Contents

الواجهة
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد
مقدمة
باب الألف
باب الثاء
باب الجيم
باب الحاء
باب الخاء
باب الدال
باب الراء
باب الزاي
تابع باب الزاء
تابع لحرف الزاء
تابع لحرف الزاء
باب الطاء
باب الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع حرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
باب النون
باب الصاد
باب الضاد
باب العين
تابع لحرف العين
تابع حرف العين
تابع لحرف العين
تابع لحرف العين
باب القاف
باب السين
باب الشين
باب الهاء
باب الواو
باب الياء
تابع باب الياء
باب الكني
باب بلاغات مالك ومرسلاته
باب مافي هذا الديوان من حديث مالك الذي ثبتت عليه أبوابه خاصة
الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج
الديباج - جزء 1
الديباج - جزء 2
الديباج - جزء 3
الديباج - جزء 4
الديباج - جزء 5
الديباج - جزء 6
المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج
المنهاج - مقدمة
المنهاج - الإيمان
المنهاج - الطهارة
المنهاج - الحيض
المنهاج - الصَّلَاة
المنهاج - المساجد ومواضع الصلاة
المنهاج - صلاة المسافرين وقصرها
المنهاج - بَاب صَلَاة الْجُمُعَة
المنهاج - بَاب صَلَاة الْعِيدَيْنِ
المنهاج - بَاب الدُّعَاء فِي صَلَاة الِاسْتِسْقَاء
المنهاج - بَاب صَلَاة الْكُسُوف
المنهاج - كِتَاب الْجَنَائِز
المنهاج - الزكاة
المنهاج - كِتَاب الصِّيَام
المنهاج - كِتَاب الِاعْتِكَاف
المنهاج - كِتَاب الْحَجّ
المنهاج - كِتَاب النِّكَاح
المنهاج - الرضاعة
المنهاج - الطلاق
المنهاج - اللِّعَان
المنهاج - العتق
المنهاج - البيوع
المنهاج - المساقاة
المنهاج - الفرائض
المنهاج - الهبات
المنهاج - الوصية
المنهاج - النذر
المنهاج - الأيمان
المنهاج - القسامة
المنهاج - الحدود
المنهاج - الأقضية
المنهاج - اللقطة
المنهاج - الجهاد والسير
المنهاج - الإمارة
المنهاج - الصيد والذبائح
المنهاج - كِتَاب الْأَضْاحَي
المنهاج - الأشربة
المنهاج - اللباس والزينة
المنهاج - الآداب
المنهاج - السلام
المنهاج - الألفاظ من الأدب وغيرها
المنهاج - الشعر
المنهاج - الرؤيا
المنهاج - الفضائل
المنهاج - فضائل الصحابة
المنهاج - البر والصلة والآداب
المنهاج - القدر
المنهاج - العلم
المنهاج - الذكر والدعاء
المنهاج - التوبة
المنهاج - صفات المنافقين
المنهاج - صفة القيامة والجنة والنار
المنهاج - الجنة وصفة نعيمها وأهلها
المنهاج - الفتن وأشراط الساعة
المنهاج - الزهد والرقائق
المنهاج - التفسير
تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي
أبواب الطهارة
أبواب الصلاة
تابع أبواب الصلاة
أبواب الوتر
أبواب الجمعة
تابع لأبواب الجمعة
أبواب العيدين
أبواب السفر
ابواب الزكاة
أبواب الصوم
أبواب الحج
تابع أبواب الحج
أبواب الجنائز
أبواب النكاح
أبواب الرضاع
أبواب الطلاق واللعان
ابواب البيوع
أبواب الأحكام
أبواب الديات
ابواب الحدود
تابع أبواب الحدود
أبواب الصيد
أبواب الأضاحي
أبواب النذور والأيمان
أبواب السير
أبواب الجهاد
أبواب اللباس
أبواب الأطعمة
أبواب الأشربة
تابع أبواب الأشربة
أبواب البر و الصله عن رسول الله صلى الله عليه و آله سلم
أبواب الطب عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الفرائض عن الرسول صلى الله عليه و سلم
أبواب الوصايا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الولاء و الهبة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب القدر عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم
أبواب الفتن عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الرؤيا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الشهادات عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
تابع لأبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صِفَةُ القِيامَة
أبواب صفة الجنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صفة جهنم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإيمان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب العلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإستئذان والآداب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب العلم
أبواب الأمثال
أبواب فضائل القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب القراءات عن رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم
أبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الدعوات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أحاديث شتى من أبواب الدعوات
المناقب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
مناقب الصحابة رضوان الله عليهم
تنوير الحوالك شرح موطأ مالك
كتاب وقوت الصلاة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب السهو
كتاب الجمعة
كتاب الصلاة في رمضان
كتاب صلاة الليل
كتاب صلاة الجماعة
كتاب قصر الصلاة في السفر
كتاب العيدين
كتاب صلاة الخوف
كتاب صلاة الكسوف
كتاب الاستسقاء
كتاب القبلة
كتاب القرآن
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب الجهاد
كتاب النذور و الأيمان
كتاب الضحايا
كتاب الذبائح
كتاب الصيد
كتاب العقيقة
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الرضاع
كتاب البيوع
كتاب القراض
كتاب المساقاة - كتاب كراء الأرض
كتاب الشفعة - كتاب الأقضية
كتاب الوصية - كتاب العتق والولاء
كتاب المكاتب - كتاب المدبر
كتاب الحدود
كتاب الأشربة - كتاب العقول
كتاب القسامة - كتاب الجامع
كتاب القدر - كتاب حسن الخلق
كتاب اللباس - كتاب صفة النبي
كتاب العين - كتاب الشعر
كتاب الرؤيا - كتاب السلام
كتاب الاستئذان والتشميت والصور والتماثيل وغيرها
كتاب البيعة - كتاب الكلام والعينة والتقى
كتاب جهنم - كتاب الصدقة
كتاب العلم - كتاب دعوة المظلوم - كتاب أسماء النبي
حاشية السندي على سنن ابن ماجة
المقدمة
الطَّهَارَة وَسُنَنهَا
الصلاة
الْأَذَان
المساجد والجماعات
أَبْوَاب إِقَامَة الصَّلَاة
الجنائز
الصوم
الزكاة
النكاح
الطلاق
الكفارات
التجارات
الأحكام
الحدود
الديات
الوصايا
الْفَرَائِض
الجهاد
المناسك
الْأَضَاحِيّ
الذبائح
الصيد
الأطعمة
الأشربة
الطب
اللباس
الْآدَاب
الدُّعَاء
تعبير الرؤيا
الْفِتَن
الزُّهْد
شرح سنن ابن ماجه لمغلطاي
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح رياض الصالحين
شرح رياض الصالحين - 01
شرح رياض الصالحين - 02
شرح رياض الصالحين - 03
شرح رياض الصالحين - 04
شرح سنن أبي داود للعيني
مقدمة التحقيق
كتاب الطهارة
كِتابُ الصَلاَةِ
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
عون المعبود شرح سنن أبي داود
كتاب الطهارة
تابع كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
كتاب الزكاة
تابع لكتاب الزكاة
كتاب اللقطة
كتاب المناسك
تابع لكتاب المناسك
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الصيام
تابع لكتاب الصيام
أول كتاب الجهاد
أول كتاب الضحايا
تابع كتاب الضحايا
أول كتاب الصيد
أول كتاب الوصايا
أول كتاب الفرائض
أول كتاب الخراج والفيء والإمارة
أول كتاب الجنائز
تابع لكتاب الجنائز
كتاب الأيمان والنذور
كتاب البيوع
كتاب الإجارة
كتاب القضاء
تابع لكتاب القضاء
كتاب العلم
كتاب الأشربة
كتاب الأطعمة
كتاب الطب
كتاب الكهانة والتطير
كتاب العتق
أول كتاب الحروف والقراءات
أول كتاب الحمام
أول كتاب اللباس
أول كتاب الترجل
أول كتاب الخاتم
أول كتاب الفتن والملاحم
أول كتاب المهدي
أول كتاب الملاحم
أول كتاب الحدود
أول كتاب الديات
أول كتاب السنة
تابع لكتاب السنة
أول كتاب الأدب
أبواب السلام
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن حجر
فتح الباري - هدي الساري مقدمة فتح الباري
فتح الباري - كتاب بدء الوحي
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب العلم
فتح الباري - كتاب الوضوء
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
فتح الباري - كتاب مواقيت الصلاة
فتح الباري - كتاب الأذان
فتح الباري - كتاب الجمعة
فتح الباري - كتاب الخوف
فتح الباري - كتاب العيدين
فتح الباري - كتاب الوتر
فتح الباري - كتاب الاستسقاء
فتح الباري - كتاب الكسوف
فتح الباري - كتاب سجود القرآن
فتح الباري - كتاب تقصير الصلاة
فتح الباري - كتاب التهجد
فتح الباري - كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة
فتح الباري - كتاب العمل في الصلاة
فتح الباري - كتاب السهو
فتح الباري - كتاب الجنائز
فتح الباري - كتاب الزكاة
فتح الباري - كتاب الحج
فتح الباري - كتاب العمرة
فتح الباري - كتاب المحصر
فتح الباري - كتاب جزاء الصيد
فتح الباري - كتاب فضائل المدينة
فتح الباري - كتاب الصوم
فتح الباري - كتاب صلاة التراويح
فتح الباري - كتاب فضل ليلة القدر
فتح الباري - كتاب الإعتكاف
فتح الباري - كتاب البيوع
فتح الباري - كتاب السلم
فتح الباري - كتاب الشفعة
فتح الباري - كتاب الإجارة
فتح الباري - كتاب الحرث والمزارعة
فتح الباري - كتاب المساقاة
فتح الباري - كتاب الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس
فتح الباري - كتاب الخصومات
فتح الباري - كتاب اللقطة
فتح الباري - كتاب المظالم
فتح الباري - كتاب الشركة
فتح الباري - كتاب الرهن
فتح الباري - كتاب العتق
فتح الباري - كتاب المكاتب
فتح الباري - كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها
فتح الباري - كتاب الشهادات
فتح الباري - كتاب الصلح
فتح الباري - كتاب الشروط
فتح الباري - كتاب الوصايا
فتح الباري - كتاب الجهاد و السير
فتح الباري - كتاب فرض الخمس
فتح الباري - كتاب الجزية و الموادعة
فتح الباري - كتاب بدء الخلق
فتح الباري - كتاب أحاديث الأنبياء
فتح الباري - كتاب المناقب
فتح الباري - كتاب فضائل الصحابة
فتح الباري - كتاب مناقب الأنصار
فتح الباري - كتاب المغازي
فتح الباري - كتاب التفسير
فتح الباري - كتاب فضائل القرآن
فتح الباري - كتاب النكاح
فتح الباري - كتاب الطلاق
فتح الباري - كتاب النفقات
فتح الباري - كتاب الأطعمة
فتح الباري - كتاب العقيقة
فتح الباري - كتاب الذبائح والصيد
فتح الباري - كتاب الأضاحي
فتح الباري - كتاب الأشربة
فتح الباري - كتاب المرضى
فتح الباري - كتاب الطب
فتح الباري - كتاب اللباس
فتح الباري - كتاب الأدب
فتح الباري - كتاب الإستئذان
فتح الباري - كتاب الدعوات
فتح الباري - كتاب الرقاق
فتح الباري - كتاب القدر
فتح الباري - كتاب الأيمان والنذور
فتح الباري - كتاب كفارات الأيمان
فتح الباري - كتاب الفرائض
فتح الباري - كتاب الحدود
فتح الباري - كتاب الديات
فتح الباري - كتاب استتابة المرتدين
فتح الباري - كتاب الإكراه
فتح الباري - كتاب الحيل
فتح الباري - كتاب التعبير
فتح الباري - كتاب الفتن
فتح الباري - كتاب الأحكام
فتح الباري - كتاب التمني
فتح الباري - كتاب أخبار الأحاد
فتح الباري - كتاب الإعتصام بالسنة
فتح الباري - كتاب التوحيد
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن رجب
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
مقدمة
خطبة الكتاب
كتاب الإيمان
كتاب العلم
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصوم
كتاب فضائل القرآن
كتاب الدعوات
كتاب المناسك
كتاب البيوع
كتاب الفرائض والوصايا
كتاب النكاح
كتاب العتق
كتاب القصاص
كتاب الديات
كتاب الحدود
كتاب الإمارة والقضاء
كتاب الجهاد
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأطعمة
كتاب اللباس
كتاب الطب والرقى
كتاب الرؤيا
كتاب الآداب
كتاب الرقاق
كتاب الفتن
كتاب صفة القيامة والجنة والنار
كتاب الفضائل والشمائل
كتاب المناقب

 
عودة لموقع هاني الطنبور
هاني الطنبور
الصفحة السابقة الصفحة التالية
 
 

 

تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي

أبواب الصلاة
باب ما جاء في مواقيت الصلاة
...
بسم الله الرحمن الرحيم
أبواب الصلاة عَنْ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم
113 ـ بابُ مَا جَاءَ فِي مَواقِيتِ الصّلاَةِ
149 ـ حدثنَا هَنّادُ "بنُ السّريّ" حدّثَنَا عبْدُ الرّحْمَنِ بنُ أَبي الزّنَادِ عَنْ عَبْدِ الرّحْمَنِ بنِ الْحَارثِ بنِ عَيّاشِ بن أبي رَبِيعَةَ عنْ حَكِيمِ بنِ حَكيم، وَهُوَ ابنُ عبّادِ بنِ حُنَيْفٍ، أَخْبَرَني نَافِعُ بنُ جُبَيْرِ بنِ مُطْعِمٍ قَالَ أخْبَرَني ابنُ عبّاسٍ أنّ النّبي صلى الله عليه وسلم قالَ: "أَمّنِي جِبْرِيلُ "عليهِ السّلاَمُ" عنْدَ الْبَيْتِ
ـــــــ
أبواب الصلاة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
بسم الله الرحمن الرحيم
"باب في مواقيت الصلاة عن النبي صلى الله عليه وسلم"
جمع ميقات وهو مفعال من الوقت، وهو القدر المحدود من الزمان أو المكان
"عن عبد الرحمن بن الحارث بن عياش بن أبي ربيعة" قال في التقريب عبد الرحمن بن الحارث بن عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة المخزومي أبو الحارث المدني صدوق له أوهام "عن حكيم بن حكيم وهو ابن عباد بن حنيف" الأنصاري الأوسي صدوق قاله الحافظ وذكره ابن حبان في الثقات قاله الخزرجي "قال أخبرني نافع بن جبير بن مطعم" النوفلي أبو محمد أو أبو عبد الله المدني ثقة فاضل من الثانية مات سنة 99 تسع وتسعين وهو من رجال الكتب الستة.
قوله : "أمني جبريل عند البيت" أي عند بيت الله، وفي رواية في الأم للشافعي

(1/464)


مَرّتَيْنِ، فَصَلّى الظّهْرَ فِي الاْولَى مِنْهُما حينَ كَانَ الْفَيْءُ مِثْلَ الشّرَاكِ، ثمّ صلّى الْعَصْرَ حينَ كَانَ كُلّ شَيْءٍ مِثْلَ ظِلهِ، ثُمّ صَلّى الْمَغْرِب حِينَ وَجَبَتِ الشّمْسُ وَأفْطَرَ الصّائِمُ، ثَمّ صَلّى الْعِشاءَ حينَ غابَ الشْفقُ،
ـــــــ
عند باب الكعبة "مرتين" أي في يومين ليعرفني كيفية الصلاة وأوقاتها "فصلى الظهر في الأولى منهما" أي المرة الأولى من المرتين، قال الحافظ في الفتح بين ابن إسحاق في المغازي أن ذلك كان صبيحة الليلة التي فرضت فيها الصلاة وهو ليلة الإسراء قال ابن إسحاق وحدثني عتبة بن مسلم عن نافع بن جبير وقال عبد الرزاق عن ابن جريج قال قال نافع بن جبير وغيره لما أصبح النبي صلى الله عليه وسلم من الليلة التي أسري به لم يرعه إلا جبريل نزل حين زالت الشمس ولذلك سميت الأولى أي صلاة الظهر فأمر فصيح بأصحابه الصلاة جامعة فاجتمعوا فصلى به جبريل وصلى النبي صلى الله عليه وسلم بالناس فذكر الحديث انتهى "حين كان الفيء" هو ظل الشمس بعد الزوال "مثل الشراك" أي قدره قال ابن الأثير الشراك أحد سيور النعل التي تكون على وجهها انتهى. وفي رواية أبي داود حين زالت الشمس وكانت قدر الشراك، قال ابن الأثير قدره ههنا ليس على معنى التحديد ولكن زوال الشمس لا يبين إلا بأقل ما يرى من الظل وكان حينئذ بمكة هذا القدر. والظل يختلف بإختلاف الأزمنة والأمكنة وإنما يتبين ذلك في مثل مكة من البلاد التي يقل فيها الظل فإذا كان طول النهار واستوت الشمس فوق الكعبة لم ير بشيء من جوانبها ظل فكل بلد يكون أقرب إلى خط الاستواء ومعدل النهار يكون الظل فيه أقصر وكل ما بعد عنهما إلى جهة الشمال يكون الظل أطول انتهى. "ثم صلى العصر حين كان كل شيء مثل ظله" أي سوى ظله الذي كان عند الزوال. يدل عليه ما رواه النسائي من حديث جابر بن عبد الله بلفظ: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى الظهر حين زالت الشمس وكان الفيء قدر الشراك ثم صلى العصر حين كان الفيء قدر الشراك وظل الرجل "ثم صلى المغرب حين وجبت الشمس" أي غربت "وأفطر الصائم" أي دخل وقت إفطاره بأن غابت الشمس فهو عطف تفسير "ثم صلى العشاء حين غاب الشفق" أي الأحمر على الأشهر قاله القاري، وقال النووي في شرح مسلم المراد بالشفق الأحمر هذا مذهب الشافعي وجمهور الفقهاء وأهل اللغة وقال أبو حنيفة والمزني رضي الله عنهما وطائفة من الفقهاء وأهل اللغة المراد الأبيض والأول هو الراجح المختار انتهى كلام النووي.

(1/465)


ثُمّ صَلى الْفجْرَ حينَ بَرَقَ الْفَجْرُ وَحَرمَ الطّعَامُ عَلَى الصّائِمِ. وَصَلّى المَرّةَ الثّانِيَةَ الظّهْرَ حينَ كَانَ ظِلّ كلّ شَيْءٍ مِثْلَهُ، لِوَقْتِ الْعَصْرِ بِالأمْسِ، ثَمّ صَلّى العَصْرَ حينَ كانَ ظِلّ كُلّ شَيْءٍ مِثْلَيْهِ، ثَمّ صَلّى الْمَغْرِبَ لِوَقْتهِ الأَوْلِ، ثُمّ صلى الْعِشاءَ الآخر ةَ حينَ ذَهَبَ ثُلُثُ اللّيْلِ، ثُمّ صَلى
ـــــــ
قلت: وإليه ذهب صاحبا أبي حنيفة أبو يوسف ومحمد وقالا الشفق هو الحمرة وهو رواية عن أبي حنيفة بل قال في النهر وإليه رجع الإمام، وقال في الدر الشفق هو الحمرة عندهما وبه قالت الثلاثة وإليه رجع الإمام كما هو في شروح المجمع وغيره فكان هو المذهب، قال صدر الشريعة وبه يفتي كذا في حاشية النسخة الأحمدية، ولا شك في أن المذهب الراجح المختار هو أن الشفق الحمرة يدل عليه حديث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال الشفق الحمرة رواه الدارقطني وصححه ابن خزيمة وغيره ووقفه على ابن عمر كذا في بلوغ المرام، قال محمد بن إسمعيل الأمير في سبل السلام البحث لغوي والمرجع فيه إلى أهل اللغة وابن عمر من أهل اللغة ومخ العرب فكلامه حجة وإن كان موقوفاً عليه انتهى، ويدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم في حديث عبد الله بن عمرو عند مسلم: وقت المغرب ما لم يسقط ثور الشفق قال الجزري في النهاية أي انتشاره وثوران حمرته من ثار الشيء يثور إذا انتشر وارتفع انتهى، وفي البحر الرائق من كتب الحنفية قال الشمني هو ثوران حمرته انتهى، ووقع في رواية أبي داود وقت المغرب ما لم يسقط فور الشفق، قال الخطابي هو بقية حمرة الشفق في الأفق وسمي فوراً بفورانه وسطوعه وروى أيضاً ثور الشفق وهو ثوران حمرته انتهى، وقال الجزري في النهاية هو بقية حمرة الشمس في الأفق الغربي سمي فوراً لسطوعه وحمرته ويروى بالثاء وقد تقدم انتهى "ثم صلى الفجر حين برق الفجر" أي طلع "وصلى المرة الثانية" أي في اليوم الثاني "حين كان ظل كل شيء مثله لوقت العصر بالأمس" أي فرغ من الظهر جينئذ كما شرع في العصر في اليوم الأول حينئذ قال الشافعي وبه يندفع اشتراكهما في وقت واحد على ما زعمه جماعة ويدل له خبر مسلم وقت الظهر ما لم يحضر العصر "ثم صلى المغرب لوقته الأول" استدل به من قال إن لصلاة المغرب وقتاً واحداً وهو عقب غروب الشمس بقدر ما يتطهر ويستر عورته ويؤذن ويقيم فإن أخر الدخول في الصلاة عن هذا الوقت أثم وصارت قضاء وهو قول الشافعية. قال النووي وذهب المحققون من أصحابنا إلى ترجيح القول بجواز تأخيرها ما لم يغب الشفق وأنه يجوز

(1/466)


الصّبْحَ حينَ أسْفَرَتِ الأَرْضُ، ثُمّ الْتَفَتَ إِلَيّ جِبْرِيلُ فَقالَ: يا مُحَمّدُ، هَذا وَقْتُ الأَنْبِياءِ منْ قبْلكَ وَالْوَقْتُ فيمَا بَيْنَ هَذَيْنِ الْوَقْتَيْن" .
قال أبو عيسى: وفي البابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَبُرَيْدَةَ وَأَبِي مُوسَى، وَأَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيّ وَأَبِي سَعِيدٍ، وجَابِرٍ، وَعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، وَالبَرَاءِ، وَأَنَسٍ.
ـــــــ
ابتداؤها في كل وقت من ذلك ولا يأثم بتأخيرها عن أول الوقت وهذا هو الصحيح والصواب الذي لا يجوز غيره. والجواب عن حديث جبريل عليه السلام حين صلى المغرب في اليومين حين غربت الشمس من ثلاثة أوجه.
الأول : أنه اقتصر على بيان وقت الإختيار ولم يستوعب وقت الجواز وهذا جار في الصلوات سوى الظهر.
والثاني : أنه متقدم في أول الأمر بمكة وأحاديث امتداد وقت المغرب إلى غروب الشفق متأخرة في أواخر الأمر بالمدينة، فوجب اعتمادها.
والثالث : أن هذه الأحاديث أصح إسناداً من حديث بيان جبريل. فوجب تقديمها انتهى كلام النووي "فقال يا محمد هذا" أي ما ذكر من الأوقات الخمسة "وقت الأنبياء من قبلك" قال ابن العربي في عارضة الأحوذي: ظاهره يوهم أن هذه الصلوات في هذه الأوقات كانت مشروعة لمن قبلهم من الأنبياء. وليس كذلك، وإنما معناه أن هذا وقتك المشروع لك يعني الوقت الموسع المحدود بطرفين الأول والآخر, وقوله وقت الأنبياء قبلك يعني ومثله وقت الأنبياء قبلك أي صلاتهم كانت واسعة الوقت وذات طرفين، وإلا فلم تكن هذه الصلوات على هذا الميقات إلا لهذه الأمة خاصة. وإن كان غيرهم قد شاركهم في بعضها. وقد روى أبو داود في حديث العشاء: أعتموا بهذه الصلاة فإنكم قد فضلتم بها على سائر الأمم، وكذا قال ابن سيد الناس. وقال يريد في التوسعة عليهم في أن الوقت أولاً وآخراً لا أن الأوقات هي أوقاتهم بعينها. كذا في قوت المغتذي "والوقت فيما بين هذين الوقتين" قال ابن سيد الناس يريد هذين وما بينهما، أما إرادته أن الوقتين الذين أوقع فيهما الصلاة وقت لها. فتبين بفعله وأما الإعلام بأن ما بينهما أيضاً وقت فبينه قوله عليه الصلاة والسلام.
قوله: "وفي الباب عن أبي هريرة وبريدة وأبي موسى وأبي مسعود وأبي سعيد وجابر وعمرو بن حزم والبراء وأنس" أما حديث أبي هريرة فأخرجه الترمذي والنسائي

(1/467)


150 ـ "أَخْبَرَني" أَحْمَدُ بن مُحَمّدِ بن مُوسَى أَخْبَرَنَا عَبْدُ الله بن المُبَارَكِ أَخْبَرَنَا حُسَيْنُ بن عَليّ بن حُسَيْنٍ أَخْبَرَنِي وَهْبُ بنُ كَيْسَانَ عَنْ جَابِر بن عَبْدِ الله عَنْ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: "أَمّنِي جِبْرِيلُ" فَذَكَرَ نَحوَ حديث ابنِ عباسٍ بمعناهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ "لِوَقْتِ العَصْر بِالأَمْسِ".
قال أبو عيسى: "هذا حديث حسنٌ غَرِيبٌ".
"وَ" حَدِيثُ ابن عَبّاسٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ "صَحِيحٌ".
وَقَالَ مُحَمّدٌ: أَصَحّ شَيْءٍ فِي الْمَواقِيتِ حَدِيثُ جَابِرٍ عَنِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم.
قَالَ: وَحَديثُ جَابِرٍ فِي الْمَواقِيتِ قَدْ رَوَاهُ عَطاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ وعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ وَأَبُو الزّبَيْرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله عَنِ النبيّ صلى الله عليه وسلم نَحْوَ حَدِيثِ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ عَنْ جَابِرٍ عَنِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم.
ـــــــ
وصححه ابن السكن والحاكم، وأما حديث بريدة فأخرجه الترمذي. وأما حديث أبي موسى فأخرجه مسلم وأبو داود والنسائي وأبو عوانة، وأما حديث أبي مسعود فأخرجه مالك في الموطأ وإسحاق بن راهويه وأصله في الصحيحين من غير تفصيل وفصله أبو داود، وأما حديث أبي سعيد فأخرجه أحمد والطحاوي، وأما حديث جابر فأخرجه أحمد والترمذي والنسائي، وأما حديث عمرو بن حزم فأخرجه إسحاق بن راهويه وأما حديث البراء فذكره ابن أبي خيثمة، وأما حديث أنس فأخرجه الدارقطني وابن السكن في صحيحه والإسماعيلي في معجمه.
قوله : "حديث ابن عباس حديث حسن" وصححه ابن عبد البر وأبو بكر بن العربي، قال إن عبد البر: إن الكلام في إسناده لا وجه له، والحديث أخرجه أيضاً أحمد وأبو داود وابن خزيمة والدارقطني والحاكم.
قوله : "وقال محمد أصح شيء في المواقيت حديث جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم"

(1/468)


.......................................
ـــــــ
قال ابن القطان حديث جابر يجب أن يكون مرسلاً لأن جابراً لم يذكر من حديثه بذلك ولم يشاهد ذلك صبيحة الإسراء لما علم من أنه أنصاري إنما صحب بالمدينة، قال وابن عباس وأبو هريرة اللذان رويا أيضاً قصة إمامة جبريل فليس يلزم في حديثهما من الإرسال ما في رواية جابر لأنهما قالا إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ذلك وقصه عليهما. كذا في قوت المغتذي.

(1/469)


114 ـ بابُ "مِنْهُ"
151 ـ حدثنا هَنّادٌ حدّثَنَا مُحَمّدُ بْنُ فُضَيْلٍ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إنّ لِلصّلاَةِ أَوّلاً وآخِراً، وإنّ أَوّلَ وَقْتِ صَلاَةِ الظّهْرِ حِينَ تَزُولُ الشّمْسُ، وآخِرَ وَقْتِهَا حِينَ يَدْخُلُ وَقْتُ الْعَصْرِ، وَإِنّ أَوّلَ وَقْتِ صَلاَةِ العصْرِ حِينَ يَدْخُلُ وَقْتُهَا، وَإِنّ آخِرَ وَقْتِهَا حِينَ تَصْفَرّ الشّمْسُ، وَإِن أَوّلَ وَقْتِ المَغْرِبِ حِينَ تَغْرُبُ الشّمْسُ، وَإِنّ آخِرَ وَقْتِهَا حِينَ يَغيبُ الأُفُقُ، وَإِنّ أَوّلَ وَقْتِ العِشَاءِ الآخر ةِ حِينَ يَغِيبُ الاْفُقُ، وإِنّ آخِرَ وَقْتِهَا حِينَ يَنْتَصِفُ الّليْلُ، وإِنّ أَوّلَ وَقْتِ الفَجْرِ حِيْنَ يَطْلُعُ الفَجْرُ، وَإِنّ آخِرَ وَقْتِهَا حِينَ تَطْلُعُ الشّمْسُ" .
ـــــــ
"باب منه"
أي مما جاء في مواقيت الصلاة عن النبي صلى الله عليه وسلم فهذا الباب كالفصل من الباب المتقدم.
قوله : "نا محمد بن فضيل" بن غزوان الضبي مولاهم، أبو عبد الرحمن الكوفي صدوق عارف رمي بالتشيع كذا في التقريب، قال في الخلاصة قال النسائي ليس به بأس قال البخاري مات سنة 591 خمس وتسعين ومائة.
قوله: "وإن أول وقت العصر حين يدخل وقتها" كأن وقته كان معلوماً عندهم "وإن آخر وقتها حين تصفر الشمس" أي آخر وقتها المختار والمستحب وإلا فآخر وقتها إلى غروب الشمس "وإن آخر وقتها حين ينتصف الليل" أي آخر وقتها

(1/469)


"قَالَ": وفي البابِ عن عَبْد الله بْنِ عَمْرٍو.
قال أبو عيسى: "وَ" سَمِعْتُ مُحَمّداً يَقُولُ: حَدِيثُ الأَعْمَشِ عن مُجَاهِدٍ فِي الْمَواقِيتِ: أَصَحّ مِنْ حديث مُحَمّدِ بْنِ فُضَيْلٍ عَنِ الأَعْمَشِ، وَحَدِيثُ مُحَمّدِ بْنِ فُضِيْلٍ خَطَأٌ، أَخْطَأَ فِيهِ مُحَمّدُ بْنُ فُضَيْلِ.
حدثنا هَنّادٌ حدثنا أَبُو أُسَامةَ عن "أَبِي إِسْحاقَ" الْفَزارِيّ عَنِ الأَعْمَشِ عن مُجَاهِدٍ قَالَ: كَان يُقَال: إِنّ لِلصّلاَةِ أَوّلاً وآخِراً، فذَكَرَ نَحْوَ حَديثِ مُحَمّدِ بْنِ فُضَيْلٍ عنِ الأَعْمَشِ، نَحْوَهُ بِمَعْنَاهُ.
ـــــــ
اختياراً، أما وقت الجواز فيمتد إلى طلوع الفجر الثاني لحديث أبي قتادة: ليس في النوم تفريط إنما التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يجيء وقت الصلاة الأخرى، وقال الإصطخري إذا ذهب نصف الليل صارت قضاء، ودليل الجمهور حديث أبي قتادة قاله النووي.
قوله : "وفي الباب عن عبد الله بن عمرو" أخرجه مسلم عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وقت الظهر إذا زالت الشمس وكان ظل الرجل كطوله ما لم يحضر العصر ووقت العصر ما لم تصفر الشمس ووقت الصلاة المغرب ما لم تغب الشمس ووقت صلاة العشاء إلى نصف الليل الأوسط ووقت صلاة الصبح من طلوع الفجر ما لم تطلع الشمس الحديث.
قوله : "سمعت محمداً يقول حديث الأعمش عن مجاهد في المواقيت أصح من حديث محمد بن فضيل عن الأعمش" حديث الأعمش عن مجاهد في المواقيت رواه الترمذي بعد هذا "وحديث محمد بن فضيل خطأ أخطأ فيه محمد بن الفضيل" أي أخطأ في الإسناد حيث روى عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة وإنما هو عن الأعمش عن مجاهد. قال كان يقال إلخ قال الحافظ في التلخيص. ورواه الحاكم من طريق أخرى عن محمد بن عباد بن جعفر أنه سمع أبا هريرة وقال صحيح الإسناد.

(1/470)


115- باب منه
152 ـ حَدّثَنَا أَحْمَدُ بن مُنِيعٍ وَ الْحَسَنُ بن الصّبّاحِ البَزّارُ وَ أَحْمَدُ بن مُحمّدِ بن مُوسَى، الْمَعْنَى وَاحِدٌ، قَالُوا: حَدّثَنَا إسْحاقُ بن يُوسُفَ الأَزْرَقُ عَنْ سُفْيَانَ "الثّوْرِيّ" عَنْ عَلْقَمَةَ بن مَرْثَدٍ عَنْ سُليْمانَ بن بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: "أتَى النّبيّ صلى الله عليه وسلم رَجُلٌ فَسَأَلهُ عَنْ مَوَاقِيتِ الصّلاَةِ فَقَالَ: أَقِمْ مَعَنا إِنْ شاءَ الله، فَأَمَرَ بِلاَلاً فَأَقامَ حِينَ طلعَ الْفَجْرُ، ثُمّ أَمَرَهَ فَأَقامَ حِينَ زَالَتِ الشّمْسُ فَصَلّى الظّهْرَ، ثُمّ أَمَرَهُ فَأَقامَ فَصَلّى العَصْرَ وَالشّمْسُ بَيْضَاءُ مُرْتَفِعَةٌ، ثَمّ أَمَرَهُ بِالْمَغْرِبِ حِينَ وَقَعَ حَاجِبُ الشّمْسِ، ثُمّ أَمَرَهُ بِالعِشَاءِ فَأَقامَ حينَ غَابَ الشّفَقُ، ثُمّ أَمَرَهُ مِنَ الغَدِ فَنَوّرَ بِالفَجْرِ، ثُمّ أَمَرَهُ
ـــــــ
قوله : "والحسن بن الصباح" بتشديد الموحدة "البزار" بفتح الموحدة وتشديد الزاي المعجمة وبعدها راء مهملة. أبو على الواسطي ثم البغدادي أحد أعلام السنة. روى عن إسحاق الأزرق ومعن بن عيسى وغيرهما، وعنه البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي. وقال ليس بالقوي. وقال أحمد ثقة مات سنة 249 تسع وأربعين ومائتين. كذا في الخلاصة، وقال في التقريب صدوق يهم وكان عابداً فاضلاً انتهى "وأحمد بن محمد بن موسى" أبو العباس السمسار المعروف بمردويه ثقة حافظ من العاشرة. كذا في التقريب "قالوا ثنا إسحاق بن يوسف الأزرق" المخزومي الواسطي. ثقة قيل لأحمد: أثقة هو قال إي والله "عن سفيان" هو الثوري "عن سليمان بن بريدة" بن الحصيب الأسلمي المروزي. ثقة وثقه ابن معين وأبو حاتم قال الحاكم لم يذكر سماعاً من أبيه قال الخزرجي حديثه عن أبيه في مسلم في عدة مواضع "عن أبيه" هو بريدة بن الحصيب بمهملتين مصغراً صحابي أسلم قبل بدر مات سنة 63 ثلاث وستين.
قوله : "فقال أقم معنا إن شاء الله" قال أبو الطيب السندي: كأنه للتبرك وإلا فلم يعرف تقييد الأمر بمثل هذا الشرط، وفي رواية لمسلم صَلّ معنا هذين يعني اليومين "فأمر بلالاً فأقام حين طلع الفجر" وفي رواية لمسلم فأمر بلالاً فأذن بغلس فصلى الصبح فأمره فأقام حين زالت الشمس أي عن حد الاستواء. وفي رواية لمسلم حين زالت الشمس عن بطن السماء فصلى العصر "والشمس بيضاء مرتفعة" أي لم تختلط بها صفرة أي فصلى العصر في أول وقته "ثم أمره بالمغرب حين وقع حاجب الشمس" أي طرفها الأعلى كذا في مجمع البحار، وفي رواية لمسلم حين غابت الشمس "فنور بالفجر" من التنوير أي أسفر بصلاة الفجر "فأبرد

(1/471)


بالظّهْرِ فَأَبْرَدَ وَأَنْعمَ أَنْ يُبْرِدَ، ثُمّ أَمَرَهُ بِالْعَصْرِ فَأَقامَ وَالشّمسُ آخِرَ وَقْتِها فَوْقَ مَا كانَتْ ثُمّ أَمَرَهُ فَأخّرَ المَغْرِبَ إِلَى قُبَيْلِ أَنْ يَغِيبَ الشّفَقُ، ثُمّ أَمَرَهُ بِالعِشاءِ فَأَقامَ حينَ ذَهَبَ ثُلُثُ اللّيْلِ. ثُمْ قالَ: أَيْنَ السّائِلُ عَنْ مَوَاقِيتِ الصّلاَةِ؟ فَقالَ الرّجُلُ: أَنَا، فَقالَ: مَوَاقِيتُ الصّلاَةِ كما بَيْنَ هَذِيْنِ" .
قال أبو عيسى: هذَا حديثٌ حسنٌ غَرِيبٌ صحيحٌ.
"قالَ": وَقَدْ رَوَاهُ شُعْبَةُ عَنْ علْقَمَةَ بنِ مَرْثَدٍ أَيضاً.
ـــــــ
وأنعم أن يبرد" أي أبرد بصلاة الظهر وزاد وبالغ في الإبراد، يقال أحسن إلى فلان وأنعم. أي زاد في الإحسان وبالغ. قال الخطابي: الإبراد، أن يتفيأ الأفياء وينكسر وهج الحر فهو برد بالنسبة إلى حر الظهيرة "فأقام والشمس آخر وقتها فوق ما كانت" أي فأقام العصر والحال أن الشمس آخر وقتها في اليوم الثاني فوق الوقت الذي كانت الشمس فيه في اليوم الأول، والمعنى أنه صلى الله عليه وسلم صلى صلاة العصر في اليوم الثاني حين صار ظل الشيء مثليه وقد كان صلاها في اليوم الأول، حين كان ظل الشيء مثله، وفي رواية لمسلم وصلى العصر والشمس مرتفعة أخرها فوق الذي كان قال القاري في المرقاة: أخر بالتشديد أي أخر صلاة العصر في اليوم الثاني فوق التأخير الذي وجد في اليوم الأول بأن أوقعها حين صار ظل الشيء مثليه كما بينته الروايات الأخر، يريد أن صلاة العصر كانت مؤخرة عن الظهر لأنها كانت مؤخرة عن وقتها انتهى "فقال الرجل أنا ههنا حاضر فقال مواقيت الصلاة كما بين هذين" الكاف زائدة وفي رواية وقت صلاتكم بين ما رأيتم.
قوله : "هذا حديث حسن غريب صحيح" وأخرجه مسلم أيضاً.

(1/472)


116 ـ بابُ مَا جَاءَ فِي التّغْلِيسِ بِالْفَجْر
ـــــــ
"باب ما جاء في التغليس بالفجر"
أي أداء صلاة الفجر في الغلس والغلس ظلمة آخر الليل

(1/472)


153 ـ حدثنَا قُتَيْبَةُ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنْسٍ قَالَ: وَحدثنا الأْنْصَاريّ حدثنا مَعْنٌ حدثنا مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عنْ عَمْرَةَ عنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: "إِنْ كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم لَيُصَلي الصّبْحَ فَيَنْصَرِفُ النّسَاءُ قَالَ الأْنْصَارِيّ: فَيَمُرّ النّسَاءُ مُتَلَفّفَاتٍ بمُروطِهِنّ مَا يُعْرَفْنَ مِنَ الْغَلَسِ" وَقَالَ قُتَيْبَةَ: "مُتَلَفّعَاتٍ".
ـــــــ
قوله : "ونا الأنصاري" هو إسحاق بن موسى الأنصاري والترمذي قد يقول الأنصاري وقد يصرح باسمه "نا معن" هو ابن عيسى بن يحيى الأشجعي.
قوله : "وإن كان" إن مخففة من المثقلة أي إنه كان "قال الأنصاري" أي في روايته "فتمر النساء متلففات" بالنصب على الحالية من التلفف بالفائين "بمروطهن" المروط جمع مرط بكسر ميم وسكون راء وهو كساء معلم من خز أو صوف أو غير ذلك. كذا قال الحافظ وغيره أي فتمر النساء حال كونهن مغطيات رؤوسهن وأبدانهن بالأكسية "ما يعرفن" على البناء للمفعول وما نافية أي لا يعرفهن أحد "من الغلس" من تعليلية أي لأجل الغلس. قال الحافظ في فتح الباري: قال الداودي معناه لا يعرفن أنساء أم رجال. لا يظهر للرأئي إلا الأشباح خاصة، وقيل لا يعرف أعيانهن فلا يفرق بين خديجة وزينب. وضعفه النووي بأن المتلففة في النهار لا تعرف عينها فلا يبقى في الكلام فائدة.
وتعقب بأن المعرفة إنما تتعلق بالأعيان فلو كان المراد الأول لعبر بنفي العلم، وما ذكره من أن المتلففة بالنهار لا تعرف عينها فيه نظر لأن لكل امرأة هيئة غير هيئة الأخرى في الغالب. ولو كان بدنها مغطى. وقال الباجي هذا يدل على أنهن كن سافرات إذ لو كن متنقبات لمنع تغطية الوجه من معرفتهن لا الغلس. قال الحافظ وفيه ما فيه لأنه مبني على الأشتباه الدي أشار إليه النووي. وأما إذا قلنا إن لكل واحدة منهن هيئة غالباً فلا يلزم ما ذكر انتهى كلام الحافظ. وقال ولا معارضة بين هذا وبين حديث أبي برزة أنه كان ينصرف من الصلاة حين يعرف الرجل جليسه لأن هذا إخبار عن رؤية المتلفعة على بعد. وذلك إخبار عن رؤية الجليس انتهى "وقال قتيبة" أي روايته "متلفعات" من التلفع. قال الجزري في النهاية أي متلففات بأكسيتهن. واللفاع ثوب يجلل به الجسد كله كساء كان أو غيره. وتلفع بالثوب إذا اشتمل به

(1/473)


"قَالَ": وفي البابِ عَنِ ابنِ عُمَرَ، وَأَنَسٍ، وَقيْلَةِ بِنْتِ مَخرَمَةَ.
قال أبو عيسى: حَديثُ عَائِشَةَ حدِيثٌ حَسَنٌ صحيحٌ.
"وَقَدْ رَوَاهُ الزّهْرِيّ عَنْ عُروَةَ عَنْ عَائِشَةَ نَحْوَهُ".
وَهُوَ الّذِي اخْتَارَه غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصحابِ النبي صلى الله عليه
ـــــــ
انتهى، وقال الحافظ في الفتح قال الأصمعي التلفع أن تشتمل بالثوب حتى تجلل به جسدك. وفي شرح الموطأ لابن حبيب التلفع لا يكون إلا بتغطية الرأس والتلفف يكون بتغطية الرأس وكشفه انتهى.
قوله : "وفي الباب عن ابن عمر وأنس وقيلة بنت مخرمة" أما حديث ابن عمر فأخرجه ابن ماجة ويأتي لفظه، وله حديث آخر أخرجه أحمد عن أبي الربيع قال كنت مع ابن عمر فقلت له إني أصلي معك ثم ألتفت فلا أرى وجه جليسي، ثم أحياناً تسفر، فقال كذلك رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي وأحببت أن أصليها كما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصليها، قال الشوكاني في إسناده أبو الربيع قال الدارقطني مجهول انتهى. وأما حديث أنس فأخرجه البخاري عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم وزيد بن ثابت تسحرا فلما فرغا من سحورهما قام نبي الله صلى الله عليه وسلم إلا الصلاة فقلنا لأنس كم كان بين فراغهما من سحورهما ودخولهما في الصلاة قال قدر ما يقرأ الرجل خمسين آية. وأما حديث قيلة بنت مخرمة فلينظر من أخرجه. وفي الباب أيضاً عن جابر بن عبد الله وأبي برزة الأسلمي وأبي مسعود الأنصاري، أما حديث جابر بن عبد الله فأخرجه الشيخان عن محمد بن عمرو بن الحسن بن علي قال سألنا جابر بن عبد الله عن صلاة النبي صلى الله عليه وسلم فقال كان يصلي الظهر بالهاجرة والعصر والشمس حية والمغرب إذا وجبت والعشاء إذا كثر الناس عجل وإذا قلوا أخر والصبح بغلس. وأما حديث أبي برزة فأخرجه الشيخان أيضاً وفيه وكان ينفتل من صلاة الغداة حين يعرف الرجل جليسه، وأما حديث أبي مسعود الأنصاري فسيأتي تخريجه.
قوله : "حديث عائشة حديث حسن صحيح" أخرجه الجماعة.
قوله : "وهو الذي أختاره غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه

(1/474)


وسلم، مِنْهُمْ: أَبُو بَكرٍ، وَعُمَرُ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ التّابِعينَ.
وَبِهِ يَقُولُ الشّافِعِيّ، وَأَحْمَدُ، وَإسْحاقُ: يَسْتَحِبّونَ التّغْلِيسَ بِصَلاَةِ الْفَجْرِ.
ـــــــ
وسلم منهم أبو بكر وعمرو من بعدهم من التابعين وبه يقول الشافعي وأحمد وإسحاق يستحبون التغليس بصلاة الفجر" وهو قول مالك، قال ابن قدامة في المغني: وأما صلاة الصبح فالتغليس بها أفضل وبهذا قال مالك والشافعي وإسحاق. قال ابن عبد البر صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن أبي بكر وعمر وعثمان أنهم كانوا يغلسون، ومحال أن يتركوا الأفضل ويأتوا الدون وهم النهاية في إتيان الفضائل انتهى، واستدلوا بأحاديث الباب، قال الحازمي في كتاب الأعتبار: تغليس النبي صلى الله عليه وسلم ثابت وأنه داوم عليه إلى أن فارق الدنيا ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يداوم إلا على ما هو الأفضل وكذلك أصحابه من بعده تأسياً به صلى الله عليه وسلم، وروى بإسناده عن أبي مسعود قال صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصبح مرة بغلس ثم صلى مرة أخرى فأسفر بها ثم كانت صلاته بعد ذلك التغليس حتى مات لم يعد إلى أن يسفر قال هذا طرف من حديث طويل في شرح الأوقات وهو حديث ثابت مخرج في الصحيح بدون هذه الزيادة، وهذا إسناد رواته عن آخره ثقات والزيادة عن الثقة مقبولة. وقد ذهب أكثر أهل العلم إلى هذا الحديث ورأوا التغليس أفضل روينا ذلك عن الخلفاء الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان وعلى رضي الله عنهم وعن ابن مسعود وأبي موسى الأشعري وأبي مسعود الأنصاري، وعبد الله بن الزبير وعائشة وأم سلمة رضوان الله عليهم أجمعين، ومن التابعين عمر بن عبد العزيز وعروة بن الزبير وإليه ذهب مالك وأهل الحجاز والشافعي وأصحابه وأحمد وإسحاق انتهى.
قلت: حديث أبي مسعود الذي ذكره الحازمي بإسناده أخرجه أيضاً أبو داود وغيره كذا قال الحافظ في الفتح، وقال المنذري في تلخيص السنن: والحديث أخرجه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه بنحوه ولم يذكروا رؤيته لصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذه الزيادة في قصة الإسفار رواتها عن آخرهم ثقات والزيادة من الثقة مقبولة انتهى كلام المنذري، وقال الخطابي هو صحيح الإسناد وقال ابن سيد الناس إسناد حسن وقال الشوكاني رجاله في سنن أبي داود رجال الصحيح.

(1/475)


....................................
ـــــــ
فإن قلت: كيف يكون إسناد أبي مسعود المذكور صحيحاً أو حسناً وفيه أسامة بن زيد الليثي، وقد ضعفه غير واحد، قال أحمد ليس بشيء فراجعه ابنه عبد الله فقال إذا تدبرت حديثه تعرف فيه النكرة وقال النسائي ليس بالقوي وقال يحيى القطان ترك حديثه بآخره، وقال أبو حاتم يكتب حديثه ولا يحتج به كذا في الميزان.
ولو سلم أنه ثقة فزيادته المذكورة شاذة غير مقبولة فإنّهُ قد تفرد بها، والحديث رواه غير واحد من أصحاب الزهري ولم يذكروا هذه الزيادة غيره والثقة إذا خالف الثقات في الزيادة فزيادته لا تقبل وتكون غير محفوظة.
قلت: أسامة بن زيد الليثي وإن تكلم فيه لكن الحق أنه ثقة صالح للاحتجاج، قال إمام هذا الشان يحيى بن معين ثقة حجة وقال ابن عدي لا بأس به كذا في الميزان ولذلك ذكره الحافظ الذهبي في كتابه ذكر أسماء من تكلم فيه وهو موثق حيث قال فيه: أسامة بن زيد الليثي لا العدوي صدوق قوي الحديث أكثر مسلم إخراج حديث ابن وهب ولكن أكثرها شواهد أو متابعات، والظاهر أنه ثقة، وقال النسائي وغيره ليس بالقوي انتهى وأما قول أحمد إذا تدبرت حديثه تعرف فيه النكرة فالظاهر أنه ليس مراده الإطلاق بل أراد حديثه الذي روي عن نافع، ففي الجوهر النقي قال أحمد بن حنبل روى عن نافع أحاديث مناكير فقال له ابنه عبد الله وهو حسن الحديث. فقال أحمد إن تدبرت حديثه فستعرف فيه النكرة على أن قول أحمد في رجل روى مناكير لا يستلزم ضعفه، فقد قال في محمد بن إبراهيم بن الحارث التميمي في حديثه شيء يروي أحاديث مناكير وقد احتج به الجماعة؟ وكذا قال في بريد بن عبد الله بن أبي بردة روى مناكير وقد احتج به الأئمة كلهم كذا في مقدمة فتح الباري وأما قول يحيى القطان ترك حديثه بآخره فغير قادح فإنه متعنت جداً في الرجال كما صرح به الذهبي في الميزان في ترجمة سفيان بن عيينة، وقال الحافظ الزيلعي في نصب الراية ص 734 ج1 في توثيق معاوية بن صالح احتج به مسلم في صحيحه وكون يحيى بن سعيد لا يرضاه غير قادح فإن يحيى شرطه شديد في الرجال انتهى، أما قول أبي حاتم لا يحتج به من غير بيان السبب فغير قادح أيضاً، قال الحافظ الزيلعي في نصب الراية في توثيق معاوية بن صالح وقول أبي حاتم لا يحتج به غير قادح فإنه لم يذكر السبب وقد تكررت هذه اللفظة منه في رجال كثيرين من أصحاب الصحيح الثقات الأثبات من غير بيان السبب كخالد الحذاء وغيره انتهى كلام

(1/476)


.........................................
ـــــــ
الزيلعي. وأما قول النسائي ليس بالقوي فغير قادح أيضاً فإنه مجمل مع أنه متعنت وتعنته مشهور، فالحق أن أسامة بن زيد الليثي ثقة صالح للاحتجاج وزيادته المذكورة مقبولة كما صرح به الحافظ الحازمي وغيره، فإنها ليست منافية لرواية غيره من الثقات الذين لم يذكروها وزيادة الثقة إنما تكون شاذة إذا كانت منافية لرواية غيره من الثقات، وقد حققناه في كتابنا أبكار المنن في نقد آثار السنن في باب وضع اليدين على الصدر، وقال الحافظ بن حجر في فتح الباري: وقد وجدت ما يعضد رواية أسامة بن زيد ويزيد عليها أن البيان من فعل جبريل وذلك فيما رواه الباغندي في مسند عمر بن عبد العزيز والبيهقي في السنن الكبرى من طريق يحيى بن سعيد الأنصاري عن أبي بكر بن حزم أنه بلغه عن أبي مسعود فذكره منقطعاً، لكن رواه الطبراني من وجه آخر عن أبي بكر عن عروة فرجع الحديث إلى عروة، ووضح أن له أصلاً وأن في رواية مالك ومن تابعه اختصاراً، وبذلك جزم ابن عبد البر وليس في رواية مالك ومن تابعه ما ينفي الزيادة المذكورة فلا توصف والحالة هذه بالشذوذ انتهى كلام الحافظ.
قلت: ويؤيد زيادة أسامة بن زيد المذكورة ما رواه ابن ماجه قال حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم الدمشقي ثنا الوليد بن مسلم ثنا الأوزاعي ثنا نهيك بن يريم الأوزاعي ثنا مغيث بن سمي قال صليت مع عبد الله بن الزبير الصبح بغلس فلما سلم أقبلت على ابن عمر فقلت ما هذه الصلاة قال هذه صلاتنا كانت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر فلما طعن عمر أسفر بها عثمان وإسناده صحيح ورواه الطحاوي أيضاً، قال في شرح الآثار: حدثنا سليمان بن شعيب قال ثنا بشر بن بكر قال حدثني الأوزاعي ح وحدثنا فهد قال ثنا محمد بن كثير قال ثنا الأوزاعي بإسناد ابن ماجه بنحوه، وإذا عرفت هذا كله ظهر لك أن حديث أسامة بن زيد المذكور صحيح وزيادته المذكورة مقبولة

(1/477)


117 ـ بابُ مَا جَاءَ فِي الإِسْفَارِ بِالْفَجْر
154 ـ حَدثنا هَنّادٌ حَدثنا عَبْدُهُ "هُوَ ابنُ سُلَيْمانَ" عَنْ مُحَمّدِ بن

(1/477)


إِسْحَاقَ عَنْ عَاصِمِ بْن عُمَرَ بن قتَادَةَ عَنْ محمودِ بن لبِيدٍ عنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قَالَ سَمْعتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "أَسْفِرُوا بِالفَجْرِ، فإِنّهُ أَعْظَمُ لِلأجْرِ" .
"قَالَ": وَقَدْ رَوَى شُعْبَةُ وَالثّوْرِيّ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ محمد بْن أَسْحَاقَ.
"قَالَ": وَرَوَاهُ محمدُ بْنُ عَجْلاَنَ أَيْضاً عَنْ عَاصِمِ بنِ عُمَرَ بنِ قَتَادَةَ.
"قَالَ": وفي البابِ عنْ أَبي بَرْزَةَ "الأسْلَمِيّ" وَجَابرٍ، وَبِلاَلٍ.
ـــــــ
"باب ما جاء في الإسفار بالفجر"
قوله: "عن عاصم بن عمر بن قتادة" الأوسي الأنصاري المدني، ثقة عالم بالمغازي من الرابعة، مات بعد العشرين ومائة وهو من رجال الكتب الستة "عن محمود بن لبيد" بن عقبة بن رافع الأوسي الأشهلي المدني صحابي صغير جل روايته عن الصحابة مات سنة 96 ست وتسعين وقبل سبع وله تسع وتسعون سنة.
قوله : "أسفروا بالفجر" أي صلوا صلاة الفجر إذا أضاء الفجر وأشرق قال الجزري في النهاية أسفر الصبح إذا انكشف وأضاء وقال في القاموس سفر الصبح يسفر أضاء وأشرق كأسفر انتهى "فإنه" أي الإسفار بالفجر.
قوله : "وفي الباب عن أبي برزة وجابر" لم أقف على من أخرج حديثهما في الإسفار وقد أخرج الشيخان عنهما التغليس، قال الحافظ في الدراية وعن جابر وأبي برزة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي الصبح بغلس متفق عليهما "وبلال" أخرج حديثه البزار في مسنده بنحو حديث رافع بن خديج وفي سنده أيوب بن يسار وهو ضعيف، قال البخاري فيه منكر الحديث وقال النسائي متروك الحديث، وذكر الحافظ الزيلعي سنده بتمامه في نصب الراية، وفي الباب أيضاً عن محمود بن لبيد وأبي هريرة وأنس بن مالك وبلال وغيرهم رضي الله عنهم ذكر أحاديث هؤلاء الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد مع الكلام عليها، وعامة هذه الأحاديث ضعاف.
قوله : "وقد روى شعبة والثوري هذا الحديث عن محمد بن إسحاق" فتابعا عبدة "ورواه محمد بن عجلان أيضاً عن عاصم بن عمر بن قتادة" فتابع محمد بن عجلان محمد بن إسحاق فلا يقدح عنعنته في صحة الحديث.

(1/478)


قال أبو عيسى: حَديثُ رَافعِ بن خَديجٍ حَديثٌ حَسَنٌ "صحيحٌ".
وَقَدْ رَأَى غَيْرُ وَاحدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصحَاب النّبيّ صلى الله عليه وسلم وَالتّابِعِينَ الإسْفَارَ بصلاَةِ الْفَجْرِ.
وَبِهِ يقُولُ سُفْيَانُ الثّوْرِيّ.
ـــــــ
قوله: "حديث رافع بن خديج حديث حسن صحيح" قال الحافظ في فتح الباري رواه أصحاب السنن وصححه غير واحد.
قوله : "وقد رأى غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والتابعين الإسفار بصلاة الفجر وبه يقول سفيان الثوري" وهو قول الحنفية، واستدلوا بأحاديث الباب واستدل لهم أيضاً بحديث عبد الله بن مسعود قال ما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم صلى صلاة لغير ميقاتها إلا صلاتين جمع بين المغرب والعشاء وصلى الفجر قبل ميقاتها رواه الشيخان، قال ابن التركماني في الجوهر النقي معناه قبل وقتها المعتاد إذ فعلها قبل طلوع الفجر غير جائز، فدل على أن تأخيرها كان معتاداً للنبي صلى الله عليه وسلم وأنه عجل بها يومئذ قبل وقتها المعتاد انتهى.
وفيه: أن هذا الحديث إنما يدل على أنه صلى الله عليه وسلم قام بصلاة الفجر في مزدلفة خلاف عادته أول ما بزغ الفجر بحيث يقول قائل طلع الفجر، وقال قائل لم يطلع وهذا لا يثبت منه ألبتة أن القيام لصلاة الفجر بعد الغلس في الإسفار كان معتاداً للنبي صلى الله عليه وسلم، قال الحافظ في فتح الباري لا حجة فيه لمن منع التغليس بصلاة الصبح لأنه ثبت عن عائشة وغيرها كما تقدم في المواقيت التغليس بها، بل المراد هنا أنه كان إذا أتاه المؤذن بطلوع الفجر صلى ركعتي الفجر في بيته ثم يخرج فصلى الصبح مع ذلك بغلس وأما بمزدلفة فكان الناس مجتمعين والفجر نصب أعينهم فبادر بالصلاة أول ما بزغ حتى إن بعضهم كان لم يتبين له طلوعه. وهو بين في رواية إسمعيل حيث قال ثم صلى الفجر حين طلع الفجر وقائل يقول لم يطلع انتهى كلام الحافظ، فالاستدلال بحديث عبد الله بن مسعود هذا على استحباب الإسفار بصلاة الفجر ليس بشيء.
وأجيب: من قبل من قال باستحباب الإسفار عن أحاديث التغليس بأجوبة كلها مخدوشة.

