Contents

الواجهة
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد
مقدمة
باب الألف
باب الثاء
باب الجيم
باب الحاء
باب الخاء
باب الدال
باب الراء
باب الزاي
تابع باب الزاء
تابع لحرف الزاء
تابع لحرف الزاء
باب الطاء
باب الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع حرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
باب النون
باب الصاد
باب الضاد
باب العين
تابع لحرف العين
تابع حرف العين
تابع لحرف العين
تابع لحرف العين
باب القاف
باب السين
باب الشين
باب الهاء
باب الواو
باب الياء
تابع باب الياء
باب الكني
باب بلاغات مالك ومرسلاته
باب مافي هذا الديوان من حديث مالك الذي ثبتت عليه أبوابه خاصة
الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج
الديباج - جزء 1
الديباج - جزء 2
الديباج - جزء 3
الديباج - جزء 4
الديباج - جزء 5
الديباج - جزء 6
المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج
المنهاج - مقدمة
المنهاج - الإيمان
المنهاج - الطهارة
المنهاج - الحيض
المنهاج - الصَّلَاة
المنهاج - المساجد ومواضع الصلاة
المنهاج - صلاة المسافرين وقصرها
المنهاج - بَاب صَلَاة الْجُمُعَة
المنهاج - بَاب صَلَاة الْعِيدَيْنِ
المنهاج - بَاب الدُّعَاء فِي صَلَاة الِاسْتِسْقَاء
المنهاج - بَاب صَلَاة الْكُسُوف
المنهاج - كِتَاب الْجَنَائِز
المنهاج - الزكاة
المنهاج - كِتَاب الصِّيَام
المنهاج - كِتَاب الِاعْتِكَاف
المنهاج - كِتَاب الْحَجّ
المنهاج - كِتَاب النِّكَاح
المنهاج - الرضاعة
المنهاج - الطلاق
المنهاج - اللِّعَان
المنهاج - العتق
المنهاج - البيوع
المنهاج - المساقاة
المنهاج - الفرائض
المنهاج - الهبات
المنهاج - الوصية
المنهاج - النذر
المنهاج - الأيمان
المنهاج - القسامة
المنهاج - الحدود
المنهاج - الأقضية
المنهاج - اللقطة
المنهاج - الجهاد والسير
المنهاج - الإمارة
المنهاج - الصيد والذبائح
المنهاج - كِتَاب الْأَضْاحَي
المنهاج - الأشربة
المنهاج - اللباس والزينة
المنهاج - الآداب
المنهاج - السلام
المنهاج - الألفاظ من الأدب وغيرها
المنهاج - الشعر
المنهاج - الرؤيا
المنهاج - الفضائل
المنهاج - فضائل الصحابة
المنهاج - البر والصلة والآداب
المنهاج - القدر
المنهاج - العلم
المنهاج - الذكر والدعاء
المنهاج - التوبة
المنهاج - صفات المنافقين
المنهاج - صفة القيامة والجنة والنار
المنهاج - الجنة وصفة نعيمها وأهلها
المنهاج - الفتن وأشراط الساعة
المنهاج - الزهد والرقائق
المنهاج - التفسير
تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي
أبواب الطهارة
أبواب الصلاة
تابع أبواب الصلاة
أبواب الوتر
أبواب الجمعة
تابع لأبواب الجمعة
أبواب العيدين
أبواب السفر
ابواب الزكاة
أبواب الصوم
أبواب الحج
تابع أبواب الحج
أبواب الجنائز
أبواب النكاح
أبواب الرضاع
أبواب الطلاق واللعان
ابواب البيوع
أبواب الأحكام
أبواب الديات
ابواب الحدود
تابع أبواب الحدود
أبواب الصيد
أبواب الأضاحي
أبواب النذور والأيمان
أبواب السير
أبواب الجهاد
أبواب اللباس
أبواب الأطعمة
أبواب الأشربة
تابع أبواب الأشربة
أبواب البر و الصله عن رسول الله صلى الله عليه و آله سلم
أبواب الطب عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الفرائض عن الرسول صلى الله عليه و سلم
أبواب الوصايا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الولاء و الهبة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب القدر عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم
أبواب الفتن عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الرؤيا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الشهادات عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
تابع لأبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صِفَةُ القِيامَة
أبواب صفة الجنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صفة جهنم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإيمان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب العلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإستئذان والآداب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب العلم
أبواب الأمثال
أبواب فضائل القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب القراءات عن رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم
أبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الدعوات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أحاديث شتى من أبواب الدعوات
المناقب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
مناقب الصحابة رضوان الله عليهم
تنوير الحوالك شرح موطأ مالك
كتاب وقوت الصلاة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب السهو
كتاب الجمعة
كتاب الصلاة في رمضان
كتاب صلاة الليل
كتاب صلاة الجماعة
كتاب قصر الصلاة في السفر
كتاب العيدين
كتاب صلاة الخوف
كتاب صلاة الكسوف
كتاب الاستسقاء
كتاب القبلة
كتاب القرآن
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب الجهاد
كتاب النذور و الأيمان
كتاب الضحايا
كتاب الذبائح
كتاب الصيد
كتاب العقيقة
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الرضاع
كتاب البيوع
كتاب القراض
كتاب المساقاة - كتاب كراء الأرض
كتاب الشفعة - كتاب الأقضية
كتاب الوصية - كتاب العتق والولاء
كتاب المكاتب - كتاب المدبر
كتاب الحدود
كتاب الأشربة - كتاب العقول
كتاب القسامة - كتاب الجامع
كتاب القدر - كتاب حسن الخلق
كتاب اللباس - كتاب صفة النبي
كتاب العين - كتاب الشعر
كتاب الرؤيا - كتاب السلام
كتاب الاستئذان والتشميت والصور والتماثيل وغيرها
كتاب البيعة - كتاب الكلام والعينة والتقى
كتاب جهنم - كتاب الصدقة
كتاب العلم - كتاب دعوة المظلوم - كتاب أسماء النبي
حاشية السندي على سنن ابن ماجة
المقدمة
الطَّهَارَة وَسُنَنهَا
الصلاة
الْأَذَان
المساجد والجماعات
أَبْوَاب إِقَامَة الصَّلَاة
الجنائز
الصوم
الزكاة
النكاح
الطلاق
الكفارات
التجارات
الأحكام
الحدود
الديات
الوصايا
الْفَرَائِض
الجهاد
المناسك
الْأَضَاحِيّ
الذبائح
الصيد
الأطعمة
الأشربة
الطب
اللباس
الْآدَاب
الدُّعَاء
تعبير الرؤيا
الْفِتَن
الزُّهْد
شرح سنن ابن ماجه لمغلطاي
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح رياض الصالحين
شرح رياض الصالحين - 01
شرح رياض الصالحين - 02
شرح رياض الصالحين - 03
شرح رياض الصالحين - 04
شرح سنن أبي داود للعيني
مقدمة التحقيق
كتاب الطهارة
كِتابُ الصَلاَةِ
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
عون المعبود شرح سنن أبي داود
كتاب الطهارة
تابع كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
كتاب الزكاة
تابع لكتاب الزكاة
كتاب اللقطة
كتاب المناسك
تابع لكتاب المناسك
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الصيام
تابع لكتاب الصيام
أول كتاب الجهاد
أول كتاب الضحايا
تابع كتاب الضحايا
أول كتاب الصيد
أول كتاب الوصايا
أول كتاب الفرائض
أول كتاب الخراج والفيء والإمارة
أول كتاب الجنائز
تابع لكتاب الجنائز
كتاب الأيمان والنذور
كتاب البيوع
كتاب الإجارة
كتاب القضاء
تابع لكتاب القضاء
كتاب العلم
كتاب الأشربة
كتاب الأطعمة
كتاب الطب
كتاب الكهانة والتطير
كتاب العتق
أول كتاب الحروف والقراءات
أول كتاب الحمام
أول كتاب اللباس
أول كتاب الترجل
أول كتاب الخاتم
أول كتاب الفتن والملاحم
أول كتاب المهدي
أول كتاب الملاحم
أول كتاب الحدود
أول كتاب الديات
أول كتاب السنة
تابع لكتاب السنة
أول كتاب الأدب
أبواب السلام
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن حجر
فتح الباري - هدي الساري مقدمة فتح الباري
فتح الباري - كتاب بدء الوحي
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب العلم
فتح الباري - كتاب الوضوء
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
فتح الباري - كتاب مواقيت الصلاة
فتح الباري - كتاب الأذان
فتح الباري - كتاب الجمعة
فتح الباري - كتاب الخوف
فتح الباري - كتاب العيدين
فتح الباري - كتاب الوتر
فتح الباري - كتاب الاستسقاء
فتح الباري - كتاب الكسوف
فتح الباري - كتاب سجود القرآن
فتح الباري - كتاب تقصير الصلاة
فتح الباري - كتاب التهجد
فتح الباري - كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة
فتح الباري - كتاب العمل في الصلاة
فتح الباري - كتاب السهو
فتح الباري - كتاب الجنائز
فتح الباري - كتاب الزكاة
فتح الباري - كتاب الحج
فتح الباري - كتاب العمرة
فتح الباري - كتاب المحصر
فتح الباري - كتاب جزاء الصيد
فتح الباري - كتاب فضائل المدينة
فتح الباري - كتاب الصوم
فتح الباري - كتاب صلاة التراويح
فتح الباري - كتاب فضل ليلة القدر
فتح الباري - كتاب الإعتكاف
فتح الباري - كتاب البيوع
فتح الباري - كتاب السلم
فتح الباري - كتاب الشفعة
فتح الباري - كتاب الإجارة
فتح الباري - كتاب الحرث والمزارعة
فتح الباري - كتاب المساقاة
فتح الباري - كتاب الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس
فتح الباري - كتاب الخصومات
فتح الباري - كتاب اللقطة
فتح الباري - كتاب المظالم
فتح الباري - كتاب الشركة
فتح الباري - كتاب الرهن
فتح الباري - كتاب العتق
فتح الباري - كتاب المكاتب
فتح الباري - كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها
فتح الباري - كتاب الشهادات
فتح الباري - كتاب الصلح
فتح الباري - كتاب الشروط
فتح الباري - كتاب الوصايا
فتح الباري - كتاب الجهاد و السير
فتح الباري - كتاب فرض الخمس
فتح الباري - كتاب الجزية و الموادعة
فتح الباري - كتاب بدء الخلق
فتح الباري - كتاب أحاديث الأنبياء
فتح الباري - كتاب المناقب
فتح الباري - كتاب فضائل الصحابة
فتح الباري - كتاب مناقب الأنصار
فتح الباري - كتاب المغازي
فتح الباري - كتاب التفسير
فتح الباري - كتاب فضائل القرآن
فتح الباري - كتاب النكاح
فتح الباري - كتاب الطلاق
فتح الباري - كتاب النفقات
فتح الباري - كتاب الأطعمة
فتح الباري - كتاب العقيقة
فتح الباري - كتاب الذبائح والصيد
فتح الباري - كتاب الأضاحي
فتح الباري - كتاب الأشربة
فتح الباري - كتاب المرضى
فتح الباري - كتاب الطب
فتح الباري - كتاب اللباس
فتح الباري - كتاب الأدب
فتح الباري - كتاب الإستئذان
فتح الباري - كتاب الدعوات
فتح الباري - كتاب الرقاق
فتح الباري - كتاب القدر
فتح الباري - كتاب الأيمان والنذور
فتح الباري - كتاب كفارات الأيمان
فتح الباري - كتاب الفرائض
فتح الباري - كتاب الحدود
فتح الباري - كتاب الديات
فتح الباري - كتاب استتابة المرتدين
فتح الباري - كتاب الإكراه
فتح الباري - كتاب الحيل
فتح الباري - كتاب التعبير
فتح الباري - كتاب الفتن
فتح الباري - كتاب الأحكام
فتح الباري - كتاب التمني
فتح الباري - كتاب أخبار الأحاد
فتح الباري - كتاب الإعتصام بالسنة
فتح الباري - كتاب التوحيد
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن رجب
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
مقدمة
خطبة الكتاب
كتاب الإيمان
كتاب العلم
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصوم
كتاب فضائل القرآن
كتاب الدعوات
كتاب المناسك
كتاب البيوع
كتاب الفرائض والوصايا
كتاب النكاح
كتاب العتق
كتاب القصاص
كتاب الديات
كتاب الحدود
كتاب الإمارة والقضاء
كتاب الجهاد
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأطعمة
كتاب اللباس
كتاب الطب والرقى
كتاب الرؤيا
كتاب الآداب
كتاب الرقاق
كتاب الفتن
كتاب صفة القيامة والجنة والنار
كتاب الفضائل والشمائل
كتاب المناقب

 
عودة لموقع هاني الطنبور
هاني الطنبور
الصفحة السابقة الصفحة التالية
 
 

 

تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي

386 ـ أبواب السفر
ـ باب التقْصِيرِ فِي السّفَر
542 ـ حدثنا عبدُ الوهابِ "بنُ عبدِ الحكَمِ" الوَرّاقُ البَغدادِي
ـــــــ
ابواب السفر
باب التقصير في السفر
قوله: "حدثنا عبد الوهاب بن عبد الحكم الوراق البغدادي" صاحب أحمد روى عن يحيى بن سعيد الأموي ومعاذ بن معاذ، وعنه أبو داود والترمذي

(3/100)


وأخبرنا يحيى بن سُلَيْم عن عُبَيْدِ الله عن نافعٍ عن ابن عُمَرَ قال: سَافَرْتُ مع النبيّ صلى الله عليه وسلم وأبي بكرٍ وعُمَر وعثمانَ فكانوا يُصَلّونَ الظهرَ والعصْرَ رَكْعَتَيْن رَكْعَتَيْنِ لا يُصَلّونَ قبلَها ولا بعدَها وقال عبد الله: لو كنتُ
ـــــــ
والنسائي. قال أحمد: قل من يرى مثله، وثقه النسائي والدارقطني توفي سنة 251 إحدى وخمسين ومائتين "أخبرنا يحيى بن سليم" بالتصغير الطائفي القرشي مولاهم المكي الخراز بمعجمة ثم مهملة وثقه ابن معين وابن سعد والنسائي إلا في عبيد الله بن عمر، وقال أبو حاتم: محله الصدق ولم يكن بالحافظ ولا يحتج به، قال الخزرجي: احتج به الأئمة الستة، وقال الحافظ في مقدمة فتح الباري: وقال النسائي ليس به بأس وهو منكر الحديث عن عبيد الله بن عمر وقال الساجي: أخطأ في أحاديث رواها عن عبيد الله بن عمر. قال الحافظ: لم يخرج له الشيخان من روايته عن عبيد الله بن عمر شيئاً انتهى "عن عبيد الله" هو ابن عمر العمري من الثقات الأثبات.
قوله: "فكانوا يصلون الظهر والعصر ركعتين ركعتين" وفي رواية الشيخين قال: صحبت النبي صلى الله عليه وسلم وكان لا يزيد في السفر على ركعتين وأبا بكر وعمر وعثمان كذلك وفي رواية لمسلم: صحبت النبي صلى الله عليه وسلم فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله عز وجل، وصحبت أبا بكر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله عز وجل وصحبت عمر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله عز وجل وصحبت عثمان فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله عز وجل. وظاهر هذه الرواية وكذا الرواية التي ذكرها الترمذي أن عثمان لم يصل في السفر تماماً، وفي رواية لمسلم عن ابن عمر أنه قال: ومع عثمان صدراً من خلافته ثم أتم، وفي رواية: ثمان سنين أو ست سنين. قال النووي: وهذا هو المشهور أن عثمان أتم بعد ست سنين من خلافته وتأول العلماء هذه الرواية بأن عثمان لم يزد على ركعتين حتى قبضه الله في غير منى. والرواية المشهورة بإتمام عثمان بعد صدر من خلافته محمولة على الإتمام بمنى خاصة وقد صرح في رواية بأن إتمام عثمان كان بمنى. وفي الصحيحين أن عبد الرحمَن بن يزيد قال: صلى بنا عثمان بمنى أربع ركعات، فقيل في ذلك لعبد الله بن مسعود فاسترجع ثم قال: صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنى ركعتين

(3/101)


مُصَلّياً قبْلَها أو بعدَها لأتمَمْتُهَا.
"قال" : وفي الباب عن عُمَر وعلي وابنِ عباسٍ وأنَسٍ وعِمْرَانَ بن حُصَينٍ وعائشةَ.
قال أبو عيسى: حديثُ ابنِ عُمَر حديثٌ "حسنٌ" غريبٌ لا نعرِفُهُ إلا من حديثِ يحيى بن سُلَيْمٍ مثلَ هذا.
ـــــــ
، وصليت مع أبي بكر الصديق بمنى ركعتين، وصليت مع عمر بن الخطاب بمنى ركعتين، فليت حظي من أربع ركعتان متقبلتان.
واعلم أن عائشة رضي الله تعالى عنها أيضاً كانت تتم في السفر وسيأتي ذكر سبب إتمامها "لا يصلون قبلها ولا بعدها" أي لا يصلون السنن الرواتب قبلها ولا بعدها، وليس المراد به نفي التطوع في السفر مطلقاً. وسيجيء تحقيق هذه المسألة في باب التطوع في السفر "لو كنت مصلياً" أي رواتب "قبلها أو بعدها لأتممتها" قال الحافظ في الفتح: يعني أنه لو كان مخيراً بين الإتمام وصلاة الراتبة لكان الإتمام أحب إليه لكنه فهم من القصر التخفيف، فلذلك كان لا يصلي الراتبة ولا يتم انتهى.
قوله: "وفي الباب عن عمر وعلي وابن عباس وأنس وعمران بن حصين وعائشة" أما حديث عمر فأخرجه مسلم. وأما حديث على فأخرجه البزار قال: صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف ركعتين إلا المغرب ثلاثاً، وصليت معه في السفر ركعتين إلا المغرب ثلاثا. قال الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد: في سنده الحارث وهو ضعيف. وأما حديث ابن عباس فأخرجه مسلم. وأما حديث أنس فأخرجه الشيخان. وأما حديث عمران بن حصين فأخرجه أبو داود. وأما حديث عائشة فأخرجه الشيخان.
قوله: "حديث ابن عمر حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث يحيى ابن سليم مثل هذا" وقد عرفت ترجمة يحيى بن سليم، وأصل هذا الحديث في الصحيحين كما عرفته أيضاً.

(3/102)


قال مُحَمدُ بن إسماعيلَ: وقد رُوِيَ هذا الحديثُ عن عُبَيْدِ الله بن عُمَر عن رجلٍ من آلِ سُرَاقَةَ عن عبدالله بن عُمَر.
قال أبو عيسى: وقد رُوِيَ عن عطيةَ العَوْفِيّ عن ابنِ عُمَرَ أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان يَتَطَوّعُ في السّفَرِ قبَل الصلاةِ وبعدَها وقد صحّ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه كان يَقْصُرُ في السفَرِ وأبو بكرٍ وعُمَرُ وعثمانُ صَدْراً من خلافتِهِ.
والعملُ على هذا عندَ أكثرِ أهلِ العلْمِ مِن أَصحابِ النبيّ صلى الله عليه وسلم وغيِرِهِمْ.
وقد رُوِيَ عن عائشَةَ أنها كانتْ تُتِمّ الصلاةَ في السّفرِ.
والعملُ على ما رُوِيَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم وأصحابِهِ
ـــــــ
قوله: "وقد روى عن عطية العوفي عن ابن عمر الخ" أخرجه الترمذي في باب التطوع في السفر.
قوله: "والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم" وهو القول الراجح المعول عليه "وقد روي عن عائشة أنها كانت تتم الصلاة في السفر" أخرجه البخاري في صحيحه عن عائشة رضي الله عنها قالت: الصلاة أول ما فرضت ركعتان فأقرت صلاة السفر وأتمت صلاة الحضر. قال الزهري: فقلت لعروة: فما بال عائشة تتم؟ قال: تأولت ما تأول عثمان. قال الحافظ في فتح الباري: قد جاء عنها سبب الإتمام صريحاً وهو فيما أخرجه البيهقي من طريق هشام بن عروة عن أبيه: أنها كانت تصلي في السفر أربعاً، فقلت لها: لو صليت ركعتين؟ فقالت يا ابن أختي إنه لا يشق علي، إسناده صحيح وهو دال على أن القصر رخصة، وأن الإتمام لمن لا يشق عليه أفضل انتهى كلام الحافظ.

(3/103)


وهو قولُ الشافعيّ وأحمدَ وإسحاقَ إلا أن الشافعيّ يقولُ: التّقْصِيرُ رُخْصَةٌ "له" في السفرِ، فإِن أَتَمّ الصلاةَ أَجْزَأَ عنه
ـــــــ
قوله: "وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق إلا أن الشافعي يقول التقصير رخصة له في السفر فإن أتم الصلاة أجزأ عنه". قد اختلف أهل العلم هل القصر واجب أو رخصة والتمام أفضل؟ فذهب إلى الأول الحنفية، وروي عن علي وعمر ونسبه النووي إلى كثير من أهل العلم. قال الخطابي في المعالم: كان مذهب أكثر علماء السلف وفقهاء الأمصار على أن القصر هو الواجب في السفر وهو قول علي وعمر وابن عمر وابن عباس، وروي ذلك عن عمر بن عبد العزيز وقتادة والحسن، وقال حماد بن سليمان: يعيد من يصلي في السفر أربعاً، وقال مالك: يعيد ما دام في الوقت انتهى، وذهب إلى الثاني الشافعي ومالك وأحمد قال النووي: وأكثر العلماء، وروي عن عائشة وعثمان وابن عباس. قال ابن المنذر: وقد أجمعوا على أنه لا يقصر في الصبح ولا في المغرب.
واحتج القائلون بوجوب القصر بحجج منها: ملازمته صلى الله عليه وسلم للقصر في جميع أسفاره، ولم يثبت عنه صلى الله عليه وسلم بحديث صحيح أنه أتم الرباعية في السفر البتة. كما قال ابن القيم. وأما حديث عائشة: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقصر في السفر ويتم ويفطر ويصوم رواه الدارقطني فهو حديث فيه كلام لا يصلح للاحتجاج وإن صحح الدارقطني إسناده، وكذا حديثها قالت: خرجت مع النبي صلى الله عليه وسلم في عمرة في رمضان فأفطر وصمت وقصر وأتممت فقلت بأبي وأمي أفطرت وصمت وقصرت وأتممت، فقال أحسنت يا عائشة. رواه الدارقطني، لا يصلح للاحتجاج وإن حسن الدارقطني إسناده. وقد بين الشوكاني في النيل عدم صلاحيتهما للاحتجاج في النيل بالبسط، من شاء الوقوف عليه فليرجع إليه.
ويجاب عن هذه الحجة بأن مجرد الملازمة لا يدل على الوجوب كما ذهب إلى ذلك جمهور أئمة الأصول وغيرهم.

(3/104)


ـــــــ
ومنها حديث عائشة المتفق عليه بألفاظ منها: فرضت الصلاة ركعتين فأقرت صلاة السفر وأتمت صلاة الحضر، قالوا هو دليل ناهض على الوجوب لأن صلاة السفر إذا كانت مفروضة ركعتين لم تجز الزيادة عليها، كما أنها لا تجوز الزيادة على أربع في الحضر.
ويجاب عنه بأنه من قول عائشة غير مرفوع وأنها لم تشهد زمان فرض الصلاة. وفي هذا الجواب نظر أما أولاً فهو مما لا مجال للرأي فيه فله حكم الرفع، وأما ثانياً فعلى تقدير تسليم أنها لم تدرك القصة مرسل صحابي وهو حجة.
وبجاب أيضاً بأنه ليس هو على ظاهره فإنه لو كان على ظاهره لما أتمت عائشة حديث ابن عباس أنه قال: إن الله عز وجل فرض الصلاة على لسان نبيكم، على المسافر ركعتين وعلى المقيم أربعاً والخوف ركعة أخرجه مسلم قالوا: هذا الصحابي الجليل قد حكى عن الله تعالى أنه فرض صلاة السفر ركعتين وهو أتقى لله وأخشى من أن يحكى أن الله فرض ذلك بلا برهان.
ومنها حديث عمر رضي الله عنه أنه قال: صلاة السفر ركعتان وصلاة الأضحى ركعتان وصلاة الفطر ركعتان وصلاة الجمعة ركعتان تمام من غير قصر على لسان محمد صلى الله عليه وسلم. رواه أحمد والنسائي وابن ماجه قال في النيل: رجاله رجال الصحيح إلا يزيد بن زياد بن أبي الجعد وقد وثقه أحمد وابن معين. قال ابن القيم في الهدى: هو ثابت عنه.
واحتج القائلون بأن القصر رخصة والتمام أفضل بحجج منها: قول الله تعالى {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ} ونفي الجناح لا يدل على العزيمة بل على الرخصة وعلى أن الأصل التمام والقصر إنما يكون من شيء أطول منه.
وأجيب بأن الآية وردت في قصر الصفة في صلاة الخوف لا في قصر العدد لما علم من تقدم شرعية قصر العدد.
ومنها: قوله صلى الله عليه وسلم: "صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته"، أخرجه الجماعة إلا البخاري. قالوا: الظاهر من قوله صدقة أن القصر رخصة فقط.

(3/105)


543ـ حدثنا أَحمدُ بن مَنِيِعٍ حدثنا هُشَيْمٌ أخبرنا عليّ بن زَيْدِ بنِ جُدعَان "القرشي" عن أبي نَضْرةَ قال: سُئِل عِمْرانُ بنُ حُصينٍ عن صَلاةِ المسافِرِ فقال: حَجَجْتُ مع رسولِ الله صلى الله عليه وسلم فصلّى ركعَتيْنِ، وحَجَجْتُ
ـــــــ
وأجيب بأن الأمر بقبولها يدل على أنها لا محيص عنها وهو المطلوب.
ومنها: ما في صحيح مسلم وغيره أن الصحابة كانوا يسافرون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فمنهم القاصر ومنهم المتم، ومنهم الصائم ومنهم المفطر لا يعيب بعضهم على بعض، كذا قال النووي في شرح مسلم قال الشوكاني في النيل: لم نجد في صحيح مسلم قوله: فمنهم القاصر ومنهم المتم، وليس فيه إلا أحاديث الصوم والإفطار انتهى. قلت: لم نجد أيضاً هذا اللفظ في صحيح مسلم. قال: وإذا ثبت ذلك فليس فيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم اطلع على ذلك وقرره عليهم وقد نادت أقواله وأفعاله بخلاف ذلك.
ومنها: حديث عائشة: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقصر في السفر ويتم ويفطر ويصوم، أخرجه الدارقطني، وقد تقدم وقد عرفت هناك أنه لا يصلح للاحتجاج. هذا كله تلخيص ما ذكره القاضي الشوكاني في النيل مع زيادة واختصار. وقال الشوكاني في آخر كلامه: وهذا النزاع في وجوب القصر وعدمه، وقد لاح من مجموع ما ذكرنا رجحان القول بالوجوب. وأما دعوى أن التمام أفضل فمدفوعة بملازمته صلى الله عليه وسلم في جميع أسفاره وعدم صدور التمام عنه، ويبعد أن يلازم صلى الله عليه وسلم طول عمره المفضول ويدع الأفضل انتهى.
قلت: من شأن متبعي السنن النبوية ومقتفي الآثار المصطفوية أن يلازموا القصر في السفر كما لازمه صلى الله عليه وسلم ولو كان القصر غير واجب فاتباع السنة في القصر في السفر هو المتعين. ولا حاجة لهم أن يتموا في السفر ويتأولوا كما تأولت عائشة وتأول عثمان رضي الله عنهما. هذا ما عندي والله تعالى أعلم.

