Contents

الواجهة
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد
مقدمة
باب الألف
باب الثاء
باب الجيم
باب الحاء
باب الخاء
باب الدال
باب الراء
باب الزاي
تابع باب الزاء
تابع لحرف الزاء
تابع لحرف الزاء
باب الطاء
باب الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع حرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
باب النون
باب الصاد
باب الضاد
باب العين
تابع لحرف العين
تابع حرف العين
تابع لحرف العين
تابع لحرف العين
باب القاف
باب السين
باب الشين
باب الهاء
باب الواو
باب الياء
تابع باب الياء
باب الكني
باب بلاغات مالك ومرسلاته
باب مافي هذا الديوان من حديث مالك الذي ثبتت عليه أبوابه خاصة
الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج
الديباج - جزء 1
الديباج - جزء 2
الديباج - جزء 3
الديباج - جزء 4
الديباج - جزء 5
الديباج - جزء 6
المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج
المنهاج - مقدمة
المنهاج - الإيمان
المنهاج - الطهارة
المنهاج - الحيض
المنهاج - الصَّلَاة
المنهاج - المساجد ومواضع الصلاة
المنهاج - صلاة المسافرين وقصرها
المنهاج - بَاب صَلَاة الْجُمُعَة
المنهاج - بَاب صَلَاة الْعِيدَيْنِ
المنهاج - بَاب الدُّعَاء فِي صَلَاة الِاسْتِسْقَاء
المنهاج - بَاب صَلَاة الْكُسُوف
المنهاج - كِتَاب الْجَنَائِز
المنهاج - الزكاة
المنهاج - كِتَاب الصِّيَام
المنهاج - كِتَاب الِاعْتِكَاف
المنهاج - كِتَاب الْحَجّ
المنهاج - كِتَاب النِّكَاح
المنهاج - الرضاعة
المنهاج - الطلاق
المنهاج - اللِّعَان
المنهاج - العتق
المنهاج - البيوع
المنهاج - المساقاة
المنهاج - الفرائض
المنهاج - الهبات
المنهاج - الوصية
المنهاج - النذر
المنهاج - الأيمان
المنهاج - القسامة
المنهاج - الحدود
المنهاج - الأقضية
المنهاج - اللقطة
المنهاج - الجهاد والسير
المنهاج - الإمارة
المنهاج - الصيد والذبائح
المنهاج - كِتَاب الْأَضْاحَي
المنهاج - الأشربة
المنهاج - اللباس والزينة
المنهاج - الآداب
المنهاج - السلام
المنهاج - الألفاظ من الأدب وغيرها
المنهاج - الشعر
المنهاج - الرؤيا
المنهاج - الفضائل
المنهاج - فضائل الصحابة
المنهاج - البر والصلة والآداب
المنهاج - القدر
المنهاج - العلم
المنهاج - الذكر والدعاء
المنهاج - التوبة
المنهاج - صفات المنافقين
المنهاج - صفة القيامة والجنة والنار
المنهاج - الجنة وصفة نعيمها وأهلها
المنهاج - الفتن وأشراط الساعة
المنهاج - الزهد والرقائق
المنهاج - التفسير
تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي
أبواب الطهارة
أبواب الصلاة
تابع أبواب الصلاة
أبواب الوتر
أبواب الجمعة
تابع لأبواب الجمعة
أبواب العيدين
أبواب السفر
ابواب الزكاة
أبواب الصوم
أبواب الحج
تابع أبواب الحج
أبواب الجنائز
أبواب النكاح
أبواب الرضاع
أبواب الطلاق واللعان
ابواب البيوع
أبواب الأحكام
أبواب الديات
ابواب الحدود
تابع أبواب الحدود
أبواب الصيد
أبواب الأضاحي
أبواب النذور والأيمان
أبواب السير
أبواب الجهاد
أبواب اللباس
أبواب الأطعمة
أبواب الأشربة
تابع أبواب الأشربة
أبواب البر و الصله عن رسول الله صلى الله عليه و آله سلم
أبواب الطب عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الفرائض عن الرسول صلى الله عليه و سلم
أبواب الوصايا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الولاء و الهبة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب القدر عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم
أبواب الفتن عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الرؤيا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الشهادات عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
تابع لأبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صِفَةُ القِيامَة
أبواب صفة الجنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صفة جهنم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإيمان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب العلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإستئذان والآداب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب العلم
أبواب الأمثال
أبواب فضائل القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب القراءات عن رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم
أبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الدعوات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أحاديث شتى من أبواب الدعوات
المناقب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
مناقب الصحابة رضوان الله عليهم
تنوير الحوالك شرح موطأ مالك
كتاب وقوت الصلاة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب السهو
كتاب الجمعة
كتاب الصلاة في رمضان
كتاب صلاة الليل
كتاب صلاة الجماعة
كتاب قصر الصلاة في السفر
كتاب العيدين
كتاب صلاة الخوف
كتاب صلاة الكسوف
كتاب الاستسقاء
كتاب القبلة
كتاب القرآن
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب الجهاد
كتاب النذور و الأيمان
كتاب الضحايا
كتاب الذبائح
كتاب الصيد
كتاب العقيقة
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الرضاع
كتاب البيوع
كتاب القراض
كتاب المساقاة - كتاب كراء الأرض
كتاب الشفعة - كتاب الأقضية
كتاب الوصية - كتاب العتق والولاء
كتاب المكاتب - كتاب المدبر
كتاب الحدود
كتاب الأشربة - كتاب العقول
كتاب القسامة - كتاب الجامع
كتاب القدر - كتاب حسن الخلق
كتاب اللباس - كتاب صفة النبي
كتاب العين - كتاب الشعر
كتاب الرؤيا - كتاب السلام
كتاب الاستئذان والتشميت والصور والتماثيل وغيرها
كتاب البيعة - كتاب الكلام والعينة والتقى
كتاب جهنم - كتاب الصدقة
كتاب العلم - كتاب دعوة المظلوم - كتاب أسماء النبي
حاشية السندي على سنن ابن ماجة
المقدمة
الطَّهَارَة وَسُنَنهَا
الصلاة
الْأَذَان
المساجد والجماعات
أَبْوَاب إِقَامَة الصَّلَاة
الجنائز
الصوم
الزكاة
النكاح
الطلاق
الكفارات
التجارات
الأحكام
الحدود
الديات
الوصايا
الْفَرَائِض
الجهاد
المناسك
الْأَضَاحِيّ
الذبائح
الصيد
الأطعمة
الأشربة
الطب
اللباس
الْآدَاب
الدُّعَاء
تعبير الرؤيا
الْفِتَن
الزُّهْد
شرح سنن ابن ماجه لمغلطاي
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح رياض الصالحين
شرح رياض الصالحين - 01
شرح رياض الصالحين - 02
شرح رياض الصالحين - 03
شرح رياض الصالحين - 04
شرح سنن أبي داود للعيني
مقدمة التحقيق
كتاب الطهارة
كِتابُ الصَلاَةِ
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
عون المعبود شرح سنن أبي داود
كتاب الطهارة
تابع كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
كتاب الزكاة
تابع لكتاب الزكاة
كتاب اللقطة
كتاب المناسك
تابع لكتاب المناسك
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الصيام
تابع لكتاب الصيام
أول كتاب الجهاد
أول كتاب الضحايا
تابع كتاب الضحايا
أول كتاب الصيد
أول كتاب الوصايا
أول كتاب الفرائض
أول كتاب الخراج والفيء والإمارة
أول كتاب الجنائز
تابع لكتاب الجنائز
كتاب الأيمان والنذور
كتاب البيوع
كتاب الإجارة
كتاب القضاء
تابع لكتاب القضاء
كتاب العلم
كتاب الأشربة
كتاب الأطعمة
كتاب الطب
كتاب الكهانة والتطير
كتاب العتق
أول كتاب الحروف والقراءات
أول كتاب الحمام
أول كتاب اللباس
أول كتاب الترجل
أول كتاب الخاتم
أول كتاب الفتن والملاحم
أول كتاب المهدي
أول كتاب الملاحم
أول كتاب الحدود
أول كتاب الديات
أول كتاب السنة
تابع لكتاب السنة
أول كتاب الأدب
أبواب السلام
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن حجر
فتح الباري - هدي الساري مقدمة فتح الباري
فتح الباري - كتاب بدء الوحي
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب العلم
فتح الباري - كتاب الوضوء
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
فتح الباري - كتاب مواقيت الصلاة
فتح الباري - كتاب الأذان
فتح الباري - كتاب الجمعة
فتح الباري - كتاب الخوف
فتح الباري - كتاب العيدين
فتح الباري - كتاب الوتر
فتح الباري - كتاب الاستسقاء
فتح الباري - كتاب الكسوف
فتح الباري - كتاب سجود القرآن
فتح الباري - كتاب تقصير الصلاة
فتح الباري - كتاب التهجد
فتح الباري - كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة
فتح الباري - كتاب العمل في الصلاة
فتح الباري - كتاب السهو
فتح الباري - كتاب الجنائز
فتح الباري - كتاب الزكاة
فتح الباري - كتاب الحج
فتح الباري - كتاب العمرة
فتح الباري - كتاب المحصر
فتح الباري - كتاب جزاء الصيد
فتح الباري - كتاب فضائل المدينة
فتح الباري - كتاب الصوم
فتح الباري - كتاب صلاة التراويح
فتح الباري - كتاب فضل ليلة القدر
فتح الباري - كتاب الإعتكاف
فتح الباري - كتاب البيوع
فتح الباري - كتاب السلم
فتح الباري - كتاب الشفعة
فتح الباري - كتاب الإجارة
فتح الباري - كتاب الحرث والمزارعة
فتح الباري - كتاب المساقاة
فتح الباري - كتاب الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس
فتح الباري - كتاب الخصومات
فتح الباري - كتاب اللقطة
فتح الباري - كتاب المظالم
فتح الباري - كتاب الشركة
فتح الباري - كتاب الرهن
فتح الباري - كتاب العتق
فتح الباري - كتاب المكاتب
فتح الباري - كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها
فتح الباري - كتاب الشهادات
فتح الباري - كتاب الصلح
فتح الباري - كتاب الشروط
فتح الباري - كتاب الوصايا
فتح الباري - كتاب الجهاد و السير
فتح الباري - كتاب فرض الخمس
فتح الباري - كتاب الجزية و الموادعة
فتح الباري - كتاب بدء الخلق
فتح الباري - كتاب أحاديث الأنبياء
فتح الباري - كتاب المناقب
فتح الباري - كتاب فضائل الصحابة
فتح الباري - كتاب مناقب الأنصار
فتح الباري - كتاب المغازي
فتح الباري - كتاب التفسير
فتح الباري - كتاب فضائل القرآن
فتح الباري - كتاب النكاح
فتح الباري - كتاب الطلاق
فتح الباري - كتاب النفقات
فتح الباري - كتاب الأطعمة
فتح الباري - كتاب العقيقة
فتح الباري - كتاب الذبائح والصيد
فتح الباري - كتاب الأضاحي
فتح الباري - كتاب الأشربة
فتح الباري - كتاب المرضى
فتح الباري - كتاب الطب
فتح الباري - كتاب اللباس
فتح الباري - كتاب الأدب
فتح الباري - كتاب الإستئذان
فتح الباري - كتاب الدعوات
فتح الباري - كتاب الرقاق
فتح الباري - كتاب القدر
فتح الباري - كتاب الأيمان والنذور
فتح الباري - كتاب كفارات الأيمان
فتح الباري - كتاب الفرائض
فتح الباري - كتاب الحدود
فتح الباري - كتاب الديات
فتح الباري - كتاب استتابة المرتدين
فتح الباري - كتاب الإكراه
فتح الباري - كتاب الحيل
فتح الباري - كتاب التعبير
فتح الباري - كتاب الفتن
فتح الباري - كتاب الأحكام
فتح الباري - كتاب التمني
فتح الباري - كتاب أخبار الأحاد
فتح الباري - كتاب الإعتصام بالسنة
فتح الباري - كتاب التوحيد
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن رجب
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
مقدمة
خطبة الكتاب
كتاب الإيمان
كتاب العلم
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصوم
كتاب فضائل القرآن
كتاب الدعوات
كتاب المناسك
كتاب البيوع
كتاب الفرائض والوصايا
كتاب النكاح
كتاب العتق
كتاب القصاص
كتاب الديات
كتاب الحدود
كتاب الإمارة والقضاء
كتاب الجهاد
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأطعمة
كتاب اللباس
كتاب الطب والرقى
كتاب الرؤيا
كتاب الآداب
كتاب الرقاق
كتاب الفتن
كتاب صفة القيامة والجنة والنار
كتاب الفضائل والشمائل
كتاب المناقب

 
عودة لموقع هاني الطنبور
هاني الطنبور
الصفحة السابقة الصفحة التالية
 
 

 

المنهاج - الطلاق

هُوَ مُشْتَقّ مِنْ الْإِطْلَاق وَهُوَ الْإِرْسَال وَالتَّرْك وَمِنْهُ طَلَّقْت الْبِلَاد أَيْ تَرَكْتهَا وَيُقَال طَلَقَتْ الْمَرْأَة وَطَلُقَتْ بِفَتْحِ اللَّام وَضَمّهَا وَالْفَتْح أَفْصَح تَطْلُق بِضَمِّهَا فِيهِمَا .


أَجْمَعَتْ الْأُمَّة عَلَى تَحْرِيم طَلَاق الْحَائِض الْحَائِل بِغَيْرِ رِضَاهَا فَلَوْ طَلَّقَهَا أَثِمَ وَوَقَعَ طَلَاقه وَيُؤْمَر بِالرَّجْعَةِ لِحَدِيثِ اِبْن عُمَر الْمَذْكُور فِي الْبَاب ، وَشَذَّ بَعْض أَهْل الظَّاهِر ، فَقَالَ : لَا يَقَع طَلَاقه لِأَنَّهُ غَيْر مَأْذُون لَهُ فِيهِ فَأَشْبَهَ طَلَاق الْأَجْنَبِيَّة . وَالصَّوَاب الْأَوَّل ، وَبِهِ قَالَ الْعُلَمَاء كَافَّة وَدَلِيلهمْ أَمْره بِمُرَاجَعَتِهَا وَلَوْ لَمْ يَقَع لَمْ تَكُنْ رَجْعَة . فَإِنْ قِيلَ الْمُرَاد بِالرَّجْعَةِ الرَّجْعَة اللُّغَوِيَّة وَهِيَ الرَّدّ إِلَى حَالهَا الْأَوَّل لَا أَنَّهُ تُحْسَب عَلَيْهِ طَلْقَة قُلْنَا هَذَا غَلَط لِوَجْهَيْنِ : أَحَدهمَا أَنَّ حَمَلَ اللَّفْظ عَلَى الْحَقِيقَة الشَّرْعِيَّة يُقَدَّم عَلَى حَمَلَهُ عَلَى الْحَقِيقَة اللُّغَوِيَّة كَمَا تَقَرَّرَ فِي أُصُول الْفِقْه ، الثَّانِي أَنَّ اِبْن عُمَر صَرَّحَ فِي رِوَايَات مُسْلِم وَغَيْره بِأَنَّهُ حَسَبَهَا عَلَيْهِ طَلْقَة وَاَللَّه أَعْلَم .
وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ إِذَا طَلَّقَهَا يُؤْمَر بِرَجْعَتِهَا كَمَا ذَكَرْنَا وَهَذِهِ الرَّجْعَة مُسْتَحَبَّة لَا وَاجِبَة ، هَذَا مَذْهَبنَا وَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَة وَسَائِر الْكُوفِيِّينَ وَأَحْمَد وَفُقَهَاء الْمُحَدِّثِينَ وَآخَرُونَ ، وَقَالَ مَالِك وَأَصْحَابه : هِيَ وَاجِبَة . فَإِنْ قِيلَ فَفِي حَدِيث اِبْن عُمَر هَذَا أَنَّهُ أَمَرَ بِالرَّجْعَةِ ثُمَّ بِتَأْخِيرِ الطَّلَاق إِلَى طُهْر بَعْد الطُّهْر الَّذِي يَلِي هَذَا الْحَيْض فَمَا فَائِدَة التَّأْخِير ؟ فَالْجَوَاب مِنْ أَرْبَعَة أَوْجُه : أَحَدهَا لِئَلَّا تَصِير الرَّجْعَة لِغَرَضِ الطَّلَاق فَوَجَبَ أَنْ يُمْسِكهَا زَمَانًا كَانَ يَحِلّ لَهُ فِيهِ الطَّلَاق وَإِنَّمَا أَمْسَكَهَا لِتَظْهَر فَائِدَة الرَّجْعَة وَهَذَا جَوَاب أَصْحَابنَا ، وَالثَّانِي عُقُوبَة لَهُ وَتَوْبَة مِنْ مَعْصِيَة بِاسْتِدْرَاكِ جِنَايَته ، وَالثَّالِث أَنَّ الطُّهْر الْأَوَّل مَعَ الْحَيْض الَّذِي يَلِيه وَهُوَ الَّذِي طَلَّقَ فِيهِ كَقُرْءٍ وَاحِد فَلَوْ طَلَّقَهَا فِي أَوَّل طُهْر لَكَانَ كَمَنْ طَلَّقَ فِي الْحَيْض ، وَالرَّابِع أَنَّهُ نَهَى عَنْ طَلَاقهَا فِي الطُّهْر لِيُطَوِّل مَقَامه مَعَهَا فَلَعَلَّهُ يُجَامِعهَا فَيَذْهَب مَا فِي نَفْسه مِنْ سَبَب طَلَاقهَا فَيُمْسِكهَا وَاَللَّه أَعْلَم .


