Contents

الواجهة
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد
مقدمة
باب الألف
باب الثاء
باب الجيم
باب الحاء
باب الخاء
باب الدال
باب الراء
باب الزاي
تابع باب الزاء
تابع لحرف الزاء
تابع لحرف الزاء
باب الطاء
باب الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع حرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
باب النون
باب الصاد
باب الضاد
باب العين
تابع لحرف العين
تابع حرف العين
تابع لحرف العين
تابع لحرف العين
باب القاف
باب السين
باب الشين
باب الهاء
باب الواو
باب الياء
تابع باب الياء
باب الكني
باب بلاغات مالك ومرسلاته
باب مافي هذا الديوان من حديث مالك الذي ثبتت عليه أبوابه خاصة
الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج
الديباج - جزء 1
الديباج - جزء 2
الديباج - جزء 3
الديباج - جزء 4
الديباج - جزء 5
الديباج - جزء 6
المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج
المنهاج - مقدمة
المنهاج - الإيمان
المنهاج - الطهارة
المنهاج - الحيض
المنهاج - الصَّلَاة
المنهاج - المساجد ومواضع الصلاة
المنهاج - صلاة المسافرين وقصرها
المنهاج - بَاب صَلَاة الْجُمُعَة
المنهاج - بَاب صَلَاة الْعِيدَيْنِ
المنهاج - بَاب الدُّعَاء فِي صَلَاة الِاسْتِسْقَاء
المنهاج - بَاب صَلَاة الْكُسُوف
المنهاج - كِتَاب الْجَنَائِز
المنهاج - الزكاة
المنهاج - كِتَاب الصِّيَام
المنهاج - كِتَاب الِاعْتِكَاف
المنهاج - كِتَاب الْحَجّ
المنهاج - كِتَاب النِّكَاح
المنهاج - الرضاعة
المنهاج - الطلاق
المنهاج - اللِّعَان
المنهاج - العتق
المنهاج - البيوع
المنهاج - المساقاة
المنهاج - الفرائض
المنهاج - الهبات
المنهاج - الوصية
المنهاج - النذر
المنهاج - الأيمان
المنهاج - القسامة
المنهاج - الحدود
المنهاج - الأقضية
المنهاج - اللقطة
المنهاج - الجهاد والسير
المنهاج - الإمارة
المنهاج - الصيد والذبائح
المنهاج - كِتَاب الْأَضْاحَي
المنهاج - الأشربة
المنهاج - اللباس والزينة
المنهاج - الآداب
المنهاج - السلام
المنهاج - الألفاظ من الأدب وغيرها
المنهاج - الشعر
المنهاج - الرؤيا
المنهاج - الفضائل
المنهاج - فضائل الصحابة
المنهاج - البر والصلة والآداب
المنهاج - القدر
المنهاج - العلم
المنهاج - الذكر والدعاء
المنهاج - التوبة
المنهاج - صفات المنافقين
المنهاج - صفة القيامة والجنة والنار
المنهاج - الجنة وصفة نعيمها وأهلها
المنهاج - الفتن وأشراط الساعة
المنهاج - الزهد والرقائق
المنهاج - التفسير
تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي
أبواب الطهارة
أبواب الصلاة
تابع أبواب الصلاة
أبواب الوتر
أبواب الجمعة
تابع لأبواب الجمعة
أبواب العيدين
أبواب السفر
ابواب الزكاة
أبواب الصوم
أبواب الحج
تابع أبواب الحج
أبواب الجنائز
أبواب النكاح
أبواب الرضاع
أبواب الطلاق واللعان
ابواب البيوع
أبواب الأحكام
أبواب الديات
ابواب الحدود
تابع أبواب الحدود
أبواب الصيد
أبواب الأضاحي
أبواب النذور والأيمان
أبواب السير
أبواب الجهاد
أبواب اللباس
أبواب الأطعمة
أبواب الأشربة
تابع أبواب الأشربة
أبواب البر و الصله عن رسول الله صلى الله عليه و آله سلم
أبواب الطب عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الفرائض عن الرسول صلى الله عليه و سلم
أبواب الوصايا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الولاء و الهبة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب القدر عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم
أبواب الفتن عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الرؤيا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الشهادات عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
تابع لأبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صِفَةُ القِيامَة
أبواب صفة الجنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صفة جهنم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإيمان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب العلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإستئذان والآداب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب العلم
أبواب الأمثال
أبواب فضائل القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب القراءات عن رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم
أبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الدعوات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أحاديث شتى من أبواب الدعوات
المناقب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
مناقب الصحابة رضوان الله عليهم
تنوير الحوالك شرح موطأ مالك
كتاب وقوت الصلاة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب السهو
كتاب الجمعة
كتاب الصلاة في رمضان
كتاب صلاة الليل
كتاب صلاة الجماعة
كتاب قصر الصلاة في السفر
كتاب العيدين
كتاب صلاة الخوف
كتاب صلاة الكسوف
كتاب الاستسقاء
كتاب القبلة
كتاب القرآن
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب الجهاد
كتاب النذور و الأيمان
كتاب الضحايا
كتاب الذبائح
كتاب الصيد
كتاب العقيقة
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الرضاع
كتاب البيوع
كتاب القراض
كتاب المساقاة - كتاب كراء الأرض
كتاب الشفعة - كتاب الأقضية
كتاب الوصية - كتاب العتق والولاء
كتاب المكاتب - كتاب المدبر
كتاب الحدود
كتاب الأشربة - كتاب العقول
كتاب القسامة - كتاب الجامع
كتاب القدر - كتاب حسن الخلق
كتاب اللباس - كتاب صفة النبي
كتاب العين - كتاب الشعر
كتاب الرؤيا - كتاب السلام
كتاب الاستئذان والتشميت والصور والتماثيل وغيرها
كتاب البيعة - كتاب الكلام والعينة والتقى
كتاب جهنم - كتاب الصدقة
كتاب العلم - كتاب دعوة المظلوم - كتاب أسماء النبي
حاشية السندي على سنن ابن ماجة
المقدمة
الطَّهَارَة وَسُنَنهَا
الصلاة
الْأَذَان
المساجد والجماعات
أَبْوَاب إِقَامَة الصَّلَاة
الجنائز
الصوم
الزكاة
النكاح
الطلاق
الكفارات
التجارات
الأحكام
الحدود
الديات
الوصايا
الْفَرَائِض
الجهاد
المناسك
الْأَضَاحِيّ
الذبائح
الصيد
الأطعمة
الأشربة
الطب
اللباس
الْآدَاب
الدُّعَاء
تعبير الرؤيا
الْفِتَن
الزُّهْد
شرح سنن ابن ماجه لمغلطاي
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح رياض الصالحين
شرح رياض الصالحين - 01
شرح رياض الصالحين - 02
شرح رياض الصالحين - 03
شرح رياض الصالحين - 04
شرح سنن أبي داود للعيني
مقدمة التحقيق
كتاب الطهارة
كِتابُ الصَلاَةِ
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
عون المعبود شرح سنن أبي داود
كتاب الطهارة
تابع كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
كتاب الزكاة
تابع لكتاب الزكاة
كتاب اللقطة
كتاب المناسك
تابع لكتاب المناسك
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الصيام
تابع لكتاب الصيام
أول كتاب الجهاد
أول كتاب الضحايا
تابع كتاب الضحايا
أول كتاب الصيد
أول كتاب الوصايا
أول كتاب الفرائض
أول كتاب الخراج والفيء والإمارة
أول كتاب الجنائز
تابع لكتاب الجنائز
كتاب الأيمان والنذور
كتاب البيوع
كتاب الإجارة
كتاب القضاء
تابع لكتاب القضاء
كتاب العلم
كتاب الأشربة
كتاب الأطعمة
كتاب الطب
كتاب الكهانة والتطير
كتاب العتق
أول كتاب الحروف والقراءات
أول كتاب الحمام
أول كتاب اللباس
أول كتاب الترجل
أول كتاب الخاتم
أول كتاب الفتن والملاحم
أول كتاب المهدي
أول كتاب الملاحم
أول كتاب الحدود
أول كتاب الديات
أول كتاب السنة
تابع لكتاب السنة
أول كتاب الأدب
أبواب السلام
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن حجر
فتح الباري - هدي الساري مقدمة فتح الباري
فتح الباري - كتاب بدء الوحي
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب العلم
فتح الباري - كتاب الوضوء
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
فتح الباري - كتاب مواقيت الصلاة
فتح الباري - كتاب الأذان
فتح الباري - كتاب الجمعة
فتح الباري - كتاب الخوف
فتح الباري - كتاب العيدين
فتح الباري - كتاب الوتر
فتح الباري - كتاب الاستسقاء
فتح الباري - كتاب الكسوف
فتح الباري - كتاب سجود القرآن
فتح الباري - كتاب تقصير الصلاة
فتح الباري - كتاب التهجد
فتح الباري - كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة
فتح الباري - كتاب العمل في الصلاة
فتح الباري - كتاب السهو
فتح الباري - كتاب الجنائز
فتح الباري - كتاب الزكاة
فتح الباري - كتاب الحج
فتح الباري - كتاب العمرة
فتح الباري - كتاب المحصر
فتح الباري - كتاب جزاء الصيد
فتح الباري - كتاب فضائل المدينة
فتح الباري - كتاب الصوم
فتح الباري - كتاب صلاة التراويح
فتح الباري - كتاب فضل ليلة القدر
فتح الباري - كتاب الإعتكاف
فتح الباري - كتاب البيوع
فتح الباري - كتاب السلم
فتح الباري - كتاب الشفعة
فتح الباري - كتاب الإجارة
فتح الباري - كتاب الحرث والمزارعة
فتح الباري - كتاب المساقاة
فتح الباري - كتاب الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس
فتح الباري - كتاب الخصومات
فتح الباري - كتاب اللقطة
فتح الباري - كتاب المظالم
فتح الباري - كتاب الشركة
فتح الباري - كتاب الرهن
فتح الباري - كتاب العتق
فتح الباري - كتاب المكاتب
فتح الباري - كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها
فتح الباري - كتاب الشهادات
فتح الباري - كتاب الصلح
فتح الباري - كتاب الشروط
فتح الباري - كتاب الوصايا
فتح الباري - كتاب الجهاد و السير
فتح الباري - كتاب فرض الخمس
فتح الباري - كتاب الجزية و الموادعة
فتح الباري - كتاب بدء الخلق
فتح الباري - كتاب أحاديث الأنبياء
فتح الباري - كتاب المناقب
فتح الباري - كتاب فضائل الصحابة
فتح الباري - كتاب مناقب الأنصار
فتح الباري - كتاب المغازي
فتح الباري - كتاب التفسير
فتح الباري - كتاب فضائل القرآن
فتح الباري - كتاب النكاح
فتح الباري - كتاب الطلاق
فتح الباري - كتاب النفقات
فتح الباري - كتاب الأطعمة
فتح الباري - كتاب العقيقة
فتح الباري - كتاب الذبائح والصيد
فتح الباري - كتاب الأضاحي
فتح الباري - كتاب الأشربة
فتح الباري - كتاب المرضى
فتح الباري - كتاب الطب
فتح الباري - كتاب اللباس
فتح الباري - كتاب الأدب
فتح الباري - كتاب الإستئذان
فتح الباري - كتاب الدعوات
فتح الباري - كتاب الرقاق
فتح الباري - كتاب القدر
فتح الباري - كتاب الأيمان والنذور
فتح الباري - كتاب كفارات الأيمان
فتح الباري - كتاب الفرائض
فتح الباري - كتاب الحدود
فتح الباري - كتاب الديات
فتح الباري - كتاب استتابة المرتدين
فتح الباري - كتاب الإكراه
فتح الباري - كتاب الحيل
فتح الباري - كتاب التعبير
فتح الباري - كتاب الفتن
فتح الباري - كتاب الأحكام
فتح الباري - كتاب التمني
فتح الباري - كتاب أخبار الأحاد
فتح الباري - كتاب الإعتصام بالسنة
فتح الباري - كتاب التوحيد
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن رجب
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
مقدمة
خطبة الكتاب
كتاب الإيمان
كتاب العلم
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصوم
كتاب فضائل القرآن
كتاب الدعوات
كتاب المناسك
كتاب البيوع
كتاب الفرائض والوصايا
كتاب النكاح
كتاب العتق
كتاب القصاص
كتاب الديات
كتاب الحدود
كتاب الإمارة والقضاء
كتاب الجهاد
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأطعمة
كتاب اللباس
كتاب الطب والرقى
كتاب الرؤيا
كتاب الآداب
كتاب الرقاق
كتاب الفتن
كتاب صفة القيامة والجنة والنار
كتاب الفضائل والشمائل
كتاب المناقب

 
عودة لموقع هاني الطنبور
هاني الطنبور
الصفحة السابقة الصفحة التالية
 
 

 

المنهاج - كِتَاب الْجَنَائِز
الْجِنَازَة مُشْتَقَّة مِنْ جَنَزَ إِذَا سَتَرَ ، ذَكَرَهُ اِبْن فَارِس وَغَيْره ، وَالْمُضَارِع يَجْنِز بِكَسْرِ النُّون وَالْجِنَازَة بِكَسْرِ الْجِيم وَفَتْحهَا وَالْكَسْر أَفْصَح ، وَيُقَال : بِالْفَتْحِ : لِلْمَيِّتِ وَبِالْكَسْرِ لِلنَّعْشِ عَلَيْهِ مَيِّت ، وَيُقَال عَكْسه ، حَكَاهُ صَاحِب الْمَطَالِع . وَالْجَمْع جَنَائِز بِالْفَتْحِ لَا غَيْر .


1523 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه )
مَعْنَاهُ مَنْ حَضَرَهُ الْمَوْت ، وَالْمُرَاد ذَكِّرُوهُ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه لِتَكُونَ آخِر رضي الله عن ش * ه كَمَا فِي الْحَدِيث ( مَنْ كَانَ آخِر كَلَامه لَا إِلَه إِلَّا اللَّه دَخَلَ الْجَنَّة ) وَالْأَمْر بِهَذَا التَّلْقِين أَمْر نَدْب ، وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاء عَلَى هَذَا التَّلْقِين ، وَكَرِهُوا الْإِكْثَار عَلَيْهِ وَالْمُوَالَاة لِئَلَّا يَضْجَر بِضِيقِ حَاله وَشِدَّة كَرْبه فَيَكْرَه ذَلِكَ بِقَلْبِهِ ، وَيَتَكَلَّم بِمَا لَا يَلِيق . قَالُوا : وَإِذَا قَالَهُ مَرَّة لَا يُكَرِّر عَلَيْهِ إِلَّا أَنْ يَتَكَلَّم بَعْده بِكَلَامٍ آخَر ، فَيُعَاد التَّعْرِيض بِهِ لِيَكُونَ آخِر كَلَامه ، وَيَتَضَمَّن الْحَدِيث الْحُضُور عِنْد الْمُحْتَضَر لِتَذْكِيرِهِ وَتَأْنِيسه وَإِغْمَاض عَيْنَيْهِ وَالْقِيَام بِحُقُوقِهِ وَهَذَا مُجْمَع عَلَيْهِ .
قَوْله : ( وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَة حَدَّثَنَا عَبْد الْعَزِيز الدَّرَاوَرْدِيُّ وَرَوْح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْر بْن أَبِي شَيْبَة أَخْبَرَنَا خَالِد بْن مَخْلَدٍ أَخْبَرَنَا سُلَيْمَان بْن بِلَال جَمِيعًا بِهَذَا الْإِسْنَاد )
هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيع النُّسَخ ، وَهُوَ صَحِيح قَالَ أَبُو عَلِيّ الْغَسَّانِيّ وَغَيْره مَعْنَاهُ عَنْ عُمَارَة بْن غَزِيَّةَ الَّذِي سَبَقَ فِيهِ الْإِسْنَاد الْأَوَّل . وَمَعْنَاهُ رَوَى عَنْهُ الدَّرَاوَرْدِيُّ وَسُلَيْمَان بْن بِلَال وَهُوَ كَمَا قَالَهُ أَبُو عَلِيّ ، وَلَوْ قَالَ مُسْلِم جَمِيعًا عَنْ عُمَارَة بْن غَزِيَّةَ بِهَذَا الْإِسْنَاد لَكَانَ أَحْسَنَ وَأَوْضَحَ ، وَهُوَ الْمَعْرُوف مِنْ عَادَته فِي الْكِتَاب لَكِنَّهُ حَذَفَهُ هُنَا لِوُضُوحِهِ عِنْد أَهْل هَذِهِ الصَّنْعَة .


1525 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَا مِنْ مُسْلِم تُصِيبهُ مُصِيبَة فَيَقُول مَا أَمَرَهُ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ )
فِيهِ : فَضِيلَة هَذَا الْقَوْل وَفِيهِ دَلِيل لِلْمَذْهَبِ الْمُخْتَار فِي الْأُصُول أَنَّ الْمَنْدُوب مَأْمُور بِهِ لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَأْمُور بِهِ مَعَ أَنَّ الْآيَة الْكَرِيمَة تَقْتَضِي نَدْبه وَإِجْمَاع الْمُسْلِمِينَ مُنْعَقِد عَلَيْهِ .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَجِرْنِي فِي مُصِيبَتِي وَأَخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا )
قَالَ الْقَاضِي : أَجِرْنِي بِالْقَصْرِ وَالْمَدّ ، حَكَاهُمَا صَاحِب الْأَفْعَال : وَقَالَ الْأَصْمَعِيّ وَأَكْثَر أَهْل اللُّغَة : هُوَ مَقْصُور لَا يَمُدّ وَمَعْنَى أَجَرَهُ اللَّه أَعْطَاهُ أَجْره ، وَجَزَاء صَبْره وَهَمّه فِي مُصِيبَته .
وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَأَخْلِفْ لِي ) هُوَ بِقَطْعِ الْهَمْزَة وَكَسْر اللَّام . قَالَ أَهْل اللُّغَة : يُقَال لِمَنْ ذَهَبَ لَهُ مَالٌ أَوْ وَلَد قَرِيب أَوْ شَيْء يُتَوَقَّع حُصُول مِثْله أَخْلَفَ اللَّهُ عَلَيْك أَيْ رَدَّ عَلَيْك مِثْله فَإِنْ ذَهَبَ مَا لَا يَتَوَقَّع مِثْله بِأَنْ ذَهَبَ وَالِد أَوْ عَمٌّ أَوْ أَخ لِمَنْ لَا جَدَّ لَهُ وَلَا وَالِد لَهُ قِيلَ : خَلَّفَ اللَّه عَلَيْك بِغَيْرِ أَلِف أَيْ كَانَ اللَّه خَلِيفَة مِنْهُ عَلَيْك .
وَقَوْلهَا : ( وَأَنَا غَيُور )
يُقَال : اِمْرَأَة غَيْرَى وَغَيُور ، وَرَجُل غَيُور وَغَيْرَان قَدْ جَاءَ فَعُول فِي صِفَات الْمُؤَنَّث كَثِيرًا كَقَوْلِهِ : اِمْرَأَة عَرُوس وَعَرُوب وَضَحُوك لِكَثِيرَةِ الضَّحِك ، وَعَقَبَة كَئُود ، وَأَرْض صَعُود وَهَبُوط وَحَدُود وَأَشْبَاههَا .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَأَدْعُو اللَّهَ أَنْ يَذْهَب بِالْغَيْرَةِ )
هِيَ بِفَتْحِ الْغَيْن ، وَيُقَال : أَذْهَبَ اللَّه الشَّيْء وَذَهَبَ بِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : { ذَهَبَ اللَّه بِنُورِهِمْ } .


1526 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِلَّا أَجَرَهُ اللَّه )
هُوَ بِقَصْرِ الْهَمْزَة وَمَدّهَا ، وَالْقَصْر أَفْصَح وَأَشْهَر كَمَا سَبَقَ .
قَوْلهَا : ( ثُمَّ عَزَمَ اللَّه لِي فَقُلْتهَا )
أَيْ خَلَقَ فِيَّ عَزْمًا ، وَقَدْ سَبَقَ فِي شَرْح أَوَّل خُطْبَة مُسْلِم أَنَّ فِعْل اللَّه تَعَالَى لَا يُسَمَّى عَزْمًا مِنْ حَيْثُ إِنَّ حَقِيقَة الْعَزْم حُدُوث رَأْي لَمْ يَكُنْ ، وَاَللَّه مُنَزَّه عَنْ هَذَا ، فَتَأَوَّلُوا قَوْل أُمّ سَلَمَة عَلَى أَنَّ مَعْنَاهُ خَلَقَ لِي أَوْ فِيَّ عَزْمًا


1527 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِذَا حَضَرْتُمْ الْمَرِيض أَوْ الْمَيِّت فَقُولُوا خَيْرًا فَإِنَّ الْمَلَائِكَة يُؤَمِّنُونَ عَلَى مَا تَقُولُونَ )
فِيهِ النَّدْب إِلَى قَوْل الْخَيْر حِينَئِذٍ مِنْ الدُّعَاء وَالِاسْتِغْفَار لَهُ وَطَلَب اللُّطْف بِهِ وَالتَّخْفِيف عَنْهُ وَنَحْوه ، وَفِيهِ حُضُور الْمَلَائِكَة حِينَئِذٍ وَتَأْمِينهمْ .


1528 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَقَدْ شَقَّ بَصَرُهُ )
هُوَ بِفَتْحِ الشِّين وَرَفْع بَصَره وَهُوَ فَاعِل شَقَّ هَكَذَا ضَبَطْنَاهُ ، وَهُوَ الْمَشْهُور ، وَضَبَطَهُ بَعْضهمْ ( بَصَره ) بِالنَّصْبِ ، وَهُوَ صَحِيح أَيْضًا وَالشِّين مَفْتُوحَة بِلَا خِلَاف . قَالَ الْقَاضِي : قَالَ صَاحِب الْأَفْعَال : يُقَال شَقَّ بَصَر الْمَيِّت وَشَقَّ الْمَيِّت بَصَره وَمَعْنَاهُ شَخَصَ كَمَا فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى وَقَالَ اِبْن السِّكِّيت فِي الْإِصْلَاح ، وَالْجَوْهَرِيّ حِكَايَة عَنْ اِبْن السِّكِّيت : يُقَال : شَقَّ بَصَر الْمَيِّت ، وَلَا تَقُلْ : شَقَّ الْمَيِّت بَصَره ، وَهُوَ الَّذِي حَضَرَهُ الْمَوْت ، وَصَارَ يَنْظُر إِلَى الشَّيْء لَا يَرْتَدّ إِلَيْهِ طَرَفه .
قَوْلهَا : ( فَأَغْمَضَهُ )
دَلِيل عَلَى اِسْتِحْبَاب إِغْمَاض الْمَيِّت ، وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى ذَلِكَ . قَالُوا : وَالْحِكْمَة فِيهِ أَلَّا يَقْبُح بِمَنْظَرِهِ لَوْ تَرَكَ إِغْمَاضه .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ الرُّوح إِذَا قُبِضَ تَبِعَهُ الْبَصَر )
مَعْنَاهُ إِذَا خَرَجَ الرُّوح مِنْ الْجَسَد يَتْبَعهُ الْبَصَر نَاظِرًا أَيْنَ يَذْهَب وَفِي ( الرُّوح ) لُغَتَانِ وَالتَّأْنِيث وَهَذَا الْحَدِيث دَلِيل لِلتَّذْكِيرِ ، وَفِيهِ دَلِيل لِمَذْهَبِ أَصْحَابنَا الْمُتَكَلِّمِينَ وَمَنْ وَافَقَهُمْ أَنَّ الرُّوح أَجْسَام لَطِيفَة مُتَخَلِّلَة فِي الْبَدَن ، وَتَذْهَب الْحَيَاة مِنْ الْجَسَد بِذَهَابِهَا وَلَيْسَ عَرْضًا كَمَا قَالَهُ آخَرُونَ ، وَلَا دَمًا كَمَا قَالَهُ آخَرُونَ ، وَفِيهَا كَلَام مُتَشَعِّب لِلْمُتَكَلِّمِينَ .
قَوْلهَا : ( ثُمَّ قَالَ : اللَّهُمَّ اِغْفِرْ لِأَبِي سَلَمَة )
إِلَى آخِره فِيهِ اِسْتِحْبَاب الدُّعَاء لِلْمَيِّتِ عِنْد مَوْته وَلِأَهْلِهِ وَذُرِّيَّته بِأُمُورِ الْآخِرَة وَالدُّنْيَا .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَأَخْلَفَهُ فِي عَقِبه فِي الْغَابِرِينَ )
أَيْ الْبَاقِينَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : { إِلَّا اِمْرَأَته كَانَتْ مِنْ الْغَابِرِينَ } .