(3/106)


مع أبي بكرٍ فصلّى ركعَتيْنِ، ومع عُمَر فصلّى ركعَتيْنِ، ومع عثمانَ سِتّ سِنِينَ مِن خِلاَفَتِهِ أو ثمانِي سنينَ فصلّى ركعَتيْنِ"
ـــــــ
قوله: "ومع عثمان ست سنين من خلافته أو ثمان سنين فصلى ركعتين"، وفي حديث ابن عمر عند مسلم: ثم إن عثمان صلى بعد أربعاً، وعند البخاري ثم أتمها. قال الحافظ في الفتح: والمنقول أن سبب إتمام عثمان أنه كان يرى القصر مختصاً بمن كان شاخصاً سائراً. وأما من أقام في مكان في أثناء سفره فله حكم المقيم فيتم، والحجة فيه ما رواه أحمد بإسناد حسن عن عباد بن عبد الله بن الزبير قال: لما قدم علينا معاوية حاجاً صلى بنا الظهر ركعتين بمكة ثم انصرف إلى دار الندوة فدخل عليه مروان وعمرو بن عثمان فقالا: لقد عبت أمر ابن عمك لأنه كان قد أتم الصلاة. قال: وكان عثمان حيث أتم الصلاة إذا قدم مكة صلى بها الظهر والعصر والعشاء أربعاً أربعاً، ثم إذا خرج إلى منى وعرفة قصر الصلاة، فإذا فرغ من الحج وأقام بمنى أتم الصلاة.
وقال ابن بطال: الوجه الصحيح في ذلك أن عثمان وعائشة كانا يريان أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما قصر لأنه أخذ بالأيسر من ذلك على أمته فأخذا لأنفسهما بالشدة انتهى. وهذا رجحه جماعة من آخرهم القرطبي، لكن الوجه الذي قبله أولى لتصريح الراوي بالسبب انتهى كلام الحافظ وذكر سبباً آخر فقال: روى الطحاوي وغيره عن الزهري قال: إنما صلى عثمان بمنى أربعاً لأن الأعراب كانوا أكثروا في ذلك العام فأحب أن يعلمهم أن الصلاة أربع، وروى البيهقي من طريق عبد الرحمَن بن حميد بن عوف عن أبيه عن عثمان أنه أتم بمنى ثم خطب فقال: إن القصر سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبيه ولكنه حدث طغام يعني بفتح الطاء والمعجمة فخفت أن يستنوا، وعن ابن جريج أن أعرابياً ناداه في منى: يا أمير المؤمنين ما زلت أصليها منذ رأيتك عام أول ركعتين، وهذه طرق يقوي بعضها بعضاً ولا مانع أن يكون هذا أصل سبب الإتمام، وليس بمعارضة للوجه الذي اخترته بل يقويه من حيث أن حالة الإقامة في أثناء السفر

(3/107)


قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
544 ـ حدثنا قُتَيْبةُ حدثنا سُفيانُ بنُ عُيَيْنَةَ عن محمدِ بنِ المنْكَدِرِ و إبراهيم بنِ مَيَسرةَ سَمِعَا أنَسَ بنَ مالكٍ قال: صلّيْنَا مع النبيّ صلى الله عليه وسلم الظُهرَ بالمدينَةِ أربعاً، وبذِي الحُلَيْفَةِ العصْرَ رَكعَتيْنِ
ـــــــ
أقرب إلى قياس الإقامة المطلقة عليها بخلاف السائر، وهذا ما أدى إليه اجتهاد عثمان انتهى.
واعلم أنه قد ذكر لإتمام عثمان الصلاة في منى أسباب أخرى ولم أتعرض لذكرها فإنها لا دليل عليها بل هي ظنون ممن قالها.
قوله: "هذا حديث صحيح" في إسناده علي بن زيد بن جدعان، قال الحافظ في التقريب: ضعيف، وقال في التلخيص: حسنه الترمذي وعلي ضعيف انتهى.
قلت: علي بن زيد بن جدعان عند الترمذي صدوق كما في الميزان وغيره فلأجل ذلك حسنه وصححه على أن لهذا الحديث شواهد، وكم من حديث ضعيف قد حسنه الترمذي لشواهده.
قوله: "وإبراهيم بن ميسرة" الطائفي نزيل مكة ثبت حافظ.
قوله: "صلينا مع النبي صلى الله عليه وسلم الظهر بالمدينة أربعاً" أي في اليوم الذي أراد فيه الخروج إلى مكة للحج أو العمرة "وبذي الحليفة ركعتين" ذو الحليفة بضم الحاء المهملة وفتح اللام موضع على ثلاثة أميال من المدينة على الأصح وهو ميقات أهل المدينة، وإنما صلى بذي الحليفة ركعتين لأنه كان في السفر.
واعلم أنه لا يجوز القصر إلا بعد مفارقة بنيان البلد عند أبي حنيفة والشافعي وأحمد ورواية عن مالك، وعنه أنه يقصر إذا كان من المصر على ثلاثة أميال، وقال بعض التابعين إنه يجوز أن يقصر من منزله: وروى ابن أبي شيبة عن علي رضي الله عنه أنه خرج من البصرة فصلى الظهر أربعاً ثم قال: إنا لو جاوزنا هذا الخص لصلينا ركعتين. ذكره ابن الهمام، كذا في المرقاة. قلت: وروى عبد الرزاق

(3/108)


هذا حديثٌ صحيحٌ.
545 ـ حدثنا قُتَيْبةُ، حدثنا هُشَيمٌ عن منصورِ بنِ زاذَانَ عن ابنِ سِيرينَ عن ابنِ عبّاسٍ أن النبي صلى الله عليه وسلم "خرجَ من المدينَةِ إلى مكةَ لا يخَافُ إلاّ الله ربّ العالَمينَ فصلَى ركعتَيْنِ".
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ "حسن" صحيح.
ـــــــ
في مصنفه أخبرنا سفيان الثوري عن داود بن أبي هند أن علياً لما خرج إلى البصرة رأى خصاً فقال لولا هذا الخص لصليت ركعتين، قلت: وما الخص قال بيت من قصب. وذكر البخاري تعليقاً فقال: وخرج علي فقصر وهو يرى البيوت فلما رجع قيل له: هذه الكوفة قال لا حتى ندخلها. وروى أيضاً أخبرنا عبد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر أنه كان يقصر الصلاة حين يخرج من شعب المدينة ويقصر إذا رجع حتى يدخلها، كذا في نصب الراية.
قوله: "هذا حديث صحيح" وأخرجه الشيخان.
قوله: "خرج من المدينة إلى مكة لا يخاف إلا رب العالمين فصلى ركعتين" ، فيه رد على من زعم أن القصر مختص بالخوف، والذي قال ذلك تمسك بقوله تعالى: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا}، ولم يأخذ الجمهور بهذا المفهوم فقيل لأن شرط مفهوم المخالفة أن لا يكون خرج مخرج الغالب، وقيل: هو من الأشياء التي شرع الحكم فيها بسبب ثم زال السبب وبقي الحكم كالرمل، وقيل المراد بالقصر في الآية قصر الصلاة بالخوف إلى ركعة وفيه نظر. لما رواه مسلم من طريق يعلى بن

(3/109)


ـــــــ
أمية وله صحبة. أنه سأل عمر عن قصر الصلاة في السفر فقال: إنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال: صدقة تصدق الله بها عليكم. فهذا ظاهر في أن الصحابة فهموا من ذلك قصر الصلاة في السفر مطلقاً لا قصرها في الخوف خاصة، وفي جواب عمر رضي الله عنه إشارة إلى القول الثاني. وروى السراج عن أبي حنظلة قال: سألت ابن عمر عن الصلاة في السفر فقال: ركعتان، فقلت. إن الله عز وجل قال. "إن خفتم " ونحن آمنون، فقال: سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا يرجع القول الثاني، كذا في فتح الباري.
قوله. "هذا حديث صحيح" قال الحافظ في الفتح، وصححه النسائي

(3/110)


باب ما جاء في كم التقصير الصلاة
...
387 ـ باب ما جاءَ في كَمْ تُقصَرُ الصّلاة
546 ـ حدثنا أَحمدُ بُن مَنيعٍ، حدثنا هُشَيمٌ، أَخبرنا يَحيَى بنُ أَبي إسحاقَ "الْحضْرمي" حدثنا أَنسُ بنُ مالكٍ قال: "خرجْنا مع النبيّ صلى الله عليه وسلم من المدِينَةِ إلى مَكةَ فصلّى ركعَتيْنِ، قالَ قلتُ لأنسٍ: كَمْ أَقامَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بمكةَ؟ قالَ عشْراً".
ـــــــ
"باب ما جاء في كم تقصر الصلاة"
يريد بيان المدة التي إذا أراد المسافر الإقامة في موضع إلى تلك المدة يتم الصلاة، وإذا أراد الإقامة إلى أقل منها يقصر وقد عقد البخاري في صحيحه باباً بلفظ: باب في كم تقصر الصلاة. لكنه أراد بيان المسافة التي أراد المسافر الوصول إليها جاز له القصر ولا يجوز له في أقل منها
قوله: "خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى مكة" أي متوجهين إلى مكة لحجة الوداع "فصلى ركعتين " أي في الرباعية، وفي رواية الصحيحين على ما في المشكاة. فكان يصلي ركعتين ركعتين حتى رجعنا إلى المدينة "قال عشراً" أي أقام بمكة عشراً، قال القاري في المرقاة. الحديث بظاهره ينافي مذهب الشافعي من أنه إذا أقام أربعة أيام يجب الإتمام انتهى.

(3/110)


"قال" : وفي الباب عن ابنِ عباسٍ وجابرٍ.
قال أبو عيسى: حديثُ أَنَسٍ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
قلت: قد نقل القاري عن ابن حجر الهيثمي ما لفظه: لم يقم العشر التي أقامها لحجة الوداع بموضع واحد، لأنه دخلها يوم الأحد وخرج منها صبيحة الخميس، فأقام بمنى، والجمعة بنمرة وعرفات، ثم عاد السبت بمنى لقضاء نسكه ثم بمكة لطواف الإفاضة ثم بمنى يومه فأقام بها بقيته، والأحد والاثنين والثلاثاء إلى الزوال، ثم نفر فنزل بالمحصب وطاف في ليلته للوداع، ثم رحل قبل صلاة الصبح. لمتفرق إقامته قصر في الكل. وبهذا أخذنا أن للمسافر إذا دخل محلاً أن يقصر فيه ما لم يصر مقيماً أو ينو إقامة أربعة أيام غير يومي الدخول والخروج أو يقيمها واستدلوا لذلك بخبر الصحيحين، يقيم المهاجر بعد قضاء نسكه ثلاثاً، وكان يحرم على المهاجرين الإقامة بمكة ومساكنة الكفار كما روياه أيضاً. فالإذن في الثلاثة يدل على بقاء حكم السفر فيها بخلاف الأربعة انتهى.
وقال الحافظ في فتح الباري: قدم النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه لصبح رابعة كما في حديث ابن عباس، ولا شك أنه خرج صبح الرابع عشر فتكون مدة الإقامة بمكة وضواحيها عشرة أيام بلياليها كما قال أنس رضي الله عنه، وتكون مدة إقامته بمكة أربعة أيام سواء لأنه خرج منها في اليوم الثامن فصلى الظهر بمنى، ومن ثم قال الشافعي إن المسافر إذا أقام ببلدة قصر أربعة أيام، وقال أحمد. إحدى وعشرين صلاة انتهى كلام الحافظ.
قوله: "وفي الباب عن ابن عباس وجابر"، أما حديث ابن عباس فأخرجه البخاري وأبو داود وابن ماجه وأخرجه الترمذي في هذا الباب، وأما حديث جابر فأخرجه أبو داود.
قوله: "حديث أنس حديث حسن صحيح"، وأخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي.

(3/111)


وقد رُوِيَ عن ابنِ عباسٍ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم "أَنه أَقامَ في بعضِ أَسْفارِهِ تِسْعَ عَشرَةَ يُصَلّي رَكعَتيْنِ قال ابنُ عباسٍ: فنحنُ إذا أَقَمْنَا ما بينَنَا وبينَ تِسْع عشرةَ صلّينا ركعَتيْنِ وإن زِدْنَا على ذلك أَتْمَمْنَا الصّلاةَ".
وَرُوِيَ عن علي أنّه قال: مَن أَقامَ عَشْرةَ أَيامٍ أَتَمّ الصّلاةَ.
وَرُوِيَ عن ابنِ عُمَر أَنه قال: مَنْ أَقامَ خمسةَ عَشَر يوماً أَتَمّ الصّلاةَ. وَ قد رُوِيَ عنه ثِنْتَيْ عَشْرَةَ.
ـــــــ
قوله: "وقد روي عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أقام في بعض أسفاره" أي في فتح مكة، وأما حديث أنس المتقدم فكان في حجة الوداع قاله الحافظ ابن حجر، وحديث ابن عباس هذا أخرجه البخاري في صحيحه "تسع عشرة يصلي ركعتين"، وفي لفظ للبخاري تسعة عشر يوماً، وفي رواية لأبي داود عن ابن عباس سبع عشرة، وفي أخرى له عنه خمس عشرة، وفي حديث عمران بن حصين. شهدت معه الفتح فأقام بمكة ثمانية عشر ليلة لا يصلي إلا ركعتين ويقول. يا أهل البلد صلوا أربعاً فإنا قوم سفر. رواه أبو داود "قال أبن عباس. فنحن إذا أقمنا ما بيننا وبين تسع عشرة صلينا ركعتين وإن زدنا على ذلك أتممنا الصلاة"، هذا هو مذهب ابن عباس رضي الله عنهما، وبه أخذ إسحاق بن راهويه ورآه أقوى المذاهب "وروي عن علي أنه قال: من أقام عشرة أيام أتم الصلاة"، أخرجه عبد الرزاق بلفظ: إذا أقمت بأرض عشراً فأتمم. فإن قلت أخرج اليوم أو غداً فصل ركعتين. وإن اقمت شهراً "وروي عن ابن عمر أنه قال. من أقام خمسة عشر يوماً أتم الصلاة" أخرجه محمد بن الحسن في كتاب الآثار أخبرنا أبو حنيفة حدثنا موسى بن مسلم عن مجاهد عن عبد الله بن عمر قال. إذا كنت مسافراً فوطنت نفسك على إقامة خمسة عشر يوماً فأتمم الصلاة، وإن كنت لا تدري فأقصر الصلاة، وأخرج الطحاوي عن ابن عباس وابن عمر قالا: إذا قدمت بلدة وأنت مسافر وفي نفسك أن تقيم خمسة عشر يوماً أتم الصلاة، وروي عنه ثنتي عشرة، أخرجه عبد الرزاق. كذا في شرح الترمذي لسراج أحمد السرهندي.

(3/112)


وَرُوِيَ عن سعيدِ بن المسيّب أَنهُ قال: إذا أَقامَ أَربعاً صلّى أربعاً.
وَرَوَى عند ذلك قَتَادَةُ وعطاءُ الخراسانيّ وَرَوَى عنه داودُ بن أبي هِنْد خِلاَفَ هذا. واخْتَلَفَ أَهلُ العِلم بَعْدُ في ذلك.
فَأَمّا سُفيانُ الثوريّ وأهلُ الكوفِة فذَهبوا إلى تَوْقِيتِ خَمس عَشْرَةَ، وقالوا: إذا أَجْمَع على إقامِة خمس عَشْرَةَ أَتَمّ الصّلاةَ.
وقال الأوزاعيّ: إذا أجْمَعَ على إِقامةِ ثنَتَيْ عَشْرَة أتَمّ الصّلاة.
ـــــــ
"وروى عنه داود بن أبي هند خلاف هذا" روى محمد بن الحسن في الحجج عن سعيد بن المسيب قال. إذا قدمت بلدة فأقمت خمسة عشر يوماً فأتم الصلاة، "واختلف أهل العلم بعد" بالبناء على الضم أي بعد ذلك "في ذلك" أي فيما ذكر من مدة الإقامة، "فأما سفيان الثوري وأهل الكوفة فذهبوا إلى توقيت خمس عشرة وقالوا إذا أجمع" أي نوى "على إقامة خمس عشرة أتم الصلاة" وهو قول أبي حنيفة، واستدلوا بما رواه أبو داود من طريق محمد بن إسحاق عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس قال: أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة عام الفتح خمس عشرة يقصر الصلاة، قال المنذري: وأخرجه ابن ماجه وأخرجه النسائي بنحوه وفي إسناده محمد بن إسحاق، واختلف علي بن إسحاق فيه فروى منه مسنداً ومرسلاً وروي عنه عن الزهري من قوله انتهى، وقد ضعف النووي هذه الرواية، لكن تعقبه الحافظ في فتح الباري حيث قال: وأما رواية خمسة عشر فضعفها النووي في الخلاصة وليس بجيد لأن رواتها ثقات ولم ينفرد بها ابن إسحاق، فقد أخرجها النسائي من رواية عراق بن مالك عن عبيد الله كذلك فهي صحيحة انتهى كلام الحافظ.
واستدلوا أيضاً بأثر ابن عمر المذكور، وقد روى عنه توقيت ثنتي عشرة كما حكاه الترمذي "وقال الأوزاعي: إذا أجمع على إقامة ثنتي عشرة أتم الصلاة"

(3/113)


وقال مالك "بن أنس" والشافعيّ وأَحمدُ: إذا أَجْمَعَ على إقامِة أربعة أَتَمّ الصّلاةَ.
وأما إسحاقُ فرأَى أَقْوَى المذاهبِ فيه حديثَ ابنِ عباسٍ، قال: لأنه رُوِيَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، "ثم تَأَوّلَهُ بعد النبيّ صلى الله عليه وسلم" إذا أَجْمَعَ على إقامةِ تِسْعَ عَشرةَ أَتَمّ الصلاةَ.
ثم أَجْمَعَ أَهلُ العلمِ على أن المسافرِ أن يَقْصُرُ ما لم يُجْمِعْ اقامةً، وإِنْ أَتَى عليه سِنُونَ.
ـــــــ
قال الشوكاني في النيل: لا يعرف له مستند فرعي وإنما ذلك اجتهاد من نفسه انتهى.
قلت: لعله استند بما روي عن ابن عمر توقيت ثنتي عشرة. "وقال مالك والشافعي وأحمد: إذا أجمع على إقامة أربع أتم الصلاة". قال في السبل صفحة 651: وهو مروي عن عثمان والمراد غير يوم الدخول والخروج، واستدلوا بمنعه صلى الله عليه وسلم المهاجرين بعد مضي النسك أن يزيدوا على ثلاثة أيام في مكة، فدل على أنه بالأربعة الأيام يصير مقيماً انتهى.
قلت: ورد هذا الاستدلال بأن الثلاث قدر قضاء الحوائج لا لكونها غير إقامة، واستدلوا أيضاً بما روى مالك عن نافع عن أسلم عن عمر أنه أجلى اليهود من الحجاز، ثم أذن لمن قدم منهم تاجراً أن يقيم ثلاثة أيام، قال الحافظ في التلخيص صححه أبو زرعة. "أما إسحاق" يعني ابن راهويه، "فرأى أقوى المذاهب فيه حديث ابن عباس" عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أقام في بعض أسفاره تسع عشرة يصلي ركعتين، "قال" أي إسحاق "لأنه" أي ابن عباس "روى عن النبي صلى الله عليه وسلم ثم تأوله بعد النبي صلى الله عليه وسلم" أي أخذ به وعمل عليه بعد وفاته صلى الله عليه وسلم، "ثم أجمع أهل العلم على أن للمسافر أن يقصر ما لم يجمع إقامته وإن أتى عليه سنون"، جمع سنة أخرج البيهقي عن أنس أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أقاموا برامهر من تسعة أشهر يقصرون

(3/114)


547 ـ حدثنا هنادُ "بن السري" حدثنا أبو مُعاويةَ عن عاصمِ الأحْولِ عن عِكْرِمة عن ابن عباسٍ قال: "سافر رسولُ الله صلى الله عليه وسلم سفراً فصلَى تسعةَ عشرَ يوماً ركعَتْينِ ركعتين ، قال ابن عباسٍ: فنحن نصلّي فيما بينَنَا وبين تِسْع عَشْرَةَ ركعتينِ ركعَتَيْنِ فاذا أقَمْنَا أكثر مِن ذلك صلّينا أربعاً.
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ غريبٌ حَسَنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
الصلاة، قال النووي إسناده صحيح وفيه عكرمة بن عمار، واختلفوا في الاحتجاج به واحتج به مسلم في صحيحه انتهى، وأخرج عبد الرزاق في مصنفه أخبرنا عبد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر أقام بأذربيجان ستة أشهر في غزاة وكنا نصلي ركعتين انتهى. قال النووي وهذا سند على شرط الصحيحين، كذا في نصب الراية. وذكر الزيلعي فيه آثاراً أخرى.
قوله: "سافر رسول الله صلى الله عليه وسلم سفراً" أي في فتح مكة كما تقدم "فصلى"، أي فأقام فصلى "تسعة عشر يوماً ركعتين ركعتين"، وفي رواية للبخاري أقام النبي صلى الله عليه وسلم تسعة عشر يقصر، قال الحافظ في الفتح أي يوماً بليلة زاد في المعازي بمكة وأخرجه أبو داود بلفظ سبعة عشر بتقديم السين، وله أيضاً من حديث عمران بن حصين: غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح فأقام بمكة ثماني عشرة ليلة لا يصلي إلا ركعتين. وله من طريق ابن إسحاق عن الزهري عن عبيد الله عن ابن عباس أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة عام الفتح خمس عشرة يقصر الصلاة.
وجمع البيهقي بين هذا الاختلاف بأن من قال تسع عشرة عد يومي الدخول والخروج، ومن قال سبع عشرة حذفهما، ومن قال ثماني عشرة عد أحدهما، وأما رواية خمس عشرة فضعفها النووي في الخلاصة وليس بجيد لأن رواتها ثقات، ولم ينفرد بها ابن إسحاق فقد أخرجها النسائي من رواية عراك بن مالك عن عبيد الله

(3/115)


ـــــــ
كذلك، وإذا أثبت أنها صحيحة فليحمل على أن الراوي ظن أن الأصل رواية سبع عشرة، فحذف منها يومى الدخول والخروج، فذكر أنها خمس عشرة، واقتضى ذلك أن رواية تسع عشرة أرجح الروايات. وبهذا أخذ إسحاق بن راهويه. ويرجحها أيضاً أنها أكثر ما وردت به الروايات الصحيحة. انتهى كلام الحافظ، وقال في التلخيص بعد ذكر الروايات المذكورة، ورواية عبد بن حميد عن ابن عباس بلفظ: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما افتتح مكة أقام عشرين يوماً يقصر الصلاة ما لفظه: قال البيهقي أصح الروايات في ذلك رواية البخاري وهي رواية تسع عشرة، وجمع إمام الحرمين والبيهقي بين الروايات السابقة باحتمال أن يكون في بعضها لم يعد يومي الدخول والخروج وهي رواية سبعة عشر وعدها في بعضها، وهي رواية تسع عشرة وعد يوم الدخول ولم يعد الخروج وهي رواية ثمانية عشر. قال الحافظ: وهو جمع متين وتبقى رواية خمسة عشر شاذة لمخالفتها ورواية عشرين وهي صحيحة الإسناد إلا أنها شاذة أيضاً، اللهم إلا أن يحمل على جبر الكسر، ورواية ثمانية عشر ليست بصحيحة من حيث الإسناد انتهى.
قوله: "هذا حديث حسن غريب صحيح"، وأخرجه البخاري وابن ماجه وأحمد

(3/116)


388 ـ باب ما جاء في التّطَوّعِ في السّفَر
548 ـ حدثنا قُتَيْبةُ "بن سعيد"، حدثنا الليثُ بنُ سعدٍ عن صَفْوانَ بن سُلَيمٍ عن أَبي بُسْرَةَ الغِفَارِيّ عن البراءِ بن عازبٍ قال: "صَحِبْتُ رسولَ الله صلى الله
ـــــــ
. باب ما جاء في التّطَوّعِ في السّفَر
قوله: "عن صفوان بن سليم"، بضم السين مصغراً ثقة، "عن أبي بسرة" بضم الباء الموحدة وسكون السين المهملة الغفارى. مقبول من الرابعة كذا في التقريب، وقال في الخلاصة وثقه ابن حبان. وقال في قوت المغتذي بضم الموحدة وسكون السين المهملة تابعي لا يعرف اسمه ولم يرو عنه غير صفوان بن سليم،

(3/116)


عليه وسلم ثمانيةَ عَشَرَ سَفَراً فما رأيتُهُ ترك الركعَتْينِ إِذا زاغتِ الشمسُ قبلَ الظّهرِ".
وفي الباب عن ابنِ عُمَرَ.
قال و أبو عيسى: حديثُ البَرَاء حديثٌ غريبٌ.
"قال" "و" سألت مُحمداً عنْهُ فَلَمْ يَعْرِفْهُ إلا من حديثِ الليثِ بنِ سعدٍ ولم يعرف اسمَ أبي بُسْرةَ الغِفَارِيّ
ـــــــ
وليس له في الكتب إلا هذا الحديث عند المصنف وابن ماجه، وربما اشتبه على من يتنبه له بأبي بصرة الغفاري بفتح الباء وبالصاد المهملة، وهو صحابي اسمه حميل بضم الحاء المهملة مصغراً انتهى.
قوله: "ثمانية عشر سفراً" بفتح السين المهملة والفاء قال الحافظ العراقي: كذا وقع في الأصول الصحيحة، قال: وقد وقع في بعض النسخ بدله شهراً وهو تصحيف كذا في قوت المغتذي "فما رأيته ترك الركعتين إذا زاغت الشمس قبل الظهر" ، الظاهر أن هاتين الركعتين هما سنة الظهر، فهذا الحديث دليل لمن قال بجواز الإتيان بالرواتب في السفر، قال صاحب الهدى: لم يحفظ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى سنة الصلاة قبلها ولا بعدها في السفر إلا ما كان من سنة الفجر انتهى. قال الحافظ في الفتح متعقباً عليه: ويرد على إطلاقه ما رواه أبو داود والترمذي من حديث البراء بن عازب قال: سافرت مع النبي صلى الله عليه وسلم ثمانية عشر سفراً فلم أره ترك الركعتين إذا زاغت الشمس قبل الظهر وكأنه لم يثبت عنده. لكن الترمذي استغربه ونقل عن البخاري أنه رآه حسناً. وقد حمله بعض العلماء على سنة الزوال لا على الراتبة قبل الظهر انتهى.
قوله: "وفي الباب عن ابن عمر" قد روى عنه في هذا الباب روايتان وسيجيء تخريجهما.
قوله: "حديث البراء حديث غريب". أخرجه أبو داود وسكت عنه.

(3/117)


ورآه حسَناً ورُوِيَ عن ابنِ عمرَ: "أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كانَ لا يتطَوّعُ في السّفَرِ قبلَ الصلاةِ ولا بعدَهاَ". وَرُوِيَ عنْه "عن النبيّ صلى الله عليه وسلم" "أنّه كانَ يتطَوّعُ في السّفَرِ" ثم اختلفَ أهلُ العلمِ بَعدَ النبيّ صلى الله عليه وسلم فَرَأَى بعضُ أصحابِ النبيّ صلى الله عليه وسلم أنْ يتَطَوَعَ الرجُلُ في السفرِ وبِه يقولُ أحمدُ وإسحاقُ ولمَ تر طائفةٌ مِن أهلِ العِلْمِ أن يصَلي قَبْلَهَا ولاَ بعدَهَا ومعنى مَن لم يتطَوّعْ في السّفَرِ قبولُ الرخْصَةِ
ـــــــ
قوله: "وروي عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يتطوع في السفر قبل الصلاة ولا بعدها". أخرجه البخاري ومسلم من طريق حفص بن عاصم قال صحبت ابن عمر في طريق مكة فصلى لنا الظهر ركعتين ثم جاء رحله وجلس فرأى ناساً قياماً فقال: ما يصنع هؤلاء؟ قلت: يسبحون. قال: لو كنت مسبحاً أتممت صلاتي، صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان لا يزاد في السفر على ركعتين، وأبا بكر وعمر وعثمان كذلك، وقد أخرجه الترمذي من وجه آخر. "وروي عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم إنه كان يتطوع في السفر"، أخرجه الترمذي في هذا الباب قال بعض العلماء: هذا محمول على التذكر وما روى عنه: أنه صلى الله عليه وسلم كان لا يتطوع في السفر محمول على النسيان. والله تعالى أعلم.
وروى مالك في الموطأ بلاغاً عن نافع أن عبد الله بن عمر كان يرى ابنه عبيد الله يتنقل في السفر فلا ينكر ذلك عليه.
قوله: "فرأى بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن يتطوع الرجل في السفر وبه يقول أحمد وإسحاق". المراد من التطوع النوافل الراتبة، وأما النوافل المطلقة فقد اتفق العلماء على استحبابها، "ومعنى من لم يتطوع في السفر قبول الرخصة"، يعني أن من قال بعدم التطوع في السفر مراده أن التطوع رخصة في السفر، فقبل الرخصة ولم يتطوع، وليس مراده أن التطوع في السفر ممنوع،

(3/118)


ومن تَطَوّعَ فَلَهُ في ذلِكَ فضلٌ كثيرٌ. وهو قولُ أكثرَ أهلِ العلمِ يختارنَ التطَوعَ في السّفَرِ.
549 ـ حدثنا عليّ بنُ حُجْرٍ حدثنا حَفْصُ بنُ غِياثٍ عن الحجّاج عن عَطِيّةَ عَن ابنِ عُمَرَ قالَ "صَلّيتُ معَ النبيّ صلى الله عليه وسلم الظهرَ في السفَرِ ركعتينِ وبعدَها ركعتَينِ".
ـــــــ
"وهو قول أكثر أهل العلم يختارون التطوع في السفر"، قال النووي في شرح مسلم: قد اتفق العلماء على استحباب النوافل المطلقة في السفر واختلفوا في استحباب النوافل الراتبة، فتركها ابن عمر وآخرون، واستحبها الشافعي والجمهور، ودليله الأحاديث العامة المطلقة في ندب الرواتب، وحديث صلاته صلى الله عليه وسلم الضحى يوم الفتح بمكة وركعتي الصبح حين ناموا حتى تطلع الشمس وأحاديث أخرى صحيحة ذكرها أصحاب السنن، والقياس على النوافل المطلقة، ولعل النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي الرواتب في رحله ولا يراه ابن عمر فإن النافلة في البيت أفضل، ولعله تركها في بعض الأوقات تنبيهاً على جواز تركها، وأما ما يحتج به القائلون بتركها من أنها لو شرعت لكان إتمام الفريضة أولى، فجوابه أن الفريضة متحتمة. فلو شرعت تامة لتحتم إتمامها، وأما النافلة فهي إلى خيرة المكلف، فالرفق به أن تكون مشروعة، ويتخير إن شاء فعلها وحصل ثوابها، وإن شاء تركها ولا شيء عليه انتهى.
قال الحافظ في الفتح تعقب هذا الجواب بأن مراد ابن عمر بقوله: لو كنت مسبحاً لأتممت. يعني أنه لو كان مخيراً بين الإتمام وصلاة الراتبة لكان الإتمام أحب عليه. لكنه فهم من القصر التخفيف، فلذلك كان لا يصلي الراتبة ولا يتم انتهى. قلت: المختار عندي المسافر في سعة إن شاء صلى الرواتب وإن شاء تركها والله تعالى أعلم.
قوله: "عن حجاج"، هو ابن أرطأة الكوفي القاضي صدوق كثير الخطأ

(3/119)


قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ وقد رَواهُ ابنُ أبي ليلَى عن عَطِيّةَ ونافعٍ عن ابن عمَرَ.
550 ـ حدثنا محمدُ بنُ عُبَيدٍ المُحَارِبيّ "يعني الكوفي"، حدثنا عليّ بنُ هاشِمٍ عن ابن أبي ليلى عن عطية و نافع عن ابن عمرَ قَالَ: "صليتُ معَ النبيّ صلى الله عليه وسلم في الحضَرِ والسفَرِ، فصليتُ مَعَهُ في الحضَرِ الظّهر أَربعاً وبعدَها ركعتَينْ وصليتُ معهُ في السفرِ الظهرَ ركعتَيْنِ وبعدَهَا ركعتَينِ والعصْرِ ركعتَينِ ولم يُصلّ بعدَها شيئاً والمغرِبَ في الحضَرِ والسّفَرِ سَواءً ثلاثَ ركَعَاتٍ لا تَنْقُصُ في الحَضَر ولا في السفر وهِيَ وترُ النهَارِ وبعدَهَا رَكْعَتَينِ"
ـــــــ
والتدليس. "عن عطية" هو ابن سعد بن جنادة الكوفي أبو الحسن، صدوق يخطئ كثيراً كان شيعياً مدلساً من الثالثة، كذا في التقريب. وقال في الميزان عطية بن سعد العوفي الكوفي تابعي شهير ضعيف عن ابن عباس وأبي سعيد وابن عمر، وعنه مسعر وحجاج بن أرطأة وطائفة.
قوله: "الظهر في السفر ركعتين"، أي فرضاً "وبعدها" أي بعد صلاة الظهر "ركعتين" أي سنة الظهر.
قوله: "هذا حديث . إنما حسن الترمذي هذا الحديث مع أن في سنده حجاج بن أرطأة وعطية، وكلاهما مدلس وروياه بالعنعنة فإنه قد تابع حجاجاً بن أبي ليلى في الطريق الاَتية، وكذلك تابع عطية نافع فيها.
قوله: "والمغرب في الحضر والسفر سواء"، حال أي مستوياً عددها فيهما، وقوله: ثلاث ركعات بيان لها، "ولا ينقص في حضر ولا سفر" على البناء للفاعل، أي لا ينقص رسول الله صلى الله عليه وسلم المغرب عن ثلاث ركعات في الحضر ولا في السفر، لأن القصر منحصر في الرباعية "وهي وتر النهار" جملة حالية كالتعليل لعدم جواز النقصان، قاله الطيبي وحديث ابن عمر هذا يدل على جواز الإتيان بالرواتب في السفر

(3/120)


قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ سمعتُ محمداً يقُولُ مَا رَوى ابنُ أبي لَيلَى حدِيثاً أعجَبَ إِلَيّ مِن هذا

(3/121)


389 ـ باب "ما جَاءَ" في الجمعِ بينَ الصّلاتَين أي في السفر
551 ـ حدثنا قُتَيْبةُ "بن سعيد" حدثنا الليثُ "بنُ سعدٍ" عن يزيدَ بنِ أبي حَبِيبٍ عن أبي الطفَيلِ "هو عامر بن واثلة" عنْ معاذِ بنِ جبلٍ: "أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان في غزوةِ تَبُوكَ إذا ارتَحلَ قَبلَ زَيغ الشَمسِ أخرَ الظهرَ إلى أن يجمَعَها إلى العصْرِ فيُصلّيهِمَا جميعاً وإذا ارتحلَ بعدَ زَيغِ الشّمْسِ عجّلَ العصْرَ إلى الظّهرِ وصلى الظّهرَ والعَصْرَ جميعاً ثم سارَ وكان إذا ارتحل قَبلَ المغْربِ أخرَ المغرِبَ حتى يصليَهَا مع العِشاءِ وإذا ارتحَلَ بعدَ المغرِبِ عجّلَ العِشَاء فَصَلاّهَا مع المغرِبِ"
ـــــــ
باب "ما جَاءَ" في الجمعِ بينَ الصّلاتَين أي في السفر
قوله: "عن أبي الطفيل"، اسمه عامر بن واثلة بن عبد الله الليثي، وربما سمي عمرواً، ولد عام أحد ورأى النبي صلى الله عليه وسلم، وروى عن أبي بكر وعمن بعده وعمر إلى أن مات سنة عشر ومائة على الصحيح، وهو آخر من مات من الصحابة، قاله مسلم وغيره، كذا في التقريب.
قوله: "كان في غزوة تبوك" ، غير منصرف على المشهور، وهو موضع قريب من الشام "قبل زيغ الشمس" أي قبل الزوال فإن زيغ الشمس هو ميلها عن وسط السماء إلى جانب المغرب، "عجل العصر إلى الظهر وصل الظهر والعصر جميعاً"، فيه دلالة على جواز جمع التقديم في السفر وهو نص صريح فيه لا يحتمل تأويلاً.

(3/121)


"قال" : وفي الباب عن عليَ وابنِ عُمَر وأنسٍ وعبدِ الله بن عمْروٍ وعائشةَ وابنِ عبّاسٍ وأُسَامةَ "بن زَيدٍ" وجابر
ـــــــ
قوله: "وفي الباب عن علي وابن عمر وأنس وعبد الله بن عمرو وعائشة وابن عباس وأسامة بن زيد وجابر"، أما حديث علي فأخرجه الدارقطني عن ابن عقدة بسند له من حديث أهل البيت وفي إسناده من لا يعرف. وفيه أيضاً المنذر الكابوسي وهو ضعيف، وروى عبد الله بن أحمد في زيادات المسند بإسناد آخر عن علي أنه كان يفعل ذلك، وأما حديث ابن عمر فأخرجه الجماعة إلا ابن ماجه، وأما حديث أنس فأخرجه الشيخان عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر إلى وقت العصر ثم نزل يجمع بينهما، فإذا زاغت قبل أن يرتحل، صلى الظهر ثم ركب. وفي رواية لمسلم: كان إذا أراد أن يجمع بين الصلاتين في السفر يؤخر الظهر حتى يدخل أول وقت العصر ثم يجمع بينهما، قال الحافظ في فتح الباري: قوله صلى الظهر ثم ركب كذا فيه الظهر فقط، وهو المحفوظ عن عقيل في الكتب المشهورة، ومقتضاه أنه كان لا يجمع بين الصلاتين إلا في وقت الثانية منهما. وبه احتج من أبى جمع التقديم، لكن روى إسحاق بن راهويه هذا الحديث عن شبابة فقال: كان إذا كان في سفر فزالت الشمس صلى الظهر والعصر جميعاً ثم ارتحل. أخرجه الإسماعيلي.
وأعل بتفرد إسحاق بذلك عن شبابة ثم تفرد جعفر الفريابي به عن إسحاق.
وليس ذلك بقادح فإنهما إمامان حافظان انتهى. وقال في بلوغ المرام بعد ذكر حديث أنس هذا، وفي رواية الحاكم في الأربعين بإسناد الصحيح صلى الظهر والعصر ثم ركب. ولأبي نعيم في مستخرج مسلم: كان إذا كان في سفر فزالت الشمس صلى الظهر والعصر جميعاً ثم ارتحل، انتهى. وقال في التلخيص: وحديث أنس رواه الإسماعيلي والبيهقي من حديث إسحاق بن راهويه عن شبابة بن سوار عن الليث عن عقيل عن الزهري عن أنس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان في سفر فزالت الشمس صلى الظهر والعصر جميعاً ثم ارتحل. وإسناده

(3/122)


ـــــــ
صحيح، قال النووي: وفي ذهني أن أبا داود أنكره على إسحاق ولكن له متابع رواه الحاكم في الأربعين له عن أبي العباس محمد بن يعقوب عن محمد بن إسحاق الصغائي عن حسان بن عبد الله عن المفضل بن فضالة عن عقيل عن ابن شهاب عن أنس: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر إلى وقت العصر، ثم نزل فجمع بينهما، فإن زاغت الشمس قبل أن يرتحل صلى الظهر والعصر ثم ركب. وهو في الصحيحين من هذا الوجه بهذا السياق وليس فيهما والعصر وهي زيادة غريبة صحيحة الإسناد، وقد صححه المنذري من هذا الوجه، والعلائي وتعجب من الحاكم كونه لم يورده في المستدرك، وله طريق أخرى رواها الطبراني في الأوسط ثم ذكرها الحافظ بسندها ومتنها، وأما حديث عبد الله بن عمرو فلينظر من أخرجه، وأما حديث عائشة فأخرجه الطحاوي وأحمد والحاكم عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في السفر يؤخر الظهر ويقدم العصر، ويؤخر المغرب ويقدم العشاء ، وأما حديث ابن عباس فأخرجه أحمد وآخرون بلفظ: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في السفر إذا زاغت الشمس في منزله جمع بين الظهر والعصر قبل أن يركب، فإذا لم تزغ في منزله سار حتى إذا حانت العصر نزل فجمع بين الظهر والعصر، وإذا حانت له المغرب في منزله جمع بينها وبين العشاء، وإذا لم تحن في منزله ركب حتى إذا كانت العشاء نزل فجمع بينهما . قال الحافظ في الفتح: في إسناده حسين بن عبد الله الهاشمي وهو ضعيف لكن له شواهد من طريق حماد عن أيوب عن أبي قلابة عن ابن عباس، لا أعلمه إلا مرفوعاً: أنه كان نزل منزلاً في السفر فأعجبه أقام فيه حتى يجمع بين الظهر والعصر، ثم يرتحل فإذا لم يتهيأ له المنزل مد في السير فسار، حتى ينزل فيجمع بين الظهر والعصر أخرجه البيهقي، ورجاله ثقات إلا أنه مشكوك في رفعه، والمحفوظ أنه موقوف. وقد أخرجه البيهقي من وجه آخر مجزوماً بوقفه علي بن عباس ولفظه: إذا كنتم سائرين فذكر نحوه، انتهى كلام الحافظ. وأما حديث أسامة بن زيد فأخرجه البخاري ومسلم، وفيه بيان الجمع بمزدلفة. وأما حديث جابر وهو جابر ابن عبد الله فأخرجه مسلم في حديث طويل في حجة النبي صلى الله عليه وسلم وفيه: ثم أذن ثم أقام فصلى الظهر ثم أقام فصلى العصر ولم يصل بينهما شيئاً.

(3/123)


قال أبو عيسى ورَوَى عليّ بن المدينيّ عن أحمدَ بنِ حَنْبلِ عن قُتَيْبةَ هذا الحديثَ وحديث معاذٍ حديثٌ حسنٌ غريبٌ تفرّدَ بِهِ قُتيبةُ لا نعرفُ أحداً رواهَ عن الليثِ غَيْرهُ وحَديثُ الليثِ عن يزيدَ بنِ أبي حبيبٍ عن أبي الطُفيِل عَن معاذٍ حديثٌ غريبٌ. والمعرُوفُ عِند أهلِ العِلم حديثُ مُعاذٍ من حديث أبي الزّبيرِ عَن أبي الطّفيلِ عن مُعاذٍ: "أن النبيّ صلى الله عليه وسلم جَمعَ في غزوَةِ تُبوكَ بين الظهْرِ والعصْرِ وبين المغرِبِ والعِشاء". رَواه قُرّةُ بُن خَالدٍ وسفيانُ الثوريّ ومالكٌ وغيرُ واحدٍ عن أبي الزُبَيرِ المكيّ وبهذا الحديثِ يقولُ الشافعيّ وأحمدُ وإسحاقُ يقولان: لا بأسَ أن يجمعَ بين الصلاتَيْنِ في السّفرِ في وقتٍ إحداهُما"
ـــــــ
قوله: "وروي عن علي بن المديني عن أحمد بن حنبل هذا الحديث"، أي حديث معاذ المذكور في الباب.
قوله: "وحديث معاذ حديث حسن غريب تفرد به قتيبة الخ". قال الحافظ في التلخيص بعد نقل كلام الترمذي: هذا وقال أبو داود هذا حديث منكر وليس في جميع التقديم حديث قائم. وقال أبو سعيد بن يونس لم يحدث بهذا الحديث إلا قتيبة، ويقال إنه غلط فيه تغير بعض الأسماء، وأن موضع يزيد بن حبيب أبو الزبير وقال ابن أبي حاتم في العلل عن أبيه: لا أعرفه من حديث يزيد والذي عندي أنه دخل له حديث في حديث. وأطنب الحاكم في علوم الحديث في بيان علة هذا الخبر فيراجع منه. قال وله طريق أخرى عن معاذ بن جبل. أخرجها أبو داود من رواية هشام بن سعد عن أبي الزبير عن أبي الطفيل، وهشام مختلف فيه، وقد خالفه الحفاظ من أصحاب أبي الزبير كمالك والثوري وقرة بن خالد وغيرهم، فلم يذكروا في روايتهم جمع التقديم انتهى.
قوله: "وبهذا الحديث يقول الشافعي وأحمد وإسحاق" قال الحافظ في الفتح قال بإطلاق جواز الجمع كثير من الصحابة والتابعين، ومن الفقهاء الثوري

(3/124)


552 ـ حدثنا هّنادٌ "بن السّريّ" حدثنا عَبْدَةُ بن سليمان عن عُبَيْدِ الله بن عُمَرَ عن نافعٍ
ـــــــ
والشافعي وأحمد وإسحاق وأشهب، انتهى. يعني قالوا بجواز الجمع في السفر مطلقاً، سواء كان سائراً أم لا، وسواء كان سيراً مجداً أم لا. قال الحافظ: وقال قوم لا يجوز الجمع مطلقاً إلا بعرفة ومزدلفة. وهو قول الحسن والنخعي وأبي حنيفة وصاحبيه، انتهى. وقيل: يختص الجمع بمن يجد في السير. قاله الليث وهو القول المشهور عن مالك. وقيل: يختص بالمسافر دون المنازل. وهو قول ابن حبيب. وقيل: يختص بمن له عذر. حكي عن الأوزاعي. وقيل: يجوز جمع التأخير دون التقديم وهو مروى عن مالك وأحمد وأختاره ابن حزم انتهى. "يقولان لا بأس أن يجمع بين الصلاتين في السفر في وقت إحداهما"، كذا في النسخ يقولان بصيغة التثنية، والظاهر أن يقول: يقولون يصيغة الجمع والمعنى يقول الشافعي وأحمد وإسحاق يجوز الجمع بين الصلاتين في السفر بجمعي التقديم والتأخير، وهو الحق واستدلوا على جواز جمع التقديم بحديث معاذ المذكور في الباب وبحديث أنس وبحديث ابن عباس وبحديث جابر، وقد ذكرنا ألفاظ هذه الأحاديث، واستدلوا على جواز جمع التأخير بحديث ابن عمر الآتي في هذا الباب، وبحديث أنس الذي تقدم لفظه.
وأجاب الحنفية عن هذه الأحاديث بأنها محمولة على الجمع الصوري.
ورد هذا الجواب بأن الأحاديث الواردة في الجمع بعضها نصوص صريحة في جمع التقديم، وفي جمع التأخير. لا تحتمل تأويلاً. قال صاحب التعليق الممجد: حمل أصحابنا يعني الحنفية الأحاديث الواردة في الجمع على الجمع الصوري. وقد بسط الطحاوي الكلام فيه في شرح معاني الآثار، لكن لا أدري ماذا يفعل بالروايات التي وردت صريحة بأن الجمع كان بعد ذهاب الوقت، وهي مروية في صحيح البخاري وسنن أبي داود وصحيح مسلم وغيرها من الكتب المعتمدة على ما لا يخفي من نظر فيها، فإن حمل على أن الرواة لم يحصل التميز لهم، فظنوا قرب خروج الوقت، فهذا أمر بعيد عن الصحابة الناهين على ذلك، وإن اختير ترك تلك الروايات بإبداء الخلل في الإسناد فهو أبعد وأبعد مع إخراج الأئمة لها وشهادتهم بتصحيحها، وإن عورض بالأحاديث التي صرحت بأن الجمع كان

(3/125)


عن ابنِ عُمَرَ "أنه استُغيثَ على بعضِ أهلِهِ فجدّ بِه السّيرُ فَأَخّرَ المغربَ حتى غابَ
ـــــــ
بالتأخير إلى آخر الوقت والتقديم في أول الوقت، فهو أعجب، فإن الجمع بينهما يحملها على اختلاف الأحوال ممكن بل هو الظاهر، انتهى كلام صاحب التعليق الممجد. وقال إمام الحرمين: ثبت في الجمع أحاديث نصوص لا يتطرق إليها تأويل ودليله من حيث المعنى الاستنباط من الجمع بعرفة ومزدلفة، فإن سببه احتياج الحاج إليه، لاشتغالهم بمناسكهم، وهذا المعنى موجود في كل الأسفار ولم تتقيد الرخص، كالقصر والفطر بالنسك إلى أن قال: ولا يخفى على منصف أن الجمع أرفق من القصر، فإن القائم إلى الصلاة لا يشق عليه ركعتان يضمهما إلى ركعتيه، ورفق الجمع واضح لمشقة النزول على المسافر انتهى، كذا نقل كلام إمام الحرمين الحافظ في الفتح.
وتعقب الخطابي وغيره على من حمل أحاديث الجمع على الجمع الصوري، بأن الجمع رخصة، فلو كان على ما ذكروه لكان أعظم ضيقاً من الإتيان بكل صلاة في وقتها، لأن أوائل الأوقات وأواخرها مما لا يدركه أكثر الخاصة، فضلاً عن العامة. ومن الدليل على أن الجمع رخصة قول ابن عباس: أن لا يحرج أمته. أخرج مسلم.
قوله: "أنه استغيث على بعض أهله" ، أي طلب منه الإغاثة على بعض أهله، وذلك أن صفية بنت أبي عبيد زوجة ابن عمر كانت لها حالة الاحتضار. فأخبر بذلك وهو خارج المدينة، فجد به السير وعجل في الوصول، كذا في بعض الحواشي. قلت: في صحيح البخاري في باب يصلي المغرب ثلاثاً في السفر قال سالم: وأخر ابن عمر المغرب وكان استصرخ على امرأته صفية بنت أبي عبيد الخ. قال الحافظ في الفتح: قوله استصرح بالضم أي استغيث بصوت مرتفع وهو من الصراخ والمصرخ المغيث انتهى. "فجد به السير" أي اهتم به وأسرع فيه يقال جد ويجد بالضم والكسر وجد به الأمر وأجد وجد فيه وأجد إذا أجتهد

(3/126)


الشّفقُ ثم نَزَلَ فَجمعَ بينهمَا ثم أخْبَرَهُم أنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم كان يفعْلُ ذلِكَ إذا جَدّ بهِ السّيرُ .
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
كذا في النهاية. "وأخر المغرب حتى غاب الشفق ثم نزل فجمع بينهما" ، وفي رواية البخاري في باب السرعة في السير من كتاب الجهاد من طريق أسلم قال كنت مع عبد الله بن عمر بطريق مكة فبلغه عن صفية بنت أبي عبيد شدة وجع، فأسرع السير حتى إذا كان بعد غروب الشفق ثم نزل فصلى المغرب والعتمة جمع بينهما "كان يفعل ذلك إذا جد به السير" استدل بهذا الحديث من قال باختصاص رخصة الجمع في السفر بمن كان سائراً لا نازلاً.
وأجيب بما وقع التصريح في حديث معاذ بن جبل في الموطأ ولفظه: أن النبي صلى الله عليه وسلم أخر الصلاة في غزوة تبوك، خرج فصلى الظهر والعصر جميعاً، ثم دخل ثم خرج فصلى المغرب والعشاء جميعاً. قال الشافعي في الأم: قوله دخل ثم خرج لا يكون إلا وهو نازل فللمسافر أن يجمع نازلاً ومسافراً. وقال ابن عبد البر في هذا أوضح دليل على الرد على من قال: لا يجمع إلا من جدبه السير وهو قاطع للالتباس انتهى. وحكى عياض أن بعضهم أول قوله: ثم دخل أي في الطريق ثم خرج عن الطريق للصلاة ثم استبعده ولا شك في بعده، وكأنه صلى الله عليه وسلم فعل ذلك لبيان الجواز وكان أكثر عادته ما دل عليه حديث أنس والله أعلم. ومن ثم قال الشافعية ترك الجمع أفضل وعن مالك رواية أنه مكروه، وفي هذه الأحاديث تخصيص لأحاديث الأوقات التي بينها جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم وبينها النبي صلى الله عليه وسلم للأعرابي حيث قال في آخرها: الوقت ما بين هذين كذا في الفتح.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح"، وأخرجه البخاري وأبو داود والنسائي وقد أخرج المسند منه مسلم

(3/127)


390ـ باب ما جاء في صلاة الاستسقاء
552 ـ حدثنا يحيى بنُ موسى حدثنا عبدُ الرزاق أخبرنا مَعْمر عَن الزهريّ عن عَبّادِ بن تميمٍ عن عَمّه: "أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم خرجَ بالناسِ يَستسْقي فَصَلّى بهمْ ركعَتَينِ جَهَرَ بالقراءةِ فيهما وَحوّلَ رِدَاءهَ وَرَفعَ يَدَيْهِ واستَسْقَى واستقبَلَ القِبْلَةَ"
ـــــــ
"باب ما جاء في صلاة الاستسقاء"
الاستسقاء لغة طلب سقي الماء من الغير للنفس أو للغير، وشرعاً طلبه من الله تعالى عند حصول الجدب على وجه مخصوص، قاله الحافظ: وقال الجزري في النهاية: هو استفعال من طلب السقيا أي إنزال الغيث على البلاد والعباد. يقال: سقى الله عباده الغيث وأسقاهم والإسم السقيا بالضم واستسقيت فلاناً إذا طلبت منه أن يسقيك انتهى. وقال الرافعي: هو أنواع أدناها الدعاء المجرد وأوسطها الدعاء خلف الصلوات وأفضلها الاستسقاء بركعتين وخطبتين. والأخبار وردت بجميع ذلك انتهى.
قوله: "عن عباد بن تميم" بن غزية الأنصاري المازني المدني ثقة من الثالثة، وقد قيل أن له رواية "عن عمه" قال في التقريب: اسم عمه عبد الله بن زيد بن عاصم وهو أخو أبيه لأمه انتهى.
تنبيه: إعلم إن عمه هو عبد الله بن زيد بن عاصم بن مازن الأنصاري لا عبد الله بن زيد بن عبد ربه الأنصاري الخزرجي الذي رأى الأذان في المنام. وهما مختلفان ومن ظنهما واحداً فقد غلط وأخطأ.
قوله: "خرج بالناس"، أي إلى المصلي كما في رواية الشيخين "يستقي" حال أو استئناف فيه معنى التعليل "فصلى بهم ركعتين" فيه دليل على أن الصلاة في الاستسقاء سنة. وقال الشافعي وأحمد ومالك والجمهور، وهو قول أبي يوسف ومحمد. قال محمد في موطأه. أما أبو حنيفة رحمه الله فكان لا يرى في الاستسقاء

(3/128)


ـــــــ
صلاة، وأما في قولنا فإن الإمام يصلي بالناس ركعتين ثم يدعو ويحول رداءه. انتهى.
قلت: قول الجمهور هو الصواب والحق لأنه قد ثبت صلاته صلى الله عليه وسلم ركعتين في الاستسقاء من أحاديث كثيرة صحيحة.
منها: حديث عبد الله بن زيد المذكور في الباب وهو حديث متفق عليه، ومنها حديث أبي هريرة. أخرجه أحمد وابن ماجه، ومنها حديث ابن عباس أخرجه أصحاب السنن الأربعة، ومنها: حديث عائشة أخرجه أبو داود وقال: غريب وإسناده جيد، ورواه ابن حبان في صحيحه والحاكم في المستدرك وقال حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، فهذه الأحاديث حجة بينة لقول الجمهور، وهي حجة على الإمام أبي حنيفة. قال بعض العلماء في تعليقه على موطأ الإمام محمد بعد ذكر هذه الأحاديث ما لفظه: وبه ظهر ضعف قول صاحب الهداية في تعليل مذهب أبي حنيفة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استسقى ولم يرو عنه الصلاة انتهى، فإنه إن أراد أنه لم يرو بالكلية فهذه الأخبار تكذبه، وإن أراد أنه لم يرو في بعض الروايات فغير قادح انتهى. وقد رد على قول صاحب الهداية المذكور الحافظ الزيلعي في نصب الراية حيث قال: أما استسقاؤه عليه السلام فصحيح ثابت، وأما أنه لم يرو عنه الصلاة فهذا غير صحيح بل صح أنه صلى فيه، وليس في الحديث أنه استسقى ولم يصل، بل غاية ما يوجد ذكر الاستسقاء دون ذكر الصلاة، ولا يلزم من عدم ذكر الشيء عدم وقوعه انتهى.
قال العيني في شرح البخاري: قال أبو حنيفة: ليس في الاستسقاء صلاة مسنونة في جماعة، فإن صلى الناس وحداناً جاز، إنما الاستسقاء الدعاء والاستغفار، ثم ذكر أحاديث الاستسقاء التي ليس فيها ذكر الصلاة ثم قال: وأجيب عن الأحاديث التي فيها الصلاة أنه صلى الله عليه وسلم فعلها مرة وتركها أخرى، وهذا لا يدل على السنية وإنما يدل على الجواز انتهى، وكذلك قال غير واحد من العلماء الحنفية.