2675 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا ثُمَّ لْيَتْرُكْهَا حَتَّى تَطْهُر ثُمَّ تَحِيض ثُمَّ تَطْهُر ثُمَّ إِنْ شَاءَ أَمْسَكَ بَعْد وَإِنْ شَاءَ طَلَّقَ قَبْل أَنْ يَمَسّ فَتِلْكَ الْعِدَّة الَّتِي أَمَرَ اللَّه أَنْ يُطَلَّق لَهَا النِّسَاء )
يَعْنِي قَبْل أَنْ يَمَسّ أَيْ قَبْل أَنْ يَطَأهَا ، فَفِيهِ تَحْرِيم الطَّلَاق فِي طُهْر جَامَعَهَا فِيهِ . قَالَ أَصْحَابنَا : يَحْرُم طَلَاقهَا فِي طُهْر جَامَعَهَا فِيهِ حَتَّى يَتَبَيَّن حَمْلهَا لِئَلَّا تَكُون حَامِلًا فَيَنْدَم ، فَإِذَا بَانَ الْحَمْل دَخَلَ بَعْد ذَلِكَ فِي طَلَاقهَا عَلَى بَصِيرَة فَلَا يَنْدَم فَلَا تُحَرَّم وَلَوْ كَانَتْ الْحَائِض حَامِلًا . فَالصَّحِيح عِنْدنَا وَهُوَ نَصّ الشَّافِعِيّ أَنَّهُ لَا يَحْرُم طَلَاقهَا ، لِأَنَّ تَحْرِيم الطَّلَاق فِي الْحَيْض إِنَّمَا كَانَ لِتَطْوِيلِ الْعِدَّة لِكَوْنِهِ لَا يُحْسَب قُرْءًا . وَأَمَّا الْحَامِل الْحَائِض فَعِدَّتهَا بِوَضْعِ الْحَمْل فَلَا يَحْصُل فِي حَقّهَا تَطْوِيل .
وَفِي قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنْ شَاءَ أَمْسَكَ وَإِنْ شَاءَ طَلَّقَ ) دَلِيل عَلَى أَنَّهُ لَا إِثْم فِي الطَّلَاق بِغَيْرِ سَبَب لَكِنْ يُكْرَه لِلْحَدِيثِ الْمَشْهُور فِي سُنَن أَبِي دَاوُدَ وَغَيْره ، أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " أَبْغَض الْحَلَال إِلَى اللَّه الطَّلَاق " ، فَيَكُون حَدِيث اِبْن عُمَر لِبَيَانِ أَنَّهُ لَيْسَ بِحَرَامٍ وَهَذَا الْحَدِيث لِبَيَانِ كَرَاهَة التَّنْزِيه .
قَالَ أَصْحَابنَا الطَّلَاق أَرْبَعَة أَقْسَام : حَرَام وَمَكْرُوه وَوَاجِب وَمَنْدُوب ، وَلَا يَكُون مُبَاحًا مُسْتَوِي الطَّرَفَيْنِ .
فَأَمَّا الْوَاجِب فَفِي صُورَتَيْنِ وَهُمَا فِي الْحُكْمَيْنِ إِذَا بَعَثَهُمَا الْقَاضِي عِنْد الشِّقَاق بَيْن الزَّوْجَيْنِ وَرَأَيَا الْمَصْلَحَة فِي الطَّلَاق وَجَبَ عَلَيْهِمَا الطَّلَاق ؛ وَفِي الْمَوْلَى إِذَا مَضَتْ عَلَيْهِ أَرْبَعَة أَشْهُر وَطَالَبَتْ الْمَرْأَة بِحَقِّهَا فَامْتَنَعَ مِنْ الْفَيْئَة وَالطَّلَاق فَالْأَصَحّ عِنْدنَا أَنَّهُ يَجِب عَلَى الْقَاضِي أَنْ يُطَلِّق عَلَيْهِ طَلْقَة رَجْعِيَّة .
وَأَمَّا الْمَكْرُوه فَأَنْ يَكُون الْحَال بَيْنهمَا مُسْتَقِيمًا فَيُطَلِّق بِلَا سَبَب وَعَلَيْهِ يُحْمَل حَدِيث " أَبْغَض الْحَلَال إِلَى اللَّه الطَّلَاق " .
وَأَمَّا الْحَرَام فَفِي ثَلَاث صُوَر أَحَدهَا فِي الْحَيْض بِلَا عِوَض مِنْهَا وَلَا سُؤَالهَا ؛ وَالثَّانِي فِي طُهْر جَامَعَهَا فِيهِ قَبْل بَيَان الْحَمْل ؛ وَالثَّالِث إِذَا كَانَ عِنْده زَوْجَات يَقْسِم لَهُنَّ وَطَلَّقَ وَاحِدَة قَبْل أَنْ يُوفِيهَا قَسْمهَا .
وَأَمَّا الْمَنْدُوب فَهُوَ أَلَّا تَكُون الْمَرْأَة عَفِيفَة أَوْ يَخَافَا أَوْ أَحَدهمَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُود اللَّه أَوْ نَحْو ذَلِكَ وَاَللَّه أَعْلَم .
وَأَمَّا جَمْع الطَّلْقَات الثَّلَاثَة دَفْعَة فَلَيْسَ الثَّلَاث بِحَرَامٍ عِنْدنَا ، لَكِنْ الْأَوْلَى تَفْرِيقهَا ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَد وَأَبُو ثَوْر . وَقَالَ مَالِك وَالْأَوْزَاعِيّ وَأَبُو حَنِيفَة وَاللَّيْث : هُوَ بِدْعَة قَالَ الْخَطَّابِيّ : فِي قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مُرْهُ فَلْيُرَاجِعهَا ) لَيْل عَلَى أَنَّ الرَّجْعَة لَا تَفْتَقِر إِلَى رِضَا الْمَرْأَة وَلَا وَلِيّهَا وَلَا تَجْدِيد عَقْد وَاَللَّه أَعْلَم .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَتِلْكَ الْعِدَّة الَّتِي أَمْر اللَّه أَنْ يُطَلَّق لَهَا النِّسَاء ) فِي دَلِيل لِمَذْهَبِ الشَّافِعِيّ وَمَالِك وَمُوَافِقِيهِمَا أَنَّ الْأَقْرَاء فِي الْعِدَّة هِيَ الْأَطْهَار لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لِيُطَلِّقهَا فِي الطُّهْر إِنْ شَاءَ فَتِلْكَ الْعِدَّة الَّتِي أَمَرَ اللَّه أَنْ يُطَلَّق لَهَا النِّسَاء أَيْ فِيهَا ، وَمَعْلُوم أَنَّ اللَّه لَمْ يَأْمُر بِطَلَاقِهِنَّ فِي الْحَيْض ، بَلْ حَرَّمَهُ ، فَإِنْ قِيلَ : الضَّمِير فِي قَوْله : ( فَتِلْكَ ) يَعُود إِلَى الْحَيْضَة . قُلْنَا : هَذَا غَلَط لِأَنَّ الطَّلَاق فِي الْحَيْض غَيْر مَأْمُور بِهِ بَلْ مُحَرَّم ، وَإِنَّمَا الضَّمِير عَائِد إِلَى الْحَالَة الْمَذْكُورَة وَهِيَ حَالَة الطُّهْر أَوْ إِلَى الْعِدَّة .
وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاء مِنْ أَهْل الْفِقْه وَالْأُصُول وَاللُّغَة عَلَى أَنَّ ( الْقُرْء ) يُطْلَق فِي اللُّغَة عَلَى الْحَيْض وَعَلَى الطُّهْر وَاخْتَلَفُوا فِي الْأَقْرَاء الْمَذْكُورَة فِي قَوْله تَعَالَى : { وَالْمُطَلَّقَات يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَة قُرُوء } وَفِيمَا تَنْقَضِي بِهِ الْعِدَّة ، فَقَالَ مَالِك وَالشَّافِعِيّ وَآخَرُونَ : هِيَ الْأَطْهَار . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة وَالْأَوْزَاعِيّ وَآخَرُونَ : هِيَ الْحَيْض . وَهُوَ مَرْوِيّ عَنْ عُمَر وَعَلِيّ وَابْن مَسْعُود رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ ، وَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيّ وَزُفَر وَإِسْحَاق وَآخَرُونَ مِنْ السَّلَف ، وَهُوَ أَصَحّ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَد . قَالُوا : لِأَنَّ مَنْ قَالَ بِالْأَطْهَارِ يَجْعَلهَا قُرْأَيْنِ وَبَعْض الثَّالِث ، وَظَاهِر الْقُرْآن أَنَّهَا ثَلَاثَة .
وَالْقَائِل بِالْحَيْضِ يَشْتَرِط ثَلَاثَة حَيْضَات كَوَامِل فَهُوَ أَقْرَب إِلَى مُوَافَقَة الْقُرْآن ، وَلِهَذَا الِاعْتِرَاض صَارَ اِبْن شِهَاب الزُّهْرِيّ إِلَى أَنَّ الْأَقْرَاء هِيَ الْأَطْهَار ، قَالَ : وَلَكِنْ لَا تَنْقَضِي الْعِدَّة إِلَّا بِثَلَاثَةِ أَطْهَار كَامِلَة وَلَا تَنْقَضِي بِطُهْرَيْنِ وَبَعْض الثَّالِث . وَهَذَا مَذْهَب اِنْفَرَدَ بِهِ بَلْ اِتَّفَقَ الْقَائِلُونَ لِلْأَطْهَارِ عَلَى أَنَّهَا تَنْقَضِي بِقُرْأَيْنِ وَبَعْض الثَّالِث ، حَتَّى لَوْ طَلَّقَهَا وَقَدْ بَقِيَ مِنْ الطُّهْر لَحْظَة يَسِيرَة حُسِبَ ذَلِكَ قُرْءًا ، وَيَكْفِيهَا طُهْرَانِ بَعْده . وَأَجَابُوا عَنْ الِاعْتِرَاض بِأَنَّ الشَّيْئَيْنِ وَبَعْض الثَّالِث يُطْلَق عَلَيْهَا اِسْم : الْجَمِيع ، قَالَ اللَّه تَعَالَى : { الْحَجّ أَشْهُر مَعْلُومَات } وَمَعْلُوم أَنَّهُ شَهْرَانِ وَبَعْض الثَّالِث ، وَكَذَا قَوْله تَعَالَى : { فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ } الْمُرَاد فِي يَوْم وَبَعْض الثَّانِي .
وَاخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِالْأَطْهَارِ : مَتَى تَنْقَضِي عِدَّتهَا ؟ فَالْأَصَحّ عِنْدنَا أَنَّهُ بِمُجَرَّدِ رُؤْيَة الدَّم بَعْد الطُّهْر الثَّالِث ، وَفِي قَوْل : لَا تَنْقَضِي حَتَّى يَمْضِي يَوْم وَلَيْلَة . وَالْخِلَاف فِي مَذْهَب مَالِك كَهُوَ عِنْدنَا .
وَاخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِالْحَيْضِ أَيْضًا فَقَالَ أَبُو حَنِيفَة وَأَصْحَابه : حَتَّى تَغْتَسِل مِنْ الْحَيْضَة الثَّالِثَة أَوْ يَذْهَب وَقْت صَلَاة . وَقَالَ عُمَر وَعَلِيّ وَابْن مَسْعُود وَالثَّوْرِيّ وَزُفَر وَإِسْحَاق وَأَبُو عُبَيْد : حَتَّى تَغْتَسِل مِنْ الثَّالِثَة . وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَآخَرُونَ : تَنْقَضِي بِنَفْسِ اِنْقِطَاع الدَّم . وَعَنْ إِسْحَاق رِوَايَة ، أَنَّهُ إِذَا اِنْقَطَعَتْ الدَّم اِنْقَطَعَتْ الرَّجْعَة ، وَلَكِنْ لَا تَحِلّ لِلْأَزْوَاجِ حَتَّى تَغْتَسِل اِحْتِيَاطًا وَخُرُوجًا مِنْ الْخِلَاف وَاَللَّه أَعْلَم .


2676 - قَوْله : ( أَمَّا أَنْتَ طَلَّقْت اِمْرَأَتك مَرَّة أَوْ مَرَّتَيْنِ فَإِنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَنِي بِهَذَا وَإِنْ كُنْت طَلَّقْتهَا ثَلَاثًا فَقَدْ حَرُمَتْ عَلَيْك )
أَمَّا قَوْله : أَمَرَنِي بِهَذَا ، فَمَعْنَاهُ أَمَرَنِي بِالرَّجْعَةِ وَأَمَّا قَوْله : أَمَّا أَنْتَ ، فَقَالَ الْقَاضِي عِيَاض رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : هَذَا مُشْكِل . قَالَ : قِيلَ : إِنَّهُ بِفَتْحِ الْهَمْزَة مِنْ ( أَمَّا ) أَيْ أَمَّا إِنْ كُنْت ، فَحَذَفُوا الْفِعْل الَّذِي يَلِي ( أَنَّ ) وَجَعَلُوا ( مَا ) عِوَضًا مِنْ الْفِعْل ، وَفَتَحُوا ( أَنَّ ) وَأَدْغَمُوا النُّون فِي ( مَا ) ، وَجَاءُوا بِأَنْتَ مَكَان الْعَلَامَة فِي ( كُنْت ) وَيَدُلّ عَلَيْهِ قَوْله بَعْده : ( وَإِنْ كُنْت طَلَّقْتهَا ثَلَاثًا فَقَدْ حَرُمَتْ عَلَيْك ) .
قَوْله : ( قَالَ مُسْلِم : جَوَّدَ اللَّيْث فِي قَوْله تَطْلِيقَة وَاحِدَة )
يَعْنِي أَنَّهُ حَفِظَ وَأَتْقَنَ قَدْر الطَّلَاق الَّذِي لَمْ يُتْقِنهُ غَيْره ، وَلَمْ يُهْمِلهُ كَمَا أَهْمَلَهُ غَيْره ، وَلَا غَلِطَ فِيهِ وَجَعَلَهُ ثَلَاثًا كَمَا غَلِطَ فِيهِ غَيْره .
وَقَدْ تَظَاهَرَتْ رِوَايَات مُسْلِم بِأَنَّهَا طَلْقَة وَاحِدَة .


2680 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( ثُمَّ لِيُطَلِّقهَا طَاهِرًا أَوْ حَامِلًا )
فِيهِ دَلَالَة لِجَوَازِ طَلَاق الْحَامِل الَّتِي تَبَيَّنَ حَمْلهَا وَهُوَ مَذْهَب الشَّافِعِيّ ، قَالَ اِبْن الْمُنْذِر وَبِهِ قَالَ أَكْثَر الْعُلَمَاء مِنْهُمْ طَاوُس وَالْحَسَن وَابْن سِيرِينَ وَرَبِيعَة وَحَمَّاد بْن أَبِي سُلَيْمَان وَمَالِك وَأَحْمَد وَإِسْحَاق وَأَبُو ثَوْر وَأَبُو عُبَيْد ، قَالَ اِبْن الْمُنْذِر : وَبِهِ أَقُول . وَبِهِ قَالَ بَعْض الْمَالِكِيَّة ، وَقَالَ بَعْضهمْ : هُوَ حَرَام . وَحَكَى اِبْن الْمُنْذِر رِوَايَة أُخْرَى عَنْ الْحَسَن أَنَّهُ قَالَ طَلَاق الْحَامِل مَكْرُوه ، ثُمَّ مَذْهَب الشَّافِعِيّ وَمَنْ وَافَقَهُ أَنَّهُ لَهُ أَنْ يُطَلِّق الْحَامِل ثَلَاثًا بِلَفْظٍ وَاحِد ، وَبِأَلْفَاظٍ مُتَّصِلَة ، وَفِي أَوْقَات مُتَفَرِّقَة . وَكُلّ ذَلِكَ جَائِز لَا بِدْعَة فِيهِ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة وَأَبُو يُوسُف : يَجْعَل بَيْن الطَّلْقَتَيْنِ شَهْرًا . وَقَالَ مَالِك وَزُفَر وَمُحَمَّد بْن الْحَسَن . لَا يُوقِع عَلَيْهَا أَكْثَر مِنْ وَاحِدَة حَتَّى تَضَع .


2682 - قَوْله : ( لَقِيت أَبَا غَلَّاب يُونُس بْن جُبَيْر )
هُوَ بِفَتْحِ الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَتَشْدِيد اللَّام وَآخِره بَاء مُوَحَّدَة هَكَذَا ضَبَطْنَاهُ وَكَذَا ذَكَرَهُ اِبْن مَاكُولَا وَالْجُمْهُور وَذَكَرَ الْقَاضِي عَنْ بَعْض الرُّوَاة تَخْفِيف اللَّام .
قَوْله : ( وَكَانَ ذَا ثَبَت )
هُوَ بِفَتْحِ الثَّاء وَالْبَاء أَيْ مُثْبَتًا .
قَوْله : ( قُلْت أَفَحُسِبَتْ عَلَيْهِ قَالَ فَمَهْ أَوْ إِنْ عَجَزَ وَاسْتَحْمَقَ )
مَعْنَاهُ أَفَيَرْتَفِع عَنْهُ الطَّلَاق وَإِنْ عَجَزَ وَاسْتَحْمَقَ وَهُوَ اِسْتِفْهَام إِنْكَار ، وَتَقْدِيره نَعَمْ تُحْسَب وَلَا يَمْتَنِع اِحْتِسَابهَا لِعَجْزِهِ وَحَمَاقَته .
قَالَ : الْقَاضِي : أَيْ إِنْ عَجَزَ عَنْ الرَّجْعَة وَفَعَلَ فِعْل الْأَحْمَق . وَالْقَائِل لِهَذَا الْكَلَام هُوَ اِبْن عُمَر صَاحِب الْقِصَّة ، وَأَعَادَ الضَّمِير بِلَفْظِ الْغِيبَة وَقَدْ بَيَّنَهُ بَعْد هَذِهِ فِي رِوَايَة أَنَس بْن سِيرِينَ . قَالَ : قُلْت - يَعْنِي لِابْنِ عُمَر - فَاعْتَدَدْت بِتِلْكَ التَّطْلِيقَة الَّتِي طَلُقَتْ وَهِيَ حَائِض . قَالَ : مَا لِي لَا أَعْتَدّ بِهَا وَإِنْ كُنْت عَجَزْت وَاسْتَحْمَقْت ؟ وَجَاءَ فِي غَيْر مُسْلِم أَنَّ اِبْن عُمَر قَالَ : رَأَيْت إِنْ كَانَ اِبْن عُمَر عَجَزَ وَاسْتَحْمَقَ فَمَا يَمْنَعهُ أَنْ يَكُون طَلَاقًا ؟
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( يُطَلِّقهَا فِي قُبُل عِدَّتهَا )
هُوَ بِضَمِّ الْقَاف وَالْبَاء أَيْ فِي وَقْت تَسْتَقْبِل فِيهِ الْعِدَّة وَتَشْرَع فِيهَا ، وَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ الْأَقْرَاء هِيَ الْأَطْهَار ، وَأَنَّهَا إِذَا طَلُقَتْ فِي الطُّهْر شَرَعَتْ فِي الْحَال فِي الْأَقْرَاء لِأَنَّ الطَّلَاق الْمَأْمُور بِهِ إِنَّمَا هُوَ فِي الطُّهْر لِأَنَّهَا إِذَا طَلُقَتْ فِي الْحَيْض لَا يُحْسَب ذَلِكَ الْحَيْض قُرْءًا بِالْإِجْمَاعِ ، فَلَا تَسْتَقْبِل فِيهِ الْعِدَّة وَإِنَّمَا تَسْتَقْبِلهَا إِذَا طَلُقَتْ فِي الطُّهْر وَاَللَّه أَعْلَم .


2683 - وَأَمَّا قَوْله : ( فَمَهْ )
فَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون لِلْكَفِّ وَالزَّجْر عَنْ هَذَا الْقَوْل ، أَيْ لَا تَشُكّ فِي وُقُوع الطَّلَاق وَأَجْزَمَ بِوُقُوعِهِ . وَقَالَ الْقَاضِي : الْمُرَاد ( بِمَهْ ) ( مَا ) فَيَكُون اِسْتِفْهَامًا أَيْ فَمَا يَكُون أَنْ أَحْتَسِب بِهَا ؟ وَمَعْنَاهُ لَا يَكُون إِلَّا الِاحْتِسَاب بِهَا فَأَبْدَلَ مِنْ الْأَلِف ( هَاء ) كَمَا قَالُوا فِي ( مَهْمَا ) أَنَّ أَصْلهَا ( مَامَا ) أَيْ أَيّ شَيْء .


2687 - قَوْله : ( عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ عَنْ اِبْن طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ اِبْن عُمَر يَسْأَل عَنْ رَجُل طَلَّقَ اِمْرَأَته . . . إِلَى آخِره )
وَقَالَ فِي آخِره : لَمْ أَسْمَعهُ يَزِيد عَلَى ذَلِكَ لِأَبِيهِ . فَقَوْله ( لِأَبِيهِ ) بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَة ثُمَّ الْيَاء الْمُثَنَّاة مِنْ تَحْت ، وَمَعْنَاهُ أَنَّ اِبْن طَاوُسٍ قَالَ : لَمْ أَسْمَعهُ أَيْ لَمْ أَسْمَع أَبِي طَاوُسًا يَزِيد عَلَى هَذَا الْقَدْر مِنْ الْحَدِيث . وَالْقَائِل لِأَبِيهِ هُوَ اِبْن جُرَيْجٍ وَأَرَادَ تَفْسِير الضَّمِير فِي قَوْله اِبْن طَاوُسٍ ( لَمْ أَسْمَعهُ ) وَاللَّام زَائِدَة فَمَعْنَاهُ يُعْنَى أَبَاهُ وَلَوْ قَالَ يَعْنِي أَبَاهُ لَكَانَ أَوْضَح .


2688 - قَوْله : ( وَقَرَأَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَطَلِّقُوهُنَّ فِي قُبُل عِدَّتهنَّ )
هَذِهِ قِرَاءَة اِبْن عَبَّاس وَابْن عُمَر وَهِيَ شَاذَّة لَا تَثْبُت قُرْآنًا بِالْإِجْمَاعِ وَلَا يَكُون لَهَا حُكْم خَبَر الْوَاحِد عِنْدنَا وَعِنْد مُحَقِّقِي الْأُصُولِيِّينَ وَاَللَّه أَعْلَم .