(1/479)


.....................................
ـــــــ
فمنها: أن التغليس كان في ابتداء الإسلام ثم نسخ.
وفيه هذا مجرد دعوى لا دليل عليها وقد ثبت تغليسه صلى الله عليه وسلم بصلاة الفجر إلى وفاته كما تقدم، قال بعضهم بعد ذكر هذا الجواب فيه أنه نسخ اجتهادي مع ثبوت حديث الغلس إلى وفاته صلى الله عليه وسلم.
ومنها: أن الإسفار كان معتاداً للنبي صلى الله عليه وسلم وتمسكوا في ذلك بحديث عبد الله بن مسعود المذكور.
وفيه: أن القول بأن الإسفار كان معتاداً له صلى الله عليه وسلم باطل جداً بل معتاده صلى الله عليه وسلم كان هو التغليس كما يدل عليه حديث عائشة وحديث أبي مسعود وغيرهما، وأما التمسك بحديث ابن مسعود المذكور فقد عرفت ما فيه.
ومنها: أن التغليس لو كان مستحباً لما اجتمع الصحابة رضي الله عنهم على الإسفار وقد روى الطحاوي عن إبراهيم النخعي قال: ما اجتمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على شيء ما اجتمعوا على التنوير.
وفيه: أن دعوى إجماع الصحابة على الإسفار باطلة جداً كيف وقد قال الترمذي في باب التغليس وهو الذي اختاره غير واحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم منهم أبو بكر وعمر إلخ وقال الحافظ ابن عبد البر صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان أنهم كانوا يغلسون كما عرفت في كلام ابن قدامة وروى الطحاوي في شرح الآثار ص 104 عن جابر بن عبد الله قال كانوا يصلون الصبح بغلس. وروى عن المهاجر أن عمر بن الخطاب كتب إلى أبي موسى أن صل الصبح بسواد أو قال بغلس وأطل القراءة. ثم قال الطحاوي أفلا تراه يأمرهم أن يكون دخولهم فيها بغلس وأن يطيلوا القراءة فكذلك عندنا أراد منه أن يدركوا الإسفار فكذلك كل من روينا عنه في هذا شيئاً سوى عمر قد كان ذهب إلى هذا المذهب أيضاً. ثم ذكر أثر أبي بكر في تغليسه في صلاة الفجر وتطويله القراءة فيها. ثم قال فهذا أبو بكر الصديق رضي الله عنه قد دخل فيها في وقت غير الإسفار ثم مد القراءة فيها حتى خيف عليه طلوع الشمس وهذا بحضرة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وبقرب عهدهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم وبفعله لا ينكر ذلك عليه منكر. فذلك دليل على متابعتهم له ثم فعل ذلك عمر من بعده فلم ينكره عليه من حضره منهم

(1/480)


قال الشافعي وأحمد وإسحاق: معنى الإسفار: أن يضح الفجر فلا يشك فيه, ولم يروا أن معنى الإسفار تأخير الصلاة.
ـــــــ
انتهى. فلما عرفت هذا كله ظهر لك ضعف قول إبراهيم النخعي المذكور "وقال الشافعي وأحمد وإسحاق معنى الإسفار أن يضح الفجر فلا يشك فيه ولم يروا أن معنى الإسفار تأخير الصلاة" يقال وضح الفجر إذا أضاء قاله الحافظ في التلخيص. قال ابن الأثير في النهاية: قالوا يحتمل أنهم حين أمرهم بتغليس صلاة الفجر في أول وقتها كانوا يصلونها عند الفجر الأول حرصا ورغبة فقال أسفروا بها أي أخروها إلى أن يطلع الفجر الثاني ويتحقق، ويقوي ذلك أنه قال لبلال نور بالفجر قدر ما يبصر القوم مواقع نبلهم انتهى.
قلت: هذا جواب الشافعي وغيره عن حديث الإسفار.
وفيه نظر: قال ابن الهمام تأويل الإسفار بتيقن الفجر حتى لا يكون شك في طلوعه ليس بشيء إذا ما لم يتبين لم يحكم بصحة الصلاة فضلاً عن إثابة الأجر على أن في بعض رواياته ما ينفيه وهو: أسفروا بالفجر. فكلما أسفرتم فهو أعظم للأجر انتهى. وقال الحافظ في الدراية في هذا التأويل: فقد أخرج الطبراني وابن عدي من رواية هرمز بن عبد الرحمن سمعت جدي رافع بن خديج يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لبلال يا بلال نور بصلاة الصبح حتى يبصر القوم مواقع نبلهم من الإسفار. وقد ذكر الزيلعي روايات أخرى تدل على نفي هذا التأويل.
وقيل: إن الأمر بالإسفار خاص في الليالي المقمرة لأن أول الصبح لا يتبين فيها فأمروا بالإسفار احتياطاً كذا في النهاية. وحمله بعضهم على الليالي المعتمة.
وحمله بعضهم على الليالي القصيرة لإدراك النوام الصلاة. قال معاذ بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن فقال: إذا كان في الشتاء فغلس بالفجر وأطل القراءة قدر ما يطيق الناس ولا تملهم وإذا كان في الصيف فأسفر بالفجر فإن الليل قصير والناس نيام فأمهلهم حتى يدركوا كذا نقله القاري في المرقاة عن شرح السنة. قلت ورواه بقي بن مخلد.
قلت: أسلم الأجوبة وأولاها ما قال الحافظ ابن القيم في إعلام الموقعين بعد ذكر

(1/481)


..................................
ـــــــ
حديث رافع بن خديج ما لفظه: وهذا بعد ثبوته إنما المراد به الإسفار دواماً لا ابتداء فيدخل فيها مغلسا ويخرج منها مسفرا كما كان يفعله صلى الله عليه وسلم. فقوله موافق لفعله لا مناقض له، وكيف يظن به المواظبة على فعل ما الأجر الأعظم في خلافه انتهى كلام ابن القيم. وهذا هو الذي اختاره الطحاوي في شرح الآثار وقد بسط الكلام فيه وقال في آخره فالذي ينبغي الدخول في الفجر في وقت التغليس والخروج منها في وقت الإسفار على موافقة ما روينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد بن الحسن انتهى كلام الطحاوي.
فإن قلت: يخدش هذا الجمع حديث عائشة ففيه أن النساء ينقلبن إلى بيوتهن حين يقضين الصلاة لا يعرفهن أحد من الغلس رواه الجماعة والبخاري. ولا يعرف بعضهن بعضاً:
قلت: نعم لكن يمكن أن يقال إنه كان أحياناً ويدل عليه حديث أبي برزة ففيه وكان ينفتل من صلاة الغداة حين يعرف الرجل جليسه ويقرأ بالستين إلى المائة رواه البخاري. ومال الحافظ الحازمي في كتاب الإعتبار إلى نسخ أفضلية الإسفار فإنه عقد باباً بلفظ بيان نسخ الأفضلية بالإسفار ثم ذكر فيه حديث أبي مسعود قال صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصبح مرة بغلس ثم صلى مرة أخرى فأسفر بها ثم كانت صلاته بعد ذلك التغليس حتى مات لم يعد إلى أن يسفر. قال الحازمي هذا إسناد رواته عن آخره ثقات والزيادة من الثقة مقبولة انتهى. وقد تقدم حديث أبي مسعود هذا مع ذكر ما يعضده فتذكر، وقد رجح الشافعي حديث التغليس على حديث الإسفار بوجوه ذكرها الحازمي في كتاب الاعتبار:
قلت: لا شك في أن أحاديث التغليس أكثر وأصح وأقوى من أحاديث الإسفار، ومذهب أكثر أهل العلم أن التغليس هو الأفضل فهو الأفضل والأولى.
تنبيه : قال صاحب العرف الشذي في ترجيح الإسفار ما لفظه: ولنا قوله عليه السلام والحديث القولي مقدم أي أسفروا بالفجر فإنه أعظم للأجر. فصار الترجيح لمذهب الأحناف انتهى.
قلت: القولي إنما يقدم إذا لم يمكن الجمع بين الحديث القولي والفعلي وفيما نحن فيه يمكن الجمع كما أوضحه الطحاوي وابن القيم فلا وجه لتقديم الحديث القولي. ثم كيف

(1/482)


..........................................
ـــــــ
يكون الترجيح لمذهب الأحناف فإنه خلاف ما واظب عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدون من التغليس ولذلك قال السرخسي الحنفي في مبسوطه يستحب الغلس وتعجيل الظهر إذا اجتمع الناس كما نقله صاحب العرف عنه والله تعالى أعلم.

(1/483)


118 ـ بابُ مَا جَاءَ فِي التّعْجِيلِ بالظّهْر
155 ـ حدثنَا هَنّادُ "بن السّرِيّ" حدثنا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ حَكِيمِ بن جُبيْرٍ عن إبْرَهِيم عن الاْسْوَدِ عن عَائِشَةَ قَالَتْ: "مَا رَأيْتُ أَحَداً كَانَ أشَدّ تَعْجِيلاً للظّهْرِ من رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم وَلاَ مِنْ أَبِي بَكْرٍ وَلاَ مِنْ عُمَرَ".
"قَالَ": وفي البابِ عن جَابِرِ "بن عَبْدِ الله", وَخَبّابٍ، وَأَبِي بَرْزَةَ، وَابن مَسْعُودٍ، وَزَيْدِ بن ثَابِتٍ وأنس، وَجَابِر بن سَمُرَةَ.
ـــــــ
"باب ما جاء في التعجيل بالظهر"
قوله: "عن سفيان" هو الثوري "عن حكيم بن جبير" قال في التقريب ضعيف ويأتي ما فيه من الكلام "عن إبراهيم" هو النخعي.
قوله : "ما رأيت أحد أشد تعجيلاً للظهر من رسول الله صلى الله عليه وسلم" فيه دليل على أن التعجيل بالظهر أفضل. قال ابن قدامة في المغني لا نعلم في استحباب تعجيل الظهر في غير الحر والغيم خلافاً انتهى.
قوله : "وفي الباب عن جابر بن عبد الله وخباب وأبي برزه وابن مسعود وزيد بن ثابت وأنس وجابر بن سمرة" أما حديث جابر بن عبد الله فأخرجه البخاري في باب وقت المغرب ومسلم بلفظ كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي الظهر بالهاجرة الحديث. وأما حديث خباب فأخرجه مسلم بلفظ شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حر الرمضاء في جباهنا وأكفنا فلم يشكنا أي فلم يزل شكوانا ورواه ابن المنذر بعد قوله فلم يشكنا. وقال إذا زالت الشمس فصلوا كذا في فتح الباري. وأما حديث أبي برزة

(1/483)


قال أبو عيسى: حَدِيثُ عَائِشَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ.
وَهُوَ الّذِي اخْتَارَهُ أَهْلُ الْعِلْم مِنْ أَصْحَابِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم وَمَنْ بَعْدَهُمْ.
قَال عَلِيّ "بن المَدِيني": قَالَ يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ: وَقَدْ تَكَلّمَ شُعْبَةُ فِي حَكِيمِ بن جُبَيْرٍ مِنْ أَجْلِ حَدِيِثهِ الّذِي رَوَى عَنِ ابنِ مَسْعُودٍ عَنِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم: "مَنْ سَأَلَ النّاسَ وَلَهُ مَا يُغْنِيهِ".
ـــــــ
فأخرجه البخاري ومسلم بلفظ كان يصلي الهجير التي تدعونها الأولى حين تدحض الشمس الحديث. وأما حديث ابن مسعود فأخرجه ابن ماجه بلفظ شكونا إلى النبي صلى الله عليه وسلم حر الرمضاء فلم يشكنا. وفي إسناده زيد بن جبير قال أبو حاتم ضعيف وقال البخاري منكر الحديث. وأما حديث زيد بن ثابت فلينظر من أخرجه. وأما حديث أنس فأخرجه البخاري ومسلم بلفظ: إذا صلينا خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم بالظهائر سجدنا على ثيابنا اتقاء الحر. وأما حديث جابر بن سمرة فأخرجه مسلم وغيره بلفظ: كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي الظهر إذا دحضت الشمس.
قوله : "حديث عائشة حديث حسن" قد حسن الترمذي هذا الحديث وفيه حكيم بن جبير وهو متكلم فيه فالظاهر أنه لم ير بحديثه بأسا وهو من أئمة الفن.
قوله : "وهو الذي اختاره أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ومن بعدهم" قال القاضي الشوكاني في النيل تحت حديث جابر بن سمرة الذي ذكرنا ما لفظه: الحديث يدل على استحباب تقديمها وإليه ذهب الهادي والقاسم والشافعي والجمهور للأحاديث الواردة في أفضلية أول الوقت وقد خصه الجمهور بما عدا أيام شدة الحر وقالوا يستحب الإبراد فيها إلى أن يبرد الوقت وينكسر الوهج انتهى.
قوله : "قال علي" هو ابن المديني "قال يحيى بن سعيد" هو القطان "وقد تكلم شعبة في حكيم بن جبير من أجل حديثه الذي روي عن ابن مسعود إلخ" روى المؤلف هذا الحديث في باب من تحل له الزكاة بإسناده عن حكيم بن جبير عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد عن أبيه عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من

(1/484)


قَالَ يَحْيَى: وَرَوَى لَهُ سُفْيَانُ وَزَائِدَةُ، وَلَمْ يَرَ يَحْيَى بِحَدِيِثهِ بَأْساً.
قَالَ مُحَمّدٌ: وَقَدْ رُوِيَ عَنْ حَكِيمِ بن جُبَيْرٍ عن سَعِيدِ بن جُبَيْرٍ عن عَائِشَةَ" عن النّبِيّ صلى الله عليه وسلم فِي تَعْجِيلِ الظّهْرِ.
156 ـ حدثنَا الْحَسَنُ بنُ عَلِيّ الْحُلْوَانِيّ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرّزّاقِ أَخْبَرَنَا
ـــــــ
سأل الناس وله ما يغنيه جاء يوم القيام ومسألته في وجهه خموش أو خدوش أو كدوح، قيل يا رسول الله وما يغنيه قال خمسون درهماً أو قيمتها من الذهب" . قال الترمذي بعد رواية هذا الحديث وحديث ابن مسعود حديث حسن وقد تكلم شعبة في حكيم بن جبير من أجل هذا الحديث انتهى كلامه، وروى هذا الحديث أبو داود وابن ماجه وزادا فقال رجل لسفيان أن شعبة لا يحدث عن حكيم بن جبير فقال سفيان حدثناه زبيد عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد "وروى له سفيان وزائدة" أي رويا عن حكيم بن جبير "ولم ير يحيى بحديثه بأساً" قال الذهبي في الميزان في ترجمة حكيم بن جبير: قال أحمد ضعيف منكر الحديث، وقال البخاري كان شعبة يتكلم فيه، وقال النسائي ليس بالقوي وقال الدارقطني متروك وقال معاذ قلت لشعبة حدثني بحديث حكيم بن جبير قال أخاف النار إن أحدث عنه. قلت فهذا يدل على أن شعبة ترك الرواية عنه بعد وقال علي سألت يحيى بن سعيد عنه فقال وكم روى إنما روى يسيراً روى عنه زائدة وتركه شعبة من أجل حديث الصدقة. وروى عباس عن يحيى في حديث حكيم بن جبير حديث ابن مسعود لا تحل الصدقة لمن عنده خمسون درهماً. فقال يرويه سفيان عن زيد لا أعلم أحداً يرويه غير يحيى بن آدم، وهذا وهم لو كان كذا لحدث به الناس عن سفيان ولكنه حديث منكر يعني وإنما المعروف بروايته حكيم. وقال الفلاس كان يحيى يحدث عن حكيم وكان عبد الرحمن لا يحدث عنه. وعن ابن مهدي قال إنما روى أحاديث يسيرة وفيها منكرات. وقال الجوزجاني حكيم بن جبير كذاب انتهى.
قوله : "حدثنا الحسن بن علي الحلواني" بضم المهملة وسكون اللام وبالنون منسوب إلى حلوان موضع قريب بالشام. قال الحافظ في التقريب: الحسن بن علي بن محمد الهذلي أبو علي الخلال الحلواني بضم المهملة نزيل مكة ثقة حافظ له تصانيف من الحادية عشرة انتهى.

(1/485)


مَعْمَرٌ عَنِ الزّهْرِيّ قَالَ: أَخْبَرنِي أَنَسُ بنُ مَالِكٍ: "أَنّ رَسول الله صلى الله عليه وسلم صَلّى الظّهْرَ حِينَ زَالَتِ الشّمْسُ".
"قال أبو عيسى": هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ. "وَهُوَ أَحْسَنُ حَدِيثٍ فِي هَذَا الْبَابِ" "وفي البابِ عنْ جَابِرٍ".
ـــــــ
قوله : "صلى الظهر حين زالت الشمس" قال صاحب فتح القدير وغيره من العلماء الحنفية: هو محمول عندنا على زمان الشتاء أما في أيام الصيف فالمستحب الإبراد. والدليل عليه ما في البخاري قال لأنس كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الظهر قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اشتد البرد بكر بالصلاة وإذا اشتد الحر أبرد بالصلاة والمراد الظهر لأنه جواب السؤال عنها.
قلت: قد تقدم حديث جابر بلفظ كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي بالهاجرة وهو متفق عليه. وقال الجزري في النهاية الهجير والهاجرة اشتداد الحر نصف النهار انتهى. وقد روى البخاري ومسلم عن أنس قال إذا صلينا خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم بالظهائر سجدنا على ثيابنا اتقاء الحر وفي رواية للبخاري كنا نصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم فيضع أحدنا طرف الثوب من شدة الحر في مكان السجود. ففي حديث أنس هذا دلالة على أنه صلى الله عليه وسلم كان يبكر بصلاة الظهر في شدة الحر أيضاً فلا حاجة إلى حمل قوله صلى الظهر حين زالت الشمس على زمان الشتاء.
قوله : "هذا حديث صحيح" وأخرجه البخاري بلفظ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج حين زاغت الشمس فصلى الظهر الحديث.

(1/486)


119 ـ بابُ مَا جَاءَ فِي تَأْخِيرِ الظّهْرِ فِي شِدّةِ الْحَر
157 ـ حَدّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدّثَنَا اللّيْثُ عَنِ بْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ ابن المُسَيّبِ وَأَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قال: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم:

(1/486)


"إِذَا اشْتَدّ الحَرّ فَأَبْرِدُوا عَن الصّلاَةِ فإِنّ شِدّةَ الحَرّ من فَيْحِ جَهَنّمَ" .
"قَالَ": وفي البابِ عنْ أَبي سعِيدٍ، وَأَبي ذَرٍ، وَابن عُمَرَ، والمُغِيرَةِ، والقاسِمِ بْنِ صَفْوانَ عنْ أَبيهِ وأَبي موسَى، وابنِ عَبّاسٍ وأَنَسٍ.
ـــــــ
"باب ما جاء في تأخير الظهر في شدة الحر"
قوله: "إذا أشتد الحر فأبردوا" من الإبراد أي أخروا إلى أن يبرد الوقت. يقال أبرد إذا دخل في البرد كأظهر إذا دخل في الظهيرة. ومثله في المكان أنجد إذا دخل في النجد وأتهم إذا دخل في التهامة "عن الصلاة" في رواية البخاري بالصلاة قال الحافظ في الفتح كذا للأكثر والباء للتعدية وقيل زائدة، ومعنى أبردوا أخروا على سبيل التضمين أي أخروا الصلاة وفي رواية الكشميهني عن الصلاة فقيل زائدة أيضاً أو عن بمعنى الباء أو هي للمجاوزة أي تجاوزوا وقتها المعتاد إلى أن تنكسر شدة الحر. والمراد بالصلاة الظهر لأنها الصلاة التي يشتد الحر غالباً في أول وقتها وقد جاء صريحاً في حديث أبي سعيد انتهى. قلت حديث أبي سعيد هذا أخرجه البخاري بلفظ أبردوا بالظهر فإن شدة الحر من فيح جهنم "فإن شدة الحر من فيح جهنم" أي من سعة انتشارها وتنفسها، ومنه مكان أفيح أي متسع وهذا كناية عن شدة استعارها، وظاهره أن مثار وهج الحر في الأرض من فيح جهنم حقيقة. وقيل هو من مجاز التشبيه أي كأنه نار جهنم في الحر، والأول أولى ويؤيده حديث أبي هريرة اشتكت النار إلى ربها فأذن لها بنفسين نفس في الشتاء ونفس في الصيف.
قال صاحب العرف الشذي ما لفظه: ههنا سؤال عقلي وهو أن التجربة أن شدة الحر وضعفها بقرب الشمس وبعدها، فكيف إن شدة الحر من فيح جهنم. قال فنجيب بما يفيد في مواضع عديدة وهو: للأشياء أسباب ظاهرة وباطنة والباطنة تذكرها الشريعة والظاهرة لا تنفيها الشريعة فكذلك يقال في الرعد والبرق والمطر ونهر جيحان وسيحان انتهى.
قلت: هذا الجواب إنما يتمشى فيما لا تخالف بين الأسباب الباطنة التي بينتها الشريعة وبين الأسباب الظاهرة التي أثبتها أرباب الفلسفة القديمة أو الجديدة، وأما إذا كان بينهما التخالف فلا تفكر.
قوله : "وفي الباب عن أبي سعيد وأبي ذر وابن عمرو المغيرة والقاسم بن صفوان عن أبيه وأبي موسى وابن عباس وأنس" أما حديث أبي سعيد فأخرجه البخاري وتقدم

(1/487)


"قَالَ": وروىَ عنْ عُمَرَ عنِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم فِي هَذَا، ولاَ يَصِحّ.
قال أبو عيسى: حديثُ أَبي هُرَيْرَةَ حَديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ.
وقَدْ اخْتَارَ قَوْمٌ منْ أَهْلِ العِلْمِ تَأْخِيرَ صَلاَةِ الظّهْرِ فِي شِدّةَ الْحَرّ.
وهُوَ قَوْلُ ابن المُبَارَكِ وأَحْمَدَ، وإِسْحاقَ.
ـــــــ
لفظه. وأما حديث أبي ذر فأخرجه الشيخان عنه قال كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فأراد المؤذن أن يؤذن للظهر فقال النبي صلى الله عليه وسلم إبرد ثم أراد أن يؤذن فقال له أبرد حتى رأينا فيء التلول فقال النبي صلى الله عليه وسلم إن شدة الحر من فيح جهنم فإذا أشتد الحر فأبردوا بالصلاة. وأما حديث ابن عمر فأخرجه البخاري وابن ماجة وأما حديث المغيرة فأخرجه أحمد وابن ماجه وأما حديث القاسم بن صفوان عن أبيه فأخرجه أحمد والطبراني في الكبير مرفوعاً بلفظ أبردوا بالظهر فإن شدة الحر من فيح جهنم، قال في مجمع الزوائد والقاسم بن صفوان وثقه ابن حبان وقال أبو حاتم القاسم بن صفوان لا يعرف إلا في هذا الحديث انتهى وأما حديث أبي موسى فأخرجه النسائي وأما حديث ابن عباس فأخرجه البزار وفيه عمرو بن صهبان وهو ضعيف. وأما حديث أنس فأخرجه النسائي عنه قال كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان الحر أبرد بالصلاة وإذا كان البرد عجل وللبخاري نحوه كذا في المنتقى.
قوله : "وروى عن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا ولا يصح" رواه أبو يعلي والبزار بلفظ: قال إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول أبردوا بالصلاة إذا اشتد الحر فإن شدة الحر من فيح جهنم الحديث، وفيه محمد بن الحسن بن زبالة نسب إلى وضع الحديث كذا في مجمع الزوائد.
قوله : "حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح" أخرجه الجماعة.
قوله : "قد اختار قوم من أهل العلم تأخير صلاة الظهر في شدة الحر وهو قول ابن المبارك وأحمد وإسحاق" وهو قال أبي حنيفة قال محمد في موطئه بعد ذكر حديث أبي هريرة المذكور في الباب بهذا نأخذ نبرد بصلاة الظهر في الصيف ونصلي في الشتاء حين

(1/488)


قَالَ الشافِعِيّ: إنّمَا الإِبْرَادُ بِصَلاةِ الظّهْرِ إِذَا كَانَ مَسْجِداً يَنْتابُ أهْلُهُ مِنَ الْبُعْدِ فَأَمّا الْمُصَلي وَحْدَهُ وَالذِي يُصَلي فِي مَسْجِدِ قَوْمِهِ فَالّذِي أُحِبّ لَهُ أَنْ لاَ يُؤَخّرَ الصّلاَةَ فِي شِدّةِ الْحَرّ.
قال أبو عيسى: وَمَعْنَى مَنْ ذَهَبَ إِلَى تَأْخِيرِ الظّهْرِ فِي شِدّةِ الْحَرّ هُوَ أَوْلَى وَأَشْبَهُ بِالاتّباعِ.
وَأَمّا مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الشّافِعِيّ أَنّ الرّخْصَةَ لِمَنْ يَنْتَابُ مِنَ الْبُعْدِ وَالمَشَقّةِ عَلَى النّاسِ: فَإِنّ فِي حَديث أَبِي ذَرّ مَا يَدُلّ عَلَى خِلاَفِ مَا قَالَ الشّافِعِيّ.
ـــــــ
تزول الشمس وهو قول أبي حنيفة انتهى "وقال الشافعي إنما الإبراد بصلاة الظهر إذا كان مسجداً ينتاب أهله من البعد" من الانتياب أي يحضرون وأصل الإنتياب الحضور نوبا لكن المراد ههنا مطلق الحضور "فأما المصلي وحده" أي الذي يصلي منفرداً "والذي يصلي في مسجد قومه" ولا ينتاب من البعد "فالذي أحب له" أي لكل من المصلي وحده والذي يصلي في مسجد قومه "أن لا يؤخر الصلاة في شدة الحر" لعدم المشقة عليه لعدم تأذيه بالحر في الطريق "ومعنى من ذهب إلى تأخير الظهر في شدة الحر هو أولى وأشبه بالإتباع" أي من ذهب إلى تأخير الظهر في شدة الحر لكل من المصلي وحده والذي يصلي مطلقاً سواء كان مصلياً وحده أو في مسجد قومه أو ينتاب من البعد فمذهبه أولى واستدل له الترمذي بحديث أبي ذر إذ فيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بالإبراد في السفر وكان الصحابة رضي الله عنهم يجتمعون معه صلى الله عليه وسلم في السفر ولا يحتاجون أن ينتابوا من البعد وفيه ما ستقف عليه "وأما ما ذهب إليه الشافعي" مبتدأ وخبره فإن في حديث أبي ذر إلخ، قال الحافظ في الفتح: قال جمهور أهل العلم يستحب تأخير الظهر في شدة الحر إلى أن يبرد الوقت وينكسر الوهج، وخصه بعضهم بالجماعة، فأما المنفرد فالتعجيل في حقه أفضل، وهذا قول أكثر المالكية والشافعي أيضاً لكنه خصه بالبلد الحار وقيد الجماعة بما إذا كانوا ينتابون مسجداً من بعد فلو كانوا مجتمعين أو كانوا يمشون في كن فالأفضل في حقهم التعجيل، والمشهور عن أحمد التسوية من غير تخصيص ولا قيد وهو قول إسحاق والكوفيين

(1/489)


قَالَ أَبُو ذَرّ: "كُنّا مَعَ النبيّ صلى الله عليه وسلم فِي سَفَرٍ فَأَذّنَ بِلاَلٌ بِصَلاَةِ الظّهْرِ، فَقَالَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم: يَا بِلاَلُ أَبْرِدْ ثُمّ أَبْرِدْ" .
فَلَوْ كَانَ الأْمْرُ عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الشّافِعِيّ: لَمْ يَكُنْ للإبْرَادِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ مَعْنىً، لاِجْتِمَاعِهِمْ فِي السّفَرِ، وَكَانوا لاَ يَحْتَاجُونَ أَنْ يَنْتَابُوا من البُعْدِ.
ـــــــ
وابن المنذر، واستدل له الترمذي بحديث أبي ذر، قال فلو كان الأمر على ما ذهب إليه الشافعي لم يأمر بالإبراد لاجتماعهم في السفر وكانوا لا يحتاجون إلى أن ينتابوا من البعد.
وتعقبه الكرماني بأن العادة في العسكر الكثير تفرقتهم في أطراف المنزل للتخفيف وطلب الرعي فلا نسلم اجتماعهم في تلك الحالة انتهى، وأيضاً فلم تجر عادتهم بإتخاذ خباء كبير يجمعهم بل كانوا يتفرقون في ظلال الشجر وليس هناك كن يمشون فيه فليس في سياق الحديث ما يخالف ما قاله الشافعي، وغايته أنه استنبط من النص العام وهو الأمر بالإبراد معنى يخصصه وذلك جائز على الأصح في الأصول لكنه مبني على أن العلة في ذلك تأذيهم بالحر في طريقهم. وللمتمسك بعمومه أن يقول العلة فيه تأذيهم بحر الرمضاء في جباههم حالة السجود، ويؤيده حديث أنس كنا إذا صلينا خلف النبي صلى الله عليه وسلم بالظهائر سجدنا على ثيابنا اتقاء الحر، رواه أبو عوانة في صحيحه بهذا اللفظ وأصله في مسلم وفي حديث أيضاً في الصحيحين نحوه.
والجواب عن ذلك: أن العلة الأولى أظهر فإن الإبراد لا يزيل الحر عن الأرض انتهى كلام الحافظ.
قلت: الظاهر عندي هو ما ذهب إليه الجمهور لإطلاق الحديث والله تعالى أعلم.
تنبيه : قال صاحب العرف الشذي هذا الموضع الذي اعترض فيه الترمذي على الشافعي مع كونه مقلداً للشافعي انتهى.
قلت: قد بينا في المقدمة أن الإمام الترمذي لم يكن مقلداً للشافعي ولا لغيره واعتراضه هذا أيضاً يدل على أنه لم يكن مقلداً له فإنه ليس من شأن المقلد الإعتراض على إمامه المقلد وأيضاً لو كان الترمذي مقلداً للشافعي لقوى دلائله ومسالكه في جميع مواقع

(1/490)


158 ـ حدثنا محْمُودُ بْنُ غَيْلاَنَ حدثنا أَبُو دَاوُدَ "الطّيَالِسيّ" قَالَ: أَنْبَأَنَا شُعْبَةُ عنْ مُهاجِرٍ أبِي الْحَسَنِ عنْ زَيْدِ بْن وَهْبٍ عنْ أَبِي ذَرٍ: "أَن رَسول الله صلى الله عليه وسلم كَانَ فِي سَفَرٍ وَمَعَهُ بِلاَلٌ، فَأَرَادَ، أَنْ يُقِيمَ، فَقَالَ: "أَبْرِدْ ،" ثُمّ أَرَادَ أَنْ يُقِيمَ، فَقَالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم "أَبْرِدْ فِي الظّهْرِ" ، قَالَ: حَتَى رَأيْنَا فَيْءَ التّلُولِ، ثُمّ أَقَامَ فَصَلّى، فَقَالَ رَسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إنّ شِدّةَ الْحَرّ مِنْ فَيْحِ جَهَنّمَ، فَأبْردُوا عنِ الصلاة" .
ـــــــ
بيان المذاهب أو غالبها وضعف دلائل غيره ومسالكه كما هو دأب المقلد، ألا ترى أن صاحب الهداية كيف قوى دلائل إمامه الإمام أبي حنيفة وزيف دلائل غيره من ابتداء الهداية إلى آخرها فتفكر. وقد اعترف صاحب تتمة مسك الذكي ههنا بأن الترمذي لم يكن شافعياً.
قوله: "نا أبو داود" هو سليمان بن داود الطيالسي "عن مهاجر أبي الحسن" التيمي مولاهم الصائغ روى عن ابن عباس والبراء، وعنه شعبة ومسعر وثقه أحمد وابن معين وغيرهما "عن زيد بن وهب" الجهني الكوفي مخضرم ثقة جليل لم يصب من قال في حديثه خلل.
قوله : "فأراد أن يقيم" وفي رواية البخاري فأراد المؤذن أن يؤذن ورواه أبو عوانة بلفظ. فأراد بلال أن يؤذن، وفيه ثم أمره فأذن وأقام، قال الحافظ في الفتح: ويجمع بينهما بأن إقامته كانت لا تتخلف عن الأذان لمحافظته صلى الله عليه وسلم على الصلاة في أول الوقت فرواية فأراد بلال أن يقيم أي أن يؤذن ثم يقيم ورواية فأراد أن يؤذن أي ثم يقيم انتهى "حتى رأينا فيء التلول" أي قال له أبرد فأبرد حتى أن رأينا. والفيء بفتح الفاء وسكون الياء بعدها همزة هو ما بعد الزوال من الظل، والتلول جمع التل بفتح المثناة وتشديد اللام كل ما اجتمع على الأرض من تراب أو رمل أو نحو ذلك، وهي في الغالب منبطحة غير شاخصة فلا يظهر لها ظل إلا إذا ذهب أكثر وقت الظهر وقد اختلف العلماء في غاية الإبراد فقيل حتى يصير الظل ذراعاً بعد ظل الزوال وقيل

(1/491)


قال أبو عيسى: هَذَا حَديثٌ صَحِيحٌ.
ـــــــ
ربع قامة وقيل ثلثها وقيل نصفها وقيل غير ذلك ونزلها المازري على اختلاف الأوقات والجاري على القواعد أنه يختلف بإختلاف الأحوال لكن يشترط أن لا يمتد إلى آخر الوقت كذا في فتح الباري:
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه البخاري ومسلم وأبو داود.

(1/492)


120 ـ بابُ مَا جَاءَ فِي تَعْجِيل الْعَصْر
159 ـ حدثنا قُتَيْبَةُ حَدّثَنَا الليْثُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عنْ عُرْوَةَ عنْ عَائِشَةَ أنّهَا قَالَتْ: "صلى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم العَصْرَ وَالشمْسُ فِي حُجْرَتِهَا، لَمْ يَظْهَرِ الَفْيءُ مِنْ حُجْرَتِهَا".
ـــــــ
"باب ما جاء في تعجيل العصر"
قوله: "والشمس في حجرتها" الواو للحال والمراد بالشمس ضوءها والحجرة بضم المهملة وسكون الجيم البيت أي والشمس باقية في داخل بيت عائشة "لم يظهر الفيء من حجرتها" أي لم يرتفع الفيء أي ضوء الشمس من داخل بيتها على الجدار الشرقي، قال الخطابي معنى الظهور ههنا الصعود والعلو يقال ظهرت على الشيء إذا علوته، ومنه قوله تعالى {وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ} انتهى. وقال النووي معناه التبكير بالعصر في أول وقتها وهو حين يصير ظل كل شيء مثله، وكانت الحجرة ضيقة العرصة قصيرة الجدار بحيث يكون طول جدارها أقل من مساحة العرصة بشيء يسير فإذا صار ظل الجدار مثله دخل وقت العصر وتكون الشمس بعد في أواخر العرصة لم يقع الفيء في الجدار الشرقي انتهى، وقال الحافظ في الفتح: والمستفاد من هذا الحديث تعجيل صلاة العصر في أول وقتها وهذا هو الذي فهمته عائشة، وكذا الراوي عنها عروة، واحتج به على عمر بن عبد العزيز في تأخيره صلاة العصر.
وشذ الطحاوي فقال لا دلالة فيه على التعجيل لاحتمال أن الحجرة كانت قصيرة الجدار فلم تكن الشمس تحتجب عنها إلا بقرب غروبها فيدل على التأخير لا على التعجيل.

(1/492)


"قَالَ": وفي البابِ عَنْ أَنَسٍ، وَأَبي أَرْوَى، وَجَابرٍ، وَرَافِعِ بن خَدِيجٍ.
ـــــــ
وتعقب بأن الذي ذكره من الاحتمال إنما يتصور مع اتساع الحجرة وقد عرف بالاستفاضة والمشاهدة أن حجر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم لم تكن متسعة ولا يكون ضوء الشمس باقياً في قعر الحجرة الصغيرة إلا والشمس قائمة مرتفعة وإلا متى مالت ارتفع ضوؤها عن قاع الحجرة ولو كان الجدار قصيراً انتهى كلام الحافظ.
تنبيه : قال صاحب العرف الشذي ناصراً للطحاوي ما لفظه: ونقول أنه عليه السلام شرع في التهجد وهو في حجرة واقتدى أصحابه خارجها فلا بد من كون الجدران قصيرة فإن معرفة انتقالات الإمام شرط لصحته الاقتداء انتهى.
قلت: من انتقالات الإمام الانتقال من الجلوس إلى السجدة ومن السجدة إلى الجلوس فيلزم أن تكون جدران الحجرة قدر الذراع فإن معرفة هذا الانتقال لا يعرف إلا إذا كان طولها بنحوه، وهذا كما ترى. فإن قال يعرف هذا الانتقال بتكبيرات الانتقال قيل له فلا يلزم كون الجدر قصيرة فإن انتقالات الإمام تعرف بتكبيرات الانتقالات ثم لا يثبت من مجرد كون جدران الحجرة قصيرة تأخير العصر.
ثم قال صاحب العرف الشذي ما لفظه: قال الحافظ ههنا قال الطحاوي إن التغليس بالفجر كان بسبب جدران الحجرة وكان في الواقع الإسفار، وأقول إن الطحاوي لم يقل بما نقل الحافظ فإن كلامه في الجدران في العصر لا الفجر انتهى.
قلت: لعل هذا لم ير كلام الحافظ ووهم واختلط عليه قول غيره فإن الحافظ لم ينقل عن الطحاوي أن التغليس بالفجر كان بسبب الجدران فيالله العجب أن هذا الرجل مع غفلته الشديدة ووهمه الفاحش كيف اجترأ على نسبة الوهم إلى الحافظ.
قوله : "وفي الباب عن أنس وأبي أروى وجابر ورافع بن خديج" أما حديث أنس فأخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي العصر والشمس مرتفعة حية فيذهب الذاهب إلى العوالي فيأتيهم والشمس مرتفعة، وبعض العوالي من المدينة على أربعة أميال ونحوه. وأما حديث أبي أروى فأخرجه البزار بلفظ: قال كنت أصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم صلاة بالمدينة ثم آتي ذا الحليفة قبل أن تغيب الشمس وهي على قدر فرسخين، ورواه أحمد بإختصار

(1/493)


"قَالَ": ويُرْوى عَنْ رَافِعٍ أَيْضاً عَنِ النبيّ صلى الله عليه وسلم فِي تَأخِيرِ الْعَصْرِ، ولاَ يَصِحّ.
قال أبو عيسى: حَدِيثُ عَائِشَةَ حدِيث حَسَنٌ صحيحٌ.
وهُوَ الّذِي اخْتَارَهُ بَعْضُ "أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ" أَصْحَابِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم، مِنْهُمْ: عُمَرُ، وعَبْدُ الله بنُ مَسْعُودٍ، وعَائِشَةُ، وأَنَسٌ، وغَيْرُ واحِدٍ مِنْ التّابِعِينَ: تَعْجِيلُ صَلاَةِ الْعَصْرِ، وكَرِهُوا تَأْخِيرَهَا.
ـــــــ
والطبراني في الكبير وفيه صالح بن محمد أبو واقد وثقه أحمد وضعفه يحيى بن معين والدارقطني وجماعة كذا في مجمع الزوائد. وأما حديث جابر فأخرجه الشيخان وفيه كان يصلي الظهر بالهاجرة والعصر والشمس حية. وأما حديث رافع بن خديج فأخرجه البخاري ومسلم بلفظ قال كنا نصلي العصر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم تنحر الجزور فتقسم عشر قسم ثم تطبخ فنأكل لحماً نضيجاً قبل مغيب الشمس.
قوله: "ويروى عن رافع أيضاً عن النبي صلى الله عليه وسلم في تأخير العصر ولا يصح" أخرجه الدارقطني في سننه عن عبد الواحد بن نافع قال دخلت مسجد المدينة فأذن مؤذن بالعصر وشيخ جالس فلامه وقال إن أبي أخبرني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأمر بتأخير هذه الصلاة فسألت عنه فقالوا هذا عبد الله بن رافع بن خديج. ورواه البيهقي في سننه وقال قال الدارقطني فيما أخبرنا أبو بكر بن الحارث هذا حديث ضعيف الإسناد والصحيح عن رافع ضد هذا وعبد الله بن رافع ليس بالقوي ولم يروه عنه غير عبد الواحد ولا يصح هذا الحديث عن رافع ولا عن غيره من الصحابة وقال ابن حبان عبد الواحد بن نافع يروي عن أهل الحجاز المقلوبات وعن أهل الشام الموضوعات لا يحل ذكره في الكتاب إلا على سبيل القدح فيه انتهى، ورواه البخاري في تاريخه الكبير في ترجمة عبد الله بن رافع حدثنا أبو عاصم عن عبد الواحد بن نافع به وقال لا يتابع عليه يعني عبد الله بن رافع والصحيح عن رافع غيره ثم أخرجه عن رافع قال كنا نصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم صلاة العصر ثم تنحر الجزور الحديث كذا في نصب الراية.

(1/494)


وبِهِ يَقولُ عَبْدُ الله بنُ المُبَارَكِ، والشّافِعِيّ، وأَحْمَدُ وإسْحاقُ.
ـــــــ
قوله : "وبه يقول عبد الله بن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق" وبه يقول الليث والأوزاعي وأهل المدينة وغيرهم يقولون إن تعجيل العصر أفضل وهو الحق يدل عليه أحاديث الباب. وقال محمد في الموطأ تأخير العصر أفضل عندنا من تعجيلها إذا صليتها والشمس بيضاء نقية لم تدخلها صفرة وبذلك جاء عامة الآثار وهو قول أبي حنيفة انتهى. وعلله صاحب الهداية وغيره من الفقهاء الحنفية بأن في تأخيرها تكثير النوافل وقد رده صاحب التعليق الممجد وهو من العلماء الحنفية بأنه تعليل في مقابلة النصوص الصحيحة الصريحة الدالة على أفضلية التعجيل وهي كثيرة مروية في الصحاح الستة وغيرها انتهى. وقد استدل العيني في البناية شرح الهداية على أفضلية التأخير بأحاديث: الأول: ما أخرجه أبو داود عن عبد الرحمن بن علي بن شيبان عن أبيه عن جده قال قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة فكان يؤخر العصر ما دامت الشمس بيضاء نقية. والثاني: حديث رافع بن خديج الذي أشار إليه الترمذي. والثالث: حديث أم سلمة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد تعجيلاً للظهر منكم وأنتم أشد تعجيلاً للعصر منه أخرجه الترمذي في باب تأخير العصر الآتي. والرابع: حديث أنس كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي العصر والشمس بيضاء. وأجاب عن هذه الأحاديث صاحب التعليق الممجد فقال: ولا يخفى على الماهر ما في الاستناد بهذه الأحاديث. أما الحديث الأول فلا يدل إلا على أنه كان يؤخر العصر ما دام كون الشمس بيضاء وهذا أمر غير مستنكر فإنه لم يقل أحد بعدم جواز ذلك والكلام إنما هو في فضيلة التأخير وهو ليس بثابت منه. لا يقال هذا الحديث يدل على أن التأخير كان عادته يشهد به لفظ كان لأنا نقول لو دل على ذلك لعارضه كثير من الأحاديث القوية الدالّة على أن عادته كانت التعجيل فألاولى أن لا يحمل هذا الحديث على الدوام دفعاً للمعارضة. واعتباراً لتقديم الأحاديث القوية انتهى. قلت: حديث عبد الرحمن بن علي بن شيبان ضعيف فإنه رواه عنه يزيد بن عبد الرحمن بن علي بن شيبان وهو مجهول كما صرح به في التقريب والخلاصة والميزان فهذا الحديث الضعيف لا يصلح للاحتجاج قال. وأما الحديث الثاني فقد رواه الدارقطني عن عبد الواحد بن نافع فذكر بمثل ما ذكرنا عن نصب الراية قال. وأما الحديث الثالث فإنما يدل على كون التعجيل في الظهر أشد من التعجيل في العصر لا على استحباب التأخير قال. وأما الحديث الرابع فلا يدل أيضاً على استحباب التأخير: قلت بل هو

(1/495)


.....................................
ـــــــ
يدل على استحباب التعجيل فإن الطحاوي رواه هكذا عن أنس مختصراً ورواه أصحاب الكتب الستة عنه بلفظ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي العصر والشمس مرتعة حية فيذهب الذاهب إلى العوالي فيأتيهم والشمس مرتفعة وبعض العوالي من المدينة على أربعة أميال أو نحوه. فالعجب من العيني أنه كيف استدل بهذه الأحاديث التي الأول والثاني منها ضعيفان لا يصلحان للاستدال. والثالث لا يدل على استحباب التأخير والرابع يدل على استحباب التعجيل. وقد استدل الإمام محمد على أفضلية التأخير بحديث القيراط وستعرف في الباب الآتي أن الاستدلال به أيضاً ليس بصحيح ولم أر حديثاً صحيحاً صريحاً يدل على أفضلية تأخير العصر.
تنبيه: استدل صاحب العرف الشذي على تأخير صلاة العصر ما لفظه: وأدلتنا كثيرة لا استوعبها. ومنها ما في أبي داود عن علي أن وقت الإشراق من جانب الطلوع مثل بقاء الشمس بعد العصر ومن المعلوم أن وقت الإشراق يكون بعد ذهاب وقت الكراهة انتهى.
قلت: حديث علي هذا بهذا اللفظ ليس في أبي داود ألبتة ولا في كتاب من كتب الحديث فعليه أن يثبت أولاً كونه في أبي داود أو في كتاب آخر من كتب الحديث بهذا اللفظ المذكور ثم بعد ذلك يستدل به ودونه خرط القتاد.
ولو سلم أنه بهذا اللفظ موجود في كتاب من كتب الحديث فلا يثبت منه تأخير العصر ولا يدل عليه وإنما يدل على أن وقت الإشراف في الإمتداد والطول كوقت العصر ومن المعلوم أن ابتداء وقت العصر إذا صار ظل الشيء كطوله وامتداده إلى الغروب، كما أن من المعلوم أن ابتداء الإشراق يكون بعد ذهاب وقت الكراهة ولا تعلق له بتأخير العصر ولا بتعجيله فتفكر.
ولا تعجبوا من هؤلاء المقلدين أنهم كيف يتركون الأحاديث الصحيحة الصريحة في تعجيل العصر وبتشبثون بمثل هذا الحديث فإن هذا من شأن التقليد.
ثم قال ما لفظه: ولنا حديث آخر حسن عن جابر بن عبد الله أخرجه أبو داود في سننه وكذلك أخرجه الحافظ في الفتح: إن الساعة المحمودة من الجمعة بعد العصر

(1/496)


160 ـ حدثنا عَليّ بْنُ حُجْرٍ حدثنا إسْماعِيلُ بنُ جَعْفَرٍ عنِ العَلاَءِ بْنِ عَبْدِ الرّحْمَن "أنّهُ دَخَلَ عَلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ في دَارِهِ بِالبَصْرَةِ حِينَ انْصَرَفَ مِنَ الظّهْرِ، ودَارُهُ بِجَنْب المَسْجِدِ، فَقالَ: قومُوا فَصَلّوا العَصْرَ، قَالَ: فَقُمْنا فَصَلّيْنا، فَلَمّا انْصَرَفْنا قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "تِلْكَ صَلاَةُ المُنافِقِ، يَجْلِسُ يَرْقُبُ الشّمْسَ حَتىّ إِذَا كَانَتْ بْينَ قَرْنَي الشّيَطانٍ قَامَ فَنَقَرَ أَرْبَعاً لاَ يَذْكُرُ الله فيهَا إلاّ قَلِيلاً" .
ـــــــ
في الساعة الأخيرة واليوم اثنا عشر ساعة، وفي فتح الباري في موضع أن ما بعد العصر ربع النهار انتهى.
قلت: هذا الحديث أيضاً ليس في سنن أبي داود بهذا اللفظ ثم لا تعلق له بتأخير العصر ولا تعجيله. وأما قول الحافظ فليس بحجة على أنه لا يدل على التأخير.
قوله : "حين انصرف" أي العلاء بن عبد الرحمن "وداره" أي دار أنس بن مالك "فقال قوموا فصلوا العصر" وفي رواية مسلم فلما دخلنا عليه قال أصليتم العصر فقلنا له إنما انصرفنا الساعة من الظهر قال فصلوا العصر "تلك صلاة المنافق" قال ابن الملك إشارة إلى مذكور حكماً أي صلاة العصر التي أخرت إلى الأصفرار، وقال الطيبي إشارة إلى ما في الذهن من الصلاة المخصوصة والخبر بيان لما في الذهن من الصلاة المخصوصة. قال النووي فيه تصريح بذم تأخير صلاة العصر بلا عذر لقوله صلى الله عليه وسلم: جلس يرقب الشمس "يجلس يرقب الشمس" أي ينتظرها جملة استئنافية بيان للجملة السابقة "حتى إذا كانت بين قرني الشيطان" أي قربت من الغروب، قال السيوطي في قوت المغتذي قيل هو على حقيقته وظاهره والمراد يحازيها بقرينة عند غروبها وكذا عند طلوعها، لأن الكفار يسجدون لها حينئذ فيقارنها ليكون الساجدون لها في صورة الساجدين له وقيل هو على المجاز والمراد بقرنيه علوه وارتفارعه وسلطانه وغلبة أعوانه وسجود مطيعيه من الكفار للشمس انتهى "فنقر أربعاً" من نقر الطائر الحبة نقرا أي التقطها، قال في النهاية يريد تخفيف السجود وأنه لا يمكث فيه إلا قدر وضع الغراب منقاره فيما يريد أكله انتهى، وقيل تخصيص الأربع بالنقر وفي العصر ثمان سجدات اعتباراً بالركعات.
تنبيه : قال صاحب العرف الشذي ما لفظه: قوله فنقر أربعاً هذا يدل على وجوب

(1/497)


قال أبو عيسى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
تعديل الأركان فإن الشريعة عدت السجدات الثمانية الخالية عن الجلسة أربع سجدات وعن أبي حنيفة من ترك القومة أو الجلسة أخاف أن لا تجوز صلاته انتهى.
قلت: ومع هذا أكثر الأحناف ينقرون كنقر الديك ويتركون تعديل الأركان متعمدين، بل إذا رأوا أحداً يعدل الأركان تعديلاً حسناً فيظنون أنه ليس على المذهب الحنفي، فهداهم الله تعالى إلى التعديل.
تنبيه آخر: قال صاحب العرف الشذي ما لفظه: اعلم أن الأرض كروية اتفاقاً فيكون طلوع الشمس وغروبها في جميع الأوقات، فقيل إن الشياطين كثيرة فيكون شيطان لبلد وشيطان آخر لبلدة أخرى وهكذا، وعلى كروية الأرض تكون ليلة القدر مختلفة وكذلك يكون نزول الله تعالى أيضاً متعدداً وظني أن سجدة الشمس بعد الغروب تحت العرش لا تكون متعددة بل تكون بعد دورة واحدة لا حين كل من الغوارب المختلفة بحسب تعدد البلاد انتهى.
قلت إن أراد بقوله أن الأرض كروية اتفاقاً أن جميع أئمة الدين من السلف والخلف متفقون على كروية الأرض وقائلون بها فهذا باطل بلا مرية، وإن أراد به اتفاق أهل الفلسفة وأهل الهيئة فهذا مما لا يلتفت إليه، ثم ما فرع على كروية الأرض ففيه أنظار وخدشات فتفكر.
قوله : "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه مسلم وأبو داود والنسائي.

(1/498)


باب ما جاء في تأخير العصر
...
121 ـ بابُ مَا جَاءَ فِي تَأْخِيرِ "صَلاَةِ" الْعَصْر
161 ـ حدثناعلِيّ بنُ حُجْرٍ حدثنا إسْمَعيلُ بنُ عُلَيّةَ عَنْ أَيوبَ عَنِ ابنِ أَبي مُلَيْكَةَ عَنْ أُمّ سَلمَةَ أَنّها قالَتْ "كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم أَشَدّ تَعْجِيلاً للظّهْرِ مِنْكُمْ، وأَنْتُمْ أَشَدّ تَعْجِيلاً لِلعصر مِنْهُ".
ـــــــ
"باب ما جاء في تأخير صلاة العصر"
قوله: "وأنتم أشد تعجيلاً للعصر منه" قال الطيبي: ولعل هذا الإنكار عليهم

(1/498)


.....................................
ـــــــ
بالمخالفة انتهى. قال القاري إن الخطاب لغير الأصحاب، قال وفي الجملة يدل الحديث على استحباب تأخير العصر كما هو مذهبنا انتهى. قلت ليس فيه دلالة على استحباب تأخير العصر نعم فيه أن الذين خاطبتهم أم سلمة كانوا أشد تعجيلاً للعصر منه صلى الله عليه وسلم وهذا لا يدل على أنه صلى الله عليه وسلم كان يؤخر العصر حتى يستدل به على استحباب تأخير العصر، وقال الفاضل اللكنوي في التعليق الممجد: هذا الحديث إنما يدل على أن التعجيل في الظهر أشد من التعجيل في العصر لا على استحباب التأخير انتهى، وقد تقدم كلامه هذا فيما تقدم. وقال صاحب العرف الشذي ما لفظه: حديث الباب ظاهره مبهم والتأخير ههنا إضافي وإطلاق الألفاظ الإضافية ليست بفاصلة انتهى، ثم قال بعد هذا الاعتراف نعم يخرج شيء لنا انتهى.
قلت: لا يخرج لكم شيء من هذا الحديث أيها الأحناف، كيف وظاهره مبهم والتأخير فيه إضافي وأطلق فيه اللفظ الإضافي وهو ليس بفاصل، وقد ثبت بأحاديث صحيحة صريحة استحباب التعجيل، وقد استدل الحنفية على استحباب تأخير العصر بهذا الحديث وبأحاديث أخرى قد ذكرتها في الباب المتقدم ولا يصح استدلالهم بواحد منها كما عرفت. وقد استدل محمد في آخر موطئه على ذلك بحديث القيراط، وهو ما رواه من طريق مالك عن عبد الله بن دينار أن عبد الله بن عمر أخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إنما أجلكم فيما خلا من الأمم كما بين صلاة العصر إلى مغرب الشمس وإنما مثلكم ومثل اليهود والنصارى كرجل استعمل عمالاً فقال من يعمل إلى نصف النهار على قيراط قيراط قال فعملت اليهود ثم قال من يعمل لي من نصف النهار إلى العصر على قيراط قيراط فعملت النصارى إلى قيراط قيراط ثم قال من يعمل لي من صلاة العصر إلى مغرب الشمس على قيراطين قيراطين ألا فأنتم الذين يعملون من صلاة العصر إلى مغرب الشمس على قيراطين قيراطين، قال فغضب اليهود والنصارى وقالوا نحن أكثر عملاً وأقل عطاء قال هل ظلمتكم من حقكم شيئاً قالوا لا، قال فإنه فضلي أعطيه من شئت" ، قال محمد بعد إخراجه ما لفظه: هذا الحديث يدل على أن تأخير العصر أفضل من تعجيلها ألا ترى أنه جعل ما بين الظهر إلى العصر أكثر مما بين العصر إلى المغرب في هذا الحديث، ومن عجل العصر كان ما بين الظهر إلى العصر أقل مما بين العصر إلى المغرب

(1/499)


.....................................
ـــــــ
فهذا يدل على تأخير العصر تأخير العصر أفضل من تعجيلها ما دامت الشمس بيضاء نقية لم تخالطها صفرة، وهو قول أبي حنيفة والعامة من فقهائنا انتهى كلامه.
قلت: هذا الحديث ليس بصريح في استحباب تأخير العصر قال صاحب التعليق الممجد واستنبط أصحابنا الحنفية أمرين.
أحدهما: ما ذكره أبو زيد الدبوسي في كتابه الأسرار وتبعه الزيلعي شارح الكنز وصاحب النهاية شارح الهداية وصاحب البدائع وصاحب مجمع البحرين في شرحه وغيرهم أن وقت الظهر من الزوال إلى صيرورة ظل كل شيء مثليه ووقت العصر منه إلى الغروب كما هو رواية عن إمامنا أبي حنيفة وأفتى به كثير من المتأخرين.
ووجه الاستدلال به بوجوه كلها لا تخلو عن شيء أحدها أن قوله صلى الله عليه وسلم إنما أجلكم فيما خلاكما بين الصلاة العصر إلى مغرب الشمس يفيد قلة زمان هذه الأمة بالنسبة إلى زمان من خلا وزمان هذه الأمة هو مشبه بما بين العصر إلى المغرب فلا بد أن يكون هذا الزمان قليلاً من زمان اليهود أي من الصبح إلى الظهر ومن زمان النصارى أي من الظهر إلى العصر ولن تكون القلة بالنسبة إلى زمان النصارى إلا إذا كان ابتداء وقت العصر من حين صيرورة الظل مثليه فإنه حينئذ يريد وقت الظهر أي من الزوال إلى المثلين على وقت العصر من المثلين إلى الغروب، وأما إن كان ابتداء العصر حين المثل فيكونان متساويين.
وفيه ما ذكره في فتح الباري وبستان المحدثين وشرح القاري وغيرها.
أما أولاً فلأن لزوم المساواة على تقدير المثل ممنوعة فإن المدة بين الظهر والعصر لو كان بمصير ظل كل شيء مثله يكون أزيد بشيء من ذلك الوقت إلى الغروب على ماهو محقق عند الرياضيين إلا أن يقال هذا التفاوت لا يظهر إلا عند الحساب والمقصود من الحديث تفهيم كل أحد.
وأما ثانياً: فلأن المقصود من الحديث مجرد التمثيل ولا يلزم في التمثيل التسوية من كل وجه.
وأما ثالثاً فلأن قلة مدة هذه الأمة إنما هي بالنسبة إلى مدتي مجموع اليهود والنصارى لا بالنسبة إلى كل أحد وهو حاصل على كل تقدير.