(3/129)


ـــــــ
ورده بعض العلماء الحنفية في تعليقه على موطأ الإمام محمد حيث قال: وأما ما ذكروا أن النبي صلى الله عليه وسلم فعله مرة وتركه أخرى فلم يكن سنة فليس بشيء، فإنه لا ينكر ثبوت كليهما مرة هذا ومرة هذا، لكن يعلم من تتبع الطرق أنه لما خرج بالناس إلى الصحراء صلى فتكون الصلاة مسنونة في هذه الحالة بلا ريب، ودعاءه المجرد كان في غير هذه الصورة انتهى كلامه. وقال في حاشية شرح الوقاية: ولعل هذه الأخبار لم تبلغ الإمام وإلا لم ينكر استنان الجماعة انتهى.
قلت: هذا هو الظن به والله تعالى أعلم.
فإن قلت: استدل الإمام أبو حنيفة بقوله تعالى: {اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً} قال: علق نزول الغيث بالاستغفار لا بالصلاة، فكان الأصل فيه هو الاستغفار، فقوله تعالى هذا يدل على سنية الصلاة في الاستسقاء.
قلت: قوله تعالى هذا لا ينافي سنية الصلاة في الاستسقاء وليس فيه نفيها، وقد ثبت بأحاديث صحيحة أنه صلى الله عليه وسلم صلى مع الناس في الاستسقاء، فاستدلاله بقوله تعالى هذا غير صحيح، ولذلك خالفه أصحابه الإمام محمد وغيره "جهر بالقراءة فيهما" قال النووي في شرح مسلم: أجمعوا على استحبابه وكذا نقل الإجماع على استحباب الجهر ابن بطال "وحول رداءه" كيفية تحويل الرادء أن يأخذ بيده اليمنى الطرف الأسفل من جانب يساره وبيده اليسرى الطرف الأسفل أيضاً من جانب يمينه ويقلب يديه خلف ظهره بحيث يكون الطرف المقبوض بيده اليمنى على كتفه الأعلى من جانب اليمين والطرف المقبوض بيده اليسرى على كتفه الأعلى من جانب اليسار، فإذا فعل ذلك فقد انقلب اليمين يساراً واليسار يميناً والأعلى أسفل وبالعكس كذا في المرقاة. وقال الحافظ في الفتح: وقد وقع بيان المراد من ذلك في زيادة سفيان عن المسعودي عن أبي بكر بن محمد ولفظه: قلب رداءه جعل اليمين على الشمال، وزاد فيه ابن ماجه وابن خزيمة من هذا الوجه والشمال على اليمين، وله شاهد أخرجه أبو داود من طريق الزبيدي عن الزهري

(3/130)


ـــــــ
عن عباد بلفظ: فجعل عطافه الأيمن على عاتقه الأيسر وعطافه الأيسر على عاتقه الأيمن، وله من طريق عمارة بن غزية عن عباد: استسقى وعليه خميصة سوداء فأراد أن يأخذ بأسفلها فيجعله أعلاها، فلما ثقلت عليها قلبها على عاتقه. وقد استحب الشافعي في الجديد فعل ما هم به صلى الله عليه وسلم من تنكيس الرداء مع التحويل الموصوف. وزعم القرطبي كغيره أن الشافعي اختار في الجديد تنكيس الرداء لاتحويله، والذي في الأم ما ذكرته. والجمهور على استحباب التحويل فقط، ولا ريب أن الذي استحبه الشافعي أحوط. وعن أبي حنيفة وبعض المالكية لا يستحب شيء من ذلك انتهى كلام الحافظ.
فائدة في بيان محل تحويل الرداء. فاعلم أن محله في أثناء الخطبة حين يستقبل القبلة للدعاء، ففي رواية لمسلم خرج إلى المصلى يستسقي وأنه لما أراد أن يدعو استقبل القبلة وحول رداءه، وفي أخرى له فجعل إلى الناس ظهره يدعو الله واستقبل القبلة وحول رداءه، وفي رواية للبخاري: خرج بالناس يستسقي لهم فقام فدعا الله قائماً تم توجه قبل القبلة وحول رداءه. قال الحافظ في الفتح بعد ذكر هذه الروايات: عرف بذلك أن التحويل وقع في أثناء الخطبة عند إرادة الدعاء. وقال في موضع آخر: محل هذا التحويل بعد فراغ الموعظة وإرادة الدعاء انتهى. وقال النووي في شرح مسلم: قال أصحابنا: يحوله في نحو ثلث الخطبة الثانية وذلك حين يستقبل القبلة انتهى.
فائدة أخرى: قال الحافظ في الفتح: استحب الجمهور أن يحول الناس بتحويل الإمام، ويشهد له ما رواه أحمد عن عباد في هذا الحديث بلفظ: وحول الناس معه. وقال الليث وأبو يوسف: يحول الإمام وحده فاستثنى ابن الماجشون النساء فقال لا يستحب في حقهن انتهى.
قلت فالقول الظاهر المعول عليه هو ما ذهب إليه الجمهور.
فائدة أخرى: اختلف في حكمة هذا التحويل، فجزم المهلب بأنه للتفاؤل بتحويل الحال عما هي عليه.
وتعقبه ابن العربي بأن من شرط الفأل أن لا يقصد إليه قال، وإنما التحويل

(3/131)


وفي البابِ عن ابنِ عباسٍ وأبي هريرةَ "وأنَسٍ" و "آبى اللّحمِ".
قال أبو عيسى: حديثُ عبدِ الله بن زيدٍ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
وعلى هذا العملُ عندَ أهلِ العلْمِ وبهِ يقولُ الشافعي وأحمدُ وإسحاقُ.
واسم عَم عبّاد بن تميمٍ هو عبدُ الله بنُ زيدِ بنِ عاصِمٍ المازنيّ.
ـــــــ
أمارة بينه وبين ربه، قيل له حول رداءك ليتحول حالك.
وتعقب بأن الذي جزم به يحتاج إلى نقل، والذي رده ورد فيه حديث رجاله ثقاة أخرجه الدارقطني والحاكم من طريق جعفر بن محمد بن علي عن أبيه عن جابر ورجح الدارقطني إرساله وعلى كل حال فهو أولى من القول بالظن. وقال بعضهم: إنما حول رداءه ليكون أثبت على عاتقه عند رفع يديه في الدعاء فلا يكون سنة في كل حال، وأجيب بأن التحويل من جهة إلى جهة لا يقتضي الثبوت على العاتق، فالجمل على المعنى الأول أولى فإن الاتباع أولى من تركه لمجرد احتمال الخصوص كذا في الفتح. وفي الدراية وللحاكم من حديث جابر وتحول رداءه ليتحول القحط، وللدارقطني من حديث أنس وقلب رداءه لأن ينقلب القحط إلى الخصب انتهى. فالقول المعول عليه في حكمة التحويل هو ما جزم به المهلب.
قوله: "في الباب عن ابن عباس وأبي هريرة" تقدم تخريج حديثهما "وأنس" أخرجه الطبراني في معجمه الوسط وسيأتي لفظه "وآبى اللحم" أخرجه الترمذي وأبو داود والنسائي.
قوله: "حديث عبد الله بن زيد حديث حسن صحيح" وأخرجه أحمد والبخاري وأبو داود والنسائي وأخرجه مسلم ولم يذكر الجهر بالقراءة.
قوله: "وعلى هذا العمل عند أهل العلم" أي على ما يدل عليه حديث عبد الله بن زيد "وبه يقول الشافعي وأحمد وإسحاق" وهو قول الجمهور وهو الحق

(3/132)


554 ـ حدثنا قُتَيْبَةُ حدثنا اللّيْثُ "بن سعد" عن خالِد بن يزيدَ عن سعيدِ بن أبي هلالٍ عن يزيدَ بن عبدِ الله عن عُمَيْرٍ مولى آبى اللحْمِ عن آبى اللحمِ "أنه رأى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم عندَ أحْجَارِ الزَيْتِ يَسْتَسْقِي وهو مُقْنِعٌ بِكفّيْهِ يَدْعوُ".
قال أبو عيسى: كذا قال قُتَيْبَةُ في هذا الحديث "عن آبي اللحمِ" ولا نَعرِفُ لَه عن النبيّ صلى الله عليه وسلم إلاّ هذا الحديثَ الواحِدَ.
وعُمَيْرٌ مولى أبى اللحْمِ قد رَوَى عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أحاديثَ وله صُحْبَةٌ.
555 ـ حدثنا قُتَيْبَةُ، حدثنا حاتمُ بن إسماعيلَ عن هشَامِ بن إسحاقَ "وهو ابنُ عبد الله بن كِنَانَةَ" عن أبيه قال أرسَلَنِي الوَليدُ بن عُقْبَةَ
ـــــــ
قوله: "عن يزيد بن عبد الله" بن أسامة بن الهاد الليثي المدني وثقه ابن معين والنسائي وهو من رجال الكتب الستة "عن عمير" بالتصغير "مولى أبى اللحم" الغفاري صحابي شهد خيبر وعاش إلى نحو السبعين "عن آبي اللحم" بالمد اسم رجل من قدماء الصحابة سمي بذلك لامتناعه من أكل اللحم أو لحم ماذبح على النصب في الجاهلية، اسمه عبد الله بن عبد الملك استشهد يوم حنين.
قوله: "عند أحجار الزيت" هو موضع بالمدينة من الحرة سميت بذلك لسواد أحجارها بها كأنها طليت بالزيت "يستسقي" حال "وهو مقنع بكفيه" أي رافع كفيه، وفي رواية أبي داود قائماً يدعو يستسقي رافعاً يديه لا يجاوز بهما رأسه. والحديث استدل به لأبي حنيفة رحمه الله على عدم استنان الصلاة في الاستسقاء لأنه ليس فيه ذكر الصلاة وقد تقدم الجواب عنه فتذكر.
قوله: "كذا قال قتيبة في هذا الحديث الخ" والحديث أخرجه أبو داود والنسائي وسكت عنه أبو داود والمنذري.
قوله: "عن هشام بن إسحاق"، المدني القرشي، قال في التقريب مقبول

(3/133)


وهو أَميرُ المدينةِ إلى ابنِ عباسٍ أَسْأَلهُ عن استسقاءِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، فَأتيتُهُ فقال: "إن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم خَرَجَ مُتَبَذّلاً مُتَوَاضِعاً مُتَضَرّعاً حتى أَتَى المُصَلّى فلم يَخْطُبْ خُطْبَتكم هذِهِ، ولكن لم يزَل في الدعاءِ والتَضَرّعِ والتكبيرِ، وصلّى ركعَتْينِ كما كانَ يصَلّي في العيدِ"
ـــــــ
وقال في الخلاصة قال أبو حاتم شيخ "عن أبيه" هو إسحاق بن عبد الله بن كنانة. قال النسائي ليس به بأس، وقال أبو زرعة ثقة.
قوله: "خرج منبذة" ، أي لابساً ثياب البذلة تاركاً ثياب الزينة، قال في النهاية: التبذل ترك التزين والتهيؤ بالهيئة الحسنة الجميلة على جهة التواضع "متواضعاً" في الظاهر "متخشعاً" في الباطن، وقال في النيل: قوله متخشعاً أي مظهراً للخشوع ليكون ذلك وسيلة إلى نيل ما عند الله عز وجل، وزاد في رواية: مترسلاً أي غير مستعجل في مشيه "متضرعاً" أي مظهراً للضراعة وهي التذلل عند طلب الحاجة "فلم يخطب خطبتكم هذه" النفي متوجه إلى القيد لا إلى المقيد، كما يدل على ذلك الأحاديث المصرحة بالخطبة، وفي رواية أبي داود: فرقى المنبر ولم يخطب خطبتكم هذه. فقوله فرقى المنبر أيضاً يدل على أن النفي متوجه إلى القيد، قال الزيلعي في نصب الراية: قال أحمد: لا تسن الخطبة في الاستسقاء واحتجوا له بقوله فلم يخطب ولكنه خطب الخطبة واحدة، فلذلك نفي النوع ولم ولم ينف الجنس، ولم يرو أنه خطب خطبتين فلذلك قال أبو يوسف يخطب خطبة واحدة، ومحمد يقول يخطب خطبتين ولم أجد له شاهداً انتهى كلام الزيلعي، "وصل ركعتين كما كان يصلي في العيد" استدل به الشافعي رحمه الله على أنه يكبر في صلاة الاستسقاء كتكبير العيد، وتأوله الجمهور على أن المراد كصلاة العيد في العدد والجهر بالقراءة وكونها قبل الخطبة، واستدل له بما أخرجه الحاكم والدارقطني والبيهقي عن محمد بن عبد العزيز بن عمر بن عبد الرحمَن بن عوف عن

(3/134)


ـــــــ
أبيه عن طلحة قال: أرسلني مروان إلى ابن عباس أسأله عن سنة الاستسقاء فقال سنة الاستسقاء سنة الصلاة في العيدين الحديث، وفيه وصلى ركعتين كبر في الأولى سبع تكبيرات وقرأ {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} وقرأ في الثانية {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ} وكبر فيها خمس تكبيرات، قال الحاكم صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
قال الحافظ الزيلعي: والجواب عنه من وجهين:
أحدهما: ضعف الحديث فإن محمد بن عبد العزيز هذا قال فيه البخاري منكر الحديث، وقال النسائي متروك الحديث، وقال أبو حاتم ضعيف الحديث ليس له حديث مستقيم.
الثاني: أنه معارض بحديث أخرجه الطبراني في معجمه الوسط عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استسقي فخطب قبل الصلاة واستقبل القبلة وحول رداءه ثم نزل فصلى ركعتين لم يكبر فيهما إلا تكبيرة . انتهى كلام الزيلعي.
قلت: قال الحافظ في الدراية بعد ذكر حديث أنس هذا: ولا حجة فيه فإنها كانت حينئذ صلاة الجمعة انتهى.
واعلم أنه قد اختلف الأحاديث في تقديم الخطبة على الصلاة أو العكس، ففي حديث أبي هريرة وحديث أنس وحديث عبد الله بن زيد عند أحمد أنه بدأ الصلاة قبل الخطبة، وفي حديث عبد الله بن زيد في الصحيحين وغيرهما، وكذا في حديث ابن عباس عند أبي داود وحديث عائشة عند أبي داود أنه بدأ بالخطبة قبل الصلاة ولكنه لم يصرح في حديث عبد الله بن زيد الذي في الصحيحين أنه خطب وإنما ذكر تحويل الظهر إلى الناس واستقبال القبلة والدعاء وتحويل الرداء، قال القرطبي، يعتضد القول بتقديم الصلاة على الخطبة بمشابهتها للعيد، وكذا ما تقرر من تقديم الصلاة أمام الحاجة. قال في الفتح: ويمكن الجمع بين ما اختلف من الروايات في ذلك أنه صلى الله عليه وسلم بدأ بالدعاء ثم صلى ركعتين ثم خطب، فاقتصر بعض الرواة على شيء وعبر بعضهم بالدعاء عن الخطبة فلذلك وقع الاختلاف، والمرجح عند الشافعية والمالكية الشروع بالصلاة، وعن أحمد رواية كذلك قال النووي وبه قال الجماهير،

(3/135)


قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
556 ـ حدثنا محمودُ بن غَيْلانَ، حدثنا وَكيعٌ عن سُفيانَ عن هِشامِ بن إسحاقَ بن عبدِ الله بنِ كنَانةَ عن أبيهِ فذكَرَ نَحوَهُ، وزادَ فيهِ مُتَخَشّعاً.
"قال أبو عيسى" : هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
وهو قولُ الشافعيّ قال: يُصَلّي صلاةَ الاستسقاءِ نحوَ صلاةِ العيدَيْنِ، يُكَبّرُ في الركعةِ الأولىَ سبعاً، وفي الثّانِيةِ خِمساً، واحتجّ بحديث ابنِ عباسٍ.
"قال" "أبو عيسى" : ورُويَ عن مالكِ بن أنسٍ أنه قال: لا يُكَبّرُ في صلاةِ الاستسقاء كما يكبر في صلاة العيدين.
ـــــــ
وقال الليث بعد الخطبة، وكان مالك يقول به ثم رجع إلى قول الجماهير. قال قال أصحابنا: ولو قدم الخطبة على الصلاة صحتا ولكن الأفضل تقديم الصلاة كصلاة العيد وخطبتها. وجاء في الأحاديث ما يقتضي جواز التقديم والتأخير. واختلف الرواية في ذلك عن الصحابة انتهى. كذا ذكر القاضي الشوكاني في النيل، وقال جواز التقديم والتأخير بلا أولوية هو الحق انتهى.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه أبو داود والنسائي، وأخرجه أيضاً أبو عوانة وابن حبان والحاكم والدارقطني والبيهقي وصححه أيضاً عن أبو عوانة وابن حبان.
قوله: "وزاد فيه متخشعاً" أي مظهراً للخشوع ليكون ذلك وسيلة إلى نيل ما عند الله عز وجل، وزاد في رواية مترسلاً أي غير مستعجل في مشيه.
قوله: "وهو قول الشافعي قال يصلي صلاة الاستسقاء نحو صلاة العيدين يكبر في الركعة الأولى سبعاً وفي الثاينة خمساً، واحتج بحديث ابن عباس" تقدم الكلام في ذلك فتذكر، "وروى عن مالك بن أنس أنه قال: لا يكبر في صلاة الاستسقاء كما يكبر في صلاة العيدين" وهو قول الجمهور. واختلفت الرواية عن أحمد في ذلك. وقال داود إنه مخير بين التكبير وتركه.

(3/136)


ـــــــ
قلت: الراجح عندي قول الجمهور فإنه لم يثبت من حديث مرفوع صحيح صريح أنه يكبر في صلاة الاستسقاء في الركعة الأولى سبعاً وفي الثانية خمساً كما يكبر في صلاة العيدين. أما حديث ابن عباس الذي أخرجه الترمذي وغيره فليس بصريح في ذلك. وأما حديثه الذي أخرجه الحاكم والدارقطني والبيهقي وقد تقدم، فقد عرفت أنه ضعيف لا يصلح للاحتجاج والله تعالى أعلم

(3/137)


391ـ باب في صَلاَةِ الكُسُوف
"باب ما جاء في صلاة الكسوف
557 ـ حدثنا محمدُ بن بَشّارٍ حدثنا يحيَى بنُ سعيدٍ عن سُفيانَ عن حَبيبِ بن أبي ثَابتِ عن طاوُسٍ عن ابن عباسٍ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم " أنه صلّى في كسوف فَقَرأ ثمّ ركَعَ ثم قَرَأَ ثم رَكَعَ "ثم قَرَأَ ثمّ ركَعَ"، "ثلاث مراتٍ" ثم سَجَدَ سجدتَيْن، والأخرَى مثلُها"
ـــــــ
باب في صَلاَةِ الكُسُوف
قال الحافظ في الفتح: المشهور في استعمال الفقهاء أن الكسوف للشمس والخسوف للقمر واختاره ثعلب، وذكر الجوهري أنه أفصح وقيل يتعين ذلك، وحكى عياض عن بعضهم عكسه وغلطه لثبوته بالخاء في القرآن. وقيل يقال بهما في كل منهما وبه جاءت الأحاديث. ولا شك أن مدلول الكسوف لغة غير مدلول الخسوف لأن الكسوف التغير إلى سواد والخسوف النقصان أي الذل، فإذا قيل في الشمس كسفت أو خسفت لأنها تتغير ولحقها النقص ساغ وكذلك القمر، ولا يلزم من ذلك أن الكسوف والخسوف مترادفان، وقيل بالكاف في الابتداء وبالخاء في الانتهاء، وقيل بالكاف لذهاب جميع الضوء وبالخاء لبعضه، وقيل بالخاء لذهاب كل اللون وبالكاف لتغيره انتهى.
قوله: "أنه صلى في كسوف فقرأ ثم ركع ثم قرأ ثم ركع ثم قرأ ثم ركع ثم سجد سجدتين الخ" أي ركع في كل ركعة ثلاث ركوعات وسجد سجدتين، والحديث أخرجه أيضاً مسلم ولفظه، ثم قرأ ثم ركع ثم قرأ ثم ركع ثم قرأ ثم ركع ثم قرأ

(3/137)


وفي الباب عن علي وعائِشةَ وعبدِ الله بن عَمْروٍ والنعمَانِ بن بَشِيرٍ والمُغيرة بن شُعبةَ وأبي مسْعودٍ وأبي بَكْرَةَ وَسَمُرَةَ وأبي موسى "الأشعري" وابنِ مسْعودٍ وأَسماءَ "بنت أبي بكر" "الصديق" وابنِ عُمَرَ وقَبِيصةَ الهِلاليّ وجابرِ "بن عبدِ الله" وعبدِ الرحمَنِ بنِ سَمُرةَ وأبيّ بنِ كَعْبٍ.
ـــــــ
ثم ركع وفي لفظ له ثمان ركعات في أربع سجدات. وأخرج البخاري ومسلم عن ابن عباس ما يدل على أنه صلى الله عليه وسلم ركع ركوعين في كل ركعة وسجد سجدتين ولفظهما: فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام قياماً طويلاً نحواً من قراءة سورة البقرة ثم ركع ركوعاً طويلاً، ثم رفع فقام قياماً طويلاً وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعاً طويلاً وهو دون الركوع الأول، ثم سجد ثم قام قياماً طويلاً وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعاً طويلاً وهو دون الركوع الأول، ثم رفع فقام قياماً طويلاً وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعاً طويلاً وهو دون الركوع الأول، ثم سجد ثم انصرف. وحديث ابن عباس هذا الذي رواه البخاري ومسلم أصح وأقوى.
وأما حديثه الذي رواه الترمذي وحديثه الذي رواه مسلم فهما من طريق حبيب بن أبي ثابت عن طاؤس عن ابن عباس قال الحافظ في التلخيص: قال ابن حبان في صحيحه: هذا الحديث ليس بصحيح لأنه من رواية حبيب بن أبي ثابت عن طاؤس ولم يسمعه حبيب من طاؤس. وقال البيهقي: حبيب وإن كان ثقة فإنه كان يدلس ولم يبين سماعه فيه من طاؤس، وقد خالفه سليمان الأحول فوقفه انتهى ما في التلخيص: وقد ثبت أنه صلى الله عليه وسلم ركع في كل ركعة من صلاة الكسوف ركوعين وسجد سجدتين من عدة أحاديث صحيحة. قال الرافعي: واشتهرت الرواية عن فعل النبي صلى الله عليه وسلم أن في كل ركعتين ركوعين انتهى. قال الحافظ في التلخيص: كذا رواه الأئمة عن عائشة وأسماء بنت أبي بكر وعبد الله بن عمرو بن العاص وابن عباس وجابر وأبي موسى الأشعري وسمرة بن جندب انتهى.
قوله: "وفي الباب عن علي وعائشة وعبد الله بن عمرو والنعمان بن بشير والمغيرة بن شعبة وأبي مسعود وأبي بكرة وسمرة وابن مسعود وأسماء بنت أبي بكر وابن

(3/138)


ـــــــ
عمر وقبيصة الهلالي وجابر بن عبد الله وأبي موسى وعبد الرحمَن بن سمرة وأبي بن كعب"، أما حديث علي فأخرجه أحمد ولفظه: قال كسفت الشمس فصلى على الناس فقرأ "يس" ونحوها ثم ركع نحواً من قدر سورة الحديث، وفيه حتى صلى أربع ركوعات ثم قال سمع الله لمن حمده، ثم سجد ثم قام إلى الركعة، ففعل كفعله في الركعة الأولى، ثم جلس يدعو ويرغب حتى انجلت الشمس، ثم حدثهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كذلك فعل انتهى.
وقال مسلم في صحيحه بعد رواية حديث ابن عباس بلفظ: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين كسفت الشمس ثمان ركعات في أربع سجدات. وعن علي مثل ذلك ولم يذكر مسلم لفظه. وأما حديث عائشة فأخرجه الشيخان وفي آخره فاستكمل أربع ركعات في أربع سجدات.
وأما حديث عبد الله بن عمرو فأخرجه الشيخان ولفظه: لما كسفت الشمس على عهد النبي صلى الله عليه وسلم نودي أن الصلاة جامعة فركع النبي صلى الله عليه وسلم ركعتين في سجدة،، ثم قام فركع ركعتين في سجدة ثم جلى عن الشمس.
وأما حديث النعمان بن بشير فأخرجه أبو داود وفيه: فجعل يصلي ركعتين ورواه النسائي بلفظ: فصلوا كأحدث صلاة صليتموها من المكتوبة ركعتين. وأخرجه أحمد والحاكم وصححه ابن عبد البر وأعله ابن أبي حاتم بالانقطاع كذا في التلخيص الحبير.
وأما حديث المغيره بن شعبة فأخرجه الشيخان وفيه فإذا رأيتموهما فادعوا الله تعالى وصلوا حتى ينجلي.
وأما حديث أبي مسعود فأخرجه مسلم.
وأما حديث أبي بكرة فأخرجه البخاري وفيه فإذا رأيتموهما فصلوا وادعوا حتى ينكشف ما بكم، ورواه ابن حبان والحاكم ولفظهما فإذا انكسف أحدهما فافزعوا إلى المساجد، وفيه فصلى بهم ركعتين مثل صلاتكم. وللنسائي مثل ما تصلون كذا في التلخيص.

(3/139)


ـــــــ
وأما حديث سمرة فأخرجه الترمذي في الباب الاَتي، وأخرجه أبو داود والنسائي أيضاً.
وأما حديث ابن مسعود فأخرجه البزار والطبراني في الكبير. قال الهيثمي في مجمع الزوائد: فيه حبيب بن حسان وهو ضعيف ولم يذكر لفظه بل أحال على حدشث أولالباب وهو حديث أبي شريح الخزاعي قال كسفت الشمس على عهد عثمان فصلى بالناس تلك الصلاة ركعتين وسجد سجدتين في كل ركعة قال ثم انصرف عثمان فدخل داره وجلس عبد الله بن مسعود إلى حجرة عائشة وجلسنا إليه فقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأمر بالصلاة عند كسوف الشمس والقمر فإذا رأيتموه قد أصابهما فافزعوا إلى الصلاة الحديث، رواه أحمد وأبو يعلى والطبراني في الكبير والبزار قال الهيثمي ورجاله موثقون.
وأما حديث أسماء بنت أبي بكر فأخرجه الشيخان.
وأما حديث ابن عمر فأخرجه الشيخان أيضاً.
وأما حديث قبيصة الهلالي فأخرجه أبو داود والنسائي والحاكم بلفظ أنه صلى الله عليه وسلم قال: إذا رأيتم ذلك فصلوها كأحدث صلاة صليتموها من المكتوبة، وسكت عنه أبو داود والمنذري ورجاله رجال الصحيح كذا في النيل. وأما حديث جابر بن عبد الله فأخرجه أحمد ومسلم وأبو داود وفيه فكانت أربع ركعات وأربع سجدات. وأما حديث أبي موسى فأخرجه الشيخان. وأما حديث عبد الرحمَن بن سمرة فأخرجه مسلم بلفظ: قال بينما أنا أرمي بأسهمي في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ انكسفت الشمس فنبذتهن وقلت لأنظرن ما يحدث لرسول الله صلى الله عليه وسلم في انكساف الشمس اليوم، فانتهيت إليه وهو يديه يدعو ويكبر ويحمد ويهلل حتى جلى عن الشمس فقرأ سورتين وركع ركعتين. وأما حديث أبي بن كعب فأخرجه أبو داود وفيه: فقرأ بسورة من الطول وركع خمس ركعات وسجد سجدتين ثم قام الثانية فقرأ سورة من الطول وركع خمس ركعات وسجد سجدتين. قال المنذري في إسناده أبو جعفر واسمه عيسى بن عبد الله بن ماهان الرازي وفيه مقال، واختلف فيه قول ابن معين وابن المديني انتهى.

(3/140)


قال أبو عيسى: حديثُ ابنِ عباسٍ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
وقد رُوِيَ عن ابنِ عباسٍ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم "أنّه صلى في كُسُوفٍ أرْبَعَ ركَعَاتٍ في أرْبَعِ سَجَدَاتٍ".
وبه يقولُ الشافعيّ وأحمدُ وإسحاقُ.
"قال" : واختلفَ أهلُ العلمِ في القراءةِ في "صلاةِ" الكُسوفِ، فرأَى بعضُ أهلِ العلمِ أن يُسِرّ بالقِراءَةِ فيها بالنّهارِ.
ـــــــ
قوله: "حديث ابن عباس حديث حسن صحيح" وقد ضعفه ابن حبان والبيهقي وقد تقدم كلامهما "وقد روي عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه صلى في كسوف أربع ركعات في أربع سجدات" أخرجه الشيخان وقد تقدم لفظه "وبه يقول الشافعي وأحمد وإسحاق" وهو قول الجمهور. قال النووي في شرح مسلم: واختلفوا في صفتها، فالمشهور في مذهب الشافعي أنها ركعتان في كل ركعة قيامان وقراءتان وركوعان، وأما السجود فسجدتان كغيرهما. قال ابن عبد البر: وهذا أصح ما في هذا الباب وباقي الروايات المخالفة معللة ضعيفة، وحملوا حديث ابن سمرة بأنه مطلق وهذه الأحاديث تبين المراد به انتهى.
وقال الحافظ ابن تيمية في كتاب التوسل والوسيلة في بيان أن تصحيح مسلم لا يبلغ مبلغ تصحيح البخاري ما لفظه: كما روي في حديث الكسوف أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بثلاث ركوعات وبأربع ركوعات، كما روي أنه صلى بركوعين، والصواب أنه لم يصل إلا بركوعين وأنه لم يصل الكسوف إلا مرة واحدة يوم مات إبراهيم، وقد بين ذلك الشافعي وهو قول البخاري وأحمد بن حنبل في إحدى الروايتين عنه، والأحاديث التي فيها الثلاث والأربع فيها أنه صلاها يوم مات إبراهيم، ومعلوم أنه لم يمت في يومي كسوف ولا كان إبراهيمان، ومن نقل أنه مات عاشر الشهر فقد كذب انتهى كلامه.