2689 - قَوْله : ( عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : كَانَ طَلَاق الثَّلَاث فِي عَهْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْر وَسَنَتَيْنِ مِنْ خِلَافَة عُمَر طَلَاق الثَّلَاث وَاحِدَة ، فَقَالَ عُمَر بْن الْخَطَّاب : إِنَّ النَّاس قَدْ اِسْتَعْجَلُوا فِي أَمْر كَانَتْ لَهُمْ فِيهِ أَنَاة فَلَوْ أَمْضَيْنَاهُ عَلَيْهِمْ فَأَمْضَاهُ عَلَيْهِمْ )
وَفِي رِوَايَة عَنْ أَبِي الصَّهْبَاء ( أَنَّهُ قَالَ لِابْنِ عَبَّاس أَتَعْلَمُ أَنَّمَا كَانَتْ الثَّلَاث تُجْعَل وَاحِدَة عَلَى عَهْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْر وَثَلَاثًا مِنْ إِمَارَة عُمَر ؟ فَقَالَ اِبْن عَبَّاس نَعَمْ ) وَفِي رِوَايَة ( أَنَّ أَبَا الصَّهْبَاء قَالَ لِابْنِ عَبَّاس : هَاتِ مِنْ هَنَاتك أَلَمْ يَكُنْ طَلَاق الثَّلَاث عَلَى عَهْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْر وَاحِدَة ؟ فَقَالَ : قَدْ كَانَ ذَاكَ فَلَمَّا كَانَ فِي عَهْد عُمَر تَتَابَعَ النَّاس فِي الطَّلَاق فَأَجَازَهُ عَلَيْهِمْ وَفِي سُنَن أَبِي دَاوُد ( عَنْ أَبِي الصَّهْبَاء عَنْ اِبْن عَبَّاس نَحْو هَذَا إِلَّا أَنَّهُ قَالَ كَانَ الرَّجُل إِذَا طَلَّقَ اِمْرَأَته قَبْل أَنْ يَدْخُل بِهَا جَعَلُوهُ وَاحِدَة ) هَذِهِ أَلْفَاظ هَذَا الْحَدِيث وَهُوَ مَعْدُود مِنْ الْأَحَادِيث الْمُشْكِلَة .
وَقَدْ اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِيمَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَنْتَ طَالِق ثَلَاثًا فَقَالَ الشَّافِعِيّ وَمَالِك وَأَبُو حَنِيفَة وَأَحْمَد وَجَمَاهِير الْعُلَمَاء مِنْ السَّلَف وَالْخَلَف : يَقَع الثَّلَاث . وَقَالَ طَاوُس وَبَعْض أَهْل الظَّاهِر : لَا يَقَع بِذَلِكَ إِلَّا وَاحِدَة . وَهُوَ رِوَايَة عَنْ الْحَجَّاج بْن أَرَطْأَة وَمُحَمَّد بْن إِسْحَاق وَالْمَشْهُور عَنْ الْحَجَّاج بْن أَرْطَاة أَنَّهُ لَا يَقَع بِهِ شَيْء ، وَهُوَ قَوْل اِبْن مُقَاتِل وَرِوَايَة عَنْ مُحَمَّد بْن إِسْحَاق .
وَاحْتَجَّ هَؤُلَاءِ بِحَدِيثِ اِبْن عَبَّاس هَذَا ، وَبِأَنَّهُ وَقَعَ فِي بَعْض رِوَايَات حَدِيث اِبْن عُمَر أَنَّهُ طَلَّقَ اِمْرَأَته ثَلَاثًا فِي الْحَيْض وَلَمْ يَحْتَسِب بِهِ ، وَبِأَنَّهُ وَقَعَ فِي حَدِيث رُكَانَة أَنَّهُ طَلَّقَ اِمْرَأَته ثَلَاثًا وَأَمَرَهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِرَجْعَتِهَا .
وَاحْتَجَّ الْجُمْهُور بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُود اللَّه فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسه لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّه يُحْدِث بَعْد ذَلِكَ أَمْرًا } قَالُوا : مَعْنَاهُ أَنَّ الْمُطَلِّق قَدْ يَحْدُث لَهُ نَدَم فَلَا يُمْكِنهُ تَدَارُكه لِوُقُوعِ الْبَيْنُونَة ، فَلَوْ كَانَتْ الثَّلَاث لَا تَقَع لَمْ يَقَع طَلَاقه هَذَا إِلَّا رَجْعِيًّا فَلَا يَنْدَم . وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِحَدِيثِ رُكَانَة أَنَّهُ طَلَّقَ اِمْرَأَته الْبَتَّة فَقَالَ لَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " اللَّه مَا أَرَدْت إِلَّا وَاحِدَة ؟ " قَالَ : اللَّه مَا أَرَدْت إِلَّا وَاحِدَة . فَهَذَا دَلِيل عَلَى أَنَّهُ لَوْ أَرَادَ الثَّلَاث لَوَقَعْنَ وَإِلَّا فَلَمْ يَكُنْ لِتَحْلِيفِهِ مَعْنًى .
وَأَمَّا الرِّوَايَة الَّتِي رَوَاهَا الْمُخَالِفُونَ ، أَنَّ رُكَانَة طَلَّقَ ثَلَاثًا فَجَعَلَهَا وَاحِدَة ، فَرِوَايَة ضَعِيفَة عَنْ قَوْم مَجْهُولِينَ . وَإِنَّمَا الصَّحِيح مِنْهَا مَا قَدَّمْنَاهُ أَنَّهُ طَلَّقَهَا الْبَتَّة وَلَفْظ ( الْبَتَّة ) مُحْتَمَل لِلْوَاحِدَةِ وَلِلثَّلَاثِ وَلَعَلَّ صَاحِب هَذِهِ الرِّوَايَة الضَّعِيفَة اعْتَقَدَ أَنَّ لَفْظ ( الْبَتَّة ) يَقْتَضِي الثَّلَاث فَرَوَاهُ بِالْمَعْنَى الَّذِي فَهِمَهُ وَغَلِطَ فِي ذَلِكَ .
وَأَمَّا حَدِيث اِبْن عُمَر فَالرِّوَايَات الصَّحِيحَة الَّتِي ذَكَرَهَا مُسْلِم وَغَيْره أَنَّهُ طَلَّقَهَا وَاحِدَة .
وَأَمَّا حَدِيث اِبْن عَبَّاس فَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي جَوَابه وَتَأْوِيله ، فَالْأَصَحّ أَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّهُ كَانَ فِي أَوَّل الْأَمْر إِذَا قَالَ لَهَا : أَنْتَ طَالِق أَنْتَ طَالِق أَنْتَ طَالِق ، وَلَمْ يَنْوِ تَأْكِيدًا وَلَا اِسْتِئْنَافًا يَحْكُم بِوُقُوعِ طَلْقَة لِقِلَّةِ إِرَادَتهمْ الِاسْتِئْنَاف بِذَلِكَ فَحُمِلَ عَلَى الْغَالِب الَّذِي هُوَ إِرَادَة التَّأْكِيد ، فَلَمَّا كَانَ فِي زَمَن عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ وَكَثُرَ اِسْتِعْمَال النَّاس بِهَذِهِ الصِّيغَة وَغَلَبَ مِنْهُمْ إِرَادَة الِاسْتِئْنَاف بِهَا حُمِلَتْ عِنْد الْإِطْلَاق عَلَى الثَّلَاث عَمَلًا بِالْغَالِبِ السَّابِق إِلَى الْفَهْم مِنْهَا فِي ذَلِكَ الْعَصْر .
وَقِيلَ الْمُرَاد أَنَّ الْمُعْتَاد فِي الزَّمَن الْأَوَّل كَانَ طَلْقَة وَاحِدَة وَصَارَ النَّاس فِي زَمَن عُمَر يُوقِعُونَ الثَّلَاث دَفْعَة فَنَفَذَهُ عُمَر ، فَعَلَى هَذَا يَكُون إِخْبَارًا عَنْ اِخْتِلَاف عَادَة النَّاس ، لَا عَنْ تَغَيُّر حُكْم فِي مَسْأَلَة وَاحِدَة .
قَالَ الْمَازِرِيّ وَقَدْ زَعَمَ مِنْ لَا خِبْرَة لَهُ بِالْحَقَائِقِ : أَنَّ ذَلِكَ كَانَ ثُمَّ نُسِخَ . قَالَ : وَهَذَا غَلَط فَاحِش لِأَنَّ عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ لَا يَنْسَخ وَلَوْ نَسَخَ وَحَاشَاهُ لَبَادَرَتْ الصَّحَابَة إِلَى إِنْكَاره ، وَإِنْ أَرَادَ هَذَا الْقَائِل أَنَّهُ نُسِخَ فِي زَمَن النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَلِكَ غَيْر مُمْتَنِع ، وَلَكِنْ يَخْرُج عَنْ ظَاهِر الْحَدِيث . لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَجُزْ لِلرَّاوِي أَنْ يُخْبِر بِبَقَاءِ الْحُكْم فِي خِلَافَة أَبِي بَكْر وَبَعْض خِلَافَة عُمَر .
فَإِنْ قِيلَ فَقَدْ يُجْمِع الصَّحَابَة عَلَى النَّسْخ فَيُقْبَل ذَلِكَ مِنْهُمْ . قُلْنَا : إِنَّمَا يُقْبَل ذَلِكَ لِأَنَّهُ يُسْتَدَلّ بِإِجْمَاعِهِمْ عَلَى نَاسِخ ، وَأَمَّا أَنَّهُمْ يَنْسَخُونَ مِنْ تِلْقَاء أَنْفُسهمْ فَمَعَاذ اللَّه لِأَنَّهُ إِجْمَاع عَلَى الْخَطَأ وَهُمْ مَعْصُومُونَ مِنْ ذَلِكَ .
فَإِنَّ قِيلَ : فَلَعَلَّ النَّسْخ إِنَّمَا ظَهَرَ لَهُمْ فِي زَمَن عُمَر . قُلْنَا : هَذَا غَلَط أَيْضًا ، لِأَنَّهُ يَكُون قَدْ حَصَلَ الْإِجْمَاع عَلَى الْخَطَأ فِي زَمَن أَبِي بَكْر وَالْمُحَقِّقُونَ مِنْ الْأُصُولِيِّينَ لَا يَشْتَرِطُونَ اِنْقِرَاض الْعَصْر فِي صِحَّة الْإِجْمَاع وَاَللَّه أَعْلَم .
وَأَمَّا الرِّوَايَة الَّتِي فِي سُنَن أَبِي دَاوُدَ أَنَّ ذَلِكَ فِيمَنْ لَمْ يَدْخُل بِهَا ، فَقَالَ بِهَا قَوْم مِنْ أَصْحَاب اِبْن عَبَّاس فَقَالُوا : لَا يَقَع الثَّلَاث عَلَى غَيْر الْمَدْخُول بِهَا ، لِأَنَّهَا تَبِين بِوَاحِدَةٍ بِقَوْلِهِ : أَنْتَ طَالِق فَيَكُون قَوْله ثَلَاثًا حَاصِل بَعْد الْبَيْنُونَة فَلَا يَقَع بِهِ شَيْء . وَقَالَ الْجُمْهُور : هَذَا غَلَط بَلْ يَقَع عَلَيْهَا الثَّلَاث ، لِأَنَّ قَوْله : ( أَنْتَ طَالِق ) مَعْنَاهُ ذَات طَلَاق . وَهَذَا اللَّفْظ يَصْلُح لِلْوَاحِدَةِ وَالْعَدَد ، وَقَوْله بَعْده ( ثَلَاثًا ) تَفْسِير لَهُ .
وَأَمَّا هَذِهِ الرِّوَايَة الَّتِي لِأَبِي دَاوُدَ فَضَعِيفَة ، رَوَاهَا أَيُّوب السِّخْتِيَانِيّ عَنْ قَوْم مَجْهُولِينَ عَنْ طَاوُسٍ عَنْ اِبْن عَبَّاس فَلَا يُحْتَجّ بِهَا وَاَللَّه أَعْلَم .
قَوْله : ( كَانَتْ لَهُمْ فِيهِ أَنَاة ) هُوَ بِفَتْحِ الْهَمْزَة أَيْ مُهْلَة وَبَقِيَّة اِسْتِمْتَاع لِانْتِظَارِ الْمُرَاجَعَة .


2691 - قَوْله : ( تَتَايَعَ النَّاس فِي الطَّلَاق )
هُوَ بِيَاءٍ مُثَنَّاة مِنْ تَحْت بَيْن الْأَلِف وَالْعَيْن هَذِهِ رِوَايَة الْجُمْهُور وَضَبَطَهُ بَعْضهمْ بِالْمُوَحَّدَةِ . وَهُمَا بِمَعْنًى ، وَمَعْنَاهُ أَكْثِرُوا مِنْهُ وَأَسْرِعُوا إِلَيْهِ لَكِنْ بِالْمُثَنَّاةِ إِنَّمَا يُسْتَعْمَل فِي الشَّرّ وَبِالْمُوَحَّدَةِ يُسْتَعْمَل فِي الْخَيْر وَالشَّرّ فَالْمُثَنَّاة هُنَا أَجْوَد .
وَقَوْله : ( هَاتِ مِنْ هَنَاتك )
هُوَ بِكَسْرِ التَّاء مِنْ ( هَاتِ ) وَالْمُرَاد بِهَنَاتِك أَخْبَارك وَأُمُورك الْمُسْتَغْرَبَة وَاَللَّه أَعْلَم .


2692 - قَوْله : ( عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّهُ كَانَ يَقُول فِي الْحَرَام : يَمِين يُكَفِّرهَا وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : { لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُول اللَّه أُسْوَة حَسَنَة } وَفِي رِوَايَة عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : ( إِذَا حَرَّمَ الرَّجُل اِمْرَأَته فَهِيَ يَمِين يُكَفِّرهَا ) وَذَكَرَ مُسْلِم حَدِيث عَائِشَة فِي سَبَب نُزُول قَوْله تَعَالَى : { لِمَ تُحَرِّم مَا أَحَلَّ اللَّه لَك } وَقَدْ اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِيمَا إِذَا قَالَ لِزَوْجَتِهِ : أَنْتِ عَلَيَّ حَرَام . فَمَذْهَب الشَّافِعِيّ أَنَّهُ إِنْ نَوَى طَلَاقهَا كَانَ طَلَاقًا ، وَإِنْ نَوَى الظِّهَار كَانَ ظِهَارًا ، وَإِنْ نَوَى تَحْرِيم عَيْنهَا بِغَيْرِ طَلَاق وَلَا ظِهَار لَزِمَهُ بِنَفْسِ اللَّفْظ كَفَّارَة يَمِين وَلَا يَكُون ذَلِكَ يَمِينًا ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا فَفِيهِ قَوْلَانِ لِلشَّافِعِيِّ : أَصَحّهمَا يَلْزَمهُ كَفَّارَة يَمِين ؛ وَالثَّانِي أَنَّهُ لَغْو لَا شَيْء فِيهِ وَلَا يَتَرَتَّب عَلَيْهِ شَيْء مِنْ الْأَحْكَام ، هَذَا مَذْهَبنَا .
وَحَكَى الْقَاضِي عِيَاض فِي الْمَسْأَلَة أَرْبَعَة عَشَر مَذْهَبًا :
أَحَدهَا : الْمَشْهُور مِنْ مَذْهَب مَالِك أَنَّهُ يَقَع بِهِ ثَلَاث طَلْقَات سَوَاء كَانَتْ مَدْخُولًا بِهَا أَمْ لَا ، لَكِنْ لَوْ نَوَى أَقَلّ مِنْ الثَّلَاث قُبِلَ فِي غَيْر الْمَدْخُول بِهَا خَاصَّة ، قَالَ : وَبِهَذَا الْمَذْهَب قَالَ أَيْضًا عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب وَزَيْد وَالْحَسَن وَالْحَكَم .
وَالثَّانِي : أَنَّهُ يَقَع بِهِ ثَلَاث طَلْقَات وَلَا تُقْبَل نِيَّته فِي الْمَدْخُول بِهَا وَلَا غَيْرهَا ، قَالَهُ اِبْن أَبِي لَيْلَى وَعَبْد الْمَلِك اِبْن الْمَاجِشُونِ الْمَالِكِيّ .
وَالثَّالِث : يَقَع بِهِ عَلَى الْمَدْخُول بِهَا ثَلَاث وَعَلَى غَيْرهَا وَاحِدَة قَالَهُ أَبُو مُصْعَب وَمُحَمَّد بْن عَبْد الْحَكَم الْمَالِكِيَّانِ .
وَالرَّابِع : أَنَّهُ يَقَع بِهِ طَلْقَة وَاحِدَة بَائِنَة سَوَاء الْمَدْخُول بِهَا وَغَيْرهَا وَهُوَ رِوَايَة عَنْ مَالِك .
وَالْخَامِس : أَنَّهَا طَلْقَة رَجْعِيَّة قَالَهُ عَبْد الْعَزِيز بْن أَبِي مَسْلَمَة الْمَالِكِيّ .
وَالسَّادِس : أَنَّهُ يَقَع مَا نَوَى وَلَا يَكُون أَقَلّ مِنْ طَلْقَة وَاحِدَة قَالَهُ الزُّهْرِيّ .
وَالسَّابِع : أَنَّهُ إِنْ نَوَى وَاحِدَة أَوْ عَدَدًا أَوْ يَمِينًا فَهُوَ مَا نَوَى وَإِلَّا فَلَغْو قَالَهُ سُفْيَان الثَّوْرِيّ .
وَالثَّامِن : مِثْل السَّابِع إِلَّا أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَنْوِ شَيْئًا لَزِمَهُ كَفَّارَة يَمِين قَالَهُ الْأَوْزَاعِيُّ وَأَبُو ثَوْر .
وَالتَّاسِع : مَذْهَب الشَّافِعِيّ وَسَبَقَ إِيضَاحه وَبِهِ قَالَ أَبُو بَكْر وَعُمَر وَغَيْرهمَا مِنْ الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ .
وَالْعَاشِر : إِنْ نَوَى الطَّلَاق وَقَعَتْ طَلْقَة بَائِنَة وَإِنْ نَوَى ثَلَاثًا وَقَعَ الثَّلَاث وَإِنْ نَوَى اِثْنَتَيْنِ وَقَعَتْ وَاحِده وَإِنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا فَيَمِين وَإِنْ نَوَى الْكَذِب فَلَغْو قَالَهُ أَبُو حَنِيفَة وَأَصْحَابه .
وَالْحَادِي عَشَر : مِثْل الْعَاشِر إِلَّا أَنَّهُ إِذَا نَوَى اِثْنَتَيْنِ وَقَعَتْ قَالَهُ زُفَر .
وَالثَّانِي عَشَر : أَنَّهُ تَجِب بِهِ كَفَّارَة الظِّهَار قَالَهُ إِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ .
وَالثَّالِث عَشَر : هِيَ يَمِين فِيهَا كَفَّارَة الْيَمِين قَالَهُ اِبْن عَبَّاس وَبَعْض التَّابِعِينَ .
الرَّابِع عَشَر : أَنَّهُ كَتَحْرِيمِ الْمَاء وَالطَّعَام فَلَا يَجِب فِيهِ شَيْء أَصْلًا وَلَا يَقَع بِهِ شَيْء بَلْ هُوَ لَغْو قَالَهُ مَسْرُوق وَالشَّعْبِيّ وَأَبُو سَلَمَة وَأَصْبَغ الْمَالِكِيّ ، هَذَا كُلّه إِذَا قَالَ لِزَوْجَتِهِ الْحُرَّة .
أَمَّا إِذَا قَالَهُ لِأَمَةٍ فَمَذْهَب الشَّافِعِيّ أَنَّهُ إِنْ نَوَى عِتْقهَا عَتَقَتْ ، وَإِنْ نَوَى تَحْرِيم عَيْنهَا لَزِمَهُ كَفَّارَة يَمِين وَلَا يَكُون يَمِينًا ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا وَجَبَ كَفَّارَة يَمِين عَلَى الصَّحِيح مِنْ الْمَذْهَب . وَقَالَ مَالِك : هَذَا فِي الْأَمَة لَغْو لَا يَتَرَتَّب عَلَيْهِ شَيْء . قَالَ الْقَاضِي : وَقَالَ عَامَّة الْعُلَمَاء : عَلَيْهِ كَفَّارَة يَمِين بِنَفْسِ التَّحْرِيم . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة : يَحْرُم عَلَيْهِ مَا حَرَّمَهُ مِنْ أَمَة وَطَعَام وَغَيْره وَلَا شَيْء عَلَيْهِ حَتَّى يَتَنَاوَلهُ فَيَلْزَمهُ حِينَئِذٍ كَفَّارَة يَمِين .
وَمَذْهَب مَالِك وَالشَّافِعِيّ وَالْجُمْهُور أَنَّهُ إِنْ قَالَ : هَذَا الطَّعَام حَرَام عَلَيَّ أَوْ هَذَا الْمَاء وَهَذَا الثَّوْب أَوْ دُخُول الْبَيْت أَوْ كَلَام زَيْد وَسَائِر مَا يُحَرِّمهُ غَيْر الزَّوْجَة وَالْأَمَة يَكُون هَذَا لَغْوًا لَا شَيْء فِيهِ وَلَا يَحْرُم عَلَيْهِ ذَلِكَ الشَّيْء فَإِذَا تَنَاوَلَهُ فَلَا شَيْء عَلَيْهِ وَأُمّ الْوَلَد كَالْأَمَةِ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ وَاَللَّه أَعْلَم .


