Contents

الواجهة
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد
مقدمة
باب الألف
باب الثاء
باب الجيم
باب الحاء
باب الخاء
باب الدال
باب الراء
باب الزاي
تابع باب الزاء
تابع لحرف الزاء
تابع لحرف الزاء
باب الطاء
باب الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع حرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
باب النون
باب الصاد
باب الضاد
باب العين
تابع لحرف العين
تابع حرف العين
تابع لحرف العين
تابع لحرف العين
باب القاف
باب السين
باب الشين
باب الهاء
باب الواو
باب الياء
تابع باب الياء
باب الكني
باب بلاغات مالك ومرسلاته
باب مافي هذا الديوان من حديث مالك الذي ثبتت عليه أبوابه خاصة
الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج
الديباج - جزء 1
الديباج - جزء 2
الديباج - جزء 3
الديباج - جزء 4
الديباج - جزء 5
الديباج - جزء 6
المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج
المنهاج - مقدمة
المنهاج - الإيمان
المنهاج - الطهارة
المنهاج - الحيض
المنهاج - الصَّلَاة
المنهاج - المساجد ومواضع الصلاة
المنهاج - صلاة المسافرين وقصرها
المنهاج - بَاب صَلَاة الْجُمُعَة
المنهاج - بَاب صَلَاة الْعِيدَيْنِ
المنهاج - بَاب الدُّعَاء فِي صَلَاة الِاسْتِسْقَاء
المنهاج - بَاب صَلَاة الْكُسُوف
المنهاج - كِتَاب الْجَنَائِز
المنهاج - الزكاة
المنهاج - كِتَاب الصِّيَام
المنهاج - كِتَاب الِاعْتِكَاف
المنهاج - كِتَاب الْحَجّ
المنهاج - كِتَاب النِّكَاح
المنهاج - الرضاعة
المنهاج - الطلاق
المنهاج - اللِّعَان
المنهاج - العتق
المنهاج - البيوع
المنهاج - المساقاة
المنهاج - الفرائض
المنهاج - الهبات
المنهاج - الوصية
المنهاج - النذر
المنهاج - الأيمان
المنهاج - القسامة
المنهاج - الحدود
المنهاج - الأقضية
المنهاج - اللقطة
المنهاج - الجهاد والسير
المنهاج - الإمارة
المنهاج - الصيد والذبائح
المنهاج - كِتَاب الْأَضْاحَي
المنهاج - الأشربة
المنهاج - اللباس والزينة
المنهاج - الآداب
المنهاج - السلام
المنهاج - الألفاظ من الأدب وغيرها
المنهاج - الشعر
المنهاج - الرؤيا
المنهاج - الفضائل
المنهاج - فضائل الصحابة
المنهاج - البر والصلة والآداب
المنهاج - القدر
المنهاج - العلم
المنهاج - الذكر والدعاء
المنهاج - التوبة
المنهاج - صفات المنافقين
المنهاج - صفة القيامة والجنة والنار
المنهاج - الجنة وصفة نعيمها وأهلها
المنهاج - الفتن وأشراط الساعة
المنهاج - الزهد والرقائق
المنهاج - التفسير
تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي
أبواب الطهارة
أبواب الصلاة
تابع أبواب الصلاة
أبواب الوتر
أبواب الجمعة
تابع لأبواب الجمعة
أبواب العيدين
أبواب السفر
ابواب الزكاة
أبواب الصوم
أبواب الحج
تابع أبواب الحج
أبواب الجنائز
أبواب النكاح
أبواب الرضاع
أبواب الطلاق واللعان
ابواب البيوع
أبواب الأحكام
أبواب الديات
ابواب الحدود
تابع أبواب الحدود
أبواب الصيد
أبواب الأضاحي
أبواب النذور والأيمان
أبواب السير
أبواب الجهاد
أبواب اللباس
أبواب الأطعمة
أبواب الأشربة
تابع أبواب الأشربة
أبواب البر و الصله عن رسول الله صلى الله عليه و آله سلم
أبواب الطب عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الفرائض عن الرسول صلى الله عليه و سلم
أبواب الوصايا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الولاء و الهبة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب القدر عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم
أبواب الفتن عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الرؤيا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الشهادات عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
تابع لأبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صِفَةُ القِيامَة
أبواب صفة الجنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صفة جهنم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإيمان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب العلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإستئذان والآداب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب العلم
أبواب الأمثال
أبواب فضائل القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب القراءات عن رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم
أبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الدعوات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أحاديث شتى من أبواب الدعوات
المناقب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
مناقب الصحابة رضوان الله عليهم
تنوير الحوالك شرح موطأ مالك
كتاب وقوت الصلاة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب السهو
كتاب الجمعة
كتاب الصلاة في رمضان
كتاب صلاة الليل
كتاب صلاة الجماعة
كتاب قصر الصلاة في السفر
كتاب العيدين
كتاب صلاة الخوف
كتاب صلاة الكسوف
كتاب الاستسقاء
كتاب القبلة
كتاب القرآن
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب الجهاد
كتاب النذور و الأيمان
كتاب الضحايا
كتاب الذبائح
كتاب الصيد
كتاب العقيقة
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الرضاع
كتاب البيوع
كتاب القراض
كتاب المساقاة - كتاب كراء الأرض
كتاب الشفعة - كتاب الأقضية
كتاب الوصية - كتاب العتق والولاء
كتاب المكاتب - كتاب المدبر
كتاب الحدود
كتاب الأشربة - كتاب العقول
كتاب القسامة - كتاب الجامع
كتاب القدر - كتاب حسن الخلق
كتاب اللباس - كتاب صفة النبي
كتاب العين - كتاب الشعر
كتاب الرؤيا - كتاب السلام
كتاب الاستئذان والتشميت والصور والتماثيل وغيرها
كتاب البيعة - كتاب الكلام والعينة والتقى
كتاب جهنم - كتاب الصدقة
كتاب العلم - كتاب دعوة المظلوم - كتاب أسماء النبي
حاشية السندي على سنن ابن ماجة
المقدمة
الطَّهَارَة وَسُنَنهَا
الصلاة
الْأَذَان
المساجد والجماعات
أَبْوَاب إِقَامَة الصَّلَاة
الجنائز
الصوم
الزكاة
النكاح
الطلاق
الكفارات
التجارات
الأحكام
الحدود
الديات
الوصايا
الْفَرَائِض
الجهاد
المناسك
الْأَضَاحِيّ
الذبائح
الصيد
الأطعمة
الأشربة
الطب
اللباس
الْآدَاب
الدُّعَاء
تعبير الرؤيا
الْفِتَن
الزُّهْد
شرح سنن ابن ماجه لمغلطاي
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح رياض الصالحين
شرح رياض الصالحين - 01
شرح رياض الصالحين - 02
شرح رياض الصالحين - 03
شرح رياض الصالحين - 04
شرح سنن أبي داود للعيني
مقدمة التحقيق
كتاب الطهارة
كِتابُ الصَلاَةِ
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
عون المعبود شرح سنن أبي داود
كتاب الطهارة
تابع كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
كتاب الزكاة
تابع لكتاب الزكاة
كتاب اللقطة
كتاب المناسك
تابع لكتاب المناسك
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الصيام
تابع لكتاب الصيام
أول كتاب الجهاد
أول كتاب الضحايا
تابع كتاب الضحايا
أول كتاب الصيد
أول كتاب الوصايا
أول كتاب الفرائض
أول كتاب الخراج والفيء والإمارة
أول كتاب الجنائز
تابع لكتاب الجنائز
كتاب الأيمان والنذور
كتاب البيوع
كتاب الإجارة
كتاب القضاء
تابع لكتاب القضاء
كتاب العلم
كتاب الأشربة
كتاب الأطعمة
كتاب الطب
كتاب الكهانة والتطير
كتاب العتق
أول كتاب الحروف والقراءات
أول كتاب الحمام
أول كتاب اللباس
أول كتاب الترجل
أول كتاب الخاتم
أول كتاب الفتن والملاحم
أول كتاب المهدي
أول كتاب الملاحم
أول كتاب الحدود
أول كتاب الديات
أول كتاب السنة
تابع لكتاب السنة
أول كتاب الأدب
أبواب السلام
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن حجر
فتح الباري - هدي الساري مقدمة فتح الباري
فتح الباري - كتاب بدء الوحي
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب العلم
فتح الباري - كتاب الوضوء
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
فتح الباري - كتاب مواقيت الصلاة
فتح الباري - كتاب الأذان
فتح الباري - كتاب الجمعة
فتح الباري - كتاب الخوف
فتح الباري - كتاب العيدين
فتح الباري - كتاب الوتر
فتح الباري - كتاب الاستسقاء
فتح الباري - كتاب الكسوف
فتح الباري - كتاب سجود القرآن
فتح الباري - كتاب تقصير الصلاة
فتح الباري - كتاب التهجد
فتح الباري - كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة
فتح الباري - كتاب العمل في الصلاة
فتح الباري - كتاب السهو
فتح الباري - كتاب الجنائز
فتح الباري - كتاب الزكاة
فتح الباري - كتاب الحج
فتح الباري - كتاب العمرة
فتح الباري - كتاب المحصر
فتح الباري - كتاب جزاء الصيد
فتح الباري - كتاب فضائل المدينة
فتح الباري - كتاب الصوم
فتح الباري - كتاب صلاة التراويح
فتح الباري - كتاب فضل ليلة القدر
فتح الباري - كتاب الإعتكاف
فتح الباري - كتاب البيوع
فتح الباري - كتاب السلم
فتح الباري - كتاب الشفعة
فتح الباري - كتاب الإجارة
فتح الباري - كتاب الحرث والمزارعة
فتح الباري - كتاب المساقاة
فتح الباري - كتاب الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس
فتح الباري - كتاب الخصومات
فتح الباري - كتاب اللقطة
فتح الباري - كتاب المظالم
فتح الباري - كتاب الشركة
فتح الباري - كتاب الرهن
فتح الباري - كتاب العتق
فتح الباري - كتاب المكاتب
فتح الباري - كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها
فتح الباري - كتاب الشهادات
فتح الباري - كتاب الصلح
فتح الباري - كتاب الشروط
فتح الباري - كتاب الوصايا
فتح الباري - كتاب الجهاد و السير
فتح الباري - كتاب فرض الخمس
فتح الباري - كتاب الجزية و الموادعة
فتح الباري - كتاب بدء الخلق
فتح الباري - كتاب أحاديث الأنبياء
فتح الباري - كتاب المناقب
فتح الباري - كتاب فضائل الصحابة
فتح الباري - كتاب مناقب الأنصار
فتح الباري - كتاب المغازي
فتح الباري - كتاب التفسير
فتح الباري - كتاب فضائل القرآن
فتح الباري - كتاب النكاح
فتح الباري - كتاب الطلاق
فتح الباري - كتاب النفقات
فتح الباري - كتاب الأطعمة
فتح الباري - كتاب العقيقة
فتح الباري - كتاب الذبائح والصيد
فتح الباري - كتاب الأضاحي
فتح الباري - كتاب الأشربة
فتح الباري - كتاب المرضى
فتح الباري - كتاب الطب
فتح الباري - كتاب اللباس
فتح الباري - كتاب الأدب
فتح الباري - كتاب الإستئذان
فتح الباري - كتاب الدعوات
فتح الباري - كتاب الرقاق
فتح الباري - كتاب القدر
فتح الباري - كتاب الأيمان والنذور
فتح الباري - كتاب كفارات الأيمان
فتح الباري - كتاب الفرائض
فتح الباري - كتاب الحدود
فتح الباري - كتاب الديات
فتح الباري - كتاب استتابة المرتدين
فتح الباري - كتاب الإكراه
فتح الباري - كتاب الحيل
فتح الباري - كتاب التعبير
فتح الباري - كتاب الفتن
فتح الباري - كتاب الأحكام
فتح الباري - كتاب التمني
فتح الباري - كتاب أخبار الأحاد
فتح الباري - كتاب الإعتصام بالسنة
فتح الباري - كتاب التوحيد
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن رجب
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
مقدمة
خطبة الكتاب
كتاب الإيمان
كتاب العلم
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصوم
كتاب فضائل القرآن
كتاب الدعوات
كتاب المناسك
كتاب البيوع
كتاب الفرائض والوصايا
كتاب النكاح
كتاب العتق
كتاب القصاص
كتاب الديات
كتاب الحدود
كتاب الإمارة والقضاء
كتاب الجهاد
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأطعمة
كتاب اللباس
كتاب الطب والرقى
كتاب الرؤيا
كتاب الآداب
كتاب الرقاق
كتاب الفتن
كتاب صفة القيامة والجنة والنار
كتاب الفضائل والشمائل
كتاب المناقب

 
عودة لموقع هاني الطنبور
هاني الطنبور
الصفحة السابقة الصفحة التالية
 
 

 

المنهاج - بَاب صَلَاة الْجُمُعَة وَمَا يَتَعَلَّق بِهَا مِنْ أَحْكَام
يُقَال بِضَمِّ الْمِيم ، وَإِسْكَانهَا وَفَتْحهَا ، حَكَاهُنَّ الْفَرَّاء وَالْوَاحِدِيّ وَغَيْرهمَا ، وَوَجَّهُوا الْفَتْح بِأَنَّهَا تَجْمَع النَّاس وَيَكْثُرُونَ فِيهَا ، كَمَا يُقَال : هُمَزَة وَلُمَزَة لِكَثْرَةِ الْهَمْز وَاللَّمْز وَنَحْو ذَلِكَ سُمِّيَتْ جُمْعَة لِاجْتِمَاعِ النَّاس فِيهَا ، وَكَانَ يَوْم الْجُمُعَة فِي الْجَاهِلِيَّة يُسَمَّى الْعَرُوبَة .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( إِذَا أَرَادَ أَحَدكُمْ أَنْ يَأْتِي الْجُمُعَة فَلْيَغْتَسِلْ ) وَفِي رِوَايَة : ( مَنْ جَاءَ مِنْكُمْ الْجُمُعَة فَلْيَغْتَسِلْ ) وَهَذِهِ الثَّانِيَة مَحْمُولَة عَلَى الْأَوَّل مَعْنَاهَا مَنْ أَرَادَ الْمَجِيء فَلْيَغْتَسِلْ ، وَفِي الْحَدِيث الْآخَر بَعْده : ( غُسْل الْجُمُعَة وَاجِب عَلَى كُلّ مُحْتَلِم ) وَالْمُرَاد بِالْمُحْتَلِمِ الْبَالِغ . وَفِي الْحَدِيث الْآخَر : حَقُّ لِلَّهِ عَلَى كُلّ مُسْلِم أَنْ يَغْتَسِل فِي كُلّ سَبْعَة أَيَّام يَغْسِل رَأْسه وَجَسَده . وَفِي الْحَدِيث الْآخَر ( لَوْ أَنَّكُمْ تَطَهَّرْتُمْ لِيَوْمِكُمْ هَذَا ) وَفِي رِوَايَة : ( لَوْ اِغْتَسَلْتُمْ يَوْم الْجُمُعَة ) وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي غُسْل الْجُمُعَة فَحُكِيَ وُجُوبه عَنْ طَائِفَة مِنْ السَّلَف حَكَوْهُ عَنْ بَعْض الصَّحَابَة ، وَبِهِ قَالَ أَهْل الظَّاهِر ، وَحَكَاهُ اِبْن الْمُنْذِر عَنْ مَالِك ، وَحَكَاهُ الْخَطَّابِيُّ عَنْ الْحَسَن الْبَصْرِيّ وَمَالِك ، وَذَهَبَ جُمْهُور الْعُلَمَاء مِنْ السَّلَف وَالْخَلَف وَفُقَهَاء الْأَمْصَار إِلَى أَنَّهُ سُنَّة مُسْتَحَبَّة لَيْسَ بِوَاجِبٍ ، قَالَ الْقَاضِي : وَهُوَ الْمَعْرُوف مِنْ مَذْهَب مَالِك وَأَصْحَابه ، وَاحْتَجَّ مَنْ أَوْجَبَهُ بِظَوَاهِر هَذِهِ الْأَحَادِيث ، وَاحْتَجَّ الْجُمْهُور بِأَحَادِيث صَحِيحَة مِنْهَا : حَدِيث الرَّجُل الَّذِي دَخَلَ وَعُمَر يَخْطُب وَقَدْ تَرَكَ الْغُسْل ، وَقَدْ ذَكَرَهُ مُسْلِم ، وَهَذَا الرَّجُل هُوَ عُثْمَان بْن عَفَّانَ جَاءَ مُبَيَّنًا فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى ، وَوَجْه الدَّلَالَة أَنَّ عُثْمَان فَعَلَهُ وَأَقَرَّهُ عُمَر وَحَاضِرُوا وَالْجُمْعَة وَهُمْ أَهْل الْحَلّ وَالْعَقْد ، وَلَوْ كَانَ وَاجِبًا لَمَا تَرَكَهُ وَلَأَلْزَمُوهُ ، وَمِنْهَا : قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ تَوَضَّأَ فَبِهَا وَنِعْمَتْ وَمَنْ اِغْتَسَلَ فَالْغُسْل أَفْضَل ) حَدِيث حَسَن فِي السُّنَن مَشْهُور ، وَفِيهِ دَلِيل عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ . وَمِنْهَا : قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَوْ اِغْتَسَلْتُمْ يَوْم الْجُمُعَة ) وَهَذَا اللَّفْظ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ ؛ لِأَنَّ تَقْدِيره لَكَانَ أَفْضَل وَأَكْمَلَ وَنَحْو هَذَا مِنْ الْعِبَادَات ، وَأَجَابُوا عَنْ الْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي الْأَمْر بِهِ أَنَّهَا مَحْمُولَة عَلَى النَّدْب جَمْعًا بَيْن الْأَحَادِيث .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِذَا أَرَادَ أَحَدكُمْ أَنْ يَأْتِي الْجُمُعَة فَلْيَغْتَسِلْ ) وَ ( غُسْل الْجُمُعَة وَاجِب عَلَى كُلّ مُحْتَلِم ) فَالْحَدِيث الْأَوَّل ظَاهِر فِي أَنَّ الْغُسْل مَشْرُوع لِكُلِّ مَنْ أَرَادَ الْجُمُعَة مِنْ الرِّجَال سَوَاء الْبَالِغ وَالصَّبِيّ الْمُمَيِّز . وَالثَّانِي صَرِيح فِي الْبَالِغ ، وَفِي أَحَادِيث أُخَر أَلْفَاظ تَقْتَضِي دُخُول النِّسَاء كَحَدِيثِ : ( وَمَنْ اِغْتَسَلَ فَالْغُسْل أَفْضَل ) . فَيُقَال فِي الْجَمْع بَيْن الْأَحَادِيث : أَنَّ الْغُسْل يُسْتَحَبّ لِكُلِّ مُرِيد الْجُمُعَة ، وَمُتَأَكِّد فِي حَقّ الذُّكُور أَكْثَر مِنْ النِّسَاء ؛ لِأَنَّهُ فِي حَقّهنَّ قَرِيب مِنْ الطِّيب ، وَمُتَأَكِّد فِي حَقِّ الْبَالِغِينَ أَكْثَر مِنْ الصِّبْيَان ، وَمَذْهَبنَا الْمَشْهُور أَنَّهُ يُسْتَحَبّ لِكُلِّ مُرِيد لَهَا . وَفِي وَجْه لِأَصْحَابِنَا : يُسْتَحَبّ لِلذُّكُورِ خَاصَّة . وَفِي وَجْه : يُسْتَحَبّ لِمَنْ يَلْزَمهُ الْجُمُعَة دُون النِّسَاء وَالصِّبْيَان وَالْعَبِيد وَالْمُسَافِرِينَ ، وَوَجْه يُسْتَحَبّ لِكُلِّ أَحَد يَوْم الْجُمُعَة سَوَاء أَرَادَ حُضُور الْجُمُعَة أَمْ لَا كَغُسْلِ يَوْم الْعِيد يُسْتَحَبّ لِكُلِّ أَحَد ، وَالصَّحِيح الْأَوَّل ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .


1393 - سبق شرحه بالباب


1394 - قَوْله : ( وَهُوَ قَائِم عَلَى الْمِنْبَر )
فِيهِ اِسْتِحْبَاب الْمِنْبَر لِلْخُطْبَةِ ، فَإِنْ تَعَذَّرَ فَلْيَكُنْ عَلَى مَوْضِع عَالٍ ؛ لِيَبْلُغ صَوْته جَمِيعهمْ ، وَلْيَنْفَرِدْ فَيَكُون أَوْقَعَ فِي النُّفُوس . وَفِيهِ أَنَّ الْخَطِيب يَكُون قَائِمًا . وَسُمِّيَ مِنْبَرًا لِارْتِفَاعِهِ ، مِنْ النَّبْر وَهُوَ الِارْتِفَاع .


1395 - قَوْله : ( أَيَّة سَاعَة هَذِهِ ) ؟
قَالَهُ تَوْبِيخًا لَهُ وَإِنْكَارًا لِتَأَخُّرِهِ إِلَى هَذَا الْوَقْت . فِيهِ : تَفَقُّد الْإِمَام رَعِيَّته وَأَمْرهمْ بِمَصَالِح دِينهمْ وَالْإِنْكَار عَلَى مُخَالِف السُّنَّة وَإِنْ كَانَ كَبِير الْقَدْر ، وَفِيهِ : جَوَاز الْإِنْكَار عَلَى الْكِبَار فِي مَجْمَع مِنْ النَّاس ، وَفِيهِ : جَوَاز الْكَلَام فِي الْخُطْبَة .
قَوْله : ( شُغِلْت الْيَوْم فَلَمْ أَنْقَلِب إِلَى أَهْلِي حَتَّى سَمِعْت النِّدَاء فَلَمْ أَزِدْ عَلَى أَنْ تَوَضَّأْتُ )
فِيهِ : الِاعْتِذَار إِلَى وُلَاة الْأُمُور وَغَيْرهمْ . وَفِيهِ : إِبَاحَة الشُّغْل وَالتَّصَرُّف يَوْم الْجُمُعَة قَبْل النِّدَاء . وَفِيهِ : إِشَارَة إِلَى أَنَّهُ إِنَّمَا تَرَكَ الْغُسْل لِأَنَّهُ يُسْتَحَبّ ، فَرَأَى اِشْتِغَاله بِقَصْدِ الْجُمُعَة أَوْلَى مِنْ أَنْ يَجْلِس لِلْغُسْلِ بَعْد النِّدَاء ، وَلِهَذَا لَمْ يَأْمُرهُ عُمَر بِالرُّجُوعِ لِلْغُسْلِ .
قَوْله : ( سَمِعْت النِّدَاء ) هُوَ بِكَسْرِ النُّون وَضَمّهَا وَالْكَسْر أَشْهَر .
قَوْله : ( وَالْوُضُوء أَيْضًا )
هُوَ مَنْصُوب أَيْ وَتَوَضَّأْت الْوُضُوء فَقَطْ ، قَالَهُ الْأَزْهَرِيّ وَغَيْره .


1396 - سبق شرحه بالباب


1397 - وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَاجِب عَلَى كُلّ مُحْتَلِم )
أَيْ مُتَأَكِّد فِي حَقّه كَمَا يَقُول الرَّجُل لِصَاحِبِهِ : حَقُّك وَاجِبٌ عَلَيَّ أَيْ مُتَأَكِّد ، لَا أَنَّ الْمُرَاد الْوَاجِب الْمُحَتَّم الْمُعَاقَب عَلَيْهِ .


1398 - قَوْله : ( يَنْتَابُونَ الْجُمُعَة )
أَيْ يَأْتُونَهَا
قَوْله : ( مِنْ الْعَوَالِي )
هِيَ الْقُرَى الَّتِي حَوْل الْمَدِينَة .
قَوْله : ( فَيَأْتُونَ فِي الْعَبَاء )
هُوَ بِالْمَدِّ ، جَمْع عَبَاءَة بِالْمَدِّ وَعَبَايَة بِزِيَادَةِ يَاء لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ .


1399 - قَوْله : ( وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ كُفَاة )
هُوَ بِضَمِّ الْكَاف جَمْع كَافٍ كَقَاضٍ وَقُضَاة وَهُمْ الْخَدَم الَّذِينَ يَكْفُونَهُمْ الْعَمَل .
قَوْله : ( لَهُمْ تَفَل )
هُوَ بِتَاءٍ مُثَنَّاة فَوْق ثُمَّ فَاء مَفْتُوحَتَيْنِ أَيْ رَائِحَة كَرِيهَة .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلَّذِينَ جَاءُوا وَلَهُمْ الرِّيح الْكَرِيهَة : ( لَوْ اِغْتَسَلْتُمْ )
فِيهِ أَنَّهُ يُنْدَب لِمَنْ أَرَادَ الْمَسْجِد أَوْ مُجَالَسَة النَّاس أَنْ يَجْتَنِب الرِّيح الْكَرِيهَة فِي بَدَنه وَثَوْبه .


1400 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيث عَمْرو بْن سَوَاد : ( غُسْل يَوْم الْجُمُعَة عَلَى كُلّ مُحْتَلِم وَسِوَاك وَيَمَسّ مِنْ الطِّيب مَا قَدَرَ عَلَيْهِ )
هَكَذَا وَقَعَ فِي جَمِيع الْأُصُول : ( غُسْل يَوْم الْجُمُعَة عَلَى كُلّ مُحْتَلِم ) وَلَيْسَ فِيهِ ذِكْر وَاجِب .
وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَسِوَاك وَيَمَسّ مِنْ الطِّيب ) مَعْنَاهُ : وَيُسَنّ السِّوَاك وَمَسُّ الطِّيب ، وَيَجُوز ( يَمَسّ ) بِفَتْحِ الْمِيم وَضَمّهَا . وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَا قَدَرَ عَلَيْهِ ) . قَالَ الْقَاضِي : مُحْتَمِل لِتَكْثِيرِهِ وَمُحْتَمِل لِتَأْكِيدِهِ حَتَّى يَفْعَلهُ بِمَا أَمْكَنَهُ وَيُؤَيِّدهُ . قَوْله : ( وَلَوْ مِنْ طِيب الْمَرْأَة ) وَهُوَ الْمَكْرُوه لِلرِّجَالِ ، وَهُوَ مَا ظَهَرَ لَوْنه وَخَفِيَ رِيحه فَأَبَاحَهُ لِلرَّجُلِ هُنَا لِلضَّرُورَةِ لِعَدَمِ غَيْره ، وَهَذَا يَدُلّ عَلَى تَأْكِيده ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .


1403 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ اِغْتَسَلَ يَوْم الْجُمُعَة غُسْل الْجَنَابَة )
مَعْنَاهُ : غُسْلًا كَغُسْلِ الْجَنَابَة فِي الصِّفَات . هَذَا هُوَ الْمَشْهُور فِي تَفْسِيره ، وَقَالَ بَعْض أَصْحَابنَا فِي كُتُب الْفِقْه : الْمُرَاد غُسْل الْجَنَابَة حَقِيقَة ، قَالُوا :
وَيُسْتَحَبّ لَهُ مُوَاقَعَة زَوْجَته لِيَكُونَ أَغَضَّ لِلْبَصَرِ وَأَسْكَنَ لِنَفْسِهِ ، وَهَذَا ضَعِيف أَوْ بَاطِل ، وَالصَّوَاب مَا قَدَّمْنَاهُ .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( ثُمَّ رَاحَ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَة ، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَة الثَّانِيَة فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَة )
الْمُرَاد بِالرَّوَاحِ الذَّهَاب أَوَّل النَّهَار . وَفِي الْمَسْأَلَة خِلَاف مَشْهُور . مَذْهَب مَالِك وَكَثِير مِنْ أَصْحَابه وَالْقَاضِي حُسَيْن وَإِمَام الْحَرَمَيْنِ مِنْ أَصْحَابنَا أَنَّ الْمُرَاد بِالسَّاعَاتِ هُنَا لَحَظَات لَطِيفَة بَعْد زَوَال الشَّمْس ، وَالرَّوَاح عِنْدهمْ بَعْد الزَّوَال وَادَّعَوْا أَنَّ هَذَا مَعْنَاهُ فِي اللُّغَة . وَمَذْهَب الشَّافِعِيّ وَجَمَاهِير أَصْحَابه وَابْن حَبِيب الْمَالِكِيّ وَجَمَاهِير الْعُلَمَاء اِسْتِحْبَاب التَّبْكِير إِلَيْهَا أَوَّل النَّهَار ، وَالسَّاعَات عِنْدهمْ مِنْ أَوَّل النَّهَار ، وَالرَّوَاح يَكُون أَوَّل النَّهَار وَآخِره ، قَالَ الْأَزْهَرِيّ : لُغَة الْعَرَب الرَّوَاح الذَّهَاب سَوَاء كَانَ أَوَّل النَّهَار أَوْ آخِره أَوْ فِي اللَّيْل . وَهَذَا هُوَ الصَّوَاب الَّذِي يَقْتَضِيه الْحَدِيث وَالْمَعْنَى ؛ لِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبَرَ أَنَّ الْمَلَائِكَة تَكْتُب مَنْ جَاءَ فِي السَّاعَة الْأُولَى وَهُوَ كَالْمُهْدِي بَدَنَة ، وَمَنْ جَاءَ فِي السَّاعَة الثَّانِيَة ثُمَّ الثَّالِثَة ثُمَّ الرَّابِعَة ثُمَّ الْخَامِسَة وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيِّ السَّادِسَة ، فَإِذَا خَرَجَ الْإِمَام طَوَوْا الصُّحُف ، وَلَمْ يَكْتُبُوا بَعْد ذَلِكَ أَحَدًا ، وَمَعْلُوم أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَخْرُج إِلَى الْجُمُعَة مُتَّصِلًا بِالزَّوَالِ وَهُوَ بَعْد اِنْفِصَال السَّادِسَة ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا شَيْء مِنْ الْهَدْي وَالْفَضِيلَة لِمَنْ جَاءَ بَعْد الزَّوَال ، وَلِأَنَّ ذِكْر السَّاعَات إِنَّمَا كَانَ لِلْحَثِّ فِي التَّبْكِير إِلَيْهَا وَالتَّرْغِيب فِي فَضِيلَة السَّبَق وَتَحْصِيل الصَّفّ الْأَوَّل وَانْتِظَارهَا وَالِاشْتِغَال بِالتَّنَفُّلِ وَالذِّكْر وَنَحْوه ، وَهَذَا كُلّه لَا يَحْصُل بِالذَّهَابِ بَعْد الزَّوَال ، وَلَا فَضِيلَة لِمَنْ أَتَى بَعْد الزَّوَال ؛ لِأَنَّ النِّدَاء يَكُون حِينَئِذٍ وَيَحْرُم التَّخَلُّف بَعْد النِّدَاء ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَاخْتَلَفَ أَصْحَابنَا هَلْ تَعْيِين السَّاعَات مِنْ طُلُوع الْفَجْر أَمْ مِنْ طُلُوع الشَّمْس ؟ وَالْأَصَحّ عِنْدهمْ مِنْ طُلُوع الْفَجْر ، ثُمَّ إِنَّ مَنْ جَاءَ فِي أَوَّل سَاعَة مِنْ هَذِهِ السَّاعَات وَمَنْ جَاءَ فِي آخِرهَا مُشْتَرَكَانِ فِي تَحْصِيل أَصْل الْبَدَنَة وَالْبَقَرَة وَالْكَبْش ، وَلَكِنْ بَدَنَة الْأَوَّل أَكْمَل مِنْ بَدَنَة مَنْ جَاءَ فِي آخِر السَّاعَة ، وَبَدَنَة الْمُتَوَسِّط مُتَوَسِّطَة ، وَهَذَا كَمَا أَنَّ صَلَاة الْجَمَاعَة تَزِيد عَلَى صَلَاة الْمُنْفَرِد بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَة ، وَمَعْلُوم أَنَّ الْجَمَاعَة تُطْلَق عَلَى اِثْنَيْنِ وَعَلَى أُلُوف ، فَمَنْ صَلَّى فِي جَمَاعَة هُمْ عَشْرَة آلَاف لَهُ سَبْع وَعِشْرُونَ دَرَجَة ، وَمَنْ صَلَّى مَعَ اِثْنَيْنِ لَهُ سَبْع وَعِشْرُونَ ، لَكِنْ دَرَجَات الْأَوَّل أَكْمَل ، وَأَشْبَاه هَذَا كَثِير مَعْرُوفَة وَفِيمَا ذَكَرْته جَوَاب عَنْ اِعْتِرَاض ذَكَرَهُ الْقَاضِي عِيَاض رَحِمَهُ اللَّه .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ اِغْتَسَلَ يَوْم الْجُمُعَة ثُمَّ رَاحَ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَة ، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَة الثَّانِيَة فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَة ، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَة الثَّالِثَة فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ كَبْشًا أَقْرَنَ ، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَة الرَّابِعَة فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ دَجَاجَة وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَة الْخَامِسَة فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَيْضَة ، فَإِذَا خَرَجَ الْإِمَام حَضَرَتْ الْمَلَائِكَة يَسْتَمِعُونَ الذِّكْر )
أَمَّا لُغَات هَذَا الْفَصْل فَمَعْنَى ( قَرَّبَ ) تَصَدَّقَ . وَأَمَّا ( الْبَدَنَة ) فَقَالَ جُمْهُور أَهْل اللُّغَة وَجَمَاعَة مِنْ الْفُقَهَاء : يَقَع عَلَى الْوَاحِدَة مِنْ الْإِبِل وَالْبَقَر وَالْغَنَم ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِعِظَمِ بَدَنهَا ، وَخَصَّهَا جَمَاعَة بِالْإِبِلِ ، وَالْمُرَاد هُنَا الْإِبِل بِالِاتِّفَاقِ لِتَصْرِيحِ الْأَحَادِيث بِذَلِكَ . وَالْبَدَنَة وَالْبَقَرَة يَقَعَانِ عَلَى الذَّكَر وَالْأُنْثَى بِاتِّفَاقِهِمْ ، وَالْهَاء فِيهَا لِلْوَاحِدَةِ كَقَمْحَةٍ وَشَعِيرَة وَنَحْوهمَا مِنْ أَفْرَاد الْجِنْس . وَسُمِّيَتْ بَقَرَة لِأَنَّهَا تَبْقُر الْأَرْض أَيْ تَشُقّهَا بِالْحِرَاثَةِ . وَالْبَقْر : الشَّقّ وَمِنْهُ قَوْلهمْ : بَقَرَ بَطْنه ، وَمِنْهُ سُمِّيَ مُحَمَّد الْبَاقِر - رَضِيَ اللَّه عَنْهُ - ؛ لِأَنَّهُ بَقَرَ الْعِلْم وَدَخَلَ فِيهِ مَدْخَلًا بَلِيغًا ، وَوَصَلَ مِنْهُ غَايَة مَرْضِيَّة .
وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( كَبْشًا أَقْرَنَ ) . وَصَفَهُ بِالْأَقْرَنِ لِأَنَّهُ أَكْمَل وَأَحْسَن صُورَة وَلِأَنَّ قَرْنه يُنْتَفَع بِهِ . وَالدَّجَاجَة بِكَسْرِ الدَّال وَفَتْحهَا لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ ، وَيَقَع عَلَى الذَّكَر وَالْأُنْثَى ، وَيُقَال : حَضَرَتْ الْمَلَائِكَة وَغَيْرهمْ بِفَتْحِ الضَّاد وَكَسَرَهَا لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ الْفَتْح أَفْصَح وَأَشْهَر ، وَبِهِ جَاءَ الْقُرْآن قَالَ اللَّه تَعَالَى : { وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَة } وَأَمَّا فِقْه الْفَصْل فَفِيهِ : الْحَثّ عَلَى التَّبْكِير إِلَى الْجُمُعَة وَأَنَّ مَرَاتِب النَّاس فِي الْفَضِيلَة فِيهَا وَفِي غَيْرهَا بِحَسَبِ أَعْمَالهمْ ، وَهُوَ مِنْ بَاب قَوْل اللَّه تَعَالَى : { إِنَّ أَكْرَمكُمْ عِنْد اللَّه أَتْقَاكُمْ } وَفِيهِ : أَنَّ الْقُرْبَان وَالصَّدَقَة يَقَع عَلَى الْقَلِيل وَالْكَثِير . وَقَدْ جَاءَ فِي رِوَايَة النَّسَائِيِّ بَعْد الْكَبْش ( بَطَّة ثُمَّ دَجَاجَة ثُمَّ بَيْضَة ) وَفِي رِوَايَة بَعْد الْكَبْش ( دَجَاجَة ثُمَّ عُصْفُور ثُمَّ بَيْضَة ) وَإِسْنَادَا الرِّوَايَتَيْنِ صَحِيحَانِ . وَفِيهِ : أَنَّ التَّضْحِيَة بِالْإِبِلِ أَفْضَل مِنْ الْبَقَرَة ؛ لِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدَّمَ الْإِبِل وَجَعَلَ الْبَقَرَة فِي الدَّرَجَة الثَّانِيَة ، وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّ الْإِبِل أَفْضَل مِنْ الْبَقَر فِي الْهَدَايَا ، وَاخْتَلَفُوا فِي الْأُضْحِيَّة فَمَذْهَب الشَّافِعِيّ وَأَبِي حَنِيفَة وَالْجُمْهُور أَنَّ الْإِبِل ، أَفْضَل ثُمَّ الْبَقَر ثُمَّ الْغَنَم كَمَا فِي الْهَدَايَا ، وَمَذْهَب مَالِك أَنَّ أَفْضَل الْأُضْحِيَّة الْغَنَم ثُمَّ الْبَقَر ثُمَّ الْإِبِل قَالُوا : لِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضَحَّى بِكَبْشَيْنِ ، وَحُجَّة الْجُمْهُور ظَاهِر هَذَا الْحَدِيث وَالْقِيَاس عَلَى الْهَدَايَا ، وَأَمَّا تَضْحِيَته صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَا يَلْزَم مِنْهَا تَرْجِيح الْغَنَم ؛ لِأَنَّهُ مَحْمُول عَلَى أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَتَمَكَّن ذَلِكَ الْوَقْت إِلَّا مِنْ الْغَنَم أَوْ فَعَلَهُ لِبَيَانِ الْجَوَاز ، وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيح أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضَحَّى عَنْ نِسَائِهِ بِالْبَقَرِ .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( حَضَرَتْ الْمَلَائِكَة يَسْتَمِعُونَ ) قَالُوا : هَؤُلَاءِ الْمَلَائِكَة غَيْر الْحَفَظَة وَظِيفَتهمْ كِتَابَة حَاضِرِي الْجُمُعَة .


