْبُخَارِيَّ رَوَاهُ مِنْ حَدِيث اللَّيْث بِإِسْنَادِهِ هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ مُسْلِم عَنْهُ مَعْطُوفًا فِيهِ ذِكْر النُّهْبَة عَلَى مَا بَعْد قَوْله قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَسَقًا مِنْ غَيْر فَصْل بِقَوْلِهِ ، وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَة يُلْحِق مَعَهُنَّ ذَلِكَ . وَذَلِكَ مُرَاد مُسْلِم رَحِمَهُ اللَّه بِقَوْلِهِ : وَاقْتَصَّ الْحَدِيث يَذْكُر مَعَ ذِكْر النُّهْبَة وَلَمْ يَذْكُر ذَات شَرَف وَإِنَّمَا لَمْ يَكْتَفِ بِهَذَا فِي الِاسْتِدْلَال عَلَى كَوْن النُّهْبَة مِنْ كَلَام النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَنَّهُ قَدْ يُعَدُّ ذَلِكَ مِنْ قِبَل الْمُدْرَج فِي الْحَدِيث مِنْ كَلَام بَعْضِ رُوَاته اِسْتِدْلَالًا بِقَوْلِ مَنْ فَصَّلَ ، فَقَالَ : وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَة يُلْحِق مَعَهُنَّ . وَمَا رَوَاهُ أَبُو نُعَيْم يَرْتَفِع عَنْ أَنْ يَتَطَرَّق إِلَيْهِ هَذَا الِاحْتِمَال . وَظَهَرَ بِذَلِكَ أَنَّ قَوْل أَبِي بَكْر بْن عَبْد الرَّحْمَن : وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَة يُلْحِق مَعَهُنَّ مَعْنَاهُ يُلْحِقهَا رِوَايَة عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا مِنْ عِنْد نَفْسه ، وَكَأَنَّ أَبَا بَكْر خَصَّهَا بِذَلِكَ لِكَوْنِهِ بَلَغَهُ أَنَّ غَيْره لَا يَرْوِيهَا . وَدَلِيل ذَلِكَ مَا تَرَاهُ مِنْ رِوَايَة مُسْلِم رَحِمَهُ اللَّه الْحَدِيث مِنْ رِوَايَة عُقَيْل أَنَّ اِبْن شِهَاب عَنْ أَبِي سَلَمَة وَابْن الْمُسَيَّب عَنْ أَبِي هُرَيْرَة مِنْ غَيْر ذِكْر النُّهْبَة . ثُمَّ إِنَّ فِي رِوَايَة عُقَيْل أَنَّ اِبْن شِهَاب رَوَى ذِكْرَ النُّهْبَة عَنْ أَبِي بَكْر بْن عَبْد الرَّحْمَن نَفْسه وَفِي رِوَايَة يُونُس عَبْد الْمَلِك بْن أَبِي عِكْرِمَة عَنْهُ . فَكَأَنَّهُ سَمِعَ ذَلِكَ مِنْ اِبْنه عَنْهُ ، ثُمَّ سَمِعَهُ مِنْهُ نَفْسه .
وَأَمَّا قَوْل مُسْلِم رَحِمَهُ اللَّه : ( وَاقْتَصَّ الْحَدِيث يَذْكُر مَعَ ذِكْر النُّهْبَة )
فَكَذَا وَقَعَ يَذْكُر مِنْ غَيْر هَاء الضَّمِير فَإِمَّا أَنْ يُقَال حَذَفَهَا مَعَ إِرَادَتهَا ، وَإِمَّا أَنْ يُقْرَأَ ( يُذْكَر ) بِضَمِّ أَوَّله وَفَتْح الْكَاف عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِله ، عَلَى أَنَّهُ حَال ، أَيْ اِقْتَصَّ الْحَدِيث مَذْكُورًا مَعَ ذِكْر النُّهْبَة . هَذَا آخَر كَلَام الشَّيْخ أَبِي عَمْرو رَحِمَهُ اللَّه . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَأَمَّا قَوْله : ( ذَات شَرَف )
فَهُوَ فِي الرِّوَايَة الْمَعْرُوفَة وَالْأُصُول الْمَشْهُورَة الْمُتَدَاوَلَة بِالشِّينِ الْمُعْجَمَة الْمَفْتُوحَة ، وَكَذَا نَقَلَهُ الْقَاضِي عِيَاض رَحِمَهُ اللَّه عَنْ جَمِيع الرُّوَاة لِمُسْلِمٍ . وَمَعْنَاهُ ذَات قَدْر عَظِيم ، وَقِيلَ ذَات اِسْتِشْرَاف يَسْتَشْرِف النَّاس لَهَا نَاظِرِينَ إِلَيْهَا رَافِعِينَ أَبْصَارهمْ . قَالَ الْقَاضِي وَغَيْره رَحِمَهُمْ اللَّه : وَرَوَاهُ إِبْرَاهِيم الْحَرْبِيُّ بِالسِّينِ الْمُهْمَلَة . قَالَ الشَّيْخ أَبُو عَمْرو : وَكَذَا قَيَّدَهُ بَعْضُهُمْ فِي كِتَاب مُسْلِمٍ ، وَقَالَ : مَعْنَاهُ أَيْضًا ذَات قَدْر عَظِيم . وَاَللَّه أَعْلَم .
( وَالنُّهْبَة )
بِضَمِّ النُّون وَهِيَ مَا يَنْهَبهُ .
وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَلَا يَغُلّ )
فَهُوَ بِفَتْحِ الْيَاء وَضَمَّ الْغَيْن وَتَشْدِيد اللَّام وَرَفْعهَا ، وَهُوَ مِنْ الْغُلُول ، وَهُوَ الْخِيَانَة .
وَأَمَّا قَوْله :
( فَإِيَّاكُمْ إِيَّاكُمْ )
فَهَكَذَا هُوَ فِي الرِّوَايَات إِيَّاكُمْ إِيَّاكُمْ مَرَّتَيْنِ وَمَعْنَاهُ اِحْذَرُوا اِحْذَرُوا . يُقَال : إِيَّاكَ وَفُلَانًا أَيْ اِحْذَرْهُ ، وَيُقَال إِيَّاكَ أَيْ اِحْذَرْ مِنْ غَيْر ذِكْر فُلَان كَمَا وَقَعَ هُنَا .
وَأَمَّا مَا يَتَعَلَّق بِالْإِسْنَادِ فَفِيهِ
حَرْمَلَة التُّجِيبِيُّ
وَقَدْ قَدَّمْنَا مَرَّات أَنَّهُ بِضَمِّ التَّاء وَفَتْحهَا .
وَفِيهِ عُقَيْل عَنْ اِبْن شِهَاب
وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ بِضَمِّ الْعَيْن .
وَفِيهِ الدَّرَاوَرْدِيُّ
بِفَتْحِ الدَّال وَالْوَاو وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانه فِي بَاب الْأَمْر بِقِتَالِ النَّاس حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَه إِلَّا اللَّه . وَاَللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى أَعْلَم بِالصَّوَابِ .


87 - وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَالتَّوْبَة مَعْرُوضَة بَعْد )
فَظَاهِر وَقَدْ أَجْمَع الْعُلَمَاء رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ عَلَى قَبُول التَّوْبَة مَا لَمْ يُغَرْغِر ، كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيث . وَلِلتَّوْبَةِ ثَلَاثَة أَرْكَان : أَنْ يُقْلِع عَنْ الْمَعْصِيَة وَيَنْدَم عَلَى فِعْلهَا وَيَعْزِم أَنْ لَا يَعُود إِلَيْهَا فَإِنْ تَابَ مِنْ ذَنْب ثُمَّ عَادَ إِلَيْهِ لَمْ تَبْطُل تَوْبَته وَإِنْ تَابَ مِنْ ذَنْب وَهُوَ مُتَلَبِّسٌ بِآخَر صَحَّتْ تَوْبَته . هَذَا مَذْهَب أَهْل الْحَقّ . وَخَالَفَتْ الْمُعْتَزِلَة فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ . وَاَللَّه أَعْلَم .
قَالَ الْقَاضِي عِيَاض رَحِمَهُ اللَّه : أَشَارَ بَعْض الْعُلَمَاء إِلَى أَنَّ مَا فِي الْحَدِيث تَنْبِيه عَلَى جَمِيع أَنْوَاع الْمَعَاصِي وَالتَّحْذِير مِنْهَا : فَنَبَّهَ بِالزِّنَا عَلَى جَمِيع الشَّهَوَات ، وَبِالسَّرِقَةِ عَلَى الرَّغْبَة فِي الدُّنْيَا وَالْحِرْص عَلَى الْحَرَام ، وَبِالْخَمْرِ عَلَى جَمِيع مَا يَصُدّ عَنْ اللَّه تَعَالَى وَيُوجِب الْغَفْلَة عَنْ حُقُوقه ، وَبِالِانْتِهَابِ الْمَوْصُوف عَنْ الِاسْتِخْفَاف بِعِبَادِ اللَّه تَعَالَى وَتَرْكِ تَوْقِيرهمْ وَالْحَيَاء مِنْهُمْ وَجَمْع الدُّنْيَا مِنْ غَيْر وَجْهِهَا . وَاَللَّه أَعْلَم .


88 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَرْبَع مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَلَّةٌ مِنْهُنَّ كَانَ فِيهِ خَلَّة مِنْ نِفَاق حَتَّى يَدَعَهَا : إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ )
وَفِي رِوَايَة : ( آيَة الْمُنَافِق ثَلَاثٌ إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ ، وَإِذَا اُؤْتُمِنَ خَانَ ) هَذَا الْحَدِيث مِمَّا عَدَّهُ جَمَاعَة مِنْ الْعُلَمَاء مُشْكِلًا مِنْ حَيْثُ إِنَّ هَذِهِ الْخِصَال تُوجَد فِي الْمُسْلِم الْمُصَدِّق الَّذِي لَيْسَ فِيهِ شَكٌّ . وَقَدْ أَجْمَع الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّ مَنْ كَانَ مُصَدِّقًا بِقَلْبِهِ وَلِسَانه وَفَعَلَ هَذِهِ الْخِصَال لَا يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِكُفْرٍ ، وَلَا هُوَ مُنَافِق يُخَلَّد فِي النَّار ؛ فَإِنَّ إِخْوَة يُوسُف صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَمَعُوا هَذِهِ الْخِصَال . وَكَذَا وُجِدَ لِبَعْضِ السَّلَف وَالْعُلَمَاء بَعْض هَذَا أَوْ كُلّه . وَهَذَا الْحَدِيث لَيْسَ فِيهِ بِحَمْدِ اللَّه تَعَالَى إِشْكَال ، وَلَكِنْ اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي مَعْنَاهُ . فَاَلَّذِي قَالَهُ الْمُحَقِّقُونَ وَالْأَكْثَرُونَ وَهُوَ الصَّحِيح الْمُخْتَار : أَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ هَذِهِ الْخِصَال خِصَال نِفَاق ، وَصَاحِبهَا شَبِيه بِالْمُنَافِقِ فِي هَذِهِ الْخِصَال ، وَمُتَخَلِّق بِأَخْلَاقِهِمْ . فَإِنَّ النِّفَاق هُوَ إِظْهَار مَا يُبْطِن خِلَافه ، وَهَذَا الْمَعْنَى مَوْجُود فِي صَاحِب هَذِهِ الْخِصَال ، وَيَكُون نِفَاقه فِي حَقّ مَنْ حَدَّثَهُ ، وَوَعَدَهُ ، وَائْتَمَنَهُ ، وَخَاصَمَهُ ، وَعَاهَدَهُ مِنْ النَّاس ، لَا أَنَّهُ مُنَافِق فِي الْإِسْلَام فَيُظْهِرُهُ وَهُوَ يُبْطِنُ الْكُفْر . وَلَمْ يُرِدْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَذَا أَنَّهُ مُنَافِق نِفَاق الْكُفَّار الْمُخَلَّدِينَ فِي الدَّرْك الْأَسْفَل مِنْ النَّار .
وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا ) مَعْنَاهُ شَدِيد الشَّبَه بِالْمُنَافِقِينَ بِسَبَبِ هَذِهِ الْخِصَال . قَالَ بَعْض الْعُلَمَاء : وَهَذَا فِيمَنْ كَانَتْ هَذِهِ الْخِصَال غَالِبَة عَلَيْهِ . فَأَمَّا مَنْ يَنْدُر فَلَيْسَ دَاخِلًا فِيهِ . فَهَذَا هُوَ الْمُخْتَار فِي مَعْنَى الْحَدِيث . وَقَدْ نَقَلَ الْإِمَام أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ مَعْنَاهُ عَنْ الْعُلَمَاء مُطْلَقًا فَقَالَ : إِنَّمَا مَعْنَى هَذَا عِنْد أَهْل الْعِلْم نِفَاقُ الْعَمَل . وَقَالَ جَمَاعَة مِنْ الْعُلَمَاء : الْمُرَاد بِهِ الْمُنَافِقُونَ الَّذِينَ كَانُوا فِي زَمَن النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَحَدَّثُوا بِإِيمَانِهِمْ ، وَكَذَبُوا ، وَاُؤْتُمِنُوا عَلَى دِينهمْ فَخَانُوا ، وَوَعَدُوا فِي أَمْر الدِّين وَنَصْره فَأَخْلَفُوا ، وَفَجَرُوا فِي خُصُومَاتهمْ . وَهَذَا قَوْل سَعِيد بْن جُبَيْر ، وَعَطَاء بْن أَبِي رَبَاح . وَرَجَعَ إِلَيْهِ الْحَسَن الْبَصْرِيُّ رَحِمَهُ اللَّه بَعْد أَنْ كَانَ عَلَى خِلَافه . وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ اِبْن عَبَّاس وَابْن عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ ، وَرَوَيَاهُ أَيْضًا عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ الْقَاضِي عِيَاض رَحِمَهُ اللَّه : وَإِلَيْهِ مَال كَثِير مِنْ أَئِمَّتنَا . وَحَكَى الْخَطَّابِيُّ رَحِمَهُ اللَّه قَوْلًا آخَر أَنَّ مَعْنَاهُ التَّحْذِير لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَعْتَاد هَذِهِ الْخِصَال الَّتِي يُخَاف عَلَيْهِ أَنْ تُفْضِي بِهِ إِلَى حَقِيقَة النِّفَاق . وَحَكَى الْخَطَّابِيُّ : رَحِمَهُ اللَّه أَيْضًا عَنْ بَعْضهمْ أَنَّ الْحَدِيث وَرَدَ فِي رَجُل بِعَيْنِهِ مُنَافِق وَكَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يُوَاجِههُمْ بِصَرِيحِ الْقَوْل ، فَيَقُول : فُلَان مُنَافِق ، وَإِنَّمَا كَانَ يُشِير إِشَارَة كَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا بَال أَقْوَام يَفْعَلُونَ كَذَا ؟ وَاَللَّه أَعْلَم .
وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى : ( أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا ) وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى ( آيَة الْمُنَافِق ثَلَاث ) فَلَا مُنَافَاة بَيْنهمَا فَإِنَّ الشَّيْء الْوَاحِد قَدْ تَكُون لَهُ عَلَامَات كُلّ وَاحِدَة مِنْهُنَّ تَحْصُل بِهَا صِفَته ، ثُمَّ قَدْ تَكُون تِلْكَ الْعَلَامَة شَيْئًا وَاحِدًا ، وَقَدْ تَكُون أَشْيَاء . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ ) هُوَ دَاخِل فِي قَوْله : ( وَإِذَا اُؤْتُمِنَ خَانَ ) وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَإِنْ خَاصَمَ فَجَرَ ) أَيْ مَال عَنْ الْحَقّ ، وَقَالَ الْبَاطِل وَالْكَذِب . قَالَ أَهْل اللُّغَة . وَأَصْل الْفُجُور الْمَيْل عَنْ الْقَصْد . وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( آيَة الْمُنَافِق ) أَيْ عَلَامَته وَدَلَالَته وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( خَلَّة وَخَصْلَة ) هُوَ بِفَتْحِ الْخَاء فِيهِمَا وَإِحْدَاهُمَا بِمَعْنَى الْأُخْرَى .


89 - سبق شرحه بالباب


90 - وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( آيَة الْمُنَافِق )
أَيْ عَلَامَته ، وَدَلَالَته .
وَأَمَّا أَسَانِيده فَفِيهَا
( الْعَلَاء بْن عَبْد الرَّحْمَن )
مَوْلَى الْحُرَقَة بِضَمِّ الْحَاء الْمُهْمَلَة وَفَتْح الرَّاء وَبِالْقَافِ ، وَهُوَ بَطْنٌ مِنْ جُهَيْنَة .
وَفِيهِ ( عُقْبَةُ بْن مُكْرَم الْعَمِّيُّ )
أَمَّا مُكْرَم فَبِضَمِّ الْمِيم وَإِسْكَان الْكَاف وَفَتْح الرَّاء ، وَأَمَّا الْعَمِّيُّ فَبِفَتْحِ الْعَيْن وَتَشْدِيد الْمِيم الْمَكْسُورَة مَنْسُوب إِلَى بَنِي الْعَمِّ بَطْن مِنْ تَمِيم .
وَفِيهِ ( يَحْيَى بْن مُحَمَّد بْن قَيْس أَبُو زُكَيْرٍ )
بِضَمِّ الزَّاي وَفَتْح الْكَاف وَإِسْكَان الْيَاء وَبَعْدهَا رَاءٌ . قَالَ أَبُو الْفَضْل الْفَلَكِيُّ الْحَافِظُ : أَبُو زُكَيْرٍ لَقَبٌ وَكُنْيَته أَبُو مُحَمَّد .
وَفِيهِ ( أَبُو نَصْرٍ التَّمَّارُ )
هُوَ بِالصَّادِ الْمُهْمَلَة وَاسْمه عَبْد الْمَلِك بْن عَبْد الْعَزِيز بْن الْحَارِثِ وَهُوَ اِبْن أَخِي بِشْر بْن الْحَارِثِ الْحَافِي الزَّاهِد رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا . قَالَ مُحَمَّد بْن سَعْد هُوَ مِنْ أَبْنَاء خُرَاسَان مِنْ أَهْل نَسَا نَزَلَ بَغْدَاد وَتَجَرَ بِهَا فِي التَّمْر وَغَيْره ، وَكَانَ فَاضِلًا خَيِّرًا وَرِعًا . وَاَللَّه أَعْلَم بِالصَّوَابِ .


91 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِذَا كَفَّرَ الرَّجُل أَخَاهُ فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدهمَا )
وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى ( أَيُّمَا رَجُل قَالَ لِأَخِيهِ يَا كَافِر فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدهمَا إِنْ كَانَ كَمَا قَالَ ، وَإِلَّا رَجَعَتْ عَلَيْهِ ) ، وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى : ( لَيْسَ مِنْ رَجُل اِدَّعَى لِغَيْرِ أَبِيهِ ، وَهُوَ يَعْلَمهُ إِلَّا كَفَرَ . وَمَنْ اِدَّعَى مَا لَيْسَ لَهُ فَلَيْسَ مِنَّا ، وَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّار . وَمَنْ دَعَا رَجُلًا بِالْكُفْرِ ، أَوْ قَالَ : عَدُوّ اللَّه ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ ، إِلَّا حَارَ عَلَيْهِ ) .
هَذَا الْحَدِيث مِمَّا عَدَّهُ بَعْض الْعُلَمَاء مِنْ الْمُشْكِلَات مِنْ حَيْثُ إِنَّ ظَاهِرَهُ غَيْرُ مُرَاد ؛ وَذَلِكَ أَنَّ مَذْهَب أَهْل الْحَقّ أَنَّهُ لَا يَكْفُر الْمُسْلِم بِالْمَعَاصِي كَالْقَتْلِ وَالزِّنَا وَكَذَا قَوْله لِأَخِيهِ يَا كَافِر مِنْ غَيْر اِعْتِقَادِ بُطْلَانِ دِينِ الْإِسْلَام . وَإِذَا عُرِفَ مَا ذَكَرْنَاهُ فَقِيلَ فِي تَأْوِيل الْحَدِيث أَوْجُه : أَحَدُهَا : أَنَّهُ مَحْمُول عَلَى الْمُسْتَحِلّ لِذَلِكَ ، وَهَذَا يُكَفَّر . فَعَلَى هَذَا مَعْنَى ( بَاءَ بِهَا ) أَيْ بِكَلِمَةِ الْكُفْر ، وَكَذَا حَارَ عَلَيْهِ ، وَهُوَ مَعْنَى رَجَعَتْ عَلَيْهِ أَيْ : رَجَعَ عَلَيْهِ الْكُفْر . فَبَاءَ وَحَارَ وَرَجَعَ بِمَعْنَى وَاحِد .
وَالْوَجْهُ الثَّانِي : مَعْنَاهُ رَجَعَتْ عَلَيْهِ نَقِيصَته لِأَخِيهِ وَمَعْصِيَة تَكْفِيره .
وَالثَّالِث : أَنَّهُ مَحْمُول عَلَى الْخَوَارِج الْمُكَفِّرِينَ لِلْمُؤْمِنِينَ . وَهَذَا الْوَجْهُ نَقَلَهُ الْقَاضِي عِيَاض - رَحِمَهُ اللَّه - عَنْ الْإِمَام مَالِك بْن أَنَس ، وَهُوَ ضَعِيفٌ ؛ لِأَنَّ الْمَذْهَب الصَّحِيحَ الْمُخْتَارَ الَّذِي قَالَهُ الْأَكْثَرُونَ وَالْمُحَقِّقُونَ : أَنَّ الْخَوَارِجَ لَا يُكَفَّرُونَ كَسَائِرِ أَهْل الْبِدَعِ .
وَالْوَجْه الرَّابِع : مَعْنَاهُ أَنَّ ذَلِكَ يَئُول بِهِ إِلَى الْكُفْر ؛ وَذَلِكَ أَنَّ الْمَعَاصِيَ ، كَمَا قَالُوا ، بَرِيد الْكُفْر ، وَيُخَاف عَلَى الْمُكْثِر مِنْهَا أَنْ يَكُون عَاقِبَة شُؤْمهَا الْمَصِير إِلَى الْكُفْر . وَيُؤَيِّد هَذَا الْوَجْه مَا جَاءَ فِي رِوَايَةٍ لِأَبِي عَوَانَة الْإِسْفَرَايِينِيّ فِي كِتَابه ( الْمُخَرَّج عَلَى صَحِيح مُسْلِم ) : فَإِنْ كَانَ كَمَا قَالَ وَإِلَّا فَقَدْ بَاءَ بِالْكُفْرِ ، وَفِي رِوَايَة إِذَا قَالَ لِأَخِيهِ ( يَا كَافِر ) وَجَبَ الْكُفْر عَلَى أَحَدهمَا .
وَالْوَجْه الْخَامِس : مَعْنَاهُ فَقَدْ رَجَعَ عَلَيْهِ تَكْفِيره ؛ فَلَيْسَ الرَّاجِعُ حَقِيقَة الْكُفْر بَلْ التَّكْفِير ؛ لِكَوْنِهِ جَعَلَ أَخَاهُ الْمُؤْمِن كَافِرًا ؛ فَكَأَنَّهُ كَفَّرَ نَفْسه ؛ إِمَّا لِأَنَّهُ كَفَّرَ مَنْ هُوَ مِثْله ، وَإِمَّا لِأَنَّهُ كَفَّرَ مَنْ لَا يُكَفِّرُهُ إِلَّا كَافِر يَعْتَقِد بُطْلَانَ دِين الْإِسْلَام . وَاَللَّه أَعْلَم .


92 - سبق شرحه بالباب


93 - وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( فِيمَنْ اِدَّعَى لِغَيْرِ أَبِيهِ وَهُوَ يَعْلَم أَنَّهُ غَيْر أَبِيهِ ، كَفَرَ ) ، فَقِيلَ : فِيهِ تَأْوِيلَانِ :
أَحَدُهُمَا أَنَّهُ فِي حَقّ الْمُسْتَحِلِّ . وَالثَّانِي : أَنَّهُ كُفْر النِّعْمَة وَالْإِحْسَان وَحَقّ اللَّه تَعَالَى ، وَحَقّ أَبِيهِ ، وَلَيْسَ الْمُرَاد الْكُفْر الَّذِي يُخْرِجهُ مِنْ مِلَّة الْإِسْلَام . وَهَذَا كَمَا قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( يَكْفُرْنَ ) ، ثُمَّ فَسَّرَهُ بِكُفْرَانِهِنَّ الْإِحْسَان وَكُفْرَانِ الْعَشِير . وَمَعْنَى اِدَّعَى لِغَيْرِ أَبِيهِ أَيْ اِنْتَسَبَ إِلَيْهِ ، وَاِتَّخَذَهُ أَبًا .
وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَهُوَ يَعْلَم )
تَقْيِيد لَا بُدَّ مِنْهُ فَإِنَّ الْإِثْم إِنَّمَا يَكُون فِي حَقّ الْعَالِم بِالشَّيْءِ .
وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَمَنْ اِدَّعَى مَا لَيْسَ لَهُ فَلَيْسَ مِنَّا )
فَقَالَ الْعُلَمَاء : مَعْنَاهُ لَيْسَ عَلَى هَدْيِنَا وَجَمِيلِ طَرِيقَتِنَا ؛ كَمَا يَقُول الرَّجُل لِابْنِهِ لَسْت مِنِّي
وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّار )
قَدْ قَدَّمْنَا فِي أَوَّل الْمُقَدِّمَة بَيَانه وَأَنَّ مَعْنَاهُ فَلْيَنْزِلْ مَنْزِلَهُ مِنْهَا ، أَوْ فَلْيَتَّخِذْ مَنْزِلًا بِهَا ، وَأَنَّهُ دُعَاء أَوْ خَبَرٌ بِلَفْظِ الْأَمْر ، وَهُوَ أَظْهَر الْقَوْلَيْنِ وَمَعْنَاهُ : هَذَا جَزَاؤُهُ فَقَدْ يُجَازَى ، وَقَدْ يُعْفَى عَنْهُ ، وَقَدْ يُوَفَّق لِلتَّوْبَةِ فَيَسْقُط عَنْهُ ذَلِكَ . وَفِي هَذَا الْحَدِيث تَحْرِيم دَعْوَى مَا لَيْسَ لَهُ فِي كُلّ شَيْء سَوَاء تَعَلَّقَ بِهِ حَقٌّ لِغَيْرِهِ أَمْ لَا . وَفِيهِ أَنَّهُ لَا يَحِلّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مَا حَكَمَ لَهُ بِهِ الْحَاكِم إِذَا كَانَ لَا يَسْتَحِقُّ . وَاَللَّه تَعَالَى أَعْلَم .
وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَمَنْ دَعَا رَجُلًا بِالْكُفْرِ ، أَوْ قَالَ : عَدُوّ اللَّه ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ ، إِلَّا حَارَ عَلَيْهِ )
فَهَذَا الِاسْتِثْنَاء قِيلَ إِنَّهُ وَاقِع عَلَى الْمَعْنَى . وَتَقْرِيرُهُ مَا يَدْعُوهُ أَحَد إِلَّا حَارَ عَلَيْهِ ، وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون مَعْطُوفًا عَلَى الْأَوَّل وَهُوَ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَيْسَ مِنْ رَجُل ) فَيَكُون الِاسْتِثْنَاء جَارِيًا عَلَى اللَّفْظ . وَضَبَطْنَا ( عَدُوّ اللَّه ) عَلَى وَجْهَيْنِ : الرَّفْع وَالنَّصْب . وَالنَّصْب أَرْجَحُ عَلَى النِّدَاء أَيْ يَا عَدُوّ اللَّه وَالرَّفْع عَلَى أَنَّهُ خَبَر مُبْتَدَأ أَيْ هُوَ عَدُوّ اللَّه كَمَا تَقَدَّمَ فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى قَالَ لِأَخِيهِ : ( كَافِر ) فَإِنَّا ضَبَطْنَاهُ ( كَافِرٌ ) بِالرَّفْعِ وَالتَّنْوِين عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوف . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَأَمَّا أَسَانِيد الْبَاب فَفِيهِ : ( اِبْن بُرَيْدَةَ عَنْ يَحْيَى بْن يَعْمُر عَنْ أَبِي الْأَسْوَد عَنْ أَبِي ذَرّ ) .
فَأَمَّا ( اِبْن بُرَيْدَةَ )
فَهُوَ عَبْد اللَّه بْن بُرَيْدَةَ بْن الْحَصِيبِ الْأَسْلَمِيّ وَلَيْسَ هُوَ سُلَيْمَان بْن بُرَيْدَةَ أَخَاهُ . وَهُوَ وَأَخُوهُ سُلَيْمَان ثِقَتَانِ سَيِّدَانِ تَابِعِيَّانِ جَلِيلَانِ وُلِدَا فِي بَطْنٍ وَاحِدٍ فِي عَهْد عُمَر بْن الْخَطَّاب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ .
وَأَمَّا ( يَعْمُر )
فَبِفَتْحِ الْيَاء وَفَتْح الْمِيم وَضَمِّهَا . وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ بُرَيْدَةَ وَيَحْيَى بْن يَعْمُر فِي أَوَّل إِسْنَادٍ فِي كِتَاب الْإِيمَان .
وَأَمَّا ( أَبُو الْأَسْوَد )
فَهُوَ الدُّؤَلِيُّ وَاسْمه ظَالِم بْن عَمْرو ، وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُور ، وَقِيلَ : اِسْمه عَمْرو بْن ظَالِم ، وَقِيلَ : عُثْمَان بْن عَمْرو ، وَقِيلَ : عَمْرو بْن سُفْيَان ، وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ : اِسْمه عُوَيْمِرُ بْن ظُوَيْلِمٍ ، وَهُوَ بَصْرِيٌّ قَاضِيهَا ، وَكَانَ مِنْ عُقَلَاء الرِّجَال ، وَهُوَ الَّذِي وَضَعَ النَّحْو ، تَابِعِيٌّ جَلِيلٌ .
وَقَدْ اِجْتَمَعَ فِي هَذَا الْإِسْنَاد ثَلَاثَةٌ تَابِعِيُّونَ جِلَّةٌ بَعْضهمْ عَنْ بَعْض : اِبْن بُرَيْدَةَ وَيَحْيَى ، وَأَبُو الْأَسْوَد .
وَأَمَّا أَبُو ذَرّ
رَضِيَ اللَّه عَنْهُ فَالْمَشْهُور فِي اِسْمه جُنْدُب بْن جُنَادَةَ ، وَقِيلَ : اِسْمه بُرَيْرٌ بِضَمِّ الْبَاء الْمُوَحَّدَة وَبِالرَّاءِ الْمُكَرَّرَة ، وَاسْم أُمِّهِ رَمْلَة بِنْتُ الْوَقِيعَة كَانَ رَابِع أَرْبَعَةٍ فِي الْإِسْلَام ، وَقِيلَ خَامِس خَمْسَة ، مَنَاقِبُهُ مَشْهُورَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُ . وَاَللَّه أَعْلَم .