2693 - سبق شرحه بالباب


2694 - قَوْلهَا : ( فَتَوَاطَيْت أَنَا وَحَفْصَة )
هَكَذَا هُوَ فِي النُّسَخ ( فَتَوَاطَيْت ) وَأَصْله ( فَتَوَاطَأَتْ ) بِالْهَمْزِ أَيْ اِتَّفَقَتْ .
قَوْلهَا : ( إِنِّي أَجِد مِنْك رِيح مَغَافِير )
هِيَ بِفَتْحِ الْمِيم وَبِغَيْنٍ مُعْجَمَة وَفَاء وَبَعْد الْفَاء يَاء هَكَذَا هُوَ فِي الْمَوْضِع الْأَوَّل فِي جَمِيع النُّسَخ ، وَأَمَّا الْمَوْضِعَانِ الْأَخِيرَانِ فَوَقَعَ فِيهِمَا فِي بَعْض النُّسَخ بِالْيَاءِ وَفِي بَعْضهَا بِحَذْفِهَا ، قَالَ الْقَاضِي : الصَّوَاب إِثْبَاتهَا لِأَنَّهَا عِوَض مِنْ الْوَاو الَّتِي فِي الْمُفْرَد ، وَإِنَّمَا حُذِفَتْ فِي ضَرُورَة الشِّعْر وَهُوَ جَمْع مَغْفُور ، وَهُوَ صَمْغ حُلْو كَالنَّاطِفِ وَلَهُ رَائِحَة كَرِيهَة يَنْضَحهُ شَجَر يُقَال لَهُ : الْعُرْفُط بِضَمِّ الْعَيْن الْمُهْمَلَة وَالْفَاء يَكُون بِالْحِجَازِ وَقِيلَ إِنَّ الْعُرْفُط نَبَات لَهُ وَرَقَة عَرِيضَة تَفْتَرِش عَلَى الْأَرْض لَهُ شَوْكَة حَجْنَاء وَثَمَرَة بَيْضَاء كَالْقُطْنِ مِثْل زِرّ الْقَمِيص خَبِيث الرَّائِحَة . قَالَ الْقَاضِي : وَزَعَمَ الْمُهَلَّب أَنَّ رَائِحَة الْمَغَافِير وَالْعُرْفُط حَسَنَة ، وَهُوَ خِلَاف مَا يَقْتَضِيه الْحَدِيث وَخِلَاف مَا قَالَهُ النَّاس . قَالَ أَهْل اللُّغَة : الْعُرْفُط مِنْ شَجَر الْعِضَاه وَهُوَ كُلّ شَجَر لَهُ شَوْك وَقِيلَ رَائِحَته كَالنَّبِيذِ ، وَكَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَكْرَه أَنْ تُوجَد مِنْهُ رَائِحَة كَرِيهَة .
قَوْلهَا : ( فَقَالَ : بَلْ شَرِبْت عَسَلًا عِنْد زَيْنَب بِنْت جَحْش وَلَنْ أَعُود فَنَزَلَ : { لِمَ تُحَرِّم مَا أَحَلَّ اللَّه لَك }
هَذَا ظَاهِر فِي أَنَّ الْآيَة نَزَلَتْ فِي سَبَب تَرْك الْعَسَل وَفِي كُتُب الْفِقْه أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي تَحْرِيم مَارِيَة ، قَالَ الْقَاضِي : اُخْتُلِفَ فِي سَبَب نُزُولهَا فَقَالَتْ عَائِشَة : فِي قِصَّة الْعَسَل ، وَعَنْ زَيْد بْن أَسْلَمَ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي تَحْرِيم مَارِيَة جَارِيَته وَحَلَفَ أَنْ لَا يَطَأهَا . قَالَ : وَلَا حُجَّة فِيهِ لِمَنْ أَوْجَبَ بِالتَّحْرِيمِ كَفَّارَة مُحْتَجًّا بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { قَدْ فَرَضَ اللَّه لَكُمْ تَحِلَّة أَيْمَانكُمْ } لِمَا رَوَى أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " وَاَللَّه لَا أَطَأهَا " ثُمَّ قَالَ : " هِيَ عَلَيَّ حَرَام " ، وَرُوِيَ مِثْل ذَلِكَ مِنْ حَلِفه عَلَى شُرْبه الْعَسَل وَتَحْرِيمه ، ذَكَرَهُ اِبْن الْمُنْذِر وَفِي رِوَايَة الْبُخَارِيّ : " لَنْ أَعُود لَهُ وَقَدْ حَلَفْت أَنْ أَلَّا تُخْبِرِي بِذَلِكَ أَحَدًا " . وَقَالَ الطَّحَاوِيّ قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي شُرْب الْعَسَل : " لَنْ أَعُود إِلَيْهِ أَبَدًا " وَلَمْ يَذْكُر يَمِينًا ، لَكِنْ قَوْله تَعَالَى : { قَدْ فَرَضَ اللَّه لَكُمْ تَحِلَّة أَيْمَانكُمْ } يُوجِب أَنْ يَكُون قَدْ كَانَ هُنَاكَ يَمِين ، قُلْت : وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون مَعْنَى الْآيَة قَدْ فَرَضَ اللَّه عَلَيْكُمْ فِي التَّحْرِيم كَفَّارَة يَمِين ، وَهَكَذَا يُقَدِّرهُ الشَّافِعِيّ وَأَصْحَابه وَمُوَافِقُوهُمْ .
قَوْلهَا : ( فَقَالَ : بَلْ شَرِبْت عَسَلًا عِنْد زَيْنَب بِنْت جَحْش ) وَفِي الرِّوَايَة الَّتِي بَعْدهَا : ( أَنَّ شُرْب الْعَسَل كَانَ عِنْد حَفْصَة ) قَالَ الْقَاضِي : ذَكَرَ مُسْلِم فِي حَدِيث حَجَّاج عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ أَنَّ الَّتِي شَرِبَ عِنْدهَا الْعَسَل زَيْنَب ، وَأَنَّ الْمُتَظَاهِرَتَيْنِ عَلَيْهِ عَائِشَة وَحَفْصَة ، وَكَذَلِكَ ثَبَتَ فِي حَدِيث عُمَر بْن الْخَطَّاب وَابْن عَبَّاس أَنَّ الْمُتَظَاهِرَتَيْنِ عَائِشَة وَحَفْصَة ، وَذَكَرَ مُسْلِم أَيْضًا مِنْ رِوَايَة أَبِي أُسَامَة عَنْ هِشَام أَنَّ حَفْصَة هِيَ الَّتِي شَرِبَ الْعَسَل عِنْدهَا ، وَأَنَّ عَائِشَة وَسَوْدَة وَصْفِيَّة مِنْ اللَّوَاتِي تَظَاهَرْنَ عَلَيْهِ . قَالَ : وَالْأَوَّل أَصَحّ . قَالَ النَّسَائِيُّ : إِسْنَاد حَدِيث حَجَّاج صَحِيح جَيِّد غَايَة . وَقَالَ الْأَصِيلِيّ : حَدِيث حَجَّاج أَصَحّ وَهُوَ أَوْلَى بِظَاهِرِ كِتَاب اللَّه تَعَالَى وَأَكْمَل فَائِدَة - يُرِيد قَوْله تَعَالَى : { وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ } فَهُمَا اِثْنَتَانِ لَا ثَلَاث ، وَأَنَّهُمَا عَائِشَة وَحَفْصَة كَمَا قَالَ فِيهِ ، وَكَمَا اِعْتَرَفَ بِهِ عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ . وَقَدْ اِنْقَلَبَتْ الْأَسْمَاء عَلَى الرَّاوِي فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى . كَمَا أَنَّ الصَّحِيح فِي سَبَب نُزُول الْآيَة أَنَّهَا فِي قِصَّة الْعَسَل لَا فِي قِصَّة مَارِيَة الْمَرْوِيّ فِي غَيْر الصَّحِيحَيْنِ وَلَمْ تَأْتِ قِصَّة مَارِيَة مِنْ طَرِيق صَحِيح . قَالَ النَّسَائِيُّ : إِسْنَاد حَدِيث عَائِشَة فِي الْعَسَل جَيِّد صَحِيح غَايَة . هَذَا آخِر كَلَام الْقَاضِي .
ثُمَّ قَالَ الْقَاضِي بَعْد هَذَا : الصَّوَاب أَنَّ شُرْب الْعَسَل كَانَ عِنْد زَيْنَب . قَوْله تَعَالَى :
{ وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيّ إِلَى بَعْض أَزْوَاجه حَدِيثًا } لِقَوْلِهِ : ( بَلْ شَرِبْت عَسَلًا ) ، هَكَذَا ذَكَرَهُ مُسْلِم . قَالَ الْقَاضِي : فِيهِ اِخْتِصَار ، وَتَمَامه : وَلَنْ أَعُود إِلَيْهِ وَقَدْ حَلَفْت أَنْ لَا تُخْبِرِي بِذَلِكَ أَحَدًا كَمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيّ . وَهَذَا أَحَد الْأَقْوَال فِي مَعْنَى السِّرّ . وَقِيلَ : بَلْ ذَلِكَ فِي قِصَّة مَارِيَة وَقِيلَ غَيْر ذَلِكَ .


2695 - قَوْلهَا : ( كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحِبّ الْحَلْوَاء وَالْعَسَل )
قَالَ الْعُلَمَاء : الْمُرَاد بِالْحَلْوَاءِ هُنَا كُلّ شَيْء حُلْو وَذَكَرَ الْعَسَل بَعْدهَا تَنْبِيهًا عَلَى شُرَافَته وَمَزِيَّته ، وَهُوَ مِنْ بَاب ذِكْر الْخَاصّ بَعْد الْعَامّ . وَالْحَلْوَاء بِالْمَدِّ وَفِيهِ جَوَاز كُلّ لَذِيذ الْأَطْعِمَة وَالطَّيِّبَات مِنْ الرِّزْق ، وَأَنَّ ذَلِكَ لَا يُنَافِي الزُّهْد وَالْمُرَاقَبَة لَا سِيَّمَا إِذَا حَصَلَ اِتِّفَاقًا
قَوْلهَا : ( فَكَانَ إِذَا صَلَّى الْعَصْر دَار عَلَى نِسَائِهِ فَيَدْنُو مِنْهُنَّ )
فِيهِ دَلِيل لِمَا يَقُولهُ أَصْحَابنَا أَنَّهُ يَجُوز لِمَنْ قَسَمَ بَيْن نِسَائِهِ أَنْ يَدْخُل فِي النَّهَار إِلَى بَيْت غَيْر الْمَقْسُوم لَهَا لِحَاجَةٍ وَلَا يَجُوز الْوَطْء .
قَوْلهَا : ( جَرَسَتْ نَحْله الْعُرْفُط )
هُوَ بِالْجِيمِ وَالرَّاء وَالسِّين الْمُهْمَلَة أَيْ أَكَلَتْ الْعُرْفُط لِيَصِيرَ مِنْهُ الْعَسَل .
قَوْلهَا : ( وَاَللَّه لَقَدْ حَرَمْنَاهُ )
هُوَ بِتَخْفِيفِ الرَّاء أَيْ مَنَعْنَاهُ مِنْهُ . يُقَال : مِنْهُ حَرَّمْته وَأَحْرَمْته ، وَالْأَوَّل أَفْصَح .
قَوْله : ( قَالَ إِبْرَاهِيم : حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن بِشْر حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَة بِهَذَا )
مَعْنَاهُ أَنَّ إِبْرَاهِيم بْن سُفْيَان صَاحِب مُسْلِم سَاوَى مُسْلِمًا فِي إِسْنَاد هَذَا الْحَدِيث ، فَرَوَاهُ عَنْ وَاحِد عَنْ أَبِي أُسَامَة كَمَا رَوَاهُ مُسْلِم عَنْ وَاحِد عَنْ أُسَامَة فِعْلًا بِرَجُلٍ وَاَللَّه أَعْلَم .


2696 - قَوْله لَهَا : ( لَمَّا أُمِرَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتَخْيِيرِ أَزْوَاجه بَدَأَ بِي ، فَقَالَ : إِنِّي ذَاكِر لَك أَمْرًا فَلَا عَلَيْك أَلَّا تَعْجَلِي حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْك قَالَتْ : قَدْ عَلِمَ أَنَّ أَبَوَيَّ لَمْ يَكُونَا لِيَأْمُرَانِي بِفِرَاقِهِ )
إِنَّمَا بَدَأَ بِهَا لِفَضِيلَتِهَا .
وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَلَا عَلَيْك أَنْ لَا تَعْجَلِي )
مَعْنَاهُ مَا يَضُرّك أَلَّا تَعْجَلِي ، وَإِنَّمَا قَالَ لَهَا هَذَا شَفَقَة عَلَيْهَا وَعَلَى أَبَوَيْهَا ، وَنَصِيحَة لَهُمْ فِي بَقَائِهَا عِنْده صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَإِنَّهُ خَافَ أَنْ يَحْمِلهَا صِغَر سِنّهَا وَقِلَّة تَجَارِبهَا عَلَى اِخْتِيَار الْفِرَاق ، فَيَجِب فِرَاقهَا فَتُضْطَرّ هِيَ وَأَبَوَاهَا وَبَاقِي النِّسْوَة بِالِاقْتِدَاءِ بِهَا .
وَفِي هَذَا الْحَدِيث مَنْقَبَة ظَاهِرَة لِعَائِشَة ثُمَّ لِسَائِرِ أُمَّهَات الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّه عَنْهُنَّ . وَفِيهِ الْمُبَادَرَة إِلَى الْخَيْر وَإِيثَار أُمُور الْآخِرَة عَلَى الدُّنْيَا . وَفِيهِ نَصِيحَة الْإِنْسَان صَاحِبه وَتَقْدِيمه فِي ذَلِكَ مَا هُوَ أَنْفَع فِي الْآخِرَة .


2697 - قَوْلهَا : ( إِنْ كَانَ ذَلِكَ إِلَيَّ لَمْ أُوثِر عَلَى نَفْسِي أَحَدًا )
هَذِهِ الْمُنَافِسَة فِيهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْسَتْ لِمُجَرَّدِ الِاسْتِمْتَاع وَلِمُطْلَقِ الْعِشْرَة وَشَهَوَات النُّفُوس وَحُظُوظهَا الَّتِي تَكُون مِنْ بَعْض النَّاس ، بَلْ هِيَ مُنَافَسَة فِي أُمُور الْآخِرَة وَالْقُرْب مِنْ سَيِّد الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ وَالرَّغْبَة فِيهِ وَفِي خِدْمَته وَمُعَاشَرَته وَالِاسْتِفَادَة مِنْهُ وَفِي قَضَاء حُقُوقه وَحَوَائِجه وَتَوَقُّع نُزُول الرَّحْمَة وَالْوَحْي عَلَيْهِ عِنْدهَا وَنَحْو ذَلِكَ . وَمِثْل هَذَا حَدِيث اِبْن عَبَّاس
وَقَوْله فِي الْقَدَح ( لَا أُوثِر بِنَصِيبِي مِنْك أَحَدًا ) وَنَظَائِر ذَلِكَ كَثِيرَة .


2698 - قَوْلهَا : ( خَيَّرَنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ نَعُدّهُ طَلَاقًا )
وَفِي رِوَايَة ( فَلَمْ يَكُنْ طَلَاقًا ) وَفِي رِوَايَة ( فَاخْتَرْنَاهُ فَلَمْ يَعُدّهُ طَلَاقًا ) وَفِي رِوَايَة ( فَاخْتَرْنَاهُ فَلَمْ يَعْدُدْهَا عَلَيْنَا شَيْئًا ) . وَفِي بَعْض النُّسَخ : ( فَلَمْ يَعُدّهَا عَلَيْنَا شَيْئًا )
فِي هَذِهِ الْأَحَادِيث دَلَالَة لِمَذْهَبِ مَالِك وَالشَّافِعِيّ وَأَبِي حَنِيفَة وَأَحْمَد وَجَمَاهِير الْعُلَمَاء أَنَّ مَنْ خَيَّرَ زَوْجَته فَاخْتَارَتْهُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ طَلَاقًا وَلَا يَقَع بِهِ فُرْقَة ،
وَرُوِيَ عَنْ عَلِيّ وَزَيْد بْن ثَابِت وَالْحَسَن وَاللَّيْث بْن سَعْد أَنَّ نَفْس التَّخْيِير يَقَع بِهِ طَلْقَة بَائِنَة سَوَاء اِخْتَارَتْ زَوْجهَا أَمْ لَا ، وَحَكَاهُ الْخَطَّابِيّ وَالنَّقَّاش عَنْ مَالِك ، قَالَ الْقَاضِي : لَا يَصِحّ هَذَا عَنْ مَالِك . ثُمَّ هُوَ مَذْهَب ضَعِيف مَرْدُود بِهَذِهِ الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة الصَّرِيحَة ، وَلَعَلَّ الْقَائِلِينَ بِهِ لَمْ تَبْلُغهُمْ هَذِهِ الْأَحَادِيث وَاَللَّه أَعْلَم .


2699 - سبق شرحه بالباب


2700 - سبق شرحه بالباب


2701 - سبق شرحه بالباب


2702 - سبق شرحه بالباب


2703 - قَوْله : ( وَاجِمًا )
هُوَ بِالْجِيمِ قَالَ أَهْل اللُّغَة هُوَ الَّذِي اِشْتَدَّ حُزْنه حَتَّى أَمْسَكَ عَنْ الْكَلَام ، يُقَال : وَجَمَ بِفَتْحِ الْجِيم وُجُومًا .
قَوْله : ( لَأَقُولَنَّ شَيْئًا يُضْحِك النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ )
وَفِي بَعْض النُّسَخ ( أُضْحِك النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) فِيهِ اِسْتِحْبَاب مِثْل هَذَا ، وَأَنَّ الْإِنْسَان إِذَا رَأَى صَاحِبه مَهْمُومًا حَزِينًا يُسْتَحَبّ لَهُ أَنْ يُحَدِّثهُ بِمَا يُضْحِكهُ أَوْ يُشْغِلهُ وَيُطَيِّب نَفْسه ، وَفِيهِ فَضِيلَة لِأَبِي بَكْر الصِّدِّيق رَضِيَ اللَّه عَنْهُ .
قَوْله : ( فَوَجَأْت عُنُقهَا )
وَقَوْله : ( يَجَأ عُنُقهَا ) هُوَ بِالْجِيمِ وَبِالْهَمْزَةِ يُقَال ( وَجَأَ يَجَأ ) إِذَا طَعَنَ .


2704 - قَوْله : ( عَنْ سِمَاك أَبِي زُمَيْل )
هُوَ بِضَمِّ الزَّاي وَفَتْح الْمِيم .
قَوْله : ( فَإِذَا النَّاس يُنَكِّتُونَ بِالْحَصَى )
هُوَ بِتَاءٍ مُثَنَّاة بَعْد الْكَاف أَيْ يَضْرِبُونَ الْأَرْض كَفِعْلِ الْمَهْمُوم الْمُفَكِّر .
قَوْلهَا : ( عَلَيْك بِعَيْبَتِك )
هِيَ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَة ثُمَّ يَاء مُثَنَّاة تَحْت ثُمَّ يَاء مُوَحَّدَة وَالْمُرَاد عَلَيْك بِوَعْظِ اِبْنَتك حَفْصَة ، قَالَ أَهْل اللُّغَة : الْعَيْبَة فِي كَلَام الْعَرَب وِعَاء يَجْعَل الْإِنْسَان فِيهِ أَفْضَل ثِيَابه وَنَفِيس مَتَاعه فَشَبَّهَتْ اِبْنَته بِهَا .
قَوْله : ( هُوَ فِي الْمِشْرَبَة )
هِيَ بِفَتْحِ الرَّاء وَضَمّهَا .
قَوْله : ( فَإِذَا أَنَا بِرَبَاحٍ )
هُوَ بِفَتْحِ الرَّاء وَبِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَة .
قَوْله : ( قَاعِدًا عَلَى أُسْكُفَّة الْمِشْرَبَة )
هِيَ بِضَمِّ الْهَمْزَة وَالْكَاف وَتَشْدِيد الْفَاء وَهِيَ عَتَبَة الْبَاب السُّفْلِيّ .
قَوْله : ( عَلَى نَقِير مِنْ خَشَب )
هُوَ بِنُونٍ مَفْتُوحَة ثُمَّ قَاف مَكْسُورَة هَذَا هُوَ الصَّحِيح الْمَوْجُود فِي جَمِيع النُّسَخ ، وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّهُ بِالْفَاءِ بَدَل النُّون وَهُوَ فَقِير بِمَعْنَى مَفْقُور مَأْخُوذ مِنْ فَقَار الظَّهْر وَهُوَ جِذْع فِيهِ دَرَج .
قَوْله : ( إِذَا أَفِيق مُعَلَّق )
هُوَ بِفَتْحِ الْهَمْزَة وَكَسْر الْفَاء وَهُوَ الْجِلْد الَّذِي لَمْ يَتِمّ دِبَاغه وَجَمْعه ( أَفَق ) بِفَتْحِهَا كَأَدِيمِ وَأَدُمْ وَقَدْ أَفَقَ أَدِيمه بِفَتْحِهَا يَأْفِقهُ بِكَسْرِ الْفَاء .
قَوْله : ( تَحَسَّرَ الْغَضَب عَنْ وَجْهه )
أَيْ زَالَ وَانْكَشَفَ .
قَوْله : ( وَحَتَّى كَشَرَ فَضَحِكَ )
هُوَ بِفَتْحِ الشِّين الْمُعْجَمَة الْمُخَفَّفَة أَيْ أَبْدَى أَسْنَانه تَبَسُّمًا وَيُقَال أَيْضًا فِي الْغَضَب وَقَالَ اِبْن السِّكِّيت : كَشَرَ وَبَسَمَ وَابْتَسَمَ وَافْتَرَّ كُلّه بِمَعْنًى وَاحِد فَإِنْ زَادَ قِيلَ : قَهْقَهَ وَزَهْدَقَ وَكَرْكَرَ
قَوْله : ( أَتَشَبَّث بِالْجِذْعِ )
هُوَ بِالثَّاءِ الْمُثَلَّثَة فِي آخِره أَيْ اِسْتَمْسَكَ .