1404 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِذَا قُلْت لِصَاحِبِك أَنْصِتْ يَوْم الْجُمُعَة وَالْإِمَام يَخْطُب فَقَدْ لَغَوْت )
وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى : ( فَقَدْ لَغَيْت ) . قَالَ أَبُو الزِّنَاد : هِيَ لُغَة أَبِي هُرَيْرَة وَإِنَّمَا هُوَ : ( فَقَدْ لَغَوْت . قَالَ أَهْل اللُّغَة : يُقَال : لَغَا يَلْغُو كَغَزَا يَغْزُو ، وَيُقَال : لَغِيَ يَلْغَى كَعَمِيَ يَعْمَى ، لُغَتَانِ الْأُولَى أَفْصَح ، وَظَاهِر الْقُرْآن يَقْتَضِي هَذِهِ الثَّانِيَة الَّتِي هِيَ لُغَة أَبِي هُرَيْرَة . قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآن وَالْغَوْا فِيهِ } وَهَذَا مِنْ لَغِيَ يَلْغَى ، وَلَوْ كَانَ مِنْ الْأَوَّل لَقَالَ : وَالْغُوا بِضَمِّ الْغَيْن ، قَالَ اِبْن السِّكِّيت وَغَيْره : مَصْدَر الْأَوَّل اللَّغْو ، وَمَصْدَر الثَّانِي اللَّغْي ، وَمَعْنَى ( فَقَدْ لَغَوْت ) أَيْ قُلْت اللَّغْو ، وَهُوَ الْكَلَام الْمَلْغِيّ السَّاقِط الْبَاطِل الْمَرْدُود ، وَقِيلَ : مَعْنَاهُ قُلْت غَيْر الصَّوَاب ، وَقِيلَ : تَكَلَّمْت بِمَا لَا يَنْبَغِي . فَفِي الْحَدِيث النَّهْي عَنْ جَمِيع أَنْوَاع الْكَلَام حَال الْخُطْبَة ، وَنَبَّهَ بِهَذَا عَلَى مَا سِوَاهُ لِأَنَّهُ إِذَا قَالَ أَنْصِتْ وَهُوَ فِي الْأَصْل أَمْر بِمَعْرُوفٍ ، وَسَمَّاهُ لَغْوًا فَيَسِيره مِنْ الْكَلَام أَوْلَى ، وَإِنَّمَا طَرِيقه إِذَا أَرَادَ نَهْي غَيْره عَنْ الْكَلَام أَنْ يُشِير إِلَيْهِ بِالسُّكُوتِ إِنْ فَهِمَهُ ، فَإِنْ تَعَذَّرَ فَهْمه فَلْيَنْهَهُ بِكَلَامٍ مُخْتَصَر وَلَا يَزِيد عَلَى أَقَلّ مُمْكِن . وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي الْكَلَام هَلْ هُوَ حَرَام أَوْ مَكْرُوه كَرَاهَة تَنْزِيه ؟ وَهُمَا قَوْلَانِ لِلشَّافِعَيِّ ، قَالَ الْقَاضِي : قَالَ مَالِك وَأَبُو حَنِيفَة وَالشَّافِعِيّ وَعَامَّة الْعُلَمَاء : يَجِب الْإِنْصَات لِلْخُطْبَةِ ، وَحُكِيَ عَنْ النَّخَعِيِّ وَالشَّعْبِيّ وَبَعْض السَّلَف : أَنَّهُ لَا يَجِب إِلَّا إِذَا تَلَا فِيهَا الْقُرْآن . قَالَ : وَاخْتَلَفُوا إِذَا لَمْ يَسْمَع الْإِمَام هَلْ يَلْزَمهُ الْإِنْصَات كَمَا لَوْ سَمِعَهُ ؟ فَقَالَ الْجُمْهُور : يَلْزَمهُ ، وَقَالَ النَّخَعِيُّ وَأَحْمَد وَأَحَد قَوْلَيْ الشَّافِعِيّ : لَا يَلْزَمهُ .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَالْإِمَام يَخْطُب ) دَلِيل عَلَى أَنَّ وُجُوب الْإِنْصَات وَالنَّهْي عَنْ الْكَلَام إِنَّمَا هُوَ فِي حَال الْخُطْبَة ، وَهَذَا مَذْهَبنَا وَمَذْهَب مَالِك وَالْجُمْهُور ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة : يَجِب الْإِنْصَات بِخُرُوجِ الْإِمَام .


1405 - سبق شرحه بالباب


1406 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي يَوْم الْجُمُعَة : ( فِيهِ سَاعَة لَا يُوَافِقهَا عَبْد مُسْلِم وَهُوَ يُصَلِّي يَسْأَل اللَّه شَيْئًا إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ )
وَفِي رِوَايَة : ( قَائِم يُصَلِّي ) ، وَفِي رِوَايَة : ( وَهِيَ سَاعَة خَفِيفَة ) ، وَفِي رِوَايَة وَأَشَارَ بِيَدِهِ يُقَلِّلهَا ، وَفِي رِوَايَة أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ أَنَّهُ قَالَ : ( سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : هِيَ مَا بَيْن أَنْ يَجْلِس الْإِمَام إِلَى أَنْ تُقْضَى الصَّلَاة ) .


1409 - قَوْله : ( إِلَى أَنْ تُقْضَى الصَّلَاة )
هُوَ بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاة فَوْق الْمَضْمُومَة ، قَالَ الْقَاضِي : اِخْتَلَفَ السَّلَف فِي وَقْت هَذِهِ السَّاعَة وَفِي مَعْنَى قَائِم يُصَلِّي ، فَقَالَ بَعْضهمْ : هِيَ مِنْ بَعْد الْعَصْر إِلَى الْغُرُوب ، قَالُوا : وَمَعْنَى يُصَلِّي يَدْعُو ، وَمَعْنَى قَائِم : مُلَازِم وَمُوَاظِب كَقَوْلِهِ تَعَالَى : { مَا دُمْت عَلَيْهِ قَائِمًا } وَقَالَ آخَرُونَ : هِيَ مِنْ حِين خُرُوج الْإِمَام إِلَى فَرَاغ الصَّلَاة ، وَقَالَ آخَرُونَ : مِنْ حِين تُقَام الصَّلَاة حَتَّى يَفْرُغ ، وَالصَّلَاة عِنْدهمْ عَلَى ظَاهِرهَا ، وَقِيلَ : مِنْ حِين يَجْلِس الْإِمَام عَلَى الْمِنْبَر حَتَّى يَفْرُغ مِنْ الصَّلَاة ، وَقِيلَ : آخِر سَاعَة مِنْ يَوْم الْجُمُعَة ، قَالَ الْقَاضِي : وَقَدْ رُوِيَتْ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي كُلّ هَذَا آثَار مُفَسِّرَة لِهَذِهِ الْأَقْوَال ، قَالَ : وَقِيلَ : عِنْد الزَّوَال ، وَقِيلَ : مِنْ الزَّوَال إِلَى أَنْ يَصِير الظِّلّ نَحْو ذِرَاع ، وَقِيلَ : هِيَ مَخْفِيَّة فِي الْيَوْم كُلّه كَلَيْلَةِ الْقَدْر . وَقِيلَ : مِنْ طُلُوع الْفَجْر إِلَى طُلُوع الشَّمْس . قَالَ الْقَاضِي : وَلَيْسَ مَعْنَى هَذِهِ الْأَقْوَال أَنَّ هَذَا كُلّه وَقْت لَهَا بَلْ مَعْنَاهُ أَنَّهَا تَكُون فِي أَثْنَاء ذَلِكَ الْوَقْت لِقَوْلِهِ : ( وَأَشَارَ بِيَدِهِ يُقَلِّلهَا ) هَذَا كَلَام الْقَاضِي . وَالصَّحِيح بَلْ الصَّوَاب مَا رَوَاهُ مُسْلِم مِنْ حَدِيث أَبِي مُوسَى عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهَا مَا بَيْن أَنْ يَجْلِس الْإِمَام إِلَى أَنْ تُقْضَى الصَّلَاة .
قَوْله : ( عَنْ مَخْرَمَةَ بْن بُكَيْرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي بُرْدَة عَنْ أَبِيهِ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ )
هَذَا الْحَدِيث مِمَّا اِسْتَدْرَكَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ عَلَى مُسْلِم وَقَالَ : لَمْ يُسْنِدهُ غَيْر مَخْرَمَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي بُرْدَة ، وَرَوَاهُ جَمَاعَة عَنْ أَبِي بُرْدَة مِنْ قَوْله ، وَمِنْهُمْ مَنْ بَلَغَ بِهِ أَبَاهُ مُوسَى وَلَمْ يَرْفَعهُ قَالَ : وَالصَّوَاب أَنَّهُ مِنْ قَوْل أَبِي بُرْدَة ، كَذَلِكَ رَوَاهُ يَحْيَى الْقَطَّان عَنْ الثَّوْرِيّ عَنْ أَبِي إِسْحَاق عَنْ أَبِي بُرْدَة ، وَتَابَعَهُ وَاصِل الْأَحْدَب وَمُجَالِد رَوَيَاهُ عَنْ أَبِي بُرْدَة مِنْ قَوْله ، وَقَالَ النُّعْمَان بْن عَبْد السَّلَام عَنْ الثَّوْرِيّ عَنْ أَبِي إِسْحَاق عَنْ أَبِي بُرْدَة عَنْ أَبِيهِ مَوْقُوف ، وَلَا يَثْبُت قَوْله عَنْ أَبِيهِ ، وَقَالَ أَحْمَد بْن حَنْبَل عَنْ حَمَّاد بْن خَالِد قُلْت لِمَخْرَمَةَ : سَمِعْت مِنْ أَبِيك شَيْئًا ؟ قَالَ : لَا . هَذَا كَلَام الدَّارَقُطْنِيِّ ، وَهَذَا الَّذِي اِسْتَدْرَكَهُ بَنَاهُ عَلَى الْقَاعِدَة الْمَعْرُوفَة لَهُ وَلِأَكْثَر الْمُحَدِّثِينَ أَنَّهُ إِذَا تَعَارَضَ فِي رِوَايَة الْحَدِيث وَقْف وَرَفْع أَوْ إِرْسَال وَاتِّصَال حَكَمُوا بِالْوَقْفِ وَالْإِرْسَال ، وَهِيَ قَاعِدَة ضَعِيفَة مَمْنُوعَة ، وَالصَّحِيح طَرِيقَة الْأُصُولِيِّينَ وَالْفُقَهَاء وَالْبُخَارِيّ وَمُسْلِم وَمُحَقِّقِي الْمُحَدِّثِينَ أَنَّهُ يُحْكَم بِالرَّفْعِ وَالِاتِّصَال لِأَنَّهَا ؛ زِيَادَة ثِقَة . وَقَدْ سَبَقَ بَيَان هَذِهِ الْمَسْأَلَة وَاضِحًا فِي الْفُصُول السَّابِقَة فِي مُقَدِّمَة الْكِتَاب ، وَسَبَقَ التَّنْبِيه عَلَى مِثْل هَذَا فِي مَوَاضِع أُخَر بَعْدهَا ، وَقَدْ رُوِّيْنَا فِي سُنَن الْبَيْهَقِيِّ عَنْ أَحْمَد بْن سَلَمَة قَالَ : ذَاكَرْت مُسْلِم بْن الْحَجَّاج حَدِيث مَخْرَمَةَ هَذَا فَقَالَ مُسْلِم : هُوَ أَجْوَد حَدِيث وَأَصَحّه فِي بَيَان سَاعَة الْجُمُعَة .