94 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا تَرْغَبُوا عَنْ آبَائِكُمْ ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ أَبِيهِ فَهُوَ كُفْر )
فَقَدْ سَبَقَ شَرْحه فِي الْبَاب الَّذِي قَبْل هَذَا . وَأَمَّا مَا يَتَعَلَّق بِالْإِسْنَادِ فَفِيهِ
( هَارُون الْأَيْلِيُّ )
بِالْمُثَنَّاةِ .
( وَعِرَاك )
بِكَسْرِ الْعَيْن الْمُهْمَلَة وَتَخْفِيف الرَّاء وَبِالْكَافِ .


95 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ اِدَّعَى أَبًا فِي الْإِسْلَام غَيْر أَبِيهِ ، يَعْلَم أَنَّهُ غَيْر أَبِيهِ ، فَالْجَنَّة عَلَيْهِ حَرَامٌ )
فَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي الْبَاب الَّذِي قَبْل هَذَا .
أَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " فَالْجَنَّة عَلَيْهِ حَرَامٌ " فَفِيهِ التَّأْوِيلَانِ اللَّذَانِ قَدَّمْنَاهُمَا فِي نَظَائِره
أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ فَعَلَهُ مُسْتَحِلًّا لَهُ ،
وَالثَّانِي أَنَّ جَزَاءَهُ أَنَّهَا مُحَرَّمَة عَلَيْهِ أَوَّلًا عِنْد دُخُول الْفَائِزِينَ وَأَهْل السَّلَامَة ثُمَّ إِنَّهُ قَدْ يُجَازَى فَيُمْنَعهَا عِنْد دُخُولهمْ ، ثُمَّ يَدْخُلهَا بَعْد ذَلِكَ وَقَدْ لَا يُجَازَى بَلْ يَعْفُو اللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى عَنْهُ ، وَمَعْنَى حَرَام : مَمْنُوعَةٌ ، وَيُقَال : رَغِبَ عَنْ أَبِيهِ أَيْ : تَرَكَ الِانْتِسَاب إِلَيْهِ ، وَجَحَدَهُ ، يُقَال : رَغِبْت عَنْ الشَّيْء تَرَكْته وَكَرِهْته ، وَرَغِبْت فِيهِ اِخْتَرْته وَطَلَبْته .
وَأَمَّا قَوْل أَبِي عُثْمَان : لَمَّا اُدُّعِيَ زِيَاد لَقِيت أَبَا بَكْرَة فَقُلْت لَهُ مَا هَذَا الَّذِي صَنَعْتُمْ ؟ إِنِّي سَمِعْت سَعْد بْن أَبِي وَقَّاصٍ يَقُول : سَمِعَ أُذُنَايَ مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَقُول : " مَنْ اِدَّعَى أَبًا فِي الْإِسْلَام غَيْر أَبِيهِ فَالْجَنَّةُ عَلَيْهِ حَرَام " فَقَالَ أَبُو بَكْرَة : أَنَا سَمِعْته مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَعْنَى هَذَا الْكَلَام الْإِنْكَار عَلَى أَبِي بَكْرَة ؛ وَذَلِكَ أَنَّ زِيَادًا هَذَا الْمَذْكُورُ هُوَ الْمَعْرُوف بِزِيَادِ بْن أَبِي سُفْيَان ، وَيُقَال فِيهِ : زِيَادُ بْن أَبِيهِ ، وَيُقَال : زِيَاد بْن أُمِّهِ ، وَهُوَ أَخُو أَبِي بَكْرَة لِأُمِّهِ ، وَكَانَ يُعْرَف بِزِيَادِ بْن عُبَيْد الثَّقَفِيّ ، ثُمَّ اِدَّعَاهُ مُعَاوِيَة بْن أَبِي سُفْيَان وَأَلْحَقَهُ بِأَبِيهِ أَبِي سُفْيَان ، وَصَارَ مِنْ جُمْلَة أَصْحَابه بَعْد أَنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ ؛ فَلِهَذَا قَالَ أَبُو عُثْمَان لِأَبِي بَكْرَة مَا هَذَا الَّذِي صَنَعْتُمْ ؟ وَكَانَ أَبُو بَكْرَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُ مِمَّنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ ، وَهَجَرَ بِسَبَبِهِ زِيَادًا ، وَحَلَفَ أَنْ لَا يُكَلِّمَهُ أَبَدًا . وَلَعَلَّ أَبَا عُثْمَان لَمْ يَبْلُغْهُ إِنْكَار أَبِي بَكْرَة حِين قَالَ لَهُ هَذَا الْكَلَام ، أَوْ يَكُون مُرَادُهُ بِقَوْلِهِ : مَا هَذَا الَّذِي صَنَعْتُمْ ؟ أَيْ مَا هَذَا الَّذِي جَرَى مِنْ أَخِيك ؟ مَا أَقْبَحَهُ وَأَعْظَم عُقُوبَته ! فَإِنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَرَّمَ عَلَى فَاعِله الْجَنَّة .
وَقَوْله ( اِدُّعِي ) ضَبَطْنَاهُ بِضَمِّ الدَّال وَكَسْر الْعَيْن مَبْنِيٌّ لِمَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِله أَيْ اِدَّعَاهُ مُعَاوِيَة . وَوُجِدَ بِخَطِّ الْحَافِظ أَبِي عَامِر الْعَبْدَرِيِّ اِدَّعَى بِفَتْحِ الدَّال وَالْعَيْن عَلَى أَنَّ زِيَادًا هُوَ الْفَاعِل وَهَذَا لَهُ وَجْه مِنْ حَيْثُ إِنَّ مُعَاوِيَة اِدَّعَاهُ ، وَصَدَّقَهُ زِيَاد ، فَصَارَ زِيَاد مُدَّعِيًا أَنَّهُ اِبْن أَبِي سُفْيَان . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَأَمَّا قَوْل سَعْد ( سَمِعَ أُذُنَايَ )
فَهَكَذَا ضَبَطْنَاهُ سَمِعَ بِكَسْرِ الْمِيم وَفَتْح الْعَيْن ، وَأُذُنَايَ بِالتَّثْنِيَةِ . وَكَذَا نَقَلَ الشَّيْخُ أَبُو عَمْرو كَوْنه أُذُنَايَ بِالْأَلِفِ عَلَى التَّثْنِيَة عَنْ رِوَايَة أَبِي الْفَتْح السَّمَرْقَنْدِيّ عَنْ عَبْد الْغَافِر قَالَ : وَهُوَ فِيمَا يُعْتَمَد مِنْ أَصْل أَبِي الْقَاسِم الْعَسَاكِرِيِّ وَغَيْره ( أُذُنَيّ ) بِغَيْرِ أَلِف . وَحَكَى الْقَاضِي عِيَاض أَنَّ بَعْضهمْ ضَبَطَهُ بِإِسْكَانِ الْمِيم وَفَتْح الْعَيْنِ عَلَى الْمَصْدَر وَأُذُنِي بِلَفْظِ الْإِفْرَاد قَالَ : وَضَبَطْنَاهُ مِنْ طَرِيق الْجَيَّانِيِّ بِضَمِّ الْعَيْن مَعَ إِسْكَان الْمِيم وَهُوَ الْوَجْه . قَالَ سِيبَوَيْهِ : الْعَرَب تَقُول : سَمْعُ أُذُنَيّ زَيْدًا يَقُول كَذَا . وَحُكِيَ عَنْ الْقَاضِي الْحَافِظ أَبِي عَلِيٍّ بْن سَكْرَة أَنَّهُ ضَبَطَهُ بِكَسْرِ الْمِيمِ كَمَا ذَكَرْنَاهُ أَوَّلًا . وَأَنْكَرَهُ الْقَاضِي وَلَيْسَ إِنْكَاره بِشَيْءٍ . بَلْ الْأَوْجُه الْمَذْكُورَةُ كُلُّهَا صَحِيحَةٌ ظَاهِرَة . وَيُؤَيِّد كَسْر الْمِيم قَوْلُهُ فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى سَمِعَتْهُ أُذُنَايَ وَوَعَاهُ قَلْبِي . وَاَللَّه أَعْلَم .


96 - وَأَمَّا قَوْله : ( سَمِعَتْهُ أُذُنَايَ وَوَعَاهُ قَلْبِي مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ )
، فَنَصَبَ مُحَمَّدًا عَلَى الْبَدَل مِنْ الضَّمِير فِي سَمِعَتْهُ أُذُنَايَ ، وَمَعْنَى وَوَعَاهُ حَفِظَهُ . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَأَمَّا مَا يَتَعَلَّق بِالْإِسْنَادِ فَفِيهِ
( أَبُو عُثْمَان )
وَهُوَ النَّهْدِيُّ بِفَتْحِ النُّون ، وَاسْمه ( عَبْد الرَّحْمَن بْن مَلّ ) بِفَتْحِ الْمِيم وَكَسْرِهَا وَضَمّهَا مَعَ تَشْدِيد اللَّام ، وَيُقَال مِلْء بِالْكَسْرِ مَعَ إِسْكَان اللَّام وَبَعْدهَا هَمْزَة ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي شَرْحِ آخِر الْمُقَدِّمَة .
وَأَمَّا ( أَبُو بَكْرَة )
فَاسْمُهُ نُفَيْعُ بْنُ الْحَارِثِ بْن كَلَدَةَ بِفَتْحِ الْكَافِ وَاللَّامِ ، وَأُمُّهُ وَأُمُّ أَخِيهِ زِيَاد سُمَيَّة . أَمَة الْحَارِثِ بْن كَلَدَةَ . وَقِيلَ لَهُ أَبُو بَكْرَة لِأَنَّهُ تَدَلَّى إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ حِصْن الطَّائِف بِبَكْرَةٍ . مَاتَ بِالْبَصْرَةِ سَنَة إِحْدَى ، وَقِيلَ اِثْنَتَيْنِ وَخَمْسِينَ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ . وَاَللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى أَعْلَم .


97 - السَّبُّ فِي اللُّغَة الشَّتْم وَالتَّكَلُّم فِي عِرْض الْإِنْسَان بِمَا يَعِيبهُ . وَالْفِسْق فِي اللُّغَة : الْخُرُوج . وَالْمُرَاد بِهِ فِي الشَّرْع الْخُرُوجُ عَنْ الطَّاعَة .
وَأَمَّا مَعْنَى الْحَدِيث فَسَبُّ الْمُسْلِمِ بِغَيْرِ حَقّ حَرَامٌ بِإِجْمَاعِ الْأُمَّة وَفَاعِلُهُ فَاسِقٌ كَمَا أَخْبَرَ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
وَأَمَّا قِتَاله بِغَيْرِ حَقّ فَلَا يَكْفُر بِهِ عِنْد أَهْل الْحَقّ كُفْرًا يَخْرُجُ بِهِ مِنْ الْمِلَّة كَمَا قَدَّمْنَاهُ فِي مَوَاضِع كَثِيرَةٍ إِلَّا إِذَا اِسْتَحَلَّهُ . فَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَقِيلَ فِي تَأْوِيل الْحَدِيث أَقْوَالٌ .
أَحَدُهَا : أَنَّهُ فِي الْمُسْتَحِلِّ ،
وَالثَّانِي أَنَّ الْمُرَاد كُفْر الْإِحْسَان وَالنِّعْمَة وَأُخُوَّة الْإِسْلَام لَا كُفْر الْجُحُودِ .
وَالثَّالِثُ أَنَّهُ يَئُول إِلَى الْكُفْر بِشُؤْمِهِ ،
وَالرَّابِع أَنَّهُ كَفِعْلِ الْكُفَّار . وَاَللَّه أَعْلَم .
ثُمَّ إِنَّ الظَّاهِر مِنْ قِتَاله الْمُقَاتَلَة الْمَعْرُوفَة . قَالَ الْقَاضِي : وَيَجُوز أَنْ يَكُون الْمُرَاد الْمُشَارَّة وَالْمُدَافَعَة . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَأَمَّا مَا يَتَعَلَّق بِالْإِسْنَادِ
فَفِيهِ ( مُحَمَّد بْن بَكَّارٍ بْن الرَّيَّان )
بِالرَّاءِ الْمَفْتُوحَة وَتَشْدِيد الْمُثَنَّاة تَحْت .
وَفِيهِ ( زُبَيْد )
بِضَمِّ الزَّايِ وَبِالْمُوَحَّدَةِ ثُمَّ الْمُثَنَّاة وَهُوَ زُبَيْد بْن الْحَارِثِ الْيَامِيُّ وَيُقَال الْأَيَامِيُّ وَلَيْسَ فِي الصَّحِيحَيْنِ غَيْرُهُ . وَفِي الْمُوَطَّأ ( زُيَيْد بْن الصَّلْت ) بِتَكْرِيرِ الْمُثَنَّاة ، وَبِضَمِّ الزَّاي وَكَسْرهَا قَدْ تَقَدَّمَ بَيَانه فِي آخَر الْفُصُول .
وَفِيهِ ( أَبُو وَائِل )
شَقِيقُ بْنُ سَلَمَةَ .
وَأَمَّا قَوْل مُسْلِم فِي أَوَّل الْإِسْنَاد : ( حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَكَّارٍ وَعَوْن قَالَا حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن طَلْحَة ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى حَدَّثَنَا عَبْد الرَّحْمَن بْن مَهْدِيٍّ حَدَّثَنَا سُفْيَان وَحَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن جَعْفَرٍ حَدَّثَنَا شُعْبَة كُلُّهُمْ عَنْ زُبَيْد ) فَهَكَذَا ضَبَطْنَاهُ وَكَذَا وَكَذَا وَقَعَ فِي أَصْلِنَا وَبَعْض الْأُصُول ، وَوَقَعَ فِي الْأُصُول الَّتِي اِعْتَمَدَهَا الشَّيْخ أَبُو عَمْرو بْن الصَّلَاح رَحِمَهُ اللَّه بِطَرِيقَيْ مُحَمَّد بْن طَلْحَة وَشُعْبَة . وَلَمْ يَقَع فِيهَا طَرِيق مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى عَنْ اِبْن مَهْدِيٍّ عَنْ سُفْيَان . وَأَنْكَرَ الشَّيْخ قَوْله كُلّهمْ مَعَ أَنَّهُمَا اِثْنَانِ مُحَمَّد بْن طَلْحَة وَشُعْبَة ، وَإِنْكَاره صَحِيحٌ عَلَى مَا فِي أُصُوله ، وَأَمَّا عَلَى مَا عِنْدنَا فَلَا إِنْكَار فَإِنَّ سُفْيَان ثَالِثُهُمَا . وَاَللَّه أَعْلَم .


98 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِب بَعْضكُمْ رِقَاب بَعْض )
قِيلَ فِي مَعْنَاهُ سَبْعَة أَقْوَال : أَحَدهَا : أَنَّ ذَلِكَ كُفْرٌ فِي حَقّ الْمُسْتَحِلِّ بِغَيْرِ حَقٍّ ، وَالثَّانِي : الْمُرَاد كُفْر النِّعْمَة وَحَقّ الْإِسْلَام ، وَالثَّالِث : أَنَّهُ يُقَرِّبُ مِنْ الْكُفْر وَيُؤَدِّي إِلَيْهِ ،
وَالرَّابِع : أَنَّهُ فِعْلٌ كَفِعْلِ الْكُفَّار ، وَالْخَامِس : الْمُرَاد حَقِيقَة الْكُفْر وَمَعْنَاهُ لَا تَكْفُرُوا بَلْ دُومُوا مُسْلِمِينَ ، وَالسَّادِس : حَكَاهُ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْره أَنَّ الْمُرَاد بِالْكُفَّارِ الْمُتَكَفِّرُونَ بِالسِّلَاحِ ، يُقَال تَكَفَّرَ الرَّجُل بِسِلَاحِهِ إِذَا لَبِسَهُ . قَالَ الْأَزْهَرِيُّ فِي كِتَابه " تَهْذِيب اللُّغَة " يُقَال لِلَابِسِ السِّلَاح كَافِرٌ ، وَالسَّابِع : قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ مَعْنَاهُ لَا يُكَفِّرُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَتَسْتَحِلُّوا قِتَالَ بَعْضِكُمْ بَعْضًا .
وَأَظْهَرُ الْأَقْوَال الرَّابِع وَهُوَ اِخْتِيَار الْقَاضِي عِيَاض رَحِمَهُ اللَّه . ثُمَّ إِنَّ الرِّوَايَة ( يَضْرِبُ ) بِرَفْعِ الْبَاء هَكَذَا هُوَ الصَّوَاب ، وَكَذَا رَوَاهُ الْمُتَقَدِّمُونَ وَالْمُتَأَخِّرُونَ ، وَبِهِ يَصِحُّ الْمَقْصُود هُنَا . وَنَقَلَ الْقَاضِي عِيَاض رَحِمَهُ اللَّه أَنَّ بَعْض الْعُلَمَاء ضَبَطَهُ بِإِسْكَانِ الْبَاء قَالَ الْقَاضِي : وَهُوَ إِحَالَةٌ لِلْمَعْنَى ، وَالصَّوَاب الضَّمُّ . قُلْت : وَكَذَا قَالَ أَبُو الْبَقَاءِ الْعُكْبَرِيُّ أَنَّهُ يَجُوز جَزْم الْبَاء عَلَى تَقْدِير شَرْطٍ مُضْمِرٍ أَيْ إِنْ تَرْجِعُوا يَضْرِبْ . وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا ) فَقَالَ الْقَاضِي قَالَ الصُّبَرِيُّ : مَعْنَاهُ بَعْد فِرَاقِي مِنْ مَوْقِفِي هَذَا ، وَكَانَ هَذَا يَوْم النَّحْر بِمِنًى فِي حِجَّة الْوَدَاع ، أَوْ يَكُون بَعْدِي أَيْ خِلَافِي أَيْ لَا تَخْلُفُونِي فِي أَنْفُسكُمْ بِغَيْرِ الَّذِي أَمَرْتُكُمْ بِهِ ، أَوْ يَكُون تَحَقَّقَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ هَذَا لَا يَكُونُ فِي حَيَاته فَنَهَاهُمْ عَنْهُ بَعْد مَمَاته .
وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( اِسْتَنْصِتْ النَّاسَ )
مَعْنَاهُ مُرْهُمْ بِالْإِنْصَاتِ لِيَسْمَعُوا هَذِهِ الْأُمُور الْمُهِمَّة وَالْقَوَاعِد الَّتِي سَأُقَرِّرُهَا لَكُمْ وَأُحَمِّلُكُمُوهَا .
وَقَوْله ( فِي حَجَّة الْوَدَاع )
سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَدَّعَ النَّاس فِيهَا وَعَلَّمَهُمْ فِي خُطْبَته فِيهَا أَمْرَ دِينهمْ ، وَأَوْصَاهُمْ بِتَبْلِيغِ الشَّرْع فِيهَا إِلَى مَنْ غَابَ عَنْهَا ، فَقَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لِيُبَلِّغ الشَّاهِد مِنْكُمْ الْغَائِب " وَالْمَعْرُوف فِي الرِّوَايَة حَجَّة الْوَدَاع بِفَتْحِ الْحَاء . وَقَالَ الْهَرَوِيُّ وَغَيْره مِنْ أَهْل اللُّغَة : الْمَسْمُوع مِنْ الْعَرَب فِي وَاحِدَة الْحِجَج حِجَّة بِكَسْرِ الْحَاء ، قَالُوا : وَالْقِيَاس فَتْحُهَا لِكَوْنِهَا اِسْمًا لِلْمَرَّةِ الْوَاحِدَة وَلَيْسَتْ عِبَارَةً عَنْ الْهَيْئَة حَتَّى تُكْسَر . قَالُوا : فَيَجُوزُ الْكَسْرُ بِالسَّمَاعِ وَالْفَتْحُ بِالْقِيَاسِ .
وَأَمَّا أَسَانِيد الْبَاب
فَفِيهِ ( عَلِيُّ بْن مُدْرِك )
بِضَمِّ الْمِيم وَإِسْكَان الدَّال وَكَسْر الرَّاء .
وَفِيهِ ( أَبُو زُرْعَة بْن عَمْرو بْن جَرِير )
وَفِي اِسْمه خِلَاف مَشْهُور قَدْ قَدَّمْنَاهُ فِي أَوَّل الْكِتَاب وَهُوَ كِتَاب الْإِيمَان قِيلَ : اِسْمُهُ هَرَمٌ ، وَقِيلَ عَمْرو ، وَقِيلَ : عَبْد الرَّحْمَن ، وَقِيلَ : عُبَيْدٌ .
وَفِيهِ وَاقِدُ بْنُ مُحَمَّد بِالْقَافِ وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّهُ لَيْسَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَافِد بِالْفَاءِ . وَاَللَّه أَعْلَم بِالصَّوَابِ .


99 - وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " وَيْحكُمْ أَوْ قَالَ وَيْلكُمْ "
قَالَ الْقَاضِي : هُمَا كَلِمَتَانِ اِسْتَعْمَلَتْهُمَا الْعَرَبُ بِمَعْنَى التَّعَجُّبِ وَالتَّوَجُّعِ . قَالَ سِيبَوَيْهِ : ( وَيْلٌ ) كَلِمَة لِمَنْ وَقَعَ فِي هَلَكَة ، وَ ( وَيْح ) تَرَحُّم . وَحُكِيَ عَنْهُ : ( وَيْح ) زَجْر لِمَنْ أَشْرَفَ عَلَى الْهَلَكَة . قَالَ غَيْره : وَلَا يُرَاد بِهِمَا الدُّعَاء بِإِيقَاعِ الْهَلَكَة وَلَكِنْ التَّرَحُّمُ وَالتَّعَجُّبُ . وَرُوِيَ عَنْ عُمَر بْن الْخَطَّاب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ : وَيْح كَلِمَة رَحْمَةٍ . وَقَالَ الْهَرَوِيُّ : ( وَيْح ) لِمَنْ وَقَعَ فِي هَلَكَة لَا يَسْتَحِقُّهَا فَيُتَرَحَّم عَلَيْهِ وَيُرْثَى لَهُ . ( وَيْل ) لِلَّذِي يَسْتَحِقُّهَا ، وَلَا يُتَرَحَّم عَلَيْهِ . وَاَللَّه أَعْلَم .


100 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( اِثْنَتَانِ فِي النَّاس هُمَا بِهِمْ كُفْرٌ : الطَّعْنُ فِي النَّسَب ، وَالنِّيَاحَةُ عَلَى الْمَيِّتِ )
وَفِيهِ أَقْوَال أَصَحُّهَا أَنَّ مَعْنَاهُ هُمَا مِنْ أَعْمَال الْكُفَّار وَأَخْلَاق الْجَاهِلِيَّة . وَالثَّانِي : أَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى الْكُفْر . وَالثَّالِث : أَنَّهُ كُفْرُ النِّعْمَةِ وَالْإِحْسَانِ . وَالرَّابِعُ : أَنَّ ذَلِكَ فِي الْمُسْتَحِلِّ . وَفِي هَذَا الْحَدِيث تَغْلِيظُ تَحْرِيمِ الطَّعْنِ فِي النَّسَب وَالنِّيَاحَةِ . وَقَدْ جَاءَ فِي كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا نُصُوصٌ مَعْرُوفَةٌ . وَاَللَّه أَعْلَم .


101 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَيُّمَا عَبْدٍ أَبَقَ مِنْ مَوَالِيه فَقَدْ كَفَرَ حَتَّى يَرْجِع إِلَيْهِمْ )
وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى ( فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ الذِّمَّة ) وَفِي الْأُخْرَى : ( إِذَا أَبَقَ الْعَبْدُ لَمْ تُقْبَل لَهُ صَلَاةٌ ) أَمَّا تَسْمِيَته كَافِرًا فَفِيهِ الْأَوْجُه الَّتِي فِي الْبَاب قَبْله .
وَأَمَّا قَوْله : ( عَنْ مَنْصُور بْن عَبْد الرَّحْمَن عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ جَرِيرٍ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُول : أَيُّمَا عَبْدٍ أَبَقَ مِنْ مَوَالِيه فَقَدْ كَفَرَ حَتَّى يَرْجِع إِلَيْهِمْ قَالَ مَنْصُور : قَدْ وَاَللَّه رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَكِنِّي أَكْرَه أَنْ يُرْوَى عَنِّي هَاهُنَا بِالْبَصْرَةِ ) :
فَمَعْنَاهُ أَنَّ مَنْصُورًا رَوَى هَذَا الْحَدِيث عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ جَرِيرٍ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ ، ثُمَّ قَالَ مَنْصُورٌ بَعْد رِوَايَته إِيَّاهُ مَوْقُوفًا : وَاَللَّه إِنَّهُ مَرْفُوعٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاعْلَمُوهُ أَيّهَا الْخَوَاصُّ الْحَاضِرُونَ فَإِنِّي أَكْرَه أَنْ أُصَرِّحَ بِرَفْعِهِ فِي لَفْظ رِوَايَتِي فَيَشِيع عَنِّي فِي الْبَصْرَة الَّتِي هِيَ مَمْلُوءَة مِنْ الْمُعْتَزِلَة وَالْخَوَارِج الَّذِينَ يَقُولُونَ بِتَخْلِيدِ أَهْل الْمَعَاصِي فِي النَّار ، وَالْخَوَارِجُ يَزِيدُونَ عَلَى التَّخْلِيد فَيَحْكُمُونَ بِكُفْرِهِ ، وَلَهُمْ شُبْهَةٌ فِي التَّعَلُّق بِظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيث . وَقَدْ قَدَّمْنَا تَأْوِيلَهُ وَبُطْلَانَ مَذَاهِبِهِمْ بِالدَّلَائِلِ الْقَاطِعَةِ الْوَاضِحَةِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا فِي مَوَاضِع مِنْ هَذَا الْكِتَاب وَاَللَّه أَعْلَم .
وَأَمَّا ( مَنْصُور بْن عَبْد الرَّحْمَن ) هَذَا فَهُوَ الْأَشَلُّ الْغُدَانِيُّ الْبَصْرِيُّ ، وَثَّقَهُ أَحْمَد بْن حَنْبَل ، وَيَحْيَى بْن مَعِين . وَضَعَّفَهُ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيَُّ . وَفِي الرُّوَاة خَمْسَة يُقَال لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَنْصُور بْن عَبْد الرَّحْمَن هَذَا أَحَدُهُمْ . وَاَللَّه أَعْلَم .


102 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ الذِّمَّة )
فَمَعْنَاهُ لَا ذِمَّة لَهُ . قَالَ الشَّيْخ أَبُو عَمْرٍو رَحِمَهُ اللَّه : الذِّمَّة هُنَا يَجُوز أَنْ تَكُون هِيَ الذِّمَّة الْمُفَسَّرَة بِالذِّمَامِ وَهِيَ الْحُرْمَة ، وَيَجُوز أَنْ يَكُون مِنْ قَبِيل مَا جَاءَ فِي قَوْله لَهُ ذِمَّة اللَّه تَعَالَى وَذِمَّة رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيْ ضَمَانه وَأَمَانَته وَرِعَايَته ، وَمَنْ ذَلِكَ أَنَّ الْآبِقَ كَانَ مَصُونًا عَنْ عُقُوبَة السَّيِّد لَهُ وَحَبْسه فَزَالَ ذَلِكَ بِإِبَاقِهِ وَاَللَّه أَعْلَم .