1529 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( شَخَصَ بَصَره )
بِفَتْحِ الْخَاء أَيْ اِرْتَفَعَ وَلَمْ يَرْتَدّ .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( يَتْبَع بَصَره نَفْسه )
الْمُرَاد بِالنَّفْسِ هُنَا الرُّوح : قَالَ الْقَاضِي : وَفِيهِ أَنَّ الْمَوْت لَيْسَ بِإِفْنَاءٍ وَإِعْدَام ، وَإِنَّمَا هُوَ اِنْتِقَال وَتَغَيُّر حَال وَإِعْدَام الْجَسَد دُون الرُّوح إِلَّا مَا اِسْتَثْنَى مِنْ عَجْب الذَّنَب قَالَ : وَفِيهِ حُجَّة لِمَنْ يَقُول : الرُّوح وَالنَّفْس بِمَعْنًى .


1530 - قَوْلهَا : ( غَرِيب وَفِي أَرْض غُرْبَة )
مَعْنَاهُ أَنَّهُ مِنْ أَهْل مَكَّة وَمَاتَ بِالْمَدِينَةِ .
قَوْلهَا : ( أَقْبَلَتْ اِمْرَأَة مِنْ الصَّعِيد )
الْمُرَاد بِالصَّعِيدِ هُنَا عَوَالِي الْمَدِينَة ، وَأَصْل الصَّعِيد مَا كَانَ عَلَى وَجْه الْأَرْض .
قَوْلهَا : ( تُسْعِدنِي )
أَيْ تُسَاعِدنِي فِي الْبُكَاء وَالنَّوْح .


1531 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ لِلَّهِ مَا أَخَذَ وَلَهُ مَا أَعْطَى وَكُلّ شَيْء عِنْده بِأَجَلٍ مُسَمَّى )
مَعْنَاهُ الْحَثّ عَلَى الصَّبْر وَالتَّسْلِيم لِقَضَاءِ اللَّه وَتَقْدِيره إِنَّ هَذَا الَّذِي أَخَذَ مِنْكُمْ كَانَ لَهُ لَا لَكُمْ فَلَمْ يَأْخُذ إِلَّا مَا هُوَ لَهُ فَيَنْبَغِي أَلَّا تَجْزَعُوا كَمَا لَا يَجْزَع مَنْ اُسْتُرِدَّتْ مِنْهُ وَدِيعَة أَوْ عَارِيَة .
وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَلَهُ مَا أَعْطَى ) عَنَاهُ أَنَّ مَا وَهَبَهُ لَكُمْ لَيْسَ خَارِجًا عَنْ مِلْكه بَلْ هُوَ سُبْحَانه وَتَعَالَى يَفْعَل فِيهِ مَا يَشَاء .
وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَكُلّ شَيْء عِنْده بِأَجَلٍ مُسَمَّى )
مَعْنَاهُ اِصْبِرُوا وَلَا تَجْزَعُوا فَإِنَّ كُلّ مَنْ يَأْتِ قَدْ اِنْقَضَى أَجَله الْمُسَمَّى فَمُحَال تَقَدُّمه أَوْ تَأَخُّره عَنْهُ ، فَإِذَا عَلِمْتُمْ هَذَا كُلّه فَاصْبِرُوا وَاحْتَسِبُوا مَا نَزَلَ بِكُمْ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَهَذَا الْحَدِيث مِنْ قَوَاعِد الْإِسْلَام الْمُشْتَمِلَة عَلَى جُمَل مِنْ أُصُول الدِّين وَفُرُوعه وَالْآدَاب .
قَوْله : ( وَنَفْسه تَقَعْقَعُ كَأَنَّهَا فِي شَنَّة )
هُوَ بِفَتْحِ التَّاء وَالْقَافَيْنِ وَالشَّنَّة الْقِرْبَة الْبَالِيَة وَمَعْنَاهُ لَهَا صَوْت وَحَشْرَجَة كَصَوْتِ الْمَاء إِذَا أُلْقِيَ فِي الْقِرْبَة الْبَالِيَة .
قَوْله : ( فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ فَقَالَ لَهُ سَعْد : مَا هَذَا يَا رَسُول اللَّه ؟ قَالَ : هَذِهِ رَحْمَة جَعَلَهَا اللَّه فِي قُلُوب عِبَاده وَإِنَّمَا يَرْحَم اللَّه مِنْ عِبَاده الرُّحَمَاء )
مَعْنَاهُ أَنَّ سَعْدًا ظَنَّ أَنَّ جَمِيع أَنْوَاع الْبُكَاء حَرَام ، وَأَنَّ دَمْع الْعَيْن حَرَام ، وَظَنَّ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَسِيَ فَذَكَرَهُ ، فَأَعْلَمَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ مُجَرَّد الْبُكَاء وَدَمَعَ بِعَيْنٍ لَيْسَ بِحَرَامٍ وَلَا مَكْرُوه بَلْ هُوَ رَحْمَة وَفَضِيلَة وَإِنَّمَا الْمُحَرَّم النَّوْح وَالنَّدْب وَالْبُكَاء الْمَقْرُون بِهِمَا أَوْ بِأَحَدِهِمَا كَمَا سَيَأْتِي فِي الْأَحَادِيث ( أَنَّ اللَّه لَا يُعَذِّب بِدَمْعِ الْعَيْن وَلَا بِحُزْنِ الْقَلْب وَلَكِنْ يُعَذِّب بِهَذَا أَوْ يَرْحَم وَأَشَارَ إِلَى لِسَانه ) وَفِي الْحَدِيث الْآخَر ( الْعَيْن تَدْمَع وَالْقَلْب يَحْزَن وَلَا نَقُول مَا يُسْخِط اللَّه ) وَفِي الْحَدِيث الْآخَر ( مَا لَمْ يَكُنْ لَقْع أَوْ لَقْلَقَة ) .


1532 - قَوْله : ( وَجَدَهُ فِي غَشْيَة )
هُوَ بِفَتْحِ الْغَيْن وَكَسْر الشِّين وَتَشْدِيد الْيَاء قَالَ الْقَاضِي : هَكَذَا رِوَايَة الْأَكْثَرِينَ . قَالَ : وَضَبَطَهُ بَعْضهمْ بِإِسْكَانِ الشِّين وَتَخْفِيف الْيَاء . وَفِي رِوَايَة الْبُخَارِيّ ( فِي غَاشِيَة ) وَكُلّه صَحِيح ، وَفِيهِ قَوْلَانِ أَحَدهمَا مَنْ يَغْشَاهُ مِنْ أَهْله ، وَالثَّانِي مَا يَغْشَاهُ مِنْ كَرْب الْمَوْت .
قَوْله : ( فَأَتَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعُودهُ مَعَ عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف وَسَعْد بْن أَبِي وَقَّاص وَعَبْد اللَّه بْن مَسْعُود )
فِيهِ اِسْتِحْبَاب عِيَادَة الْمَرِيض وَعِيَادَة الْفَاضِل الْمَفْضُول وَعِيَادَة الْإِمَام وَالْقَاضِي وَالْعَالِم وَأَتْبَاعه .


1533 - قَوْله : ( مَا عَلَيْنَا نِعَال وَلَا خِفَاف وَلَا قَلَانِس وَلَا قُمُص )
فِيهِ مَا كَانَتْ الصَّحَابَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ مِنْ الزُّهْد فِي الدُّنْيَا وَالتَّقَلُّل مِنْهَا وَإِطْرَاح فُضُولهَا وَعَدَم الِاهْتِمَام بِفَاخِرِ اللِّبَاس وَنَحْوه ، وَفِيهِ جَوَاز الْمَشْي حَافِيًا وَعِيَادَة الْإِمَام وَالْعَالِم الْمَرِيض مَعَ أَصْحَابه .


1534 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( الصَّبْر عِنْد الصَّدْمَة الْأُولَى )
وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى ( إِنَّمَا الصَّبْر ) مَعْنَاهُ الصَّبْر الْكَامِل الَّذِي يَتَرَتَّب عَلَيْهِ الْأَجْر الْجَزِيل لِكَثْرَةِ الْمَشَقَّة فِيهِ ، وَأَصْل الصَّدْم الضَّرْب فِي شَيْء صُلْب ، ثُمَّ اُسْتُعْمِلَ مَجَازًا فِي كُلّ مَكْرُوه حَصَلَ بَغْتَة .


1535 - قَوْله : ( أَتَى عَلَى اِمْرَأَة تَبْكِي عَلَى صَبِيّ لَهَا فَقَالَ لَهَا : اِتَّقِي اللَّه وَاصْبِرِي )
فِيهِ : الْأَمْر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَنْ الْمُنْكَر مَعَ كُلّ أَحَد .
قَوْلهَا : ( وَمَا تُبَالِي بِمُصِيبَتِي )
ثُمَّ قَالَتْ فِي آخِره : ( لَمْ أَعْرِفك )
فِيهِ الِاعْتِذَار إِلَى أَهْل الْفَضْل إِذَا أَسَاءَ الْإِنْسَان أَدَبه مَعَهُمْ ، وَفِيهِ صِحَّة قَوْل الْإِنْسَان مَا أُبَالِي بِكَذَا ، وَالرَّدّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ لَا يَجُوز إِثْبَات الْبَاء ، يُقَال : مَا بَالَيْت كَذَا ، وَهُوَ غَلَط ، بَلْ الصَّوَاب جَوَاز إِثْبَات الْبَاء وَحَذْفهَا ، وَقَدْ كَثُرَ فِي ذَلِكَ الْأَحَادِيث .
قَوْله : ( فَلَمْ تَجِد عَلَى بَابه بَوَّابِينَ )
فِيهِ مَا كَانَ عَلَيْهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ التَّوَاضُع ، وَأَنَّهُ يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ وَالْقَاضِي إِذَا لَمْ يَحْتَجْ إِلَى بَوَّاب أَنْ لَا يَتَّخِذهُ ، وَهَكَذَا قَالَ أَصْحَابنَا .


قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ الْمَيِّت لَيُعَذِّب بِبُكَاءِ أَهْله عَلَيْهِ )
وَفِي رِوَايَة ( بِبَعْضِ بُكَاء أَهْله عَلَيْهِ ) وَفِي رِوَايَة ( بِبُكَاءِ الْحَيّ ) وَفِي رِوَايَة ( يُعَذَّب فِي قَبْره بِمَا نِيحَ عَلَيْهِ ) وَفِي رِوَايَة ( مَنْ يَبْكِ عَلَيْهِ يُعَذَّب ) وَهَذِهِ الرِّوَايَات مِنْ رِوَايَة عُمَر بْن الْخَطَّاب وَابْنه عَبْد اللَّه رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا ، وَأَنْكَرَتْ عَائِشَة وَنَسَبَتْهَا إِلَى النِّسْيَان وَالِاشْتِبَاه عَلَيْهِمَا ، وَأَنْكَرَتْ أَنْ يَكُون النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ذَلِكَ ، وَاحْتَجَّتْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى { وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى } قَالَتْ : وَإِنَّمَا قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي يَهُودِيَّة أَنَّهَا تُعَذَّب وَهُمْ يَبْكُونَ عَلَيْهَا يَعْنِي تُعَذَّب بِكُفْرِهَا فِي حَال بُكَاء أَهْلهَا لَا بِسَبَبِ الْبُكَاء وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي هَذِهِ الْأَحَادِيث فَتَأَوَّلَهَا الْجُمْهُور عَلَى مَنْ وَصَّى بِأَنْ يُبْكَى عَلَيْهِ وَيُنَاح بَعْد مَوْته فَنُفِّذَتْ وَصِيَّته ، فَهَذَا يُعَذَّب بِبُكَاءِ أَهْله عَلَيْهِ وَنَوْحهمْ ؛ لِأَنَّهُ بِسَبَبِهِ وَمَنْسُوب إِلَيْهِ . قَالُوا فَأَمَّا مَنْ بَكَى عَلَيْهِ أَهْله وَنَاحُوا مِنْ غَيْر وَصِيَّة مِنْهُ فَلَا يُعَذَّب لِقَوْلِ اللَّه تَعَالَى { وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى } قَالُوا : وَكَانَ مِنْ عَادَة الْعَرَب الْوَصِيَّة بِذَلِكَ وَمِنْهُ قَوْل طَرَفَةَ بْن الْعَبْد : إِذَا مِتُّ فَانْعِينِي بِمَا أَنَا أَهْله وَشُقِّي عَلَيَّ الْجَيْب يَا اِبْنَة مَعْبَد
قَالُوا : فَخَرَجَ الْحَدِيث مُطْلَقًا حَمْلًا عَلَى مَا كَانَ مُعْتَادًا لَهُمْ . وَقَالَتْ طَائِفَة : هُوَ مَحْمُول عَلَى مَنْ أَوْصَى بِالْبُكَاءِ وَالنَّوْح أَوْ لَمْ يُوصِ بِتَرْكِهِمَا . فَمَنْ أَوْصَى بِهِمَا أَوْ أَهْمَلَ الْوَصِيَّة بِتَرْكِهِمَا يُعَذَّب بِهِمَا لِتَفْرِيطِهِ بِإِهْمَالِ الْوَصِيَّة بِتَرْكِهِمَا فَأَمَّا مَنْ وَصَّى بِتَرْكِهِمَا فَلَا يُعَذَّب بِهِمَا إِذْ لَا صُنْع لَهُ فِيهِمَا وَلَا تَفْرِيط مِنْهُ . وَحَاصِل هَذَا الْقَوْل إِيجَاب الْوَصِيَّة بِتَرْكِهِمَا ، وَمَنْ أَهْمَلَهُمَا عُذِّبَ بِهِمَا . وَقَالَتْ طَائِفَة : مَعْنَى الْأَحَادِيث أَنَّهُمْ كَانُوا يَنُوحُونَ عَلَى الْمَيِّت وَيَنْدُبُونَهُ بِتَعْدِيدِ شَمَائِله وَمَحَاسِنه فِي زَعْمهمْ ، وَتِلْكَ الشَّمَائِل قَبَائِح فِي الشَّرْع يُعَذَّب بِهَا كَمَا كَانُوا يَقُولُونَ : يَا مُؤَيِّد النِّسْوَانِ ، وَمُؤْتِمّ الْوِلْدَان وَمُخَرِّب الْعُمْرَانِ وَمُفَرِّق الْأَخْدَان ، وَنَحْو ذَلِكَ مِمَّا يَرَوْنَهُ شَجَاعَة وَفَخْرًا وَهُوَ حَرَام شَرْعًا . وَقَالَتْ طَائِفَة : مَعْنَاهُ أَنَّهُ يُعَذَّب بِسَمَاعِهِ بُكَاء أَهْله وَيَرِقّ لَهُمْ وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ مُحَمَّد بْن جَرِير الطَّبَرِيُّ وَغَيْره . وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاض : وَهُوَ أَوْلَى الْأَقْوَال ، وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثٍ فِيهِ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَجَرَ اِمْرَأَة عَنْ الْبُكَاء عَلَى أَبِيهَا وَقَالَ : ( إِنَّ أَحَدكُمْ إِذَا بَكَى اِسْتَعْبَرَ لَهُ صُوَيْحِبه فَيَا عِبَاد اللَّه لَا تُعَذِّبُوا إِخْوَانكُمْ ) وَقَالَتْ عَائِشَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا : مَعْنَى الْحَدِيث أَنَّ الْكَافِر أَوْ غَيْره مِنْ أَصْحَاب الذُّنُوب يُعَذَّب فِي حَال بُكَاء أَهْله عَلَيْهِ بِذَنْبِهِ لَا بِبُكَائِهِمْ وَالصَّحِيح مِنْ هَذِهِ الْأَقْوَال مَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الْجُمْهُور وَأَجْمَعُوا كُلّهمْ عَلَى اِخْتِلَاف مَذَاهِبهمْ عَلَى أَنَّ الْمُرَاد بِالْبُكَاءِ هُنَا الْبُكَاء بِصَوْتٍ وَنِيَاحَة لَا مُجَرَّد دَمْع الْعَيْن .


1536 - سبق شرحه بالباب


1537 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيث مُحَمَّد بْن بَشَّار : ( يُعَذَّب فِي قَبْره بِمَا نِيحَ عَلَيْهِ )
وَ ( مَا نِيحَ عَلَيْهِ ) بِإِثْبَاتِ الْبَاء وَحَذْفهَا وَهُمَا صَحِيحَانِ وَفِي رِوَايَة بِإِثْبَاتِ ( فِي قَبْره ) وَفِي رِوَايَة بِحَذْفِهِ .


1538 - سبق شرحه بالباب


1541 - قَوْله : ( فَقَامَ بِحِيَالِهِ يَبْكِي )
أَيْ حِذَاءَهُ وَعِنْده .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ يُبْكَى عَلَيْهِ يُعَذَّب )
هَكَذَا هُوَ فِي الْأُصُول ( يَبْكِي ) بِالْيَاءِ وَهُوَ صَحِيح وَيَكُون ( مَنْ ) بِمَعْنَى الَّذِي وَيَجُوز عَلَى لُغَة أَنْ تَكُون شَرْطِيَّة وَتَثْبِيت الْيَاء وَمِنْهُ قَوْل الشَّاعِر : أَلَمْ يَأْتِيك وَالْأَنْبَاء تُنْمِي .
قَوْله : ( فَذَكَرْت ذَلِكَ لِمُوسَى بْن طَلْحَة )
الْقَائِل فَذَكَرْت ذَلِكَ هُوَ عَبْد الْمَلِك بْن عُمَيْر .


1542 - قَوْله : ( عَوَّلَتْ عَلَيْهِ حَفْصَةُ فَقَالَ : يَا حَفْصَة أَمَا سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول الْمُعَوَّل عَلَيْهِ يُعَذَّب )
قَالَ مُحَقِّقُو أَهْل اللُّغَة : يُقَال عَوَّلَ عَلَيْهِ وَأَعْوَلَ لُغَتَانِ ، وَهُوَ الْبُكَاء بِصَوْتٍ . وَقَالَ بَعْضهمْ : لَا يُقَال إِلَّا أَعْوَلَ ، وَهَذَا الْحَدِيث يَرُدّ عَلَيْهِ .


1543 - قَوْله : ( عَنْ عَائِشَة فَقَالَتْ : لَا وَاَللَّه مَا قَالَهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَطُّ إِنَّ الْمَيِّت يُعَذَّب بِبُكَاءِ أَحَد )
فِي هَذِهِ جَوَاز الْحَلِف بِغَلَبَةِ الظَّنّ بِقَرَائِن وَإِنْ لَمْ يَقْطَع الْإِنْسَان ، وَهَذَا مَذْهَبنَا ، وَمِنْ هَذَا قَالُوا لَهُ الْحَلِف بِدَيْنٍ رَآهُ بِخَطِّ أَبِيهِ الْمَيِّت عَلَى فُلَان إِذَا ظَنَّهُ فَإِنْ قِيلَ فَلَعَلَّ عَائِشَة لَمْ تَحْلِف عَلَى ظَنٍّ بَلْ عَلَى عِلْم وَتَكُون سَمِعَتْهُ مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي آخِر أَجْزَاء حَيَاته قُلْنَا : هَذَا بَعِيد مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدهمَا : أَنَّ عُمَر وَابْن عُمَر سَمِعَاهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : فَيُعَذَّب بِبُكَاءِ أَهْله وَالثَّانِي لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَاحْتَجَّتْ بِهِ عَائِشَة وَقَالَتْ سَمِعَتْهُ فِي آخِر حَيَاته صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ تَحْتَجْ بِهِ إِنَّمَا اِحْتَجَّتْ بِالْآيَةِ . وَاَللَّه أَعْلَم .


1547 - قَوْلهَا : ( وَهِلَ )
هُوَ بِفَتْحِ الْوَاو وَكَسْر الْهَاء وَفَتْحهَا أَيْ غَلِطَ وَنَسِيَ . وَأَمَّا قَوْلهَا فِي إِنْكَارهَا سَمَاع الْمَوْتَى فَسَيَأْتِي بَسْط الْكَلَام فِيهِ فِي آخِر الْكِتَاب حَيْثُ ذَكَرَ مُسْلِم أَحَادِيثه .


1550 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَالِاسْتِسْقَاء بِالنُّجُومِ )
قَدْ سَبَقَ بَيَانه فِي كِتَاب الْإِيمَان فِي حَدِيث مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( النَّائِحَة إِذَا لَمْ تَتُبْ قَبْل مَوْتهَا )
إِلَى آخِره فِيهِ دَلِيل عَلَى تَحْرِيم النِّيَاحَة وَهُوَ مُجْمَع عَلَيْهِ ، وَفِيهِ صِحَّة التَّوْبَة مَا لَمْ يَمُتْ الْمُكَلَّف وَلَمْ يَصِلْ إِلَى الْغَرْغَرَة .


