Contents

الواجهة
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد
مقدمة
باب الألف
باب الثاء
باب الجيم
باب الحاء
باب الخاء
باب الدال
باب الراء
باب الزاي
تابع باب الزاء
تابع لحرف الزاء
تابع لحرف الزاء
باب الطاء
باب الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع حرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
باب النون
باب الصاد
باب الضاد
باب العين
تابع لحرف العين
تابع حرف العين
تابع لحرف العين
تابع لحرف العين
باب القاف
باب السين
باب الشين
باب الهاء
باب الواو
باب الياء
تابع باب الياء
باب الكني
باب بلاغات مالك ومرسلاته
باب مافي هذا الديوان من حديث مالك الذي ثبتت عليه أبوابه خاصة
الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج
الديباج - جزء 1
الديباج - جزء 2
الديباج - جزء 3
الديباج - جزء 4
الديباج - جزء 5
الديباج - جزء 6
المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج
المنهاج - مقدمة
المنهاج - الإيمان
المنهاج - الطهارة
المنهاج - الحيض
المنهاج - الصَّلَاة
المنهاج - المساجد ومواضع الصلاة
المنهاج - صلاة المسافرين وقصرها
المنهاج - بَاب صَلَاة الْجُمُعَة
المنهاج - بَاب صَلَاة الْعِيدَيْنِ
المنهاج - بَاب الدُّعَاء فِي صَلَاة الِاسْتِسْقَاء
المنهاج - بَاب صَلَاة الْكُسُوف
المنهاج - كِتَاب الْجَنَائِز
المنهاج - الزكاة
المنهاج - كِتَاب الصِّيَام
المنهاج - كِتَاب الِاعْتِكَاف
المنهاج - كِتَاب الْحَجّ
المنهاج - كِتَاب النِّكَاح
المنهاج - الرضاعة
المنهاج - الطلاق
المنهاج - اللِّعَان
المنهاج - العتق
المنهاج - البيوع
المنهاج - المساقاة
المنهاج - الفرائض
المنهاج - الهبات
المنهاج - الوصية
المنهاج - النذر
المنهاج - الأيمان
المنهاج - القسامة
المنهاج - الحدود
المنهاج - الأقضية
المنهاج - اللقطة
المنهاج - الجهاد والسير
المنهاج - الإمارة
المنهاج - الصيد والذبائح
المنهاج - كِتَاب الْأَضْاحَي
المنهاج - الأشربة
المنهاج - اللباس والزينة
المنهاج - الآداب
المنهاج - السلام
المنهاج - الألفاظ من الأدب وغيرها
المنهاج - الشعر
المنهاج - الرؤيا
المنهاج - الفضائل
المنهاج - فضائل الصحابة
المنهاج - البر والصلة والآداب
المنهاج - القدر
المنهاج - العلم
المنهاج - الذكر والدعاء
المنهاج - التوبة
المنهاج - صفات المنافقين
المنهاج - صفة القيامة والجنة والنار
المنهاج - الجنة وصفة نعيمها وأهلها
المنهاج - الفتن وأشراط الساعة
المنهاج - الزهد والرقائق
المنهاج - التفسير
تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي
أبواب الطهارة
أبواب الصلاة
تابع أبواب الصلاة
أبواب الوتر
أبواب الجمعة
تابع لأبواب الجمعة
أبواب العيدين
أبواب السفر
ابواب الزكاة
أبواب الصوم
أبواب الحج
تابع أبواب الحج
أبواب الجنائز
أبواب النكاح
أبواب الرضاع
أبواب الطلاق واللعان
ابواب البيوع
أبواب الأحكام
أبواب الديات
ابواب الحدود
تابع أبواب الحدود
أبواب الصيد
أبواب الأضاحي
أبواب النذور والأيمان
أبواب السير
أبواب الجهاد
أبواب اللباس
أبواب الأطعمة
أبواب الأشربة
تابع أبواب الأشربة
أبواب البر و الصله عن رسول الله صلى الله عليه و آله سلم
أبواب الطب عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الفرائض عن الرسول صلى الله عليه و سلم
أبواب الوصايا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الولاء و الهبة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب القدر عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم
أبواب الفتن عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الرؤيا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الشهادات عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
تابع لأبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صِفَةُ القِيامَة
أبواب صفة الجنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صفة جهنم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإيمان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب العلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإستئذان والآداب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب العلم
أبواب الأمثال
أبواب فضائل القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب القراءات عن رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم
أبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الدعوات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أحاديث شتى من أبواب الدعوات
المناقب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
مناقب الصحابة رضوان الله عليهم
تنوير الحوالك شرح موطأ مالك
كتاب وقوت الصلاة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب السهو
كتاب الجمعة
كتاب الصلاة في رمضان
كتاب صلاة الليل
كتاب صلاة الجماعة
كتاب قصر الصلاة في السفر
كتاب العيدين
كتاب صلاة الخوف
كتاب صلاة الكسوف
كتاب الاستسقاء
كتاب القبلة
كتاب القرآن
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب الجهاد
كتاب النذور و الأيمان
كتاب الضحايا
كتاب الذبائح
كتاب الصيد
كتاب العقيقة
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الرضاع
كتاب البيوع
كتاب القراض
كتاب المساقاة - كتاب كراء الأرض
كتاب الشفعة - كتاب الأقضية
كتاب الوصية - كتاب العتق والولاء
كتاب المكاتب - كتاب المدبر
كتاب الحدود
كتاب الأشربة - كتاب العقول
كتاب القسامة - كتاب الجامع
كتاب القدر - كتاب حسن الخلق
كتاب اللباس - كتاب صفة النبي
كتاب العين - كتاب الشعر
كتاب الرؤيا - كتاب السلام
كتاب الاستئذان والتشميت والصور والتماثيل وغيرها
كتاب البيعة - كتاب الكلام والعينة والتقى
كتاب جهنم - كتاب الصدقة
كتاب العلم - كتاب دعوة المظلوم - كتاب أسماء النبي
حاشية السندي على سنن ابن ماجة
المقدمة
الطَّهَارَة وَسُنَنهَا
الصلاة
الْأَذَان
المساجد والجماعات
أَبْوَاب إِقَامَة الصَّلَاة
الجنائز
الصوم
الزكاة
النكاح
الطلاق
الكفارات
التجارات
الأحكام
الحدود
الديات
الوصايا
الْفَرَائِض
الجهاد
المناسك
الْأَضَاحِيّ
الذبائح
الصيد
الأطعمة
الأشربة
الطب
اللباس
الْآدَاب
الدُّعَاء
تعبير الرؤيا
الْفِتَن
الزُّهْد
شرح سنن ابن ماجه لمغلطاي
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح رياض الصالحين
شرح رياض الصالحين - 01
شرح رياض الصالحين - 02
شرح رياض الصالحين - 03
شرح رياض الصالحين - 04
شرح سنن أبي داود للعيني
مقدمة التحقيق
كتاب الطهارة
كِتابُ الصَلاَةِ
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
عون المعبود شرح سنن أبي داود
كتاب الطهارة
تابع كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
كتاب الزكاة
تابع لكتاب الزكاة
كتاب اللقطة
كتاب المناسك
تابع لكتاب المناسك
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الصيام
تابع لكتاب الصيام
أول كتاب الجهاد
أول كتاب الضحايا
تابع كتاب الضحايا
أول كتاب الصيد
أول كتاب الوصايا
أول كتاب الفرائض
أول كتاب الخراج والفيء والإمارة
أول كتاب الجنائز
تابع لكتاب الجنائز
كتاب الأيمان والنذور
كتاب البيوع
كتاب الإجارة
كتاب القضاء
تابع لكتاب القضاء
كتاب العلم
كتاب الأشربة
كتاب الأطعمة
كتاب الطب
كتاب الكهانة والتطير
كتاب العتق
أول كتاب الحروف والقراءات
أول كتاب الحمام
أول كتاب اللباس
أول كتاب الترجل
أول كتاب الخاتم
أول كتاب الفتن والملاحم
أول كتاب المهدي
أول كتاب الملاحم
أول كتاب الحدود
أول كتاب الديات
أول كتاب السنة
تابع لكتاب السنة
أول كتاب الأدب
أبواب السلام
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن حجر
فتح الباري - هدي الساري مقدمة فتح الباري
فتح الباري - كتاب بدء الوحي
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب العلم
فتح الباري - كتاب الوضوء
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
فتح الباري - كتاب مواقيت الصلاة
فتح الباري - كتاب الأذان
فتح الباري - كتاب الجمعة
فتح الباري - كتاب الخوف
فتح الباري - كتاب العيدين
فتح الباري - كتاب الوتر
فتح الباري - كتاب الاستسقاء
فتح الباري - كتاب الكسوف
فتح الباري - كتاب سجود القرآن
فتح الباري - كتاب تقصير الصلاة
فتح الباري - كتاب التهجد
فتح الباري - كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة
فتح الباري - كتاب العمل في الصلاة
فتح الباري - كتاب السهو
فتح الباري - كتاب الجنائز
فتح الباري - كتاب الزكاة
فتح الباري - كتاب الحج
فتح الباري - كتاب العمرة
فتح الباري - كتاب المحصر
فتح الباري - كتاب جزاء الصيد
فتح الباري - كتاب فضائل المدينة
فتح الباري - كتاب الصوم
فتح الباري - كتاب صلاة التراويح
فتح الباري - كتاب فضل ليلة القدر
فتح الباري - كتاب الإعتكاف
فتح الباري - كتاب البيوع
فتح الباري - كتاب السلم
فتح الباري - كتاب الشفعة
فتح الباري - كتاب الإجارة
فتح الباري - كتاب الحرث والمزارعة
فتح الباري - كتاب المساقاة
فتح الباري - كتاب الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس
فتح الباري - كتاب الخصومات
فتح الباري - كتاب اللقطة
فتح الباري - كتاب المظالم
فتح الباري - كتاب الشركة
فتح الباري - كتاب الرهن
فتح الباري - كتاب العتق
فتح الباري - كتاب المكاتب
فتح الباري - كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها
فتح الباري - كتاب الشهادات
فتح الباري - كتاب الصلح
فتح الباري - كتاب الشروط
فتح الباري - كتاب الوصايا
فتح الباري - كتاب الجهاد و السير
فتح الباري - كتاب فرض الخمس
فتح الباري - كتاب الجزية و الموادعة
فتح الباري - كتاب بدء الخلق
فتح الباري - كتاب أحاديث الأنبياء
فتح الباري - كتاب المناقب
فتح الباري - كتاب فضائل الصحابة
فتح الباري - كتاب مناقب الأنصار
فتح الباري - كتاب المغازي
فتح الباري - كتاب التفسير
فتح الباري - كتاب فضائل القرآن
فتح الباري - كتاب النكاح
فتح الباري - كتاب الطلاق
فتح الباري - كتاب النفقات
فتح الباري - كتاب الأطعمة
فتح الباري - كتاب العقيقة
فتح الباري - كتاب الذبائح والصيد
فتح الباري - كتاب الأضاحي
فتح الباري - كتاب الأشربة
فتح الباري - كتاب المرضى
فتح الباري - كتاب الطب
فتح الباري - كتاب اللباس
فتح الباري - كتاب الأدب
فتح الباري - كتاب الإستئذان
فتح الباري - كتاب الدعوات
فتح الباري - كتاب الرقاق
فتح الباري - كتاب القدر
فتح الباري - كتاب الأيمان والنذور
فتح الباري - كتاب كفارات الأيمان
فتح الباري - كتاب الفرائض
فتح الباري - كتاب الحدود
فتح الباري - كتاب الديات
فتح الباري - كتاب استتابة المرتدين
فتح الباري - كتاب الإكراه
فتح الباري - كتاب الحيل
فتح الباري - كتاب التعبير
فتح الباري - كتاب الفتن
فتح الباري - كتاب الأحكام
فتح الباري - كتاب التمني
فتح الباري - كتاب أخبار الأحاد
فتح الباري - كتاب الإعتصام بالسنة
فتح الباري - كتاب التوحيد
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن رجب
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
مقدمة
خطبة الكتاب
كتاب الإيمان
كتاب العلم
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصوم
كتاب فضائل القرآن
كتاب الدعوات
كتاب المناسك
كتاب البيوع
كتاب الفرائض والوصايا
كتاب النكاح
كتاب العتق
كتاب القصاص
كتاب الديات
كتاب الحدود
كتاب الإمارة والقضاء
كتاب الجهاد
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأطعمة
كتاب اللباس
كتاب الطب والرقى
كتاب الرؤيا
كتاب الآداب
كتاب الرقاق
كتاب الفتن
كتاب صفة القيامة والجنة والنار
كتاب الفضائل والشمائل
كتاب المناقب

 
عودة لموقع هاني الطنبور
هاني الطنبور
الصفحة السابقة الصفحة التالية
 
 

 

المنهاج - البر والصلة والآداب

4621 - قَوْله : ( مَنْ أَحَقُّ النَّاس بِحُسْنِ صَحَابَتِي ؟ قَالَ : أُمّك إِلَى آخِره )
: الصَّحَابَة هُنَا بِفَتْحِ الصَّاد بِمَعْنَى الصُّحْبَة . وَفِيهِ الْحَثّ عَلَى بِرّ الْأَقَارِب ، وَأَنَّ الْأُمّ أَحَقّهمْ بِذَلِكَ ، ثُمَّ بَعْدهَا الْأَب ، ثُمَّ الْأَقْرَب فَالْأَقْرَب . قَالَ الْعُلَمَاء : وَسَبَب تَقْدِيم الْأُمّ كَثْرَة تَعَبهَا عَلَيْهِ ، وَشَفَقَتهَا ، وَخِدْمَتهَا ، وَمُعَانَاة الْمَشَاقّ فِي حَمْله ، ثُمَّ وَضْعه ، ثُمَّ إِرْضَاعه ، ثُمَّ تَرْبِيَته وَخِدْمَته وَتَمْرِيضه ، وَغَيْر ذَلِكَ . وَنَقَلَ الْحَارِث الْمُحَاسِبِيّ إِجْمَاع الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّ الْأُمّ تُفَضَّل فِي الْبِرّ عَلَى الْأَب ، وَحَكَى الْقَاضِي عِيَاض خِلَافًا فِي ذَلِكَ ، فَقَالَ الْجُمْهُور بِتَفْضِيلِهَا ، وَقَالَ بَعْضهمْ : يَكُون بِرّهمَا سَوَاء . قَالَ : وَنَسَبَ بَعْضهمْ هَذَا إِلَى مَالِك ، وَالصَّوَاب الْأَوَّل لِصَرِيحِ هَذِهِ الْأَحَادِيث فِي الْمَعْنَى الْمَذْكُور . وَاَللَّه أَعْلَم . قَالَ الْقَاضِي : وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْأُمّ وَالْأَب آكَد حُرْمَة فِي الْبِرّ مِمَّنْ سِوَاهُمَا . قَالَ : وَتَرَدَّدَ بَعْضهمْ بَيْن الْأَجْدَاد وَالْإِخْوَة لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ثُمَّ أَدْنَاك أَدْنَاك قَالَ أَصْحَابنَا : يُسْتَحَبّ أَنْ تُقَدَّم فِي الْبِرّ الْأُمّ ، ثُمَّ الْأَب ، ثُمَّ الْأَوْلَاد ، ثُمَّ الْأَجْدَاد وَالْجَدَّات ، ثُمَّ الْإِخْوَة وَالْأَخَوَات ، ثُمَّ سَائِر الْمَحَارِم مِنْ ذَوِي الْأَرْحَام كَالْأَعْمَامِ وَالْعَمَّات ، وَالْأَخْوَال وَالْخَالَات ، وَيُقَدَّم الْأَقْرَب فَالْأَقْرَب ، وَيُقَدَّم مَنْ أَدْلَى بِأَبَوَيْنِ عَلَى مَنْ أَدْلَى بِأَحَدِهِمَا ، ثُمَّ بِذِي الرَّحِم غَيْر الْمَحْرَم كَابْنِ الْعَمّ وَبِنْته ، وَأَوْلَاد الْأَخْوَال وَالْخَالَات وَغَيْرهمْ ، ثُمَّ بِالْمُصَاهَرَةِ ، ثُمَّ بِالْمَوْلَى مِنْ أَعْلَى وَأَسْفَل ، ثُمَّ الْجَار ، وَيُقَدَّم الْقَرِيب الْبَعِيد الدَّار عَلَى الْجَار ، وَكَذَا لَوْ كَانَ الْقَرِيب فِي بَلَد آخَر قُدِّمَ عَلَى الْجَار الْأَجْنَبِيّ ، وَأَلْحَقُوا الزَّوْج وَالزَّوْجَة بِالْمَحَارِمِ وَاَللَّه أَعْلَم .


4622 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( نَعَمْ وَأَبِيك لَتُنَبَّأَن )
قَدْ سَبَقَ الْجَوَاب مَرَّات عَنْ مِثْل هَذَا ، وَأَنَّهُ لَا تُرَاد بِهِ حَقِيقَة الْقَسَم ، بَلْ هِيَ كَلِمَة تَجْرِي عَلَى اللِّسَان وَقِيلَ غَيْر ذَلِكَ .


4623 - قَوْله : ( جَاءَ رَجُل إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَأْذِنهُ فِي الْجِهَاد ، فَقَالَ : أَحَيٌّ وَالِدَاك ؟ قَالَ : نَعَمْ قَالَ : فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ )
وَفِي رِوَايَة : ( أُبَايِعك عَلَى الْهِجْرَة وَالْجِهَاد أَبْتَغِي الْأَجْر مِنْ اللَّه تَعَالَى قَالَ : فَارْجِعْ إِلَى وَالِدَيْك فَأَحْسِنْ صُحْبَتهمَا ) هَذَا كُلّه دَلِيل لِعِظَمِ فَضِيلَة بِرّهمَا ، وَأَنَّهُ آكَد مِنْ الْجِهَاد ، وَفِيهِ حُجَّة لِمَا قَالَهُ الْعُلَمَاء أَنَّهُ لَا يَجُوز الْجِهَاد إِلَّا بِإِذْنِهِمَا إِذَا كَانَا مُسْلِمَيْنِ ، أَوْ بِإِذْنِ الْمُسْلِم مِنْهُمَا . فَلَوْ كَانَا مُشْرِكَيْنِ لَمْ يُشْتَرَط إِذْنهمَا عِنْد الشَّافِعِيّ وَمَنْ وَافَقَهُ ، وَشَرَطَهُ الثَّوْرِيّ . هَذَا كُلّه إِذَا لَمْ يَحْضُر الصَّفّ وَيَتَعَيَّن الْقِتَال ، وَإِلَّا فَحِينَئِذٍ يَجُوز بِغَيْرِ إِذْن . وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاء عَلَى الْأَمْر بِبِرِّ الْوَالِدَيْنِ ، وَأَنَّ عُقُوقهمَا حَرَام مِنْ الْكَبَائِر ، وَسَبَقَ بَيَانه مَبْسُوطًا فِي كِتَاب الْإِيمَان .


4624 - سبق شرحه بالباب


فِيهِ قِصَّة جُرَيْجٍ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ وَأَنَّهُ آثَرَ الصَّلَاة عَلَى إِجَابَتهَا ، فَدَعَتْ عَلَيْهِ ، فَاسْتَجَاب اللَّه لَهَا . قَالَ الْعُلَمَاء هَذَا دَلِيل عَلَى أَنَّهُ كَانَ الصَّوَاب فِي حَقّه إِجَابَتهَا لِأَنَّهُ كَانَ فِي صَلَاة نَفْل ، وَالِاسْتِمْرَار فِيهَا تَطَوُّع لَا وَاجِب ، وَإِجَابَة الْأُمّ وَبِرّهَا وَاجِب ، وَعُقُوقهَا حَرَام ، وَكَانَ يُمْكِنهُ أَنْ يُخَفِّف الصَّلَاة وَيُجِيبهَا ثُمَّ يَعُود لِصَلَاتِهِ ، فَلَعَلَّهُ خَشِيَ أَنَّهَا تَدْعُوهُ إِلَى مُفَارَقَة صَوْمَعَته ، وَالْعَوْد إِلَى الدُّنْيَا وَمُتَعَلِّقَاتهَا وَحُظُوظهَا ، وَتُضْعِف عَزْمه فِيمَا نَوَاهُ وَعَاهَدَ عَلَيْهِ .


4625 - قَوْلهَا : ( فَلَا تُمِتْهُ حَتَّى تُرِيهِ الْمُومِسَات )
هِيَ بِضَمِّ الْمِيم وَكَسْر الثَّانِيَة أَيْ الزَّوَانِي الْبَغَايَا الْمُتَجَاهِرَات بِذَلِكَ ، وَالْوَاحِدَة مُومِسَة ، وَتَجْمَع عَلَى مَيَامِيس أَيْضًا .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَكَانَ رَاعِي ضَأْن يَأْوِي إِلَى دَيْره )
الدَّيْر كَنِيسَة مُنْقَطِعَة عَنْ الْعِمَارَة تَنْقَطِع فِيهَا رُهْبَان النَّصَارَى لِتَعَبُّدِهِمْ ، وَهُوَ بِمَعْنَى الصَّوْمَعَة الْمَذْكُورَة فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى ، وَهِيَ نَحْو الْمَنَارَة يَنْقَطِعُونَ فِيهَا عَنْ الْوُصُول إِلَيْهِمْ وَالدُّخُول عَلَيْهِمْ .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَجَاءُوا بِفُؤُوسِهِمْ )
هُوَ مَهْمُوز مَمْدُود جَمْع فَأْس بِالْهَمْزِ ، وَهِيَ هَذِهِ الْمَعْرُوفَة كَرَأْسٍ وَرُءُوس وَالْمَسَاحِي جَمْع مِسْحَاة ، وَهِيَ كَالْمِجْرَفَةِ إِلَّا أَنَّهَا مِنْ حَدِيد ذَكَرَهُ الْجَوْهَرِيّ .


4626 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَمْ يَتَكَلَّم فِي الْمَهْد إِلَّا ثَلَاثَة )
فَذَكَرَهُمْ ، وَلَيْسَ فِيهِمْ الصَّبِيّ الَّذِي كَانَ مَعَ الْمَرْأَة فِي حَدِيث السَّاحِر وَالرَّاهِب ، وَقِصَّة أَصْحَاب الْأُخْدُود الْمَذْكُور فِي آخِر صَحِيح مُسْلِم ، وَجَوَابه أَنَّ ذَلِكَ الصَّبِيّ لَمْ يَكُنْ فِي الْمَهْد ، بَلْ كَانَ أَكْبَر مِنْ صَاحِب الْمَهْد ، وَإِنْ كَانَ صَغِيرًا .
قَوْله : ( بَغِيّ يُتَمَثَّل بِحُسْنِهَا )
أَيْ يُضْرَب بِهِ الْمَثَل لِانْفِرَادِهَا بِهِ .
قَوْله : ( يَا غُلَام مَنْ أَبُوك ؟ : قَالَ : فُلَان الرَّاعِي )
قَدْ يُقَال : إِنَّ الزَّانِي لَا يَلْحَقَهُ الْوَلَد ، وَجَوَابه مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدهمَا لَعَلَّهُ كَانَ فِي شَرْعهمْ يَلْحَقهُ ، وَالثَّانِي الْمُرَاد مِنْ مَاء مَنْ أَنْتَ ؟ وَسَمَّاهُ أَبًا مَجَازًا .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَرَّ رَجُل عَلَى دَابَّة فَارِهَة وَشَارَة حَسَنَة )
( الْفَارِهَة ) بِالْفَاءِ النَّشِيطَة الْحَادَّة الْقَوِيَّة ، وَقَدْ فَرُهْت بِضَمِّ الرَّاء فَرَاهَة وَفَرَاهِيَة ، وَالشَّارَة الْهَيْئَة وَاللِّبَاس .
قَوْله : ( فَجَعَلَ يَمَصّهَا )
بِفَتْحِ الْمِيم عَلَى اللُّغَة الْمَشْهُورَة ، وَحُكِيَ ضَمّهَا .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَهُنَاكَ تَرَاجَعَا الْحَدِيث فَقَالَتْ : حَلْقَى )
مَعْنَى تَرَاجَعَا الْحَدِيث أَقْبَلَتْ عَلَى الرَّضِيع تُحَدِّثهُ ، وَكَانَتْ أَوَّلًا لَا تَرَاهُ أَهْلًا لِلْكَلَامِ ، فَلَمَّا تَكَرَّرَ مِنْهُ الْكَلَام عَلِمَتْ أَنَّهُ أَهْل لَهُ ، فَسَأَلْته ، وَرَاجَعْته . وَسَبَقَ بَيَان ( حَلْقَى ) فِي كِتَاب الْحَجّ .
قَوْله فِي الْجَارِيَة الَّتِي نَسَبُوهَا إِلَى السَّرِقَة وَلَمْ تَسْرِق : ( اللَّهُمَّ اِجْعَلْنِي مِثْلهَا )
أَيْ اللَّهُمَّ اِجْعَلْنِي سَالِمًا مِنْ الْمَعَاصِي كَمَا هِيَ سَالِمَة ، وَلَيْسَ الْمُرَاد مِثْلهَا فِي النِّسْبَة إِلَى بَاطِل تَكُون مِنْهُ بَرِيًّا . وَفِي حَدِيث جُرَيْجٍ هَذَا فَوَائِد كَثِيرَة . مِنْهَا عِظَم بِرّ الْوَالِدَيْنِ ، وَتَأَكُّد حَقّ الْأُمّ ، وَأَنَّ دُعَاءَهَا مُجَاب ، وَأَنَّهُ إِذَا تَعَارَضَتْ الْأُمُور بُدِئَ بِأَهَمِّهَا ، وَأَنَّ اللَّه تَعَالَى يَجْعَل لِأَوْلِيَائِهِ مَخَارِج عِنْد اِبْتِلَائِهِمْ بِالشَّدَائِدِ غَالِبًا . قَالَ اللَّه تَعَالَى : { وَمَنْ يَتَّقِ اللَّه يَجْعَل لَهُ مَخْرَجًا } وَقَدْ يَجْرِي عَلَيْهِمْ الشَّدَائِد بَعْض الْأَوْقَات زِيَادَة فِي أَحْوَالهمْ ، وَتَهْذِيبًا لَهُمْ ، فَيَكُون لُطْفًا . وَمِنْهَا اِسْتِحْبَاب الْوُضُوء لِلصَّلَاةِ عِنْد الدُّعَاء بِالْمُهِمَّاتِ ، وَمِنْهَا أَنَّ الْوُضُوء كَانَ مَعْرُوفًا فِي شَرْع مَنْ قَبْلنَا ، فَقَدْ ثَبَتَ فِي هَذَا الْحَدِيث فِي كِتَاب الْبُخَارِيّ فَتَوَضَّأَ وَصَلَّى وَقَدْ حَكَى الْقَاضِي عَنْ بَعْضهمْ أَنَّهُ زَعَمَ اِخْتِصَاصه بِهَذِهِ الْأُمَّة . وَمِنْهَا إِثْبَات كَرَامَات الْأَوْلِيَاء ، وَهُوَ مَذْهَب أَهْل السُّنَّة خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ . وَفِيهِ أَنَّ كَرَامَات الْأَوْلِيَاء قَدْ تَقَع بِاخْتِيَارِهِمْ وَطَلَبهمْ ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح عِنْد أَصْحَابنَا الْمُتَكَلِّمِينَ ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : لَا تَقَع بِاخْتِيَارِهِمْ وَطَلَبهمْ . وَفِيهِ أَنَّ الْكَرَامَات قَدْ تَكُون بِخَوَارِق الْعَادَات عَلَى جَمِيع أَنْوَاعهَا ، وَمَنَعَهُ بَعْضهمْ ، وَادَّعَى أَنَّهَا تَخْتَصّ بِمِثْلِ إِجَابَة دُعَاء 4 وَنَحْوه ، وَهَذَا غَلَط مِنْ قَائِله ، وَإِنْكَار لِلْحِسِّ ، بَلْ الصَّوَاب جَرَيَانهَا بِقَلْبِ الْأَعْيَان وَإِحْضَار الشَّيْء مِنْ الْعَدَم وَنَحْوه .