2705 - قَوْله : ( فَبَيْنَمَا أَنَا فِي أَمْر أَأْتَمِرُهُ )
مَعْنَاهُ أُشَاوِر فِيهِ نَفْسِي وَأُفَكِّر وَمَعْنَى بَيْنَمَا وَبَيْنَا أَيْ بَيْن أَوْقَات اِئْتِمَارِي وَكَذَا مَا أَشْبَهَهُ وَسَبَقَ بَيَانه .
قَوْله : ( حَتَّى أَدْخُلَ عَلَى حَفْصَة )
هُوَ بِفَتْحِ اللَّام .
قَوْله : ( وَكَانَ لِي صَاحِب مِنْ الْأَنْصَار إِذَا غِبْت أَتَانِي بِالْخَبَرِ وَإِذَا غَابَ كُنْت أَنَا آتِيَة بِالْخَبَرِ )
فِي هَذَا اِسْتِحْبَاب حُضُور مَجَالِس الْعِلْم وَاسْتِحْبَاب التَّنَاوُب فِي حُضُور الْعِلْم إِذَا لَمْ يَتَيَسَّر لِكُلِّ وَاحِد الْحُضُور بِنَفْسِهِ .
قَوْله : ( مِنْ مُلُوك غَسَّان )
الْأَشْهَر تَرْك صَرْف ( غَسَّان ) وَقِيلَ : يَصْرِف وَسَبَقَ إِيضَاحه فِي أَوَّل الْكِتَاب .
قَوْله : ( فَقُلْت : جَاءَ الْغَسَّانِيّ . فَقَالَ أَشَدّ مِنْ ذَلِكَ اِعْتَزَلَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَزْوَاجه )
فِيهِ مَا كَانَتْ الصَّحَابَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ عَلَيْهِ مِنْ الِاهْتِمَام بِأَحْوَالِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عِلِّيّه وَسَلَّمَ وَالْقَلَق التَّامّ لِمَا يُقْلِقهُ أَوْ يُغْضِبهُ .
قَوْله : ( رَغِمَ أَنْف حَفْصَة )
هُوَ بِفَتْحِ الْغَيْن وَكَسْرهَا يُقَال رَغِمَ يَرْغَم رَغْمًا وَرُغْمًا وَرِغْمًا بِفَتْحِ الرَّاء وَضَمّهَا وَكَسْرهَا أَيْ لَصِقَ بِالرِّغَامِ وَهُوَ التُّرَاب هَذَا هُوَ الْأَصْل ثُمَّ اُسْتُعْمِلَ فِي كُلّ مَنْ عَجَزَ مِنْ الِانْتِصَاف وَفِي الذُّلّ وَالِانْقِيَاد كُرْهًا .
قَوْله : ( فَآخُذ ثَوْبِي فَأَخْرُج حَتَّى جِئْت )
فِيهِ اِسْتِحْبَاب التَّجَمُّل بِالثَّوْبِ وَالْعِمَامَة وَنَحْوهمَا عِنْد لِقَاء الْأَئِمَّة وَالْكِبَار اِحْتِرَامًا لَهُمْ
قَوْله : ( فِي مِشْرَبَة لَهُ يَرْتَقِي إِلَيْهَا بِعَجَلَةٍ )
وَقَعَ فِي بَعْض النُّسَخ ( بِعَجَلِهَا ) وَفِي بَعْضهَا ( بِعَجَلَتِهَا ) وَفِي بَعْضهَا ( بِعَجَلَةٍ ) وَكُلّه صَحِيح وَالْأَخِيرَة أَجْوَد قَالَ اِبْن قُتَيْبَة وَغَيْره هِيَ دَرَجَة مِنْ النَّخْل كَمَا قَالَ فِي الرِّوَايَة السَّابِقَة جِذْع .
قَوْله : ( وَأَنَّ عِنْد رِجْلَيْهِ قَرَظًا مَضْبُورًا )
وَقَعَ فِي بَعْض الْأُصُول ( مَضْبُورًا ) بِالضَّادِ الْمُعْجَمَة وَفِي بَعْضهَا بِالْمُهْمَلَةِ وَكِلَاهُمَا صَحِيح أَيْ مَجْمُوعًا .
قَوْله : ( وَعِنْد رَأْسه أُهُبًا مُعَلَّقَة )
بِفَتْحِ الْهَمْزَة وَالْهَاء وَبِضَمِّهِمَا لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ جَمْع إِهَاب وَهُوَ الْجِلْد قَبْل الدِّبَاغ عَلَى قَوْل الْأَكْثَرِينَ وَقِيلَ : الْجِلْد مُطْلَقًا وَسَبَقَ بَيَانه فِي آخِر كِتَاب الطَّهَارَة .
قَوْله
: ( فَرَأَيْت أَثَر الْحَصِير فِي جَنْب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَبَكَيْت فَقَالَ : مَا يُبْكِيك فَقُلْت : يَا رَسُول اللَّه إِنَّ كِسْرَى وَقَيْصَر فِيمَا هُمَا فِيهِ وَأَنْتَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُون لَهُمَا الدُّنْيَا وَلَك الْآخِرَة هَكَذَا هُوَ فِي الْأُصُول وَلَك الْآخِرَة )
وَفِي بَعْضهَا ( لَهُمْ الدُّنْيَا ) وَفِي أَكْثَرهَا ( لَهُمَا ) بِالتَّثْنِيَةِ وَأَكْثَر الرِّوَايَات فِي غَيْر هَذَا ( الْمَوْضِع لَهُمْ الدُّنْيَا وَلَنَا الْآخِرَة ) وَكُلّه صَحِيح .
قَوْله : ( وَكَانَ آلَى مِنْهُنَّ شَهْرًا )
هُوَ بِمَدِّ الْهَمْزَة وَفَتْح اللَّام وَمَعْنَاهُ حَلَفَ لَا يَدْخُل عَلَيْهِنَّ شَهْرًا ، وَلَيْسَ هُوَ مِنْ الْإِيلَاء الْمَعْرُوف فِي اِصْطِلَاح الْفُقَهَاء وَلَا لَهُ حُكْمه وَأَصْل الْإِيلَاء فِي اللُّغَة الْحَلِف عَلَى الشَّيْء يُقَال : مِنْهُ آلَى يُؤَالِي إِيلَاء تَأَلِّيًا وَائْتَلَى اِئْتِلَاء ، وَصَارَ فِي عُرْف الْفُقَهَاء مُخْتَصًّا بِالْحَلِفِ عَلَى الِامْتِنَاع مِنْ وَطْء الزَّوْجَة وَلَا خِلَاف فِي هَذَا إِلَّا مَا حُكِيَ عَنْ اِبْن سِيرِينَ أَنَّهُ قَالَ : الْإِيلَاء الشَّرْعِيّ مَحْمُول عَلَى مَا يَتَعَلَّق بِالزَّوْجَةِ مِنْ تَرْك جِمَاع أَوْ كَلَام أَوْ إِنْفَاق قَالَ الْقَاضِي عِيَاض : لَا خِلَاف بَيْن الْعُلَمَاء أَنَّ مُجَرَّد الْإِيلَاء لَا يُوجِب فِي الْحَال طَلَاقًا وَلَا كَفَّارَة وَلَا مُطَالَبَة . ثُمَّ اِخْتَلَفُوا فِي تَقْدِير مُدَّته فَقَالَ عُلَمَاء الْحِجَاز وَمُعْظَم الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدهمْ : الْمُؤْلَى مَنْ حَلَفَ عَلَى أَكْثَر مِنْ أَرْبَعَة أَشْهُر فَإِنْ حَلَفَ عَلَى أَرْبَعَة فَلَيْسَ بِمُؤْلٍ . وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ : هُوَ مَنْ حَلَفَ عَلَى أَرْبَعَة أَشْهُر فَأَكْثَر وَشَذَّ اِبْن أَبِي لَيْلَى وَالْحَسَن وَابْن شُبْرُمَةَ فِي آخَرِينَ فَقَالُوا : إِذَا حَلِف لَا يُجَامِعهَا يَوْمًا أَوْ أَقَلّ ثُمَّ تَرَكَهَا حَتَّى مَضَتْ أَرْبَعَة أَشْهُر فَهُوَ مُؤْلٍ . وَعَنْ اِبْن عُمَر أَنَّ كُلّ مَنْ وَقَّتَ فِي يَمِينه وَقْتًا وَإِنْ طَالَتْ مُدَّته فَلَيْسَ بِمُؤْلٍ ، وَإِنَّمَا الْمُؤْل مَنْ حَلَفَ عَلَى الْأَبَد . قَالَ : وَلَا خِلَاف بَيْنهمْ أَنَّهُ لَا يَقَع عَلَيْهِ طَلَاق قَبْل أَرْبَعَة أَشْهُر وَلَا خِلَاف أَنَّهُ لَوْ جَامَعَ قَبْل اِنْقِضَاء الْمُدَّة سَقَطَ الْإِيلَاء فَأَمَّا إِذَا لَمْ يُجَامِع حَتَّى اِنْقَضَتْ أَرْبَعَة أَشْهُر فَقَالَ الْكُوفِيُّونَ : يَقَع الطَّلَاق وَقَالَ عُلَمَاء الْحِجَاز وَمِصْر وَفُقَهَاء أَصْحَاب الْحَدِيث وَأَهْل الظَّاهِر كُلّهمْ : يُقَال لِلزَّوْجِ إِمَّا أَنْ تُجَامِع وَإِمَّا أَنْ تُطَلِّق . فَإِنْ اِمْتَنَعَ طَلَّقَ الْقَاضِي عَلَيْهِ وَهُوَ الْمَشْهُور مِنْ مَذْهَب مَالِك وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيّ وَأَصْحَابه . وَعَنْ مَالِك رِوَايَة كَقَوْلِ الْكُوفِيُّونَ ، وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْل أَنَّهُ لَا يُطْلَق الْقَاضِي عَلَيْهِ بَلْ يُجْبَر عَلَى الْجِمَاع أَوْ الطَّلَاق وَيُعَزَّر عَلَى ذَلِكَ إِنْ اِمْتَنَعَ . وَاخْتَلَفَ الْكُوفِيُّونَ هَلْ يَقَع طَلَاق رَجْعِيّ أَمْ بَائِن فَأَمَّا الْآخَرُونَ فَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الطَّلَاق الَّذِي يُوقِعهُ هُوَ أَوْ الْقَاضِي يَكُون رَجْعِيًّا إِلَّا أَنْ مَالِكًا يَقُول : لَا تَصِحّ فِيهَا الرَّجْعَة حَتَّى يُجَامِع الزَّوْج فِي الْعِدَّة . قَالَ الْقَاضِي عِيَاض : وَلَمْ يُحْفَظ هَذَا الشَّرْط عَنْ أَحَد سِوَى مَالِك . وَلَوْ مَضَتْ ثَلَاثَة أَقْرَاء فِي الْأَشْهُر الْأَرْبَعَة فَقَالَ جَابِر بْن زَيْد : إِذَا طَلَّقَ اِنْقَضَتْ عِدَّتهَا بِتِلْكَ الْأَقْرَاء ، وَقَالَ الْجُمْهُور : يَجِب اِسْتِئْنَاف الْعِدَّة : وَاخْتَلَفُوا فِي أَنَّهُ هَلْ يُشْتَرَط لِلْإِيلَاءِ أَنْ تَكُون يَمِينه فِي حَال الْغَضَب وَمَعَ قَصْد الضَّرَر ؟ فَقَالَ جُمْهُورهمْ : لَا يُشْتَرَط بَلْ يَكُون مُؤْلِيًا فِي كُلّ حَال . وَقَالَ مَالِك وَالْأَوْزَاعِيّ : لَا يَكُون مُؤْلِيًا إِذَا حَلَفَ لِمَصْلَحَةِ وَلَده لِفِطَامِهِ . وَعَنْ عَلِيّ وَابْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُ أَنَّهُ لَا يَكُون مُؤْلِيًا إِلَّا إِذَا حَلَفَ عَلَى وَجْه الْغَضَب .


2706 - قَوْله : ( حَدَّثَنَا سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد سَمِعَ عُبَيْد بْن حُنَيْنٍ مَوْلَى الْعَبَّاس )
هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيع النُّسَخ ( مَوْلَى الْعَبَّاس ) ، قَالُوا : وَهَذَا قَوْل سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ . قَالَ الْبُخَارِيّ : لَا يَصِحّ قَوْل اِبْن عُيَيْنَةَ هَذَا ، وَقَالَ مَالِك : هُوَ مَوْلَى آل زَيْد بْن الْخَطَّاب ، وَقَالَ مُحَمَّد بْن جَعْفَر بْن أَبِي كَثِير : هُوَ مَوْلَى بَنِي زُرَيْق ، قَالَ الْقَاضِي وَغَيْره الصَّحِيح عِنْد الْحُفَّاظ وَغَيْرهمْ فِي هَذَا قَوْل مَالِك .
قَوْله فِي هَذِهِ الرِّوَايَة : ( كُنْت أُرِيد أَنْ أَسْأَل عُمَر عَنْ الْمَرْأَتَيْنِ اللَّتَيْنِ تَظَاهَرَتَا عَلَى عَهْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ )
هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيع النُّسَخ ( عَلَى عَهْد ) قَالَ الْقَاضِي إِنَّمَا قَالَ : ( عَلَى عَهْده ) تَوْقِيرًا لَهُمَا ، وَالْمُرَاد تَظَاهَرَتَا عَلَيْهِ فِي عَهْده ، كَمَا قَالَ اللَّه تَعَالَى : { وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ } وَقَدْ صَرَّحَ فِي سَائِر الرِّوَايَات بِأَنَّهُمَا تَظَاهَرَتَا عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .


2707 - قَوْله : ( فَسَكَبْت عَلَى يَدَيْهِ فَتَوَضَّأَ )
فِيهِ جَوَاز الِاسْتِعَانَة فِي الْوُضُوء . وَقَدْ سَبَقَ إِيضَاحهَا فِي أَوَائِل الْكِتَاب وَهُوَ أَنَّهَا إِنْ كَانَتْ لِعُذْرٍ فَلَا بَأْس بِهَا وَإِنْ كَانَتْ بِغَيْرِهِ فَهِيَ خِلَاف الْأَوْلَى وَلَا يُقَال مَكْرُوهَة عَلَى الصَّحِيح .
قَوْله : ( وَلَا يَغُرَّنَّكَ أَنْ كَانَتْ جَارَتك هِيَ أَوْسَم )
قَوْله : ( أَنْ كَانَتْ ) بِفَتْحِ الْهَمْزَة وَالْمُرَاد بِالْجَارَةِ هُنَا الضَّرَّة ( وَأَوْسَم ) أَحْسَن وَأَجْمَل وَالْوَسَامَة الْجَمَال .
قَوْله : ( غَسَّان تُنْعِل الْخَيْل )
هُوَ بِضَمِّ التَّاء قَوْله : ( مُتَّكِئ عَلَى رَمْل حَصِير ) هُوَ بِفَتْحِ الرَّاء وَإِسْكَان الْمِيم وَفِي غَيْر هَذِهِ الرِّوَايَة ( رَمَّال ) بِكَسْرِ الرَّاء يُقَال رَمَلْت الْحَصِير وَأَرْمَلْته إِذَا نَسَجْته .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أُولَئِكَ قَوْم عُجِّلَتْ لَهُمْ طَيِّبَاتهمْ فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا )
قَالَ الْقَاضِي عِيَاض : هَذَا مِمَّا يُحْتَجّ بِهِ مِنْ فَضْل الْفَقْر عَلَى الْغِنَى لِمَا فِي مَفْهُومه أَنَّ بِمِقْدَارِ مَا يَتَعَجَّل مِنْ طَيِّبَات الدُّنْيَا يَفُوتهُ مِنْ الْآخِرَة مِمَّا كَانَ مُدَّخَرًا لَهُ لَوْ لَمْ يَتَعَجَّلهُ . قَالَ : وَقَدْ يَتَأَوَّلهُ الْآخَرُونَ بِأَنَّ الْمُرَاد أَنَّ حَظّ الْكُفَّار هُوَ مَا نَالُوهُ مِنْ نَعِيم الدُّنْيَا وَلَا حَظّ لَهُمْ فِي الْآخِرَة وَاَللَّه أَعْلَم .
قَوْله : ( مِنْ شِدَّة مَوْجِدَته )
أَيْ الْغَضَب .


2708 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ الشَّهْر تِسْع وَعِشْرُونَ )
أَيْ هَذَا الشَّهْر .
وَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيث جَوَاز اِحْتِجَاب الْإِمَام وَالْقَاضِي وَنَحْوهمَا فِي بَعْض الْأَوْقَات لِحَاجَاتِهِمْ الْمُهِمَّة ،
وَفِيهَا أَنَّ الْحَاجِب إِذَا عَلِمَ مَنْع الْآذَان بِسُكُوتِ الْمَحْجُوب لَمْ يَأْذَن وَالْغَالِب مِنْ عَادَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ لَا يَتَّخِذ حَاجِبًا وَاِتَّخَذَهُ حَاجِبًا وَاِتَّخَذَهُ فِي هَذَا الْيَوْم لِلْحَاجَةِ ،
وَفِيهِ وُجُوب الِاسْتِئْذَان عَلَى الْإِنْسَان فِي مَنْزِله وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ وَحْده لِأَنَّهُ قَدْ يَكُون عَلَى حَالَة يُكْرَه الْإِطْلَاع عَلَيْهِ فِيهَا ،
وَفِيهِ تَكْرَار الِاسْتِئْذَان إِذَا لَمْ يُؤَذِّن ،
وَفِيهِ أَنَّهُ لَا فَرْق بَيْن الرَّجُل الْجَلِيل وَغَيْره فِي أَنَّهُ يَحْتَاج إِلَى الِاسْتِئْذَان ،
وَفِيهِ تَأْدِيب الرَّجُل وَلَده صَغِيرًا كَانَ أَوْ كَبِيرًا أَوْ بِنْتًا مُزَوَّجَة لِأَنَّ أَبَا بَكْر وَعُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا أَدَّبَا اِبْنَتَيْهِمَا وَوَجَأَ كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا بِنْته ،
وَفِيهِ مَا كَانَ عَلَيْهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ التَّقَلُّل مِنْ الدُّنْيَا وَالزَّهَادَة فِيهَا ،
وَفِيهِ جَوَاز سُكْنَى الْغُرْفَة ذَات الدَّرَج وَاِتِّخَاذ الْخِزَانَة لِأَثَاثِ الْبَيْت ،
وَفِيهِ مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ حِرْصهمْ عَلَى طَلَب الْعِلْم وَتَنَاوُبهمْ فِيهِ ،
وَفِيهِ جَوَاز قَبُول خَبَر الْوَاحِد لِأَنَّ عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ كَانَ يَأْخُذ عَنْ صَاحِبه الْأَنْصَارِيّ وَيَأْخُذ الْأَنْصَارِيّ عَنْهُ ،
وَفِيهِ أَخْذ الْعِلْم عَمَّنْ كَانَ عِنْده وَإِنْ كَانَ الْآخِذ أَفْضَل مِنْ الْمَأْخُوذ مِنْهُ كَمَا أَخَذَ عُمَر عَنْ هَذَا الْأَنْصَارِيّ ،
وَفِيهِ أَنَّ الْإِنْسَان إِذَا رَأَى صَاحِبه مَهْمُومًا وَأَرَادَ إِزَالَة هَمَّهُ وَمُؤَانَسَته بِمَا يَشْرَح صَدْره وَيَكْشِف هَمَّهُ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَسْتَأْذِنهُ فِي ذَلِكَ كَمَا قَالَ عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : أَسْتَأْنِس يَا رَسُول اللَّه . وَلِأَنَّهُ قَدْ يَأْتِي مِنْ الْكَلَام بِمَا لَا يُوَافِق صَاحِبه فَيَزِيدهُ هَمًّا وَرُبَّمَا أَخْرَجَهُ وَرُبَّمَا تَكَلَّمَ بِمَا لَا يَرْتَضِيه وَهَذَا مِنْ الْآدَاب الْمُهِمَّة ،
وَفِيهِ تَوْقِير الْكِبَار وَخِدْمَتهمْ وَهَيْبَتهمْ كَمَا فَعَلَ اِبْن عَبَّاس مَعَ عُمَر .
وَفِيهِ الْخِطَاب بِالْأَلْفَاظِ الْجَمِيلَة كَقَوْلِهِ : ( أَنْ كَانَتْ جَارَتك ) وَلَمْ يَقُلْ ( ضَرَّتك ) وَالْعَرَب تَسْتَعْمِل هَذَا لِمَا فِي لَفْظ الضَّرَّة مِنْ الْكَرَاهَة ،
وَفِيهِ جَوَاز قَرْع بَاب غَيْره لِلِاسْتِئْذَانِ وَشِدَّة الْفَزَع لِلْأُمُورِ الْمُهِمَّة ،
وَفِيهِ جَوَاز نَظَر الْإِنْسَان إِلَى نَوَاحِي بَيْت صَاحِبه وَمَا فِيهِ إِذَا عَلِمَ عَدَم كَرَاهَة صَاحِبه لِذَلِكَ ؛ وَقَدْ كَرِهَ السَّلَف فُضُول النَّظَر وَهُوَ مَحْمُول عَلَى مَا إِذَا عَلِمَ كَرَاهَته لِذَلِكَ وَشَكَّ فِيهَا ،
وَفِيهِ أَنَّ لِلزَّوْجِ هِجْرَان زَوْجَته وَاعْتِزَاله فِي بَيْت آخَر إِذَا جَرَى مِنْهَا سَبَب يَقْتَضِيه ،
وَفِيهِ جَوَاز قَوْله لِغَيْرِهِ : ( رَغِمَ أَنْفه ) إِذَا أَسَاءَ كَقَوْلِ عُمَر : ( رَغِمَ أَنْف حَفْصَة ) وَبِهِ قَالَ عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز وَآخَرُونَ وَكَرِهَهُ مَالِك ،
وَفِيهِ فَضِيلَة عَائِشَة لِلِابْتِدَاءِ بِهَا فِي التَّخْيِير وَفِي الدُّخُول بَعْد اِنْقِضَاء الشَّهْر ، وَفِيهِ غَيْر ذَلِكَ وَاَللَّه أَعْلَم .


