Contents

الواجهة
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد
مقدمة
باب الألف
باب الثاء
باب الجيم
باب الحاء
باب الخاء
باب الدال
باب الراء
باب الزاي
تابع باب الزاء
تابع لحرف الزاء
تابع لحرف الزاء
باب الطاء
باب الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع حرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
باب النون
باب الصاد
باب الضاد
باب العين
تابع لحرف العين
تابع حرف العين
تابع لحرف العين
تابع لحرف العين
باب القاف
باب السين
باب الشين
باب الهاء
باب الواو
باب الياء
تابع باب الياء
باب الكني
باب بلاغات مالك ومرسلاته
باب مافي هذا الديوان من حديث مالك الذي ثبتت عليه أبوابه خاصة
الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج
الديباج - جزء 1
الديباج - جزء 2
الديباج - جزء 3
الديباج - جزء 4
الديباج - جزء 5
الديباج - جزء 6
المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج
المنهاج - مقدمة
المنهاج - الإيمان
المنهاج - الطهارة
المنهاج - الحيض
المنهاج - الصَّلَاة
المنهاج - المساجد ومواضع الصلاة
المنهاج - صلاة المسافرين وقصرها
المنهاج - بَاب صَلَاة الْجُمُعَة
المنهاج - بَاب صَلَاة الْعِيدَيْنِ
المنهاج - بَاب الدُّعَاء فِي صَلَاة الِاسْتِسْقَاء
المنهاج - بَاب صَلَاة الْكُسُوف
المنهاج - كِتَاب الْجَنَائِز
المنهاج - الزكاة
المنهاج - كِتَاب الصِّيَام
المنهاج - كِتَاب الِاعْتِكَاف
المنهاج - كِتَاب الْحَجّ
المنهاج - كِتَاب النِّكَاح
المنهاج - الرضاعة
المنهاج - الطلاق
المنهاج - اللِّعَان
المنهاج - العتق
المنهاج - البيوع
المنهاج - المساقاة
المنهاج - الفرائض
المنهاج - الهبات
المنهاج - الوصية
المنهاج - النذر
المنهاج - الأيمان
المنهاج - القسامة
المنهاج - الحدود
المنهاج - الأقضية
المنهاج - اللقطة
المنهاج - الجهاد والسير
المنهاج - الإمارة
المنهاج - الصيد والذبائح
المنهاج - كِتَاب الْأَضْاحَي
المنهاج - الأشربة
المنهاج - اللباس والزينة
المنهاج - الآداب
المنهاج - السلام
المنهاج - الألفاظ من الأدب وغيرها
المنهاج - الشعر
المنهاج - الرؤيا
المنهاج - الفضائل
المنهاج - فضائل الصحابة
المنهاج - البر والصلة والآداب
المنهاج - القدر
المنهاج - العلم
المنهاج - الذكر والدعاء
المنهاج - التوبة
المنهاج - صفات المنافقين
المنهاج - صفة القيامة والجنة والنار
المنهاج - الجنة وصفة نعيمها وأهلها
المنهاج - الفتن وأشراط الساعة
المنهاج - الزهد والرقائق
المنهاج - التفسير
تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي
أبواب الطهارة
أبواب الصلاة
تابع أبواب الصلاة
أبواب الوتر
أبواب الجمعة
تابع لأبواب الجمعة
أبواب العيدين
أبواب السفر
ابواب الزكاة
أبواب الصوم
أبواب الحج
تابع أبواب الحج
أبواب الجنائز
أبواب النكاح
أبواب الرضاع
أبواب الطلاق واللعان
ابواب البيوع
أبواب الأحكام
أبواب الديات
ابواب الحدود
تابع أبواب الحدود
أبواب الصيد
أبواب الأضاحي
أبواب النذور والأيمان
أبواب السير
أبواب الجهاد
أبواب اللباس
أبواب الأطعمة
أبواب الأشربة
تابع أبواب الأشربة
أبواب البر و الصله عن رسول الله صلى الله عليه و آله سلم
أبواب الطب عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الفرائض عن الرسول صلى الله عليه و سلم
أبواب الوصايا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الولاء و الهبة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب القدر عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم
أبواب الفتن عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الرؤيا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الشهادات عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
تابع لأبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صِفَةُ القِيامَة
أبواب صفة الجنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صفة جهنم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإيمان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب العلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإستئذان والآداب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب العلم
أبواب الأمثال
أبواب فضائل القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب القراءات عن رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم
أبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الدعوات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أحاديث شتى من أبواب الدعوات
المناقب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
مناقب الصحابة رضوان الله عليهم
تنوير الحوالك شرح موطأ مالك
كتاب وقوت الصلاة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب السهو
كتاب الجمعة
كتاب الصلاة في رمضان
كتاب صلاة الليل
كتاب صلاة الجماعة
كتاب قصر الصلاة في السفر
كتاب العيدين
كتاب صلاة الخوف
كتاب صلاة الكسوف
كتاب الاستسقاء
كتاب القبلة
كتاب القرآن
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب الجهاد
كتاب النذور و الأيمان
كتاب الضحايا
كتاب الذبائح
كتاب الصيد
كتاب العقيقة
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الرضاع
كتاب البيوع
كتاب القراض
كتاب المساقاة - كتاب كراء الأرض
كتاب الشفعة - كتاب الأقضية
كتاب الوصية - كتاب العتق والولاء
كتاب المكاتب - كتاب المدبر
كتاب الحدود
كتاب الأشربة - كتاب العقول
كتاب القسامة - كتاب الجامع
كتاب القدر - كتاب حسن الخلق
كتاب اللباس - كتاب صفة النبي
كتاب العين - كتاب الشعر
كتاب الرؤيا - كتاب السلام
كتاب الاستئذان والتشميت والصور والتماثيل وغيرها
كتاب البيعة - كتاب الكلام والعينة والتقى
كتاب جهنم - كتاب الصدقة
كتاب العلم - كتاب دعوة المظلوم - كتاب أسماء النبي
حاشية السندي على سنن ابن ماجة
المقدمة
الطَّهَارَة وَسُنَنهَا
الصلاة
الْأَذَان
المساجد والجماعات
أَبْوَاب إِقَامَة الصَّلَاة
الجنائز
الصوم
الزكاة
النكاح
الطلاق
الكفارات
التجارات
الأحكام
الحدود
الديات
الوصايا
الْفَرَائِض
الجهاد
المناسك
الْأَضَاحِيّ
الذبائح
الصيد
الأطعمة
الأشربة
الطب
اللباس
الْآدَاب
الدُّعَاء
تعبير الرؤيا
الْفِتَن
الزُّهْد
شرح سنن ابن ماجه لمغلطاي
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح رياض الصالحين
شرح رياض الصالحين - 01
شرح رياض الصالحين - 02
شرح رياض الصالحين - 03
شرح رياض الصالحين - 04
شرح سنن أبي داود للعيني
مقدمة التحقيق
كتاب الطهارة
كِتابُ الصَلاَةِ
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
عون المعبود شرح سنن أبي داود
كتاب الطهارة
تابع كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
كتاب الزكاة
تابع لكتاب الزكاة
كتاب اللقطة
كتاب المناسك
تابع لكتاب المناسك
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الصيام
تابع لكتاب الصيام
أول كتاب الجهاد
أول كتاب الضحايا
تابع كتاب الضحايا
أول كتاب الصيد
أول كتاب الوصايا
أول كتاب الفرائض
أول كتاب الخراج والفيء والإمارة
أول كتاب الجنائز
تابع لكتاب الجنائز
كتاب الأيمان والنذور
كتاب البيوع
كتاب الإجارة
كتاب القضاء
تابع لكتاب القضاء
كتاب العلم
كتاب الأشربة
كتاب الأطعمة
كتاب الطب
كتاب الكهانة والتطير
كتاب العتق
أول كتاب الحروف والقراءات
أول كتاب الحمام
أول كتاب اللباس
أول كتاب الترجل
أول كتاب الخاتم
أول كتاب الفتن والملاحم
أول كتاب المهدي
أول كتاب الملاحم
أول كتاب الحدود
أول كتاب الديات
أول كتاب السنة
تابع لكتاب السنة
أول كتاب الأدب
أبواب السلام
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن حجر
فتح الباري - هدي الساري مقدمة فتح الباري
فتح الباري - كتاب بدء الوحي
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب العلم
فتح الباري - كتاب الوضوء
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
فتح الباري - كتاب مواقيت الصلاة
فتح الباري - كتاب الأذان
فتح الباري - كتاب الجمعة
فتح الباري - كتاب الخوف
فتح الباري - كتاب العيدين
فتح الباري - كتاب الوتر
فتح الباري - كتاب الاستسقاء
فتح الباري - كتاب الكسوف
فتح الباري - كتاب سجود القرآن
فتح الباري - كتاب تقصير الصلاة
فتح الباري - كتاب التهجد
فتح الباري - كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة
فتح الباري - كتاب العمل في الصلاة
فتح الباري - كتاب السهو
فتح الباري - كتاب الجنائز
فتح الباري - كتاب الزكاة
فتح الباري - كتاب الحج
فتح الباري - كتاب العمرة
فتح الباري - كتاب المحصر
فتح الباري - كتاب جزاء الصيد
فتح الباري - كتاب فضائل المدينة
فتح الباري - كتاب الصوم
فتح الباري - كتاب صلاة التراويح
فتح الباري - كتاب فضل ليلة القدر
فتح الباري - كتاب الإعتكاف
فتح الباري - كتاب البيوع
فتح الباري - كتاب السلم
فتح الباري - كتاب الشفعة
فتح الباري - كتاب الإجارة
فتح الباري - كتاب الحرث والمزارعة
فتح الباري - كتاب المساقاة
فتح الباري - كتاب الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس
فتح الباري - كتاب الخصومات
فتح الباري - كتاب اللقطة
فتح الباري - كتاب المظالم
فتح الباري - كتاب الشركة
فتح الباري - كتاب الرهن
فتح الباري - كتاب العتق
فتح الباري - كتاب المكاتب
فتح الباري - كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها
فتح الباري - كتاب الشهادات
فتح الباري - كتاب الصلح
فتح الباري - كتاب الشروط
فتح الباري - كتاب الوصايا
فتح الباري - كتاب الجهاد و السير
فتح الباري - كتاب فرض الخمس
فتح الباري - كتاب الجزية و الموادعة
فتح الباري - كتاب بدء الخلق
فتح الباري - كتاب أحاديث الأنبياء
فتح الباري - كتاب المناقب
فتح الباري - كتاب فضائل الصحابة
فتح الباري - كتاب مناقب الأنصار
فتح الباري - كتاب المغازي
فتح الباري - كتاب التفسير
فتح الباري - كتاب فضائل القرآن
فتح الباري - كتاب النكاح
فتح الباري - كتاب الطلاق
فتح الباري - كتاب النفقات
فتح الباري - كتاب الأطعمة
فتح الباري - كتاب العقيقة
فتح الباري - كتاب الذبائح والصيد
فتح الباري - كتاب الأضاحي
فتح الباري - كتاب الأشربة
فتح الباري - كتاب المرضى
فتح الباري - كتاب الطب
فتح الباري - كتاب اللباس
فتح الباري - كتاب الأدب
فتح الباري - كتاب الإستئذان
فتح الباري - كتاب الدعوات
فتح الباري - كتاب الرقاق
فتح الباري - كتاب القدر
فتح الباري - كتاب الأيمان والنذور
فتح الباري - كتاب كفارات الأيمان
فتح الباري - كتاب الفرائض
فتح الباري - كتاب الحدود
فتح الباري - كتاب الديات
فتح الباري - كتاب استتابة المرتدين
فتح الباري - كتاب الإكراه
فتح الباري - كتاب الحيل
فتح الباري - كتاب التعبير
فتح الباري - كتاب الفتن
فتح الباري - كتاب الأحكام
فتح الباري - كتاب التمني
فتح الباري - كتاب أخبار الأحاد
فتح الباري - كتاب الإعتصام بالسنة
فتح الباري - كتاب التوحيد
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن رجب
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
مقدمة
خطبة الكتاب
كتاب الإيمان
كتاب العلم
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصوم
كتاب فضائل القرآن
كتاب الدعوات
كتاب المناسك
كتاب البيوع
كتاب الفرائض والوصايا
كتاب النكاح
كتاب العتق
كتاب القصاص
كتاب الديات
كتاب الحدود
كتاب الإمارة والقضاء
كتاب الجهاد
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأطعمة
كتاب اللباس
كتاب الطب والرقى
كتاب الرؤيا
كتاب الآداب
كتاب الرقاق
كتاب الفتن
كتاب صفة القيامة والجنة والنار
كتاب الفضائل والشمائل
كتاب المناقب

 
عودة لموقع هاني الطنبور
هاني الطنبور
الصفحة السابقة الصفحة التالية
 
 

 

المنهاج - الجنة وصفة نعيمها وأهلها

5049 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( حُفَّتْ الْجَنَّة بِالْمَكَارِهِ وَحُفَّتْ النَّار بِالشَّهَوَاتِ )
هَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِم ( حُفَّتْ ) وَوَقَعَ فِي الْبُخَارِيّ ( حُفَّتْ ) وَوَقَعَ أَيْضًا ( حُجِبَتْ ) وَكِلَاهُمَا صَحِيح . قَالَ الْعُلَمَاء : هَذَا مِنْ بَدِيع الْكَلَام وَفَصِيحه وَجَوَامِعه الَّتِي أُوتِيَهَا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ التَّمْثِيل الْحَسَن ، وَمَعْنَاهُ : لَا يُوصَل الْجَنَّة إِلَّا بِارْتِكَابِ الْمَكَارِه ، وَالنَّار بِالشَّهَوَاتِ ، وَكَذَلِكَ هُمَا مَحْجُوبَتَانِ بِهِمَا ، فَمَنْ هَتَكَ الْحِجَاب وَصَلَ إِلَى الْمَحْجُوب ، فَهَتْك حِجَاب الْجَنَّة بِاقْتِحَامِ الْمَكَارِه ، وَهَتْك حِجَاب النَّار بِارْتِكَابِ الشَّهَوَات ، فَأَمَّا الْمَكَارِه فَيَدْخُل فِيهَا الِاجْتِهَاد فِي الْعِبَادَات ، وَالْمُوَاظَبَة عَلَيْهَا ، وَالصَّبْر عَلَى مَشَاقّهَا ، وَكَظْم الْغَيْظ ، وَالْعَفْو وَالْحِلْم وَالصَّدَقَة وَالْإِحْسَان إِلَى الْمُسِيء وَالصَّبْر عَنْ الشَّهَوَات ، وَنَحْو ذَلِكَ . وَأَمَّا الشَّهَوَات الَّتِي النَّار مَحْفُوفَة بِهَا ، فَالظَّاهِر أَنَّهَا الشَّهَوَات الْمُحَرَّمَة كَالْخَمْرِ وَالزِّنَا وَالنَّظَر إِلَى الْأَجْنَبِيَّة وَالْغِيبَة وَاسْتِعْمَال الْمَلَاهِي وَنَحْو ذَلِكَ . وَأَمَّا الشَّهَوَات الْمُبَاحَة فَلَا تَدْخُل فِي هَذِهِ لَكِنْ يُكْرَه الْإِكْثَار مِنْهَا مَخَافَة أَنْ يَجُرّ إِلَى الْمُحَرَّمَة ، أَوْ يُقَسِّي الْقَلْب ، أَوْ يَشْغَل عَنْ الطَّاعَات أَوْ يُحْوِج إِلَى الِاعْتِنَاء بِتَحْصِيلِ الدُّنْيَا لِلصَّرْفِ فِيهَا وَنَحْو ذَلِكَ .