1551 - قَوْلهَا : ( أَنْظُرُ مِنْ صَائِر الْبَاب شِقّ الْبَاب )
هَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَات الْبُخَارِيّ وَمُسْلِم صَائِر الْبَاب شَقِّ الْبَاب ، وَشَقُّ الْبَاب تَفْسِير لِلصَّائِرِ ، وَهُوَ بِفَتْحِ الشِّين ، وَقَالَ بَعْضهمْ : لَا يُقَال : ( صَائِر ) وَإِنَّمَا يُقَال : ( صِير ) بِكَسْرِ الصَّاد وَإِسْكَان الْيَاء .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( اِذْهَبْ فَاحْثُ فِي أَفْوَاههنَّ مِنْ التُّرَاب )
هُوَ بِضَمِّ الثَّاء وَكَسْرهَا يُقَال : حَثَا يَحْثُو وَحَثَى يَحْثِي ، لُغَتَانِ . وَأَمَرَهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ مُبَالَغَة فِي إِنْكَار الْبُكَاء عَلَيْهِنَّ وَمَنْعهنَّ مِنْهُ ، ثُمَّ تَأَوَّلَهُ بَعْضهمْ عَلَى أَنَّهُ كَانَ بُكَاء بِنَوْحٍ وَصِيَاح وَلِهَذَا تَأَكَّدَ النَّهْي ، وَلَوْ كَانَ مُجَرَّد دَمْع الْعَيْن لَمْ يَنْهَ عَنْهُ لِأَنَّهُ ( صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَلَهُ وَأَخْبَرَ أَنَّهُ لَيْسَ بِحَرَامٍ ، وَأَنَّهُ رَحْمَة . وَتَأَوَّلَهُ بَعْضهمْ عَلَى أَنَّهُ كَانَ بُكَاء مِنْ غَيْر نِيَاحَة وَلَا صَوْت . قَالَ : وَيَبْعُد أَنَّ الصَّحَابِيَّات يَتَمَادَيْنَ بَعْد تَكْرَار نَهْيهنَّ عَلَى مُحَرَّم وَإِنَّمَا كَانَ بُكَاء مُجَرَّدًا ، وَالنَّهْي عَنْهُ تَنْزِيه وَأَدَب لَا لِلتَّحْرِيمِ ، فَلِهَذَا أَصْرَرْنَ عَلَيْهِ مُتَأَوِّلَات .
قَوْله ( أَرْغَمَ اللَّه أَنْفك وَاَللَّه مَا تَفْعَل مَا أَمَرَك رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا تَرَكْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْعَنَاء )
مَعْنَاهُ أَنَّك قَاصِر لَا تَقُوم بِمَا أُمِرْت بِهِ مِنْ الْإِنْكَار لِنَقْصِك وَتَقْصِيرك ، وَلَا تُخْبِر النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقُصُورِك عَنْ ذَلِكَ حَتَّى يُرْسِل غَيْرك وَيَسْتَرِيح مِنْ الْعَنَاء . وَالْعَنَاء بِالْمَدِّ الْمَشَقَّة وَالتَّعَب . وَقَوْلهمْ : أَرْغَمَ اللَّه أَنْفه أَيْ أَلْصَقَهُ بِالرَّغَامِ وَهُوَ التُّرَاب ، وَهُوَ إِشَارَة إِلَى إِذْلَاله وَإِهَانَته .
قَوْله : ( وَفِي حَدِيث عَبْد الْعَزِيز وَمَا تَرَكْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْعِيّ )
هَكَذَا هُوَ فِي مُعْظَم نُسَخ بِلَادنَا هُنَا الْعِيّ بِكَسْرِ الْعَيْن الْمُهْمَلَة أَيْ التَّعَب ، وَهُوَ بِمَعْنَى الْعَنَاء السَّابِق فِي الرِّوَايَة الْأُولَى . قَالَ الْقَاضِي : وَوَقَعَ عِنْد بَعْضهمْ ( الْغَيّ ) بِالْمُعْجَمَةِ ، وَهُوَ تَصْحِيف . قَالَ : وَوَقَعَ عِنْد أَكْثَرهمْ ( الْعَنَاء ) بِالْمَدِّ وَهُوَ الَّذِي نَسَبَهُ إِلَى الْأَكْثَرِينَ خِلَاف سِيَاق مُسْلِم لِأَنَّ مُسْلِمًا رَوَى الْأَوَّل الْعَنَاء ، ثُمَّ رَوَى الرِّوَايَة الثَّانِيَة ، وَقَالَ : إِنَّهَا بِنَحْوِ الْأُولَى إِلَّا فِي هَذَا اللَّفْظ فَيَتَعَيَّن أَنْ يَكُون خِلَافه .


1552 - قَوْلهَا : ( أَخَذَ عَلَيْنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ الْبَيْعَة أَنْ لَا نَنُوح )
وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى ( فِي الْبَيْعَة ) فِيهِ تَحْرِيم النَّوْح وَعَظِيم قُبْحه وَالِاهْتِمَام بِإِنْكَارِهِ وَالزَّجْر عَنْهُ لِأَنَّهُ مُهَيِّج لِلْحُزْنِ وَرَافِع لِلصَّبْرِ ، وَفِيهِ مُخَالَفَة التَّسْلِيم لِلْقَضَاءِ وَالْإِذْعَان لِأَمْرِ اللَّه تَعَالَى .
قَوْلهَا : ( فَمَا وَفَتْ مِنَّا اِمْرَأَة إِلَّا خَمْس )
قَالَ الْقَاضِي : مَعْنَاهُ لَمْ يَفِ مِمَّنْ بَايَعَ مَعَ أُمّ عَطِيَّة فِي الْوَقْت الَّذِي بَايَعَتْ فِيهِ مِنْ النِّسْوَة إِلَّا خَمْس لَا أَنَّهُ لَمْ يَتْرُك النِّيَاحَة مِنْ الْمُسْلِمَات غَيْر خَمْس .


1554 - قَوْله : ( عَنْ أُمّ عَطِيَّة )
حِين نُهِينَ عَنْ النِّيَاحَة
( فَقُلْت يَا رَسُول اللَّه إِلَّا آلَ فُلَان )
هَذَا مَحْمُول عَلَى التَّرْخِيص لِأُمِّ عَطِيَّة فِي آلِ فُلَان خَاصَّة كَمَا هُوَ ظَاهِر ، وَلَا تَحِلّ النِّيَاحَة لِغَيْرِهَا ، وَلَا لَهَا فِي غَيْر آلِ فُلَان ، كَمَا هُوَ صَرِيح فِي الْحَدِيث . وَلِلشَّارِعِ أَنْ يَخُصّ مِنْ الْعُمُوم مَا شَاءَ فَهَذَا صَوَاب الْحُكْم فِي هَذَا الْحَدِيث . وَاسْتَشْكَلَ الْقَاضِي عِيَاض وَغَيْره هَذَا الْحَدِيث ، وَقَالُوا فِيهِ أَقْوَالًا عَجِيبَة . وَمَقْصُودِي التَّحْذِير مِنْ الِاغْتِرَار بِهَا حَتَّى إِنَّ بَعْض الْمَالِكِيَّة قَالَ : النِّيَاحَة لَيْسَتْ بِحَرَامٍ بِهَذَا الْحَدِيِث وَقِصَّة نِسَاء جَعْفَر . قَالَ : وَإِنَّمَا الْمُحَرَّم مَا كَانَ مَعَهُ شَيْء مِنْ أَفْعَال الْجَاهِلِيَّة كَشَقِّ الْجُيُوب وَخَمْش الْخُدُود وَدَعْوَى الْجَاهِلِيَّة . وَالصَّوَاب مَا ذَكَرْنَاهُ أَوَّلًا وَأَنَّ النِّيَاحَة حَرَام مُطْلَقًا وَهُوَ مَذْهَب الْعُلَمَاء كَافَّة ، وَلَيْسَ فِيمَا قَالَهُ هَذَا الْقَائِل دَلِيل صَحِيح لِمَا ذَكَرَهُ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .


1556 - قَوْله : ( عَنْ أُمّ عَطِيَّة نُهِينَا عَنْ اِتِّبَاع الْجَنَائِز وَلَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنَا )
مَعْنَاهُ : نَهَانَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ نَهْي كَرَاهَة تَنْزِيه ، لَا نَهْي عَزِيمَة تَحْرِيم . وَمَذْهَب أَصْحَابنَا أَنَّهُ مَكْرُوه ، لَيْسَ بِحَرَامٍ لِهَذَا الْحَدِيث ، قَالَ الْقَاضِي : قَالَ جُمْهُور الْعُلَمَاء بِمَنْعِهِنَّ مِنْ اِتِّبَاعهَا ، وَأَجَازَهُ عُلَمَاء الْمَدِينَة ، وَأَجَازَهُ مَالِك ، وَكَرِهَهُ لِلشَّابَّةِ .


( بَاب فِي غُسْل الْمَيِّت ) قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( اِغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ أَكْثَر مِنْ ذَلِكَ إِنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ ) ، وَفِي رِوَايَة : ( ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ سَبْعًا أَوْ أَكْثَر مِنْ ذَلِكَ إِنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ ) ، وَفِي رِوَايَة : ( اِغْسِلْنَهَا وِتْرًا ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا ) . وَفِي رِوَايَة : ( اِغْسِلْنَهَا وِتْرًا خَمْسًا أَوْ أَكْثَر ) .
هَذِهِ الرِّوَايَات مُتَّفِقَة فِي الْمَعْنَى ، وَإِنْ اِخْتَلَفَتْ أَلْفَاظهَا ، وَالْمُرَاد : اِغْسِلْنَهَا وِتْرًا ، وَلْيَكُنْ ثَلَاثًا ، فَإِنْ اِحْتَجْتُنَّ إِلَى زِيَادَة عَلَيْهَا لِلْإِنْقَاءِ فَلْيَكُنْ خَمْسًا ، فَإِنْ اِحْتَجْتُنَّ إِلَى زِيَادَة الْإِنْقَاء فَلْيَكُنْ سَبْعًا ، وَهَكَذَا أَبَدًا . وَحَاصِله أَنَّ الْإِيتَار مَأْمُور بِهِ وَالثَّلَاث مَأْمُور بِهَا نَدْبًا ، فَإِنْ حَصَلَ الْإِنْقَاء بِثَلَاثٍ لَمْ تُشْرَع الرَّابِعَة ، وَإِلَّا زِيدَ حَتَّى يَحْصُل الْإِنْقَاء ، وَيُنْدَب كَوْنهَا وِتْرًا .
وَأَصْل غُسْل الْمَيِّت فَرْض كِفَايَة ، وَكَذَا حَمْله وَكَفَنه وَالصَّلَاة عَلَيْهِ وَدَفْنه كُلّهَا فُرُوض كِفَايَة ، وَالْوَاجِب فِي الْغُسْل مَرَّة وَاحِدَة عَامَّة لِلْبَدَنِ ، هَذَا مُخْتَصَر الْكَلَام فِيهِ .


1557 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
( إِنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكِ )
بِكَسْرِ الْكَاف خِطَاب لِأُمِّ عَطِيَّة ، وَمَعْنَاهُ : إِنْ اِحْتَجْتُنَّ ، وَلَيْسَ مَعْنَاهُ التَّخْيِير وَتَفْوِيض ذَلِكَ إِلَى شَهْوَتهنَّ ، وَكَانَتْ أُمّ عَطِيَّة غَاسِلَة لِلْمَيِّتَاتِ ، وَكَانَتْ مِنْ فَاضِلَات الصَّحَابِيَّات أَنْصَارِيَّة . وَاسْمهَا نُسَيْبَةُ بِضَمِّ النُّون ، وَقِيلَ : بِفَتْحِهَا ، وَأَمَّا بِنْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذِهِ الَّتِي غَسَّلَتْهَا فَهِيَ زَيْنَب رَضِيَ اللَّه عَنْهَا هَكَذَا قَالَهُ الْجُمْهُور ، قَالَ الْقَاضِي عِيَاض : وَقَالَ بَعْض أَهْل السِّيَر : إِنَّهَا أُمّ كُلْثُوم ، وَالصَّوَاب : زَيْنَب ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ مُسْلِم فِي رِوَايَته الَّتِي بَعْد هَذِهِ .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
( بِمَاءٍ وَسِدْر )
فِيهِ دَلِيل عَلَى اِسْتِحْبَاب السِّدْر فِي غُسْل الْمَيِّت ، وَهُوَ مُتَّفَق عَلَى اِسْتِحْبَابه ، وَيَكُون فِي الْمَرَّة الْوَاجِبَة . وَقِيلَ : يَجُوز فِيهِمَا .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
( وَاجْعَلْنَ فِي الْآخِرَة كَافُورًا أَوْ شَيْئًا مِنْ كَافُور )
فِيهِ : اِسْتِحْبَاب شَيْء مِنْ الْكَافُور فِي الْأَخِيرَة ، وَهُوَ مُتَّفَق عَلَيْهِ عِنْدنَا ، وَبِهِ قَالَ مَالِك وَأَحْمَد وَجُمْهُور الْعُلَمَاء ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة : لَا يُسْتَحَبّ ، وَحُجَّة الْجُمْهُور هَذَا الْحَدِيث ؛ وَلِأَنَّهُ يُطَيِّب الْمَيِّت ، وَيُصَلِّب بَدَنه وَيُبَرِّدهُ ، وَيَمْنَع إِسْرَاع فَسَاده ، أَوْ يَتَضَمَّن إِكْرَامه .
قَوْلهَا : ( فَأَلْقَى إِلَيْنَا حِقْوَهُ فَقَالَ : أَشْعِرْنَهَا إِيَّاهُ )
هُوَ بِكَسْرِ الْحَاء وَفَتْحهَا لُغَتَانِ ، يَعْنِي : إِزَاره . وَأَصْل الْحِقْو مَعْقِد الْإِزَار وَجَمْعه ، أَحْقٍ وَحِقِيٌّ ، وَسُمِّيَ بِهِ الْإِزَار مَجَازًا ؛ لِأَنَّهُ يُشَدّ فِيهِ . وَمَعْنَى ( أَشْعِرْنَهَا إِيَّاهُ ) اِجْعَلْنَهُ شِعَارًا لَهَا ، وَهُوَ الثَّوْب الَّذِي يَلِي الْجَسَد ، سُمِّيَ شِعَارًا ؛ لِأَنَّهُ يَلِي شَعْر الْجَسَد ، وَالْحِكْمَة فِي إِشْعَارهَا بِهِ تَبْرِيكهَا بِهِ . فَفِيهِ التَّبَرُّك بِآثَارِ الصَّالِحِينَ وَلِبَاسهمْ . وَفِيهِ : جَوَاز تَكْفِين الْمَرْأَة فِي ثَوْب الرَّجُل .


1558 - قَوْلهَا : ( فَمَشَطْنَاهَا ثَلَاثَة قُرُون )
أَيْ : ثَلَاث ضَفَائِر ، جَعَلْنَا قَرْنَيْهَا ضَفِيرَتَيْنِ وَنَاصِيَتهَا ضَفِيرَة كَمَا جَاءَ مُبَيَّنًا فِي غَيْر هَذِهِ الرِّوَايَة . وَمَشَطْنَاهَا بِتَخْفِيفِ الشِّين . فِيهِ : اِسْتِحْبَاب مَشْط رَأْس الْمَيِّت وَضَفْره ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيّ وَأَحْمَد وَإِسْحَاق ، وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَالْكُوفِيُّونَ : لَا يُسْتَحَبّ الْمَشْط وَلَا الضَّفْر ، بَلْ يُرْسَل الشَّعْر عَلَى جَانِبَيْهَا مُفَرَّقًا . وَدَلِيلنَا عَلَيْهِ الْحَدِيث ، وَالظَّاهِر إِطْلَاع النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى ذَلِكَ وَاسْتِئْذَانه فِيهِ كَمَا فِي بَاقِي صِفَة غُسْلهَا .


1559 - سبق شرحه بالباب


1560 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( اِبْدَأْنَ بِمَيَامِنِهَا وَمَوَاضِع الْوُضُوء مِنْهَا )
فِيهِ اِسْتِحْبَاب تَقْدِيم الْمَيَامِن فِي غَسْل الْمَيِّت وَسَائِر الطِّهَارَات ، وَيَلْحَق بِهَا أَنْوَاع الْفَضَائِل . وَالْأَحَادِيث فِي هَذَا الْمَعْنَى كَثِيرَة فِي الصَّحِيح مَشْهُورَة . وَفِيهِ : اِسْتِحْبَاب وُضُوء الْمَيِّت ، وَهُوَ مَذْهَبنَا وَمَذْهَب مَالِك وَالْجُمْهُور ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة : لَا يُسْتَحَبّ ، وَيَكُون الْوُضُوء عِنْدنَا فِي أَوَّل الْغُسْل ، كَمَا فِي وُضُوء الْجُنُب . وَفِي حَدِيث أُمّ عَطِيَّة هَذَا دَلِيل لِأَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ عِنْدنَا : أَنَّ النِّسَاء أَحَقُّ بِغُسْلِ الْمَيِّتَة مِنْ زَوْجهَا ، وَقَدْ تَمْنَع دَلَالَته حَتَّى يَتَحَقَّق أَنَّ زَوْج زَيْنَب كَانَ حَاضِرًا فِي وَقْت وَفَاتهَا لَا مَانِع لَهُ مِنْ غُسْلهَا ، وَأَنَّهُ لَمْ يُفَوِّض الْأَمْر إِلَى النِّسْوَة . وَمَذْهَبنَا وَمَذْهَب الْجُمْهُور أَنَّ لَهُ غُسْل زَوْجَته ، وَقَالَ الشَّعْبِيّ وَالثَّوْرِيّ وَأَبُو حَنِيفَة : لَا يَجُوز لَهُ غُسْلهَا ، وَأَجْمَعُوا أَنَّ لَهَا غُسْل زَوْجهَا ، وَاسْتَدَلَّ بَعْضهمْ بِهَذَا الْحَدِيث عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِب الْغُسْل عَلَى مَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا ، وَوَجْه الدَّلَالَة أَنَّهُ مَوْضِع تَعْليم، فَلَوْ وَجَبَ لَعَلِمَهُ . وَمَذْهَبنَا وَمَذْهَب الْجُمْهُور : أَنَّهُ لَا يَجِب الْغُسْل مِنْ غُسْل الْمَيِّت لَكِنْ يُسْتَحَبّ ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ : لَا أَعْلَم أَحَدًا قَالَ بِوُجُوبِهِ ، وَأَوْجَبَ أَحْمَد وَإِسْحَاق الْوُضُوء مِنْهُ ، وَالْجُمْهُور عَلَى اِسْتِحْبَابه ، وَلَنَا وَجْه شَاذّ أَنَّهُ وَاجِب ، وَلَيْسَ بِشَيْءٍ ، وَالْحَدِيث الْمَرْوِيّ فِيهِ مِنْ رِوَايَة أَبِي هُرَيْرَة " مَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا فَلْيَغْتَسِلْ وَمَنْ مَسَّهُ فَلْيَتَوَضَّأْ " ضَعِيف بالِاتِّفَاقِ .


1562 - قَوْله : ( فَوَجَبَ أَجْرنَا عَلَى اللَّه )
مَعْنَاهُ : وُجُوب إِنْجَاز وَعْد بِالشَّرْعِ لَا وُجُوب بِالْعَقْلِ كَمَا تَزْعُمهُ الْمُعْتَزِلَة ، وَهُوَ نَحْو مَا فِي الْحَدِيث " حَقُّ الْعِبَاد عَلَى اللَّه " وَقَدْ سَبَقَ شَرْحه فِي كِتَاب الْإِيمَان .
قَوْله : ( فَمِنَّا مَنْ مَضَى لَمْ يَأْكُل مِنْ أَجْره شَيْئًا )
مَعْنَاهُ : لَمْ يُوَسَّع عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا ، وَلَمْ يُعَجَّل لَهُ شَيْء مِنْ جَزَاء عَمَله .
قَوْله : ( فَلَمْ يُوجَد لَهُ شَيْء يُكَفَّن فِيهِ إِلَّا نَمِرَة )
هِيَ كِسَاء ، وَفِيهِ : دَلِيل عَلَى أَنَّ الْكَفَن مِنْ رَأْس الْمَال وَأَنَّهُ مُقَدَّم عَلَى الدُّيُون ؛ لِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِتَكْفِينِهِ فِي نَمِرَته وَلَمْ يَسْأَل هَلْ عَلَيْهِ دَيْن مُسْتَغْرِق أَمْ لَا ؟ وَلَا يَبعد مِنْ حَال مَنْ لَا يَكُون عِنْده إِلَّا نَمِرَة أَنْ يَكُون عَلَيْهِ دَيْن . وَاسْتَثْنَى أَصْحَابنَا مِنْ الدُّيُون الدَّيْن الْمُتَعَلِّق بِعَيْنِ الْمَال ، فَيُقَدَّم عَلَى الْكَفَن ، وَذَلِكَ كَالْعَبْدِ الْجَانِي وَالْمَرْهُون ، وَالْمَال الَّذِي تَعَلَّقَتْ بِهِ زَكَاة أَوْ حَقُّ بَائِعه بِالرُّجُوعِ بِإِفْلَاسٍ وَنَحْو ذَلِكَ .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( ضَعُوهَا مِمَّا يَلِي رَأْسه وَاجْعَلُوا عَلَى رِجْلَيْهِ مِنْ الْإِذْخِر )
هُوَ بِكَسْرِ الْهَمْزَة وَالْخَاء ، وَهُوَ حَشِيش مَعْرُوف طَيِّب الرَّائِحَة . وَفِيهِ : دَلِيل عَلَى أَنَّهُ إِذَا ضَاقَ الْكَفَن عَنْ سَتْر جَمِيع الْبَدَن وَلَمْ يُوجَد غَيْره جُعِلَ مِمَّا يَلِي الرَّأْس ، وَجعلَ النَّقْص مِمَّا يَلِي الرِّجْلَيْنِ وَيَسْتُر الرَّأْس ، فَإِنْ ضَاقَ عَنْ ذَلِكَ سُتِرَتْ الْعَوْرَة فَإِنْ فَضَلَ شَيْء جُعِلَ فَوْقهَا ، فَإِنْ ضَاقَ عَنْ الْعَوْرَة سُتِرَتْ السَّوْأَتَانِ ؛ لِأَنَّهُمَا أَهَمُّ وَهُمَا 6 * أَصْل فِي الْعَوْرَة . وَقَدْ يُسْتَدَلّ بِهَذَا الْحَدِيث عَلَى أَنَّ الْوَاجِب فِي الْكَفَن سَتْر الْعَوْرَة فَقَطْ ، وَلَا يَجِب اِسْتِيعَاب الْبَدَن عِنْد التَّمَكُّن . فَإِنْ قِيلَ : لَمْ يَكُونُوا مُتَمَكِّنِينَ مِنْ جَمِيع الْبَدَن لِقَوْلِهِ : لَمْ يُوجَد لَهُ غَيْرهَا ، فَجَوَابه : أَنَّ مَعْنَاهُ : لَمْ يُوجَد مِمَّا يَمْلِك الْمَيِّت إِلَّا نَمِرَة ، وَلَوْ كَانَ سَتْر جَمِيع الْبَدَن وَاجِبًا لَوَجَبَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ الْحَاضِرِينَ تَتْمِيمه إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ قَرِيب تَلْزَمهُ نَفَقَته ، فَإِنْ كَانَ وَجَبَ عَلَيْهِ . فَإِنْ قِيلَ : كَانُوا عَاجِزِينَ عَنْ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْقَضِيَّة جَرَتْ يَوْم أُحُد وَقَدْ كَثُرَتْ الْقَتْلَى مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَاشْتَغَلُوا بِهِمْ وَبِالْخَوْفِ مِنْ الْعَدُوّ وَغَيْر ذَلِكَ ، فَجَوَابه : أَنَّهُ يَبْعُد مِنْ حال الْحَاضِرِينَ الْمُتَوَلِّينَ دَفْنه أَلَّا يَكُون مَعَ وَاحِد مِنْهُمْ قِطْعَة مِنْ ثَوْب وَنَحْوهَا . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
قَوْله : ( مِنَّا مَنْ أَيْنَعَتْ لَهُ ثَمَرَته )
أَيْ : أَدْرَكَتْ وَنَضِجَتْ .
قَوْله : ( فَهو يَهْدِبُهَا )
هُوَ بِفَتْحِ أَوَّله وَبِضَمِّ الدَّال وَكَسْرهَا ، أَيْ يَجْتَنِيهَا . يُقَال : يَنَعَ الثَّمَر وَأَيْنَعَ يُنْعًا وَيُنُوعًا فَهُوَ يَانِع . وَهَدَبَهَا يَهْدِبُهَا إِذَا جَنَاهَا ، وَهَذِهِ اِسْتِعَارَة لِمَا فُتِحَ عَلَيْهِمْ مِنْ الدُّنْيَا .