4627 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( رَغِمَ أَنْف مَنْ أَدْرَكَ أَبَوَيْهِ عِنْد الْكِبَر أَحَدهمَا أَوْ كِلَيْهِمَا فَلَمْ يَدْخُل الْجَنَّة )
قَالَ أَهْل اللُّغَة : مَعْنَاهُ ذَلَّ وَقِيلَ : كُرِهَ وَخُزِيَ ، وَهُوَ بِفَتْحِ الْغَيْن وَكَسْرهَا ، وَهُوَ الرُّغْم بِضَمِّ الرَّاء وَفَتْحهَا وَكَسْرهَا ، وَأَصْله لَصْق أَنْفه بِالرِّغَامِ ، وَهُوَ تُرَاب مُخْتَلَط بِرَمْلٍ ، وَقِيلَ : الرُّغْم كُلّ مَا أَصَابَ الْأَنْف مِمَّا يُؤْذِيه . وَفِيهِ عَلَى الْحَثّ عَلَى بِرّ الْوَالِدَيْنِ ، وَعِظَم ثَوَابه . وَمَعْنَاهُ أَنَّ بِرّهمَا عِنْد كِبَرهمَا وَضَعْفهمَا بِالْخِدْمَةِ ، أَوْ النَّفَقَة ، أَوْ غَيْر ذَلِكَ سَبَب لِدُخُولِ الْجَنَّة ،فَمَنْ قَصَّرَ فِي ذَلِكَ فَاتَهُ دُخُول الْجَنَّة وَأَرْغَمَ اللَّه أَنْفه .


4628 - سبق شرحه بالباب


4629 - قَوْله : ( إِنَّ أَبَا هَذَا كَانَ وُدًّا لِعُمَر )
قَالَ الْقَاضِي : رَوَيْنَاهُ بِضَمِّ الْوَاو وَكَسْرهَا أَيْ صَدِيقًا مِنْ أَهْل مَوَدَّته ، وَهِيَ مَحَبَّته ،
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ أَبَرّ الْبِرّ صِلَة الْوَلَد أَهْل وُدّ أَبِيهِ )
وَفِي رِوَايَة ( إِنَّ مِنْ أَبَرّ الْبِرّ صِلَة الرَّجُل أَهْل وُدّ أَبِيهِ بَعْد أَنْ تَوَلَّى ) الْوُدّ هُنَا مَضْمُوم الْوَاو ، وَفِي هَذَا فَضْل صِلَة أَصْدِقَاء الْأَب وَالْإِحْسَان إِلَيْهِمْ وَإِكْرَامهمْ ، وَهُوَ مُتَضَمِّن لِبِرِّ الْأَب وَإِكْرَامه ؛ لِكَوْنِهِ بِسَبَبِهِ ، وَتَلْتَحِق بِهِ أَصْدِقَاء الْأُمّ وَالْأَجْدَاد وَالْمَشَايِخ وَالزَّوْج وَالزَّوْجَة ، وَقَدْ سَبَقَتْ الْأَحَادِيث فِي إِكْرَامه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَلَائِل خَدِيجَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا .


4630 - سبق شرحه بالباب


4631 - قَوْله : ( كَانَ لَهُ حِمَار يَتَرَوَّح عَلَيْهِ إِذَا مَلَّ رُكُوب الرَّاحِلَة )
مَعْنَاهُ كَانَ يَسْتَصْحِب حِمَارًا لِيَسْتَرِيحَ عَلَيْهِ إِذَا ضَجِرَ مِنْ رُكُوب الْبَعِير . وَاَللَّه أَعْلَم .


4632 - قَوْله : ( عَنْ النَّوَّاس بْن سَمْعَان الْأَنْصَارِيّ )
هَكَذَا وَقَعَ فِي نُسَخ صَحِيح مُسْلِم : ( الْأَنْصَارِيّ ) قَالَ أَبُو عَلِيّ الْجَيَّانِيّ : هَذَا وَهْم ، وَصَوَابه الْكِلَابِيُّ فَإِنَّ النَّوَّاس كِلَابِيّ مَشْهُور . قَالَ الْمَازِرِيُّ وَالْقَاضِي عِيَاض : الْمَشْهُور أَنَّهُ كِلَابِيّ ، وَلَعَلَّهُ حَلِيف لِلْأَنْصَارِ . قَالَا : وَهُوَ النَّوَّاس بْن سَمْعَان بْن خَالِد بْن عَمْرو بْن قُرْط بْن عَبْد اللَّه بْن أَبِي بَكْر بْن أَبِي كِلَاب ، كَذَا نَسَبه الْعَلَائِيّ عَنْ يَحْيَى بْن يَحْيَى بْن مَعِين . وَ ( سَمْعَان ) بِفَتْحِ السِّين وَكَسْرهَا .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( الْبِرّ حُسْن الْخُلُق ، وَالْإِثْم مَا حَاكَ فِي صَدْرك ، وَكَرِهْت أَنْ يَطَّلِع عَلَيْهِ النَّاس )
قَالَ الْعُلَمَاء : الْبِرّ يَكُون بِمَعْنَى الصِّلَة ، وَبِمَعْنَى اللُّطْف وَالْمَبَرَّة وَحُسْن الصُّحْبَة وَالْعِشْرَة ، وَبِمَعْنَى الطَّاعَة ، وَهَذِهِ الْأُمُور هِيَ مَجَامِع الْخُلُق . وَمَعْنَى ( حَاكَ فِي صَدْرك ) أَيْ تَحَرَّكَ فِيهِ ، وَتَرَدَّدَ ، وَلَمْ يَنْشَرِح لَهُ الصَّدْر ، وَحَصَلَ فِي الْقَلْب مِنْهُ الشَّكّ ، وَخَوْف كَوْنه ذَنْبًا .


4633 - قَوْله : ( مَا مَنَعَنِي مِنْ الْهِجْرَة إِلَّا الْمَسْأَلَة كَانَ أَحَدنَا إِذَا هَاجَرَ لَمْ يَسْأَل رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ شَيْء )
وَقَالَ الْقَاضِي وَغَيْره : مَعْنَاهُ أَنَّهُ أَقَامَ بِالْمَدِينَةِ كَالزَّائِرِ مِنْ غَيْر نَقْله إِلَيْهَا مِنْ وَطَنه لِاسْتِيطَانِهَا ، وَمَا مَنَعَهُ مِنْ الْهِجْرَة ، وَهِيَ الِانْتِقَال مِنْ الْوَطَن وَاسْتِيطَان الْمَدِينَة إِلَّا الرَّغْبَة فِي سُؤَال رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أُمُور الدِّين ، فَإِنَّهُ كَانَ سَمِحَ بِذَلِكَ لِلطَّارِئِينَ دُون الْمُهَاجِرِينَ ، وَكَانَ الْمُهَاجِرُونَ يَفْرَحُونَ بِسُؤَالِ الْغُرَبَاء الطَّارِئِينَ مِنْ الْأَعْرَاب وَغَيْرهمْ ، لِأَنَّهُمْ يُحْتَمَلُونَ فِي السُّؤَال ، وَيَعْذِرُونَ ، وَيَسْتَفِيد الْمُهَاجِرُونَ . الْجَوَاب كَمَا قَالَ أَنَس فِي الْحَدِيث الَّذِي ذَكَرَهُ مُسْلِم فِي كِتَاب الْإِيمَان : وَكَانَ عَجَبًا أَنْ يَجِيء الرَّجُل الْعَاقِل مِنْ أَهْل الْبَادِيَة فَيَسْأَلهُ . وَاَللَّه أَعْلَم .


4634 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( قَامَتْ الرَّحِم ، فَقَالَتْ : هَذَا مَقَام الْعَائِذ مِنْ الْقَطِيعَة ، قَالَ : نَعَمْ ، أَمَا تَرْضَيْنَ أَنْ أَصِل مَنْ وَصَلَك ، وَأَقْطَع مَنْ قَطَعَك ؟ قَالَتْ : بَلَى . قَالَ : فَذَلِكَ لَك )
وَفِي رِوَايَة أُخْرَى : ( الرَّحِم مُعَلَّقَة بِالْعَرْشِ تَقُول : مَنْ وَصَلَنِي وَصَلَهُ اللَّه ، وَمَنْ قَطَعَنِي قَطَعَهُ اللَّه ) قَالَ الْقَاضِي عِيَاض : الرَّحِم الَّتِي تُوصَل وَتُقْطَع وَتُبَرّ إِنَّمَا هِيَ مَعْنَى مِنْ الْمَعَانِي ، لَيْسَتْ بِجِسْمٍ ، وَإِنَّمَا هِيَ قَرَابَة وَنَسَب تَجْمَعهُ رَحِم وَالِدَة ، وَيَتَّصِل بَعْضه بِبَعْضٍ ، فَسُمِّيَ ذَلِكَ الِاتِّصَال رَحِمًا . وَالْمَعْنَى لَا يَتَأَتَّى مِنْهُ الْقِيَام وَلَا الْكَلَام ، فَيَكُون ذِكْر قِيَامهَا هُنَا وَتَعَلُّقهَا ضَرْب مَثَل ، وَحُسْن اِسْتِعَارَة عَلَى عَادَة الْعَرَب فِي اِسْتِعْمَال ذَلِكَ ، وَالْمُرَاد تَعْظِيم شَأْنهَا ، وَفَضِيلَة وَاصِلِيهَا ، وَعَظِيم إِثْم قَاطِعِيهَا بِعُقُوقِهِمْ ، لِهَذَا سُمِّيَ الْعُقُوق قَطْعًا ، وَالْعَقّ الشَّقّ كَأَنَّهُ قَطَعَ ذَلِكَ السَّبَب الْمُتَّصِل . قَالَ : وَيَجُوز أَنْ يَكُون الْمُرَاد قَامَ مَلَك مِنْ الْمَلَائِكَة وَتَعَلَّقَ بِالْعَرْشِ وَتَكَلَّمَ عَلَى لِسَانهَا بِهَذَا بِأَمْرِ اللَّه تَعَالَى . هَذَا كَلَام الْقَاضِي . وَالْعَائِذ الْمُسْتَعِيذ ، وَهُوَ الْمُعْتَصِم بِالشَّيْءِ الْمُلْتَجِئ إِلَيْهِ الْمُسْتَجِير بِهِ . قَالَ الْعُلَمَاء : وَحَقِيقَة الصِّلَة الْعَطْف وَالرَّحْمَة ، فَصِلَة اللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى عِبَارَة عَنْ لُطْفه بِهِمْ ، وَرَحْمَته إِيَّاهُمْ ، وَعَطْفه بِإِحْسَانِهِ وَنِعَمه ، أَوْ صِلَتهمْ بِأَهْلِ مَلَكُوته الْأَعْلَى ، وَشَرْح صُدُورهمْ لِمَعْرِفَتِهِ وَطَاعَته . قَالَ الْقَاضِي عِيَاض : وَلَا خِلَاف أَنَّ صِلَة الرَّحِم وَاجِبَة فِي الْجُمْلَة ، وَقَطِيعَتهَا مَعْصِيَة كَبِيرَة . قَالَ : وَالْأَحَادِيث فِي الْبَاب تَشْهَد لِهَذَا ، وَلَكِنَّ الصِّلَة دَرَجَات بَعْضهَا أَرْفَع مِنْ بَعْض ، وَأَدْنَاهَا تَرْك الْمُهَاجَرَة ، وَصِلَتهَا بِالْكَلَامِ وَلَوْ بِالسَّلَامِ ، وَيَخْتَلِف ذَلِكَ بِاخْتِلَافِ الْقُدْرَة وَالْحَاجَة ، فَمِنْهَا وَاجِب ، وَمِنْهَا مُسْتَحَبّ ، وَلَوْ وَصَلَ بَعْض الصِّلَة لَمْ يَصِل غَايَتهَا لَا يُسَمَّى قَاطِعًا ، وَلَوْ قَصَّرَ عَمَّا يَقْدِر عَلَيْهِ وَيَنْبَغِي لَهُ لَا يُسَمَّى وَاصِلًا . قَالَ : وَاخْتَلَفُوا فِي حَدِّ الرَّحِم الَّتِي تَجِب صِلَتهَا ، فَقِيلَ : هُوَ كُلّ رَحِم مَحْرَم بِحَيْثُ لَوْ كَانَ أَحَدهمَا ذَكَرًا وَالْآخَر أُنْثَى حَرُمَتْ مُنَاكَحَتهمَا . فَعَلَى هَذَا لَا يَدْخُل أَوْلَاد الْأَعْمَام وَلَا أَوْلَاد الْأَخْوَال ، وَاحْتَجَّ هَذَا الْقَائِل بِتَحْرِيمِ الْجَمْع بَيْن الْمَرْأَة وَعَمَّتهَا أَوْ خَالَتهَا فِي النِّكَاح وَنَحْوه ، وَجَوَاز ذَلِكَ فِي بَنَات الْأَعْمَام وَالْأَخْوَال . وَقِيلَ : هُوَ عَامّ فِي كُلّ رَحِم مِنْ ذَوِي الْأَرْحَام فِي الْمِيرَاث ، يَسْتَوِي الْمَحْرَم وَغَيْره ، وَيَدُلّ عَلَيْهِ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " ثُمَّ أَدْنَاك أَدْنَاك " هَذَا كَلَام الْقَاضِي . وَهَذَا الْقَوْل الثَّانِي هُوَ الصَّوَاب ، وَمِمَّا يَدُلّ عَلَيْهِ الْحَدِيث السَّابِق فِي أَهْل مِصْر : " فَإِنَّ لَهُمْ ذِمَّة وَرَحِمًا " وَحَدِيث " إِنَّ أَبَرّ الْبِرّ أَنْ يَصِل أَهْل وُدّ أَبِيهِ " مَعَ أَنَّهُ لَا مَحْرَمِيَّة . وَاَللَّه أَعْلَم .


4635 - سبق شرحه بالباب


4636 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا يَدْخُل الْجَنَّة قَاطِع )
هَذَا الْحَدِيث يُتَأَوَّل تَأْوِيلَيْنِ سَبَقَا فِي نَظَائِره فِي كِتَاب الْإِيمَان : أَحَدهمَا حَمْله عَلَى مَنْ يَسْتَحِلّ الْقَطِيعَة بِلَا سَبَب وَلَا شُبْهَة مَعَ عِلْمه بِتَحْرِيمِهَا ، فَهَذَا كَافِر يُخَلَّد فِي النَّار ، وَلَا يَدْخُل الْجَنَّة أَبَدًا . وَالثَّانِي مَعْنَاهُ وَلَا يَدْخُلهَا فِي أَوَّل الْأَمْر مَعَ السَّابِقِينَ ، بَلْ يُعَاقَب بِتَأَخُّرِهِ الْقَدْر الَّذِي يُرِيدهُ اللَّه تَعَالَى .


4637 - سبق شرحه بالباب


4638 - سبق شرحه بالباب


4639 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَط لَهُ فِي رِزْقه وَيُنْسَأ لَهُ فِي أَثَره فَلْيَصِلْ رَحِمه )
( يُنْسَأ ) مَهْمُوز أَيْ يُؤَخَّر . وَ ( الْأَثَر ) الْأَجَل ، لِأَنَّهُ تَابِع لِلْحَيَاةِ فِي أَثَرهَا . وَ ( بَسْط الرِّزْق ) تَوْسِيعه وَكَثْرَته ، وَقِيلَ : الْبَرَكَة فِيهِ . وَأَمَّا التَّأْخِير فِي الْأَجَل فَفِيهِ سُؤَال مَشْهُور ، وَهُوَ أَنَّ الْآجَال وَالْأَرْزَاق مُقَدَّرَة لَا تَزِيد وَلَا تَنْقُص ، { فَإِذَا جَاءَ أَجَلهمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَة وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ } وَأَجَابَ الْعُلَمَاء بِأَجْوِبَةٍ الصَّحِيح مِنْهَا أَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَة بِالْبَرَكَةِ فِي عُمْره ، وَالتَّوْفِيق لِلطَّاعَاتِ ، وَعِمَارَة أَوْقَاته بِمَا يَنْفَعهُ فِي الْآخِرَة ، وَصِيَانَتهَا عَنْ الضَّيَاع فِي غَيْر ذَلِكَ . وَالثَّانِي أَنَّهُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا يَظْهَر لِلْمَلَائِكَةِ وَفِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ ، وَنَحْو ذَلِكَ ، فَيَظْهَر لَهُمْ فِي اللَّوْح أَنَّ عُمْره سِتُّونَ سَنَة إِلَّا أَنْ يَصِل رَحِمه فَإِنْ وَصَلَهَا زِيدَ لَهُ أَرْبَعُونَ ، وَقَدْ عَلِمَ اللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى مَا سَيَقَعُ لَهُ مِنْ ذَلِكَ ، وَهُوَ مِنْ مَعْنَى قَوْله تَعَالَى : { يَمْحُو اللَّه مَا يَشَاء وَيُثْبِت } فَبِالنِّسْبَةِ إِلَى عِلْم اللَّه تَعَالَى ، وَمَا سَبَقَ بِهِ قَدَره وَلَا زِيَادَة بَلْ هِيَ مُسْتَحِيلَة ، وَبِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا ظَهَرَ لِلْمَخْلُوقِينَ تُتَصَوَّر الزِّيَادَة ، وَهُوَ مُرَاد الْحَدِيث . وَالثَّالِث أَنَّ الْمُرَاد بَقَاء ذِكْره الْجَمِيل بَعْده ، فَكَأَنَّهُ لَمْ يَمُتْ . حَكَاهُ الْقَاضِي ، وَهُوَ ضَعِيف أَوْ بَاطِل وَاَللَّه أَعْلَم .


4640 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلَّذِي يَصِل قَرَابَته وَيَقْطَعُونَهُ : ( لَئِنْ كُنْت كَمَا قُلْت فَكَأَنَّمَا تُسِفُّهُمْ الْمَلّ ، وَلَا يَزَال مَعَك مِنْ اللَّه تَعَالَى ظَهِير عَلَيْهِمْ مَا دُمْت عَلَى ذَلِكَ )
( الْمَلّ ) بِفَتْحِ الْمِيم : الرَّمَاد الْحَارّ ، وَ ( تُسِفُّهُمْ ) بِضَمِّ التَّاء وَكَسْر السِّين وَتَشْدِيد الْفَاء ، وَ ( الظَّهِير ) الْمُعِين ، وَالدَّافِع لِأَذَاهُمْ .
وَقَوْله : ( أَحْلُم عَنْهُمْ )
بِضَمِّ اللَّام .
( وَيَجْهَلُونَ )
أَيْ يُسِيئُونَ ، وَالْجَهْل هُنَا الْقَبِيح مِنْ الْقَوْل ، وَمَعْنَاهُ كَأَنَّمَا تُطْعِمهُمْ الرَّمَاد الْحَارّ ، وَهُوَ تَشْبِيه لِمَا يَلْحَقهُمْ مِنْ الْأَلَم بِمَا يَلْحَق آكِل الرَّمَاد الْحَارّ مِنْ الْأَلَم ، وَلَا شَيْء عَلَى هَذَا الْمُحْسِن ، بَلْ يَنَالهُمْ الْإِثْم الْعَظِيم فِي قَطِيعَته ، وَإِدْخَالهمْ الْأَذَى عَلَيْهِ . وَقِيلَ : مَعْنَاهُ إِنَّك بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهِمْ تُخْزِيهِمْ وَتُحَقِّرهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ لِكَثْرَةِ إِحْسَانك وَقَبِيح فِعْلهمْ مِنْ الْخِزْي وَالْحَقَارَة عِنْد أَنْفُسهمْ كَمَنْ يُسَفّ الْمَلّ . وَقِيلَ : ذَلِكَ الَّذِي يَأْكُلُونَهُ مِنْ إِحْسَانك كَالْمَلِّ يُحَرِّق أَحْشَاءَهُمْ . وَاَللَّه أَعْلَم .


4641 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا تَبَاغَضُوا وَلَا تَحَاسَدُوا وَلَا تَدَابَرُوا وَكُونُوا عِبَاد اللَّه إِخْوَانًا )
التَّدَابُر الْمُعَادَاة ، وَقِيلَ : الْمُقَاطَعَة ؛ لِأَنَّ كُلّ وَاحِد يُوَلِّي صَاحِبه دُبُره . وَالْحَسَد تَمَنِّي زَوَال النِّعْمَة ، وَهُوَ حَرَام . وَمَعْنَى ( كُونُوا عِبَاد اللَّه إِخْوَانًا ) أَيْ تَعَامَلُوا وَتَعَاشَرُوا مُعَامَلَة الْإِخْوَة وَمُعَاشَرَتهمْ فِي الْمَوَدَّة وَالرِّفْق ، وَالشَّفَقَة وَالْمُلَاطَفَة ، وَالتَّعَاوُن فِي الْخَيْر ، وَنَحْو ذَلِكَ ، مَعَ صَفَاء الْقُلُوب ، وَالنَّصِيحَة بِكُلِّ حَال . قَالَ بَعْض الْعُلَمَاء . وَفِي النَّهْي عَنْ التَّبَاغُض إِشَارَة إِلَى النَّهْي عَنْ الْأَهْوَاء الْمُضِلَّة الْمُوجِبَة لِلتَّبَاغُضِ .


4642 - قَوْله : ( حَدَّثَنِيهِ عَلِيّ بْن نَصْر الْجَهْضَمِيّ حَدَّثَنَا وَهْب بْن جَرِير حَدَّثَنَا شُعْبَة )
هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيع نُسَخ بِلَادنَا : ( عَلِيّ بْن نَصْر ) ، وَكَذَا نَقَلَهُ الْجَيَّانِيّ وَالْقَاضِي عِيَاض وَغَيْرهمَا مِنْ الْحُفَّاظ وَعَنْ عَامَّة النُّسَخ . وَفِي بَعْضهَا : ( نَصْر بْن عَلِيّ ) بِالْعَكْسِ . قَالُوا : وَهُوَ غَلَط . قَالُوا : وَالصَّوَاب ( عَلِيّ بْن نَصْر ) وَهُوَ أَبُو الْحَسَن عَلِيّ بْن نَصْر بْن عَلِيّ بْن نَصْر الْجَهْضَمِيّ تُوُفِّيَ بِالْبَصْرَةِ هُوَ وَأَبُوهُ نَصْر بْن عَلِيّ سَنَة خَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ ، مَاتَ الْأَب فِي شَهْر رَبِيع الْآخَر ، وَمَاتَ الِابْن فِي شَعْبَان تِلْكَ السَّنَة . قَالَ الْقَاضِي : قَدْ اِتَّفَقَ الْحُفَّاظ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ ، وَأَنَّ الصَّوَاب ( عَلِيّ بْن نَصْر ) دُون عَكْسه ، مَعَ أَنَّ مُسْلِمًا رَوَى عَنْهُمَا إِلَّا أَنْ لَا يَكُون لِنَصْرِ بْن عَلِيّ سَمَاع مِنْ وَهْب بْن جَرِير ، وَلَيْسَ هَذَا مَذْهَب مُسْلِم ؛ فَإِنَّهُ يَكْتَفِي بِالْمُعَاصَرَةِ وَإِمْكَان اللِّقَاء . قَالَ : فَفِي نَفْيهمْ لِرِوَايَةِ النُّسَخ الَّتِي فِيهَا نَصْر بْن عَلِيّ نَظَر . هَذَا كَلَام الْقَاضِي . وَاَلَّذِي قَالَهُ الْحُفَّاظ هُوَ الصَّوَاب ، وَهُمْ أَعْرَف بِمَا اِنْتَقَدُوهُ ، وَلَا يَلْزَم مِنْ سَمَاع الِابْن مِنْ وَهْب سَمَاع الْأَب مِنْهُ ، وَلَا يُقَال : يُمْكِن الْجَمْع ، فَكِتَاب مُسْلِم وَقَعَ عَلَى وَجْه وَاحِد ، فَاَلَّذِي نَقَلَهُ الْأَكْثَرُونَ هُوَ الْمُعْتَمَد لَا سِيَّمَا وَقَدْ صَوَّبَهُ الْحُفَّاظ .


4643 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا يَحِلّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُر أَخَاهُ فَوْق ثَلَاث لَيَالٍ )
قَالَ الْعُلَمَاء : فِي هَذَا الْحَدِيث تَحْرِيم الْهَجْر بَيْن الْمُسْلِمِينَ أَكْثَر مِنْ ثَلَاث لَيَالٍ ، وَإِبَاحَتهَا فِي الثَّلَاث الْأُوَل بِنَصِّ الْحَدِيث ، وَالثَّانِي بِمَفْهُومِهِ . قَالُوا : وَإِنَّمَا عُفِيَ عَنْهَا فِي الثَّلَاث لِأَنَّ الْآدَمِيّ مَجْبُول عَلَى الْغَضَب وَسُوء الْخُلُق وَنَحْو ذَلِكَ ؛ فَعُفِيَ عَنْ الْهِجْرَة فِي الثَّلَاثَة لِيَذْهَب ذَلِكَ الْعَارِض . وَقِيلَ : إِنَّ الْحَدِيث لَا يَقْتَضِي إِبَاحَة الْهِجْرَة فِي الثَّلَاثَة ، وَهَذَا عَلَى مَذْهَب مَنْ يَقُول : لَا يُحْتَجّ بِالْمَفْهُومِ وَدَلِيل الْخِطَاب .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا يَحِلّ لِمُسْلِمٍ ) قَدْ يَحْتَجّ بِهِ مَنْ يَقُول : الْكُفَّار غَيْر مُخَاطَبِينَ بِفُرُوعِ الشَّرْع ، وَالْأَصَحّ أَنَّهُمْ مُخَاطَبُونَ بِهَا ، وَإِنَّمَا قُيِّدَ بِالْمُسْلِمِ لِأَنَّهُ الَّذِي يَقْبَل خِطَاب الشَّرْع ، وَيَنْتَفِع بِهِ .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( يَلْتَقِيَانِ فَيُعْرِض هَذَا ، وَيُعْرِض هَذَا )
وَفِي رِوَايَة ( فَيَصُدّ هَذَا وَيَصُدّ هَذَا ) هُوَ بِضَمِّ الصَّاد ، وَمَعْنَى ( يَصُدّ ) يُعْرِض ، أَيْ يُوَلِّيه عُرْضه بِضَمِّ الْعَيْن ، وَهُوَ جَانِبه ، وَالصَّدّ بِضَمِّ الصَّاد ، وَهُوَ أَيْضًا الْجَانِب وَالنَّاحِيَة .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَخَيْرهمَا الَّذِي يَبْدَأ بِالسَّلَامِ )
أَيْ هُوَ أَفْضَلهمَا ، وَفِيهِ دَلِيل لِمَذْهَبِ الشَّافِعِيّ وَمَالِك وَمَنْ وَافَقَهُمَا أَنَّ السَّلَام يَقْطَع الْهِجْرَة ، وَيَرْفَع الْإِثْم فِيهَا ، وَيُزِيلهُ ، وَقَالَ أَحْمَد وَابْن الْقَاسِم الْمَالِكِيّ : إِنْ كَانَ يُؤْذِيه لَمْ يَقْطَع السَّلَام هِجْرَته . قَالَ أَصْحَابنَا : وَلَوْ كَاتَبَهُ أَوْ رَاسَلَهُ عِنْد غَيْبَته عَنْهُ هَلْ يَزُول إِثْم الْهِجْرَة ؟ وَفِيهِ وَجْهَانِ : أَحَدهمَا لَا يَزُول لِأَنَّهُ لَمْ يُكَلِّمهُ ، وَأَصَحّهمَا يَزُول لِزَوَالِ الْوَحْشَة . وَاَللَّه أَعْلَم .