5051 - قَوْله عَزَّ وَجَلَّ : ( أَعْدَدْت لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْن رَأَتْ وَلَا أُذُن سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْب بَشَر ذُخْرًا بَلْهَ مَا أَطْلَعَكُمْ اللَّه عَلَيْهِ )
وَفِي بَعْض النُّسَخ ( أَطْلَعْتُكُمْ عَلَيْهِ ) هَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَة أَبِي بَكْر بْن أَبِي شَيْبَة ( ذُخْرًا ) فِي جَمِيع النُّسَخ ، وَأَمَّا رِوَايَة هَارُون بْن سَعِيد الْأَيْلِيِّ الْمَذْكُورَة قَبْلهَا فَفِيهَا ذِكْر فِي بَعْض النُّسَخ ( وَذُخْرًا ) كَالْأَوَّلِ فِي بَعْضهَا ، قَالَ الْقَاضِي : هَذِهِ الرِّوَايَة الْأَكْثَرِينَ ، وَهُوَ أَبْيَن كَالرِّوَايَةِ الْأُخْرَى ، قَالَ : وَالْأَوْلَى رِوَايَة الْفَارِسِيّ فَأَمَّا ( بَلْهَ ) فَبِفَتْحِ الْبَاء الْمُوَحَّدَة وَإِسْكَان اللَّام ، وَمَعْنَاهَا : دَعْ عَنْك مَا أَطْلَعَكُمْ عَلَيْهِ ، فَاَلَّذِي لَمْ يُطْلِعكُمْ عَلَيْهِ أَعْظَم ، وَكَأَنَّهُ أَضْرَبَ عَنْهُ اِسْتِقْلَالًا لَهُ فِي جَنْب مَا لَمْ يُطْلِع عَلَيْهِ ، وَقِيلَ : مَعْنَاهَا : غَيْر ، وَقِيلَ : مَعْنَاهَا : كَيْف .


5054 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ فِي الْجَنَّة لَشَجَرَة يَسِير الرَّاكِب فِي ظِلّهَا مِائَة سَنَة لَا يَقْطَعهَا ) وَفِي رِوَايَة : ( يَسِير الرَّاكِب الْجَوَاد الْمُضَمَّر السَّرِيع مِائَة عَام مَا يَقْطَعهَا ) .
قَالَ الْعُلَمَاء : وَالْمُرَاد بِظِلِّهَا كَنَفهَا وَذَرَاهَا ، وَهُوَ مَا يَسْتُر أَغْصَانهَا ، وَالْمُضَمَّر بِفَتْحِ الضَّاد وَالْمِيم الْمُشَدَّدَة الَّذِي ضُمِّرَ لِيَشْتَدّ جَرْيه ، وَسَبَقَ فِي كِتَاب الْجِهَاد صِفَة التَّضْمِير ، قَالَ الْقَاضِي : وَرَوَاهُ بَعْضهمْ الْمُضَمِّر بِكَسْرِ الْمِيم الثَّانِيَة صِفَة الرَّاكِب الْمُضَمِّر لِفَرَسِهِ وَالْمَعْرُوف هُوَ الْأَوَّل .


5055 - سبق شرحه بالباب


5056 - سبق شرحه بالباب


5057 - قَوْله تَعَالَى : ( أُحِلّ عَلَيْكُمْ رِضْوَانِي )
قَالَ الْقَاضِي فِي الْمَشَارِق : أُنْزِلهُ بِكُمْ ، وَالرِّضْوَان بِكَسْرِ الرَّاء وَضَمّهَا قُرِئَ بِهِمَا فِي السَّبْع ، وَالْكَوْكَب الدُّرِّيّ فِيهِ ثَلَاث لُغَات قُرِئَ بِهِنَّ فِي السَّبْع ، الْأَكْثَرُونَ ( دُرِّيّ ) بِضَمِّ الدَّال وَتَشْدِيد الْيَاء بِلَا هَمْز ، وَالثَّانِيَة بِضَمِّ الدَّال مَهْمُوز مَمْدُود ، وَالثَّالِثَة بِكَسْرِ الدَّال مَهْمُوز مَمْدُود ، وَهُوَ الْكَوْكَب الْعَظِيم ، قِيلَ : سُمِّيَ دُرِّيًّا لِبَيَاضِهِ كَالدُّرِّ ، وَقِيلَ : لِإِضَاءَتِهِ ، وَقِيلَ : لِشَبَهِهِ بِالدُّرِّ فِي كَوْنه أَرْفَع مِنْ بَاقِي النُّجُوم كَالدُّرِّ أَرْفَع الْجَوَاهِر .


5059 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ أَهْل الْجَنَّة لَيَتَرَاءَوْنَ أَهْل الْغُرَف مِنْ فَوْقهمْ كَمَا يَتَرَاءَوْنَ الْكَوْكَب الدُّرِّيّ الْغَابِر مِنْ الْأُفُق مِنْ الْمَشْرِق أَوْ الْمَغْرِب لِتَفَاضُلِ مَا بَيْنهمْ )
هَكَذَا هُوَ فِي عَامَّة النُّسَخ ( مِنْ الْأُفُق ) قَالَ الْقَاضِي : لَفْظَة ( مِنْ ) لِابْتِدَاءِ الْغَايَة ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْبُخَارِيّ ( فِي الْأُفُق ) قَالَ بَعْضهمْ : وَهُوَ الصَّوَاب ، قَالَ : وَذَكَرَ بَعْضهمْ أَنَّ ( مِنْ ) فِي رِوَايَة مُسْلِم لِانْتِهَاءِ الْغَايَة ، وَقَدْ جَاءَتْ كَذَلِكَ كَقَوْلِهِمْ : رَأَيْت الْهِلَال مِنْ خَلَل السَّحَاب ، قَالَ الْقَاضِي : وَهَذَا صَحِيح ، وَلَكِنْ حَمْلهمْ لَفْظَة ( مِنْ ) هُنَا عَلَى اِنْتِهَاء الْغَايَة غَيْر مُسَلَّم ؛ بَلْ هِيَ عَلَى بَابهَا ، أَيْ كَانَ اِبْتِدَاء رُؤْيَته إِيَّاهُ رُؤْيَته مِنْ خَلَل السَّحَاب وَمِنْ الْأُفُق ، قَالَ : وَقَدْ جَاءَ فِي رِوَايَة عَنْ اِبْن مَاهَان ( عَلَى الْأُفُق الْغَرْبِيّ ) وَمَعْنَى الْغَابِر : الذَّاهِب الْمَاشِي ، أَيْ : الَّذِي تَدَلَّى لِلْغُرُوبِ وَبَعُدَ عَنْ الْعُيُون ، وَرُوِيَ فِي غَيْر صَحِيح مُسْلِم ( الْغَارِب ) بِتَقْدِيمِ الرَّاء ، وَهُوَ بِمَعْنَى مَا ذَكَرْنَاهُ . وَرُوِيَ ( الْعَازِب ) بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَة وَالزَّاي ، وَمَعْنَاهُ : الْبَعِيد فِي الْأُفُق وَكُلّهَا رَاجِعَة إِلَى مَعْنًى وَاحِد .


5061 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ فِي الْجَنَّة لَسُوقًا يَأْتُونَهَا كُلّ جُمْعَة فَتَهُبّ رِيح الشَّمَال فَتَحْثُو فِي وُجُوههمْ وَثِيَابهمْ فَيَزْدَادُونَ حُسْنًا وَجَمَالًا )
الْمُرَاد بِالسُّوقِ مَجْمَع لَهُمْ يَجْتَمِعُونَ كَمَا يَجْتَمِع النَّاس فِي الدُّنْيَا فِي السُّوق ، وَمَعْنَى ( يَأْتُونَهَا كُلّ جُمُعَة ) أَيْ : فِي مِقْدَار كُلّ جُمْعَة أَيْ أُسْبُوع ، وَلَيْسَ هُنَاكَ حَقِيقَة أُسْبُوع لِفَقْدِ الشَّمْس وَاللَّيْل وَالنَّهَار ، وَالسُّوق يُذَكَّر وَيُؤَنَّث ، وَهُوَ أَفْصَح ، وَ ( رِيح الشَّمَال ) بِفَتْحِ الشِّين وَالْمِيم بِغَيْرِ هَمْزَة ، هَكَذَا الرِّوَايَة قَالَ صَاحِب الْعَيْن : هِيَ الشَّمَال وَالشَّمْأَل بِإِسْكَانِ الْمِيم مَهْمُوز ، وَالشِّئْمَلَة بِهَمْزَةٍ قَبْل الْمِيم ، وَالشَّمْل بِفَتْحِ الْمِيم بِغَيْرِ أَلِف ، وَالشَّمُول بِفَتْحِ الشِّين وَضَمّ الْمِيم ، وَهِيَ الَّتِي تَأْتِي مِنْ دُبُر الْقِبْلَة ، قَالَ الْقَاضِي : وَخَصَّ رِيح الْجَنَّة بِالشَّمَالِ لِأَنَّهَا رِيح الْمَطَر عِنْد الْعَرَب كَانَتْ تَهُبّ مِنْ جِهَة الشَّام ، وَبِهَا يَأْتِي سَحَاب الْمَطَر ، وَكَانُوا يَرْجُونَ السَّحَابَة الشَّامِيَّة ، وَجَاءَتْ فِي الْحَدِيث تَسْمِيَة هَذِهِ الرِّيح الْمُثِيرَة أَيْ الْمُحَرِّكَة ، لِأَنَّهَا تُثِير فِي وُجُوههمْ مَا تُثِيرهُ مِنْ مِسْك أَرْض الْجَنَّة وَغَيْره مِنْ نَعِيمهَا .


5062 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ أَوَّل زُمْرَة تَدْخُل الْجَنَّة هِيَ عَلَى صُورَة الْقَمَر لَيْلَة الْبَدْر ، وَاَلَّتِي تَلِيهَا عَلَى أَضْوَءِ كَوْكَب دُرِّيّ فِي السَّمَاء ، لِكُلِّ اِمْرِئٍ مِنْهُمْ زَوْجَتَانِ مَا فِي الْجَنَّة أَعْزَب )
( الزُّمْرَة ) : الْجَمَاعَة ، وَالدُّرِّيّ تَقَدَّمَ ضَبْطه وَبَيَانه قَرِيبًا .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( زَوْجَتَانِ ) هَكَذَا فِي الرِّوَايَات بِالتَّاءِ ، وَهِيَ لُغَة مُتَكَرِّرَة فِي الْأَحَادِيث ، وَكَلَام الْعَرَب ، وَالْأَشْهَر حَذْفهَا ، وَبِهِ جَاءَ الْقُرْآن ، وَأَكْثَر الْأَحَادِيث .
قَوْله : ( وَمَا فِي الْجَنَّة أَعْزَب ) هَكَذَا فِي جَمِيع نُسَخ بِلَادنَا ( أَعْزَب ) بِالْأَلِفِ ، وَهِيَ لُغَة ، وَالْمَشْهُور فِي اللُّغَة ( عَزَبَ ) بِغَيْرِ أَلِف ، وَنَقَلَ الْقَاضِي أَنَّ جَمِيع رُوَاتهمْ رَوَوْهُ ( وَمَا فِي الْجَنَّة عَزَب ) بِغَيْرِ أَلِف إِلَّا الْعُذْرِيّ فَرَوَاهُ بِالْأَلِفِ ، قَالَ الْقَاضِي : وَلَيْسَ بِشَيْءٍ ، وَالْعَزَب مَنْ لَا زَوْجَة لَهُ ، وَالْعُزُوب : الْبُعْد ، وَسُمِّيَ عَزَبًا لِبُعْدِهِ عَنْ النِّسَاء ، قَالَ الْقَاضِي : ظَاهِر هَذَا الْحَدِيث : أَنَّ النِّسَاء أَكْثَر أَهْل الْجَنَّة . وَفِي الْحَدِيث الْآخَر أَنَّهُنَّ أَكْثَر أَهْل النَّار ، قَالَ : فَيَخْرُج مِنْ مَجْمُوع هَذَا أَنَّ النِّسَاء أَكْثَر وَلَد آدَم ، قَالَ : وَهَذَا كُلّه فِي الْآدَمِيَّات ، وَإِلَّا فَقَدْ جَاءَ لِلْوَاحِدِ مِنْ أَهْل الْجَنَّة مِنْ الْحُور الْعَدَد الْكَثِير .