1563 - قَوْلهَا : ( كُفِّنَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ثَلَاثَة أَثْوَاب بِيض سُحُولِيَّة لَيْسَ فِيهَا قَمِيص وَلَا عِمَامَة )
السَّحُولِيَّة بِفَتْحِ السِّين وَضَمّهَا ، وَالْفَتْح أَشْهَر ، وَهُو رِوَايَة الْأَكْثَرِينَ . قَالَ اِبْن الْأَعْرَابِيّ وَغَيْره : هِيَ ثِيَاب بِيض نَقِيَّة لَا تَكُون إِلَّا مِنْ الْقُطْن ، وَقَالَ اِبْن قُتَيْبَة : ثِيَاب بِيض ، وَلَمْ يَخُصّهَا بِالْقُطْنِ ، وَقَالَ آخَرُونَ : هِيَ مَنْسُوبَة إِلَى سُحُول قَرْيَة بِالْيَمَنِ تُعْمَل فِيهَا ، وَقَالَ الْأَزْهَرِيّ : السَّحُولِيَّة - بِالْفَتْحِ - مَنْسُوبَة إِلَى سُحُول مَدِينَة بِالْيَمَنِ ، يُحْمَل مِنْهَا هَذِهِ الثِّيَاب ، وَبِالضَّمِّ ثِيَاب بِيض ، وَقِيلَ : إِنَّ الْقَرْيَة أَيْضًا بِالضَّمِّ ، حَكَاهُ اِبْن الْأَثِير فِي النِّهَايَة .
فِي هَذَا الْحَدِيث - وَحَدِيث مُصْعَب بْن عُمَيْر السَّابِق وَغَيْرهمَا - وُجُوب تَكْفِين الْمَيِّت ، وَهُوَ إِجْمَاع الْمُسْلِمِينَ ، وَيَجِب فِي مَاله ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَال فَعَلَى مَنْ عَلَيْهِ نَفَقَته ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَفِي بَيْت الْمَال ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَجَبَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ يُوَزِّعهُ الْإِمَام عَلَى أَهْل الْيَسَار وَعَلَى مَا يَرَاهُ .
وَفِيهِ : أَنَّ السُّنَّة فِي الْكَفَن ثَلَاثَة أَثْوَاب لِلرَّجُلِ ، وَهُوَ مَذْهَبنَا وَمَذْهَب الْجَمَاهِير ، وَالْوَاجِب ثَوْب وَاحِد كَمَا سَبَقَ ، وَالْمُسْتَحَبّ فِي الْمَرْأَة خَمْسَة أَثْوَاب ، وَيَجُوز أَنْ يُكَفَّن الرَّجُل فِي خَمْسَة ، لَكِنَّ الْمُسْتَحَبّ أَلَّا يَتَجَاوَز الثَّلَاثَة ، وَأَمَّا الزِّيَادَة عَلَى خَمْسَة فَإِسْرَاف فِي حَقِّ الرَّجُل وَالْمَرْأَة .
قَوْلهَا : ( بِيض ) دَلِيل لِاسْتِحْبَابِ التَّكْفِين فِي الْأَبْيَض ، وَهُوَ مُجْمَع عَلَيْهِ ، وَفِي الْحَدِيث الصَّحِيح فِي الثِّيَاب الْبِيض " وَكَفِّنُوا فِيهَا مَوْتَاكُمْ " وَيُكْرَه الْمُصْبَغَات وَنَحْوهَا مِنْ ثِيَاب الزِّينَة .
وَأَمَّا الْحَرِير ، فَقَالَ أَصْحَابنَا : يَحْرُم تَكْفِين الرَّجُل فِيهِ ، وَيَجُوز تَكْفِين الْمَرْأَة فِيهِ مَعَ الْكَرَاهَة . وَكَرِهَ مَالِك وَعَامَّة الْعُلَمَاء التَّكْفِين فِي الْحَرِير مُطْلَقًا ، قَالَ اِبْن الْمُنْذِر : وَلَا أَحْفَظ خِلَافه .
وَقَوْلهَا : ( لَيْسَ فِيهَا قَمِيص وَلَا عِمَامَة ) مَعْنَاهُ : لَمْ يُكَفَّن فِي قَمِيص وَلَا عِمَامَة ، وَإِنَّمَا كُفِّنَ فِي ثَلَاثَة أَثْوَاب غَيْرهمَا ، وَلَمْ يَكُنْ مَعَ الثَّلَاثَة شَيْء آخَر ، هَكَذَا فَسَّرَهُ الشَّافِعِيّ وَجُمْهُور الْعُلَمَاء ، وَهُوَ الصَّوَاب الَّذِي يَقْتَضِيه ظَاهِر الْحَدِيث . قَالُوا : وَيُسْتَحَبّ أَلَّا يَكُون فِي الْكَفَن قَمِيص وَلَا عِمَامَة ، وَقَالَ مَالِك وَأَبُو حَنِيفَة : يُسْتَحَبّ قَمِيص وَعِمَامَة . وَتَأَوَّلُوا الْحَدِيث عَلَى أَنَّ مَعْنَاهُ : لَيْسَ الْقَمِيص وَالْعِمَامَة مِنْ جُمْلَة الثَّلَاثَة ، وَإِنَّمَا هُمَا زَائِدَانِ عَلَيْهِمَا ، وَهَذَا ضَعِيف ، فَلَمْ يَثْبُت أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُفِّنَ فِي قَمِيص وَعِمَامَة .
وَهَذَا الْحَدِيث يَتَضَمَّن أَنَّ الْقَمِيص الَّذِي غُسِّلَ فِيهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نُزِعَ عَنْهُ عِنْد تَكْفِينه ، وَهَذَا هُوَ الصَّوَاب الَّذِي لَا يُتَّجَه غَيْره ؛ لِأَنَّهُ لَوْ بَقِيَ مَعَ رُطُوبَته لَأَفْسَدَ الْأَكْفَان .
وَأَمَّا الْحَدِيث الَّذِي فِي سُنَن أَبِي دَاوُدَ عَنْ اِبْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُفِّنَ فِي ثَلَاثَة أَثْوَاب : الْحُلَّة ثَوْبَانِ ، وَقَمِيصه الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ ، فَحَدِيث ضَعِيف لَا يَصِحّ الِاحْتِجَاج بِهِ ؛ لِأَنَّ يَزِيد بْن أَبِي زِيَاد أَحَد رُوَاته مُجْمَع عَلَى ضَعْفه ، لَا سِيَّمَا وَقَدْ خَالَفَ بِرِوَايَتِهِ الثِّقَاةِ .
قَوْله : ( مِنْ كُرْسُف ) هُوَ الْقُطْن . وَفِيهِ : دَلِيل عَلَى اِسْتِحْبَاب كَفَن الْقُطْن .
قَوْلهَا : ( أَمَّا الْحُلَّة فَإِنَّمَا شُبِّهَ عَلَى النَّاس فِيهَا )
هُوَ بِضَمِّ الشِّين وَكَسْر الْبَاء الْمُشَدَّدَة ، وَمَعْنَاهُ : اِشْتَبَهَ عَلَيْهِمْ . قَالَ أَهْل اللُّغَة : وَلَا تَكُون الْحُلَّة إِلَّا ثَوْبَيْنِ : إِزَارًا وَرِدَاء .


1564 - قَوْلهَا : ( حُلَّة يَمَنِيَّة كَانَتْ لِعَبْدِ اللَّه بْن أَبِي بَكْر )
ضُبِطَتْ هَذِهِ اللَّفْظَة فِي مُسْلِم عَلَى ثَلَاثَة أَوْجُه حَكَاهَا الْقَاضِي ، وَهِيَ مَوْجُودَة فِي النُّسَخ ، أَحَدهَا ( يَمَنِيَّة ) بِفَتْحِ أَوَّله مَنْسُوبَة إِلَى الْيَمَن . وَالثَّانِي ( يَمَانِيَّة ) مَنْسُوبَة إِلَى الْيَمَن أَيْضًا . وَالثَّالِث ( يُمْنَة ) بِضَمِّ الْيَاء وَإِسْكَان الْمِيم وَهُوَ أَشْهَر . قَالَ الْقَاضِي وَغَيْره : وَهِيَ عَلَى هَذَا مُضَافَة : حُلَّة يُمْنَة ، قَالَ الْخَلِيل : هِيَ ضَرْب مِنْ بُرُود الْيَمَن .
قَوْلهَا : ( وَكُفِّنَ فِي ثَلَاثَة أَثْوَاب سُحُول يَمَانِيَّة )
هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيع الْأُصُول ( سُحُول ) . ( أَمَّا يَمَانِيَّة ) فَبِتَخْفِيفِ الْيَاء عَلَى اللُّغَة الْفَصِيحَة الْمَشْهُورَة ، وَحَكَى سِيبَوَيْهِ وَالْجَوْهَرِيّ وَغَيْرهمَا لُغَة فِي تَشْدِيدهَا ، وَوَجْه الْأَوَّل : أَنَّ الْأَلِف بَدَل يَاء النَّسَب فَلَا يَجْتَمِعَانِ ، بَلْ يُقَال : يَمَنِيَّة أَوْ يَمَانِيَة بِالتَّخْفِيفِ . وَأَمَّا قَوْله : ( سُحُول ) فَبِضَمِّ السِّين وَفَتْحهَا ، وَالضَّمّ أَشْهَر ، وَالسُّحُول - بِضَمِّ السِّين - جَمْع سَحْل ، وَهُوَ ثَوْب الْقُطْن .


1566 - قَوْلهَا : ( سُجِّيَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِين مَاتَ بِثَوْبِ حِبَرَة )
مَعْنَاهُ : غُطِّيَ جَمِيع بَدَنه . وَالْحِبَرَة - بِكَسْرِ الْحَاء وَفَتْح الْبَاء الْمُوَحَّدَة - وَهِيَ ضَرْب مِنْ بُرُود الْيَمَن . وَفِيهِ : اِسْتِحْبَاب تَسْجِيَة الْمَيِّت ، وَهُوَ مُجْمَع عَلَيْهِ ، وَحِكْمَته : صِيَانَته مِنْ الِانْكِشَاف وَسَتْر عَوْرَته الْمُتَغَيِّرَة عَنْ الْأَعْيُن ، قَالَ أَصْحَابنَا : وَيَلُفّ طَرَف الثَّوْب الْمُسَجَّى بِهِ تَحْت رَأْسه ، وَطَرَفه الْآخَر تَحْت رِجْلَيْهِ ؛ لِئَلَّا يَنْكَشِف عَنْهُ قَالُوا : تَكُون التَّسْجِيَة بَعْد نَزْع ثِيَابه الَّتِي تُوُفِّيَ فِيهَا ؛ لِئَلَّا يَتَغَيَّر بَدَنه بِسَبَبِهَا .


1567 - قَوْله : ( أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ يَوْمًا فَذَكَرَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابه قُبِضَ فَكُفِّنَ فِي كَفَن غَيْر طَائِل وَقُبِرَ لَيْلًا ؛ فَزَجَرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُقْبَر الرَّجُل بِاللَّيْلِ حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهِ ، إِلَّا أَنْ يَضْطَرّ إِنْسَان إِلَى ذَلِكَ ، وَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِذَا كَفَّنَ أَحَدكُمْ أَخَاهُ فَلْيُحْسِنْ كَفَنه )
قَوْله : ( غَيْر ) طَائِل أَيْ : حَقِير غَيْر كَامِل السَّتْر . وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهِ ) هُوَ بِفَتْحِ اللَّام .
وَأَمَّا النَّهْي عَنْ الْقَبْر لَيْلًا حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهِ فَقِيلَ : سَبَبه أَنَّ الدَّفْن نَهَارًا يَحْضُرهُ كَثِيرُونَ مِنْ النَّاس وَيُصَلُّونَ عَلَيْهِ ، وَلَا يَحْضُرهُ فِي اللَّيْل إِلَّا أَفْرَاد . وَقِيلَ : لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ بِاللَّيْلِ لِرَدَاءَةِ الْكَفَن فَلَا يَبِين فِي اللَّيْل ، وَيُؤَيِّدهُ أَوَّل الْحَدِيث وَآخِره ، قَالَ الْقَاضِي : الْعِلَّتَانِ صَحِيحَتَانِ ، قَالَ : وَالظَّاهِر أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَصَدَهُمَا مَعًا ، قَالَ : وَقَدْ قِيلَ هَذَا .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِلَّا أَنْ يَضْطَرّ إِنْسَان إِلَى ذَلِكَ ) دَلِيل أَنَّهُ لَا بَأْس بِهِ فِي وَقْت الضَّرُورَة . وَقَدْ اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي الدَّفْن فِي اللَّيْل فَكَرِهَهُ الْحَسَن الْبَصْرِيّ إِلَّا لِضَرُورَةٍ ، وَهَذَا الْحَدِيث مِمَّا يُسْتَدَلّ لَهُ بِهِ وَقَالَ جَمَاهِير الْعُلَمَاء مِنْ السَّلَف وَالْخَلَف : لَا يُكْرَه ، وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّ أَبَا بَكْر الصِّدِّيق رَضِيَ اللَّه عَنْهُ وَجَمَاعَة مِنْ السَّلَف دُفِنُوا لَيْلًا مِنْ غَيْر إِنْكَار ، وَبِحَدِيثِ الْمَرْأَة السَّوْدَاء ، وَالرَّجُل الَّذِي كَانَ يَقُمّ الْمَسْجِد ، فَتُوُفِّيَ بِاللَّيْلِ فَدَفَنُوهُ لَيْلًا ، وَسَأَلَهُمْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْهُ فَقَالُوا : تُوُفِّيَ لَيْلًا فَدَفَنَّاهُ فِي اللَّيْل ، فَقَالَ : " أَلَا آذَنْتُمُونِي ؟ " قَالُوا : كَانَتْ ظُلْمَة ، وَلَمْ يُنْكِر عَلَيْهِمْ . وَأَجَابُوا عَنْ هَذَا الْحَدِيث أَنَّ النَّهْي كَانَ لِتَرْكِ الصَّلَاة ، وَلَمْ يَنْهَ عَنْ مُجَرَّد الدَّفْن بِاللَّيْلِ ، وَإِنَّمَا نَهَى لِتَرْكِ الصَّلَاة أَوْ لِقِلَّةِ الْمُصَلِّينَ أَوْ عَنْ إِسَاءَة الْكَفَن أَوْ عَنْ الْمَجْمُوع كَمَا سَبَقَ .
وَأَمَّا الدَّفْن فِي الْأَوْقَات الْمَنْهِيّ عَنْ الصَّلَاة فِيهَا وَالصَّلَاة عَلَى الْمَيِّت فِيهَا . فَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِيهَا ، فَقَالَ الشَّافِعِيّ وَأَصْحَابه : لَا يُكْرَهَانِ إِلَّا أَنْ يَتَعَمَّد التَّأْخِير إِلَى ذَلِكَ الْوَقْت لِغَيْرِ سَبَب ، بِهِ قَالَ اِبْن عَبْد الْحَكَم الْمَالِكِيّ ، وَقَالَ مَالِك : لَا يُصَلَّى عَلَيْهَا بَعْد الْإِسْفَار وَالِاصْفِرَار حَتَّى تَطْلُع الشَّمْس أَوْ تَغِيب إِلَّا أَنْ يُخْشَى عَلَيْهَا . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة : عِنْد الطُّلُوع وَالْغُرُوب وَنِصْف النَّهَار . وَكَرِهَ اللَّيْث الصَّلَاة عَلَيْهَا فِي جَمِيع أَوْقَات النَّهْي .
وَفِي الْحَدِيث : الْأَمْر بِإِحْسَانِ الْكَفَن . قَالَ الْعُلَمَاء : وَلَيْسَ الْمُرَاد بِإِحْسَانِهِ السَّرَف فِيهِ وَالْمُغَالَاة وَنَفَاسَته ، وَإِنَّمَا الْمُرَاد : نَظَافَته وَنَقَاؤُهُ وَكَثَافَته وَسَتْره وَتَوَسُّطه ، وَكَوْنه مِنْ جِنْس لِبَاسه فِي الْحَيَاة غَالِبًا ، لَا أَفْخَر مِنْهُ وَلَا أَحْقَر .
وَقَوْله : ( فَلْيُحْسِنْ كَفَنه ) ضَبَطُوهُ بِوَجْهَيْنِ ، فَتْح الْحَاء وَإِسْكَانهَا ، وَكِلَاهُمَا صَحِيح . قَالَ الْقَاضِي : وَالْفَتْح أَصْوَب وَأَظْهَر وَأَقْرَب إِلَى لَفْظ الْحَدِيث .


1568 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَسْرِعُوا بِالْجِنَازَةِ )
فِيهِ الْأَمْر بِالْإِسْرَاعِ لِلْحِكْمَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَالَ أَصْحَابنَا وَغَيْرهمْ : يُسْتَحَبّ الْإِسْرَاع بِالْمَشْيِ بِهَا مَا لَمْ يَنْتَهِ إِلَى حَدٍّ يَخَاف اِنْفِجَارهَا وَنَحْوه ، وَإِنَّمَا يُسْتَحَبّ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَخَاف مِنْ شِدَّته اِنْفِجَارهَا أَوْ نَحْوه . وَحَمْل الْجِنَازَة فَرْض كِفَايَة قَالَ أَصْحَابنَا : وَلَا يَجُوز حَمْلهَا عَلَى الْهَيْئَة الْمُزْرِيَة وَلَا هَيْئَة يُخَاف مَعَهَا سُقُوطهَا . قَالُوا : وَلَا يَحْمِلهَا إِلَّا الرِّجَال وَإِنْ كَانَتْ الْمَيِّتَة اِمْرَأَة ؛ لِأَنَّهُمْ أَقْوَى لِذَلِكَ وَالنِّسَاء ضَعِيفَات ، وَرُبَّمَا اِنْكَشَفَ مِنْ الْحَامِل بَعْض بَدَنه . وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنْ اِسْتِحْبَاب الْإِسْرَاع بِالْمَشْيِ بِهَا وَأَنَّهُ مُرَاد الْحَدِيث هُوَ الصَّوَاب الَّذِي عَلَيْهِ جَمَاهِير الْعُلَمَاء . وَنَقَلَ الْقَاضِي عَنْ بَعْضهمْ أَنَّ الْمُرَاد الْإِسْرَاع بِتَجْهِيزِهَا إِذَا اِسْتَحَقَّ مَوْتهَا ، وَهَذَا قَوْل بَاطِل مَرْدُود بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " فَشَرٌّ تَضَعُونَهُ عَنْ رِقَابكُمْ " . وَجَاءَ عَنْ بَعْض السَّلَف كَرَاهَة الْإِسْرَاع ، وَهُوَ مَحْمُول عَلَى الْإِسْرَاع الْمُفْرِط الَّذِي يَخَاف مَعَهُ اِنْفِجَارهَا أَوْ خُرُوج شَيْء مِنْهَا .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَشَرٌّ تَضَعُونَهُ عَنْ رِقَابكُمْ )
مَعْنَاهُ أَنَّهَا بَعِيدَة مِنْ الرَّحْمَة فَلَا مَصْلَحَة لَكُمْ فِي مُصَاحَبَتهَا . وَيُؤْخَذ مِنْهُ تَرْك صُحْبَة أَهْل الْبَطَالَة غَيْر الصَّالِحِينَ .