1411 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( خَيْر يَوْم طَلَعَتْ فِيهِ الشَّمْس يَوْم الْجُمُعَة فِيهِ خُلِقَ آدَم وَفِيهِ أُدْخِلَ الْجَنَّة وَفِيهِ أُخْرِجَ مِنْهَا وَلَا تَقُوم السَّاعَة إِلَّا فِي يَوْم الْجُمُعَة )
قَالَ الْقَاضِي عِيَاض : الظَّاهِر أَنَّ هَذِهِ الْفَضَائِل الْمَعْدُودَة لَيْسَتْ لِذِكْرِ فَضِيلَته لِأَنَّ إِخْرَاج آدَم وَقِيَام السَّاعَة لَا يُعَدّ فَضِيلَة وَإِنَّمَا هُوَ بَيَان لِمَا وَقَعَ فِيهِ مِنْ الْأُمُور الْعِظَام وَمَا سَيَقَعُ ، لِيَتَأَهَّب الْعَبْد فِيهِ بِالْأَعْمَالِ الصَّالِحَة لِنَيْلِ رَحْمَة اللَّه وَدَفْع نِقْمَته ، هَذَا كَلَام الْقَاضِي . وَقَالَ أَبُو بَكْر بْن الْعَرَبِيّ فِي كِتَابه الْأَحْوَذِيّ فِي شَرْح التِّرْمِذِيّ : الْجَمِيع مِنْ الْفَضَائِل ، وَخُرُوج آدَم مِنْ الْجَنَّة هُوَ سَبَب وُجُود الذُّرِّيَّة وَهَذَا النَّسْل الْعَظِيم وَوُجُود الرُّسُل وَالْأَنْبِيَاء وَالصَّالِحِينَ وَالْأَوْلِيَاء ، وَلَمْ يَخْرُج مِنْهَا طَرْدًا بَلْ لِقَضَاءِ أَوْطَار ثُمَّ يَعُود إِلَيْهَا . وَأَمَّا قِيَام السَّاعَة فَسَبَب لِتَعْجِيلِ جَزَاء الْأَنْبِيَاء وَالصِّدِّيقِينَ وَالْأَوْلِيَاء وَغَيْرهمْ ، وَإِظْهَار كَرَامَتهمْ وَشَرَفهمْ ، وَفِي هَذَا الْحَدِيث فَضِيلَة يَوْم الْجُمُعَة وَمَزِيَّته عَلَى سَائِر الْأَيَّام . وَفِيهِ دَلِيل لِمَسْأَلَةٍ غَرِيبَة حَسَنَة وَهِيَ : لَوْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ أَنْتَ طَالِق فِي أَفْضَل الْأَيَّام . وَفِيهَا وَجْهَانِ لِأَصْحَابِنَا أَصَحّهمَا : تَطْلُق يَوْم عَرَفَة . وَالثَّانِي : يَوْم الْجُمُعَة لِهَذَا الْحَدِيث ، وَهَذَا إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّة ، فَأَمَّا إِنْ أَرَادَ أَفْضَل أَيَّام السَّنَة فَيَتَعَيَّن يَوْم عَرَفَة ، وَإِنْ أَرَادَ أَفْضَل أَيَّام الْأُسْبُوع فَيَتَعَيَّن الْجُمُعَة ، وَلَوْ قَالَ أَفْضَل لَيْلَة تَعَيَّنَتْ لَيْلَة الْقَدْر وَهِيَ عِنْد أَصْحَابنَا وَالْجُمْهُور مُنْحَصِرَة فِي الْعَشْر الْأَوَاخِر مِنْ شَهْر رَمَضَان ، فَإِنْ كَانَ هَذَا الْقَوْل قَبْل مُضِيّ أَوَّل لَيْلَة مِنْ الْعَشْر فِي أَوَّل جُزْء مِنْ اللَّيْلَة الْأَخِيرَة مِنْ الشَّهْر ، وَإِنْ كَانَ بَعْد مُضِيّ لَيْلَة مِنْ الْعَشْر أَوْ أَكْثَر لَمْ تَطْلُق إِلَّا فِي أَوَّل جُزْء مِنْ مِثْل تِلْكَ اللَّيْلَة فِي السَّنَة الثَّانِيَة ، وَعَلَى قَوْل مَنْ يَقُول هِيَ مُنْتَقِلَة لَا تَطْلُق إِلَّا فِي أَوَّل جُزْء مِنْ اللَّيْلَة الْأَخِيرَة مِنْ الشَّهْر . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .


1412 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( نَحْنُ الْآخِرُونَ وَنَحْنُ السَّابِقُونَ يَوْم الْقِيَامَة )
قَالَ الْعُلَمَاء : مَعْنَاهُ الْآخِرُونَ فِي الزَّمَان وَالْوُجُود ، السَّابِقُونَ بِالْفَضْلِ وَدُخُول الْجَنَّة ، فَتَدْخُل هَذِهِ الْأُمَّة الْجَنَّة قَبْل سَائِر الْأُمَم .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( بَيْد أَنَّ كُلّ أُمَّة أُوتِيَتْ الْكِتَاب مِنْ قَبْلنَا وَأُوتِينَاهُ مِنْ بَعْدهمْ )
هُوَ بِفَتْحِ الْبَاء الْمُوَحَّدَة وَإِسْكَان الْمُثَنَّاة تَحْت ، قَالَ أَبُو عُبَيْد : لَفْظَة ( بَيْد ) تَكُون بِمَعْنَى غَيْر ، وَبِمَعْنَى ( عَلَى ) وَبِمَعْنَى ( مِنْ أَجْل ) وَكُلّه صَحِيح هُنَا ، قَالَ أَهْل اللُّغَة : وَيُقَال ( مَيْد ) بِمَعْنَى ( بَيْد ) .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( هَذَا الْيَوْم الَّذِي كَتَبَهُ اللَّه عَلَيْنَا هَدَانَا اللَّه لَهُ )
فِيهِ دَلِيل لِوُجُوبِ الْجُمُعَة ، وَفِيهِ فَضِيلَة هَذِهِ الْأُمَّة .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( الْيَهُود غَدًا )
أَيْ عِيد الْيَهُود غَدًا ؛ لِأَنَّ ظُرُوف الزَّمَان لَا تَكُون أَخْبَارًا عَنْ الْجُثَث فَيُقَدَّر فِيهِ مَعْنًى يُمْكِن تَقْدِيره خَبَرًا .


1413 - " 1843 "
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَهَذَا يَوْمهمْ - أَيْ - الَّذِي اِخْتَلَفُوا فِيهِ هَدَانَا اللَّه لَهُ )
قَالَ الْقَاضِي : الظَّاهِر أَنَّهُ فُرِضَ عَلَيْهِمْ تَعْظِيم يَوْم الْجُمُعَة بِغَيْرِ تَعْيِين وَوُكِّلَ إِلَى اِجْتِهَادهمْ ، لِإِقَامَةِ شَرَائِعهمْ فِيهِ ، فَاخْتَلَفَ اِجْتِهَادهمْ فِي تَعْيِينه وَلَمْ يَهْدِهِمْ اللَّه لَهُ ، وَفَرَضَهُ عَلَى هَذِهِ الْأُمَّة مُبَيَّنًا ، وَلَمْ يَكِلهُ إِلَى اِجْتِهَادهمْ فَفَازُوا بِتَفْضِيلِهِ . قَالَ : وَقَدْ جَاءَ أَنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام أَمَرَهُمْ بِالْجُمْعَةِ وَأَعْلَمَهُمْ بِفَضْلِهَا فَنَاظَرُوهُ أَنَّ السَّبْت أَفْضَل ، فَقِيلَ لَهُ : دَعْهُمْ . قَالَ الْقَاضِي : وَلَوْ كَانَ مَنْصُوصًا لَمْ يَصِحّ اِخْتِلَافهمْ فِيهِ ، بَلْ كَانَ يَقُول : خَالِفُوا فِيهِ ، قُلْت : وَيُمْكِن أَنْ يَكُون أُمِرُوا بِهِ صَرِيحًا وَنُصَّ عَلَى عَيْنه فَاخْتَلَفُوا فِيهِ هَلْ يَلْزَم تَعْيِينه أَمْ لَهُمْ إِبْدَاله ؟ وَأَبْدَلُوهُ وَغَلِطُوا فِي إِبْدَاله .


1415 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَضَلَّ اللَّه عَنْ الْجُمُعَة مَنْ كَانَ قَبْلنَا )
فِي دَلَالَة لِمَذْهَبِ أَهْل السُّنَّة أَنَّ الْهُدَى وَالْإِضْلَال وَالْخَيْر وَالشَّرّ كُلّه بِإِرَادَةِ اللَّه تَعَالَى وَهُوَ فِعْله خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ .


1416 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَمَثَل الْمُهَجِّر كَمَثَلِ الَّذِي يُهْدِي بَدَنَة )
قَالَ الْخَلِيل بْن أَحْمَد وَغَيْره مِنْ أَهْل اللُّغَة وَغَيْرهمْ : التَّهْجِير التَّبْكِير ، وَمِنْهُ الْحَدِيث : ( لَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجِير لَاسْتَبَقُوا إِلَيْهِ ) أَيْ التَّبْكِير إِلَى كُلّ صَلَاة وَهَكَذَا فَسَّرُوهُ . قَالَ الْقَاضِي : وَقَالَ الْحَرْبِيّ عَنْ أَبِي زَيْد عَنْ الْفَرَّاء وَغَيْره : التَّهْجِير السَّيْر فِي الْهَاجِرَة . وَالصَّحِيح هُنَا أَنَّ التَّهْجِير التَّبْكِير ، وَسَبَقَ شَرْح تَمَام الْحَدِيث قَرِيبًا .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَإِذَا جَلَسَ الْإِمَام طَوَوْا الصُّحُف )
وَسَبَقَ فِي الْحَدِيث الْآخَر : ( مَنْ اِغْتَسَلَ يَوْم الْجُمُعَة ثُمَّ رَاحَ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَة ، فَإِذَا خَرَجَ الْإِمَام حَضَرَتْ الْمَلَائِكَة يَسْتَمِعُونَ الذِّكْر ) وَلَا تَعَارُض بَيْنهمَا بَلْ ظَاهِر الْحَدِيثَيْنِ أَنَّ بِخُرُوجِ الْإِمَام يَحْضُرُونَ وَلَا يَطْوُونَ الصُّحُف ، فَإِذَا جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَر طَوَوْهَا وَفِيهِ اِسْتِحْبَاب الْجُلُوس لِلْخُطْبَةِ أَوَّل صُعُوده حَتَّى يُؤَذِّن الْمُؤَذِّن ، وَهُوَ مُسْتَحَبّ عِنْد الشَّافِعِيّ وَمَالِك وَالْجُمْهُور وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة وَمَالِك فِي رِوَايَة عَنْهُ : لَا يُسْتَحَبّ . وَدَلِيل الْجُمْهُور هَذَا الْحَدِيث مَعَ أَحَادِيث كَثِيرَة فِي الصَّحِيح ، وَالدَّلِيل عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْخُطْبَة .


1417 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَثَّلَ الْجَزُور ثُمَّ نَزَّلَهُمْ حَتَّى صَغَّرَ إِلَى مَثَل الْبَيْضَة )
هَكَذَا ضَبَطْنَاهُ الْأَوَّل ( مَثَّلَ ) بِتَشْدِيدِ الثَّاء وَفَتْح الْمِيم وَ ( نَزَّلَهُمْ ) أَيْ ذَكَرَ مَنَازِلهمْ فِي السَّبْق وَالْفَضِيلَة ، وَقَوْله : ( صَغَّرَ ) بِتَشْدِيدِ الْغَيْن . وَقَوْله : ( مَثَل الْبَيْضَة ) هُوَ بِفَتْحِ الْمِيم وَالثَّاء الْمُثَلَّثَة .


1418 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ اِغْتَسَلَ ثُمَّ أَتَى الْجُمُعَة فَصَلَّى مَا قُدِّرَ لَهُ ، ثُمَّ أَنْصَتَ حَتَّى يَفْرُغ مِنْ خُطْبَته ثُمَّ يُصَلِّي مَعَهُ غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنه وَبَيْن الْجُمُعَة الْأُخْرَى وَفَضْل ثَلَاثَة أَيَّام )
. وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى : ( مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوء ثُمَّ أَتَى الْجُمُعَة فَاسْتَمَعَ وَأَنْصَتَ غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنه وَبَيْن الْجُمُعَة وَزِيَادَة ثَلَاثَة أَيَّام ) فِيهِ فَضِيلَة الْغُسْل وَأَنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ لِلرِّوَايَةِ الثَّانِيَة . وَفِيهِ اِسْتِحْبَاب وَتَحْسِين الْوُضُوء . وَمَعْنَى ( إِحْسَانه ) الْإِتْيَان بِهِ ثَلَاثًا ثَلَاثًا ، وَذَلِكَ الْأَعْضَاء وَإِطَالَة الْغُرَّة وَالتَّحْجِيل ، وَتَقْدِيم الْمَيَامِن ، وَالْإِتْيَان بِسُنَنِهِ الْمَشْهُورَة . وَفِيهِ أَنَّ التَّنَفُّل قَبْل خُرُوج الْإِمَام يَوْم الْجُمُعَة مُسْتَحَبّ ، وَهُوَ مَذْهَبنَا وَمَذْهَب الْجُمْهُور . وَفِيهِ أَنَّ النَّوَافِل الْمُطْلَقَة لَا حَدَّ لَهَا لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَصَلَّى مَا قُدِّرَ لَهُ ) . وَفِيهِ الْإِنْصَات لِلْخُطْبَةِ ، وَفِيهِ أَنَّ الْكَلَام بَعْد الْخُطْبَة قَبْل الْإِحْرَام بِالصَّلَاةِ لَا بَأْس بِهِ .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الرِّوَايَة الْأُولَى : ( ثُمَّ أَنْصَتَ ) هَكَذَا هُوَ فِي أَكْثَر النُّسَخ الْمُحَقَّقَة الْمُعْتَمَدَة بِبِلَادِنَا ، وَكَذَا نَقَلَهُ الْقَاضِي عِيَاض عَنْ الْجُمْهُور ، وَوَقَعَ فِي بَعْض الْأُصُول الْمُعْتَمَدَة بِبِلَادِنَا ( اِنْتَصَتَ ) ، وَكَذَا نَقَلَهُ الْقَاضِي عَنْ الْبَاجِيّ وَآخَرُونَ ( اِنْتَصَتَ ) بِزِيَادَةِ تَاء مُثَنَّاة فَوْق ، قَالَ : وَهُوَ وَهْم ، قُلْت : لَيْسَ هُوَ وَهْمًا بَلْ هِيَ لُغَة صَحِيحَة ؛ قَالَ الْأَزْهَرِيّ فِي شَرْح أَلْفَاظ الْمُخْتَصَر : يُقَال : أَنْصَتَ وَنَصَتَ وَانْتَصَتَ ثَلَاث لُغَات .


1419 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَاسْتَمَعَ وَأَنْصَتَ )
هُمَا شَيْئَانِ مُتَمَايِزَانِ ، وَقَدْ يَجْتَمِعَانِ فَالِاسْتِمَاع الْإِصْغَاء ، وَالْإِنْصَات : السُّكُوت ، وَلِهَذَا قَالَ اللَّه تَعَالَى : { وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآن فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا } وَقَوْله : ( حَتَّى يَفْرُغ مِنْ خُطْبَته ) هَكَذَا هُوَ فِي الْأُصُول مِنْ غَيْر ذِكْر الْإِمَام ، وَعَادَ الضَّمِير إِلَيْهِ لِلْعِلْمِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَذْكُورًا وَقَوْله ( صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) : ( وَفَضْل ثَلَاثَة أَيَّام ) ، وَزِيَادَة ثَلَاثَة أَيَّام ، هُوَ بِنَصْبِ ( فَضْل وَزِيَادَة ) عَلَى الظَّرْف . قَالَ الْعُلَمَاء : مَعْنَى الْمَغْفِرَة لَهُ مَا بَيْن الْجُمُعَتَيْنِ وَثَلَاثَة أَيَّام أَنَّ الْحَسَنَة بِعَشْرِ أَمْثَالهَا ، وَصَارَ يَوْم الْجُمُعَة الَّذِي فَعَلَ فِيهِ هَذِهِ الْأَفْعَال الْجَمِيلَة فِي مَعْنَى الْحَسَنَة الَّتِي تُجْعَل بِعَشْرِ أَمْثَالهَا ، قَالَ بَعْض أَصْحَابنَا : وَالْمُرَاد بِمَا بَيْن الْجُمُعَتَيْنِ مِنْ صَلَاة الْجُمُعَة وَخُطْبَتهَا إِلَى مِثْل الْوَقْت مِنْ الْجُمُعَة الثَّانِيَة حَتَّى تَكُون سَبْعَة أَيَّام بِلَا زِيَادَة وَلَا نُقْصَان وَيُضَمّ إِلَيْهَا ثَلَاثَة فَتَصِير عَشْرَة .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَمَنْ مَسَّ الْحَصَى لَغَا )
فِيهِ النَّهْي عَنْ مَسِّ الْحَصَى وَغَيْره مِنْ أَنْوَاع الْعَبَث فِي حَالَة الْخُطْبَة ، وَفِيهِ إِشَارَة إِلَى إِقْبَال الْقَلْب وَالْجَوَارِح عَلَى الْخُطْبَة ، وَالْمُرَاد بِاللَّغْوِ هُنَا الْبَاطِل الْمَذْمُوم الْمَرْدُود ، وَقَدْ سَبَقَ بَيَانه قَرِيبًا .