5063 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَرَشْحهمْ الْمِسْك )
أَيْ : عَرَقهمْ ،
( وَمَجَامِرهمْ الْأَلُوَّة )
بِفَتْحِ الْهَمْزَة وَضَمّ اللَّام أَيْ : الْعُود الْهِنْدِيّ ، وَسَبَقَ بَيَانه مَبْسُوطًا .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَخْلَاقهمْ عَلَى خُلُق رَجُل وَاحِد )
قَدْ ذَكَرَ مُسْلِم فِي الْكِتَاب اِخْتِلَاف اِبْن أَبِي شَيْبَة وَأَبِي كُرَيْب فِي ضَبْطه ، فَإِنَّ اِبْن أَبِي شَيْبَة يَرْوِيه بِضَمِّ الْخَاء وَاللَّام ، وَأَبُو كُرَيْب بِفَتْحِ الْخَاء وَإِسْكَان اللَّام وَكِلَاهُمَا صَحِيح ، وَقَدْ اِخْتَلَفَ فِيهِ رُوَاة صَحِيح الْبُخَارِيّ ، وَيُرَجَّح الضَّمّ بِقَوْلِهِ فِي الْحَدِيث الْآخَر : ( لَا اِخْتِلَاف بَيْنهمْ وَلَا تَبَاغُض ، قُلُوبهمْ قَلْب وَاحِد ) ، وَقَدْ يُرَجَّح الْفَتْح بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي تَمَام الْحَدِيث : ( عَلَى صُورَة أَبِيهِمْ آدَم أَوْ عَلَى طُوله ) .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَلَا يَتَمَخَّطُونَ وَلَا يَتْفِلُونَ )
هُوَ بِكَسْرِ الْفَاء وَضَمّهَا ، حَكَاهُمَا الْجَوْهَرِيّ وَغَيْره ، وَفِي رِوَايَة ( لَا يَبْصُقُونَ ) وَفِي رِوَايَة ( لَا يَبْزُقُونَ ) وَكُلّه بِمَعْنًى .


5065 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( يُسَبِّحُونَ اللَّه بُكْرَة وَعَشِيًّا )
أَيْ : قَدْرهمَا .


5066 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ أَهْل الْجَنَّة يَأْكُلُونَ فِيهَا وَيَشْرَبُونَ )
مَذْهَب أَهْل السُّنَّة وَعَامَّة الْمُسْلِمِينَ أَنَّ أَهْل الْجَنَّة يَأْكُلُونَ فِيهَا وَيَشْرَبُونَ ، يَتَنَعَّمُونَ بِذَلِكَ وَبِغَيْرِهِ ، مِنْ مَلَاذّ وَأَنْوَاع نَعِيمهَا تَنَعُّمًا دَائِمًا لَا آخِر لَهُ ، وَلَا اِنْقِطَاع أَبَدًا ، وَإِنَّ تَنَعُّمهمْ بِذَلِكَ عَلَى هَيْئَة تَنَعُّم أَهْل الدُّنْيَا إِلَّا مَا بَيْنهمَا مِنْ التَّفَاضُل فِي اللَّذَّة وَالنَّفَاسَة ، الَّتِي لَا يُشَارِك نَعِيم الدُّنْيَا إِلَّا فِي التَّسْمِيَة ، وَأَصْل الْهَيْئَة ، وَإِلَّا فِي أَنَّهُمْ لَا يَبُولُونَ وَلَا يَتَغَوَّطُونَ وَلَا يَتَمَخَّطُونَ وَلَا يَبْصُقُونَ ، وَقَدْ دَلَّتْ دَلَائِل الْقُرْآن وَالسُّنَّة فِي هَذِهِ الْأَحَادِيث الَّتِي ذَكَرَهَا مُسْلِم وَغَيْره ، أَنَّ نَعِيم الْجَنَّة دَائِم لَا اِنْقِطَاع لَهُ أَبَدًا .


5068 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ يَدْخُل الْجَنَّة يَنْعَم لَا يَبْأَس )
وَفِي رِوَايَة : ( إِنَّ لَكُمْ أَنْ تَنْعَمُوا فَلَا تَبْأَسُوا أَبَدًا ) ، أَيْ : لَا يُصِيبكُمْ بَأْس وَهُوَ شِدَّة الْحَال ، وَالْبَأْس وَالْبُؤْس وَالْبَأْسَاء وَالْبُؤَسَاء بِمَعْنًى ، وَ ( يَنْعَم ) وَ ( تَنْعَم ) بِفَتْحِ أَوَّله وَالْعَيْن أَيْ : يَدُوم لَكُمْ النَّعِيم .


5071 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فِي الْجَنَّة خَيْمَة مِنْ لُؤْلُؤَة مُجَوَّفَة عَرْضهَا سِتُّونَ مِيلًا فِي كُلّ زَاوِيَة مِنْهَا أَهْل ) وَفِي رِوَايَة : ( طُولهَا فِي السَّمَاء سِتُّونَ مِيلًا ) . أَمَّا ( الْخَيْمَة ) فَبَيْت مُرَبَّع مِنْ بُيُوت الْأَعْرَاب ، وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مِنْ لُؤْلُؤَة مُجَوَّفَة ) هَكَذَا هُوَ فِي عَامَّة النُّسَخ ( مُجَوَّفَة ) بِالْفَاءِ ، قَالَ الْقَاضِي : وَفِي رِوَايَة السَّمَرْقَنْدِيّ ( مُجَوَّبَة ) بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَة وَهِيَ الْمَثْقُوبَة ، وَهِيَ بِمَعْنَى الْمُجَوَّفَة ، وَالزَّاوِيَة الْجَانِب وَالنَّاحِيَة ، وَفِي الرِّوَايَة الْأُولَى : ( عَرْضهَا سِتُّونَ مِيلًا ) وَفِي الثَّانِيَة : ( طُولهَا فِي السَّمَاء سِتُّونَ مِيلًا ) وَلَا مُعَارَضَة بَيْنهمَا ، فَعَرْضهَا فِي مِسَاحَة أَرْضهَا وَطُولهَا فِي السَّمَاء ، أَيْ : فِي الْعُلُوّ مُتَسَاوِيَانِ .


5073 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( سَيْحَان وَجَيْحَان وَالْفُرَات وَالنِّيل كُلّ مِنْ أَنْهَار الْجَنَّة )
اِعْلَمْ أَنَّ سَيْحَان وَجَيْحَان غَيْر سَيْحُون وَجَيْحُون ، فَأَمَّا سَيْحَان وَجَيْحَان الْمَذْكُورَانِ فِي هَذَا الْحَدِيث اللَّذَانِ هُمَا مِنْ أَنْهَار الْجَنَّة فِي بِلَاد الْأَرْمَن ، فَجَيْحَان نَهَر الْمُصَيِّصَة ، وَسَيْحَان نَهَر إِذْنَة ، وَهُمَا نَهْرَان عَظِيمَانِ جِدًّا أَكْبَرهمَا جَيْحَان ، فَهَذَا هُوَ الصَّوَاب فِي مَوْضِعهمَا ، وَأَمَّا قَوْل الْجَوْهَرِيّ فِي صِحَاحه جَيْحَان نَهْر الشَّام ، فَغَلَط أَوْ أَنَّهُ أَرَادَ الْمَجَاز مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ بِبِلَادِ الْأَرْمَن ، وَهِيَ مُجَاوِرَة لِلشَّامِ ، قَالَ الْحَازِمِيّ : سَيْحَان نَهْر عِنْد الْمُصَيِّصَة ، قَالَ : وَهُوَ غَيْر سَيْحُون ، وَقَالَ صَاحِب نِهَايَة الْغَرِيب : سَيْحَان وَجَيْحَان نَهْرَان بِالْعَوَاصِمِ عِنْد الْمُصَيِّصَة وَطُرْسُوس ، وَاتَّفَقُوا كُلّهمْ عَلَى أَنَّ جَيْحُون بِالْوَاوِ نَهْر وَرَاء خُرَاسَان عِنْد بَلْخ ، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ غَيْر جَيْحَان ، وَكَذَلِكَ سَيْحُون غَيْر سَيْحَان ، وَأَمَّا قَوْل الْقَاضِي عِيَاض : هَذِهِ الْأَنْهَار الْأَرْبَعَة أَكْبَر أَنْهَار بِلَاد الْإِسْلَام فَالنِّيل بِمِصْرَ ، وَالْفُرَات : بِالْعِرَاقِ ، وَسَيْحَان وَجَيْحَان ، وَيُقَال : سَيْحُون وَجَيْحُون بِبِلَادِ خُرَاسَان ، فَفِي كَلَامه إِنْكَار مِنْ أَوْجُه أَحَدهَا : قَوْله : الْفُرَات : بِالْعِرَاقِ ، وَلَيْسَ بِالْعِرَاقِ بَلْ هُوَ فَاصِل بَيْن الشَّام وَالْجَزِيرَة . وَالثَّانِي : قَوْله سَيْحَان وَجَيْحَان ، وَيُقَال : سَيْحُون وَجَيْحُون فَجَعَلَ الْأَسْمَاء مُتَرَادِفَة ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ سَيْحَان غَيْر سَيْحُون ، وَجَيْحَان غَيْر جَيْحُون ، بِاتِّفَاقِ النَّاس كَمَا سَبَقَ . وَالثَّالِث : أَنَّهُ بِبِلَادِ خُرَاسَان ، وَأَمَّا سَيْحَان وَجَيْحَان بِبِلَادِ الْأَرْمَن بِقُرْبِ الشَّام . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَأَمَّا كَوْن هَذِهِ الْأَنْهَار مِنْ مَاء الْجَنَّة فَفِيهِ تَأْوِيلَانِ ذَكَرَهُمَا الْقَاضِي عِيَاض : أَحَدهمَا : أَنَّ الْإِيمَان عَمَّ بِلَادهَا ، أَوْ الْأَجْسَام الْمُتَغَذِّيَة بِمَائِهَا صَائِرَة إِلَى الْجَنَّة . وَالثَّانِي : وَهُوَ الْأَصَحّ أَنَّهَا عَلَى ظَاهِرهَا ، وَأَنَّ لَهَا مَادَّة مِنْ الْجَنَّة ، وَالْجَنَّة مَخْلُوقَة مَوْجُودَة الْيَوْم عِنْد أَهْل السُّنَّة ، وَقَدْ ذَكَرَ مُسْلِم فِي كِتَاب الْإِيمَان فِي حَدِيث الْإِسْرَاء أَنَّ الْفُرَات وَالنِّيل يَخْرُجَانِ مِنْ الْجَنَّة ، وَفِي الْبُخَارِيّ ( مِنْ أَصْل سِدْرَة الْمُنْتَهَى ) .


5074 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( يَدْخُل الْجَنَّة أَقْوَام أَفْئِدَتهمْ مِثْل أَفْئِدَة الطَّيْر )
قِيلَ : مِثْلهَا فِي رِقَّتهَا وَضَعْفهَا ، كَالْحَدِيثِ الْآخَر : " أَهْل الْيَمَن أَرَقّ قُلُوبًا وَأَضْعَف أَفْئِدَة " وَقِيلَ : فِي الْخَوْف وَالْهَيْبَة ، وَالطَّيْر أَكْثَر الْحَيَوَان خَوْفًا وَفَزَعًا ، كَمَا قَالَ اللَّه تَعَالَى : { إِنَّمَا يَخْشَى اللَّه مِنْ عِبَاده الْعُلَمَاء } وَكَأَنَّ الْمُرَاد قَوْم غَلَبَ عَلَيْهِمْ الْخَوْف كَمَا جَاءَ عَنْ جَمَاعَات مِنْ السَّلَف فِي شِدَّة خَوْفهمْ ، وَقِيلَ : الْمُرَاد مُتَوَكِّلُونَ . وَاَللَّه أَعْلَم .
قَوْله : ( حَدَّثَنَا حَجَّاج بْن الشَّاعِر ، حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْر ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم بْن سَعْد ، حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ أَبِي سَلِمَة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة )
هَكَذَا وَقَعَ هَذَا الْإِسْنَاد فِي عَامَّة النُّسَخ ، وَوَقَعَ فِي بَعْضهَا ( حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَة ) فَزَادَ الزُّهْرِيُّ ، قَالَ أَبُو عَلِيّ الْغَسَّانِيّ : وَالصَّوَاب هُوَ الْأَوَّل ، قَالَ : وَكَذَلِكَ خَرَّجَهُ أَبُو مَسْعُود فِي الْأَطْرَاف ، قَالَ : وَلَا أَعْلَم لِسَعْدِ بْن إِبْرَاهِيم رِوَايَة عَنْ الزُّهْرِيِّ ، وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي كِتَاب ( الْعِلَل ) : لَمْ يُتَابِع أَبُو النَّضْر عَلَى وَصْله عَنْ أَبِي هُرَيْرَة ، قَالَ : وَالْمَحْفُوظ عَنْ إِبْرَاهِيم عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي سَلَمَة مُرْسَلًا ، كَذَا رَوَاهُ يَعْقُوب وَسَعْد بْن إِبْرَاهِيم بْن سَعْد ، قَالَ : وَالْمُرْسَل الصَّوَاب ، هَذَا كَلَام الدَّارَقُطْنِيِّ ، وَالصَّحِيح أَنَّ هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ لَا يَقْدَح فِي صِحَّة الْحَدِيث ، فَقَدْ سَبَقَ فِي أَوَّل هَذَا الْكِتَاب أَنَّ الْحَدِيث إِذَا رُوِيَ مُتَّصِلًا وَمُرْسَلًا كَانَ مَحْكُومًا بِوَصْلِهِ عَلَى الْمَذْهَب الصَّحِيح ، لِأَنَّ مَعَ الْوَاصِل زِيَادَة عُلِمَ حِفْظهَا ، وَلَمْ يَحْفَظهَا مَنْ أَرْسَلَهُ . وَاَللَّه أَعْلَم .