4644 - سبق شرحه بالباب


4645 - سبق شرحه بالباب


4646 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِيَّاكُمْ وَالظَّنّ ؛ فَإِنَّ الظَّنّ أَكْذَب الْحَدِيث )
الْمُرَاد النَّهْي عَنْ ظَنِّ السُّوء . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : هُوَ تَحْقِيق الظَّنّ وَتَصْدِيقه دُون مَا يَهْجِس فِي النَّفْس ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يُمْلَك . وَمُرَاد الْخَطَّابِيِّ أَنَّ الْمُحَرَّم مِنْ الظَّنّ مَا يَسْتَمِرّ صَاحِبه عَلَيْهِ ، وَيَسْتَقِرّ فِي قَلْبه ، دُون مَا يَعْرِض فِي الْقَلْب ، وَلَا يَسْتَقِرّ ؛ فَإِنَّ هَذَا لَا يُكَلَّف بِهِ كَمَا سَبَقَ فِي حَدِيث " تَجَاوَزَ اللَّه تَعَالَى عَمَّا تَحَدَّثَتْ بِهِ الْأُمَّة مَا لَمْ تَتَكَلَّم أَوْ تَعْمِد " وَسَبَقَ تَأْوِيله عَلَى الْخَوَاطِر الَّتِي لَا تَسْتَقِرّ - وَنَقَلَ الْقَاضِي عَنْ سُفْيَان أَنَّهُ قَالَ : الظَّنّ الَّذِي يَأْثَم بِهِ هُوَ مَا ظَنَّهُ وَتَكَلَّمَ بِهِ ، فَإِنْ لَمْ يَتَكَلَّم لَمْ يَأْثَم . قَالَ : وَقَالَ بَعْضهمْ : يُحْتَمَل أَنَّ الْمُرَاد الْحُكْم فِي الشَّرْع بِظَنٍّ مُجَرَّد مِنْ غَيْر بِنَاء عَلَى أَصْل وَلَا نَظَر وَاسْتِدْلَال ، وَهَذَا ضَعِيف أَوْ بَاطِل ، وَالصَّوَاب الْأَوَّل .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَلَا تَحَسَّسُوا وَلَا تَجَسَّسُوا )
الْأَوَّل بِالْحَاءِ ، وَالثَّانِي الْجِيم . قَالَ بَعْض الْعُلَمَاء : ( التَّحَسُّس ) بِالْحَاءِ الِاسْتِمَاع لِحَدِيثِ الْقَوْم ، وَالْجِيم الْبَحْث عَنْ الْعَوْرَات . وَقِيلَ : بِالْجِيمِ التَّفْتِيش عَنْ بَوَاطِن الْأُمُور ، وَأَكْثَر مَا يُقَال فِي الشَّرّ ، وَالْجَاسُوس صَاحِب سِرّ الشَّرّ ، وَالنَّامُوس صَاحِب سِرّ الْخَيْر . وَقِيلَ : بِالْجِيمِ أَنْ تَطْلُبهُ لِغَيْرِك ، وَبِالْحَاءِ أَنْ تَطْلُبهُ لِنَفْسِك . قَالَهُ ثَعْلَب : وَقِيلَ : هُمَا بِمَعْنًى . وَهُوَ طَلَب مَعْرِفَة الْأَخْبَار الْغَائِبَة وَالْأَحْوَال .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَلَا تَنَافَسُوا وَلَا تَحَاسَدُوا )
قَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ الْحَسَد تَمَنِّي زَوَال النِّعْمَة ، وَأَمَّا الْمُنَافَسَة وَالتَّنَافُس فَمَعْنَاهُمَا الرَّغْبَة فِي الشَّيْء ، وَفِي الِانْفِرَاد بِهِ ، وَنَافَسْته مُنَافَسَة إِذَا رَغِبْت فِيمَا رَغِبَ . وَقِيلَ : مَعْنَى الْحَدِيث التَّبَارِي فِي الرَّغْبَة فِي الدُّنْيَا وَأَسْبَابهَا وَحُظُوظهَا .


4647 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا تَهْجُرُوا )
كَذَا هُوَ فِي مُعْظَم النُّسَخ وَفِي بَعْضهَا : ( تَهَاجَرُوا ) ، وَهُمَا بِمَعْنًى ، وَالْمُرَاد النَّهْي عَنْ الْهِجْرَة وَمُقَاطَعَة الْكَلَام . وَقِيلَ : يَجُوز أَنْ يَكُون ( لَا تَهْجُرُوا ) أَيْ لَا تَتَكَلَّمُوا بِالْهَجْرِ بِضَمِّ الْهَاء ، وَهُوَ الْكَلَام الْقَبِيح .
( وَأَمَّا النَّهْي عَنْ الْبَيْع عَلَى بَيْع أَخِيهِ)
وَالنَّجْش فَسَبَقَ بَيَانهمَا فِي كِتَاب الْبُيُوع . وَقَالَ الْقَاضِي : يَحْتَمِل أَنَّ الْمُرَاد بِالتَّنَاجُشِ هُنَا ذَمُّ بَعْضهمْ بَعْضًا ، وَالصَّحِيح أَنَّهُ التَّنَاجُش الْمَذْكُور فِي الْبَيْع وَهُوَ أَنْ يَزِيد فِي السِّلْعَة ، وَلَا رَغْبَة لَهُ فِي شِرَائِهَا ، بَلْ لِيَغُرّ غَيْره فِي شِرَائِهَا .


4648 - سبق شرحه بالباب


4649 - سبق شرحه بالباب


4650 - قَوْله : ( عَامِر بْن كُرَيْز )
بِضَمِّ الْكَاف .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( الْمُسْلِم أَخُو الْمُسْلِم لَا يَظْلِمهُ وَلَا يَخْذُلهُ وَلَا يَحْقِرهُ )
أَمَّا كَوْن الْمُسْلِم أَخَا الْمُسْلِم فَسَبَقَ شَرْحه قَرِيبًا ، وَأَمَّا ( لَا يَخْذُلهُ ) فَقَالَ الْعُلَمَاء : الْخَذْل تَرْك الْإِعَانَة وَالنَّصْر ، وَمَعْنَاهُ إِذَا اِسْتَعَانَ بِهِ فِي دَفْع ظَالِم وَنَحْوه لَزِمَهُ إِعَانَته إِذَا أَمْكَنَهُ ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ عُذْر شَرْعِيّ . ( وَلَا يَحْقِرُهُ ) هُوَ بِالْقَافِ وَالْحَاء الْمُهْمَلَة أَيْ لَا يَحْتَقِرهُ ، فَلَا يُنْكِر عَلَيْهِ ، وَلَا يَسْتَصْغِرهُ وَيَسْتَقِلّهُ . قَالَ الْقَاضِي : وَرَوَاهُ بَعْضهمْ : ( لَا يَخْفِرُهُ ) بِضَمِّ الْيَاء وَالْخَاء الْمُعْجَمَة وَالْفَاء أَيْ لَا يَغْدِر بِعَهْدِهِ ، وَلَا يَنْقُض أَمَانَه . قَالَ : وَالصَّوَاب الْمَعْرُوف هُوَ الْأَوَّل ، وَهُوَ الْمَوْجُود فِي غَيْر كِتَاب مُسْلِم بِغَيْرِ خِلَاف ، وَرُوِيَ ( لَا يَحْتَقِرهُ ) ، وَهَذَا يَرُدّ الرِّوَايَة الثَّانِيَة . قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( التَّقْوَى هَا هُنَا وَيُشِير إِلَى صَدْره ثَلَاث مِرَار ) وَفِي رِوَايَة ( إِنَّ اللَّه لَا يَنْظُر إِلَى أَجْسَامِكُمْ ، وَلَكِنْ يَنْظُر إِلَى قُلُوبكُمْ ) مَعْنَى الرِّوَايَة الْأُولَى أَنَّ الْأَعْمَال الظَّاهِرَة لَا يَحْصُل بِهَا التَّقْوَى ، وَإِنَّمَا تَحْصُل بِمَا يَقَع فِي الْقَلْب مِنْ عَظَمَة اللَّه تَعَالَى وَخَشْيَته وَمُرَاقَبَته . وَمَعْنَى نَظَر اللَّه هُنَا مُجَازَاته وَمُحَاسَبَته أَيْ إِنَّمَا يَكُون ذَلِكَ عَلَى مَا فِي الْقَلْب دُون الصُّوَر الظَّاهِرَة . وَنَظَرُ اللَّه رُؤْيَته مُحِيط بِكُلِّ شَيْء . وَمَقْصُود الْحَدِيث أَنَّ الِاعْتِبَار فِي هَذَا كُلّه بِالْقَلْبِ ، وَهُوَ مِنْ نَحْو قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَلَا إِنَّ فِي الْجَسَد مُضْغَة " الْحَدِيث . قَالَ الْمَازِرِيُّ : وَاحْتَجَّ بَعْض النَّاس بِهَذَا الْحَدِيث عَلَى أَنَّ الْعَقْل فِي الْقَلْب لَا فِي الرَّأْس ، وَقَدْ سَبَقَتْ الْمَسْأَلَة مَبْسُوطَة فِي حَدِيث : " أَلَا إِنَّ فِي الْجَسَد مُضْغَة " .


4651 - قَوْله : ( جَعْفَر بْن بُرْقَان )
هُوَ بِضَمِّ الْمُوَحَّدَة وَإِسْكَان الرَّاء .
" 5980 "
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( تُفْتَح أَبْوَاب الْجَنَّة يَوْم الِاثْنَيْنِ وَيَوْم الْخَمِيس . . الْحَدِيث )
قَالَ الْقَاضِي : قَالَ الْبَاجِيّ : مَعْنَى ( فَتْحهَا ) كَثْرَة الصَّفْح وَالْغُفْرَان وَرَفْع الْمَنَازِل ، وَإِعْطَاء الثَّوَاب الْجَزِيل . قَالَ الْقَاضِي : وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون عَلَى ظَاهِره ، وَأَنَّ فَتْح أَبْوَابهَا عَلَامَة لِذَلِكَ .
وَ ( أَنْظِرُوا هَذَيْنِ )
بِقَطْعِ الْهَمْزَة أَخِّرُوهُمَا حَتَّى يَفِيئَا أَيْ يَرْجِعَا إِلَى الصُّلْح وَالْمَوَدَّة .


4653 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( اُرْكُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا )
هُوَ بِالرَّاءِ السَّاكِنَة وَضَمِّ الْكَاف وَالْهَمْزَة فِي أَوَّله هَمْزَة وَصْل أَيْ أَخِّرُوا ، يُقَال : رَكَاهُ يَرْكُوهُ رَكْوًا إِذَا أَخَّرَهُ . قَالَ صَاحِب التَّحْرِير : وَيَجُوز أَنْ يَرْوِيه بِقَطْعِ الْهَمْزَة الْمَفْتُوحَة ، مِنْ قَوْلهمْ : أَرْكَيْت الْأَمْر إِذَا أَخَّرْته . وَذَكَرَ غَيْره أَنَّهُ بِقَطْعِهَا وَوَصْلهَا . وَالشَّحْنَاء الْعَدَاوَة كَأَنَّهُ شُحِنَ بُغْضًا لَهُ لِمُلَائِهِ .


4654 - سبق شرحه بالباب


4655 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ اللَّه يَقُول يَوْم الْقِيَامَة : أَيْنَ الْمُتَحَابُّونَ بِجَلَالِي ؟ الْيَوْم أُظِلّهُمْ فِي ظِلِّي يَوْم لَا ظِلّ إِلَّا ظِلِّي )
فِيهِ دَلِيل لِجَوَازِ قَوْل الْإِنْسَان . اللَّه يَقُول ، وَهُوَ الصَّوَاب الَّذِي عَلَيْهِ الْعُلَمَاء كَافَّة إِلَّا مَا قَدَّمْنَاهُ فِي كِتَاب الْإِيمَان عَنْ بَعْض السَّلَف مِنْ كَرَاهَة ذَلِكَ ، وَأَنَّهُ لَا يُقَال : يَقُول اللَّه ، بَلْ يُقَال : قَالَ اللَّه ، وَقَدَّمْنَا أَنَّهُ جَاءَ بِجَوَازِهِ الْقُرْآن فِي قَوْله تَعَالَى : { وَاَللَّه يَقُول الْحَقّ } وَأَحَادِيث صَحِيحَة كَثِيرَة . قَوْله تَعَالَى : ( الْمُتَحَابُّونَ بِجَلَالِي ) أَيْ بِعَظَمَتِي وَطَاعَتِي لَا لِلدُّنْيَا . وَقَوْله تَعَالَى : ( يَوْم لَا ظِلّ إِلَّا ظِلِّي ) أَيْ أَنَّهُ لَا يَكُون مَنْ لَهُ ظِلّ مَجَازًا كَمَا فِي الدُّنْيَا . وَجَاءَ فِي غَيْر مُسْلِم : ظِلّ عَرْشِي قَالَ الْقَاضِي : ظَاهِره أَنَّهُ فِي ظِلّه مِنْ الْحَرّ وَالشَّمْس ، وَوَهَج الْمَوْقِف وَأَنْفَاس الْخَلْق . قَالَ : وَهَذَا قَوْل الْأَكْثَرِينَ . وَقَالَ عِيسَى بْن دِينَار : وَمَعْنَاهُ كَفّه عَنْ الْمَكَارِه ، وَإِكْرَامه ، وَجَعْلُهُ فِي كَنَفه وَسِتْره ، وَمِنْهُ قَوْلهمْ : السُّلْطَان ظِلّ اللَّه فِي الْأَرْض . وَقِيلَ : يَحْتَمِل أَنَّ الظِّلّ هُنَا عِبَارَة عَنْ الرَّاحَة وَالنَّعِيم ، يُقَال : هُوَ فِي عَيْش ظَلِيل أَيْ طَيِّب .


4656 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَأَرْصَدَ اللَّه عَلَى مَدْرَجَته مَلَكًا )
مَعْنَى ( أَرْصَدَهُ ) أَقْعَدَهُ يَرْقُبهُ . وَ ( الْمَدْرَجَة ) بِفَتْحِ الْمِيم وَالرَّاء هِيَ الطَّرِيق ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّ النَّاس يَدْرُجُونَ عَلَيْهَا ، أَيْ يَمْضُونَ وَيَمْشُونَ .
قَوْله : ( لَك عَلَيْهِ مِنْ نِعْمَة تَرُبُّهَا )
أَيْ تَقُوم بِإِصْلَاحِهَا ، وَتَنْهَض إِلَيْهِ بِسَبَبِ ذَلِكَ .
قَوْله : ( بِأَنَّ اللَّه قَدْ أَحَبَّك كَمَا أَحْبَبْته فِيهِ )
قَالَ الْعُلَمَاء : مَحَبَّة اللَّه عَبْده هِيَ رَحْمَته لَهُ ، وَرِضَاهُ عَنْهُ ، وَإِرَادَته لَهُ الْخَيْر ، وَأَنْ يَفْعَل بِهِ فِعْل الْمُحِبّ مِنْ الْخَيْر . وَأَصْل الْمَحَبَّة فِي حَقِّ الْعِبَاد مَيْل الْقَلْب ، وَاَللَّه تَعَالَى مُنَزَّه عَنْ ذَلِكَ . فِي هَذَا الْحَدِيث فَضْل الْمَحَبَّة فِي اللَّه تَعَالَى ، وَأَنَّهَا سَبَب لِحُبِّ اللَّه تَعَالَى الْعَبْد ، وَفِيهِ فَضِيلَة زِيَارَة الصَّالِحِينَ وَالْأَصْحَاب ، وَفِيهِ أَنَّ الْآدَمِيِّينَ قَدْ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَة .


4657 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( عَائِد الْمَرِيض فِي مَخْرَفَة الْجَنَّة )
وَفِي الرِّوَايَة الثَّانِيَة ( خُرْفَة الْجَنَّة ) بِضَمِّ الْخَاء وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاء عَلَى فَضْل عِيَادَة الْمَرِيض ، وَسَبَقَ شَرْح ذَلِكَ وَاضِحًا فِي بَابه .
قَوْله فِي أَسَانِيد هَذَا الْحَدِيث : ( عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَبِي أَسْمَاء )
وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى : ( عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ الْأَشْعَث عَنْ أَبِي أَسْمَاء ) قَالَ التِّرْمِذِيّ : سَأَلْت الْبُخَارِيّ عَنْ إِسْنَاد هَذَا الْحَدِيث ، فَقَالَ : أَحَادِيث أَبِي قِلَابَةَ كُلّهَا عَنْ أَبِي أَسْمَاء لَيْسَ بَيْنهمَا أَبُو الْأَشْعَث إِلَّا هَذَا الْحَدِيث .


4658 - سبق شرحه بالباب


4659 - سبق شرحه بالباب


4660 - ( قِيلَ : يَا رَسُول اللَّه ، مَا خُرْفَة الْجَنَّة ؟ قَالَ : جَنَاهَا )
أَيْ يَئُولُ بِهِ ذَلِكَ إِلَى الْجَنَّة وَاجْتِنَاء ثِمَارهَا .


4661 - قَوْله عَزَّ وَجَلَّ : ( مَرِضْت فَلَمْ تَعُدْنِي قَالَ : يَا رَبّ كَيْف أَعُودُكَ وَأَنْتَ رَبّ الْعَالَمِينَ ؟ قَالَ : أَمَا عَلِمْت أَنَّ عَبْدِي فُلَانًا مَرِضَ فَلَمْ تَعُدْهُ ، أَمَّا عَلِمْت أَنَّك لَوْ عُدْته لَوَجَدْتنِي عِنْده ؟ )
قَالَ الْعُلَمَاء : إِنَّمَا أَضَافَ الْمَرَض إِلَيْهِ سُبْحَانه وَتَعَالَى ، وَالْمُرَاد الْعَبْد تَشْرِيفًا لِلْعَبْدِ وَتَقْرِيبًا لَهُ . قَالُوا : وَمَعْنَى ( وَجَدْتنِي عِنْده ) أَيْ وَجَدْت ثَوَابِي وَكَرَامَتِي ، وَيَدُلّ عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى فِي تَمَام الْحَدِيث : " لَوْ أَطْعَمْته لَوَجَدْت ذَلِكَ عِنْدِي ، لَوْ أَسْقَيْته لَوَجَدْت ذَلِكَ عِنْدِي " أَيْ ثَوَابه . وَاَللَّه أَعْلَم .


4662 - قَوْلهَا : ( مَا رَأَيْت رَجُلًا أَشَدَّ عَلَيْهِ الْوَجَع مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ )
قَالَ الْعُلَمَاء : الْوَجَع هُنَا الْمَرَض ، وَالْعَرَب تُسَمِّي كُلّ مَرَض وَجَعًا .


4663 - " 5994 "
قَوْله : ( إِنَّك لَتُوعَك وَعْكًا شَدِيدًا )
الْوَعْك بِإِسْكَانِ الْعَيْن قِيلَ : هُوَ الْحُمَّى ، وَقِيلَ : أَلَمُهَا وَمَغَثُهَا . وَقَدْ وَعَكَ الرَّجُل يُوعَك فَهُوَ مَوْعُوك .
قَوْله : ( يَحْيَى بْن عَبْد الْمَلِك بْن أَبِي غَنِيَّة )
هُوَ بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَة وَالنُّون .


4664 - " 5995 " قَوْله : ( إِنَّ عَائِشَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا قَالَتْ لِلَّذِينَ ضَحِكُوا مِمَّنْ عَثَرَ بِطُنْبِ فُسْطَاط : لَا تَضْحَكُوا ) فِيهِ النَّهْي عَنْ الضَّحِك مِنْ مِثْل هَذَا إِلَّا أَنْ يَحْصُل غَلَبَة لَا يُمْكِن دَفْعه ، وَأَمَّا تَعَمُّده فَمَذْمُوم ؛ لِأَنَّ فِيهِ إِشْمَاتًا بِالْمُسْلِمِ وَكَسْرًا لِقَلْبِهِ .
وَ ( الطُّنْب )
بِضَمِّ النُّون وَإِسْكَانهَا هُوَ الْحَبْل الَّذِي يُشَدّ بِهِ الْفُسْطَاط ، وَهُوَ الْخِبَاء وَنَحْوه . وَيُقَال فُسْتَاط بِالتَّاءِ بَدَل الطَّاء ، وَفُسَّاط بِحَذْفِهَا مَعَ تَشْدِيد السِّين ، وَالْفَاء مَضْمُومَة وَمَكْسُورَة فِيهِنَّ ، فَصَارَتْ سِتّ لُغَات .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَا مِنْ مُسْلِم يُشَاك شَوْكَة فَمَا فَوْقهَا إِلَّا كُتِبَتْ لَهُ بِهَا دَرَجَة ، وَمُحِيَتْ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَة )
وَفِي بَعْض النُّسَخ ( وَحُطَّ عَنْهُ بِهَا ) وَفِي رِوَايَة ( إِلَّا كَتَبَ اللَّه بِهَا حَسَنَة ، أَوْ حُطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَة ) فِي هَذِهِ الْأَحَادِيث بِشَارَة عَظِيمَة لِلْمُسْلِمِينَ ، فَإِنَّهُ قَلَّمَا يَنْفَكّ الْوَاحِد مِنْهُمْ سَاعَة مِنْ شَيْء مِنْ هَذِهِ الْأُمُور . وَفِيهِ تَكْفِير الْخَطَايَا بِالْأَمْرَاضِ وَالْأَسْقَام وَمَصَائِب الدُّنْيَا وَهُمُومهَا ، إِنْ قَلَّتْ مَشَقَّتُهَا . وَفِيهِ رَفْع الدَّرَجَات بِهَذِهِ الْأُمُور ، وَزِيَادَة الْحَسَنَات ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح الَّذِي عَلَيْهِ جَمَاهِير الْعُلَمَاء . وَحَكَى الْقَاضِي عَنْ بَعْضهمْ أَنَّهَا تُكَفِّر الْخَطَايَا فَقَطْ ، وَلَا تَرْفَع دَرَجَة ، وَلَا تُكْتَب حَسَنَة . قَالَ : وَرُوِيَ نَحْوه عَنْ اِبْن مَسْعُود قَالَ : الْوَجَع لَا يُكْتَب بِهِ أَجْر ، لَكِنْ تُكَفَّر بِهِ الْخَطَايَا فَقَطْ ، وَاعْتَمَدَ عَلَى الْأَحَادِيث الَّتِي فِيهَا تَكْفِير الْخَطَايَا ، وَلَمْ تَبْلُغهُ الْأَحَادِيث الَّتِي ذَكَرَهَا مُسْلِم الْمُصَرِّحَة بِرَفْعِ الدَّرَجَات ، وَكَتْب الْحَسَنَات . قَالَ الْعُلَمَاء : وَالْحِكْمَة فِي كَوْن الْأَنْبِيَاء أَشَدَّ بَلَاء ثُمَّ الْأَمْثَل فَالْأَمْثَل أَنَّهُمْ مَخْصُوصُونَ بِكَمَالِ الصَّبْر ، وَصِحَّة الِاحْتِسَاب ، وَمَعْرِفَة أَنَّ ذَلِكَ نِعْمَة مِنْ اللَّه تَعَالَى لِيَتِمّ لَهُمْ الْخَيْر ، وَيُضَاعَف لَهُمْ الْأَجْر ، وَيَظْهَر صَبْرهمْ وَرِضَاهُمْ .


4665 - سبق شرحه بالباب


4666 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا تُصِيب الْمُؤْمِن مِنْ شَوْكَة فَمَا فَوْقهَا إِلَّا قَصَّ اللَّه بِهَا مِنْ خَطِيئَة )
هَكَذَا هُوَ فِي مُعْظَم النُّسَخ : ( قَصَّ ) ، وَفِي بَعْضهَا : ( نَقَصَ ) وَكِلَاهُمَا صَحِيح مُتَقَارِب الْمَعْنَى .


4667 - سبق شرحه بالباب


4668 - سبق شرحه بالباب


4669 - سبق شرحه بالباب


4670 - " 6001 "
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَا يُصِيب الْمُؤْمِن مِنْ وَصَب وَلَا نَصَب ، وَلَا سَقَم وَلَا حَزَن ، حَتَّى الْهَمّ يُهِمّهُ ، إِلَّا كَفَّرَ اللَّه بِهِ مِنْ سَيِّئَاته )
( الْوَصَب ) الْوَجَع اللَّازِم ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى : { وَلَهُمْ عَذَاب وَاصِب } أَيْ لَازِم ثَابِت . وَ ( النَّصَب ) التَّعَب ، وَقَدْ نَصِبَ يَنْصَب نَصَبًا كَفَرِحَ يَفْرَح فَرَحًا . وَنَصَبَهُ غَيَّرَهُ وَأَنْصَبَهُ لُغَتَانِ . وَ ( السُّقْم ) بِضَمِّ السِّين وَإِسْكَان الْقَاف وَفَتْحهمَا لُغَتَانِ ، وَكَذَلِكَ الْحُزْن وَالْحَزَن فِيهِ اللُّغَتَانِ . وَ ( يُهَمّهُ ) قَالَ الْقَاضِي : هُوَ بِضَمِّ الْيَاء وَفَتْح الْهَاء عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِله ، وَضَبَطَهُ غَيْره ( يَهُمّهُ ) بِفَتْحِ الْيَاء وَضَمِّ الْهَاء أَيْ يَغُمّهُ ، وَكِلَاهُمَا صَحِيح .


4671 - قَوْله : ( عَنْ اِبْن مُحَيْصِن شَيْخ مِنْ قُرَيْش قَالَ مُسْلِم : هُوَ عُمَر بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن مُحَيْصِن )
وَهَكَذَا هُوَ فِي مُعْظَم نُسَخ بِلَادنَا : أَنَّ مُسْلِمًا . قَالَ : هُوَ عُمَر بْن عَبْد الرَّحْمَن . وَفِي بَعْضهَا هُوَ ( عَبْد الرَّحْمَن ) ، وَكَذَا نَقَلَهُ الْقَاضِي عَنْ بَعْض الرُّوَاة ، وَهُوَ غَلَط ، وَالصَّوَاب الْأَوَّل . وَمُحَيْصِن بِالنُّونِ فِي آخِره . وَوَقَعَ فِي بَعْض نُسَخ الْمَغَارِبَة بِحَذْفِهَا ، وَهُوَ تَصْحِيف .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( قَارِبُوا )
أَيْ اِقْتَصِدُوا فَلَا تَغْلُوا وَلَا تُقَصِّرُوا ، بَلْ تَوَسَّطُوا
( وَسَدِّدُوا )
أَيْ اِقْصِدُوا السَّدَاد وَهُوَ الصَّوَاب .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( حَتَّى النُّكْبَة يَنْكُبهَا )
وَهِيَ مِثْل الْعَثْرَة يَعْثُرهَا بِرِجْلِهِ ، وَرُبَّمَا جُرِحَتْ أُصْبُعه ، وَأَصْل النَّكْب الْكَبّ وَالْقَلْب .


4672 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَا لَك يَا أُمّ السَّائِب تُزَفْزِفِينَ )
بِزَاءَيْنِ مُعْجَمَتَيْنِ وَفَاءَيْنِ وَالتَّاء مَضْمُومَة قَالَ الْقَاضِي : تُضَمّ وَتُفْتَح ، هَذَا هُوَ الصَّحِيح الْمَشْهُور فِي ضَبْط هَذِهِ اللَّفْظَة . وَادَّعَى الْقَاضِي أَنَّهَا رِوَايَة جَمِيع رَوَاهُ مُسْلِم ، وَوَقَعَ فِي بَعْض نُسَخ بِلَادنَا بِالرَّاءِ وَالْفَاء ، وَرَوَاهُ بَعْضهمْ فِي غَيْر مُسْلِم بِالرَّاءِ وَالْقَاف ، مَعْنَاهُ تَتَحَرَّكِينَ حَرَكَة شَدِيدَة أَيْ تَرْعَدِينَ .


4673 - حَدِيث الْمَرْأَة الَّتِي كَانَتْ تُصْرَع وَفِيهِ دَلِيل عَلَى أَنَّ الصَّرْع يُثَاب عَلَيْهِ أَكْمَلَ ثَوَاب .