103 - وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِذَا أَبَقَ الْعَبْدُ لَمْ تُقْبَل لَهُ صَلَاة )
فَقَدْ أَوَّله الْإِمَام الْمَازِرِيُّ وَتَابَعَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ رَحِمَهُمَا اللَّه عَلَى أَنَّ ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى الْمُسْتَحِلِّ لِلْإِبَاقِ فَيَكْفُر وَلَا تُقْبَلُ لَهُ صَلَاةٌ وَلَا غَيْرُهَا . وَنَبَّهَ بِالصَّلَاةِ عَلَى غَيْرهَا . وَأَنْكَرَ الشَّيْخ أَبُو عَمْرو هَذَا وَقَالَ : بَلْ ذَلِكَ جَارٍ فِي غَيْر الْمُسْتَحِلِّ ، وَلَا يَلْزَم مِنْ عَدَم الْقَبُول عَدَم الصِّحَّة ؛ فَصَلَاة الْآبِقِ صَحِيحَةٌ غَيْر مَقْبُولَة . فَعَدَم قَبُولهَا لِهَذَا الْحَدِيث وَذَلِكَ لِاقْتِرَانِهَا بِمَعْصِيَةٍ ، وَأَمَّا صِحَّتُهَا فَلِوُجُودِ شُرُوطهَا وَأَرْكَانهَا الْمُسْتَلْزِمَةِ صِحَّتهَا ، وَلَا تَنَاقُض فِي ذَلِكَ . وَيَظْهَرُ أَثَرُ عَدَمِ الْقَبُولِ فِي سُقُوطِ الثَّوَاب ، وَأَثَر الصِّحَّة فِي سُقُوط الْقَضَاء ، وَفِي أَنَّهُ لَا يُعَاقَبُ عُقُوبَة تَارِك الصَّلَاة . هَذَا آخِرُ كَلَام الشَّيْخ أَبِي عَمْرو رَحِمَهُ اللَّه . وَهُوَ ظَاهِرٌ لَا شَكَّ فِي حُسْنِهِ . وَقَدْ قَالَ جَمَاهِير أَصْحَابنَا : إِنَّ الصَّلَاة فِي الدَّار الْمَغْصُوبَة صَحِيحَةٌ لَا ثَوَاب فِيهَا . وَرَأَيْت فِي فَتَاوَى أَبِي نَصْر بْن الصَّبَّاغ مِنْ أَصْحَابنَا الَّتِي نَقَلَهَا عَنْهُ اِبْن أَخِيهِ الْقَاضِي أَبُو مَنْصُور قَالَ : الْمَحْفُوظُ مِنْ كَلَام أَصْحَابنَا بِالْعِرَاقِ أَنَّ الصَّلَاةَ فِي الدَّار الْمَغْصُوبَةِ بِهِ صَحِيحَة يَسْقُط بِهَا الْفَرْض ، وَلَا ثَوَاب فِيهَا . قَالَ أَبُو مَنْصُور . وَرَأَيْت أَصْحَابَنَا بِخُرَاسَان اِخْتَلَفُوا ؛ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : لَا تَصِحُّ الصَّلَاة . قَالَ : وَذَكَرَ شَيْخُنَا فِي الْكَامِل أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ تَصِحَّ وَيَحْصُل الثَّوَاب عَلَى الْفِعْل فَيَكُون مُثَابًا عَلَى فِعْله عَاصِيًا بِالْمُقَامِ فِي الْمَغْصُوب ، فَإِذَا لَمْ نَمْنَع مِنْ صِحَّتهَا لَمْ نَمْنَع مِنْ حُصُول الثَّوَاب . قَالَ أَبُو مَنْصُور : وَهَذَا هُوَ الْقِيَاسُ عَلَى طَرِيق مَنْ صَحَّحَهَا . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَيُقَال أَبَقَ الْعَبْدُ وَأَبِقَ بِفَتْحِ الْبَاء وَكَسْرهَا لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ الْفَتْحُ أَفْصَح وَبِهِ جَاءَ الْقُرْآن { إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ } .


104 - قَوْله : ( صَلَّى بِنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَاة الصُّبْح بِالْحُدَيْبِيَةِ عَلَى إِثْر سَمَاءٍ كَانَتْ مِنْ اللَّيْل فَلَمَّا اِنْصَرَفَ قَالَ : " هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ ؟ قَالُوا : اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ ، قَالَ : قَالَ أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ . فَأَمَّا مَنْ قَالَ مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّه وَرَحْمَته فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي كَافِرٌ بِالْكَوْكَبِ ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي مُؤْمِنٌ بِالْكَوْكَبِ )
أَمَّا ( الْحُدَيْبِيَةُ ) فَفِيهَا لُغَتَانِ : تَخْفِيف الْيَاء وَتَشْدِيدهَا . وَالتَّخْفِيف هُوَ الصَّحِيح الْمَشْهُور الْمُخْتَار وَهُوَ قَوْل الشَّافِعِيِّ ، وَأَهْل اللُّغَةِ ، وَبَعْض الْمُحَدِّثِينَ . وَالتَّشْدِيد قَوْل الْكِسَائِيِّ وَابْن وَهْب ، وَجَمَاهِير الْمُحَدِّثِينَ . وَاخْتِلَافهمْ فِي ( الْجِعْرَانَة ) كَذَلِكَ فِي تَشْدِيد الرَّاء وَتَخْفِيفهَا ، وَالْمُخْتَار فِيهَا أَيْضًا التَّخْفِيف .
وَقَوْله ( عَلَى إِثْر سَمَاء ) هُوَ بِكَسْرِ الْهَمْزَة وَإِسْكَان الثَّاء وَبِفَتْحِهِمَا جَمِيعًا لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ ، وَالسَّمَاء الْمَطَر .
وَأَمَّا مَعْنَى الْحَدِيث فَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي كُفْر مَنْ قَالَ : ( مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا ) عَلَى قَوْلَيْنِ : أَحَدهمَا : هُوَ كُفْرٌ بِاَللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى سَالِبٌ لِأَصْلِ الْإِيمَانِ مُخْرِج مِنْ مِلَّة الْإِسْلَام . قَالُوا : وَهَذَا فِيمَنْ قَالَ ذَلِكَ مُعْتَقِدًا أَنَّ الْكَوْكَبَ فَاعِلٌ مُدَبِّرٌ مُنْشِئٌ لِلْمَطَرِ ، كَمَا كَانَ بَعْض أَهْل الْجَاهِلِيَّة يَزْعُم ، وَمَنْ اِعْتَقَدَ هَذَا فَلَا شَكَّ فِي كُفْرِهِ . وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ ، وَالشَّافِعِيُّ مِنْهُمْ وَهُوَ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ ، قَالُوا : وَعَلَى هَذَا لَوْ قَالَ : مُطِرْنَا بِنَوْءٍ كَذَا مُعْتَقِدًا أَنَّهُ مِنْ اللَّه تَعَالَى وَبِرَحْمَتِهِ ، وَأَنَّ النَّوْء مِيقَاتٌ لَهُ وَعَلَامَةٌ اِعْتِبَارًا بِالْعَادَةِ فَكَأَنَّهُ قَالَ : مُطِرْنَا فِي وَقْت كَذَا ، فَهَذَا لَا يَكْفُر . وَاخْتَلَفُوا فِي كَرَاهَته وَالْأَظْهَر كَرَاهَته لَكِنَّهَا كَرَاهَةُ تَنْزِيهٍ لَا إِثْم فِيهَا . وَسَبَب الْكَرَاهَة أَنَّهَا كَلِمَةٌ مُتَرَدِّدَةٌ بَيْن الْكُفْرِ وَغَيْرِهِ ، فَيُسَاءُ الظَّنُّ بِصَاحِبِهَا ، وَلِأَنَّهَا شِعَار الْجَاهِلِيَّة ، وَمَنْ سَلَكَ مَسْلَكَهُمْ .
وَالْقَوْل الثَّانِي فِي أَصْل تَأْوِيل الْحَدِيث : أَنَّ الْمُرَاد كُفْرُ نِعْمَةِ اللَّه تَعَالَى لِاقْتِصَارِهِ عَلَى إِضَافَة الْغَيْث إِلَى الْكَوْكَب ، وَهَذَا فِيمَنْ لَا يَعْتَقِد تَدْبِير الْكَوْكَبِ . وَيُؤَيِّدُ هَذَا التَّأْوِيل الرِّوَايَة الْأَخِيرَة فِي الْبَاب : " أَصْبَحَ مِنْ النَّاس شَاكِرُ وَكَافِرٌ " وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى : " مَا أَنْعَمْت عَلَى عِبَادِي مِنْ نِعْمَة إِلَّا أَصْبَحَ فَرِيق مِنْهُمْ بِهَا كَافِرِينَ " وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى : " مَا أَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى مِنْ السَّمَاء مِنْ بَرَكَة إِلَّا أَصْبَحَ فَرِيق مِنْ النَّاس بِهَا كَافِرِينَ " فَقَوْله ( بِهَا ) يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ كُفْرٌ بِالنِّعْمَةِ . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَأَمَّا ( النَّوْء ) فَفِيهِ كَلَامٌ طَوِيلٌ قَدْ لَخَّصَهُ الشَّيْخُ أَبُو عَمْرو بْن الصَّلَاح رَحِمَهُ اللَّه ، فَقَالَ : النَّوْءُ فِي أَصْلِهِ لَيْسَ هُوَ نَفْسُ الْكَوْكَبِ فَإِنَّهُ مَصْدَرُ نَاءَ النَّجْمُ يَنُوءُ نَوْءًا أَيْ سَقَطَ ، وَغَابَ . وَقِيلَ : أَيْ نَهَضَ وَطَلَعَ . وَبَيَان ذَلِكَ أَنَّ ثَمَانِيَة وَعِشْرِينَ نَجْمًا مَعْرُوفَة الْمَطَالِع فِي أَزْمِنَة السَّنَة كُلّهَا وَهِيَ الْمَعْرُوفَةُ بِمَنَازِل الْقَمَر الثَّمَانِيَة وَالْعِشْرِينَ . يَسْقُط فِي كُلِّ ثَلَاث عَشْرَة لَيْلَة مِنْهَا نَجْم فِي الْمَغْرِب مَعَ طُلُوع الْفَجْر وَيَطْلُع آخَر يُقَابِلهُ فِي الْمَشْرِق مِنْ سَاعَته . وَكَانَ أَهْل الْجَاهِلِيَّة إِذَا كَانَ عِنْد ذَلِكَ مَطَرٌ يَنْسُبُونَهُ إِلَى السَّاقِط الْغَارِب مِنْهُمَا . وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ : إِلَى الطَّالِع مِنْهُمَا . قَالَ أَبُو عُبَيْد : وَلَمْ أَسْمَع أَحَدًا يَنْسُب النَّوْء لِلسُّقُوطِ إِلَّا فِي هَذَا الْمَوْضِع . ثُمَّ إِنَّ النَّجْم نَفْسُهُ قَدْ يُسَمَّى نَوْءًا تَسْمِيَةً لِلْفَاعِلِ بِالْمَصْدَرِ . قَالَ أَبُو إِسْحَاق الزَّجَّاجُ فِي بَعْض أَمَالِيهِ : السَّاقِطَةُ فِي الْغَرْب هِيَ الْأَنْوَاء وَالطَّالِعَة فِي الْمَشْرِق هِيَ الْبَوَارِج . وَاَللَّه أَعْلَم .


106 - أَمَّا مَا يَتَعَلَّقُ بِالْأَسَانِيدِ فَفِيهِ
عَمْرو بْن سَوَّاد
بِتَشْدِيدِ الْوَاو آخِرُهُ دَالٌ .
وَفِيهِ ( أَبُو يُونُس )
مَوْلَى أَبِي هُرَيْرَة وَاسْمه ( سُلَيْمُ بْنُ جُبَيْرٍ ) بِضَمِّ أَوَّلهمَا .
وَأَمَّا قَوْل مُسْلِم رَحِمَهُ اللَّه : ( حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَلَمَة الْمُرَادِيُّ حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن وَهْب عَنْ عَمْرو بْن الْحَارِث ) قَالَ مُسْلِم رَحِمَهُ اللَّه : ( وَحَدَّثَنِي عَمْرو بْن سَوَّاد أَخْبَرْنَا عَبْد اللَّه بْن وَهْب أَخْبَرْنَا عَمْرو بْن الْحَارِثِ أَنَّ أَبَا يُونُس مَوْلَى أَبِي هُرَيْرَة حَدَّثَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة )
فَهَذَا الْإِسْنَادُ كُلّه بَصْرِيُّونَ إِلَّا أَبَا هُرَيْرَة فَمَدَنِيٌّ ، وَإِنَّمَا أَتَى مُسْلِمٌ بِعَبْدِ اللَّه بْن وَهْب ، وَعَمْرو بْن الْحَارِث أَوَّلًا ثُمَّ أَعَادَهُمَا وَلَمْ يَقْتَصِر عَلَى قَوْله حَدَّثَنَا مُحَمَّد ، وَعَمْرو بْن سَوَّاد لِاخْتِلَافِ لَفْظ الرِّوَايَات كَمَا تَرَى . وَقَدْ نَبَّهْنَا عَلَى مِثْل هَذَا التَّدْقِيق وَالِاحْتِيَاط لِمُسْلِمٍ رَحِمَهُ اللَّه فِي مَوَاضِع . وَاَللَّه أَعْلَم بِالصَّوَابِ .


107 - وَقَوْله فِي رِوَايَة اِبْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا : ( مُطِرَ النَّاسُ عَلَى عَهْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَصْبَحَ مِنْ النَّاس شَاكِرٌ وَمِنْهُمْ كَافِرٌ ، قَالُوا هَذِهِ رَحْمَةُ اللَّه ، وَقَالَ بَعْضهمْ لَقَدْ صَدَقَ نَوْء كَذَا وَكَذَا " . قَالَ : فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة : { فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ } حَتَّى بَلَغَ { وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ } )
فَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَمْرو رَحِمَهُ اللَّه : لَيْسَ مُرَادُهُ أَنَّ جَمِيع هَذَا نَزَلَ فِي قَوْلهمْ فِي الْأَنْوَاء فَإِنَّ الْأَمْر فِي ذَلِكَ وَتَفْسِيرُهُ يَأْبَى ذَلِكَ ، وَإِنَّمَا النَّازِل فِي ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى : { وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ } وَالْبَاقِي نَزَلَ فِي غَيْر ذَلِكَ ، وَلَكِنْ اِجْتَمَعَا فِي وَقْتِ النُّزُولِ ، فَذَكَر الْجَمِيع مِنْ أَجْل ذَلِكَ ، قَالَ الشَّيْخ أَبُو عَمْرو رَحِمَهُ اللَّه : وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى هَذَا أَنَّ فِي بَعْض الرِّوَايَات عَنْ اِبْن عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا فِي ذَلِكَ الِاقْتِصَار عَلَى هَذَا الْقَدْر الْيَسِير فَحَسْب . هَذَا آخِر كَلَامِ الشَّيْخ رَحِمَهُ اللَّه .
وَأَمَّا تَفْسِير الْآيَة فَقِيلَ : تَجْعَلُونَ رِزْقكُمْ أَيْ شُكْركُمْ كَذَا قَالَهُ اِبْن عَبَّاس وَالْأَكْثَرُونَ . وَقِيلَ : تَجْعَلُونَ شُكْر رِزْقكُمْ . قَالَهُ الْأَزْهَرِيُّ وَأَبُو عَلِيٍّ الْفَارِسِيُّ . وَقَالَ الْحَسَنُ : أَيْ تَجْعَلُونَ حَظَّكُمْ .
وَأَمَّا مَوَاقِعُ النُّجُومِ فَقَالَ الْأَكْثَرُونَ : الْمُرَادُ نُجُومُ السَّمَاءِ . وَمَوَاقِعهَا مَغَارِبهَا . وَقِيلَ : مَطَالِعهَا . وَقِيلَ : اِنْكِدَارهَا وَقِيلَ : يَوْم الْقِيَامَة . وَقِيلَ : النُّجُوم نُجُوم الْقُرْآن وَهِيَ أَوْقَات نُزُوله . وَقَالَ مُجَاهِد : مَوَاقِعُ النُّجُومِ مُحْكِمُ الْقُرْآنِ . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَفِيهِ( عَبَّاس بْن عَبْد الْعَظِيم الْعَنْبَرِيُّ )
هُوَ بِالسِّينِ الْمُهْمَلَة وَالْعَنْبَرِيُّ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَة وَالنُّون بَعْدهَا مُوَحَّدَة . قَالَ الْقَاضِي : وَضَبَطَهُ الْعُذْرِيُّ ( الْغُبْرِيّ ) بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَة . وَهُوَ تَصْحِيفٌ بِلَا شَكٍّ .
وَفِيهِ( أَبُو زُمَيْلٍ )
بِضَمِّ الزَّاي وَفَتْح الْمِيمِ وَاسْمِهِ ( سَمَّاك بْن الْوَلِيد الْحَنَفِيُّ الْيَمَامِيُّ ) ، قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرِّ : أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ ثِقَةٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .


قَوْلُهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( آيَة الْمُنَافِقِ بُغْضُ الْأَنْصَار وَآيَة الْمُؤْمِنِ حُبُّ الْأَنْصَارِ ) وَفِي الِّروَاية الأُخْرَى : ( حُبُّ الْأَنْصَارِ آيَة الْإِيمَان وَبُغْضهمْ آيَة النِّفَاق ) وَفِي الأُخْرَى : ( لَا يُحِبُّهُمْ إِلَّا مُؤْمِنٌ ، وَلَا يُبْغِضُهُمْ إِلَّا مُنَافِقٌ مَنْ أَحَبَّهُمْ أَحَبَّهُ اللَّه ، وَمَنْ أَبْغَضهمْ أَبْغَضَهُ اللَّهُ ) وَفِي الأُخْرَى : ( لَا يُبْغِض الْأَنْصَار رَجُل يُؤْمِن بِاَللَّهِ وَالْيَوْم الْآخِرِ ) وَفِي حَدِيث عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : ( وَاَلَّذِي فَلَق الْحَبَّة وَبَرَأَ النَّسَمَة إِنَّهُ لَعَهْدُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيَّ أَنْ لَا يُحِبّنِي إِلَّا مُؤْمِنٌ ، وَلَا يُبْغِضنِي إِلَّا مُنَافِقٌ ) .
قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْآيَة هِيَ الْعَلَامَةُ ، وَمَعْنَى هَذَه الأحَادِيث : أَنَّ مَنْ عَرَفَ مَرْتَبَة الْأَنْصَار وَمَا كَانَ مِنْهُمْ فِي نُصْرَة دِينِ الْإِسْلَامِ ، وَالسَّعْيِ فِي إِظْهَارِهِ وَإِيوَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَقِيَامِهِمْ فِي مُهِمَّاتِ دِينِ الْإِسْلَامِ حَقّ الْقِيَام ، وَحُبِّهِمْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحُبّه إِيَّاهُمْ ، وَبَذْلهمْ أَمْوَالهمْ وَأَنْفُسهمْ بَيْن يَدَيْهِ ، وَقِتَالهمْ وَمُعَادَاتهمْ سَائِر النَّاس إِيثَارًا لِلْإِسْلَامِ . وَعَرَفَ مِنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قُرْبه مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَحُبّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُ ، وَمَا كَانَ مِنْهُ فِي نُصْرَة الْإِسْلَام وَسَوَابِقه فِيهِ ، ثُمَّ أَحَبَّ الْأَنْصَارَ وَعَلِيًّا لِهَذَا ، كَانَ ذَلِكَ مِنْ دَلَائِل صِحَّة إِيمَانِهِ وَصِدْقِهِ فِي إِسْلَامِهِ لِسُرُورِهِ بِظُهُورِ الْإِسْلَامِ وَالْقِيَام بِمَا يُرْضِي اللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى ، وَرَسُوله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَمَنْ أَبْغَضهمْ كَانَ بِضِدِّ ذَلِكَ ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى نِفَاقه وَفَسَاد سَرِيرَته . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَأَمَّا قَوْله : ( فَلَق الْحَبَّة ) فَمَعْنَاهُ شَقَّهَا بِالنَّبَاتِ . وَقَوْله ( وَبَرَأَ النَّسَمَة ) هُوَ بِالْهَمْزَةِ أَيْ خَلَقَ النَّسَمَة وَهِيَ بِفَتْحِ النُّون وَالسِّين . وَهِيَ الْإِنْسَان ، وَقِيلَ : النَّفْس . وَحَكَى الْأَزْهَرِيُّ أَنَّ النَّسَمَةَ هِيَ النَّفْس ، وَأَنَّ كُلَّ دَابَّة فِي جَوْفهَا رُوح فَهِيَ نَسَمَة . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَأَمَّا مَا يَتَعَلَّقُ بِأَسَانِيد الْبَاب : فَفِيهِ عَبْد اللَّه بْن عَبْد اللَّه بْن جَبْر ؛ فَعَبْد مُكَبَّرٌ فِي اِسْمِهِ وَاسْم أَبِيهِ ، وَجَبْر بِفَتْحِ الْجِيم وَإِسْكَان الْبَاء ، وَيُقَال : فِيهِ أَيْضًا جَابِرٌ .
وَفِيهِ الْبَرَاء بْن عَازِب وَهُوَ مَعْرُوف بِالْمَدِّ ، هَذَا هُوَ الْمَشْهُور عِنْد أَهْل الْعِلْم مِنْ الْمُحَدِّثِينَ ، وَأَهْل اللُّغَة وَالْأَخْبَار ، وَأَصْحَاب الْفُنُون كُلّهَا . قَالَ الشَّيْخ أَبُو عَمْرو بْن الصَّلَاح رَحِمَهُ اللَّه : وَحَفِظْت فِيهِ عَنْ بَعْض أَهْل اللُّغَة الْقَصْر وَالْمَدّ .
وَفِيهِ يَعْقُوبُ بْن عَبْد الرَّحْمَن الْقَارِيُّ بِتَشْدِيدِ الْيَاء مَنْسُوبٌ إِلَى الْقَارَّة قَبِيلَة مَعْرُوفَة .
وَفِيهِ زِرُّ بِكَسْرِ الزَّاي وَتَشْدِيد الرَّاءِ وَهُوَ زِرُّ بْن حُبَيْشٍ ، وَهُوَ مِنْ الْمُعَمِّرِينَ أَدْرَكَ الْجَاهِلِيَّةَ وَمَاتَ سَنَة اِثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ ، وَهُوَ اِبْن مِائَةٍ وَعِشْرِينَ سَنَة ، وَقِيلَ اِبْن مِائَة وَاثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ سَنَة ، وَقِيلَ مِائَة وَسَبْعَة وَعِشْرِينَ ، وَهُوَ أَسَدِيٌّ كُوفِيٌّ .
وَأمَّا قَوْل مُسْلِم رَحِمَهُ اللَّه : ( حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى حَدَّثَنَا عَبْد الرَّحْمَن بْن مَهْدِيٍّ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَبْد اللَّه بْن جَبْر قَالَ : سَمِعْت أَنَسًا يَقُول ) ثُمَّ قَالَ مُسْلِم ( حَدَّثَنَا يَحْيَى بْن حَبِيب الْحَارِثِيّ حَدَّثَنَا خَالِدٌ يَعْنِي اِبْن الْحَارِثِ حَدَّثَنَا شُعْبَة عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَبْد اللَّه عَنْ أَنَس ) فَهَذَانِ الْإِسْنَادَانِ رِجَالُهُمَا كُلُّهُمْ بَصْرِيُّونَ إِلَّا اِبْن جَبْر فَإِنَّهُ أَنْصَارِيٌّ مَدَنِيٌّ . وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ شُعْبَة وَإِنْ كَانَ وَاسِطِيًّا فَقَدْ اِسْتَوْطَنَ الْبَصْرَة . وَاَللَّه أَعْلَم .