بَاب صَلَاة الْجُمُعَة حِين تَزُول الشَّمْس
قَوْله فِي حَدِيث جَابِر : ( كُنَّا نُصَلِّي مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ نَرْجِع فَنُرِيح نَوَاضِحنَا ) وَفُسِّرَ الْوَقْت بِزَوَالِ الشَّمْس . وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى : ( حِين تَزُول الشَّمْس ) ، وَفِي حَدِيث سَهْل : ( مَا كُنَّا نَقِيل وَلَا نَتَغَدَّى إِلَّا بَعْد الْجُمُعَة ) وَفِي حَدِيث سَلَمَة : ( كُنَّا نُجَمِّعُ مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا زَالَتْ الشَّمْس ثُمَّ نَرْجِع نَتَتَبَّع الْفَيْء ) وَفِي رِوَايَة : ( مَا نَجِد لِلْحِيطَانِ فَيْئًا نَسْتَظِلّ بِهِ ) . هَذِهِ الْأَحَادِيث ظَاهِرَة فِي تَعْجِيل الْجُمُعَة ، وَقَدْ قَالَ مَالِك وَأَبُو حَنِيفَة وَالشَّافِعِيّ وَجَمَاهِير الْعُلَمَاء مِنْ الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ فَمَنْ بَعْدهمْ : لَا تَجُوز الْجُمُعَة إِلَّا بَعْد زَوَال الشَّمْس ، وَلَمْ يُخَالِف فِي هَذَا إِلَّا أَحْمَد بْن حَنْبَل وَإِسْحَاق ، فَجَّوَزَاهَا قَبْل الزَّوَال ، قَالَ الْقَاضِي : وَرُوِيَ فِي هَذَا أَشْيَاء عَنْ الصَّحَابَة لَا يَصِحّ مِنْهَا شَيْء إِلَّا مَا عَلَيْهِ الْجُمْهُور ، وَحَمَلَ الْجُمْهُور هَذِهِ الْأَحَادِيث عَلَى الْمُبَالَغَة فِي تَعْجِيلهَا ، وَأَنَّهُمْ كَانُوا يُؤَخِّرُونَ الْغَدَاء وَالْقَيْلُولَة فِي هَذَا الْيَوْم إِلَى مَا بَعْد صَلَاة الْجُمُعَة ، لِأَنَّهُمْ نُدِبُوا إِلَى التَّبْكِير إِلَيْهَا . فَلَوْ اِشْتَغَلُوا بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ قَبْلهَا خَافُوا فَوْتهَا أَوْ فَوْت التَّبْكِير إِلَيْهَا .


1420 - قَوْله : ( نُرِيح نَوَاضِحنَا )
هُوَ جَمْع نَاضِح وَهُوَ الْبَعِير الَّذِي يُسْتَقَى بِهِ ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ يَنْضَح الْمَاء أَيْ يَصُبّهُ . وَمَعْنَى نُرِيح : أَيْ نُرِيحهَا مِنْ الْعَمَل وَتَعَب السَّقْي فَنُخَلِّيهَا مِنْهُ . وَأَشَارَ الْقَاضِي إِلَى أَنَّهُ يَجُوز أَنْ يَكُون أَرَادَ الرَّوَاح لِلرَّعْيِ . قَوْله : ( كُنَّا نُجَمِّع ) هُوَ بِتَشْدِيدِ الْمِيم الْمَكْسُورَة أَيْ نُصَلِّي الْجُمُعَة .


1421 - سبق شرحه بالباب


1422 - سبق شرحه بالباب


1423 - وَقَوْله : ( نَتَتَبَّع الْفَيْء )
إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ لِشِدَّةِ التَّبْكِير وَقِصَر حِيطَانه وَفِيهِ تَصْرِيح بِأَنَّهُ كَانَ قَدْ صَارَ فَيْء يَسِير .


1424 - قَوْله : ( فَيْئًا نَسْتَظِلّ بِهِ )
مُوَافِق لِهَذَا فَإِنَّهُ لَمْ يَنْفِ الْفَيْء مِنْ أَصْله ، وَإِنَّمَا نَفْي مَا يُسْتَظَلّ بِهِ وَهَذَا مَعَ قِصَر الْحِيطَان ظَاهِر فِي أَنَّ الصَّلَاة كَانَتْ بَعْد الزَّوَال مُتَّصِلَة بِهِ .


بَاب ذِكْر الْخُطْبَتَيْنِ قَبْل الصَّلَاة وَمَا فِيهِمَا مِنْ الْجِلْسَة
قَوْله : ( كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُب يَوْم الْجُمُعَة قَائِمًا ثُمَّ يَجْلِس ثُمَّ يَقُوم ) وَفِي حَدِيث جَابِر بْن سَمُرَة : ( كَانَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خُطْبَتَانِ يَجْلِس بَيْنهمَا يَقْرَأ الْقُرْآن وَيَذْكُر النَّاس ) وَفِي رِوَايَة ( كَانَ يَخْطُب قَائِمًا ثُمَّ يَجْلِس ثُمَّ يَقُوم فَيَخْطُب قَائِمًا فَمَنْ نَبَّأَك أَنَّهُ كَانَ يَخْطُب جَالِسًا فَقَدْ كَذَبَ ) وَفِي هَذِهِ الرِّوَايَة دَلِيل لِمَذْهَبِ الشَّافِعِيّ وَالْأَكْثَرِينَ أَنَّ خُطْبَة الْجُمُعَة لَا تَصِحّ مِنْ الْقَادِر عَلَى الْقِيَام إِلَّا قَائِمًا فِي الْخُطْبَتَيْنِ وَلَا يَصِحّ حَتَّى يَجْلِس بَيْنهمَا ، وَأَنَّ الْجُمُعَة لَا تَصِحّ إِلَّا بِخُطْبَتَيْنِ . قَالَ الْقَاضِي : ذَهَبَ عَامَّة الْعُلَمَاء إِلَى اِشْتِرَاط الْخُطْبَتَيْنِ لِصِحَّةِ الْجُمُعَة ، وَعَنْ الْحَسَن الْبَصْرِيّ وَأَهْل الظَّاهِر وَرِوَايَة اِبْن الْمَاجِشُونِ عَنْ مَالِك : أَنَّهَا تَصِحّ بِلَا خُطْبَة . وَحَكَى اِبْن عَبْد الْبَرّ إِجْمَاع الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّ الْخُطْبَة لَا تَكُون إِلَّا قَائِمًا لِمَنْ أَطَاقَهُ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة : يَصِحّ قَاعِدًا وَلَيْسَ الْقِيَام بِوَاجِبٍ . وَقَالَ مَالِك : هُوَ وَاجِب لَوْ تَرَكَهُ أَسَاءَ وَصَحَّتْ الْجُمُعَة . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة وَمَالِك وَالْجُمْهُور : الْجُلُوس بَيْن الْخُطْبَتَيْنِ سُنَّة لَيْسَ بِوَاجِبٍ وَلَا شَرْط ، وَمَذْهَب الشَّافِعِيّ أَنَّهُ فَرْض وَشَرْط لِصِحَّةِ الْخُطْبَة . قَالَ الطَّحَاوِيُّ : لَمْ يَقُلْ هَذَا غَيْر الشَّافِعِيّ ، وَدَلِيل الشَّافِعِيّ أَنَّهُ ثَبَتَ هَذَا عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي ) .


1425 - سبق شرحه بالباب


1426 - وَقَوْله : ( يَقْرَأ الْقُرْآن وَيُذَكِّر النَّاس )
فِيهِ دَلِيل لِلشَّافِعِيِّ فِي أَنَّهُ يُشْتَرَط فِي الْخُطْبَة الْوَعْظ وَالْقُرْآن . قَالَ الشَّافِعِيّ : لَا يَصِحّ الْخُطْبَتَانِ إِلَّا بِحَمْدِ اللَّه تَعَالَى وَالصَّلَاة عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِمَا وَالْوَعْظ . وَهَذِهِ الثَّلَاثَة وَاجِبَات فِي الْخُطْبَتَيْنِ ، وَتَجِب قِرَاءَة آيَة مِنْ الْقُرْآن فِي إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأَصَحّ ، وَيَجِب الدُّعَاء لِلْمُؤْمِنِينَ فِي الثَّانِيَة عَلَى الْأَصَحّ ، وَقَالَ مَالِك وَأَبُو حَنِيفَة وَالْجُمْهُور : يَكْفِي مِنْ الْخُطْبَة مَا يَقَع عَلَيْهِ الِاسْم ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة وَأَبُو يُوسُف ، وَمَالِك فِي رِوَايَة عَنْهُ : يَكْفِي تَحْمِيدَة أَوْ تَسْبِيحَة أَوْ تَهْلِيلَة وَهَذَا ضَعِيف لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى خُطْبَة ، وَلَا يَحْصُل بِهِ مَقْصُودهَا مَعَ مُخَالَفَته مَا ثَبَتَ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .


1427 - قَوْله : ( عَنْ جَابِر بْن سَمُرَة - رَضِيَ اللَّه عَنْهُ - قَالَ : فَقَدْ وَاَللَّه صَلَّيْت مَعَهُ أَكْثَر مِنْ أَلْفَيْ صَلَاة )
الْمُرَاد الصَّلَوَات الْخَمْس لَا الْجُمُعَة .


بَاب فِي قَوْله تَعَالَى وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَة أَوْ لَهْوًا اِنْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوك قَائِمًا
قَوْله : ( أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَخْطُب قَائِمًا يَوْم الْجُمُعَة فَجَاءَتْ عِير مِنْ الشَّام فَانْفَتَلَ النَّاس إِلَيْهَا حَتَّى لَمْ يَبْقَ إِلَّا اِثْنَا عَشَرَ رَجُلًا فَأُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَة الَّتِي فِي الْجُمُعَة : { وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَة أَوْ لَهْوًا اِنْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوك قَائِمًا } وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى : ( اِثْنَا عَشَرَ رَجُلًا فِيهِمْ أَبُو بَكْر وَعُمَر ) وَفِي الْأُخْرَى : ( أَنَا فِيهِمْ ) . فِيهِ مَنْقَبَة لِأَبِي بَكْر وَعُمَر وَجَابِر . وَفِيهِ أَنَّ الْخُطْبَة تَكُون مِنْ قِيَام . وَفِيهِ دَلِيل لِمَالِك وَغَيْره مِمَّنْ قَالَ تَنْعَقِد الْجُمُعَة بِاثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا . وَأَجَابَ أَصْحَاب الشَّافِعِيّ وَغَيْرهمْ مِمَّنْ يَشْتَرِط أَرْبَعِينَ بِأَنَّهُ مَحْمُول عَلَى أَنَّهُمْ رَجَعُوا أَوْ رَجَعَ مِنْهُمْ تَمَام أَرْبَعِينَ فَأَتَمَّ بِهِمْ الْجُمُعَة ، وَوَقَعَ فِي صَحِيح الْبُخَارِيّ ( بَيْنَمَا نَحْنُ نُصَلِّي مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ أَقْبَلَتْ عِير . . . الْحَدِيث ) وَالْمُرَاد بِالصَّلَاةِ اِنْتِظَارهَا فِي حَال الْخُطْبَة كَمَا وَقَعَ فِي رِوَايَات مُسْلِم هَذِهِ .


1428 - سبق شرحه بالباب


1429 - قَوْله : ( إِذَا أَقْبَلَتْ سُوَيْقَة )
هُوَ تَصْغِير سُوق ، وَالْمُرَاد الْعِير الْمَذْكُورَة فِي الرِّوَايَة الْأُولَى وَهِيَ الْإِبِل الَّتِي تَحْمِل الطَّعَام أَوْ التِّجَارَة ، لَا تُسَمَّى عِيرًا إِلَّا هَكَذَا ، وَسُمِّيَتْ سُوقًا لِأَنَّ الْبَضَائِع تُسَاق إِلَيْهَا ، وَقِيلَ : لِقِيَامِ النَّاس فِيهَا عَلَى سُوقهمْ . قَالَ الْقَاضِي : وَذَكَرَ أَبُو دَاوُدَ فِي مَرَاسِيله أَنَّ خُطْبَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذِهِ الَّتِي اِنْفَضُّوا عَنْهَا إِنَّمَا كَانَتْ بَعْد صَلَاة الْجُمُعَة ، وَظَنُّوا أَنَّهُ لَا شَيْء عَلَيْهِمْ فِي الِانْفِضَاض عَنْ الْخُطْبَة ، وَأَنَّهُ قَبْل هَذِهِ الْقَضِيَّة إِنَّمَا كَانَ يُصَلِّي قَبْل الْخُطْبَة . قَالَ الْقَاضِي : هَذَا أَشْبَه بِحَالِ الصَّحَابَة ، وَالْمَظْنُون بِهِمْ أَنَّهُمْ مَا كَانُوا يَدَعُونَ الصَّلَاة مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلَكِنَّهُمْ ظَنُّوا جَوَاز الِانْصِرَاف بَعْد اِنْقِضَاء الصَّلَاة . قَالَ : وَقَدْ أَنْكَرَ بَعْض الْعُلَمَاء كَوْن النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا خَطَبَ قَطُّ بَعْد صَلَاة الْجُمُعَة لَهَا .


1430 - سبق شرحه بالباب


1431 - قَوْله : ( اُنْظُرُوا إِلَى هَذَا الْخَبِيث يَخْطُب قَاعِدًا وَقَالَ اللَّه تَعَالَى : { وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَة أَوْ لَهْوًا اِنْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوك قَائِمًا }
هَذَا الْكَلَام يَتَضَمَّن إِنْكَار الْمُنْكَر وَالْإِنْكَار عَلَى وُلَاة الْأُمُور إِذَا خَالَفُوا السُّنَّة . وَوَجْه اِسْتِدْلَاله بِالْآيَةِ أَنَّ اللَّه تَعَالَى : أَخْبَرَ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَخْطُب قَائِمًا وَقَدْ قَالَ تَعَالَى : { لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُول اللَّه أُسْوَة حَسَنَة } مَعَ قَوْله : { فَاتَّبِعُوهُ } وَقَوْله تَعَالَى : { وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُول فَخُذُوهُ } مَعَ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي ) .


1432 - قَوْله : ( سَمِعْنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول عَلَى أَعْوَاد مِنْبَره : لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ عَنْ وَدْعهمْ الْجُمُعَات أَوْ لَيَخْتِمَنَّ اللَّهُ عَلَى قُلُوبهمْ )
فِيهِ اِسْتِحْبَاب اِتِّخَاذ الْمِنْبَر وَهُوَ سُنَّة مُجْمَع عَلَيْهَا . وَقَوْله : ( وَدْعهمْ ) أَيْ تَرْكهمْ . وَفِيهِ أَنَّ الْجُمُعَة فَرْض عَيْن ، وَمَعْنَى الْخَتْم الطَّبْع وَالتَّغْطِيَة قَالُوا فِي قَوْل اللَّه تَعَالَى : { خَتَمَ اللَّه عَلَى قُلُوبهمْ } أَيْ طَبَعَهُ . وَمِثْله ( الرَّيْن ) فَقِيلَ : الرَّيْن الْيَسِير مِنْ الطَّبْع ، وَالطَّبْع الْيَسِير مِنْ الْأَقْفَال ، وَالْأَقْفَال أَشَدُّهَا . قَالَ الْقَاضِي : اِخْتَلَفَ الْمُتَكَلِّمُونَ فِي هَذَا اِخْتِلَافًا كَثِيرًا فَقِيلَ : هُوَ إِعْدَام اللُّطْف وَأَسْبَاب الْخَيْر ، وَقِيلَ : هُوَ خَلْق الْكُفْر فِي صُدُورهمْ وَهُوَ قَوْل أَكْثَر مُتَكَلِّمِي أَهْل السُّنَّة . قَالَ غَيْرهمْ : هُوَ الشَّهَادَة عَلَيْهِمْ ، وَقِيلَ : هُوَ عَلَامَة جَعَلَهَا اللَّه تَعَالَى فِي قُلُوبهمْ لِتَعْرِف بِهَا الْمَلَائِكَة مَنْ يُمْدَح وَمَنْ يُذَمّ .


1433 - قَوْله : ( فَكَانَتْ صَلَاته قَصْدًا وَخُطْبَته قَصْدًا )
أَيْ بَيْن الطُّول الظَّاهِر وَالتَّخْفِيف الْمَاحِق .