4674 - قَوْله تَعَالَى : { إِنِّي حَرَّمْت الظُّلْم عَلَى نَفْسِي }
قَالَ الْعُلَمَاء : مَعْنَاهُ تَقَدَّسْت عَنْهُ وَتَعَالَيْت ، وَالظُّلْم مُسْتَحِيل فِي حَقِّ اللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى . كَيْف يُجَاوِز سُبْحَانه حَدًّا وَلَيْسَ فَوْقه مَنْ يُطِيعهُ ؟ وَكَيْف يَتَصَرَّف فِي غَيْر مُلْك ، وَالْعَالَم كُلّه فِي مُلْكه وَسُلْطَانه ؟ وَأَصْل التَّحْرِيم فِي اللُّغَة الْمَنْع ، فَسَمَّى تَقَدُّسه عَنْ الظُّلْم تَحْرِيمًا لِمُشَابَهَتِهِ لِلْمَمْنُوعِ فِي أَصْل عَدَم الشَّيْء .
قَوْله تَعَالَى : { وَجَعَلْته بَيْنكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تَظَالَمُوا }
هُوَ بِفَتْحِ التَّاء أَيْ لَا تَتَظَالَمُوا ، وَالْمُرَاد لَا يَظْلِم بَعْضكُمْ بَعْضًا ، وَهَذَا تَوْكِيد لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { يَا عِبَادِي وَجَعَلْته بَيْنكُمْ مُحَرَّمًا } وَزِيَادَة تَغْلِيظ فِي تَحْرِيمه .
قَوْله تَعَالَى : { كُلّكُمْ ضَالّ إِلَّا مَنْ هَدَيْته }
قَالَ الْمَازِرِيُّ : ظَاهِر هَذَا أَنَّهُمْ خُلِقُوا عَلَى الضَّلَال إِلَّا مَنْ هَدَاهُ اللَّه تَعَالَى . وَفِي الْحَدِيث الْمَشْهُور " كُلّ مَوْلُود يُولَد عَلَى الْفِطْرَة " قَالَ : فَقَدْ يَكُون الْمُرَاد بِالْأَوَّلِ وَصْفهمْ بِمَا كَانُوا عَلَيْهِ قَبْل مَبْعَث النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأَنَّهُمْ لَوْ تُرِكُوا وَمَا فِي طِبَاعهمْ مِنْ إِيثَار الشَّهَوَات وَالرَّاحَة وَإِهْمَال النَّظَر لَضَلُّوا . وَهَذَا الثَّانِي أَظْهَر . وَفِي هَذَا دَلِيل لِمَذْهَبِ أَصْحَابنَا وَسَائِر أَهْل السُّنَّة أَنَّ الْمُهْتَدِي هُوَ مَنْ هَدَاهُ اللَّه ، وَبِهُدَى اللَّه اِهْتَدَى ، وَبِإِرَادَةِ اللَّه تَعَالَى ذَلِكَ ، وَأَنَّهُ سُبْحَانه وَتَعَالَى إِنَّمَا أَرَادَ هِدَايَة بَعْض عِبَاده وَهُمْ الْمُهْتَدُونَ ، وَلَمْ يُرِدْ هِدَايَة الْآخَرِينَ ، وَلَوْ أَرَادَهَا لَاهْتَدَوْا ، خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ فِي قَوْلهمْ الْفَاسِد : أَنَّهُ سُبْحَانه وَتَعَالَى أَرَادَ هِدَايَة الْجَمِيع . جَلَّ اللَّه أَنْ يُرِيد مَا لَا يَقَع ، أَوْ يَقَع مَا لَا يُرِيد .
قَوْله تَعَالَى : { مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُص الْمِخْيَط إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْر }
الْمِخْيَط بِكَسْرِ الْمِيم وَفَتْح الْيَاء هُوَ الْإِبْرَة : قَالَ الْعُلَمَاء : هَذَا تَقْرِيب إِلَى الْأَفْهَام ، وَمَعْنَاهُ لَا يَنْقُص شَيْئًا أَصْلًا كَمَا قَالَ فِي الْحَدِيث الْآخَر : " لَا يَغِيضهَا نَفَقَة " أَيْ لَا يَنْقُصهَا نَفَقَة ؛ لِأَنَّ مَا عِنْد اللَّه لَا يَدْخُلهُ نَقْص ، وَإِنَّمَا يَدْخُل النَّقْص الْمَحْدُود الْفَانِي ، وَعَطَاء اللَّه تَعَالَى مِنْ رَحْمَته وَكَرَمه ، وَهُمَا صِفَتَانِ قَدِيمَتَانِ لَا يَتَطَرَّق إِلَيْهِمَا نَقْص ، فَضَرَبَ الْمَثَل بِالْمِخْيَطِ فِي الْبَحْر ، لِأَنَّهُ غَايَة مَا يُضْرَب بِهِ الْمَثَل فِي الْقِلَّة ، وَالْمَقْصُود التَّقْرِيب إِلَى الْإِفْهَام بِمَا شَاهَدُوهُ ؛ فَإِنَّ الْبَحْر مِنْ أَعْظَم الْمَرْئِيَّات عَيَانًا ، وَأَكْبَرهَا ، وَالْإِبْرَة مِنْ أَصْغَر الْمَوْجُودَات ، مَعَ أَنَّهَا صَقِيلَة لَا يَتَعَلَّق بِهَا مَاء . وَاَللَّه أَعْلَم .
قَوْله تَعَالَى : ( يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَار )
الرِّوَايَة الْمَشْهُورَة ( تُخْطِئُونَ ) بِضَمِّ التَّاء ، وَرُوِيَ بِفَتْحِهَا وَفَتْح الطَّاء ، يُقَال : خَطِئَ يَخْطَأ إِذَا فَعَلَ مَا يَأَثَمَ بِهِ فَهُوَ خَاطِئ ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى : { اِسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ } وَيُقَال فِي الْإِثْم أَيْضًا : أَخْطَأَ ، فَهُمَا صَحِيحَانِ .


4675 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( اِتَّقُوا الظُّلْم فَإِنَّ الظُّلْم ظُلُمَات يَوْم الْقِيَامَة )
قَالَ الْقَاضِي : قِيلَ : هُوَ عَلَى ظَاهِره فَيَكُون ظُلُمَات عَلَى صَاحِبه لَا يَهْتَدِي يَوْم الْقِيَامَة سَبِيلًا حَتَّى يَسْعَى نُور الْمُؤْمِنِينَ بَيْن أَيْدِيهمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ . وَيَحْتَمِل أَنَّ الظُّلُمَات هُنَا الشَّدَائِد ، وَبِهِ فَسَّرُوا قَوْله تَعَالَى : { قُلْ مَنْ يُنْجِيكُمْ مِنْ ظُلُمَات الْبِرّ وَالْبَحْر } أَيْ شَدَائِدهمَا . وَيَحْتَمِل أَنَّهَا عِبَارَة عَنْ الْأَنْكَال وَالْعُقُوبَات .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَاتَّقُوا الشُّحّ فَإِنَّ الشُّحّ أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلكُمْ )
قَالَ الْقَاضِي : يَحْتَمِل أَنَّ هَذَا الْهَلَاك هُوَ الْهَلَاك الَّذِي أَخْبَرَ بِهِ فِي الدُّنْيَا بِأَنَّهُمْ سَفَكُوا دِمَاءَهُمْ ، وَيَحْتَمِل أَنَّهُ هَلَاك الْآخِرَة ، وَهَذَا الثَّانِي أَظْهَر . وَيَحْتَمِل أَنَّهُ أَهْلَكَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة . قَالَ جَمَاعَة : الشُّحّ أَشَدّ الْبُخْل ، وَأَبْلَغ فِي الْمَنْع مِنْ الْبُخْل . وَقِيلَ : هُوَ الْبُخْل مَعَ الْحِرْص . وَقِيلَ : الْبُخْل فِي أَفْرَاد الْأُمُور ، وَالشُّحّ عَامّ . وَقِيلَ : الْبُخْل فِي أَفْرَاد الْأُمُور ، وَالشُّحّ بِالْمَالِ وَالْمَعْرُوف وَقِيلَ : الشُّحّ الْحِرْص عَلَى مَا لَيْسَ عِنْده ، وَالْبُخْل بِمَا عِنْده .


4676 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( اِتَّقُوا الظُّلْم فَإِنَّ الظُّلْم ظُلُمَات يَوْم الْقِيَامَة )
قَالَ الْقَاضِي : قِيلَ : هُوَ عَلَى ظَاهِره فَيَكُون ظُلُمَات عَلَى صَاحِبه لَا يَهْتَدِي يَوْم الْقِيَامَة سَبِيلًا حَتَّى يَسْعَى نُور الْمُؤْمِنِينَ بَيْن أَيْدِيهمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ . وَيَحْتَمِل أَنَّ الظُّلُمَات هُنَا الشَّدَائِد ، وَبِهِ فَسَّرُوا قَوْله تَعَالَى : { قُلْ مَنْ يُنْجِيكُمْ مِنْ ظُلُمَات الْبِرّ وَالْبَحْر } أَيْ شَدَائِدهمَا . وَيَحْتَمِل أَنَّهَا عِبَارَة عَنْ الْأَنْكَال وَالْعُقُوبَات .


4677 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ كَانَ فِي حَاجَة أَخِيهِ كَانَ اللَّه فِي حَاجَته )
أَيْ أَعَانَهُ عَلَيْهَا ، وَلَطَفَ بِهِ فِيهَا .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِم كُرْبَة فَرَّجَ اللَّه عَنْهُ بِهَا كُرْبَة مِنْ كُرَب يَوْم الْقِيَامَة ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّه يَوْم الْقِيَامَة )
فِي هَذَا فَضْل إِعَانَة الْمُسْلِم ، وَتَفْرِيج الْكُرَب عَنْهُ ، وَسَتْر زَلَّاته . وَيَدْخُل فِي كَشْف الْكُرْبَة وَتَفْرِيجهَا مَنْ أَزَالَهَا بِمَالِهِ أَوْ جَاهِهِ أَوْ مُسَاعَدَته ، وَالظَّاهِر أَنَّهُ يَدْخُل فِيهِ مَنْ أَزَالَهَا بِإِشَارَاتِهِ وَرَأْيه وَدَلَالَته . وَأَمَّا السَّتْر الْمَنْدُوب إِلَيْهِ هُنَا فَالْمُرَاد بِهِ السَّتْر عَلَى ذَوِي الْهَيْئَات وَنَحْوهمْ مِمَّنْ لَيْسَ هُوَ مَعْرُوفًا بِالْأَذَى وَالْفَسَاد . فَأَمَّا الْمَعْرُوف بِذَلِكَ فَيُسْتَحَبّ أَلَّا يُسْتَر عَلَيْهِ ، بَلْ تُرْفَع قَضِيَّته إِلَى وَلِيّ الْأَمْر إِنْ لَمْ يَخَفْ مِنْ ذَلِكَ مَفْسَدَة ؛ لِأَنَّ السَّتْر عَلَى هَذَا يُطْمِعهُ فِي الْإِيذَاء وَالْفَسَاد ، وَانْتَهَاك الْحُرُمَات ، وَجَسَارَة غَيْره عَلَى مِثْل فِعْله . هَذَا كُلّه فِي سَتْر مَعْصِيَة وَقَعَتْ وَانْقَضَتْ ، وَأَمَّا مَعْصِيَة رَآهُ عَلَيْهَا ، وَهُوَ بَعْد مُتَلَبِّس بِهَا ، فَتَجِب الْمُبَادَرَة بِإِنْكَارِهَا عَلَيْهِ ، وَمَنْعه مِنْهَا عَلَى مَنْ قَدَرَ عَلَى ذَلِكَ ، وَلَا يَحِلّ تَأْخِيرهَا فَإِنْ عَجَزَ لَزِمَهُ رَفْعهَا إِلَى وَلِيّ الْأَمْر إِذَا لَمْ تَتَرَتَّب عَلَى ذَلِكَ مَفْسَدَة . وَأَمَّا جُرْح الرُّوَاة وَالشُّهُود وَالْأُمَنَاء عَلَى الصَّدَقَات وَالْأَوْقَاف وَالْأَيْتَام وَنَحْوهمْ فَيَجِب جُرْحهمْ عِنْد الْحَاجَة ، وَلَا يَحِلّ السَّتْر عَلَيْهِمْ إِذَا رَأَى مِنْهُمْ مَا يَقْدَح فِي أَهْلِيَّتهمْ ، وَلَيْسَ هَذَا مِنْ الْغِيبَة الْمُحَرَّمَة ، بَلْ مِنْ النَّصِيحَة الْوَاجِبَة ، وَهَذَا مُجْمَع عَلَيْهِ . قَالَ الْعُلَمَاء فِي الْقِسْم الْأَوَّل الَّذِي يُسْتَر فِيهِ : هَذَا السَّتْر مَنْدُوب ، فَلَوْ رَفَعَهُ إِلَى السُّلْطَان وَنَحْوه لَمْ يَأْثَم بِالْإِجْمَاعِ ، لَكِنْ هَذَا خِلَاف الْأَوْلَى ، وَقَدْ يَكُون فِي بَعْض صُوَره مَا هُوَ مَكْرُوه . وَاَللَّه أَعْلَم .


4678 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ الْمُفْلِس مِنْ أُمَّتِي مَنْ يَأْتِي يَوْم الْقِيَامَة بِصَلَاةٍ وَصِيَام وَزَكَاة وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا ، وَقَذَفَ هَذَا إِلَى آخِره )
مَعْنَاهُ أَنَّ هَذَا حَقِيقَة الْمُفْلِس ، وَأَمَّا مَنْ لَيْسَ لَهُ مَال ، وَمَنْ قَلَّ مَاله ، فَالنَّاس يُسَمُّونَهُ مُفْلِسًا ، وَلَيْسَ هُوَ حَقِيقَة الْمُفْلِس ؛ لِأَنَّ هَذَا أَمْر يَزُول ، وَيَنْقَطِع بِمَوْتِهِ ، وَرُبَّمَا يَنْقَطِع بِيَسَارٍ يَحْصُل لَهُ بَعْد ذَلِكَ فِي حَيَاته ، وَإِنَّمَا حَقِيقَة الْمُفْلِس هَذَا الْمَذْكُور فِي الْحَدِيث فَهُوَ الْهَالِك الْهَلَاك التَّامّ ، وَالْمَعْدُوم الْإِعْدَام الْمُقَطَّع ، فَتُؤْخَذ حَسَنَاته لِغُرَمَائِهِ ، فَإِذَا فَرَغَتْ حَسَنَاته أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتهمْ ، فَوُضِعَ عَلَيْهِ ، ثُمَّ أُلْقِيَ فِي النَّار فَتَمَّتْ خَسَارَته وَهَلَاكه وَإِفْلَاسه . قَالَ الْمَازِرِيُّ وَزَعَمَ بَعْض الْمُبْتَدِعَة أَنَّ هَذَا الْحَدِيث مُعَارِض لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَلَا تَزِر وَازِرَة وِزْر أُخْرَى } وَهَذَا الِاعْتِرَاض غَلَط مِنْهُ وَجَهَالَة بَيِّنَة ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا عُوقِبَ بِفِعْلِهِ وَوِزْره وَظُلْمه ، فَتَوَجَّهَتْ عَلَيْهِ حُقُوق لِغُرَمَائِهِ ، فَدُفِعَتْ إِلَيْهِمْ مِنْ حَسَنَاته ، فَلَمَّا فَرَغَتْ وَبَقِيَتْ بَقِيَّة قُوبِلَتْ عَلَى حَسَب مَا اِقْتَضَتْهُ حِكْمَة اللَّه تَعَالَى فِي خَلْقه ، وَعَدْله فِي عِبَاده ، فَأُخِذَ قَدْرهَا مِنْ سَيِّئَات خُصُومه ، فَوُضِعَ عَلَيْهِ ، فَعُوقِبَ بِهِ فِي النَّار . فَحَقِيقَة الْعُقُوبَة إِنَّمَا هِيَ بِسَبَبِ ظُلْمه ، وَلَمْ يُعَاقَب بِغَيْرِ جِنَايَة وَظُلْم مِنْهُ ، وَهَذَا كُلّه مَذْهَب أَهْل السُّنَّة . وَاَللَّه أَعْلَم .


4679 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَتُؤَدُّنَّ الْحُقُوق إِلَى أَهْلهَا يَوْم الْقِيَامَة حَتَّى يُقَاد لِلشَّاةِ الْجَلْحَاء مِنْ الشَّاة الْقَرْنَاء )
هَذَا تَصْرِيح بِحَشْرِ الْبَهَائِم يَوْم الْقِيَامَة ، وَإِعَادَتهَا يَوْم الْقِيَامَة كَمَا يُعَاد أَهْل التَّكْلِيف مِنْ الْآدَمِيِّينَ ، وَكَمَا يُعَاد الْأَطْفَال وَالْمَجَانِين وَمَنْ لَمْ تَبْلُغهُ دَعْوَة ، وَعَلَى هَذَا تَظَاهَرَتْ دَلَائِل الْقُرْآن وَالسُّنَّة . قَالَ اللَّه تَعَالَى : { وَإِذَا الْوُحُوش حُشِرَتْ } وَإِذَا وَرَدَ لَفْظ الشَّرْع ، وَلَمْ يَمْنَع مِنْ إِجْرَائِهِ عَلَى ظَاهِره عَقْل وَلَا شَرْع وَجَبَ حَمْله عَلَى ظَاهِره . قَالَ الْعُلَمَاء : وَلَيْسَ مِنْ شَرْط الْحَشْر وَالْإِعَادَة فِي الْقِيَامَة الْمُجَازَاة وَالْعِقَاب وَالثَّوَاب ، وَأَمَّا الْقِصَاص مِنْ الْقَرْنَاء لِلْجَلْحَاءِ فَلَيْسَ هُوَ مِنْ قِصَاص التَّكْلِيف ؛ إِذْ لَا تَكْلِيف عَلَيْهَا ، بَلْ هُوَ قِصَاص مُقَابَلَة . وَالْجَلْحَاء بِالْمَدِّ هِيَ الْجَمَّاء الَّتِي لَا قَرْن لَهَا . وَاَللَّه أَعْلَم .


4680 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ يُمْلِي لِلظَّالِمِ ، فَإِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتهُ )
مَعْنَى ( يُمْلِي ) يُمْهِل وَيُؤَخِّر ، وَيُطِيل لَهُ فِي الْمُدَّة ، وَهُوَ مُشْتَقّ مِنْ الْمُلْوَة ، وَهِيَ الْمُدَّة وَالزَّمَان ، بِضَمِّ الْمِيم وَكَسْرهَا وَفَتْحهَا . وَمَعْنَى ( لَمْ يُفْلِتهُ ) لَمْ يُطْلِقهُ ، وَلَمْ يَنْفَلِت مِنْهُ . قَالَ أَهْل اللُّغَة : يُقَال : أَفْلَتَهُ أَطْلَقَهُ ، وَانْفَلَتَ مِنْهُ .


4681 - قَوْله : ( اِقْتَتَلَ غُلَامَانِ )
أَيْ تَضَارَبَا .
وَقَوْله : ( فَنَادَى الْمُهَاجِر يَا لَلْمُهَاجِرِينَ ، وَنَادَى الْأَنْصَارِيّ يَا لَلْأَنْصَار )
هَكَذَا هُوَ فِي مُعْظَم االنُّسَخ ( يَالَ ) بِلَامٍ مَفْصُولَة فِي الْمَوْضِعَيْنِ ، وَفِي بَعْضهَا ( يَا لَلْمُهَاجِرِينَ وَيَا لَلْأَنْصَار ) بِوَصْلِهَا ، وَفِي بَعْضهَا ( يَا آل الْمُهَاجِرِينَ ) بِهَمْزَةٍ ثُمَّ لَام مَفْصُولَة ، وَاللَّام مَفْتُوحَة فِي الْجَمِيع ، وَهِيَ لَام الِاسْتِغَاثَة . وَالصَّحِيح بِلَامٍ مَوْصُولَة ، وَمَعْنَاهُ أَدْعُو الْمُهَاجِرِينَ ، وَأَسْتَغِيث بِهِمْ . وَأَمَّا تَسْمِيَته صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ دَعْوَى الْجَاهِلِيَّة فَهُوَ كَرَاهَة مِنْهُ لِذَلِكَ ؛ فَإِنَّهُ مِمَّا كَانَتْ عَلَيْهِ الْجَاهِلِيَّة مِنْ التَّعَاضُد بِالْقَبَائِلِ فِي أُمُور الدُّنْيَا وَمُتَعَلِّقَاتهَا ، وَكَانَتْ الْجَاهِلِيَّة تَأْخُذ حُقُوقهَا بِالْعَصَبَاتِ وَالْقَبَائِل ، فَجَاءَ الْإِسْلَام بِإِبْطَالِ ذَلِكَ ، وَفَصَلَ الْقَضَايَا بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّة . فَإِذَا اِعْتَدَى إِنْسَان عَلَى آخَر حَكَمَ الْقَاضِي بَيْنهمَا ، وَأَلْزَمَهُ مُقْتَضَى عِدْوَانه كَمَا تَقَرَّرَ مِنْ قَوَاعِد الْإِسْلَام .
وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي آخِر هَذِهِ الْقِصَّة : ( لَا بَأْس )
فَمَعْنَاهُ لَمْ يَحْصُل مِنْ هَذِهِ الْقِصَّة بَأْس مِمَّا كُنْت خِفْته ؛ فَإِنَّهُ خَافَ أَنْ يَكُون حَدَثَ أَمْر عَظِيم يُوجِب فِتْنَة وَفَسَادًا ، وَلَيْسَ هُوَ عَائِدًا إِلَى رَفْع كَرَاهَة الدُّعَاء بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّة .
قَوْله ( فَكَسَعَ أَحَدهمَا الْآخَر )
هُوَ بِسِينٍ مُخَفَّفَة مُهْمَلَة أَيْ ضَرَبَ دُبُره وَعَجِيزَته بِيَدٍ أَوْ رِجْل ، أَوْ سَيْف وَغَيْره .


4682 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنْتِنَة )
أَيْ قَبِيحَة كَرِيهَة مُؤْذِيَة .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( دَعْهُ لَا يَتَحَدَّث النَّاس أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُل أَصْحَابه )
فِيهِ مَا كَانَ عَلَيْهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْحِلْم ، وَفِيهِ تَرْك بَعْض الْأُمُور الْمُخْتَارَة ، وَالصَّبْر عَلَى بَعْض الْمَفَاسِد خَوْفًا مِنْ أَنْ تَتَرَتَّب عَلَى ذَلِكَ مَفْسَدَة أَعْظَم مِنْهُ ، وَكَانَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَأَلَّف النَّاس ، وَيَصْبِر عَلَى جَفَاء الْأَعْرَاب وَالْمُنَافِقِينَ وَغَيْرهمْ لِتَقْوَى شَوْكَة الْمُسْلِمِينَ ، وَتَتِمّ دَعْوَة الْإِسْلَام ، وَيَتَمَكَّن الْإِيمَان مِنْ قُلُوب الْمُؤَلَّفَة ، وَيَرْغَب غَيْرهمْ فِي الْإِسْلَام ، وَكَانَ يُعْطِيهِمْ الْأَمْوَال الْجَزِيلَة لِذَلِكَ ، وَلَمْ يَقْتُل الْمُنَافِقِينَ لِهَذَا الْمَعْنَى ، وَلِإِظْهَارِهِمْ الْإِسْلَام ، وَقَدْ أُمِرَ بِالْحُكْمِ بِالظَّاهِرِ ، وَاَللَّه يَتَوَلَّى السَّرَائِر ، وَلِأَنَّهُمْ كَانُوا مَعْدُودِينَ فِي أَصْحَابه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَيُجَاهِدُونَ مَعَهُ إِمَّا حَمِيَّة ، وَإِمَّا لِطَلَبِ دُنْيَا ، أَوْ عَصَبِيَّة لِمَنْ مَعَهُ مِنْ عَشَائِرهمْ . قَالَ الْقَاضِي : وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء هَلْ بَقِيَ حُكْم الْإِغْضَاء عَنْهُمْ ، وَتَرْك قِتَالهمْ ، أَوْ نُسِخَ ذَلِكَ عِنْد ظُهُور الْإِسْلَام ، وَنُزُول قَوْله تَعَالَى : { جَاهِدْ الْكُفَّار وَالْمُنَافِقِينَ } وَأَنَّهَا نَاسِخَة لِمَا قَبْلهَا : وَقِيلَ : قَوْل ثَالِث أَنَّهُ إِنَّمَا كَانَ الْعَفْو عَنْهُمْ مَا لَمْ يُظْهِرُوا نِفَاقهمْ ، فَإِذَا أَظْهَرُوهُ قُتِلُوا .


4683 - سبق شرحه بالباب


4684 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( الْمُؤْمِن لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضه بَعْضًا )
صَرِيح فِي تَعْظِيم حُقُوق الْمُسْلِمِينَ بَعْضهمْ عَلَى بَعْض ، وَحَثّهمْ عَلَى التَّرَاحُم وَالْمُلَاطَفَة وَالتَّعَاضُد فِي غَيْر إِثْم وَلَا مَكْرُوه . وَفِيهِ جَوَاز التَّشْبِيه وَضَرْب الْأَمْثَال لِتَقْرِيبِ الْمَعَانِي إِلَى الْأَفْهَام .


4685 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَثَل الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادّهمْ وَتَرَاحُمهمْ )
إِلَى آخِره صَرِيح فِي تَعْظِيم حُقُوق الْمُسْلِمِينَ بَعْضهمْ عَلَى بَعْض ، وَحَثّهمْ عَلَى التَّرَاحُم وَالْمُلَاطَفَة وَالتَّعَاضُد فِي غَيْر إِثْم وَلَا مَكْرُوه . وَفِيهِ جَوَاز التَّشْبِيه وَضَرْب الْأَمْثَال لِتَقْرِيبِ الْمَعَانِي إِلَى الْأَفْهَام .


4686 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( تَدَاعَى لَهُ سَائِر الْجَسَد )
أَيْ دَعَا بَعْضه بَعْضًا إِلَى الْمُشَارَكَة فِي ذَلِكَ . وَمِنْهُ قَوْله : تَدَاعَتْ الْحِيطَان أَيْ تَسَاقَطَتْ ، أَوْ قَرُبَتْ مِنْ السَّاقِط .