108 - سبق شرحه بالباب


109 - سبق شرحه بالباب


110 - سبق شرحه بالباب


111 - سبق شرحه بالباب


112 - سبق شرحه بالباب


113 - سبق شرحه بالباب


114 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ تَصَدَّقْنَ وَأَكْثِرْنَ الِاسْتِغْفَار فَإِنِّي رَأَيْتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ ، فَقَالَتْ اِمْرَأَةٌ مِنْهُنَّ جَزْلَة : وَمَا لَنَا يَا رَسُول اللَّهِ أَكْثَر أَهْل النَّار ؟ قَالَ : تُكْثِرْنَ اللَّعْن وَتَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ مَا رَأَيْت مِنْ نَاقِصَاتٍ عَقْلٍ وَدِينٍ أَغْلَب لِذِي لُبٍّ مِنْكُنَّ " قَالَتْ : يَا رَسُول اللَّه وَمَا نُقْصَانُ الْعَقْلِ وَالدِّينِ ؟ قَالَ : " أَمَّا نُقْصَان الْعَقْل فَشَهَادَة اِمْرَأَتَيْنِ تَعْدِل شَهَادَة رَجُل وَاحِدٍ ؛ فَهَذَا نُقْصَان الْعَقْلِ ، وَتَمْكُثُ اللَّيَالِي مَا تُصَلِّي ، وَتُفْطِر فِي رَمَضَان ، فَهَذَا نُقْصَان الدِّين ) قَالَ أَهْل اللُّغَة :
الْمَعْشَر
هُمْ الْجَمَاعَة الَّذِينَ أَمْرهمْ وَاحِدٌ أَيْ مُشْتَرِكُونَ ، وَهُوَ اِسْمٌ يَتَنَاوَلهُمْ كَالْإِنْسِ مَعْشَرٌ وَالْجِنُّ مَعْشَرٌ ، وَالْأَنْبِيَاء مَعْشَرٌ ، وَالنِّسَاء مَعْشَرٌ ، وَنَحْو ذَلِكَ . وَجَمْعه مَعَاشِر .
وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( رَأَيْتُكُنَّ أَكْثَر أَهْل النَّار )
وَهُوَ بِنَصْبِ ( أَكْثَر ) إِمَّا عَلَى أَنَّ هَذِهِ الرُّؤْيَة تَتَعَدَّى إِلَى مَفْعُولَيْنِ ، وَإِمَّا عَلَى الْحَال عَلَى مَذْهَب اِبْن السَّرَّاج وَأَبِي عَلِيٍّ الْفَارِسِيِّ وَغَيْرِهِمَا مِمَّنْ قَالَ : إِنَّ ( أَفْعَل ) لَا يَتَعَرَّف بِالْإِضَافَةِ . وَقِيلَ : هُوَ بَدَل مِنْ الْكَاف فِي ( رَأَيْتُكُنَّ ) .
وَأَمَّا قَوْلهَا : ( وَمَا لَنَا أَكْثَر أَهْل النَّار ؟ )
فَمَنْصُوبٌ إِمَّا عَلَى الْحِكَايَةِ ، وَإِمَّا عَلَى الْحَالِ .
وَقَوْله ( جَزْلَة )
بِفَتْحِ الْجِيم وَإِسْكَان الزَّايِ أَيْ ذَاتُ عَقْلٍ وَرَأْيٍ . قَالَ اِبْن دُرَيْدٍ : الْجَزَالَة الْعَقْل وَالْوَقَار .
وَأَمَّا
( الْعَشِيرُ )
فَبِفَتْحِ الْعَيْن وَكَسْر الشِّين وَهُوَ فِي الْأَصْل الْمُعَاشِر مُطْلَقًا . وَالْمُرَاد هُنَا الزَّوْج . وَأَمَّا اللُّبُّ فَهُوَ الْعَقْل . وَالْمُرَاد كَمَالُ الْعَقْل .
وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَهَذَا نُقْصَان الْعَقْل )
أَيْ عَلَامَة نُقْصَانه .
وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَتَمْكُث اللَّيَالِي مَا تُصَلِّي )
أَيْ تَمْكُث لَيَالِي وَأَيَّامًا لَا تُصَلِّي بِسَبَبِ الْحَيْض . وَتُفْطِر أَيَّامًا مِنْ رَمَضَان بِسَبَبِ الْحَيْض . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَأَمَّا أَحْكَام الْحَدِيث فَفِيهِ جُمَل مِنْ الْعُلُوم مِنْهَا الْحَثُّ عَلَى الصَّدَقَة وَأَفْعَال الْبِرّ وَالْإِكْثَار مِنْ الِاسْتِغْفَار وَسَائِر الطَّاعَات . وَفِيهِ أَنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ كَمَا قَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ . وَفِيهِ أَنَّ كُفْرَان الْعَشِير وَالْإِحْسَان مِنْ الْكَبَائِر فَإِنَّ التَّوَعُّد بِالنَّارِ مِنْ عَلَامَة كَوْن الْمَعْصِيَة كَبِيرَة كَمَا سَنُوَضِّحُهُ قَرِيبًا إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى . وَفِيهِ أَنَّ اللَّعْن أَيْضًا مِنْ الْمَعَاصِي الشَّدِيدَة الْقُبْح وَلَيْسَ فِيهِ أَنَّهُ كَبِيرَة فَإِنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " تُكْثِرْنَ اللَّعْن " وَالصَّغِيرَة إِذَا أُكْثِرَتْ صَارَتْ كَبِيرَة وَقَدْ قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَعْن الْمُؤْمِنِ كَقَتْلِهِ " .
وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاء عَلَى تَحْرِيم اللَّعْن فَإِنَّهُ فِي اللُّغَة الْإِبْعَاد وَالطَّرْد ، وَفِي الشَّرْع الْإِبْعَاد مِنْ رَحْمَة اللَّه تَعَالَى ؛ فَلَا يَجُوز أَنْ يُبْعَد مِنْ رَحْمَة اللَّه تَعَالَى مَنْ لَا يُعْرَف حَاله وَخَاتِمَة أَمْره مَعْرِفَة قَطْعِيَّة . فَلِهَذَا قَالُوا : لَا يَجُوز لَعْن أَحَد بِعَيْنِهِ مُسْلِمًا كَانَ أَوْ كَافِرًا أَوْ دَابَّة إِلَّا مَنْ عَلِمْنَا بِنَصٍّ شَرْعِيٍّ أَنَّهُ مَاتَ عَلَى الْكُفْر أَوْ يَمُوت عَلَيْهِ كَأَبِي جَهْلٍ ، وَإِبْلِيس . وَأَمَّا اللَّعْنُ بِالْوَصْفِ فَلَيْسَ بِحَرَامٍ كَلَعْنٍ الْوَاصِلَة وَالْمُسْتَوْصِلَة وَالْوَاشِمَة وَالْمُسْتَوْشِمَة وَآكِل الرِّبَا وَمُوكِله وَالْمُصَوِّرِينَ وَالظَّالِمِينَ وَالْفَاسِقِينَ وَالْكَافِرِينَ وَلَعْن مَنْ غَيَّرَ مَنَار الْأَرْضِ وَمَنْ تَوَلَّى غَيْر مَوَالِيه وَمَنْ اِنْتَسَبَ إِلَى غَيْر أَبِيهِ وَمَنْ أَحْدَث فِي الْإِسْلَام حَدَثًا أَوْ آوَى مُحْدِثًا وَغَيْر ذَلِكَ مِمَّا جَاءَتْ بِهِ النُّصُوص الشَّرْعِيَّة بِإِطْلَاقِهِ عَلَى الْأَوْصَاف لَا عَلَى الْأَعْيَان . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَفِيهِ إِطْلَاق الْكُفْر عَلَى غَيْر الْكُفْر بِاَللَّهِ تَعَالَى - كَكُفْرِ الْعَشِير ، وَالْإِحْسَان ، وَالنِّعْمَة وَالْحَقّ . وَيُؤْخَذ مِنْ ذَلِكَ صِحَّة تَأْوِيل الْكُفْر فِي الْأَحَادِيث الْمُتَقَدِّمَة عَلَى مَا تَأَوَّلْنَاهَا . وَفِيهِ بَيَان زِيَادَة الْإِيمَان وَنُقْصَانه . وَفِيهِ وَعْظ الْإِمَامِ وَأَصْحَاب الْوِلَايَاتِ وَكُبَرَاء النَّاس رَعَايَاهُمْ وَتَحْذِيرهمْ الْمُخَالَفَات ، وَتَحْرِيضِهِمْ عَلَى الطَّاعَات . وَفِيهِ مُرَاجَعَة الْمُتَعَلِّم الْعَالِم ، وَالتَّابِع الْمَتْبُوع فِيمَا قَالَهُ إِذَا لَمْ يَظْهَر لَهُ مَعْنَاهُ ، كَمُرَاجَعَةِ هَذِهِ الْجَزْلَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا . وَفِيهِ جَوَاز إِطْلَاق رَمَضَان مِنْ غَيْر إِضَافَةٍ إِلَى الشَّهْر وَإِنْ كَانَ الِاخْتِيَار إِضَافَته . وَاَللَّه أَعْلَم .
قَالَ الْإِمَام أَبُو عَبْد اللَّه الْمَازِرِيُّ رَحِمَهُ اللَّه :
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَمَّا نُقْصَان الْعَقْل فَشَهَادَة اِمْرَأَتَيْنِ تَعْدِل شَهَادَة رَجُل )
تَنْبِيهٌ مِنْهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَا وَرَاءَهُ وَهُوَ مَا نَبَّهَ اللَّه تَعَالَى عَلَيْهِ فِي كِتَابه بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى } أَيْ أَنَّهُنَّ قَلِيلَات الضَّبْط قَالَ : وَقَدْ اِخْتَلَفَ النَّاس فِي الْعَقْل مَا هُوَ ؟ فَقِيلَ : هُوَ الْعِلْم ، وَقِيلَ : بَعْض الْعُلُوم الضَّرُورِيَّة ، وَقِيلَ : قُوَّةٌ يُمَيَّز بِهَا بَيْن حَقَائِق الْمَعْلُومَات . هَذَا كَلَامه .
قُلْت : وَالِاخْتِلَاف فِي حَقِيقَة الْعَقْل وَأَقْسَامه كَثِيرٌ مَعْرُوف لَا حَاجَة هُنَا إِلَى الْإِطَالَة بِهِ ، وَاخْتَلَفُوا فِي مَحَلِّهِ . فَقَالَ أَصْحَابنَا الْمُتَكَلِّمُونَ : هُوَ فِي الْقَلْب ، وَقَالَ بَعْض الْعُلَمَاء : هُوَ فِي الرَّأْس . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَأَمَّا وَصْفُهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النِّسَاءَ بِنُقْصَانِ الدِّين لِتَرْكِهِنَّ الصَّلَاة وَالصَّوْم فِي زَمَن الْحَيْض فَقَدْ يُسْتَشْكَل مَعْنَاهُ وَلَيْسَ بِمُشْكِلٍ ، بَلْ هُوَ ظَاهِرٌ فَإِنَّ الدِّين وَالْإِيمَان وَالْإِسْلَام مُشْتَرِكَة فِي مَعْنَى وَاحِدٍ كَمَا قَدَّمْنَاهُ فِي مَوَاضِع ، وَقَدْ قَدَّمْنَا أَيْضًا فِي مَوَاضِع أَنَّ الطَّاعَات تُسَمَّى إِيمَانًا وَدِينًا ، وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا عَلِمْنَا أَنَّ مَنْ كَثُرَتْ عِبَادَته زَادَ إِيمَانه وَدِينه ، وَمَنْ نَقَصَتْ عِبَادَته نَقَصَ دِينه . ثُمَّ نَقْصُ الدِّين قَدْ يَكُون عَلَى وَجْه يَأْثَم بِهِ كَمَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ أَوْ الصَّوْم أَوْ غَيْرهمَا مِنْ الْعِبَادَات الْوَاجِبَة عَلَيْهِ بِلَا عُذْرٍ ، وَقَدْ يَكُون عَلَى وَجْه لَا إِثْم فِيهِ كَمَنْ تَرَك الْجُمُعَة أَوْ الْغَزْو أَوْ غَيْر ذَلِكَ مِمَّا لَا يَجِبُ عَلَيْهِ بِلَا عُذْرٍ ، وَقَدْ يَكُون عَلَى وَجْهٍ هُوَ مُكَلَّف بِهِ كَتَرْكِ الْحَائِضِ الصَّلَاةَ وَالصَّوْم . فَإِنْ قِيلَ : فَإِنْ كَانَتْ مَعْذُورَةً فَهَلْ تُثَاب عَلَى الصَّلَاة فِي زَمَن الْحَيْض وَإِنْ كَانَتْ لَا تَقْضِيهَا كَمَا يُثَاب الْمَرِيضُ الْمُسَافِر وَيُكْتَب لَهُ فِي مَرَضه وَسَفَره مِثْل نَوَافِل الصَّلَوَات الَّتِي كَانَ يَفْعَلهَا فِي صِحَّته وَحَضَرِهِ ؟ فَالْجَوَابُ أَنَّ ظَاهِرَ هَذَا الْحَدِيث أَنَّهَا لَا تُثَاب . وَالْفَرْق أَنَّ الْمَرِيض وَالْمُسَافِر كَانَ يَفْعَلهَا بِنِيَّةِ الدَّوَام عَلَيْهَا مَعَ أَهْلِيَّتِهِ لَهَا . وَالْحَائِض لَيْسَتْ كَذَلِكَ بَلْ نِيَّتُهَا تَرْكُ الصَّلَاةِ فِي زَمَن الْحَيْض ، بَلْ يَحْرُم عَلَيْهَا نِيَّة الصَّلَاة فِي زَمَن الْحَيْض . فَنَظِيرهَا مُسَافِرٌ أَوْ مَرِيض كَانَ يُصَلِّي النَّافِلَة فِي وَقْتٍ وَيَتْرُك فِي وَقْتٍ غَيْر نَاوٍ الدَّوَام عَلَيْهَا فَهَذَا لَا يُكْتَب لَهُ فِي سَفَره وَمَرَضه فِي الزَّمَن الَّذِي لَمْ يَكُنْ يَنْتَفِل فِيهِ . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَأَمَّا مَا يَتَعَلَّق بِأَسَانِيد الْبَاب فَفِيهِ
( اِبْن الْهَادِ )
وَاسْمه يَزِيد بْن عَبْد اللَّه بْن أُسَامَة وَأُسَامَة هُوَ الْهَادِ لِأَنَّهُ كَانَ يُوقِد نَارًا لِيَهْتَدِيَ إِلَيْهَا الْأَضْيَاف وَمَنْ سَلَكَ الطَّرِيق . وَهَكَذَا يَقُولهُ الْمُحَدِّثُونَ ( الْهَادِ ) وَهُوَ صَحِيح عَلَى لُغَةٍ . وَالْمُخْتَار فِي الْعَرَبِيَّة ( الْهَادِي ) بِالْيَاءِ وَقَدْ قَدَّمْنَا ذِكْرَ هَذَا فِي مُقَدِّمَة الْكِتَاب وَغَيْرهَا . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَفِيهِ ( أَبُو بَكْرِ بْن إِسْحَاق )
وَاسْمه مُحَمَّد .
وَفِيهِ ( اِبْن أَبِي مَرْيَم )
وَهُوَ سَعِيد بْن الْحَكَم بْن مُحَمَّد بْن أَبِي مَرْيَم الْجُمَحِيُّ أَبُو مُحَمَّد الْمِصْرِيُّ الْفَقِيهُ الْجَلِيلُ .
وَفِيهِ ( عَمْرو بْن أَبِي عَمْرو عَنْ الْمَقْبُرِيِّ )
وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي الْمُرَاد بِالْمَقْبُرِيِّ هُنَا هَلْ هُوَ أَبُو سَعِيد الْمَقْبُرِيُّ أَوْ اِبْنه سَعِيد ؟ فَإِنَّ كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا يُقَال لَهُ الْمَقْبُرِيُّ ، وَإِنْ كَانَ الْمَقْبُرِيُّ فِي الْأَصْل هُوَ أَبُو سَعِيد . فَقَالَ الْحَافِظ أَبُو عَلِيّ الْغَسَّانِيُّ الْجَيَّانِيُّ عَنْ أَبِي مَسْعُود الدِّمَشْقِيِّ : هُوَ أَبُو سَعِيد قَالَ أَبُو عَلِيٍّ : وَهَذَا إِنَّمَا هُوَ فِي رِوَايَة إِسْمَاعِيل بْن جَعْفَر عَنْ عَمْرو بْن أَبِي عَمْرو . وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : خَالَفَهُ سُلَيْمَان بْن بِلَالٍ فَرَوَاهُ عَنْ عَمْرٍو عَنْ سَعِيدِ الْمَقْبُرِيِّ . قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : وَقَوْل سُلَيْمَان بْن بِلَال أَصَحُّ . قَالَ الشَّيْخ أَبُو عَمْرو بْن الصَّلَاح رَحِمَهُ اللَّه : رَوَاهُ أَبُو نُعَيْم الْأَصْفَهَانِيُّ فِي كِتَابه ( الْمُخَرَّج عَلَى صَحِيح مُسْلِم ) مِنْ وُجُوهِ مَرْضِيَّةٍ عَنْ إِسْمَاعِيل بْن جَعْفَر عَنْ عَمْرو بْن أَبِي عَمْرو عَنْ سَعِيد بْن أَبِي سَعِيد الْمَقْبُرِيِّ هَكَذَا مُبَيَّنًا . لَكِنْ رَوَيْنَاهُ فِي مُسْنَد أَبِي عَوَانَة الْمُخَرَّج عَلَى صَحِيح مُسْلِم مِنْ طَرِيق إِسْمَاعِيل بْن جَعْفَر عَنْ أَبِي سَعِيد ، وَمِنْ طَرِيق سُلَيْمَان بْن بِلَال عَنْ سَعِيد كَمَا سَبَقَ عَنْ الدَّارَقُطْنِيِّ فَالِاعْتِمَاد عَلَيْهِ إِذًا . هَذَا كَلَام الشَّيْخ . وَيُقَال الْمَقْبُرِيُّ بِضَمِّ الْبَاء وَفَتْحِهَا وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ فِيهِ وَهِيَ نِسْبَة إِلَى الْمَقْبَرَة . وَفِيهَا ثَلَاث لُغَات ضَمّ الْبَاء ، وَفَتْحهَا ، وَكَسْرِهَا ، وَالثَّالِثَة غَرِيبَة . قَالَ إِبْرَاهِيم الْحَرْبِيُّ وَغَيْره : كَانَ أَبُو سَعِيد يَنْزِل الْمَقَابِر ، فَقِيلَ لَهُ الْمَقْبُرِيُّ ، وَقِيلَ : كَانَ مَنْزِله عِنْد الْمَقَابِر وَقِيلَ : إِنَّ عُمَر بْن الْخَطَّاب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ جَعَلَهُ عَلَى حَفْرِ الْقُبُورِ ، فَقِيلَ لَهُ : الْمَقْبُرِيُّ ، وَجَعَلَ نُعَيْمًا عَلَى إِجْمَار الْمَسْجِد فَقِيلَ لَهُ نُعَيْم الْمُجَمِّر . وَاسْم أَبِي سَعِيد كَيْسَان اللَّيْثِيّ الْمَدَنِيّ . وَاَللَّه أَعْلَم .


فِي الْبَاب حَدِيثَانِ أَحَدهمَا : ( إِذَا قَرَأَ اِبْن آدَم السَّجْدَة فَسَجَدَ اِعْتَزَلَ الشَّيْطَان يَبْكِي يَقُول يَا وَيْله ، وَفِي رِوَايَة يَا وَيَلِي أُمِرَ اِبْنُ آدَم بِالسُّجُودِ فَسَجَدَ فَلَهُ الْجَنَّة وَأُمِرْت بِالسُّجُودِ فَأَبَيْت فَلِي النَّار ) وَالْحَدِيث الثَّانِي ( إِنَّ بَيْن الرَّجُل وَبَيْن الشِّرْك وَالْكُفْر تَرْكُ الصَّلَاة ) مَقْصُود مُسْلِم رَحِمَهُ اللَّه بِذِكْرِ هَذَيْنِ الْحَدِيثِينَ هُنَا أَنَّ مِنْ الْأَفْعَال مَا تَرْكُهُ يُوجِبُ الْكُفْرَ إِمَّا حَقِيقَة وَإِمَّا تَسْمِيَة . فَأَمَّا كُفْر إِبْلِيس بِسَبَبِ السُّجُود فَمَأْخُوذٌ مِنْ قَوْل اللَّهِ تَعَالَى : { وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنْ الْكَافِرِينَ } قَالَ الْجُمْهُور : مَعْنَاهُ وَكَانَ فِي عِلْم اللَّه تَعَالَى مِنْ الْكَافِرِينَ ، وَقَالَ بَعْضهمْ : وَصَارَ مِنْ الْكَافِرِينَ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى { وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنْ الْمُغْرَقِينَ } .


115 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِذَا قَرَأَ اِبْن آدَم السَّجْدَة )
فَمَعْنَاهُ آيَة السَّجْدَة .
( وَقَوْله يَا وَيْله )
هُوَ مِنْ آدَاب الْكَلَام ، وَهُوَ أَنَّهُ إِذَا عَرَضَ فِي الْحِكَايَة عَنْ الْغَيْر مَا فِيهِ سُوءٌ وَاقْتَضَتْ الْحِكَايَة رُجُوع الضَّمِير إِلَى الْمُتَكَلِّم ، صَرَفَ الْحَاكِي الضَّمِير عَنْ نَفْسه تَصَاوُنًا عَنْ صُورَة إِضَافَة السُّوء إِلَى نَفْسه .
وَقَوْله فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى :
( يَا وَيْلِي )
يَجُوز فِيهِ فَتْح اللَّام وَكَسْرهَا .
وَقَدْ اِحْتَجَّ أَصْحَاب أَبِي حَنِيفَة رَحِمَهُ اللَّه وَإِيَّاهُمْ بِقَوْلِهِ : ( أُمِرَ اِبْنُ آدَم بِالسُّجُودِ ) عَلَى أَنَّ سُجُود التِّلَاوَة وَاجِبٌ . وَمَذْهَب مَالِك وَالشَّافِعِيِّ وَالْكَثِيرِينَ أَنَّهُ سُنَّة ، وَأَجَابُوا عَنْ هَذَا بِأَجْوِبَةٍ :
أَحَدهَا : أَنَّ تَسْمِيَة هَذَا أَمْرًا إِنَّمَا هُوَ مِنْ كَلَام إِبْلِيس فَلَا حُجَّة فِيهَا فَإِنْ قَالُوا حَكَاهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يُنْكِرهَا قُلْنَا : قَدْ حَكَى غَيْرهَا مِنْ أَقْوَال الْكُفَّار وَلَمْ يُبْطِلهَا حَال الْحِكَايَة وَهِيَ بَاطِلَةٌ .
الْوَجْه الثَّانِي : أَنَّ الْمُرَاد أَمْر نَدْب لَا إِيجَاب .
الثَّالِث : الْمُرَاد الْمُشَارَكَة فِي السُّجُود لَا فِي الْوُجُوب . وَاَللَّه أَعْلَم .


116 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( بَيْن الرَّجُل وَبَيْن الشِّرْك وَالْكُفْر تَرْكُ الصَّلَاة )
هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيع الْأُصُول مِنْ صَحِيح مُسْلِمٍ الشِّرْكُ وَالْكُفْرُ بِالْوَاوِ . وَفِي مُخَرَّج أَبِي عَوَانَة الْإِسْفَرَايِينِيّ وَأَبِي نُعَيْم الْأَصْبَهَانِيِّ : أَوْ الْكُفْر ( بِأَوْ ) وَلِكُلِّ وَاحِد مِنْهُمَا وَجْهٌ .
وَمَعْنَى بَيْنه وَبَيْن الشِّرْك تَرْك الصَّلَاةِ أَنَّ الَّذِي يَمْنَع مِنْ كُفْره كَوْنه لَمْ يَتْرُك الصَّلَاة ، فَإِذَا تَرَكَهَا لَمْ يَبْقَ بَيْنه وَبَيْن الشِّرْك حَائِل ، بَلْ دَخَلَ فِيهِ . ثُمَّ إِنَّ الشِّرْك وَالْكُفْر قَدْ يُطْلَقَانِ بِمَعْنَى وَاحِدٍ وَهُوَ الْكُفْر بِاَللَّهِ تَعَالَى ، وَقَدْ يُفَرَّق بَيْنهمَا فَيُخَصُّ الشِّرْك بِعَبَدَةِ الْأَوْثَان وَغَيْرهَا مِنْ الْمَخْلُوقَات مَعَ اِعْتِرَافهمْ بِاَللَّهِ تَعَالَى كَكُفَّارِ قُرَيْش ، فَيَكُون الْكُفْر أَعَمُّ مِنْ الشِّرْك . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَأَمَّا تَارِك الصَّلَاة فَإِنْ كَانَ مُنْكِرًا لِوُجُوبِهَا فَهُوَ كَافِرٌ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ ، خَارِجٌ مِنْ مِلَّة الْإِسْلَام إِلَّا أَنْ يَكُون قَرِيبَ عَهْدٍ بِالْإِسْلَامِ ، وَلَمْ يُخَالِط الْمُسْلِمِينَ مُدَّة يَبْلُغهُ فِيهَا وُجُوب الصَّلَاة عَلَيْهِ ، وَإِنْ كَانَ تَرْكه تَكَاسُلًا مَعَ اِعْتِقَاده وُجُوبهَا كَمَا هُوَ حَال كَثِيرٍ مِنْ النَّاس فَقَدْ اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِيهِ ، فَذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ رَحِمَهُمَا اللَّه وَالْجَمَاهِير مِنْ السَّلَف وَالْخَلَف إِلَى أَنَّهُ لَا يَكْفُر بَلْ يَفْسُق وَيُسْتَتَاب فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قَتَلْنَاهُ حَدًّا كَالزَّانِي الْمُحْصَن ، وَلَكِنَّهُ يُقْتَل بِالسَّيْفِ . وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ السَّلَف إِلَى أَنَّهُ يَكْفُر وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عَلِيِّ بْن أَبِي طَالِب كَرَّمَ اللَّه وَجْهه وَهُوَ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَد بْن حَنْبَل رَحِمَهُ اللَّه . وَبِهِ قَالَ عَبْد اللَّه بْن الْمُبَارَك وَإِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ . وَهُوَ وَجْه لِبَعْضِ أَصْحَاب الشَّافِعِيِّ رِضْوَان اللَّه عَلَيْهِ . وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَة وَجَمَاعَة مِنْ أَهْل الْكُوفَة وَالْمُزَنِيُّ صَاحِبُ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُمَا اللَّه أَنَّهُ لَا يَكْفُر ، وَلَا يُقْتَل ، بَلْ يُعَزَّر وَيُحْبَس حَتَّى يُصَلِّي وَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ بِكُفْرِهِ بِظَاهِرِ الْحَدِيث الثَّانِي الْمَذْكُور ، وَبِالْقِيَاسِ عَلَى كَلِمَة التَّوْحِيد . وَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ لَا يُقْتَل بِحَدِيثِ " لَا يَحِلّ دَم اِمْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاث " وَلَيْسَ فِيهِ الصَّلَاة . وَاحْتَجَّ الْجُمْهُور عَلَى أَنَّهُ لَا يَكْفُر بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ } وَبِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَنْ قَالَ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه دَخَلَ الْجَنَّة " " وَمَنْ مَاتَ وَهُوَ يَعْلَم أَنْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه دَخَلَ الْجَنَّة " " وَلَا يَلْقَى اللَّه تَعَالَى عَبْد بِهِمَا غَيْر شَاكٍّ فَيُحْجَب عَنْ الْجَنَّةِ " . " حَرَّمَ اللَّه عَلَى النَّار مَنْ قَالَ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه " وَغَيْر ذَلِكَ .
وَاحْتَجُّوا عَلَى قَتْله بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ } وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أُمِرْت أَنْ أُقَاتِل النَّاس حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَه إِلَّا اللَّه وَيُقِيمُوا الصَّلَاة وَيُؤْتُوا الزَّكَاة فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالهمْ " وَتَأَوَّلُوا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " بَيْن الْعَبْد وَبَيْن الْكُفْر تَرْك الصَّلَاة " عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ بِتَرْكِ الصَّلَاة عُقُوبَةَ الْكَافِر وَهِيَ الْقَتْل ، أَوْ أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْمُسْتَحِلِّ ، أَوْ عَلَى أَنَّهُ قَدْ يَئُول بِهِ إِلَى الْكُفْر ، أَوْ أَنَّ فِعْلَهُ فِعْل الْكُفَّار . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَفِي الْحَدِيث أَبُو سُفْيَان عَنْ جَابِر
، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ اِسْمه طَلْحَة بْن نَافِع .


117 - مَا يَتَعَلَّق بِإِسْنَادِهِ
فَفِيهِ أَبُو غَسَّان
وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ يُصْرَف ، وَلَا يُصْرَف ، وَاسْمه مَالِك بْن عَبْد الْوَاحِد .
وَفِيهِ أَبُو الزُّبَيْر
مُحَمَّد بْن مُسْلِم اِبْن تَدْرُس تَقَدَّمَ أَيْضًا . وَاَللَّه أَعْلَم .


118 - سبق شرحه بالباب


119 - سبق شرحه بالباب


120 - سبق شرحه بالباب


121 - سبق شرحه بالباب


122 - سبق شرحه بالباب


123 - سبق شرحه بالباب


124 - فِيهِ ( عُثْمَان بْن أَبِي شَيْبَة عَنْ جَرِير عَنْ مَنْصُور عَنْ أَبِي وَائِل عَنْ عَمْرو بْن شُرَحْبِيل عَنْ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ : سَأَلْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيُّ الذَّنْب أَعْظَم عِنْد اللَّه تَعَالَى ؟ قَالَ : أَنْ تَجْعَل لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَك قَالَ : قُلْت : إِنَّ ذَلِكَ لَعَظِيم . قَالَ : قُلْت : ثُمَّ أَيّ ؟ قَالَ : قَالَ ثُمَّ أَنْ تَقْتُل وَلَدك مَخَافَة أَنْ يَطْعَم مَعَك . قَالَ : قُلْت : ثُمَّ أَيّ ؟ قَالَ : ثُمَّ أَنْ تُزَانِي حَلِيلَة جَارك " وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى عُثْمَان بْن أَبِي شَيْبَة أَيْضًا عَنْ جَرِير عَنْ الْأَعْمَش عَنْ أَبِي وَائِل عَنْ عَمْرو بْن شُرَحْبِيل عَنْ عَبْد اللَّه فَذَكَرَهُ وَزَادَ : فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى تَصْدِيقهَا ( وَاَلَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّه إِلَهًا آخَر وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْس الَّتِي حَرَّمَ اللَّه إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَل ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا ) أَمَّا الْإِسْنَادَانِ فَفِيهِمَا لَطِيفَة عَجِيبَةٌ غَرِيبَةٌ وَهِيَ أَنَّهُمَا إِسْنَادَانِ مُتَلَاصِقَانِ رُوَاتهمَا جَمِيعهمْ كُوفِيُّونَ . وَجَرِير هُوَ اِبْن عَبْد الْحَمِيد . وَمَنْصُور هُوَ اِبْن الْمُعْتَمِر . وَأَبُو وَائِل هُوَ شَقِيق بْن سَلَمَة . وَشُرَحْبِيل غَيْر مُنْصَرِف لِكَوْنِهِ اِسْمًا عَجَمِيًّا عَلَمًا . وَالنِّدّ الْمِثْل رَوَى شَمِر عَنْ الْأَخْفَش قَالَ : النِّدّ الضِّدّ وَالشَّبَه ، وَفُلَان نِدّ فُلَان وَنَدِيده وَنَدِيدَتُهُ أَيْ مِثْله .
وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَخَافَة أَنْ يَطْعَم مَعَك )
هُوَ بِفَتْحِ الْيَاء أَيْ يَأْكُل وَهُوَ مَعْنَى قَوْله تَعَالَى : ( وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادكُمْ خَشْيَة إِمْلَاق ) أَيْ فَقْر . وَقَوْله تَعَالَى : ( يَلْقَ أَثَامًا ) قِيلَ : مَعْنَاهُ جَزَاء إِثْمه ، وَهُوَ قَوْل الْخَلِيل ، وَسِيبَوَيْهِ ، وَأَبِي عَمْرو الشَّيْبَانِيِّ ، وَالْفَرَّاءِ وَالزَّجَّاجِ ، وَأَبِي عَلِيّ الْفَارِسِيِّ . وَقِيلَ : مَعْنَاهُ عُقُوبَة . قَالَهُ يُونُس ، وَأَبُو عُبَيْدَة . وَقِيلَ : مَعْنَاهُ جَزَاءً قَالَهُ اِبْنُ عَبَّاسٍ وَالسُّدِّيُّ . وَقَالَ أَكْثَر الْمُفَسِّرِينَ أَوْ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ : هُوَ وَادٍ فِي جَهَنَّم عَافَانَا اللَّه الْكَرِيم وَأَحْبَابنَا مِنْهَا .
وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( أَنْ تُزَانِي حَلِيلَة جَارك )
هِيَ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَة وَهِيَ زَوْجَته ؛ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِكَوْنِهَا تَحِلّ لَهُ ، وَقِيلَ : لِكَوْنِهَا تَحِلُّ مَعَهُ . وَمَعْنَى تُزَانِي أَيْ تَزْنِي بِهَا بِرِضَاهَا ، وَذَلِكَ يَتَضَمَّن الزِّنَا وَإِفْسَادهَا عَلَى زَوْجهَا وَاسْتِمَالَة قَلْبهَا إِلَى الزَّانِي ، وَذَلِكَ أَفْحَشُ وَهُوَ مَعَ اِمْرَأَة الْجَار أَشَدُّ قُبْحًا ، وَأَعْظَمُ جُرْمًا لِأَنَّ الْجَار يَتَوَقَّع مِنْ جَاره الذَّبّ عَنْهُ ، وَعَنْ حَرِيمه ، وَيَأْمَن بَوَائِقه ، وَيَطْمَئِنُّ إِلَيْهِ ، وَقَدْ أُمِرَ بِإِكْرَامِهِ وَالْإِحْسَان إِلَيْهِ فَإِذَا قَابَلَ هَذَا كُلّه بِالزِّنَا بِامْرَأَتِهِ وَإِفْسَادهَا عَلَيْهِ مَعَ تَمَكُّنِهِ مِنْهَا عَلَى وَجْهٍ لَا يَتَمَكَّن غَيْره مِنْهُ كَانَ فِي غَايَةٍ مِنْ الْقُبْح .
وَقَوْله - سُبْحَانه وَتَعَالَى - : { وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ } مَعْنَاهُ أَيْ لَا تَقْتُلُوا النَّفْس الَّتِي هِيَ مَعْصُومَة فِي الْأَصْل إِلَّا مُحِقِّينَ فِي قَتْلهَا .
أَمَّا أَحْكَام هَذَا الْحَدِيث فَفِيهِ أَنَّ أَكْبَر الْمَعَاصِي الشِّرْك وَهَذَا ظَاهِرٌ لَا خَفَاء فِيهِ . وَأَنَّ الْقَتْل بِغَيْرِ حَقّ يَلِيه ، وَكَذَلِكَ قَالَ أَصْحَابنَا : أَكْبَر الْكَبَائِر بَعْد الشِّرْك الْقَتْل . وَكَذَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ فِي كِتَاب الشَّهَادَات مِنْ ( مُخْتَصَر الْمُزَنِيِّ ) ، وَأَمَّا مَا سِوَاهُمَا مِنْ الزِّنَا وَاللِّوَاط وَعُقُوق الْوَالِدَيْنِ وَالسِّحْر وَقَذْف الْمُحْصَنَات وَالْفِرَار يَوْم الزَّحْف وَأَكْل الرِّبَا وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ الْكَبَائِر فَلَهَا تَفَاصِيلُ وَأَحْكَامٌ تُعْرَف بِهَا مَرَاتِبهَا ، وَيَخْتَلِف أَمْرهَا بِاخْتِلَافِ الْأَحْوَال وَالْمَفَاسِد الْمُرَتَّبَة عَلَيْهِ . وَعَلَى هَذَا يُقَال فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا هِيَ مِنْ أَكْبَر الْكَبَائِر وَإِنْ جَاءَ فِي مَوْضِعٍ أَنَّهَا أَكْبَرُ الْكَبَائِر كَانَ الْمُرَاد مِنْ أَكْبَر الْكَبَائِر كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَفْضَل الْأَعْمَال . وَاَللَّه أَعْلَم .