5075 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( خَلَقَ اللَّه آدَم عَلَى صُورَته طُوله سِتُّونَ ذِرَاعًا )
هَذَا الْحَدِيث سَبَقَ شَرْحه وَبَيَان تَأْوِيله ، وَهَذِهِ الرِّوَايَة ظَاهِرَة فِي أَنَّ الضَّمِير فِي ( صُورَته ) عَائِد إِلَى آدَم ، وَأَنَّ الْمُرَاد أَنَّهُ خُلِقَ فِي أَوَّل نَشْأَته عَلَى صُورَته الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا فِي الْأَرْض ، وَتُوُفِّيَ عَلَيْهَا ، وَهِيَ طُوله سِتُّونَ ذِرَاعًا ، وَلَمْ يَنْتَقِل أَطْوَارًا كَذُرِّيَّتِهِ ، وَكَانَتْ صُورَته فِي الْجَنَّة هِيَ صُورَته فِي الْأَرْض لَمْ تَتَغَيَّر .
قَوْله : ( قَالَ : اِذْهَبْ فَسَلِّمْ عَلَى أُولَئِكَ النَّفَر ، وَهُمْ نَفَر مِنْ الْمَلَائِكَة جُلُوس فَاسْتَمِعْ مَا يُجِيبُونَك ، فَإِنَّهَا تَحِيَّتك وَتَحِيَّة ذُرِّيَّتك ، فَذَهَبَ فَقَالَ : السَّلَام عَلَيْكُمْ ، فَقَالُوا : السَّلَام عَلَيْك وَرَحْمَة اللَّه )
فِيهِ : أَنَّ الْوَارِد عَلَى جُلُوس يُسَلِّم عَلَيْهِمْ ، وَأَنَّ الْأَفْضَل أَنْ يَقُول : السَّلَام عَلَيْكُمْ بِالْأَلِفِ وَاللَّام ، وَلَوْ قَالَ : سَلَام عَلَيْكُمْ ، كَفَاهُ ، وَأَنَّ رَدّ السَّلَام يُسْتَحَبّ أَنْ يَكُون زِيَادَة عَلَى الِابْتِدَاء ، وَأَنَّهُ يَجُوز فِي الرَّدّ أَنْ يَقُول : السَّلَام عَلَيْكُمْ ، وَلَا يُشْتَرَط أَنْ يَقُول : وَعَلَيْكُمْ السَّلَام . وَاَللَّه أَعْلَم .


5076 - قَوْله : ( حَدَّثَنَا عُمَر بْن حَفْص حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ الْعَلَاء بْن خَالِد الْكَاهِلِيّ عَنْ شَقِيق عَنْ عَبْد اللَّه الْحَدِيث )
هَذَا الْحَدِيث مِمَّا اِسْتَدْرَكَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ عَلَى مُسْلِم وَقَالَ : رَفْعه وَهْم ، رَوَاهُ الثَّوْرِيُّ وَمَرْوَان وَغَيْرهمَا عَنْ الْعَلَاء بْن خَالِد مَوْقُوفًا ، قُلْت : وَحَفْص ثِقَة حَافِظ إِمَام فَزِيَادَته الرَّفْع مَقْبُولَة كَمَا سَبَقَ نَقْله عَنْ الْأَكْثَرِينَ وَالْمُحَقِّقِينَ .


5078 - قَوْله : ( سَمِعَ وَجْبَة )
هِيَ بِفَتْحِ الْوَاو وَإِسْكَان الْجِيم ، وَهِيَ السَّقْطَة .
قَوْله : فِي ( حَدِيث مُحَمَّد بْن عَبَّاد بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة بِهَذَا الْإِسْنَاد ، وَقَالَ : هَذَا وَقَعَ فِي أَسْفَلهَا فَسَمِعْتُمْ وَجْبَتهَا )
هَكَذَا هُوَ فِي النُّسَخ ، وَهُوَ صَحِيح فِيهِ مَحْذُوف دَلَّ عَلَيْهِ الْكَلَام ، أَيْ : هَذَا حَجَر وَقَعَ ، أَوْ هَذَا حِين وَنَحْو ذَلِكَ .


5079 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَمِنْهُمْ مَنْ تَأْخُذهُ يَعْنِي النَّار إِلَى حُجْزَته )
هِيَ بِضَمِّ الْحَاء وَإِسْكَان الْجِيم ، وَهِيَ : مَعْقِد الْإِزَار السَّرَاوِيل ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَأْخُذهُ إِلَى تَرْقُوتِهِ هِيَ بِفَتْحِ التَّاء وَضَمّ الْقَاف ، وَهِيَ : الْعَظْم الَّذِي بَيْن ثَغْرَة النَّحْر وَالْعَاتِق ، وَفِي رِوَايَة : ( حَقْوَيْهِ ) بِفَتْحِ الْحَاء وَكَسْرهَا ، وَهُمَا مَعْقِد الْإِزَار ، وَالْمُرَاد هُنَا مَا يُحَاذِي ذَلِكَ الْمَوْضِع مِنْ جَنْبَيْهِ .


5080 - سبق شرحه بالباب


5082 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( تَحَاجَّتْ النَّار وَالْجَنَّة )
إِلَى آخِره ، هَذَا الْحَدِيث عَلَى ظَاهِره ، وَأَنَّ اللَّه تَعَالَى جَعَلَ فِي النَّار وَالْجَنَّة تَمْيِيزًا تُدْرَكَانِ بِهِ فَتَحَاجَّتَا ، وَلَا يَلْزَم مِنْ هَذَا أَنْ يَكُون ذَلِكَ التَّمْيِيز فِيهِمَا دَائِمًا .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَقَالَتْ الْجَنَّة : فَمَا لِي لَا يَدْخُلنِي إِلَّا ضُعَفَاء النَّاس وَسَقَطهمْ وَعَجَزهمْ ؟ )
أَمَّا ( سَقَطهمْ ) : فَبِفَتْحِ السِّين وَالْقَاف ، أَيْ : ضُعَفَاؤُهُمْ وَالْمُحْتَقَرُونَ مِنْهُمْ ، وَأَمَّا ( عَجَزهمْ ) بِفَتْحِ الْعَيْن وَالْجِيم جَمْع عَاجِز ، أَيْ : الْعَاجِزُونَ عَنْ طَلَب الدُّنْيَا وَالتَّمَكُّن فِيهَا وَالثَّرْوَة وَالشَّوْكَة ، وَأَمَّا الرِّوَايَة رِوَايَة مُحَمَّد بْن رَافِع فَفِيهَا ( لَا يَدْخُلنِي إِلَّا ضِعَاف النَّاس وَغِرَّتهمْ ) فَرُوِيَ عَلَى ثَلَاثَة أَوْجُه حَكَاهَا الْقَاضِي وَهِيَ مَوْجُودَة فِي النُّسَخ إِحْدَاهَا ( غَرَثهمْ ) بِغَيْنٍ مُعْجَمَة مَفْتُوحَة وَثَاء مُثَلَّثَة ، قَالَ الْقَاضِي : هَذِهِ رِوَايَة الْأَكْثَرِينَ مِنْ شُيُوخنَا ، وَمَعْنَاهَا : أَهْل الْحَاجَة وَالْفَاقَة وَالْجُوع ، وَالْغَرَث : الْجُوع . وَالثَّانِي : ( عَجَزَتهمْ ) بِعَيْنٍ مُهْمَلَة مَفْتُوحَة وَجِيم وَزَاي وَتَاء ، جَمْع عَاجِز كَمَا سَبَقَ . وَالثَّالِث : ( غِرَّتهمْ ) بِغَيْنٍ مُعْجَمَة مَكْسُورَة وَرَاء مُشَدَّدَة وَتَاء مُثَنَّاة فَوْق ، وَهَكَذَا هُوَ الْأَشْهَر فِي نُسَخ بِلَادنَا ، أَيْ : الْبُلْه الْغَافِلُونَ ، الَّذِينَ لَيْسَ بِهِمْ فَتْك وَحِذْق فِي أُمُور الدُّنْيَا . وَهُوَ نَحْو الْحَدِيث الْآخَر ( أَكْثَر أَهْل الْجَنَّة الْبُلْه ) قَالَ الْقَاضِي : مَعْنَاهُ سَوَاد النَّاس وَعَامَّتهمْ مِنْ أَهْل الْإِيمَان ، الَّذِينَ لَا يَفْطِنُونَ لِلسُّنَّةِ ، فَيَدْخُل عَلَيْهِمْ الْفِتْنَة ، أَوْ يُدْخِلهُمْ فِي الْبِدْعَة أَوْ غَيْرهَا ، فَهُمْ ثَابِتُو الْإِيمَان ، وَصَحِيحُوا الْعَقَائِد ، وَهُمْ أَكْثَر الْمُؤْمِنِينَ ، وَهُمْ أَكْثَر أَهْل الْجَنَّة .
وَأَمَّا الْعَارِفُونَ وَالْعُلَمَاء الْعَامِلُونَ ، وَالصَّالِحُونَ الْمُتَعَبِّدُونَ ، فَهُمْ قَلِيلُونَ ، وَهُمْ أَصْحَاب الدَّرَجَات ، قَالَ : وَقِيلَ : مَعْنَى الضُّعَفَاء هُنَا وَفِي الْحَدِيث الْآخَر ( أَهْل الْجَنَّة كُلّ ضَعِيف مُتَضَعِّف ) أَنَّهُ الْخَاضِع لِلَّهِ تَعَالَى ، الْمُذِلّ نَفْسه لَهُ سُبْحَانه وَتَعَالَى ، ضِدّ الْمُتَجَبِّر الْمُسْتَكْبِر .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَتَقُول قَطْ قَطْ فَهُنَالِكَ تَمْتَلِئ وَيُزْوَى بَعْضهَا إِلَى بَعْض )
مَعْنَى ( يُزْوَى ) يُضَمّ بَعْضهَا إِلَى بَعْض فَتَجْتَمِع وَتَلْتَقِي عَلَى مَنْ فِيهَا ، وَمَعْنَى ( قَطُّ ) حَسْبِي ، أَيْ : يَكْفِينِي هَذَا ، وَفِيهِ ثَلَاث لُغَات : قَطْ قَطْ بِإِسْكَانِ الطَّاء فِيهِمَا ، وَبِكَسْرِهَا مُنَوَّنَة ، وَغَيْر مُنَوَّنَة .


5083 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَأَمَّا النَّار فَلَا تَمْتَلِئ حَتَّى يَضَع اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى رِجْله )
وَفِي الرِّوَايَة الَّتِي بَعْدهَا ( لَا تَزَال جَهَنَّم تَقُول هَلْ مِنْ مَزِيد حَتَّى يَضَع فِيهَا رَبّ الْعِزَّة تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَدَمه فَتَقُول : قَطْ قَطْ ) وَفِي الرِّوَايَة الْأُولَى ( فَيَضَع قَدَمه عَلَيْهَا ) هَذَا الْحَدِيث مِنْ مَشَاهِير أَحَادِيث الصِّفَات ، وَقَدْ سَبَقَ مَرَّات بَيَان اِخْتِلَاف الْعُلَمَاء فِيهَا عَلَى مَذْهَبَيْنِ :
أَحَدهمَا : وَهُوَ قَوْل جُمْهُور السَّلَف وَطَائِفَة مِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ : أَنَّهُ لَا يُتَكَلَّم فِي تَأْوِيلهَا بَلْ نُؤْمِن أَنَّهَا حَقّ عَلَى مَا أَرَادَ اللَّه ، وَلَهَا مَعْنَى يَلِيق بِهَا ، وَظَاهِرهَا غَيْر مُرَاد .
وَالثَّانِي : وَهُوَ قَوْل جُمْهُور الْمُتَكَلِّمِينَ أَنَّهَا تُتَأَوَّل بِحَسَبِ مَا يَلِيق بِهَا ، فَعَلَى هَذَا اِخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيل هَذَا الْحَدِيث ، فَقِيلَ : الْمُرَاد بِالْقَدَمِ هُنَا الْمُتَقَدِّم ، وَهُوَ شَائِع فِي اللُّغَة وَمَعْنَاهُ : حَتَّى يَضَع اللَّه تَعَالَى فِيهَا مَنْ قَدَّمه لَهَا مِنْ أَهْل الْعَذَاب ، قَالَ الْمَازِرِيّ وَالْقَاضِي : هَذَا تَأْوِيل النَّضْر بْن شُمَيْلٍ ، وَنَحْوه عَنْ اِبْن الْأَعْرَابِيّ . الثَّانِي : أَنَّ الْمُرَاد قَدَم بَعْض الْمَخْلُوقِينَ ، فَيَعُود الضَّمِير فِي قَدَمه إِلَى ذَلِكَ الْمَخْلُوق الْمَعْلُوم . الثَّالِث : أَنَّهُ يُحْتَمَل أَنَّ فِي الْمَخْلُوقَات مَا يُسَمَّى بِهَذِهِ التَّسْمِيَة ، وَأَمَّا الرِّوَايَة الَّتِي فِيهَا ( يَضَع اللَّه فِيهَا رِجْله ) فَقَدْ زَعَمَ الْإِمَام أَبُو بَكْر بْن فَوْرك أَنَّهَا غَيْر ثَابِتَة عِنْد أَهْل النَّقْل ، وَلَكِنْ قَدْ رَوَاهَا مُسْلِم وَغَيْره فَهِيَ صَحِيحَة وَتَأْوِيلهَا كَمَا سَبَقَ فِي الْقَدَم ، وَيَجُوز أَيْضًا أَنْ يُرَاد بِالرِّجْلِ الْجَمَاعَة مِنْ النَّاس ، كَمَا يُقَال : رِجْل مِنْ جَرَاد ، أَيْ : قِطْعَة مِنْهُ ، قَالَ الْقَاضِي : أَظْهَر التَّأْوِيلَات أَنَّهُمْ قَوْم اِسْتَحَقُّوهَا ، وَخُلِقُوا لَهَا ، قَالُوا : وَلَا بُدّ مِنْ صَرْفه عَنْ ظَاهِره ؛ لِقِيَامِ الدَّلِيل الْقَطْعِيّ الْعَقْلِيّ عَلَى اِسْتِحَالَة الْجَارِحَة عَلَى اللَّه تَعَالَى .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَلَا يَظْلِم اللَّه مِنْ خَلْقه أَحَدًا )
قَدْ سَبَقَ مَرَّات بَيَان أَنَّ الظُّلْم مُسْتَحِيل فِي حَقّ اللَّه تَعَالَى ، فَمَنْ عَذَّبَهُ بِذَنْبٍ أَوْ بِلَا ذَنْب فَذَلِكَ عَدْل مِنْهُ سُبْحَانه وَتَعَالَى .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَأَمَّا الْجَنَّة فَإِنَّ اللَّه يُنْشِئ لَهَا خَلْقًا )
هَذَا دَلِيل لِأَهْلِ السُّنَّة أَنَّ الثَّوَاب لَيْسَ مُتَوَقِّفًا عَلَى الْأَعْمَال ، فَإِنَّ هَؤُلَاءِ يُخْلَقُونَ حِينَئِذٍ ، وَيُعْطَوْنَ فِي الْجَنَّة مَا يُعْطَوْنَ بِغَيْرِ عَمَل ، وَمِثْله أَمْر الْأَطْفَال وَالْمَجَانِين الَّذِينَ لَمْ يَعْمَلُوا طَاعَة قَطُّ ، فَكُلّهمْ فِي الْجَنَّة بِرَحْمَةِ اللَّه تَعَالَى وَفَضْله .
وَفِي هَذَا الْحَدِيث : دَلِيل عَلَى عِظَم سَعَة الْجَنَّة ، فَقَدْ جَاءَ فِي الصَّحِيح : أَنَّ لِلْوَاحِدِ فِيهَا مِثْل الدُّنْيَا وَعَشْرَة أَمْثَالهَا ، ثُمَّ يَبْقَى فِيهَا شَيْء لِخَلْقٍ يُنْشِئهُمْ اللَّه تَعَالَى .