(1/500)


قال أبو عيسى: وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ عن إِسْمَعِيلَ بن عُلَيّةَ عنِ ابن جُرَيْجٍ عن ابنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عن أُمّ سَلَمَةَ نَحْوَهُ.
162 ـ "وَوَجَدْتُ فِي كِتَابِي: أَخْبَرَنِي عَلِيّ بن حُجْرٍ عَنْ إسْمَعِيلَ بن إِبْرَهِيمَ عَنِ ابن جُرَيْجٍ".
163 ـ "وَحَدّثَنَا بشْرُ بنُ مُعَاذٍ الْبَصْرِيّ قَالَ: حَدّثَنَا إِسْمَعِيلُ بن عُلَيّةَ عَن ابن جُرَيجٍ بِهَذَا الاسنَادِ نَحْوَهُ" "وَهَذَا أَصَحّ".
ـــــــ
وأما رابعاً فلأنه يحتمل أن يراد بنصف النهار في الحديث نصف النهار الشرعي وحينئذ فلا يستقيم الاستدلال.
وأما خامساً: فإنه ليس في الحديث إلا أن ما بين صلاة العصر إلى الغروب أقل من الزوال إلى العصر ومن المعلوم أن صلاة العصر لا يتحقق في أول وقته غالباً فالقلة حاصلة على كل تقدير وإنما يتم مرام المستدل إن تم لو كان لفظ الحديث ما بين وقت العصر إلى الغروب وإذ ليس فليس.
وثانيها أن قول النصارى نحن أكثر عملاً لا يستقيم إلا بقلة زمانهم ولن تكون القلة إلا في صورة المثلين. وفيه ما مر سابقاً وآنفاً.
وثالثها ما نقله العيني أنه جعل لنا النبي صلى الله عليه وسلم من زمان الدنيا في مقابلة من كان قبلنا من الأمم بقدر ما بين صلاة العصر إلى الغروب وهو يدل على أن بينهما أقل من ربع النهار لأنه لم يبق من الدنيا ربع الزمان، لحديث بعثت أنا والساعة كهاتين وأشار بالسبابة والوسطى، فنسبة ما بقي من الدنيا إلى قيام الساعة مع ما مضى مقدار ما بين السبابة والوسطى. قال السهيلي وبينهما نصف سبع لأن الوسطى ثلاثة أسباع كل مفصل منها سبع وزيادتها على السبابة نصف سبع انتهى.
وفيه أيضاً ما مر سالفاً ثم لا يخفى على المستيقظ أن المقصود من الحديث ليس إلا التمثيل والتفهيم فالاستدلال لو تم بجميع تقاديره لم يخرج تقدير وقت العصر بالمثلين إلا بطريق الإشارة وهناك أحاديث صحيحة صريحة دالة على مضي وقت الظهر ودخول وقت العصر

(1/501)


......................................
ـــــــ
بالمثل ومن المعلوم أن العبارة مقدمة على الإشارة وقد مر معنا ما يتعلق بهذا المقام في صدر الكلام.
الأمر الثاني: ما ذكره صاحب الكتاب من أن هذا الحديث يدل على أن تأخير العصر أي من أول وقتها أفضل من تعجيلها، قال بعض أعيان متأخري المحدثين في بستان المحدثين ما معربه ما استنبطه محمد من هذا الحديث صحيح وليس مدلول الحديث إلا أن ما بين صلاة العصر إلى الغروب أقل من نصف النهار إلى العصر ليصح قلة العمل وكثرته، وهذا لا يحصل إلا بتأخير العصر من أول الوقت انتهى، ثم ذكر كلاماً مطولاً محصله الرد على من استدل به في باب المثلين وقد ذكرنا خلاصته.
ولا يخفى أن هذا أيضاً إنما يصح إذا كان الأكثرية لكل من اليهود والنصارى وإلا فلا كما ذكرنا مع أنه إن صح فليس هو إلا بطريق الإشارة، والأحاديث على التعجيل بالعبارة مقدمة عليه عند أرباب البصيرة انتهى كلام الفاضل اللكنوي

(1/502)


122 ـ بابُ مَا جَاءَ فِي وَقْتِ الْمَغْرِب
164 ـ حدثنَا قُتَيْبَةُ حَدّثَنا حَاتِمٌ بنُ إِسْمَعِيلَ عن يَزِيدَ بنِ أَبِي عُبَيْدٍ عن سلَمَةَ بنِ الأكْوَعِ قَالَ: "كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يُصَلّي الْمَغْرِبَ إِذَا غرَبَتِ الشّمْسُ وَتَوارَتْ بِالْحِجَابِ".
ـــــــ
"باب ما جاء في وقت المغرب"
قوله: "نا حاتم بن إسمعيل" المدني كوفي الأصل قال في التقريب صحيح الكتاب صدوق بهم انتهى. وقال في الخلاصة قال ابن سعيد كان ثقة مأموناً كثير الحديث انتهى.
قلت هو من رجال الكتب الستة "عن يزيد بن أبي عبيد" الأسلمي مولى سلمة بن الأكوع ثقة من الرابعة كذا في التقريب "وتوارت بالحجاب" هذا تفسير للجملة الأولى أعني إذا غربت الشمس، والحديث يدل على أن وقت المغرب يدخل عند غروب الشمس

(1/502)


"قَالَ": وفي البابِ عَنْ جَابِرٍ، "وَالصّنَابِحِيّ", وَزَيْدِ بن خَالِدٍ، وَأَنَسٍ، وَرَافِعِ بنِ خَدِيجٍ وَأَبِي أَيّوبَ، وَأُمّ حَبِيبَةَ، وَعبّاسِ بن عَبْدِ المُطّلِبِ "وابن عبّاسٍ".
وَحَدِيثُ الْعَبّاسِ قَدْ رُوِيَ مَوْقُوفاً عَنْهُ، وَهُوَ أَصَحّ.
"والصّنَابِحِيّ لَمْ يَسْمَعْ مِنَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم: وَهُوَ صَاحِبُ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ الله عَنْهُ".
قال أبو عيسى: حَدِيثُ سلَمَةَ بْنِ الأكْوَعِ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَهُوَ قَوْلُ "أَكْثَر" أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَاب النّبيّ صلى الله عليه وسلم وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ التّابِعِينَ: اخْتَارُوا تَعْجِيلَ صَلاةِ الْمَغْرِبِ، وَكَرِهُوا تَأْخِيرَهَا، حَتىّ قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْم: لَيْسَ لِصَلاَةِ الْمغْرِبِ إِلاّ وَقْتٌ وَاحِدٌ، وَذَهَبُوا إِلَى حَدِيثِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم حَيْثُ صَلّى بِهِ جِبْرِيلُ.
ـــــــ
وهو مجمع عليه "وفي الباب عن جابر وزيد بن خالد وأنس ورافع بن خديج وأبي أيوب وأم حبيبة وعباس بن عبد المطلب" أما حديث جابر فأخرجه أحمد وأما حديث زيد بن خالد فأخرجه الطبراني وأما حديث أنس فأخرجه أحمد وأبو داود، وأما حديث رافع بن خديج فأخرجه البخاري ومسلم، وأما حديث أبي أيوب فأخرجه أحمد وأبو داود والحاكم، وأما حديث أم حبيبة فلينظر من أخرجه، وأما حديث عباس بن عبد المطلب فأخرجه ابن ماجه.
قوله : "حديث سلمة بن الأكوع حديث حسن صحيح" أخرجه الجماعة إلا النسائي.
قوله : "اختاروا تعجيل صلاة المغرب" لحديث الباب ولحديث رافع بن خديج: كنا نصلي المغرب مع النبي صلى الله عليه وسلم فينصرف أحدنا وإنه ليبصر مواقع نبله، متفق عليه ولحديث عقبة بن عامر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا تزال أمتي بخير أو على الفطرة ما لم يؤخروا المغرب حتى تشتبك النجوم، رواه أحمد وأبو داود "حتى قال بعض أهل العلم ليس لصلاة المغرب إلا وقت واحد" قد اختلف السلف في صلاة

(1/503)


وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْمبَارك، والشّافِعِيّ.
ـــــــ
المغرب هل هي ذات وقت أو وقتين، فقال الشافعي وابن المبارك إنه ليس لها إلا وقت واحد. وهو أول الوقت، وقال الأكثرون هي ذات وقتين أول الوقت هو غروب الشمس وآخره ذهاب الشفق الأحمر. تمسك الشافعي وابن المبارك بحديث جبريل فإن فيه: ثم صلى المغرب لوقته الأول وتمسك الأكثرون بحديث عبد الله بن عمرو فإن فيه: وقت صلاة المغرب ما لم يسقط ثور الشفق، رواه مسلم وغيره. وبحديث أبي موسى فإن فيه ثم أخر المغرب حتى كان عند سقوط الشفق رواه مسلم وغيره وقول الأكثرين هو الحق. وأما حديث جبريل فإنه كان بمكة، وهذان الحديثان متأخران عنه ومتضمنان لزيادة، قال النووي في شرح مسلم تحت حديث عبد الله بن عمرو هذا الحديث وما بعده من الأحاديث صريح في أن وقت المغرب يمتد إلى غروب الشفق، وهذا أحد القولين في مذهبنا وهو ضعيف عند جمهور نقلة مذهبنا، وقالوا الصحيح أنه ليس لها إلا وقت واحد وهو عقب غروب الشمس بقدر ما يطهر ويستر عورته ويؤذن ويقيم، فإن أخر الدخول في الصلاة عن هذا الوقت أثم وصارت قضاء وذهب المحققون من أصحابنا إلى ترجيح القول بجواز تأخيرها ما لم يغب الشفق وأنه يجوز ابتداؤها في كل وقت من ذلك ولا يأثم بتأخيرها عن أول الوقت، وهذا هو الصحيح والصواب الذي لا يجوز غيره.
والجواب: عن حديث جبريل حين صلى المغرب في اليومين في وقت واحد حين غربت الشمس من ثلاثة أوجه: أحدها أنه اقتصر على بيان وقت الاختيار ولم يستوعب وقت الجواز، وهذا جار في كل الصلاة سوى الظهر، والثاني أنه متقدم في أول الأمر بمكة، وهذه الأحاديث بامتداد وقت المغرب إلى غروب الشفق متأخرة في أواخر الأمر بالمدينة فوجب اعتمادها، والثالث أن هذه الأحاديث أصح إسناداً من حديث بيان جبريل عليه السلام فوجب تقديمها انتهى كلام النووي.

(1/504)


باب ما جاء في وقت العشاء الآخرة
...
123 ـ بابُ مَا جَاءَ فِي وَقْتِ صَلاَةِ الْعِشَاءِ الآخرة
ـــــــ
"باب ما جاء في وقت صلاة العشاء الآخر ة"
وقد تقدم في حديث جبريل وغيره أن أول وقتها حين يغيب الشفق وهو مجمع عليه وأما آخر وقتها فالثابت من الأحاديث الصحيحة الصريحة أنه إلى نصف الليل، ففي حديث

(1/504)


..................................
ـــــــ
عبد الله بن عمرو فإذا صليتم العشاء فإنه وقت إلى نصف الليل رواه مسلم وفي حديث أبي هريرة الذي تقدم: وإن آخر وقتها حين ينتصف الليل ويفهم من حديث أبي قتادة إنما التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يجيء وقت الصلاة الأخرى رواه مسلم أن آخر وقتها إلى طلوع الفجر، قال النووي قوله فإنه وقت إلى نصف الليل معناه وقت لأدائها أختياراً وأما وقت الجواز فيمتد إلى طلوع الفجر لحديث أبي قتادة عند مسلم إنما التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يجيء وقت الصلاة الأخرى. وقال الإصطخري إذا ذهب نصف الليل صارت قضاء ودليل الجمهور حديث أبي قتادة المذكور انتهى كلام النووي. قال الحافظ في الفتح: عموم حديث أبي قتادة مخصوص بالإجماع في الصبح وعلى قول الشافعي الجديد في المغرب، فللاصطخري أن يقول إنه مخصوص بالحديث المذكور وغيره من الأحاديث في العشاء، قال ولم أر في امتداد وقت العشاء إلى طلوع الفجر حديثاً صريحاً يثبت انتهى.
تنبيه : ذكر النيموي في آثار السنن أثرين يدلان على أن وقت العشاء إلى طلوع الفجر أحدهما أثر أبي هريرة عن عبيد بن جريج أنه قال لأبي هريرة: ما إفراط صلاة العشاء؟ قال طلوع الفجر رواه الطحاوي. وثانيهما أثر عمر عن نافع بن جبير قال. كتب عمر إلى أبي موسى: وصل العشاء أي الليل شئت ولا تغفلها رواه الطحاوي ورجاله ثقات ثم قال دل الحديثان على أن وقت العشاء يبقى بعد مضي نصف الليل إلى طلوع الفجر ولا يخرج بخروجه فبالجمع بين الأحاديث كلها يثبت أن وقت العشاء من حين دخوله إلى نصف الليل أفضل وبعضه أولى من بعض، وأما بعد نصف الليل فلا يخلو من الكراهة انتهى، وقال الحافظ الزيلعي في نصب الراية ص 122 تكلم الطحاوي في شرح الآثار ههنا كلاماً حسناً ملخصه: أنه قال يظهر من مجموع الأحاديث أن آخر وقت العشاء حين يطلع الفجر، وذلك أن ابن عباس وأبا موسى والخدري رووا أن النبي صلى الله عليه وسلم أخرها إلى ثلث الليل. وروى أبو هريرة وأنس أنه أخرها حتى انتصف الليل. وروى ابن عمر أنه أخرها حتى ذهب سدس الليل. وروت عائشة أن أعتم بها حتى ذهب عامة الليل. وكل هذه الروايات في الصحيح. قال: فثبت بهذا أن الليل كله وقت لها ولكنه على أوقات ثلاثة فأما من حين يدخل وقتها

(1/505)


.....................................
ـــــــ
إلى أن يمضي ثلث الليل فأفضل وقت صليت فيه. وأما بعد ذلك إلى أن يتم نصف الليل ففي الفضل دون ذلك، وأما بعد نصف الليل فدونه، ثم ساق بسنده عن نافع بن جبير قال كتب عمر إلى أبي موسى وصل العشاء أي الليل شئت ولا تغفلها ولمسلم في قصة التعريس عن أبي قتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ليس في النوم تفريط إنما التفريط أن يؤخر صلاة حتى يدخل وقت الأخرى، فدل على بقاء الأولى إلى أن يدخل وقت الأخرى وهو طلوع الثاني انتهى.
قلت: لا شك في أن كلام الطحاوي هذا حسن، لو كان في هذا حديث مرفوع صحيح، ولكن لم أجد حديثاً مرفوعاً صحيحاً، أما حديث أبي قتادة المرفوع فقد عرفت فيما تقدم أن عمومه مخصوص بالإجماع في الصبح، فلقائل أن يقول إنه مخصوص بحديث عبد الله بن عمرو بن العاص وما في معناه. وأما حديث عائشة المرفوع أنه أعتم بها حتى ذهب عامة الليل فليس المراد بعامة الليل أكثره كما زعم الطحاوي وغيره، بل المراد كثير منه. قال النووي في شرح مسلم: قوله في رواية عائشة إنه أعتم بها حتى ذهب عامة الليل أي كثير منه، وليس المراد أكثر ولا بد من هذا التأويل لقوله صلى الله عليه وسلم إنه لوقتها ولا يجوز أن يكون المراد بهذا القول ما بعد نصف الليل لأنه لم يقل أحد من العلماء إن تأخيرها إلى ما بعد نصف الليل أفضل انتهى. وأما الحديثان الذان ذكرهما النيموي فهما ليسا مرفوعين بل أحدهما قول عمر وفي سنده حبيب بن أبي ثابت وعليه مداره وهو مدلس، ورواه عن نافع بن جبير بالعنعنة: قال الحافظ ابن حجر في طبقات المدلسين جبيب بن أبي ثابت الكوفي تابعي مشهور يكثر التدليس، وثانيهما قول أبي هريرة فيحتمل أنه قال به بناء على عموم حديث أبي قتادة والله تعالى أعلم. وقال ابن العربي في عارضة الأحوذي: لا خلاف بين الأمة أن أول وقت صلاة العشاء غروب الشفق واختلفوا في آخرها فمنهم من قال إلى ثلث الليل قال به مالك والشافعي، ومنهم من قال إنه إلى شطر الليل قاله ابن حبيب وأبو حنيفة، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم فعلاً أنه أخرها إلى شطر الليل. وقولا له، قال وقت العشاء إلى شطر الليل في صحيح مسلم، فلا قول بعد هذا والله أعلم انتهى كلام ابن العربي.

(1/506)


165 ـ حدثنا مُحَمّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بنِ أَبِي الشّوَارِبِ حَدّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عنْ أبِي بِشْرٍ عنْ بشِيرِ بْنِ ثَابِتٍ عنْ حَبِيبٍ بْنِ سَالِمٍ عَنِ النّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: "أَنَا أَعْلَمُ النّاسِ بِوَقْتِ هَذِهِ الصّلاَةِ: كَانَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يُصَلّيهَا لِسُقُوطِ الْقمَرِ لِثَالِثَةٍ".
166 ـ حدثنا أَبُو بَكْرٍ مُحَمّدُ بْنُ أَبَانَ حَدّثَنَا عَبْدُ الرّحمَنِ بنُ مَهْدِيّ عَنْ أبي عَوَانَةَ، بِهَذَا الاْسْنَادِ نَحْوَهُ.
قال أبو عيسى: رَوَى هَذَا الْحَديثَ هُشَيْمٌ عَنْ أَبِي بِشْرٍ عَنْ حَبِيبِ بْنِ سَالِمٍ عَنِ النّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ. وَلَمْ يَذْكْرْ فِيهِ هُشَيْمٌ "عَنْ بَشِيرِ بْنِ ثَابِتٍ".
وَحَدِيثُ أَبِي عَوَانةَ أَصَحّ عِنْدَنَا، لأِنّ يَزِيدَ بنَ هَرُونَ رَوَىَ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ أَبِي بِشْرٍ نَحْوَ رِوَايَةِ أَبِي عَوَانَةَ.
ـــــــ
قوله : "عن أبي بشر" بن أبي إياس ابن أبي وحشية ثقة من أثبت الناس في سعيد بن جبير وضعفه شعبة في حبيب بن سالم وفي مجاهد قاله الحافظ في التقريب "عن بشير بن ثابت" الأنصاري مولاهم بصري ثقة، وقال ابن حبان وهم من قال فيه بشر بغيرياء "عن حبيب بن سالم" الأنصاري مولى النعمان بن بشير وكاتبه، لا بأس به من أوساط التابعين.
قوله : "أنا أعلم الناس بوقت هذه الصلاة" هذا من باب التحديث بنعمة الله عليه بزيادة العلم مع ما فيه من حمل السامعين على اعتماد مرويه، ولعل وقوع هذا القول منه بعد موت غالب أكابر الصحابة وحفاظهم الذين هم أعلم بذلك منه "لسقوط القمر" أي وقت غروبه أو سقوطه إلى الغروب "لثالثة" أي في ليلة ثالثة من الشهر.
قوله : "عن أبي عوانة بهذا الإسناد" أي بالإسناد المتقدم، وحديث النعمان بن بشير المذكور أخرجه أبو داود والنسائي والدارمي قال ابن العربي حديث النعمان صحيح وإن لم يخرجه الإمامان فإن أبا داود أخرجه عن مسدد والترمذي عن أبي عوانة عن أبي بشر

(1/507)


...........................................
ـــــــ
جعفر بن أبي وحشية عن بشير بن ثابت عن حبيب بن سالم، فأما حبيب بن سالم مولى النعمان بن بشير فقال أبو حاتم هو ثقة، وأما بشير بن ثابت فقال يحيى بن معين إنه ثقة، ولا كلام فيمن دونهما، وإن كان هشيم قد رواه عن أبي بشير عن حبيب بن سالم بإسقاط أبي بشير وما ذكرناه أصح. وكذلك رواه شعبة وغيره وخطأ من أخطأ في الحديث لا يخرجه عن الصحة انتهى كلام ابن العربي.

(1/508)


باب ما جاء في تأخير صلاة العشاء الآخرة
...
124 ـ بابُ مَا جَاءَ فِي تَأْخِيرِ صَلاَةِ الْعِشَاءِ الآخر ة
167 ـ حدثنَا هَنّادٌ حَدّثَنَا عَبْدَة عَنْ عُبَيْدِ الله بنِ عُمَرَ عَنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم: "لَوْلاَ أَنْ أَشُقّ عَلَى أُمّتِي لأَمَرْتُهُمْ أَنْ يُؤَخّرُوا الْعِشَاءَ إِلَى ثُلُثِ الّليْلِ أَوْ نِصْفِه" .
"قَالَ": وفي البابِ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله، وَأَبِي بَرْزَةَ، وَابنِ عَبّاسٍ، وَأَبِي سَعِيدٍ "الخُدْرِيّ", وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ، وَابْنِ عُمَرَ.
ـــــــ
"باب ما جاء في تأخير العشاء الآخرة"
قوله: "لولا أن أشق" من المشقة أي لولا خشية وقوع المشقة عليهم "لأمرتهم" أي وجوباً "إلى ثلث الليل أو نصفه" قيل إلى ثلث الليل أي في الصيف أو نصف الليل أي في الشتاء ويحتمل التنويع وهو الأظهر ويحتمل الشك من الراوي.
قوله : "وفي الباب عن جابر بن سمرة وجابر بن عبد الله وأبي برزة وابن عباس وأبي سعيد الخدري وزيذ بن خالد وابن عمر" أما حديث جابر فأخرجه أحمد ومسلم والنسائي بلفظ: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤخر العشاء الآخر ة. وأما حديث جابر بن عبد الله فأخرجه الشيخان. وأما حديث أبي برزة فأخرجه الجماعة ولفظه: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستحب أن يؤخر العشاء التي يدعونها العتمة. وأما حديث ابن عباس فأخرجه البخاري وله حديث آخر في تأخير العشاء عند الطبراني في الكبير ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد. وأما حديث أبي سعيد الخدري فأخرجه أحمد

(1/508)


قال أبو عيسى: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَهُوَ الذّي اخْتَارَهُ أكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أصْحابِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم وَالتّابعِينَ "وَغَيْرِهمْ": رَأَوْا تأخير صَلاَةِ الْعِشَاءِ الآخر ةِ.
وَبِهِ يَقولُ أحْمَدُ، وَإِسْحاقُ.
ـــــــ
وأبو داود. وأما حديث ابن عمر فأخرجه مسلم.
قوله : "حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح" وأخرجه أحمد وابن ماجه.
قوله : "وهو الذي اختاره أكثر أهل العلم إلخ" لأحاديث الباب وهي كثيرة، لكن قال ابن بطال ولا يصلح ذلك الاَن للأئمة لأنه صلى الله عليه وسلم أمر بالتخفيف وقال إن فيهم الضعيف وذا الحاجة، فترك التطويل عليهم في الأنتظار أولى، قال الحافظ في الفتح بعد نقل كلام ابن بطال هذا ما لفظه: وقد روى أحمد وأبو داود والنسائي وابن خزيمة وغيرهم من حديث أبي سعيد الخدري: صلينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم العتمة فلم يخرج حتى مضى نحو من شطر الليل الحديث. وفيه ولولا ضعف الضعيف وسقم السقيم وحاجة ذي الحاجة لأخرت هذه الصلاة إلى شطر الليل، ثم ذكر الحافظ حديث أبي هريرة المذكور في الباب، ثم قال فعلى هذا من وجد به قوة على تأخيرها ولم يغلبه النوم ولم يشق على أحد من المأمومين فالتأخير في حقه أفضل، وقد قرر النووي ذلك في شرح مسلم وهو اختيار كثير من أهل الحديث من الشافعية وغيرهم والله أعلم. ونقل ابن المنذر عن الليث وإسحاق أن المستحب تأخير العشاء إلى قبل الثلث وقال الطحاوي يستحب إلى الثلث وبه قال مالك وأحمد وأكثر الصحابة والتابعين وهو قول الشافعي في الجديد، وقال في القديم التعجيل أفضل وكذا قال في الإملاء وصححه النووي وجماعة وقالوا إنه مما يفتى به على القديم، وتعقب بأنه ذكره في الإملاء وهو من كتبه الجديدة، والمختار من حيث الدليل أفضلية التأخير ومن حيث النظر التفصيل والله أعلم انتهى كلام الحافظ.

(1/509)


125 ـ بابُ مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةِ النّوْمِ قَبْلَ الْعَشَاءِ وَالسّمَرِ بَعْدَها
168 ـ حدثنا أحْمَدُ بنُ مَنِيعٍ حدثنَا هُشَيْمٌ أخْبَرْنا عَوْف.
قالَ أحْمَدُ: وَحَدّثَنا عَبّادُ بن عبّادٍ "هُوَ المُهَلّبيّ" وَ إِسْمَعيلُ بنُ عُلَيّةَ: جَمِيعاً عَنْ عَوْفٍ عَنْ سَيّارِ بْنِ سَلاَمَةَ "هُوَ أبُو المِنْهالِ الرّياحِيّ" عَنْ أبِي بَرْزَةَ
ـــــــ
"باب ما جاء في كراهية النوم قبل العشاء والسمر بعدها"
السمر بالتحريك هو الحديث بالليل، قال في مجمع البحار روي بفتح الميم من المسامرة فهي الحديث بالليل وبسكونها فهو مصدر، وأصل السمر لون ضوء القمر، لأنهم كانوا يتحدثون فيه انتهى.
قوله: "نا هشيم" بالتصغير ابن بشير بوزن عظيم السلمي أبو معاوية الواسطي، قال يعقوب الدورقي، كان عند هشيم عشرون ألف حديث، قال العجلي ثقة يدلس "أنا عوف" ابن أبي جميلة المعروف بالأعرابي ثقة "قال أحمد" هو ابن منيع "ونا عباد بن عباد هو المهلبي وإسماعيل بن علية جميعاً" أي عباد بن عباد وإسماعيل بن علية كلاهما "عن عون" كذا في النسخ المطبوعة بالنون والظاهر أنه تصحيف من الكاتب والصحيح عوف بالفاء وهو ابن أبي جميلة الأعرابي والله أعلم. ومقصود الترمذي بهذا أن لأحمد بن منيع ثلاثة شيوخ هشيم وعباد بن عباد وإسماعيل بن علية فروى هشيم هذا الحديث عن عوف بلفظ أخبرنا ورواه عباد وإسماعيل بن علية عن عوف بلفظ عن وإنما نبه الترمذي على هذا الفرق لأن هشيما مدلس وهشيم هذا هو هشيم بن بشير مشهور بالتدليس، قال ابن سعد ثقة حجة إذا قال أنا، وعباد بن عباد المهلبي هو ابن حبيب بن المهلب أبو معاوية البصري ثقة ربما وهم.
تنبيه : اعلم أن صاحب العرف الشذي لم يقف على مقصود الترمذي ولم يفهم هذا المقام، وظن لفظ عن عون صحيحاً فإنه قال ما لفظه: قوله وقال أحمدنا عباد بن إلخ ههنا تحويل والمراد سيار انتهى.
قلت ليس المراد سيارا بل المراد عوف، ثم قال قوله جميعاً عن عون المراد من الجميع هو عوف وعباد وإسماعيل انتهى.
قلت ليس كذلك بل المراد من الجميع هو عباد وإسماعيل فتفكر "عن سيار بن سلامة" بفتح السين وشدة التحتانية الرياحي البصري ثقة "عن أبي برزة" اسمه نضلة ابن عبيد الأسلمي صحابي مشهور بكنيته أسلم قبل الفتح وغزا سبع غزوات ثم نزل البصرة وغزا خراسان ومات بها سنة 65 خمس وستين.

(1/510)


قَالَ: "كَانَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم: يَكْرَهُ النّوْمَ قَبْلَ العِشَاءِ وَالحَدِيثَ بَعْدَها".
"قَالَ" وفي البابِ عَنْ عَائِشَةَ، وَعَبْدِ الله بنِ مَسْعُودٍ، وَأنَسٍ.
قال أبو عيسى: حَدِيثُ أبِي بَرْزَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَقَدْ كَرِهَ أَكْثَرُ أهْلِ الْعِلْمِ النّوْمَ قَبْلَ صَلاَةِ العِشَاءِ "وَالْحَدِيثَ بعدَها" ورَخّصَ فِي ذَلِكَ بَعْضهُمْ.
وَقَالَ عَبْدُ الله بنُ المُبارَكِ: أكْثَرُ الأَحَادِيثِ عَلَى الْكَرِاهِيَةِ.
وَرَخّصَ بَعْضهُمْ فِي النّوْمِ قَبْلَ صَلاَةِ الْعِشَاءِ فِي رَمَضانَ.
"وَسَيّارُ بنُ سَلاَمَةَ هُوَ: أَبُو الْمِنْهالِ الرّيَاحِيّ".
ـــــــ
قوله : "يكره النوم قبل العشاء" لأن النوم قبلها قد يؤدي إلى إخراجها عن وقتها مطلقاً أو عن الوقت المختار "والحديث بعدها" لأن الحديث بعدها قد يؤدي إلى النوم عن الصبح عن وقتها المختار أو عن قيام الليل، وكان عمر بن الخطاب يضرب الناس على ذلك ويقول أسمراً أول الليل ونوماً آخره وإذا تقرر أن علة النهي ذلك فقد يفرق فارق بين الليالي الطوال والقصار ويمكن أن تحمل الكراهة على الإطلاق حسما للمادة لأن الشيء إذا شرع مظنة قد يستمر فيصير مئنة كذا في فتح الباري.
قوله : "وفي الباب عن عائشة وعبد الله بن مسعود وأنس" أما حديث عائشة فأخرجه ابن ماجه بلفظ ما نام رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل العشاء وسمر بعدها.
وأما حديث ابن مسعود فأخرجه ابن ماجه بلفظ جدب لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم السمر بعد العشاء، يعني زجرنا. وأما حديث أنس فلم أقف عليه. وفي الباب أيضاً عن إبن عباس رواه القاضي أبو الطاهر الذهلي.
قوله : "حديث أبي برزة حديث حسن صحيح" أخرجه الجماعة.
قوله : "وقد كره أكثر أهل العلم النوم قبل صلاة العشاء ورخص في ذلك بعضهم إلخ" قال الحافظ في الفتح بعد ذكر قول الترمذي هذا ما لفظه. ومن نقلت عنه الرخصة

(1/511)


........................................
ـــــــ
قيدت في أكثر الروايات بما إذا كان له من يوقظه أو عرف من عادته أنه لا يستغرق وقت الاختيار بالنوم، وهذا جيد حيث قلنا إن علة النهي خشية خروج الوقت، وحمل الطحاوي الرخصة على ما قبل دخول وقت العشاء والكراهة على ما بعد دخوله انتهى كلام الحافظ.
قلت: احتج من قال بالكراهة بأحاديث الباب واحتج من قال بالجواز بدون كراهة بما أخرجه البخاري وغيره من حديث عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعتم بالعشاء حتى ناداه عمر نام النساء والصبيان ولم ينكر عليهم، وبحديث ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم شغل عنها ليلة حتى رقدنا في المسجد ثم استيقظنا ثم رقدنا ثم استيقظنا ثم خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم ينكر عليهم.
قال ابن سيد الناس: وما أرى هذا من هذا الباب ولا نعاسهم في المسجد وهم في انتظار الصلاة من النوم المنهي عنه، وإنما هو من السنة التي هي مبادئ النوم كما قال:
وسنان أقصده النعاس فرنقت ... في جفنه سنة وليس بنائم
وقد أشار الحافظ في الفتح إلى الفرق بين هذا النوم والنوم المنهي عنه كذا في النيل.

(1/512)


126 ـ بابُ مَا جَاءَ مِنْ الرّخْصَةِ فِي السّمَرِ بَعْدَ الْعِشَاء
169 ـ حدثنا أحْمَدُ بنُ مَنِيعٍ حدثنا أبُو مُعاوِيةَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عُمَرَ بن الْخطّابِ قَالَ: "كَانَ رسول الله صلى الله عليه وسلم يَسْمُرُ مَعَ أبِي بَكْرٍ فِي الاْمْرِ مِنْ أمْرِ المُسْلمِينَ وَأنَا مَعَهُما".
ـــــــ
"باب ما جاء في الرخصة في السمر بعد العشاء"
قوله: "يسمر" بضم الميم من باب نصر ينصر "في الأمر من أمر المسلمين" فيه دلالة على عدم كراهة السمر بعد العشاء إذا كان لحاجة دينية عامة أو خاصة. وسيأتي وجه الجمع بينه وبين حديث أبي برزة الذي تقدم في الباب المتقدم.

(1/512)


وفي البابِ عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو، وَأوْسِ بْنِ حُذَيْفَةَ، "وَعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ".
قال أبو عيسى: حَدِيثُ عُمَرَ حَدِيثٌ حَسَنٌ.
وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ الْحَسَنُ بنُ عُبَيْدِ الله عَنْ إِبْرَهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ رَجُلٍ "مِنْ" جُعْفِيّ يُقَالَ لَهُ "قَيسٌ أوْ ابْنُ قَيْسٍ" عنْ عُمَرَ عَنِ النّبِيّ صلى الله عليه وسلم: هَذَا الْحَدِيثَ فِي قِصّةٍ طَوِيلَةٍ.
ـــــــ
قوله : "وفي الباب عن عبد الله بن عمرو وأوس بن حذيفة وعمران بن حصين" أما حديث عبد الله بن عمرو فأخرجه أبو داود وصححه ابن خزيمة ولفظه: كان نبي الله صلى الله عليه وسلم يحدثنا عن بني إسرائيل حتى يصبح لا يقوم إلا عظيم صلاة. وأما حديث أوس بن حذيفة وحديث عمران بن حصين فلم أقف عليهما.
قوله: "حديث عمر حديث حسن" قلت هذا الحديث منقطع لأنه ليس لعلقمة سماع من عمرو أخرجه أحمد والنسائي أيضاً وقال الحافظ في الفتح رجاله ثقات انتهى، قال في النيل وإنما قصر به عن التصحيح الانقطاع الذي فيه بين علقمة وعمر انتهى "وقد روى هذا الحديث الحسن بن عبيد الله" بن عروة النخعي أبو عروة الكوفي ثقة فاضل، روى عن إبراهيم بن يزيد وإبراهيم بن سويد النخعيين وإبراهيم بن يزيد التيمي وغيرهم، وعنه شعبة والسفيانان وزائدة وغيرهم قال ابن معين ثقة صالح وقال العجلي وأبو حاتم والنسائي ثقة وقال عمرو بن علي مات سنة 139 وقيل سنة 142 كذا في التقريب وتهذيب التهذيب "عن رجل من جعفي يقال قيس أو ابن قيس" قال الحافظ في تهذيب التهذيب: قيس بن مروان وهو ابن أبي قيس الجعفي الكوفي روى عن عمر حديث من أراد أن يقرأ القرآن رطبا الحديث، وعنه خيثمة بن عبد الرحمن وعلقمة بن قيس وعمارة بن عمير وقرثع الضبي ذكره ابن حبان في الثقات انتهى. وقال في التقريب قيس بن أبي قيس مروان الجعفي الكوفي صدوق من الثانية انتهى "عن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم هذا الحديث في قصة طويلة" رواه أحمد في مسنده ص 25 ج 1 ففيه: حدثنا عبد الله حدثني أبو معاوية ثنا الأعمش عن إبراهيم عن علقمة قال: جاء رجل إلى عمر رضي الله عنه وهو بعرفة قال معاوية وحدثنا الأعمش عن خيثمة عن قيس

(1/513)


وَقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ الْعِلْمِ مِنْ أصْحابِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم والتّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ فِي السّمَرِ بَعْدَ صَلاَةِ الْعِشَاءِ الآخر ةِ: فَكَرِه قَوْمٌ مِنْهُمُ السّمَرَ بَعْدَ "صَلاَةِ" العِشَاءِ، وَرَخّصَ بَعْضَهُمْ إذَا كَانَ فِي مَعْنَى الْعِلْمِ وَمَا لاَ بُدّ مِنْهُ مِنَ الْحَوَائِجِ. وَأَكْثَرُ الْحَدِيثِ عَلَى الرّخْصَةِ.
ـــــــ
ابن مروان أنه أتى عمر رضي الله عنه فقال جئت يا أمير المؤمنين من الكوفة وتركت بها رجلاً يملي المصاحف عن ظهر قلبه، فغضب وانتفخ حتى كان يملأ ما بين شعبتي الرجل، فقال ومن هو ويحك، قال عبد الله بن مسعود، فما زال يطفأ ويسرى عنه الغضب حتى كاد يعود إلى حاله التي كان عليها، ثم قال ويحك والله ما أعلمه بقي من الناس أحد هو أحق بذلك منه، وسأحدثك عن ذلك: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يزال يسمر عند أبي بكر رضي الله عنه الليلة كذاك في الأمر من أمر المسلمين وإنه سمر عنده ذات ليلة وأنا معه فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وخرجنا معه فإذا رجل قائم يصلي في المسجد فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم يستمع قراءته فلما كدنا نعرفه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من سره أن يقرأ القرآن رطباً كما أنزل فليقرأ على قراءة ابن أم عبد" الحديث.
قوله : "وقد أختلف أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والتابعين ومن بعدهم في السمر بعد العشاء فكره قوم منهم السمر بعد العشاء" واحتجوا بأحاديث المنع عن السمر بعد العشاء "ورخص بعضهم إذا كان في معنى العلم وما لا بد من الحوائج وأكثر الحديث على الرخصة" واحتجوا بأحاديث الباب التي تدل على الرخصة وقالوا حديث عمر وما في معناه يدل على عدم كراهة السمر بعد العشاء إذا كان لحاجة دينية عامة أو خاصة، وحديث أبي برزة وما في معناه يدل على الكراهة وطريق الجمع بينهما أن تحمل أحاديث المنع على السمر الذي لا يكون لحاجة دينية ولا لما بد من الحوائج، وقد بوب الإمام البخاري في صحيحه باب السمر في العلم قال العيني في شرح البخاري نبه على أن السمر المنهي عنه إنما هو فيما لا يكون من الخير وأما السمر بالخير فليس بمنهى بل هو مرغوب فيه أنتهى.
قلت: هذا الجمع هو المتعين.

(1/514)


وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "لاَ سَمَرَ إِلاّ لِمُصَلّ أَوْ مُسَافِرٍ" .
ـــــــ
قوله: "وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا سمر إلا لمصل أو مسافر" قال الحافظ في الفتح: أما حديث لا سمر إلا لمصل أو مسافر فهو عند أحمد بسند فيه راو مجهول. وقال الشوكاني في النيل ص 316 وقد أخرج الإمام أحمد والترمذي عن ابن مسعود لا سمر بعد الصلاة يعني العشاء الآخر ة إلا لأحد رجلين مصل أو مسافر، ورواه الحافظ ضياء الدين المقدسي في الأحكام من حديث عائشة مرفوعاً بلفظ: "لا سمر إلا لثلاثة مصل أو مسافر أو عروس" انتهى، وفي مجمع الزوائد بعد ذكر حديث ابن مسعود: رواه أحمد وأبو يعلى والطبراني في الكبير والأوسط، فأما أحمد وأبو يعلى فقالا عن خيثمة عن رجل عن ابن مسعود وقال الطبراني عن خيثمة عن زياد بن حدير ورجال الجميع ثقات، وعند أحمد في رواية عن خيثمة عن عبد الله بإسقاط الرجل انتهى.

(1/515)


127 ـ بابُ مَا جَاءَ فِي الْوَقْتِ الأَوّلِ منْ الْفَضْل
170 ـ حدثنَا أَبُو عَمّار الْحسَيْنُ بنُ حُرَيْثٍ حَدّثَنَا الْفَضْلُ بن مُوسَى عَنْ عَبْدِ الله بن عُمَر العُمَرِي عَنِ الْقَاسِمِ بنِ غَنّامٍ عَنْ عَمّتِهِ أُمّ فَرْوَةَ،
ـــــــ
"باب ما جاء في الوقت الأول من الفضل"
قوله: "عن القاسم بن غنام" الأنصاري البياضي المدني، صدوق مضطرب الحديث قاله الحافظ في التقريب. وقال الخزرجي في الخلاصة وثقه ابن حبان "عن عمته أم فروة" قال الحافظ في التقريب: أم فروة الأنصارية صحابية لها حديث في فضل الصلاة أول الوقت. ويقال هي بنت أبي قحافة وأخت أبي بكر الصديق انتهى، وقال المنذري في تلخيص السنن أم فروة هذه هي أخت أبي بكر الصديق لأبيه ومن قال فيها أم فروة الأنصارية فقدوهم انتهى.

(1/515)


وَكَانَتْ مِمّنْ بَايعَتِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قَالَتْ: "سُئِلَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم: أَيّ الأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: الصّلاَةُ لأَوّلِ وَقْتِهَا.
"قال أبو عيسى: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ حَسَنٌ".
171 ـ حَدثَنَا أَحْمَدْ بن مَنِيعٍ حدثنَا يَعْقُوبُ بنُ الْوَلِيدِ المَدَنِيّ عَنْ عَبْدِ الله بن عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسَولُ الله صلى الله عليه وسلم: "الْوَقْتُ الأوّلُ مِنْ الصّلاَةِ رِضْوَانُ الله، وَالوَقْتُ الآخر عَفْوُ الله".
ـــــــ
قوله : "الصلاة لأول وقتها" قال ابن الملك اللام بمعنى في. وقال الطيبي اللام للتأكيد وليس كما في قوله تعالى {قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي} أي وقت حياتي، لأن الوقت مذكور. ولا كما في قوله تعالى {فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} أي قبل عدتهن، لذكر الأول فيكون تأكيدا، قال القاري المختار أن المراد بأول الوقت المختار أو مطلق لكنه خص ببعض الأخبار انتهى.
قلت الظاهر هو الثاني كما لا يخفى ويؤيده حديث ابن عمر الآتي فهو المعول عليه. والحديث دليل على أن الصلاة لأول وقتها أفضل الأعمال لكن الحديث ضعيف من وجهين الأول أن في سنده عبد الله بن عمر العمري وهو ضعيف. والثاني أن فيه اضطراباً كما ستقف عليهما، ولكن له شاهد من حديث ابن مسعود ويأتي في هذا الباب.
قوله : "نا يعقوب بن الوليد المدني" قال الحافظ في التقريب كذبه أحمد وغيره "عن عبد الله بن عمر" هو العمري.
قوله : "الوقت الأول من الصلاة" قال القاري من تبعيضية والتقدير من أوقات الصلاة وقال: قال الطيبي من بيان للوقت "رضوان الله" أي سبب رضائه كاملاً لما فيه من المبادرة إلى الطاعات "والوقت الآخر" بحيث يحتمل أن يكون خروجاً من الوقت أو المراد به وقت الكراهة "عفو الله" والعفو يكون عن المقصرين فأفاد أن تعجيل الصلاة أول وقتها أفضل قاله المناوي. وقال البيهقي قال الشافعي ولا يؤثر على رضوان الله شيء لأن العفو لا يكون إلا عن تقصير انتهى. والحديث ضعيف جداً. قال البيهقي

(1/516)


"قال أبو عيسى: هذَا حديث حسن غَرِيبٌ".
"وقَدْ رَوَى ابنُ عَبّاسٍ عَنِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم نَحْوَهُ".
"قَالَ": وفي البابِ عَنْ عَليّ، وَابْنِ عُمَرَ، وعَائِشَةَ، وَابْنِ مَسْعُودٍ.
ـــــــ
في المعرفة: حديث الصلاة في أول الوقت رضوان الله إنما يعرف بيعقوب بن الوليد وقد كذبه أحمد بن حنبل وسائر الحفاظ. قال وقد روى هذا الحديث بأسانيد كلها ضعيفة وإنما يروي عن أبي جعفر محمد بن علي من قوله انتهى. قال الحافظ الزيلعي في نصب الراية بعد ذكر كلام البيهقي هذا. وأنكر إبن القطان في كتابة على أبي محمد عبد الحق لكونه أعل الحديث بالعمري وسكت عن يعقوب. قال ويعقوب هو العلة قال أحمد فيه كان من الكذابين الكبار وكان يضع الحديث وقال أبو حاتم كان يكذب والحديث الذي رواه موضوع وابن عدي إنما أعله به وفي بابه ذكره انتهى ما في نصب الراية.
قلت: والعجب من الترمذي أيضاً فإنه سكت عن يعقوب ولم يعل الحديث به.
تنبيه : اعلم أن هذا الحديث يدل على أن تعجيل الصلاة أول وقتها أفضل من تأخيرها إلى آخر وقتها لأن في التعجيل رضوان الله وفي التأخير عفو الله، وظاهر أن العفو لا يكون إلا عن تقصير. قال في النهاية في أسماء الله تعالى العفو هو فعول من العفو وهو التجاوز عن الذنب وترك العقاب عليه. وأصله المحو والطمس انتهى. وذكر صاحب بذل المجهود في تفسير قوله والوقت الآخر عفو الله ما لفظه: إن العفو عبارة عن الفضل قال الله تعالى {وَيَسْأَلونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ} ومعنى الحديث أن من أدى الصلاة في أول الأوقات فقد نال رضوان الله وأمن من سخطه وعذابه. ومن أدى في آخر الوقت فقد نال فضل الله ونيل فضل الله لا يكون بدون الرضوان. فكانت هذه الدرجة أفضل من تلك انتهى.
قلت: هذا ليس تفسيرا للحديث بل هو تحريف له ويبطله حديث أبي هريرة مرفوعاً إن أحدكم يصلي الصلاة لوقتها وقد ترك من الوقت الأول ما هو خير له من أهله وماله رواه الدارقطني.
قوله : "وفي الباب عن علي وابن عمر وعائشة وابن مسعود" قد أخرج الترمذي أحاديث هؤلاء الصحابة رضي الله عنهم في هذا الباب.

(1/517)


172 ـ حدثّنَا قُتَيْبَةُ قَالَ حدثنَا عَبْدُ الله بنُ وَهْبٍ عَنْ سَعِيدِ بنِ عَبْد الله الجُهنِيّ عَنْ مُحمّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيّ بْنِ أَبي طَالِبٍ، أَنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قَالَ لَهُ: " يَا عَلِيّ، ثلاثٌ لاَ تُوَخّرْها: الصّلاَةُ إِذَا انَتْ، وَالْجَنَازَةُ إِذَا حَضَرَتْ، وَالأَيّم إِذَا وَجَدْتَ لَهَا كُفْؤاً" .
ـــــــ
قوله : "عن سعيد بن عبد الله الجهني" الحجازي روى عن محمد بن عمر بن علي وعنه ابن وهب وثقه ابن حبان له حديث عندهم كذا في الخلاصة وقال في التقريب مقبول "عن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب" الهاشمي قال الحافظ صدوق وقال في الخلاصة وثقة ابن حبان "عن أبيه" أي عمر بن علي بن أبي طالب الهاشمي ثقة وثقه العجلي وغيره.
قوله : "يا علي ثلاث" أي من المهمات وهو المسوغ للابتداء. والمعنى ثلاثة أشياء وهي الصلاة والجنازة والمرأة. ولذا ذكر العدد "لا تؤخرها" بالرفع خبر لثلاث "الصلاة" بالرفع أي منها أو إحداها أو وهي "إذا آنت" بالمد والنون من آن يئين أينا مثل حانت مبنى ومعنى. وفي بعض النسخ أتت بالتائين من الإتيان. قال السيوطي في قوت المغتذي قال ابن العربي وابن سيد الناس كذا رويناه بتائين كل واحدة منهما معجمة باثنتين من فوقها. وروى آنت بنون ومد بمعنى حانت وحضرت انتهى. وقال القاري في المرقاة قال التوربشتي في أكثر النسخ المقروءة أتت بالتائين وكذا عند أكثر المحدثين وهو تصحيف والمحفوظ من ذوي الإتقان آنت على وزن حانت ذكره الطيبي انتهى ما في المرقاة "والجنازة إذا حضرت" بكسر الجيم وفتحها لغتان في النعش والمبيت. وقيل الكسر للأول والفتح للثاني والأصح أنهما للميت في النعش. قال الأشرف فيه دليل على أن الصلاة على الجنازة لا تكره في الأوقات المكروهة نقله الطيبي. قال القاري وهو كذلك عندنا يعني الحنفية أيضاً إذا حضرت في تلك الأوقات من الطلوع والغروب والاستواء وأما إذا حضرت قبلها وصلى عليها في تلك الأوقات فمكروهة وكذا حكم سجدة التلاوة. وأما بعد الصبح وقبله وبعد العصر فلا يكرهان مطلقاً انتهى كلام القاري "والأيم" بفتح الهمزة وتشديد الياء المكسورة أي المرأة العزبة ولو بكراً "إذا وجدت" أنت "لها كفؤا" الكفؤ المثل. وفي النكاح أن يكون الرجل

(1/518)


قال أبو عيسى: حَدِيثُ أُمّ فَرْوَةَ لاَ يُرْوَى إلاّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الله "بْنِ عُمَرَ" العُمَريّ وَليْسَ "هُوَ" بِالْقَوِيّ عِنْدَ أهْلِ الْحَدِيثِ. وَاضْطَرَبُوا "عَنْهُ" فِي هَذَا الْحَدِيثِ "وَهُوَ صَدُوقٌ، وقَدْ تَكَلم فِيهِ يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ مِنْ قِبَلِ حِفْظِهِ".
ـــــــ
مثل المرأة في الإسلام والحرية والصلاح والنسب وحسن الكسب والعمل. قال الحافظ في التلخيص بعد ذكر هذا الحديث: رواه الترمذي من حديث علي وقال غريب وليس إسناده بمتصل. وكذا قال الحافظ الزيلعي في نصب الراية بعد ذكر هذا الحديث بإسناده نقلاً عن جامع الترمذي.
قلت: ليست هذه العبارة أعني غريب وليس إسناده بمتصل في النسخ المطبوعة والقلمية الموجودة عندنا. وقال الحافظ في الدراية بعد ذكر هذا الحديث: أخرجه الترمذي والحاكم بإسناد ضعيف.
قوله : "حديث أم فروة لا يروى إلا من حديث عبد الله بن عمر العمري وليس هو بالقوي عند أهل الحديث" عبد الله بن عمر العمري هذا هو عبد الله بن عمر بن حفص ابن عاصم بن عمر بن الخطاب المدني ضعيف عابد. وقال الذهبي في الميزان صدوق في حفظه شيء. روى أحمد بن أبي مريم عن ابن معين ليس به بأس يكتب حديثه. وقال الدارمي قلت لابن معين كيف حاله في نافع قال صالح ثقة. وقال الفلاس كان يحيى القطان لا يحدث عنه، وقال أحمد بن حنبل صالح لا بأس به. وقال النسائي وغيره ليس بالقوي. وقال ابن المديني عبد الله ضعيف. وقال ابن حبان كان ممن غلب عليه الصلاح والعبادة حتى غفل عن حفظ الأخبار وجودة الحفظ للاَثار فلما فحش خطؤه استحق الترك انتهى "واضطربوا في هذا الحديث" قال الزيلعي في نصب الراية ذكر الدارقطني في كتاب العلل في هذا الحديث اختلافاً كثيراً واضطراباً ثم قال والقوي قول من قال عن القاسم عن جدته أم الدنيا عن أم فروة انتهى. قال في الإمام: وما فيه من الاضطراب في إثبات الواسطة بين القاسم وأم فروة وإسقاطها يعود إلى العمري وقد ضعف ومن أثبت الواسطة يقضي على من أسقطها وتلك الواسطة مجهولة انتهى ما في الميزان.

(1/519)


173 ـ حدثنا قُتَيبَةُ حدثنا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْفَزاريّ عَنْ أَبِي يَعْفُورٍ عَنِ الْوَلِيدِ بنِ العَيْزَارِ عَنْ أَبِي عَمْرٍو الشّيْبانّي: "أَنّ رَجُلاً قَالَ لابْنِ مَسْعُودٍ: أَيّ العَمَلِ أفْضَلُ؟ قَالَ سَأَلْتُ عَنْهُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم؟ فَقَالَ: الصّلاَةُ عَلَى مَوَاقِيِتهَا قلت: وَمَاذَا يَا رَسُولَ الله؟
ـــــــ
قوله : "نا مروان بن معاوية الفزاري" أبو عبد الله الكوفي نزيل مكة ثم دمشق ثقة حافظ وكان يدلس أسماء الشيوخ كذا في التقريب. وهو من رجال الكتب الستة "عن أبي يعفور" بالفاء هو عبد الرحمن بن عبيد بن نسطاس بن أبي صفية الثعلبي العامري الكوفي ويقال له أبو يعفور الأصغر والصغير روى عن السائب بن يزيد وأبي الضحى والوليد بن العيزار وغيرهم، وعنه الحسن بن صالح والسفيانان ومروان بن معاوية وغيرهم قال أحمد وابن معين ثقة وقال أبو حاتم ليس به بأس وذكره ابن حبان في الثقات كذا في تهذيب التهذيب.
اعلم أنه وقع في بعض نسخ الترمذي أبو يعقوب بالقاف وهو غلط "عن الوليد بن العيزار" بفتح العين المهملة وإسكان التحتانية ثم زاي العبدي الكوفي ثقة "عن أبي عمرو الشيباني" بالشين المعجمة الكوفي له إدراك روى عن علي وابن مسعود وثقه ابن معين مات سنة خمس وتسعين وقيل سنة ست وهو ابن مائة وعشرين سنة كذا في الخلاصة وقال في التقريب ثقة مخضرم من الثانية.
قوله : "أي العمل أفضل" وفي رواية البخاري أي العمل أحب إلى الله. ومحصل ما أجاب به العلماء عن هذا الحديث وغيره مما اختلفت فيه الأجوبة بأنه أفضل الأعمال أن الجواب اختلف لاختلاف أحوال السائلين بأن أعلم كل قوم بما يحتاجون إليه أو بما لهم فيه رغبة أو بما هو لائق بهم، أو كان الاختلاف باختلاف الأوقات بأن يكون العمل في ذلك الوقت أفضل منه في غيره. فقد كان الجهاد في ابتداء الإسلام أفضل الأعمال لأنه الوسيلة إلى القيام بها والتمكن في أدائها: وقد تضافرت النصوص على أن الصلاة أفضل من الصدقة ومع ذلك ففي وقت مواساة المضطر تكون الصدقة أفضل أو أن أفضل ليست على بابها بل المراد بها الفضل المطلق. أو المراد من أفضل الأعمال فحذفت من وهي مرادة "فقال الصلاة على مواقيتها" وفي رواية البخاري على وقتها قال الحافظ وهي رواية شعبة وأكثر الرواة وفي رواية للبخاري لوقتها وكذا أخرجه مسلم

(1/520)


قَالَ: وَبِرّ الوَالِدَيْنِ. قلت: وَمَاذَا يَا رَسُول الله؟ قَال: الْجِهَادُ فِي سَبيلِ الله" .
قال أبو عيسى: و هذا حديث حسن صحيح.
وَقَدْ رَوَى الْمَسْعُودِيّ وَشُعْبَةُ وَ "سُلَيمَانُ" "هُوَ أَبُو إسْحاقَ" الشّيْبَانِيّ وَغَيْرُ وَاحِدٍ عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ العَيْزَارِ: هَذَا الْحَدِيثَ.
174 ـ حدثنَا قُتَيْبَةُ حَدّثنَا الليْثُ عَنْ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ سَعِيدِ بن أَبِي هِلاَلٍ عَنْ إِسْحَقَ بن عُمَرَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: "مَا صَلى رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم صلاَةً لِوَقْتِهَا الآخر مَرّتَيْنِ حَتّى قَبَضَهُ الله".
ـــــــ
باللفظين. قال وخالفهم علي بن حفص وهو شيخ صدوق من رجال مسلم فقال الصلاة في أول وقتها أخرجه الحاكم والدارقطني والبيهقي من طريقه قال الدارقطني ما أحسبه حفظه لأنه كبر وتغير حفظه. قال الحافظ ورواه الحسن بن علي المعمري في اليوم والليلة عن أبي موسى محمد بن المثنى عن غندر عن شعبة كذلك قال الدارقطني تفرد به العمري فقد رواه أصحاب أبي موسى عنه بلفظ على وقتها. وقد أطلق النووي في شرح المهذب أن رواية في أول وقتها ضعيفة. قال الحافظ لكن لها طريق أخرى أخرجها ابن خزيمة في صحيحه والحاكم وغيرهما من طريق عثمان بن عمر عن مالك بن مغول عن الوليد وتفرد عثمان بذلك والمعروف عن مالك بن مغول كرواية الجماعة انتهى كلام الحافظ بتلخيص "قلت وماذا يا رسول الله إلخ" وفي رواية البخاري ثم أي قال ثم بر الوالدين قال ثم أي قال الجهاد في سبيل الله.
قوله : "وهذا حديث حسن صحيح" وأخرجه البخاري ومسلم.
قوله : "عن خالد بن يزيد" الجمحي المصري الإسكندراني ثقة من رجال الكتب الستة "عن سعيد بن أبي هلال" الليثي مولاهم المصري قيل مدني الأصل وقال ابن يونس بل نشأ بها قال الحافظ في التقريب صدوق لم أر لابن حزم في تضعيفه سلفاً إلا أن الساجي حكى عن أحمد أنه اختلط انتهى. قلت هو من رجال الكتب الستة "عن إسحاق بن عمر" قال في الميزان تركه الدارقطني انتهى وهو من رجال الترمذي.
قوله : "ما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة لوقتها الآخر مرتين حتى قبضه الله"

(1/521)


قال أبو عيسى: هَذَا حَدِيثٌ "حَسَنٌ" غَرِيبٌ، وَلَيْسَ إسْنَادُهُ بِمتّصِلٍ.
قَالَ الشّافِعِيّ: وَالْوَقْتُ الأوّلُ مِنَ الصّلاَةِ أَفْضَلُ. وَمِمّا يَدُلّ عَلَى فَضْلِ أَوّلِ الْوَقْتِ عَلَى آخِرِهِ: اخْتِيَارُ النّبيّ صلى الله عليه وسلم وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، فَلَمْ يَكُونُوا يَخْتَارُونَ إِلاّ مَا هُوَ أَفْضَل وَلَمْ يَكُونوا يَدَعُونَ الْفَضْلَ، وَكَانُوا يُصلّونَ فِي أَولِ الْوَقْتِ.
"قَالَ": حَدّثنَا بِذَلِكَ أَبُو الْوَلِيدِ الْمكّيّ عَنِ الشّافِعِيّ.
ـــــــ
قال القاري لعلها ما حسبت صلاته مع جبريل للتعلم وصلاته مع السائل للتعليم يعني أوقات صلاته عليه الصلاة والسلام كلها كانت في وقتها الاختياري إلا ما وقع من التأخير إلى آخره نادراً لبيان الجواز انتهى.
قوله : "وليس إسناده بمتصل" يثبت من قول الترمذي هذا أن إسحاق بن عمر ليس له سماع من عائشة. قال الحافظ في تهذيب التهذيب في ترجمة إسحاق بن عمر روى له الترمذي حديثا واحداً في مواقيت الصلاة وقال غريب وليس إسناده بمتصل انتهى.
قوله : "قال الشافعي والوقت الأول من الصلاة أفضل إلخ" الأمر كما قال الشافعي "ولم يكونوا يدعون" بفتح الدال أي يتركون.

(1/522)


128 ـ بابُ مَا جَاءَ فِي السّهْوِ عَنْ وَقْتِ صَلاَةِ الْعَصْر
175 ـ حدثنَا قُتَيْبَةُ حدثنَا الّليْثُ "بن سَعْدٍ" عَنْ نَافِعٍ عنِ ابن عُمَرَ عَنِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "الذِي تَفُوتُهُ صَلاَةُ العَصْرِ فَكَأَنّمَا وُتِرَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ" .
ـــــــ
"باب ما جاء في السهو عن وقت صلاة العصر"
قوله: "فكأنما وتر" على بناء المفعول أي سلب وأخذ "أهله وماله" بنصبهما، ورفعهما، قال الحافظ هو بالنصب عند الجمهور على أنه مفعول ثان لوتر وأضمر في وتر

(1/522)


وفي البابِ عَنْ بُرَيدَةَ، وَنَوْفَلِ بن مُعَاوِيَةَ.
قال أبو عيسى: حَدِيثُ ابن عُمَرَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَقَدْ رَوَاهُ الزّهْرِيّ "أَيْضاً" عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ "ابْنِ عُمَرَ" عَنِ النّبِيّ صلى الله عليه وسلم.
ـــــــ
مفعول ما لم يسم فاعله وهو عائد إلى الذي فاتته، فالمعنى أصيب بأهله وماله وهو متعد إلى مفعولين، ومثله قوله تعالى {وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ} وقيل وتر ههنا بمعنى نقص فعلى هذا يجوز نصبه ورفعه لأن من رد النقص إلى الرجل نصب وأضمر ما يقوم مقام الفاعل، ومن رده إلى الأهل رفع، قال القرطبي يروى بالنصب على أن وتر بمعنى سلب وهو يتعدى إلى مفعولين وبالرفع على أن وتر بمعنى أخذ فيكون أهله هو الذي لم يسم فاعله، قال وظاهر الحديث التغليظ على من تفوته العصر وإن ذلك مختص بها. وروى ابن حبان وغيره من حديث نوفل بن معاوية مرفوعاً من فاتته الصلاة فكأنما وتر أهله وماله. وهذا ظاهره العموم في الصلوات المكتوبات، وأخرجه عبد الرزاق من وجه آخر عن نوفل بلفظ لأن يوتر لأحدكم أهله وماله خير له من أن يفوته وقت صلاة وهذا أيضاً ظاهره العموم. ويستفاد منه رواية النصب لكن المحفوظ من حديث نوفل بلفظ من الصلوات صلاة من فاتته فكأنما وتر أهله وماله أخرجه البخاري في علامات النبوة ومسلم أيضاً قال وبوب الترمذي على حديث الباب ما جاء في السهو عن وقت العصر فحمله على الساهي، وعلى هذا فالمراد بالحديث أنه يلحقه من الأسف عند معاينة الثواب لمن صلى ما يلحق من ذهب ماله وأهله. وقد روى معنى ذلك عن سالم بن عبد الله ابن عمر ويؤخذ منه التنبيه على أن أسف العامد أشد لاجتماع فقد الثواب وحصول الإثم انتهى كلام الحافظ.
قوله : "وفي الباب عن بريدة ونوفل بن معاوية" أما حديث بريدة فأخرجه البخاري بلفظ بكروا بصلاة العصر فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله. وأما حديث نوفل بن معاوية فتقدم تخريجه في كلام الحافظ "حديث ابن عمر حديث حسن صحيح" وأخرجه البخاري ومسلم

(1/523)


129 ـ بابُ مَا جَاءِ فِي تَعْجِيلِ الصّلاَةِ إِذَا أَخّرَهَا الاْمَام
176 ـ حدثنَا مُحَمّدُ بن مُوسَى الْبَصْرِيّ حدثنَا جَعْفَرُ بنُ سُلَيْمَان الضّبَعيّ عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوني عَنْ عَبْدِ الله بْنِ الصّامِتِ عَنْ أَبِي ذَرٍ قَالَ: قَالَ النّبِيّ صلى الله عليه وسلم: "يَا أَبَا ذَرّ، أُمَرَاء يَكُونُونَ بَعْدِي يُمِيتُونَ الصّلاَةَ،
ـــــــ
باب ما جاء في تعجيل الصلاة إذا أخرها الإمام
قوله: "حدثنا محمد بن موسى البصري" أبو عبد الله الحرسي بفتح المهملتين، روى عن سهيل بن حزم وزياد البكائي وجماعة، وعنه الترمذي والنسائي وقال صالح وثقه ابن حبان كذا في الخلاصة، وقال الحافظ في التقريب لين، وضبط الحرسي بفتح المهملة والراء وبالسين المعجمة "نا جعفر بن سليمان الضبعي" بضم الضاد المعجمة وفتح الموحدة نسبة إلى ضبيعة بن نزار كذا في المغني لصاحب مجمع البحار، وقال في التقريب صدوق زاهد لكنه كان يتشيع "عن أبي عمران الجوني" بفتح الجيم وسكون الواو بنون منسوب إلى الجون بطن من كندة كذا في المغني.
قوله : "يميتون الصلاة" قال النووي معنى يميتون الصلاة يؤخرونها ويجعلونها كالميت الذي خرجت روحه، والمراد بتأخيرها عن وقتها أي عن وقتها المختار لا عن جميع وقتها فإن المنقول عن الأمراء المتقدمين والمتأخرين إنما هو تأخيرها عن وقتها المختار ولم يؤخرها أحد منهم عن جميع وقتها، فوجب حمل هذه الأخبار على ما هو الواقع انتهى كلام النووي.
قلت: فيه نظر قال الحافظ في الفتح: قد صح أن الحجاج وأميره الوليد وغيرهما كانوا يؤخرون الصلاة عن وقتها والآثار في ذلك مشهورة، منها ما رواه عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء قال: أخر الوليد الجمعة حتى أمسى فجئت فصليت الظهر قبل أن أجلس ثم صليت العصر وأنا جالس إيماء وهو يخطب إنما فعل ذلك عطاء خوفاً على نفسه من القتل ومنها ما رواه أبو نعيم شيخ البخاري في كتاب الصلاة من طريق

(1/524)


فَصَلّ الصّلاَةَ لِوَقْتِهَا فَإِنْ صُلّيت لوقتها كَانَتْ لَكَ نَافِلَةً، وَإِلاّ كنْتَ قَدْ أَحْرَزْتَ صَلاَتَكَ" .
وفي البابِ عَنْ عَبْدِ الله بن مَسْعُودٍ، وَعُبَادَةَ بنِ الصّامِتِ.
قال أبو عيسى: حَدِيثُ أَبي ذَرّ حَدِيثٌ حَسَنٌ.
ـــــــ
أبي بكر بن عتبة قال صليت إلى جنب أبي جحيفة فمسى الحجاج بالصلاة فقام أبو جحيفة فصلى، ومن طريق ابن عمر أنه كان يصلي مع الحجاج فلما أخر الصلاة ترك أن يشهدها معه، ومن طريق محمد بن أبي إسمعيل قال كنت بمنى وصحف تقرأ للوليد فأخروا الصلاة فنظرت إلى سعيد بن جبير وعطاء يومئان إيماء وهما قاعدان انتهى كلام الحافظ.
قوله : "فصل الصلاة لوقتها فإن صليت" أي صلاة الأمراء "لوقتها" أي في وقتها "كانت لك نافلة" أي كانت الصلاة التي صليت مع الأمراء نافلة لك "وإلا كنت قد أحرزت صلاتك" أي حصلتها فإنك قد صليت في أول الوقت. قال النووي معناه إذا علمت من حالهم تأخيرها عن وقتها المختار فصلها لأول وقتها، ثم إن صلوها لوقتها المختار فصلها أيضاً وتكون صلاتك معهم نافلة وإلا كنت قد أحرزت صلاتك بفعلك في أول الوقت أي حصلتها وصنتها واحتطت لها، قال والحديث يدل على أن الإمام إذا أخر الصلاة عن أول وقتها معهم يستحب للمأموم أن يصليها في أول الوقت منفرداً ثم يصليها مع الإمام فيجمع فضيلتي أول الوقت والجماعة، قال وفي الحديث أن الصلاة التي يصليها مرتين تكون الأولى فريضة والثانية نفلا انتهى.
قوله : "وفي الباب عن عبد الله بن مسعود وعبادة بن الصامت" أما حديث عبد الله بن مسعود فأخرجه أحمد والطبراني في الكبير ورجاله ثقات كذا في مجمع الزوائد. وأما حديث عبادة بن الصامت فأخرجه أبو داود بلفظ ستكون عليكم بعدي أمراء تشغلهم أشياء عن الصلاة لوقتها حتى يذهب وقتها فصلوا الصلاة لوقتها فقال رجل يا رسول الله أصلي معهم فقال نعم إن شئت ورواه أحمد بنحوه، وفي لفظ واجعلوا صلاتكم معهم تطوعاً، والحديث سكت عنه أبو داود والمنذري.
قوله : "حديث أبي ذر حديث حسن" وأخرجه أحمد ومسلم والنسائي.