2709 - فِيهِ حَدِيث فَاطِمَة بِنْت قَيْس
( أَنَّ أَبَا عَمْرو بْن حَفْص طَلَّقَهَا )
هَكَذَا قَالَهُ الْجُمْهُور أَنَّهُ أَبُو عَمْرو بْن حَفْص وَقِيلَ أَبُو حَفْص بْن عَمْرو وَقِيلَ أَبُو حَفْص بْن الْمُغِيرَة وَاخْتَلَفُوا فِي اِسْمه وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّ اِسْمه عَبْد الْحَمِيد ، وَقَالَ النَّسَائِيُّ : اِسْمه أَحْمَد . وَقَالَ آخَرُونَ : اِسْمه كُنْيَته .
وَقَوْله : ( أَنَّهُ طَلَّقَهَا ) هَذَا هُوَ الصَّحِيح الْمَشْهُور الَّذِي رَوَاهُ الْحُفَّاظ وَاتَّفَقَ عَلَى رِوَايَته الثِّقَات عَلَى اِخْتِلَاف أَلْفَاظهمْ فِي أَنَّهُ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا أَوْ الْبَتَّة أَوْ آخِر ثَلَاث تَطْلِيقَات . وَجَاءَ فِي آخِر صَحِيح مُسْلِم فِي حَدِيث الْجَسَّاسَة مَا يُوهِم أَنَّهُ مَاتَ عَنْهَا . قَالَ الْعُلَمَاء : وَلَيْسَتْ هَذِهِ الرِّوَايَة عَلَى ظَاهِرهَا بَلْ هِيَ وَهْم أَوْ مُؤَوَّلَة وَسَنُوَضِّحُهَا فِي مَوْضِعهَا إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى .
وَأَمَّا قَوْله فِي رِوَايَة ( أَنَّهُ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا )
وَفِي رِوَايَة : ( أَنَّهُ طَلَّقَهَا الْبَتَّة ) ، وَفِي رِوَايَة : ( طَلَّقَهَا آخِر ثَلَاث تَطْلِيقَات ) ، وَفِي رِوَايَة : ( طَلَّقَهَا طَلْقَة كَانَتْ بَقِيَتْ مِنْ طَلَاقهَا ) ، وَفِي رِوَايَة ( طَلَّقَهَا ) وَلَمْ يَذْكُر عَدَدًا وَلَا غَيْره . فَالْجَمْع بَيْن هَذِهِ الرِّوَايَات أَنَّهُ كَانَ طَلَّقَهَا قَبْل هَذَا طَلْقَتَيْنِ ثُمَّ طَلَّقَهَا هَذِهِ الْمَرَّة الطَّلْقَة الثَّالِثَة فَمَنْ رَوَى أَنَّهُ طَلَّقَهَا مُطْلَقًا أَوْ طَلَّقَهَا وَاحِدَة أَوْ طَلَّقَهَا آخِر ثَلَاث تَطْلِيقَات فَهُوَ ظَاهِر وَمَنْ رَوَى الْبَتَّة فَمُرَاده طَلَّقَهَا طَلَاقًا صَارَتْ بِهِ مَبْتُوتَة بِالثَّلَاثِ وَمَنْ رَوَى ثَلَاثًا أَرَادَ تَمَام الثَّلَاث .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَيْسَ لَك عَلَيْهِ نَفَقَة )
وَفِي رِوَايَة : ( لَا نَفَقَة لَك وَلَا سُكْنَى ) وَفِي رِوَايَة : ( لَا نَفَقَة ) مِنْ غَيْر ذِكْر السُّكْنَى .
وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي الْمُطَلَّقَة الْبَائِن الْحَائِل هَلْ لَهَا النَّفَقَة وَالسُّكْنَى أَوْ لَا ؟ فَقَالَ عُمَر بْن الْخَطَّاب وَأَبُو حَنِيفَة وَآخَرُونَ : لَهَا السُّكْنَى وَالنَّفَقَة . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس وَأَحْمَد : لَا سُكْنَى لَهَا وَلَا نَفَقَة . وَقَالَ مَالِك وَالشَّافِعِيّ وَآخَرُونَ : تُحْجَب لَهَا السُّكْنَى وَلَا نَفَقَة لَهَا . وَاحْتَجَّ مَنْ أَوْجَبَهُمَا جَمِيعًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ } فَهَذَا أَمْر السُّكْنَى . وَأَمَّا النَّفَقَة فَلِأَنَّهَا مَحْبُوسَة عَلَيْهِ . وَقَدْ قَالَ عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : لَا نَدَع كِتَاب رَبّنَا وَسُنَّة نَبِيّنَا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِ اِمْرَأَة جَهِلَتْ أَوْ نَسِيَتْ . قَالَ الْعُلَمَاء . الَّذِي فِي كِتَاب رَبّنَا إِنَّمَا هُوَ إِثْبَات السُّكْنَى . قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : قَوْله : ( وَسُنَّة نَبِيّنَا ) هَذِهِ زِيَادَة غَيْر مَحْفُوظَة لَمْ يَذْكُرهَا جَمَاعَة مِنْ الثِّقَات . وَاحْتَجَّ مَنْ لَمْ يُوجِب نَفَقَة وَلَا سُكْنَى بِحَدِيثِ فَاطِمَة بِنْت قَيْس . وَاحْتَجَّ مَنْ أَوْجَبَ السُّكْنَى دُون النَّفَقَة لِوُجُوبِ السُّكْنَى بِظَاهِرِ قَوْله تَعَالَى : { أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ } وَلِعَدَمِ وُجُوب النَّفَقَة بِحَدِيثِ فَاطِمَة مَعَ ظَاهِر قَوْل اللَّه تَعَالَى : { وَإِنْ كُنَّ أُولَات حَمْل فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ } فَمَفْهُومه أَنَّهُنَّ إِذَا لَمْ يَكُنْ حَوَامِل لَا يُنْفَق عَلَيْهِنَّ ، وَأَجَابَ هَؤُلَاءِ عَنْ حَدِيث فَاطِمَة فِي سُقُوط النَّفَقَة بِمَا قَالَهُ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب وَغَيْره أَنَّهَا كَانَتْ اِمْرَأَة لِسَنَةٍ وَاسْتَطَالَتْ عَلَى أَحْمَائِهَا فَأَمَرَهَا بِالِانْتِقَالِ عِنْد اِبْن أُمّ مَكْتُوم وَقِيلَ : لِأَنَّهَا خَافَتْ فِي ذَلِكَ الْمَنْزِل ، بِدَلِيلِ مَا رَوَاهُ مُسْلِم مِنْ قَوْلهَا : ( أَخَاف أَنْ يُقْتَحَم عَلَيَّ ) وَلَا يُمْكِن شَيْء مِنْ هَذَا التَّأْوِيل فِي سُقُوط نَفَقَتهَا وَاَللَّه أَعْلَم .
وَأَمَّا الْبَائِن الْحَامِل فَتُجِبْ لَهَا السُّكْنَى وَالنَّفَقَة .
وَأَمَّا الرَّجْعِيَّة فَتَجِبَانِ لَهَا بِالْإِجْمَاعِ .
وَأَمَّا الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجهَا فَلَا نَفَقَة لَهَا بِالْإِجْمَاعِ وَالْأَصَحّ عِنْدنَا وُجُوب السُّكْنَى لَهَا فَلَوْ كَانَتْ حَامِلًا فَالْمَشْهُور أَنَّهُ لَا نَفَقَة كَمَا لَوْ كَانَتْ حَائِلًا وَقَالَ بَعْض أَصْحَابنَا تَجِب وَهُوَ غَلَط وَاَللَّه أَعْلَم .
قَوْله : ( طَلَّقَهَا الْبَتَّة وَهُوَ غَائِب فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا وَكِيله بِشَعِيرٍ فَسَخِطَتْهُ )
فِيهِ أَنَّ الطَّلَاق يَقَع فِي غِيبَة الْمَرْأَة وَجَوَاز الْوَكَالَة فِي أَدَاء الْحُقُوق وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاء عَلَى هَذَيْنِ الْحُكْمَيْنِ وَقَوْله ( وَكِيله ) مَرْفُوع هُوَ الْمُرْسَل .
قَوْله : ( فَأَمَرَهَا أَنْ تَعْتَدّ فِي بَيْت أُمّ شَرِيك ثُمَّ قَالَ : تِلْكَ اِمْرَأَة يَغْشَاهَا أَصْحَابِي )
قَالَ الْعُلَمَاء : أُمّ شَرِيك هَذِهِ قُرَشِيَّة عَامِرِيَّة وَقِيلَ : إِنَّهَا أَنْصَارِيَّة ذَكَرَ مُسْلِم فِي آخِر الْكِتَاب فِي حَدِيث الْجَسَّاسَة أَنَّهَا أَنْصَارِيَّة وَاسْمهَا غَزِيَّة ، وَقِيلَ غُزَيْلَة بِغَيْنٍ مُعْجَمَة مَضْمُومَة ثُمَّ زَاي فِيهِمَا ، وَهِيَ بِنْت دَاوُدَ بْن عَوْف بْن عَمْرو بْن عَامِر بْن رَوَاحَة بْن حُجَيْر بْن عَبْد بْن مُعَيْص بْن عَامِر بْن لُؤَيّ بْن غَالِب ، وَقِيلَ فِي نَسَبهَا غَيْر هَذَا ، قِيلَ إِنَّهَا الَّتِي وَهَبَتْ نَفْسهَا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقِيلَ : غَيْرهَا .
وَمَعْنَى هَذَا الْحَدِيث أَنَّ الصَّحَابَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ كَانُوا يَزُورُونَ أُمّ شَرِيك وَيُكْثِرُونَ التَّرَدُّد إِلَيْهَا لِصَلَاحِهَا فَرَأَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ عَلَى فَاطِمَة مِنْ الِاعْتِدَاد عِنْدهَا حَرَجًا ، مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ يَلْزَمهَا التَّحَفُّز مِنْ نَظَرهمْ إِلَيْهَا وَنَظَرهَا إِلَيْهِمْ وَانْكِشَاف شَيْء مِنْهَا ، وَفِي التَّحَفُّظ مِنْ هَذَا مَعَ كَثْرَة دُخُولهمْ وَتَرَدُّدهمْ مَشَقَّة ظَاهِرَة ، فَأَمَرَهَا بِالِاعْتِدَادِ عِنْد اِبْن أُمّ مَكْتُوم لِأَنَّهُ لَا يُبْصِرهَا وَلَا يَتَرَدَّد إِلَى بَيْته مَنْ يَتَرَدَّد إِلَى بَيْت أُمّ شَرِيك ، وَقَدْ اِحْتَجَّ بِهِ بَعْض النَّاس بِهَذَا عَلَى جَوَاز نَظَر الْمَرْأَة إِلَى الْأَجْنَبِيّ بِخِلَافِ نَظَره إِلَيْهَا ، وَهَذَا قَوْل ضَعِيف ، بَلْ الصَّحِيح الَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُور الْعُلَمَاء وَأَكْثَر الصَّحَابَة أَنَّهُ يَحْرُم عَلَى الْمَرْأَة النَّظَر إِلَى الْأَجْنَبِيّ كَمَا يَحْرُم عَلَيْهِ النَّظَر إِلَيْهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارهمْ ... } { وَ قُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارهنَّ } وَلِأَنَّ الْفِتْنَة مُشْتَرَكَة وَكَمَا يَخَاف الِافْتِتَان بِهَا تَخَاف الِافْتِتَان بِهِ ، وَيَدُلّ عَلَيْهِ مِنْ السُّنَّة حَدِيث نَبْهَان مَوْلَى أُمّ سَلَمَة عَنْ أُمّ سَلَمَة أَنَّهَا كَانَتْ هِيَ وَمَيْمُونَة عِنْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَدَخَلَ اِبْن أُمّ مَكْتُوم فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " اِحْتَجِبَا مِنْهُ " فَقَالَتَا : إِنَّهُ أَعْمَى لَا يُبْصِر فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " أَفَعَمْيَاوَانِ أَنْتُمَا فَلَيْسَ تُبْصِرَانِهِ ؟ " وَهَذَا الْحَدِيث حَدِيث حَسَن رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيّ وَغَيْرهمَا قَالَ التِّرْمِذِيّ هُوَ حَدِيث حَسَن وَلَا يُلْتَفَت إِلَى قَدَح مِنْ قَدَح فِيهِ بِغَيْرِ حُجَّة مُعْتَمَدَة .
وَأَمَّا حَدِيث فَاطِمَة بِنْت قَيْس مَعَ اِبْن أُمّ مَكْتُوم ، فَلَيْسَ فِيهِ إِذْن لَهَا فِي النَّظَر إِلَيْهِ بَلْ فِيهِ أَنَّهَا تَأْمَن عِنْده مِنْ نَظَر غَيْرهَا وَهِيَ مَأْمُورَة بِغَضِّ بَصَرهَا فَيُمْكِنهَا الِاحْتِرَاز عَنْ النَّظَر بِلَا مَشَقَّة بِخِلَافِ مُكْثهَا فِي بَيْت أُمّ شَرِيك .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَإِذَا حَلَلْت فَآذِنِينِي )
هُوَ بِمَدِّ الْهَمْزَة أَيْ أَعْلِمِينِي وَفِيهِ جَوَاز التَّعْرِيض بِخِطْبَةِ الْبَائِن وَهُوَ الصَّحِيح عِنْدنَا .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَمَّا أَبُو الْجَهْم فَلَا يَضَع الْعَصَا عَنْ عَاتِقه )
، فِيهِ تَأْوِيلَانِ مَشْهُورَانِ أَحَدهمَا أَنَّهُ كَثِير الْأَسْفَار ، وَالثَّانِي أَنَّهُ كَثِير الضَّرْب لِلنِّسَاءِ وَهَذَا أَصَحّ ، بِدَلِيلِ الرِّوَايَة الَّتِي ذَكَرَهَا مُسْلِم بَعْد هَذِهِ أَنَّهُ ضِرَاب لِلنِّسَاءِ . وَفِيهِ دَلِيل عَلَى جَوَاز ذِكْر الْإِنْسَان بِمَا فِيهِ عِنْد الْمُشَاوَرَة وَطَلَب النَّصِيحَة وَلَا يَكُون هَذَا مِنْ الْغِيبَة الْمُحَرَّمَة بَلْ مِنْ النَّصِيحَة الْوَاجِبَة . وَقَدْ قَالَ الْعُلَمَاء إِنَّ الْغِيبَة تُبَاح فِي سِتَّة مَوَاضِع أَحَدهَا الِاسْتِنْصَاح وَذَكَرْتهَا بِدَلَائِلِهَا فِي كِتَاب الْأَذْكَار ثُمَّ فِي رِيَاض الصَّالِحِينَ . وَاعْلَمْ أَنَّ ( أَبَا الْجَهْم ) هَذَا بِفَتْحِ الْجِيم مُكَبَّر وَهُوَ أَبُو الْجَهْم الْمَذْكُور فِي حَدِيث الْأَنْبِجَانِيَّة ، وَهُوَ غَيْر أَبِي الْجُهَيْم الْمَذْكُور فِي التَّيَمُّم وَفِي الْمُرُور بَيْن يَدَيْ الْمُصَلِّي فَإِنَّ ذَاكَ بِضَمِّ الْجِيم مُصَغَّر وَقَدْ أَوْضَحَتْهُمَا بِاسْمَيْهِمَا وَنَسَبَيْهِمَا وَوَصْفَيْهِمَا فِي بَاب التَّيَمُّم ثُمَّ فِي بَاب الْمُرُور بَيْن يَدَيْ الْمُصَلِّي ، وَذَكَرْنَا أَنَّ أَبَا الْجَهْم هَذَا هُوَ اِبْن حُذَيْفَة الْقُرَشِيّ الْعَدَوِيُّ . قَالَ الْقَاضِي وَذَكَرَهُ النَّاس كُلّهمْ وَلَمْ يَنْسَوْهُ فِي الرِّوَايَة إِلَّا يَحْيَى بْن يَحْيَى الْأَنْدَلُسِيّ أَحَد رُوَاة الْمُوَطَّأ فَقَالَ أَبُو جَهْم بْن هِشَام قَالَ وَهُوَ غَلَط وَلَا يُعْرَف فِي الصَّحَابَة أَحَد يُقَال لَهُ أَبُو جَهْم بْن هِشَام قَالَ وَلَمْ يُوَافِق يَحْيَى عَلَى ذَلِكَ أَحَد مِنْ رُوَاة الْمُوَطَّأ وَلَا غَيْرهمْ .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَلَا يَضَع الْعَصَا عَنْ عَاتِقه ) الْعَاتِق هُوَ مَا بَيْن الْعُنُق وَالْمَنْكِب وَفِي هَذَا اِسْتِعْمَال الْمَجَاز وَجَوَاز إِطْلَاق مِثْل هَذِهِ الْعِبَارَة فِي قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا يَضَع الْعَصَا عَنْ عَاتِقه ) وَفِي مُعَاوِيَة ( أَنَّهُ صُعْلُوك لَا مَال لَهُ ) مَعَ الْعِلْم بِأَنَّهُ كَانَ لِمُعَاوِيَةَ ثَوْب يَلْبَسهُ وَنَحْو ذَلِكَ مِنْ الْمَال الْمُحَقَّر وَأَنَّ أَبَا الْجَهْم كَانَ يَضَع الْعَصَا عَنْ عَاتِقه فِي حَال نَوْمه وَأَكْله وَغَيْرهمَا وَلَكِنْ لَمَّا كَانَ كَثِير الْحَمْل لِلْعَصَا وَكَانَ مُعَاوِيَة قَلِيل الْمَال جِدًّا جَازَ إِطْلَاق هَذَا اللَّفْظ عَلَيْهِمَا مَجَازًا ، فَفِي هَذَا جَوَاز اِسْتِعْمَال مِثْله فِي نَحْو هَذَا وَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ أَصْحَابنَا وَقَدْ أَوْضَحْته فِي آخِر كِتَاب الْأَذْكَار .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَأَمَّا مُعَاوِيَة فَصُعْلُوك )
هُوَ بِضَمِّ الصَّاد وَفِي هَذَا جَوَاز ذِكْره بِمَا فِيهِ لِلنَّصِيحَةِ كَمَا سَبَقَ فِي ذِكْر أَبِي جَهْم .
قَوْلهَا : ( فَلَمَّا حَلَلْت ذَكَرْت لَهُ أَنَّ مُعَاوِيَة بْن أَبِي سُفْيَان وَأَبَا الْجَهْم خَطَبَانِي )
هَذَا تَصْرِيح بِأَنَّ مُعَاوِيَة الْخَاطِب فِي هَذَا الْحَدِيث هُوَ مُعَاوِيَة بْن أَبِي سُفْيَان بْن حَرْب وَهُوَ الصَّوَاب ، وَقِيلَ إِنَّهُ مُعَاوِيَة آخَر وَهَذَا غَلَط صَرِيح نَبَّهْت عَلَيْهِ لِئَلَّا يُغْتَرّ بِهِ وَقَدْ أَوْضَحْته فِي تَهْذِيب الْأَسْمَاء وَاللُّغَات فِي تَرْجَمَة مُعَاوِيَة وَاَللَّه أَعْلَم .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( اِنْكِحِي أُسَامَة بْن زَيْد فَكَرِهَتْهُ ثُمَّ قَالَ : اِنْكِحِي أُسَامَة فَنَكَحَتْهُ فَجَعَلَ اللَّه فِيهِ خَيْرًا وَاغْتَبَطَتْ )
فَقَوْلهَا : ( اِغْتَبَطَتْ ) هُوَ بِفَتْحِ التَّاء وَالْبَاء وَفِي بَعْض النُّسَخ ( وَاغْتَبَطَتْ بِهِ ) وَلَمْ تَقَع لَفْظَة ( بِهِ ) فِي أَكْثَر النُّسَخ . قَالَ أَهْل اللُّغَة : الْغِبْطَة أَنْ يَتَمَنَّى مِثْل حَال الْمَغْبُوط مِنْ غَيْر إِرَادَة زَوَالهَا عَنْهُ وَلَيْسَ هُوَ بِحَسَدٍ أَقُول مِنْهُ غَبَطْته بِمَا نَالَ أَغْبِطهُ بِكَسْرِ الْبَاء غَبْطًا وَغِبْطَة فَاغْتَبَطَ هُوَ كَمَنَعْته فَامْتَنَعَ وَحَبَسْته فَاحْتَبَسَ .
وَأَمَّا إِشَارَته صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : بِنِكَاحِ أُسَامَة فَلَمَّا عَلَّمَهُ مِنْ دِينه وَفَضْله وَحُسْن طَرَائِفه وَكَرَم شَمَائِله فَنَصَحَهَا بِذَلِكَ فَكَرِهَتْهُ لِكَوْنِهِ مَوْلًى وَقَدْ كَانَ أَسْوَد جِدًّا فَكَرَّرَ عَلَيْهَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحَثّ عَلَى زَوَاجه لَمَّا عَلِمَ مِنْ مَصْلَحَتهَا فِي ذَلِكَ وَكَانَ كَذَلِكَ ، وَلِهَذَا قَالَتْ : ( فَجَعَلَ اللَّه لِي فِيهِ خَيْرًا وَاغْتَبَطْت ) وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الرِّوَايَة الَّتِي بَعْد هَذَا : ( طَاعَة اللَّه وَطَاعَة رَسُوله خَيْر لَك ) .


2710 - قَوْله : ( حَدَّثَنَا يَعْقُوب بْن عَبْد الرَّحْمَن الْقَارِيّ كِلَيْهِمَا )
هُوَ الْقَارِيّ بِتَشْدِيدِ الْيَاء سَبَقَ بَيَانه مَرَّات ، وَهَكَذَا وَقَعَ فِي النُّسَخ كِلَيْهِمَا وَهُوَ صَحِيح وَقَدْ سَبَقَ وَجْهه فِي الْفُصُول الْمَذْكُورَة فِي مُقَدِّمَة هَذَا الشَّرْح .
قَوْله : ( وَكَانَ أَنْفَقَ عَلَيْهَا نَفَقَة دُون )
هَكَذَا هُوَ فِي النُّسَخ ( نَفَقَة دُون ) بِإِضَافَةِ نَفَقَة إِلَى دُون . قَالَ أَهْل اللُّغَة ؛ الدُّون الرَّدِيء الْحَقِير . قَالَ الْجَوْهَرِيّ : وَلَا يُشْتَقّ مِنْهُ فِعْل . قَالَ : وَبَعْضهمْ يَقُول مِنْهُ : دَانَ يَدُون دُونًا وَأُدِينَ إِدَانَة .


2711 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( تَضَعِينَ ثِيَابك عِنْده )
وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى ( فَإِنَّك إِذَا وَضَعْت خِمَارك لَمْ يَرَك ) ، هَذِهِ الرِّوَايَة مُفَسَّرَة لِلْأُولَى وَمَعْنَاهُ لَا تَخَافِينَ مِنْ رُؤْيَة رَجُل إِلَيْك .


2712 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا تَسْبِقِينِي بِنَفْسِك )
هُوَ مِنْ التَّعْرِيض بِالْخِطْبَةِ وَهُوَ جَائِز فِي عِدَّة الْوَفَاة وَكَذَا عِدَّة الْبَائِن بِالثَّلَاثِ .
وَفِيهِ قَوْل ضَعِيف فِي عِدَّة الْبَائِن وَالصَّوَاب الْأَوَّل لِهَذَا الْحَدِيث .
قَوْله : ( كَتَبْت ذَلِكَ مِنْ فِيهَا كِتَابًا )
الْكِتَاب هُنَا مَصْدَر لِكَتَبْت .


2714 - قَوْله : ( فَاسْتَأْذَنَتْهُ فِي الِانْتِقَال فَأَذِنَ لَهَا )
هَذَا مَحْمُول عَلَى أَنَّهُ أَذِنَ لَهَا فِي الِانْتِقَال لِعُذْرٍ وَهُوَ الْبَذَاءَة عَلَى أَحْمَائِهَا أَوْ خَوْفهَا أَنْ يَقْتَحِم عَلَيْهَا أَوْ نَحْو ذَلِكَ . وَقَدْ سَبَقَتْ الْإِشَارَة إِلَى هَذَا فِي أَوَائِل هَذَا الْبَاب وَأَمَّا لِغَيْرِ حَاجَة فَلَا يَجُوز لَهَا الْخُرُوج وَالِانْتِقَال وَلَا يَجُوز نَقْلهَا قَالَ اللَّه تَعَالَى : { لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتهنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَة } قَالَ اِبْن عَبَّاس وَعَائِشَة : الْمُرَاد بِالْفَاحِشَةِ هُنَا النُّشُوز وَسُوء الْخُلُق . وَقِيلَ : هُوَ الْبَذَاءَة عَلَى أَهْل زَوْجهَا . وَقِيلَ : مَعْنَاهُ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةِ الزِّنَا فَيَخْرُجْنَ لِإِقَامَةِ الْحَدّ ثُمَّ تَرْجِع إِلَى الْمَسْكَن .
قَوْله : ( سَنَأْخُذُ بِالْعِصْمَةِ الَّتِي وَجَدْنَا النَّاس عَلَيْهَا )
هَكَذَا هُوَ فِي مُعْظَم النُّسَخ ( بِالْعِصْمَةِ ) بِكَسْرِ الْعَيْن وَفِي بَعْضهَا ( بِالْقَضِيَّةِ ) بِالْقَافِ وَالضَّاد وَهَذَا وَاضِح وَمَعْنَى الْأَوَّل بِالثِّقَةِ وَالْأَمْر الْقَوِيّ الصَّحِيح .