4687 - سبق شرحه بالباب


4688 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( الْمُسْتَبَّانِ مَا قَالَا فَعَلَى الْبَادِئ مَا لَمْ يَعْتَدِ الْمَظْلُوم )
مَعْنَاهُ أَنَّ إِثْم السِّبَاب الْوَاقِع مِنْ اِثْنَيْنِ مُخْتَصّ بِالْبَادِئِ مِنْهُمَا كُلّه إِلَّا أَنْ يَتَجَاوَز الثَّانِي قَدْر الِانْتِصَار ، فَيَقُول لِلْبَادِئِ أَكْثَر مِمَّا قَالَ لَهُ . وَفِي هَذَا جَوَاز الِانْتِصَار ، وَلَا خِلَاف فِي جَوَازه ، وَقَدْ تَظَاهَرَتْ عَلَيْهِ دَلَائِل الْكِتَاب وَالسُّنَّة . قَالَ اللَّه تَعَالَى : { وَلَمَنْ اِنْتَصَرَ بَعْد ظُلْمه فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيل } وَقَالَ تَعَالَى : { وَاَلَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمْ الْبَغْي هُمْ يَنْتَصِرُونَ } وَمَعَ هَذَا فَالصَّبْر وَالْعَفْو أَفْضَل . قَالَ اللَّه تَعَالَى : { وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْم الْأُمُور } وَلِلْحَدِيثِ الْمَذْكُور بَعْد هَذَا . " مَا زَادَ اللَّه عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلَّا عِزًّا " وَاعْلَمْ أَنَّ سِبَاب الْمُسْلِم بِغَيْرِ حَقٍّ حَرَام كَمَا قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " سِبَاب الْمُسْلِم فُسُوق " وَلَا يَجُوز لِلْمَسْبُوبِ أَنْ يَنْتَصِر إِلَّا بِمِثْلِ مَا سَبَّهُ مَا لَمْ يَكُنْ كَذِبًا أَوْ قَذْفًا أَوْ سَبًّا لِأَسْلَافِهِ . فَمِنْ صُوَر الْمُبَاح أَنْ يَنْتَصِر بِيَا ظَالِم يَا أَحْمَق ، أَوْ جَافِي ، أَوْ نَحْو ذَلِكَ ، لِأَنَّهُ لَا يَكَاد أَحَد يَنْفَكّ مِنْ هَذِهِ الْأَوْصَاف . قَالُوا : وَإِذَا اِنْتَصَرَ الْمَسْبُوب اِسْتَوْفَى ظُلَامَته ، وَبَرِئَ الْأَوَّل مِنْ حَقِّهِ ، وَبَقِيَ عَلَيْهِ إِثْم الِابْتِدَاء ، أَوْ الْإِثْم الْمُسْتَحَقّ لِلَّهِ تَعَالَى . وَقِيلَ : يَرْتَفِع عَنْهُ جَمِيع الْإِثْم بِالِانْتِصَارِ مِنْهُ ، وَيَكُون مَعْنَى عَلَى الْبَادِئ أَيْ عَلَيْهِ اللَّوْم وَالذَّمّ لَا الْإِثْم .


4689 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَا نَقَصَتْ صَدَقَة مِنْ مَال )
ذَكَرُوا فِيهِ وَجْهَيْنِ : أَحَدهمَا مَعْنَاهُ أَنَّهُ يُبَارَك فِيهِ ، وَيَدْفَع عَنْهُ الْمَضَرَّات ، فَيَنْجَبِر نَقْص الصُّورَة بِالْبَرَكَةِ الْخَفِيَّة ، وَهَذَا مُدْرَك بِالْحِسِّ وَالْعَادَة . وَالثَّانِي أَنَّهُ وَإِنْ نَقَصَتْ صُورَته كَانَ فِي الثَّوَاب الْمُرَتَّب عَلَيْهِ جَبْر لِنَقْصِهِ ، وَزِيَادَة إِلَى أَضْعَاف كَثِيرَة .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَمَا زَادَ اللَّه عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلَّا عِزًّا )
فِيهِ أَيْضًا وَجْهَانِ : أَحَدهمَا أَنَّهُ عَلَى ظَاهِره ، وَأَنَّ مَنْ عُرِفَ بِالْعَفْوِ وَالصَّفْح سَادَ وَعَظُمَ فِي الْقُلُوب ، وَزَادَ عِزّه وَإِكْرَامه . وَالثَّانِي أَنَّ الْمُرَاد أَجْره فِي الْآخِرَة وَعِزّه هُنَاكَ .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَمَا تَوَاضَعَ أَحَد لِلَّهِ إِلَّا رَفَعَهُ اللَّه )
. فِيهِ أَيْضًا وَجْهَانِ : أَحَدهمَا يَرْفَعهُ فِي الدُّنْيَا ، وَيُثْبِتُ لَهُ بِتَوَاضُعِهِ فِي الْقُلُوب مَنْزِلَة ، وَيَرْفَعهُ اللَّه عِنْد النَّاس ، وَيُجِلّ مَكَانه . وَالثَّانِي أَنَّ الْمُرَاد ثَوَابه فِي الْآخِرَة ، وَرَفْعه فِيهَا بِتَوَاضُعِهِ فِي الدُّنْيَا . قَالَ الْعُلَمَاء : وَهَذِهِ الْأَوْجُه فِي الْأَلْفَاظ الثَّلَاثَة مَوْجُودَة فِي الْعَادَة مَعْرُوفَة ، وَقَدْ يَكُون الْمُرَاد الْوَجْهَيْنِ مَعًا فِي جَمِيعهَا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة . وَاَللَّه أَعْلَم .


4690 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( الْغِيبَة ذِكْرك أَخَاك بِمَا يَكْرَه قِيلَ : أَفَرَأَيْت إِنْ كَانَ فِي أَخِي مَا أَقُول ؟ قَالَ : إِنْ كَانَ فِيهِ مَا تَقُول فَقَدْ اِغْتَبْته ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَقَدْ بَهَتّه )
يُقَال : بَهَتَهُ بِفَتْحِ الْهَاء مُخَفَّفَة قُلْت فِيهِ الْبُهْتَان ، وَهُوَ الْبَاطِل . وَ ( الْغِيبَة ) ذِكْر الْإِنْسَان فِي غَيْبَتِهِ بِمَا يَكْرَه . وَأَصْل الْبَهْت أَنْ يُقَال لَهُ الْبَاطِل فِي وَجْهه ، وَهُمَا حَرَامَانِ . ( لَكِنْ ) تُبَاح الْغِيبَة لِغَرَضٍ شَرْعِيّ ، وَذَلِكَ لِسِتَّةِ أَسْبَاب : أَحَدهَا التَّظَلُّم ؛ فَيَجُوز لِلْمَظْلُومِ أَنْ يَتَظَلَّم إِلَى السُّلْطَان وَالْقَاضِي وَغَيْرهمَا مِمَّنْ لَهُ وِلَايَة أَوْ قُدْرَة عَلَى إِنْصَافه مِنْ ظَالِمه ، فَيَقُول : ظَلَمَنِي فُلَان ، أَوْ فَعَلَ بِي كَذَا . الثَّانِي الِاسْتِغَاثَة عَلَى تَغْيِير الْمُنْكَر ، وَرَدّ الْعَاصِي إِلَى الصَّوَاب ، فَيَقُول لِمَنْ يَرْجُو قُدْرَته : فُلَان يَعْمَل كَذَا فَازْجُرْهُ عَنْهُ وَنَحْو ذَلِكَ . الثَّالِث الِاسْتِفْتَاء بِأَنْ يَقُول لِلْمُفْتِي : ظَلَمَنِي فُلَان أَوْ أَبِي أَوْ أَخِي أَوْ زَوْجِي بِكَذَا فَهَلْ لَهُ ذَلِكَ ؟ وَمَا طَرِيقِي فِي الْخَلَاص مِنْهُ وَدَفْع ظُلْمه عَنِّي ؟ وَنَحْو ذَلِكَ ، فَهَذَا جَائِز لِلْحَاجَةِ ، وَالْأَجْوَد أَنْ يَقُول فِي رَجُل أَوْ زَوْج أَوْ وَالِد وَوَلَد : كَانَ مِنْ أَمْره كَذَا ، وَمَعَ ذَلِكَ فَالتَّعْيِين جَائِز لِحَدِيثِ هِنْد وَقَوْلهَا : إِنَّ أَبَا سُفْيَان رَجُل شَحِيح . الرَّابِع تَحْذِير الْمُسْلِمِينَ مِنْ الشَّرّ ، وَذَلِكَ مِنْ وُجُوه : مِنْهَا جَرْح الْمَجْرُوحِينَ مِنْ الرُّوَاة ، وَالشُّهُود ، وَالْمُصَنِّفِينَ ، وَذَلِكَ جَائِز بِالْإِجْمَاعِ ، بَلْ وَاجِب صَوْنًا لِلشَّرِيعَةِ ، وَمِنْهَا الْإِخْبَار بِعَيْبِهِ عِنْد الْمُشَاوَرَة فِي مُوَاصَلَته ، وَمِنْهَا إِذَا رَأَيْت مَنْ يَشْتَرِي شَيْئًا مَعِيبًا أَوْ عَبْدًا سَارِقًا أَوْ زَانِيًا أَوْ شَارِبًا أَوْ نَحْو ذَلِكَ تَذْكُرهُ لِلْمُشْتَرِي إِذَا لَمْ يَعْلَمهُ نَصِيحَة ، لَا بِقَصْدِ الْإِيذَاء وَالْإِفْسَاد ، وَمِنْهَا إِذَا رَأَيْت مُتَفَقِّهًا يَتَرَدَّد إِلَى فَاسِق أَوْ مُبْتَدِع يَأْخُذ عَنْهُ عِلْمًا ، وَخِفْت عَلَيْهِ ضَرَره ، فَعَلَيْك نَصِيحَته بِبَيَانِ حَاله قَاصِدًا النَّصِيحَة ، وَمِنْهَا أَنْ يَكُون لَهُ وِلَايَة لَا يَقُوم بِهَا عَلَى وَجْههَا لِعَدَمِ أَهْلِيَّته أَوْ لِفِسْقِهِ ، فَيَذْكُرهُ لِمَنْ لَهُ عَلَيْهِ وِلَايَة لِيُسْتَدَلّ بِهِ عَلَى حَاله ، فَلَا يَغْتَرّ بِهِ ، وَيَلْزَم الِاسْتِقَامَة . الْخَامِس أَنْ يَكُون مُجَاهِرًا بِفِسْقِهِ أَوْ بِدْعَته كَالْخَمْرِ وَمُصَادَرَة النَّاس وَجِبَايَة الْمُكُوس وَتَوَلِّي الْأُمُور الْبَاطِلَة فَيَجُوز ذِكْره بِمَا يُجَاهِر بِهِ ، وَلَا يَجُوز بِغَيْرِهِ إِلَّا بِسَبَبٍ آخَر . السَّادِس التَّعْرِيف فَإِذَا كَانَ مَعْرُوفًا بِلَقَبٍ كَالْأَعْمَشِ وَالْأَعْرَج وَالْأَزْرَق وَالْقَصِير وَالْأَعْمَى وَالْأَقْطَع وَنَحْوهَا جَازَ تَعْرِيفه بِهِ ، وَيَحْرُم ذِكْره بِهِ تَنَقُّصًا وَلَوْ أَمْكَنَ التَّعْرِيف بِغَيْرِهِ كَانَ أَوْلَى . وَاَللَّه أَعْلَم .


4691 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا يَسْتُر اللَّه عَبْدًا فِي الدُّنْيَا إِلَّا سَتَرَهُ اللَّه يَوْم الْقِيَامَة )
قَالَ الْقَاضِي : يَحْتَمِل وَجْهَيْنِ : أَحَدهمَا أَنْ يَسْتُر مَعَاصِيه وَعُيُوبه عَنْ إِذَاعَتهَا فِي أَهْل الْمَوْقِف . وَالثَّانِي تَرْك مُحَاسَبَته عَلَيْهَا ، وَتَرْك ذِكْرهَا . قَالَ : وَالْأَوَّل أَظْهَر لِمَا جَاءَ فِي الْحَدِيث الْآخَر " يُقَرِّرهُ بِذُنُوبِهِ يَقُول : سَتَرْتهَا عَلَيْك فِي الدُّنْيَا ، وَأَنَا أَغْفِرهَا لَك الْيَوْم " .


4692 - سبق شرحه بالباب


4693 - قَوْله : ( أَنَّ رَجُلًا اِسْتَأْذَنَ عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ : اِئْذَنُوا لَهُ ، فَلَبِئْسَ اِبْن الْعَشِيرَة ، أَوْ بِئْسَ رَجُل الْعَشِيرَة فَلَمَّا دَخَلَ أَلَانَ لَهُ الْقَوْل ، فَقُلْت : يَا رَسُول اللَّه ، قُلْت لَهُ الَّذِي قُلْت ، ثُمَّ أَلَنْت لَهُ الْقَوْل ؟ قَالَ : يَا عَائِشَة إِنَّ شَرَّ النَّاس مَنْزِلَة عِنْد اللَّه يَوْم الْقِيَامَة مَنْ وَدَعَهُ أَوْ تَرَكَهُ النَّاس اِتِّقَاء فُحْشه )
قَالَ الْقَاضِي : هَذَا الرَّجُل هُوَ عُيَيْنَة بْن حِصْن ، وَلَمْ يَكُنْ أَسْلَمَ حِينَئِذٍ ، وَإِنْ كَانَ قَدْ أَظْهَرَ الْإِسْلَام ، فَأَرَادَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُبَيِّن حَاله لِيَعْرِفهُ النَّاس ، وَلَا يَغْتَرّ بِهِ مَنْ لَمْ يَعْرِف حَاله . قَالَ : وَكَانَ مِنْهُ فِي حَيَاة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَعْده مَا دَلَّ عَلَى ضَعْف إِيمَانه ، وَارْتَدَّ مَعَ الْمُرْتَدِّينَ ، وَجِيءَ بِهِ أَسِيرًا إِلَى أَبِي بَكْر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ . وَوَصْف النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُ بِأَنَّهُ بِئْسَ أَخُو الْعَشِيرَة مِنْ أَعْلَام النُّبُوَّة ؛ لِأَنَّهُ ظَهَرَ كَمَا وَصَفَ ، وَإِنَّمَا أَلَانَ لَهُ الْقَوْل تَأَلُّفًا لَهُ وَلِأَمْثَالِهِ عَلَى الْإِسْلَام . وَفِي هَذَا الْحَدِيث مُدَارَاة مَنْ يُتَّقَى فُحْشه ، وَجَوَاز غِيبَة الْفَاسِق الْمُعْلِن فِسْقه ، وَمَنْ يَحْتَاج النَّاس إِلَى التَّحْذِير مِنْهُ ، وَقَدْ أَوْضَحْنَاهُ قَرِيبًا فِي بَاب الْغِيبَة ، وَلَمْ يَمْدَحهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلَا ذَكَرَ أَنَّهُ أَثْنَى عَلَيْهِ فِي وَجْهه وَلَا فِي قَفَاهُ ، إِنَّمَا تَأَلَّفَهُ بِشَيْءٍ مِنْ الدُّنْيَا مَعَ لِين الْكَلَام . وَأَمَّا ( بِئْسَ اِبْن الْعَشِيرَة أَوْ رَجُل الْعَشِيرَة ) فَالْمُرَاد بِالْعَشِيرَةِ قَبِيلَته ، أَيْ بِئْسَ هَذَا الرَّجُل مِنْهَا .


4694 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ يُحْرَم الرِّفْق يُحْرَم الْخَيْر )
وَفِي رِوَايَة ( إِنَّ اللَّه رَفِيق يُحِبّ الرِّفْق ، وَيُعْطِي عَلَى الرِّفْق مَا لَا يُعْطِي عَلَى الْعُنْف ، وَمَا لَا يُعْطِي عَلَى سِوَاهُ ) وَفِي رِوَايَة : ( لَا يَكُون الرِّفْق فِي شَيْء إِلَّا زَانَهُ ، وَلَا يُنْزَع مِنْ شَيْء إِلَّا شَانَهُ ) وَفِي رِوَايَة ( عَلَيْك بِالرِّفْقِ ) أَمَّا الْعُنْف فَبِضَمِّ الْعَيْن وَفَتْحهَا وَكَسْرهَا ، حَكَاهُنَّ الْقَاضِي ، وَغَيْره الضَّمّ أَفْصَح وَأَشْهَر ، وَهُوَ ضِدّ الرِّفْق ، وَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيث فَضْل الرِّفْق وَالْحَثّ عَلَى التَّخَلُّق ، وَذَمّ الْعُنْف ، وَالرِّفْق سَبَب كُلّ خَيْر . وَمَعْنَى يُعْطِي عَلَى الرِّفْق أَيْ يُثِيب عَلَيْهِ مَا لَا يُثِيب عَلَى غَيْره . وَقَالَ الْقَاضِي : مَعْنَاهُ يَتَأَتَّى بِهِ مِنْ الْأَغْرَاض ، وَيُسَهَّل مِنْ الْمَطَالِب مَا لَا يَتَأَتَّى بِغَيْرِهِ .


4695 - سبق شرحه بالباب


4696 - سبق شرحه بالباب


4697 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ اللَّه رَفِيق )
فِيهِ تَصْرِيح بِتَسْمِيَتِهِ سُبْحَانه وَتَعَالَى وَوَصْفه بِرَفِيقٍ . قَالَ الْمَازِرِيُّ : لَا يُوصَف اللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى إِلَّا بِمَا سَمَّى بِهِ نَفْسه ، أَوْ سَمَّاهُ بِهِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَوْ أَجْمَعَتْ الْأُمَّة عَلَيْهِ . وَأَمَّا مَا لَمْ يَرِد إِذْن فِي إِطْلَاقه ، وَلَا وَرَدَ مَنْع فِي وَصْف اللَّه تَعَالَى بِهِ ، فَفِيهِ خِلَاف ، مِنْهُمْ مَنْ قَالَ : يَبْقَى عَلَى مَا كَانَ قَبْل وُرُود الشَّرْع ، فَلَا يُوصَف بِحِلٍّ وَلَا حُرْمَة ، وَمِنْهُمْ مَنْ مَنَعَهُ . قَالَ : وَلِلْأُصُولِيِّينَ الْمُتَأَخِّرِينَ خِلَاف فِي تَسْمِيَة اللَّه تَعَالَى بِمَا ثَبَتَ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِخَبَرِ الْآحَاد ، فَقَالَ بَعْض حُذَّاق الْأَشْعَرِيَّة : يَجُوز ؛ لِأَنَّ خَبَر الْوَاحِد عِنْده يَقْتَضِي الْعَمَل ، وَهَذَا عِنْده مِنْ بَاب الْعَمَلِيَّات ، لَكِنَّهُ يَمْنَع إِثْبَات أَسْمَائِهِ تَعَالَى بِالْأَقْيِسَةِ الشَّرْعِيَّة ، وَإِنْ كَانَتْ يَعْمَل بِهَا فِي الْمَسَائِل الْفِقْهِيَّة . وَقَالَ بَعْض مُتَأَخِّرِيهِمْ : يَمْنَع ذَلِكَ . فَمَنْ أَجَازَ ذَلِكَ فَهِمَ مِنْ مَسَالِك الصَّحَابَة قَبُولهمْ ذَلِكَ فِي مِثْل هَذَا ، وَمَنْ مَنَعَ لَمْ يُسَلِّم ذَلِكَ ، وَلَمْ يَثْبُت عِنْده إِجْمَاع فِيهِ ، فَبَقِيَ عَلَى الْمَنْع . قَالَ الْمَازِرِيُّ : فَإِطْلَاق ( رَفِيق ) إِنْ لَمْ يَثْبُت بِغَيْرِ هَذَا الْحَدِيث الْآحَاد جَرَى فِي جَوَاز اِسْتِعْمَاله الْخِلَاف الَّذِي ذَكَرْنَا . قَالَ : وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون ( رَفِيق ) صِفَة فِعْل ، وَهِيَ مَا يَخْلُقهُ اللَّه تَعَالَى مِنْ الرِّفْق لِعِبَادِهِ . هَذَا آخِر كَلَام الْمَازِرِيّ ، وَالصَّحِيح جَوَاز تَسْمِيَة اللَّه تَعَالَى رَفِيقًا وَغَيْره مِمَّا ثَبَتَ بِخَبَرِ الْوَاحِد ، وَقَدْ قَدَّمْنَا هَذَا وَاضِحًا فِي كِتَاب الْإِيمَان فِي حَدِيث : ( إِنَّ اللَّه جَمِيل يُحِبّ الْجَمَال ) فِي بَاب تَحْرِيم الْكِبْر ، وَذَكَرْنَا أَنَّهُ اِخْتِيَار إِمَام الْحَرَمَيْنِ .


4698 - سبق شرحه بالباب


4699 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي النَّاقَة الَّتِي لَعَنَتْهَا الْمَرْأَة : ( خُذُوا مَا عَلَيْهَا وَدَعُوهَا فَإِنَّهَا مَلْعُونَة )
وَفِي رِوَايَة : ( لَا تُصَاحِبنَا نَاقَة عَلَيْهَا لَعْنَة ) إِنَّمَا قَالَ هَذَا زَجْرًا لَهَا وَلِغَيْرِهَا ، وَكَانَ قَدْ سَبَقَ نَهْيهَا وَنَهْي غَيْرهَا عَنْ اللَّعْن ، فَعُوقِبَتْ بِإِرْسَالِ النَّاقَة ، وَالْمُرَاد النَّهْي عَنْ مُصَاحَبَته لِتِلْكَ النَّاقَة فِي الطَّرِيق ، وَأَمَّا بَيْعهَا وَذَبْحهَا وَرُكُوبهَا فِي غَيْر مُصَاحَبَته صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ التَّصَرُّفَات الَّتِي كَانَتْ جَائِزَة قَبْل هَذَا فَهِيَ بَاقِيَة عَلَى الْجَوَاز ؛ لِأَنَّ الشَّرْع إِنَّمَا وَرَدَ بِالنَّهْيِ عَنْ الْمُصَاحَبَة ، فَبَقِيَ الْبَاقِي كَمَا كَانَ .
وَقَوْله : ( نَاقَة وَرْقَاء )
بِالْمَدِّ أَيْ يُخَالِط بَيَاضهَا سَوَاد ، وَالذَّكَر أَوْرَق ، وَقِيلَ : هِيَ الَّتِي لَوْنهَا كَلَوْنِ الرَّمَاد .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( خُذُوا مَا عَلَيْهَا وَأَعْرُوهَا )
هُوَ بِهَمْزَةِ قَطْع وَبِضَمِّ الرَّاء يُقَال : أَعْرَيْته وَعَرَّيْته إِعْرَاء وَتَعْرِيَة فَتَعَرَّى ، وَالْمُرَاد هُنَا خُذُوا مَا عَلَيْهَا مِنْ الْمَتَاع وَرَحْلهَا وَآلَتهَا .


4700 - قَوْله : ( فَقَالَتْ : حِلْ )
هِيَ كَلِمَة زَجْرٍ لِلْإِبِلِ وَاسْتِحْثَاث يُقَال : حِلْ حِلْ بِإِسْكَانِ اللَّام فِيهِمَا . قَالَ الْقَاضِي : وَيُقَال أَيْضًا : حِلٍ حِلٍ بِكَسْرِ اللَّام فِيهِمَا بِالتَّنْوِينِ وَبِغَيْرِ تَنْوِين .


4701 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا يَنْبَغِي لِصِدِّيقِ أَنْ يَكُون لَعَّانًا وَلَا يَكُون اللَّعَّانُونَ شُهَدَاء وَلَا شُفَعَاء يَوْم الْقِيَامَة )
فِيهِ الزَّجْر عَنْ اللَّعْن ، وَأَنَّ مَنْ تَخَلَّقَ بِهِ لَا يَكُون فِيهِ هَذِهِ الصِّفَات الْجَمِيلَة ، لِأَنَّ اللَّعْنَة فِي الدُّعَاء يُرَاد بِهَا الْإِبْعَاد مِنْ رَحْمَة اللَّه تَعَالَى ، وَلَيْسَ الدُّعَاء بِهَذَا مِنْ أَخْلَاق الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ وَصَفَهُمْ اللَّه تَعَالَى بِالرَّحْمَةِ بَيْنهمْ وَالتَّعَاوُن عَلَى الْبِرّ وَالتَّقْوَى ، وَجَعَلَهُمْ كَالْبُنْيَانِ يَشُدّ بَعْضه بَعْضًا ، وَكَالْجَسَدِ الْوَاحِد ، وَأَنَّ الْمُؤْمِن يُحِبّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبّ لِنَفْسِهِ ، فَمَنْ دَعَا عَلَى أَخِيهِ الْمُسْلِم بِاللَّعْنَةِ ، وَهِيَ الْإِبْعَاد مِنْ رَحْمَة اللَّه تَعَالَى . فَهُوَ مِنْ نِهَايَة الْمُقَاطَعَة وَالتَّدَابُر ، وَهَذَا غَايَة مَا يَوَدّهُ الْمُسْلِم لِلْكَافِرِ ، وَيَدْعُو عَلَيْهِ ، وَلِهَذَا جَاءَ فِي الْحَدِيث الصَّحِيح " لَعْن الْمُؤْمِن كَقَتْلِهِ " لِأَنَّ الْقَاتِل يَقْطَعهُ عَنْ مَنَافِع الدُّنْيَا ، وَهَذَا يَقْطَعهُ عَنْ نَعِيم الْآخِرَة وَرَحْمَة اللَّه تَعَالَى . وَقِيلَ : مَعْنَى لَعْن الْمُؤْمِن كَقَتْلِهِ فِي الْإِثْم ، وَهَذَا أَظْهَر .


4702 - قَوْله : ( بَعَثَ إِلَى أُمّ الدَّرْدَاء بِأَنْجَادٍ مِنْ عِنْده )
بِفَتْحِ الْهَمْزَة وَبَعْدهَا نُون ثُمَّ جِيم ، وَهُوَ جَمْع نَجَد بِفَتْحِ النُّون وَالْجِيم ، وَهُوَ مَتَاع الْبَيْت الَّذِي يُزَيِّنهُ مِنْ فُرُش وَنَمَارِق وَسُتُور ، وَقَالَهُ الْجَوْهَرِيّ بِإِسْكَانِ الْجِيم . قَالَ : وَجَمْعه نُجُود حَكَاهُ عَنْ أَبِي عُبَيْد فَهُمَا لُغَتَانِ وَوَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن مَاهَان بِخَادِمٍ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة ، وَالْمَشْهُور الْأَوَّل .


4703 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّهُمْ لَا يَكُونُونَ شُفَعَاء وَلَا شُهَدَاء )
فَمَعْنَاهُ لَا يَشْفَعُونَ يَوْم الْقِيَامَة حِين يُشَفَّع الْمُؤْمِنُونَ فِي إِخْوَانهمْ الَّذِينَ اِسْتَوْجَبُوا النَّار ، ( وَلَا شُهَدَاء ) فِيهِ ثَلَاثَة أَقْوَال : أَصَحّهَا وَأَشْهَرهَا لَا يَكُونُونَ شُهَدَاء يَوْم الْقِيَامَة عَلَى الْأُمَم بِتَبْلِيغِ رُسُلهمْ إِلَيْهِمْ الرِّسَالَات ، وَالثَّانِي لَا يَكُونُونَ شُهَدَاء فِي الدُّنْيَا أَيْ لَا تُقْبَل شَهَادَتهمْ لِفِسْقِهِمْ ، وَالثَّالِث لَا يُرْزَقُونَ الشَّهَادَة وَهِيَ الْقَتْل فِي سَبِيل اللَّه ، وَإِنَّمَا قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا يَنْبَغِي لِصِدِّيقٍ أَنْ يَكُون لَعَّانًا ، وَلَا يَكُون اللَّعَّانُونَ شُفَعَاء بِصِيغَةِ التَّكْثِير ، وَلَمْ يَقُلْ : لَاعِنًا وَاللَّاعِنُونَ لِأَنَّ هَذَا الذَّمّ فِي الْحَدِيث إِنَّمَا هُوَ لِمَنْ كَثُرَ مِنْهُ اللَّعْن ، لَا لِمَرَّةٍ وَنَحْوهَا ، وَلِأَنَّهُ يَخْرُج مِنْهُ أَيْضًا اللَّعْن الْمُبَاح ، وَهُوَ الَّذِي وَرَدَ الشَّرْع بِهِ ، وَهُوَ لَعْنَة اللَّه عَلَى الظَّالِمِينَ ، لَعَنَ اللَّه الْيَهُود وَالنَّصَارَى ، لَعَنَ اللَّه الْوَاصِلَة وَالْوَاشِمَة ، وَشَارِب الْخَمْر وَآكِل الرِّبَا وَمُوكِله وَكَاتِبه وَشَاهِدَيْهِ ، وَالْمُصَوِّرِينَ ، وَمَنْ اِنْتَمَى إِلَى غَيْر أَبِيهِ ، وَتَوَلَّى غَيْر مَوَالِيه ، وَغَيَّرَ مَنَار الْأَرْض ، وَغَيْرهمْ مِمَّنْ هُوَ مَشْهُور فِي الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة .


4705 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( اللَّهُمَّ إِنَّمَا أَنَا بَشَر ، فَأَيّ الْمُسْلِمِينَ لَعَنْته أَوْ سَبَبْته فَاجْعَلْهُ لَهُ زَكَاة وَأَجْرًا )
وَفِي رِوَايَة : ( أَوْ جَلَدْته فَاجْعَلْهَا لَهُ زَكَاة وَرَحْمَة ) وَفِي رِوَايَة : ( فَأَيّ الْمُؤْمِنِينَ آذَيْته شَتَمْته لَعَنْته جَلَدْته اِجْعَلْهَا لَهُ صَلَاة وَزَكَاة وَقُرْبَة تُقَرِّبهُ بِهَا إِلَيْك يَوْم الْقِيَامَة ) وَفِي رِوَايَة : ( إِنَّمَا مُحَمَّد بَشَر يَغْضَب كَمَا يَغْضَب الْبَشَر ، وَإِنِّي قَدْ اِتَّخَذْت عِنْدك عَهْدًا لَنْ تُخْلِفَنِيهِ ، فَأَيّمَا مُؤْمِن آذَيْته أَوْ سَبَبْته أَوْ جَلَدْته فَاجْعَلْهَا لَهُ كَفَّارَة وَقُرْبَة ) وَفِي رِوَايَة : ( إِنِّي اِشْتَرَطْت عَلَى رَبِّي فَقُلْت : إِنَّمَا أَنَا بَشَر أَرْضَى كَمَا يَرْضَى الْبَشَر ، وَأَغْضَب كَمَا يَغْضَب الْبَشَر ، فَأَيّمَا أَحَد دَعَوْت عَلَيْهِ مِنْ أُمَّتِي بِدَعْوَةٍ لَيْسَ لَهَا بِأَهْلٍ أَنْ تَجْعَلهَا لَهُ طَهُورًا وَزَكَاة وَقُرْبَة ) هَذِهِ الْأَحَادِيث مُبَيِّنَة مَا كَانَ عَلَيْهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الشَّفَقَة عَلَى أُمَّته ، وَالِاعْتِنَاء بِمَصَالِحِهِمْ ، وَالِاحْتِيَاط لَهُمْ ، وَالرَّغْبَة فِي كُلّ مَا يَنْفَعهُمْ . وَهَذِهِ الرِّوَايَة الْمَذْكُورَة آخِرًا تُبَيِّن الْمُرَاد بِبَاقِي الرِّوَايَات الْمُطْلَقَة ، وَأَنَّهُ إِنَّمَا يَكُون دُعَاؤُهُ عَلَيْهِ رَحْمَة وَكَفَّارَة وَزَكَاة وَنَحْو ذَلِكَ إِذَا لَمْ يَكُنْ أَهْلًا لِلدُّعَاءِ عَلَيْهِ وَالسَّبّ وَاللَّعْن وَنَحْوه ، وَكَانَ مُسْلِمًا ، وَإِلَّا فَقَدْ دَعَا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْكُفَّار وَالْمُنَافِقِينَ ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُمْ رَحْمَة . فَإِنْ قِيلَ : كَيْف يَدْعُو عَلَى مَنْ لَيْسَ هُوَ بِأَهْلِ الدُّعَاء عَلَيْهِ أَوْ يَسُبّهُ أَوْ يَلْعَنهُ وَنَحْو ذَلِكَ ؟ فَالْجَوَاب مَا أَجَابَ بِهِ الْعُلَمَاء ، وَمُخْتَصَره وَجْهَانِ : أَحَدهمَا أَنَّ الْمُرَاد لَيْسَ بِأَهْلٍ لِذَلِكَ عِنْد اللَّه تَعَالَى ، وَفِي بَاطِن الْأَمْر ، وَلَكِنَّهُ فِي الظَّاهِر مُسْتَوْجِب لَهُ ، فَيَظْهَر لَهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِسْتِحْقَاقه لِذَلِكَ بِأَمَارَةٍ شَرْعِيَّة ، وَيَكُون فِي بَاطِن الْأَمْر لَيْسَ أَهْلًا لِذَلِكَ ، وَهُوَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَأْمُور بِالْحُكْمِ بِالظَّاهِرِ ، وَاَللَّه يَتَوَلَّى السَّرَائِر . وَالثَّانِي أَنَّ مَا وَقَعَ مِنْ سَبّه وَدُعَائِهِ وَنَحْوه لَيْسَ بِمَقْصُودٍ ، بَلْ هُوَ مِمَّا جَرَتْ بِهِ عَادَة الْعَرَب فِي وَصْل كَلَامهَا بِلَا نِيَّة ، كَقَوْلِهِ : تَرِبَتْ يَمِينك ، عَقْرَى حَلْقَى وَفِي هَذَا الْحَدِيث ( لَا كَبِرَتْ سِنّك ) وَفِي حَدِيث مُعَاوِيَة ( لَا أَشْبَعَ اللَّه بَطْنك ) وَنَحْو ذَلِكَ لَا يَقْصِدُونَ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ حَقِيقَة الدُّعَاء ، فَخَافَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُصَادِف شَيْء مِنْ ذَلِكَ إِجَابَة ، فَسَأَلَ رَبّه سُبْحَانه وَتَعَالَى وَرَغِبَ إِلَيْهِ فِي أَنْ يَجْعَل ذَلِكَ رَحْمَة وَكَفَّارَة ، وَقُرْبَة وَطَهُورًا وَأَجْرًا ، وَإِنَّمَا كَانَ يَقَع هَذَا مِنْهُ فِي النَّادِر وَالشَّاذّ مِنْ الْأَزْمَان ، وَلَمْ يَكُنْ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاحِشًا وَلَا مُتَفَحِّشًا وَلَا لَعَّانًا وَلَا مُنْتَقِمًا لِنَفْسِهِ ، وَقَدْ سَبَقَ فِي هَذَا الْحَدِيث أَنَّهُمْ قَالُوا : اُدْعُ عَلَى دَوْس ، فَقَالَ : " اللَّهُمَّ اِهْدِ دَوْسًا " وَقَالَ : " اللَّهُمَّ اِغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ " وَاَللَّه أَعْلَم .


4706 - سبق شرحه بالباب


4707 - وَمَعْنَى ( اِجْعَلْهَا لَهُ صَلَاة )
أَيْ رَحْمَة كَمَا فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى ، وَالصَّلَاة مِنْ اللَّه تَعَالَى الرَّحْمَة .
قَوْله : ( جَلَدَّهُ )
قَالَ : وَهِيَ لُغَة أَبِي هُرَيْرَة ، وَإِنَّمَا هِيَ جَلَدْته . مَعْنَاهُ أَنَّ لُغَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهِيَ الْمَشْهُورَة لِعَامَّةِ الْعَرَب ( جَلَدْته ) بِالتَّاءِ ، وَلُغَة أَبِي هُرَيْرَة ( جَلَدَّهُ ) بِتَشْدِيدِ الدَّال عَلَى إِدْغَام الْمِثْلَيْنِ وَهُوَ جَائِز .


4708 - قَوْله : ( سَالَمَ مَوْلَى النَّصْرَيَيْنِ )
بِالنُّونِ وَالصَّاد الْمُهْمَلَة سَبَقَ بَيَانه مَرَّات .


4709 - سبق شرحه بالباب


4710 - سبق شرحه بالباب


4711 - سبق شرحه بالباب


4712 - وَأَمَّا
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَغْضَب كَمَا يَغْضَب الْبَشَر )
فَقَدْ يُقَال : ظَاهِره أَنَّ السَّبّ وَنَحْوه كَانَ بِسَبَبِ الْغَضَب ، وَجَوَابه مَا ذَكَرَهُ الْمَازِرِيُّ قَالَ : يَحْتَمِل أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرَادَ أَيْ دُعَاءَهُ وَسَبَّهُ وَجَلْده كَانَ مِمَّا يُخَيَّر فِيهِ بَيْن أَمْرَيْنِ : أَحَدهمَا هَذَا الَّذِي فَعَلَهُ ، وَالثَّانِي : زَجْره بِأَمْرٍ آخَر ، فَحَمَلَهُ الْغَضَب لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى أَحَد الْأَمْرَيْنِ الْمُتَخَيَّر فِيهِمَا ، وَهُوَ سَبّه أَوْ لَعْنه وَجَلْده وَنَحْو ذَلِكَ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ خَارِجًا عَنْ حُكْم الشَّرْع وَاَللَّه أَعْلَم .
قَوْله : ( حَدَّثَنَا عِكْرِمَة بْن عَمَّار قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاق بْن أَبِي طَلْحَة )
هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيع النُّسَخ ، وَهُوَ صَحِيح ، وَهُوَ إِسْحَاق بْن عَبْد اللَّه بْن أَبِي طَلْحَة نَسَبَهُ إِلَى جَدّه .
قَوْله : ( كَانَتْ عِنْد أُمّ سُلَيْمٍ يَتِيمَة وَهِيَ أُمّ أَنَس )
فَقَوْله : ( وَهِيَ أُمّ أَنَس ) يَعْنِي أُمّ سُلَيْمٍ هِيَ أُمّ أَنَس .
قَوْله : ( فَقَالَ لِلْيَتِيمَةِ أَنْتِ هِيَهْ )
هُوَ بِفَتْحِ الْيَاء وَإِسْكَان الْهَاء وَهِيَ هَاء السَّكْت .
قَوْلهَا : ( لَا يَكْبَر سِنِّي ، أَوْ قَالَتْ : قَرْنِي )
بِفَتْحِ الْقَاف ، وَهُوَ نَظِيرهَا فِي الْعُمْر . قَالَ الْقَاضِي : مَعْنَاهُ لَا يَطُول عُمْرهَا ؛ لِأَنَّهُ إِذَا طَالَ عُمْره طَالَ عُمَر قَرْنه ، وَهَذَا الَّذِي قَالَ فِيهِ نَظَر ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَم مِنْ طُول عُمْر أَحَد الْقَرْنَيْنِ طُول عُمْر الْآخَر ، فَقَدْ يَكُون سِنّهمَا وَاحِدًا ، وَيَمُوت أَحَدهمَا قَبْل الْآخَر .
وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهَا : ( لَا كِبَر سِنّك )
فَلَمْ يُرِدْ بِهِ حَقِيقَة الدُّعَاء ، بَلْ هُوَ جَارٍ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ فِي أَلْفَاظ هَذَا الْبَاب .
قَوْله : ( تَلُوث خِمَارهَا )
هُوَ بِالْمُثَلَّثَةِ فِي آخِره أَيْ تُدِيرهُ عَلَى رَأْسِهَا .


4713 - قَوْله : ( عَنْ أَبِي حَمْزَة الْقَصَّاب عَنْ اِبْن عَبَّاس )
أَبُو حَمْزَة هَذَا بِالْحَاءِ وَالزَّاي اِسْمه عِمْرَان بْن أَبِي عَطَاء الْأَسَدِيِّ الْوَاسِطِيّ الْقَصَّاب بَيَّاع الْقَصَب . قَالُوا : وَلَيْسَ لَهُ عَنْ اِبْن عَبَّاس عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَيْر هَذَا الْحَدِيث ، وَلَهُ عَنْ اِبْن عَبَّاس مِنْ قَوْله أَنَّهُ يُكْرَه مُشَارَكَة الْمُسْلِم الْيَهُودِيّ ، وَكُلّ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ أَبُو جَمْرَة عَنْ اِبْن عَبَّاس فَهُوَ بِالْجِيمِ وَالرَّاء ، وَهُوَ نَصْر بْن عِمْرَان الضُّبَعِيُّ ، إِلَّا هَذَا الْقَصَّاب فَلَهُ فِي مُسْلِم هَذَا الْحَدِيث وَحْده ، لَا ذِكْر لَهُ فِي الْبُخَارِيّ .
قَوْله : ( عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : كُنْت أَلْعَب مَعَ الصِّبْيَان فَجَاءَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَتَوَارَيْت خَلْف بَاب ، فَجَاءَ فَحَطَأَنِي حَطْأَة ، وَقَالَ : " اِذْهَبْ اُدْعُ لِي مُعَاوِيَة )
وَفَسَّرَ الرَّاوِي أَيْ قَفَدَنِي . أَمَّا ( حَطَأَنِي ) فَبِحَاءٍ ثُمَّ طَاء مُهْمَلَتَيْنِ وَبَعْدهَا هَمْزَة ، وَ ( قَفَدَنِي ) بِقَافٍ ثُمَّ فَاء ثُمَّ دَال مُهْمَلَة . وَقَوْله : حَطْأَة بِفَتْحِ الْحَاء وَإِسْكَان الطَّاء بَعْدهَا هَمْزَة ، وَهُوَ الضَّرْب بِالْيَدِ مَبْسُوطَة بَيْن الْكَتِفَيْنِ ، وَإِنَّمَا فَعَلَ هَذَا بِابْنِ عَبَّاس مُلَاطَفَة وَتَأْنِيسًا . وَأَمَّا دُعَاؤُهُ عَلَى مُعَاوِيَة أَنْ لَا يَشْبَع حِين تَأَخَّرَ فَفِيهِ الْجَوَابَانِ السَّابِقَانِ : أَحَدهمَا أَنَّهُ جَرَى عَلَى اللِّسَان بِلَا قَصْد ، وَالثَّانِي أَنَّهُ عُقُوبَة لَهُ لِتَأَخُّرِهِ . وَقَدْ فَهِمَ مُسْلِم رَحِمَهُ اللَّه مِنْ هَذَا الْحَدِيث أَنَّ مُعَاوِيَة لَمْ يَكُنْ مُسْتَحِقًّا لِلدُّعَاءِ عَلَيْهِ ، فَلِهَذَا أَدْخَلَهُ فِي هَذَا الْبَاب ، وَجَعَلَهُ غَيْره مِنْ مَنَاقِب مُعَاوِيَة لِأَنَّهُ فِي الْحَقِيقَة يَصِير دُعَاء لَهُ . وَفِي هَذَا الْحَدِيث جَوَاز تَرْك الصِّبْيَان يَلْعَبُونَ بِمَا لَيْسَ بِحَرَامٍ . وَفِيهِ اِعْتِمَاد الصَّبِيّ فِيمَا يُرْسِل فِيهِ مِنْ دُعَاء إِنْسَان وَنَحْوه مِنْ حَمْل هَدِيَّة ، وَطَلَب حَاجَة ، وَأَشْبَاهه . وَفِيهِ جَوَاز إِرْسَال صَبِيّ غَيْره مِمَّنْ يَدُلّ عَلَيْهِ فِي مِثْل هَذَا ، وَلَا يُقَال : هَذَا تَصَرُّف فِي مَنْفَعَة الصَّبِيّ ؛ لِأَنَّ هَذَا قَدْر يَسِير وَرَدَ الشَّرْع بِالْمُسَامَحَةِ بِهِ لِلْحَاجَةِ ، وَاطَّرَدَ بِهِ الْعُرْف وَعَمَل الْمُسْلِمِينَ . وَاَللَّه أَعْلَم .


4714 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ مِنْ شَرِّ النَّاس ذَا الْوَجْهَيْنِ الَّذِي يَأْتِي هَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ ، وَهَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ )
هَذَا الْحَدِيث سَبَقَ شَرْحه ، وَالْمُرَاد مَنْ يَأْتِي كُلّ طَائِفَة ، وَيَظْهَر أَنَّهُ مِنْهُمْ وَمُخَالِف لِلْآخَرِينَ مُبْغِض ، فَإِنْ أَتَى كُلّ طَائِفَة بِالْإِصْلَاحِ فَمَحْمُود .


4715 - سبق شرحه بالباب


4716 - سبق شرحه بالباب


4717 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَيْسَ الْكَذَّاب الَّذِي يُصْلِح بَيْن النَّاس ، وَيَقُول خَيْرًا ، أَوْ يُنْمِي خَيْرًا )
هَذَا الْحَدِيث مُبَيِّن لِمَا ذَكَرْنَاهُ فِي الْبَاب قَبْله ، وَمَعْنَاهُ لَيْسَ الْكَذَّاب الْمَذْمُوم الَّذِي يُصْلِح بَيْن النَّاس ، بَلْ هَذَا مُحْسِن .
قَوْله : ( قَالَ اِبْن شِهَاب : وَلَمْ أَسْمَع يُرَخِّص فِي شَيْء مِمَّا يَقُول النَّاس كَذِب إِلَّا فِي ثَلَاث : الْحَرْب ، وَالْإِصْلَاح بَيْن النَّاس ، وَحَدِيث الرَّجُل اِمْرَأَته ، وَحَدِيث الْمَرْأَة زَوْجهَا )
قَالَ الْقَاضِي : لَا خِلَاف فِي جَوَاز الْكَذِب فِي هَذِهِ الصُّوَر ، وَاخْتَلَفُوا فِي الْمُرَاد بِالْكَذِبِ الْمُبَاح فِيهَا مَا هُوَ ؟ فَقَالَتْ طَائِفَة : هُوَ عَلَى إِطْلَاقه ، وَأَجَازُوا قَوْل مَا لَمْ يَكُنْ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِع لِلْمَصْلَحَةِ ، وَقَالُوا : الْكَذِب الْمَذْمُوم مَا فِيهِ مَضَرَّة ، وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِ إِبْرَاهِيم صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرهمْ } وَ { إِنِّي سَقِيم } وَقَوْله : إِنَّهَا أُخْتِي وَقَوْل مُنَادِي يُوسُف صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { أَيَّتهَا الْعِير إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ } قَالُوا : وَلَا خِلَاف أَنَّهُ لَوْ قَصَدَ ظَالِم قَتْل رَجُل هُوَ عِنْده مُخْتَفٍ وَجَبَ عَلَيْهِ الْكَذِب فِي أَنَّهُ لَا يَعْلَم أَيْنَ هُوَ ، وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ الطَّبَرِيُّ : لَا يَجُوز الْكَذِب فِي شَيْء أَصْلًا . قَالُوا : وَمَا جَاءَ مِنْ الْإِبَاحَة فِي هَذَا الْمُرَاد بِهِ التَّوْرِيَة ، وَاسْتِعْمَال الْمَعَارِيض ، لَا صَرِيح الْكَذِب ، مِثْل أَنْ يَعِد زَوْجَته أَنْ يُحْسِن إِلَيْهَا وَيَكْسُوهَا كَذَا ، وَيَنْوِي إِنْ قَدَّرَ اللَّه ذَلِكَ . وَحَاصِله أَنْ يَأْتِي بِكَلِمَاتٍ مُحْتَمَلَة ، يَفْهَم الْمُخَاطَب مِنْهَا مَا يُطَيِّب قَلْبه . وَإِذَا سَعَى فِي الْإِصْلَاح نَقَلَ عَنْ هَؤُلَاءِ إِلَى هَؤُلَاءِ كَلَامًا جَمِيلًا ، وَمِنْ هَؤُلَاءِ إِلَى هَؤُلَاءِ كَذَلِكَ وَوَرَّى وَكَذَا فِي الْحَرْب بِأَنْ يَقُول لِعَدُوِّهِ : مَاتَ إِمَامكُمْ الْأَعْظَم ، وَيَنْوِي إِمَامهمْ فِي الْأَزْمَان الْمَاضِيَة : أَوْ غَدًا يَأْتِينَا مَدَد أَيْ طَعَام وَنَحْوه . هَذَا مِنْ الْمَعَارِيض الْمُبَاحَة ، فَكُلّ هَذَا جَائِز . وَتَأَوَّلُوا قِصَّة إِبْرَاهِيم وَيُوسُف وَمَا جَاءَ مِنْ هَذَا عَلَى الْمَعَارِيض . وَاَللَّه أَعْلَم . وَأَمَّا كَذِبه لِزَوْجَتِهِ وَكَذِبهَا لَهُ فَالْمُرَاد بِهِ فِي إِظْهَار الْوُدّ وَالْوَعْد بِمَا لَا يَلْزَم وَنَحْو ذَلِكَ ، فَأَمَّا الْمُخَادَعَة فِي مَنْع مَا عَلَيْهِ أَوْ عَلَيْهَا ، أَوْ أَخْذ مَا لَيْسَ لَهُ أَوْ لَهَا فَهُوَ حَرَام بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ . وَاَللَّه أَعْلَم .


وَهِيَ نَقْل كَلَام النَّاس بَعْضهمْ إِلَى بَعْض عَلَى جِهَة الْإِفْسَاد .


4718 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَلَا أُنَبِّئكُمْ مَا الْعَضْه ؟ هِيَ النَّمِيمَة الْقَالَة بَيْن النَّاس )
هَذِهِ اللَّفْظَة رَوَوْهَا عَلَى وَجْهَيْنِ : أَحَدهمَا ( الْعِضَهُ ) بِكَسْرِ الْعَيْن وَفَتْح الضَّاد الْمُعْجَمَة عَلَى وَزْن الْعِدَة وَالزِّنَة ، وَالثَّانِي ( الْعَضْه ) بِفَتْحِ الْعَيْن وَإِسْكَان الضَّاد عَلَى وَزْن الْوَجْه ، وَهَذَا الثَّانِي هُوَ الْأَشْهَر فِي رِوَايَات بِلَادنَا ، وَالْأَشْهَر فِي كُتُب الْحَدِيث وَكُتُب غَرِيبه ، وَالْأَوَّل أَشْهَر فِي كُتُب اللُّغَة وَنَقَلَ الْقَاضِي أَنَّهُ رِوَايَة أَكْثَر شُيُوخهمْ ، وَتَقْدِير الْحَدِيث وَاَللَّه أَعْلَم أَلَا أُنَبِّئكُمْ مَا الْعَضْه الْفَاحِش الْغَلِيظ التَّحْرِيم ؟ .


4719 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ الصِّدْق يَهْدِي إِلَى الْبِرّ ، وَإِنَّ الْبِرّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّة ، وَإِنَّ الْكَذِب يَهْدِي إِلَى الْفُجُور ، وَإِنَّ الْفُجُور يَهْدِي إِلَى النَّار )
قَالَ الْعُلَمَاء : مَعْنَاهُ أَنَّ الصِّدْق يَهْدِي إِلَى الْعَمَل الصَّالِح الْخَالِص مِنْ كُلّ مَذْمُوم ، وَالْبِرّ اِسْم جَامِع لِلْخَيْرِ كُلّه . وَقِيلَ : الْبِرّ الْجَنَّة . وَيَجُوز أَنْ يَتَنَاوَل الْعَمَل الصَّالِح وَالْجَنَّة . وَأَمَّا الْكَذِب فَيُوصِل إِلَى الْفُجُور ، وَهُوَ الْمَيْل عَنْ الِاسْتِقَامَة ، وَقِيلَ ؛ الِانْبِعَاث فِي الْمَعَاصِي .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَإِنَّ الرَّجُل لَيَصْدُق حَتَّى يُكْتَب عِنْد اللَّه صِدِّيقًا ، وَإِنَّ الرَّجُل لَيَكْذِب حَتَّى يُكْتَب عِنْد اللَّه كَذَّابًا ) وَفِي رِوَايَة ( لِيَتَحَرَّى الصِّدْق وَلِيَتَحَرَّى الْكَذِب ) وَفِي رِوَايَة ( عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ فَإِنَّ الصِّدْق يَهْدِي إِلَى الْبِرّ . وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِب ) قَالَ الْعُلَمَاء : هَذَا فِيهِ حَثٌّ عَلَى تَحَرِّي الصِّدْق ، وَهُوَ قَصْده ، وَالِاعْتِنَاء بِهِ ، وَعَلَى التَّحْذِير مِنْ الْكَذِب وَالتَّسَاهُل فِيهِ ؛ فَإِنَّهُ إِذَا تَسَاهَلَ فِيهِ كَثُرَ مِنْهُ ، فَعُرِفَ بِهِ ، وَكَتَبَهُ اللَّه لِمُبَالَغَتِهِ صِدِّيقًا إِنْ اِعْتَادَهُ ، أَوْ كَذَّابًا إِنْ اِعْتَادَهُ . وَمَعْنَى يُكْتَب هُنَا يُحْكَم لَهُ بِذَلِكَ ، وَيَسْتَحِقّ الْوَصْف بِمَنْزِلَةِ الصِّدِّيقِينَ وَثَوَابهمْ ، أَوْ صِفَة الْكَذَّابِينَ وَعِقَابهمْ ، وَالْمُرَاد إِظْهَار ذَلِكَ لِلْمَخْلُوقِينَ إِمَّا بِأَنْ يَكْتُبهُ فِي ذَلِكَ لِيَشْتَهِر بِحَظِّهِ مِنْ الصِّفَتَيْنِ فِي الْمَلَأ الْأَعْلَى ، وَإِمَّا بِأَنْ يُلْقِي ذَلِكَ فِي قُلُوب النَّاس وَأَلْسِنَتهمْ ، وَكَمَا يُوضَع لَهُ الْقَبُول وَالْبَغْضَاء وَإِلَّا فَقَدَر اللَّه تَعَالَى وَكِتَابه السَّابِق بِكُلِّ ذَلِكَ . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَاعْلَمْ أَنَّ الْمَوْجُود فِي جَمِيع نُسَخ الْبُخَارِيّ وَمُسْلِم بِبِلَادِنَا وَغَيْرهَا أَنَّهُ لَيْسَ فِي مَتْن الْحَدِيث إِلَّا مَا ذَكَرْنَاهُ ، وَكَذَا نَقَلَهُ الْقَاضِي عَنْ جَمِيع النُّسَخ ، وَكَذَا نَقَلَهُ الْحُمَيْدِيُّ . وَنَقَلَ أَبُو مَسْعُود الدِّمَشْقِيّ عَنْ كِتَاب مُسْلِم فِي حَدِيث اِبْن مُثَنَّى وَابْن بَشَّار زِيَادَة ( وَإِنَّ شَرَّ الرَّوَايَا رَوَايَا الْكَذِب ، وَإِنَّ الْكَذِب لَا يَصْلُح مِنْهُ جِدّ وَلَا هَزْل ، وَلَا يَعِد الرَّجُل صَبِيّه ثُمَّ يُخْلِفهُ ) وَذَكَرَ أَبُو مَسْعُود أَنَّ مُسْلِمًا رَوَى هَذِهِ الزِّيَادَة فِي كِتَابه . وَذَكَرَهَا أَيْضًا أَبُو بَكْر الْبُرْقَانِيّ فِي هَذَا الْحَدِيث . قَالَ الْحُمَيْدِيُّ : وَلَيْسَتْ عِنْدنَا فِي كِتَاب مُسْلِم . قَالَ الْقَاضِي : ( الرَّوَايَا ) هُنَا جَمْع رَوِيَّة ، وَهِيَ مَا يَتَرَوَّى فِيهِ الْإِنْسَان وَيَسْتَعِدّ لَهُ أَمَام عَمَله . وَقَوْله : قَالَ ، وَقِيلَ جَمْع رَاوِيَة ، أَيْ حَامِل وَنَاقِل لَهُ . وَاَللَّه أَعْلَم .