125 - سبق شرحه بالباب


126 - فِيهِ ( أَبُو بَكْرَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ : كُنَّا عِنْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَر الْكَبَائِر ثَلَاثًا الْإِشْرَاك بِاَللَّهِ وَعُقُوق الْوَالِدَيْنِ وَشَهَادَة الزُّور أَوْ قَوْل الزُّور وَكَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُتَّكِئًا فَجَلَسَ فَمَا زَالَ يُكَرِّرهَا حَتَّى قُلْنَا لَيْتَهُ سَكَتَ )
أَمَّا ( أَبُو بَكْرَة )
فَاسْمُهُ نُفَيْعُ بْنُ الْحَارِثِ وَقَدْ تَقَدَّمَ . وَأَمَّا الْإِسْنَاد الَّذِي ذَكَره فَهُمْ بَصْرِيُّونَ كُلّهمْ مِنْ أَوَّلهمْ إِلَى آخِرهمْ .
وَقَوْله عَنْ سَعِيد الْجُرِيْرِيِّ
هُوَ بِضَمِّ الْجِيم مَنْسُوب إِلَى جُرَيْرٍ مُصَغَّر وَهُوَ جُرَيْر بْن عُبَاد بِضَمِّ الْعَيْن وَتَخْفِيف الْبَاء بَطْن مِنْ بَكْر بْن وَائِل وَهُوَ سَعِيد بْن إِيَاس أَبُو مَسْعُود الْبَصْرِيُّ .
وَأَمَّا مَعَانِي الْأَحَادِيث وَفِقْههَا فَقَدْ قَدَّمْنَا فِي الْبَاب الَّذِي قَبْل هَذَا كَيْفِيَّة تَرْتِيب الْكَبَائِر . وَقَالَ الْعُلَمَاء رَحِمَهُمْ اللَّه : وَلَا اِنْحِصَار لِلْكَبَائِرِ فِي عَدَدٍ مَذْكُور . وَقَدْ جَاءَ عَنْ اِبْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الْكَبَائِر أَسَبْعٌ هِيَ ؟ فَقَالَ : هِيَ إِلَى سَبْعِينَ ، وَيُرْوَى إِلَى سَبْعمِائَةٍ أَقْرَب . وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " الْكَبَائِر سَبْعٌ " فَالْمُرَاد بِهِ : مِنْ الْكَبَائِر سَبْع . فَإِنَّ هَذِهِ الصِّيغَة وَإِنْ كَانَتْ لِلْعُمُومِ فَهِيَ مَخْصُوصَة بِلَا شَكٍّ ، وَإِنَّمَا وَقَعَ الِاقْتِصَار عَلَى هَذِهِ السَّبْع . وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى ثَلَاث ، وَفِي الْأُخْرَى أَرْبَع لِكَوْنِهَا مِنْ أَفْحَش الْكَبَائِر مَعَ كَثْرَة وُقُوعهَا لَا سِيَّمَا فِيمَا كَانَتْ عَلَيْهِ الْجَاهِلِيَّة . وَلَمْ يَذْكُر فِي بَعْضهَا مَا ذَكَرَ فِي الْأُخْرَى ، وَهَذَا مُصَرَّح بِمَا ذَكَرَتْهُ مِنْ أَنَّ الْمُرَاد الْبَعْض . وَقَدْ جَاءَ بَعْد هَذَا مِنْ الْكَبَائِر شَتَمَ الرَّجُل وَالِدِيهِ ، وَجَاءَ فِي النَّمِيمَة ، وَعَدَم الِاسْتِبْرَاء مِنْ الْبَوْل ، أَنَّهُمَا مِنْ الْكَبَائِر . وَجَاءَ فِي غَيْر مُسْلِم مِنْ الْكَبَائِر الْيَمِين الْغَمُوس ، وَاسْتِحْلَال بَيْت اللَّه الْحَرَام . وَقَدْ اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي حَدّ الْكَبِيرَة وَتَمْيِيزهَا مِنْ الصَّغِيرَة فَجَاءَ عَنْ اِبْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا : كُلّ شَيْء نُهِيَ عَنْهُ فَهُوَ كَبِيرَة . وَبِهَذَا قَالَ الْأُسْتَاذ أَبُو إِسْحَاق الْإِسْفَرَايِينِيّ الْفَقِيه الشَّافِعِيّ الْإِمَام فِي عِلْم الْأُصُول وَالْفِقْه ، وَغَيْره . وَحَكَى الْقَاضِي عِيَاض رَحِمَهُ اللَّه هَذَا الْمَذْهَب عَنْ الْمُحَقِّقِينَ . وَاحْتَجَّ الْقَائِلُونَ بِهَذَا بِأَنَّ كُلّ مُخَالَفَة فَهِيَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى جَلَال اللَّه تَعَالَى كَبِيرَة . وَذَهَبَ الْجَمَاهِير مِنْ السَّلَف وَالْخَلَف مِنْ جَمِيع الطَّوَائِف إِلَى اِنْقِسَام الْمَعَاصِي إِلَى صَغَائِر وَكَبَائِر ، وَهُوَ مَرْوِيّ أَيْضًا عَنْ اِبْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا . وَقَدْ تَظَاهَرَ عَلَى ذَلِكَ دَلَائِل مِنْ الْكِتَاب وَالسُّنَّة وَاسْتِعْمَال سَلَف الْأَمَة وَخَلَفهَا . قَالَ الْإِمَام أَبُو حَامِد الْغَزَالِيّ فِي كِتَابه " الْبَسِيط فِي الْمَذْهَب " : إِنْكَار الْفَرْق بَيْن الصَّغِيرَة وَالْكَبِيرَة لَا يَلِيق بِالْفِقْهِ وَقَدْ فُهِمَا مِنْ مَدَارك الشَّرْع وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ أَبُو حَامِد قَالَهُ غَيْره بِمَعْنَاهُ . وَلَا شَكّ فِي كَوْن الْمُخَالَفَة قَبِيحَة جِدًّا بِالنِّسْبَةِ إِلَى جَلَال اللَّه تَعَالَى ؛ وَلَكِنَّ بَعْضهَا أَعْظَم مِنْ بَعْض . وَيَنْقَسِم بِاعْتِبَارِ ذَلِكَ مَا تُكَفِّرهُ الصَّلَوَات الْخَمْس أَوْ صَوْم رَمَضَان ، أَوْ الْحَجّ ، أَوْ الْعُمْرَة ، أَوْ الْوُضُوء أَوْ صَوْم عَرَفَة ، أَوْ صَوْم عَاشُورَاء ، أَوْ فِعْل الْحَسَنَة ، أَوْ غَيْر ذَلِكَ مِمَّا جَاءَتْ بِهِ الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة ، وَإِلَى مَا لَا يُكَفِّرهُ ذَلِكَ كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيح ، " مَا لَمْ يَغْشَ كَبِيرَة " ؛ فَسَمَّى الشَّرْع مَا تُكَفِّرهُ الصَّلَاة وَنَحْوهَا صَغَائِر ، وَمَا لَا تُكَفِّرهُ كَبَائِر . وَلَا شَكّ فِي حُسْنِ هَذَا ، وَلَا يُخْرِجُهَا هَذَا عَنْ كَوْنِهَا قَبِيحَة بِالنِّسْبَةِ إِلَى جَلَال اللَّه تَعَالَى ؛ فَإِنَّهَا صَغِيرَة بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا فَوْقهَا لِكَوْنِهَا أَقَلّ قُبْحًا ، وَلِكَوْنِهَا مُتَيَسِّرَة التَّكْفِير . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَإِذَا ثَبَتَ اِنْقِسَام الْمَعَاصِي إِلَى صَغَائِر وَكَبَائِر فَقَدْ اِخْتَلَفُوا فِي ضَبْطهَا اِخْتِلَافًا كَثِيرًا مُنْتَشِرًا جِدًّا ؛ فَرُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا أَنَّهُ قَالَ : الْكَبَائِر كُلّ ذَنْب خَتَمَهُ اللَّه تَعَالَى بِنَارٍ ، أَوْ غَضَب ، أَوْ لَعْنَة ، أَوْ عَذَاب ، وَنَحْو هَذَا عَنْ الْحَسَن الْبَصْرِيّ . وَقَالَ آخَرُونَ : هِيَ مَا أَوْعَدَ عَلَيْهِ بِنَارٍ ، أَوْ حَدّ فِي الدُّنْيَا . وَقَالَ أَبُو حَامِد الْغَزَالِيّ فِي ( الْبَسِيط ) : وَالضَّابِط الشَّامِل الْمَعْنَوِيّ فِي ضَبْط الْكَبِيرَة أَنَّ كُلّ مَعْصِيَة يُقْدِم الْمَرْء عَلَيْهَا مِنْ غَيْر اِسْتِشْعَار خَوْف وَحَذَارِ نَدَمٍ كَالْمُتَهَاوِنِ بِارْتِكَابِهَا وَالْمُتَجَرِّئ عَلَيْهِ اِعْتِيَادًا ؛ فَمَا أَشْعَر بِهَذَا الِاسْتِخْفَاف وَالتَّهَاوُن فَهُوَ كَبِيرَة ، وَمَا يُحْمَل عَلَى فَلَتَات النَّفْس أَوْ اللِّسَان وَفَتْرَة مُرَاقَبَة التَّقْوَى وَلَا يَنْفَكّ عَنْ تَنَدُّمٍ يَمْتَزِج بِهِ تَنْغِيص التَّلَذُّذ بِالْمَعْصِيَةِ فَهَذَا لَا يَمْنَع الْعَدَالَة وَلَيْسَ هُوَ بِكَبِيرَةٍ وَقَالَ الشَّيْخ الْإِمَام أَبُو عَمْرو بْن الصَّلَاح رَحِمَهُ اللَّه فِي ( فَتَاوِيه الْكَبِيرَة ) كُلّ ذَنْب كَبُرَ وَعَظُم عِظَمًا يَصِحّ مَعَهُ أَنْ يُطْلَق عَلَيْهِ اِسْم الْكَبِير ، وَوُصِفَ بِكَوْنِهِ عَظِيمًا عَلَى الْإِطْلَاق . قَالَ : فَهَذَا حَدّ الْكَبِيرَة . ثُمَّ لَهَا أَمَارَات مِنْهَا : إِيجَاب الْحَدّ ، وَمِنْهَا الْإِيعَاد عَلَيْهَا بِالْعَذَابِ بِالنَّارِ وَنَحْوهَا فِي الْكِتَاب أَوْ السُّنَّة ، وَمِنْهَا وَصْف فَاعِلهَا بِالْفِسْقِ نَصًّا ، وَمِنْهَا اللَّعْن كَلَعْنِ اللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى مَنْ غَيَّر مَنَار الْأَرْض ، وَقَالَ الشَّيْخ الْإِمَام أَبُو مُحَمَّد بْن عَبْد السَّلَام رَحِمَهُ اللَّه فِي كِتَابه ( الْقَوَاعِد ) : ( إِذَا أَرَدْت مَعْرِفَة الْفَرْق بَيْن الصَّغِيرَة وَالْكَبِيرَة فَاعْرِضْ مَفْسَدَة الذَّنْب عَلَى مَفَاسِد الْكَبَائِر الْمَنْصُوص عَلَيْهَا ؛ فَإِنْ نَقَصَتْ عَنْ أَقَلّ مَفَاسِد الْكَبَائِر فَهِيَ مِنْ الصَّغَائِر ، وَإِنْ سَاوَتْ أَدْنَى مَفَاسِد الْكَبَائِر أَوْ رَبَتْ عَلَيْهِ فَهِيَ مِنْ الْكَبَائِر فَمَنْ شَتَمَ الرَّبّ سُبْحَانه وَتَعَالَى ، أَوْ رَسُوله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَوْ اِسْتَهَانَ بِالرُّسُلِ ، أَوْ كَذَّبَ وَاحِدًا مِنْهُمْ ، أَوْ ضَمَّخَ الْكَعْبَة بِالْعَذِرَةِ ، أَوْ أَلْقَى الْمُصْحَف فِي الْقَاذُورَات فَهِيَ مِنْ أَكْبَر الْكَبَائِر . وَلَمْ يُصَرِّح الشَّرْع بِأَنَّهُ كَبِيرَة . وَكَذَلِكَ لَوْ أَمْسَكَ اِمْرَأَة مُحْصَنَة لِمَنْ يَزْنِي بِهَا ، أَوْ أَمْسَكَ مُسْلِمًا لِمَنْ يَقْتُلهُ ، فَلَا شَكّ أَنَّ مَفْسَدَة ذَلِكَ أَعْظَم عَنْ مَفْسَدَة أَكْل مَال الْيَتِيم ، مَعَ كَوْنه مِنْ الْكَبَائِر . وَكَذَلِكَ لَوْ دَلَّ الْكُفَّار عَلَى عَوْرَات الْمُسْلِمِينَ مَعَ عِلْمه أَنَّهُمْ يَسْتَأْصِلُونَ بِدَلَالَتِهِ ، وَيَسْبُونَ حَرَمَهُمْ وَأَطْفَالهمْ ، وَيَغْنَمُونَ أَمْوَالهمْ ، فَإِنَّ نِسْبَتَهُ إِلَى هَذِهِ الْمَفَاسِد أَعْظَم مِنْ تَوَلِّيهِ يَوْم الزَّحْف بِغَيْرِ عُذْر مَعَ كَوْنه مِنْ الْكَبَائِر . وَكَذَلِكَ لَوْ كَذَبَ عَلَى إِنْسَان كَذِبًا يَعْلَم أَنَّهُ يُقْتَل بِسَبَبِهِ ؛ أَمَّا إِذَا كَذَبَ عَلَيْهِ كَذِبًا يُؤْخَذ مِنْهُ بِسَبَبِهِ تَمْرَة فَلَيْسَ كَذِبُهُ مِنْ الْكَبَائِر ، قَالَ : وَقَدْ نَصَّ الشَّرْع عَلَى أَنَّ شَهَادَة الزُّور ، وَأَكْل مَال الْيَتِيم مِنْ الْكَبَائِر . فَإِنْ وَقَعَا فِي مَال خَطِير فَهَذَا ظَاهِر ، وَإِنْ وَقَعَا فِي مَال حَقِير ، فَيَجُوز أَنْ يُجْعَلَا مِنْ الْكَبَائِر فِطَامًا عَنْ هَذِهِ الْمَفَاسِد ، كَمَا جُعِل شُرْب قَطْرَة مِنْ خَمْر مِنْ الْكَبَائِر ، وَإِنْ لَمْ تَتَحَقَّق الْمَفْسَدَة . وَيَجُوز أَنْ يُضْبَط ذَلِكَ بِنِصَابِ السَّرِقَة . قَالَ : وَالْحُكْم بِغَيْرِ الْحَقّ كَبِيرَة ؛ فَإِنَّ شَاهِد الزُّور مُتَسَبِّب ، وَالْحَاكِم مُبَاشِر ، فَإِذَا جُعِل السَّبَب كَبِيرَة فَالْمُبَاشَرَة أَوْلَى قَالَ : وَقَدْ ضَبَط بَعْض الْعُلَمَاء الْكَبَائِر بِأَنَّهَا كُلّ ذَنْب قُرِن بِهِ وَعِيد أَوْ حَدّ أَوْ لَعْنٌ فَعَلَى هَذَا كُلّ ذَنْب عُلِم أَنَّ مَفْسَدَته كَمَفْسَدَةِ مَا قُرِن بِهِ الْوَعِيد أَوْ الْحَدّ أَوْ اللَّعْن أَوْ أَكْثَر مِنْ مَفْسَدَته فَهُوَ كَبِيرَة . ثُمَّ قَالَ : وَالْأَوْلَى أَنَّ تُضْبَط الْكَبِيرَة بِمَا يُشْعِر بِتَهَاوُنِ مُرْتَكِبهَا فِي دِينه إِشْعَار أَصْغَر الْكَبَائِر الْمَنْصُوص عَلَيْهَا وَاَللَّه أَعْلَم .
هَذَا آخِر كَلَام الشَّيْخ أَبِي مُحَمَّد بْن عَبْد السَّلَام رَحِمَهُ اللَّه . قَالَ الْإِمَام أَبُو الْحَسَن الْوَاحِدِيُّ الْمُفَسِّر وَغَيْره : الصَّحِيح أَنَّ حَدّ الْكَبِيرَة غَيْر مَعْرُوف ، بَلْ وَرَدَ الشَّرْع بِوَصْفِ أَنْوَاعٍ مِنْ الْمَعَاصِي بِأَنَّهَا كَبَائِر ، وَأَنْوَاعٍ بِأَنَّهَا صَغَائِر ، وَأَنْوَاع لَمْ تُوصَف وَهِيَ مُشْتَمِلَة عَلَى صَغَائِر وَكَبَائِر ، وَالْحِكْمَة فِي عَدَم بَيَانهَا أَنْ يَكُون الْعَبْد مُمْتَنِعًا مِنْ جَمِيعهَا مَخَافَة أَنْ يَكُون مِنْ الْكَبَائِر . قَالُوا : وَهَذَا شَبِيه بِإِخْفَاءِ لَيْلَة الْقَدْر ، وَسَاعَة يَوْم الْجُمُعَة ، وَسَاعَة إِجَابَة الدُّعَاء مِنْ اللَّيْل ، وَاسْم اللَّه الْأَعْظَم ، وَنَحْو ذَلِكَ مِمَّا أُخْفِيَ . وَاَللَّه أَعْلَم .
قَالَ الْعُلَمَاء رَحِمَهُمْ اللَّه : وَالْإِصْرَار عَلَى الصَّغِيرَة يَجْعَلهَا كَبِيرَة . وَرُوِيَ عَنْ عُمَر ، وَابْن عَبَّاس وَغَيْرهمَا رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ : لَا كَبِيرَة مَعَ اِسْتِغْفَارٍ وَلَا صَغِيرَة مَعَ إِصْرَار مَعْنَاهُ أَنَّ الْكَبِيرَة تُمْحَى بِالِاسْتِغْفَارِ ، وَالصَّغِيرَة تَصِير كَبِيرَة بِالْإِصْرَارِ . قَالَ الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد بْن عَبْد السَّلَام فِي حَدِّ الْإِصْرَار : هُوَ أَنْ تَتَكَرَّر مِنْهُ الصَّغِيرَة تَكْرَارًا يُشْعِر بِقِلَّةِ مُبَالَاته بِدِينِهِ إِشْعَار اِرْتِكَاب الْكَبِيرَة بِذَلك . قَالَ : وَكَذَلِكَ إِذَا اِجْتَمَعَتْ صَغَائِر مُخْتَلِفَةُ الْأَنْوَاع بِحَيْثُ يُشْعِر مَجْمُوعُهَا بِمَا يُشْعِر بِهِ أَصْغَر الْكَبَائِر . وَقَالَ الشَّيْخ أَبُو عَمْرو بْن الصَّلَاح رَحِمَهُ اللَّه : الْمُصِرُّ مَنْ تَلَبَّسَ مِنْ أَضْدَاد التَّوْبَة بِاسْمِ الْعَزْم عَلَى الْمُعَاوَدَة أَوْ بِاسْتِدَامَةِ الْفِعْل بِحَيْثُ يَدْخُل بِهِ ذَنْبُهُ فِي حَيِّز مَا يُطْلَق عَلَيْهِ الْوَصْف بِصَيْرُورَتِهِ كَبِيرًا عَظِيمًا . وَلَيْسَ لِزَمَانِ ذَلِكَ وَعَدَده حَصْرٌ . وَاَللَّه أَعْلَم .
هَذَا مُخْتَصَر مَا يَتَعَلَّق بِضَبْطِ الْكَبِيرَة .
وَأَمَّا قَوْله : ( قَالَ أَلَا أُنَبِّئكُمْ بِأَكْبَر الْكَبَائِر ثَلَاثًا )
فَمَعْنَاهُ قَالَ هَذَا الْكَلَام ثَلَاث مَرَّات . وَأَمَّا
عُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ
فَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ ( الْعَقّ ) وَهُوَ الْقَطْع . وَذَكَر الْأَزْهَرِيُّ أَنَّهُ يُقَال : ( عَقَّ ) وَالِده يَعُقّهُ بِضَمِّ الْعَيْنُ عَقًّا وَعُقُوقًا إِذَا قَطَعَهُ ، وَلَمْ يَصِل رَحِمَهُ . وَجَمْع ( الْعَاقِّ ) عَقَقَةٌ بِفَتْحِ الْحُرُوف كُلِّهَا ، وَ ( عُقُق ) بِضَمِّ الْعَيْن وَالْقَاف . وَقَالَ صَاحِب الْمُحْكَم : رَجُل عُقُقٌ وَعَقَقٌ وَعَقٌّ وَعَاقٌّ بِمَعْنَى وَاحِد ، وَهُوَ الَّذِي شَقَّ عَصَا الطَّاعَة لِوَالِدِهِ . هَذَا قَوْل أَهْل اللُّغَة .
وَأَمَّا حَقِيقَة الْعُقُوق الْمُحَرَّم شَرْعًا فَقَلَّ مَنْ ضَبَطَهُ . وَقَدْ قَالَ الشَّيْخ الْإِمَام أَبُو مُحَمَّد بْن عَبْد السَّلَام رَحِمَهُ اللَّه : لَمْ أَقِف فِي عُقُوق الْوَالِدَيْنِ وَفِيمَا يَخْتَصَّانِ بِهِ مِنْ الْحُقُوق عَلَى ضَابِطٍ أَعْتَمِدهُ ؛ فَإِنَّهُ لَا يَجِب طَاعَتهمَا فِي كُلّ مَا يَأْمُرَانِ بِهِ ، وَيَنْهَيَانِ عَنْهُ ، بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاء . وَقَدْ حَرُمَ عَلَى الْوَلَد الْجِهَاد بِغَيْرِ إِذْنِهِمَا لِمَا شَقَّ عَلَيْهِمَا مِنْ تَوَقُّع قَتْله ، أَوْ قَطْع عُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهِ ، وَلِشِدَّةِ تَفَجُّعهمَا عَلَى ذَلِكَ . وَقَدْ أُلْحِق بِذَلِكَ كُلّ سَفَرٍ يَخَافَانِ فِيهِ عَلَى نَفْسه أَوْ عُضْو مِنْ أَعْضَائِهِ هَذَا كَلَام الشَّيْخ أَبِي مُحَمَّد . قَالَ الشَّيْخ أَبُو عَمْرو بْن الصَّلَاح رَحِمَهُ اللَّه فِي فَتَاوِيه : الْعُقُوق الْمُحَرَّم كُلّ فِعْل يَتَأَذَّى بِهِ الْوَالِد أَوْ نَحْوه تَأَذِّيًا لَيْسَ بِالْهَيِّنِ مَعَ كَوْنِهِ لَيْسَ مِنْ الْأَفْعَال الْوَاجِبَة . قَالَ : وَرُبَّمَا قِيلَ طَاعَة الْوَالِدَيْنِ وَاجِبَة فِي كُلّ مَا لَيْسَ بِمَعْصِيَةٍ . وَمُخَالَفَة أَمْرهمَا فِي ذَلِكَ عُقُوق . وَقَدْ أَوْجَبَ كَثِير مِنْ الْعُلَمَاء طَاعَتهمَا فِي الشُّبُهَات . قَالَ : وَلَيْسَ قَوْل مَنْ قَالَ مِنْ عُلَمَائِنَا : يَجُوز لَهُ السَّفَر فِي طَلَب الْعِلْم ، وَفِي التِّجَارَة بِغَيْرِ إِذْنهمَا مُخَالِفًا لِمَا ذَكَرْته ، فَإِنَّ هَذَا كَلَامٌ مُطْلَق ، وَفِيمَا ذَكَرْته بَيَانٌ لِتَقْيِيدِ ذَلِكَ الْمُطْلَق . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ قَوْلُ الزُّورِ أَوْ شَهَادَة الزُّور ) فَلَيْسَ عَلَى ظَاهِره الْمُتَبَادَر إِلَى الْأَفْهَام مِنْهُ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الشِّرْك أَكْبَر مِنْهُ بِلَا شَكٍّ ، وَكَذَا الْقَتْل فَلَا بُدَّ مِنْ تَأْوِيلِهِ . وَفِي تَأْوِيلِهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ أَحَدهَا : أَنَّهُ مَحْمُول عَلَى الْكُفْر ؛ فَإِنَّ الْكَافِر شَاهِدٌ بِالزُّورِ وَعَامِلٌ بِهِ . وَالثَّانِي : أَنَّهُ مَحْمُول عَلَى الْمُسْتَحِلِّ فَيَصِير بِذَلِكَ كَافِرًا . وَالثَّالِث : أَنَّ الْمُرَاد مِنْ أَكْبَر الْكَبَائِر كَمَا قَدَّمْنَاهُ فِي نَظَائِره . وَهَذَا الثَّالِث هُوَ الظَّاهِر أَوْ الصَّوَاب . فَأَمَّا حَمْله عَلَى الْكُفْر فَضَعِيفٌ لِأَنَّ هَذَا خَرَجَ مَخْرَج الزَّجْر عَنْ شَهَادَة الزُّور فِي الْحُقُوق . وَأَمَّا قُبْح الْكُفْر وَكَوْنه أَكْبَر الْكَبَائِر فَكَانَ مَعْرُوفًا عِنْدهمْ وَلَا يَتَشَكَّكُ أَحَدٌ مِنْ أَهْل الْقِبْلَة فِي ذَلِكَ فَحَمْله عَلَيْهِ يُخْرِجهُ عَنْ الْفَائِدَة . ثُمَّ الظَّاهِر الَّذِي يَقْتَضِيه عُمُوم الْحَدِيث وَإِطْلَاقه وَالْقَوَاعِد أَنَّهُ لَا فَرْق فِي كَوْن شَهَادَة الزُّور بِالْحُقُوقِ كَبِيرَة بَيْن أَنْ تَكُون بِحَقٍّ عَظِيمٍ أَوْ حَقِيرٍ . وَقَدْ يُحْتَمَل عَلَى بُعْد أَنْ يُقَال فِيهِ الِاحْتِمَال الَّذِي قَدَّمْته عَنْ الشَّيْخ أَبِي مُحَمَّد بْن عَبْد السَّلَام فِي أَكْل تَمْرَةٍ مِنْمَال الْيَتِيم . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَأَمَّا قَوْله : ( فَكَانَ مُتَّكِئًا فَجَلَسَ فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى قُلْنَا لَيْتَهُ سَكَتَ )
فَجُلُوسه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِاهْتِمَامِهِ بِهَذَا الْأَمْر ، وَهُوَ يُفِيد تَأْكِيد تَحْرِيمه ، وَعِظَم قُبْحه .
وَأَمَّا قَوْلهمْ :
( لَيْتَهُ سَكَتَ )
فَإِنَّمَا قَالُوهُ وَتَمَنَّوْهُ شَفَقَة عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَرَاهَة لِمَا يُزْعِجهُ وَيُغْضِبهُ .