2715 - قَوْله : ( وَمُجَالِد )
هُوَ بِالْجِيمِ وَهُوَ ضَعِيف وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ مُسْلِم هُنَا مُتَابَعَة وَالْمُتَابَعَة يَدْخُل فِيهَا بَعْض الضُّعَفَاء .
قَوْلهَا : ( إِنَّهُ طَلَّقَهَا زَوْجهَا الْبَتَّة قَالَتْ : فَخَاصَمْته إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ )
أَيْ خَاصَمْت وَكِيله .


2716 - قَوْله : ( فَأَتْحَفَتْنَا بِرُطَبِ اِبْن طَاب وَسَقَتْنَا سَوِيق سُلْت )
مَعْنَى ( أَتْحَفَتْنَا ) ضَيَّفَتْنَا ( وَرُطَب اِبْن طَاب ) نَوْع مِنْ الرُّطَب الَّذِي بِالْمَدِينَةِ وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ أَنْوَاع تَمْر الْمَدِينَة مِائَة وَعِشْرُونَ نَوْعًا وَأَمَّا السُّلْت فَبِسِينٍ مُهْمَلَة مَضْمُومَة ثُمَّ لَام سَاكِنَة ثُمَّ مُثَنَّاة فَوْق وَهُوَ حَبّ مُتَرَدِّد بَيْن الشَّعِير وَالْحِنْطَة قِيلَ طَبْعه طَبْع الشَّعِير فِي الْبُرُودَة وَلَوْنه قَرِيب مِنْ لَوْن الْحِنْطَة . وَقِيلَ : عَكْسه . وَاخْتَلَفَ أَصْحَابنَا فِي حُكْمه عَلَى ثَلَاثَة أَوْجُه مَشْهُورَة : الصَّحِيح أَنَّهُ جِنْس مِنْ الْحُبُوب لَيْسَ هُوَ الْحِنْطَة وَلَا شَعِير ، وَالثَّانِي أَنَّهُ حِنْطَة ، وَالثَّالِث أَنَّهُ شَعِير . وَتَظْهَر فَائِدَة الْخِلَاف فِي بَيْعه بِالْحِنْطَةِ أَوْ بِالشَّعِيرِ مُتَفَاضِلًا وَفِي ضَمّه إِلَيْهِمَا فِي إِتْمَام نِصَاب الزَّكَاة وَفِي غَيْر ذَلِكَ .
وَفِي هَذَا الْحَدِيث اِسْتِحْبَاب الضِّيَافَة وَاسْتِحْبَابهَا مِنْ النِّسَاء لِزُوَّارِهِنَّ مِنْ فُضَلَاء الرِّجَال ، وَإِكْرَام الزَّائِر وَإِطْعَامه وَاَللَّه أَعْلَم .
قَوْله : ( سَأَلَتْهَا عَنْ الْمُطَلَّقَة ثَلَاثًا أَيْنَ تَعْتَدّ ؟ قَالَتْ : طَلَّقَنِي بَعْلِي ثَلَاثًا فَأَذِنَ لِي النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ أَعْتَدّ فِي أَهْلِي )
هَذَا مَحْمُول عَلَى أَنَّهُ أَجَازَ لَهَا ذَلِكَ لِعُذْرٍ فِي الِانْتِقَال مِنْ مَسْكَن الطَّلَاق كَمَا سَبَقَ إِيضَاحه قَرِيبًا .


2718 - قَوْله : ( فَقَالَ : اِنْتَقِلِي إِلَى بَيْت اِبْن عَمّك عَمْرو بْن أُمّ مَكْتُوم )
هَكَذَا وَقَعَ هُنَا وَكَذَا جَاءَ فِي صَحِيح مُسْلِم فِي آخِر الْكِتَاب ، وَزَادَ فَقَالَ : هُوَ رَجُل مِنْ بَنِي فِهْر مِنْ الْبَطْن الَّذِي هِيَ مِنْهُ . قَالَ الْقَاضِي وَالْمَشْهُور خِلَاف هَذَا ، وَلَيْسَ هُمَا مِنْ بَطْن وَاحِد هِيَ مِنْ بَنِي مُحَارِب بْن فِهْر وَهُوَ مِنْ بَنِي عَامِر بْن لُؤَيّ قُلْت : وَهُوَ اِبْن عَمّهَا مَجَازًا يَجْتَمِعَانِ فِي فِهْر . وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَة فِي اِسْم اِبْن أُمّ مَكْتُوم فَقِيلَ : عَمْرو وَقِيلَ : عَبْد اللَّه وَقِيلَ : غَيْر ذَلِكَ .


2720 - قَوْله : ( عَنْ أَبِي بَكْر بْن أَبِي الْجَهْم بْن صُخَيْر )
هَكَذَا هُوَ فِي نُسَخ بِلَادنَا ( صُخَيْر ) بِضَمِّ الصَّاد عَلَى التَّصْغِير وَحَكَى الْقَاضِي عَنْ بَعْض رُوَاتهمْ أَنَّهُ ( صَخْر ) بِفَتْحِهَا عَلَى التَّكْبِير وَالصَّوَاب الْمَشْهُور هُوَ الْأَوَّل .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَمَّا مُعَاوِيَة فَرَجُل تَرِب لَا مَال لَهُ )
هُوَ بِفَتْحِ التَّاء وَكَسْر الرَّاء وَهُوَ الْفَقِير فَأَكَّدَهُ بِأَنَّهُ لَا مَال لَهُ لِأَنَّ الْفَقِير قَدْ يُطْلَق عَلَى مَنْ لَهُ شَيْء لَا يَقَع مَوْقِعًا مِنْ كِفَايَته .


2721 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَإِنَّهُ ضَرِير الْبَصَر تُلْقِي ثَوْبك عِنْده )
هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيع النُّسَخ ( تُلْقِي ) وَهِيَ لُغَة صَحِيحَة وَالْمَشْهُور فِي اللُّغَة ( تُلْقِينَ ) بِالنُّونِ .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَأَبُو الْجُهَيْم مِنْهُ شِدَّة عَلَى النِّسَاء )
هَكَذَا هُوَ فِي النُّسَخ فِي هَذَا الْمَوْضِع ( أَبُو الْجُهَيْم ) بِضَمِّ الْجِيم مُصَغَّر وَالْمَشْهُور أَنَّهُ بِفَتْحِهَا مُكَبَّر وَهُوَ الْمَعْرُوف فِي بَاقِي الرِّوَايَات وَفِي كُتُب الْأَنْسَاب وَغَيْرهَا .
قَوْلهَا : ( فَشَرَّفَنِي اللَّه بِأَبِي زَيْد وَكَرَّمَنِي بِأَبِي زَيْد )
هَكَذَا هُوَ فِي بَعْض النُّسَخ ( بِأَبِي زَيْد ) فِي الْمَوْضِعَيْنِ عَلَى أَنَّهُ كُنْيَة وَفِي بَعْضهَا ( بِابْنِ زَيْد ) بِالنُّونِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَادَّعَى الْقَاضِي أَنَّهَا رِوَايَة الْأَكْثَرِينَ وَكِلَاهُمَا صَحِيح هُوَ أُسَامَة بْن زَيْد وَكُنْيَته أَبُو زَيْد وَيُقَال : أَبُو مُحَمَّد .
وَاعْلَمْ أَنَّ فِي حَدِيث فَاطِمَة بِنْت قَيْس فَوَائِد كَثِيرَة :
إِحْدَاهَا جَوَاز طَلَاق الْغَائِب ،
وَالثَّانِيَة جَوَاز التَّوْكِيل فِي الْحُقُوق فِي الْقَبْض وَالدَّفْع ،
الثَّالِثة لَا نَفَقَة لِلْبَائِنِ وَقَالَتْ طَائِفَة : لَا نَفَقَة وَلَا سُكْنَى ،
الرَّابِعَة جَوَاز سَمَاع كَلَام الْأَجْنَبِيَّة وَالْأَجْنَبِيّ فِي الِاسْتِفْتَاء وَنَحْوه ،
الْخَامِسَة جَوَاز الْخُرُوج مِنْ مَنْزِل الْعِدَّة لِلْحَاجَةِ ،
السَّادِسَة اِسْتِحْبَاب زِيَارَة النِّسَاء الصَّالِحَات لِلرِّجَالِ بِحَيْثُ لَا تَقَع خَلْوَة مُحَرَّمَة لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أُمّ شَرِيك : ( تِلْكَ اِمْرَأَة يَغْشَاهَا أَصْحَابِي ) ،
السَّابِعَة جَوَاز التَّعْرِيض لَخِطْبَة الْمُعْتَدَّة الْبَائِن بِالثَّلَاثِ ،
الثَّامِنَة جَوَاز الْخِطْبَة عَلَى خِطْبَة غَيْره إِذَا لَمْ يَحْصُل لِلْأَوَّلِ إِجَابَة لِأَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ أَنَّ مُعَاوِيَة وَأَبَا الْجَهْم وَغَيْرهمَا خَطَبُوهَا ،
التَّاسِعَة جَوَاز ذِكْر الْغَائِب بِمَا فِيهِ مِنْ الْعُيُوب الَّتِي يَكْرَههَا إِذَا كَانَ لِلنَّصِيحَةِ وَلَا يَكُون حِينَئِذٍ غِيبَة مُحَرَّمَة ،
الْعَاشِرَة جَوَاز اِسْتِعْمَال الْمَجَاز لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا يَضَع الْعَصَا عَنْ عَاتِقه وَلَا مَال لَهُ ) ،
الْحَادِيَة عَشْرَة اِسْتِحْبَاب إِرْشَاد الْإِنْسَان إِلَى مَصْلَحَته وَإِنْ كَرِهَهَا وَتَكْرَار ذَلِكَ عَلَيْهِ لِقَوْلِهَا : قَالَ : ( اِنْكِحِي أُسَامَة ، فَكَرِهَتْهُ ) ثُمَّ قَالَ : ( اِنْكِحِي أُسَامَة فَنَكَحَتْهُ ) ،
الثَّانِيَة عَشْرَة قَبُول نَصِيحَة أَهْل الْفَضْل وَالِانْقِيَاد إِلَى إِشَارَتهمْ وَأَنَّ عَاقِبَتهَا مَحْمُودَة ،
الثَّالِثَة عَشْرَة جَوَاز نِكَاح غَيْر الْكُفْء إِذَا رَضِيَتْ بِهِ الزَّوْجَة وَالْوَلِيّ لِأَنَّ فَاطِمَة قُرَشِيَّة وَأُسَامَة مَوْلًى ،
الرَّابِعَة عَشْرَة الْحِرْص عَلَى مُصَاحَبَة أَهْل التَّقْوَى وَالْفَضْل وَإِنْ دَنَتْ أَنْسَابهمْ ،
الْخَامِسَة عَشْرَة جَوَاز إِنْكَار الْمُفْتِي عَلَى مُفْتٍ آخَر خَالَفَ النَّصّ أَوْ عَمَّمَ مَا هُوَ خَالِص لِأَنَّ عَائِشَة أَنْكَرَتْ عَلَى فَاطِمَة بِنْت قَيْس تَعْمِيمهَا أَلَّا سُكْنَى لِلْمَبْتُوتَةِ وَإِنَّمَا كَانَ اِنْتِقَال فَاطِمَة مِنْ مَسْكَنهَا لِعُذْرٍ مِنْ خَوْف اِقْتِحَامه عَلَيْهَا أَوْ لِبَذَاءَتِهَا أَوْ نَحْو ذَلِكَ ،
السَّادِسَة عَشْرَة اِسْتِحْبَاب ضِيَافَة الزَّائِر وَإِكْرَامه بِطِيبِ الطَّعَام وَالشَّرَاب سَوَاء كَانَ الضَّيْف رَجُلًا أَوْ اِمْرَأَة وَاَللَّه أَعْلَم .


2727 - فِيهِ حَدِيث جَابِر ( قَالَ : طُلِّقَتْ خَالَتِي فَأَرَادَتْ أَنْ تَجُدّ نَخْلهَا فَزَجَرَهَا رَجُل أَنْ تَخْرُج فَأَتَتْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : بَلَى فَجُدِّي نَخْلك فَإِنَّك عَسَى أَنْ تَصَدَّقِي أَوْ تَفْعَلِي مَعْرُوفًا )
هَذَا الْحَدِيث دَلِيل لِخُرُوجِ الْمُعْتَدَّة الْبَائِن لِلْحَاجَةِ ، وَمَذْهَب مَالِك وَالثَّوْرِيِّ وَاللَّيْث وَالشَّافِعِيّ وَأَحْمَد وَآخَرِينَ جَوَاز خُرُوجهَا فِي النَّهَار لِلْحَاجَةِ ، وَكَذَلِكَ عِنْد هَؤُلَاءِ يَجُوز لَهَا الْخُرُوج فِي عِدَّة الْوَفَاة وَوَافَقَهُمْ أَبُو حَنِيفَة فِي عِدَّة الْوَفَاة وَقَالَ فِي الْبَائِن : لَا تَخْرُج لَيْلًا وَلَا نَهَارًا . وَفِيهِ اِسْتِحْبَاب الصَّدَقَة مِنْ التَّمْر عِنْد جُدَاده ، وَالْهَدِيَّة ، وَاسْتِحْبَاب التَّعْرِيض لِصَاحِبِ التَّمْر بِفِعْلِ ذَلِكَ ، وَتَذْكِير الْمَعْرُوف وَالْبِرّ وَاَللَّه تَعَالَى أَعْلَم .


2728 - حَدِيث
( سُبَيْعَة )
بِضَمِّ السِّين الْمُهْمَلَة وَفَتْح الْبَاء الْمُوَحَّدَة أَنَّهَا وَضَعَتْ بَعْد وَفَاة زَوْجهَا بِلَيَالٍ فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ عِدَّتهَا اِنْقَضَتْ وَأَنَّهَا حَلَّتْ لِلزَّوَاجِ ) فَأَخَذَ بِهَذَا جَمَاهِير الْعُلَمَاء مِنْ السَّلَف وَالْخَلَف فَقَالُوا : عِدَّة الْمُتَوَفَّى عَنْهَا بِوَضْعِ الْحَمْل ، حَتَّى لَوْ وَضَعَتْ بَعْد مَوْت زَوْجهَا بِلَحْظَةٍ قَبْل غَسْله اِنْقَضَتْ عِدَّتهَا وَحَلَّتْ فِي الْحَال لِلْأَزْوَاجِ . هَذَا قَوْل مَالِك وَالشَّافِعِيّ وَأَبِي حَنِيفَة وَأَحْمَد وَالْعُلَمَاء كَافَّة إِلَّا رِوَايَة عَنْ عَلِيّ وَابْن عَبَّاس وَسَحْنُون الْمَالِكِيّ أَنَّ عِدَّتهَا بِأَقْصَى الْأَجَلَيْنِ وَهِيَ أَرْبَعَة أَشْهُر وَعَشْر وَوَضْع الْحَمْل ، وَإِلَّا مَا رُوِيَ عَنْ الشَّعْبِيّ وَالْحَسَن وَإِبْرَاهِيم النَّخَعِيِّ وَحَمَّاد أَنَّهَا لَا يَصِحّ زَوَاجهَا حَتَّى تَطْهُر مِنْ نِفَاسهَا ، وَحُجَّة الْجُمْهُور حَدِيث سُبَيْعَة الْمَذْكُور وَهُوَ مُخَصَّص لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى : { وَاَلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَة أَشْهُر وَعَشْرًا } وَمُبَيَّن أَنَّ قَوْله تَعَالَى : { وَأُولَات الْأَحْمَال أَجَلهنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلهنَّ } عَامّ فِي الْمُطَلَّقَة وَالْمُتَوَفَّى عَنْهَا وَأَنَّهُ عَلَى عُمُومه . قَالَ الْجُمْهُور وَقَدْ تَعَارَضَ عُمُوم هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ ، إِذَا تَعَارَضَ الْعُمُومَانِ وَجَبَ الرُّجُوع إِلَى مُرَجَّح لِتَخْصِيصِ أَحَدهمَا . وَقَدْ وُجِدَ هُنَا حَدِيث سُبَيْعَة الْمُخَصَّص لِأَرْبَعَةِ أَشْهُر وَعَشْر وَأَنَّهَا مَحْمُولَة عَلَى غَيْر الْحَامِل وَأَمَّا الدَّلِيل عَلَى الشَّعْبِيّ وَمُوَافِقِيهِ فَهُوَ مَا رَوَاهُ مُسْلِم فِي الْبَاب أَنَّهَا قَالَتْ : ( فَأَفْتَانِي النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنِّي قَدْ حَلَلْت حِين وَضَعْت حَمْلِي ) وَهَذَا تَصْرِيح بِانْقِضَاءِ الْعُدَّة بِنَفْسِ الْوَضْع . فَإِنْ اِحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ : فَلَمَّا تَعَلَّتْ مِنْ نِفَاسهَا أَيْ طَهُرَتْ مِنْهُ ، فَالْجَوَاب أَنَّ هَذَا إِخْبَار عَنْ وَقْت سُؤَالهَا وَلَا حُجَّة فِيهِ وَإِنَّمَا الْحُجَّة فِي قَوْل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهَا حَلَّتْ حِين وَضَعَتْ وَلَمْ يُعَلِّل بِالطُّهْرِ مِنْ النِّفَاس قَالَ الْعُلَمَاء مِنْ أَصْحَابنَا وَغَيْرهمْ : سَوَاء كَانَ حَمْلهَا وَلَدًا أَوْ أَكْثَر كَامِل الْخِلْقَة أَوْ نَاقِصهَا أَوْ عَلَقَة أَوْ مُضْغَة ، فَتَنْقَضِي الْعِدَّة بِوَضْعِهِ إِذَا كَانَ فِيهِ صُورَة خَلْق آدَمِي سَوَاء كَانَتْ صُورَة خَفِيَّة تَخْتَصّ النِّسَاء بِمَعْرِفَتِهَا أُمّ جَلِيَّة يَعْرِفهَا كُلّ أَحَد . وَدَلِيله إِطْلَاق سُبَيْعَة مِنْ غَيْر سُؤَال عَنْ صِفَة حَمْلهَا .
قَوْله : ( كَانَتْ تَحْت سَعْد بْن خَوْلَة وَهُوَ فِي بَنِي عَامِر بْن لُؤَيّ )
هَكَذَا هُوَ فِي النُّسَخ ( فِي بَنِي عَامِر ) بِالْفَاءِ وَهُوَ صَحِيح وَمَعْنَاهُ وَنَسَبه فِي بَنِي عَامِر أَيْ هُوَ مِنْهُمْ .
قَوْله : ( فَلَمْ تَنْشَب )
أَيْ لَمْ تَمْكُث .
قَوْله : ( أَبُو السَّنَابِل بْن بَعْكَكٍ )
السَّنَابِل بِفَتْحِ السِّين وَبَعْكَك بِمُوَحَّدَةِ مَفْتُوحَة ثُمَّ عَيْن سَاكِنَة ثُمَّ كَافِينَ الْأُولَى مَفْتُوحَة وَاسْم أَبِي السَّنَابِل عَمْرو وَقِيلَ حَبَّة بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَة وَقِيلَ بِالنُّونِ حَكَاهُمَا اِبْن مَاكُولَا وَهُوَ أَبُو السَّنَابِل بْن بَعْكَكٍ بْن الْحَجَّاج بْن الْحَارِث بْن السَّبَّاق بْن عَبْد الدَّار كَذَا نَسَبَهُ اِبْن الْكَلْبِيّ وَابْن عَبْد الْبَرّ وَقِيلَ فِي نَسَبه غَيْر هَذَا .


2729 - قَوْله : ( نُفِسَتْ بَعْد وَفَاة زَوْجهَا بِلَيَالٍ )
وَبِضَمِّ النُّون عَلَى الْمَشْهُور وَفِي لُغَة بِفَتْحِهَا وَهُمَا لُغَتَانِ فِي الْوِلَادَة ، وَقَوْله : بَعْد وَفَاته بِلَيَالٍ قِيلَ : إِنَّهَا شَهْر وَقِيلَ خَمْس وَعِشْرُونَ لَيْلَة وَقِيلَ دُون ذَلِكَ وَاَللَّه أَعْلَم .


قَالَ أَهْل اللُّغَة : الْإِحْدَاد وَالْحِدَاد مُشْتَقّ مِنْ الْحَدّ وَهُوَ الْمَنْع لِأَنَّهَا تَمْنَع الزِّينَة وَالطِّيب ، يُقَال : أَحَدَّتْ الْمَرْأَة تَحِدّ إِحْدَادًا وَحُدَّتْ تَحُدّ بِضَمِّ الْحَاء وَتَحِدّ بِكَسْرِهَا حَدًّا ، كَذَا قَالَ الْجُمْهُور أَنَّهُ يُقَال : أَحَدَّتْ وَحَدَّتْ ، وَقَالَ الْأَصْمَعِيّ : لَا يُقَال إِلَّا أَحَدَّتْ رُبَاعِيًّا ، وَيُقَال : اِمْرَأَة حَادّ ، وَلَا يُقَال : حَادَّة وَأَمَّا الْإِحْدَاد فِي الشَّرْع فَهُوَ تَرْك الطِّيب وَالزِّينَة وَلَهُ تَفَاصِيل مَشْهُورَة فِي كُتُب الْفِقْه .