5087 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( يُجَاء بِالْمَوْتِ يَوْم الْقِيَامَة كَأَنَّهُ كَبْش فَيُوقَف بَيْن الْجَنَّة وَالنَّار فَيُذْبَح ثُمَّ يُقَال : خُلُود فَلَا مَوْت )
قَالَ الْمَازِرِيّ : الْمَوْت عِنْد أَهْل السُّنَّة عَرَض يُضَادّ الْحَيَاة ، وَقَالَ بَعْض الْمُعْتَزِلَة : لَيْسَ بِعَرَضٍ ؛ بَلْ مَعْنَاهُ : عَدَم الْحَيَاة ، وَهَذَا خَطَأ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { خَلَقَ الْمَوْت وَالْحَيَاة } فَأَثْبَتَ الْمَوْت مَخْلُوقًا ، وَعَلَى الْمَذْهَبَيْنِ لَيْسَ الْمَوْت بِجِسْمٍ فِي صُورَة كَبْش أَوْ غَيْره ، فَيُتَأَوَّل الْحَدِيث عَلَى أَنَّ اللَّه يَخْلُق هَذَا الْجِسْم ، ثُمَّ يُذْبَح مِثَالًا لِأَنَّ الْمَوْت لَا يَطْرَأ عَلَى أَهْل الْآخِرَة ، وَالْكَبْش الْأَمْلَح قِيلَ : هُوَ الْأَبْيَض الْخَالِص ، قَالَهُ اِبْن الْأَعْرَابِيّ : وَقَالَ الْكِسَائِيّ : هُوَ الَّذِي فِيهِ بَيَاض وَسَوَاد ، وَبَيَاضه أَكْثَر ، وَسَبَقَ بَيَانه فِي الضَّحَايَا .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَيَشْرَئِبُّونَ )
بِالْهَمْزِ ، أَيْ : يَرْفَعُونَ رُءُوسهمْ إِلَى الْمُنَادِي .


5090 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( ضِرْس الْكَافِر مِثْل أُحُد ، وَغِلَظ جِلْده مَسِيرَة ثَلَاث وَمَا بَيْن مَنْكِبَيْهِ مَسِيرَة ثَلَاث )
هَذَا كُلّه لِكَوْنِهِ أَبْلَغ فِي إِيلَامه ، وَكُلّ هَذَا مَقْدُور لِلَّهِ تَعَالَى يَجِب الْإِيمَان بِهِ لِإِخْبَارِ الصَّادِق بِهِ .


5091 - سبق شرحه بالباب


5092 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فِي أَهْل الْجَنَّة : ( كُلّ ضَعِيف مُتَضَعَّف )
ضَبَطُوا قَوْله ( مُتَضَعَّف ) بِفَتْحِ الْعَيْن وَكَسْرهَا الْمَشْهُور الْفَتْح ، وَلَمْ يَذْكُر الْأَكْثَرُونَ غَيْره ، وَمَعْنَاهُ : يَسْتَضْعِفهُ النَّاس وَيَحْتَقِرُونَهُ وَيَتَجَبَّرُونَ عَلَيْهِ لِضَعْفِ حَاله فِي الدُّنْيَا ، يُقَال : تَضَعَّفَه وَاسْتَضْعَفَهُ ، وَأَمَّا رِوَايَة الْكَسْر فَمَعْنَاهَا : مُتَوَاضِع مُتَذَلِّل خَامِل وَاضِع مِنْ نَفْسه ، قَالَ الْقَاضِي : وَقَدْ يَكُون الضَّعْف هُنَا : رِقَّة الْقُلُوب وَلِينهَا وَإِخْبَاتهَا لِلْإِيمَانِ ، وَالْمُرَاد أَنَّ أَغْلَب أَهْل الْجَنَّة هَؤُلَاءِ ، كَمَا أَنَّ مُعْظَم أَهْل النَّار الْقِسْم الْآخَر ، وَلَيْسَ الْمُرَاد الِاسْتِيعَاب فِي الطَّرَفَيْنِ .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّه لَأَبَرَّهُ )
مَعْنَاهُ : لَوْ حَلَفَ يَمِينًا طَمَعًا فِي كَرَم اللَّه تَعَالَى بِإِبْرَارِهِ لَأَبَرَّهُ ، وَقِيلَ : لَوْ دَعَاهُ لَأَجَابَهُ ، يُقَال : أَبْرَرْت قَسَمه وَبَرَرْته ، وَالْأَوَّل هُوَ الْمَشْهُور .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَهْل النَّار : ( كُلّ عُتُلّ جَوَّاظ مُسْتَكْبِر )
أَمَّا ( الْعُتُلّ ) بِضَمِّ الْعَيْن وَالتَّاء ، فَهُوَ : الْجَافِي الشَّدِيد الْخُصُومَة بِالْبَاطِلِ ، وَقِيلَ : الْجَافِي الْفَظّ الْغَلِيظ .


5093 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( كُلّ جَوَّاظ زَنِيم مُتَكَبِّر )
أَمَّا ( الْجَوَّاظ ) بِفَتْحِ الْجِيم وَتَشْدِيد الْوَاو وَبِالظَّاءِ الْمُعْجَمَة ، فَهُوَ : الْجَمُوع الْمَنُوع ، وَقِيلَ : كَثِير اللَّحْم الْمُخْتَال فِي مِشْيَته ، وَقِيلَ : الْقَصِير الْبَطِين ، وَقِيلَ : الْفَاخِر بِالْخَاءِ ، وَأَمَّا ( الزَّنِيم ) فَهُوَ : الدَّعِيّ فِي النَّسَب الْمُلْصَق بِالْقَوْمِ ، وَلَيْسَ مِنْهُمْ شَبَه بِزَنَمَةِ الشَّاة ، وَأَمَّا ( الْمُتَكَبِّر وَالْمُسْتَكْبِر ) فَهُوَ صَاحِب الْكِبْر ، وَهُوَ بَطَر الْحَقّ وَغَمْط النَّاس .


5094 - وَمَعْنَى ( الْأَشْعَث )
: مُتَلَبِّد الشَّعْر مُغْبَرّه ، الَّذِي لَا يَدْهُنهُ وَلَا يُكْثِر غَسْله ،
وَمَعْنَى ( مَدْفُوع بِالْأَبْوَابِ )
أَنَّهُ لَا يُؤْذَن لَهُ بَلْ يُحْجَب وَيُطْرَد لِحَقَارَتِهِ عِنْد النَّاس .


5095 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الَّذِي عَقَرَ النَّاقَة : ( عَزِيز عَارِم )
الْعَارِم بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَة وَالرَّاء ، قَالَ أَهْل اللُّغَة : هُوَ الشِّرِّير الْمُفْسِد الْخَبِيث ، وَقِيلَ : الْقَوِيّ الشَّرِس ، وَقَدْ عَرِمَ - بِضَمِّ الرَّاء وَفَتْحهَا وَكَسْرهَا - عَرَامَة - بِفَتْحِ الْعَيْن - وَعُرَامًا - بِضَمِّهَا - فَهُوَ عَارِم وَعَرِم . وَفِي هَذَا الْحَدِيث : النَّهْي عَنْ ضَرْب النِّسَاء لِغَيْرِ ضَرُورَة التَّأْدِيب .
وَفِيهِ : النَّهْي عَنْ الضَّحِك مِنْ الضَّرْطَة يَسْمَعهَا مِنْ غَيْره ، بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يَتَغَافَل عَنْهَا وَيَسْتَمِرّ عَلَى حَدِيثه وَاشْتِغَاله بِمَا كَانَ فِيهِ مِنْ غَيْر اِلْتِفَات وَلَا غَيْره ، وَيُظْهِر أَنَّهُ لَمْ يَسْمَع .
وَفِيهِ حُسْن الْأَدَب وَالْمُعَاشَرَة .


5096 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( رَأَيْت عَمْرو بْن لُحَيّ بْن قَمْعَة بْن خِنْدِف أَخَا بَنِي كَعْب هَؤُلَاءِ يَجُرّ قُصْبه فِي النَّار )
وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى : ( رَأَيْت عَمْرو بْن عَامِر الْخُزَاعِيّ يَجُرّ قُصْبه فِي النَّار وَكَانَ أَوَّل مَنْ سَيَّبَ السَّوَائِب ) أَمَّا ( قَمْعَة ) ضَبَطُوهُ عَلَى أَرْبَعَة أَوْجُه ، أَشْهَرهَا : قِمَّعَة بِكَسْرِ الْقَاف وَفَتْح الْمِيم الْمُشَدَّدَة ، وَالثَّانِي : كَسْر الْقَاف وَالْمِيم الْمُشَدَّدَة ، حَكَاهُ الْقَاضِي عَنْ رِوَايَة الْبَاجِيّ عَنْ اِبْن مَاهَان ، وَالثَّالِث : فَتْح الْقَاف مَعَ إِسْكَان الْمِيم ، وَالرَّابِع : فَتْح الْقَاف وَالْمِيم جَمِيعًا وَتَخْفِيف الْمِيم ، قَالَ الْقَاضِي : وَهَذِهِ رِوَايَة الْأَكْثَرِينَ . وَأَمَّا ( خِنْدِف ) فَبِكَسْرِ الْخَاء الْمُعْجَمَة وَالدَّال ، هَذَا هُوَ الْأَشْهَر ، وَحَكَى الْقَاضِي فِي الْمَشَارِق فِيهِ وَجْهَيْنِ أَحَدهمَا : هَذَا وَالثَّانِي : كَسْر الْخَاء وَفَتْح الدَّال ، وَآخِرهَا فَاء ، وَهِيَ اِسْم الْقَبِيلَة ، فَلَا تَنْصَرِف وَاسْمهَا لَيْلَى بِنْت عِمْرَان بْن الْجَافّ بْن قُضَاعَة .
وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَبَا بَنِي كَعْب ) كَذَا ضَبَطْنَاهُ ( أَبَا ) بِالْبَاءِ ، وَكَذَا هُوَ فِي كَثِير مِنْ نُسَخ بِلَادنَا ، وَفِي بَعْضهَا ( أَخَا ) بِالْخَاءِ ، وَنَقَلَ الْقَاضِي هَذَا عَنْ أَكْثَر رُوَاة الْجُلُودِيّ ، قَالَ : وَالْأَوَّل رِوَايَة اِبْن مَاهَان ، وَبَعْض رُوَاة الْجُلُودِيّ قَالَ : وَهُوَ الصَّوَاب ، قَالَ : وَكَذَا ذَكَرَ الْحَدِيث اِبْن أَبِي خَيْثَمَةَ وَمُصْعَب الزُّبَيْرِيّ وَغَيْرهمَا ؛ لِأَنَّ كَعْبًا هُوَ أَحَد بُطُون خُزَاعَة وَابْنه . وَأَمَّا ( لُحَيّ ) : فَبِضَمِّ اللَّام وَفَتْح الْحَاء وَتَشْدِيد الْيَاء . وَأَمَّا ( قُصْبه ) فَبِضَمِّ الْقَاف وَإِسْكَان الصَّاد ، قَالَ الْأَكْثَرُونَ : يَعْنِي أَمْعَاءَهُ ، وَقَالَ أَبُو عَبِيد : الْأَمْعَاء وَاحِدهَا قَصَب . أَمَّا قَوْله فِي الرِّوَايَة الثَّانِيَة : ( عَمْرو بْن عَامِر ) فَقَالَ الْقَاضِي الْمَعْرُوف فِي نَسَب اِبْن خُزَاعَة ( عَمْرو بْن لُحَيّ بْن قَمْعَة ) كَمَا قَالَ فِي الرِّوَايَة الْأُولَى ، وَهُوَ قَمْعَة بْن إِلْيَاس بْن مُضَر ، وَإِنَّمَا عَامِر عَمّ أَبِيهِ أَبِي قَمْعَة ، وَهُوَ مُدْرِكَة بْن إِلْيَاس ، هَذَا قَوْل نُسَّاب الْحِجَازِيِّينَ ، وَمِنْ النَّاس مَنْ يَقُول : إِنَّهُمْ مِنْ الْيَمَن مِنْ وَلَد عَمْرو بْن عَامِر ، وَأَنَّهُ عَمْرو بْن لُحَيّ ، وَاسْمه : رَبِيعَة بْن حَارِثَة بْن عَمْرو بْن عَامِر ، وَقَدْ يَحْتَجّ قَائِل بِهَذِهِ الرِّوَايَة الثَّانِيَة ، هَذَا آخِر كَلَام الْقَاضِي . وَاَللَّه أَعْلَم .