127 - قَالَ مُسْلِم رَحِمَهُ اللَّه : ( وَحَدَّثَنِي يَحْيَى بْن حَبِيب الْحَارِثِيُّ حَدَّثَنَا خَالِد وَهُوَ اِبْن الْحَارِث حَدَّثَنَا شُعْبَة حَدَّثَنَا عُبَيْد اللَّه بْن أَبِي بَكْر عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْكَبَائِر قَالَ الشِّرْك بِاَللَّهِ وَعُقُوق الْوَالِدَيْنِ وَقَتْل النَّفْس وَقَوْل الزُّور ) ، وَأَمَّا الْإِسْنَاد الَّذِي ذَكَره فَهُمْ بَصْرِيُّونَ كُلّهمْ مِنْ أَوَّلهمْ إِلَى آخِرهمْ إِلَّا أَنَّ شُعْبَة وَاسِطِيٌّ بَصْرِيٌّ فَلَا يَقْدَح هَذَا فِي كَوْنهمْ بَصْرِيِّينَ وَهَذَا مِنْ الطُّرَف الْمُسْتَحْسَنَة . وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْبَاب الَّذِي قَبْل هَذَا نَظِيرهمْ فِي الْكُوفِيِّينَ .
وَقَوْله : ( حَدَّثَنَا خَالِد وَهُوَ اِبْن الْحَارِثِ )
قَدْ قَدَّمْنَا بَيَان فَائِدَة قَوْله ( وَهُوَ اِبْن الْحَارِثِ ) وَلَمْ يَقُلْ : ( خَالِد بْن الْحَارِثِ ) ؛ وَهُوَ أَنَّهُ إِنَّمَا سَمِعَ فِي الرِّوَايَة خَالِد وَلِخَالِدٍ مُشَارِكُونَ فَأَرَادَ تَمْيِيزه ، وَلَا يَجُوز لَهُ أَنْ يَقُول : حَدَّثَنَا خَالِد بْن الْحَارِثِ لِأَنَّهُ يَصِير كَاذِبًا عَلَى الْمَرْوِيِّ عَنْهُ فَإِنَّهُ لَمْ يَقُلْ إِلَّا خَالِد فَعَدَلَ إِلَى لَفْظَة : ( وَهُوَ اِبْن الْحَارِثِ ) لِتَحْصُل الْفَائِدَة بِالتَّمْيِيزِ وَالسَّلَامَة مِنْ الْكَذِب .
قَوْله : ( عُبَيْد اللَّه بْن أَبِي بَكْر )
هُوَ أَبُو بَكْر بْن أَنَس بْن مَالِك فَعُبَيْد اللَّه يَرْوِي عَنْ جَدّه .


128 - قَالَ مُسْلِم رَحِمَهُ اللَّه : ( حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْوَلِيد بْن عَبْد الْحَمِيد حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن جَعْفَر حَدَّثَنَا شُعْبَة حَدَّثَنِي عَبْد اللَّه بْن أَبِي بَكْر قَالَ : سَمِعْت أَنَس بْن مَالِك رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ : ذَكَر رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْكَبَائِر ، أَوْ سُئِلَ عَنْ الْكَبَائِر فَقَالَ : الشِّرْك بِاَللَّهِ ، وَقَتْل النَّفْس ، وَعُقُوق الْوَالِدَيْنِ ، وَقَالَ : أَلَا أُنَبِّئكُمْ بِأَكْبَر الْكَبَائِر ؟ قَالَ : الزُّور ، أَوْ قَالَ شَهَادَة الزُّور قَالَ شُعْبَة : وَأَكْبَر ظَنِّيّ أَنَّهُ شَهَادَة الزُّور ) .
أَمَّا الزُّور فَقَالَ الثَّعْلَبِيُّ الْمُفَسِّر ، وَأَبُو إِسْحَاق ، وَغَيْره : أَصْله تَحْسِين الشَّيْء وَوَصْفه بِخِلَافِ صِفَته حَتَّى يُخَيَّل إِلَى مَنْ سَمِعَهُ أَوْ رَآهُ أَنَّهُ بِخِلَافِ مَا هُوَ بِهِ فَهُوَ تَمْوِيه الْبَاطِل بِمَا يُوهِم أَنَّهُ حَقٌّ .
وَقَوْله : ( عُبَيْد اللَّه بْن أَبِي بَكْر )
هُوَ أَبُو بَكْر بْن أَنَس بْن مَالِك فَعُبَيْد اللَّه يَرْوِي عَنْ جَدّه .
وَقَوْله : ( وَأَكْبَر ظَنِّيّ )
هُوَ بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَة .


129 - قَوْله : عَنْ أَبِي الْغَيْث عَنْ أَبِي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُ أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : اِجْتَنِبُوا السَّبْع الْمُوبِقَات قِيلَ : يَا رَسُول اللَّه وَمَا هُنَّ ؟ قَالَ : الشِّرْك بِاَللَّهِ ، وَالسِّحْر ، وَقَتْل النَّفْس ، الَّتِي حَرَّمَ اللَّه إِلَّا بِالْحَقِّ ، وَأَكْل مَال الْيَتِيم ، وَأَكْل الرِّبَا ، وَالتَّوَلِّي يَوْم الزَّحْف ، وَقَذْف الْمُحْصَنَات الْغَافِلَات الْمُؤْمِنَات .
وَأَبُو الْغَيْث
اِسْمه سَالِم .
وَأَمَّا
( الْمُوبِقَات )
فَهِيَ الْمُهْلِكَات يُقَال : ( وَبَقَ الرَّجُل ) بِفَتْحِ الْبَاء ( وَيَبِقَ ) بِكَسْرِهَا ، وَ ( وُبِقَ ) بِضَمِّ الْوَاو وَكَسْر الْبَاء ( يُوبِق ) : إِذَا هَلَكَ . وَ ( أَوْبَقَ ) غَيْره أَيْ أَهْلَكَهُ .
وَأَمَّا ( الْمُحْصَنَات الْغَافِلَات )
فَبِكَسْرِ الصَّاد وَفَتْحهَا قِرَاءَتَانِ فِي السَّبْع : قَرَأَ الْكِسَائِيُّ بِالْكَسْرِ ، وَالْبَاقُونَ بِالْفَتْحِ ، وَالْمُرَاد بِالْمُحْصَنَاتِ هُنَا الْعَفَائِف ، وَبِالْغَافِلَاتِ الْغَافِلَات عَنْ الْفَوَاحِش ، وَمَا قُذِفْنَ بِهِ . وَقَدْ وَرَدَ الْإِحْصَان فِي الشَّرْع عَلَى خَمْسَة أَقْسَام : الْعِفَّة ، وَالْإِسْلَام ، وَالنِّكَاح ، وَالتَّزْوِيج ، وَالْحُرِّيَّة . وَقَدْ بَيَّنْت مَوَاطِنه وَشَرَائِطه وَشَوَاهِده فِي كِتَاب تَهْذِيب الْأَسْمَاء وَاللُّغَات وَاَللَّه أَعْلَم .
وَأَمَّا عَدُّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ التَّوَلِّي يَوْم الزَّحْف مِنْ الْكَبَائِر فَدَلِيل صَرِيح لِمَذْهَبِ الْعُلَمَاء كَافَّة فِي كَوْنِهِ كَبِيرَة إِلَّا مَا حُكِيَ عَنْ الْحَسَن الْبَصْرِيِّ رَحِمَهُ اللَّه أَنَّهُ قَالَ : لَيْسَ هُوَ مِنْ الْكَبَائِر . قَالَ : وَالْآيَة الْكَرِيمَة فِي ذَلِكَ إِنَّمَا وَرَدَتْ فِي أَهْل بَدْرٍ خَاصَّةً . وَالصَّوَاب مَا قَالَهُ الْجَمَاهِير أَنَّهُ عَامٌّ بَاقٍ . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَأَمَّا عَدُّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ السِّحْر مِنْ الْكَبَائِر فَهُوَ دَلِيلٌ لِمَذْهَبِنَا الصَّحِيح الْمَشْهُور . وَمَذْهَب الْجَمَاهِير أَنَّ السِّحْر حَرَام مِنْ الْكَبَائِر فِعْله وَتَعَلُّمه وَتَعْلِيمه . وَقَالَ بَعْض أَصْحَابنَا : إِنَّ تَعَلُّمه لَيْسَ بِحَرَامٍ ، بَلْ يَجُوز لِيُعْرَف وَيُرَدّ عَلَى صَاحِبه وَيُمَيَّز عَنْ الْكَرَامَة لِلْأَوْلِيَاءِ : وَهَذَا الْقَائِلُ يُمْكِنهُ أَنْ يَحْمِل الْحَدِيث عَلَى فِعْل السِّحْر . وَاَللَّه أَعْلَم .


130 - وَعَنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( مِنْ الْكَبَائِر شَتْم الرَّجُل وَالِدَيْهِ قَالُوا يَا رَسُول اللَّه وَهَلْ يَشْتُم الرَّجُل وَالِدَيْهِ قَالَ نَعَمْ يَسُبّ أَبَا الرَّجُل فَيَسُبّ أَبَاهُ وَيَسُبّ أُمّه فَيَسُبّ أُمّه ) .
أَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مِنْ الْكَبَائِر شَتْم الرَّجُل وَالِدَيْهِ ) إِلَى آخِره فَفِيهِ دَلِيل عَلَى أَنَّ مَنْ تَسَبَّبَ فِي شَيْءٍ جَازَ أَنْ يُنْسَب إِلَيْهِ ذَلِكَ الشَّيْء ، وَإِنَّمَا جَعَلَ هَذَا عُقُوقًا لِكَوْنِهِ يَحْصُل مِنْهُ مَا يَتَأَذَّى بِهِ الْوَالِد تَأَذِّيًا لَيْسَ بِالْهَيِّنِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي حَدِّ الْعُقُوقِ . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَفِيهِ قَطْع الذَّرَائِع فَيُؤْخَذ مِنْهُ النَّهْيُ عَنْ بَيْع الْعَصِير مِمَّنْ يَتَّخِذ الْخَمْر ، وَالسِّلَاح مِمَّنْ يَقْطَع الطَّرِيق ، وَنَحْو ذَلِكَ . وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .


131 - فِيهِ ( أَبَانُ بْن تَغْلِبَ عَنْ فُضَيْلٍ الْفُقَيْمِيِّ عَنْ إِبْرَاهِيم النَّخَعِيِّ عَنْ عَلْقَمَة عَنْ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود رَضِيَ اللَّه عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا يَدْخُل الْجَنَّة مَنْ كَانَ فِي قَلْبه مِثْقَال ذَرَّة مِنْ كِبْر قَالَ رَجُل : إِنَّ الرَّجُل يُحِبُّ أَنْ يَكُون ثَوْبه حَسَنًا وَنَعْله حَسَنَة قَالَ : إِنَّ اللَّه جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَال الْكِبْر بَطْرُ الْحَقِّ وَغَمْط النَّاس ) ، قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ ( أَبَانًا ) يَجُوز صَرْفُهُ ، وَتَرْك صَرْفه وَأَنَّ الصَّرْف أَفْصَح .
وَ ( تَغْلِب )
بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَة وَكَسْر اللَّام .
وَأَمَّا
الْفُقَيْمِيُّ
فَبِضَمِّ الْفَاء وَفَتْح الْقَاف .
وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا يَدْخُل الْجَنَّة مَنْ فِي قَلْبه مِثْقَال ذَرَّة مِنْ كِبْر )
فَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي تَأْوِيله . فَذَكَرَ الْخَطَّابِيُّ فِيهِ وَجْهَيْنِ أَحَدهمَا : أَنَّ الْمُرَاد التَّكَبُّر عَنْ الْإِيمَان فَصَاحِبه لَا يَدْخُل الْجَنَّة أَصْلًا إِذَا مَاتَ عَلَيْهِ . وَالثَّانِي أَنَّهُ لَا يَكُون فِي قَلْبه كِبْر حَال دُخُوله الْجَنَّة ، كَمَا قَالَ اللَّه تَعَالَى : { وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ } وَهَذَانِ التَّأْوِيلَانِ فِيهِمَا بُعْد فَإِنَّ هَذَا الْحَدِيث وَرَدَ فِي سِيَاق النَّهْيِ عَنْ الْكِبْرِ الْمَعْرُوف وَهُوَ الِارْتِفَاع عَلَى النَّاس ، وَاحْتِقَارهمْ ، وَدَفْع الْحَقِّ ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَل عَلَى هَذَيْنِ التَّأْوِيلَيْنِ الْمُخْرِجَيْنِ لَهُ عَنْ الْمَطْلُوب . بَلْ الظَّاهِر مَا اِخْتَارَهُ الْقَاضِي عِيَاض وَغَيْره مِنْ الْمُحَقِّقِينَ أَنَّهُ لَا يَدْخُل الْجَنَّة دُون مُجَازَاةٍ إِنْ جَازَاهُ . وَقِيلَ : هَذَا جَزَاؤُهُ لَوْ جَازَاهُ ، وَقَدْ يَتَكَرَّم بِأَنَّهُ لَا يُجَازِيه ، بَلْ لَا بُدّ أَنْ يَدْخُل كُلّ الْمُوَحِّدِينَ الْجَنَّة إِمَّا أَوَّلًا ، وَإِمَّا ثَانِيًا بَعْد تَعْذِيب بَعْض أَصْحَاب الْكَبَائِر الَّذِينَ مَاتُوا مُصِرِّينَ عَلَيْهَا . وَقِيلَ : لَا يَدْخُل مَعَ الْمُتَّقِينَ أَوَّل وَهْلَة .
وَأَمَّا قَوْله : ( قَالَ رَجُل إِنَّ الرَّجُل يُحِبّ أَنْ يَكُون ثَوْبه حَسَنًا )
فَهَذَا الرَّجُل هُوَ مَالِكُ بْن مُرَارَة الرَّهَاوِيّ ، قَالَهُ الْقَاضِي عِيَاض ، وَأَشَارَ إِلَيْهِ أَبُو عُمَر بْن عَبْد الْبَرّ ، رَحِمَهُمَا اللَّه . وَقَدْ جَمَعَ أَبُو الْقَاسِم خَلَفَ بْن عَبْد الْمَلِك بْن بَشْكُوَال الْحَافِظ فِي اِسْمه أَقْوَالًا مِنْ جِهَاتٍ ، فَقَالَ : هُوَ أَبُو رَيْحَانَة ، وَاسْمه شَمْعُون ، ذَكَره اِبْن الْأَعْرَابِيِّ . وَقَالَ عَلِيّ بْن الْمَدِينِيِّ فِي الطَّبَقَات : اِسْمه رَبِيعَة بْن عَامِر ، وَقِيلَ سَوَاد بِالتَّخْفِيفِ اِبْن عُمَر وَذَكَره اِبْن السَّكَن . وَقِيلَ : مُعَاذ بْن جَبَل . ذَكَره اِبْن أَبِي الدُّنْيَا فِي ( كِتَاب الْخُمُول وَالتَّوَاضُع ) ، وَقِيلَ : مَالِك بْن مُرَارَة الرَّهَاوِيّ ذَكَره أَبُو عُبَيْد فِي ( غَرِيب الْحَدِيث ) ، وَقِيلَ : عَبْد اللَّه بْن عَمْرو بْن الْعَاصِي ذَكَره مَعْمَر فِي ( جَامِعه ) ، وَقِيلَ : خُرَيْم بْن فَاتِك . هَذَا مَا ذَكَره اِبْن بَشْكُوَال . وَقَوْلهمْ : اِبْن مُرَارَة الرَّهَاوِيّ : هُوَ ( مُرَارَة ) بِضَمِّ الْمِيم وَبِرَاءٍ مُكَرَّرَة وَآخِرهَا هَاء ، ( وَالرَّهَاوِيُّ ) هُنَا نِسْبَة إِلَى قَبِيلَةٍ : ذَكَره الْحَافِظ عَبْد الْغَنِيِّ بْن سَعِيد الْمِصْرِيُّ بِفَتْحِ الرَّاء وَلَمْ يَذْكُرْهُ اِبْن مَاكُولَا . وَذَكَر الْجَوْهَرِيُّ فِي ( صِحَاحه ) أَنَّ الرَّهَاوِيّ نِسْبَة إِلَى ( رُهَا ) بِضَمِّ الرَّاء حَيٌّ مِنْ مُذْحِج . وَأَمَّا ( شَمْعُون ) فَبِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَة وَبِالْمُعْجَمَةِ وَالشِّين مُعْجَمَة فِيهِمَا . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ اللَّه جَمِيل يُحِبّ الْجَمَال )
اِخْتَلَفُوا فِي مَعْنَاهُ ، فَقِيلَ : إِنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ كُلّ أَمْره سُبْحَانه وَتَعَالَى حَسَنٌ جَمِيلٌ ، وَلَهُ الْأَسْمَاء الْحُسْنَى ، وَصِفَات الْجَمَال وَالْكَمَال . وَقِيلَ : جَمِيلٌ بِمَعْنَى مُجَمِّل كَكَرِيمِ وَسَمِيع بِمَعْنَى مُكَرِّم وَمُسَمِّع . وَقَالَ الْإِمَام أَبُو الْقَاسِم الْقُشَيْرِيُّ رَحِمَهُ اللَّه : مَعْنَاهُ جَلِيل . وَحَكَى الْإِمَام أَبُو سُلَيْمَان الْخَطَّابِيُّ أَنَّهُ بِمَعْنَى ذِي النُّور وَالْبَهْجَة أَيْ مَالِكهمَا . جَمِيل الْأَفْعَال بِكُمْ ، بِاللُّطْفِ وَالنَّظَر إِلَيْكُمْ ، يُكَلِّفكُمْ الْيَسِير مِنْ الْعَمَل ، وَيُعِين عَلَيْهِ ، وَيُثِيب عَلَيْهِ الْجَزِيل ، وَيَشْكُر عَلَيْهِ . وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا الِاسْم وَرَدَ فِي هَذَا الْحَدِيث الصَّحِيح وَلَكِنَّهُ مِنْ أَخْبَار الْآحَاد . وَوَرَدَ أَيْضًا فِي حَدِيث الْأَسْمَاء الْحُسْنَى وَفِي إِسْنَاده مَقَالٌ . وَالْمُخْتَار جَوَازُ إِطْلَاقِهِ عَلَى اللَّه تَعَالَى : وَمِنْ الْعُلَمَاء مَنْ مَنَعَهُ . قَالَ الْإِمَام أَبُو الْمَعَالِي إِمَام الْحَرَمَيْنِ رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى : مَا وَرَدَ الشَّرْعُ بِإِطْلَاقِهِ فِي أَسْمَاء اللَّه تَعَالَى وَصِفَاته أَطْلَقْنَاهُ ، وَمَا مَنَعَ الشَّرْع مِنْ إِطْلَاقه مَنَعْنَاهُ ، وَمَا لَمْ يَرِد فِيهِ إِذْن وَلَا مَنْع لَمْ نَقْضِ فِيهِ بِتَحْلِيلٍ وَلَا تَحْرِيمٍ ؛ فَإِنَّ الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّةَ تُتَلَقَّى مِنْ مَوَارِد الشَّرْع ، وَلَوْ قَضَيْنَا بِتَحْلِيلٍ أَوْ تَحْرِيمٍ لَكُنَّا مُثْبِتِينَ حُكْمًا بِغَيْرِ الشَّرْع . قَالَ : ثُمَّ لَا يُشْتَرَط فِي جَوَاز الْإِطْلَاق وُرُود مَا يُقْطَع بِهِ فِي الشَّرْع ، وَلَكِنْ مَا يَقْتَضِي الْعَمَل وَإِنْ لَمْ يُوجِب الْعِلْم فَإِنَّهُ كَافٍ ، إِلَّا أَنَّ الْأَقْيِسَةَ الشَّرْعِيَّةَ مِنْ مُقْتَضَيَات الْعَمَل ، وَلَا يَجُوز التَّمَسُّك بِهِنَّ فِي تَسْمِيَة اللَّه تَعَالَى ، وَوَصْفه . هَذَا كَلَام إِمَام الْحَرَمَيْنِ وَمَحَلّه مِنْ الْإِتْقَان وَالتَّحْقِيق بِالْعِلْمِ مُطْلَقًا وَبِهَذَا الْفَنّ خُصُوصًا مَعْرُوفٌ بِالْغَايَةِ الْعُلْيَا .
وَأَمَّا قَوْله : لَمْ نَقْضِ فِيهِ بِتَحْلِيلٍ وَلَا تَحْرِيمٍ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَكُون إِلَّا بِالشَّرْعِ : فَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى الْمَذْهَب الْمُخْتَار فِي حُكْم الْأَشْيَاء قَبْل وُرُود الشَّرْع فَإِنَّ الْمَذْهَب الصَّحِيح عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ أَصْحَابنَا أَنَّهُ لَا حُكْم فِيهَا لَا بِتَحْلِيلٍ ، وَلَا تَحْرِيمٍ ، وَلَا إِبَاحَةٍ ، وَلَا غَيْر ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْحُكْم عِنْد أَهْل السُّنَّة لَا يَكُون إِلَّا بِالشَّرْعِ . وَقَالَ بَعْض أَصْحَابنَا : إِنَّهَا عَلَى الْإِبَاحَة وَقَالَ بَعْضهمْ : عَلَى التَّحْرِيم ، وَقَالَ بَعْضهمْ : عَلَى الْوَقْف . لَا يُعْلَم مَا يُقَال فِيهَا . وَالْمُخْتَار الْأَوَّل . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَقَدْ اِخْتَلَفَ أَهْلُ السُّنَّة فِي تَسْمِيَة اللَّه وَتَعَالَى وَوَصْفه مِنْ أَوْصَاف الْكَمَال وَالْجَلَال وَالْمَدْح بِمَا لَمْ يَرِدْ بِهِ الشَّرْع وَلَا مَنَعَهُ فَأَجَازَهُ طَائِفَة ، وَمَنَعَهُ آخَرُونَ إِلَّا أَنْ يَرِد بِهِ شَرْعٌ مَقْطُوعٌ بِهِ مِنْ نَصِّ كِتَاب اللَّه ، أَوْ سُنَّةٍ مُتَوَاتِرَةٍ ، أَوْ إِجْمَاعٍ عَلَى إِطْلَاقه . فَإِنْ وَرَدَ خَبَرٌ وَاحِدٌ فَقَدْ اِخْتَلَفُوا فِيهِ فَأَجَازَهُ طَائِفَة ، وَقَالُوا : الدُّعَاء بِهِ وَالثَّنَاء مِنْ بَاب الْعَمَل ، وَذَلِكَ جَائِز بِخَبَرِ الْوَاحِد . وَمَنَعَهُ آخَرُونَ لِكَوْنِهِ رَاجِعًا إِلَى اِعْتِقَاد مَا يَجُوز أَوْ يَسْتَحِيل عَلَى اللَّه تَعَالَى . وَطَرِيق هَذَا الْقَطْع . قَالَ الْقَاضِي : وَالصَّوَاب جَوَازُهُ لِاشْتِمَالِهِ عَلَى الْعَمَل ، وَلِقَوْلِ اللَّه تَعَالَى : { وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا } وَاَللَّه أَعْلَم .
وَأَمَّا
( بَطْر الْحَقِّ )
فَهُوَ دَفْعه وَإِنْكَاره تَرَفُّعًا وَتَجَبُّرًا .
وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَغَمْط النَّاسِ )
هُوَ بِفَتْحِ الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَإِسْكَان الْمِيم وَبِالطَّاءِ الْمُهْمَلَة . هَكَذَا هُوَ فِي نُسَخِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ رَحِمَهُ اللَّه . قَالَ الْقَاضِي عِيَاض رَحِمَهُ اللَّه : لَمْ نَرْوِ هَذَا الْحَدِيث عَنْ جَمِيع شُيُوخِنَا هُنَا ، وَفِي الْبُخَارِيِّ إِلَّا بِالطَّاءِ . قَالَ : وَبِالطَّاءِ أَبُو دَاوُدَ فِي مُصَنَّفه ، وَذَكَره أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ ، وَغَيْرُهُ ( غَمْض ) بِالصَّادِ وَهُمَا بِمَعْنَى وَاحِد . وَمَعْنَاهُ اِحْتِقَارهمْ . يُقَال فِي الْفِعْل مِنْهُ ( غَمَطَهُ ) بِفَتْحِ الْمِيم ( يَغْمِطهُ ) بِكَسْرِهَا وَ ( غَمِطَهُ ) بِكَسْرِ الْمِيم ( يَغْمَطهُ ) بِفَتْحِهَا .


132 - قَالَ مُسْلِم رَحِمَهُ اللَّه : ( حَدَّثَنَا مِنْجَاب وَسُوَيْد بْن سَعِيد عَنْ عَلِيِّ بْن مُسْهِر عَنْ الْأَعْمَش عَنْ إِبْرَاهِيم عَنْ عَلْقَمَة عَنْ عَبْد اللَّه قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا يَدْخُل النَّار أَحَد فِي قَلْبه مِثْقَال حَبَّة خَرْدَل مِنْ إِيمَانٍ ، وَلَا يَدْخُل الْجَنَّة أَحَد فِي قَلْبه مِثْقَال حَبَّة خَرْدَل مِنْ كِبْرِيَاء )
( مِنْجَاب )
بِكَسْرِ الْمِيم وَإِسْكَان النُّون وَبِالْجِيمِ وَآخِره بَاءَ مُوَحَّدَة .
وَ ( مُسْهِر )
بِضَمِّ الْمِيم وَكَسْر الْهَاء .
وَفِي هَذَا الْإِسْنَاد لَطِيفَتَانِ مِنْ لَطَائِف الْإِسْنَاد إِحْدَاهُمَا أَنَّ فِيهِ ثَلَاثَةً تَابِعِيِّينَ يَرْوِي بَعْضهمْ عَنْ بَعْض وَهُمْ الْأَعْمَش ، وَإِبْرَاهِيم وَعَلْقَمَة . وَالثَّانِيَة أَنَّهُ إِسْنَاد كُوفِيٌّ كُلُّهُ فَمِنْجَاب ، وَعَبْد اللَّه بْن مَسْعُود ، وَمَنْ بَيْنهمَا ، كُوفِيُّونَ إِلَّا سُوَيْد بْن سَعِيد رَفِيق مِنْجَاب فَيُغْنِي عَنْهُ مِنْجَاب .
وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا يَدْخُل النَّار أَحَدٌ فِي قَلْبه مِثْقَال حَبَّة مِنْ خَرْدَل مِنْ إِيمَان )
فَالْمُرَاد بِهِ دُخُول الْكُفَّار وَهُوَ دُخُول الْخُلُود . وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مِثْقَال حَبَّة ) هُوَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَتَقَرَّرَ مِنْ زِيَادَة الْإِيمَان وَنَقْصه .
وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مِنْ كِبْرِيَاء )
هِيَ غَيْر مَصْرُوفَة .


133 - وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا يَدْخُل الْجَنَّة مَنْ فِي قَلْبه مِثْقَال ذَرَّة مِنْ كِبْر )
فَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي تَأْوِيله . فَذَكَرَ الْخَطَّابِيُّ فِيهِ وَجْهَيْنِ أَحَدهمَا : أَنَّ الْمُرَاد التَّكَبُّر عَنْ الْإِيمَان فَصَاحِبه لَا يَدْخُل الْجَنَّة أَصْلًا إِذَا مَاتَ عَلَيْهِ . وَالثَّانِي أَنَّهُ لَا يَكُون فِي قَلْبه كِبْر حَال دُخُوله الْجَنَّة ، كَمَا قَالَ اللَّه تَعَالَى : { وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ } وَهَذَانِ التَّأْوِيلَانِ فِيهِمَا بُعْد فَإِنَّ هَذَا الْحَدِيث وَرَدَ فِي سِيَاق النَّهْيِ عَنْ الْكِبْرِ الْمَعْرُوفِ وَهُوَ الِارْتِفَاع عَلَى النَّاس ، وَاحْتِقَارهمْ ، وَدَفْع الْحَقّ ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَل عَلَى هَذَيْنِ التَّأْوِيلَيْنِ الْمُخْرِجَيْنِ لَهُ عَنْ الْمَطْلُوب . بَلْ الظَّاهِرُ مَا اِخْتَارَهُ الْقَاضِي عِيَاض وَغَيْره مِنْ الْمُحَقِّقِينَ أَنَّهُ لَا يَدْخُل الْجَنَّة دُون مُجَازَاةٍ إِنْ جَازَاهُ . وَقِيلَ : هَذَا جَزَاؤُهُ لَوْ جَازَاهُ ، وَقَدْ يَتَكَرَّم بِأَنَّهُ لَا يُجَازِيه ، بَلْ لَا بُدَّ أَنْ يَدْخُل كُلّ الْمُوَحِّدِينَ الْجَنَّة إِمَّا أَوَّلًا ، وَإِمَّا ثَانِيًا بَعْد تَعْذِيبِ بَعْضِ أَصْحَابِ الْكَبَائِرِ الَّذِينَ مَاتُوا مُصِرِّينَ عَلَيْهَا . وَقِيلَ : لَا يَدْخُل مَعَ الْمُتَّقِينَ أَوَّل وَهْلَة .