(1/525)


وَهْوَ قَوْلُ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أهْلِ الْعِلْمِ: يَسْتَحِبّونَ أنْ يُصَلّىَ الرّجلُ الصّلاَةَ لِمِيقَاتِهَا إِذَا أَخّرَهَا الإمامُ ثم يصلي مع الإمام، وَالصّلاَةُ الأولى هِيَ الْمَكْتُوبَةُ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ العِلْمِ.
وَأبُو عِمْرانَ الْجَونِيّ اسمه "عَبْدُ المَلِكِ بنُ حَبِيبٍ".
ـــــــ
قوله : "والصلاة الأولى هي المكتوبة عند أكثر أهل العلم" وهو الحق وحديث الباب نص صريح فيه ومن قال بخلافه فليس له دليل صحيح.
قوله : "وأبو عمران الجوني اسمه عبد الملك بن حبيب" وهو مشهور بكنيته ثقة من كبار الرابعة كذا في التقريب.

(1/526)


130 ـ بابُ مَا جَاءَ فِي النّوْمِ عَنِ الصّلاَة
177 ـ حدثَنَا قُتَيْبَةُ حدثَنَا حَمّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ ثَابِتٍ البُنَانِيّ عَن عَبْدِ الله بْنِ رَبَاحٍ "الأنْصَارِيّ" عَنْ أبي قَتَادَةَ قال: "ذَكَرُوا لِلنّبيّ صلى الله عليه وسلم نَوْمَهُمْ عَنِ الصّلاَةِ"؟
ـــــــ
"باب ما جاء في النوم عن الصلاة"
قوله: "عن ثابت البناني" بضم الموحدة ونونين مخففتين هو ثابت بن أسلم أبو محمد البصري ثقة عابد روى عن ابن عمر وعبد الله بن مغفل وأنس وخلق من التابعين وعنه شعبة والحمادان وغيرهم، قال حماد بن زيد ما رأيت أعبد من ثابت وقال شعبة كان يختم كل يوم وليلة ويصوم الدهر وثقه النسائي وأحمد والعجلي كذا في التقريب والخلاصة قلت هو من رجال الكتب الستة "عن عبد الله بن رباح الأنصاري" المدني ثم البصري ثقة من الثالثة. قتله الأزارقة كذا في التقريب وهو من رجال مسلم والأربعة وهو من أوساط التابعين.
قوله : "ذكروا للنبي صلى الله عليه وسلم نومهم عن الصلاة" روى الترمذي هذا الحديث مختصراً ورواه مسلم مطولاً وذكر قصة نومهم وفيه فمال رسول الله صلى الله

(1/526)


فَقَالَ: "إِنّهُ لَيْسَ فِي النّوْمِ تَفْرِيط، إِنّمَا التّفْرِيطُ فِي اليَقَظَةِ، فَإِذَا نَسِيَ أَحَدُكُمْ صَلاَةً أَوْ نَامَ عنها فَلْيُصَلّهَا إذَا ذَكَرَهَا ".
وفي البابِ عَنِ ابنِ مَسْعُودٍ، وَأَبي مَرْيَمَ، وَعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْن، وَجبَيْرِ بنِ مُطْعِمٍ، وَأَبي جُحَيْفَةَ، "وَأَبي سَعِيدٍ", وَعَمْرِو بنِ أُميّةَ الضّمْرِيّ، وَذِي مِخْبَرٍ "وَيُقَالُ: ذِي مِخْمَرٍ" وَهُوَ ابنُ أَخِي النّجَاشِيّ.
ـــــــ
عليه وسلم عن الطريق فوضع رأسه ثم قال احفظوا علينا صلاتنا فكان أول من استيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم والشمس في ظهره الحديث، وفيه فجعل بعضنا يهمس إلى بعض ما كفارة ما صنعنا بتفريطنا في صلاتنا "فقال إنه" الضمير للشان "ليس في النوم تفريط" أي تقصير ينسب إلى النائم في تأخيره الصلاة "إنما التفريط في اليقظة" أي إنما التفريط يوجد في حالة اليقظة بأن تسبب في النوم قبل أن يغلبه أو في النسيان بأن يتعاطى ما يعلم ترتبه عليه غالباً كلعب الشطرنج فإنه يكون مقصراً حينئذ ويكون آثماً كذا في المرقاة. وقال الشوكاني: ظاهر الحديث أنه لا تفريط في النوم سواء كان قبل دخول وقت الصلاة أو بعده قبل تضييقه، وقيل إنه إذا تعمد النوم قبل تضييق الوقت واتخذ ذلك ذريعة إلى ترك الصلاة لغلبة ظنه أنه لا يستيقظ إلا وقد خرج الوقت كان آثماً، والظاهر أنه لا إثم عليه بالنظر إلى النوم لأن فعله في وقت يباح فعله فيشمله الحديث. وأما إذا نظر إلى التسبب به للترك فلا إشكال في العصيان بذلك، ولا شك في إثم من نام بعد تضييق الوقت لتعلق الخطاب به والنوم مانع من الامتثال والواجب إزالة المانع انتهى "فإذا نسي أحدكم صلاة" أي تركها نسياناً "أو نام عنها" ضمن نام معنى غفل أي غفل عنها في حال نومه قاله الطيبي أي نام غافلاً عنها "فليصلها إذا ذكرها" أي بعد النسيان أو النوم وقيل فيه تغليب للنسيان فعبر بالذكر وأراد به ما يشمل الاستيقاظ والأظهر أن يقال إن النوم لما كان يورث النسيان غالباً قابلهما بالذكر.
قوله : "وفي الباب عن ابن مسعود وأبي مريم وعمران بن حصين وجبير بن مطعم وأبي جحيفة وعمرو بن أمية الضمري وذي مخبر وهو ابن أخ النجاشي" أما حديث ابن مسعود فأخرجه أبو داود والنسائي، وأما حديث ابن أبي مريم فلم أقف عليه. وأما حديث عمران بن حصين فأخرجه البخاري ومسلم وأبو داود. وأما حديث جبير

(1/527)


قال أبو عيسى: وَحَدِيثُ أَبي قِتَادَة حَدِيثٌ حسنٌ صحيحٌ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي الرّجُلِ يَنَامُ عَنِ الصّلاة أوْ يَنْسَاهَا فَيَسْتَيْقِظُ أَوْ يَذْكُرُ وَهُوَ فِي غَيْرِ وَقْتِ صَلاَةٍ، عِنْدَ طُلُوعِ الشّمْسِ أَوْ عِنْدَ غُروبِهَا:
فَقَالَ بَعْضُهُمْ: يُصَلّيهَا إذَا اسْتَيْقَظَ أوْ ذَكَرَ، وَإنْ كَانَ عِنْدَ طُلُوعِ الشّمْسِ أَوْ عِنْدَ غُرُوبِهَا. وَهُوَ قَوْلُ أحْمَدَ، وَإِسْحاقَ، وَالشّافِعِيّ، وَمَالِكٍ.
وَقَال بَعْضُهُمْ: لاَ يُصَلّي حَتّى تَطْلُعَ الشّمْسُ أوْ تَغْرُبَ.
ـــــــ
بن مطعم فلم أقف عليه. وأما حديث أبي جحيفة فأخرجه أبو يعلى والطبراني في الكبير ورجاله ثقات. وأما حديث عمرو بن أمية فأخرجه أبو داود. وأما حديث ذي مخبر فأخرجه أيضاً أبو داود.
قوله : "حديث أبي قتادة حديث حسن صحيح" وأخرجه أبو داود والنسائي قال الحافظ إسناد أبي داود على شرط مسلم انتهى، وأخرجه بنحوه في قصة نومهم في صلاة الفجر.
قوله : "فقال بعضهم يصليها إذا استيقظ أو ذكر وإن كان عند طلوع الشمس أو عند غروبها وهو قول أحمد وإسحاق والشافعي ومالك" واستدلوا بأحاديث الباب. قال الشوكاني في النيل فجعلوها مخصصة لأحاديث الكراهة قال وهو تحكم لأنها يعني أحاديث الباب أعم منها يعني من أحاديث الكراهة من وجه وأخص من وجه وليس أحد العمومين أولى بالتخصيص من الآخر انتهى "وقال بعضهم لا يصلي حتى تطلع الشمس أو تغرب" وبه قالت الحنفية، لما رواه البخاري عن ابن عمر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا طلع حاجب الشمس فأخروا الصلاة حتى ترتفع وإذا غاب حاجب الشمس فأخروها حتى تغيب، ولعموم أحاديث الكراهة، وفيه أيضاً ما في استدلال القائلين بالجواز فتفكر

(1/528)


131 ـ بابُ مَا جَاءَ فِي الرّجُلِ يَنْسَى الصّلاَة
178 ـ حدثنَا قُتَيْبَةُ وَ بِشْرُ بنُ مُعَاذٍ قَالاَ: حدثنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسِ "بنِ مَالِكٍ" قالَ: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ نَسِيَ صَلاةً فَلْيُصَلّهَا إذَا ذَكَرَهَا" .
وفي البابِ عَنْ سَمُرَةَ، وَأَبي قتَادَةَ.
قال أبو عيسى: حَدِيثُ أَنَسٍ حَدِيثٌ حَسنٌ صَحِيحٌ.
وَيُرْوَى عَنْ عَلِيّ بْنِ أبي طَالِبٍ: أَنّهُ قالَ فِي الرّجُلِ يَنْسَى الصّلاةَ "قالَ": يُصَلّيهَا مَتَى "مَا" ذَكَرَهَا فِي وَقْتٍ أَوْ فِي غَيْرِ وَقْتٍ. وَهُوَ قَوْلُ "الشّافِعِيّ", وَأَحْمَدَ "بْنِ حَنْبَلٍ", وَإِسْحاقَ.
ـــــــ
"باب ما جاء في الرجل ينسى الصلاة"
قوله: "من نسي الصلاة فليصلها إذا ذكرها" زاد مسلم في رواية لا كفارة لها إلا ذلك. قال النووي معناه لا يجزئه إلا الصلاة مثلها ولا يلزمه مع ذلك شيء آخر.
قوله: "وفي الباب عن سمرة وأبي قتادة" أما حديث سمرة فأخرجه أحمد عن بشر بن حرب عنه قال أحسبه مرفوعاً: من نسي صلاة فليصلها حين يذكرها، وبشر بن حرب ضعفه ابن المبارك وجماعة ووثقه ابن عدي وقال لم أرَ له حديثاً منكراً كذا في مجمع الزوائد، وأما حديث أبي قتادة فتقدم تخريجه في الباب المتقدم.
قوله : "حديث أنس حديث حسن صحيح" أخرجه الجماعة.
قوله : "ويروى عن علي بن أبي طالب أنه قال في الرجل ينسى الصلاة يصليها متى ذكرها في وقت أو غير وقت" أي ذكرها في وقت الصلاة أو في غير وقتها "وهو قول أحمد وإسحاق" وهو قول الشافعي ومالك كما عرفت في الباب المتقدم، واستدلوا بحديث

(1/529)


وَيُرْوَى عَنْ أبي بَكْرَةَ: أَنّهُ نَامَ عَنْ صَلاَةِ الْعَصْرِ، فاسْتَيْقَظَ عِنْدَ غُرْوبِ الشّمْسِ، فَلَمْ يُصَلّ حَتّى غَرَبَتِ الشّمْسُ.
وَقَدْ ذَهَبَ قَوْمٌ مِنْ أهْلِ الْكُوفَةِ إلَى هَذَا.
وَأَمّا أَصْحَابُنَا فَذَهَبُوا إِلَى قَوْلِ عَلِيّ بنِ أَبي طَالِبٍ "رَضِيَ الله عَنْهُ".
ـــــــ
الباب "ويروى عن أبي بكرة أنه نام عن صلاة العصر فاستيقظ عند غروب الشمس فلم يصل حتى غربت الشمس" لم أقف على من أخرج هذا الأثر ولا على من أخرج أثر على المتقدم "وقد ذهب قوم من أهل الكوفة إلى هذا" وهو قول أبي حنيفة، واستدلوا بأحاديث النهي عن الصلاة في الأوقات المنهية عنها "وأما أصحابنا فذهبوا إلى قول علي بن أبي طالب" المراد بقوله أصحابنا أهل الحديث وقد تقدم تحقيقه في المقدمة قال العيني في شرح البخاري: احتج بعضهم بقوله إذا ذكرها على جواز قضاء الفوائت في الوقت المنهي عن الصلاة فيه، قلت ليس بلازم أن يصلي في أول حال الذكر غاية ما في الباب أن ذكره سبب لوجوب القضاء فإذا ذكرها في الوقت المنهي وأخرها إلى أن يخرج ذلك وصلى يكون عاملاً بالحديثين أحدهما هذا والآخر حديث النهي في الوقت المنهي عنه أنتهى.
قلت: الظاهر المتبادر من قوله فَلْيُصَلّها حين يذكرها كما في رواية سمرة وكذا من قوله فليصلها إذا ذكرها قضاؤها في أول حال الذكر وأما قوله ليس بلازم أن يصلي في أول حال الذكر إلخ ففيه أن الحديث لا يدل على أن لا يصليها إذا ذكرها في الوقت المنهي بل فيه الأمر بقضاء الصلاة حين ذكرها مطلقاً في وقت أو غير وقت كما قال علي بن أبي طالب

(1/530)


132 ـ بابُ مَا جَاءَ فِي الرّجُلِ تَفُوتُهُ الصّلَوَاتُ بِأَيّتِهِنّ يَبْدَأ
179 ـ حدثنَا هَنّادٌ حدثَنا هُشَيمٌ عَنْ أبي الزّبَيْرِ عَنْ نَافِعِ بنِ
ـــــــ
"باب ما جاء في الرجل تفوته الصلوات بأيتهن يبدأ"
قوله: "عن أبي الزبير" اسمه محمد بن مسلم بن تدرس الأسدي مولاهم المكي صدوق

(1/530)


جبَيْرِ بنِ مُطْعِمٍ عَنْ أَبي عُبَيْدَةَ بْنِ عَبْدِ الله "بْنِ مَسْعُودٍ" قال: قال عَبْدُ الله بْنُ مَسْعُودٍ: "إِنّ المُشْرِكِينَ شَغَلوا رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم عَنْ أَرْبَعِ صَلوَاتٍ يَوْمَ الْخَنْدَقِ حَتّى ذَهَبَ مِنَ اللّيْلِ مَا شَاءَ الله، فَأَمَرَ بِلاَلا فَأَذّنَ، ثُمّ أَقامَ فَصَلّى الظّهْرَ، ثُمّ أَقامَ فَصَلّى الْعَصْرَ، ثُمّ أَقامَ فَصَلّى الْمَغْرِبَ، ثُمّ أَقامَ فَصَلّى الْعِشَاءَ".
ـــــــ
إلا أنه يدلس من الرابعة كذا في التقريب.
قوله : "شغلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أربع صلوات" قال الحافظ في الفتح: في قوله أربع صلوات تجوز لأن العشاء لم تكن فاتت انتهى. ويدل حديث جابر الآتي على أنهم شغلوه عن صلاة العصر وحدها، قال اليعمري من الناس من رجح ما في الصحيحين وصرح بذلك ابن العربي أن الصحيح أن الصلاة التي شغل عنها واحدة وهي العصر. قال الحافظ في الفتح: ويؤيده حديث علي في مسلم شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر، قال ومنهم من جمع بأن الخندق كانت وقعته أياماً فكان ذلك في أوقات مختلفة في تلك الأيام، قال وهذا أولى، قال ويقربه أن روايتي أبي سعيد وابن مسعود ليس فيهما تعرض لقصة عمر بل فيهما أن قضاءه للصلاة بعد خروج وقت المغرب. وأما رواية حديث الباب ففيها أن ذلك عقب غروب الشمس انتهى كلام الحافظ "فأمر بلالاً فأذن ثم أقام فصلى الظهر ثم أقام فصلى العصر ثم أقام فصلى المغرب ثم أقام فصلى العشاء" فيه دليل على أن الفوائت تقضى مرتبة الأولى فالأولى، قال الحافظ والأكثر على وجوب ترتيب الفوائت مع الذكر لا مع النسيان. وقال الشافعي لا يجب الترتيب فيها. واختلفوا فيما إذا تذكر فائتة في وقت حاضرة ضيق هل يبدأ بالفائتة وإن خرج وقت الحاضرة أو يبدأ بالحاضرة أو يتخير، فقال بالأول مالك وقال بالثاني الشافعي وأصحاب الرأي وأكثر أصحاب الحديث، وقال بالثالث أشهب وقال عياض محل الخلاف إذا لم تكثر الصلوات الفوائت وأما إذا كثرت فلا خلاف أنه يبدأ بالحاضرة، واختلفوا في حد القليل فقيل صلاة يوم وقيل أربع صلوات، وقال ولا ينهض الاستدلال به يعني بحديث جابر الآتي لمن يقول بوجوب ترتيب الفوائت إلا إذا قلنا إن أفعال النبي صلى الله عليه وسلم المجردة للوجوب إلا أن يستدل بعموم قوله: "صلوا كما رأيتموني أصلي"، فيقوى وقد اعتبر الشافعية في أشياء غير هذه انتهى.

(1/531)


قالَ: وفي البابِ عَنْ أبي سَعِيدٍ، وَجَابِرٍ.
ـــــــ
قلت: استدل صاحب الهداية على وجوب ترتيب الفوائت بحديث الباب بضم قوله صلوا كما رأيتموني أصلي، حيث قال: ولو فاتته صلوات رتبها في القضاء كما وجبت في الأصل لأن النبي صلى الله عليه وسلم شغل عن أربع صلوات يوم الخندق فقضاهن مرتبا ثم قال صلوا كما رأيتموني أصلي انتهى. قال الحافظ ابن حجر في الدراية: في قول المصنف يعني صاحب الهداية ثم قال صلوا إلى آخره ما يوهم أنه بقية من الحديث وليس كذلك بل هو حديث مستقل. فلو قال وقال صلوا لكان أولى انتهى كلام الحافظ. وكذلك قال الحافظ الزيلعي في نصب الراية. واستدل الحنفية على فرضية الترتيب بين الوقتيات والفوائت وبين الفوائت بعضها ببعض بقول ابن عمر: من نسي صلاة من صلاته فلم يذكرها إلا وهو مع الإمام فإذا سلم الإمام فليصل صلاته التي نسي ثم ليصل بعدها الصلاة الأخرى. أخرجه مالك في الموطأ ورواه الدارقطني والبيهقي مرفوعاً ورفعه خطأ والصحيح أنه قول ابن عمر. قال الحافظ في الدراية: حديث من نام عن صلاة أو نسيها فلم يذكرها إلا وهو مع الإمام فليصل التي هو فيها ثم ليصل التي ذكرها ثم ليعد التي صلى مع الإمام رواه الدارقطني والبيهقي من حديث ابن عمر مرفوعاً قال الدارقطني وهم أبو إبراهيم الترجماني في رفعه والصحيح أنه من قول ابن عمر هكذا رواه مالك وغيره عن نافع. وقال البيهقي قد رواه يحيى بن أيوب عن سعيد بن عبد الرحمن شيخ أبي أبراهيم فيه فوقفه انتهى. وهذا الموقوف عند الدارقطني وحديث مالك في الموطأ وقال النسائي في الكني رفعه غير محفوظ وقال أبو زرعة رفعه خطأ انتهى ما في الدراية. واستدل على وجوب الترتيب أيضاً بحديث لا صلاة لمن عليه صلاة قال العيني قال أبو بكر هو باطل. وتأوله جماعة على معنى لا نافلة لمن عليه فريضة. وقال ابن الجوزي هذا نسمعه على ألسنة الناس وما عرفت له أصلاً انتهى.
قوله : "وفي الباب عن أبي سعيد وجابر" أما حديث أبي سعيد فأخرجه أحمد والنسائي قال حبسنا يوم الخندق عن الصلاة حتى كان بعد المغرب يهوي من الليل الحديث وفيه فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بلالاً فأقام الظهر فصلاها فأحسن صلاتها كما كان يصليها في وقتها ثم أمره فأقام العصر فصلاها فأحسن صلاتها كما كان يصليها في وقتها ثم أمره فأقام المغرب فصلاها كذلك. وقال وذلك قبل أن ينزل الله عز وجل في صلاة الخوف {فإنْ خِفتُم فَرِجَالاً أو رُكْبَاناً} وإسناده صحيح وأما حديث جابر فأخرجه

(1/532)


قال أبو عيسى: حَدِيثُ عَبْدِ الله لَيْسَ بِإِسْنَادِهِ بَأْسٌ، إلا أَنّ أَبَا عُبَيْدَةَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ عَبْدِ الله.
وَهُوَ الذِي اخْتَارَهُ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي الْفَوَائِتِ: أنْ يُقِيمَ الرّجُلُ لكُلّ صَلاَةٍ إِذَا قَضَاهَا. وَإنْ لَمْ يُقِمْ أَجزأه. وَهُوَ قَوْلُ الشّافِعِيّ.
180 ـ "وَ" حدثنَا مُحَمّدُ بْنُ بَشّارٍ "بُنْدَارُ" حدثنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ حدثَني أَبي عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبي كَثِرٍ حدثَنَا أبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرّحْمَنِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله: "أنّ عُمَرَ بْنَ الْخَطّابِ قالَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ، وَجَعَلَ يَسُبّ كُفّارَ قُرَيْش، قَالَ: يَا رَسُولَ الله مَا كِدْتُ أُصَلّي الْعَصْرَ حَتّى تَغْربَ الشّمْسُ،
ـــــــ
البخاري ومسلم وأخرجه الترمذي في هذا الباب.
قوله : "حديث عبد الله ليس بإسناده بأس إلا أن أبا عبيدة لم يسمع من عبد الله" فالحديث منقطع لكنه يعتضد بحديث أبي سعيد المذكور وهذا الحديث أخرجه أيضاً النسائي.
قوله : "وهو الذي اختاره بعض أهل العلم في الفوائت أن يقيم الرجل لكل صلاة إذا قضاها" وهو المذهب الراجح المختار يدل عليه حديث الباب وحديث أبي سعيد المذكور.
قوله : "قال يوم الخندق" وهو غزوة الأحزاب "وجعل يسب كفار قريش" لأنهم كانوا السبب في تأخيرهم الصلاة عن وقتها إما المختار كما وقع لعمر وأما مطلقاً كما وقع لغيره "ما كدت أصلي العصر حتى تغرب الشمس" وفي رواية للبخاري ما كدت أصلي العصر حتى كانت الشمس تغرب، قال اليعمري لفظة كاد من أفعال المتقاربة فإذا قلت كاد زيد يقوم فهم منها أنه قارب القيام ولم يقم. قال والراجح أن لا تقترن بأن بخلاف عسى فإن الراجع فيها أن تقترن، قال وقد وقع في مسلم في هذا الحديث حتى كادت الشمس أن تغرب قال وإذا تقرر أن معنى كاد المقاربة فقول عمر ما كدت أصلي العصر حتى كادت الشمس تغرب معناه أنه صلى العصر قرب غروب الشمس لأن نفي الصلاة يقتضي إثباتها وإثبات الغروب يقتضي نفيه فتحصل من ذلك لعمر ثبوت الصلاة ولم يثبت الغروب انتهى.

(1/533)


فَقَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم: والله إِنْ صَلّيْتُها. قَالَ: فَنَزَلْنَا بُطْحَانَ، فَتَوَضأَ رَسولُ الله صلى الله عليه وسلم وَتَوَضّأْنَا، فَصَلّى رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم الْعَصْرَ بَعْدَ مَا غَرَبَتِ الشّمْسُ ثُمّ صَلّى بَعْدَها الْمَغْرِبَ" .
"قال أبو عيسى": هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
قلت: الأمر كما قال اليعمري لأن كاد إذا أثبتت نفت وإذا نفت أثبتت كما قال فيها المعري ملغزاً.
وإذا نفت والله أعلم أثبتت ... وإن أثبتت قامت مقام حجود
فإن قيل الظاهر أن عمر كان مع النبي صلى الله عليه وسلم فكيف أختص بأن أدرك صلاة العصر قبل غروب الشمس بخلاف بقية الصحابة والنبي صلى الله عليه وسلم معهم. فالجواب: أنه يحتمل أن يكون الشغل وقع بالمشركين إلى قرب غروب الشمس وكان عمر حينئذ متوضئاً فبادر فأوقع الصلاة ثم جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأعلمه بذلك في الحال التي كان النبي صلى الله عليه وسلم فيها قد شرع يتهيأ للصلاة ولهذا قام عند الإخبار هو وأصحابه إلى الوضوء قاله الحافظ "والله إن صليتها" لفظة إن نافية وفي رواية البخاري والله ما صليتها "قال فنزلنا بطحان" بضم أوله وسكون ثانيه واد بالمدينة "فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم العصر بعد ما غربت الشمس ثم صلى بعدها المغرب" استدل به على عدم مشروعية الأذان للفائتة وأجاب من اعتبره بأن المغرب كانت حاضرة ولم يذكر الراوي الأذان لها وقد عرف من عادته صلى الله عليه وسلم الأذان للحاضرة فدل على أن الراوي ترك ذكر ذلك لا أنه لم يقع في نفس الأمر وقد وقع في حديث ابن مسعود المذكور في الباب فأمر بلالاً فأذن ثم أقام فصلى الظهر ثم أقام فصلى العصر الحديث.
قوله : "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه البخاري ومسلم وغيرهما.

(1/534)


133 ـ بابُ مَا جَاءَ فِي صَلاَةِ الْوُسْطَى أَنّهَا الْعَصْرُ "وَقَدْ قِيلَ: إنّهَا الظّهْرُ"
181 ـ حدّثنَا محمودُ بْنُ غَيْلاَنَ حدّثنا أَبو دَاودَ الطّيَالِسِيّ وَ أَبو النّضْرِ عنْ مَحمدِ بنِ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرّفٍ عَنْ زُبَيْدٍ عنْ مُرّةَ الهَمْدَانيّ عَنْ عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم: "صَلاَةُ الوُسْطَى صَلاَةُ العَصْر" .
قال أبو عيسى: هَذَا حَدِيثٌ "حَسَنٌ" صحيحٌ.
182 ـ حدّثنَا هَنّادٌ حدّثَنا عَبْدَةُ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنِ الحَسَنِ عَنْ سَمُرَة بنِ جُنْدبٍ عنِ النّبي صلى الله عليه وسلم أَنّهُ قَالَ: "صَلاَةُ الوُسْطَى صلاَةُ الْعَصْرِ" .
"قَالَ": وفي البابِ عَنْ عَلِيّ وَ "عبْدِ الله بنِ مَسْعُود", "وَزَيْدِ بنِ ثَابِتٍ" وَعَائِشَةَ وَحَفْصَةَ، وَأَبي هُرَيْرَةَ، وأَبي هَاشِمِ بن عُتْبَةَ.
قال أبو عيسى: قَالَ محمدٌ: قَالَ عَلِيّ بنُ عَبْدِ الله حَدِيثُ الحَسَنِ عَنْ سَمُرَة "بنِ جُنْدبٍ" حَدِيثٌ صَحِيحٌ، وَقَدْ سَمِعَ مِنْهُ.
ـــــــ
"باب ما جاء في الصلاة الوسطى أنها العصر"
قوله: "عن سعيد" هو ابن المسيب "عن الحسن" هو ابن أبي الحسن البصري "عن سمرة" بفتح السين وضم الميم "بن جندب" بضم الجيم والدال وتفتح صحابي مشهور له أحاديث مات بالبصرة سنة ثمان وخمسين.
قوله : "أنه قال في صلاة الوسطى صلاة العصر" لأنها وسطى بين صلاتي النهار وصلاة الليل والحديث رواه أحمد أيضاً وفي رواية له أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وسماها لنا أنها صلاة العصر".
قوله : "هذا حديث صحيح" أي حديث ابن مسعود صحيح وأخرجه مسلم.
قوله : "وفي الباب عن علي وعائشة وحفصة وأبي هريرة" أما حديث علي فأخرجه الشيخان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم الأحزاب: "ملأ الله قبورهم وبيوتهم ناراً كما شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس" . ولمسلم وأحمد وأبي داود شغلونا عن

(1/535)


وقال أبو عيسى: حَدِيثُ سَمُرَةَ فِي صلاةِ الوُسْطى حدِيثٌ حَسَنٌ.
وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَماءِ مِنْ أَصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وَغَيْرِهِمْ.
وَقال زَيْدُ بنُ ثابِتٍ وَعائشَةُ: صَلاَةُ الْوُسْطَى صلاَةُ الظّهْرِ.
ـــــــ
الصلاة الوسطى صلاة العصر. وأما حديث عائشة فأخرجه الجماعة إلا البخاري وابن ماجه. وأما حديث حفصة فأخرجه مالك في الموطأ قال عمرو بن رافع إنه كان يكتب لها مصحفاً فقالت له إذا أنتهيت إلى حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى فآذني فآذنتها فقالت اكتب والصلاة الوسطى وصلاة العصر وقوموا لله قانتين. وأما حديث أبي هريرة فأخرجه البيهقي كذا في شرح سراج أحمد.
قوله : "حديث سمرة في صلاة الوسطى حديث حسن" كذا حسنه ههنا وصححه في التفسير. وقد اختلف في صحة سماع الحسن من سمرة فقال شعبة لم يسمع منه شيئاً وقيل سمع منه حديث العقيقة وقال البخاري قال علي بن المديني سماع الحسن من سمرة صحيح ومن أثبت مقدم على من نفى كذا في النيل ويأتي بسط الكلام فيه.
قوله : "وهو قول أكثر العلماء من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم" قال النووي في مجموعه: الذي يقتضي الأحاديث الصحيحة أنها العصر وهو المختار، وقال الماوردي نص الشافعي أنها الصبح وصحت الأحاديث أنها العصر فكان هذا هو مذهبه لقوله إذا صح الحديث فهو مذهبي واضربوا بقولي على عرض الحائط. وقال الطيبي هذا هو مذهب كثير من الصحابة والتابعين وإليه ذهب أبو حنيفة وأحمد وداود وقيل الصبح وعليه بعض الصحابة والتابعين وهو مشهور مذهب مالك والشافعي وقيل الظهر وقيل المغرب وقيل العشاء. وقيل أخفاها الله تعالى في الصلوات كليلة القدر وساعة الإجابة في الجمعة انتهى كذا في المرقاة. وفي الباب أقوال أخر ذكرها الشوكاني في النيل وقال المذهب الذي يتعين المصير إليه ولا يرتاب في صحته هو أن الصلاة الوسطى هي العصر انتهى. قلت لا شك أن هذا هو الحق والصواب يدل عليه الأحاديث الصحيحة الصريحة.
قوله : "وقال زيد بن ثابت وعائشة الصلاة الوسطى صلاة الظهر" روى أحمد وأبو داود عن زيد بن ثابت قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الظهر بالهاجرة ولم يكن يصلي صلاة أشد على أصحابه منها فنزلت حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى

(1/536)


وَقالَ ابْنُ عبّاسٍ وَابنُ عُمَرَ: صَلاَةُ الوُسْطَى صلاة الصّبْحِ.
حدّثنا أبو مُوسى محمدُ بنُ المُثنّى حَدّثَنا قُرَيْشُ بنُ أَنَسٍ عَنْ حَبِيبِ بنِ الشّهِيدِ قال قال: لِي مُحمدُ بنُ سِيرينَ: سَلِ الْحَسَنَ: مِمّنْ سَمِعَ حَدِيثَ العَقِيقَةِ؟ فَسَأَلْتُهُ، فَقال سَمِعْتُهُ مِنْ سَمُرَةَ بنِ جُنْدَبٍ.
قال أبو عيسى: وَأَخْبَرَنِي محمدُ بنُ إِسْمَعِيلَ حدّثنا علِيّ بنُ عبْدِ الله بْنِ المَدِيِنِيْ عنْ قُريْشِ بْنِ أَنَسٍ بِهَذَا الحَدِيثِ.
ـــــــ
وقال إن قبلها صلاتين وبعدها صلاتين انتهى. واستدل بهذا الحديث من قال إن الصلاة الوسطى هي الظهر. قال الشوكاني: وأنت خبير بأن مجرد كون صلاة الظهر كانت شديدة على الصحابة لا يستلزم أن تكون الآية نازلة فيها، غاية ما في ذلك أن المناسب أن تكون الوسطى هي الظهر، ومثل هذا لا يعارض به النصوص الصحيحة الصريحة في أن الصلاة الوسطى هي العصر الثابتة في الصحيحين وغيرهما من طرق متعددة انتهى "وقال ابن عباس وابن عمر الصلاة الوسطى صلاة الصبح" وهو مذهب الشافعي صرح به في كتبه. قال وإنما نص على أنها الصبح لأنه لم تبلغه الأحاديث الصحيحة في العصر انتهى. واستدل الماوردي من أصحابه إن مذهبه إنها العصر لصحة الأحاديث فيه قال من قال إن الصلاة الوسطى هي الصبح بما رواه النسائي عن ابن عباس قال أدلج رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم عرس فلم يستيقظ حتى طلعت الشمس أو بعضها فلم يصل حتى ارتفعت الشمس وهي صلاة الوسطى. قال الشوكاني ويمكن الجواب عن ذلك من وجهين: الأول أن ما روي من قوله في هذا الخبر وهي صلاة الوسطى يحتمل أن يكون من المدرج وليس من قول ابن عباس، ويحتمل أن يكون من قوله وقد أخرج عنه أبو نعيم أنه قال: الصلاة الوسطى صلاة العصر. وهذا صريح لا يتطرق إليه من الاحتمال ما يتطرق إلى الأول فلا يعارضه. الوجه الثاني أنه روى عنه أحمد في مسنده قال: قاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم عدوا فلم يفرغ منهم حتى أخر العصر عن وقتها فلما رأى ذلك قال: "اللهم من حبسنا عن الصلاة الوسطى املأ بيوتهم ناراً أو قبورهم ناراً" . وقد تقرر أن الاعتبار عند مخالفة الراوي روايته بما روى لا بما رأى انتهى.

(1/537)


قال: مُحَمّدٌ: قالَ عَلِيّ: وَسَماعُ الْحَسَنِ مِنْ سَمُرَةَ صَحِيحٌ. وَاحْتَجّ بِهَذَا الْحَدِيثِ.
ـــــــ
قوله : "قال محمد قال علي وسماع الحسن من سمرة صحيح واحتج بهذا الحديث" في سماع الحسن من سمرة ثلاثة مذاهب.
أحدها : أنه سمع منه مطلقاً وهو قول ابن المديني ذكره البخاري عنه والظاهر من الترمذي أنه يختار هذا القول فإنه صحح في كتابه عدة أحاديث من رواية الحسن عن سمرة واختار الحاكم هذا القول فقال في كتابه المستدرك بعد أن أخرج حديث الحسن عن سمرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم كانت له سكتتان سكتة إذا كبر وسكتة إذا فرغ من قراءته. ولا يتوهم أن الحسن لم يسمع من سمرة فإنه سمع منه انتهى. وأخرج في كتابه عدة أحاديث من رواية الحسن عن سمرة وقال في بعضها على شرط البخاري وقال في كتاب البيوع بعد أن روى حديث الحسن عن سمرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الشاة باللحم. وقد احتج البخاري بالحسن عن سمرة انتهى.
القول الثاني: أنه لم يسمع منه شيئاً واختاره ابن حبان في صحيحه فقال بعد أن روى حديث الحسن عن سمرة في السكتتين والحسن لم يسمع من سمرة شيئاً انتهى. وقال صاحب التنقيح قال ابن معين: الحسن لم يلق سمرة، وقال شعبة الحسن لم يسمع من سمرة قال البرديجي: أحاديث الحسن عن سمرة كتاب ولا يثبت عنه حديث قال فيه سمعت سمرة انتهى كلامه.
القول الثالث: أنه سمع منه حديث العقيقة فقط قاله النسائي. وإليه مال الدارقطني في سننه فقال في حديث السكتتين: والحسن اختلف في سماعه من سمرة ولم يسمع منه إلا حديث العقيقة فيها قاله قريش بن أنس انتهى. واختاره. عبد الحق في أحكامه فقال عند ذكره هذا الحديث: والحسن لم يسمع من سمرة إلا حديث العقيقة واختاره البزار في مسنده فقال في آخر ترجمة سعيد بن المسيب عن أبي هريرة والحسن سمع من سمرة حديث العقيقة ثم رغب عن السماع عنه ولما رجع إلى ولده أخرجوا له صحيفة سمعوها من أبيهم فكان يرويها عنه من غير أن يخبر بسماع لأنه لم يسمعها منه انتهى. روى البخاري في تاريخه عن عبد الله بن أبي الأسود عن قريش بن أنس عن حبيب بن الشهيد قال: قال محمد بن سيرين: سئل الحسن ممن سمع حديثه في العقيقة فسألته فقال

(1/538)


............................................
ـــــــ
سمعته من سمرة، وعن البخاري رواه الترمذي في جامعه بسنده ومتنه ورواه النسائي عن هارون بن عبد الله عن قريش وقال عبد الغني تفرد به قريش بن أنس عن حبيب بن الشهيد، وقد رده آخرون وقالوا لا يصح له سماع منه انتهى كذا في نصب الراية في تخريج الهداية للزيلعي، وقال الحافظ في تهذيب التهذيب: وأما رواية الحسن عن سمرة بن جندب ففي صحيح البخاري سماعاً منه لحديث العقيقة وقد روى عنه نسخة كبيرة غالبها في السنن الأربعة وعند علي بن المديني أن كلها سماع، وكذا حكى الترمذي عن البخاري وقال يحيى القطان وآخرون هي كتاب، وذلك لا يقتضي الانقطاع، وفي مسند أحمد حدثنا هشيم عن حميد الطويل وقال جاء رجل إلى الحسن فقال إن عبداً له أبق وإنه نذر إن يقدر عليه أن يقطع يده. فقال الحسن حدثنا سمرة قال قلما خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبة إلا أمر فيها بالصدقة ونهى عن المثلة. وهذا يقتضي سماعه منه لغير حديث العقيقة، وقال أبو داود عقب حديث سليمان بن سمرة عن أبيه في الصلاة: دلت هذه الصحيفة على أن الحسن سمع من سمرة. قال الحافظ ولم يظهر لي وجه الدلالة بعد انتهى. وقال الشوكاني في النيل: تحت حديث الحسن عن سمرة المذكور في هذا الباب ما لفظه: وحديث سمرة حسنه الترمذي في كتاب الصلاة من سننه وصححه في التفسير ولكنه من رواية الحسن عن سمرة وقد اختلف في صحة سماعه منه، فقال شعبة لم يسمع منه شيئاً وقيل سمع منه حديث العقيقة وقال البخاري قال علي بن المديني سماع الحسن من سمرة صحيح، ومن أثبت مقدم على من نفى انتهى

(1/539)


134 ـ بابُ مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةِ الصّلاَةِ بَعْدَ الْعَصْرِ وَبَعْدَ الْفَجْر
183 ـ حدثنا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ حدثنَا هُشَيْمٌ أَخْبَرَنَا مَنْصُورٌ، وَهُوَ ابْنُ زَاذَانَ عَنْ قَتَادَةَ "قَالَ": أَخْبَرَنَا أبُو الْعَالِيَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قَالَ:
ـــــــ
"باب ما جاء في كراهية الصلاة بعد العصر وبعد الفجر"
قوله: "وهو ابن زاذان" بزاي وذال معجمة الواسطي أبو المغيرة الثقفي ثقة ثبت عابد "أنا أبو العالية" اسمه رفيع بالتصغير ابن مهران الرياحي ثقة كثير الإرسال من كبار التابعين.

(1/539)


سَمعتُ غَيْرَ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم: مِنْهُمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ، وَكَانَ مِنْ أَحَبّهمْ إِلَيّ: " أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم نَهَى عَنِ الصّلاَةِ بَعْدَ الْفَجْرِ حَتّى تَطْلُعَ الشّمْسُ، وَعَنِ الصّلاَةِ بَعْدَ الْعَصْرِ حَتّى تَغْرُبَ الشّمْسُ".
"قَالَ": وفي البابِ عَنْ عَلِيّ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وأبي سعيد، وَعُقْبَةَ بن عَامِرِ، وَأَبِي هُرَيْرَة، وَابْنِ عُمَرَ، وَسَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ، وسلمة بن الأكوع وزيد بن ثابت، عَبْدِ الله بْن عْمرٍو، وَمُعَاذِ بْنِ عَفْرَاءَ، وَالصّنَابِحيّ وَلَمْ يَسْمَعْ مِنَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم، وسلمة بن الأكوع وزيد بن ثابت وَعَائِشَةَ، وَكَعْبِ بنِ مُرّةً، وَأَبِي أُمَامَةَ، وَعَمْرو بنِ عَبَسَةَ، "وَيَعْلَى بنِ أُمَيّةَ، وَمُعاوِيةَ".
ـــــــ
قوله : "نهى عن الصلاة بعد الفجر" أي بعد صلاة الفجر "حتى تطلع الشمس". وفي حديث أبي سعيد الخدري عند البخاري لا صلاة بعد الصبح حتى ترتفع الشمس، قال الحافظ في الفتح: ويجمع بين الحديثين بأن المراد بالطلوع طلوع مخصوص أي حتى تطلع مرتفعة "وعن الصلاة بعد العصر" أي بعد صلاة العصر.
قوله : "وفي الباب عن علي وابن مسعود وأبي سعيد وعقبة بن عامر وأبي هريرة وابن عمر وسمرة بن جندب وسلمة بن الأكوع وزيد بن ثابت وعبد الله بن عمرو ومعاذ بن عفراء والصنابحي ولم يسمع من النبي صلى الله عليه وسلم وعائشة وكعب بن مرة وأبي أمامة وعمرو بن عبسة ويعلى بن أمية ومعاوية" أما حديث علي فأخرجه أبو داود عن عاصم بن ضمرة عنه بلفظ قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلمن يصلي في إثر كل صلاة مكتوبة ركعتين إلا الفجر والعصر، والحديث سكت عنه أبو داود وقال المنذري في تلخيصه وقد تقدم الكلام على عاصم بن ضمرة. وأما حديث ابن مسعود فأخرجه الطحاوي بلفظ كنا ننهى عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها ونصف النهار، وأما حديث أبي سعيد فأخرجه البخاري ومسلم. وأما حديث عقبة بن عامر فأخرجه الجماعة إلا البخاري بلفظ ثلاث ساعات نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نصلي فيهن أو نقبر فيهن موتانا الحديث. وأما حديث أبي هريرة فأخرجه البخاري ومسلم. وأما حديث ابن عمر فأخرجه

(1/540)


قال أبو عيسى: حَدِيثُ ابْنِ عَبّاسٍ عَنْ عُمَرَ حدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ مِنْ أَصْحَابِ النّبِيّ صلى الله عليه وسلم وَمن بَعْدَهُمْ: أَنّهُمْ كرِهُوا الصّلاَةَ بَعْدَ صَلاَةِ الصّبْحِ حَتّى تَطْلُعَ الشّمْسُ، وبَعْدَ "صَلاَةِ" الْعَصْرِ حَتّى تَغْرُبَ الشّمْسُ. وَأمَا الصّلَوَاتُ الْفَوَائِتُ فَلاَ بَأْسَ أَنْ تُقْضَى بَعْدَ الْعَصْرِ وبَعْدَ الصّبْحِ.
ـــــــ
البخاري ومسلم. وأما حديث سمرة بن جندب وحديث سلمة بن الأكوع فلم أقف عليهما. وأما حديث زيد بن ثابت فأخرجه الطبراني. وأما حديث عبد الله بن عمرو فأخرجه الطبراني في الأوسط. وأما حديث معاذ بن عفراء فذكر حديثه ابن سيد الناس في شرح الترمذي بنحو حديث أبي سعيد المتفق عليه، وأما حديث الصنابحي وهو بضم الصاد المهملة فأخرجه مالك وأحمد والنسائي. وأما حديث عائشة فأخرجه أبو داود بلفظ إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي بعد العصر وينهى عنها ويواصل وينهى عن الوصال. وأما حديث كعب بن مرة فأخرجه الطبراني. وأما حديث أبي أمامة فلم أقف عليه. وأما حديث عمرو بن عبسة فأخرجه أحمد ومسلم وأبو داود. وأما حديث يعلى بن أمية فلم أقف عليه. وأما حديث معاوية فأخرجه البخاري. قال الحافظ في التلخيص وفي الباب أيضاً عن سعد بن أبي وقاص وأبي ذر وأبي قتادة وحفصة وأبي الدرداء وصفوان بن معطل وغيرهم.
قوله : "حديث ابن عباس عن عمر حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان وغيرهما.
قوله : "وهو قول أكثر الفقهاء من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ومن بعدهم أنهم كرهوا الصلاة بعد صلاة الصبح إلخ" قال القاضي: اختلفوا في جواز الصلاة في الأوقات الثلاثة وبعد صلاة الصبح إلى الطلوع وبعد صلاة العصر إلى الغروب فذهب داود إلى جواز الصلاة فيها مطلقا. وقد روى عن جمع من الصحابة فلعلهم لم يسمعوا نهيه عليه السلام أو حملوه على التنزيه دون التحريم. وخالفهم الأكثرون فقال الشافعي لا يجوز فيها فعل صلاة لا سبب لها. أما الذي له سبب كالمنذورة وقضاء الفائتة فجائز لحديث كريب عن أم سلمة واستثنى أيضاً مكة واستواء الجمعة لحديث جبير بن مطعم وأبي هريرة. وقال أبو حنيفة يحرم فعل كل صلاة في الأوقات الثلاثة سوى عصر يومه عند الاصفرار ويحرم المنذورة والنافلة بعد الصلاتين دون المكتوبة الفائتة وسجدة

(1/541)


قَالَ عَلِيّ بنْ الْمدِيني: قَال يَحْيَي بنُ سَعِيدٍ: قَال شُعْبَةُ: لَمْ يَسْمَعْ قَتَادَةَ مِنْ أَبِي الْعَالِيَةِ إِلاّ ثَلاَثَةَ أَشْيَاءَ: حَدِيثَ عُمَرَ: "أَنّ النّبِيّ صلى الله عليه وسلم نَهَى عَنِ الصّلاَةِ بَعْدَ الْعَصْرِ حَتّى تَغْرُبَ الشّمْسُ، وَبَعْدَ الصّبْح حَتّى تَطْلُعَ الشّمْسُ" وَحَدِيثَ ابْنِ عَبّاسٍ عَنِ النّبِيّ صلى الله عليه وسلم قَال: "لاَ يَنْبَغِي لأِحَدٍ أَنْ يَقُولَ أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتّى" وحَدِيثَ عَليّ: القُضَاةُ ثَلاَثَةٌ".
ـــــــ
التلاوة وصلاة الجنازة. وقال مالك يحرم فيها النوافل دون الفرائض ووافقه غير أنه جوز فيها ركعتي الطواف كذا في المرقاة. وقال النووي أجمعت الأئمة على كراهة صلاة لا سبب لها في الأوقات المنهي عنها. واتفقوا على جواز الفرائض المؤداة فيها. واختلفوا في النوافل التي لها سبب كصلاة تحية المسجد وسجود التلاوة والشكر وصلاة العيد والكسوف وصلاة الجنازة وقضاء الفائتة فذهب الشافعي وطائفة إلى جواز ذلك كله بلا كراهة. وذهب أبو حنيفة وآخرون إلى أن ذلك داخل في عموم النهي واحتج الشافعي بأنه صلى الله عليه وسلم قضى سنة الظهر بعد العصر وهو صريح في قضاء السنة الفائتة فالحاضرة أولى والفريضة المقضية أولى ويلتحق ماله سبب انتهى. قال الحافظ بعد نقل كلام النووي هذا: وما نقله من الإجماع والاتفاق متعقب فقد حكى غيره عن طائفة من السلف الإباحة مطلقاً وأن أحاديث النهي منسوخ وبه قال داود وغيره من أهل الظاهر وبذلك جزم ابن حزم، وعن طائفة أخرى المنع مطلقاً في جميع الصلوات وقد صح عن أبي بكرة وكعب بن عجرة المنع من صلاة الفرض في هذه الأوقات انتهى.
قوله : "قال شعبة لم يسمع قتادة من أبي العالية إلا ثلاثة أشياء إلخ" المقصود من ذكر هذا أن حديث الباب من طريق قتادة عن أبي العالية موصول "وحديث ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا ينبغي لأحد أن يقول أنا خير من يونس بن متى" بفتح الميم والفوقية المشددة وقوله أنا عبارة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال ذلك صلى الله عليه وسلم تواضعاً إن كان قاله بعد أن علم أنه سيد البشر. وقيل عبارة عن كل قائل يقول ذلك كي لا يفضل أحد نفسه على يونس عليه السلام قيل وخص يونس بالذكر لما يخشى على من سمع قصته أن يقع في نفسه تنقيص له فبالغ في ذكر فضله لسد هذه الذريعة. والحديث أخرجه البخاري وغيره

(1/542)


135 ـ بابُ مَا جَاءَ فِي الصّلاَةِ بَعْدَ الْعَصْر
184 ـ حدثَنَا قُتَيْبَةُ حدثَنَا جَرِيرٌ عَنْ عَطَاءِ بْنِ السّائِبِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبيْرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: "إِنّمَا صلّى النّبِيّ صلى الله عليه وسلم الرّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ لأِنّهُ أتَاهُ مَالٌ فَشَغَلَهُ عَنِ الرّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الظّهْرِ، فَصَلاّهُما بَعْدَ الْعَصْرِ، ثَمّ لَمْ يَعُدْ لَهُمَا".
وفي البابِ عَنْ عَائِشَةَ، وَأُمّ سَلَمَةَ، وَمَيْمُونَةَ، وَأبي مُوسَى.
ـــــــ
"باب ما جاء في الصلاة بعد العصر"
قوله : "نا جرير" هو ابن عبد الحميد بن قرط الضبي الكوفي ثم الرازي ثقة صحيح الكتاب قيل كان في آخر عمره يهم من حفظه "عن عطاء بن السائب" الثقفي الكوفي صدوق اختلط في آخره عمره قال ابن مهدي يختم كل ليلة.
قوله : "إنما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الركعتين بعد العصر لأنه أتاه مال إلخ" وفي صحيح البخاري من حديث أم سلمة صلى النبي صلى الله عليه وسلم بعد العصر ركعتين وقال شغلني ناس من عبد القيس عن الركعتين بعد الظهر "ثم لم يعدلهما" من عاد يعود. وهذا معارض بروايات عائشة رضي الله عنها: منها قولها ما ترك النبي صلى الله عليه وسلم السجدتين بعد العصر عندي قط. ومنها قولها ما تركهما حتى لقي الله. ومنها قولها وما كان النبي صلى الله عليه وسلم يأتيني في يوم بعد العصر إلا صلى ركعتين أخرج هذه الروايات البخاري وغيره. فوجه الجمع أنه يحمل النفي على عدم علم الراوي فإنه لم يطلع على ذلك، والمثبت مقدم على النافي وكذا ما رواه النسائي من طريق أبي سلمة عن أم سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى في بيتها بعد العصر ركعتين مرة واحدة الحديث. وفي رواية له عنها لم أره يصليهما قبل ولا بعد فيجمع بين الحديثين بأنه صلى الله عليه وسلم لم يكن يصليهما إلا في بيته فلذلك لم يره ابن عباس ولا أم سلمة، ويشير إلى ذلك قول عائشة في رواية للبخاري وكان لا يصليهما في المسجد مخافة أن تثقل على أمته.
قوله : "وفي الباب عن عائشة وأم سلمة وميمونة وأبي موسى" أما حديث عائشة وحديث أم سلمة فمر تخريجهما آنفاً. وأما حديث ميمونة فأخرجه أحمد قال في النيل في إسناده

(1/543)


قال أبو عيسى: حَدِيثُ ابْنِ عَبّاسٍ حَدِيثٌ حسنٌ.
وَقَدْ رَوَى غَيْرُ وَاحِدٍ عَنِ النّبِيّ صلى الله عليه وسلم: "أَنّهُ صَلّى بَعْدَ الْعَصْرِ رَكْعَتَيْنِ".
وَهَذَا خِلاَفُ مَا رُوِيَ "عَنْهُ": "أَنّهُ نَهَىَ عَنِ الصّلاَةِ بَعْدَ الْعَصْرِ حَتّى تَغْرُبَ الشّمْسُ".
وَحَدِيثُ ابْنِ عبّاسٍ أَصحّ حَيْثُ قالَ "لَمْ يَعُدْ لَهُمَا".
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ نَحوُ حَدِيث ابْنِ عَبّاسٍ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ فِي هَذَا الْبَابِ رِوَايَاتٌ:
ـــــــ
حنظلة السدوسى وهو ضعيف. وقد أخرجه أيضاً الطبراني. وأما حديث أبي موسى فأخرجه أحمد في مسنده ص 416ج4 بلفظ أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يصلي ركعتين بعد العصر.
قوله : "حديث ابن عباس حديث حسن" وأخرجه ابن حبان قال الحافظ في الفتح: هو من رواية جرير عن عطاء وقد سمع منه بعد اختلاطه وإن صح فهو شاهد لحديث أم سلمة انتهى. قلت أراد بحديث أم سلمة حديثها الذي أخرجه الطحاوي بزيادة فقلت يا رسول الله أفنقضيهما إذا فاتتا قال لا ويأتي عن قريب.
قوله : "وقد روى عن زيد بن ثابت نحو حديث ابن عباس" رواه أحمد في مسنده عن قبيصة بن ذؤيب يقول إن عائشة أخبرت آل الزبير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى عندها ركعتين بعد العصر فكانوا يصلونها. قال قبيصة فقال زيد بن ثابت يغفر الله لعائشة نحن أعلم برسول الله صلى الله عليه وسلم من عائشة إنما كان ذلك لأن أناساً من الأعراب أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بهجير فقعدوا يسألونه ويفتيهم حتى صلى الظهر ولم يصل ركعتين ثم قعد يفتيهم حتى صلى العصر فانصرف إلى بيته فذكر أنه لم يصل بعد الظهر شيئاً فصلاهما بعد العصر يغفر الله لعائشة نحن أعلم برسول الله صلى الله عليه وسلم من عائشة. نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد العصر.
قوله : "وقد روى في هذا الباب روايات" أي مختلفة بعضها يدل على جواز الصلاة

(1/544)


رُوِيَ عَنْهَا: "أَنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم مَا دَخَلَ عَلَيْهَا بَعْدَ الْعَصْرِ إلاّ صَلى ركعتينِ".
وَرُوِيَ عَنْها عنْ أُمّ سَلَمَةَ "عنِ النّبي صلى الله عليه وسلم: "أَنّهُ نَهَى عَنِ الصّلاَةِ بَعْدَ الْعَصْرِ حَتّى تَغْرُبَ الشّمْسُ، وَبَعْدَ الصّبْحِ حَتّى تَطْلُعَ الشّمْسُ".
وَالّذِي اجْتَمَعَ عَلَيْهِ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ: عَلَى كراهِيةِ الصّلاَةِ بَعْدَ الْعَصْرِ حَتّى تَغْرُبَ الشّمْسُ، وَبَعْدَ الصّبْحِ حَتّى تَطْلُعَ الشّمْسُ، إِلاّ مَا اسْتُثْنِي مِنْ ذَلِك، مِثْلُ الصّلاَةِ بِمَكّةَ بَعْدَ الْعَصْرِ حَتّى تَغْرُبَ الشّمْسُ وَبَعْدَ الصّبْحِ
ـــــــ
بعد العصر وبعضها يدل على عدم الجواز "روي عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم ما دخل عليها بعد العصر إلى صلى ركعتين" أخرجه البخاري وغيره فهذا يدل على الجواز "وروى عنها عن أم سلمة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس وبعد الصبح حتى تطلع الشمس" هذا يدل على عدم الجواز. وقد قيل لرفع الاختلاف إن رواية عائشة الأولى محمولة على الصلاة التي لها سبب وروايتها الثانية على الصلاة التي لا سبب لها. قلت: يؤيده ما في رواية أم سلمة عند الشيخين يا رسول الله سمعتك تنهي عن هاتين الركعتين وأراك تصليهما قال يا ابنة أبي أمية سألت عن هاتين الركعتين بعد العصر وإنه أتاني ناس من عبد القيس فشغلوني عن الركعتين اللتين بعد الظهر، وقيل إن صلاته صلى الله عليه وسلم بعد العصر من خصوصياته صلى الله عليه وسلم. قلت: يؤيده ما رواه الطحاوي من حديث أم سلمة وزاد فقلت يا رسول الله أفنقضيهما إذا فاتتا قال لا، لكن هذه الرواية ضعيفة لا تقوم بها حجة كما صرح به الحافظ في الفتح، وقال فيه ليس في رواية الإثبات معارضة للأحاديث الواردة في النهي لأن رواية الإثبات لها سبب فألحق بها ما له سبب وبقي ما عدا ذلك على عمومه. والنهي فيه محمول على ما لا سببب له. وأما من يرى عموم النهي ولا يخصه بماله سبب فيحمل الفعل على الخصوصية ولا يخفى رجحان الأول انتهى كلام الحافظ.
قوله : "والذي اجتمع عليه أكثر أهل العلم على كراهية الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس

(1/545)


