Contents

الواجهة
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد
مقدمة
باب الألف
باب الثاء
باب الجيم
باب الحاء
باب الخاء
باب الدال
باب الراء
باب الزاي
تابع باب الزاء
تابع لحرف الزاء
تابع لحرف الزاء
باب الطاء
باب الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع حرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
باب النون
باب الصاد
باب الضاد
باب العين
تابع لحرف العين
تابع حرف العين
تابع لحرف العين
تابع لحرف العين
باب القاف
باب السين
باب الشين
باب الهاء
باب الواو
باب الياء
تابع باب الياء
باب الكني
باب بلاغات مالك ومرسلاته
باب مافي هذا الديوان من حديث مالك الذي ثبتت عليه أبوابه خاصة
الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج
الديباج - جزء 1
الديباج - جزء 2
الديباج - جزء 3
الديباج - جزء 4
الديباج - جزء 5
الديباج - جزء 6
المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج
المنهاج - مقدمة
المنهاج - الإيمان
المنهاج - الطهارة
المنهاج - الحيض
المنهاج - الصَّلَاة
المنهاج - المساجد ومواضع الصلاة
المنهاج - صلاة المسافرين وقصرها
المنهاج - بَاب صَلَاة الْجُمُعَة
المنهاج - بَاب صَلَاة الْعِيدَيْنِ
المنهاج - بَاب الدُّعَاء فِي صَلَاة الِاسْتِسْقَاء
المنهاج - بَاب صَلَاة الْكُسُوف
المنهاج - كِتَاب الْجَنَائِز
المنهاج - الزكاة
المنهاج - كِتَاب الصِّيَام
المنهاج - كِتَاب الِاعْتِكَاف
المنهاج - كِتَاب الْحَجّ
المنهاج - كِتَاب النِّكَاح
المنهاج - الرضاعة
المنهاج - الطلاق
المنهاج - اللِّعَان
المنهاج - العتق
المنهاج - البيوع
المنهاج - المساقاة
المنهاج - الفرائض
المنهاج - الهبات
المنهاج - الوصية
المنهاج - النذر
المنهاج - الأيمان
المنهاج - القسامة
المنهاج - الحدود
المنهاج - الأقضية
المنهاج - اللقطة
المنهاج - الجهاد والسير
المنهاج - الإمارة
المنهاج - الصيد والذبائح
المنهاج - كِتَاب الْأَضْاحَي
المنهاج - الأشربة
المنهاج - اللباس والزينة
المنهاج - الآداب
المنهاج - السلام
المنهاج - الألفاظ من الأدب وغيرها
المنهاج - الشعر
المنهاج - الرؤيا
المنهاج - الفضائل
المنهاج - فضائل الصحابة
المنهاج - البر والصلة والآداب
المنهاج - القدر
المنهاج - العلم
المنهاج - الذكر والدعاء
المنهاج - التوبة
المنهاج - صفات المنافقين
المنهاج - صفة القيامة والجنة والنار
المنهاج - الجنة وصفة نعيمها وأهلها
المنهاج - الفتن وأشراط الساعة
المنهاج - الزهد والرقائق
المنهاج - التفسير
تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي
أبواب الطهارة
أبواب الصلاة
تابع أبواب الصلاة
أبواب الوتر
أبواب الجمعة
تابع لأبواب الجمعة
أبواب العيدين
أبواب السفر
ابواب الزكاة
أبواب الصوم
أبواب الحج
تابع أبواب الحج
أبواب الجنائز
أبواب النكاح
أبواب الرضاع
أبواب الطلاق واللعان
ابواب البيوع
أبواب الأحكام
أبواب الديات
ابواب الحدود
تابع أبواب الحدود
أبواب الصيد
أبواب الأضاحي
أبواب النذور والأيمان
أبواب السير
أبواب الجهاد
أبواب اللباس
أبواب الأطعمة
أبواب الأشربة
تابع أبواب الأشربة
أبواب البر و الصله عن رسول الله صلى الله عليه و آله سلم
أبواب الطب عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الفرائض عن الرسول صلى الله عليه و سلم
أبواب الوصايا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الولاء و الهبة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب القدر عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم
أبواب الفتن عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الرؤيا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الشهادات عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
تابع لأبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صِفَةُ القِيامَة
أبواب صفة الجنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صفة جهنم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإيمان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب العلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإستئذان والآداب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب العلم
أبواب الأمثال
أبواب فضائل القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب القراءات عن رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم
أبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الدعوات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أحاديث شتى من أبواب الدعوات
المناقب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
مناقب الصحابة رضوان الله عليهم
تنوير الحوالك شرح موطأ مالك
كتاب وقوت الصلاة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب السهو
كتاب الجمعة
كتاب الصلاة في رمضان
كتاب صلاة الليل
كتاب صلاة الجماعة
كتاب قصر الصلاة في السفر
كتاب العيدين
كتاب صلاة الخوف
كتاب صلاة الكسوف
كتاب الاستسقاء
كتاب القبلة
كتاب القرآن
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب الجهاد
كتاب النذور و الأيمان
كتاب الضحايا
كتاب الذبائح
كتاب الصيد
كتاب العقيقة
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الرضاع
كتاب البيوع
كتاب القراض
كتاب المساقاة - كتاب كراء الأرض
كتاب الشفعة - كتاب الأقضية
كتاب الوصية - كتاب العتق والولاء
كتاب المكاتب - كتاب المدبر
كتاب الحدود
كتاب الأشربة - كتاب العقول
كتاب القسامة - كتاب الجامع
كتاب القدر - كتاب حسن الخلق
كتاب اللباس - كتاب صفة النبي
كتاب العين - كتاب الشعر
كتاب الرؤيا - كتاب السلام
كتاب الاستئذان والتشميت والصور والتماثيل وغيرها
كتاب البيعة - كتاب الكلام والعينة والتقى
كتاب جهنم - كتاب الصدقة
كتاب العلم - كتاب دعوة المظلوم - كتاب أسماء النبي
حاشية السندي على سنن ابن ماجة
المقدمة
الطَّهَارَة وَسُنَنهَا
الصلاة
الْأَذَان
المساجد والجماعات
أَبْوَاب إِقَامَة الصَّلَاة
الجنائز
الصوم
الزكاة
النكاح
الطلاق
الكفارات
التجارات
الأحكام
الحدود
الديات
الوصايا
الْفَرَائِض
الجهاد
المناسك
الْأَضَاحِيّ
الذبائح
الصيد
الأطعمة
الأشربة
الطب
اللباس
الْآدَاب
الدُّعَاء
تعبير الرؤيا
الْفِتَن
الزُّهْد
شرح سنن ابن ماجه لمغلطاي
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح رياض الصالحين
شرح رياض الصالحين - 01
شرح رياض الصالحين - 02
شرح رياض الصالحين - 03
شرح رياض الصالحين - 04
شرح سنن أبي داود للعيني
مقدمة التحقيق
كتاب الطهارة
كِتابُ الصَلاَةِ
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
عون المعبود شرح سنن أبي داود
كتاب الطهارة
تابع كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
كتاب الزكاة
تابع لكتاب الزكاة
كتاب اللقطة
كتاب المناسك
تابع لكتاب المناسك
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الصيام
تابع لكتاب الصيام
أول كتاب الجهاد
أول كتاب الضحايا
تابع كتاب الضحايا
أول كتاب الصيد
أول كتاب الوصايا
أول كتاب الفرائض
أول كتاب الخراج والفيء والإمارة
أول كتاب الجنائز
تابع لكتاب الجنائز
كتاب الأيمان والنذور
كتاب البيوع
كتاب الإجارة
كتاب القضاء
تابع لكتاب القضاء
كتاب العلم
كتاب الأشربة
كتاب الأطعمة
كتاب الطب
كتاب الكهانة والتطير
كتاب العتق
أول كتاب الحروف والقراءات
أول كتاب الحمام
أول كتاب اللباس
أول كتاب الترجل
أول كتاب الخاتم
أول كتاب الفتن والملاحم
أول كتاب المهدي
أول كتاب الملاحم
أول كتاب الحدود
أول كتاب الديات
أول كتاب السنة
تابع لكتاب السنة
أول كتاب الأدب
أبواب السلام
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن حجر
فتح الباري - هدي الساري مقدمة فتح الباري
فتح الباري - كتاب بدء الوحي
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب العلم
فتح الباري - كتاب الوضوء
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
فتح الباري - كتاب مواقيت الصلاة
فتح الباري - كتاب الأذان
فتح الباري - كتاب الجمعة
فتح الباري - كتاب الخوف
فتح الباري - كتاب العيدين
فتح الباري - كتاب الوتر
فتح الباري - كتاب الاستسقاء
فتح الباري - كتاب الكسوف
فتح الباري - كتاب سجود القرآن
فتح الباري - كتاب تقصير الصلاة
فتح الباري - كتاب التهجد
فتح الباري - كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة
فتح الباري - كتاب العمل في الصلاة
فتح الباري - كتاب السهو
فتح الباري - كتاب الجنائز
فتح الباري - كتاب الزكاة
فتح الباري - كتاب الحج
فتح الباري - كتاب العمرة
فتح الباري - كتاب المحصر
فتح الباري - كتاب جزاء الصيد
فتح الباري - كتاب فضائل المدينة
فتح الباري - كتاب الصوم
فتح الباري - كتاب صلاة التراويح
فتح الباري - كتاب فضل ليلة القدر
فتح الباري - كتاب الإعتكاف
فتح الباري - كتاب البيوع
فتح الباري - كتاب السلم
فتح الباري - كتاب الشفعة
فتح الباري - كتاب الإجارة
فتح الباري - كتاب الحرث والمزارعة
فتح الباري - كتاب المساقاة
فتح الباري - كتاب الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس
فتح الباري - كتاب الخصومات
فتح الباري - كتاب اللقطة
فتح الباري - كتاب المظالم
فتح الباري - كتاب الشركة
فتح الباري - كتاب الرهن
فتح الباري - كتاب العتق
فتح الباري - كتاب المكاتب
فتح الباري - كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها
فتح الباري - كتاب الشهادات
فتح الباري - كتاب الصلح
فتح الباري - كتاب الشروط
فتح الباري - كتاب الوصايا
فتح الباري - كتاب الجهاد و السير
فتح الباري - كتاب فرض الخمس
فتح الباري - كتاب الجزية و الموادعة
فتح الباري - كتاب بدء الخلق
فتح الباري - كتاب أحاديث الأنبياء
فتح الباري - كتاب المناقب
فتح الباري - كتاب فضائل الصحابة
فتح الباري - كتاب مناقب الأنصار
فتح الباري - كتاب المغازي
فتح الباري - كتاب التفسير
فتح الباري - كتاب فضائل القرآن
فتح الباري - كتاب النكاح
فتح الباري - كتاب الطلاق
فتح الباري - كتاب النفقات
فتح الباري - كتاب الأطعمة
فتح الباري - كتاب العقيقة
فتح الباري - كتاب الذبائح والصيد
فتح الباري - كتاب الأضاحي
فتح الباري - كتاب الأشربة
فتح الباري - كتاب المرضى
فتح الباري - كتاب الطب
فتح الباري - كتاب اللباس
فتح الباري - كتاب الأدب
فتح الباري - كتاب الإستئذان
فتح الباري - كتاب الدعوات
فتح الباري - كتاب الرقاق
فتح الباري - كتاب القدر
فتح الباري - كتاب الأيمان والنذور
فتح الباري - كتاب كفارات الأيمان
فتح الباري - كتاب الفرائض
فتح الباري - كتاب الحدود
فتح الباري - كتاب الديات
فتح الباري - كتاب استتابة المرتدين
فتح الباري - كتاب الإكراه
فتح الباري - كتاب الحيل
فتح الباري - كتاب التعبير
فتح الباري - كتاب الفتن
فتح الباري - كتاب الأحكام
فتح الباري - كتاب التمني
فتح الباري - كتاب أخبار الأحاد
فتح الباري - كتاب الإعتصام بالسنة
فتح الباري - كتاب التوحيد
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن رجب
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
مقدمة
خطبة الكتاب
كتاب الإيمان
كتاب العلم
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصوم
كتاب فضائل القرآن
كتاب الدعوات
كتاب المناسك
كتاب البيوع
كتاب الفرائض والوصايا
كتاب النكاح
كتاب العتق
كتاب القصاص
كتاب الديات
كتاب الحدود
كتاب الإمارة والقضاء
كتاب الجهاد
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأطعمة
كتاب اللباس
كتاب الطب والرقى
كتاب الرؤيا
كتاب الآداب
كتاب الرقاق
كتاب الفتن
كتاب صفة القيامة والجنة والنار
كتاب الفضائل والشمائل
كتاب المناقب

 
عودة لموقع هاني الطنبور
هاني الطنبور
الصفحة السابقة الصفحة التالية
 
 

 

تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي

المجلد الثاني
تابع أبواب الصلاة
باب: ما جاء في الرجل يصلى وحده ثم يدرك الجماعة
...
بسم اله الرحمن الرحيم
163 ـ باب مَا جَاءَ فِي الرّجُلِ يُصَلّي وَحْدَهُ ثمّ يُدْرِكُ الْجَمَاعَة
219 ـ حدثنا أَحْمَدُ بنُ مَنِيعٍ حَدّثَنَا هُشَيْمٌ أَخْبَرنَا يَعْلَى بْنُ عَطَاء حَدّثَنَا جَابِرُ بْنُ يَزِيدَ بْن الأسْوَدِ الْعَامِرِيّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: "شَهِدْتُ مَعَ النّبِيّ صلى الله عليه وسلم حجّتَهُ ، فَصَلّيْتُ مَعَهُ صَلاَةَ الصّبْحِ فِي مَسْجِدِ الْخَيْفِ ، قال: فَلَمّا قَضَى صَلاَتَهُ وَانْحَرَفَ إذَا هُوَ بِرَجُلَيْنِ فِي أُخْرَى الْقَوْمِ لَمْ يُصَلّيَا مَعَهُ ، فَقَالَ: عَلَيّ بهِمَا ، فَجِيءَ بِهمَا تُرْعَدُ فَرَائِصُهُمَا ، فَقَالَ: مَا مَنَعَكُمَا أنْ تُصَلّيَا مَعَنَا؟ فَقَالاَ: يَا رَسُولَ الله إنّا كُنّا قَدْ صَلّيْنَا فِي رِحَالِنَا ، قَالَ:
ـــــــ
"باب ما جاء في الرجل يصلي وحده ثم يدرك الجماعة"
قوله: "نا يعلى بن عطاء" العامري ويقال الليثي الطائفي ثقة من الرابعة "نا جابر ابن يزيد بن الأسود" السوائي ويقال الخزاعي صدوق من الثالثة ولأبيه صحبة كذا في التقريب.
قوله: "شهدت" أي حضرت "حجته" أي حجة الوداع "في مسجد الخيف" هو مسجد مشهور بمنى قال الطيبي الخيف ما انهدر من غليظ الجبل وارتفع عن المسيل، يعني هذا وجه تسميته به "فلما قضى صلاته" أي أداها وسلم منها "انحرف" قال القاري أي انصرف عنها. قلت والظاهر أن المعنى انحرف عن القبلة، وقال ابن حجر أي جعل يمينه للمأمومين ويساره للقبلة ما هو السنة "فإذا هو" أي النبي صلى الله عليه وسلم "على" اسم فعل "بهما" أي ائتوني بهما وأحضروهما عندي "ترعد" بالبناء للمجهول أي تحرك من أرعد الرجل إذا أخذته الرعدة وهي الفزع والاضطراب "فرائصهما" جمع الفريصة وهي اللحمة التي بين جنب الدابة وكتفها وهي ترجف عند الخوف أي تتحرك وتضطرب، والمعنى يخافان من رسول الله صلى الله عليه وسلم "في رحالنا" أي

(2/3)


فَلاَ تَفْعَلاَ. إذَا صَلّيْتُمَا فِي رِحَالِكُمَا ثُمّ أَتَيْتُمَا مَسْجِدَ جَمَاعَةٍ فَصَلّيا مَعَهُمْ، فَإِنّهَا لَكُمَا نَافِلَةٌ".
ـــــــ
في منازلنا "فلا تفعلا" أي كذلك ثانياً "فصليا معهم" أي مع أهل المسجد "فإنها لكما نافلة" فيه تصريح بأن الثانية في الصلاة المعادة نافلة وظاهره عدم الفرق بين أن تكون الأولى جماعة أو فرادى لأن في ترك الاستفصال مقام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال، قال ابن عبد البر قال جمهور الفقهاء إنما يعيد الصلاة مع الإمام في جماعة من صلى وحده في بيته أو في غير بيته، وأما من صلى في جماعة وإن قلت فلا يعيد في أخرى، قلت أو كثرت ولو أعاد في جماعة أخرى لأعاد في ثالثة ورابعة إلى ما لا نهاية له وهذا لا يخفى فساده، قال ومن قال بهذا القول مالك وأبو حنيفة والشافعي وأصحابهم. ومن حجتهم قوله صلى الله عليه وسلم: لا تصلى صلاة في يوم مرتين انتهى، وذهب الأوزاعي وبعض أصحاب الشافعي وهو قول الشافعي القديم إلى أن الفريضة هي الثانية إذا كانت الأولى فرادى، واستدلوا بما أخرجه أبو داود عن يزيد بن عامر قال جئت والنبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة فجلست ولم أدخل معهم في الصلاة فانصرف علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فرآه جالساً فقال ألم تسلم يا يزيد قال بلى يا رسول الله قد سلمت قال فما منعك أن تدخل مع الناس في صلاتهم قال إني كنت قد صليت في منزلي وأنا أحسب أن قد صليتم، فقال إذا جئت إلى الصلاة فوجدت الناس فصل معهم وإن كنت قد صليت تكن لك نافلة وهذه مكتوبة، ولكنه قد ضعفه النووي وقال البيهقي إن حديث يزيد بن الأسود يعني حديث الباب أثبت منه وأولى، ورواه الدارقطني بلفظ ويجعل التي صلى في بيته نافلة، وقال هي رواية ضعيفة شاذة انتهى، وعلى فرض صلاحية حديث يزيد بن عامر للاحتجاج به فالجمع بينه وبين حديث الباب ممكن بحمل حديث الباب على من صلى الصلاة الأولى في جماعة وحمل هذا على من صلى منفرداً كما هو الظاهر من سياق الحديثين ويكونان مخصصين لحديث ابن عمر عند أبي داود والنسائي وابن خزيمة وابن حبان بلفظ: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لا تصلوا صلاة في يوم مرتين على فرض شموله لإعادة الفريضة من غير فرق بين أن تكون الإعادة بنية الافتراض أو التطوع. وأما إذا كان النهي مختصاً بإعادة الفريضة بنية الافتراض فقط فلا يحتاج إلى الجمع بينه وبين حديث الباب كذا في النيل.

(2/4)


قال وفي الباب عن مِحْجَنٍ الدّيلي ، ويزيدَ بن عَامِرٍ.
قال أبو عيسى: حديثُ يَزِيدَ بنِ اْلأَسْوَدِ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
وهو قولُ غير واحد من أهل العلم.
وبه يقولُ سفيانُ الثوريّ والشافعيّ وأَحمدُ وإسحَقُ.
قَالُوا: إِذَا صَلّى الرّجُلُ وَحْدَهُ ثُمّ أَدْرَكَ الْجَمَاعَةَ فَإِنّهُ يُعِيدُ الصلواتِ كلّهَا في الجَمَاعَةِ ، وَإِذَا صَلّى الرّجُلُ المَغْرِبَ وَحدَهُ ثمّ أدْرَكَ الجَمَاعَةَ، قَالُوا. فَإِنّهُ يُصلّيهَا
ـــــــ
قوله: "وفي الباب عن محجن" بكسر الميم وسكون الحاء وفتح الجيم صحابي قليل الحديث. وأخرج حديثه مالك في الموطأ بلفظ أنه كان في مجلس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأذن بالصلاة فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى ورجع ومحجن في مجلسه فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ما منعك أن تصلي مع الناس ألست برجل مسلم فقال بلى يا رسول الله ولكن كنت قد صليت في أهلي فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جئت المسجد وكنت قد صليت فأقيمت الصلاة فصل مع الناس وإن كنت قد صليت، ورواه أيضاً النسائي وابن حبان والحاكم "ويزيد بن عامر" أخرج حديثه أبو داود وتقدم لفظه.
قوله: "حديث يزيد بن الأسود حديث حسن صحيح" أخرجه الخمسة إلا ابن ماجه وأخرجه أيضاً الدارقطني وابن حبان والحاكم وصححه ابن السكن ، قال الحافظ في التلخيص: كلهم من طريق يعلى بن عطاء عن جابر بن يزيد بن الأسود عن أبيه وقال الشافعي في القديم إسناده مجهول. قال البيهقي لأن يزيد بن الأسود ليس له راو غير ابنه ولا لابنه جابر راو غير يعلى، قال الحافظ يعلى من رجال مسلم وجابر ثقة وثقه النسائي وغيره وقد وجدنا لجابر بن يزيد راو غير يعلى أخرجه ابن منده في المعرفة من طريق بقية عن إبراهيم بن ذي حماية عن عبد الملك بن عمير عن جابر انتهى.
قوله: "فإنه يعيد الصلوات كلها في الجماعة" أي الصلوات الخمس كلها في الجماعة، بعموم أحاديث الباب وللتصريح في حديث يزيد بن الأسود بأن قوله صلى الله عليه وسلم إذا صليتما في رحالكما إلخ كان في صلاة الصبح، وقال أبو حنيفة لا يعيد الصبح ولا العصر ولا المغرب لكراهية التطوع بعد صلاة الصبح والعصر ولعدم مشروعية

(2/5)


معهم ويَشْفَعُ بِرَكعَةٍ ، والتي صَلّى وحدَه هي المكتوبة عندَهم.
ـــــــ
التطوع وتراً. قلت حديث الباب يدل على مشروعية الدخول مع الجماعة بنية التطوع لمن كان قد صلى تلك الصلاة ولو كان الوقت وقت كراهة للتصريح بأن ذلك كان في صلاة الصبح وإلى ذلك ذهب الشافعي فيكون هذا مخصصاً لعموم الأحاديث القاضية بكراهة الصلاة بعد صلاة الصبح ومن جوز التخصيص بالقياس ألحق ما ساواه من أوقات الكراهة ، وظاهر التقييد بقوله صلى الله عليه وسلم ثم أتيتما مسجد جماعة أن ذلك مختص بالجماعات التي تقام في المساجد لا التي تقام في غيرها فيحمل المطلق من ألفاظ الحديث على المقيد بمسجد الجماعة قاله الشوكاني.
قوله: "ويشفع بركعة" روى ابن أبي شيبة عن علي قال إذا أعاد المغرب شفع بركعة "والتي صلى وحده هي المكتوبة عندهم" واستدلوا عليه بحديث يزيد بن أسود المذكور في الباب ، وكذلك وقع في حديث أبي ذر وغيره في آخر الحديث حيث قال ولتجعلها نافلة كذا في التلخيص ، قلت وهذا القول هو الراجح وأما قول من قال بأن الفريضة هي الثانية فلم يقم عليه دليل صحيح كما قد عرفت.

(2/6)


164 ـ باب ما جاء في الجماعة في مسجدٍ قد صُلّيَ فيه مَرّة
220 ـ حدثنا هَنّادٌ حدثنا عَبْدَةُ عن سَعِيدِ بن أبي عَرُوبَةَ عن سليمان النّاجِيّ البصري عن أبي المُتَوَكّلِ عن أَبي سعيدٍ قال: جاء رجلٌ وقد صَلّى
ـــــــ
"باب ما جاء في الجماعة في مسجدٍ قد صُلّيَ فيه مَرّة"
قوله: "نا عبدة" بإسكان الباء هو ابن سليمان الكلابي أبو محمد الكوفي روى عن هشام بن عروة والأعمش وطائفة وعنه أحمد وإسحاق وهناد بن السري وأبو كريب وخلق ، وثقه أحمد بن سعد والعجلي ، قال أحمد: مات سنة سبع وثمانين ومائة "عن سعيد بن أبي عروبة" ثقة حافظ له تصانيف لكنه كثير التدليس واختلط وكان من أثبت الناس في قتادة كذا في التقريب ، قلت قد تابعه وهيب عن سليمان الناجي في رواية أبي داود فلا يضر تدليسه واختلاطه في هذا الحديث "عن سليمان الناجي" بالنون والجيم

(2/6)


رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "أَيّكُمْ يَتّجِرُ على هَذَا؟ فَقَامَ رَجُلٌ فَصَلّى مَعَهُ".
قال وفي الباب عَنْ أبي أُمَامَةَ ، وَأَبي مُوسَى ، والْحَكَمِ ابْنِ عُمَيْرٍ.
ـــــــ
ويقال له سليمان الأسود أيضاً وكذلك وقع في رواية أبي داود وثقه ابن معين "أيكم تيجر" بشدة التاء من أتجر يتجر إتجاراً من باب الإفتعال ، قال ابن الأثير في النهاية في باب التاء مع الجيم وفيه من يتجر على هذا فيصلي معه هكذا يرويه بعضهم ، وهو يفتعل من التجارة لأنه يشتري بعمله الثواب ولا يكون من الأجر على هذه الرواية لأن الهمزة لا تدغم في التاء فإنما يقال فيه يأتجر ، وقال في باب الهمزة مع الجيم في حديث الأضاحي كلوا وادخروا وأتجروا أي تصدقوا طالبين الأجر بذلك ، ولا يجوز فيه اتجروا بالإدغام لأن الهمزة لا تدغم في التاء وإنما هو من الأجر لا التجارة ، وقد أجازه الهروي في كتابه ، واستشهد عليه بقوله في الحديث الاَخر أن رجلاً دخل المسجد وقد قضى النبي صلى الله عليه وسلم صلاته فقال من يتجر فيقوم فيصلي معه ، والرواية إنما هي يأتجر وإن صح فيها يتجر فيكون من التجارة لا الأجر كأنه بصلاته معه قد حصل لنفسه تجارة أي مكسباً انتهى كلام ابن الأثير.
قلت: في قولهم الهمزة لا تدغم في التاء تأمل ، فقد قال الله تعالى: {وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً} وقالت عائشة وكان يأمرني فأتزر فيباشرني وأنا حائض ، رواه الشيخان ففي اتخذ واتزر قد أدغمت في التاء ، وأما إنكار النحاة الإدغام في قول عائشة فأتزر فلا وجه له مع صحة روايتها بالإدغام ـ قال القاري في المرقاة قال في المفصل: قول من قال فأتزر خطأ خطأ ، وقال الكرماني فأتزر في قول عائشة وهي من فصحاء العرب حجة فالمخطئ مخطئ انتهى ، وقد تقدم بعض ما يتعلق بهذا في باب مباشرة الحائض فتذكر . فمعنى قوله أيكم يتجر على هذا أيكم يتصدق على هذا طالبا الأجر بذلك ، وقد وقع في رواية أبي داود ألا رجل يتصدق على هذا ، قال المظهري سماه صدقة لأنه يتصدق عليه بثواب ست وعشرين درجة إذ لو صلى منفرداً لم يحصل له إلا ثواب صلاة واحدة انتهى "فقام رجل" هو أبو بكر الصديق قال الزيلعي في نصب الراية وفي رواية البيهقي أن الذي قام فصلى معه أبو بكر رضي الله عنه.
قوله: "وفي الباب عن أبي أمامة وأبي موسى والحكم بن عمير" أما حديث

(2/7)


قال أبو عيسى: و حَدِيثُ أبي سَعيدٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ.
وهُوَ قَوْلُ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أصْحَابِ النّبِيّ صلى الله عليه وسلم وَغَيْرِهِمْ مِنْ التّابِعِينَ.
ـــــــ
أبي أمامة فأخرجه أحمد والطبراني بلفظ أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً يصلي وحده فقال ألا رجل يتصدق على هذا فيصلي معه فقام رجل فصلى معه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هذان جماعة، قال الهيثمي في مجمع الزوائد: له طرق كلها ضعيفة انتهى وأما حديث أبي موسى وحديث الحكم بن عمير فلم أقف على من أخرجهما. وفي الباب عن أنس أن رجلاً جاء وقد صلى النبي صلى الله عليه وسلم فقام يصلي وحده فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من يتجر على هذا فيصلي معه، أخرجه الدارقطني قال الحافظ الزيلعي في نصب الراية إسناده جيد وكذا قال الحافظ بن حجر في الدراية. وفي الباب أيضاً عن سلمان أن رجلاً دخل المسجد والنبي صلى الله عليه وسلم قد صلى فقال ألا رجل يتصدق على هذا فيصلي معه، وفيه محمد بن عبد الملك أبو جابر قال أبو حاتم أدركته وليس بالقوي في الحديث، ورواه البزار وفيه الحسين بن الحسن الأشقر وهو ضعيف جداً وقد وثقه ابن حبان كذا في مجمع الزوائد، وفي الباب أيضاً عن عصمة ذكره الحافظ الزيلعي في نصب الراية والهيثمي وهو ضعيف.
قوله: "حديث أبي سعيد حديث حسن" وأخرجه أحمد وأبو داود وسكت عنه ونقل المنذري تحسين الترمذي وأقره وأخرجه الحاكم وقال صحيح على شرط مسلم وأخرجه أيضاً ابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما وقال الهيثمي في مجمع الزوائد رجاله رجال الصحيح.
قوله: "وهو قول غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم من التابعين" وهو قول ابن مسعود رضي الله عنه قال ابن أبي شيبة في مصنفه حدثنا إسحاق الأزرق عن عبد الملك بن أبي سليمان عن سلمة بن كهيل أن ابن مسعود دخل المسجد وقد صلوا فجمع بعلقمة ومسروق والأسود وإسناده صحيح، وهو قول أنس بن مالك رضي الله عنه، قال البخاري في صحيحه وجاء أنس بن مالك إلى مسجد قد صلى فيه فأذن وأقام وصلى جماعة انتهى، قال الحافظ في الفتح وصله أبو يعلى في مسنده من طريق الجعد أبي عثمان. قال مر بنا أنس بن مالك في مسجد بني ثعلبة فذكر نحوه، قال وذلك في صلاة الصبح

(2/8)


قَالُوا: لاَ بَأْسَ أنْ يُصَلّيَ الْقَوْمُ جَمَاعَةً فِي مَسْجِدٍ قَدْ صُلّيَ فِيهِ جَمَاعة.
وَبهِ يَقُولُ أَحْمَدُ وَإِسْحَقُ.
وَقَال آخَرُونَ مِنْ أهْلِ الْعِلْمِ: يُصَلّونَ فُرَادَى.
وَبِهِ يَقُولُ سُفْيَانُ ، وَابْنُ المُبَارَكِ، وَمَالِكٌ ، وَالشّافِعِيّ: يَخْتَارُونَ الصّلاَةَ فُرَادَى.
"وَسُلَيْمانُ النّاجِيّ بَصْرِيّ ، وَيُقَالُ: "سُلَيْمانُ بْنُ الأَسْوَدِ" .
"وَأَبُو المُتَوَكّلِ اسْمُهُ "عَلِيّ بْنُ دَاوُدَ" .
ـــــــ
وفيه فأمر رجلاً فأذن وأقام ثم صلى بأصحابه وأخرجه ابن أبي شيبة من طرق عن الجعد وعند البيهقي من طريق أبي عبد الصمد العمي عن الجعد نحوه وقال في مسجد بني رفاعة وقال فجاء أنس في نحو عشرين من فتيانه انتهى.
قوله: "وبه يقول أحمد وإسحاق" قال العيني في شرح البخاري ص وهو قول عطاء والحسن في رواية وإليه ذهب أحمد وإسحاق وأشهب عملا بظاهر قوله صلى الله عليه وسلم صلاة الجماعة تفضل على صلاة الفذ الحديث انتهى ، وهذا القول هو الحق ودليله أحاديث الباب.
قوله: "وقال آخرون من أهل العلم يصلون فرادى وبه يقول سفيان وابن المبارك ومالك والشافعي يختارون الصلاة فرادى" واستدل لهم بحديث أبي بكرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقبل من نواحي المدينة يريد الصلاة فوجد الناس قد صلوا فمال إلى منزله فجمع أهله فصلى بهم رواه الطبراني في الكبير والأوسط وقال الهيثمي في مجمع الزوائد رجاله ثقات انتهى.
وأجيب عنه بوجوه منها: أن هذا الحديث لا يعلم حاله كيف هو صحيح قابل للاحتجاج أم لا ، وأما قول الهيثمي رجاله ثقات فلا يدل على صحته لاحتمال أن يكون فيهم مدلس ورواه بالعنعنة أو يكون فيهم مختلط ورواه عنه صاحبه بعد اختلاطه أو يكون فيهم من لم يدرك من رواه عنه أو يكون فيه علة أو شذوذ ، قال الحافظ الزيلعي في نصب الراية في الكلام على بعض روايات الجهر بالبسملة لا يلزم من ثقة الرجال صحة الحديث

(2/9)


ـــــــ
حتى ينتفي منه الشذوذ والعلة ، وقال الحافظ ابن حجر في التلخيص في الكلام على بعض روايات حديث بيع العينة لا يلزم من كون رجال الحديث ثقات أن يكون صحيحاً انتهى ، هذا بعد تسليم أن رجال هذا الحديث ثقات على ما قال الحافظ الهيثمي ، لكن قال صاحب العرف الشذي: إن في سنده معاوية بن يحيى وهو متكلم فيه ولفظه هكذا ولقد صنف مولانا الكنكوهي رسالة في مسألة الباب وأتى فيه بحديث أنه عليه السلام دخل المسجد وقد صلى فيه فذهب إلى بيته وجمع أهله وصلى بالجماعة ، ولو كانت الجماعة الثانية جائزة بلا كراهة لما ترك فضل المسجد النبوي ، أخرجه في معجم الطبراني. في الأوسط والكبير ، وقال الحافظ نور الدين الهيثمي إن رجال السند ثقات محسنة ، وأقول إن في سنده معاوية بن يحيى من رجال التهذيب متكلم فيه انتهى كلامه بلفظه ، قلت الأمر كما قال صاحب العرف الشذي ، لا شك في إن في سنده معاوية بن يحيى أبا مطيع الأطرابلسي وهو متكلم فيه ، وذكر الحافظ الذهبي في الميزان أحاديثه المناكير وذكر فيها حديث أبي بكرة هذا أيضاً حيث قال فيه الوليد بن مسلم عن معاوية أبي مطيع عن خالد الحذاء عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقبل من بعض نواحي المدينة يريد الصلاة فوجدهم قد صلوا فانصرف إلى منزله فجمع أهله ثم صلى بهم ، وأما رسالة الشيخ الكنكوهي فقد صنف علمائنا في الرد عليها رسالة حسنة جيدة وأجاب عن ما استدل به الشيخ الكنكوهي جواباً شافياً.
ومنها أن الحديث ليس بنص على أنه صلى الله عليه وسلم جمع أهله فصلى بهم في منزله بل يحتمل أن يكون صلى بهم في المسجد ، وكان ميله إلى منزله لجمع أهله لا للصلاة فيه ، وحينئذ يكون هذا الحديث دليلا لاستحباب الجماعة في مسجد قد صلى فيه مرة لا لكراهتها فما لم يدفع هذا الاحتمال كيف يصح الاستدلال . ومنها: أنه لو سلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بأهله في منزله لا يثبت منه كراهة تكرار الجماعة في المسجد ، بل غاية ما يثبت منه أنه لو جاء رجل في مسجد قد صلى فيه فيجوز له أن لا يصلي فيه بل يخرج منه فيميل إلى منزله فيصلي بأهله فيه. وأما أنه لا يجوز له أن يصلي في ذلك المسجد بالجماعة أو يكره له ذلك فلا دلالة للحديث عليه البتة كما لا يدل الحديث على كراهة أن يصلي فيه منفرداً.

(2/10)


ـــــــ
ومنها: أنه لو ثبت من هذا الحديث كراهة تكرار الجماعة لأجل أنه صلى الله عليه وسلم لم يصل في المسجد لثبت منه كراهة الصلاة فرادى أيضاً في مسجد قد صلى فيه لأنه صلى الله عليه وسلم لم يصل في المسجد لا منفرداً ولا بالجماعة . والحاصل: أن الاستدلال بحديث أبي بكرة المذكور على كراهة تكرار الجماعة في المسجد واستحباب الصلاة فرادى ليس بصحيح . ولم أجد حديثاً مرفوعاً صحيحاً يدل على هذا المطلوب. وأما قول الشيخ الكنكوهي لو كانت الجماعة الثانية جائزة بلا كراهة لما ترك فضل المسجد النبوي . ففيه أنه يلزم من هذا التقرير كراهة الصلاة فرادى أيضاً في مسجد قد صلى فيه بالجماعة ، فإنه يقال لو كانت الصلاة فرادى جائزة بلا كراهة في مسجد قد صلى فيه بالجماعة لما ترك فضل المسجد النبوي فتفكر .
تنبيه: إعلم أن الفقهاء الحنفية يذكرون في كتبهم أثراً عن أنس بن مالك يستدلون به أيضاً على كراهة تكرار الجماعة في المسجد ، قال الشامي في رد المختار وروى عن أنس بن مالك أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا إذا فاتتهم الجماعة صلوا فرادى انتهى . قلت: لم يثبت هذا عن أنس بن مالك في كتب الحديث البتة ، بل ثبت عنه خلافه، قال البخاري في صحيحه وجاء أنس بن مالك إلى مسجد قد صلى فيه فأذن وأقام وصلى جماعة وقد تقدم ذكر من أخرجه موصولاً ، نعم أخرج ابن أبي شيبة عن الحسن قال كان أصحاب محمد إذا دخلوا في مسجد قد صلى فيه صلوا فرادى انتهى ، لكن قد صرح الحسن بأن صلاتهم فرادى إنما كانت لخوف السلطان . قال ابن أبي شيبة في مصنفه . حدثنا هشيم أنا منصور عن الحسن ، قال إنما كانوا يكرهون أن يجمعوا مخافة السلطان انتهى.
تنبيه: قال صاحب العرف الشذي ما لفظه: واقعة الباب ليس حجة علينا فإن المختلف فيه إذا كان الإمام والمقتدي مفترضين ، وفي حديث الباب كان المقتدي متنفلاً انتهى . قلت: إذا ثبت من حديث الباب حصول إثبات الجماعة بمفترض ومتنفل فحصول ثوابها بمفترضين بالأولى . ومن ادعى الفرق فعليه بيان الدليل الصحيح . على أنه لم يثبت عدم جواز تكرار الجماعة أصلاً لا بمفترضين ولا بمفترض ومتنفل. فللقول بجواز تكرارها بمفترض ومتنقل وعدم جواز تكرارها بمفترضين مما لا يصغي إليه . كيف وقد تقدم أن

(2/11)


ـــــــ
أنساً جاء في نحو عشرين من فتيانه إلى مسجد قد صلى فيه فصلى بهم جماعة . وظاهر أنه وفتيانه كلهم كانوا مفترضين ، وكذلك جاء ابن مسعود إلى مسجد قد صلى فيه فجمع بعلقمة ومسروق والأسود . وظاهر أنه وهؤلاء الثلاثة كلهم كانوا مفترضين فتفكر

(2/12)


165ـ باب مَا جَاءَ فِي فَضْلِ الْعِشاءِ وَالْفَجْرِ فِي الجَمَاعَة
221ـ حدثنا محمودُ بْنُ غَيْلاَنَ حَدّثَنَا بِشْرُ بْنُ السريّ حَدّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عُثْمانَ بْنِ حَكيمٍ عَنْ عبدِ الرّحْمَنِ بْنِ أبي عَمْرَةَ عَنْ عُثْمانَ بنِ عَفّانَ قَالَ: قَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ شَهِدَ الْعِشَاء فِي جَمَاعةٍ كَانَ لَهُ قِيَامُ نِصْفِ لَيْلَةٍ ، وَمَنْ صَلّى العِشَاء والفَجْرَ فِي جَمَاعَةٍ كَانَ لَهُ كَقِيَامِ لَيْلَةٍ".
ـــــــ
"باب مَا جَاءَ فِي فَضْلِ الْعِشاءِ وَالْفَجْرِ فِي الجَمَاعَة"
قوله: "نا بشر بن السري" الأفوه . بصري سكن مكة وكان واعظاً ثقة متقناً طعن فيه برأى جهم ثم اعتذر وتاب، روى عن الثوري وغيره "حدثنا سفيان" هو الثوري "عن عثمان بن الحكيم" بن عباد بن حنيف الأنصاري الأوسي أبو سهل المدني ثم الكوفي ثقة "عن عبد عبد الرحمن بن أبي عمرة" الأنصاري النجاري المدني ثقة كثير الحديث.
قوله: "من شهد العشاء في جماعة" وفي رواية مسلم من صلى العشاء في جماعة "كان له قيام نصف ليلة" وفي رواية مسلم فكأنما قام نصف الليل "ومن صلى العشاء والفجر في جماعة كان له كقيام ليلة" وكذلك في رواية أبي داود . وفي رواية مسلم ومن صلى الصبح في جماعة فكأنما صلى الليل كله . قال الحافظ المنذري في الترغيب قال ابن خزيمة في صحيحه باب فضل صلاة العشاء والفجر وبيان أن صلاة الفجر في الجماعة أفضل من صلاة العشاء في الجماعة وأن فضلها في الجماعة ضعفا فضل العشاء في الجماعة ، ثم ذكر حديث عثمان بنحو لفظ مسلم ، قال المنذري ولفظ أبي داود والترمذي يدافع ما ذهب إليه انتهى ، قلت الأمر كما قال المنذري ، فإن قلت: فما التوفيق بين رواية مسلم التي تقتضي بظاهرها أن من صلى العشاء والفجر في جماعة كان له قيام ليلة ونصف وبين

(2/12)


قال وفي الباب عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، وأَبِي هُرَيْرَةَ ، وَأَنَسٍ ، وَعُمَارَةَ بْنِ رُوَيْبَةَ ، وَجُنْدُبِ بْنِ عَبْدِ الله بْنِ سُفْيَانَ الْبَجَلِيّ ، وَأُبَيّ بن كَعْبٍ وَأَبي مُوسَى ، وَبُرَيْدَةَ.
قال أبو عيسى: حَدِيثُ عُثْمانَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ عَنْ عَبْدِ الرّحْمَنِ بن أبي عَمْرَةَ عنْ عُثْمانَ مَوْقُوفاً وَرُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنْ عُثْمانَ مَرْفوعاً.
222ـ حدثنا مُحَمّدُ بْنُ بَشّارٍ حَدّثَنَا يَزِيدُ بنُ هَرُونَ أَخْبَرَنَا دَاوُدُ بْنُ أَبي هِنْدٍ عَنِ الْحَسَنِ عَنْ جُنْدَبِ بْنِ سُفْيَانَ عَنِ النّبِيّ صلى الله عليه وسلم
ـــــــ
رواية أبي داود والترمذي التي تدل على أن له قيام ليلة. قلت: المراد بقوله ومن صلى الصبح في جماعة في رواية مسلم أي منضماً لصلاة العشاء جماعة. قاله المناوي . وقال القاري في المرقاة في شرح قوله فكأنما صلى الليل كله أي بانضمام ذلك النصف فكأنه أحي نصف الليل الأخير انتهى. وهذا هو المتعين جمعاً بين الروايتين، والله تعالى أعلم . قوله: "وفي الباب عن ابن عمر وأبي هريرة وأنس وعمارة بن أبي رويبة وجندب وأبي بن كعب وأبي موسى وبريدة " أما حديث ابن عمر فأخرجه الطبراني في الأوسط مرفوعاً بلفظ: من صلى العشاء في جماعة وصلى أربع ركعات قبل أن يخرج من المسجد كان كعدل ليلة القدر . قال الهيثمي في مجمع الزوائد في إسناده ضعيف غير متهم بالكذب انتهى ، وأما حديث أبي هريرة فأخرجه الشيخان وفيه ولو يعلمون ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبوا وأما حديث أنس فأخرجه أحمد بمعنى حديث أبي هريرة. قال الهيثمي رجاله موثقون. وأما حديث عمارة بن رويبة فأخرجه مسلم في صحيحه . أما حديث جندب فأخرجه مسلم وأبو داود والترمذي وغيرهم . وأما حديث أبي بن كعب فأخرجه أحمد وأبو داود والنسائي وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما والحاكم . وأما حديث أبي موسى فأخرجه الشيخان . وأما حديث بريدة فأخرجه أبو داود والترمذي.
قوله: "عن جندب" بضم الجيم وسكون النون وضم الدال وفتحها "بن سفيان"

(2/13)


قَالَ: "مَنْ صَلّى الصّبْحَ فَهُوَ فِي ذِمّةِ الله ، فَلاَ تُخْفِرُوا الله فِي ذِمّتِهِ".
"قال أبو عيسى: حَديثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ" .
223ـ حدثنا عَبّاسٌ الْعَنْبَرِيّ حدثنا يَحْيَى بْنُ كَثِيرٍ أبُو غَسّانَ الْعَنْبَرِيّ عَنْ إِسْماعِيلَ الكَحّال عَنْ عَبْدِ الله بْن أوْسٍ الْخُزَاعِيّ عَنْ بُرَيْدَةَ الأسْلَمِيّ عن النّبِيّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "بَشّرِ الْمَشّائِينَ فِي الظّلَم إلَى الْمَسَاجِدِ بِالنّورِ التّامّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ".
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مَرْفُوعٌ ، هُوَ صَحِيحٌ مُسْنَدٌ وَمَوْقُوفٌ إلَى أصْحَابِ النّبِيّ صلى الله عليه وسلم ، وَلَمْ يُسْنَدْ إلَى النّبِيّ صلى الله عليه وسلم" .
ـــــــ
هو اسم جد جندب واسم أبيه عبد الله ينسب تارة إلى أبيه وتارة إلى جده وله صحبة "من صلى الصبح فهو في ذمة الله" أي في عهده وأمانه في الدنيا والاَخرة . وهذا غير الأمان الذي ثبت بكلمة التوحيد "فلا تخفروا الله في ذمته" قال في النهاية: خفرت الرجل أجرته وحفظته وأخفرت الرجل إذا نقضت عهده وذمامه ، والهمزة فيه للازالة أي أزلت خفارته كأشكيته إذا أزلت وهو المراد في الحديث انتهى.
قوله: "حديث عثمان حديث حسن صحيح" وأخرجه أحمد ومسلم ولم يحكم الترمذي على حديث جندب بن سفيان بشيء وهو حديث صحيح أخرجه مسلم.
قوله: "بشر المشائين" هذا من الخطاب العام ولم يرد به أمراً واحداً بعينه كذا في قوت المغتذي ، والمشائين جمع المشاء وهو كثير المشي "بالنور التام" الذي يحيط بهم من جميع جهاتهم ، أي على الصراط لما قاسوا مشقة المشي في ظلمة الليل جوزوا بنور يضيء لهم ويحيطهم قاله المناوي وقال الطيبي في وصف النور بالتام وتقييده بيوم القيامة تلميح إلى وجه المؤمنين يوم القيامة في قوله تعالى: {نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا} إلى وجه المنافقين في قوله تعالى: {انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ} انتهى قوله. "هذا حديث غريب" وأخرجه أبو داود قال المنذري في الترغيب رجال إسناده ثقات وقد ذكر في معنى هذا الحديث أحاديث أخرى بأسانيد حسان من شاء الاطلاع عليها فليرجع إلى الترغيب.

(2/14)


166ـ باب مَا جَاءَ فِي فَضْل الصفّ الأَوّل
224ـ حدثنا قُتَيْبَةُ حَدّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمّدٍ عَنْ سُهَيْل بْنِ أبي صَالِحٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خَيْرُ صُفُوفِ الرّجَالِ أوّلُهَا ، وَشَرّها آخرُهَا ، وَخَيْرُ صفوفِ النساءِ آخرُها ، وشرّها أوّلُها".
قال وفي الباب عَنْ جَابِرٍ ، وَابْنِ عبّاسٍ ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَأبي سَعِيدٍ ، وَأُبيّ ، وَعَائِشَةَ ، وَالْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ، وَأنَسٍ.
قال أبو عيسى: حديثُ أَبِي هُرَيْرَةَ حديثٌ حسَنٌ صحيحٌ.
وَقَدْ رُوِيَ عن النّبِيّ صلى الله عليه وسلم: "أنّهُ كَانَ يَسْتَغْفِرُ لِلصّفّ الأوّلِ ثَلاَثاً، وَلِلثّانِي مَرّةً".
ـــــــ
"باب مَا جَاءَ فِي فَضْل الصفّ الأَوّل"
قوله: "خير صفوف الرجال أولها" لقربهم من الإمام واستماعهم لقراءته وبعدهم من النساء "وشرها آخرها" لقربهم من النساء وبعدهم من الإمام "وخير صفوف النساء آخرها" لبعدهن من الرجال "وشرها أولها" لقربهن من الرجال . والحديث أخرجه مسلم أيضاً في صحيحه . قال النووي أما صفوف الرجال فهي على عمومها فخيرها أولها أبدا وشهرها آخرها أبدا . أما صفوف النساء فالمراد بالحديث صفوف النساء اللواتي يصلين مع الرجال . وأما إذا صلين متميزات لا مع الرجال فهن كالرجال خير صفوفهن أولها وشرها آخرها . والمراد بشر الصفوف في الرجال والنساء أقلها ثواباً وفضلاً وأبعدها من مطلوب الشرع وخيرها بعكسه . وإنما فضل آخر صفوف النساء الحاضرات مع الرجال لبعدهن من مخالطة الرجال ورؤيتهم وتعلق القلب بهم عند رؤية حركاتهم وسماع كلامهم ونحو ذلك ، وذم أول صفوفهن بعكس ذلك انتهى . قوله: "وقد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يستغفر للصف الأول ثلاثاً وللثاني مرة" رواه

(2/15)


225- وَقَالَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم: "لَوْ أنّ النّاسَ يَعْلَمُونَ مَا فِي النّدَاءِ والصّفّ الأَوّلِ ثمّ لَمْ يَجِدُوا إلاّ أَنْ يَسْتَهِمُوا علَيْهِ لاَسْتَهَمُوا علَيْهِ".
قال: حدثنا بِذَلِكَ إسْحَقُ بن مُوسَى الأنْصَارِيّ حدثَنَا مَعْنٌ حَدّثَنَا مَالِكٌ عَنْ سُمىّ عَنْ أبي صَالِحٍ عن أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النّبِيّ صلى الله عليه وسلم: مِثْلَهُ.
226ـ وحدثنا قُتَيْبَةُ عَنْ مَالِكٍ نَحْوَهُ.
ـــــــ
النسائي وابن ماجه وأحمد عن العرباض بن سارية.
قوله: "ما في النداء والصف الأول" زاد أبو الشيخ في رواية من طريق الأعرج عن أبي هريرة من الخير والبركة كذا في الفتح "ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا" أي إلا أن يقترعوا. قال الخطابي قيل للاقتراع الاستهام لأنهم كانوا يكتبون أسماءهم على سهام إذا اختلفوا في الشيء فمن خرج سهمه غلب. قال الحافظ أي لم يجدوا شيئاً من وجوه الأولوية أما في الأذان فبأن يستووا في معرفة الوقت وحسن الصوت ونحو ذلك من شرائط المؤذن وتكملاته. وأما في الصف الأول فبأن يصلوا دفعة واحدة ويستووا في الفضل فيقرع بينهم إذا لم يتراضوا بينهم في الحالين قاله الحافظ "عليه" أي على ما ذكر ليشمل الأمرين الأذان والصف الأول وقد رواه عبد الرزاق عن مالك بلفظ فاستهموا عليهما. قاله الحافظ.
قوله: "عن سمي" بضم أوله بلفظ التصغير مولى أبي بكر بن عبد الرحمن المخزومي المدني وثقه أحمد وغيره.

(2/16)


167ـ باب مَا جَاءَ فِي إقَامَةِ الصّفُوف
227 ـ حدثنا قُتَيْبَةُ حدثنا أبو عَوَانَةَ عَنْ سِمَاكِ بنِ حَرْبٍ عَنْ
ـــــــ
"باب ما جاء في إقامة الصفوف"
أي في تعديلها يقال أقام العود إذا عدله وسواه.

(2/16)


النّعْمَانِ بن بَشِيرٍ قَالَ: "كَانَ رسول الله صلى الله عليه وسلم يُسَوّي صُفُوفَنَا ، فَخَرَجَ يَوْماً فَرَأَى رجلاً خَارِجاً صَدْرُهُ عَنِ الْقَوْمِ، فَقَالَ: لَتُسَوّنَ صفوفَكم أوْ لَيُخَالِفنّ الله بَيْنَ وُجُوهِكُمْ".
قال وفي الباب عَنْ جَابِرِ بنِ سَمُرَةَ ، وَالْبَرَاءِ ، وَجَابِرِ بنِ عَبْدِ الله ، وَأَنَسٍ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، وَعَائِشَةَ.
قال أبو عيسى: حديثُ النّعْمَانِ بنِ بَشِيرٍ حديثٌ حسَنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
قوله: "لتسون" بضم التاء المثناة وفتح السين وضم الواو المشددة وتشديد النون قال البيضاوي هذه اللام هي التي يتلقى بها القسم والقسم هنا مقدر ولهذا أكده بالنون المشددة قوله: "أو ليخالفن الله وجوهكم" أي إن لم تسووا. قال النووي قيل معناه يمسخها ويحولها عن صورها لقوله صلى الله عليه وسلم: يجعل الله صورته صورة حمار . وقيل يغير صفاتها . والأظهر والله اعلم أن معناه يوقع بينكم العداوة والبغضاء واختلاف القلوب، كما يقال تغير وجه فلان على أي ظهر لي من وجهه كراهة لي وتغير قلبه علي لأن مخالفتهم في الصفوف مخالفة في ظواهرهم واختلاف الظواهر سبب لاختلاف البواطن انتهى . قال الحافظ في الفتح ويؤيده رواية أبي داود وغيره بلفظ: أو ليخالفن بين قلوبكم انتهى. والحديث يدل بظاهره على وجوب تسوية الصفوف.
قوله: "وفي الباب عن جابر بن سمرة والبراء وجابر بن عبد الله وأنس وأبي هريرة وعائشة" أما حديث جابر بن سمرة فأخرجه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه البراء فأخرجه أبو داود ، وأما حديث جابر بن عبد الله فأخرجه أحمد وغيره وسيأتي لفظه ، وأما حديث أنس فأخرجه الشيخان وغيرهما وله ألفاظ. وأما حديث أبي هريرة فأخرجه أبو داود بلفظ توسطوا الإمام وسدوا الخلل . وأما حديث عائشة فأخرجه أبو داود بلفظ: لا يزال قوم يتأخرون عن الصف الأول حتى يؤخرهم الله في النار.
قوله: "حديث النعمان بن بشير حديث حسن صحيح" وأخرجه مسلم وأبو داود والنسائي.

(2/17)


وَقَدْ رُويَ عَنْ النّبِيّ صلى الله عليه وسلم أنّهُ قَالَ: "مِنْ تَمَامِ الصّلاَةِ إقَامَةُ الصّفّ".
وَرُويَ عن عُمَرَ: أنه كَانَ يُوَكّلُ رِجَالا بِإِقَامَةِ الصّفُوفِ فَلاَ يُكَبّرُ حَتّى يُخْبَرَ أنّ الصّفُوفَ قد اسْتَوَتْ.
وَرُوِيَ عَنْ عَليّ وَعُثْمانَ: أنّهُمَا كَانَا يَتَعَاهَدَان ذَلِكَ ، وَيقُولانِ: اسْتَوُوا.
وَكَانَ عَلِيّ: يَقُولُ تَقَدّمْ يَا فُلاَنُ ، تَأَخّرْ يا فُلاَنُ.
ـــــــ
قوله: "وقد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من تمام الصلاة إقامة الصف" في مجمع الزوائد عن جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن من تمام الصلاة إقامة الصف ، رواه أحمد وأبو يعلى والطبراني في الكبير والأوسط . وفيه عبد الله بن محمد بن عقيل وقد اختلف في الاحتجاج به انتهى.
قوله: "وروى عن عمر أنه كان يوكل رجلاً بإقامة الصفوف ولا يكبر حتى يخبر أن الصفوف قد استوت" رواه مالك في الموطأ عن نافع أن عمر بن الخطاب كان يأمر بتسوية الصفوف فإذ جاءوه فأخبروه أن قد استوت كبر "وروى عن علي وعثمان أنهما كانا يتعاهدان ذلك ويقولان أستووا إلخ" في الموطأ عن أبي سهيل بن مالك عن أبيه أنه قال كنت مع عثمان ابن عفان فقامت الصلاة وأنا أكلمه في أن يفرض لي فلم أزل أكلمه وهو يستوي الحصباء بنعليه حتى جاءه رجال قد كان وكلهم بتسوية الصفوف فأخبروه أن الصفوف قد استوت فقال لي استو في الصف ثم كبر .

(2/18)


168ـ باب مَا جَاءَ لِيَلِيَنّي مِنْكُمْ أُولُو اْلأَحْلاَمِ وَالنّهَى
228 ـ حدثنا نَصْرُ بنُ عَليّ الْجَهْضَمِيّ حَدثَنا يَزِيدُ بنُ زُرَيْعٍ
ـــــــ
"باب مَا جَاءَ لِيَلِيَنّي مِنْكُمْ أُولُو اْلأَحْلاَمِ وَالنّهَى"
قوله: "ليليني" بكسر اللامين وتخفيف النون من غير ياء قبل النون ويجوز إثبات

(2/18)


حَدثَنَا خَالِدٌ الْحَذّاءُ عَنْ أبي مَعْشَر عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ الله عن النّبِيّ صلى الله عليه وسلم قالَ: "لِيَلِيَنّي مِنْكُمْ أُولُو الأَحْلاَمِ وَالنّهَى ، ثُمّ الذِينَ يَلُونَهُمْ ، ثُمّ الّذِينَ يَلُونَهُمْ ، وَلاَ تَخْتَلِفُوا فَتَخْتَلِفَ قُلُوبُكُمْ ، وَإِيّاكُمْ وَهَيْشَاتِ الأسْوَاقِ".
ـــــــ
الياء مع تشديد النون على التوكيد. كذا قال النووي قلت قد وقع في بعض نسخ الترمذي ليلني بحذف الياء قبل النون وفي بعضها بإثباتها وقال الطيبي من حق هذا اللفظ أن يحذف منه الياء لأنه على صيغة الأمر وقد وجدنا بإثبات الياء وسكونها في سائر كتب الحديث ، والظاهر أنه غلط انتهى. والمعنى ليدن مني فإنه من الولي بمعنى الدنو والقرب "أولو الأحلام والنهى" ال ابن سيد الناس الأحلام والنهي بمعنى واحد ، وهي العقول ، وقال بعضهم المراد بأولى الأحلام البالغون ، وبأولى النهي العقلاه . فعلى الأول يكون العطف فيه من باب قوله: وألفي قولها كذباً وميناً ، وهو أن تغاير اللفظ قائم مقام تغاير المعنى وهو كثير في الكلام ، وعلى الثاني يكون لكل لفظ معنى مستقل انتهى "ثم الذين يلونهم" قال النووي معناه الذين يقربون منهم في هذا الوصف انتهى . وقال القاري في المرقاة كالمراهقين أو الذين يقربون الأولين في النهي والحلم "ثم الذين يلونهم" قال القاري كالصبيان المميزين والذين هم أنزل مرتبة من المتقدمين حلماً وعقلاً والمعنى هلم جراً فالتقدير ثم الذين يلونهم كالنساء فإن نوع الذكر أشرف على الإطلاق ، وقيل المراد بهم الخناثى ففيه إشارة إلى ترتيب الصفوف انتهى كلام القاري "ولا تختلفوا" أي بالأبدان "فتختلف قلوبكم" أي أهويتها وإرادتها. قال الطيبي فتختلف بالنصب أي على جواب النهي وفي الحديث أن القلب تابع للأعضاء فإذا اختلفت اختلف وإذا اختلف فسد ففسدت الأعضاء لأنه رئيسها "وإياكم وهيشات الأسواق" قال النووي بفتح الهاء وإسكان الياء وبالشين المعجمة . أي اختلاطها والمنازعة والخصومات وارتفاع الأصوات واللغط والفتن التي فيها انتهى ، وفي المرقاة جمع هيشة وهي رفع الأصوات نهاهم عنها لأن الصلاة حضور بين يدي الحضرة الإلهية فينبغي أن يكونوا فيها على السكوت وآداب العبودية ، وقيل هي الاختلاط والمعنى لا تكونوا مختلطين اختلاط أهل الأسواق فلا يتميز أصحاب الأحلام والعقول من غيرهم ولا يتميز الصبيان والإناث من غيرهم في التقدم والتأخر ،

(2/19)


قال وفي الباب عَنْ أُبَيّ بنِ كَعْبٍ ، وأبي مَسْعُودٍ ، وأبِي سَعِيدِ ، وَالْبَرَاءِ ، وَأَنَسٍ.
قال أبو عيسى: حَدِيثُ ابنِ مَسْعُودٍ حديثٌ حسَنٌ صحيحٌ غَرِيبٌ.
وَ "قَدْ" رُوِيَ عَنِ النّبِيّ صلى الله عليه وسلم: "أنّهُ كَانَ يُعْجِبُهُ أنْ يَلِيَهُ المُهَاجِرُونَ وَالأنْصَارُ ، لِيَحْفَظُوا عَنْهُ".
قال: وَخَالدٌ الْحَذّاءُ هُوَ خَالِدُ بنُ مِهْرَانَ يُكْنَى أبَا المُنَازِلِ.
قال: و سَمِعْتُ محمدَ بن إسْمَاعِيلَ يَقُولُ "يُقَالُ" : إنّ خَالِداً الْحَذّاءَ مَا حَذَا نَعْلاً قَطّ ، إنّمَا كَانَ يَجْلِسُ إلَى حَذّاءٍ فَنُسِبَ إلَيْهِ.
قال: وَأَبُو مَعْشَرٍ اسْمُهُ زِيَادُ بنُ كُلَيْبٍ.
ـــــــ
وهذا المعنى هو الأنسب بالمقام، قال الطيبي ويجوز أن يكون المعنى قوا أنفسكم من الاشتغال بأمور الأسواق فإنه يمنعكم أن تلوني.
قوله: "وفي الباب عن أبي بن كعب وأبي مسعود وأبي سعيد والبراء وأنس" أما حديث أبي بن كعب فأخرجه أحمد والنسائي ، وأما حديث أبي مسعود فأخرجه أحمد ومسلم والنسائي وابن ماجه وأما حديث أبي سعيد والبراء فأخرجه أحمد وابن أبي شيبة والحاكم وسعيد بن منصور: كذا في شرح سراج أحمد السرهندي ، وأما حديث أنس فأخرجه أحمد وابن ماجه بلفظ قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب أن يليه المهاجرون والأنصار ليأخذوا عنه "حديث ابن مسعود حديث حسن غريب" وأخرجه مسلم.
قوله: "وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يعجبه إلخ" رواه ابن ماجه من حديث أنس كما تقدم آنفاً.
وله: "هو خالد بن مهران" بكسر الميم وسكون الهاء "ويكنى أبا المنازل" بفتح الميم وقيل بضمها وكسر الزاء "أن خالد الحذاء" بفتح المهملة وتشديد الذال المعجمة "ما حذا نعلاً" قال في القاموس حذا النعل حذوا وحذاء قدرها وقطعها.

(2/20)


169ـ باب مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةِ الصّفّ بَيْنَ السّوَارِي
229ـ حدثنا هَنّادٌ حدثنا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ عنْ يَحْيَى بنِ هَانِئ بن عُرْوَةَ المُرَادِيّ عنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بن محمود قال: "صلّينا خَلفَ أمِيرٍ مِنَ الأُمَرَاء فاضْطَرّنَا النّاسُ فَصَلّيْنَا بين السّارِيَتَيْنِ ، فلما صَلّيْنَا قال أَنَسُ بنُ مَالِكٍ: كُنّا نَتّقِي هَذَا عَلَى عَهْدِ رسول الله صلى الله عليه وسلم".
وفي البابِ عنْ قُرّةَ بن إيَاسٍ المُزَنِيّ.
قال أبو عيسى: حديثُ أنس حديثٌ حسَنٌ صحيح .
وَقَدْ كَرِهَ قَوْمٌ مِنْ أهْلِ الْعِلْمِ أنْ يُصَفّ بَيْنَ السّوَارِي.
وَبِهِ يَقُولُ أحمَدُ ، وإسْحاقُ.
ـــــــ
"باب ما جاء في كراهية الصف بين السواري"
جمع سارية بمعنى الاسطوانة .
قوله :"كنا نتقي هذا" أي الصلاة بين الساريتين.
قوله:"وفي الباب عن قرة بن إياس المزني" قال كنا ننهى أن نصف بين السواري على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ونطرد عنها طرداً أخرجه ابن ماجه وفي إسناده هارون بن مسلم البصري وهو مجهول كما قال أبو حاتم ، يشهد له ما أخرجه الحاكم وصححه من حديث أنس بلفظ كنا ننهي عن الصلاة بين السواري ونطرد عنها. وقال لا تصلوا بين الأساطين وأتموا الصفوف.
قوله: "حديث أنس حديث حسن صحيح" أخرجه الخمسة إلا ابن ماجه.
قوله: "وقد كره قوم من أهل العلم أن يصف بين السواري وبه يقول أحمد وإسحاق" وبه قال النخعي وروى سعيد بن منصور في سننه النهي عن ذلك عن ابن مسعود وابن عباس وحذيفة . قال ابن سيد الناس ولا يعرف لهم مخالف في الصحابة . والعلة في الكراهة ما قاله أبو بكر بن العربي من أن ذلك إما لانقطاع الصف أو لأنه موضع جمع النعال ،

(2/21)


وَقَدْ رَخّصَ قَوْمٌ مِنْ أهْلِ الْعِلْمِ فِي ذَلِكَ.
ـــــــ
قال ابن سيد الناس والأول أشبه لأن الثاني محدث. قال القرطبي روى أن سبب كراهة ذلك أن مصلى جن المؤمنين.
قوله: "وقد رخص قوم من أهل العلم في ذلك" أي الصلاة بين السواري رخص فيه أبو حنيفة ومالك والشافعي وابن المنذر قياساً على الإمام والمنفرد ، قالوا وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في الكعبة بين الساريتين . قال ابن رسلان وأجازه الحسن وابن سيرين وكان سعيد بن جبير وإبراهيم التيمي وسويد بن غفلة يؤمون قومهم بين الأساطين وهو قول الكوفيين . قال الشوكاني حديث قرة ليس فيه إلا ذكر النهي عن الصف بين السواري ولم يقل كنا ننهي عن الصلاة بين السواري ففيه دليل على التفرقة بين الجماعة والمنفرد . ولكن حديث أنس الذي أخرجه الحاكم فيه النهي عن الصلاة مطلقاً فيحمل المعلق على المقيد ويدل على ذلك صلاته صلى الله عليه وسلم بين الساريتين فيكون النهي على هذا مختصاً بصلاة المؤتمين دون صلاة الإمام والمنفرد. وهذا أحسن ما يقال ، وأما قياس المؤتمين على الإمام والمنفرد ففاسد الاعتبار لمصادمته لأحاديث الباب انتهى.

(2/22)


170ـ باب مَا جَاءَ فِي الصلاَةِ خَلْفَ الصّفّ وَحْدَه
230ـ حدثنا هَنّادٌ حدثنا أبو الأحْوَصِ عنْ حُصَيْنٍ عَنْ هِلاَلِ بنِ يَسَافٍ قَالَ: أخَذَ زيَادُ بْنُ أبي الجَعْدِ بَيِدي وَنَحْنُ بِالرّقّةِ فَقَامَ بي عَلَى شَيْخٍ يُقَالُ لَهُ وَابِصَةُ بنُ مَعْبَدٍ مِنْ بَنِي أسَدٍ فَقَالَ زيادٌ: حَدّثِني هَذَا الشّيْخُ " أنّ رَجُلاً صَلّى خَلْفَ الصّفّ وَحْدَهُ ـ والشّيْخُ يَسْمَعُ
ـــــــ
"باب مَا جَاءَ فِي الصلاَةِ خَلْفَ الصّفّ وَحْدَه"
قوله: "عن هلال بن يساف" بكسر التحتانية ثم مهملة ثم فاء ويقال ابن أساف الأشجعي مولاهم الكوفي ثقة من أوساط التابعين "ونحن بالرقة" بفتح الراء وشدة القاف اسم موضع.
قوله: "فقال زياد حدثني هذا الشيخ" يعني وابصة بن معبد "والشيخ يسمع" هذا

(2/22)


فأَمَرَهُ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أنْ يُعِيدَ الصّلاَةَ".
قال أبو عيسى: وفي البابِ عنْ عَلِيّ بن شَيْبَانَ ، وابن عَبّاسٍ.
قال أبو عيسى: و حديثُ وابصَةَ حديثٌ حسنٌ.
وَقَدْ كَرِهَ قَوْمٌ مِنْ أهْلِ الْعِلْمِ أنْ يُصَلّيَ الرّجُلُ خَلْفَ الصّفّ وَحْدَهُ ، وَقَالوا: يُعِيدُ إذَا صلّى خَلْفَ الصفّ وحْدَهُ .
وَبهِ يَقُولُ أحْمَدُ ، وَإِسْحَقُ.
ـــــــ
مقول هلال بن يساف وهو جملة حالية . أي فقال زياد حدثني هذا الشيخ أن رجلاً إلخ والحال أن الشيخ كان يسمع كلامه ولم ينكر عليه "فأمره صلى الله عليه وسلم أن يعيد الصلاة" فيه دلالة على أن الصلاة خلف الصف وحده لا تصح وأن من صلى خلف الصف وحده فعليه أن يعيد الصلاة .
قوله: "وفي الباب عن علي بن شيبان وابن عباس" أما حديث علي بن شيبان فأخرجه أحمد وابن ماجه عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً يصلي خلف الصف فوقف حتى انصرف الرجل فقال له استقبل صلاتك فلا صلاة لمنفرد خلف الصف ، إسناده حسن ، روى الأثرم عن أحمد أنه قال حديث حسن ، قال ابن سيد الناس رواته ثقات معروفون وهو من رواية عبد الرحمن بن علي بن شيبان عن أبيه وعبد الرحمن قال فيه ابن حزم وما نعلم أحداً عابه بأكثر من أنه لم يرو عنه إلا عبد الرحمن بن بدر ، وهذا ليس جرحة انتهى . ويشهد لحديث علي بن شيبان ما أخرجه ابن حبان عن طلق مرفوعاً لا صلاة لمنفرد خلف الصف كذا في النيل . وأما حديث ابن عباس فأخرجه أحمد عنه قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم من آخر الليل فصليت خلفه فأخذ بيدي فجرني حتى جعلني حذاءه .
قوله: "حديث وابصة حديث حسن" قال الحافظ في الفتح أخرجه أصحاب السنن وصححه أحمد وابن خزيمة وغيرهما .
قوله: "وبه يقول أحمد وإسحاق" وبه قال بعض محدثي الشافعية كابن خزيمة ، وممن قال بذلك النخعي والحسن بن صالح وبه قال قوم من أهل الكوفة كما بينه الترمذي ،

(2/23)


وَقَدْ قَال قَوْمٌ مِنْ أهْلِ الْعِلْمِ يُجْزِئهُ إذَا صلّى خَلْفَ الصفّ وَحْدَهُ .
وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثّورِيّ ، وَابْنُ المُبَارَكِ ، وَالشّافِعِيّ .
وَقَدْ ذَهَبَ قَوْمٌ مِنْ أهْلِ الْكُوفَةِ إلَى حَدِيثِ وَابِصَةَ بن مَعْبَدٍ أيْضاً ، قَالوا: مَنْ صلّى خَلْفَ الصف وَحْدهُ يُعِيدُ .
مِنْهُمْ حَمّادُ بن أبي سُلَيْمانَ وَابْنُ أبي لَيْلَى ، وَوَكِيعٌ.
وَروَى حديثَ حُصَيْنٍ عَنْ هِلاَلِ بن يَسَافٍ غَيْرُ وَاحِدٍ مِثْلَ رِوَايَةِ أبي الأحْوَصِ عَنْ زِيَادِ بن أبي الْجَعْدِ عَنْ وَابصَةَ بن مَعْبَدٍ .
ـــــــ
واستدلوا بأحاديث الباب "وقد قال قوم من أهل العلم تجزئه إذا صلى خلف الصف وحده وهو قول سفيان الثوري وابن المبارك والشافعي" وهو قول الحنفية واستدل لهم بحديث أنس قال صليت أنا ويتيم في بيتنا خلف النبي صلى الله عليه وسلم وأمي أم سليم خلفنا. رواه البخاري ومسلم قال الزيلعي في نصب الراية: وأحكام الرجال والنساء في ذلك سواء انتهى. وقال ابن بطال لما ثبت ذلك للمرأة كان للرجل أولى انتهى.
ورد هذا الاستدلال بأنه إنما ساغ ذلك للمرأة لامتناع أن تصف مع الرجال بخلاف الرجل فإن له أن يصف معهم ، وأن يزاحمهم وأن يجذب رجلا من حاشية الصف فيقوم معه فافقترقا . قال الحافظ في الفتح قال ابن خزيمة لا يصح الاستدلال به لأن صلاة المرء خلف الصف وحده منهي عنها باتفاق ممن يقول تجزئه أو لا تجزئه ، وصلاة المرأة وحدها إذا لم يكن هناك امرأة أخرى مأمور بها باتفاق فكيف يقاس مأمور على منهى انتهى . واستدل لهم أيضاً بحديث ابن عباس بأنه صلى خلف النبي صلى الله عليه وسلم فأخذه صلى الله عليه وسلم بيده وجعله حذاءه ولم يأمره بإعادة الصلاة .
وأجيب عنه بأن رواية ابن عباس هذه هي إحدى الروايات التي وردت في صفة دخوله مع النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الليل في الليلة التي بات فيها عند خالته ميمونة ، والذي في الصحيحين وغيرهما أنه قام عن يساره فجعله عن يمينه وهو الأصح الأرجح ، واستدل لهم أيضاً بحديث أبي بكرة أنه انتهى إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو راكع فركع قبل أن يصل إلى الصف ثم مشى إلى الصف فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم

(2/24)


وفِي حَديثِ حُصَيْنٍ مَا يَدُلّ عَلَى أنّ هِلاَلاً قَدْ أدْرَكَ وَابصَةَ.
وَاخْتَلَفَ أهْلُ الْحَديثِ فِي هَذَا:
فَقَالَ بَعْضُهُمْ: حَدِيثُ عَمْرِو بن مُرّةَ عَنْ هِلاَلِ بن يِسَافٍ عَنْ عَمْرِو بن رَاشِدٍ عَنْ وَابِصَةَ بْن مَعْبَدٍ: أصَحّ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: حدِيثُ حُصَيْنٍ عَنْ هِلاَلِ بْنِ يِسافٍ عَنْ زيَادِ بن أبي الْجَعْدِ عَنْ وَابِصَةَ بنْ مَعْبَدٍ أصَحّ.
قال أبو عيسى: وهَذَا عنْدي أصحّ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بن مُرّةَ ، لأنّهُ قَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ حَدِيثِ هِلاَلِ بن يِسافٍ عَنْ زِيَادِ بن أبي الْجَعْدِ عَنْ وَابِصَةَ.
ـــــــ
فقال زادك الله حرصاً ولا تعد ، رواه البخاري وأبو داود والنسائي ، قال التوربشتي ومحي السنة: فيه دلالة على أن الانفراد خلف الصف لا يبطل لأنه لم يأمره بالإعادة وأرشده في المستقبل بما هو أفضل بقوله ولا تعد فإنه نهي تنزيه لا تحريم إذا لو كان للتحريم لأمره بالإعادة انتهى ، وقال ابن الهمام من العلماء الحنفية: وحمل أئمتنا حديث وابصة على الندب وحديث علي بن شيبان على نفي الكمال ليوافقا حديث أبي بكرة إذ ظاهره عدم لزوم الإعادة لعدم أمره بها انتهى كلامه محصلاً.
قلت: قال الحافظ في الفتح جمع أحمد وغيره بين الحديثين يعني بين حديث وابصة وحديث أبي بكرة بأن حديث أبي بكرة مخصص لعموم حديث وابصة فمن ابتدأ الصلاة منفرداً خلف الصف ثم دخل في الصف قبل القيام من الركوع لم تجب عليه الإعادة كما في حديث أبي بكرة وإلا فيجب على عموم حديث وابصة وعلي بن شيبان انتهى ، وهذا الجمع حسن بل هو المتعين فإنه يحصل التوفيق بين الأحاديث بلا تكلف والله تعالى أعلم.
فائدة: قد اختلف في من لم يجد فرجة ولا سعة في الصف ما الذي يفعل ، فقيل إنه يقف منفرداً ولا يجذب إلى نفسه أحداً لأنه لو جذب إلى نفسه واحداً لفوت عليه فضيلة الصف الأول ولأوقع الخلل في الصف وبهذا قال أبو الطيب الطبري ، وحكاه عن مالك ، وقال أكثر أصحاب الشافعي إنه يجذب إلى نفسه واحداً ويستحب للمجذوب أن يساعده ولا فرق بين الداخل في أثناء الصلاة والحاضر في ابتدائها في ذلك ، وقد روى عن

(2/25)


231ـ حدثنا محمدُ بنُ بَشّارٍ حَدّثَنَا محمدُ بنُ جَعْفَرٍ، حَدّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَمْرِو بنِ مُرّةَ عَنْ هِلاَل بن يِسافٍ عَنْ عَمْرِو بن رَاشِدٍ عَنْ وَابِصَةَ بن مَعْبَدٍ: "أنّ رَجُلاً صلّى خَلْفَ الصفّ وحْدَهُ فَأَمَرَهُ النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنْ يُعِيدَ الصلاَة".
قال أبو عيسى: و سَمِعْتُ الْجَارُودَ يَقُولُ: سَمِعْتُ وَكِيعاً يَقُولُ: إذَا صَلّى الرّجُلُ خَلْفَ الصّفّ وَحْدَهُ فَإِنّهُ يُعِيدُ.
ـــــــ
عطاء وإبراهيم النخعي أن الداخل إلى الصلاة والصفوف قد استوت واتصلت يجوز له أن يجذب إلى نفسه واحداً ليقوم معه واستقبح ذلك أحمد وإسحاق وكرهه الأوزاعي ومالك واستدل القائلون بالجواز بما رواه الطبراني في الأوسط والبيهقي من حديث وابصة أنه صلى الله عليه وسلم قال لرجل صلى خلف الصف: أيها المصلي هلا دخلت في الصف أو جررت رجلاً من الصف أعد صلاتك ، وفيه السري بن إسماعيل وهو متروك وله طريق أخرى في تاريخ أصبهان لأبي نعيم ، وفيها قيس بن الربيع وفيه ضعف ، لأبي داود في المراسل من رواية مقاتل بن حيان مرفوعاً: إن جاء فلم يجد أحداً فليختلج إليه رجلاً من الصف فليقم معه فما أعظم أجر المختلج وأخرج الطبراني عن ابن عباس بإسناد قال الحافظ واهٍ ، بلفظ إن النبي صلى الله عليه وسلم أمر الاَتي وقد تمت الصفوف أن يجتذب إليه رجلاً يقيمه إلى جنبه كذا في النيل

(2/26)


171ـ باب مَا جَاء فِي الرّجُلِ يُصَلّي وَمَعَهُ رَجُل
232ـ حدثنا قُتَيْبَةُ حدثنا دَاوُدُ بنُ عَبْدِ الرّحْمَنِ الْعَطّارُ عن عَمْرِو ابْنِ دِينَارٍ عن كُرَيْب مَوْلَى ابْنِ عَبّاسٍ عن ابْنِ عَبّاس قَالَ: "صَلّيْتُ مَعَ
ـــــــ
"باب مَا جَاء فِي الرّجُلِ يُصَلّي وَمَعَهُ رَجُل"
قوله: "ذات ليلة" أي في ليلة ولفظ ذات مقحم ، وقال جار الله وهو من إضافة المسمى

(2/26)


النّبِيّ صلى الله عليه وسلم ذَاتَ لَيْلَةٍ ، فَقُمْتُ عن يَسَارِهِ ، فأَخَذَ رسول الله صلى الله عليه وسلم بِرَأْسِي مِنْ وَرَائِي فَجَعَلَنِي عن يَمِينِهِ": .
قال أبو عيسى: وفي الباب عنْ أنس:
قال أبو عيسى: و حديث ابن عبّاس حديثٌ حسَنٌ صحيحٌ:
والْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أصْحَابِ النبي صلى الله عليه وسلم وَمَنْ بَعْدهُمْ ، قَالوا: إذَا كَانَ الرّجُلُ مَعَ الإمَامِ يَقُومُ عَنْ يَمِينِ الإمَامِ.
ـــــــ
إلى اسمه "فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم برأسي من ورائي" كلا الجارين متعلقان بأخذ "فجعلني عن يمينه" فيه دلالة على أن المأموم الواحد يقف على يمين الإمام وهو مذهب جميع أهل العلم ونقل جماعة الإجماع فيه قاله النووي.
قوله: "وفي الباب عن أنس" أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى به وبأمه أو خالته قال فأقامني عن يمينه وأقام المرأة خلفنا أخرجه مسلم.
قوله: "حديث ابن عباس حديث حسن صحيح" وأخرجه البخاري ومسلم

(2/27)


172ـ باب مَا جَاء فِي الرّجُلِ يُصَلّي مع الرجلين
233 ـ حدثنا بُنْدَارٌ مُحَمّدُ بن بَشّارٍ ، حدثنا مُحَمّد بن أبي عَدِيّ قَال: أَنْبَأَنَا إسْماعِيل بن مُسْلِمِ عَنِ الْحَسَنِ عن سَمُرَةَ بن جُنْدَبٍ قَال: "أمَرَنَا رسول الله صلى الله عليه وسلم إذَا كُنّا ثَلاَثَة أنْ يَتَقَدّمَنَا أحَدنَا". .
ـــــــ
"باب مَا جَاء فِي الرّجُلِ يُصَلّي مع الرجلين"
قوله: "أن يتقدمنا أحدنا" معمول لقوله أمرنا على حذف الباء أي بأن يتقدمنا أحدنا وإذا كنا ظرف يتقدمنا وجاز تقديمه على أن المصدرية للاتساع في الظروف قاله الطيبي.

(2/27)


قال أبو عيسى: وفي البابِ عن ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَجَابِرٍ ، وَأنَسِ بْن مَالِكٍ .
قَالَ أبو عيسى: وَحَدِيثُ سَمُرَةَ حديثٌ حسن غَرِيبٌ.
وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أهْلِ الْعِلْمِ ، قَالُوا: إذَا كانُوا ثَلاَثَةً قَامَ رَجُلاَنِ خَلْفَ الإمِامِ.
وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: أنّهُ صَلّى بِعَلْقَمَةَ وَاْلأسْوَدِ فَأَقَامَ أحَدَهُمَا عن يَمِينِهِ وَالاَخَرَ عَنْ يَسَارِهِ ، وَرَوَاهُ عن النبي صلى الله عليه وسلم.
ـــــــ
قوله: "وفي الباب عن ابن مسعود وجابر" أما حديث ابن مسعود فأخرجه أحمد عن الأسود بن يزيد، قال دخلت أنا وعمي علقمة على ابن مسعود بالهاجرة قال فأقام الظهر ليصلي فقمنا خلفه فأخذ بيدي ويد عمي ثم جعل أحدنا عن يمينه والاَخر عن يساره فصففنا صفاً واحداً قال ثم قال هكذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع إذا كانوا ثلاثة، وأخرج أبو داود والنسائي معناه وأخرجه مسلم مطولاً ومختصراً وسيجيء لفظه المختصر ، وأما حديث جابر فأخرجه مسلم عنه قال قام رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلي فجئت حتى قمت عن يساره فأخذ بيدي فأدارني حتى أقامني عن يمينه ثم جاء جبار بن صخر فقام عن يسار رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ بيدينا جميعاً فدفعنا حتى أقامنا خلفه.
قوله: "وحديث سمرة حديث غريب" في إسناده إسماعيل بن مسلم وقد تكلم بعض الناس كما صرح به الترمذي وقد تكلم الناس في سماع الحسن عن سمرة لكنه مؤيد بحديث جابر المذكور وبحديث أنس قال صليت أنا ويتيم في بيتنا خلف النبي صلى الله عليه وسلم وأم سليم خلفنا رواه مسلم.
قوله: "والعمل على هذا عند أهل العلم إذا كانوا ثلاثة قام رجلان خلف الإمام" وهو الحق وقال ابن مسعود رضي الله عنه وصاحباه الأسود وعلقمة ونفر يسير من أهل الكوفة قام أحدهما عن يمين الإمام والاَخر عن شماله وخالفهم جميع العلماء من الصحابة فمن بعضهم كما ستقف عليه في كلام النووي.
قوله: "وروى عن ابن مسعود أنه صلى بعلقمة والأسود فأقام أحدهما عن يمينه والاَخر عن يساره إلخ" رواه أحمد وأبو داود والنسائي وتقدم آنفاً لفظه وبه قال بعض الكوفيين ،

(2/28)


وَقَدْ تَكَلّمَ بَعْضُ النّاسِ فِي إسْمَعِيلَ بْنِ مسْلِمٍ الْمكّيّ مِنْ قِبَلِ حِفْظِهِ
ـــــــ
واحتجوا بحديث ابن مسعود هذا. وأجاب عنه ابن سيرين بأن ذلك كان لضيق المكان رواه الطحاوي كذا في فتح الباري، وفي صحيح مسلم عن إبراهيم عن علقمة والأسود أنهما دخلا على عبد الله فقال أصلي من خلفكم قالا نعم فقام بينهما وجعل أحدهما عن يمينه والاَخر عن شماله ثم ركعنا فوضعنا أيدينا على ركبنا فضرب أيدينا ثم طبق بين يديه ثم جعلهما بين فخذيه فلما صلى قال هكذا فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم قال النووي هذا مذهب ابن مسعود وصاحبيه وخالفهم جميع العلماء من الصحابة إلى الاَن، فقالوا إذا كان مع الإمام رجلان وقفا وراءه صفا لحديث جابر وجبار بن صخر وقد ذكر مسلم في صحيحه في آخر الكتاب في الحديث الطويل عن جابر وأجمعوا على أنهم إذا كانوا ثلاثة يقفون وراءه وأما الواحد فيقف عن يمين الإمام عند العلماء كافة ونقل جماعة الإجماع فيه انتهى كلام النووي

(2/29)


باب: ما جاء في الرجل يصلى ومعه الرجال و النساء
...
173ـ باب مَا جَاءَ فِي الرّجُلِ يُصلّي وَمَعَهُ الرّجَالُ وَالنّسَاء
234ـ حدثنا إسْحَق الأنْصَارِيّ حدثنا مَعْنٌ حدثنا مَالِكُ بنُ أنَس عن إسْحَقَ بنِ عَبْدِ الله بنِ أبِي طَلْحَةَ عن أنَسِ بن مَالِكٍ: "أنّ جَدّتَهُ مُلَيْكَة دَعَتْ رَسول الله صلى الله عليه وسلم لِطَعَامٍ صَنَعَتْهُ ، فَأَكَلَ مِنْهُ ، ثُمّ قَالَ: قُومُوا فَلْنُصَلّ بِكُمْ ، قَالَ أنَسٌ . فَقُمْتُ إلَى حَصِيرٍ لَنَا قَدْ اسْوَدّ مِنْ طُول مَا لُبِسَ ، فَنَضَحْتُهُ بِالْمَاءِ ، فَقَامَ عَلَيْهِ رَسول الله صلى الله عليه
ـــــــ
"باب مَا جَاءَ فِي الرّجُلِ يُصلّي وَمَعَهُ الرّجَالُ وَالنّسَاء"
قوله: "قوله أن جدته" أي جدة أنس "مليكة" بضم الميم تصغير ملكة وقيل ضمير جدته يرجع إلى إسحاق بن عبد الله وقد بسط الحافظ في الفتح الكلام في هذا من شاء الوقوف عليه فليرجع إليه "من طول ما لبس" أي استعمل ، وفيه أن الافتراش يسمي لبساً "فنضحته بالماء" يحتمل أن يكون النضح لتليين الحصير أو لتنظيفه أو لتطهيره ولا يصح

(2/29)


وسلم وَصَفَفْتُ عليهِ أنَا وَاليَتِيمُ وَرَاءَه ، والعجوزُ من ورائنا ، فصلى بنا ركعتين ثم انصرف".
قال أبو عيسى: حديثُ أنسٍ حديث حسن صحيح ، والعملُ عليه عندَ "أكثر" أهل العلمِ ، قالوا إذا كان مع الإمامِ رَجُلٌ وامرأةٌ ، قام الرجلُ عن يمين الإمامِ والمرأةُ خلفَهما ، وقد احتج بعضُ الناسِ بهذا الحديث في إجازة الصّلاَةِ إذا كان الرجلُ خلفَ الصفّ وحدَه ، و قالوا: إن الصّبيّ لم تكنْ لهُ صلاةٌ . وكأنّ أنساً كان خلفَ النّبِيّ صلى الله عليه وسلم وحدَه ، "في الصفّ" وليسَ الأمرُ عَلَى ما ذَهبُوا إليه لأن النبي صلى الله عليه وسلم أقامَه مع اليتيمِ خَلْفَه ، فلولا أنّ النبي صلى الله عليه وسلم جعل لليتيم صلاة ، لَمَا أَقَامَ اليتيمَ معه وَلأَقامهُ عن يمينه". وقد رُوِي عن موسى بن أنسٍ عن أنسٍ "أنه صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم فأقامَه عن يمينه" ، وفِي هذا الحديثِ دلالةٌ أنّهُ إنما صلى تَطَوعاً ، أراد ادخالَ البركةِ عليهم.
ـــــــ
الجزم بالأخير بل المتبادر غيره لأن الأصل الطهارة "والعجوز من ورائنا" هي مليكة المذكورة ثم انصرف أي إلى بيته أو من الصلاة وفي هذا الحديث من الفوائد صلاة النافلة جماعة في البيوت وقيام الصبي مع الرجل صفا وتأخير النساء عن صفوف الرجال وقيام المرأة صفاً وحدها إذا لم يكن معها امرأة غيرها وصحة صلاة الصبي المميز ووضوئه قوله: "حديث أنس حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان

(2/30)


174ـ باب من أحقّ بالإمامة
235ـ حدثنا هنّاد حَدّثَنَا أبُو مُعَاوِيَةَ عن الأعمشِ قال: وحَدثنا محمودُ بنُ غَيْلانَ حَدّثَنَا أبُو معاويَة و عبدالله ابنُ نُمَيْرٍ عن الأعمشِ عن إسْمَاعِيلَ بنِ رجاءٍ
ـــــــ
"باب من أحقّ بالإمامة"
قوله: "وابن نمير" بالتصغير هو عبد الله نمير الهمداني الخارقي أبو هشام الكوفي ثقة صاحب حديث من أهل السنة روى عن الأعمش وغيره قال ابنه محمد مات سنة تسع وتسعين ومائة "عن إسماعيل بن رجاء الزبيدي" بضم الزاي مصغراً أبي إسحاق

(2/30)


الزبيديّ عَن أوسِ بنِ ضمعجٍ قال: سمعتُ أبا مسعودٍ الأنصَارِيّ يقولُ: قالَ
ـــــــ
الكوفي ثقة تكلم فيه الأزدي بلا حجة "عن أوس بن ضمعج" بفتح المعجمة وسكون الميم بعدها مهملة مفتوحة ثم جيم بوزن جعفر الكوفي ثقة مخضرم من الثانية قاله الحافظ "سمعت أبا مسعود الأنصاري" اسمه عقبة بن عمرو بن ثعلبة البدري صحابي جليل "عن أوس بن ضمعج" بفتح الضاد المعجمة وسكون الميم وفتح العين المهملة بعدها جيم.
قوله: "يؤم القوم" قال الطيبي بمعنى الأمر أي ليؤمهم "أقرؤهم لكتاب الله" قيل المراد به الأفقه ، وقيل هو على ظاهره وبحسب ذلك اختلف الفقهاء. قال النووي قال أصحابنا الأفقه مقدم على الأقرأ فإن الذي يحتاج إليه من القراءة مضبوط والذي يحتاج إليه من الفقه غير مضبوط ، فقد يعرض في الصلاة أمر لا يقدر على مراعاة الصلاة فيه إلا كامل الفقه ، ولهذا قدم النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر في الصلاة على الباقين مع أنه صلى الله عليه وسلم نص على أن غيره أقرأ منه كأنه عنى حديث أقرؤكم أبي قال وأجابوا عن الحديث بأن الأقرأ من الصحابة كان هو الأفقه انتهى. قال الحافظ في الفتح. وهذا الجواب يلزم منه أن من نص النبي صلى الله عليه وسلم على أنه أقرأ من أبي بكر كان أفقه من أبي بكر فيفسد الاحتجاج ، بأن تقديم أبي بكر كان لأنه الأفقه انتهى. ثم قال النووي بعد ذلك إن قوله في حديث أبي مسعود فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم في الهجرة ، يدل على تقديم الأقرأ مطلقاً انتهى قال الحافظ: وهو واضح للمغايرة ، وهذه الرواية أخرجها مسلم من وجه آخر عن إسمعيل بن رجاء ، ولا يخفى أن محل تقديم الأقرأ إنما هو حيث يكون عارفاً بما يتعين معرفته من أحوال الصلاة فأما إذا كان جاهلاً بذلك فلا يقدم اتفاقاً والسبب فيه أن أهل ذلك العصر كانوا يعرفون معاني القرآن لكونهم أهل اللسان فالأقرأ منهم بل القاري كان أفقه في الدين من كثير من الفقهاء الذين جاؤا بعدهم انتهى كلام الحافظ ، وقال الزيلعي في نصب الراية بعد ذكر حديث الباب: ورواه ابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه إلا أن الحاكم قال عوض قوله فأعلمهم بالسنة فأفقههم فقهاً فإن كانوا في الفقه سواء فأكبرهم سناً انتهى ، قال وقد أخرج مسلم في صحيحه هذا الحديث ولم يذكر فيه فأفقههم فقهاً وهي لفظة عزيزة غريبة بهذا الإسناد الصحيح وسنده عن يحيى بن بكير ثنا الليث عن جرير بن حازم عن الأعمش عن إسمعيل بن رجاء عن أوس بن ضمعج عن أبي مسعود فذكره ، ثم أخرجه الحاكم عن الحجاج ابن أرطاة عن إسمعيل

(2/31)


رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يَؤُمّ الْقَوْمَ أقرؤُهُمْ لِكتَابِ الله فإنْ كَانُوا فِي الْقرَاءةِ سواءً ، فأعلمهُم بالسنّةِ ، فإن كَانُوا فِي السنة سواء فأَقدَمَهُم هجرَةً ، فإن كَانوا في الهجرَة سواء فأكبرُهم سِنّا ، ولا يُؤَمّ الرّجلُ فِي سُلْطَانِه
ـــــــ
بن رجاء قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يؤم القوم أقدمهم هجرة فإن كانوا في الهجرة سواء فأفقهم في الدين فإن كانوا في الفقه سواء فأقرأهم للقرآن والحديث ، وسكت عنه ، والباقون من الأئمة يخالفوننا في هذه المسئلة ويقولون إن الأقرأ لكتاب الله يقدم على العالم ، كما هو لفظ الحديث حتى إذا اجتمع من يحفظ القرآن وهو غير عالم وفقيه يحفظ يسيراً من القرآن يقدم حافظ القرآن عندهم ، ونحن نقول يقدم الفقيه ، وأجاب صاحب الكتاب بأن الأقرأ في ذلك الزمان كان أعلمهم وهذا يرده لفظ الحاكم الأول ، ويؤيد مذهبنا لفظه الثاني إلا أنه معلول بالحجاج بن أرطأة ، قال ويشهد للخصم أيضاً حديث عمرو بن سلمة ثم ذكره عن البخاري وفيه وبدر أبي قومهم بإسلامهم فلما قدم قال جئتكم والله من عند النبي حقا فقالوا صلوا صلاة كذا في حين كذا وصلاة كذا في حين كذا وإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم وليؤمكم أكثركم قرآنا ، فنظروا فلم يكن أحد أكثر قرآنا منى لما كنت أتلقى من الركبان فقدموني بين أيديهم وأنا ابن ست أو سبع سنين إلخ.
قلت: القول الظاهر الراجح عندي هو تقديم الأقرأ على الأفقه وقد عرفت في كلام الحافظ أن محل تقديم الأقرأ حيث يكون عارفاً بما يتعين معرفته من أحوال الصلاة "فاعلمهم بالسنة" قال الطيبي أراد بها الأحاديث فالأعلم بها كان هو الأفقه في عهد الصحابة "فاقدمهم هجرة" أي انتقالاً من مكة إلى المدينة قبل الفتح فمن هاجر أولاً فشرفه أكثر ممن هاجر بعده . قال تعالى: {لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ} الاَية "ولا يؤم الرجل" بصيغة المجهول وفي رواية مسلم لا يؤمن الرجل الرجل "في سلطانه" أي في مظهر سلطنته ومحل ولايته أو فيما يملكه أو في محل يكون في حكمه ويعضد هذا التأويل الرواية الأخرى في أهله ورواية أبي داود في بيته ولا في سلطانه ، ولذا كان ابن عمر يصلي خلف الحجاج وصح عن ابن عمر أن إمام المسجد مقدم على غير السلطان وتحريره أن الجماعة شرعت لاجتماع المؤمنين على الطاعة وتآلفهم وتوادهم ، فإذا أم الرجل الرجل في سلطانه أفضى ذلك إلى توهين أمر السلطنة وخلع ربقة الطاعة ،

(2/32)


ولاَ يُجْلَسُ عَلَى تَكرمَتِهِ فِي بَيْتِهِ إلاّ بِإِذْنِهِ" . قَال مَحْمُودُ بن غيلان : قالَ ابنُ نُمَيْرٍ في حديثه: أقدَمُهم سِنّا.
: وفي البابِ عَنْ أبي سَعِيدٍ وَأَنسِ بنِ مَالِكٍ ومالكِ بنِ الحُوَيرِثِ وَعمرو بنِ سَلَمَةَ.
قال أبو عيسى: و حديثُ أبي مسعود حديثٌ حسَنٌ صحيحٌ ، والعَمَلُ عَلَى هذا عندَ أهلِ العلمِ ، قالوا: أحقّ النَاسِ بالإمَامَةِ أقرؤُهم لكتابِ الله ، وأعلمُهمْ بالسنةِ ، وقالوا صاحبُ المنزِل أحقّ بالإمامةِ . وقالَ بعضهمُ: إذَا أذِنَ صاحبُ المنزلِ لغَيْرِهِ فَلا بَأْسَ أنْ يُصَلّيَ بهِم ،
ـــــــ
وكذلك إذا أمه في قومه وأهله أدى ذلك إلى التباغض والتقاطع وظهور الخلاف الذي شرع لدفعه الاجتماع ، فلا يتقدم رجل على ذي السلطنة لا سيما في الأعياد والجماعة ، ولا على إمام الحي ورب البيت إلا بالإذن قاله الطيبي "ولا يجلس" بصيغة المجهول "على تكرمته" كسجادته أو سريره وهي وهي في الأصل مصدر كرم تكريماً أطلق مجازا على ما يعد للرجل إكراماً له في منزله "إلا بإذنه" قال ابن الملك متعلق بجميع ما تقدم ، قلت كل من قال إن صاحب المنزل إذا أذن لغيره فلا بأس أن يصلي بهم يقول: إن "إلا بإذنه" متعلق بجميع ما تقدم ، وكل من لم يقل به إنه متعلق بقوله ولا يجلس فقط.
قوله: "قال محمود" يعني ابن غيلان "قال ابن نمير في حديثه أقدمهم سناً" أي قال هذا اللفظ مكان لفظ أكبرهم سناً.
قوله: "وفي الباب عن أبي سعيد وأنس بن مالك ومالك بن الحويرث وعمرو بن سلمة" أما حديث أبي سعيد فأخرجه مسلم والنسائي ، وأما حديث أنس فلم أقف عليه ، وأما حديث مالك بن الحويرث فأخرجه الجماعة ، وأما حديث عمرو بن سلمة فأخرجه البخاري.
قوله: "حديث أبي مسعود حديث حسن صحيح" وأخرجه مسلم.
قوله: "وقال بعضهم إذا أذن صاحب المنزل لغيره فلا بأس أن يصلي بهم" قال في المنتقى وأكثر أهل العلم أنه لا بأس بإمامة الزائر بإذن رب المكان ، لقوله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي مسعود إلا بإذنه ويعضده عموم ما روى ابن عمر أن النبي صلى الله

(2/33)


وكَرهَهُ بعضُهم . وقالوا: السّنّةُ أن يُصَلّيَ صَاحبُ البيْتِ ، قال أحمدُ بنُ حَنبلٍ: وقولُ النّبي صلى الله عليه وسلم: و لاَ يُؤَمّ الرّجُلُ في سُلْطَانِه ، ولاَ يُجْلسُ على تكْرِمَتهِ في بيتِه إلاّ بإذْنِهِ ، فإذَا أذِنَ فأرجو أنّ الإذنَ في الكُلّ ،
ـــــــ
عليه وسلم قال ثلاثة على كثبان المسك يوم القيامة ، عبد أدى حق الله وحق مواليه ، ورجل أم قوماً وهم به راضون ، ورجل ينادي بالصلوات الخمس في كل ليلة ، رواه الترمذي ، وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا يحل لرجل يؤمن بالله واليوم الاَخر أن يؤم قوماً إلا بإذنهم ولا يخص نفسه بدعوة دونهم فإن فعل فقد خانهم رواه أبو داود "وكرهه بعضهم" أي وإن أذن صاحب المنزل وقالوا: السنة أن يصلي صاحب البيت أي يؤم صاحب البيت ولا يؤم الزائر لحديث مالك بن الحويرث قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: من زار قوماً فلا يؤمهم وليؤمهم رجل منهم . رواه الخمسة إلا ابن ماجه . وقال هؤلاء قوله: "إلا بإذنه" في حديث الباب متعلق بقوله لا يجلس على تكرمته وليس متعلقاً بقوله لا يؤم الرجل "فإذا أذن فأرجو أن الإذن في الكل" فقوله إلا بإذنه متعلق بكلا الفعلين عند أحمد. قال الشوكاني في النيل: ويعضده عموم قوله في حديث ابن عمرو هم به راضون ، وقوله في حديث أبي هريرة إلا بإذنه كما قال المصنف يعني صاحب المنتقى فإنه يقتضي جواز إمامة الزائر عند رضي المزور ، قال العراقي ويشترط أن يكون المزور أهلا للإمامة فإن لم يكن أهلا كالمرأة في صورة كون الزائر رجلا والأمي في صورة كون الزائر قارئاً ونحوهما فلا حق له في الإمامة.
واعلم أن الإمام البخاري قال في صحيحه: باب إذا زار الإمام قوماً فأمهم ، ثم ذكر فيه حديث عتبان بن مالك قد استأذن النبي صلى الله عليه وسلم فأذنت له فقال أين تحب أن أصلي من بيتك فأشرت إلى المكان الذي أحب فقام وصففنا خلفه ثم سلم وسلمنا . قال الحافظ في الفتح قيل أشار بهذه الترجمة إلى أن حديث مالك بن الحويرث الذي أخرجه أبو داود والترمذي وحسنه مرفوعاً: من زار قوماً فلا يؤمهم وليؤمهم رجل منهم ، محمول على من عدا الإمام الأعظم وقال الزين بن المنير مراده أن الإمام الأعظم ومن يجري مجراه إذا حضر بمكان مملوك لا يتقدم عليه مالك الدار ، ولكن ينبغي للمالك أن يأذن له ليجمع بين الحقين حق الإمام في التقدم وحق المالك في منع التصرف بغير إذنه انتهى ملخصا ، ويحتمل أنه أشار إلى ما في حديث أبي مسعود ولا يؤم الرجل في سلطانه ولا يجلس على

(2/34)


ولَمْ يَرَ به بَأساً إذَا أذِنَ لَهُ أن يُصَلّيَ بِهِ".
ـــــــ
تكرمته إلا بإذنه فإن مالك الشيء سلطان عليه والإمام الأعظم سلطان على المالك وقوله إلا بإذنه يحتمل عوده على الأمرين الإمامة والجلوس، وبذلك جزم أحمد كما حكاه الترمذي فتحصل بالإذن مراعاة الجانبين انتهى.

(2/35)


175ـ باب مَا جَاءَ إذا أمّ أحدُكُم الناسَ فَلْيُخَفّف
236ـ حدثنا قُتَيْبَةُ حدثنا المغيرةُ بنُ عبدِ الرحمَنِ عن أبي الزّنَادِ عن الأعرج عن أَبِي هُرَيْرَةَ: أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذَا أمّ أحدُكُمُ الناس فَلْيُخَفّفْ ، فإنّ فيهمُ الصغيرَ والكبيرَ والضعيفَ والمريضَ،
ـــــــ
"باب مَا جَاءَ إذا أمّ أحدُكُم الناسَ فَلْيُخَفّف"
قوله: "حدثنا المغيرة بن عبد الرحمن" بن عبد الله الخزامي المدني روى عن أبي الزناد فأكثر وعنه يحيى بن يحيى وقتيبة قال أبو داود رجل صالح وقال أحمد ما بحديثه بأس وقال الكسائي ليس بالقوي ، كذا في الخلاصة وقال الحافظ ثقة له غرائب "فليخفف" قال ابن دقيق العيد التطويل والتخفيف من الأمور الإضافية فقد يكون الشيء خفيفاً بالنسبة إلى عادة قوم طويلاً بالنسبة لعادة آخرين ، قال وقول الفقهاء لا يزيد الإمام في الركوع والسجود على ثلاث تسبيحات لا يخالف ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يزيد على ذلك . لأن رغبة الصحابة في الخير تقتضي أن لا يكون ذلك تطويلاً ، قال الحافظ وأولى ما أخذ حد التخفيف من الحديث الذي أخرجه أبو داود والنسائي عن عثمان بن أبي العاص أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له أنت إمام قومك وأقدر القوم بأضعفهم ، إسناده حسن وأصله في مسلم أنتهى "فإن فيهم الصغير والكبير" أي في السن "والضعيف" أي ضعيف الخلقة "والمريض" وزاد الطبراني من حديث عثمان بن أبي العاص والحامل والمرضع ، وله من حديث عدي بن حاتم والعابر السبيل ، ووقع في حديث أبي مسعود وذا الحاجة ، وهو أشمل الأوصاف المذكورة ، قال الحافظ في الفتح: قوله فإن فيهم مقتضاه أنه متى لم يكن فيهم متصف بصفة من المذكورات لم يضر التطويل ، قال وقد قدمت ما يرد

(2/35)


فإذَا صَلّى وَحدَه ، فليصلّ كَيفَ شَاءَ".
وفي البَاب عن عديّ بن حاتم ، وَأَنسٍ ، وَجَابِرِ بنِ سَمُرَةَ ، وَمالك بنِ عَبْدِ الله ، وأبي وَاقِدٍ ، وعثمانَ بنِ أبي العَاصِ وأبي مسعودٍ ، وَجَابِرِ بنِ عَبْدِ الله وابنِ عباسٍ.
قال أبو عيسى: حدِيثُ أبي هُرَيْرةَ حديثٌ حسَنٌ صحيحٌ،
ـــــــ
عليه من إمكان مجيء من يتصف بإحداها ، وقال اليعمري الأحكام إنما تناط بالغالب لا بالصورة النادرة فينبغي للأئمة التخفيف مطلقاً. قال وهذا كما شرع القصر في صلاة المسافر وعلل بالمشقة وهو مع ذلك يشرع ولو لم يشق ، عملاً بالغالب ، لأنه لا يدري ما يطرأ عليه وهناك كذلك انتهى ما في الفتح . وقال ابن عبد البر ينبغي لكل إمام أن يخفف لأمره صلى الله عليه وسلم وإن علم قوة من خلفه ، فإنه لا يدري ما يحدث عليهم من حادث وشغل وعارض وحاحة وحدث وغيره "فليصل كيف شاء" أو مخففاً أو مطولاً وفي رواية البخاري فليطول ما شاء ، قال القاري في المرقاة والحديث بظاهره ينافي قول بعض الشافعية إن تطويل الاعتدال والجلوس بين السجدتين مبطل للصلاة انتهى ، قلت الأولى أن يقال إن الحديث ينفي قول بعض الشافعية ويرده.
قوله: "وفي الباب عن عدي بن حاتم وأنس وجابر بن سمرة ومالك بن عبد الله وأبي واقد وعثمان بن أبي العاص وأبي مسعود وجابر بن عبد الله وابن عباس" أما حديث عدي بن حاتم فأخرجه الطبراني وابن أبي شيبة . وأما حديث أنس فأخرجه البخاري ومسلم وأما حديث جابر بن سمرة فأخرجه البخاري ومسلم وأبو داود ، وأما حديث مالك بن عبد الله وهو الخزاعي. وحديث أبي واقد فأخرجهما الطبراني وأما حديث عثمان بن أبي العاص فأخرجه مسلم . وأما حديث أبي مسعود فأخرجه الشيخان وابن ماجه وأحمد . وأما حديث جابر بن عبد الله فأخرجه الشيخان . وأما حديث ابن عباس فأخرجه ابن أبي شيبة . وفي الباب أيضاً عن حزم بن أبي كعب أخرجه أبو داود وعن ابن عمر أخرجه النسائي وعن بريدة أخرجه أحمد وعن رجل من بني سلمة يقال له سليم من الصحابة أخرجه أحمد.
قوله: "حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح" أخرجه الجماعة إلا ابن ماجه.

(2/36)


وهُوَ قولُ أكْثَرِ أهْلِ العلمِ اخْتَارُوا أن لا يِطيلَ الإمامُ الصّلاَةَ مَخَافَةَ المشقةِ عَلَى الضعيفِ والكبير والمريض. قال أبو عيسى: وأبُو الزّنَادِ اسمُه عَبْدُ الله بنُ ذَكوَانَ والأعْرجُ هُوَ عَبْدُ الرّحْمَنِ بنُ هُرمُزٍ المدينِيّ و يُكْنَى أبا دَاودَ.
237ـ حدّثنَا قُتَيْبَةُ حدثنا أبو عَوانَةَ عن قَتَادَةَ عن أنس بن مالك قال: "كان رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم من أخف النّاسِ صَلاَةً في تَمَامٍ".
ـــــــ
قوله: "وهو قول أكثر أهل العلم اختاروا أن لا يطيل الإمام الصلاة إلخ" قال ابن عبد البر التخفيف لكل إمام مجمع عليه مندوب عند العلماء إليه إلا أن ذلك إنما هو أقل الكمال ، وأما الحذف والنقصان فلا لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نهى عن نقر الغراب ، ورأى رجلاً يصلي فلم يتم ركوعه فقال له أرجع فصل فإنك لم تصل ، وقال لا ينظر الله إلى من لا يقيم صلبه في ركوعه وسجوده ، ثم قال لا أعلم خلافاً بين أهل العلم في استحباب التخفيف لكل من أم قوماً على ما شرطنا من الإتمام وقد روى عن عمر بن الخطاب أنه قال لا تبغضوا الله إلى عباده ، يطول أحدكم في صلاته حتى يشق على من خلفه انتهى.
قوله: "من أخف الناس صلاة في تمام" قال القاضي خفة الصلاة عبارة عن عدم تطويل قراءتها والاقتصار على قصار المفصل وعن ترك الدعوات الطويلة في الانتقالات وتمامها عبارة عن الإتيان بجميع الأركان والسنن واللبث راكعاً وساجداً بقدر ما يسبح ثلاثاً انتهى ، قال القاري في المرقاة بعد نقل كلام القاضي هذا وفيه إيهام إنه ما كان يقرأ أوساط المفصل وطوالها . وقد ثبت قراءته إياها فالمعنى بالخفة أنه ما كان يمططها ويمددها في غير مواضعها كما يفعله الأئمة المعظمة حتى في مكة المكرمة في زماننا فإنهم يمدون في المدات الطبيعية قدر ثلاث ألفات ويطولون السكتات في مواضع الوقوفات ويزيدون في عدد التسبيحات أنتظارا لفراغ المكبرين المطولين في النغمات ، بل كانت قراءته عليه السلام مجودة محسنة مرتلة مبينة ، من خاصية قراءته اللطيفة أنها كانت خفيفة على النفوس الشريفة ولو كانت طويلة لأن الأرواح لا تشبع منها والأشباح لا تقنع بها انتهى.
تنبيه: قال صاحب العرف الشذي الحنفي: ظهور التخفيف إنما يكون في القراءة لا في الركوع والسجود وتعديل الأركان ما هو معلوم من فعل صاحب الشريعة انتهى. قلت لكن أكثر الحنفية يخالفون فعل صاحب الشريعة هذا فيخففون في الركوع والسجود

(2/37)


وهذا حديثٌ حسَنٌ صحيحٌ
ـــــــ
غاية التخفيف حتى يكون سجودهم كنقر الديك وأما تعديل الأركان فلا يخففون فيه بل يتركونه رأساً فهداهم الله تعالى إلى فعل صاحب الشريعة الذي قال: صلوا كما رأيتموني أصلي .
قوله: "وهذا حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان

(2/38)


176ـ باب مَا جَاءَ في تحريمِ الصلاةِ وتَحْلِيلهَا
238ـ حدثنا سُفْيَانُ بنُ وَكيعٍ حدثنا محمدُ بنُ الفُضَيلٍ عَن أبي سُفْيَانَ طريفِ السَعديّ عن أبي نضرة عن أبي سعيدٍ قَالَ: قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مفتَاحُ الصلاَةِ الطهورُ ، وتَحْرِيمُهَا التّكبيرُ ، وتحليلُهَا التسلِيمُ ، ولا صَلاَةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرأْ بالحمدِ وسُورةٍ في فَرِيضَةٍ أو غَيرِهَا".
ـــــــ
"باب مَا جَاءَ في تحريمِ الصلاةِ وتَحْلِيلهَا"
قوله: "عن أبي سفيان طريف السعدي" هو طريف بن شهاب أو ابن سعد البصري الأشل ويقال له الأعصم ضعيف من السادسة كذا في التقريب وقال في الميزان ضعفه ابن معين ، وقال أحمد: ليس بشيء وقال البخاري: ليس بالقوي عندهم وقال النسائي متروك "عن أبي نضرة" بنون مفتوحة ومعجمة ساكنة اسمه المنذر بن مالك بن قطعة بضم القاف وفتح المهملة العبدي العوفي البصري مشهور بكنيته ثقة من الثالثة.
قوله: "مفتاح الصلاة الطهور" تقدم هذا الحديث مع شرحه في أبواب الطهارة رواه الترمذي هناك من حديث علي ورواه ههنا من حديث أبي سعيد "ولا صلاة لمن لم يقرأ بالحمد وسورة في فريضة وغيرها" فيه دلالة على أن قراءة سورة بعد الفاتحة واجبة لكن الحديث ضعيف ويعارضه ما رواه الدارقطني عن عبادة بن الصامت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أم القرآن عوض من غيرها وليس غيرها منها بعوض وقال الحافظ في التلخيص: وروى الحاكم من طريق أشهب عن ابن عيينة عن الزهري عن محمود

(2/38)


وفي البابِ عَنْ عَلِي وَعائِشَة. قال وحَدِيثُ علي بنِ أبي طَالب ِفي هذا أجْودُ إسْنَاداً وأصحّ مِن حديثِ أبي سعيدٍ . وقد كَتَبْنَاهُ أوّل كِتَابِ الوضُوءِ والعَملُ عَلَيْهِ عندَ أهلِ العلمِ من أصحابِ النبيّ صلى الله عليه وسلم وَمَنْ بَعْدَهُم ، وَبِهِ يقولُ سُفْيَانُ الثّورِيّ وابنُ المُبَارَكِ والشّافِعيّ وأحمدُ وإِسحَاقُ: إنّ تَحرِيمَ الصلاَةِ التّكبيرُ ، ولاَ يكون الرّجُلُ دَاخِلاً فِي الصلاَةِ إلا بالتّكبيرِ.
ـــــــ
بن الربيع عن عبادة مرفوعاً: أم القرآن عوض من غيرها وليس غيرها عوضاً منها ، وله شواهد فساقها انتهى ، وما في صحيح البخاري عن أبي هريرة يقول في كل صلاة يقرأ فما أسمعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أسمعناكم وما أخفى عنا أخفينا عنكم ، وإن لم تزد على أم القرآن أجزأت ، وإن زدت فهو خير ، قال الحافظ في الفتح: وأخرجه أبو عوانة من طريق يحيى بن أبي الحجاج عن ابن جريج كرواية الجماعة لكن زاد في آخره وسمعته يقول لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب وظاهر سياقه أن ضمير سمعته للنبي صلى الله عليه وسلم فيكون مرفوعاً بخلاف رواية الجماعة. نعم قوله ما أسمعنا وما أخفى عن يشعر بأن جميع ما ذكره متلقى عن النبي صلى الله عليه وسلم ، فيكون للجميع حكم الرفع انتهى وما رواه ابن خزيمة عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قام فصلى ركعتين لم يقرأ فيهما إلا بفاتحة الكتاب ذكره الحافظ في الفتح.
قوله: "وفي الباب عن علي وعائشة" أما حديث علي فتقدم في أبواب الطهارة ، وأما حديث عائشة فأخرجه مسلم بلفظ قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستفتح الصلاة بالتكبير والقراءة بالحمد لله رب العالمين.
قوله: "وحديث علي بن أبي طالب أجود وأصح من حديث أبي سعيد" لأن في سند حديث أبي سعيد طريف السعدي وهو ضعيف كما عرفت "وقد كتبناه" أي حديث علي "أول" بالبناء على الضم أي في أول الكتاب "في كتاب الوضوء" أي في باب ما جاء مفتاح الصلاة الطهور "والعمل عليه عند أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ومن بعدهم ، وبه يقول سفيان الثوري وابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق: إن تحريم الصلاة التكبير ولا يكون الرجل داخلاً في الصلاة إلا بالتكبير" وهو قول الجمهور ووافقهم أبو يوسف، واستدلوا على ذلك بأحاديث الباب ومن حجتهم حديث رفاعة في قصة المسيء

(2/39)


قال أبو عيسى:و سمعتُ أبا بكرٍ محمدَ بنَ أبانٍ "مستحلى وكيع" يقولُ: سمعتُ عَبْدَ الرّحْمَنِ بنَ مهدِيّ يقولُ: لَوْ افتتح الرجُلُ الصلاةَ بِسبعِينَ اسماً مِنْ أسمَاءِ الله ، ولم يكبّرْ لَمْ يُجْزِهِ ، وإن أحدَثَ قبلَ أنْ يُسَلمَ أمرْتُهُ أنْ يَتَوَضّأ ثم يرجعَ إلى مَكَانِهِ فيُسَلّم إنمَا الأمرُ على وجْهِهِ.
ـــــــ
صلاته أخرجه أبو داود بلفظ لا تتم صلاة أحد من الناس حتى يتوضأ فيضع الوضوء مواضعه ثم يكبر ، ورواه الطبراني بلفظ ثم يقول الله أكبر وحديث أبي حميد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة اعتدل قائماً ورفع يديه ثم يقول الله أكبر . أخرجه ابن ماجه وصححه ابن خزيمة وابن حبان وهذا فيه بيان المراد بالتكبير وهو قول الله أكبر ، وروى البزار بإسناد صحيح عن علي على شرط مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قام إلى الصلاة قال: الله أكبر كذا في فتح الباري "قال أبو عيسى سمعت أبا بكر محمد بن أبان" ابن الوزير البلخي يلقب بحمدويه وكان مستملي وكيع ثقة حافظ من العاشرة ، قال ابن حبان كان ممن جمع وصنف روى عن ابن عيينة وغندر وطبقتهما وعنه البخاري والأربعة وخلق "يقول سمعت عبد الرحمن بن مهدي" البصري ثقة ثبت حافظ عارف بالرجال والحديث قال ابن المديني ما رأيت أعلم منه يقول: لو افتتح الرجل الصلاة بتسعين اسماً من أسماء الله ولم يكبر لم يجزه يعني لفظ الله أكبر متعين لافتتاح الصلاة لا يكون الافتتاح إلا به فلو قال أحد الله أجل أو أعظم أو قال الرحمن أكبر مثلا لم يجزه ولم يصح الافتتاح به خلافاً للحنفية ، والقول الراجح المنصور هو قول عبد الرحمن بن مهدي "وإن أحدث قبل أن يسلم أمرته أن يتوضأ ثم يرجع إلى مكانه ويسلم" لقوله صلى الله عليه وسلم تحليلها التسليم ، فكما أن التكبير متعين للتحريم ولافتتاح الصلاة كذلك التسليم متعين للتحليل والخروج عن الصلاة "إنما الأمر على وجهه" قال أبو الطيب السندي وفي شرحه يعني قوله تحليلها التسليم لا يأول بل يحمل على ظاهره من أن السلام فرض لأنه لا يحل له ما حرم عليه في الصلاة إلا به فيما لم يخرج من الصلاة إلا به يكون فرضاً كما أن ما يدخل به فيها يكون فرضاً ، وبه قال الإمام الشافعي وغيره ، وقال علماؤنا يعني الحنفية: إنه واجب دون فرض انتهى كلام السندي.
واعلم أن الإمام أبا حنيفة ومحمداً رحمهما الله قالا بجواز افتتاح الصلاة بكل ما دل على التعظيم الخالص غير المشوب بالدعاء ، لأن التكبير هو التعظيم ، قال الله تعالى {وَرَبَّكَ

(2/40)


قال وأبو نضرة اسمه المنذرُ بنُ مَالِكِ بنِ قُطَعَةَ.
ـــــــ
فَكَبِّرْ} أي عظم وقال تعالى {وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى} وذكر اسمه أعم من أن يكون باسم الله أو باسم الرحمن أو غير ذلك مما يدل على التعظيم ، غاية ما في الباب أن يكون اللفظ المنقول سنة مؤكدة لا أنه الشرط دون غيره كذا ذكره الحنفية ، وأجابوا عن حديث الباب بأن العبرة للمعاني لا للألفاظ فليس معنى الحديث تحريمها لفظ التكبير بل معناه تحريمها ما يدل على التعظيم.
قلت: الحق في هذا الباب هو ما ذهب إليه الجمهور من أن تحريم التكبير ولا يكن الرجل داخلاً في الصلاة إلا بالتكبير كما عرفت ، وأما قوله تعالى {وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ} فلا نسلم أن المراد بالتكبير في هذه الاَية تكبير الافتتاح فإنها مكية نزلت قبل قصة الاسراء التي فرضت الصلاة فيها فكيف يكون المراد بالتكبير فيها تكبير الافتتاح. وأما القول بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتعبد ويصلي تطوعاً في جبل حراء وغيره قبل أن تفرض عليه الصلاة فلا بأس بأن يراد بالتكبير في هذه الاَية تكبير الافتتاح ، ففيه أنه لا يتعين على هذا التقدير أيضاً أن يراد بالتكبير تكبير الإفتتاح كما لا يخفني على المتأمل ، ولو سلم أنه المتعين فالمراد به خصوص لفظ التكبير لأحاديث الباب ولم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم افتتاح الصلاة بغير لفظ التكبير البتة ، ولا عن الصحابة رضي الله عنهم أجمعين وأما قوله تعالى {وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى} فلا نسلم فيه أيضاً أن المراد بذكر اسم ربه تكبير الافتتاح ، لم لا يجوز أن يكون المراد بالذكر تكبير التشريق وبالصلاة صلاة العيد ، وبقوله تزكى زكاة الفطر كما رواه عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وعبد الرزاق وابن مردويه والبيهقي وغيرهم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنها وابن عمر وغيرهما ، وعلى هذا فلا تكون الاَية ما نحن فيه.
وأما جوابهم عن حديث الباب بأن العبرة للمعاني لا للألفاظ، ففيه أن الأصل في الأذكار والأدعية لا سيما أذكار الصلاة وأدعيتها هو التوقيف.
فالحاصل: أن مذهب الجمهور هو الحق والصواب ، وأما قول الحنفية فلا دليل عليه قال الحافظ بن القيم في إعلام الموقعين ص264 ج1 المثال الخامس عشر رد المحكم الصريح من تعيين التكبير للدخول في الصلاة بقوله إذا أقيمت الصلاة فكبر وقوله تحريمها التكبير وقوله لا يقبل الله صلاة أحدكم حتى يضع الوضوء مواضعه ثم يستقبل القبلة ويقول الله أكبر ، وهي نصوص في غاية الصحة فردت بالتشابه من قوله {وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى} انتهى.

(2/41)


177ـ باب في نشر الأصابِع عندَ التكبير
239ـ حدثنا قُتَيْبَةُ و أبو سعِيدٍ الأشَجّ قَالاَ: حدثنا يَحْيَى بنُ اليَمَانٍ عن ابن أبي ذِئبٍ عن سعِيد بنِ سَمعَانَ عن أَبِي هُرَيْرَةَ قال: "كَان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إذَا كبّرَ للصّلاَةِ نَشَرَ أصابِعَهُ".
قال أبو عيسى: حديثُ أَبِي هريرة حسن و قد روى غيرُ واحدٍ هذا الحديث عن ابنِ أبي ذِئبٍ عن سعِيدِ بنِ سمعَانَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: "أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم كَانَ إذا دَخَلَ فِي الصّلاَةِ رَفَعَ يدَيْهِ مَدّا".
ـــــــ
"باب في نشر الأصابِع "
قوله: "نا يحيى بن يمان" العجلي الكوفي صدوق عابد يخطئ كثيراً وقد تغير من كبار التاسعة كذا في التقريب ، وقال في الخلاصة قال أحمد ليس بحجة وقال ابن المديني صدوق تغير حفظه ، وقال يعقوب بن شيبة صدوق أنكروا عليه كثرة الغلط "عن ابن أبي ذئب" هو محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئب القرشي العامري المدني ثقة فقيه فاضل من السابعة كذا في التقريب ، قال في الخلاصة قال أحمد يشبه بابن المسيب وهو أصلح وأروع وأقوم بالحق من مالك ، ولما حج المهدي دخل مسجد النبي صلى الله عليه وسلم فقال له المسيب بن زهير قم هذا أمير المؤمنين ، فقال ابن أبي ذئب إنما يقوم الناس لرب العالمين ، فقال المهدي دعه فلقد قامت كل شعرة في رأسي ، قال أبو نعيم مات سنة تسع وخمسين ومائة "عن سعيد بن سمعان" بكسر السين وفتحها وسكون الميم ، قال الحافظ ثقة ولم يصب الأزدي في تضعيفه من الثالثة.
قوله: "إذا كبر للصلاة نشر أصابعه" أي بسطها قاله السيوطي يعني أن المراد بالنشر ضد القبض وقال أبو الطيب السندي أو المراد خلاف الضم أي تركها على حالها ولم يضم بعضها إلى بعض انتهى ، وفي السعاية شرح شرح الوقاية لبعض العلماء الحنفية قوله غير مفرج أصابعه ولا ضام أي لا يتكلف في تفريج الأصابع عند رفع اليدين ولا في ضمها

(2/42)


وهذا أصحّ من رواية يحيى بن اليمانِ ، وأخطأ ابنُ اليمان فِي هَذَا الحَديثِ.
240ـ حدثنا عَبْدُ الله بنُ عَبْدِ الرّحْمَنِ أخبرنا عبيدُ الله بنُ عَبدِ المَجِيدِ الحَنَفِيّ حدثنا ابن أبي ذئبٍ عَنْ سَعِيدِ بنِ سَمْعَانَ قال سمعتُ أبَا هريرَةَ يقولُ: "كَان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاةِ رَفعَ يديْه مَدّا".
ـــــــ
بل يتركها عند الرفع كما كانت قبله واختار بعضهم استحباب التفريج مستدلين بما رواه ابن حبان من طريق يحيى بن يمان عن أبي هريرة قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينشر أصابعه في الصلاة نشراً والجمهور على خلافه ولم يعتبروا بالرواية المذكورة لقول الترمذي في جامعه بعد رواية الحديث ثم ذكر قول الترمذي حديث أبي هريرة قد رواه غير واحد إلخ.
قلت: والظاهر الراجح هو ما ذهب إليه الجمهور فإن حديث الباب باللفظ المذكور غير محفوظ قد أخطأ فيه ابن يمان كما صرح به الترمذي.
قوله: "وهو أصح من رواية يحيى بن اليمان وأخطأ ابن يمان في هذا الحديث" المراد بقوله أصح الصحيح يعني أن رواية من روى بلفظ كان إذا دخل في الصلاة رفع يديه مداً صحيحة ورواية يحيى بن اليمان المذكورة فإنها غير صحيحة بل هي خطأ.
قوله: "حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن" بن الفضل بن بهرام السمرقندي أبو محمد الدارمي الحافظ صاحب المسند ثقة فاضل متقن روى عن يزيد بن هارون ويعلى بن عبيد وعبيد الله بن عبد المجيد الحنفي وغيرهم وعنه مسلم وأبو داود والترمذي والبخاري في غير الصحيح "أنا عبيد الله بن عبد المجيد الحنفي" أبو علي البصري صدوق لم يثبت أن يحيى بن سعيد ضعفه كذا في التقريب.
قوله: "رفع يديه مداً" قال ابن سيد عباس يجوز أن يكون مداً مصدراً مختصاً كقعد القرفصاء أو مصدراً من المعنى ، كقعدت جلوساً أو حالاً من رفع انتهى.
قلت: وإذا كان حالاً يكون بمعنى اسم الفاعل أو اسم المفعول أي رفع ماداً يديه أو رفع يديه ممدودتين ، وقال الشوكاني في النيل يجوز أن يكون منتصباً على المصدرية بفعل مقدر وهو يمدهما مداً ويجوز أن يكون منتصباً على الحالية ، أي رفع يديه في حال كونه مادا لهما إلى رأسه ، ويجوز أن يكون مصدراً منتصباً بقوله رفع لأن الرفع بمعنى

(2/43)


قال أبو عيسى: قال عبدُ الله: وهذا أصحّ من حديثِ يحيى بنِ اليمان وحديثُ يحيى بنِ اليمان خطأٌ.
ـــــــ
المد وأصل المد في اللغة الجر قاله الراغب والارتفاع ومد النهار ارتفاعه وله معان أخر ذكره صاحب القاموس وغيره وقد فسر ابن عبد البر المد المذكور في الحديث بمد اليدين فوق الأذنين مع الرأس انتهى ما في النيل.
قلت: لم يبين في هذا الحديث غاية المد، فهو مجمل فيها ، فلا بد من أن يحمل على الأحاديث التي بينت فيها غايته هذا ما عندي والله تعالى أعلم.
قوله: "قال عبد الله" أي ابن عبد الرحمن الدارمي "وهذا أصح من حديث يحيى بن يمان" تقدم توضيحه. وهذا الحديث أخرجه الخمسة إلا ابن ماجه قاله في المنتقى وقال الشوكاني في النيل: لا مطعن في إسناده "وحديث يحيى بن يمان خطأ" قال ابن أبي حاتم قال أبي وهم يحيى ، إنما أراد: كان إذا قام إلى الصلاة رفع يديه مداً كذا رواه الثقات من أصحاب ابن أبي ذئب انتهى.

(2/44)


178ـ باب في فضل التكبيرة الأولى
241ـ حَدّثَنَا عُقْبَةُ بنُ مُكْرَمٍ. وَنَصْرُ بنُ عِلي الجهضميّ قالاَ: حَدّثَنَا أبو قتيبة سلمُ بن قُتَيْبَةَ عَنْ طُعْمَةَ بنِ عَمرٍو عن حبيبِ بنِ أبي ثابتٍ عن أنسٍ بنِ مالكٍ قال:
ـــــــ
"باب في فضل التكبيرة الأولى"
قوله: "حدثنا عقبة بن مكرم" بضم الميم وسكون الكاف وفتح الراء العمي البصري الحافظ روى عن يحيى القطان وغندر وابن مهدي وخلق وعنه مسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجه قال أبو داود: ثقة ثقة.
تنبيه: قد وقع في النسخة الأحمدية عتبة بن مكرم بالعين والمثناة الفوقانية وهو غلط والصحيح بالعين والقاف "قالا نا سلم بن قتيبة" بفتح السين وسكون اللام الشعيري الخراساني نزيل البصرة صدوق من التاسعة "عن طعمة بن عمرو" بضم الطاء المهملة وسكون العين الجعفري وثقه ابن معين.

(2/44)


قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من صلى لله أربعين يوماً في جماعةٍ يدرك التكبيرةَ الأُولى كتبت لهُ براءَتَان: بَراءَةٌ مِنْ النّارِ ، وبراءَةٌ مِنَ النّفَاقِ".
قال أبو عيسى: وقد رُوِيَ هذا الحديثُ عن أنسٍ موقوفاً ولا أعلمُ أحداً رفعَهُ إلاّ مَا رَوَى سَلمُ بنُ قُتَيْبَةَ عَنْ طُعْمَةَ بنِ عَمرٍو "عن حبيب بن أبي ثابت عن أنس وإنما يُرْوَى هذا الحديث عن حبيب بن أبي حبيبٍ البَجَلِيّ عَنْ أنسٍ بنِ مَالِكٍ قولهُ. حَدّثَنَا بذلك هَنّاد حدثنا وكيعٌ عَنْ خَالِد بن طَهْمَانَ عَنْ حبيبِ بنِ أبي حبيبٍ البَجَليّ عن أنسٍ نحوه ولم يرفعهُ
ـــــــ
قوله: "من صلى لله" أي خالصاً لله "أربعين يوماً" أي وليلة "في جماعة" متعلق يصلى "يدرك التكبيرة الأولى" جملة حالية وظاهرها التكبيرة التحريمية مع الإمام ويحتمل أن تشمل التكبيرة التحريمية للمقتدي عند لحوق الركوع فيكون المراد إدراك . الصلاة بكمالها مع الجماعة وهو يتم بإدراك الركعة الأولى كذا قال القارئ في المرقاة.
قلت: هذا الاحتمال بعيد ، والظاهر الراجح هو الأول كما يدل عليه رواية أبي الدرداء مرفوعاً "لكل شيء أنف ، وإن أنف الصلاة التكبيرة الأولى فحافظوا عليها" أخرجه ابن أبي شيبة "براءة من النار" أي خلاص ونجاة منها. يقال برأ من الدين والعيب خلص "وبراءة من النفاق" قال الطيبي أي يؤمنه في الدنيا أن يعمل عمل المنافق ويوفقه لعمل أهل الإخلاص وفي الاَخرة يؤمنه مما يعذبه المنافق ، ويشهد له بأنه غير منافق يعني بأن المنافقين إذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى وحال هذا بخلافهم كذا في المرقاة.
قوله: "قد روى هذا الحديث عن أنس موقوفاً " قال القاري: ومثل هذا ما يقال من قبل الرأي فموقوفه في حكم المرفوع . قال ابن حجر: رواه الترمذي بسند منقطع ومع ذلك يعمل به في فضائل الأعمال. وروى البزار وأبو داود خبر: لكل شيء صفوة وصفوة الصلاة التكبيرة الأولى فحافظوا عليها. ومن ثم كان إدراكها سنة مؤكدة ، وكان السلف إذا فاتتهم عزوا أنفسهم ثلاثة أيام ، وإذا فاتتهم الجماعة عزوا أنفسهم سبعة أيام "وإنما يروى هذا عن حبيب بن أبي حبيب البجلي" بموحدة وجيم أبي عمرو والبصري نزيل الكوفة مقبول من الرابعة وقيل يكنى أبا كشوثا بفتح الكاف بعدها معجمة مضمومة ثم واو ساكنة ثم مثلثة كذا في التقريب. وقال في تهذيب: روى عن

(2/45)


وَرَوَى إسْمَاعِيلُ بنُ عَيّاشٍ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ عُمَارَةَ بنِ غَزِيّةَ عن أنسِ بن مالك عن عُمرَ بنِ الخطّابِ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم نحوَ هذا . وهذا حديثٌ غيرُ مَحْفوظٍ ، وهو حديثٌ مرسلٌ.
وعُمَارَةُ بنُ غَزِيّةَ لَمْ يُدْرِكْ أنسَ بنَ مَالِكٍ.
ـــــــ
أنس بن مالك وعنه خالد بن طهمان أبو العلاء الخفاف وطعمة بن عمرو الجعفري ، روى له الترمذي حديثاً واحداً في فضل من صلى أربعين يوماً في جماعة موقوفاً ذكره ابن حبان في الثقات انتهى.
قوله: "وروى إسماعيل بن عياش هذا الحديث عن عمارة" بضم العين المهملة "بن غزية" بفتح العين المعجمة وكسر الزاي بعدها تحتانية ثقيلة ابن الحارث الأنصاري المازني المدني لا بأس به ، وروايته عن أنس مرسلة كذا في التقريب. وقال في الخلاصة وثقه أحمد وأبو زرعة مات سنة أربعين ومائة "عن عمر بن الخطاب عن النبي صلى الله عليه وسلم نحو هذا" أخرجه ابن ماجه. ولفظه أنه كان يقول: "من صلى في مسجد جماعة أربعين ليلة لا تفوته الركعة الأولى من صلاة العشاء كتب الله له بها عنقاً من النار".
قوله: "وهو حديث مرسل" أي منقطع. قال الحافظ في التلخيص بعد ذكر حديث أنس المذكور في الباب: رواه الترمذي من حديث أنس وضعفه ، ورواه البزار واستغربه وروى عن أنس عن عمر ، رواه ابن ماجه ، وأشار إليه الترمذي، وهو في سنن سعيد بن منصور عنه ، وهو ضعيف أيضاً مداره على إسماعيل بن عياش وهو ضعيف في غير الشاميين ، وهذا من روايته عن مدني ، وذكر الدارقطني الاختلاف فيه في العلل وضعفه وذكر أن قيس بن الربيع وغيره روياه عن أبي العلاء عن حبيب بن أبي ثابت قال وهو وهم ، وإنما هو حبيب الإسكاف ، وله طريق أخرى أوردها ابن الجوزي في العلل من حديث بكر بن أحمد بن محمى الواسطي عن يعقوب بن تحية عن يزيد بن هارون عن حميد عن أنس رفعه "من صلى أربعين يوماً في جماعة صلاة الفجر وصلاة العشاء كتب له براءة من النار وبراءة من النفاق" وقال: بكر ويعقوب مجهولان انتهى. قال الرافعي ووردت أخبار في إدراك التكبيرة الأولى مع الإمام نحو هذا. قال الحافظ: منها ما رواه الطبراني في الكبير ، والعقيلي في الضعفاء، والحاكم أبو أحمد في الكنى من حديث أبي كاهل بلفظ المصنف وزاد "يدرك التكبيرة الأولى" قال العقيلي: إسناده مجهول. وقال

(2/46)


ـــــــ
أبو أحمد والحاكم ليس إسناده بالمعتمد عليه . وروى العقيلي في الضعفاء أيضاً عن أبي هريرة مرفوعاً "لكل شيء صفوة وصفوة الصلاة التكبيرة الأولى" وقد رواه البزار ولبس فيه إلا الحسن بن السكن ، لكن قال لم يكن الفلاس يرضاه ولأبي نعيم في الحلية من حديث عبد الله بن أوفى مثله ، وفيه الحسن بن عمارة وهو ضعيف وروى ابن أبي شيبة في مصنفه من حديث أبي الدرداء رفعه "لكل شيء أنف وإن أنف الصلاة التكبيرة الأولى فحافظوا عليها" وفي إسناده مجهول ، والمنقول عن السلف في فضل التكبيرة الأولى كثيرة . وفي الطبراني عن رجل من طيء عن أبيه أن ابن مسعود خرج إلى المسجد فجعل يهرول فقيل له: أتفعل هذا وأنت تنهي عنه؟ قال: إنما أردت حد الصلاة التكبيرة الألى انتهى ما في التلخيص

(2/47)


179ـ باب ما يقول عند افتتاحِ الصلاة
242ـ حدثنا محمدُ بنُ مُوسى البَصْرِيّ حَدثنَا جعفرُ بنُ سلميانَ الضّبَعيّ عن عليّ بنِ عَلي الرفاعيّ ، عن أبي المُتوكّلِ عن أبي سعيدٍ الخدري قَالَ: " كَان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاةِ بالليل كَبّرَ ثم يقولُ: سُبحَانَكَ اللهُمّ وَبحمدِكَ ، وتَبَارَكَ اسمُكَ ،
ـــــــ
"باب ما يقول عند افتتاحِ الصلاة"
قوله: "حدثنا جعفر بن سليمان الضبعي" بضم الضاد المعجمة وفتح الموحدة أبو سليمان البصري صدوق زاهد لكنه كان يتشيع "عن علي بن علي الرفاعي" بالفاء البصري يكنى أبا إسماعيل لا بأس به ، رمى بالقدر وكان عابداً ، ويقال كان يشبه النبي صلى الله عليه وسلم كذا في التقريب.
قوله: "ثم يقول سبحانك اللهم وبحمدك" قال ابن الملك سبحان اسم أقيم مقام المصدر وهو التسبيح منصوب بفعل مضمر تقديره أسبحك تسبيحاً أي أنزهك تنزيها من كل السوء والنقائض وقيل تقديره أسبحك تسبيحا ملتبساً ومقترناً بحمدك فالباء للملابسة والواو زائدة ، وقيل الواو بمعنى مع أي أسبحك مع التلبس بحمدك وحاصله نفي الصفات السلبية وإثبات النعوت الثبوتية "وتبارك اسمك" أي كثرت بركة اسمك إذ وجد كل خير من ذكر

(2/47)


وتَعَالَى جَدّكَ ، ولاَ إلَه غيْرُكَ ، ثم يقول: الله أَكبرُ كبيراً ، ثم يقولُ: أعوذُ بالله السميعِ العليم من الشيطانِ الرجيم ، مِنْ هَمْزِه ونَفْخِهِ وَنَفْثهِ".
وفي الباب عن علي ، وعَائِشَة وعَبْدِ الله بنِ مسعودٍ ، جَابِرٍ ، وجُبَيْرِ بن مُطْعِمٍ ، وَابنِ عُمَرَ.
ـــــــ
اسمك وقيل تعاظم ذاتك ، أو هو على حقيقته ، لأن التعاظم إذا ثبت لأسمائه تعالى فأولى لذاته. ونظيره قوله تعالى {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} "وتعالى جدك" قال ميرك: تعالى تفاعل من العلو أي علا ورفع عظمتك على عظمة غيرك غاية العلو والرفع وقال ابن حجر: أي تعالى غناؤك عن أن ينقصه إنفاق أو يحتاج إلى معين ونصير "ثم يقول الله أكبر" بالسكون ويضم قاله القاري "كبيراً" حال مؤكدة ، وقيل منصوب على القطع من اسم الله ، وقيل بإضمار أكبر وقيل صفة لمحذوف أي تكبيراً كبيراً "من همزه" بدل اشتمال أي وسوسته "ونفخه" أي كبره المؤدى إلى كفره "ونفثه" أي سحره. قال الطيبي: النفخ كناية عن الكبر كأن الشيطان ينفخ فيه بالوسوسة فيعظمه في عينيه ويحقر الناس عنده. والنفث عبارة عن الشعر لأنه ينفثه الإنسان من فيه كالرقية إنتهى وقيل من نفخه أي تكبره يعني مما يأمر الناس به من التكبر ، ونفثه مما يأمر الناس بإنشاء الشعر المذموم مما فيه هجو مسلم أو كفر أو فسق ، وهمزه أي من جعله أحداً وغمزه مجنوناً ينخسه كذا في المرقاة قال السيوطي في قوت المغتذي: من همزه فسر في الحديث بالموتة وهي شبه الجنون ونخفه فسر بالكبر ونفثه فسر بالشعر . قال ابن سيد الناس: وتفسير الثلاثة بذلك من باب المجاز انتهى . قلت قد جاء هذا التفسير في حديث جبير بن مطعم عند أبي داود.
قوله: "وفي الباب عن علي وعبد الله بن مسعود وعائشة وجابر وجبير بن مطعم وابن عمر" أما حديث علي فأخرجه إسحاق بن راهويه وأعله أبو حاتم كذا في التلخيص ، وأما حديث عبد الله بن مسعود فأخرجه الطبراني وذكره الزيلعي في نصب الراية بإسناده ومتنه ، وأما حديث عائشة فأخرجه الترمذي وأبو داود وابن ماجه وأما حديث جابر فأخرجه البيهقي وفيه محمد بن المنكدر قال البيهقي اختلف عليه فيه وليس له إسناد قوي وأما حديث جابر بن مطعم فأخرجه أبو داود وابن ماجه، وأما حديث ابن عمر فأخرجه الطبراني في معجمه وذكره الزيلعي في نصب الراية بإسناده ومتنه قال والحديث معلول بعبد الله بن عامر.

(2/48)


قال أبو عيسى: وحَديثُ أبي سعيدٍ أشْهَرُ حَدِيثٍ فِي هَذَا البَاب . وقدْ أخَذَ قَوْمٌ مِن أهْلِ العِلمِ بهذَا الْحَدِيثِ . وأمّا أكْثَرُ أهْلِ العلمِ فقالوا: بما رْوَى عَن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كَانَ يَقولُ: "سُبحَانَكَ اللهُمّ وَبحمدكَ ، وَتَبَارَكَ اسْمُكَ ، وَتَعَالَى جَدّكَ ، وَلا إلَه غَيْرُكَ" و هكذَا رُوِيَ عنْ عمرَ بنِ الخطّاب وعَبْدِ الله بنِ مسْعودٍ.
ـــــــ
قوله: "وحديث أبي سعيد أشهر حديث في هذا الباب" أخرجه أصحاب السنن الأربعة.
قوله: "وقد أخذ قوم من أهل العلم بهذا الحديث" فاختاروا أن يقال عند افتتاح الصلاة بعد التكبير سبحانك اللهم إلى قوله ولا إله غيرك ثم يقال الله أكبر كبيرا ثم يقال أعوذ بالله السميع العليم الخ "وما أكثر أهل العلم فقالوا: إنما يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول: "سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك" فاختاروا هذا الدعاء دون ما في حديث أبي سعيد المذكور من الزيادة "وهكذا روي عن عمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود" ، أما أثر عمر فأخرجه مسلم في صحيحه وغيره وأما أثر عبد الله بن مسعود فأخرجه ابن المنذر . قال الحافظ في التلخيص: قال الحاكم وقد صح ذلك عن عمر ثم ساقه وهو في صحيح ابن خزيمة وهو في صحيح مسلم أيضاً ذكره في موضع غير مظنته استطرادا وفي إسناده انقطاع ، إنتهى ما في التلخيص.
قلت: ذكره مسلم في باب عدم الجهر بالبسملة عن عبدة أن عمر بن الخطاب كان يجهر بهؤلاء الكلمات يقول: سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك وعبدة هذا هو ابن أبي لبابة وهو لم يسمع من عمر قاله النووي. ولذا قال الحافظ في إسناده انقطاع ورواه الدارقطني موصولاً كما في بلوغ المرام.
فإن قلت كيف روى مسلم في صحيحه أثر عمر رضي الله عنه. هذا ، وهو منقطع ، ومن شرط مسلم أن لا يخرج في صحيحه الحديث الضعيف ، والمنقطع من أقسام الضعيف.
قلت: أخرجه استطراداً ومقصوده الأصلي هو الحديث الذي أخرجه بعد هذا الأثر في عدم الجهر بالبسملة وهو صحيح متصل.
فإن قلت فلم أخرجه استطراداً ولم لم يقتصر على إخراج الحديث الصحيح المتصل
قلت: إنما فعل مسلم هذا لأنه سمعه هكذا فأداه كما سمع ولهذا نظائر كثيرة في صحيح مسلم وغيره ولا إنكار في هذا كله.

(2/49)


والعَملُ على هذا عند أكثرِ أهلِ العلمِ من التابعين وَغَيرِهم.
وَقَدْ تُكُلّمَ فِي إسْنَادِ حَدِيثِ أبي سَعيدٍ ، كَان يَحْيَى بنُ سعيدٍ يَتَكلّمُ في عليّ بن علي. الرفاعي وَقَالَ أحمدُ: لا يصِحّ هذَا الحديثُ.
243ـ حدثنا الحسَنُ بنُ عَرَفَةَ وَ يَحْيَى بنُ موسى قالا: حدثنا أبو معاويَةَ عن حارثةَ ابنِ أبي الرجالِ عن عَمْرَةَ عن عائشةَ قالتْ: "كان النبيّ صلى الله عليه
ـــــــ
قوله: "والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من التابعين وغيرهم" وعليه عمل الحنفية. قال الحافظ ابن تيمية في المنتقى: وأخرج مسلم في صحيحه أن عمر كان يجهر بهؤلاء الكلمات يقول: سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك تعالى جدك ولا إله غيرك. وروى سعيد بن منصور في سننه عن أبي بكر الصديق أنه كان يستفتح بذلك وكذلك رواه الدارقطني عن عثمان بن عفان وابن المنذر عن عبد الله بن مسعود. وقال الأسود كان عمر إذا أفتتح الصلاة قال: سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك يسمعنا ذلك ويعلمنا. رواه الدارقطني ثم قال ابن تيمية: واختيار هؤلاء وجهر عمر به أحياناً بمحضر من الصحابة ليتعلمه الناس مع أن السنة إخفاؤه يدل على أنه الأفضل وأنه الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم يداوم عليه غالباً، وإن استفتح بما رواه علي وأبو هريرة فحسن لصحة الرواية انتهى كلام ابن تيمية ، قال الشوكاني في النيل: ولا يخفى أن ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أولى بالإيثار والاختيار وأصح ما روى في الاستفتاح حديث أبي هريرة المتقدم ثم حديث علي انتهى. قلت: أراد الشوكاني بحديث أبي هريرة الذي رواه الجماعة إلا الترمذي قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كبر في الصلاة سكت هنيهة قبل القراءة فقلت يا رسول الله بأبي أنت وأمي أرأيت سكوتك بين التكبير والقرآن ما تقول؟ قال أقول اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب الحديث وأراد بحديث علي الذي رواه أحمد ومسلم والترمذي قال كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة قال وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض الحديث. ولا شك في أن أصح ما روى في الاستفتاح هو حديث أبي هريرة فهو أولى بالايثار والاختيار وهذا الحديث لم يروه الترمذي في هذا الباب ولم يشر إليه لكنه أشار إليه في باب السكتتين.
قوله: "حدثنا الحسن بن عرفة" وثقه ابن معين وأبو حاتم "عن حارثة بن أبي الرجال" قال النسائي متروك قاله في الخلاصة وقال في التقريب ضعيف.

(2/50)


وسلم إذا افتتح الصلاةَ قَال: "سُبحَانَكَ اللهُمّ وَبحمدكَ ، وَتَبَارَكَ اسْمُكَ ، وَتَعَالَى جَدّكَ ، وَلا إلَه غَيْرُكَ".
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ لا نَعْرِفُه من حديث عائشة إلاّ من هذا الوجهِ . وحَارثةُ قَدْ تُكُلّمَ فيهِ منْ قِبَلِ حِفْظِهِ.
ـــــــ
قوله: "هذا حديث لا نعرفه إلا من هذا الوجه" روى أبو داود هذا الحديث في سننه من غير هذا الوجه ليس فيه حارثة وسنده هكذا: حدثنا حسين بن عيسى ناطلق بن غنام ناعبد السلام بن حرب الملائي عن بديل بن ميسرة عن أبي الجوزاء قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا استفتح الصلاة قال سبحانك اللهم الخ" وهذا الحديث من هذا الطريق أيضاً ضعيف قال أبو داود بعد روايته: وهذا الحديث ليس بالمشهور عن عبد السلام بن حرب لم يروه إلا طلق بن غنام ، وقد روى قصة الصلاة عن بديل جماعة لم يذكروا فيه شيئاً من هذا انتهى. قال المنذري يعني دعاء الاستفتاح وقال الدارقطني قال أبو داود: ولم يروه عن عبد السلام غير طلق بن غنام وليس هذا الحديث بالقوي هذا آخر كلامه انتهى "وحارثة قد تكلم فيه من قبل حفظه" قال الذهبي في الميزان ضعفه أحمد وابن معين وقال النسائي متروك وقال خ منكر الحديث لم يعتد به أحمد قال ابن عدي عامة ما يرويه منكر انتهى.
فائدة: قال الحافظ في التلخيص: قال ابن خزيمة لا نعلم في الافتتاح بسبحانك اللهم خبراً ثابتاً عند أهل المعرفة بالحديث وأحسن أسانيده حديث أبي سعيد ثم قال لا نعلم أحداً ولا سمعنا به استعمل هذا الحديث على وجهه.
فائدة أخرى: أصح ما ورد في الاستفتاح حديث أبي هريرة الذي جاء فيه: دعاء الافتتاح بلفظ اللهم باعد بيني وبين خطاياي ألخ قال الشيخ ابن الهمام في فتح القدير بعد ذكر هذا الحديث وهو الأصح من الكل لأنه متفق عليه انتهى. قلت فهو الأولى بالاختيار ثم أصح ما ورد فيه حديث علي رضي الله عنه الذي جاء فيه دعاء الافتتاح بلفظ وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض الخ لأنه رواه مسلم فبعد حديث أبي هريرة هو أولى بالاختيار في جميع الصلوات مكتوبة كانت أو تطوعاً هذا ما عندي والله تعالى أعلم.

(2/51)


"وأبو الرّجَالِ اسمهُ محمدُ بنُ عبدِ الرحمَنِ المدينيّ" .
ـــــــ
فإن قلت حديث علي هذا رواه مسلم في صلاة الليل فإيراده في هذا الباب يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقوله في التهجد وقال الحافظ في بلوغ المرام بعد ما ذكره عن مسلم ما لفظه: وفي رواية له أن ذلك في صلاة الليل انتهى. فيكون هذا الدعاء مخصوصاً بصلاة التطوع كما هو مذهب الحنفية ولا يكون مشروعاً في المكتوبة قلت: مجرد إيراد مسلم هذا الحديث في صلاة الليل لا يدل على أنه صلى الله عليه وسلم كان يقوله في التهجد كما لا يخفى. وأما قول الحافظ وفي رواية له أن ذلك في صلاة الليل ففيه نظر. فإن هذا الحديث مروي في صحيح مسلم في باب صلاة الليل من وجهين ليس في واحد منهما أن ذلك في صلاة الليل، وهذا الحديث رواه الترمذي في كتاب الدعوات من ثلاثة وجوه ليس في واحد منها أن ذلك في صلاة الليل بل وقع في واحد منها: إذا قام إلى الصلاة المكتوبة. ورواه أبو داود أيضاً في سننه في كتاب الصلاة من وجهين لم يقع في واحد منهما أن ذلك في صلاة الليل، بل واقع في واحد منهما: إذا قام إلى الصلاة المكتوبة، ووقع في رواية للدارقطني إذا ابتدأ الصلاة المكتوبة قال وجهت وجهي الخ وقال الشوكاني في النيل وأخرجه أيضاً ابن حبان وزاد إذا قام إلى الصلاة المكتوبة وكذلك رواه الشافعي وقيده أيضاً بالمكتوبة وكذا غيرهما فالقول بأن هذا الدعاء مخصوص بصلاة التطوع ولا يكون مشروعاً في المكتوبة باطل جداً ومن ههنا ظهر بطلان قول صاحب آثار السنن أن القيد بالمكتوبة في هذا الحديث غير محفوظ فإن هذا القيد موجود في كثير من روايات هذا الحديث.
تنبيه: روى النسائي من حديث محمد بن مسلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا قام يصلي تطوعاً قال الله أكبر وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض الخ قال الشيخ عبد الحق في اللمعات في قوله: إذا قام يصلي تطوعاً دليل على المخصوصية بالتطوع كما هو مذهبنا انتهى قلت ليس فيه دليل على المخصوصية بالتطوع كيف وقد وقع في كثير من روايات حديث علي إذا قام إلى الصلاة المكتوبة على أنه لو كان في هذا دليل على مخصوصية هذا الدعاء بالتطوع لكان الدعاء الذي اختاره الحنفية للفرض أيضاً مخصوصاً بالتطوع فإن الترمذي وأبا داود قد رويا عن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قام من الليل كبر ثم يقول سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك الحديث فتفكر.

(2/52)


ـــــــ
تنبيه آخر: قال الفاضل اللكنوي في عمدة الرعاية: اختار المتأخرون يعني من الحنفية أن يقرأ إني وجهت وجهي قبل التحريمة ليكون أبلغ في أحضار القلب وجمع العزيمة كما ذكره في النهاية والبناية وغيرهما لكن هذا مما لا أصل له في السنة وإنما الثابت في الأحاديث التوجيه في الصلاة لا قبلها انتهى كلامه قلت الأمر كما قال ففي حديث محمد بن مسلمة عند النسائي كان إذا قام يصلي تطوعاً قال الله أكبر وجهت وجهي الخ وفي حديث علي رضي الله عنه عند مسلم في رواية له إذا افتتح الصلاة كبر ثم قال وجهت وجهي الخ.

(2/53)


180ـ باب ما جاء في تركِ الجهرِ ببسم الله الرحمن الرحيم
244ـ حدثنا أحمدُ بنُ مَنِيعٍ حَدّثَنَا إسْمَاعِيل بنُ إِبْرَاهِيمَ حَدثنا سَعيدُ الْجُرَيْرِيّ عن قيسِ بن عَبَايَةَ عن ابنِ عَبْدِ الله بنِ مُغَفّلٍ قال: "سَمِعَنِي أبي وأنَا فِي الصلاةِ أقولُ {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} فقالَ لي : أيْ بُنَيّ مُحْدَثٌ إيّاكَ
ـــــــ
"باب ما جاء في تركِ الجهرِ ببسم الله الرحمن الرحيم"
إعلم أن في قراءة البسملة في الصلاة ثلاثة أقوال أحدها أنها واجبة الفاتحة كمذهب الشافعي وإحدى الروايتين عن أحمد وطائفة من أهل الحديث بناء على أنها من الفاتحة والثاني أنها مكروهة سراً وجهراً وهو المشهور عن مالك والثالث أنها جائزة بل مستحبة وهو مذهب أبي حنيفة والمشهور عن أحمد وأكثر أهل الحديث ثم مع قراءتها هل يسن الجهر بها أو لا ، فيه ثلاثة أقوال: أحدها يسن الجهر وبه قال الشافعي ومن وافقه والثاني لا يسن الجهر وبه قال أبو حنيفة وجمهور أهل الحديث والرأي وفقهاء الأمصار وجماعة من أصحاب الشافعي وقيل مخير بينهما وهو قول إسحاق بن راهويه وابن حزم كذا في نصب الرواية قلت: قد ثبت قراءة البسملة في الصلاة بأحاديث صحيحة وهي حجة على الإمام مالك والإسرار بها عندي أحب من الجهر بها والله تعالى أعلم.
فائدة: قال الذهبي في تذكرة الحفاظ في ترجمة سفيان الثوري ما لفظه: اللالكائي في السنة نا المخلص نا أبو الفضل شعيب بن محمد نا علي بن حرب بن بسام سمعت شعيب بن جرير يقول قلت لسفيان الثوري حدث بحديث السنة ينفعني الله به فإذا وقفت بين يديه قلت

(2/53)


والحَدَثَ ، قال: ولم أرَ أحداً من أصحابِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم كانَ أبْغَضَ إليهِ الحدثُ في الإسلاَم ، يَعْنِي مِنْهُ ، و قال: وقَدْ صلَيتُ مع النبي صلى الله عليه وسلم ومعَ أبي بكرِ وعُمرَ و مع عُثْمانَ فَلَم أسمعْ أحداً منهم يقولُها ، فلاَ تَقلهَا ، إذَا أنتَ صَلّيتَ فَقُلْ {الحمدُ لله ربّ العالمِينَ}.
قال أبو عيسى: حديثُ عَبْدِ الله بنِ مُغَفّلٍ حديثٌ حسَنٌ، والعملُ عَلَيْه
ـــــــ
يا رب حدثني بهذا سفيان فأنجو أنا وتؤخذ قال اكتب بسم الله الرحمن الرحيم القرآن كلام الله غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود من قال غير هذا فهو كافر والإيمان قول وعمل ونية يزيد وينقص إلى أن قال يا شعيب لا ينفعك ما كتبت حتى ترى المسح على الخفين وحتى ترى أن إخفاء بسم الله الرحمن الرحيم أفضل من الجهر به إلى أن قال إذا وقفت بين يدي الله فسألك عن هذا فقل يا رب حدثني بهذا سفيان الثوري ثم خل بيني وبين الله عز وجل. قال الذهبي هذا ثابت عن سفيان وشيخ المخلص ثقة انتهى.
قوله: "حدثنا اسمعيل بن إبراهيم بن مقسم الأسدي البصري" بن علية وهي أمه قال أحمد إليه المنتهى في التثبت قال ابن معين كان ثقة مأموناً "حدثنا سعيد الجريري" بضم الجيم مصغراً هو سعيد بن إياس أبو مسعود البصري ثقة اختلط قبل موته "عن قيس بن عباية" بفتح العين المهملة وتخفيف الموحدة ثم تحتانية ثقة من أوساط التابعين كنيته أبو نعامة قال ابن عبد البر هو ثقة عند جيمعهم "عن ابن عبد الله بن مغفل" اسمه يزيد كذا في التقريب.
قوله: "وأنا في الصلاة" جملة حالية "أي بنى محدث" أي قوله بسم الله الرحمن الرحيم في الصلاة محدث "إياك والحدث" تحذير أي حذر نفسك من الحدث واتق منه قال أي ابن عبد الله بن مغفل "يعني منه" أي من أبيه عبد الله بن مغفل وهذا قول بعض الرواة "وقال" أي عبد الله بن مغفل "وقد صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم ومع أبي بكر وعمر وعثمان فلم أسمع أحداً منهم يقولها" أي البسملة ولم يذكر علياً رضي الله عنه لأن علياً رضي الله عنه عاش في خلافته بالكوفة وما أقام بالمدينة إلا يسيراً فلعل عبد الله بن مغفل لم يدركه ولم يضبط صلاته كذا في إنجاح الحاجة "فلا تقلها" ظاهره أنه نهاه عن البسملة رساً يعني لا يقول سراً ولا جهراً لكنه يحمل على الجهر إذ السماع عادة يتعلق بالجهر وإليه أشار المصنف في الترجمة قاله أبو الطيب السندي.
قوله: "حديث عبد الله بن مغفل حديث حسن" وأخرجه النسائي وابن ماجه قال النووي

(2/54)


عِنْدَ أكثر أهلِ العلمِ من أصحابِ النبي صلى الله عليه وسلم منهم أبو بكرٍ وعمرُ وعثمانُ وعليّ وغيرُهُم وَمن بَعدَهم من التّابعين . وبه يقولُ سفيانُ الثوريّ وابنُ المباركِ وأحمدُ وإسحاقُ ، لا يَرَوْنَ أنْ يَجْهَرَ بـ {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} ، قالوا: ويقولُها في نفسهِ
ـــــــ
في الخلاصة وقد ضعف الحفاظ هذا الحديث وأنكروا على الترمذي تحسينه كابن خزيمة وابن عبد البر والخطيب وقالوا إن مداره على ابن عبد الله بن مغفل وهو مجهول انتهى وقال الحافظ في الدراية: وقع في رواية للطبراني عن يزيد بن عبد الله بن مغفل وهو كذلك في مسند أبي حنيفة انتهى. وقال في تهذيب التهذيب ابن عبد الله بن مغفل عن أبيه في ترك الجهر بالبسملة وعنه أبو نعامة الحنفي قيل اسمه يزيد قلت ثبت كذلك في مسند أبي حنيفة للبخاري انتهى وقد أطال الحافظ الزيلعي الكلام على هذا الحديث في نصب الراية ثم قال وبالجملة فهذا حديث صريح في عدم الجهر بالتسمية وهو وإن لم يكن من أقسام الصحيح فلا ينزل عن درجة الحسن وقد حسنه الترمذي والحديث الحسن يحتج به لا سيما إذا تعددت شواهده وكثرت متابعاته انتهى كلامه ، قلت لم أجد ترجمة يزيد بن عبد الله بن مغفل فإن كان ثقة قابلاً للاحتجاج فالأمر كما قال الزيلعي من أن هذا الحديث لم يكن من أقسام الصحيح فلا ينزل عن درجة الحسن وإلا فهو ضعيف.
قوله: "والعمل عليه عند أكثر أهل العلم الخ" واستدلوا بحديث الباب وبحديث أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر كانو يفتتحون الصلاة بالحمد لله رب العالمين أخرجه البخاري ومسلم زاد مسلم لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم في أول قراءة ولا في آخرها وفي رواية لأحمد والنسائي وابن خزيمة لا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم وفي أخرى لابن خزيمة كانوا يسرون. قال الحافظ في بلوغ المرام وعلى هذا يحمل النفي في رواية مسلم خلافاً لمن أعلها انتهى وقال في فتح الباري فاندفع بهذا تعليل من أعله بالاضطراب كابن عبد البر لأن الجمع إذا أمكن تعين المصير إليه انتهى قلت والعلة التي أعلها بها من أعلها هي أن الأوزاعي روى هذه الزايادة عن قتادة مكاتبة وقد ردت هذه العلة بأن الأوزاعي لم ينفرد بها بل قد رواها غيره رواية صحيحة.
فإن قلت روى عن أنس إنكار ذلك فروى أحمد والدارقطني من حديث سعيد بن يزيد أبي سلمة قال: سألت أنساً أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم أو الحمد لله رب العالمين. وقال إنك لتسألني عن شيء ما أحفظه أو ما سألني عنه أحد قبلك قال الدارقطني إسناده صحيح.

(2/55)


ـــــــ
قلت: قال الزيلعي في نصب الراية وأما ما روى من إنكار أنس فلا يقاوم ما يثبت عن خلافه في الصحيح ويحتمل أن يكون أنس نسي في تلك الحال لكبره وقد وقع مثل ذلك كثيراً كما سئل يوماً عن مسألة فقال عليكم بالحسن فاسألوه فإنه حفظ ونسينا ، وكم ممن حدث ونسي ، ويحتمل أنه سأله عن ذكرها في الصلاة أصلا لا عن الجهر بها وإخفائها انتهى كلام الزيلعي. وقال وهذا الحديث مما يدل على أن ترك الجهر عندهم كان ميراثاً عن نبيهم صلى الله عليه وسلم يتوارثه خلفهم عن سلفهم ، وهذا وحده كاف في المسئلة لأن الصلوات الجهرية دائمة صباحاً ومساءً فلو كان عليه السلام يجهر بها دائماً لما وقع فيه اختلاف ولا اشتباه ولكان معلوماً بالاضطرار ولما قال أنس لم يجهر بها عليه السلام ولا خلفاؤه الراشدون ولا قال عبد الله بن مغفل ذلك أيضاً وسماه حدثاً ولما استمر عمل أهل المدينة في محراب النبي صلى الله عليه وسلم ومقامه على ترك الجهر ، يتوارثه آخرهم عن أولهم وذلك جار عندهم مجرى الصاع والمد بل أبلغ من ذلك لاشتراك جميع المسلمين في الصلاة ولأن الصلاة تتكرر كل يوم وليلة وكم من إنسان لا يحتاج إلى صاع ولا مد ومن يحتاجه يمكث مدة لا يحتاج إليه ولا يظن عاقل أن أكابر الصحابة والتابعين وأكثر أهل العلم كانوا يواظبون على خلاف ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله انتهى كلامه الزيلعي .

(2/56)


181ـ باب مَن رأى الجهر ببسمِ الله الرحمنِ الرحيمِ
245ـ حدثنا أحمدُ بنُ عَبْدَةَ حدثنا المُعْتَمِرُ بنُ سليمانَ قال: حدثني إسْمَاعِيلُ
ـــــــ
"باب مَن رأى الجهر ببسمِ الله الرحمنِ الرحيمِ"
قوله: "حدثني اسمعيل بن حماد" قال الحافظ في تهذيب التهذيب: اسمعيل بن حماد بن أبي سليمان الأشعري مولاهم الكوفي روى عن أبيه وأبي خالد الوالبي وعنه معتمر بن سليمان. قال ابن معين: ثقة ، وقال أبو حاتم شيخ يكتب حديثه وفرق ابن أبي حاتم بينه وبين اسمعيل بن حماد البصري الراوي عن أبي خالد الوالبي عن ابن عباس وعنه معتمر ولم يذكر البخاري في التاريخ غير ابن أبي سليمان وقال الأزدي في إسمعيل يتكلمون فيه. وقال العقيلي حديثه غير محفوظ ويحكيه عن مجهول يعني الحديث الذي رواه عن أبي خالد الوالبي عن ابن عباس في الاستفتاح بالبسملة وقال ابن عدي ليس إسناده بذاك

(2/56)


بن حمّادٍ عن أبي خالدٍ عن ابن عباسٍ قال: "كان النبيّ صلى الله عليه وسلم يَفْتَتحُ صَلاَتَهُ ببسمِ الله الرحمنِ الرحيمِ".
قال أبو عيسى: وليس إسنادُه بذاكَ. وقد قال بهذا عِدّةٌ من أهل العلمِ من أصحابِ النبي صلى الله عليه وسلم منهم: أبو هريرَة وابن عمرَ وابن عباسٍ وابنُ الزبيرِ ومَن بعدَهم منَ التابِعينَ ، رَأَوْا الجهرَ بـ "بسمِ الله الرحمنِ الرحيمِ" . وبهِ يَقُولُ
ـــــــ
وذكره ابن حبان في الثقات انتهى "عن أبي خالد" الوالبي يأتي ترجمته في آخر الباب "يفتتح صلاته ببسم الله الرحمن الرحيم" ظاهره يدل على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يجهر بالبسملة لكن الحديث ضعيف.
قوله: "وليس إسناده بذاك" أي بذاك القوي: قال الطيبي المشار إليه بذاك ما في ذهن من يعتني بعلم الحديث ويعتد بالإسناد القوي. قال الحافظ في الدراية وأخرجه ابن عدي وقال لا يرويه وفيه أبو خالد وهو مجهول والحديث غير محفوظ وقال أبو زرعة لا أعرف أبا خالد وأخرجه العقيلي وقال هو مجهول وقيل إنه الوالبي وأسمه هرمز والله أعلم . والراوي عنه إسمعيل بن حماد قال العقيلي ضعيف إنتهى.
قوله: "وقد قال بهذا عدة من أهل العلم" أي قال بالجهر بالبسملة جماعة من أهل العلم واستدلوا بحديث الباب وبعدة أحاديث أخرى أكثرها ضعيفة وأجودها حديث نعيم المجمر قال: صليت وراء أبي هريرة فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم ثم قرأ بأم القرآن حتى إذا بلغ غير المغضوب عليهم ولا الضالين فقال آمين وقال الناس آمين الحديث وفي آخره قال: والذي نفسي بيده إني لأشبهكم صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم. أخرجه النسائي وابن خزيمة وابن حبان وغيرهم . قال الحافظ في الفتح بعد ذكر هذا الحديث وهو أصح حديث ورد في ذلك يعني في الجهر بالبسملة قال وقد تعقب الاستدلال بهذا الحديث باحتمال أن يكون أبو هريرة أراد بقوله أشبهكم أي في معظم الصلاة لا في جميع أجزائها . وقد رواه جماعة غير نعيم عن أبي هريرة بدون ذكر البسملة.
والجواب أن نعيماً ثقة فتقبل زيادته. والخبر ظاهر في جميع الأجزاء فيحمل على عمومه حتى يثبت دليل يخصصه انتهى.

(2/57)


الشافِعَيّ ، وإسْمَاعِيلُ بنُ حمادٍ هو ابن أبِي سُلَيْمانَ وأبو خالد الوالِبيّ واسمُهُ هُرْمُز وهو كوفيّ.
ـــــــ
وقال صاحب سبل السلام: قول أبي هريرة إني لأشبهكم صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم وإن كان محتملاً أنه يريد في أكثر أفعال الصلاة وأقوالها ، إلا أنه خلاف الظاهر ويبعد عن الصحابي أن يبتدع في صلاته شيئاً لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها ثم يقول والذي نفسي بيده إني لأشبهكم انتهى. قال والأقرب أنه صلى الله عليه وسلم كان يقرأ بها تارة جهراً وتارة يخفيها انتهى.
قوله: "وإسمعيل بن حماد" قال الذهبي في الميزان: إسمعيل بن حماد بن أبي سليمان الكوفي وثقه ابن معين وقال الأزدي يتكلمون فيه. وقال العقيلي حديثه غير محفوظ ويحكيه عن مجهول ثم ذكر الذهبي حديث الباب من طريقه "هو أبو خالد الوالبي" قال في التقريب بموحدة قبلها كسرة. الكوفي أسمه هرمز ويقال هرم مقبول من كبار التابعين ، وفد على عمر وقيل حديثه عنه مرسل فيكون من أوساط التابعين انتهى. وقال الذهبي في الميزان أبو خالد عن ابن عباس لا يعرف

(2/58)


باب: في افتتاح القراءة بالحمد لله رب العالمين
...
182ـ باب في افتتاح القراءةِ بـ {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}
246ـ حَدّثَنَا قُتَيْبَةُ حدثنا أبو عَوانَةَ عن قتادَةَ عن أنسٍ قال: "كَان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمرُ وعثمانُ يَفْتَتِحُونَ القراءةَ ب {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}.
ـــــــ
"باب في افتتاح القراءةِ بـ{الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} "
قوله: "يفتتحون القراءة بـ {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} بضم الدال على الحكاية واختلف في المراد بذلك فقيل المعنى كانوا يفتتحون بالفاتحة ، وهذا قول من أثبت البسملة في أولها وتعقب بأنها إنما تسمى الحمد فقط وأجيب بمنع الحصر ومستنده ثبوت تسميتها بهذه الجملة وهي الحمد لله رب العالمين في صحيح البخاري ، أخرجه في فضائل القرآن من حديث أبي

(2/58)


قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسَنٌ صحيحٌ. والعملُ على هذا عند أهلِ العلمِ مِنْ أصحابِ النبي صلى الله عليه وسلم والتابعين ومَن بعدَهم ، كَانوا يَستفْتِحُونَ القراءَةَ بـ {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} قال الشافعيّ: إنما مَعْنى هذا الحديثِ أنّ النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكرٍ وعمرَ وعثمانَ كَانوا يفتتحون القراءةَ "بالحمدِ لله ربّ العالمين" ، معناهُ أنهم كَانوا يبدأون بقراءَةِ فاتحةِ الكتاب قبلَ السورة ، وليسَ معناه أنهم كَانوا لا يقرأون "بسمِ الله الرحمنِ الرحيمِ" .
وكان الشافعيّ يَرَى أنْ يُبْدأَ بـ {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} و أنْ يُجْهَر بها "إذا جُهِرَ بالقراءَةِ" .
ـــــــ
سعيد بن المعلى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له ألا أعلمك أعظم سورة في القرآن فذكر الحديث وفيه قال الحمد لله رب العالمين هي سبع المثاني وقيل المعنى كانوا يفتتحون بهذا اللفظ تمسكاً بظاهر الحديث، وهذا قول من نفي قراءة البسملة لكن لا يلزم من قوله: كانوا يفتتحون بالحمد ، أنهم لم يقرأوا بسم الله الرحمن الرحيم سرا وقد أطلق أبو هريرة السكوت على القراءة سراً كذا في فتح الباري.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه مسلم

(2/59)


باب: ما جاء أنه لاصلاة إلا بفاتحة الكتاب
...
183ـ باب ما جاء أنّه لا صلاَة إلا بفاتحةِ الكتاب
247ـ حدثنا ابن أبي عمرَ و عليّ بن حُجْرٍ قالا: حدثنا سفيانُ بن عينية عن الزّهْرِيّ عن محمودِ بن الرّبيع عن عُبَادَةَ بنِ الصامتِ عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا صلاَةَ لمن لم يقرأ بفاتحةِ الكتاب".
ـــــــ
"باب ما جاء أنّه لا صلاَة إلا بفاتحةِ الكتاب"
قوله: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب" هذا دليل على أن قراءة فاتحة الكتاب

(2/59)


وفي الباب عن أبي هريرةَ وعائشةَ وأنسٍ وأبي قَتَادَةَ وعَبْدِ الله بن عمرٍو.
قال أبو عيسى: حديثُ عُبَادَةَ حديثٌ حسَنٌ صحيحٌ. والعملُ عليه عند أكثر أهل العلمِ من أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم ، منهم عمرُ بن الخطاب وجابرُ بنُ عَبْدِ الله وعمْرانُ بنُ حُصَيْنٍ وغَيْرهم ، قالوا: لا تجزئ صلاةٌ إلا بقرَاءَةِ فاتحةِ الكتابِ.
"وقال علي بن أبي طالب: لكل صلاة لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج غير تمام" .
وبِه يقُولُ ابنُ المُبَاركِ والشّافعِيّ وأحمدُ وإسْحَاقُ.
ـــــــ
فرض في جميع الصلوات ، فريضة كانت أو نافلة ، وركن من أركانها . قال الشاه ولي الله الدهلوي في حجة الله البالغة تحت قوله: الأمور التي لا بد منها في الصلاة وما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم بلفظ الركنية كقوله صلى الله عليه وسلم: لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب وقوله صلى الله عليه وسلم: لا تجزئ صلاة الرجل حتى يقيم ظهره في الركوع والسجود ، وما سمى الشارع الصلاة به فإنه تنبيه بليغ على كونه ركنا في الصلاة انتهى كلامه. والحديث بعمومه شامل لكل مصل منفرداً كان أو إماماً أو مأموماً.
قوله: "وفي الباب عن أبي هريرة وعائشة وأنس وأبي قتادة وعبد الله بن عمرو" أما حديث أبي هريرة فأخرجه مسلم مرفوعاً بلفظ من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج ثلاثاً غير تمام الحديث. وأما حديث عائشة فأخرجه أحمد وابن ماجه والطحاوي والبيهقي في كتاب القراءة والبخاري في جزء القراءة بلفظ قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج. وأما حديث أنس وأبي قتادة فلم أقف عليهما ، وأما حديثهما في القراءة خلف الإمام فسيجيء تخريجهما في باب القراءة خلف الإمام. وأما حديث عبد الله بن عمرو فأخرجه البيهقي في كتاب القراءة والبخاري في جزء القراءة مرفوعاً بلفظ: كل صلاة لا يقرأ فيها بأم القرآن فهي مخدجة مخدجة مخدجة. وفي رواية فهي خداج.
قوله: "حديث عبادة حديث حسن صحيح" أخرجه الجماعة.
قوله: "والعمل عليه عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم منهم عمر بن الخطاب وجابر بن عبد الله وعمران بن حصين وغيرهم" كعبادة بن الصامت وأبي هريرة رضي الله عنهم أجمعين "قالوا: لا تجزئ صلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب وبه يقول ابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق" فعند هؤلاء قراءة الفاتحة في الصلاة فرض من

(2/60)


ـــــــ
فروضها وركن من أركانها ، واستدلوا عليه بأحاديث الباب فإن حديث عبادة بلفظ: لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب ، تنبيه بليغ على ركنية الفاتحة كما تقدم ورواه الدارقطني وابن خزيمة وابن حبان وغيرهم بإسناد صحيح بلفظ: لا تجزئ صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب كما ذكره الحافظ في الفتح. فهذه الرواية نص صريح في ركنية الفاتحة لا يحتمل تأويلاً وحديث أبي هريرة وغيره بلفظ: من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج أيضاً يدل على ركنيه الفاتحة في الصلاة . فإن معنى قوله خداج أي ناقصة نقص فساد وبطلان. قال الزمخشري في أساس البلاغة: ومن المجاز خدج الرجل فهو خادج إذا نقص عضو منه وأخدجه الله فهو مخدج وكان ذو الثدية مخدج اليد، وأخدج صلاته نقص بعض أركانها وصلاتي مخدجة وخادجة وخداج وصف بالمصدر انتهى.
وقال الخطابي في معالم السنن: فهي خداج أي ناقصة نقص بطلان وفساد تقول العرب أخدجت الناقة إذا ألقت ولدها وهو دم لم يستبن خلقه فهي مخدج ، والخداج إسم مبني منه. وقال البخاري في جزء القراءة: قال أبو عبيد أخدجت الناقة إذا أسقطت والسقط ميت لا ينتفع به انتهى.
وقال الجزري في النهاية: الخداج النقصان يقال خدجت الناقة إذا ألقت ولدها قبل أوانه وإن كان تام الخلق ، وأخدجته إذا ولدته ناقص الخلق ، وإن كان لتمام الحمل انتهى.
وقال في المصباح المنير: قال أبو زيد خدجت الناقة وكل ذات خف وظلف وحافر إذا ألقت ولدها لغير تمام الحمل. وزاد ابن القوطية وإن تم خلقه وأخدجته بالألف ألقته ناقص الخلق انتهى.
قلت: والمراد من القاء الناقة ولدها لغير تمام الحمل وإن تم خلقه إسقاطها والسقط ميت لا ينتفع به كما عرفت ، فظهر من هذا كله أن قوله فهي خداج معناه ناقصة نقص فساد وبطلان ، ويدل عليه ما رواه البيهقي في كتاب القراءة بإسناده عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تجزئ صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب. قلت فإن كنت خلف الإمام قال فأخذ بيدي وقال إقرأ في نفسك يا فارسي ، قال البيهقي رواه ابن خزيمة الإمام عن محمد بن يحيى محتجاً به على أن قوله في سائر الروايات فهي خداج المراد به النقصان الذي لا تجزئ معه انتهى.
فالحاصل أن استدلال أكثر أهل العلم وجمهورهم بأحاديث الباب على ركنية الفاتحة

(2/61)


ـــــــ
في الصلاة صحيح لا غبار عليه وقولهم هو الراجح المنصور ، وقال الحنفية بأن قراءة الفاتحة في الصلاة ليست بفرض ، وأجابوا عن حديث عبادة بأن النفي في قوله: لا صلاة للكمال. ورد هذا الجواب بوجهين الأول أن رواية ابن خزيمة وغيره بلفظ: لا تجزئ صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب تبطل تأويلهم هذا إبطالا صريحاً وهذه الرواية صحيحة صرح بصحتها أئمة الفن قال الحافظ في التلخيص: ورواه يعني حديث عبادة الدارقطني بلفظ: لا تجزئ صلاة إلا أن يقرأ الرجل فيها بأم القرآن ، وصححه ابن القطان انتهى. وقال القاري في المرقاة نقلاً عن ابن حجر المكي. ومنها خبر ابن خزيمة وابن حبان والحاكم في صحاحهم بإسناد صحيح: لا تجزئ صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب ورواه الدارقطني بإسناد حسن وقال النووي: رواته كلهم ثقات انتهى والثاني أن النفي في قوله: لا صلاة إما أن يرد به نفي الحقيقة أو نفي الصحة أو نفي الكمال فالأول حقيقة والثاني والثالث مجاز والثاني أعني نفي الصحة أقرب المجازين إلى الحقيقة والثالث أعني نفي الكمال أبعدهما فحمل النفي على الحقيقة واجب إن أمكن وإلا فحمله على أقرب الماجزين واجب ومتعين ، ومع إمكان الحقيقة أو أقرب المجازين لا يجوز حمله على أبعد المجازين . قال الشوكاني في النيل والحديث يعني حديث عبادة يدل على تعين الفاتحة في الصلاة وأنه لا يجزئ غيرها وإليه ذهب مالك والشافعي وجمهور العلماء من الصحابة والتابعين فمن بعدهم لأن النفي المذكور في الحديث يتوجه إلى الذات إن أمكن انتفاؤها وإلا توجه إلى ما هو أقرب إلى الذات وهو الصحة لا إلى الكمال ، لأن الصحة أقرب المجازين والكمال أبعدهما والحمل على أقرب المجازين واجب. وتوجه النفي ههنا إلى الذات ممكن كما قال الحافظ في الفتح لأن المراد بالصلاة معناها الشرعي لا اللغوي لما تقرر من أن ألفاظ الشارع محمولة على عرفه لكونه بعث لتعريف الشرعيات لا لتعريف الموضوعات اللغوية، وإذا كان المنفى الصلاة الشرعية استقام نفي الذات لأن المركب كما ينتفي بانتفاء جميع أجزائه ينتفي بانتفاء بعضها فلا يحتاج إلى إضمار الصحة ولا الإجزاء ولا الكمال كما روى عن جماعة لأنه إمنا يحتاج إليه عند الضرورة وهي عدم إمكان انتفاء الذات. ولو سلم أن المراد ههنا الصلاة اللغوية فلا يمكن توجه النفي إلى الذات لأنها قد وجدت في الخارج كما قاله البعض، لكان المتعين توجيه النفي إلى الصحة أو الإجزاء لا إلى الكمال ما أولا فلما ذكرنا من أن ذلك أقرب المجازين وأما ثانيا فلرواية الدارقطني المذكورة في الحديث فإنها مصرحة بالإجزاء فتعين تقديره انتهى كلام الشوكاني

(2/62)


ـــــــ
وقال الحافظ في الفتح إن سلمنا تعذر على الحقيقة ، فالحمل على أقرب المجازين إلى الحقيقة أولى من الحمل على أبعدهما ، ونفي الإجزاء أقرب إلى نفي الحقيقة وهو السابق إلى الفهم ولأنه يستلزم نفي الكمال من غير عكس فيكون أولى، ويؤيده رواية الاسماعيلي من طريق العباس بن الوليد النرسي أحد شيوخ البخاري عن سفيان بهذا الإسناد بلفظ لا تجزئ صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب ، وتابعه على ذلك زياد بن أيوب أحد الأثبات أخرجه الدارقطني وله شاهد من طريق العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعاً بهذا اللفظ أخرجه ابن خزيمة وابن حبان وغيرهما ولأحمد من طريق عبد الله بن سوادة القشيري عن رجل عن أبيه مرفوعاً: لا تقبل صلاة لا يقرأ فيها بأم القرآن انتهى كلام الحافظ وأجاب الحنفية عن حديث أبي هريرة المذكور بأن لفظ الخداج يدل على النقصان لا على البطلان لأنه وقع مثل هذا في ترك الدعاء بعد الصلاة في حديث فضل بن عباس ورد بأنه يدل على أن من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فصلاته ناقصة نقص بطلان وفساد وقد عرفت بيانه ولم يقع لفظ الخداج في حديث فضل بن عباس على ترك الدعاء بعد الصلاة فقط بل على ترك مجموع ما ذكر في هذا الحديث ولفظه هكذا: الصلاة مثنى مثنى تشهد في كل ركعتين وتخشع وتضرع وتمسكن ثم تقنع يديك يقول ترفعهما إلى ربك مستقبلاً.
تنبيه: إعلم أن مذهب الحنفية ، أن قراءة الفاتحة ليست بفرض بل هي واجبة قالوا الفرض عندنا مطلق القراءة لقوله تعالى: فاقرأوا ما تيسر من القرآن وتقييده بالحديث زيادة على الكتاب وذا لا يجوز فعملنا بالكتاب والحديث. فقلنا إن مطلق القرآن فرض وقراءة الفاتحة واجب.
قلت: إثبات فرضية مطلق القرآن بهذه الاَية مبني على أن المراد من قوله تعالى: فاقرأوا قراءة القرآن بعينها وهو ليس بمتفق عليه بل فيه قولان قال الرازي في تفسيره فيه قولان الأول أن المراد من هذه القراءة الصلاة أي فصلوا ما تيسر عليكم . القول الثاني: أن المراد من قوله: {فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ} قراءة القرآن بعينها انتهى. وهكذا في عامة كتب التفسير والقول الثاني فيه بعد عن مقتضى السياق قال الشيخ الألوسي البغدادي في تفسيره المسمى بروح المعاني: أي فصلوا ما تيسر لكم من صلاة الليل. عبر عن الصلاة بالقراءة كما عبر

(2/63)


ـــــــ
عنها بسائر أركانها. وقيل الكلام على حقيقته من طلب قراءة القرآن بعينها. وفيه بعد عن مقتضى السياق انتهى كلامه. فلما ظهر أن في قوله تعالى {فَاقْرَأُوا} القولين المذكورين وأن القول الثاني فيه بعد لاح لك أن الاستدلال به على فرضية مطلق القراءة غير صحيح ولو سلمنا أن المراد هو القول الثاني: أعني قراءة القرآن بعينها فحديث الباب مشهور بل متواتر قال الإمام البخاري في جزء القراءة تواتر الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا صلاة إلا بقراءة أم القرآن" انتهى والزيادة بالحديث المشهور جائز عند الحنفية على أن قوله تعالى {فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ} عام مخصوص منه البعض فهو ظني فلا يدل على فرضية مطلق القراءة ويجوز تخصيصه ولو بالاحاديث قال الملاجيون في تفسيره ثم أقل القراءة فرضا عندنا آية واحدة طويلة كآية الكرسي وغيرها ، أو ثلاث آيات قصيرة كمدهامتان، وهذا هو الأصح وقيل إنه واحدة طويلة كانت أو قصيرة، وذلك مما لا يعتد به ينادي عليه كتب الفقه وعلى كل تقدير يكون ما دون الاَية مخصوصاً من هذا العام، فيكون العام ظنياً فينبغي أن لا يدل على فرضية القراءة وأن يعارضه الحديث حجة للشافعي انتهى كلامه. وأما ما قيل من أن الاَية لا يسمى قراءة القرآن عرفا والعرف قاض على الحقيقة اللغوية فهذه دعوى لا دليل عليها ويلزم منهالا أن يكون {مُدْهَامَّتَانِ} التي هي كلمة واحدة قراءة القرآن ولا يكون أكثر آية المداينة التي هي كلمات كثيرة قراءة القرآن وهذا كما ترى، وأيضاً يلزم منه أنه لو قرأ أحد نصف آية المداينة في الصلاة لا تجوز. وعامة الحنفية على جوازها. قال في فتح القدير. ولو قرأ نصف آية المداينة قيل لا يجوز لعدم تمام الاَية وعامتهم على الجواز انتهى.
فإن قلت قوله صلى الله عليه وسلم حين تعليم المسيء صلاته: "إذا قمت إلى الصلاة فكبر ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن" رواه البخاري يدل على عدم فرضية الفاتحة إذ لو كانت فرضا لأمره لأن المقام مقام التعليم فلا يجوز تأخير البيان عنه.
قلت: قد أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم بقراءة الفاتحة فأخرج أبو داود في سننه من حديث رفاعة بن رافع مرفوعاً "وإذا قمت فتوجهت فكبر ثم اقرأ بأم القرآن وبما شاء الله أن تقرأ" وأجاب الخطابي عن هذا بأن قوله "ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن" ظاهر الإطلاق التخيير لكن المراد به فاتحة الكتاب بدليل حديث عبادة وهو كقوله تعالى {فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} ثم عينت السنة المراد. والحاصل أن قراءة الفاتحة في الصلوات فرض من فروضها ولم يقم دليل صحيح على ما ذهب إليه الحنفية. هذا ما عندي والله تعالى أعلم

(2/64)


184ـ باب ما جاء في التأْمين
248ـ حدثنا بُنْدَارٌ حدثنا يَحْيى بنُ سعِيدٍ و عبدُ الرحمنِ بنُ مَهدِي قالا: حدثنا سفيانُ عن سَلَمَةَ بن كُهَيْلٍ عن حُجْرِ بنِ عَنْبَسٍ عن وائل بنِ حُجْرٍ قال: "سمعتُ النبيّ صلى الله عليه وسلم قرأ {غَيْرِ المغضوبِ عليهِمْ ولاَ الضالين}.
ـــــــ
"باب ما جاء في التأْمين"
التأمين مصدر أمن أي قال آمين وهي بالمد والتخفيف في جميع الروايات وعن جميع القراء وحكى الواحدي عن حمزة والكسائي الإمالة ، وفيها ثلاث لغات أخرى شاذة: القصر أي أمين ، والتشديد مع المد والقصر أي آمين وأمّين وخطأ الأخريين جماعة وأما الأولى منها فحكاها ثعلب وأنشد لها شاهداً. وأنكرها ابن درستويه وطعن في الشاهد بأنه لضرورة الشعر ومعنى آمين: اللهم استجب ، عند الجمهور وقيل غير ذلك مما يرجع جميعه إلى هذا المعنى ، وقيل هو اسم من أسماء الله تعالى رواه عبد الرزاق عن أبي هريرة بإسناد ضعيف وعند أبي داود من حديث أبي زهير النميري الصحابي أنّ آمين مثل الطابع على الصحيفة ثم ذكر قوله صلى الله عليه وسلم: "إن ختم بآمين فقد أوجب". قوله: "حدثنا بندار" بضم الموحدة وسكون النون لقب محمد بن بشار بن عثمان العبدي أحد أوعية السنة قال الذهبي انعقد الإجماع على الاحتجاج ببندار نا "يحيى بن سعيد" القطان أحد أئمة الجرح والتعديل "قالا نا سفيان" هو الثوري "عن سلمة بن كهيل" الحضرمي الكوفي ، قال الحافظ ثقة ، وقال الخزرجي وثقه أحمد والعجلي. واعلم أن سلمة هذا وكله بفتح اللام ، إلا عمرو بن سلمة إمام قومه وبني سلمة القبيلة من الأنصار فبكسرها وفي عبد الخالق بن سلمة الوجهان "عن حجر" بضم الحاء المهملة وسكون الجيم "بن عنبس" بفتح العين المهملة وسكون النون وفتح الموحدة ، الحضرمي صدوق من كبار التابعين قاله الحافظ وقال الخزرجي وثقه ابن معين "عن وائل بن حجر" بضم الحاء المهملة وسكون الجيم ، ابن سعد بن مسروق الحضرمي صحابي جليل وكان من ملوك اليمن ثم سكن الكوفة ومات في ولاية معاوية رضي الله عنه.

(2/65)


وقال آمين ، ومَدّ بها صَوْتَه".
ـــــــ
قوله: "وقال آمين" فيه دليل على أن الإمام يقول آمين وهذا موضع اختلف فيه العلماء فروى ابن القاسم عن مالك أن الإمام لا يقول آمين وإنما يقول ذلك من خلفه وهو قول المصريين من أصحاب مالك وقال جمهور أهل العلم يقولها الإمام كما يقول المنفرد وهو قول مالك في رواية المدنيين ، وحجتهم أن ذلك ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث أبي هريرة ووائل بن حجر وحديث بلال: لا تسبقني بآمين. كذا في الاستذكار قلت عن أبي حنيفة أيضاً في ذلك قولان: أحدهما أنه يؤمن من خلف الإمام ولا يؤمن الامام ذكره محمد في الموطأ والثاني كقول الجمهور ذكره محمد في الآثار ولا شك في أن قول الجمهور هو الحق. "ومد بها صوته" أي رفع بها صوته وجهر . ورواه أبو داود بإسناد صحيح بلفظ فجهر بآمين ورواه أيضاً بإسناد صحيح بلفظ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قرأ ولا الضالين قال آمين ورفع بها صوته فظهر أن المراد من قوله ومد بها صوته وجهر بها ورفع صوته بها فإن الروايات يفسر بعضها بعضاً . قال الحافظ في التلخيص: احتج الرافعي بحديث وائل الذي بلفظ مد بها صوته على استحباب الجهر بآمين وقال في أماليه: يجوز حمله على أنه تكلم على لغة المد ، دون القصر من جهة اللفظ ولكن رواية من قال رفع بها صوته تبعد هذا الاحتمال ، ولهذا قال الترمذي عقبه: وبه يقول غير واحد يرون أنه يرفع صوته انتهى. وقال الشيخ عبد الحق الدهلوي في اللمعات قوله "مد بها صوته أي بكلمة آمين يحتمل الجهر بها ويحتمل مد الألف على اللغة الفصيحة والظاهر هو الأول بقرينة الروايات الأخر ، ففي بعضها بها يرفع صوته وهذا صريح في معنى الجهر وفي رواية ابن ماجه حتى يسمعها الصف الأول فيرتج بها المسجد وفي بعضها يسمعها من كان في الصف الأول ، رواه أبو داود وابن ماجه. انتهى كلام الشيخ.
قلت: قول من قال أن قوله مد بها صوته يجوز حمله على أنه تكلم على لغة المد دون القصر غير صحيح ولا يجوز حمله على هذا البتة لما عرفت ، ولأن هذا اللفظ لا يطلق إلا على رفع الصوت والجهر كما لا يخفى على من تتبع مظان استعمال هذا اللفظ ونحن نذكر ههنا بعضها روى البخاري في صحيحه عن البراء قال: لما كان يوم الأحزاب وخندق رسول الله صلى الله عليه وسلم الحديث ، وفيه يقول: اللهم لولا أنت ما اهتدنا. ولا تصدقنا ولا صلينا فأنزلن سكينة علينا ، وثبت الأقدام إن لاقينا. إن الألى قد بغوا علينا. وإن أرادوا فتنة أبينا. قال يمد صوته بآخرها انتهى وروى الترمذي عن أبي بكرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أسلم وغفار ومزينة خير من تميم وأسد وغطفان

(2/66)


قال وفي الباب عن علي وأبي هريرة.
ـــــــ
وبنى عامر بن صعصعة يمد بها صوته فقال القوم قد خابوا وخسروا قال فهم خير منهم. قال الترمذي: هذا حديث حسن. وروى أبو داود وغيره حديث أبي محذورة في الترجيع بلفظ "ثم ارجع فمد من صوتك" فلفظ يمد صوته بآخرها في الأول ويمد بها صوته في الثاني "وفمد من صوتك" في الثالث لم يطلق إلا على رفع الصوت وكذلك إذا تتبعت هذا اللفظ أعني لفظ المد مع الصوت في مظان استعماله لا تجد إلا في معنى رفع الصوت، فقول من قال إن قوله مد بها صوته في حديث الباب يجوز حمله على أنه تكلم على لغة المد ليس مما يلتفت إليه والحديث حجة قوية لمن قال بسنية الجهر بالتأمين ورفع الصوت به وهو القول الراجح المعول عليه.
قوله: "وفي الباب عن علي وأبي هريرة" وفي الباب أيضاً عن أم الحصين. أما حديث علي فأخرجه الحاكم بلفظ قال: "سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول آمين إذا قرأ غير المغضوب عليهم ولا الضالين" وأخرج أيضاً عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قرأ ولا الضالين رفع صوته بآمين. كذا في إعلام الموقعين. وأما حديث أبي هريرة فأخرجه الدارقطني والحاكم قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا فرغ من قراءة أم القرآن رفع صوته وقال آمين. قال الحافظ في التلخيص بعد ذكر هذا الحديث، قال الدارقطني إسناده حسن والحاكم صحيح على شرطهما والبيهقي حسن صحيح انتهى. وذكره الحافظ الزيلعي في نصب الراية وسكت عنه وقال الحافظ ابن القيم في إعلام الموقعين رواه الحاكم بإسناد صحيح انتهى. ولأبي هريرة حديث آخر في الجهر بالتأمين رواه النسائي عن نعيم المجمر، قال صليت وراء أبي هريرة فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم ثم قرأ بأم القرآن حتى إذا بلغ غير المغضوب عليهم ولا الضالين فقال آمين، فقال الناس آمين. الحديث وفي آخره قال: والذي نفسي بيده إني لأشبهكم صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم وإسناده صحيح وأما حديث أم الحصين فأخرجه إسحاق بن راهويه في مسنده قال: أخبرنا النضر بن شميل ثنا هارون بن الأعور عن إسماعيل بن مسلم عن أبي إسحاق عن ابن أم الحصين عن أمه أنها صلت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما قال ولا الضالين قال آمين، فسمعته وهي في صف النساء ذكره الحافظ ابن حجر والحافظ الزيلعي في تخريجهما للهداية وسكتا عنه وذكر هذا الحديث الهيثمي في مجمع الزوائد وقال بعد ذكره رواه الطبراني في الكبير وفيه إسماعيل بن مسلم المكي وهو ضعيف انتهى.

(2/67)


قال أبو عيسى: حديثُ وائِلِ بن حُجْرٍ حديثٌ حسَنٌ ، وبه يقولُ غيرُ واحدٍ مِنْ أهلِ العلم مِنْ أصحابِ النبيّ صلى الله عليه وسلم والتابعين ومَن بعدَهم: يَرَوْنَ أن يَرْفعَ الرّجل صوتَه بالتأْمين ولاَ يُخْفِيهَا.
ـــــــ
قوله: "حديث وائل بن حجر حديث حسن" وأخرجه أبو داود وابن ماجه قال الحافظ في التلخيص سنده صحيح وصححه الدارقطني وأعله ابن القطان بحجر بن عنبس وأنه لا يعرف وأخطأ في ذلك بل هو ثقة معروف قيل له صحبة ووثقه يحيى بن معين وغيره انتهى قلت وسكت عنه أبو داود ونقل المنذري تحسين الترمذي وأقره وقد اعترف غير واحد من العلماء الحنفية بأن حديث وائل بن حجر هذا صحيح كالشيخ عبد الحق الدهلوي في ترجمة المشكاة وأبي الطيب المدني في شرح الترمذي وابن التركماني في الجوهر النقي وغيرهم.
وقال الفاضل اللكنوي في السعاية لقد طفنا كما طفتم سنينا بهذا البيت طرا جميعنا فوجدنا بعد التأمل والإمعان أن القول بالجهر بآمين هو الأصح لكونه مطابقاً لما روي عن سيد بني عدنان ورواية الخفض عنه صلى الله عليه وسلم ضعيفة لا توازي روايات الجهر وأي ضرورة داعية إلى حمل روايات الجهر على بعض الأحيان أو الجهر للتعليم مع عدم ورود شيء من ذلك في رواية ، والقول بأنه كان في ابتداء الأمر أضعف لأن الحاكم قد صححه من رواية وائل بن حجر وهو إنما أسلم في أواخر الأمر كما ذكره ابن حجر في فتح الباري وقال في التعليق الممجد: الإنصاف أن الجهر قوي من حيث الدليل انتهى.
قوله: "وبه يقول غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والتابعين ومن بعدهم يرون أن يرفع الرجل صوته بالتأمين ولا يخفيها" وقال البخاري في صحيحه: أمّن ابن الزبير ومن معه حتى إن للمسجد للجة انتهى. قال العيني وصله عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء قلت له أكان ابن الزبير يؤمن على أثر أم القرآن قال نعم ويؤمن من وراءه حتى أن للمسجد للجة، ثم قال إنما آمين دعاء ، ورواه الشافعي عن مسلم بن خالد عن ابن جريج عن عطاء قال: كنت أسمع الأئمة ابن الزبير ومن بعدهم يقولون آمين ويقول من خلفه آمين حتى إن للمسجد للجة. وفي المصنف حدثنا ابن عيينة قال لعله ابن جريج عن عطاء بن الزبير قال كان للمسجد رجة أو قال لجة إذا قال الإمام ولا الضالين وروى البيهقي عن خالد بن أيوب عن عطاء قال: أدركت مائتين من

(2/68)


وبه يقول الشافعيّ وأحمدُ وإسحاقُ.
ـــــــ
أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في هذا المسجد إذا قال الإمام غير المغضوب عليهم ولا الضالين سمعت لهم رجة بآمين انتهى. وكذلك ذكر الحافظ في الفتح رواية عبد الرزاق ورواية البيهقي.
قلت: وكذلك قد ثبت جهر الصحابة والتابعين بالتأمين خلف أبي هريرة تقدم ولم يثبت من أحد من الصحابة الإسرار بالتأمين بالسند الصحيح ، ولم يثبت عن أحد منهم الإنكار على من جهر بالتأمين فقد ثبت إجماع الصحابة رضي الله عنهم على الجهر بالتأمين على طريق الحنفية ، فإنهم قالوا إن ابن الزبير أفتى في زنجي وقع في بئر زمزم بنزح مائها وذلك بمحضر من الصحابة ولم ينكر عليه أحد فكان إجماعاً فكذلك يقال إن ابن الزبير أمن بالجهر في المسجد بمحضر من الصحابة ولم ينكر عليه أحد ، بل وافقوه وجهروا معه بآمين حتى كان للمسجد للجة ، فكان إجماع الصحابة على الجهر بالتأمين "وبه يقول الشافعي وأحمد وإسحاق" قال الحافظ بن القيم: سئل الشافعي عن الإمام هل يرفع صوته بآمين قال نعم ويرفع بها من خلفه أصواتهم إلى أن قال: ولم يزل أهل العلم عليه انتهى وهذا القول أعني الجهر بالتأمين للإمام ولمن خلفه هو الراجح القوي يدل عليه أحاديث الباب.
وقال الحنفية بالإسرار بالتأمين والإخفاء به، واستدلوا على ذلك بحديث وائل الذي ذكره الترمذي بعد هذا بلفظ: أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ غير المغضوب عليهم ولا الضالين فقال آمين وخفض بها صوته. وهو حديث لا يصلح للاحتجاج كما ستعرف واستدل بعضهم بحديث سمرة ابن جندب أنه حفظ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم سكتتين سكتة إذا كبر وسكتة إذا فرغ من قراءة غير المغضوب عليهم ولا الضالين قال الأظهر أن السكتة الثانية كانت للتأمين سراً.
والجواب: أن السكتة الثانية لم تكن للتأمين سراً لأنه صلى الله عليه وسلم كان يجهر صوته بالتأمين، ولم يثبت عنه صلى الله عليه وسلم الإسرار بالتأمين فكيف يقال إنها كان للتأمين سرا ، بل السكتة الثانية كانت لأن يتراد إليه نفسه كما صرح به قتادة في بعض رواياته.
واستدلوا أيضاً بأثر عمر وعلي رضي الله عنهما: روى الطحاوي عن أبي وائل قال كان عمر وعلي لا يجهران ببسم الله الرحمن الرحيم ولا بالتعوذ ولا بآمين.

(2/69)


وَرَوَى شعبةُ هذا الحديثَ عن سلمةَ بن كُهَيْلٍ عن حُجْرٍ أبِي العَنْبَسِ عن عَلْقَمَةَ بنِ وَائِلٍ عن أبيه "أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قرأ {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ} فقال: آمين، وَخَفَضَ بها صَوْتَهُ".
قال أبو عيسى: سمعت محمداً يقول: حديثُ سفيانَ أصحّ من حديثِ شعبةَ في هذا ، وأخطأ شعبةُ في مواضعَ مِنْ هذا الحديثِ فقال عن حُجْرِ أبي العَنْبَسِ وَإنما هو حُجْرُ بنُ عَنْبَس ويُكَنّى أبَا السّكنِ . وَزَادَ فيه عن عَلْقَمَةَ بنِ وَائِلٍ ،
ـــــــ
والجواب: أن هذا الأثر ضعيف جداً فإن في سنده سعيد بن المرذبان البقال قال الذهبي في الميزان: تركه الفلاس وقال ابن معين لا يكتب حديثه وقال البخاري منكر الحديث انتهى وقال الذهبي في ترجمة أبان بن جبلة الكوفي: نقل ابن القطان أن البخاري قال كل من قلت فيه منكر الحديث فلا تحل الرواية عنه انتهى.
واستدلوا أيضاً بقول ابراهيم النخعي: خمس يخفيهن الإمام سبحانك اللهم وبحمدك والتعوذ، وبسم الله الرحمن الرحيم، وآمين، واللهم ربنا لك الحمد رواه عبد الرزاق.
والجواب: أن قول ابراهيم النخعي هذا مخالف للأحاديث المرفوعة الصحيحة فلا يلتفت إليه. قال الفاضل اللكنوي في السعاية: أما أثر النخعي ونحوه فلا يوازي الروايات المرفوعة انتهى.
قوله: "وروى شعبة هذا الحديث عن سلمة بن كهيل عن حجر أبي العنبس عن علقمة ابن وائل عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ غير المغضوب عليهم ولا الضالين فقال آمين وخفض بها صوته" فخالف شعبة سفيان الثوري في رواية هذا الحديث في ثلاثة مواضع كما بينه الترمذي بعد بقوله: وأخطأ شعبة في مواضع الخ "سمعت محمداً يقول حديث سفيان أصح من حديث شعبة في هذا" أراد بقوله أصح الصحيح، والمعنى أن حديث سفيان صحيح وحديث شعبة ليس بصحيح، فإنه أخطأ فيه في مواضع "وأخطأ شعبة في مواضع من هذا الحديث" أي في ثلاثة مواضع منه "فقال" أي شعبة "عن حجر أبي العنبس وإنما هو حجر بن العنبس" كما في رواية سفيان "ويكنى" أي حجر بن العنبس "أبا السكن" أي ليس كنيته أبا العنبس بل كنيته أبو السكن وهذا هو الموضع الأول من خطأ شعبة "وزاد فيه عن علقمة بن وائل" أي زاد بين حجر ووائل علقمة بن وائل "وليس فيه

(2/70)


وليس فيه عن علقمةَ.
ـــــــ
عن علقمة" كما في رواية سفيان، وهذا هو الموضع الثاني من خطأ شعبة.
فإن قيل: سفيان وشعبة كلاهما ثقتان حافظان، فلم نسب الخطأ في هذين الموضعين إلى شعبة ولم ينسب إلى سفيان؟
قلنا: نسب الخطأ إلى شعبة دون سفيان لأربعة وجوه الأول: أن شعبة كان يخطئ في الرجال كثيراً، وأما سفيان فلم يكن يخطئ قال الحافظ في تهذيب التهذيب في ترجمة شعبة: ثقة ثبت في الحديث، وكان يخطئ في أسماء الرجال قليلاً، وكذلك نقل الحافظ عن أبي داود ثم قال بعد عدة أسطر: وأما ما تقدم من أنه كان يخطئ في الأسماء فقد قال الدارقطني في العلل: كان شعبة يخطئ في أسماء الرجال كثيرا لتشاغله بحفظ المتون انتهى كلام الحافظ. وقد ذكر الترمذي خطأ شعبة في مواضع من جامعه فمنها في باب وضوء النبي صلى الله عليه وسلم كيف كان. قال الترمذي: وروى شعبة هذا الحديث يعني حديث علي عن خالد بن علقمة فأخطأ في اسمه واسم أبيه فقال مالك بن عرفطة قال والصحيح خالد بن علقمة. ومنها في باب ما جاء في التخشع في الصلاة، قال الترمذي: سمعت محمد بن إسماعيل يقول: روى شعبة هذا الحديث يعني حديث الفضل بن عباس عن عبد ربه بن سعيد فأخطأ في مواضع، فقال عن أنس بن أبي أنيس وهو عمران بن أبي أنس، وقال عن عبد الله بن الحارث وإنما هو عبد الله بن نافع بن العميا عن ربيعة بن الحارث، وقال شعبة عن عبد الله بن الحارث عن المطلب عن النبي صلى الله عليه وسلم وإنما هو عن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب عن الفضل بن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال أحمد: وحديث الليث بن سعد أصح من حديث شعبة انتهى. ومنها في باب كراهية الطواف عريانا حدثنا ابن عمر ونصر بن علي قالا نا سفيان عن أبي إسحاق نحوه يعني نحو الحديث المذكور وقالا زيد بن يثيع وهذا أصح وشعبة وهم فيه فقال زيد بن أثيل انتهى.
والوجه الثاني: أن شعبة كان شاكا يشك كثيراً في الأسانيد والمتون، وأما شعبة فلم يكن شاكا،

(2/71)


ـــــــ
والوجه الثالث: أن شعبة وسفيان في أنهما ثقتان حافظان، لكن سفيان أحفظ من شعبة كما ستقف على هذا.
والوجه الرابع: أن شعبة قد تفرد بما قال في روايته في هذين الموضعين، ولم يتابعه على ذلك أحد، وأما سفيان فلم يتفرد بما قال في روايته فيهما، بل تابعه على ذلك العلاء بن صالح، وعلي بن صالح، ومحمد بن سلمة فبهذه الوجوه قد نسب الخطأ إلى شعبة ولم ينسب إلى سفيان.
فإن قيل: قد أجاب العيني في شرح البخاري عما نسب إليه الترمذي من الخطأ الأول حيث قال قوله هو حجر بن العنبس وليس بأبي العنبس، ليس كما قاله، بل هو أبو العنبس حجر بن العنبس وجزم به ابن حبان في الثقات فقال كنيته كاسم أبيه، وقول محمد: يكنى أبا السكن لا ينافي أن تكون كنيته أيضاً أبا العنبس لأنه لا مانع أن يكون لشخص كنيتان انتهى.
قلنا لم يثبت من كتب الرجال والتراجم أن كنية حجر بن العنبس أبو العنبس أيضاً وأن له كنيتان، ولم يصرح به أحد من أئمة الفن غير ابن حبان مع أنه يحتمل أن يكون مبنى قوله هو رواية شعبة فالظاهر أنه خطأ شعبة كما نص عليه الإمام البخاري والحافظ أبو زرعة والله أعلم.
فإن قيل: قد تابع سفيان شعبة في أبي العنبس. أخرج أبو داود حدثنا محمد بن كثير نا سفيان عن سلمة بن كهيل عن حجر أبي العنبس الحضرمي الحديث وأخرج الدارقطني في سننه حدثنا عبد الله بن أبي داود السجستاني حدثنا عبد الله بن سعيد الكندي حدثنا وكيع والمحاربي قالا حدثنا سفيان عن سلمة بن كهيل عن حجر أبي العنبس وهو ابن العنبس الحديث فثبت أن شعبة ليس متفرداً بأبي العنبس، بل ذكره محمد بن كثير ووكيع والمحاربي عن سفيان الثوري أيضاً.
قلنا: كل من قال في روايته عن سفيان عن سلمة بن كهيل عن الحجر أبي العنبس فروايته غير محفوظة أما رواية محمد بن كثير فإنه قد خالف في ذكر حجر أبي العنبس يحيى بن سعيد القطان وعبد الرحمن بن مهدي فإنهما قالا في روايتهما حجر بن العنبس كما في رواية الترمذي المذكورة، وهما أحفظ وأتقن من محمد بن كثير وأما رواية وكيع والمحاربي فقد تفرد بها عبد الله بن سعيد الكندي. وقد خالف في ذكر حجر أبي العنبس

(2/72)


وإنّما هُوَ حُجْر بنُ عَنْبَسٍ عَنَ وَائِلِ بنِ حُجْرٍ وَقَالَ: وَخَفَضَ بِهَا صَوْتَه وَإِنما هُوَ مَدّ بِهَا صَوْتَهُ.
ـــــــ
أحمد بن حنبل وأحمد بن سنان ويعقوب الدورقي ، فإن هؤلاء الثقات الحفاظ قالوا في رواياتهم: حجر بن العنبس قال أحمد بن حنبل في مسنده حدثنا وكيع ثنا سفيان عن سلمة بن كهيل عن حجر بن عنبس عن وائل بن حجر قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم قرأ {وَلا الضَّالِّينَ} فقال آمين يمد بها صوته. وقال الدارقطني في سننه حدثنا علي بن عبد الله بن مبشر ثنا أحمد بن سنان ح وحدثنا أبو محمد بن صاعد ثنا يعقوب الدورقي قالا: نا عبد الرحمن عن سفيان عن سلمة عن حجر بن عنبس قال سمعت وائل بن حجر قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم قرأ {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ} قال آمين ، ومد بها صوته . قلت: الظاهر أن عبد الرحمن هذا هو المحاربي ففي كون لفظ أبي العنبس في رواية سفيان محفوظاً كلام.
فإن قيل: قد أجاب العيني أيضاً عما نسب الترمذي إلى شعبة من خطئه الثاني حيث قال: وقوله وزاد فيه علقمة لا يضر ، لأن زيادة الثقة مقبولة لا سيما من مثل شعبة انتهى.
قلنا: قد عرفت آنفاً أن شعبة كان يخطئ كثيراً في الرجال وأنه قد تفرد بهذه الزيادة ولم يتابعه عليها أحد لا ثقة ولا ضعيف وقد خالف في ذكر هذه الزيادة سفيان والعلاء بن صالح وعلي بن الصالح ومحمد بن مسلمة ، فإن هؤلاء لم يذكروا في رواياتهم هذه الزيادة وستعرف أن سفيان أحفظ من شعبة وأنه قد تقرر أن شعبة إذا خالف سفيان فالقول قول سفيان ومع هذا كله قد نص الإمام البخاري رحمه الله تعالى على أن شعبة أخطأ في هذه الزيادة فالظاهر أن شعبة أخطأ في هذه الزيادة والله تعالى أعلم "وقال خفض بها صوته وإنما هو مد بها صوته" هذا هو الموضع الثالث من المواضع التي أخطأ فيها شعبة فقول شعبة فيه: وخفض بها صوته خطأ والصواب مد بها صوته كما رواه سفيان.
فإن قيل إن سفيان وشعبة كليهما ثقتان ثبتان أمير المؤمنين في الحديث وليس أحد منهما أحق بالخطأ من الاَخر ، فلقائل أن يقول إن سفيان هو الذي أخطأ في قوله: "ومد بها صوته" فأي دليل على أن المخطئ هو شعبة.
قلنا: إن هنا أدلة عديدة على أن المخطئ هو شعبة فمنها أن سفيان وشعبة وإن كانا ثقتين حافظين لكنهما ليس بمتساويين في الحفظ، بل سفيان أحفظ من شعبة وقد نص

(2/73)


ـــــــ
على هذه شعبة نفسه. قال الحافظ الذهبي في تذكرة الحفاظ كان شعبة يقول سفيان أحفظ مني انتهى. وقال الترمذي في باب ما جاء ص في تعليم القرآن قال علي بن عبد الله قال يحيى بن سعيد: ما أحد يعدل عندي شعبة وإذا خالفه سفيان أخذت بقول سفيان سمعت أبا عمار يذكر عن وكيع قال شعبة: سفيان أحفظ مني وما حدثني سفيان عن أحد بشيء فسألته إلا وجدته كما حدثني إنتهي وبطل بهذا قول من قال إن شعبة جعل سفيان أحفظ من نفسه هضما لنفسه وقد صرح أئمة الحديث بأن سفيان أحفظ من شعبة قال الحافظ الذهبي في تذكرة الحفاظ: قال صالح جزرة سفيان أحفظ من شعبة يبلغ حديثه ثلاثين ألف وحديث شعبة نحو عشرة آلاف إنتهى. وقال الحافظ بن حجر في تهذيب التهذيب في ترجمة سفيان: قال أبو حاتم وأبو زرعة وابن معين هو أحفظ من شعبة انتهى.
ومنها أنه قد تقرر أن شعبة إذا خالف سفيان فالقول قول سفيان. قال الزيلعي في نصب الراية نقلاً عن البهيقي: قال يحيى القطان ويحيى بن معين: إذا خالف شعبة سفيان فالقول قول سفيان انتهى. ولذلك رجح الترمذي حديث سفيان على حديث شعبة لما اختلفا في سند حديث: خيركم من تعلم القرآن وعلمه. حيث زاد شعبة فيه رجلاً ولم يزده سفيان قال الترمذي في جامعه: كان حديث سفيان أشبه. قال علي بن عبد الله قال يحيى بن سعيد: ما عندي أحد يعدل شعبة وإذا خالفه سفيان أخذت بقول سفيان إلى آخر ما نقلت عن الترمذي آنفاً ولذلك رجح أبو داود حديث سفيان على حديث شعبة لما اختلفا في حديث اشتراء سراويل حيث قال سفيان فيه وثم رجل يزن بالأجر ولم يقل شعبة يزن بالأجر قال أبو داود في سننه رواه قيس كما قال سفيان والقول قول سفيان حدثنا أحمد بن حنبل ثنا وكيع عن شعبة قال كان سفيان أحفظ مني انتهى كلام أبي داود.
تنبيه: كلام الترمذي وكلام أبي داود هذان يدلان على أن المراد بالمخالفة في قول يحيى القطان ويحيى بن معين إذا خالف شعبة سفيان فالقول قول سفيان المخالفة في الرواية، فبطل قول من قال إن المراد بالمخالفة في الفقه والدراية.
ومنها أن شعبة لم يتابعه أحد في قوله: وخفض بها صوته لا ثقة ولا ضعيف. وأما سفيان فقد تابعه في قوله مد بها صوته ثلاثة: أحدهم العلاء بن صالح، فإنه قد روى هذا الحديث عن سلمة بن كهيل نحو حديث سفيان كما ذكره الترمذي في هذا الباب والعلاء

(2/74)


ـــــــ
بن صالح ثقة والثاني علي بن صالح قال أبو داود في سننه حدثنا مخلد بن خالد الشعيري حدثنا ابن نميرنا علي بن صالح عن سلمة بن كهيل عن حجر بن عنبس عن وائل بن حجر أنه صلى خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فجهر بآمين الحديث ، وعلي بن صالح أيضاً ثقة. والثالث محمد بن سلمة قال الدارقطني بعد رواية حديث شعبة ما لفظه: هكذا قال شعبة وأخفى بها صوته ويقال إنه وهم لأن سفيان الثوري ومحمد بن سلمة وغيرهما رووه عن سلمة بن كهيل فقالوا ورفع بها صوته انتهى. ومحمد بن سلمة ضعيف فتابع سفيان ثقتان وضعيف ولم يتابع شعبة أحد لا ثقة ولا ضعيف.
ومنها أن سفيان لم يرو عند خلاف المد بالصوت والرفع والجهر لا بسند صحيح ولا بسند ضعيف وأما شعبة فروى عنه خلاف الخفض والإخفاء، فروى عنه موافقاً لحديث سفيان في السند والمتن قال الزيلعي في نصب الراية: وطعن صاحب التنقيح في حديث شعبة هذا بأنه قد روى عنه خلافه كما أخرجه البيهقي في سننه عن ابن الوليد الطيالسي ثنا شعبة عن سلمة بن كهيل سمعت حجراً أبا عنبس يحدث عن وائل الحضرمي أنه صلى خلف النبي صلى الله عليه وسلم فلما قال ولا الضالين قال آمين رافعاً بها صوته قال فهذه الدراية توافق رواية سفيان وقال البيهقي في المعرفة: إسناد هذه الرواية صحيح انتهى. قلت: وقال البيهقي فيحتمل أن يكون تنبه لذلك فعاد إلى الصواب في متنه وترك ذكر علقمة في إسناده: انتهى كلام البيهقي فهذه الأدلة بمجموعها تدل على أن المخطئ هو شعبة ، ولذلك جزم الإمام البخاري والحافظ أبو زرعة الرازي بخطأ شعبة وقال البيهقي قد أجمع البخاري وغيره من الحفاظ على أن شعبة أخطأ في هذا الحديث ، فقد روى من أوجه فجهر بها انتهى. وقال الحافظ في التلخيص: وقد رجحت رواية سفيان بمتابعة اثنين له بخلاف شعبة ، ولذلك جزم النقاد بأن حديث سفيان أصح وأرجح من حديث شعبة انتهى.
قلت: فإذا ثبت أن حديث سفيان بلفظ: مد بها صوته هو الصواب وأن حديث شعبة بلفظ: وخفض بها صوته خطأ. ظهر لك أن القول برفع الصوت بالتأمين والجهر به هو الراجح القوي المعول عليه.
وأجاب الحنفية عن أحاديث الجهر بالتأمين واعتذروا عن العمل بها، بما لا ينبغي الالتفات إليها.

(2/75)


ـــــــ
فقال بعضهم قال عطاء آمين دعاء، وقد قال الله تعالى {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً} انتهى.
قلت: تقرير استدلال هذا البعض على الشكل الأول هكذا آمين دعاء، وكل دعاء لا بد أن يخفي به لقوله تعالى {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً} فآمين لا بد أن يخفي بها ولا شك في أنه لو ثبت صحة الصغرى وكلية الكبرى صحت هذه النتيجة ، لكن في صحة الصغرى نظرا فإنا لا نسلم أن آمين دعاء بل نقول إنها كالطابع والخاتم للدعاء كما عند أبي داود من حديث أبي زهير النميري الصحابي أن آمين مثل الطابع على الصحيفة ، ثم ذكر قوله صلى الله عليه وسلم إن ختم بآمين فقد أوجب. ولو سلمنا أن آمين دعاء فنقول إنها ليست بدعاء مستقل بالاصالة بل هي من توابع الدعاء ، ولذلك لا يدعي بآمين وحدها ، بل يدعي بدعاء أولا ثم تقال هي عقيبة فالظاهر أن يكون الجهر بها والاخفاء بها تابعاً لأصل الدعاء إن جهرا فجهراً ، وإن سراً فسراً ولو سلمنا أن آمين دعاء بالأصالة فلا نسلم كلية الكبرى ، ألا ترى أن اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم الخ دعاء ويقرأ في الصلاة الجهرية بالجهر ، وكذلك كثير من الأدعية قد ثبت الجهر بها فهذا الاستدلال مما لا يصغي إليه.
وقال بعضهم: إن الجهر كان أحياناً للتعليم ، كما جهر عمر بن الخطاب بالثناء على الافتتاح كذلك كان الجهر بالتأمين تعليماً.
قلت: القول بأن جهره صلى الله عليه وسلم بالتأمين كان للتعليم ، سخيف جداً فإنه ادعاء محض لا دليل عليه ، ويدل على سخافته أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يجهرون خلف الإمام حتى كان للمسجد رجة ، فلو كان جهره صلى الله عليه وسلم بالتأمين للتعليم لم يجهروا بالتأمين خلف إمامهم وأيضاً لو كان جهره به للتعليم كان أحياناً لا على الدوام وقد روى أبو داود وغيره بلفظ "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قرأ {وَلا الضَّالِّينَ} قال آمين ورفع بها صوته فهذا يدل على أنه صلى الله عليه وسلم كان يداوم على الجهر.
فإن قلت أخرج الدولابي في كتاب الأسماء والكنى: حدثنا الحسن بن علي بن عفان قال حدثنا الحسن بن عطية قال أنبأنا يحيى بن سلمة بن كهيل عن أبيه عن أبي سكن حجر بن عنبس الثقفي قال سمعت وائل بن حجر الحضرمي يقول رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر الحديث وفيه "وقرأ {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ} فقال آمين يمد بها

(2/76)


قال أبو عيسى: وَسَأَلْتُ أبَا زُرْعَةَ عن هذا الحديثِ فَقَالَ: حَدِيثُ سُفْيَانَ فِي هَذَا أصَحّ.قال رَوَى العَلاَءُ بنُ صَالحٍ الأسَدِيّ عَنْ سَلَمَةَ بنِ كُهَيْلٍ نَحوَ رِوَايَةِ سُفْيَانَ.
ـــــــ
صوته ما أراد إلا يعلمنا" فقوله ما أراد إلا يعلمنا في هذه الرواية يدل على أن جهره صلى الله عليه وسلم بالتأمين كان للتعليم.
قلت: قد تفرد بزيادة قوله ما أراد إلا يعلمنا يحيى بن سلمة بن كهيل عن أبيه وهو متروك، قال الحافظ في التقريب في ترجمته متروك وكان شيعياً انتهى. وقد روى حديث وائل ابن حجر هذا من طرق كثيرة وليس في واحد منها هذه الزيادة فهذه الزيادة منكرة مردوده فالاستدلال بهذه الزيادة المنكرة على أن الجهر بالتأمين كان أحياناً للتعليم باطل جداً.
قوله: "وسألت أبا زرعة" الرازي اسمه عبيد الله بن عبد الكريم بن زيد بن فروخ المخزومي أحد ثقة الحفاظ تقدم ترجمته في المقدمة قال ابن وارة سمعت إسحاق بن راهويه يقول كل حديث لا يعرفه أبو زرعة ليس له أصل كذا في تهذيب التهذيب قال أي أبو زرعة "روى العلاء بن صالح الأسدي" قال الحافظ في تهذيب التهذيب: العلاء بن صالح التيمي ويقال الأسدي الكوفي وسماه أبو داود في روايته علي بن صالح وهو وهم روى عن المنهال بن عمرو، وعدي بن ثابت، وسلمة بن كهيل وروى عنه أبو أحمد الزبيري ، وعبد الله بن نمير. قال بن معين وأبو داود ثقة وقال ابن معين أيضاً: وأبو حاتم لا بأس به قال الحافظ: له عند الترمذي حديث وائل في الصلاة انتهى. قلت: روى أبو داود في سننه حديث وائل من طريق ابن نمير عن علي بن صالح عن سلمة بن كهيل وذكر الحافظ في هذا الكتاب في ترجمة علي بن صالح: روى عن أبيه وأبي إسحاق السبيعي وسلمة بن كهيل وعنه أخوه وابن عيينة ووكيع وأبو أحمد الزبيري وابن نمير انتهى فإذا ثبت أن العلاء بن صالح الأسدي وعلي بن صالح رجلان وكلاهما يرويان عن سلمة بن كهيل ويروي عن كليهما ابن نمير فالظاهر أن العلاء بن صالح وعلي بن صالح كليهما يرويان حديث وائل عن سلمة بن كهيل ، ويروي عن كليهما ابن نمير فلا أدري لم جزم الحافظ بأنه سماه أبو داود في روايته علي بن صالح وهو وهم فتفكر.

(2/77)


قال أبو عيسى: حَدّثَنَا أبُو بكرٍ مُحَمّدُ بنُ أبَانَ حَدّثَنَا عَبْدُ الله بنُ نُمَيْرٍ عن العَلاَء بن صَالِحٍ الأسديّ عن سَلَمَةَ بنِ كُهَيْلٍ عَن حُجْرِ بنِ عَنْبَسٍ عن وَائِلِ بن حُجْرٍ عَنْ النبيّ صلى الله عليه وسلم نَحْوَ حَدِيثِ سُفْيَانَ عَنْ سَلَمَةَ بنِ كُهَيْلٍ.
ـــــــ
قوله: "ثنا أبو بكر محمد بن أبان" بن وزير البلغي المستملي يلقب حمدويه وكان مستملي وكيع ثقة حافظ، قاله الحافظ روى عن ابن عيينة وغندر وطبقتهما وعنه البخاري وأصحاب السنن الأربع مات سنة أربع وأربعين ومائة "ناعبد الله بن نمير" بضم النون مصغراً الهمداني أبو هشام الكوفي ثقة صاحب حديث من أهل السنة من رجال الكتب الستة

(2/78)


185ـ باب ما جاءَ في فَضلِ التأْمِين
250ـ حدثنا أبو كرَيْبٍ مُحَمّدُ بنُ العلاَءِ حَدّثَنَا زَيْدُ بنُ حُبَابٍ قالَ: حَدّثَنَي مالكُ ابنُ أنَسٍ حَدّثَنَا الزّهْرِيّ عَنْ سَعيدِ بنِ المسيّبِ و أبي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النّبِيّ صلى الله عليه وسلم قال: "إذَا أمّنَ الإمَامُ فَأَمّنُوا ، فَإِنّهُ مَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تأْمِينَ المَلاَئِكَةِ ، غُفِرَ لَهُ ما تقدّمَ مِنْ ذَنْبِهِ".
ـــــــ
"باب ما جاءَ في فَضلِ التأْمِين"
قوله: "إذا أمن الإمام فأمنوا" أي إذا قال الإمام آمين فقولوا آمين وهذا يدل على أن الإمام يجهر بالتأمين وجه الدلالة أنه لو لم يكن تأمين الإمام مسموعاً للمأموم لم يعلم به وقد علق تأمينه بتأمينه وأجيب بأن موضعه معلوم فلا يستلزم الجهر به وفيه نظر لاحتمال أن يخل به فلا يستلزم علم المأموم به وقد روى روح بن عبادة عن مالك في هذا الحديث قال ابن شهاب وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قال ولا الضالين جهر بآمين. أخرجه السراج. ولابن حبان من رواية الزبيدي في هذا الحديث عن ابن شهاب: كان إذا فرغ من قراءة أم القرآن رفع صوته وقال آمين كذا في الفتح "فإنه من وافق تأمينه

(2/78)


قال أبو عيسى: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ، حديثٌ حسَنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
تأمين الملائكة" زاد يونس عن ابن شهاب عند مسلم فإن الملائكة تؤمن قبل قوله، فمن وافق وهو دال على أن المراد الموافقة في القول والزمان خلافاً لمن قال المراد الموافقة في الإخلاص والخشوع كابن حبان ثم ظاهره أن المراد بالملائكة جميعهم واختاره بن بزيزة، وقيل الحفظة منهم وقيل الذين يتعاقبون منهم إذا قلنا أنهم غير الحفظة. والذي يظهر أن المراد بهم من يشهد تلك الصلاة من الملائكة ممن في الأرض أو في السماء ففي رواية للبخاري: إذا قال أحدكم آمين وقالت الملائكة في السماء آمين. وروى عبد الرزاق عن عكرمة قال صفوف أهل الأرض على صفوف أهل السماء فإذا وافق آمين في الأرض آمين في السماء غفر للعبد، ومثله لا يقال بالرأي فالمصير إليه أولى قاله الحافظ "غفر له ما تقدم من ذنبه" ظاهره غفران جميع الذنوب الماضية وهو محمول عند العلماءر على الصغائر لورود الاستثناء في غير هذه الرواية.
قوله: "حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح" وأخرجه البخاري ومسلم وغيرهما .

(2/79)


186ـ باب ما جاءَ في السّكْتَتَيْنِ
251ـ حَدّثَنَا مُحَمّدُ بنُ المُثَنّى حدثنا عَبدُ الأعْلى عَنْ سَعِيدٍ عَنْ قَتَادَةَ عن الْحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ قَالَ: "سَكْتَتَانِ حَفِظْتُهُمَا عن رسول الله صلى الله
ـــــــ
"باب ما جاءَ في السّكْتَتَيْنِ"
قوله: "عن الحسن" البصري ثقة فقيه فاضل مشهور وكان يرسل كثيراً ويدلس وقال البزار: كان يروى عن جماعة لم يسمع منهم فيتجوز ويقول حدثنا وخطبنا ، يعني قومه الذين حدثوا وخطبوا بالبصرة من أوساط التابعين قوله: "عن سمرة" بفتح أوله وضم ثانيه ابن جندب بن هلال الفزاري حليف الأنصار صحابي مشهور "سكتتان حفظتهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم" وفي رواية لأبي داود حفظت سكتتين في الصلاة سكتة إذا

(2/79)


عليه وسلم ، فأَنكَرَ ذَلِكَ عمْرَانُ بنُ حُصَيْنٍ وقالَ: حفِظْنَا سَكْتَةً ، فَكَتبْنَا إلى أُبيّ بنِ كَعْبٍ بالمدِينَةِ ، فكَتَبَ أُبَي أنْ: "حَفِظَ سَمُرَةُ". قَال سَعِيدٌ: فَقُلْنَا لِقَتَادَةَ: مَا هَاتَانَ السّكْتَتَان؟ قال: إذَا دَخَلَ فِي صَلاَتِهِ . وإذَا فَرَغَ من القراءةِ ، ثُمّ قالَ بعدَ ذلك: وإذا قرأ: {وَلا الضَّالِّينَ} قال: وكان يُعْجِبُهُ إذا فرغَ من القراءة أن يَسْكُتَ حتى يَتَرَادّ إلَيْهِ نَفَسُهُ.
ـــــــ
كبر الإمام حتى يقرأ وسكتة إذا فرغ من فاتحة الكتاب وسورة عند الركوع وفي رواية أخرى له سكتة إذا كبر وسكتة إذا فرغ من قراءة غير المغضوب عليهم ولا الضالين فأنكر ذلك أي ما حفظه سمرة من السكتتين "عمران بن حصين" بالتصغير كان من علماء الصحابة وكانت الملائكة تسلم عليه وهو ممن اعتزل الفتنة قال أي عمران "حفظنا سكتة" أي واحدة "فكتبنا" قائلة سمرة "إلى أبي بن كعب" الأنصاري الخزرجي سيد القراء كتب الوحي وشهد بدراً وما بعدها وقد أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقرأ عليه رضي الله عنه وكان ممن جمع القرآن "فكتب أبي" بن كعب "أن" بفتح الهمزة وسكون النون "حفظ سمرة" وفي رواية أبي داود فصدق سمرة "إذا دخل في صلاة" هذا السكتة لدعاء الاستفتاح وقد وقع بيانها في حديث أبي هريرة أنه صلى الله عليه وسلم كان يسكت بين التكبير والقراءة يقول: "اللهم باعد بيني وبين خطاياي" الحديث "إذا فرغ من القراءة" أي كلها كما في رواية لأبي داود وهذه السكتة ليتراد إليه نفسه كما يأتي بيانها في قول قتادة "ثم قال" أي قتادة "بعد ذلك وإذا قرأ {وَلا الضَّالِّينَ} قال النووي عن أصحاب الشافعي يسكت قدر قراءة المأمومين الفاتحة قال ويختار الذكر والدعاء والقراءة سراً لأن الصلاة ليس فيها سكوت في حق الإمام انتهى.
قلت: تعيين هذه السكتة بهذا المقدار واختيار الذكر والدعاء والقراءة سراً في هذه السكتة للامام محتاج إلى الدليل قال الشوكاني حصل: من مجموع الروايات ثلاث سكتات الأولى بعد تكبير الإحرام ، والثانية إذا قرأ ولا الضالين والثالثة إذا فرغ من القراءة كلها. قيل وهي أخف من الأولى والثانية وذلك بقدر ما تنفصل القراءة عن التكبير ، فقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الوصل فيه انتهى.

(2/80)


قال وفي الباب عن أبي هريرة.
قال أبو عيسى:حديثُ سَمُرَةَ حديثٌ حسَنٌ.
وهو قولُ غيرِ واحدٍ من أهلِ العلمِ ، يَسْتَحِبّونَ للإمام أن يسكتَ بعدَما يَفتَتِحُ الصلاَةَ وبعدَ الفراغ من القراءةِ.
وبه يقولُ أحمدُ وإسحاقُ وأصحابُنا
ـــــــ
قوله: "وفي الباب عن أبي هريرة" أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه وفيه بيان سكوته صلى الله عليه وسلم بين التكبير والقراءة وقوله في هذا السكوت اللهم باعد بيني وبين خطاياي إلخ.
قوله: "حديث سمرة حديث حسن" قال الشوكاني قد صحح الترمذي حديث الحسن عن سمرة في مواضع من سننه منها حديث: نهى عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة وحديث جار الدار أحق بدار الجار وحديث: لا تلاعنوا بلعنة الله ولا بغضب الله ولا بالنار ، وحديث صلاة الوسطى صلاة العصر فكان هذا الحديث على مقتضى تصرفه جديراً بالتصحيح وقد قال الدارقطني رواه الحديث كلهم ثقات انتهى

(2/81)


باب: ما جاء في وضع اليمين على الشمال في الصلاة
...
187ـ باب ما جاء في وضْعِ اليمين عَلَى الشمالِ
252ـ حدثنا قُتَيْبَةُ حدثنا أبو الأحْوَصِ عن سِماكِ بن حربٍ عن قَبِيصَةَ بن هُلْبٍ عن أبيهِ قال: " كانَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يؤمّنَا فَيَأْخُذُ شِمَالَهُ بِيَمِينِه ".
ـــــــ
"باب ما جاء في وضْعِ اليمين عَلَى الشمالِ"
قوله: "عن قبيصة بن هلب" بضم الهاء وسكون اللام بعدها موحدة الطائي الكوفي

(2/81)


قال وفي الباب عن وائلِ بن حُجْرٍ ، وغُطَيْفِ بن الحارث ، وابن عباس ، وابن مسعودٍ ، وسهلِ بن سهل.
قال أبو عيسى: حديثُ هُلْبٍ حديثٌ حسَنٌ.
والعملُ على هذا عند أهلِ العلمِ من أصحابِ النبيّ صلى الله عليه وسلم
ـــــــ
مقبول من الثالثة. قاله الحافظ في التقريب . وفي الخلاصة وثقه العجلي "عن أبيه هلب الطائي" صحابي نزل الكوفة وقيل اسمه يزيد وهلب لقب "فيأخذ شماله بيمينه" أي ويضعهما على صدره ففي رواية أحمد ورأيته يضع هذه على صدره ، وصف يحيى اليمني على اليسرى فوق المفصل وستأتي هذه الرواية بتمامها.
قوله: "وفي الباب عن وائل بن حجر وغطيف بن الحارث وابن عباس وابن مسعود وسهل بن سهل كذا وقع في النسخة الأحمدية سهل بن سهل،" ووقع في غيرها من النسخ سهل بن سعد وهو الصحيح والأول غلط. أما حديث وائل بن حجر فأخرجه مسلم في صحيحه عنه "أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم رفع يديه حين دخل في الصلاة ثم كبر التحف ثم وضع يده اليمنى على اليسرى فلما أراد أن يركع" الحديث ورواه ابن خزيمة بلفظ "صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فوضع يده اليمنى على يده اليسرى على صدره" وأما حديث غطيف وهو بضم الغين مصغراً فأخرجه الحافظ ابن عبد البر في التمهيد والاستذكار بلفظ "قال مهما رأيت شيئاً نسيته فإن لم أنس أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم واضعاً يده اليمنى على اليسرى في الصلاة" كذا في اعلام الموقعين. وأما حديث ابن عباس وابن مسعود فلينظر من أخرجه. وأما حديث سهل بن سعد فأخرجه البخاري في صحيحه بلفظ قال: كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل اليد اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة.
قوله: "حديث هلب حديث حسن" وأخرجه ابن ماجه.
قوله: "والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والتابعين ومن بعدهم يرون أن يضع الرجل يمينه على شماله في الصلاة" وقال المالكية بإرسال اليدين في الصلاة. قال الحافظ بن القيم في الأعلام بعد ذكر أحاديث وضع اليدين في الصلاة

(2/82)


والتابعينَ وَمَن بعدهم: يروْنَ أنْ يَضع الرّجُلُ يمينَهُ على شِماله في الصلاةِ . ورَأى بعضُهُم أن يَضَعَهُمَا فوق السّرّةِ ، ورَأى بعضُهُم أن يضعهما تحتَ السّرّة.
ـــــــ
ما لفظه: فهذه الآثار قد وردت برواية القاسم عن مالك قال: تركه أحب إليّ ولا أعلم شيئاً قد ردت به سواه انتهى. والعجب من المالكية أنهم كيف آثروا رواية القاسم عن مالك مع أنه ليس في إرسال اليدين حديث صحيح وتركوا أحاديث وضع اليدين في الصلاة وقد أخرج مالك حديث سهل بن سعد المذكور وقد عقد له باباً بلفظ: وضع اليدين إحداهما على الأخرى في الصلاة ، فذكر أولا أثر عبد الكريم بن أبي المخارق أنه قال: من كلام النبوة إذا لم تستح فاصنع ما شئت ، ووضع اليدين إحداهما على الأخرى في الصلاة ، يضع اليمنى على اليسرى وتعجيل الفطر والاستيناس بالسحور. ثم ذكر حديث سهل بن سعد المذكور "ورأى بعضهم أن يضعهما فوق السرة ورأى بعضهم أن يضع تحت السرة" قد أجمل الترمذي الكلام في هذا المقام ، فلنا أن نفصله.
فاعلم أن مذهب الإمام أبي حنيفة: أن الرجل يضع اليدين في الصلاة تحت السرة والمرأة تضعهما على الصدر، ولم يرو عنه ولا عن أصحابه شيء خلاف ذلك وأما الإمام مالك فعنه ثلاث روايات: إحداها وهي المشهورة عنه أنه يرسل يديه كما نقله صاحب الهداية والسرخسي في محيطه وغيرهما عن مالك. وقد ذكر العلامة أبو محمد عبد الله الشاسي المالكي في كتابة المسمى بعقد الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة، والزرقاني في شرح الموطأ أن إرسال اليد رواية ابن القاسم عن مالك وزاد الزرقاني أن هذا هو الذي صار إليه أكثر أصحابه. الثانية: أن يضع يديه تحت الصدر فوق السرة كذا ذكره العيني في شرح الهداية عن مالك ، وفي عقد الجواهر أن هذه رواية مطرف والماجشون عن مالك. الثالثة أنه تخير بين الموضع والإرسال وذكر في عقد الجواهر وشرح الموطأ أنه قول أصحاب مالك المدنيين.
وأما الإمام الشافعي فعنه أيضاً ثلاث روايات: إحداها أنه يضعهما تحت الصدر فوق السرة وهي التي ذكرها الشافعي في الأم وهي المختارة المشهورة عند أصحابه المذكروة في أكثر متونهم وشروحهم. الثانية وضعهما على الصدر وهي الرواية التي نقلها صاحب الهداية من الشافعي وقال العيني إنها المذكورة في الحاوي من كتبهم. الثالثة وضعهما تحت السرة. وقد ذكر هذه الرواية في شرح المنهاج بلفظ: قيل وقال في المواهب اللدنية إنها رواية عن بعض أصحاب الشافعي.

(2/83)


وكلّ ذلكَ واسِعٌ عندهم.
ـــــــ
وأما الإمام أحمد رحمه الله فعنه أيضاً ثلاث روايات: إحداها: وضعهما تحت السرة والثانية: وضعهما تحت الصدر ، والثالثة: التخيير بينهما وأشهر الروايات عنه الرواية الأولى وعليه جماهير الحنابلة هذا كله مأخوذ من فوز الكرام للشيخ محمد قائم السندي ودراهم الصرة لمحمد هاشم السندي.
وكل ذلك واسع عندهم أن الاختلاف بينهم في الوضع فوق السرة وتحت السرة إنما هو في الاختيار والأفضلية.
واعلم أن الأحاديث والآثار قد وردت مختلفة في هذا الباب ولأجل ذكل وقع الاختلاف بين الأئمة رحمهم الله تعالى وها أنا أذكر متمسكاتهم في ثلاثة فصول مع بيان ومالها وما عليها.
الفصل الأول: في بيان من ذهب إلى وضع اليدين تحت السرة وقد تمسك هؤلاء على مذهبهم هذا بأحاديث.
الأول حديث وائل بن حجر رضي الله عنه روى ابن أبي شيبة في مصنفه ، قال حدثنا وكيع عن موسى بن عمير عن علقمة بن وائل بن حجر عن أبيه قال: "رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يضع يمينه على شماله تحت السرة . قال الحافظ القاسم بن قطلوبغا في تخريج أحاديث الاختيار شرح المختار: هذا سند جيد. وقال الشيخ أبو الطيب المدني في شرح الترمذي: هذا حديث قوي من حيث السند. وقال الشيخ عابد السندي في طوالع الأنوار: رجاله ثقات.
قلت إسناد هذا الحديث وإن كان جيداً لكن في ثبوت لفظ "تحت السرة" في هذا الحديث نظراً قوياً. قال الشيخ محمد حياة السندي في رسالته فتح الغفور: في زيادة تحت السرة نظر بل هي غلط منشؤه السهو فإني راجعت نسخة صحيحة من المصنف فرأيت فيها هذا الحديث بهذا السند وبهذه الألفاظ إلا أنه ليس فيها "تحت السرة" وذكر فيها بعد هذا الحديث أثر النخعي ولفظه قريب من لفظ هذا الحديث أو في آخره في الصلاة تحت السرة ، فلعل بصر الكاتب زاغ من محل إلى محل آخر فأدرج لفظ الموقوف في المرفوع. انتهى كلام الشيخ محمد حياة السندي.
وقال صاحب الرسالة المسماة بالدرة في إظهار غش نقد الصرة: وأما ما استدل به من حديث وائل الذي رواه ابن أبي شيبة فهذا حديث فيه كلام كثير. قال: وروى هذا الحديث ابن أبي شيبة وروى بعده أثر النخعي ولفظهما قريب. وفي آخر الأثر لفظ "تحت السرة" واختلف نسخه ففي بعضها ذكر الحديث من غير تعيين محل الوضع مع وجود الأثر

(2/84)


ـــــــ
المذكور ، وفي البعض وقع الحديث المرفوع بزيادة لفظ تحت السرة بدون أثر النخعي فيحمل أن هذه الزيادة منشؤها ترك الكاتب سهوا نحو سطر في الوسط وأدراج لفظ الأثر في المرفوع ، كما يحتمل سقوط لفظ "تحت السرة" في النسخة المتقدمة ، لكن اختلاف النسختين على هذا الوجه يؤذن بإدخال الأثر في المرفوع. انتهى كلام صاحب الدرة.
وقال الشيخ محمد فاخر المحدث الإله آبادي في منظومته المسماة بنور السنة:
وأنكه ازجمع حلقة أعلام
...
ابن قطلوابغاست قاسم نام
از كتاب مصنف آرد نقل
...
نكند هيج بأور آنرا عقل
دركتا بيكه من دران ديدم
...
غير مقصود أو عيان ديدم
حاصله أن ما نقله القاسم ابن قطعوبغا عن المصنف لا اعتماد عليه ولا عبرة به ، فإن الكتاب الذي رأيته أنا وجدت فيه خلاف مقصوده.
قلت: ما قاله هؤلاء الأعلام يؤيده أن هذا الحديث رواه أحمد في مسنده بعين سند ابن أبي شيبة، وليست فيه هذه الزيادة ففي مسند أحمد: حدثنا وكيع حدثنا موسى بن عمير العنبري عن علقمة بن وائل الحضرمي عن أبيه قال: "رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم واضعاً يمينه على شماله في الصلاة" انتهى. ورواه الدارقطني أيضاً بعين سند ابن أبي شيبة وليس فيه أيضاً هذه الزيادة قال في سننه: حدثنا الحسين بن إسمعيل وعثمان بن جعفر بن محمد الأحول قالا نا يوسف بن موسى نا وكيع نا موسى بن عمير العنبري عن علقمة بن وائل الحضرمي عن أبيه قال: "رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم واضعاً يمينه على شماله في الصلاة" انتهى.
ويؤيده أيضاً أن ابن التركماني شيخ الحافظ الزيلعي ذكر في الجوهر النقي لتأييد مذهبه حديثين ضعيفين حيث قال: قال ابن حزم: وروينا عن أبي هريرة قال: وضع الكف على الكف في الصلاة تحت السرة ، وعن أنس قال: ثلاث من أخلاق النبوة: تعجيل الإفطار ، وتأخير السحور ، ووضع اليد اليمنى على اليسرى في الصلاة تحت السرة. انتهى. ونقل قبل هذين الحديثين أثر أبي مجلز عن مصنف ابن أبي شيبة حيث قال: قال ابن أبي شيبة في مصنفه: ثنا يزيد بن هارون نا الحجاج بن حسان سمعت أبا مجلز أو سألته قلت: كيف أضع؟ قال: يضع باطن كف يمينه على ظاهر كف شماله ويجعلهما أسفل من السرة. انتهى. ولم ينقل ابن التركماني عن مصنف ابن أبي شيبة غير هذا

(2/85)


ـــــــ
الأثر فالظاهر أنه لم يكن في حديث وائل الذي أخرجه ابن أبي شيبة زيادة تحت السرة ، فإنه لو كان هذا الحديث فيه مع هذه الزيادة لنقله ابن التركماني ، إذ بعيد كل البعد أن يذكر ابن التركماني لتأييد مذهبه حديثين ضعيفين ، وينقل عن مصنف ابن أبي شيبة أثر أبي مجلز التابعي ، ولا ينقل عنه حديث وائل المرفوع مع وجوده فيه بهذه الزيادة ومع صحة إسناده.
ويؤيده أيضاً ما قال الشيخ محمد حياة السندي في رسالته فتح الغفور من أن غير واحد من أهل الحديث روى هذا الحديث ولم يذكر تحت السرة ، بل ما رأيت ولا سمعت أحداً من أهل العلم ذكر هذا الحديث بهذه الزيادة إلا القاسم.
هذا ابن عبد البر حافظ دهره قال في التمهيد: وقال الثوري أبو حنيفة: أسفل السرة. وروى ذلك عن علي وإبراهيم النخعي ولا يثبت ذلك عنهم ، فلو كان هذا الحديث الصحيح بهذه اللفظة في مصنف ابن أبي شيبة لذكره مع أنه قد أكثر في هذا الباب وغيره الرواية عن ابن أبي شيبة.
وهذا ابن حجر حافظ عصره يقول في فتحه: وقد روى ابن خزيمة من حديث وائل أنه وضعهما على صدره، وللبزار عند صدره ، وعند أحمد في حديث هلب نحوه. ويقول في تخريج الهداية وإسناد أثر علي ضعيف ، ويعارضه حديث وائل بن حجر قال "صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فوضع يده اليمنى على يده اليسرى على صدره" : وأشار إلى ذلك في تخريج أحاديث الرافعي ، فلو كانت هذه الزيادة موجودة في المصنف لذكرها، وكتبه مملوءة من أحاديثه وآثاره. وقد اختصره كما قال السيوطي في شرح ألفيته ، والظاهر أن الزيلعي الذي شمر ذيله بجمع أدلة المذهب لم يظفر بها وإلا لذكرها وهو من أوسع الناس اطلاعاً.
وهذا السيوطي الذي هو حافظ وقته يقول في وظائف اليوم والليلة: وكان يضع يده اليمنى على اليسرى ثم يشدهما على صدره ، وقد ذكر في جامعه الكبير في مسند وائل نحو تسعة أحاديث عن المصنف ، ولفظ بعضها: "رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وضع يمينه على شماله في الصلاة" وهذا اللفظ هو الذي ذكره صاحب نقد الصرة إلا أنه زاد لفظ "تحت السرة" فلو كانت هذه الزيادة موجودة في المصنف لذكرها السيوطي.
وهذا العيني الذي يجمع بين الغث والسمين في تصانيفه يقول في شرحه

(2/86)


ـــــــ
على البخاري: احتج الشافعي بحديث وائل بن حجر ، أخرجه ابن خزيمة في صحيحه ، قال "صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فوضع يده اليمنى على يده اليسرى على صدره. ويستدل علماؤنا الحنيفة بدلائل غير وثيقة، فلو كانت هذه الزيادة موجودة في المصنف لذكرها ، وقد ملأ تصانيفه بالنقل عنه.
وهذا ابن أمير الحاج الذي بلغ شيخه ابن الهمام في التحقيق وسعة الاطلاع يقول في شرح المنية: إن الثابت من السنة وضع اليمين على الشمال ، ولم يثبت يوجب تعيين المحل الذي يكون الوضع فيه من البدن إلا حديث وائل المذكور ، وهكذا قال صاحب البحر الرائق فلو كان الحديث في المصنف بهذه الزيادة، لذكره ابن أمير الحاج مع أن شرحه محشو من النقل عنه ، فهذه أمور قادحة في صحة هذه الزيادة في هذه الحديث. انتهى كلام الشيخ محمد حياة السندي.
قلت: فحديث وائل بن حجر المذكور وإن كان إسناده جيداً لكن في ثبوت زيادة "تحت السرة" فيه نظر قوياً كما عرفت ، فكيف يصح الاستدلال بهذا الحديث على وضع اليدين تحت السرة. . ؟
والحديث الثاني: حديث علي رضي الله عنه. روى أبو داود وأحمد وابن أبي شيبة والدارقطني والبيهقي عن أبي جحيفة أن علياً قال: السنة وضع الكف على الكف تحت السرة.
قلت: في إسناد هذا الحديث عبد الرحمن بن إسحاق الواسطي ، وعليه مدار هذا الحديث ، وهو ضعيف لا يصلح للاحتجاج قال الحافظ الزيلعي في نصب الراية بعد ذكر هذا الحديث: قال ابن القطان: عبد الرحمن بن إسحاق هو ابن الحرب أبو شيبة الواسطي قال فيه ابن حنبل وأبو حاتم: منكر الحديث ، وقال ابن معين: ليس بشيء. وقال البخاري: فيه نظر. وقال البيهقي في المعرفة: لا يثبت إسناده. تفرد به عبد الرحمن بن إسحاق الواسطي وهو متروك. وقال النووي في الخلاصة وشرح مسلم: هو حديث متفق على تضعيفه فإن عبد الرحمن بن إسحاق ضعيف بالاتفاق. انتهى ما في نصب الراية. وقال الشيخ بن الهمام في التحرير إذا قال البخاري للرجل فيه نظر فحديثه لا يحتج به ولا يستشهد به ولا يصلح للاعتبار انتهى.
فإذا عرفت هذا كله ظهر لك أن حديث على هذا لا يصلح للاحتجاج ولا للاستشهاد

(2/87)


ـــــــ
ولا للاعتبار. ثم حديث علي هذا يخالف لتفسيره قوله تعالى {وَانْحَرْ} أنه وضع يده على وسط ساعده اليسرى ثم وضعهما على صدره في الصلاة. رواه البيهقي وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم والدارقطني وأبو الشيخ والحاكم وابن مردويه. كذا في الدر المنثور. قال الفاضل ملا الهداد في حاشية الهداية: إذا كان حديث وضع اليدين تحت السرة ضعيفاً ومعارضاً بأثر علي بأنه فسر قوله تعالى {وَانْحَرْ} بوضع اليمين على الشمال على الصدر يجب أن يعمل بحديث وائل الذي ذكره النووي. ثم حديث علي هذا منسوخ على طريق الحنفية ، قال صاحب الدرة في إظهار غش نقد الصرة وهو حنفي المذهب: روى أبو داود عن جرير الضبي أنه قال: رأيت عليا يمسك شماله بيمينه على الرسخ فوق السرة وأصل علمائنا إذا خالف الصحابي في مرويه فهو يدل على نسخه ، وهذا الفعل وإن لم يكن أقوى من القول فلا أقل أن يكون مثله انتهى.
قلت: إسناد أثر على هذا الذي رواه أبو داود عن جرير الضبي صحيح كما ستعرف.
والحديث الثالث حديث أبي هريرة رواه أبو داود في سننه عن أبي وائل قال قال أبو هريرة: أخذ الأكف على الأكف في الصلاة تحت السرة.
قلت: في إسناد حديث أبي هريرة أيضاً عبد الرحمن بن إسحاق الواسطي ، فهذا الحديث أيضاً لا يصلح للاحتجاج ولا للاستشهاد ولا للاعتبار كما عرفت آنفاً.
والحديث الرابع حديث أنس ذكره ابن حزم في المحلى تعليقاً بلفظ ثلاث من أخلاق النبوة: تعجيل الإفطار وتأخير السحور ووضع اليد اليمنى على اليد اليسرى في الصلاة تحت السرة.
قلت: لم أقف على سند هذا الحديث ، والعلماء الحنفية يذكرونه في كتبهم ويحتجون به ولكنهم لا يذكرون إسناده ، فما لم يعلم إسناده لا يصلح للاحتجاج ولا للاستشهاد ولا للاعتبار.
قال صاحب الدرة: وأما حديث أنس "من أخلاق النبوة وضع اليمين والشمال تحت السرة الذي قال فيه العيني إنه رواه ابن حزم ، فسنده غير معلوم لينظر فيه هل رجاله مقبولون أم لا ، وقد روى هذا الحديث غير واحد من المحدثين من غير زيادة تحت السرة" والزيادة إنما تقبل من الثقة المعلوم. انتهى كلام صاحب الدرة وقال الشيخ هاشم السندي في رسالته دراهم الصرة: ومنها ما ذكره الزاهدي في شرح القدوري وابن

(2/88)


ـــــــ
أمير الحاج وابن نجيم في البحر الرائق: أنه روى عن النبي صلى الله عليه وسلم: "ثلاث من سنن المرسلين تعجيل الإفطار وتأخير السحور ووضع اليمين على الشمال تحت السرة في الصلاة" قال: لم أقف على سند هذا الحديث غير أن الزاهدي زاد أنه رواه علي بن أبي طالب عن النبي صلى الله عليه وسلم ، لكن قال ابن أمير الحاج وابن نجيم: إن المخرجين لم يعرفوا فيه موقوفاً ومرفوعاً لفظ "تحت السرة" انتهى كلام هاشم السندي. فهذه الأحاديث هي التي استدل بها على وضع اليدين تحت السرة في الصلاة وقد عرفت أنه لا يصلح واحد منها للاستدلال.
"الفصل الثاني" في ذكر ما تمسك به من ذهب إلى وضع اليدين فوق السرة. لم أقف على حديث مرفوع يدل على هذا المطلوب نعم أثر علي رضي الله عنه يدل على هذا روى أبو داود في سننه عن جرير الضبي قال رأيت علياً يمسك شماله بيمينه على الرسغ فوق السرة. قلت إسناده صحيح أو حسن لكنه فعل علي رضي الله عنه ليس بمرفوع ثم الظاهر أن المراد من قوله فوق السرة على مكان مرتفع من السرة أي على الصدر أو عند الصدر ، كما جاء في حديث وائل بن حجر. وفي حديث هلب الطائي ومرسل طاؤس وستأتي هذه الأحاديث الثلاثة ويؤيده تفسيره رضي الله عنه قوله تعالى {وَانْحَرْ} بوضع اليدين على الصدر في الصلاة كما تقدم.
الفصل الثالث في ذكر متمسكات من ذهب إلى وضع اليدين على الصدر . أحتج هؤلاء بأحاديث: منها حديث وائل بن حجر قال: "صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم فوضع يده اليمنى على يده اليسرى على صدره" أخرجه ابن خزيمة وهذا حديث صحيح صححه ابن خزيمة كما صرح به ابن سيد الناس في شرح الترمذي ، وقد اعترف الشيخ محمد قائم قال فيها: الذي أعتقده أن هذا الحديث على شرط ابن خزيمة، وهو المتبادر من صنيع الحافظ في الإتحاف ، والظاهر من قول ابن سيد الناس بعد ذكر حديث وائل في شرح جامع الترمذي وصححه ابن خزيمة انتهى. وقال ابن أمير الحاج الذي بلغ شيخه ابن همام في التحقيق وسعة الإطلاع في شرح المنية: إن الثابت من السنة وضع اليمين على الشمال ، ولم يثبت حديث يوجب تعيين المحل الذي يكون الوضع فيه من البدن إلا حديث وائل المذكور. وهكذا قال صاحب البحر الرائق ، كذا في فتح الغفور للشيخ حياة السندي وقال الشوكاني في النيل: أخرجه ابن خزيمة في صحيحه وصححه انتهى.

(2/89)


ـــــــ
وقال الحافظ في فتح الباري: ولم يذكر أي سهل بن سعد محلهما من الجسد ، وقد روى ابن خزيمة من حديث وائل أنه وضعهما على صدره ، والبزار عنه صدره وعند أحمد في حديث هلب الطائي نحوه في زيادات المسند من حديث علي أنه وضعهما تحت السرة ، وإسناده ضعيف انتهى. فالظاهر من كلام الحافظ هذا ، أن حديث وائل عنده صحيح أو حسن ، لأنه ذكر ههنا لغرض تعيين محل وضع اليدين ثلاثة أحاديث: حديث وائل ، وحديث هلب ، وحديث علي ، وضعف حديث علي ، وقال إسناده ضعيف ، وسكت عن حديث وائل هلب ، فلو كانا هما أيضاً ضعيفين عنده لبين ضعفهما ، ولأنه قال في أوائل مقدمة الفتح ما لفظه: فإذا تحررت هذا الفصول وتقررت هذه الأصول أفتتحت شرح الكتاب ، فأسوق الباب وحديثه أولا ثم أذكر وجه المناسبة بينهما إن كانت خفية ، ثم أستخرج ثانياً ما يتعلق به غرض صحيح في ذلك الحديث من الفوائد المتنية والإسنادية ، من تتمات وزيادات ، وكشف غامض ، وتصريح مدلس بسماع ومتابعة سامع من شيخ اختلط قبل ذلك ، منتزعاً كل ذلك من أمهات المسانيد والجامع والمستخرجات والأجزاء والفوائد ، بشرط الصحة أو الحسن فيما أورده من ذلك انتهى كلام الحافظ. فقوله: بشرط الصحة أو الحسن فيما أورده من ذلك ، يدل على أن حديث وائل وكذا حديث هلب الطائي عنده صحيح أو حسن فتفكر . وأيضاً قد صرح الحافظ في الدراية بعد ذكر حديث وائل أخرجه ابن خزيمة وهو في مسلم دون قوله على صدره ، انتهى ، فالظاهر من كلامه هذا أن حديث ابن خزيمة هذا هو الذي في صحيح مسلم في وضع اليمنى على اليسرى سنداً ومتنا ، بدون ذكر المحل. فالحاصل أن حديث وائل بن حجر صحيح قابل للاحتجاج والاستدلال به على وضع اليدين على الصدر في الصلاة تام صحيح.
ومنها حديث هلب الطائي رواه الإمام أحمد في مسنده قال حدثنا يحيى بن سعيد، عن سفيان ، ثنا سِمَاك عن قبيصة بن هلب ، عن أبيه قال: "رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينصرف عن يمينه وعن يساره ورأيته يضع هذه على صدره ، ووصف يحيى اليمنى على اليسرى فوق المفصل" ورواة هذا الحديث كلهم ثقات ، وإسناده متصل، أما يحيى بن سعيد فهو أبو سعيد القطان البصري الحافظ الحجة أحد أئمة الجرح والتعديل. قال الحافظ في التقريب: ثقة متقن حافظ إمام قدوة ، وأما سفيان فهو الثوري ، قال في التقريب ، ثقة حافظ فقيه عابد إمام حجة ، وربما كان دلس إنتهى. قلت: قد صرح

(2/90)


ـــــــ
ههنا بالتحديث فانتفت تهمة التدليس. وأما سِمَاك فهو ابن حرب أوس بن خالد الذهلي البكري الكوفي أبو المغيرة صدوق ، وروايته عن عكرمة خاصة مضطربة، وكان قد تغير بآخره ، فكان ربما يلقن. كذا في التقريب. وقال الذهبي قال أحمد سِمَاك مضطرب ، وضعفه شيبة. وقال ابن عمار: كان يغلط وقال العجلي: ربما وصل الشيء وكان الثوري يضعفه ، وقال روايته مضطربة وليس من المثبتين. وقال صالح: يضعف. وقال ابن خداش فيه لين ووثقه ابن معين وأبو حاتم. انتهى. وكون السِمَاك مضطرب الحديث لا يقدح في حديثه المذكور، لأنه رواه عن قبيصة وروايته عن عكرمة خاصة مضطربة ، وكذا تغيره في آخره لا يقدح أيضاً ، لأن الحديث المذكور رواه عنه سفيان وهو ممن سمع قديماً من سِمَاك. قال في تهذيب الكمال. قال يعقوب: وروايته عن عكرمة خاصة مضطربة وهو في غير عكرمة صالح وليس من المثبتين ومن سمع قديماً من سِمَاك مثل شعبة وسفيان فحديثهم عنه مستقيم. انتهى. وأما قبيصة فهو أيضاً ثقة كما عرفت فيما تقدم وأما أبوه فهو صحابي. فحديث هلب الطائي هذا حسن ، وقد أعترف صاحب آثار السنن بأن إسناده حسن ، فالاستدلال به على وضع اليدين على الصدر في الصلاة صحيح.
ومنها: حديث طاوس رواه أبو داود في المراسيل: قال حدثنا أبو توبة حدثنا الهيثم يعني ابن حميد ، عن ثور عن سليمان بن موسى ، عن طاوس قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يضع يده اليمنى على يده اليسرى ثم يشد بينهما على صدره وهو في الصلاة" وهذا الحديث قد وجد في بعض نسخ أبي داود. قال الحافظ المزي في الأطرف في حرف الطاء من كتاب المراسيل: الحديث أخرجه أبو داود في كتاب المراسيل وكذا قال البيهقي في المعرفة فحديث طاوس هذا مرسل ، لأن طاوساً تابعي وإسناده حسن والحديث المرسل حجة عند الإمام أبي حنيفة ومالك وأحمد مطلقاً ، وعند الشافعي إذا إعتضد بمجيئه من وجه آخر يباين الطريق الأولى مسنداً كان أو مرسلاً. وقد اعتضد هذا المرسل بحديث وائل وبحديث هلب الطائي المذكورين ، فالاستدلال به على وضع اليدين على الصدر في الصلاة صحيح.
تنبيه: قال بعض الحنفية: حديث وائل فيه اضطراب ، فأخرج ابن خزيمة في هذا الحديث "على صدره" والبزار "عند صدره" وابن أبي شيبة تحت السرة.
قلت: قد تقرر في أصول الحديث أن مجرد الاختلاف لا يوجب الاضطراب ، بل

(2/91)


ـــــــ
من شرطه استواء وجوه الاختلاف فمتى رجح أحد الأقوال قدم "ولا يعل الصحيح" بالمرجوح ومع الاستواء يتعذر الجمع على قواعد المحدثين. وههنا وجوه الاختلاف ليست بمستوية ، فإن في ثبوت لفظ "تحت السرة" في رواية ابن أبي شيبة نظرا قوياً كما تقدم بيانه. وأما رواية ابن خزيمة بلفظ على صدره ورواية البزار بلفظ: عد صدره ، فالأولى راجحة فتقدم على الأخرى. ووجه الرجحان أن لها شاهداً حسناً من حديث هلب وأيضاً يشهدها مرسل طاوس بخلاف الأخرى فليس لها شاهد ، ولو سلم أنهما متساويتان فالجمع بينهما ليس بمتعذر. قال الشيخ أبو المحاسن محمد الملقب بالقائم السندي في رسالته فوز الكرام: قال العلامة الشيخ أبو الحسن في رسالة جواز التقليد والعمل بالحديث بعد ذكر حديث وائل وهلب ومرسل طاوس وتفسير علي وأنس وابن عباس: هذه الأحاديث قد أخذ بها الشافعي، لكن قال بوضع اليد على الصدر بحيث تكون آخر اليد تحت الصدر جمعاً بين هذه الأحاديث وبين ما في بعض الروايات "عند الصدر" إنتهى . وقد جمع بعض أهل العلم بينهما بالحمل على صلاتين مختلفتين ونظير هذا الاختلاف اختلاف رفع اليدين حذو المنكبين وحذو الأذنين في الصلاة فقول ، بعض الحنفية بالاضطراب في حديث وائل مما لا يصغي إليه.
تنبيه آخر: قال النيموي في آثار السنن بعد ذكر حديث هلب الطائي: رواه أحمد وإسناده حسن لكن قوله "على صدره" غير محفوظ ، يعني أنه شاذ ، وبين وجه كونه شاذاً غير محفوظ أن يحيى بن سعيد القطان خالف في زيادة قوله على صدره غير واحد من أصحاب سفيان وسِمَاك فإنهم لم يذكروا هذه الزيادات. وعرف الشاذ بأنه ما رواه الثقة مخالفاً في نوع من الصفات لما رواه جماعة من الثقات ، أو من هو أوثق منه وأحفظ وأعم من أن تكون المخالفة منافية للرواية الأخرى أم لا. وأدعى أن هذا هو مذهب الشافعي وأحمد بن حنبل وابن معين والبخاري وغيرهم من المحدثين المتقدمين واستدل عليه بأن هذا يفهم من صنيعهم في زيادة "ثم لا يعود" في حديث ابن مسعود و "فصاعداً" في حديث عبادة "وإذا قرأ فانصتوا" في حديث أبي هريرة وأبي موسى الأشعري ، وكذلك في كثير من المواضع حيث جعلوا الزيادات شاذة بزعمهم أن راويها قد تفرد بها مع أن هذه الزيادات غير منافية لأصل الحديث.
قلت: تعريف الشاذ هذا الذي ذكره صاحب آثار السنن ليس بصحيح وليس هو

(2/92)


ـــــــ
مذهب المحدثين المتقدمين البتة، وجه عدم صحته، أنه يلزم منه أن يكون كل زيادة زادها ثقة ولم يزدها جماعة من الثقات ، أو لم يزدها من هو أوثق منه وليست منافية لأصل الحديث ، شاذة غير مقبولة. واللازم باطل فالملزوم مثله . والدليل على بطلان اللازم أن كل زيادة هذا شأنها قبلها المحدثون المتقدمون كالشافعي والبخاري وغيرهما وكذا قبلها المتأخرون ، إلا أن ظهرت لهم قرينة تدل على أنها وهم من بعض الرواة فحينئذ لا يقبلونها.
ألا ترى أن الإمام البخاري رحمه الله قد أدخل في صحيحه من الأحاديث ما تفرد به بعض الرواة بزيادة فيه غير منافية ولم يزدها جماعة من الثقات ، أو من هو أوثق منه وأحفظ ، وقد طعن بعض المحدثين بإدخال مثل هذه الأحاديث في صحيحه ظناً منهم أن مثل هذه الزيادات ليست بصحيحة . وقد أجاب المحققون عن هذا الطعن: بأن مثل هذه الزيادات صحيحة. قال الحافظ في مقدمة ص الفتح: فالأحاديث التي انتقدت عليهما أي البخاري ومسلم ، تنقسم أقساماً ثم بين الحافظ والقسم الأول والثاني ثم قال القسم الثالث منها ما تفرد به بعض الرواة بزيادة فيه دون من هو أكثر عدداً أو أضبط ممن لم يذكرها. فهذا لا يؤثر التعليل به إلا إن كانت الزيادة منافية بحيث يتعذر الجمع. أما إذا كانت الزيادة لا منافاة فيها بحيث يكون كالحديث المستقل. فلا، اللهم إلا إن وضح بالدلائل القوية أن تلك الزيادة مدرجة في المتن من كلام بعض رواته ، فما كان من هذا القسم فهو مؤثر كما في الحديث الرابع والثلاثين انتهى. وأيضاً قال الحافظ فيها: قال الدارقطني أخرج البخاري حديث أبي غسان عن أبي حازم عن سهل بن سعد قال: نظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى رجل يقاتل المشركين فقال هو من أهل النار الحديث. وفيه أن العبد ليعمل فيما يرى الناس عمل أهل الجنة وإنه لمن أهل النار. ويعمل فيما يرى الناس عمل أهل النار وهو من أهل الجنة وإنما الأعمال بالخواتيم" قال وقد رواه ابن أبي حازم ويعقوب بن عبد الرحمن وسعيد الجمحي عن أبي حازم، فلم يقولوا في آخره "وإنما الأعمال بالخواتيم" قال الحافظ زادها أبو غسان وهو ثقة حافظ فاعتمده البخاري انتهى. وقد صرح بقبول مثل هذه الزيادة ابن التركماني في الجوهر النقي والحافظ الزيلعي في نصب الراية في مواضع عديدة، بل أشار النيموي نفسه في كتابه آثار السنن أيضاً بقبول مثل هذه الزيادة في موضع منه ص حيث قال فزيادته ، أي زيادة الحميدي تقبل جداً لأنها ليست منافية لمن هو أوثق منه انتهى. فلما ظهر بطلان اللازم ثبت بطلان

(2/93)


ـــــــ
الملزوم أعني بطلان تعريف الشاذ الذي ذكره صاحب آثار السنن من عند نفسه.
فإن قلت فما تعريف الشاذ الذي عليه المحققون.
قلت ، قال الحافظ بن حجر في مقدمة فتح الباري ص: وأما المخالفة وينشأ عنها الشذوذ والنكارة ، فإذا روى الضابط أو الصدوق شيئاً فرواه من هو أحفظ منه أو أكثر عدداً بخلاف ما روى ، بحيث يتعذر الجمع على قواعد المحدثين فهذا شاذ انتهى. فهذا التعريف هو الذي عليه المحققون ، وهو المعتمد قال الحافظ في شرح النخبة ص فإن خولف بأرجح منه لمزيد ضبط أو كثرة عدد أو غير ذلك من وجوه الترجيحات ، فالراجح يقال له المحفوظ ومقابله وهو المرجوح يقال له الشاذ . "إلى أن قال" وعرف من هذا التقرير أن الشاذ ما رواه المقبول مخالفاً لمن هو أولى منه وهو المعتمد في تعريف الشاذ بحسب الاصطلاح انتهى. والمراد من المخالفة في قوله مخالفاً: المنافاة دون مطلق المخالفة ، يدل عليه قول الحافظ في هذا الكتاب ص وزيادة روايهما ، أي الصحيح والحسن مقبولة ما لم تقع منافية لرواية من هو أوثق ممن لم يذكر تلك الزيادة لأن الزيادة إما أن تكون مقبولة لا تنافي بينها وبين رواية من لم يذكرها. فهذه تقبل مطلقاً ، لأنها في حكم الحديث المستقل الذي يتفرد به الثقة ولا يرويه عن شيخه غيره ، وإما أن تكون منافية بحيث يلزم من قبولها رد الرواية الأخرى ، فهذه هي التي يقع الترجيح بينها وبين معارضها ، فيقبل الراجح ويرد المرجوح انتهى.
وقال الشيخ ابن حجر الهيثمي في رسالته المتعلقة بالبسملة: الشاذ اصطلاحا فيه اختلاف كثير ، والذي عليه الشافعي والمحققون أن ما خالف فيه راو ثقة بزيادة أو نقص في سند أو متن ثقات ، لا يمكن الجمع بينهما مع اتحاد المروي عنه انتهى. وقال الشيخ عمر البيقوني في منظومته في مصطلح أهل الحديث وما يخالف ثقة فيه الملا. فالشاذ والمقلوب قسمان تلا.
قال الشارح الشيخ محمد بن عبد الباقي الزرقاني وما يخالف ثقة فيه بزيادة أو نقص في السند أو المتن الملا أي الجماعة الثقات فيما رووه وتعذر الجمع بينهما فالشاذ كما قاله الشافعي وجماعة من أهل الحجاز وهو المعتمد كما صرح به في شرح النخبة لأن العدد أولى بالحفظ من الواحد ، وعليه فما خالف الثقة فيه الواحد الأحفظ شاذ . وفي كلام ابن الصلاح وغيره ما يفهمه انتهى . وقال العلامة المجد صاحب القاموس في منظومته في أصول

(2/94)


واسم هُلْبٍ: يَزيدُ بنُ قُنَافَةَ "الطّائِيّ"
ـــــــ
الحديث ثم الذي ينعت بالشذوذ. كل حديث مفرد مجذوذ. خالف فيه الناس ما رواه لأن روى ما لا يروى سواه.
قال الشيخ سليمان بن يحيى بن عمر مقبول الأهدل في شرحه المسمى بالمنهل الروى: الشاذ لغة المنفرد، يقال شذيشذ شذوذا إذا انفرد وأما إصطلاحا. ففيه اختلاف كثير ، ومقتضى ما ذكره الناظم الإشارة إلى قولين الأول: ما ذهب إليه الشافعي وجماعة من أهل الحجاز. أنه ما رواه الثقة مخالفاً لرواية الناس أي الثقات، وإن كانوا دونه في الحفظ والإتقان وذلك لأن العدد الكثير أولى بالحفظ من الواحد. وألحق ابن الصلاح بالثقات الثقة الأحفظ، وسواء كانت المخالفة بزيادة أو نقص في سند أو متن إن كانت لا يمكن الجمع بين الطرفين فيهما مع إتحاد المروي انتهى.
فإن قلت: فلم لم يقبل المحدثون المتقدمون كالشافعي وأحمد بن حنبل وابن معين والبخاري وأبي داود وأبي حاتم وأبي علي النيسابوري والحاكم والدارقطني وغيرهم زيادة "ثم لا يعود" في حديث ابن مسعود، وزيادة "فصاعداً" في حديث عبادة وزيادة "وإذا قرأ فأنصتوا" في حديث أبي هريرة وأبي موسى الأشعري، ولم يجعلوها غير محفوظة مع أن هذه الزيادات غير منافية لأصل الحديث.
قلت: إنما لم يقبلوا هذه الزيادات لأنه قد وضح لهم دلائل على أنها وهم من بعض الرواة كما بينوه وأوضحوه ، لا لمجرد أن راويها قد تفرد بها كما زعم النيموي . وإنما أطنبنا الكلام في هذا المقام لئلا يغتر القاصرون بما حقق النيموي في زعمه الفاسد.
قوله: "واسم هلب يزيد بن قنافة الطائي" بضم القاف وخفة النون وبفاء كذا في المغنى لصاحب مجمع البحار

(2/95)


188ـ باب ما جاء في التكبير عند الركوع والسجودِ
253ـ حدثنا قُتَيْبَةُ: حدثنا أبو الأحْوَصِ ، عن أبي إسحاقَ ، عن عَبْدِ الرحْمَنِ بنِ الأسْوَدِ عن عَلْقَمَةَ ، و الأسْوَدِ عن عَبْدِ الله بن مسعودٍ قال: "كانَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يُكَبّرُ في كلّ خَفْضٍ ورَفعٍ وقيامٍ وقعودٍ ، وأبو بكرٍ وعمرُ".
ـــــــ
"باب ما جاء في التكبير عند الركوع والسجودِ"
قوله: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكبر في كل خفض ورفع الخ" هذا دليل على مشروعية التكبير في كل خفض ورفع وقيام وقعود إلا في الرفع من الركوع ، فإنه يقول سمع الله لمن حمده قال النووي: وهذا مجمع عليه اليوم ومن الأعصار المتقدمة ، وقد كان فيه خلاف ، زمن أبي هريرة وكان بعضهم لا يرى التكبير إلا للإحرام انتهى.
قوله: "وفي الباب عن أبي هريرة وأنس وابن عمر وأبي مالك الأشعري وأبي موسى وعمران بن حصين ووائل بن حجر وابن عباس" أما حديث أبي هريرة فأخرجه الشيخان نحو حديث الباب وأما حديث أنس فأخرجه النسائي. وأما حديث بن عمر فأخرجه أحمد والنسائي وأما حديث أبي مالك الأشعري فأخرجه ابن أبي شيبة وأما حديث أبي موسى فأخرجه أحمد ومسلم والنسائي وأبو داود . وأما حديث عمران بن حصين فأخرجه الشيخان . وأما حديث وائل بن حجر فأخرجه أبو داود وأحمد والنسائي وابن ماجه . وأما حديث ابن عباس فأخرجه أحمد والبخاري عن عكرمة عنه قال: قلت لابن عباس: صليت الظهر بالبطحاء خلف شيخ أحمق فكبر ثنتين وعشرين تكبيرة يكبر إذا سجد وإذا رفع رأسه . فقال ابن عباس تلك صلاة أبي القاسم صلى الله عليه وسلم.
قوله: "حديث عبد الله بن مسعود حديث حسن صحيح" وأخرجه أحمد والنسائي.
قوله: "والعمل عليه عند أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم منهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وغيرهم ومن بعدهم من التابعين وعليه عامة الفقهاء والعلماء" قال البغوي: اتفقت الأمه على هذه التكبيرات قال ابن سيد الناس: وقال آخرون لا يشرع إلا تكبير الإحرام فقط يحكى

(2/96)


وفي الباب عن أبي هريرةَ وأنسٍ وابنِ عمرَ وأبي مالكٍ الأشْعَرِيّ وأبي موسى وعِمْرانَ بن حُصَيْنٍ ووائِلِ بن حُجْرٍ وابن عباسٍ.
قال أبو عيسى: حديثُ عَبْدِ الله بن مسعودٍ حديثٌ حسَنٌ صحيحٌ.
والعملُ عليه عندَ أصحابِ النبي صلى الله عليه وسلم منهم أبو بكر وعمرُ وعُثْمانُ وعليّ وغيرُهم ، ومَن بَعدهم من التّابعينَ ، وعليه عامّةُ الفقهاءِ والعلماء.
ـــــــ
ذلك عن عمر بن الخطاب وقتادة وسعيد بن جبير وعمر بن عبد العزيز والحسن البصري ونقله ابن المنذر عن القاسم بن محمد وسالم بن عبد الله بن عمر ونقله ابن بطال عن جماعة أيضاً منهم معاوية بن أبي سفيان وابن سيرين قال أبو عمر قال قوم من أهل العلم إن التكبير ليس بسنة إلا في الجماعة وأما من صلى وحده فلا بأس عليه أن لا يكبر ، وقال أحمد: أبح إلي أن يكبر إذا صلى وحده في الفرض وأما التطوع فلا. وروى عن ابن عمر أنه كان لا يكبر إذا صلى وحده.
واستدل من قال بعدم مشروعية التكبير كذلك بما أخرجه أحمد وأبو داود عن ابن أبزي عن أبيه أنه صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم فكان لا يتم التكبير وفي لفظ لأحمد إذا خفض ورفع وفي رواية فكان لا يكبر إذا خفض يعني بين السجدتين وفي إسناده الحسن بن عمران، قال أبو زرعة: شيخ ووثقه ابن حبان وحكى عن أبي داود الطيالسي أنه قال هذا عندي باطل ، وهذا لا يقوى على معارضة أحاديث الباب لكثرتها وصحتها وكونها مثبتة ومشتملة على الزيادة. والأحاديث الواردة في هذا الباب أقل أحوالها الدلالة على سنية التكبير في كل خفض ورفع وقد روى أحمد عن عمران بن حصين أن أول من ترك التكبير عثمان حين كبر وضعف صوته وهذا يحتمل أنه ترك الجهر . وروى الطبري عن أبي هريرة أن أول من ترك التكبير معاوية. وروى أبو عبيد أن أول من تكره زياد وهذه الروايات غير متنافية لأن زياداً تركه بترك معاوية وكان معاوية تركه بترك عثمان وقد حمل ذلك جماعة من أهل العلم على الإخفاء وحكى الطحاوي أن بني أمية كانوا يتركون التكبير في الخفض دون الرفع، وما هذه بأول سنة تركوها . وقد اختلف القائلون بمشروعية التكبير فذهب جمهورهم إلى أنه مندوب فيما عدا تكبيرة الإحرام وقال أحمد في رواية عنه وبعض أهل الظاهر: أنه يجب كله. واحتج الجمهور على الندبية بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعلمه المسيء صلاته. ولو كان واجباً لعلمه وأيضاً حديث ابن أبزي

(2/97)


254ـ حدثنا عبدُ الله بنُ مُنيرٍ ، قال: سمعتُ عليّ بنَ الْحَسنِ ، قال: أخبرنا عبدُ الله بنُ المباركِ ، عن ابن جُرَيْجٍ عن الزّهْرِيّ ، عن أبي بكر بن عبد الرحمن ، عن أبي هريرة: "أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كان يُكبّرُ وهو يَهْوِي".
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسَنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
يدل على عدم الوجوب لأن تركه صلى الله عليه وسلم له في بعض الحالات لبيان الجواز والإشعار بعدم الوجوب.
واحتج القائلون بالوجوب بأن النبي صلى الله عليه وسلم علمه المسيء صلاته أخرج أبو داود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للمسيء بلفظ: ثم يقول الله أكبر ثم يركع حتى تطمئن مفاصله ثم يقول سمع الله لمن حمده حتى يستوي قائماً ، ثم يقول الله أكبر ثم يسجد حتى تطمئن مفاصله ثم يقول الله أكبر ويرعف رأسه حتى يستوي قاعداً ثم يقول الله أكبر ثم يسجد حتى تطمئن مفاصله ثم يرفع رأسه فيكبر. فإذا فعل ذلك فقد تمت صلاته.
قلت: وفي هذا الحديث رد على من قال إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعلمه المسيء صلاته التكبير.
قوله: "حدثنا عبد الله بن منير" بضم الميم وكسر النون آخره راء ، أبو عبد الرحمن المروزي الزاهد ثقة عابد روى عنه البخاري وقال لم أر مثله وروى عنه أيضاً الترمذي والنسائي ووثقه "قال سمعت علي بن الحسن" ابن شقيق أبا عبد الرحمن المروزي ثقة ثبت روى عن إبراهيم بن طهمان وابن المبارك وغيرهما وعنه البخاري وأحمد وابن معين وأبو بكر بن أبي شيبة مات سنة خمس عشرة ومائتين.
قوله: "كان يكبر وهو يهوى" أي يهبط إلى السجود الأول من هوى يهوى هويا كضرب يضرب إذا سقط وأما هوى بمعنى مال وأحب فهو من باب سمع يسمع والحديث رواه البخاي مطولاً وفيه" "ثم يقول الله أكبر حين يهوى ساجداً" قال الحافظ في الفتح فيه أن التكبير ذكر الهوى فيبتدي به من حين يشرع في الهوى بعد الاعتدال إلى حين يتمكن ساجداً انتهى.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه البخاري من طريق الزهري عن أبي

(2/98)


وهو قولُ أهل العلمِ من أصحابِ النبيّ صلى الله عليه وسلم ومَن بَعدهم ، "من التابعين" قالوا يكبّرُ الرجلُ وهو يَهْوِي ، للركوعِ والسجودِ
ـــــــ
بكر بن عبد الرحمن بن الحارث وأبي سلمة بن عبد الرحمن أن أبا هريرة كان يكبر في كل صلاة من المكتوبة وغيرها في رمضان وغيره فيكبر حين يقوم ثم يكبر حين يركع الحديث. وفي آخره ثم يقول حين ينصرف: والذي نفسي بيده إني لأقربكم شبهاً بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم إن كانت هذه الصلاة حتى فارق الدنيا

(2/99)


189ـ باب رفع اليدينِ عندَ الركوع
255ـ حدثنا قُتَيْبَةُ و ابنُ أبي عمرَ قالا: حدثنا ، سفيانُ بنُ عَيَيْنَةَ عن الزّهْرِيّ عن سالمٍ عن أبيه قال: "رأيتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم إذا افتَتَح الصلاةَ يرفعُ يديْهِ حتى يُحاذِيَ مَنكِبَيْهِ ، وإذا ركعَ ، وإذا رَفع رأسه من الركوعِ" وزاد ابنُ أبي عمرَ في حديثهِ "وكان لا يرفعُ بين السجدتيْن".
ـــــــ
" باب رفع اليدينِ عندَ الركوع"
قوله: "وابن أبي عمر" هو محمد بن يحيى بن أبي عمر العدني نزيل مكة. ويقال إن أبا عمر كنية يحيى صدوق صنف المسند وكان لازم ابن عيينة ، لكن قال أبو حاتم كانت فيه غفلة "عن سالم" وهو ابن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما.
قوله: "إذا افتتح الصلاة يرفع يديه حتى يحاذي منكبيه وإذا ركع وإذا رفع رأسه من الركوع" هذا دليل صريح على أن رفع اليدين في هذه المواضع سنة وهو الحق والصواب ونقل البخاري في صحيحه عقب حديث ابن عمر هذا عن شيخه علي بن المديني قال: حق على المسلمين أن يرفعوا أيديهم عند الركوع والرفع منه لحديث ابن عمر هذا وهذا في رواية ابن عساكر وقد ذكره البخاري في جزء رفع اليدين وزاد وكان أعلم أهل زمانه انتهى "وكان لا يرفع بين السجدتين" وفي رواية للبخاري ولا يفعل ذلك حين يسجد ولا حين يرفع رأسه من السجود .

(2/99)


256- قال أبو عيسى: حدثنا الفضلُ بنُ الصّبّاح البَغْدَادِيّ ، حدثنا سفيانُ بنُ عُيَيْنَةَ ، حدثنا الزهريّ بهذا الإسنادِ نحوَ حديثِ ابنِ أبِي عمرَ.
قال وفي الباب عن عمرَ ، وعلي ، ووائلِ بن حُجْرٍ ، ومالكِ بنِ الحُوَيْرِثِ ، وأنسٍ ، وأبي هريرةَ ، وأبي حُمَيْدٍ ، وأبي أُسَيْدٍ ، وسَهْلِ بن سعدٍ ، ومحمدِ بن مسلمةَ ، وأبي قَتَادَةَ ، وأبي موسى "الأشعريّ" ، وجابرِ ، وعُمَيْرٍ اللّيْثيّ.
ـــــــ
قوله: "حدثنا الفضل بن الصباح البغدادي" السمسار روى عن ابن عيينة وهشيم وعنه الترمذي وابن ماجه: وثقه ابن معين ، قال الحافظ أصله من نها وند ثقة عابد.
قوله: "وفي الباب عن عمر وعلي ووائل بن حجر ومالك بن الحويرث وأنس وأبي هريرة وأبي حميد وأبي أسيد وسهل بن سعد ومحمد بن مسلمة وأبي قتادة وأبي موسى الأشعري وجابر وعمير الليثي" أما حديث عمر فأخرجه أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه ، وصححه الترمذي وصححه أيضاً أحمد بن حنبل فيما حكاه الخلال ، وأما حديث وائل بن حجر فأخرجه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه ، وأما حديث مالك بن الحويرث فأخرجه البخاري ومسلم ، وأما حديث أنس فأخرجه ابن ماجه . وأما حديث أبي هريرة فأخرجه أبو داود وابن ماجه . وأما حديث أبي حميد فأخرجه الخمسة إلا النسائي وصححه الترمذي وأخرجه البخاري مختصراً . وأما حديث أبي أسيد وسهل بن سعد فأخرجه أبو داود . وأما حديث محمد بن مسلمة فأخرجه ابن ماجه وأما حديث أبي قتادة فأخرجه أبو داود . وأما حديث أبي موسى الأشعري ، فأخرجه الدارقطني . وأما حديث جابر فأخرجه ابن ماجه . وأما حديث عمير الليثي فأخرجه ابن ماجه . قال السيوطي في الأزهار المتناثرة في الأخبار المتواترة: إن حديث الرفع متواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم. أخرجه الشيخان عن ابن عمر ومالك بن الحويرث ومسلم عن وائل ابن حجر ، والأربعة عن علي ، وأبو داود عن سهل بن سعد ، وابن الزبير وابن عباس ومحمد بن مسلمة وأبي أسيد وأبي قتادة وأبي هريرة وابن ماجه عن أنس وجابر وعمير الليثي ، وأحمد عن الحكم بن عمير والبيهقي عن أبي بكر والبراء . والدارقطني عن عمر وأبي موسى . والطبراني عن عقبة بن عامر ومعاذ

(2/100)


قال أبو عيسى: حديثُ ابنِ عمرَ حديثٌ حسَنٌ صحيحٌ.
وبهذا يقولُ بعضُ أهل العلم من أصحابِ النبيّ صلى الله عليه وسلم ، منهم ابنُ عمرَ ، وجابرُ بن عبد الله ، وأبو هريرةَ، وأنسٌ ، وابنُ عباسٍ ، وعبدُ الله بنُ الزبيرِ ، وغيرُهم . ومِن التابعينَ: الحسنُ البَصْريّ ، وعطاءٌ ، وطاوسٌ ، ومجاهدٌ ، ونافعٌ ،
ـــــــ
بن جبل انتهى ، قال الحافظ في الفتح وذكر البخاري أن رفع اليدين عند الركوع وعند الرفع منه ، رواه سبعة عشر رجلاً من الصحابة . وذكر الحاكم وأبو القاسم بن مندة ممن رواه العشرة المبشرة وذكر شيخنا أبو الفضل الحافظ أنه تتبع من رواه من الصحابة فبلغوا خمسين رجلاً انتهى . وقال الشوكاني في النيل: وسرد البيهقي في السنن وفي الخلافيات أسماء من روى الرفع نحواً من ثلاثين صحابياً . وقال: سمعت الحاكم يقول: اتفق على رواية هذه السنة العشرة المشهود لهم بالجنة فمن بعدهم من أكابر الصحابة قال البيهقي: وهو كما قال. قال الحاكم والبيهقي أيضاً: ولا يعلم سنة اتفق على روايتها العشرة فمن بعدهم من أكابر الصحابة على تفرقهم في الأقطار الشاسعة غير هذه السنة انتهى.
قوله: "حديث ابن عمر حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان.
قوله: "وبهذا يقول بعض أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم منهم ابن عمر وجابر بن عبد الله إلخ" قال الحافظ في الفتح: قال محمد بن نصر المروزي . أجمع علماء الأمصار على مشروعية ذلك إلا أهل الكوفة . وقد صنف البخاري في هذه المسألة جزءاً مفرداً ، وحكى فيه عن الحسن وحميد بن هلال أن الصحابة كانوا يفعلون ذلك قال البخاري: ولم يستثن الحسن أحداً انتهى.
قلت: قال البخاري في جزء رفع اليدين: قال الحسن وحميد بن هلال: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يرفعون أيديهم لم يستثن أحداً منهم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم دون أحد ولم يثبت عند أهل العلم عن أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنه لم يرفع يديه ، ويروى أيضاً عن عدة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ما وصفنا وكذلك روايته عن عدة من علماء أهل مكة وأهل الحجاز وأهل العراق والشام

(2/101)


وسالمُ بنُ عبد الله ، وسعيدُ بنُ جُبَيْرٍ ، وغيرُهم.
وبه يقولُ عبدُ الله بنُ المباركِ ، والشافعيّ ، وأحمدُ وإسحاقُ.
وقال عبدُ الله بنُ المباركِ: قد ثبتَ حديثُ مَن يَرْفَعُ يديه ، وذكر حديث الزهريّ عن سالمٍ عن أبيه ، ولم يَثْبُتْ حديثُ ابنِ مسعودٍ: "أن النبي صلى الله
ـــــــ
والبصرة واليمن وعدة من أهل خراسان منهم سعيد بن جبير ، وعطاء بن أبي رباح ، ومجاهد ، والقاسم بن محمد ، وسالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب ، وعمر بن عبد العزيز ، والنعمان بن أبي عياش ، والحسن ، وابن سيرين وطاؤس ، ومكحول ، وعبد الله بن دينار ، ونافع مولى عبد الله بن عمر والحسن بن مسلم ، وقيس بن سعد ، وعدة كثيرة وكذلك يروى عن أم الدرداء أنها كانت ترفع يديها . وقد كان عبد الله بن المبارك يرفع يديه ، وكذلك عامة أصحاب ابن المبارك ، منهم علي بن الحسين ، وعبد بن عمر ، ويحيى بن يحيى ، ومحدثي أهل بخاري ، منهم عيسى بن موسى وكعب بن سعيد ، ومحمد بن سلام ، وعبد الله بن محمد ، والمسندي ، وعدة ممن لا يحصى ، لا اختلاف بين ما وصفنا من أهل العلم وكان عبد الله بن الزبير وعلي بن عبد الله ويحيى بن معين وأحمد بن حنبل وإسحاق بن إبراهيم يثبتون عامة هذه الأحاديث من رسول الله صلى الله عليه وسلم ويرونها حقاً . وهؤلاء أهل العلم من أهل زمانهم انتهى كلام البخاري . "وبه يقول عبد الله بن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق" وبه يقول مالك ، وهو آخر قوليه وأصحهما ، قال الحافظ في الفتح: قال ابن عبد البر: لم يرو أحد عن مالك ترك الرفع فيهما إلا ابن القاسم ، والذي نأخذ به الرفع حديث ابن عمر وهو الذي رواه ابن وهب وغيره من مالك ولم يحك الترمذي عن مالك غيره ، ونقل الخطابي وتبعه القرطبي في المفهم أنه آخر قولي مالك وأصحهما ، ولم أر للمالكية دليلاً على تركه ولا متمسكاً إلا بقول ابن القاسم انتهى.
لطيفة: قال الزيلعي في نصب الراية نقلاً عن جزء رفع اليدين للبخاري: وكان ابن المبارك يرفع يديه وهو أعلم أهل زمانه فما يعرف ، ولقد قال ابن المبارك: صليت يوماً إلى جنب النعمان فرفعت يدي فقال لي أنا خشيت أن تطير قال فقلت له إذ لم أطر في

(2/102)


عليه وسلم لم يرفعْ إلا في أولِ مرّةٍ" حدثنا بذلك أحمدُ بن عَبْدَةَ الاَمُلِيّ ، حدثنا وهبُ بنُ زَمْعَةَ ، عن سُفيَانَ بنِ عبدِ الملكِ ، عن عبد الله بن المباركِ.
حدثنا هناد حدثنا وكيع،عن سفيان ، عن عاصم بن كليب ، عن عبد الرحمن بن الأسود عن علقمة قال: قال عبد الله بن مسعود: "ألا أصلي بكم صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فصلى ، فلم يرفع يديه إلا في أول مرة".
قال وفي الباب عن البراء بن عازب.
ـــــــ
الأولى لم أطر في الثانية. قال وكيع: رحم الله ابن المبارك كان حاضر الجواب انتهى.
قوله: "حدثنا بذلك" أي بحديث ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرفع إلا أول مرة "عن سفيان بن عبد الملك" المروزي من كبار أصحاب ابن المبارك ، ثقة ، مات قبل المائتين قاله الحافظ.
قوله: "حدثنا وكيع" هو ابن الجراح "عن سفيان" هو الثوري "عن عاصم بن كليب" قال الحافظ في مقدمة فتح الباري: عاصم بن كليب الجرمي وثقه النسائي وقال ابن المديني: لا يحتج بما ينفرد به.
قوله: "فصلى فلم يرفع يديه إلا في أول مرة" استدل به من قال بنسخ مشروعية رفع اليدين عند الركوع وعند رفع الرأس منه ، لكن هذا حديث ضعيف كما ستعرف وليس في هذا الباب حديث صحيح.
قوله: "وفي الباب عن البراء بن عازب " قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا افتتح الصلاة رفع يديه إلى قريب من أذنيه ثم لم يعد" . أخرجه أبو داود والدارقطني ، وهو من رواية يزيد بن أبي زياد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عنه. واتفق الحفاظ على أن قوله: "ثم لم يعد" مدرج في الخبر من قول يزيد بن أبي زياد ، ورواه عنه بدونها شعبة والثوري وخالد الطحان وزهير وغيرهم من الحفاظ . وقال الحميدي: إما روى هذه الزيادة يزيد ، ويزيد يزيد . وقال عثمان الدارمي عن أحمد بن حنبل: لا يصح ،

(2/103)


قال أبو عيسى: حديث ابن مسعود حديث حسن.
ـــــــ
وكذا ضعفه البخاري وأحمد ويحيى الدارمي والحميدي وغير واحد وقال يحيى بن محمد بن يحيى: سمعت أحمد بن حنبل يقول: هذا حديث واهي ، قد كان يزيد يحدث به برهة من دهره لا يقول فيه "ثم لا يعود" فما لقنوه تلقن فكان يذكرها أذا قال الحافظ في التلخيص ص ، وذكر فيه أن الدارقطني روى من طريق علي بن عاصم عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن يزيد بن أبي زياد هذا الحديث . قال علي بن عاصم: فقدمت الكوفة فلقيت يزيد بن أبي زياد فحدثني به وليس فيه "ثم لا يعود" فقلت له إن ابن أبي ليلى حدثني عنك وفيه "ثم لا يعود" قال لا أحفظ هذا انتهى.
قوله: "حديث ابن مسعود حديث حسن" وأخرجه أحمد وأبو داود ، وقد حسن الترمذي كما ذكره الترمذي وقال أبو داود في سننه ص بعد رواية هذا الحديث: هذا حديث مختصر من حديث طويل ، وليس هو بصحيح على هذا اللفظ انتهى . وقال البخاري في جزء رفع اليدين بعد ذكر هذا الحديث: قال أحمد بن حنبل عن يحيى بن آدم قال نظرت في حديث عبد الله بن إدريس عن عاصم بن كليب ، ليس فيه "ثم لم يعد" فهذا أصح لأن الكتاب أحفظ عند أهل العلم ، لأن الرجل يحدث بشيء ثم يرجع إلى الكتاب فيكون كما في الكتاب . حدثنا الحسن بن الربيع ، ثنا ابن إدريس عن عاصم بن كليب ، عن عبد الرحمن بن الأسود، ثنا علقمة أن عبد الله قال "علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة فقام فكبر ورفع يديه ، ثم ركع وطبق يديه فجعلهما بين ركبتيه" فبلغ ذلك سعداً فقال: صدق أخي ألا بل قد نفعل ذلك في أول سلام ثم أمرنا بهذا . قال البخاري: وهذا هو المحفوظ عند أهل النظر من حديث عبد الله بن مسعود انتهى كلام البخاري.
وقال الحافظ ابن عبد البر في التمهيد: وأما حديث ابن مسعود "ألا أصلي بكم صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فصلى فلم يرفع يديه إلا مرة " فإن أبا داود قال: هذا حديث مختصر من حديث طويل وليس بصحيح على هذا المعنى . وقال البزار فيه أيضاً إنه لا يثبت ولا يحتج بمثله . وأما حديث ابن عمر رضي الله عنه المذكور في هذا

(2/104)


ـــــــ
الباب فحديث مدني صحيح لا مطعن لأحد فيه . وقد روى نحوه عن النبي صلى الله عليه وسلم أزيد من أثنى عشرة صحابياً انتهى كلام ابن عبد البر.
وقال الحافظ الزيلعي في نصب الراية: قال ابن أبي حاتم في كتاب العلل: سألت أبي عن حديث رواه سفيان الثوري عن عاصم بن كليب عن عبد الرحمن بن الأسود عن علقمة عن عبد الله "أن النبي صلى الله عليه وسلم قام فكبر فرفع يديه ثم لم يعد" فقال أبي هذا خطأ يقال وهم فيه الثوري ، فقد رواه جماعة عن عاصم وقالوا كلهم "إن النبي صلى الله عليه وسلم افتتح فرفع يديه ثم ركع فطبق وجعلهما بين ركبتيه" ولم يقل أحد ما روى الثوري إنتهى ما في نصب الراية.
وقال الحافظ في التلخيص: وهذا الحديث حسنه الترمذي وصححه ابن حزم وقال ابن المبارك: لم يثبت عندي. وقال ابن أبي حاتم عن أبيه هذا حديث خطأ. وقال أحمد بن حنبل وشيخه يحيى بن آدم: هو ضعيف. نقله البخاري عنهما وتابعهما على ذلك. وقال أبو أبو داود: ليس هو بصحيح. وقال الدارقطني: لم يثبت ، وقال ابن حبان في الصلاة هذا أحسن خبر روى لأهل الكوفة في نفي رفع اليدين في الصلاة عند الركوع وعند الرفع منه ، وهو في الحقيقة أضعف شيء يعول عليه ، لأن له عللا تبطله انتهى.
فثبت بهذا كله أن حديث ابن مسعود ليس بصحيح ولا يحسن ، بل هو ضعيف لا يقوم بمثله حجة. وأما تحسين الترمذي فلا اعتماد عليه لما فيه من التساهل. وأما تصحيح ابن حزم فالظاهر أنه من جهة السند ومن المعلوم أن صحة السند لا تستلزم صحة المتن على أن تصحيح ابن حزم لا اعتماد عليه أيضاً في جنب تضعيف هؤلاء الحفاظ النقاد فالاستدلال بهذا الحديث الضعيف على ترك رفع اليدين ونسخه في غير الإفتتاح ليس بصحيح ولو تنزلنا وسلمنا أن حديث ابن مسعود هذا صحيح وأحسن فالظاهر أن ابن مسعود قد نسيه كما قد نسي أموراً كثيرة . قال الحافظ الزيلعي في نصب الراية نقلاً عن صاحب التنقيح ليس في نسيان ابن مسعود لذلك ما يستغرب ، قد نسي ابن مسعود من القرآن ما لم يختلف المسلمون فيه بعد، وهي المعوذتان ، ونسي ما اتففق العلماء على نسخه كالتطبيق ونسي كيف قيام الاثنين خلف الإمام . ونسي ما لم يختلف العلماء فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الصبح يوم النحر في وقتها ونسي كيفية جمع النبي صلى الله عليه وسلم بعرفة ، ونسي ما لم يختلف العلماء فيه من وضع المرفق والساعد على الأرض

(2/105)


وبه يقول غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والتابعين ، وهو قةل سفيان وأهل الكوفة.
ـــــــ
في السجود ونسي كيف كان يقرأ النبي صلى الله عليه وسلم {وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى} وإذا جاز على ابن مسعود أن ينسى مثل هذا في الصلاة كيف لا يجوز مثله في رفع اليدين انتهى.
ولو سلم أن ابن مسعود لم ينس في ذلك فأحاديث رفع اليدين في المواضع الثلاثة مقدمة على حديث ابن مسعود ، لأنها قد جاءت عن عدد كثير من الصحابة رضي الله عنهم حتى قال السيوطي: إن حديث الرفع متواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم كما عرفت فما قبل وقال العيني في شرح البخاري: إن من جملة أسباب الترجيح كثرة عدد الرواة وشهرة المروي ، حتى إذا كان أحد الخبرين يرويه واحد والأخر يرويه أثنان فالذي يرويه اثنان أولى بالعمل به انتهى . وقال الحافظ الحازمي في كتاب الاعتبار: ومما يرجح به أحد الحديثين على الاَخر كثرة العدد في أحد الجانبين ، وهي مؤثرة في باب الرواية لأنها تقرب مما يوجب العلم وهو التواتر انتهى.
ثم حديث ابن مسعود لا يدل على نسخ رفع اليدين في غير الافتتاح ، بل إنما يدل على عدم وجوبه ، قال ابن حزم في الكلام على حديث البراء بن عازب المذكور فيما تقدم ما لفظه: إن صح دل على أنه صلى الله عليه وسلم فعل ذلك لبيان الجواز ، فلا تعارض بينه وبين حديث ابن عمر وغيره انتهى.
قلت: هذا كله على تقدير التنزل ، وإلا فحديث ابن مسعود ضعيف لا يقوم به حجة كما عرفت.
قوله: "وبه يقول غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم" روى ذلك عن عمر وعلي وابن عمر ويأتي الكلام على آثار هؤلاء رضي الله عنهم "وهو قول سفيان وأهل الكوفة" وهو قول أبي حنيفة ، قال الحنفية: إنه منسوخ بحديث ابن مسعود والبراء وقد عرفنا أنهما ضعيفان لا يقوم بهما الحجة ، استدلوا أيضاً بأثر عمر رضي الله عنه رواه الطحاوي وأبو بكر بن أبي شيبة عن الأسود قال: رأيت عمر بن الخطاب يرفع يديه في أول تكبيرة ثم لا يعود:

(2/106)


ـــــــ
قلت: فيه إن هذا الأثر بهذا اللفظ غير محفوظ ، قال الحافظ ابن حجر في الدراية: قال البيهقي عن الحاكم: رواه ابن الحسن بن عياش عن عبد الملك بن أبجر الزبير بن عدي بلفظ "كان يرفع يديه في أول تكبيرة ثم لا يعود" وقد رواه الثوري عن الزبير بن عدي بلفظ "كان يرفع يديه في التكبير" ليس فيه "ثم لا يعود" وقد رواه الثوري وهو المحفوظ انتهى .
ثم هذا الأثر يعارضه رواية طاؤس عن ابن عمر: أن عمر كان يرفع يديه في الركوع وعند الرفع منه. قال الزيلعي في نصب الراية: واعترضه الحاكم بأن هذه الرواية شاذة لا يقوم بها الحجة فلا تعارض بها الأخبار الصحيحة عن طاؤس بن كيسان عن ابن عمر أن عمر كان يرفع يديه في الركوع وعند الرفع منه انتهى وقال الحافظ في الدراية ويعارضه رواية طاؤس عن ابن عمر كان يرفع يديه في التكبير وعند الرفع منه انتهى:
قلت: ولرواية طاؤس شاهد ضعيف قال الزيلعي في نصب الراية: أخرج البيهقي عن رشدين بن سعد عن محمد بن سهم عن سعيد بن المسيب قال رأيت عمر بن الخطاب يرفع يديه حذو منكبيه إذا افتتح الصلاة وإذا رفع رأسه من الركوع انتهى .
تنبيه: زعم النيموي أن زيادة قوله: إن عمر بعد قوله عن ابن عمر في نصب الراية هي سهو غير صحيحة ، قال والصواب هكذا عن طاؤس بن كيسان عن ابن عمر كان يرفع يديه الخ. وقد قال الحافظ ابن حجر في الدراية وهو مختصر من نصب الراية ، ويعارضه رواية طاؤس عن ابن عمر كان يرفع يديه في الركوع وعند الرفع منه وقال ابن الهمام في فتح القدير وعارضه الحاكم برواية طاؤس بن كيسان عن ابن كيسان عن ابن عمر رضي الله عنه كان يرفع يديه الخ قال . فثبت بهذه الأقوال أن الحاكم عارضه به رواية ابن عمر لا برواية عمر بن الخطاب انتهى كلام النيموي .
قلت: دعوى السهو في زيادة قوله: "إن عمر" باطلة جداً كيف وقد حكم الحاكم بشذوذ أثر عمر من طريق الأسود قال رأيت عمر بن الخطاب رضي الله عنه يرفع يديه في أول تكبيرة ثم لا يعود برواية طاؤس عن ابن عمر أن عمر رضي الله عنه كان يرفع يديه في الركوع وعند الرفع منه فهذا دليل واضح على أن قوله إن عمر في رواية طاؤس صحيح ثابت ، فإنه لا يحكم بشذوذ أثر صحابي بأثر صحابي آخر . وأما قول الحافظ في الدراية ويعارض رواية طاؤس عن ابن عمر ، كان يرفع يديه الخ فحذف الحافظ لفظ "أن عمر"

(2/107)


ـــــــ
اختصاراً. والضمير في كان يرجع إلى عمر وكذلك فعل ابن الهمام في فتح القدير ومثل هذا الحذف شائع اختصارً واعتماد على الرواية السابقة.
واستدلوا أيضاً بأثر علي رضي الله عنه رواه الطحاوي وابن أبي شيبة والبيهقي عن عاصم بن كليب عن أبيه أن علياً يرفع يديه في أول تكبيرة من الصلاة ثم لا يرفع بعد. قال الزيلعي: هو أثر صحيح. وقال العيني في عمدة القاريء: إسناد عاصم بن كليب صحيح على شرط مسلم.
قلت: أثر على هذا ليس بصحيح وإن قال الزيلعي هو أثر صحيح وقال العيني إسناده صحيح على شرط مسلم. قال الإمام البخاري في جزء رفع اليدين: قال عبد الرحمن بن مهدي: ذكرت للثوري حديث النهشلي عن عاصم بن كليب فأنكره انتهى. قلت: وانفرد بهذا الأثر عاصم بن كليب قال الذهبي في الميزان كان من العباد الأولياء لكنه مرجيء وثقه يحيى بن معين وغيره ، وقال ابن المديني لا يحتج بما انفرد به انتهى ولو سلم أن أثر على هذا صحيح فهو لا يدل على النسخ كما زعم الطحاوي وغيره. قال صاحب التعليق الممجد الحنفية: ذكر الطحاوي بعد روايته عن علي لم يكن علي ليرى النبي صلى الله عليه وسلم يرفع يترك إلا وقد ثبت عنده نسخه انتهى . وفيه نظر فقد يجوز أن يكون ترك علي وكذا ترك ابن مسعود وترك غيرهما من الصحابة إن ثبت عنهم لأنهم لم يروا الرفع سنة مؤكدة يلزم الأخذ بها ولا ينحصر ذلك في النسخ بل لا يجترء بنسخ أمر ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمجرد حسن الظن بالصحابي مع إمكان الجمع بين فعل الرسول وفعله انتهى كلام صاحب التعليق الممجد.
واستدلوا أيضاً بأثر ابن عمر رواه الطحاوي وأبو بكر ابن أبي شيبة والبيهقي في المعرفة عن مجاهد قال: صليت خلف ابن عمر فلم يكن يرفع يديه إلا في التكبيرة الأولى من الصلاة.
قلت: أثر ابن عمر هذا ضعيف من وجوه: الأول أن في سنده أبا بكر بن عياش وكان تغير حفظه بآخره ، والثاني أنه شاذ فإن مجاهداً خالف جميع أصحاب ابن عمر وهم ثقات حفاظ والثالث أن إمام هذا الشأن يحيى بن معين قال حديث أبي بكر عن حصين إنما هو توهم منه لا أصل له. قال الإمام البخاري في جزء رفع اليدين ويروى عن أبي بكر بن عياش عن حصين عن مجاهد أنه لم ير ابن عمر رفع يديه إلا مرة في أول التكبير وروى عنه أهل العلم أنه لم يحفظ من ابن عمر إلا أن يكون سها ، ألا ترى أن ابن عمر كان يرمي

(2/108)


ـــــــ
من لا يرفع يديه بالحصى فكيف يترك ابن عمر شيئاً يأمر به غيره وقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم فعله. قال البخاري: قال يحيى بن معين: حديث أبي بكر عن حصين إنما هو توهم منه لا أصل له انتهى مختصراً.
وقال البيهقي في كتاب المعرفة: حديث أبي بكر بن عياش هذا أخبرناه أبو عبد الله الحافظ فذكره بسنده ثم أسند عن البخاري أنه قال: أبو بكر بن عياش أختلط بآخره ، وقد رواه الربيع والليث وطاؤس وسالم ونافع وأبو الزبير ومحارب بن دثار وغيرهم قالوا: رأينا ابن عمر يرفع يديه إذا كبر وإذا رفع وكان يرويه أبو بكر قديماً عن حصين عن ابراهيم عن ابن مسعود مرسلاً موقوفاً: أن ابن مسعود كان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة ثم لا يرفعهما بعد. وهذا هو المحفوظ عن أبي بكر بن عياش ، والأول خطأ فاحش لمخالفته الثقات من أصحاب ابن عمر. قال الحاكم كان أبو بكر بن عياش من الحفاظ المتقين ثم اختلط حين ساء حفظه فروى ما خولف فيه ، فكيف يجوز دعوى نسخ حديث ابن عمر بمثل هذا الحديث الضعيف أو نقول إنه ترك للجواز إذا لا يقول بوجوبه ، ففعله يدل على أنه سنة وتركه على أنه غير واجب انتهى كذا في نصب الراية للزيلعي.
وقال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: وأما الحنفية فعولوا على رواية مجاهد أنه صلى خلف ابن عمر فلم يره يفعل ذلك وأجيبوا بالطعن في إسناده لأن أبا بكر بن عياش رواية ساء حفظه بآخره وعلى تقدير صحته فقد أثبت ذلك سالم ونافع وغيرهما ، والعدد الكثير أولى من واحد ، لا سيما وهم مثبتون وهو ناف مع أن الجمع بين الروايتين ممكن وهو أنه لم يره واجباً ، ففعله تارة تركه أخرى انتهى كلام الحافظ.
وقال الفاضل اللكنوي في تعليقه على موطأ محمد المشهور في كتب أصول أصحابنا: إن مجاهداً قال صحبت ابن عمر عشر سنين فلم أره يرفع يديه إلا مرة وقالوا: قد روى ابن عمر حديث الرفع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتركه. والصحابي الراوي إذا ترك مروياً ظاهراً في معناه غير محتمل للتأويل يسقط الاحتجاج بالمروي وقد روى الطحاوي من حديث أبي بكر بن عياش عن حصين عن مجاهد أنه قال: صليت خلف ابن عمر فلم يكن يرفع يديه إلا في التكبيرة الأولى من الصلاة ثم قال فهذا ابن عمر قد رأى النبي صلى الله عليه وسلم يرفع ثم قد ترك الرفع بعد النبي صلى الله عليه وسلم ولا يكون ذلك إلا وقد ثبت عنده نسخه وههنا أبحاث:

(2/109)


ـــــــ
الأول: مطالبة إسناد ما نقلوه عن مجاهد من أنه صحب عشر سنين ولم ير ابن عمر فيها يرفع يديه إلا في التكبير الأول.
الثاني: المعارضة بخبر طاؤس وغيره من الثقات أنهم رأوا ابن عمر يرفع.
والثالث: إن في طريق الطحاوي أبو بكر بن عياش وهو متكلم فيه لا توازي روايته رواية غيره من الثقات. قال البيهقي في كتاب المعرفة بعد ما أخرج حديث مجاهد من طريق ابن عياش قال البخاري: أبو بكر بن عياش اختلط بآخره ، وقد رواه الربيع وليث وطاؤس وسالم ونافع وأبو الزبير ومحارب بن دثار وغيرهم ، قالوا رأينا ابن عمر يرفع يديه إذا كبر وإذا رفع ثم ذكر كلام البيهقي إلى آخر ما نقلته فيما تقدم ثم قال: فإن قلت: آخذاً من شرح معاني الآثار أنه يجوز أن يكون ابن عمر فعل ما رآه طاؤس قبل أن تقوم الحجة بنسخه ثم لما ثبت بنسخه عنده تركه وفعل ما ذكره مجاهد. قلت: هذا مما لا يقوم به الحجة ، فإن لقائل أن يعارض ويقول: يجوز أن يكون فعل على أن احتمال النسخ من غير دليل فلا يسمع ، فإن قال قائل: الدليل هو خلاف الراوي مرويه قلنا لا يوجب ذلك النسخ كما مر.
والرابع: وهو أحسنها أنا سلمنا ثبوت الترك عن ابن عمر لكن يجوز أن يكون تركه لبيان الجواز أو لعدم رواية الرفع سنة لازمة ، فلا يقدح ذلك في ثبوت الرفع عنه وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
والخامس: أن ترك الراوي مرويه إنما يكون مسقطاً للاحتجاج عند الحنفيه إذا كان خلافه بيقين كما هو مصرح في كتبهم وههنا ليس كذلك ، لجواز أن يكون الرفع الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حمله ابن عمر على العزيمة وترك أحياناً بياناً للرخصة ، فليس تركه خلافاً لروايته بيقين انتهى ما في التعليق الممجد.
تنبيه: قال صاحب العرف الشذي: ولنا ما في الطحاوي بسند قوي عن ابن أبي زياد عن أحمد بن يونس عن أبي بكر بن عياش قال: ما رأيت فقيها قط يرفع يديه في غير تكبير التحريمة انتهى.

(2/110)


ـــــــ
قلت: لعل قول أبي بكر بن عياش هذا إنما هو ما ساء حفظه واختلط كيف وقد اعترف صاحب العرف الشذي بأنه قد ثبت الرفع تواتراً عملاً لا يمكن لأحد إنكاره . وقال الإمام محمد بن نصر: أجمع علماء الأمصار على مشروعية ذلك إلا أهل الكوفة كما عرفت.
وقال: ولنا حديث آخر مرفوع عن ابن عمر أنه عليه السلام لا يرفع يديه إلا في أول مرة في خلافيات البيهقي ، ونقله الزيلعي في التخريج وقال الحاكم إنه موضوع ولم أطلع على أول إسناده "إلى قوله" فلعل إسناده قوي انتهى.
قلت: حديث ابن عمر هذا باطل موضوع ، قال الزيلعي في نصب الراية بعد نقل هذا الحديث من خلافيات البيهقي ما لفظه: قال البيهقي: قال الحاكم هذا باطل موضوع وهو كما قال ، انتهى كلام الحافظ. فهدى الله سبحانه وتعالى هؤلاء المقلدين الذي يتركون حديث ابن عمر الصحيح المتفق عليه ويتمسكون بحديثه الذي حكم الحاكم عليه بأنه موضوع ولا سيما هذا المقلد الذي مع عدم اطلاعه على أول إسناد هذا الحديث ، ومع علمه بأن الحاكم حكم عليه بأنه موضوع يرجو أن إسناده قوي ويتمسك به.
وقال: ولنا حديث آخر مرسل عن عباد بن عبد الله بن الزبير ، وعباد تابعي ، قال لم يرفع النبي صلى الله عليه وسلم إلا في أول مرة . ومر عليه الحافظ في الدراية وقال ولينظر في إسناده ، وإني رأيت السند وبدا لي في نصب الراية سهو الكاتب ، فإنه كتب محمد أبي يحيى وهو غير مشهور ، والحق أنه محمد بن أبي يحيى وهو ثقة: فصار السند صحيحاً انتهى.
قلت: لم يقل الحافظ في الدراية ولينظر في إسناده ، بل قال: وهذا مرسل. وفي إسناده أيضاً من ينظر فيه ، فتكلم الحافظ على هذا الحديث بوجهين: الأول أنه مرسل والمرسل على القول الراجح ليس بحجة ، والثاني أن في إسناده من ينظر فيه فكل من يدعي صحة إسناد هذا الحديث فعليه أن يثبت كون كل واحد من رجال سنده ثقة قابلاً للاحتجاج واتصاله ودونه خرط القتاد . وأما دعوى سهو الكاتب في محمد أبي يحيى فبعد تسليم صحتها لا تستلزم صحة سند هذا الحديث ، فإن فيه من لا يعرف حاله من كتب الرجال.

(2/111)


ـــــــ
واستدلوا أيضاً بحديث جابر بن سمرة قال: "خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "ما لي أراكم رافعي أيديكم كأنها أذناب خيل شمس ، أسكنوا في الصلاة" رواه مسلم.
والجواب: أنه لا دليل فيه على منع الرفع على الهيئة المخصوصة في المواضع المخصوصة وهو الركوع والرفع منه ، لأنه مختصر من حديث طويل . وبيان ذلك أن مسلماً رواه أيضاً من حديث جابر بن سمرة قال: "كنا إذا صلينا مع النبي صلى الله عليه وسلم قلنا السلام عليكم ورحمة الله السلام عليكم ورحمة الله ، وأشار بيديه إلى الجانبين ، فقال لنا النبي صلى الله عليه وسلم على ما تؤمنون بأيديكم كأنها أذناب خيل شمس ، إنما يكفي أحدكم أن يضع يده على فخذه ثم يسلم على أخيه من عن يمينه ومن عن شماله" وفي رواية "إذا سلم أحدكم فليلتفت إلى صاحبه ولا يومي بيديه" وقال ابن حبان: ذكر الخبر المتقصي للقصة المختصرة المقتدمة ، بأن القوم إنما أمروا بالسكون في الصلاة عند الإشارة بالتسليم دون الرفع الثابت عند الركوع ثم رواه كنحو مسلم. قال البخاري: من احتج بحديث جابر بن سمرة منع الرفع عند الركوع فليس له خط من العلم هذا مشهور لا خلاف فيه أنه إنما كان في حال التشهد كذا في التلخيص الحبير.
وقال الزيلعي في نصب الراية بعد ذكر حديث جابر بن سمرة المختصر المذكور ملخصه: واعترضه البخاري في كتابه الذي وضعه في رفع اليدين فقال: وأما احتجاج بعض من لا يعلم بحديث تميم بن طرفة بن جابر بن سمرة ، فذكر حديثه المختصر وقال: وهذا إنما كان في التشهد لا في القيام ، ففسره رواية عبد الله بن القبطية ، قال: سمعت جابر بن سمرة يقول: كما إذا صلينا خلف النبي صلى الله عليه وسلم ، وذكر حديثه الطويل المذكور ثم قال البخاري: ولو كان كما ذهبوا إليه لكان الرفع في تكبيرات العيد أيضاً منهياً عنه لأنه لم يستثن رفعاً دون رفع بل اطلق انتهى.
قال الزيلعي: ولقائل أن يقول: إنهما حديثان لا يفسر أحدهما الاَخر كما جاء في لفظ الحديث الأول: اسكنوا في الصلاة . والذي يرفع يديه حال التسليم لا يقال له اسكن في الصلاة إنما يقال ذلك لمن رفع يديه في أثناء الصلاة هو حالة الركوع والسجود ونحو ذلك ، هذا هو الظاهر والراوي روى هذا في وقت كما شاهده وروى الاَخر في وقت آخر كما شاهده ، وليس في ذلك بعد انتهى.

(2/112)


قلت: لم يجب الزيلعي عن قول البخاري: ولو كان كما ذهبوا إليه لكان الرفع في تكبيرات العيد أيضاً منهياً عنه. فما هو جوابه عنه فهو جوابنا عن الرفع عند الركوع والرفع منه وأما قوله والذي يرفع يديه حال التسليم لا يقال له اسكن في الصلاة فهو ممنوع بل الذي يرفع يديه قبل الفراغ والانصراف من الصلاة وإن كان حال التسليم الأول والثاني ، فما لم يفرغ من التسليم الثاني هو في الصلاة ألا ترى أن عبد الله بن الزبير رأى رجلاً رافعاً يديه يدعو قبل أن يفرغ من صلاته فلما فرغ منها قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يرفع يديه حتى يفرغ من صلاته رواه الطبراني ورجاله ثقات فتفكر.

(2/113)


190ـ باب ما جاءَ في وضع اليدين على الركبَتَيْنِ في الركوع
257ـ حدثنا أحمدُ بنُ مَنِيعٍ حدثنا أبو بكرِ بنُ عيّاشٍ حدثنا أبو حَصِينٍ عن أبي عبدِ الرحمن السّلَمِيّ قال: قال لنا عمرُ بنُ الخطّابِ "إنّ الرّكَبَ سُنّتْ لكم فَخُذُوا بالرّكَبِ".
ـــــــ
"باب ما جاء في وضع اليدين على الركبتين في الركوع"
قوله: "نا أبو حصين" بفتح الحاء وكسر الصاد المهملة اسمه عثمان بن عاصم الكوفي الأسدي أحد الأئمة الأثبات. قال الحافظ في التقريب: ثقة ثبت سني وربما دلس من الرابعة انتهى. وقال في الخلاصة: قال أبو شهاب الخياط: سمعت أبا حصين يقول: إن أحدهم ليفتي في المسألة ولو وردت على عمر لجمع لها أهل بدر ، مات سنة ثمان وعشرين ومائة "عن أبي عبد الرحمن السلمي" بفتح السين واللام كذا في المغنى ، اسمه عبد الله بن حبيب الكوفي مشهور بكنيته ثقة ثبت ولأبيه صحبة.
قوله: "إن الركب" جمع ركبة "سنت لكم" بصيغة المجهول والضمير يرجع إلى

(2/113)


قال وفي الباب عن سعدٍ وأنسٍ وأبي حُمَيْدٍ وأبي أسَيْدٍ وسَهْلِ بنِ سَعدٍ ومحمدِ بن مَسْلَمَةَ وأبي مسعود.
قال أبو عيسى: حديثُ عمرَ حديثٌ حسَنٌ صحيحٌ.
والعملُ عَلَى هذا عند أهلِ العلمِ مِنْ أصحابِ النبي صلى الله عليه وسلم والتابعينَ ومَن بَعدهم ، لا اختلافَ بينَهم في ذلك ، إلا ما رُوِيَ عن ابنِ مسعودٍ وبعضِ أصحابِه: أنّهُم كانوا يُطَبّقُونَ.
ـــــــ
الركب أي سن أخذها لكم ففيه مجاز الحذف . وفي رواية النسائي: قال عمر: إنما السنة الأخذ بالركب "فخذوا بالركب" أي في الركوع . وروى البيهقي هذا الحديث بلفظ: كنا إذا ركعنا جعلنا أيدينا بين أفخاذنا ، فقال عمر إن من السنة الأخذ بالركب . قال الحافظ في فتح الباري بعد ذكر هذه الرواية: هذا حكمة حكم الرفع لأن الصحابي إذا قال: ألسنة كذا أو سن كذا ، كان الظاهر انصراف ذلك إلى سنة النبي صلى الله عليه وسلم ، ولا سيما إذا قاله مثل عمر رضي الله عنه انتهى.
قوله: وفي الباب عن سعد وأنس وأبي حميد وأبي أسيد وسهل بن سعد ومحمد بن مسلمة وأبي مسعود "أما حديث سعد وهو ابن أبي وقاص فأخرجه الجماعة" . وأما حديث أنس وهو ابن مالك فأخرجه أبو يعلى والطبراني في الصغير كذا في شرح سراج أحمد السرهندي. وأما حديث أبي حميد فأخرجه الخمسة إلا النسائي عنه أنه قال وهو في عشرة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم "أنا أعلمكم بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم" الحديث ، وفيه في بيان هيئة الركوع: ووضع يديه على ركبتيه وأخرجه البخاري مختصراً وقد سمي من العشرة أبو أسيد وسهل بن سعد ومحمد بن مسلمة في رواية أحمد كما ذكره الحافظ في الفتح. وأما حديث أبي مسعود فأخرجه أحمد وأبو داود والنسائي.
قوله: "حديث عمر حديث حسن صحيح" وأخرجه النسائي.
قوله: "إلا ما روى عن ابن مسعود وبعض أصحابهم أنهم كانوا يطبقون" رواه عنه مسلم

(2/114)


والتطبيقُ منسوخٌ عند أهل العلم.
258ـ قال سعدُ بنُ أبي وقاصٍ "كُنّا نفعلُ ذلك فَنُهينا عنه وأُمِرنا أن نضعَ الأكُفّ على الرّكَب".
ـــــــ
وغيره من طرق ابراهيم عن علقمة والأسود أنهما دخلا على عبد الله فذكر الحديث وفيه فوضعنا أيدينا على ركبنا فضرب أيدينا ثم طبق بين يديه ثم جعلهما بين فخذيه ، فلما صلى قال: هكذا فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وحمل هذا على أن ابن مسعود لم يبلغه النسخ.
قوله: "والتطبيق منسوخ عند أهل العلم" التطبيق هو إلصاق بين باطني الكفين وجعلهما بين الفخذين. ويدل على نسخ التطبيق حديث سعد بن أبي وقاص كما ذكره الترمذي بقوله: قال سعد بن أبي وقاص إلخ: وروى ابن خزيمة عن علقمة عن عبد الله قال: علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما أراد أن يركع طبق يديه بين ركبتيه فركع فبلغ ذلك سعداً فقال: صدق أخي ، كنا نفعل هذا ثم أمرنا بهذا يعني الإمساك بالركب. قال الحافظ: فهذا شاهد قوي لطريق مصعب بن سعد قال: وروى عبد الرزاق عن معمر ما يوافق قول سعد. أخرجه من وجه أخر عن علقمة والأسود ، قال: صلينا مع عبد الله فطبق ثم لقينا عمر فصلينا معه فطبقنا ، فلما انصرف قال: ذلك الشيء كنا نفعله ثم ترك انتهى.
وقال الحازمي في كتاب الإعتبار بعد رواية حديث التطبيق من طريقين ما لفظه: قد اختلف أهل العلم في هذا الباب ، ذهب نفر إلى العمل بهذا الحديث ، منهم عبد الله بن مسعود والأسود بن يزيد وأبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود وعبد الرحمن بن الأسود ، وخالفهم في ذلك كافة أهل العلم من الصحابة والتابعين فيمن بعدهم ، ورأوا أن الحديث الذي رواه ابن مسعود كان محكماً في ابتداء الإسلام ثم نسخ ولم يبلغ ابن مسعود نسخه ، وعرف ذلك أهل المدينة فرووه وعملوا به ، ثم ذكر الحازمي بإسناده عن مصعب بن سعد قال: صليت إلى جنب أبي فلما ركعت جعلت يدي بين ركبتي فنحاهما ، فعدت فنحاهما ، وقال: إنما كنا نفعل هذا فنهينا عنه وأمرنا أن نضع الأيدي على الركب قال هذا حديث

(2/115)


حدثنا قُتَيْبَةُ حدثنا أبو عَوَانَةَ عن أبي يَعْفُورٍ عن مُصْعَبِ بنِ سَعدٍ عن أبيه سعد بهذا.
ـــــــ
صحيح ثابت أخرجه البخاري في الصحيح عن أبي الوليد عن شعبة ، وأخرجه مسلم من حديث أبي عوانة عن أبي يعفور ، وله طرق في كتب الأئمة ثم روى بإسناده عن عبد الرحمن بن الأسود عن علقمة عن عبد الله قال: "علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة فرفع يديه ثم ركع فطبق ووضع يديه بين ركبتيه ، فبلغ ذلك سعداً فقال: صدق أخي كنا نفعل هذا ثم أمرنا بهذا ووضع يديه على ركبتيه" قال: ففي إنكار سعد حكم التطبيق بعد إقراره بثبوته دلالة على أنه عرف الأول والثاني وفيهم الناسخ والمنسوخ انتهى كلام الحازمي.
"قال سعد بن أبي وقاص: كنا نفعل ذلك إلخ" أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما كما عرفت في كلام الحازمي.

(2/116)


191ـ باب ما جاء أنّهُ يُجافِي يديْه عن جَنْبَيهِ في الركوع
259ـ حدثنا محمد بشار بُنْدَارٌ حدثنا أبو عامِرٍ العَقَدِيّ حدثنا فُلَيْحُ بنُ سليمانَ حدثنا عبّاسُ بنُ سَهْل بن سعد قال: "اجتمع أبو حُمَيْدٍ وأبو أُسَيْدٍ وسهلُ بنُ سعدٍ ومحمدُ
ـــــــ
"باب ما جاء أنّهُ يُجافِي يديْه عن جَنْبَيهِ في الركوع"
قوله: "حدثنا أبو عامر العقدي" بفتح العين المهملة والقاف اسمه عبد الملك بن عمر ثقة "حدثنا فليح" بضم الفاء مصغراً "بن سليمان" بن أبي المغيرة الخزاعي أو الأسلمي أو يحيى المدني ، ويقال فليح لقب واسمه عبد الملك صدوق كثير الخطأ من السابعة مات سنة ثمان وستين ومائة "حدثنا عباس بن سهل" بن سعد السعدي ثقة من الرابعة "قال اجتمع أبو حميد" بالتصغير "وأبو أسيد" بالتصغير أيضاً "وسهل بن سعد ومحمد بن مسلمة" كذا

(2/116)


ابن مَسْلَمَةَ فذكروا صلاةَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ، فقال أبو حُمَيْدٍ: أنَا أعْلَمُكُمْ بصلاَةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ركعَ فَوضَعَ يَدْيهِ عَلَى ركبتَيْهِ كأَنّهُ قَابضٌ عليهِما ، ووتّرَ يديْهِ فَنَحّاهُما عن جَنْبَيْهِ".
قال وفي الباب عن أنسٍ.
قال أبو عيسى: حديثُ أبي حُميدٍ حديثٌ حسَنٌ صحيحٌ. . وهو الذي اختارهُ أهلُ العلمِ: أن يُجَافِيَ الرجلُ يديْهِ عن جَنْبَيْهِ في الركوعِ والسجودِ.
ـــــــ
ذكر عباس بن سهل في روايته اجتماع أبي حميد مع هؤلاء الثلاثة: وقال محمد بن عمرو بن عطاء في روايته عن أبي حميد الساعدي: قال سمعته وهو في عشرة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أحدهم أبو قتادة بن ربعي يقول: أنا أعلمكم بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلخ ، وتأتي هذه الرواية في باب وصف الصلاة.
قوله: "ووتر يديه" من التوتير وهو جعل الوتر على القوس . قال في النهاية: أي جعلهما كالوتر من قولك: وترت القاموس ـ وأوترته شبه يد الراكع إذا مدّها قابضاً على ركبتيه بالقوس إذا أوترت انتهى.
"فنحاهما عن جنبيه" من نحى ينحى تنحية إذا أبعد يعني أبعد يديه عن جنبيه حتى كانت يده كالوتر وجنبه كالقوس.
قوله: "وفي الباب عن أنس" أخرجه الأزرقي في كتاب مكة من طريق إسماعيل ابن رافع عن أنس كذا في شرح الترمذي لسراج أحمد السرهندي.
قوله: "وحديث أبي حميد حديث حسن صحيح" ، وأخرجه أبو داود بلفظ الترمذي.

(2/117)


192ـ باب ما جاءَ في التّسبيحِ في الركوعِ والسجود
260ـ حدثنا عليّ بن حُجْرٍ أخبرنَا عيسى بنُ يونسَ عن ابنِ أبي ذئبٍ عن إسحاقَ بنِ يَزيدَ الهُذَليّ عن عَوْنِ بنِ عَبْدِ الله بن عُتْبَةَ عن ابنِ مسعودٍ أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: " إذا رَكعَ أحدُكُم فقَالَ في ركوعِه: سبحانَ رَبّيَ العظيم ثلاث مراتٍ فقد تمّ ركُوعُهُ ، وذلك أدناهُ . وإذا سجدَ فقالَ في سجودهِ: سبحانَ رَبّيَ الأعْلَى ثلاثَ مرّاتٍ ، فقد تمّ سجودُهُ ، وذلك أدناه ".
ـــــــ
"باب ما جاءَ في التّسبيحِ في الركوعِ والسجود"
قوله: "عن ابن أبي ذئب" هو محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئب ثقة فقيه فاضل "عن إسحقا بن يزيد الهذلي" قال في التقريب مجهول "عن عون بن عبد الله بن عتبة" بن مسعود الهذلي الكوفي ثقة عابد من الرابعة.
قوله: "وذلك أدناه" أي أدنى تمام ركوعه ، قال ابن الملك: أي أدنى الكمال في العدد ، وأكمله سبع مرات ، فالأوسط خمس مرات ، كذا في المرقاة:
قال الماوردي: إن الكمال إحدى عشرة أو تسع ، وأوسطه خمس ، ولو سبح مرة مرة حصل التسبيح . انتهى.
وقيل: إن الكمال عشر تسبيحات ، ويدل عليه ما رواه أحمد وأبو داود والنسائي عن سعيد بن جبير عن أنس قال: "ما صليت وراء أحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أشبه صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا الفتى ، يعني عمر بن عبد العزيز ، قال فحذرنا في ركوعه عشر تسبيحات ، وفي سجوده عشر تسبيحات".
قال الشوكاني: فيه حجة لمن قال إن كمال التسبيح عشر تسبيحات ، والأصح أن

(2/118)


قال وفي الباب عن حُذَيْفَةَ وَعُقْبَةَ بنِ عَامرٍ.
قال أبو عيسى: حديثُ ابنِ مسعودٍ ليس إسنادُهُ بمتصلٍ ، عَوْنُ بنُ عبدِ الله بنُ عُتبَة لم يَلْقَ ابن مسعودٍ.
ـــــــ
المنفرد يزيد في التسبيح ما أراد وكلما زاد كان أولى والأحاديث الصحيحة في تطويله صلى الله عليه وسلم ناطقة بهذا.
وكذلك الإمام إذا كان المؤتمون لا يتأذون بالتطويل انتهى كلامه.
قلت: الأولى للمنفرد أن يقتصر في التسبيح على قدر ما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلواته الطويلة منفرداً ، وأما الإمام فالأولى له بل المتعين له التخفيف في تمام.
وأما إذا كان المؤتمون لا يتأذون بالتطويل فهل يزيد الإمام في التسبيح ما أراد ويطول في الركوع والسجود ما شاء كما قال الشوكاني أو يخفف في هذه الصورة ، أيضاً ، فقال ابن عبد البر: ينبغي لكل إمام أن يخفف لأمره صلى الله عليه وسلم وإن علم قوة من خلفه فإنه لايدري ما يحدث عليهم من حادث وشغل وعارض وحاجة وحدث وغيره ، انتهى.
وقد تقدم الكلام في هذا في باب إذا أم أحدكم الناس فليخفف.
قوله: "وفي الباب عن حذيفة وعقبة بن عامر" أما حديث حذيفة فأخرجه مسلم والنسائي وابن ماجه وأخرجه الترمذي أيضاً في هذا الباب.
وأما حديث عقبة بن عامر فأخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه ولفظه. قال: لما نزلت {فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ} قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اجعلوها في ركوعكم" فلما نزلت {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} قال: "اجعلوها في سجودكم".
قوله: "ليس إسناده بمتصل" ومع عدم اتصال السند فيه إسحاق بن يزيد الهذلي وهو مجهول كما عرفت.
وقال الشوكاني: قال ابن سيد الناس لا نعلمه وثق ولا عرف إلا برواية ابن أبي ذئب عنه خاصة ، فلم ترتفع عنه الجهالة العينية ولا الحالية. انتهى.

(2/119)


والعَملُ على هذا عندَ أهلِ العلمِ: يَستَحبون ألاّ يَنْقُصَ الرجلُ في الركوعِ والسجودِ مِنْ ثلاثِ تسبيحاتٍ.
ورُوِيَ عن ابن المُبَارَكِ أنّه قال أستَحِبّ للإمامِ أن يُسّبحَ خَمسَ تَسبيحاتٍ لِكَيْ يُدرِكَ مَنْ خَلفَه ثَلاَث تَسْبيحاتٍ.
وهكذا قال إسحاقُ بنُ إبراهيم. "
ـــــــ
وحديث ابن مسعود هذا أخرجه أيضاً الشافعي وأبو داود وابن ماجه.
قوله: "والعمل على هذا عند أهل العلم يستحبون أن لا ينقص الرجل في الركوع والسجود من ثلاث تسبيحات" واستدل على ذلك بحديث ابن مسعود المذكور ، وقد عرفت أنه منقطع ومع انقطاعه في سنده مجهول، وبحديث أبي بكرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسبح في ركوعه سبحان ربي العظيم ثلاثاً. وفي سجوده سبحان ربي الأعلى ثلاثاً رواه البزار والطبراني في الكبير.
وقال البزار: لا نعلمه يروى عن أبي بكرة إلا بهذا الإسناد ، وعبد الرحمن بن أبي بكرة صالح الحديث ، كذا في مجمع الزوائد ، وبحديث جبير بن مطعم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في ركوعه: سبحان ربي العظيم ثلاثا ً، وفي سجوده: سبحان ربي الأعلى ثلاثاً . وراه البزار والطبراني في الكبير.
قال البزار لا يروى عن جبير إلا بهذا الإسناد: وعبد العزيز بن عبيد الله صالح ليس بالقوي ، كذا في مجمع الزوائد ، وبحديث أبي مالك الأشعري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى فلما ركع قال: سبحان الله وبحمده ثلاث مرات ثم رفع رأسه . رواه الطبراني في الكبير ، وفيه شهر بن حوشب وفيه بعض كلام وقد وثقه غير واحد ، كذا في مجمع الزوائد.
والظاهر أن هذه الأحاديث بمجموعها تصلح بأن يستدل بها على استحباب أن لا ينقص الرجل في الركوع والسجود من ثلاث تسبيحات والله تعالى أعلم.
قوله: "وروى عن ابن المبارك أنه قال: أستحب أن يسبح خمس تسبيحات

(2/120)


261ـ حدثنا محمودُ بنُ غَيْلانَ حدثنا أبو داودَ قال أنبأنَا شُعْبَةُ عن الأعْمشِ قال: سَمِعتُ سعدَ بنَ عبيدَةَ يحدّثُ عن المسْتَوْرِد عن صِلَةَ بنِ زُفَرَ عن حُذَيْفَةَ "أنّه صلى مع النبيّ صلى الله عليه وسلم ، فكان يقولُ في ركوعِهِ: سبحانَ رَبّيَ العَظِيمُ ، وفي سُجُودِهِ: سبحانَ رَبّيَ الأعْلَى ، ومَا أتَى على آيةِ رْحمَة إلاّ وَقَفَ وَسَأَلَ ، ومَا أتى عَلَى آيةِ عَذَابٍ إلاّ وقَف وتعوّذَ".
ـــــــ
إلخ" قال القاضي الشوكاني في النيل بعد نقل قول ابن المبارك هذا عن الترمذي ونقل قول الماوردي الذي تقدم ما لفظه: لا دليل على تقييد الكمال بعدد معلوم ، بل ينبغي الاستكثار من التسبيح على مقدار تطويل الصلاة من غير تقييد بعدد.
وأما إيجاب سجود السهو فيما زاد على التسع واستحباب أن يكون عدد التسبيح وتراً لا شفعاً فيما زاد على الثلاث فمما لا دليل عليه ، انتهى.
"وهكذا قال إسحاق بن إبراهيم" بن مخلد الحنظلي أبو محمد بن راهويه المروزي ثقة حافظ مجتهد قرين أحمد بن حنبل قاله الحافظ.
قوله: "حدثنا أبو داود" هو الطيالسي إسمه سليمان بن داود "عن الأعمش" هو سليمان بن مهران "قال سمعت سعد بن عبيدة" بضم العين السلمي أبو حمزة الكوفي وثقة النسائي "يحدث عن المستورد" بضم أوله وإسكان المهملة وفتح المثناة وكسر الراء ابن الأحنف الكوفي وثقه ابن المديني "عن صلة" بكسر أوله وفتح اللام الخفيفة "ابن زفر" بضم الزاي وفتح الفاء العبسي بالموحدة الكوفي تابعي كبير ثقة جليل قاله الحافظ.
قوله: "إنه صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم" وفي رواية مسلم صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة فافتتح البقرة فقلت: يركع عند المائة ثم مضى فقلت يصلي بها ركعة فمضى فقلت يركع بها ثم افتتح النساء الخ ، فظهر بهذه الرواية أن هذه الصلاة التي صلى حذيفة معه صلى الله عليه وسلم كان صلاة الليل "إلا وقف وسأل" أي الرحمة "إلا وقف وتعوذ" أي من عذاب الله.

(2/121)


قال أبو عيسى: وهذا حديثٌ حسَنٌ صحيحٌ.
262ـ وحدثنا محمد بن بَشّارٍ حدثنا عبدُ الرحمن بن مهدي عن شُعْبَةَ نحوَه.
ـــــــ
قال الشيخ عبد الحق في اللمعات: الظاهر أنه كان في الصلاة وهو محمول عندنا على النوافل.
قلت: قد وقع في رواية مسلم: صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة كما عرفت ، وهذا نص صريح في أن وقوفه صلى الله عليه وسلم وسؤاله عند الإتيان على آية الرحمة وكذا وقوفه وتعوذه عند الإتيان على آية العذاب كان في صلاة الليل.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه مسلم

(2/122)


باب: ماجاء في النهي عن القراءة في الركوع والسجود
...
193ـ باب ما جاء في النهي عن القراءة في الركوعِ والسجودِ
263ـ حدثنا إسْحَاقُ بن موسى الأنصاريّ حدثنا مَعْنٌ حدثنا مالكٌ ح وحدثنا قُتَيْبَةُ عن مالِكٍ عن نافِعٍ عن إِبْرَاهِيمَ بنِ عبدِ الله بنِ حُنَيْنٍ عن أبيهِ عن عليّ بن أبي طالب "أن النبيّ صلى الله عليه وسلم نَهَى عن لُبْسِ القَسّيّ،
ـــــــ
"باب ما جاء في النهي عن القراءة في الركوعِ والسجودِ"
قوله: "عن إبراهيم بن عبد الله بن حنين" بضم الحاء المهملة مصغراً الهاشمي مولاهم المدني ثقة "عن أبيه" ثقة.
قوله: "نهى عن لبس القسي" قال الباجي بفتح القاف وتشديد السين قال: فسره

(2/122)


والمُعَصْفَرِ وعن تَخَتّمِ الذّهَبِ ، وعَن قِرَاءَةِ القُرآنِ فِي الركوع".
قال وفي الباب عن ابن عباسٍ.
قال أبو عيسى: حديثُ علي حديثٌ حسَنٌ صحيحٌ ، وهو قولُ أهل العلمِ مِنْ أصحابِ النبيّ صلى الله عليه وسلم ومَنْ بَعدهُم . كَرِهوا القراءةَ في الركوع والسجود
ـــــــ
ابن وهب بأنها ثياب مضلعة يريد مخططه بالحرير ، وكانت تعمل بالقس وهو موضع بمصر يلي الفرما.
وفي النهاية هي: ثياب من كتان مخلوط بالحرير يؤتى بها من مصر نسبت إلى قرية على ساحل البحر قريباً من تنيس يقال لها القس بفتح القاف وبعض أهل الحديث يكسرها وقيل أصل القسي القزي منسوب إلى القز وهو ضرب من الإبريسم أبدل الزاء سيناً كذا في تنوير الحوالك "والمعصفر" أي ما صبغ بالعصفر "وعن تختم الذهب" النهي عنهما للرجال دون النساء "وعن قراءة القرآن في الركوع" قال الخطابي: لما كان الركوع والسجود وهما في غاية الذل والخضوع مخصوصين بالذكر والتسبيح نهي عن القراءة فيهما.
قوله: "وفي الباب عن ابن عباس" أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي.
وفيه: ألا وإني نهيت أن أقرأ القرآن راكعاً وساجداً ، فأما الركوع فعظموا فيه الرب ، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء فقمن أن يستجاب لكم.
قوله: "وحديث علي حديث حسن صحيح" أخرجه الجماعة إلا البخاري وابن ماجه

(2/123)


194ـ بابُ ما جاء في مَنْ لا يُقيم صُلْبه في الركوعِ والسجود
264ـ حدثنا أحمدُ بنُ مَنيعٍ حدثنا أبو مُعَاوِيَةَ عن الأعمشِ عن عُمَارةَ بنِ عُمَيْرٍ عن أبي مَعْمَرٍ عن أبِي مَسْعُودٍ الأنصاريّ البدريّ قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: " لا تجزئ صَلاةٌ لا يُقيمُ فيها الرجلُ يعني صُلْبَه في الركوع السجودِ ".
قال وفي الباب عن عليّ بن شَيْبَانَ وأنسٍ وأَبِي هُرَيْرَةَ ورِفَاعَةَ الزّرَقِيّ.
ـــــــ
"بابُ ما جاء في مَنْ لا يُقيم صُلْبه في الركوعِ والسجود"
قوله: "عن عمارة بن عمير" التيمي الكوفي ثقة ثبت "عن أبي معمر" إسمه عبد الله بن سخبرة بفتح السين المهملة وسكون الخاء المعجمة وفتح الموحدة الإزدي الكوفي ثقة "عن أبي مسعود الأنصاري" البدري اسمه عقبة بن عمرو بن ثعلبة صحابي جليل مات قبل الأربعين وقيل بعدها.
قوله: "لا تجزيء صلاة لا يقيم الرجل فيها يعني صلبه" أي أظهره أي لا يجوز صلاة من لا يسوي ظهره في الركوع والسجود والمراد الطمأنينة قاله في مجمع البحار . واستدل بهذا الحديث على وجوب الطمأنينة في الأركان ، واعتذر بعض من لم يقل به بأنه زيادة على النص لأن المأمور به في القرآن مطلق السجود فيصدق بغير طمأنينة ، فالطمأنينة زيادة والزيادة على المتواتر بالاَحاد لا تعتبر وعورض بأنها ليست زيادة ، لكن لبيان المراد بالسجود ، وأنه خالف السجود اللغوي لأنه مجدد وضع الجبهة ، فبينت السنة أن السجود الشرعي ما كان بالطمأنينة . ويؤيده أن الاَية نزلت تأكيداً لوجوب السجود وكان النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه قبل ذلك ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يصلي بغير طمأنينة . قاله الحافظ في الفتح.
قوله: "وفي الباب عن علي بن شيبان وأنس وأبي هريرة ورفاعة الزرقي" أما حديث

(2/124)


قال أبو عيسى: حديثُ أبي مسعودٍ حسَنٌ صحيحٌ.
والعملُ على هذا عندَ أهلِ العلمِ من أصحابِ النبيّ صلى الله عليه وسلم ، ومن بعدهم: يَرَوْنَ أن يُقِيمَ الرجُلُ صُلْبَهُ في الركوع والسجودِ.
و قال الشافعِيّ ، وأحمدُ وإسحاقُ: مَنْ لا يُقم صُلْبهُ في الركوعِ والسجودِ فَصَلاتُهُ فَاسِدَةٌ ، لحديثِ النبيّ صلى الله عليه وسلم: "لا تجزئ صَلاَةٌ لا يُقِيمُ الرجُلُ فيها صُلْبَهُ في الركوع والسّجودِ" وأبو معْمَرٍ اسمُهُ عبدُ الله بنُ سَخْبَرَةَ. وأبو مسعودٍ الأنصارِيّ البَدْرِيّ اسْمُهُ عُقْبَةُ ابنُ عمرٍو.
ـــــــ
علي بن شيبان فأخرجه أحمد وابن ماجه ولفظه لا صلاة لمن لم يقم صلبه في الركوع والسجود . وأما حديث أنس فأخرجه الشيخان ولفظه: أقيموا الركوع والسجود فوالله إني لأراكم من بعدي ، وأما حديث أبي هريرة فأخرجه الشيخان من حديث المسيء صلاته ، وأما حديث رفاعة فأخرجه أبو داود والترمذي والنسائي من حديث المسيء صلاته أيضاً.
قوله: "حديث أبي مسعود حديث حسن صحيح" أخرجه الخمسة كذا في المنتقى . قال الشوكاني إسناده صحيح.
قوله: "وقال الشافعي وأحمد وإسحاق: من لا يقيم صلبه في الركوع والسجود فصلاته فاسدة الخ" فعند هؤلاء الأئمة الطمأنينة في الأركان فرض ، وبه قال الجمهور وهو الحق قال الحافظ: فعند هؤلاء الأئمة الطمأنينة في الأركان فرض ، وبه قال الجمهور وهو الحق قال الحافظ: واشتهر عن الحنفية أن الطمأنينة سنة ، وصرح بذلك كثير من مصنفيهم ، لكن كلام الطحاوي كالصريح في الوجوب عندهم فإنه ترجم مقدار الركوع والسجود ثم ذكر الحديث الذي أخرجه أبو داود وغيره في قوله سبحان ربي العظيم ثلاثاً في الركوع وذلك أدناه ، قال فذهب قوم من أن هذا مقدار الركوع والسجود ولا يجزئ أدنى منه. قال: وخالفهم آخرون فقالوا: إذا استوى راكعاً واطمأن ساجداً أجزأ ، ثم قال: وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد انتهى كلام الحافظ.
قلت: تعديل الأركان والطمأنينة فيها فرض عند أبي يوسف أيضاً ، وأما عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله ، فقيل واجب وقيل سنة ، قال صاحب السعاية ص142ج بعد ذكر عبارات كتب الحنفية في هذا الباب ما لفظه: وجملة المرام في هذا

(2/125)


ـــــــ
المقام أن الركوع والسجود ركنان اتفاقاً ، وإنما الخلاف في اطمئنانها فعند الشافعي وأبي يوسف فرض ، وعند محمد وأبي حنيفة فرض ما نقله الطحاوي ، وسنة على تخريج الجرجاني ، واجب على تخريج الكرخي ، وهو الذي نقله جمع عظيم عنهما وعليه المتون والقومة والجلسة ، والاطمئنان فيهما كل منها فرض أيضاً عند أبي يوسف والشافعي سنة ، عند أبي حنيفة ومحمد على ما ذكره القدماء واجب على ما حققه المتأخرون ، ومقتضى القاعدة المشهورة أن تقوم القومة والجلسة واجبتين والاطمئنان فيهما سنة لكن لا عبرة بها بعد تحقيق الحق انتهى كلامه.
واحتج من قال بالفرضية بحديث الباب فإنه نص صريح في أن من لا يقيم صلبه في الركوع والسجود لا تجوز صلاته وهو المراد بفرضية الطمأنينة في الركوع والسجود ، وبحديث المسيء صلاته أخرجه البخاري وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل المسجد فدخل رجل فصلى فسلم عليه فرد وقال ارجع فصل فإنك لم تصل الحديث ، وفيه: إذا قمت إلى الصلاة فكبر ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن ، ثم اركع حتى تطمئن راكعاً ، ثم ارفع حتى تعتدل قائماً ، ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً ، ثم ارفع حتى تطمئن جالساً وافعل ذلك في صلاتك كلها. ورواه أبو داود نحوه وفيه ، فإذا فعلت هذه فقد تمت صلاتك ، وما انتفضت من هذا شيئاً فإنما انتقصته من صلاتك . ورواه ابن أبي شيبة وفيه: دخل رجل فصلى صلاة خفيفة لم يتم ركوعها ولا سجودها ، واسم هذا الرجل خلاد بن رافع كما وقع في بعض طرق هذا الحديث. فقوله صلى الله عليه وسلم: صل فإنك لم تصل ، صريح في أن التعديل من الأركان بحيث أن فوته يفوت أصل الصلاة وإلا لم يقل لم تصل ، فإن من المعلوم أن خلاد بن رافع لم يكن ترك ركنا من الأركان المشهورة إنما ترك التعديل والاطمئنان فعلم أن تركه مبطل للصلاة.
وأجاب الحنفية عن هذا الاستدلال بوجوه كلها مخدوشة منها ما قالوا إن آخر حديث المسيء صلاته يدل على عدم فرضية التعديل ، فإنه صلى الله عليه وسلم قال: وما نقصت من ذلك فإنما نقصته من صلاتك ، فلو كان ترك التعديل مفسداً لما سماه صلاة كما لو ترك الركوع والسجود.
ورده العيني في البناية بأن للخصم أن يقول إنما سماه صلاة بحسب زعم المصلي كما

(2/126)


ـــــــ
تدل عليه الإضافة على أنه ورد في بعض الروايات: وما نقصت شيئاً من هذا أي مما ذكر سابقاً ، ومنه الركوع والسجود ، أيضاً فيلزم أن تسمى مالا ركوع فيه أو لا سجود فيه أيضاً صلاة بعين التقرير المذكور وإذ ليس فليس انتهى.
ومنها ما قالوا إن هذا الحديث لا يدل على فرضية التعديل بل على عدم فرضيته ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم ترك الأعرابي حين فرغ عن صلاته ، ولو كان ما تركه ركنا لفسدت صلاته فكان المضي بعد ذلك من الأعرابي عبثاً ولا يحل له صلى الله عليه وسلم أن يتركه ، فكان تركه دلالة منه أن صلاته جائزة إلا أنه ترك الإكمال فأمره بالإعادة زجراً له عن هذه العادة.
ورده العيني في البناية بأن للخصم أن يقول كانت صلاته فاسدة ، ولذا أمر بالإعادة وقال له لم تصل وإنما عليه لأنه ربما يهتدي إلى الصلاة الصحيحة ولم ينكر عليه لأنه كان من أهل البادية كما شهدت به رواية الترمذي "يعني بها التي رواها الترمذي في باب ما جاء في وصف الصلاة وفيها إذا جاءه رجل كالبدوي" ومن المعلوم أن أهل البادية لهم جفاء وغلظ فلو أمره ابتداء لكان يقع في خاطره شيء وكان المقام مقام التعليم وبالجملة لا دلالة لعدم إنكاره عليه الصلاة والسلام على صلاته ابتداء وأمره بالإعادة على ما ادعوه انتهى.
ومنها: ما قالوا من الله تعالى أمرنا بالركوع والسجود بقوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا} والركوع والسجود لفظ خاص معناه معلوم ، فالركوع هو الانحناء والسجود هو الانخفاض ، فمطلق الميلان عن الاستواء ووضع الجبهة على الأرض فرض بالاَية المذكورة ، وفرضية التعديل الثابتة بقوله عليه الصلاة والسلام: فإنك لم تصل ، وكذا فرضية القومة والجلسة بحديث لا تجزيء صلاة المقيم الرجل فيها ظهره في الركوع والسجود وأمثاله أن لحقت بالقرآن على سبيل البيان فهو ليس بصحيح ، لأن البيان إنما يكون للمجمل ولا إجمال في الركوع والسجود وإن لحقت على سبيل التغيير لإطلاق القرآن فهو ليس بجائز أيضاً ، لأن نسخ إطلاق القرآن بأخبار الاَحاد لا يجوز كما حققه الأصوليون ، ولما لم يجز إلحاق ما ثبت بهذه الأخبار بالثابت بالقرآن ولم يمكن ترك أخبار الاَحاد بالكلية أيضاً فقلنا ما ثبت بالقطعي وهو الركوع والسجود فرض ، وما ثبت بهذه الأخبار الظنية الثبوت واجب.

(2/127)


باب: ما جاء ما يقول الرجل إذا رفع رأسه من الركوع
...
195ـ باب ما يقولُ الرجلُ إذا رفعَ رأسَهُ من الركوع
265ـ حدثنا محمُودُ بنُ غَيْلاَنَ ، حدثنا أبو داودَ الطيالسيّ حدّثنا عبْدُ العزيزِ بنُ عبد الله بن أبي سَلَمَةَ الماجِشُونُ ، حدثنا عَمّي عن عبدِ الرحمَنِ الأعْرَجِ عن
ـــــــ
"باب ما يقولُ الرجلُ إذا رفعَ رأسَهُ من الركوع"
قوله: "الماجشون" بكسر الجيم بعدها معجمة مضمومة هو لقب عبد العزيز بن عبد الله

(2/128)


196ـ باب منه آخر
266ـ حدثنا اسحَق بن موسى الأنصاريّ حدثنا معْنٌ حدثنا مالكٌ عن سُمَي عن أبِي صالحٍ عن أَبِي هُرَيْرَةَ أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: "إذا قالَ الإمامُ: سَمِعَ الله لمن حَمدَهُ ، فقولُوا: رَبّنَا ولكَ الحمدُ ، فإنّه مَن وَافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ الملائكَةِ غُفِرَ لهُ ما تَقَدّمَ من ذَنْبِهِ".
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسَنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
"باب منهُ آخَر"
قوله: "الأنصاري" هو أسحاق بن موسى الأنصاري "عن سمي" بضم السين المهملة وبفتح الميم وشدة الياء مولى أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث المخزومي ثقة "عن أبي صالح" اسمه ذكوان السمان الزيات ثقة ثبت من أوساط التابعين.
قوله: "فقولوا ربنا ولك الحمد" بالواو بعد ربنا وفي رواية للبخاري فقولوا اللهم ربنا ولك الحمد ، وبوب عليه البخاري: باب فضل اللهم ربنا ولك الحمد . قال الحافظ في الفتح: وفيه رد على ابن القيم حيث جزم بأنه لم يرد الجمع بين اللهم والواو في ذلك انتهى.
قوله: "فإنه من وافق قوله قول الملائكة" أي في الزمان ، والظاهر أن المراد بالملائكة جميعهم واختاره ابن بزيزة ، وقيل الحفظة منهم وقيل الذين يتعلمون منهم إذا قلنا إنهم غير الحفظه . والذي يظهر أن المراد بهم من يشهد تلك الصلاة من الملائكة ممن في الأرض أو في السماء ، قاله الحافظ في الفتح "غفر له ما تقدم من ذنبه" ظاهره غفران جميع الذنوب الماضية ، وهو محمول عند العلماء على الصغائر.

(2/131)


والعملُ عليه عند بعضِ أهلِ العلمِ من أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم ومَن بعدهم: أن يقولَ الإمامُ "سَمِعَ الله لمن حَمدَهُ. ويقولُ مَنْ خلْفَ الإمامِ "رَبّنَا ولكَ الحمدُ".
ـــــــ
قوله: "وبه يقول أحمد" أي قول الإمام أحمد بأن الإمام يقول: سمع الله لمن حمده فقط ، والمؤتم يقول: ربنا ولك الحمد فقط ، وهو قول مالك وأبي حنيفة ، واستدل هؤلاء بحديث الباب قال الحافظ في الفتح: استدل به "أي بحديث أبي هريرة إذا قال الإمام سمع الله لمن حمده فقولوا ربنا ولك الحمد" على أن الإمام لا يقول ربنا ولك الحمد ، وعلى أن المأموم لا يقول سمع الله لمن حمده ، لكون ذلك لم يذكر في هذه الرواية كما حكاه الطحاوي ، وهو قول مالك وأبي حنيفة ، وفيه نظر ، لأنه ليس فيه ما يدل على النفي ، بل فيه أن قول المأموم: ربنا ولك الحمد يكون عقب قول الإمام: سمع الله لمن حمده ، والواقع في التصوير ذلك ، لأن الإمام يقول التسميع في حال انتقاله ، والمأموم يقول التحميد في حال اعتداله ، فقوله يقع عقب قول الإمام ما في الخبر. وهذا الموضع يقرب من مسألة التأمين ، فإنه لا يلزم من قوله: إذا قال ولا الضالين فقولوا آمين أن الإمام لا يؤمن بعد قوله ولا الضالين ، وليس فيه أن الإمام يؤمن كما أنه ليس في هذا أنه يقول ربنا ولك الحمد ، لكنهما مستفادان من أدلة أخرى صحيحة صريحة. قال: وأما ما احتجوا به من حيث المعنى من أن المعنى سمع الله لمن حمده طلب التحميد فيناسب حال الإمام وأما المأموم فتناسبه الإجابة بقوله: "ربنا ولك الحمد" . ويقويه حديث أبي موسى الأشعري عند مسلم وغيره ففيه وإذا قال سمع الله لمن حمده فقولوا ربنا ولك الحمد يسمع ما ذكرتم ، فجوابه أن يقال: لا يدل ما ذكرتم على أن الإمام لا يقول: ربنا ولك الحمد إنما يمتنع أن يكون طالباً ومجيباً ، وهو نظير ما تقدم في مسألة التأمين من أنه لا يلزم من كون الإمام داعياً والمأموم مؤمناً أن لا يكون الإمام مؤمناً . وقضية ذلك أن الإمام يجمعهما ، وهو قول الشافعي وأحمد وأبي موسى ومحمد والجمهور . والأحاديث الصحيحة تشهد له ، وزاد الشافعي أن المأموم يجمعهما بينهما أيضاً لكن لم يصح في ذلك شيء ، وأما المنفرد فحكى الطحاوي وابن عبد البر الإجماع على أنه يجمع بينهما وجعله الطحاوي

(2/132)


وبه يقولُ أحمدُ وقال ابنُ سيِرينَ وغيرُه: يقولُ مَن خَلْفَ الإمامِ "سَمِعَ الله لمن حَمدَهُ ، رَبّنَا ولكَ الحمدُ" مثلَ ما يقولُ الإمامُ . وبه يقولُ الشافعيّ وإسحاقُ
ـــــــ
حجة لكون الإمام يجمع بينهما للاتفاق على اتحاد حكم الإمام والمنفرد ، لكن أشار صاحب الهداية إلى خلاف عندهم في المنفرد انتهى كلام الحافظ باختصار.
قوله: "وقال ابن سيرين وغيره: يقول من خلف الإمام: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد الخ" احتج هؤلاء بحديث أبي هريرة: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة ، وفيه ثم يقول: "سمع الله لمن حمده حين يرفع صلبه من الركعة ، ثم يقول وهو قائم ربنا ولك الحمد الخ" بانضمام قوله صلى الله عليه وسلم: "صلوا كما رأيتموني أصلي" ، واستدلوا أيضاً بما أخرجه الدارقطني عن أبي هريرة قال . كنا إذا صلينا خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال سمع الله لمن حمده قال من وراءه سمع الله لمن حمده . لكن قد صرح الدارقطني بأن المحفوظ لفظ: إذا قال الإمام سمع الله لمن حمده فليقل من وراءه: اللهم ربنا ولك الحمد ، واستدلوا أيضاً بما أخرجه الدارقطني عن بريدة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا بريدة إذا رفعت رأسك من الركوع فقل: سمع الله لمن حمده اللهم ربنا ولك الحمد ملء السماوات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد ، وظاهره عدم الفرق بين كونه منفرداً أو إماماً أو مأموماً ولكن سنده ضعيف . وليس في جمع المأموم بين التسميع والتحميد حديث صحيح صريح كما قال الحافظ والله تعالى أعلم.

(2/133)


197ـ باب ما جاءَ في وضعِ اليدين قبل الركبتين في السجود
ـــــــ
"باب ما جاء في وضع اليدين قبل الركبتين في السجود"
وفي بعض النسخ: باب ما جاء في وضع الركبتين قبل اليدين ، وهذا هو يطابقه حديث الباب.

(2/133)


267ـ حدثنا سَلَمَةُ بن شَبِيبٍ و عبدُ الله بنُ مُنِيرٍ وأحمدُ بنُ إبراهيمَ الدّوْرَقِيّ و الحسنُ بن عليَ الحُلْوَانِيّ وغيرُ واحدٍ ، قالوا: حدثنا يزيدُ بنُ هارونَ حدثنا شَرِيكٌ عن عاصمِ بن كُلَيْبٍ عن أبيه عن وائل بن حُجْرٍ قال: "رأيتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم إذا سجدَ يَضَعُ رُكْبَتَيْهِ قَبْلَ يدِيهِ ، وإذا نَهَضَ رفعَ يديه قبلَ رُكْبَتَيْهِ".
ـــــــ
قوله: "حدثنا سلمة بن شبيب النيسابوري أبو عبد الله الحافظ نزيل مكة ، روى عنه مسلم والترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجه ، قال أبو حاتم: صدوق ، وقال أبو نعيم: أحد الثقات وعبد الله بن منير" بضم الميم وكسر النون آخره راء مهملة أبو عبد الرحمن المروزي الزاهد ثقة عابد ، روى عنه البخاري وقال لم أر مثله والترمذي والنسائي ووثقه "وأحمد بن إبراهيم الدورقي" النكري بضم النون البغدادي ثقة حافظ "حدثنا يزيد بن هارون" ابن زاذان السلمي مولاهم أبو خالد الواسطي ثقة متقن عابد.
قوله: "إذا سجد يضع ركبتيه قبل يديه" استدل به من قال بوضع الركبتين قبل اليدين لكن الحديث ضعيف كما ستعرف.
قوله: "هذا حديث غريب حسن لا نعرف أحداً رواه غير شريك" في كون هذا الحديث حسناً نظر ، فإنه قد تفرد به شريك وهو ابن عبد الله النخعي الكوفي صدوق يخطيء كثير ، تغير حفظه منذ ولي القضاء بالكوفة. وقال الدارقطني في سننه بعد رواية هذا الحديث: تفرد به يزيد عن شريك ولم يحدث به عن عاصم بن كليب غير شريك ، وشريك ليس بالقوي فيما ينفرد به انتهى. وقال المنذري في تلخيص السنن: قال أبو بكر البيهقي: هذا حديث يعد في أفراد شريك القاضي وإنما تابعه همام مرسلاً هكذا ذكره البخاري وغيره من الحفاظ المتقدمين ، هذا آخر كلامه. وشريك هذا هو ابن عبد الله النخعي القاضي وفيه مقال ، وقد أخرج له مسلم متابعة انتهى كلام المنذري. وقال الحافظ الحازمي في كتاب الاعتبار بعد رواية هذا الحديث من طريق شريك عن عاصم بن كليب عن أبيه عن وائل ما لفظه: ورواه همام بن يحيى عن محمد بن جحادة عن عبد الجبار بن وائل عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم. قال همام: وثنا شقيق يعني أبا الليث عن عاصم بن كليب عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلاً وهو

(2/134)


و زادَ الحسنُ بنُ علي في حديثه: قال يزيدُ بن هارونَ: ولم يَرْوِ شَرِيكٌ عن عاصمِ ابن كُلَيْبٍ إلاّ هذا الحديثَ.
قال: هذا حديثٌ غريبٌ حَسنٌ ، لا نعرف أحداً رواهُ غير شَرِيكٍ. والعملُ عليه عند أكثرَ أهلِ العلمِ: يَرَوْنَ أن يَضَعَ الرجلُ رُكْبَتَيْهِ قبل يديهِ.
وإذا نَهَضَ رفعَ يَدَيهِ قبلَ ركُبَتَيْهِ.
ورَوَى هَمّامٌ عن عاصمٍ هذا مُرْسَلاً ، ولم يذْكُرْ فيه وائلَ بنَ حُجْرٍ.
ـــــــ
المحفوظ انتهى كملا الحازمي. قلت: طريق همام بن يحيى عن محمد بن جحادة منقطع ، فإن عبد الجبار لم يسمع عن أبيه ، وطريق همام عن شقيق أيضاً ضعيف ، فإن شقيقاً أبا الليث مجهول . قال في التقريب. شقيق أبو الليث عن عاصم بن كليب مجهول انتهى . وقال في الميزان: شقيق عن عاصم بن كليب وعنه همام لا يعرف انتهى.
قوله: "والعمل عليه عند أكثر أهل العلم يرون أن يضع الرجل ركبتيه قبل يديه إلخ" قال الحازمي في كتاب الاعتبار: قال ابن المنذر: وقد اختلف أهل العلم في هذا الباب ، فممن رأى أن يضع ركبتيه قبل يديه عمر بن الخطاب ، وبه قال النخعي ومسلم ابن يسار وسفيان الثوري والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو حنيفة وأصحابه وأهل الكوفة . وقالت طائفة: يضع يديه إلى الأرض إذا سجد قبل ركبتيه ، كذلك قال مالك. وقال الأوزاعي: أدركت الناس يضعون أيديهم قبل ركبهم انتهى . وقال البخاري في صحيحه: قال نافع: كان ابن عمر يضع يديه قبل ركبتيه انتهى . وقال الشوكاني في النيل: وذهبت العترة والأوزاعي ومالك وابن حزم إلى استحباب وضع اليدين قبل الركبتين ، وهي رواية عن أحمد، وروى الحازمي عن الأوزاعي أنه قال: أدركت الناس يضعون أيديهم قبل ركبهم . قال ابن أبي داود: وهو قول أصحاب الحديث انتهى.
قوله: "وروى همام عن عاصم هذا مرسلاً ولم يذكر فيه وائل ابن حجر" قال الحافظ في التلخيص بعد نقل قول الترمذي هذا ما لفظه: وقد تعقب قول الترمذي أن هماماً إنما رواه عن شقيق عن عاصم عن أبيه مرسلاً انتهى. قلت: الأمر كما قال الحافظ كما عرفت فيما تقدم في كلام الحازمي

(2/135)


198ـ باب آخرُ منه
268ـ حدثنا قُتَيْبَةُ حدثنا عبدُ الله بنُ نافعٍ عن محمد بن عبد الله بن حسَنٍ عن أبي الزّنَاد عن الأعرج عن أَبِي هُرَيْرَةَ أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "يَعْمِدُ أحَدُكُمْ فَيَبرُكُ في صلاتِهِ بَرْكَ الْجَمَلِ؟".
قال أبو عيسى: حديثُ أبي هريرةَ حديثٌ غريبٌ لا نعرفه من حديثِ أبي الزّنّادِ إلاّ من هذا الوجهِ.
ـــــــ
"باب آخر منه"
قوله: "يعمد أحدكم فيبرك في صلاته برك الجمل" بتقدير همزة الاستفهام الإنكاري ، أي أيعمد أحدكم فيضع ركبتيه قبل يديه في الصلاة كما يضع البعير ركبتيه قبل يديه ، أي لا يفعل هكذا بل يضع يديه قبل ركبتيه . وفي رواية أحمد وأبي داود والنسائي: إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير وليضع يديه قبل ركبتيه انتهى. قال القاري في شرح المشكاة في شرح هذا الحديث "إذا سجد أحدكم فلا يبرك" نهي وقيل نفي "كما يبرك البعير" أي لا يضع ركبتيه قبل يديه كما يبرك البعير ، شبه ذلك ببروك البعير مع أنه يضع يديه قبل رجليه لأن ركبة الإنسان في الرجل وركبة الدواب في اليد ، إذا وضع ركبتيه أولا فقد شابه الإبل في البروك "وليضع" بسكون اللام وتكسر "يديه قبل ركبتيه" قال التوربشتي: كيف نهى عن بروك البعير ثم أمر بوضع اليدين قبل الركبتين والبعير يضع اليدين قبل الرجلين؟ والجواب: أن الركبة من الإنسان في الرجلين ، ومن ذوات الأربع في اليدين انتهى كلام القاري. والحديث استدل به من قال باستحباب وضع اليدين قبل الركبتين ، وهو قول مالك ، وهو قول أصحاب الحديث وقال الأوزاعي: أدركت الناس يضعون أيديهم قبل ركبهم ، وهي رواية عن أحمد كما عرفت هذا كله في الباب المتقدم . قال الحافظ في الفتح: قال مالك: هذه الصفة أحسن في خشوع الصلاة وبه قال: وعن مالك وأحمد رواية بالتخيير انتهى.
قوله: "حديث أبي هريرة حديث غريب لا نعرفه من حديث أبي الزناد إلا من هذا الوجه" حديث أبي هريرة هذا أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي وسكت عنه أبو داود.

(2/136)


ـــــــ
قال الحازمي في كتاب الاعتبار بعد روايته: وهو على شرط أبي داود والترمذي والنسائي أخرجوه في كتبهم انتهى. وقال القاري في المرقاة: قال ابن حجر: سنده جيد انتهى. قلت: حديث أبي هريرة هذا صحيح أو حسن لذاته رجاله كلهم ثقات ، فأما قتيبة فهو ابن سعيد بن جميل الثقفي أبو رجاء البغلاني ثقة ثبت كذا في التقريب ، وأما عبد الله بن نافع فهو الصائغ أبو محمد المدني وثقه ابن معين والنسائي كذا في الخلاصة وأما محمد بن عبد الله بن الحسن فوثقه النسائي قاله الخزرجي. وقال الحافظ: يلقب بالنفس الزكية ثقة من السابعة. وأما أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة فقال البخاري: أصح الأسانيد أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة قاله الخزرجي.
فإن قلت: قال الحافظ في التقريب في ترجمة عبد الله بن نافع الصائغ ثقة صحيح الكتاب في حفظة لين انتهى ، فإذا كان في حفظه لين فكيف يكون حديثه صحيحاً.
قلت: قد عرفت أنه قد وثقه إمام الجرح والتعديل يحيى بن معين ، ووثقه أيضاً النسائي، ثم هو ليس متفرداً برواية هذا الحديث ، بل تابعه عبد العزيز بن محمد الدراوردي عند الدارقطني: قال في سننه: حدثنا أبو بكر بن أبي داود ثنا محمود بن خالد ثنا مروان بن محمد حدثنا عبد العزيز بن محمد ثنا محمد بن عبد الله بن الحسن عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا سجد أحدكم فليضع يديه قبل رجليه ولا يبرك بروك البعير" . حدثنا أبو سهل بن زياد ثنا إسماعيل بن إسحاق ثنا أبو ثابت محمد بن عبد الله ثنا عبد العزيز بن محمد عن محمد بن عبد الله بإسناده عن النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا سجد أحدكم فليضع يديه قبل ركبتيه ولا يبرك بروك الجمل" انتهى. وقال الحافظ ابن حجر في بلوغ المرام: وهو أقوى من حديث وائل ابن حجر ، فإن للأول شاهداً من حديث ابن عمر صححه ابن خزيمة وذكره البخاري معلقاً موقوفاً انتهى كلام الحافظ . وقال الحافظ ابن سيد الناس: أحاديث وضع اليدين قبل الركبتين أرجح وقال: ينبغي أن يكون حديث أبي هريرة داخلاً في الحسن على رسم الترمذي لسلامة رواته عن الجرح انتهى . وقال ابن التركماني في الجوهر النقي: والحديث المذكور أولا يعني وليضع يديه ثم ركبتيه دلالة قولية ، وقد تأيد بحديث ابن عمر فيمكن ترجيحه على حديث وائل لأن دلالته فعلية على ما هو الأرجح عند الأصوليين انتهى ورجح القاضي أبو بكر بن العربي في عارضة الأحوذي حديث أبي هريرة على حديث

(2/137)


وقد رُوِيَ هذا الحديثُ عن عبدِ الله بن سعيدٍ المقْبُرِيّ عن أبيهِ عن أبي هريرةَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم . وعبدُ الله بن سعيدٍ المقبُرِيّ ضعّفَهُ يحيى بنُ سعيدٍ القَطّانُ وغيرُه.
ـــــــ
وائل من وجه آخر فقال: الهيئة التي رأى مالك "وهي الهيئة التي هي مروية في حديث أبي هريرة" منقولة في صلاة أهل المدينة فترجحت بذلك على غيره انتهى.
قوله: "وقد روي هذا الحديث عن عبد الله بن سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم" رواه ابن أبي شيبة في مصنفه والطحاوي في شرح الآثار بلفظ: إذا سجد أحدكم فليبدأ بركبتيه قبل يديه ولا يبرك كبروك الفحل. "وعبد الله بن سيعد المقبري ضعفه يحيى بن سعيد القطان وغيره" قال ابن معين: ليس بشيء ، وقال مرة: ليس بثقة ، وقال الفلاس: منكر الحديث متروك ، وقال يحيى بن سعيد: استبان كذبه في مجلس ، وقال الدارقطني: متروك ذاهب ، وقال أحمد مرة ليس بذاك ، ومرة قال: متروك ، وقال فيه البخاري: تركوه كذا في الميزان.
اعلم أن الحنفية والشافعية وغيرهم الذين ذهبوا إلى استحباب وضع الركبتين قبل اليدين أجابوا عن حديث أبي هريرة المذكور في الباب بوجوه عديدة كلها مخدوشة.
الأول: أن حديث أبي هريرة هذا منسوخ بما رواه ابن خزيمة عن مصعب بن سعد سعد بن أبي وقاص عن أبيه قال: كنا نضع اليدين قبل الركبتين فأمرنا أن نضع الركبتين قبل اليدين وفيه أن دعوى النسخ بحديث سعد بن أبي وقاص باطلة ، فإن هذا الحديث ضعيف: قال الحازمي في كتاب الاعتبار: أما حديث سعد ففيه إسناده مقال ، ولو كان محفوظاً لدل على النسخ غير أن المحفوظ عن مصعب عن أبيه حديث نسخ التطبيق انتهى قلت: وفي إسناده إبراهيم بن إسماعيل بن يحيى بن سلمة بن كهيل وهو يرويه عن أبيه وقد تفرد به عنه وهما ضعيفان لا يصلحان للاحتجاج . قال في الخلاصة في ترجمة إبراهيم ابن إسماعيل: اتهمه أبو زرعة. وقال في التقريب في ترجمة إسماعيل والد إبراهيم متروك.
الثاني: أن في حديث أبي هريرة قلباً من الراوي وكان أصله: وليضع ركبتيه قبل يديه ، ويدل عليه أول حديث وهو قوله: فلا يبرك كما يبرك البعير ، فإن المعروف من

(2/138)


ـــــــ
بروك البعير هو تقديم اليدين على الرجلين قاله ابن القيم في زاد المعاد وقال: ولما علم أصحاب هذا القول ذلك قالوا ركبتا البعير في يديه لا في رجليه ، فهو إذا برك وضع ركبتيه أو فهذا هو المنهي عنه ، قال وهو فاسد وحاصلها أن البعير إذا برك يضع يديه ، ورجلاه قائمتان وهذا هو المنهي عنه ، وأن القول بأن ركبتي البعير في يديه لا يعرفه أهل اللغة وأنه لو كان الأمر كما قالوا لقال النبي صلى الله عليه وسلم فليبرك كما يبرك البعير ، لأن أول ما يمس الأرض من البعير يداه انتهى.
وفيه أن قوله: في حديث أبي هريرة قلب من الراوي فيه نظر ، إذ لو فتح هذا الباب لم يبق اعتماد على رواية راو مع صحته. وأما قوله: كون ركبتين البعير في يديه لا يعرفه أهل اللغة ، ففيه أنه قد وقع في حديث هجرة النبي صلى الله عليه وسلم قول سراقة ساخت يدا فرسي في الأرض حتى بلغنا الركبتين ، رواه البخاري في صحيحه ، فهذا دليل واضح على أن ركبتين البعير تكونان في يديه . وأما قوله: لو كان الأمر كما قالوا لقال النبي صلى الله عليه وسلم فليبرك كما يبرك البعير ففيه أنه لما ثبت أن ركبتي البعير تكونان في يديه ، ومعلوم أن ركبتين الإنسان تكونان في رجليه ، وقد قال صلى الله عليه وسلم في آخر هذا الحديث وليضع يديه قبل ركبتيه ، فكيف يقول في أوله فليبرك كما يبرك البعير أي فليضع ركبتيه قبل يديه.
والثالث: أن حديث أبي هريرة ضعيف ، فإن الدارقطني قال: تفرد به الدراوردي عن محمد بن عبد الله بن حسن انتهى ، والدراوردي وإن وثقه يحيى بن معين وعلي بن المديني وغيرهما لكن قال أحمد بن حنبل: إذا حدث من حفظه يهم ، وقال أبو زرعة: سيء الحفظ فتفرد الدراوردي عن محمد بن عبد الله مورث للضعف . وقال البخاري: محمد بن عبد الله بن الحسن لا يتابع عليه ، وقال لا أدري أسمع من أبي الزناد أم لا أنتهي.
وفيه: أن حديث أبي هريرة صحيح صالح للاحتجاج كما عرفت: وأما قول الدارقطني: تفرد به الدراوردي عن محمد بن عبد الله بن الحسن فليس بصحيح ، بل قد تابعه عبد الله بن نافع عند أبي داود والنسائي . قال المنذري: وفي ما قال الدارقطني نظر ، فقد روى نحوه عبد الله بن نافع عن محمد بن عبد الله وأخرجه أبو داود والنسائي من حديثه ثم تفرد الدراوردي ليس مورثاً للضعف لأنه قد احتج به مسلم وأصحاب

(2/139)


ـــــــ
السنن ووثقه إمام هذا الشأن يحيى بن معين وعلي بن المديني وغيرهما. وأما قول البخاري: محمد بن عبد الله بن الحسن لا يتابع عليه فليس بمضر فإنه ثقة ولحديثه شاهد من حديث ابن عمر وصححه ابن خزيمة. قال ابن التركماني في الجوهر النقي: محمد بن عبد الله وثقه النسائي وقول البخاري لا يتابع على حديثه ليس بصريح في الجرح فلا يعارض توثيق النسائي انتهى ، وكذا لا يضر قوله لا أدري أسمع من أبي الزناد أم لا ، فإن محمد بن عبد الله ليس بمدلس وسماعه من أبي الزناد ممكن فإنه قتل سنة خمس وأربعين ومائة وهو ابن خمس وأربعين وأبو الزناد مات سنة ثلاثين ومائة ، فيحمل عنعنته على السماع عند جهود المحدثين.
والرابع: أن حديث أبي هريرة مضطرب فإنه رواه ابن أبي شيبة في مصنفه والطحاوي في شرح الآثار عن عبد الله بن سعيد عن جده عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إذا سجد أحدكم فليبدأ بركبتيه قبل يديه ولا يبرك كبروك الفحل" ، فهذه الرواية تخالف الرواية التي رواها الترمذي وغيره بحيث لا يمكن الجمع بينهما والاضطراب مورث للضعف.
وفيه أن رواية ابن أبي شيبة والطحاوي هذه ضعيفة جداً فإن مدارها على عبد الله بن سعيد وقد عرفت حاله في هذا الباب فلا اضطراب في حديث أبي هريرة ، فإن من شرط الإضطراب استواء وجوه الاختلاف ، ولا تعل الرواية الصحيحة بالرواية الضعيفة الواهية كما تقرر في مقره.
والخامس: أن حديث وائل بن حجر أقوى وأثبت من حديث أبي هريرة: قال ابن تيمية في المنتقى: قال الخطابي: حديث وائل بن حجر أثبت من هذا انتهى. فحديث وائل هو الأولى بالعمل: وفيه أن في كون حديث وائل أثبت من حديث أبي هريرة نظراً ، فإن حديث وائل ضعيف كما عرفت ، ولو سلم أنه حسن كما قال الترمذي فلا يكون هو حسناً لذاته بل لغيره لتعدد طرقه الضعاف: وأما حديث أبي هريرة فهو صحيح أو حسن لذاته ، ومع هذا فله شاهد من حديث ابن عمر صححه ابن خزيمة ، وقد عرفت قول الحافظ ابن حجر وابن سيد الناس وابن التركماني والقاضي أبي بكر ابن العربي في ترجيح حديث أبي هريرة على حديث وائل بن حجر ، فالقول الراجح أن حديث أبي هريرة أثبت وأقوى من حديث وائل.

(2/140)


فإن قيل: إن كان لحديث أبي هريرة شاهد فلحديث وائل شاهدان: أحدهما ما رواه الدارقطني والحاكم والبيهقي عن عاصم الأحول عن أنس قال: "رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم انحط بالتكبير فسبقت ركبتاه يديه" ، قال الحاكم: هو على شرطهما ولا أعلم له علة ، وثانيهما . ما أخرجه ابن خزيمة في صحيحه عن مصعب ابن سعد بن أبي وقاص عن أبيه قال . كنا نضع اليدين قبل الركبتين فأمرنا أن الركبتين قبل اليدين.
يقال: هذان الحديثان لا يصلحان أن يكونا شاهدين لحديث وائل أما حديث أنس فلأنه قد تفرد به العلاء بن إسماعيل العطار وهو مجهول قاله البيهقي ، وقال الدارقطني: تفرد به العلاء بن إسماعيل عن حفص بن غياث وهو مجهول انتهى. وحفص بن غياث ساء حفظة في الاَخر: صرح به الحافظ في مقدمة الفتح: وقال الذهبي في الميزان: قال أبو زرعة: ساء حفظة بعد ما استقضى فمن كتب عنه من كتابه فهو صالح انتهى وأما حديث سعد بن أبي وقاص فقد عرفت فيما سبق أنه قد تفرد به إبراهيم بن إسماعيل ، وإبراهيم هذا أتهمه أبو زرعة وأبوه اسمعيل متروك وأن المحفوظ عن مصعب عن أبيه نسخ التطبيق.
فالحاصل: أن حديث أبي هريرة صحيح أو حسن لذاته وهو أقوى وأثبت وأرجح من حديث وائل هذا عندي والله تعالى أعلم.

(2/141)


باب: ما جاء في السجود على الجبهة و الأنف
...
199ـ باب ما جاءَ فِي السّجودِ عَلَى الْجَبْهَةِ والأنْف
269ـ حَدّثَنَا محمد بن بشار بُنْدَارُ حدثنا أبو عَامِرٍ حدثنا فُلَيْحُ بنُ سُلَيْمانَ حدثني عَبّاسُ بنُ سَهْلٍ عن أبِي حُمَيدٍ السّاعِدِيّ: "أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم كانَ إذَا سَجَدَ أمْكَنَ أنْفَهُ وجَبْهَتَهُ الأرْضَ ، ونحّى يَدَيْهِ عن جَنْبَيْهِ ، وَوَضَعَ كَفّيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ".
ـــــــ
"باب ما جاء في السجود على الجبهة والأنف"
قوله: "ثنا أبو عامر" العقدي.
قوله: "كان إذا سجد أمكن أنفه وجبهته الأرض" قال في القاموس: مكنته من

(2/141)


قال وفي الباب عن ابنِ عباسٍ ، ووائلِ بنِ حُجْرٍ وأبِي سعيد.
قال أبو عيسى: حديثُ أبي حُمَيْدٍ حديثٌ حسَنٌ صحيحٌ.
والعملُ عَلَيه عندَ أهلِ العلمِ: أن يسجد الرّجُلُ عَلَى جَبْهَتِهِ وأنْفِهِ . فإنْ سَجَدَ عَلَى جبْهَتِهِ دُونَ أنْفِهِ: فَقد قَالَ قَومٌ مِنْ أهلِ العلمِ: يُجْزِئُهُ ، وَقَالَ غيرُهُم: لا يُجْزِئُهُ حتى يَسْجُدَ عَلَى الْجَبْهَةِ والأنفِ.
ـــــــ
الشيء أو أمكنته منه فتمكن وأستمكن وقال في الصراح تمكين بأي برجا كردن ، وكذا الإمكان ، يقال مكنة الله من الشيء وأمكنه منه بمعنى انتهى ، وفيه أن يضع المصلى جبهته وأنفه في السجود على الأرض "ونحى يديه" أي أبعدهما ، من نحى ينحى تنحية "ووضع كفيه حذو منكبيه" فيه مشروعية وضع اليدين في السجود حذو المنكبين.
قوله: "وفي الباب عن ابن عباس ووائل بن حجر وأبي سعيد" أما حديث ابن عباس فأخرجه الشيخان ولفظه: أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يسجد على سبعة أعضاء ولا يكف شعراً ولا ثوباً: الجبهة واليدين والركبتين والرجلين. وفي لفظ: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أمرت أن أسجد على سبعة أعظم: على الجبهة ، وأشار بيده على أنفه ، واليدين والركبتين والقدمين". وفي رواية "أمرت أن أسجد على سبع ولا أكفت الشعر ولا الثياب: الجبهة والأنف واليدين والركبتين والقدمين" رواه مسلم والنسائي كذا في المنتقى: وأما حديث وائل بن حجر فأخرجه أحمد ولفظه: قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسجد على الأرض واضعاً جبهته وأنفه في سجوده. وأما حديث أبي سعيد فأخرجه الشيخان وفيه فصلى بنا النبي صلى الله عليه وسلم حتى رأيت أثر الطين والماء على جبهة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأرنبته.
قوله: "حديث أبي حميد حديث حسن صحيح" وأخرجه أبو داود ، وأخرجه بهذا اللفظ أيضاً ابن خزيمة في صحيحه كذا في النيل.
قوله: "والعمل عليه عند أهل العلم أن يسجد على جبهته وأنفه ، فإن سجد على جبهته دون أنفه فقال قوم من أهل العلم بجزئه الخ" قال النووي في شرح مسلم:

(2/142)


ـــــــ
في هذه الأحاديث فوائد: منها أن أعضاء السجود وأنه ينبغي للساجد أن يسجد عليها كلها وأن يسجد على الجبهة والأنف جميعاً ، فأما الجبهة فيجب وضعها مكشوفة على الأرض ، ويكفي بعضها ، والأنف مستحب ، فلو تركه جاز ولو اقتصر عليه وترك الجبهة لم يجز ، هذا مذهب الشافعي ومالك والأكثرين ، وقال أبو حنيفة وابن القاسم من أصحاب مالك: له أن يقتصر على أيهما شاء. وقال أحمد رحمه الله وابن حبيب من أصحاب مالك: يجب أن يسجد على الجهة والأنف جميعاً لظاهر الحديث: قال الأكثرون: بل ظاهر الحديث أنهما في حكم عضو واحد ، لأنه قال في الحديث سبعة ، فإن جعلا عضوين صارت ثمانية ، وذكر الأنف استحباباً انتهى.
قلت: ذهب الجمهور إلى وجوب السجدة على الجبهة دون الأنف. وقال أبو حنيفة إنه يجزيء السجود على الأنف وحدها. وذهب الأوزاعي وأحمد وإسحاق وغيرهم إلى أنه يجب أن يجمعهما وهو قول الشافعي. واستدل الجمهور برواية ابن عباس التي رواها الشيخان وغيرهما بلفظ: أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يسجد على سبعة أعضاء ولا يكف شعراً ولا ثوباً: الجبهة واليدين والركبتين والرجلين. واستدل أبو حنيفة برواية ابن عباس التي رواها الشيخان بلفظ: أمرت أن أسجد على سبعة أعظم: على الجبهة وأشار على أنفه الخ ، وجه الاستدلال أنه صلى الله عليه وسلم ذكر الجبهة وأشار إلى الأنف فدل على أنه المراد ، ورده ابن دقيق العيد فقال: إن الإشارة لا تعارض التصريح بالجبهة لأنها قد تعين المشار إليه بخلاف العبارة فإنها معينة. وأستدل القائلون بوجوب الجمع بينهما برواية ابن عباس التي رواها مسلم والنسائي بلفظ: أمرت أن أسجد على سبع ولا أكفت الشعر ولا الثياب: الجبهة والأنف واليدين والركعتين والقدمين ، لأن جعلهما كعضو واحد ولو كان كل واحد منهما عضواً مستقلاً للزم أن تكون الأعضاء ثمانية. وتعقب بأنه يلزم منه أن يكتفي بالسجود على الأنف وحدها والجبهة وحدها فيكون دليلاً لأبي حنيفة ، لأن كل واحد منهما بعض العضو وهو يكفي كما في غيره من الأعضاء ، وأنت خبير بأن المشي على الحقيقة هو المتحتم ، والمناقشة بالمجاز بدون موجب للمصير إليه غير ضائرة ، ولا شك أن الجبهة والأنف حقيقة في المجموع ، ولا خلاف أن السجود على مجموع الجبهة والأنف مستحب ، وقد أخرج أحمد من حديث وائل قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسجد على

(2/143)


الأرض واضعاً جبهته وأنفه في سجوده. وأخرج الدارقطني من طريق عكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، " لا صلاة لمن لا يصيب أنفه من الأرض ما يصيب الجبين" . قال الدارقطني. الصواب عن عكرمة مرسلاً. وروى اسماعيل بن عبد الله المعروف بسمويه في فوائده عن عكرمة عن ابن عباس قال: إذا سجد أحدكم فليضع أنفه على الأرض فإنكم قد أمرتم بذلك. هذا تلخيص ما في النيل.
قلت: الراجح عندي هو وجوب السجود على مجموع الجبهة والأنف والله تعالى أعلم.

(2/144)


200ـ باب مَا جَاءَ أيْنَ يَضَعُ الرّجُلَ وَجْهَهُ إذَا سَجَد
270ـ حَدّثَنَا قُتَيْبَةُ حدثنا حَفصُ بنُ غِيَاثٍ عن الْحَجّاجِ عَنْ أبي إسْحَاقَ قال: "قلْتُ للبَراءِ بنِ عازبٍ: أيْنَ كان النبيّ صلى الله عليه وسلم يَضَعُ وجْهَهُ إذَا سَجَدَ؟ فقَال: بين كَفَيْهِ".
وفي الباب عنْ وَائِلِ بنِ حُجْرٍ وأبي حُمَيْدٍ.
ـــــــ
"باب مَا جَاءَ أيْنَ يَضَعُ الرّجُلَ وَجْهَهُ إذَا سَجَد"
قوله: "عن الحجاج" بن أرطأة الكوفي أحد الفقهاء صدوق كثير الخطأ والتدليس "عن أبي إسحاق" السبيعي اسمه عمرو بن عبد الله ثقة عابد من الثالثة اختلط بآخره.
قوله: "فقال بين كفيه " أي كان يضع وجهه بين كفيه. وفي حديث أبي حميد الذي تقدم في الباب المتقدم: وضع كفيه حذو منكبيه. ولهذين الحديثين المختلفين وما في معناهما اختلف عمل أهل العلم ، فبعضهم عملوا على حديث البراء هذا وما في معناه وبعضهم على حديث أبي حميد وما في معناه ، والكل جائز وثابت.
قوله: "وفي الباب عن وائل بن حجر وأبي حميد" أما حديث وائل فأخرجه مسلم في صحيحه وفيه: فلما سجد سجد بين كفيه. وروى إسحاق بن راهويه في سنده: أخبرنا الثوري عن عاصم بن كليب عن أبيه عن وائل بن حجر قال: رمقت النبي صلى الله عليه وسلم فلما سجد وضع يديه حذاء أذنيه انتهى وكذلك رواه الطحاوي في شرح الآثار ، ورواه عبد الرزاق في مصنفه أخبرنا الثوري به ولفظه: كانت يداه

(2/144)


حديثُ البَرَاءِ حديثٌ حسَنٌ غَرِيبٌ.
هُوَ الّذي اختَارَهُ بعض أهلِ العلمِ: أن تكُونَ يَدَاهُ قرِيباً مِنْ أذنَيْهِ.
ـــــــ
حذو أذنيه، كذا في نصب الراية. وأما حديث أبي حميد فأخرجه البخاري وفيه أنه عليه السلام لما سجد وضع كفيه حذو منكبيه. أخرجه عن فليح عن عباس بن سهيل عن أبي حميد، ورواه أبو داود والترمذي ولفظهما: كان إذا سجد مكن أنفه وجبهته ، ونحى يديه عن جنبه ، ووضع كفيه حذو منكبيه انتهى . كذا في نصب الراية.
قوله: "حديث البراء حديث حسن" وأخرجه الطحاوي في شرح الآثار.
قوله: "وهو الذي اختاره بعض أهل العلم أن يكون يداه قريباً من أذنيه" قال الطحاوي في شرح الآثار بعد ذكر حديث أبي حميد الساعدي ووائل بن حجر والبراء ما لفظه: فكان كل من ذهب في الرفع في افتتاح الصلاة إلى المنكبين يجعل وضع اليدين في السجود حيال المنكبين أيضاً ، وكل من ذهب في الرفع في افتتاح الصلاة إلى الأذنين يجعل وضع اليدين في السجود حيال الأذنين أيضاً. وقد ثبت فيما تقدم من هذا الكتاب تصحيح قول من ذهب في الرفع في افتتاح الصلاة إلى حيال الأذنين ، فثبت بذلك أيضاً قول من ذهب في وضع اليدين في السجود حيال الأذنين أيضاً، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد رحمهم الله تعالى انتهى. قال الزيلعي بعد ذكر كلام الطحاوي هذا: ولم يجب الطحاوي عن حديث أبي حميد بشيء ، قلت: قد ذكرنا ما هو الأولى في الرفع في افتتاح الصلاة في موضعه

(2/145)


201ـ باب مَا جَاءَ في السّجُودِ عَلَى سَبْعَةِ أعْضَاء
271ـ حدثنا قُتَيْبَةُ حدثنا بكرُ بنُ مُضَرٍ عَنْ ابنِ الهَادِي عنْ مُحَمدِ بنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَامِر بنِ سَعْد بنِ أبي وَقّاصٍ عن العبّاسِ بنِ عبدِ المطّلِبِ أنّهُ سَمِعَ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يقولُ: "إذا سَجَدَ العبدُ سجدَ معَهُ سَبْعَةُ آرابٍ: وجهُهُ وكفّاهُ ورُكْبَتَاهُ وَقَدَمَاهُ".
قال وفي الباب عن ابنِ عبّاسٍ وأَبِي هُرَيْرَةَ وجابِرٍ وأبي سعيدٍ.
ـــــــ
"باب ما جاء في السجود على سبعة أعضاء"
قوله: "حدثنا بكر بن مضر" بن محمد بن حكيم مولى شرحبيل بن حسنة المصري أبو محمد أو أبو عبد الملك ثقة ثبت من الثامنة. روي عن جعفر بن ربيعة ويزيد بن حبيب وغيرهما وعنه ابن وهب وابن القاسم وقتيبة ، مات سنة أربع وسبعين ومائة "عن ابن الهادي" هو يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد الليثي أبو عبد الله المدني ثقة مكثر من الخامسة "عن محمد بن إبراهيم" بن الحارث بن خالد بن صخر التيمي المدني أبو عبد الله ، قال الخزرجي: أحد العلماء المشاهير عن أنس وجابر وعائشة في ت س فما أدري سمع منه أم لا فأرسل عن أسامة. وعنه يزيد بن الهاد ويحيى بن أبي كثير ويحيى بن سعيد الأنصاري وعدة. قال ابن سعد: كان فقيهاً محدثاً. وقال أحمد يروى أحاديث منكرة ، ووثقه ابن معين والناس توفي سنة عشرين ومائة "عن عامر بن سعد ابن أبي وقاص" الزهري المدين ثقة من الثالثة مات سنة أربع ومائة "عن ابن العباس ابن عبد المطلب" عم النبي صلى الله عليه وسلم.
قوله: "سجد معه سبعة آراب" بالمد جمع إرب بكسر أوله وإسكان ثانيه وهو العضو "وجهه وكفاه" إلخ بدل من سبعة آراب.
قوله: "وفي الباب عن ابن عباس وأبي هريرة وجابر وأبي سعيد" أما حديث ابن

(2/146)


قال أبو عيسى: حديثُ العبّاسِ حديثٌ حسَنٌ صحيحٌ. وعليه العملُ عندَ أهلِ العلمِ.
272 ـ حدثنا قُتَيْبَةُ حدثنا حَمّادُ بنُ زيدٍ عن عمرِو بن دينارٍ عن طاوُسٍ عنْ ابنِ عباسٍ قال: "أُمِرَ النبيّ صلى الله عليه وسلم أنْ يَسْجُدَ على سبعةِ أعظم ولا يَكُفّ شَعْرَهُ وَلاَ ثِيَابَهُ".
ـــــــ
عباس فأخرجه الشيخان عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أمرت أن أسجد على سبعة أعظم: على الجبهة واليدين وأطراف القدمين ولا نكفت الثياب ولا الشعر" : وأما حديث أبي هريرة فأخرجه الطبراني في الأوسط بلفظ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: السجود على سبعة أعضاء. قال الهيثمي: فيه أبو أمية بن يعلى وهو ضعيف. وأما حديث جابر وحديث أبي سعيد فلينظر من أخرجهما. وفي الباب أيضاً عن عبد الله بن مسعود وسعد بن أبي وقاص ذكر حديثهما الهيثمي في مجمع الزوائد.
قوله: "حديث العباس حديث حسن صحيح" أخرجه الجماعة إلا البخاري.
قوله: "أمر" قال الحافظ: هو بضم الهمزة في جميع الروايات على البناء لما لم يسم فاعله وهو الله جل جلاله. قال البيضاوي: وعرف ذلك بالعرف ، وذلك يقتضي الوجوب ونظره الحافظ قال: لأنه ليس فيه صيغة أفعل وهو ساقط لأن لفظ أمر أدل على المطلوب من صيغة أفعل كما تقرر في الأصول ، ولكن الذي يتوجه على القول باقتضائه الوجوب على الأمة أنه لا يتم إلا على القول بأن خطابه صلى الله عليه وسلم خطاب لأمته وفيه خلاف معروف. ولا شك أن عموم أدلة التأسي تقتضي ذلك ، وقد أخرجه البخاري في صحيحه من رواية شعبة عن عمرو بن دينار عن طاووس عن ابن عباس بلفظ: أمرنا وهو دال على العموم كذا في النيل قوله: "ولا يكف" أي لا يضم ولا يجمع قوله: "شعره" أي شعر رأسه ، وظاهره يقتضي أن النهي عنه في حال الصلاة، وإليه جنح الداؤدي ورده القاضي عياض بأنه خلاف ما عليه الجمهور ، فإنهم كرهوا ذلك للمصلي ، سواء فعله في الصلاة أو قبل أن يدخلها. قال الحافظ: واتفقوا على أنه لا يفسد الصلاة ، لكن

(2/147)


قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسَنٌ صحيحٌ
ـــــــ
حكى ابن المنذر عن الحسن وجوب الإعادة. قيل: والحكمة في ذلك أنه إذا رفع ثوبه وشعره عن مباشرة الأرض أشبه المتكبرين.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان.

(2/148)


202ـ باب مَا جَاءَ في التّجَافِي فِي السّجُود
273ـ حدثَنَا أبو كُرَيْبٍ حدثنا أبو خالدٍ الأحمَرُ عن داودَ بنِ قَيْسٍ عن عُبْيدِ الله بنِ عبد الله بن الأقْرَمَ الخُزَاعِيّ عن أبيه قال: "كنتُ مع أبي بالقاع من نَمِرَةَ فَمَرّتْ رَكْبةٌ ، فإذا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم قائم يصلي قال فكنتُ أنظرُ إلى عُفْرَتَيْ إبْطَيْهِ إذا سَجَدَ أي بياضَه".
ـــــــ
"باب مَا جَاءَ في التّجَافِي فِي السّجُود أي التفرج"
قوله: "عن داود بن قيس" الفراء الدباغ المدني ثقة فاضل قوله: "عن عبيد الله بن عبد الله بن أقرم" بتقديم القاف على الراء حجازي ثقة من الثالثة "عن أبيه" أي عبد الله بن أقرم وهو صحابي مقل.
قوله: "بالقاع" قال في القاموس: القاع أرض سهلة مطمئنة قد انفرجت عنها الجبال والاَكام ج قيع وقيعة وقيعان بكسرهن وأقواع وأقوع انتهى "من نمره" بفتح ثم كسر قال في القاموس: نمرة كفرحة موضع بعرفات أو الجبل الذي عليه أنصاب الحرم على يمينك خارجاً من المأزمين انتهى "إلى عفرتي إبطيه" العفرة بالضم: هو بياض غير خالص بل كلون عفر الأرض وهو وجهها ، أراد منبت الشعر من الإبطين بمخالطة بياض الجلد سواد الشعر ، كذا في ألمجمع "ورأى بياضه" عطف على قوله: وأنظر إلى عفرتي إبطيه عطف تفسير. والحديث يدل على أن السنة في السجود أن ينحي يديه عن جنبيه ولا خلاف في ذلك.

(2/148)


قال وفي الباب عن ابنِ عباسٍ وابن بُحَيْنَةَ وجابرِ وأحمرَ بن جزء وميمونةَ وأبي حُمَيدٍ و ابن مسعود وابن اسيد ، وسهلِ بنِ سعد ومحمد بن مَسْلَمَةَ والبراءِ بن عازبٍ وعديّ بن عَمِيرَةَ وعائشة.
قال أبو عيسى: حديثُ عبدِ الله بن أقرمَ حديثٌ حسَنٌ لا نعرفهُ إلاّ من حديثِ داودَ بنِ قَيسٍ ولا نعْرفُ لعبدِ الله بنِ أقْرَمَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم غيرُ هذا الحديث.
والعملُ عليه عند أهلِ العلمِ
وأحمر بن جزءٍ هذا رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم له حديث واحد" .
وعبد الله بن أرقم الزهري كاتب أبي بكر الصديق
وعبد الله بن أرقم الخزاعيّ إنما له هذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم"
ـــــــ
قوله: "وفي الباب عن ابن عباس وابن بحينة وجابر بن جزء وميمونة وأبي حميد وأبي أسيد وأبي مسعود وسهل بن سعد ومحمد بن مسلمة والبراء بن عازب وعدي بن عميرة وعائشة" أما حديث ابن عباس فأخرجه أحمد ولفظه: قال أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم من خلفه فرأيت بياض إبطيه وهو مجنح قد فرج يديه. وأما حديث ابن بحينة فأخرجه الشيخان ولفظه: إذا صلى فرج بين يديه حتى يبدو بياض إبطيه ، واسم ابن بجينة عبد الله اسم أمه. وأما حديث جابر فأخرجه أحمد وأبو عوانة في صحيحه ولفظه: إذا سجد جافى حتى يرى بياض إبطيه. وأما حديث بن جزء فأخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه وصححه ابن دقيق العيد على شرط البخاري ولفظه: قال إن كنا لنأوى لرسول الله صلى الله عليه وسلم مما يجافي مرفقيه عن جنبيه إذا سجد. وأما حديث ميمونة وأبي حميد فأخرجه مسلم ولفظها: كان إذا سجد خوى بيديه حتى يرى وضح إبطيه. وأما حديث أبي أسيد وأبي مسعود وسهل بن سعد ومحمد بن مسلمة فلينظر من أخرجه. وأما حديث البراء فأخرجه أحمد وفيه: كان إذا سجد بسط كفيه ورفع عجيزته وخوى ورواه ابن خزيمة والنسائي وغيرهما بلفظ: كان إذا جنح يقال جنح الرجل في صلاته

(2/149)


ـــــــ
إذا مد ضبعيه. وقال الهروي: أي فتح عضديه وخوى يعني جنح. وأما حديث عدي بن عميرة فأخرجه الطبراني بمثل حديث جابر المذكور. وأما حديث عائشة فأخرجه مسلم بلفظ: نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يفترش الرجل ذراعيه افتراش السبع.

(2/150)


203ـ باب مَا جَاءَ فِي الاعتدالِ في السجود
274ـ حدثنا هنادٌ أبو معاوِيَةَ عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "إذا سجدَ أحدُكم فلْيعتدلْ ، ولا يفترشْ ذراعيه إفتراشَ الكلبِ".
قال وفي الباب عن عبدِ الرحمَنِ بن شبلٍ وأنسٍ والبَرَاءِ وأبي حُمَيدٍ وعائشةَ.
ـــــــ
"باب مَا جَاءَ فِي الاعتدالِ في السجود"
قوله: "عن أبي سفيان" اسمه طلحة بن نافع الواسطي الإسكاف نزل مكة صدوق قاله في التقريب، وقال في الخلاصة: روى عن أبي أيوب وابن عباس وجابر وعنه الأعمش فأكثر. قال أحمد والنسائي: ليس به بأس. وقال ابن معين: لا شيء.
قوله: "إذا سجد أحدكم فليعتدل" أي فليتوسط بين الإفتراش والقبض ويوضع الكفين على الأرض ورفع المرفقين عنها وعن الجنبين والبطن عن الفخذ ، إذ هو أشبه بالتواضع وأبلغ في تمكين الجبهة وأبعد من الكسالة كذا في المجمع "ولا يفترش ذراعيه" أي لا يجعل ذراعيه على الأرض كالفراش "افتراش الكلب" بالنصب أي مثل افتراش الكلب. قال القرطبي: لا شك في كراهة هذه الهيئة ولا في استحباب نقيضها.
قوله: "وفي الباب عن عبد الرحمن بن شبل بكسر المعجمة وسكون الموحدة الأنصاري الأوسي أحد النقباء المدني نزيل حمص مات في أيام معاوية والبراء وأنس وأبي حميد وعائشة" أما حديث عبد الرحمن بن شبل فأخرجه أبو داود والنسائي والدارمي ولفظه

(2/150)


قال أبو عيسى: حديثُ جابرٍ حديثٌ حسَنٌ صحيحٌ.
والعملُ عليه عندَ أهلِ العلمِ: يختارونَ الاعتدالَ في السجود ويكرهونَ الإفتراشَ كافتراش السّبُعِ.
275ـ حدثنا محمودُ بنُ غَيلاَن حدثنا أبو داودَ أخبرنا شُعبةُ عن قتادةَ. قال: سمعتُ أنساً يقولُ : إن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: "اعتدلوا في السجودِ ولا يَبْسُطَنّ أحَدُكُم ذراعَيه في الصلاةِ بَسْطَ الكلبِ".
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسن صحيحٌ.
ـــــــ
قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نقرة الغراب وافتراش السبع وأن يوطن الرجل المكان في المسجد كما يوطن البعير. وأما حديث البراء فأخرجه مسلم ولفظه: قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إذ سجدت فضع كفيك وارفع مرفقيك" . وأما حديث أنس فأخرجه الشيخان عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اعتدلوا في السجود ولا ينبسط أحدكم ذراعيه انبساط الكلب . وأما حديث أبي حميد فأخرجه البخاري وفيه إذا سجد وضع يديه غير مفترش ولا قابضهما وأخرجه مسلم وتقدم لفظه في الباب المتقدم وأما حديث عائشة فأخرجه مسلم بلفظ . نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يفترش الرجل ذراعيه افتراش السبع.
قوله: "حديث جابر حديث حسن صحيح" وأخرجه أحمد والترمذي وابن خزيمة كذا في فتح الباري.
قوله: "اعتدلوا في السجود" أي كونوا متوسطين بين الافتراش والقبض.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي.

(2/151)


204ـ باب ما جاء في وضع اليدين ونصب القدمين في السجود
276ـ حدثنا عبدُ الله بنُ عبدِ الرحمَنِ أخبرنا معَلّى بنُ أسيدٍ حدثنا وُهَيْبٌ عن محمد بن عَجْلاَنَ عن محمدِ بنِ إِبْرَاهِيمَ عن عامِر بن سعدٍ بن أبي وقاص عن أبيه: "أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم أمَرَ بوضعِ اليدين ونَصْبِ القدمينِ".
277ـ قال عبدُ الله: و قال مُعَلّى حدثنا حمادُ بن مَسْعَدَةَ عن محمدِ بن عَجْلاَنَ عن محمدِ بن إِبْرَاهِيمَ عن عامر بن سعدٍ: "أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم "أمَرَ بوضعِ اليَدَيْنِ" فذكر نحوه ، ولم يذكر فيه "عن أبيه".
ـــــــ
"باب ما جاء في وضع اليدين ونصب القدمين في السجود"
قوله: "حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن" هو الدارمي الحافظ صاحب السند "أخبرنا وهيب" بالتصغير هو ابن خالد بن عجلان الباهلي مولاهم أبو بكر البصري ثقة ثبت لكنه تغير قليلاً بآخره قاله الحافظ "عن محمد بن عجلان" المدني صدوق إلا أنه اختلطت عليه أحاديث أبي هريرة كذا في التقريب "عن محمد بن إبراهيم" بن الحارث بن خالد التيمي المدين ثقة له أفراد "عن عامر بن سعد" بن أبي وقاص ثقة كثير الحديث "عن أبيه" سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أحد العشرة وأول من رمى بسهم في سبيل الله ومناقبه كثيرة.
قوله: "أمر بوضع اليدين" المراد بهما الكفان المنهي عن افتراش الذراعين كافتراش الكلب والمراد وضعهما حذاء المنكبين أو حذاء الوجهين ويستقبل بهما القبلة لما روى مالك في الموطأ عن نافع أن ابن عمر كان يقول: إذا سجد أحدكم فليستقبل القبلة بيديه فإنهما يسجدان مع الوجه انتهى. قلت: ومن ثم ندب ضم الأصابع في السجود لأنها لو انفرجت انحرفت رؤوس بعضها عن القبلة "ونصب القدمين" والمراد أن يجعل قدميه قائمتين على بطون أصابعهما ويستقبل بأطرافهما القبلة كما في حديث أبي حميد في صحيح البخاري.
وله: "وقال المعلى أخبرنا حماد بن مسعدة عن محمد بن عجلان الخ" حاصله أن المعلى بن

(2/152)


قال أبو عيسى: ورَوَى يحيى بنُ سعيدٍ القَطّانُ وغيرُ واحدٍ عن محمدِ بن عَجْلاَنَ عن محمدِ بنِ إِبْرَاهِيمَ عن عامِر بن سعدٍ: "أن النبيّ صلى الله عليه وسلم أمَرَ بوضع اليدين ونصب القدمين" : مُرْسَلٌ.
وهذا أصحّ من حديثِ وُهَيْبٍ.
وهو الذي أجمعَ عليهِ أهلُ العلمِ واختاروهُ.
ـــــــ
أسد روي هذا الحديث عن وهيب وعن حماد بن مسعدة كلاهما عن محمد بن عجلان عن محمد بن إبراهيم عن عامر بن سعد ، فأما وهيب فأسند الحديث فقال عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم الخ ، وأما حماد بن مسعدة فأرسله ولم يذكر عن أبيه. وحديث حماد ابن مسعدة المرسل هو أصح من حديث وهيب المسند ، فإن غير واحد رووه مرسلاً كرواية حماد بن مسعدة.

(2/153)


باب: ما جاء في إقامة الصلب إذا رفع رأسه من السجود و الركوع
...
205ـ باب ما جاءَ في إقامة الصّلْبِ إذا رَفَعَ رأسَه من الركوع والسجود
278ـ حدثنا أحمدُ بن محمدِ بنِ موسى أخبرنا عبدالله بن المبارَكِ أخبرنا شُعْبَةُ عن الحكمِ عن عبدِ الرحمَنِ بن أبي لَيْلَى عن البَرَاءِ بن عازب قال: "كانت صلاةُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم إذا ركعَ وإذا رفعَ رأسَهُ من الركوعِ ، وإذا سَجَدَ وإذا رفعَ رأسَهُ من السجود قريباً من السّوَاءِ".
ـــــــ
"باب ما جاءَ في إقامة الصّلْبِ إذا رَفَعَ رأسَه من الركوع والسجود"
قوله: "كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ركع الخ" ولفظ البخاري: كان ركوع النبي صلى الله عليه وسلم وسجوده وبين السجدتين وإذا رفع من الركوع ماخلاً القيام والقعود قريباً من السواء قال ابن دقيق العيد: هذا الحديث يدل على أن الاعتدال

(2/153)


قال وفي الباب عن أنسٍ.
279 ـ حدثنا محمدُ بن بَشّار حدثنا محمدُ بن جعفرٍ حدثنا شعبة عن الحكَمِ نحوَهُ.
قال أبو عيسى: حديثُ البَرَاءِ حديثٌ حسَنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
ركن طويل وحديث أنس صريح في الدلالة على ذلك بل هو نص فيه فلا ينبغي العدول عنه لدليل ضعيف وهو قولهم لم يسن فيه تكرير التسبيحات كالركوع والسجود . ووجه ضعفه أنه قياس في مقابلة النص فهو فاسد. وأيضاً فالذكر المشروع في الاعتدال أطول من الذكر المشروع في الركوع ، فتكرير سبحان ربي العظيم ثلاثاً يجيء قدر قوله: اللهم ربنا ولك الحمد حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه ، وقد شرع في الاعتدال ذكر أطول كما أخرجه مسلم من حديث عبد الله بن أبي أوفى وأبي سعيد الخدري وعبد الله بن عباس بعد قوله: حمداً كثيراً طيباً ملء السماوات والأرض وملء ما شئت من شيء بعد. زاد في حديث ابن أبي أوفى: اللهم طهرني بالثلج إلخ ، وزاد في حديث الاَخرين: أهل الثناء والمجد إلخ. كذا في فتح الباري ص435ج ا ، والمراد بحديث أنس ما رواه مسلم عنه قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قال سمع الله لمن حمده قام حتى تقول قد أوهم ، ثم يسجد ويقعد بين السجدتين حتى نقول قد أوهم".
قوله: "قريباً من السواء" فيه إشعار بأن فيها تفاوتاً لكنه لم يعينه ، وهو دال على الطمأنينة في الاعتدال وبين السجدتين لما علم من عادته من تطويل الركوع والسجود.
تنبيه: قال بعض الحنفية في تعليقه على الترمذي: في حديث الباب مبالغة الراوي انتهى.
قلت: كلا ثم كلا ، فإن الصحابة رضي الله عنهم كانوا لا يبالغون من عند أنفسم في وصف صلاته وحكاية أفعاله في الصلاة وغيرها ولا يقصرون ، بل يحكون على حسب ما يرون فقوله: في حديث الباب مبالغة الراوي ، باطل ومردود عليه.
قوله: "وفي الباب عن أنس" أخرجه مسلم وتقدم لفظه آنفاً.
قوله: "حديث البراء حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان.

(2/154)


باب: ما جاء في كراهية أن يبادر الإمام في الركوع السجود
...
206ـ بابُ مَا جَاءَ فَي كَراهية أن يبادِرَ الإمامُ بالركوعِ والسجود
280ـ حدثنا محمد بن بشار ، حدثنا عبدُ الرحمَنِ بن مَهْدِي ، حدثنا سُفيَانُ عن أبي إسحاقَ عن عبدِ الله يَزِيدَ قال: حدثنا البَرَاء ـ وهو غيرُ كَذُوبٍ ـ قال: "كُنّا إذا صَلّيْنا خلفَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم فَرَفَعَ رأسَهُ من الركوعِ
ـــــــ
"بابُ مَا جَاءَ فَي كَراهية أن يبادِرَ الإمامُ بالركوعِ والسجود"
قوله: "أخبرنا سفيان" وهو الثوري "عن أبي إسحاق" هو السبيعي "عن عبد الله بن يزيد" الخطمي صحابي صغير كان أميراً على الكوفة في زمن ابن الزبير "وهو غير كذوب" أي غير كاذب. قال الحافظ: الظاهر أنه من كلام عبد الله بن يزيد ، وعلى ذلك جرى الحميدي في جمعه وصاحب العمدة ، لكن روى الدوري في تاريخه عن يحيى بن معين أنه قال: قوله وهو غير كذوب إنما يريد عبد الله بن يزيد الراوي عن البراء لا البراء ، ولا يقال لرجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم غير كذوب يعني أن هذه العبارة إنما تحسن في مشكوك في عدالته ، والصحابة كلهم عدول لا يحتاجون إلى تزكية.
وقد تعقبه الخطابي فقال: هذا القول لا يوجب تهمة في الراوي إنما يوجب حقيقة الصدق له ، قال: وهذه عادتهم إذا أرادوا تأكيد العلم بالراوي والعمل بما روى ، كان أبو هريرة يقول: سمعت خليلي الصادق المصدوق ، وقال ابن مسعود: حدثني الصادق المصدوق ، وقال عياض وتبعه النووي: لا وصم في هذا على الصحابة لأنه لم يرد به التعديل وإنما أراد به تقوية الحديث إذا حدث البراء وهو غير متهم. ومثل هذا قول أبي مسلم الخولاني: حدثني الحبيب الأمين وقد قال ابن مسعود وأبو هريرة فذكرهما قال: وهذا قالوه تنبيهاً على صحة الحديث لا أن قائله قصد به تعديل رواية وأيضاً فتنزيه ابن معين للبراء عن التعديل لأجل صحبته ولم ينزه عن ذلك عبد الله بن يزيد لا وجه له

(2/155)


لم يَحْنِ رجلٌ منّا ظَهْرَهُ حتى يَسْجُدَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فَنَسْجُدَ".
قال وفي الباب عن أنسٍ ومعاويةَ وابن مَسْعَدَةَ صاحبِ الجيوش وأبي هريرةَ.
ـــــــ
فإن عبد الله بن يزيد معدود في الصحابة انتهى كلامه. قال الحافظ: وقد علمت أنه أخذ كلام الخطابي فبسطه واستدرك عليه الإلزام الأخير وليس بوارد ، لأن يحيى بن معين لا يثبت صحبة عبد الله بن يزيد وقد نفاها أيضاً مصعب الزبيري وتوقف فيها أحمد بن حنبل وأبو حاتم وأبو داود وأثبتها ابن البرقي والدارقطني وأخرون انتهى.
قوله: "لم يحن" بفتح التحتانية وسكون المهملة أي لم يثن ، يقال: حنيت العود إذا ثنيته ، وفي رواية لمسلم: لا يحنو وهي لغة صحيحة يقال حنيت وحنوت بمعنى قاله الحافظ "حتى يسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم" وفي رواية للبخاري: حتى يضع جبهته على الأرض "فنسجد" ولأحمد عن غندر عن شعبة حتى يسجد ثم يسجدون. واستدل به ابن الجوزي على أن المأموم لا يشرع في الركن حتى يتمه الإمام: وتعقب المأموم بعد شروعه وقبل الفراغ منه. ووقع في حديث عمرو بن حريث عند مسلم: فكان لا يحنى أحد منا ظهره حتى يستتم ساجداً ، ولأبي يعلى من حديث أنس: حتى يتمكن النبي صلى الله عليه وسلم من السجود وهو أوضح في انتفاء المقارنة قاله الحافظ.
قوله: "وفي الباب عن أنس ومعاوية وابن مسعدة صاحب الجيوش وأبي هريرة" أما حديث أنس فأخرجه مسلم وفيه: يا أيها الناس إني إمامكم لا تسبقوني بالركوع ولا بالسجود ولا بالقيام ولا بالانصراف فإني أراكم أمامي ومن خلفي. وأما حديث معاوية فأخرجه الطبراني في الكبير قال العراقي: ورجاله رجال الصحيح. وأما حديث ابن مسعدة فأخرجه أحمد قال الهيثمي في مجمع الزوائد: ورجاله ثقات إلا أن الذي رواه عن ابن مسعدة عثمان بن أبي سليمان وأكثر روايته عن التابعين انتهى. وأما حديث أبي هريرة فأخرجه الشيخان.
قوله: "حديث البراء حديث صحيح" وأخرجه الشيخان.

(2/156)


قال أبو عيسى: حديثُ البراء حديثٌ حسَنٌ صحيحٌ.
وبه يقولُ أهلُ العلم: إنّ مَن خلفَ الإمام إنما يَتْبَعُونَ الإمام فيما يصنعُ و لا يركعونَ إلا بعدَ ركُوعهِ ، ولا يرفعونَ إلاّ بعدَ رَفْعِهِ . ولا نعلمُ بينهم في ذلك اختلافاً.
ـــــــ
قوله"حديث البراء حديث صحيح" وأخرجه الشيخان.
قوله: "ربه يقول أهل العلم أن من خلف الإمام إنما يتبعون الإمام فبما يصنع ولا يركعون إلا بعد ركوعه ولا يرفعون إلا بعد رفعه إلخ" فلا يجوز لهم التقدم ولا المقاربة.

(2/157)


207ـ باب ما جَاءَ في كرَاهِيةِ الإقْعَاءِ بين السجدتين
281ـ حدثنا عبدُ الله بن عبدِ الرحمَنِ ، أخبرنا عُبَيْدُ الله بن موسى ، حدثنا إسرائِيلُ عن أبي إسحاقَ عن الحارثِ عن عليَ قال: قال لِي رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "يا عليّ ، أُحِبّ لَكَ ما أُحب لنفسي ، وأكرَهُ لكَ ما أكرهُ لنفسي ،
ـــــــ
"باب ما جَاءَ في كرَاهِيةِ الإقْعَاءِ بين السجدتين"
قد اختلف في تفسير الإقعاء اختلافاً كثيراً. قال النووي: والصواب الذي لا يعدل عنه أن الإقعاء نوعان: أحدهما أن يلصق إليتيه بالأرض وينصب ساقيه ويضع يديه على الأرض كإقعاء الكلب ، هكذا فسره أبو عبيدة معمر بن المثنى وصاحبه أبو عبيد القاسم ابن سلام وآخرون من أهل اللغة ، وهذا النوع هو المكروه الذي ورد النهي عنه. والنوع الثاني أن يجعل إليتيه على العقبين بين السجدتين انتهى. وذكر الجزري في النهاية التفسير الأول ثم ذكر التفسير الثاني بلفظ قيل ، ثم قال والقول الأول أصح.
قوله: "حدثنا عبد الله بن دينار" هو الدارمي الحافظ صاحب المسند ثقة متقن.
قوله: "يا علي أحب لك ما أحب لنفسي وأكره لك ما أكره لنفسي" المقصود إظهار

(2/157)


لا تُقْع بينَ السجدتين".
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ لا نعرفهُ من حديثِ عليّ ، إلاّ من حديثِ أبي إسحاقَ عن الحارث عن عليّ.
وقد ضَعّفَ بعض أهلِ العلمِ الحارثَ الأعْوَرَ.
والعمل على هذا الحديث عند أكثرِ أهلِ العلمِ: يكرهونَ الإقعاء.
وفي الباب عن عائشةَ وأنسٍ وأبي هريرةَ.
ـــــــ
المحبة لوقوع النصحية وإلا فهو مع كل مؤمن كذلك "لا تقع بين السجدتين" من الإقعاء ، والحديث فيه النهي عن الإقعاء بين السجدتين ، وحديث ابن عباس المذكور في الباب الاَتي يدل على أنه سنة ، ونذكر وجه الجمع بينهما في الباب الاَتي.
قوله: "وقد ضعف بعض أهل العلم الحارث الأعور" هو الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني بسكون الميم أبو زهير صاحب على ، كذبه الشعبي في رواية ورمى بالرفض وفي حديثه ضعف ، وليس له عند النسائي سوى حديثين ، مات في خلافة ابن الزبير كذا في التقريب. وروى مسلم في مقدمة صحيحه بإسناده عن الشعبي: حدثني الحارث الأعور كان كذاباً انتهى . قال النووي في شرحه: هو متفق على ضعفه انتهى. قال الحافظ في تهذيب التهذيب: قرأت بخط الذهبي في الميزان والنسائي مع تعنته في الرجال قد احتج به والجمهور على توهينه مع روايتهم لحديثه في الأبواب وهذا الشعبي يكذبه ثم يروى عنه ، الظاهر أنه يكذب في حكاياته لا في الحديث . قال الحافظ: لم يحتج به النسائي وإنما خرج له في السنن حديثاً واحداً مقروناً بابن ميسرة وآخر في اليوم والليلة متابعة ، وهذا جميع ماله عنده انتهى.
قوله: "وفي الباب عن عائشة وأنس وأبي هريرة" أما حديث عائشة فأخرجه مسلم وفيه: وكان يقول في كل ركعتين التحيات ، وكان يفرش رجله اليسرى وينصب رجله اليمنى ، وكان ينهى عن عقب الشيطان. وأما حديث أنس فأخرجه ابن ماجه بلفظ:

(2/158)


ـــــــ
إذا رفعت رأس من السجود فلا تقع كما يقعي الكلب. الحديث ، وفي إسناده العلاء أبو محمد وقد ضعفه بعض الأئمة. وأما حديث أبي هريرة فأخرجه أحمد بلفظ: قال نهاني رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ثلاث: عن نقرة كنقرة الديك ، وإقعاء كإقعاء الكلب ، والتفات كالتفات الثعلب. وأخرجه البيهقي أيضاً وهو من رواية ليث بن أبي سليم ، وأخرجه أيضاً أبو يعلى والطبراني في الأوسط. قال الهيثمي في مجمع الزوائد: وإسناد أحمد حسن.

(2/159)


208ـ باب في الرّخْصَةِ في الإقعَاء
282ـ حدثنا يحيى بن موسى حدثنا عبدُ الرزاق أخبرنا ابن جُرَيْجٍ أخبرني أبو الزّبَيْرِ أنه سمعَ طاوُساً يقولُ: "قلنا لابن عباس في الإقعاءِ على القدمين ؟ قال: هي السّنّةُ ، فقلنا: إنّا لَنَرَاهُ جَفَاءً بالرّجُلِ ؟ قال بل هي سُنّةُ نبيّكم صلى الله عليه وسلم".
ـــــــ
"باب في الرّخْصَةِ في الإقعَاء"
تقدم في الباب أن الإقعاء على نوعين، وسيطهر لك أن الرخصة في الإقعاء بالمعنى الثاني "إنا لنراه جفاء بالرجل" قال الحافظ في التلخيص: ضبط ابن عبد البر بالرجل بكسر الراء وإسكان الجيم ، وغلط من ضبطه بفتح الراء وضم الجيم وخالفه الأكثرون. وقال النووي: رد الجمهور على ابن عبد البر وقالوا: الصواب الضم وهو الذي يليق به إضافة الجفاء إليه انتهى. ويؤيد ما ذهب إليه أبو عمر ما روى أحمد في مسنده في هذا الحديث بلفظ: جفاء بالقدم ، ويؤيد ما ذهب إليه الجمهور ما رواه ابن أبي خيثمة بلفظ: لنراه جفاء المرء ، فالله أعلم بالصواب انتهى كلام الحافظ. والجفاء غلط الطبع وترك الصلة والبر "بل هي سنة نبيكم" هذا الحديث نص صريح في أن الإقعاء سنة. واختلف العلماء في الجمع بين هذا الحديث وبين الحديثين الواردة في النهي عن الإقعاء ، فجنح الخطابي والماوردي إلى أن الإقعاء منسوخ ، ولعل ابن عباس لم يبلغه

(2/159)


قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسَنٌ صحيح .
وقد ذهبَ بعضُ أهلِ العِلم إلى هذا الحديثِ من أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم: لا يَرَوْنَ بالإقعاءِ بأساً.
ـــــــ
النسخ وجنح البيهقي إلى الجمع بينهما بأن الإقعاء ضربان: أحدهما أن يضع إليتيه على عقبيه وتكون ركبتاه في الأرض ، وهذا هخو الذي رواه ابن عباس وفعلته العبادلة ونص الشافعي في البويطي على استحبابه بين السجدتين ، لكن الصحيح أن الافتراش أفضل منه لكثرة الرواة له ولأنه أعون للمصلى وأحسن في هيئة الصلاة. والثاني أن يضع إليتيه ويديه على الأرض وينصب ساقيه ، وهذا هو الذي وردت الأحاديث بكراهته ، وتبع البيهقي على هذا الجمع ابن الصلاح والنووي وأنكرا على من ادعى فيهما النسخ وقالا كيف ثبت النسخ مع عدم تعذر الجمع وعدم العلم بالتاريخ كذا في التلخيص الحبير. وقال في النيل: وهذا الجمع لا بد منه وأحاديث النهي والمعارض لها يرشد لما فيها من التصريح بإقعاء الكلب ، ولما في أحاديث العبادلة من التصريح بالإقعاء على القدمين وعلى أطراف الأصابع. وقد روي عن ابن عباس أيضاً أنه قال: من السنة أن تمس عقبيك إليتيك، وهو مفسر للمراد ، فالقول بالنسخ غفلة عن ذلك وعما صرح به الحفاظ من جهل تاريخ هذه الأحاديث وعن المنع من المصير إلى النسخ مع إمكان الجمع ، وقد روى عن جماعة من السلف من الصحابة وغيرهم فعله كما قال النووي ، ونص الشافعي في البويطي والإملاء على استحبابه انتهى ما في النيل.
قلت: الأمر كما قال الشوكاني وقد اختار هذا الجمع بعض الأئمة الحنفية كابن الهمام وغيره.
فائدة: قال ابن حجر المكي الافتراش بين السجدتين أفضل من الإقعاء المسنون بينهما ، لأن ذلك هو الأكثر من أحواله عليه السلام انتهى. قال القاري في المرقاة بعد نقل كلام بن حجر هذا ما لفظه: وفيه أن الأولى أن يحمل الأكثر على أنه هو المسنون وغيره إما لعذر أو لبيان الجواز انتهى.
قلت: لو كان لعذر لم يقل ابن عباس رضي الله عنهما هي سنة نبيكم ، والظاهر هو ما قال ابن حجر والله تعالى أعلم.
قوله: "وقد ذهب بعض أهل العلم إلى هذا الحديث من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لا يرون بالإقعاء بأساً " قال الحافظ في التلخيص وللبيهقي عن ابن عمر أنه كان إذا

(2/160)


وهو قولُ بعض أهلِ مكةَ من أهلِ الفقهِ والعلمِ. قال وأكثرُ أهلِ العلم يَكرهون الإقعاءَ بينَ السجدتينِ.
ـــــــ
رفع رأسه من السجدة الأولى يقعد على أطراف أصابعه ويقول إنه السنة ، وفيه عن ابن عمر وابن عباس أنهما كانا يقعيان ، وعن طاووس قال: رأيت العبادلة يقعون ، أسانيدها صحيحة انتهى.
قلت: لكن إقعاء هؤلاء الصحابة رضي الله عنهم كان بالمعنى الثاني ولم يكن كإقعاء الكلب كما تقدم "وهو قول أهل مكة من أهل الفقة والعلم" وهو قول عطاء وطاووس وابن أبي مليككة ونافع والعبادلة كذا نقل العيني عن ابن تيمية "وأكثر أهل العلم يكرهون الإقعاء بين السجدتين" وهو قول أبي حنيفة ومالك الشافعي وأحمد ، كذا قيل: وقد عفرت أن الشافعي نص في البويطي وغيره على استحبابه. وقال بعض الحنفية: لنا ما في موطأ مالك عن ابن عمر تصريح أنه ليس بسنته ، ومن المعلوم عند المحدثين أن زيادة الاعتماد في نقل السنة على ابن عمر ، فإن ابن عباس ربما يقول باجتهاده ورأيه ويعبره بالسنة انتهى.
قلت: هذا مجرد ادعاء ، ولو سلم فإنما يكون تعبيره بالسنة لا بسنة نبيكم ، وقد قال في الإقعاء: هي سنة نبيكم على أنه صرح ابن عمر أيضاً بأنه سنة كما روى البيه قي عنه أنه كان إذا رفع رأسه من السجدة الأولى يقعد على أطراف أصابعه ويقول إنه السنة وإسناده صحيح كما عرفت

(2/161)


209ـ باب ما يقولُ بينَ السجْدتيْن
283ـ حدثنا سَلَمَةُ بن شَبِيبٍ حدثنا زَيدُ بن حُبَابٍ عن كاملٍ أبي العلاءِ
ـــــــ
"باب ما يقولُ بينَ السجْدتيْن"
قوله: "حدثنا سلمة بن شبيب" المسمعي النيسابوري نزيل مكة ثقة من شيوخ التمرمذي ومسلم وغيرهما "عن كامل أبي العلاء" هو كامل بن العلاء التميمي الكوفي صدوق يخطيء من السابعة كذا في التقريب.

(2/161)


عن حبيب بن أبي ثابت عن سعيدِ بن جُبَيْرٍ عن ابن عباسِ: "أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم كان يقولُ بين السجدتين: اللهُمّ اغْفِرْ لِي وارحَمْني واجْبُرْنِي واهْدِني وارْزُقْنِي".
284 ـ حدثنا الحسنُ بنُ عليَ الخلاَلُ "الحلواني"حدثنا يزيدُ بن هارونَ عن زيدِ ابن حُبَاب عن كامل أبي العلاء: نحوَهُ.
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ غريبٌ. و هكذا رُوِيَ عن عليّ.
وبه يقولُ الشافعيّ وأحمدُ وإسحاقُ: يَرَوْنَ هذا جائزاً في المكتوبةِ والتّطوّعِ. ورَوى بعضُهم هذا الحديثَ عن كاملٍ أبي العَلاءِ مُرْسَلاً.
ـــــــ
قوله: "كان يقول بين السجدتين: اللهم اغفر لي وارحمني واجبرني واهدني وارزقني" وعند أبي داود: اللهم اغفر لي وارحمني وعافني واهدني وارزقني وعند ابن ماجه: رب اغفر لي وارحمني واجبرني وارزقني وارفعني: قال الحافظ في التلخيص: وجمع بينهما الحاكم كلها إلا أنه لم يقل وعافني انتهى. قال الجزري في النهاية: واجبرني أي اغنني من جبر الله مصيبته أي رد عليه ما ذهب عنه أو عوضه عنه وأصله من جبر الكسر ، والحديث يدل على مشروعية الدعاء بهذه الكلمات في القعدة بين السجدتين . وفي الباب عن حذيفة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول بين السجدتين. رب اغفر لي رب اغفر لي ، رواه النسائي وابن ماجه ورواه مسلم في صحيحه مطولاً.
قوله: "هذا حديث غريب" تفرد به كامل أبو العلاء ، ولم يحكم عليه الترمذي بشيء من الصحة والضعف ، ورواه الحاكم وصححه ، وسكت عنه أبو داود وقال المنذري في

(2/162)


ـــــــ
تلخيص السنن: وأخرجه الترمذي وابن ماجه ونق قول الترمذي: هذا حديث غريب إلخ ، ثم قال: وكامل هو أبو العلاء ويقال أبو عبيد الله كامل بن العلاء التميمي السعدي الكوفي وثقه يحيى بن معين وتكلم فيه غيره انتهى كلام المنذري.
قلت: وقال بن عدي: لم أر للمتقدمين فيه كلاماً ، وفي بعض رواياته أشياء أنكرتها ومع هذا أرجو أنه لا بأس بت وقال النسائي: ليس بالقوي ، وقال مرة: ليس بت بأس. وقال ابن حبان كان ممن يقلب الأسانيد ويرفع المراسيل كذا في الميزان وغيره من كتب الرجال. فقول النسائي: ليس بالقوي جرح مبهم ثم هو معارض بقوله: ليس بت بأس. وأما قول ابن حبان: كان ممن يقلب الأسانيد إلخ غير قادح فإنه متعنت ومسرف كما تقرر في مقره ، فحديثه هذا إن لم يكن صحيحاً فلا ينزل عن درجة الحسن والله تعالى أعلم.

(2/163)


210ـ باب ما جاء في الاعتماد في السجود
285ـ حدثنا قُتَيْبَةُ حدثنا الليثُ عن ابن عَجْلاَنَ عن سُمَي عن أبي صالحٍ عن أبي هريرةَ قال: "اشْتَكى بعض أصحابُ النبيّ صلى الله عليه وسلم الى النبي صلى الله عليه وسلم مَشَقّةَ السجودِ عليهم إذا تَفَرّجُوا فقال: اسْتَعِينُوا بالرّكَبِ".
ـــــــ
"باب ما جاء في الاعتماد في السجود"
قوله: "عن سمي" بضم السين وفتح الميم وشدة الياء مولى أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث المخزومي المدني ، روى عن مولاه وأبي صالح ذكوان وابن المسيب وغيرهم: قال أحد وأبو حاتم ثقة ، وذكره ابن حبان في الثقات وقال: قتلته الحرورية سنة خمس وثلاثين: وقال النسائي في الجرح والتعديل: ثقة كذا في تهذيب التهذيب "عن أبي صالح" هو ذكوان.
قوله: "إذا تفرجوا" إذا باعدوا اليدين عن الجنبين ورفعوا البطن عن الفخذين في السجود "استعينوا بالركب" قال ابن عجلان أحد رواة الحديث: وذلك أن يضع مرفقيه

(2/163)


قال أبو عيسى: هذا حديث لا نعرِفهُ من حديث أبي صالحٍ عن أبي هريرةَ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم إلا مِنْ هَذا الوجه ، من حديثِ اللّيْثِ عن ابن عَجْلاَنَ. وقد رَوَى هذا الحديث سُفيَانُ بن عُيَيْنَةَ وغيرُ واحدِ عن سُمَيّ عن النّعْمَانِ بن أبي عَيّاشٍ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم نحو هذا. وكأنّ روايةَ هؤلاء أصحّ من روايةِ اللّيْثِ.
ـــــــ
على ركبتيه إذا طال السجود وأعيا ، ذكره الحافظ في الفتح. والحديث يدل على مشروعية الاستعانة بالركب في السجود عند المشقة في التفريج. قال الحافظ بعد ذكر أحاديث التفريج في السجود ما لفظه: ظاهر هذه الأحاديث وجوب التفريج المذكور لكن أخرج أبو داود ما يدل على أنه للاستحباب وهو حديث أبي هريرة شكا أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم له مشقة السجود عليهم إذا انفرجوا فقال استعينوا بالركب ، وترجم له الرخصة في ذلك أي في ترك التفريج انتهى.
قلت: الظاهر أن التفريج في السجود واجب عند عدم المشقة فيه ، وأما عند وجود المشقة فيه فيجوز ترك التفريج والاستعانة بالركب والله تعالى أعلم. وحديث الباب أخرجه أبو داود.
تنبيه: قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري بعد نقل حديث الباب عن سنن أبي داود ما لفظه: وقد أخرج الترمذي الحديث المذكور ولم يقع في روايته يعني في رواية الترمذي إذا انفرجوا ، فترجم له: باب ما جاء في الاعتماد إذا قام من السجود ، فجعل محل الاستعانة بالركب لمن يرفع من السجود طالباً للقيام واللفظ يحتمل ما قال ، لكن الزيادة التي أخرجها أبو داود تعين المراد انتهى كلام الحافظ. وقال العيني في عمدة القاري ما لفظه: وفي التلويح وزعم أبو داود أن هذا كان رخصة ، وأما أبو عيسى الترمذي فإنه فهم منه غير ما قاله ابن عجلان ، فذكره في باب ما جاء في الاعتماد إذا قام من السجود انتهى.
قلت: قد وقع في جميع نسخ جامع الترمذي الموجودة عندنا: باب ما جاء في الاعتماد في السجود ، وليس في واحد منها إذا قام من السجود ، وقد وقع في جميعها

(2/164)


ـــــــ
لفظ: إذا تفرجوا ، كما وقع في رواية أبي داود ، فلعله وقع في بضع النسخ كما قال الحافظ وصاحب التوشيح والله تعالى أعلم.

(2/165)


211ـ باب كيفَ النهوضُ من السّجود
286ـ حدثنا عليّ بنُ حُجْر أخبرنا هُشَيْمٌ عن خالدٍ الحَذّاءِ عن أبي قِلاَبَةَ عن مالك بن الْحُوَيرِثِ اللّيثيّ: " أنّهُ رأى النّبيّ صلى الله عليه وسلم يُصَلي ، فكانَ إذَا كَانَ في وِتْر مِن صَلاَتِهِ لم يَنْهَضْ حتّى يَسْتَوِيَ جالساً ".
قال أبو عيسى: حديثُ مالكِ بن الْحُوَيْرِثِ حديثٌ حسَنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
"باب كيفَ النهوضُ من السّجود"
قوله: "إذا كان في وتر من صلاته" أي في الركعة الأولى والثالثة "لم ينهض" أي لم يقم "حتى يستوى جالساً " وهذه الجلسة تسمى بجلسة الاستراحة: قال الحافظ في الفتح: وفيه مشروعية جلسة الاستراحة ، وأخذ بها الشافعي وطائفة من أهل الحديث وعن أحمد روايتان ، وذكر الخلال بن أحمد رجع إلى القول بها ، ولم يستحبها الأكثر ، انتهى كلامه.
وأستدل من قال بسنيه جلسة الاستراحة بحديث الباب وهو حديث صحيح وبأحاديث أخرى ، فمنها حديث أبي حميد الساعدي أنه قال في عشرة إن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. أنا أعلمكم بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قالوا فاعرض ، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة رفع يديه الحديث ، وفيه: ثم يهوي إلى الأرض ساجداً فيجافي يديه عن جنبيه ويفتح أصابع رجليه ثم يرفع رأسه ويثني رجله اليسرى فيقعد عليها ، ثم يعتدل حتى يرجع كل عظم في موضعه معتدلاً ، ثم يسجد ، ثم يقول: الله أكبر ويرفع ويثني رجله اليسرى فيقعد عليها ، ثم يعتدل حتى يرجع كل عظم إلى موضعه ، ثم ينهض ، ثم يصنع في الركعة الثانية مثل ذلك إلخ ، رواه أبو داود.

(2/165)


ـــــــ
والدارمي ، وروى الترمذي وابن ماجه معناه ، وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح ، كذا في مشكاة المصابيح . ولفظ الترمذي هكذا: ثم هوى إلى الأرض ساجداً ثم قال الله أكبر ثم جافى عن إبطيه وفتح أصابع رجليه ، ثم ثنى رجله اليسرى وقعد عليها ، ثم اعتدل حتى يرجع كل عظم في موضعه ، ثم ينهض ، ثم صنع في الركعة الثانية مثل ذلك إلخ.
ومنها حديث ابن عباس في صلاة التسبيح رواه أبو داود وآخرون وفيه: ثم تهوى ساجداً فتقولها وأنت ساجداً عشراً ، ثم ترفع رأسك من السجود فتقولها عشراً ثم تسجد فتقولها عشراً ثم ترفع رأسك فتقولها عشراً ، فذلك خمس وسبعون في كل ركعة. تفعل ذلك في أربع ركعات الحديث. قال الفاضل اللكفوي في كتابه الآثار المرفوعة بعد كلام طويل في إثبات صلاة الصبح ما لفظه: إعلم أن أكثر أصحابنا الحنفية وكثيراً من المشايخ الصوفية قد ذكروا في كيفية صلاة التسبيح الكيفية التي حكاها الترمذي والحاكم عن عبد الله بن المبارك الخالية عن جلسة الاستراحة ، والشافعية والمحدثون أكثرهم اختاروا الكيفية المشتملة على جلسة الاستراحة ، وقد علم مما أسلفنا أن الأصح ثبوتاً هو هذه الكيفية ، فليأخذ بها من يصليها حنفياً كان أو شافعياً انتهى. قلت: الأمر كما قال.
تنبيه: قد اعتذر الحنفيه وغيرهم ممن لم يقل بجلسة الاستراحة عن العمل بحديث مالك بن الحويرث المذكور في الباب بأعذار كلها باردة ، فمنها ما قال صاحب الهداية من الحنفية إنه محمول على حال الكبر ورده صاحب بحر الرائق حيث قال: يرد عليه بأن هذا الحمل يحتاج إلى دليل ، وقد قال عليه الصلاة والسلام: "صلوا كما رأيتموني أصلي" انتهى. وقال الحافظ ابن حجر في الدراية: هذا تأويل يحتاج إلى دليل ، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لمالك بن الحويرث لما أراد أن يفارقه: صلوا كما رأيتموني أصلي ، ولم يفصل له فالحديث حجة في الإقتداء به في ذلك انتهى.
ومنها ما قال الطحاوي من أن حديث أبي حميد الساعدي خال عنها أي عن جلسة

(2/166)


والعملُ عليه عند بعضِ أهلِ العلمِ. وبه يقولُ أصحابِنَا.
ـــــــ
الاستراحة ، فإنه ساقه بلفظ: قام ولم يتورك ، قال: فلما تخالفا احتمل أن يكون ما فعله في حديث مالك بن الحويرث لعلة كانت به فقعد لأجلها لا أن ذلك من سنة الصلاة انتهى. وفيه أن الأصل عدم العلة ، وأن مالك بن الحويرث هو راوي حديث: صلوا كما رأيتموني أصلي ، فحكاياته لصفات صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم داخلة تحت هذا الأمر ، ولم تتفق الروايات عن أبي حميد على نفي هذه الجلسة ، بل أخرجه أبو داود من وجه آخر بإثباتها كذا في فتح الباري. قلت: وكذلك أخرجه الترمذي بإثباتها كما تقدم.
ومنها أنها لو كانت لشرع لها ذكر مخصوص . وفيه أنها جلسة خفيفة جداً استغنى فيها بالتكبير المشروع للقيام ، فإنها من جملة النهوض إلى القيام.
ومنها أنها لو كانت سنة لذكرها كل من وصف صلاته صلى الله عليه وسلم: وفيه أن السنن المتفق عليها لم يستوعبها كل واحد ممن وصف صلاته صلى الله عليه وسلم إنما أخذ مجموعها من مجموعهم.
والحاصل أن حديث مالك بن الحويرث حجة قوية لمن قال بسنيه جلسة الاستراحة وهو الحق ، والاعذار التي ذكرها الحنفية وغيرهم لا يليق أن يلتفت إليها.
قوله: "حديث مالك بن الحويرث حديث حسن صحيح" أخرجه الجماعة إلا مسلماً وابن ماجه.
قوله: "والعمل عليه عند بعض أهل العلم" وبه قال الشافعي وطائفة من أهل الحديث ، وإلى القول بها رجع أحمد كما تقدم.
تنبيه: إعلم أنه قد ثبت أن الإمام أحمد رجع عن القول بترك جلسة الاستراحة إلى القول بها. قال ابن قدامة في المغنى: واختلفت الرواية عن أحمد هل يجلس للاستراحة ، فروى عنه لا يجلس وهو اختيار الخرقى ، والرواية الثانية أنه يجلس واختارها الخلال قال الخلال: رجع أبو عبد الله إلى هذا يعني ترك قوله بترك الجلوس لما روى مالك بن الحويرث أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجلس إذا رفع رأسه من السجود قبل أن

(2/167)


ـــــــ
ينهض متفق عليه ، وذكره أيضاً أبو حميد في صفة صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم هو حديث حسن صحيح فيتعين العمل به والضمير إليه انتهى. وكذلك في الشرح الكبير على متن المقنع لشمس الدين أبي الفرج عبد الرحمن المقدسي وفيه: والثانية أنه يجلس. اختارها الخلال ، قال الخلال: رجع أبو عبد الله عن قوله بترك الجلوس. وقال الحافظ بن القيم في زاد المعاد: قال الخلال رجع أحمد إلى حديث مالك بن الحويرث في جلسة الاستراحة انتهى. وكذلك في كثير من كتب الحنابلة وغيرهم. ففي رجوع الإمام أحمد عن القول بترك جلسة الاستراحة إلى القول بها لا شك فيه ، وقد نقل بعض الحنفية في تعليقاته على الترمذي رجوعه عن الحافظ ابن حجر وعن ابن القيم ثم قال: وظني أن أحمد لم يرجع انتهى. قلت: مبني ظنه هذا ومنشؤوه ليس إلا التقليد ، فإنه إذا تمكن في قلب ورسخ فيه ينشأ منه كذلك ظنون فاسدة "وبه يقول أصحابنا" يعني أصحاب الحديث وقد تقدم في المقدمة أن الترمذي رحمه الله إذا قال: أصحابنا ، يريد بهم أصحاب الحديث.

(2/168)


212ـ باب منه أيضاً
287ـ حدثنا يحيى بنُ موسى حدثنا أبو معاوية ، حدثنا خالدُ بنُ إلياسٍ عَنْ صالح مَوْلَى التّوْأَمَةِ ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ قال: "كانَ
ـــــــ
" باب منه أيضاً "
قوله: "عن خالد بن إياس" بكسر الهمزة وخفة التحتية "ويقال خالد بن إلياس" قال الحافظ في التقريب: خالد بن إلياس بن صخر بن أبي الجهم بن حذيفة أبو الهيثم العدوي المدني إمام المسجد النبوي متروك الحديث من السابعة. وقال الذهبي في الميزان: قال البخاري ليس بشيء. وقال أحمد والنسائي متروك "عن صالح مولى التوأمة" بفتح

(2/168)


النبيّ صلى الله عليه وسلم يَنْهَضُ في الصلاةِ على صُدُورِ قَدَمَيْهِ".
قال أبو عيسى: حديثُ أبي هريرَةَ عليه العملُ عندَ أهلِ العلمِ: يختارونَ أن ينهضَ الرجلُ في الصلاةِ على صُدورِ قدميهِ.
وخالدُ بنُ إلياسٍ هو ضعيفٌ عند أهلِ الحديثِ. "قال ويقالُ خالدُ بن إياسَ ايضاً" . وصالح مَولى التّوْأَمَةِ هو صالحُ بنُ أبي صالحٍ. وأبو صالح اسمهُ نَبْهانُ "وهو" مَدَنيّ.
ـــــــ
المثناة وسكون الواو بعدها همزة مفتوحة ، قال الحافظ: صدوق اختلط بآخره. قال ابن عدي: لا بأس به برواية القدماء عنه كابن أبي ذئب وابن جريج من الرابعة.
قوله :"ينهض في الصلاة على صدور قدميه" أي بدون الجلوس . والحديث قد استدل به من لم يقل بسنية جلسة الاستراحة ، لكن الحديث ضعيف لا يقوم بمثله الحجة ، فإن في سنده خالد بن إياس وهو متروك كما عرفت ، وأيضاً فيه صالح مولى التوأمة وكان قد اختلط بآخره كما عرفت.
قوله: "حديث أبي هريرة عليه العمل عند أهل العلم يختارون أن ينهض الرجل في الصلاة على صدور قدميه" لو قال الترمذي: عليه العمل عند بعض أهل العلم أو عند أكثر أهل العلم لكان أولى ، فإنه قد قال في الباب المتقدم بعد رواية حديث مالك بن الحويرث والعمل عليه عند بعض أهل العلم وبه يقول أصحابنا.
واستدل من اختار النهوض في الصلاة على صدور القدمين بحديث الباب ، وقد عرفت أنه حديث ضعيف لا يصلح للاستدلال ، واستدلوا بأحاديث أخرى وآثار ، فعلينا أن نذكرها مع الكلام عليها.
فمنها: حديث عكرمة قال: صليت خلف شيخ بمكة فكبر ثنتين وعشرين تكبيرة فقلت لابن عباس: إنه أحمق ، فقال: ثكلتك أمك سنة أبي القاسم صلى الله عليه وسلم ، رواه البخاري. قيل يستفاد منه ترك الجلسة الاستراحة وإلا لكانت التكبيرات

(2/169)


ـــــــ
أربعاً وعشرين مرة لأنه قد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلما كان يكبر في كل خفض ورفع وقيام وقعود.
وأجيب عنه بأن جلسة الاستراحة جلسة خفيفة جداً ولذلك لم يشرع فيها ذكر ، فهي ليست بجلسة مستقلة بل هي من جملة النهوض إلى القيام ، فكيف يستفاد من هذا الحديث ترك جلسة الاستراحة ، ولو سلم فدلالته على الترك ليس إلا بالإشارة ، وحديث مالك بن الحويرث يدل على ثبوتها بالعبارة. ومن المعلوم أن العبارة مقدمة على الأشارة.
ومنها:حديث أبي مالك الأشعري أنه جمع قومه فقال: يا معشر الأشعريين اجتمعوا واجمعوا نساءكم وأبناءكم أعلمكم صلاة النبي صلى الله عليه وسلم الحديث ، وفيه: ثم كبر وخر ساجداً ثم كبر فرفع رأسه ثم كبر فانتهض قائماً رواه أحمد. قيل: قوله ثم كبر فسجد ثم كبر فانتهض قائماً ، يدل على نفي جلسة الاستراحة.
وأجيب عنه بأن في إسناده شهر بن حوشب ، قال الحافظ في التقريب: كثير الإرسال والأوهام انتهى. ثم هذا الحديث ليس بصريح ينفي جلسة الاستراحة ولو سلم فهو إنما يدل على نفي وجوبها لا على نفي سنيتها ثم حديث مالك بن الحويرث أقوى وأصح وأثبت من هذا الحديث.
ومنها: حديث أبي حميد الساعدي وفيه: ثم كبر فسجد ثم كبر فقام ولم يتورك رواه أبو داود. وأجيب عنه بأن أبا داود رواه بإسناد آخر صحيح. والترمذي بإثبات جلسة الاستراحة ، وقال الترمذي حسن صحيح ، وقد تقدم لفظهما ، والمثبت مقدم على النافي.
وأما الآثار فمنها أثر النعمان بن أبي عياش قال: أدركت غير واحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فكان إذا رفع رأسه من السجدة في أول ركعة والثالثة قام كما هو ولم يجلس ، رواه أبو بكر بن أبي شيبة. والجواب عنه: أن في إسناده محمد بن عجلان وهو مدلس ورواه عن النعمان بن عياش بالعنعنة: على أن محمد بن عجلان سيء الحفظ وقد تفرد هو به ، وروى عنه أبو خالد الأحمر وهو أيضاً سيئ الحفظ.
ومنها أثر ابن مسعود رواه الطبراني في الكبير والبيهقي في السنن الكبرى عن عبد الرحمن بن يزيد قال: رمقت عبد الله بن مسعود في الصلاة فرأيته ينهض ولا يجلس ،

(2/170)


ـــــــ
قال ينهض على صدور قدميه في الركعة الأولى والثالثة.
والجواب عنه أن البيهقي قال في السنن الكبرى بعد ذكر هذا الأثر: وهو عن ابن مسعود صحيح ومتابعة السنة أولى انتهى. كذا في الجوهر النقي ص ج. قلت: وترك ابن مسعود رضي الله عنه جلسة الاستراحة إنما يدل على عدم وجوبها لا على نفي سنيتها. ومنها ما أخرج البيهقي عن عطية العوفي قال: رأيت ابن عمر وابن عباس وابن الزبير وأبا سعيد الخدري يقومون على صدور أقدامهم في الصلاة.
والجواب أن البيهقي قال بعد إخراج هذا الأثر: وعطية لا يحتج به انتهى. وقال الذهبي في الميزان: عيطة بن سعد العوفي الكوفي تابعي شهير ضعيف انتهى.

(2/171)


213ـ باب ما جَاء في التّشهّد
288ـ حدثنا يعقوبُ بن إبراهيم الدّوْرَقِيّ، حدثنا عُبَيْدُ الله الأشْجَعِيّ عن سفيانَ الثوْرِيّ عن أبي إسحاقَ عن الأسْوَدِ بن يزيدَ عن عبد الله بن مسعودٍ قال: "علّمنَا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إذا قَعَدْنَا في الركْعَتَيْنِ أن نقولَ: التّحِيّاتُ لله ، والصّلَوَاتُ والطّيّبَاتُ ، السّلاَمُ عليكَ أيّهَا النّبيّ صلى الله عليه وسلم ورحمةُ
ـــــــ
"باب ما جَاء في التّشهّد"
قوله: "التحيات" جمع تحية ومعناها السلام ، وقيل البقاء ، وقيل العظمة ، وقيل السلامة من الاَفات والنقص ، وقيل الملك. قال المحب الطبري يحتمل أن يكون لفظ التحية مشتركاً بين هذه المعاني. وقال الخطابي والبغوي: المراد بالتحيات لله أنواع التعظيم له "والصلوات" قيل المراد الخمس أو ما هو أعم من ذلك من الفرائض والنوافل في كل شريعة ، وقيل العبادات كلها ، وقيل المراد الرحمة ، وقيل التحيات العبادات القولية ، والصلوات العبادة الفعلية ، والطيبات الصدقات المالية "والطيبات" أي ما طاب من الكلام وحسن أن يثنى به على الله تعالى دون ما لا يليق بصفاته مما كان الملوك

(2/171)


الله وبركاته ، السلامُ علينا وعلى عبادِ الله الصّالِحينَ ، أشْهَدُ أنْ لاَ إلَهَ
ـــــــ
يحيون به ، وقيل الطيبات ذكر الله ، وقيل الأقوال الصالحة كالدعاء والثناء ، وقيل الأعمال الصالحة وهو أعم. قال ابن دقيق العيد: إذا حملت التحية على السلام فيكون التقدير التحيات التي تعظم بها الملوك مستمرة لله تعالى ، وإذا حمل على البقاء فلا شك في اختصاص الله به وكذلك الملك الحقيقي والعظمة التامة ، وإذا حملت الصلاة على العهد أو الجنس كان التقدير أنها لله واجبة لا يجوز أن يقصد بها غيره ، وإذا حملت على الرحمة فيكون معنى قوله لله أنه المتفضل بها لأن الرحمة التامة لله يؤتيها من يشاء ، وإذا حملت على الدعاء فظاهر ، وأما الطيبات فقد فسرت بالأقوال ولعل تفسيرها بما هو أعم أولى فتشمل الأفعال والأقوال والأوصاف ، وطيبها كونها كاملة خالصة عن الشوائب "السلام عليك أيها النبي" فإن قيل: كيف شرع هذا اللفظ وهو خطاب بشر مع كونه منهياً عنه في الصلاة. فالجواب أن ذلك من خصائصه صلى الله عليه وسلم. فإن قيل: ما الحكمة في العدول عن الغيبة إلى الخطاب في قوله عليك أيها النبي مع أن لفظ الغيبة هو الذي يقتضيه السياق كأن يقول السلام على النبي فينتقل من تحية الله إلى تحية النبي ثم إلى تحية النفس ثم إلى تحية الصالحين أجاب الطيبي بما محصله: نحن نتبع لفظ الرسول بعينه الذي كان علمه الصحابة. قاله الحافظ في الفتح قال: وقد ورد في بعض طرق حديث ابن مسعود ما يقتضي المغايرة بين زمانه صلى الله عليه وسلم فيقال بلفظ الخطاب وأما بعده فيقال بلفظ الغيبة ففي الاستيذان من صحيح البخاري من طريق أبي معمر عن ابن مسعود بعد أن ساق حديث التشهد قال وهو بين أظهرنا فلما قبض قلنا السلام يعني على النبي كذا وقع في البخاري وأخرجه أبو عوانة في صحيحه والسارج والجوزقي وأبو نعيم الأصبحاني والبيهقي من طرق متعددة إلى أبي نعيم شيخ البخاري فيه بلفظ فلما قبض قلنا السلام على النبي بحذف لفظ يعني وكذلك رواه أبو بكر بن أبي شيبة عن أبي نعيم قال وقد وجدت له متابعاً قوياً قال عبد الرزاق أخبرنا ابن جريج أخبرني عطاء أن الصحابة كانوا يقولون والنبي صلى الله عليه وسلم حي السلام عليك أيها النبي فلما مات قالوا السلام على النبي وهذا إسناد صحيح انتهى "ورحمة الله" أي إحسانه "وبركاته" أي زيادته من كل خير "السلام علينا" استدل به على استحباب البداءة بالنفس في الدعاء ، وفي الترمذي مصححاً عن أبي بن كعب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذكر أحداً فدعا له بدأ

(2/172)


إلا الله ، وأشْهَدُ أنّ محمداً عبدُه ورسولُهُ".
قال وفي الباب عن ابنِ عُمَرَ وجابرٍ وأبي موسى وعائشةَ.
قال أبو عيسى: حديثُ ابنِ مسعودٍ قد رُوِيَ عنهُ مِن غيرِ وجْهٍ وهو أصحّ حديثٍ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم في التشهدِ.
والعملُ عليه عندَ أكثرِ أهلِ العلمِ من أصحابِ النبي صلى الله عليه وسلم ومَنْ بعدهم من التابعينَ.
ـــــــ
بنفسه ، وأصله ومنه قول نوح وإبراهيم عليها السلام كما في التنزيل "وعلى عباد الله الصالحين" الأشهر في تفسير الصالح أنه القائم بما يجب عليه من حقوق الله وحقوق عباده وتتفاوت درجاته. قال الحكيم الترمذي من أراد أن يحظى بهذا السلام الذي يسلمه الخلق في الصلاة فليكن عبداً صالحاً والإحرام هذا الفضل العظيم كذا في الفتح.
قوله: "وفي الباب عن ابن عمر وجابر وأبي موسى وعائشة أما حديث ابن عمر فأخرجه أبو داود والدارقطني" . والطبراني ، وأما حديث جابر فأخرجه النسائي وابن ماجه والحاكم ورجاله ثقات كذا في النيل ، وأما حديث أبي موسى فأخرجه مسلم وأبو داود والنسائي وأما حديث عائشة فأخرجه الحسن بن سفيان في مسنده والبيهقي ورجح الدارقطني وقفه قاله في النيل.
قوله: "حديث ابن مسعود قد روى عنه من غير وجه هو أصح حديث الخ" قال البزار لما سئل عن أصح حديث في التشهد قال: هو عندي حديث ابن مسعود وروى من نيف وعشرين طريقاً ثم سرد أكثرها وقال لا أعلم في التشهد أثبت منه ولا أصح أسانيد ولا أشهر رجالاً ذكره الحافظ وقال: لا اختلاف بين أهل الحديث في ذلك ، ومن رجحانه أنه متفق عليه دون غيره وأن الرواة عنه الثقات لم يختلفوا في ألفاظه بخلاف غيره. وأنه تلقاه عن النبي صلى الله عليه وسلم تلقينا ، ففي رواية للطحاوي: أخذت التشهد من في رسول الله صلى الله عليه وسلم ولقنيه كلمة كلمة ثم ذكر الحافظ وجوهاً أخر لرجحانه.

(2/173)


وهو قولُ سفيانَ الثوريّ وابنِ المباركِ وأحمدَ وإسحاقَ.
ـــــــ
قوله: "وهو قول سفيان الثوري وابن المبارك وأحمد وإسحاق" وهو قول أبي حنيفة واختار مالك وأصحابه تشهد عمر لكونه علمه للناس وهو على المنبر ولم ينكروه فيكون إجماعاً ولفظه نحو حديث ابن عباس إلا أنه قال الزاكيات بدل المباركات وكأنه بالمعنى واختار الشافعي تشهد ابن عباس وقال بعد أن أخرج حديث ابن عباس: رويت أحاديث في التشهد مختلفة وكان هذا أحب إلى أنه أكملها ، وقال في موضع آخر: وقد سئل عن اختياره تشهد ابن عباس لما رأيته واسعاً وسمعته عن ابن عباس صحيحاً كان عندي أجمع وأكثر لفظاً من غيره وأخذت بت غير معنف لمن يأخذ بغيره مما صح ، ذكره الحافظ وقال ثم إن هذا الاختلاف إنما هو الأفضل وكلام الشافعي المتقدم على ذلك انتهى.
قلت: لا شك في أن حديث ابن مسعود أرجح من جميع الأحاديث المروية في التشهد فالأخذ بت هو الأولى والله تعالى أعلم.

(2/174)


214ـ باب منه أيضاً
289ـ حدثنا قُتَيْبَةُ، حدثنا اللّيْثُ عن أبي الزّبَيْرِ عن سعيد بن جُبَيْرٍ وطاوُسٍ عن ابنِ عباسٍ قال: "كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يُعَلّمُنَا التّشَهُدَ كما يُعَلّمُنَا القُرْآنَ ، فكانَ يقولُ: التّحِيّاتُ المُبَارَكَاتُ الصّلَوَاتُ الطّيّبَاتُ لله ، سَلاَمٌ عليكَ أيّهَا النّبيّ ورحَمةُ الله وبركاتُهُ ، سَلاَمٌ علينا وعلى عبادِ الله الصّالحِينَ ، أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلاّ الله ، وأشْهَدُ أنّ محمداً رسولُ الله".
ـــــــ
"باب منه أيضاً"
قوله: "التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله" المباركات جمع مباركة معناها كثيرة الخير ، وقيل النماء. قال النووي: تقديره والمباركات والصلوات والطيبات كما في حديث ابن مسعود وغيره ولكن حذفت الواو اختصاراً وهو جائز معروف في اللغة "سلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته سلام علينا" كذا وقع في هذا الكتاب سلام عليك

(2/174)


قال أبو عيسى: حديثُ ابن عباس حديثٌ حسَنٌ صحيحٌ غريب.
وقد روى عبدُ الرحمَنِ بنُ حُمَيْدٍ الرّؤاسِيّ هذا الحديثَ عن أبي الزّبَيْرِ نَحْوَ حديثِ اللّيْثِ بن سعدِ.
وَرَوَى أيْمَنُ بنُ نَابِلٍ المَكّيّ هذا الحديثَ عن أبي الزّبَيْرِ عن جابرٍ ، وهو غيرُ مَحْفوظٍ.
وذهب الشافعيّ إلى حديثِ ابن عباسٍ في التشهدِ.
ـــــــ
وسلام علينا بغير الألف واللام ، والحديث رواه مسلم في صحيحه السلام عليك السلام علينا بالألف واللام قال: النووي: يجوز فيه وفيما بعدها حذف اللام وإثباتها والإثبات أفضل وهو الموجود في روايات الصحيحين. قال الحافظ في الفتح لم يقع في شيء من طرق حديث ابن مسعود بحذف اللام وإنما اختلف ذلك في حديث ابن عباس وهو من أفراد مسلم.
قوله: "الرؤاسي" بضم راء فهمزة وسين مهملة منسوب إلى رؤاس بن كلاب كذا في المغنى.
قوله: "وروى أيمن بن نابل" بنون وموحدة "عن أبي الزبير عن جابر" وأما الليث وعبد الرحمن بن حميد فرويا عن أبي الزبير عن سعيد بن جبير وطاووس عن ابن عباس "وهو غير محفوظ" قال الحافظ في التلخيص: أيمن بن نابل رواية عن أبي الزبير أخطأ في إسناده وخالفه الليث وهو من أوثق الناس في أبي الزبير فقال عن أبي الزبير عن طاووس وسعيد بن جبير عن ابن عباس: قال حمزة الكناني: قوله عن جابر خطأ ولا أعلم أحداً قال في التشهد بسم الله وبالله إلا أيمن. وقال الدارقطني: ليس بالقوي خالف الناس ولو لم يكن إلا حديث التشهد. وقال الترمذي سألت البخاري عنه فقال خطأ وقال النسائي لانعلم أحداً تابعه وهو لا بأس به لكن الحديث خطأ انتهى باختصار

(2/175)


215ـ باب ما جاء أنّهُ يُخْفى التّشَهّد
290ـ حدثنا أبو سعيد الأشَجّ حدثنا يونسُ بنُ بُكَيْرٍ عن محمد بن إسحاقَ عن عبدِ الرحمَنِ بن الأسْوَدِ عن أبيهِ عن عبدالله بن مسعودٍ قال: "من السّنّةِ أن يُخْفِيَ التشَهّدَ".
قال أبو عيسى: حديثُ ابنِ مسعودٍ حديثٌ حسَنٌ غريبٌ. والعملُ عليه عندَ أهلِ العلمِ.
ـــــــ
"باب ما جاء أنّهُ يُخْفى التّشَهّد"
قوله: "يونس بن بكير" بن واصل الشيباني أبو بكر الجمال الكوفي صدوق يخطيء قاله الحافظ ، وقال الخزرجي قال ابن معين ثقة وضعفه النسائي ، وقال أبو داود ليس بحجة يأخذ كلام ابن إسحاق فيوصله ، روى له مسلم متابعة.
قوله: "من السنة" قال الطيبي: إذا قال الصحابي من السنة كذا فهو في الحكم كقوله قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، هذا مذهب الجمهور من المحدثين والفقهاء وجعل بعضهم موقوفاً وليس بشيء انتهى.
قوله: "حديث ابن مسعود حديث حسن صحيح" والحديث رواه أبو داود والحاكم في المستدرك وقال صحيح على شرط مسلم. قلت: في سنده يونس بن بكير وقد عرفت حاله ، وفيه محمد بن إسحاق وهو مدلس

(2/176)


216ـ باب كيف الجلوس في التّشَهد
291ـ حدثنا أبو كُرَيْبٍ ، أخبرنا عبدُ الله بن إدريسَ عن عاصم بن كُلَيْبٍ عن أبيهِ عن وائِل بن حُجْرٍ قال: " قَدِمْتُ المدِينَة ، قلت: لأنْظُرَنّ إلى صَلاةِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ، فلما جلس ـ يَعْني ـ للتشَهد افْتَرَشَ رِجْلَهُ اليُسْرَى ، ووضع يَدَهُ اليُسْرَى ـ يَعْني على فَخِذِهِ اليُسْرَى ، ونَصَبَ رِجلَه اليُمْنَى".
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسَنٌ صحيحٌ.
والعمل عليه عندَ أكثر أهل العلمِ.
وهو قولُ سفيانَ الثوريّ وابن المبارك وأهل الكوفة.
ـــــــ
"باب كيف الجلوس في التّشَهد"
قوله: "أخبرنا عبد الله بن إدريس" بن يزيد بن عبد الرحمن الأودي أبو محمد الكوفي ثقة فقيه عابد.
قوله: "افترش رجله اليسرى" وفي رواته الطحاوي وسعيد بن منصور: فرش قدمه اليسرى على الأرض وجلس عليها. والحديث قد احتج به القائلون باستحباب الإفتراش في التشهدين ، وأجيب بأن هذا الحديث مطلق وحديث أبي حميد الآتي مقيد فيحمل المطلق على المقيد.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه.
قوله: "والعمل عليه عند أكثر أهل العلم ، وهو قول سفيان الثوري وابن المبارك وأهل الكوفة" قال النووي: اختلف العلماء في أن الأفضل في الجلوس في التشهدين

(2/177)


ـــــــ
التورك أم الافتراش ، فمذهب مالك وطائفة تفضيل التورك فيهما ، ومذهب أبي حنيفة وطائفة تفضيل الافتراش فيهما ، ومذهب الشافعي وطائفة يفترش في الأول ويتورك في الأخير الحديث أبي حميد الساعدي ورفقته في صحيح البخاري وهو صريح في الفرق بين التشهدين. قال الشافعي والأحاديث الواردة بتورك أو افتراش مطلقة لم يبين فيها أنه في التشهدين أو في أحدهما ، وقد بينه أبو حميد ورفقته ووصفوا الإفتراش في الأول والتورك في الأخير وهذا مبين ، فوجب حمل ذلك المجمل عليه والله أعلم ، انتهى كلام النووي.
وقال الحافظ في الفتح: واختلف فيه قول أحمد ، والمشهور عنه اختصاص التورك بالصلاة التي فيها التشهدان انتهى.
قلت: استدل لما ذهب إليه مالك ومن معه بما رواه مالك في الموطأ عن يحيى بن سعيد أن القاسم بن محمد أراهم الجلوس في التشهد فنصب رجله اليمنى وثنى رجله اليسرى وجلس على وركه الأيسر ولم يجلس على قدمه ثم قال أراني هذا عبيد الله بن عبد الله بن عمر وحدثني أن أباه كان يفعل ذلك.
والجواب: أن هذا معارض بما رواه النسائي من طريق عمرو بن الحارث عن يحيى بن سعيد أن القاسم حدثه عن عبد الله بن عمر عن أبيه قال: من سنة الصلاة أن ينصب اليمنى ويجلس على اليسرى، فيحمل ما رواه مالك على التشهد الأخير وما رواه النسائي على التشهد الأول دفعاً للتعارض.
واستدل للشافعي ومن معه بحديث أبي حميد الساعدي قال: أنا كنت أحفظكم لصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم الحديث وفيه فإذا جلس في الركعتين جلس على رجله اليسرى ونصب اليمنى فإذا جلس في الركعة الآخرة قدم رجله اليسرى ونصب الأخرى وقعد على مقعدته رواه البخاري. قال الحافظ في الفتح: في رواية عبد الحميد حتى إذا كانت السجدة التي يكون فيها التسليم، وفي رواية عند ابن حبان التي تكون خاتمة الصلاة أخرج رجله اليسرى وقعد متوركاً على شقه الأيسر قال: وفي هذا الحديث حجة قوية للشافعي ومن قال بقوله في أن هيئة الجلوس في التشهد الأول مغايرة.

(2/178)


ـــــــ
لهيئة الجلوس في الأخير. وقد قيل في حكمة المغايرة بينهما إنه أقرب إلى عدم اشتباه عدد الركعات ولأن الأول تعقبه حركة بخلاف الثاني ، ولأن المسبوق إذا رآه علم قدر ما سبق به واستدل به الشافعي أيضاً على أن تشهد الصبح كالتشهد الأخير من غيره لعموم قوله في الركعة الأخيرة انتهى كلام الحافظ.
واستدل لما ذهب إليه أبو حنيفة ومن معه من تفضيل الافتراش في التشهدين بحديث وائل بن حجر المذكور في هذا الباب.
والجواب: أنه محمول على التشهد الأول بحديث أبي حميد الساعدي المذكور لما رواه النسائي في باب موضع اليدين عند الجلوس للتشهد الأول عن وائل بن حجر قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأيته يرفع يديه إذا افتتح الصلاة الحديث ، وفيه وإذا جلس في الركعتين أضجع اليسرى ونصب اليمنى إلخ وبحديث عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستفتح الصلاة الحديث وفيه: وكان يقول في كل ركعتين التحيات وكان يفرش رجله اليسرى وينصب رجله اليمنى وكان ينهى عن عقبة الشيطان رواه مسلم.
والجواب: أن هذا الحديث محمول على التشهد الأول جمعاً بين الأحاديث. وأما قول ابن التركماني بأن اطلاقه يدل على أن ذلك كان في التشهدين بل هو في قوة قولها: وكان يفعل ذلك في التشهدين إذ قولها أولاً: وكان يقول في كل ركعتين التحيات يدل على هذا التقرير ففيه وإن إطلاقه وإن كان يدل على ما قال لكن حمله على التشهد الأول متعين جمعاً بين الأحاديث.
على أن حديث أبي حميد الساعدي المذكور نص صريح في ثبوت التورك في التشهد الثاني ، وحديث عائشة ليس بنص في نفيه بل غاية ما يقال إنه يدل بظاهره على نفي التورك ، وقد تقرر في مقره أن النص يقدم على الظاهر عند التعارض ، وبحديث ابن عمر قال: من سنة الصلاة أن تنصب القدم اليمنى واستقباله بأصابعه القبلة والجلوس على اليسرى رواه النسائي.
قلت: تقدم الجواب عن هذا الحديث آنفاً فتذكر.

(2/179)


ـــــــ
والحاصل: أنه ليس نص صريح فيما ذهب إليه مالك ومن معه ولا فيما ذهب إليه أبو حنيفة ومن معه وأما ما ذهب إليه الشافعي ومن معه ففيه نص صريح فهو المذهب الراجح: تنبيه: اعلم أن صاحب الهداية من الحنفية أجاب عن حديث أبي حميد الساعدي بأنه ضعفه الطحاوي أو يحمل على الكبر.
قلت: جوابه هذا ليس مما يصغى إليه. قال الحافظ في الدراية: قوله والحديث يعني حديث أبي حميد ضعفه الطحاوي أو يحمل على حالة الكبر ، أما تضعيف الطحاوي فمذكور في شرحه بمالا يلتفت إليه ، وأما الحمل فلا يصح لأن أبا حميد وصف صلاته التي واظب عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم ووافقه عشرة من الصحابة ولم يخصوا ذلك بحال الكبر ، والعبرة بعموم اللفظ ، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: صلوا كما رأيتموني أصلي انتهى كلام الحافظ: وقد أنصف صاحب التعليق الممجد من الحنفية حيث قال في تلعيقه على موطأ محمد المسمى بالتعليق الممجد: وحمل أصحابنا هذا يعني حديث أبي حميد الساعدي على العذر وعلى بيان الجواز وهو حمل يحتاج إلى دليل ، ومال الطحاوي إلى تضعيفه ، وتعقبه البيهقي وغيره في ذلك بما لا مزيد عليه. وذكر قاسم بن قطلوبغا في رسالته الأسوس في كيفية الجلوس: في إثبات مذهب الحنفية أحاديث كحديث عائشة: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفرش رجله اليسرى وينصب اليمنى ، وحديث وائل: صليت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما قعد وتشهد فرش رجله اليسرى أخرجه سعيد بن منصور ، وحديث المسيء صلاته أنه قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: فإذا جلست فاجلس على فخذك اليسرى أخرجه أحمد وأبو داود، وحديث ابن عمر: من سنة الصلاة إلخ. ولا يخفى على الفطن أن هذه الأخبار وأمثالها لا تدل على مذهبنا صريحاً بل يحتمله وغيره، وما كان منها دالاً صريحاً لا يدل على كونه في جميع القعدات على ما هو المدعى ، والإنصاف أنه لم يوجد حديث يدل صريحاً على استنان الجلوس على الرجل اليسرى في القعدة الأخيرة، وحديث أبي حميد مفصل فليحمل المبهم على المفصل انتهى.

(2/180)


217ـ باب منه أيضاً
292ـ حدثنا بُنْدَارٌ محمد بن بشار حدثنا أبو عامرٍ العَقَدِيّ حدثنا فُلَيْحُ بن سليمانَ المدنيّ حدثني عباسُ بن سهلٍ السّاعِديّ قال: "اجتَمَعَ أبو حُمَيْدٍ وأبو أُسَيْدٍ وسهلُ ابن سعدٍ ومحمدُ بنِ مَسْلَمَةَ ، فذَكرُوا صلاةَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ، فقالَ أبو حُمَيْدٍ: أنا أعْلَمُكُم بِصلاةِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ، إنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم جَلَسَ ـ يَعْني للتشهد ـ فافترشَ رجلَه اليُسرَى ، وأقْبَلَ بصَدْر اليُمْنَى على قِبْلَتِهِ ، ووضَعَ كفّهُ اليُمْنَى على رُكبتِه اليُمْنَى ، وكَفّهُ اليُسْرَى على رُكبتِه اليُسْرَى ، وأشَارَ بِأُصْبَعِهِ ، يَعنِي السّبّابَةَ".
قال أبو عيسى: وهذا حديثٌ حسَنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
"باب منه أيضاً"
قوله: "أخبرنا فليح بن سليمان" بن أبي المغيرة المدني ويقال فليح لقب واسمه عبد الملك صدوق كثير الخطأ "أخبرنا عباس بن سهل الساعدي" ثقة.
قوله: "فافترش رجله اليسرى وأقبل بصدر اليمنى على قبلته" هذه الجلسة هي جلسة التشهد الأول بديل حديث أبي حميد الذي رواه البخاري فإنه وصف فيه هيئة الجلوس الأول بهذه الصفة ، ثم وصف بعدها هيئة الجلوس الاَخر فذكر التورك ، وقد تقدم لفظه. ورواه الترمذي في هذا الباب مختصراً ورواه في باب وصف الصلاة مطولاً وفي آخره. حتى كانت الركعة التي تنقضي فيها صلاته ، أخر رجله اليسرى وقعد على شقه متوركاً ثم سلم.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" أخرجه الجماعة إلا مسلماً.

(2/181)


وبه يقولُ بعضُ أهلِ العلمِ.
وهو قولُ الشافعيّ وأحمدَ وإسحَاقَ ، قالوا: يَقْعُدُ في التشهد الاَخر على وَركِهِ واحتجوا بحديث أبي حُمَيْدٍ ، وقالوا: يَقْعدُ في التشهدِ الأوّلِ عَلَى رِجلهِ اليُسْرَى وينصِبُ اليُمْنَى.
ـــــــ
قوله: "وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق قالوا: يقعد في التشهد الاَخر على وركه" قال في القاموس: الورك بالفتح والكسر وككيف ما فوق الفخذ مؤنثة ج أوراك وورك يرك وركا وتورك وتوارك اعتمد على وركه انتهى. وقد تقدم أن المشهور عن أحمد اختصاص التورك بالصلاة التي فيها تشهدان "واحتجوا بحديث أبي حميد" أي بحديثه المطول الاَتي في باب وصف الصلاة وهو احتجاج قوي لمن قال بسنية التورك في الجلسة الأخيرة وهو القول الراجح وأما قول من قال الحنفية كصاحب الهداية إنه ضعيف أو إنه محمول على حالة الكبر أو على حالة الكبر أو على حالة العذر فهو مما لا يلتفت إليه كما عرفت في الباب المتقدم

(2/182)


218ـ باب ما جاءَ في الإشارةِ
293ـ حدثنا محمودُ بن غَيلاَنَ ويحيى بن موسى وغير واحد قالوا حدثنا عبدُ الرّزّاقِ عن مَعْمَرٍ عن عُبَيْدِ الله بنِ عمرَ عن نافعٍ عن ابن عمرَ: "أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم كان إذا جلسَ في الصلاةِ وضعَ يَدَهُ اليمنى على ركبتهِ ورفعَ أُصْبَعَهُ التي تلي
ـــــــ
"باب ما جاءَ في الإشارةِ"
قوله: "كان إذا جلس في الصلاة وضع يده اليمنى على ركبته ورفع إصبعه" ظاهره

(2/182)


الإبهامَ يَدْعُو بِهَا ، ويدُه اليسرَى على ركبتهِ باسِطها عليه".
قال وفي الباب عن عَبْدِ الله بن الزّبَيْرِ وَنُمَيْر الخُزَاعِيّ وأبي هُرَيرَةَ وأبي حُمَيْدٍ ووائِل بن حُجْرٍ.
ـــــــ
أن رفع الإصبع كان في ابتداء الجلوس "التي تلي الإبهام" وهي المسبحة "يدعو بها" أي يشير بها "باسطها عليه" بالنصب أي حال كونه باسطايده على ركبته اليسرى من غير رفع إصبع ، وفي رواية مسلم باسطها عليها وهو الظاهر.
واعلم أنه قد ورد في وضع اليد اليمنى على الفخذ حال التشهد هيئات هذه إحداها وليس في هذا الحديث ذكر قبض الأصابع وكذلك أخرج مسلم من حديث ابن الزبير وكذلك أخرج أبو داود والترمذي من حديث أبي حميد بدون ذكر القبض ، والظاهر أن تحمل هذه الأحاديث على الأحاديث التي فيها ذكر القبض.
والثانية: أن يعقد الخنصر والبنصر والوسطى ويرسل المسبحة ويضم الإبهام إلى أصل المسبحة هو عقد ثلاثة وخمسين كما أخرج مسلم من حديث ابن عمر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا قعد في التشهد وضع يده اليسرى على ركبته اليسرى ووضع يده اليمنى وعقد ثلاثاً وخمسين وأشار بالسبابة قال الحافظ في التلخيص بعد ذكر هذا الحديث: وصورتها أن يجعل الإبهام معترضة تحت المسبحة انتهى.
والثالثة: أن يعقد الخنصر والبنصر ويرسل السبابة ويحلق الإبهام والوسطى كما أخرج أبو داود والنسائي من حديث وائل بن حجر في وصف صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيه: ثم جلس فافترش رجله اليسرى ووضع يده ووضع يده اليسرى على فخذه اليسرى وحد مرفقه الأيمن على فخذه الأيمن على فخذه اليمنى وقبض ثنتين وحلق حلقة وأشار بالسبابة.
والرابعة: قبض الأصابع كلها والإشارة بالسبابة ما روي مسلم من حديث ابن عمر مرفوعاً كان إذا جلس في الصلاة وضع كفه اليمنى على فخذه اليمنى وقبض أصابعه كلها وأشار بأصبعه التي تلي الإبهام. قال الزيلعي: الأخبار وردت بها جميعاً ، وكان رسول الله

(2/183)


قال أبو عيسى: حديثُ ابن عُمَرَ حديثٌ حسَنٌ غريبٌ ، لا نعرِفهُ مِنْ حديثِ عُبَيدِ الله بن عمرَ إلا مِن هذا الوجهِ.
والعملُ عليه عندَ بعضِ أهلِ العلمِ مِن أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم والتابعينَ: يختارُونَ الإشارةَ في التشهدِ. وهو قولُ أصحابِنا.
ـــــــ
صلى الله عليه وسلم يصنع مرة هكذا مرة هكذا. وقال محمد بن إسماعيل الأمير في سبل السلام: الظاهر أنه مخير بين هذه الهيئات انتهى. فجعل الحافظ ابن القيم في زاد المعاد هذه الروايات كلها واحدة وتكلف في بيان توحيدها. والحق ما قال الرافعي ومحمد بن إسماعيل الأمير.
قوله: "حديث ابن عمر حديث حسن غريب الخ" وأخرجه مسلم.
قوله: "والعمل عليه عند بعض أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والتابعين يختارون الإشارة في التشهد هو قول أصحابنا" المراد بقوله أصحابنا أهل الحديث رحمهم الله تعالى كما حققناه في المقدمة ، وكان الترمذي أن يقول: والعمل عليه عند أهل العلم أو عند عامة أهل العلم ، فإنه لا يعرف في هذا خلاف السلف. قال محمد في موطأه بعد ذكر حديث ابن عمر في الإشارة: وبصنع رسول الله صلى الله عليه وسلم نأخذ. وهو قول أبي حنيفة انتهى. قال علي القاري: وكذا قول مالك والشافعي وأحمد ولا يعرف في المسألة خلاف السلف من العلماء وإنما خالف فيها بعض الخلف في مذهبنا من الفقهاء انتهى. وقال صاحب التعليق الممجد من العلماء الحنفية ، أصحابنا الثلاثة يعني أبا حنيفة وأبا يوسف ومحمداً اتفقوا على تجويز الإشارة لثبوتها عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بروايات متعددة وقد قال به غير واحد من العلماء حتى قال ابن عبد البر إنه لا خلاف في ذلك ، وإلى الله المشتكى من صنيع كثير من أصحابنا من أصحاب الفتاوى كصاحب الخلاصة وغيره حيث ذكروا أن المختار عدم الأشارة بل ذكر بعضهم أنها مكروهة ، فالحذر الحذر من الاعتماد على قولهم في هذه المسألة انتهى.
تنبيه: قال النووي: في شرح مسلم: قال أصحابنا: يشير عند قوله: إلا الله من

(2/184)


ـــــــ
الشهادة انتهى. وقال صاحب سبل السلام: موضع الإشارة عند قوله: لا إله إلا الله ، لما رواه البيهقي من فعل النبي صلى الله عليه وسلم انتهى. وقال الطيبي في شرح قوله وأشار بالسبابة في حديث ابن عمر أي رفعها عند قوله إلا الله ليطابق القول الفعل على التوحيد انتهى. وقال علي القاري في المرقاة بعد ذكر قول الطيبي هذا: وعندنا يعني الحنفية يرفعها عند لا إله ويضعها عند إلا الله لمناسبة الرفع للنفي وملاءمة الوضع للإثبات ومطابقة بين القول والفعل حقيقة انتهى.
قلت: ظاهر الأحاديث يدل على الإشارة من ابتداء الجلوس ولم أر حديثاً صحيحاً يدل على ما قال الشافعية والحنفية. وأما ما رواه البيهقي من فعل النبي صلى الله عليه وسلم فلم أقف عليه ولم يذكر صاحب السبل سنده ولا لفظه فالله تعالى أعلم كيف حاله.
تنبيه آخر: قد جاء في تحريك السبابة حين الإشارة حديثان مختلفان ، فروى أبو داود والنسائي عن عبد الله بن الزبير قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يشير بأصبعه إذا دعا ولا يحركها. قال النووي إسناده صحيح. فهذا الحديث يدل صراحة على عدم التحريك وهو قول أبي حنيفة. وحديث وائل بن حجر يدل على التحريك وهو مذهب مالك. قال البيهقي: يحتمل أن يكون المراد بالتحريك الإشارة بها لا تكرير تحريكها حتى يعارض حديث ابن الزبير عند أحمد وأبي داود والنسائي وابن حبان في صحيحه بلفظ: كان يشير بالسبابة ولا يحركها ولا يجاوز بصره إشارته. قال الشوكاني في النيل: ومما يرشد إلى ما ذكره البيهقي ، رواية أبي داود لحديث وائل فإنها بلفظ: وأشار بالسبابة انتهى.
فائدة: السنة أن لا يجاوز بصره إشارته كما في حديث ابن الزبير المذكور آنفاً ويشير بها موجهة إلى القبلة وينوي بالإشارة التوحيد والإخلاص. وقال ابن رسلان: والحكمة في الإشارة بها أن المعبود سبحانه وتعالى واحد ليجمع في توحيده بين القول والفعل والاعتقاد

(2/185)


219ـ باب ما جاء في التّسليمِ في الصلاة
294ـ حدثنا محمد بن بشار حدثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مَهْدِيَ ، حدثنا سُفيانُ عن أبي إسحاقَ عن أبي الأحْوَصِ عن عبدِ الله عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: "أنّهُ كانَ يُسَلّم عن يمينِهِ وعن يسَارِهِ: السلامُ عليكُمْ ورحمة الله ، السلامُ عليكم ورحمةُ الله".
قال وفي الباب عن سعدِ بنِ أبي وقّاصٍ وابنِ عمرَ وجابرِ بن سَمُرَةَ والبَرَاءِ وَعمّارٍ ووائِلِ بنِ حُجْرٍ و عَدِيّ بن عَمِيرَةَ وجابرِ بن عبدِ الله.
ـــــــ
"باب ما جاء في التسليم في الصلاة"
قوله: "عن عبد الله" هو ابن مسعود رضي الله عنه "كان يسلم عن يمينه" قال الطيبي: أي مجاوزاً نظره عن يمينه كما يسلم أحد على من في يمينه "وعن يساره" فيه مشروعية أن يكون التسليم إلى جهة اليمين ثم إلى جهة اليسار ، وزاد أبو داود حتى يرى بياض خده. وفيه دليل على مبالغة في الإلتفات إلى جهة اليمين وإلى جهة اليسار "السلام عليكم الخ" إما حال مؤكدة أي يسلم قائلاً السلام عليكم أو جملة استئنافية على تقدير ماذا كان يقول.
قوله: "وفي الباب عن سعد بن أبي وقاص وابن عمر وجابر بن سمرة والبراء وعمار ووائل بن حجر وعدي بن عميرة وجابر بن عبد الله" أما حديث سعد بن أبي وقاص فأخرجه مسلم بلفظ قال: كنت أرى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسلم عن يمينه وعن يساره حتى أرى بياض خده. وأما حديث ابن عمر فأخرجه البيهقي مرفوعاً بلفظ: كان يسلم عن يمينه وعن يساره. وأما حديث جابر بن سمرة فأخرجه مسلم. وأما حديث البراء

(2/186)


قال أبو عيسى: حديثُ ابنُ مسعودٍ حديثٌ حسَنٌ صحيحٌ.
والعملُ عليه عند أكثرِ أهلِ العلمِ من أصحابِ النبيّ صلى الله عليه وسلم ومَن بعدهم.
وهو قولُ سفيانَ الثّوْرِيّ وابنِ المباركِ وأحمدَ وإسحاقَ.
ـــــــ
فأخرجه الدار قطني في سننه بلفظ: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسلم تسليمتين ، وفيه حريث بن أبي عطر تكلم فيه البخاري وغيره. وأما حديث عمار فأخرجه الدارقطني وابن ماجه. وأما حديث وائل بن حجر فأخرجه أبو داود قال: صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم فكان يسلم عن يمينه السلام عليكم ورحمة الله وعن شماله السلام عليكم ورحمة الله. قال النووي: في الخلاصة: إسناده صحيح. وأما حديث عدي بن عميرة فأخرجه ابن ماجه. قال الحافظ في التلخيص: إسناده حسن. وأما حديث جابر بن عبد الله فلينظر من أخرجه. وفي الباب أحاديث أخرى ذكرها الحافظ في التلخيص والزيلعي في نصب الراية من شاء الوقوف عليها فليرجع إليهما.
قوله: "حديث ابن مسعود حديث حسن صحيح" قال في التلخيص: أخرجه الأربعة والدارقطني وابن حبان وله ألفاظ وأصله في صحيح مسلم من طريق أبي معمر أن أميراً كان بمكة يسلم تسليمتين فقال عبد الله يعني ابن مسعود أني علقها ، من رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يفعله . وقال العقيلي: والأسانيد صحاح ثابتة في حديث ابن مسعود في تسليمتين ولا يصح في تسلمية واحدة.
قوله: "والعمل عليه" أي على ما يدل عليه حديث ابن مسعود من أن المسنون في الصلاة تلسيمتان "عن أكثر أهل العلم الخ" وهو القول الراجح المنصور المعول عليه

(2/187)


220ـ باب منه أيضاً
295ـ حدثنا محمد بن يحيى النّيْسَابُورِيّ ، أخبرنا عَمْرُو بن أبي سَلَمَةَ عن زُهَيْر بن محمدٍ عن هشامِ بن عُرْوَةَ عن أبِيهِ عن عائشةَ: " أنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم كان يُسَلّمُ في الصلاةِ تَسْلِيمَةً واحدةً تِلْقَاءَ وجههِ ، يَمِيلُ إلى الشّقّ الأيْمَنِ شَيْئاً ".
قال وفي الباب عن سهلِ بن سعدٍ.
ـــــــ
"باب منه أيضاً"
قوله: "عن زهير بن محمد" قال الحافظ في التقريب: زهير بن محمد التيمي أبو المنذر سكن الشام ثم الحجاز ورواية أهل الشام عنه غير مستقيمة فضعف بسببها. قال البخاري عن أحمد: كان زهيراً الذي يروى عنه الشاميون آخر. وقال أبو حاتم: حدث بالشام من حفظه فكثر غلطله انتهى.
قوله: "كان يسلم في الصلاة تسليمة واحدة تلقاء وجهه" فيه دلالة على مشروعية التسليمة الواحدة في الصلاة لكن الحديث ضعيف فإنه رواه عن زهير بن محمد عمرو بن أبي سلمة وهو شامي ورواية أهل الشام عنه ضعيفة. وقال الحافظ ابن حجر في مقدمة الفتح. أما رواية عمرو بن أبي سلمة التنيسي يعين عن زهير بن محمد فبواطيل انتهى. وقال في الفتح ذكر العقيلي وابن عبد البر كن حديث التسليمة الواحدة معلول ، وبسط بن عبد البر الكلام على ذلك انتهى.
قوله: "وفي الباب عن سهل بن سعد" أخرجه ابن ماجه بلفظ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سلم تسليمة واحدة تلقاء وجهه ، وفي إسناده عبد المهيمن بن عباس بن سهل

(2/188)


قال أبو عيسى: وحديثُ عائشةَ لا نعرفُهُ مرفوعاً إلا من هذا الوجه.
قال محمدُ بنُ إسماعيل: زُهَيْرُ بنُ محمدٍ أهْلُ الشّأْم يَرْوُونَ عنه مَنَاكِيرَ ، وَرِوَايَةُ أهلِ العراقِ أشْبَهُ".
قال محمدٌ: وقال أحمدُ بنُ حَنبل: كَأَنّ زُهَيْرَ بنَ محمدٍ الذي كان وقعَ عندَهُم ليسَ هو هذا الذي يُرْوَى عنه بالعراقِ ، كأنّهُ رجلٌ آخرُ ، قَلَبُوا اسْمُهُ.
قال أبو عيسى: وقد قالَ به بعضُ أهلِ العلمِ في التّسْلِيمِ في الصلاة: وأصَحّ الرّوَايَاتِ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم تَسْلِيمَتَينِ. وعليه أكْثَرُ أهلِ العلمِ مِنْ أصحابِ النبيّ صلى الله عليه وسلم والتابعينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ.
ـــــــ
بن سعد ، وقد قال البخاري إنه منكر الحديث ، وقال النسائي متروك كذا في النيل.
وفي الباب أحاديث أخرى كلها ضعيفة ذكرها الزيلعي في نصب الراية مع بيان ضعفها.
قوله: "وحديث عائشة لا نعرفه إلا من هذا الوجه" والحديث أخرجه ابن ماجه والحاكم في المستدرك وقال على شرط الشيخين. قال صاحب التنقيح: وزهير بن محمد وإن كان من رجال الصحيحين لكن له مناكير. وهذا الحديث منها. قال أبو حاتم: هو حديث منكر والحديث أصله الوقف على عائشة هكذا رواه الحفاظ انتهى. وقال النووي في الخلاصة: هو حديث ضعيف ولا يقبل تصحيح الحاكم له وليس في الاقتصار على تسليمة واحدة شيء ثابت انتهى ، كذا في نصب الراية.
قوله: "ورواية أهل العراق أشبه" أي رواية أهل العراق عن زهير بن محمد أشبه بالصواب والصحة "كأن" من الحروف المشبهة بالفعل "والذي كان وقع عندهم" أي عند أهل الشام "ليس هو هذا الذي يروى عنه بالعراق" أي يروى الناس عنه في العراق ، فقوله يروى بصيغة المجهول.
قوله: "وقد قال به بعض أهل العلم في التسليم في الصلاة" يعني قال بالتسليم الواحد

(2/189)


وَرَأَى قومٌ من أصحابِ النبيّ صلى الله عليه وسلم وغيرِهم تَسْلِيمَةً واحدةً في المكتوبة.
قال الشافِعيّ: إنْ شَاءَ سَلّمَ تسليمَةً واحدةً ، وإنْ شَاءَ سَلّمَ تَسْلِيمَتَيْنِ.
ـــــــ
في الصلاة. قال الشوكاني في النيل: وذهب إلى أن المشروع تسليمة واحدة ابن عمر وأنس وسلمة بن الأكرع وعائشة من الصحابة ، والحسن وابن سيرين وعمر بن عبد العزيز من التابعين ، ومالك والأوزاعي والإمامية وأحد قولي الشافعي وغيرهم ، قال والحق ما ذهب إليه الأولون يعني القائلين بالتسلمتين لكثرة الأحاديث الواردة بالتسليمتين وصحة بعضها وحسن بعضها واشتمالها على الزيادة ، وكونها مثبتة بخلاف الأحاديث الواردة في التسليمة الواحدة ، فإنها مع قلتها ضعيفة لا تنتهض للاحتجاج ، ولو سلم أنتهاضها لم تصللح لمعارضته أحاديث التسليمتين لما عرفت من اشتمالها على الزيادة انتهى كلام الشوكاني.
قوله: "قال الشافعي إن شاء سلم تسليمة واحدة وإن شاء تسليمتين" كذا قال الترمذي، وقال النووي في شرح مسلم تحت حديث سعد رضي الله عنه ، قال: كنت أرى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسلم عن يمينه وعن يساره إلخ فيه دلالة لمذهب الشافعي والجمهور من السلف والخلف أنه يسن تسليمتان انتهى فكلام النووي ، هذا خلاف ما حكاه الترمذي عن الشافعي. فالظاهر أن للشافعي في هذه المسألة قولين.

(2/190)


221ـ باب ما جاء أنّ حذف السلام سنة
296ـ حدثنا عليّ بنُ حُجْرٍ ـ أخبرنا عبدُ الله بنُ المباركِ و هِقْلُ بنُ زِيَادٍ
ـــــــ
"باب ما جاء أنّ حذف السلام سنة"
قال ابن الأثين: حذف السلام هو تخفيفه وترك الإطالة فيه ، يدل عليه حديث النخعي التكبير جزم والسلام جزم فإنه إذا جزم السلام وقطعه فقد خففه وحذفه انتهى.
قوله: "والهقل بن زياد" بكسر أوله وسكون القاف ثم لام قيل هو لقب واسمه

(2/190)


عن الأوْزَاعِيّ عن قُرّةَ بن عبدِ الرحمَنِ عن الزّهْرِيّ عن أبي سَلَمَةَ عن أبي هُرَيرةَ قال: " حَذْفُ السّلاَمِ سُنّةٌ ".
قال عليّ بنُ حُجْرٍ: و قال عبدالله بن المُبَارَكِ: يَعْنِي أنْ لاَ يَمُدّهُ مَدّا.
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسَنٌ صحيحٌ. وهو الذي يَسْتَحِبّهُ أهلُ العلمِ.
وَرُوِيَ عن إبراهيمَ النّخَعِيّ أنه قال: التكبيرُ جَزْمٌ ، والسلامُ جَزْمٌ . وهِقْلٌ "يُقَالُ: كانَ" كاتبَ الأوْزَاعِيّ.
ـــــــ
محمد أو عبد الله وكان كاتب الأوزاعي ثقة كذا في التقريب.
قوله: "حذف السلام" بفتح الماء المهملة وسكون الذال المعجمة بعدها فاء هو ما نقل الترمذي عن ابن المبارك" أي تمده مداً يعني يترك الإطالة في لفظه ويسرع فيه. وقال ابن سيد الناس: قال العلماء يستحب أن يدرج لفظ السلام ولا يمده مداً ، لا أعلم في ذلك خلافاً بين العلماء انتهى "سنة" قال ابن سيد الناس: وهذا مما يدخل في المسند عند أهل الحديث أو أكثرهم وفيه خلاف عند الأصوليين معروف انتهى. "وقال ابن المبارك يعني أن تمده مداً" وقد أسند الحاكم عن أبي عبد الله أنه سئل عن حذف السلام فقال لا يمد ، كذا في المقاصد الحسنة للسخاوي.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه أبو داود وابن خزيمة والحاكم. قال الحافظ في التلخيص: وقال الدارقطني في العلل: الصواب موقوف وهو من رواية قرة بن عبد الرحمن وهو ضعيف اختلف فيه انتهى.
قوله: "التكبير جزم والسلام جزم" أي لا يمدان ولا يعرب أواخر حروفهما بل يسكن فيقال الله أكبر السلام عليكم ورحمة الله والجزم القطع منه سمى جزم الإعراب وهو السكون كذا في النهاية لأبن الأثير الجزري وقال الحافظ في التلخيص ، صفحة : حذف السلام الإسراع به وهو المراد بقوله جزم ، وأما ابن الأثير في النهاية فقال:

(2/191)


ـــــــ
معناه أن التكبير والسلام لا يمدان ولا يعرب التكبير بل يسكن آخره ، وتبعه المحب الطبري وهو مقتضى كلام الرافعي في الاستدلال به على أن التكبير جزم لا يمد. قال الحافظ: وفيه نظر لأن استعمال لفظ الجزم في مقابل الإعراب اصطلاح حادث لأهل العربية ، فكيف يحمل عليه الألفاظ النبوية انتهى ما في التلخيص.
تنبيه: قال الرافعي في شرح الوجيز: روى أنه روى أنه صلى الله عليه وسلم قال: التكبير جزم والسلام جزم. قال الحافظ في التلخيص: لا أصل له بهذا اللفظ ، وإنما هو قول إبراهيم النخعي حكاه الترمذي عنه انتهى. وقال السخاوي في المقاصد الحسنة: حديث التكبير جزم لا أصل له في المرفوع مع وقوعه في كتبا الرافعي وإنما هو حق من قول إبراهيم النخعي حكاه الترمذي في جامعه ، ومن جهته رواه سعيد بن منصور في سننه بزيادة: والقراةء جزم والأذان جزم ، وفي لفظ عنه كانوا يحزمون التكبير انتهى.

(2/192)


222ـ باب ما يقولُ إذا سلّمَ
297ـ حدثنا أحمدُ بنُ مَنِيعٍ ، حدثنا أبو معاوِيَةَ عن عاصِمٍ الأحْوَلِ عن عبد الله بنِ الحارِث عن عائشةَ قالت: "كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إذا سَلّمَ لاَ يَقْعُدُ إلاّ مِقدارَ ما يقُولُ اللّهُمّ أنْتَ السّلاَمُ ، ومِنْكَ السّلاَمُ ، تَبَارَكْتَ
ـــــــ
"باب ما يقولُ إذا سلّمَ"
قوله: "عن عبد الله بن الحارث" البصري تابعي روى عن عائشة وأبي هريرة وعنه عاصم الأحول وغيره وثقه أبو زرعة والنسائي.
قوله: "إذا سلم لا يقعد إلا مقدار ما يقول الخ" أي في بعض الأحيان ، فإنه قد ثبت قعوده صلى الله عليه وسلم بعد السلام أزيد من هذا المقدار "اللهم أنت السلام" هو من أسماء الله تعالى أي أنت السليم من المعائب والاَفات ومن كل نقص "ومنك السلام"

(2/192)


ذَا الجَلاَلِ والإكْرَام".
298ـ حدثنا هَنّاد بن السّرى حدثنا مروانُ بنُ معاويةَ "الفزاريّ و أبو معاويةَ عن عاصمٍ الأحْوَلِ بهذا الإسنادِ نحْوَهُ ، وقال: "تَبَارَكْتَ يَا ذا الجلالِ والإكْرَامِ".
قال وفي الباب عن ثَوْبَانَ وابنِ عُمَرَ وابنِ عباسٍ وأبي سعيدٍ وأبي هريرةَ والمغيرةِ ابنِ شعبةَ.
ـــــــ
هذا بمعنى السلامة أي أنت تعطي السلامة وتمنعها. قال الشيخ الجزري في تصحيح المصابيح: وأما ما يزداد بعد قوله ومنك السلام وإليك يرجع السلام فحينا ربنا بالسلام وأدخلنا دارك السلام فلا أصل له بل مختلق بعض القصاص ، كذا في المرقاة "تباركت" من البركة وهي الكثرة والنماء أي تعاظمت إذا كيرت صفات الملك جلالك وكمالك "ذا الجلال والإكرام" أي يا ذا الجلال بحذف حرف النداء: والجلال العظمة ، والإكرام الإحسان "وقال تباركت يا ذا الجلال والإكرام" أي قال هناد في روايته يا ذا الجلال والإكرام بزيادة لفظ يا.
قوله: "وفي الباب عن ثوبان وابن عمر وابن عباس وأبي سعيد وأبي هريرة والمغيرة ابن شعبة" أما حديث ثوبان فأخرجه الجماعة إلا البخاري قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا انصرف من صلاته استغفر ثلاثاً وقال اللهم أنت السلام منك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام ، وأما حديث ابن عمر فأخرجه الخمسة وصححه الترمذي كذا في المنتقى. قلت أخرجه الترمذي في الدعوات. وأما حديث ابن عباس فأخرجه الشيخان قال: كنت أعرف انقضاء صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتكبير.
وأما حديث أبي سعيد فأخرجه أبو يعلى عن أبي هريرة قال: قلنا لأبي سعيد هل حفظت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً كان يقوله بعد ما سلم: قال نعم كان يقول: سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.

(2/193)


قال أبو عيسى: حديثُ عائشَة حديثٌ حسَنٌ صحيحٌ.
وقد روى خالد الحذّاء هذا الحديث من حديث عاشئة عن عبدالله بن الحارث: نحو حديث عاصم.
وقد رُوِيَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه كان يقولُ بعد التسليمِ: " لا إلَهَ إلا الله وَحْدَهُ لا شريكَ لَهُ ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحمدُ يُحْيي ويمِيتُ وهوَ على كُلّ شَيءِ قديرٌ ، اللّهُمّ لا مانعَ لِمَا أعْطَيْتَ ، ولا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ ، وَلا يَنْفَعُ ذا الجَدّ مِنْكَ الجَدّ".
ـــــــ
قال الهيثمي في مجمع الزوائد رجاله ثقات انتهى. وأما حديث أبي هريرة فأخرجه الشيخان قال: إن فقراء المهاجرين أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا قد ذهب أهل الدثور بالدرجات العى الحديث. وأما حديث المغيرة بن شعبة فأخرجه الشيخان بلفظ: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في دبر كل صلاة مكتوبة لا إله إلا الله وحده لا شريك له الحديث.
قوله: "حديث عائشة حديث حسن صحيح" وأخرجه مسلم.
قوله: "وقد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أنه كان يقول بعد التسليم لا إله إلا الله إلخ" أخرجه الشيخان من حديث المغيرة بن شعبة بدون لفظ يحيى ويميت قال الحافظ في الفتح: زاد الطبراني من طريق أخرى عن المغيرة: يحيي ويميت وهو حي لا يموت بيده الخير إلى قدير ، ورواته موثقون ، وثبت مثه عند البزار من حديث عبد الرحمن بن عوف بسند صحيح لكن في القول إذا أصبح وإداء أمسى انتهى "لا ينفع ذا الجد منك الجد" بفتح الجيم في اللفظين أي لا ينفع صاحب الغنى منك غناه وإنما ينفعه العمل الصالح. قال الحافظ في الفتح: قال الخطابي الجد الغنى ويقال الحظ قال: ومن في قوله منك بمعنى البدل قال الشاعر:
فليت لنا من ماء زمزم شربة
...
مبردة باتت على الظمآن
بريد ليت لنا بدل ما زمزم انتهى. وفي الصحاح معنى منك هنا ، عندك أي لا ينفع ذا الغنى عندك غناه ، إنما ينفعه العمل الصالح. وقال ابن التين: الصحيح عندي أنها ليست بمعنى البدل ولا عند بل هو كما تقول ولا ينفعك مني شيء إن أنا أردتك بسوء ، ولم يظهر من كلامه معنى ، ومقتضاه أنها بمعنى عند أوفيه حذف تقديره من قضائي أو سطوتي أو عذابي. واختار الشيخ جمال الدين في المغنى الأول ، قال. والجد مضبوط في جميع الروايات بفتح الجيم

(2/194)


ورُوِيَ أنه كان يقولُ: "سُبْحَانَ رَبّكَ رَبّ العِزّةِ عَمّا يَصِفُونَ، وسلامٌ على المرسَلِينَ، والحمدُ لله رَبّ العالَمِينَ".
299ـ حدثنا أحمدُ بن محمد بن موسى ، قال عبدالله بن المبارك أخبرنا الأوْزاعِيّ حدثني شَدّادٌ أبو عَمّارٍ حدثني أبو أسمَاء الرّحَبِيّ قال حدثني ثَوْبَانُ مولى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم قال: "كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إذا أرادَ أنْ يَنْصَرِفَ مِنْ صَلاَتِهِ اسْتَغْفَرَ "الله" ثَلاَثَ مَرّاتٍ ثُمّ قالَ: أنْتَ السّلاَمُ.
ـــــــ
ومعناه الغنى أو الحظ. وقال النووي: الصحيح المشهور الذي عليه الجمهور أنه بالفتح وهو الحظ في الدنيا بالمال أو الولد أو العظمة أو السلطان ، والمعنى لا ينجيه حظه منك وإنما ينجيه فضلك ورحمتك انتهى كلام الحافظ ملخصاً.
قلت: فالجد بفتح الجيم الراجح المعول عليه ، وأما الجد بكسر الجيم فقد حكى عن أبي عمر والشيباني أنه رواه بالكسر قال القرطبي ولا يستقيم معناه هنا إلا بتكليف ، قيل معناه لا ينفع ذا الاجتهاد وأنكره الطبري. وقال القزاز في توجيه إنكاره الاجتهاد في العمل نافع لأن الله تعالى قد دعا الخلق إلى ذلك فكيف لا ينفع عنده قال: فيحتمل أن يكون المراد أنه لا ينفع الاجتهاد في طلب الدنيا وتضييع أمر الاَخرة ، وقيل لعل المراد أنه لا ينفع بمجرده مالم يقارنه القبول ، وذلك لا يكون إلا بفضل ورحمته.
قوله: "وروى أنه كان يقول سبحان ربك إلخ" أخرجه أبو يعلى كما عرفت "رب العزة" أي الغلبة بدل من ربك "عما يصفون" بأن له ولداً "وسلام على المرسلين" أي المبلغين عن الله التوحيد والشرائع "والحمد لله رب العالمين" على نصرهم وهلاك الكافرين.
قوله: "أخبرنا شداد أبو عمار" هو شداد بن عبد الله القرشي الدمشقي ثقة "قال حدثني أبو أسماء الرحبي" اسمه عمر بن مرثد ويقال اسمه عبد الله من الثالثة مات في خلافه عبد الملك كذا في التقريب.
قوله: "إذا أراد أن ينصرف من صلاته" وفي رواية مسلم إذا انصرف من

(2/195)


ومِنْكَ السّلاَمُ تَبَارَكْتَ يا ذا الجْلاَلِ الإكْرَامِ".
قال: أبو عيسى هذا حديثٌ حسن صحيحٌ. وأبو عَمّارٍ اسْمُهُ شَدّادُ بنُ عبدِ الله.
ـــــــ
صلاته. قال النووي: المراد بالانصراف السلام "استغفر ثلاث مرات" قال مسلم في صحيحه بعد رواية هذا الحديث: قال الوليد فقلت للأوزاعي كيف الاستغفار؟ قال يقول: أستغفر الله أستغفر الله ، وقد استشكل استغفاره صلى الله عليه وسلم مع أنه مغفور له. قال ابن سيد الناس: هو وفا ء بحق العبودية وقيام بوظيفة الشكر ، كما قال: أفلا أكون عبداً شكوراً ، وليبين للمؤمنين سنته فعلاً كما بينها قولاً في الدعاء والضراعة ، ليقتدي به في ذلك انتهى "أنت السلام" وفي رواية غير التمرمذي اللهم أنت السلام.
قوله: "هذا حديث صحيح" أخرجه الجماعة إلا البخاري.
فائدة: قال الحافظ بن القيم في زاد المعاد: وأما الدعاء بعد السلام من الصلاة مستقل القبلة أو المأمومين فلم يكن ذلك من هديه صلى الله عليه وسلم أصلاً ، ولا روى عنه بإسناد صحيح ولا حسن. وأما تخصيص ذلك بصلاتي الفجر والعصر فلم يفعل ذلك هو ولا أحد من خلفائه ولا أرشد إليه أمته ، وإنما هو استحسان رآه من رآه عوضاً من السنة بعدهما والله أعلم. وعامة الأدعية المتعلقة بالصلاة إنما فعلها فيها وأمر بها فيها ، وهذا هو اللائق بحال المصلي فإنه مقبل على ربه يناجيه ما دام في الصلاة فإذا سلم منها انقطعت تلك المناجاة ، وزاد ذلك الموقف بين يديه والقرب منه ، فكيف يترك سؤاله في حال مناجاته والقرب منه والإقبال عليه ثم يسأل إذا انصرف عنه ، ولا ريب أن عكس هذا الحال هو الأولى بالمصلى ، إلا أن ههنا نكتة لطيفة وهو أن المصلي إذا فرغ من صلاته وذكر الله وهلله وسبحه وحمده وكبره بالأذكار المشروعة عقيب الصلاة استحب له أن يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك ويدعو ما شاء يكون دعاءه عقيب هذه العبادة الثانية لا لكونه دبر الصلاة ، فإن كل من ذكر الله وحمده وأثنى عليه وصلى على رسول الله صلى الله عليه وسلم استجيب له الدعاء عقيب ذلك ، كما في حديث فضالة بن عبيد: إذا صلى أحدكم فليبدأ بحمد الله والثناء عليه ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ثم ليدع بما شاء. قال الترمذي: حديث صحيح، انتهى كلام ابن القيم وتعقبه الحافظ بن حجر

(2/196)


ـــــــ
كما نقله القسطلاني في المواهب بقوله: ما ادعاه من النفي مطلقاً مردود فقد ثبت عن معاذ بن جبل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: " يا معاذ والله إني لأحبك فلا تدع دبر كل صلاة أن نقول اللهم أعنى على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك " . أخرجه أبو داود النسائي ، وحديث زيد بن أرقم: "سمعته صلى الله عليه وسلم يدعو في دبر الصلاة اللهم ربنا ورب كل شيء " . أخرجه أبو داود والنسائي ، وحديث صهيب رفعه. كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا انصرف من الصلاة يقول: "اللهم أصلح لي ديني" الحديث. أخرجه النسائي وصححه ابن حبان وغير ذلك.
فإن قيل: المراد بدبر الصلاة قرب آخرها وهو التشهد.
قلت: قد ورد الأمر بالذكر دبر الصلاة والمراد به بعد السلام إجماعاً ، فكذا هذا حتى يثبت ما يخالفه. وقد أخرج الترمذي من حديث أبي أمامة قيل: أي الدعاء أسمع ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: جوف الليل الأخير ، ودبر الصلوات المكتوبات. وأخرج الطبراني من رواية جعفر بن محمد الصادق قال: الدعاء بعد المكتوبة أفضل من الدعاء بعد النافلة كفضل المكتوبة على النافلة.
وفهم كثير من الحنابلة أن مراد القيم نفي الدعاء بعد الصلاة مطلقاً ، وليس كذلك ، فإن حاصل كلامه أنه نفاه بقيد استمرار المصلى القبلة وإيراده عقب السلام ، وأما إذا نفل بوجهه أو قدم الأذكار المشروعة فلا يمنع عنده الإتيان بالدعاء حينئذ انتهى كلامه.
قلت: لا ريب في ثبوت الدعاء بعد الانصراف من الصلاة المكتوبة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قولاً وفعلاً، وقد ذكره الحافظ بن القيم أيضاً في زاد المعاد حيث قال في فصل: ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول بعد انصرافه من الصلاة ما لفظه: وقد ذكر أبو حاتم في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول عند إنصرافه من صلاته اللهم أصلح لي ديني الذي جعلته عصمة أمري ، واصلح لي دنياي التي جعلت فيها معاشي ، اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك ، وأعوذ بعفوك من نقمتك ، وأعوذ بك منك لا مانع لما أعطيت ، ولا معطى لما منعت ، ولا ينفع ذا الجد منك الجد. وذكر الحاكم في مستدركه عن أبي أيوب أنه اللهم اغفر خطاياي وذنوبي كلها ، اللهم ابعثني واحيني وارزقني

(2/197)


ـــــــ
واهدني لصالح الأعمال والأخلاق إنه لا يهدي لصالحها ولا يصرف إلا أنت. وذكر ابن حبان في صحيحه عن الحارث بن مسلم التميمي قال: قال لي النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا صليت الصبح فقل قبل أن تتكلم اللهم أجرني من النار سبع مرات فإنك من مت من يومك كتب الله لك جواراً من النار، وإذ صليت المغرب قبل أن تتكلم: اللهم أجرني من النار سبع مرات، فإنك إن مت من ليلتك كتب الله لك جواراً من النار". انتهى كلام ابن القيم.
فقوله: أما الدعاء بعد السلام من الصلاة مستقبل القبلة أو المأمومين فلم يكن ذلك من هديه صلى الله عليه وسلم لا أدري ما معناه وما مراده بهذا إلا أن يقال: نفاه بقيد استمرار المصلى القبلة وإيراده عقب السلام كما قال الحافظ والله تعالى أعلم.
فائدة: اعلم أن علماء أهل الحديث قد اختلفوا في هذا الزمان في أن الإمام إذا انصرف من الصلاة المكتوبة هل يجوز له أن يدعو رافعاً يديه ويؤمن من خلفه من المأمومين رافعي أيديهم فقال بعضهم بالجواز ، وقال بعضهم بعدم طناً منهم أنه بدعة ، قالوا إن ذلك لم يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بسند صحيح بل هو أمر محدث وكل محدث بدعة وأما القائلون بالجواز فاستدلوا بخمسة أحاديث.
الأول: حديث أبي هريرة. قال الحافظ ابن كثير في تفسيره ص172ج : قال ابن أبي حاتم حدثنا أبو معمر المقري حدثني عبد الوارث حدثنا علي بن زيد عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رفع يديه بعدما سلم وهو مستقبل القبلة فقال: اللهم خلص الوليد بن الوليد وعياش بن أبي ربيعة وسلمة بن هشام وضعفة المسلمين الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلاً من أيدي الكفار. وقال ابن جرير: حدثنا المثنى حدثنا حجاج حدثنا حماد عن علي بن زيد عن عبد الله أو إبراهيم بن عبد الله القرشي عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدعو في دبر صلاة الظهر: "اللهم خلص الوليد وسلمة بن هشام وعياش بن أبي ربيعة وضعفه المسلمين من أيدي المشركين الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلاً". ولهذا الحديث شاهد في الصحيح من غير هذا الوجه كما تقدم انتهى ما في تفسير ابن كثير.
قلت: وفي سند هذا الحديث علي بن زيد بن جدعان وهو متكلم فيه.
الحديث الثاني: حديث عبد الله بن الزبير ، ذكر السيوطي في رسالته فض الوعاء

(2/198)


ـــــــ
عن محمد بن يحيى الأسلمي قال: رأيت عبد الله بن الزبير ورأى رجلاً رافعاً يديه قبل أن يفرغ من صلاته فلما فرغ منها قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يرفع يديه حتى يفرغ من صلاته. قال رجاله ثقات.
قلت: وذكره الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد وقال رواه الطبراني وترجم له فقال محمد بن يحيى الأسلمي عن عبد الله بن الزبير ورجاله ثقات انتهى.
الحديث الثالث: حديث أنس أخرجه الحافظ أبو بكر أحمد بن محمد بن إسحاق السني في كتابه عمل اليوم والليلة قال: حدثني أحمد بن الحسن حدثنا أبو إسحاق يعقوب بن خالد بن يزيد البالسي حدثنا عبد العزيز بن عبد الرحمن القرشي عن خصيف عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ما من عبد بسط كفيه في دبر كل صلاة ثم يقول اللهم إلهي وإله إبراهيم وإسحاق ويعقوب وإله جبريل وميكائيل وإسرافيل أسألك أن تستجيب دعوتي فإني مضطر وتعصمني في ديني فإني مبتلي وتنالني برحمتك فإني مذنب وتنفي عني الفقر فإني متمسكن" إلا كان حقاً على الله عز وجل أن لا يرد يديه خائبتين.
"قلت: في سنده عبد العزيز بن عبد الرحمن القرشي. قال في الميزان: اتهمه أحمد ، وقال بن حبان: كتبنا عن عمر بن سنان عن إسحاق بن خالد عنه نسخة ثبتها بمائة حديث مقلوبة منها ما لا أصل له ومنها ما هو ملزق بإنسان لا يحل الاحتجاج به بحال. وقال النسائي وغيره: ليس بثقة ، وضرب أحمد بن حنبل على حديثه انتهى.
الحديث الرابع: حديث الأسود العامري عن أبيه قال: "صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الفجر فما سلم انحرف ورفع يديه ودعا" الحديث رواه ابن أبي شيبة في مصنفه كذا ذكر بعض الأعلام هذا الحديث بغير سند وعزاه إلى المصنف ولم أقف على سنده فالله تعالى أعلم كيف هو صحيح أو ضعيف.
الحديث الخامس: حديث الفضل بن عباس قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة مثنى مثنى ، تشهد في كل ركعتين وتخشع وتضرع وتمسكن ثن تقنع يديك ، يقول ترفعهما إلى ربك مستقبلاً ببطونهما وجهك وتقول يا رب يا رب ، ومن لم يفعل ذلك فهو كذا وكذا ، وفي رواية: فهو خداج" . رواه الترمذي:
واستدلوا: أيضاً بعموم أحاديث رفع اليدين في الدعاء قالوا: إن الدعاء بعد الصلاة المكتوبة مستحب مرغب فيه ، وأنه قد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الدعاء

(2/199)


ـــــــ
بعد الصلاة المكتوبة وأن رفع اليدين من آداب الدعاء ، وأنه قد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم رفع اليدين في كثير من الدعاء. وأنه لم يثبت المنع عن رفع اليدين في الدعاء بعد الصلاة المكتوبة ، بل جاء في ثبوته الأحاديث الضعاف ، قالوا فبعد ثبوت هذه الأمور الأربعة وعدم ثبوت المنع لا يكون رفع اليدين في الدعاء بعد الصلاة المكتوبة بدعة سيئة بل هو جائز لا بأس على من يفعله.
أما الأول والثاني فقد أخرج الترمذي من حديث أبي أمامة قيل: "يا رسول الله أي الدعاء أسمع؟ قال: جوف الليل الأخير ، ودبر الصلوات المكتوبات" . وقال هذا حديث حسن. وأخرج النسائي في سننه عن عطاء بن مروان عن أبيه أن كعباً حلف له بالله الذي فلق البحر لموسى إنا لنجد في التوراة أن داود نبي الله صلى الله عليه وسلم كان إذا انصرف من صلاته قال اللهم أصلح لي ديني الذي جعلته لي عصمة ، وأصلح لي دنياي التي جعلت فيها معاشي ، الحديث وفي آخره قال وحدثين كعب أن صهيباً حدثه أن محمداً صلى الله عليه وسلم كان يقولهن عند إنصرافه من صلاته والحديث صححه ابن حبان كما في فتح الباري وقد تقدم في كلام ابن القيم حديث أبي أيوب وحديث الحارث بن مسلم في الدعاء بعد الصلاة المكتوبة. وأما الثالث والرابع فقد أخرج أبو داود والترمذي وحسنه من حديث سلمان رفعه " إن ربكم حيي كريم يستحي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما صفراً " بكسر المهملة وسكون الفاء أي خالية. قال الحافظ سنده جيد. وأخرج مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً" الحديث وفيه "ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعت أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب، ومطمعه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذى بالحرام، فأني بستجاب، لذلك". وقال الحافظ في الفتح: فيه أحاديث كثيرة أفردها المنذري في جزء سرد منها النووي في الأذكار وفي شرح المهذب جملة وعقد لها البخاري أيضاً في الأدب المفرد باباً ذكر فيه حديث أبي هريرة :"قدم الطفيل بن عمرو على النبي صلى الله عليه وسلم فقال إن دوساً عصت فادع الله عليها ، فاستقبل القبلة ورفع يديه فقال: اللهم اهد دوساً " : وهو في الصحيحين دون قوله: ورفع يديه. وحديث جابر أن الطفيل بن عمر وهاجر فذكر قصة الرجل الذي هاجر معه وفيه فقال النبي صلى الله عليه وسلم :"اللهم ولينيه فاغفر ، ورفع يديه،

(2/200)


ـــــــ
وسنده صحيح ، وأخرجه مسلم. وحديث عائشة أنها رأت النبي صلى الله عليه وسلم يدعو رافعاً يديه يقول: اللهم إنما بشر الحديث ، وهو صحيح الإسناد ومن الأحاديث الصحيحة في ذلك ما أخرجه المصنف يعني البخاري في جزء رفع اليدين: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم رافعاً يديه يدعو لعثمان. ولمسلم من حديث عبد الرحمن بن سمرة في قصة الكسوف: فانتهيت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو رافع يديه يدعو. وعنده في حديث عائشة في الكسوف أيضاً: ثم رفع يديه وفي حديثها عنده في دعائه لأهل البقيع فرفع يديه ثلاث مرات الحديث. ومن حديث أبي هريرة الطويل في فتح مكة: فرفع يديه وجعل يدعو. وفي الصحيحين من حديث أبي حميد في قصة ابن اللتبية: ثم رفع يديه حتى رأيت عفرة إبطيه يقول: اللهم هل بلغت. ومن حديث عبد الله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر قول إبراهيم وعيسى فرفع يديه وقال اللهم أمتى. وفي حديث عمر: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نزل عليه الوحي يسمع عند وجهه كدوي النحل فأنزل الله عليه يوماً ثم سرى عنه فاستقبل القبلة ورفع يديه فدعا ، الحديث. أخرجه الترمذي واللفظ له والنسائي والحاكم. وفي حديث أسامة: كنت ردف النبي صلى الله عليه وسلم بعرفات فرفع يديه يدعو فمات به ناقته فسقط خطامها فتناوله بيده وهو رافع اليد الأخرى ، أخرجه النسائي بسند جيد. وفي حديث قيس بن سعد عند أبي داود: ثم رفع رفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه وهو يقول: اللهم صلواتك ورحمتك على آل سعد بن عبادة ، الحديث ، وسنده جيد. والأحاديث في ذلك كثيرة انتهى كلام الحافظ.
قلت: وفي رفع اليدين في الدعاء رسالة للسيوطي سماها فض الوعاء في أحاديث رفع اليدين في الدعاء.
واستدلوا أيضاً بحديث أنس رضي الله تعالى عنه قال: "أتى رجل أعرابي من أهل البدو إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة فقال: يا رسول الله هكلت الماشية ، هلك العيال ، هلك الناس ، فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه يدعو ، ورفع الناس أيديهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعون" ، الحديث، رواه البخاري. قالوا هذا الرفع هكذا وإن كان في دعاء الاستسقاء ، لكنه ليس مختصاً به ، ولذلك

(2/201)


ـــــــ
استدل البخاري في كتاب الدعوات بهذا الحديث على جواز رفع اليدين في مطلبق الدعاء.
قلت: القول الراجح عندي أن رفع اليدين في الدعاء بعد الصلاة جائز لو فعله أحد لا بأس عليه إن شاء الله تعالى والله تعالى أعلم.
تنبيه: إعلم أن الحنفية في هذا الزمان يواظبون على رفع اليدين في الدعاء بعد كل مكتوبة مواظبة الواجب ، فكأنهم يرونه واجباً ، ولذلك ينكرون على من سلم من الصلاة المكتوبة وقال: اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام ، ثم قالم ولم يدع يرفع يديه. وصنيعهم هذا مخالف لقول إمامهم الإمام أبي حنيفة ، وأيضاً مخالف لما في كتبهم المعتبرة ، قال العيني في عمدة القاري: قال أبو حنيفة: كل صلاة يتنفل بعدها يقوم ، ما لا يتنفل بعدها كالعصر والصبح فهو مخير ، وهو قول أبي مجلز لا حق ابن حميد انتهى ، وقال في البحر الرائق: ولم يذكر المصنف ما يفعله بعد السلام ، وقد قالوا إن كان إماماً وكانت صلاة يتنفل بعدها بإنه يقوم ويتحول عن مكانه إما يمنة أو يسرة أو خلفه والجلوس مستقبلاً بدعة ، وإن كان لا يتنفل بعدها يقعد مكانه وإن شاء انحرف يميناً أو شمالاً وإن شاء استقبلهم بوجهه انتهى. وقال في العالم كيرية. وإذا سلم الإمام من الظهر والمغرب كره له المكث قاعداً ، لكنه يقوم إلى التطوع ولا يتطوع في مكان الفريضة، ولكن ينحرف يمنة أو يسرة أو يتأخر ، وإن شاء رجع إلى بيته ، يتطوع فيه وإن كان مقتدياً ، أو يصلي وحده إن لبث في مصلاه يدعو جاز ، وكذا إن قام إلى التطوع في مكانه أو تأخر أو انحرف يمنة أو يسرة جاز والكل سواء. وفي صلاة لا تطوع بعدها كالفجر والعصر يكره المكث قاعداً في مكانه مستقبل القبلة ، والنبي صلى الله عليه وسلم سمى هذا بدعة ، ثم هو بالخيار إن شاء ذهب وإن شاء جلس في محرابه إلى طلوع الشمس وهو أفضل، ويستقبل القوم بوجهه إذا لم يكن بحذائه مسبوق ، فإن كان ، ينحرف يمنة أو يسرة ، والصيف والشتاء سواء هو الصحيح كذا في الخلاصة انتهى.

(2/202)


باب: ما جاء فى الانصراف عن يمينه وعن يساره
...
223ـ باب ما جاءَ في الانصراف عن يَمِينهِ وعن شماله
300ـ حدثنا قُتَيْبَةُ ، حدثنا أبو الأحْوَصِ عن سِمَاكِ بن حربٍ عن قَبِيصَةَ بنِ هُلْب عن أبيهِ قال: "كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يَؤمّنَا فَيَنْصَرِفُ على جانِبَيْهِ جميعاً عَلَى يَمِينِهِ وعَلَى شِمالِهِ".
وفي الباب: عن عبد الله بن مسعود وأنسٍ وعبدِ الله بن عَمْرٍو وأَبِي هُرَيْرَةَ.
قال أبو عيسى: حديثُ هُلْبٍ حديثٌ حسَنٌ.
ـــــــ
"باب ما جاءَ في الانصراف عن يَمِينهِ وعن شماله"
قوله: "فينصرف على جانبيه جميعاً " وفي رواية أبي داود: فكان ينصرف عن شقيه "على يمينه وعلى شماله" بيان لقوله على جانبيه أي حيناً على يمينه وحيناً على شماله.
قوله: "وفي الباب عن عبد الله بن مسعود وأنس وعبد الله بن عمرو وأبي هريرة" أما حديث عبد الله بن مسعود فأخرجه الجماعة إلا الترمذي قال: لا يجعلن أحدكم للشيطان شيئاً من صلاته يرى أن حقاً عليه أن لا ينصرف إلا عن يمينه ، لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيراً ينصرف عن يساره ، وفي لفظ: أكثر إنصرافه عن يساره. وأما حديث أنس فأخرجه مسلم والنسائي قال: أكثر ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينصرف عن يمينه وأما حديث عبد الله بن عمرو فأخرجه ابن ماجه قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينفتل عن يمينه وعن يساره في الصلاة. وأما حديث أبي هريرة فلم أقف على من أخرجه.
قوله: "حديث هلب حديث حسن" وصححه ابن عبد البر في الاستيعاب وذكره عبد الباقي بن قانع في معجمه من طرق متعددة وفي إسناده قبيصة بن هلب وقد رماه

(2/203)


والعمل عليه عندَ أهلِ العلمِ: أنه يَنْصَرِفُ على أيّ جَانِبَيْهِ شاءَ ، إنْ شاءَ عن يمِينِهِ ، وإن شاءَ عن يسارِهِ.
وقد صَحّ الأمْرَانِ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم.
ويُرْوَى عن عليّ بنِ أبي طالِبٍ أنه قال: إنْ كانت حاجتُهُ عن يمِينِهِ أخَذَ عن يمينِهِ، وإنْ كانتْ حاجتُهُ عن يسارِهِ أخَذَ عن يسارِهِ.
ـــــــ
بعضهم بالجهالة ، ولكنه وثقه العجلي وابن حبان ، ومن عرفه حجة على من لم يعرف ، كذا في النيل. والحديث أخرجه أبو داود وابن ماجه.
قوله: "وقد صح الأمران عن رسول الله صلى الله عليه وسلم" ففي حديث عبد الله بن مسعود المذكور: لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيراً ينصرف عن يساره. وفي حديث أنس المذكور أكثر ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينصرف عن يمينه.
فإن قلت: قد استعمل كل واحد منهما صيغة أفعل التفضيل فظاهر قول أحدهما ينافي ظاهر قول الاَخر ، فما وجه التوفيق؟
قلت: قال النووي: يجمع بينهما بأنه صلى الله عليه وسلم كان يفعل تارة هذا وتارة هذا، فأخبر كل منهما بما اعتقد أنه الأكثر. وقال الحافظ: ويمكن الجمع بينهما بوجه آخر وهو أن يحمل حديث ابن مسعود على حالة الصلاة في المسجد ، لأن حجرة النبي صلى الله عليه وسلم كانت من جهة يساره ، ويحمل حديث أنس على ما سوى ذلك كحال السفر ، ثم إذا تعارض اعتقاد ابن مسعود وأنس رجح ابن مسعود لأنه أعلم وأسن وأجل وأكثر ملازمة للنبي صلى الله عليه وسلم وأقرب إلى مواقفه في الصلاة من أنس ، وبأن في إسناد أنس من تكلم فيه وهو السدى ، وبأن حديث ابن مسعود متفق عليه ، وبأن رواية ابن مسعود توافق ظاهر الحال ، لأن حجرة النبي صلى الله عليه وسلم كان على جهة يساره انتهى كلام الحافظ.
قلت: الظاهر عندي هو الجمع الأول والله تعالى أعلم.

(2/204)


ـــــــ
قوله: "ويروى عن علي بن أبي طالب أنه قال: إن كانت حاجته عن يمينه أخذ عن يمينه إلخ." أخرجه ابن أبي شيبة ولفظه: قال إذا قضيت الصلاة وأنت تريد حاجة فكانت حاجتك عن يمينك أو عن يسارك فخذ نحو حاجتك انتهى. قال في النيل: قال العلماء: يستحب الإنصراف إلى جهة حاجته ، لكن قالوا إذا استوت الجهتان في حقه فاليمين أفضل لعموم الأحاديث المصرحة بفضل التيامن انتهى.

(2/205)


224ـ باب ما جاء في وصْفِ الصّلاة
301ـ حدثنا عليّ بنُ حُجْرٍ ، أخبرنا إسْمَاعِيلُ بن جعفَرٍ عن يحيى بنِ عليّ بنِ يحيى بنِ خَلاّدِ بنِ رافعٍ الزّرَقِيّ عن جَدّهِ عن رِفَاعَةَ بنِ رافعٍ "أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بَيْنَمَا هو جالسٌ في المسجِدِ يوماً ، قال رفاعةُ: ونحنُ معه. إذْ جاءَهُ رجلٌ كَالْبَدَوِيّ ، فصلى ، فَأَخَفّ
ـــــــ
"باب ما جاء في وصْفِ الصّلاة"
قوله: "حدثنا اسماعيل بن جعفر" بن أبي كثير الأنصاري الزرقي أبو إسحاق القاري ثقة ثبت توفي سنة ثمانين ومائة "عن يحيى بن علي بن يحيى بن خلاد بن رافع الزرقي" بضم الزاء وفتح الراء وبعدها قاف المدني مقبول من السادسة قاله في التقريب "عن جده" وفي رواية النسائي عن أبيه عن جده وأبو علي بن يحيى بن خلاد ثقة وجده يحيى بن خلاد بن رافع له رواية وذكره بن حبان في ثقات التابعين "عن رفاعة بن رافع" بن مالك بن العجلان أبي معاذ الأنصاري صحابي بدري جليل.
قوله: "بينما هو جالس في المسجد" أي في ناحيته كما في حديث أبي هريرة عند الشيخين إذا جاءه رجل كالبدوي هذا الرجل هو خلاد بن رافع جد علي بن يحيى راوي الخبر بينه ابن أبي شيبة عن عباد بن العوام عن محمد بن عمرو عن علي بن يحيى عن رفاعة أن خلاداً دخل المسجد ، قاله الحافظ. وقال وأما ما وقع عند الترمذي: إذ جاء رجل كالبدوي فصلى فأخف صلاته فهذا لا يمنع تفسيره بخلاد لأن رفاعة شبهه بالبدوي لكونه أخف الصلاة أو لغير ذلك انتهى "فصلى" زاد النسائي من رواية داود بن قيس ركعتين.

(2/205)


صلاتَه ، ثم انصرَف فَسَلم عَلَى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: وعَلَيْكَ ، فَارْجِعْ فَصَلّى فإِنّكَ لم تُصَلّ فَرَجَعَ فصلّى ، ثم جاء فسلمَ عليه ، فقال: وعليك ، فارجعْ فصلّ فإنك لم تُصَلّ مرتينِ أو ثلاثاً ، كُلّ ذلك يأْتِي النبيّ صلى الله عليه وسلم فَيُسَلّمُ على النبيّ صلى الله عليه وسلم ، فيقولُ النبيّ صلى الله عليه وسلم:
ـــــــ
قال الحافظ: وفيه إشعار بأنه صلى نفلا والأقرب أنها تحية المسجد "فأخف صلاته" وفي رواية ابن أبي شيبة فصلى صلاة خفيفة لم يتم ركوعها ولا سجودها "ثم انصرف" أي من صلاته "فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم" قال القاري في المرقاة: قدم حق الله على حق رسوله كما هو أدب الزيارة لأمره عليه السلام بذلك لمن سلم عليه قبل صلاة التحية فقال له أرجع فصل ثم ائت فسلم علي فقال النبي صلى الله عليه وسلم وعليك وفي رواية مسلم من حديث أبي هريرة: فقال وعليك السلام "فارجع فصل فإنك لم تصل" قال عياض: فيه أن أفعال الجاهل في العبادة على غير علم لا تجزئ ، وهو مبني على أن المراد بالنفي نفي الإجزاء وهو الظاهر ، ومن حمله على نفي الكمال تمسك بأنه بأنه صلى الله عليه وسلم لم يأمره بعد التعليم بالإعادة ، فدل على إجزائها وإلالزم تأخير البيان ، كذا قاله بعض المالكية وفيه نظر ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد أمره في المرة الأخيرة بالإعادة فسأله التعليم فعلمه ، فكأنه قال له: أعد صلاتك على هذه الكيفية ، أشار إلى ذلك بن المنير كذا في الفتح "مرتين أو ثلاثاً" وفي رواية للبخاري ثلاثاً بغير الشك "كل ذلك يأتي النبي صلى الله عليه وسلم فيسلم" فيه استحباب تكرار السلام ورده وإن لم يخرج من الموضع إذا وقعت صورة انفصال "فعاف الناس" أي كرهوا "وكبر عليهم" بضم الباء وفاعله قوله: "أن يكون من أخف صلاته لم يصل" أي عظم ذلك عليهم وخافوا منه "فقال الرجل في آخر ذلك فأرني" صيغة أمر من الإراءة "وعلمني" قال ابن الملك في شرح المشارك: فإن قيل: لم سكت النبي صلى الله عليه وسلم عن تعليمه أولاً حتى افتقر إلى المراجعة كرة بعد أخرى؟ قلنا ، لأن الرجل لما لم يستكشف الحال

(2/206)


وعليكَ، فارجعْ فصلّ فإنك لم تُصَلّ ، فخافَ الناسُ وكَبُرَ عليهم أن يكونَ مَنْ أخَفّ صَلاَتَهُ لم يُصَلّ ، فقال الرجلُ في آخرِ ذلكَ: فأرِنِي وعَلّمْنِي ، فإنّمَا أنَا بَشَرٌ أُصِيبُ وأُخْطِئ ، فقالَ: أجَلْ ، إذا قُمْتَ إلى الصلاة فَتَوَضّأْ كما أَمَرَكَ الله ، ثُمّ تَشَهّد فأَقِمْ ، فإنْ كان معكَ قُرْآنٌ فَاقْرأْ ، وإلاّ فَاحْمَدْ الله وَكَبّرْهُ وَهَلّلْهُ ، ثُمّ ارْكَع فاطْمَئنّ
ـــــــ
مغتراً بما عنده سكت عن تعليمه زجراً له وإرشاداً إلى أنه ينبغي أن يستكشف ما استبهم عليه ، فلما طلب كشف الحال بينه بحسن المقال انتهى. واستشكل تقريره عليه السلام على صلاته وهي فاسدة ثلاث مرات على القول بأن النفي للصحة ، وأجيب بأنه أراد استدراجه بفعل ما جهله مرات لاحتمال أن يكون فعله ناسياً أو غافلاً فيتذكر فيفعله من غير تعليم ، فليس من باب التقرير على الخطأ بل من باب تحقق الخطأ أو بأنه لم يعلمه أولاً ليكون أبلغ في تعريفه وتعريف غيره ولتفخيم الأمر وتعظيمه عليه.
وقال ابن دقيق العيد. ليس التقرير بدليل على الجواز مطلقاً بل لا بد من انتفاء الموانع ، ولا شك أن في زيادة قبول المتعلم لما يلقى عليه بعد تكرار فعله واستجماع نفسه وتوجه سؤاله مصلحة معانعة من وجوب المبادرة إلى التعليم ، لا سيما مع عدم خوف الفوات إما بناء على ظاهر الحكم أو بوحي خاص انتهى "فقال أجل" أي نعم. قال في القاموس: أجل جواب كنعم إلا أنه أحسن منه في التصديق ، ونعم أحسن منه في الاستفهام "ثم تشهد" أي أذن "فأقم أيضاً" وفي رواية أبي داود ثم: تشهد فأقم وليس فيها لفظه أيضاً ، قال في المرقاة: ثم تشهد أي قل أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله بعد الوضوء فأقم أي الصلاة. وقيل معنى تشهد أذن لأنه مشتمل على كلمتي الشهادة فأقم على هذا يراد به الإقامة للصلاة ، كذا نقله ميرك عن الأزهار انتهى ما في المرقاة. والظاهر أن المراد بقوله ثم تشهد فأقم: الأذان والإقامة ، يدل عليه لفظ أيضاً بعد قوله فأقم فإن كان معك قرآن فافرأ وفي رواية لأبي داود ثم اقرأ بأم القرآن وبما شاء الله أن تقرأ. قال الحافظ بعد ذكر هذه الرواية: ولأحمد وابن حبان من هذا الوجه: ثم اقرأ بأم القرآن ثم اقرأ بما شئت. ترجم له ابن حبان بباب فرض المصلى قراءة فاتحة الكتاب في كل ركعة "ثم اعتدل قائماً" وفي لفظ لأحمد فأقم:

(2/207)


راكعاً ، ثم اعْتَدِلْ قَائِماً ، ثم اسجدْ فاعْتَدِلْ ساجداً ، ثم اجْلِسْ فاطْمَئِنّ جالساً ، ثم قُمْ ، فإذا فَعَلْتَ ذلك فقد تَمّتْ صَلاَتَكَ ، وإنْ انْتَقَصْتَ مِنْهُ شيئاً انْتَقَصْتَ مِنْ صلاَتك ، قال: وكان هذا أهْوَنَ عليهم من الأوّل أنّهُ مَن انْتَقصَ مِن ذَلكَ شيئاً انْتَقَصَ مِنْ صلاتِهِ وَلَمْ تَذْهَبْ كُلّها".
قال وفي الباب عن أبي هريرةَ وعَمّارِ بنِ ياسرٍ.
قال أبو عيسى: حديثُ رِفَاعَةَ بنِ رافعٍ حديثٌ حسَنٌ.
وقد روي عن رفاعة هذا الحديث من غير وجهٍ.
ـــــــ
صلبك حتى يرجع العظام إلى مفاصلها "ثم اسجد فاعتدل ساجداً ثم اجلس فاطمئن جالساً " وفي رواية لأبي داود ثم يسجد حتى تطمئن مفاصله ثم يقول الله أكبر ويرفع رأسه حتى يستوي قاعداً ثم يقول: الله أكبر ، ثم يسجد حتى تطمئن مفاصله ، ثم يرفع رأسه فيكبر "فإذا فعلت ذلك" أي ما ذكر "فقد تمت صلاتك" أي صارت تماماً غيرنا قصة "وإن انتقصت" أي نقصت قال في القاموس: انقصة ونقصه وانتقصه نقصه "وكان هذا أهون" أي أسهل "عليهم" أي على الصحابة رضي الله عنه "من الأولى" أي من المقالة الأولى وهي فارجع فصل فإنك لم تصل "أنه من انتقص من ذلك شيئاً إلخ" بدل من قوله هذا.
قوله: "وفي الباب عن أبي هريرة وعمار بن ياسر" أما حديث أبي هريرة فأخرجه الشيخان وأخرجه الترمذي أيضاً في هذا الباب وأما حديث عمار فلينظر من أخرجه.
قوله: "حديث رفاعة بن رافع حديث حسن" وأخرجه أبو داود والنسائي. وقال ابن عبد البر: هذا حديث ثابت نقله ميرك عن المنذري كذا في المرقاة.
قوله: "وقد روى عن رفاعة هذا الحديث من غير وجه" قال الحافظ في الفتح: أخرجه أبو داود والنسائي من رواية إسحاق بن أبي طلحة ومحمد بن إسحاق ومحمد بن

(2/208)


302ـ حدثنا محمدُ بن بشارٍ حدثنا يحيى بن سعيدٍ القَطانُ حدثنا عُبَيْدُ الله بنُ عُمَرَ" : أخبرني سعيدُ بنُ أبي سيعدٍ عن أبيه عن أبي هريرة: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دَخَلَ المسجدَ ، فدخلَ رجلٌ فَصَلّى ، ثم جاء فَسَلم على النبيّ صلى الله عليه وسلم ، فَرَدّ عليهِ السلامَ ، فقال: ارْجعْ فَصَلّ فإنّكَ لَمْ تُصَلّ ، فرجعَ الرجلُ فصلّى كما صلى ، ثم جاء إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فسلّمَ عَلَيْهِ ، فَردّ عليه ، السّلام فقال له: رسول الله صلى الله عليه وسلم" ارْجعْ فَصَلّ فإنّكَ لَمْ تُصَلّ ، حتى فعل ذلك ثلاثَ مرات ، فقال له الرجلُ: والذي بعَثَكَ بالحقّ ما أُحْسِنُ غَيْرَ هذا ، فَعَلّمْنِي ، فقال: إذا قُمْتَ إلى الصّلاَةِ فَكَبّرْ ، ثم اقْرأْ بما تَيَسّر مَعَكَ مِنَ القرآنِ ، ثم ارْكَعْ حتى تَطْمَئِنّ راكِعاً ، ثم ارفَعْ حتى تَعْتَدِلَ قائِماً ، ثم اسْجُدْ حتى تَطْمَئِنّ ساجداً ، ثم ارْفَعْ حَتّى تَطْمَئِنّ جَالساً ، وافْعَلْ ذَلِكَ في صَلاَتِكَ كُلّهَا".
ـــــــ
عمرو ومحمد بن عجلان وداود بن قيس كلهم عن علي بن يحيى بن خلاد بن رافع الزرفي عن أبيه عن عمه رفاعة بن رافع ، فمنهم من لم يسم رفاعة قال عن عم له بدرى ، ومنهم من لم يقل عن أبيه ، ورواه النسائي والترمذي من طريق يحيى بن علي بن يحيى عن أبيه عن جده عن رفاعة ، لكن لم يقل الترمذي عن أبيه وفيه اختلاف آخر ذكره الحافظ في الفتح.
قوله: "حدثنا عبيد الله بن عمر" هو العمري.
قوله: "فدخل رجل" هو خلاد بن رافع كما تقدم "ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً ثم ارفع حتى تطمئن جالساً وافعل ذلك" إلخ لم يذكر في هذه الرواية السجدة الثانية ، وفي رواية البخاري ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً ، ثم ارفع حتى تطمئن جالساً ، ثم

(2/209)


قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسَنٌ صحيحٌ.
قال وقد رَوَى ابنُ نُمَيْرٍ هذا الحديثَ عن عُبَيْدِ الله بن عُمَرَ عن سَعِيدٍ المَقْبُرِيّ عن أبي هريرَةَ ، ولم يَذْكُرْ فيه عن أبيه عن أبي هريرة.
"وروايةُ يحيى بن سعيدٍ عن عُبَيْدِ الله بنِ عُمَرَ أصَحّ" .
"وسعيد المَقْبُرِيّ قد سمَع من أبي هريرةَ ، وَرَوَى عن أبيه عن أبي هريرةَ" .
وأبو سعيدٍ المقبُرِيّ اسْمُهُ كَيْسَانُ. وسعيد المقبُرِيّ يُكْنَى أبا سَعْدٍ.
ـــــــ
اسجد حتى تطمئن ساجداً. ثم افعل ذلك في صلاتك كلها. قال الحافظ: وقع في رواية ابن نمير في الاستيذان يعني في باب الاستيذان من صحيح البخاري بعد ذكر السجود الثاني ثم ارفع حتى تطمئن جالساً. وقد قال بعضهم هذا يدل على إيجاب جلسة الاستراحة ولم يقل به أحد ، وأشار البخاري إلى أن هذه اللفظة وهو فإنه عقبه بأن قال قال أبو أسامة في الأخير: حتى تستوي قائماً ، ويمكن أن يحمل إن كان محفوظاً على الجلوس للتشهد وكلام البخاري ظاهر في أن أبا أسامة خالف ابن نمير ، لكن رواه إسحاق بن راهويه في مسنده عن أبي أسامة كما قال ابن نمير بلفظ: ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً ، ثم اقعد حتى تطمئن قاعداً ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً ، ثم اقعد حتى تطمئن قاعداً ، ثم افعل ذلك في كل ركعة. وأخرجه البيهقي من طريقه وقال كذا إسحاق بن راهويه عن أبي أسامة والصحيح رواية عبيد الله بن سعيد بن أبي قدامة ويوسف بن موسى عن أبي أسامة بلفظ ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً ، ثم ارفع حتى تستوي قائماً ثم ساقه من طريق يوسف بن موسى كذلك انتهى كلام الحافظ.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان.
قوله: "ورواية يحيى بن سعيد عن عبيد الله بن عمر أصح" أي من رواية ابن نمير

(2/210)


303ـ حدثنا محمدُ بن بَشّارٍ و محمدُ بن المُثَنّى قالا: حدثنا يحيى بن سعيد "القَطّانُ" ، حدثنا عبد الحميد بن جعفرٍ ، حدثنا محمد بن عَمْرو بن عطاء عن أبي حُمَيْدٍ السّاعِدِيّ قال: "سَمِعْتُهُ وَهُوَ في عَشْرَةٍ من أصْحَابِ النبيّ صلى الله عليه وسلم أحَدُهم أبو قَتَادَةَ بن رِبْعِي يقولُ: أنا أعْلَمُكُمْ بصلاةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قالوا: ما كُنْتَ أقْدَمَنَا له صُحْبَةً ولا أكْثَرَنا له إتْيَاناً ، قال: بَلَى ، قالوا: فَاعْرِضْ ، فقال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قامَ إلى الصلاةِ اعْتَدَلَ قَائِماً وَرَفَعَ يَدَيْهِ حتى يُحَاذِيَ بهما مَنْكِبَيْهِ ، فإذا أراد أنْ يركعَ رفعَ يَدَيْهِ حتى يُحَاذِيَ بهما مَنْكِبَيْهِ ، ثم قال: الله أكْبَر ، وركعَ ، ثم اعْتَدَلُ ، فلم يُصَوّبْ رَأْسَهُ ولم يُقْنِعْ ، ووضع يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ ، ثم قال: سَمِعَ الله لمن
ـــــــ
عن عبيد الله بن عمر قال الدارقطني خالف يحيى القطان أصحاب عبيد الله كلهم في هذا الإسناد ، فإنهم لم يقولوا عن أبيه ويحيى حافظ قال فيشبه أن يكون عبيد الله حدث به على الوجهين. وقال البزار لم يتابع يحيى عليه ، ورجح الترمذي رواية يحيى. قال الحافظ: لكل من الروايتين وجه مرجح ، أما رواية يحيى فللزيادة من الحافظ وأما الرواية الأخرى فللكثرة ولأن سعيداً لم يوصف بالتدليس وقد ثبت سماعه من أبي هريرة ومن ثم أخرج الشيخان الطريقين انتهى كلام الحافظ.
قوله: "قال سمعته" أي قال محمد بن عمرو وسمعت أبا حميد "وهو في عشرة" أي والحال أنه كان جالساً في عشرة "أحدهم أبو قتادة بن ربعي" بكسر الراء بعد مهملة اسمه الحارث ويقال عمرو أو النعمان شهد أحداً وما بعدها ولم يصح شهوده بدراً مات لسنة أربع وخمسين وقيل سنة ثمان وثلاثين ، والأول أصح وأشهر كذا في التقريب "فأعرض" بهمزة وصل أي إذا كنت أعلم فاعرض وبين. قال في النهاية يقال عرضت عليه أمر كذا أو عرضت له الشيء أظهرته وأبرزته إليه إعرض بالكسر لا غير أي بين علمك بصلاته صلى الله عليه وسلم من كنت صادقاً لنوافقك إن حفظناه وإلا استفدناه

(2/211)


حَمِدَهُ ، ورفع يديه واعتدلَ ، حتى يَرْجِعَ كُلّ عَظْمٍ في مَوضِعِهِ مُعْتَدِلاً ، ثم أهَوَى إلى الأرْضِ ساجداً ، ثم قال: الله أكْبَر ، ثم جَافَى عَضُدَيْهِ عن إبْطَيْهِ ، وَفَتَحَ أصابِعَ رِجْلَيْهِ ، ثم ثَنَى رِجْلَه اليسرى وَقَعَدَ عليها ثم اعْتَدَلَ حتى يَرْجِعَ كُلّ عَظْمٍ في مَوضِعِهِ مُعْتَدِلا ثم أهْوَى ساجداً ، ثم قال: الله أكْبَرُ ، ثم ثَنَى رِجْلَهُ وَقَعَدَ واعْتَدَلَ حتّى يَرْجِعَ كلّ عَظْمٍ في مَوْضِعِهِ ، ثم نَهَضَ ، ثم صَنَعَ في الركعةِ الثانية مِثْلَ ذلك ، حتى إذا قامَ من السجدتينِ كَبّرَ ورفَع يديهِ حتى يُحَاذِيَ بهما مَنْكِبَيْهِ كما صنعَ حينَ افْتَتَحَ الصلاةَ ، ثم صَنَعَ كذلكَ حتى كانتِ الركعة التي تَنْقَضِي فيها صلاتُهُ أخّرَ رِجْلَهُ اليُسْرَى وَقَعَدَ عَلَى شِقّهِ مُتَوَرّكاً ، ثم سَلّمَ".
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسَنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
"وركع ثم أعتدل " أي في الركوع بأن سوى رأسه وظهره حتى صار كالصفحة "فلم يصوب رأسه" من التصويب أي لم يحطه بلغاً بل يعتدل ، وهذا تفسير لقوله اعتدل "ولم يقنع" من أقنع رأسه إذا رفع أي لا يرفع رأسه حتى يكون أعلى من ظهره "ثم هوى" أي نزل وانحط ، والهوى السقوط من علو إلى أسفل "جافى" أي باعد ونحى "وفتح أصابع رجليه" بالخاء المعجمة أي ثناها ولينها فوجهها إلى القبلة "ثم ثنى رجله" أي عطفها "وقعد واعتدل حتى يرجع كل عظم في موضعه ثم نهض" فيه سنية جلسة الاستراحة في كل ركعة لا تشهد فيها وقد تقد بيانها في موضعها "حتى إذا قام من السجدتين" أي الركعتين الأوليين "حتى كان الركعة التي تنقضي فيها صلاته أخر رجله اليسرى وقعد على شقه متوركاً" فيه سنيه التورك في القعدة الأخيرة. قال الحافظ في الفتح: في هذا الحديث حجة قوية للشافعي ومن قال بقوله في أن هيئة الجلوس في التشهد الأول مغايرة لهيئة الجلوس في الأخير انتهى.

(2/212)


قال: ومعنى قوله: "ورفع يديه إذا قام من السجدتين" يعني قامَ من الركعتين.
304ـ حدثنا محمدُ بنُ بَشّارٍ و الحسنُ بنُ عليَ الْحُلْوَانِيّ و سلمة بن شيب غيرُ واحدٍ قالوا: حدثنا أبو عاصمٍ عبدُ الحميد بن جعفرٍ حدثنا محمدُ بن عَمْرو بن عطاءِ قال: سمعتُ أبا حُمَيْدٍ السّاعِدِي في عشرةٍ من أصحابِ النبيّ صلى الله عليه وسلم فيهم أبو قتادةَ بنُ رِبْعي ، فَذَكَرَ نحوَ حديثِ يحيى بن سعيد بمعناه وزادَ فيه بو عاصمٍ عن عبدِ الحميد بن جعفرٍ هذا الحرف: قالوا: "صدقتَ هكذا صَلّى النبيّ صلى الله عليه وسلم".
ـــــــ
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه أبو داود والدارمي وابن ماجه.
قوله: "والحسن بن علي الحلواني" بضم المهملة أبو علي الخلاد نزيل مكة ثقة حافظ له تصانيف من شيوخ الترمذي مات سنة إثنين وأربعين ومائتين

(2/213)


225 ـ باب ما جاء في القراءةِ في الصبح
305- حدثنا هناد أخبرنا وكيع عن مسعر وسفيان عن زياد بن علاقة عن عمير قطبة بن مالك قال :"سمعت رسول الله صلى الله
ـــــــ
"باب ما جاء في القراءةِ في الصبح"
قوله: "عن مسعر" بكسر أوله وسكون ثانيه وفتح المهملة هو ابن كدام بكسر أوله وتخفيف ثانيه ابن ظهير الهلالي الكوفي ثقة ثبت فاضل قال القطان: ما رأيت مثله كان من أثبت الناس وقال شعبة: كان يسمى المصحف لإتقانه ، وقال وكيع: شكه كيقين

(2/213)


عليه وسلم يَقْرأُ في الفجر {والنّخْلَ بَاسِقَاتٍ} في الرّكْعَةِ الأُولَى".
قال وفي الباب عن عَمْرو بنِ حُريْثٍ وجابرِ بن سَمُرَةَ وعبدِ الله بن السّائِبِ وأبي بَرْزَةَ وأُمّ سَلَمَةَ.
قال أبو عيسى: حديثُ قُطْبَةَ بنِ مالك حديثٌ حسَنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
غيره مات سنة ثلاث وخمسين ومائة "وسفيان" هو الثوري "عن زياد بن علاقة" بكسر المهملة وبالقاف الثعلبي بالمثلثة الكوفي ثقة مات سنة خمس وعشرين ومائة "عن عمه قطبة بن مالك" بضم القاف وسكون الطاء صحابي سكن الكوفة رضي الله عنه "يقرأ في الفجر والنخل باسقات" أي يقرأ في صلاة الفجر السورة التي فيها والنخل باسقات وهي ق ، وفي رواية لمسلم: فقرأ ق والقرآن المجيد ، وفي رواية أخرى له: فقرأ في أول ركعة: {وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ}.
قوله:"وفي الباب عن عمرو بن حريث وجابر بن سمرة وعبد الله بن السائب وأبي برزة وأم سلمة" أما حديث عمرو بن حريث فأخرجه مسلم بلفظ أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في الفجر والليل إذا عسعس. وأما حديث جابر بن سمرة فأخرجه أحمد ومسلم ولفظه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الفجر بـ (ق والقرآن المجيد) ونحوها وكان صلاته بمد إلى تخفيف ، وفي رواية: كان يقرأ في الظهر والليل إذا يغشى وفي العصر نحو ذلك وفي الصبح أطول من ذلك ، ورواه أبو داود بلفظ: كان إذا دحضت الشمس صلى الظهر وقرأ بنحومن: والليل إذا يغشى والعصر كذلك والصلوات كلها كذلك إلا الصبح فإنه كان يطيل. وأما حديث عبد الله بن السائب فأخرجه مسلم بلفظ: صلى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الصبح بمكة فاستفتح سورة المؤمنين حتى جاء ذكر موسى وهارون أو ذكر عيسى أخذت النبي صلى الله عليه وسلم سعلة فركع. فأما حديث أبي برزة فأخرجه الشيخان بلفظ: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في الفجر ما بين الستين إلى المائة آية ، وفي لفظ ابن حبان: كان يقرأ بالستين إلى المائة ، كذا في نصب الراية وأما حديث أم سلمة فذكره البخاري في صحيحه في باب القراءة في الفجر تعليقاً بلفظ

(2/214)


وَرُوِيَ عَنِ النبيّ صلى الله عليه وسلم "أنه قرأ في الصبح بِالوَاقِعَةِ".
ورُوِيَ عنه "أنه كان يقرأ في الفجرِ مِن سِتّينَ آيَةً إلى مِائَةٍ".
ورُوِيَ عنه "أنه قرأَ {إذَا الشّمْسُ كُوّرَتْ} ".
ورُوِيَ عن عمرَ أنه كتبَ إلى أبي موسى أنِ اقرْأْ في الصبحِ بِطِوَالِ المُفَصّلِ.
قال أبو عيسى: : وعلى هذا العملُ عندَ أهْلِ العلمِ.
ـــــــ
قرأ النبي صلى الله عليه وسلم بالطور ، ووصله في موضع آخر من صحيحه.
قوله: "حديث قطبة ابن مالك حديث حسن صحيح" وأخرجه مسلم وغيره.
قوله: "وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأ في الصبح بالواقعة" أخرجه عبد الرزاق من حديث جابر بن سمرة "وروى عنه أنه كان يقرأ في الفجر من ستين آية إلى مائة" أخرجه الشيخان من حديث أبي برزة "وروى عنه أنه قرأ {إذَا الشّمْسُ كُوّرَتْ} أخرجه النسائي من حديث عمرو بن حريث "وروى عن عمر أنه كتب إلى أبي موسى أن اقرأ في الصبح بطوال المفصل" قال الزيلعي في نصب الراية ص روى عبد الرزاق في مصنفه أخبرنا سفيان الثوري عن علي بن زيد بن جدعان عن الحسن وغيره قال كتب عمر إلى أبي موسى أن اقرأ في المغرب بقصار المفصل وفي العشاء بوسط المفصل وفي الصبح بطوال المفصل وفي الصبح بطوال المفصل إنتهى. وروى البيهقي في المعرفة من طريق مالك عن عمه أبي سهيل بن مالك عن أبيه أن عمر بن الخطاب كتب إلى أبي موسى الأشعري أن اقرأ في ركعتي الفجر بسورتين طويلتين من المفصل انتهى ما في نصب الراية. وفي معنى أثر عمر ما رواه النسائي مرفوعاً من حديث سليمان بن يسار رضي الله عنه قال: كان فلان يطيل الأوليين من الظهر ويخفف العصر ويقرأ في المغرب بقصار المفصل وفي العشاء بوسطه وفي الصبح بطواله ، فقال أبو هريرة ما صليت وراء أحد أشبه صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا. ذكره الحافظ في بلوغ المرام

(2/215)


وبه قال سفيانُ الثّوْرِيّ وابنُ المباركِ والشافعيّ
ـــــــ
وقال: أخرجه النسائي بإسناد صحيح. والمفصل من الحجرات إلى آخر القرآن، وطواله من الحجرات إلى آخر سورة البروج، ووسطه إلى آخر سورة لم يكن ، وقصاره إلى آخر القرآن.
قوله: "وعلى هذا العمل عند أهل العلم ، وبه يقول سفيان الثوري وابن المبارك والشافعي" قال في النووي في شرح مسلم: وأما اختلاف قدر القراءة في الصلوات فهو عند العلماء على ظاهره ، قالوا فالسنة أن يقرأ في الصبح والظهر بطوال المفصل وتكون الصبح أطول ، وفي العشاء والعصر بأوساطه وفي المغرب بقصاره. قالوا والحكمة في إطالة الصبح والظهر أنهما في وقت غفلة بالنون آخر الليل ، وفي القائلة فيطولهما ليدركهما المتأخر بغفلة ونحوها ، والعصر ليست كذلك بل تفعل في وقت تعب أهل الأعمال فخففت عن ذلك ، والمغرب ضيقة الوقت فاحتيج إلى زيادة التخفيف لذلك ولحاجة الناس إلى عشاء صائمهم وضيفهم ، والعشاء في وقت غلبة النوم والنعاس ولكن وقتها واسع فأشبهت العصر انتهى كلام النووي.
قلت: قد عرفت وستعرف اختلاف أحوال صلاته صلى الله عليه وسلم في قدر القراءة في الصلوات بما لا يتم به هذا التفصيل.

(2/216)


باب: ما جاء في القراءة فى الظهر و العصر
...
226ـ باب ما جاءَ في القراءةِ في الظّهرِ والعَصْر
306ـ حدثنا أحمدُ بنُ مَنِيعٍ ، حدثنا يزيدُ بن هارونَ أخبرنا حَمّادُ بنُ سَلَمَةَ عن سِمَاكِ بن حَرْبٍ عن جابر بن سَمُرَةَ: "أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأُ في الظهرِ والعصرِ بِالسّمَاءِ ذَاتِ البروج ،
ـــــــ
"باب ما جاءَ في القراءةِ في الظّهرِ والعَصْر"
قوله: "كان يقرأ في الظهر والعصر بالسماء ذات البروج والسماء والطاررق وشبههما

(2/216)


والسّمَاءِ والطّارِقِ وشِبْهِهِمَا ".
قال: وفي الباب عن خَبّابٍ وأبي سعيدٍ وأبي قتادةَ وزيد بن ثابتٍ والبَرَاءِ بن عازب.
قال أبو عيسى: حَديثُ جابرِ بن سَمُرَةَ حديثٌ حسَنٌ صحيحٌ.
وقد رُوِيَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: "أنّهُ قَرَأَ في الظّهْرِ قَدْرَ تَنْزِيلُ السّجْدَةِ".
ورُوِيَ عنه: "أنّهُ كانَ يقرأُ في الرّكْعَةِ الأُولَى مِن الظّهْرِ قَدْرَ ثلاثينَ آيَةً ، وفي الركعةِ الثانيةِ قَدْرَ خَمْسَةَ عَشَرَ آيَةً".
ورُوِيَ عن عمرَ: أنه كَتَبَ إلى أبي موسى: أنِ اقْرَأْ في الظهرِ بِأَوْسَاطِ المُفَصّلِ.
ـــــــ
قد وردت أحاديث مختلفة في قدر القراءة في الظهر والعصر كما ستعرف. قال الحافظ في الفتح: وجمع بينها بوقوع ذلك في أحوال متغايرة إما لبيان الجواز أو لغير ذلك من الأسباب واستدل ابن العربي باختلافها على عدم مشروعية سورة معينة في صلاة معينة ، وهو واضح فيما اختلف لا فيما لم يختلف كتنزيل وهل أتى في صبح يوم الجمعة انتهى كلام الحافظ.
قوله: "وفي الباب عن خباب أبي سعيد وأبي قتادة وزيد بن ثابت والبراء" أما حديث خباب فأخرجه البخاري والنسائي وابن ماجه. وأما حديث أبي سعيد فأخرجه مسلم بلفظ قال: كنا نحزر قيام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الظهر والعصر ، فحزرنا قيامه في الركعتين الأوليين من الظهر قدر قراءة الم تنزيل السجدة ، وفي رواية في كل ركعة قدر ثلثين آية ، وحزرنا قيامه في الأخريين قدر النصف من ذلك ، وحزرنا في الركعتين الأوليين من العصر على قدر قيامه في الأخريين من الظهر ، وفي الأخريين من العصر على النصف من ذلك. وأما حديث أبي قتادة فأخرجه الشيخان قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في الظهر في الأوليين بأم الكتاب وسورتين ، وفي الركعتين

(2/217)


ورأَى بعضُ أهلِ العلمِ: أنّ القراءةَ في صلاةِ العصرِ كَنَحْوِ القراءَةِ في صلاةِ المغربِ: يَقْرَأُ بِقِصَارِ المُفَصّلِ.
ورُوِيَ عن إبراهيمَ النّخْعِيّ أنّه قال: تَعْدِلُ صلاةُ العصرِ بصلاةِ المغربِ في القراءةِ.
وقال إبراهيمُ: تضاعفُ صلاةُ الظهرِ على صلاةِ العصرِ في القراءةِ أرْبَعَ مِرَارٍ.
ـــــــ
الأخريين بأم الكتاب ، ويسمعنا الاَية أحياناً ، ويطول في الركعة الأولى ما لا يطيل في الركعة الثانية ، وهكذا في صلاة العصر ، وهكذا في الصبح. وأما حديث زيد بن ثابت فلم أقف عليه. وأما حديث البراء فأخرجه النسائي قال: كنا نصلي خلف النبي صلى الله عليه وسلم الظهر فنسمع منه الاَية بعد الاَيات من سورة لقمان والذاريات.
قوله: "حديث جابر بن سمرة حديث حسن صحيح" وأخرجه أبو داود والنسائي "وقد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأ في الظهر قدر تنزيل السجدة إلخ" تقدم تخريجه آنفاً ، وقد ثبت أنه صلى الله عليه وسلم قرأ في الركعة الأولى من الظهر يسبح اسم ربك الأعلى ، وفي الثانية هل أتاك حديث الغاشية ، رواه النسائي من حديث أنس "وروى عن عمر أنه كتب إلى أبي موسى أن اقرأ في الظهر بأوساط المفصل" تقدم تخريجه في باب ما جاء في القراءة في الصبح "وروى عن إبراهيم النخعي أنه قال: تعدل صلاة العصر بصلاة المغرب في القراءة" أخرج ابن أبي شيبة في مصنفه عن إبراهيم كانوا يعدلون الظهر بالعشاء ، والعصر بالمغرب ، كذا في الرحمة المهداة "وقال إبراهيم: تضعف صلاة الظهر على صلاة العصر في القراءة أربع مرار" يخدشه حديث أبي سعيد الذي تقدم

(2/218)


227ـ باب في القراءة في المغرب
307ـ حدثنا هَنّادٌ ، حدثنا عَبْدَةُ "بن سليمان" عن محمدِ بنِ إسحاقَ عن الزّهْرِيّ عن عُبَيْدِ الله بنِ عَبدِ الله عن ابن عباسٍ عن أمّهِ أُمّ الفَضْلِ قالت: "خَرَجَ إلينا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وهو عاصبٌ رَأْسَهُ في مرضِهِ فصلّى المغرِبَ ، فَقَرَأَ بالمُرْسَلاَتِ ، "قالت" فما صلاّها بَعْدُ حتى لَقِيَ الله".
ـــــــ
"باب في القراءة في المغرب"
قوله عن أمه أم الفضل أسمها لبابة بنت الحارث الهلالية ويقال إنها: أول امرأة أسلمت بعد خديجة ، قاله الحافظ.
قوله: "وهو عاصب رأسه" أي شاد رأسه بعصابة "فصلى المغرب فقرأ بالمرسلات" قال الحافظ في الفتح: وفي حديث أم الفضل إشعار بأنه صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الصحة بأطول من المرسلات ، لكونه كان في حال شدة مرضه وهو مظنة التخفيف ، وهو يرد على أبي داود ادعاءه نسخ التطويل ، لأنه روى عقب حديث زيد بن ثابت من طريق عروة أنه كان يقرأ في المغرب بالقصار ، قال: وهذا يدل على نسخ حديث زيد ولم يبين وجه الدلالة ، وكأنه لما رأى عروة راوي الخبر عمل بخلافه ، حمله على أنه اطلع على ناسخه ، ولا يخفى بعد هذا الحمل ، وكيف تصح دعوى النسخ وأم المفصل تقول: إن آخر صلاة صلاها بهم قرأ بالمرسلات. انتهى كلام الحاف عبد الرحمن "فما صلاها بعد حتى لقي الله عز وجل" وقد ثبت من حديث عائشة أي آخر صلاة صلاها النبي صلى الله عليه وسلم في مرض موته الظهر ، رواه البخاري في باب: إنما جعل الإمام ليؤتم به ، جمع الحافظ في الفتح بين هذين الحديثين بأن عائشة حكت آخر صلاة صلاها في المسجد

(2/219)


وفي الباب عن جُبَيْرِ بن مُطْعِمٍ وابن عُمَرَ وأبي أيّوبَ وزيدِ بنِ ثابتٍ.
قال: أبو عيسى: حديثُ أُمّ الفضلِ حديثٌ حسَنٌ صحيحٌ.
و "قد" رُوِيَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم "أنّهُ قرأ في المغربِ بالأعْرَافِ في الركعتينِ كِلْتَيْهِمَا".
ورُوَيَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم "أنّهُ قَرَأَ في المغرب بالطّورِ".
ـــــــ
لقرينة قولها بأصحابه. والتي حكتها أم الفضل كانت في بيته، كما روى ذلك النسائي ولكنه يشكل على ذلك ما أخرجه الترمذي عن أم الفضل بلفظ: خرج إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عاصب رأسه في مرضه فصلى المغرب. ويمكن حمل قولها: خرج إليها ، أنه خرج من مكانه الذي كان فيه راقداً إلى من في البيت انتهى ملخصاً.
قوله: "وفي الباب عن جير بن مطعم وابن عمر وأبي أيوب وزيد بن ثابت" أما حديث جبير بن مطعم فأخرجه الشيخان بلفظ: قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في المغرب بالطور. وأما حديث ابن عمر فأخرجه ابن ماجه بلفظ: قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في المغرب {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} ، {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} ،" وأما حديث أبي أيوب فأخرجه ابن أبي شيبة بلفظ: أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ في المغرب بالأعراف في الركعتين جميعاً. وأما حديث زيد بن ثابت فأخرجه البخاري بلفظ: أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ في المغرب بطولي الطوليين ، زاد أبو داود: قلت: وما طولى الطوليين؟ قال: الأعراف.
قوله: "حديث أم الفضل حديث حسن صحيح أخرجه الأئمة الستة "وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأ في المغرب بالأعراف في الركعتين كلتيهما" روى النسائي عن عائشة قالت: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى المغرب بسورة الأعراف ، فرقها في الركعتين. قال ميرك: إسناده حسن ، وروى هذا عن أبي أيوب أيضاً وقد تقدم لفظه "وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأ في المغرب بالطور" رواه الشيخان

(2/220)


ورُوِيَ عن عُمَرَ أنه كَتَبَ إلى أبِي موسى أنْ اقْرَأْ في المغربِ بِقصَارِ المُفَصّلِ.
ورُوِيَ عن أبي بَكْرٍ أنه قرأ فِي المغرب بِقصَارِ المُفَصّلِ.
قال: وعلى هذا العملُ عندَ أهلِ العلمِ.
وبه يقولُ ابنُ المُبَاركِ وأحمدُ وإسحاقُ.
وقال الشافعيّ: وذُكِرَ عن مالكٍ أنه كَرِهُ أنْ يُقْرَأَ في صلاةِ المغربِ بالسّوَر الطّوَالِ ، نحو الطّورِ والمُرْسَلاَتِ.
قال الشافعيّ: لاَ أكْرَه ذلكَ بل أسْتَحِبّ أنْ يُقْرأَ بهذِه السّوَرِ في صلاة للمغرب.
ـــــــ
وغيرهما عن جبير بن مطعم وتقدم لفظه "وروى عن عمر أنه كتب إلى أبي موسى أن أقرأ في المغرب بقصار المفصل" تقدم تخريجه "وروى عن أبي بكر أنه قرأ في المغرب بقصار المفصل" لم أقف على من أخرجه.
قوله: "وعلى هذا العمل عند أهل العلم" يعني على القراءة بقصار المفصل في المغرب ، وبه يقول الحنفية ، واستدلوا على ذلك بما روى الطحاوي عن أبي هريرة قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في المغرب بقصار المفصل ، وبما روى ابن ماجه عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في المغرب {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} و {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} وبما روى الطحاوي وغيره عن عمر أنه كتب إلى أبي موسى أن اقرأ في المغرب بقصار المفصل ، وبما روى أبو داود عن هشام بن عروة أن أباه كان يقرأ في صلاة المغرب بنحو ما تقرأون والعاديات ونحوه من السور. وروى عن أبي عثمان النهدي أنه صلى خلف ابن مسعود المغرب فقرأ بقل هو الله أحد ، وربما رواه الشيخان عن رافع بن خديج قال: كنا نصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فينصرف أحدنا وأنه ليبصر مواقع نبله "وقال الشافعي" مقولة قوله الاَتي: لا أكره ذلك إلخ "وذكر

(2/221)


ـــــــ
عن مالك أنه يكره إلخ" بالواو للحال والجملة حالية "قال الشافعي لا أكره ذلك بل أستحب أن يقرأ بهذه السور في صلاة المغرب" أعاد قوله قال الشافعي لطول الفصل بينه وبين مقوله لا أكره ذلك إلخ. قال الحافظ في الفتح: قال الترمذي: ذكر عن مالك أنه كره أن يقرأ في المغرب بالسور الطوال نحو الطور والمرسلات ، وقال الشافعي: لا أكره ذلك بل أستحب ، وكذا نقله البغوي نقله البغوي في شرح السنة عن الشافعي. والمعروف عند الشافعية أنه لا كراهة في ذلك ولا استحباب. وأما مالك فاعتمد العمل بالمدينة بل وبغيرها. قال ابن دقيق العيد: استمر العمل على تطويل القراءة في الصبح وتقصيرها في المغرب. والحق عندنا أن ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك وثبت مواظبته عليه فهو مستحب ، وما لا يثبت مواظبته عليه فلا كراهة فيه.
قال الحافظ: ولم أر حديثاً مرفوعاً فيه التنصيص على القراءة فيها بشيء من قصار المفصل إلا حديثاً في ابن ماجه عن ابن عمر نص فيه على الكافرون والإخلاص ، ومثله لابن حبان عن جابر بن سمرة: فأما حديث ابن عمر فظاهر إسناد الصحة إلا أنه معلول. قال الدارقطني أخطأ فيه بعض رواته. وأما حديث جابر بن سمرة ففيه سعيد بن سماك وهو متروك ، والمحفوظ أنه قرأ بهما في الركعتين بعد المغرب. واعتمد بعض مشائخنا وغيرهم حديث سليمان بن يسار عن أبي هريرة أنه قال: ما رأيت أحداً أشبه صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم من فلان ، قال سليمان: فكان يقرأ في الصبح بطوال المفصل وفي المغرب بقصار المفصل الحديث. أخرجه النسائي وصححه ابن خزيمة وغيره. وهذا يشعر بالمواظبة على ذلك ، ولكن في الاستدلال به نظر. نغم حديث رافع أنهم كانوا ينتضلون بعد صلاة المغرب يدل على تخفيف القراءة فيها. وطريق الجمع بين هذه الأحاديث أنه صلى الله عليه وسلم كان أحياناً يدل على تخفيف القراءة فيها. وطريق الجمع بين هذه الأحاديث أنه صلى الله عليه وسلم كان أحياناً يطيل القراءة في المغرب ، إما لبيان الجواز وإما لعلمه بعدم المشقة على المأمومين: وليس في حديث جبير بن مطعم "أي الذي أخرجه البخاري بلفظ قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم قرأ في المغرب بالطور" دليل على أن ذلك تكرر منه. وأما حديث زيد بن ثابت يعني ما روى البخاري وغيره عن مروان بن الحكم قال: قال لي زيد بن ثابت: ما لك تقرأ في المغرب بقصار المفصل وقد سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ بطولى الطوليين ، ففيه إشعار بذلك لكونه أنكر على مروان المواظبة على القراءة بقصار المفصل ، ولو كان مروان يعلم أن النبي

(2/222)


ـــــــ
صلى الله عليه وسلم واظب على ذلك ليحتج به على زيد ، لكن لم يرد زيد منه فيما يظهر المواظبة على القراءة بالطوال ، وإنما أراد منه أن يتعاهد ذلك كما رآه من النبي صلى الله عليه وسلم. وفي حديث أم الفضل إشعار بأنه صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الصحة بأطول من المرسلات لكونه كان في حال شدة مرضه وهو مظنة التخفيف انتهى كلامه.
قال ابن خزيمة في صحيحه: هذا من الإختلاف المباح ، فجائز للمصلي أن يقرأ في المغرب وفي الصلوات كلها بما أحب إلا أنه إذا كان إماماً استحب له أن يخفف في القراءة كما تقدم انتهى. قال الحافظ: وهذا أولى من قول القرطبي: ما ورد في مسلم وغيره من تطويل القراءة فيما استقر عليه التقصير أو عكسه فهو متروك.
وادعى الطحاوي أنه لا دلالة في شيء من الأحاديث الثلاثة على تطويل القراءة لاحتمال أن يكون المراد أنه قرأ بعض السورة ثم استدل لذلك بما رواه من طريق هشيم عن الزهري في حديث جبير بلفظ: فسمعته يقول {إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ} قال: فأخبر أن الذي سمعه من هذه السورة هي هذه الاَية خاصة انتهى.
وليس في السياق ما يقتضي قوله خاصة مع كون رواية هشيم عن الزهري بخصوصها مضعفة، بل جاء في روايات أخرى ما يدل على أنه قرأ السورة كلها، فعند البخاري في التفسير سمعته يقرأ في المغرب بالطور فلما بلغ هذه الاَية {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ} الاَيات إلى قوله: {الْمُصَيْطِرُونَ} كاد قلبي يطير. ونحوه لقاسم بن اصبع وفي رواية أسامة ومحمد بن عمرو المتقدمين سمعته يقرأ {وَالطُّورِ}،{وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ } ومثله لا بن سعد ، وزاد في أخرى فاستمعت قراءته حتى خرجت من المسجد.
ثم ادعى الطحاوي أن الاحتمال المذكور يأتي في حديث زيد بن ثابت وكذا أبداه الخطابي احتمالاً ، وفيه نظر ، لأنه لو كان قرأ بشيء منها يكون قدر سورة من قصار المفصل لما كان لإنكار زيد معنى ، وقد روى حديث زيد عن هشام عن أبيه عنه أنه قال لمروان: إنك لتخف القراءة في الركعتين من المغرب ، فوالله لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ فيها بسورة الأعراف في الركعتين جميعاً ، أخرجه ابن خزيمة ، واختلف على هشام في صحابية ، والمحفوظ عن عروة أنه زيد بن ثابت ، وقال أكثر الرواة عن هشام عن زيد بن ثابت أو أبي أيوب ، وقيل عن عائشة أخرجه

(2/223)


ـــــــ
النسائي مقتصراً على المتن دون القصة، انتهى كلام الحافظ.

(2/224)


228ـ باب ما جاءَ في القراءةِ في صلاةِ العِشَاء
308ـ حدثنا عَبْدَةُ بنُ عبدِ الله الخُزَاعِيّ ، حدثنا زيدُ بنُ الحُبَابِ حدثنا ابنُ واقدٍ عن عبدِ الله بن بُرَيْدَةَ عن أبيهِ قال: "كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يَقْرأُ في العِشَاءِ الاَخِرَةِ بالشّمْسِ وضُحَاهَا ونحوِها من السّورِ".
قال وفي الباب عن البراءِ بن عازبٍ.
ـــــــ
"باب ما جاءَ في القراءةِ في صلاةِ العِشَاء"
قوله: "أخبرنا ابن واقد" هو الحسين بن واقد مولى عبد الله بن عامر المروزي قاضيها ، وثقه ابن معين مات سنة تسع وخمسين ومائة "عن عبد الله بن بريدة" بن الحصيب الأسلمي المروزي قاضيها ثقة "عن أبيه" بريدة بن الحصيب بمهملتين مصغراً صحابي أسلم قبل بدر مات سنة ثلاث وستين.
قوله: "يقرأ في العشاء الاَخرة بـ {وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا} ونحوها من السور" هذا فعله صلى الله عليه وسلم. وقال لمعاذ رضي الله عنه: أتريد أن تكون يا معاذ فتانا ، إذا أممت الناس فاقرأ بالشمس وضحاها ، و {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} ، {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى}. قاله له حين أخبر أنه صلى بأصحابه العشاء فطول عليهم ورواه الشيخان. وهذان الحديثان يدلان على أنه يقرأ في العشاء الاَخرة هذه السور ونحوها.
قوله: "وفي الباب عن البراء بن عازب" قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في العشاء {وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ} الحديث أخرجه الأئمة الستة. وفي رواية للبخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في سفر فقرأ في العشاء في إحدى الركعتين بالتين والزيتون

(2/224)


قال أبو عيسى: حديثُ بُرَيْدَةَ حديثٌ حسَنٌ.
وقد رُوِيَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: "أنه قرأ في العِشاءِ الاَخِرَةِ بالتّينِ والزّيْتُونِ".
ورُوِيَ عن عثمانَ بنِ عَفّانَ : أنه كان يَقْرَأُ في العِشاء بِسُوَرٍ من أوْسَاطِ المُفَصّلِ نحوِ سُورَةِ المُنَافِقِينَ وأشْبَاهها.
ورُوِيَ عن أصحابِ النبي صلى الله عليه وسلم والتابعينَ: أنّهم قَرَأُوا بأَكْثَرَ مِن هذا وأقلّ: فكان الأمر عندهم واسع في هذا.
وأحسن شيء في ذلك ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم "أنه قرأ بـ {والشّمْسِ وضُحَاهَا} ، {والتّين والزّيْتُونِ} ".
ـــــــ
وفي الباب عن أبي هريرة رواه البخاري وغيره عن أبي رافع قال :"صليت مع أبي هريرة العتمة فقرأ {إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ} فسجد فقلت: ما هذه؟ قال: سجدت فيها خلف أبي القاسم صلى الله عليه وسلم فلا أزال أسجد فيها حتى ألقاه".
واعلم أن سورة " {والتّين والزّيْتُونِ} من قصار المفصل ، وسورة {إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ} من أوساط المفصل. قال الجاحظ في الفتح: وإنما قرأ في العشاء بقصار المفصل لكونه كان مسافراً والسفر يطلب فيه التخفيف ، وحديث أبي هريرة محمول على الحضر فلذلك قرأ فيها بأوساط المفصل انتهى.
قوله: "حديث بريدة حديث حسن" وأخرجه أحمد والنسائي "وقد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأ في العشاء الاَخر بسورة {والتّين والزّيْتُونِ} أخرجه الترمذي في هذا الباب وأخرجه أيضاً غيره من الأئمة الستة كما عرفت "وروى عن عثمان بن عفان أنه كان يقرأ في العشاء بسور من أوساط المفصل نحو سورة المنافقين وأشباهها" وقد تقدم حديث سليمان بن يسار عن أبي هريرة وفيه: ويقرأ في الأوليين من العشاء من وسط المفصل "كأن الأمر عندهم واسع" كأن بشدة النون من الحروف

(2/225)


309ـ حدثنا هَنّادٌ حدثنا أبو معاويَة عن يحيى بن سعيدٍ الأنصاريّ عن عَدِيّ بنِ ثابتٍ عن البراء بن عازب: "أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قرأَ في العِشاءِ الاَخِرَةِ بالتّينِ والزّيْتُونِ".
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسَنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
الشبهة بالفعل يعني كأن أمر القراء في صلاة العشاء فيه وسعة عندهم لا تضييق فيه ، ولأجل ذلك قرأوا فيها بأكثر من المذكور وأقل "وأحسن شيء في ذلك ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم بالشمس وضحاها والتين والزيتون" بل أحسن شيء في ذلك ما أمر النبي صلى الله عليه وسلم معاذا رضي الله عنه بقراءته من السور وأمثالها والله تعالى أعلم.

(2/226)


229ـ باب ما جاءَ في القراءة خلفَ الإمام
310ـ حدثنا هَنّادٌ ، حدثنا عَبْدَةُ بن سليمانَ عن محمد بن إسحاقَ
ـــــــ
"باب ما جاءَ في القراءة خلفَ الإمام"
قوله: "عن محمد بن إسحاق" هو محمد بن إسحاق بن يسار أبو بكر المطلبي مولاهم المدني نزيل العراق إمام المغازي وهو ثقة قابل للاحتجاج على ما هو الحق. قال بدر الدين العيني في شرح البخاري: ابن إسحاق من الثقات الكبار عند الجمهور انتهى. وقال ابن الهمام في فتح القدير: وأما ابن إسحاق فثقة ثقة لا شبهة عندنا في ذلك ولا عند محققي المحدثين انتهى. وقال أيضاً وهو يعني توثيق ابن إسحاق الحق الأبلج وما نقل عن مالك فيه لا يثبت ولو صح لم يقبله أهل العلم. كيف وقد قال شعبة هو أمير المؤمنين في الحديث ، وروى عنه مثل الثوري وابن أدريس وحماد بن زيد ويزيد بن زريع وابن علية وعبد الوارث وابن المبارك واحتمله أحمد وابن معين وعامة أهل الحديث غفر الله لهم. وقد

(2/226)


عن مَكْحُولٍ عن محمود بن الرّبيعِ عن عُبَادَةَ بن الصّامِتِ قال: "صلّى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصبح ، فَثَقُلَتْ عليه القراءةُ ، فلمّا انصرف قال: إنّي أراكم تَقْرأُونَ وراء إمَامِكُمْ؟ قال: قلنا:يَا رسولَ الله إي وَالله ، قال: فلا تفَعَلُوا إلاّ بِأُمّ القُرآنِ ، فإِنّهُ لا صلاةَ لِمَنْ لَمْ يقرأْ بها".
ـــــــ
أطال البخاري في توثيثقه في كتاب القراءة خلف الإمام ، وذكره ابن حبان في الثقات ، وإن مالكا رجع عن الكلام في ابن إسحاق واصطلح معه وبعث إليه هدية انتهى كلام ابن الهمام.
وقال الحافظ بن حجر في القول المسدد: وأما حمله يعني ابن الجوزي على محمد بن إسحاق فلا طائل فيه فإن الأئمة قبلوا حديثه وأكثر ما عيب فيه التدليس والرواية عن المجهولين ، وأما هو في نفسه فصدوق وهو حجة في المغازي عند الجمهور انتهى كلام الحافظ "عن مكحول" وفي رواية الدارقطني وأحمد والبيهقي حدثني مكحول. وقال الزيلعي في نصب الراية: ورواهن إبراهيم بن سعد عن محمد بن إسحاق فذكر فيه سماع ابن إسحاق عن مكحول فصار الحديث موصولاً صحيحاً انتهى. ومكحول هذا هو مكحول الشامي وأبو عبد الله ثقة فقيه كثير الإرسال مشهور من الخامسة مات سنة بضع عشرة ومائة كذا في التقريب.
قوله: "صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصبح فثقلت عليه القراءة" أي شق عليه التلفظ والجهر بالقراءة ، وفي رواية أبي داود: كنا خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة الفجر فقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فثقلت عليه القراءة "فلما أنصرف" أي فرغ من الصلاة "إي والله" بكسر الهمزة وسكون التحتية أي نعم والله نحن نقرأ "قال لا تفعلوا إلا بأم القرآن فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها" قال الخطابي هذا الحديث صريح بأن قراءة الفاتحة واجبة على من خلف الإمام سواء جهر الإمام بالقراءة أو خافت بها ، وإسناده جيد لا طعن فيه انتهى. قلت الأمر كما قال الخطابي لا شك في أن هذا الحديث نص

(2/227)


قال: وفي الباب عن أبي هريرةَ وعائشةَ وأنَسٍ وأبي قتادةَ وعبدِ الله بنِ عَمْرٍو.
ـــــــ
صريح في أن قراءة فاتحة الكتاب واجبة على من خلف الإمام في جميع الصلوات سرية كانت أو جهرية وهو القول الراجح المنصور عندي.
قوله: "وفي الباب عن أبي هريرة وعائشة وأنس وأبي قتادة وعبد الله بن عمرو" أما حديث أبي هريرة فأخرجه مسلم عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج. ثلاثاً غير تمام ، فقيل لأبي هريرة إنا نكون وراء الإمام قال اقرأ بها في نفسك الحديث. وأما حديث عائشة فأخرجه أحمد وابن ماجه والطحاوي من طريق محمد بن إسحاق عن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج ، وإسناده حسن. وجاء في رواية الطحاوي تصريح سماع ابن إسحاق من يحيى بن عباد فزالت شبهة التدليس. وهذان الحديثان بعمومها شاملان للمأمومين أيضاً: وأما حديث أنس فأخرجه البخاري في جزء القراءة ، والبيهقي في كتاب القراءة ، وابن حبان والطبراني في الأوسط ، ولفظ البخاري: إن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بأصحابه فلما قضى صلاته أقبل عليهم بوجهه فقال أتقرأون في صلاتكم والإمام يقرأ؟ فسكتوا ، فقالها ثلاث مرات ، فقال قائل أو قائلون: إنا لنفعل: قال: فلا تفعلوا وليقرأ أحدكم بفاتحة الكتاب في نفسه قاله صاحب الجوهر النقي من العلماء الحنفية: أخرجه بن حبان في صحيحه من حديث أبي قلابة عن أنس ثم قال سمعه من أنس وسمعه من ابن أبي عائشة ، فالطريقان محفوظان انتهى. وقال البيقهي في كتاب القراءة بعد روايته من طريق ابن علية عن أيوب عن أبي قلابة عن أنس. احتج به البخاري في كتاب القراءة خلف الإمام وأما حديث أبي قتادة فأخرجه البيهقي في كتاب القراءة عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال أتقرأون خلفي؟ قلنا نعم ، قال فلا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب. وأما حديث عبد الله بن عمرو فأخرجه البيهقي في كتاب القراءة عنه من طريق عبد العظيم عن النضر بن محمد عن عكرمة بن عمار عن عمرو بن سعد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أتقرأون

(2/228)


قال أبو عيسى: حديثُ عُبَادَةَ حديثٌ حسَنٌ.
وَرَوَى هذا الحديثَ الزّهرِيّ عن محمود بن الرّبيع عن عُبَادَةَ بنِ الصّامِتِ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "لا صلاَةَ لِمَنْ لم يقرأْ بفاتحةِ الكتابِ".
قال: وهذا أصَحّ.
ـــــــ
خلفي؟ قالوا نعم يا رسول الله إنا لنهزه هزاً ، قال فلا تفعلوا إلا بأم القرآن. قال البيهقي: رواه في كتاب القراءة خلف الإمام عن شجاع ابن الوليد عن النضر.
وفي باب أحاديث أخرى ذكرناها في كتابنا تحقيق الكلام في وجوب القراءة خلف الإمام ، وفي كتابنا أبكار المنن في نقد آثار السنن ، وذكرها البيهقي في كتاب القراءة ، فمنها حديث محمد بن أبي عائشة عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وسيأتي لفظه ، قال الحافظ في التلخيص إسناده حسن ، وقال البيهقي في معرفة السنن بعد روايته هذا إسناد صحيح ، وقال في كتاب القراءة: هذا حديث صحيح احتج به محمد بن إسحاق بن خزيمة في جملة ما احتج به في هذا الباب.
قوله: "حديث عبادة حديث حسن" قال الحافظ في التلخيص بعد ذكر هذا الحديث: أخرجه أحمد والبخاري في جزء القراءة وصححه أبو داود والترمذي والدارقطني وابن حبان والحاكم والبيهقي من طريق ابن إسحاق حدثني مكحول عن محمود بن ربيعة عن بادة وتابعه زيد بن واقد وغايره عن مكحول ، ومن شواهده ما رواه أحمد من طريق خالد الحذاء عن أبي قلابة عن محمد بن أبي عائشة عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لعلكم تقرأون والإمام يقرأ ؟ قالوا إنا لنفعل ، قال لا إلا أن يقرأ أحدكم بفاتحة الكتاب. إسناده حسن انتهى كلام الحافظ. وقال في الدراية: أخرجه أبو داود بإسناد رجاله ثقات انتهى. وقال في نتائج الأفكار لتخريج أحاديث الأذكار: هذا حديث حسن انتهى. وسكت عنه أبو داود. وذكر الحافظ المنذري تحسين الترمذي وأقره. وقال القاري في المرقاة شرح المشكاة

(2/229)


والعملُ على هذا الحديثِ في القراءةِ خلفَ الإمامِ عندَ أكثرِ أهلِ العلمِ مِن أصحابِ النبيّ صلى الله عليه وسلم والتابعينَ.
وهو قولُ مالِك بن أنسٍ وابنِ المبارَكِ والشافعيّ وأحمدَ وإسحاقَ: يرَوْنَ القراءةَ خَلْفَ الإمامِ.
ـــــــ
قال ميرك نقلاً عن الملقن: حديث عبادة بن الصامت رواه أبو داود والترمذي والدارقطني وابن حبان والبيهقي والحاكم وقال الترمذي حسن ، وقال الدارقطني إسناده حسن ورجاله ثقات ، وقال الخطابي إسناده جيد لا مطعن فيه، وقال الحاكم إسناده مستقيم ، وقال البيهقي صحيح انتهى ما في المرقاة.
قوله: "وهذا أصح" أي من حديث عبادة المذكور في الباب من طريق ابن إسحاق عن مكحول عن محمود بن الربيع عنه وحديث عبادة من طريق الزهري عن محمود أخرجه الأئمة السته.
قوله: "والعمل على هذا الحديث في القراءة خلف الإمام عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والتابعين ، وهو قول مالك بن أنس وابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق يرون القراءة خلف الإمام" وهو قول بعض العلماء الحنفية أيضاً. قال العيني في عمدة القاري: بعض أصحابنا يستحسنون ذلك على سبيل الاحتياط في جميع الصلوات ، وبعضهم في السرية فقط وعليه فقهاء الحجاز والشام انتهى. وقال الملاجيون من العلماء الحنفية في التفسير الأحمدي: فإن رأيت الطائفة الصوفية والمشائخين الحنفية ، تراهم يستحسنون قراءة الفاتحة للمؤتم كما استحسنه محمد رحمه الله أيضاً احتياطا فما روى عنه انتهى. وقال صاحب عمدة الرعاية حاشية شرح الوقاية من العلماء الحنفية وروى عن محمد أنه استحسن قراءة الفاتحة للمؤتم في السرية ، وروى مثله عن أبي حنيفة صرح به في الهداية المجتبى شرح مختصر القدوري وغيرهما، وهذا هو مختار كثير من مشائخنا انتهى.
تنبيه: إعلم أن قول الترمذي وهو قول مالك بن أنس وابن المبارك والشافعي وأحمد

(2/230)


ـــــــ
وإسحاق يرون القراءة خلف الإمام فيه إجمال ، ومقصوده أن هؤلاء الأئمة كلهم يروا القراءة خلف الإمام إما في جميع الصلوات أو في السرية فقط ، وإما على سبيل الوجوب أو على سبيل الاستحباب والاستحسان. فأما من قال بوجوب القراءة خلف الإمام في جميع الصلوات سرية كما كانت أو جهرية فاستدل بأحاديث الباب ، وهو القول الراجح المنصور. وسيأتي تفصيل الأقوال في هذه المسألة.

(2/231)


230ـ باب ما جاءَ فِي تركِ القراءة خَلفَ الإمامِ إذا جَهَرَ الإمامُ بِالقِرَاءة
311ـ حدثنا الأنصاريّ ، أخبرنا مَعْنٌ أخبرنا مالكٌ عن ابنِ شهابٍ عن ابنِ أْكَيْمَةَ اللّيْثِيّ عن أبي هريرةَ: "أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم انْصَرَفَ مِن صلاةٍ جَهَرَ فيها بالقراءَةِ ، فقال: هل قَرَأَ معِي أحَدٌ مِنكم آنِفاً؟ فقال رجلٌ: نعم يا رسولَ الله ، قال: إنّي أقولُ مَا لِي أُنَازَعُ القرآنَ؟ قال: فَانْتَهَى الناسُ عن القراءةِ مع رسولِ الله صلى الله عليه وسلم فيما يجهَر فيه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم من الصّلَوَاتِ بالقراءَةِ حين سمعوا ذلك من رسولِ الله صلى الله عليه وسلم".
ـــــــ
"باب ما جاءَ فِي تركِ القراءة خَلفَ الإمامِ إذا جَهَرَ الإمامُ بِالقِرَاءة"
قوله:"حدثنا الأنصاري" وهو إسحاق بن موسى الأنصاري "عن ابن أكيمة" بالتصغير اسمه عمارة بضم أوله والتخفيف الليثي المدني يكنى أبا الوليد وقيل اسمه عمار أو عمر أو عامر يأتي غير مسمى ثقة من أوساط التابعين.
قوله: "انصرف من صلاة جهر فيها بالقراءة" وفي رواية لأبي داود صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة نظن أنها الصبح "إني أقول مالي أنازع القرآن" بفتح الزاي

(2/231)


وفي الباب: عنِ ابنِ مسعودٍ وعِمْرَانَ بنِ حُصَيْنٍ وجابرِ بن عبدِ الله .
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسَنٌ.
وابنُ أُكَيْمَةَ اللّيْثِيّ اسمُه عُمَارَةُ ويُقَال عَمْرُو بن أُكَيْمَةَ.
وَرَوَى بعضُ أصحابِ الزهريّ هذا الحديثَ وذَكَرُوا هذَا الحرفَ: "قال: قال الزّهرِيّ: فَانْتَهَى الناسُ عن القراءةِ حينَ سمعوا ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم".
ـــــــ
ونصب القرآن على أنه مفعول ثان أي فيه كذا ، قال صاحب الأزهار: وقال الخطابي معناه أداخل في القراءة وأغالب عليها و قال الجزري في النهاية أجاذب في قراءته كأنهم جهروا بالقراءة خلفه فشغلوه فالتبست عليه القراءة. وأصل النزع الجذب ومنه نزع الميت بروحه انتهى "قال فانتهى الناس إلخ" أي قال الزهري فانتهى الناس كما روى بعض أصحاب الزهري فقوله فانتهى الناس مدرج من قول الزهري وسيجيء تصريح الحفاظ بكونه مدرجاً. والحديث قد استدل به على ترك القراءة خلف الإمام إذا جهر الإمام بالقراءة ، وفي الاستدلال به على هذا المطلوب نظر كما ستقف عليه.
قوله: "وفي الباب عن ابن مسعود وعمران بن حصين وجابر بن عبد الله" أما حديث بن مسعود فأخرجه الطحاوي وغيره عنه قال: كانوا يقرأون خلف النبي صلى الله عليه وسلم فقال: خلطتم على القرآن. وأما حديث عمران بن حصين فأخرجه مسلم وغيره عنه قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الظهر أو العصر فقال: أيكم قرأ خلفي بـ {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} ؟ فقال رجل: أنا ولم أرد بها إلا الخير ، قال: قد علمت أن بعضكم خالجنيها. وأما حديث جابر فأخرجه ابن ماجه وغيره مرفوعاً: من كان له إمام فقراءه الإمام له قراءة: وهذا حديث ضعيف كما ستعرف.
قوله: "هذا حديث حسن" وأخرجه مالك في الموطأ وأبو داود والنسائي وابن ماجه.

(2/232)


وليس في هذا الحديث ما يَدْخُلُ على مَنْ رأى القراءَةَ خلفَ الإمامِ لأنّ أبا هريرةَ هو الذي رَوَى "عن النبي صلى الله عليه وسلم" هذا الحديثَ.
ـــــــ
قوله: "وروى بعض أصحاب الزهري هذا الحديث وذكروا هذا الحرف قال: قال الزهري: فانتهى الناس عن القراءة إلخ" يعني أن بعض أصحاب الزهري فصل قوله: فانتهى الناس الخ عن الحديث وجعله من قول الزهري. قال الإمام البخاري في جزء القراءة: قوله: فانتهى الناس من كلام الزهري وقد بينه لي الحسن بن الصباح قال: حدثنا مبشر عن الأوزاعي قال الزهري: فاتعظ المسلمون بذلك فلم يكونوا يقرأون فيما جهر. وقال مالك: قال ربيعة: إذا حدثت فبين كلامك من كلام النبي صلى الله عليه وسلم انتهى وقال البيهقي في معرفة السنن: قوله: فانتهى الناس في القراءة من قول الزهري ، قاله محمد بن يحيى الذهلي صاحب الزهريات ومحمد بن إسماعيل البخاري وأبو داود ، واستدلوا على ذلك برواية الأوزاعي حين ميزه من الحديث وجعله من قول الزهري ، وكيف يصح ذلك عن أبي هريرة وأبو هريرة يأمر بالقراءة خلف الإمام فيما جهر به وفيما خافت انتهى. وقال في كتاب القراءة: رواية ابن عيينة عن معمر دالة على كونه من قول الزهري ، وكذلك انتهاء الليث بن سعد وهو من الحفاظ الأثبات الفقهاء مع ابن جريج برواية الحديث من الزهري إلى قوله: ما لي أنازع القرآن ، الدال على أن ما بعده ليس في الحديث وأنه من قول الزهري ، ففصل كلام الزهري من الحديث بفصل ظاهر انتهى. وقال الحافظ في التلخيص الحبير: وقوله: فانتهى الناس إلى آخره مدرج في الخبر من كلام الزهري بينه الخطيب واتفق عليه البخاري في التاريخ وأبو داود ويعقوب بن سفيان والذهلي والخطابي وغيرهم انتهى.
قوله: "وليس في هذا الحديث ما يدخل على من رأى القراءة خلف الإمام إلخ" حاصل كلامه أن حديث أبي هريرة المروي في هذا الباب لا يدل على منع القراءة خلف الإمام حتى يكون حجة على القائلين بها ، فإن أبا هريرة الذي روى هذا الحديث قد روى هو حديث الخداج الذي يدل على وجوب قراءة الفاتحة على كل مصلي إماماً كان أو مأموماً أو منفرداً. وقد أفتى أبو هريرة بعد رواية هذا الحديث بقراءة فاتحة

(2/233)


وَرَوَى أبو هريرةَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال :"مَنْ صَلّى صلاةً لَمْ يَقْرَأْ فيها بِأُمّ الْقُرْآنِ فَهِيَ خِداجٌ غَيْرُ تمَامٍ" فقال له حاملُ الحديثِ إنّي أكُونُ أحياناً وراء الإمامِ؟ قال: اقْرَأْ بها في نَفْسِكَ.
وَرَوَى أبو عثمانَ النّهْدِيّ عن أبي هريرةَ قال: "أمَرَني النبيّ صلى الله عليه وسلم أنْ أنادِي أن لا صلاةَ إلا بقراءَةِ فاتحةِ الكتابِ".
ـــــــ
الكتاب خلف الإمام حيث قال: اقرأ بها في نفسك ، فعلم أن حديث أبي هريرة المروي في هذا الباب ليس فيه ما يدخل على من رأى القراءة خلف الإمام ، أي ليس فيه ما يضر القائلين بالقراءة خلف الإمام. قال في القاموس: الدخل محركة ما داخلك من فساد في عقل أو جسم وقد دخل كفرح وعني دخلاً ودخلاً والمكر والخديعة والعيب في الحسب انتهى "وروى أبو عثمان النهدي عن أبي هريرة قال: "أمرني النبي صلى الله عليه وسلم أن أنادي أن لا صلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب" رواه البيهقي في كتاب القراءة بأسانيد وألفاظ من شاء الوقوف عليها فليرجع إليه.
تنبيه: إعلم أن الإمام مالك والزهري وغيرهما ممن قالوا بالقراءة خلف الإمام في الصلوات السرية دون الجهرية قد استدلوا بأحاديث الباب ، لكن في الاستدلال بهذه الأحاديث على مطلوبهم نظر. أما حديث المنازعة الذي روى الترمذي في هذا الباب فإنه لا يدل على منع القراءة خلف الإمام المتنازع فيها وهي القراءة بالسر وفي النفس بحيث لا يفضي الى المنازعة بقراءة الإمام ، نعم يدل على منع القراءة بالجهر خلفه وهي ممنوعة بالإتفاق. قال الشوكاني في النيل ، استدل به القائلون بأنه لا يقرأ المؤتم خلف الإمام في الجهرية ، وهو خارج عن محل النزاع. لأن محل النزاع هو القراءة خلف الإمام سراً والمنازعة إنما تكون مع جهر المؤتم لا مع إسراره. وقال الفاضل اللكنوي: غاية ما فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ما لي أنازع القرآن ، فهو إن دل على النهي فإنما يدل على نهي القراءة المفضية إلى المنازعة في الجهر به انتهى. وأما حديث ابن مسعود فإنه إنما يدل على منع التخليط على الإمام ، والتخليط لا يكون

(2/234)


واخْتَارَ أصحابُ الحديثِ أن لاَ يقرأ الرجلُ إذا جَهَرَ الإمامُ بالقراءَةِ ، وقالُوا: يَتبعُ سَكتَاتِ الإمامِ.
ـــــــ
إلا إذا قريء خلف الإمام بالجهر ، وأما إذا قريء خلفه بالسر وفي النفس فلا يكون التخليط البتة. وقد روى البيهقي في كتاب القراءة والبخاري في جزء القراءة حديث ابن مسعود هذا من طريق أبي الأحوص عن عبد الله قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم لقوم كانوا يقرأون القرآن فيجهرون به خلطتم علي القرآن فهذه الرواية صريحة أن تخليطهم القرآن على النبي صلى الله عليه وسلم كان لقراءتهم خلفه بالجهر ، وعلى ذلك أنكر صلى الله عليه وسلم بقوله: خلطتم علي القرآن ، فهذا الحديث أيضاً خارج عن محل النزاع. وأما حديث عمران بن حصين فهو أيضاً خارج عن محل النزاع. قال الحافظ ابن عبد البر في التمهيد: معنى قوله: خالجنيها أي نازعني ، والمخالجة هنا عندهم كالمنازعة ، فحديث عمران هذا الحديث ابن أكيمة عن أبي هريرة، ولا تكون المنازعة إلا فيما جهر فيه المأموم وراء الإمام ، ويدل على ذلك قول أبي هريرة وهو راوي الحديث في ذلك: اقرأ بها في نفسك يا فارسي انتهى. وقال البيهقي في كتاب القراءة: ثم إن كان كره النبي صلى الله عليه وسلم من قراءته شيئاً فإنما كره جهره بالقراءة خلف الإمام ، ألا تراه قال: أيكم قرأ بسبح اسم ربك الأعلى ، فلولا أنه رفع صوته بقراءة هذه السورة وإلا لم يسم له ما قرأ ، ونحن نكره للمأموم رفع الصوت بالقراءة خلف الإمام ، فأما أن يترك أصل القراءة فلا ، وقد روينا عن عمران بن حصين رضي الله عنه في هذا الكتاب ما روى عنه في القراءة خلف الإمام ، وذلك يؤكد ما قلنا انتهى. وأما حديث جابر بن عبد الله فهو بجميع طرقه ضعيف كما ستعرف. وقد استدل القائلون بالقراءة خلف الإمام في السرية دون الجهرية بقوله تعالى: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا} وبحديث أبي موسى: وإذا قرأ فانصتوا ، وسيأتي الجواب عن ذلك فانتظر.
قوله: "واختار أصحاب الحديث أن لا يقرأ الرجل إذا جهر الإمام بالقراءة وقالوا يتبع سكتات الإمام" جاء فيه حديث مرفوع رواه الحاكم عن عطاء عن أبي هريرة مرفوعاً من صلى صلاة مكتوبة مع الإمام فليقرأ بفاتحة الكتاب في سكتاته ، ورواه

(2/235)


ـــــــ
البيهقي في كتاب القراءة من طريق محمد بن عبد الله بن عبيد بن عمير عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعاً وفيه: من صلى صلاة مع إمام يجهر فليقرأ بفاتحة الكتاب في بعض سكتاته ، فإن لم يفعل فصلاته خداج غير تمام. وقال بعد روايته ما لفظه: ومحمد بن عبد الله بن عبيد بن عمير وإن كان غير محتج به ، وكذلك بعض من تقدم ممن رواه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده فلقراءة المأموم فاتحة الكتاب في سكتة الإمام شواهد صحيحة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده خبراً عن فعلهم ، وعن أبي هريرة وغيره من فتواهم ونحن نذكرها إن شاء الله تعالى في ذكر أقاويل الصحابة انتهى كلامه.
قلت: قد ذكر البيهقي في هذا الكتاب في أقاويل الصحابة بإسناده عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أنهم كانوا يقرأون خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أنصت ، فإذا قرأ لم يقرأوا وإذا أنصت قرأوا. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: كل صلاة لا يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج. ثم ذكر بإسناده عن سعيد بن جبير قال: كانوا إذا كبروا لا يفتتحون القراءة حتى يعلم أن من خلفه قد قرأوا فاتحة الكتاب. قال البيهقي: وقرأت في كتاب القراءة خلف الإمام تصنيف البخاري قال: قال ابن خثيم: قلت لسعيد بن جبير: أقرأ خلف الإمام قال نعم وإن سمعت قراءته فإنهم قد أحدثوا ما لم يكونوا يصنعونه ، إن السلف كان إذا أم أحدهم الناس كبر ثم أنصت حتى يظن أن من خلفه قرأ بفاتحة الكتاب ثم قرأ وأنصت انتهى ما في كتاب القراءة.
قلت: قال الحافظ ابن حجر في نتائج الأفكار: هذا موقوف صحيح ، فقد أدرك سعيد بن جبير جماعة من علماء الصحابة ومن كبار التابعين انتهى.
ثم ذكر البيهقي بإسناده عن هشام بن عروة عن أبيه قال: يا بني اقرأوا في سكتة الإمام فإنه لا تتم صلاة إلا بفاتحة الكتاب ، ثم ذكر بإسناده عن عبد الملك بن المغيرة عن أبي هريرة قال: كل صلاة لا يقرأ فيها بأم الكتاب فهي خداج ثم هي خداج ، فقال بعض القوم: فكيف إذا كان الإمام يقرأ ، قال أبو سلمة: للإمام سكتتان فاغتنموهما: سكتة حين يكبر وسكتة حين يقول غير المغضوب عليهم ولا الضالين. قال

(2/236)


وقد اختلفَ أهلُ العلمِ في القراءَةِ خلفَ الإمام فرأى أكثرُ أهلِ العلمِ مِن أصحابِ النبي صلى الله عليه وسلم والتابعينَ ومَنْ بَعدهم القراءةَ خلفَ الإمامِ.
ـــــــ
فهذا الجواب من أبي سلمة بن عبد الرحمن كان بين يدي أبي هريرة ولم ينكر عليه ذلك فهو كما قاله أبو هريرة ، ورواية العلاء بن عبد الرحمن تشهد لذلك بالصحة انتهى.
قلت: رواية العلاء ليست مقيدة بقراءة المأموم في سكتات الإمام ، ففي صحيح مسلم: فقيل لأبي هريرة: إنا نكون وراء الإمام ، فقال: اقرأ بها في نفسك الحديث. وعند البيهقي في هذا الكتاب ص قال: قلت يا أبا هريرة إني أسمع قراءة الإمام ، فقال يا فارسي ، أو يا ابن الفارسي اقرأ في نفسك . وعنده أيضاً في هذا الكتاب ص 21 قلت يا أبا هريرة فكيف أصنع إذا جهر الإمام قال: إقرأ بها في نفسك: ثم ذكر البيهقي بإسناده: قال مكحول: إقرأ بها ، يعني بالفاتحة فيما جهر به الإمام إذا قرأ بفاتحة الكتاب وسكت سراو إن لم يسكت اقر اقرأ بها قبله ومعه وبعده لا تتركها على حال انتهى.
قوله: "وقد اختلف أهل العلم في القراءة خلف الإمام فرأى أكثر أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والتابعين ومن بعدهم القراءة خلف الإمام" وهو قول عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما. أخرج الدارقطني في سننه بإسناده عن يزيد بن شريك أنه سأل عمر عن القراءة خلف الإمام فقال: اقرأ بفاتحة الكتاب ، قلت: وإن كنت. قال: وإن كنت أنا قلت: وإن جهرت؟ قال: وإن جهرت. قال الدارقطني: رواية كلهم ثقات وأخرجه بإسناد آخر وقال هذا إسناد صحيح. وأخرج بإسناده عن عبيد الله بن أبي رافع قال: كان علي يقول اقرأوا في الركعتين الأوليين من الظهر والعصر خلف الإمام بفاتحة الكتاب وسورة ، قال الدارقطني بعد إخراجه هذا إسناد صحيح. خرجه بإسناد آخر بلفظ: كان يأمر أو يقول: إقرأوا خلف الإمام في الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب وسورة ، وفي الأخريين أو بفاتحة الكتاب. وقال الحاكم في المستدرك: قد صحت الرواية عن عمر وعلي أنهما كانا يأمران بالقراءة خلف الإمام انتهى. وإن شئت أن تقف على آثار الصحابة في

(2/237)


وبه يقولُ مالكٌ وابن المبارك والشافعيّ وأحمدُ وإسحاقُ.
وَرُوِيَ عن عَبْدِ الله بن المباركِ أنه قال: أنا أَقْرَأُ خلفَ الإمامِ والناس يَقْرأُونَ ، إلاّ قَوْماً من الكُوفِيّينَ. وَأرَى أنّ مَن لم يقرأْ صَلاَتهُ جائزةٌ.
وشدّدَ قومٌ مِن أهلِ العلم في تركِ قراءةِ فاتحةِ الكتاب ، وإنْ كان خلفَ الإمام ، فقالوا: لا تجزئ صلاةٌ إلا بقراءَةِ فاتحةِ الكتابِ ، وَحْدَهُ كانَ أوْ خلفَ الإمامِ وَذَهَبُوا إلى ما رَوَى عبادةُ بن الصامتِ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم.
ـــــــ
القراءة خلف الإمام فارجع إلى كتابنا تحقيق الكلام، وإلى كتاب القراءة خلف الإمام للبيهقي.
"وبه يقول مالك وابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق" قال البخاري في جزء القراءة: وكان سعيد بن المسيب وعروة والشعبي وعبيد الله بن عبد الله ونافع بن جبير وأبو المليح والقاسم بن محمد وأبو مجلز ومكحول ومالك بن عون وسعيد بن عروبة يرون القراءة ، وقال فيه: وقال الحسن وسعيد بن جبير وميمون بن مهران ومالا أحصي من التابعين وأهل العلم أنه يقرأ خلف الإمام وإن جهر انتهى "وروي عن عبد الله بن المبارك أنه قال: أنا أقرأ خلف الإمام والناس يقرأون إلا قوم من الكوفيين" يعني أبا حنيفة وأصحابه فهم لا يرون القراءة خلف الإمام لا في السرية ولا في الجهرية ، وظهر من كلام ابن المبارك هذا أن كل من كان في عهد ابن المبارك من التابعين وأتباعهم كانوا يقرأون خلف الإمام غير قوم من أهل الكوفة "وأرى أن من لم يقرأ" أي خلف الإمام "صلاته جائزة" فابن المبارك كان يقرأ خلف الإمام ولكن لم يكن من القائلين بوجوب القراءة خلف الإمام "وشدد قوم من أهل العلم في ترك قراءة فاتحة الكتاب وإن كان خلف الإمام" فقالوا: لا تجزيء صلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب وحده كان أو خلفه الإمام قولهم هذا هو القول الراجح المنصور وذهبوا إلى ما روى عبادة بن الصامت عن النبي صلى الله عليه وسلم" قال: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب". فإن لفظ: من في هذا الحديث من ألفاظ العموم ، فهو شامل للمأموم قطعاً كما هو شامل للإمام والمنفرد ، وكذلك لفظ: صلاة في قوله: لا صلاة عام يشمل كل صلاة فرضاً كانت أو نفلاً ، صلاة الإمام

(2/238)


وقرأ عبادةُ بن الصامت بعدَ النبي صلى الله عليه وسلم خلفَ الإمامِ، وتَأَوّلَ قولَ النبيّ صلى الله عليه وسلم: "لا صلاةَ إلاّ بقراءةِ فاتحةِ الكتاب".
وبه يقولُ الشافعيّ وإسحاقُ وغيرُهما.
ـــــــ
كانت أو صلاة المأموم أو صلاة المنفرد ، سرية كانت أو جهرية.
قال الحافظ ابن عبد البر: وقال آخرون لا يترك أحد من المأمومين قراءة فاتحة الكتاب فيما جهر الإمام بالقراءة لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يخص بقوله ذلك مصلياً من مصل انتهى. وقال الحافظ في الفتح: واستدل به على وجوب قراءة الفاتحة على المأموم سواء أسر الإمام أو جهر لأن صلاته صلاة حقيقة فتنتفي عند انتفاء القراءة انتهى.
"وقرأ عباده بن الصامت بعد النبي صلى الله عليه وسلم خلف الإمام وتأول قول النبي صلى الله عليه وسلم "لا صلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب" روى الدارقطني عن زيد بن واقد عن حرام بن حكيم ومكحول عن نافع بن محمود بن الربيع كذا قال " أنه سمع عبادة بن الصامت يقرأ بأم القرآن وأبو نعيم يجهر بالقراءة فقلت: رأيتك صنعت في صلاتك شيئاً قال وما ذاك قلت: سمعتك تقرأ بأم القرآن وأبو نعيم يجهر بالقراءة قال: نعم صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض الصلوات التي يجهر فيها بالقراءة فلما انصرف قال: منكم من أحد يقرأ شيئاً من القرآن إذا جهرت بالقراءة قلنا نعم يا رسول الله ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وأنا أقول ما لي أنازع القرآن فلا يقرأن أحد منكم شيئاً من القرآن إذا جهرت بالقراءة إلا بأم القرآن". رواه الدارقطني وقال هذا إسناد حسن ورجاله ثقات كلهم "وبه يقول الشافعي وإسحاق وغيرهما" قال الخطابي في معالم السنن: قد اختلف العلماء في هذه المسألة نروي عن جماعة من الصحابة أنهم أوجبوا القراءة خلف الإمام وقد روي عن آخرين أنهم كانوا لا يقرأون، وافترق الفقهاء فيه على ثلاثة أقاويل،

(2/239)


وأما أحمدُ بن حنبلٍ فقال: معنى قولِ النبيّ صلى الله عليه وسلم: "لا صلاةَ لِمَن لم يَقْرأْ بفاتحةِ الكتابِ" : إذا كان وَحْدَهُ. واحتَجّ بحديث جابر بن عبد الله حيثُ قالَ: "مَن صلّى رَكْعَةً لم يقرأْ فيها بِأُمّ القرآنِ فلم يُصَلّ، إلاّ أن يكونَ وراء الإمام" ِ. قال أحمدُ: فهذا رجلٌ مِن أصحابِ النبيّ صلى الله عليه وسلم تَأَوّلَ قولَ النبيّ صلى الله عليه وسلم: "لا صلاةَ لمن لم يقرأْ بفاتحةِ الكتابِ" : أنّ هذا إذا كان وحدَه. واختارَ أحمدُ مع هذا القراءَةَ خلفَ الإمامِ وأن لا يَتْرُكَ الرجلُ فاتحة الكتابِ وإنْ كان خلف الإمامِ.
ـــــــ
فكان مكحول والأوزاعي والشافعي وأبو ثور يقولون لا بد من أن يقرأ خلف الإمام فيها بجهر من الصلاة ، وقال الزهري ومالك وابن المبارك وأحمد وإسحاق: يقرأ فيما أسر الإمام فيه ولا يقرأ فيما جهر به ، وقال سفيان الثوري وأصحاب الرأي لا يقرأ خلف الإمام جهر أو أسر انتهى كلام الخطابي.
تنبيه: قال العيني في شرح البخاري تحت حديث عبادة المذكور ما لفظه: استدل بهذا الحديث عبد الله بن المبارك والأوزاعي ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وداود على وجوب قراءة الفاتحة خلف الإمام في جميع الصلوات. انتهى.
قلت: هذا وهم من العيني ، فإن عبد الله بن المبارك لم يكن من القائلين بوجوب القراءة خلف الإمام كما عرفت ، وكذلك الإمام مالك والإمام أحمد لم يكونوا قائلين بوجوب قراءة الفاتحة خلف الإمام في جميع الصلوات.
"وأما أحمد بن حنبل فقال معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب" إذا كان وحده وكذا قال سفيان كما ذكرناه أبو داود في سننه قلت: قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يخص إلا بدليل من الكتاب والسنة ولا يجوز تخصيصه بقول أحمد ولا بقول سفيان واحتج بحديث جابر بن عبد الله حيث قال من صلى ركعة لم يقرأ فيها بأم القرآن فلم يصل إلا أن يكون وراء الإمام هذا قول جابر رضي الله عنه

(2/240)


ـــــــ
وليس بحديث مرفوع "قال أحمد فهذا رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم تأول قول النبي صلى الله عليه وسلم "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب" أن هذا إذا كان وحده" حمل جابر هذا الحديث على غير المأموم مخالف لظاهره ، فإنه بعمومه شامل للمأموم أيضاً ، وقد عرفت أن عبادة بن الصامت رضي الله عنه وهو رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وهو راوي الحديث قد حمله على ظاهره وعمومه ، وقد تقرر أن راوي الحديث أدرى بمراد الحديث من غيره. وحديث عبادة الذي أخرجه الترمذي في باب القراءة خلف الإمام من طريق ابن إسحاق عن مكحول عن محمود بن الربيع ، عن دليل واضح على أن حديث عبادة هذا محمول على ظاهره وعمومه. قال البيهقي في كتاب القراءة ص151 : فأما قراءة فاتحة الكتاب فجملة حديث عبادة ابن الصامت وأبي هريرة تدل على وجوبها على كل أحد سواء كان إماماً أو مأموماً أو منفرداً مع ثبوت الدلالة فيه عن من حمل الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ذلك على العموم وأن وجوبها على المنفرد والإمام والمأموم وهو بالآثار التي رويناها عن عبادة بن الصامت وأبي هريرة في ذلك ، فمن ترك تفسيرهما وأخذ بتفسير سفيان ابن عيينة الذي ولد بعدهما بسنين ولم يشاهد من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شاهدا ، حيث قال لحديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه: هذا لمن يصلي وحده أو أخذ بتأويل من تأوله على غير ما تأولا من الفقهاء كان تاركاً لسبيل أهل العلم في قبول الأخبار وردها ، فنحن إنما صرنا إلى تفسير الصحابي الذي حمل الحديث لفضل علمه بسماع المقال ومشاهده الحال على غيره ، قال: ولو صار تأويل سفيان حجة لم يجب على الإمام قراءة القرآن في صلاته لأنه لا يصلي وحده إنما يصلي بالجماعة انتهى.
"وأختار أحمد مع هذا القراءة خلف الإمام وأن لا يترك الرجل فاتحة الكتاب وإن كان خلف الإمام" وكذلك جابر رضي الله عنه حمل حديث عبادة المذكور على الذي يكون وحده ، ومع هذا كان يقرأ في صلاة الظهر والعصر خلف الإمام.
تنبيه: عقد الترمذي للقراءة خلف الإمام ما بين وذكر فيهما مذاهب أهل العلم ولم يذكر في واحد منهما مذهب أهل الكوفة من الإمام أبي حنيفة ومن تبعه ، فلنا أن نذكر مذهبهم ودلائلهم مع بيان ما لها وما عليها بالإختصار ، ولنا كتاب مبسوط في تحقيق هذه المسألة سميناه تحقيق الكلام في وجوب القراءة خلف الإمام وفيه

(2/241)


ـــــــ
بابان: الباب الأول في إثبات وجوب القراءة خلف الإمام ، والباب الثاني في الجواب عن أدلة المانعين، وقد أشبعنا الكلام في كل من البابين وبسطناه. وقد أطلنا الكلام في هذه المسألة في كتابنا أبكار المنن.
فاعلم أن مذهب الإمام أبي حنيفة أن لا يقرأ خلف الإمام فيما جهر فيه ولا فيما لم يجهر ، وهو قول أبي حنيفة رحمه الله انتهى. هذا هو مذهب أبي حنيفة رحمه الله ، وأما أكثر الحنفية فيقولون إن القراءة خلف الإمام مكروهة كراهة تحريم ، ويستدلون على مذهبهم كالشيخ ابن الهمام وغيره هو قوله تعالى {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} فكانوا يحتجون بقوله {فَاسْتَمِعُوا} على منع القراءة خلف الإمام في الصلوات الجهرية وبقوله {وَأَنْصِتُوا} على المنع في الصلوات السرية.
والاَن قد حصحص الحق لهم فاعترفوا بما في هذا الاستدلال من الإختلال.
فقال قائل منهم في رسالته إمام الكلام: الإنصاف الذي يقبله من لا يميل إلا الإعتساف أن الاَية التي أستدل بها أصحابنا على مذهبهم لا تدل على عدم جواز القراءة في السرية ولا عدم جواز القراءة في الجهرية حال السكتة انتهى.
وقال قائل منهم في رسالته الفرقان: أن كثيراً من العلماء الحنفية قد أدعوا الحنفية قد أدعوا أن قراءة المقتدي منسوخة بقوله: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا} ، وأجتهدوا في إنبات النسخ به ، والحق أن هذا أدعاء محض لا يساعده الدليل. والعجب من أكابر العلماء يعني الحنفية الذي في العلوم الدينية كالبحر الذخار كيف تصدوا لإثبات النسخ بهذه الاَية انتهى كلامه مترجماً.
وقال قائل منهم. بعد ذكر وجوه عديدة تخدش الاستدلال بهذه الاَية ما لفظه: غاية ما في الباب أن الاَية لما أحتملت هذه الوجوه كان الاستدلال بقوله عليه السلام: من كان له إمام فقراء القرآن له قراءة كما تمسك به صاحب الهداية ، أوضح من الاستدلال بهذه الاَية انتهى.

(2/242)


ـــــــ
قلت: قد ذكرنا في تحقيق الكلام وجوها كثيرة كلها تدل على أن أستدلال الحنفية بهذه الاَية على مطلوبهم المذكور ليس بصحيح المذكور ليس بصحيح ولا يثبت بها مدعاهم ونذكر ههنا خمسة وجوه منها.
فالأول منها: أن هذه ساقطة عن الاستدلال عند الفقهاء الحنفية لا يجوز الاستدلال بها وقد صرح بذلك في كتب أصولهم قال في التلويح في باب المعارضة والترجيح: مثال المصير إلى السنة عند تعارض الاَيتين قوله تعالى {فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ} وقوله تعالى {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} تعارضنا فصرنا إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم: من كان له إمام فقراءة الإمام قراءة ، انتهى. وكذا في نور الأنوار وزاد فيه: فالأول بعمومه يوجب القراءة على المقتدي ، والثاني بخصوصه ينفيه ، وقد وردا في جميعاً فتساقطا فيصار إلى حديث بعده إلى حديث بعده وهو قوله عليه السلام: من كانت له إمام إلخ.
فالعجب من العلماء أنهم مع وجود هذا التصريح في كتب أصولهم كيف استدلوا بهذه الاَية.
والثاني: أن قوله تعالى {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ} إنما ينفي القراءة خلف الإمام جهراً وبرفع الصوت ، فإنها تشغل عن أستماع القرآن وأما القراءة خلفه في النفس وبالسر فلا ينفيها ، فإنها لا تشغل عن الاستماع ، فنحن نقرأ الفاتحة خلف الإمام عملاً بأحاديث القراءة خلف الإمام في النفس وسراً ، ونستمع القرآن عملاً بقوله "وإذا قريء القرآن" ولاشتغال بأحدهما لا يفوت الاَخر.
ألا ترى أن الفقهاء الحنفية يقولون إن أستماع الخطبة يوم الجمعة واجب لقوله تعالى {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ} ومع هذا يقولون إذا خطب الخطيب { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً} فيصلي السامع سراً وفي النفس قال في الهداية: إلا أن يقرأ الخطيب قوله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا} الاَية فيصلي السامع في نفسه انتهى. وقال في الكفاية: قوله: فيصلي السامع في نفسه أي فيصلي بلسانه خفياً انتهى. وقال العيني في رمز الحقائق: لكن إذا قرأ الخطيب {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً}

(2/243)


ـــــــ
يصلي السامع ويسلم في نفسه سراً إئتماراً للأمر انتهى. وقال في البناية. فإن قلت: توجه عليه أمران أحدهما صلوا عليه وسلموا ، والأمر الاَخر قوله تعالى {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا} ، قال مجاهد: نزلت في الخطبة والإشتغال بأحدهما يفوت الاَخر ، قلت: إذا صلى في نفسه ونصت وسكت يكون آتياً بموجب الأمرين انتهى. وقال الشيخ ابن الهمام في فتح القدير: وعن أبي يوسف ينبغي أن يصلي في نفسه لأن ذلك مما لا يشغله عن سماع الخطبة فكان إحرازاً للفضلين انتهى.
والثالث: قال الرازي في تفسيره. السؤال الثالث وهو المعتد أن نقول الفقهاء أجمعوا على أنه يجوز تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد فهب أن عموم قوله تعالى {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا} بوجب سكوت المأموم عند قراءة الإمام إلا أن قوله عليه السلام: لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب ، وقوله: لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب ، أخص من ذلك العموم ، وثبت أن تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد لازم فوجب المصير إلى تخصيص هذه الاَية بهذا الخبر وهذا السؤال حسن انتهى. وفي تفسير النيسابوري وقد سلم كثير من الفقهاء عموم اللفظ إلا أنهم جوزوا تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد ههنا قوله صلى الله عليه وسلم: لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب انتهى. وقال صاحب غيث الغمام حاشية إمام الكلام: ذكر ابن الحاجب في مختصر الأصول والعضد في شرحه أن تخصيص عام القرآن بالمتواتر جائز أتفاقاً وأما بخبر الواحد فقال بجوازه الأئمة الأربعة، وقال ابن أبان من الحنفية: إنما يجوز إذا كان العام قد خص من قبل بدليل قطعي منفصلاً كان أو متصلاً. وقال الكرخي: إنما يجوز إذا كان العام قد خص من قبل بدليل ، منفصلاً قطيعاً كان أو ظنيا انتهى.
والرابع: أنه لو سلم أن هذه الاَية تدل على منع القراءة خلف الإمام فإنما تدل على المنع إذا جهر الإمام ، فإن الاستماع والإنصات لا يمكن إلا إذا جهر وقد أعترف به العلماء الحنفية أيضاً ، فقال قائل في تعليقاته على الترمذي ما لفظه: ولا تعلق لها يعني هذه الاَية بالسرية والإنصات معناه في اللغة كان لكانا أورسننا ويكون في الجهرية سيما إذا اجتمع الاستماع والإنصات وما من كلام فصيح يكون الإنصات فيه في السر انتهى. فنحن نقرأ خلف الإمام في الصلوات السرية وفي الجهرية أيضاً عند سكتات الإمام ، فإن الاَية

(2/244)


ـــــــ
لاتدل على المنع إذا جهر ، قال الإمام البخاري في جزء القراءة: قيل له احتجاجك بقول الله تعالى {فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا} أرأيت إذا لم يجهر الإمام يقرأ خلفه؟ فإن قال: لا بطل دعواه ، لأن الله تعالى قال {فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا} وإنما يستمع لما يجهر ، مع أنا نستعمل قول الله تعالى {فَاسْتَمِعُوا لَهُ} نقول يقرأ خلف الإمام عند السكتات انتهى. وقد أعترف بهذا كله بعض الفاضل الكنوي العلماء الحنفية حيث قال هذه الاَية لا تدل على عدم جواز القراءة في السرية ولا على عدم الجواز القراءة في الجهرية حال السكتة.
الخامس: أن هذه الاَية لا تعلق لها بالقراءة خلف الإمام، فإنه ليس فيها خطاب مع المسلمين بل فيها خطاب مع الكفار في ابتداء التبليغ. قال الرازي في تفسيره: وللناس فيه أقوال: الأول هو قول الحسن وهو قول أهل الظاهر أنا نجري هذه الاَية على عمومها ، ففي أي موضع قرأ الإنسان وجب على كل أحد استماعه. والقول الثاني أنها نزلت في تحريم الكلام في الصلاة. والقول الثالث نزلت في ترك الجهر بالقراءة وراء الإمام ، وهو قول أب حنيفة وأصحابه. والرابع أنها نزلت في السكوت عند الخطبة وفي الاَية قول الخامس وهو أنه خطاب مع الكفار في ابتداء التبلغ وليس خطاباً مع المسلمين ، وهذا قول حسن مناسب وتقريره أن الله تعالى حكى قبل هذه الاَية أن أقواماً من الكفار يطلبون آيات مخصوصة ومعجزات مخصوصة ، فإذا كان النبي عليه الصلاة والسلام لا يأتيهم بها قالوا لولا اجتبيتها ، فأمر الله رسوله أن يقول جواباً عن كلامهم: إنه ليس لي أن أقترح على ربي ، وليس إلى إلا أن أنتظر الوحي ، ثم بين أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما ترك الإتيان بتلك المعجزات التي اقترحوها في صحة النبوة لأن القرآن معجزة تامة كافية في إثبات النبوة ، وعبر الله تعالى عن هذا المعنى بقوله {هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} فلو قلنا إن قوله تعالى: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا} المراد منه قراءة المأموم خلف الإمام لم يحصل بين هذه الاَية وبين ما قبلها تعلق بوجه من الوجوه وانقطع النظم وحصل فساد التركيب ، وذلك لا يليق بكلام الله تعالى ، فوجب أن يكون المراد منه شيئاً آخر سوى هذا الوجه ، وتقريره أنا لما أدعى كون القرآن بصائر وهدى ورحمة من حيث أنه معجزة دالة على صدق محمد عليه الصلاة والسلام ، وكونه كذلك لا يظهر إلا بشرط مخصوص وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا قرأ القرآن على أولئك الكفار استمعوا له وأنصتوا حتى يقفوا على

(2/245)


ـــــــ
فصاحته ويحيطوا بما فيه من العلوم الكثيرة ، فحينئذ يظهر لهم كونه معجزاً دالاً على صدق محمد صلى الله عليه وسلم ، فيستغنوا بهذا القرآن عن طلب سائر المعجزات ، ويظهر لهم صدق قوله في صفة القرآن بصائر وهدى ورحمة. فثبت أنا إذا حملنا الاَية على هذا الوجه استقام النظم وحصل الترتيب ، فثبت أن حمله على ما ذكرناه أولى. وإذا ثبت هذا ظهر أن قوله: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا} ، خطاب مع الكفار عند قراءة الرسول عليهم القرآن في معرض الاحتجاج وبكونه معجزاً على صدق نبوته ، وعند هذا يسقط استدلال الخصوم بهذه الاَية من كل الوجوه.
ومما يقوى أن حمل الاَية على ما ذكرناه أولى وجوه.
الأول: أنه تعالى حكى عن الكفار أنهم قالوا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون . فلما حكى عنهم ذلك ناسب أن يأمرهم بالاستماع والسكوت حتى يمكنهم الوقوف على ما في القرآن من الوجوه الكثيرة البالغة إلى حد الإعجاز.
والوجه الثاني: أنه قال قبل هذه الاَية هذا بصائر من ربكم وهدى ورحمة لقوم يؤمنون فحكم بكون هذا القرآن رحمة للمؤمنين على سبيل القطع والجزم ثم قال: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ} إلخ ولو كان المخاطبون بقوله فاستمعوا وأنصتوا هم المؤمنون لما قال: {لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} لأنه جزم قبل هذه الاَية يكون القرآن رحمة للمؤمنين قطعاً فكيف يقول بعده من غير فصل لعله يكون القرآن رحمة للمؤمنين أما إذا قلنا إن المخاطبين به هم الكافرون صح حينئذ قوله: {لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} انتهى كلام الرازي ملخصاً.
فإن قلت: قد أخرج البيهقي عن الإمام أحمد قال: أجمع الناس على أن هذه الاَية في الصلاة انتهى. فمع إجماع الناس على أن هذه الاَية في الصلاة كيف يصح قول من قال إن فيها خطاباً مع الكفار وليس فيها خطاب مع المسلمين.
قلت: لم يذكر الزيلعي إنساد قول أحمد هذا ولم يبين أن البيهقي في أي كتاب أخرجه ، وقد طالعت كتاب القراءة له من أوله إلى آخره ولم أجد فيه قول أحمد هذا ، وكذا طالعت باب القراءة خلف الإمام في كتابه معرفة السنن له ولم أجد فيه قول أيضاً هذا القول ، فالله اعلم أن البيهقي في أي كتاب أخرجه وكيف حال إسناده. ثم هذا القول

(2/246)


ـــــــ
ليس بصحيح في نفسه. فإن في شأن نزول هذه الاَية أقوالاً: منها أنها نزلت في السكوت عند الخطبة ، وأيضاً يدل على عدم صحته قول ابن المبارك. أنا أقرأ خلف الإمام والناس يقرأون إلا قوم من الكوفيين وأيضاً يدل على عدم صحته أن الإمام أحمد أختار القراءة خلف الإمام وأن لا يترك الرجل فاتحة الكتاب وإن كان خلف الإمام كما ذكره الترمذي فتفكر. وأيضاً يدل على عدم صحة أن الصحابة رضي الله عنهم قد اختلفوا في القراءة خلف الإمام وقد قال بها أكثر أهل العلم كما صرح به الترمذي فتفكر.
فإن قلت: الخطاب في هذا الاَية وإن كان مع الكفار لكن قد تقرر في مقرة أن العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب.
قلت: لا شك في أن العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب ، لكن قد تقرر أيضاً في مقره أن اللفظ لو يحمل على عمومه يلزم التعارض والتناقض ، ولو يحمل على خصوص السبب يندفع التعارض ، فحينذ يحمل على خصوص السبب. قال الشيخ ابن الهمام في فتح القدير: وما روى في الصحيحين أن عليه الصلاة والسلام كان في سفر فرأى زحاماً ورجل قد ظلل عليه فقال ما هذا؟ فقالوا: صائم فقال ليس من البر الصيام في السفر ، محمول على أنهم استضروا به بدليل ما ورد في صحيح مسلم في لفظ: أن الناس قد شق عليهم الصوم. والعبرة وإن كان لعموم اللفظ لا لخصوص السبب لكن يحمل عليه دفعاً للمعارضة بين الأحاديث الخ. فإذا عرفت هذا فاعلم أنه لو يحمل قوله تعالى {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ} على عمومه لزم التعارض والتناقض والتناقض بينه وبين قوله تعالى {فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ} وأحاديث القراءة خلف الإمام. ولو يحمل على خصوص السبب يندفع التعارض فحينئذ يحمل على خصوص السبب هذا وإن شئت الوقوف على الوجوه الأخرى فارجع إلى كتابنا تحقيق الكلام.
والدليل الثاني للحنفية: حديث أبي موسى قال: علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا قمتم إلى الصلاة فليؤمكم أحدكم ، وإذا قرأ الإمام فأنصتوا" أخرجه أحمد ومسلم. وحديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنما جعل الإمام ليؤتم به ، فإذا كبر فكبروا ، وإذا قرأ فأنصتوا" أخرجه الخمسة إلا الترمذي.
قلت محل الاستدلال من هذين الحديثين هو قوله: وإذا قبرأ الإمام فأنصتوا ، وهو غير

(2/247)


ـــــــ
محفوظ عند أكثر الحفاظ، قال الزيلعي في نصب الراية: قال البيهقي في المعرفة بعد أن روى حديث أبي هريرة وأبي موسى: وقد أجمع الحافظ على خطأ هذه اللفظة في الحديث أبو داود وأبو حاتم وابن معين والحاكم والدارقطني وقالوا إنها ليست بمحفوظة انتهى. ولو سلم أن لفظ: وإذا قرأ فأنصتوا في هذين الحديثين محفوظ فالاستدلال به على منع القراءة خلف الإمام ليس بصحيح ، كما أن الاستدلال على هذا المطلوب بقوله تعالى: وإذا قريء القرآن ليس بصحيح كما عرفت. وعلى عدم صحة الاستدلال به على المنع وجوه أخرى ذكرناها في كتابنا تحقيق الكلام منها أن قوله: وإذا قرئ فأنصتوا ، محمول على ما عدا الفاتحة ، جمعاً بين الأحاديث: قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: واستدل من أسقطها عنه في الجهرية كالمالكية بحديث: وإذا قرأ فأنصتوا ، وهو حديث صحيح أخرجه مسلم من حديث أبي موسى الأشعري ، ولا دلالة في لامكان الجمع بين الأمرين فينصت فيما عدا الفاتحة أو ينصت إذا قرأ الإمام إذا سكت. وقال الإمام البخاري في جزء القراءة: ولو صح لكان يحتمل سوى الفاتحة وإن قرأ فيما سكت الإمام.
ويؤيد هذا أن أبا هريرة رضي الله عنه كان يفتي بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بقراءة فاتحة الكتاب خلف الإمام في جميع الصلوات جهرية كانت أو سرية وهو راوي حديث: وإذا قرأ فأنصتوا أيضاً.
والدليل الثالث للحنفية: حديث جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة ، أخرجه الدارقطني والطحاوي وغيرهما.
قلت الاستدلال بهذا الحديث على منع القراءة خلف الإمام ليس بصحيح ، فإن هذا الحديث بجميع طرقه ضعيف كما بيناه في كتابنا تحقيق الكلام: قال الحافظ في فتح الباري: واستدل من أسقطها عن المأموم مطلقاً كالحنفية بحديث من صلى خلف الإمام فقراءة الإمام له قراءة لكنه ضعيف عند الحافظ ، وقد استوعب طرقه وعلله الدارقطني وغيره انتهى. وقال في التلخيص: حديث من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة مشهورة من حديث جابر وله طرق عن جماعة من الصحابة وكلها معلولة انتهى.
ولو سلمنا أن هذا الحديث صحيح فلنا عنه أجوبة عديدة ذكرناها في تحقيق الكلام فمنها ما قال الفاضل اللكنوي في كتابه إمام الكلام إن هذا الحديث يعني حديث من

(2/248)


ـــــــ
كان له إمام الخ لس بنص على ترك قراءة بل يحتملها ويحتمل قراءة ما عداها ، وتلك الروايات يعني روايات عبادة وغيره في القراءة خلف الإمام تدل على وجوب قراءة الفاتحة أو استحسانها نصاً فينبغي تقديمها عليه قطعاً انتهى. وقال في أيضاً: حديث عبادة نص في قراءة الفاتحة خلف الإمام ، وأحاديث الترك والنهي لا تدل على تركها نصاً بل ظاهراً، وتقديم النص على الظاهر منصوص في كتب الأعلام انتهى. وقال الحازمي في كتاب الإعتبار: الوجه الثالث أن يكون الحاكم الذي تضمنه أحد الحديثين منطوقاً وما تضمنه الحديث الاَخر يكون محتملاً يعني فيتقدم الأول على الثاني انتهى.
ومنها: ما قال الإمام البخاري في جزء القراءة: فلو ثبت الخبر أن كلاهما لكان هذا مستثنى من الأول لقوله لا يقرأن إلا بأم الكتاب ، وقوله: من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة جملة وقوله إلا بأم القرآن مستثنى من الجملة، كقول النبي صلى الله عليه وسلم: جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً. ثم قال في أحاديث آخر إلا المقبرة وما استثناه من الأرض والمستثنى خارج من الجملة: وكذلك فاتحة الكتاب خارج من قوله: من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة مع انقطاعه انتهى.
ومنها: أن هذا الحديث وارد فيما عدا الفاتحة: قال صاحب إمام الكلام: قد يقال إن مورد هذا الحديث هو قراءة رجل خلف النبي صلى الله عليه وسلم فهو شاهد لكونه وارداً فيما عدا الفاتحة انتهى. وقال الحافظ الزيلعي في نصب الراية: وحمل البيهقي هذه الأحاديث على ما عدا الفاتحة ، واستدل بحديث عبادة أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الفجر ثم قال لعلكم تقرأون خلف إمامكم؟ قلنا: نعم ، قال: فالا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب وأخرجه أبو داود بإسناد رجاله ثقات ، وبهذا يجمع الأدلة المثبتة للقراءة والنافية انتهى.
ومنها: أن هذا الحديث منسوخ عند الحنفية فلا يصح الاستدلال به على منع القراءة خلف الإمام ، وتقرير النسخ عندهم أن جابراً راوي هذا الحديث رضي الله عنه كان يقرأ خلف الإمام ، وكذلك روى هذا الحديث أبو هريرة وأنس وأبو سعيد وابن عباس وعلي وعمران بن حصين رضي الله عنهم ، وكل هؤلاء كانوا يقرأون خلف الإمام ويفتون بها. وعمل الراوي وفتواه خلاف حديثه يدل على نسخه عندهم ، أما قراءة جابر فقد رواه ابن ماجه بسند صحيح عنه قال: كنا نقرأ في الظهر والعصر خلف الإمام في الركعتين.

(2/249)


ـــــــ
الأوليين بفاتحة الكتاب وسورة، وفي الأخريين بفاتحة الكتاب: قال الشيخ أبو الحسن السندي في حاشية ابن ماجه قوله: كنا نقرأ قال المزي موقوف ثم قال: هذا إسناد صحيح رجاله ثقات انتهى.
وأما فتوى أبي هريرة مسلم في صحيحه في حديث الخداج بفظ: فقيل لأبي هريرة إنا نكون وراء الإمام ، فقال اقرأ بها في نفسك انتهى وأخرجه الحافظ أبو عوانة في صحيحه في هذا الحديث بلفظ فقلت لأبي هريرة فإني أسمع قراءة القرآن فغمزني بيده قال يا فارسي أو ابن الفارسي اقرأ بها في نفسك انتهى. وقال البيهقي في معرفة السنن: وفي رواية عن سفيان عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة في هذا الحديث: قلت يا أيا هريرة إني أسمع قراءة الإمام ، فقال يا فارسي أبو ابن الفارسي اقرأ بها في نفسك انتهى. وأسانيد هذا الفتوى صحيحة.
وأما فتوى أنس رضي الله عنه فأخرجه البيهقي في كتاب القراءة بإسناده عن ثابت عنه قال: كان يأمرنا بالقراءة خلف الإمام ، قال وكنت أقوم إلى جنب أنس فيقرأ بفاتحة الكتاب وسورة من المفصل ويسمعنا قراءته لنأخذ عنه.
وأما فتوى أبي سعيد الخدري فأخرجه البيهقي أيضاً بإسناده عن أبي نضرة قال: سألت أبا سعيد الخدري عن القراءة خلف الإمام فقال بفاتحة الكتاب ، وإسناده حسن وقد اعترف به صاحب آثار السنن.
وأما فتوى ابن عباس رضي الله عنه فأخرجه البيهقي أيضاً بإسناده عن عطاء عنه قال: اقرأ خلف الإمام جهراً ولم يجهر ، وفي رواية له: قال لا تدع فاتحة الكتاب ، جهر الإمام أو لم يجهر ، وأخرجه بإسناده عن إسماعيل بن أبي خالد حدثنا العيزار ابن حريث قال: سمعت ابن عباس يقول: اقرأ خلف الإمام بفاتحة الكتاب ، قال البيهقي: وهذا سند صحيح لا غبار عليه.
وأما فتوى علي رضي الله عنه فأخرجه البيهقي أيضاً في كتاب القراءة بإسناده عن عبيد الله بن أبي رافع عن علي رضي الله عنه قال: اقرأ في صلاة الظهر والعصر خلف الإمام بفاتحة الكتاب وسورة. قال البيهقي: هذا الإسناد من أصحح الأسانيد في الدنيا انتهى.