1435 - قَوْله : ( كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا خَطَبَ اِحْمَرَّتْ عَيْنَاهُ وَعَلَا صَوْته وَاشْتَدَّ غَضَبه حَتَّى كَأَنَّهُ مُنْذِر جَيْش يَقُول : صَبَّحَكُمْ وَمَسَّاكُمْ وَيَقُول : بُعِثْت أَنَا وَالسَّاعَة كَهَاتَيْنِ وَيَقْرُن بَيْن إِصْبَعَيْهِ السَّبَّابَة وَالْوُسْطَى وَيَقُول : أَمَّا بَعْد فَإِنَّ خَيْر الْحَدِيث كِتَاب اللَّه ، وَخَيْر الْهَدْي هَدْي مُحَمَّد ، وَشَرّ الْأُمُور مُحْدَثَاتهَا ، وَكُلّ بِدْعَة ضَلَالَة ، ثُمَّ يَقُول : أَنَا أَوْلَى بِكُلِّ مُؤْمِن مِنْ نَفْسه ، مَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِأَهْلِهِ ، وَمَنْ تَرَكَ دَيْنًا أَوْ ضَيَاعًا فَإِلَيَّ وَعَلَيَّ ) فِي هَذَا الْحَدِيث جُمَل مِنْ الْفَوَائِد وَمُهِمَّات مِنْ الْقَوَاعِد ، فَالضَّمِير فِي قَوْله : ( يَقُول صَبَّحَكُمْ وَمَسَّاكُمْ ) عَائِد عَلَى مُنْذِر جَيْش .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( بُعِثْت أَنَا وَالسَّاعَة )
أَيْ بِنَصْبِهَا وَرَفْعهَا ، وَالْمَشْهُور نَصْبهَا عَلَى الْمَفْعُول
وَقَوْله : ( يَقْرُن ) هُوَ بِضَمِّ الرَّاء عَلَى الْمَشْهُور وَالْفَصِيح ، وَحُكِيَ كَسْرهَا . وَقَوْله : ( السَّبَّابَة ) سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يُشِيرُونَ بِهَا عِنْد السَّبّ . وَقَوْله : ( خَيْر الْهَدْي هَدْي مُحَمَّد ) هُوَ بِضَمِّ الْهَاء وَفَتْح الدَّال فِيهِمَا وَبِفَتْحِ الْهَاء وَإِسْكَان الدَّال أَيْضًا ضَبَطْنَاهُ بِالْوَجْهَيْنِ ، وَكَذَا ذَكَرَهُ جَمَاعَة بِالْوَجْهَيْنِ . وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاض : رَوَيْنَاهُ فِي مُسْلِم بِالضَّمِّ ، وَفِي غَيْره بِالْفَتْحِ ، وَبِالْفَتْحِ ذَكَرَهُ الْهَرَوِيُّ ، وَفَسَّرَهُ الْهَرَوِيُّ عَلَى رِوَايَة الْفَتْح بِالطَّرِيقِ ، أَيْ أَحْسَن الطُّرُق طَرِيق مُحَمَّد ، يُقَال : فُلَان حَسَن الْهَدْي أَيْ الطَّرِيقَة وَالْمَذْهَب اِهْتَدُوا بِهَدْي عَمَّار ، وَأَمَّا عَلَى رِوَايَة الضَّمّ فَمَعْنَاهُ : الدَّلَالَة وَالْإِرْشَاد قَالَ الْعُلَمَاء : لَفْظ الْهَدْي لَهُ مَعْنَيَانِ أَحَدهمَا : بِمَعْنَى الدَّلَالَة وَالْإِرْشَاد ، وَهُوَ الَّذِي يُضَاف إِلَى الرُّسُل وَالْقُرْآن وَالْعِبَاد ، وَقَالَ اللَّه تَعَالَى : { وَإِنَّك لَتَهْدِي إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم } { إِنَّ هَذَا الْقُرْآن يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَم وَيُبَشِّر الْمُؤْمِنِينَ } وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى : { وَأَمَّا ثَمُود فَهَدَيْنَاهُمْ } أَيْ بَيَّنَّا لَهُمْ الطَّرِيق ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى : { إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيل } وَ { هَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ } وَالثَّانِي : بِمَعْنَى اللُّطْف وَالتَّوْفِيق وَالْعِصْمَة وَالتَّأْيِيد ، وَهُوَ الَّذِي تَفَرَّدَ اللَّه بِهِ ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى : { إِنَّك لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْت وَلَكِنَّ اللَّه يَهْدِي مَنْ يَشَاء } . وَقَالَتْ الْقَدَرِيَّة : حَيْثُ جَاءَ الْهُدَى فَهُوَ لِلْبَيَانِ بِنَاء عَلَى أَصْلهمْ الْفَاسِد فِي إِنْكَار الْقَدَر ، وَرَدَّ عَلَيْهِمْ أَصْحَابنَا وَغَيْرهمْ مِنْ أَهْل الْحَقّ مُثْبِتِي الْقَدَر لِلَّهِ تَعَالَى بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَاَللَّه يَدْعُو إِلَى دَار السَّلَام وَيَهْدِي مَنْ يَشَاء إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم } فَفَرَّقَ بَيْن الدُّعَاء وَالْهِدَايَة .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَكُلّ بِدْعَة ضَلَالَة )
هَذَا عَامّ مَخْصُوص ، وَالْمُرَاد غَالِب الْبِدَع . قَالَ أَهْل اللُّغَة : هِيَ كُلّ شَيْء عُمِلَ عَلَى غَيْر مِثَال سَابِق . قَالَ الْعُلَمَاء : الْبِدْعَة خَمْسَة أَقْسَام : وَاجِبَة ، وَمَنْدُوبَة وَمُحَرَّمَة ، وَمَكْرُوهَة ، وَمُبَاحَة . فَمِنْ الْوَاجِبَة : نَظْم أَدِلَّة الْمُتَكَلِّمِينَ لِلرَّدِّ عَلَى الْمَلَاحِدَة وَالْمُبْتَدِعِينَ وَشِبْه ذَلِكَ . وَمِنْ الْمَنْدُوبَة : تَصْنِيف كُتُب الْعِلْم ، وَبِنَاء الْمَدَارِس وَالرُّبُط وَغَيْر ذَلِكَ . وَمِنْ الْمُبَاح : التَّبَسُّط فِي أَلْوَان الْأَطْعِمَة وَغَيْر ذَلِكَ . وَالْحَرَام وَالْمَكْرُوه ظَاهِرَانِ . وَقَدْ أَوْضَحْت الْمَسْأَلَة بِأَدِلَّتِهَا الْمَبْسُوطَة فِي تَهْذِيب الْأَسْمَاء وَاللُّغَات ، فَإِذَا عُرِفَ مَا ذَكَرْته عُلِمَ أَنَّ الْحَدِيث مِنْ الْعَامّ الْمَخْصُوص . وَكَذَا مَا أَشْبَهَهُ مِنْ الْأَحَادِيث الْوَارِدَة ، وَيُؤَيِّد مَا قُلْنَاهُ قَوْل عُمَر بْن الْخَطَّاب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ فِي التَّرَاوِيح : نِعْمَتْ الْبِدْعَة ، وَلَا يَمْنَع مِنْ كَوْن الْحَدِيث عَامًّا مَخْصُوصًا . قَوْله : ( كُلّ بِدْعَة ) مُؤَكَّدًا ( بِكُلِّ ) ، بَلْ يَدْخُلهُ التَّخْصِيص مَعَ ذَلِكَ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : { تُدَمِّر كُلّ شَيْء } .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَنَا أَوْلَى بِكُلِّ مُؤْمِن مِنْ نَفْسه )
هُوَ مُوَافِق لِقَوْلِ اللَّه تَعَالَى : { النَّبِيّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسهمْ } أَيْ أَحَقُّ ، قَالَ أَصْحَابنَا : فَكَأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا اُضْطُرَّ إِلَى طَعَام غَيْره وَهُوَ مُضْطَرّ إِلَيْهِ لِنَفْسِهِ كَانَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْذُهُ مِنْ مَالِكه الْمُضْطَرّ ، وَوَجَبَ عَلَى مَالِكه بَذْله لَهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالُوا : وَلَكِنَّ هَذَا وَإِنْ كَانَ جَائِزًا فَمَا وَقَعَ ؟
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَمَنْ تَرَكَ دَيْنًا أَوْ ضَيَاعًا فَإِلَيَّ وَعَلَيَّ )
هَذَا تَفْسِير لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَنَا أَوْلَى بِكُلِّ مُؤْمِن مِنْ نَفْسه ) . قَالَ أَهْل اللُّغَة : الضَّيَاع - بِفَتْحِ الضَّاد - الْعِيَال ، قَالَ اِبْن قُتَيْبَة : أَصْله مَصْدَر ضَاعَ يَضِيع ضَيَاعًا ، الْمُرَاد مَنْ تَرَكَ أَطْفَالًا وَعِيَالًا ذَوِي ضَيَاع ، فَأَوْقَع الْمَصْدَر مَوْضِع الِاسْم ، قَالَ أَصْحَابنَا : وَكَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يُصَلِّي عَلَى مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ دَيْن لَمْ يُخَلِّف بِهِ وَفَاء ؛ لِئَلَّا يَتَسَاهَل النَّاس فِي الِاسْتِدَانَة وَيُهْمِلُوا الْوَفَاء ، فَزَجَرَهُمْ عَلَى ذَلِكَ بِتَرْكِ الصَّلَاة عَلَيْهِمْ ، فَلَمَّا فَتَحَ اللَّه عَلَى الْمُسْلِمِينَ مَبَادِي الْفُتُوح قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ تَرَكَ دَيْنًا فَعَلَيَّ ) أَيْ قَضَاؤُهُ فَكَانَ يَقْضِيه ؟ وَاخْتَلَفَ أَصْحَابنَا : هَلْ كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَجِب عَلَيْهِ قَضَاء ذَلِكَ الدَّيْن أَمْ كَانَ يَقْضِيه تَكَرُّمًا ؟ وَالْأَصَحّ عِنْدهمْ أَنَّهُ كَانَ وَاجِبًا عَلَيْهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَاخْتَلَفَ أَصْحَابنَا هَلْ هَذِهِ مِنْ الْخَصَائِص أَمْ لَا ؟ فَقَالَ بَعْضهمْ : هُوَ مِنْ خَصَائِص رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلَا يَلْزَم الْإِمَام أَنْ يَقْضِي مِنْ بَيْت الْمَال دَيْن مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ دَيْن إِذَا لَمْ يُخَلِّف وَفَاء ، وَكَانَ فِي بَيْت الْمَال سَعَة ، وَلَمْ يَكُنْ هُنَاكَ أَهَمَّ مِنْهُ .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( بُعِثْت أَنَا وَالسَّاعَة كَهَاتَيْنِ ) قَالَ الْقَاضِي : يَحْتَمِل أَنَّهُ تَمْثِيل لِمُقَارَبَتِهَا ، وَأَنَّهُ لَيْسَ بَيْنهمَا إِصْبَع أُخْرَى كَمَا أَنَّهُ لَا نَبِيّ بَيْنه وَبَيْن السَّاعَة ، وَيَحْتَمِل أَنَّهُ لِتَقْرِيبِ مَا بَيْنهمَا مِنْ الْمُدَّة وَأَنَّ التَّفَاوُت بَيْنهمَا كَنِسْبَةِ التَّفَاوُت بَيْن الْإِصْبَعَيْنِ تَقْرِيبًا لَا تَحْدِيدًا .
قَوْله : ( إِذَا خَطَبَ اِحْمَرَّتْ عَيْنَاهُ وَعَلَا صَوْته وَاشْتَدَّ غَضَبه كَأَنَّهُ مُنْذِر جَيْش )
يُسْتَدَلّ بِهِ عَلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبّ لِلْخَطِيبِ أَنْ يُفَخِّم أَمْر الْخُطْبَة ، وَيَرْفَع صَوْته ، وَيُجْزِل كَلَامه ، وَيَكُون مُطَابِقًا لِلْفَصْلِ الَّذِي يَتَكَلَّم فِيهِ مِنْ تَرْغِيب أَوْ تَرْهِيب . وَلَعَلَّ اِشْتِدَاد غَضَبه كَانَ عِنْد إِنْذَاره أَمْرًا عَظِيمًا وَتَحْدِيده خَطْبًا جَسِيمًا .


1436 - قَوْله : ( وَيَقُول : أَمَّا بَعْد )
فِيهِ : اِسْتِحْبَاب قَوْل : ( أَمَّا بَعْد ) فِي خُطَب الْوَعْظ وَالْجُمْعَة وَالْعِيد وَغَيْرهَا ، وَكَذَا فِي خُطَب الْكُتُب الْمُصَنَّفَة ، وَقَدْ عَقَدَ الْبُخَارِيّ بَابًا فِي اِسْتِحْبَابه ، وَذَكَرَ فِيهِ جُمْلَة مِنْ الْأَحَادِيث ، وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي أَوَّل مَنْ تَكَلَّمَ بِهِ فَقِيلَ : دَاوُدُ عَلَيْهِ السَّلَام ، وَقِيلَ : يَعْرُب بْن قَحْطَان ، وَقِيلَ : قُسّ بْن سَاعِدَة ، وَقَالَ بَعْض الْمُفَسِّرِينَ أَوْ كَثِير مِنْهُمْ : إِنَّهُ فَصْل الْخِطَاب الَّذِي أُوتِيَهُ دَاوُدُ . وَقَالَ الْمُحَقِّقُونَ : فَصْل الْخِطَاب الْفَصْل بَيْن الْحَقّ وَالْبَاطِل .
قَوْله : كَانَتْ خُطْبَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْم الْجُمُعَة يَحْمَد اللَّه وَيُثْنِي عَلَيْهِ ثُمَّ يَقُول : إِلَى آخِره فِيهِ : دَلِيل لِلشَّافِعِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ يَجِب حَمْد اللَّه تَعَالَى فِي الْخُطْبَة وَيَتَعَيَّن لَفْظه ، وَلَا يَقُوم غَيْره مَقَامه .
قَوْله : ( إِنَّ ضِمَادًا قَدِمَ مَكَّة وَكَانَ مِنْ أَزْد شَنُوءَة وَكَانَ يَرْقِي مِنْ هَذِهِ الرِّيح )
أَمَّا ضِمَاد فَبِكَسْرِ الضَّاد الْمُعْجَمَة ، وَشَنُوءَة بِفَتْحِ الشِّين وَضَمِّ النُّون وَبَعْدهَا مَدَّة ، وَيَرْقِي بِكَسْرِ الْقَاف ، وَالْمُرَاد بِالرِّيحِ هُنَا الْجُنُون وَمَسّ الْجِنّ فِي غَيْر رِوَايَة مُسْلِم يَرْقِي مِنْ الْأَرْوَاح أَيْ الْجِنّ سُمُّوا بِذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يُبْصِرهُمْ النَّاس فَهُمْ كَالرُّوحِ وَالرِّيح .
قَوْله : ( فَمَا سَمِعْت مِثْل كَلِمَاتك هَؤُلَاءِ وَلَقَدْ بَلَغْنَ نَاعُوس الْبَحْر )
ضَبَطْنَاهُ بِوَجْهَيْنِ أَشْهَرهمَا : ( نَاعُوس ) بِالنُّونِ وَالْعَيْن هَذَا هُوَ الْمَوْجُود فِي أَكْثَر نُسَخ بِلَادنَا ، وَالثَّانِي : ( قَامُوس ) بِالْقَافِ وَالْمِيم ، وَهَذَا الثَّانِي هُوَ الْمَشْهُور فِي رِوَايَات الْحَدِيث فِي غَيْر صَحِيح مُسْلِم . وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاض : أَكْثَر نُسَخ صَحِيح مُسْلِم وَقَعَ فِيهَا ( قَاعُوس ) بِالْقَافِ وَالْعَيْن . قَالَ : وَوَقَعَ عِنْد أَبَى مُحَمَّد بْن سَعِيد ( تَاعُوس ) بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاة فَوْق . قَالَ : وَرَوَاهُ بَعْضهمْ ( نَاعُوس ) بِالنُّونِ وَالْعَيْن . قَالَ : وَذَكَرَهُ أَبُو مَسْعُود الدِّمَشْقِيّ فِي أَطْرَاف الصَّحِيحَيْنِ ، وَالْحُمَيْدِيُّ فِي الْجَمْع بَيْن الصَّحِيحَيْنِ ( قَامُوس ) بِالْقَافِ وَالْمِيم . قَالَ بَعْضهمْ : هُوَ الصَّوَاب . قَالَ أَبُو عُبَيْد : قَامُوس الْبَحْر وَسَطه . وَقَالَ اِبْن دُرَيْدٍ : لُجَّته . وَقَالَ صَاحِب كِتَاب الْعَيْن : قَعْره الْأَقْصَى ، وَقَالَ الْحَرْبِيّ : قَامُوس الْبَحْر قَعْره . وَقَالَ أَبُو مَرْوَان بْن سَرَّاج : قَامُوس فَاعُول مِنْ قَمَسْته إِذَا غَمَسْته فَقَامُوس الْبَحْر لُجَّته الَّتِي تَضْطَرِب أَمْوَاجهَا ، وَلَا تَسْتَقِرّ مِيَاههَا ، وَهِيَ لَفْظَة عَرَبِيَّة صَحِيحَة . وَقَالَ أَبُو عَلِيّ الْجَيَّانِيّ : لَمْ أَجِد فِي هَذِهِ اللَّفْظَة ثَلْجًا . وَقَالَ شَيْخنَا أَبُو الْحُسَيْن : قَاعُوس الْبَحْر بِالْقَافِ وَالْعَيْن صَحِيح بِمَعْنَى قَامُوس كَأَنَّهُ مِنْ الْقَعْس ، وَهُوَ تَطَامُن الظَّهْر وَتَعَمُّقه فَيَرْجِع إِلَى عُمْق الْبَحْر وَلُجَّته ، هَذَا آخِر كَلَام الْقَاضِي رَضِيَ اللَّه عَنْهُ . وَقَالَ أَبُو مُوسَى الْأَصْفَهَانِيّ : وَقَعَ فِي صَحِيح مُسْلِم ( نَاعُوس الْبَحْر بِالنُّونِ وَالْعَيْن قَالَ : وَفِي سَائِر الرِّوَايَات قَامُوس ، وَهُوَ وَسَطه وَلُجَّته ، قَالَ : وَلَيْسَتْ هَذِهِ اللَّفْظَة مَوْجُودَة فِي مُسْنَد إِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ الَّذِي رَوَى مُسْلِم هَذَا الْحَدِيث عَنْهُ ، لَكِنَّهُ قَرَنَهُ بِأَبِي مُوسَى فَلَعَلَّهُ فِي رِوَايَة أَبِي مُوسَى قَالَ : وَإِنَّمَا أَوْرَدَ مِثْل هَذِهِ الْأَلْفَاظ لِأَنَّ الْإِنْسَان قَدْ يَطْلُبهَا فَلَا يَجِدهَا فِي شَيْء مِنْ الْكُتُب فَيَتَحَيَّر فَإِذَا نَظَرَ فِي كِتَابِي عَرَفَ أَصْلهَا وَمَعْنَاهَا .
قَوْله : ( هَاتِ )
هُوَ بِكَسْرِ التَّاء .
قَوْله : ( أَصَبْت مِطْهَرَة )
هِيَ بِكَسْرِ الْمِيم وَفَتْحهَا حَكَاهَا اِبْن السِّكِّيت وَغَيْره وَالْكَسْر أَشْهَر .