2730 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا يَحِلّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِن بِاَللَّهِ وَالْيَوْم الْآخِر تُحِدّ عَلَى مَيِّت فَوْق ثَلَاث إِلَّا عَلَى زَوْج أَرْبَعَة أَشْهُر وَعَشْرًا )
فِيهِ دَلِيل عَلَى وُجُوب الْإِحْدَاد عَلَى الْمُعْتَدَّة مِنْ وَفَاة زَوْجهَا وَهُوَ مُجْمَع عَلَيْهِ فِي الْجُمْلَة وَإِنْ اِخْتَلَفُوا فِي تَفْصِيله ، فَيَجِب عَلَى كُلّ مُعْتَدَّة عَنْ وَفَاة سَوَاء الْمَدْخُول بِهَا وَغَيْرهَا وَالصَّغِيرَة وَالْكَبِيرَة وَالْبِكْر وَالثَّيِّب وَالْحُرَّة وَالْأَمَة وَالْمُسْلِمَة وَالْكَافِرَة هَذَا مَذْهَب الشَّافِعِيّ وَالْجُمْهُور . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة وَغَيْره مِنْ الْكُوفِيِّينَ وَأَبُو ثَوْر وَبَعْض الْمَالِكِيَّة : لَا يَجِب عَلَى الزَّوْجَة الْكِتَابِيَّة بَلْ تَخْتَصّ بِالْمُسْلِمَةِ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا يَحِلّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِن بِاَللَّهِ ) فَخَصَّهُ بِالْمُؤْمِنَةِ .
وَدَلِيل الْجُمْهُور أَنَّ الْمُؤْمِن هُوَ الَّذِي يَشْمَل خِطَاب الشَّارِع وَيَنْتَفِع بِهِ وَيَنْقَاد لَهُ ، فَلِهَذَا قَيَّدَ بِهِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة أَيْضًا : لَا إِحْدَاد عَلَى الصَّغِيرَة وَلَا عَلَى الزَّوْجَة الْأَمَة . وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا إِحْدَاد عَلَى أُمّ الْوَلَد وَلَا عَلَى الْأَمَة إِذَا تُوُفِّيَ عَنْهُمَا سَيِّدهمَا وَلَا عَلَى الزَّوْجَة الرَّجْعِيَّة . وَاخْتَلَفُوا فِي الْمُطَلَّقَة ثَلَاثًا ، فَقَالَ عَطَاء وَرَبِيعَة وَمَالِك وَاللَّيْث وَالشَّافِعِيّ وَابْن الْمُنْذِر . لَا إِحْدَاد عَلَيْهَا ، وَقَالَ الْحَكَم وَأَبُو حَنِيفَة وَالْكُوفِيُّونَ وَأَبُو ثَوْر وَأَبُو عُبَيْد : عَلَيْهَا الْإِحْدَاد وَهُوَ قَوْل ضَعِيف لِلشَّافِعِيِّ وَحَكَى الْقَاضِي قَوْلًا عَنْ الْحَسَن الْبَصْرِيّ أَنَّهُ لَا يَجِب الْإِحْدَاد عَلَى الْمُطَلَّقَة وَلَا عَلَى الْمُتَوَفَّى عَنْهَا ، وَهَذَا شَاذّ غَرِيب .
وَدَلِيل مَنْ قَالَ : لَا إِحْدَاد عَلَى الْمُطَلَّقَة ثَلَاثًا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِلَّا عَلَى الْمَيِّت ) فَخَصَّ الْإِحْدَاد بِالْمَيِّتِ بَعْد تَحْرِيمه فِي غَيْره . قَالَ الْقَاضِي : وَاسْتُفِيدَ وُجُوب الْإِحْدَاد فِي الْمُتَوَفَّى عَنْهَا مِنْ اِتِّفَاق الْعُلَمَاء عَلَى حَمْل الْحَدِيث عَلَى ذَلِكَ ، مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي لَفْظه مَا يَدُلّ عَلَى الْوُجُوب وَلَكِنْ اِتَّفَقُوا عَلَى حَمْله عَلَى الْوُجُوب مَعَ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيث الْآخَر حَدِيث أُمّ سَلَمَة وَحَدِيث أُمّ عَطِيَّة فِي الْكُحْل وَالطِّيب وَاللِّبَاس وَمَنْعهَا مِنْهُ وَاَللَّه أَعْلَم .
وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَرْبَعَة أَشْهُر وَعَشْرًا ) ، فَالْمُرَاد بِهِ وَعَشْرَة أَيَّام بِلَيَالِيِهَا . هَذَا مَذْهَبنَا وَمَذْهَب الْعُلَمَاء كَافَّة ، إِلَّا مَا حُكِيَ عَنْ يَحْيَى بْن أَبِي كَثِير وَالْأَوْزَاعِيِّ أَنَّهَا أَرْبَعَة أَشْهُر وَعَشْر لَيَالٍ وَأَنَّهَا تَحِلّ فِي الْيَوْم الْعَاشِرَة ، وَعِنْدنَا وَعِنْد الْجُمْهُور لَا تَحِلّ حَتَّى تَدْخُل لَيْلَة الْحَادِي عَشَر .
وَاعْلَمْ أَنَّ التَّقْيِيد عِنْدنَا بِأَرْبَعَةِ أَشْهُر وَعَشْر خَرَجَ عَلَى غَالِب الْمُعْتَدَّات أَنَّهَا تَعْتَدّ بِالْأَشْهُرِ ، أَمَّا إِذَا كَانَتْ حَامِلًا فَعِدَّتهَا بِالْحَمْلِ . وَيَلْزَمهَا الْإِحْدَاد فِي جَمِيع الْعِدَّة حَتَّى تَضَع سَوَاء قَصُرَتْ الْمُدَّة أَمْ طَالَتْ فَإِذَا وَضَعَتْ فَلَا إِحْدَاد بَعْده . وَقَالَ بَعْض الْعُلَمَاء : لَا يَلْزَمهَا الْإِحْدَاد بَعْد أَرْبَعَة أَشْهُر وَعَشْر وَإِنْ لَمْ تَضَع الْحَمْل وَاَللَّه أَعْلَم .
قَالَ الْعُلَمَاء وَالْحِكْمَة فِي وُجُوب الْإِحْدَاد فِي عِدَّة الْوَفَاة دُون الطَّلَاق ، لِأَنَّ الزِّينَة وَالطِّيب يَدْعُوَانِ إِلَى النِّكَاح وَيُوقِعَانِ فِيهِ فَنَهَيْت عَنْهُ لِيَكُونَ الِامْتِنَاع مِنْ ذَلِكَ زَاجِرًا عَنْ النِّكَاح ، لِكَوْنِ الزَّوْج مَيِّتًا لَا يَمْنَع مُعْتَدَّته مِنْ النِّكَاح وَلَا يُرَاعِيه نَاكِحهَا ، وَلَا يُخَاف مِنْهُ بِخِلَافِ الْمُطَلِّق الْحَيّ فَإِنَّهُ يَسْتَغْنِي بِوُجُودِهِ عَنْ زَاجِر آخَر وَلِهَذِهِ الْعِلَّة وَجَبَتْ الْعِدَّة عَلَى كُلّ مُتَوَفَّى عَنْهَا ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مَدْخُولًا بِهَا بِخِلَافِ الطَّلَاق فَاسْتُظْهِرَ لِلْمَيِّتِ بِوُجُوبِ الْعِدَّة وَجُعِلَتْ أَرْبَعَة أَشْهُر وَعَشْرًا ، لِأَنَّ الْأَرْبَعَة فِيهَا يَنْفُخ الرُّوح فِي الْوَلَد إِنْ كَانَ وَالْعَشْر اِحْتِيَاطًا ، وَفِي هَذِهِ الْمُدَّة يَتَحَرَّك الْوَلَد فِي الْبَطْن قَالُوا وَلَمْ يُوَكَّل ذَلِكَ إِلَى أَمَانَة النِّسَاء وَيُجْعَل بِالْأَقْرَاءِ كَالطَّلَاقِ ، لِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الِاحْتِيَاط لِلْمَيِّتِ وَلَمَّا كَانَتْ الصَّغِيرَة مِنْ الزَّوْجَات نَادِرَة أُلْحِقَتْ بِالْغَالِبِ فِي حُكْم وُجُوب الْعِدَّة وَالْإِحْدَاد وَاَللَّه أَعْلَم .
قَوْله : ( فَدَعَتْ أُمّ حَبِيبَة بِطَيِّبٍ فِيهِ صُفْرَة خَلُوق أَوْ غَيْره )
هُوَ بِرَفْعِ خَلُوق وَبِرَفْعِ غَيْره أَيْ دَعَتْ بِصُفْرَةٍ وَهِيَ خَلُوق أَوْ غَيْره وَالْخَلُوق بِفَتْحِ الْخَاء هُوَ طِيب مَخْلُوط .
قَوْله : ( مَسَّتْ بِعَارِضَيْهَا )
هُمَا جَانِبَا الْوَجْه فَوْق الذَّقَن إِلَى مَا دُون الْأُذُن وَإِنَّمَا فَعَلَتْ هَذَا لِدَفْعِ صُورَة الْإِحْدَاد وَفِي هَذَا الَّذِي فَعَلَتْهُ أُمّ حَبِيبَة وَزَيْنَب مَعَ الْحَدِيث الْمَذْكُور دَلَالَة لِجَوَازِ الْإِحْدَاد عَلَى غَيْر الزَّوْج ثَلَاثَة أَيَّام فَمَا دُونهَا .


2732 - قَوْلهَا : ( وَقَدْ اِشْتَكَتْ عَيْنهَا )
هُوَ بِرَفْعِ النُّون وَوَقَعَ فِي بَعْض الْأُصُول عَيْنَاهَا بِالْأَلِفِ .
قَوْلهَا : ( أَفَنُكَحِّلهَا ؟ فَقَالَ : لَا )
هُوَ بِضَمِّ الْحَاء .
وَفِي هَذَا الْحَدِيث وَحَدِيث أُمّ عَطِيَّة الْمَذْكُور بَعْده فِي قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( لَا تَكْتَحِل ) دَلِيل عَلَى تَحْرِيم الِاكْتِحَال عَلَى الْحَادَّة ، سَوَاء اِحْتَاجَتْ إِلَيْهِ أَمْ لَا . وَجَاءَ فِي الْحَدِيث الْآخَر فِي الْمُوَطَّأ وَغَيْره فِي حَدِيث أُمّ سَلَمَة : " اِجْعَلِيهِ بِاللَّيْلِ وَامْسَحِيهِ بِالنَّهَارِ " وَوَجْه الْجَمِيع بَيْن الْأَحَادِيث أَنَّهَا إِذَا لَمْ تَحْتَجْ إِلَيْهِ لَا يَحِلّ لَهَا ، وَإِنْ اِحْتَاجَتْ لَمْ يَجُزْ بِالنَّهَارِ وَيَجُوز بِاللَّيْلِ ، مَعَ أَنَّ الْأَوْلَى تَرْكه ، فَإِنَّ فَعَلَتْهُ مَسَحَتْهُ بِالنَّهَارِ . فَحَدِيث الْإِذْن فِيهِ لِبَيَانِ أَنَّهُ بِاللَّيْلِ لِلْحَاجَةِ غَيْر حَرَام ، حَدِيث النَّهْي مَحْمُول عَلَى عَدَم الْحَاجَة . وَحَدِيث الَّتِي اِشْتَكَتْ عَيْنهَا فَنَهَاهَا مَحْمُول عَلَى أَنَّهُ نَهْي تَنْزِيه وَتَأَوَّلَهُ بَعْضهمْ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَتَحَقَّق الْخَوْف عَلَى عَيْنهَا . وَقَدْ اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي اِكْتِحَال الْمُحَدَّة فَقَالَ سَالِم بْن عَبْد اللَّه وَسُلَيْمَان بْن يَسَار وَمَالِك فِي رِوَايَة عَنْهُ يَجُوز إِذَا خَافَتْ عَلَى عَيْنهَا بِكُحْلٍ لَا طِيب فِيهِ وَجَوَّزَهُ بَعْضهمْ عِنْد الْحَاجَة وَإِنْ كَانَ فِيهِ طِيب ، وَمَذْهَبنَا جَوَازه لَيْلًا عِنْد الْحَاجَة بِمَا لَا طِيب فِيهِ .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّمَا هِيَ أَرْبَعَة أَشْهُر وَعَشْر وَقَدْ كَانَتْ إِحْدَاكُنَّ فِي الْجَاهِلِيَّة تَرْمِي بِالْبَعْرَةِ عَلَى رَأْس الْحَوْل )
مَعْنَاهُ لَا تَسْتَكْثِرْنَ الْعِدَّة وَمَنَعَ الِاكْتِحَال فِيهَا فَإِنَّهَا مُدَّة قَلِيلَة وَقَدْ خُفِّفَتْ عَنْكُنَّ وَصَارَتْ أَرْبَعَة أَشْهُر وَعَشْرًا بَعْد أَنْ كَانَتْ سُنَّة . وَفِي هَذَا تَصْرِيح بِنَسْخِ الِاعْتِدَاد سُنَّة الْمَذْكُور فِي سُورَة الْبَقَرَة فِي الْآيَة الثَّانِيَة .
وَأَمَّا رَمْيهَا بِالْبَعْرَةِ عَلَى رَأْس الْحَوْل ، فَقَدْ فَسَّرَهُ فِي الْحَدِيث . قَالَ بَعْض الْعُلَمَاء : مَعْنَاهُ أَنَّهَا رَمَتْ بِالْعِدَّةِ وَخَرَجَتْ مِنْهَا كَانْفِصَالِهَا مِنْ هَذِهِ الْبَعْرَة وَرَمِيَهَا بِهَا ، وَقَالَ بَعْضهمْ : هُوَ إِشَارَة إِلَى أَنَّ الَّذِي فَعَلَتْهُ وَصَبَرَتْ عَلَيْهِ مِنْ الِاعْتِدَاد سُنَّة وَلُبْسهَا شَرّ ثِيَابهَا وَلُزُومهَا بَيْتًا صَغِيرًا هَيِّن بِالنِّسْبَةِ إِلَى حَقّ الزَّوْج وَمَا يَسْتَحِقّهُ مِنْ الْمُرَاعَاة كَمَا يُهَوِّن الرَّمْي بِالْبَعْرَةِ .
قَوْله : ( دَخَلَتْ حِفْشًا )
هُوَ بِكَسْرِ الْحَاء الْمُهْمَلَة وَإِسْكَان الْفَاء وَبِالشِّينِ الْمُعْجَمَة أَيْ بَيْتًا صَغِيرًا حَقِيرًا قَرِيب السَّمَك .
قَوْله : ( ثُمَّ تُؤْتَى بِدَابَّةِ حِمَار أَوْ شَاة أَوْ طَيْر فَتَفْتَضّ بِهِ )
هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيع النُّسَخ ( فَتَفْتَضّ ) بِالْفَاءِ وَالضَّاد قَالَ اِبْن قُتَيْبَة : سَأَلْت الْحِجَازِيِّينَ عَنْ مَعْنَى الِافْتِضَاض فَذَكَرُوا أَنَّ الْمُعْتَدَّة كَانَتْ لَا تَغْتَسِل وَلَا تَمَسّ مَاء وَلَا تُقَلِّم ظُفْرًا ثُمَّ تَخْرُج بَعْد الْحَوْل بِأَقْبَح مَنْظَر ثُمَّ تَفْتَضّ أَيْ تَكْسِر مَا هِيَ فِيهِ مِنْ الْعِدَّة بِطَائِرٍ تَمْسَح بِهِ قُبُلهَا وَتَنْبِذهُ فَلَا يَكَاد يَعِيش مَا تَفْتَضّ بِهِ . وَقَالَ مَالِك : مَعْنَاهُ تَمْسَح بِهِ جِلْدهَا . وَقَالَ اِبْن وَهْب : مَعْنَاهُ تَمْسَح بِيَدِهَا عَلَيْهِ أَوْ عَلَى ظَهْره . وَقِيلَ : مَعْنَاهُ تَمْسَح بِهِ ثُمَّ تَفْتَضّ أَيْ تَغْتَسِل وَالِافْتِضَاض الِاغْتِسَال بِالْمَاءِ الْعَذْب لِلْإِنْقَاءِ وَإِزَالَة الْوَسَخ حَتَّى تَصِير بَيْضَاء نَقِيَّة كَالْفِضَّةِ . وَقَالَ الْأَخْفَش : مَعْنَاهُ تَتَنَظَّف وَتَتَنَقَّى مِنْ الدَّرَن تَشْبِيهًا لَهَا بِالْفِضَّةِ فِي نَقَائِهَا وَبَيَاضهَا . وَذَكَرَ الْهَرَوِيُّ : أَنَّ الْأَزْهَرِيّ قَالَ : رَوَاهُ الشَّافِعِيّ ( تُقْبَص ) بِالْقَافِ وَالصَّاد الْمُهْمَلَة وَالْبَاء الْمُوَحَّدَة مَأْخُوذ مِنْ الْقَبْض بِأَطْرَافِ الْأَصَابِع .


2733 - قَوْله : ( تُوُفِّيَ حَمِيم لِأُمّ حَبِيبَة )
أَيْ قَرِيب .


2734 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فِي شَرّ أَحْلَاسهَا )
هُوَ بِفَتْحِ الْهَمْزَة وَإِسْكَان الْحَاء الْمُهْمَلَة جَمْع حِلْس بِكَسْرِ الْحَاء وَالْمُرَاد فِي شَرّ ثِيَابهَا ، كَمَا قَالَ فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى وَهُوَ مَأْخُوذ مِنْ حِلْس الْبَعِير وَغَيْره مِنْ الدَّوَابّ وَهُوَ كَالْمَسْحِ يُجْعَل عَلَى ظَهْره .


2736 - قَوْله : ( نَعْي أَبِي سُفْيَان )
هُوَ بِكَسْرِ الْعَيْن مَعَ تَشْدِيد الْيَاء وَبِإِسْكَانِهَا مَعَ تَخْفِيف الْيَاء أَيْ خَبَر مَوْته .


2739 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَلَا تَلْبَس ثَوْبًا مَصْبُوغًا إِلَّا ثَوْب عَصْب )
الْعَصْب بِعَيْنٍ مَفْتُوحَة ثُمَّ صَاد سَاكِنَة مُهْمَلَتَيْنِ وَهُوَ بُرُود الْيَمَن يُعْصَب عَزْلهَا ثُمَّ يُصْبَغ مَعْصُوبًا ثُمَّ تُنْسَج ، وَمَعْنَى الْحَدِيث النَّهْي عَنْ جَمِيع الثِّيَاب الْمَصْبُوغَة لِلزِّينَةِ إِلَّا ثَوْب الْعَصْب . قَالَ اِبْن الْمُنْذِر : أَجْمَعَ الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوز لِلْحَادَّةِ لُبْس الثِّيَاب الْمُعَصْفَرَة وَالْمُصَبَّغَة إِلَّا مَا صُبِغَ بِسَوَادٍ فَرَخَّصَ بِالْمَصْبُوغِ بِالسَّوَادِ عُرْوَة بْن الزُّبَيْر وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيّ ، وَكَرِهَهُ الزُّهْرِيّ ، وَكَرِهَ عُرْوَة الْعَصَب ، وَأَجَازَهُ الزُّهْرِيّ ، وَأَجَازَ مَالِك غَلِيظه ، وَالْأَصَحّ عِنْد أَصْحَابنَا تَحْرِيمه مُطْلَقًا . وَهَذَا الْحَدِيث حُجَّة لِمَنْ أَجَازَهُ قَالَ اِبْن الْمُنْذِر : رَخَّصَ جَمِيع الْعُلَمَاء فِي الثِّيَاب الْبِيض ، وَمَنَعَ بَعْض مُتَأَخِّرِي الْمَالِكِيَّة جَيِّد الْبِيض الَّذِي يَتَزَيَّن بِهِ وَكَذَلِكَ جَيِّد السَّوَاد . قَالَ أَصْحَابنَا : وَيَجُوز كُلّ مَا صَبْغ وَلَا تَقْصِد مِنْهُ الزِّينَة وَيَجُوز لَهَا لُبْس الْحَرِير فِي الْأَصَحّ ، وَيَحْرُم حِلِّي الذَّهَب وَالْفِضَّة وَكَذَلِكَ اللُّؤْلُؤ ، وَفِي اللُّؤْلُؤ وَجْه أَنَّهُ يَجُوز .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَلَا تَمَسّ طَيِّبًا إِلَّا إِذَا طَهُرَتْ نُبْذَة قَسَّطَ أَوْ أَظْفَار )
النُّبْذَة بِضَمِّ النُّون الْقِطْعَة وَالشَّيْء الْيَسِير ، وَأَمَّا الْقِسْط فَبِضَمِّ الْقَاف وَيُقَال فِيهِ : ( كَسِتِّ ) بِكَافٍ مَضْمُومَة بَدَل الْقَاف وَبِتَاءٍ بَدَل الطَّاء وَهُوَ وَالْأَظْفَار نَوْعَانِ مَعْرُوفَانِ مِنْ الْبَخُور وَلَيْسَا مِنْ مَقْصُود الطَّيِّب رَخَّصَ فِيهِ لِلْمُغْتَسِلَةِ مِنْ الْحَيْض لِإِزَالَةِ الرَّائِحَة الْكَرِيهَة تَتْبَع بِهِ أَثَر الدَّم لَا لِلتَّطَيُّبِ وَاَللَّه تَعَالَى أَعْلَم .