حَتّى تَطْلُعَ الشمْسُ بَعْدَ الطّوَافِ، فَقَدْ رُوِي عَنِ النبي صلى الله عليه وسلم رُخْصَةٌ فِي ذَلِكَ.
وَقَدْ قَالَ بِهِ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النبي صلى الله عليه وسلم وَمَنْ بَعْدَهُمْ.
وَبِهِ يَقُولُ الشّافِعِيّ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ.
وَقَدْ كَرِه قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ منْ أَصْحَابِ النّبِيّ صلى الله عليه وسلم وَمَنْ بَعْدَهُمْ الصّلاَةَ بمَكّةَ أَيْضاً بَعْدَ الْعَصْرِ وَبَعْدَ الصّبْحِ.
وَبِهِ يَقُولُ سُفْيَانُ الثّوْرِيّ، وَمَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، وَبَعْضُ أَهْلِ الكُوفَةِ.
ـــــــ
وبعد الصبح حتى تطلع الشمس إلا ما استثني من ذلك إلى قوله فقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم رخصة في ذلك" أشار إلى حديث جبير بن مطعم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا بني عبد مناف لا تمنعوا أحداً طاف بهذا البيت وصلى أية ساعة شاء من ليل أو نهار. قال الحافظ في بلوغ المرام رواه الخمسة وصححه الترمذي وابن حبان "وقد قال به" أي بما ذكر من كراهة الصلاة بعد العصر وبعد الصبح إلا ما استثني "قوم من أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ومن بعدهم وبه يقول الشافعي وأحمد وإسحاق" احتجوا بأحاديث النهي عن الصلاة بعد العصر وبعد الصبح وبما روي في الرخصة في ذلك قالوا بهما "وقد كره قوم من أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ومن بعدهم الصلاة بمكة أيضاً بعد العصر وبعد الصبح وبه يقول سفيان الثوري ومالك بن أنس وبعض أهل الكوفة" وبه يقول أبو حنيفة واحتجوا بعموم النهي. قال الشوكاني في النيل: قد اختلف أهل العلم في الصلاة بعد العصر وبعد الفجر فذهب الجمهور إلى أنها مكروهة وادعى النووي الاتفاق على ذلك. وتعقبه الحافظ بأنه قد حكى عن طائفة من السلف الإباحة مطلقاً وأن أحاديث النهي منسوخة. قال: وبه قال داود وغيره من أهل الظاهر وبذلك جزم ابن حزم. وقد اختلف القائلون بالكراهة فذهب الشافعي

(1/546)


136 ـ بابُ مَا جَاءَ فِي الصّلاَةِ قَبْلَ الْمَغْرِب
185 ـ حدثنا هَنّادٌ حدثنَا وَكِيعٌ عنْ كَهْمَسِ بن الحَسَنِ عنْ
ـــــــ
"باب ما جاء في الصلاة قبل المغرب"
قوله: "عن كهمس بن الحسين" كذا في النسخ الحاضرة بالتصغير وفي التقريب

(1/547)


عَبْد الله بن بُرَيْدَةَ عَنْ عبْدِ الله بْن مُغَفّلٍ عنْ النّبي صلى الله عليه وسلم قَالَ: "بَيْنَ كُلّ أَذَانَيْنِ صَلاَةٌ لِمنْ شَاءَ" .
وفي البابِ عنْ عَبْدِ الله بن الزّبَيْرِ.
قال أبو عيسى: حديثُ عَبْد الله بن مُغَفّلٍ حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُ النبيّ صلى الله عليه وسلم فِي الصّلاَةِ قَبْلَ الْمَغْرِبِ: فلَمْ يَرَ بَعْضُهُمُ الصّلاَةَ قَبْلَ الْمَغْرِبِ.
ـــــــ
والخلاصة كهمس بن الحسن بالتكبير، وثقه أحمد وابن معين "عن عبد الله بن بريدة" ابن الحصيب الأسلمي المروزي قاضيها ثقة "عن عبد الله بن مغفل" صحابي بايع تحت الشجرة ونزل البصرة مات سنة 57 سبع وخمسين وقيل بعد ذلك.
قوله : "بين كل أذانين" أي أذان وإقامة وهذا من باب التغليب كالقمرين للشمس والقمر. ويحتمل أن يكون أطلق على الإقامة أذان لأنها إعلام بحضور فعل الصلاة كما أن الأذان إعلام بدخول الوقت "صلاة" أي وقت صلاة أو المراد صلاة نافلة قاله الحافظ. قلت لا حاجة إلى تقدير الوقت "لمن شاء" أي كون الصلاة بين الأذانين لمن شاء. وفي الصحيحين عن عبد الله بن مغفل قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: صلوا قبل صلاة المغرب ركعتين. قال في الثالثة لمن شاء كراهية أن يتخذها الناس سنة كذا في المشكاة. والحديث دليل على جواز الركعتين بعد أذان المغرب وقبل صلاته وهو الحق، والقول بأنه منسوخ مما لا التفات إليه فإنه لا دليل عليه.
قوله : "وفي الباب عن عبد الله بن الزبير" أخرجه ابن حبان في صحيحه عن سليم بن عامر عن عبد الله بن الزبير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما من صلاة مفروضة إلا وبين يديها ركعتان، كذا في نصب الراية ورواه محمد بن نصر أيضاً في قيام الليل ص 26، وفي الباب أيضاً عن أنس بن مالك وعقبة بن عامر وسيجيء تخريجهما.
قوله : "حديث عبد الله بن مغفل حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان وغيرهما. قوله: "فلم ير بعضهم الصلاة قبل المغرب" وهو قول مالك والشافعي على ما قال الحافظ في الفتح وهو قول أبي حنيفة. وعن مالك قول آخر باستحبابهما وعند الشافعية وجه رجحه النووي ومن تبعه وقال في شرح مسلم قول من قال إن فعلهما يؤدي إلى تأخير

(1/548)


...................................
ـــــــ
المغرب عن أول وقتها خيال فاسد منابذ للسنة ومع ذلك فزمنها يسير لا تتأخر به الصلاة عن أول وقتها انتهى. قال الحافظ: ومجموع الأدلة يرشد إلى تخفيفهما كما في ركعتي الفجر انتهى. واحتج من لم ير الصلاة قبل المغرب بأحاديث ذكرها الحافظ الزيلعي قال لأصحابنا في تركها أحاديث: منها ما أخرجه أبو داود عن طاوس قال: سئل ابن عمر عن الركعتين قبل المغرب فقال: ما رأيت أحداً على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يصليهما ورخص في الركعتين بعد العصر. قال الزيلعي سكت عنه أبو داود ثم المنذري في مختصره فهو صحيح عندهما. قال النووي في الخلاصة إسناده حسن قال:
وأجاب العلماء عنه بأنه نفي فتقدم رواية المثبت ولكونها أصح وأكثر رواة ولما معهم من علم ما لم يعلمه ابن عمر انتهى.
قلت: جوابهم هذا حسن صحيح وذكر الزيلعي هذا الجواب وأقره ولم يتكلم عليه بشيء.
قال الزيلعي: حديث آخر أخرجه الدارقطني ثم البيهقي في سننهما عن حيان بن عبيد الله العدوي ثنا عبد الله بن بريدة عن أبيه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن عند كل أذانين ركعتين ما خلا المغرب، انتهى ورواه البزار في مسنده وقال لا نعلم رواه عن ابن بريدة إلا حيان بن عبيد الله وهو رجل مشهور من أهل البصرة لا بأس انتهى كلامه، وقال البيهقي في المعرفة أخطأ فيه حيان بن عبيد الله في الإسناد والمتن جميعاً، أما السند فأخرجاه في الصحيح عن سعيد الجريري وكهمس عن عبد الله بن بريدة عن عبد الله بن مغفل عن النبي صلى الله عليه وسلم قال بين كل أذانين صلاة قال في الثالثة لمن شاء. وأما المتن فكيف يكون صحيحاً وفي رواية ابن المبارك عن كهمس في هذا الحديث قال وكان ابن بريدة يصلي قبل المغرب ركعتين وفي رواية حسين المعلم عن عبد الله بن بريدة عن عبد الله بن مغفل قال رسول الله صلى الله عليه وسلم صلوا قبل المغرب ركعتين وقال في الثالثة لمن شاء خشية أن يتخذها الناس سنة رواه البخاري في صحيحه انتهى. وذكر ابن الجوزي هذا الحديث في الموضوعات ونقل عن الفلاس أنه قال كان حيان هذا كذاباً انتهى كلام الزيلعي. وقال الحافظ في الفتح. وأما رواية حيان فشاذة لأنه وإن كان صدوقاً عند البزار وغيره لكنه خالف الحفاظ من أصحاب عبد الله بن بريدة في إسناد

(1/549)


...................................
ـــــــ
الحديث ومتنه وقد وقع في بعض طرقه عند الإسمعيلي وكان بريدة يصلي ركعتين قبل صلاة المغرب فلو كان الاستثناء محفوظاً لم يخالف بريدة راويه انتهى.
قلت: قال الزيلعي: حديث آخر رواه الطبراني في كتاب مسند الشاميين عن جابر قال: سألنا نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم هل رأيتن رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الركعتين قبل المغرب فقلن لا غير أن أم سلمة قالت صلاهما عندي مرة فسألته ما هذه الصلاة فقال نسيت الركعتين قبل العصر فصليتهما الاَن انتهى.
قلت: على تقدير صحة هذا الحديث فجوابه هو ما ذكره الزيلعي نقلاً عن النووي من أنه نفي فتقدم رواية المثبت إلخ.
قال الزيلعي: حديث آخر معضل رواه محمد بن الحسن في الآثار أخبرنا أبو حنيفة ثنا حماد بن أبي سليمان أنه سأل إبراهيم النخعي عن الصلاة قبل المغرب فنهاه عنها وقال أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر لم يكونوا يصلونها انتهى.
قلت: هذا الحديث لا يصلح للاستدلال فإنه معضل. فهذه الأحاديث هي التي احتج بها من منع الصلاة قبل المغرب وقد عرفت أنه لا يصح الاحتجاج بواحد منها.
وادعى بعضهم بنسخ الصلاة قبل المغرب فقال إنما كان ذلك في أول الأمر حيث نهى عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس فبين لهم بذلك وقت الجواز ثم ندب إلى المبادرة إلى المغرب في أول وقتها فلو استمرت المواظبة على الاشتغال بغيرها لكان ذلك ذريعة إلى مخالفة إدراك أول وقتها.
قلت: هذا ادعاء محض لا دليل عليه فلا التفات إليه، وقد روى محمد بن نصر وغيره من طرق قوية عن عبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وأبي بن كعب وأبي الدرداء وأبي موسى وغيرهم أنهم كانوا يواظبون عليهما.
فإن قلت: قال العيني في عمدة القاري: ادعى ابن شاهين أن هذا الحديث منسوخ بحديث عبد الله بن بريدة عن أبيه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن عند كل أذانين ركعتين ما خلا المغرب، ويزيده وضوحاً ما رواه أبو داود في سننه عن طاوس قال سئل ابن عمر عن الركعتين بعد المغرب فقال ما رأيت أحداً على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يصليهما ورخص في الركعتين بعد العصر انتهى كلام العيني.

(1/550)


وَ "قَدْ" رُوِي عنْ غَيْرِ وَاحِدٍ منْ أَصحابِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم: أَنّهُمْ كانُوا يُصَلّونَ قَبْلَ صَلاَةِ الْمَغْرِبِ رَكعَتَيْنِ، بَيْنَ الأذَانِ والاْقامَةِ.
ـــــــ
قلت: قد عرفت آنفاً أن حديث عبد الله بن بريدة عن أبيه هذا شاذ والاستثناء فيه غير محفوظ، قد أخطأ حيان بن عبيد الله الراوي عن عبد الله بن بريدة في الإسناد والمتن. وأما قول ابن عمر ما رأيت أحداً إلخ، فقد عرفت في كلام الزيلعي بأنه نفي فتقدم رواية المثبت ولكونها أصح وأكثر رواة، ولما معهم من علم ما لم يعلمه ابن عمر.
فالعجب من العيني أنه ذكر ادعاء ابن شاهين النسخ بحديث عبد الله بن بريدة عن أبيه ولم يرد عليه بل أقره بل قال ويزيده وضوحاً إلخ "وقد روي عن غير واحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنهم كانوا يصلون قبل صلاة المغرب ركعتين بين الأذان والإقامة" أي في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وبحضرته وبعد وفاته. وكذلك روي عن غير واحد من التابعين وتبعهم أنهم كانوا يصلون قبل صلاة المغرب ركعتين بين الأذان والإقامة، ففي الصحيحين عن أنس بن مالك قال كان المؤذن إذا أذن قام ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يبتدرون السواري حتى يخرج النبي صلى الله عليه وسلم وهم كذلك يصلون الركعتين قبل المغرب. زاد مسلم حتى إن الرجل الغريب ليدخل المسجد فيحسب أن الصلاة قد صليت من كثرة من يصليهما. وفي رواية النسائي قال كبار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي قيام الليل لمحمد بن نصر المروزي عن أبي الخير رأيت أبا تميم الجيشاني يركع الركعتين حين يسمع أذان المغرب فأتيت عقبة بن عامر الجهني فقلت له ألا أعجبك من أبي تميم الجيشاني عبد الله بن مالك يركع ركعتين قبل المغرب وأنا أريد أن أغمصه فقال عقبة إنما كنا نفعله على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فما يمنعك الاَن قال الشغل.
وعن زر: قدمت المدينة فلزمت عبد الرحمن بن عوف وأبي بن كعب فكانا يصليان ركعتين قبل صلاة المغرب لا يدعان ذلك.
وعن رغبان مولى حبيب بن مسلمة قال: لقد رأيت أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يهبون إليهما كما يهبون إلى المكتوبة يعني الركعتين قبل المغرب.
وعن خالد بن معدان أنه كان يركع ركعتين بعد غروب الشمس قبل صلاة المغرب لم يدعهما حتى لقي الله وكان يقول إن أبا الدرداء كان يركعهما يقول لا أدعهما وإن ضربت بالسياط.

(1/551)


.....................................
ـــــــ
وقال عبد الله بن عمرو الثقفي رأيت جابر بن عبد الله يصلي ركعتين قبل المغرب.
وعن يحيى بن سعيد أنه صحب أنس بن مالك إلى الشام فلم يكن يترك ركعتين عند كل أذان.
وسئل قتادة عن الركعتين قبل المغرب فقال كان أبو برزة يصليهما. وكان عبد الله بن برزة ويحيى بن عقيل يصليان قبل المغرب ركعتين. وعن الحكم رأيت عبد الرحمن بن أبي ليلى يصلي قبل المغرب ركعتين. وسئل الحسن عنهما فقال حسنتين والله جميلتين لمن أراد الله بهما. وعن سعيد بن المسيب حق على كل مؤمن إذا أذن أن يركع ركعتين. وكان الأعرج وعامر بن عبد الله بن الزبير يركعهما. وأوصى أنس بن مالك ولده أن لا يدعوهما. وعن مكحول على المؤذن أن يركع ركعتين على إثر التأذين. وعن الحكم بن الصلت رأيت عراك بن مالك إذا أذن المؤذن بالمغرب قام فصلى سجدتين قبل الصلاة. وعن عبيد الله بن عبد الله بن عمر إن كان المؤذن ليؤذن بالمغرب ثم تقرع المجالس من الرجال يصلونهما انتهى ما في كتاب قيام الليل بقدر الحاجة. وفيه آثار أخرى من شاء الوقوف عليها فليرجع إليه.
ثم ذكر محمد بن نصر فيه: من لم يركع الركعتين قبل صلاة المغرب فقال: عن النخعي قال كان بالكوفة من خيار أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود وحذيفة بن اليمان وأبو مسعود الأنصاري وعمار بن ياسر والبراء بن عازب فأخبرني من رمقهم كلهم فما رأى أحداً منهم يصليهما قبل المغرب، وفي رواية أن أبا بكر وعمر وعثمان كانوا لا يصلون الركعتين قبل المغرب وقيل لإبراهيم أن ابن أبي هذيل كان يصلي قبل المغرب قال إن ذاك لا يعلم انتهى.
وقال: ليس في حكاية هذا الذي روى عنه إبراهيم أنه رمقهم فلم يرهم يصلونهما دليل على كراهتهم لهما إنما تركوهما لأن تركهما كان مباحاً، وقد يجوز أن يكون أولئك الذين حكى عنهم من حكى أنه رمقهم فلم يرهم يصلونهما قد صلوهما في غير الوقت الذي رمقهم انتهى كلام محمد بن نصر.

(1/552)


وَقَالَ أَحمدُ وَإِسْحَاقُ: إِنْ صَلاّهُمَا فَحَسَنٌ. وَهَذَا عِنْدهُمَا عَلَى الاسْتِحْبَابِ.
ـــــــ
قلت: على أنه قد ثبت أن إبراهيم النخعي لم يلق أحداً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إلا عائشة ولم يسمع منها شيئاً، ففي أثره الأول مجهول، وفي أثره الثاني انقطاع، إذا عرفت هذا كله ظهر لك بطلان قول القاضي أبي بكر بن العربي اختلف فيها الصحابة ولم يفعلها أحد بعدهم، وكذلك ظهر بطلان قول من قال بنسخ الركعتين قبل المغرب بأثر النخعي المذكور، قال الحافظ في الفتح: والمنقول عن الخلفاء الأربعة رواه محمد بن نصر وغيره من طريق إبراهيم النخعي عنهم وهو منقطع، ولو ثبت لم يسكن فيه دليل على النسخ ولا الكراهة "وقال أحمد وإسحاق إن صلاهما فحسن وهذا عندهما على الاستحباب" قال الحافظ في الفتح. إلى استحبابهما ذهب أحمد وإسحاق وأصحاب الحديث، وقال محمد بن نصر في كتاب قيام الليل، وقال أحمد بن حنبل في الركعتين قبل المغرب أحاديث جياد أو قال صحاح عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وذكر حديث النبي صلى الله عليه وسلم فقال إلا أنه قال لمن شاء فمن شاء صلى، قبل له قيل الأذان أم بين الأذان والإقامة فقال بين الأذان والإقامة، ثم قال وإن صلى إذا غربت الشمس وحلت الصلاة أي فهو جائز، قال هذا شيء ينكره الناس وتبسم كالمتعجب ممن ينكر ذلك، وسئل عنهما فقال أنا لا أفعله وإن فعله رجل لم يكن به بأس انتهى ما في قيام الليل. وقال الحافظ في الفتح وذكر الأثرم عن أحمد أنه قال ما فعلتهما إلا مرة واحدة، حتى، سمعت الحديث انتهى.
واحتج من قال باستحبابهما بأحاديث صحيحة صريحة.
منها: حديث عبد الله بن مغفل المذكور في الباب وهو حديث صحيح أخرجه الشيخان كما عرفت، ومنها حديث عبد الله بن الزبير الذي أشار إليه الترمذي، ومنها حديث أنس بن مالك وهو حديث صحيح أخرجه الشيخان وتقدم لفظه.
ومنها: حديث عقبة بن عامر وتقدم لفظه نقلاً عن قيام الليل وهو حديث صحيح أخرجه البخاري.
ومنها: حديث عبد الله بن مغفل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى قبل المغرب ركعتين أخرجه ابن حبان في صحيحه وأخرجه محمد بن نصر في القيام الليل بلفظ: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى قبل المغرب ركعتين ثم قال صلوا قبل المغرب ركعتين

(1/553)


..........................................
ـــــــ
ثم قال عند الثالثة لمن شاء خاف أن يحسبها الناس سنة، قال العلامة ابن أحمد المقريزي في مختصر قيام الليل هذا إسناده صحيح على شرط مسلم، وقد صح في ابن حبان حديث أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى ركعتين قبل المغرب فهذه الأحاديث هي التي احتج بها من قال باستحباب الركعتين قبل المغرب وهو الحق.

(1/554)


137 ـ باب مَا جَاءَ فِيمَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشّمْس
186 ـ حدثنا "إِسْحَاقُ بنُ مُوسَى" الأنْصَارِيّ حدثنا مَعْنٌ حدثنَا مالِكُ بنُ أَنس عنْ زَيْدِ بن أَسْلَم عنْ عطَاءِ بن يَسَارٍ وَعَنْ بُسْرِ بن سَعِيدٍ وَعن الأعْرَج يُحدّثُونَهُ عنْ أَبي هُريْرَةَ: أَنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "مَنْ أَدْرَكَ منَ الصّبْحِ رَكْعَةً قبلَ أَنْ تَطْلُعَ الشّمْسُ فَقَدْ أَدْركَ الصّبْحَ، وَمَنْ أَدْرَكَ مِنَ الْعصْرِ رَكْعةً قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ العصْرَ" .
ـــــــ
"باب من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس"
قوله: "وعن بسر بن سعيد" المدني العابد مولى ابن الحضرمي ثقة جليل من الثانية مات سنة مائة بالمدينة في خلافة عمر بن عبد العزيز "وعن الأعرج" هو عبد الرحمن بن هرمز الهاشمي مولاهم أبو داود المدني ثقة ثبت عالم من الثالثة "يحدثونه" أي يحدثون زيد بن أسلم.
قوله : "من أدرك من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح" أي من أدرك من صلاة الصبح ركعة بركوعها وسجودها قبل طلوع الشمس فقد أدرك صلاة الصبح، والإدراك الوصول إلى الشيء فظاهر أنه يكتفي بذلك وليس بذلك مراداً بالإجماع فقيل يحمل على أنه أدرك الوقت فإذا صلى ركعة أخرى فقد كملت صلاته وهذا قول الجمهور، وقد صرح بذلك في رواية الدراوردي عن زيد بن أسلم أخرجه البيهقي من وجهين ولفظه: من أدرك من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس وركعة بعد ما تطلع الشمس فقد أدرك الصلاة وللنسائي من وجه آخر من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة

(1/554)


وفي البابِ عَنْ عَائِشَةَ.
قال أبو عيسى: حَدِيثُ أَبي هُرَيْرةَ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
وَبهِ يَقُولُ أَصْحَابُنَا الشّافِعِيّ، وَأَحْمَدُ، وَإِسحاقُ.
ـــــــ
كلها إلا أن يقضي ما فاته، وللبيهقي من وجه آخر من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فليصل إليها أخرى.
ويؤخذ من هذا الرد على الطحاوي حيث خص الإدراك باحتلام الصبي وطهر الحائض وإسلام الكافر ونحوها وأراد بذلك نصرة مذهبه في أن من أدرك من الصبح ركعة تفسد صلاته لأنه لا يكملها إلا في وقت الكراهة.
قوله : "وفي الباب عن عائشة" قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من أدرك من العصر سجدة قيل أن تغرب الشمس أو من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدركها. رواه أحمد ومسلم والنسائي وابن ماجه قال صاحب المنتقي والسجدة هنا الركعة.
قوله : "حديث أبي هريرة حديث صحيح" أخرجه الأئمة الستة.
قوله : "وبه يقول أصحابنا والشافعي وأحمد وإسحاق" فقالوا من أدرك ركعة من صلاة الصبح قبل طلوع الشمس فقد أدرك صلاة الصبح ولا تبطل بطلوعها كما أن من أدرك ركعة من صلاة العصر قبل غروب الشمس فقد أدرك صلاة العصر ولا تبطل بغروبها وهو الحق، قال النووي قال أبو حنيفة تبطل صلاة الصبح بطلوع الشمس لأنه دخل وقت النهي عن الصلاة بخلاف غروب الشمس، والحديث حجة عليه انتهى، قال القاري في المرقاة بعد ذكر كلام النووي هذا ما لفظه: وجوابه ما ذكره صدر الشريعة أن المذكور في كتب أصول الفقه أن الجزء المقارن للأداء سبب لوجوب الصلاة وآخر وقت العصر وقت ناقص إذ هو وقت عبادة الشمس فوجب ناقصاً فإذا أداه أداه كما وجب، فإذا اعترض الفساد بالغروب لا تفسد والفجر كل وقته وقت كامل لأن الشمس لا تعبد قبل طلوعها فوجب كاملاً فإذا اعترض الفساد بالطلوع تفسد لأنه لم يؤدها كما وجب، فإن قيل هذا تعليل في معرض النص، قلنا لما وقع التعارض بين هذا الحديث وبين النهي الوارد عن الصلاة في الأوقات الثلاثة رجعنا إلى القياس كما هو حكم التعارض، والقياس رجح هذا الحديث في صلاة العصر وحديث النهي في صلاة الفجر، وأما سائر الصلوات فلا تجوز في الأوقات الثلاثة المكروهة لحديث النهي فيها انتهى كلام القاري.

(1/555)


....................................
ـــــــ
قلت: ما ذكره صدر الشريعة مردود قد رَدّهُ الفاضل اللكنوي وهو من العلماء الحنفية في حاشيته على شرح الوقاية حيث قال: فيه بحث وهو أن المصير إلى القياس عند تعارض النصين إنما هو إذا لم يمكن الجمع بينهما وأما إذا أمكن يلزم أن يجمع وههنا العمل بكليهما ممكن بأن يخص صلاة العصر والفجر الوقتيتان من عموم حديث النهي ويعمل بعمومه في غيرهما، وبحديث الجواز فيهما إلا أن يقال حديث الجواز خاص وحديث النهي عام، وكلاهما قطعيان عند الحنفية متساويان في الدرجة والقوة فلا يخص أحدهما الآخر.
وفيه أن قطعية العام كالخاص ليس متفقاً عليه بين الحنفية فإن كثيراً منهم وافقوا الشافعية في كون العام ظنياً كما هو مبسوط في شروح المنتخب الحسامي وغيرها انتهى كلامه، وقال في تعليقه على موطأ الإمام محمد: لا مناص عن ورود أن التساقط إنما يتعين عند تعذر الجمع وهو ههنا ممكن بوجوه عديدة لا تخفى على المتأمل انتهى كلامه.
قلت: الأمر كما قال، لا ريب في أن الجمع ههنا ممكن فمع إمكانه القول بالتساقط باطل وقد ذكر ذلك الفاضل وجهاً للجمع وهو وجه حسن، ونحن نذكر وجهاً آخر قال الحافظ في الفتح: وادعى بعضهم أن أحاديث النهي ناسخة لهذا الحديث وهي دعوى تحتاج إلى دليل فإنه لا يصار إلى النسخ بالاحتمال، والجمع ههنا ممكن بأن تحمل أحاديث النهي على ما سبب له من النوافل، ولا شك أن التخصيص أولى من ادعاء النسخ انتهى كلام الحافظ، قال الشوكاني في النيل: وهذا أيضاً جمع بما يوافق مذهب الحافظ، والحق أن أحاديث النهي عامة تشمل كل صلاة وهذا الحديث خاص فيبنى العام على الخاص ولا يجوز في ذلك الوقت شيء من الصلوات بدليل يخصه سواء كان من ذوات الأسباب أو غيرها، قال ومفهوم الحديث أن من أدرك أقل من ركعة لا يكون مدركاً للوقت وأن صلاته تكون قضاء وإليه ذهب الجمهور، وقال البعض أداء والحديث يرده، قال واختلفوا إذا أدرك من لا تجب عليه الصلاة كالحائض تطهر والمجنون يعقل والمغمى عليه يفيق والكافر يسلم دون ركعة من وقتها هل تجب عليه الصلاة أم لا وفيه قولان للشافعي أحدهما لا تجب وروي عن مالك عملاً بمفهوم الحديث وأصحهما عن أصحاب الشافعي أنها تلزمه وبه قال أبو حنيفة لأنه أدرك جزءاً من الوقت فاستوى قليله وكثيره،

(1/556)


وَمَعْنَى هَذَا الْحَديثِ عِنْدَهُمْ لِصَاحِبِ الْعُذْرِ، مِثْلُ الرّجُل يَنَامُ عَنِ الصّلاَةِ أَوْ يَنْسَاهَا فيِسْتَيْقِظُ وَيَذْكُرُ عِنْد طُلُوعِ الشّمْسِ وَعنْد غُرُوبِهَا.
ـــــــ
وأجابوا عن مفهوم الحديث بأن التقييد بركعة خرج مخرج الغالب ولا يخفى ما فيه من البعد، وأما إذا أدرك أحد هؤلاء ركعة وجبت عليه الصلاة بالاتفاق بينهم ومقدار هذه الركعة قدر ما يكبر ويقرأ أم القرآن ويركع ويرفع ويسجد سجدتين.
فائدة : إدراك الركعة قبل خروج الوقت لا يخص صلاة الفجر والعصر لما ثبت عند البخاري ومسلم وغيرهما من حديث أبي هريرة مرفوعاً بلفظ: "من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة" ، وهو أعم من حديث الباب، قال الحافظ ويحتمل أن تكون اللام عهدية ويؤيده أن كلا منهما من رواية أبي سلمة عن أبي هريرة وهذا مطلق وذاك يعني حديث الباب مقيد فيحمل المطلق على المقيد انتهى، ويمكن أن يقال إن حديث الباب دل بمفهومه على اختصاص ذلك الحكم بالفجر والعصر وهذا الحديث دل بمنطوقه على أن حكم جميع الصلوات لا يختلف في ذلك والمنطوق أرجح من المفهوم فيتعين المصير إليه ولأشماله على الزيادة التي ليست منافية للمزيد كذا في النيل.
قوله : "ومعنى هذا الحديث عندهم لصاحب العذر مثل الرجل ينام عن الصلاة أو ينساها فيستيقظ عند طلوع الشمس وعند غروبها" قال الحافظ في الفتح: ونقل بعضهم الاتفاق على أنه لا يجوز لمن ليس له عذر تأخير الصلاة حتى لا يبقى منها إلا هذا القدر انتهى.

(1/557)


138 ـ بابُ مَا جَاءَ فِي الْجَمعِ بَيْنَ الصّلاَتَيْنِ فِي "الْحَضرِ"
187 ـ حدثَنا هنّادٌ حدّثنا أَبو مُعَاوِيَةَ عنِ الأعْمَشِ عنْ حَبيبِ بن أَبي ثَابِتٍ عَنْ سَعيدِ بن جُبَيْرٍ عنِ ابن عبّاسٍ قَالَ: "جَمَعَ رَسولُ الله صلى الله عليه وسلم بَيْنَ الظّهْرِ وَالعَصْر، وَبَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالعِشَاءِ بالمَدِينَةِ، مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ وَلاَ مَطَرٍ.
ـــــــ
"باب في الجمع بين الصلاتين"
قوله: "من غير خوف ولا مطر" الحديث ورد بلفظ من غير خوف ولا سفر وبلفظ

(1/557)


قَالَ: فقِيلَ لاِبْنِ عَبّاسٍ: مَا أَرَادَ بذَلِكَ؟ قالَ: أَرَادَ أَنْ لاَ يُحْرِجَ أُمّتهُ".
وفي البابِ عنْ أَبي هُرَيْرَةَ.
ـــــــ
من غير خوف ولا مطر. قال الحافظ: واعلم أنه لم يقع مجموعاً بالثلاثة في شيء من كتب الحديث بل المشهور من غير خوف ولا سفر "أراد أن لا تحرج" بصيغة الماضي المعلوم من التحرج "أمته" بالرفع على الفاعلية وفي رواية لمسلم أراد أن لا يحرج أمته وفي رواية أخرى له أراد أن لا يحرج أحداً من أمته، قال ابن سيد الناس قد اختلف في تقييده فروي بالياء المضمومة آخر الحروف وأمته منصوب على أنه مفعوله وروى تحرج بالتاء ثالثة الحروف مفتوحة وضم أمته على أنها فاعلة ومعناه إنما فعل تلك لئلا يشق عليهم ويثقل فقصد إلى التخفيف عنهم.
قوله : "وفي الباب عن أبي هريرة" أخرج مسلم عن عبد الله بن شقيق قال خطبنا ابن عباس يوماً بعد العصر حين غربت الشمس وبدت النجوم وجعل الناس يقولون الصلاة الصلاة قال فجاءه رجل من بني تميم لا يفتر ولا ينثني الصلاة الصلاة فقال ابن عباس أتعلمني بالسنة لا أم لك، ثم قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء، قال عبد الله بن شقيق فحاك في صدري من ذلك شيء فأتيت أبا هريرة فسألته فصدق مقالته. قال الحافظ في الفتح وقد ذهب جماعة من الأئمة إلى الأخذ بظاهر هذا الحديث، فجوز والجمع في الحضر للحاجة مطلقاً لكن بشرط أن لا يتخذ ذلك عادة، وممن قال به ابن سيرين وربيعة وأشهب وابن المنذر والقفال الكبير وحكاه الخطابي عن جماعة من أهل الحديث انتهى، وذهب الجمهور إلى أن الجمع لغير عذر لا يجوز، وأجابوا عن حديث الباب بأجوبة.
منها أن الجمع المذكور كان للمرض وقواه النووي، قال الحافظ وفيه نظر لأنه لو كان جمعه صلى الله عليه وسلم بين الصلاتين لعارض المرض لما صلى معه إلا من له نحو ذلك العذر، والظاهر أنه صلى الله عليه وسلم جمع بأصحابه وقد صرح بذلك ابن عباس في روايته.
ومنها أن الجمع المذكور كان لعذر المطر، قال النووي وهو ضعيف بالرواية الأخرى من غير خوف ولا مطر.
ومنها أنه كان في غيم فصلى الظهر ثم انكشف الغيم، وبان أن وقت العصر دخل فصلاها، قال النووي وهذا أيضاً باطل لأنه وإن كان فيه أدنى احتمال في الظهر والعصر

(1/558)


قال أبو عيسى: حديثُ ابن عبّاسٍ قَدْ رُوِي عنْهُ مِنْ غَيْرِ وجْهٍ: روَاهُ جَابِرُ بنُ زَيْدٍ وَسَعِيدُ بنُ جُبَيْرٍ وَعبْدُ الله بنُ شَقِيقٍ العُقَيْلِيّ.
وَقَدْ رُوِي عن ابْن عَبّاسٍ عَن النّبيّ صلى الله عليه وسلم غَيْرُ هَذَا.
188 ـ حدثنا أَبو سَلمَةَ يَحْيى بنُ خَلَفٍ البَصْرِيّ حدّثَنا المُعْتَمِرُ
ـــــــ
فلا احتمال فيه في المغرب والعشاء.
ومنها أن الجمع المذكور صوري بأن يكون أخر الظهر لاَخر وقتها وعجل العصر في أول وقتها، قال النووي هذا احتمال ضعيف أو باطل لأنه مخالف للظاهر مخالفة لا تحتمل. قال الحافظ وهذا الذي ضعفه قد استحسنه القرطبي ورجحه إمام الحرمين وجزم به من القدماء ابن الماجشون والطحاوي وقواه ابن سيد الناس بأن أبا الشعثاء وهو راوي الحديث عن ابن عباس قد قال به، قال الحافظ ويقوي ما ذكره من الجمع الصوري أن طرق الحديث كلها ليس فيها تعرض لوقت الجمع فإما أن يحتمل على مطلقها فيستلزم إخراج الصلاة عن وقتها المحدود بغير عذر وإما أن يحمل على صفة مخصوصة لا تستلزم الإخراج ويجمع بها بين مفترق الأحاديث فالجمع الصوري أولى انتهى، قال الشوكاني في النيل. ومما يدل على تعين حمل حديث الباب على الجمع الصوري ما أخرجه النسائي عن ابن عباس بلفظ: صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم الظهر والعصر جميعاً والمغرب والعشاء جميعاً أخر الظهر وعجل العصر وأخر المغرب وعجل العشاء، فهذا ابن عباس راوي حديث الباب قد صرح بأن ما رواه من الجمع المذكور هو الجمع الصوري، ثم ذكر الشوكاني مؤيدات أخرى للجمع الصوري ودفع إيرادات ترد عليه من شاء الاطلاع عليها فليرجع إلى النيل، وهذا الجواب هو أولى الأجوبة عندي وأقواها وأحسنها فإنه يحصل به التوفيق والجمع بين مفترق الأحاديث والله تعالى أعلم.
قوله : "وقد روي عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم غير هذا" أي ما يخالف هذا الحديث المذكور ثم رواه بقوله حدثنا أبو سلمة إلخ.
قوله : "حدثنا أبو سلمة يحيى بن خلف البصري" الجوباري من شيوخ الترمذي

(1/559)


ابنُ سُليْمانَ عنْ أَبيهِ عَنْ حَنَشٍ عنْ عِكْرَمَةَ عنْ ابن عَبّاسٍ عنْ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قَال: "مَنْ جَمَعَ بَيْنَ الصّلاَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ فقَدْ أَتَى بَابا مِنْ أبْوَابِ الْكَبَائرِ" .
قال أبو عيسى: وَحَنَشٌ هَذَا هُو: "أبو عَلِيّ الرّحَبيّ" وَهُو "حُسَيْنُ بْنُ قَيْسٍ" وَهُو ضَعِيفٌ عِنْد أَهْلِ الحَديثِ، ضَعّفَهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ.
وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ: أَنْ لاَ يُجْمَع بَيْنِ الصّلاَتَيْنِ إِلاّ فِي السّفَرِ أَوْ بِعَرَفَةَ.
ـــــــ
ومسلم وأبي داود وابن ماجه صدوق مات سنة اثنتين وأربعين ومائتين "عن أبيه" سليمان التيمي "عن حنش" بفتح الحاء المهملة والنون لقب حسين بن قيس الرّحبي أبي علي الواسطي وهو متروك كذا في التقريب.
قوله : "من جمع بين الصلاتين من غير عذر" كسفر ومرض "فقد أتى باباً من أبواب الكبائر" قال المناوي تمسك به الحنفية على منع الجمع في السفر وقال الشافعي السفر عذر انتهى. قلت: قد جاء في الجمع بين الصلاتين في السفر أحاديث صحيحة صريحة في الصحيحين وغيرهما وحديث ابن عباس هذا ضعيف جداً. قال الحافظ ابن حجر في تهذيب التهذيب في ترجمة حنش بن قيس: حديثه من جمع بين الصلاتين الحديث لا يتابع عليه ولا يعرف إلا به ولا أصل له، وقد صح عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع بين الظهر والعصر انتهى. وأما قول الحاكم بعد روايته في المستدرك هذا حديث صحيح، فقد رده الذهبي كما صرح به المناوي، وعلى تقدير صحته فالجواب هو ما قال الشافعي من أن السفر عذر.
قوله : "وهو ضعيف عند أهل الحديث ضعفه أحمد وغيره" قال الذهبي في الميزان في ترجمته قال أحمد متروك وقال أبو زرعة وابن معين ضعيف وقال البخاري لا يكتب حديثه وقال النسائي ليس بثقة وقال مرة متروك وقال السعدي أحاديثه منكرة جداً وقال الدارقطني متروك وعد الذهبي حديثه من جمع بين الصلاتين إلخ من منكراته.
قوله : "والعمل على هذا عند أهل العلم أن لا يجمع بين الصلاتين إلا في السفر أو بعرفة" قال الترمذي في آخر كتابه في كتاب العلل ما لفظه: جميع ما في هذا الكتاب

(1/560)


ورَخّصَ بَعْضُ اهلِ الْعِلْمِ مِنَ التّابِعينَ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الصلاَتَيْنِ لِلْمَرِيضِ.
وَبهِ يَقُولُ أَحْمَدُ، وَإِسْحاقُ.
ـــــــ
من الحديث هو معمول به وبه أخذ بعض أهل العلم ما خلا حديثين حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع بين الظهر والعصر بالمدينة، والمغرب والعشاء من غير خوف ولا سفر ولا مطر، وحديث النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إذا شرب الخمر فاجلدوه فإن عاد في الرابعة فاقتلوه انتهى. قال النووي في شرح مسلم: وهذا الذي قاله الترمذي في حديث شارب الخمر هو كما قاله فهو حديث منسوخ دل الإجماع على نسخه، وأما حديث ابن عباس فلم يجمعوا على ترك العمل به بل لهم أقوال ثم ذكر تلك الأقوال، وقد مرت في كلام الحافظ. وقال صاحب دراسات اللبيب: هذا القول منه أي من الترمذي غريب جداً. وجه الغرابة أنّا قدمنا أن عدم الأخذ بالحديث ممن ينسب إليه ذلك إنما يتحقق إذا لم يجب عن ذلك الحديث ولم يحمله على محمل، وأما إذا فعل ذلك فقد أخذ به، وهذا الحديث يعني حديث ابن عباس كثرت في تأويله أقوال العلماء ومذاهبهم فيه، ومع هذه التأويلات والمذاهب فيه وإن كانت بعضها بعيدة كيف يطلق عليه أنه لم يعمل به أحد من العلماء، وإن أراد الترمذي أنه لم يعمل بظاهره من غير تأويل أحد من العلماء فيبطل قوله كل حديث في كتابي هذا معمول به ما خلا حديثين فإن كل حديث في كتابه ليس مما لم يؤول أصلاً وعمل بظاهره، على أن هذا الحديث عمل بظاهره جماعة من العلماء. ثم ذكر قول النووي: وذهب جماعة من الأئمة إلى جواز الجمع في الحضر للحاجة لمن لا يتخذه عادة وهو قول ابن سيرين وأشهب من أصحاب مالك وحكاه الخطابي عن القفال الشاشي الكبير من أصحاب الشافعي عن أبي إسحاق المروزي وعن جماعة من أصحاب الحديث واختاره ابن المنذر انتهى كلامه. قلت: الأمر كما قال صاحب الدراسات.
قوله : "ورخص بعض أهل العلم من التابعين في الجمع بين الصلاتين للمريض وبه يقول أحمد وإسحاق" وقال عطاء يجمع المريض بين المغرب والعشاء كذا في صحيح البخاري معلقاً. ووصله عبد الرزاق قال الحافظ في الفتح: وصله عبد الرزاق في مصنفه عن ابن جريج عنه قال: واختلف العلماء في المريض هل يجوز له أن يجمع بين الصلاتين

(1/561)


وَقَالَ بَعضُ أَهْل الْعِلْمِ: يَجْمعُ بَيْن الصلاَتَيْنِ في المَطَرِ.
وَبهِ يَقُولُ الشّافِعيّ، وَأَحْمدُ، وَإِسْحاقُ.
وَلَمْ يَرَ الشّافِعيّ لِلْمرِيضِ أَنْ يَجْمعَ بَيْنَ الصّلاَتيْنِ.
ـــــــ
كالمسافر لما فيه من الرفق به أولاً فجوزه أحمد وإسحاق واختاره بعض الشافعية، وجوزه مالك بشرطه والمشهور عن الشافعي وأصحابه المنع ولم أر في المسألة نقلاً عن أحد من الصحابة انتهى كلام الحافظ. وقال العيني في عمدة القاري: قال عياض الجمع بين الصلوات المشتركة في الأوقات تكون تارة سنة وتارة رخصة، فالسنة الجمع بعرفة والمزدلفة، وأما الرخصة فالجمع في السفر والمرض والمطر فمن تمسك بحديث صلاة النبي صلى الله عليه وسلم مع جبريل عليه الصلاة والسلام وقد أمه فلم ير الجمع في ذلك، ومن خصه أثبت جواز الجمع في السفر بالأحاديث الواردة فيه وقاس المرض عليه فنقول: إذا أبيح للمسافر الجمع بمشقة السفر فأحرى أن يباح للمريض. وقد قرن الله تعالى المريض بالمسافر في الترخيص له في الفطر والتيمم، وأما الجمع في المطر فالمشهور من مذهب مالك إثباته في المغرب والعشاء وعنه قولة شاذة أنه لا يجمع إلا في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومذهب المخالف جواز الجمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء في المطر انتهى ما في العمدة "وقال بعض أهل العلم يجمع بين الصلاتين في المطر وبه يقول الشافعي وأحمد وإسحاق" قال الحافظ ابن تيمية في النتقى في باب جمع المقيم لمطر أو لغيره بعد ذكر حديث ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بالمدينة سبعاً وثمانياً الظهر والعصر والمغرب والعشاء ما لفظه: قلت وهذا يدل بفحواه على الجمع للمطر والخوف وللمرض وإنما خولف ظاهر منطوقه في الجمع لغير عذر للاجماع ولأخبار المواقيت فنبقي فحواه على مقتضاه، وقد صح الجمع للمستحاضة والاستحاضة نوع مرض. ولمالك في الموطأ عن نافع أن ابن عمر كان إذا جمع الأمراء بين المغرب والعشاء في المطر جمع معهم، وللأثرم في سننه عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أنه قال: من السنة إذا كان يوم مطير أن يجمع بين المغرب والعشاء انتهى كلام ابن تيمية. قلت أثر أبي سلمة بن عبد الرحمن هذا سكت عنه ابن تيمية والشوكاني ولم أقف على سنده فالله أعلم بحاله كيف هو صحيح أو ضعيف، وقد أثبت الحافظ ابن القيم في إعلام الموقعين جواز الجمع بين الصلاتين لأصحاب الأعذار وبسط فيه من شاء الاطلاع عليه فليرجع إليه. فإن قيل: كيف جوزوا الجمع بين الصلاتين لعذر

(1/562)


..........................................
ـــــــ
المرض والمطر وقد قال الإمام محمد في موطئه: بلغنا عن عمر بن الخطاب أنه كتب في الاَفاق ينهاهم أن يجمعوا بين الصلاتين ويخبرهم أن الجمع بين الصلاتين في وقت واحد كبيرة من الكبائر. قال أخبرنا بذلك الثقات عن العلاء بن الحارث عن مكحول انتهى فقول عمر هذا بإطلاقه يدل على أن الجمع بين الصلاتين مطلقاً كبيرة من الكبائر. سواء كان من عذر أو من غير عذر. فالجواب من قبل المجوزين أن المراد بالجمع في قول عمر المذكور الجمع من غير عذر يدل عليه ما أخرجه الحاكم عن أبي العالية عن عمر قال جمع الصلاتين من غير عذر من الكبائر. قال وأبو العالية لم يسمع من عمر. ثم أسند عن أبي قتادة أن عمر كتب إلى عامل لا ثلاث من الكبائر الجمع بين الصلاتين من غير عذر والفرار من الزحف الحديث. قال وأبو قتادة أدرك عمر فإذا انضم هذا إلى الأول صار قوياً، قالوا فقول عمر هذا لا يضرنا فإنه يدل على المنع من الجمع من غير عذر والعذر قد يكون بالسفر وقد يكون بالمطر وبغير ذلك، ونحن نقول به وقالوا أيضاً من عرض له عذر يجوز له الجمع إذا أراد ذلك، وأما إذا لم يكن له ذلك ولم يرد الجمع بل ترك الصلاة عمداً إلى أن دخل وقت الأخرى فهو آثم بلا ريب.

(1/563)


139 ـ بابُ مَا جَاءَ فِي بدْءِ الأْذَان
189 ـ حدّثنَا سعِيدُ بنُ يَحْيى بْن سعِيدٍ الأُقوى حدّثَنا أَبِي حدّثنا محمدُ
ـــــــ
"باب ما جاء في بدء الأذان"
أي في ابتدائه. والأذان لغة الإعلام وشرعاً الإعلام بوقت الصلاة بألفاظ مخصوصة قال الحافظ في الفتح: وردت أحاديث تدل على أن الأذان شرع بمكة قبل الهجرة فذكر تلك الأحاديث، ثم قال والحق أنه لا يصح شيء من هذه الأحاديث، وقد جزم ابن المنذر بأنه صلى الله عليه وسلم كان يصلي بغير أذان منذ فرضت الصلاة بمكة إلى أن هاجر إلى المدينة، وإلى أن وقع التشاور في ذلك على ما في حديث عبد الله بن عمر ثم حديث عبد الله بن زيد انتهى كلام الحافظ. والمراد بحديث عبد الله بن عمر وحديث عبد الله بن زيد اللذان رواهما الترمذي في هذا الباب
قوله : "حدثنا سعيد بن يحيى بن سعيد الأموي" أبو عثمان البغدادي من شيوخ الترمذي والشيخين وغيرهم وثقه النسائي مات سنة 249 تسع وأربعين ومائتين "نا أبي"

(1/563)


ابنُ أَسْحَاقَ عَنْ محمدِ بْن إِبْراهِيمَ "بْن الحَارِثِ" التّيمِيّ عَنْ محمدِ بْن عبْدِ الله بْن زَيدٍ عنْ أَبيهِ قَالَ "لَمّا أَصْبَحْنَا أَتَيْنَا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فَأَخْبَرْتُهُ بالرّؤْيا، فَقالَ: إِنّ هَذِهِ لَرُؤْيَا حَقّ، فَقُمْ مَعَ بلاَلٍ، فَإنّهُ أَنْدَى
ـــــــ
هو يحيى بن سعيد بن أبان بن سعيد بن العاص الأموي الحافظ الكوفي نزيل بغداد لقبه الجمل صدوق يغرب كذا في التقريب، وقال في الخلاصة وهامشها وثقة ابن معين والدارقطني والنسائي وأبو داود "عن محمد بن إبراهيم التيمي" المدني كنيته أبو عبد الله ثقة له أفراد من الرابعة "عن محمد بن عبد الله بن زيد" بن عبد ربه الأنصاري المدني ثقة "عن أبيه" هو عبد الله بن زيد الأنصاري الخزرجي صحابي مشهور أرى الأذان مات سنة اثنتين وثلاثين وصلى عليه عثمان.
قوله : "إن هذه لرؤيا حق", أي ثابتة صحيحة صادقة "فإنه أندى" قال الجزري في النهاية أي أرفع وأعلى صوتاً وقيل أحسن وأعذب وقيل أبعد انتهى. وفي القاموس أندى كثر عطاياه أو حسن صوته انتهى. وفيه أيضاً النداء بالضم والكسر الصوت والندى بعده، وهو ندى الصوت كغنى بعيده انتهى.
قلت: والأحسن أن يراد بأندى ههنا أحسن وأعذب وإلا لكان في ذكر قوله أمد بعده تكرار. على هذا ففي الحديث دليل على اتخاذ المؤذن حسن الصوت. وقد أخرج الدارمي وأبو الشيخ بإسناد متصل بأبي محذورة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بنحو عشرين رجلاً فأذنوا فأعجبه صوت أبي محذورة فعلمه الأذان. ولابن خزيمة أنه صلى الله عليه وسلم قال لقد سمعت في هؤلاء تأذين إنسان حسن الصوت وصححه ابن السكن كذا في التلخيص والنيل.
قلت: وحديث أبي محذورة هذا أخرجه النسائي أيضاً ولفظه: قال لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من خرجت حنين عاشر عشرة من أهل مكة نطلبهم فسمعناهم يؤذنون بالصلاة فقمنا نؤذن لنستهزئ بهم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم قد سمعت في هؤلاء تأذين إنسان حسن الصوت فأرسل إلينا فأذنا رجل رجل وكنت آخرهم فقال حين أذنت تعال فأجلسني بين يديه فمسح على ناصيتي فبرك علي ثلاث مرات.

(1/564)


وَأَمَدّ صَوْتاً مِنْكَ، فَأَلْقِ عَلِيْهِ مَا قيلَ لَكَ، وَلْيُنَادِ بذَلِكَ" ، قَالَ: فلمّا سَمعَ عُمَرُ بنُ الْخَطابِ نِدَاءَ بلاَلٍ بالصّلاَةِ خَرَجَ إِلَى رَسولِ الله صلى الله عليه وسلم، وَهُوَ يَجرّ إِزَارَهُ، وَهُوَ يَقُولُ: يَا رَسُولَ الله، وَالذِي بَعَثَكَ بالْحَقّ، لَقَدْ رَأَيْتُ مِثلَ الْذِي "قَالَ", قَالَ: فَقَالَ رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: فلِلّهِ الْحَمْدُ، فَذَلِكَ أَثْبَتُ" .
"قَالَ": وفي البابِ عَنِ ابن عُمَرَ.
قال أبو عيسى: حَدِيثُ عبدِ الله بنِ زَيْدٍ "حَديثٌ" حسَنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
ثم قال اذهب فأذن عند البيت الحرام الحديث. "وأمد صوتاً منك" أي أرفع وأعلى صوتاً منك، وفيه دليل على أتخاذ المؤذن رفيع الصوت وجهيره "فألق" أمر من الإلقاء "عليه" أي على بلال "ما قيل لك" أي في المنام "وليناد" أي وليؤذن بلال "بذلك" أي بما تلقى إليه "وهو يجر إزاره" أي للعجلة جملة حالية "لقد رأيت مثل الذي قال" أي بلال يعني أذن "فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فلله الحمد" حيث أظهر الحق ظهوراً وازداد في البيان نورا، قاله القاري. والظاهر أن يقول حيث أظهر الحق إظهاراً وزاد في البيان نوراً.
قوله : "وفي الباب عن ابن عمر" أخرجه الترمذي في هذا الباب.
قوله : "حديث عبد الله بن زيد حديث حسن صحيح" وأخرجه أبو داود فذكر فيه كلمات الأذان والإقامة وأخرجه ابن ماجه فلم يذكر فيه لفظ الإقامة وزاد فيه شعرا، وأخرجه بن حبان في صحيحه فذكره بتمامه. قال البيهقي في المعرفة. قال محمد بن يحيى الذهلي ليس في أخبار عبد الله بن زيد في فضل الأذان خبر أصح من هذا، لأن محمداً سمعه من أبيه وابن أبي ليلى لم يسمع من عبد الله بن زيد انتهى. ورواه ابن خزيمة في صحيحه ثم قال سمعت محمد بن يحيى الذهلي يقول: ليس في أخبار إلى آخر لفظ البيهقي، وزاد: خبر ابن إسحاق هذا ثابت صحيح، لأن محمد بن عبد الله بن زيد سمعه من أبيه ومحمد بن إسحاق سمعه من محمد بن إبراهيم التيمي وليس هو مما دلسه ابن إسحاق انتهى. وقال الترمذي في علله الكبير: سألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث فقال هو عندي صحيح انتهى. كذا في نصب الراية. واعلم أن الترمذي روى هذا الحديث من طريق

(1/565)


وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَديثَ، إبْراهِيمُ بنُ سَعْدٍ عَنْ محمدِ بن إِسْحَاقَ أَتَمّ مِنْ هَذَا الْحَديثِ وَأَطوَلَ، وَذَكَرَ فِيهِ قِصّةَ الأذَانِ مَثْنَى مَثْنَى وَالاْقامَةِ مَرّةً "مَرّةً".
وَعَبْدُ الله بْنُ زَيْدٍ هُوَ ابنُ عَبْدِ ربّهِ، "وَيُقَالُ ابْنُ عَبْدِ ربّ".
وَلاَ نَعْرِفُ لَهُ عن النبِيّ صلى الله عليه وسلم شَيْئاً يَصِحّ إِلاْ هَذَا الْحَدِيثَ الْوَاحِدَ فِي الاَذَانِ".
وَعَبْدُ الله بْنُ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ الْمَازِنيّ لَهُ أَحَادِيث عن النبي صلى الله عليه وسلم، وَهُوَ عَمّ عَبّادِ بن تَمِيمٍ.
ـــــــ
محمد بن إسحاق عن محمد بن إبراهيم التيمي بلفظ عن، ورواه أبو داود من طريقه عنه بلفظ حدثني، ولذلك قال الذهلي وغيره محمد بن إسحاق سمعه من محمد بن إبراهيم التيمي وليس هو مما دلسه.
قوله : "وقد روى هذا الحديث إبراهيم بن سعد عن محمد بن إسحاق أتم من هذا الحديث وأطول وذكر فيه قصة الأذان مثنى مثنى والإقامة مرة مرة" أخرجه أبو داود من طريق يعقوب بن إبراهيم بن سعد ثنا أبي وهو إبراهيم بن سعد عن محمد بن إسحاق قال حدثني محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي عن محمد بن عبد الله بن زيد قال: قال حدثني أبي عبد الله ابن زيد لما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناقوس يعمل ليضرب به للناس لجمع الصلاة طاف بي وأنا نائم رجل يحمل ناقوساً في يده فقلت يا عبد الله أتبيع الناقوس؟ قال وما تصنع به؟ فقلت ندعو به إلى الصلاة قال أفلا أدلك على ما هو خير من ذلك؟ فقلت له بلى. قال فقال تقول الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله أشهد أن محمداً رسول الله، حي على الصلاة حي على الصلاة، حي على الفلاح حي على الفلاح الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله قال ثم استأخر عني غير بعيد ثم قال ثم تقول إذا أقمت الصلاة: الله أكبر الله أكبر أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمداً رسول الله حي على الصلاة حي على الفلاح قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، فلما أصبحت أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلخ.
قوله : "ولا نعرف له عن النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً يصح إلا هذا الحديث الواحد في الأذان" قال الحافظ في التلخيص بعد ذكر قول الترمذي هذا. وكذا قال البخاري وفيه نظر فإن له عند النسائي وغيره حديثاً غير هذا في الصدقة، وعند أحمد آخر في

(1/566)


190 ـ حدثنا أَبُو بَكْرِ "بْنُ النّضْرِ" بْنِ أَبِي النّضْرِ حَدّثَنَا حَجّاجُ بْنُ مُحَمّدٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنَا نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: "كَانَ الْمسْلمُونَ حِينَ قَدِمُوا الْمَدينَةَ يَجْتَمِعُونَ فَيَتَحَيّنُونَ الصّلَوَاتِ، وَلَيْسَ يُنَادِي بِها أَحَدٌ، فَتَكَلّمُوا يَوْماً فِي ذَلِكَ، فقالَ بَعْضُهُمُ: اتخذُوا ناقُوساً مِثْلَ ناقُوسِ النّصَارَى، وَقَالَ بَعْضُهُمُ: اتّخِذُوا قَرْناً مِثْلَ قَرْنِ الْيَهُودِ، قالَ: فَقَالَ
ـــــــ
قسمة النبي صلى الله عليه وسلم شعره وأظفاره وإعطائه لمن تحصل له أضحية انتهى كلام الحافظ. قلت: إن كان هذان الحديثان صحيحين فلا شك في أن في قول الترمذي هذا نظراً وإلا فلا وجه للنظر كما لا يخفى على المتأمل فتأمل. قوله: "حدثنا أبو بكر بن أبي النضر" قال في التقريب أبو بكر بن النضر بن أبي النضر البغدادي قد ينسب لجده اسمه وكنيته واحد، وقيل اسمه محمد وقيل أحمد وأبو النضر هو هاشم بن القاسم مشهور وأبو بكر ثقة انتهى قلت هو من شيوخ الترمذي ومسلم مات سنة 245 خمس وأربعين ومائتين "نا الحجاج بن محمد" المصيصي الأعور أبو محمد ترمذي الأصل نزل بغداد ثم المصيصة ثقة ثبت لكنه اختلط في آخر عمره لما قدم بغداد قبل موته "قال ابن جريج" اسمه عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج ثقة فقيه فاضل وكان يدلس ويرسل.
قوله : "كان المسلمون حين قدموا المدينة" أي من مكة في الهجرة "فيتحينون الصلوات" أي يقدرون أحيانها ليأتوا إليها والحين الوقت والزمان "فقال بعضهم اتخذوا ناقوساً" قال النووي: قال أهل اللغة هو الذي يضرب به النصارى لأوقات صلواتهم. وجمعه نواقيس والنقس ضرب الناقوس. وقال في النهاية الناقوس هي خشبة طويلة تضرب بخشبة أصغر منها. والنصاري يعلمون بها أوقات صلواتهم انتهى "وقال بعضهم اتخذوا قرناً" القرن هو البوق الذي ينفخ فيه. يقال له بالفارسية ناي بزرك، والمراد أنه ينفخ فيه فيجتمعون عند سماع صوته وهو من شعار اليهود "أولا تبعثون رجلاً" الواو للعطف على مقدر أي أتقولون بموافقة اليهود والنصارى ولا تبعثون والهمزة لإنكار الجملة الأولى ومقررة للثانية "ينادي بالصلاة" قال القاضي عياض ظاهره أنه إعلام ليس على صفة الأذان الشرعي بل إخبار بحضور وقتها. قال النووي هذا الذي قاله محتمل أو متعين فقد صح في حديث عبد الله بن زيد في سنن أبي داود والترمذي وغيرهما

(1/567)


عُمَرُ "بْنُ الْخَطّابِ": أَوَلاَ تَبْعَثُونَ رَجُلاً يُنَادِي بِالصّلاَةِ؟ قَالَ: فَقَالَ رَسولُ الله صلى الله عليه وسلم: يا بِلاَلُ، قُمْ فَنَادِ بالصّلاةِ" .
قال أبو عيسى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ.
ـــــــ
أنه رأى الأذان في المنام فجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبره به فجاء عمر فقال يا رسول الله والذي بعثك بالحق لقد رأيت مثل الذي رأى وذكر الحديث. فهذا ظاهره أنه كان في مجلس آخر فيكون الواقع الإعلام أولاً ثم رأى عبد الله بن زيد الأذان فشرعه النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك إما بالوحي وإما باجتهاده صلى الله عليه وسلم على مذهب الجمهور في جواز الاجتهاد له صلى الله عليه وسلم وليس هو عملاً بمجرد المنام. هذا ما لا شك فيه بلا خلاف انتهى كلام النووي. قال الحافظ في الفتح كان اللفظ الذي ينادي به بلال للصلاة قوله الصلاة جامعة أخرجه ابن سعد في الطبقات من مراسيل سعيد بن المسيب انتهى "يا بلال قم فناد بالصلاة" قال الحافظ في الفتح في رواية الإسماعيلي فأذن بالصلاة قال عياض المراد الإعلام المحض بحضور وقتها لا خصوص الأذان المشروع وأغرب القاضي أبو بكر بن العربي فحمل قوله أذن على الأذان المشروع وطعن في صحة حديث ابن عمر وقال عجباً لأبي عيسى كيف صححه والمعروف أن شرع الأذان إنما كان برؤيا عبد الله بن زيد انتهى وقال الحافظ ولا تدفع الأحاديث الصحيحة بمثل هذا مع إمكان الجمع كما قدمنا، وقد قال ابن منده في حديث ابن عمر إنه مجمع على صحته انتهى.
قوله : "هذا حديث حسن صحيح غريب من حديث ابن عمر" وأخرجه البخاري ومسلم وغيرهما.

(1/568)


140 ـ بابُ مَا جَاءَ فِي التّرْجِيع فِي الأَذَان
ـــــــ
"باب ما جاء في الترجيع في الأذان"
هو إعادة الشهادتين بصوت عال بعد ذكرهما بخفض الصوت. قال ابن قدامة في المغنى: اختيار أحمد من الأذان أذان بلال وهو خمس عشرة كلمة لا ترجيع فيه. وبهذا

(1/568)


191 ـ حدثنا بشْرُ بْنُ مُعَاذٍ "الْبَصْريّ" حدثنا إِبرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عَبْدِ الملكِ بْنِ أَبِي مَحْذُورَةَ "قالَ" أخْبَرَنِي أَبي وَ جَدّي جَمِيعاً عن أَبِي مَحْذُورَةَ: "أَنّ رَسول الله صلى الله عليه وسلم أَقْعَدَهُ وَأَلقَى عَلَيْهِ الأذَانَ حَرْفاً حَرْفاً. قالَ إِبرَاهِيمُ: مِثْلَ أَذَانِنا. قَالَ بِشْرٌ. فَقُلْتُ لَهُ: أَعِدْ عَلَيّ فَوَصَفَ الأذَانَ بِالتّرْجِيعِ".
قال أبو عيسى: حَدِيثُ أَبِي مَحْذُورَةَ في الأْذَانِ حَدِيثٌ صَحِيحٌ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ.
وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ بِمَكّةَ، وَهُوَ قَوْلُ الشّافِعِي.
ـــــــ
قال الثوري وأصحاب الرأي وإسحاق وقال مالك والشافعي ومن تبعهما من أهل الحجاز ألأذان المسنون أذان أبي محذورة وهو مثل ما وصفنا إلا أنه ليس فيه الترجيع وهو أن يذكر الشهادتين مرتين مرتين يخفض بذلك صوته ثم يعيدهما رافعاً بهما صوته إلا أن مالكاً قال التكبير في أوله مرتان حسب فيكون الأذان عنده سبع عشرة كلمة وعند الشافعي تسع عشرة كلمة انتهى.
قوله : "ثنا إبراهيم بن عبد العزيز بن عبد الملك بن أبي محذورة" الجمحي المكي يكني أبا إسماعيل صدوق يخطئ "قال أخبرني أبي وجدي جميعاً عن أبي محذورة" أما أبوه فهو عبد العزيز بن عبد الملك بن أبي محذورة. قال الحافظ في التقريب مقبول. وأما جده فهو عبد الملك بن أبي محذورة قال في التقريب مقبول وقال في الخلاصة وثقه ابن حبان. قوله: "وألقى عليه الأذان حرفاً حرفاً" أي لقنه الأذان كلمة كلمة "قال إبراهيم" هو ابن عبد العزيز المذكور في السند "قال بشر" هو ابن معاذ شيخ الترمذي "فقلت له" أي لإبراهيم "فوصف الأذان بالترجيع" كذا روى الترمذي هذا الحديث مختصراً ورواه أبو داود والنسائي مطولاً. قوله "حديث أبي محذورة في الأذان حديث صحيح وقد روي من غير وجه" أي من غير طريق واحدة بل من طرق عديدة رواه مسلم وأبو داود والنسائي وغيرهم وله ألفاظ وطرق.
قوله : "وعليه العمل بمكة وهو قول الشافعي" قال النووي في شرح مسلم في شرح حديث أبي محذورة: في هذا الحديث حجة بينة ودلالة واضحة لمذهب مالك والشافعي

(1/569)


.....................................
ـــــــ
وجمهور العلماء أن الترجيع في الأذان ثابت مشروع وهو العود إلى الشهادتين مرتين برفع الصوت بعد قولهما مرتين بخفض الصوت. وقال أبو حنيفة والكوفيون لا يشرع الترجيع عملاً بحديث عبد الله بن زيد فإنه ليس فيه ترجيع. وحجة الجمهور هذا الحديث الصحيح والزيادة مقدمة، مع أن حديث أبي محذورة هذا متأخر عن حديث عبد الله بن زيد فإن حديث أبي محذورة سنة ثمان من الهجرة بعد حنين، وحديث ابن زيد في أول الأمر وانضم إلى هذا كله عمل أهل مكة والمدينة وسائر الأمصار انتهى كلام النووي واحتج الجمهور على مشروعية الترجيع وثبوته بروايات أبي محذورة وهي نصوص صريحة فيه. فمنها: الروايتان اللتان ذكرهما الترمذي في هذا الباب.
ومنها: ما رواه مسلم في صحيحه عنه قال ألقى على رسول الله صلى الله عليه وسلم التأذين هو بنفسه فقال قل: "الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمداً رسول الله ثم تعود فتقول أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمداً رسول الله أشهد أن محمداً رسول الله حي على الصلاة حي على الصلاة حي على الفلاح حي على الفلاح الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله" . ومنها: ما رواه أبو داود في سننه عنه: قال قلت يا رسول الله علمني سنة الأذان قال فمسح مقدم رأسه قال تقول: "الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر ترفع بها صوتك ثم تقول أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمداً رسول الله أشهد أن محمداً رسول الله تخفض بها صوتك ثم ترفع صوتك بالشهادة أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمداً رسول الله أشهد أن محمداً رسول الله حي على الصلاة حي على الصلاة حي على الفلاح حي على الفلاح فإن كان صلاة الصبح قلت الصلاة خير من النوم الصلاة خير من النوم الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله". قال القاري في المرقاة شرح المشكاة قا ل النووي حسن نقله ميرك وقال ابن الهمام إسناده صحيح انتهى وهذه الرواية نص صريح في أن الترجيع من سنة الأذان.
ومنها: ما رواه النسائي وأبو داود وابن ماجه عنه قال علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم الأذان فقال: "الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمداً رسول الله أشهد أن محمداً رسول الله ثم يعود فيقول

(1/570)


.....................................
ـــــــ
أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمداً رسول الله أشهد أن محمداً رسول الله حي على الصلاة حي على الصلاة" الحديث، وإسناده صحيح فهذه الروايات كلها نصوص صريحة في ثبوت الترجيع ومشروعيته. وأجاب عن هذه الروايات من لم يقل بالترجيع بأجوبة كلها مخدوشة واهية جداً، فمنها ما ذكره ابن الهمام في فتح القدير فقال روى الطبراني في الأوسط عن أبي محذورة يقول: ألقي على رسول الله صلى الله عليه وسلم الأذان حرفاً حرفاً الله أكبر إلخ ولم يذكر ترجيعاً فتعارضا فتساقطا ويبقى حديث ابن عمرو عبد الله بن زيد سالماً عن المعارض انتهى. ورده القاري في المرقاة شرح المشكاة حيث قال: وفيه أن عدم ذكره في حديث لا يعد معارضاً لأن من حفظ حجة على من لم يحفظ. والزيادة من الثقة مقبولة، نعم لو صرح بالنفي كان معارضاً مع أن المثبت مقدم على النافي انتهى:
ومنها: ما قال الطحاوي أنه يحتمل أن الترجيع إنما كان لأن أبا محذورة لم يمد بذلك صوته على ما أراد النبي صلى الله عليه وسلم منه. فقال النبي صلى الله عليه وسلم ارجع وامدد من صوتك. هكذا اللفظ في هذا الحديث انتهى. وهذا التأويل مردود فإنه وقع في رواية أبي داود ثم ارجع فمد من صوتك بزيادة لفظ ثم ولفظه هكذا قل الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمداً رسول الله أشهد أن محمداً رسول الله مرتين مرتين، قال ثم ارجع فمد من صوتك أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله إلخ. فمعنى قوله ثم ارجع فمد من صوتك أي اخفض صوتك بالشهادتين مرتين مرتين ثم ارجع فمد من صوتك وارفعه بهما مرتين مرتين، يدل عليه رواية أبي داود التي ذكرناها قبل هذا بلفظ تقول الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر ترفع بها صوتك ثم تقول أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمداً رسول الله أشهد أن محمداً رسول الله تخفض بها صوتك ثم ترفع صوتك بالشهادة أشهد أن لا إله إلا الله إلخ والروايات بعضها يفسر بعضاً. ويرد هذا التأويل أيضاً ما رواه الترمذي في هذا الباب بإسناد صحيح عن أبي محذورة بلفظ: إن النبي صلى الله عليه وسلم علمه الأذان تسع عشرة كلمة والإقامة سبع عشرة كلمة. ومنها: ما ذكره أبو زيد الدبوسي في الأسرار وتبعه بعض شراح الهداية من

(1/571)


....................................
ـــــــ
أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره بذلك لحكمة رويت في قصته: وهي أن أبا محذورة كان يبغض رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الإسلام بغضاً شديداً فلما أسلم أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم وعرك أذنه وقال له ارجع وأمدد بها من صوتك ليعلم أنه لا حياء من الحق أو ليزيد محبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم بتكرير الشهادتين. ورده العيني حيث قال: هذا ضعيف فإنه خفض صوته عند ذكر اسم الله تعالى أيضاً بعد أن رفع صوته بالتكبير ولم ينقل في كتب الحديث أنه عرك أذنه انتهى.
ومنها: ما قال ابن الجوزي في التحقيق من أن أبا محذورة كان كافراً قبل أن يسلم فلما أسلم ولقنه النبي صلى الله عليه وسلم الأذان أعاد عليه الشهادة وكررها ليثبت عنده ويحفظها ويكررها على أصحابه المشركين فلما كررها عليه ظنها من الأذان. ومنها: ما قال صاحب الهداية من أن ما رواه كان تعليماً فظنه ترجيعاً وقد ذكر الحافظ الزيلعي في نصب الراية هذه الأقوال وقال: هذه الأقوال متقاربة في المعنى ثم ردها فقال: ويردها لفظ أبي داود قلت يا رسول الله علمني سنة الأذان وفيه ثم تقول أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله تخفض بها صوتك ثم ترفع صوتك بها فجعله من سنة الأذان، وهو كذلك في صحيح ابن حبان ومسند أحمد انتهى. وكذلك رد هذه الأقوال الحافظ ابن حجر في الدراية.
قلت: ولرد هذه الأقوال وجوه أخرى: منها أن فيها سوء الظن بأبي محذورة ونسبة الخطأ إليه من غير دليل. ومنها أن أبا محذورة كان مقيماً بمكة مؤذناً لأهلها إلى أن توفي وكانت وفاته سنة 59 تسع وخمسين وكل من كان في هذه المدة بمكة من الصحابة ومن التابعين كانوا يسمعون تأذينه بالترجيع وكذلك يسمع كل من يرد في مكة في مواسم الحج وهي مجمع المسلمين فيها. فلو كان ترجيع أبي محذورة غير مشروع وكان من خطئه لأنكروا عليه ولم يقروه على خطئه ولكن لم يثبت إنكار أحد من الصحابة وغيرهم على أبي محذورة في ترجيعه في الأذان فظهر بهذا بطلان تلك الأقوال وثبت أن الترجيع من سنة الأذان بل ثبت إجماع الصحابة على سنيته على طريق الحنفية فتفكر، وقد بسطنا الكلام في هذه المسألة في كتابنا أبكار المنن في نقد آثار السنن.

(1/572)


192 ـ حدّثنا أبُو مُوسَى مَحَمّدُ بنُ المُثنّى حدّثنا عَفّانُ حدثنا هَمّامٌ عنْ عَامِرِ "بن عبْدِ الْوَاحدٍ" الأَحْوَلِ عَنْ مَكْحُولٍ عَنْ عبْدِ الله بنِ مُحَيْرِيز عنْ أبِي مَحْذُورَةَ: "أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم عَلّمَهُ الأذَانَ تِسْعَ عَشْرةَ كَلِمةَ، وَالإقَامَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ كَلِمةً".
ـــــــ
واستدل لمن لم يقل بمشروعية الترجيع بما رواه مسلم عن عمر بن الخطاب مرفوعا إذا قال المؤذن الله أكبر الله أكبر فقال أحدكم الله أكبر الله أكبر، ثم قال أشهد أن لا إله إلا الله قال أشهد أن لا إله إلا الله، ثم قال أشهد أن محمداً رسول الله قال أشهد أن محمدا رسول الله، ثم قال حي على الصلاة قال لا حول ولا قوة إلا بالله، الحديث قيل يستفاد من هذا الحديث أن الأذان ليس فيه الترجيع.
وأجيب عنه بأنه يستفاد منه أيضا أن الأذان ليس فيه تربيع التكبير ولا تثنية باقي الكلمات، فما هو الجواب عنهما هو الجواب عن الترجيع.
واستدل أيضا بحديث عبد الله بن زيد، قال إبن الجوزي في التحقيق: حديث عبد الله بن زيد هو أصل في التأذين وليس فيه ترجيع فدل على أن الترجيع غير مسنون انتهى. وقد عرفت جوابه جوابه في كلام النووي، وقال الطحاوي في شرح الآثار كره قوم أن يقال في أذان الصبح الصلاة خير من النوم، واحتجوا في ذلك بحديث عبد الله بن زيد في الأذان. وخالفهم في ذلك آخرون فاستحبوا أن يقال ذلك في التأذين للصبح بعد الفلاح. وكان الحجة لهم في ذلك أنه وإن لم يكن ذلك في حديث عبد الله بن زيد فقد علمه رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا محذورة بعد ذلك، فلما علمه رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك أبا محذورة كان زيادة على ما في حديث عبد الله بن زيد ووجب استعمالها انتهى كلام الطحاوي.
قلت: فكذلك يقال إن الترجيع وإن لم يكن في حديث عبد الله بن زيد فقد علمه رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا محذورة بعد ذلك فلما علمه رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك أبا محذورة كان زيادة على ما في حديث عبد الله بن زيد فوجب استعماله.
قوله : "نا عفان" هو ابن مسلم "علمه الأذان تسع عشرة كلمة" أي مع الترجيع، والحديث نص صريح في سنية الترجيع في الأذان "والإقامة" بالنصب أي علمه الإقامة "سبع عشرة كلمة" قال ابن الملك لأنه لا ترجيع فيها فانحذف عنها كلمتان وزيدت

(1/573)


قال أبو عيسى: هَذَا حدِيثٌ حَسَنٌ صحيحٌ.
وَأبُو مَحْذُورَةَ اسْمُهُ "سَمُرَةُ بنُ مِعْيَرٍ".
وَقَدْ ذهبَ بعضُ أهْلِ العِلْمِ إِلى هَذَا فِي الأذَانِ.
وَقَدْ رُوِيَ عنْ أبي مَحْذُورَةَ. أنّهُ كَانَ يُفْرِدُ الإِقَامَةَ.
ـــــــ
الإقامة شفعا، تفصيله الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر أربع كلمات، ثلاث منها تأكيد وأشهد أن لا إله إلا الله مرتان المرة الثانية تأكيد وكذا أشهد أن محمداً رسول الله مرتان، وحي على الصلاة مرتان، وحي على الفلاح مرتان، وقد قامت الصلاة مرتان والله أكبر الله أكبر كلمتان، ولا إله إلا الله كلمة واحدة، وبهذا قال أبو حنيفة. والإقامة عند مالك إحدى عشرة كلمة لأنه يقول كل كلمة مرة واحدة إلا كلمة التكبير والإقامة، كما رواه ابن عمر وأنس كذا ذكره الطيبي كذا في المرقاة.
قوله : "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه والدارمي "وأبو محذورة اسمه سمرة" وقيل أوس وقيل سلمة وقيل سلمان قاله الحافظ "ابن معير" بكسر الميم وسكون المهملة وفتح التحانية، وقيل عمير بن لوذان، وأبو محذورة هذا صحابي مشهور مكي مؤذن مكة مات بها سنة تسع وخمسين وقيل تأخر بعد ذلك أيضاً "وقد روي عن أبي محذورة أنه كان يفرد الإقامة" أخرجه الدارقطني وسيجيء لفظه.
تنبيه : قال صاحب بذل المجهود تحت حديث أبي محذورة ما لفظه: وهذا الحديث يحتج به على سنية الترجيع في الأذان، وبه قال الشافعي ومالك لأنه ثابت في حديث أبي محذورة، وهو حديث صحيح أخرجه مسلم مشتمل على زيادة غير متنافية فيجب قبولها، وهو أيضا متأخر عن حديث عبد الله بن زيد لأن حديث أبي محذورة سنة ثمان من الهجرة بعد حنين، وحديث عبد الله بن زيد في أول الأمر ويرجحه أيضا عمل أهل مكة والمدينة انتهى، وقال صاحب العرف الشذى ما لفظه: واستمر الترجيع في مكة إلى عهد الشافعي وكان السلف يشهدون وسم الحج كل سنة ولم ينكر أحد انتهى.
قلت: والأمر كما قالا ولكنهما مع هذا الاعتراف لم يقولا بسنية الترجيع في الأذان، فأما صاحب بذل المجهود فأجاب عن حديث أبي محذورة بأن الترجيع في أذانه لم يكن

(1/574)


..........................................
ـــــــ
لأجل الأذان بل كان لأجل التعليم فإنه كان كافرا فكرر رسول الله صلى الله عليه وسلم الشهادتين برفع الصوت لترسخا في قلبه، كما تدل عليه قصته المفصلة فظن أبو محذورة أنه ترجيع وأنه في أصل الأذان انتهى.
قلت: هذا الجواب مردود كما عرفت آنفاً، ثم قال صاحب البذل مستدلا على عدم سنية الترجيع ما لفظه: وقد روى الطبراني في معجمه الأوسط عن أبي محذورة أنه قال ألقى على رسول الله صلى الله عليه وسلم الأذان حرفا حرفا الله أكبر الله أكبر إلى آخره لم يذكر فيه ترجيعاً انتهى.
قلت: أجاب عن هذه الرواية في نصب الراية فقال بعد ذكر هذه الرواية: وهذا معارض للرواية المتقدمة التي عند مسلم وغيره ورواه أبو داود في سننه: حدثنا النفيلي ثنا إبراهيم بن إسمعيل فذكره بهذا الإسناد، وفيه ترجيع انتهى.
ثم قال: وأيضا يدل على عدم الترجيع ما رواه أبو داود والنسائي عن ابن عمر إنما كان الأذان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مرتين مرتين والإقامة مرة غير أن يقول قد قامت الصلاة انتهى.
قلت: قد تقدم الجواب عن هذه الرواية فتذكر، ثم هذه الرواية إن تدل على عدم الترجيع فتدل أيضا على عدم تثنية الإقامة فعليهم أن يقولوا بعدم تثنيتها أيضا، وأما صاحب العرف الشذي فقال: إن رجع الحنفي في الأذان ففي البحر أنه يباح ليس بسنة ولا مكروه وعليه الاعتماد، وقال الحق ثبوت الترجيع، ووجه الرجحان لنا في عدم الترجيع أن بلالا استمر أمره بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل تعليمه عليه السلام الأذان أبا محذورة وبعده انتهى.
قلت: قد استمر الترجيع أيضا من حين تعليمه عليه السلام الأذان بالترجيع أبا محذورة إلى عهد الشافعي كما اعترف هو به، فحاصل الكلام أنه ليس لإنكار سنية الترجيع في الأذان وجه إلا التقليد أو قلة الاطلاع

(1/575)


141 ـ بابُ مَا جَاءَ فِي إِفْرَادِ الإِقَامَة
193 ـ حدثنا قُتَيْبَةُ حدثنا عَبْدُ الْوَهّابِ الثّقَفِيّ وَ يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ عن خَالِدٍ الْحَذّاءِ عن أبِي قِلاَبَةَ عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: "أُمِرَ بِلاَلٌ أَنْ يَشْفَعَ الأذَانَ وَيُوتِرَ الإقَامَة".
وفي البابِ عن ابْنِ عُمَرَ.
ـــــــ
"باب ما جاء في إفراد الإقامة"
قوله: "قال أمر بلال" بصيغة المجهول "أن يشفع" بفتح أوله وفتح الفاء أي يأتي بألفاظه شفعا، قال الزين بن المنير، وصف الأذان بأنه شفع يفسره قوله مثنى أي مرتين مرتين، وذلك يقتضي أن تستوي جميع ألفاظه لكن لم يختلف في كلمة التوحيد التي في آخره مفردة، فيحمل قوله مثنى على ما سواها "ويوتر الإقامة" أي يأتي بألفاظها مرة مرة زاد في رواية الصحيحين إلا الإقامة. قال الحافظ في الدراية وفي بعض طرقه أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بلالا أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة، وقال في بلوغ المرام وللنسائي أمر النبي صلى الله عليه وسلم بلالا انتهى، فرواية النسائي نص صريح في أن الاَمر هو النبي صلى الله عليه وسلم والروايات يفسر بعضها بعضاً وبهذا ظهر بطلان قول العيني في شرح الكنز لا حجة لهم فيه لأنه لم يذكر الاَمر فيحتمل أن يكون هو النبي صلى الله عليه وسلم أو غيره.
قوله : "وفي الباب عن ابن عمر" أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي بلفظ: إنما كان الأذان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مرتين مرتين والإقامة مرة مرة، غير أنه يقول قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة وإسناده صحيح. وفي الباب أيضا عن عبد الله ابن زيد وله طريقان كلاهما صحيحان:
الأول: ما رواه أبو داود في سننه من طريق محمد بن إسحاق حدثني محمد بن إبراهيم التيمي عن محمد بن عبد الله بن زيد بن عبد ربه حدثني أبي عبد الله بن زيد بن عبد ربه قال لما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناقوس، وفيه ثم تقول إذا أقيمت الصلاة الله أكبر الله أكبر أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمدا رسول الله حي على الصلاة حي على الفلاح، قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، ورواه أحمد في مسنده من هذا الطريق ورواه ابن حبان في صحيحه، قال الحافظ الزيلعي في نصب الراية: قال البيهقي في المعرفة قال محمد بن يحيى الذهلي ليس في أخبار

(1/576)


قال أبو عيسى: "وَ" حَدِيثُ أَنَسٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
ـــــــ
عبد الله بن زيد في فصل الأذان خبر أصح من هذا لأن محمدا سمعه من أبيه وابن أبي ليلى لم يسمع من عبد الله بن زيد انتهى، ورواه ابن خزيمة في صحيحه ثم قال سمعت محمد بن يحيى الذهلي يقول ليس في أخبار إلى آخر لفظ البيهقي، وزاد خبر ابن إسحاق هذا ثابت صحيح لأن محمد بن عبد الله بن زيد سمعه من أبيه ومحمد بن إسحاق سمعه من محمد بن إبراهيم التيمي وليس هو مما دلسه ابن إسحاق، وقال الترمذي في علله الكبير: سألت محمد بن إسمعيل عن هذا الحديث فقال هو عندي صحيح انتهى ما في نصب الراية.
والطريق الثاني ما رواه أحمد في مسنده من طريق محمد بن إسحاق عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن عبد الله بن زيد بن عبد ربه قال لما أجمع رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يضرب بالناقوس يجمع للصلاة الناس الحديث وفيه ثم تقول إذا أقمت الصلاة الله أكبر الله أكبر أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمدا رسول الله حي على الصلاة حي على الفلاح قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، قال الحافظ في التلخيص بعد ما ذكر الطريق الأول: ورواه أحمد والحاكم من وجه آخر عن سعيد بن المسيب عن عبد الله بن زيد، وقال هذا أمثل الروايات في قصة عبد الله بن زيد لأن سعيد بن المسيب قد سمع من عبد الله بن زيد، ورواه يونس ومعمر وشعيب إسحاق عن الزهري إنتهى ما في التلخيص، وقال في عون المعبود نقلاً عن غاية وابن المقصود بعد نقل هذا الطريق من مسند أحمد: وأخرجه الحاكم من هذا الطريق وقال هذه أمثل الروايات في قصة عبد الله بن زيد لأن سعيد بن المسيب قد سمع من عبد الله ابن زيد ورواه يونس ومعمر وشعيب وابن إسحاق عن الزهري ومتابعة هؤلاء لمحمد بن إسحاق عن الزهري ترفع احتمال التدليس الذي يحتمله عنعنة ابن إسحاق انتهى ما في العون.
وفي الباب أيضا عن أبي محذورة رواه البخاري في تاريخه والدارقطني وابن خزيمة بلفظ: إن النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة، قاله الحافظ في التلخيص. وقال في الفتح وروى الدارقطني وحسنه في حديث لأبي محذورة وأمره أن يقيم واحدة انتهى.
قوله : "حديث أنس حديث حسن صحيح" أخرجه الجماعة.

(1/577)


وَهُوَ قَوْلُ بَعْض أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أصْحَابِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم وَالتّابَعِينَ.
وَبِهِ يَقُولُ مَالِكٌ، وَالشّافِعِيّ، وأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ.
ـــــــ
قوله : "وبه يقول مالك والشافعي وأحمد وإسحاق" إلا أن مالكا يقول إن الإقامة عشر كلمات بتوحيد قد قامت الصلاة وأما الشافعي وأحمد وإسحاق فعندهم إحدى عشرة كلمة فإنهم يقولون بتثنية قد قامت الصلاة واستدلوا بحديث ابن عمر الذي أشار إليه الترمذي وبحديث عبد الله بن زيد ذكرناه من طريقين. وأما مالك فاستدل بحديث أنس المذكور في الباب، وقول الشافعي ومن تبعه هو الراجح المعول عليه. قال الحازمي في كتاب الاعتبار: رأي أكثر أهل العلم أن الإقامة فرادى وإلى هذا المذهب ذهب سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير والزهري ومالك بن أنس وأهل الحجاز والشافعي وأصحابه، وإليه ذهب عمر بن عبد العزيز ومكحول والأوزاعي وأهل الشام وإليه ذهب الحسن البصري ومحمد بن سيرين وأحمد بن حنبل ومن تبعهم من العراقيين وإليه ذهب يحيى بن يحيى وإسحاق بن إبراهيم الحنظلي ومن تبعهما من الخراسانيين وذهبوا في ذلك إلى حديث أنس انتهى كلام الحازمي.
قلت: وأجاب عن أحاديث الباب من لم يقل بإفراد الإقامة كالحنفية بأجوبة كلها مخدوشة لا يطمئن بواحد منها القلب السليم، فقال بعضهم إن إفراد الإقامة كان أولا ثم نسخ بحديث أبي محذورة الذي رواه أصحاب السنن، وفيه تثنية الإقامة وهو متأخر عن حديث أنس فيكون ناسخا.
وعورض بأن في بعض طرق حديث أبي محذورة المحسنة التربيع والترجيع فكان يلزمهم القول به.
وقد أنكر الإمام أحمد على من ادعى النسخ بحديث أبي محذورة واحتج بأن النبي صلى الله عليه وسلم رجع بعد الفتح إلى المدينة وأقر بلالا على إفراد الإقامة وعلمه سعد القرظ فأذن به بعده كما رواه الدارقطني والحاكم.
وقال بعضهم إن إفراد الإقامة منسوخ بحديث إن بلالا كان بعد النبي صلى الله عليه وسلم يقيم مثنى مثنى.
ورد هذا بأنه لم يثبت ذلك عن بلال بسند صحيح. وما روي عنه في ذلك فهو ضعيف

(1/578)


..........................................
ـــــــ
كما ستعرف ولو سلم أنه صحيح فليس فيه دلالة على النسخ لاحتمال أن بلالا كان مذهبه الإباحة والتخيير.
وأجاب العيني في البناية بأن ما رواه الشافعي محمول على الجمع بين الكلمتين في الإقامة والتفريق في الأذان وعلى الإتيان قولا بحيث لا ينقطع الصوت.
ورد بأن هذا تأويل باطل يبطله حديث عبد الله بن زيد المذكور بلفظ ثم تقول إذا أقمت الصلاة الله أكبر الله أكبر أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمدا رسول الله حي على الصلاة حي على الفلاح قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، وكذا يبطله حديث أنس المذكور فتأويل العيني هذا مردود عليه.
والحق أن أحاديث إفراد الإقامة صحيحة ثابتة محكمة ليست بمنسوخة ولا بِمُؤَلَة، نعم قد ثبت أحاديث تثنية الإقامة أيضا وهي أيضا محكمة ليست بمنسوخة ولا بِمُؤَلَة، وعندي الإفراد والتثنية كلاهما جائزان والله تعالى أعلم. قال الحافظ في الفتح: قال ابن عبد البر ذهب أحمد وإسحاق وداود وابن حبان وابن جرير إلى ذلك من الاختلاف المباح فإن ربع التكبير الأول في الأذان أو ثناه أو رجع في التشهد أو لم يرجع أو ثنى الإقامة أو أفردها كلها أو إلا قد قامت الصلاة فالجميع جائز، وعن ابن خزيمة إن ربع الأذان ورجع فيه ثنى الإقامة وإلا أفردها، قيل ولم يقل بهذا التفصيل أحد قبله انتهى كلام الحافظ.

(1/579)


142 ـ بابُ مَا جَاءَ أَنّ الاْقَامَةَ مَثْنَى مثنى
194 ـ حدثنا أَبُو سَعِيدٍ الأْشَجّ حدثنا عُقْبَةُ بْنُ خَالِدٍ عن ابْنِ أَبي لَيْلَى
ـــــــ
"باب ما جاء في أن الإقامة مثنى مثنى" أي مرتين مرتين
قوله: "حدثنا أبو سعيد الأشج" اسمه عبد الله بن سعيد بن حصين الكندي الكوفي، ثقة من صغار العاشرة كذا في التقريب، قلت روى عنه الإئمة الستة "نا عقبة بن خالد" بن عقبة السكوني أبو مسعود الكوفي المجدر بالجيم، صدوق صاحب حديث "عن ابن أبي ليلى" هو محمد بن عبد الرحمن بن أبى ليلى الفقيه المقرئ، حدث عن الشعبي وعطاء

(1/579)


عن عَمْرِو بْنِ مُرّةَ عن عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى عن عَبْدِ الله بْنِ زَيْدٍ قالَ: "كَانَ أَذَانُ رَسول الله صلى الله عليه وسلم شَفْعاً شَفْعاً: فِي الأْذَانِ وَالإْقامَةِ".
قال أبو عيسى: حَدِيثُ عَبْد الله بْنِ زَيْدٍ رَوَاهُ وَكِيعٌ عن الأعْمَشِ عن عَمْرِو بْنِ مُرّةَ عن عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ أبِي لَيْلَى "قالَ: حدثنا أَصْحَابُ مُحَمّدِ صلى الله عليه وسلم": "أَنّ عَبْدَ الله بْنَ زَيْدٍ رَأى الأذَانَ فِي المنَامِ".
ـــــــ
والحكم ونافع وعمرو بن مرة وطائفة، وكان أبوه من كبار التابعين فلم يدرك الأخذ عنه حدث عنه شعبة والسفيانان وزائدة ووكيع وخلائق، قاله الحافظ الذهبي في تذكرة الحفاظ وقال حديثه في وزن الحسن ولا يرتقي إلى الصحة لأنه ليس بالمتقن عندهم انتهى. "عن عمرو بن مرة" بن عبد الله بن طارق الجملي المرادي أبي عبد الله الكوفي الأعمى ثقة عابد كان لا يدلس ورمي بالإرجاء وهو من رجال الكتب الستة "عن عبد الرحمن بن أبي ليلى" الأنصاري المدني ثم الكوفي ثقة من الثانية كذا في التقريب، وقال في الخلاصة أدرك مائة وعشرين من الصحابة الأنصاريين مات سنة ثلاث وثمانين.
قوله : "شفعا شفعا" أي مثنى مثنى "في الأذان والإقامة" استدل به من قال بتثنية الإقامة، وحديث إفراد الإقامة أصح وأثبت وقد ثبت بطريقين صحيحين عن عبد الله بن زيد إفراد الإقامة كما عرفت فيما تقدم.
قوله : "حديث عبد الله بن زيد رواه وكيع عن الأعمش عن عمرو بن مرة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى أن عبد الله بن زيد رأى الأذان في المنام" أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه، فقال حدثنا وكيع ثنا الأعمش عن عمرو بن مرة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال حدثنا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم إن عبد الله بن زيد الأنصاري جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله رأيت في المنام كأن رجلا قام وعليه بردان أخضران فقام على حائط فأذن مثنى مثنى وأقام مثنى مثنى، وأخرجه البيهقي في سننه عن وكيع به قال في الإمام وهذا رجال الصحيح وهو متصل على مذهب الجماعة في عدالة الصحابة وأن جهالة أسمائهم لا تضر كذا في نصب الراية.

(1/580)


وَقالَ شُعْبَةُ عن عَمْرو بْنِ مُرّةَ عن عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ أبِي لَيْلَى: "أَنّ عَبْد الله بْنَ زَيْدٍ رَأى الأذَانَ فِي الْمنَامِ".
وَهَذَا أَصَحّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى.
وَعَبْدُ الرّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى لَمْ يَسْمَعْ مِنْ عَبْدِ الله بْنِ زَيْدٍ.
ـــــــ
قلت في إسناده الأعمش وهو مدلس ورواه عن عمرو بن مرة بالعنعنة "وقال شعبة عن عمرو بن مرة عن عبد الرحمَن بن أبى ليلى قال ثنا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلخ" لم أقف عليه.
قوله: "وهذا أصح من حديث ابن أبي ليلى" أي المذكور في الباب "وعبد الرحمن بن أبي ليلى لم يسمع من عبد الله بن زيد" قال البيهقي في كتاب المعرفة حديث عبد الرحمن بن أبى ليلى قد اختلف عليه فيه فروى عنه عن عبد الله بن زيد وروى عنه عن معاذ بن جبل وروى عنه قال حدثنا أصحاب محمد قال ابن خزيمة عبد الرحمن ابن أبى ليلى لم يسمع من معاذ ولا من عبد الله بن زيد، وقال محمد بن إسحاق لم يسمع منهما ولا من بلال فإن معاذا توفي في طاعون عمواس سنة ثمان عشرة وبلال توفي بدمشق سنة عشرين وعبد الرحمن ابن أبى ليلى لست بقين من خلافة عمر، وكذلك قاله الواقدي ومصعب الزبيري فثبت انقطاع حديثه انتهى كلامه كذا في نصب الراية ص 140 ج1 وحديث عبد الله بن زيد هذا له روايات، فمنها ما أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه ومنها ما أخرجه الطحاوي بلفظ قال أخبرني أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أن عبد الله بن زيد الأنصاري رأى في المنام الأذان فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال علمه بلالا فأذن مثنى مثنى وأقام مثنى مثنى وقعد قعدة، قال بعضهم إسناده صحيح.
قلت في إسناده أيضا الأعمش ورواه عن عمرو بن مرة بالعنعنة، ومنها ما أخرجه البيهقي في الخلافيات من طريق أبى العميس قال سمعت عبد الله بن محمد بن عبد الله بن زيد الأنصاري يحدث عن أبيه عن جده أنه أرى الأذان مثنى مثنى والإقامة مثنى مثنى، قال فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته فقال علمهن بلالا قال فتقدمت فأمرني أن أقيم قال الحافظ في الدراية إسناده صحيح.
قلت: ذكر تثنية الإقامة في هذا الحديث غير محفوظ فإنه قد تفرد به أبو أسامة عن

(1/581)


وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: الأذَانُ مَثْنَى مَثْنَى، وَالإْقَامَةُ مَثْنَى مَثْنَى.
ـــــــ
أبي العميس ورواه عبد السلام بن حرب عنه فلم يذكر فيه تثنية الإقامة وعبد السلام بن حرب أعلم الكوفيين بحديث أبي العميس وأكثرهم عنه رواية، قال الزيلعي في نصب الراية نقلا عن البيهقي: وقد رواه عبد السلام بن حرب عن أبي العميس فلم يذكر فيه تثنية الإقامة وعبد السلام أعلم الكوفيين بحديث أبي العميس وأكثرهم عنه رواية انتهى، ومنها ما أخرجه أبو عوانة يعقوب بن إسحاق الحافظ في صحيحه عن عمرو بن شبة عن عبد الصمد بن عبد الوارث عن شعبة عن المغيرة عن الشعبي عن عبد الله بن زيد الأنصاري سمعت أذان رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان أذانه وإقامته مثنى مثنى.
قلت: في إسناده انقطاع لأن الشعبي لم يثبت سماعه من عبد الله بن زيد، وفيه المغيرة وهو ابن مقسم وهو مدلس وروى هذا الحديث عن الشعبي بالعنعنة.
وفي الباب عن أبي محذورة أن النبي صلى الله عليه وسلم علمه الأذان تسع عشرة كلمة والإقامة سبع عشرة كلمة أخرجه الترمذي في باب الترجيع في الأذان والنسائي والدارمي.
قوله : "قال بعض أهل العلم الأذان مثنى مثنى والإقامة مثنى مثنى وبه يقول سفيان الثوري وابن المبارك وأهل الكوفة" وبه يقول أبو حنيفة وأصحابه قال الشوكاني في النيل: وقد اختلف الناس في ذلك فذهب الشافعي وأحمد وجمهور العلماء إلى أن ألفاظ الإقامة إحدى عشرة كلمة كلها مفردة إلا التكبير في أولها وآخرها، ولفظ قد قامت الصلاة فإنها مثنى مثنى. واستدلوا بهذا الحديث يعني حديث أنس المذكور في الباب المتقدم، وحديث عبد الله بن زيد يعني الذي ذكرناه في الباب المتقدم وحديث ابن عمر يعني الذي أشار إليه الترمذي في الباب المتقدم، قال الخطابي مذهب جمهور العلماء والذي جرى به العمل في الحرمين والحجاز والشام واليمن ومصر والمغرب إلى أقصى بلاد الإسلام أن الإقامة فرادى، قال أيضاً مذهب كافة العلماء أنه يكرر قوله قد قامت الصلاة إلا مالكا فإن المشهور عنه أنه لا يكررها وذهب الشافعي في قديم قوليه إلى ذلك. قال النووي ولنا قول شاذ أنه يقول في التكبير الأول الله أكبر مرة وفي الأخيرة مرة، ويقول قد قامت الصلاة مرة قال ابن سيد الناس: وقد ذهب إلى القول بأن الإقامة إحدى عشرة كلمة. عمر بن الخطاب وابنه وأنس والحسن البصري والزهري والأوزاعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور ويحيى بن يحيى وداود وابن المنذر. قال البيهقي ممن قال بإفراد الإقامة سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير

(1/582)


قال أبو عيسى: ابْنُ أَبي لَيْلَى هُوَ "مُحَمّدُ بْنُ عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى" كَانَ قَاضِيَ الْكوفَةِ، وَلَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِيهِ شَيْئاً، إِلاّ أَنّهُ يَرْوِي عن رَجُلٍ عن أَبِيهِ.
ـــــــ
وابن سيرين وعمر بن عبد العزيز، قال البغوي هو قول أكثر العلماء وذهبت الحنفية والثوري وابن المبارك وأهل الكوفة إلى أن ألفاظ الإقامة مثل الأذان عندهم مع زيادة قد قامت الصلاة مرتين. واستدلوا بما في رواية من حديث عبد الله بن زيد عند الترمذي وأبي داود بلفظ: كان أذان رسول الله صلى الله عليه وسلم شفعا شفعا في الأذان والإقامة وأجيب عن ذلك بأنه منقطع كما قال الترمذي، وقال الحاكم والبيهقي الروايات عن عبد الله بن زيد في هذا الباب كلها منقطعة. وقد تقدم ما في سماع ابن أبي ليلى عن عبد الله بن زيد. ويجاب عن هذا الانقطاع بأن الترمذي قال بعد إخراج هذا الحديث عن عبد الرحمن ابن أبي ليلى عن عبد الله بن زيد ما لفظه: وقال شعبة عن عمرو بن مرة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى حدثنا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أن عبد الله بن زيد رأى الأذان في المنام قال الترمذي وهذا أصح انتهى. وقد روى ابن أبي ليلى عن جماعة من الصحابة منهم عمر وعلي وعثمان وسعد بن أبي وقاص وأبيّ بن كعب والمقداد وبلال وكعب بن عجرة وزيد بن أرقم وحذيفة بن اليمان وصهيب وخلق يطول ذكرهم، وقال أدركت عشرين ومائة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كلهم من الأنصار، فلا علة للحديث لأنه على الرواية عن عبد الله بدون توسيط الصحابة مرسل عن الصحابة وهو في حكم المسند، وعلى روايته عن الصحابة عنه مسند ومحمد بن عبد الرحمن وإن كان بعض أهل الحديث يضعفه فمتابعة الأعمش إياه عن عمرو بن مرة ومتابعة شعبة كما ذكر ذلك الترمذي مما يصحح خبره وإن خالفاه في الإسناد وأرسلا فهي مخالفة غير قادحة.
واستدلوا أيضاً بما رواه الحاكم والبيهقي في الخلافيات والطحاوي من رواية سويد بن غفلة أن بلال كان يثني الأذان والإقامة وادعى الحاكم فيه الانقطاع. قال الحافظ: ولكن في رواية الطحاوي سمعت بلالا، ويؤيد ذلك ما رواه بن أبي شيبة عن جبر بن علي عن شيخ يقال له الحفص عن أبيه عن جده وهو سعد القرظ قال: أذن بلال حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أذن لأبي بكر في حياته ولم يؤذن في زمان عمر، وسويد بن غفلة هاجر في زمن أبي بكر. وأما ما رواه أبو داود من أن بلالا ذهب إلى الشام في حياة أبي بكر

(1/583)


وبه يقول سفيان "الثّوْريّ", وَابْنُ المْبَارَكِ، وَأَهْلُ الْكُوفَةِ.
ـــــــ
فكان بها حتى مات فهو مرسل، وفي إسناده عطاء الخراساني وهو مدلس، وروى الطبراني في مسند الشاميين من طريق جنادة بن أبي أمية عن بلال أنه كان يجعل الأذان والإقامة مثنى مثنى. وفي إسناده ضعف. قال الحافظ وحديث أبي محذورة في تثنية الإقامة مشهور عند النسائي وغيره انتهى، وحديث أبي محذورة حديث صحيح ساقه الحازمي في الناسخ والمنسوخ وذكر فيه الإقامة مرتين مرتين. وقال هذا حديث حسن على شرط أبي داود والترمذي والنسائي. وسيأتي ما خرجه عنه الخمسة أن النبي صلى الله عليه وسلم علمه الأذان تسع عشرة كلمة والإقامة سبع عشرة وهو حديث صححه الترمذي وغيره وهو متأخر عن حديث بلال الذي فيه الأمر بإيتار الإقامة لأنه بعد فتح مكة لأن أبا محذورة من مسلمة الفتح وبلالا أمر بإفراد الإقامة أول ما شرع الأذان فيكون ناسخاً، وقد روى أبو الشيخ أن بلالا أذن بمنى ورسول الله صلى الله عليه وسلم ثم مرتين مرتين وأقام مثل ذلك، إذا عرفت هذا تبين لك أن أحاديث تثنية الإقامة صالحة للاحتجاج بها وأحاديث الإقامة وإن كانت أصح منها لكثرة طرقها وكونها في الصحيحين لكن أحاديث إفراد التثنية مشتملة على الزيادة فالمصير إليها لازم لاسيما مع تأخر تاريخ بعضها كما عرفناك وقد ذهب بعض أهل العلم إلى جواز إفراد الإقامة وتثنيتها قال أبو عمر بن عبد البر ذهب أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وداود بن علي ومحمد بن جرير إلى إجازة القول بكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك وحملوه على الإباحة والتخيير، وقالوا كل ذلك جائز لأنه قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم جميع ذلك وعمل به أصحابه فمن شاء قال الله أكبر أربعا في أول الأذان ومن شاء ثنى ومن شاء ثنى الإقامة ومن شاء أفردها إلا قوله قد قامت الصلاة فإن ذلك مرتان على كل حال انتهى.
قلت: ما ذهب إليه الإمام أحمد وإسحاق بن راهويه وغيرهما من جواز إفراد الإقامة وتثنيتها هو القول الراجح المعول عليه بل هو المتعين عندي، ولما كانت أحاديث إفراد الإقامة أصح وأثبت من أحاديث تثنيتها لكثرة طرقها وكونها في الصحيحين كان الأخذ بها أولى. وأما قول الشوكاني لكن أحاديث التثنية مشتملة على الزيادة فالمصير إليها لازم ففيه نظر كما لا يخفى على المتأمل.
قوله : "وبه يقول سفيان الثوري وابن المبارك وأهل الكوفة" وهو قول أبي حنيفة قال الحازمي في كتاب الاعتبار في باب تثنية الإقامة بعد ذكر حديث أبي محذورة الذي

(1/584)


.....................................
ـــــــ
فيه: وعلمني الإقامة مرتين ما لفظه: اختلف أهل العلم في هذا الباب فذهبت طائفة إلى أن الإقامة مثل الأذان مثنى مثنى وهو قول سفيان الثوري وأبي حنيفة وأهل الكوفة، واحتجوا في الباب بهذا الحديث يعني حديث أبي محذورة ورأوه محكما ناسخا لحديث بلال ثم ذكر حديث بلال بإسناده عن أنس بلفظ إنهم ذكروا الصلاة عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال نوروا نارا أو اضربوا قوساً فأمر بلالا أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة، وقال هذا حديث صحيح عليه، ثم قال قالوا وهذا ظاهر في النسخ لأن بلالا، بإفراد الإقامة أول ما شرع الأذان على ما دل عليه حديث أنس وأما حديث أبي محذورة كان عام حنين وبين الوقتين مدة مديدة، قال وخالفهم في ذلك أكثر أهل العلم فرأوا أن الإقامة فرادى وذهبوا في ذلك إلى حديث أنس وأجابوا عن حديث أبي محذورة بوجوه منها: أن من شرط الناسخ أن يكون أصح سندا وأقوم قاعدة في جميع جهات الترجيحا على ما قدرناه في مقدمة الكتاب، وغير مخفي على من الحديث صناعته أن حديث أبي محذورة لا يوازي حديث أنس في جهة واحدة في الترجيحات فضلاً عن الجهات كلها، ومنها أن جماعة من الحفاظ ذهبوا إلى أن هذه اللفظة في ثثنية الإقامة غير محفوظة، بدليل ما أخبرنا به إبو إسحاق إبراهيم بن علي الفقيه فذكر بإسناده عن إبراهيم بن عبد العزيز بن عبد الملك بن أبي محذورة أخبرني جدي عبد الملك بن أبي محذورة أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة، وقال عبيد الله بن الزبير الحميدي عن إبراهيم بن عبد العزيز بن عبد الملك قال أدركت جدي وأبي وأهلي يقيمون فيقولون الله أكبر الله أكبر أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمد رسول الله حي على الصلاة حي على الفلاح، قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة الله أكبر لا إله إلا الله، ونحو ذلك حكى الشافعي عن ولد أبي محذورة في بقاء أبي محذورة وولده على إفراد الإقامة دلالة ظاهرة على وهم وقع فيما روى في حديث أبي محذورة من تثنية الإقامة قال: ثم لو قدرنا أن هذه الزيادة محفوظة وأن الحديث ثابت ولكنه منسوخ وأذان بلال هو آخر الأذانين لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما عاد من حنين ورجع إلى المدينة أقر بلالا على أذانه وإقامة انتهى كلام الحازمي.
قلت: قد تكلم القاضي الشوكاني على هذه الوجوه التي ذكرها الحازمي في الجواب

(1/585)


..............................................
ـــــــ
عن حديث أبي محذورة فقال: وقد أجاب القائلون بإفراد الإقامة عن حديث أبي محذورة بأجوبة: منها أن من شرط الناسخ أن يكون أصح سندا وأقوم قاعدة، وهذا ممنوع فإن المعتبر في الناسخ مجرد الصحة لا الأصحية. ومنها أن جماعة من الأئمة ذهبوا إلى أن هذه اللفظة في تثنية الإقامة غير محفوظة ورووا من طريق أبي محذورة أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة كما ذكر ذلك الحازمي في الناسخ والمنسوخ وأخرجه البخاري في تاريخه والدارقطني وابن خزيمة. وهذا الوجه غير نافع لأن القائلين بأنها غير محفوظة غاية ما اعتذروا به عدم الحفظ وقد حفظ غيرهم من الأئمة كما تقدم، ومن علم حجة على من لا يعلم. وأما رواية إيتار الإقامة عن أبي محذورة فليست كرواية التشفيع على أن الاعتماد على الرواية المشتملة على الزيادة. ومن الأجوبة أن تثنية الإقامة لو فرض أنها محفوظة وأن الحديث بها ثابت لكانت منسوخة، فإن أذان بلال هو آخر الأمرين لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما عاد من حنين ورجع إلى المدينة أقر بلالا على أذانه وإقامته، قالوا وقد قيل لأحمد بن حنبل أليس حديث أبي محذورة بعد حديث عبد الله بن زيد لأن حديث أبي محذورة بعد فتح مكة، قال أليس قد رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة فأقر بلالا على الأذان عبد الله بن زيد. وهذا أنهض ما أجابوا به ولكنه متوقف على نقل صحيح أن بلالاً أذن بعد رجوع النبي صلى الله عليه وسلم المدينة وأفرد الإقامة ومجرد قول أحمد بن حنبل لا يكفي فإن ثبت ذلك كان دليلا لمذهب من قال بجواز الكل ويتعين المصير إليها لأن فعل كل واحد من الأمرين عقب الآخر مشعر بجواز الجميع لا بالنسخ انتهى كلام الشوكاني.
قلت: قد ثبت أن بلالا أمره النبي صلى الله عليه وسلم بإفراد الإقامة وقد ثبت أيضا أنه أذن حياته صلى الله عليه وسلم ولم يثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم لما عاد من حنين أمر بلالا بتثنية الإقامة ومنعه من إفرادها فالظاهر هو ما قال الإمام أحمد والله تعالى أعلم.

(1/586)


143 ـ بابُ مَا جَاءَ فِي التّرَسّلِ فِي الأَذَان
ـــــــ
"باب ما جاء في الترسل في الأذان"
أي بقطع الكلمات بعضها عن بعض والتأني في التلفظ بها قال ابن قدامة: الترسل

(1/586)


195 ـ حدثنا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَن حدثنا المُعَلّي بْنُ أَسَدٍ حدثنا عَبْدُ المُنْعِم هُوَ صَاحِبُ السّقَاءِ، قَالَ: حدثنا يَحْيَى بْنُ مُسْلِمٍ عن الْحَسنِ وَعَطاءٍ عن جَابِرِ "بْنِ عَبْدِ الله" أَنّ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ لِبَلاَلٍ: "يَا بِلاَلُ، إِذَا أَذّنْتَ فَتَرَسّلْ فِي أَذَانِكَ، وَإذَا أَقَمْتَ فَاحْدُرْ، وَاجْعَلْ بَيْنَ أَذَانِكَ وَإِقَامَتِكَ قَدْرَ مَا يَفْرُغُ الاَكِلُ مِنْ أَكْلِهِ، وَالشّارِبُ مِنْ شُرْبِهِ، وَالمُعْتَصِرُ إِذَا دَخَلَ لِقَضَاءِ حَاجَتِهِ، وَلاَ تَقُومُوا حَتّى تَرَوْنِي" .
ـــــــ
التمهل والتأني من قولهم جاء فلان على رسله، والحدر ضد ذلك وهو الإسراع وقطع التطويل وهذا من آداب الأذان ومستحباتة، قال: الأذان إعلام الغائبين والتثبت فيه أبلغ في الإعلام، والإقامة إعلام الحاضرين فلا حاجة إلى التثبت فيها
قوله : "نا المعلي" بفتح ثانيه وتشديد اللام المفتوحة "بن أسد" العمي البصري أخو بهز ثقة ثبت لم يخطئ إلا في حديث واحد كذا في التقريب "نا عبد المنعم" بن نعيم الأسواري أبو سعيد البصري "هو صاحب السقاء" هو لقب عبد المنعم، ولعله كان يسقي الناس الماء قال الحافظ في التقريب متروك "نا يحيى بن مسلم" البصري، قال الحافظ مجهول "عن الحسن وعطاء" الحسن هو الحسن بن يسار البصري وعطاء وهو عطاء بن أبي رباح المكي.
قوله : "إذا أذنت فترسل" أي تأن ولا تعجل والرسل بكسر الراء وسكون السين التؤدة والترسل طلبه "وإذا أقمت فاحدر" أي أسرع وعجل في التلفظ بكلمات الإقامة كذا في المجمع، وقال الحافظ في التلخيص الحدر بالحاء والدال المهملتين الإسراع، ويجوز في قوله فاحدر ضم الدال وكسرها قال ابن قدامة وروى أبو عبيد بإسناده عن عمر رضي الله عنه أنه قال لمؤذن بيت المقدس إذا أذنت فترسل وإذا أقمت فاحذم، قال الأصمعي وأصل الحذم في المشي إنما هو الإسراع وأن يكون مع هذا كأنه يهوي بيديه إلى خلفه انتهى "والمعتصر" هو من يؤذيه بول أو غائط أي يفرغ الذي يحتاج إلى الغائط ويعصر بطنه وفرجه كذا في المجمع والمرقاة "ولا تقوموا حتى تروني" أي خرجت وسيأتي توضيح هذا في باب الإمام أحق بالإقامة.

(1/587)


196 ـ حدثنا عَبْدُ بْنُ حُمَيدٍ حدثنا يُونُسُ بْن مُحَمّدٍ عن عَبْدِ الْمنْعِم نَحَوهُ.
قال أبو عيسى: حَدِيثُ جَابِرٍ هَذَا حَدِيثٌ لاَ نَعْرِفُهُ إلاّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ المِنْعِمِ، وَهُوَ إِسْنَادٌ مَجْهُولٌ.
"وَعَبْدُ الْمنْعِمِ شَيْخٌ بَصْرِيّ".
ـــــــ
قوله : "وهو إسناد مجهول" فإن فيه يحيى بن مسلم البصري وهو مجهول، قال الحافظ الزيلعي في نصب الراية بعد ذكر هذا الحديث وذكر كلام الترمذي هذا ما لفظه: وعبد المنعم هذا ضعفه الدارقطني وقال أبو حاتم منكر الحديث جدا لا يجوز الاحتجاج به وأخرجه الحاكم في مستدركه عن عمرو بن فائد الأسواري ثنا يحيى بن مسلم به سواء ثم قال هذا حديث ليس في إسناده مطعون فيه غير عمر وبن فائد ولم يخرجاه انتهى، قال الذهبي في مختصره وعمرو بن فائد قال الدارقطني متروك انتهى، وقال الحافظ في التلخيص: وروى الدارقطني من حديث سويد بن غفلة عن علي قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا أن نرتل الأذان ونحدر الإقامة وفيه عمرو بن شمر وهو متروك وقال البيهقي روي بإسناد آخر عن الحسن وعطاء عن أبي هريرة ثم ساقه وقال الإسناد الأول أشهر يعني طريق جابر، وروى الدارقطني من حديث عمر موقوفا نحوه وليس في إسناده إلا أبو الزبير مؤذن بيت المقدس وهو تابعي قديم مشهور انتهى وحديث جابر المذكور في الباب أخرجه أيضا الحاكم والبيهقي وابن عدي وضعفوه إلا الحاكم فقال ليس في إسناده مطعون غير عمرو بن فائد، قال الحافظ لم يقع إلا في روايته هو ولم يقع في رواية الباقين لكن عندهم فيه عبد المنعم صاحب السقاء وهو كاف في تضعيف الحديث انتهى.
فائدة : حديث الباب يدل على أن المؤذن يقول كل كلمة من كلمات الأذان بنفس واحد فيقول التكبيرات الأربع في أول الأذان بأربعة، أنفس ثم يقول: الله أكبر بنفس آخر ثم يقول الله أكبر بنفس آخر ثم يقول: الله أكبر بنفس آخر وعلى هذا يقول كل كلمة بنفس واحد لكن قال النووي في شرح مسلم قال أصحابنا يستحب للمؤذن أن يقول كل تكبيرتين بنفس واحد، فيقول في أول الأذان الله أكبر الله أكبر بنفس واحد، ثم يقول الله أكبر الله أكبر بنفس آخر،

(1/588)


..............................................
ـــــــ
انتهى. ووجهه بأن الإقامة إحدى عشرة كلمة منها الله أكبر الله أكبر أولا وآخرا وهذا وإن كان صورة تثنية فهو بالنسبة إلى الأذان إفراد. وتعقب عليه الحافظ في الفتح بأن هذا إنما يتأتى في أول الأذان لا في التكبير الذي في آخره، وعلى ما قال النووي ينبغي للمؤذن أن يفرد كل تكبيرة من اللتين في آخره بنفس انتهى. قلت: ما قال الحافظ حسن موجه لكن يستأنس لما قال النووي من أن المؤذن يقول كل تكبيرتين بنفس واحد في أول الأذان وفي آخره بما رواه مسلم في صحيحه عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا قال المؤذن الله أكبر الله أكبر فقال أحدكم الله أكبر الله أكبر ثم قال أشهد أن لا إله إلا الله قال أشهد أن لا إله إلا الله، ثم قال أشهد أن محمداً رسول الله قال أشهد أن محمداً رسول الله، ثم قال حي على الصلاة قال لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال حي على الفلاح قال لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال الله أكبر الله أكبر قال الله أكبر الله أكبر ثم قال لا إله إلا الله قال لا إله إلا الله، من قلبه دخل الجنة" انتهى. فقوله صلى الله عليه وسلم إذا قال المؤذن الله أكبر الله أكبر فقال أحدكم الله أكبر الله أكبر في أول الأذان وكذا في آخره يدل بظاهره على ما قال النووي والله تعالى أعلم.

(1/589)


144 ـ بابُ مَا جَاءَ "فِي" إِدخالِ الإصَبْعِ "فِي" الأُذُنِ عِنْدَ الأَذَان
197 ـ حدثنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلاَنَ حدثنا عَبْدُ الرّزّاق أخبرنا سُفْيَانُ "الثّوْرِيّ" عن عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: "رَأَيْتُ بِلاَلاً يُؤَذّنُ وَيدُورُ، ويُتْبِعُ فَاهُ هاهنا وَهَاهُنَا،
ـــــــ
"باب ما جاء في إدخال الإصبع الأذن عند الأذان"
قوله: "عن عون بن أبي جحيفة" بتقديم الجيم على الحاء مصغرا السوائي ثقة "عن أبيه" هو أبو جحيفة واسمه وهب بن عبد الله السوائي مشهور بكنيته، ويقال له وهب الخير صحابي معروف وصحب عليا مات سنة 74 أربع وسبعين.
قوله : "رأيت بلالا يؤذن ويدور" أي عند الحيعلتين "ويتبع" من الإتباع "فاه" أي فمه "ههنا وههنا" أي يمينا وشمالا، وفي رواية وكيع عند مسلم قال فجعلت أتتبع

(1/589)


وَإصْبَعَاهُ فِي أُذُنَيْهِ، وَرَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم فِي قُبّةٍ لَهُ حَمْرَاءَ، أُرَاهُ قَالَ: مِن أَدَم، فَخَرجَ بِلاَلٌ بَيْنَ يَدَيْهِ بالعَنَزَةِ فَرَكَزَهَا بِالْبَطْحَاءِ، فَصَلّى إِلَيْهَا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يَمُرّ بَيْنَ يَدِيْهِ الكلْبُ وَالْحِمَارُ، وَعَلَيْهِ حُلّةُ حمْرَاءُ، كَأَنّي أَنْظُرُ إِلَى بَرِيقِ سَاقَيْةِ، قَالَ سُفْيَانُ: نُرَاهُ حِبَرَةً".
ـــــــ
فاه ههنا وههنا يمينا وشمالا يقول حي على الصلاة حي على الفلاح. قال الحافظ في الفتح بعد ذكر هذه الرواية: فيه تقييد للالتفات في الأذان وأن محله عند الحيعلتين انتهى. وروى هذا الحديث قيس بن الربيع عن عون فقال فلما بلغ حي على الصلاة حي على الفلاح لوى عنقه يمينا وشمالا ولم يستدر، أخرجه أبو داود. قال الحافظ في الفتح ويمكن الجمع بأن من أثبت الاستدارة عنى استدارة الرأس ومن نفاها عنى استدارة الجسد كله انتهى "وأصبعاه في أذنيه" جملة حالية أي جاعلا أصبعيه في أذنيه والأصبع مثلثة الهمزة والباء "ورسول الله صلى الله عليه وسلم في قبة" قال الجزري في النهاية القبة من الخيام بيت صغير مستدير وهو من بيوت العرب "أراه" بضم الهمزة أي أظنه والظاهر أن قائل أراه هو عون والضمير المنصوب يرجع إلى أبي جحيفة "قال من أدم" بفتحتين جمع أديم أي جلد "بالعنزة" بفتح العين والنون والزاي عصا أقصر من الرمح لها سنان، وقيل هي الحربة القصيرة، قاله الحافظ. وقال الجزري في النهاية العنزة مثل نصف الرمح أو أكبر شيئا. وفيها سنان مثل سنان الرمح والعكازة قريب منها انتهى "فركزها" أي غرزها "بالبطحاء" يعني بطحاء مكة وهو موضع خارج مكة، وهو الذي يقال له الأبطح قاله الحافظ. قلت ويقال له المحصب أيضا "يمر بين يديه الكلب والحمار", قال الحافظ أي بين العنزة والقبلة لا بينه وبين العنزة، ففي رواية عمرو بن أبي زائدة ورأيت الناس والدواب يمرون بين يدي العنزة "وعليه حلة حمراء" الحلة بضم الحاء إزار ورداء، قال الجزري في النهاية الحلة واحد الحلل وهي برود اليمن ولا تسمى حلة إلا أن تكون ثوبين من جنس واحد "كأني أنظر إلى بريق ساقيه" أي لمعانهما والبريق اللمعان "قال سفيان" هو الثوري الراوي عن عون "نراه حبرة" بكسر المهملة وفتح الموحدة أي نظن أن الحلة الحمراء التي كانت عليه صلى الله عليه وسلم لم تكن حمراء بحتا بل كانت حبرة يعني كانت فيها خطوط حمر فإن الحبرة على ما في

(1/590)


قال أبو عيسى: حدِيثُ أَبِي جُحَيْفَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ: يَسْتَحِبّونَ أَنْ يُدْخِلَ الْمُوَذّنُ إِصْبَعَيْهِ فِي أُذُنَيْه فِي الأَذَانِ.
وَقَالَ بَعْضُ أهْلِ الْعِلْمِ: وَفِي الإْقَامَةِ أَيْضاً، يُدخِلُ إِصْبَعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ. وَهُوَ قوْلُ الأوْزَاعِيّ.
ـــــــ
القاموس والمجمع هي ضرب من برود من اليمن موشى. مخطط وقال ابن المقيم إن الحلة الحمراء بردان يمانيان منسوجان بخطوط حمر مع الأسود، وغلط من قال إنها كانت حمراء بحتا. قال وهي معروفة بهذا الاسم انتهى وتعقب الشوكاني عليه بأن الصحابي قد وصفها بأنها حمراء وهو من أهل اللسان والواجب الحمل على المعنى الحقيقي وهو الحمراء البحت والمصير إلى المجاز أعني كون بعضها أحمر دون بعض لا يحمل ذلك الوصف عليه إلا لموجب فإن أراد أن ذلك معنى الحلة الحمراء لغة فليس في كتب اللغة ما يشهد لذلك، وإن أراد أن ذلك حقيقة شرعية فيها فالحقائق الشرعية لا تثبت بمجرد الدعوى انتهى كلام الشوكاني. وقد عقد الإمام البخاري في صحيحه بابا بلفظ باب الصلاة في الثوب الأحمر وأورد فيه هذا الحديث. قال الحافظ في الفتح: يشير إلى الجواز والخلاف في ذلك مع الحنفية فإنهم قالوا يكره وتأولوا حديث الباب بأنها كانت حلة من برود فيها خطوط حمر انتهى. ويأتي الكلام في هذه المسألة في موضعها بالبسط إن شاء الله. قوله: "حديث أبي جحيفة حديث حسن صحيح" وأخرجه البخاري ومسلم إلا أنهما لم يذكرا فيه إدخال الأصبعين في الأذنين ولا الاستدارة. وفي الباب عن عبد الرحمن بن سعد بن عمار بن سعد مؤدن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال حدثني أبي عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بلالا أن يجعل أصبعيه في أذنيه قال إنه أرفع لصوتك أخرجه ابن ماجه وهو حديث ضعيف. وفي الباب روايات أخرى.
قوله : "وعليه العمل عند أهل العلم يستحبون أن يدخل المؤذن إصبعيه في أذنيه في الأذان" قالوا في ذلك فائدتان : إحداهما أنه قد يكون أرفع لصوته وفيه حديث ضعيف أخرجه أبو الشيخ من طريق سعد القرظ عن بلال. وثانيتهما أنه علامة للمؤذن ليعرف من رآه على بعد أو كان به صمم أنه يؤذن قاله الحافظ وقال لم يرد تعيين الإصبع التي يستحب وضعها وجزم النووي أنها المسبحة وإطلاق الإصبع مجاز عن الأنملة انتهى قوله: "وقال بعض أهل العلم وفي الإقامة أيضا يدخل إصبعيه في أذنيه وهو قول الأوزاعي" لا دليل عليه

(1/591)


...........................................
ـــــــ
من السنة. وأما القياس على الأذان فقياس مع الفارق. قال القارئ في المرقاة في شرح حديث عبد الرحمن بن سعد إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بلالا أن يجعل إصبعيه في أذنيه قال إنه أرفع لصوتك ما لفظه: قال الطيبي ولعل الحكمة أنه إذا سد صماخيه لا يسمع إلا الصوت الرفيع فيتحرى في استقصائه كالأطرش، قيل وبه يستدل الأصم على كونه أذانا فيكون أبلغ في الإعلام. قال ابن حجر ولا يسن ذلك في الإقامة لأنه لا يحتاج فيها إلى أبلغية الإعلام لحضور السامعين انتهى "وأبو جحيفة اسمه وهب السوائي" بمضمومة وخفة واو فألف فكسر همزة نسبة إلى سواءة بن عامر كذا في المغني.

(1/592)


145 ـ بابُ مَا جَاءَ فِي التّثْوِيبِ فِي الْفَجْر
198 ـ حدثنا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ حدثنا أَبُو أَحْمَدَ الزّبَيْرِيّ حدثنا أبُو إِسْرَئِيلَ عن الْحَكم عن عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى عن بِلاَلٍ قَالَ:
ـــــــ
"باب ما جاء في التثويب في الفجر"
التثويب هو العود إلى الإعلام بعد الإعلام، ويطلق على الإقامة كما في حديث "حتى إذا ثوب أدبر حتى إذا فرغ أقبل حتى يخطر بين المرء ونفسه" ، وعلى قول المؤذن في أذان الفجر الصلاة خير من النوم، وكل من هذين تثويب قديم ثابت من وقته صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا وقد أحدث الناس تثويبا ثالثا بين الأذان والإقامة. قاله في فتح الودود: قلت ومراد الترمذي بالتثويب ههنا هو قول المؤذن في أذان الفجر الصلاة خير من النوم
قوله : "أبو أحمد الزبيري" بضم الزاء الموحدة هو محمد بن عبد الله بن الزبير بن درهم الأسدي الكوفي ثقة ثبت إلا أنه قد يخطئ في حديث الثوري، وهو من رجال الكتب الستة "أبو إسرائيل" يجيء ترجمته "عن الحكم" هو ابن عتيبة "عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن بلال" عبد الرحمن هذا لم يسمع من بلال كما صرح به الحافظ في التلخيص.

(1/592)


قَالَ "لِي" رَسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لاَ تُثَوّبَنّ فِي شَيْءٍ مِنَ الصّلَوَات إِلاّ فِي صَلاَةِ الْفَجْرِ" .
"قَالَ": وفي البابِ عَنْ أَبِي مَحْذُورَةَ.
قال أبو عيسى: حدِيثُ بِلاَلٍ لاَ نَعْرِفُهُ إلاّ مِنْ حدِيث أَبِي إِسْرَئِيلَ المُلاَئيّ.
ـــــــ
قوله : "لا تثوبن في شيء من الصلوات إلا في صلاة الفجر" من التثويب قال الجزري في النهاية: هو قوله الصلاة خير من النوم، وقال والأصل في التثويب أن يجيء الرجل مستصرخاً فيلوح بثوبه ليرى ويشتهر فسمى الدعاء تثويباً لذلك، وكل داع مثوب وقيل إنما سمي تثويبا من ثاب يثوب إذا رجع فهو رجوع إلى الأمر بالمبادرة إلى الصلاة وأن المؤذن إذا قال حي على الصلاة فقد دعاهم إليها وإذا قال بعدها الصلاة خير من النوم فقد رجع إلى كلام معناه المبادرة إليها انتهى كلام الجزري وحديث الباب أخرجه ابن ماجه والبيهقي وقال عبد الرحمن لم يلق بلالا.
قوله : "وفي الباب عن أبي محذورة" أخرجه أبو داود قال: قلت يا رسول الله علمني سنة الأذان الحديث، وفي آخره " فإن كان صلاة الصبح قلت الصلاة خير من النوم الصلاة خير من النوم الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله" : ورواه ابن حبان في صحيحه، وفي الباب أيضاً عن أنس قال من السنة إذا قال المؤذن في أذان الفجر حي على الصلاة حي على الفلاح قال: الصلاة خير من النوم أخرجه ابن خزيمة في صحيحه والدارقطني ثم البيهقي في سننهما وقال البيهقي إسناده صحيح كذا في نصب الراية، وفي الباب أحاديث أخرى مذكورة فيه.
واعلم أنه قد ثبت كون الصلاة خير من النوم الصلاة خير من النوم في آذان الفجر بعد حي على الفلاح حي على الفلاح من حديث أبي محذورة وبلال المذكورين وكذا من حديث ابن عمر قال الأذان الأول بعد حي على الفلاح الصلاة خير من النوم مرتين رواه السراج والطبراني والبيهقي وسنده حسن كما صرح به الحافظ، وهو مذهب الكافة وهو الحق وأما ما قال الإمام محمد في موطئه من أن الصلاة خير من النوم يكون ذلك في نداء الصبح بعد الفراغ من النداء ففيه نظر.
قوله : "حديث بلال لا نعرفه إلا من حديث أبي إسرائيل الملائي" بمضمومة وخفة لام

(1/593)


وأَبُو إسرائيلَ لم يسمعْ هَذا الحديث من الحكمِ "بن عُتيْبَةَ" قال: إنما رواه عن الحسن بنِ عُمَارة عن الحكم "بن عُتَيْبَةَ".
وأَبو إِسرَئيلَ اسْمُهُ "إسْمَعِيلُ بْنُ أَبِي إسْحاقَ" وَلَيْسَ "هُوَ" بِذاكَ الْقَوِيّ عِنْدَ أَهْل الْحَدِيثِ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي تَفْسِيرِ التّثوِيبِ:
فقَالَ بَعْضُهُمُ: التّثْوِيبُ أَنْ يَقُولَ فِي أَذَانِ الْفَجْرِ: "الصّلاَةُ خَيْرٌ مِنَ النّوْمِ" وَهوَ قَولُ ابْنِ المبَارَكِ وَأَحْمَدَ.
وَقَالَ إِسْحَاقُ فِي التّثْوِيبِ غَيْرَ هَذَا، قَالَ: ""التّثْوِيبُ المَكْرُوهُ" هُوَ شَيءٌ أَحْدَثَهُ النّاسُ بَعْدَ النّبِيّ صلى الله عليه وسلم، إِذَا أَذّنَ الْمؤَذّنُ فَاسْتَبْطَأَ الْقَوْمَ قَالَ بَيْنَ الأذَانِ وَالإقَامَةِ: "قَدْ قَامَتِ الصّلاَةُ، حَيّ عَلَى الصّلاَةِ، حَيّ عَلَى الْفَلاَحِ".
ـــــــ
وبمد بياء في آخره نسبة إلى بيع الملاء نوع من الثياب "إنما رواه عن الحسن بن عمارة" وهو متروك "وأبو إسرائيل اسمه إسماعيل بن أبي إسحاق وليس بذاك القوي" قال الذهبي في الميزان أبو إسرائيل الملائي الكوفي هو إسماعيل بن أبي إسحاق خليفة ضعفوه وقد كان شيعيا بغيضاً من الغلاة الذين يكرهون عثمان. قال ابن المبارك لقد من الله على المسلمين بسوء حفظ أبي إسرائيل وذكر أقوال الجرح وقال الحافظ في التقريب صدوق سيء الحفظ.
قوله : "قال إسحاق في التثويب" أي في تفسيره "غير هذا" أي غير هذا الذي فسره به ابن المبارك وأحمد "قال" أي إسحاق "هو شيء أحدثه الناس بعد النبي صلى الله عليه وسلم إذا أذن المؤذن فاستبطأ القوم قال بين الأذان والإقامة قد قامت الصلاة حي على الصلاة حي على الفلاح" وبهذا التفسير قال الحنفية، قال الحافظ الزيلعي في نصب الراية بعد ذكر حديث الباب: اختلفوا في التثويب فقال أصحابنا يعني الحنفية هو أن يقول بين الأذان والإقامة حي على الصلاة حي على الفلاح مرتين، وقال الباقون هو قوله في الأذان الصلاة خير من النوم انتهى كلام الزيلعي. قلت قول الباقين هو

(1/594)


"قَالَ": وَهَذَا الّذِي قَالَ إِسْحَاقُ: هُوَ التّثْوِيبُ الّذِي "قَدْ" كَرِهَهُ أهْلُ الْعِلْمِ، وَالّذِي أَحْدَثُوهُ بَعْدَ النّبِي صلى الله عليه وسلم.
وَالْذِي فَسّرَ ابْنُ الْمبَارَكِ وَأَحْمَدُ: أَنّ التّثْويبَ أَنْ يَقُولَ المْؤَذّنُ فِي أَذَانِ الْفَجْرِ: "الصّلاَةُ خَيْرٌ مِنَ النّوْمِ".
وَهُوَ قَوْلٌ صَحِيحٌ، وَيُقَال لَهُ "التّثْويبُ أَيْضاً".
وَهُوَ الّذِي اخْتَارَه أَهْلُ الْعِلْمِ وَرَأَوْهُ.
وَرُوِي عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ أَنّهُ كَانَ يقُولُ فِي صَلاَةِ الْفَجْرِ "الصّلاَةُ خَيْرٌ مِنَ النّوْمِ".
وَرُوِيَ عن مُجَاهِدٍ قَالَ: دَخَلْتُ مَعَ عَبْد الله "بْن عُمَرَ" مَسْجِداً وَقَدْ أُذّنَ "فِيهِ", وَنَحْنُ نُرِيدُ أَنْ نُصلّىَ "فِيهِ", فَثَوّبَ المؤَذّنُ، فَخَرَجَ عبْدُ الله بْنُ عُمَرَ مِنَ الْمسْجِد وَقَالَ: اخْرُجْ بِنَا منْ عِنْدِ هَذَا المُبْتَدِعِ وَلَمْ يُصَلّ فِيهِ.
"قَالَ" وَإِنّمَا كَرِهَ عَبْدُ الله التّثْوِيبَ الّذِي أحْدَثَهُ النّاسُ بَعْدُ.
ـــــــ
قوله في الأذان الصلاة خير من النوم انتهى كلام الزيلعي. قلت قول الباقين هو الصحيح كما صرح به الترمذي وهو المراد في حديث الباب: وأما ما قال به إسحاق ومن تبعه فهو محدث كما صرح به الترمذي فكيف يكون مراداً في الحديث النبوي "والذي أحدثوه" عطف على الذي كرهه. قال التوربشتي أما النداء بالصلاة الذي يعتاده الناس من بعد الأذان على أبواب المسجد فإنه بدعة يدخل في القسم المنهي عنه انتهى "وروى عن عبد الله بن عمر إنه كان يقول في صلاة الفجر" أي في أذان صلاة الفجر ولم أقف على من أخرج هذا الأثر "وروى عن مجاهد قال دخلت مع عبد الله بن عمر مسجداً إلخ" رواه أبو داود في سننه ولفظه قال: كنت مع ابن عمر فثوب رجل في الظهر أو العصر قال اخرج بنا فإن هذه بدعة انتهى. وإنما قال اخرج بنا لأنه كان حينئذ أعمى.

(1/595)


باب ما جاء في أن من أذن فهو يقيم
...
146 ـ بابُ مَا جَاءَ أَنّ مَنْ أَذّنَ فَهُوَ يُقِيم
199 ـ حَدّثَنَا هَنّادٌ حَدّثَنَا عَبْدَةُ وَيَعْلَى "بْنُ عُبَيْدٍ" عَنْ عَبْد الرحّمَنِ بْنِ زِيَادِ بْنِ أَنْعُمٍ الإفْرِيقيّ عَنْ زِيَادِ بْنِ نُعَيْمٍ الْحَضْرَمِيّ عَنْ زِيَاد بْن الحَرِثِ الصّدَائِيّ قَالَ: "أمَرَني رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم أَنْ أُؤَذّنَ فِي صَلاَةِ الْفَجْرِ، فَأَذّنْتُ، فَأَرادَ بِلاَلٌ أَنْ يُقِيمَ، فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إِنّ أخَا صُدَاءٍ قَدْ أَذّنَ، وَمَنْ أَذّنَ فَهُوَ يُقيمُ" .
"قَالَ": وفي البابِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ.
ـــــــ
"باب ما جاء أن من أذن فهو يقيم"
قوله: "نا عبدة ويعلي عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم" بفتح أوله وسكون النون وضم المهملة الإفريقي قاضيها ضعيف من جهة حفظه وكان رجلا صالحا قاله الحافظ "عن زياد بن نعيم" بضم النون مصغرا هو زياد بن ربيعة بن نعيم الحضرمي ثقة "عن زياد بن الحارث الصدائي" بضم الصاد وخفة الدال فألف فهمزة نسبة إلى صداء ممدود وهو حي من اليمن قاله صاحب مجمع البحار وغيره، وهو حليف لبني الحارث بن كعب بايع النبي صلى الله عليه وسلم وأذن بين يديه ويعد في البصريين قاله الطيبي، وقال الحافظ له صحبة ووفادة "أن أخا صداء" هو زياد بن الحارث الصدائي "ومن أذن فهو يقيم" قال ابن الملك فيكره أن يقيم غيره وبه قال الشافعي وعند أبي حنيفة لا يكره لما روى أن ابن أم مكتوم ربما كان يؤذن ويقيم بلال وربما كان عكسه، والحديث محمول على ما إذا لحقه الوحشة بإقامة غيره كذا في المرقاة.
قلت: لم أقف على هذه الرواية التي ذكرها ابن الملك ولأبي حنيفة حديث آخر وسيأتي ذكره وتحقيق هذه المسألة.
قوله : "وفي الباب عن ابن عمر" أخرجه أبو حفص عمر بن شاهين في كتاب الناسخ والمنسوخ وأبو الشيخ الأصبهاني في كتاب الأذان والخطيب البغدادي عن سعيد

(1/596)


قال أبو عيسى: وَحَدِيثُ زيَادٍ إِنّمَا نَعْرِفُهُ مِنْ حَدِيثِ الإفْرِيقيّ.
"وَالإفْرِيقيّ" هُوَ ضَعِيفٌ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ، ضَعّفَهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ القَطّانُ وَغَيْرُهُ، قَالَ أحْمَدُ: لاَ أَكْتُبُ حَدِيثَ الإفْريقيّ.
"قَالَ": وَرَأَيْتُ مُحَمّدَ بْنَ إسْمَعِيلَ يُقَوّي أمْرَهُ، وَيَقُولُ: هُوَ مُقَارَبُ الْحَدِيثِ.
وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ "أَكثَرِ" أهْلِ الْعِلْمِ: "أَنّ" مَنْ أَذّنَ فَهُوَ يُقِيمُ.
ـــــــ
بن أبي راشد المازني ثنا عطاء بن أبي رباح عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في سير له فحضرت الصلاة فنزل القوم فطلبوا بلالا فلم يجدوه فقام رجل فأذن ثم جاء بلال فذكر له فأراد أن يقيم فقال له عليه السلام مهلا يا بلال فإنما يقيم من أذن، قال ابن أبي حاتم في العلل قال أبي هذا حديث منكر وسعيد هذا منكر الحديث ضعيف كذا في نصب الراية.
قوله : "إنما نعرفه من حديث الإفريقي" هو عبد الرحمن بن زياد بن أنعم "والإفريقي هو ضعيف" قال في البدر المنير ضعيف لكثرة روايته للمنكرات مع علمه وزهده ورواية المنكرات كثيرا ما يعتري الصالحين لقلة تفقدهم للرواة لذلك قيل لم نر الصالحين في شيء أكذب منهم في الحديث كذا في النيل. وقال ميرك ضعف الحديث الترمذي لأجل الإفريقي وحسنه الحازمي وقواه العقيلي وابن الجوزي انتهى، والحديث أخرجه أبو داود وابن ماجه "يقوي أمره ويقول هو مقارب الحديث" هذا من ألفاظ التعديل وقد تقدم توضيحه في المقدمة.
قوله : "والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم أذن فهو يقيم" قال الحافظ الحازمي في كتاب الاعتبار: اتفق أهل العلم في الرجل يؤذن ويقيم غيره على أن ذلك جائز، واختلفوا في الأولوية فذهب أكثرهم إلى أنه لا فرق وأن الأمر متسع، وممن رأى ذلك مالك وأكثر أهل الحجاز وأبو حنيفة وأكثر أهل الكوفة وأبو ثور، وذهب بعضهم إلى أن الأولى أن من أذن فهو يقيم. وقال سفيان الثوري كان يقال من أذن فهو يقيم، وروينا عن أبي محذورة أنه جاء وقد أذن إنسان فأذن وأقام وإلى هذا ذهب أحمد وقال الشافعي في رواية الربيع عنه وإذا أذن الرجل أحببت أن يتولى الإقامة

(1/597)


.....................................
ـــــــ
لشيء يروى فيه: أن من أذن فهو يقيم. وكان من حجة من ذهب إلى القول الثاني ما أخبرنا به أبو المحاسن فذكر بإسناده حديث زياد بن الحارث الصدائي بأطول مما رواه الترمذي، ثم قال قالوا فهذا الحديث أقوم إسنادا من الأول يعني من حديث عبد الله بن زيد ذكره قبل ذلك بلفظ رأى عبد الله الأذان في المنام فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال ألقه على بلال فألقاه على بلال فأذن فقال عبد الله أنا رأيته وأنا كنت أريده، قال فأقم أنت قال ثم حديث عبد الله بن زيد كان في أول ما شرع الأذان وذلك في السنة الأولى وحديث الصدائي كان بعده بلا شك والأخذ بآخر الأمرين أولى، وطريق الإنصاف أن يقال الأمر في هذا الباب على التوسع وادعاء النسخ مع إمكان الجمع بين الحديثين على خلاف الأصل إذا لا عبرة لمجرد التراخي، ثم نقول في حديث عبد الله بن زيد إنما فوض الأذان إلى بلال لأنه كان أندى صوتا من عبد الله على ما ذكر في الحديث، والمقصود من الأذان الإعلام ومن شرطه الصوت وكلما كان الصوت أعلى كان أولى. وأما زيد بن الحارث فكان جهوري الصوت ومن صلح للأذان فهو للإقامة أصلح، وهذا المعنى يؤكد قول من قال من أذن فهو يقيم انتهى كلام الحازمي.
قلت: حديث عبد الله بن زيد وحديث الصدائي كلاهما ضعيفان والأخذ بحديث الصدائي أولى لما ذكر الحازمي ولأن قوله صلى الله عليه وسلم في حديث الصدائي من أذن فهو يقيم قانون كلي، وأما حديث عبد الله بن زيد ففيه بيان واقعة جزئية يحتمل أنه صلى الله عليه وسلم أراد بقوله لعبد الله بن زيد فأقم أنت تطييب قلبه لأنه رأى الأذان في المنام ويحتمل أن يكون لبيان الجواز ولأن لحديث الصدائي شاهداً ضعيفا من حديث ابن عمر وقد تقدم ذكره قال الحافظ في الدراية. وأخرج ابن شاهين في الناسخ والمنسوخ له من حديث ابن عمر شاهدا انتهى، وقال صاحب سبل السلام والحديث دليل على أن الإقامة حق لمن أذن فلا تصح من غيره وعضد حديث الباب يعني حديث الصدائي حديث ابن عمر بلفظ مهلا يا بلال فإنما يقيم من أذن أخرجه الطبراني والعقيلي وأبو الشيخ وإن كان قد ضعفه أبو حاتم وابن حبان انتهى.

(1/598)


147 ـ بابُ مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيِة الأَذَان بِغَيْرِ وُضُوء
200 ـ حَدّثَنَا عليّ بْنُ حُجْرٍ حَدّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ يَحْيَى "الصّدَفِيّ" عَنِ الزّهْرِيّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "لاَ يُؤذّنُ إِلاّ مُتَوضّيءٌ" .
201 ـ حَدّثَنَا يَحْيَى بْنِ مُوسَى حَدّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: قَالَ أبُو هُرَيْرَةَ: لاَ يُنَادِي بالصّلاَةِ إِلاّ مُتَوَضّيءٌ.
"قال أبو عيسى": وهذا أصحّ من الحديث الأوّل.
"قال أبو عيسى": وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ لَمْ يَرْفَعْهُ ابْنُ وَهْبٍ، وَهُوَ أَصَحّ مِنْ حَدِيثِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ.
ـــــــ
"باب ما جاء في كراهية الأذان بغير وضوء"
قوله: "عن معاوية بن يحيى" هو معاوية بن يحيى الصدفي أبو روح الدمشقي، روى عن مكحول وابن شهاب وعنه بقية بن الوليد بن مسلم ضعيف كذا في الخلاصة والتقريب.
وقوله : "لا يؤذن إلا متوضئ" الحديث دليل على أنه يكره الأذان بغير وضوء، لكن الحديث ضعيف من وجهين فإن في سنده معاوية بن يحيى الصدفي وهو ضعيف، كما عرفت فيه انقطاع بين الزهري وأبي هريرة فإنه لم يسمع منه كما صرح به الترمذي.
قوله : "نا عبد الله بن وهب" بن مسلم القرشي الفقيه ثقة حافظ "عن يونس" ابن يزيد بن أبي النجاد الأيلي ثقة إلا أن في روايته عن الزهري وهما قليلا، وفي غير الزهري خطأ من كبار السابعة كذا في التقريب وغيره.
قوله : "قال: قال أبو هريرة لا ينادى" أي يؤذن والحديث موقوف ومنقطع.
قوله : "وهذا أصح من الحديث الأول" أي هذا الحديث الموقوف الذي رواه عبد الله ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب عن أبي هريرة أرجح وأقل ضعفا من الحديث الأول المرفوع الذي رواه معاوية بن يحيى عن الزهري عن أبي هريرة فإن هذا المرفوع

(1/599)


وَالزّهْرِيّ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبي هُرَيْرَةَ.
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي الأَذانِ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ:
فَكَرِهَهُ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَبِهِ يَقُولُ الشّافِعِيّ، وإِسْحَاقُ. وَرَخّصَ فِي ذَلِكَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَبِهِ يَقُولُ سُفْيَانُ "الثّوْرِيّ", وَابْنُ المبَارَكِ، وَأَحْمَدُ.
ـــــــ
ضعيف من وجهين كما عرفت. والموقوف ضعيف من وجه واحد وهو الانقطاع "والزهري لم يسمع من أبي هريرة" فصار الحديث من الطريقين منقطعا. لكن رواه أبوالشيخ عن ابن أبي عاصم حدثنا هشام بن عمار حدثنا الوليد بن مسلم عن معاوية بن يحيى عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا يؤذن إلا متوضئ. وقال البيهقي كذا رواه معاوية بن يحيى الصدفي وهو ضعيف. والصحيح رواية يونس وغيره عن الزهري مرسلا كذا في عمدة القاري.
قوله : "فكرهه بعض أهل العلم وبه يقول الشافعي وإسحاق" وهو قول عطاء. قال البخاري في صحيحه قال عطاء الوضوء حق وسنة انتهى. قال الحافظ وصله عبد الرزاق عن ابن جرير قال: قال لي عطاء حق وسنة مسنونة أن لا يؤذن المؤذن إلا متوضئا هو من الصلاة هو فاتحة الصلاة، ولابن أبي شيبة من وجه آخر عن عطاء أنه كره أن يؤذن الرجل على غير وضوء انتهى. وهو قول أحمد. قال صاحب السبل: قد ذهب أحمد وآخرون إلى أن لا يصح أذان المحدث حدثا أصغر عملا بهذا الحديث انتهى. لكن ذكر الترمذي أحمد في المرخصين وذكر العيني في شرح البخاري الشافعي مع أحمد في المرخصين حيث قال: قال صاحب الهداية من أصحابنا: وينبغي أن يؤذن ويقيم على طهر لأن الأذان والإقامة ذكر شريف يستحب فيه الطهارة فإن أذن على غير وضوء جاز، وبه قال الشافعي وأحمد وعامة أهل العلم. وعن مالك أن الطهارة شرط في الإقامة دون الأذان. وقال عطاء والأوزاعي وبعض الشافعية تشترط فيهما انتهى كلام العيني "ورخص في ذلك بعض أهل العلم وبه يقول سفيان وابن المبارك وأحمد" وهو قول إبراهيم النخعي كما في صحيح البخاري وهو قول مالك والكوفيين لأن الأذان ليس من جملة الأركان فلا يشترط فيه ما يشترط في الصلاة من الطهارة، ولا من استقبال القبلة كما لا يستحب فيه الخشوع الذي ينافيه الالتفات وجعل الأصبع في الأذن كذا في فتح الباري.

(1/600)


...........................................
ـــــــ
قلت: العمل على حديث الباب هو الأولى، فإن الحديث وإن كان ضعيفا لكن له شاهداً من حديث وائل. قال الحافظ في التلخيص: روى البيهقي والدارقطني في الأفراد وأبو الشيخ في الأذان من حديث عبد الجبار بن وائل عن أبيه قال: حق وسنة أن لا يؤذن الرجل إلا وهو طاهر، ولا يؤذن إلا وهو قائم، إلا أن فيه انقطاعا لأن عبد الجبار ثبت عنه في صحيح مسلم أنه قال كنت غلاما لا أعقل صلاة أبي ونقل النووي اتفاق أئمة الحديث على أنه لم يسمع من أبيه انتهى ما في التلخيص. وله شاهد آخر من حديث ابن عباس ذكره الزيلعي في نصب الراية بلفظ: يا ابن عباس إن الأذان متصل بالصلاة فلا يؤذن أحدكم إلا وهو طاهر، أخرجه أبو الشيخ والله تعالى أعلم.

(1/601)


148 ـ بابُ مَا جَاءَ: أَنّ الإمَامَ أَحقّ بِالإقَامَة
202 ـ حدثنا يَحْيَى بْنُ مُوسَى حدثنا عَبْدُ الرّزّاقِ أَخْبَرَنَا إِسْرَائِيلُ أَخْبَرَنِي سِمَاكُ بنُ حَرْب سَمِعَ جَابِرَ بْنَ سَمُرَةَ يقُولُ: "كَانَ مُؤَذّنُ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يُمْهِلُ فَلاَ يُقِيمُ، حَتّى إِذَا رَأَى رَسُول الله صلى الله عليه وسلم قَدْ خَرَجَ أَقَامَ الصّلاَةَ حينَ يَرَاهُ".
ـــــــ
"باب ما جاء أن الإمام أحق بالإقامة"
قوله: "سمع جابر بن سمرة" بن جنادة بضم الجيم بعدها نون السوائي بضم المهملة والمد صحابي ابن صحابي نزل الكوفة ومات بها بعد سنة سبعين كذا في التقريب.
قوله : "يمهل فلا يقيم حتى إذا رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم قد خرج أقام الصلاة حين يراه" هذا الحديث يدل على أن مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يقيم إلا بعد أن يراه. وقد أخرج الشيخان عن أبي قتادة مرفوعا إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني، أي قد خرجت وهذا الحديث يدل على أن مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقيم قبل أن يراه. ويجمع بينهما بأن بلالا كان يراقب وقت خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم فأول ما يراه يشرع في الإقامة قبل أن يراه غالب الناس، ثم إذا رأوه قاموا ويشهد لذلك ما أخرجه عبد الرزاق عن ابن جريج عن ابن

(1/601)


قال أبو عيسى: حَدِيثُ جَابِرِ بْن سَمُرَةَ "هُوَ" حَدِيثٌ حَسَنٌ "صَحِيحٌ".
وحَدِيثُ "إسْرَائِيلَ عَنْ" سِمَاكٍ لاَ نَعْرِفُهُ إِلاّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ.
وَهَكَذَا قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: إِنّ المُؤَذّنَ أمْلَكُ بِالأذَانِ، وَالإمَامُ أَمْلَكُ بِالإقَامَةِ.
ـــــــ
شهاب أن الناس كانوا ساعة يقول المؤذن الله أكبر يقومون إلى الصلاة فلا يأتي النبي صلى الله عليه وسلم مقامه حتى تعتدل الصفوف. وفي صحيح مسلم وسنن أبي داود ومستخرج أبي عوانة أنهم كانوا يعدلون الصفوف قبل خروجه صلى الله عليه وسلم، وفي حديث أبي قتادة أنهم كان يقومون ساعة تقام الصلاة ولو لم يخرج النبي صلى الله عليه وسلم فنهاهم عن ذلك لاحتمال أن يقع له شغل يبطئ فيه عن الخروج فيشق عليهم الانتظار كذا في الفتح والنيل والله تعالى أعلم.
قوله : "حديث جابر بن سمرة حديث حسن" وأخرجه مسلم بلفظ كان بلال يؤذن إذا دحضت الشمس فلا يقيم حتى يخرج النبي صلى الله عليه وسلم فإذا خرج أقام الصلاة.
قوله : "وهكذا قال بعض أهل العلم أن المؤذن أملك بالأذان والإمام أملك بالإقامة" وقد ورد مثله عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم المؤذن أملك بالأذان والإمام أملك بالإقامة. رواه ابن عدي وضعفه كذا في بلوغ المرام. قال محمد بن إسماعيل الأمير في سبل السلام في شرح هذا الحديث: المؤذن أملك بالأذان أي وقته موكول إليه لأنه أمين عليه والإمام أملك بالإقامة فلا يقيم إلا بعد إشارته. قال الشوكاني ولعل تضعيفه له لأن في إسناده شريكا القاضي، وقد أخرج البيهقي نحوه عن علي رضي الله عنه من قوله وقال ليس بمحفوظ، ورواه أبو الشيخ من طريق أبي الجوزاء عن ابن عمه وفيه معارك وهو ضعيف انتهى.

(1/602)


149 ـ بَابُ مَا جَاءَ فِي الأذانِ بِاللّيْل
203 ـ حدثنا قُتَيْبَةُ حدثنا الّليْثُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عن سَالِمٍ عن أَبِيهِ أنّ النّبِيّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: " إِنّ بِلاَلاً يُؤَذّنُ بِلَيْلٍ، فَكلُوا وَاشْربُوا حَتّى تَسْمَعُوا تَأْذِينَ ابْنِ أُمّ مَكْتُومٍ" .
ـــــــ
"باب ما جاء في الأذان بالليل"
قوله: "عن سالم" هو ابن عبد الله بن عمر بن الخطاب القرشي المدني أحد الفقهاء السبعة، وكان ثبتا عابدا فاضلا كان يشبه بأبيه في الهدى والسمت قاله الحافظ "عن أبيه" هو عبد الله بن عمر.
قوله : "إن بلالا يؤذن بليل" كان تأذينه بالليل ليرجع القائم وينتبه النائم كما جاء في حديث ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا يمنعن أحدكم أذان بلال من سحوره فإنه يؤذن أو قال ينادي بليل ليرجع قائمكم ويوقظ نائمكم. رواه الجماعة إلا الترمذي "فكلوا واشربوا" أي أيها المريدون الصيام "حتى تسمعوا تأذين ابن أم مكتوم" قد بينت رواية البخاري أنه لم يكن بين أذانيهما إلا مقدار أن يرقى ذا وينزل ذا. قال الحافظ في الفتح: قد أورده أي أورد البخاري هذا الحديث في الصيام وزاد في آخره فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر، قال القاسم لم يكن بين أذانيهما إلا أن يرقى ذا وينزل ذا، وفي هذا تقييد لما أطلق في الروايات الأخرى من قوله إن بلالا يؤذن بليل، قال وفيه حجة لمن ذهب إلى أن الوقت الذي يقع فيه الأذان قبل الفجر هو وقت السحور انتهى. قال في سبل السلام: وفيه شرعية الأذان قبل الفجر لا لما شرع له الأذان فإن الأذان شرع كما سلف للإعلام بدخول الوقت ولدعاء السامعين لحضور الصلاة وهذا الأذان الذي قبل الفجر قد أخبر صلى الله عليه وسلم بوجه شرعيته بقوله ليوقظ نائمكم ويرجع قائمكم والقائم هو الذي يصل صلاة الليل ورجوعه عودة إلى نومه أو قعوده عن صلاته إذا سمع الأذان فليس للإعلام بدخول وقت ولا لحضور الصلاة، فذكر الخلاف في المسألة والاستدلال للمانع والمجيز لا يلتفت إليه من همه العمل بما ثبت انتهى.

(1/603)


قالَ "أَبُو عِيسَى": وفي البابِ عَن ابْنِ مَسْعُودٍ، وعَائِشَةَ، وَأُنيْسةَ، وَأَنَسٍ، وَأَبي ذَرّ، وَسَمُرَةَ.
قال أبو عيسى: حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَقدْ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي الأَذَانِ بِاللّيْلِ:
فَقَالَ بَعْضُ أهْلِ الْعِلْمِ: إِذَا أَذّنَ الْمؤَذّنُ بِاللّيْلِ أَجْزَأَهُ وَلاَ يُعِيدُ وَهُوَ قَولُ مَالِكٍ، وَابْنِ المبَارَكِ، وَأحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ.
ـــــــ
قوله : "وفي الباب عن ابن مسعود وعائشة وأنيسة وأنس وأبي ذر وسمرة" أما حديث ابن مسعود فأخرجه الجماعة إلا الترمذي وتقدم لفظه. وأما حديث عائشة فأخرجه الشيخان، وأما حديث أنيسة بالتصغير وهي بنت حبيب فأخرجه ابن حبان وأحمد مرفوعا بلفظ إذا أذن ابن أم مكتوم فكلو واشربوا، وإذا أذن بلال فلا تأكلوا ولا تشربوا كذا في الدراية. وأما حديث أنس فأخرجه البزار عنه قال: أذن بلال قبل الفجر فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يرجع فيقول ألا أن العبد نام فرقى بلال وهو يقول ليت بلالا ثكلته أمه وابتل من نضح دم جبينه. قال الحافظ الهيثمي: وفيه محمد بن القاسم ضعفه أحمد وأبو داود ووثقه ابن معين، وأما حديث أبي ذر فأخرجه الطحاوي عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لبلال إنك تؤذن إذا كان الفجر ساطعا وليس ذلك الصبح إنما الصبح هكذا معترضا، وفي سنده ابن لهيعة. وأما حديث سمرة وهو سمرة بن جندب فأخرجه مسلم.
قوله : "حديث ابن عمر حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان.
قوله : "فقال بعض أهل العلم إذا أذن المؤذن بالليل أجزأه ولا يعيد وهو قول مالك إلخ" تمسك من قال بالإجزاء بحديث ابن مسعود وتقدم لفظه. وأجيب بأنه مسكوت عنه فلا يدل. وعلى التنزل فمحله فيما إذا لم يرد نطق بخلافه. وههنا قد ورد حديث ابن عمر وعائشة بما يشعر بعدم الإكتفاء، نعم حديثه زياد بن الحارث عند أبي داود يدل على الإكتفاء فإنه فيه أنه أذن قبل الفجر بأمر النبي صلى الله عليه وسلم وأنه استأذنه في الإقامة فمنعه إلى أن طلع الفجر فأمره فأقام، لكن في إسناده ضعف، وأيضاً فهي

(1/604)


وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلمِ: إِذَا أَذّنَ بِلَيْلٍ أَعَادَ. وَبِهِ يَقُولُ سُفْيَانُ الثّوْرِيّ.
وَرَوَى حَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ عن أَيّوبَ عن نَافِعٍ عن ابْنِ عُمَرَ: "أَنّ بلاَلاً أَذّنَ بِلَيْلٍ، فَأَمَرَهُ النّبِيّ صلى الله عليه وسلم أنْ يُنَادِيَ إنّ الْعَبْدَ نَامَ" .
قال أبو عيسى: هَذَا حَدِيثٌ غَيْرُ مَحْفُوظٍ.
وَالصّحِيحُ مَا رَوَى عُبْيَدُ الله بْنُ عُمَرَ وَغَيْرُهُ عن نَافِعٍ عن ابْنِ عُمَرَ أَنّ النّبِيّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "إِنّ بِلاَلاً يُؤَذّنُ بَلَيْلٍ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتّى يُؤَذّنَ ابْن أُمّ مَكْتُومٍ" .
ـــــــ
واقعة عين وكانت في سفر قاله الحافظ في الفتح "وقال بعض أهل العلم إذا أذن بالليل أعاد وبه يقول سفيان الثوري" وهوقول أبي حنيفة ومحمد قال الخطابي وكان أبو يوسف يقول بقول أبي حنيفة ثم رجع فقال لا بأس أن يؤذن للفجر خاصة قبل طلوع الفجر اتباعا للأثر. وكان أبو حنيفة ومحمد لا يجيزان ذلك قياسا على سائر الصلوات، وإليه ذهب سفيان الثوري انتهى. قال الحافظ في الفتح وإلى الإكتفاء مطلقا ذهب مالك والشافعي وأحمد وأصحابهم وخالف ابن خزيمة وابن المنذر وطائفة من أهل الحديث وقال به الغزالي في الإحياء وادعى بعضهم أنه لم يرد في شيء من الحديث ما يدل على الإكتفاء انتهى.
قلت: لم أقف على حديث صحيح صريح يدل على الإكتفاء فالظاهر عندي قول من قال بعدم الإكتفاء والله تعالى أعلم.
قوله : "فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن ينادي إن العبد نام" يعني أن غلبة النوم على عينيه منعته من تبين الفجر قال الحافظ في الفتح: وقال الخطابي هو يتأول على وجهين أحدهما أن يكون أراد به أنه غفل عن الوقت كما يقال نام فلان عن حاجتي إذا غفل عنها ولم يقم بها. والوجه الآخر أن يكون معناه قد عاد لنومه إذا كان عليه بقية من الليل يعلم الناس ذلك لئلا ينزعجوا من نومهم وسكونهم انتهى. وهذا الحديث رواه الترمذي معلقا ووصله أبو داود قال حدثنا موسى بن إسماعيل وداود بن شبيب المعنى قالا ثنا حماد عن أيوب عن نافع عن ابن عمر فذكره. والحديث مما تمسك به من قال

(1/605)


"قَالَ": وَرَوَى عَبْدُ الْعَزيزِ بْنُ أبي رَوّادٍ عن نَافِعٍ: أَنّ مُؤَذّناً لعُمَرَ أَذّنَ، بِلَيْل، فَأَمَرَهُ عُمَرُ أَنْ يُعِيدَ الأَذَانَ.
وَهَذَا لاَ يِصحّ "أَيضاً", لأِنّهُ عن نَافِعٍ عَن عُمَرَ: مُنْقَطِعٌ.
وَلَعَلّ حَمّادَ بْنَ سَلَمَةَ أَرَادَ هَذَا الْحَدِيثَ.
وَالصّحِيحُ رِوَايَةُ عُبَيْدِ الله وَغَيْرِ وَاحِدٍ عن نَافِعٍ عن ابْن عُمَرَ، وَالزّهْرِيّ عن سَالِمٍ عن ابْنِ عُمَر أَنّ النّبِيّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "إِنّ بِلاَلاً يُؤَذّن بِلَيْلٍ" .
قال أبو عيسى: وَلَوْ كَانَ حَدِيثُ حَمّادٍ صحيحاً لَمْ يَكُنْ لِهَذَا الْحَدِيثِ مَعْنًى، إِذْ قَالَ رسُول الله صلى الله عليه وسلم: "إِنّ بِلاَلاً يُؤَذّنُ بِلَيْلٍ" فَإِنّمَا أَمَرَهُمْ فِيمَا يُسْتقْبَلُ، فَقالَ: "إِنّ بِلاَلاً يُؤَذّنُ بِلَيْلٍ" وَلَوْ أَنّهُ أَمَرَهُ بِإِعَادَةِ الأَذَانِ حِينَ أَذّنَ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ. لَمْ يَقُلْ: "إِنّ بِلاَلاً يُؤَذّنُ بِلَيْلٍ" .
قَالَ عَليّ بْنُ المَدِيني: حَدِيثُ حَمّادِ بْنِ سَلَمَةَ عن أَيّوبَ عن نَافِعٍ عن ابْنِ عُمَرَ عن النّبِي صلى الله عليه وسلم: "هوَ" غَيْرُ مَحْفُوظٍ، وَأَخْطَأَ فِيهِ حَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ.
ـــــــ
إن المؤذن إذا أذن بالليل أعاد لكنه غير محفوظ كما بينه الترمذي "وروى عبد العزيز ابن أبي رواد" بفتح الراء وتشديد الواو صدوق عابد ربما وهم ورمى بالإرجاء "أن مؤذنا لعمر" اسم هذا المؤذن مسروح وقال بعضهم مسعود "أذن بليل فأمره عمر أن يعيد الأذان" هكذا ذكره الترمذي معلقا ورواه أبو داود في سننه يد موصولاً بعد حث حماد بن سلمة "ولعل حماد بن سلمة أراد هذا الحديث" أي أثر عمر فوهم في رفعه والمعنى أن حماد بن سلمة كان له أن يقول إن مؤذنا لعمر أذن بليل فأمره عمر أن يعيد الأذان فوهم فقال إن بلالا أذن بليل فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن ينادي إن العبد نام. قال الحافظ في الفتح: اتفق أئمة الحديث علي بن المدني وأحمد بن حنبل والبخاري والذهلي وأبو حاتم وأبو داود والترمذي والأثرم والدارقطني على أن حماداً أخطأ في رفعه

(1/606)


.............................................
ـــــــ
وأن الصواب وقفه على عمر بن الخطاب، وأنه هو الذي وقع له ذلك مع مؤذنه انتهى كلام الحافظ.

(1/607)


150 ـ بابُ "مَا جَاءَ" فِي كَرَاهِيَةِ الْخُرُوجِ مِنَ الْمسْجِدِ بَعْدَ الأَذَان
204 ـ حدثنا هَنّادٌ حدثنا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ عَن إبْرَاهِيمَ بْنِ المُهَاجِرِ عن أَبِي الشّعْثَاءِ قَالَ: "خَرَجَ رَجلٌ مِنَ الْمسْجِدِ بَعْدَ مَا أُذّنَ فِيهِ بِالْعَصْرِ، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَمّا هَذَا فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِم صلى الله عليه وسلم".
ـــــــ
باب ما جاء في كراهية الخروج من المسجد بعد الأذان"
قوله: "عن سفيان" هو الثوري "عن إبراهيم بن مهاجر" بن جابر البجلي الكوفي. صدوق لين الحفظ من الخامسة "عن أبي الشعثاء" سليم بن أسود بن حنظلة الكوفي. ثقة باتفاق من كبار الثالثة. وروى هذا الحديث عنه ابنه أشعث أيضاً، وهو ثقة ولم ينفرد بروايته عنه إبراهيم بن مهاجر.
قوله : "أما هذا فقد عصا أبا القاسم" قال الطيبي: أما للتفصيل يقتضي شيئين فصاعدا، والمعنى أما من ثبت في المسجد وأقام الصلاة فيه فقد أطاع أبا القاسم، وأما هذا فقد عصى انتهى. وقال القاري رواه أحمد وزاد. ثم قال أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كنتم في المسجد فنودي بالصلاة فلا يخرج أحدكم حتى يصلي، وإسناده صحيح انتهى. والحديث يدل على أنه لا يجوز الخروج من المسجد بعد ما أذن فيه، لكنه مخصوص بمن ليس له ضرورة، يدل عليه حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج وقد أقيمت الصلاة وعدلت الصفوف حتى إذا قام في مصلاه انتظرنا أن يكبر انصرف، قال على مكانكم فمكثنا على هيئتنا حتى خرج إلينا ينطف رأسه ماء وقد اغتسل. رواه البخاري وغيره. فهذا الحديث يدل على أن حديث الباب مخصوص بمن ليس له ضرورة فيلتحق بالجنب المحدث والراعف والحاقن ونحوهم وكذا من يكون إماماً لمسجد آخر ومن في معناه، وقد أخرجه الطبراني في الأوسط من

(1/607)


قَالَ "أَبُو عِيسَى": وفي البابِ عن عثْمَانَ.
"قال أبو عيسى": حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَعَلَى هَذَا الْعَمَلُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النّبِيّ صلى الله عليه وسلم وَمَن بَعْدَهُمْ: أَنْ لاَ يَخْرُجَ أَحدٌ مِنَ الْمَسْجِدِ بَعْدَ الأذَانِ إلاّ مِنْ عُذْر: أَنْ يَكُونَ عَلَى غَيْرِ وضُوءٍ، أَوْ أَمْرٌ لاَ بُدّ مِنْهُ.
وَيُرْوَى عن إِبْرَاهِيم النّخَعِيّ أَنّهُ قَالَ: يَخْرُجُ مَا لَمْ يَأْخُذِ المُؤَذّنُ فِي الإقَامَةِ.
ـــــــ
طريق سعيد بن المسيب عن أبي هريرة رضي الله عنه فصرح برفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم وبالتخصيص ولفظه: لا يسمع النداء في مسجدي ثم يخرج منه إلا لحاجة ثم لا يرجع إليه إلا منافق كذا في الفتح.
قوله : "وفي الباب عن عثمان" أخرجه ابن ماجه مرفوعا بلفظ: من أدركه الأذان في المسجد ثم خرج لم يخرج لحاجة وهو لا يريد الرجعة فهو منافق.
قوله : "حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح" وأخرجه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه. قال ابن الهمام وأخرجه الجماعة إلا البخاري عن أبي الشعثاء قال: كنا مع أبي هريرة في المسجد فخرج رجل حين أذن المؤذن للعصر فقال أبو هريرة أما هذا فقد عصى أبا القاسم، ومثل هذا موقوف عند بعضهم وإن كان ابن عبد البر قال فيه وفي نظائره مسند لحديث أبي هريرة من لم يجب الدعوة فقد عصى أبا القاسم، وقال لا يختلفون في ذلك انتهى.
قوله : "أو أمر لا بد منه" كأن يكون حاقناً أو راعفاً "ويروى عن إبراهيم النخعي أنه قال يخرج ما لم يأخذ المؤذن في الإقامة قول إبراهيم النخعي هذا مخالف لظاهر أحاديث الباب فإنها صريحة في منع الخروج بعد الأذان مطلقا أخذ المؤذن في الإقامة أو لم يأخذ إلا أن يحمل قوله على ما إذا كان له حاجة وهو يريد الرجوع فيدل على جواز الخروج حينئذٍ ما أخرجه أبو داود في المراسيل عن سعيد بن المسيب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لا يخرج أحد من المسجد بعد النداء إلا منافق إلا أحد أخرجته حاجة

(1/608)


"قال أبو عيسى": وَهَذَا عِنْدَنَا لِمَنْ لَهُ عُذْرٌ فِي الْخُرُوجِ مِنْهُ.
وَأَبُو الشّعْثَاء اسْمُهُ "سُلَيْمُ بْنُ أَسْوَدَ" وَهُوَ وَالِدُ أَشْعَثَ بْنِ أَبِي الشّعْثَاءِ.
وَقَدْ رَوَى أَشْعَثُ بْنُ أَبِي الشَعْثَاءِ هَذَا الْحَدِيثَ عن أَبِيهِ.
ـــــــ
وهو يريد الرجوع" " وهذا عندنا" أي عند أهل الحديث "لمن له عذر في الخروج منه" أي من المسجد. والمعنى أن جواز الخروج من المسجد بعد الأذان مخصوص بمن له عذر في الخروج، وأما من لا عذر له فلا يجوز له الخروج "وقد روى أشعث بن أبي الشعثاء هذا الحديث عن أبيه" رواه مسلم.
قد تم الجزء الثاني بعونه تعالى.

(1/609)


151 ـ بابُ مَا جَاءَ فِي الأَذَان فِي السّفَر
205 ـ حدثنا مَحْمُودُ بْن غَيْلاَنَ حدثنا وَكِيعٌ عن سُفْيَانَ عن خَالِدٍ الْحَذّاءِ عَنْ أَبِي قِلاَبَةَ عن مَالِكِ بْنِ الحُوَيْرِثِ قَالَ: قَدِمْت عَلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم أَنَا وَابنُ عَم لِي، فَقَالَ لَنَا: "إِذَا سَافَرْتمَا فَأَذِنَا
ـــــــ
"باب ما جاء في الأذان في السفر"
قوله: "عن سفيان" هو الثوري كما صرح به الحافظ في الفتح "عن أبى قلابة" الجرمي "عن مالك بن الحويرث" بالتصغير الليثي صحابي نزل البصرة وفد على النبي صلى الله عليه وسلم وأقام عنده عشرين ليلة وسكن البصرة.
قوله : "قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا وابن عم لي" بالرفع على العطف وبالنصب على أنه مفعول معه "فأذنا" أي من أحب منكما أن يؤذن فليؤذن، وذلك لاستوائهما في الفضل، ولا يعتبر في الأذان السن بخلاف الإمامة. قاله الحافظ قال وهو واضح من سياق حديث الباب حيث قال فليؤذن لكم أحدكم وليؤمكم أكبركم، ومراده بحديث الباب حديث مالك بن الحويرث بلفظ: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم في نفر من

(1/609)


وَأَقِيمَا وَلْيَؤُمّكُمَا أَكْبرُكمَا" .
قال أبو عيسى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيح.
وَالْعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْم: اخْتَارُوا الأَذَانَ فِي السّفَرِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: تُجْزِيءُ الإقَامَةُ، إِنّمَا الأَذَان عَلَى مَنْ يُريدُ أَنْ يَجْمَعَ النّاسَ.
ـــــــ
قومي الحديث، وفي آخره فإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم وليؤمكم أكبركم، وقال أبو الحسن بن القصار أراد بقوله فأذنا الفضل، وإلا فأذان الواحد يجزئ، وكأنه فهم منه أنه أمرهما أن يؤذنا جميعاً كما هو ظاهر اللفظ، وتعقب عليه الحافظ وذكر في ضمن تعقبه توجيهاً آخر لقوله فأذنا حيث قال: فإن أراد يعني أبا الحسن بن القصار أنهما يؤذنان معا فليس ذلك بمراد. وقد قدمنا النقل عن السلف بخلافه، وإن أراد أن كلا منهما يؤذن على حدة ففيه نظر، فإن أذان الواحد يكفي الجماعة، نعم يستحب لكل أحد إجابة المؤذن فالأولى حمل الأمر على أن أحدهما يؤذن والآخر يجيب، قال والحامل على صرفه عن ظاهره قوله فليؤذن لكم أحدكم، وللطبراني من طريق حماد ابن سلمة عن خالد الحذاء في هذا الحديث إذا كنت مع صاحبك فليؤذن وأقم وليؤمكما أكبركما انتهى "وأقيما" أي من أحب منكما أن يقيم فليقم، قال الحافظ فيه حجة لمن قال باستحباب إجابة المؤذن بالإقامة إن حمل الأمر على ما قضى وإلا فالذي يؤذن هو الذي يقيم انتهى "وليؤمكما أكبركما" أي سناً. قال القرطبي قوله وليؤمكما أكبركما يدل على تساويهما في شروط الإمامة ورجح أحدهما بالسن. قال العيني لأن هؤلاء كانوا مستوين في باقي الخصال لأنهم هاجروا جميعاً وصحبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ولازموه عشرين ليلة فاستووا في الأخذ عنه فلم يبق ما يقدم به إلا السن انتهى.
قوله : "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه البخاري. قال ميرك ورواه الجماعة والمعنى عندهم متقارب وبعضهم ذكر فيه قصة كذا قاله الشيخ الجزري كذا في المرقاة.
قوله : "والعمل عليه عند أكثر أهل العلم اختاروا الأذان في السفر" أي ولو كان المسافر منفرداً "وقال بعضهم تجزئ الإقامة إنما الأذان على من يريد أن يجمع الناس" روى عبد الرزاق بإسناد صحيح عن ابن عمر أنه كان يقول إنما التأذين لجيش أو ركب

(1/610)


وَالْقَوْلُ الأوّل أَصَحّ. وَبِهِ يَقُولُ أَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ.
ـــــــ
عليهم أمير فينادي بالصلاة ليجتمعوا فأما غيرهم فإنما هي الإقامة، وحكى نحو ذلك عن مالك وذهب الأئمة الثلاثة والثوري وغيرهم إلى مشروعية الأذان لكل أحد كذا في فتح الباري، قلت وكان ابن عمر يؤذن في السفر في صلاة الصبح ويقيم، روى مالك في الموطأ عن نافع أن عبد الله بن عمر كان لا يزيد على الإقامة في السفر إلا في الصبح فإنه كان ينادي فيها ويقيم. وكان يقول إنما الأذان للإمام الذي يجتمع إليه الناس، قال الزرقاني وذلك لإظهار شعار الإسلام لأنه وقت الإغارة على الكفار وكان صلى الله عليه وسلم في ذلك الوقت يغير إذا لم يسمع الأذان ويمسك إذا سمعه، ونقل عنه البوني أن ذلك لإعلام من معه من نائم وغيره بطلوع الفجر وسائر الصلوات لا تخفى عليهم "والقول الأول أصح" فإنه ثابت بحديث الباب، وهو حجة على من ذهب إلى القول الثاني. وروى البخاري وغيره أن أبا سعيد الخدري قال لعبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة الأنصاري إني أراك تحب الغنم والبادية فإذا كنت في غنمك أو باديتك فأذنت للصلاة فارفع صوتك بالنداء فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة، قال أبو سعيد سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال الحافظ وهذا الحديث يقتضي استحباب الأذان للمنفرد، وبالغ عطاء فقال إذا كنت في سفر فلم تؤذن ولم تقم فأعد الصلاة ولعله كان يرى ذلك شرطا في صحة الصلاة أو يرى استحباب الإعادة لا وجوبها انتهى كلام الحافظ.
فائدة : قال أبو بكر بن العربي في عارضة الأحوذي لم يذكر أبو عيسى رفع الصوت بالأذان وذكر أبو داود فيه حديث أبي هريرة المؤذن يغفر له مدى صوته ويشهد له كل رطب ويابس والحديث في ذلك مشهور صحيح بيناه في شرح الصحيحين انتهى. قلت وفي ذلك حديث أبي سعيد الخدري الذي ذكرناه آنفاً.

(1/611)


152 ـ باب مَا جَاءَ فِي فَضْلِ الأَذَان
206 ـ حدثنا مُحَمّدُ بْنِ حُمَيْدٍ الرّازِيّ حدثنا أَبُو تُمَيْلَةَ حدثنا
ـــــــ
"باب ما جاء في فضل الأذان"
قوله: "ثنا أبو تميلة" بمثناه مصغرا اسمه يحيى بن واضح الأنصاري مولاهم، ثقة من

(1/611)


أَبُو حَمْزَةَ عن جَابِر عن مُجاهِدٍ عن ابْنِ عَبّاس أنّ النّبِيّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "مَن أَذّنَ سَبْعَ سِنِينَ مُحْتَسِباً كُتِبَتْ لَهُ بَرَاءَةٌ مِنَ النّارِ".
قَالَ "أَبو عِيسَى": وفي البابِ "عَنْ عَبْدِ الله" بْنِ مَسْعُودٍ، وَثوْبَان، وَمعَاوِيَةَ، وَأَنَسٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَأبِي سَعِيدٍ.
"قال أبو عيسى": حَدِيثُ ابْنِ عَبّاسٍ حَدِيثٌ غَرِيبٌ.
وَأَبُو تمَيْلَةَ اسْمُهُ "يَحْيَى بْنُ وَاضِحٍ".
وأبُو حَمْزَةَ السّكّرِيّ اسمُهُ "مُحَمّدُ بن مَيْمُونٍ".
ـــــــ
كبار التاسعة مشهور بكنيته "نا أبو حمزة" اسمه محمد بن ميمون المروزي ثقة فاضل "عن جابر" هو ابن يزيد بن الحارث الجعفي أبو عبد الله الكوفي، ضعيف رافضي كذا في التقريب.
قوله : "من أذن سبع سنين محتسباً" أي طالبا للثواب لا للأجرة "كتبت له براءة" بالمدأى خلاص "من النار" قال المناوي لأن مداومته على النطق بالشهادتين والدعاء إلى الله تعالى هذه المدة من غير باعث دنيوي صير نفسه كأنها معجونة بالتوحيد والنار لا سلطان لها على من صار كذلك، وأخد منه أنه يندب للمؤذن أن لا يأخذ على أذانه أجراً انتهى.
قوله : "وفي الباب عن ابن مسعود وثوبان ومعاوية وأنس وأبي هريرة وأبي سعيد" أما حديث ابن مسعود وحديث ثوبان فلم أقف على من أخرجهما وأما حديث معاوية فأخرجه مسلم عنده قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: المؤذنون أطول الناس أعناقاً يوم القيامة، وأما حديث أنس فأخرجه مسلم وله أحاديث في هذا الباب وأما حديث أبي هريرة فأخرجه أحمد عنه مرفوعاً بلفظ: المؤذن يغفر له مدى صوته ويصدقه كل رطب ويابس وأخرجه أبو داود وابن خزيمة وعندهما: ويشهد له كل رطب ويابس وأما حديث أبي سعيد فقد مر تخريجه ولفظه وفي الباب أحاديث كثيرة ذكرها المنذري في الترغيب والحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد.
قوله : "حديث ابن عباس حديث غريب" وأخرجه بن ماجه وهو حديث ضعيف لأن في سنده جابراً الجعفي "وأبو حمزة السكري" ثم بذلك لحلاوة كلامه كذا في الخلاصة "وجابر بن يزيد الجعفي" بضم الجيم وسكون العين وبفاء منسوب إلى جعفي بن

(1/612)


وجَابِرُ بنْ يَزِيدَ الجُعْفِيّ ضَعّفوهُ تَرَكَه يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ وَعَبْدُ الرّحْمَنِ بنُ مَهْدِيّ.
قَالَ "أَبُو عِيسَى": سَمِعْتُ الْجَارُودَ يَقُولُ: سَمِعْتُ وَكِيعاً يَقُولُ: لَوْلاَ جَابِرٌ "الجُعْفِيّ" لَكَانَ أَهْلُ الْكوفَةِ بِغَيْرِ حَدِيثٍ، وَلَوْلاَ حَمّادٌ لَكَانَ أَهْلُ الْكُوفَةِ بِغَيْرِ فِقْهٍ.
ـــــــ
سعد كذا في المغني لصاحب مجمع البحار "ضعفوه تركه يحيى بن سعيد وعبد الرحمن بن مهدي" وقال الإمام أبو حنيفة ما رأيت فيمن لقيت أفضل من عطاء ولا لقيت فيمن لقيت أكذب من جابر الجعفي ما أتيته بشيء من رأيي قط إلا جاءني فيه بحديث كذا في تخريج الزيلعي ص 248 "لولا جابر الجعفي لكان أهل الكوفة بغير حديث ولولا حماد لكان أهل الكوفة بغير فقه" حماد هذا هو ابن أبي سليمان أبو إسماعيل الكوفي الفقيه روى عن إبراهيم النخعي وخلق، وعنه ابنه إسماعيل ومغيرة وأبو حنيفة ومسعر وشعبة وتفقهوا به قال النسائي ثقة مرجئ.

(1/613)


باب ما جاء في أن الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن
...
153 ـ بابُ مَا جَاءَ أَنّ الإِمَامَ ضَامنٌ وَالْمُؤَذّن مُؤْتَمَن
207 ـ حَدّثَنَا هَنّادٌ حَدّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ وَ أَبُو مُعَاوِيةَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبي صَالِحٍ عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله
ـــــــ
"باب ما جاء أن الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن"
قوله: "الإمام ضامن" قال الجزري في النهاية أراد بالضمان ههنا الحفظ والرعاية لا ضمان الغرامة لأنه يحفظ على القوم صلاتهم وقيل إن صلاة المقتدين به في عهدته وصحتها

(1/613)


عليه وسلم: "الإمَامُ ضَامِنٌ وَالْمُؤَذّنُ مُؤْتَمَنٌ، الْلهُمّ أُرْشِدِ الأَئِمَةَ وَاغْفِرْ لِلْمُؤَذّنِينَ" .
"قال أبو عيسى": وفي البابِ عَنْ عَائِشَةَ، وَسَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، وَعقْبَةَ بنِ عَامِرٍ.
ـــــــ
مقرونة بصحة صلاته فهو كالمتكفل لهم صحة صلاتهم انتهى "المؤذن مؤتمن" قيل المراد أنه أمين على مواقيت الصلاة وقيل أمين على حرم الناس لأنه يشرف على المواضع العالية، قلت ويؤيد الأول حديث أبي محذورة مرفوعاً المؤذنون أمناء الله على فطرهم وسحورهم، أخرجه الطبراني في الكبير، قال الهيثمي في مجمع الزوائد إسناده حسن، والحديث استدل به على فضيلة الأذان وعلى أنه أفضل من الأمة لأن الأمين أرفع حالا من الضمين، ويؤيد قول من قال إن الإمامة أفضل أن النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين بعده أموا ولم يؤذنوا وكذا كبار العلماء بعدهم "اللهم أرشد الأئمة" أي أرشدهم للعلم بما تكفلوه والقيام به والخروج عن عهدته "واغفر للمؤذنين" أي ما عسى يكون لهم تفريط في الأمانة التي حملوها من جهة تقديم على الوقت أو تأخير عنه سهواً، قال الأشرف يستدل بقوله الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن على فضل الأذان على الإمامة لأن حال الأمين أفضل من حال الضمين تم كلامه. ورد بأن هذا الأمين يتكفل الوقت فحسب وهذا الضامن يتكفل أركان الصلاة ويتعهد للسفارة بينهم وبين ربهم في الدعاء فأين أحدهما من الآخر وكيف لا والإمام خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤذن خليفة بلال، وأيضا الإرشاد الدلالة الموصلة إلى البغية والغفران مسبوق بالذنب قاله الطيبي، قال القارى في المرقاة وهو مذهبنا في الحنفية وعليه جمع من الشافعية انتهى. قلت وهو القول الراجح وقد تقدم ما يؤيده والله تعالى أعلم.
قوله : "وفي الباب عن عائشة وسهل بن سعد وعقبة بن عامر" أما حديث عائشة فأخرجه ابن حبان في صحيحه عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن فأرشد الله الأئمة وعفى عن المؤذنين. وأما حديث سهل بن سعد فأخرجه ابن ماجه والحاكم في المستدرك عنه مرفوعا بلفظ: الإمام ضامن فإن أحسن فله ولهم وإن أساء فعليه ولا عليهم. وأما حديث عقبة بن عامر فلم أقف عليه، وفي الباب أيضاً عن أبي أمامة ووائلة وأبي محذورة ذكر أحاديثهم الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد.

(1/614)


"قال أبو عيسى": حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ رَوَاهُ سُفْيَانُ الثّوْرِيّ وَحَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عن النّبِيّ صلى الله عليه وسلم.
وَرَوى أسْبَاطُ بنُ مُحَمّدٍ عن الأَعْمَشِ قَالَ: حُدّثْتُ عن أَبِي صَالِحٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النّبِيّ صلى الله عليه وسلم.
وَرَوى نَافعُ بنُ سُليْمَانَ عَنْ محمدِ بْن أَبي صَالحٍ عنْ أَبيهِ عَنْ عَائِشةَ عَنِ النّبي صلى الله عليه وسلم هَذَا الْحَديثَ.
قَالَ "أبو عيسَى": وَسَمِعْتُ أَبَا زُرْعَةَ يَقُولُ: حَديثُ أَبي صالِحٍ عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ أَصَحّ مِنْ حَديثِ أَبي صَالِحٍ عَنْ عائِشةَ.
"قال أبو عيسى": وَسَمِعْتُ محمداً يَقُولُ: حَدِيثُ أَبي صَالِحٍ عنْ عَائِشَةَ أَصَحّ. وَذَكرَ عنْ عَليّ بْن المَدِينِيّ أنّهُ لَمْ يُثْبِتْ حديثَ "أَبي صَالِحٍ عَن" أَبي هُرَيْرَةَ، وَلاَ حَديثَ أَبي صَالِحٍ عنْ عَائِشةَ في هَذَا.
ـــــــ
قوله : "وذكر عن علي بن المديني أنه لم يثبت حديث أبي صالح عن أبي هريرة ولا حديث أبي صالح عن عائشة في هذا" ورجح العقيلي والدارقطني طريق أبي صالح عن أبي هريرة على طريق أبي صالح عن عائشة كما نقل الترمذي عن أبي زرعة وصححهما ابن حبان جميعاً ثم قال: قد سمع أبو صالح هذين الخبرين من عائشة وأبي هريرة جميعاً كذا في التلخيص ص 77 وقال في النيل: قال اليعمري والكل صحيح والحديث متصل انتهى وحديث أبي هريرة المذكور أخرجه أيضاً أحمد وأبو داود

(1/615)


باب ما جاء في ما يقول الرجل إذا أذن المؤذن
...
154 ـ بابُ "مَا جَاء" مَا يَقُولُ "الرّجُلُ" إذَا أذّنَ الْمُؤَذّن
208 ـ حدثنا "إِسْحَاقُ بنُ مُوسَى" الأنْصَارِيّ حَدثَنَا مَعْنٌ حدثَنا مَالِكٌ "قَالَ": وَحدثنَا قُتَيْبَة عَنْ مَالكٍ عنِ الزّهْرِيّ عَنْ عَطَاءِ بْن يَزِيدَ "الليْثِيّ" عَنْ أبي سَعيدٍ قَال: قَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إِذَا سَمِعْتُمُ النّداءَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ المُؤَذّنُ" .
ـــــــ
باب ما يقول إذا أذن المؤذن
قوله: "عن عطاء بن يزيد الليثي" المدني نزيل الشام ثقة من الثالثة.
قوله : "إذا سمعتم النداء فقولوا مثل ما يقول المؤذن" قال القاري في المرقاة إلا في الحيعلتين فإنه يقول لا حول ولا قوة إلا بالله، وإلا في قوله الصلاة خير من النوم، فإنه يقول صدقت وبررت وبالحق نطقت. وبررت بكسر الراء الأولى وقيل بفتحها أي صرت ذابر وخير كثير انتهى كلام القاري.
قلت: أما قوله إلا في الحيعلتين فلحديث عمر مرفوعاً إذا قال المؤذن الله أكبر الله أكبر فقال أحدكم الله أكبر الله أكبر ثم قال أشهد أن لا إله إلا الله قال أشهد أن لا إله إلا الله، ثم قال أشهد أن محمداً رسول الله قال أشهد أن محمداً رسول الله ثم، قال حي على الصلاة قال لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال حي على الفلاح قال لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال الله أكبر الله أكبر قال الله أكبر الله أكبر، ثم قال لا إله إلا الله قال لا إله إلا الله دخل الجنة، رواه مسلم، وأما قوله وإلا في قوله الصلاة خير من النوم، فإنه يقول صدقت وبررت فلم أقف على حديث يدل عليه، وقال محمد بن إسمعيل الأمير في سبل السلام ص 78 وقيل يقول في جواب التثويب صدقت وبررت. وهذا استحسان من قائله وإلا فليس فيه سنة تعتمد انتهى.
فائدة: أخرج أبو داود في سننه عن رجل من أهل الشام عن شهر بن حوشب عن أبي أمامة أو عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن بلالاً أخذ في الإقامة فلما أن قال قد قامت الصلاة قال النبي صلى الله عليه وسلم أقامها الله وأدامها وقال في سائر

(1/616)


قَال "أَبو عِيسى": وفي البابِ عَنْ أبي رَافِعٍ، وَأَبي هُرَيْرَةَ، وَأُمّ حَبِيبَةَ، وَعَبْدِ الله بْن عَمْرٍو، وَعَبْدِ الله بن رَبِيعَةَ، وَعَائِشةَ، وَمُعَاذِ بْن أَنَسٍ، وَمُعَاوِيَةَ.
قال أبو عيسى: حديثُ أَبي سَعِيدٍ حديثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَهَكَذَا رَوَى مَعْمَرٌ وَغَيْرُ وَاحِدٍ عَنِ الزّهْرِيّ مِثْلَ حَديثِ مَالِكٍ.
وَرَوَى عَبْدُ الرّحْمَن بْنُ إسْحَاقَ عَنِ الزّهْريّ هَذَا الْحَديثَ عَنْ سَعِيدِ بْن الْمَسّيبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَن النبي صلى الله عليه وسلم.
ـــــــ
الإقامة كنحو حديث عمر في الأذان انتهى، يريد بحديث عمر ما ذكرناه آنفاً عن صحيح مسلم وفيه دلالة على استحباب مجاوبة المقيم لقوله وقال في سائر الإقامة بنحو حديث عمر وفيه أيضاً أنه يستحب لسامع الإقامة أن يقول عند قول المقيم قد قامت الصلاة أقامها الله وأدامها، لكن الحديث في إسناده رجل مجهول وشهر بن حوشب تكلم فيه غير واحد ووثقة يحيى بن معين وأحمد بن حنبل.
قوله : "وفي الباب عن أبي رافع وأبي هريرة وأم حبيبة وعبد الله بن عمرو وعبد الله بن ربيعة وعائشة ومعاذ بن أنس ومعاوية" أما حديث أبي رافع فأخرجه أحمد والبزار والطبراني في الكبير وفيه عاصم بن عبيد الله وهو ضعيف، إلا أن مالكاً روى عنه كذا في مجمع الزوائد. وأما حديث أبي هريرة فأخرجه الترمذي وابن حبان والحاكم كذا في التلخيص. وأما حديث أم حبيبة فأخرجه ابن خزيمة والحاكم. وأما حديث عبد الله بن عمرو فأخرجه أبو داود والنسائي. وأما حديث عبد الله بن ربيعة فلم أقف عليه، وأما حديث عائشة فأخرجه أبو داود وأما حديث معاذ بن أنس فأخرجه أحمد والطبراني في الكبير وفيه ابن لهيعة وفيه ضعف كذا في مجمع الزوائد. وأما حديث معاوية فأخرجه البخاري والنسائي.
قوله : "حديث أبي سعيد حديث حسن صحيح" أخرجه الجماعة.
قوله : "وهكذا روى معمر وغير واحد عن الزهري مثل حديث مالك إلخ" أي كما روى مالك هذا الحديث عن الزهري عن عطاء بن يزيد عن أبي سعيد كذلك رواه معمر وغير واحد عن الزهري عن عطاء بن يزيد عن أبي سعيد لكن عبد الرحمن بن إسحاق

(1/617)


وَرِوَايَةُ مَالِكٍ أَصَحّ.
ـــــــ
أحد أصحاب الزهري خالف هؤلاء فرواه عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة، ورواية مالك أصح فإنه تابعه معمر وغير واحد من أصحاب الزهري بخلاف رواية عبد الرحمن بن إسحاق فإنه لم يتابعه أحد، قال الحافظ في الفتح: اختلف على الزهري في إسناد هذا الحديث وعلى مالك أيضاً لكنه اختلاف لا يقدح في صحته، فرواه عبد الرحمن بن إسحاق عن الزهري عن سعيد عن أبي هريرة أخرجه النسائي وابن ماجه وقال أحمد بن صالح وأبو حاتم وأبو داود والترمذي حديث مالك ومن تابعه أصح انتهى.

(1/618)


155 ـ بابُ مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةِ أَنْ يَأْخُذَ "الْمُؤّذّنُ" عَلَى الأَذَانِ أَجْرا
209 ـ حدثنا هَنّادٌ حدّثَنا أَبو زُبَيْدٍ وَهُوَ عَبْثَرُ بنُ الْقَاسِمِ عَنْ أَشْعَثَ عَنِ الْحَسَنِ عَنِ عُثْمانَ بن أَبي العَاصِ قَال: "إِنّ مِنْ آخِرِ مَا عَهِدَ إلَيّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أَنِ اتِخَدْ مُؤَذّناً لاَ يَأْخُذُ عَلَى أَذَانِهِ أَجْراً".
ـــــــ
"باب ما جاء في كراهية أن يأخذ المؤذن على الأذان أجرا"
قوله: "نا أبو زبيد" بالتصغير اسمه عبثر بن القاسم الزبيدي بالضم الكوفي ثقة من الثامنة "عن أشعث" هو ابن سوار الكندي النجار الكوفي مولى ثقيف يقال له أشعث النجار، ويقال له أشعث التابوتي وأشعث الأفرق، روى عن الحسن البصري والشعبي وغيرهما وروى عنه شعبة والثوري وعبثر بن القاسم وغيرهم قاله الحافظ في تهذيب التهذيب، وقال في التقريب ضعيف، وقال الخزرجي حدثه في مسلم متابعة "عن الحسن" هو البصري "عن عثمان بن أبي العاص" صحابي شهير استعمله رسول الله صلى الله عليه وسلم على الطائف ومات في خلافة معاوية بالبصرة.
قوله : "إن من آخر ما عهد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم" أي حين توديعه إلى الطائف للعمل "أن اتخذ مؤذناً لا يأخذ على أذانه أجراً" فيه دلالة ظاهرة على أن يكره

(1/618)


قال أبو عيسى: حدِيثُ عُثْمانَ حَديثٌ حسَنٌ "صحيحٌ".
وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ: كَرِهُوا أَنْ يَأْخُذَ الْمُؤَذّنُ عَلَى الأَذَانِ أَجْراً، وَاسْتَحَبّوا لِلْمؤَذّنِ أَنْ يَحْتَسِبَ فِي أَذَانِهِ.
ـــــــ
أخذ الأجرة وقد عقد ابن حبان ترجمة على الرخصة في ذلك، وأخرج عن أبي محذورة أنه قال فألقي على رسول الله صلى الله عليه وسلم الأذان فأذنت ثم أعطاني حين قضيت التأذين صرة فيها من فضة، وأخرجه أيضاً النسائي قال اليعمري ولا دليل فيه لوجهين، الأول إن قصة أبي محذورة أول ما أسلم لأنه أعطاء حين علمه الأذان وذلك قبل إسلام عثمان بن أبي العاص الراوي لحديث النهي. فحديث عثمان متأخر. الثاني أنها واقعة عين يتطرق إليها الاحتمال وأقرب الاحتمالات فيها أن يكون من باب التأليف لحداثة عهده بالإسلام كما أعطى حينئذ غيره من المؤلفة قلوبهم ووقائع الأحوال إذا تطرق إليها الاحتمال سلبها الاستدلال لما بيقي فيها من الإجمال، قال الشوكاني بعد نقل كلام ابن سيد الناس هذا: وأنت خبير بأن هذا الحديث لا يرد على من قال إن الأجرة إنما تحرم إذا كانت مشروطة لا إذا أعطيها بغير مسألة. والجمع بين الحديثين بمثل هذا حسن.
قلت: ما قال الشوكاني في وجه الجمع بين الحديثين لا شك في حسنة.
قوله : "حديث عثمان حديث حسن" قال في المنتقي بعد ذكره رواه الخمسة. وقال في النيل صححه الحاكم وقال ابن المنذر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعثمان ابن أبي العاص واتخذ مؤذناً لا يأخذ على أذانه أجراً وأخرج ابن حبان عن يحيى البكالى قال سمعت رجلاً قال لابن عمر إني لأحبك في الله فقال له ابن عمر إني لأبغضك في الله فقال سبحان الله أحبك في الله وتبغضني في الله قال نعم أنك تسأل على أذانك أجراً، وروى عن ابن مسعود أنه قال أربع لا يؤخذ عليهن أجر الأذان وقراءة القرآن والمقاسم والقضاء انتهى.
قوله : "والعمل على هذا عند أهل العلم كرهوا أن يأخذ على الأذان أجراً واستحبوا للمؤذن أن يحتسب في أذانه" قال الخطابي أهذ المؤذن على أذانه مكروه بحسب مذاهب أكثر العلماء، قال الحسن أخشى أن لا تكون صلاته خالصة وكرهه الشافعي وقال يرزق من خمس الخمس من سهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه مرصد لمصالح المسلمين.

(1/619)


............................................
ـــــــ
وقال في النيل قد ذهب إلى تحريم الأجر شرطاً على الأذان والإقامة الهادي والقاسم والناصر وأبو حنيفة وغيرهم، وقال مالك لا بأس بأخذ الأجر على ذلك، وقال الأوزاعي يجاعل عليه ولا يؤاجر، وقال الشافعي في الأم أحب أن يكون المؤذنون متطوعين، قال وليس للإمام أن يرزقهم وهو يجد من يؤذن متطوعاً ممن له أمانة إلا أن يرزقهم من ماله، قال ولا أحسب أحداً ببلد كثير الأهل يعوزه أن يجد مؤذناً أميناً يؤذن متطوعاً، فإن لم يجده فلا بأس أن يرزق مؤذناً ولا يرزقه إلا من خمس الخمس الفضل، وقال ابن العربي الصحيح جواز أخذ الأجرة على الأذان والصلاة والقضاء وجميع الأعمال الدينية فإن الخليفة يأخذ أجرته على هذا كله وفي كل واحد منها يأخذ النائب أجرة كما يأخذ المستغيب والأصل في ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: ما تركت بعد نفقة، نسائي ومؤنة عاملي فهو صدقة انتهى، فقاس المؤذن على العامل وهو قياس في مصادمة النص وفتيا ابن عمر التي مرت لم يخالفها أحد من الصحابة كما صرح بذلك اليعمري كذا في النيل.
قلت: القول الراجح عندي هو قول الجمهور والله تعالى أعلم.

(1/620)


156 ـ بابُ "مَا جَاءَ" مَا يَقُولُ "الرّجُلُ" إذَا أَذّنَ الْمُؤَذّنُ "منَ الدّعَاءِ"
210 ـ حدّثَنا قُتَيْبَةُ حَدّثَنا اللّيْثُ عنِ الْحُكَيْمِ بن عبْد الله بن قَيْسٍ عَنْ عَامِرِ بْن سعدٍ عنْ سَعْدِ بْن أَبي وَقّاصٍ عَنْ رسول الله صلى الله
ـــــــ
"باب ما يقول إذا أذن المؤذن من الدعاء"
قوله: من الدعاء بيان لما والمعنى أي دعاء يدعو به السامع إذا أذن المؤذن.
قوله : "عن الحكيم" بضم أوله مصغراً "بن عبد الله بن قيس" بن مخرمة بن المطلب المطلبي نزيل مصر صدوق من الرابعة "عن عامر بن سعد" بن أبي وقاص الزهري المدني، روى عن أبيه وغيره قال ابن سعد ثقة كثير الحديث مات سنة 104 أربع ومائة "عن سعد بن أبي وقاص" اسمه مالك صحابي جليل شهد بدراً والمشاهد وهو أحد العشرة وآخرهم موتاً، وأول من رمي في سبيل الله وفارس الإسلام وأحد ستة الشورى ومقدم

(1/620)


عليه وسلم قَالَ: "مَنْ قَالَ حينَ يَسْمَعُ الْمُؤَذّنَ: وَأَنَا أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَه إِلاّ الله وحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَأَنّ محمداً عبده ورسولهُ، رَضِيتُ بِالله رَبّا وَبمُحَمّدٍ رَسُولاً وَبالاْسْلاَم دِيناً ـ: غُفِرَ لَهُ ذَنْبُهُ" .
قال أبو عيسى: و هَذَا حَدِيثٌ حسَنٌ صَحيحٌ غَرِيبٌ، لاَ نَعْرِفُهُ إلاّ مِنْ حَدِيثِ اللّيْثِ بن سْعدٍ عَنْ حُكَيْمِ بن عبْدِ الله بن قَيْسٍ.
ـــــــ
جيوش الإسلام في فتح العراق ومناقبه كثيرة مات بالعقيق سنة خمس وخمسين على المشهور.
قوله : "من قال حين يسمع المؤذن" أي أذانه أو صوته أو قوله وهو الأظهر وهو يحتمل أن يكون المراد به حين يسمع تشهده الأول أو الأخير وهو قوله آخر الأذان لا إله إلا الله وهو أنسب ويمكن أن يكون معنى يسمع يجيب فيكون صريحاً في المقصود وأن الثواب المذكور مرتب على الإجابة بكمالها مع هذه الزيادة، ولأن قوله بهذه الشهادة في أثناء الأذان ربما يفوته الإجابة في بعض الكلمات الآتية كذا في المرقاة "وأنا أشهد أن لا إله إلا الله" وفي رواية لمسلم أنا أشهد بغير لفظ أنا وبغير الواو "رضيت بالله ربا" أي بربوبيته وبجميع قضائه وقدره فإن الرضا بالقضاء باب الله الأعظم، وقيل حال أي مربياً ومالكاً وسيداً ومصلحاً "وبمحمد رسولاً" أي بجميع ما أرسل به وبلغه إلينا من الأمور الاعتقادية وغيرها "وبالإسلام" أي بجميع أحكام الإسلام الأوامر والنواهي "دينا" أي اعتقاداً أو انقياداً قاله القاري "غفر الله له ذنوبه" أي من الصغائر جزاء لقوله من قال حين يسمع المؤذن.
قوله : "هذا حديث حسن صحيح غريب" وأخرجه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه. قال ميرك والعجب من الحاكم أنه أخرجه في المستدرك وأعجب من ذلك تقرير الذهبي له في استدراكه عليه وهو في صحيح مسلم بلفظه انتهى ذكره القاري في المرقاة، ثم قال لعل إخراج الحاكم له بغير السند الذي في مسلم فلينظر فيه ليعلم ما فيه والله أعلم انتهى.

(1/621)


157 ـ بابُ مِنْهُ آخَر
211 ـ حَدّثَنَا مُحَمّدُ بْنُ سَهْلِ بْنِ عَسْكَرٍ الْبَغْدَادِيّ وَ إِبْرَهِيمُ بنُ يَعْقُوبَ قَالاَ: حَدّثَنَا عَلِيّ بنُ عَيّاشٍ "الْحِمِصِيّ" حَدّثَنَا شُعَيْبُ بنُ أَبي حَمْزةَ حَدّثَنَا مُحَمّدُ بنُ المُنْكَدِرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ النّدَاءَ: اللهُمّ ربّ هَذِهِ الدّعْوَةِ التّامّةِ وَالصّلاَةِ الْقَائِمَةِ آتِ مُحَمّداً الْوَسِيلَةَ وَالْفضِيلَةَ وَابْعَثهُ
ـــــــ
"باب منه" أيضا
قوله : "حدثنا محمد بن سهل بن عسكر البغدادي" التميمي مولاهم البخاري الحافظ الجوال، وثقه النسائي وابن عدي روى عنه مسلم والترمذي والنسائي وغيرهم "وإبراهيم ابن يعقوب" الحافظ الجوزجاني بضم الجيم الأولى مصنف الجرح والتعديل، نزيل دمشق روى عنه أبو داود والترمذي والنسائي ووثقه، وكان أحمد يكاتبه إلى دمشق ويكرمه إكراماً شديداً، وقال الدارقطني كان من الحفاظ المصنفين وقد رمي بالنصب توفي سنة 259 تسع وخمسين ومائتين، قال الحافظ في التقريب ثقة حافظ.
قوله : "علي بن عياش" بالياء الأخيرة والشين المعجمة، وهو الحمصي من كبار شيوخ البخاري ولم يلقه من الأئمة الستة غيره "حين يسمع النداء" أي الأذان واللام للعهد أو المراد من النداء تمامه أي حين يسمع النداء بتمامه، يدل عليه حديث عبد الله بن عمرو ابن العاص عند مسلم بلفظ: قولوا مثل ما يقول ثم صلوا ثم سلوا الله لي الوسيلة، ففي هذا أن ذلك يقال عند فراغ الأذان "اللهم" أي يا الله والميم عوض عن يا فلذلك لا يجتمعان "رب" منصوب على النداء "هذه الدعوة التامة" بفتح الدال والمراد بالدعوة ههنا ألفاظ الأذان التي يدعي بها الشخص إلى عبادة الله تعالى قاله العيني. وقا ل الحافظ المراد بها دعوة التوحيد، كقوله تعالى: {لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ} وقيل لدعوة التوحيد تامة لأن الشرك نقص أو التامة التي لا يدخلها تغيير ولا تبديل بل هي باقية إلى يوم النشور أو لأنها هي التي تستحق صفة التمام وما سواها فمعرض للفساد "والصلاة" المراد بالصلاة المعهودة المدعو إليها حينئذ "القائمة" أي الدائمة التي لا تغيرها ملة ولا تنسخها شريعة، وأنها قائمة ما دامت السموات والأرض "آت" أمر من الإيتاء أي أعط "الوسيلة" قد فسرها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وقع ذلك في حديث عبد الله بن عمر عند مسلم "والفضيلة" المرتبة الزائدة على سائر

(1/622)


مَقَاماً مَحمُوداً الّذِي وَعَدْتَهُ ـ: إِلاّ حَلّتْ لَهُ الشّفَاعَةُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" .
ـــــــ
الخلائق ويحتمل أن تكون منزلة أخرى أو تفسيراً للوسيلة قاله الحافظ "مقاماً محموداً" أي يحمد القائم فيه وهو مطلق في كل ما يجلب الحمد من أنواع الكرامات ونصب على الظرفية أي ابعثه يوم القيامة فأقمه مقاماً محموداً أو ضمن ابعثه معنى أقمة أو على أنه مفعول به ومعنى ابعثه أعطه "الذي وعدته" قال الحافظ في الفتح زاد في رواية البيهقي إنك لا تخلف الميعاد، وقال الطيبي المراد قوله تعالى {عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً} وأطلق عليه الوعد لأن عسى من الله واقع كما صح عن ابن عيينة وغيره. والموصول إما بدل أو عطف بيان أو خبر مبتدأ محذوف وليس صفة للنكرة، ووقع في رواية النسائي وابن خزيمة وغيرهما المقام المحمود بالألف واللام فيصح وصفة بالموصول قال ابن الجوزي: والأكثر على أن المراد بالمقام المحمود الشفاعة: وقيل إجلاسه على العرش وقيل على الكرسي. وحكى كلا من القولين عن جماعة وعلى تقدير الصحة لا ينافي الأول لاحتمال أن يكون الإجلاس علامة الأذن في الشفاعة، ويحتمل أن يكون المراد بالمقام المحمود الشفاعة كما هو المشهور، وأن يكون الإجلاس هي المنزلة المعبر عنها بالوسيلة أو الفضيلة ووقع في صحيح ابن حبان من حديث كعب بن مالك مرفوعاً يبعث الله الناس فيكسوني ربي حلة خضراء فأقول ما شاء الله أن أقول فذلك المقام المحمود، ويظهر أن المراد بالقول المذكور هو الثناء الذي يقذدمه بين يدي الشفاعة، ويظهر أن المقام المحمود هو مجموع ما يحصل له في تلك الحالة، ويشعر قوله في آخر الحديث حلت له شفاعتي بأن الأمر المطلوب له الشفاعة والله أعلم انتهى كلام الحافظ "إلا حلت له الشفاعة" أي استحقت ووجبت أو نزلت عليه، يقال حل يحل بالضم إذا نزل، واللام بمعنى على ويؤيده رواية مسلم: حلت عليه ووقع في الطحاوي من حديث ابن مسعود وجبت له، ولا يجوز أن يكون حلت من الحل لأنها لم تكن قبل ذلك محرمة كذا في الفتح. وفي رواية البخاري حلت له شفاعتي بدون إلا وهو الظاهر. وأما مع إلا فيجعل من في من قال استفهامية للانكار قاله في فتح الودود. وقال السيوطي في حاشية النسائي ما لفظه: وقوله هنا وفي رواية الترمذي إلا يحتاج إلى تأويل. وتأويله أنه حمله على معنى لا يقول ذلك أحد إلا حلت انتهى.
فائدة : قد اشتهر على الألسنة في هذا الدعاء زيادتان، الأولى إنك لا تخلف الميعاد

(1/623)


قال أبو عيسى: حَدِيثُ جَابِرٍ حَدِيثٌ "صَحِيحٌ" حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثِ مُحَمّدِ بنِ الْمنْكَدِرِ، لاَ نَعْلَمُ أَحَداً رَوَاهُ غَيْر شُعْيْبِ بنِ أَبِي حَمْزَةَ "عَنْ مُحَمّدِ بنِ الْمُنْكَدِرِ".
"وَأَبُو حَمْزَةَ اسْمُهُ "دِينَارٌ"".
ـــــــ
في آخره، والثانية والدرجة الرفيعة بعد قوله والفضيلة. أما الأولى فقد وقعت في رواية البيهقي كما عرفت، وأما الثانية فلم أجدها في رواية. قال القاري في المرقاة أما زيادة الدرجة الرفيعة المشهورة على الألسنة فقال البخاري لم أره في شيء من الروايات انتهى.
قوله : "حديث جابر حديث حسن غريب إلخ" بل هو حديث صحيح غريب فإنه أخرجه البخاري في صحيحه بسند الترمذي قال الحافظ فهو غريب مع صحته، وقد توبع ابن المنكدر عليه عن جابر أخرجه الطبراني في الأوسط من طريق أبي الزبير عن جابر. كذا في قوت المغتذي.

(1/624)


158 ـ بابُ مَا جَاءَ فِي "أَنّ" الدّعَاءَ "لاَ يُرَدّ" بَيْنَ الأذَانِ وَالإقَامَة
212 ـ حدثنَا مَحْمُودُ "بنُ غَيْلاَنَ" حَدّثَنَا وَكِيعٌ وَ عَبْدُ الرزّاقِ وَ أَبُو أَحْمَدَ وَ أَبُو نُعَيْمٍ قَالُوا: حَدّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ زَيْدٍ العَمّيّ عَنْ أَبِي إيَاسٍ
ـــــــ
"باب ما جاء في أن الدعاء لا يرد بين الأذان والإقامة"
قوله: "وأبو أحمد" اسمه محمد بن عبد الله بن زبير الزبيري الكوفي ثقة ثبت إلا أنه قد يخطئ في حديث الثوري "وأبو نعيم" بالتصغير هو الفضل بن دكين الملائي، قال أحمد ثقة يقظان عارف بالحديث، وقال الفسوي أجمع أصحابنا على أن أبا نعيم كان غاية في الإتقان "قالوا نا سفيان" هو الثوري "عن زيد العمى" بفتح العين وشدة الميم، قال في المغني إنما سمي زيد بالعمي لأنه كلما سئل عن شيء يقول حتى أسأل عمي وزيد العمي هذا هو ابن الحواري البصري قاضي هراة، قال الحافظ في التقريب ضعيف، وقال الخزرجي في الخلاصة ضعفة أبو حاتم والنسائي وابن عدى قال أحمد والدارقطني صالح انتهى "عن أبي إياس" بكسر الهمزة ككتاب "معاوية بن قرة"

(1/624)


مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرّةَ عَنْ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "الدّعَاءُ لاَ يُرَدّ بَيْنَ الأَذَان وَالاْقَامَةِ" .
قال أبو عيسى: حَدِيثُ أَنَسٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ "صَحِيحٌ".
وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو إِسْحَاقَ الْهَمْدَانِيّ عَنْ بُرَيْدِ بنِ أَبِي مَرْيَمَ عَنْ أَنَسٍ عَنِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم مِثْلَ هَذَا.
ـــــــ
بضم القاف وشدة المزني البصري ثقة عالم من رجال الكتب الستة.
قوله : "الدعاء لا يرد بين الأذان والإقامة" بل يقبل ويستجاب، وفي بعض روايات أنس الدعاء بين الأذان والإقامة مستجاب ذكره السيوطي في الجامع الصغير، ولفظ الدعاء بإطلاقه شامل لكل ولا بد من تقييده بما في الأحاديث الأخرى من أنه ما لم يكن دعاء بإثم أو قطيعة رحم. قال المناوي تحت قوله مستجاب أي بعد جمع شروط الدعاء وأركانه وآدابه فإن تخلف شيء منها فلا يلوم إلا نفسه انتهى.
قوله : "حديث أنس حديث حسن" وأخرجه أحمد وأبو داود والنسائي وابن خزيمة وابن حبان والضياء في المختارة كذا في المنتقي والنيل، وقال في بلوغ المرام وصححه ابن خزيمة "وقد رواه أبو إسحاق الهمداني" بسكون الميم وبالدال المهملة وهو السبيعي قاله في الخلاصة "عن بريد" بالموحدة مصغراً "بن أبي مريم" البصري ثقة من الرابعة "عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل هذا" أي مثل حديث الباب، قال الحافظ في التلخيص بعد ذكر حديث الباب رواه النسائي وابن خزيمة وابن حبان من حديث بريد بن أبي مريم عن أنس وأخرجه هو وأبو داود والترمذي من طريق معاوية ابن قرة عن أنس، قال وروى أبو داود وابن خزيمة وابن حبان والحاكم من حديث سهل بن سعد قال: ما ترد على داع دعوته عند حضور النداء الحديث انتهى.

(1/625)


159 ـ بابُ "مَا جَاءَكَمْ" فَرَضَ الله عَلَى عِبَادِهِ مِنَ الصّلَوَات
213 ـ حدثنَا مّحَمّدُ بنُ يَحْيَى "النّيْسَابِورِيّ" حَدّثَنَا عَبْدُ الرّزّاقِ أَخْبَرنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزهْرِيّ عَنْ أَنَسٍ بن مَالِكٍ قَالَ: "فُرِضَتْ عَلَى النّبِيّ صلى الله عليه وسلم لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ الصَلوَاتُ خَمْسِينَ، ثُمّ نُقِصَتْ حَتّى جُعِلَتْ خَمْساً، ثُمّ نُودِيَ: يا محمدُ: إِنّهُ لاَ يُبَدّلُ الْقَوْلُ لَدَيّ وَإِنّ لَكِ بِهَذِهِ الْخَمْسِ خَمْسينَ" .
ـــــــ
"باب ما جاء كم فرض الله على عباده من الصلوات"
قوله: "فرضت على النبي صلى الله عليه وسلم ليلة أسرى به الصلاة خمسين" وفي رواية ثابت عن أنس عند مسلم "فرض الله على خمسين صلاة كل يوم وليلة" وفي رواية للبخاري "فرض الله على أمتي خمسين صلاة" قال الحافظ فيحتمل أن يقال في كل من رواية الباب اختصار، أو يقال ذكر الفرض عليه يستلزم الفرض على الأمة وبالعكس إلا ما يستثنى من خصائصه "ثم نقصت حتى جعلت خمساً" قال الحافظ قد حققت رواية ثابت أن التخفيف كان خمساً خمساً وهي زيادة معتمدة يتعين حمل باقي الروايات عليها "ثم نودي يا محمد إنه" الضمير للشأن "لا يبدل القول" أي لا يغير "وإن لك بهذا الخمس خمسين" أي ثواب خمسين صلاة والحديث استدل به على فرضية الصلوات الخمس وعدم فرضية ما زاد عليها كالوتر، وعلى جواز النسخ قبل الفعل، قال الحافظ في الفتح: قال ابن بطال وغيره ألا ترى أنه عز وجل نسخ الخمسين بالخمس قبل أن تصلي ثم تفضل عليهم بأن أكمل لهم الثواب، وتعقبه ابن المنير فقال هذا ذكره طوائف من الأصوليين والشراح وهو مشكل على من أثبت النسخ قيل الفعل كالأشاعرة أو منعه كالمعتزلة لكونهم اتفقوا جميعاً على أن لا يتصور قبل البلاغ، وحديث الإسراء وقع فيه النسخ قبل البلاغ فهو مشكل عليهم جميعاً. وقال وهذه نكتة مبتكرة. قال الحافظ إن أراد البلاغ لكل أحد فممنوع وإن أراد قيل البلاغ إلى أمته فمسلم. لكن قد يقال ليس هو بالنسبة إليهم نسخاً، لكن هو بالنسبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم نسخ لأنه كلف بذلك قطعاً ثم نسخ بعد أن بلغه، وقبل أن يفعل فالمسألة صحيحة التصوير في حقه صلى الله عليه وسلم انتهى.

(1/626)


"قَالَ": وفي البابِ عَنْ عُبَادَةَ بن الصّامِتِ، وَطَلْحَةَ بْن عبَيْدِ الله، وَأَبي ذَرّ وَأَبي قَتادَةَ، وَمَالِكِ بْن صَعْصَعَةَ، وَأَبِي سعِيدٍ الْخُدْرِي.
قال أبو عيسى: حَدِيثُ أَنَسٍ حَدِيثٌ حسَنٌ صَحِيحٌ "غَرِيبٌ".
ـــــــ
قوله : "وفي الباب عن عبادة بن الصامت وطلحة بن عبيد الله وأبي قتادة وأبي ذر ومالك بن صعصعة وأبي سعيد الخدري" أما حديث عبادة بن الصامت فأخرجه أحمد والنسائي عنه مرفوعاً: خمس صلوات افترضهن الله تعالى من أحسن وضوءهن وصلاهن لوقتهن وأتم ركوعهن وخشوعهن كان له على الله عهداً أن يغفر له الحديث، وروى مالك والنسائي نحوه، وأما حديث طلحة بن عبيد الله فأخرجه الشيخان عنه قال جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل نجد ثائر الرأس نسمع دوي صوته ولا نفقه ما يقول الحديث، وفيه خمس صلوات في اليوم والليلة الحديث. وأما حديث أبي قتادة فلينظر من أخرجه، وأما حديث أبي ذر فأخرجه الشيخان، وأما حديث مالك بن صعصعة فأخرجه الشيخان أيضاً وأما حديث أبي سعيد الخدري فلينظر من أخرجه.
قوله : "حديث أنس حديث حسن صحيح غريب" وأخرجه أحمد والنسائي والحديث طرف من حديث الإسراء الطويل وأخرجه الشيخان مطولاً.

(1/627)


160 ـ بابُ "مَا جَاءَ" فِي فَضْلِ الصَلوَاتِ الْخَمْس
214 ـ حدّثَنا عَليّ بْنُ حُجْرٍ أخْبَرَنَا إسْمَاعيلُ بن جَعْفَرٍ عَن الْعَلاَءِ بْنِ عَبْدِ الرّحْمَن عَنْ أَبيهِ عنْ أَبي هُرَيْرَةَ أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: "الصّلَوَاتُ الْخَمْسُ وَالْجُمُعَةُ إِلَى الْجُمُعَةِ كَفّارَاتٌ لِمَا بَيْنَهُنّ، مَا لَمْ تُغْشَ الْكَبَائِرُ" .
ـــــــ
"باب في فضل الصلوات الخمس"
قوله: "الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة" زاد مسلم في رواية ورمضان إلى رمضان "كفارات لما بينهن" أي من الذنوب وفي رواية لمسلم مكفرات لما بينهن "ما لم تغش الكبائر"

(1/627)


"قَالَ": وفي البابِ عنْ جَابِرٍ، وَأنَسٍ، وَحَنْظَلَةَ الأُسَيّدِيّ.
قال أبو عيسى: حَديثُ أبي هُرَيْرَةَ حَديثٌ حسَنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
وفي رواية لمسلم إذا اجتنب الكبائر. قال النووي في شرح مسلم: في شرح حديث ما من امرئ مسلم تحضره صلاة مكتوبة فيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها إلا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب ما لم يؤت كبيرة. معناه إن الذنوب كلها تغفر إلا الكبائر فإنها لا تغفر وليس المراد أن الذنوب تغفر ما لم تكن كبيرة فإن كانت لا يغفر شيء من الصغائر، فإن هذا وإن كان محتملاً فسياق الحديث يأباه قال القاضي عياض هذا المذكور في الحديث من غفر الذنوب ما لم يؤت كبيرة هو مذهب أهل السنة وأن الكبائر إنما يكفرها التوبة أو رحمة الله تعالى وفضله، وقال القاري في المرقاة إن الكبيرة لا يكفرها الصلاة والصوم وكذا الحج وإنما يكفرها التوبة الصحيحة لا غيرها، نقل ابن عبد البر الإجماع عليه بعد ما حكى في تمهيده عن بعض معاصريه أن الكبائر لا يكفرها غير التوبة، ثم قال وهذا جهل وموافقة للمرجئة في قولهم إنه لا يضر مع الإيمان ذنب، وهو مذهب باطل بإجماع الأمة انتهى، قال العلامة الشيخ محمد طاهر في مجمع البحار ص 221 ج 2 ما لفظه في تعليقي: للترمذي لا بد في حقوق الناس من القصاص ولو صغيرة وفي الكبائر من التوبة، ثم ورد وعد المغفرة في الصلوات الخمس والجمعة ورمضان فإذا تكرر يغفر بأولها الصغائر وبالبواقي يخفف عن الكبائر وإن لم يصادف صغيرة ولا كبيرة يرفع بها الدرجات انتهى.
قوله : "وفي الباب عن جابر وأنس وحنظلة الأسيدي" أما حديث جابر فأخرجه مسلم، وأما حديث أنس فأخرجه الشيخان، وأما حديث حنظلة الأسيدي ويقال له حنظلة الكاتب فأخرجه أحمد بإسناد جيد مرفوعاً بلفظ: من حافظ على الصلوات الخمس ركوعهن وسجودهن ومواقيتهن وعلم أنهن حق من عند الله دخل الجنة، الحديث ورواته رواة الصحيح قاله المنذري في الترغيب.
قوله : "حديث أ بي هريرة حديث حسن صحيح" وأخرجه مسلم

(1/628)


161 ـ بابُ مَا جَاءَ فِي فَضْلِ الجَمَاعَة
215 ـ حَدّثَنا هَنّادٌ حدّثنَا عبْدَةُ عَنْ عبَيْدِ الله بن عُمَرَ عَنْ نافِعٍ عَنِ ابنِ عُمَرَ قالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "صَلاَةُ الجَماعةِ تَفْضُلُ عَلَى صَلاَةِ الرّجُلِ وَحْدَهُ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجةً" .
"قالَ": وفي البابِ عنْ عبْدِ الله بن مَسْعُودٍ، وَأُبيّ "بن كَعْبٍ" وَمُعَاذِ بن جَبَلٍ، وَأَبي سَعِيدٍ، وَأَبِي هُرَيرَةَ وَأَنَسِ "بْن مَالِكٍ".
قال أبو عيسى: حدِيثُ ابن عُمَرَ حدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَهَكَذَا رَوَى نافعٌ عنْ ابْن عُمَرَ عَن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أَنّهُ قالَ: "تَفْضُلُ صَلاَةُ الْجَميع عَلَى صلاَةِ الرّجُلِ وَحْدَهُ بِسَبْعٍ وَعشْرِينَ دَرَجَةً" .
"قال أبو عيسى": وَعامّةُ مَنْ رَوى عنْ
ـــــــ
"باب ما جاء في فضل الجماعة"
قوله: "صلاة الجماعة تفضل" أي تزيد في الثواب "على صلاة الرجل وحده" أي منفرداً "بسبع وعشرين درجة" المراد بالدرجة الصلاة فتكون صلاة الجماعة بمثابة سبع وعشرين صلاة. كذا دل عليه ألفاظ الأحاديث ورجحه ابن سيد الناس كذا في قوت المغتذي.
قوله : "وفي الباب عن عبد الله بن مسعود وأبي بن كعب ومعاذ بن جبل وأبي سعيد وأبي هريرة وأنس بن مالك" أما حديث عبد الله بن مسعود فأخرجه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه، وأما حديث أبي بن كعب فأخرجه أحمد وأبو داود والنسائي وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما. قال الحافظ المنذري في الترغيب بعد ذكر هذا الحديث: قد جزم يحيى بن معين والذهلي بصحة هذا الحديث. وأما حديث معاذ بن جبل فأخرجه البزار والطبراني في الكبير مرفوعاً بلفظ: تفضل صلاة الجميع على صلاة الرجل وحده خمسة وعشرين صلاة وفيه عبد الحكيم بن منصور وهو ضعيف كذا في مجمع الزوائد، وأما حديث أبي سعيد فأخرجه البخاري، وأما حديث أبي هريرة فأخرجه البخاري ومسلم وأبو داود وابن ماجه. وأما حديث أنس فأخرجه الدارقطني.
قوله : "حديث ابن عمر حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان.
قوله : "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه البخاري ومسلم "وعامة من روى عن

(1/629)


النبيّ صلى الله عليه وسلم إنّما قالُوا "خَمْسٍ وَعِشْرِينَ" إلاّ ابن عُمَرَ فَإِنّهُ قالَ "بِسَبْعٍ وَعَشْرِينَ".
216 ـ حدّثَنَا إِسْحَاقُ بنُ مُوسَى الأَنْصَارِيّ حدثَنا مَعْنٌ حدثنا مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سعِيدِ بْنِ الْمُسَيّبِ عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ أَنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قالَ "إِنّ صلاَةَ الرّجُلِ فِي الْجَماعَةِ تَزِيدُ عَلَى صلاَتِهِ وَحْدَهُ.
ـــــــ
النبي صلى الله عليه وسلم إنما قالوا خمس وعشرين إلا ابن عمر فإنه قال بسبع وعشرين" قال الحافظ في الفتح بعد ذكر قول الترمذي هذا: لم يختلف عليه في ذلك إلا ما وقع عند عبد الرزاق عن عبد الله العمري عن نافع فقال فيه خمس وعشرون. لكن العمري ضعيف. ووقع عند أبي عوانة في مستخرجه من طريق أبي أسامة عن عبيد الله بن عمر عن نافع فإنه قال فيه بخمس وعشرين وهي شاذة مخالفة لرواية الحفاظ من أصحاب عبيد الله وأصحاب نافع، وإن كان راويها ثقة وأما غير ابن عمر فصح عن أبي سعيد وأبي هريرة كما في هذا الباب، وعن ابن مسعود عند أحمد وابن خزيمة وعن أبي بن كعب عند ابن ماجه والحاكم وعن عائشة وأنس عند السراج. وورد أيضاً من طرق ضعيفة عن معاذ وصهيب وعبد الله بن زيد بن ثابت وكلها عند الطبراني، واتفق الجميع على خمس وعشرين سوى رواية لأبي هريرة عند أحمد قال فيها سبع وعشرون وفي إسنادها شريك القاضي وفي حفظه ضعف، قال واختلف في أن أيهما أرجح. فقيل رواية الخمس لكثرة رواتها، وقيل رواية السبع لأن فيها زيادة من عدل حافظ انتهى كلام الحافظ باختصار يسير. قال النووي والجمع بينهما يعني بين روايتي الخمس والسبع من ثلاثة أوجه: أحدها أنه لا منافاة بينهما فذكر القليل لا ينفي الكثير، ومفهوم العدد باطل عند جمهور الأصوليين، والثاني أن يكون أخبر أولاً بالقليل ثم أعلمه الله تعالى بزيادة الفضل فأخبر بها. والثالث أنه يختلف باختلاف أحوال المصلين والصلاة فيكون لبعضهم خمس وعشرون ولبعضهم سبع وعشرون بحسب كمال الصلاة ومحافظته على هيأتها وخشوعها وكثرة جماعتها وفضلهم وشرف البقعة ونحو ذلك قال فهذه هي الأجوبة المعتمدة انتهى. وقد ذكر الحافظ في الفتح وجوها أخر للجمع بين الروايتين من شاء الاطلاع عليها فليرجع إليه.

(1/630)


بِخَمسَةٍ وَعِشْرِينَ جُزْءاً" .
قال أبو عيسى: هَذَا حديثٌ حَسَنٌ صحِيحٌ
ـــــــ
قوله : "بخمس وعشرين جزءاً" قال الحافظ في الفتح وقع الاختلاف في مميز العدد المذكور، ففي الروايات كلها التعبير بقوله درجة أو حذف المميز إلا طرق حديث أبي هريرة ففي بعضها ضعفاً وفي بعضها جزءاً وفي بعضها درجة وفي بعضها صلاة ووقع هذا الأخير في بعض طرق حديث أنس والظاهر أن ذلك من تصرف الرواة، ويحتمل أن يكون ذلك من التفنن في العبارة.
قوله : "هذا حديث حسن صحيح" تقدم تخريجه آنفاً.

(1/631)


162 ـ بابُ مَا جَاءَ فيمَنْ يَسْمَعُ النّداءَ فَلاَ يُجِيب
217 ـ حَدثنا هَنّادٌ حدثنا وَكِيعٌ عَنْ جَعْفَرِ بْن بُرْقَانَ عنْ يَزِيدَ بْن الأَصْمّ عَنْ أَبي هُرَيرَةَ عَنِ النبي صلى الله عليه وسلم قالَ "لَقَدْ هَمَمْتُ أنْ آمُرَ فِتْيَتِي أنْ يَجْمَعُوا حُزَمَ الْحَطَبِ، ثُمّ آمُرَ بِالصّلاَةِ فَتُقَامَ، ثُمّ أُحَرّقَ عَلَى أَقْوَامٍ لاَ يَشْهَدُونَ الصّلاَةَ" .
ـــــــ
"باب ما جاء فيمن سمع النداء فلا يجيب"
قوله: "عن جعفر بن برقان" بضم الموحدة وسكون الراء بعدها قاف "لقد هممت" اللام جواب القسم والهم العزم وقيل دونه، وزاد مسلم في أوله أنه صلى الله عليه وسلم فقد ناسا في بعض الصلوات فقال لقد هممت فأفاد ذكر سبب الحديث "فتيتي" الفتية جمع فتي أي جماعة من شبان أصحابي أو خدمي وغلماني "أن يجمعوا حزم الحطب" جمع حزمة بضم الحاء ما حزم كذا في القاموس، وقال في الصراح حزمه بالضم بند هيزم وكاغذ وعلف وجزآن "ثم أحرق" بالتشديد والمراد به التكثير، يقال حرقه إذا بالغ في التحريق "على أقوام لا يشهدون الصلاة" وفي رواية أبي داود ثم آتى قوماً يصلون في بيوتهم ليست بهم علة فأحرقها عليهم.

(1/631)


"قال أبو عيسى": وفي البابِ عَنْ "عَبْدِ الله" بْنِ مَسْعُودٍ، وأبي الدّرْدَاءِ، وابْنِ عَبّاسٍ، وَمُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ، وَجَابِرٍ.
قال أبو عيسى: حَدِيثُ أبي هُرَيْرَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ النّبِيّ صلى الله عليه وسلم أَنّهُمْ قَالُوا: "مَنْ سَمِعَ النّدَاءَ فَلَمْ يُجِبْ فَلاَ صَلاَةَ لَهُ" .
وَقالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: هَذَا عَلَى التّغْلِيظِ وَالتّشْدِيدِ، وَلاَ رُخْصَةَ لأِحَدٍ فِي تَرْك الْجَماعَةِ إلاّ مِنْ عُذْرٍ.
ـــــــ
قوله : "وفي الباب عن أبي مسعود" أخرجه مسلم قال لقد رأيتنا وما يتخلف عن الصلاة إلا منافق قد علم نفاقه أو مريض. الحديث "وأبي الدرداء" قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما من ثلاثة في قرية ولا بد ولا تقام فيهم الصلاة إلا وقد استحوذ عليهم الشيطان فعليك بالجماعة فإنما يأكل الذئب القاصية. أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي ورواه الحاكم وصححه وقال النووي إسناده صحيح "وابن عباس" قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من سمع المنادي فلم يمنعه من اتباعه عذر قالوا وما العذر قال خوف أو مرض لم تقبل منه الصلاة التي صلى أخرجه أبو داود قال المنذري وفي إسناده أبو خياب يحيى بن أبي حية الكلبي وهو ضعيف، والحديث أخرجه ابن ماجه بنحوه وإسناده أمثل وفيه نظر انتهى "ومعاذ بن أنس وجابر" أخرجه العقيلي في الضعفاء كما يأتي عن قريب.
قوله : "وقد روى عن غير واحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنهم قالوا إلخ" أخرج ابن ماجه وبقي بن مخلد وابن حبان وغيرهم عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم من سمع النداء فلم يجب فلا صلاة له إلا من عذر، قال الحافظ في التلخيص إسناده صحيح لكن قال الحاكم وقفه غندر وأكثر أصحاب شعبة ثم أخرج له شواهد منها عن أبي موسى الأشعري بلفظ من سمع النداء فارغاً صحيحاً فلم يجب فلا صلاة له رواه البزار من طريق سِمَاك عن أبي بردة عن أبيه موقوف. وقال البيهقي الموقوف أصح ورواه العقيلي في الضعفاء من حديث جابر وضعفه ورواه ابن عدي من حديث أبي هريرة وضعفه انتهى.
قوله : "وقال بعض أهل العلم هذا على التغليظ والتشديد" يعني أن قول الصحابة من سمع النداء فلم يجب فلا صلاة له ليس على ظاهره، بل هو محمول على التغليظ والتشديد،

(1/632)


218- قَالَ مُجَاهِدٌ: "وَسُئِلَ ابْنُ عبّاسٍ عن رَجُلٍ يَصُومُ النّهارَ وَيَقُومُ اللّيْلَ، لاَ يَشْهَدُ جُمْعَةً وَلاَ جَمَاعَةً؟ قالَ: هُوَ فِي النّارِ" "قالَ": حدثنا بِذَلِكَ هَنّادٌ حدثنا المُحَارِبِيّ عَنْ لَيْثٍ عن مُجَاهِدٍ.
"قال": ومعنى الحديث: أن لا يشهد الجماعة والجمعة رغبة عنها واستخفافاً: بحقّها وتهاوناً بها.
ـــــــ
"ومعنى الحديث" أي حديث أبي هريرة المذكور في الباب. "أن لا يشهد جماعة ولا جمعة رغبة عنها" أى إعراضا عنها. قال الحافظ في فتح الباري: والحديث ظاهر في كون الجماعة فرض عين لأنها لو كانت سنة لم يهدد تاركها بالتحريق، ولو كانت فرض كفاية لكانت قائمة بالرسول ومن معه وإلى القول بأنها فرض عين ذهب عطاء والأوزاعي وأحمد وجماعة من محدثي الشافعية كأبي ثور وابن خزيمة وابن المنذر وابن حبان، وبالغ داود ومن تبعه فجعلها شرطا في صحة الصلاة، وظاهر نص الشافعي أنها فرض كفاية وعليه جمهور المتقدمين من أصحابه وقال به كثير من الحنفية والمالكية والمشهور عند الباقين أنها سنة مؤكدة، وقد أجابوا عن ظاهر حديث الباب بأجوبة ثم ذكر الحافظ عشرة أجوبة وقال في آخر كلامه: واجتمع من الأجوبة لمن لم يقل بالوجوب عشرة أجوبة لا توجد مجموعة في غير هذا الشرح انتهى. ونحن نذكر بعضا منها فمنها: أنه يستنبط من نفس الحديث عدم الوجوب لكونه صلى الله عليه وسلم هم بالتوجه إلى المتخلفين، فلو كانت الجماعة فرض عين ما هم بتركها إذا توجه، وتعقب بأن الواجب يجوز تركه لما هو أوجب، ومنها أن الحديث ورد مورد الزجر وحقيقته غير مرادة وإنما المراد المبالغة، ويرشد إلى ذلك وعيدهم بالعقوبة التي يعاقب بها الكفار وقد انعقد الإجماع على منع عقوبة المسلمين بذلك، وأجيب بأن المنع وقع بعد نسخ التعذيب بالنار وكان قبل ذلك جائزا بدليل حديث أبي هريرة الذي رواه البخارى في الجهاد الدال على جواز التحريق بالنار ثم نسخه فحمل التهديد على حقيقته غير ممتنع، ومنها أنه صلى الله عليه وسلم ترك تحريقهم بعد التهديد فلو كانت فرض عين لما تركهم، وتعقب بأنه صلى الله عليه وسلم لا يهم إلا بما يجوز له فعله لو فعله، وأما الترك فلا يدل على عدمالوجوب لاحتمال أن يكونوا انزجروا بذلك وتركوا التخلف الذي ذمهم بسببه، على أنه قد جاء في بعض الطرق بين سبب الترك وهو فيما رواه أحمد من طريق سعيد المقبري عن أبي هريرة بلفظ "لولا ما في البيوت من النساء والذرية لأقمت صلاة العشاء وأمرت فتياتي يحرقون.." الحديث.

(1/633)