1437 - قَوْله : ( عَبْد الْمَلَك بْن أَبْجَرَ )
بِالْجِيمِ .
قَوْله : ( وَاصِل بْن حَيَّان )
بِالْمُثَنَّاةِ .
قَوْله : ( لَوْ كُنْت تَنَفَّسْت )
أَيْ أَطَلْت قَلِيلًا .
قَوْله : صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَئِنَّة مِنْ فِقْهه )
بِفَتْحِ الْمِيم ثُمَّ هَمْزَة مَكْسُورَة ثُمَّ نُون مُشَدَّدَة أَيْ عَلَامَة . قَالَ الْأَزْهَرِيّ وَالْأَكْثَرُونَ : الْمِيم فِيهَا زَائِدَة ، وَهِيَ مَفْعَلَةٌ . قَالَ الْهَرَوِيُّ : قَالَ الْأَزْهَرِيّ : غَلِطَ أَبُو عُبَيْد فِي جَعْله الْمِيم أَصْلِيَّة . قَالَ الْقَاضِي عِيَاض : قَالَ شَيْخنَا اِبْن سَرَّاج : هِيَ أَصْلِيَّة .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَاقْصِرُوا الْخُطْبَة )
الْهَمْزَة فِي وَاقْصِرُوا هَمْزَة وَصْل . وَلَيْسَ هَذَا الْحَدِيث مُخَالِفًا لِلْأَحَادِيثِ الْمَشْهُورَة فِي الْأَمْر بِتَخْفِيفِ الصَّلَاة لِقَوْلِهِ فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى : وَكَانَتْ صَلَاته قَصْدًا وَخُطْبَته قَصْدًا ؛ لِأَنَّ الْمُرَاد بِالْحَدِيثِ الَّذِي نَحْنُ فِيهِ أَنَّ الصَّلَاة تَكُون طَوِيلَة بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْخُطْبَة لَا تَطْوِيلًا يَشُقّ عَلَى الْمَأْمُومِينَ وَهِيَ حِينَئِذٍ قَصْدٌ أَيْ مُعْتَدِلَة وَالْخُطْبَة قَصْدٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى وَضْعهَا
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَإِنَّ مِنْ الْبَيَان سِحْرًا )
قَالَ أَبُو عُبَيْد : هُوَ مِنْ الْفَهْم وَذَكَاء الْقَلْب . قَالَ الْقَاضِي : فِيهِ تَأْوِيلَانِ أَحَدهمَا : أَنَّهُ ذَمّ لِأَنَّهُ إِمَالَة الْقُلُوب وَصَرْفهَا بِمَقَاطِع الْكَلَام إِلَيْهِ حَتَّى يَكْسِب مِنْ الْإِثْم بِهِ كَمَا يَكْسِب بِالسِّحْرِ ، وَأَدْخَلَهُ مَالِك فِي الْمُوَطَّأ فِي بَاب مَا يُكْرَه مِنْ الْكَلَام وَهُوَ مَذْهَبه فِي تَأْوِيل الْحَدِيث . وَالثَّانِي أَنَّهُ مَدْح لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى اِمْتَنَّ عَلَى عِبَاده بِتَعْلِيمِهِمْ الْبَيَان وَشَبَّهَهُ بِالسِّحْرِ لِمَيْلِ الْقُلُوب إِلَيْهِ وَأَصْل السِّحْر الصَّرْف فَالْبَيَان يَصْرِف الْقُلُوب وَيَمِيلهَا إِلَى مَا تَدْعُو إِلَيْهِ ، هَذَا كَلَام الْقَاضِي ، وَهَذَا التَّأْوِيل الثَّانِي هُوَ الصَّحِيح الْمُخْتَار .
قَوْله : ( عَنْ اِبْن أَبْجَرَ عَنْ وَاصِل عَنْ أَبِي وَائِل قَالَ : خَطَبَنَا عَمَّار )
هَذَا الْإِسْنَاد مِمَّا اِسْتَدْرَكَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَقَالَ : تَفَرَّدَ بِهِ اِبْن أَبْجَرَ عَنْ وَاصِل عَنْ أَبِي وَائِل ، وَخَالَفَهُ الْأَعْمَش ، وَهُوَ أَحْفَظ بِحَدِيثِ أَبِي وَائِل فَحَدَّثَ بِهِ عَنْ أَبِي وَائِل عَنْ اِبْن مَسْعُود . هَذَا كَلَام الدَّارَقُطْنِيِّ . وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ مِثْل هَذَا الِاسْتِدْرَاك مَرْدُود لِأَنَّ اِبْن أَبْجَرَ ثِقَة يَجِب قَبُول رِوَايَته .


1438 - قَوْله ( فَقَدْ رَشَدَ )
بِكَسْرِ الشِّين وَفَتْحهَا .
قَوْله : ( أَنَّ رَجُلًا خَطَبَ عِنْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : مَنْ يُطِعْ اللَّه وَرَسُوله فَقَدْ رَشَدَ ، وَمَنْ يَعْصِهِمَا فَقَدْ غَوَى . فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : بِئْسَ الْخَطِيب أَنْتَ ( قُلْ : وَمَنْ يَعْصِ اللَّه وَرَسُوله فَقَدْ غَوَى ) قَالَ الْقَاضِي وَجَمَاعَة مِنْ الْعُلَمَاء : إِنَّمَا أَنْكَرَ عَلَيْهِ لِتَشْرِيكِهِ فِي الضَّمِير الْمُقْتَضِي لِلتَّسْوِيَةِ ، وَأَمَرَهُ بِالْعَطْفِ تَعْظِيمًا لِلَّهِ تَعَالَى بِتَقْدِيمِ اِسْمه كَمَا قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) فِي الْحَدِيث الْآخَر : ( لَا يَقُلْ أَحَدكُمْ مَا شَاءَ اللَّه وَشَاءَ فُلَان وَلَكِنْ لِيَقُلْ : مَا شَاءَ اللَّه ثُمَّ شَاءَ فُلَان ) وَالصَّوَاب أَنَّ سَبَب النَّهْي أَنَّ الْخُطَب شَأْنهَا الْبَسْط وَالْإِيضَاح وَاجْتِنَاب الْإِشَارَات وَالرُّمُوز ، وَلِهَذَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيح أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ أَعَادَهَا ثَلَاثًا لِيُفْهَم ، وَأَمَّا قَوْل الْأُولَيَيْنِ فَيُضَعَّف بِأَشْيَاء مِنْهَا أَنَّ مِثْل هَذَا الضَّمِير قَدْ تَكَرَّرَ فِي الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة مِنْ كَلَام رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَنْ يَكُون اللَّه وَرَسُوله أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا " وَغَيْره مِنْ الْأَحَادِيث وَإِنَّمَا ثَنَّى الضَّمِير هَاهُنَا لِأَنَّهُ لَيْسَ خُطْبَة وَعْظ وَإِنَّمَا هُوَ تَعْلِيم حُكْم ، فَكُلَّمَا قَلَّ لَفْظه كَانَ أَقْرَب إِلَى حِفْظه بِخِلَافِ خُطْبَة الْوَعْظ فَإِنَّهُ لَيْسَ الْمُرَاد حِفْظه وَإِنَّمَا يُرَاد الِاتِّعَاظ بِهَا . وَمِمَّا يُؤَيِّد هَذَا مَا ثَبَتَ فِي سُنَن أَبِي دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ صَحِيح عَنْ اِبْن مَسْعُود رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ : ( عَلَّمَنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خُطْبَة الْحَاجَة الْحَمْد لِلَّهِ نَسْتَعِينهُ وَنَسْتَغْفِرهُ وَنَعُوذ بِاَللَّهِ مِنْ شُرُور أَنْفُسنَا مِنْ يَهْدِ اللَّه فَلَا مُضِلّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِي لَهُ وَأَشْهَد أَنْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه وَأَشْهَد أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْده وَرَسُوله أَرْسَلَهُ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا بَيْن يَدَيْ السَّاعَة مَنْ يُطِعْ اللَّه وَرَسُوله فَقَدْ رَشَدَ ، وَمَنْ يَعْصِهِمَا فَإِنَّهُ لَا يَضُرّ إِلَّا نَفْسه ، وَلَا يَضُرّ اللَّه شَيْئًا . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
قَوْله : ( قَالَ اِبْن نُمَيْر فَقَدْ غَوَى )
هَكَذَا وَقَعَ فِي النُّسَخ غَوَى بِكَسْرِ الْوَاو قَالَ الْقَاضِي : وَقَعَ فِي رِوَايَتَيْ مُسْلِم بِفَتْحِ الْوَاو وَكَسْرهَا وَالصَّوَاب الْفَتْح ، وَهُوَ مِنْ الْغَيّ وَهُوَ الِانْهِمَاك فِي الشَّرّ


1439 - قَوْله سَمِعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأ عَلَى الْمِنْبَر وَنَادَوْا يَا مَالِك )
فِيهِ الْقِرَاءَة فِي الْخُطْبَة وَهِيَ مَشْرُوعَة بِلَا خِلَاف ، وَاخْتَلَفُوا فِي وُجُوبهَا وَالصَّحِيح عِنْدنَا وُجُوبهَا وَأَقَلّهَا آيَة .


1440 - قَوْله ( عَنْ أُخْت لِعَمْرَةَ )
هَذَا صَحِيح يُحْتَجّ بِهِ وَلَا يَضُرّ عَدَم تَسْمِيَتهَا لِأَنَّهَا صَحَابِيَّة وَالصَّحَابَة كُلّهمْ عُدُول .


1441 - قَوْله : ( مَا حَفِظْت ق إِلَّا مِنْ فِي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُب بِهَا كُلّ جُمْعَة )
قَالَ الْعُلَمَاء سَبَب اِخْتِيَار ( ق ) أَنَّهَا مُشْتَمِلَة عَلَى الْبَعْث وَالْمَوْت وَالْمَوَاعِظ الشَّدِيدَة وَالزَّوَاجِر الْأَكِيدَة وَفِيهِ : دَلِيل لِلْقِرَاءَةِ فِي الْخُطْبَة كَمَا سَبَقَ وَفِيهِ اِسْتِحْبَاب قِرَاءَة ( ق ) أَوْ بَعْضهَا فِي كُلّ خُطْبَة .
قَوْله : ( حَارِثَة بْن النُّعْمَان )
هُوَ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَة .
قَوْله : ( سَعِيد عَنْ خُبَيْب ) هُوَ بِضَمِّ الْخَاء الْمُعْجَمَة وَهُوَ خُبَيْب بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن خُبَيْب بْن يَسَافٍ الْأَنْصَارِيّ سَبَقَ بَيَانه مَرَّات .
قَوْلهَا : ( وَكَانَ تَنُّورنَا وَتَنُّور رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاحِدًا )
إِشَارَة إِلَى حِفْظهَا وَمَعْرِفَتهَا بِأَحْوَالِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقُرْبهَا مِنْ مَنْزِله .


1442 - قَوْله : ( عَنْ يَحْيَى بْن عَبْد اللَّه بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن سَعْد بْن زُرَارَةَ )
هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيع النُّسَخ سَعْد بْن زُرَارَةَ وَهُوَ الصَّوَاب وَكَذَا نَقَلَهُ الْقَاضِي عَنْ جَمِيع النُّسَخ وَرِوَايَات جَمِيع شُيُوخهمْ قَالَ : وَهُوَ الصَّوَاب . قَالَ : وَزَعَمَ بَعْضهمْ أَنَّ صَوَابه ( أَسْعَد ) ، وَغَلِطَ فِي زَعْمه ، وَإِنَّمَا أَوْقَعَهُ فِي الْغَلَط اِغْتِرَاره بِمَا فِي كِتَاب الْحَاكِم أَبِي عَبْد اللَّه بْن البيع ، فَإِنَّهُ قَالَ : صَوَابه أَسْعَد . وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : سَعْد ، وَحَكَى مَا ذَكَرَهُ عَنْ الْبُخَارِيّ ، وَاَلَّذِي فِي تَارِيخ الْبُخَارِيّ ضِدّ مَا قَالَ : فَإِنَّهُ قَالَ فِي تَارِيخه : سَعْد ، وَقِيلَ : أَسْعَد ، وَهُوَ وَهْم . فَانْقَلَبَ الْكَلَام عَلَى الْحَاكِم وَأَسْعَد بْن زُرَارَةَ سَيِّد الْخَزْرَج وَأَخُوهُ هَذَا سَعْد بْن زُرَارَةَ جَدُّ يَحْيَى وَعَمْرَة ، أَدْرَكَ الْإِسْلَام وَلَمْ يَذْكُرهُ كَثِيرُونَ فِي الصَّحَابَة لِأَنَّهُ ذُكِرَ فِي الْمُنَافِقِينَ .


1443 - قَوْله : ( عَنْ عُمَارَة بْن رُؤَيْبَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُ حِين رَفَعَ بِشْر بْن مَرْوَان يَدَيْهِ فِي الْخُطْبَة قَبَّحَ اللَّه هَاتَيْنِ الْيَدَيْنِ لَقَدْ رَأَيْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا يَزِيد عَلَى أَنْ يَقُول بِيَدِهِ هَكَذَا وَأَشَارَ بِإِصْبَعِهِ الْمُسَبِّحَة )
هَذَا فِيهِ أَنَّ السُّنَّة أَنْ لَا يَرْفَع الْيَد فِي الْخُطْبَة وَهُوَ قَوْل مَالِك وَأَصْحَابنَا وَغَيْرهمْ . وَحَكَى الْقَاضِي عَنْ بَعْض السَّلَف وَبَعْض الْمَالِكِيَّة إِبَاحَته لِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَفَعَ يَدَيْهِ فِي خُطْبَة الْجُمُعَة حِين اِسْتَسْقَى وَأَجَابَ الْأَوَّلُونَ بِأَنَّ هَذَا الرَّفْع كَانَ لِعَارِضٍ .


بَاب التَّحِيَّة وَالْإِمَام يَخْطُب
قَوْله : ( بَيْنَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُب يَوْم الْجُمُعَة إِذْ جَاءَ رَجُل فَقَالَ لَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَصَلَّيْت يَا فُلَان ؟ قَالَ : لَا . قَالَ : قُمْ فَارْكَعْ ) وَفِي رِوَايَة ( قُمْ فَصَلِّ الرَّكْعَتَيْنِ ) ، وَفِي رِوَايَة " ( صَلِّ رَكْعَتَيْنِ ) وَفِي رِوَايَة ( أَرَكَعْت رَكْعَتَيْنِ ؟ قَالَ : لَا قَالَ : اِرْكَعْ ) وَفِي رِوَايَة أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ فَقَالَ : إِذَا جَاءَ أَحَدكُمْ يَوْم الْجُمُعَة وَقَدْ خَرَجَ الْإِمَام لِيُصَلِّ رَكْعَتَيْنِ وَفِي رِوَايَة قَالَ : ( جَاءَ سُلَيْك الْغَطَفَانِيّ يَوْم الْجُمُعَة وَرَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُب فَجَلَسَ فَقَالَ : يَا سُلَيْك قُمْ وَارْكَعْ رَكْعَتَيْنِ وَتَجَوَّزْ فِيهِمَا ثُمَّ قَالَ : إِذَا جَاءَ أَحَدكُمْ يَوْم الْجُمُعَة وَالْإِمَام يَخْطُب فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ وَلْيَتَجَوَّزْ فِيهِمَا ) هَذِهِ الْأَحَادِيث كُلّهَا صَرِيحَة فِي الدَّلَالَة لِمَذْهَبِ الشَّافِعِيّ وَأَحْمَد وَإِسْحَاق وَفُقَهَاء الْمُحَدِّثِينَ أَنَّهُ إِذَا دَخَلَ الْجَامِع يَوْم الْجُمُعَة وَالْإِمَام يَخْطُب اُسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ تَحِيَّة الْمَسْجِد ، وَيَكْرَه الْجُلُوس قَبْل أَنْ يُصَلِّيهِمَا ، وَأَنَّهُ يُسْتَحَبّ أَنْ يَتَجَوَّز فِيهِمَا لِيَسْمَع بَعْدهمَا الْخُطْبَة ، وَحَكَى هَذَا الْمَذْهَب أَيْضًا عَنْ الْحَسَن الْبَصْرِيّ وَغَيْره مِنْ الْمُتَقَدِّمِينَ . قَالَ الْقَاضِي : وَقَالَ مَالِك وَاللَّيْث وَأَبُو حَنِيفَة وَالثَّوْرِيّ وَجُمْهُور السَّلَف مِنْ الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ : لَا يُصَلِّيهِمَا ، وَهُوَ مَرْوِيّ عَنْ عُمَر وَعُثْمَان وَعَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ وَحُجَّتهمْ الْأَمْر بِالْإِنْصَاتِ لِلْإِمَامِ ، وَتَأَوَّلُوا هَذِهِ الْأَحَادِيث أَنَّهُ كَانَ عُرْيَانًا فَأَمَرَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْقِيَامِ لِيَرَاهُ النَّاس وَيَتَصَدَّقُوا عَلَيْهِ ، وَهَذَا تَأْوِيل بَاطِل يَرُدّهُ صَرِيح قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِذَا جَاءَ أَحَدكُمْ يَوْم الْجُمُعَة وَالْإِمَام يَخْطُب فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ وَلْيَتَجَوَّزْ فِيهِمَا ) وَهَذَا نَصٌّ لَا يَتَطَرَّق إِلَيْهِ تَأْوِيل ، وَلَا أَظُنّ عَالِمًا يَبْلُغهُ هَذَا اللَّفْظ صَحِيحًا فَيُخَالِفهُ . وَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيث أَيْضًا جَوَاز الْكَلَام فِي الْخُطْبَة لِحَاجَةٍ ، وَفِيهَا : جَوَازه لِلْخَطِيبِ وَغَيْره . وَفِيهَا الْأَمْر بِالْمَعْرُوفِ وَالْإِرْشَاد إِلَى الْمَصَالِح فِي كُلّ حَال وَمَوْطِن . وَفِيهَا أَنَّ تَحِيَّة الْمَسْجِد رَكْعَتَانِ وَأَنَّ نَوَافِل النَّهَار رَكْعَتَانِ وَأَنَّ تَحِيَّة الْمَسْجِد لَا تَفُوت بِالْجُلُوسِ فِي حَقِّ جَاهِل حُكْمهَا وَقَدْ أَطْلَقَ أَصْحَابنَا فَوَاتهَا بِالْجُلُوسِ ، وَهُوَ مَحْمُول عَلَى الْعَالِم بِأَنَّهَا سُنَّة ، أَمَّا الْجَاهِل فَيَتَدَارَكهَا عَلَى قُرْب لِهَذَا الْحَدِيث . وَالْمُسْتَنْبَط مِنْ هَذِهِ الْأَحَادِيث أَنَّ تَحِيَّة الْمَسْجِد لَا تُتْرَك فِي أَوْقَات النَّهْي عَنْ الصَّلَاة وَأَنَّهَا ذَات سَبَب تُبَاح فِي كُلّ وَقْت ، وَيَلْحَق بِهَا كُلّ ذَوَات الْأَسْبَاب كَقَضَاءِ الْفَائِتَة وَنَحْوهَا لِأَنَّهَا لَوْ سَقَطَتْ فِي حَال لَكَانَ هَذَا الْحَال أَوْلَى بِهَا فَإِنَّهُ مَأْمُور بِاسْتِمَاعِ الْخُطْبَة . فَلَمَّا تُرِكَ لَهَا اِسْتِمَاع الْخُطْبَة وَقَطَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهَا الْخُطْبَة وَأَمَرَهُ بِهَا بَعْد أَنْ قَعَدَ وَكَانَ هَذَا الْجَالِس جَاهِلًا حُكْمهَا دَلَّ عَلَى تَأَكُّدهَا وَأَنَّهَا لَا تُتْرَك بِحَالٍ وَلَا فِي وَقْت مِنْ الْأَوْقَات . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .


1444 - سبق شرحه بالباب


1445 - سبق شرحه بالباب


1446 - سبق شرحه بالباب


1447 - سبق شرحه بالباب


1448 - سبق شرحه بالباب


1449 - سبق شرحه بالباب


c " 1889 "
قَوْله : ( اِنْتَهَيْت إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَخْطُب فَقُلْت : يَا رَسُول اللَّه رَجُل غَرِيب جَاءَ يَسْأَل عَنْ دِينه لَا يَدْرِي مَا دِينه قَالَ : فَأَقْبَلَ عَلَيَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَرَكَ خُطْبَته حَتَّى اِنْتَهَى إِلَيَّ فَأُتِيَ بِكُرْسِيٍّ حَسِبْت قَوَائِمه حَدِيدًا قَالَ : فَقَعَدَ عَلَيْهِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَعَلَ يُعَلِّمنِي مِمَّا عَلَّمَهُ اللَّه ثُمَّ أَتَى خُطْبَته فَأَتَمَّ آخِرهَا )
هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيع النُّسَخ ( حَسِبْت ) وَرَوَاهُ اِبْن أَبِي خَيْثَمَةَ فِي غَيْر صَحِيح مُسْلِم ( خِلْت ) بِكَسْرِ الْخَاء وَسُكُون اللَّام ، وَهُوَ بِمَعْنَى حَسِبْت . قَالَ الْقَاضِي : وَوَقَعَ فِي نُسْخَة اِبْن الْحَذَّاء ( خَشَب ) بِالْخَاءِ وَالشِّين الْمُعْجَمَتَيْنِ ، وَفِي كِتَاب اِبْن قُتَيْبَة ( خُلَب ) بِضَمِّ الْخَاء وَآخِره بَاء مُوَحَّدَة ، وَفَسَّرَهُ بِاللِّيفِ ، وَكِلَاهُمَا تَصْحِيف ، وَالصَّوَاب ( حَسِبْت ) بِمَعْنَى ظَنَنْت كَمَا هُوَ فِي نُسَخ مُسْلِم وَغَيْره مِنْ الْكُتُب الْمُعْتَمَدَة .
وَقَوْله : ( رَجُل غَرِيب يَسْأَل عَنْ دِينه لَا يَدْرِي مَا دِينه ( فِيهِ اِسْتِحْبَاب تَلَطُّف السَّائِل فِي عِبَارَته وَسُؤَاله الْعَالِم . وَفِيهِ تَوَاضُع النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرِفْقه بِالْمُسْلِمِينَ ، وَشَفَقَته عَلَيْهِمْ ، وَخَفْض جَنَاحه لَهُمْ . وَفِيهِ الْمُبَادَرَة إِلَى جَوَاب الْمُسْتَفْتِي وَتَقْدِيم أَهَمّ الْأُمُور فَأَهَمّهَا ، وَلَعَلَّهُ كَانَ سَأَلَ عَنْ الْإِيمَان وَقَوَاعِده الْمُهِمَّة . وَقَدْ اِتَّفَقَ الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّ مَنْ جَاءَ يَسْأَل عَنْ الْإِيمَان وَكَيْفِيَّة الدُّخُول فِي الْإِسْلَام وَجَبَ إِجَابَته وَتَعْلِيمه عَلَى الْفَوْر وَقُعُوده صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْكُرْسِيّ لِيَسْمَع الْبَاقُونَ كَلَامه وَيَرَوْا شَخْصه الْكَرِيم . وَيُقَال : كُرْسِيّ بِضَمِّ الْكَاف وَكَسْرهَا وَالضَّمّ أَشْهَر . وَيَحْتَمِل أَنَّ هَذِهِ الْخُطْبَة الَّتِي كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهَا خُطْبَة أَمْر غَيْر الْجُمُعَة ، وَلِهَذَا قَطَعَهَا بِهَذَا الْفَصْل الطَّوِيل ، وَيَحْتَمِل أَنَّهَا كَانَتْ الْجُمُعَة وَاسْتَأْنَفَهَا ، وَيَحْتَمِل أَنَّهُ لَمْ يَحْصُل فَصْل طَوِيل ، وَيَحْتَمِل أَنَّ كَلَامه لِهَذَا الْغَرِيب كَانَ مُتَعَلِّقًا بِالْخُطْبَةِ فَيَكُون مِنْهَا وَلَا يَضُرّ الْمَشْي فِي أَثْنَائِهَا .


1451 - قَوْله فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : ( أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَرَأَ فِي الرَّكْعَة الْأُولَى مِنْ صَلَاة الْجُمُعَة سُورَة الْجُمُعَة وَفِي الثَّانِيَة الْمُنَافِقِينَ )
فِيهَا اِسْتِحْبَاب قِرَاءَتهمَا بِكَمَالِهِمَا فِيهِمَا ، وَهُوَ مَذْهَبنَا وَمَذْهَب آخَرِينَ . قَالَ الْعُلَمَاء : وَالْحِكْمَة فِي قِرَاءَة الْجُمُعَة اِشْتِمَالهَا عَلَى وُجُوب الْجُمُعَة وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ أَحْكَامهَا وَغَيْر ذَلِكَ مِمَّا فِيهَا مِنْ الْقَوَاعِد وَالْحَثّ عَلَى التَّوَكُّل وَالذِّكْر وَغَيْر ذَلِكَ . وَقِرَاءَة سُورَة الْمُنَافِقِينَ لِتَوْبِيخِ حَاضِرِيهَا مِنْهُمْ وَتَنْبِيهِمْ عَلَى التَّوْبَة وَغَيْر ذَلِكَ مِمَّا فِيهَا مِنْ الْقَوَاعِد لِأَنَّهُمْ مَا كَانُوا يَجْتَمِعُونَ فِي مَجْلِس أَكْثَر مِنْ اِجْتِمَاعهمْ فِيهَا .


1452 - قَوْله : ( كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأ فِي الْعِيدَيْنِ وَفِي الْجُمُعَة بِـ ( سَبِّحْ اِسْم رَبّك الْأَعْلَى وَهَلْ أَتَاك حَدِيث الْغَاشِيَة )
فِيهِ اِسْتِحْبَاب الْقِرَاءَة فِيهِمَا بِهِمَا وَفِي الْحَدِيث الْآخَر الْقِرَاءَة فِي الْعِيد ( بِـ قاف وَاقْتَرَبَتْ ) وَكِلَاهُمَا صَحِيح . فَكَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) فِي وَقْت يَقْرَأ فِي الْجُمُعَة ( الْجُمُعَة وَالْمُنَافِقِينَ ) وَفِي وَقْت ( سَبِّحْ وَهَلْ أَتَاك ) وَفِي وَقْت يَقْرَأ فِي الْعِيد ( قَاف وَاقْتَرَبَتْ ) وَفِي وَقْت ( سَبِّحْ وَهَلْ أَتَاك )


1454 - قَوْله : ( عَنْ مُخَوِّل عَنْ مُسْلِم الْبَطِين )
أَمَّا ( مُخَوِّل ) فَبِضَمِّ الْمِيم وَفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَالْوَاو الْمُشَدَّدَة هَذَا هُوَ الْمَشْهُور الْأَصْوَب ، وَحَكَى صَاحِب الْمَطَالِع هَذَا عَنْ الْجُمْهُور . قَالَ : وَضَبَطَهُ بَعْضهمْ بِكَسْرِ الْمِيم وَإِسْكَان الْخَاء وَأَمَّا ( الْبَطِين ) فَبِفَتْحِ الْبَاء وَكَسْر الطَّاء .
قَوْله : ( إِنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقْرَأ فِي الصُّبْح يَوْم الْجُمُعَة فِي الْأُولَى الم تَنْزِيل السَّجْدَة وَفِي الثَّانِيَة هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَان حِين مِنْ الدَّهْر )
فِيهِ دَلِيل لِمَذْهَبِنَا وَمَذْهَب مُوَافِقِينَا فِي اِسْتِحْبَابهمَا فِي صُبْح الْجُمُعَة ، وَأَنَّهُ لَا تُكْرَه قِرَاءَة آيَة السَّجْدَة فِي الصَّلَاة وَلَا السُّجُود ، ذَكَرَ مَالِك وَآخَرُونَ ذَلِكَ وَهُمْ مَحْجُوجُونَ بِهَذِهِ الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة الصَّرِيحَة الْمَرْوِيَّة مِنْ طُرُق عَنْ أَبِي هُرَيْرَة وَابْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ .


بَاب الصَّلَاة بَعْد الْجُمُعَة
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِذَا صَلَّى أَحَدكُمْ الْجُمُعَة فَلْيُصَلِّ بَعْدهَا أَرْبَعًا ) وَفِي رِوَايَة : ( إِذَا صَلَّيْتُمْ بَعْد الْجُمُعَة فَصَلُّوا أَرْبَعًا ) وَفِي رِوَايَة : ( مَنْ كَانَ مِنْكُمْ مُصَلِّيًا بَعْد الْجُمُعَة فَلْيُصَلِّ أَرْبَعًا ) . وَفِي رِوَايَة : ( أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصَلِّي بَعْدهَا رَكْعَتَيْنِ ) فِي هَذِهِ الْأَحَادِيث اِسْتِحْبَاب سُنَّة الْجُمُعَة بَعْدهَا وَالْحَثّ عَلَيْهَا وَأَنَّ أَقَلّهَا رَكْعَتَانِ وَأَكْمَلَهَا أَرْبَع ، فَنَبَّهَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِهِ : ( إِذَا صَلَّى أَحَدكُمْ بَعْد الْجُمُعَة فَلْيُصَلِّ بَعْدهَا أَرْبَعًا ( عَلَى الْحَثّ عَلَيْهَا فَأَتَى بِصِيغَةِ الْأَمْر وَنَبَّهَ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ كَانَ مِنْكُمْ مُصَلِّيًا ) عَلَى أَنَّهَا سُنَّة لَيْسَتْ وَاجِبَة ، وَذَكَرَ الْأَرْبَع لِفَضِيلَتِهَا ، وَفَعَلَ الرَّكْعَتَيْنِ فِي أَوْقَات بَيَانًا لِأَنَّ أَقَلّهَا رَكْعَتَانِ . وَمَعْلُوم أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصَلِّي فِي أَكْثَر الْأَوْقَات أَرْبَعًا لِأَنَّهُ أَمَرَنَا بِهِنَّ وَحَثَّنَا عَلَيْهِنَّ وَهُوَ أَرْغَب فِي الْخَيْر وَأَحْرَص عَلَيْهِ وَأَوْلَى بِهِ .


1457 - سبق شرحه بالباب


1458 - سبق شرحه بالباب


1459 - سبق شرحه بالباب


1460 - سبق شرحه بالباب


1461 - قَوْله : ( قَالَ يَحْيَى أَظَنَّنِي قَرَأْت فَيُصَلِّي أَوْ أَلْبَتَّةَ )
مَعْنَاهُ أَظُنّ ، أَنِّي قَرَأْت عَلَى مَالِك فِي رِوَايَتِي عَنْهُ فَيُصَلِّي أَوْ أَجْزِم بِذَلِكَ فَحَاصِله أَنَّهُ قَالَ : أَظُنّ هَذِهِ اللَّفْظَة أَوْ أَجْزِم بِهَا .


1463 - قَوْله : ( اِبْن أَبِي الْخُوَار )
هُوَ بِضَمِّ الْخَاء الْمُعْجَمَة .
قَوْله : ( صَلَّيْت مَعَهُ الْجُمُعَة فِي الْمَقْصُورَة )
فِيهِ دَلِيل عَلَى جَوَاز اِتِّخَاذهَا فِي الْمَسْجِد إِذَا رَآهَا وَلِيّ الْأَمْر مَصْلَحَة قَالُوا : وَأَوَّل مَنْ عَمِلَهَا مُعَاوِيَة بْن أَبِي سُفْيَان حِين ضَرَبَهُ الْخَارِجِيّ . قَالَ الْقَاضِي : وَاخْتَلَفُوا فِي الْمَقْصُورَة فَأَجَازَهَا كَثِيرُونَ مِنْ السَّلَف وَصَلُّوا فِيهَا مِنْهُمْ الْحَسَن وَالْقَاسِم بْن مُحَمَّد وَسَالِم وَغَيْرهمْ ، وَكَرِهَهَا اِبْن عُمَر وَالشَّعْبِيّ وَأَحْمَد وَإِسْحَاق ، وَكَانَ اِبْن عُمَر إِذَا حَضَرَتْ الصَّلَاة وَهُوَ فِي الْمَقْصُورَة خَرَجَ مِنْهَا إِلَى الْمَسْجِد . قَالَ الْقَاضِي : وَقِيلَ : إِنَّمَا يَصِحّ فِيهَا الْجُمُعَة إِذَا كَانَتْ مُبَاحَة لِكُلِّ أَحَد فَإِنْ كَانَتْ مَخْصُوصَة بِبَعْضِ النَّاس مَمْنُوعَة مِنْ غَيْرهمْ لَمْ تَصِحّ فِيهَا الْجُمُعَة لِخُرُوجِهَا عَنْ حُكْم الْجَامِع .
قَوْله : ( فَإِنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَنَا بِذَلِكَ أَلَّا تُوصَلَ صَلَاةٌ بِصَلَاةٍ حَتَّى نَتَكَلَّم أَوْ نَخْرُج )
فِيهِ دَلِيل لِمَا قَالَهُ أَصْحَابنَا أَنَّ النَّافِلَة الرَّاتِبَة وَغَيْرهَا يُسْتَحَبّ أَنْ يَتَحَوَّل لَهَا عَنْ مَوْضِع الْفَرِيضَة إِلَى مَوْضِع آخَر ، وَأَفْضَله التَّحَوُّل إِلَى بَيْته ، وَإِلَّا فَمَوْضِع آخَر مِنْ الْمَسْجِد أَوْ غَيْره لِيَكْثُر مَوَاضِع سُجُوده وَلِتَنْفَصِل صُورَة النَّافِلَة عَنْ صُورَة الْفَرِيضَة وَقَوْله : ( حَتَّى نَتَكَلَّم ) دَلِيل عَلَى أَنَّ الْفَصْل بَيْنهمَا يَحْصُل بِالْكَلَامِ أَيْضًا ، وَلَكِنْ بِالِانْتِقَالِ أَفْضَل لِمَا ذَكَرْنَاهُ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .