Contents

الواجهة
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد
مقدمة
باب الألف
باب الثاء
باب الجيم
باب الحاء
باب الخاء
باب الدال
باب الراء
باب الزاي
تابع باب الزاء
تابع لحرف الزاء
تابع لحرف الزاء
باب الطاء
باب الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع حرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
باب النون
باب الصاد
باب الضاد
باب العين
تابع لحرف العين
تابع حرف العين
تابع لحرف العين
تابع لحرف العين
باب القاف
باب السين
باب الشين
باب الهاء
باب الواو
باب الياء
تابع باب الياء
باب الكني
باب بلاغات مالك ومرسلاته
باب مافي هذا الديوان من حديث مالك الذي ثبتت عليه أبوابه خاصة
الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج
الديباج - جزء 1
الديباج - جزء 2
الديباج - جزء 3
الديباج - جزء 4
الديباج - جزء 5
الديباج - جزء 6
المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج
المنهاج - مقدمة
المنهاج - الإيمان
المنهاج - الطهارة
المنهاج - الحيض
المنهاج - الصَّلَاة
المنهاج - المساجد ومواضع الصلاة
المنهاج - صلاة المسافرين وقصرها
المنهاج - بَاب صَلَاة الْجُمُعَة
المنهاج - بَاب صَلَاة الْعِيدَيْنِ
المنهاج - بَاب الدُّعَاء فِي صَلَاة الِاسْتِسْقَاء
المنهاج - بَاب صَلَاة الْكُسُوف
المنهاج - كِتَاب الْجَنَائِز
المنهاج - الزكاة
المنهاج - كِتَاب الصِّيَام
المنهاج - كِتَاب الِاعْتِكَاف
المنهاج - كِتَاب الْحَجّ
المنهاج - كِتَاب النِّكَاح
المنهاج - الرضاعة
المنهاج - الطلاق
المنهاج - اللِّعَان
المنهاج - العتق
المنهاج - البيوع
المنهاج - المساقاة
المنهاج - الفرائض
المنهاج - الهبات
المنهاج - الوصية
المنهاج - النذر
المنهاج - الأيمان
المنهاج - القسامة
المنهاج - الحدود
المنهاج - الأقضية
المنهاج - اللقطة
المنهاج - الجهاد والسير
المنهاج - الإمارة
المنهاج - الصيد والذبائح
المنهاج - كِتَاب الْأَضْاحَي
المنهاج - الأشربة
المنهاج - اللباس والزينة
المنهاج - الآداب
المنهاج - السلام
المنهاج - الألفاظ من الأدب وغيرها
المنهاج - الشعر
المنهاج - الرؤيا
المنهاج - الفضائل
المنهاج - فضائل الصحابة
المنهاج - البر والصلة والآداب
المنهاج - القدر
المنهاج - العلم
المنهاج - الذكر والدعاء
المنهاج - التوبة
المنهاج - صفات المنافقين
المنهاج - صفة القيامة والجنة والنار
المنهاج - الجنة وصفة نعيمها وأهلها
المنهاج - الفتن وأشراط الساعة
المنهاج - الزهد والرقائق
المنهاج - التفسير
تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي
أبواب الطهارة
أبواب الصلاة
تابع أبواب الصلاة
أبواب الوتر
أبواب الجمعة
تابع لأبواب الجمعة
أبواب العيدين
أبواب السفر
ابواب الزكاة
أبواب الصوم
أبواب الحج
تابع أبواب الحج
أبواب الجنائز
أبواب النكاح
أبواب الرضاع
أبواب الطلاق واللعان
ابواب البيوع
أبواب الأحكام
أبواب الديات
ابواب الحدود
تابع أبواب الحدود
أبواب الصيد
أبواب الأضاحي
أبواب النذور والأيمان
أبواب السير
أبواب الجهاد
أبواب اللباس
أبواب الأطعمة
أبواب الأشربة
تابع أبواب الأشربة
أبواب البر و الصله عن رسول الله صلى الله عليه و آله سلم
أبواب الطب عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الفرائض عن الرسول صلى الله عليه و سلم
أبواب الوصايا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الولاء و الهبة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب القدر عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم
أبواب الفتن عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الرؤيا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الشهادات عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
تابع لأبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صِفَةُ القِيامَة
أبواب صفة الجنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صفة جهنم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإيمان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب العلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإستئذان والآداب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب العلم
أبواب الأمثال
أبواب فضائل القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب القراءات عن رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم
أبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الدعوات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أحاديث شتى من أبواب الدعوات
المناقب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
مناقب الصحابة رضوان الله عليهم
تنوير الحوالك شرح موطأ مالك
كتاب وقوت الصلاة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب السهو
كتاب الجمعة
كتاب الصلاة في رمضان
كتاب صلاة الليل
كتاب صلاة الجماعة
كتاب قصر الصلاة في السفر
كتاب العيدين
كتاب صلاة الخوف
كتاب صلاة الكسوف
كتاب الاستسقاء
كتاب القبلة
كتاب القرآن
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب الجهاد
كتاب النذور و الأيمان
كتاب الضحايا
كتاب الذبائح
كتاب الصيد
كتاب العقيقة
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الرضاع
كتاب البيوع
كتاب القراض
كتاب المساقاة - كتاب كراء الأرض
كتاب الشفعة - كتاب الأقضية
كتاب الوصية - كتاب العتق والولاء
كتاب المكاتب - كتاب المدبر
كتاب الحدود
كتاب الأشربة - كتاب العقول
كتاب القسامة - كتاب الجامع
كتاب القدر - كتاب حسن الخلق
كتاب اللباس - كتاب صفة النبي
كتاب العين - كتاب الشعر
كتاب الرؤيا - كتاب السلام
كتاب الاستئذان والتشميت والصور والتماثيل وغيرها
كتاب البيعة - كتاب الكلام والعينة والتقى
كتاب جهنم - كتاب الصدقة
كتاب العلم - كتاب دعوة المظلوم - كتاب أسماء النبي
حاشية السندي على سنن ابن ماجة
المقدمة
الطَّهَارَة وَسُنَنهَا
الصلاة
الْأَذَان
المساجد والجماعات
أَبْوَاب إِقَامَة الصَّلَاة
الجنائز
الصوم
الزكاة
النكاح
الطلاق
الكفارات
التجارات
الأحكام
الحدود
الديات
الوصايا
الْفَرَائِض
الجهاد
المناسك
الْأَضَاحِيّ
الذبائح
الصيد
الأطعمة
الأشربة
الطب
اللباس
الْآدَاب
الدُّعَاء
تعبير الرؤيا
الْفِتَن
الزُّهْد
شرح سنن ابن ماجه لمغلطاي
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح رياض الصالحين
شرح رياض الصالحين - 01
شرح رياض الصالحين - 02
شرح رياض الصالحين - 03
شرح رياض الصالحين - 04
شرح سنن أبي داود للعيني
مقدمة التحقيق
كتاب الطهارة
كِتابُ الصَلاَةِ
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
عون المعبود شرح سنن أبي داود
كتاب الطهارة
تابع كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
كتاب الزكاة
تابع لكتاب الزكاة
كتاب اللقطة
كتاب المناسك
تابع لكتاب المناسك
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الصيام
تابع لكتاب الصيام
أول كتاب الجهاد
أول كتاب الضحايا
تابع كتاب الضحايا
أول كتاب الصيد
أول كتاب الوصايا
أول كتاب الفرائض
أول كتاب الخراج والفيء والإمارة
أول كتاب الجنائز
تابع لكتاب الجنائز
كتاب الأيمان والنذور
كتاب البيوع
كتاب الإجارة
كتاب القضاء
تابع لكتاب القضاء
كتاب العلم
كتاب الأشربة
كتاب الأطعمة
كتاب الطب
كتاب الكهانة والتطير
كتاب العتق
أول كتاب الحروف والقراءات
أول كتاب الحمام
أول كتاب اللباس
أول كتاب الترجل
أول كتاب الخاتم
أول كتاب الفتن والملاحم
أول كتاب المهدي
أول كتاب الملاحم
أول كتاب الحدود
أول كتاب الديات
أول كتاب السنة
تابع لكتاب السنة
أول كتاب الأدب
أبواب السلام
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن حجر
فتح الباري - هدي الساري مقدمة فتح الباري
فتح الباري - كتاب بدء الوحي
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب العلم
فتح الباري - كتاب الوضوء
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
فتح الباري - كتاب مواقيت الصلاة
فتح الباري - كتاب الأذان
فتح الباري - كتاب الجمعة
فتح الباري - كتاب الخوف
فتح الباري - كتاب العيدين
فتح الباري - كتاب الوتر
فتح الباري - كتاب الاستسقاء
فتح الباري - كتاب الكسوف
فتح الباري - كتاب سجود القرآن
فتح الباري - كتاب تقصير الصلاة
فتح الباري - كتاب التهجد
فتح الباري - كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة
فتح الباري - كتاب العمل في الصلاة
فتح الباري - كتاب السهو
فتح الباري - كتاب الجنائز
فتح الباري - كتاب الزكاة
فتح الباري - كتاب الحج
فتح الباري - كتاب العمرة
فتح الباري - كتاب المحصر
فتح الباري - كتاب جزاء الصيد
فتح الباري - كتاب فضائل المدينة
فتح الباري - كتاب الصوم
فتح الباري - كتاب صلاة التراويح
فتح الباري - كتاب فضل ليلة القدر
فتح الباري - كتاب الإعتكاف
فتح الباري - كتاب البيوع
فتح الباري - كتاب السلم
فتح الباري - كتاب الشفعة
فتح الباري - كتاب الإجارة
فتح الباري - كتاب الحرث والمزارعة
فتح الباري - كتاب المساقاة
فتح الباري - كتاب الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس
فتح الباري - كتاب الخصومات
فتح الباري - كتاب اللقطة
فتح الباري - كتاب المظالم
فتح الباري - كتاب الشركة
فتح الباري - كتاب الرهن
فتح الباري - كتاب العتق
فتح الباري - كتاب المكاتب
فتح الباري - كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها
فتح الباري - كتاب الشهادات
فتح الباري - كتاب الصلح
فتح الباري - كتاب الشروط
فتح الباري - كتاب الوصايا
فتح الباري - كتاب الجهاد و السير
فتح الباري - كتاب فرض الخمس
فتح الباري - كتاب الجزية و الموادعة
فتح الباري - كتاب بدء الخلق
فتح الباري - كتاب أحاديث الأنبياء
فتح الباري - كتاب المناقب
فتح الباري - كتاب فضائل الصحابة
فتح الباري - كتاب مناقب الأنصار
فتح الباري - كتاب المغازي
فتح الباري - كتاب التفسير
فتح الباري - كتاب فضائل القرآن
فتح الباري - كتاب النكاح
فتح الباري - كتاب الطلاق
فتح الباري - كتاب النفقات
فتح الباري - كتاب الأطعمة
فتح الباري - كتاب العقيقة
فتح الباري - كتاب الذبائح والصيد
فتح الباري - كتاب الأضاحي
فتح الباري - كتاب الأشربة
فتح الباري - كتاب المرضى
فتح الباري - كتاب الطب
فتح الباري - كتاب اللباس
فتح الباري - كتاب الأدب
فتح الباري - كتاب الإستئذان
فتح الباري - كتاب الدعوات
فتح الباري - كتاب الرقاق
فتح الباري - كتاب القدر
فتح الباري - كتاب الأيمان والنذور
فتح الباري - كتاب كفارات الأيمان
فتح الباري - كتاب الفرائض
فتح الباري - كتاب الحدود
فتح الباري - كتاب الديات
فتح الباري - كتاب استتابة المرتدين
فتح الباري - كتاب الإكراه
فتح الباري - كتاب الحيل
فتح الباري - كتاب التعبير
فتح الباري - كتاب الفتن
فتح الباري - كتاب الأحكام
فتح الباري - كتاب التمني
فتح الباري - كتاب أخبار الأحاد
فتح الباري - كتاب الإعتصام بالسنة
فتح الباري - كتاب التوحيد
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن رجب
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
مقدمة
خطبة الكتاب
كتاب الإيمان
كتاب العلم
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصوم
كتاب فضائل القرآن
كتاب الدعوات
كتاب المناسك
كتاب البيوع
كتاب الفرائض والوصايا
كتاب النكاح
كتاب العتق
كتاب القصاص
كتاب الديات
كتاب الحدود
كتاب الإمارة والقضاء
كتاب الجهاد
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأطعمة
كتاب اللباس
كتاب الطب والرقى
كتاب الرؤيا
كتاب الآداب
كتاب الرقاق
كتاب الفتن
كتاب صفة القيامة والجنة والنار
كتاب الفضائل والشمائل
كتاب المناقب

 
عودة لموقع هاني الطنبور
هاني الطنبور
الصفحة السابقة الصفحة التالية
 
 

 

المنهاج - القسامة

3157 - ذَكَرَ مُسْلِمٌ حَدِيثَ حُوَيِّصَة وَمُحَيِّصَة بِاخْتِلَافِ أَلْفَاظه وَطُرُقه ، حِين وَجَدَ مُحَيِّصَة اِبْن عَمّه عَبْد اللَّه بْن سَهْل قَتِيلًا بِخَيْبَر ، فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَوْلِيَائِهِ : ( تَحْلِفُونَ خَمْسِينَ يَمِينًا ، وَتَسْتَحِقُّونَ صَاحِبكُمْ أَوْ قَاتِلكُمْ ) ، وَفِي رِوَايَة : ( تَسْتَحِقُّونَ قَاتِلكُمْ أَوْ صَاحِبكُمْ ) . أَمَّا ( حُوَيِّصَة وَمُحَيِّصَة ) فَبِتَشْدِيدِ الْيَاء فِيهِمَا وَبِتَخْفِيفِهَا لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ ، وَقَدْ ذَكَرَهُمَا الْقَاضِي ، أَشْهَرهُمَا : التَّشْدِيد ، قَالَ الْقَاضِي : حَدِيث الْقَسَامَة أَصْل مِنْ أُصُول الشَّرْع ، وَقَاعِدَة مِنْ قَوَاعِد الْأَحْكَام ، وَرُكْن مِنْ أَرْكَان مَصَالِح الْعِبَاد ، وَبِهِ أَخَذَ الْعُلَمَاء كَافَّة مِنْ الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدهمْ مِنْ عُلَمَاء الْأَمْصَار الْحِجَازِيِّينَ وَالشَّامِيِّينَ وَالْكُوفِيِّينَ وَغَيْرهمْ - رَحِمَهُمْ اللَّه تَعَالَى - وَإِنْ اِخْتَلَفُوا فِي كَيْفِيَّة الْأَخْذ بِهِ ، وَرُوِيَ عَنْ جَمَاعَة إِبْطَال الْقَسَامَة ، وَأَنَّهُ لَا حُكْم لَهَا ، وَلَا عَمَل بِهَا ، وَمِمَّنْ قَالَ بِهَذَا سَالِم بْن عَبْد اللَّه وَسُلَيْمَان بْن يَسَار وَالْحَكَم بْن عُيَيْنَةَ وَقَتَادَة وَأَبُو قِلَابَةَ وَمُسْلِم بْن خَالِد وَابْن عُلَيَّةَ وَالْبُخَارِيّ وَغَيْرهمْ ، وَعَنْ عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز رِوَايَتَانِ كَالْمَذْهَبَيْنِ ، وَاخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِهَا فِيمَا إِذَا كَانَ الْقَتْل عَمْدًا هَلْ يَجِب الْقِصَاص بِهَا ؟ فَقَالَ مُعْظَم الْحِجَازِيِّينَ : يَجِب ، وَهُوَ قَوْل الزُّهْرِيّ وَرَبِيعَة وَأَبِي الزِّنَاد وَمَالِك وَأَصْحَابه وَاللَّيْث وَالْأَوْزَاعِيِّ وَأَحْمَد وَإِسْحَاق وَأَبِي ثَوْر وَدَاوُد ، وَهُوَ قَوْل الشَّافِعِيّ فِي الْقَدِيم . وَرُوِيَ عَنْ اِبْن الزُّبَيْر وَعُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز ، قَالَ أَبُو الزِّنَاد : قُلْنَا بِهَا وَأَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُتَوَافِرُونَ ، إِنِّي لَأَرَى أَنَّهُمْ أَلْف رَجُل ، فَمَا اِخْتَلَفَ مِنْهُمْ اِثْنَانِ ، وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ وَالشَّافِعِيّ - رَضِيَ اللَّه عَنْهُ - فِي أَصَحِّ قَوْلَيْهِ : لَا يَجِب بِهَا الْقِصَاص ، وَإِنَّمَا تَجِب الدِّيَة ، وَهُوَ مَرْوِيّ عَنْ الْحَسَن الْبَصْرِيّ وَالشَّعْبِيّ وَالنَّخَعِيِّ وَعُثْمَان اللَّيْثِيّ وَالْحَسَن بْن صَالِح ، وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ أَبِي بَكْر وَعُمَر وَابْن عَبَّاس وَمُعَاوِيَة - رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ - .
وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ يَحْلِف فِي الْقَسَامَة ؛ فَقَالَ مَالِك وَالشَّافِعِيّ وَالْجُمْهُور : يَحْلِف الْوَرَثَة ، وَيَجِب الْحَقّ بِحَلِفِهِمْ خَمْسِينَ يَمِينًا ، وَاحْتَجُّوا بِهَذَا الْحَدِيث الصَّحِيح ، وَفِيهِ : التَّصْرِيح بِالِابْتِدَاءِ بِيَمِينِ الْمُدَّعِي ، وَهُوَ ثَابِت مِنْ طُرُق كَثِيرَة صِحَاح لَا تَنْدَفِع . قَالَ مَالِك : الَّذِي أَجْمَعَتْ عَلَيْهِ الْأَئِمَّة قَدِيمًا وَحَدِيثًا أَنَّ الْمُدَّعِينَ يَبْدَءُونَ فِي الْقَسَامَة ، وَلِأَنَّ جَنَبَة الْمُدَّعِي صَارَتْ قَوِيَّة بِاللَّوْثِ قَالَ الْقَاضِي : وَضَعَّفَ هَؤُلَاءِ رِوَايَة مَنْ رَوَى الِابْتِدَاء بِيَمِينِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ ، قَالَ أَهْل الْحَدِيث : هَذِهِ الرِّوَايَة وَهْمٌ مِنْ الرَّاوِينَ ؛ لِأَنَّهُ أَسْقَطَ الِابْتِدَاء بِيَمِينِ الْمُدَّعِي وَلَمْ يَذْكُر رَدَّ الْيَمِين ، وَلِأَنَّ مَنْ رَوَى الِابْتِدَاء بِالْمُدَّعِينَ مَعَهُ زِيَادَة ، وَرِوَايَاتهَا صِحَاح مِنْ طُرُق كَثِيرَة مَشْهُورَة ، فَوَجَبَ الْعَمَل بِهَا وَلَا تُعَارِضهَا رِوَايَة مَنْ نَسِيَ وَقَالَ : كُلّ مَنْ لَمْ يُوجِب الْقِصَاص وَاقْتَصَرَ عَلَى الدِّيَة يَبْدَأ بِيَمِينِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ إِلَّا الشَّافِعِيّ وَأَحْمَد فَقَالَا بِقَوْلِ الْجُمْهُور أَنَّهُ يَبْدَأ بِيَمِينِ الْمُدَّعِي ، فَإِنْ نَكَلَ رُدَّتْ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ .
وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِب قِصَاص وَلَا دِيَة بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى ، حَتَّى تَقْتَرِن بِهَا شُبْهَة يَغْلِب الظَّنّ بِهَا .
وَاخْتَلَفُوا فِي هَذِهِ الشُّبْهَة الْمُعْتَبَرَة الْمُوجِبَة لِلْقَسَامَةِ وَلَهَا سَبْع صُوَر : الْأُولَى : أَنْ يَقُول الْمَقْتُول فِي حَيَاته : دَمِي عِنْد فُلَان ، وَهُوَ قَتَلَنِي أَوْ ضَرَبَنِي وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ أَثَر ، أَوْ فَعَلَ بِي هَذَا مِنْ إِنْفَاذ مَقَاتِلِي أَوْ جَرَحَنِي . وَيَذْكُر الْعَمْد فَهَذَا مُوجِب لِلْقَسَامَةِ عِنْد مَالِك وَاللَّيْث ، وَادَّعَى مَالِك - رَضِيَ اللَّه عَنْهُ - أَنَّهُ مِمَّا أَجْمَعَ عَلَيْهِ الْأَئِمَّة قَدِيمًا وَحَدِيثًا ، قَالَ الْقَاضِي : وَلَمْ يَقُلْ بِهَذَا مِنْ فُقَهَاء الْأَمْصَار غَيْرهمَا ، وَلَا رُوِيَ عَنْ غَيْرهمَا ، وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ الْعُلَمَاء كَافَّة فَلَمْ يَرَ أَحَد غَيْرهمَا فِي هَذَا قَسَامَة ، وَاشْتَرَطَ بَعْض الْمَالِكِيَّة وُجُود الْأَثَر وَالْجُرْح فِي كَوْنه قَسَامَة ، وَاحْتَجَّ مَالِك فِي ذَلِكَ بِقَضِيَّةِ بَنِي إِسْرَائِيل .
وَقَوْله تَعَالَى : { فَقُلْنَا اِضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّه الْمَوْتَى } قَالُوا : فَحَيِيَ الرَّجُل فَأَخْبَرَ بِقَاتِلِهِ ، وَاحْتَجَّ أَصْحَاب مَالِك أَيْضًا بِأَنَّ تِلْكَ حَالَة يَطْلُبهَا غَفَلَة النَّاس ، فَلَوْ شَرَطْنَا الشَّهَادَة وَأَبْطَلْنَا قَوْل الْمَجْرُوح أَدَّى ذَلِكَ إِلَى إِبْطَال الدِّمَاء غَالِبًا ، قَالُوا : وَلِأَنَّهَا حَالَة يَتَحَرَّى فِيهَا الْمَجْرُوح الصِّدْق وَيَتَجَنَّب الْكَذِب وَالْمَعَاصِي ، وَيَتَزَوَّد الْبِرَّ وَالتَّقْوَى ، فَوَجَبَ قَبُول قَوْله ، وَاخْتَلَفَ الْمَالِكِيَّة فِي أَنَّهُ هَلْ يُكْتَفَى فِي الشَّهَادَة عَلَى قَوْله بِشَاهِدٍ أَمْ لَا بُدّ مِنْ اِثْنَيْنِ .
الثَّانِيَة : اللَّوْث مِنْ غَيْر بَيِّنَة عَلَى مُعَايَنَة الْقَتْل ، وَبِهَذَا قَالَ مَالِك وَاللَّيْث وَالشَّافِعِيّ ، وَمِنْ اللَّوْث شَهَادَة الْعَدْل وَحْده ، وَكَذَا قَوْل جَمَاعَة لَيْسُوا عُدُولًا .
وَالثَّالِثَة : إِذَا شَهِدَ عَدْلَانِ بِالْجُرْحِ فَعَاشَ بَعْده أَيَّامًا ثُمَّ مَاتَ قَبْل أَنْ يُفِيق مِنْهُ ، قَالَ مَالِك وَاللَّيْث : هُوَ لَوْث ، وَقَالَ الشَّافِعِيّ وَأَبُو حَنِيفَة - رَضِيَ اللَّه عَنْهُ - : لَا قَسَامَة هُنَا بَلْ يَجِب الْقِصَاص بِشَهَادَةِ الْعَدْلَيْنِ .
الرَّابِعَة : يُوجَد الْمُتَّهَم عِنْد الْمَقْتُول أَوْ قَرِيبًا مِنْهُ أَوْ آتِيًا مِنْ جِهَته ، وَمَعَهُ آلَة الْقَتْل ، وَعَلَيْهِ أَثَره مِنْ لَطْخ دَم غَيْره ، وَلَيْسَ هُنَاكَ سَبُع وَلَا غَيْره مِمَّا يُمْكِن إِحَالَة الْقَتْل عَلَيْهِ ، أَوْ تَفَرَّقَ جَمَاعَة عَنْ قَتِيل ، فَهَذَا لَوْث مُوجِب لِلْقَسَامَةِ عِنْد مَالِك وَالشَّافِعِيّ .
الْخَامِسَة : أَنْ يَقْتَتِل طَائِفَتَانِ فَيُوجَد بَيْنهمَا قَتِيل ؛ فَفِيهِ الْقَسَامَة عِنْد مَالِك وَالشَّافِعِيّ وَأَحْمَد وَإِسْحَاق ، وَعَنْ مَالِك رِوَايَة : لَا قَسَامَة ؛ بَلْ فِيهِ دِيَة عَلَى الطَّائِفَة الْأُخْرَى إِنْ كَانَ مِنْ أَحَد الطَّائِفَتَيْنِ ، وَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرهمَا فَعَلَى الطَّائِفَتَيْنِ دِيَته . السَّادِسَة : يُوجَد الْمَيِّت فِي زَحْمَة النَّاس ، قَالَ الشَّافِعِيّ : تَثْبُت فِيهِ الْقَسَامَة ، وَتَجِب بِهَا الدِّيَة ، وَقَالَ مَالِك : هُوَ هَدَر ، وَقَالَ الثَّوْرِيّ وَإِسْحَاق : تَجِب دِيَة فِي بَيْت الْمَال ، وَرُوِيَ مِثْله عَنْ عُمَر وَعَلِيّ .
وَالسَّابِعَة : أَنْ يُوجَد فِي مَحَلَّة قَوْم أَوْ قَبِيلَتهمْ أَوْ مَسْجِدهمْ ، فَقَالَ مَالِك وَاللَّيْث وَالشَّافِعِيّ وَأَحْمَد وَدَاوُد وَغَيْرهمْ : لَا يَثْبُت بِمُجَرَّدِ هَذَا قَسَامَة ، بَلْ الْقَتْل هَدَر ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَقْتُلُ الرَّجُلُ الرَّجُلَ وَيُلْقِيه فِي مَحَلَّة طَائِفَة لِيُنْسَب إِلَيْهِمْ ، قَالَ الشَّافِعِيّ : إِلَّا أَنْ يَكُون فِي مَحَلَّة أَعْدَائِهِ لَا يُخَالِطهُمْ غَيْرهمْ ، فَيَكُون كَالْقِصَّةِ الَّتِي جَرَتْ بِخَيْبَر ، فَحَكَمَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْقَسَامَةِ لِوَرَثَةِ الْقَتِيل ، لِمَا كَانَ بَيْن الْأَنْصَار وَبَيْن الْيَهُود مِنْ الْعَدَاوَة ، وَلَمْ يَكُنْ هُنَاكَ سِوَاهُمْ ، وَعَنْ أَحْمَد نَحْو قَوْل الشَّافِعِيّ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة وَالثَّوْرِيُّ وَمُعْظَم الْكُوفِيِّينَ : وُجُود الْقَتِيل فِي الْمَحَلَّة وَالْقَرْيَة يُوجِب الْقَسَامَة ، وَلَا تَثْبُت الْقَسَامَة عِنْدهمْ فِي شَيْء مِنْ الصُّوَر السَّبْع السَّابِقَة إِلَّا هُنَا لِأَنَّهَا عِنْدهمْ هِيَ الصُّورَة الَّتِي حَكَمَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهَا بِالْقَسَامَةِ ، وَلَا قَسَامَة عِنْدهمْ إِلَّا إِذَا وُجِدَ الْقَتِيل وَبِهِ أَثَر ، قَالُوا : فَإِنْ وُجِدَ الْقَتِيل فِي الْمَسْجِد حَلَفَ أَهْل الْمَحَلَّة ، وَوَجَبَتْ الدِّيَة فِي بَيْت الْمَال ، وَذَلِكَ إِذَا اِدَّعَوْا عَلَى أَهْل الْمَحَلَّة ، وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : وُجُود آخِر الْقَتِيل فِي الْمَحَلَّة يُوجِب الْقَسَامَة وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَثَر ، وَنَحْوه عَنْ دَاوُدَ ، هَذَا كَلَام الْقَاضِي ، وَاللَّهُ أَعْلَم .
قَوْله : ( فَذَهَبَ عَبْد الرَّحْمَن يَتَكَلَّم قَبْل صَاحِبه فَقَالَ لَهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : كَبِّرْ الْكُبْر فِي السِّنّ فَصَمَتَ وَتَكَلَّمَ صَاحِبَاهُ وَتَكَلَّمَ مَعَهُمَا ) مَعْنَى هَذَا : أَنَّ الْمَقْتُول هُوَ عَبْد اللَّه وَلَهُ أَخ اِسْمه عَبْد الرَّحْمَن وَلَهُمَا اِبْنًا عَمّ ، وَهُمَا مُحَيِّصَة وَحُوَيِّصَة ، وَهُمَا أَكْبَر سِنًّا مِنْ عَبْد الرَّحْمَن ، فَلَمَّا أَرَادَ عَبْد الرَّحْمَن أَخُو الْقَتِيل أَنْ يَتَكَلَّم ، قَالَ لَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " كَبِّرْ " أَيْ يَتَكَلَّم أَكْبَر مِنْك .
وَاعْلَمْ أَنَّ حَقِيقَة الدَّعْوَى إِنَّمَا هِيَ لِأَخِيهِ عَبْد الرَّحْمَن لَا حَقَّ فِيهَا لِابْنَيْ عَمّه ، وَإِنَّمَا أَمَرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَتَكَلَّم الْأَكْبَر ، وَهُوَ حُوَيِّصَة ، لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ الْمُرَاد بِكَلَامِهِ حَقِيقَة الدَّعْوَى ؛ بَلْ سَمَاع صُورَة الْقِصَّة ، وَكَيْف جَرَتْ ، فَإِذَا أَرَادَ حَقِيقَة الدَّعْوَى تَكَلَّمَ صَاحِبهَا ، وَيَحْتَمِل أَنَّ عَبْد الرَّحْمَن وَكَّلَ حُوَيِّصَة فِي الدَّعْوَى وَمُسَاعَدَته ، أَوْ أَمَرَ بِتَوْكِيلِهِ ، وَفِي هَذَا فَضِيلَة السِّنّ عِنْد التَّسَاوِي فِي الْفَضَائِل ، وَلِهَذَا نَظَائِر فَإِنَّهُ يُقَدَّم بِهَا فِي الْإِمَامَة وَفِي وِلَايَة النِّكَاح نَدْبًا وَغَيْر ذَلِكَ . وَقَوْله ( الْكُبْر فِي السِّنّ ) مَعْنَاهُ يُرِيد الْكُبْر فِي السِّنّ ، وَالْكُبْر مَنْصُوب بِإِضْمَارِ يُرِيد وَنَحْوهَا . وَفِي بَعْض النُّسَخ ( لِلْكُبْرِ ) بِاللَّامِ ، وَهُوَ صَحِيح .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَتَحْلِفُونَ خَمْسِينَ يَمِينًا فَتَسْتَحِقُّونَ صَاحِبكُمْ أَوْ قَاتِلكُمْ )
قَدْ يُقَال كَيْف عُرِضَتْ الْيَمِين عَلَى الثَّلَاثَة ، وَإِنَّمَا يَكُون الْيَمِين لِلْوَارِثِ خَاصَّة وَالْوَارِث عَبْد الرَّحْمَن خَاصَّة ، وَهُوَ أَخُو الْقَتِيل ، وَأَمَّا الْآخَرَانِ فَابْنَا عَمٍّ لَا مِيرَاث لَهُمَا مَعَ الْأَخ ؟ وَالْجَوَاب أَنَّهُ كَانَ مَعْلُومًا عِنْدهمْ أَنَّ الْيَمِين تَخْتَصّ بِالْوَارِثِ ، فَأَطْلَقَ الْخِطَاب لَهُمْ ، وَالْمُرَاد مَنْ تَخْتَصّ بِهِ الْيَمِين ،
وَاحْتَمَلَ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ مَعْلُومًا لِلْمُخَاطِبِينَ كَمَا سَمِعَ كَلَام الْجَمِيع فِي صُورَة قَتْله ، وَكَيْفِيَّة مَا جَرَى لَهُ ، وَإِنْ كَانَتْ حَقِيقَة الدَّعْوَى وَقْت الْحَاجَة مُخْتَصَّة بِالْوَارِثِ . وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَتَسْتَحِقُّونَ قَاتِلكُمْ أَوْ صَابِحكُمْ ) فَمَعْنَاهُ : يَثْبُت حَقّكُمْ عَلَى مَنْ حَلَفْتُمْ عَلَيْهِ ، وَهَلْ ذَلِكَ الْحَقّ قِصَاص أَوْ دِيَة ؟ فِيهِ الْخِلَاف السَّابِق بَيْن الْعُلَمَاء .
وَاعْلَمْ أَنَّهُمْ إِنَّمَا يَجُوز لَهُمْ الْحَلِف إِذَا عَلِمُوا أَوْ ظَنُّوا ذَلِكَ ، وَإِنَّمَا عَرَضَ عَلَيْهِمْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْيَمِين إِنْ وَجَدَ فِيهِمْ هَذَا الشَّرْط ، وَلَيْسَ الْمُرَاد الْإِذْن لَهُمْ فِي الْحَلِف مِنْ غَيْر ظَنّ ، وَلِهَذَا قَالُوا : كَيْف نَحْلِف وَلَمْ نَشْهَد ؟ .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَتُبْرِئكُمْ يَهُود بِخَمْسِينَ يَمِينًا )
أَيْ تَبْرَأ إِلَيْكُمْ مِنْ دَعْوَاكُمْ بِخَمْسِينَ يَمِينًا ، وَقِيلَ : مَعْنَاهُ يُخَلِّصُونَكُمْ مِنْ الْيَمِين بِأَنْ يَحْلِفُوا ، فَإِذَا حَلَفُوا اِنْتَهَتْ الْخُصُومَة ، وَلَمْ يَثْبُت عَلَيْهِمْ شَيْء ، وَخَلَصْتُمْ أَنْتُمْ مِنْ الْيَمِين . وَفِي هَذَا دَلِيل لِصِحَّةِ يَمِين الْكَافِر وَالْفَاسِق ، ( يَهُود ) مَرْفُوع غَيْر مُنَوَّن لَا يَنْصَرِف ؛ لِأَنَّهُ اِسْم الْقَبِيلَة وَالطَّائِفَة ، فَفِيهِ التَّأْنِيث وَالْعَلَمِيَّة .
قَوْله : ( أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْطَى عَقْله )
أَيْ : دِيَته ، وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى : ( فَوَدَاهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ قِبَله ) وَفِي رِوَايَة : ( مِنْ عِنْده ) . فَقَوْله : ( وَدَاهُ ) بِتَخْفِيفِ الدَّال ، أَيْ : دَفَعَ دِيَته ، وَفِي رِوَايَة : ( فَكَرِهَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُبْطِل دَمَهُ فَوَدَاهُ مِائَة مِنْ إِبِل الصَّدَقَة ) إِنَّمَا وَدَاهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَطْعًا لِلنِّزَاعِ ، وَإِصْلَاحًا لِذَاتِ الْبَيْن ، فَإِنَّ أَهْل الْقَتِيل لَا يَسْتَحِقُّونَ إِلَّا أَنْ يَحْلِفُوا أَوْ يَسْتَحْلِفُوا الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ ، وَقَدْ اِمْتَنَعُوا مِنْ الْأَمْرَيْنِ ، وَهُمْ مَكْسُورُونَ بِقَتْلِ صَاحِبهمْ ، فَأَرَادَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَبْرهمْ وَقَطَعَ الْمُنَازَعَة وَإِصْلَاح ذَات الْبَيْن بِدَفْعِ دِيَته مِنْ عِنْده ، وَقَوْله : فَوَدَاهُ مِنْ عِنْده ) يَحْتَمِل أَنْ يَكُون مِنْ خَالِص مَاله فِي بَعْض الْأَحْوَال صَادَفَ ذَلِكَ عِنْده ، وَيَحْتَمِل أَنَّهُ مِنْ مَال بَيْت الْمَال وَمَصَالِح الْمُسْلِمِينَ .
وَأَمَّا قَوْله فِي الرِّوَايَة الْأَخِيرَة : ( مِنْ إِبِل الصَّدَقَة ) ، فَقَدْ قَالَ بَعْض الْعُلَمَاء : إِنَّهَا غَلَط مِنْ الرُّوَاة ؛ لِأَنَّ الصَّدَقَة الْمَفْرُوضَة لَا تُصْرَفُ هَذَا الْمَصْرِف ، بَلْ هِيَ لِأَصْنَافٍ سَمَّاهُمْ اللَّه تَعَالَى ، وَقَالَ الْإِمَام أَبُو إِسْحَاق الْمَرْوَزِيُّ مِنْ أَصْحَابنَا : يَجُوز صَرْفهَا مِنْ إِبِل الزَّكَاة لِهَذَا الْحَدِيث ، فَأَخَذَ بِظَاهِرِهِ . وَقَالَ جُمْهُور أَصْحَابنَا وَغَيْرهمْ : مَعْنَاهُ اِشْتَرَاهُ مِنْ أَهْل الصَّدَقَات بَعْد أَنْ مَلِكُوهَا ثُمَّ دَفَعَهَا تَبَرُّعًا إِلَى أَهْل الْقَتِيل ، وَحَكَى الْقَاضِي عَنْ بَعْض الْعُلَمَاء أَنَّهُ يَجُوز صَرْف الزَّكَاة فِي مَصَالِح الْعَامَّة ، وَتَأَوَّلَ هَذَا الْحَدِيث عَلَيْهِ ، وَتَأَوَّلَهُ بَعْضهمْ عَلَى أَنَّ أَوْلِيَاء الْقَتِيل كَانُوا مُحْتَاجِينَ مِمَّنْ تُبَاح لَهُمْ الزَّكَاة ، وَهَذَا تَأْوِيل بَاطِل ؛ لِأَنَّ هَذَا قَدْر كَثِير لَا يُدْفَع إِلَى الْوَاحِد الْحَامِل مِنْ الزَّكَاة بِخِلَافِ أَشْرَاف الْقَبَائِل ، وَلِأَنَّهُ سَمَّاهُ دِيَة ، وَتَأَوَّلَهُ بَعْضهمْ عَلَى أَنَّهُ دَفَعَهُ مِنْ سَهْم الْمُؤَلَّفَة مِنْ الزَّكَاة اِسْتِئْلَافًا لِلْيَهُودِ ، لَعَلَّهُمْ يُسْلِمُونَ ، وَهَذَا ضَعِيف ؛ لِأَنَّ الزَّكَاة لَا يَجُوز صَرْفهَا إِلَى كَافِر ، فَالْمُخْتَار مَا حَكَيْنَاهُ عَنْ الْجُمْهُور أَنَّهُ اِشْتَرَاهَا مِنْ إِبِل الصَّدَقَة .
وَفِي هَذَا الْحَدِيث : أَنَّهُ يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ مُرَاعَاة الْمَصَالِح الْعَامَّة ، وَالِاهْتِمَام بِإِصْلَاحِ ذَات الْبَيْن .
وَفِيهِ : إِثْبَات الْقَسَامَة . وَفِيهِ : الِابْتِدَاء بِيَمِينِ الْمُدَّعِي فِي الْقَسَامَة . وَفِيهِ : رَدُّ الْيَمِين عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إِذَا نَكَلَ الْمُدَّعِي فِي الْقَسَامَة . وَفِيهِ جَوَاز الْحُكْم عَلَى الْغَائِب ، وَسَمَاع الدَّعْوَى فِي الدِّمَاء مِنْ غَيْر حُضُور الْخَصْم . وَفِيهِ : جَوَاز الْيَمِين بِالظَّنِّ وَإِنْ لَمْ يَتَيَقَّن ، وَفِيهِ : أَنَّ الْحُكْم بَيْن الْمُسْلِم وَالْكَافِر يَكُون بِحُكْمِ الْإِسْلَام .


3158 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( يُقْسِم خَمْسُونَ مِنْكُمْ عَلَى رَجُل مِنْهُمْ )
هَذَا مِمَّا يَجِب تَأْوِيله ؛ لِأَنَّ الْيَمِين إِنَّمَا تَكُون عَلَى الْوَارِث خَاصَّة لَا عَلَى غَيْره مِنْ الْقَبِيلَة ، وَتَأْوِيله عِنْد أَصْحَابنَا أَنَّ مَعْنَاهُ : يُؤْخَذ مِنْكُمْ خَمْسُونَ يَمِينًا ، وَالْحَالِف هُمْ الْوَرَثَة ، فَلَا يَحْلِف أَحَد مِنْ الْأَقَارِب غَيْر الْوَرَثَة ، يَحْلِف كُلّ الْوَرَثَة ذُكُورًا كَانُوا أَوْ إِنَاثًا ، سَوَاء كَانَ الْقَتْل عَمْدًا أَوْ خَطَأ ، هَذَا مَذْهَب الشَّافِعِيّ ، وَبِهِ قَالَ أَبُو ثَوْر وَابْن الْمُنْذِر ، وَوَافَقْنَا مَالِك فِيمَا إِذَا كَانَ الْقَتْل خَطَأ . وَأَمَّا فِي الْعَمْد فَقَالَ : يَحْلِف الْأَقَارِب خَمْسِينَ يَمِينًا ، وَلَا تَحْلِف النِّسَاء وَلَا الصِّبْيَان ، وَوَافَقَهُ رَبِيعَة وَاللَّيْث وَالْأَوْزَاعِيُّ وَأَحْمَد وَدَاوُد وَأَهْل الظَّاهِر ، وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيّ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( تَحْلِفُونَ خَمْسِينَ يَمِينًا فَتَسْتَحِقُّونَ صَاحِبكُمْ ) فَجَعَلَ الْحَالِف هُوَ الْمُسْتَحِقّ لِلدِّيَةِ ، وَالْقِصَاص ، وَمَعْلُوم أَنَّ غَيْر الْوَارِث لَا يَسْتَحِقّ شَيْئًا ، فَدَلَّ أَنَّ الْمُرَاد عَلَى الْحَلِف مَنْ يَسْتَحِقّ الدِّيَة .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( يُقْسِم خَمْسُونَ مِنْكُمْ عَلَى رَجُل مِنْهُمْ فَيُدْفَع بِرُمَّتِهِ )
الرُّمَّة بِضَمِّ الرَّاء : الْحَبْل ، وَالْمُرَاد هُنَا الْحَبْل الَّذِي يُرْبَط فِي رَقَبَة الْقَاتِل ، وَيُسَلَّم فِيهِ إِلَى وَلِيّ الْقَتِيل ، وَفِي هَذَا دَلِيل لِمَنْ قَالَ : إِنَّ الْقَسَامَة يَثْبُت فِيهَا الْقِصَاص ، وَقَدْ سَبَقَ بَيَان مَذْهَب الْعُلَمَاء فِيهِ ، وَتَأَوَّلَهُ الْقَائِلُونَ : لَا قِصَاص بِأَنَّ الْمُرَاد أَنْ يُسَلَّم لِيُسْتَوْفَى مِنْهُ الدِّيَة ؛ لِكَوْنِهَا ثَبَتَتْ عَلَيْهِ . وَفِيهِ أَنَّ الْقَسَامَة إِنَّمَا تَكُون عَلَى وَاحِد ، وَبِهِ قَالَ مَالِك وَأَحْمَد ، وَقَالَ أَشْهَب وَغَيْره : يَحْلِف الْأَوْلِيَاء عَلَى مَا شَاءُوا وَلَا يَقْتُلُوا إِلَّا وَاحِدًا . وَقَالَ الشَّافِعِيّ - رَضِيَ اللَّه عَنْهُ - : إِنْ اِدَّعَوْا عَلَى جَمَاعَة حَلَفُوا عَلَيْهِمْ ، وَثَبَتَتْ عَلَيْهِمْ الدِّيَة عَلَى الصَّحِيح عِنْد الشَّافِعِيّ ، وَعَلَى قَوْل أَنَّهُ يَجِب الْقِصَاص عَلَيْهِمْ ، وَإِنْ حَلَفُوا عَلَى وَاحِد اِسْتَحَقُّوا عَلَيْهِ وَحْده .
قَوْله : ( فَدَخَلْت مِرْبَدًا لَهُمْ يَوْمًا فَرَكَضَتْنِي نَاقَة مِنْ تِلْكَ الْإِبِل رَكْضَة بِرِجْلِهَا )
الْمِرْبَد بِكَسْرِ الْمِيم وَفَتْح الْبَاء ، هُوَ : الْمَوْضِع الَّذِي يَجْتَمِع فِيهِ الْإِبِل وَتَحْبِس ، وَالرَّبْد : الْحَبْس ، وَمَعْنَى رَكَضَتْنِي : رَفَسَتْنِي ، وَأَرَادَ بِهَذَا الْكَلَام أَنَّهُ ضَبَطَ الْحَدِيث وَحَفِظَهُ حِفْظًا بَلِيغًا .


3159 - قَوْله : ( فَوُجِدَ فِي شَرَبَة )
بِفَتْحِ الشِّين الْمُعْجَمَة وَالرَّاء ، وَهُوَ حَوْض يَكُون فِي أَصْل النَّخْلَة ، وَجَمْعه شَرَب كَثَمَرَةٍ وَثَمَر .
قَوْله : ( لَقَدْ رَكَضَتْنِي فَرِيضَة مِنْ تِلْكَ الْفَرَائِض )
الْمُرَاد بِالْفَرِيضَةِ هُنَا : النَّاقَة مِنْ تِلْكَ النُّوق الْمَفْرُوضَة فِي الدِّيَة ، وَتُسَمَّى الْمَدْفُوعَة فِي الزَّكَاة أَوْ فِي الدِّيَة فَرِيضَة ؛ لِأَنَّهَا مَفْرُوضَة أَيْ مُقَدَّرَة بِالسِّنِّ وَالْعَدَد ، وَأَمَّا قَوْل الْمَازِرِيّ : إِنَّ الْمُرَاد بِالْفَرِيضَةِ هُنَا النَّاقَة الْهَرِمَة ، فَقَدْ غَلِطَ فِيهِ . وَاللَّهُ أَعْلَم .
قَوْله : ( فَكَرِهَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُبْطِل دَمه فَوَدَاهُ مِائَة مِنْ إِبِل الصَّدَقَة )
هَذَا آخِر الْفَوَات الَّذِي لَمْ يَسْمَعهُ إِبْرَاهِيم بْن سُفْيَان مِنْ مُسْلِم ، وَقَدْ قَدَّمْنَا بَيَان أَوَّله ، وَقَوْله عَقِيب هَذَا : ( حَدَّثَنِي إِسْحَاق بْن مَنْصُور قَالَ : أَخْبَرَنَا بِشْر بْن عُمَر قَالَ : سَمِعْت مَالِك بْن أَنَس يَقُول : حَدَّثَنِي أَبُو لَيْلَى ) هُوَ أَوَّل سَمَاع إِبْرَاهِيم بْن سُفْيَان مِنْ مُسْلِم مِنْ هَذَا الْمَوْضِع ، هَكَذَا هُوَ فِي مُعْظَم النُّسَخ ، فِي نُسْخَة الْحَافِظ اِبْن عَسَاكِر أَنَّ آخِر الْفَوَات آخَر حَدِيث إِسْحَاق بْن مَنْصُور هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ ، وَأَوَّل السَّمَاع قَوْله عَقِبَهُ : حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِر وَحَرْمَلَة بْنُ يَحْيَى ، وَالْأَوَّل أَصَحُّ .


3160 - قَوْله : ( وَطُرِحَ فِي عَيْن أَوْ فَقِير )
الْفَقِير هُنَا عَلَى لَفْظ الْفَقِير فِي الْآدَمِيِّينَ ، وَالْفَقِير هُنَا الْبِئْر الْقَرِيبَة الْقَعْر ، الْوَاسِعَة الْفَم ، وَقِيلَ : هُوَ الْحَفِيرَة الَّتِي تَكُون حَوْل النَّخْل .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِمَّا أَنْ يَدُوا صَاحِبكُمْ وَإِمَّا أَنْ يُؤْذَنُوا بِحَرْبٍ )
مَعْنَاهُ : إِنْ ثَبَتَ الْقَتْل عَلَيْهِمْ بِقَسَامَتِكُمْ ، فَإِمَّا أَنْ يَدُوا صَاحِبكُمْ أَيْ يَدْفَعُوا إِلَيْكُمْ دِيَته ، وَإِمَّا أَنْ يُعْلِمُونَا أَنَّهُمْ مُمْتَنِعُونَ مِنْ اِلْتِزَام أَحْكَامنَا فَيُنْتَقَض عَهْدهمْ ، وَيَصِيرُونَ حَرْبًا لَنَا .
وَفِيهِ : دَلِيل لِمَنْ يَقُول الْوَاجِب بِالْقَسَامَةِ الدِّيَة دُون الْقِصَاص .
قَوْله : ( خَرَجَا إِلَى خَيْبَر مِنْ جَهْد أَصَابَهُمْ )
هُوَ بِفَتْحِ الْجِيم ، وَهُوَ الشِّدَّةُ وَالْمَشَقَّةُ . وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .


فِيهِ : حَدِيث الْعُرَنِيِّينَ أَنَّهُمْ قَدِمُوا الْمَدِينَة وَأَسْلَمُوا وَاسْتَوْخَمُوهَا وَسَقِمَتْ أَجْسَامهمْ ، فَأَمَرَهُمْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْخُرُوجِ إِلَى إِبِل الصَّدَقَة ، فَخَرَجُوا فَصَحُّوا ، فَقَتَلُوا الرَّاعِي وَارْتَدُّوا عَنْ الْإِسْلَام وَسَاقُوا الذَّوْد ، فَبَعَثَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي آثَارهمْ ، فَقَطَعَ أَيْدِيهمْ وَأَرْجُلهمْ ، وَسَمَلَ أَعْيُنهمْ ، وَتَرَكَهُمْ فِي الْحَرَّة يَسْتَسْقُونَ فَلَا يُسْقَوْنَ ، حَتَّى مَاتُوا ، هَذَا الْحَدِيث أَصْل فِي عُقُوبَة الْمُحَارِبِينَ ، وَهُوَ مُوَافِق لِقَوْلِ اللَّه تَعَالَى : { إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّه وَرَسُوله وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْض فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّع أَيْدِيهمْ وَأَرْجُلهمْ مِنْ خِلَاف أَوْ يُنْفَوْا مِنْ الْأَرْض } .
وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي الْمُرَاد بِهَذِهِ الْآيَة الْكَرِيمَة ، فَقَالَ مَالِك : هِيَ عَلَى التَّخْيِير ، فَيُخَيَّر الْإِمَام بَيْن هَذِهِ الْأُمُور ، إِلَّا أَنْ يَكُون الْمُحَارِب قَدْ قَتَلَ فَيَتَحَتَّم قَتْله ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة وَأَبُو مُصْعَب الْمَالِكِيّ : الْإِمَام بِالْخِيَارِ وَإِنْ قَتَلُوا . وَقَالَ الشَّافِعِيّ وَآخَرُونَ : هِيَ عَلَى التَّقْسِيم ، فَإِنْ قَتَلُوا وَلَمْ يَأْخُذُوا الْمَال قُتِلُوا ، وَإِنْ قَتَلُوا وَأَخَذُوا الْمَال قُتِلُوا وَصُلِبُوا ، فَإِنْ أَخَذُوا الْمَال وَلَمْ يَقْتُلُوا قُطِعَتْ أَيْدِيهمْ وَأَرْجُلهمْ مِنْ خِلَاف ، فَإِنْ أَخَافُوا السَّبِيل وَلَمْ يَأْخُذُوا شَيْئًا وَلَمْ يَقْتُلُوا ، طُلِبُوا حَتَّى يُعَزَّرُوا ، وَهُوَ الْمُرَاد بِالنَّفْيِ عِنْدنَا ، قَالَ أَصْحَابنَا : لِأَنَّ ضَرَر هَذِهِ الْأَفْعَال مُخْتَلِف ، فَكَانَتْ عُقُوبَاتهَا مُخْتَلِفَة ، وَلَمْ تَكُنْ لِلتَّخْيِيرِ ، وَتَثْبُت أَحْكَام الْمُحَارَبَة فِي الصَّحْرَاء ، وَهَلْ تَثْبُت فِي الْأَمْصَار ؟ فِيهِ خِلَاف ، قَالَ أَبُو حَنِيفَة : لَا تَثْبُت ، وَقَالَ مَالِك وَالشَّافِعِيّ : تَثْبُت ، قَالَ الْقَاضِي عِيَاض - رَضِيَ اللَّه عَنْهُ - : وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي مَعْنَى حَدِيث الْعُرَنِيِّينَ هَذَا ، فَقَالَ بَعْض السَّلَف : كَانَ هَذَا قَبْل نُزُول الْحُدُود وَآيَة الْمُحَارَبَة وَالنَّهْي عَنْ الْمُثْلَة فَهُوَ مَنْسُوخ ، وَقِيلَ : لَيْسَ مَنْسُوخًا ، وَفِيهِمْ نَزَلَتْ آيَة الْمُحَارَبَة وَإِنَّمَا فَعَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهِمْ مَا فَعَلَ قِصَاصًا ؛ لِأَنَّهُمْ فَعَلُوا بِالرُّعَاةِ مِثْل ذَلِكَ ، وَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِم فِي بَعْض طُرُقه ، وَرَوَاهُ اِبْن إِسْحَاق وَمُوسَى بْن عُقْبَة وَأَهْل السِّيَر وَالتِّرْمِذِيّ ، وَقَالَ بَعْضهمْ : النَّهْي عَنْ الْمُثْلَة نَهْي تَنْزِيه لَيْسَ بِحَرَامٍ .
وَأَمَّا قَوْله : ( يَسْتَسْقُونَ فَلَا يُسْقَوْنَ ) فَلَيْسَ فِيهِ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِذَلِكَ ، وَلَا نَهَى عَنْ سَقْيهمْ . قَالَ الْقَاضِي : وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَتْل فَاسْتَسْقَى لَا يُمْنَع الْمَاء قَصْدًا فَيُجْمَع عَلَيْهِ عَذَابَانِ ، قُلْت : قَدْ ذُكِرَ فِي هَذَا الْحَدِيث الصَّحِيح أَنَّهُمْ قَتَلُوا الرُّعَاة ، وَارْتَدُّوا عَنْ الْإِسْلَام ، وَحِينَئِذٍ لَا يَبْقَى لَهُمْ حُرْمَة فِي سَقْي الْمَاء وَلَا غَيْره ، وَقَدْ قَالَ أَصْحَابنَا : لَا يَجُوز لِمَنْ مَعَهُ مِنْ الْمَاء مَا يَحْتَاج إِلَيْهِ لِلطَّهَارَةِ أَنْ يَسْقِيَهُ لِمُرْتَدٍّ يَخَاف الْمَوْت مِنْ الْعَطَش ، وَيَتَيَمَّم ، وَلَوْ كَانَ ذَمِيمًا أَوْ بَهِيمَة وَجَبَ سَقْيه ، وَلَمْ يَجُزْ الْوُضُوء بِهِ حِينَئِذٍ . وَاللَّهُ أَعْلَم .


3162 - قَوْله : ( أَنَّ نَاسًا مِنْ عُرَيْنَة )
هِيَ بِضَمِّ الْعَيْن الْمُهْمَلَة وَفَتْح الرَّاء وَآخِرهَا نُون ثُمَّ هَاء وَهِيَ قَبِيلَة مَعْرُوفَة .
قَوْله : ( قَدِمُوا الْمَدِينَة فَاجْتَوَوْهَا )
هِيَ بِالْجِيمِ وَالْمُثَنَّاة فَوْق ، وَمَعْنَاهُ : اِسْتَوْخَمُوهَا كَمَا فَسَّرَهُ فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى أَيْ : لَمْ تُوَافِقهُمْ ، وَكَرِهُوهَا لِسَقَمٍ أَصَابَهُمْ ، قَالُوا : وَهُوَ مُشْتَقّ مِنْ الْجَوَى ، وَهُوَ دَاء فِي الْجَوْف .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنْ شِئْتُمْ أَنْ تَخْرُجُوا إِلَى إِبِل الصَّدَقَة فَتَشْرَبُوا مِنْ أَلْبَانهَا وَأَبْوَالهَا فَافْعَلُوا فَصَحُّوا )
فِي هَذَا الْحَدِيث : أَنَّهَا إِبِل الصَّدَقَة ، وَفِي غَيْر مُسْلِم : أَنَّهَا لِقَاح النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَكِلَاهُمَا صَحِيح ، فَكَانَ بَعْض الْإِبِل لِلصَّدَقَةِ ، وَبَعْضهَا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَاسْتَدَلَّ أَصْحَاب مَالِك وَأَحْمَد بِهَذَا الْحَدِيث أَنَّ بَوْل مَا يُؤْكَل لَحْمه وَرَوْثه طَاهِرَانِ ، وَأَجَابَ أَصْحَابنَا وَغَيْرهمْ مِنْ الْقَائِلِينَ بِنَجَاسَتِهِمَا بِأَنَّ شُرْبهمْ الْأَبْوَال كَانَ لِلتَّدَاوِي ، وَهُوَ جَائِز بِكُلِّ النَّجَاسَات سِوَى الْخَمْر وَالْمُسْكِرَات ، فَإِنْ قِيلَ : كَيْف أَذِنَ لَهُمْ فِي شُرْب لَبَن الصَّدَقَة ؟ فَالْجَوَاب : أَنَّ أَلْبَانهَا لِلْمُحْتَاجِينَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَهَؤُلَاءِ إِذْ ذَاكَ مِنْهُمْ .
قَوْله : ( ثُمَّ مَالُوا عَلَى الرُّعَاة فَقَتَلُوهُمْ )
وَفِي بَعْض الْأُصُول الْمُعْتَمَدَة ( الرِّعَاء ) وَهُمَا لُغَتَانِ ، يُقَال رَاعٍ وَرُعَاة كَقَاضٍ وَقُضَاة ، وَرَاعٍ وَرِعَاء بِكَسْرِ الرَّاء وَبِالْمَدِّ ، مِثْل : صَاحِب وَصِحَاب .
قَوْله : ( وَسَمَلَ أَعْيُنهمْ )
هَكَذَا هُوَ فِي مُعْظَم النُّسَخ ( سَمَلَ ) بِاللَّامِ ، وَفِي بَعْضهَا ( سَمَرَ ) بِالرَّاءِ وَالْمِيم مُخَفَّفَة ، وَضَبَطْنَاهُ فِي بَعْض الْمَوَاضِع فِي الْبُخَارِيّ ( سَمَّرَ ) بِتَشْدِيدِ الْمِيم ، وَمَعْنَى سَمَلَ بِاللَّامِ نَقَّاهَا وَأَذْهَب مَا فِيهَا ، وَمَعْنَى سَمَّرَ بِالرَّاءِ : كَحَّلَهَا بِمَسَامِير مَحْمِيَّة ، وَقِيلَ : هُمَا بِمَعْنًى .


3163 - قَوْله : ( لَهُمْ بِلِقَاحٍ )
هِيَ جَمْع لِقْحَة بِكَسْرِ اللَّام وَفَتْحهَا ، وَهِيَ : النَّاقَة ذَات الدُّرّ .
قَوْله : ( وَلَمْ يَحْسِمهُمْ )
أَيْ وَلَمْ يَكْوِهِمْ ، وَالْحَسْم فِي اللُّغَة : كَيُّ الْعِرْق بِالنَّارِ لِنَقْطَع الدَّم .
قَوْله : ( وَقَعَ بِالْمَدِينَةِ الْمُوم وَهُوَ الْبِرْسَام )
( الْمُوم ) بِضَمِّ الْمِيم وَإِسْكَان الْوَاو ، وَأَمَّا ( الْبِرْسَام ) فَبِكَسْرِ الْبَاء ، وَهُوَ : نَوْع مِنْ اِخْتِلَال الْعَقْل ، وَيُطْلَق عَلَى وَرَم الرَّأْس وَوَرَم الصَّدْر ، وَهُوَ مُعَرَّب وَأَصْل اللَّفْظَة سُرْيَانِيَّة .
قَوْله : ( وَبَعَثَ مَعَهُمْ قَائِفًا يَقْتَصّ أَثَرهمْ )
الْقَائِف هُوَ الَّذِي يَتَتَبَّع الْآثَار وَغَيْرهَا .


قَوْله : ( أَنَّ يَهُودِيًّا قَتَلَ جَارِيَة عَلَى أَوْضَاح لَهَا فَقَتَلَهَا بِحَجَرٍ فَجِيءَ بِهَا إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبِهَا رَمَق ، فَقِيلَ لَهَا : أَقَتَلَك فُلَان ؟ فَأَشَارَتْ بِرَأْسِهَا : أَنْ لَا ، ثُمَّ قَالَ لَهَا الثَّانِيَة فَأَشَارَتْ بِرَأْسِهَا أَنْ لَا ، ثُمَّ سَأَلَهَا الثَّالِثَة ، فَقَالَتْ : نَعَمْ وَأَشَارَتْ بِرَأْسِهَا ، فَقَتَلَهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْن حَجَرَيْنِ ) وَفِي رِوَايَة : ( قَتَلَ جَارِيَة مِنْ الْأَنْصَار عَلَى حُلِيّ لَهَا ، ثُمَّ أَلْقَاهَا فِي قَلِيب وَرَضَخَ رَأْسهَا بِالْحِجَارَةِ ، فَأَمَرَ بِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُرْجَم حَتَّى يَمُوت فَرُجِمَ حَتَّى مَاتَ ) وَفِي رِوَايَة : ( أَنَّ جَارِيَة وُجِدَ رَأْسهَا قَدْ رُضَّ بَيْن حَجَرَيْنِ ، فَسَأَلُوهَا مَنْ صَنَعَ هَذَا بِك . فُلَان . . . فُلَان حَتَّى ذَكَرُوا الْيَهُودِيّ ، فَأَوْمَتْ بِرَأْسِهَا ، فَأُخِذَ الْيَهُودِيّ فَأَقَرَّ ، فَأَمَرَ بِهِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُرَضّ رَأْسه بِالْحِجَارَةِ ) .


3165 - أَمَّا ( الْأَوْضَاح )
بِالضَّادِ الْمُعْجَمَة ، فَهِيَ : قِطَع فِضَّة ، كَمَا فَسَّرَهُ فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى .
قَوْله : ( وَبِهَا رَمَق )
هُوَ بَقِيَّة الْحَيَاة وَالرُّوح . وَالْقَلِيب الْبِئْر ، وَقَوْله : ( رَضَخَهُ بَيْن حَجَرَيْنِ وَرَضَّهُ بِالْحِجَارَةِ وَرَجَمَهُ بِالْحِجَارَةِ ) هَذِهِ الْأَلْفَاظ مَعْنَاهَا وَاحِد ؛ لِأَنَّهُ إِذَا وَضَعَ رَأْسه عَلَى حَجَر وَرُمِيَ بِحَجَرٍ آخَر فَقَدْ رَجَمَ ، وَقَدْ رَضَّ ، وَقَدْ رَضَخَ . وَقَدْ يَحْتَمِل أَنَّهُ رَجَمَهَا الرَّجْم الْمَعْرُوف مَعَ الرَّضْخ ؛ لِقَوْلِهِ : ثُمَّ أَلْقَاهَا فِي قَلِيب .
وَفِي هَذَا الْحَدِيث فَوَائِد مِنْهَا : قَتْل الرَّجُل بِالْمَرْأَةِ ، وَهُوَ إِجْمَاع مَنْ يُعْتَدّ بِهِ . وَمِنْهَا : أَنَّ الْجَانِي عَمْدًا يُقْتَل قِصَاصًا عَلَى الصِّفَة الَّتِي قَتَلَ ، فَإِنْ بِسَيْفٍ قُتِلَ هُوَ بِالسَّيْفِ ، وَإِنْ قُتِلَ بِحَجَرٍ أَوْ خَشَب أَوْ نَحْوهمَا قُتِلَ بِمِثْلِهِ ؛ لِأَنَّ الْيَهُودِيّ رَضَخَهَا فَرُضِخَ هُوَ . وَمِنْهَا : ثُبُوت الْقِصَاص فِي الْقَتْل بِالْمُثْقَلَاتِ ، وَلَا يَخْتَصّ بِالْمُحَدَّدَاتِ ، وَهَذَا مَذْهَب الشَّافِعِيّ وَمَالِك وَأَحْمَد وَجَمَاهِير الْعُلَمَاء ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - : لَا قِصَاص إِلَّا فِي الْقَتْل بِمُحَدَّدٍ مِنْ حَدِيد أَوْ حَجَر أَوْ خَشَب ، أَوْ كَانَ مَعْرُوفًا بِقَتْلِ النَّاس بِالْمَنْجَنِيقِ ، أَوْ بِالْإِلْقَاءِ فِي النَّار .
وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَة عَنْهُ فِي مُثَقَّل الْحَدِيد كَالدَّبُّوسِ . أَمَّا إِذَا كَانَتْ الْجِنَايَة شِبْه عَمْد بِأَنْ قَتَلَ بِمَا لَا يُقْصَد بِهِ الْقَتْل غَالِبًا فَتَعَمَّدَ الْقَتْل بِهِ كَالْعَصَا وَالسَّوْط وَاللَّطْمَة وَالْقَضِيب وَالْبُنْدُقَة وَنَحْوهَا ، فَقَالَ مَالِك وَاللَّيْث : يَجِب فِيهِ الْقَوَد ، وَقَالَ الشَّافِعِيّ وَأَبُو حَنِيفَة وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَأَحْمَد وَإِسْحَاق وَأَبُو ثَوْر وَجَمَاهِير الْعُلَمَاء مِنْ الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ فَمَنْ بَعْدهمْ : لَا قِصَاص فِيهِ . وَاللَّهُ أَعْلَم . وَمِنْهَا : وُجُوب الْقِصَاص عَلَى الَّذِي يَقْتُل الْمُسْلِم .
وَمِنْهَا : جَوَاز سُؤَال الْجَرِيح مَنْ جَرَحَك ؟ ، وَفَائِدَة السُّؤَال : أَنْ يُعْرَف الْمُتَّهَم لِيُطَالَب ، فَإِنْ أَقَرَّ ثَبَتَ عَلَيْهِ الْقَتْل ، وَإِنْ أَنْكَرَ فَالْقَوْل قَوْله مَعَ يَمِينه ، وَلَا يَلْزَمهُ شَيْء بِمُجَرَّدِ قَوْل الْمَجْرُوح ، هَذَا مَذْهَبنَا وَمَذْهَب الْجَمَاهِير ، وَقَدْ سَبَقَ فِي بَاب الْقَسَامَة ، وَأَنَّ مَذْهَب مَالِك ثُبُوت الْقَتْل عَلَى الْمُتَّهَم بِمُجَرَّدِ قَوْل الْمَجْرُوح ، وَتَعَلَّقُوا بِهَذَا الْحَدِيث ، وَهَذَا تَعَلُّق بَاطِل ؛ لِأَنَّ الْيَهُودِيّ اِعْتَرَفَ كَمَا صَرَّحَ بِهِ مُسْلِم فِي إِحْدَى رِوَايَاته الَّتِي ذَكَرْنَاهَا ، فَإِنَّمَا قُتِلَ بِاعْتِرَافِهِ . وَاللَّهُ أَعْلَم .


3168 - قَوْله : ( قَاتَلَ يَعْلَى بْن مُنْيَة أَوْ اِبْن أُمَيَّة رَجُلًا فَعَضَّ أَحَدهمَا صَاحِبه فَانْتَزَعَ يَده مِنْ فِيهِ فَنَزَعَ ثَنِيَّته فَاخْتَصَمَا إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : أَيَعَضُّ أَحَدُكُمْ كَمَا يَعَضُّ الْفَحْلُ لَا دِيَةَ لَهُ ) وَفِي رِوَايَة : ( أَنَّ أَجِيرًا لِيَعْلَى عَضَّ رَجُل ذِرَاعه ) .
أَمَّا ( مُنْيَة ) فَبِضَمِّ الْمِيم وَإِسْكَان النُّون وَبَعْدهَا يَاء مُثَنَّاة تَحْت ، وَهِيَ أُمّ يَعْلَى ، وَقِيلَ : جَدَّته .
وَأَمَّا ( أُمَيَّة ) : فَهُوَ أَبُوهُ ، فَيَصِحّ أَنْ يُقَال : يَعْلَى بْن أُمَيَّة ، وَيَعْلَى بْن مُنْيَة ، وَأَمَّا قَوْله : أَنَّ يَعْلَى هُوَ الْمَعْضُوض ، وَفِي الرِّوَايَة الثَّانِيَة وَالثَّالِثَة أَنَّ الْمَعْضُوض أَجِير يَعْلَى لَا يَعْلَى ؛ فَقَالَ الْحُفَّاظ : الصَّحِيح الْمَعْرُوف أَنَّهُ أَجِير يَعْلَى لَا يَعْلَى ، وَيَحْتَمِل أَنَّهُمَا قَضِيَّتَانِ جَرَتَا لِيَعْلَى وَلِأَجِيرِهِ فِي وَقْت أَوْ وَقْتَيْنِ .
وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( كَمَا يَعَضّ الْفَحْل )
هُوَ بِالْحَاءِ ، أَيْ الْفَحْل مِنْ الْإِبِل وَغَيْرهَا ، وَهُوَ إِشَارَة إِلَى تَحْرِيم ذَلِكَ ، وَهَذَا الْحَدِيث دَلَالَة لِمَنْ قَالَ : إِنَّهُ إِذَا عَضَّ رَجُل يَد غَيْره فَنَزَعَ الْمَعْضُوض يَده فَسَقَطَتْ أَسْنَان الْعَاضّ أَوْ فَكّ لِحْيَته لَا ضَمَان عَلَيْهِ ، وَهَذَا مَذْهَب الشَّافِعِيّ وَأَبِي حَنِيفَة وَكَثِيرِينَ أَوْ الْأَكْثَرِينَ - رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ - ، وَقَالَ مَالِك : يَضْمَن .


3170 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( يَقْضَمهَا كَمَا يَقْضَم الْفَحْل )
هُوَ بِفَتْحِ الضَّاد فِيهِمَا عَلَى اللُّغَة الْفَصِيحَة ، وَمَعْنَاهُ يَعَضّهَا ، قَالَ أَهْل اللُّغَة : الْقَضْم بِأَطْرَافِ الْأَسْنَان .


3171 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( مَا تَأْمُرنِي ؟ تَأْمُرنِي أَنْ آمُرهُ أَنْ يَضَع يَده فِي فِيك تَقْضَمهَا كَمَا يَقْضِم الْفَحْل اِدْفَعْ يَدك حَتَّى يَعَضّهَا ثُمَّ اِنْتَزِعْهَا )
لَيْسَ الْمُرَاد بِهَذَا أَمْره بِدَفْعِ يَده لِيَعَضّهَا ، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ الْإِنْكَار عَلَيْهِ ، أَيْ إِنَّك لَا تَدَع يَدك فِي فِيهِ يَعَضّهَا ، فَكَيْفَ تُنْكِر عَلَيْهِ أَنْ يَنْتَزِع يَده مِنْ فِيك ، وَتُطَالِبهُ بِمَا جَنَى فِي جَذْبه لِذَلِكَ ؟ قَالَ الْقَاضِي : وَهَذَا الْبَاب مِمَّا تَتَبَّعَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ عَلَى مُسْلِم ، لِأَنَّهُ ذَكَرَ أَوَّلًا حَدِيث شُعْبَة عَنْ قَتَادَةَ عَنْ زُرَارَة عَنْ عِمْرَان بْن حُصَيْنٍ ، قَالَ : قَاتَلَ يَعْلَى ، وَذَكَرَ مِثْله عَنْ مُعَاذ بْن هِشَام عَنْ أَبِيهِ عَنْ قَتَادَةَ ، ثُمَّ عَنْ شُعْبَة عَنْ قَتَادَةَ عَنْ عَطَاء عَنْ اِبْن يَعْلَى ، ثُمَّ عَنْ هَمَّام عَنْ عَطَاء عَنْ اِبْن يَعْلَى ، ثُمَّ حَدِيث اِبْن جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاء عَنْ اِبْن يَعْلَى ، ثُمَّ حَدِيث مُعَاذ عَنْ أَبِيهِ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ بُدَيْل عَنْ عَطَاء بْن صَفْوَان بْن يَعْلَى ، وَهَذَا اِخْتِلَاف عَلَى عَطَاء ، وَذَكَرَ أَيْضًا حَدِيث قُرَيْش بْن يُونُس عَنْ اِبْن عَوْن عَنْ اِبْن سِيرِينَ عَنْ عِمْرَان ، وَلَمْ يَذْكُر فِيهِ نَوْعًا مِنْهُ وَلَا مِنْ اِبْن سِيرِينَ مِنْ عِمْرَان ، وَلَمْ يُخَرِّج الْبُخَارِيّ لِابْنِ سِيرِينَ عَنْ عِمْرَان شَيْئًا . وَاللَّهُ أَعْلَم . قُلْت : الْإِنْكَار عَلَى مُسْلِم فِي هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ : أَحَدهمَا لَا يَلْزَم مِنْ الِاخْتِلَاف عَلَى عَطَاء ضَعْف الْحَدِيث ، وَلَا مِنْ كَوْن اِبْن سِيرِينَ لَمْ يُصَرِّح بِالسَّمَاعِ مِنْ عِمْرَان وَلَا رَوَى لَهُ الْبُخَارِيّ عَنْهُ شَيْئًا أَنْ لَا يَكُون سَمِعَ مِنْهُ ؛ بَلْ هُوَ مَعْدُود فِيمَنْ سَمِعَ مِنْهُ ، وَالثَّانِي : لَوْ ثَبَتَ ضَعْف هَذَا الطَّرِيق لَمْ يَلْزَم مِنْهُ ضَعْف الْمَتْن ؛ فَإِنَّهُ صَحِيح بِالطُّرُقِ الْبَاقِيَة الَّتِي ذَكَرَهَا مُسْلِم ، وَقَدْ سَبَقَ مَرَّات أَنَّ مُسْلِمًا يَذْكُر فِي الْمُتَابَعَات مَنْ هُوَ دُون شَرْط الصَّحِيح . وَاللَّهُ أَعْلَم .


3174 - قَوْله : ( عَنْ أَنَس أَنَّ أُخْت الرُّبَيِّع أُمّ حَارِثَة جَرَحَتْ إِنْسَانًا فَاخْتَصَمُوا إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْقِصَاص الْقِصَاص ، فَقَالَتْ أُمّ الرَّبِيع : يَا رَسُول اللَّه أَيُقْتَصُّ مِنْ فُلَانَة ؟ ! ! وَاللَّهُ لَا يُقْتَصّ مِنْهَا ، فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : سُبْحَان اللَّه يَا أُمّ الرَّبِيع الْقِصَاص كِتَاب اللَّه ، قَالَتْ : لَا وَاَللَّه لَا يُقْتَصّ مِنْهَا أَبَدًا ، قَالَ : فَمَا زَالَتْ حَتَّى قَبِلُوا الدِّيَة ، فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ مِنْ عِبَاد اللَّه مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّه لَأَبَرَّهُ ) . هَذِهِ رِوَايَة مُسْلِم ، وَخَالَفَهُ الْبُخَارِيّ فِي رِوَايَته فَقَالَ : عَنْ أَنَس بْن مَالِك أَنَّ عَمَّته الرُّبَيِّع كَسَرَتْ ثَنِيَّة جَارِيَة ، وَطَلَبُوا إِلَيْهَا الْعَفْو فَأَتَوْا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَبَوْا إِلَّا الْقِصَاص ، فَأَمَرَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْقِصَاصِ ، فَقَالَ أَنَس بْن النَّضْر : يَا رَسُول اللَّه أَتُكْسَرُ ثَنِيَّة الرُّبَيِّع ، لَا وَاَلَّذِي بَعَثَك بِالْحَقِّ لَا تُكْسَر ثَنِيَّتهَا ، فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " كِتَاب اللَّه الْقِصَاص " ، فَرَضِيَ الْقَوْم فَعَفَوْا ، فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّ مِنْ عِبَاد اللَّه مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّه لَأَبَرَّهُ " ، هَذَا لَفْظ رِوَايَة الْبُخَارِيّ ، فَحَصَلَ الِاخْتِلَاف فِي الرِّوَايَتَيْنِ مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدهمَا : أَنَّ فِي رِوَايَة مُسْلِم أَنَّ الْجَارِيَة أُخْت الرُّبَيِّع ، وَفِي رِوَايَة الْبُخَارِيّ : أَنَّهَا الرُّبَيِّع بِنَفْسِهَا .
وَالثَّانِي : أَنَّ فِي رِوَايَة مُسْلِم : أَنَّ الْحَالِف لَا تَكْسِر ثَنِيَّتهَا هِيَ أُمّ الرَّبِيع بِفَتْحِ الرَّاء ، وَفِي رِوَايَة الْبُخَارِيّ : أَنَّهُ أَنَس بْن النَّضْر ، قَالَ الْعُلَمَاء : الْمَعْرُوف فِي الرِّوَايَات رِوَايَة الْبُخَارِيّ ، وَقَدْ ذَكَرَهَا مِنْ طُرُقه الصَّحِيحَة كَمَا ذَكَرْنَا عَنْهُ ، وَكَذَا رَوَاهُ أَصْحَاب كُتُب السُّنَن ، قُلْت : إِنَّهُمَا قَضِيَّتَانِ ، أَمَّا ( الرُّبَيِّع ) الْجَارِحَة فِي رِوَايَة الْبُخَارِيّ ، وَأُخْت الْجَارِحَة فِي رِوَايَة مُسْلِم فَهِيَ بِضَمِّ الرَّاء وَفَتْح الْبَاء وَتَشْدِيد الْيَاء .
وَأَمَّا ( أُمّ الرَّبِيع ) الْحَالِفَة فِي رِوَايَة مُسْلِم فَبِفَتْحِ الرَّاء وَكَسْر الْبَاء وَتَخْفِيف الْيَاء .
وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الرِّوَايَة الْأُولَى : ( الْقِصَاص الْقِصَاص ) هُمَا مَنْصُوبَانِ أَيْ : أَدُّوا الْقِصَاص وَسَلِّمُوهُ إِلَى مُسْتَحِقّه .
وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( كِتَاب اللَّه الْقِصَاص )
أَيْ : حُكْم كِتَاب اللَّه وُجُوب الْقِصَاص فِي السِّنّ ، وَهُوَ قَوْله : { وَالسِّنّ بِالسِّنِّ } ، وَأَمَّا قَوْله : ( وَاَللَّه لَا يُقْتَصّ مِنْهَا ) فَلَيْسَ مَعْنَاهُ رَدّ حُكْم النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ بَلْ الْمُرَاد بِهِ الرَّغْبَة إِلَى مُسْتَحِقّ الْقِصَاص أَنْ يَعْفُو ، وَإِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الشَّفَاعَة إِلَيْهِمْ فِي الْعَفْو ، وَإِنَّمَا حَلَفَ ثِقَة بِهِمْ أَلَّا يُحْنِثُوهُ ، أَوْ ثِقَة بِفَضْلِ اللَّه وَلُطْفه أَلَّا يُحْنِثهُ ؛ بَلْ يُلْهِمهُمْ الْعَفْو ، وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ مِنْ عِبَاد اللَّه مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّه لَأَبَرَّهُ ) مَعْنَاهُ : لَا يُحْنِثهُ لِكَرَامَتِهِ عَلَيْهِ .
وَفِي هَذَا الْحَدِيث فَوَائِد : مِنْهَا : جَوَاز الْحَلِف فِيمَا يَظُنّهُ الْإِنْسَان .
وَمِنْهَا : جَوَاز الثَّنَاء عَلَى مَنْ لَا يَخَاف الْفِتْنَة بِذَلِكَ ، وَقَدْ سَبَقَ بَيَان هَذَا مَرَّات .
وَمِنْهَا : اِسْتِحْبَاب الْعَفْو عَنْ الْقِصَاص .
وَمِنْهَا : اِسْتِحْبَاب الشَّفَاعَة فِي الْعَفْو .
وَمِنْهَا : أَنَّ الْخِيَرَة فِي الْقِصَاص وَالدِّيَة إِلَى مُسْتَحِقّه لَا إِلَى الْمُسْتَحَقّ عَلَيْهِ .
وَمِنْهَا : إِثْبَات الْقِصَاص بَيْن الرَّجُل وَالْمَرْأَة ، وَفِيهِ ثَلَاثَة مَذَاهِب :
أَحَدهَا : مَذْهَب عَطَاء وَالْحَسَن : أَنَّهُ لَا قِصَاص بَيْنهمَا فِي نَفْس وَلَا طَرَف ؛ بَلْ تَتَعَيَّن دِيَة الْجِنَايَة تَعَلُّقًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى } .
الثَّانِي : وَهُوَ مَذْهَب جَمَاهِير الْعُلَمَاء مِنْ الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ فَمَنْ بَعْدهمْ ثُبُوت الْقِصَاص بَيْنهمَا فِي النَّفْس وَفِيمَا دُونهَا مِمَّا يَقْبَل الْقِصَاص ، وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { النَّفْس بِالنَّفْسِ . . . } إِلَى آخِرهَا ، وَهَذَا وَإِنْ كَانَ شَرْعًا لِمَنْ قَبْلنَا ، وَفِي الِاحْتِجَاج بِهِ خِلَاف مَشْهُور لِلْأُصُولِيِّينَ ، فَإِنَّمَا الْخِلَاف إِذَا لَمْ يَرِد شَرْعُنَا بِتَقْرِيرِهِ وَمُوَافَقَته . فَإِنْ وَرَدَ كَانَ شَرْعًا لَنَا بِلَا خِلَاف ، وَقَدْ وَرَدَ شَرْعنَا بِتَقْرِيرِهِ فِي حَدِيث أَنَس هَذَا . وَاللَّهُ أَعْلَم .
وَالثَّالِث وَهُوَ مَذْهَب أَبِي حَنِيفَة وَأَصْحَابه يَجِب الْقِصَاص بَيْن الرِّجَال وَالنِّسَاء فِي النَّفْس ، وَلَا يَجِب فِيمَا دُونهَا . وَمِنْهَا وُجُوب الْقِصَاص فِي السِّنّ ، وَهُوَ مُجْمَع عَلَيْهِ إِذَا أَقَلَّهَا كُلّهَا ، فَإِنْ كَسَرَ بَعْضهَا فَفِيهِ وَفِي كَسْر سَائِر الْعِظَام خِلَاف مَشْهُور لِلْعُلَمَاءِ ، وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّهُ لَا قِصَاص . وَاللَّهُ أَعْلَم .


3175 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا يَحِلّ دَم اِمْرِئٍ مُسْلِم يَشْهَد أَنْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه وَأَنِّي رَسُول اللَّه إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاث : الثَّيِّب الزَّان ، وَالنَّفْس بِالنَّفْسِ ، وَالتَّارِك لِدِينِهِ الْمُفَارِق لِلْجَمَاعَةِ )
هَكَذَا هُوَ فِي النُّسَخ ( الزَّان ) مِنْ غَيْر يَاء بَعْد النُّون ، وَهِيَ لُغَة صَحِيحَة قُرِئَ بِهَا فِي السَّبْع كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى : { الْكَبِير الْمُتَعَال } وَغَيْره ، وَالْأَشْهَر فِي اللُّغَة إِثْبَات الْيَاء فِي كُلّ هَذَا .
وَفِي هَذَا الْحَدِيث : إِثْبَات قَتْل الزَّانِي الْمُحْصَن ، وَالْمُرَاد : رَجْمه بِالْحِجَارَةِ حَتَّى يَمُوت ، وَهَذَا بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ ، وَسَيَأْتِي إِيضَاحه وَبَيَان شُرُوطه فِي بَابه إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى .
وَأَمَّا
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَالنَّفْس بِالنَّفْسِ )
فَالْمُرَاد بِهِ الْقِصَاص بِشَرْطِهِ ، وَقَدْ يَسْتَدِلّ بِهِ أَصْحَاب أَبِي حَنِيفَة - رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ - فِي قَوْلهمْ : يُقْتَل الْمُسْلِم بِالذِّمِّيِّ ، وَيُقْتَل الْحُرّ بِالْعَبْدِ ، وَجُمْهُور الْعُلَمَاء عَلَى خِلَافه ، مِنْهُمْ مَالِك وَالشَّافِعِيّ وَاللَّيْث وَأَحْمَد .
وَأَمَّا
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَالتَّارِك لِدِينِهِ الْمُفَارِق لِلْجَمَاعَةِ )
فَهُوَ عَامّ فِي كُلّ مُرْتَدّ عَنْ الْإِسْلَام بِأَيِّ رِدَّة كَانَتْ ، فَيَجِب قَتْله إِنْ لَمْ يَرْجِع إِلَى الْإِسْلَام ، قَالَ الْعُلَمَاء : وَيَتَنَاوَل أَيْضًا كُلّ خَارِج عَنْ الْجَمَاعَة بِبِدْعَةٍ أَوْ بَغْي أَوْ غَيْرهمَا ، وَكَذَا الْخَوَارِج . وَاللَّهُ أَعْلَم .
وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا عَامّ يُخَصّ مِنْهُ الصَّائِل وَنَحْوه ، فَيُبَاح قَتْله فِي الدَّفْع ، وَقَدْ يُجَاب عَنْ هَذَا بِأَنَّهُ دَاخِل فِي الْمُفَارِق لِلْجَمَاعَةِ ، أَوْ يَكُون الْمُرَاد : لَا يَحِلّ تَعَمُّد قَتْله قَصْدًا إِلَّا فِي هَذِهِ الثَّلَاثَة . وَاللَّهُ أَعْلَم .


3177 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا تُقْتَلُ نَفْسٌ ظُلْمًا إِلَّا كَانَ عَلَى اِبْن آدَم الْأَوَّل كِفْلٌ مِنْهَا ؛ لِأَنَّهُ كَانَ أَوَّل مَنْ سَنَّ الْقَتْل )
، ( الْكِفْل ) : بِكَسْرِ الْكَاف : الْجُزْء وَالنَّصِيب ، وَقَالَ الْخَلِيل : هُوَ الضِّعْف .
وَهَذَا الْحَدِيث مِنْ قَوَاعِد الْإِسْلَام ، وَهُوَ : أَنَّ كُلّ مَنْ اِبْتَدَعَ شَيْئًا مِنْ الشَّرّ كَانَ عَلَيْهِ مِثْل وِزْر كُلّ مَنْ اِقْتَدَى بِهِ فِي ذَلِكَ الْعَمَل مِثْل عَمَله إِلَى يَوْم الْقِيَامَة ، وَمِثْله مَنْ اِبْتَدَعَ شَيْئًا مِنْ الْخَيْر كَانَ لَهُ مِثْل أَجْر كُلّ مَنْ يَعْمَل بِهِ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة ، وَهُوَ مُوَافِق لِلْحَدِيثِ الصَّحِيح : " مَنْ سَنَّ سُنَّة حَسَنَة وَمَنْ سَنَّ سُنَّة سَيِّئَة " وَلِلْحَدِيثِ الصَّحِيح " مَنْ دَلَّ عَلَى خَيْر فَلَهُ مِثْل أَجْر فَاعِله " وَلِلْحَدِيثِ الصَّحِيح : " مَا مِنْ دَاعٍ يَدْعُو إِلَى هُدًى وَمَا مِنْ دَاعٍ يَدْعُو إِلَى ضَلَالَة " . وَاللَّهُ أَعْلَم .


3178 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَوَّل مَا يُقْضَى بَيْن النَّاس يَوْم الْقِيَامَة فِي الدِّمَاء )
فِيهِ تَغْلِيظُ أَمْر الدِّمَاء ، وَأَنَّهَا أَوَّل مَا يُقْضَى فِيهِ بَيْن النَّاس يَوْم الْقِيَامَة ، وَهَذَا لِعِظَمِ أَمْرهَا وَكَثِير خَطَرهَا ، وَلَيْسَ هَذَا الْحَدِيث مُخَالِفًا لِلْحَدِيثِ الْمَشْهُور فِي السُّنَن : " أَوَّل مَا يُحَاسَب بِهِ الْعَبْد صَلَاته " ؛ لِأَنَّ هَذَا الْحَدِيث الثَّانِي فِيمَا بَيْن الْعَبْد وَبَيْن اللَّه تَعَالَى ، وَأَمَّا حَدِيث الْبَاب فَهُوَ فِيمَا بَيْن الْعِبَاد . وَاللَّهُ أَعْلَم بِالصَّوَابِ .


3179 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ الزَّمَان قَدْ اِسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْم خَلَقَ اللَّه السَّمَاوَات وَالْأَرْض : السَّنَة اثْنَيْ عَشَر شَهْرًا ، مِنْهَا أَرْبَعَة حُرُمٌ ، ثَلَاثَة مُتَوَالِيَات : ذُو الْقَعَدَة وَذُو الْحِجَّة وَالْمُحَرَّم وَرَجَب شَهْر مُضَر الَّذِي بَيْن جُمَادَى وَشَعْبَان )
أَمَّا ذُو الْقَعْدَة : فَبِفَتْحِ الْقَاف ، وَذُو الْحِجَّة بِكَسْرِ الْحَاء هَذِهِ اللُّغَة الْمَشْهُورَة ، وَيَجُوز فِي لُغَة قَلِيلَة كَسْر الْقَاف وَفَتْح الْحَاء . وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ الْأَشْهُر الْحُرُم الْأَرْبَعَة هِيَ هَذِهِ الْمَذْكُورَة فِي الْحَدِيث ، وَلَكِنْ اِخْتَلَفُوا فِي الْأَدَب الْمُسْتَحَبّ فِي كَيْفِيَّة عَدّهَا ، فَقَالَتْ طَائِفَة مِنْ أَهْل الْكُوفَة وَأَهْل الْأَدَب : يُقَال : الْمُحَرَّم وَرَجَب وَذُو الْقَعْدَة وَذُو الْحِجَّة لِيَكُونَ الْأَرْبَعَة مِنْ سَنَة وَاحِدَة ، وَقَالَ عُلَمَاء الْمَدِينَة وَالْبَصْرَة وَجَمَاهِير الْعُلَمَاء : هِيَ ذُو الْقَعْدَة وَذُو الْحِجَّة وَالْمُحَرَّم وَرَجَب ، ثَلَاثَة سَرْد وَوَاحِد فَرْد ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح الَّذِي جَاءَتْ بِهِ الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة ، مِنْهَا هَذَا الْحَدِيث الَّذِي نَحْنُ فِيهِ ، وَعَلَى هَذَا الِاسْتِعْمَال أَطْبَقَ النَّاس مِنْ الطَّوَائِف كُلّهَا .
وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَرَجَب مُضَرَ الَّذِي بَيْن جُمَادَى ، وَشَعْبَان ) وَإِنَّمَا قَيَّدَهُ هَذَا التَّقْيِيد مُبَالَغَة فِي إِيضَاحه وَإِزَالَة لِلَّبْسِ عَنْهُ ، قَالُوا : وَقَدْ كَانَ بَيْن بَنِي مُضَرَ وَبَيْن رَبِيعَة اِخْتِلَاف فِي رَجَب ، فَكَانَتْ مُضَرَ تَجْعَل رَجَبًا هَذَا الشَّهْر الْمَعْرُوف الْآن ، وَهُوَ الَّذِي بَيْن جُمَادَى وَشَعْبَان ، وَكَانَتْ رَبِيعَة تَجْعَلهُ رَمَضَان ، فَلِهَذَا أَضَافَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى مُضَرَ ، وَقِيلَ : لِأَنَّهُمْ كَانُوا يُعَظِّمُونَهُ أَكْثَر مِنْ غَيْرهمْ ، وَقِيلَ : إِنَّ الْعَرَب كَانَتْ تُسَمِّي رَجَبًا وَشَعْبَان الرَّجَبَيْنِ ، وَقِيلَ : كَانَتْ تُسَمِّي جُمَادَى وَرَجَبًا جَمَادَيْنِ ، وَتُسَمِّي شَعْبَان رَجَبًا .
وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ الزَّمَان قَدْ اِسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْم خَلَقَ اللَّه السَّمَاوَات وَالْأَرْض ) فَقَالَ الْعُلَمَاء : مَعْنَاهُ أَنَّهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّة يَتَمَسَّكُونَ بِمِلَّةِ إِبْرَاهِيم صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي تَحْرِيم الْأَشْهُر الْحُرُم ، وَكَانَ يَشُقّ عَلَيْهِمْ تَأْخِير الْقِتَال ثَلَاثَة أَشْهُر مُتَوَالِيَات ، فَكَانُوا إِذَا اِحْتَاجُوا إِلَى قِتَال أَخَّرُوا تَحْرِيم الْمُحَرَّم إِلَى الشَّهْر الَّذِي بَعْده وَهُوَ صَفَر ، ثُمَّ يُؤَخِّرُونَهُ فِي السَّنَة الْأُخْرَى إِلَى شَهْر آخَر ، وَهَكَذَا يَفْعَلُونَ فِي سَنَة بَعْد سَنَة ، حَتَّى اِخْتَلَطَ عَلَيْهِمْ الْأَمْر ، وَصَادَفَتْ حَجَّة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَحْرِيمهمْ ، وَقَدْ تَطَابَقَ الشَّرْع ، وَكَانُوا فِي تِلْكَ السَّنَة قَدْ حَرَّمُوا ذَا الْحِجَّة لِمُوَافَقَةِ الْحِسَاب الَّذِي ذَكَرْنَاهُ ، فَأَخْبَرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ الِاسْتِدَارَة صَادَفَتْ مَا حَكَمَ اللَّه تَعَالَى بِهِ يَوْم خَلَقَ السَّمَاوَات وَالْأَرْض . وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة : كَانُوا يَنْسَئُونَ ، أَيْ : يُؤَخِّرُونَ وَهُوَ الَّذِي قَالَ اللَّه تَعَالَى فِيهِ : { إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَة فِي الْكُفْر } فَرُبَّمَا اِحْتَاجُوا إِلَى الْحَرْب فِي الْمُحَرَّم ، فَيُؤَخِّرُونَ تَحْرِيمه إِلَى صَفَر ، ثُمَّ يُؤَخِّرُونَ صَفَر فِي سَنَة أُخْرَى ، فَصَادَفَ تِلْكَ السَّنَة رُجُوع الْمُحَرَّم إِلَى مَوْضِعه .
وَذَكَرَ الْقَاضِي وُجُوهًا أُخَر فِي بَيَان مَعْنَى هَذَا الْحَدِيث لَيْسَتْ بِوَاضِحَةٍ وَيُنْكَر بَعْضهَا . قَوْله : ( ثُمَّ قَالَ : أَيّ شَهْر هَذَا ؟ قُلْنَا : اللَّه وَرَسُوله أَعْلَم ، فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اِسْمه ، قَالَ : أَلَيْسَ ذَا الْحِجَّة ؟ قُلْنَا . بَلَى ، قَالَ : فَأَيّ بَلَد هَذَا ؟ قُلْنَا . اللَّه وَرَسُوله أَعْلَم . . . إِلَى آخِره ) هَذَا السُّؤَال وَالسُّكُوت وَالتَّفْسِير أَرَادَ بِهِ التَّفْخِيم وَالتَّقْرِير وَالتَّنْبِيه عَلَى عِظَم مَرْتَبَة هَذَا الشَّهْر وَالْبَلَد وَالْيَوْم ، وَقَوْلهمْ : ( اللَّه وَرَسُوله أَعْلَم ) . هَذَا مِنْ حُسْن أَدَبهمْ ، وَأَنَّهُمْ عَلِمُوا أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مَا يَعْرِفُونَهُ مِنْ الْجَوَاب فَعَرَفُوا أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَاد مُطْلَق الْإِخْبَار بِمَا يَعْرِفُونَ .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالكُمْ وَأَعْرَاضكُمْ حَرَام عَلَيْكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمكُمْ هَذَا فِي بَلَدكُمْ هَذَا فِي شَهْركُمْ هَذَا ) الْمُرَاد بِهَذَا كُلّه : بَيَان تَوْكِيد غِلَظ تَحْرِيم الْأَمْوَال وَالدِّمَاء وَالْأَعْرَاض وَالتَّحْذِير مِنْ ذَلِكَ .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَلَا تَرْجِعُنَّ بَعْدِي ضُلَّالًا يَضْرِب بَعْضكُمْ رِقَاب بَعْض ) هَذَا الْحَدِيث سَبَقَ شَرْحه فِي كِتَاب الْإِيمَان فِي أَوَّل الْكِتَاب ، وَذِكْر بَيَان إِعْرَابه ، وَأَنَّهُ لَا حُجَّة فِيهِ لِمَنْ يَقُول بِالتَّكْفِيرِ بِالْمَعَاصِي ، بَلْ الْمُرَاد بِهِ كُفْرَان النِّعَم ، أَوْ هُوَ مَحْمُول عَلَى مَنْ اِسْتَحَلَّ قِتَال الْمُسْلِمِينَ بِلَا شُبْهَة .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لِيُبَلِّغ الشَّاهِد الْغَائِب )
فِيهِ : وُجُوب تَبْلِيغ الْعِلْم ، وَهُوَ فَرْض كِفَايَة ، فَيَجِبُ تَبْلِيغه بِحَيْثُ يَنْتَشِر .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَلَعَلَّ بَعْض مَنْ يَبْلُغهُ يَكُون أَوْعَى لَهُ مِنْ بَعْض مَنْ سَمِعَهُ )
اِحْتَجَّ بِهِ الْعُلَمَاء لِجَوَازِ رِوَايَة الْفُضَلَاء وَغَيْرهمْ مِنْ الشُّيُوخ الَّذِينَ لَا عِلْم لَهُمْ عِنْدهمْ وَلَا فِقْه ، إِذَا ضَبَطَ مَا يُحَدِّث بِهِ .


3180 - قَوْله : ( قَعَدَ عَلَى بَعِيره وَأَخَذَ إِنْسَان بِخِطَامِهِ )
إِنَّمَا أَخَذَ بِخِطَامِهِ لِيَصُونَ الْبَعِير مِنْ الِاضْطِرَاب عَلَى صَاحِبه ، وَالتَّهْوِيش عَلَى رَاكِبه ، وَفِيهِ : دَلِيل عَلَى اِسْتِحْبَاب الْخُطْبَة عَلَى مَوْضِع عَالٍ مِنْ مِنْبَر وَغَيْره ، سَوَاء خُطْبَة الْجُمُعَة وَالْعِيد وَغَيْرهمَا ، وَحِكْمَته أَنَّهُ كُلَّمَا اِرْتَفَعَ كَانَ أَبْلَغ فِي إِسْمَاعه النَّاس وَرُؤْيَتهمْ إِيَّاهُ ، وَوُقُوع كَلَامه فِي نُفُوسهمْ .
قَوْله : ( اِنْكَفَأَ إِلَى كَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ فَذَبَحَهُمَا وَإِلَى جُزَيْعَة مِنْ الْغَنَم فَقَسَمَهَا بَيْننَا )
اِنْكَفَأَ بِهَمْزِ آخِره ، أَيْ : اِنْقَلَبَ ، وَالْأَمْلَح : هُوَ الَّذِي فِيهِ بَيَاض وَسَوَاد وَالْبَيَاض أَكْثَر ، وَقَوْله : ( جُزَيْعَة ) بِضَمِّ الْجِيم وَفَتْح الزَّاي ، وَرَوَاهُ بَعْضهمْ ( جَزِيعَة ) بِفَتْحِ الْجِيم وَكَسْر الزَّاي وَكِلَاهُمَا صَحِيح ، وَالْأَوَّل هُوَ الْمَشْهُور فِي رِوَايَة الْمُحَدِّثِينَ ، وَهُوَ الَّذِي ضَبَطَهُ الْجَوْهَرِيّ وَغَيْره مِنْ أَهْل اللُّغَة ، وَهِيَ الْقِطْعَة مِنْ الْغَنَم تَصْغِير جِزْعَة بِكَسْرِ الْجِيم ، وَهِيَ الْقَلِيل مِنْ الشَّيْء ، يُقَال جَزَعَ لَهُ مِنْ مَاله أَيْ : قَطَعَ ، وَبِالثَّانِي ضَبَطَهُ اِبْن فَارِس فِي الْمُجْمَل ، قَالَ : وَهِيَ الْقِطْعَة مِنْ الْغَنَم ، كَأَنَّهَا فَعِيلَة بِمَعْنَى مَفْعُولَة كَضَفِيرَةٍ بِمَعْنَى مَضْفُورَة ، قَالَ الْقَاضِي : قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : قَوْله : ( ثُمَّ اِنْكَفَأَ . . . ) إِلَى آخِر الْحَدِيث ، وَهْم مِنْ اِبْن عَوْن فِيمَا قِيلَ ، وَإِنَّمَا رَوَاهُ اِبْن سِيرِينَ عَنْ أَنَس فَأَدْرَجَهُ اِبْن عَوْن هُنَا فِي هَذَا الْحَدِيث ، فَرَوَاهُ عَنْ اِبْن سِيرِينَ عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي بَكْرَة عَنْ أَبِيهِ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ الْقَاضِي : وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيّ هَذَا الْحَدِيث عَنْ اِبْن عَوْن ، فَلَمْ يَذْكُر فِيهِ هَذَا الْكَلَام فَلَعَلَّهُ تَرَكَهُ عَمْدًا ، وَقَدْ رَوَاهُ أَيُّوب وَقُرَّة عَنْ اِبْن سِيرِينَ فِي كِتَاب مُسْلِم فِي هَذَا الْبَاب ، وَلَمْ يَذْكُرُوا فِيهِ هَذِهِ الزِّيَادَة ، قَالَ الْقَاضِي : وَالْأَشْبَه أَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَة إِنَّمَا هِيَ فِي حَدِيث آخَر فِي خُطْبَة عِيد الْأَضْحَى ، فَوَهَمَ فِيهَا الرَّاوِي ، فَذَكَرَهَا مَضْمُومَة إِلَى خُطْبَة الْحَجَّة ، أَوْ هُمَا حَدِيثَانِ ضُمَّ أَحَدهمَا إِلَى الْآخَر ، وَقَدْ ذَكَرَ مُسْلِم هَذَا بَعْد هَذَا فِي كِتَاب الضَّحَايَا مِنْ حَدِيث أَيُّوب وَهِشَام عَنْ اِبْن سِيرِينَ عَنْ أَنَس أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى ثُمَّ خَطَبَ ، فَأَمَرَ مَنْ كَانَ ذَبَحَ قَبْل الصَّلَاة أَنْ يُعِيد ، ثُمَّ قَالَ فِي آخِر الْحَدِيث : ( فَانْكَفَأَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى كَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ فَذَبَحَهُمَا فَقَامَ النَّاس إِلَى غُنَيْمَة فَتَوَزَّعُوهَا فَهَذَا هُوَ الصَّحِيح ، وَهُوَ دَافِعٌ لِلْإِشْكَالِ .


3181 - قَوْله : ( جَاءَ رَجُل يَقُود آخَر بِنِسْعَةٍ ، فَقَالَ : يَا رَسُول اللَّه هَذَا قَتَلَ أَخِي ، فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَقَتَلْته ؟ فَقَالَ : إِنَّهُ لَوْ لَمْ يَعْتَرِف أَقَمْت عَلَيْهِ الْبَيِّنَة ، قَالَ : نَعَمْ قَتَلْته ، قَالَ : " كَيْف قَتَلْته ؟ قَالَ : كُنْت أَنَا وَهُوَ نَخْتَبِط مِنْ شَجَرَة فَسَبَّنِي فَأَغْضَبَنِي فَضَرَبْته بِالْفَأْسِ عَلَى قَرْنه فَقَتَلْته )
.
أَمَّا النِّسْعَة : فَبِنُونٍ مَكْسُورَة ثُمَّ سِين سَاكِنَة ثُمَّ عَيْن مُهْمَلَة وَهِيَ حَبْل مِنْ جُلُود مَضْفُورَة . وَقَرْنه : جَانِب رَأْسه .
وَقَوْله : ( يَخْتَبِط ) أَيْ يَجْمَع الْخَبْط ، وَهُوَ وَرِق الثَّمَر بِأَنْ يَضْرِب الشَّجَر بِالْعَصَا فَيَسْقُط وَرَقه فَيَجْمَعهُ عَلَفًا . وَفِي هَذَا الْحَدِيث : الْإِغْلَاظ عَلَى الْجُنَاة وَرَبْطهمْ وَإِحْضَارهمْ إِلَى وَلِيّ الْأَمْر .
وَفِيهِ : سُؤَال الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَنْ جَوَاب الدَّعْوَى ، فَلَعَلَّهُ يُقِرّ فَيَسْتَغْنِي الْمُدَّعِي وَالْقَاضِي عَنْ التَّعَب فِي إِحْضَار الشُّهُود وَتَعْدِيلهمْ ، وَلِأَنَّ الْحُكْم بِالْإِقْرَارِ حُكْم بِيَقِينٍ ، وَبِالْبَيِّنَةِ حُكْم بِالظَّنِّ .
وَفِيهِ : سُؤَال الْحَاكِم وَغَيْره الْوَلِيّ عَنْ الْعَفْو عَنْ الْجَانِي .
وَفِيهِ جَوَاز الْعَفْو بَعْد بُلُوغ الْأَمْر إِلَى الْحَاكِم . وَفِيهِ : جَوَاز أَخْذ الدِّيَة فِي قَتْل الْعَمْد ؛ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي تَمَام الْحَدِيث : ( هَلْ لَك مِنْ شَيْء تُؤَدِّيه عَنْ نَفْسك ؟ ) وَفِيهِ : قَبُول الْإِقْرَار بِقَتْلِ الْعَمْد .
قَوْله : ( فَانْطَلَقَ بِهِ الرَّجُل ، فَلَمَّا وَلَّى قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنْ قَتَلَهُ فَهُوَ مِثْله ، فَرَجَعَ فَقَالَ : يَا رَسُول اللَّه بَلَغَنِي إِنَّك قُلْت : إِنْ قَتَلَهُ فَهُوَ مِثْله ، وَأَخَذْته بِأَمْرِك ، فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَمَا تُرِيد أَنْ يَبُوء بِإِثْمِك وَإِثْم صَاحِبك ؟ قَالَ : يَا نَبِيّ اللَّه ( لَعَلَّهُ قَالَ ) بَلَى ، قَالَ : فَإِنَّ ذَاكَ كَذَاك قَالَ : فَرَمَى بِنِسْعَتِهِ وَخَلَّى سَبِيله ) . وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى : ( إِنَّهُ اِنْطَلَقَ بِهِ فَلَمَّا أَدْبَرَ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْقَاتِل وَالْمَقْتُول فِي النَّار ) .
أَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنْ قَتَلَهُ فَهُوَ مِثْله ) فَالصَّحِيح فِي تَأْوِيله أَنَّهُ مِثْله فِي أَنَّهُ لَا فَضْل وَلَا مِنَّة لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَر ؛ لِأَنَّهُ اِسْتَوْفَى حَقّه مِنْهُ ، بِخِلَافِ مَا لَوْ عَفَى عَنْهُ فَإِنَّهُ كَانَ لَهُ الْفَضْل وَالْمِنَّة وَجَزِيل ثَوَاب الْآخِرَة ، وَجَمِيل الثَّنَاء فِي الدُّنْيَا . وَقِيلَ : فَهُوَ مِثْله فِي أَنَّهُ قَاتَلَ ، وَإِنْ اِخْتَلَفَا فِي التَّحْرِيم وَالْإِبَاحَة ، لَكِنَّهُمَا اِسْتَوَيَا فِي إِطَاعَتهمَا الْغَضَب وَمُتَابَعَة الْهَوَى ، لَا سِيَّمَا وَقَدْ طَلَبَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهُ الْعَفْو ، وَإِنَّمَا قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا قَالَ بِهَذَا اللَّفْظ الَّذِي هُوَ صَادِق فِيهِ لِإِيهَامِ لِمَقْصُودٍ صَحِيح ، وَهُوَ أَنَّ الْوَلِيّ رُبَّمَا خَافَ فَعَفَا ، وَالْعَفْو مَصْلَحَة لِلْوَلِيِّ وَالْمَقْتُول فِي دِيَتهمَا لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( يَبُوء بِإِثْمِك وَإِثْم صَاحِبك ) .
وَفِيهِ : مَصْلَحَة لِلْجَانِي وَهُوَ إِنْقَاذه مِنْ الْقَتْل ، فَلَمَّا كَانَ الْعَفْو مَصْلَحَة تَوَصَّلَ إِلَيْهِ بِالتَّعْرِيضِ ، وَقَدْ قَالَ الضَّمْرِيّ وَغَيْره مِنْ عُلَمَاء أَصْحَابنَا وَغَيْرهمْ : يُسْتَحَبّ لِلْمُفْتِي إِذَا رَأَى مَصْلَحَة فِي التَّعْرِيض لِلْمُسْتَفْتِي أَنْ يُعَرِّض تَعْرِيضًا يَحْصُل بِهِ الْمَقْصُود ، مَعَ أَنَّهُ صَادِق فِيهِ ، قَالُوا : وَمِثَاله أَنْ يَسْأَلهُ إِنْسَان عَنْ الْقَاتِل ، هَلْ لَهُ تَوْبَة ؟ وَيَظْهَر لِلْمُفْتِي بِقَرِينَةٍ أَنَّهُ إِنْ أَفْتَى بِأَنَّ لَهُ تَوْبَة تَرَتَّبَ عَلَيْهِ مَفْسَدَة ، وَهِيَ أَنَّ السَّائِل يَسْتَهْوِنُ الْقَتْل لِكَوْنِهِ يَجِد بَعْد ذَلِكَ مِنْهُ مَخْرَجًا ، فَيَقُول الْمُفْتِي الْحَالَة هَذِهِ : صَحَّ عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّهُ قَالَ : لَا تَوْبَة لِقَاتِلٍ ، فَهُوَ صَادِق فِي أَنَّهُ صَحَّ عَنْ اِبْن عَبَّاس ، وَإِنْ كَانَ الْمُفْتِي لَا يَعْتَقِد ذَلِكَ ، وَلَا يُوَافِق اِبْن عَبَّاس فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَة ، لَكِنَّ السَّائِل إِنَّمَا يُفْهَم مِنْهُ مُوَافَقَته اِبْن عَبَّاس فَيَكُون سَبَبًا لِزَجْرِهِ ، فَهَكَذَا وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ كَمَنْ يَسْأَل عَنْ الْغِيبَة فِي الصَّوْم ، وَهَلْ يُفْطِر بِهَا ؟ فَيَقُول : جَاءَ فِي الْحَدِيث : " الْغِيبَة تُفْطِر الصَّائِم " وَاللَّهُ أَعْلَم .
وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَمَا تُرِيد أَنْ يَبُوء بِإِثْمِك وَإِثْم صَاحِبك )
فَقِيلَ : مَعْنَاهُ يَتَحَمَّل إِثْم الْمَقْتُول بِإِتْلَافِهِ مُهْجَته ، وَإِثْم الْوَلِيّ لِكَوْنِهِ فَجَعَهُ فِي أَخِيهِ ، وَيَكُون قَدْ أُوحِيَ إِلَيْهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ فِي هَذَا الرَّجُل خَاصَّة ، وَيَحْتَمِل أَنَّ مَعْنَاهُ يَكُون عَفْوُكَ عَنْهُ سَبَبًا لِسُقُوطِ إِثْمك وَإِثْم أَخِيك الْمَقْتُول ، وَالْمُرَاد إِثْمهمَا السَّابِق بِمَعَاصٍ لَهُمَا مُتَقَدِّمَة لَا تَعَلُّق لَهَا بِهَذَا الْقَاتِل ، فَيَكُون مَعْنَى يَبُوء : يَسْقُط ، وَأُطْلِقَ هَذَا اللَّفْظ عَلَيْهِ مَجَازًا قَالَ الْقَاضِي : وَفِي الْحَدِيث : أَنَّ قَتْل الْقِصَاص لَا يُكَفِّر ذَنْب الْقَاتِل بِالْكُلِّيَّةِ ، وَإِنْ كَفَّرَهَا بَيْنه وَبَيْن اللَّه تَعَالَى كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيث الْآخَر : " فَهُوَ كَفَّارَة لَهُ " وَيَبْقَى حَقّ الْمَقْتُول . وَاللَّهُ أَعْلَم .


3182 - ( قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْقَاتِل وَالْمَقْتُول فِي النَّار )
فَلَيْسَ الْمُرَاد بِهِ فِي هَذَيْنِ ، فَكَيْف تَصِحّ إِرَادَتهمَا مَعَ أَنَّهُ إِنَّمَا أَخَذَهُ لِيَقْتُلهُ بِأَمْرِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، بَلْ الْمُرَاد غَيْرهمَا ، وَهُوَ إِذَا اِلْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فِي الْمُقَاتَلَة الْمُحَرَّمَة كَالْقِتَالِ عَصَبِيَّة وَنَحْو ذَلِكَ ، فَالْقَاتِل وَالْمَقْتُول فِي النَّار ، وَالْمُرَاد بِهِ التَّعْرِيض كَمَا ذَكَرْنَاهُ . وَسَبَب قَوْله مَا قَدَّمْنَاهُ لِكَوْنِ الْوَلِيّ يَفْهَم مِنْهُ دُخُوله فِي مَعْنَاهُ ، وَلِهَذَا تَرَكَ قَتْله فَحَصَلَ الْمَقْصُود . وَاللَّهُ أَعْلَم .


3183 - قَوْله : إِنَّ اِمْرَأَتَيْنِ مِنْ هُذَيْل رَمَتْ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى فَطَرَحَتْ جَنِينهَا فَقَضَى فِيهِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِغُرَّةٍ : عَبْد أَوْ أَمَة ) وَفِي رِوَايَة : ( أَنَّهَا ضَرَبَتْهَا بِعَمُودِ فُسْطَاط وَهِيَ حُبْلَى فَقَتَلَهَا ) . قَوْله : ( أَنَّ اِمْرَأَتَيْنِ مِنْ هُذَيْل ) وَفِي رِوَايَة ( اِمْرَأَة مِنْ بَنِي لِحْيَان الْمَشْهُور كَسْر اللَّام فِي لِحْيَان ، وَرُوِيَ فَتْحهَا . وَلِحْيَان : بَطْن مِنْ هُذَيْل .
أَمَّا قَوْله : ( بِغُرَّةٍ : عَبْد ) ، فَضَبَطْنَاهُ عَلَى شُيُوخنَا فِي الْحَدِيث وَالْفِقْه بِغُرَّةٍ بِالتَّنْوِينِ ، وَهَكَذَا قَيَّدَهُ جَمَاهِير الْعُلَمَاء فِي كُتُبهمْ ، وَفِي مُصَنَّفَاتهمْ فِي هَذَا ، وَفِي شُرُوحهمْ . وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاض : الرِّوَايَة فِيهِ ( بِغُرَّةٍ ) بِالتَّنْوِينِ ، وَمَا بَعْده بَدَل مِنْهُ ، قَالَ : وَرَوَاهُ بَعْضهمْ بِالْإِضَافَةِ ، قَالَ : وَالْأَوَّل أَوْجَه وَأَقْيَس . وَذَكَرَ صَاحِب الْمَطَالِع الْوَجْهَيْنِ ثُمَّ قَالَ : الصَّوَاب رِوَايَة التَّنْوِين ، قُلْنَا : وَمِمَّا يُؤَيِّدهُ وَيُوَضِّحهُ رِوَايَة الْبُخَارِيّ فِي صَحِيحه فِي كِتَاب الدِّيَات فِي بَاب دِيَة جَنِين الْمَرْأَة عَنْ الْمُغِيرَة بْن شُعْبَة ، قَالَ : " قَضَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْغُرَّةِ عَبْدًا أَوْ أَمَة " ، وَقَدْ فَسَّرَ الْغُرَّة فِي الْحَدِيث بِعَبْدٍ أَوْ أَمَة ، قَالَ الْعُلَمَاء : وَ ( أَوْ ) هُنَا لِلتَّقْسِيمِ لَا لِلشَّكِّ ، وَالْمُرَاد بِالْغُرَّةِ عَبْد أَوْ أَمَة ، وَهُوَ اِسْم لِكُلِّ وَاحِد مِنْهُمَا ، قَالَ الْجَوْهَرِيّ : كَأَنَّهُ عَبَّرَ بِالْغُرَّةِ عَنْ الْجِسْم كُلّه كَمَا قَالُوا : أَعْتَقَ رَقَبَة ، وَأَصْل الْغُرَّة بَيَاض فِي الْوَجْه ، وَلِهَذَا قَالَ أَبُو عَمْرو : وَالْمُرَاد بِالْغُرَّةِ الْأَبْيَض مِنْهُمَا خَاصَّة ، قَالَ : وَلَا يَجْزِي الْأَسْوَد ، قَالَ : وَلَوْلَا أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرَادَ بِالْغُرَّةِ مَعْنًى زَائِدًا عَلَى شَخْص الْعَبْد وَالْأَمَة ، لَمَا ذَكَرَهَا ، وَلَاقْتَصَرَ عَلَى قَوْله : ( عَبْد أَوْ أَمَة ) ، هَذَا قَوْل أَبِي عَمْرو ، وَهُوَ خِلَاف مَا اِتَّفَقَ عَلَيْهِ الْفُقَهَاء أَنَّهُ تَجْزِي فِيهَا السَّوْدَاء ، وَلَا تَتَعَيَّن الْبَيْضَاء ، وَإِنَّمَا الْمُعْتَبَر عِنْدهمْ أَنْ تَكُون قِيمَتهَا عُشْر دِيَة الْأُمّ ، أَوْ نِصْف عَشْر دِيَة الْأَب ، قَالَ أَهْل اللُّغَة : الْغُرَّة عِنْد الْعَرَب أَنْفَس الشَّيْء ، وَأُطْلِقَتْ هُنَا عَلَى الْإِنْسَان ؛ لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى خَلَقَهُ فِي أَحْسَن تَقْوِيم . وَأَمَّا مَا جَاءَ فِي بَعْض الرِّوَايَات فِي غَيْر الصَّحِيح : ( بِغُرَّةٍ عَبْد أَوْ أَمَة أَوْ فَرَس أَوْ بَغْل ) فَرِوَايَة بَاطِلَة ، وَقَدْ أَخَذَ بِهَا بَعْض السَّلَف ، وَحُكِيَ عَنْ طَاوُسٍ وَعَطَاء وَمُجَاهِد : أَنَّهَا عَبْد أَوْ أَمَة أَوْ فَرَس ، وَقَالَ دَاوُدَ : كُلّ مَا وَقَعَ عَلَيْهِ اِسْم الْغُرَّة يَجْزِي . وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّ دِيَة الْجَنِين هِيَ الْغُرَّة ، سَوَاء كَانَ الْجَنِين ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى ، قَالَ الْعُلَمَاء : وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَخْفَى فَيَكْثُر فِيهِ النِّزَاع فَضَبَطَهُ الشَّرْع بِضَابِطٍ يَقْطَع النِّزَاع ، وَسَوَاء كَانَ خَلْقه كَامِل الْأَعْضَاء أَوْ نَاقِصهَا أَوْ كَانَ مُضْغَة تَصَوَّرَ فِيهَا خَلْق آدَمِيّ ، فَفِي كُلّ ذَلِكَ الْغُرَّة بِالْإِجْمَاعِ ، ثُمَّ الْغُرَّة تَكُون لِوَرَثَتِهِ عَلَى مَوَارِيثهمْ الشَّرْعِيَّة ، وَهَذَا شَخْص يُورَث لَا يَرِث ، وَلَا يُعْرَف لَهُ نَظِير إِلَّا مَنْ بَعْضه حُرّ وَبَعْضه رَقِيق ، فَإِنَّهُ رَقِيق لَا يُورَث عِنْدنَا ، وَهَلْ يُورَث ؟ فِيهِ : قَوْلَانِ أَصَحّهمَا : يُورَث ، وَهَذَا مَذْهَبنَا وَمَذْهَب الْجَمَاهِير ، وَحَكَى الْقَاضِي عَنْ بَعْض الْعُلَمَاء أَنَّ الْجَنِين كَعُضْوٍ مِنْ أَعْضَاء الْأُمّ فَتَكُون دِيَته لَهَا خَاصَّة .
وَاعْلَمْ أَنَّ الْمُرَاد بِهَذَا كُلّه إِذَا اِنْفَصَلَ الْجَنِين مَيِّتًا أَمَّا إِذَا اِنْفَصَلَ حَيًّا ثُمَّ مَاتَ فَيَجِب فِيهِ كَمَالِ دِيَة الْكَبِير ، فَإِنْ كَانَ ذَكَرًا وَجَبَ مِائَة بَعِير ، وَإِنْ كَانَ أُنْثَى فَخَمْسُونَ ، وَهَذَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ ، وَسَوَاء فِي هَذَا كُلّه الْعَمْد وَالْخَطَأ ، وَمَتَى وَجَبَتْ الْغُرَّة فَهِيَ عَلَى الْعَاقِلَة ، لَا عَلَى الْجَانِي ، هَذَا مَذْهَب الشَّافِعِيّ وَأَبِي حَنِيفَة وَسَائِر الْكُوفِيِّينَ - رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ - وَقَالَ مَالِك وَالْبَصْرِيُّونَ : تَجِب عَلَى الْجَانِي ، وَقَالَ الشَّافِعِيّ وَآخَرُونَ : يَلْزَم الْجَانِيَ الْكَفَّارَةُ ، وَقَالَ بَعْضهمْ : لَا كَفَّارَة عَلَيْهِ ، وَهُوَ مَذْهَب مَالِك وَأَبِي حَنِيفَة - رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا - . وَاللَّهُ أَعْلَم .


3184 - قَوْله : ( قَضَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي جَنِين اِمْرَأَة مِنْ بَنِي لِحْيَان سَقَطَ مَيِّتًا بِغُرَّةٍ : عَبْد أَوْ أَمَة ، ثُمَّ إِنَّ الْمَرْأَة الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا بِالْغُرَّةِ تُوُفِّيَتْ فَقَضَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنَّ مِيرَاثهَا لِبَنِيهَا وَزَوْجهَا ، وَأَنَّ الْعَقْل عَلَى عَصَبَتهَا )
قَالَ الْعُلَمَاء : هَذَا الْكَلَام قَدْ يُوهِم خِلَاف مُرَاده ، وَالصَّوَاب أَنَّ الْمَرْأَة الَّتِي مَاتَتْ هِيَ الْمَجْنِيّ عَلَيْهَا أُمّ الْجَنِين لَا الْجَانِيَة ، وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ فِي الْحَدِيث بَعْده بِقَوْلِهِ : ( فَقَتَلَهَا وَمَا فِي بَطْنهَا ) فَيَكُون الْمُرَاد بِقَوْلِهِ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا بِالْغُرَّةِ ، أَيْ : الَّتِي قَضَى لَهَا بِالْغُرَّةِ ، فَعَبَّرَ بِعَلَيْهَا عَنْ لَهَا .
وَأَمَّا قَوْله : ( وَالْعَقْل عَلَى عَصَبَتهَا ) فَالْمُرَاد عَصَبَة الْقَاتِلَة .


3185 - قَوْله : ( فَرَمَتْ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى بِحَجَرٍ فَقَتَلَتْهَا وَمَا فِي بَطْنهَا فَقَضَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِدِيَةِ الْمَرْأَة عَلَى عَاقِلَتهَا )
وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى ( أَنَّهَا ضَرَبَتْهَا بِعَمُودِ فُسْطَاط ) هَذَا : مَحْمُول عَلَى حَجَر صَغِير وَعَمُود لَا يُقْصَد بِهِ الْقَتْل غَالِبًا ، فَيَكُون شِبْه عَمْد تَجِب فِيهِ الدِّيَة عَلَى الْعَاقِلَة ، وَلَا يَجِب فِيهِ قِصَاص ، وَلَا دِيَة عَلَى الْجَانِي ، وَهَذَا مَذْهَب الشَّافِعِيّ وَالْجَمَاهِير .
قَوْله : ( فَقَالَ حَمَلُ بْن النَّابِغَة الْهُذَلِيّ : يَا رَسُول اللَّه كَيْف أَغْرَمُ مَنْ لَا شَرِبَ وَلَا أَكَلَ وَلَا نَطَقَ وَلَا اِسْتَهَلَّ ؟ فَمِثْل ذَلِكَ يُطَلُّ ، فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّمَا هَذَا مِنْ إِخْوَان الْكُهَّان ، مِنْ أَجْل سَجْعه الَّذِي سَجَعَ )
أَمَّا قَوْله : ( حَمَل بْن النَّابِغَة ) فَنَسَبَهُ إِلَى جَدّه ، وَهُوَ حَمَل بْنُ مَالِك بْن النَّابِغَة ، ( وَحَمَل ) بِفَتْحِ الْحَاء الْمُهْمَلَة وَالْمِيم .
وَأَمَّا قَوْله : ( فَمِثْل ذَلِكَ يُطَلّ ) فَرُوِيَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرهمَا بِوَجْهَيْنِ : أَحَدهمَا : يُطَلّ بِضَمِّ الْيَاء الْمُثَنَّاة وَتَشْدِيد اللَّام ، وَمَعْنَاهُ : يُهْدَر وَيُلْغَى وَلَا يُضْمَن ، وَالثَّانِي : بَطَلَ بِفَتْحِ الْبَاء الْمُوَحَّدَة وَتَخْفِيف اللَّام عَلَى أَنَّهُ فِعْل مَاضٍ مِنْ الْبُطْلَان ، وَهُوَ بِمَعْنَى الْمُلْغَى أَيْضًا ، وَأَكْثَر نُسَخ بِلَادنَا بِالْمُثَنَّاةِ ، وَنَقَلَ الْقَاضِي أَنَّ جُمْهُور الرُّوَاة فِي صَحِيح مُسْلِم ضَبَطُوهُ بِالْمُوَحَّدَةِ . قَالَ أَهْل اللُّغَة : يُقَال : طُلَّ دَمه بِضَمِّ الطَّاء ، وَأَطَلَّ ، أَيْ أَهْدَرَ ، وَأَطَلَّهُ الْحَاكِم وَطَلّه : أَهْدَرَهُ ، وَجَوَّزَ بَعْضُهُمْ طَلّ دَمه بِفَتْحِ الطَّاء فِي اللَّازِم ، وَأَبَاهَا الْأَكْثَرُونَ .
وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّمَا هَذَا مِنْ إِخْوَان الْكُهَّان مِنْ أَجْل سَجْعه ) وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى : سَجْع كَسَجْعِ الْأَعْرَاب ) فَقَالَ الْعُلَمَاء : إِنَّمَا ذَمّ سَجْعه لِوَجْهَيْنِ : أَحَدهمَا : أَنَّهُ عَارَضَ بِهِ حُكْم الشَّرْع وَرَامَ إِبْطَاله .
وَالثَّانِي : أَنَّهُ تَكَلَّفَهُ فِي مُخَاطَبَته ، وَهَذَانِ الْوَجْهَانِ مِنْ السَّجْع مَذْمُومَانِ .
وَأَمَّا السَّجْع الَّذِي كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولهُ فِي بَعْض الْأَوْقَات وَهُوَ مَشْهُور فِي الْحَدِيث فَلَيْسَ مِنْ هَذَا ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعَارِض بِهِ حُكْم الشَّرْع ، وَلَا يَتَكَلَّفهُ ، فَلَا نَهْي فِيهِ ، بَلْ هُوَ حَسَن ، وَيُؤَيِّد مَا ذَكَرنَا مِنْ التَّأْوِيل قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( كَسَجْعِ الْأَعْرَاب ) ، فَأَشَارَ إِلَى أَنَّ بَعْض السَّجْع هُوَ الْمَذْمُوم . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .


3186 - قَوْله : ( ضَرَبَتْ اِمْرَأَة ضَرَّتهَا )
قَالَ أَهْل اللُّغَة : كُلّ وَاحِدَة مِنْ زَوْجَتَيِّ الرَّجُل ضَرَّة لِلْأُخْرَى ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِحُصُولِ الْمُضَارَّة بَيْنهمَا فِي الْعَادَة ، وَتَضَرُّر كُلّ وَاحِدَة بِالْأُخْرَى .
قَوْله : ( فَجَعَلَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دِيَة الْمَقْتُولَة عَلَى عَصَبَة الْقَاتِلَة )
هَذَا دَلِيل لِمَا قَالَهُ الْفُقَهَاء أَنَّ دِيَة الْخَطَأ عَلَى الْعَاقِلَة إِنَّمَا تَخْتَصّ بِعَصَبَاتِ الْقَاتِل سِوَى أَبْنَائِهِ وَآبَائِهِ .


3188 - قَوْله : ( اِسْتَشَارَ عُمَر بْن الْخَطَّاب - رَضِيَ اللَّه عَنْهُ - النَّاس فِي مِلَاص الْمَرْأَة )
فِي جَمِيع نُسَخ مُسْلِم ( مِلَاص ) بِكَسْرِ الْمِيم وَتَخْفِيف اللَّام وَبِصَادٍ مُهْمَلَة ، وَهُوَ جَنِين الْمَرْأَة ، وَالْمَعْرُوف فِي اللُّغَة ( إِمْلَاص ) الْمَرْأَة بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَة قَالَ أَهْل اللُّغَة : يُقَال : أَمْلَصَتْ بِهِ ، وَأَزْلَقَتْ بِهِ ، وَأَمْهَلَتْ بِهِ ، وَأَخْطَأَتْ بِهِ ، كُلّه بِمَعْنًى ، وَهُوَ إِذَا وَضَعَتْهُ قَبْل أَوَانه ، وَكُلّ مَا زَلَقَ مِنْ الْيَد فَقَدْ مَلِصَ بِفَتْحِ الْمِيم وَكَسْر اللَّام مَلَصًا بِفَتْحِهَا ، وَأَمْلَصَ أَيْضًا لُغَتَانِ ، وَأَمْلَصْته أَنَا ، وَقَدْ ذَكَرَ الْحُمَيْدِيّ هَذَا الْحَدِيث فِي الْجَمْع بَيْن الصَّحِيحَيْنِ ، فَقَالَ : إِمْلَاص بِالْهَمْزَةِ كَمَا هُوَ الْمَعْرُوف فِي اللُّغَة . قَالَ الْقَاضِي : قَدْ جَاءَ مَلِصَ الشَّيْء إِذَا أَفْلَتَ ، فَإِنْ أُرِيدَ بِهِ الْجَنِين صَحَّ مِلَاص مِثْل لَزِمَ لِزَامًا . وَاللَّهُ أَعْلَم .
قَوْله : ( حَدَّثَنَا وَكِيع عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة عَنْ أَبِيهِ عَنْ الْمِسْوَر بْن مَخْرَمَةَ قَالَ : اِسْتَشَارَ عُمَر بْنُ الْخَطَّاب - رَضِيَ اللَّه عَنْهُ - النَّاس فِي مِلَاص الْمَرْأَة )
هَذَا الْحَدِيث مِمَّا اِسْتَدْرَكَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ عَلَى مُسْلِم ، فَقَالَ : وَهِمَ وَكِيع فِي هَذَا الْحَدِيث ، وَخَالَفَهُ أَصْحَاب هِشَام . فَلَمْ يَذْكُرُوا فِيهِ الْمِسْوَر ، وَهُوَ الصَّوَاب ، وَلَمْ يَذْكُر مُسْلِم فِي حَدِيث وَكِيع ، وَذَكَرَ الْبُخَارِيّ حَدِيث مَنْ خَالَفَهُ وَهُوَ الصَّوَاب . هَذَا قَوْل الدَّارَقُطْنِيِّ ، وَفِي الْبُخَارِيّ عَنْ هِشَام عَنْ أَبِيهِ عَنْ الْمُغِيرَة " أَنَّ عُمَر - رَضِيَ اللَّه عَنْهُ - سَأَلَ عَنْ إِمْلَاص الْمَرْأَة " ، وَلَا بُدّ مِنْ ذِكْر الْمِسْوَر وَعُرْوَة لِيَتَّصِل الْحَدِيث ، فَإِنَّ عُرْوَة لَمْ يُدْرِك عُمَر بْن الْخَطَّاب - رَضِيَ اللَّه عَنْهُ - .