1570 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ شَهِدَ الْجِنَازَة حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهَا فَلَهُ قِيرَاط ، وَمَنْ شَهِدَهَا حَتَّى تُدْفَن )
فِيهِ : الْحَثّ عَلَى الصَّلَاة عَلَى الْجِنَازَة وَاتِّبَاعهَا وَمُصَاحَبَتهَا حَتَّى تُدْفَن .
وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ شَهِدَهَا حَتَّى تُدْفَن فَلَهُ قِيرَاطَانِ ) مَعْنَاهُ بِالْأَوَّلِ ، فَيَحْصُل بِالصَّلَاةِ قِيرَاط ، وَبِالِاتِّبَاعِ مَعَ حُضُور الدَّفْن قِيرَاط آخَر ، فَيَكُون الْجَمِيع قِيرَاطَيْنِ ، تُبَيِّنهُ رِوَايَة الْبُخَارِيّ فِي أَوَّل صَحِيحه فِي كِتَاب الْإِيمَان : " مَنْ شَهِدَ جِنَازَة وَكَانَ مَعَهَا حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهَا وَيَفْرُغ مِنْ دَفْنهَا رَجَعَ مِنْ الْأَجْر بِقِيرَاطَيْنِ " فَهَذَا صَرِيح فِي أَنَّ الْمَجْمُوع بِالصَّلَاةِ وَالِاتِّبَاع وَحُضُور الدَّفْن قِيرَاطَانِ . وَقَدْ سَبَقَ بَيَان هَذِهِ الْمَسْأَلَة وَنَظَائِرهَا وَالدَّلَائِل عَلَيْهَا فِي مَوَاقِيت الصَّلَاة فِي حَدِيث " مَنْ صَلَّى الْعِشَاء فِي جَمَاعَة فَكَأَنَّمَا قَامَ نِصْف اللَّيْل ، وَمَنْ صَلَّى الْفَجْر فِي جَمَاعَة فَكَأَنَّمَا قَامَ اللَّيْل كُلّه " . وَفِي رِوَايَة الْبُخَارِيّ هَذِهِ مَعَ رِوَايَة مُسْلِم الَّتِي ذَكَرَهَا بَعْد هَذَا مِنْ حَدِيث عَبْد الْأَعْلَى " حَتَّى يَفْرُغ مِنْهَا " دَلِيل عَلَى أَنَّ الْقِيرَاط الثَّانِي لَا يَحْصُل إِلَّا لِمَنْ دَامَ مَعَهَا مِنْ حِين صَلَّى إِلَى أَنْ فَرَغَ وَقْتهَا . وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح عِنْد أَصْحَابنَا . وَقَالَ بَعْض أَصْحَابنَا : يَحْصُل الْقِيرَاط الثَّانِي إِذَا سُتِرَ الْمَيِّت فِي الْقَبْر بِاللَّبِنِ وَإِنْ لَمْ يُلْقَ عَلَيْهِ التُّرَاب ، وَالصَّوَاب الْأَوَّل . وَقَدْ يَسْتَدِلُّ بِلَفْظِ الِاتِّبَاع فِي هَذَا الْحَدِيث وَغَيْره مَنْ يَقُول : الْمَشْي وَرَاء الْجِنَازَة أَفْضَل مِنْ أَمَامهَا ، وَهُوَ قَوْل عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب ، وَمَذْهَب الْأَوْزَاعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَة ، وَقَالَ جُمْهُور الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَمَالِك وَالشَّافِعِيّ وَجَمَاهِير الْعُلَمَاء : الْمَشْي قُدَّامهَا أَفْضَل ، وَقَالَ الثَّوْرِيّ وَطَائِفَة : هُمَا سَوَاء .
قَالَ الْقَاضِي : وَفِي إِطْلَاق هَذَا الْحَدِيث وَغَيْره إِشَارَة إِلَى أَنَّهُ لَا يَحْتَاج الْمُنْصَرِف عَنْ اِتِّبَاع الْجِنَازَة بَعْد دَفْنهَا إِلَى اِسْتِئْذَان ، وَهُوَ مَذْهَب جَمَاهِير الْعُلَمَاء مِنْ الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدهمْ ، وَهُوَ الْمَشْهُور عَنْ مَالِك ، وَحَكَى اِبْن عَبْد الْحَكَم عَنْهُ : أَنَّهُ لَا يَنْصَرِف إِلَّا بِإِذْنٍ ، وَهُوَ قَوْل جَمَاعَة مِنْ الصَّحَابَة .
قَوْله : ( وَفِي حَدِيث عَبْد الْأَعْلَى حَتَّى يَفْرُغ مِنْهَا )
ضَبَطْنَاهُ بِضَمِّ الْيَاء وَفَتْح الرَّاء ، وَعَكْسه ، وَالْأَوَّل أَحْسَن وَأَعَمُّ . وَفِيهِ دَلِيل لِمَنْ يَقُول : الْقِيرَاط الثَّانِي لَا يَحْصُل إِلَّا بِفَرَاغِ الدَّفْن كَمَا سَبَقَ بَيَانه .
وَقَوْله فِي حَدِيث عَبْد الرَّزَّاق : ( حَتَّى تُوضَع فِي اللَّحْد )
وَفِي رِوَايَة بَعْده : ( حَتَّى تُوضَع فِي الْقَبْر ) فِيهِ دَلِيل لِمَنْ يَقُول : يَحْصُل الْقِيرَاط الثَّانِي بِمُجَرَّدِ الْوَضْع فِي اللَّحْد وَإِنْ لَمْ يُلْقَ عَلَيْهِ التُّرَاب ، وَقَدْ سَبَقَ أَنَّ الصَّحِيح أَنَّهُ لَا يَحْصُل إِلَّا بِالْفَرَاغِ مِنْ إِهَالَة التُّرَاب ؛ لِظَاهِرِ الرِّوَايَات الْأُخْرَى حَتَّى يَفْرُغ مِنْهَا ، تُتَأَوَّل هَذِهِ الرِّوَايَة عَلَى أَنَّ الْمُرَاد : يُوضَع فِي اللَّحْد وَيُفْرَغ مِنْهَا ، وَيَكُون الْمُرَاد الْإِشَارَة إِلَى أَنَّهُ لَا يَرْجِع قَبْل وُصُولهَا الْقَبْر .
قَوْله : ( قِيلَ : وَمَا الْقِيرَاطَانِ قَالَ : مِثْل الْجَبَلَيْنِ الْعَظِيمَيْنِ )
الْقِيرَاط : مِقْدَار مِنْ الثَّوَاب مَعْلُوم عِنْد اللَّه تَعَالَى ، وَهَذَا الْحَدِيث يَدُلّ عَلَى عِظَم مِقْدَاره فِي هَذَا الْمَوْضِع ، وَلَا يَلْزَم مِنْ هَذَا أَنْ يَكُون هَذَا هُوَ الْقِيرَاط الْمَذْكُور فِيمَنْ اِقْتَنَى كَلْبًا إِلَّا كَلْب صَيْد أَوْ زَرْع أَوْ مَاشِيَة نَقَصَ مِنْ أَجْره كُلّ يَوْم قِيرَاط ، وَفِي رِوَايَات : ( قِيرَاطَانِ ) ، بَلْ ذَلِكَ قَدْر مَعْلُوم ، وَيَجُوز أَنْ يَكُون مِثْل هَذَا وَأَقَلّ وَأَكْثَر .
قَوْله : ( عَنْ اِبْن عُمَر لَقَدْ ضَيَّعْنَا قَرَارِيط كَثِيرَة )
هَكَذَا ضَبَطْنَاهُ ، وَفِي كَثِير مِنْ الْأُصُول أَوْ أَكْثَرهَا ( ضَيَّعْنَا فِي قَرَارِيط ) بِزِيَادَةِ ( فِي ) وَالْأَوَّل هُوَ الظَّاهِر ، وَالثَّانِي صَحِيح عَلَى أَنْ ضَيَّعْنَا بِمَعْنَى فَرَّطْنَا كَمَا فِي الرِّوَاية الأُخْرَى . وَفِيهِ مَا كَانَ الصَّحَابَة عَلَيْهِ مِنْ الرَّغْبَة فِي الطَّاعَات حِين يَبْلُغهُمْ ، وَالتَّأَسُّف عَلَى مَا يَفُوتهُمْ مِنْهَا وَإِنْ كَانُوا لَا يَعْلَمُونَ عِظَم مَوْقِعه .


1573 - قَوْله : ( فَقَالَ اِبْن عُمَر : أَكْثَر عَلَيْنَا أَبُو هُرَيْرَة )
مَعْنَاهُ : أَنَّهُ خَافَ لِكَثْرَةِ رِوَايَاته أَنَّهُ اِشْتَبَهَ عَلَيْهِ الْأَمْر فِي ذَلِكَ وَاخْتَلَطَ عَلَيْهِ حَدِيث بِحَدِيثٍ لَا أَنَّهُ نَسَبَهُ إِلَى رِوَايَة مَا لَمْ يَسْمَع ، لِأَنَّ مَرْتَبَة اِبْن عُمَر وَأَبِي هُرَيْرَة أَجَلُّ مِنْ هَذَا .


1574 - قَوْله :
( عَبْد اللَّه بْن قُسَيْط )
هُوَ بِضَمِّ الْقَاف وَفَتْح السِّين الْمُهْمَلَة وَإِسْكَان الْيَاء .
قَوْله :
( وَأَخَذَ اِبْن عُمَر قَبْضَة مِنْ حَصْبَاء الْمَسْجِد يُقَلِّبهَا فِي يَده )
وَقَالَ فِي آخِره : ( فَضَرَبَ اِبْن عُمَر بِالْحَصَى الَّذِي كَانَ فِي يَده الْأَرْض ) هَكَذَا ضَبَطْنَاهُ الْأَوَّل ( حَصْبَاء ) بِالْبَاءِ ، وَالثَّانِي
( بِالْحَصَى )
مَقْصُور جَمْع حَصَاة ، وَهَكَذَا هُوَ فِي مُعْظَم الْأُصُول ، وَفِي بَعْضهَا عَكْسه ، وَكِلَاهُمَا صَحِيح ، وَالْحَصْبَاء هُوَ الْحَصَى .
وَفِيهِ : أَنَّهُ لَا بَأْس بِمِثْلِ هَذَا الْفِعْل ، وَإِنَّمَا بَعَثَ اِبْن عُمَر إِلَى عَائِشَة يَسْأَلهَا بَعْد إِخْبَار أَبِي هُرَيْرَة ؛ لِأَنَّهُ خَافَ عَلَى أَبِي هُرَيْرَة النِّسْيَان وَالِاشْتِبَاه كَمَا قَدَّمْنَا بَيَانه ، فَلَمَّا وَافَقَتْهُ عَائِشَة عَلِمَ أَنَّهُ حَفِظَ وَأَتْقَنَ .


1576 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَا مِنْ مَيِّت يُصَلِّي عَلَيْهِ أُمَّة مِنْ الْمُسْلِمِينَ يَبْلُغُونَ مِائَة كُلّهمْ يَشْفَعُونَ لَهُ إِلَّا شُفِّعُوا فِيهِ )
. وَفِي رِوَايَة : ( مَا مِنْ رَجُل مَيِّت فَيَقُوم عَلَى جِنَازَته أَرْبَعُونَ رَجُلًا لَا يُشْرِكُونَ بِاَللَّهِ شَيْئًا إِلَّا شَفَّعَهُمْ اللَّه فِيهِ ) . وَفِي حَدِيث آخَر : " ثَلَاثَة صُفُوف " ، رَوَاهُ أَصْحَاب السُّنَن . قَالَ الْقَاضِي : قِيلَ هَذِهِ الْأَحَادِيث خَرَجَتْ أَجْوِبَة لِسَائِلِينَ سَأَلُوا عَنْ ذَلِكَ ، فَأَجَابَ كُلّ وَاحِد مِنْهُمْ عَنْ سُؤَاله . هَذَا كَلَام الْقَاضِي ، وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبَرَ بِقَبُولِ شَفَاعَة مِائَة فَأَخْبَرَ بِهِ ، ثُمَّ بِقَبُولِ شَفَاعَة أَرْبَعِينَ ، ثُمَّ ثَلَاثَة صُفُوف وَإِنْ قَلَّ عَدَدهمْ ، فَأَخْبَرَ بِهِ ، وَيَحْتَمِل أَيْضًا أَنْ يُقَال : هَذَا مَفْهُوم عَدَد ، وَلَا يَحْتَجّ بِهِ جَمَاهِير الْأُصُولِيِّينَ فَلَا يَلْزَم مِنْ الْإِخْبَار عَنْ قَبُول شَفَاعَة مِائَة مَنْع قَبُول مَا دُون ذَلِكَ ، وَكَذَا فِي الْأَرْبَعِينَ مَعَ ثَلَاثَة صُفُوف ، وَحِينَئِذٍ كُلّ الْأَحَادِيث مَعْمُول بِهَا وَيَحْصُل الشَّفَاعَة بِأَقَلِّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ ثَلَاثَة صُفُوف وَأَرْبَعِينَ .
قَوْله : ( فَحَدَّثْت بِهِ شُعَيْب بْن الْحَبْحَاب فَقَالَ : حَدَّثَنِي بِهِ أَنَس بْن مَالِك عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ )
الْقَائِل : فَحَدَّثْت بِهِ هُوَ : سَلَّام بْن أَبِي مُطِيع الرَّاوِي أَوَّلًا عَنْ أَيُّوب ، هَكَذَا بَيَّنَهُ النَّسَائِيُّ فِي رِوَايَته . وَهَذَا الْحَدِيث ( مَا مِنْ مَيِّت تُصَلِّي عَلَيْهِ أُمَّة مِنْ الْمُسْلِمِينَ يَبْلُغُونَ مِائَة ) قَالَ الْقَاضِي عِيَاض : رَوَاهُ سَعِيد بْن مَنْصُور مَوْقُوفًا عَلَى عَائِشَة ، فَأَشَارَ إِلَى تَعْلِيله بِذَلِكَ وَلَيْسَ مُعَلَّلًا ؛ لِأَنَّ مَنْ رَفَعَهُ ثِقَة ، وَزِيَادَة الثِّقَة مَقْبُولَة ، وَقَدْ قَدَّمْنَا بَيَان هَذِهِ الْقَاعِدَة فِي الْفُصُول فِي مُقَدِّمَة الْكِتَاب ثُمَّ فِي مَوَاضِع .


1578 - قَوْله : ( مُرَّ بِجِنَازَةٍ فَأُثْنِيَ عَلَيْهَا خَيْرًا فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَجَبَتْ وَجَبَتْ وَجَبَتْ ، وَمُرَّ بِجِنَازَةٍ فَأُثْنِيَ عَلَيْهَا شَرًّا فَقَالَ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَجَبَتْ وَجَبَتْ وَجَبَتْ ، فَقَالَ عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : فِدًى لَك أَبِي وَأُمِّي مُرَّ بِجِنَازَةٍ فَأُثْنِيَ عَلَيْهَا خَيْرًا فَقُلْت : وَجَبَتْ وَجَبَتْ وَجَبَتْ ، وَمُرَّ بِجِنَازَةٍ فَأُثْنِيَ عَلَيْهَا شَرًّا فَقُلْت : وَجَبَتْ وَجَبَتْ وَجَبَتْ ؟ فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ خَيْرًا وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّة ، وَمَنْ أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ شَرًّا وَجَبَتْ لَهُ النَّار ، أَنْتُمْ شُهَدَاء اللَّه فِي الْأَرْض ، أَنْتُمْ شُهَدَاء اللَّه فِي الْأَرْض ، أَنْتُمْ شُهَدَاء اللَّه فِي الْأَرْض )
هَكَذَا وَقَعَ هَذَا الْحَدِيث فِي الْأُصُول : وَجَبَتْ وَجَبَتْ وَجَبَتْ ثَلَاث مَرَّات فِي الْمَوَاضِع الْأَرْبَعَة ، وَأَنْتُمْ شُهَدَاء اللَّه فِي الْأَرْض ثَلَاث مَرَّات . وَقَوْله فِي أَوَّله : ( فَأُثْنِيَ عَلَيْهَا خَيْرًا فَأُثْنِيَ عَلَيْهَا شَرًّا ) هَكَذَا هُوَ فِي بَعْض الْأُصُول ( خَيْرًا وَشَرًّا ) بِالنَّصْبِ وَهُوَ مَنْصُوب بِإِسْقَاطِ الْجَار أَيْ فَأُثْنِيَ بِخَيْرٍ وَبِشَرٍّ ، وَفِي بَعْضهَا مَرْفُوع .
وَفِي هَذَا الْحَدِيث اِسْتِحْبَاب تَوْكِيد الْكَلَام الْمُهْتَمّ بِتَكْرَارِهِ لِيُحْفَظ ، وَلِيَكُونَ أَبْلَغَ .
وَأَمَّا مَعْنَاهُ فَفِيهِ قَوْلَانِ لِلْعُلَمَاءِ : أَحَدهمَا : أَنَّ هَذَا الثَّنَاء بِالْخَيْرِ لِمَنْ أَثْنَى عَلَيْهِ أَهْل الْفَضْل فَكَانَ ثَنَاؤُهُمْ مُطَابِقًا لِأَفْعَالِهِ فَيَكُون مِنْ أَهْل الْجَنَّة ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَلَيْسَ هُوَ مُرَادًا بِالْحَدِيثِ .
وَالثَّانِي : وَهُوَ الصَّحِيح الْمُخْتَار أَنَّهُ عَلَى عُمُومه وَإِطْلَاقه وَأَنَّ كُلّ مُسْلِم مَاتَ فَأَلْهَمَ اللَّه تَعَالَى النَّاس أَوْ مُعْظَمهمْ الثَّنَاء عَلَيْهِ كَانَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى أَنَّهُ مِنْ أَهْل الْجَنَّة ، سَوَاء كَانَتْ أَفْعَاله تَقْتَضِي ذَلِكَ أَمْ لَا ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ أَفْعَاله تَقْتَضِيه فَلَا تُحَتَّمُ عَلَيْهِ الْعُقُوبَة ، بَلْ هُوَ فِي خَطَر الْمَشِيئَة ، فَإِذَا أَلْهَمَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ النَّاس الثَّنَاء عَلَيْهِ اِسْتَدْلَلْنَا بِذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ سُبْحَانه وَتَعَالَى قَدْ شَاءَ الْمَغْفِرَة لَهُ ، وَبِهَذَا تَظْهَر فَائِدَة الثَّنَاء .
وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَجَبَتْ وَأَنْتُمْ شُهَدَاء اللَّه ) وَلَوْ كَانَ لَا يَنْفَعهُ ذَلِكَ إِلَّا أَنْ تَكُون أَعْمَاله تَقْتَضِيه لَمْ يَكُنْ لِلثَّنَاءِ فَائِدَة ، وَقَدْ أَثْبَتَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُ فَائِدَة . فَإِنْ قِيلَ : كَيْف مُكِّنُوا بِالثَّنَاءِ بِالشَّرِّ مَعَ الْحَدِيث الصَّحِيح فِي الْبُخَارِيّ وَغَيْره فِي النَّهْي عَنْ سَبِّ الْأَمْوَات ؟ فَالْجَوَاب : أَنَّ النَّهْي عَنْ سَبِّ الْأَمْوَات هُوَ فِي غَيْر الْمُنَافِق وَسَائِر الْكُفَّار ، وَفِي غَيْر الْمُتَظَاهِر بِفِسْقٍ أَوْ بِدْعَة ، فَأَمَّا هَؤُلَاءِ فَلَا يَحْرُم ذِكْرهمْ بِشَرٍّ لِلتَّحْذِيرِ مِنْ طَرِيقَتهمْ ، وَمِنْ الِاقْتِدَاء بِآثَارِهِمْ وَالتَّخَلُّق بِأَخْلَاقِهِمْ ، وَهَذَا الْحَدِيث مَحْمُول عَلَى أَنَّ الَّذِي أَثْنَوْا عَلَيْهِ شَرًّا كَانَ مَشْهُورًا بِنِفَاقٍ أَوْ نَحْوه مِمَّا ذَكَرْنَاهُ . هَذَا هُوَ الصَّوَاب فِي الْجَوَاب عَنْهُ ، وَفِي الْجَمْع بَيْنه وَبَيْن النَّهْي عَنْ السَّبّ ، وَقَدْ بَسَطْت مَعْنَاهُ بِدَلَائِلِهِ فِي كِتَاب الْأَذْكَار .
قَوْله : ( فَأُثْنِيَ عَلَيْهَا شَرًّا ) قَالَ أَهْل اللُّغَة ( الثَّنَاء ) بِتَقْدِيمِ الثَّاء وَبِالْمَدِّ يُسْتَعْمَل فِي الْخَيْر وَلَا يُسْتَعْمَل فِي الشَّرّ ، هَذَا هُوَ الْمَشْهُور ، وَفِيهِ لُغَة شَاذَّة أَنَّهُ يُسْتَعْمَل فِي الشَّرّ أَيْضًا ، وَأَمَّا النَّثَا بِتَقْدِيمِ النُّون وَبِالْقَصْرِ فَيُسْتَعْمَل فِي الشَّرّ خَاصَّة ، وَإِنَّمَا اُسْتُعْمِلَ الثَّنَاء الْمَمْدُود هُنَا فِي الشَّرّ مَجَازًا لِتَجَانُسِ الْكَلَام كَقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ } وَ { مَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ } .
قَوْله : ( فِدًى لَك ) مَقْصُور بِفَتْحِ الْفَاء وَكَسْرهَا .


1579 - قَوْله : ( أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُرَّ عَلَيْهِ بِجِنَازَةٍ فَقَالَ : مُسْتَرِيح وَمُسْتَرَاح ثُمَّ فَسَّرَهُ بِأَنَّ الْمُؤْمِن يَسْتَرِيح مِنْ نَصَب الدُّنْيَا ، وَالْفَاجِر يَسْتَرِيح مِنْهُ الْعِبَاد وَالْبِلَاد وَالشَّجَر وَالدَّوَابّ )
مَعْنَى الْحَدِيث أَنَّ الْمَوْتَى قِسْمَانِ : مُسْتَرِيح وَمُسْتَرَاح مِنْهُ ، وَنَصَب الدُّنْيَا : تَعَبهَا . وَأَمَّا اِسْتِرَاحَة الْعِبَاد مِنْ الْفَاجِر مَعْنَاهُ : اِنْدِفَاع أَذَاهُ عَنْهُمْ ، وَأَذَاهُ يَكُون مِنْ وُجُوه مِنْهَا : ظُلْمه لَهُمْ ، وَمِنْهَا اِرْتِكَابه لِلْمُنْكَرَاتِ فَإِنْ أَنْكَرُوهَا قَاسُوا مَشَقَّة مِنْ ذَلِكَ ، وَرُبَّمَا نَالَهُمْ ضَرَره ، وَإِنْ سَكَتُوا عَنْهُ أَثِمُوا . وَاسْتِرَاحَة الدَّوَابّ مِنْهُ كَذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يُؤْذِيهَا وَيَضُرّ بِهَا وَيُحَمِّلهَا مَا لَا تُطِيقهُ ، وَيُجِيعهَا فِي بَعْض الْأَوْقَات وَغَيْر ذَلِكَ . وَاسْتِرَاحَة الْبِلَاد وَالشَّجَر ، فَقِيلَ : لِأَنَّهَا تُمْنَع الْقَطْر بِمُصِيبَتِهِ ، قَالَهُ الدَّاوُدِيُّ . وَقَالَ الْبَاجِيّ : لِأَنَّهُ يَغْصِبهَا وَيَمْنَعهَا حَقّهَا مِنْ الشُّرْب وَغَيْره .


1580 - قَوْله : ( أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَعَى لِلنَّاسِ النَّجَاشِيّ فِي الْيَوْم الَّذِي مَاتَ فِيهِ فَخَرَجَ إِلَى الْمُصَلَّى وَكَبَّرَ أَرْبَع تَكْبِيرَات )
فِيهِ : إِثْبَات الصَّلَاة عَلَى الْمَيِّت ، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهَا فَرْض كِفَايَة ، وَالصَّحِيح عِنْد أَصْحَابنَا أَنَّ فَرْضهَا يَسْقُط بِصَلَاةِ رَجُل وَاحِد ، وَقِيلَ : يُشْتَرَط اِثْنَانِ . وَقِيلَ : ثَلَاثَة ، وَقِيلَ : أَرْبَعَة . وَفِيهِ : أَنَّ تَكْبِيرَات الْجِنَازَة أَرْبَع ، وَهُوَ مَذْهَبنَا وَمَذْهَب الْجُمْهُور . وَفِيهِ دَلِيل لِلشَّافِعِيِّ وَمُوَافِقِيهِ فِي الصَّلَاة عَلَى الْمَيِّت الْغَائِب ، وَفِيهِ مُعْجِزَة ظَاهِرَة لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِإِعْلَامِهِ بِمَوْتِ النَّجَاشِيّ وَهُوَ فِي الْحَبَشَة فِي الْيَوْم الَّذِي مَاتَ فِيهِ . وَفِيهِ : اِسْتِحْبَاب الْإِعْلَام بِالْمَيِّتِ لَا عَلَى صُورَة نَعْي الْجَاهِلِيَّة ، بَلْ مُجَرَّد إِعْلَام الصَّلَاة عَلَيْهِ وَتَشْيِيعه وَقَضَاء حَقّه فِي ذَلِكَ ، وَاَلَّذِي جَاءَ مِنْ النَّهْي عَنْ النَّعْي لَيْسَ الْمُرَاد بِهِ هَذَا ، وَإِنَّمَا الْمُرَاد نَعْي الْجَاهِلِيَّة الْمُشْتَمِل عَلَى ذِكْر الْمَفَاخِر وَغَيْرهَا ، وَقَدْ يَحْتَجّ أَبُو حَنِيفَة فِي أَنَّ صَلَاة الْجِنَازَة لَا تُفْعَل فِي الْمَسْجِد بِقَوْلِهِ : ( خَرَجَ إِلَى الْمُصَلَّى ) ، وَمَذْهَبنَا وَمَذْهَب الْجُمْهُور جَوَازهَا فِيهِ ، وَيُحْتَجّ بِحَدِيثِ سَهْل بْن بَيْضَاء ، وَيُتَأَوَّل هَذَا عَلَى أَنَّ الْخُرُوج إِلَى الْمُصَلَّى أَبْلَغ فِي إِظْهَار أَمْره الْمُشْتَمِل عَلَى هَذِهِ الْمُعْجِزَة ، وَفِيهِ أَيْضًا إِكْثَار الْمُصَلِّينَ ، وَلَيْسَ فِيهِ دَلَالَة أَصْلًا لِأَنَّ الْمُمْتَنِع عِنْدهمْ إِدْخَال الْمَيِّت الْمَسْجِد لَا مُجَرَّد الصَّلَاة .
قَوْله فِي حَدِيث النَّجَاشِيّ : ( وَكَبَّرَ أَرْبَع تَكْبِيرَات ) وَكَذَا فِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس ( كَبَّرَ أَرْبَعًا ) ، وَفِي حَدِيث زَيْد بْن أَرْقَم بَعْد هَذَا ( خَمْسًا ) ، قَالَ الْقَاضِي : اِخْتَلَفَ الْآثَار فِي ذَلِكَ فَجَاءَ مِنْ رِوَايَة اِبْن أَبِي خَيْثَمَةَ : أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُكَبِّر أَرْبَعًا وَخَمْسًا وَسِتًّا وَسَبْعًا وَثَمَانِيًا حَتَّى مَاتَ النَّجَاشِيّ فَكَبَّرَ عَلَيْهِ أَرْبَعًا ، وَثَبَتَ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى تُوُفِّيَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَالَ : وَاخْتَلَفَ الصَّحَابَة فِي ذَلِكَ مِنْ ثَلَاث تَكْبِيرَات إِلَى تِسْع ، وَرُوِيَ عَنْ عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يُكَبِّر عَلَى أَهْل بَدْر سِتًّا ، وَعَلَى سَائِر الصَّحَابَة خَمْسًا ، وَعَلَى غَيْرهمْ أَرْبَعًا ، وَقَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : وَانْعَقَدَ الْإِجْمَاع بَعْد ذَلِكَ عَلَى أَرْبَع ، وَأَجْمَعَ الْفُقَهَاء وَأَهْل الْفَتْوَى بِالْأَمْصَارِ عَلَى أَرْبَع ، عَلَى مَا جَاءَ فِي الْأَحَادِيث الصِّحَاح ، وَمَا سِوَى ذَلِكَ عِنْدهمْ شُذُوذ لَا يُلْتَفَت إِلَيْهِ ، قَالَ : وَلَا نَعْلَم أَحَدًا مِنْ فُقَهَاء الْأَمْصَار يُخَمِّس إِلَّا اِبْن أَبِي لَيْلَى ، وَلَمْ يَذْكُر فِي رِوَايَات مُسْلِم السَّلَام ، وَقَدْ ذَكَرَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي سُنَنه ، وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاء عَلَيْهِ ، ثُمَّ قَالَ جُمْهُورهمْ : يُسَلِّم تَسْلِيمَة وَاحِدَة ، وَقَالَ الثَّوْرِيّ وَأَبُو حَنِيفَة وَالشَّافِعِيّ وَجَمَاعَة مِنْ السَّلَف : تَسْلِيمَتَيْنِ ، وَاخْتَلَفُوا هَلْ يَجْهَر الْإِمَام بِالتَّسْلِيمِ أَمْ يُسِرّ ؟ وَأَبُو حَنِيفَة وَالشَّافِعِيّ يَقُولَانِ : يَجْهَر . وَعَنْ مَالِك رِوَايَتَانِ ، وَاخْتَلَفُوا فِي رَفْع الْأَيْدِي فِي هَذِهِ التَّكْبِيرَات ، وَمَذْهَب الشَّافِعِيّ الرَّفْع فِي جَمِيعهَا ، وَحَكَاهُ اِبْن الْمُنْذِر عَنْ اِبْن عُمَر وَعُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز وَعَطَاء وَسَالِم بْن عَبْد اللَّه وَقَيْس بْن أَبِي حَازِم وَالزُّهْرِيّ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَأَحْمَد وَإِسْحَاق ، وَاخْتَارَهُ اِبْن الْمُنْذِر ، وَقَالَ الثَّوْرِيّ وَأَبُو حَنِيفَة وَأَصْحَاب الرَّأْي : لَا يَرْفَع إِلَّا فِي التَّكْبِيرَة الْأُولَى . وَعَنْ مَالِك ثَلَاث رِوَايَات : الرَّفْع فِي الْجَمِيع . وَفِي الْأُولَى فَقَطْ . وَعَدَمه فِي كُلّهَا .