134 - قَالَ مُسْلِم : ( حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن نُمَيْر حَدَّثَنَا أَبِي وَوَكِيع عَنْ الْأَعْمَش عَنْ شَقِيق عَنْ عَبْد اللَّه رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ وَكِيع : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَقَالَ اِبْن نُمَيْر : سَمِعْت رَسُولَ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : مَنْ مَاتَ يُشْرِك بِاَللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ النَّار . قُلْت أَنَا وَمَنْ مَاتَ لَا يُشْرِك بِاَللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّة ) .
أَمَّا الْإِسْنَاد فَكُلّه كُوفِيُّونَ ؛ مُحَمَّد بْن نُمَيْر ، وَعَبْد اللَّه بْن مَسْعُود ، وَمَنْ بَيْنهمَا .
وَقَوْله : ( قَالَ وَكِيع : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَقَالَ اِبْن نُمَيْر : سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ )
هَذَا وَمَا أَشْبَهَ مِنْ الدَّقَائِق الَّتِي يُنَبِّه عَلَيْهَا مُسْلِم رَضِيَ اللَّه عَنْهُ دَلَائِل قَاطِعَة عَلَى شِدَّة تَحَرِّيه وَإِتْقَانه ، وَضَبْطه وَعِرْفَانه ، وَغَزَارَة عِلْمه وَحِذْقه وَبَرَاعَته فِي الْغَوْص عَلَى الْمَعَانِي وَدَقَائِق عِلْم الْإِسْنَاد وَغَيْر ذَلِكَ فَرَضِيَ اللَّه عَنْهُ . وَالدَّقِيقَة فِي هَذَا أَنَّ اِبْن نُمَيْر قَالَ رِوَايَة عَنْ اِبْن مَسْعُود : سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهَذَا مُتَّصِل لَا شَكٍّ فِيهِ . وَقَالَ وَكِيع رِوَايَة عَنْهُ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهَذَا مِمَّا اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِيهِ هَلْ يُحْمَل عَلَى الِاتِّصَال أَمْ عَلَى الِانْقِطَاع ؟ فَالْجُمْهُور أَنَّهُ عَلَى الِاتِّصَال كَسَمِعْت . وَذَهَبَتْ طَائِفَة إِلَى أَنَّهُ لَا يُحْمَل عَلَى الِاتِّصَال إِلَّا بِدَلِيلٍ عَلَيْهِ ، فَإِذَا قِيلَ بِهَذَا الْمَذْهَب كَانَ مُرْسَل صَحَابِيٍّ ، وَفِي الِاحْتِجَاج بِهِ خِلَاف . فَالْجَمَاهِير قَالُوا : يُحْتَجُّ بِهِ وَإِنْ لَمْ يُحْتَجّ بِمُرْسَلِ غَيْره . وَذَهَبَ الْأُسْتَاذ أَبُو إِسْحَاق الْإِسْفَرَايِينِيّ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّه - إِلَى أَنَّهُ لَا يُحْتَجّ بِهِ . فَعَلَى هَذَا يَكُون هَذَا الْحَدِيث قَدْ رُوِيَ مُتَّصِلًا وَمُرْسَلًا . وَفِي الِاحْتِجَاج بِمَا رُوِيَ مُرْسَلًا وَمُتَّصِلًا خِلَاف مَعْرُوف . قِيلَ : الْحُكْم لِلْمُرْسَلِ ؛ وَقِيلَ : لِلْأَحْفَظِ رِوَايَة ، وَقِيلَ : لِلْأَكْثَرِ . وَالصَّحِيح أَنَّهُ تُقَدَّم رِوَايَة الْوَصْل فَاحْتَاطَ مُسْلِم رَحِمَهُ اللَّه وَذَكَر اللَّفْظَيْنِ لِهَذِهِ الْفَائِدَة ، وَلِئَلَّا يَكُون رَاوِيًا بِالْمَعْنَى فَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الرِّوَايَة بِاللَّفْظِ أَوْلَى . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَأَمَّا قَوْله فِي رِوَايَة اِبْن مَسْعُود رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ مَاتَ يُشْرِك بِاَللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ النَّار ، وَقُلْت أَنَا : وَمَنْ مَاتَ لَا يُشْرِك بِاَللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّة )
هَكَذَا وَقَعَ فِي أُصُولنَا مِنْ صَحِيح مُسْلِمٍ . وَكَذَا هُوَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ . وَكَذَا ذَكَره الْقَاضِي عِيَاض رَحِمَهُ اللَّه فِي رِوَايَته لِصَحِيحِ مُسْلِم . وَوُجِدَ فِي بَعْض الْأُصُول الْمُعْتَمَدَة مِنْ صَحِيح مُسْلِمٍ عَكْس هَذَا : ( قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِك بِاَللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّة " . قُلْت أَنَا : وَمَنْ مَاتَ يُشْرِك بِاَللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ النَّار . وَهَكَذَا ذَكَره الْحُمَيْدِيُّ فِي الْجَمْع بَيْن الصَّحِيحَيْنِ عَنْ صَحِيح مُسْلِم رَحِمَهُ اللَّه . وَهَكَذَا رَوَاهُ أَبُو عَوَانَة فِي كِتَابه ( الْمُخَرَّج عَلَى صَحِيح مُسْلِم ) ، وَقَدْ صَحَّ اللَّفْظَانِ مِنْ كَلَام رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيث جَابِرٍ الْمَذْكُور . فَأَمَّا اِقْتِصَار اِبْن مَسْعُود رَضِيَ اللَّه عَنْهُ عَلَى رَفْع إِحْدَى اللَّفْظَتَيْنِ وَضَمّه الْأُخْرَى إِلَيْهَا مِنْ كَلَام نَفْسه فَقَالَ الْقَاضِي عِيَاض وَغَيْره : سَبَبه أَنَّهُ لَمْ يَسْمَع مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا إِحْدَاهُمَا وَضَمَّ إِلَيْهَا الْأُخْرَى لَمَّا عَلِمَهُ مِنْ كِتَاب اللَّه تَعَالَى وَوَحْيه ، أَوْ أَخَذَهُ مِنْ مُقْتَضَى مَا سَمِعَهُ مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ هَؤُلَاءِ فِيهِ نَقْص مِنْ حَيْثُ إِنَّ اللَّفْظَتَيْنِ قَدْ رَفَعَهُمَا مِنْ حَدِيث اِبْن مَسْعُود كَمَا ذَكَرْنَاهُ ، فَالْجَيِّد أَنْ يُقَال : سَمِعَ اِبْن مَسْعُود اللَّفْظَتَيْنِ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلَكِنَّهُ فِي وَقْتٍ حَفِظَ إِحْدَاهُمَا وَتَيَقَّنَهَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلَمْ يَحْفَظ الْأُخْرَى فَرَفَعَ الْمَحْفُوظَة وَضَمَّ الْأُخْرَى إِلَيْهَا وَفِي وَقْتٍ آخَر حَفِظَ الْأُخْرَى وَلَمْ يَحْفَظ الْأُولَى مَرْفُوعَة ، فَرَفَعَ الْمَحْفُوظَة وَضَمَّ الْأُخْرَى إِلَيْهَا . فَهَذَا جَمْع ظَاهِرٌ بَيْن رِوَايَتَيْ اِبْن مَسْعُود ، وَفِيهِ مُوَافَقَةٌ لِرِوَايَةِ غَيْره فِي رَفْع اللَّفْظَتَيْنِ . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَأَمَّا حُكْمه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَنْ مَاتَ يُشْرِك بِدُخُولِ النَّار وَمَنْ مَاتَ غَيْر مُشْرِك بِدُخُولِهِ الْجَنَّة فَقَدْ أَجْمَع عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ . فَأَمَّا دُخُول الْمُشْرِك النَّار فَهُوَ عَلَى عُمُومه فَيَدْخُلهَا وَيَخْلُد فِيهَا وَلَا فَرْق فِيهِ بَيْن الْكِتَابِيِّ الْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ وَبَيْن عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ وَسَائِرِ الْكَفَرَةِ . وَلَا فَرْق عِنْد أَهْل الْحَقِّ بَيْنَ الْكَافِر عِنَادًا وَغَيْره ، وَلَا بَيْن مَنْ خَالَفَ مِلَّة الْإِسْلَام وَبَيْن مَنْ اِنْتَسَبَ إِلَيْهَا . ثُمَّ حُكِمَ بِكُفْرِهِ بِجَحْدِهِ مَا يَكْفُر بِجَحْدِهِ وَغَيْر ذَلِكَ .
وَأَمَّا دُخُول مَنْ مَاتَ غَيْر مُشْرِك الْجَنَّة فَهُوَ مَقْطُوع لَهُ بِهِ لَكِنْ إِنْ لَمْ يَكُنْ صَاحِب كَبِيرَة مَاتَ مُصِرًّا عَلَيْهَا دَخَلَ الْجَنَّة أَوَّلًا ، وَإِنْ كَانَ صَاحِب كَبِيرَة مَاتَ مُصِرًّا عَلَيْهَا فَهُوَ تَحْت الْمَشِيئَة ، فَإِنْ عُفِيَ عَنْهُ دَخَلَ أَوَّلًا وَإِلَّا عُذِّبَ ، ثُمَّ أُخْرِجَ مِنْ النَّار ، وَخُلِّدَ فِي الْجَنَّة . وَاَللَّه أَعْلَم .


135 - قَوْله : ( عَنْ أَبِي سُفْيَان عَنْ جَابِر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ : أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ فَقَالَ : يَا رَسُول اللَّه مَا الْمُوجِبَتَانِ ؟ فَقَالَ : مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِك بِاَللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّة ، وَمَنْ مَاتَ يُشْرِك بِاَللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ النَّار )
وَأَمَّا ( أَبُو سُفْيَان )
الرَّاوِي عَنْ جَابِر فَاسْمه طَلْحَة بْن نَافِع .
وَأَمَّا قَوْله ( مَا الْمُوجِبَتَانِ ؟ )
فَمَعْنَاهُ الْخَصْلَة الْمُوجِبَة لِلْجَنَّةِ ، وَالْخَصْلَة الْمُوجِبَة لِلنَّارِ .


136 - قَالَ مُسْلِم رَحِمَهُ اللَّه : ( وَحَدَّثَنَا أَبُو أَيُّوب الْغَيْلَانِيُّ سُلَيْمَان بْن عُبَيْد اللَّه وَحَجَّاج بْن الشَّاعِر قَالَا : حَدَّثَنَا عَبْد الْمَلِك حَدَّثَنَا قُرَّة عَنْ أَبِي الزُّبَيْر حَدَّثَنَا جَابِرٌ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ : سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : مَنْ لَقِيَ اللَّه تَعَالَى لَا يُشْرِك بِهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّة وَمَنْ لَقِيَهُ يُشْرِك بِهِ دَخَلَ النَّار ، قَالَ أَبُو أَيُّوب : قَالَ أَبُو الزُّبَيْر عَنْ جَابِر ) .
وَ ( أَبُو الزُّبَيْر )
اِسْمه مُحَمَّد بْن مُسْلِم بْن تَدْرُس تَقَدَّمَ بَيَانه .
وَأَمَّا قَوْله : ( قَالَ أَبُو أَيُّوب : قَالَ أَبُو الزُّبَيْر عَنْ جَابِر )
فَمُرَاده أَنَّ أَبَا أَيُّوب وَحَجَّاجًا اِخْتَلَفَا فِي عِبَارَة أَبِي الزُّبَيْر عَنْ جَابِر فَقَالَ أَبُو أَيُّوب : عَنْ جَابِر وَقَالَ حَجَّاج : حَدَّثَنَا جَابِر . فَأَمَّا حَدَّثَنَا فَصَرِيحَة فِي الِاتِّصَال ، وَأَمَّا ( عَنْ ) فَمُخْتَلَف فِيهَا . فَالْجُمْهُور عَلَى أَنَّهَا لِلِاتِّصَالِ كَحَدَّثَنَا . وَمِنْ الْعُلَمَاء مَنْ قَالَ : هِيَ لِلِانْقِطَاعِ وَيَجِيء فِيهَا مَا قَدَّمْنَاهُ إِلَّا أَنَّ هَذَا عَلَى هَذَا الْمَذْهَب يَكُون مُرْسَلَ تَابِعِيٍّ .
وَأَمَّا ( قُرَّة )
فَهُوَ اِبْن خَالِد .


137 - قَوْله : عَنْ الْمَعْرُور بْن سُوَيْد قَالَ : سَمِعْت أَبَا ذَرّ يُحَدِّث عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : أَتَانِي جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام فَبَشَّرَنِي أَنَّهُ مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتك لَا يُشْرِك بِاَللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّة . قُلْت : وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ قَالَ : وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ
وَأَمَّا
( الْمَعْرُور )
فَهُوَ بِفَتْحِ الْمِيم وَإِسْكَان الْعَيْن الْمُهْمَلَة وَبِرَاءٍ مُهْمَلَة مُكَرَّرَة . وَمِنْ طُرَف أَحْوَاله أَنَّ الْأَعْمَش قَالَ رَأَيْت الْمَعْرُور وَهُوَ اِبْن عِشْرِينَ وَمِائَة سَنَة أَسْوَد الرَّأْس وَاللِّحْيَة .


138 - قَوْله : عَنْ اِبْن بُرَيْدَةَ أَنْ يَحْيَى بْن يَعْمُر حَدَّثَهُ أَنَّ أَبَا الْأَسْوَد الدِّيْلِيَّ حَدَّثَهُ أَنَّ أَبَا ذَرّ حَدَّثَهُ قَالَ : أَتَيْت النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ نَائِمٌ عَلَيْهِ ثَوْبٌ أَبْيَضُ ، ثُمَّ أَتَيْته فَإِذَا هُوَ نَائِمٌ ، ثُمَّ أَتَيْته وَقَدْ اِسْتَيْقَظَ ، فَجَلَسْت إِلَيْهِ فَقَالَ : مَا مِنْ عَبْدٍ قَالَ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه ثُمَّ مَاتَ عَلَى ذَلِكَ إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّة . قُلْت : وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ قَالَ : وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ قُلْت : وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ قَالَ : وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ ( ثَلَاثًا ) ثُمَّ قَالَ فِي الرَّابِعَة : عَلَى رَغْم أَنْف أَبِي ذَرّ قَالَ : فَخَرَجَ أَبُو ذَر وَهُوَ يَقُول وَإِنْ رَغِمَ أَنْفُ أَبِي ذَرّ )
وَأَمَّا ( أَبُو ذَرّ )
فَتَقَدَّمَ أَنَّ اِسْمه جُنْدُب بْن جُنَادَة عَلَى الْمَشْهُور وَقِيلَ غَيْره . وَفِي الْإِسْنَاد
( أَحْمَد بْن خِرَاش )
بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة تَقَدَّمَ .
وَأَمَّا ( اِبْن بُرَيْدَةَ )
فَاسْمه عَبْد اللَّه ، وَلِبُرَيْدَةَ اِبْنَانِ سُلَيْمَان وَعَبْد اللَّه وَهُمَا ثِقَتَانِ وُلِدَا فِي بَطْنٍ ، وَتَقَدَّمَ ذِكْرهمَا أَوَّل كِتَاب الْإِيمَان . وَابْن بُرَيْدَةَ هَذَا وَيَحْيَى بْن يَعْمُر وَأَبُو الْأَسْوَد ثَلَاثَةٌ تَابِعِيُّونَ يَرْوِي بَعْضهمْ عَنْ بَعْض .
( وَيَعْمُر )
بِفَتْحِ الْمِيم وَضَمّهَا تَقَدَّمَ أَيْضًا .
وَ ( أَبُو الْأَسْوَد )
اِسْمه ظَالِم بْن عَمْرو هَذَا هُوَ الْمَشْهُور . وَقِيلَ : اِسْمه عَمْرو بْن ظَالِم ، وَقِيلَ : عُثْمَان بْن عَمْرو ، وَقِيلَ : عَمْرو بْن سُفْيَان ، وَقِيلَ : عُوَيْمِر بْن ظُوَيْلِم . وَهُوَ أَوَّل مَنْ تَكَلَّمَ فِي النَّحْو وَوَلِيَ قَضَاء الْبَصْرَة لِعَلِيِّ بْن أَبِي طَالِبٍ كَرَّمَ اللَّه وَجْهه .
وَأَمَّا ( الدِّيْلِيّ )
فَكَذَا وَقَعَ هُنَا بِكَسْرِ الدَّال وَإِسْكَان الْيَاء . وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِيهِ فَذَكَر الْقَاضِي عِيَاض أَنَّ أَكْثَر أَهْل السُّنَّة يَقُولُونَ فِيهِ وَفِي كُلِّ مَنْ يُنْسَب إِلَى هَذَا الْبَطْن الَّذِي فِي كِنَانَة ( دِيْلِيّ ) بِكَسْرِ الدَّال وَإِسْكَان الْيَاء كَمَا ذَكَرْنَا ، وَأَنَّ أَهْل الْعَرَبِيَّة يَقُولُونَ فِيهِ الدُّؤَلِيّ بِضَمِّ الدَّال وَبَعْدهَا هَمْزَة مَفْتُوحَة . وَبَعْضهمْ يَكْسِرهَا وَأَنْكَرَهَا النُّحَاة . هَذَا كَلَام الْقَاضِي . وَقَدْ ضَبَطَ الشَّيْخ أَبُو عَمْرو بْن الصَّلَاح رَحِمَهُ اللَّه هَذَا وَمَا يَتَعَلَّق بِهِ ضَبْطًا حَسَنًا وَهُوَ مَعْنَى مَا قَالَهُ الْإِمَام أَبُو عَلِيٍّ الْغَسَّانِيُّ ، قَالَ الشَّيْخ : هُوَ الدِّيْلِيُّ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُول : ( الدُّؤَلِيّ ) عَلَى مِثَال الْجُهَنِيّ وَهُوَ نِسْبَةٌ إِلَى ( الدُّئِل ) بِدَالِ مَضْمُومَة بَعْدهَا هَمْزَة مَكْسُورَة حَيٌّ مِنْ كِنَانَة وَفَتَحُوا الْهَمْزَة فِي النَّسَب كَمَا قَالُوا فِي النَّسَب إِلَى نَمِر : نَمَرِيّ بِفَتْحِ الْمِيم . قَالَ : وَهَذَا قَدْ حَكَاهُ السِّيرَافِيّ عَنْ أَهْل الْبَصْرَة قَالَ : وَجَدْت عَنْ أَبِي عَلِيّ الْقَالِيّ وَهُوَ بِالْقَافِ فِي كِتَاب ( الْبَارِع ) أَنَّهُ حَكَى ذَلِكَ عَنْ الْأَصْمَعِيِّ ، وَسِيبَوَيْهِ ، وَابْن السِّكِّيت ، وَالْأَخْفَش ، وَأَبِي حَاتِم ، وَغَيْرهمْ ، وَأَنَّهُ حَكَى عَنْ الْأَصْمَعِيِّ عَنْ عِيسَى بْن عُمَر أَنَّهُ كَانَ يَقُول فِيهِ : ( أَبُو الْأَسْوَد الدُّئِلِيّ ) بِضَمِّ الدَّال وَكَسْر الْهَمْزَة عَلَى الْأَصْل . وَحَكَاهُ أَيْضًا عَنْ يُونُس وَغَيْره عَنْ الْعَرَب يَدَعُونَهُ فِي النَّسَب عَلَى الْأَصْل وَهُوَ شَاذٌّ فِي الْقِيَاس . وَذَكَر السِّيرَافِيّ عَنْ أَهْل الْكُوفَة أَنَّهُمْ يَقُولُونَ ( أَبُو الْأَسْوَد الدِّيْلِيُّ ) بِكَسْرِ الدَّال وَيَاء سَاكِنَة ، وَهُوَ مَحْكِيٌّ عَنْ الْكِسَائِيِّ ، وَأَبِي عُبَيْد الْقَاسِم بْن سَلَام ، وَعَنْ صَاحِب كِتَاب الْعَيْن ، وَمُحَمَّد بْن حُبَيْبَ بِفَتْحِ الْبَاء غَيْر مَصْرُوف ، لِأَنَّهَا أُمّه ، كَانُوا يَقُولُوا فِي هَذَا الْحَيِّ مِنْ كِنَانَة : الدِّيْل بِإِسْكَانِ الْيَاء وَكَسْر الدَّال ، وَيَجْعَلُونَهُ مِثْل ( الدِّيْل ) الَّذِي هُوَ فِي عَبْد الْقَيْس . وَأَمَّا ( الدُّوْل ) بِضَمِّ الدَّال وَإِسْكَان الْوَاو فَحَيٌّ مِنْ بَنِي حَنِيفَة . وَاَللَّه أَعْلَم . هَذَا آخِر كَلَام الشَّيْخ أَبِي عَمْرو رَحِمَهُ اللَّه .
وَأَمَّا
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ )
فَهُوَ حُجَّة لِمَذْهَبِ أَهْل السَّنَة أَنَّ أَصْحَاب الْكَبَائِر لَا يُقْطَع لَهُمْ بِالنَّارِ ، وَأَنَّهُمْ إِنْ دَخَلُوهَا أُخْرِجُوا مِنْهَا وَخُتِمَ لَهُمْ بِالْخُلُودِ فِي الْجَنَّة . وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا كُلّه مَبْسُوطًا . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَأَمَّا
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( عَلَى رَغْم أَنْف أَبِي ذَرْ )
فَهُوَ بِفَتْحِ الرَّاء وَضَمَّهَا وَكَسَرَهَا .
قَوْله : ( وَإِنْ رَغِمَ أَنْف أَبِي ذَرّ )
هُوَ بِفَتْحِ الْغَيْن وَكَسْرهَا . ذَكَر هَذَا كُلّه الْجَوْهَرِيُّ ، وَغَيْره . وَهُوَ مَأْخُوذ مِنْ ( الرَّغَام ) بِفَتْحِ الرَّاء وَهُوَ التُّرَاب . فَمَعْنَى ( أَرْغَمَ اللَّه أَنْفه ) أَيْ أَلْصَقَهُ بِالرَّغَام ، وَأَذَلَّهُ فَمَعْنَى قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( عَلَى رَغْم أَنْف أَبِي ذَرّ ) أَيْ عَلَى ذُلٍّ مِنْهُ لِوُقُوعِهِ مُخَالِفًا لِمَا يُرِيد . وَقِيلَ : مَعْنَاهُ عَلَى كَرَاهَة مِنْهُ ، وَإِنَّمَا قَالَهُ لَهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ لِاسْتِبْعَادِهِ الْعَفْو عَنْ الزَّانِي السَّارِق الْمُنْتَهِك لِلْحُرْمَةِ ، وَاسْتِعْظَامه ذَلِكَ ، وَتَصَوُّر أَبِي ذَرّ بِصُورَةِ الْكَارِه الْمُمَانِع . وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُمَانِعًا وَكَانَ ذَلِكَ مِنْ أَبِي ذَرّ لِشِدَّةِ نَفْرَته مِنْ مَعْصِيَة اللَّه تَعَالَى وَأَهْلِهَا . وَاَللَّه أَعْلَم .