4720 - سبق شرحه بالباب


4722 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَا تَعُدُّونَ الرَّقُوب فِيكُمْ ؟ قَالَ : قُلْنَا : الَّذِي لَا يُولَد لَهُ . قَالَ : لَيْسَ ذَلِكَ بِالرَّقُوبِ ، وَلَكِنَّهُ الرَّجُل الَّذِي لَمْ يُقَدِّم مِنْ وَلَده شَيْئًا قَالَ : فَمَا تَعُدُّونَ الصُّرَعَة فِيكُمْ ؟ قُلْنَا : الَّذِي لَا يَصْرَعهُ الرِّجَال . قَالَ : لَيْسَ بِذَلِكَ ، وَلَكِنَّهُ الَّذِي يَمْلِك نَفْسه عِنْد الْغَضَب )
أَمَّا ( الرَّقُوب ) فَبِفَتْحِ الرَّاء وَتَخْفِيف الْقَاف . وَالصُّرَعَة بِضَمِّ الصَّاد وَفَتْح الرَّاء ، وَأَصْله فِي كَلَام الْعَرَب الَّذِي يَصْرَع النَّاس كَثِيرًا . وَأَصْل الرَّقُوب فِي كَلَام الْعَرَب الَّذِي لَا يَعِيش لَهُ وَلَد . وَمَعْنَى الْحَدِيث أَنَّكُمْ تَعْتَقِدُونَ أَنَّ الرَّقُوب الْمَحْزُون هُوَ الْمُصَاب بِمَوْتِ أَوْلَاده ، وَلَيْسَ هُوَ كَذَلِكَ شَرْعًا ، بَلْ هُوَ مَنْ لَمْ يَمُتْ أَحَد مِنْ أَوْلَاده فِي حَيَاته فَيَحْتَسِبهُ يُكْتَب لَهُ ثَوَاب مُصِيبَته بِهِ ، وَثَوَاب صَبْره عَلَيْهِ ، وَيَكُون لَهُ فَرَطًا وَسَلَفًا . وَكَذَلِكَ تَعْتَقِدُونَ أَنَّ الصُّرَعَة الْمَمْدُوح الْقَوِيّ الْفَاضِل هُوَ الْقَوِيّ الَّذِي لَا يَصْرَعهُ الرِّجَال ، بَلْ يَصْرَعهُمْ ، وَلَيْسَ هُوَ كَذَلِكَ شَرْعًا ، بَلْ هُوَ مَنْ يَمْلِك نَفْسه عِنْد الْغَضَب ، فَهَذَا هُوَ الْفَاضِل الْمَمْدُوح الَّذِي قَلَّ مَنْ يَقْدِر عَلَى التَّخَلُّق بِخُلُقِهِ وَمُشَارَكَته فِي فَضِيلَته بِخِلَافِ الْأَوَّل . وَفِي الْحَدِيث فَضْل مَوْت الْأَوْلَاد ، وَالصَّبْر عَلَيْهِمْ ، وَيَتَضَمَّن الدَّلَالَة لِمَذْهَبِ مَنْ يَقُول بِتَفْضِيلِ التَّزَوُّج ، وَهُوَ مَذْهَب أَبِي حَنِيفَة وَبَعْض أَصْحَابنَا ، وَسَبَقَتْ الْمَسْأَلَة فِي النِّكَاح . وَفِيهِ كَظْم الْغَيْظ ، وَإِمْسَاك النَّفْس عِنْد الْغَضَب عَنْ الِانْتِصَار وَالْمُخَاصَمَة وَالْمُنَازَعَة .


4723 - سبق شرحه بالباب


4724 - سبق شرحه بالباب


4725 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الَّذِي اِشْتَدَّ غَضَبه : ( إِنِّي لَأَعْرِف كَلِمَة لَوْ قَالَهَا لَذَهَبَ عَنْهُ الَّذِي يَجِد : أَعُوذ بِاَللَّهِ مِنْ الشَّيْطَان الرَّجِيم )
فِيهِ أَنَّ الْغَضَب فِي غَيْر اللَّه تَعَالَى مِنْ نَزْغ الشَّيْطَان ، وَأَنَّهُ يَنْبَغِي لِصَاحِبِ الْغَضَب أَنْ يَسْتَعِيذ فَيَقُول : أَعُوذ بِاَللَّهِ مِنْ الشَّيْطَان الرَّجِيم ، وَأَنَّهُ سَبَب لِزَوَالِ الْغَضَب .
وَأَمَّا قَوْل هَذَا الرَّجُل الَّذِي اِشْتَدَّ غَضَبه : هَلْ تَرَى بِي مِنْ جُنُون ؟
فَهُوَ كَلَام مَنْ لَمْ يَفْقَه فِي دِين اللَّه تَعَالَى ، وَلَمْ يَتَهَذَّب بِأَنْوَارِ الشَّرِيعَة الْمُكَرَّمَة ، وَتَوَهَّمَ أَنَّ الِاسْتِعَاذَة مُخْتَصَّة بِالْمَجْنُونِ ، وَلَمْ يَعْلَم أَنَّ الْغَضَب مِنْ نَزَغَات الشَّيْطَان ، وَلِهَذَا يَخْرُج بِهِ الْإِنْسَان عَنْ اِعْتِدَال حَاله ، وَيَتَكَلَّم بِالْبَاطِلِ ، وَيَفْعَل الْمَذْمُوم ، وَيَنْوِي الْحِقْد وَالْبُغْض وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ الْقَبَائِح الْمُتَرَتِّبَة عَلَى الْغَضَب ، لِهَذَا قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي قَالَ لَهُ : أَوْصِنِي قَالَ : " لَا تَغْضَب " فَرَدَّدَ مِرَارًا قَالَ " لَا تَغْضَب " فَلَمْ يَزِدْهُ فِي الْوَصِيَّة عَلَى لَا تَغْضَب مَعَ تَكْرَاره الطَّلَب ، وَهَذَا دَلِيل ظَاهِر فِي عِظَم مَفْسَدَة الْغَضَب وَمَا يَنْشَأ مِنْهُ . وَيَحْتَمِل أَنَّ هَذَا الْقَائِل : هَلْ تَرَى بِي مِنْ جُنُون كَانَ مِنْ الْمُنَافِقِينَ ، أَوْ مِنْ جُفَاة الْأَعْرَاب . وَاَللَّه أَعْلَم .


4726 - سبق شرحه بالباب


4727 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( يُطِيف بِهِ )
قَالَ أَهْل اللُّغَة : طَافَ بِالشَّيْءِ يَطُوف طَوْفًا وَطَوَافًا ، وَأَطَافَ يُطِيف إِذَا اِسْتَدَارَ حَوَالَيْهِ .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَلَمَّا رَآهُ أَجْوَف )
عُلِمَ أَنَّهُ خُلِقَ خَلْقًا لَا يَتَمَالَك . الْأَجْوَف صَاحِب الْجَوْف ، وَقِيلَ : هُوَ الَّذِي دَاخِله خَال .
وَمَعْنَى ( لَا يَتَمَالَك )
لَا يَمْلِك نَفْسه وَيَحْبِسهَا عَنْ الشَّهَوَات ، وَقِيلَ : لَا يَمْلِك دَفْع الْوَسْوَاس عَنْهُ ، وَقِيلَ : لَا يَمْلِك نَفْسه عِنْد الْغَضَب ، وَالْمُرَاد جِنْس بَنِي آدَم .


4728 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِذَا قَاتَلَ أَحَدكُمْ أَخَاهُ فَلْيَجْتَنِبْ )
وَفِي رِوَايَة : ( إِذَا ضَرَبَ أَحَدكُمْ ) وَفِي رِوَايَة : ( لَا يَلْطِمَنَّ الْوَجْه ) وَفِي رِوَايَة : ( إِذَا قَاتَلَ أَحَدكُمْ أَخَاهُ فَلْيَجْتَنِبْ الْوَجْه ، فَإِنَّ اللَّه خَلَقَ آدَم عَلَى صُورَته ) قَالَ الْعُلَمَاء : هَذَا تَصْرِيح بِالنَّهْيِ عَنْ ضَرْب الْوَجْه ؛ لِأَنَّهُ لَطِيف يَجْمَع الْمَحَاسِن ، وَأَعْضَاؤُهُ نَفِيسَة لَطِيفَة ، وَأَكْثَر الْإِدْرَاك بِهَا ؛ فَقَدْ يُبْطِلهَا ضَرْب الْوَجْه ، وَقَدْ يُنْقِصُهَا ، وَقَدْ يُشَوِّه الْوَجْه ، وَالشَّيْن فِيهِ فَاحِش ؛ وَلِأَنَّهُ بَارِز ظَاهِر لَا يُمْكِن سَتْره ، وَمَتَى ضَرَبَهُ لَا يَسْلَم مِنْ شَيْن غَالِبًا ، وَيَدْخُل فِي النَّهْي إِذَا ضَرَبَ زَوْجَته أَوْ وَلَده أَوْ عَبْده ضَرْب تَأْدِيب فَلْيَجْتَنِبْ الْوَجْه .


4729 - سبق شرحه بالباب


4730 - سبق شرحه بالباب


4731 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَإِنَّ اللَّه خَلَقَ آدَم عَلَى صُورَته )
فَهُوَ مِنْ أَحَادِيث الصِّفَات ، وَقَدْ سَبَقَ فِي كِتَاب الْإِيمَان بَيَانُ حُكْمهَا وَاضِحًا وَمَبْسُوطًا ، وَأَنَّ مِنْ الْعُلَمَاء مَنْ يُمْسِك عَنْ تَأْوِيلهَا ، وَيَقُول : نُؤْمِن بِأَنَّهَا حَقٌّ ، وَأَنَّ ظَاهِرهَا غَيْر مُرَاد ، وَلَهَا مَعْنَى يَلِيق بِهَا ، وَهَذَا مَذْهَب جُمْهُور السَّلَف ، وَهُوَ أَحْوَط وَأَسْلَم . وَالثَّانِي أَنَّهَا تُتَأَوَّل عَلَى حَسَب مَا يَلِيق بِتَنْزِيهِ اللَّه تَعَالَى ، وَأَنَّهُ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء . قَالَ الْمَازِرِيُّ : هَذَا الْحَدِيث بِهَذَا اللَّفْظ ثَابِت ، وَرَوَاهُ بَعْضهمْ : ( إِنَّ اللَّه خَلَقَ آدَم عَلَى صُورَة الرَّحْمَن ) ، وَلَيْسَ بِثَابِتٍ عِنْد أَهْل الْحَدِيث ، وَكَأَنَّ مَنْ نَقَلَهُ رَوَاهُ بِالْمَعْنَى الَّذِي وَقَعَ لَهُ ، وَغَلِطَ فِي ذَلِكَ . قَالَ الْمَازِرِيُّ : وَقَدْ غَلِطَ اِبْن قُتَيْبَة فِي هَذَا الْحَدِيث ، فَأَجْرَاهُ عَلَى ظَاهِره ، قَالَ : لِلَّهِ تَعَالَى صُورَة لَا كَالصُّوَرِ . وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ ظَاهِر الْفَسَاد ؛ لِأَنَّ الصُّورَة تُفِيد التَّرْكِيب ، وَكُلّ مُرَكَّب مُحْدَث ، وَاَللَّه تَعَالَى لَيْسَ هُوَ مُرَكَّبًا ، فَلَيْسَ مُصَوَّرًا . قَالَ : وَهَذَا كَقَوْلِ الْمُجَسِّمَة : جِسْم لَا كَالْأَجْسَامِ لَمَّا رَأَوْا أَهْل السُّنَّة يَقُولُونَ : الْبَارِي سُبْحَانه وَتَعَالَى شَيْء لَا كَالْأَشْيَاءِ طَرَدُوا الِاسْتِعْمَال فَقَالُوا : جِسْم لَا كَالْأَجْسَامِ . وَالْفَرْق أَنَّ لَفْظ شَيْء لَا يُفِيد الْحُدُوث ، وَلَا يَتَضَمَّن مَا يَقْتَضِيه ، وَأَمَّا جِسْم وَصُورَة فَيَتَضَمَّنَانِ التَّأْلِيف وَالتَّرْكِيب ، وَذَلِكَ دَلِيل الْحُدُوث . قَالَ : الْعَجَب مِنْ اِبْن قُتَيْبَة فِي قَوْله : صُورَة لَا كَالصُّوَرِ ، مَعَ أَنَّ ظَاهِر الْحَدِيث عَلَى رَأْيه يَقْتَضِي خَلْق آدَم عَلَى صُورَته ، فَالصُّورَتَانِ عَلَى رَأْيه سَوَاء ، فَإِذَا قَالَ : لَا كَالصُّوَرِ تَنَاقَض قَوْله . وَيُقَال لَهُ أَيْضًا : إِنْ أَرَدْت بِقَوْلِك : صُورَة لَا كَالصُّوَرِ أَنَّهُ لَيْسَ بِمُؤَلَّفٍ وَلَا مُرَكَّب فَلَيْسَ بِصُورَةٍ حَقِيقِيَّة ، وَلَيْسَتْ اللَّفْظَة عَلَى ظَاهِرهَا ، وَحِينَئِذٍ يَكُون مُوَافِقًا عَلَى اِفْتِقَاره إِلَى التَّأْوِيل ، وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي تَأْوِيله فَقَالَتْ طَائِفَة : الضَّمِير فِي ( صُورَته ) عَائِد عَلَى الْأَخ الْمَضْرُوب ، وَهَذَا ظَاهِر رِوَايَة مُسْلِم ، وَقَالَتْ طَائِفَة : يَعُود إِلَى آدَم ، وَفِيهِ ضَعْف ، وَقَالَتْ طَائِفَة : يَعُود إِلَى اللَّه تَعَالَى ، وَيَكُون الْمُرَاد إِضَافَة تَشْرِيف وَاخْتِصَاص كَقَوْلِهِ تَعَالَى : { نَاقَة اللَّه } وَكَمَا يُقَال فِي الْكَعْبَة : بَيْت اللَّه وَنَظَائِره . وَاَللَّه أَعْلَم .


4732 - قَوْله : ( حَدَّثَنَا قَتَادَةُ عَنْ يَحْيَى بْن مَالِك الْمَرَاغِيّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة )
( الْمَرَاغِيّ ) بِفَتْحِ الْمِيم وَبِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَة مَنْسُوب إِلَى الْمَرَاغَة بَطْن مِنْ الْأَزْدِ ، لَا إِلَى الْبَلَد الْمَعْرُوفَة بِالْمَرَاغَةِ مِنْ بِلَاد الْعَجَم . وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنْ ضَبْطه ، وَأَنَّهُ مُنْتَسِب إِلَى بَطْن مِنْ الْأَزْدِ هُوَ الصَّحِيح الْمَشْهُور ، وَلَمْ يَذْكُر الْجُمْهُور غَيْره وَذَكَرَ اِبْن جَرِير الطَّبَرِيُّ أَنَّهُ مَنْسُوب إِلَى مَوْضِع بِنَاحِيَةِ عُمَان ، وَذَكَرَ الْحَافِظ عَبْد الْغَنِيّ الْمَقْدِسِيُّ أَنَّهُ الْمُرَاغِيّ بِضَمِّ الْمِيم ، وَلَعَلَّهُ تَصْحِيف مِنْ النَّاسِخ . وَالْمَشْهُور الْفَتْح ، وَهُوَ الَّذِي صَرَّحَ بِهِ أَبُو عَلِيّ الْغَسَّانِيّ الْجَيَّانِيّ ، وَالْقَاضِي فِي الْمَشَارِق ، وَالسَّمْعَانِيّ فِي الْأَنْسَاب ، وَخَلَائِق ، وَهُوَ الْمَعْرُوف فِي الرِّوَايَة وَكُتُبِ الْحَدِيث . قَالَ السَّمْعَانِيّ : وَقِيلَ : إِنَّهُ بِكَسْرِ الْمِيم . قَالَ : وَالْمَشْهُور الْفَتْح . وَاَللَّه أَعْلَم .


4733 - سبق شرحه بالباب


4734 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ اللَّه يُعَذِّب الَّذِينَ يُعَذَّبُونَ النَّاس )
هَذَا مَحْمُول عَلَى التَّعْذِيب بِغَيْرِ حَقٍّ ، فَلَا يَدْخُل فِيهِ التَّعْذِيب بِحَقٍّ كَالْقِصَاصِ ، وَالْحُدُود ، وَالتَّعْزِير ، وَنَحْو ذَلِكَ .
قَوْله : ( أُنَاس مِنْ الْأَنْبَاط )
هُمْ فَلَّاحُو الْعَجَم .
قَوْله : ( وَأَمِيرهمْ يَوْمئِذٍ عُمَيْر بْن سَعْد )
هَكَذَا هُوَ فِي مُعْظَم النُّسَخ : ( عُمَيْر ) بِالتَّصْغِيرِ . اِبْن سَعْد بِإِسْكَانِ الْعَيْن مِنْ غَيْر يَاء ، وَفِي بَعْضهَا ( عُمَيْر بْن سَعِيد ) بِكَسْرِ الْعَيْن وَزِيَادَة يَاء . قَالَ الْقَاضِي : الْأَوَّل هُوَ الْمَوْجُود لِأَكْثَر شُيُوخنَا ، وَفِي أَكْثَر النُّسَخ وَأَكْثَر الرِّوَايَات ، وَهُوَ الصَّوَاب ، وَهُوَ عُمَيْر بْن سَعْد بْن عُمَيْر الْأَنْصَارِيّ الْأَوْسِيّ مِنْ بَنِي عَمْرو بْن عَوْف ، وَلَّاهُ عُمَر بْن الْخَطَّاب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ حِمْص ، وَكَانَ يُقَال لَهُ : يُسَبِّح ، وَجَدُّهُ أَبُو زَيْد الْأَنْصَارِيّ أَحَد الَّذِينَ جَمَعُوا الْقُرْآن وَاَللَّه أَعْلَم .
قَوْله : ( أَمِيرهمْ عَلَى فِلَسْطِين )
هِيَ بِكَسْرِ الْفَاء وَفَتْح اللَّام ، وَهِيَ بِلَاد بَيْت الْمَقْدِس وَمَا حَوْلهَا .
قَوْله : ( فَأَمَرَ بِهِمْ فَخُلُّوا )
ضَبَطُوهُ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وَالْمُهْمَلَة ، وَالْمُعْجَمَة أَشْهَر وَأَحْسَن .


4735 - سبق شرحه بالباب


4736 - فِيهِ هَذَا الْأَدَب ، وَهُوَ الْإِمْسَاك بِنِصَالِهَا عِنْد إِرَادَة الْمُرُور بَيْن النَّاس فِي مَسْجِد أَوْ سُوق أَوْ غَيْرهمَا . وَالنُّصُول وَالنِّصَال جَمْع نَصْل ، وَهُوَ حَدِيدَة السَّهْم . وَفِيهِ اِجْتِنَاب كُلّ مَا يُخَاف مِنْهُ ضَرَر .


4737 - وَأَمَّا قَوْل أَبِي مُوسَى : ( سَدَّدْنَاهَا بَعْضنَا فِي وُجُوه بَعْض )
أَيْ قَوَّمْنَاهَا إِلَى وُجُوههمْ ، وَهُوَ بِالسِّينِ الْمُهْمَلَة مِنْ السَّدَاد ، وَهُوَ الْقَصْد وَالِاسْتِقَامَة .


4740 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( لِلَّذِي يَمُرّ بِالنَّبْلِ فِي الْمَسْجِد : فَلْيُمْسِكْ عَلَى نِصَالهَا لِئَلَّا يُصِيب بِهَا أَحَدًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ )
فِيهِ هَذَا الْأَدَب ، وَهُوَ الْإِمْسَاك بِنِصَالِهَا عِنْد إِرَادَة الْمُرُور بَيْن النَّاس فِي مَسْجِد أَوْ سُوق أَوْ غَيْرهمَا . وَالنُّصُول وَالنِّصَال جَمْع نَصْل ، وَهُوَ حَدِيدَة السَّهْم . وَفِيهِ اِجْتِنَاب كُلّ مَا يُخَاف مِنْهُ ضَرَر .


4741 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ أَشَارَ إِلَى أَخِيهِ بِحَدِيدَةٍ فَإِنَّ الْمَلَائِكَة تَلْعَنهُ ، حَتَّى وَإِنْ كَانَ أَخَاهُ لِأَبِيهِ وَأُمّه )
، فِيهِ تَأْكِيد حُرْمَة الْمُسْلِم ، وَالنَّهْي الشَّدِيد عَنْ تَرْوِيعه وَتَخْوِيفه وَالتَّعَرُّض لَهُ بِمَا قَدْ يُؤْذِيه . وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَإِنْ كَانَ أَخَاهُ لِأَبِيهِ وَأُمّه ) مُبَالَغَة فِي إِيضَاح عُمُوم النَّهْي فِي كُلّ أَحَد ، سَوَاء مَنْ يُتَّهَم فِيهِ ، وَمَنْ لَا يُتَّهَم ، وَسَوَاء كَانَ هَذَا هَزْلًا وَلَعِبًا ، أَمْ لَا ؛ لِأَنَّ تَرْوِيع الْمُسْلِم حَرَام بِكُلِّ حَال ، وَلِأَنَّهُ قَدْ يَسْبِقهُ السِّلَاح كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى ، وَلَعْن الْمَلَائِكَة لَهُ يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ حَرَام . وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَإِنَّ الْمَلَائِكَة تَلْعَنهُ حَتَّى وَإِنْ كَانَ ) هَكَذَا فِي عَامَّة النُّسَخ ، وَفِيهِ مَحْذُوف ، وَتَقْدِيره حَتَّى يَدَعهُ ، وَكَذَا وَقَعَ فِي بَعْض النُّسَخ .


4742 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا يُشِير أَحَدكُمْ إِلَى أَخِيهِ بِالسِّلَاحِ فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَحَدكُمْ لَعَلَّ الشَّيْطَان يَنْزِع فِي يَده )
كَذَا هُوَ فِي جَمِيع النُّسَخ ( لَا يُشِير ) بِالْيَاءِ بَعْد السِّين ، وَهُوَ صَحِيح ، وَهُوَ نَهْي بِلَفْظِ الْخَبَر كَقَوْلِهِ تَعَالَى : { لَا تُضَارّ وَالِدَة } وَقَدْ قَدَّمْنَا مَرَّات أَنَّ هَذَا أَبْلَغ مِنْ لَفْظ النَّهْي . و ( لَعَلَّ الشَّيْطَان يَنْزِع ) ضَبَطْنَاهُ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَة ، وَكَذَا نَقَلَهُ الْقَاضِي عَنْ جَمِيع رِوَايَات مُسْلِم ، وَكَذَا هُوَ فِي نُسَخ بِلَادنَا ، وَمَعْنَاهُ يَرْمِي فِي يَده ، وَيُحَقِّق ضَرْبَته وَرَمْيَته . وَرُوِيَ فِي غَيْر مُسْلِم بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَة ، وَهُوَ بِمَعْنَى الْإِغْرَاء أَيْ يَحْمِل عَلَى تَحْقِيق الضَّرْب بِهِ ، وَيُزَيَّن ذَلِكَ .


هَذِهِ الْأَحَادِيث الْمَذْكُورَة فِي الْبَاب ظَاهِرَة فِي فَضْل إِزَالَة الْأَذَى عَنْ الطَّرِيق ، سَوَاء كَانَ الْأَذَى شَجَرَة تُؤْذِي ، أَوْ غُصْن شَوْك ، أَوْ حَجَرًا يُعْثَر بِهِ ، أَوْ قَذَرًا ، أَوْ جِيفَة وَغَيْر ذَلِكَ . وَإِمَاطَة الْأَذَى عَنْ الطَّرِيق مِنْ شُعَب الْإِيمَان كَمَا سَبَقَ فِي الْحَدِيث الصَّحِيح . وَفِيهِ التَّنْبِيه عَلَى فَضِيلَة كُلّ مَا نَفَعَ الْمُسْلِمِينَ، وَأَزَالَ عَنْهُمْ ضَرَرًا .


4743 - سبق شرحه بالباب


4744 - سبق شرحه بالباب


4745 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( رَأَيْت رَجُلًا يَتَقَلَّب فِي الْجَنَّة فِي شَجَرَة قَطَعَهَا مِنْ ظَهْر الطَّرِيق )
أَيْ يَتَنَعَّم فِي الْجَنَّة بِمَلَاذِهَا بِسَبَبِ قَطْعه الشَّجَرَة .


4746 - سبق شرحه بالباب


4747 - قَوْله : ( عَنْ أَبَانَ بْن صَمْعَة قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو الْوَازِع )
أَمَّا ( أَبَان ) فَقَدْ سَبَقَ فِي مُقَدِّمَة الْكِتَاب أَنَّهُ يَجُوز صَرْفه وَتَرْكه ، وَالصَّرْف أَجْوَد ، وَهُوَ قَوْل الْأَكْثَرِينَ . ( وَصَمْعَة ) بِصَادٍ مُهْمَلَة مَفْتُوحَة ثُمَّ مِيم سَاكِنَة ثُمَّ عَيْن مُهْمَلَة . قِيلَ : إِنَّ أَبَانَا هَذَا هُوَ وَالِد عُتْبَة الْغُلَام الزَّاهِد الْمَشْهُور ، وَ ( أَبُو الْوَازِع ) بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَة اِسْمه جَابِر بْن عَمْرو الرَّاسِبِيّ بِكَسْرِ السِّين الْمُهْمَلَة وَبَعْدهَا بَاء مُوَحَّدَة ، وَهِيَ نِسْبَة إِلَى بَنِي رَاسِب قَبِيلَة مَعْرُوفَة نَزَلَتْ الْبَصْرَة .


4748 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَأَمِرَّ الْأَذَى عَنْ الطَّرِيق )
هَكَذَا هُوَ فِي مُعْظَم النُّسَخ ، وَكَذَا نَقَلَهُ الْقَاضِي عَنْ عَامَّة الرُّوَاة بِتَشْدِيدِ الرَّاء ، وَمَعْنَاهُ أَزِلْهُ . وَفِي بَعْضهَا ( وَأَمِزَ ) بِزَايٍ مُخَفَّفَة ، وَهِيَ بِمَعْنَى الْأَوَّل .


فِيهِ حَدِيث الْمَرْأَة ، وَقَدْ سَبَقَ شَرْحه فِي كِتَاب قَتْل الْحَيَّات ، وَسَبَقَ هُنَاكَ أَنَّ ( خَشَاش الْأَرْض ) بِفَتْحِ الْخَاء الْمُعْجَمَة وَضَمّهَا وَكَسْرهَا أَيْ هَوَامّهَا وَحَشَرَاتهَا ، وَرُوِيَ عَلَى غَيْر هَذَا مِمَّا ذَكَرْنَاهُ هُنَاكَ . وَمَعْنَى ( عُذِّبَتْ فِي هِرَّة ) أَيْ بِسَبَبِهَا .


4749 - سبق شرحه بالباب


4750 - سبق شرحه بالباب


4751 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مِنْ جَرَّاء هِرَّة )
أَيْ مِنْ أَجْلهَا يُمَدّ وَيُقْصَر ، يُقَال : مِنْ جَرَّائِك ، وَمِنْ جَرَّاك ، وَجَرِيرك ، وَأَجْلك بِمَعْنًى .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( تُرَمْرِم مِنْ خَشَاش الْأَرْض )
هَكَذَا هُوَ فِي أَكْثَر النُّسَخ : ( تُرَمْرِم ) بِضَمِّ التَّاء وَكَسْر الرَّاء الثَّانِيَة . وَفِي بَعْضهَا ( تُرَمِّم ) بِضَمِّ التَّاء وَكَسْر الْمِيم الْأُولَى وَرَاء وَاحِدَة . وَفِي بَعْضهَا ( تُرَمَّم ) بِفَتْحِ التَّاء وَالْمِيم أَيْ تَتَنَاوَل ذَلِكَ بِشَفَتَيْهَا .