1582 - قَوْله : ( عَنْ سَلِيم بْن حَيَّان )
هُوَ بِفَتْحِ السِّين وَكَسْر اللَّام ، وَلَيْسَ فِي الصَّحِيحَيْنِ سَلِيم - بِفَتْحِ السِّين - غَيْره ، وَمَنْ عَدَاهُ بِضَمِّهَا مَعَ فَتْح اللَّام .
قَوْله : ( صَلَّى عَلَى أَصْحَمَة النَّجَاشِيّ )
هُوَ بِفَتْحِ الْهَمْزَة وَإِسْكَان الصَّاد وَفَتْح الْحَاء الْمُهْمَلَتَيْنِ ، وَهَذَا الَّذِي وَقَعَ فِي رِوَايَة مُسْلِم هُوَ الصَّوَاب الْمَعْرُوف فِيهِ ، وَهَكَذَا هُوَ فِي كُتُب الْحَدِيث وَالْمَغَازِي وَغَيْرهَا ، وَوَقَعَ فِي مُسْنَد بْن أَبِي شَيْبَة فِي هَذَا الْحَدِيث تَسْمِيَته : صَحْمَة ، بِفَتْحِ الصَّاد وَإِسْكَان الْحَاء ، وَقَالَ : هَكَذَا قَالَ لَنَا يَزِيد ، وَإِنَّمَا هُوَ صَمْحَة يَعْنِي بِتَقْدِيمِ الْمِيم عَلَى الْحَاء ، وَهَذَانِ شَاذَّانِ ، وَالصَّوَاب أَصْحَمَة بِالْأَلِفِ . قَالَ اِبْن قُتَيْبَة وَغَيْره : وَمَعْنَاهُ بِالْعَرَبِيَّةِ : عَطِيَّة . قَالَ الْعُلَمَاء : وَالنَّجَاشِيّ لَقَب لِكُلِّ مَنْ مَلَكَ الْحَبَشَة . وَأَمَّا أَصْحَمَة فَهُوَ اِسْم عَلَم لِهَذَا الْمَلِك الصَّالِح الَّذِي كَانَ فِي زَمَن النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ الْمُطَرِّز وَابْن خَالَوَيْهِ وَآخَرُونَ مِنْ الْأَئِمَّة كَلَامًا مُتَدَاخِلًا حَاصِله أَنَّ كُلّ مَنْ مَلَكَ الْمُسْلِمِينَ يُقَال لَهُ : أَمِير الْمُؤْمِنِينَ ، وَمَنْ مَلَكَ الْحَبَشَة : النَّجَاشِيّ ، وَمَنْ مَلَكَ الرُّوم : قَيْصَر ، وَمَنْ مَلَكَ الْفَرَس : كَسْرَى ، وَمَنْ مَلَكَ التُّرْك خاقَان ، وَمَنْ مَلَكَ الْقِبْط : فِرْعَوْن ، وَمَنْ مَلَكَ مِصْر : الْعَزِيز ، وَمَنْ مَلَكَ الْيَمَن : تُبَّع ، وَمَنْ مَلَكَ حِمْيَر : الْقَيْل . بِفَتْحِ الْقَاف ، وَقِيلَ : الْقَيْل أَقَلّ دَرَجَة مِنْ المَلِك .


1584 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( قُومُوا فَصَلُّوا عَلَيْهِ )
. فِيهِ : وُجُوب الصَّلَاة عَلَى الْمَيِّت ، وَهِيَ فَرْض كِفَايَة بِالْإِجْمَاعِ كَمَا سَبَقَ .


1586 - قَوْله : ( اِنْتَهَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى قَبْر رَطْب فَصَلَّى عَلَيْهِ )
يَعْنِي جَدِيدًا وَتُرَابه رَطْب بَعْد لَمْ تَطُلْ مُدَّته فَيَيْبَس . فِيهِ دَلِيل لِمَذْهَبِ الشَّافِعِيّ وَمُوَافِقِيهِ فِي الصَّلَاة عَلَى الْقُبُور .
قَوْله : ( مَنْ شَهِدَهُ اِبْن عَبَّاس )
وَابْن عَبَّاس بَدَل وَقَوْله : ( تَقُمّ المَسْجِد ) أَيْ تَكْنُسهُ ، وَفِي حَدِيث لِسَوْدَاء هَذِهِ الَّتِي صَلَّى النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى قَبْرهَا ، وَحَدِيث اِبْن عَبَّاس السَّابِق ، وَحَدِيث أَنَس دَلَالَة لِمَذْهَبِ الشَّافِعِيّ وَمُوَافِقِيهِ فِي الصَّلَاة عَلَى الْمَيِّت فِي قَبْره ، سَوَاء كَانَ صَلَّى عَلَيْهِ أَمْ لَا ، وَتَأَوَّلَهُ أَصْحَاب مَالِك حَيْثُ مَنَعُوا الصَّلَاة عَلَى الْقَبْر بِتَأْوِيلَاتٍ بَاطِلَة لَا فَائِدَة فِي ذِكْرهَا لِظُهُورِ فَسَادهَا . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَفِيهِ بَيَان مَا كَانَ عَلَيْهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ التَّوَاضُع وَالرِّفْق بِأُمَّتِهِ . وَتَفَقُّد أَحْوَالهمْ ، وَالْقِيَام بِحُقُوقِهِمْ ، وَالِاهْتِمَام بِمَصَالِحِهِمْ فِي آخِرَتهمْ وَدُنْيَاهُمْ .


1588 - قَوْله :
( تَقُمّ الْمَسْجِد )
أَيْ تَكْنُسهُ . قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
( أَفَلَا كُنْتُمْ آذَنْتُمُونِي )
أَيْ أَعْلَمْتُمُونِي ، وَفِيهِ دَلَالَة لِاسْتِحْبَابِ الْإِعْلَام بِالْمَيِّتِ ، وَسَبَقَ بَيَانه .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ هَذِهِ الْقُبُور مَمْلُوءَة ظُلْمَة عَلَى أَهْلهَا وَإِنَّ اللَّه تَعَالَى يُنَوِّرهَا لَهُمْ بِصَلَاتِي عَلَيْهِمْ ) .


1589 - قَوْله : ( كَانَ زَيْد يُكَبِّر عَلَى جَنَائِزنَا أَرْبَعًا ، وَأَنَّهُ كَبَّرَ عَلَى جِنَازَة خَمْسًا ؛ فَسَأَلْته فَقَالَ : كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُكَبِّرهَا )
زَيْد هَذَا هُوَ : زَيْد بْن أَرْقَم ، وَجَاءَ مُبَيَّنًا فِي رِوَايَة أَبِي دَاوُدَ ، وَهَذَا الْحَدِيث عِنْد الْعُلَمَاء مَنْسُوخ ، دَلَّ الْإِجْمَاع عَلَى نَسْخه ، وَقَدْ سَبَقَ أَنَّ اِبْن عَبْد الْبَرّ وَغَيْره نَقَلُوا الْإِجْمَاع عَلَى أَنَّهُ لَا يُكَبِّر الْيَوْم إِلَّا أَرْبَعًا ، وَهَذَا دَلِيل عَلَى أَنَّهُمْ أَجْمَعُوا بَعْد زَيْد بْن أَرْقَم ، وَالْأَصَحّ أَنَّ الْإِجْمَاع بَعْد الْخِلَاف يَصِحّ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .


قولُهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِذَا رَأَيْتُمْ الْجِنَازَة فَقُومُوا حَتَّى تُخَلِّفَكم أوْ تُوضَع ) . وَفِي رِوَايَة : ( إِذَا رَأَى أَحَدكُمْ الْجِنَازَة فَلْيَقُمْ حِين يَرَاهَا حَتَّى تُخَلِّفهُ ) . وَفِي رِوَايَة : ( إِذَا اِتَّبَعْتُمْ جِنَازَة فَلَا تَجْلِسُوا حَتَّى تُوضَع ) ، وَفِي رِوَايَة : ( إِذَا رَأَيْتُمْ الْجِنَازَة فَقُومُوا فَمَنْ تَبِعَهُمْ فَلَا يَجْلِس حَتَّى تُوضَع ) ، وَفِي رِوَايَة : ( أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابه قَامُوا لجِنَازَةٍ فَقَالُوا : يَا رَسُول اللَّه إِنَّهَا يَهُودِيَّة ، فَقَالَ : إِنَّ الْمَوْت فَزَع فَإِذَا رَأَيْتُمْ الْجِنَازَة فَقُومُوا ) . وَفِي رِوَايَة : ( قَامَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابه لِجِنَازَةِ يَهُودِيّ حَتَّى تَوَارَتْ ) . وَفِي رِوَايَة : ( قِيلَ : إِنَّهُ يَهُودِيّ فَقَالَ : أَلَيْسَتْ نَفْسًا ؟ ) . وَفِي رِوَايَة عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : ( قَامَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ قَعَدَ ) . وَفِي رِوَايَة : ( رَأَيْنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ فَقُمْنَا ، وَقَعَدَ فَقَعَدْنَا ) . قَالَ الْقَاضِي : اِخْتَلَفَ النَّاس فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَة ؛ فَقَالَ مَالِك وَأَبُو حَنِيفَة وَالشَّافِعِيّ : الْقِيَام مَنْسُوخ . وَقَالَ أَحْمَد وَإِسْحَاق وَابْن حَبِيب وَابْن الْمَاجِشُونِ الْمَالِكِيَّانِ : هُوَ مُخَيَّر ، قَالَ : وَاخْتَلَفُوا فِي قِيَام مَنْ يُشَيِّعهَا عِنْد الْقَبْر . فَقَالَ جَمَاعَة مِنْ الصَّحَابَة وَالسَّلَف : لَا يَقْعُد حَتَّى تُوضَع ، قَالُوا : وَالنَّسْخ إِنَّمَا هُوَ فِي قِيَام مَنْ مَرَّتْ بِهِ ، وَبِهَذَا قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَأَحْمَد وَإِسْحَاق وَمُحَمَّد بْن الْحَسَن ، قَالَ : وَاخْتَلَفُوا فِي الْقِيَام عَلَى الْقَبْر حَتَّى تُدْفَن ، فَكَرِهَهُ قَوْم وَعَمِلَ بِهِ آخَرُونَ ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُثْمَان وَعَلِيّ وَابْن عُمَر وَغَيْرهمْ رَضِيَ الله عَنْهُمْ ، هَذَا كَلَام الْقَاضِي . وَالْمَشْهُور فِي مَذْهَبنَا أَنَّ الْقِيَام لَيْسَ مُسْتَحَبًّا ، وَقَالُوا : هُوَ مَنْسُوخ بِحَدِيثِ عَلِيّ ، وَاخْتَارَ الْمُتَوَلِّي مِنْ أَصْحَابنَا أَنَّهُ مُسْتَحَبّ . وَهَذَا هُوَ الْمُخْتَار فَيَكُون الْأَمْر بِهِ لِلنَّدْبِ وَالْقُعُود بَيَانًا لِلْجَوَازِ ، وَلَا يَصِحّ دَعْوَى النَّسْخ فِي مِثْل هَذَا ؛ لِأَنَّ النَّسْخ إِنَّمَا يَكُون إِذَا تَعَذَّرَ الْجَمْع بَيْن الْأَحَادِيث ، وَلَمْ يَتَعَذَّر . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( حَتَّى تُخَلِّفكُمْ ) بِضَمِّ التَّاء وَكَسْر اللَّام الْمُشَدَّدَة ، أَيْ تَصِيرُونَ وَرَاءَهَا غَائِبِينَ عَنْهَا .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَلْيَقُمْ حِين يَرَاهَا ) ظَاهِره أَنَّهُ يَقُوم بِمُجَرَّدِ الرُّؤْيَة قَبْل أَنْ تَصِل إِلَيْهِ . قَوْله : ( إِنَّهَا مِنْ أَهْل الْأَرْض ) مَعْنَاهُ : جِنَازَة كَافِر مِنْ أَهْل تِلْكَ الْأَرْض .


1590 - سبق شرحه بالباب


1591 - سبق شرحه بالباب


1592 - سبق شرحه بالباب


1593 - سبق شرحه بالباب


1594 - سبق شرحه بالباب


1595 - سبق شرحه بالباب


1596 - سبق شرحه بالباب


1600 - قَوْله : ( صَلَّى صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى جِنَازَة فَحَفِظْت مِنْ دُعَائِهِ إِلَى آخِره )
فِيهِ : إِثْبَات الدُّعَاء فِي صَلَاة الْجِنَازَة ، وَهُوَ مَقْصُودهَا ومُعْظَمهَا . وَفِيهِ : اِسْتِحْبَاب هَذَا الدُّعَاء ، وَفِيهِ إِشَارَة إِلَى الْجَهْر بِالدُّعَاءِ فِي صَلَاة الْجِنَازَة . وَقَدْ اِتَّفَقَ أَصْحَابنَا عَلَى أَنَّهُ إِنْ صَلَّى عَلَيْهَا بِالنَّهَارِ أَسَرَّ بِالْقِرَاءَةِ ، وَإِنْ صَلَّى بِاللَّيْلِ فَفِيهِ وَجْهَانِ : الصَّحِيح الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُور : يُسِرّ ، وَالثَّانِي : يَجْهَر ، وَأَمَّا الدُّعَاء فَيُسِرّ بِهِ بِلَا خِلَاف ، وَحِينَئِذٍ يُتَأَوَّل هَذَا الْحَدِيث عَلَى أَنَّ قَوْله : ( حَفِظْت مِنْ دُعَائِهِ ) أَيْ عَلَّمَنِيهِ بَعْد الصَّلَاة فَحَفِظْته .
قَوْله : ( وَحَدَّثَنِي عَبْد الرَّحْمَن بْن جُبَيْر )
الْقَائِل : وَحَدَّثَنِي هُوَ : مُعَاوِيَة بْن صَالِح الرَّاوِي فِي الْإِسْنَاد الْأَوَّل عَنْ حَبِيب .


1603 - قَوْله : ( إِنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى عَلَى النُّفَسَاء وَقَامَ وَسْطهَا )
هُوَ بِإِسْكَانِ السِّين . وَفِيهِ إِثْبَات الصَّلَاة عَلَى النُّفَسَاء ، وَأَنَّ السُّنَّة أَنْ يَقِف الْإِمَام عِنْد عَجِيزَة الْمَيِّتَة .


1604 - قَوْله : ( أُتِيَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِفَرَسٍ مُعْرَوْرًى فَرَكِبَهُ )
مَعْنَاهُ : بِفَرَسٍ عَرِيّ ، وَهُوَ بِضَمِّ الْمِيم وَفَتْح الرَّاء قَالَ ، أَهْل اللُّغَة : اِعْرَوْرَيْت الْفَرَس إِذَا رَكِبْته عَرِيًّا فهوَ مُعْرَوْرًى . قَالُوا : وَلَمْ يَأْتِ أُفْعَوْلَى مُعَدًّى إِلَّا قَوْلهمْ : اِعْرَوْرَيْت الْفَرَس ، وَاِحْلَوْلَيْت الشَّيْء .
قَوْله : ( فَرَكِبَهُ حِين اِنْصَرَفَ مِنْ جِنَازَة اِبْن الدَّحْدَاح )
فِيهِ : إِبَاحَة الرُّكُوب فِي الرُّجُوع مِنْ الْجِنَازَة ، وَإِنَّمَا يُكْرَه الرُّكُوب فِي الذَّهَاب مَعَهَا . وَابْن الدَّحْدَاح بِدَالَيْنِ وَحَاءَيْنِ مُهْمَلَات ، وَيُقَال : أَبُو الدَّحْدَاح . وَيُقَال : أَبُو الدَّحْدَاحَة . قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : لَا يُعْرَف اِسْمه .
قَوْله : ( وَنَحْنُ نَمْشِي حَوْله )
فِيهِ : جَوَاز مَشْي الْجَمَاعَة مَعَ كَبِيرهمْ الرَّاكِب ، وَأَنَّهُ لَا كَرَاهَة فِيهِ فِي حَقّه وَلَا فِي حَقّهمْ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَفْسَدَة ، وَإِنَّمَا كُرِهَ ذَلِكَ إِذَا حَصَلَ فِيهِ اِنْتَهَاك لِلتَّابِعِينَ أَوْ خِيفَ إِعْجَاب وَنَحْوه فِي حَقِّ التَّابِع ، أَوْ نَحْو ذَلِكَ مِنْ الْمَفَاسِد .


1605 - " 2098 " قَوْله :
( فَعَقَلَهُ رَجُل فَرَكِبَهُ )
مَعْنَاهُ : أَمْسَكَهُ لَهُ وَحَبَسَهُ . وَفِيهِ : إِبَاحَة ذَلِكَ ، وَأَنَّهُ لَا بَأْس بِخِدْمَةِ التَّابِع مَتْبُوعه بِرِضَاهُ .
قَوْله :
( فَجَعَلَ يَتَوَقَّص بِهِ )
أَيْ يَتَوَثَّب . قَوْله :
( كَمْ مِنْ عِذْق مُعَلَّق )
الْعِذْق هُنَا بِكَسْرِ الْعَيْن الْمُهْمَلَة ، وَهُوَ الْغُصْن مِنْ النَّخْلَة . وَأَمَّا الْعَذْق بِفَتْحِهَا فَهُوَ النَّخْلَة بِكَمَالِهَا وَلَيْسَ مُرَادًا هُنَا .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( كَمْ مِنْ عِذْق مُعَلَّق فِي الْجَنَّة لِأَبِي الدَّحْدَاح ) قَالُوا : سَبَبه أَنَّ يَتِيمًا خَاصَمَ أَبَا لُبَابَة فِي نَخْلَة فَبَكَى الْغُلَام ؛ فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُ : " أَعْطِهِ إِيَّاهَا وَلَك بِهَا عِذْق فِي الْجَنَّة " ، فَقَالَ : لَا ، فَسَمِعَ بِذَلِكَ أَبُو الدَّحْدَاح ، فَاشْتَرَاهَا مِنْ أَبِي لُبَابَة بِحَدِيقَةٍ لَهُ ، ثُمَّ قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَلِيَ بِهَا عِذْقٌ إِنْ أَعْطَيْتهَا الْيَتِيم ؟ قَالَ : " نَعَمْ " ، فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( كَمْ عِذْق مُعَلَّق فِي الْجَنَّة لِأَبِي الدَّحْدَاح ) .


1606 - قَوْله : ( اِلْحَدُوا لِي لَحْدًا )
بِوَصْلِ الْهَمْزَة وَفَتْح الْحَاء ، وَيَجُوز بِقَطْعِ الْهَمْزَة وَكَسْر الْحَاء يُقَال : لَحَدَ يَلْحَد كَذَهَبَ يَذْهَب ، وَأَلْحَدَ يَلْحَد إِذَا حَفَرَ اللَّحْد . وَاللَّحْد - بِفَتْحِ اللَّام وَضَمّهَا - مَعْرُوف وَهُوَ الشَّقّ تَحْت الْجَانِب الْقِبْلِيّ مِنْ الْقَبْر . وَفِيهِ دَلِيل لِمَذْهَبِ الشَّافِعِيّ وَالْأَكْثَرِينَ فِي أَنَّ الدَّفْن فِي اللَّحْد أَفْضَل مِنْ الشَّقّ إِذَا أَمْكَنَ اللَّحْد ، وَأَجْمَعُوا عَلَى جَوَاز اللَّحْد وَالشَّقّ .
قَوْله : ( اِلْحَدُوا لِي لَحْدًا ، وَانْصِبُوا عَلَيَّ اللَّبِن نَصْبًا كَمَا صُنِعَ بِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ )
فِيهِ : اِسْتِحْبَاب اللَّحْد وَنَصْب اللَّبِن ، وَأَنَّهُ فُعِلَ ذَلِكَ بِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِاتِّفَاقِ الصَّحَابَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ ، وَقَدْ نَقَلُوا أَنَّ عَدَد لَبِنَاته صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تِسْع .