139 - فِيهِ حَدِيث الْمِقْدَاد بْن الْأَسْوَد رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ : ( يَا رَسُول اللَّه أَرَأَيْت إِنْ لَقِيت رَجُلًا مِنْ الْكُفَّار فَقَاتَلَنِي فَضَرَبَ إِحْدَى يَدَيَّ بِالسَّيْفِ فَقَطَعَهَا ثُمَّ لَاذَ مِنِّي بِشَجَرَةٍ فَقَالَ : أَسْلَمْت لِلَّهِ . أَفَأَقْتُلهُ يَا رَسُول اللَّه بَعْد أَنْ قَالَهَا ؟ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا تَقْتُلْهُ إِلَى أَنْ قَالَ : فَإِنْ قَتَلْته فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَتِك قَبْل أَنْ تَقْتُلهُ وَإِنَّك بِمَنْزِلَتِهِ قَبْل أَنْ يَقُول كَلِمَته الَّتِي قَالَ )
أَمَّا أَلْفَاظ أَسْمَاء الْبَاب فَفِيهِ الْمِقْدَاد بْن الْأَسْوَد ، وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى ( حَدَّثَنِي عَطَاء أَنَّ عُبَيْد اللَّه بْن عَدِيّ بْن الْخِيَار أَخْبَرَهُ أَنَّ الْمِقْدَاد بْن عَمْرو بْن الْأَسْوَد الْكِنْدِيَّ وَكَانَ حَلِيفًا لِبَنِي زُهْرَة وَكَانَ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : يَا رَسُول اللَّه ) ، فَالْمِقْدَاد هَذَا هُوَ اِبْن عَمْرو بْن ثَعْلَبَة بْن مَالِك بْن رَبِيعَة هَذَا نَسَبه الْحَقِيقِيُّ . وَكَانَ الْأَسْوَد بْن عَبْد يَغُوث بْن وَهْب بْن عَبْد مَنَاف بْن زُهْرَة قَدْ تَبَنَّاهُ فِي الْجَاهِلِيَّة فَنُسِبَ إِلَيْهِ وَصَارَ بِهِ أَشْهَر وَأَعْرَف . فَقَوْله ثَانِيًا : إِنَّ الْمِقْدَاد بْن عَمْروٍ اِبْنَ الْأَسْوَد قَدْ يُغْلَط فِي ضَبْطه وَقِرَاءَته وَالصَّوَاب فِيهِ أَنْ يُقْرَأ ( عَمْرو ) مَجْرُورًا مُنَوَّنًا ( وَابْن الْأَسْوَد ) بِنَصْبِ النُّون وَيُكْتَب بِالْأَلْفِ لِأَنَّهُ صِفَة لِلْمِقْدَادِ وَهُوَ مَنْصُوبٌ فَيُنْصَب ، وَلَيْسَ ( اِبْن ) هَاهُنَا وَاقِعًا بَيْن عَلَمَيْنِ مُتَنَاسِلَيْنِ ؛ فَلِهَذَا قُلْنَا تَتَعَيَّن كِتَابَته بِالْأَلِفِ . وَلَوْ قُرِئَ اِبْنِ الْأَسْوَد بِجَرِّ ( اِبْن ) لَفَسَدَ الْمَعْنَى وَصَارَ عَمْرو اِبْن الْأَسْوَد . وَذَلِكَ غَلَطٌ صَرِيحٌ . وَلِهَذَا الِاسْم نَظَائِر مِنْهَا عَبْد اللَّه بْن عَمْرو اِبْن أُمّ مَكْتُوم . كَذَا رَوَاهُ مُسْلِم رَحِمَهُ اللَّه آخِر الْكِتَاب فِي حَدِيث الْجَسَّاسَة وَعَبْد اللَّه بْن أُبَيّ اِبْن سَلُولَ ، وَعَبْد اللَّه بْن مَالِك اِبْن بُحَيْنَة وَمُحَمَّد بْن عَلِيّ اِبْن الْحَنَفِيَّة ، وَإِسْمَاعِيل بْن إِبْرَاهِيم اِبْن عُلَيَّة ، وَإِسْحَاق بْن إِبْرَاهِيم اِبْن رَاهْوَيْهِ ، وَمُحَمَّد بْن يَزِيد اِبْن مَاجَهْ ؛ فَكُلُّ هَؤُلَاءِ لَيْسَ فِيهِمْ الْأَب اِبْنًا لِمَنْ بَعْده فَيَتَعَيَّن أَنْ يُكْتَب ( اِبْن ) بِالْأَلِفِ وَأَنْ يُعْرَب بِإِعْرَابِ الِابْن الْمَذْكُور أَوَّلًا فَأُمّ مَكْتُوم زَوْجَة عَمْرو ، وَسَلُول زَوْجَة أُبَيّ ، وَقِيلَ : غَيْر ذَلِكَ مِمَّا سَنَذْكُرُهُ فِي مَوْضِعه إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى ، وَبُحَيْنَة زَوْجَة مَالِك وَأُمّ عَبْد اللَّه ، وَكَذَلِكَ الْحَنَفِيَّة زَوْجَة عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ ، وَعُلَيَّة زَوْجَة إِبْرَاهِيم ، وَرَاهْوَيْهِ هُوَ إِبْرَاهِيم وَالِد إِسْحَاق ، وَكَذَلِكَ مَاجَهْ هُوَ يَزِيدُ فَهُمَا لَقَبَانِ . وَاَللَّه أَعْلَم . وَمُرَادُهُمْ فِي هَذَا كُلُّهُ تَعْرِيفُ الشَّخْصِ بِوَصْفَيْهِ لِيَكْمُل تَعْرِيفُهُ ؛ فَقَدْ يَكُون الْإِنْسَان عَارِفًا بِأَحَدِ وَصْفَيْهِ دُون الْآخَر فَيَجْمَعُونَ بَيْنهمَا لِيَتِمَّ التَّعْرِيفُ لِكُلِّ أَحَد . وَقَدَّمَ هُنَا نِسْبَته إِلَى عَمْرو عَلَى نِسْبَته إِلَى الْأَسْوَد لِكَوْنِ عَمْرٍو هُوَ الْأَصْل ، وَهَذَا مِنْ الْمُسْتَحْسَنَات النَّفِيسَة . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَكَانَ الْمِقْدَاد رَضِيَ اللَّه عَنْهُ مِنْ أَوَّل مَنْ أَسْلَمَ . قَالَ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : أَوَّلُ مَنْ أَظْهَر الْإِسْلَام بِمَكَّة سَبْعَة مِنْهُمْ الْمِقْدَاد . وَهَاجَرَ إِلَى الْحَبَشَة يُكْنَى أَبَا الْأَسْوَد . وَقِيلَ : أَبَا عَمْرو ، وَقِيلَ : أَبَا مَعْبَد . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَأَمَّا قَوْله
( وَكَانَ حَلِيفًا لِبَنِي زُهْرَة )
فَذَلِكَ لِمُحَالَفَتِهِ الْأَسْوَد بْن عَبْد يَغُوث الزُّهْرِيِّ ؛ فَقَدْ ذَكَر اِبْن عَبْد الْبَرّ وَغَيْره أَنَّ الْأَسْوَد حَالَفَهُ أَيْضًا مَعَ تَبَنِّيه إِيَّاهُ .
وَأَمَّا قَوْلهمْ فِي نَسَبه : الْكِنْدِيّ فَفِيهِ إِشْكَال مِنْ حَيْثُ إِنَّ أَهْل النَّسَب قَالُوا : إِنَّهُ بَهْرَانِيٌّ صُلْبِيَّة مِنْ بَهْرَاء بْن الْحَافّ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَة وَبِالْفَاءِ اِبْن قُضَاعَة لَا خِلَاف بَيْنهمْ فِي هَذَا . وَمِمَّنْ نَقَلَ الْإِجْمَاع عَلَيْهِ الْقَاضِي عِيَاض وَغَيْره رَحِمَهُمْ اللَّه . وَجَوَابه أَنَّ أَحْمَد بْن صَالِح الْإِمَام الْحَافِظ الْمِصْرِيَّ كَاتِبَ اللَّيْثِ بْنِ سَعْد رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى قَالَ : إِنَّ وَالِد الْمِقْدَاد حَالَفَ كِنْدَة فَنُسِبَ إِلَيْهَا . وَرَوَيْنَا عَنْ اِبْن شَمَاسَة عَنْ سُفْيَان عَنْ صُهَابَة بِضَمِّ الصَّاد الْمُهْمَلَة وَتَخْفِيف الْهَاء وَبِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَة الْمَهْرِيّ قَالَ : كُنْت صَاحِب الْمِقْدَاد اِبْن الْأَسْوَد فِي الْجَاهِلِيَّة وَكَانَ رَجُلًا مِنْ بَهْرَاء فَأَصَابَ فِيهِمْ دَمًا ، فَهَرَبَ إِلَى كِنْدَة فَحَالَفَهُمْ ، ثُمَّ أَصَابَ فِيهِمْ دَمًا فَهَرَبَ إِلَى مَكَّة فَحَالَفَ الْأَسْوَد بْن عَبْد يَغُوث . فَعَلَى هَذَا تَصِحُّ نِسْبَته إِلَى بَهْرَاء لِكَوْنِهِ الْأَصْل ، وَكَذَلِكَ إِلَى قُضَاعَة ، وَتَصِحّ نِسْبَته إِلَى كِنْدَة لِحِلْفِهِ أَوْ لِحِلْفِ أَبِيهِ ، وَتَصِحُّ إِلَى زُهْرَة لِحِلْفِهِ مَعَ الْأَسْوَد . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَأَمَّا قَوْلهمْ : إِنَّ الْمِقْدَاد بْن عَمْرو اِبْن الْأَسْوَد إِلَى قَوْله : أَنَّهُ قَالَ : يَا رَسُول فَأَعَادَ ( أَنَّهُ ) لِطُولِ الْكَلَام ، وَلَوْ لَمْ يَذْكُرْهَا لَكَانَ صَحِيحًا بَلْ هُوَ الْأَصْل ، وَلَكِنْ لَمَّا طَالَ الْكَلَام جَازَ أَوْ حَسُنَ ذِكْرهَا . وَنَظِيرُهُ فِي كَلَام الْعَرَب كَثِير وَقَدْ جَاءَ مِثْله فِي الْقُرْآن الْعَزِيز ، وَالْأَحَادِيث الشَّرِيفَة . وَمِمَّا جَاءَ فِي الْقُرْآن قَوْله عَزَّ وَجَلَّ حِكَايَة عَنْ الْكُفَّار : { أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ } فَأَعَادَ ( أَنَّكُمْ ) لِلطُّولِ وَمِثْله قَوْله تَعَالَى : { وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ } فَأَعَادَ ( لَمَّا جَاءَهُمْ ) وَقَدْ قَدَّمْنَا نَظِير هَذِهِ الْمَسْأَلَة . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَأَمَّا ( عَدِيُّ بْن الْخِيَار )
فَبِكَسْرِ الْخَاء الْمُعْجَمَة .
وَأَمَّا ( عَطَاء بْن يَزِيد اللَّيْثِيّ ثُمَّ الْجُنْدَعِيّ )
فَبِضَمِّ الْجِيم وَإِسْكَان النُّون وَبَعْدهَا دَال ثُمَّ عَيْن مُهْمَلَتَانِ ، وَتُفْتَح الدَّال وَتُضَمّ لُغَتَانِ . وَجُنْدَع بَطْن مِنْ لَيْث فَلِهَذَا قَالَ : اللَّيْثِيّ ثُمَّ الْجُنْدَعِيّ ، فَبَدَأَ بِالْعَامِّ وَهُوَ لَيْث ثُمَّ الْخَاصّ وَهُوَ جُنْدَع . وَلَوْ عَكَسَ هَذَا فَقِيلَ : الْجُنْدَعِيّ اللَّيْثِيّ لَكَانَ خَطَأ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ لَا فَائِدَة فِي قَوْله اللَّيْثِيّ بَعْد الْجُنْدَعِيّ ، وَلِأَنَّهُ أَيْضًا يَقْتَضِي أَنَّ لَيْثًا بَطْنٌ مِنْ جُنْدَع ، وَهُوَ خَطَأٌ . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَفِي هَذَا الْإِسْنَاد لَطِيفَة تَقَدَّمَ نَظَائِرهَا وَهُوَ أَنَّ فِيهِ ثَلَاثَة تَابِعِيِّينَ يَرْوِي بَعْضهمْ عَنْ بَعْض اِبْن شِهَاب وَعَطَاء وَعُبَيْد اللَّه بْن عَدِيّ بْن الْخِيَار .
وَأَمَّا لُغَات الْحَدِيث وَمَا يُشْبِههَا فَقَوْله فِي أَوَّل الْبَاب : (
يَا رَسُول اللَّه أَرَأَيْت إِنْ لَقِيت رَجُلًا مِنْ الْكُفَّار ؟ )
هَكَذَا هُوَ فِي أَكْثَر الْأُصُول الْمُعْتَبَرَة . وَفِي بَعْضهَا أَرَأَيْت لَقِيت بِحَذْفِ ( إِنْ ) وَالْأَوَّل هُوَ الصَّوَاب .
وَقَوْله : ( لَاذَ مِنِّي بِشَجَرَةٍ )
أَيْ اِعْتَصَمَ مِنِّي وَهُوَ مَعْنَى قَوْله : قَالَهَا مُتَعَوِّذًا أَيْ مُعْتَصِمًا وَهُوَ بِكَسْرِ الْوَاو .
قَوْله : ( أَمَّا الْأَوْزَاعِيّ وَابْن جُرَيْج فِي حَدِيثهمَا )
هَكَذَا هُوَ فِي أَكْثَر الْأُصُول فِي حَدِيثهمَا بِفَاءِ وَاحِدَةٍ وَفِي كَثِير مِنْ الْأُصُول : ( فَفِي ) حَدِيثهمَا بِفَاءَيْنِ . وَهَذَا هُوَ الْأَصْل وَالْجَيِّد . وَالْأَوَّل أَيْضًا جَائِزٌ فَإِنَّ الْفَاء فِي جَوَاب ( أَمَّا ) يَلْزَم إِثْبَاتهَا إِلَّا إِذَا كَانَ الْجَوَاب بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَجُوز حَذْفهَا إِذَا حُذِفَ الْقَوْل ، وَهَذَا مِنْ ذَاكَ فَتَقْدِير الْكَلَام أَمَّا الْأَوْزَاعِيّ وَابْن جُرَيْج فَقَالَا فِي حَدِيثهمَا كَذَا . وَمِثْل هَذَا فِي الْقُرْآن الْعَزِيز وَكَلَام الْعَرَب كَثِير . فَمِنْهُ فِي الْقُرْآن قَوْله عَزَّ وَجَلَّ : { فَأَمَّا الَّذِينَ اِسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ } أَيْ فَيُقَال لَهُمْ أَكَفَرْتُمْ ؟ وَقَوْله عَزَّ وَجَلَّ : { وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ } وَاَللَّه أَعْلَم .
وَقَوْله : ( فَلَمَّا أَهْوَيْت لِأَقْتُلهُ )
أَيْ مِلْت . يُقَال : هَوَيْت وَأَهْوَيْت . وَاعْلَمْ أَنَّ فِي إِسْنَاد بَعْض رِوَايَات هَذَا الْحَدِيث مَا أَنْكَرَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَغَيْره وَهُوَ قَوْل مُسْلِم حَدَّثَنَا إِسْحَاق بْن إِبْرَاهِيم ، وَعَبْد بْن حُمَيْد قَالَا : أَنْبَأَ عَبْد الرَّزَّاق أَنْبَأَ مَعْمَر ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاق اِبْن مُوسَى حَدَّثَنَا الْوَلِيد بْن مُسْلِم عَنْ الْأَوْزَاعِيّ ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن رَافِع حَدَّثَنَا عَبْد الرَّزَّاق أَخْبَرَنَا اِبْن جُرَيْج جَمِيعًا عَنْ الزُّهْرِيِّ بِهَذَا الْإِسْنَاد فَهَكَذَا وَقَعَ هَذَا الْإِسْنَاد فِي رِوَايَة الْجُلُودِيّ . قَالَ الْقَاضِي عِيَاض : وَلَمْ يَقَع هَذَا الْإِسْنَاد عِنْد اِبْن مَاهَان يَعْنِي رَفِيق الْجُلُودِيّ . قَالَ الْقَاضِي : قَالَ أَبُو مَسْعُود الدِّمَشْقِيُّ : هَذَا لَيْسَ بِمَعْرُوفِ عَنْ الْوَلِيد لِهَذَا الْإِسْنَاد عَنْ عَطَاء بْن يَزِيد عَنْ عُبَيْد اللَّه . قَالَ : وَفِيهِ خِلَاف عَلَى الْوَلِيد وَعَلَى الْأَوْزَاعِيّ . وَقَدْ بَيَّنَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي كِتَاب ( الْعِلَل ) الْخِلَاف فِيهِ وَذَكَر أَنَّ الْأَوْزَاعِيّ يَرْوِيه عَنْ إِبْرَاهِيم بْن مُرَّة . وَاخْتُلِفَ عَنْهُ فَرَوَاهُ أَبُو إِسْحَاق الْفَزَارِيّ ، وَمُحَمَّد بْن شُعَيْب ، وَمُحَمَّد بْن حُمَيْد وَالْوَلِيد بْن مَزِيد عَنْ الْأَوْزَاعِيّ عَنْ إِبْرَاهِيم بْن مُرَّة عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن الْخِيَار ، عَنْ الْمِقْدَاد ، لَمْ يَذْكُرُوا فِيهِ عَطَاء بْن يَزِيد . وَاخْتُلِفَ عَنْ الْوَلِيد بْن مُسْلِم فَرَوَاهُ الْوَلِيد الْقُرَشِيُّ عَنْ الْوَلِيد عَنْ الْأَوْزَاعِيّ ، وَاللَّيْث بْن سَعْد عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن الْخِيَار عَنْ الْمِقْدَاد ، لَمْ يَذْكُر فِيهِ عَطَاء وَأَسْقَطَ إِبْرَاهِيم بْن مُرَّة وَخَالَفَهُ عِيسَى بْن مُسَاوِر فَرَوَاهُ عَنْ الْوَلِيد عَنْ الْأَوْزَاعِيّ عَنْ حُمَيْد بْن عَبْد الرَّحْمَن عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن الْخِيَار عَنْ الْمِقْدَاد لَمْ يَذْكُر فِيهِ إِبْرَاهِيم بْن مُرَّة ، وَجَعَلَ مَكَان عَطَاء بْن يَزِيد حُمَيْد بْن عَبْد الرَّحْمَن . وَرَوَاهُ الْفِرْيَابِيّ عَنْ الْأَوْزَاعِيّ عَنْ إِبْرَاهِيم بْن مُرَّة عَنْ الزُّهْرِيِّ مُرْسَلًا عَنْ الْمِقْدَاد قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْجَيَّانِيّ : الصَّحِيحُ فِي إِسْنَاد هَذَا الْحَدِيث مَا ذَكَره مُسْلِم أَوَّلًا مِنْ رِوَايَة اللَّيْث وَمَعْمَر وَيُونُس وَابْن جُرَيْج ، وَتَابَعَهُمْ صَالِح اِبْن كَيْسَانَ . هَذَا آخِر كَلَام الْقَاضِي عِيَاض رَحِمَهُ اللَّه . قُلْت : وَحَاصِل هَذَا الْخِلَاف وَالِاضْطِرَاب إِنَّمَا هُوَ فِي رِوَايَة الْوَلِيد بْن مُسْلِم عَنْ الْأَوْزَاعِيّ ، وَأَمَّا رِوَايَة اللَّيْث وَمَعْمَر وَيُونُس وَابْن جُرَيْج فَلَا شَكَّ فِي صِحَّتهَا . وَهَذِهِ الرِّوَايَات هِيَ الْمُسْتَقِلَّة بِالْعَمَلِ وَعَلَيْهَا الِاعْتِمَاد . وَأَمَّا رِوَايَة الْأَوْزَاعِيّ فَذَكَرَهَا مُتَابَعَة ، وَقَدْ تَقَرَّرَ عِنْدهمْ أَنَّ الْمُتَابَعَات يُحْتَمَل فِيهَا مَا فِيهِ نَوْع ضَعْف لِكَوْنِهَا لَا اِعْتِمَاد عَلَيْهَا إِنَّمَا هِيَ لِمُجَرَّدِ الِاسْتِئْنَاس ؛ فَالْحَاصِل أَنَّ هَذَا الِاضْطِرَاب الَّذِي فِي رِوَايَة الْوَلِيد عَنْ الْأَوْزَاعِيّ لَا يَقْدَح فِي صِحَّة أَصْل هَذَا الْحَدِيث ، فَلَا خِلَاف فِي صِحَّتِهِ . وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ أَكْثَر اِسْتِدْرَاكَاتِ الدَّارَقُطْنِيِّ مِنْ هَذَا النَّحْو . لَا يُؤَثِّر ذَلِكَ فِي صِحَّة الْمُتُون . وَقَدَّمْنَا أَيْضًا فِي الْفُصُول اِعْتِذَار مُسْلِم رَحِمَهُ اللَّه عَنْ نَحْو هَذَا بِأَنَّهُ لَيْسَ الِاعْتِمَاد عَلَيْهِ . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَأَمَّا مَعَانِي الْأَحَادِيث وَفِقْههَا فَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الَّذِي قَالَ : لَا إِلَه إِلَّا اللَّه
( لَا تَقْتُلهُ فَإِنْ قَتَلْته فَإِنَّهُ فِي مَنْزِلَتك قَبْل أَنْ تَقْتُلهُ وَإِنَّك بِمَنْزِلَتِهِ قَبْل أَنْ يَقُول كَلِمَته الَّتِي قَالَ )
، اِخْتَلَفَ فِي مَعْنَاهُ ؛ فَأَحْسَن مَا قِيلَ فِيهِ وَأَظْهَرهُ مَا قَالَهُ الْإِمَام الشَّافِعِيُّ ، وَابْنُ الْقَصَّار الْمَالِكِيُّ ، وَغَيْرهمَا أَنَّ مَعْنَاهُ فَإِنَّهُ مَعْصُوم الدَّم ، مُحَرَّم قَتْلُهُ بَعْد قَوْله : لَا إِلَه إِلَّا اللَّه كَمَا كُنْت أَنْتَ قَبْل أَنْ تَقْتُلَهُ . وَإِنَّك بَعْد قَتْله غَيْر مَعْصُوم الدَّم ، وَلَا مُحَرَّم الْقَتْل كَمَا كَانَ هُوَ قَبْل قَوْله : لَا إِلَه إِلَّا اللَّه . قَالَ اِبْن الْقَصَّار : يَعْنِي لَوْلَا عُذْرك بِالتَّأْوِيلِ الْمُسْقِط لِلْقِصَاصِ عَنْك . قَالَ الْقَاضِي : وَقِيلَ : مَعْنَاهُ إِنَّك مِثْله فِي مُخَالَفَة الْحَقّ وَارْتِكَاب الْإِثْم وَإِنْ اِخْتَلَفَتْ أَنْوَاع الْمُخَالَفَة وَالْإِثْم فَيُسَمَّى إِثْمه كُفْرًا وَإِثْمك مَعْصِيَة وَفِسْقًا . وَأَمَّا كَوْنه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُوجِب عَلَى أُسَامَة قِصَاصًا وَلَا دِيَة وَلَا كَفَّارَة فَقَدْ يُسْتَدَلّ بِهِ لِإِسْقَاطِ الْجَمِيع ، وَلَكِنَّ الْكَفَّارَة وَاجِبَةٌ ، وَالْقِصَاص سَاقِطٌ لِلشُّبْهَةِ ؛ فَإِنَّهُ ظَنَّهُ كَافِرًا وَظَنَّ أَنَّ إِظْهَارَهُ كَلِمَة التَّوْحِيد فِي هَذَا الْحَال لَا يَجْعَلهُ مُسْلِمًا . وَفِي وُجُوب الدِّيَة قَوْلَانِ لِلشَّافِعِيِّ ، وَقَالَ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَعْضٌ مِنْ الْعُلَمَاء . وَيُجَاب عَنْ عَدَم ذِكْر الْكَفَّارَة بِأَنَّهَا لَيْسَتْ عَلَى الْفَوْر بَلْ هِيَ عَلَى التَّرَاخِي وَتَأْخِيرُ الْبَيَانِ إِلَى وَقْتِ الْحَاجَةِ جَائِزٌ عَلَى الْمَذْهَبِ الصَّحِيحِ عِنْدَ أَهْلِ الْأُصُولِ . وَأَمَّا الدِّيَة عَلَى قَوْل مَنْ أَوْجَبَهَا فَيُحْتَمَل أَنَّ أُسَامَة كَانَ فِي ذَلِكَ الْوَقْت مُعْسِرًا بِهَا فَأُخِّرَتْ إِلَى يَسَارِهِ .


140 - وَفِيهِ أُسَامَة بْن زَيْد رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا ( قَالَ بَعَثَنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَرِيَّة فَصَبَّحْنَا الْحُرَقَاتِ مِنْ جُهَيْنَة فَأَدْرَكْت رَجُلًا فَقَالَ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه فَطَعَنْته فَوَقَعَ فِي نَفْسِي مِنْ ذَلِكَ فَذَكَرْته لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَقَالَ : لَا إِلَه إِلَّا اللَّه وَقَتَلْته ؟ قَالَ قُلْت : يَا رَسُول اللَّه إِنَّمَا قَالَهَا خَوْفًا مِنْ السِّلَاح قَالَ : أَفَلَا شَقَقْت عَنْ قَلْبه حَتَّى تَعْلَم قَالَهَا أَمْ لَا ؟ فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا عَلَيَّ حَتَّى تَمَنَّيْت أَنِّي أَسْلَمْت يَوْمئِذٍ قَالَ : فَقَالَ سَعْدٌ : وَأَنَا وَاَللَّه لَا أَقْتُلُ مُسْلِمًا حَتَّى يَقْتُلهُ ذُو الْبُطَيْن يَعْنِي أُسَامَة قَالَ : قَالَ رَجُل : أَلَمْ يَقُلْ اللَّه تَعَالَى : { وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ } قَالَ سَعْد : قَدْ قَاتَلْنَا حَتَّى لَا تَكُون فِتْنَة وَأَنْتَ وَأَصْحَابك تُرِيدُونَ أَنْ تُقَاتِلُوا حَتَّى تَكُون فِتْنَة وَفِي الطَّرِيق الْآخَر ( فَطَعَنْته بِرُمْحِي حَتَّى قَتَلْته فَلَمَّا قَدِمْنَا بَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لِي : يَا أُسَامَة قَتَلْته بَعْدَمَا قَالَ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه ؟ قُلْت : يَا رَسُول اللَّه إِنَّمَا كَانَ مُتَعَوِّذًا . فَقَالَ : أَقَتَلْته بَعْدَمَا قَالَ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه ؟ فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا عَلَيَّ حَتَّى تَمَنَّيْت أَنِّي لَمْ أَكُنْ أَسْلَمْت قَبْل ذَلِكَ الْيَوْم ) وَفِي الطَّرِيق الْأُخْرَى ( أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعَا أُسَامَة فَسَأَلَهُ : لِمَ قَتَلْته ؟ إِلَى أَنْ قَالَ فَكَيْف تَصْنَع بِلَا إِلَه إِلَّا اللَّه إِذَا جَاءَتْ يَوْم الْقِيَامَة ؟ قَالَ : يَا رَسُول اللَّه اِسْتَغْفِرْ لِي قَالَ : فَكَيْف تَصْنَع بِلَا إِلَه إِلَّا اللَّه إِذَا جَاءَتْ يَوْم الْقِيَامَة ؟ فَجَعَلَ لَا يَزِيد عَلَى أَنْ يَقُول : فَكَيْف تَصْنَع بِلَا إِلَه إِلَّا اللَّه إِذَا جَاءَتْ يَوْم الْقِيَامَة ) ؟ .
وَأَمَّا قَوْله
( عَنْ أَبِي ظَبْيَانَ )
فَهُوَ بِفَتْحِ الظَّاء الْمُعْجَمَة وَكَسْرهَا ؛ فَأَهْل اللُّغَة يَفْتَحُونَهَا وَيُلَحِّنُونَ مَنْ يَكْسِرهَا ، وَأَهْل الْحَدِيث يَكْسِرُونَهَا . وَكَذَلِكَ قَيَّدَهُ اِبْن مَاكُولَا وَغَيْره . وَاسْم أَبِي ظَبْيَانَ حَصِين بْن جُنْدُب بْن عَمْرو كُوفِيٌّ تُوُفِّيَ سَنَة تِسْعِينَ .
وَأَمَّا ( الْحُرَقَاتُ )
فَبِضَمِّ الْحَاء الْمُهْمَلَةِ وَفَتْح الرَّاء وَبِالْقَافِ .
وَأَمَّا ( الدَّوْرَقِيّ )
فَتَقَدَّمَ مَرَّات . وَكَذَلِكَ ( أَحْمَد بْن خِرَاش ) بِكَسْرِ الْخَاء الْمُعْجَمَة .
وَقَوْله : ( فَقَالَ سَعْد وَأَنَا وَاَللَّه لَا أَقْتُل مُسْلِمًا حَتَّى يَقْتُلهُ ذُو الْبُطَيْن يَعْنِي أُسَامَة )
أَمَّا ( سَعْد ) فَهُوَ اِبْن أَبِي وَقَّاص رَضِيَ اللَّه عَنْهُ . وَأَمَّا ( ذُو الْبُطَيْن ) فَهُوَ بِضَمِّ الْبَاء تَصْغِير بَطْن . قَالَ الْقَاضِي عِيَاض رَحِمَهُ اللَّه : قِيلَ لِأُسَامَة ذُو الْبُطَيْن لِأَنَّهُ كَانَ لَهُ بَطْن عَظِيم .
وَقَوْله : ( أَفَلَا شَقَقْت عَنْ قَلْبه حَتَّى تَعْلَم أَقَالَهَا أَمْ لَا ؟ )
الْفَاعِل فِي قَوْله أَقَالَهَا هُوَ الْقَلْب ، وَمَعْنَاهُ أَنَّك إِنَّمَا كُلِّفْت بِالْعَمَلِ بِالظَّاهِرِ وَمَا يَنْطِق بِهِ اللِّسَان ، وَأَمَّا الْقَلْب فَلَيْسَ لَك طَرِيقٌ إِلَى مَعْرِفَة مَا فِيهِ ، فَأَنْكَرَ عَلَيْهِ اِمْتِنَاعه مِنْ الْعَمَل بِمَا ظَهَرَ بِاللِّسَانِ . وَقَالَ : أَفَلَا شَقَقْت عَنْ قَلْبه لِتَنْظُر هَلْ قَالَهَا الْقَلْب وَاعْتَقَدَهَا وَكَانَتْ فِيهِ أَمْ لَمْ تَكُنْ فِيهِ بَلْ جَرَتْ عَلَى اللِّسَان فَحَسْب يَعْنِي وَأَنْتَ لَسْت بِقَادِرٍ عَلَى هَذَا فَاقْتَصِرْ عَلَى اللِّسَان فَحَسْب ، يَعْنِي وَلَا تَطْلُب غَيْره . وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَفَلَا شَقَقْت عَنْ قَلْبه ) فِيهِ دَلِيل لِلْقَاعِدَةِ الْمَعْرُوفَة فِي الْفِقْه وَالْأُصُول أَنَّ الْأَحْكَام يُعْمَل فِيهَا بِالظَّوَاهِرِ ، وَاَللَّه يَتَوَلَّى السَّرَائِر .
وَقَوْله ( حَتَّى تَمَنَّيْت أَنِّي أَسْلَمْت يَوْمئِذٍ )
مَعْنَاهُ لَمْ يَكُنْ تَقَدَّمَ إِسْلَامِي بَلْ اِبْتَدَأْت الْآنَ الْإِسْلَام لِيَمْحُوَ عَنِّي مَا تَقَدَّمَ . وَقَالَ هَذَا الْكَلَام مِنْ عِظَمِ مَا وَقَعَ فِيهِ .


141 - سبق شرحه بالباب


142 - أَمَّا ( خَالِد الْأَثْبَج )
بِفَتْحِ الْهَمْزَة وَبَعْدهَا ثَاء مُثَلَّثَة سَاكِنَةٌ ثُمَّ بَاءٌ مُوَحَّدَة مَفْتُوحَة ثُمَّ جِيمٌ . قَالَ أَهْلُ اللُّغَة الْأَثْبَج : هُوَ عَرِيض الثَّبَج بِفَتْحِ الثَّاء وَالْبَاء وَقِيلَ : نَاتِئ الثَّبَج . وَالثَّبَج مَا بَيْن الْكَاهِل وَالظَّهْر . وَأَمَّا
( صَفْوَان بْن مُحْرِز )
فَبِإِسْكَانِ الْحَاء الْمُهْمَلَة وَبِرَاءٍ ثُمَّ زَايٍ . وَأَمَّا
( جُنْدُب )
فَبِضَمِّ الدَّال . وَفَتْحهَا . وَأَمَّا
( عَسْعَسَ بْن سَلَامَة )
فَبِعَيْنَيْنِ وَسِينَيْنِ مُهْمَلَاتٍ وَالْعَيْنَانِ مَفْتُوحَتَانِ وَالسِّينُ بَيْنهمَا سَاكِنَة . قَالَ أَبُو عُمَر بْن عَبْد الْبَرّ فِي ( الِاسْتِيعَاب ) : هُوَ بَصْرِيٌّ رَوَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُونَ : إِنَّ حَدِيثه مُرْسَلٌ ، وَإِنْ لَمْ يَسْمَع النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَذَا قَالَ الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخه : حَدِيثه مُرْسَل . وَكَذَا ذَكَره اِبْن أَبِي حَاتِمٍ وَغَيْره فِي ا