" 6107 "
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( الْعِزّ إِزَاره ، وَالْكِبْرِيَاء رِدَاؤُهُ ، فَمَنْ يُنَازِعنِي عَذَّبْته )
هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيع النُّسَخ فَالضَّمِير فِي : ( إِزَاره وَرِدَاؤُهُ ) يَعُود إِلَى اللَّه تَعَالَى لِلْعِلْمِ بِهِ ، وَفِيهِ مَحْذُوف تَقْدِيره : قَالَ اللَّه تَعَالَى : { وَمَنْ يُنَازِعنِي ذَلِكَ أُعَذِّبهُ } . وَمَعْنَى ( يُنَازِعنِي ) يَتَخَلَّق بِذَلِكَ ، فَيَصِير فِي مَعْنَى الْمُشَارِك ، وَهَذَا وَعِيد شَدِيد فِي الْكِبْر مُصَرِّح بِتَحْرِيمِهِ . وَأَمَّا تَسْمِيَته إِزَارًا وَرِدَاء فَمَجَاز وَاسْتِعَارَة حَسَنَة كَمَا تَقُول الْعَرَب : فُلَان شِعَاره الزُّهْد ، وَدِثَاره التَّقْوَى لَا يُرِيدُونَ الثَّوْب الَّذِي هُوَ شِعَار أَوْ دِثَار ، بَلْ مَعْنَاهُ صِفَته ، كَذَا قَالَ الْمَازِرِيُّ . وَمَعْنَى الِاسْتِعَارَة هُنَا أَنَّ الْإِزَار وَالرِّدَاء يُلْصَقَانِ بِالْإِنْسَانِ ، وَيَلْزَمَانِهِ ، وَهُمَا جَمَال لَهُ . قَالَ : فَضَرَبَ ذَلِكَ مَثَلًا لِكَوْنِ الْعِزّ وَالْكِبْرِيَاء بِاَللَّهِ تَعَالَى أَحَقَّ ، وَلَهُ أَلْزَم ، وَاقْتَضَاهُمَا جَلَاله . وَمِنْ مَشْهُور كَلَام الْعَرَب فُلَان وَاسِع الرِّدَاء ، وَغَمِر الرِّدَاء أَيْ وَاسِع الْعَطِيَّة .
" 6109 "
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَنَّ رَجُلًا قَالَ : وَاَللَّه لَا يَغْفِر اللَّه لِفُلَانٍ ، وَإِنَّ اللَّه تَعَالَى قَالَ : مَنْ ذَا الَّذِي يَتَأَلَّى عَلَيَّ أَلَّا أَغْفِر لِفُلَانٍ ؟ فَإِنِّي قَدْ غَفَرْت لِفُلَانٍ ، وَأَحْبَطْت عَمَلك )
مَعْنَى ( يَتَأَلَّى ) يَحْلِف ، وَالْأَلْيَة الْيَمِين . وَفِيهِ دَلَالَة لِمَذْهَبِ أَهْل السُّنَّة فِي غُفْرَان الذُّنُوب بِلَا تَوْبَة إِذَا شَاءَ اللَّه غُفْرَانهَا . وَاحْتَجَّتْ الْمُعْتَزِلَة بِهِ فِي إِحْبَاط الْأَعْمَال بِالْمَعَاصِي الْكَبَائِر . وَمَذْهَب أَهْل السُّنَّة أَنَّهَا لَا يُحْبَط إِلَّا بِالْكُفْرِ ، وَيُتَأَوَّل حُبُوط عَمَل هَذَا عَلَى أَنَّهُ أُسْقِطَتْ حَسَنَاته فِي مُقَابَلَة سَيِّئَاته ، وَسُمِّيَ إِحْبَاطًا مَجَازًا ، وَيَحْتَمِل أَنَّهُ جَرَى مِنْهُ أَمْر آخَر أَوْجَبَ الْكُفْر ، وَيَحْتَمِل أَنَّ هَذَا كَانَ فِي شَرْع مَنْ قَبْلنَا ، وَكَانَ هَذَا حُكْمهمْ .


4752 - " 6111 "
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( رُبَّ أَشْعَث مَدْفُوع بِالْأَبْوَابِ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّه لَأَبَرَّهُ )
( الْأَشْعَث ) الْمُلَبَّد الشَّعْر الْمُغَبَّر غَيْر مَدْهُون وَلَا مُرَجَّل وَ ( مَدْفُوع بِالْأَبْوَابِ ) أَيْ لَا قَدْر لَهُ عِنْد النَّاس فَهُمْ يَدْفَعُونَهُ عَنْ أَبْوَابهمْ ، وَيَطْرُدُونَهُ عَنْهُمْ اِحْتِقَارًا لَهُ ، ( لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّه لَأَبَرَّهُ ) أَيْ حَلِف عَلَى وُقُوع شَيْء أَوْقَعَهُ اللَّه إِكْرَامًا لَهُ بِإِجَابَةِ سُؤَاله ، وَصِيَانَته مِنْ الْحِنْث فِي يَمِينه ، وَهَذَا لِعِظَمِ مَنْزِلَته عِنْد اللَّه تَعَالَى ، وَإِنْ كَانَ حَقِيرًا عِنْد النَّاس . وَقِيلَ : مَعْنَى الْقَسَم هُنَا الدُّعَاء ، وَإِبْرَاره إِجَابَته . وَاَللَّه أَعْلَم .


4755 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِذَا قَالَ الرَّجُل : هَلَكَ النَّاس فَهُوَ أَهْلَكَهُمْ )
رُوِيَ ( أَهْلَكُهُمْ ) وَعَلَى وَجْهَيْنِ مَشْهُورَيْنِ : رَفْع الْكَاف وَفَتْحهَا ، وَالرَّفْع أَشْهَر ، وَيُؤَيِّدهُ أَنَّهُ جَاءَ فِي رِوَايَة رَوَيْنَاهَا فِي حِلْيَة الْأَوْلِيَاء فِي تَرْجَمَة سُفْيَان الثَّوْرِيّ ( فَهُوَ مِنْ أَهْلَكِهِمْ ) قَالَ الْحُمَيْدِيُّ فِي الْجَمْع بَيْن الصَّحِيحَيْنِ : الرَّفْع أَشْهَر ، وَمَعْنَاهَا أَشَدّهمْ هَلَاكًا ، وَأَمَّا رِوَايَة الْفَتْح فَمَعْنَاهَا هُوَ جَعْلهمْ هَالِكِينَ ، لَا أَنَّهُمْ هَلَكُوا فِي الْحَقِيقَة . وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّ هَذَا الذَّمّ إِنَّمَا هُوَ فِيمَنْ قَالَهُ عَلَى سَبِيل الْإِزْرَاء عَلَى النَّاس ، وَاحْتِقَارهمْ ، وَتَفْضِيل نَفْسه عَلَيْهِمْ ، وَتَقْبِيح أَحْوَالهمْ ، لِأَنَّهُ لَا يَعْلَم سِرّ اللَّه فِي خَلْقه . قَالُوا : فَأَمَّا مَنْ قَالَ ذَلِكَ تَحَزُّنًا لِمَا يَرَى فِي نَفْسه وَفِي النَّاس مِنْ النَّقْص فِي أَمْر الدِّين فَلَا بَأْس عَلَيْهِ كَمَا قَالَ : لَا أَعْرِف مِنْ أُمَّة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا أَنَّهُمْ يُصَلُّونَ جَمِيعًا . هَكَذَا فَسَّرَهُ الْإِمَام مَالِك ، وَتَابَعَهُ النَّاس عَلَيْهِ . وَقَالَ : الْخَطَّابِيُّ : مَعْنَاهُ لَا يَزَال الرَّجُل يَعِيب النَّاس ، وَيَذْكُر مَسَاوِيَهُمْ ، وَيَقُول : فَسَدَ النَّاس ، وَهَلَكُوا ، وَنَحْو ذَلِكَ فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ فَهُوَ أَهْلَكُهُمْ أَيْ أَسْوَأ حَالًا مِنْهُمْ بِمَا يَلْحَقهُ مِنْ الْإِثْم فِي عَيْبهمْ ، وَالْوَقِيعَة فِيهِمْ ، وَرُبَّمَا أَدَّاهُ ذَلِكَ إِلَى الْعُجْب بِنَفْسِهِ ، وَرُؤْيَته أَنَّهُ خَيْر مِنْهُمْ . وَاَللَّه أَعْلَم .


فِي أَحَادِيث الْبَاب الْوَصِيَّة بِالْجَارِ ، وَبَيَان عِظَم حَقّه ، وَفَضِيلَة الْإِحْسَان إِلَيْهِ .


4759 - قَوْله : ( فَأَصِبْهُمْ مِنْهَا بِمَعْرُوفٍ )
أَيْ أَعْطِهِمْ مِنْهُ شَيْئًا .


4760 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَلَوْ أَنْ تَلْقَى أَخَاك بِوَجْهٍ طَلْق )
رُوِيَ ( طَلْق ) عَلَى ثَلَاثَة أَوْجُه : إِسْكَان اللَّام ، وَكَسْرهَا ، وَ ( طَلِيق ) بِزِيَادَةِ يَاء ، وَمَعْنَاهُ سَهْل مُنْبَسِط . فِيهِ الْحَثّ عَلَى فَضْل الْمَعْرُوف ، وَمَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَإِنْ قَلَّ ، حَتَّى طَلَاقَة الْوَجْه عِنْد اللِّقَاء .


4761 - فِيهِ اِسْتِحْبَاب الشَّفَاعَة لِأَصْحَابِ الْحَوَائِج الْمُبَاحَة ، سَوَاء كَانَتْ الشَّفَاعَة إِلَى سُلْطَان وَوَالٍ وَنَحْوهمَا ، أَمْ إِلَى وَاحِد مِنْ النَّاس ، وَسَوَاء كَانَتْ الشَّفَاعَة إِلَى سُلْطَان فِي كَفّ ظُلْم ، أَوْ إِسْقَاط تَعْزِير ، أَوْ فِي تَخْلِيص عَطَاء الْمُحْتَاج ، أَوْ نَحْو ذَلِكَ . وَأَمَّا الشَّفَاعَة فِي الْحُدُود فَحَرَام ، وَكَذَا الشَّفَاعَة فِي تَتْمِيم بَاطِل ، أَوْ إِبْطَال حَقٍّ ، وَنَحْو ذَلِكَ ، فَهِيَ حَرَام .


4762 - فِيهِ تَمْثِيله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْجَلِيس الصَّالِح بِحَامِلِ الْمِسْك ، وَالْجَلِيس السُّوء بِنَافِخِ الْكِير ، وَفِيهِ فَضِيلَة مُجَالَسَة الصَّالِحِينَ وَأَهْل الْخَيْر وَالْمُرُوءَة وَمَكَارِم الْأَخْلَاق وَالْوَرَع وَالْعِلْم وَالْأَدَب ، وَالنَّهْي عَنْ مُجَالَسَة أَهْل الشَّرّ وَأَهْل الْبِدَع ، وَمَنْ يَغْتَاب النَّاس ، أَوْ يَكْثُر فُجْرُهُ وَبَطَالَته . وَنَحْو ذَلِكَ مِنْ الْأَنْوَاع الْمَذْمُومَة
وَمَعْنَى : ( يُحْذِيَك )
يُعْطِيك ، وَهُوَ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَة وَالذَّال ، وَفِيهِ طَهَارَة الْمِسْك وَاسْتِحْبَابه ، وَجَوَاز بَيْعه ، وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاء عَلَى جَمِيع هَذَا ، وَلَمْ يُخَالِف فِيهِ مَنْ يُعْتَدّ بِهِ ، وَنُقِلَ عَنْ الشِّيعَة نَجَاسَته وَالشِّيعَة لَا يُعْتَدّ بِهِمْ فِي الْإِجْمَاع وَمِنْ الدَّلَائِل عَلَى طَهَارَته الْإِجْمَاع وَهَذَا الْحَدِيث ، وَهُوَ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَإِمَّا أَنْ تَبْتَاع مِنْهُ ) وَالنَّجَس لَا يَصِحّ بَيْعه . وَلِأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَسْتَعْمِلهُ فِي بَدَنه وَرَأْسه ، وَيُصَلِّي بِهِ ، وَيُخْبِر أَنَّهُ أَطْيَب الطِّيب ، لَمْ يَزَلْ الْمُسْلِمُونَ عَلَى اِسْتِعْمَاله وَجَوَاز بَيْعه . قَالَ الْقَاضِي : وَمَا رُوِيَ مِنْ كَرَاهَة الْعُمَرَيْنِ لَهُ فَلَيْسَ فِيهِ نَصٌّ مِنْهُمَا عَلَى نَجَاسَته ، وَلَا صَحَّتْ الرِّوَايَة عَنْهُمَا بِالْكَرَاهَةِ ، بَلْ صَحَّتْ قِسْمَة عُمَر بْن الْخَطَّاب الْمِسْك عَلَى نِسَاء الْمُسْلِمِينَ ، وَالْمَعْرُوف عَنْ اِبْن عُمَر اِسْتِعْمَاله . وَاَللَّه أَعْلَم .


فِي هَذِهِ الْأَحَادِيث فَضْل الْإِحْسَان إِلَى الْبَنَات ، وَالنَّفَقَة عَلَيْهِنَّ . وَالصَّبْر عَلَيْهِنَّ ، وَعَلَى سَائِر أُمُورهنَّ .


4763 - قَوْله : ( اِبْن بَهْرَام )
هُوَ بِفَتْحِ الْبَاء وَكَسْرهَا .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ اُبْتُلِيَ مِنْ الْبَنَات بِشَيْءٍ )
. إِنَّمَا سَمَّاهُ اِبْتِلَاء لِأَنَّ النَّاس يَكْرَهُونَهُنَّ فِي الْعَادَة وَقَالَ اللَّه تَعَالَى : { وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدهمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهه مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيم } .


4764 - قَوْله : ( إِنَّ زِيَاد بْن أَبِي زِيَاد مَوْلَى اِبْن عَيَّاش حَدَّثَهُ عَنْ عِرَاك )
هُوَ عَيَّاش بِالْمُثَنَّاةِ وَالشِّين الْمُعْجَمَة ، وَهُوَ زِيَاد بْن أَبِي زِيَاد وَاسْم أَبِي زِيَاد : مَيْثَرَة الْمَدَنِيّ الْمَخْزُومِيّ مَوْلَى عَبْد اللَّه بْن عَيَّاش بِالْمُعْجَمَةِ اِبْن أَبِي رَبِيعَة بْن الْمُغِيرَة .


4765 - " 6128 "
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ عَالَ جَارِيَتَيْنِ حَتَّى تَبْلُغَا جَاءَ يَوْم الْقِيَامَة أَنَا وَهُوَ ، وَضَمَّ أَصَابِعه )
" . وَمَعْنَى ( عَالَهُمَا ) قَامَ عَلَيْهِمَا بِالْمُؤْنَةِ وَالتَّرْبِيَة وَنَحْوهمَا ، مَأْخُوذ مِنْ الْعَوْل وَهُوَ الْقُرْب ، وَمِنْهُ " اِبْدَأْ بِمَنْ تَعُول " وَمَعْنَاهُ جَاءَ يَوْم الْقِيَامَة أَنَا وَهُوَ كَهَاتَيْنِ .
" 6129 " فِي هَذِهِ الْأَحَادِيث دَلِيل عَلَى كَوْن أَطْفَال الْمُسْلِمِينَ فِي الْجَنَّة وَقَدْ نَقَلَ جَمَاعَة فِيهِمْ إِجْمَاع الْمُسْلِمِينَ ، وَقَالَ الْمَازِرِيُّ : أَمَّا أَوْلَاد الْأَنْبِيَاء صَلَوَات اللَّه وَسَلَامه عَلَيْهِمْ فَالْإِجْمَاع مُتَحَقِّق عَلَى أَنَّهُمْ فِي الْجَنَّة ، أَمَّا أَطْفَال مَنْ سِوَاهُمْ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ فَجَمَاهِير الْعُلَمَاء عَلَى الْقَطْع لَهُمْ بِالْجَنَّةِ ، وَنَقَلَ جَمَاعَة الْإِجْمَاع فِي كَوْنهمْ مِنْ أَهْل الْجَنَّة قَطْعًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى { وَاَلَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتهمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتهمْ } وَتَوَقَّفَ بَعْض الْمُتَكَلِّمِينَ فِيهَا ، وَأَشَارَ إِلَى أَنَّهُ لَا يُقْطَع لَهُمْ كَالْمُكَلَّفِينَ . وَاَللَّه أَعْلَم .


4766 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا يَمُوت لِأَحَدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ثَلَاثَة مِنْ الْوَلَد فَتَمَسّهُ النَّار إِلَّا تَحِلَّة الْقَسَم )
قَالَ الْعُلَمَاء : ( تَحِلَّة الْقَسَم ) مَا يَنْحَلّ بِهِ الْقَسَم ، وَهُوَ الْيَمِين ، وَجَاءَ مُفَسَّرًا فِي الْحَدِيث أَنَّ الْمُرَاد قَوْله تَعَالَى : { وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدهَا } وَبِهَذَا قَالَ أَبُو عُبَيْد وَجُمْهُور الْعُلَمَاء ، وَالْقَسَم مُقَدَّر أَيْ وَاَللَّه إِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدهَا ، وَقِيلَ : الْمُرَاد قَوْله تَعَالَى : { فَوَرَبِّك لَنحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِين } وَقَالَ اِبْن قُتَيْبَة : مَعْنَاهُ تَقْلِيل مُدَّة وِرْدهَا . قَالَ : وَتَحِلَّة الْقَسَم تُسْتَعْمَل فِي هَذَا فِي كَلَام الْعَرَب ، وَقِيلَ : تَقْدِيره وَلَا تَحِلَّة الْقَسَم أَيْ لَا تَمَسّهُ أَصْلًا ، وَلَا قَدْرًا يَسِيرًا كَتَحِلَّةِ الْقَسَم ، وَالْمُرَاد بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدهَا } الْمُرُور عَلَى الصِّرَاط ، وَهُوَ جِسْر مَنْصُوب عَلَيْهَا . وَقِيلَ : الْوُقُوف عِنْدهَا .


4767 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( ثَلَاثَة مِنْ الْوَلَد ، ثُمَّ سُئِلَ عَنْ الِاثْنَيْنِ فَقَالَ : وَاثْنَيْنِ )
مَحْمُول عَلَى أَنَّهُ أَوْحَى بِهِ إِلَيْهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْد سُؤَالهَا أَوْ قَبْله ، وَقَدْ جَاءَ فِي غَيْر مُسْلِم : ( وَوَاحِد )


4768 - قَوْله : ( لَمْ يَبْلُغُوا الْحِنْث )
أَيْ لَمْ يَبْلُغُوا سِنّ التَّكْلِيف الَّذِي يُكْتَب فِيهِ الْحِنْث ، وَهُوَ الْإِثْم


4769 - قَوْله : ( صِغَارهمْ دَعَامِيص الْجَنَّة )
هُوَ بِالدَّالِ وَالْعَيْن وَالصَّاد الْمُهْمَلَات ، وَاحِدهمْ ( دُعْمُوص ) بِضَمِّ الدَّال أَيْ صِغَار أَهْلهَا ، وَأَصْل الدُّعْمُوص دُوَيْبَّة تَكُون فِي الْمَاء لَا تُفَارِقهُ ، أَيْ أَنَّ هَذَا الصَّغِير فِي الْجَنَّة لَا يُفَارِقهَا .
وَقَوْله ( بِصَنِفَةِ ثَوْبك )
هُوَ بِفَتْحِ الصَّاد وَكَسْر النُّون وَهُوَ طَرَفه ، وَيُقَال لَهَا أَيْضًا صَنِيفَةِ
( فَلَا يَتَنَاهَى أَوْ قَالَ : يَنْتَهِي حَتَّى يُدْخِلهُ اللَّه وَإِيَّاهُ الْجَنَّة )
. يَتَنَاهَى وَيَنْتَهِي بِمَعْنَى أَيْ لَا يَتْرُكهُ ،


4770 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَقَدْ اِحْتَظَرْت بِحِظَارٍ شَدِيد مِنْ النَّار )
أَيْ اِمْتَنَعْت بِمَانِعٍ وَثِيق ، وَأَصْل الْحَظْر الْمَنْع ، وَأَصْل الْحِظَار بِكَسْرِ الْحَاء وَفَتْحهَا مَا يُجْعَل حَوْل الْبُسْتَان وَغَيْره مِنْ قُضْبَان وَغَيْرهَا كَالْحَائِطِ .


4771 - سبق شرحه بالباب


" بَاب إِذَا أَحَبَّ اللَّه عَبْدًا أَمَرَ جِبْرِيل فَأَحَبَّهُ وَأَحَبَّهُ أَهْل السَّمَاء ثُمَّ يُوضَع لَهُ الْقَبُول فِي الْأَرْض " وَذَكَرَ فِي الْبُغْض نَحْوه . قَالَ : الْعُلَمَاء : مَحَبَّة اللَّه تَعَالَى لِعَبْدِهِ هِيَ إِرَادَته الْخَيْر لَهُ ، وَهِدَايَته ، وَإِنْعَامه عَلَيْهِ ، وَرَحْمَته وَبُغْضه إِرَادَة عِقَابه ، أَوْ شَقَاوَته ، وَنَحْوه وَحُبّ جِبْرِيل وَالْمَلَائِكَة يَحْتَمِل وَجْهَيْنِ : أَحَدهمَا اِسْتِغْفَارهمْ لَهُ ، وَثَنَاؤُهُمْ عَلَيْهِ ، وَدُعَاؤُهُمْ . وَالثَّانِي أَنَّ مَحَبَّتهمْ عَلَى ظَاهِرهَا الْمَعْرُوف مِنْ الْمَخْلُوقِينَ ، وَهُوَ مَيْل الْقَلْب إِلَيْهِ ، وَاشْتِيَاقه إِلَى لِقَائِهِ . وَسَبَب حُبّهمْ إِيَّاهُ كَوْنه مُطِيعًا لِلَّهِ تَعَالَى ، مَحْبُوبًا لَهُ .


4772 - وَمَعْنَى ( يُوضَع لَهُ الْقَبُول فِي الْأَرْض )
أَيْ الْحُبّ فِي قُلُوب النَّاس ، وَرِضَاهُمْ عَنْهُ ، فَتَمِيل إِلَيْهِ الْقُلُوب ، وَتَرْضَى عَنْهُ . وَقَدْ جَاءَ فِي رِوَايَة ( فَتُوضَع لَهُ الْمَحَبَّة ) .
قَوْله : ( وَهُوَ عَلَى الْمَوْسِم )
أَيْ أَمِير الْحَجِيج .


4773 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( الْأَرْوَاح جُنُود مُجَنَّدَة ، فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا اِئْتَلَفَ ، وَمَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اِخْتَلَفَ )
قَالَ الْعُلَمَاء : مَعْنَاهُ جُمُوع مُجْتَمَعَة ، أَوْ أَنْوَاع مُخْتَلِفَة . وَأَمَّا تَعَارَفهَا فَهُوَ لِأَمْرٍ جَعَلَهَا اللَّه عَلَيْهِ ، وَقِيلَ : إِنَّهَا مُوَافَقَة صِفَاتهَا الَّتِي جَعَلَهَا اللَّه عَلَيْهَا ، وَتَنَاسُبهَا فِي شِيَمهَا . وَقِيلَ : لِأَنَّهَا خُلِقَتْ مُجْتَمِعَة ، ثُمَّ فُرِّقَتْ فِي أَجْسَادهَا ، فَمَنْ وَافَقَ بِشِيَمِهِ أَلِفَهُ ، وَمَنْ بَاعَدَهُ نَافَرَهُ وَخَالَفَهُ . وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْره : تَآلُفهَا هُوَ مَا خَلَقَهَا اللَّه عَلَيْهِ مِنْ السَّعَادَة أَوْ الشَّقَاوَة فِي الْمُبْتَدَأ ، وَكَانَتْ الْأَرْوَاح قِسْمَيْنِ مُتَقَابِلَيْنِ . فَإِذَا تَلَاقَتْ الْأَجْسَاد فِي الدُّنْيَا اِئْتَلَفَتْ وَاخْتَلَفَتْ بِحَسَبِ مَا خُلِقَتْ عَلَيْهِ ، فَيَمِيل الْأَخْيَار إِلَى الْأَخْيَار ، وَالْأَشْرَار إِلَى الْأَشْرَار . وَاَللَّه أَعْلَم .


4774 - سبق شرحه بالباب


4775 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لِلَّذِي سَأَلَهُ عَنْ السَّاعَة : ( مَا أَعْدَدْت لَهَا قَالَ : حُبّ اللَّه وَرَسُوله قَالَ : أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْت )
وَفِي رِوَايَات ( الْمَرْء مَعَ مَنْ أَحَبَّ ) . فِيهِ فَضْل حُبّ اللَّه وَرَسُوله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالصَّالِحِينَ ، وَأَهْل الْخَيْر ، الْأَحْيَاء وَالْأَمْوَات . وَمِنْ فَضْل مَحَبَّة اللَّه وَرَسُوله اِمْتِثَال أَمْرهمَا ، وَاجْتِنَاب نَهْيهمَا ، وَالتَّأَدُّب بِالْآدَابِ الشَّرْعِيَّة . وَلَا يُشْتَرَط فِي الِانْتِفَاع بِمَحَبَّةِ الصَّالِحِينَ أَنْ يَعْمَل عَمَلهمْ ؛ إِذْ لَوْ عَمِلَهُ لَكَانَ مِنْهُمْ وَمِثْلهمْ ، وَقَدْ صُرِّحَ فِي الْحَدِيث الَّذِي بَعْد هَذَا بِذَلِكَ ، فَقَالَ : أَحَبَّ قَوْمًا وَلَمَّا يَلْحَق بِهِمْ . قَالَ أَهْل الْعَرَبِيَّة : ( لَمَّا ) نَفْي لِلْمَاضِي الْمُسْتَمِرّ ، فَيَدُلّ عَلَى نَفْيه فِي الْمَاضِي ، وَفِي الْحَال . بِخِلَافِ ( لَمْ ) فَإِنَّهَا تَدُلّ عَلَى الْمَاضِي فَقَطْ ، ثُمَّ إِنَّهُ لَا يَلْزَم مِنْ كَوْنه مَعَهُمْ أَنْ تَكُون مَنْزِلَته وَجَزَاؤُهُ مِثْلهمْ مِنْ كُلّ وَجْه .


4776 - قَوْله : ( مَا أَعْدَدْت لَهَا كَثِير )
ضَبَطُوهُ فِي الْمَوَاضِع كُلّهَا مِنْ هَذِهِ الْأَحَادِيث بِالثَّاءِ الْمُثَلَّثَة وَبِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَة ، وَهُمَا صَحِيحَانِ .


4777 - سبق شرحه بالباب


4778 - وَقَوْله : ( مَا أَعْدَدْت لَهَا كَثِير صَلَاة وَلَا صِيَام وَلَا صَدَقَة )
أَيْ غَيْر الْفَرَائِض مَعْنَاهُ مَا أَعْدَدْت لَهَا كَثِير نَافِلَة مِنْ صَلَاة وَلَا صِيَام وَلَا صَدَقَة .
قَوْله : ( عِنْد سُدَّة الْمَسْجِد )
هِيَ الظِّلَال الْمُسَقَّفَة عِنْد بَاب الْمَسْجِد .


4779 - " 6146 "
قَوْله : ( حَدَّثَنَا سُلَيْمَان بْن قَرْم )
هُوَ بِفَتْحِ الْقَاف وَإِسْكَان الرَّاء وَهُوَ ضَعِيف ، لَكِنْ لَمْ يَحْتَجّ بِهِ مُسْلِم بَلْ ذَكَرَهُ مُتَابَعَة ، وَقَدْ سَبَقَ أَنَّهُ يَذْكُر فِي الْمُتَابَعَة بَعْض الضُّعَفَاء . وَاَللَّه أَعْلَم .


4780 - قَوْله : ( أَرَأَيْت الرَّجُل يَعْمَل الْعَمَل مِنْ الْخَيْر وَيَحْمَدهُ النَّاس عَلَيْهِ ؟ قَالَ : تِلْكَ عَاجِل بُشْرَى الْمُؤْمِن )
وَفِي رِوَايَة : ( وَيُحِبّهُ النَّاس عَلَيْهِ ) . قَالَ الْعُلَمَاء : مَعْنَاهُ هَذِهِ الْبُشْرَى الْمُعَجَّلَة لَهُ بِالْخَيْرِ ، وَهِيَ دَلِيل عَلَى رِضَاء اللَّه تَعَالَى عَنْهُ ، وَمَحَبَّته لَهُ ، فَيُحَبِّبهُ إِلَى الْخَلْق كَمَا سَبَقَ فِي الْحَدِيث ، ثُمَّ يُوضَع لَهُ الْقَبُول فِي الْأَرْض . هَذَا كُلّه إِذَا حَمِدَهُ النَّاس مِنْ غَيْر تَعَرُّض مِنْهُ لِحَمْدِهِمْ ، وَإِلَّا فَالتَّعَرُّض مَذْمُوم .