1607 - قَوْله : ( جُعِلَ فِي قَبْر النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَطِيفَة حَمْرَاء )
هَذِهِ الْقَطِيفَة أَلْقَاهَا شُقْرَان مَوْلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ : كَرِهْت أَنْ يَلْبَسهَا أَحَد بَعْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيّ وَجَمِيع أَصْحَابنَا وَغَيْرهمْ مِنْ الْعُلَمَاء عَلَى كَرَاهَة وَضْع قَطِيفَة أَوْ مِضْرَبَة أَوْ مِخَدَّة وَنَحْو ذَلِكَ تَحْت الْمَيِّت فِي الْقَبْر ، وَشَذَّ عَنْهُمْ الْبَغَوِيُّ مِنْ أَصْحَابنَا فَقَالَ فِي كِتَابه التَّهْذِيب : لَا بَأْس بِذَلِكَ لِهَذَا الْحَدِيث . وَالصَّوَاب كَرَاهَته ، كَمَا قَالَهُ الْجُمْهُور ، وَأَجَابُوا عَنْ هَذَا الْحَدِيث بِأَنَّ شُقْرَان اِنْفَرَدَ بِفِعْلِ ذَلِكَ لَمْ يُوَافِقهُ غَيْره مِنْ الصَّحَابَة وَلَا عَلِمُوا ذَلِكَ ، وَإِنَّمَا فَعَلَهُ شُقْرَان لِمَا ذَكَرْنَاهُ عَنْهُ مِنْ كَرَاهَته أَنْ يَلْبَسهَا أَحَد بَعْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَلْبَسهَا وَيَفْتَرِشهَا فَلَمْ تَطِبْ نَفْس شُقْرَان أَنْ يَسْتَبْدِلهَا أَحَد بَعْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَخَالَفَهُ غَيْره فَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يُجْعَل تَحْت الْمَيِّت ثَوْب فِي قَبْره ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ ، وَالْقَطِيفَة : كِسَاء لَهُ خَمْل .
قَوْله : ( قَالَ مُسْلِم : أَبُو جَمْرَة اِسْمه نَصْر بْن عِمْرَان الضُّبَعِيُّ ، وَأَبُو التَّيَّاح : يَزِيد بْن حُمَيْدٍ مَاتَا بِسَرَخْس )
وَهُوَ أَبُو جَمْرَة بِالْجِيمِ ، وَالضُّبَعِيُّ بِضَمِّ الضَّاد الْمُعْجَمَة وَفَتْح الْبَاء الْمُوَحَّدَة . وَأَمَّا سَرَخْس فَمَدِينَة مَعْرُوفَة بِخُرَاسَان ، وَهِيَ بِفَتْحِ السِّين وَالرَّاء وَإِسْكَان الْخَاء الْمُعْجَمَة ، وَيُقَال أَيْضًا بِإِسْكَانِ الرَّاء وَفَتْح الْخَاء وَالْأَوَّل أَشْهَر . وَإِنَّمَا ذَكَرَ مُسْلِم اِبْن جَمْرَة وَأَبَا التَّيَّاح جَمِيعًا مَعَ أَنَّ أَبَا جَمْرَة مَذْكُور فِي الْإِسْنَاد وَلَا ذِكْر لِأَبِي التَّيَّاح هُنَا ؛ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي أَشْيَاء قَلَّ أَنْ يَشْتَرِك فِيهَا اِثْنَانِ مِنْ الْعُلَمَاء ؛ لِأَنَّهُمَا جَمِيعًا ضُبَعِيَّانِ بَصْرِيَّانِ تَابِعِيَّانِ ثِقَتَانِ مَاتَا بِسَرَخْس فِي سَنَة وَاحِدَة ، سَنَة ثَمَان وَعِشْرِينَ وَمِائَة ، وَذَكَرَ اِبْن عَبْد الْبَرّ وَابْن مَنْدَهْ وَأَبُو نُعَيْم الْأَصْبَهَانِيُّ عِمْرَان وَالِد أَبِي جَمْرَة فِي كُتُبهمْ فِي مَعْرِفَة الصَّحَابَة ، قَالُوا : وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء هَلْ هُوَ صَحَابِيّ أَمْ تَابِعِيّ ؟ قَالُوا : وَكَانَ قَاضِيًا عَلَى الْبَصْرَة ، رَوَى عَنْهُ اِبْنه أَبُو جَمْرَة وَغَيْره ، قَالَ الْحَاكِم أَبُو أَحْمَد فِي كِتَابه فِي الْكُنَى : لَيْسَ فِي الرُّوَاة مَنْ يُكَنَّى أَبَا جَمْرَة بِالْجِيمِ غَيْر أَبِي جَمْرَة هَذَا .


1608 - قَوْله : ( أَنَّ أَبَا عَلِيّ الْهَمْدَانِيَّ حَدَّثَهُ وَفِي رِوَايَة هَارُون أَنَّ ثُمَامَة بْن شُفَيٍّ حَدَّثَهُ )
فَأَبُو عَلِيّ هُوَ ثُمَامَة بْن شُفَيٍّ ، بِضَمِّ الشِّين الْمُعْجَمَة وَفَتْح الْفَاء وَتَشْدِيد الْيَاء ، وَالْهَمْدَانِيّ بِإِسْكَانِ الْمِيم وَبِالدَّالِ الْمُهْمَلَة .
قَوْله : ( كُنَّا مَعَ فَضَالَة بِأَرْضِ الرُّوم بِرُودِس )
هُوَ بِرَاءٍ مَضْمُومَة ثُمَّ وَاو سَاكِنَة ثُمَّ دَال مُهْمَلَة مَكْسُورَة ثُمَّ سِين مُهْمَلَة . هَكَذَا ضَبَطْنَاهُ فِي صَحِيح مُسْلِم ، وَكَذَا نَقَلَهُ الْقَاضِي عِيَاض فِي الْمَشَارِق عَنْ الْأَكْثَرِينَ ، وَنُقِلَ عَنْ بَعْضهمْ بِفَتْحِ الرَّاء ، وَعَنْ بَعْضهمْ بِفَتْحِ الدَّال ، وَعَنْ بَعْضهمْ بِالشِّينِ الْمُعْجَمَة . وَفِي رِوَايَة أَبِي دَاوُدَ فِي السُّنَن بِذَالٍ مُعْجَمَة وَسِين مُهْمَلَة ، وَقَالَ : هِيَ جَزِيرَة بِأَرْضِ الرُّوم ، قَالَ الْقَاضِي عِيَاض رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : ذَكَرَ مُسْلِم رَضِيَ اللَّه عَنْهُ تَكْفِين النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِقْبَاره ، وَلَمْ يَذْكُر غُسْله وَالصَّلَاة عَلَيْهِ . وَلَا خِلَاف أَنَّهُ غُسِّلَ ، وَاخْتُلِفَ هَلْ صُلِّيَ عَلَيْهِ ؟ فَقِيلَ : لَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ أَحَد أَصْلًا ، وَإِنَّمَا كَانَ النَّاس يَدْخُلُونَ أَرْسَالًا يَدْعُونَ وَيَنْصَرِفُونَ ، وَاخْتَلَفَ هَؤُلَاءِ فِي عِلَّة ذَلِكَ ، فَقِيلَ : لِفَضِيلَتِهِ فَهُوَ غَنِيّ عَنْ الصَّلَاة عَلَيْهِ ، وَهَذَا يَنْكَسِر بِغُسْلِهِ ، وَقِيلَ : بَلْ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ إِمَام ، وَهَذَا غَلَط فَإِنَّ إِمَامَة الْفَرَائِض لَمْ تَتَعَطَّل ، وَلِأَنَّ بَيْعَة أَبِي بَكْر كَانَتْ قَبْل دَفْنه ، وَكَانَ إِمَام النَّاس قَبْل الدَّفْن ، وَالصَّحِيح الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُور أَنَّهُمْ صَلُّوا عَلَيْهِ فُرَادًى ، فَكَانَ يَدْخُل فَوْج يُصَلُّونَ فُرَادًى ثُمَّ يَخْرُجُونَ ، ثُمَّ يَدْخُل فَوْج آخَر فَيُصَلُّونَ كَذَلِكَ ، ثُمَّ دَخَلْت النِّسَاء بَعْد الرِّجَال ثُمَّ الصِّبْيَان ، وَإِنَّمَا أَخَّرُوا دَفْنه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ يَوْم الِاثْنَيْنِ إِلَى لَيْلَة الْأَرْبِعَاء أَوَاخِر نَهَار الثُّلَاثَاء لِلِاشْتِغَالِ بِأَمْرِ الْبَيْعَة لِيَكُونَ لَهُمْ إِمَام يَرْجِعُونَ إِلَى قَوْله إِنْ اِخْتَلَفُوا فِي شَيْء مِنْ أُمُور تَجْهِيزه وَدَفْنه ، وَيَنْقَادُونَ لِأَمْرِهِ ، لِئَلَّا يُؤَدِّي إِلَى النِّزَاع وَاخْتِلَاف الْكَلِمَة ، وَكَانَ هَذَا أَهَمُّ الْأُمُور . وَاَللَّه أَعْلَم .
قَوْله : ( يَأْمُر بِتَسْوِيَتِهَا )
وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى : ( وَلَا قَبْرًا مُشْرِفًا إِلَّا سَوَّيْته ) . فِيهِ أَنَّ السُّنَّة أَنَّ الْقَبْر لَا يُرْفَع عَلَى الْأَرْض رَفْعًا كَثِيرًا ، وَلَا يُسَنَّم ، بَلْ يُرْفَع نَحْو شِبْر وَيُسَطَّح ، وَهَذَا مَذْهَب الشَّافِعِيّ وَمَنْ وَافَقَهُ ، وَنَقَلَ الْقَاضِي عِيَاض عَنْ أَكْثَر الْعُلَمَاء أَنَّ الْأَفْضَل عِنْدهمْ تَسْنِيمهَا وَهُوَ مَذْهَب مَالِك .


1609 - قَوْله : ( أَلَّا تَدَع تِمْثَالًا إِلَّا طَمَسْته )
فِيهِ الْأَمْر بِتَغْيِيرِ صُوَر ذَوَات الْأَرْوَاح .
قَوْله : ( عَنْ أَبِي الْهَيَّاج )
هُوَ بِفَتْحِ الْهَاء وَتَشْدِيد الْيَاء ، وَاسْمه حَيَّان بْن حُصَيْن .


1610 - قَوْله : ( نَهَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُجَصَّص الْقَبْر وَأَنْ يُبْنَى عَلَيْهِ وَأَنْ يُقْعَد عَلَيْهِ ) .
وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى : ( نَهَى عَنْ تَقْصِيص الْقُبُور ) . التَّقْصِيص - بِالْقَافِ وَصَادَيْنِ - هُوَ التَّجْصِيص . وَالْقَصَّة - بِفَتْحِ الْقَاف وَتَشْدِيد الصَّاد - هِيَ الْجِصّ ، وَفِي هَذَا الْحَدِيث كَرَاهَة تَجْصِيص الْقَبْر وَالْبِنَاء عَلَيْهِ وَتَحْرِيم الْقُعُود ، وَالْمُرَاد بِالْقُعُودِ الْجُلُوس عَلَيْهِ . هَذَا مَذْهَب الشَّافِعِيّ وَجُمْهُور الْعُلَمَاء ، وَقَالَ مَالِك فِي الْمُوَطَّأ : الْمُرَاد بِالْقُعُودِ الْجُلُوس ، وَمِمَّا يُوَضِّحهُ الرِّوَايَة الْمَذْكُورَة بَعْد هَذَا : ( لَا تَجْلِسُوا عَلَى الْقُبُور ) . وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى : ( لَأَنْ يَجْلِس أَحَدكُمْ عَلَى جَمْرَة فَتَحْرِقُ ثِيَابه فَتَخْلُص إِلَى جِلْده خَيْر لَهُ مِنْ أَنْ يَجْلِس عَلَى قَبْر ) قَالَ أَصْحَابنَا : تَجْصِيص الْقَبْر مَكْرُوه ، وَالْقُعُود عَلَيْهِ حَرَام ، وَكَذَا الِاسْتِنَاد إِلَيْهِ وَالِاتِّكَاء عَلَيْهِ .
وَأَمَّا الْبِنَاء عَلَيْهِ فَإِنْ كَانَ فِي مِلْك الْبَانِي فَمَكْرُوه ، وَإِنْ كَانَ فِي مَقْبَرَة مُسَبَّلَة فَحَرَام . نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيّ وَالْأَصْحَاب . قَالَ الشَّافِعِيّ فِي الْأُمّ : وَرَأَيْت الْأَئِمَّة بِمَكَّة يَأْمُرُونَ بِهَدْمِ مَا يُبْنَى ، وَيُؤَيِّدُ الْهَدْمَ قَوْلُهُ : ( وَلَا قَبْرًا مُشْرِفًا إِلَّا سَوَّيْته ) .


1611 - ( نَهَى عَنْ تَقْصِيص الْقُبُور )
التَّقْصِيص - بِالْقَافِ وَصَادَيْنِ - هُوَ التَّجْصِيص . وَالْقَصَّة - بِفَتْحِ الْقَاف وَتَشْدِيد الصَّاد - هِيَ الْجِصّ ، وَفِي هَذَا الْحَدِيث كَرَاهَة تَجْصِيص الْقَبْر وَالْبِنَاء عَلَيْهِ وَتَحْرِيم الْقُعُود ، وَالْمُرَاد بِالْقُعُودِ الْجُلُوس عَلَيْهِ . هَذَا مَذْهَب الشَّافِعِيّ وَجُمْهُور الْعُلَمَاء ، وَقَالَ مَالِك فِي الْمُوَطَّأ : الْمُرَاد بِالْقُعُودِ الْجُلُوس ، وَمِمَّا يُوَضِّحهُ الرِّوَايَة الْمَذْكُورَة بَعْد هَذَا : ( لَا تَجْلِسُوا عَلَى الْقُبُور ) . وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى : ( لَأَنْ يَجْلِس أَحَدكُمْ عَلَى جَمْرَة فَتَحْرِقَ ثِيَابه فَتَخْلُص إِلَى جِلْده خَيْر لَهُ مِنْ أَنْ يَجْلِس عَلَى قَبْر ) قَالَ أَصْحَابنَا : تَجْصِيص الْقَبْر مَكْرُوه ، وَالْقُعُود عَلَيْهِ حَرَام ، وَكَذَا الِاسْتِنَاد إِلَيْهِ وَالِاتِّكَاء عَلَيْهِ .
وَأَمَّا الْبِنَاء عَلَيْهِ فَإِنْ كَانَ فِي مِلْك الْبَانِي فَمَكْرُوه ، وَإِنْ كَانَ فِي مَقْبَرَة مُسَبَّلَة فَحَرَام . نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيّ وَالْأَصْحَاب . قَالَ الشَّافِعِيّ فِي الْأُمّ : وَرَأَيْت الْأَئِمَّة بِمَكَّة يَأْمُرُونَ بِهَدْمِ مَا يُبْنَى . وَيُؤَيِّد الْهَدْم قَوْله : ( وَلَا قَبْرًا مُشْرِفًا إِلَّا سَوَّيْته ) .


1612 - سبق شرحه بالباب


1613 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا تَجْلِسُوا عَلَى الْقُبُور وَلَا تُصَلُّوا إِليْهَا )
فِيهِ تَصْرِيح بِالنَّهْيِ عَنْ الصَّلَاة إِلَى قَبْر . قَالَ الشَّافِعِيّ - رَحِمَهُ اللَّه - : وَأَكْرَه أَنْ يُعَظَّم مَخْلُوق حَتَّى يُجْعَل قَبْره مَسْجِدًا مَخَافَة الْفِتْنَة عَلَيْهِ وَعَلَى مَنْ بَعْده مِنْ النَّاس .


1614 - قَوْله :
( عَنْ بُسْر بْن عُبَيْد اللَّه )
هُوَ بِضَمِّ الْبَاء وَبِالسِّينِ الْمُهْمَلَة .
قَوْله :
( عَنْ أَبِي مَرْثَد )
هُوَ بِالْمُثَلَّثَةِ وَاسْمه كَنَّاز بِفَتْحِ الْكَاف وَتَشْدِيد النُّون وَآخِره زَاي .


قَوْلهَا : ( مَا صَلَّى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى سُهَيْل بْن بَيْضَاء إِلَّا فِي الْمَسْجِد ) . وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى : ( وَاَللَّه لَقَدْ صَلَّى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى اِبْنَيْ بَيْضَاء فِي الْمَسْجِد ) . وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى : ( وَاَللَّه لَقَدْ صَلَّى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى اِبْنَيْ بَيْضَاء فِي الْمَسْجِد سُهَيْل وَأَخِيهِ ) قَالَ الْعُلَمَاء : بَنُو بَيْضَاء ثَلَاثَة إِخْوَة سَهْل وَسُهَيْل وَصَفْوَان ، وَأُمّهمْ الْبَيْضَاء اِسْمهَا دَعْد ، وَالْبَيْضَاء وَصْف ، وَأَبُوهُمْ وَهْب بْن رَبِيعَة الْقُرَشِيّ الْفِهْرِيّ ، وَكَانَ سُهَيْل قَدِيم الْإِسْلَام هَاجَرَ إِلَى الْحَبَشَة ثُمَّ عَادَ إِلَى مَكَّة ثُمَّ هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَة وَشَهِدَ بَدْرًا وَغَيْرهَا ، تُوُفِّيَ سَنَة تِسْع مِنْ الْهِجْرَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُ .
وَفِي هَذَا الْحَدِيث دَلِيل لِلشَّافِعِيِّ وَالْأَكْثَرِينَ فِي جَوَاز الصَّلَاة عَلَى الْمَيِّت فِي الْمَسْجِد ، وَمِمَّنْ قَالَ بِهِ أَحْمَد وَإِسْحَاق ، قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : وَرَوَاهُ الْمَدَنِيُّونَ فِي الْمُوَطَّإِ عَنْ مَالِك ، وَبِهِ قَالَ اِبْن حَبِيب الْمَالِكِيّ ، وَقَالَ اِبْن أَبِي ذِئْب وَأَبُو حَنِيفَة وَمَالِك عَلَى الْمَشْهُور عَنْهُ : لَا تَصِحّ الصَّلَاة عَلَيْهِ فِي الْمَسْجِد بِحَدِيثِ فِي سُنَن أَبِي دَاوُدَ ( مَنْ صَلَّى عَلَى جِنَازَة فِي الْمَسْجِد فَلَا شَيْء لَهُ ) وَدَلِيل الشَّافِعِيّ وَالْجُمْهُور حَدِيث سُهَيْل بْن بَيْضَاء ، وَأَجَابُوا عَنْ حَدِيث سُنَن أَبِي دَاوُدَ بِأَجْوِبَةٍ .
أَحَدهَا : أَنَّهُ ضَعِيف لَا يَصِحّ الِاحْتِجَاج بِهِ ، قَالَ أَحْمَد بْن حَنْبَل : هَذَا حَدِيث ضَعِيف تَفَرَّدَ بِهِ صَالِح مَوْلَى التَّوْأَمَة ، وَهُوَ ضَعِيف .
وَالثَّانِي : أَنَّ الَّذِي فِي النُّسَخ الْمَشْهُورَة الْمُحَقَّقَة الْمَسْمُوعَة مِنْ سُنَن أَبِي دَاوُدَ " وَمَنْ صَلَّى عَلَى جِنَازَة فِي الْمَسْجِد فَلَا شَيْء عَلَيْهِ " وَلَا حُجَّة لَهُمْ حِينَئِذٍ فِيهِ .
الثَّالِث : أَنَّهُ لَوْ ثَبَتَ الْحَدِيث وَثَبَتَ أَنَّهُ قَالَ : " فَلَا شَيْء " لَوَجَبَ تَأْوِيله عَلَى " فَلَا شَيْء عَلَيْهِ " لِيَجْمَع بَيْن الرِّوَايَتَيْنِ وَبَيْن هَذَا الْحَدِيث وَحَدِيث سُهَيْل بْن بَيْضَاء ، وَقَدْ جَاءَ ( لَهُ ) بِمَعْنَى ( عَلَيْهِ ) ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا } .
الرَّابِع : أَنَّهُ مَحْمُول عَلَى نَقْص الْأَجْر فِي حَقّ مَنْ صَلَّى فِي الْمَسْجِد وَرَجَعَ وَلَمْ يُشَيِّعهَا إِلَى الْمَقْبَرَة لِمَا فَاتَهُ مِنْ تَشْيِيعه إِلَى الْمَقْبَرَة وَحُضُور دَفْنه . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَفِي حَدِيث سُهَيْل هَذَا دَلِيل لِطَهَارَةِ الْآدَمِيّ الْمَيِّت ، وَهُوَ الصَّحِيح فِي مَذْهَبنَا . قَوْله : ( وَحَدَّثَنِي هَارُون بْن عَبْد اللَّه وَمُحَمَّد بْن رَافِع قَالَا : حَدَّثَنَا اِبْن أَبِي فُدَيْك أَخْبَرَنَا الضَّحَّاك - يَعْنِي اِبْن عُثْمَان - عَنْ أَبِي النَّضْر عَنْ أَبِي سَلَمَة عَنْ عَائِشَة ) هَذَا الْحَدِيث مِمَّا اِسْتَدْرَكَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ عَلَى مُسْلِم ، وَقَالَ : خَالَفَ الضَّحَّاك حَافِظَانِ مَالِك وَالْمَاجِشُون ؛ فَرَوَاهُ عَنْ أَبِي النَّضْر عَنْ عَائِشَة مُرْسَلًا ، وَقِيلَ : عَنْ الضَّحَّاك عَنْ أَبِي النَّضْر عَنْ أَبِي بَكْر بْن عَبْد الرَّحْمَن ، وَلَا يَصِحّ إِلَّا مُرْسَلًا . هَذَا كَلَام الدَّارَقُطْنِيِّ وَقَدْ سَبَقَ الْجَوَاب عَنْ مِثْل هَذَا الِاسْتِدْرَاك فِي الْفُصُول السَّابِقَة فِي مُقَدِّمَة هَذَا الشَّرْح فِي مَوَاضِع مِنْهُ ، وَهُوَ أَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَة الَّتِي زَادَهَا الضَّحَّاك زِيَادَة ثِقَة وَهِيَ مَقْبُولَة ؛ لِأَنَّهُ حَفِظَ مَا نَسِيَهُ غَيْره فَلَا تَقْدَح فِيهِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .


1615 - سبق شرحه بالباب


1616 - سبق شرحه بالباب


1617 - سبق شرحه بالباب


1618 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( السَّلَام عَلَيْكُمْ دَار قَوْم مُؤْمِنِينَ )
دَار مَنْصُوب عَلَى النِّدَاء ، أَيْ يَا أَهْل دَار فَحَذَفَ الْمُضَاف وَأَقَامَ الْمُضَاف إِلَيْهِ مَقَامه ، وَقِيلَ : مَنْصُوب عَلَى الِاخْتِصَاص ، قَالَ صَاحِب الْمَطَالِع : وَيَجُوز جَرّه عَلَى الْبَدَل مِنْ الضَّمِير فِي عَلَيْكُمْ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : وَفِيهِ أَنَّ اِسْم الدَّار يَقَع عَلَى الْمَقَابِر قَالَ : وَهُوَ صَحِيح فَإِنَّ الدَّار فِي اللُّغَة يَقَع عَلَى الرَّبْع الْمَسْكُون وَعَلَى الْخَرَاب غَيْر الْمَأْهُول ، وَأَنْشَدَ فِيهِ .
وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّه بِكُمْ لَاحِقُونَ )
التَّقْيِيد بِالْمَشِيئَةِ عَلَى سَبِيل التَّبَرُّك وَامْتِثَال قَوْل اللَّه تَعَالَى : { وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ } وَقِيلَ : الْمَشِيئَة عَائِدَة إِلَى تِلْكَ التُّرْبَة بِعَيْنِهَا ، وَقِيلَ غَيْر ذَلِكَ . وَفِي هَذَا الْحَدِيث دَلِيل لِاسْتِحْبَابِ زِيَارَة الْقُبُور وَالسَّلَام عَلَى أَهْلهَا وَالدُّعَاء لَهُمْ وَالتَّرَحُّم عَلَيْهِمْ .
قَوْلهَا : ( يَخْرُج مِنْ آخِر اللَّيْل إِلَى الْبَقِيع )
فِيهِ فَضِيلَة زِيَارَة قُبُور الْبَقِيع . قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( السَّلَام عَلَيْكُمْ دَار قَوْم مُؤْمِنِينَ ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْره : فِيهِ أَنَّ السَّلَام عَلَى الْأَمْوَات وَالْأَحْيَاء سَوَاء فِي تَقْدِيم ( السَّلَام ) عَلَى ( عَلَيْكُمْ ) بِخِلَافِ مَا كَانَتْ عَلَيْهِ الْجَاهِلِيَّة مِنْ قَوْلهمْ : عَلَيْك سَلَام اللَّه قَيْس بْن عَاصِم وَرَحْمَته مَا شَاءَ أَنْ يَتَرَحَّمَا
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( اللَّهُمَّ اِغْفِرْ لِأَهْلِ بَقِيع الْغَرْقَد )
الْبَقِيع هُنَا بِالْبَاءِ بِلَا خِلَاف ، وَهُوَ مَدْفِن أَهْل الْمَدِينَة ، سُمِّيَ بَقِيع الْغَرْقَد ؛ لِغَرْقَدٍ كَانَ فِيهِ ، وَهُوَ مَا عَظُمَ مِنْ الْعَوْسَج . وَفِيهِ : إِطْلَاق لَفْظ الْأَهْل عَلَى سَاكِن الْمَكَان مِنْ حَيٍّ وَمَيِّت .


1619 - قَوْله : ( حَدَّثَنَا هَارُون بْن سَعِيد الْأَيْلِيُّ حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن وَهْب أَخْبَرَنَا اِبْن جُرَيْجٍ عَنْ عَبْد اللَّه بْن كَثِير بْن الْمُطَّلِب أَنَّهُ سَمِعَ مُحَمَّد بْن قَيْس يَقُول : سَمِعْت عَائِشَة تُحَدِّث فَقَالَتْ : أَلَا أُحَدِّثكُمْ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَنِّي ؟ قُلْنَا : بَلَى ح وَحَدَّثَنِي مَنْ سَمِعَ حَجَّاجًا الْأَعْوَر وَاللَّفْظ لَهُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا حَجَّاج بْن مُحَمَّد عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي عَبْد اللَّه رَجُل مِنْ قُرَيْش عَنْ مُحَمَّد بْن قَيْس بْن مَخْرَمَةَ بْن الْمُطَّلِب أَنَّهُ قَالَ يَوْمًا : أَلَا أُحَدِّثكُمْ عَنِّي وَعَنْ أُمِّي )
إِلَى آخِره . قَالَ الْقَاضِي : هَكَذَا وَقَعَ فِي مُسْلِم فِي إِسْنَاد حَدِيث حَجَّاج عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي عَبْد اللَّه رَجُل مِنْ قُرَيْش ، وَكَذَا رَوَاهُ أَحْمَد بْن حَنْبَل ، وَقَالَ النَّسَائِيُّ وَأَبُو نُعَيْم الْجُرْجَانِيّ وَأَبُو بَكْر النَّيْسَابُورِيّ وَأَبُو عَبْد اللَّه الْجُرْجَانِيّ كُلّهمْ : عَنْ يُوسُف بْن سَعِيد الْمِصِّيصِيّ ، حَدَّثَنَا حَجَّاج عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي عَبْد اللَّه بْن أَبِي مُلَيْكَة . وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : هُوَ عَبْد اللَّه بْن كَثِير بْن الْمُطَّلِب بْن أَبِي وَدَاعَة ، قَالَ أَبُو عَلِيّ الْغَسَّانِيّ الْجَيَّانِيّ : هَذَا الْحَدِيث أَحَد الْأَحَادِيث الْمَقْطُوعَة فِي مُسْلِم قَالَ : وَهُوَ أَيْضًا مِنْ الْأَحَادِيث الَّتِي وَهِمَ فِي رُوَاتهَا ، وَقَدْ رَوَاهُ عَبْد الرَّزَّاق فِي مُصَنَّفه عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ ، قَالَ أَخْبَرَنِي مُحَمَّد بْن قَيْس بْن مَخْرَمَةَ أَنَّهُ سَمِعَ عَائِشَة قَالَ الْقَاضِي : قَوْله : إِنَّ هَذَا مَقْطُوع لَا يُوَافَق عَلَيْهِ ، بَلْ هُوَ مُسْنَد وَإِنَّمَا لَمْ يُسَمِّ رُوَاته فَهُوَ مِنْ بَاب الْمَجْهُول لَا مِنْ بَاب الْمُنْقَطِع ، إِذْ الْمُنْقَطِع مَا سَقَطَ مِنْ رُوَاته رَاوٍ قَبْل التَّابِعِيّ . قَالَ الْقَاضِي : وَوَقَعَ فِي مُسْنَده إِشْكَال آخَر وَهُوَ : أَنَّ قَوْل مُسْلِم : ( وَحَدَّثَنِي مَنْ سَمِعَ حَجَّاجًا الْأَعْوَر وَاللَّفْظ لَهُ قَالَ : حَدَّثَنَا حَجَّاج بْن مُحَمَّد ) يُوهِم أَنَّ حَجَّاجًا الْأَعْوَر حَدَّثَ بِهِ عَنْ آخَر يُقَال لَهُ : حَجَّاج بْن مُحَمَّد ، وَلَيْسَ كَذَا ، بَلْ حَجَّاج الْأَعْوَر هُوَ حَجَّاج بْن مُحَمَّد بِلَا شَكٍّ ، وَتَقْدِير كَلَام مُسْلِم حَدَّثَنِي مَنْ سَمِعَ حَجَّاجًا الْأَعْوَر قَالَ هَذَا الْمُحَدِّث : حَدَّثَنِي حَجَّاج بْن مُحَمَّد ؛ فَحَكَى لَفْظ الْمُحَدِّث . هَذَا كَلَام الْقَاضِي ، قُلْت : وَلَا يَقْدَح رِوَايَة مُسْلِم لِهَذَا الْحَدِيث عَنْ هَذَا الْمَجْهُول الَّذِي سَمِعَهُ مِنْهُ عَنْ حَجَّاج الْأَعْوَر ؛ لِأَنَّ مُسْلِمًا ذَكَرَهُ مُتَابَعَة لَا مُتَأَصِّلًا مُعْتَمَدًا عَلَيْهِ ، بَلْ الِاعْتِمَاد عَلَى الْإِسْنَاد الصَّحِيح قَبْله .
قَوْلهَا :
( فَلَمْ يَلْبَث إِلَّا رَيْثَمَا )
هُوَ بِفَتْحِ الرَّاء وَإِسْكَان الْيَاء وَبَعْدهَا ثَاء مُثَلَّثَة أَيْ قَدْر مَا .
قَوْلهَا :
( فَأَخَذَ رِدَاءَهُ رُوَيْدًا )
أَيْ قَلِيلًا لَطِيفًا لِئَلَّا يُنَبِّهَهَا .
قَوْلهَا :
( ثُمَّ أَجَافَهُ )
بِالْجِيمِ أَيْ أَغْلَقَهُ ، وَإِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي خُفْيَة لِئَلَّا يُوقِظهَا وَيَخْرُج عَنْهَا ، فَرُبَّمَا لَحِقَهَا وَحْشَة فِي اِنْفِرَادهَا فِي ظُلْمَة اللَّيْل .
قَوْلهَا :
( وَتَقَنَّعْت إِزَارِي )
هَكَذَا هُوَ فِي الْأُصُول ( إِزَارِي ) بِغَيْرِ بَاءَ فِي أَوَّله ، وَكَأَنَّهُ بِمَعْنَى لَبِسْت إِزَارِي فَلِهَذَا عُدِّيَ بِنَفْسِهِ .
قَوْلهَا : ( جَاءَ الْبَقِيع فَأَطَالَ الْقِيَام ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ ثَلَاث مَرَّات )
فِيهِ : اِسْتِحْبَاب إِطَالَة الدُّعَاء وَتَكْرِيره ، وَرَفْع الْيَدَيْنِ فِيهِ . وَفِيهِ : أَنَّ دُعَاء الْقَائِم أَكْمَل مِنْ دُعَاء الْجَالِس فِي الْقُبُور .
قَوْلهَا :
( فَأَحْضَرَ فَأَحْضَرْت )
الْإِحْضَار : الْعَدْوُ .
قَوْلهَا : ( فَقَالَ : مَا لَك يَا عَائِش حَشْيَا رَابِيَة )
يَجُوز فِي عَائِش فَتْح الشِّين وَضَمّهَا ، وَهُمَا وَجْهَانِ جَارِيَانِ فِي كُلّ الْمُرَخَّمَات . وَفِيهِ : جَوَاز تَرْخِيم الِاسْم إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ إِيذَاء لِلْمُرَخَّمِ ( وَحَشْيَا ) بِفَتْحِ الْحَاء الْمُهْمَلَة وَإِسْكَان الشِّين الْمُعْجَمَة مَقْصُور مَعْنَاهُ : وَقَدْ وَقَعَ عَلَيْك الْحَشَا وَهُوَ الرَّبْو وَالتَّهَيُّج الَّذِي يَعْرِض لِلْمُسْرِعِ فِي مَشْيه وَالْمُحْتَدّ فِي كَلَامه مِنْ اِرْتِفَاع النَّفْس وَتَوَاتُره . يُقَال : اِمْرَأَة حَشْيَاء وَحَشْيَة وَرَجُل حَشْيَان وَحَشَش ، قِيلَ : أَصْله مَنْ أَصَابَ الرَّبْو حَشَاهُ . وَقَوْله : ( رَابِيَة ) أَيْ مُرْتَفِعَة الْبَطْن .
قَوْلهَا : ( لَا بِي شَيْء ) وَقَعَ فِي بَعْض الْأُصُول ( لَا بِي شَيْء ) بِبَاءِ الْجَرّ ، وَفِي بَعْضهَا ( لِأَيِّ شَيْء ) بِتَشْدِيدِ الْيَاء وَحَذْف الْبَاء عَلَى الِاسْتِفْهَام ، وَفِي بَعْضهَا
( لَا شَيْء )
وَحَكَاهَا الْقَاضِي قَالَ : وَهَذَا الثَّالِث أَصْوَبهَا .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
( فَأَنْتِ السَّوَاد )
أَيْ الشَّخْص .
قَوْلهَا :
( فَلَهَدَنِي )
هُوَ بِفَتْحِ الْهَاء وَالدَّال الْمُهْمَلَة ، وَرُوِيَ ( فَلَهَزَنِي ) بِالزَّايِ وَهُمَا مُتَقَارِبَانِ . قَالَ أَهْل اللُّغَة : لَهَدَهُ وَلَهَّدَهُ بِتَخْفِيفِ الْهَاء وَتَشْدِيدهَا أَيْ دَفَعَهُ ، وَيُقَال : لَهَزَهُ إِذَا ضَرَبَهُ بِجَمْعِ كَفّه فِي صَدْره ، وَيَقْرَب مِنْهُمَا لَكَزَهُ وَوَكَزَهُ .
قَوْله : ( قَالَتْ : مَهْمَا يَكْتُم النَّاس يَعْلَمهُ اللَّه نَعَمْ )
هَكَذَا هُوَ فِي الْأُصُول ، وَهُوَ صَحِيح ، وَكَأَنَّهَا لَمَّا قَالَتْ : مَهْمَا يَكْتُم النَّاس يَعْلَمهُ اللَّه صَدَّقَتْ نَفْسهَا فَقَالَتْ : نَعَمْ .
قَوْلهَا : ( قُلْت : كَيْف أَقُول يَا رَسُول اللَّه ؟ قَالَ : قُولِي : السَّلَام عَلَى أَهْل الدِّيَار مِنْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ ، وَيَرْحَم اللَّه الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَمِنَّا وَالْمُسْتَأْخِرِينَ وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى بِكُمْ لَلَاحِقُونَ )
فِيهِ : اِسْتِحْبَاب هَذَا الْقَوْل لِزَائِرِ الْقُبُور . وَفِيهِ : تَرْجِيح لِقَوْلِ مَنْ قَالَ : فِي قَوْله ( سَلَام عَلَيْكُمْ دَار قَوْم مُؤْمِنِينَ ) أَنَّ مَعْنَاهُ أَهْل دَار قَوْم مُؤْمِنِينَ . وَفِيهِ : أَنَّ الْمُسْلِم وَالْمُؤْمِن قَدْ يَكُونَانِ بِمَعْنًى وَاحِد ، وَعَطْفُ أَحَدهمَا عَلَى الْآخَر لِاخْتِلَافِ اللَّفْظ وَهُوَ بِمَعْنَى قَوْله تَعَالَى : { فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنْ الْمُؤْمِنِينَ فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْر بَيْت مِنْ الْمُسْلِمِينَ } وَلَا يَجُوز أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِالْمُسْلِمِ فِي هَذَا الْحَدِيث غَيْر الْمُؤْمِن ؛ لِأَنَّ الْمُؤْمِن إِنْ كَانَ مُنَافِقًا لَا يَجُوز السَّلَام عَلَيْهِ وَالتَّرَحُّم . وَفِيهِ : دَلِيل لِمَنْ جَوَّزَ لِلنِّسَاءِ زِيَارَة الْقُبُور ، وَفِيهَا خِلَاف لِلْعُلَمَاءِ وَهِيَ ثَلَاثَة أَوْجُه لِأَصْحَابِنَا :
أَحَدهَا : تَحْرِيمهَا عَلَيْهِنَّ لِحَدِيثِ : " لَعَنَ اللَّه زَوَّارَات الْقُبُور "
وَالثَّانِي : يُكْرَه . وَالثَّالِث : يُبَاح ، وَيُسْتَدَلّ لَهُ بِهَذَا الْحَدِيث وَبِحَدِيثِ " كُنْت نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَة الْقُبُور فَزُورُوهَا " وَيُجَاب عَنْ هَذَا بِأَنْ نَهَيْتُكُمْ ضَمِير ذُكُور فَلَا يَدْخُل فِيهِ النِّسَاء عَلَى الْمَذْهَب الصَّحِيح الْمُخْتَار فِي الْأُصُول . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .


1621 - l1 قَوْله : صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( اِسْتَأْذَنْت رَبِّي أَنْ أَسْتَغْفِر لِأُمِّي فَلَمْ يَأْذَن لِي ، وَاسْتَأْذَنْته أَنْ أَزُور قَبْرهَا فَأَذِنَ لِي )
فِيهِ جَوَاز زِيَارَة الْمُشْرِكِينَ فِي الْحَيَاة ، وَقُبُورهمْ بَعْد الْوَفَاة ؛ لِأَنَّهُ إِذَا جَازَتْ زِيَارَتهمْ بَعْد الْوَفَاة فَفِي الْحَيَاة أَوْلَى ، وَقَدْ قَالَ اللَّه تَعَالَى : { وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا } وَفِيهِ : النَّهْي عَنْ الِاسْتِغْفَار لِلْكُفَّارِ . قَالَ الْقَاضِي عِيَاض رَحِمَهُ اللَّه : سَبَب زِيَارَته صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْرهَا أَنَّهُ قَصَدَ قُوَّة الْمَوْعِظَة وَالذِّكْرَى بِمُشَاهَدَةِ قَبْرهَا ، وَيُؤَيِّدهُ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي آخِر الْحَدِيث : ( فَزُورُوا الْقُبُور فَإِنَّهَا تُذَكِّركُمْ الْمَوْت ) .


1622 - قَوْله : (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْر بْن أَبِي شَيْبَة وَزُهَيْر بْن حَرْب قَالَا : حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عُبَيْد عَنْ يَزِيد بْن كَيْسَانَ عَنْ أَبِي حَازِم عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ : زَارَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْر أُمّه فَبَكَى وَأَبْكَى مَنْ حَوْله فَقَالَ : اِسْتَأْذَنْت رَبِّي فِي أَنْ أَسْتَغْفِر لَهَا فَلَمْ يَأْذَنْ لِي ، وَاسْتَأْذَنْته فِي أَنْ أَزُور قَبْرهَا فَأَذِنَ لِي فَزُورُوا الْقُبُور فَإِنَّهَا تُذَكِّركُمْ الْمَوْت )
هَذَا الْحَدِيث وُجِدَ فِي رِوَايَة أَبِي الْعَلَاء بْن مَاهَان لِأَهْلِ الْمَغْرِب ، وَلَمْ يُوجَد فِي رِوَايَات بِلَادنَا مِنْ جِهَة عَبْد الْغَافِر الْفَارِسِيّ ، وَلَكِنَّهُ يُوجَد فِي كَثِير مِنْ الْأُصُول فِي آخِر كِتَاب الْجَنَائِز وَيُصِيب عَلَيْهِ ، وَرُبَّمَا كَتَبَ فِي الْحَاشِيَة رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنه عَنْ مُحَمَّد بْن سُلَيْمَان الْأَنْبَارِيّ عَنْ مُحَمَّد بْن عُبَيْد بِهَذَا الْإِسْنَاد ، وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ عَنْ قُتَيْبَة عَنْ مُحَمَّد بْن عُبَيْد ، وَرَوَاهُ اِبْن مَاجَهْ عَنْ أَبِي بَكْر بْن أَبِي شَيْبَة عَنْ مُحَمَّد بْن عُبَيْد ، وَهَؤُلَاءِ كُلّهمْ ثِقَات ، فَهُوَ حَدِيث صَحِيح بِلَا شَكٍّ .
قَوْله : ( فَبَكَى وَأَبْكَى مَنْ حَوْله ) قَالَ الْقَاضِي : بُكَاؤُهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَا فَاتَهَا مِنْ إِدْرَاك أَيَّامه ، وَالْإِيمَان بِهِ .


1623 - قَوْله :
( مُحَارِب بْن دِثَار )
هُوَ بِكَسْرِ الدَّال وَتَخْفِيف الْمُثَلَّثَة .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( كُنْت نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَة الْقُبُور فَزُورُوهَا )
هَذَا مِنْ الْأَحَادِيث الَّتِي تَجْمَع النَّاسِخ وَالْمَنْسُوخ ، وَهُوَ صَرِيح فِي نَسْخ نَهْي الرِّجَال عَنْ زِيَارَتهَا ، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ زِيَارَتهَا سُنَّة لَهُمْ ، وَأَمَّا النِّسَاء فَفِيهِنَّ خِلَاف لِأَصْحَابِنَا قَدَّمْنَاهُ ، وَقَدَّمْنَا أَنَّ مَنْ مَنَعَهُنَّ قَالَ : النِّسَاء لَا يَدْخُلْنَ فِي خِطَاب الرِّجَال ، وَهُوَ الصَّحِيح عِنْد الْأُصُولِيِّينَ ، وَأَمَّا الِانْتِبَاذ فِي الْأَسْقِيَة فَسَبَقَ بَيَانه فِي كِتَاب الْإِيمَان فِي حَدِيث وَفْد عَبْد الْقَيْس ، وَسَتَأْتِي بَقِيَّته فِي كِتَاب الْأَشْرِبَة إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى ، وَأَمَّا الْأَضَاحِيّ فَسَيَأْتِي إِيضَاحهَا فِي بَابهَا إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى .


1624 - قَوْله : ( أُتِيَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِرَجُلٍ قَتَلَ نَفْسه بِمَشَاقِص فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ )
الْمَشَاقِص : سِهَام عِرَاض ، وَاحِدهَا مِشْقَص بِكَسْرِ الْمِيم وَفَتْح الْقَاف ، وَفِي هَذَا الْحَدِيث دَلِيل لِمَنْ يَقُول : لَا يُصَلَّى عَلَى قَاتِل نَفْسه لِعِصْيَانِهِ ، وَهَذَا مَذْهَب عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَقَالَ الْحَسَن وَالنَّخَعِيُّ وَقَتَادَةُ وَمَالِك وَأَبُو حَنِيفَة وَالشَّافِعِيّ وَجَمَاهِير الْعُلَمَاء : يُصَلَّى عَلَيْهِ ، وَأَجَابُوا عَنْ هَذَا الْحَدِيث بِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ بِنَفْسِهِ زَجْرًا لِلنَّاسِ عَنْ مِثْل فِعْله ، وَصَلَّتْ عَلَيْهِ الصَّحَابَة ، وَهَذَا كَمَا تَرَكَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّلَاة فِي أَوَّل الْأَمْر عَلَى مَنْ عَلَيْهِ دَيْن زَجْرًا لَهُمْ عَنْ التَّسَاهُل فِي الِاسْتِدَانَة وَعَنْ إِهْمَال وَفَائِهِ ، وَأَمَرَ أَصْحَابه بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ فَقَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " صَلُّوا عَلَى صَاحِبكُمْ " . قَالَ الْقَاضِي : مَذْهَب الْعُلَمَاء كَافَّة الصَّلَاة عَلَى كُلّ مُسْلِم وَمَحْدُود وَمَرْجُوم وَقَاتِل نَفْسه وَوَلَد الزِّنَا . وَعَنْ مَالِك وَغَيْره : أَنَّ الْإِمَام يَجْتَنِب الصَّلَاة عَلَى مَقْتُول فِي حَدٍّ ، وَأَنَّ أَهْل الْفَضْل لَا يُصَلُّونَ عَلَى الْفُسَّاق زَجْرًا لَهُمْ . وَعَنْ الزُّهْرِيّ : لَا يُصَلَّى عَلَى مَرْجُوم ، وَيُصَلَّى عَلَى الْمَقْتُول فِي الْقِصَاص . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة : لَا يُصَلَّى عَلَى مُحَارِب ، وَلَا عَلَى قَتِيل الْفِئَة الْبَاغِيَة . وَقَالَ قَتَادَةُ : لَا يُصَلَّى عَلَى وَلَد الزِّنَا . وَعَنْ الْحَسَن : لَا يُصَلَّى عَلَى النُّفَسَاء تَمُوت مِنْ زِنًا وَلَا عَلَى وَلَدهَا . وَمَنَعَ بَعْض السَّلَف الصَّلَاة عَلَى الطِّفْل الصَّغِير .
وَاخْتَلَفُوا فِي الصَّلَاة عَلَى السِّقْط ، فَقَالَ بِهَا فُقَهَاء الْمُحَدِّثِينَ وَبَعْض السَّلَف إِذَا مَضَى عَلَيْهِ أَرْبَعَة أَشْهُر ، وَمَنَعَهَا جُمْهُور الْفُقَهَاء حَتَّى يَسْتَهِلّ وَتُعْرَف حَيَاته بِغَيْرِ ذَلِكَ .
وَأَمَّا الشَّهِيد الْمَقْتُول فِي حَرْب الْكُفَّار فَقَالَ مَالِك وَالشَّافِعِيّ وَالْجُمْهُور : لَا يُغَسَّل وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة : يُغَسَّل وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ ، وَعَنْ الْحَسَن : يُغَسَّل وَيُصَلَّى عَلَيْهِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .