Contents

الواجهة
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد
مقدمة
باب الألف
باب الثاء
باب الجيم
باب الحاء
باب الخاء
باب الدال
باب الراء
باب الزاي
تابع باب الزاء
تابع لحرف الزاء
تابع لحرف الزاء
باب الطاء
باب الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع حرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
باب النون
باب الصاد
باب الضاد
باب العين
تابع لحرف العين
تابع حرف العين
تابع لحرف العين
تابع لحرف العين
باب القاف
باب السين
باب الشين
باب الهاء
باب الواو
باب الياء
تابع باب الياء
باب الكني
باب بلاغات مالك ومرسلاته
باب مافي هذا الديوان من حديث مالك الذي ثبتت عليه أبوابه خاصة
الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج
الديباج - جزء 1
الديباج - جزء 2
الديباج - جزء 3
الديباج - جزء 4
الديباج - جزء 5
الديباج - جزء 6
المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج
المنهاج - مقدمة
المنهاج - الإيمان
المنهاج - الطهارة
المنهاج - الحيض
المنهاج - الصَّلَاة
المنهاج - المساجد ومواضع الصلاة
المنهاج - صلاة المسافرين وقصرها
المنهاج - بَاب صَلَاة الْجُمُعَة
المنهاج - بَاب صَلَاة الْعِيدَيْنِ
المنهاج - بَاب الدُّعَاء فِي صَلَاة الِاسْتِسْقَاء
المنهاج - بَاب صَلَاة الْكُسُوف
المنهاج - كِتَاب الْجَنَائِز
المنهاج - الزكاة
المنهاج - كِتَاب الصِّيَام
المنهاج - كِتَاب الِاعْتِكَاف
المنهاج - كِتَاب الْحَجّ
المنهاج - كِتَاب النِّكَاح
المنهاج - الرضاعة
المنهاج - الطلاق
المنهاج - اللِّعَان
المنهاج - العتق
المنهاج - البيوع
المنهاج - المساقاة
المنهاج - الفرائض
المنهاج - الهبات
المنهاج - الوصية
المنهاج - النذر
المنهاج - الأيمان
المنهاج - القسامة
المنهاج - الحدود
المنهاج - الأقضية
المنهاج - اللقطة
المنهاج - الجهاد والسير
المنهاج - الإمارة
المنهاج - الصيد والذبائح
المنهاج - كِتَاب الْأَضْاحَي
المنهاج - الأشربة
المنهاج - اللباس والزينة
المنهاج - الآداب
المنهاج - السلام
المنهاج - الألفاظ من الأدب وغيرها
المنهاج - الشعر
المنهاج - الرؤيا
المنهاج - الفضائل
المنهاج - فضائل الصحابة
المنهاج - البر والصلة والآداب
المنهاج - القدر
المنهاج - العلم
المنهاج - الذكر والدعاء
المنهاج - التوبة
المنهاج - صفات المنافقين
المنهاج - صفة القيامة والجنة والنار
المنهاج - الجنة وصفة نعيمها وأهلها
المنهاج - الفتن وأشراط الساعة
المنهاج - الزهد والرقائق
المنهاج - التفسير
تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي
أبواب الطهارة
أبواب الصلاة
تابع أبواب الصلاة
أبواب الوتر
أبواب الجمعة
تابع لأبواب الجمعة
أبواب العيدين
أبواب السفر
ابواب الزكاة
أبواب الصوم
أبواب الحج
تابع أبواب الحج
أبواب الجنائز
أبواب النكاح
أبواب الرضاع
أبواب الطلاق واللعان
ابواب البيوع
أبواب الأحكام
أبواب الديات
ابواب الحدود
تابع أبواب الحدود
أبواب الصيد
أبواب الأضاحي
أبواب النذور والأيمان
أبواب السير
أبواب الجهاد
أبواب اللباس
أبواب الأطعمة
أبواب الأشربة
تابع أبواب الأشربة
أبواب البر و الصله عن رسول الله صلى الله عليه و آله سلم
أبواب الطب عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الفرائض عن الرسول صلى الله عليه و سلم
أبواب الوصايا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الولاء و الهبة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب القدر عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم
أبواب الفتن عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الرؤيا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الشهادات عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
تابع لأبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صِفَةُ القِيامَة
أبواب صفة الجنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صفة جهنم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإيمان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب العلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإستئذان والآداب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب العلم
أبواب الأمثال
أبواب فضائل القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب القراءات عن رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم
أبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الدعوات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أحاديث شتى من أبواب الدعوات
المناقب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
مناقب الصحابة رضوان الله عليهم
تنوير الحوالك شرح موطأ مالك
كتاب وقوت الصلاة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب السهو
كتاب الجمعة
كتاب الصلاة في رمضان
كتاب صلاة الليل
كتاب صلاة الجماعة
كتاب قصر الصلاة في السفر
كتاب العيدين
كتاب صلاة الخوف
كتاب صلاة الكسوف
كتاب الاستسقاء
كتاب القبلة
كتاب القرآن
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب الجهاد
كتاب النذور و الأيمان
كتاب الضحايا
كتاب الذبائح
كتاب الصيد
كتاب العقيقة
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الرضاع
كتاب البيوع
كتاب القراض
كتاب المساقاة - كتاب كراء الأرض
كتاب الشفعة - كتاب الأقضية
كتاب الوصية - كتاب العتق والولاء
كتاب المكاتب - كتاب المدبر
كتاب الحدود
كتاب الأشربة - كتاب العقول
كتاب القسامة - كتاب الجامع
كتاب القدر - كتاب حسن الخلق
كتاب اللباس - كتاب صفة النبي
كتاب العين - كتاب الشعر
كتاب الرؤيا - كتاب السلام
كتاب الاستئذان والتشميت والصور والتماثيل وغيرها
كتاب البيعة - كتاب الكلام والعينة والتقى
كتاب جهنم - كتاب الصدقة
كتاب العلم - كتاب دعوة المظلوم - كتاب أسماء النبي
حاشية السندي على سنن ابن ماجة
المقدمة
الطَّهَارَة وَسُنَنهَا
الصلاة
الْأَذَان
المساجد والجماعات
أَبْوَاب إِقَامَة الصَّلَاة
الجنائز
الصوم
الزكاة
النكاح
الطلاق
الكفارات
التجارات
الأحكام
الحدود
الديات
الوصايا
الْفَرَائِض
الجهاد
المناسك
الْأَضَاحِيّ
الذبائح
الصيد
الأطعمة
الأشربة
الطب
اللباس
الْآدَاب
الدُّعَاء
تعبير الرؤيا
الْفِتَن
الزُّهْد
شرح سنن ابن ماجه لمغلطاي
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح رياض الصالحين
شرح رياض الصالحين - 01
شرح رياض الصالحين - 02
شرح رياض الصالحين - 03
شرح رياض الصالحين - 04
شرح سنن أبي داود للعيني
مقدمة التحقيق
كتاب الطهارة
كِتابُ الصَلاَةِ
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
عون المعبود شرح سنن أبي داود
كتاب الطهارة
تابع كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
كتاب الزكاة
تابع لكتاب الزكاة
كتاب اللقطة
كتاب المناسك
تابع لكتاب المناسك
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الصيام
تابع لكتاب الصيام
أول كتاب الجهاد
أول كتاب الضحايا
تابع كتاب الضحايا
أول كتاب الصيد
أول كتاب الوصايا
أول كتاب الفرائض
أول كتاب الخراج والفيء والإمارة
أول كتاب الجنائز
تابع لكتاب الجنائز
كتاب الأيمان والنذور
كتاب البيوع
كتاب الإجارة
كتاب القضاء
تابع لكتاب القضاء
كتاب العلم
كتاب الأشربة
كتاب الأطعمة
كتاب الطب
كتاب الكهانة والتطير
كتاب العتق
أول كتاب الحروف والقراءات
أول كتاب الحمام
أول كتاب اللباس
أول كتاب الترجل
أول كتاب الخاتم
أول كتاب الفتن والملاحم
أول كتاب المهدي
أول كتاب الملاحم
أول كتاب الحدود
أول كتاب الديات
أول كتاب السنة
تابع لكتاب السنة
أول كتاب الأدب
أبواب السلام
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن حجر
فتح الباري - هدي الساري مقدمة فتح الباري
فتح الباري - كتاب بدء الوحي
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب العلم
فتح الباري - كتاب الوضوء
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
فتح الباري - كتاب مواقيت الصلاة
فتح الباري - كتاب الأذان
فتح الباري - كتاب الجمعة
فتح الباري - كتاب الخوف
فتح الباري - كتاب العيدين
فتح الباري - كتاب الوتر
فتح الباري - كتاب الاستسقاء
فتح الباري - كتاب الكسوف
فتح الباري - كتاب سجود القرآن
فتح الباري - كتاب تقصير الصلاة
فتح الباري - كتاب التهجد
فتح الباري - كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة
فتح الباري - كتاب العمل في الصلاة
فتح الباري - كتاب السهو
فتح الباري - كتاب الجنائز
فتح الباري - كتاب الزكاة
فتح الباري - كتاب الحج
فتح الباري - كتاب العمرة
فتح الباري - كتاب المحصر
فتح الباري - كتاب جزاء الصيد
فتح الباري - كتاب فضائل المدينة
فتح الباري - كتاب الصوم
فتح الباري - كتاب صلاة التراويح
فتح الباري - كتاب فضل ليلة القدر
فتح الباري - كتاب الإعتكاف
فتح الباري - كتاب البيوع
فتح الباري - كتاب السلم
فتح الباري - كتاب الشفعة
فتح الباري - كتاب الإجارة
فتح الباري - كتاب الحرث والمزارعة
فتح الباري - كتاب المساقاة
فتح الباري - كتاب الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس
فتح الباري - كتاب الخصومات
فتح الباري - كتاب اللقطة
فتح الباري - كتاب المظالم
فتح الباري - كتاب الشركة
فتح الباري - كتاب الرهن
فتح الباري - كتاب العتق
فتح الباري - كتاب المكاتب
فتح الباري - كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها
فتح الباري - كتاب الشهادات
فتح الباري - كتاب الصلح
فتح الباري - كتاب الشروط
فتح الباري - كتاب الوصايا
فتح الباري - كتاب الجهاد و السير
فتح الباري - كتاب فرض الخمس
فتح الباري - كتاب الجزية و الموادعة
فتح الباري - كتاب بدء الخلق
فتح الباري - كتاب أحاديث الأنبياء
فتح الباري - كتاب المناقب
فتح الباري - كتاب فضائل الصحابة
فتح الباري - كتاب مناقب الأنصار
فتح الباري - كتاب المغازي
فتح الباري - كتاب التفسير
فتح الباري - كتاب فضائل القرآن
فتح الباري - كتاب النكاح
فتح الباري - كتاب الطلاق
فتح الباري - كتاب النفقات
فتح الباري - كتاب الأطعمة
فتح الباري - كتاب العقيقة
فتح الباري - كتاب الذبائح والصيد
فتح الباري - كتاب الأضاحي
فتح الباري - كتاب الأشربة
فتح الباري - كتاب المرضى
فتح الباري - كتاب الطب
فتح الباري - كتاب اللباس
فتح الباري - كتاب الأدب
فتح الباري - كتاب الإستئذان
فتح الباري - كتاب الدعوات
فتح الباري - كتاب الرقاق
فتح الباري - كتاب القدر
فتح الباري - كتاب الأيمان والنذور
فتح الباري - كتاب كفارات الأيمان
فتح الباري - كتاب الفرائض
فتح الباري - كتاب الحدود
فتح الباري - كتاب الديات
فتح الباري - كتاب استتابة المرتدين
فتح الباري - كتاب الإكراه
فتح الباري - كتاب الحيل
فتح الباري - كتاب التعبير
فتح الباري - كتاب الفتن
فتح الباري - كتاب الأحكام
فتح الباري - كتاب التمني
فتح الباري - كتاب أخبار الأحاد
فتح الباري - كتاب الإعتصام بالسنة
فتح الباري - كتاب التوحيد
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن رجب
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
مقدمة
خطبة الكتاب
كتاب الإيمان
كتاب العلم
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصوم
كتاب فضائل القرآن
كتاب الدعوات
كتاب المناسك
كتاب البيوع
كتاب الفرائض والوصايا
كتاب النكاح
كتاب العتق
كتاب القصاص
كتاب الديات
كتاب الحدود
كتاب الإمارة والقضاء
كتاب الجهاد
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأطعمة
كتاب اللباس
كتاب الطب والرقى
كتاب الرؤيا
كتاب الآداب
كتاب الرقاق
كتاب الفتن
كتاب صفة القيامة والجنة والنار
كتاب الفضائل والشمائل
كتاب المناقب

 
عودة لموقع هاني الطنبور
هاني الطنبور
الصفحة السابقة الصفحة التالية
 
 

 

المنهاج - الفضائل

4221 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ اللَّه اِصْطَفَى كِنَانَة )
إِلَى آخِره اِسْتَدَلَّ بِهِ أَصْحَابنَا عَلَى أَنَّ غَيْر قُرَيْش مِنْ الْعَرَب لَيْسَ بِكُفْءٍ لَهُمْ ، وَلَا غَيْر بَنِي هَاشِم كُفُؤ لَهُمْ إِلَّا بَنِي الْمُطَّلِب ، فَإِنَّهُمْ هُمْ وَبَنُو هَاشِم شَيْءٌ وَاحِدٌ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْحَدِيث الصَّحِيح وَاللَّهُ أَعْلَمُ .


4222 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنِّي لَأَعْرِفُ حَجَرًا بِمَكَّة كَانَ يُسَلِّمُ عَلَيَّ قَبْل أَنْ أُبْعَثَ إِنِّي لَأَعْرِفُهُ الْآن )
فِيهِ مُعْجِزَة لَهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَفِي هَذَا إِثْبَات التَّمْيِيز فِي بَعْض الْجَمَادَات ، وَهُوَ مُوَافِق لِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي الْحِجَارَة : { وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ } وَقَوْله تَعَالَى : { وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ } وَفِي هَذِهِ الْآيَة خِلَاف مَشْهُور ، وَالصَّحِيح أَنَّهُ يُسَبِّحُ حَقِيقَة ، وَيَجْعَلُ اللَّه تَعَالَى فِيهِ تَمْيِيزًا بِحَسْبِهِ كَمَا ذَكَرْنَا ، وَمِنْهُ الْحَجَر الَّذِي فَرَّ بِثَوْبِ مُوسَى صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَكَلَام الذِّرَاع الْمَسْمُومَة ، وَمَشْي إِحْدَى الشَّجَرَتَيْنِ إِلَى الْأُخْرَى حِين دَعَاهُمَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأَشْبَاه ذَلِكَ .


4223 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَنَا سَيِّد وَلَد آدَم يَوْم الْقِيَامَة ، وَأَوَّل مَنْ يَنْشَقُّ عَنْهُ الْقَبْر ، وَأَوَّل شَافِع وَأَوَّل مُشَفَّع )
قَالَ الْهَرَوِيُّ : السَّيِّد هُوَ الَّذِي يَفُوقُ قَوْمه فِي الْخَيْر ، وَقَالَ غَيْره : هُوَ الَّذِي يُفْزَعُ إِلَيْهِ فِي النَّوَائِب وَالشَّدَائِد ، فَيَقُومُ بِأَمْرِهِمْ ، وَيَتَحَمَّلُ عَنْهُمْ مَكَارِههمْ ، وَيَدْفَعُهَا عَنْهُمْ . وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( يَوْم الْقِيَامَة ) مَعَ أَنَّهُ سَيِّدهمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة ، فَسَبَبُ التَّقْيِيد أَنَّ فِي يَوْم الْقِيَامَة يَظْهَرُ سُؤْدُده لِكُلِّ أَحَدٍ ، وَلَا يَبْقَى مُنَازِع ، وَلَا مُعَانِد ، وَنَحْوه ، بِخِلَافِ الدُّنْيَا فَقَدْ نَازَعَهُ ذَلِكَ فِيهَا مُلُوكُ الْكُفَّار وَزُعَمَاء الْمُشْرِكِينَ . وَهَذَا التَّقْيِيد قَرِيب مِنْ مَعْنَى قَوْله تَعَالَى : { لِمَنْ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ } مَعَ أَنَّ الْمُلْكَ لَهُ سُبْحَانه قَبْل ذَلِكَ ، لَكِنْ كَانَ فِي الدُّنْيَا مَنْ يَدَّعِي الْمُلْكَ ، أَوْ مَنْ يُضَافُ إِلَيْهِ مَجَازًا ، فَانْقَطَعَ كُلّ ذَلِكَ فِي الْآخِرَة . قَالَ الْعُلَمَاء : وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَنَا سَيِّد وَلَد آدَم ) لَمْ يَقُلْهُ فَخْرًا ، بَلْ صَرَّحَ بِنَفْيِ الْفَخْر فِي غَيْر مُسْلِم فِي الْحَدِيث الْمَشْهُور ( أَنَا سَيِّد وَلَد آدَم وَلَا فَخْرَ ) وَإِنَّمَا قَالَهُ لِوَجْهَيْنِ : أَحَدهمَا اِمْتِثَال قَوْله تَعَالَى : { وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّك فَحَدِّثْ } وَالثَّانِي أَنَّهُ مِنْ الْبَيَان الَّذِي يَجِبُ عَلَيْهِ تَبْلِيغه إِلَى أُمَّته لِيَعْرِفُوهُ ، وَيَعْتَقِدُوهُ ، وَيَعْمَلُوا بِمُقْتَضَاهُ ، وَيُوَقِّرُوهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا تَقْتَضِي مَرْتَبَتُهُ كَمَا أَمَرَهُمْ اللَّه تَعَالَى . وَهَذَا الْحَدِيث دَلِيل لِتَفْضِيلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْخَلْقِ كُلِّهِمْ ؛ لِأَنَّ مَذْهَب أَهْل السُّنَّة أَنَّ الْآدَمِيِّينَ أَفْضَل مِنْ الْمَلَائِكَة ، وَهُوَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَفْضَل الْآدَمِيِّينَ وَغَيْرهمْ . وَأَمَّا الْحَدِيث الْآخَر : " لَا تُفَضِّلُوا بَيْن الْأَنْبِيَاء " فَجَوَابه مِنْ خَمْسَة أَوْجُه : أَحَدهمَا أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَهُ قَبْل أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ سَيِّد وَلَد آدَم ، فَلَمَّا عَلِمَ أَخْبَرَ بِهِ . وَالثَّانِي قَالَهُ أَدَبًا وَتَوَاضُعًا . وَالثَّالِث أَنَّ النَّهْيَ إِنَّمَا هُوَ عَنْ تَفْضِيلٍ يُؤَدِّي إِلَى تَنْقِيص الْمَفْضُول . وَالرَّابِع إِنَّمَا نَهْيٌ عَنْ تَفْضِيلٍ يُؤَدِّي إِلَى الْخُصُومَة وَالْفِتْنَة كَمَا هُوَ الْمَشْهُور فِي سَبَب الْحَدِيث . وَالْخَامِس أَنَّ النَّهْيَ مُخْتَصٌّ بِالتَّفْضِيلِ فِي نَفْس النُّبُوَّة ، فَلَا تَفَاضُلَ فِيهَا ، وَإِنَّمَا التَّفَاضُل بِالْخَصَائِصِ وَفَضَائِل أُخْرَى وَلَا بُدَّ مِنْ اِعْتِقَادِ التَّفْضِيل ، فَقَدْ قَالَ اللَّه تَعَالَى { تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ } .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَأَوَّل شَافِع وَأَوَّل مُشَفَّع ) إِنَّمَا ذَكَرَ الثَّانِي لِأَنَّهُ قَدْ يَشْفَعُ اِثْنَانِ ، فَيَشْفَعُ الثَّانِي مِنْهُمَا قَبْل الْأَوَّل . وَاَللَّه أَعْلَم .


قَوْله فِي هَذِهِ الْأَحَادِيث فِي نَبْع الْمَاء مِنْ بَيْن أَصَابِعه ، وَتَكْثِيره ، وَتَكْثِير الطَّعَام . هَذِهِ كُلّهَا مُعْجِزَات ظَاهِرَات وُجِدَتْ مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَوَاطِن مُخْتَلِفَة ، وَعَلَى أَحْوَال مُتَغَايِرَة ، وَبَلَغَ مَجْمُوعهَا التَّوَاتُر . وَأَمَّا تَكْثِير الْمَاء فَقَدْ صَحَّ مِنْ رِوَايَة أَنَس وَابْن مَسْعُود وَجَابِر وَعِمْرَان بْن الْحُصَيْن ، وَكَذَا تَكْثِير الطَّعَام وُجِدَ مِنْهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَوَاطِن مُخْتَلِفَة ، وَعَلَى أَحْوَال كَثِيرَة ، وَصِفَات مُتَنَوِّعَة ، وَقَدْ سَبَقَ فِي كِتَاب الرُّقَى بَيَان حَقِيقَة الْمُعْجِزَة ، وَالْفَرْق بَيْنهَا وَبَيْن الْكَرَامَة ، وَسَبَقَ قَبْل ذَلِكَ بَيَانُ كَيْفِيَّة تَكْثِير الطَّعَام وَغَيْره .


4224 - قَوْله : ( فَأَتَى بِقَدَحٍ رَحْرَاحٍ )
هُوَ بِفَتْحِ الرَّاء وَإِسْكَان الْحَاء الْمُهْمَلَة ، وَيُقَالُ لَهُ : ( رَحْرَح ) بِحَذْفِ الْأَلْف ، وَهُوَ الْوَاسِع الْقَصِير الْجِدَار .
قَوْله : ( فَجَعَلْت أَنْظُرُ إِلَى الْمَاء يَنْبُعُ مِنْ بَيْن أَصَابِعه )
هُوَ بِضَمِّ الْبَاء وَفَتْحهَا وَكَسْرهَا ، ثَلَاث لُغَات . وَفِي كَيْفِيَّة هَذَا النَّبْع قَوْلَانِ حَكَاهُمَا الْقَاضِي وَغَيْره : أَحَدهمَا وَنَقَلَهُ الْقَاضِي عَنْ الْمُزَنِيِّ وَأَكْثَر الْعُلَمَاء أَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ الْمَاء كَانَ يَخْرُجُ مِنْ نَفْس أَصَابِعه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَيَنْبُعُ مِنْ ذَاتِهَا . قَالُوا : وَهُوَ أَعْظَم فِي الْمُعْجِزَة مِنْ نَبْعِهِ مِنْ حَجَرٍ ، وَيُؤَيِّدُ هَذَا أَنَّهُ جَاءَ فِي رِوَايَة : ( فَرَأَيْت الْمَاء يَنْبُعُ مِنْ أَصَابِعه ) .
وَالثَّانِي يَحْتَمِلُ أَنَّ اللَّه كَثَّرَ الْمَاء فِي ذَاته ، فَصَارَ يَفُورُ مِنْ بَيْن أَصَابِعه لَا مِنْ نَفْسهَا ، وَكِلَاهُمَا مُعْجِزَة ظَاهِرَة ، وَآيَة بَاهِرَة .


4225 - قَوْله ( فَالْتَمَسَ النَّاس الْوَضُوء )
هُوَ بِفَتْحِ الْوَاو عَلَى الْمَشْهُور ، وَهُوَ الْمَاء الَّذِي يُتَوَضَّأُ بِهِ ، وَسَبَقَ بَيَان لُغَاته فِي كِتَاب الطَّهَارَة .
قَوْله : ( حَتَّى تَوَضَّئُوا مِنْ عِنْد آخِرهمْ )
هَكَذَا هُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ : ( مِنْ عِنْد آخِرهمْ ) وَهُوَ صَحِيح ، وَ ( مِنْ ) هُنَا بِمَعْنَى ( إِلَى ) وَهِيَ لُغَة .


4226 - قَوْله : ( وَالْمَسْجِد فِيمَا ثَمَّةَ )
هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيع النُّسَخ ( ثَمَّةَ ) . قَالَ أَهْل اللُّغَة : ثَمَّ بِفَتْحِ الثَّاء وَ ( ثَمَّة ) بِالْهَاءِ بِمَعْنَى هُنَاكَ وَهُنَا ، فَثَمَّ لِلْبَعِيدِ ، وَثَمَّةَ لِلْقَرِيبِ .
قَوْله : ( كَانُوا زُهَاء الثَّلَاثمِائَةِ )
أَمَّا ( زُهَاء ) فَبِضَمِّ الزَّاي وَبِالْمَدِّ أَيْ قَدْر ثَلَاثمِائَةِ ، وَيُقَالُ أَيْضًا ( لَهَا ) بِاللَّامِ . وَقَالَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَة ( ثَلَاثمِائَةِ ) وَفِي الرِّوَايَة الَّتِي قَبْلهَا ( مَا بَيْن السِّتِّينَ إِلَى الثَّمَانِينَ ) . قَالَ الْعُلَمَاء : هُمَا قَضِيَّتَانِ جَرَتَا فِي وَقْتَيْنِ ، وَرَوَاهُمَا أَنَس . وَأَمَّا قَوْله الثَّلَاثمِائَةِ فَهَكَذَا هُوَ فِي جَمِيع النُّسَخ : ( الثَّلَاثمِائَةِ ) ، وَهُوَ صَحِيح ، وَسَبَقَ شَرْحه فِي كِتَاب الْإِيمَان فِي حَدِيث حُذَيْفَة ( اُكْتُبُوا لِي كَمْ بِلَفْظِ الْإِسْلَام ) .
قَوْله ( لَا يَغْمُرُ أَصَابِعَهُ )
أَيْ لَا يُغَطِّيهَا .


4227 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَوْ تَرَكْتِيهَا مَا زَالَ قَائِمًا )
أَيْ مَوْجُودًا حَاضِرًا .
قَوْله فِي حَدِيث الْمَرْأَة أَنَّهَا حِين عَصَرَتْ الْعُكَّة ذَهَبَتْ بَرَكَة السَّمْن ، وَفِي حَدِيث الرَّجُل حِين كَالَ الشَّعِير فَنِيَ ، وَمِثْله حَدِيث عَائِشَة حِين كَالَّتِي ا لشَّعِير فَفَنِيَ ، قَالَ الْعُلَمَاء : الْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ أَنَّ عَصْرَهَا وَكَيْلَهُ مُضَادَّةٌ لِلتَّسْلِيمِ وَالتَّوَكُّل عَلَى رِزْق اللَّه تَعَالَى ، وَيَتَضَمَّنُ التَّدْبِير ، وَالْأَخْذ بِالْحَوْلِ وَالْقُوَّة ، وَتَكَلُّف الْإِحَاطَة بِأَسْرَارِ حُكْمِ اللَّه تَعَالَى وَفَضْلِهِ ، فَعُوقِبَ فَاعِلُهُ بِزَوَالِهِ .


4229 - قَوْله فِي حَدِيث غَزْوَة تَبُوك : ( كَانَ يَجْمَعُ الصَّلَاة )
إِلَى آخِره هَذَا الْحَدِيث سَبَقَ فِي كِتَاب الصَّلَاة ، وَفِيهِ هَذِهِ الْمُعْجِزَة الظَّاهِرَة فِي تَكْثِير الْمَاء ، وَفِيهِ الْجَمْع بَيْن الصَّلَاتَيْنِ فِي السَّفَر .
قَوْله : ( وَالْعَيْنُ مِثْل الشِّرَاك تَبِضّ )
هَكَذَا ضَبَطْنَاهُ هُنَا ( تَبِضّ ) بِفَتْحِ التَّاء ، وَكَسْر الْمُوَحَّدَة ، وَتَشْدِيد الضَّاد الْمُعْجَمَة . وَنَقَلَ الْقَاضِي اِتِّفَاق الرُّوَاة هُنَا عَلَى أَنَّهُ بِالضَّادِ الْمُعْجَمَة ، وَمَعْنَاهُ تَسِيلُ . وَاخْتَلَفُوا فِي ضَبْطِهِ هُنَاكَ ، فَضَبَطَهُ بَعْضهمْ بِالْمُعْجَمَةِ ، وَبَعْضهمْ بِالْمُهْمَلَةِ أَيْ تَبْرُقُ . وَ ( الشِّرَاك ) بِكَسْرِ الشِّين وَهُوَ سَيْر النَّعْل ، وَمَعْنَاهُ مَاء قَلِيل جِدًّا .
قَوْله : ( فَجَرَتْ الْعَيْن بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ )
أَيْ كَثِير الصَّبّ وَالدَّفْع .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( قَدْ مُلِئَ جِنَانًا )
أَيْ بَسَاتِين وَعُمْرَانًا ، وَهُوَ جَمْع جَنَّة ، وَهُوَ أَيْضًا مِنْ الْمُعْجِزَات .


4230 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيقَة : ( اُخْرُصُوهَا )
هُوَ بِضَمِّ الرَّاء وَكَسْرهَا ، وَالضَّمّ أَشْهَر أَيْ اِحْزِرُوا كَمْ يَجِيءُ مِنْ تَمْرِهَا . فِيهِ اِسْتِحْبَاب اِمْتِحَان الْعَالِم أَصْحَابه بِمِثْلِ هَذَا التَّمْرِين . وَالْحَدِيقَة الْبُسْتَان مِنْ النَّخْل إِذَا كَانَ عَلَيْهِ حَائِط .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( سَتَهُبُّ عَلَيْكُمْ اللَّيْلَة رِيح شَدِيدَة فَلَا يَقُمْ فِيهَا أَحَد ، فَمَنْ كَانَ لَهُ بَعِير فَلْيَشُدَّ عِقَاله فَهَبَّتْ رِيح شَدِيدَة ، فَقَامَ رَجُل ، فَحَمَلَتْهُ الرِّيح حَتَّى أَلْقَتْهُ بِجَبَلَيْ طَيِّئ )
هَذَا الْحَدِيثُ فِيهِ هَذِهِ الْمُعْجِزَة الظَّاهِرَة مِنْ إِخْبَاره صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمَغِيبِ ، وَخَوْف الضَّرَر مِنْ الْقِيَام وَقْت الرِّيح ، وَفِيهِ مَا كَانَ عَلَيْهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الشَّفَقَة عَلَى أُمَّته ، وَالرَّحْمَة لَهُمْ ، وَالِاعْتِنَاء بِمَصَالِحِهِمْ ، وَتَحْذِيرهمْ مَا يَضُرُّهُمْ فِي دِينٍ أَوْ دُنْيَا . وَإِنَّمَا أَمَرَ بِشَدِّ عَقْل الْجِمَال لِئَلَّا يَنْفَلِتَ مِنْهَا شَيْء ، فَيَحْتَاج صَاحِبُهُ إِلَى الْقِيَام فِي طَلَبه ، فَيَلْحَقهُ ضَرَرُ الرِّيح وَجَبَلَا طَيِّئ مَشْهُورَانِ يُقَالُ لِأَحَدِهِمَا أَجَاء بِفَتْحِ الْهَمْزَة وَالْجِيم ، وَبِالْهَمْزِ ، وَالْآخَر سَلْمَى بِفَتْحِ السِّين . وَطَيِّئ بِيَاءٍ مُشَدَّدَة بَعْدهَا هَمْزَة عَلَى وَزْن سَيِّد ، وَهُوَ أَبُو قَبِيلَة مِنْ الْيُمْن ، وَهُوَ طَيِّئ بْن أُدَد بْن زَيْد بْن كَهْلَان بْن سَبَأ بْن حِمْيَر . قَالَ صَاحِب التَّحْرِير : وَطَيِّئ يُهْمَزُ وَلَا يُهْمَزُ لُغَتَانِ .
قَوْله : ( وَجَاءَ رَسُول اِبْن الْعَلْمَاء )
بِفَتْحِ الْعَيْن الْمُهْمَلَة وَإِسْكَان اللَّام وَبِالْمَدِّ .
قَوْله : ( وَأَهْدَى لَهُ بَغْلَة بَيْضَاء )
فِيهِ قَبُول هَدِيَّة الْكَافِر ، وَسَبَقَ بَيَان هَذَا الْحَدِيث ، وَمَا يُعَارِضُهُ فِي الظَّاهِر ، وَجَمَعْنَا بَيْنهمَا . وَهَذِهِ الْبَغْلَة هِيَ دُلْدُل بَغْلَة رَسُول اللَّه الْمَعْرُوفَة ، لَكِنْ ظَاهِر لَفْظه هُنَا أَنَّهُ أَهْدَاهَا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَة تَبُوك ، وَقَدْ كَانَتْ غَزْوَة تَبُوك سَنَة تِسْع مِنْ الْهِجْرَة ، وَقَدْ كَانَتْ هَذِهِ الْبَغْلَة عِنْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْل ذَلِكَ ، وَحَضَرَ عَلَيْهَا غَزَاة حُنَيْنٍ كَمَا هُوَ مَشْهُورٌ فِي الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة ، وَكَانَتْ حُنَيْن عَقِبَ فَتْح مَكَّة سَنَة ثَمَان . قَالَ الْقَاضِي : وَلَمْ يُرْوَ أَنَّهُ كَانَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَغْلَة غَيْرهَا . قَالَ : فَيُحْمَلُ قَوْله عَلَى أَنَّهُ أَهْدَاهَا لَهُ قَبْل ذَلِكَ ، وَقَدْ عَطَفَ الْإِهْدَاء عَلَى الْمَجِيءِ بِالْوَاوِ ، وَهِيَ لَا تَقْتَضِي التَّرْتِيب ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَهَذَا أُحُد وَهُوَ جَبَل يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ )
سَبَقَ شَرْحه فِي آخِر كِتَاب الْحَجّ .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( خَيْر دُور الْأَنْصَار دَار بَنِي النَّجَّار )
قَالَ الْقَاضِي : الْمُرَاد أَهْل الدُّور ، وَالْمُرَاد الْقَبَائِل ، وَإِنَّمَا فُضِّلَ بَنِي النَّجَّار لِسَبْقِهِمْ فِي الْإِسْلَام ، وَآثَارهمْ الْجَمِيلَة فِي الدِّينِ .
قَوْله : ( ثُمَّ دَار بَنِي عَبْد الْحَارِث بْن خَزْرَج )
هَكَذَا هُوَ فِي النُّسَخ : ( بَنِي عَبْد الْحَارِث ) ، وَكَذَا نَقَلَهُ الْقَاضِي . قَالَ : وَهُوَ خَطَأٌ مِنْ الرُّوَاة ، وَصَوَابه ( بَنِي الْحَارِث ) بِحَذْفِ لَفْظَة ( عَبْد ) .
قَوْله : ( وَكَتَبَ لَهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِبَحْرِهِمْ )
أَيْ بِبَلَدِهِمْ ، وَالْبِحَار الْقُرَى .


فِيهِ حَدِيث جَابِر وَفِيهِ بَيَان تَوَكُّل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى اللَّه ، وَعِصْمَة اللَّه تَعَالَى لَهُ مِنْ النَّاس كَمَا قَالَ اللَّه تَعَالَى : { وَاَللَّهُ يَعْصِمُك مِنْ النَّاسِ } وَفِيهِ جَوَاز الِاسْتِظْلَال بِأَشْجَارِ الْبَوَادِي ، وَتَعْلِيق السِّلَاح وَغَيْره فِيهَا ، وَجَوَاز الْمَنّ عَلَى الْكَافِر الْحَرْبِيّ وَإِطْلَاقه ، وَفِيهِ الْحَثّ عَلَى مُرَاقَبَة اللَّه تَعَالَى ، وَالْعَفْو وَالْحِلْم وَمُقَابَلَة السَّيِّئَة بِالْحَسَنَةِ .


4231 - قَوْله : ( فِي وَادٍ كَثِير الْعِضَاه )
هُوَ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَة وَالضَّاد الْمُعْجَمَة ، وَهِيَ كُلُّ شَجَرَة ذَات شَوْك .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ رَجُلًا أَتَانِي )
قَالَ الْعُلَمَاء هَذَا الرَّجُل اِسْمه ( غَوْرَث ) بِغَيْنٍ مُعْجَمَة ، وَثَاء مُثَلَّثَة ، وَالْغَيْنُ مَضْمُومَةٌ وَمَفْتُوحَةٌ ، وَحَكَى الْقَاضِي الْوَجْهَيْنِ ، ثُمَّ قَالَ : الصَّوَاب الْفَتْح . قَالَ : وَضَبَطَهُ بَعْض رُوَاة الْبُخَارِيّ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَة ، وَالصَّوَاب الْمُعْجَمَة . وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : هُوَ غُوَيْرِث ، أَوْ غَوْرَث ، عَلَى التَّصْغِير وَالشَّكّ ، وَهُوَ غَوْرَث بْن الْحَارِث . قَالَ الْقَاضِي : وَقَدْ جَاءَ فِي حَدِيث آخَر مِثْل هَذَا الْخَبَر ، وَسُمِّيَ الرَّجُل فِيهِ ( دُعْثُورًا ) .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَالسَّيْف صَلْتًا فِي يَده . . . إِلَى قَوْله فَشَامَ السَّيْف )
أَمَّا ( صَلْتًا )
فَبِفَتْحِ الصَّاد وَضَمّهَا أَيْ مَسْلُولًا .
وَأَمَّا ( شَامَهُ )
فَبِالشِّينِ الْمُعْجَمَة ، وَمَعْنَاهُ غَمَدَهُ وَرَدَّهُ فِي غِمْده . يُقَالُ : شَامَ السَّيْف إِذَا سَلَّهُ ، وَإِذَا أَغْمَدَهُ ، فَهُوَ مِنْ الْأَضْدَاد ، وَالْمُرَاد هُنَا أَغْمَدَهُ .


4232 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ مَثَلَ مَا بَعَثَنِي اللَّه بِهِ مِنْ الْهُدَى وَالْعِلْم كَمَثَلِ غَيْث أَصَابَ أَرْضًا ، فَكَانَتْ مِنْهَا طَائِفَة طَيِّبَة قَبِلَتْ الْمَاء ، فَأَنْبَتَتْ الْكَلَأ وَالْعُشْب الْكَثِير ، وَكَانَ مِنْهَا أَجَادِب أَمْسَكَتْ الْمَاء ، فَنَفَعَ اللَّه بِهَا النَّاس ، فَشَرِبُوا مِنْهَا وَسَقَوْا وَرَعَوْا ، وَأَصَابَ طَائِفَة مِنْهَا أُخْرَى إِنَّمَا هِيَ قِيعَان لَا تُمْسِك مَاء ، وَلَا تُنْبِت كَلَأ . فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقِهَ فِي دِين اللَّه وَنَفَعَهُ اللَّه بِمَا بَعَثَنِي اللَّه بِهِ فَعَلِمَ وَعَلَّمَ ، وَمَثَل مَنْ لَمْ يَرْفَع بِذَلِكَ رَأْسًا ، وَلَمْ يَقْبَل هُدَى اللَّه الَّذِي أُرْسِلْت بِهِ ) .
أَمَّا ( الْغَيْث )
فَهُوَ الْمَطَر .
وَأَمَّا ( الْعُشْب وَالْكَلَأ وَالْحَشِيش )
فَكُلّهَا أَسْمَاء لِلنَّبَاتِ ، لَكِنَّ الْحَشِيش مُخْتَصّ بِالْيَابِسِ ، وَالْعُشْب وَالْكَلَأ مَقْصُورًا مُخْتَصَّانِ بِالرَّطْبِ ، وَ ( الْكَلَأ ) بِالْهَمْزِ يَقَعُ عَلَى الْيَابِس وَالرَّطْب ، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ وَابْن فَارِس : الْكَلَأ يَقَعُ عَلَى الْيَابِس ، وَهَذَا شَاذٌّ ضَعِيفٌ .
وَأَمَّا ( الْأَجَادِب )
فَبِالْجِيمِ وَالدَّال الْمُهْمَلَة وَهِيَ الْأَرْض الَّتِي تُنْبِتُ كَلَأً . وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : هِيَ الْأَرْض الَّتِي تُمْسِكُ الْمَاء ، فَلَا يُسْرِعُ فِيهِ النُّضُوب . قَالَ اِبْن بَطَّال وَصَاحِب الْمَطَالِع وَآخَرُونَ : هُوَ جَمْع جَدْب عَلَى غَيْر قِيَاس كَمَا قَالُوا فِي حَسَن جَمْعه مَحَاسِن ، وَالْقِيَاس أَنَّ مَحَاسِن جَمْع مُحْسِن ، وَكَذَا قَالُوا مُشَابِه جَمْع شَبَه ، وَقِيَاسه أَنْ يَكُونَ جَمْع مُشَبَّه . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : وَقَالَ بَعْضهمْ : ( أَحَادِب ) بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَة وَالدَّال . قَالَ : وَلَيْسَ بِشَيْءٍ . قَالَ : وَقَالَ بَعْضُهُمْ : أَجَارِد بِالْجِيمِ وَالرَّاء وَالدَّال . قَالَ : وَهُوَ صَحِيحُ الْمَعْنَى إِنْ سَاعَدَتْهُ الرِّوَايَة . قَالَ الْأَصْمَعِيّ : الْأَجَارِد مِنْ الْأَرْض مَا لَا يُنْبِتُ الْكَلَأ .
مَعْنَاهُ أَنَّهَا جَرْدَاء هَزْرَة لَا يَسْتُرُهَا النَّبَات . قَالَ : وَقَالَ بَعْضهمْ : إِنَّمَا هِيَ ( أَخَاذَات ) بِالْخَاءِ وَالذَّال الْمُعْجَمَتَيْنِ وَبِالْأَلْفِ ، وَهُوَ جَمْع ( أَخَاذَة ) ، وَهِيَ الْغَدِير الَّذِي يُمْسِكُ الْمَاء . وَذَكَرَ صَاحِب الْمَطَالِع هَذِهِ الْأَوْجُه الَّتِي ذَكَرَهَا الْخَطَّابِيُّ ، فَجَعَلَهَا رِوَايَات مَنْقُولَة . وَقَالَ الْقَاضِي فِي الشَّرْح : لَمْ يَرِدْ هَذَا الْحَرْف فِي مُسْلِم ، وَلَا فِي غَيْره إِلَّا بِالدَّالِ الْمُهْمَلَة مِنْ الْجَدْب الَّذِي هُوَ ضِدُّ الْخِصْب . قَالَ : وَعَلَيْهِ شَرَحَ الشَّارِحُونَ .
وَأَمَّا ( الْقِيعَان )
فَبِكَسْرِ الْقَاف جَمْع الْقَاع ، وَهُوَ الْأَرْض الْمُسْتَوِيَة ، وَقِيلَ : الْمَلْسَاء ، وَقِيلَ : الَّتِي لَا نَبَات فِيهَا ، وَهَذَا هُوَ الْمُرَاد فِي هَذَا الْحَدِيث كَمَا صَرَّحَ بِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَيُجْمَعُ أَيْضًا عَلَى ( أَقْوُع وَأَقْوَاع ) . وَ ( الْقِيعَة ) بِكَسْرِ الْقَاف بِمَعْنَى الْقَاع ، قَالَ الْأَصْمَعِيّ : قَاعَة الدَّار سَاحَتهَا .
وَأَمَّا الْفِقْهُ
فِي اللُّغَة يُقَالُ مِنْهُ : فَقِهَ - بِكَسْرِ الْقَافِ يَفْقَهُ فِقْهًا بِفَتْحِهَا كَفَرِحَ يَفْرَحُ فَرَحًا ، وَقِيلَ : الْمَصْدَرُ فِقْهًا بِإِسْكَانِ الْقَاف . وَأَمَّا الْفِقْهُ الشَّرْعِيُّ فَقَالَ صَاحِبُ الْعَيْنِ وَالْهَرَوِيّ وَغَيْرهمَا : يُقَال مِنْهُ فَقُهَ بِضَمِّ الْقَاف . وَقَالَ اِبْن دُرَيْد : بِكَسْرِهَا كَالْأَوَّلِ . وَالْمُرَاد بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( فَقُهَ فِي دِين اللَّه ) هَذَا الثَّانِي فَيَكُونُ مَضْمُومَ الْقَاف عَلَى الْمَشْهُور ، وَعَلَى قَوْل اِبْن دُرَيْد بِكَسْرِهَا ، وَقَدْ رُوِيَ بِالْوَجْهَيْنِ ، وَالْمَشْهُور الضَّمّ .
وَأَمَّا
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَكَانَتْ مِنْهَا طَائِفَة طَيِّبَة قَبِلَتْ الْمَاء )
فَهَكَذَا هُوَ فِي جَمِيع نُسَخ مُسْلِم : ( طَائِفَة طَيِّبَة ) وَوَقَعَ فِي الْبُخَارِيّ ( فَكَانَ مِنْهُ نَقِيَّة قَبِلَتْ الْمَاء ) بِنُونٍ مَفْتُوحَة ثُمَّ قَاف مَكْسُورَة ثُمَّ يَاء مُثَنَّاة مِنْ تَحْتُ مُشَدَّدَة ، وَهُوَ بِمَعْنَى طَيِّبَة . هَذَا هُوَ الْمَشْهُور فِي رِوَايَات الْبُخَارِيّ . وَرَوَاهُ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْره ( ثَغْبَة ) بِالثَّاءِ الْمُثَلَّثَة وَالْغَيْن الْمُعْجَمَة وَالْبَاء الْمُوَحَّدَة . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : هُوَ مُسْتَنْقَع الْمَاء فِي الْجِبَال وَالصُّخُور ، وَهُوَ الثَّغْب أَيْضًا ، وَجَمْعه ثُغْبَان . قَالَ الْقَاضِي وَصَاحِب الْمَطَالِع : هَذِهِ الرِّوَايَة غَلَط مِنْ النَّاقِلِينَ ، وَتَصْحِيف وَإِحَالَة لِلْمَعْنَى ، لِأَنَّهُ إِنَّمَا جُعِلَتْ هَذِهِ الطَّائِفَة الْأُولَى مَثَلًا لِمَا يَنْبُتُ ، وَالثَّغْبَة لَا تُنْبِتُ .
وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَسَقَوْا )
فَقَالَ أَهْل اللُّغَة : سَقَى وَأَسْقَى بِمَعْنَى لُغَتَانِ ، وَقِيلَ : سَقَاهُ نَاوَلَهُ لِيَشْرَب ، وَأَسْقَاهُ جَعَلَ لَهُ سَقْيًا .
وَأَمَّا
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَرَعَوْا )
فَهُوَ بِالرَّاءِ مِنْ الرَّعْي . هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيع نُسَخ مُسْلِم . وَوَقَعَ فِي الْبُخَارِيّ : ( وَزَرَعُوا ) وَكِلَاهُمَا صَحِيح . وَاَللَّه أَعْلَم .
أَمَّا مَعَانِي الْحَدِيث وَمَقْصُوده فَهُوَ تَمْثِيل الْهُدَى الَّذِي جَاءَ بِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْغَيْثِ ، وَمَعْنَاهُ أَنَّ الْأَرْض ثَلَاثَة أَنْوَاع ، وَكَذَلِكَ النَّاس . فَالنَّوْع الْأَوَّل مِنْ الْأَرْض يَنْتَفِع بِالْمَطَرِ فَيَحْيَى بَعْد أَنْ كَانَ مَيِّتًا ، وَيُنْبِتُ الْكَلَأ ، فَتَنْتَفِعُ بِهَا النَّاس وَالدَّوَابّ وَالزَّرْع وَغَيْرهَا ، وَكَذَا النَّوْع الْأَوَّل مِنْ النَّاس ، يَبْلُغُهُ الْهُدَى وَالْعِلْم فَيَحْفَظُهُ فَيَحْيَا قَلْبه ، وَيَعْمَلُ بِهِ ، وَيُعَلِّمُهُ غَيْره ، فَيَنْتَفِعُ وَيَنْفَعُ . وَالنَّوْع الثَّانِي مِنْ الْأَرْض مَا لَا تَقْبَلُ الِانْتِفَاع فِي نَفْسهَا ، لَكِنْ فِيهَا فَائِدَة ، وَهِيَ إِمْسَاك الْمَاء لِغَيْرِهَا ، فَيَنْتَفِعُ بِهَا النَّاس وَالدَّوَابّ ، وَكَذَا النَّوْع الثَّانِي مِنْ النَّاس ، لَهُمْ قُلُوب حَافِظَة ، لَكِنْ لَيْسَتْ لَهُمْ أَفْهَام ثَاقِبَة ، وَلَا رُسُوخَ لَهُمْ فِي الْعَقْل يَسْتَنْبِطُونَ بِهِ الْمَعَانِي وَالْأَحْكَام ، وَلَيْسَ عِنْدهمْ اِجْتِهَادٌ فِي الطَّاعَة وَالْعَمَل بِهِ ، فَهُمْ يَحْفَظُونَهُ حَتَّى يَأْتِيَ طَالِبٌ مُحْتَاجٌ مُتَعَطِّشٌ لِمَا عِنْدهمْ مِنْ الْعِلْم ، أَهْل لِلنَّفْعِ وَالِانْتِفَاع ، فَيَأْخُذهُ مِنْهُمْ ، فَيَنْتَفِع بِهِ ، فَهَؤُلَاءِ نَفَعُوا بِمَا بَلَغَهُمْ . وَالنَّوْع الثَّالِث مِنْ الْأَرْض السِّبَاخ الَّتِي لَا تُنْبِتُ وَنَحْوهَا ، فَهِيَ لَا تَنْتَفِعُ بِالْمَاءِ ، وَلَا تُمْسِكُهُ لِيَنْتَفِعَ بِهَا غَيْرهَا ، وَكَذَا النَّوْعُ الثَّالِثُ مِنْ النَّاس ، لَيْسَتْ لَهُمْ قُلُوب حَافِظَة ، وَلَا أَفْهَام وَاعِيَة ، فَإِذَا سَمِعُوا الْعِلْم لَا يَنْتَفِعُونَ بِهِ ، وَلَا يَحْفَظُونَهُ لِنَفْعِ غَيْرهمْ . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَفِي هَذَا الْحَدِيث أَنْوَاع مِنْ الْعِلْم مِنْهَا ضَرْب الْأَمْثَال ، وَمِنْهَا فَضْل الْعِلْم وَالتَّعْلِيم وَشِدَّة الْحَثّ عَلَيْهِمَا ، وَذَمّ الْإِعْرَاض عَنْ الْعِلْم . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .


4233 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَإِنِّي أَنَا النَّذِير الْعُرْيَان ) قَالَ الْعُلَمَاء : أَصْله أَنَّ الرَّجُل إِذَا أَرَادَ إِنْذَار قَوْمه وَإِعْلَامهمْ بِمَا يُوجِبُ الْمَخَافَة نَزَعَ ثَوْبه ، وَأَشَارَ بِهِ إِلَيْهِمْ إِذَا كَانَ بَعِيدًا مِنْهُمْ لِيُخْبِرَهُمْ بِمَا دَهَمَهُمْ ، وَأَكْثَر مَا يَفْعَلُ هَذَا رَبِيئَة الْقَوْم ، وَهُوَ طَلِيعَتهمْ وَرَقِيبهمْ . قَالُوا : وَإِنَّمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ أَبْيَنُ لِلنَّاظِرِ ، وَأَغْرَبُ وَأَشْنَعُ مَنْظَرًا ، فَهُوَ أَبْلَغُ فِي اِسْتِحْثَاثِهِمْ فِي التَّأَهُّب لِلْعَدُوِّ . وَقِيلَ : مَعْنَاهُ أَنَا النَّذِير الَّذِي أَدْرَكَنِي جَيْشُ الْعَدُوّ ، فَأَخَذَ ثِيَابِي ، فَأَنَا أُنْذِركُمْ عُرْيَانًا .
قَوْله : ( فَالنَّجَاء ) مَمْدُود أَيْ اُنْجُوَا النَّجَاء أَوْ اُطْلُبُوا النَّجَاء . قَالَ الْقَاضِي : الْمَعْرُوف فِي النَّجَاء إِذَا أُفْرِدَ الْمَدّ ، وَحَكَى أَبُو زَيْد فِيهِ الْقَصْر أَيْضًا ، فَإِذَا مَا كَرَّرُوهُ فَقَالُوا : النَّجَاء النَّجَاء فَفِيهِ الْمَدّ وَالْقَصْر مَعًا .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَأَدْلَجُوا فَانْطَلَقُوا عَلَى مُهْلَتهمْ ) أَمَّا ( أَدْلَجُوا ) فَبِإِسْكَانِ الدَّال ، وَمَعْنَاهُ سَارُوا مِنْ أَوَّل اللَّيْل . يُقَال : أَدْلَجْت بِإِسْكَانِ الدَّال إِدْلَاجًا كَأَكْرَمْت إِكْرَامًا ، وَالِاسْم الدَّلْجَة بِفَتْحِ الدَّال . فَإِنْ خَرَجْت مِنْ آخِر اللَّيْل قُلْت : ادَّلَجْت بِتَشْدِيدِ الدَّال أَدْلِجُ اِدِّلَاجًا بِالتَّشْدِيدِ أَيْضًا . وَالِاسْم الدُّلْجَة بِضَمِّ الدَّال . قَالَ اِبْن قُتَيْبَة وَغَيْره : وَمِنْهُمْ مَنْ يُجِيزُ الْوَجْهَيْنِ فِي كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا . وَأَمَّا قَوْله : ( عَلَى مُهْلَتهمْ ) هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيع نُسَخ مُسْلِم بِضَمِّ الْمِيم وَإِسْكَان الْهَاء بِتَاءٍ بَعْد اللَّام . وَفِي الْجَمْع بَيْن الصَّحِيحَيْنِ ( مَهْلهمْ ) بِحَذْفِ التَّاء وَفَتْح الْمِيم وَالْهَاء ، وَهُمَا صَحِيحَانِ .
قَوْله : ( فَصَبَّحَهُمْ الْجَيْش فَأَهْلَكَهُمْ وَاجْتَاحَهُمْ ) أَيْ اِسْتَأْصَلَهُمْ .


4234 - سبق شرحه بالباب


4235 - سبق شرحه بالباب


4236 - قَوْله : ( حَدَّثَنَا سَلِيم عَنْ سَعِيد ) هُوَ بِفَتْحِ السِّين وَكَسْر اللَّام ، وَهُوَ سَلِيم بْن حِبَّان .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَجَعَلَ الْجَنَادِب وَالْفِرَاش يَقَعْنَ فِيهَا ) وَفِي رِوَايَة : ( الدَّوَابّ وَالْفِرَاش ) وَفِي رِوَايَة ( أَنَا آخُذُ بِحُجَزِكُمْ وَأَنْتُمْ تَقَحَّمُونَ فِيهَا ) وَفِي رِوَايَة ( وَأَنْتُمْ تَفْلِتُونَ مِنْ يَدَيَّ ) أَمَّا ( الْفِرَاش ) فَقَالَ الْخَلِيل : هُوَ الَّذِي يَطِيرُ كَالْبَعُوضِ ، وَقَالَ غَيْره : مَا تَرَاهُ كَصِغَارِ الْبَقّ يَتَهَافَتُ فِي النَّار ، وَأَمَّا ( الْجَنَادِب ) فَجَمْع جُنْدُب ، وَفِيهَا ثَلَاث لُغَات : جُنْدُب بِضَمِّ الدَّال وَفَتْحهَا وَالْجِيم مَضْمُومَة فِيهِمَا ، وَالثَّالِثَة حَكَاهُ الْقَاضِي بِكَسْرِ الْجِيم وَفَتْح الدَّال . وَالْجَنَادِب هَذَا الصِّرَار الَّذِي يُشْبِهُ الْجَرَاد ، وَقَالَ أَبُو حَاتِم : الْجُنْدُب عَلَى خِلْقَة الْجَرَاد ، لَهُ أَرْبَعَة أَجْنِحَة كَالْجَرَادَةِ ، وَأَصْغَر مِنْهَا ، يَطِيرُ ، وَيُصِرُّ بِاللَّيْلِ صَرًّا شَدِيدًا ، وَقِيلَ : غَيْره . أَمَّا ( التَّقَحُّم ) فَهُوَ الْإِقْدَامُ وَالْوُقُوعُ فِي الْأُمُور الشَّاقَّة مِنْ غَيْر تَثَبُّت . وَ ( الْحُجْز ) جَمْع حُجْزَة وَهِيَ مَعْقِد الْإِزَار وَالسَّرَاوِيل .
وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَأَنَا آخِذٌ بِحُجَزِكُمْ ) فَرُوِيَ بِوَجْهَيْنِ : أَحَدهمَا اِسْم فَاعِل بِكَسْرِ الْخَاء وَتَنْوِين الذَّال ، وَالثَّانِي مِثْلُ مُضَارِع بِضَمِّ الذَّال بِلَا تَنْوِين وَالْأَوَّل أَشْهَر وَهُمَا صَحِيحَانِ ، وَأَمَّا ( تَفَلَّتُونِ ) فَرُوِيَ بِوَجْهَيْنِ : أَحَدهمَا فَتْح التَّاء وَالْفَاء الْمُشَدَّدَة ، وَالثَّانِي ضَمّ التَّاء وَإِسْكَان الْفَاء وَكَسْر اللَّام الْمُخَفَّفَة ، وَكِلَاهُمَا صَحِيح . يُقَال : أَفْلَتَ مِنِّي ، وَتَفَلَّتَ إِذَا نَازَعَك الْغَلَبَة وَالْهَرَب ، ثُمَّ غَلَبَ وَهَرَبَ . وَمَقْصُود الْحَدِيث أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَبَّهَ تَسَاقُط الْجَاهِلِينَ وَالْمُخَالِفِينَ بِمَعَاصِيهِمْ وَشَهَوَاتهمْ فِي نَار الْآخِرَة ، وَحِرْصهمْ عَلَى الْوُقُوع فِي ذَلِكَ ، مَعَ مَنْعه إِيَّاهُمْ ، وَقَبْضه عَلَى مَوَاضِع الْمَنْع مِنْهُمْ ، بِتَسَاقُطِ الْفِرَاش فِي نَار الدُّنْيَا ، لِهَوَاهُ ، وَضَعْف تَمْيِيزه ، وَكِلَاهُمَا حَرِيصٌ عَلَى هَلَاكِ نَفْسه ، سَاعٍ فِي ذَلِكَ لِجَهْلِهِ .


فِي الْبَاب قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَثَلِي وَمَثَل الْأَنْبِيَاء مِنْ قَبْلِي إِلَى قَوْله فَأَنَا اللَّبِنَةُ وَأَنَا خَاتَم النَّبِيِّينَ ) فِيهِ فَضِيلَته صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأَنَّهُ خَاتَم النَّبِيِّينَ ، وَجَوَاز ضَرْب الْأَمْثَال فِي الْعَلَم وَغَيْره . وَ ( اللَّبِنَة ) بِفَتْحِ اللَّام وَكَسْر الْبَاء ، وَيَجُوزُ إِسْكَانُ الْبَاء مَعَ فَتْحِ اللَّام وَكَسْرِهَا كَمَا فِي نَظَائِرهَا . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .


4237 - سبق شرحه بالباب


4238 - سبق شرحه بالباب


4239 - سبق شرحه بالباب


4240 - سبق شرحه بالباب


4241 - قَالَ مُسْلِم : ( وَحُدِّثْت عَنْ أَبِي أُسَامَة وَمِمَّنْ رَوَى ذَلِكَ عَنْهُ إِبْرَاهِيم بْن سَعِيد الْجَوْهَرِيّ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَة إِلَى آخِره )
قَالَ الْمَازِرِيّ وَالْقَاضِي : هَذَا الْحَدِيث مِنْ الْأَحَادِيث الْمُنْقَطِعَة فِي مُسْلِم ، فَإِنَّهُ لَمْ يُسَمِّ الَّذِي حَدَّثَهُ عَنْ أَبِي أُسَامَة . قُلْت : وَلَيْسَ هَذَا حَقِيقَة اِنْقِطَاع ، وَإِنَّمَا هُوَ رِوَايَة مَجْهُول ، وَقَدْ وَقَعَ فِي حَاشِيَة بَعْض النُّسَخ الْمُعْتَمَدَة : قَالَ الْجُلُودِيّ : حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْمُسَيِّب الْأَرْغِيَانِيّ قَالَ : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم بْن سَعِيد الْجَوْهَرِيّ بِهَذَا الْحَدِيث عَنْ أَبِي أُسَامَة بِإِسْنَادِهِ .


قَالَ الْقَاضِي عِيَاض رَحِمَهُ اللَّه : أَحَادِيث الْحَوْض صَحِيحَة ، وَالْإِيمَان بِهِ فَرْض ، وَالتَّصْدِيق بِهِ مِنْ الْإِيمَان ، وَهُوَ عَلَى ظَاهِره عِنْد أَهْل السُّنَّة وَالْجَمَاعَة ، لَا يُتَأَوَّلُ ، وَلَا يُخْتَلَفُ فِيهِ . قَالَ الْقَاضِي : وَحَدِيثه مُتَوَاتِر النَّقْل ، رَوَاهُ خَلَائِق مِنْ الصَّحَابَة . فَذَكَرَهُ مُسْلِم مِنْ رِوَايَة اِبْن عَمْرو بْن الْعَاص ، وَعَائِشَة ، وَأُمّ سَلَمَة ، وَعُقْبَة بْن عَامِر ، وَابْن مَسْعُود ، وَحُذَيْفَة ، وَحَارِثَة بْن وَهْب ، وَالْمُسْتَوْرِد ، وَأَبِي ذَرّ ، وَثَوْبَان ، وَأَنَس ، وَجَابِر بْن سَمُرَة . وَرَوَاهُ غَيْر مُسْلِم مِنْ رِوَايَة أَبِي بَكْر الصِّدِّيق ، وَزَيْد بْن أَرْقَم ، وَأَبِي أُمَامَةَ ، وَعَبْد اللَّه بْن زَيْد ، وَأَبِي بَرْزَة ، وَسُوِيد بْن جَبَلَةَ ، وَعَبْد اللَّه بْن الصُّنَابِحِيِّ ، وَالْبَرَاء بْن عَازِب ، وَأَسْمَاء بِنْت أَبِي بَكْر ، وَخَوْلَة بِنْت قَيْس ، وَغَيْرهمْ . قُلْت : وَرَوَاهُ الْبُخَارِيّ وَمُسْلِم أَيْضًا مِنْ رِوَايَة أَبِي هُرَيْرَة ، وَرَوَاهُ غَيْرهمَا مِنْ رِوَايَة عُمَر بْن الْخَطَّاب ، وَعَائِذ بْن عُمَر ، وَآخَرِينَ . وَقَدْ جَمَعَ ذَلِكَ كُلّه الْإِمَام الْحَافِظ أَبُو بَكْر الْبَيْهَقِيُّ فِي كِتَابه الْبَعْث وَالنُّشُور بِأَسَانِيدِهِ ، وَطُرُقه الْمُتَكَاثِرَات . قَالَ الْقَاضِي : وَفِي بَعْض هَذَا مَا يَقْتَضِي كَوْن الْحَدِيث مُتَوَاتِرًا .


4242 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَنَا فَرَطُكُمْ عَلَى الْحَوْض )
قَالَ أَهْل اللُّغَة الْفَرَط بِفَتْحِ الْفَاء وَالرَّاء ، وَالْفَارِط هُوَ الَّذِي يَتَقَدَّمُ الْوَارِد لِيُصْلِحَ لَهُمْ . وَالْحِيَاض وَالدِّلَاء وَنَحْوهَا مِنْ أُمُور الِاسْتِقَاء . فَمَعْنَى ( فَرَطكُمْ عَلَى الْحَوْض ) سَابِقكُمْ إِلَيْهِ كَالْمُهَيِّئِ لَهُ .


4243 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَمَنْ شَرِبَ لَمْ يَظْمَأْ أَبَدًا )
أَيْ شَرِبَ مِنْهُ . وَالظَّمَأُ مَهْمُوزٌ مَقْصُورٌ كَمَا وَرَدَ بِهِ الْقُرْآن الْعَزِيز ، وَهُوَ الْعَطَشُ ، يُقَالُ : ظَمِئَ ظَمَأ يَظْمَأُ ، فَهُوَ ظَمْآن ، وَهُمْ ظِمَاء بِالْمَدِّ كَعَطِشَ يَعْطَشُ عَطَشًا فَهُوَ عَطْشَان وَهُمْ عِطَاش . قَالَ الْقَاضِي : ظَاهِر هَذَا الْحَدِيث أَنَّ الشُّرْب مِنْهُ يَكُون بَعْد الْحِسَاب وَالنَّجَاة مِنْ النَّار ، فَهَذَا هُوَ الَّذِي لَا يُظْمَأُ بَعْده . قَالَ : وَقِيلَ : لَا يَشْرَبُ مِنْهُ إِلَّا مَنْ قُدِّرَ لَهُ السَّلَامَة مِنْ النَّار . قَالَ : وَيَحْتَمِلُ أَنَّ مَنْ شَرِبَ مِنْهُ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّة وَقُدِّرَ عَلَيْهِ دُخُول النَّار لَا يُعَذَّبُ فِيهَا بِالظَّمَأِ ، بَلْ يَكُونُ عَذَابه بِغَيْرِ ذَلِكَ ، لِأَنَّ ظَاهِر هَذَا الْحَدِيث أَنَّ جَمِيعَ الْأُمَّةِ يَشْرَبُ مِنْهُ إِلَّا مَنْ اِرْتَدَّ وَصَارَ كَافِرًا . قَالَ : وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ جَمِيع الْأُمَم مِنْ الْمُؤْمِنِينَ يَأْخُذُونَ كُتُبهمْ بِأَيْمَانِهِمْ ، ثُمَّ يُعَذِّبُ اللَّه تَعَالَى مَنْ شَاءَ مِنْ عُصَاتهمْ . وَقِيلَ : إِنَّمَا يَأْخُذُهُ بِيَمِينِهِ النَّاجُونَ خَاصَّة . قَالَ الْقَاضِي : وَهَذَا مِثْله .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ وَرَدَ شَرِبَ )
هَذَا صَرِيح فِي أَنَّ الْوَارِدِينَ كُلّهمْ يَشْرَبُونَ ، وَإِنَّمَا يُمْنَعُ مِنْهُ الَّذِينَ يُزَادُونَ وَيُمْنَعُونَ الْوُرُود لِارْتِدَادِهِمْ ، وَقَدْ سَبَقَ فِي كِتَاب الْوُضُوء بَيَان هَذَا الذَّوْد وَالْمَذُودِينَ .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( سُحْقًا سُحْقًا )
أَيْ بُعْدًا لَهُمْ بُعْدًا ، وَنَصْبُهُ عَلَى الْمَصْدَر ، وَكَرَّرَ لِلتَّوْكِيدِ .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( حَدَّثَنَا هَارُون بْن سَعِيد حَدَّثَنَا اِبْن وَهْب أَخْبَرَنِي أَبُو أُسَامَة عَنْ أَبِي حَازِم عَنْ سَهْل عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَنْ النُّعْمَان بْن أَبِي عَيَّاش عَنْ أَبِي سَعِيد عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ )
قَالَ الْعُلَمَاء : هَذَا الْعَطْف عَلَى سَهْل ، فَالْقَائِل : وَعَنْ النُّعْمَان هُوَ أَبُو حَازِم ، فَرَوَاهُ عَنْ سَهْل ، ثُمَّ رَوَاهُ عَنْ النُّعْمَانِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ .


4244 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( حَوْضِي مَسِيرَة شَهْر وَزَوَايَاهُ سَوَاء )
قَالَ الْعُلَمَاء : مَعْنَاهُ طُولُهُ كَعَرْضِهِ كَمَا قَالَ فِي حَدِيث أَبِي ذَرّ الْمَذْكُور فِي الْكِتَاب ( عَرْضه مِثْل طُوله ) .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَاؤُهُ أَبْيَض مِنْ الْوَرِق )
هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيع النُّسَخ ( الْوَرِق ) بِكَسْرِ الرَّاء ، وَهُوَ الْفِضَّة . وَالنَّحْوِيُّونَ يَقُولُونَ : إِنَّ فِعْل التَّعَجُّب الَّذِي يُقَالُ فِيهِ هُوَ أَفْعَل مِنْ كَذَا إِنَّمَا يَكُون فِيمَا كَانَ مَاضِيه عَلَى ثَلَاثَة أَحْرُف ، فَإِنْ زَادَ لَمْ يُتَعَجَّبْ مِنْ فَاعِله ، وَإِنَّمَا يُتَعَجَّبُ مِنْ مَصْدَره ، فَلَا يُقَالُ : مَا أَبْيَض زَيْدًا ، وَلَا زَيْد أَبْيَض مِنْ عَمْرو ، وَإِنَّمَا يُقَالُ : مَا أَشَدُّ بَيَاضه : وَهُوَ أَشَدّ بَيَاضًا مِنْ كَذَا ، وَقَدْ جَاءَ فِي الشِّعْر أَشْيَاء مِنْ هَذَا الَّذِي أَنْكَرُوهُ فَعَدُّوهُ شَاذًّا لَا يُقَاسُ عَلَيْهِ ، وَهَذَا الْحَدِيث يَدُلُّ عَلَى صِحَّتِهِ ، وَهِيَ لُغَة ، وَإِنْ كَانَتْ قَلِيلَة الِاسْتِعْمَال ، وَمِنْهَا قَوْل عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : ( وَمَنْ ضَيَّعَهَا فَهُوَ لِمَا سِوَاهَا أَضْيَع ) .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( كِيزَانُهُ كَنُجُومِ السَّمَاء )
وَفِي رِوَايَة ( فِيهِ أَبَارِيقُ كَنُجُومِ السَّمَاء ) وَفِي رِوَايَة ( وَاَلَّذِي نَفْسُ مُحَمَّد بِيَدِهِ لَآنِيَته أَكْثَر مِنْ عَدَد نُجُوم السَّمَاء وَكَوَاكِبهَا ) وَفِي رِوَايَة ( وَأَنَّ فِيهِ مِنْ الْأَبَارِيق كَعَدَدِ نُجُوم السَّمَاء ) وَفِي رِوَايَة : ( آنِيَته عَدَد النُّجُوم ) وَفِي رِوَايَة ( تَرَى فِيهِ أَبَارِيق الذَّهَب وَالْفِضَّة كَعَدَدِ نُجُوم السَّمَاء ) وَفِي رِوَايَة ( كَأَنَّ الْأَبَارِيقَ فِيهِ النُّجُوم ) الْمُخْتَار الصَّوَاب أَنَّ هَذَا الْعَدَد لِلْآنِيَةِ عَلَى ظَاهِره ، وَأَنَّهَا أَكْثَر عَدَدًا مِنْ نُجُوم السَّمَاء ، وَلَا مَانِع عَقْلِيّ وَلَا شَرْعِيّ يَمْنَع مِنْ ذَلِكَ ، بَلْ وَرَدَ الشَّرْع بِهِ مُؤَكَّدًا كَمَا قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَالَّذِي نَفْس مُحَمَّد بِيَدِهِ لَآنِيَته أَكْثَر مِنْ نُجُوم السَّمَاء ) وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاض : هَذَا إِشَارَة إِلَى كَثْرَة الْعَدَد وَغَايَته الْكَثْرَة مِنْ بَاب قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( لَا يَضَعُ الْعَصَا عَنْ عَاتِقه ) وَهُوَ بَاب مِنْ الْمُبَالَغَة مَعْرُوف فِي الشَّرْع وَاللُّغَة ، وَلَا يُعَدُّ كَذِبًا إِذَا كَانَ الْمُخْبَر عَنْهُ فِي حَيِّزِ الْكَثْرَة وَالْعِظَم وَمَبْلَغ الْغَايَة فِي بَابه ، بِخِلَافِ مَا إِذَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ . قَالَ : وَمِثْله كَلَّمْته أَلْف مَرَّة ، وَلَقِيته مِائَة كَرَّة ، فَهَذَا جَائِز إِذَا كَانَ كَثِيرًا ، وَإِلَّا فَلَا . هَذَا كَلَام الْقَاضِي ، وَالصَّوَاب الْأَوَّل .


4247 - قَوْلهَا : ( إِنِّي مِنْ النَّاس )
دَلِيل لِدُخُولِ النِّسَاء فِي خِطَاب النَّاس ، وَهَذَا مُتَّفَق عَلَيْهِ ، وَإِنَّمَا اِخْتَلَفُوا فِي دُخُولهنَّ فِي خِطَاب الذُّكُور ، وَمَذْهَبنَا أَنَّهُنَّ لَا يَدْخُلْنَ فِيهِ ، وَفِيهِ إِثْبَات الْقَوْل بِالْعُمُومِ .
قَوْلهَا : ( كُفِّي رَأْسِي )
هُوَ بِالْكَافِ أَيْ اِجْمَعِيهِ ، وَضُمِّي شَعْره بَعْضه إِلَى بَعْض .


4248 - قَوْله : ( صَلَّى عَلَى أَهْل أُحُد صَلَاته عَلَى الْمَيِّت )
أَيْ دَعَا لَهُمْ بِدُعَاءِ صَلَاة الْمَيِّت ، وَسَبَقَ شَرْح هَذَا الْحَدِيث فِي كِتَاب الْجَنَائِز .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَإِنَّنِي وَاَللَّه لَأَنْظُر إِلَى حَوْضِي الْآن )
هَذَا تَصْرِيح بِأَنَّ الْحَوْض حَوْض حَقِيقِيّ عَلَى ظَاهِره كَمَا سَبَقَ ، وَأَنَّهُ مَخْلُوق مَوْجُود الْيَوْم ، وَفِيهِ جَوَاز الْحَلِف مِنْ غَيْر اِسْتِحْلَاف لِتَفْخِيمِ الشَّيْء وَتَوْكِيده .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَإِنِّي قَدْ أُعْطِيت مَفَاتِيح خَزَائِن الْأَرْض ، أَوْ مَفَاتِيح الْأَرْض ، إِنِّي وَاَللَّه مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ أَنْ تُشْرِكُوا بَعْدِي ، وَلَكِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ أَنْ تَتَنَافَسُوا فِيهَا )
هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيع النُّسَخ ( مَفَاتِيح ) فِي اللَّفْظَيْنِ بِالْيَاءِ . قَالَ الْقَاضِي : وَرُوِيَ ( مَفَاتِح ) بِحَذْفِهَا . مَنْ أَثْبَتَهَا فَهُوَ جَمْع مِفْتَاح ، وَمَنْ حَذَفَهَا فَجَمْع مِفْتَح ، وَهُمَا لُغَتَانِ فِيهِ . وَفِي هَذَا الْحَدِيث مُعْجِزَات لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ فَإِنَّ مَعْنَاهُ الْإِخْبَار بِأَنَّ أُمَّته تَمْلِكُ خَزَائِن الْأَرْض ، وَقَدْ وَقَعَ ذَلِكَ ، وَأَنَّهَا لَا تَرْتَدُّ جُمْلَة ، وَقَدْ عَصَمَهَا اللَّه تَعَالَى مِنْ ذَلِكَ ، وَأَنَّهَا تَتَنَافَس فِي الدُّنْيَا ، وَقَدْ وَقَعَ كُلّ ذَلِكَ .


4249 - قَوْله : ( صَلَّى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى قَتْلَى أُحُد ، ثُمَّ صَعِدَ الْمِنْبَر كَالْمُوَدِّعِ لِلْأَحْيَاءِ وَالْأَمْوَات ، فَكَانَتْ آخِر مَا رَأَيْته عَلَى الْمِنْبَر )
مَعْنَاهُ : خَرَجَ إِلَى قَتْلَى أُحُد وَدَعَا لَهُمْ دُعَاء مُوَدِّع ، ثُمَّ دَخَلَ الْمَدِينَة فَصَعِدَ الْمِنْبَر فَخَطَبَ الْأَحْيَاء خُطْبَة مُوَدِّع ، كَمَا قَالَ النَّوَّاس بْن سَمْعَان قُلْنَا : يَا رَسُول اللَّه كَأَنَّهَا مَوْعِظَة مُوَدِّع ، وَفِيهِ مَعْنَى الْمُعْجِزَة .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَوْض : ( وَإِنَّ عَرْضه مَا بَيْن أَيْلَة إِلَى الْجُحْفَة )
قَالَ الرَّاوِي : هُمَا قَرْيَتَانِ بِالشَّامِ ، بَيْنهمَا مَسِيرَة ثَلَاث لَيَالٍ . وَفِي رِوَايَة : ( عَرْضه مِثْل طُوله مَا بَيْن عَمَّان إِلَى أَيْلَة ) وَفِي رِوَايَة ( مِنْ مَقَامِي إِلَى عَمَّان ) وَفِي رِوَايَة ( قَدْر حَوْضِي كَمَا بَيْن أَيْلَة وَصَنْعَاء مِنْ الْيُمْن ) وَفِي رِوَايَة ( مَا بَيْن نَاحِيَتَيْ حَوْضِي كَمَا بَيْن صَنْعَاء وَالْمَدِينَة ) .
أَمَّا ( أَيْلَة ) فَبِفَتْحِ الْهَمْزَة وَإِسْكَان الْمُثَنَّاة تَحْتُ وَفَتْح اللَّام ، وَهِيَ مَدِينَة مَعْرُوفَة فِي عِرَاق الشَّام عَلَى سَاحِل الْبَحْر ، مُتَوَسِّطَة بَيْن مَدِينَة رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَدِمَشْق وَمِصْر ، بَيْنهَا وَبَيْن الْمَدِينَة نَحْو خَمْس عَشْرَة مَرْحَلَة ، وَبَيْنهَا وَبَيْن دِمَشْق نَحْو اِثْنَتَيْ عَشْرَة مَرْحَلَة ، وَبَيْنهَا وَبَيْن مِصْر نَحْو ثَمَان مَرَاحِل . قَالَ الْحَازِمِيّ : قِيلَ : هِيَ آخِر الْحِجَاز ، وَأَوَّل الشَّام . وَأَمَّا ( الْجُحْفَة ) فَسَبَقَ بَيَانهَا فِي كِتَاب الْحَجّ ، وَهِيَ بِنَحْوِ سَبْع مَرَاحِل مِنْ الْمَدِينَة . بَيْنهَا وَبَيْن مَكَّة .


4252 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَا بَيْن نَاحِيَتَيْهِ كَمَا بَيْن جَرْبَاء وَأَذْرُحَ )
وَأَمَّا ( جَرْبَاء ) فَبِجِيمٍ مَفْتُوحَة ، ثُمَّ رَاءٍ سَاكِنَة ، ثُمَّ بَاء مُوَحَّدَة ، ثُمَّ أَلْف مَقْصُورَة وَهَذَا هُوَ الصَّوَاب ، الْمَشْهُور أَنَّهَا مَقْصُورَة ، وَكَذَا قَيَّدَهَا الْحَازِمِيّ فِي كِتَابه الْمُؤْتَلِف فِي الْأَمَاكِن ، وَكَذَا ذَكَرَهَا الْقَاضِي وَصَاحِب الْمَطَالِع وَالْجُمْهُور . وَقَالَ الْقَاضِي وَصَاحِب الْمَطَالِع : وَوَقَعَ عِنْد بَعْض رُوَاة الْبُخَارِيّ مَمْدُودًا . قَالَا : وَهُوَ خَطَأ . وَقَالَ صَاحِب التَّحْرِير : هِيَ بِالْمَدِّ ، وَقَدْ تُقْصَرُ . قَالَ الْحَازِمِيّ : كَانَ أَهْل جَرْبَا يَهُودًا كَتَبَ لَهُمْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْأَمَان لَمَّا قَدَمَ عَلَيْهِ لِحْيَة بْن رُؤْبَة صَاحِب أَيْلَة بِقَوْمٍ مِنْهُمْ وَمَنْ أَهْل أَذْرُح يَطْلُبُونَ الْأَمَان .
وَأَمَّا ( أَذْرُح ) فَبِهَمْزَةٍ مَفْتُوحَة ثُمَّ ذَال مُعْجَمَة سَاكِنَة ثُمَّ رَاءٍ مَضْمُومَة ثُمَّ حَاء مُهْمَلَة . هَذَا هُوَ الصَّوَاب الْمَشْهُور الَّذِي قَالَهُ الْجُمْهُور . قَالَ الْقَاضِي وَصَاحِب الْمَطَالِع : وَرَوَاهُ بَعْضهمْ بِالْجِيمِ . قَالَا : وَهُوَ تَصْحِيف لَا شَكَّ فِيهِ ، وَهُوَ كَمَا قَالَا ، وَهِيَ مَدِينَة فِي طَرَف الشَّام فِي قِبْلَة الشُّوَيْك ، بَيْنهَا وَبَيْنه نَحْو نِصْف يَوْم ، وَهِيَ فِي طَرَف الشَّرَاط بِفَتْحِ الشِّين الْمُعْجَمَة فِي طَرَفِهَا الشِّمَالِيّ ، وَتَبُوك فِي قِبْلَة أَذْرُح بَيْنهمَا نَحْو أَرْبَع مَرَاحِل . وَبَيْن تَبُوك وَمَدِينَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحْو أَرْبَع عَشْرَة مَرْحَلَة .


4253 - سبق شرحه بالباب


4254 - سبق شرحه بالباب


4255 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَآنِيَته أَكْثَر مِنْ عَدَد نُجُوم السَّمَاء وَكَوَاكِبهَا أَلَا فِي اللَّيْلَة الْمُظْلِمَة الْمُصْحِيَة آنِيَة الْجَنَّة مَنْ شَرِبَ مِنْهَا لَمْ يَظْمَأ آخِر مَا عَلَيْهِ يَشْخَبُ فِيهِ مِيزَابَانِ مِنْ الْجَنَّة )
أَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَلَا فِي اللَّيْلَة الْمُظْلِمَة )
فَهُوَ بِتَخْفِيفِ أَلَا ، وَهِيَ الَّتِي لِلِاسْتِفْتَاحِ ، وَخَصَّ اللَّيْلَة الْمُظْلِمَة الْمُصْحِيَة لِأَنَّ النُّجُوم تُرَى فِيهَا أَكْثَر ، وَالْمُرَاد بِالْمُظْلِمَةِ الَّتِي لَا قَمَر فِيهَا ، مَعَ أَنَّ النُّجُوم طَالِعَة ، فَإِنَّ وُجُود الْقَمَر يَسْتُرُ كَثِيرًا مِنْ النُّجُوم .
أَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( آنِيَة الْجَنَّة )
فَضَبَطَهُ بَعْضهمْ بِرَفْعِ ( آنِيَة ) ، وَبَعْضهمْ بِنَصْبِهَا ، وَهُمَا صَحِيحَانِ فَمَنْ رَفَعَ فَخَبَر مُبْتَدَأ مَحْذُوف أَيْ هِيَ آنِيَة الْجَنَّة ، وَمَنْ نَصَبَ فَبِإِضْمَارِ أَعْنِي أَوْ نَحْوه .
وَأَمَّا ( آخِر مَا عَلَيْهِ )
فَمَنْصُوب ، وَسَبَقَ نَظِيره فِي كِتَاب الْإِيمَان .
وَأَمَّا ( يَشْخُبُ )
فَبِالشِّينِ وَالْخَاء الْمُعْجَمَتَيْنِ وَالْيَاء مَفْتُوحَة وَالْخَاء مَضْمُومَة وَمَفْتُوحَة . وَالشَّخْب السَّيَلَان ، وَأَصْله مَا خَرَجَ مِنْ تَحْت يَد الْحَالِب عِنْد كُلّ غَمْرَة وَعَصْرَة لِضَرْعِ الشَّاة .
وَأَمَّا ( الْمِيزَابَانِ )
فَبِالْهَمْزِ ، وَيَجُوزُ قَلْب الْهَمْزَة يَاء .
وَأَمَّا ( عَمَّان )
فَبِفَتْحِ الْعَيْن وَتَشْدِيد الْمِيم ، وَهِيَ بَلْدَة بِالْبَلْقَاءِ مِنْ الشَّام . قَالَ الْحَازِمِيّ : قَالَ اِبْن الْأَعْرَابِيّ : يَجُوز أَنْ يَكُون فَعْلَان مِنْ عَمّ يَعُمُّ ، فَلَا تَنْصَرِفُ مَعْرِفَة ، وَتَنْصَرِفُ نَكِرَة . قَالَ : وَيَجُوزُ أَنْ يَكُون فَعَّالًا مِنْ عَمَّنَ ، فَتَنْصَرِفُ مَعْرِفَة وَنَكِرَة إِذَا عَنَى بِهَا الْبَلَد . هَذَا كَلَامه . وَالْمَعْرُوف فِي رِوَايَات الْحَدِيث وَغَيْرهَا تَرْك صَرْفهَا .
قَالَ الْقَاضِي عِيَاض : وَهَذَا الِاخْتِلَاف فِي قَدْر عَرْض الْحَوْض لَيْسَ مُوجِبًا لِلِاضْطِرَابِ ، فَإِنَّهُ لَمْ يَأْتِ فِي حَدِيث وَاحِد ، بَلْ فِي أَحَادِيث مُخْتَلِفَة الرُّوَاة ، عَنْ جَمَاعَة مِنْ الصَّحَابَة سَمِعُوهَا فِي مَوَاطِن مُخْتَلِفَة ضَرَبَهَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي كُلّ وَاحِد مِنْهَا مَثَلًا لِبُعْدِ أَقْطَار الْحَوْض ، وَسَعَته ، وَقَرَّبَ ذَلِكَ مِنْ الْأَفْهَام لِبُعْدِ مَا بَيْن الْبِلَاد الْمَذْكُورَة لَا عَلَى التَّقْدِير الْمَوْضُوع لِلتَّحْدِيدِ ، بَلْ لِلْإِعْلَامِ بِعِظَمِ هَذِهِ الْمَسَافَة ، فَبِهَذَا تُجْمَعُ الرِّوَايَات . هَذَا كَلَام الْقَاضِي . قُلْت : وَلَيْسَ فِي الْقَلِيل مِنْ هَذِهِ مَنْع الْكَثِير ، وَالْكَثِير ثَابِت عَلَى ظَاهِر الْحَدِيث ، وَلَا مُعَارَضَة . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .


4256 - قَوْله : ( عَنْ مَعْدَان الْيَعْمَرِيّ )
بِفَتْحِ مِيم الْيَعْمَرِيّ وَضَمّهَا ، مَنْسُوب إِلَى يَعْمَر .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنِّي لَبِعُقْرِ حَوْضِي )
هُوَ بِضَمِّ الْعَيْن وَإِسْكَان الْقَاف ، وَهُوَ مَوْقِف الْإِبِل مِنْ الْحَوْض إِذَا وَرَدَتْهُ ، وَقِيلَ : مُؤَخَّره .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَذُودُ النَّاس لِأَهْلِ الْيَمَن أَضْرِب بِعَصَايَ حَتَّى يَرْفَضَّ عَلَيْهِمْ )
مَعْنَاهُ أَطْرُدُ النَّاس عَنْهُ غَيْر أَهْل الْيُمْن لِيَرْفَضَّ عَلَى أَهْل الْيُمْن ، وَهَذِهِ كَرَامَة لِأَهْلِ الْيَمَن فِي تَقْدِيمهمْ فِي الشُّرْبِ مِنْهُ مُجَازَاة لَهُمْ بِحُسْنِ صَنِيعهمْ ، وَتَقَدُّمهمْ فِي الْإِسْلَام . وَالْأَنْصَار مِنْ الْيَمَن ، فَيَدْفَعُ غَيْرهمْ حَتَّى يَشْرَبُوا كَمَا دَفَعُوا فِي الدُّنْيَا عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْدَاءَهُ وَالْمَكْرُوهَات . وَمَعْنَى ( يَرْفَضّ عَلَيْهِمْ ) أَيْ يَسِيلُ عَلَيْهِمْ ، وَمِنْهُ حَدِيث الْبُرَاق ( اِسْتَصْعَبَ حَتَّى اِرْفَضَّ عَرَقًا ) أَيْ سَالَ عَرَقه . قَالَ أَهْل اللُّغَة وَالْغَرِيب : وَأَصْله مِنْ الدَّمْع ، يُقَال : اِرْفَضّ الدَّمْع إِذَا سَأَلَ مُتَفَرِّقًا . قَالَ الْقَاضِي : وَعَصَاهُ الْمَذْكُورَة فِي هَذَا الْحَدِيث هِيَ الْمُكَنَّى عَنْهَا بِالْهِرَاوَةِ فِي وَصْفه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي كُتُب الْأَوَائِل بِصَاحِبِ الْهِرَاوَة . قَالَ أَهْل اللُّغَة : الْهِرَاوَة بِكَسْرِ الْهَاء الْعَصَا . قَالَ : وَلَمْ يَأْتِ لِمَعْنَاهَا فِي صِفَته صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَفْسِير إِلَّا مَا يَظْهَرُ لِي فِي هَذَا الْحَدِيث . هَذَا كَلَام الْقَاضِي . وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ فِي تَفْسِير الْهِرَاوَة بِهَذِهِ الْعَصَا بَعِيد أَوْ بَاطِل ، لِأَنَّ الْمُرَاد بِوَصْفِهِ بِالْهِرَاوَةِ تَعْرِيفه بِصِفَةٍ يَرَاهَا النَّاس مَعَهُ يَسْتَدِلُّونَ بِهَا عَلَى صِدْقه ، وَأَنَّهُ الْمُبَشَّر بِهِ الْمَذْكُور فِي الْكُتُب السَّالِفَة ، فَلَا يَصِحُّ تَفْسِيره بِعَصًا تَكُون فِي الْآخِرَة ، وَالصَّوَاب فِي تَفْسِير صَاحِب الْهِرَاوَة مَا قَالَهُ الْأَئِمَّة الْمُحَقِّقُونَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُمْسِكُ الْقَضِيب بِيَدِهِ كَثِيرًا ، وَقِيلَ : لِأَنَّهُ كَانَ يَمْشِي وَالْعَصَا بَيْن يَدَيْهِ ، وَتُغْرَزُ لَهُ فَيُصَلِّي إِلَيْهَا ، وَهَذَا مَشْهُور فِي الصَّحِيح . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( يَغُتُّ فِيهِ مِيزَابَانِ يَمُدَّانِهِ )
أَمَّا ( يَغُتُّ ) فَبِفَتْحِ الْيَاء وَبِغَيْنٍ مُعْجَمَة مَضْمُومَة وَمَكْسُورَة ثُمَّ مُثَنَّاة فَوْق مُشَدَّدَة ، وَهَكَذَا قَالَ ثَابِت ، وَالْخَطَّابِيّ ، وَالْهَرَاوِيّ ، وَصَاحِب التَّحْرِير ، وَالْجُمْهُور ، وَكَذَا هُوَ فِي مُعْظَمِ نُسَخ بِلَادنَا ، وَنَقَلَهُ الْقَاضِي عَنْ الْأَكْثَرِينَ : قَالَ الْهَرَوِيُّ : وَمَعْنَاهُ يَدْفُقَانِ فِيهِ الْمَاء دَفْقًا مُتَتَابِعًا شَدِيدًا . قَالُوا : وَأَصْله مِنْ اِتْبَاع الشَّيْء الشَّيْء ، وَقِيلَ : يَصُبَّانِ فِيهِ دَائِمًا صَبًّا شَدِيدًا . وَوَقَعَ فِي بَعْض النُّسَخ ( يَعُبُّ ) بِضَمِّ الْعَيْن الْمُهْمَلَة وَبِبَاءٍ مُوَحَّدَة ، وَحَكَاهَا الْقَاضِي عَنْ رِوَايَة الْعُذْرِيّ . قَالَ : وَكَذَا ذَكَرَ الْحَرْبِيّ ، وَفَسَّرَهُ بِمَعْنَى مَا سَبَقَ ، أَيْ لَا يَنْقَطِعُ جَرَيَانُهُمَا . قَالَ : وَالْعَبُّ الشُّرْب بِسُرْعَةٍ فِي نَفَسٍ وَاحِدٍ . قَالَ الْقَاضِي : وَوَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن مَاهَان : ( يَثْعَب ) بِمُثَلَّثَةٍ وَعَيْن مُهْمَلَة أَيْ يَتَفَجَّرُ .
وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( يَمُدَّانِهِ ) فَبِفَتْحِ الْيَاء وَضَمّ الْمِيم ، أَيْ يُزِيدَانِهِ وَيُكْثِرَانِهِ .


4257 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَأَذُودَنَّ عَنْ حَوْضِي رِجَالًا كَمَا تُذَادُ الْغَرِيبَة مِنْ الْإِبِل )
مَعْنَاهُ كَمَا يَذُودُ السَّاقِي النَّاقَة الْغَرِيبَة عَنْ إِبِله إِذَا أَرَادَتْ الشُّرْب مَعَ إِبِله .


4258 - قَوْله فِي حَدِيث أَنَس مِنْ رِوَايَة حَرْمَلَة : ( قَدْر حَوْضِي كَمَا بَيْن أَيْلَة وَصَنْعَاء مِنْ الْيَمَن ، وَإِنَّ فِيهِ مِنْ الْأَبَارِيق كَعَدَدِ نُجُوم السَّمَاء )
وَقَعَ فِي بَعْض النُّسَخ ( كَمَا ) بِالْكَافِ ، وَفِي بَعْضهَا ( لِمَا ) بِاللَّامِ ، وَ ( كَعَدَدِ ) بِالْكَافِ ، وَفِي بَعْضهَا ( لِعَدَدِ نُجُوم السَّمَاء ) بِاللَّامِ ، وَكِلَاهُمَا صَحِيح .


4259 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَيَرِدَنَّ عَلَيَّ الْحَوْض رِجَال مِمَّنْ صَاحَبَنِي حَتَّى إِذَا رَأَيْتهمْ وَرُفِعُوا إِلَيَّ اُخْتُلِجُوا دُونِي فَلَأَقُولَنَّ : رَبّ أُصَيْحَابِي أُصَيْحَابِي فَلَيُقَالَنَّ لِي إِنَّك لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدك )
أَمَّا ( اُخْتُلِجُوا )
فَمَعْنَاهُ اُقْتُطِعُوا .
وَأَمَّا ( أُصَيْحَابِي )
فَوَقَعَ فِي الرِّوَايَات مُصَغَّرًا مُكَرَّرًا ، وَفِي بَعْض النُّسَخ ( أَصْحَابِي أَصْحَابِي ) مُكَبَّرًا مُكَرَّرًا . قَالَ الْقَاضِي : هَذَا دَلِيل لِصِحَّةِ تَأْوِيل مَنْ تَأَوَّلَ أَنَّهُمْ أَهْل الرِّدَّة ، وَلِهَذَا قَالَ فِيهِمْ سُحْقًا سُحْقًا ، وَلَا يَقُولُ ذَلِكَ فِي مُذْنِبِي الْأُمَّة ، بَلْ يَشْفَعُ لَهُمْ ، وَيَهْتَمُّ لِأَمْرِهِمْ . قَالَ : وَقِيلَ : هَؤُلَاءِ صِنْفَانِ : أَحَدُهُمَا عُصَاة مُرْتَدُّونَ عَنْ الِاسْتِقَامَة لَا عَنْ الْإِسْلَام ، وَهَؤُلَاءِ مُبَدِّلُونَ لِلْأَعْمَالِ الصَّالِحَة بِالسَّيِّئَةِ . وَالثَّانِي مُرْتَدُّونَ إِلَى الْكُفْر حَقِيقَة نَاكِصُونَ عَلَى أَعْقَابهمْ وَاسْم التَّبْدِيل يَشْمَلُ الصِّنْفَيْنِ .


4260 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَا بَيْن لَابَتَيْ حَوْضِي )
أَيْ نَاحِيَتَيْهِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .


4264 - قَوْله : ( رَأَيْت عَنْ يَمِين رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَعَنْ شِمَاله ، يَوْم أُحُد رَجُلَيْنِ ، عَلَيْهِمَا ثِيَاب بَيَاض مَا رَأَيْتهمْ قَبْلُ وَلَا بَعْدُ ، يَعْنِي جِبْرِيل وَمِيكَائِيلَ عَلَيْهِمَا السَّلَام )
وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى ( أَحَدهمَا عَنْ يَمِينه ، وَالْآخَر عَنْ يَسَاره ، يُقَاتِلَانِ عَنْهُ كَأَشَدّ الْقِتَال ) فِيهِ بَيَان كَرَامَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى اللَّه تَعَالَى ، وَإِكْرَامه إِيَّاهُ بِإِنْزَالِ الْمَلَائِكَة تُقَاتِل مَعَهُ ، وَبَيَان أَنَّ الْمَلَائِكَة تُقَاتِل ، وَأَنَّ قِتَالهمْ لَمْ يَخْتَصَّ بِيَوْمِ بَدْر ، وَهَذَا هُوَ الصَّوَاب ، خِلَافًا لِمَنْ زَعَمَ اِخْتِصَاصه ، فَهَذَا صَرِيح فِي الرَّدّ عَلَيْهِ . وَفِيهِ فَضِيلَة الثِّيَاب الْبِيض ، وَأَنَّ رُؤْيَة الْمَلَائِكَة لَا تَخْتَصُّ بِالْأَنْبِيَاءِ ، بَلْ يَرَاهُمْ الصَّحَابَة وَالْأَوْلِيَاء . وَفِيهِ مَنْقَبَة لِسَعْدِ بْن أَبِي وَقَّاص الَّذِي رَأَى الْمَلَائِكَة . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .


4265 - سبق شرحه بالباب


4266 - قَوْله : ( كَانَ رَسُول صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحْسَن النَّاس وَكَانَ أَجْوَد النَّاس ، وَكَانَ أَشْجَع النَّاس إِلَخْ )
فِيهِ بَيَان مَا أَكْرَمَهُ اللَّه تَعَالَى بِهِ مِنْ جَمِيل الصِّفَات ، وَأَنَّ هَذِهِ صِفَات كَمَال .
قَوْله : ( وَهُوَ عَلَى فَرَس لِأَبِي طَلْحَة عُرْي ، فِي عُنُقه السَّيْف ، وَهُوَ يَقُول : لَمْ تُرَاعُوا ، لَمْ تُرَاعُوا ، قَالَ : وَجَدْنَاهُ لَبَحْرًا أَوْ إِنَّهُ لَبَحْر : قَالَ : وَكَانَ فَرَسًا يُبَطَّأُ ) وَفِي رِوَايَة ( فَاسْتَعَارَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَسًا لِأَبِي طَلْحَة يُقَال لَهُ مَنْدُوب ، فَرَكِبَهُ ، فَقَالَ : مَا رَأَيْنَا مِنْ فَزَع ، وَإِنْ وَجَدْنَاهُ لَبَحْرًا ) وَأَمَّا
قَوْله : ( يُبَطَّأ )
فَمَعْنَاهُ يُعْرَف بِالْبُطْءِ ، وَالْعَجْز ، وَسُوء السَّيْر .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَمْ تُرَاعُوا )
أَيْ رَوْعًا مُسْتَقِرًّا أَوْ رَوْعًا يَضُرُّكُمْ . وَفِيهِ فَوَائِد : مِنْهَا بَيَان شَجَاعَته صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ شِدَّة عَجَلَته فِي الْخُرُوج إِلَى الْعَدُوّ قَبْل النَّاس كُلّهمْ ، وَبِحَيْثُ كَشَفَ الْحَال ، وَرَجَعَ قَبْل وُصُول النَّاس . وَفِيهِ بَيَان عَظِيم بَرَكَته وَمُعْجِزَته فِي اِنْقِلَاب الْفَرَس سَرِيعًا بَعْد أَنْ كَانَ يُبَطَّأُ ، وَهُوَ مَعْنَى
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَجَدْنَاهُ بَحْرًا )
أَيْ وَاسِع الْجَرْي . وَفِيهِ جَوَاز سَبْق الْإِنْسَان وَحَدِّهِ فِي كَشْف أَخْبَار الْعَدُوّ مَا لَمْ يَتَحَقَّقْ الْهَلَاك . وَفِيهِ جَوَاز الْعَارِيَة ، وَجَوَاز الْغَزْو عَلَى الْفَرَس الْمُسْتَعَار لِذَلِكَ . وَفِيهِ اِسْتِحْبَاب تَقَلُّد السَّيْف فِي الْعُنُق ، وَاسْتِحْبَاب تَبْشِير النَّاس بِعَدَمِ الْخَوْف إِذَا ذَهَبَ . وَوَقَعَ فِي هَذَا الْحَدِيث تَسْمِيَة هَذَا الْفَرَس مَنْدُوبًا . قَالَ الْقَاضِي : وَقَدْ كَانَ فِي أَفْرَاس النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْدُوب ، فَلَعَلَّهُ صَارَ إِلَيْهِ بَعْد أَبِي طَلْحَة . هَذَا كَلَام الْقَاضِي . قُلْت : وَيَحْتَمِل أَنَّهُمَا فَرَسَانِ اِتَّفَقَا فِي الِاسْم .


4267 - سبق شرحه بالباب


4268 - قَوْله : ( كَانَ رَسُول صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَد النَّاس بِالْخَيْرِ ، وَكَانَ أَجْوَد مَا يَكُونُ فِي شَهْر رَمَضَان . إِنَّ جِبْرِيل يَلْقَاهُ فِي كُلّ سَنَة فِي رَمَضَان حَتَّى يَنْسَلِخ ، فَيَعْرِض عَلَيْهِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْقُرْآن ، فَإِذَا لَقِيَهُ جِبْرِيل كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَد بِالْخَيْرِ مِنْ الرِّيح الْمُرْسَلَة ) . أَمَّا
قَوْله : ( وَكَانَ أَجْوَدَ مَا يَكُون )
فَرُوِيَ بِرَفْعِ أَجْوَد وَنَصْبه ، وَالرَّفْع أَصَحّ وَأَشْهَر . وَالرِّيح الْمُرْسَلَة بِفَتْحِ السِّين ، وَالْمُرَاد كَالرِّيحِ فِي إِسْرَاعهَا وَعُمُومهَا .
وَقَوْله : ( كَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلّ سَنَة )
كَذَا هُوَ فِي جَمِيع النُّسَخ . وَنَقَلَهُ الْقَاضِي عَنْ عَامَّة الرِّوَايَات وَالنُّسَخ قَالَ : وَفِي بَعْضهَا ( كُلّ لَيْلَة ) بَدَل سَنَة . قَالَ : وَهُوَ الْمَحْفُوظ ، لَكِنَّهُ بِمَعْنَى الْأَوَّل ، لِأَنَّ قَوْله ( حَتَّى يَنْسَلِخ ) بِمَعْنَى كُلّ لَيْلَة . وَفِي هَذَا الْحَدِيث فَوَائِد مِنْهَا بَيَان عِظَم جُوده صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَمِنْهَا اِسْتِحْبَاب إِكْثَار الْجُود فِي رَمَضَان . وَمِنْهَا زِيَادَة الْجُود وَالْخَيْر عِنْد مُلَاقَاة الصَّالِحِينَ وَعَقِبَ فِرَاقهمْ لِلتَّأَثُّرِ بِلِقَائِهِمْ . وَمِنْهَا اِسْتِحْبَاب مُدَارَسَة الْقُرْآن .


4269 - قَوْله : ( خَدَمْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشْر سِنِينَ ، وَاَللَّه مَا قَالَ لِي أُفًّا قَطُّ ، وَلَا قَالَ لِشَيْءٍ لِمَ فَعَلْت كَذَا ، وَهَلَّا فَعَلْت كَذَا ) وَفِي رِوَايَة : ( وَلَا عَابَ عَلَيَّ شَيْئًا ) وَفِي رِوَايَة : ( تِسْع سِنِينَ ) ، وَفِي رِوَايَة : ( كَانَ رَسُول اللَّه أَحْسَن النَّاس خُلُقًا ) . أَمَّا
قَوْله : ( مَا قَالَ لِي أُفًّا )
. فَذَكَرَ الْقَاضِي وَغَيْره فِيهَا عَشْر لُغَات : ( أُفَّ ) بِفَتْحِ الْفَاء وَضَمّهَا وَكَسْرهَا بِلَا تَنْوِين ، وَبِالتَّنْوِينِ ، فَهَذِهِ سِتّ ، وَ ( أُفْ ) بِضَمِّ الْهَمْزَة وَإِسْكَان الْفَاء ، وَ ( إِفَّ ) بِكَسْرِ الْهَمْزَة وَفَتْح الْفَاء ، وَأُفّى ، وَأُفَّهْ بِضَمِّ هَمْزَتهمَا . قَالُوا : وَأَصْل الْأُفّ وَالتُّفّ وَسَخُ الْأَظْفَار ، وَتُسْتَعْمَلُ هَذِهِ الْكَلِمَة فِي كُلّ مَا يُسْتَقْذَر ، وَهِيَ اِسْم فِعْل تُسْتَعْمَلُ فِي الْوَاحِد وَالِاثْنَيْنِ وَالْجَمْع وَالْمُؤَنَّث وَالْمُذَكَّر بِلَفْظٍ وَاحِد . قَالَ اللَّه تَعَالَى { وَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ } قَالَ الْهَرَوِيُّ : يُقَالُ لِكُلِّ مَا يُضْجَرُ مِنْهُ وَيُسْتَثْقَلُ أُفٍّ لَهُ ، وَقِيلَ : مَعْنَاهُ الِاحْتِقَار مَأْخُوذ مِنْ الْأَفَف ، وَهُوَ الْقَلِيل .
وَأَمَّا ( قَطُّ )
فَفِيهَا لُغَات : قَطُّ وَقُطَّ بِفَتْحِ الْقَاف وَضَمّهَا مَعَ تَشْدِيد الطَّاء الْمَضْمُومَة ، وَقَطِّ بِفَتْحِ الْقَاف وَكَسْر الطَّاء الْمُشَدَّدَة ، وَقَطْ بِفَتْحِ الْقَاف وَإِسْكَان الطَّاء ، وَقَطِ بِفَتْحِ الْقَاف وَكَسْر الطَّاء الْمُخَفَّفَة ، وَهِيَ لِتَوْكِيدِ نَفْي الْمَاضِي .


4270 - سبق شرحه بالباب


4271 - قَوْله : ( تِسْع سِنِينَ )
، وَفِي أَكْثَر الرِّوَايَات ( عَشْر سِنِينَ ) فَمَعْنَاهُ أَنَّهَا تِسْع سِنِينَ وَأَشْهُر ؛ فَإِنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقَامَ بِالْمَدِينَةِ عَشْر سِنِينَ تَحْدِيدًا لَا تَزِيدُ وَلَا تَنْقُصُ ، وَخَدَمَهُ أَنَس فِي أَثْنَاء السَّنَة الْأُولَى . فَفِي رِوَايَة التِّسْع لَمْ يَحْسِبْ الْكَسْرَ ، بَلْ اِعْتَبَرَ السِّنِينَ الْكَوَامِل ، وَفِي رِوَايَة الْعَشْر حَسَبَهَا سَنَة كَامِلَة ، وَكِلَاهُمَا صَحِيح . وَفِي هَذَا الْحَدِيث بَيَان كَمَالِ خُلُقه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحُسْن عِشْرَته وَحِلْمه وَصَفْحه .


4272 - سبق شرحه بالباب


4274 - قَوْله : ( مَا سُئِلَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئًا قَطُّ فَقَالَ لَا )
وَذَكَرَ الْحَدِيث بَعْدَهُ فِي إِعْطَائِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْمُؤَلَّفَةِ وَغَيْرهمْ . فِي هَذَا كُلّه بَيَانُ عَظِيمِ سَخَائِهِ ، وَغَزَارَة جُوده صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَعْنَاهُ مَا سُئِلَ شَيْئًا مِنْ مَتَاع الدُّنْيَا .
قَوْله : ( حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب حَدَّثَنَا الْأَشْجَعِيّ قَالَ : وَحَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى )
هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيع نُسَخ بِلَادنَا ( مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى ) ، وَكَذَا نَقَلَهُ الْقَاضِي عِيَاض عَنْ الْجُلُودِيّ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن مَاهَان : ( مُحَمَّد بْن حَاتِم ) ، وَكَذَا ذَكَرَهُ أَبُو مَسْعُود الدِّمَشْقِيّ ، وَخَلَف الْوَاسِطِيُّ .


4275 - قَوْله : ( فَأَعْطَاهُ غَنَمًا بَيْن جَبَلَيْنِ )
أَيْ كَثِيرَة كَأَنَّهَا تَمْلَأُ مَا بَيْن جَبَلَيْنِ . وَفِي هَذَا مَعَ مَا بَعْده إِعْطَاء الْمُؤَلَّفَة ، وَلَا خِلَاف فِي إِعْطَاء مُؤَلَّفَة الْمُسْلِمِينَ . لَكِنْ هَلْ يُعْطَوْنَ مِنْ الزَّكَاة ؟ فِيهِ خِلَاف ، الْأَصَحّ عِنْدنَا أَنَّهُمْ يُعْطُونَ مِنْ الزَّكَاة ، وَمَنْ بَيْت الْمَال . وَالثَّانِي لَا يُعْطَوْنَ مِنْ الزَّكَاة ، بَلْ مِنْ بَيْت الْمَال خَاصَّة . وَأَمَّا مُؤَلَّفَة الْكُفَّار فَلَا يُعْطَوْنَ مِنْ الزَّكَاة ، وَفِي إِعْطَائِهِمْ مِنْ غَيْرهَا خِلَاف ، الْأَصَحّ عِنْدنَا لَا يُعْطَوْنَ ، لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى قَدْ أَعَزَّ الْإِسْلَام عَنْ التَّأَلُّف بِخِلَافِ أَوَّل الْأَمْر وَوَقْت قِلَّة الْمُسْلِمِينَ .


4276 - قَوْله : ( فَقَالَ أَنَس : إِنْ كَانَ الرَّجُل لَيُسْلِم مَا يُرِيد إِلَّا الدُّنْيَا فَمَا يُسْلِم حَتَّى يَكُون الْإِسْلَام أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا )
هَكَذَا هُوَ فِي مُعْظَم النُّسَخ : ( فَمَا يُسْلِم ) ، وَفِي بَعْضهَا ( فَمَا يُمْسِي ) ، وَكِلَاهُمَا صَحِيح ، وَمَعْنَى الْأَوَّل فَمَا يَلْبَث بَعْد إِسْلَامه إِلَّا يَسِيرًا حَتَّى يَكُون الْإِسْلَام أَحَبَّ إِلَيْهِ ، وَالْمُرَاد أَنَّهُ يُظْهِر الْإِسْلَام أَوَّلًا لِلدُّنْيَا ، لَا بِقَصْدٍ صَحِيح بِقَلْبِهِ ، ثُمَّ مِنْ بَرَكَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنُور الْإِسْلَام لَمْ يَلْبَث إِلَّا قَلِيلًا حَتَّى يَنْشَرِح صَدْره بِحَقِيقَةِ الْإِيمَان ، وَيَتَمَكَّن مِنْ قَلْبه ، فَيَكُون حِينَئِذٍ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا .


4278 - قَوْله : ( فَحَثَى أَبُو بَكْر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ مَرَّة ، ثُمَّ قَالَ لِي : عُدَّهَا فَعَدَدْتهَا فَإِذَا هِيَ خَمْسُمِائَةٍ ، فَقَالَ : خُذْ مِثْلَيْهَا )
يَعْنِي خُذْ مَعَهَا مِثْلَيْهَا ، فَيَكُون الْجَمِيع أَلْفًا وَخَمْسَمِائَةٍ ، لِأَنَّ لَهُ ثَلَاث حَثَيَات ، وَإِنَّمَا حَثَى لَهُ أَبُو بَكْر بِيَدِهِ لِأَنَّهُ خَلِيفَة رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَيَده قَائِمَة مَقَام يَده ، وَكَانَ لَهُ ثَلَاث حَثَيَات بِيَدِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَفِيهِ إِنْجَاز الْعِدَة . قَالَ الشَّافِعِيّ وَالْجُمْهُور : إِنْجَازهَا وَالْوَفَاء بِهَا مُسْتَحَبّ لَا وَاجِب ، وَأَوْجَبَهُ الْحَسَن وَبَعْض الْمَالِكِيَّة .


4279 - قَوْله : ( عَنْ أَنَس بْن مَالِك قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وُلِدَ لِي اللَّيْلَة غُلَام فَسَمَّيْته بِاسْمِ أَبِي إِبْرَاهِيم ثُمَّ دَفَعَهُ إِلَى أُمّ سَيْف اِمْرَأَة قَيْن يُقَال لَهُ أَبُو سَيْف ، فَانْطَلَقَ يَأْتِيه ، وَاتَّبَعْته إِلَى آخِره )
( الْقَيْن )
بِفَتْحِ الْقَاف الْحَدَّاد . وَفِيهِ جَوَاز تَسْمِيَة الْمَوْلُود يَوْم وِلَادَته ، وَجَوَاز التَّسْمِيَة بِأَسْمَاءِ الْأَنْبِيَاء صَلَوَات اللَّه عَلَيْهِمْ وَسَلَامه ، وَسَبَقَتْ الْمَسْأَلَتَانِ فِي بَابهمَا . وَفِيهِ اِسْتِتْبَاع الْعَالِم وَالْكَبِير بَعْض أَصْحَابه إِذَا ذَهَبَ إِلَى مَنْزِل قَوْم وَنَحْوه . وَفِيهِ الْأَدَب مَعَ الْكِبَار .
قَوْله : ( وَهُوَ يَكِيد بِنَفْسِهِ )
أَيْ يَجُود بِهَا ، وَمَعْنَاهُ : وَهُوَ فِي النَّزْع .
قَوْله : ( فَدَمَعَتْ عَيْنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى آخِره )
فِيهِ جَوَاز الْبُكَاء عَلَى الْمَرِيض وَالْحُزْن ، وَأَنَّ ذَلِكَ لَا يُخَالِف الرِّضَا بِالْقَدَرِ ، بَلْ هِيَ رَحْمَة جَعَلَهَا اللَّه فِي قُلُوب عِبَاده ، وَإِنَّمَا الْمَذْمُوم النَّدْب وَالنِّيَاحَة ، وَالْوَيْل وَالثُّبُور ، وَنَحْو ذَلِكَ مِنْ الْقَوْل الْبَاطِل ، وَلِهَذَا قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " وَلَا نَقُول إِلَّا مَا يُرْضِي رَبّنَا " .


4280 - قَوْله : ( مَا رَأَيْت أَحَدًا أَرْحَم بِالْعِيَالِ مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَالَ : وَكَانَ إِبْرَاهِيم مُسْتَرْضِعًا فِي عَوَالِي الْمَدِينَة ) إِلَى قَوْله : ( فَيَأْخُذهُ فَيُقَبِّلُهُ )
أَمَّا ( الْعَوَالِي )
فَالْقُرَى الَّتِي عِنْد الْمَدِينَة . وَقَوْله : ( أَرْحَم بِالْعِيَالِ ) هَذَا هُوَ الْمَشْهُور الْمَوْجُود فِي النُّسَخ وَالرِّوَايَات . قَالَ الْقَاضِي : وَفِي بَعْض الرِّوَايَات ( بِالْعِبَادِ ) . فَفِيهِ بَيَان كَرِيم خُلُقه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَحْمَته لِلْعِيَالِ وَالضُّعَفَاء . وَفِيهِ فَضِيلَة رَحْمَة الْعِيَال وَالْأَطْفَال وَتَقْبِيلهمْ .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَإِنَّهُ مَاتَ فِي الثَّدْي وَإِنَّ ظِئْرَيْنِ تُكَمِّلَانِ رَضَاعه فِي الْجَنَّة )
مَعْنَاهُ مَاتَ وَهُوَ فِي سِنّ رَضَاع الثَّدْي ، أَوْ فِي حَال تَغَذِّيه بِلَبَنِ الثَّدْي . وَأَمَّا ( ظِئْر ) فَبِكَسْرِ الظَّاء مَهْمُوزَة ، وَهِيَ الْمُرْضِعَة وَلَد غَيْرهَا ، وَزَوْجهَا ظِئْر لِذَلِكَ الرَّضِيع . فَلَفْظَة ( الظِّئْر ) تَقَعُ عَلَى الْأُنْثَى وَالذَّكَر . وَمَعْنَى ( تُكَمِّلَانِ رَضَاعه ) أَيْ تُتِمَّانِهِ سَنَتَيْنِ ، فَإِنَّهُ تُوُفِّيَ وَلَهُ سِتَّة عَشَر شَهْرًا ، أَوْ سَبْعَة عَشَر ، فَتُرْضِعَانِهِ بَقِيَّة السَّنَتَيْنِ ، فَإِنَّهُ تَمَام الرَّضَاعَة بِنَصِّ الْقُرْآن . قَالَ صَاحِب التَّحْرِير : وَهَذَا الْإِتْمَام لِإِرْضَاعِ إِبْرَاهِيم رَضِيَ اللَّه عَنْهُ يَكُونُ عَقِبَ مَوْته ، فَيَدْخُلُ الْجَنَّة مُتَّصِلًا بِمَوْتِهِ ، فَيُتِمُّ فِيهَا رَضَاعه كَرَامَة لَهُ وَلِأَبِيهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَالَ الْقَاضِي : وَاسْم أَبِي سَيْف هَذَا الْبَرَاء ، وَاسْم أُمّ سَيْف زَوْجَته خَوْلَة بِنْت الْمُنْذِر الْأَنْصَارِيَّة ، كُنْيَتُهَا أُمّ سَيْف ، وَأُمّ بُرْدَة .


4282 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّهُ مَنْ لَا يَرْحَم لَا يُرْحَم )
وَفِي رِوَايَة ( مَنْ لَا يَرْحَم النَّاس لَا يَرْحَمهُ اللَّه ) قَالَ الْعُلَمَاء : هَذَا عَامّ يَتَنَاوَل رَحْمَة الْأَطْفَال وَغَيْرهمْ .


4283 - قَوْله : ( عَنْ أَبِي ظَبْيَانَ )
بِفَتْحِ الظَّاء وَكَسْرهَا .


4284 - قَوْله : ( كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَشَدّ حَيَاء مِنْ الْعَذْرَاء فِي خِدْرهَا ، وَكَانَ إِذَا كَرِهَ شَيْئًا عَرَفْنَاهُ فِي وَجْهه )
. الْعَذْرَاء الْبِكْر ، لِأَنَّ عُذْرَتَهَا بَاقِيَة ، وَهِيَ جِلْدَة الْبَكَارَة . وَالْخِدْر سِتْر يُجْعَل لِلْبِكْرِ جَنْب الْبَيْت . وَمَعْنَى ( عَرَفْنَا الْكَرَاهَة فِي وَجْهه ) أَيْ لَا يَتَكَلَّمُ بِهِ لِحَيَائِهِ ، بَلْ يَتَغَيَّرُ وَجْهه ، فَنَفْهَم نَحْنُ كَرَاهَته . وَفِيهِ فَضِيلَة الْحَيَاء ، وَهُوَ مِنْ شُعَب الْإِيمَان ، وَهُوَ خَيْر كُلّه ، وَلَا يَأْتِي إِلَّا بِخَيْرٍ ، وَقَدْ سَبَقَ هَذَا كُلّه فِي كِتَاب الْإِيمَان ، وَشَرَحْنَاهُ وَاضِحًا ، وَهُوَ مَحْثُوث عَلَيْهِ مَا لَمْ يَنْتَهِ إِلَى الضَّعْف وَالنَّخْو كَمَا سَبَقَ .


4285 - قَوْله : ( لَمْ يَكُنْ فَاحِشًا وَلَا مُتَفَحِّشًا )
قَالَ الْقَاضِي : أَصْل الْفُحْش الزِّيَادَة وَالْخُرُوج عَنْ الْحَدّ . قَالَ الطَّبَرِيُّ : الْفَاحِش الْبَذِيء . قَالَ اِبْن عَرَفَة : الْفَوَاحِش عِنْد الْعَرَب الْقَبَائِح . قَالَ الْهَرَوِيُّ : الْفَاحِش ذُو الْفُحْش ، وَالْمُتَفَحِّش الَّذِي يَتَكَلَّفُ الْفُحْش ، وَيَتَعَمَّدُهُ لِفَسَادِ حَاله . قَالَ : وَقَدْ يَكُون الْمُتَفَحِّشُ الَّذِي يَأْتِي الْفَاحِشَة .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ مِنْ خِيَاركُمْ أَحَاسِنكُمْ أَخْلَاقًا )
فِيهِ الْحَثّ عَلَى حُسْن الْخُلُق ، وَبَيَان فَضِيلَة صَاحِبه . وَهُوَ صِفَة أَنْبِيَاء اللَّه تَعَالَى وَأَوْلِيَائِهِ . قَالَ الْحَسَن الْبَصْرِيّ : حَقِيقَة حُسْن الْخُلُق بَذْل الْمَعْرُوف ، وَكَفّ الْأَذَى ، وَطَلَاقَة الْوَجْه . قَالَ الْقَاضِي عِيَاض : هُوَ مُخَالَطَة النَّاس بِالْجَمِيلِ وَالْبِشْر ، وَالتَّوَدُّد لَهُمْ ، وَالْإِشْفَاق عَلَيْهِمْ ، وَاحْتِمَالهمْ ، وَالْحِلْم عَنْهُمْ ، وَالصَّبْر عَلَيْهِمْ فِي الْمَكَارِه ، وَتَرْك الْكِبْر وَالِاسْتِطَالَة عَلَيْهِمْ . وَمُجَانَبَة الْغِلَظ وَالْغَضَب ، وَالْمُؤَاخَذَة . قَالَ : وَحَكَى الطَّبَرِيُّ خِلَافًا لِلسَّلَفِ فِي حُسْن الْخُلُق هَلْ هُوَ غَرِيزَة أَمْ مُكْتَسَب ؟ قَالَ الْقَاضِي : وَالصَّحِيح أَنَّ مِنْهُ مَا هُوَ غَرِيزَة ، وَمِنْهُ مَا يُكْتَسَبُ بِالتَّخَلُّقِ وَالِاقْتِدَاء بِغَيْرِهِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .


4286 - قَوْله : ( كَانَ لَا يَقُومُ مِنْ مُصَلَّاهُ الَّذِي صَلَّى فِيهِ الصُّبْح حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْس ، وَكَانُوا يَتَحَدَّثُونَ فَيَأْخُذُونَ فِي أَمْر الْجَاهِلِيَّة ، فَيَضْحَكُونَ ، وَيَتَبَسَّم )
فِيهِ اِسْتِحْبَاب الذِّكْر بَعْد الصُّبْح ، وَمُلَازَمَة مَجْلِسهَا مَا لَمْ يَكُنْ عُذْر . قَالَ الْقَاضِي : هَذِهِ سُنَّة كَانَ السَّلَف وَأَهْل الْعِلْم يَفْعَلُونَهَا ، وَيَقْتَصِرُونَ فِي ذَلِكَ الْوَقْت عَلَى الذِّكْر وَالدُّعَاء حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ . وَفِيهِ جَوَاز الْحَدِيث بِأَخْبَارِ الْجَاهِلِيَّة وَغَيْرهَا مِنْ الْأُمَم ، وَجَوَاز الضَّحِك ، وَالْأَفْضَل الِاقْتِصَار عَلَى التَّبَسُّم كَمَا فَعَلَهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي عَامَّة أَوْقَاته . قَالُوا : وَيُكْرَهُ إِكْثَار الضَّحِك ، وَهُوَ فِي أَهْل الْمَرَاتِب وَالْعِلْم أَقْبَح . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .


4287 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( يَا أَنْجَشَة رُوَيْدك سَوْقًا بِالْقَوَارِيرِ )
وَفِي رِوَايَة ( يَا أَنْجَشَة لَا تَكْسِر الْقَوَارِير ) يَعْنِي ضَعَفَة النِّسَاء . أَمَّا ( أَنْجَشَة ) فَبِهَمْزَةٍ مَفْتُوحَة وَإِسْكَان النُّون وَبِالْجِيمِ وَبِشِينٍ مُعْجَمَة .
وَأَمَّا ( رُوَيْدَك ) فَمَنْصُوب عَلَى الصِّفَة بِمَصْدَرٍ مَحْذُوف ، أَيْ سُقْ سَوْقًا رُوَيْدًا ، وَمَعْنَاهُ الْأَمْر بِالرِّفْقِ بِهِنَّ . وَسَوْقك مَنْصُوبٌ بِإِسْقَاطِ الْجَارّ أَيْ اُرْفُقْ فِي سَوْقك بِالْقَوَارِيرِ . قَالَ الْعُلَمَاء : سُمِّيَ النِّسَاء قَوَارِير لِضَعْفِ عَزَائِمهنَّ تَشْبِيهًا بِقَارُورَةِ الزُّجَاج لِضَعْفِهَا ، وَإِسْرَاع الِانْكِسَار إِلَيْهَا . وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي الْمُرَاد بِتَسْمِيَتِهِنَّ قَوَارِير عَلَى قَوْلَيْنِ ذَكَرَهُمَا الْقَاضِي وَغَيْره ، أَصَحّهمَا عِنْد الْقَاضِي وَآخَرِينَ ، وَهُوَ الَّذِي جَزَمَ بِهِ الْهَرَوِيُّ ، وَصَاحِب التَّحْرِير ، وَآخَرُونَ ، أَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ أَنْجَشَة كَانَ حَسَن الصَّوْت ، وَكَانَ يَحْدُو بِهِنَّ ، وَيُنْشِد شَيْئًا مِنْ الْقَرِيض وَالرَّجَز ، وَمَا فِيهِ تَشْبِيب ، فَلَمْ يَأْمَنْ أَنْ يَفْتِنَهُنَّ ، وَيَقَع فِي قُلُوبهنَّ حِدَاؤُهُ ، فَأَمَرَهُ بِالْكَفِّ عَنْ ذَلِكَ . وَمَنْ أَمْثَالِهِمْ الْمَشْهُورَة ( الْغِنَا رُقْيَة الزِّنَا ) . قَالَ الْقَاضِي : هَذَا أَشْبَه بِمَقْصُودِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَبِمُقْتَضَى اللَّفْظ . قَالَ : وَهُوَ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلَام أَبِي قِلَابَةَ الْمَذْكُور فِي هَذَا الْحَدِيث فِي مُسْلِم . وَالْقَوْل الثَّانِي أَنَّ الْمُرَاد بِهِ الرِّفْق فِي السَّيْر ، لِأَنَّ الْإِبِل إِذَا سَمِعْت الْحُدَاء أَسْرَعَتْ فِي الْمَشْي وَاسْتَلَذَّتْهُ ، فَأَزْعَجَتْ الرَّاكِب ، وَأَتْبَعَتْهُ ، فَنَهَاهُ عَنْ ذَلِكَ لِأَنَّ النِّسَاء يَضْعُفْنَ عِنْد شِدَّة الْحَرَكَة ، وَيُخَافُ ضَرَرُهُنَّ وَسُقُوطُهُنَّ .


4288 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَيْحَك يَا أَنْجَشَة رُوَيْدًا سَوْقك بِالْقَوَارِيرِ )
أَمَّا ( وَيْحَك ) فَهَكَذَا وَقَعَ فِي مُسْلِم ، وَوَقَعَ فِي غَيْره : ( وَيْلَك ) . قَالَ الْقَاضِي : قَالَ سِيبَوَيْهِ : ( وَيْل ) كَلِمَة تُقَال لِمَنْ وَقَعَ فِي هَلَكَة ، وَ ( وَيْح ) زَجْر لِمَنْ أَشْرَفَ عَلَى الْوُقُوع فِي هَلَكَة . وَقَالَ الْفَرَّاء : وَيْل وَوَيْح وَوَيْس بِمَعْنًى ، وَقِيلَ : وَيْحٌ كَلِمَةٌ لِمَنْ وَقَعَ فِي هَلَكَة لَا يَسْتَحِقُّهَا يَعْنِي فِي عُرْفِنَا فَيَرْثِي لَهُ ، وَيَتَرَحَّم عَلَيْهِ ، وَوَيْل ضِدّه . قَالَ الْقَاضِي : قَالَ بَعْض أَهْل اللُّغَة : لَا يُرَادُ بِهَذِهِ الْأَلْفَاظ حَقِيقَة الدُّعَاء ، وَإِنَّمَا يُرَادُ بِهَا الْمَدْحُ وَالتَّعَجُّبُ . وَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيث جَوَاز الْحُدَاء ، وَهُوَ بِضَمِّ الْحَاءِ مَمْدُود . وَجَوَاز السَّفَر بِالنِّسَاءِ ، وَاسْتِعْمَال الْمَجَاز ، وَفِيهِ مُبَاعَدَة النِّسَاء مِنْ الرِّجَال ، وَمِنْ سَمَاع كَلَامهمْ ، إِلَّا الْوَعْظ وَنَحْوه .


4289 - سبق شرحه بالباب


4290 - سبق شرحه بالباب


4291 - قَوْله : ( كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا صَلَّى الْغَدَاة جَاءَ خَدَم الْمَدِينَة بِآنِيَتِهِمْ فِيهَا الْمَاء ، فَمَا يُؤْتَى بِإِنَاءٍ إِلَّا غَمَسَ يَده فِيهَا ، فَرُبَّمَا جَاءُوهُ فِي الْغَدَاة الْبَارِدَة ، فَيَغْمِسُ يَده فِيهَا )
وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى : ( رَأَيْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَالْحَلَّاق يَحْلِقهُ ، وَأَطَافَ بِهِ أَصْحَابه ، فَمَا يُرِيدُونَ أَنْ تَقَعَ شَعْرَة إِلَّا فِي يَد رَجُل ) وَفِي الْآخَر : ( أَنَّ اِمْرَأَة كَانَتْ فِي عَقْلهَا شَيْء ، فَقَالَتْ : يَا رَسُول اللَّه إِنَّ لِي إِلَيْك حَاجَة ، فَقَالَ : يَا أُمّ فُلَان اُنْظُرِي أَيَّ السِّكَك شِئْت حَتَّى أَقْضِيَ لَك حَاجَتك ؟ فَخَلَا مَعَهَا فِي بَعْض الطُّرُق حَتَّى فَرَغَتْ مِنْ حَاجَتهَا ) فِي هَذِهِ الْأَحَادِيث بَيَان بُرُوزه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلنَّاسِ ، وَقُرْبه مِنْهُمْ ، لِيَصِلَ أَهْل الْحُقُوق إِلَى حُقُوقهمْ ، وَيُرْشِدَ مُسْتَرْشِدهمْ لِيُشَاهِدُوا أَفْعَاله وَحَرَكَاته فَيُقْتَدَى بِهَا ، وَهَكَذَا يَنْبَغِي لِوُلَاةِ الْأُمُور . وَفِيهَا صَبْره صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْمَشَقَّة فِي نَفْسه لِمَصْلَحَةِ الْمُسْلِمِينَ ، وَإِجَابَته مَنْ سَأَلَهُ حَاجَةً أَوْ تَبْرِيكًا بِمَسِّ يَده وَإِدْخَالهَا فِي الْمَاء كَمَا ذَكَرُوا . وَفِيهِ التَّبَرُّك بِآثَارِ الصَّالِحِينَ ، وَبَيَان مَا كَانَتْ الصَّحَابَة عَلَيْهِ مِنْ التَّبَرُّك بِآثَارِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَتَبَرُّكهمْ بِإِدْخَالِ يَده الْكَرِيمَة فِي الْآنِيَة ، وَتَبَرُّكهمْ بِشَعْرِهِ الْكَرِيم ، وَإِكْرَامهمْ إِيَّاهُ أَنْ يَقَعَ شَيْء مِنْهُ إِلَّا فِي يَد رَجُل سَبَقَ إِلَيْهِ ، وَبَيَان تَوَاضُعه بِوُقُوفِهِ مَعَ الْمَرْأَة الضَّعِيفَة .


4292 - سبق شرحه بالباب


4293 - قَوْله : ( خَلَا مَعَهَا فِي بَعْض الطُّرُق )
أَيْ وَقَفَ مَعَهَا فِي طَرِيق مَسْلُوك لِيَقْضِيَ حَاجَتهَا وَيُفْتِيهَا فِي الْخَلْوَة ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِنْ الْخَلْوَة بِالْأَجْنَبِيَّةِ ، فَإِنَّ هَذَا كَانَ فِي مَمَرّ النَّاس وَمُشَاهَدَتهمْ إِيَّاهُ وَإِيَّاهَا ، لَكِنْ لَا يَسْمَعُونَ كَلَامَهَا ، لِأَنَّ مَسْأَلَتَهَا مِمَّا لَا يُظْهِرُهُ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .


4294 - قَوْلهَا : ( مَا خُيِّرَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْن أَمْرَيْنِ إِلَّا أَخَذَ أَيْسَرهمَا مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا ، فَإِنْ كَانَ إِثْمًا كَانَ أَبْعَدَ النَّاس مِنْهُ )
فِيهِ اِسْتِحْبَاب الْأَخْذ بِالْأَيْسَرِ وَالْأَرْفَق مَا لَمْ يَكُنْ حَرَامًا أَوْ مَكْرُوهًا . قَالَ الْقَاضِي : وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ تَخْيِيرُهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُنَا مِنْ اللَّه تَعَالَى ، فَيُخَيِّرُهُ فِيمَا فِيهِ عُقُوبَتَانِ ، أَوْ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكُفَّار مِنْ الْقِتَال وَأَخْذ الْجِزْيَة ، أَوْ فِي حَقّ أُمَّته فِي الْمُجَاهَدَة فِي الْعِبَادَة أَوْ الِاقْتِصَار ، وَكَانَ يَخْتَارُ الْأَيْسَرَ فِي كُلِّ هَذَا قَالَ : وَأَمَّا قَوْلهَا : ( مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا ) ، فَيُتَصَوَّرُ إِذَا خَيَّرَهُ الْكُفَّار وَالْمُنَافِقُونَ ، فَأَمَّا إِنْ كَانَ التَّخْيِير مِنْ اللَّه تَعَالَى أَوْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَيَكُون الِاسْتِثْنَاء مُنْقَطِعًا .
قَوْلهَا : ( وَمَا اِنْتَقَمَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِنَفْسِهِ إِلَّا أَنْ تُنْتَهَكَ حُرْمَة اللَّه )
وَفِي رِوَايَة : ( مَا نِيلَ مِنْهُ شَيْء قَطُّ فَيَنْتَقِم مِنْ صَاحِبه إِلَّا أَنْ يُنْتَهَكَ شَيْءٌ مِنْ مَحَارِم اللَّه تَعَالَى فَيَنْتَقِمُ لِلَّهِ تَعَالَى ) مَعْنَى ( نِيلَ مِنْهُ ) أُصِيبَ بِأَذًى مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ . وَانْتَهَاك حُرْمَة اللَّه تَعَالَى هُوَ اِرْتِكَاب مَا حَرَّمَهُ .
قَوْلهَا : ( إِلَّا أَنْ تُنْتَهَكَ حُرْمَة اللَّه ) اِسْتِثْنَاء مُنْقَطِع . مَعْنَاهُ لَكِنْ إِذَا اُنْتُهِكَتْ حُرْمَة اللَّه اِنْتَصَرَ لِلَّهِ تَعَالَى ، وَانْتَقَمَ مِمَّنْ اِرْتَكَبَ ذَلِكَ . فِي هَذَا الْحَدِيث الْحَثُّ عَلَى الْعَفْو وَالْحِلْم وَاحْتِمَال الْأَذَى وَالِانْتِصَار لِدِينِ اللَّه تَعَالَى مِمَّنْ فَعَلَ مُحَرَّمًا أَوْ نَحْوه . وَفِيهِ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلْأَئِمَّةِ وَالْقُضَاة وَسَائِر وُلَاة الْأُمُور التَّخَلُّق بِهَذَا الْخُلُق الْكَرِيم ، فَلَا يَنْتَقِمُ لِنَفْسِهِ ، وَلَا يُهْمِلُ حَقَّ اللَّه تَعَالَى . قَالَ الْقَاضِي عِيَاض ، وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّ الْقَاضِي لَا يَقْضِي لِنَفْسِهِ ، وَلَا لِمَنْ لَا يَجُوزُ شَهَادَته لَهُ .


4295 - سبق شرحه بالباب


4296 - قَوْلهَا : ( مَا ضَرَبَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئًا قَطُّ بِيَدِهِ ، وَلَا اِمْرَأَةً ، وَلَا خَادِمًا إِلَّا أَنْ يُجَاهِدَ فِي سَبِيل اللَّه )
فِيهِ أَنَّ ضَرْبَ الزَّوْجَة وَالْخَادِم وَالدَّابَّة وَإِنْ كَانَ مُبَاحًا لِلْأَدَبِ فَتَرْكُهُ أَفْضَلُ .


4297 - قَوْله : ( صَلَاة الْأُولَى )
يَعْنِي الظُّهْر . وَالْوِلْدَان الصِّبْيَان ، وَاحِدهمْ وَلِيد وَفِي مَسْحه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصِّبْيَان بَيَان حُسْن خُلُقه وَرَحْمَته لِلْأَطْفَالِ ، وَمُلَاطَفَتهمْ . وَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيث بَيَان طِيب رِيحه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَهُوَ مِمَّا أَكْرَمَهُ اللَّه تَعَالَى ، قَالَ الْعُلَمَاء : كَانَتْ هَذِهِ الرِّيح الطَّيِّبَة صِفَته صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنْ لَمْ يَمَسّ طِيبًا ، وَمَعَ هَذَا فَكَانَ يَسْتَعْمِلُ الطِّيب فِي كَثِيرٍ مِنْ الْأَوْقَات مُبَالَغَة فِي طِيب رِيحه لِمُلَاقَاةِ الْمَلَائِكَة ، وَأَخْذ الْوَحْي الْكَرِيم ، وَمُجَالَسَة الْمُسْلِمِينَ .
قَوْله : ( كَأَنَّمَا أُخْرِجَتْ مِنْ جُؤْنَة عَطَّار )
هِيَ بِضَمِّ الْجِيم وَهَمْزَة بَعْدهَا ، وَيَجُوزُ تَرْك الْهَمْزَة بِقَلْبِهَا وَاوًا كَمَا فِي نَظَائِرهَا ، وَقَدْ ذَكَرَهَا كَثِيرُونَ ، أَوْ الْأَكْثَرُونَ فِي الْوَاو . قَالَ الْقَاضِي : هِيَ مَهْمُوزَة ، وَقَدْ يُتْرَكُ هَمْزهَا . وَقَالَ الْجَوْهَرِيّ : هِيَ بِالْوَاوِ ، وَقَدْ تُهْمَز ، وَهِيَ السَّقْط الَّذِي فِيهِ مَتَاع الْعَطَّار . هَكَذَا فَسَّرَهُ الْجُمْهُور وَقَالَ صَاحِب الْعَيْن . هِيَ سُلَيْلَة مُسْتَدِيرَة مُغَشَّاة ( أَدَمًا ) .


4298 - قَوْله : ( مَا شَمِمْت )
هُوَ بِكَسْرِ الْمِيم الْأُولَى عَلَى الْمَشْهُور ، وَحَكَى أَبُو عُبَيْد وَابْن السِّكِّيت وَالْجَوْهَرِيّ وَآخَرُونَ فَتْحهَا .


4299 - قَوْله : ( أَزْهَر اللَّوْن )
هُوَ الْأَبْيَض الْمُسْتَنِير ، وَهِيَ أَحْسَن الْأَلْوَان .
قَوْله : ( كَأَنَّ عَرَقه اللُّؤْلُؤ )
أَيْ فِي الصَّفَاء وَالْبَيَاض . وَاللُّؤْلُؤ بِهَمْزِ أَوَّله وَآخِره ، وَبِتَرْكِهِمَا ، وَبِهَمْزِ الْأَوَّل دُون الثَّانِي ، وَعَكْسه .
قَوْله : ( إِذَا مَشَى تَكَفَّأَ )
هُوَ بِالْهَمْزِ ، قَدْ يُتْرَك هَمْزه ، وَزَعَمَ كَثِيرُونَ أَنَّ أَكْثَر مَا يُرْوَى بِلَا هَمْزَة ، وَلَيْسَ كَمَا قَالُوا : قَالَ شَمِر : أَيْ مَالَ يَمِينًا وَشِمَالًا كَمَا تَكَفَّأَ السَّفِينَة قَالَ الْأَزْهَرِيّ : هَذَا خَطَأٌ ؛ لِأَنَّ هَذَا صِفَة الْمُخْتَال ، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ أَنْ يَمِيل إِلَى سَمْته ، وَقَصَدَ مَشْيه كَمَا قَالَ فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى : ( كَأَنَّمَا يَنْحَطُّ فِي صَبَب ) . قَالَ الْقَاضِي : لَا بُعْدَ فِيمَا قَالَهُ شَمِر إِذَا كَانَ خِلْقَة وَجِبِلَّة ، وَالْمَذْمُوم مِنْهُ مَا كَانَ مُسْتَعْمَلًا مَقْصُودًا .


4300 - قَوْله : ( فَقَالَ عِنْدنَا فَعَرِقَ )
أَيْ نَامَ لِلْقَيْلُولَةِ .
قَوْله : ( تَسْلُتُ الْعَرَق )
أَيْ تَمْسَحُهُ وَتَتْبَعُهُ بِالْمَسْحِ .


4301 - قَوْله : ( كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْخُلُ بَيْت أُمّ سُلَيْمٍ ، فَيَنَامُ عَلَى فِرَاشهَا )
قَدْ سَبَقَ أَنَّهَا كَانَتْ مَحْرَمًا لَهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَفِيهِ الدُّخُولُ عَلَى الْمَحَارِم ، وَالنَّوْم عِنْدهنَّ ، وَفِي بُيُوتهنَّ ، وَجَوَاز النَّوْم عَلَى الْأُدُم ، وَهِيَ الْأَنْطَاع وَالْجُلُود .
قَوْله : ( فَفَتَحَتْ عَتِيدَتهَا )
هِيَ بِعَيْنٍ مُهْمَلَة مَفْتُوحَة ثُمَّ مُثَنَّاة مِنْ فَوْقُ ثُمَّ مِنْ تَحْتُ ، وَهِيَ كَالصُّنْدُوقِ الصَّغِير ، تَجْعَلُ الْمَرْأَة فِيهِ مَا يَعِزُّ مِنْ مَتَاعهَا .
قَوْله : ( فَفَزِعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : مَا تَصْنَعِينَ ؟ )
مَعْنَى فَزِعَ اِسْتَيْقَظَ مِنْ نَوْمه .


4302 - قَوْلهَا : ( عَرَقك أَدُوف بِهِ طِيبِي )
هُوَ بِالدَّالِ الْمُهْمَلَة وَبِالْمُعْجَمَةِ ، وَالْأَكْثَر عَلَى الْمُهْمَلَة ، وَكَذَا نَقَلَهُ الْقَاضِي عَنْ رِوَايَة الْأَكْثَرِينَ ، وَمَعْنَاهُ أَخْلِطُ ، وَسَبَقَ بَيَان هَذِهِ اللَّفْظَة فِي أَوَّل كِتَاب الْإِيمَان .


4304 - قَوْله : ( كَيْف يَأْتِيك الْوَحْي ؟ فَقَالَ : أَحْيَانًا يَأْتِينِي مِثْل صَلْصَلَة الْجَرَس ، وَهُوَ أَشَدُّ عَلَيَّ ، ثُمَّ يَفْصِمُ عَنِّي وَقَدْ وَعَيْته ، وَأَحْيَانًا مَلَك فِي مِثْل صُورَة الرَّجُل ، فَأَعِي مَا يَقُولُ )
أَمَّا ( الْأَحْيَان )
فَأَزْمَان ، وَيَقَع عَلَى الْقَلِيل وَالْكَثِير .
وَ ( مِثْل صَلْصَلَة )
هُوَ بِنَصْبِ ( مِثْل ) ، وَأَمَّا الصَّلْصَلَة فَبِفَتْحِ الصَّادَيْنِ ، وَهِيَ الصَّوْت الْمُتَدَارَك . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : مَعْنَاهُ أَنَّهُ صَوْت مُتَدَارَك ، يَسْمَعُهُ وَلَا يُثْبِتُهُ أَوْ مَا يَقْرَعُ سَمْعَهُ حَتَّى يَفْهَمَهُ مِنْ بَعْد ذَلِكَ . قَالَ الْعُلَمَاء : وَالْحِكْمَة فِي ذَلِكَ أَنْ يَتَفَرَّغَ سَمْعُهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلَا يَبْقَى فِيهِ وَلَا فِي قَلْبه مَكَان لِغَيْرِ صَوْت الْمَلَك .
وَمَعْنَى ( وَعَيْت )
جَمَعْت وَفَهِمْت وَحَفِظْت .
وَأَمَّا ( يَفْصِمُ )
فَبِفَتْحِ الْيَاء وَإِسْكَان الْفَاء وَكَسْر الصَّاد الْمُهْمَلَة أَيْ يُقْلِعُ ، وَيَنْجَلِي مَا يَتَغَشَّانِي مِنْهُ . قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ . قَالَ الْعُلَمَاء : الْفَصْم هُوَ الْقَطْع مِنْ غَيْر إِبَانَة ، وَأَمَّا ( الْقَصْم ) بِالْقَافِ فَقَطْعٌ مَعَ الْإِبَانَة وَالِانْفِصَال . وَمَعْنَى الْحَدِيث أَنَّ الْمَلَك يُفَارِقُ عَلَى أَنْ يَعُودَ ، وَلَا يُفَارِقُهُ مُفَارَقَة قَاطِع لَا يَعُودُ . وَرُوِيَ هَذَا الْحَرْف أَيْضًا ( يُفْصَمُ ) بِضَمِّ الْيَاء وَفَتْح الصَّاد عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِله . وَرُوِيَ بِضَمِّ الْيَاءِ وَكَسْر الصَّاد عَلَى أَنَّهُ أَفْصَمَ يُفْصِم رُبَاعِيّ ، وَهِيَ لُغَة قَلِيلَة ، وَهِيَ مِنْ أَفْصَمَ الْمَطَر إِذَا أَقْلَعَ وَكَفَّ . قَالَ الْعُلَمَاء : ذَكَرَ فِي هَذَا الْحَدِيث حَالَيْنِ مِنْ أَحْوَال الْوَحْي ، وَهُمَا مِثْل صَلْصَلَة الْجَرَس ، وَتَمَثُّل الْمَلَك رَجُلًا ، وَلَمْ يَذْكُرْ الرُّؤْيَا فِي النَّوْم ، وَهِيَ مِنْ الْوَحْي ، لِأَنَّ مَقْصُود السَّائِل بَيَان مَا يَخْتَصُّ بِهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَيَخْفَى فَلَا يُعْرَفُ إِلَّا مِنْ جِهَته . وَأَمَّا الرُّؤْيَا فَمُشْتَرَكَة مَعْرُوفَة .


4305 - قَوْله : ( كُرِبَ لِذَلِكَ وَتَرَبَّدَ وَجْهُهُ )
هُوَ بِضَمِّ الْكَافِ وَكَسْرِ الرَّاء ، وَمَعْنَى ( تَرَبَّدَ ) أَيْ تَغَيَّرَ ، وَصَارَ كَلَوْنِ الرَّمَاد . وَفِي ظَاهِر هَذَا مُخَالَفَة لِمَا سَبَقَ فِي أَوَّل كِتَاب الْحَجّ فِي حَدِيث الْمُحْرِم الَّذِي أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ ، وَعَلَيْهِ خَلُوق ، وَأَنَّ يَعْلَى بْن أُمِّيَّة نَظَرَ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَال نُزُول الْوَحْي ، وَهُوَ مُحَمَّر الْوَجْه . وَجَوَابه أَنَّهَا حُمْرَةُ كُدْرَة ، وَهَذَا مَعْنَى التَّرَبُّد ، وَأَنَّهُ فِي أَوَّله يَتَرَبَّد ، ثُمَّ يَحْمَرّ أَوْ بِالْعَكْسِ .


4306 - قَوْله : ( أُتْلِيَ عَنْهُ )
هَكَذَا هُوَ فِي مُعْظَم نُسَخ بِلَادنَا : ( أُتْلِيَ ) بِهَمْزَةٍ وَمُثَنَّاة فَوْقُ سَاكِنَة وَلَام وَيَاء ، وَمَعْنَاهُ اِرْتَفَعَ عَنْهُ الْوَحْي . هَكَذَا فَسَّرَهُ صَاحِب التَّحْرِير وَغَيْره . وَوَقَعَ فِي بَعْض النُّسَخ ( أُجْلِيَ ) بِالْجِيمِ ، وَفِي رِوَايَة اِبْن مَاهَان : ( اِنْجَلَى ) ، وَمَعْنَاهُمَا أُزِيلَ عَنْهُ ، وَزَالَ عَنْهُ . وَفِي رِوَايَة الْبُخَارِيّ ( اِنْجَلَى ) . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .


4307 - قَوْله : ( كَانَ أَهْل الْكِتَاب يَسْدُلُونَ أَشْعَارهمْ ، وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ يَفْرُقُونَ رُءُوسهمْ ، وَكَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحِبُّ مُوَافَقَة أَهْل الْكِتَاب فِيمَا لَمْ يُؤْمَرْ بِهِ ، فَسَدَلَ نَاصِيَته ، ثُمَّ فَرَقَ بَعْدُ )
قَالَ أَهْل اللُّغَة : يُقَال : سَدَلَ يَسْدُلُ وَيُسْدِل بِضَمِّ الدَّال وَكَسْرهَا . قَالَ الْقَاضِي : سَدْل الشَّعْر إِرْسَاله . قَالَ : وَالْمُرَاد بِهِ هُنَا عِنْد الْعُلَمَاء إِرْسَاله عَلَى الْجَبِين وَاِتِّخَاذه كَالْقُصَّةِ يُقَالُ : سَدَلَ شَعْره وَثَوْبه إِذَا أَرْسَلَهُ ، وَلَمْ يَضُمَّ جَوَانِبه ، وَأَمَّا الْفَرْق فَهُوَ فَرْق الشَّعْر بَعْضه مِنْ بَعْض . قَالَ الْعُلَمَاء : وَالْفَرْق سُنَّة لِأَنَّهُ الَّذِي رَجَعَ إِلَيْهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَالُوا : فَالظَّاهِر أَنَّهُ إِنَّمَا رَجَعَ إِلَيْهِ بِوَحْيٍ لِقَوْلِهِ : ( إِنَّهُ كَانَ يُوَافِقُ أَهْل الْكِتَاب فِيمَا لَمْ يُؤْمَرْ بِهِ ) . قَالَ الْقَاضِي : حَتَّى قَالَ بَعْضهمْ نُسِخَ الْمُسْدَل ، فَلَا يَجُوزُ فِعْلُهُ ، وَلَا اِتِّخَاذ النَّاصِيَة وَالْجُمَّة . قَالَ : وَيَحْتَمِلُ أَنَّ الْمُرَاد جَوَاز الْفَرْق لَا وُجُوبه ، وَيَحْتَمِل أَنَّ الْفَرْق كَانَ بِاجْتِهَادٍ فِي مُخَالَفَة أَهْل الْكِتَاب لَا بِوَحْيٍ ، وَيَكُون الْفَرْق مُسْتَحَبًّا ، وَلِهَذَا اِخْتَلَفَ السَّلَف فِيهِ ، فَفَرَقَ مِنْهُمْ جَمَاعَة ، وَاِتَّخَذَ اللِّمَّة آخَرُونَ ، وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيث أَنَّهُ كَانَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَّة ، فَإِنْ اِنْفَرَقَتْ فَرَّقَهَا ، وَإِلَّا تَرَكَهَا . قَالَ مَالِك : فَرْق الرَّجُل أَحَبّ إِلَيَّ . هَذَا كَلَام الْقَاضِي . وَالْحَاصِل أَنَّ الصَّحِيح الْمُخْتَار جَوَاز السَّدْل وَالْفَرْق ، وَأَنَّ الْفَرْق أَفْضَل . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
قَالَ الْقَاضِي : وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي تَأْوِيل مُوَافَقَة أَهْل الْكِتَاب فِيمَا لَمْ يَنْزِل عَلَيْهِ شَيْء ، فَقِيلَ : فَعَلَهُ اِسْتِئْلَافًا لَهُمْ فِي أَوَّل الْإِسْلَام ، وَمُوَافَقَة لَهُمْ عَلَى مُخَالَفَة عَبَدَة الْأَوْثَان ، فَلَمَّا أَغْنَى اللَّه تَعَالَى عَنْ اِسْتِئْلَافهمْ ، وَأَظْهَرَ الْإِسْلَام عَلَى الدِّين كُلّه ، صَرَّحَ بِمُخَالَفَتِهِمْ فِي غَيْر شَيْء ، مِنْهَا صَبْغ الشَّيْب . وَقَالَ آخَرُونَ : يَحْتَمِل أَنَّهُ أُمِرَ بِاتِّبَاعِ شَرَائِعهمْ فِيمَا لَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْء ، وَإِنَّمَا كَانَ هَذَا فِيمَا عَلِمَ أَنَّهُمْ لَمْ يُبَدِّلُوهُ . وَاسْتَدَلَّ بَعْض الْأُصُولِيِّينَ بِهَذَا الْحَدِيث أَنَّ شَرْع مَنْ قَبْلنَا شَرْعٌ لَنَا مَا لَمْ يَرِدْ شَرْعُنَا بِخِلَافِهِ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ هَذَا دَلِيل أَنَّهُ لَيْسَ بِشَرْعٍ لَنَا لِأَنَّهُ قَالَ : يُحِبُّ مُوَافَقَتَهُمْ ، فَأَشَارَ إِلَى أَنَّهُ إِلَى خِيرَته ، وَلَوْ كَانَ شَرْعًا لَنَا لَتَحَتَّمَ اِتِّبَاعه . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .


4308 - قَوْله : ( كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرْبُوعًا )
هُوَ بِمَعْنَى قَوْله فِي الرِّوَايَة الثَّانِيَة : ( لَيْسَ بِالطَّوِيلِ ، وَلَا بِالْقَصِيرِ ) .
قَوْله : ( عَظِيم الْجُمَّة إِلَى شَحْمَة أُذُنَيْهِ )
وَفِي رِوَايَة . ( مَا رَأَيْت مِنْ ذِي لِمَّة أَحْسَن مِنْهُ ) ، وَفِي رِوَايَة : ( كَانَ يَضْرِبُ شَعْره مَنْكِبَيْهِ ) ، وَفِي رِوَايَة : ( إِلَى أَنْصَاف أُذُنَيْهِ ) ، وَفِي رِوَايَة : ( بَيْن أُذُنَيْهِ وَعَاتِقه ) . قَالَ أَهْل اللُّغَة : الْجُمَّة أَكْثَر مِنْ الْوَفْرَة ، فَالْجُمَّة الشَّعْر الَّذِي نَزَلَ إِلَى الْمَنْكِبَيْنِ ، وَالْوَفْرَة مَا نَزَلَ إِلَى شَحْمَة الْأُذُنَيْنِ ، وَاللِّمَّة الَّتِي أَلَمَّتْ بِالْمَنْكِبَيْنِ . قَالَ الْقَاضِي : وَالْجَمْع بَيْن هَذِهِ الرِّوَايَات أَنَّ مَا يَلِي الْأُذُن هُوَ الَّذِي يَبْلُغُ شَحْمَة أُذُنَيْهِ ، وَهُوَ الَّذِي بَيْن أُذُنَيْهِ وَعَاتِقه ، وَمَا خَلْفَهُ هُوَ الَّذِي يَضْرِب مَنْكِبَيْهِ .
قَالَ : وَقِيلَ : بَلْ ذَلِكَ لِاخْتِلَافِ الْأَوْقَات ، فَإِذَا غَفَلَ عَنْ تَقْصِيرهَا بَلَغَتْ الْمَنْكِب ، وَإِذَا قَصَّرَهَا كَانَتْ إِلَى أَنْصَاف الْأُذُنَيْنِ ، فَكَانَ يُقَصِّرُ وَيُطَوِّلُ بِحَسَبِ ذَلِكَ . وَالْعَاتِق مَا بَيْن الْمَنْكِب وَالْعُنُق . وَأَمَّا شَحْمَة الْأُذُن فَهُوَ اللَّيِّن مِنْهَا فِي أَسْفَلهَا ، وَهُوَ مُعَلَّق الْقُرْط مِنْهَا . وَتُوَضِّحُ هَذِهِ الرِّوَايَات رِوَايَة إِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ : ( كَانَ شَعْر رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَوْق الْوَفْرَة ، وَدُون الْجُمَّة ) .


4310 - قَوْله فِي حَدِيث الْبَرَاء : ( كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحْسَن النَّاس وَجْهًا وَأَحْسَنهمْ خَلْقًا )
قَالَ الْقَاضِي : ضَبَطْنَاهُ خَلْقًا بِفَتْحِ الْخَاء وَإِسْكَان اللَّام هُنَا لِأَنَّ مُرَاده صِفَات جِسْمه . قَالَ : وَأَمَّا فِي حَدِيث أَنَس فَرَوَيْنَاهُ بِالضَّمِّ ، لِأَنَّهُ إِنَّمَا أَخْبَرَ عَنْ حُسْن مُعَاشَرَته .
وَأَمَّا قَوْله : ( وَأَحْسَنه ) فَقَالَ أَبُو حَاتِم وَغَيْره هَكَذَا تَقُولهُ الْعَرَب : وَأَحْسَنه ، يُرِيدُونَ : وَأَحْسَنهمْ ، وَلَكِنْ لَا يَتَكَلَّمُونَ بِهِ ، وَإِنَّمَا يَقُولُونَ : أَجْمَل النَّاس وَأَحْسَنه ، وَمِنْهُ الْحَدِيث " خَيْر نِسَاء رَكِبْنَ الْإِبِل نِسَاء قُرَيْش ، أَشْفَقَهُ عَلَى وَلَد ، وَأَعْطَفَهَ عَلَى زَوْج " حَدِيث أَبِي سُفْيَان : عِنْدِي أَحْسَن نِسَاء الْعَرَب وَأَجْمَله .


4311 - قَوْله : ( كَانَ شَعَرًا رَجِلًا لَيْسَ بِالْجَعْدِ وَلَا السَّبْط )
هُوَ بِفَتْحِ الرَّاء وَكَسْر الْجِيم ، وَهُوَ الَّذِي بَيْن الْجُعُودَة وَالسُّبُوطَة ، قَالَهُ الْأَصْمَعِيّ وَغَيْره .


4314 - قَوْله : ( عَنْ شُعْبَة عَنْ سِمَاك بْن حَرْب قَالَ : سَمِعْت جَابِر بْن سَمُرَة قَالَ : كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضَلِيع الْفَم ، أَشْكَلَ الْعَيْن ، مَنْهُوس الْعَقِبَيْنِ . قَالَ : قُلْت لِسِمَاكٍ : مَا ضَلِيع الْفَم ؟ قَالَ : عَظِيم الْفَم قُلْت : مَا أَشْكَلَ الْعَيْن ؟ قَالَ . طَوِيل شَقّ الْعَيْن . قُلْت : مَا مَنْهُوس الْعَقِب ؟ قَالَ : قَلِيل لَحْم الْعَقِب )
.
وَأَمَّا قَوْله فِي ضَلِيع الْفَم فَكَذَا قَالَهُ الْأَكْثَرُونَ ، وَهُوَ الْأَظْهَر . قَالُوا : وَالْعَرَب تَمْدَحُ بِذَلِكَ ، وَتَذُمُّ صِغَر الْفَم ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْل ثَعْلَب فِي ضَلِيع الْفَم وَاسِع الْفَم . وَقَالَ شَمِر : عَظِيم الْأَسْنَان .
وَأَمَّا قَوْله فِي أَشْكَل الْعَيْن فَقَالَ الْقَاضِي هَذَا وَهْم مِنْ سِمَاك بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاء ، وَغَلَطٌ ظَاهِرٌ ، وَصَوَابه مَا اِتَّفَقَ عَلَيْهِ الْعُلَمَاء ، وَنَقَلَهُ أَبُو عُبَيْد وَجَمِيع أَصْحَاب الْغَرِيب أَنَّ الشُّكْلَة حُمْرَة فِي بَيَاض الْعَيْنَيْنِ ، وَهُوَ مَحْمُود ، وَالشُّهْلَة بِالْهَاءِ حُمْرَة فِي سَوَاد الْعَيْن .
وَأَمَّا ( الْمَنْهُوس ) فَبِالسِّينِ الْمُهْمَلَة . هَكَذَا ضَبَطَهُ الْجُمْهُور . وَقَالَ صَاحِب التَّحْرِير وَابْن الْأَثِير : رُوِيَ بِالْمُهْمَلَةِ وَالْمُعْجَمَة ، وَهُمَا مُتَقَارِبَانِ ، وَمَعْنَاهُ قَلِيل لَحْم الْعَقِب كَمَا قَالَ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .


4316 - قَوْله : ( كَانَ أَبْيَض مَلِيحًا مُقَصَّدًا )
هُوَ بِفَتْحِ الصَّاد الْمُشَدَّدَة ، وَهُوَ الَّذِي لَيْسَ بِجَسِيمٍ وَلَا نَحِيفٍ ، وَلَا طَوِيلٍ وَلَا قَصِيرٍ . وَقَالَ شَمِر : هُوَ نَحْو الرَّبَعَة ، وَالْقَصْدُ بِمَعْنَاهُ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .


4317 - سبق شرحه بالباب


4318 - قَوْله : ( سَأَلْت أَنَس بْن مَالِك : هَلْ كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَضَبَ ؟ فَقَالَ : لَمْ يَبْلُغ الْخِضَاب ، كَانَ فِي لِحْيَته شَعَرَات بِيض )
وَفِي رِوَايَة : ( لَمْ يَرَ مِنْ الشَّيْب إِلَّا قَلِيلًا ) ، وَفِي رِوَايَة : ( لَوْ شِئْت أَنْ أَعُدَّ شَمَطَات كُنَّ فِي رَأْسه ، وَلَمْ يَخْضِبْ ) ، وَفِي رِوَايَة : ( لَمْ يَخْضِب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا كَانَ الْبَيَاضُ فِي عَنْفَقَتِهِ ، وَفِي الصُّدْغَيْنِ ، وَفِي الرَّأْس نَبْذ ) . وَفِي رِوَايَة : ( مَا شَانَهُ اللَّه بِبَيْضَاء ) . وَفِي رِوَايَة أَبِي جُحَيْفَةَ : ( رَأَيْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذِهِ مِنْهُ بَيْضَاء ) ، وَوَضَعَ الرَّاوِي بَعْض أَصَابِعه عَلَى عَنْفَقَته . وَفِي رِوَايَة لَهُ : ( رَأَيْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبْيَض قَدْ شَابَ ) . وَفِي رِوَايَة جَابِر بْن سَمُرَة ( أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ شَيْب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : كَانَ إِذَا دَهَنَ رَأْسه لَمْ يُرَ مِنْهُ شَيْءٌ ، وَإِذَا لَمْ يَدْهُنْ رُئِيَ مِنْهُ ) . وَفِي رِوَايَة لَهُ : ( كَانَ قَدْ شَمِطَ مُقَدَّم رَأْسه وَلِحْيَته ) . وَفِي رِوَايَة لِأَنَسٍ : " يُعَدُّ عَدًّا ، تُوُفِّيَ وَلَيْسَ فِي رَأْسه وَلِحْيَته عِشْرُونَ شَعْرَة بَيْضَاء . وَفِي حَدِيث أُمِّ سَلَمَة أَنَّهَا أَخْرَجَتْ لَهُمْ شَعَرَات مِنْ شَعْر رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حُمْرًا مَخْضُوبَة بِالْحِنَّاءِ وَالْكَتَم . قَالَ الْقَاضِي : اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء هَلْ خَضَبَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمْ لَا ؟ فَمَنَعَهُ الْأَكْثَرُونَ بِحَدِيثِ أَنَس ، وَهُوَ مَذْهَب مَالِك . وَقَالَ بَعْض الْمُحَدِّثِينَ : خَضَبَ لِحَدِيثِ أُمّ سَلَمَة هَذَا ، وَلِحَدِيثِ اِبْن عُمَر أَنَّهُ رَأَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصْبُغ بِالصُّفْرَةِ . قَالَ : وَجَمَعَ بَعْضهمْ بَيْن الْأَحَادِيث بِمَا أَشَارَ إِلَيْهِ فِي حَدِيث أُمّ سَلَمَة مِنْ كَلَامِ أَنَس فِي قَوْله : فَقَالَ مَا أَدْرِي فِي هَذَا الَّذِي يُحَدِّثُونَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ شَيْء مِنْ الطِّيب الَّذِي كَانَ يُطَيِّبُ بِهِ شَعْره ، لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَسْتَعْمِلُ الطِّيب كَثِيرًا ، وَهُوَ يُزِيلُ سَوَاد الشَّعْر . فَأَشَارَ أَنَس إِلَى أَنَّ تَغْيِير ذَلِكَ لَيْسَ بِصَبْغٍ ، وَإِنَّمَا هُوَ لِضَعْفِ لَوْن سَوَاده بِسَبَبِ الطِّيب .
قَالَ : وَيَحْتَمِل أَنَّ تِلْكَ الشَّعَرَات تَغَيَّرَتْ بَعْده لِكَثْرَةِ تَطْيِيب أُمّ سَلَمَة لَهَا إِكْرَامًا . هَذَا آخِر كَلَام الْقَاضِي . وَالْمُخْتَار أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَبَغَ فِي وَقْت ، وَتَرَكَهُ فِي مُعْظَم الْأَوْقَات ، فَأَخْبَرَ كُلٌّ بِمَا رَأَى ، وَهُوَ صَادِق وَهَذَا التَّأْوِيل كَالْمُتَعَيِّنِ ، فَحَدِيث اِبْن عُمَر فِي الصَّحِيحَيْنِ ، وَلَا يُمْكِنُ تَرْكه ، وَلَا تَأْوِيل لَهُ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَأَمَّا اِخْتِلَاف الرِّوَايَة فِي قَدْر شَيْبه فَالْجَمْع بَيْنهَا أَنَّهُ رَأَى شَيْئًا يَسِيرًا ، فَمَنْ أَثْبَتَ شَيْبه أَخْبَرَ عَنْ ذَلِكَ الْيَسِير ، وَمَنْ نَفَاهُ أَرَادَ أَنَّهُ لَمْ يَكْثُرْ فِيهِ كَمَا قَالَ فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى : لَمْ يَشْتَدَّ الشَّيْب أَيْ لَمْ يَكْثُرْ ، وَلَمْ يَخْرُجْ شَعْره عَنْ سَوَاده وَحُسْنه . كَمَا قَالَ فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى : ( لَمْ يُرَ مِنْ الشَّيْب إِلَّا قَلِيلًا ) .


4319 - سبق شرحه بالباب


4320 - قَوْله : ( أَعُدُّ شَمَطَاتِهِ )
وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى ( كَانَ قَدْ شَمِطَ ) بِكَسْرِ الْمِيم . اِتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْمُرَاد بِالشَّمَطِ هُنَا اِبْتِدَاء الشَّيْب . يُقَالُ مِنْهُ : شَمِطَ وَأَشْمَطَ .
قَوْله : ( خَضَبَ أَبُو بَكْر وَعُمَر وَعُثْمَان رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ بِالْحِنَّاءِ وَالْكَتَم )
أَمَّا ( الْحِنَّاء )
فَمَمْدُود ، وَهُوَ مَعْرُوف .
وَأَمَّا ( الْكَتَم )
فَبِفَتْحِ الْكَاف وَالتَّاء الْمُثَنَّاة مِنْ فَوْقُ الْمُخَفَّفَةُ ، هَذَا هُوَ الْمَشْهُور . وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة : هُوَ بِتَشْدِيدِ التَّاء ، وَحَكَاهُ غَيْره ، وَهُوَ نَبَاتٌ يُصْبَغُ بِهِ الشَّعْر ، يَكْثُرُ بَيَاضه أَوْ حُمْرَته إِلَى الدُّهْمَة .
قَوْله : ( اِخْتَضَبَ عُمَر بِالْحِنَّاءِ )
هُوَ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَة مَعْنَاهُ خَالِصًا لَمْ يُخْلَطْ بِغَيْرِهِ .


4321 - قَوْله : ( عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ : يُكْرَهُ أَنْ يَنْتِفَ الرَّجُل الشَّعْرَة الْبَيْضَاء مِنْ رَأْسه وَلِحْيَته )
هَذَا مُتَّفَق عَلَيْهِ . قَالَ أَصْحَابنَا وَأَصْحَاب مَالِك : يُكْرَه وَلَا يَحْرُم .
قَوْله : ( وَفِي الرَّأْس نَبْذ )
ضَبَطُوهُ بِوَجْهَيْنِ : أَحَدهمَا ضَمّ النُّون وَفَتْح الْبَاء ، وَالثَّانِي بِفَتْحِ النُّون وَإِسْكَان الْبَاء ، وَبِهِ جَزَمَ الْقَاضِي ، وَمَعْنَاهُ شَعَرَات مُتَفَرِّقَةٌ .


4322 - قَوْله : ( سَمِعَ أَبَا إِيَاس )
هُوَ مُعَاوِيَة بْن قُرَّة .


4323 - قَوْله ( أَبْرِي النَّبْل وَأَرِيشُهَا )
أَمَّا ( أَبْرِي ) فَبِفَتْحِ الْهَمْزَة ، وَأَمَّا ( أَرِيشُهَا ) فَبِفَتْحِ الْهَمْزَة أَيْضًا وَكَسْر الرَّاء وَإِسْكَان الْيَاء أَيْ أَجْعَلُ لِلنَّبْلِ رِيشًا .


4326 - قَوْله : ( وَرَأَيْت الْخَاتَم عِنْد كَتِفه مِثْل بَيْضَة الْحَمَامَة يُشْبِهُ جَسَده ) .
أَمَّا ( بَيْضَة الْحَمَامَة )
فَهُوَ بَيْضَتهَا الْمَعْرُوفَة .


4327 - أَمَّا ( بَيْضَة الْحَمَامَة )
فَهُوَ بَيْضَتُهَا الْمَعْرُوفَة .


4328 - قَوْله : ( بَيْن كَتِفَيْهِ مِثْل زِرّ الْحَجَلَة )
، أَمَّا زِرّ الْحَجَلَة فَبِزَايٍ ثُمَّ رَاءٍ . وَالْحَجَلَة بِفَتْحِ الْحَاء وَالْجِيم ، هَذَا هُوَ الصَّحِيح الْمَشْهُور ، وَالْمُرَاد بِالْحَجْلَةِ وَاحِدَة الْحِجَال ، وَهِيَ بَيْتٌ كَالْقُبَّةِ لَهَا أَزْرَار كِبَار وَعُرَى ، هَذَا هُوَ الصَّوَاب الْمَشْهُور الَّذِي قَالَهُ الْجُمْهُور . وَقَالَ بَعْضهمْ : الْمُرَاد بِالْحَجَلَةِ الطَّائِر الْمَعْرُوف ، وَزِرّهَا بَيْضَتهَا ، وَأَشَارَ إِلَيْهِ التِّرْمِذِيّ ، وَأَنْكَرَهُ عَلَيْهِ الْعُلَمَاء . وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : رُوِيَ أَيْضًا بِتَقْدِيمِ الرَّاء عَلَى الزَّاي ، وَيَكُونُ الْمُرَاد الْبَيْض . يُقَالُ : أَرَزَّتْ الْجَرَادَة بِفَتْحِ الرَّاء وَتَشْدِيد الزَّاي إِذَا كَبَسَتْ ذَنَبَهَا فِي الْأَرْض فَبَاضَتْ . وَجَاءَ فِي صَحِيح الْبُخَارِيّ : كَانَتْ بِضْعَة نَاشِزَة أَيْ مُرْتَفِعَة عَلَى جَسَده .


4329 - قَوْلُهُ : ( فَنَظَرْت إِلَى خَاتَم النُّبُوَّة بَيْن كَتِفَيْهِ عِنْد نَاغِض كَتِفه الْيُسْرَى جُمْعًا عَلَيْهِ خِيلَان كَأَمْثَالِ الثَّآلِيل )
وَأَمَّا ( نَاغِض كَتِفه )
فَبِالنُّونِ وَالْغَيْن وَالضَّاد الْمُعْجَمَتَيْنِ ، وَالْغَيْن مَكْسُورَة . وَقَالَ الْجُمْهُور : النُّغْض وَالنَّغْض وَالنَّاغِض أَعْلَى الْكَتِف ، وَقِيلَ : هُوَ الْعَظْمُ الرَّقِيقُ الَّذِي أَعْلَى طَرَفه ، وَقِيلَ : مَا يَظْهَرُ مِنْهُ عِنْد التَّحَرُّك .
وَأَمَّا
قَوْله : ( جُمْعًا )
فَبِضَمِّ الْجِيم وَإِسْكَان الْمِيم وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ كَجَمْعِ الْكَفّ ، وَهُوَ صُورَته بَعْد أَنْ تَجْمَعَ الْأَصَابِع وَتَضُمَّهَا .
وَأَمَّا ( الْخِيلَان )
فَبِكَسْرِ الْخَاء الْمُعْجَمَة وَإِسْكَان الْيَاء جَمْع ( خَال ) ، وَهُوَ الشَّامَة فِي الْجَسَد . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَالَ الْقَاضِي : وَهَذِهِ الرِّوَايَات مُتَقَارِبَة مُتَّفِقَة عَلَى أَنَّهَا شَاخِص فِي جَسَده قَدْر بَيْضَة الْحَمَامَة ، وَهُوَ نَحْو بَيْضَة الْحَجَلَة ، وَزِرّ الْحَجَلَة . وَأَمَّا رِوَايَة ( جَمْع الْكَفّ وَنَاشِز ) فَظَاهِرهَا الْمُخَالَفَة ، فَتُؤَوَّل عَلَى وَفْق الرِّوَايَات الْكَثِيرَة ، وَيَكُون مَعْنَاهُ عَلَى هَيْئَة جَمْع الْكَفّ ، لَكِنَّهُ أَصْغَرُ مِنْهُ فِي قَدْر بَيْضَة الْحَمَامَة . قَالَ الْقَاضِي : وَهَذَا الْخَاتَم هُوَ أَثَر شَقّ الْمَلَكَيْنِ بَيْن الْكَتِفَيْنِ ، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ ضَعِيف ، بَلْ بَاطِل ، لِأَنَّ شَقَّ الْمَلَكَيْنِ إِنَّمَا كَانَ فِي صَدْره وَبَطْنه . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .


ذَكَرَ فِي الْبَاب ثَلَاث رِوَايَات : إِحْدَاهَا ( أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تُوُفِّيَ وَهُوَ اِبْن سِتِّينَ سَنَة ) ، وَالثَّانِيَة ( خَمْس وَسِتُّونَ ) ، وَالثَّالِثَة ( ثَلَاثُونَ وَسِتُّونَ ) ، وَهِيَ أَصَحُّهَا وَأَشْهَرُهَا . رَوَاهُ مُسْلِم هُنَا مِنْ رِوَايَة عَائِشَة وَأَنَس وَابْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ . وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّ أَصَحّهَا ثَلَاث وَسِتُّونَ ، وَتَأَوَّلُوا الْبَاقِي عَلَيْهِ . فَرِوَايَة سِتِّينَ اِقْتَصَرَ فِيهَا عَلَى الْعُقُود وَتَرْك الْكَسْر ، وَرِوَايَة الْخَمْس مُتَأَوَّلَة أَيْضًا ، وَحَصَلَ فِيهَا اِشْتِبَاه ، وَقَدْ أَنْكَرَ عُرْوَة عَلَى اِبْن عَبَّاس قَوْله : ( خَمْس وَسِتُّونَ ) وَنَسَبَهُ إِلَى الْغَلَط ، وَأَنَّهُ لَمْ يُدْرِكْ أَوَّل النُّبُوَّة ، وَلَا كَثُرَتْ صُحْبَته بِخِلَافِ الْبَاقِينَ . وَاتَّفَقُوا أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقَامَ بِالْمَدِينَةِ بَعْد الْهِجْرَة عَشْر سِنِينَ ، وَبِمَكَّة قَبْل النُّبُوَّة أَرْبَعِينَ سَنَة ، وَإِنَّمَا الْخِلَاف فِي قَدْر إِقَامَته بِمَكَّة بَعْد النُّبُوَّة ، وَقِيلَ الْهِجْرَة . وَالصَّحِيح أَنَّهَا ثَلَاث عَشْرَة ، فَيَكُون عُمْره ثَلَاثًا وَسِتِّينَ ، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ أَنَّهُ بُعِثَ عَلَى رَأْس أَرْبَعِينَ سَنَة هُوَ الصَّوَاب الْمَشْهُور الَّذِي أَطْبَقَ عَلَيْهِ الْعُلَمَاء . وَحَكَى الْقَاضِي عِيَاض عَنْ اِبْن عَبَّاس وَسَعِيد بْن الْمُسَيِّب رِوَايَة شَاذَّة أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بُعِثَ عَلَى رَأْس ثَلَاث وَأَرْبَعِينَ سَنَة ، وَالصَّوَاب أَرْبَعُونَ كَمَا سَبَقَ ، وَوُلِدَ عَام الْفِيل عَلَى الصَّحِيح الْمَشْهُور ، وَقِيلَ : بَعْد الْفِيل بِثَلَاثِ سِنِينَ ، وَقِيلَ : بِأَرْبَعِ سِنِينَ . وَادَّعَى الْقَاضِي عِيَاض الْإِجْمَاع عَلَى عَام الْفِيل ، وَلَيْسَ كَمَا اِدَّعَى . وَاتَّفَقُوا أَنَّهُ وُلِدَ يَوْم الِاثْنَيْنِ فِي شَهْر رَبِيع الْأَوَّل ، وَتُوُفِّيَ الِاثْنَيْنِ مِنْ شَهْر رَبِيع الْأَوَّل ، وَاخْتَلَفُوا فِي يَوْم الْوِلَادَة هَلْ هُوَ ثَانِي الشَّهْر ، أَمْ ثَامِنه ، أَمْ عَاشِره ، أَمْ ثَانِي عَشَره ؟ وَيَوْم الْوَفَاة ثَانِي عَشَرَة ضُحَى وَاَللَّه أَعْلَم .


4330 - قَوْلهُ : ( لَيْسَ بِالطَّوِيلِ الْبَائِن ، وَلَا بِالْقَصِيرِ )
الْمُرَاد بِالْبَائِنِ زَائِد الطُّول أَيْ هُوَ بَيْن زَائِد الطُّول وَالْقَصِير ، وَهُوَ بِمَعْنَى مَا سَبَقَ أَنَّهُ كَانَ مُقَصَّدًا .
قَوْله : ( وَلَا الْأَبْيَض الْأَمْهَق وَلَا بِالْآدَمِ )
( الْأَمْهَق ) بِالْمِيمِ هُوَ شَدِيد الْبَيَاض كَلَوْنِ الْجِصّ ، وَهُوَ كَرِيه الْمَنْظَر ، وَرُبَّمَا تَوَهَّمَهُ النَّاظِر أَبْرَص . وَالْآدَم الْأَسْمَر ، مَعْنَاهُ لَيْسَ بِأَسْمَرَ ، وَلَا بِأَبْيَض كَرِيه الْبَيَاض ، بَلْ أَبْيَض بَيَاضًا نَيِّرًا . كَمَا قَالَ فِي الْحَدِيث السَّابِق : إِنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ أَزْهَر اللَّوْن ، وَكَذَا قَالَ فِي الرِّوَايَة الَّتِي بَعْده : ( كَانَ أَزْهَر ) .


4334 - قَوْله : ( قُلْت لِعُرْوَة : كَمْ لَبِثَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَكَّة ؟ قَالَ : عَشْرًا قُلْت : فَإِنَّ اِبْن عَبَّاس يَقُول : بِضْع عَشْرَة . قَالَ : فَغَفَرَهُ وَقَالَ : إِنَّمَا أَخَذَهُ مِنْ قَوْل الشَّاعِر )
هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيع نُسَخ بِلَادنَا : ( فَغَفَّرَهُ ) بَالِغَيْنِ وَالْفَاء ، وَكَذَا نَقَلَهُ الْقَاضِي عَنْ رِوَايَة الْجُلُودِيّ ، وَمَعْنَاهُ دَعَا لَهُ بِالْمَغْفِرَةِ ، فَقَالَ : غَفَرَ اللَّه لَهُ ، وَهَذِهِ اللَّفْظَة يَقُولُونَهَا غَالِبًا لِمَنْ غَلِطَ فِي شَيْء ، فَكَأَنَّهُ قَالَ : أَخْطَأَ غَفَرَ اللَّه لَهُ . قَالَ الْقَاضِي : وَفِي رِوَايَة اِبْن مَاهَان : ( فَصَغَّرَهُ ) بِصَادٍ ثُمَّ غَيْن أَيْ اِسْتَصْغَرَهُ عَنْ مَعْرِفَته هَذَا ، وَإِدْرَاكه ذَلِكَ ، وَضَبْطه ، وَإِنَّمَا أَسْنَدَ فِيهِ إِلَى قَوْل الشَّاعِر ، وَلَيْسَ لَهُ عِلْم بِذَلِكَ ، وَيُرَجِّحُ الْقَاضِي هَذَا الْقَوْل . قَالَ : وَالشَّاعِر هُوَ أَبُو قَيْس صِرْمَة بْن أَبِي أَنَس حَيْثُ يَقُولُ : ثَوَى فِي قُرَيْش بِضْع عَشْرَة حُجَّة يَذْكُرُ لَوْ يَلْقَى خَلِيلًا مُوَاتِيًا وَقَدْ وَقَعَ هَذَا الْبَيْت فِي بَعْض نُسَخ صَحِيح مُسْلِم ، وَلَيْسَ هُوَ فِي عَامَّتهَا . قُلْت : وَأَبُو قَيْس هَذَا هُوَ صِرْمَة بْن أَبِي أَنَس بْن مَالِك بْن عَدِيّ بْن عَامِر بْن غَنَم بْن عَدِيّ بْن النَّجَّار الْأَنْصَارِيّ . هَكَذَا نَسَبَهُ اِبْن إِسْحَاق . قَالَ : كَانَ قَدْ تَرَهَّبَ فِي الْجَاهِلِيَّة ، وَلَبِسَ الْمُسُوح ، وَفَارَقَ الْأَوْثَان ، وَاغْتَسَلَ مِنْ الْجَنَابَة ، وَاِتَّخَذَ بَيْتًا لَهُ مَسْجِدًا لَا يَدْخُلُ عَلَيْهِ حَائِض ، وَلَا جُنُب ، وَقَالَ : أَعْبُدُ رَبّ إِبْرَاهِيم . فَلَمَّا قَدَمَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَة أَسْلَمَ ، فَحَسُنَ إِسْلَامه ، وَهُوَ شَيْخٌ كَبِيرٌ ، وَكَانَ قَوَّالًا بِالْحَقِّ ، وَكَانَ مُعَظِّمًا لِلَّهِ تَعَالَى فِي الْجَاهِلِيَّة ، يَقُولُ الشِّعْر فِي تَعْظِيمه سُبْحَانه وَتَعَالَى .


4338 - قَوْله : ( سَمِعَ مُعَاوِيَة يَخْطُبُ ، فَقَالَ : مَاتَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَهُوَ اِبْن ثَلَاث وَسِتِّينَ ، وَأَبُو بَكْر وَعُمَر ، وَأَنَا اِبْن ثَلَاث وَسِتِّينَ )
هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيع النُّسَخ ، وَهُوَ صَحِيح ، وَتَقْدِيره : وَأَبُو بَكْر وَعُمَر كَذَلِكَ ، ثُمَّ اِسْتَأْنَفَ ، فَقَالَ : وَأَنَا اِبْن ثَلَاث وَسِتِّينَ أَيْ وَأَنَا مُتَوَقِّع مُوَافَقَتهمْ ، وَإِنِّي أَمُوت فِي سَنَتِي هَذِهِ .


4341 - قَوْله : ( يَسْمَع الصَّوْت ، وَيَرَى الضَّوْء )
قَالَ الْقَاضِي : أَيْ صَوْت الْهَاتِف بِهِ مِنْ الْمَلَائِكَة ، وَيَرَى الضَّوْء أَيْ نُور الْمَلَائِكَة وَنُور آيَات اللَّه تَعَالَى حَتَّى رَأَى الْمَلَك بِعَيْنِهِ وَشَافَهَهُ بِوَحْيِ اللَّه تَعَالَى .


ذَكَرَ هُنَا هَذِهِ الْأَسْمَاء ، وَلَهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَسْمَاء أُخَر ، ذَكَرَ أَبُو بَكْر بْن الْعَرَبِيّ الْمَالِكِيّ فِي كِتَابه الْأَحْوَذِيّ فِي شَرْح التِّرْمِذِيّ عَنْ بَعْضهمْ أَنَّ لِلَّهِ تَعَالَى أَلْف اِسْم ، وَلِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَلْف اِسْم أَيْضًا ، ثُمَّ ذَكَرَ مِنْهَا عَلَى التَّفْصِيل بِضْعًا وَسِتِّينَ . قَالَ أَهْل اللُّغَة : يُقَال : رَجُل مُحَمَّد وَمَحْمُود إِذَا كَثُرَتْ خِصَاله الْمَحْمُودَة . وَقَالَ اِبْن فَارِس وَغَيْره : وَبِهِ سُمِّيَ نَبِيّنَا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُحَمَّدًا وَأَحْمَد ، أَيْ أَلْهَمَ اللَّه تَعَالَى أَهْله أَنْ سَمَّوْهُ بِهِ لِمَا عُلِمَ مِنْ جَمِيل صِفَاته .


4342 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَأَنَا الْمَاحِي الَّذِي يُمْحَى بِي الْكُفْر )
قَالَ الْعُلَمَاء : الْمُرَاد مَحْو الْكُفْر مِنْ مَكَّة وَالْمَدِينَة وَسَائِر بِلَاد الْعَرَب ، وَمَا زُوِيَ لَهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْأَرْض ، وَوُعِدَ أَنْ يَبْلُغهُ مُلْك أُمَّته . قَالُوا : وَيَحْتَمِل أَنَّ الْمُرَاد الْمَحْو الْعَامّ بِمَعْنَى الظُّهُور بِالْحُجَّةِ وَالْغَلَبَة كَمَا قَالَ تَعَالَى : { لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ } وَجَاءَ فِي حَدِيث آخَر تَفْسِير الْمَاحِي بِأَنَّهُ الَّذِي مُحِيَتْ بِهِ سَيِّئَات مَنْ اِتَّبَعَهُ ، فَقَدْ يَكُونُ الْمُرَادُ بِمَحْوِ الْكُفْر هَذَا ، وَيَكُون كَقَوْلِهِ تَعَالَى { قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ } وَالْحَدِيث الصَّحِيح " الْإِسْلَام يَهْدِم مَا كَانَ قَبْله " .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَأَنَا الْحَاشِر الَّذِي يُحْشَر النَّاس عَلَى عَقِبِي )
وَفِي الرِّوَايَة الثَّانِيَة ( عَلَى قَدَمِي ) فَأَمَّا الثَّانِيَة فَاتَّفَقَتْ النُّسَخ عَلَى أَنَّهَا ( عَلَى قَدَمِي ) ، لَكِنْ ضَبَطُوهُ بِتَخْفِيفِ الْيَاء عَلَى الْإِفْرَاد ، وَتَشْدِيدهَا عَلَى التَّثْنِيَة . وَأَمَّا الرِّوَايَة الْأُولَى فَهِيَ فِي مُعْظَم النُّسَخ ، وَفِي بَعْضهَا ( قَدَمِي ) كَالثَّانِيَةِ . قَالَ الْعُلَمَاء : مَعْنَاهُمَا يُحْشَرُونَ عَلَى أَثَرِي وَزَمَان نُبُوَّتِي ، وَرِسَالَتِي ، وَلَيْسَ بَعْدِي نَبِيّ ، وَقِيلَ : يَتْبَعُونَنِي .


4343 - أَمَّا ( الْعَاقِب )
فَفَسَّرَهُ فِي الْحَدِيث بِأَنَّهُ لَيْسَ بَعْده نَبِيّ أَيْ جَاءَ عَقِبَهُمْ . قَالَ اِبْن الْأَعْرَابِيّ : الْعَاقِب وَالْعُقُوب الَّذِي يَخْلُفُ فِي الْخَيْر مَنْ كَانَ قَبْلَهُ ، وَمِنْهُ عَقِب الرَّجُل لِوَلَدِهِ


4344 - قَوْله : ( وَالْمُقَفِّي وَنَبِيّ التَّوْبَة وَنَبِيّ الرَّحْمَة )
وَأَمَّا ( الْمُقَفِّي ) فَقَالَ شَمِر : هُوَ بِمَعْنَى الْعَاقِب ، وَقَالَ اِبْن الْأَعْرَابِيّ : هُوَ الْمُتَّبِع لِلْأَنْبِيَاءِ . يُقَالُ : قَفَوْته أَقْفُوهُ ، وَقَفَّيْته أُقَفِّيهِ إِذَا اِتَّبَعْته . وَقَافِيَةُ كُلّ شَيْء آخِره . وَأَمَّا ( نَبِيّ التَّوْبَة ، وَنَبِيّ الرَّحْمَة ) ، وَنَبِيّ الْمَرْحَمَة فَمَعْنَاهَا مُتَقَارِب ، وَمَقْصُودهَا أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَاءَ بِالتَّوْبَةِ وَبِالتَّرَاحُمِ . قَالَ اللَّه تَعَالَى { رُحَمَاء بَيْنهمْ } { وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ } وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَفِي حَدِيث آخَر ( نَبِيّ الْمَلَاحِم ) لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بُعِثَ بِالْقِتَالِ . قَالَ الْعُلَمَاء : وَإِنَّمَا اِقْتَصَرَ عَلَى هَذِهِ الْأَسْمَاء مَعَ أَنَّهُ لَهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَسْمَاء غَيْرهَا كَمَا سَبَقَ لِأَنَّهَا مَوْجُودَة فِي الْكُتُب الْمُتَقَدِّمَة ، وَمَوْجُودَة لِلْأُمَمِ السَّالِفَة .


4346 - قَوْله : ( فَغَضِبَ حَتَّى بَانَ الْغَضَب فِي وَجْهه ، ثُمَّ قَالَ : مَا بَال أَقْوَام يَرْغَبُونَ عَمَّا رُخِّصَ لِي فِيهِ ؟ فَوَاَللَّهِ لَأَنَا أَعْلَمهُمْ بِاَللَّهِ وَأَشَدّهمْ لَهُ خَشْيَة )
فِيهِ الْحَثّ عَلَى الِاقْتِدَاء بِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَالنَّهْي عَنْ التَّعَمُّق فِي الْعِبَادَة ، وَذَمّ التَّنَزُّه عَنْ الْمُبَاح شَكًّا فِي إِبَاحَته . وَفِيهِ الْغَضَب عِنْد اِنْتَهَاك حُرُمَات الشَّرْع ، وَإِنْ كَانَ الْمُنْتَهِك مُتَأَوِّلًا تَأْوِيلًا بَاطِلًا . وَفِيهِ حُسْن الْمُعَاشَرَة بِإِرْسَالِ التَّعْزِير وَالْإِنْكَار فِي الْجَمْع ، وَلَا يُعَيَّن فَاعِله ، فَيُقَال : مَا بَال أَقْوَام ؟ وَنَحْوه . وَفِيهِ أَنَّ الْقُرْب إِلَى اللَّه تَعَالَى سَبَب لِزِيَادَةِ الْعِلْم بِهِ وَشِدَّة خَشْيَته .
وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَوَاَللَّهِ لَأَنَا أَعْلَمهُمْ بِاَللَّهِ وَأَشَدّهمْ لَهُ خَشْيَة ) فَمَعْنَاهُ أَنَّهُمْ يَتَوَهَّمُونَ أَنَّ سُنَنهمْ عَمَّا فَعَلْت أَقْرَب لَهُمْ عِنْد اللَّه ، وَإِنْ فَعَلَ خِلَاف ذَلِكَ ، وَلَيْسَ كَمَا تَوَهَّمُوا ، بَلْ أَنَا أَعْلَمهُمْ بِاَللَّهِ ، وَأَشَدّهمْ لَهُ خَشْيَة . وَإِنَّمَا يَكُون الْقُرْب إِلَيْهِ سُبْحَانه وَتَعَالَى ، وَالْخَشْيَة لَهُ عَلَى حَسَبِ مَا أَمَرَ ، لَا بِمُخَيَّلَاتِ النُّفُوس ، وَتَكَلُّف أَعْمَال لَمْ يَأْمُرْ بِهَا . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .


4347 - قَوْله : ( شِرَاج الْحَرَّة )
بِكَسْرِ الشِّين الْمُعْجَمَة وَبِالْجِيمِ هِيَ مَسَايِل الْمَاء ، وَاحِدهَا شَرْجَة . وَالْحَرَّة هِيَ الْأَرْض الْمَلْسَة فِيهَا حِجَارَة سُود .
قَوْله : ( سَرِّحْ الْمَاء )
أَيْ أَرْسِلْهُ .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( اِسْقِ يَا زُبَيْر ، ثُمَّ أَرْسِلْ الْمَاء إِلَى جَارك فَغَضِبَ الْأَنْصَارِيّ فَقَالَ : يَا رَسُول اللَّه أَنْ كَانَ اِبْن عَمَّتك ، فَتَلَوَّنَ وَجْه نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ قَالَ : يَا زُبَيْر اِسْقِ ثُمَّ اِحْبِسْ الْمَاء حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى الْجَدْر ) أَمَّا
قَوْله : ( أَنْ كَانَ اِبْن عَمَّتك )
فَهُوَ بِفَتْحِ الْهَمْزَة أَيْ فَعَلْت هَذَا لِكَوْنِهِ اِبْن عَمَّتك .
وَقَوْله : ( تَلَوَّنَ وَجْهه )
أَيْ تَغَيَّرَ مِنْ الْغَضَب لَانْتَهَاك حُرُمَات النُّبُوَّة وَقُبْح كَلَام هَذَا الْإِنْسَان .
وَأَمَّا ( الْجَدْر )
فَبِفَتْحِ الْجِيم وَكَسْرهَا وَبِالدَّالِ الْمُهْمَلَة ، وَهُوَ الْجِدَار ، وَجَمْعُ الْجِدَار جُدُر ، كَكِتَابٍ وَكُتُب ، وَجَمْع الْجُدُر جُدُور ، كَفَلْسٍ وَفُلُوس . وَمَعْنَى ( يَرْجِعُ إِلَى الْجَدْر ) أَيْ يَصِير إِلَيْهِ ، وَالْمُرَاد بِالْجَدْرِ أَصْل الْحَائِط ، وَقِيلَ : أُصُول الشَّجَر ، وَالصَّحِيح الْأَوَّل ، وَقَدَّرَهُ الْعُلَمَاء أَنْ يَرْتَفِعَ الْمَاءُ فِي الْأَرْض كُلِّهَا حَتَّى يَبْتَلَّ كَعْب رِجْل الْإِنْسَان . فَلِصَاحِبِ الْأَرْض الْأُولَى الَّتِي تَلِي الْمَاء أَنْ يَحْبِسَ الْمَاء فِي الْأَرْض إِلَى هَذَا الْحَدّ ، ثُمَّ يُرْسِلَهُ إِلَى جَاره الَّذِي وَرَاءَهُ . وَكَانَ الزُّبَيْر صَاحِب الْأَرْض الْأُولَى ، فَأَدَلَّ عَلَيْهِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ : ( اِسْقِ ثُمَّ أَرْسِلْ الْمَاء إِلَى جَارك ) أَيْ اِسْقِ شَيْئًا يَسِيرًا دُونَ قَدْرِ حَقِّك ، ثُمَّ أَرْسِلْهُ إِلَى جَارك إِدْلَالًا عَلَى الزُّبَيْر ، وَلِعِلْمِهِ بِأَنَّهُ يَرْضَى بِذَلِكَ ، وَيُؤْثِرُ الْإِحْسَان إِلَى جَاره ، فَلَمَّا قَالَ الْجَار مَا قَالَ ، أَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ جَمِيعَ حَقِّهِ ، وَقَدْ سَبَقَ شَرْح هَذَا الْحَدِيث وَاضِحًا فِي بَابه . قَالَ الْعُلَمَاء : وَلَوْ صَدَرَ مِثْل هَذَا الْكَلَام الَّذِي تَكَلَّمَ بِهِ الْأَنْصَارِيّ الْيَوْم مِنْ إِنْسَان مِنْ نِسْبَتِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى هَوًى كَانَ كُفْرًا ، وَجَرَتْ عَلَى قَائِله أَحْكَام الْمُرْتَدِّينَ ، فَيَجِبُ قَتْلُهُ بِشَرْطِهِ . قَالُوا : وَإِنَّمَا تَرَكَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَنَّهُ كَانَ فِي أَوَّل الْإِسْلَام يَتَأَلَّفُ النَّاس ، وَيَدْفَعُ بِاَلَّتِي هِيَ أَحْسَن ، وَيَصْبِرُ عَلَى أَذَى الْمُنَافِقِينَ وَمَنْ فِي قَلْبه مَرَض ، وَيَقُول : " يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا ، وَبَشِّرُوا وَلَا تُنَفِّرُوا " وَيَقُولُ : " لَا يَتَحَدَّث النَّاس أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابه " وَقَدْ قَالَ اللَّه تَعَالَى : { وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ } قَالَ الْقَاضِي : وَحَكَى الدَّاوُدِيّ أَنَّ هَذَا الرَّجُل الَّذِي خَاصَمَ الزُّبَيْر كَانَ مُنَافِقًا ، وَقَوْله فِي الْحَدِيث إِنَّهُ أَنْصَارِيّ لَا يُخَالِفُ هَذَا ، لِأَنَّهُ كَانَ مِنْ قَبِيلَتهمْ ، لَا مِنْ الْأَنْصَار الْمُسْلِمِينَ .
وَأَمَّا قَوْله فِي آخِرِ الْحَدِيث : ( فَقَالَ الزُّبَيْر : وَاَللَّه إِنِّي لَأَحْسَبُ هَذِهِ الْآيَة نَزَلَتْ فِيهِ { فَلَا وَرَبِّك لَا يُؤْمِنُونَ الْآيَة }
فَهَكَذَا قَالَ طَائِفَةٌ فِي سَبَب نُزُولهَا ، وَقِيلَ : نَزَلَتْ فِي رَجُلَيْنِ تَحَاكَمَا إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَحَكَمَ عَلَى أَحَدهمَا ، فَقَالَ : اِرْفَعْنِي إِلَى عُمَر بْن الْخَطَّاب . وَقِيلَ : فِي يَهُودِيّ وَمُنَافِق اِخْتَصَمَا إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَلَمْ يَرْضَ الْمُنَافِق بِحُكْمِهِ وَطَلَبَ الْحُكْم عِنْد الْكَاهِن . قَالَ اِبْن جَرِير : يَجُوزُ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي الْجَمِيع وَاَللَّه أَعْلَم .


مَقْصُود أَحَادِيث الْبَاب أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَاهُمْ عَنْ إِكْثَار السُّؤَال ؛ وَالِابْتِدَاء بِالسُّؤَالِ عَمَّا لَا يَقَعُ ، وَكَرِهَ ذَلِكَ لِمَعَانٍ مِنْهَا أَنَّهُ رُبَّمَا كَانَ سَبَبًا لِتَحْرِيمِ شَيْء عَلَى الْمُسْلِمِينَ ، فَيَلْحَقُهُمْ بِهِ الْمَشَقَّة ، وَقَدْ بَيَّنَ هَذَا بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيث الْأَوَّل ( أَعْظَمُ الْمُسْلِمِينَ جُرْمًا مَنْ سَأَلَ عَنْ شَيْء لَمْ يَحْرُمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ ، فَحَرُمَ عَلَيْهِمْ مِنْ أَجْلِ مَسْأَلَتِهِ ) ، وَمِنْهَا أَنَّهُ رُبَّمَا كَانَ فِي الْجَوَاب مَا يَكْرَهُهُ السَّائِلُ ، وَيَسُوؤُه وَلِهَذَا أَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى فِي ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ } كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْحَدِيث فِي سَبَب نُزُولهَا ، وَمِنْهَا أَنَّهُمْ رُبَّمَا أَحْفَوْهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمَسْأَلَةِ ، وَالْحَفْوَى الْمَشَقَّة وَالْأَذَى ، فَيَكُون ذَلِكَ سَبَبًا لِهَلَاكِهِمْ ، وَقَدْ صَرَّحَ بِهَذَا فِي حَدِيث أَنَس الْمَذْكُور فِي الْكِتَاب فِي قَوْله : ( سَأَلُوا نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى أَحْفَوْهُ بِالْمَسْأَلَةِ ) إِلَى آخِره . وَقَدْ قَالَ اللَّه تَعَالَى : { إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمْ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا } .


4348 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَا نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ فَاجْتَنِبُوهُ ، وَمَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ فَافْعَلُوا مِنْهُ مَا اِسْتَطَعْتُمْ )
هَذَا الْحَدِيث سَبَقَ شَرْحه وَاضِحًا فِي كِتَاب الْحَجّ ، وَهُوَ مِنْ قَوَاعِد الْإِسْلَام .


4349 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ أَعْظَم الْمُسْلِمِينَ فِي الْمُسْلِمِينَ جُرْمًا مَنْ سَأَلَ عَنْ شَيْء لَمْ يَحْرُم عَلَى الْمُسْلِمِينَ ، فَحَرُمَ عَلَيْهِمْ مِنْ أَجْل مَسْأَلَته )
وَفِي رِوَايَة : ( مَنْ سَأَلَ عَنْ شَيْء وَنَقَّرَ عَنْهُ ) أَيْ بَالَغَ فِي الْبَحْث عَنْهُ وَالِاسْتِقْصَاء . قَالَ الْقَاضِي عِيَاض : الْمُرَاد بِالْجُرْمِ هُنَا الْحَرَج عَلَى الْمُسْلِمِينَ ، لَا أَنَّهُ الْجُرْم الَّذِي هُوَ الْإِثْم الْمُعَاقَب عَلَيْهِ ، لِأَنَّ السُّؤَال كَانَ مُبَاحًا ، وَلِهَذَا قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( سَلُونِي ) هَذَا كَلَام الْقَاضِي ، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الْقَاضِي ضَعِيف ، بَلْ بَاطِل . وَالصَّوَاب الَّذِي قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ وَصَاحِب التَّحْرِير وَجَمَاهِير الْعُلَمَاء فِي شَرْح هَذَا الْحَدِيث أَنَّ الْمُرَاد بِالْجُرْمِ هُنَا الْإِثْم وَالذَّنْب . قَالُوا : وَيُقَالُ مِنْهُ : جَرَمَ بِالْفَتْحِ ، وَاجْتَرَمَ ، وَتَجَرَّمَ ، إِذَا أَثِمَ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْره : هَذَا الْحَدِيث فِيمَنْ سَأَلَ تَكَلُّفًا أَوْ تَعَنُّتًا فِيمَا لَا حَاجَةَ بِهِ إِلَيْهِ . فَأَمَّا مَنْ سَأَلَ لِضَرُورَةٍ ، بِأَنْ وَقَعَتْ لَهُ مَسْأَلَة ، فَسَأَلَ عَنْهَا ، فَلَا إِثْم عَلَيْهِ ، وَلَا عُتْبَ ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ } . قَالَ صَاحِب التَّحْرِير وَغَيْره : فِيهِ دَلِيل عَلَى أَنَّ مَنْ عَمِلَ مَا فِيهِ إِضْرَار بِغَيْرِهِ كَانَ آثِمًا .


4350 - سبق شرحه بالباب


4351 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( عُرِضَتْ عَلَيَّ الْجَنَّة وَالنَّار ، فَلَمْ أَرَ كَالْيَوْمِ فِي الْخَيْر وَالشَّرّ ، وَلَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَم لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا ، وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا )
فِيهِ أَنَّ الْجَنَّة وَالنَّار مَخْلُوقَتَانِ ، وَقَدْ سَبَقَ شَرْح عَرْضهمَا . وَمَعْنَى الْحَدِيث لَمْ أَرَ خَيْرًا أَكْثَر مِمَّا رَأَيْته الْيَوْم فِي الْجَنَّة ، وَلَا شَرًّا أَكْثَر مِمَّا رَأَيْته الْيَوْم فِي النَّار ، وَلَوْ رَأَيْتُمْ مَا رَأَيْت ، وَعَلِمْتُمْ مَا عَلِمْت مِمَّا رَأَيْته الْيَوْم ، وَقَبْل الْيَوْم ، لَأَشْفَقْتُمْ إِشْفَاقًا بَلِيغًا ، وَلَقَلَّ ضَحِكُكُمْ ، وَكَثُرَ بُكَاؤُكُمْ . وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا كَرَاهَة فِي اِسْتِعْمَال لَفْظَة ( لَوْ ) فِي مِثْل هَذَا . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
قَوْله : ( غَطَّوْا رُءُوسهمْ وَلَهُمْ خَنِين )
هُوَ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة ، هَكَذَا هُوَ فِي مُعْظَم النُّسَخ ، وَلِمُعْظَمِ الرُّوَاة ، وَلِبَعْضِهِمْ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَة ، وَمِمَّنْ ذَكَرَ الْوَجْهَيْنِ الْقَاضِي وَصَاحِب التَّحْرِير وَآخَرُونَ . قَالُوا : وَمَعْنَاهُ بِالْمُعْجَمَةِ صَوْت الْبُكَاء ، وَهُوَ نَوْعٌ مِنْ الْبُكَاء دُون الِانْتِحَاب . قَالُوا : وَأَصْل الْخَنِين خُرُوج الصَّوْت مِنْ الْأَنْف كَالْحَنِينِ بِالْمُهْمَلَةِ مِنْ الْفَم . وَقَالَ الْخَلِيل : هُوَ صَوْت فِيهِ غُنَّة ، وَقَالَ الْأَصْمَعِيّ : إِذَا تَرَدَّدَ بُكَاؤُهُ ، فَصَارَ فِي كَوْنه غُنَّة ، فَهُوَ خَنِين . وَقَالَ أَبُو زَيْد : الْخَنِين مِثْل الْحَنِين ، وَهُوَ شَدِيد الْبُكَاء .


4353 - قَوْله : ( فَلَمَّا أَكْثَرَ رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَقُولَ : سَلُونِي بَرَكَ عُمَر ، فَقَالَ رَضِينَا بِاَللَّهِ رَبًّا ، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا ، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا ، فَسَكَتَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِين قَالَ عُمَر ذَلِكَ )
قَالَ الْعُلَمَاء : هَذَا الْقَوْل مِنْهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَحْمُول عَلَى أَنَّهُ أُوحِيَ إِلَيْهِ ، وَإِلَّا فَلَا يَعْلَم كُلّ مَا سُئِلَ عَنْهُ مِنْ الْمُغَيِّبَات إِلَّا بِإِعْلَامِ اللَّه تَعَالَى . قَالَ الْقَاضِي : وَظَاهِر الْحَدِيث أَنَّ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( سَلُونِي ) إِنَّمَا كَانَ غَضَبًا كَمَا قَالَ فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى : سُئِلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَشْيَاء كَرِهَهَا ، فَلَمَّا أَكْثَر عَلَيْهِ غَضِبَ ، ثُمَّ قَالَ لِلنَّاسِ " سَلُونِي " وَكَانَ اِخْتِيَاره صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَرْك تِلْكَ الْمَسَائِل ، لَكِنْ وَافَقَهُمْ فِي جَوَابهَا لِأَنَّهُ لَا يُمْكِن رَدّ السُّؤَال ، وَلِمَا رَآهُ مِنْ حِرْصهمْ عَلَيْهَا . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَأَمَّا بُرُوك عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ وَقَوْله فَإِنَّمَا فَعَلَهُ أَدَبًا وَإِكْرَامًا لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَشَفَقَة عَلَى الْمُسْلِمِينَ لِئَلَّا يُؤْذُوا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَهْلَكُوا . وَمَعْنَى كَلَامه رَضِينَا بِمَا عِنْدنَا مِنْ كِتَاب اللَّه تَعَالَى ، وَسُنَّة نَبِيّنَا مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَاكْتَفَيْنَا بِهِ عَنْ السُّؤَال ، فَفِيهِ أَبْلَغُ كِفَايَة .
قَوْلهمْ : ( قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَوْلَى وَاَلَّذِي نَفْس مُحَمَّد بِيَدِهِ لَقَدْ عُرِضْت عَلَيَّ الْجَنَّة وَالنَّار آنِفًا فِي عُرْض هَذَا الْحَائِط )
أَمَّا لَفْظَة ( أَوْلَى ) فَهِيَ تَهْدِيد وَوَعِيد ، وَقِيلَ : كَلِمَة تَلَهُّف ، فَعَلَى هَذَا يَسْتَعْمِلهَا مَنْ نَجَا مِنْ أَمْر عَظِيم . وَالصَّحِيح الْمَشْهُور أَنَّهَا لِلتَّهْدِيدِ ، وَمَعْنَاهَا قَرُبَ مِنْكُمْ مَا تَكْرَهُونَهُ ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى : { أَوْلَى لَك فَأَوْلَى } أَيْ قَارَبَك مَا تَكْرَهُ فَاحْذَرْهُ ، مَأْخُوذ مِنْ الْوَلِيّ ، وَهُوَ الْقُرْب . وَأَمَّا ( آنِفًا ) فَمَعْنَاهُ قَرِيبًا السَّاعَة ، وَالْمَشْهُور فِيهِ الْمَدّ ، وَيُقَالُ بِالْقَصْرِ ، وَقُرِئَ بِهِمَا فِي السَّبْع ، الْأَكْثَرُونَ بِالْمَدِّ . وَ ( عُرْض الْحَائِط ) بِضَمِّ الْعَيْن جَانِبه .
قَوْله : ( أَنَّ أُمّ عَبْد اللَّه بْن حُذَافَة قَالَتْ لَهُ : أَأَمِنْت أَنْ تَكُونَ أُمّك قَدْ قَارَفَتْ بَعْض مَا يُقَارِفُ نِسَاء الْجَاهِلِيَّة فَتَفْضَحهَا عَلَى أَعْيُن النَّاس ؟ فَقَالَ اِبْنهَا : وَاَللَّه لَوْ أَلْحَقَنِي بِعَبْدٍ أَسْوَد لَلَحِقْته )
. أَمَّا قَوْلهَا : ( قَارَفَتْ ) مَعْنَاهُ عَمِلَتْ سُوءًا ، وَالْمُرَاد الزِّنَا ، وَالْجَاهِلِيَّة هُمْ مِنْ قِبَل النُّبُوَّة ، سُمُّوا بِهِ لِكَثْرَةِ جَهَالَاتهمْ . وَكَانَ سَبَب سُؤَاله أَنَّ بَعْض النَّاس كَانَ يَطْعَن فِي نَسَبه عَلَى عَادَة الْجَاهِلِيَّة مِنْ الطَّعْن فِي الْأَنْسَاب ، وَقَدْ بُيِّنَ هَذَا فِي الْحَدِيث الْآخَر بِقَوْلِهِ : ( كَانَ يُلَاحَى ، فَيُدْعَى لِغَيْرِ أَبِيهِ ) ، وَالْمُلَاحَاة الْمُخَاصَمَة وَالسِّبَاب . وَقَوْلهَا : ( فَتَفْضَحهَا ) مَعْنَاهُ لَوْ كُنْت مِنْ زِنَا فَنَفَاك عَنْ أَبِيك حُذَافَة فَضَحْتنِي ، وَأَمَّا قَوْله : ( لَوْ أَلْحَقَنِي بِعَبْدٍ لَلَحِقْته ) فَقَدْ يُقَالُ : هَذَا لَا يُتَصَوَّرُ ، لِأَنَّ الزِّنَا لَا يَثْبُتُ بِهِ النَّسَب . وَيُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّهُ يَحْتَمِل وَجْهَيْنِ : أَحَدهمَا أَنَّ اِبْن حُذَافَة مَا كَانَ بَلَغَهُ هَذَا الْحُكْم ، وَكَانَ يَظُنُّ أَنَّ وَلَد الزِّنَا يَلْحَق الزَّانِي ، وَقَدْ خَفِيَ هَذَا عَلَى أَكْبَرَ مِنْهُ ، وَهُوَ سَعْد بْن أَبِي وَقَّاص حِين خَاصَمَ فِي اِبْن وَلِيدَة زَمْعَة ، فَظَنَّ أَنَّهُ يَلْحَق أَخَاهُ بِالزِّنَا . وَالثَّانِي أَنَّهُ يُتَصَوَّر الْإِلْحَاق بَعْد وَطِئَهَا بِشُبْهَةٍ ، فَيَثْبُتُ النَّسَب مِنْهُ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .


4354 - قَوْله : ( حَدَّثَنَا يُوسُف بْن حَمَّاد الْمَعْنِيّ )
هُوَ بِكَسْرِ النُّون وَتَشْدِيد الْيَاء . قَالَ السَّمْعَانِيّ : مَنْسُوب إِلَى مَعْن بْن زَائِدَة . وَهَذَا الْإِسْنَاد كُلُّهُ بَصْرِيُّونَ .
قَوْله : ( أَحْفَوْهُ بِالْمَسْأَلَةِ )
أَيْ أَكْثَرُوا فِي الْإِلْحَاح وَالْمُبَالَغَة فِيهِ . وَيُقَال : أَحْفَى وَأَلْحَفَ وَأَلَحَّ بِمَعْنًى .
قَوْله : ( فَلَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ الْقَوْم أَرَمُّوا )
هُوَ بِفَتْحِ الرَّاء وَتَشْدِيد الْمِيم الْمَضْمُومَة أَيْ سَكَتُوا ، وَأَصْله مِنْ الْمَرَمَّة ، وَهِيَ الشُّقَّة ، أَيْ ضَمُّوا شِفَاههمْ بَعْضهَا عَلَى بَعْض ، فَلَمْ يَتَكَلَّمُوا ، وَمِنْهُ رَمَّتْ الشَّاة الْحَشِيش ضَمَّتْهُ بِشَفَتَيْهَا .
قَوْله : ( أَنْشَأَ رَجُل ثُمَّ أَنْشَأَ عُمَر )
قَالَ أَهْل اللُّغَة : مَعْنَاة اِبْتَدَأَ ، وَمِنْهُ أَنْشَأَ اللَّه الْخَلْق أَيْ اِبْتَدَأَهُمْ .


4355 - سبق شرحه بالباب


فِيهِ حَدِيث إِبَار النَّخِيل ، وَأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( مَا أَظُنّ يُغْنِي ذَلِكَ شَيْئًا فَخَرَجَ شَيْئًا ، فَقَالَ إِنْ كَانَ يَنْفَعُهُمْ ذَلِكَ فَلْيَصْنَعُوهُ ، فَإِنِّي إِنَّمَا ظَنَنْت ظَنًّا ، فَلَا تُؤَاخِذُونِي بِالظَّنِّ ، وَلَكِنْ إِذَا حَدَّثْتُكُمْ عَنْ اللَّه شَيْئًا فَخُذُوا بِهِ ) وَفِي رِوَايَة : ( إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ دِينكُمْ فَخُذُوا بِهِ ، وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ رَأْي فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ ) وَفِي رِوَايَة : ( أَنْتُمْ أَعْلَم بِأَمْرِ دُنْيَاكُمْ ) قَالَ الْعُلَمَاء : قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مِنْ رَأْي ) أَيْ فِي أَمْر الدُّنْيَا وَمَعَايِشهَا لَا عَلَى التَّشْرِيع . فَأَمَّا مَا قَالَهُ بِاجْتِهَادِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَرَآهُ شَرْعًا يَجِبُ الْعَمَل بِهِ ، وَلَيْسَ إِبَارُ النَّخْل مِنْ هَذَا النَّوْع ، بَلْ مِنْ النَّوْع الْمَذْكُور قَبْله ، مَعَ أَنَّ لَفْظَةَ الرَّأْي إِنَّمَا أَتَى بِهَا عِكْرِمَة عَلَى الْمَعْنَى لِقَوْلِهِ فِي آخِرِ الْحَدِيث : قَالَ عِكْرِمَة : أَوْ نَحْو هَذَا ، فَلَمْ يُخْبِرْ بِلَفْظِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُحَقَّقًا . قَالَ الْعُلَمَاء : وَلَمْ يَكُنْ هَذَا الْقَوْل خَبَرًا ، وَإِنَّمَا كَانَ ظَنًّا كَمَا بَيَّنَهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَات . قَالُوا : وَرَأْيه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أُمُور الْمَعَايِش وَظَنّه كَغَيْرِهِ ، فَلَا يُمْتَنَعُ وُقُوع مِثْل هَذَا ، وَلَا نَقْص فِي ذَلِكَ ، وَسَبَبه تَعَلُّق هِمَمهمْ بِالْآخِرَةِ وَمَعَارِفهَا . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .


4356 - قَوْله : ( يُلَقِّحُونَهُ )
هُوَ بِمَعْنَى يَأْبُرُونَ فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى ، وَمَعْنَاهُ إِدْخَال شَيْء مِنْ طَلْع الذَّكَرِ فِي طَلْع الْأُنْثَى فَتَعَلَّقَ بِإِذْنِ اللَّه .


4357 - قَوْله : ( حَدَّثَنِي أَحْمَد بْن جَعْفَر الْمَعْقِرِيّ )
هُوَ بِفَتْحِ الْمِيم وَإِسْكَان الْعَيْن الْمُهْمَلَة وَكَسْر الْقَاف مَنْسُوب إِلَى مَعْقِر وَهِيَ نَاحِيَة مِنْ الْيَمَن .
وَ ( يَأْبُرُونَ )
بِكَسْرِ الْبَاء وَضَمّهَا . يُقَالُ مِنْهُ : أَبَرَ يَأْبُرُ وَيَأْبِرُ كَبَذَرَ يَبْذُرُ وَيَبْذِرُ ، وَيُقَالُ : أَبَّرَ يُؤَبِّرُ بِالتَّشْدِيدِ تَأْبِيرًا .
قَوْله ( فَنَفَضَتْ أَوْ فَنَقَصَتْ )
هُوَ بِفَتْحِ الْحُرُوف كُلّهَا ، وَالْأَوَّل بِالْفَاءِ وَالضَّاد الْمُعْجَمَة ، وَالثَّانِي بِالْقَافِ وَالْمُهْمَلَة .
وَأَمَّا قَوْله فِي آخِر الْحَدِيث : ( قَالَ الْمَعْقِرِيّ : فَنَفَضَتْ )
بِالْفَاءِ وَالْمُعْجَمَة ، وَمَعْنَاهُ أَسْقَطَتْ تَمْرهَا . قَالَ أَهْل اللُّغَة : وَيُقَالُ لِذَلِكَ الْمُتَسَاقِط النَّفَض بِفَتْحِ النُّون وَالْفَاء بِمَعْنَى الْمَنْفُوض ، كَالْخَبَطِ بِمَعْنَى الْمَخْبُوط . وَأَنْفَضَ الْقَوْم فَنِيَ زَادُهُمْ .


4358 - قَوْله : ( فَخَرَجَ شِيصًا )
هُوَ بِكَسْرِ الشِّين الْمُعْجَمَة وَإِسْكَان الْيَاء الْمُثَنَّاة تَحْت وَبِصَادٍ مُهْمَلَة ، وَهُوَ الْبُسْر الرَّدِيء الَّذِي إِذَا يَبِسَ صَارَ حَشَفًا ، وَقِيلَ : أَرْدَأ الْبُسْر ، وَقِيلَ : تَمْر رَدِيء ، وَهُوَ مُتَقَارِب .


4359 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَاَلَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَيَأْتِيَنَّ عَلَى أَحَدكُمْ يَوْم وَلَا يَرَانِي ، ثُمَّ لَأَنْ يَرَانِي أَحَبّ إِلَيْهِ مِنْ أَهْله وَمَاله مَعَهُمْ قَالَ أَبُو إِسْحَاق : الْمَعْنَى فِيهِ عِنْدِي لَأَنْ يَرَانِي مَعَهُمْ أَحَبّ إِلَيْهِ مِنْ أَهْله وَمَاله ، وَهُوَ عِنْدِي مُقَدَّم وَمُؤَخَّر )
هَذَا الَّذِي قَالَهُ أَبُو إِسْحَاق هُوَ الَّذِي قَالَهُ الْقَاضِي عِيَاض ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ ، قَالَ : تَقْدِيره لَأَنْ يَرَانِي مَعَهُمْ أَحَبّ إِلَيْهِ مِنْ أَهْله وَمَاله ، ثُمَّ لَا يَرَانِي . وَكَذَا جَاءَ فِي مُسْنَد سَعِيد بْن مَنْصُور " لَيَأْتِيَنَّ عَلَى أَحَدكُمْ يَوْم لَأَنْ يَرَانِي أَحَبّ إِلَيْهِ مِنْ أَنْ يَكُون لَهُ مِثْل أَهْله وَمَاله ثُمَّ لَا يَرَانِي " أَيْ رُؤْيَته إِيَّايَ أَفْضَل عِنْده ، وَأَحْظَى مِنْ أَهْله وَمَاله . هَذَا كَلَام الْقَاضِي . وَالظَّاهِر أَنَّ قَوْله فِي تَقْدِيم : ( لَأَنْ يَرَانِي ) ، وَتَأْخِير : ( مِنْ أَهْله لَا يَرَانِي ) كَمَا قَالَ . وَأَمَّا لَفْظَة ( مَعَهُمْ ) فَعَلَى ظَاهِرهَا ، وَفِي مَوْضِعهَا ، وَتَقْدِير الْكَلَام : يَأْتِي عَلَى أَحَدكُمْ يَوْم لَأَنْ يَرَانِي فِيهِ لَحْظَة ثُمَّ لَا يَرَانِي بَعْدهَا أَحَبّ إِلَيْهِ مِنْ أَهْله وَمَاله جَمِيعًا . وَمَقْصُود الْحَدِيث حَثّهمْ عَلَى مُلَازَمَة مَجْلِسه الْكَرِيم وَمُشَاهَدَته حَضَرًا وَسَفَرًا لِلتَّأَدُّبِ بِآدَابِهِ ، وَتَعَلُّم الشَّرَائِع وَحِفْظهَا لِيُبَلِّغُوهَا ، وَإِعْلَامهمْ أَنَّهُمْ سَيَنْدَمُونَ عَلَى مَا فَرَّطُوا فِيهِ مِنْ الزِّيَادَة مِنْ مُشَاهَدَته وَمُلَازَمَته . وَمِنْهُ قَوْل عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : أَلْهَانِي عَنْهُ الصَّفْق بِالْأَسْوَاقِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .


4360 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَنَا أَوْلَى النَّاس بِابْنِ مَرْيَم الْأَنْبِيَاء أَوْلَاد عَلَّات وَلَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنه نَبِيّ )
وَفِي رِوَايَة : ( أَنَا أَوْلَى النَّاس بِعِيسَى بْن مَرْيَم فِي الْأُولَى وَالْآخِرَة قَالُوا : كَيْف يَا رَسُول اللَّه ؟ قَالَ : الْأَنْبِيَاء إِخْوَة مِنْ عَلَّات ، وَأُمَّهَاتهمْ شَتَّى ، وَدِينهمْ وَاحِد ، وَلَيْسَ بَيْننَا نَبِيّ ) قَالَ الْعُلَمَاء : أَوْلَاد الْعَلَّات بِفَتْحِ الْعَيْن الْمُهْمَلَة وَتَشْدِيد اللَّام هُمْ الْإِخْوَة لِأَبٍ مِنْ أُمَّهَات شَتَّى . وَأَمَّا الْإِخْوَة مِنْ الْأَبَوَيْنِ فَيُقَال لَهُمْ أَوْلَاد الْأَعْيَان . قَالَ جُمْهُور الْعُلَمَاء : مَعْنَى الْحَدِيث أَصْل إِيمَانهمْ وَاحِد ، وَشَرَائِعهمْ مُخْتَلِفَة ، فَإِنَّهُمْ مُتَّفِقُونَ فِي أُصُول التَّوْحِيد ، وَأَمَّا فُرُوع الشَّرَائِع فَوَقَعَ فِيهَا الِاخْتِلَاف .


4361 - سبق شرحه بالباب


4362 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَدِينهمْ وَاحِد )
فَالْمُرَاد بِهِ أُصُول التَّوْحِيد ، وَأَصْل طَاعَة اللَّه تَعَالَى ، وَإِنْ اِخْتَلَفَتْ صِفَتهَا ، وَأُصُول التَّوْحِيد وَالطَّاعَة جَمِيعًا
وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَنَا أَوْلَى النَّاس بِعِيسَى )
فَمَعْنَاهُ أَخَصّ بِهِ لِمَا ذَكَرَهُ .


4363 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَا مِنْ مَوْلُود يُولَدُ إِلَّا نَخَسَهُ الشَّيْطَان فَيَسْتَهِلُّ صَارِخًا مِنْ نَخْسَةِ الشَّيْطَان إِلَّا اِبْن مَرْيَم وَأُمّه )
هَذِهِ فَضِيلَة ظَاهِرَة ، وَظَاهِر الْحَدِيث اِخْتِصَاصهَا بِعِيسَى وَأُمّه ، وَاخْتَارَ الْقَاضِي عِيَاض أَنَّ جَمِيع الْأَنْبِيَاء يُشَارِكُونَ فِيهَا .


4365 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( صِيَاح الْمَوْلُود حِين يَقَع نَزْغَة مِنْ الشَّيْطَان )
أَيْ حِين يَسْقُطُ مِنْ بَطْن أُمّه ، وَمَعْنَى نَزْغَة نَخْسَة وَطَعْنَة ، مِنْهُ قَوْله : نَزَغَهُ بِكَلِمَةِ سُوء أَيْ رَمَاهُ بِهَا .


4366 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( رَأَى عِيسَى رَجُلًا يَسْرِقُ فَقَالَ لَهُ عِيسَى : سَرَقْت قَالَ : كَلَّا وَاَلَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ ، فَقَالَ عِيسَى : آمَنْت بِاَللَّهِ ، وَكَذَّبْت نَفْسِي )
قَالَ الْقَاضِي : ظَاهِر الْكَلَام صَدَّقْت مَنْ حَلَفَ بِاَللَّهِ تَعَالَى ، وَكَذَّبْت مَا ظَهَرَ لِي مِنْ ظَاهِر سَرِقَتِهِ ، فَلَعَلَّهُ أَخَذَ مَاله فِيهِ حَقٌّ ، أَوْ بِإِذْنِ صَاحِبه ، أَوْ لَمْ يَقْصِدْ الْغَصْب وَالِاسْتِيلَاء ، أَوْ ظَهَرَ لَهُ مِنْ مَدِّ يَده أَنَّهُ أَخَذَ شَيْئًا ، فَلَمَّا حَلَفَ لَهُ أَسْقَطَ ظَنَّهُ ، وَرَجَعَ عَنْهُ .


4367 - قَوْله : ( جَاءَ رَجُل إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا خَيْر الْبَرِيَّة فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ذَاكَ إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام )
قَالَ الْعُلَمَاء : إِنَّمَا قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذَا تَوَاضُعًا وَاحْتِرَامًا لِإِبْرَاهِيم صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِخُلَّتِهِ وَأُبُوَّته ، وَإِلَّا فَنَبِيُّنَا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَفْضَل كَمَا قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَنَا سَيِّد وَلَد آدَم " وَلَمْ يَقْصِد بِهِ الِافْتِخَار وَلَا التَّطَاوُل عَلَى مَنْ تَقَدَّمَهُ ، بَلْ قَالَهُ بَيَانًا لِمَا أُمِرَ بِبَيَانِهِ وَتَبْلِيغه ، وَلِهَذَا قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " وَلَا فَخْر " لِيَنْفِيَ مَا قَدْ يَتَطَرَّق إِلَى بَعْض الْأَفْهَام السَّخِيفَة وَقِيلَ : يَحْتَمِلُ أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِبْرَاهِيم خَيْر الْبَرِيَّة قَبْل أَنْ يَعْلَم أَنَّهُ سَيِّد وَلَد آدَم . فَإِنْ قِيلَ : التَّأْوِيل الْمَذْكُور ضَعِيف ، لِأَنَّ هَذَا خَبَر ، فَلَا يَدْخُلُهُ خَلْفٌ وَلَا نَسْخٌ . فَالْجَوَاب أَنَّهُ لَا يُمْتَنَعُ أَنَّهُ أَرَادَ أَفْضَل الْبَرِيَّة الْمَوْجُودِينَ فِي عَصْره ، وَأَطْلَقَ الْعِبَارَة الْمُوهِمَة لِلْعُمُومِ ؛ لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي التَّوَاضُع ، وَقَدْ جَزَمَ صَاحِب التَّحْرِير بِمَعْنَى هَذَا فَقَالَ : الْمُرَاد أَفْضَل بَرِيَّة عَصْره ، وَأَجَابَ الْقَاضِي عَنْ التَّأْوِيل الثَّانِي بِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ خَبَرًا فَهُوَ مِمَّا يَدْخُلُهُ النَّسْخُ مِنْ الْأَخْبَار ؛ لِأَنَّ الْفَضَائِل يَمْنَحُهَا اللَّه تَعَالَى لِمَنْ يَشَاء ، فَأَخْبَرَ بِفَضِيلَةِ إِبْرَاهِيم إِلَى أَنْ عَلِمَ تَفْضِيل نَفْسه ، فَأَخْبَرَ بِهِ . وَيَتَضَمَّنُ هَذَا جَوَاز التَّفَاضُل بَيْن الْأَنْبِيَاء صَلَوَات اللَّه وَسَلَامه عَلَيْهِمْ ، وَيُجَابُ عَنْ حَدِيث النَّهْي عَنْهُ بِالْأَجْوِبَةِ السَّابِقَة فِي أَوَّل كِتَاب الْفَضَائِل .


4368 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( اُخْتُتِنَ إِبْرَاهِيم النَّبِيّ ، وَهُوَ اِبْن ثَمَانِينَ سَنَة بِالْقَدُومِ )
، رُوَاة مُسْلِم مُتَّفِقُونَ عَلَى تَخْفِيف ( الْقَدُوم ) . وَوَقَعَ فِي رِوَايَات الْبُخَارِيّ الْخِلَاف فِي تَشْدِيده وَتَخْفِيفه . قَالُوا : وَآلَة النَّجَّار يُقَالُ لَهَا قَدُوم بِالتَّخْفِيفِ لَا غَيْرُ . وَأَمَّا ( الْقَدُوم ) مَكَان بِالشَّامِّ فَفِيهِ التَّخْفِيف . فَمَنْ رَوَاهُ بِالتَّشْدِيدِ أَرَادَ الْقَرْيَة ، وَمَنْ رَوَاهُ بِالتَّخْفِيفِ تُحْتَمَلُ الْقَرْيَة وَالْآلَة ، وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى التَّخْفِيف ، وَعَلَى إِرَادَة الْآلَة . وَهَذَا الَّذِي وَقَعَ هُنَا : وَهُوَ اِبْن ثَمَانِينَ سَنَةً هُوَ الصَّحِيح ، وَوَقَعَ فِي الْمُوَطَّأ : وَهُوَ اِبْن مِائَة وَعِشْرِينَ سَنَة مَوْقُوفًا عَلَى أَبِي هُرَيْرَة ، وَهُوَ مُتَأَوَّلٌ ، أَوْ مَرْدُود . وَسَبَقَ بَيَان حُكْم الْخِتَان فِي أَوَائِل كِتَاب الطَّهَارَة فِي خِصَال الْفِطْرَة .


4369 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( نَحْنُ أَحَقّ بِالشَّكِّ مِنْ إِبْرَاهِيم إِلَى آخِره )
هَذَا الْحَدِيث سَبَقَ شَرْحُهُ وَاضِحًا فِي كِتَاب الْإِيمَان .


4370 - هَذَا الْحَدِيث سَبَقَ شَرْحه وَاضِحًا فِي كِتَاب الْإِيمَان .


4371 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَمْ يَكْذِبْ إِبْرَاهِيم النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا ثَلَاث كَذَبَات : ثِنْتَيْنِ فِي ذَات اللَّه تَعَالَى : قَوْله إِنِّي سَقِيم ، وَقَوْله : بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا وَوَاحِدَة فِي شَأْن سَارَة وَهِيَ قَوْله : إِنْ سَأَلَك فَأَخْبِرِيهِ أَنَّك أُخْتِي ، فَإِنَّك أُخْتِي فِي الْإِسْلَام )
، قَالَ الْمَازِرِيّ : أَمَّا الْكَذِب فِيمَا طَرِيقه الْبَلَاغ عَنْ اللَّه تَعَالَى فَالْأَنْبِيَاء مَعْصُومُونَ مِنْهُ ، سَوَاء كَثِيره وَقَلِيله ، وَأَمَّا مَا لَا يَتَعَلَّقُ بِالْبَلَاغِ ، وَيُعَدُّ مِنْ الصِّفَات كَالْكَذْبَةِ الْوَاحِدَة فِي حَقِيرٍ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا فَفِي إِمْكَان وُقُوعه مِنْهُمْ وَعِصْمَتِهِمْ مِنْهُ الْقَوْلَانِ الْمَشْهُورَانِ لِلسَّلَفِ وَالْخَلَف . قَالَ الْقَاضِي عِيَاض : الصَّحِيح أَنَّ الْكَذِب فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْبَلَاغِ لَا يُتَصَوَّرُ وُقُوعه مِنْهُمْ ، سَوَاء جَوَّزْنَا الصَّغَائِر مِنْهُمْ وَعِصْمَتهمْ مِنْهُ ، أَمْ لَا ، وَسَوَاء قَلَّ الْكَذِب ، أَمْ كَثُرَ ؛ لِأَنَّ مَنْصِبَ النُّبُوَّةِ يَرْتَفِعُ عَنْهُ ، وَتَجْوِيزه يَرْفَعُ الْوُثُوق بِأَقْوَالِهِمْ .
وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( ثِنْتَيْنِ فِي ذَات اللَّه تَعَالَى وَوَاحِدَة فِي شَأْن سَارَة ) فَمَعْنَاهُ أَنَّ الْكَذَبَات الْمَذْكُورَة إِنَّمَا هِيَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى فَهْم الْمُخَاطَب وَالسَّامِع ، وَأَمَّا فِي نَفْس الْأَمْر فَلَيْسَتْ كَذِبًا مَذْمُومًا لِوَجْهَيْنِ : أَحَدهمَا أَنَّهُ وَرَّى بِهَا ، فَقَالَ فِي سَارَة : أُخْتِي فِي الْإِسْلَام ، وَهُوَ صَحِيح فِي بَاطِن الْأَمْر ، وَسَنَذْكُرُ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى تَأْوِيل اللَّفْظَيْنِ الْآخَرَيْنِ . وَالْوَجْه الثَّانِي أَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذِبًا لَا تَوْرِيَةَ فِيهِ لَكَانَ جَائِزًا فِي دَفْع الظَّالِمِينَ ، وَقَدْ اِتَّفَقَ الْفُقَهَاء عَلَى أَنَّهُ لَوْ جَاءَ ظَالِم يَطْلُب إِنْسَانًا مُخْتَفِيًا لِيَقْتُلَهُ ، أَوْ يَطْلُب وَدِيعَة لِإِنْسَانٍ لِيَأْخُذَهَا غَصْبًا ، وَسَأَلَ عَنْ ذَلِكَ ، وَجَبَ عَلَى مَنْ عَلِمَ ذَلِكَ إِخْفَاؤُهُ وَإِنْكَار الْعِلْم بِهِ ، وَهَذَا كَذِب جَائِز ، بَلْ وَاجِب لِكَوْنِهِ فِي دَفْع الظَّالِم ، فَنَبَّهَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْكَذَبَات لَيْسَتْ دَاخِلَة فِي مُطْلَق الْكَذِب الْمَذْمُوم . قَالَ الْمَازِرِيّ : وَقَدْ تَأَوَّلَ بَعْضهمْ هَذِهِ الْكَلِمَات ، وَأَخْرَجَهَا عَنْ كَوْنهَا كَذِبًا ، قَالَ : وَلَا مَعْنَى لِلِامْتِنَاعِ مِنْ إِطْلَاق لَفْظ أَطْلَقَهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُلْت : أَمَّا إِطْلَاق لَفْظ الْكَذِب عَلَيْهَا فَلَا يُمْتَنَعُ لِوُرُودِ الْحَدِيث بِهِ ، وَأَمَّا تَأْوِيلُهَا فَصَحِيحٌ لَا مَانِع مِنْهُ . قَالَ الْعُلَمَاء : وَالْوَاحِدَة الَّتِي فِي شَأْن سَارَة هِيَ أَيْضًا فِي ذَات اللَّه تَعَالَى ؛ لِأَنَّهَا سَبَبُ دَفْعِ كَافِرٍ ظَالِمٍ عَنْ مُوَاقَعَة فَاحِشَة عَظِيمَة ، وَقَدْ جَاءَ ذَلِكَ مُفَسَّرًا فِي غَيْر مُسْلِم ، فَقَالَ : مَا فِيهَا كَذْبَة إِلَّا بِمَا حَلَّ بِهَا عَنْ الْإِسْلَام أَيْ يُجَادِلُ وَيُدَافِعُ . قَالُوا : وَإِنَّمَا خَصَّ الِاثْنَتَيْنِ بِأَنَّهُمَا فِي ذَات اللَّه تَعَالَى لِكَوْنِ الثَّالِثَة تَضَمَّنَتْ نَفْعًا لَهُ ، وَحَظًّا مَعَ كَوْنهَا فِي ذَات اللَّه تَعَالَى . وَذَكَرُوا فِي قَوْله : ( إِنِّي سَقِيمٌ ) أَيْ سَأَسْقُمُ لِأَنَّ الْإِنْسَان عُرْضَة لِلْأَسْقَامِ ، وَأَرَادَ بِذَلِكَ الِاعْتِذَار عَنْ الْخُرُوج مَعَهُمْ إِلَى عِيدهمْ ، وَشُهُود بَاطِلهمْ وَكُفْرهمْ . وَقِيلَ : سَقِيم بِمَا قُدِّرَ عَلَيَّ مِنْ الْمَوْت . وَقِيلَ : كَانَتْ تَأْخُذُهُ الْحُمَّى فِي ذَلِكَ الْوَقْت .
وَأَمَّا قَوْله ( بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ ) فَقَالَ اِبْن قُتَيْبَة وَطَائِفَة : جُعْل النُّطْق شَرْطًا لِفِعْلِ كَبِيرهمْ ، أَيْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ . وَقَالَ الْكَسَائِيّ : يُوقَفُ عِنْد قَوْله : بَلْ فَعَلَهُ أَيْ فَعَلَهُ فَاعِله ، فَأَضْمَرَ ، ثُمَّ يَبْتَدِئُ فَيَقُولُ : كَبِيرُهُمْ هَذَا ، فَاسْأَلُوهُمْ عَنْ ذَلِكَ الْفَاعِل . وَذَهَبَ الْأَكْثَرُونَ إِلَى أَنَّهَا عَلَى ظَاهِرهَا ، وَجَوَابهَا مَا سَبَقَ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
قَوْله : ( فَلَك اللَّهُ )
أَيْ شَاهِدًا وَضَامِنًا أَنْ لَا أَضُرَّك .
قَوْله : ( مَهْيَم )
بِفَتْحِ الْمِيم وَالْيَاء وَإِسْكَان الْهَاء بَيْنهمَا أَيْ مَا شَأْنُك وَمَا خَبَرُك ؟ وَوَقَعَ فِي الْبُخَارِيّ لِأَكْثَر الرُّوَاة ( مَهِيمًا ) بِالْأَلْفِ ، وَالْأَوَّل أَفْصَحُ وَأَشْهَرُ .
قَوْلهَا : ( وَأَخْدَمَ خَادِمًا )
أَيْ وَهَبَنِي خَادِمًا ، وَهِيَ هَاجَرَ ، وَيُقَال : آجَرَ بِمَدِّ الْأَلْف . وَالْخَادِمُ يَقَع عَلَى الذَّكَر وَالْأُنْثَى .
قَوْله : ( قَالَ أَبُو هُرَيْرَة فَتِلْكَ أُمُّكُمْ يَا بَنِي مَاء السَّمَاء )
قَالَ كَثِيرُونَ : الْمُرَاد بِبَنِي مَاء السَّمَاء الْعَرَب كُلّهمْ ، لِخُلُوصِ نَسَبِهِمْ ، وَصَفَائِهِ . وَقِيلَ : لِأَنَّ أَكْثَرهمْ أَصْحَاب مَوَاشِي ، وَعَيْشهمْ مِنْ الْمَرْعَى وَالْخِصْب ، وَمَا يَنْبُتُ بِمَاءِ السَّمَاء . وَقَالَ الْقَاضِي : الْأَظْهَر عِنْدِي أَنَّ الْمُرَاد بِذَلِكَ الْأَنْصَار خَاصَّة ، وَنِسْبَتُهُمْ إِلَى جَدّهمْ عَامِر بْن حَارِثَة بْن اِمْرِئِ الْقَيْس بْن ثَعْلَبَة بْن مَازِن بْن الْأَدَد وَكَانَ يُعْرَفُ بِمَاءِ السَّمَاء ، وَهُوَ الْمَشْهُور بِذَلِكَ ، وَالْأَنْصَارُ كُلُّهُمْ مِنْ وَلَد حَارِثَة بْن ثَعْلَبَة بْن عَمْرو بْن عَامِر الْمَذْكُور . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَفِي هَذَا الْحَدِيث مُعْجِزَةٌ ظَاهِرَةٌ لِإِبْرَاهِيم صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .


4372 - قَوْله : ( أَنَّهُ آدَر )
بِهَمْزَةٍ مَمْدُودَة ثُمَّ دَال مُهْمَلَة مَفْتُوحَة ثُمَّ رَاءٍ ، وَهُوَ عَظِيم الْخُصْيَتَيْنِ .
وَجَمَعَ الْحَجَر
أَيْ ذَهَبَ مُسْرِعًا إِسْرَاعًا بَلِيغًا .
وَطَفِقَ ضَرْبًا
أَيْ جَعَلَ يَضْرِبُ ، يُقَالُ : طَفِقَ يَفْعَلُ كَذَا . وَطَفِقَ بِكَسْرِ الْفَاء وَفَتْحهَا . وَجَمَلَ وَأَخَذَ وَأَقْبَلَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ .
وَأَمَّا النَّدَب
فَهُوَ بِفَتْحِ النُّون وَالدَّال وَأَصْله أَثَر الْجُرْح إِذَا لَمْ يَرْتَفِعْ عَنْ الْجِلْدِ .
وَقَوْله : ( ثَوْبِي حَجَر )
أَيْ دَعْ ثَوْبِي يَا حَجَرُ .


4373 - قَوْله : ( فَاغْتَسَلَ عِنْد مُوَيْهٍ )
هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيع نُسَخ بِلَادنَا وَمُعْظَم غَيْرهَا : ( مُوَيْه ) بِضَمِّ الْمِيم وَفَتْح الْوَاو وَإِسْكَان الْيَاء ، وَهُوَ تَصْغِيرُ مَاءٍ ، وَأَصْله ( مَوْه ) ، وَالتَّصْغِير يَرُدُّ الْأَشْيَاء إِلَى أُصُولهَا . وَقَالَ الْقَاضِي : وَقَعَ فِي بَعْض الرِّوَايَات ( مُوَيْه ) كَمَا ذَكَرْنَاهُ ، وَفِي مُعْظَمهَا ( مَشْرَبَة ) بِفَتْحِ الْمِيم وَإِسْكَان الشِّين ، وَهِيَ حُفْرَةٌ فِي أَصْل النَّخْلَة يُجْمَعُ الْمَاءُ فِيهَا لِسَقْيِهَا . قَالَ الْقَاضِي : وَأَظُنُّ الْأَوَّل تَصْحِيفًا كَمَا سَبَقَ - وَاَللَّه أَعْلَم . وَفِي هَذَا الْحَدِيث فَوَائِد : مِنْهَا أَنَّ فِيهِ مُعْجِزَتَيْنِ ظَاهِرَتَيْنِ لِمُوسَى صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِحْدَاهُمَا مَشْي الْحَجْر بِثَوْبِهِ إِلَى مَلَأ بَنِي إِسْرَائِيل ، وَالثَّانِيَة حُصُول النَّدَب فِي الْحَجَر ، وَمِنْهَا وُجُود التَّمْيِيز فِي الْجَمَاد كَالْحَجَرِ وَنَحْوه ، وَمِثْله تَسْلِيم الْحَجَر بِمَكَّة ، وَحَنِين الْجِذْع ، وَنَظَائِره ، وَسَبَقَ قَرِيبًا بَيَان هَذِهِ الْمَسْأَلَة مَبْسُوطَة . وَمِنْهَا جَوَاز الْغُسْل عُرْيَانًا فِي الْخَلْوَة ، وَإِنْ كَانَ سَتْر الْعَوْرَة أَفْضَل ، وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيّ وَمَالِك وَجَمَاهِير الْعُلَمَاء ، وَخَالَفَهُمْ اِبْن أَبِي لَيْلَى : وَقَالَ : إِنَّ لِلْمَاءِ سَاكِنًا ، وَاحْتَجَّ فِي ذَلِكَ بِحَدِيثٍ ضَعِيف . وَمِنْهَا مَا اُبْتُلِيَ بِهِ الْأَنْبِيَاء وَالصَّالِحُونَ مِنْ أَذَى السُّفَهَاء وَالْجُهَّال ، وَصَبْرهمْ عَلَيْهِمْ ، وَمِنْهَا مَا قَالَهُ الْقَاضِي وَغَيْره أَنَّ الْأَنْبِيَاء صَلَوَات اللَّه وَسَلَامه عَلَيْهِمْ مُنَزَّهُونَ عَنْ النَّقَائِص فِي الْخَلْق وَالْخُلُق ، سَالِمُونَ مِنْ الْعَاهَات وَالْمَعَايِب ، قَالُوا : وَلَا اِلْتِفَات إِلَى مَا قَالَهُ مَنْ لَا تَحْقِيق لَهُ مِنْ أَهْل التَّارِيخ فِي إِضَافَة بَعْض الْعَاهَات إِلَى بَعْضهمْ ، بَلْ نَزَّهَهُمْ اللَّه تَعَالَى مِنْ كُلّ عَيْب ، وَكُلّ شَيْء يُبَغِّضُ الْعُيُون ، أَوْ يُنَفِّرُ الْقُلُوب .


4374 - قَوْله : ( عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ : أُرْسِلَ مَلَك الْمَوْت إِلَى مُوسَى ، فَلَمَّا جَاءَهُ صَكَّهُ فَفَقَأَ عَيْنه ، فَرَجَعَ إِلَى رَبّه قَفَّال : أَرْسَلْتنِي إِلَى عَبْدٍ لَا يُرِيدُ الْمَوْت . قَالَ : فَرَدَّ اللَّه إِلَيْهِ عَيْنه ، وَقَالَ : اِرْجِعْ إِلَيْهِ فَقُلْ لَهُ يَضَع يَدَهُ عَلَى مَتْنِ ثَوْرٍ ، فَلَهُ بِمَا غَطَّتْ يَده بِكُلِّ شَعْرَة سَنَة . قَالَ : أَيْ رَبّ ثُمَّ مَهْ ؟ قَالَ : ثُمَّ الْمَوْت . قَالَ : فَالْآن ، فَسَأَلَ اللَّه تَعَالَى أَنْ يُدْنِيَهُ مِنْ الْأَرْض الْمُقَدَّسَةِ رَمْيَةً بِحَجَرٍ ، فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " فَلَوْ كُنْت ثَمَّ لَأَرَيْتُكُمْ قَبْرَهُ إِلَى جَانِب الطَّرِيق تَحْت الْكَثِيب الْأَحْمَر ) وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى ( قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " جَاءَ مَلَك الْمَوْت إِلَى مُوسَى فَقَالَ : أَجِبْ رَبّك ، فَلَطَمَ مُوسَى عَيْن مَلَك الْمَوْت فَفَقَأَهَا ) وَذَكَرَ نَحْو مَا سَبَقَ .
أَمَّا قَوْله : ( صَكَّهُ )
فَهُوَ بِمَعْنَى ( لَطَمَهُ ) فِي الرِّوَايَة الثَّانِيَة . وَفَقَأَ عَيْنه بِالْهَمْزِ . وَمَتْن الثَّوْر ظَهْرُهُ . وَرَمْيَة حَجَر أَيْ قَدْر مَا يَبْلُغُهُ .
وَقَوْله : ( ثَمَّ مَهْ )
هِيَ هَاء السَّكْت ، وَهُوَ اِسْتِفْهَامٌ ، أَيْ ثُمَّ مَاذَا يَكُون أَحَيَاة أَمْ مَوْت ؟ وَالْكَثِيب الرَّمَل الْمُسْتَطِيل الْمُحْدَوْدَب . وَأَمَّا سُؤَاله الْإِدْنَاء مِنْ الْأَرْض الْمُقَدَّسَة فَلِشَرَفِهَا وَفَضِيلَة مَنْ فِيهَا مِنْ الْمَدْفُونِينَ مِنْ الْأَنْبِيَاء وَغَيْرهمْ . قَالَ بَعْض الْعُلَمَاء : وَإِنَّمَا سَأَلَ الْإِدْنَاء ، وَلَمْ يَسْأَلْ نَفْس بَيْت الْمَقْدِس ، لِأَنَّهُ خَافَ أَنْ يَكُون قَبْره مَشْهُورًا عِنْدهمْ فَيَفْتَتِن بِهِ النَّاس وَفِي هَذَا اِسْتِحْبَاب الدَّفْن فِي الْمَوَاضِع الْفَاضِلَة وَالْمَوَاطِن الْمُبَارَكَة ، وَالْقُرْب مِنْ مَدَافِن الصَّالِحِينَ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَالَ الْمَازِرِيّ : وَقَدْ أَنْكَرَ بَعْض الْمَلَاحِدَة هَذَا الْحَدِيث ، وَأَنْكَرَ تَصَوُّره ، قَالُوا كَيْف يَجُوزُ عَلَى مُوسَى فَقْء عَيْن مَلَك الْمَوْت ؟ قَالَ : وَأَجَابَ الْعُلَمَاء عَنْ هَذَا بِأَجْوِبَةٍ : أَحَدهَا أَنَّهُ لَا يَمْتَنِع أَنْ يَكُونَ مُوسَى صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أَذِنَ اللَّه تَعَالَى لَهُ فِي هَذِهِ اللَّطْمَة ، وَيَكُون ذَلِكَ اِمْتِحَانًا لِلْمَلْطُومِ ، وَاَللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى يَفْعَلُ فِي خَلْقه مَا شَاءَ ، وَيَمْتَحِنُهُمْ بِمَا أَرَادَ . وَالثَّانِي أَنَّ هَذَا عَلَى الْمَجَاز ، وَالْمُرَاد أَنَّ مُوسَى نَاظَرَهُ وَحَاجَّهُ فَغَلَبَهُ بِالْحُجَّةِ ، وَيُقَالُ : فَقَأَ فُلَان عَيْن فُلَان إِذَا غَالَبَهُ بِالْحُجَّةِ ، وَيُقَالُ : عَوَرْت الشَّيْء إِذَا أَدْخَلْت فِيهِ نَقْصًا قَالَ : وَفِي هَذَا ضَعْفٌ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " فَرَدَّ اللَّه عَيْنه " فَإِنْ قِيلَ : أَرَادَ رَدّ حُجَّته كَانَ بَعِيدًا . وَالثَّالِث أَنَّ مُوسَى صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ مَلَك مِنْ عِنْد اللَّه ، وَظَنَّ أَنَّهُ رَجُلٌ قَصَدَهُ يُرِيدُ نَفْسَهُ ، فَدَافَعَهُ عَنْهَا ، فَأَدَّتْ الْمُدَافَعَةُ إِلَى فَقْءِ عَيْنِهِ ، لَا أَنَّهُ قَصَدَهَا بِالْفَقْءِ ، وَتُؤَيِّدُهُ رِوَايَة ( صَكَّهُ ) ، وَهَذَا جَوَاب الْإِمَام أَبِي بَكْر بْن خُزَيْمَةَ وَغَيْره مِنْ الْمُتَقَدِّمِينَ ، وَاخْتَارَهُ الْمَازِرِيّ وَالْقَاضِي عِيَاض ، قَالُوا : وَلَيْسَ فِي الْحَدِيث تَصْرِيح بِأَنَّهُ تَعَمَّدَ فَقْء عَيْنه ، فَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ اِعْتَرَفَ مُوسَى حِين جَاءَهُ ثَانِيًا بِأَنَّهُ مَلَك الْمَوْت ، فَالْجَوَاب أَنَّهُ أَتَاهُ فِي الْمَرَّة الثَّانِيَة بِعَلَامَةٍ عَلِمَ بِهَا أَنَّهُ مَلَك الْمَوْت ، فَاسْتَسْلَمَ بِخِلَافِ الْمَرَّة الْأُولَى . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .


4375 - وَمَعْنَى ( أَجِبْ رَبَّك )
أَيْ لِلْمَوْتِ ، وَمَعْنَاهُ جِئْت لِقَبْضِ رُوحك .
قَوْله ( فَمَا تَوَارَتْ يَدُك مِنْ شَعْرَةٍ فَإِنَّك تَعِيش بِهَا سَنَة )
هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيع النُّسَخ : ( تَوَارَتْ ) ، وَمَعْنَاهُ وَارَتْ وَسَتَرَتْ .
قَوْله : ( فَالْآن مِنْ قَرِيب رَبّ أَمِتْنِي بِالْأَرْضِ الْمُقَدَّسَة رَمْيَةً بِحَجَرٍ )
هَكَذَا هُوَ فِي مُعْظَم النُّسَخ : ( أَمِتْنِي ) بِالْمِيمِ وَالتَّاء وَالنُّون مِنْ الْمَوْت ، وَفِي بَعْضهَا ( أَدْنِنِي ) بِالدَّالِ وَنُونَيْنِ ، وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ .


4376 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا تُفَضِّلُوا بَيْن الْأَنْبِيَاء )
فَقَدْ سَبَقَ بَيَانه وَتَأْوِيله مَبْسُوطًا فِي أَوَّل كِتَاب الْفَضَائِل
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( يُنْفَخُ فِي الصُّوَر فَيُصْعَقُ مَنْ فِي السَّمَوَات وَمَنْ فِي الْأَرْض إِلَّا مَنْ يَشَاءُ اللَّه ، ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ أُخْرَى فَأَكُون أَوَّل مَنْ بُعِثَ ، فَإِذَا مُوسَى آخِذٌ بِالْعَرْشِ ، فَلَا أَدْرِي أَحُوسِبَ بِصَعْقَةِ يَوْم الطُّور ، أَوْ بُعِثَ قَبْلِي )
وَفِي رِوَايَة : ( فَإِنَّ النَّاس يُصْعَقُونَ فَأَكُون أَوَّلَ مَنْ يُفِيقُ ، فَإِذَا مُوسَى بَاطِشٌ بِجَانِبِ الْعَرْش ، فَلَا أَدْرِي أَكَانَ فِيمَنْ صَعِقَ فَأَفَاقَ قَبْلِي ، أَمْ كَانَ مِمَّنْ اِسْتَثْنَى ، اللَّهُ تَعَالَى ) . الصَّعْق وَالصَّعْقَة الْهَلَاك وَالْمَوْت ، وَيُقَالُ مِنْهُ : صَعِقَ الْإِنْسَان ، وَصَعِقَ بِفَتْحِ الصَّاد وَضَمّهَا " وَأَنْكَرَ بَعْضُهُمْ الضَّمَّ ، وَصَعَقَتْهُمْ الصَّاعِقَة بِفَتْحِ الصَّاد وَالْعَيْن ، وَأَصْعَقَتْهُمْ . وَبَنُو تَمِيم يَقُولُونَ : ( الصَّاقِعَة ) بِتَقْدِيمِ الْقَاف . قَالَ الْقَاضِي : وَهَذَا مِنْ أَشْكَل الْأَحَادِيث لِأَنَّ مُوسَى قَدْ مَاتَ ، فَكَيْف تُدْرِكُهُ الصَّعْقَةُ ؟ وَإِنَّمَا تَصْعَقُ الْأَحْيَاءَ .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَلَا أَقُولُ : إِنَّ أَحَدًا أَفْضَل مِنْ يُونُسَ بْن مَتَّى )
وَفِي رِوَايَة : ( إِنَّ اللَّه تَعَالَى قَالَ : لَا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ لِي يَقُول : أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْن مَتَّى ) وَفِي رِوَايَة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( مَا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ أَنْ يَقُولَ : أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُس بْن مَتَّى ) قَالَ الْعُلَمَاء : هَذِهِ الْأَحَادِيث تَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ : أَحَدهمَا أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ هَذَا قَبْلَ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ يُونُسَ ، فَلَمَّا عَلِمَ ذَلِكَ قَالَ : أَنَا سَيِّد وَلَد آدَم ، وَلَمْ يَقُلْ هُنَا إِنَّ يُونُس أَفْضَل مِنْهُ أَوْ مِنْ غَيْره مِنْ الْأَنْبِيَاء صَلَوَات اللَّه وَسَلَامه عَلَيْهِمْ . وَالثَّانِي أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ زَجْرًا عَنْ أَنْ يَتَخَيَّلَ أَحَدٌ مِنْ الْجَاهِلِينَ شَيْئًا مِنْ حَطِّ مَرْتَبَةِ يُونُسَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَجْلِ مَا فِي الْقُرْآن الْعَزِيز مِنْ قِصَّتِهِ . قَالَ الْعُلَمَاء : وَمَا جَرَى لِيُونُسَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَحُطَّهُ مِنْ النُّبُوَّة مِثْقَال ذَرَّة . وَخَصَّ يُونُس بِالذِّكْرِ لِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ ذِكْرِهِ فِي الْقُرْآن بِمَا ذُكِرَ .


4377 - قَوْله : ( مِمَّنْ اِسْتَثْنَى اللَّه تَعَالَى )
يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ حَيًّا ، وَلَمْ يَأْتِ أَنَّ مُوسَى رَجَعَ إِلَى الْحَيَاة ، وَلَا أَنَّهُ حَيٌّ كَمَا جَاءَ فِي عِيسَى ، وَقَدْ قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَوْ كُنْت ثَمَّ لَأَرَيْتُكُمْ قَبْره إِلَى جَانِب الطَّرِيق ) قَالَ الْقَاضِي : يَحْتَمِلُ أَنَّ هَذِهِ الصَّعْقَةَ صَعْقَةُ فَزَعٍ بَعْد الْبَعْث حِين تَنْشَقُّ السَّمَوَات وَالْأَرْض ، فَتَنْتَظِمُ حِينَئِذٍ الْآيَات وَالْأَحَادِيث ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " فَأَفَاقَ " لِأَنَّهُ إِنَّمَا يُقَالُ : أَفَاقَ مِنْ الْغَشْي ، وَأَمَّا الْمَوْت فَيُقَالُ : بُعِثَ مِنْهُ ، وَصَعْقَةُ الطُّور لَمْ تَكُنْ مَوْتًا .
وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَلَا أَدْرِي أَفَاقَ قَبْلِي )
فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَهُ قَبْل أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الْأَرْض إِنْ كَانَ هَذَا اللَّفْظُ عَلَى ظَاهِره ، وَأَنَّ نَبِيَّنَا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوَّلُ شَخْصٍ تَنْشَقُّ عَنْهُ الْأَرْض عَلَى الْإِطْلَاق قَالَ : وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ مِنْ الزُّمْرَة الَّذِينَ هُمْ أَوَّل مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُمْ الْأَرْض ، فَيَكُونُ مُوسَى مِنْ تِلْكَ الزُّمْرَة ، وَهِيَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ زُمْرَة الْأَنْبِيَاء صَلَوَات اللَّه وَسَلَامه عَلَيْهِمْ . هَذَا آخِرُ كَلَام الْقَاضِي .


4378 - قَوْلُهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا تُخَيِّرُوا بَيْن الْأَنْبِيَاء )
فَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهُ وَتَأْوِيلُهُ مَبْسُوطًا فِي أَوَّل كِتَاب الْفَضَائِل


4379 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَرَرْت عَلَى مُوسَى ، وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي قَبْرِهِ )
هَذَا الْحَدِيث سَبَقَ شَرْحُهُ فِي أَوَاخِر كِتَاب الْإِيمَان عِنْد ذِكْر مُوسَى وَعِيسَى عَلَيْهِمَا الصَّلَاة وَالسَّلَام .


4380 - سَبَقَ شَرْحه فِي أَوَاخِر كِتَاب الْإِيمَان عِنْد ذِكْر مُوسَى وَعِيسَى عَلَيْهِمَا الصَّلَاة وَالسَّلَام .


4381 - سبق شرحه بالباب


4382 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ أَنْ يَقُولَ أَنَا خَيْر مِنْ يُونُس )
فَالضَّمِير فِي ( أَنَا ) قِيلَ : يَعُودُ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقِيلَ : يَعُودُ إِلَى الْقَائِل أَيْ لَا يَقُولُ ذَلِكَ بَعْض الْجَاهِلِينَ مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ فِي عِبَادَةٍ أَوْ عِلْمٍ أَوْ غَيْر ذَلِكَ مِنْ الْفَضَائِل ، فَإِنَّهُ لَوْ بَلَغَ مِنْ الْفَضَائِل مَا بَلَغَ لَمْ يَبْلُغْ النُّبُوَّةَ ، وَيُؤَيِّدُ هَذَا التَّأْوِيل الرِّوَايَة الَّتِي قَبْله ، وَهِيَ قَوْله تَعَالَى : ( لَا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ أَنْ يَقُولَ أَنَا خَيْر مِنْ يُونُس بْن مَتَّى ) وَاَللَّه أَعْلَم .


4383 - قَوْله : ( قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّه مَنْ أَكْرَمُ النَّاس ؟ قَالَ : " أَتْقَاهُمْ لِلَّهِ " قَالُوا : لَيْسَ عَنْ هَذَا نَسْأَلُك قَالَ : " يُوسُف نَبِيّ اللَّه بْن نَبِيّ اللَّه بْن خَلِيل اللَّه " قَالُوا : لَيْسَ عَنْ هَذَا نَسْأَلُك قَالَ : " فَعَنْ مَعَادِن الْعَرَب تَسْأَلُونَنِي خِيَارُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّة خِيَارُهُمْ فِي الْإِسْلَام إِذَا فَقِهُوا )
هَكَذَا وَقَعَ فِي مُسْلِم ( نَبِيّ اللَّه بْن نَبِيّ اللَّه بْن خَلِيل اللَّه ) ، وَفِي رِوَايَاتٍ لِلْبُخَارِيِّ كَذَلِكَ ، وَفِي بَعْضهَا ( نَبِيّ اللَّه بْن نَبِيّ اللَّه بْن نَبِيّ اللَّه بْن خَلِيل اللَّه ) ، وَهَذِهِ الرِّوَايَة هِيَ الْأَصْل ، وَأَمَّا الْأُولَى فَمُخْتَصَرَة مِنْهَا ، فَإِنَّهُ يُوسُف بْن يَعْقُوب بْن إِسْحَاق بْن إِبْرَاهِيم الْخَلِيل صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَسَبَهُ فِي الْأُولَى إِلَى جَدّه . وَيُقَال : يُوسُف بِضَمِّ السِّين وَكَسْرهَا وَفَتْحهَا مَعَ الْهَمْز وَتَرْكه ، فَهِيَ سِتَّة أَوْجُه قَالَ الْعُلَمَاء : وَأَصْل الْكَرَم كَثْرَة الْخَيْر ، وَقَدْ جَمَعَ يُوسُف صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَكَارِم الْأَخْلَاق ، مَعَ شَرَف النُّبُوَّة ، مَعَ شَرَف النَّسَب ، وَكَوْنه نَبِيًّا اِبْن ثَلَاثَة أَنْبِيَاء مُتَنَاسِلِينَ أَحَدهمْ خَلِيل اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَانْضَمَّ إِلَيْهِ شَرَف عِلْم الرُّؤْيَا ، وَتَمَكُّنه فِيهِ ، وَرِيَاسَة الدُّنْيَا ، وَمُلْكهَا بِالسِّيرَةِ الْجَمِيلَة ، وَحِيَاطَته لِلرَّعِيَّةِ ، وَعُمُوم نَفْعه إِيَّاهُمْ ، وَشَفَقَته عَلَيْهِمْ ، وَإِنْقَاذه إِيَّاهُمْ مِنْ تِلْكَ السِّنِينَ . وَاَللَّه أَعْلَم .
قَالَ الْعُلَمَاء : لَمَّا سُئِلَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيُّ النَّاس أَكْرَم ؟ أَخْبَرَ بِأَكْمَل الْكَرَم وَأَعَمّه ، فَقَالَ : أَتْقَاهُمْ لِلَّهِ . وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ أَصْل الْكَرَم كَثْرَة الْخَيْر ، وَمَنْ كَانَ مُتَّقِيًا كَانَ كَثِير الْخَيْر وَكَثِير الْفَائِدَة فِي الدُّنْيَا ، وَصَاحِب الدَّرَجَات الْعُلَا فِي الْآخِرَة . فَلَمَّا قَالُوا : لَيْسَ عَنْ هَذَا نَسْأَلُك قَالَ : يُوسُف الَّذِي جَمَعَ خَيْرَات الْآخِرَة وَالدُّنْيَا وَشَرَفهمَا . فَلَمَّا قَالُوا : لَيْسَ عَنْ هَذَا نَسْأَلُ ، فَهِمَ عَنْهُمْ أَنَّ مُرَادهمْ قَبَائِل الْعَرَب قَالَ : " خِيَارُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّة خِيَارُهُمْ فِي الْإِسْلَام إِذَا فَقُهُوا " وَمَعْنَاهُ أَنَّ أَصْحَاب الْمُرُوءَات وَمَكَارِم الْأَخْلَاق فِي الْجَاهِلِيَّة إِذَا أَسْلَمُوا أَوْ فَقُهُوا فَهُمْ خِيَار النَّاس . قَالَ الْقَاضِي : وَقَدْ تَضَمَّنَ الْحَدِيث فِي الْأَجْوِبَة الثَّلَاثَة أَنَّ الْكَرَم كُلّه عُمُومه وَخُصُوصه وَمُجْمَله وَمُبَانه . إِنَّمَا هُوَ الدِّين مِنْ التَّقْوَى وَالنُّبُوَّة وَالْإِغْرَاق فِيهَا وَالْإِسْلَام مَعَ الْفِقْه ، وَمَعْنَى مَعَادِن الْعَرَب أُصُولهَا وَفَقُهُوا بِضَمِّ الْقَاف عَلَى الْمَشْهُور ، وَحُكِيَ كَسْرُهَا أَيْ صَارُوا فُقَهَاء عَالَمِينَ بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّة الْفِقْهِيَّة وَاللَّهُ أَعْلَمُ .


4384 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( كَانَ زَكَرِيَّاء نَجَّارًا )
فِيهِ جَوَاز الصَّنَائِع ، وَأَنَّ النِّجَارَة لَا تُسْقِط الْمُرُوءَة ، وَأَنَّهَا صَنْعَة فَاضِلَة . وَفِيهِ فَضِيلَة لِزَكَرِيَّاء صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَإِنَّهُ كَانَ صَانِعًا يَأْكُل مِنْ كَسْبه ، وَقَدْ ثَبَتَ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَفْضَل مَا أَكَلَ الرَّجُل مِنْ كَسْبه " وَإِنَّ نَبِيّ اللَّه دَاوُدَ كَانَ يَأْكُل مِنْ عَمَل يَده " وَفِي زَكَرِيَّاء خَمْس لُغَات : الْمَدّ وَالْقَصْر ، وَزَكَرِيّ بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيف ، وَزَكَر كَعَلَمِ .


جُمْهُور الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّهُ حَيٌّ مَوْجُودٌ بَيْن أَظْهُرِنَا ، وَذَلِكَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ عِنْد الصُّوفِيَّةِ ، وَأَهْل الصَّلَاح وَالْمَعْرِفَة ، وَحِكَايَاتهمْ فِي رُؤْيَته وَالِاجْتِمَاع بِهِ وَالْأَخْذ عَنْهُ وَسُؤَاله وَجَوَابه وَوُجُوده فِي الْمَوَاضِع الشَّرِيفَة وَمَوَاطِن الْخَيْر أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُحْصَرَ ، وَأَشْهَر مِنْ أَنْ يُسْتَرَ . قَالَ الشَّيْخ أَبُو عَمْرو بْن الصَّلَاح هُوَ حَيٌّ عِنْد جَمَاهِير الْعُلَمَاء وَالصَّالِحِينَ . وَالْعَامَّة مَعَهُمْ فِي ذَلِكَ . قَالَ : وَإِنَّمَا شَذَّ بِإِنْكَارِهِ بَعْض الْمُحَدِّثِينَ قَالَ الْحِبْرِيّ الْمُفَسِّرُ وَأَبُو عَمْرو : هُوَ نَبِيٌّ . وَاخْتَلَفُوا فِي كَوْنِهِ مُرْسَلًا . وَقَالَ الْقُشَيْرِيُّ وَكَثِيرُونَ : هُوَ وَلِيٌّ وَحَكَى الْمَاوَرْدِيّ فِي تَفْسِيره ثَلَاثَة أَقْوَال : أَحَدهَا نَبِيّ ، وَالثَّانِي وَلِيّ ، وَالثَّالِثُ أَنَّهُ مِنْ الْمَلَائِكَة وَهَذَا غَرِيب بَاطِل . قَالَ الْمَازِرِيّ : اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي الْخَضِر هَلْ هُوَ نَبِيّ أَوْ وَلِيّ ؟ قَالَ : وَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ بِنُبُوَّتِهِ بِقَوْلِهِ : { وَمَا فَعَلْته عَنْ أَمْرِي } فَدَلَّ عَلَى إِنَّهُ نَبِيّ أُوحِيَ إِلَيْهِ ، وَبِأَنَّهُ أَعْلَم مِنْ مُوسَى ، وَيَبْعُد أَنْ يَكُون وَلِيّ أَعْلَم مِنْ نَبِيٍّ . وَأَجَابَ الْآخَرُونَ بِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَدْ أَوْحَى اللَّه إِلَى نَبِيٍّ فِي ذَلِكَ الْعَصْر أَنْ يَأْمُرَ الْخَضِرَ بِذَلِكَ . وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ الْمُفَسِّر : الْخَضِر نَبِيّ مُعَمَّر عَلَى جَمِيع الْأَقْوَال ، مَحْجُوب عَنْ الْأَبْصَار ، يَعْنِي عَنْ أَبْصَار أَكْثَر النَّاس . قَالَ : وَقِيلَ : إِنَّهُ لَا يَمُوتُ إِلَّا فِي آخِر الزَّمَان حِين يُرْفَعُ الْقُرْآن ، وَذَكَرَ الثَّعْلَبِيّ ثَلَاثَة أَقْوَال فِي أَنَّ الْخَضِر كَانَ مِنْ زَمَن إِبْرَاهِيم الْخَلِيل صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمْ بَعْدَهُ بِقَلِيلٍ أَمْ بِكَثِيرٍ . كُنْيَة الْخَضِر أَبُو الْعَبَّاس ، وَاسْمه ( بَلْيَا ) بِمُوَحَّدَةٍ مَفْتُوحَة ثُمَّ لَام سَاكِنَة ثُمَّ مُثَنَّاة تَحْتُ ، اِبْن ( مَلْكَان ) بِفَتْحِ الْمِيم وَإِسْكَان اللَّام ، وَقِيلَ : ( كَلْيَان ) . قَالَ اِبْن قُتَيْبَة فِي الْمَعَارِف : قَالَ وَهْب بْن مَنْبَه : اِسْم الْخَضِر ( بَلْيَا بْن مَلْكَان بْن فَالِغ بْن عَابِر بْن شالخ بْن أرفخشد بْن سَام بْن نُوح ) . قَالُوا : وَكَانَ أَبُوهُ مِنْ الْمُلُوك . وَاخْتَلَفُوا فِي لَقَبه الْخَضِر ، فَقَالَ الْأَكْثَرُونَ : لِأَنَّهُ جَلَسَ عَلَى فَرْوَة بَيْضَاء ، فَصَارَتْ خَضْرَاء ، وَالْفَرْوَة وَجْه الْأَرْض . وَقِيلَ : لِأَنَّهُ كَانَ إِذَا صَلَّى اِخْضَرَّ مَا حَوْله وَالصَّوَاب الْأَوَّل ، فَقَدْ صَحَّ فِي الْبُخَارِيّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " إِنَّمَا سُمِّيَ الْخَضِر لِأَنَّهُ جَلَسَ عَلَى فَرْوَة فَإِذَا هِيَ تَهْتَزُّ مِنْ خَلْفِهِ خَضْرَاء " وَبَسَطْت أَحْوَاله فِي تَهْذِيب الْأَسْمَاء وَاللُّغَات وَاللَّهُ أَعْلَمُ .


4385 - قَوْله : ( إِنَّ نَوْفًا الْبِكَالِيّ )
هَكَذَا ضَبَطَهُ الْجُمْهُور بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَة وَتَخْفِيف الْكَاف ، وَرَوَاهُ بَعْضهمْ بِفَتْحِهَا وَتَشْدِيد الْكَاف . قَالَ الْقَاضِي : هَذَا الثَّانِي هُوَ ضَبْط أَكْثَر الشُّيُوخ وَأَصْحَاب الْحَدِيث . قَالَ : وَالصَّوَاب الْأَوَّل ، وَهُوَ قَوْل الْمُحَقِّقِينَ ، وَهُوَ مَنْسُوب إِلَى بَنِي بِكَالٍ بَطْن مِنْ حِمْيَر ، وَقِيلَ : مِنْ هَمْدَانَ . وَنَوْف هَذَا هُوَ اِبْن فَضَالَة ، كَذَا قَالَهُ اِبْن دُرَيْد وَغَيْره ، وَهُوَ اِبْن اِمْرَأَة كَعْب الْأَحْبَار ، وَقِيلَ : اِبْن أَخِيهِ ، وَالْمَشْهُور الْأَوَّل ، قَالَهُ اِبْن أَبِي حَاتِم وَغَيْره . قَالُوا : وَكُنْيَته أَبُو يَزِيد ، وَقِيلَ : أَوْ رُشْد ، وَكَانَ عَالِمًا حَكِيمًا قَاضِيًا وَإِمَامًا لِأَهْلِ دِمَشْق .
قَوْله : ( كَذَبَ عَدُوّ اللَّه )
قَالَ الْعُلَمَاء : هُوَ عَلَى وَجْه الْإِغْلَاظ وَالزَّجْر عَنْ مِثْل قَوْله ، لَا أَنَّهُ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ عَدُوّ اللَّه حَقِيقَة ، إِنَّمَا قَالَهُ مُبَالَغَة فِي إِنْكَار قَوْله لِمُخَالَفَتِهِ قَوْل رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي حَال غَضَب اِبْن عَبَّاس لِشِدَّةِ إِنْكَاره ، وَحَال الْغَضَب تُطْلَق الْأَلْفَاظ وَلَا تُرَادُ بِهَا حَقَائِقهَا . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
قَوْله : ( أَنَا أَعْلَم )
أَيْ فِي اِعْتِقَاده ، وَإِلَّا فَكَانَ الْخَضِر أَعْلَم مِنْهُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْحَدِيث
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَعَتَبَ اللَّه عَلَيْهِ إِذْ لَمْ يَرُدَّ الْعِلْم إِلَيْهِ )
أَيْ كَانَ حَقُّهُ أَنْ يَقُولَ : اللَّه أَعْلَم ، فَإِنَّ مَخْلُوقَاتِ اللَّه تَعَالَى لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ . قَالَ اللَّه تَعَالَى : { وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّك إِلَّا هُوَ } وَاسْتَدَلَّ الْعُلَمَاء بِسُؤَالِ مُوسَى السَّبِيل إِلَى لِقَاء الْخَضِر صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى اِسْتِحْبَاب الرِّحْلَة فِي طَلَب الْعِلْم ، وَاسْتِحْبَاب الِاسْتِكْثَار مِنْهُ ، وَأَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلْعَالِمِ وَإِنْ كَانَ مِنْ الْعِلْم بِمَحَلٍّ عَظِيم أَنْ يَأْخُذَهُ مِمَّنْ هُوَ أَعْلَم مِنْهُ ، وَيَسْعَى إِلَيْهِ فِي تَحْصِيلِهِ ، وَفِيهِ فَضِيلَةُ طَلَب الْعِلْم وَفِي تَزَوُّدِهِ الْحُوت وَغَيْره جَوَاز التَّزَوُّد فِي السَّفَر . وَفِي هَذَا الْحَدِيث الْأَدَب مَعَ الْعَالِم ، وَحُرْمَة الْمَشَايِخ ، وَتَرْك الِاعْتِرَاض عَلَيْهِمْ ، وَتَأْوِيل مَا لَا يُفْهَم ظَاهِره مِنْ أَفْعَالهمْ وَحَرَكَاتهمْ وَأَقْوَالهمْ ، وَالْوَفَاء بِعُهُودِهِمْ ، وَالِاعْتِذَار عِنْد مُخَالَفَة عَهْدهمْ . وَفِيهِ إِثْبَات كَرَامَات الْأَوْلِيَاء عَلَى قَوْل مَنْ يَقُول : الْخَضِر وَلِيّ . وَفِيهِ جَوَاز سُؤَال الطَّعَام عِنْد الْحَاجَة ، وَجَوَاز إِجَارَة السَّفِينَة ، وَجَوَاز رُكُوب السَّفِينَة وَالدَّابَّة وَسُكْنَى الدَّار وَلُبْس الثَّوْب وَنَحْو ذَلِكَ بِغَيْرِ أُجْرَة بِرِضَى صَاحِبه وَقَوْله : ( حَمَلُونَا بِغَيْرِ نَوْل ) . وَفِيهِ الْحُكْمُ بِالظَّاهِرِ حَتَّى يَتَبَيَّن خِلَافه لِإِنْكَارِ مُوسَى . قَالَ الْقَاضِي : وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي قَوْل مُوسَى : " لَقَدْ جِئْت شَيْئًا إِمْرًا " وَ " شَيْئًا نُكْرًا " أَيُّهُمَا أَشَدُّ ؟ فَقِيلَ : إِمْرًا لِأَنَّهُ الْعَظِيم ، وَلِأَنَّهُ فِي مُقَابَلَة خَرْق السَّفِينَة الَّذِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ فِي الْعَادَة هَلَاك الَّذِي فِيهَا وَأَمْوَالهمْ ، وَهُوَ أَعْظَم مِنْ قَتْل الْغُلَام ، فَإِنَّهَا نَفْسُ وَاحِدٍ . وَقِيلَ : نُكْرًا أَشَدّ لِأَنَّهُ مَا قَالَهُ عِنْد مُبَاشَرَة الْقَتْل حَقِيقَة ، وَأَمَّا الْقَتْل فِي خَرْق السَّفِينَة فَمَظْنُون ، وَقَدْ يَسْلَمُونَ فِي الْعَادَة ، وَقَدْ سَلِمُوا فِي هَذِهِ الْقَضِيَّة ، وَلَيْسَ فِيهِ مَا هُوَ مُحَقَّق إِلَّا مُجَرَّد الْخَرْق وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
قَوْله تَعَالَى : ( إِنَّ عَبْدًا مِنْ عِبَادِي بِمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ هُوَ أَعْلَم مِنْك )
قَالَ قَتَادَةُ : هُوَ مَجْمَع بَحْرَيْ فَارِس وَالرُّوم مِمَّا يَلِي الْمَشْرِق ، وَحَكَى الثَّعْلَبِيّ عَنْ أُبَيّ بْن كَعْب أَنَّهُ بَأَفْرِيقِيَّة .
قَوْله : ( اِحْمِلْ حُوتًا فِي مِكْتَل فَحَيْثُ تَفْقِد الْحُوت فَهُوَ ثَمَّ )
الْحُوت السَّمَكَة ، وَكَانَتْ سَمَكَة مَالِحَة كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الرِّوَايَة الثَّانِيَة ، وَالْمِكْتَل بِكَسْرِ الْمِيم وَفَتْح الْمُثَنَّاة فَوْقُ ، وَهُوَ الْقُفَّة وَالزَّبِيل ، وَسَبَقَ بَيَانه مَرَّات . وَتَفْقِدُهُ بِكَسْرِ الْقَاف أَيْ يَذْهَبُ مِنْك ، يُقَالُ : فَقَدَهُ وَافْتَقَدَهُ . وَثَمَّ بِفَتْحِ الثَّاء أَيْ هُنَاكَ
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَانْطَلَقَ مَعَهُ فَتَاهُ )
وَهُوَ يُوشَع بْن نُون مَعْنَى فَتَاهُ صَاحِبه ، وَنُون مَصْرُوف كَنُوحٍ ، وَهَذَا الْحَدِيث يَرُدُّ قَوْل مَنْ قَالَ مِنْ الْمُفَسِّرِينَ إِنَّ فَتَاهُ عَبْدٌ لَهُ وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ الْأَقْوَال الْبَاطِلَة . قَالُوا . وَهُوَ يُوشَع بْن نُون بْن إفراثيم بْن يُوسُف صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَأَمْسَكَ اللَّه عَنْهُ جِرْيَة الْمَاء حَتَّى كَانَ مِثْل الطَّاق )
أَمَّا ( الْجِرْيَة ) فَبِكَسْرِ الْجِيم . وَالطَّاق عَقْد الْبِنَاء ، وَجَمْعه طِيقَان وَأَطْوَاق ، وَهُوَ الْأَزَجِ ، وَمَا عُقِدَ أَعْلَاهُ مِنْ الْبِنَاء وَبَقِيَ مَا تَحْته خَالِيًا .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَانْطَلَقَا بَقِيَّة يَوْمهمَا وَلَيْلَتهمَا )
ضَبَطُوهُ بِنَصْبِ لَيْلَتهمَا وَجَرِّهَا . وَالنَّصَب التَّعَب . قَالُوا : لَحِقَهُ النَّصَب وَالْجُوع لِيَطْلُبَ الْغِذَاء ، فَيَتَذَكَّر بِهِ نِسْيَان الْحُوت ، وَلِهَذَا قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَلَمْ يَنْصَبْ حَتَّى جَاوَزَ الْمَكَان الَّذِي أُمِرَ بِهِ " .
قَوْله : ( وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا )
قِيلَ : إِنَّ لَفْظَة عَجَبًا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مِنْ تَمَامِ كَلَام يُوشَع ، وَقِيلَ : مِنْ كَلَام مُوسَى ، أَيْ قَالَ مُوسَى : عَجِبْت مِنْ هَذَا عَجَبًا ، وَقِيلَ : مِنْ كَلَام اللَّه تَعَالَى ، وَمَعْنَاهُ اتَّخَذَ مُوسَى سَبِيل الْحُوت فِي الْبَحْر عَجَبًا .
قَوْله ( مَا كُنَّا نَبْغِي )
أَيْ نَطْلُبُ ، مَعْنَاهُ أَنَّ الَّذِي جِئْنَا نَطْلُبُهُ هُوَ الْمَوْضِعُ الَّذِي نَفْقِدُ فِيهِ الْحُوت .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَرَأَى رَجُلًا مُسَجًّى عَلَيْهِ بِثَوْبٍ ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ ، فَقَالَ لَهُ الْخَضِر : أَنَّى بِأَرْضِك السَّلَام ؟ )
الْمُسَجَّى الْمُغَطَّى . وَأَنَّى أَيْ مِنْ أَيْنَ السَّلَام فِي هَذِهِ الْأَرْض الَّتِي لَا يُعْرَف فِيهَا السَّلَام ؟ قَالَ الْعُلَمَاء : ( أَنَّى ) تَأْتِي بِمَعْنَى أَيْنَ ، وَمَتَى ، وَحَيْثُ ، وَكَيْف .
( وَحَمَلُوهُمَا بِغَيْرِ نَوْل )
بِفَتْحِ النُّون وَإِسْكَان الْوَاو أَيْ بِغَيْرِ أَجْر وَالنَّوْل ، وَالنَّوَال الْعَطَاء .
قَوْله : ( لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا )
قُرِئَ فِي السَّبْع بِضَمِّ التَّاء الْمُثَنَّاة فَوْقُ وَنَصْب أَهْلهَا ، وَبِفَتْحِ الْمُثَنَّاة تَحْتُ وَرَفْع أَهْلهَا
( لَقَدْ جِئْت شَيْئًا إِمْرًا )
أَيْ عَظِيمًا كَثِير الشِّدَّة
( وَلَا تُرْهِقْنِي )
أَيْ تَغْشَنِي وَتُحَمِّلنِي .
قَوْله : ( أَقَتَلْت نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْت شَيْئًا نُكْرًا )
قُرِئَ فِي السَّبْع ( زَاكِيَة ) وَ ( زَكِيَّة ) قَالُوا : وَمَعْنَاهُ طَاهِرَة مِنْ الذُّنُوب . وَقَوْله : ( بِغَيْرِ نَفْسٍ ) أَيْ بِغَيْرِ قِصَاصٍ لَك عَلَيْهَا . وَالنُّكْر الْمُنْكَر . وَقُرِئَ فِي السَّبْع بِإِسْكَانِ الْكَاف وَضَمّهَا ، وَالْأَكْثَرُونَ بِالْإِسْكَانِ . قَالَ الْعُلَمَاء : وَقَوْله : إِذَا غُلَام يَلْعَب فَقَتَلَهُ دَلِيل عَلَى أَنَّهُ كَانَ صَبِيًّا لَيْسَ بِبَالِغٍ ؛ لِأَنَّهُ حَقِيقَة الْغُلَام ، وَهَذَا قَوْل الْجُمْهُور أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَالِغًا . وَزَعَمَتْ طَائِفَة أَنَّهُ كَانَ بَالِغًا يَعْمَل بِالْفَسَادِ ، وَاحْتَجَّتْ بِقَوْلِهِ : ( أَقَتَلْت نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ ؟ ) فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ مِمَّنْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْقِصَاص ، وَالصَّبِيّ لَا قِصَاص عَلَيْهِ ، وَبِقَوْلِهِ : ( كَانَ كَافِرًا ) فِي قِرَاءَة اِبْن عَبَّاس كَمَا ذَكَرَ فِي آخِر الْحَدِيث ، وَالْجَوَاب عَنْ الْأَوَّل مِنْ وَجْهَيْنِ . أَحَدهمَا أَنَّ الْمُرَاد التَّنَبُّه عَلَى أَنَّهُ قَتَلَ بِغَيْرِ حَقّ ، وَالثَّانِي أَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنَّ شَرْعهمْ كَانَ إِيجَاب الْقِصَاص عَلَى الصَّبِيّ ، كَمَا أَنَّهُ فِي شَرْعِنَا يُؤَاخَذُ بِغَرَامَةِ الْمُتْلَفَات . وَالْجَوَاب عَنْ الثَّانِي مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدهمَا أَنَّهُ شَاذّ لَا حُجَّة فِيهِ ، وَالثَّانِي أَنَّهُ سَمَّاهُ بِمَا يَؤُول إِلَيْهِ لَوْ عَاشَ كَمَا جَاءَ فِي الرِّوَايَة الثَّانِيَة .
قَوْله ( قَدْ بَلَغْت مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا )
فِيهِ ثَلَاث قَرَاآت فِي السَّبْع : الْأَكْثَرُونَ بِضَمِّ الدَّال وَتَشْدِيد النُّون ، وَالثَّانِيَة بِالضَّمِّ وَتَخْفِيف النُّون ، وَالثَّالِثَة بِإِسْكَانِ الدَّال وَإِشْمَامهَا الضَّمّ وَتَخْفِيف النُّون ، وَمَعْنَاهُ قَدْ بَلَغْت إِلَى الْغَايَة الَّتِي تُعْذَر بِسَبَبِهَا فِي فِرَاقِي .
قَوْله تَعَالَى : ( فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ )
قَالَ الثَّعْلَبِيّ : قَالَ اِبْن عَبَّاس : هِيَ أَنْطَاكِيَّة ، وَقَالَ اِبْن سِيرِينَ : الْأَيْلَة ، وَهِيَ أَبْعَد الْأَرْض مِنْ السَّمَاء .
قَوْله تَعَالَى : ( فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ )
هَذَا مِنْ الْمَجَاز لِأَنَّ الْجِدَار لَا يَكُونُ لَهُ حَقِيقَة إِرَادَة ، وَمَعْنَاهُ قَرُبَ مِنْ الِانْقِضَاض ، وَهُوَ السُّقُوط . وَاسْتَدَلَّ الْأُصُولِيُّونَ بِهَذَا عَلَى وُجُود الْمَجَاز فِي الْقُرْآن ، وَلَهُ نَظَائِر مَعْرُوفَة . قَالَ وَهْب بْن مَنْبَه : كَانَ طُول هَذَا الْجِدَار إِلَى السَّمَاء مِائَة ذِرَاع .
قَوْله : ( لَوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا )
قُرِئَ بِالسَّبْعِ ( لَتَخِذْت ) بِتَخْفِيفِ التَّاء وَكَسْر الْخَاء ، ( وَلَاتَّخَذْت ) بِالتَّشْدِيدِ وَفَتْح الْخَاء أَيْ لَأَخَذْت عَلَيْهِ أُجْرَة تَأْكُلُ بِهَا .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَجَاءَ عُصْفُور حَتَّى وَقَعَ عَلَى حَرْف السَّفِينَة ثُمَّ نَقَرَ فِي الْبَحْر فَقَالَ لَهُ الْخَضِر : مَا نَقَصَ عِلْمِي وَعِلْمك مِنْ عِلْم اللَّه تَعَالَى إِلَّا مِثْل مَا نَقَصَ هَذَا الْعُصْفُور مِنْ الْبَحْر )
قَالَ الْعُلَمَاء : لَفْظ ( النَّقْص ) هُنَا لَيْسَ عَلَى ظَاهِره ، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ أَنَّ عِلْمِي وَعِلْمك بِالنِّسْبَةِ إِلَى عِلْم اللَّه تَعَالَى كَنِسْبَةِ مَا نَقَرَهُ هَذَا الْعُصْفُور إِلَى مَاء الْبَحْر ، هَذَا عَلَى التَّقْرِيب إِلَى الْأَفْهَام ، وَإِلَّا فَنِسْبَة عِلْمهمَا أَقَلّ وَأَحْقَر . وَقَدْ جَاءَ فِي رِوَايَة الْبُخَارِيّ " مَا عِلْمِي وَعِلْمك فِي جَنْب عِلْم اللَّه إِلَّا كَمَا أَخَذَ هَذَا الْعُصْفُور بِمِنْقَارِهِ " أَيْ فِي جَنْب مَعْلُوم اللَّه . وَقَدْ يُطْلَق الْعِلْم بِمَعْنَى الْمَعْلُوم ، وَهُوَ مِنْ إِطْلَاق الْمَصْدَر لِإِرَادَةِ الْمَفْعُول كَقَوْلِهِمْ : رَغْم ضَرْب السُّلْطَان أَيْ مَضْرُوبه . قَالَ الْقَاضِي : وَقَالَ بَعْض مَنْ أَشْكَلَ عَلَيْهِ هَذَا الْحَدِيث : ( إِلَّا ) هُنَا بِمَعْنَى ( وَلَا ) أَيْ وَلَا نَقَصَ عِلْمِي . وَعِلْمك مِنْ عِلْم اللَّه وَلَا مِثْل مَا أَخْذ هَذَا الْعُصْفُور ، لِأَنَّ عِلْم اللَّه تَعَالَى لَا يَدْخُلُهُ نَقْص . قَالَ الْقَاضِي : وَلَا حَاجَة إِلَى هَذَا التَّكَلُّف ، بَلْ هُوَ صَحِيح كَمَا بَيَّنَّا . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .


4386 - قَوْله : ( كَذَبَ نَوْفٌ )
هُوَ جَارٍ عَلَى مَذْهَب أَصْحَابنَا أَنَّ الْكَذِب هُوَ الْإِخْبَار عَنْ الشَّيْء خِلَاف مَا هُوَ عَمْدًا كَانَ أَوْ سَهْوًا ، خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ ، وَسَبَقَتْ الْمَسْأَلَة فِي كِتَاب الْإِيمَان .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( حَتَّى اِنْتَهَيَا إِلَى الصَّخْرَة فَعُمِّيَ عَلَيْهِ )
وَقَعَ فِي بَعْض الْأُصُول بِفَتْحِ الْعَيْن الْمُهْمَلَة وَكَسْر الْمِيم ، وَفِي بَعْضهَا بِضَمِّ الْعَيْن وَتَشْدِيد الْمِيم ، وَفِي بَعْضهَا بَالِغَيْنِ الْمُعْجَمَة .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مِثْل الْكَوَّة )
بِفَتْحِ الْكَاف ، وَيُقَال : بِضَمِّهَا وَهِيَ الطَّاق كَمَا قَالَ فِي الرِّوَايَة الْأُولَى .
قَوْله : ( مُسْتَلْقِيًا عَلَى حُلَاوَة الْقَفَا )
هِيَ وَسَط الْقَفَا ، وَمَعْنَاهُ لَمْ يَمِلْ إِلَى أَحَد جَانِبَيْهِ ، وَهِيَ بِضَمِّ الْحَاء وَفَتْحهَا وَكَسْرهَا ، أَفْصَحهَا الضَّمّ ، وَمِمَّنْ حَكَى الْكَسْر صَاحِب نِهَايَة الْغَرِيب ، وَيُقَالُ أَيْضًا ( حَلَاوَة ) بِالْفَتْحِ ، ( وَحُلَاوَى ) بِالضَّمِّ وَالْقَصْر ، ( وَحَلْوَاء ) بِالْمَدِّ .
قَوْله : ( مَجِيء مَا جَاءَ بِك )
قَالَ الْقَاضِي : ضَبَطْنَاهُ مَجِيء مَرْفُوع غَيْر مَنُون عَنْ بَعْضهمْ ، وَعَنْ بَعْضهمْ مَنُونًا . قَالَ : وَهُوَ أَظْهَر ، أَيُّ أَمْرٍ عَظِيم جَاءَ بِك .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( اِنْتَحَى عَلَيْهَا )
أَيْ اِعْتَمَدَ عَلَى السَّفِينَة ، وَقَصَدَ خَرْقَهَا . وَاسْتَدَلَّ بِهِ الْعُلَمَاء عَلَى النَّظَر فِي الْمَصَالِح عِنْد تَعَارُض الْأُمُور ، وَأَنَّهُ إِذَا تَعَارَضَتْ مَفْسَدَتَانِ دُفِعَ أَعْظَمُهُمَا بِارْتِكَابِ أَخَفِّهِمَا ، كَمَا خَرَقَ السَّفِينَة لِدَفْعِ غَصْبِهَا وَذَهَاب جُمْلَتهَا .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَانْطَلَقَ إِلَى أَحَدهمْ بَادِيَ الرَّأْي فَقَتَلَهُ )
بَادِئ بِالْهَمْزِ وَتَرْكه . فَمَنْ هَمَزَهُ مَعْنَاهُ أَوَّل الرَّأْي وَابْتِدَاؤُهُ أَيْ اِنْطَلَقَ إِلَيْهِ مُسَارِعًا إِلَى قَتْله مِنْ غَيْر فِكْر . وَمَنْ لَمْ يَهْمِز فَمَعْنَاهُ ظَهَرَ لَهُ رَأْيٌ فِي قَتْله مِنْ الْبَدْء ، وَهُوَ ظُهُور رَأْي لَمْ يَكُنْ . قَالَ الْقَاضِي وَيُمَدُّ الْبَدْء وَيُقْصَرُ .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( رَحْمَة اللَّه عَلَيْنَا وَعَلَى مُوسَى قَالَ : وَكَانَ إِذَا ذَكَرَ أَحَدًا مِنْ الْأَنْبِيَاء بَدَأَ بِنَفْسِهِ " رَحْمَة اللَّه عَلَيْنَا وَعَلَى أَخِي كَذَا رَحْمَة اللَّه عَلَيْنَا )
قَالَ أَصْحَابنَا : فِيهِ اِسْتِحْبَاب اِبْتِدَاء الْإِنْسَان بِنَفْسِهِ فِي الدُّعَاء وَشِبْهه مِنْ أُمُور الْأَخِرَة ، وَأَمَّا حُظُوظ الدُّنْيَا فَالْأَدَب فِيهَا الْإِيثَار وَتَقْدِيم غَيْره عَلَى نَفْسه .
وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي الِابْتِدَاء فِي عِنْوَان الْكِتَاب ، فَالصَّحِيح الَّذِي قَالَهُ كَثِيرُونَ مِنْ السَّلَف وَجَاءَ بِهِ الصَّحِيح أَنَّهُ يَبْدَأ بِنَفْسِهِ ، فَيُقَدِّمُهَا عَلَى الْمَكْتُوب إِلَيْهِ ، فَيُقَالُ : مِنْ فُلَان إِلَى فُلَان ، وَمِنْهُ حَدِيث كِتَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مِنْ مُحَمَّد عَبْد اللَّه وَرَسُوله إِلَى هِرَقْل عَظِيم الرُّوم " وَقَالَتْ طَائِفَة : يَبْدَأُ بِالْمَكْتُوبِ إِلَيْهِ ، فَيَقُول : إِلَى فُلَان مِنْ فُلَان قَالُوا : إِلَّا أَنْ يَكْتُبَ الْأَمِيرُ إِلَى مَنْ دُونه ، أَوْ السَّيِّد إِلَى عَبْده ، أَوْ الْوَالِد إِلَى وَلَده وَنَحْو هَذَا .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَكِنْ أَخَذْته مِنْ صَاحِبه ذَمَامَة )
هِيَ بِفَتْحِ الذَّال الْمُعْجَمَة أَيْ اِسْتِحْيَاءً لِتَكْرَارِ مُخَالَفَته ، وَقِيلَ : مَلَامَة ، وَالْأَوَّل هُوَ الْمَشْهُور .
قَوْله : ( وَأَمَّا الْغُلَام فَطُبِعَ يَوْم طُبِعَ كَافِرًا )
قَالَ الْقَاضِي : فِي هَذَا حُجَّة بَيِّنَة لِأَهْلِ السُّنَّة لِصِحَّةِ أَصْل مَذْهَبهمْ فِي الطَّبْع وَالرَّيْن وَالْأَكِنَّة وَالْأَغْشِيَة وَالْحُجُب وَالسَّدّ ، وَأَشْبَاه هَذِهِ الْأَلْفَاظ الْوَارِدَة فِي الشَّرْع فِي أَفْعَال اللَّه تَعَالَى بِقُلُوبِ أَهْل الْكُفْر وَالضَّلَال ، وَمَعْنَى ذَلِكَ عِنْدهمْ خَلَقَ اللَّه تَعَالَى فِيهَا ضِدّ الْإِيمَان ، وَضِدّ الْهُدَى ، وَهَذَا عَلَى أَصْل أَهْل السُّنَّة أَنَّ الْعَبْد لَا قُدْرَةَ لَهُ إِلَّا مَا أَرَادَهُ اللَّه تَعَالَى ، وَيَسَّرَهُ لَهُ ، وَخَلَقَهُ لَهُ ، خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ وَالْقَدَرِيَّة الْقَائِلِينَ بِأَنَّ لِلْعَبْدِ فِعْلًا مِنْ قِبَلِ نَفْسه ، وَقُدْرَة عَلَى الْهُدَى وَالضَّلَال ، وَالْخَيْر وَالشَّرّ ، وَالْإِيمَان وَالْكُفْر ، وَأَنَّ مَعْنَى هَذِهِ الْأَلْفَاظ نِسْبَة اللَّه تَعَالَى لِأَصْحَابِهَا وَحُكْمه عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ ، وَقَالَتْ طَائِفَة مِنْهُمْ : مَعْنَاهَا خَلَقَهُ عَلَامَة لِذَلِكَ فِي قُلُوبهمْ . وَالْحَقّ الَّذِي لَا شَكّ فِيهِ أَنَّ اللَّه تَعَالَى يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ مِنْ الْخَيْر وَالشَّرّ ، لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ ، وَهُمْ يُسْأَلُونَ وَكَمَا قَالَ تَعَالَى فِي الذَّرّ : " هَؤُلَاءِ لِلْجَنَّةِ وَلَا أُبَالِي ، وَهَؤُلَاءِ لِلنَّارِ ، وَلَا أُبَالِي " فَاَلَّذِينَ قَضَى لَهُمْ بِالنَّارِ طَبَعَ عَلَى قُلُوبهمْ ، وَخَتَمَ عَلَيْهَا ، وَغَشَّاهَا ، وَأَكَنَّهَا ، وَجَعَلَ مِنْ بَيْن أَيْدِيهَا سَدًّا ، وَمِنْ خَلْفهَا سَدًّا وَحِجَابًا مَسْتُورًا ، وَجَعَلَ فِي آذَانهمْ وَقْرًا ، وَفِي قُلُوبهمْ مَرَضًا لِتَتِمّ سَابِقَته فِيهِمْ ، وَتَمْضِي كَلِمَته ، لَا رَادّ لِحُكْمِهِ ، وَلَا مُعَقِّب لِأَمْرِهِ وَقَضَائِهِ . وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيق . وَقَدْ يَحْتَجُّ بِهَذَا الْحَدِيث مَنْ يَقُول : أَطْفَال الْكُفَّار فِي النَّار ، وَقَدْ سَبَقَ بَيَان هَذِهِ الْمَسْأَلَة ، وَأَنَّ فِيهِمْ ثَلَاثَة مَذَاهِب : الصَّحِيح أَنَّهُمْ فِي الْجَنَّة ، وَالثَّانِي فِي النَّار ، وَالثَّالِث يَتَوَقَّف عَنْ الْكَلَام فِيهِمْ ، فَلَا يَحْكُم لَهُمْ بِشَيْءٍ ، وَتَقَدَّمَتْ دَلَائِل الْجَمِيع . وَلِلْقَائِلَيْنِ بِالْجَنَّةِ أَنْ يَقُولُوا فِي جَوَاب هَذَا الْحَدِيث مَعْنَاهُ عَلِمَ اللَّه لَوْ بَلَغَ لَكَانَ كَافِرًا .
قَوْله : ( وَكَانَ أَبَوَاهُ قَدْ عَطَفَا عَلَيْهِ فَلَوْ أَدْرَكَ أَرْهَقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا )
أَيْ حَمَلَهُمَا عَلَيْهِمَا ، وَأَلْحَقَهُمَا بِهِمَا . وَالْمُرَاد بِالطُّغْيَانِ هُنَا الزِّيَادَة فِي الضَّلَال . وَهَذَا الْحَدِيث مِنْ دَلَائِل مَذْهَب أَهْل الْحَقّ فِي أَنَّ اللَّه تَعَالَى أَعْلَم بِمَا كَانَ ، وَبِمَا يَكُون ، وَبِمَا لَا يَكُون لَوْ كَانَ كَيْف كَانَ يَكُون . وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى : { وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ } وَقَوْله تَعَالَى { وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْك كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا } الْآيَة وَقَوْله تَعَالَى { وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ } وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ الْآيَات قَوْله تَعَالَى : { خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا } قِيلَ : الْمُرَاد بِالزَّكَاةِ الْإِسْلَام ، وَقِيلَ : الصَّلَاح . وَأَمَّا الرُّحْم فَقِيلَ : مَعْنَاهُ الرَّحْمَة لِوَالِدَيْهِ وَبِرِّهِمَا ، وَقِيلَ : الْمُرَاد يَرْحَمَانِهِ . قِيلَ : أَبْدَلَهُمَا اللَّه بِنْتًا صَالِحَة ، وَقِيلَ : اِبْنًا حَكَاهُ الْقَاضِي .


4388 - قَوْله : ( تَمَارَى هُوَ وَالْحُرّ بْن قَيْس )
أَيْ تَنَازَعَا وَتَجَادَلَا . وَالْحُرّ بِالْحَاءِ وَالرَّاء . وَفِي هَذِهِ الْقِصَّة أَنْوَاع مِنْ الْقَوَاعِد وَالْأُصُول وَالْفُرُوع وَالْآدَاب وَالنَّفَائِس الْمُهِمَّة سَبَقَ التَّنْبِيه عَلَى مُعْظَمهَا ، سِوَى مَا هُوَ ظَاهِر مِنْهَا ، وَمِمَّا لَمْ يَسْبِقْ أَنَّهُ لَا بَأْس عَلَى الْعَالِم وَالْفَاضِل أَنْ يَخْدُمَهُ الْمَفْضُول وَيَقْضِيَ لَهُ حَاجَة ، وَلَا يَكُون هَذَا مِنْ أَخْذ الْعِوَض عَلَى تَعْلِيم الْعِلْم وَالْآدَاب ، بَلْ مِنْ مَرُوءَات الْأَصْحَاب ، وَحُسْن الْعِشْرَة ، وَدَلِيله مِنْ هَذِهِ الْقِصَّة حَمْل فَتَاهُ غَدَاءَهُمَا ، وَحَمْل أَصْحَاب السَّفِينَة مُوسَى وَالْخَضِر بِغَيْرِ أُجْرَة لِمَعْرِفَتِهِمْ الْخَضِر بِالصَّلَاحِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَمِنْهَا الْحَثّ عَلَى التَّوَاضُع فِي عِلْمه وَغَيْره ، وَأَنَّهُ لَا يَدَّعِي أَنَّهُ أَعْلَم النَّاس ، وَأَنَّهُ إِذَا سُئِلَ عَنْ أَعْلَم النَّاس يَقُولُ : اللَّه أَعْلَم . وَمِنْهَا بَيَان أَصْل عَظِيم مِنْ أُصُول الْإِسْلَام ، وَهُوَ وُجُوب التَّسْلِيم لِكُلِّ مَا جَاءَ بِهِ الشَّرْع ، وَإِنْ كَانَ بَعْضه لَا تَظْهَر حِكْمَته لِلْمَعْقُولِ ، وَلَا يَفْهَمُهُ أَكْثَرُ النَّاس ، وَقَدْ لَا يَفْهَمُونَهُ كُلّهمْ كَالْقَدَرِ . مَوْضِع الدَّلَالَة قَتْل الْغُلَام ، وَخَرْق السَّفِينَة ، فَإِنَّ صُورَتهمَا صُورَة الْمُنْكَر ، وَكَانَ صَحِيحًا فِي نَفْس الْأَمْر لَهُ حِكَم بَيِّنَة ، لَكِنَّهَا لَا تَظْهَر لِلْخَلْقِ ، فَإِذَا أَعْلَمَهُمْ اللَّه تَعَالَى بِهَا عَلِمُوهَا ، وَلِهَذَا قَالَ : ( وَمَا فَعَلْته عَنْ أَمْرِي ) يَعْنِي بَلْ بِأَمْرِ اللَّه تَعَالَى .