5097 - سبق شرحه بالباب


5098 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( صِنْفَانِ مِنْ أَهْل النَّار لَمْ أَرَهُمَا : قَوْم مَعَهُمْ سِيَاط كَأَذْنَابِ الْبَقَر ، يَضْرِبُونَ بِهَا النَّاس ، وَنِسَاء كَاسِيَات عَارِيَات مَائِلَات مُمِيلَات رُءُوسهنَّ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْت الْمَائِلَة ، لَا يَدْخُلْنَ الْجَنَّة ، وَلَا يَجِدْنَ رِيحهَا ، وَإِنَّ رِيحهَا لَتُوجَد مِنْ مَسِيرَة كَذَا وَكَذَا )
هَذَا الْحَدِيث مِنْ مُعْجِزَات النُّبُوَّة ، فَقَدْ وَقَعَ مَا أَخْبَرَ بِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأَمَّا أَصْحَاب السِّيَاط فَهُمْ غِلْمَان وَالِي الشُّرْطَة .
أَمَّا ( الْكَاسِيَات ) فَفِيهِ أَوْجُه أَحَدهَا : مَعْنَاهُ : كَاسِيَات مِنْ نِعْمَة اللَّه ، عَارِيَات مِنْ شُكْرهَا ، وَالثَّانِي : كَاسِيَات مِنْ الثِّيَاب ، عَارِيَات مِنْ فِعْل الْخَيْر وَالِاهْتِمَام لِآخِرَتِهِنَّ ، وَالِاعْتِنَاء بِالطَّاعَاتِ . وَالثَّالِث : تَكْشِف شَيْئًا مِنْ بَدَنهَا إِظْهَارًا لِجَمَالِهَا ، فَهُنَّ كَاسِيَات عَارِيَات . وَالرَّابِع : يَلْبَسْنَ ثِيَابًا رِقَاقًا تَصِف مَا تَحْتهَا ، كَاسِيَات عَارِيَات فِي الْمَعْنَى .
وَأَمَّا ( مَائِلَات مُمِيلَات ) : فَقِيلَ : زَائِغَات عَنْ طَاعَة اللَّه تَعَالَى ، وَمَا يَلْزَمهُنَّ مِنْ حِفْظ الْفُرُوج وَغَيْرهَا ، وَمُمِيلَات يُعَلِّمْنَ غَيْرهنَّ مِثْل فِعْلهنَّ ، وَقِيلَ : مَائِلَات مُتَبَخْتِرَات فِي مِشْيَتهنَّ ، مُمِيلَات أَكْتَافهنَّ ، وَقِيلَ : مَائِلَات يَتَمَشَّطْنَ الْمِشْطَة الْمَيْلَاء ، وَهِيَ مِشْطَة الْبَغَايَا مَعْرُوفَة لَهُنَّ ، مُمِيلَات يُمَشِّطْنَ غَيْرهنَّ تِلْك الْمِشْطَة ، وَقِيلَ : مَائِلَات إِلَى الرِّجَال مُمِيلَات لَهُمْ بِمَا يُبْدِينَ مِنْ زِينَتهنَّ وَغَيْرهَا .
وَأَمَّا ( رُءُوسهنَّ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْت ) فَمَعْنَاهُ : يُعَظِّمْنَ رُءُوسهنَّ بِالْخُمُرِ وَالْعَمَائِم وَغَيْرهَا مِمَّا يُلَفّ عَلَى الرَّأْس ، حَتَّى تُشْبِه أَسْنِمَة الْإِبِل الْبُخْت ، هَذَا هُوَ الْمَشْهُور فِي تَفْسِيره ، قَالَ الْمَازِرِيّ : وَيَجُوز أَنْ يَكُون مَعْنَاهُ يَطْمَحْنَ إِلَى الرِّجَال وَلَا يَغْضُضْنَ عَنْهُمْ ، وَلَا يُنَكِّسْنَ رُءُوسهنَّ ، وَاخْتَارَ الْقَاضِي أَنَّ الْمَائِلَات تُمَشِّطْنَ الْمِشْطَة الْمَيْلَاء ، قَالَ : وَهِيَ ضَفْر الْغَدَائِر وَشَدّهَا إِلَى فَوْق ، وَجَمْعهَا فِي وَسَط الرَّأْس فَتَصِير كَأَسْنِمَةِ الْبُخْت ، قَالَ : وَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ الْمُرَاد بِالتَّشْبِيهِ بِأَسْنِمَةِ الْبُخْت إِنَّمَا هُوَ لِارْتِفَاعِ الْغَدَائِر فَوْق رُءُوسهنَّ ، وَجَمْع عَقَائِصهَا هُنَاكَ ، وَتُكْثِرهَا بِمَا يُضَفِّرْنَهُ حَتَّى تَمِيل إِلَى نَاحِيَة مِنْ جَوَانِب الرَّأْس ، كَمَا يَمِيل السَّنَام ، قَالَ اِبْن دُرَيْد : يُقَال : نَاقَة مَيْلَاء إِذَا كَانَ سَنَامهَا يَمِيل إِلَى أَحَد شِقَّيْهَا . وَاَللَّه أَعْلَم .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا يَدْخُلْنَ الْجَنَّة ) يُتَأَوَّل التَّأْوِيلَيْنِ السَّابِقَيْنِ فِي نَظَائِره أَحَدهمَا : أَنَّهُ مَحْمُول عَلَى مَنْ اِسْتَحَلَّتْ حَرَامًا مِنْ ذَلِكَ مَعَ عِلْمهَا بِتَحْرِيمِهِ ، فَتَكُون كَافِرَة مُخَلَّدَة فِي النَّار ، لَا تَدْخُل الْجَنَّة أَبَدًا .
وَالثَّانِي : يُحْمَل عَلَى أَنَّهَا لَا تَدْخُلهَا أَوَّل الْأَمْر مَعَ الْفَائِزِينَ . وَاَللَّه تَعَالَى أَعْلَم .


5101 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَاَللَّه مَا الدُّنْيَا فِي الْآخِرَة إِلَّا مِثْل مَا يَجْعَل أَحَدكُمْ إِصْبَعه هَذِهِ - وَأَشَارَ يَحْيَى بِالسَّبَّابَةِ - فَلْيَنْظُرْ بِمَ تَرْجِع )
وَفِي رِوَايَة : ( وَأَشَارَ إِسْمَاعِيل بِالْإِبْهَامِ ) هَكَذَا هُوَ فِي نُسَخ بِلَادنَا بِالْإِبْهَامِ ، وَهِيَ الْأُصْبُع الْعُظْمَى الْمَعْرُوفَة ، وَكَذَا نَقَلَهُ الْقَاضِي عَنْ جَمِيع الرُّوَاة إِلَّا السَّمَرْقَنْدِيّ فَرَوَاهُ ( الْبِهَام ) ، قَالَ : وَهُوَ تَصْحِيف ، قَالَ الْقَاضِي : وَرِوَايَة السَّبَّابَة أَظْهَر مِنْ رِوَايَة الْإِبْهَام وَأَشْبَه بِالتَّمْثِيلِ ، لِأَنَّ الْعَادَة الْإِشَارَة بِهَا بِالْإِبْهَامِ ، وَيُحْتَمَل أَنَّهُ أَشَارَ بِهَذِهِ مَرَّة وَهَذِهِ مَرَّة ، وَالْيَمّ : الْبَحْر ، وَقَوْله : ( بِمَ تَرْجِع ) ضَبَطُوا تَرْجِع بِالْمُثَنَّاةِ فَوْق وَالْمُثَنَّاة تَحْت ، وَالْأَوَّل أَشْهَر ، وَمَنْ رَوَاهُ بِالْمُثَنَّاةِ تَحْت أَعَادَ الضَّمِير إِلَى أَحَدكُمْ ، وَالْمُثَنَّاة فَوْق أَعَادَهُ عَلَى الْأُصْبُع ، وَهُوَ الْأَظْهَر ، وَمَعْنَاهُ : لَا يَعْلَق بِهَا كَثِير شَيْء مِنْ الْمَاء . وَمَعْنَى الْحَدِيث : مَا الدُّنْيَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْآخِرَة فِي قِصَر مُدَّتهَا ، وَفَنَاء لَذَّاتهَا ، وَدَوَام الْآخِرَة ، وَدَوَام لَذَّاتهَا وَنَعِيمهَا ، إِلَّا كَنِسْبَةِ الْمَاء الَّذِي يَعْلَق بِالْأُصْبُعِ إِلَى بَاقِي الْبَحْر .


5102 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( يُحْشَر النَّاس يَوْم الْقِيَامَة حُفَاة عُرَاة غُرْلًا )
الْغُرْل : بِضَمِّ الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَإِسْكَان الرَّاء مَعْنَاهُ : غَيْر مَخْتُونِينَ ، جَمْع أَغْرَل ، وَهُوَ الَّذِي لَمْ يُخْتَن ، وَبَقِيَتْ مَعَهُ غُرْلَته ، وَهِيَ قُلْفَته ، وَهِيَ الْجِلْدَة الَّتِي تُقْطَع فِي الْخِتَان ، قَالَ الْأَزْهَرِيّ وَغَيْره : هُوَ الْأَغْرَل ، وَالْأَرْغَل ، وَالْأَغْلَف بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَة فِي الثَّلَاثَة وَالْأَقْلَف ، وَالْأَعْرَم بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَة ، وَجَمْعه غُرَل وَرُغَل وَغُلَف وَقُلَف وَعُرَم ، وَالْحُفَاة : جَمْع حَافٍ ، وَالْمَقْصُود : أَنَّهُمْ يُحْشَرُونَ كَمَا خُلِقُوا لَا شَيْء مَعَهُمْ ، وَلَا يُفْقَد مِنْهُمْ شَيْء ، حَتَّى الْغُرْلَة تَكُون مَعَهُمْ .


5104 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( سَيُجَاءُ بِرِجَالٍ مِنْ أُمَّتِي ... إِلَى آخِره )
هَذَا الْحَدِيث قَدْ سَبَقَ شَرْحه فِي كِتَاب الطَّهَارَة ، وَهَذِهِ الرِّوَايَة تُؤَيِّد قَوْل مَنْ قَالَ هُنَاكَ الْمُرَاد بِهِ الَّذِينَ اِرْتَدُّوا عَنْ الْإِسْلَام


5105 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( يُحْشَر النَّاس عَلَى ثَلَاث طَرَائِق رَاغِبِينَ رَاهِبِينَ ، وَاثْنَانِ عَلَى بَعِير ، وَثَلَاثَة عَلَى بَعِير ، وَأَرْبَعَة عَلَى بَعِير ، وَعَشْرَة عَلَى بَعِير ، وَتَحْشُر بَقِيَّتهمْ النَّار تَبِيت مَعَهُمْ حَيْثُ بَاتُوا ، وَتَقِيل مَعَهُمْ حَيْثُ قَالُوا ، وَتُصْبِح مَعَهُمْ حَيْثُ أَصْبَحُوا ، وَتُمْسِي مَعَهُمْ حَيْثُ أَمْسُوا )
قَالَ الْعُلَمَاء : وَهَذَا الْحَشْر فِي آخِر الدُّنْيَا قَبِيل الْقِيَامَة ، وَقَبِيل النَّفْخ فِي الصُّور ، بِدَلِيلِ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " تَحْشُر بَقِيَّتهمْ النَّار تَبِيت مَعَهُمْ وَتَقِيل وَتُصْبِح وَتُمْسِي " ، وَهَذَا آخِر أَشْرَاط السَّاعَة كَمَا ذَكَرَ مُسْلِم بَعْد هَذَا فِي آيَات السَّاعَة ، قَالَ : ( وَآخِر ذَلِكَ نَار تَخْرُج مِنْ قَعْر عَدَن تَرْحَل النَّاس ) ، وَفِي رِوَايَة : ( تَطْرُد النَّاس إِلَى مَحْشَرهمْ ) وَالْمُرَاد بِثَلَاثِ طَرَائِق : ثَلَاث فِرَق ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى إِخْبَارًا عَنْ الْجِنّ : { كُنَّا طَرَائِق قِدَدًا } أَيْ : فِرَقًا مُخْتَلِفَة الْأَهْوَاء .


5106 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( يَقُوم أَحَدهمْ فِي رَشْحه إِلَى أَنْصَاف أُذُنَيْهِ )
وَفِي رِوَايَة : ( فَيَكُون النَّاس عَلَى قَدْر أَعْمَالهمْ فِي الْعَرَق ) قَالَ الْقَاضِي : وَيُحْتَمَل أَنَّ الْمُرَاد عَرَق نَفْسه وَغَيْره ، وَيُحْتَمَل عَرَق نَفْسه خَاصَّة ، وَسَبَب كَثْرَة الْعَرَق تَرَاكُمْ الْأَهْوَال ، وَدُنُوّ الشَّمْس مِنْ رُءُوسهمْ وَزَحْمَة بَعْضهمْ بَعْضًا .


5108 - سبق شرحه بالباب


5109 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ رَبِّي أَمَرَنِي أَنْ أُعَلِّمكُمْ مَا جَهِلْتُمْ ، مِمَّا عَلَّمَنِي يَوْمِي هَذَا كُلّ مَال نَحَلْته عَبْدًا حَلَال )
مَعْنَى ( نَحَلْته ) أَعْطَيْته ، وَفِي الْكَلَام حَذْف ، أَيْ : قَالَ اللَّه تَعَالَى : كُلّ مَال أَعْطَيْته عَبْدًا مِنْ عِبَادِي فَهُوَ لَهُ حَلَال ، وَالْمُرَاد إِنْكَار مَا حَرَّمُوا عَلَى أَنْفُسهمْ مِنْ السَّائِبَة وَالْوَصِيلَة وَالْبَحِيرَة وَالْحَامِي وَغَيْر ذَلِكَ ، وَأَنَّهَا لَمْ تَصِرْ حَرَامًا بِتَحْرِيمِهِمْ ، وَكُلّ مَال مَلَكَهُ الْعَبْد فَهُوَ لَهُ حَلَال ، حَتَّى يَتَعَلَّق بِهِ حَقّ .
قَوْله تَعَالَى : ( وَإِنِّي خَلَقْت عِبَادِي حُنَفَاء كُلّهمْ )
أَيْ : مُسْلِمِينَ ، وَقِيلَ : طَاهِرِينَ مِنْ الْمَعَاصِي ، وَقِيلَ : مُسْتَقِيمِينَ مُنِيبِينَ لِقَبُولِ الْهِدَايَة ، وَقِيلَ : الْمُرَاد حِين أَخَذَ عَلَيْهِمْ الْعَهْد فِي الذَّرّ ، وَقَالَ : { أَلَسْت بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى } .
قَوْله تَعَالَى : { وَإِنَّهُمْ أَتَتْهُمْ الشَّيَاطِين فَاجْتَالَتْهُمْ عَنْ دِينهمْ }
هَكَذَا هُوَ فِي نُسَخ بِلَادنَا ( فَاجْتَالَتْهُمْ ) بِالْجِيمِ ، وَكَذَا نَقَلَهُ الْقَاضِي عَنْ رِوَايَة الْأَكْثَرِينَ ، وَعَنْ رِوَايَة الْحَافِظ أَبِي عَلِيّ الْغَسَّانِيّ ( فَاخْتَالَتْهُمْ ) بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة . قَالَ : وَالْأَوَّل أَصَحّ وَأَوْضَح ، أَيْ : اِسْتَخَفُّوهُمْ فَذَهَبُوا بِهِمْ وَأَزَالُوهُمْ عَمَّا كَانُوا عَلَيْهِ ، وَجَالُوا مَعَهُمْ فِي الْبَاطِل ، كَذَا فَسَّرَهُ الْهَرَوِيُّ وَآخَرُونَ ، وَقَالَ شَمِر : اِجْتَالَ الرَّجُل الشَّيْء ذَهَبَ بِهِ ، وَاجْتَالَ أَمْوَالهمْ سَاقَهَا ، وَذَهَبَ بِهَا ، قَالَ الْقَاضِي : وَمَعْنَى ( فَاخْتَالُوهُمْ ) بِالْخَاءِ عَلَى رِوَايَة مَنْ رَوَاهُ ، أَيْ : يَحْبِسُونَهُمْ عَنْ دِينهمْ ، وَيَصُدُّونَهُمْ عَنْهُ .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَإِنَّ اللَّه تَعَالَى نَظَرَ إِلَى أَهْل الْأَرْض فَمَقَتَهُمْ عَرَبهمْ وَعَجَمهمْ إِلَّا بَقَايَا مِنْ أَهْل الْكِتَاب )
الْمَقْت : أَشَدّ الْبُغْض ، وَالْمُرَاد بِهَذَا الْمَقْت وَالنَّظَر مَا قَبْل بَعْثَة رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُرَاد بِبَقَايَا أَهْل الْكِتَاب الْبَاقُونَ عَلَى التَّمَسُّك بِدِينِهِمْ الْحَقّ مِنْ غَيْر تَبْدِيل .
قَوْله سُبْحَانه وَتَعَالَى : { إِنَّمَا بَعَثْتُك لِأَبْتَلِيَك وَأَبْتَلِي بِك }
مَعْنَاهُ : لِأَمْتَحِنك بِمَا يَظْهَر مِنْك مِنْ قِيَامك بِمَا أَمَرْتُك بِهِ مِنْ تَبْلِيغ الرِّسَالَة وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ الْجِهَاد فِي اللَّه حَقّ جِهَاده ، وَالصَّبْر فِي اللَّه تَعَالَى وَغَيْر ذَلِكَ ، وَأَبْتَلِي بِك مَنْ أَرْسَلْتُك إِلَيْهِمْ ، فَمِنْهُمْ مَنْ يُظْهِر إِيمَانه ، وَيُخْلِص فِي طَاعَاته ، وَمَنْ يَتَخَلَّف ، وَيَتَأَبَّد بِالْعَدَاوَةِ وَالْكُفْر ، وَمَنْ يُنَافِق ، وَالْمُرَاد أَنْ يَمْتَحِنهُ لِيَصِيرَ ذَلِكَ وَاقِعًا بَارِزًا فَإِنَّ اللَّه تَعَالَى إِنَّمَا يُعَاقِب الْعِبَاد عَلَى مَا وَقَعَ مِنْهُمْ ، لَا عَلَى مَا يَعْلَمهُ قَبْل وُقُوعه ، وَإِلَّا فَهُوَ سُبْحَانه عَالِم بِجَمِيعِ الْأَشْيَاء قَبْل وُقُوعهَا ، وَهَذَا نَحْو قَوْله : { ولَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَم الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ } أَيْ : نَعْلَمهُمْ فَاعِلِينَ ذَلِكَ مُتَّصِفِينَ بِهِ .
قَوْله تَعَالَى : { وَأَنْزَلْت عَلَيْك كِتَابًا لَا يَغْسِلهُ الْمَاء تَقْرَأهُ نَائِمًا وَيَقْظَان }
أَمَّا قَوْله تَعَالَى : { لَا يَغْسِلهُ الْمَاء } فَمَعْنَاهُ : مَحْفُوظ فِي الصُّدُور ، لَا يَتَطَرَّق إِلَيْهِ الذَّهَاب ، بَلْ يَبْقَى عَلَى مَرّ الْأَزْمَان . وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى : { تَقْرَأهُ نَائِمًا وَيَقْظَان } فَقَالَ الْعُلَمَاء : مَعْنَاهُ يَكُون مَحْفُوظًا لَك فِي حَالَتَيْ النَّوْم وَالْيَقَظَة ، وَقِيلَ : تَقْرَأهُ فِي يُسْر وَسُهُولَة .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَقُلْت : رَبّ إِذًا يَثْلَغُوا رَأْسِي فَيَدَعُوهُ خُبْزَة )
هِيَ بِالثَّاءِ الْمُثَلَّثَة ، أَيْ : يَشْدَخُوهُ وَيَشُجُّوهُ ، كَمَا يُشْدَخ الْخُبْز ، أَيْ : يُكْسَر .
قَوْله تَعَالَى : { وَاغْزُهُمْ نُغْزِك }
بِضَمِّ النُّون ، أَيْ : نُعِينك .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَأَهْل الْجَنَّة ثَلَاثَة ذُو سُلْطَان مُقْسِط مُتَصَدِّق مُوَفَّق ، وَرَجُل رَحِيم رَقِيق الْقَلْب لِكُلِّ ذِي قُرْبَى وَمُسْلِم وَعَفِيف مُتَعَفِّف )
فَقَوْله : ( وَمُسْلِم ) مَجْرُور مَعْطُوف عَلَى ذِي قُرْبَى ، وَقَوْله : ( مُقْسِط ) أَيْ : عَادِل .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( الضَّعِيف الَّذِي لَا زَبْر لَهُ الَّذِينَ هُمْ فِيكُمْ تَبَعًا لَا يَبْتَغُونَ أَهْلًا وَلَا مَالًا )
فَقَوْله : ( زَبْر ) بِفَتْحِ الزَّاي وَإِسْكَان الْمُوَحَّدَة أَيْ : لَا عَقْل لَهُ يَزْبُرهُ وَيَمْنَعهُ مِمَّا لَا يَنْبَغِي ، وَقِيلَ : هُوَ الَّذِي لَا مَال لَهُ ، وَقِيلَ : الَّذِي لَيْسَ عِنْده مَا يَعْتَمِدهُ ، وَقَوْله : ( لَا يَتْبَعُونَ ) بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَة مُخَفَّف وَمُشَدَّد مِنْ الِاتِّبَاع ، وَفِي بَعْض النُّسَخ ( يَبْتَغُونَ ) بِالْمُوَحَّدَةِ وَالْغَيْن الْمُعْجَمَة ، أَيْ : لَا يَطْلُبُونَ .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَالْخَائِن الَّذِي لَا يَخْفَى لَهُ طَمَع وَإِنْ دَقَّ إِلَّا خَانَهُ )
مَعْنَى ( لَا يَخْفَى ) لَا يَظْهَر ، قَالَ أَهْل اللُّغَة : يُقَال : خَفَيْت الشَّيْء إِذَا أَظْهَرْته ، وَأَخْفَيْته إِذَا سَتَرْته وَكَتَمْته ، هَذَا هُوَ الْمَشْهُور ، وَقِيلَ : هُمَا لُغَتَانِ فِيهِمَا جَمِيعًا .
قَوْله : ( وَذَكَرَ الْبُخْل وَالْكَذِب )
هِيَ فِي أَكْثَر النُّسَخ ( أَوْ الْكَذِب ) بِأَوْ ، وَفِي بَعْضهَا ( وَالْكَذِب ) بِالْوَاوِ ، وَالْأَوَّل هُوَ الْمَشْهُور فِي نُسَخ بِلَادنَا ، وَقَالَ الْقَاضِي : رِوَايَتنَا عَنْ جَمِيع شُيُوخنَا بِالْوَاوِ ، إِلَّا اِبْن أَبِي جَعْفَر عَنْ الطَّبَرِيّ فَبِأَوْ ، وَقَالَ بَعْض الشُّيُوخ ، وَلَعَلَّهُ الصَّوَاب ، وَبِهِ تَكُون الْمَذْكُورَات خَمْسَة ، وَأَمَّا ( الشِّنْظِير ) فَبِكَسْرِ الشِّين وَالظَّاء الْمُعْجَمَتَيْنِ وَإِسْكَان النُّون بَيْنهمَا ، وَفَسَّرَهُ فِي الْحَدِيث بِأَنَّهُ الْفَحَّاش وَهُوَ السَّيِّئ الْخُلُق .
قَوْله : ( فَيَكُون ذَلِكَ يَا أَبَا عَبْد اللَّه ؟ قَالَ : نَعَمْ وَاَللَّه لَقَدْ أَدْرَكْتهمْ فِي الْجَاهِلِيَّة ... إِلَى آخِره )
( أَبُو عَبْد اللَّه ) هُوَ : مُطَرِّف بْن عَبْد اللَّه ، وَالْقَائِل لَهُ قَتَادَة ، وَقَوْله : ( لَقَدْ أَدْرَكْتهمْ فِي الْجَاهِلِيَّة ) لَعَلَّهُ يُرِيد أَوَاخِر أَمْرهمْ ، وَآثَار الْجَاهِلِيَّة وَإِلَّا فَمُطَرِّف صَغِير عَنْ إِدْرَاك زَمَن الْجَاهِلِيَّة حَقِيقَة وَهُوَ يَعْقِل .


( بَاب عَرْض مَقْعَد الْمَيِّت مِنْ الْجَنَّة أَوْ النَّار عَلَيْهِ وَإِثْبَات عَذَاب الْقَبْر وَالتَّعَوُّذ مِنْهُ )
اِعْلَمْ أَنَّ مَذْهَب أَهْل السُّنَّة إِثْبَات عَذَاب الْقَبْر ، وَقَدْ تَظَاهَرَتْ عَلَيْهِ دَلَائِل الْكِتَاب وَالسُّنَّة ، قَالَ اللَّه تَعَالَى : { النَّار يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا ... } الْآيَة وَتَظَاهَرَتْ بِهِ الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ رِوَايَة جَمَاعَة مِنْ الصَّحَابَة فِي مَوَاطِن كَثِيرَة ، وَلَا يَمْتَنِع فِي الْعَقْل أَنْ يُعِيد اللَّه تَعَالَى الْحَيَاة فِي جُزْء مِنْ الْجَسَد ، وَيُعَذِّبهُ ، وَإِذَا لَمْ يَمْنَعهُ الْعَقْل وَوَرَدَ الشَّرْع بِهِ وَجَبَ قَبُوله وَاعْتِقَاده ، وَقَدْ ذَكَرَ مُسْلِم هُنَا أَحَادِيث كَثِيرَة فِي إِثْبَات عَذَاب الْقَبْر ، وَسَمَاع النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَوْت مَنْ يُعَذِّب فِيهِ ، وَسَمَاع الْمَوْتَى قَرْع نِعَال دَافِنِيهِمْ ، وَكَلَامه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَهْلِ الْقَلِيب ، وَقَوْله : " مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَع مِنْهُمْ " ، وَسُؤَال الْمَلَكَيْنِ الْمَيِّت ، وَإِقْعَادهمَا إِيَّاهُ ، وَجَوَابه لَهُمَا ، وَالْفَسْح لَهُ فِي قَبْره ، وَعَرْض مَقْعَده عَلَيْهِ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيّ ، وَسَبَقَ مُعْظَم شَرْح هَذَا فِي كِتَاب الصَّلَاة ، وَكِتَاب الْجَنَائِز ، وَالْمَقْصُود : أَنَّ مَذْهَب أَهْل السُّنَّة إِثْبَات عَذَاب الْقَبْر كَمَا ذَكَرْنَا خِلَافًا لِلْخَوَارِجِ وَمُعْظَم الْمُعْتَزِلَة وَبَعْض الْمُرْجِئَة نَفَوْا ذَلِكَ ، ثُمَّ الْمُعَذَّب عِنْد أَهْل السُّنَّة الْجَسَد بِعَيْنِهِ أَوْ بَعْضه بَعْد إِعَادَة الرُّوح إِلَيْهِ أَوْ إِلَى جُزْء مِنْهُ ، وَخَالَفَ فِيهِ مُحَمَّد بْن جَرِير وَعَبْد اللَّه بْن كِرَام وَطَائِفَة فَقَالُوا : لَا يُشْتَرَط إِعَادَة الرُّوح ، قَالَ أَصْحَابنَا : هَذَا فَاسِد ؛ لِأَنَّ الْأَلَم وَالْإِحْسَاس إِنَّمَا يَكُون فِي الْحَيّ ، قَالَ أَصْحَابنَا : وَلَا يَمْنَع مِنْ ذَلِكَ كَوْن الْمَيِّت قَدْ تَفَرَّقَتْ أَجْزَاؤُهُ كَمَا نُشَاهِد فِي الْعَادَة أَوْ أَكَلَتْهُ السِّبَاع أَوْ حِيتَان الْبَحْر أَوْ نَحْو ذَلِكَ ، فَكَمَا أَنَّ اللَّه تَعَالَى يُعِيدهُ لِلْحَشْرِ وَهُوَ سُبْحَانه وَتَعَالَى قَادِر عَلَى ذَلِكَ ، فَكَذَا يُعِيد الْحَيَاة إِلَى جُزْء مِنْهُ ، أَوْ أَجْزَاء ، وَإِنْ أَكَلَتْهُ السِّبَاع وَالْحِيتَان ، فَإِنْ قِيلَ فَنَحْنُ نُشَاهِد الْمَيِّت عَلَى حَاله فِي قَبْره ، فَكَيْف يُسْأَل وَيُقْعَد وَيُضْرَب بِمَطَارِق مِنْ حَدِيد ، وَلَا يَظْهَر لَهُ أَثَر ؟ فَالْجَوَاب أَنَّ ذَلِكَ غَيْر مُمْتَنِع ، بَلْ لَهُ نَظِير فِي الْعَادَة وَهُوَ النَّائِم ، فَإِنَّهُ يَجِد لَذَّة وَآلَامًا لَا نُحِسّ نَحْنُ شَيْئًا مِنْهَا ، وَكَذَا يَجِد الْيَقْظَان لَذَّة وَأَلَمًا لِمَا يَسْمَعهُ أَوْ يُفَكِّر فِيهِ وَلَا يُشَاهِد ذَلِكَ جَالِسُوهُ مِنْهُ ، وَكَذَا كَانَ جِبْرَائِيل يَأْتِي النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيُخْبِرهُ بِالْوَحْيِ الْكَرِيم وَلَا يُدْرِكهُ الْحَاضِرُونَ ، وَكُلّ هَذَا ظَاهِر جَلِيّ ، قَالَ أَصْحَابنَا : وَأَمَّا إِقْعَاده الْمَذْكُور فِي الْحَدِيث فَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون مُخْتَصًّا بِالْمَقْبُورِ دُون الْمَنْبُوذ ، وَمَنْ أَكَلَتْهُ السِّبَاع وَالْحِيتَان ، وَأَمَّا ضَرْبه بِالْمَطَارِقِ فَلَا يَمْتَنِع أَنْ يُوَسَّع لَهُ فِي قَبْره فَيُقْعَد وَيُضْرَب . وَاَللَّه أَعْلَم .


5110 - قَوْله : ( مَقْعَدك حَتَّى يَبْعَثك اللَّه )
هَذَا تَنْعِيم لِلْمُؤْمِنِ وَتَعْذِيب لِلْكَافِرِ .


5112 - قَوْله : ( حَادَتْ بِهِ بَغْلَته )
أَيْ : مَالَتْ عَنْ الطَّرِيق وَنَفَرَتْ ، وَقَرْع النِّعَال وَخَفْقهَا : هُوَ ضَرْبهَا الْأَرْض ، وَصَوْتهَا فِيهَا .


5115 - قَوْله : ( مَا كُنْت تَقُول فِي هَذَا الرَّجُل ؟ )
يَعْنِي بِالرَّجُلِ : النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَإِنَّمَا يَقُولهُ فِي هَذِهِ الْعِبَارَة الَّتِي لَيْسَ فِيهَا تَعْظِيم ؛ اِمْتِحَانًا لِلْمَسْئُولِ لِئَلَّا يَتَلَقَّن تَعْظِيمه مِنْ عِبَارَة السَّائِل ، ثُمَّ يُثَبِّت اللَّه الَّذِينَ آمَنُوا .
قَوْله : ( يُفْسَح لَهُ فِي قَبْره وَيُمْلَأ عَلَيْهِ خَضِرًا إِلَى يَوْم يُبْعَثُونَ )
الْخَضِر ضَبَطُوهُ بِوَجْهَيْنِ أَصَحّهمَا : بِفَتْحِ الْخَاء وَكَسْر الضَّاد ، وَالثَّانِي : بِضَمِّ الْخَاء وَفَتْح الضَّاد ، وَالْأَوَّل أَشْهَر ، وَمَعْنَاهُ : تُمْلَأ نِعَمًا غَضَّة نَاعِمَة وَاصِلَة مِنْ خَضِرَة الشَّجَر ، هَكَذَا فَسَّرُوهُ ، قَالَ الْقَاضِي : يُحْتَمَل أَنْ يَكُون هَذَا الْفَسْح لَهُ عَلَى ظَاهِره ، وَأَنَّهُ يُرْفَع عَنْ بَصَره مَا يُجَاوِزهُ مِنْ الْحُجُب الْكَثِيفَة بِحَيْثُ لَا تَنَالهُ ظُلْمَة الْقَبْر وَلَا ضِيقه إِذَا رُدَّتْ إِلَيْهِ رُوحه ، قَالَ : وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون عَلَى ضَرْب الْمَثَل وَالِاسْتِعَارَة لِلرَّحْمَةِ وَالنَّعِيم ، كَمَا يُقَال : سَقَى اللَّه قَبْره ، وَالِاحْتِمَال الْأَوَّل أَصَحّ . وَاَللَّه أَعْلَم .


5119 - قَوْله فِي رُوح الْمُؤْمِن : ( ثُمَّ يَقُول اِنْطَلِقُوا بِهِ إِلَى آخِر الْأَجَل ، ثُمَّ قَالَ فِي رُوح الْكَافِر فَيُقَال : اِنْطَلِقُوا بِهِ إِلَى آخِر الْأَجَل )
قَالَ الْقَاضِي : الْمُرَاد بِالْأَوَّلِ : اِنْطَلِقُوا بِرُوحِ الْمُؤْمِن إِلَى سِدْرَة الْمُنْتَهَى ، وَالْمُرَاد بِالثَّانِي اِنْطَلِقُوا بِرُوحِ الْكَافِر إِلَى سِجِّين ، فَهِيَ مُنْتَهَى الْأَجَل ، وَيُحْتَمَل أَنَّ الْمُرَاد إِلَى اِنْقِضَاء أَجَل الدُّنْيَا .
قَوْله : ( فَرَدَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَيْطَة كَانَتْ عَلَيْهِ عَلَى أَنْفه )
الرَّيْطَة بِفَتْحِ الرَّاء وَإِسْكَان الْيَاء وَهُوَ ثَوْب رَقِيق ، وَقِيلَ : هِيَ الْمُلَاءَة ، وَكَانَ سَبَب رَدّهَا عَلَى الْأَنْف بِسَبَبِ مَا ذَكَرَ مِنْ نَتْن رِيح رُوح الْكَافِر .


5120 - قَوْله : ( حَدِيد الْبَصَر )
بِالْحَاءِ ، أَيْ : نَافِذه ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى : { فَبَصَرك الْيَوْم حَدِيد } .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( هَذَا مَصْرَع فُلَان غَدًا إِنْ شَاءَ اللَّه ... إِلَى آخِره )
هَذَا مِنْ مُعْجِزَاته صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الظَّاهِرَة .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَتْلَى بَدْر : ( مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَع لِمَا أَقُول مِنْهُمْ )
قَالَ الْمَازِرِيّ : قَالَ بَعْض النَّاس : الْمَيِّت يَسْمَع عَمَلًا بِظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيث ، ثُمَّ أَنْكَرَهُ الْمَازِرِيّ وَادَّعَى أَنَّ هَذَا خَاصّ فِي هَؤُلَاءِ ، وَرَدَّ عَلَيْهِ الْقَاضِي عِيَاض وَقَالَ : يُحْمَل سَمَاعهمْ عَلَى مَا يُحْمَل عَلَيْهِ سَمَاع الْمَوْتَى فِي أَحَادِيث عَذَاب الْقَبْر وَفِتْنَته ، الَّتِي لَا مَدْفَع لَهَا ، وَذَلِكَ بِإِحْيَائِهِمْ أَوْ إِحْيَاء جُزْء مِنْهُمْ يَعْقِلُونَ بِهِ وَيَسْمَعُونَ فِي الْوَقْت الَّذِي يُرِيد اللَّه ، هَذَا كَلَام الْقَاضِي ، وَهُوَ الظَّاهِر الْمُخْتَار الَّذِي يَقْتَضِيه أَحَادِيث السَّلَام عَلَى الْقُبُور . وَاَللَّه أَعْلَم .


5121 - قَوْله : ( يَا رَسُول اللَّه كَيْف يَسْمَعُوا وَأَنَّى يُجِيبُوا وَقَدْ جَيَّفُوا ؟ )
هَكَذَا هُوَ فِي عَامَّة النُّسَخ الْمُعْتَمَدَة ( كَيْف يَسْمَعُوا وَأَنَّى يُجِيبُوا ) مِنْ غَيْر نُون ، وَهِيَ لُغَة صَحِيحَة وَإِنْ كَانَتْ قَلِيلَة الِاسْتِعْمَال ، وَسَبَقَ بَيَانهَا مَرَّات ، وَمِنْهَا : الْحَدِيث السَّابِق فِي كِتَاب الْإِيمَان : " لَا تَدْخُلُوا الْجَنَّة حَتَّى تُؤْمِنُوا " ، وَقَوْله ( جَيَّفُوا ) أَيْ : أَنْتَنُوا وَصَارُوا جِيَفًا ، يُقَال : جَيَّفَ الْمَيِّت وَجَافَ وَأَجَافَ وَأَرْوَحَ وَأَنْتَنَ بِمَعْنًى .
قَوْله : ( فَسُحِبُوا فَأُلْقُوا فِي قَلِيب بَدْر )
وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى : ( فِي طَوِيّ مِنْ أَطْوَاء بَدْر ) الْقَلِيب وَالطَّوِيّ بِمَعْنًى ، وَهِيَ : الْبِئْر الْمَطْوِيَّة بِالْحِجَارَةِ ، قَالَ أَصْحَابنَا : وَهَذَا السَّحْب إِلَى الْقَلِيب لَيْسَ دَفْنًا لَهُمْ ، وَلَا صِيَانَة وَحُرْمَة ، بَلْ لِدَفْعِ رَائِحَتهمْ الْمُؤْذِيَة . وَاَللَّه أَعْلَم .


5122 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ نُوقِشَ الْحِسَاب يَوْم الْقِيَامَة عُذِّبَ )
مَعْنَى ( نُوقِشَ ) اِسْتُقْصِيَ عَلَيْهِ قَالَهُ الْقَاضِي .
وَقَوْله : ( عُذِّبَ )
لَهُ مَعْنَيَانِ :
أَحَدهمَا : أَنَّ نَفْس الْمُنَاقَشَة ، وَعَرْض الذُّنُوب ، وَالتَّوْقِيف عَلَيْهَا هُوَ التَّعْذِيب لِمَا فِيهِ مِنْ التَّوْبِيخ ، وَالثَّانِي أَنَّهُ مُفْضٍ إِلَى الْعَذَاب بِالنَّارِ ، وَيُؤَيِّدهُ قَوْله فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى : ( هَلَكَ ) مَكَان ( عُذِّبَ ) هَذَا كَلَام الْقَاضِي ، وَهَذَا الثَّانِي هُوَ الصَّحِيح ، وَمَعْنَاهُ : أَنَّ التَّقْصِير غَالِب فِي الْعِبَاد ، فَمَنْ اُسْتُقْصِيَ عَلَيْهِ ، وَلَمْ يُسَامَح هَلَكَ ، وَدَخَلَ النَّار ، وَلَكِنَّ اللَّه تَعَالَى يَعْفُو وَيَغْفِر مَا دُون الشِّرْك لِمَنْ يَشَاء .
قَوْله فِي إِسْنَاد هَذَا الْحَدِيث : ( عَنْ عَبْد اللَّه بْن أَبِي مُلَيْكَة عَنْ عَائِشَة )
هَذَا مِمَّا اِسْتَدْرَكَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ عَلَى الْبُخَارِيّ وَمُسْلِم ، وَقَالَ : اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء عَنْ اِبْن أَبِي مُلَيْكَة ، فَرُوِيَ عَنْهُ عَنْ عَائِشَة ، وَرُوِيَ عَنْهُ عَنْ الْقَاسِم عَنْهَا ، وَهَذَا اِسْتِدْرَاك ضَعِيف ، لِأَنَّهُ مَحْمُول عَلَى أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْ الْقَاسِم عَنْ عَائِشَة ، وَسَمِعَهُ أَيْضًا مِنْهَا بِلَا وَاسِطَة ، فَرَوَاهُ بِالْوَجْهَيْنِ ، وَقَدْ سَبَقَتْ نَظَائِر هَذَا .


5124 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا يَمُوتَنَّ أَحَدكُمْ إِلَّا وَهُوَ يُحْسِن بِاَللَّهِ الظَّنّ )
وَفِي رِوَايَة : ( إِلَّا وَهُوَ يُحْسِن الظَّنّ بِاَللَّهِ تَعَالَى ) قَالَ الْعُلَمَاء : هَذَا تَحْذِير مِنْ الْقُنُوط ، وَحَثّ عَلَى الرَّجَاء عِنْد الْخَاتِمَة ، وَقَدْ سَبَقَ فِي الْحَدِيث الْآخَر قَوْله سُبْحَانه وَتَعَالَى : ( أَنَا عِنْد ظَنّ عَبْدِي بِي ) ، قَالَ الْعُلَمَاء : مَعْنَى ( حُسْن الظَّنّ بِاَللَّهِ تَعَالَى ) أَنْ يَظُنّ أَنَّهُ يَرْحَمهُ وَيَعْفُو عَنْهُ ، قَالُوا : وَفِي حَالَة الصِّحَّة يَكُون خَائِفًا رَاجِيًا ، وَيَكُونَانِ سَوَاء ، وَقِيلَ : يَكُون الْخَوْف أَرْجَح ، فَإِذَا دَنَتْ أَمَارَات الْمَوْت غَلَبَ الرَّجَاء أَوْ مَحْضه ؛ لِأَنَّ مَقْصُود الْخَوْف : الِانْكِفَاف عَنْ الْمَعَاصِي وَالْقَبَائِح ، وَالْحِرْص عَلَى الْإِكْثَار مِنْ الطَّاعَات وَالْأَعْمَال ، وَقَدْ تَعَذَّرَ ذَلِكَ أَوْ مُعْظَمه فِي هَذَا الْحَال ، فَاسْتُحِبَّ إِحْسَان الظَّنّ الْمُتَضَمِّن لِلِافْتِقَارِ إِلَى اللَّه تَعَالَى ، وَالْإِذْعَان لَهُ ، وَيُؤَيِّدهُ الْحَدِيث الْمَذْكُور بَعْده ( يُبْعَث كُلّ عَبْد عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ ) وَلِهَذَا عَقَّبَهُ مُسْلِم لِلْحَدِيثِ الْأَوَّل . قَالَ الْعُلَمَاء : مَعْنَاهُ : يُبْعَث عَلَى الْحَالَة الَّتِي مَاتَ عَلَيْهَا ، وَمِثْله الْحَدِيث الْآخَر بَعْده ( ثُمَّ بُعِثُوا عَلَى نِيَّاتهمْ ) .