(3/141)


ورأى بعضُهم أن يَجْهرَ بالقِراءَةِ فيها كَنَحْوِ صَلاةِ العِيدينِ والجُمعَةِ.
وبه يقولُ مالِكٌ وأحمدُ وإسحاقُ يَرَوْنَ الجهر فيها.
"وقال" الشافعيّ لا يَجْهَرُ فيها.
وقد صَحّ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم كِلْتَا الرّوايتَيْنِ.
صَحّ عنه أنه صلّى أربعَ ركعَات في أربعِ سَجَداتٍ، وصَحّ عنه "أيضاً" أنه صلّى ستّ ركَعَاتٍ في أربعِ سَجَداتٍ.
وهذا عندَ أهلِ العلمِ جائزٌ على قَدْرِ الكُسوفِ، إنْ تَطَاوَلَ الكُسُوفُ فَصَلّى سِتّ رَكَعَاتٍ في أربعِ سَجَداتٍ فهو جائزٌ، وإن صَلّى أربعَ ركَعَاتٍ في أرْبَعِ سَجَدَاتٍ وأطالَ القِراءةَ فهو جائزٌ.
ويرون أصحابُنَا أن تُصَلّى صلاةَ الكُسوفِ في جماعةٍ في كُسُوفِ الشمسِ والقمرِ.
ـــــــ
قوله: "فرأى بعضهم أن يسر بالقراءة فيها بالنهار، ورأى بعضهم أن يجهر بالقراءة فيها كنحو صلاة العيدين والجمعة" ويجيء دلائل الفريقين "وبه يقول مالك وأحمد وإسحاق يرون الجهر فيها" وهو الراجح عندي " صح أنه صلى أربع ركعات في أربع سجدات إلخ" هذا بيان لقوله قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم كلتا الروايتين والمراد بالركعات الركوعات "ويروي أصحابنا" أي أصحاب الحديث "أن يصلي صلاة الكسوف في جماعة في كسوف الشمس والقمر" أي وإن لم يحضر الإمام الراتب فيؤم لهم بعضهم وبه قال الجمهور، وعن الثوري إن لم يحضر الإمام صلوا فرادى كذا في فتح الباري.
قلت: وقال الحنفية أيضاً بأنه إن لم يحضر إمام الجمعة صلوا فرادى وقالوا لا جماعة في صلاة خسوف القمر، ففي شرح الوقاية عند الكسوف يصلي إمام الجمعة بالناس ركعتين وإن لم يحضر أي إمام الجمعة صلوا فرادى كالخسوف انتهى

(3/142)


558 ـ حدثنا محمدُ بنُ عبدِ الملكِ بنِ أبي الشّوارِب حدثنا يزيدُ بن زُرَيعٍ حدثنا مَعْمرٌ عن الزّهْرِيّ عن عُرْوَةَ عن عائِشةَ أنها قالت: "خَسَفَتْ الشمسُ على عهدِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم فصَلّى رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم" بالنّاسِ فأطالَ القراءةَ ثم رَكَعَ فأطالَ الركوعَ، ثم رَفَعَ رَأسَهُ فأَطالَ القراءةَ، وهي دونَ الأولَى، ثم رَكَعَ فأَطالَ الركوعَ، وهو دونَ الأولِ، ثم رفعَ رأَسَهُ فسَجد ثم فعلَ "مثل" ذلك في الرّكعةِ الثّانِيةِ".
ـــــــ
مختصراً. والقول الراجح الظاهر هو ما قال به الجمهور فأنه قد روى الشيخان من حديث عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته فإذا رأيتم ذلك فصلوا". وفي لفظ: فافزعوا إلى الصلاة. وكذلك روياه من حديث ابن عمر ومن حديث أبي مسعود الأنصاري. ومعلوم أن صلاته صلى الله عليه وسلم في كسوف الشمس كانت بالجماعة فالظاهر أن تكون الصلاة في خسوف القمر أيضاً بالجماعة. وأما إذا لم يحضر الإمام الراتب فيؤم لهم بعضهم. وأما تعليلهم بأن في الجمع بدون حضور الإمام المأذون له احتمال الفتنة ففيه أنهم إذا اتفقوا على أحد يؤمهم وتراضوا به لا يكون احتمال الفتنة.
قوله : "ثم رفع رأسه فسجد" وفي رواية للبخاري: ثم سجد سجوداً طويلاً، ووقع عند مسلم من حديث جابر بلفظ: ثم رفع فأطال ثم سجد، ففيه تطويل الرفع الذي يتعقبه السجود، ولكن قال النووي هي رواية شاذة مخالفة فلا يعمل بها، أو المراد زيادة الطمأنينة في الاعتدال لا إطالته نحو الركوع. قال الحافظ في الفتح ما لفظه: وتعقب بما رواه النسائي وابن خزيمة وغيرهما من حديث عبد الله بن عمرو أيضاً ففيه: ثم ركع فأطال حتى قيل لا يرفع، ثم رفع فأطال حتى قيل لا يسجد، ثم سجد فأطال حتى قيل لا يرفع، ثم رفع فجلس فأطال الجلوس حتى قيل لا يسجد، ثم سجد. لفظ ابن خزيمة من طريق الثوري عن عطاء بن السائب عن أبيه عنه، والثوري سمع من عطاء قبل الإختلاط، فالحديث صحيح ولم أقف في شيء من الطرق على تطويل الجلوس بين السجدتين إلا في هذا. وقد نقل الغزالي الاتفاق على ترك إطالته فإن أراد الاتفاق المذهبي فلا كلام وإلا فهو محجوج بهذه الرواية انتهى كلام الحافظ.

(3/143)


قال أبو عيسى: "و" هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
وبهذا الحديثِ يقولُ الشافعيُ وأحمدُ وإسحاقُ يَرَوْنَ صلاةَ الكُسوفِ أربعَ ركَعَاتٍ في أربعِ سَجَدَاتٍ.
قال الشافعيّ: يقرأُ في الركعةِ الأولى بأُمّ القرآنِ ونحواً من سورةِ البقرةِ
ـــــــ
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان.
قوله: "وبهذا الحديث يقول الشافعي وأحمد وإسحاق يرون صلاة الكسوف أربع ركعات في أربع سجدات" المراد بالركعات الركوعات أي يرون في كل ركعة ركوعين وسجدتين وهو القول الراجح المعول عليه، وقال الحنفية: إن في كل ركعة ركوعاً واحداً كسائر الصلوات الثنائية، واستدلوا على ذلك بحديث أبي بكرة الذي أشارة إليه الترمذي وقد ذكرنا لفظه، ففي رواية البخاري فصلى بنا ركعتين، وفي رواية ابن حبان والحاكم فصلى بهم ركعتين مثل صلاتكم، وللنسائي مثل ما تصلون: وحمله ابن حبان والحاكم فصلى بهم ركعتين مثل صلاتكم، وللنسائي مثل ما تصلون: وحمله ابن حبان البيهقي على أن المعنى كما تصلون في الكسوف، لأن أبا بكرة خاطب بذلك أهل البصرة، وقد كان ابن عباس علمهم أنها ركعتان في كل ركعة ركوعان، كما روى ذلك الشافعي وابن أبي شيبة وغيرهما: ويؤيد ذلك رواية أبي بكرة من طريق عبد الوارث عن يونس في صحيح البخاري في أواخر الكسوف أن ذلك وقع يوم مات إبراهيم بن النبي صلى الله عليه وسلم: وقد ثبت في حديث جابر عند مسلم مثله وقال فيه: إن في كل ركعة ركوعين، فدل ذلك على اتحاد القصة وظهر أن رواية أبي بكرة مطلقة، وفي رواية جابر زيادة بيان في صفة الركوع، والأخذ بها أولى، ووقع في أكثر الطرق وعن عائشة أيضاً: أن في كل ركعة ركوعين، وعند ابن خزيمة من حديثها أيضاً أن ذلك كان يوم مات إبراهيم عليه السلام كذا في فتح الباري: واستدلوا أيضاً بحديث النعمان بن بشير وقد تقدم تخريجه وفيه فجعل يصلي ركعتين. ورواه النسائي بلفظ فصلوا كأحدث صلاة صليتموها.
والجواب أن هذا الحديث مطلق، وفي رواية جابر وغيره زيادة بيان في صفة الركوع فالأخذ بها هو أولى كما عرفت

(3/144)


سراً إن كانَ بالنّهارِ، ثم رَكَعَ ركوعاً طويلا نحواً من قراءتِهِ، ثم رَفَعَ رأْسَه بتَكبيرٍ وثَبَتَ قَائِماً كما هُوَ، وقرأ أيضاً بأمّ القرآنِ ونحواً من آلِ عمرانَ، ثم رَكَعَ ركوعاً طويلاً نحواً من قرَاءتهِ ثم رَفَعَ رأسَه، ثم قال: سمعَ الله لِمَنْ حَمِدَهُ، ثم سَجَدَ سجدتَيْن تامّتَيْنِ، ويقيمُ في كلّ سَجْدَةٍ نحواً مما أقامَ في ركُوعِه، ثم قامَ فقرأ بأمّ القرآنِ ونحواً من سُورةِ النّساء، ثم رَكَعَ ركوعاً طويلاً نحواً من قرَاءَته، ثم رَفَعَ رَأسَهُ بتكبير وثبَتَ قائِماً، ثم قرأ نحواً من سُورةِ المائِدةِ، ثم رَكَعَ ركوعاً طويلاً نحواً من قراءَته، ثم رَفَعَ فقالَ: سَمِعَ الله لِمَنْ حَمِدَهُ، ثم سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثم تَشهّدَ وَسَلّم"

(3/145)


392ـ باب كيف القراءة في الكُسُوف
"باب كيف القراءة في الكسوف" أي بالجهر أو بالسر.
559 ـ حدثنا محمودُ بن غَيْلان، حدثنا وَكيعٌ حدثنا سُفيانُ عن الأسوْدَ بن قَيْسٍ عن ثَعْلَبَةَ بن عِبَادٍ عن سَمُرَةَ بن جُنْدُب قال: "صلّى بنا النبيّ صلى الله عليه وسلم في كُسوف لا نسمَعُ له صوَتاً"
ـــــــ
باب كيف القراءة في الكُسُوف
قوله: "عن الأسود بن قيس" العبدي ويقال العجلي الكوفي يكنى أبا قيس ثقة من الرابعة "عن ثعلبة بن عباد" بكسر العين المهملة وتخفيف الموحدة العبدي البصري مقبول كذا في التقريب: وقال الذهبي في الميزان: تابعي سمع سمرة وعنه الأسود بن قيس فقط بحديث الكسوف الطويل: قال ابن المديني: الأسود يروي عن مجاهيل، وقال ابن حزم: ثعلبة مجهول انتهى.
قوله: "لا نسمع له صوتاً" قال القاري في المرقاة: هذا يدل على أن الإمام

(3/145)


"قال" : وفي الباب عن عائشةَ.
قال أبو عيسى: حديثُ سَمُرةَ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. غريب
ـــــــ
لا يجهر بالقراءة في صلاة الكسوف، وبه قال أبو حنيفة وتبعه الشافعي وغيره. قال ابن الهمام: ويدل عليه أيضاً حديث ابن عباس روى أحمد وأبو يعلى في مسندهما عنه: صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم فلم أسمع منه حرفاً من القراءة، ورواه أبو نعيم في الحيلة عن ابن عباس قال: صليت إلى جنب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم كسفت الشمس فلم أسمع له قراءة، قال ولهما رواية عن عائشة في الصحيحين قالت: جهر النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الخسوف بقراءته، وللبخاري من حديث أسماء جهر عليه الصلاة والسلام في صلاة الكسوف، ورواه أبو داود والترمذي وحسنه وصححه ولفظه: صلى صلاة الكسوف فجهر فيها بالقراءة ثم قال: وإذا حصل التعارض وجب الترجيح بأن الأصل في صلاة النهار الإخفاء انتهى ما في المرقاة.
قلت: أحاديث الجهر نصوص صريحة في الجهر، وأما حديث الباب أعني حديث سمرة فهو ليس بنص في السر ونفي الجهر: قال الحافظ بن تيمية في المنتقى: وهذا يحتمل أنه لم يسمعه لبعده لأن في رواية مبسوطة له: أتينا والمسجد قد امتلأ انتهى. وأما حديث ابن عباس بلفظ: صليت إلى جنب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلخ فهو لا يوازي أحاديث الجهر في الصحة، فلا شك في أن حديث الجهر مقدمة على حديث سمرة وحديث ابن عباس المذكورين والله تعالى أعلم.
قوله: "وفي الباب عن عائشة" أخرجه أبو داود وفيه: فصلى بالناس فخزرت قراءته فرأيت أنه قرأ سورة البقرة الحديث وفي سنده محمد بن إ سحاق وقد تفرد هو بهذا اللفظ.
قوله: "حديث سمرة بن جندب حديث حسن صحيح" وأخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه بعضهم مطولاً وبعضهم مختصراً، وقد صححه ابن حبان والحاكم أيضاً: قال الحافظ في التلخيص: وأعله ابن حزم بجهالة ثعلبة بن عباد

(3/146)


وقد ذهبَ بعضُ أهلِ العلمِ إلى هذا. وهو قَوْلُ الشافعيّ.
560 ـ حدثنا أبو بكرٍ محمدُ بن أبانَ حدثنا إبراهيم بن صَدَقَةَ عن سُفيانَ بن حُسَين عن الزُهريّ عن عُرْوَةَ عن عائشةَ "أن النبيّ صلى الله عليه وسلم صلّى صلاةَ الكُسُوفِ وجَهَرَ بالقراءةِ فيها "
ـــــــ
راويه عن سمرة، وقد قال ابن المديني إنه مجهول، وقد ذكره ابن حبان في الثقات مع أنه لا راوي له إلا الأسود بن قيس انتهى.
قوله: "وقد ذهب بعض أهل العلم إلى هذا" أي إلى الإسرار بالقراءة في صلاة الكسوف "وهو قول الشافعي" وهو قول أبي حنيفة رحمه الله ومالك رحمه الله قال النووي في شرح مسلم: إن مذهبنا ومذهب مالك وأبي حنيفة رحمه الله ومالك رحمه الله قال النووي في شرح مسلم: إن مذهبنا ومذهب مالك وأبي حنيفة رحمه الله والليث بن سعد وجمهور الفقهاء أنه يسر في كسوف الشمس ويجهر في خسوف القمر انتهى. وقال الحافظ في الفتح: قال الأئمة الثلاثة يعني مالكاً والشافعي وأبا حنيفة: يسر في الشمس ويجهر في القمر انتهى. وقد عد الترمذي مالكاً من القائلين بالجهر بالقراءة في صلاة الكسوف فلعل من الإمام مالك روايتين والله تعالى أعلم.
قال الحافظ في الفتح: واحتج الشافعي بقول ابن عباس قرأ نحواً من سورة البقرة لأنه لو جهر لم يحتج إلى تقدير. وتعقب باحتمال أن يكون بعيداً منه. لكن ذكر الشافعي تعليقاً عن ابن عباس أنه صلى بجنب النبي صلى الله عليه وسلم في الكسوف فلم يسمع منه حرفاً، ووصله البيهقي من ثلاثة طرق أسانيدها داهية. وعلى تقدير ثبوتها فمثبت الجهر معه قدر زائد فالأخذ به أولى، وإن ثبت التعدد فيكون فعل ذلك لبيان الجواز، وهكذا الجواب عن حديث سمرة عند أبي خزيمة والترمذي لم يسمع له صوتاً أنه إن ثبت لا يدل على نفي الجهر.
قوله: "أخبرنا إبراهيم بن صدقة" البصري صدوق.
قوله: "وجهر بالقراءة فيها" هذا نص صريح في الجهر بالقراءة في صلاة كسوف الشمس، وفي رواية ابن حبان كسفت الشمس فصلى بهم أربع ركعات

(3/147)


قال أبو عيسى: هذا حديث حسنٌ صحيحٌ.
ورواه أبو إسحاقَ الفزارِيّ عن سُفيانَ ين حُسَينٍ نحوَه.
وبهذا "الحديثِ" يقولُ مالكُ "بن أنس" وأحمدُ وإسحاقُ.
ـــــــ
في ركعتين وأربع سجدات وجهر بالقراءة، وبهذه الرواية بطل ما قال النووي من أن رواية الجهر في خسوف القمر ورواية الإسرار في كسوف الشمس. وقد روى البخاري في صحيحه من حديث أسماء بنت أبي بكر قالت: جهر النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الكسوف، قال الحافظ في الفتح: وقد ورد الجهر فيها عن علي مرفوعاً وموقوفاً أخرجه ابن خزيمة وغيره، وقال به صاحباً أبي حنيفة وأحمد وإسحاق وابن خزيمة وابن المنذر وغيرهما من محدثي الشافعية وابن العربي من المالكية، وقال الطبري يخير بين الجهر والإسرار انتهى.
قوله: "حديث حسن صحيح" وأخرجه الطحاوي.
فإن قلت: روى هذا الحديث سفيان بن حسين عن الزهري وهو ثقة في غير الزهري فكيف يكون حديثه هذا بلفظ: وجهر بالقراءة فيها، حسناً صحيحاً.
قلت: لم يتفرد هو برواية هذا الحديث بهذا اللفظ عن الزهري بل تابعه على ذلك سليمان بن كثير عند أحمد وعقيل عند الطحاوي وإسحاق بن راشد عند الدارقطني، قال الحافظ: وهذه طرق يعضد بعضها بعضاً يفيد مجموعها الجزم بذلك فلا معنى لتعليل من أعله بتضعيف سفيان بن حسين وغيره انتهى.
قوله: "وبهذا الحديث يقول مالك وأحمد وإسحاق" وهذا القول هو الراجح المعول عليه

(3/148)


393ـ باب ما جاء في صلاةِ الخوْف
561 ـ حدثنا محمدُ بنُ عبدِ الملكِ بنِ أبي الشّوَاربِ، حدثنا يزيدُ بن زُرَيعٍ حدثنا مَعْمَرٌ عن الزُهريّ عن سالمٍ عن أبيهِ "أن النبيّ صلى الله عليه وسلم صلّى صلاةَ الخوفِ بإحدى الطائِفَتَيْنِ ركعةً والطائِفةُ الأخْرَى مُواجهَةُ العَدُوّ ثم انصَرَفوا فقاموا في مَقَامِ أولئكَ، وجاءَ أولئِكَ فصلّى بهمْ ركعةً أُخرى، ثم سَلّم عليهم فقامَ هؤلاءِ فَقَضَوا ركعتَهم، وقَامَ هؤلاءِ فَقَضَوْا ركعتَهُمْ".
ـــــــ
"باب ما جاء في صلاة الخوف"
أي أحكام الصلاة عند الخوف من الكفار، وأجمعوا على أن صلاة الخوف ثابتة الحكم بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم. وعن أبي يوسف أنها مختصة برسول الله صلى الله عليه وسلم لقوله تعالى: { وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ}.
وأجيب بأنه قيد واقعي نحو قوله: "إن خفتم" في صلاة المسافر، ثم اتفقوا على أن جميع الصفات المروية عن النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الخوف معتد بها، وإنما الخلاف بينهم في الترجيح. وما أحسن قول أحمد لا حرج على من صلى بواحدة مما صح عنه عليه الصلاة والسلام، كذا في المرقاة، وذكر الحافظ ابن تيمية في منهاج السنة وغيره: أن الاختلاف الوارد فيه ليس اختلاف تضاد بل اختلاف وسعة وتخيير انتهى
قوله: "عن سالم عن أبيه". أي عبد الله بن عمر.
قوله: "والطائفة الأخرى مواجهة العدو". وفي رواية البخاري فقامت طائفة معه وأقبلت طائفة على العدو "ثم انصرفوا" أي الطائفة الأولى التى صلت معه صلى الله عليه وسلم " فقاموا في مقام أولئك" ، أي في مقام الطائفة الثانية التي لم تصل "ثم سلم" أي النبي صلى الله عليه وسلم "عليهم" أي على الطائفة الثانية " فقام هؤلاء فقضوا ركعتهم وقام هؤلاء فقضوا ركعتهم" وفي رواية البخاري فقام كل واحد منهم فركع لنفسه ركعة وسجد سجدتين.

(3/149)


ـــــــ
قال الحافظ في فتح الباري: لم تختلف الطرق عن ابن عمر في هذا. وظاهر أنهم أتموا لأنفسهم في حالة واحدة ويحتمل أنهم أتموا على التعاقب وهو الراجح من حيث المعنى وإلا فيستلزم تضييع الحراسة المطلوبة وإفراد الإمام وحده ويرجحه ما رواه أبو داود من حديث ابن مسعود ولفظه: ثم سلم فقام هؤلاء أي الطائفة الثانية فقضوا لأنفسهم ركعة ثم سلموا ثم ذهبوا ورجع أولئك إلى مقامهم فصلوا لأنفسهم ركعة ثم سلموا انتهى. وظاهره أن الطائفة الثانية والت بين ركعتيها ثم أتمت الطائفة الأولى بعدها ووقع في الرافعي تبعاً لغيره من كتب الفقه أن في حديث ابن عمر هذا أن الطائفة الثانية تأخرت وجاءت الطائفة الأولى فأتموا ركعة ثم تأخروا وعادت الطائفة الثانية فأتموا، ولم نقف على ذلك في شيء من الطرق، وبهذه الكيفية أخذ الحنفية، واختار في حديث ابن مسعود أشهب والأوزاعي وهي الموافقة لحديث سهل بن أبي حثمة من رواية مالك عن يحيى بن سعيد انتهى كلام الحافظ.
وقال القاري في المرقاة في شرح قوله فقام كل واحد منهم فركع لنفسه ركعة وسجد سجدتين، تفصيله أن الطائفة الثانية ذهبوا إلى وجه العدو وجاءت الأولى إلى مكانهم وأتموا صلاتهم منفردين وسلموا وذهبوا إلى وجه العدو وجاءت الطائفة الثانية وأتموا منفردين وسلموا كما ذكره بعض الشراح من علمائنا، قال ابن الملك كذا قيل وبهذا أخذ أبو حنيفة لكن الحديث لم يشعر بذلك انتهى. وهو كذلك، لكن قال ابن الهمام: ولا يخفى أن هذا الحديث إنما يدل على بعض ما ذهب إليه أبو حنيفة وهو مشي الطائفة الأولى وإتمام الطائفة الثانية في مكانها من خلف الإمام وهو أقل تغييراً. وقد دل على تمام ما ذهب إليه ما هو موقوف على ابن عباس من رواية أبي حنيفة، ذكره محمد في كتاب الآثار وساق إسناد الإمام، ولا يخفى، أن ذلك مما لا مجال للرأي فيه، فالموقوف فيه كالمرفوع انتهى ما في المرقاة.
قلت: قال محمد في كتاب الآثار: أخبرنا، أبو حنيفة عن حماد عن إبراهيم في صلاة الخوف قال إذا صلى الإمام بأصحابه فلتقم طائفة منهم مع الإمام وطائفة بإزاء العدو فيصلي الإمام بالطائفة الذين معه ركعة ثم تنصرف الطائفة الذين صلوا مع الإمام من غير أن يتكلموا حتى يقوموا في مقام أصحابهم وتأتي الطائف

(3/150)


وفي البابِ عن جابر وحُذَيْفة وزيدِ بنِ ثابتٍ وابن عباسٍ وأبي هريرةٍ وابن مسعودٍ وسهلِ بن أبي حَثْمَةَ وأبي عيّاشٍ الزُرَقيّ "واسمُه زيدُ بنُ صامتٍ" وأبي بَكرَةَ.
قال أبو عيسى: وقد ذهبَ مالكُ بن أنسٍ في صَلاةِ الخوفِ إلى حَديثِ سَهْلِ بن أبي حَثْمَةَ
ـــــــ
الأولى حتى يصلوا ركعة وحدانا ثم ينصرفون فيقومون مقام أصحابهم وتأتي الطائفة الأخرى حتى يقضوا الركعة التي بقيت عليهم وحدانا. قال محمد أخبرنا أبو حنيفة حدثنا الحارث عن عبد الرحمَن عن ابن عباس مثل ذلك قال محمد وبهذا كله نأخذ انتهى ما في كتاب الآثار.
قلت: الحارث هذا إن كان هو الأعور فقد كذبه الشعبي وابن المديني وإن كان غيره فلا أدري من هو.
قوله: "وفي الباب عن جابر وحذيفة وزيد بن ثابت وابن عباس وأبي هريرة وابن مسعود وسهل بن أبي حثمة وأبي عياش الزرقي واسمه زيد بن ثابت وأبي بكرة" أما حديث جابر فأخرجه الشيخان. وأما حديث حذيفة فأخرجه أبو داود والنسائي. وأما حديث زيد بن ثابت فأخرجه النسائي. وأما حديث ابن عباس فأخرجه النسائي. وأما حديث أبي هريرة فأخرجه أحمد وأبو داود والنسائي. وأما حديث ابن مسعود فأخرجه أبو داود. وأما حديث سهل بن أبي حثمة فأخرجه الشيخان. وأما حديث أبي عياش الزريق فأخرجه أحمد وأبو داود والنسائي. وأما حديث أبي بكرة فأخرجه أحمد وأبو داود النسائي.
قلت: وفي الباب أيضاً عن علي وعائشة وخوات بن جبير وأبي موسى الأشعري. أما حديث علي فأخرجه البزار. وأما حديث عائشة فأخرجه أبو داود. وأما حديث خوات بن جبير فأخرجه أبو مندة في معرفة الصحابة وأما حديث أبي موسى فأخرجه ابن عبد البر في التمهيد.
قوله: "وقد ذهب مالك بن أنس في صلاة الخوف إلى حديث سهل بن أبي حثمة" الاَتي، وفي هذا الباب قال مالك في الموطأ: وحديث القاسم بن محمد عن صالح بن

(3/151)


وهو قولُ الشافعي.
وقال أحمدُ: قد رُوِيَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم صَلاةُ الخوفِ على أوجهٍ، وما أعْلَمُ في هذا البابِ إلا حديثاً صحِيحاً، وأَخْتارُ حديثَ سَهْلِ بن أبي حَثْمةَ.
وهكذا قال إسحاقُ بنُ إبراهيم قال: ثبتَت الرواياتُ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم في صلاةِ الخوفِ، ورأى أن كُلّ ما رُوِيَ عن النبيّ صلى الله
ـــــــ
خوات أحب ما سمعت إلي في صلاة الخوف انتهى. والمراد بحديث القاسم بن محمد عن صالح بن خوات هو حديث سهل بن أبي حثمة "وهو قول الشافعي إلخ".
قال الحافظ في الفتح: قد ورد في كيفية صلاة الخوف صفات كثيرة ورجح ابن عبد البر الكيفية الواردة في حديث ابن عمر على غيرها لقوة الإسناد ولموافقة الأصول في أن المأموم لا يتم صلاته قبل سلام إمامه. وعن أحمد قال: ثبت في صلاة الخوف ستة أحاديث أو سبعة أيها فعل المرء جاز، ومال إلى ترجيح حديث سهل بن أبي حثمة وكذا رجحه الشافعي ولم يختر إسحاق شيئاً على شيء، وبه قال الطبري وغير واحد منهم ابن المنذر وسرد ثمانية أوجه وكذا ابن حبان في صحيحه وزاد تاسعاً.. وقال ابن حزم: صح فيها أربعة عشر وجهاً وبينها في جزء مفرد وقال ابن العربي في القبس: جاء فيها أربعة عشر وجهاً وبينها في جزء مفرد ولم يبينها، وقال النووي في شرح مسلم ولم يبينها أيضاً وقد بينها شيخنا أبو الفضل في شرح الترمذي وزاد وجهاً آخر فصارت سبعة عشر وجها لكن يمكن أن تتداخل. قال صاحب الهدى: أصولها ست صفات بلغها بعضهم أكثر وهؤلاء كلما رأوا اختلاف الرواة في قصة جعلوا ذلك وجهاً من فعل النبي صلى الله عليه وسلم وإنما هو من اختلاف الرواة انتهى، وهذا هو المعتمد وإليه أشار شيخنا بقوله: يمكن تداخلها انتهى ما في الفتح "وما أعلم في هذا الباب إلا حديثاً صحيحاً". قال الحافظ في التلخيص: ونقل ابن الجوزي عن أحمد أنه قال: ما أعلم في هذا الباب حديثاً إلا صحيحاً.

(3/152)


عليه وسلم في صَلاةِ الخوفِ فهو جائز وهذا على قَدْرِ الخوفِ.
قال إسحاقُ: وَلَسْنَا نختَارُ حديثَ سَهْلِ بنِ أبي حَثْمَةَ على غيرهِ منِ الرواياتِ.
562 ـ حدثنا محمدُ بن بَشّارٍ حدثنا يحيى بن سَعيدٍ القطّان حدثنا يحيى بنُ سعيدٍ الأنصاريّ عن القاسِم بن محمدٍ عن صالح بن خَوّات بن جُبَيْر عن سهلِ بن أبي حَثْمَةَ أنه قال في صَلاةِ الخوفِ، قال: "يقومُ الإمامُ مستقبلَ القِبْلَةِ وتقومُ طائفةٌ منهم مَعهُ، وطائفةٌ من قِبَلِ العَدُوّ ووجُوهُهُمْ إلى العدوّ، فيركَعُ بهم ركعةً، ويركعون لأنفُسهِم، ويسجُدون لأنفسِهِمْ سجْدتَيْنِ في مكانِهم، ثم يَذْهَبُونَ إلى مَقَامِ أولئكَ ويجيءُ أولئكَ فيركَعُ بهم ركعةً ويسجدُ بهم سجْدَتَيْنِ فهي له ثِنْتَانِ ولَهُمْ واحِدَةٌ ثم يركَعُون ركعةً ويسجُدونَ سجْدَتَيْن"
ـــــــ
قوله: "حديث ابن عمر حديث حسن صحيح". أخرجه الأئمة الستة.
قوله: "عن صالح بن خوات". بفتح الخاء المعجمة وتشديد الواو وبالتاء الفوقانية أنصاري مدني تابعي مشهور غزير الحديث سمع أباه وسهل بن أبي حثمة "عن سهل بن أبي حثمة" الأنصاري الخزرجي المد ثلاث من الهجرة وله أحاديث مات في خلافة معاوية.
قوله: "فيركع بهم ركعة ويركعون لأنفسهم ركعة ويسجدون لأنفسهم سجدتين في مكانهم ثم يذهبون في مقام أولئك" وفي رواية مالك وفي الموطأ فيركع الإمام ركعة ويسجد بالذي معه ثم يقوم فإذا استوى قائماً ثبت وأتموا لأنفسهم الركعة الباقية ثم يسلمون وينصرفون والإمام قائم فيكونون وجاه العدو "ويجيء أولئك فيركع بهم ركعة ويسجد بهم سجدتين" أي ثم يسلم وحده " فهي" أي فهذه الصلاة "له" صلى الله عليه وسلم ثنتان أي ركعتان "ولهم" أي لكل واحد من الطائفتين "واحدة" أي ركعة واحدة "ثم يركعون ركعة ويسجدون سجدتين" أي ثم يسلمون.

(3/153)


563ـ "قال محمد بن عيسى" : قال محمدُ بن بَشّار: سألتُ يحيى بن سعيدٍ عن هذا الحديثِ فحدّثَنِي عن شُعْبَةَ عن عبدِ الرحمَن بن القاسِم عن أبيهِ عن صالحِ بن خَوّاتٍ عن سهلِ بن أبي حَثْمَةَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم بمثلِ حديثِ يحيى بن سعيدٍ الأنصاريّ وقال لي يحيى: اكتُبْهُ إلى جَنْبِه، ولَسْتُ أحفظُ الحديثَ ولكنهُ مِثْلُ حديثِ يحيى بن سَعِيدٍ "الأنصاريّ".
قال أبو عيسى: وهذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ لم يرفَعْهُ يحيى بنُ سعيدٍ
ـــــــ
وفي رواية مالك في الموطأ: ثم يقبل الاَخرون الذين لم يصلوا فيكبرون وراء الإمام فيركع بهم ويسجد بهم ثم يسلم فيقومون فيركعون لأنفسهم الركعة الثانية ثم يسلمون.
قوله: "قال محمد بن بشار سألت يحيى بن سعيد" أي القطان "عن هذا الحديث" أي هل بلغك هذا الحديث مرفوعاً أم لا "فحدثني" أي يحيى القطان "بمثل حديث يحيى بن سعيد الأنصاري" المذكور الموقوف "وقال لي اكتبه إلى جنبه" هذا مقول محمد بن بشار أي وقال لي يحيى بن سعيد القطان: اكتب الحديث الذي رويته عن شعبة مرفوعاً إلى جنب الحديث الذي رويته عن يحيى القطان لست أحفظ لفظ الحديث الذي رويته عن شعبة مرفوعاً "لكنه" أي لكن الحديث المرفوع "مثل حديث يحيى بن سعيد الأنصاري" الموقوف المذكور.
تنبيه: إعلم أن بعض العلماء الحنفية قد فسر قوله: وقال لي أكتبه إلخ هكذا قوله وقال لي أكتبه مقولة يحيى أن قال لي شعبة أكتب هذا الحديث الذي رويت لك إلى جنب الحديث الذي رويت عن يحيى بن سعيد الأنصاري انتهى، وفي هذا نظر كما لا يخفى على المتأمل فتأمل.
قوله: "وهذا حديث حسن صحيح" أي هذا الحديث الموقوف الذي رواه يحيى بن سعيد الأنصاري حسن صحيح وأخرجه مالك في الموطأ والبخاري ومسلم أيضاً.

(3/154)


الأنصارِيّ عن القاسِم بن محمد، وهكذا رَوَاهُ أصحابُ يحيى بنِ سعيدٍ الأنصارِي موقوفاً، ورَفَعهُ شُعْبَةُ عن عبدِ الرحمَنِ بنِ القاسِمِ "بنِ محمدٍ".
564 ـ ورَوَى مالكُ بن أنسٍ عن يزيدَ بن رُوْمَانَ عن صالحِ بنِ خَوّاتٍ عن من صلّى مع النبيّ صلى الله عليه وسلم صَلاَةَ الخوفِ فذكَرَ نحوَه.
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
وبه يقولُ مالكٌ والشافعيّ وأحمدُ وإسحاقٌ.
ورُوِيَ عن غيرِ واحِدٍ "أن النبيّ صلى الله عليه وسلم صلّى بإحدَى الطائِفَتَيْنِ ركْعَةً ركْعةً فكانت للنبيّ صلى الله عليه وسلم ركعَتَانِ ولهم ركْعةٌ ركْعةٌ".
ـــــــ
قوله: "وبه" أي بحديث سهل بن أبي حثمة "يقول مالك والشافعي وأحمد وإسحاق" وأخذ أبو حنيفة بحديث عبد الله بن عمر المذكور كما تقدم بيان ذلك وروى عن غير واحد أن النبي صلى الله عليه وسلم بإحدى الطائفتين ركعة ركعة إلخ أخرج روايات هؤلاء أبو داود في سننه من شاء الاطلاع عليه فليرجع إليه. وأخرج الشيخان عن جابر قال أقبلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كنا بذات الرقاع الحديث، وفيه فصلى بطائفة ركعتين ثم تأخروا وصلى بالطائفة الأخرى ركعتين قال: فكانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم أربع ركعات وللقوم ركعتان. ولا اختلاف بين هذا وبين ما روى أنه صلى الله عليه وسلم بإحدى الطائفتين ركعة ركعة لاختلاف القصتين

(3/155)


394ـ باب ما جَاء في سُجُود القُرآن
565 ـ حدثن سُفيانُ بن وكِيع حدثنا عبدُ الله بنُ وَهْبٍ عن عَمرِو بن الحارِثِ عن سَعيدِ بنِ أبي هِلالٍ عن عُمَرَ الدّمَشْقيّ عن أمّ الدّرْدَاءِ عن أبي الدّرْدَاءِ قال "سَجَدْتُ مع رسولِ الله صلى الله عليه وسلم إحْدَى عَشْرَةَ سَجْدَةً منها التي في النّجْمِ"
ـــــــ
باب ما جَاء في سُجُود القُرآن
أي سجدة التلاوة وهي أربع عشرة سجدات معروفة عند أبي حنيفة والشافعي، غير أن الشافعي عد منها السجدة الثانية من سورة الحج دون سجدة ص، وقال أبو حنيفة بالعكس، هذا هو المشهور. وقال الترمذي: رأى بعض أهل العلم أن يسجد في ص وهو قول سفيان وابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق انتهى. فعلى هذا يكون عند الشافعي وأحمد خمس عشرة سجدة وهو رواية عن مالك، كذا في المحلي شرح الموطأ للشيخ سلام الله.
وقال النووي في شرح مسلم: قد أجمع العلماء على إثبات سجود التلاوة وهو عندنا وعند الجمهور سنة ليس بواجب، وعند أبي حنيفة رضي الله عنه واجب ليس بفرض على اصطلاحه في الفرق بين الواجب والفرض، وهو سنة للقارئ والمستمع، ويستحب أيضاً للسامع الذي لا يسمع لكن لا يتأكد في حقه تأكده في حق المستمع، ويستحب أيضاً للسامع الذي لا يسمع لكن لا يتأكد في حقه تأكده في حق المستمع المصغي انتهى كلام النووي. وقال القاري في المرقاة: هي سجدة منفردة منوية محفوفة بين تكبيرتين مشروط فيها ما شرط للصلاة من غير رفع يد وقيام وتشهد وتسليم وتجب على القارئ والسامع ولو لم يكن مستمعاً عند أبي حنيفة وأصحابه انتهى كلام القاري.
قوله: "عن عمر الدمشقي" هو ابن حيان الدمشقي وهو مجهول كما صرح به الحافظ في التقريب.
قوله: "سجدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إحدى عشرة سجدة إلخ" هذا لا ينافي الزيادة غايته أن أبا الدرداء سجد معه إحدى عشرة سجدة ولم يحضر في غيرها قاله صاحب إنجاح الحاجة.

(3/156)


قلت: ومع هذا فهو حديث ضعيف فإن في سنده عمر الدمشقي وهو مجهول كما عرفت، وفي طريقه الثاني الآتي قال عمر الدمشقي سمعت مخبراً يخبرني فهذا المخبر أيضاً مجهول. وقد صرح أبو داود بتضعيفه حيث قال في سننه: روي عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم إحدى عشرة سجدة وإسناده واه انتهى كلام أبي داود. وروى أبو داود وابن ماجه عن عمرو بن العاص أن النبي صلى الله عليه وسلم أقرأه خمس عشرة سجدة في القرآن منها ثلاث في المفصل وفي سورة الحج سجدتان، والحديث سكت عنه أبو داود والمنذري، وقال الحافظ في التلخيص حسنه المنذري والنووي وضعفه عبد الحق وابن القطان وفيه عبد الله بن منين وهو مجهول، والراوي عنه الحارث بن سعيد العتقي وهو لا يعرف أيضاً. وقال ابن ماكولا ليس له غير هذا الحديث انتهى كلام الحافظ.
قلت: قال الحافظ في التقريب: عبد الله بن منين بنون مصغر اليحصبي المصري وثقه يعقوب بن سفيان انتهى. وقال في ترجمة الحارث بن سعيد العتقي أنه مقبول، فالظاهر أن هذا الحديث حسن، وفيه دليل على أن مواضع السجود خمسة عشر موضعاً، وإليه ذهب أحمد والليث وإسحاق وابن وهب وطائفة من أهل العلم. قال الطيبي: واختلفوا في عدة سجدات القرآن فقال أحمد: خمس عشرة أخذاً بظاهر حديث عمرو بن العاص فأدخل سجدة ص فيها. وقال الشافعي أربع عشرة سجدة منها ثنتان في الحج وثلاث في المفصل وليست سجدة ص منهن بل هي سجدة شكر. وقال أبو حنيفة: أربع عشرة فأسقط الثانية من الحج وأثبت سجدة ص. وقال مالك: إحدى عشرة فأسقط سجدة ص وسجدات المفصل انتهى كلام الطيبي.
قلت: الظاهر هو ما ذهب إليه الإمام أحمد وهو مذهب الشافعي أيضاً على ما حكى الترمذي وهو رواية عن مالك وهو مذهب الليث وغيره كما عرفت.
فائدة: إعلم أن أول مواضع السجود خاتمة الأعراف، وثانيها عند قوله في الرعد {بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ}، وثالثها عند قوله في النحل {وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} ، ورابعها عند قوله في بني إسرائيل { وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً}، وخامسها عند قوله في مريم {خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيّاً} ، وسادسها عند قوله في الحج {إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ}، وسابعها

(3/157)


وفي البابِ عن علي وابنِ عباسٍ وأبي هُريرةَ وابنِ مسعودٍ وزيدِ بنِ ثابتٍ وَعمرو بنِ العاصِ.
قال أبو عيسى: حديثُ أبي الدرْداءِ حديثٌ غريبٌ لا نعرِفُهُ إلاّ مِن حديثِ سعيدِ بن أبي هِلالٍ عن عُمَرَ الدّمَشْقيّ.
ـــــــ
عند قوله في الفرقان {وَزَادَهُمْ نُفُورا} {رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ} ، وتاسعها عند قوله في {تَنْزِيلٌ} {وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ}، وعاشرها عند قوله في ص {وَخَرَّ رَاكِعاً} وأناب، والحادي عشر عند قوله في حم السجدة {إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ}. وقال أبو حنيفة والشافعي والجمهور عند قوله وهم لا يسأمون، والثاني عشر والثالث عشر والرابع عشر سجدات المفصل، والخامس عشر السجدة الثانية في الحج كذا في النيل.
قوله: "وفي الباب عن علي وابن عباس وأبي هريرة وابن مسعود وزيد بن ثابت وعمرو بن العاص" أما حديث علي فأخرجه الطبراني في الأوسط وسنده ضعيف أن النبي صلى الله عليه وسلم سجد في صلاة الصبح في تنزيل السجدة، وأخرج البيهقي عنه بلفظ عزائم السجود أربع {ألم تنزيل للسجدة}، {وحم السجدة}، و{ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ }، والنجم. كذا في شرح السراج. وأما حديث ابن عباس فأخرجه البخاري والترمذي. وأما حديث أبي هريرة فأخرجه مسلم والترمذي. وأما حديث ابن مسعود فأخرجه الشيخان. وأما حديث زيد بن ثابت فأخرجه أيضاً الشيخان. وأما حديث عمرو بن العاص فأخرجه أبو داود وابن ماجه وتقدم لفظه.
قوله: "حديث أبي الدرداء حديث غريب" وهو ضعيف كما عرفت "لا نعرفه إلا من حديث سعيد بن أبي هلال عن عمر الدمشقي" وهو مجهول كما عرفت. وقال الحافظ في ترجمة سعيد بن أبي هلال: صدوق لم أر لأبن حزم في تضعيفه سلفاً. إلا أن الساجي حكى عن أحمد أنه اختلط.

(3/158)


566- حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن أخبرنا عبد الله بن صالح أخبرنا الليث بن سعد عن خالد بن يزيد عن سعيد بن أبي هلال عن عمر وهو ابن حيان الدمشقي قال سمعت مخبرا يخبرني عن أم درداء عن أبي درداء قال " سجدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إحدى عشرة سجدة منها التي في النجم
وهذا أصح من حديث سفيان بن وكيع عن عبد الله بن وهب
ـــــــ
قوله: "وهذا أصح من حديث سفيان بن وكيع"
أي حديث عبد الله بن عبد الرحمَن أرجح من حديث سفيان بن وكيع وضعفه أقل من ضعفه، فإن سفيان بن وكيع متكلم فيه. قال الحافظ في التقريب: كان صدوقاً إلا أنه ابتلى بوراقه فأدخل عليه ما ليس من حديثه فنصح فلم يقبل، فسقط حديثه انتهى. وقال الخزرجي في الخلاصة قال البخاري يتكلمون فيه

(3/159)


باب في الخروج النساء إلى المساجد
...
395 ـ باب في خُرُوج النّساءِ إلى المساجد
567 ـ حدثنا نصرُ بنُ علي حدثنا عيسى بنُ يونُسَ عن الأعمَشِ عن مُجَاهِد قال: كُنّا عندَ ابنِ عُمَر فقال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم " ايذَنُوا للنّسَاءِ بالليلِ إلى المسَاجِدِ" فقال ابنُهُ: والله لا نَأذَنُ لَهُنَ يَتّخِذْنَهُ
ـــــــ
ـ باب "ما جاءَ" في خُرُوج النّساءِ إلى المساجد
"قوله أخبرنا: عيسى بن يونس" بن أبي إسحاق السبيعي بفتح المهملة وكسر الموحدة أخو إسرائيل كوفي نزل الشام من ابطا ثقة مأمون.
قوله: "ايذنوا بصيغة الأمر من الإذن" وكأنه أصله إءذنوا فأبدلت الهمزة الثانية بالياء "بالليل" خص الليل بالذكر لما فيه من الستر بالظلمة "فقال ابنه" أي بلال أو واقد. قال المنذري وابن عبد الله بن عمر هذا هو بلال بن عبد الله

(3/159)


دَ غلاً، فقال: فعلَ الله بِكَ وفَعَلَ، أقولُ: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم "وتقولُ لا نأذَنُ "لهنّ" ؟".
"قال" : وفي البابِ عن أبي هُرَيرةَ وزَينَبَ امرأةِ عبدِ الله بنِ مسعودٍ وزيدِ بنِ خالد
ـــــــ
بن عمر جاء مبيناً في صحيح مسلم وغيره، وقيل هو ابنه واقد بن عبد الله بن عمر ذكره مسلم في صحيحه أيضاً. وقد حقق الحافظ في الفتح أن الراجح أن صاحب القصة بلال "والله لا نأذن لهن" أي للخروج إلى المساجد "يتخذنه دغلاً" بفتح المهملة ثم المعجمة وأصله الشجن الملتف ثم استعمل في المخادعة لكون المخادع يلف في ضميره أمراً ويظهر غيره، وكأنه قال ذلك لما رأى من فساد بعض النساء في ذلك الوقت وحملته على ذلك الغيرة فقال ابن عمر "فعل الله بك وفعل " وفي رواية بلال عند مسلم: فأقبل عليه عبد الله فسبه سباً سيئاً ما سمعته يسبه مثله قط. وفسر عبد الله بن هبيرة في رواية الطبراني السب المذكور باللعن ثلاث مرات، وفي رواية زائدة عن الأعمش فانتهره وقال أف لك وإنما أنكر عليه ابن عمر بمخالفة الحديث. وأخذ منه تأديب المعترض على السنن برأيه، وعلى العالم بهواه، وتأديب الرجل ولده وان كان كبيراً إذا تكلم بما لا ينبغي له، وجواز التأديب بالهجران. فقد وقع في رواية ابن أبي نجيح عن مجاهد عند أحمد فما كلمه عبد الله حتى مات. وهذا إن كان محفوظاً يحتمل أن يكون أحدهما مات عقب هذه القصة كذا في الفتح.
قوله: "وفي الباب عن أبي هريرة وزينب امرأة عبد الله بن مسعود وزيد بن خالد" أما حديث أبي هريرة فأخرجه أحمد وأبو داود مرفوعاً بلفظ: لا تمنعوا إماء الله مساجد الله وليخرجن تفلات، وأخرجه أيضاً ابن خزيمة. وأما حديث زينب فأخرجه مسلم بلفظ: إذا شهدت إحداكن المسجد فلا تمس طيباً. وأما حديث زيد بن خالد فأخرجه ابن حبان بمثل حديث أبي هريرة.

(3/160)


قال أبو عيسى: حديثُ ابنِ عُمَر حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
قوله: "حديث ابن عمر حديث حسن صحيح" وأخرجه البخاري مختصراً ومسلم مطولاً.
فائدة: اعلم أن صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في المسجد، ومع هذا لو استأذنت للصلاة إلى المسجد لا تمنع بل تؤذن لكن لا مطلقاً بل بشروط قد وردت في الأحاديث. قال النووي في شرح مسلم: قوله صلى الله عليه وسلم " لا تمنعوا إماء الله مساجد الله"، هذا وشبهه من أحاديث الباب ظاهر في أنها لا تمنع المسجد لكن بشروط ذكرها العلماء مأخوذة من الأحاديث وهي أن لا تكون مطيبة ولا متزينة، ولا ذات خلاخل يسمع صوتها ولا ثياب فاخرة، ولا مختلطة بالرجال، ولا شابة ونحوها ممن يفتتن بها، وأن لا يكون في الطريق ما يخاف به مفسدة ونحوها. وهذا النهي عن منعهن من الخروج محمول على التنزيه إذا كانت المرأة ذات زوج أو سيد ووجدت الشروط المذكورة فإن لم يكن لها زوج ولا سيد حرم المنع إذا وجدت الشروط. انتهى كلام النووي.
وقال الحافظ في الفتح: قال ابن دقيق العيد: هذا الحديث عام في النساء إلا أن الفقهاء خصوه بشروط منها أن لا تطيب وهو في بعض الروايات: وليخرجن تفلات، أن غير متطيبات، ولمسلم من حديث زينب امرأة ابن مسعود: إذا شهدت إحداكن المسجد فلا تمس طيباً، قال ويلحق بالطيب ما في معناه لأن سبب المنع منه ما فيه من تحريك داعية الشهوة كحسن الملبس والحلي الذي يظهر والزينة الفاخرة وكذا الاختلاط بالرجال. وفرق كثير من الفقهاء المالكية وغيرهم بين الشابة وغيرها وفيه نظر إلا إن أخذ الخوف عليها من جهتها لأنها إذا عريت مما ذكر وكانت مستترة حصل الأمن عليها ولا سيما إذا كان ذلك بالليل. وقد ورد في بعض طرق هذا الحديث وغيره ما يدل على أن صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في المسجد. فعند أبي داود عن ابن عمر: لا تمنعوا نساءكم المساجد وبيوتهن خير لهن، وصححه ابن خزيمة، وعند أحمد والطبراني عن أم حميد

(3/161)


ـــــــ
الساعدية أنها جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله إني أحب الصلاة معك، قال: "قد علمت وصلاتك في بيتك خير لك من صلاتك في حجرتك وصلاتك في حجرتك خير من صلاتك في دارك، وصلاتك في دارك خير من صلاتك في مسجد قومك، وصلاتك في مسجد قومك خير من صلاتك في مسجد الجماعة" ، وإسناد أحمد حسن انتهى ما في الفتح مختصراً

(3/162)


باب في الكراهية البزاق في المسجد
...
396ـ باب في كراهيةِ البُزَاقِ في المسْجِد
568 ـ حدثنا محمدُ بن بَشّار حدثنا يحيى بنُ سعيد عن سُفيانَ عن مَنْصورٍ عن ربْعيّ بن حِرَاشٍ عن طارقِ بن عبدِ الله المُحارِبيّ قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم "إذا كنتَ في الصلاةِ فلا تَبْزُقْ عن يَمينِكَ، ولكن خَلْفَكَ أو تِلْقَاءَ شِمَالِكَ، أو تَحْتَ قَدَمِكَ اليُسرَى".
ـــــــ
باب في كراهيةِ البُزَاقِ في المسْجِد
قوله: "أخبرنا يحيى بن سعيد" هو القطان "عن سفيان" هو الثوري "عن منصور" هو ابن المعتمر الكوفي ثقة ثبت "عن ربعي" بكسر الراء وسكون الموحدة "بن حراش" بكسر المهملة وآخره معجمة الكوفي ثقه عابد مخضرم.
قوله: "إذا كنت في الصلاة فلا تبزق عن يمينك" وفي حديث أبي هريرة عند البخاري وغيره: إذا قام أحدكم إلى الصلاة فلا يبصق أمامه فإنما يناجي الله ما دام في مصلاه، ولا عن يمينه ملكاً "ولكن خلفك" أي إذا لم يكن خلفك أحد يصلي "أو تلقاء شمالك" أي جانب شمالك. قال الخطابي إن كان عن يساره أحد فلا يبزق في واحد من الجهتين لكن تحت قدمه أو ثوبه. قال الحافظ في الفتح: وفي حديث طارق المحاربي عند أبي داود ما يرشد لذلك فإنه قال فيه أو تلقاء شمالك إن كان فارغاً وإلا فهكذا وبزق تحت رجله ودلك، ولعبد الرزاق من طريق عطاء عن أبي هريرة نحوه، ولو كان تحت رجلة مثلاً شيء مبسوط أو نحوه تعين الثوب انتهى "أو تحت قدمك اليسرى" وفي حديث أبي هريرة عند البخاري

(3/162)


وفي البابِ عن أبي سعيدٍ وابنِ عُمَر وأنسٍ وأبي هرَيْرةَ.
قال أبو عيسى: "و" حديثُ طارقٍ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. والعملُ على هذا عندَ أهلِ العلمِ.
"قال" : وسَمِعْتُ الجَارُودَ يقولُ: سَمِعْتُ وكيعاً يقولُ: لَمْ يكذِبْ رِبْعيّ بنُ حِرَاشٍ في الإسلامِ كَذْبَةً.
"قال" : وقال عبدُ الرحمَنِ بنُ مَهْدِي أثْبَتُ أهلِ الكوفَةِ منصورُ بنُ المُعْتَمِرِ.
ـــــــ
أو تحت قدمه فيدفنه. قال النووي في الرياض: المراد بدفنها ما إذا كان المسجد ترابياً أو رملياً، وأما إذا كان مبلطاً مثلاً فدلكها عليه بشيء مثلاً فليس ذلك بدفن بل زيادة في التقذير انتهى. قال الحافظ في الفتح: لكن إذا لم يبق لها أثر البتة فلا مانع، وعليه يحمل قوله في حديث عبد الله بن الشخير: ثم دلكه بنعله انتهى.
قوله: "وفي الباب عن أبي سعيد وابن عمر وأنس وأبي هريرة" أما حديث أبي سعيد فأخرجه الشيخان عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى ثخامة في جدار المسجد فتناول حصاة فختها وقال: إذا تنخم أحدكم فلا يتنخمن قبل وجهه ولا عن يمينه وليبصق عن يساره أو تحت قدمه اليسرى. وأما حديث ابن عمر فأخرجه البخاري عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى بصاقاً في جدار القبلة فحكه ثم أقبل على الناس فقال: "إذا كان أحدكم يصلي فلا يبصق قبل وجهه فإن الله سبحانه قبل وجهه إذا صلى". وأما حديث أنس فأخرجه الشيخان مرفوعاً: البزاق في المسجد خطيئة وكفارتها دفنها. وأما حديث أبي هريرة فأخرجه أيضاً الشيخان مرفوعاً: إذا قام أحدكم إلى الصلاة فلا يبصق أمامه فإنما يناجي الله ما دام في مصلاه ولا عن يمينه فإن عن يمينه ملكاً وليبصق عن يساره أو تحت قدمه فيدفنها.
قوله: "حديث طارق حديث حسن صحيح" وأخرجه أبو داود وسكت عنه، ونقل المنذري تصحيح الترمذي وأقره وأخرجه أيضاً النسائي وابن ماجه.

(3/163)


569ـ حدثنا قُتَيْبة حدثنا أبو عَوَانَةَ عن قَتَادَةَ عن أنسِ بن مالكٍ قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم "البُزَاقُ في المسْجِدِ خَطِيئَةٌ وكَفّارَتها دَفْنُها".
قال "أبو عيسى" : "و" هذا حديثٌ "حسنٌ" صحيحٌ.
ـــــــ
قوله: "البزاق في المسجد خطيئة" قال النووي: اعلم أن البزاق في المسجد خطيئة مطلقاً سواء احتاج إلى البزاق أو لم يحتج بل يبزق في ثوبه فإن بزق في المسجد فقد ارتكب الخطيئة وعليه أن يكفر هذه الخطيئة بدفن البزاق، هذا هو الصواب: أن البزاق خطيئة كما صرح به رسول الله صلى الله عليه وسلم وقاله العلماء، وللقاضي عياض فيه كلام باطل حاصله أن البزاق ليس بخطيئة إلا في حق من لم يدفنه، وأما من أراد دفنه فليس بخطيئة، واستدل له بأشياء باطلة فقوله هذا غلط صريح مخالف لنفس الحديث انتهى.
قال الحافظ في الفتح: حاصل النزاع أن ههنا عمومين تعارضا وهما قوله البزاق في المسجد خطيئة، وقوله وليبصق عن يساره أو تحت قدمه، فالنووي يجعل الأول عاماً ويخص الثاني بما إذا لم يكن في المسجد، والقاضي بخلافه يجعل الثاني عاماً ويخص الأول بمن لم يرد دفنها، وقد وافق القاضي جماعة منهم ابن مكي في التنقيب والقرطبي في المفهم وغيرهما، ويشهد لهم ما رواه أحمد والطبراني بإسناد حسن من حديث أبي أمامة مرفوعاً قال: من تنخم في المسجد فلم يدفنه فسيئة وإن دفنه فحسنة فلم يجعله سيئة إلا بقيد عدم الدفن. ونحوه حديث أبي ذر عند مسلم مرفوعاً قال: وجدت في مساوئ أعمال أمتي النخامة في المسجد لا تدفن، قال القرطبي: فلم يثبت لها حكم السيئة بمجرد إيقاعها في المسجد بل به ويتركها غير مدفونة انتهى، قال وتوسط بعضهم فحمل الجواز على ما إذا كان له عذر كأن لم يتمكن من الخروج من المسجد، والمنع على ما إذا لم يكن له عذر وهو تفصيل حسن انتهى.
قوله: "وكفارتها دفنها" قال النووي: معناه إن ارتكب هذه الخطيئة فعليه تكفيرها كما أن الزنا والخمر وقتل الصيد في الإحرام محرمات وخطايا وإذا

(3/164)


ـــــــ
ارتكبها فعليه عقوبتها. واختلف العلماء في المراد بدفنها. فالجمهور قالوا المراد دفنها في تراب المسجد ورمله وحصاته إن كان فيه تراب أو رمل أو حصاة ونحوها وإلا فيخرجها انتهى.
تنبيه: كان للترمذي أن يورد باب خروج النساء إلى المساجد، وباب كراهية البزاق في المسجد قبل أبواب سجود القرآن أو بعدها، وأما إيرادهما في أثنائها فليس مما ينبغي.

(3/165)


397- باب في السجدة في إذا السماء انشقت، واقرأ باسم ربك الذي خلق
570 ـ حدثنا قُتَيْبةُ "بنُ سعيدٍ" حدثنا سفيانُ بن عُيَينةَ عن أيوبَ بنِ موسى عن عَطاءِ بن مِيناءَ عن أبي هريرةَ قال "سَجَدْنَا مع رسولِ الله صلى الله عليه وسلم في {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبّكَ} و {إذا السّمَاءُ انشَقّتْ}".
571 ـ حدثنا قُتَيْبَةَ حدثنا سفيانُ "بن عيينة" عن يحيى بن سعيدٍ عن أبي بكرِ بن محمدِ "هو" ابن عَمرِو بن حَزْمٍ عن عُمَر بنِ عبد العزيزِ عن أبي بكرِ بنِ عبدِ الرحمَنِ بنِ الحارثِ بن هِشَام عن أبي هريرةَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم مِثْلَه.
ـــــــ
باب ما جاء في السّجدْة في {إذا السّماءُ انْشَقّت} إلخ.
قوله: "عن عطاء بن ميناء" بكسر الميم وسكون التحتية وبنون وبمد ويقصر كذا في المغنى قال الحافظ صدوق من الثالثة "سجدنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في اقرأ باسم ربك وإذا السماء انشقت" هما من المفصل فالحديث حجة على مالك رحمه الله.

(3/165)


في "هذا" الحديثِ أربعة مِنَ "التّابِعينَ بعضُهم عن بعضٍ".
قال أبو عيسى: حديثُ أبي هريرةَ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. والعملُ على هذا عندَ أكثرِ أهلِ العلمِ يَرَوْنَ السجودَ في {إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ} و {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبّكَ}.
ـــــــ
قوله: "وفي الحديث" أي في إسناده "أربعة من التابعين" من يحيى بن سعيد إلى أبي بكر بن عبد الرحمَن.
قوله: "حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح" أخرجه الجماعة إلا البخاري.
قوله: "والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم يرون السجود في إذا السماء انشقت واقرأ باسم ربك" وهذا هو الحق والصواب يدل عليه حديث الباب وحديث عمرو بن العاص المتقدم

(3/166)


398- باب ما جَاء في السّجْدةِ في النّجم
572ـ حدثنا هارونُ بن عبدِ الله البزارُ "البغدادي" حدثنا عبدُ الصّمد بنُ عبدِ الوَارِثِ حدثنا أبي عن أيوبَ عن عِكْرَمَةَ عن ابن عباس قال "سَجَدَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فيها يعْنِي النّجْمَ والمسلِمونَ والمشركُونَ والجِنّ والإنسُ".
ـــــــ
باب ما جَاء في السّجْدةِ في النّجم
قوله: "حدثنا هارون بن عبد الله البزاز" بالموحدة والزايين المنقوطتين الحال أبو موسى ثقة من العاشرة "أخبرنا أبي" أي عبد الوارث بن سعيد بن ذكوان العنبري مولاهم أبو عبيدة التنوري ثقة ثبت، قال الذهبي أجمع المسلمون على الاحتجاج به "عن أيوب" هو السختياني.
قوله: "سجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها يعني النجم والمسلمون والمشركون والجن والإنس" هذه اللامات في هذه الأربعة للعهد أي الذين كانوا عنده وهذا كان بمكة في المسجد الحرام. كذا في المرقاة نقلاً عن ميرك. وقال النووي في شرح

(3/166)


وفي البابِ عن ابنِ مسعودٍ وأبي هريرةَ.رضي الله عنه.
قال أبو عيسى: حديثُ ابن عباسٍ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. والعملُ على هذا عندَ بعضِ أهلِ العلمِ يَرَوْنَ السجودَ في سُورةِ النّجْمِ.
وقال بعضُ أهلِ العلمِ من أصحابِ النبيّ صلى الله عليه وسلم وغيرهِمْ: ليسَ في المفَصّل سَجْدَة. وهو قولُ مالِكِ بن أنسٍ. والقولُ الأولُ أصَحُ. وبه يقولُ الثوريّ وابنُ المبارَكِ والشافعيّ وأحمدُ وإسحاقُ.
ـــــــ
مسلم: قال القاضي عياض رحمه الله وكان سبب سجودهم فيما قال ابن مسعود رضي الله عنه أنها أول سجدة نزلت، قال القاضي: وأما ما يرويه الإخباريون والمفسرون أن سبب ذلك ما جرى على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم من الثناء على آلهة المشركين في سورة النجم فباطل لا يصح فيه شيء لا من جهة النقل ولا من جهة العقل لأن مدح إله غير الله تعالى كفر ولا يصح نسبة ذلك إلى لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أن يقوله الشيطان على لسانه، ولا يصح تسليط الشيطان على ذلك انتهى.
وقال الحافظ في فتح الباري: قال الكرماني: سجد المشركون مع المسلمين لأنها أول سجدة نزلت فأرادوا معارضة المسلمين بالسجود لمعبودهم، أو وقع ذلك منهم بلا قصد، أو خافوا في ذلك المجلس من مخالفتهم. انتهى كلام الكرماني. قال الحافظ: والاحتمالات الثلاثة فيها نظر، والأول منها لعياض، والثاني يخالفه سياق ابن مسعود حيث زاد فيه: إن الذي استثناه منهم أخذ كفاً من حصى فوضع جبهته عليه فإن ذلك ظاهر في القصد، والثالث أبعد إذ المسلمون حينئذ هم الذين كانوا خائفين من المشركين لا العكس، انتهى كلام الحافظ. قال الكرماني: وما قيل من أن ذلك بسبب إلقاء الشيطان في أثناء قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم لا صحة له عقلاً ولا نقلاً انتهى كلام الكرماني. قال الحافظ: ومن تأمل ما أوردته من ذلك في تفسير سورة الحج عرف وجه الصواب في هذه المسألة بحمد الله تعالى انتهى.

(3/167)


ـــــــ
قلت: قال الله تعالى في سورة الحج: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ. لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ} ، قال الإمام البخاري في صحيحه: قال ابن عباس في أمنيته إذا حدث ألقى الشيطان في حديثه فيبطل الله ما يلقي الشيطان ويحكم آياته، ويقال أمنيته قراءته الأماني يقرأون ولا يكتبون. قال الحافظ في الفتح: وعلى تأويل ابن عباس هذا يحمل ما جاء عن سعيد بن جبير وقد أخرجه ابن أبي حاتم والطبري وابن المنذر من طرق عن شعبة عن أبي بشر عنه قال: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة والنجم فلما بلغ أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى ألقى الشيطان على لسان ه : تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجي، فقال المشركون: ما ذكر آلهتنا بخير قبل اليوم، فسجد وسجدوا فنزلت هذه الآية . ثم ذكر الحافظ طرقاً عديدة لهذا الحديث ثم قال: وكلها سوى طريق سعيد بن جبير إما ضعيف وإما منقطع لكن كثرة الطرق تدل على أن للقصة أصلاً مع أن لها طريقين آخرين مرسلين رجالهما على شرط الصحيحين: أحدهما: ما أخرجه الطبري من طريق يونس بن يزيد عن ابن شهاب حدثني أبو بكر بن عبد الرحمَن بن الحارث بن هشام فذكر نحوه، والثاني ما أخرجه أيضاً من طريق المعتمر بن سليمان وحماد بن سلمة فرقهما عن داود بن أبي هند عن أبي العالية، ثم رد الحافظ على من قال إن هذه القصة لا أصل لها، وأن كل ما روى فيها فهو باطل، ثم قال إن الطرق إذا كثرت وتباينت مخارجها دل ذلك على أن لها أصلاً. قال وقد ذكرت أن ثلاثة أسانيد منها على شرط الصحيح وهي مراسيل يحتج بمثلها من يحتج بالمرسل وكذا من لا يحتج به لاعتضاد بعضها ببعض. قال وإذا تقرر ذلك تعين تأويل ما وقع فيها مما يستنكر وهو قوله: ألقى الشيطان على لسانه: تلك الغرانيق العلي وإن شفاعتهن لترتجي فإن ذلك لا يجوز حمله على ظاهره لأنه يستحيل عليه صلى الله عليه وسلم أن يزيد في القرآن عمداً ما ليس منه وكذا سهواً إذا كان مغايراً لما جاء به من التوحيد لمكان عصمته.
ثم ذكر تأويلات للعلماء ورد على كل واحد منها إلا تأويلاً واحداً فأقره وجعله أحسن الوجوه فقال وقد سلك العلماء في ذلك مسالك: فقيل: جرى ذلك

(3/168)


ـــــــ
على لسانه حين أصابته سنة وهو لا يشعر، فلما علم ذلك أحكم الله آياته. قال ورده عياض بأنه لا يصح لكونه لا يجوز على النبي صلى الله عليه وسلم ذلك ولا ولاية للشيطان عليه في النوم.
وقيل إن الشيطان ألجأه إلى أن قال ذلك بغير اختياره، ورده ابن العربي بقوله تعالى حكاية عن الشيطان: "وما كان لي عليكم من سلطان" الآية ، قال: فلو كان للشيطان قوة على ذلك لما بقي لأحد قوة في طاعة، وهكذا ذكر الحافظ تأويلات أخر ورد عليها ثم قال: وقيل: كان صلى الله عليه وسلم يرتل القرآن فارتصده الشيطان في سكتة من السكتات ونطق بتلك الكلمات محاكياً نغمته بحيث سمعه من دنا إليه فظنها من قوله وأشاعها، قال وهذا أحسن الوجوه انتهى كلام الحافظ ملخصاً.
قلت: في هذا التأويل أيضاً كلام كما لا يخفى على المتأمل. وأما قوله إن الطرق إذا كثرت وتباينت مخارجها دل ذلك أن لها أصلاً ففيه أن هذا ليس قانوناً كلياً. قال الزيلعي في نصب الراية: وكم من حديث كثرت رواته وتعددت طرقه وهو حديث ضعيف كحديث الطير، وحديث الحاجم والمحجوم، وحديث من كنت مولاه فعلى مولاه، بل قد لا يزيد الحديث كثرة الطرق إلا ضعفاً، انتهى كلام الزيلعي فتأمل وتفكر.
تنبيه: الغرانيق بفتح الغين المعجمة طيور الماء، شبهت الأصنام المعتقدون فيها أنها تشفع لهم بالطيور تعلو في السماء وترتفع، وقال العيني في شرح البخاري: وقد فسر الكلبي في روايته الغرانيق العلى بالملائكة لا بآلهة المشركين كما يقولون: إن الملائكة بنات الله وكذبوا على الله ورد الله ذلك عليهم بقوله { أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى} فعلى هذا فلعله كان قرآناً ثم نسخ لتوهم المشركين بذلك مدح آلهتم، انتهى كلام العيني.
قلت: قوله فعلى هذا فلعله كان قرآناً ثم نسخ فيه نظر، فإن الروايات المروية في هذه القصة صريحة في أن هذه الكلمات ألقاها الشيطان على لسان النبي صلى الله عليه وسلم، ولو سلم أن قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ} ، نزل في هذه القصة فقوله تعالى هذا أيضاً

(3/169)


ـــــــ
صريح في أن ملقي هذه الكلمات على لسان النبي صلى الله عليه وسلم هو الشيطان قال العيني في شرح البخاري: فأخبر الله في هذه الآية أن سنته في رسله إذا قالوا قولا زاد الشيطان فيه من قبل نفسه فهذا نص في أن الشيطان زاده في قول النبي صلى الله عليه وسلم لا أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله انتهى كلام العيني. فكيف يصح أن يقال إن هذه الكلمات أعنى تلك الغرانيق العلى إلخ. كانت قرآناً ثم نسخت فتأمل.
تنبيه آخر: قال صاحب العرف الشذي: التحقيق أن النبي صلى الله عليه وسلم تكلم بهذا اللفظ يعني تلك الغرانيق العلى إلخ بطوعه وأنه آية من القرآن نسخ تلاوتها قال: والمشار إليه بتلك الغرانيق الملائكة قال: وأتى العيني والحافظ بروايتين صحيحتين مرفوعتين على هذا القول الصحيح انتهى كلامه.
قلت: كلامه هذا مردود عليه، فإنه لم يثبت برواية مرفوعة صحيحة أن النبي صلى الله عليه وسلم تكلم بهذا اللفظ بطوعه وأنه آية من القرآن نسخ تلاوتها. وأما قوله: وأتى العيني والحافظ بروايتين صحيحتين مرفوعتين على هذا القول الصحيح فخطأ فاحش ووهم قبيح، فإنه لم يأت العيني ولا الحافظ برواية مرفوعة صحيحة على هذا القول فضلاً عن روايتين مرفوعتين صحيحتين

(3/170)


399ـ باب ما جَاء مَنْ لم يسْجُدْ فيه
573 ـ حدثنا يَحيى بنُ موسى حدثنا وكيعٌ عن ابنِ أبي ذِئب عن يزَيدَ بنِ عبدِ الله بن قُسَيْطٍ عن عطاءٍ بن يَسَارٍ عن زيدِ بن ثابتٍ قال " قرأتُ على رسولِ الله صلى الله عليه وسلم النّجْمَ فلَم يَسْجُدْ فيها".
ـــــــ
ـ "باب ما جاء من لم يسجد فيه"
أي في النجم.
قوله: "عن ابن أبي ذئب" هو محمد بن عبد الرحمَن بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئب القرشي المدني ثقة فقيه فاضل "عن يزيد بن عبد الله بن قسيط" بقاف مضمومة وسين مهلمة مصغراً وآخره طاء مهلمة ثقة من الرابعة.
قوله: " قرأت على رسول الله صلى الله عليه وسلم النجم فلم يسجد فيها " احتج

(3/170)


قال أبو عيسى: حديثُ زيدِ بن ثابتٍ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
وتَأوّلَ بعضُ أهلِ العلمِ هذا الحديثَ فقالَ: إنّما تَرَكَ النبيّ صلى الله عليه وسلم السّجُودَ لأنّ زيدَ بنَ ثابتٍ حينَ قَرَأ فلَم يَسْجُدْ لَمْ يَسْجُدِ النبيّ صلى الله عليه وسلم .
ـــــــ
بهذا من قال إن المفصل ليس فيه سجدة كالمالكية أو أن النجم بخصوصها لا سجود فيها كأبي ثور. قال الحافظ في الفتح: ترك السجود فيها في هذه الحالة لا يدل على تركه مطلقاً لاحتمال أن يكون السبب في الترك إذ ذاك إما لكونه كان بلا وضوء أو لكون الوقت كان وقت كراهة أو لكون القارئ كان لم يسجد، أو ترك حينئذ لبيان الجواز وهذا أرجح الاحتمالات وبه جزم الشافعي لأنه لو كان واجباً لأمره بالسجود ولو بعد ذلك انتهى كلام الحافظ.
قوله: "حديث زيد بن ثابت حسن صحيح" وأخرجه البخاري.
قوله: "وتأول بعض أهل العلم هذا الحديث قال إنما ترك النبي صلى الله عليه وسلم السجود لأن زيد بن ثابت حين قرأ فلم يسجد لم يسجد النبي صلى الله عليه وسلم" يعني أن القارئ إمام للسامع، فلما لم يسجد زيد لم يسجد النبي صلى الله عليه وسلم اتباعاً لزيد، ويدل على كون القارئ إماماً للسامع قول ابن مسعود لتميم بن حذلم وهو غلام فقرأ عليه سجدة فقال اسجد فإنك إمامنا فيها، ذكره البخاري تعليقاً، قال الحافظ في الفتح: وصله سعيد بن منصور من رواية مغيرة عن إبراهيم قال: قال تميم بن حذلم قرأت القرآن على عبد الله وأنا غلام فمررت بسجدة فقال عبد الله أنت إمامنا فيها. وقد روي مرفوعاً أخرجه ابن أبي شيبة من رواية ابن عجلان عن زيد بن أسلم: أن غلاماً قرأ عند النبي صلى الله عليه وسلم السجدة فانتظر الغلام النبي صلى الله عليه وسلم أن يسجد فلما لم يسجد قال يا رسول الله أليس في هذه السجدة سجود؟ قال بلى ولكنك كنت إمامنا فيها ولو سجدت لسجدنا. رجاله ثقات إلا أنه مرسل، وقد روى عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار قال بلغني فذكر نحوه أخرجه البيهقي من رواية ابن وهب عن هشام

(3/171)


وقالوا: السّجْدةُ واجبة على من سَمِعَهَا فلم يُرَخّصُوا في تركِهَا.
وقالوا: إن سَمِعَ الرجُلُ وهو على غَيْر وضوءٍ فإذَا توضّأَ سَجَدَ. وهوَ قولُ سفيانَ "الثوري" وأهلِ الكُوفةِ. وبه يقولُ إسحاقُ.
ـــــــ
بن سعد وحفص بن ميسرة معاً عن زيد بن أسلم به انتهى كلام الحافظ. "وقالوا السجدة واجبة على من سمعها ولم يرخصوا في تركها، وقالوا إن سمع الرجل وهو على غير وضوء فإذا توضأ سجد وهو قول سفيان وأهل الكوفة وبه يقول إسحاق"، وبه قال أبو حنيفة. قال العيني في عمدة القارئ: استدل صاحب الهداية على الوجوب بقوله صلى الله عليه وسلم "السجدة على من سمعها السجدة على من تلاها" ، ثم قال كلمة على للإيجاب، والحديث غير مقيد بالقصد. قال العيني: هذا غريب لم يثبت وإنما روى ابن أبي شيبة في مصنفه عن ابن عمر رضي الله عنه، أنه قال السجدة على من سمعها، وفي البخاري قال عثمان: إنما السجود على من استمع، قال: واستدل أيضاً بالاَيات { فَمَا لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ. وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ} {فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا} {وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ}، وقالوا: الذم لا يتعلق إلا بترك واجب، والأمر في الاَيتين للوجوب انتهى كلام العيني. واستدل أيضاً بحديث أبي هريرة: إذا قرأ ابن آدم السجدة اعتزل الشيطان يبكي يقول يا ويله أمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة وأمرت بالسجود فأبيت فلى النار، أخرجه مسلم.
قلت: قول ابن عمر رضي الله عنه السجدة على من سمعها، وقول عثمان إنما السجود على من استمع، لو سلم أنهما يدلان على وجوب سجدة التلاوة فهو قولهما وليس بمرفوع، وقولهما هذا مخالف لإجماع الصحابة رضي الله عنهم أجمعين كما ستقف عليه. وأما قوله تعالى: {وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ} فمعناه لا يسجدون إباءاً وإنكاراً كما قال الشيطان أمرت بالسجود فأبيت، فالذم متعلق بترك السجود إباءاً وإنكاراً. قال ابن قدامة في المغنى: فأما الآية فإنه ذمهم لترك السجود غير معتقدين فضله ولا مشروعيته انتهى. وأما الاستدلال على وجوب سجدة التلاوة بقوله تعالى: {فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا} ، وقوله {وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ } فموقوف على أن يكون الأمر فيهما للوجوب وعلى أن يكون المراد بالسجود سجدة

(3/172)


وقالَ بعضُ أهلِ العلمِ: إنّما السّجْدَةُ على مَن أرادَ أن يَسْجُدَ فيها والْتَمَسَ فضْلَهَا، ورَخّصُوا في تَركِها إنْ أرادَ ذلكَ. واحْتَجّوا بالحديثِ المرْفوعِ، حديثِ زيدِ بن ثابتٍ "حيث" قال " قرأتُ على النبيّ صلى الله عليه وسلم النّجْم فلم يَسْجُدْ "فيها" " فقالوا: لو كانتْ السّجْدةُ واجبةً لَمْ يَتْرُكِ النبيّ صلى الله عليه وسلم زيداً حتّى كانَ يَسجُدُ ويَسْجُدُ النبيّ صلى الله عليه وسلم.
ـــــــ
التلاوة وهما ممنوعان. قال الإمام البخاري في صحيحه: باب من رأى أن الله عز وجل لم يوجب السجود، قال الحافظ في الفتح: أي وحمل الأمر في قوله: {اسْجُدُوا} على الندب أو على أن المراد به سجود الصلاة أو في الصلاة المكتوبة على الوجوب، وفي سجود التلاوة على الندب على قاعدة الشافعي ومن تابعه في حمل المشترك على معنييه. ومن الأدلة على أن سجود التلاوة منها ما هو بصيغة الخبر ومنها ما هو بصيغة الأمر، وقد وقع الخلاف في التي بصيغة الأمر هل هي فيها سجود أولاً، وهي ثانية الحج وخاتمة النجم واقرأ، فلو كان سجود التلاوة واجباً لكان ما ورد بصيغة الأمر أولى أن يتفق على السجود فيه مما ورد بصيغة الخبر انتهى.
"وقال بعض أهل العلم إنما السجدة على من أراد أن يسجد فيها والتمس فضلها ورخصوا في تركها قالوا إن أراد ذلك"، وهو قول الشافعي ومالك في أحد قوليه وأحمد وإسحاق والأوزاعي وداود، قالوا إنها سنة، وهو قول عمر وسلمان وابن عباس وعمران بن حصين وبه قال الليث كذا في عمدة القاري "واحتجوا بالحديث المرفوع حديث زيد بن ثابت قال قرأت على النبي صلى الله عليه وسلم النجم فلم يسجد فقالوا لو كانت السجدة واجبة لم يترك النبي صلى الله عليه وسلم زيداً حتى كان يسجد ويسجد النبي صلى الله عليه وسلم"، أجاب العيني وغيره عن حديث زيد بن ثابت هذا بأن معناه أنه لم يسجد على الفور ولا يلزم منه أنه ليس في النجم سجدة ولا فيه نفي الوجوب انتهى. وقد عرفت في كلام الحافظ أن في ترك السجود فيها في هذه الحالة احتمالات، وأرجح الاحتمالات أنه ترك حينئذ لبيان الجواز

(3/173)


واحْتَجُوا بحديثِ عُمَر: "أنهُ قَرأ سَجْدَةً على المِنْبَرِ فنَزَلَ فسجَدَ، ثم قَرأَهَا في الجمعةِ الثانيةِ فَتَهَيّأَ النّاسُ للسّجودِ، فقال إنها لم تُكْتَبْ علينَا إلا أن نَشَاءَ فلم يَسْجُدْ ولم يسْجُدوا. فذهبَ بَعْضُ أهلِ العلْمِ إلى هذَا وهوَ قَوْلُ الشّافَعيّ وأحْمَدَ.
ـــــــ
"واحتجوا بحديث ابن عمر أنه قرأ سجدة على المنبر فنزل فسجد ثم قرأها في الجمعة الثانية فتهيأ الناس للسجود فقال إنها لم تكتب علينا إلا أن نشاء فلم يسجد ولم يسجدوا"، أخرجه البخاري بلفظ: قرأ يوم الجمعة على المنبر بسورة النحل حتى إذا جاءت السجدة نزل فسجد وسجد الناس، حتى إذا كانت الجمعة القابلة قرأ بها حتى إذا جاءت السجدة قال: يا أيها الناس إنما نمر بالسجود فمن سجد فقد أصاب ومن لم يسجد فلا إثم عليه، ولم يسجد عمر، وزاد نافع عن ابن عمر: أن الله لم يفرض السجود إلا أن نشاء انتهى. واستدل بقوله لم يفرض على عدم وجوب سجود التلاوة وأجاب بعض الحنفية على قاعدتهم في التفرقة بين الفرض والواجب بأن نفي الفرض لا يستلزم نفي الوجوب.
وتعقب بأنه اصطلاح لهم حادث وما كان الصحابة يفرقون بينهما، ويغني عن هذا قول عمر: ومن لم يسجد فلا إثم عليه، واستدل بقوله إلا أن نشاء على أن المراد مخير في السجود فيكون ليس بواجب.
وأجاب من أوجبه بأن المعنى: إلا أن نشاء قراءتها فيجب، ولا يخفي بعده ويرده تصريح عمر بقوله: ومن لم يسجد فلا إثم عليه، بأن انتقاء الإثم عمن ترك الفعل مختاراً بدل على عدم وجوبه. كذا في فتح الباري.
تنبيه: قال العيني في شرح البخاري: واحتجوا أي القائلون بعدم وجوب سجدة التلاوة بحديث عمر رضي الله عنه أن الله لم يكتب علينا السجود إلا أن نشاء وهذا ينفي الوجوب. قالوا: قال عمر هذا القول والصحابة حاضرون، والإجماع السكوتي عندهم حجة انتهى كلام العيني. وأجاب هو عن هذا بأن ما روي عن عمر رضي الله عنه فموقوف وهو ليس بحجة عندهم انتهى.
قلت: العجب من العيني أنه لم يجب عن الإجماع السكوتي بل سكت عنه وهو حجة عنده وعند أصحابه الحنفية، قال هو في رد حديث القلتين ما لفظه: حديث

(3/174)


ـــــــ
القلتين خبر آحاد ورد مخالفاً لإجماع الصحابة فيرد بيانه أن ابن عباس وابن الزبير أفتيا في زنجي وقع بئر في زمزم بنزح الماء كله ولم يظهر أثره وكان الماء من قلتين. وذلك بمحضر من الصحابة رضي الله عنهما ولم ينكر عليهما أحد منهم فكان إجماعاً، وخبر الواحد إذا ورد مخالفاً للإجماع يرد. انتهى كلامه. فللقائلين بعدم وجوب سجدة التلاوة أن يقولوا نحن لا نحتج بمجرد قول عمر رضي الله عنه بل بإجماع الصحابة رضي الله عنهم، فإن عمر رضي الله عنه قال هذا القول بمحضر من الصحابة ولم ينكر عليه أحد منهم. والحق أن هذا الاحتجاج احتجاج صحيح ليس عند الحنفية جواب شاف عن هذا الاحتجاج. وقد أنصف بعض الحنفية في تعليقاته على جامع الترمذي حيث قال: قوله واحتجوا بحديث عمر الخ ليس هذا مرفوعاً بل أثر عمرو هذا تمسك الحجازيين. وأما الجواب من جانب الأحناف بأنه موقوف ومذهب عمر رضي الله عنه فلا يفيد، فإنه بمحضر جماعة من الصحابة فيمكن للشافعية قول إنه إجماع جمهور الصحابة، فما أجاب أحد جواباً شافياً انتهى. ثم قال هذا البعض راداً على العيني ما لفظه: وقال العيني بحذف المستثنى المتصل لأنه أصل فيكون المعنى: أنها لم تكتب علينا إلا أن نشاء مكتوبيتها. وقال أيضاً: إن المشيئة يتعلق بالتلاوة لا بالسجدة. وقال الحافظ إنها تتعلق بالسجدة. أقول تأويل العيني فيه أنا إذا قلنا إن المستثنى منه الوجوب والمستثنى هو التطوع يكون الاستثناء أيضاً متصلاً، وليس حد المتصل والمنفصل ما هو مشهور على الألسنة بل تفصيله مذكور في قطر الندى وشرح الشيخ السيد محمود الألوسي على المقدمة الأندلسية، وأيضاً يخالف قول العيني لفظ الباب فلم يسجد ولم يسجدوا الخ فإنه تحقق التلاوة في واقعة الباب. وأما قول إنه تأخير السجدة الآن الآن الأداء لا يجب في الفور فبعيد لأنه لا عذر ولا نكتة لترك السجدة الآن بخلاف ما مر منّ واقعة النبي صلى الله عليه وسلم فلم أر جواباً شافياً انتهى كلام بعض الحنفية في تعليقه المسمى بالعرف الشذي.
قلت: قول عمر رضي الله عنه ومن لم يسجد فلا إثم عليه دليل صريح على عدم وجوب سجدة التلاوة كما عرفت في كلام الحافظ، وأما تأويل العيني بأن معناه من لم يسجد فلا إثم عليه في تأخيره عن وقت السماع فباطل مردود عليه فإنه لا دليل على هذا التأويل

(3/175)


400 ـ باب ما جَاء في السّجدة في ص
574 ـ حدثنا ابنُ أبي عمرَ حدثنا سفيانُ عن أيوبَ عن عِكرمةَ عن ابن عباسٍ قال " رأيتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يسجدُ في صَ. قال ابن عباسٍ: وليستْ مِن عَزَائِمِ السّجودِ".
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
واختلفَ أهلُ العلمِ في ذلك. فرأى بعض أهل العلم "من أصحابِ النبيّ صلى الله عليه وسلم" "وغيرهم" أن يسجد فيها. وهو قولُ سفيانَ "الثوري" وابن المباركِ والشافعيّ وأحمدَ وإسحاقَ. وقال بعضهم: إنها تَوْبةُ نبي ولَمْ يَرَوُا السجودَ فيها.
ـــــــ
باب ما جَاء في السّجدة في ص
قوله: "عن أيوب" هو السختياني.
قوله: "رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسجد في ص"، هذا دليل صريح على ثبوت السجدة في ص "قال ابن عباس وليست من عزائم السجود" ، المراد بالعزائم ما وردت العزيمة على فعله كصيغة الأمر مثلاً بناء على أن بعض المندوبات آكد من بعض عند من لا يقول بالوجوب. وقد روى ابن المنذر وغيره عن علي بن أبي طالب بإسناد حسن أن العزائم حم، والنجم، واقرأ، وألم تنزيل، وكذا ثبت عن ابن عباس في الثلاثة الأخر، وقيل الأعراف، وسبحان،، وحم، وألم، أخرجه ابن أبي شيبة كذا في فتح الباري.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح"، وأخرجه البخاري وأبو داود والنسائي.
قوله: "فرأى بعض أهل العلم أن يسجد فيها وهو قول سفيان وابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق" وهو قول أبي حنيفة رحمه الله وقد عد الترمذي الشافعي

(3/176)


ـــــــ
من القائلين بسجود التلاوة في صلاته، وقوله المشهور أنه لا يسجد فيها في الصلاة ويسجد خارج الصلاة، قال السجدة فيها ليست سجدة تلاوة بل سجدة شكر وسجود الشاكر لا يشرع في الصلاة. قال العيني في شرح البخاري: لا خلاف بين الحنفية والشافعية في أن صلاته فيها سجدة تفعل، وهو أيضاً مذهب سفيان وابن المبارك وأحمد وإسحاق، غير أن الخلاف في كونها من العزائم أم لا، فعنه الشافعي ليست من العزائم وإنما هي سجدة شكر تستحب في غير الصلاة وتحرم فيها الصحيح، وهذا هو المنصوص عنده، وبه قطع جمهور الشافعية، وعند أبي حنيفة وأصحابه هي من العزائم، وبه قال ابن شريح وأبو إسحاق المروزي، وهو قول مالك أيضاً. وعن أحمد كالمذهبين والمشهور منهما كقول الشافعي "وقال بعضهم إنها توبة نبي ولم يرو السجود فيها"، قال العيني: قال داود: عن ابن مسعود لا سجود فيها، وقال هي توبة نبي، وروي مثله عن عطاء وعلقمة. قال واحتج الشافعي ومن معه بحديث ابن عباس هذا يعني المذكور في الباب، ولابن عباس حديث آخر في سجوده في صلاته أخرجه النسائي من رواية عمر بن أبي ذر عن أبيه عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم سجد في صلاته فقال سجدها داود عليه السلام توبة ونسجدها شكراً. وله حديث آخر أخرجه البخاري والنسائي أيضاً في الكبرى في التفسير ولفظه: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يسجد في ص {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} قال العيني: هذا كله حجة لنا، والعمل بفعل النبي صلى الله عليه وسلم أولى من العمل بقول ابن عباس، وكونها توبة لا ينافي كونها عزيمة، وسجدها داود توبة ونحن نسجدها شكراً لما أنعم الله على داود عليه السلام بالغفران والوعد بالزلفى وحسن مآب، ولهذا لا يسجد عندنا عقيب قوله: "وأناب" بل عقيب قوله "وحسن مآب" وهذه نعمة عظيمة في حقنا فكانت سجدة تلاوة لأن سجدة التلاوة ما كان سبب وجوبها إلا التلاوة، وسبب وجوب هذه السجدة تلاوة هذه الآية التي فيها الإخبار عن هذه النعم على داود عليه السلام وإطماعنا في نيل مثله انتهى كلام العيني.

(3/177)


ـــــــ
قلت: لا منافاة بين العمل بفعل النبي صلى الله عليه وسلم وبين العمل بقول ابن عباس رضي الله عنه، فالأولى بل المتعين أن يسجد في ص اتباعاً للنبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة وخارج الصلاة، ويرى أن هذه السجدة ليست من عزائم السجود كما قال ابن عباس رضي الله عنهما، وقول ابن عباس هذا مقدم على قول أبي حنيفة ومن تبعه أنها من عزائم السجود هذا ما عندي والله تعالى أعلم.
وفي الباب عن أبي سعيد وأبي هريرة، أما حديث أبي سعيد فأخرجه أبو داود قال: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر ص فلما بلغ السجدة نزل فسجد. و أما حديث أبي هريرة فأخرجه الطبراني في الأوسط بلفظ: أن النبي صلى الله عليه وسلم سجد في ص وراء الدارقطني أيضاً

(3/178)


401ـ باب في السجْدةِ في الحَج
575 ـ حدثنا قُتَيْبةُ أخبرنا ابن لَهِيعَةَ عن مِشرَحِ بن هاعَانَ عن عُقبةَ بن عامرٍ قال: "قلتُ يا سولَ الله فُضّلَتْ سورةُ الحجّ بأنّ فيها سَجْدَتَيْنِ؟ قال: نَعَمْ، ومَنْ لَمْ يَسْجُدْهُمَا فلا يَقْرَأْهُمَا".
ـــــــ
باب في السجْدةِ في الحَج
قوله: "أخبرنا ابن لهيعة" هو عبد الله بن لهيعة ضعيف "عن مشرح" كمنبر "بن هاعان" بالهاء والعين بينهما ألف ثم ألف ونون كذا في نسخ الترمذي وكذا في التقريب والخلاصة، وقال في القاموس: ومشرح كمنبر ابن عاهان التابعي انتهى، وكذلك في المغنى لصاحب مجمع البحار فلعله يقال لوالد مشرح عاهان بتقديم العين على الهاء أيضاً: قال الحافظ في التقريب في ترجمته مقبول، وقال الذهبي في الميزان مشرح بن هاعان المصري عن عقبة بن عامر صدوق لينه بن حبان، وقال عثمان بن سعيد عن ابن معين ثقة، قال ابن حبان بكني أبا مصعب يروي عن عقبة مناكير لا يتابع عليها فالصواب ترك ما انفرد به انتهى.
قوله: "فضلت سورة الحج " بتقدير همزة الاستفهام " بأن فيها سجدتين"

(3/178)


قال أبو عيسى: هذا حديثٌ ليسَ إسنادُهُ بذاك القويّ.
واختلفَ أهلُ العلمِ في هذا. فَرُوِيَ عن عُمَر بن الخطابِ وابن عُمَر
ـــــــ
أولاهما عند قوله تعالى {اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ} وهي متفق عليها والثانية عند قوله تعالى {وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} " ومن لم يسجدهما" أي السجدتين "فلا يقرأهما" قال القاري في المرقاة أي آيتي السجدة حتى لا يأثم بترك السجدة، وهو يؤيد وجوب سجدة التلاوة. ووجه النهي أن السجدة شرعت في حق التالي بتلاوته والإتيان بها من حق التلاوة، فإذا كان بصدد التضييع فالأولى به تركها لأنها إما واجبة فيأثم بتركها أو سنة فيتضرر بالتهاون بها، كذا ذكر الطيبي. قال ابن الهمام: والسجدة الثانية في الحج عندنا لأنها مقرونة بالأمر بالركوع، والمعهود في مثله من القرآن كونه من أوامر ما هو ركن الصلاة بالاستقراء نحو "اسجدي واركعي مع الراكعين" انتهى ما في المرقاة.
قلت: حديث الباب هذا ضعيف لكنه معتضد بحديث عمرو بن العاص وقد تقدم تخريجه وبرواية مرسلة وبآثار الصحابة رضي الله تعالى عنهم كما ستعرف، فهو مقدم على الاستقراء الذي ذكره ابن الهمام، فالقول الراجح المعول عليه أن سورة الحج سجدتين والله تعالى أعلم.
قوله: "هذا حديث ليس إسناده بالقوي" وأخرجه أحمد وأبو داود. قال ميرك: يريد أن في إسناده عبد الله بن لهيعة ومشرح بن هاعان وفيهما كلام، لكن الحديث صحيح أخرجه الحاكم في مستدركه من غير طريقهما يعني من غير طريق أبي داود والترمذي، وأقره الذهبي على تصحيحه قاله الشيخ الجزري. كذا في المرقاة. وقال الحافظ في التلخيص بعد ذكر حديث الباب ما لفظه: وفيه ابن لهيعة وهو ضعيف، وقد ذكر الحاكم أنه تفرد به وأكده الحاكم بأن الرواية صحت فيه من قول عمر وابنه وابن مسعود وابن عباس وأبي الدرداء وأبي موسى وعمار ثم ساقها موقوفة عنهم، وأكده البيهقي بما رواه في المعرفة من طريق خالد بن معدان مرسلاً انتهى.
قلت: وفي الباب عن عمرو بن العاص وقد تقدم تخريجه.

(3/179)


أنهما قالا: فُضّلَتْ سورةُ الحجّ بأنّ فيها سَجْدَتَيْنِ. وبه يقولُ ابنُ المباركِ والشافعيّ وأحمدُ وإسحاقُ.
ورأى بعضُهم فيها سَجْدَةً وهو قولُ سفيانَ الثوريّ "ومالِكٍ" "وأهلِ الكُوفةِ" .
ـــــــ
قوله: "واختلف أهل العلم في هذا فروي عن عمر بن الخطاب وابن عمر أنهما قالا فضلت سورة الحج بأن فيها سجدتين"، أخرج مالك في الموطأ عن نافع مولى ابن عمر: أن رجلاً من أهل مصر أخبره أن عمر بن الخطاب قرأ سورة الحج فسجد فيها سجدتين ثم قال إن هذه السورة فضلت بسجدتين، وأخرج عن عبد الله بن دينار أنه قال: رأيت عبد الله بن عمر سجد في سورة الحج سجدتين، وروى الطحاوي عن أبي الدرداء وأبي موسى الأشعري أنهما سجدا في الحج سجدتين، وروى الحاكم على ما ذكره الحافظ في التلخيص والزيلعي في نصب الراية عن هؤلاء الأربعة وابن عباس وابن مسعود وعمار بن ياسر: أنهم سجدوا فيه سجدتين "وبه يقول ابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق" قال بعض العلماء الحنفية في تعليقه على الموطأ للإمام محمد: والحق في هذا الباب هو ما ذهب إليه عمر رضي الله عنه وابن عمر رضي الله عنه انتهى.
قلت: الأمر قال "ورأى بعضهم فيها سجدة" أي واحدة وهي السجدة الأولى، قال الإمام محمد في الموطأ: وكان ابن عباس لا يرى في الحج إلا سجدة واحدة الأولى انتهى. قال الطحاوي في شرح معاني الآثار بعد رواية أثر ابن عباس هذا: فبقول ابن عباس نأخذ انتهى.
قلت: روى ابن أبي شيبة عن علي وأبي الدرداء وابن عباس أنهم سجدوا فيه سجدتين، كذا في المحلي، وقد تقدم أن الحاكم روى عن ابن عباس أنه سجد فيه سجدتين "وهو قول سفيان الثوري ومالك وأهل الكوفة" وهو قول أبي حنيفة رحمه الله

(3/180)


باب ما جاء ما يقول في سجود القرآن
...
402ـ باب ما يقولُ في سجودِ القرآن
576 ـ حدثنا قُتَيْبَةُ حدثنا محمدُ بن يزيدَ بن خُنَيْسٍ حدثنا الحسنُ بنُ محمدِ بنِ عُبَيْدِ الله بن أبي يزيدَ قال: قال لي ابنُ جريجٍ: يا حَسَنُ أخبرني عُبَيْدُ الله بن أبي يزيدَ عن ابن عباس قال: جاءَ رجلٌ إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال يا رسولَ الله إنّي رأيْتُني اللّيلةَ وأنا نائِمٌ كأَنّي أُصَلّي خَلْفَ شجَرَةٍ فسَجدْتُ فَسَجَدَتِ الشَجرةُ لسُجودي، فَسَمِعْتُها وهي تقولُ: اللّهُمّ اكتُبْ لي بها عندَكَ أجراً، وضَعْ عَنّي بها وِزراً واجعَلْهَا لي عندَك ذُخْراً، وتَقَبّلْها منّي كما تَقَبّلْتَها مِن عبدِك داودَ. قال الحسنُ:
ـــــــ
باب ما يقولُ في سجودِ القرآن
قوله: "أخبرنا محمد بن يزيد بن خنيس" بضم الخاء المعجمة مصغراً. قال في التقريب مقبول. وقال في الخلاصة قال أبو حاتم شيخ وقال في هامش الخلاصة زاد في التهذيب صالح كتبنا عنه بمكة، وذكره ابن حبان في الثقات قال: كان من خيار الناس ربما أخطأ يجب أن يعتبر بحديثه إذا بين السماع في خبره انتهى. "أخبرنا الحسن بن محمد بن عبيد الله بن أبي يزيد" قال في التقريب مقبول، وقال في الخلاصة: قال العقيلي لا يتابع عليه، وكذا في الميزان وزاد فيه وقال غيره فيه جهالة ما روى عنه سوى ابن خنيس "أخبرني عبيد الله بن أبي يزيد" المكي ثقة كثير الحديث.
قوله "جاء رجل" قال ميرك: هو أبو سعيد الخدري كما جاء مصرحاً به في روايته، وقد أبعد من قال إنه ملك من الملائكة، قال الشيخ الجزري في تصحيح المصابيح كذا في المرقاة "فسجدت" يحتمل أن تكون السجدة صلاتية والأظهر أنها سجدة تلاوة وأن الآية آية ص "اللهم اكتب لي" أي اثبت لي بها أي بسبب هذه السجدة "وضع" أي حط "وزراً" أي ذنباً "واجعلها لي عندك ذخراً" أي كنزاً قيل ذخراً بمعنى أجراً، وكرر لأن مقام الدعاء يناسب

(3/181)


قالَ "لي" ابن جُرَيْجٍ: قال لي جدّكَ: قال ابنُ عباسٍ: "فقرأ النبيّ صلى الله عليه وسلم سجدةٍ ثم سَجَدَ. "قال" فقال ابن عباسٍ: فسمعْتُه وهو يقولُ مثلَ ما أخبرهُ الرجلُ عن قولِ الشجرةِ".
"قال" : وفي البابِ عن أبي سعيدٍ.
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ "حسن" غريبٌ مِن حديثِ ابن عباسٍ لا نعرِفهُ إلا مِنْ هذا الوجِه.
ـــــــ
الإطناب، وقيل الأول طلب كتابة الأجر وهذا طلب بقائه سالماً من محبط أو مبطل. قال القاري: هذا هو الأظهر "كما تقبلتها من عبدك داود"، فيه إيماء إلى أن سجدة ص للتلاوة: قال السيوطي في قوب المغتذي: قال القاضي أبو بكر بن العربي: عسر علي في هذا الحديث أن يقول أحد ذلك فإن فيه طلب قبول مثل ذلك القبول وأين ذلك اللسان وأين تلك النية. قلت: ليس المراد المماثلة من كل وجه بل في مطلق القبول، وقد ورد في دعاء الأضحية وتقبل مني كما تقبلت من إبراهيم خليلك ومحمد نبيك، وأين المقام من المقام ما أريد بهذا إلا مطلق القبول، وفيه إيماء إلى الإيمان بهؤلاء الأنبياء وإذا ورد الحديث بشيء اتبع ولا إشكال انتهى كلام السيوطي.
قوله: "قال لي جدك" هو عبيد الله بن أبي يزيد.
قوله: "وفي الباب عن أبي سعيد" أخرجه البيهقي، واختلف في وصله وإرساله، وصوب الدارقطني في العلل رواية حماد عن حميد عن بكر أن أبا سعيد رأى فيما يرى النائم وذكر الحديث كذا في النيل والتلخيص.
قوله: "هذا حديث غريب إلخ" وأخرجه ابن ماجه ولفظه: اللهم احطط عني بها وزراً واكتب لي بها أجراً، واجعلها لي عندك ذخراً، ورواه ابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه وأقره الذهبي على تصحيحه كذا في المرقاة. وقال الحافظ في التلخيص بعد ذكر حديث الباب ما لفظه: رواه الترمذي والحاكم

(3/182)


577 ـ حدثنا محمدُ بن بَشّار حدثنا عبدُ الوهّابِ الثقَفي حدثنا خالدٌ الحَذّاء عن أبي العاليةِ عن عائشةَ قالت " كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يقولُ في سجودِ القرآنِ بالليلِ: سجدَ وَجْهِي للذِي خَلَقَه وشَقّ سَمْعَهُ وبَصَرَهُ بحَوْلَهِ وقوتهِ".
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
وابن حبان وابن ماجه وفيه قصة، وضعفه العقيلي بالحسن بن محمد بن عبيد الله بن أبي يزيد فقال فيه جهالة انتهى.
قوله: "يقول في سجود القرآن بالليل" : حكاية للواقع لا للتقييد به " سجد وجهي" بفتح الياء وسكونها "للذي خلقه وشق سمعه وبصره"، تخصيص بعد تعميم أي فتحهما وأعطاهما الإدراك وأثبت لهما الإمداد بعد الإيجاد. قال القاري في المرقاة: قال ابن الهمام: ويقول في السجدة ما يقول في سجدة الصلاة على الأصح، واستحب بعضهم {سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً } لأنه تعالى أخبر عن أوليائه وقال: { يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّداً وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً } قال القاري: وينبغي أن لا يكون ما صحح على عمومة، فإن كانت السجدة في الصلاة فيقول فيها ما يقال فيها، فإن كانت فريضة قال سبحان ربي الأعلى أو نفلاً قال ما شاء مما ورد لسجد وجهي وكقول اللهم اكتب لي الخ، قال وإن كان خارج الصلاة قال كل ما أثر من ذلك انتهى كلام القاري.
قلت: إن كانت السجدة في الصلاة المكتوبة يقول فيهما أيضاً ما شاء مما ورد بإسناد صحيح كسجد وجهي للذي خلقه الخ لا مانع من قول ذلك فيها. هذا ما عندي والله تعالى أعلم.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح"، وأخرجه أحمد وأصحاب السنن والدارقطني والحاكم والبيهقي وصححه ابن السكن وقال في آخره ثلاثاً، زاد الحاكم في آخره: فتابرك الله أحسن الخالقين، وزاد البيهقي وصوره بعد قوله خلقه،

(3/183)


ـــــــ
وللنسائي من حديث جابر مثله في سجود الصلاة، ولمسلم من حديث علي كذلك كذا في التلخيص والنيل.
فائدة: قال ابن قدامة في المغنى: يشترط للسجود ما يشترط لصلاة النافلة من الطهارتين من الحدث والنجس وستر العورة واستقبال القبلة والنية ولا نعلم فيه خلافاً إلا ما روي عن عثمان بن عفان رضي الله عنه في الحائض تسمع السجدة تومئ برأسها، وبه قال سعيد بن المسيب قال ويقول اللهم لك سجدت، وعن الشعبي فيمن سمع السجدة على غير وضوء يسجد حيث كان وجهه. ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم: لا يقبل الله صلاة بعير طهور، فيدخل في عمومه السجود ولأنه صلاة فيشترط له ذلك كذات الركوع انتهى.
وقال الشيخ محمد بن إسماعيل الأمير في سبل السلام: والأصل أنه لا يشترط الطهارة إلا بدليل، وأدلة وجوب الطهارة وردت للصلاة، والسجدة لا تسمى صلاة، فالدليل على من شرط ذلك انتهى.
وقال الشوكاني في النيل ما ملخصه: ليس في أحاديث سجود التلاوة ما يدل على اعتبار أن يكون الساجد متوضئاً، وهكذا ليس في الأحاديث ما يدل على اعتبار طهارة الثياب والمكان. وأما ستر العوره واستقبال القبلة مع الإمكان فقيل إنه معتبر اتفاقاً، قال في الفتح: لم يوافق ابن عمر أحد على جواز السجود بلا وضوء إلا الشعبي، أخرجه ابن أبي شيبة عنه بسند صحيح. وأخرج أيضاً عن أبي عبد الرحمَن السلمي أنه كان يقرأ السجدة ثم يسجد وهو على غير وضوء إلى غير القبلة وهو يمشي يوميء إيماءاً انتهى كلام الشوكاني.
قلت: الاحتياط للعمل فيما قال ابن قدامة في المغنى، وعليه عملنا. هذا ما عندنا والله تعالى أعلم

(3/184)


باب ماذكر فيمن فاته حزبه من اليل فقضاه بالنهار
...
403ـ باب باب ما ذُكِر فيمن فاتَه حِزْبهُ من الليلِ فقضاهُ بالنهار
578 ـ حدثنا قُتَيْبةُ حدثنا أبو صفوانَ عن يونسُ "بن يزيد" عن ابن شهاب "الزهري" أن السائبَ بن يزيدَ و عبيدَ الله بن عُتْبَةَ بن مسعودٍ أخبراه عن عبدِ الرحمَن بن عبدِ القاريّ قال: سَمِعْتُ عُمَر بن الخطابِ يقولُ: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم "مَنْ نَامَ عَن حِزبهِ أو عَن شيءٍ منهُ فقرأَهُ ما بين صَلاةِ الفجرِ وصلاةِ الظهرِ كُتِبَ له كأَنّما قرأَه منَ الليلِ".
ـــــــ
"باب ما ذكر فيمن فاته حزبه من الليل فقضاه بالنهار"
قال الجزري في النهاية: الحزب ما يجعله الرجل على نفسه من قراءة أو صلاة كالورد انتهى.
قوله: "عن يونس" هو ابن يزيد "أن السائب بن يزيد وعبيد الله أخبراه" الضمير المنصوب يرجع إلى ابن شهاب، وعبيد الله هذا هو ابن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب العمري ثقة ثبت "عن عبد الرحمَن بن عبد القاري" قال الحافظ في التقريب: عبد الرحمَن بن عبد بغير إضافة إلى القاري يقال له روية، وذكره العجلي في ثقات التابعين. واختلف قول الواقدي فيه، قال تارة له صحبة، وتارة تابعي والقاري بتشديد الياء منسوب إلى القارة قبيلة مشهورة بجودة الرمي.
قوله: "من نام عن حزبه" بكسر الحاء المهملة وسكون الزاي وبالموحدة أي عن ورده يعني عن تمامه، وفي رواية ابن ماجه عن جزئه بجيم مضمومة وبالهمزة مكان الموحدة وفي رواية النسائي: من نام عن حزبه أو قال جزئه وهو شك من بعض الرواة. قال العراقي: وهل المراد به صلاة الليل أو قراءة القرآن في صلاة أو غير صلاة، يحتمل كلا من الأمرين انتهى "أو عن شيء منه" أي من حزبه يعني عن بعض ورده "كتب له" جواب الشرط "كأنما قرأه من الليل" صفة مصدر محذوف أي أثبت أجره في صحيفة عمله إثباتاً مثل إثباته حين قرأه من الليل. قاله القاري. والحديث يدل على مشروعية اتخاذ ورد في الليل

(3/185)


ال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. "قال" : وأبو صَفْوانَ اسمُه عبدُ الله بن سَعيدٍ المَكيّ وَروَى عنه الحُمَيْدِيّ وكبارُ الناس.
ـــــــ
وعلى مشروعية قضائه إذا فات لنوم أو لعذر من الأعذار، وأن من فعله ما بين صلاة الفجر إلى صلاة الظهر كان كمن فعله في الليل. وقد ثبت من حديث عائشة عند مسلم والترمذي وغيرهما أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا منعه من قيام الليل نوم أو وجع صلى من النهار ثنتي عشرة ركعة.
: "هذا حديث حسن صحيح" أخرجه الجماعة إلا البخاري.
قوله: "وأبو صفوان اسمه عبد الله بن سعيد المكي الخ" قال في التقريب: عبد الله بن سعيد بن عبد الملك بن مروان أبو صفوان الأموي الدمشقي نزيل مكة ثقة من التاسعة مات على رأس المائتين "روى عنه الحميدي وكبار الناس" كأحمد وابن المديني

(3/186)


404 ـ باب ما جاءَ من التشديِدِ في الذي يَرْفَعُ رأسَهُ قَبْلَ الإمام
579 ـ حدثنا قُتَيْبةُ حدثنا حَمّادُ بن زيدٍ عن محمدِ بن زيادٍ "وهو أبو الحارثِ البَصريّ ثقةٌ" عن أبي هريرةَ قال: قال محمدٌ صلى الله عليه وسلم "أمَا يَخْشَى الذي يَرْفَعُ رَأْسَهُ قبل الإمامِ يحوّل الله رأْسَهُ رأْس حِمَارٍ".
ـــــــ
باب ما جاء من التشديد في الذي يرفع راسه فبل الإمام
قوله: "عن محمد بن زياد" الجمحي مولاهم "وهو أبو الحرث البصري ثقة" ثبت ربما أرسل من رجال الستة.
قوله: "أما يخشى" الهمزة للاستفهام وما نافية "الذي يرفع رأسه قبل الإمام" أي من السجود أو الركوع "أن يحول الله رأسه رأس حمار" اختلف في معنى هذا الوعيد فقيل يحتمل أن يرجع إلى أمر معنوي، فإن الحمار موصوف بالبلادة فاستعير هذا المعنى للجاهل بما يجب عليه من فرض الصلاة ومتابعة الإمام ويرجح لهذا المجاز أن التحويل لم يقع مع كثرة الفاعلين لكن ليس في الحديث

(3/186)


قال قُتَيْبَةُ: قال حمادٌ: قال لي محمدُ بن زيادٍ "و" إنما قال "أمَا يخشى".
ـــــــ
أن ذلك يقع ولا بد، وإنما يدل على كون فاعله متعرضاً لذلك وكون فعله ممكناً لأن يقع عنه ذلك الوعيد، ولا يلزم من التعرض للشيء وقوع ذلك الشيء. قال ابن دقيق العيد: وقال ابن بزيزة: يحتمل أن يراد بالتحويل المسخ أو تحويل الهيئة الحسية أو المعنوية أو هما معاً. وحمله آخرون على ظاهره إذ لا مانع من وقوع ذلك، بل يدل على جواز وقوع المسخ في هذه الأمة حديث أبي مالك الأشعري فان فيه ذكر الخسف وفي آخره يمسخ آخرين قردة وخنازير إلى يوم القيامة.
ويقوي حمله على ظاهره أن في رواية ابن حبان من وجه آخر عن محمد بن زياد أن يحول الله رأسه رأس كلب، فهذا يبعد المجاز لانتقاء المناسبة التي ذكروها من بلاده الحمار. ومما يبعده أيضاً إيراد الوعيد بالأمر المستقبل وباللفظ الدال على تغيير الهيئة الحاصلة، ولو أريد تشبيهه بالحمار لأجل البلادة لقال مثلاً فرأسه رأس حمار. وإنما قلت ذلك لأن الصفة المذكورة وهي البلادة حاصلة في فاعل ذلك عند فعله المذكور فلا يحسن أن يقال له يخشى إذا فعلت ذلك أن تصير بليداً مع أن فعله المذكور إنما نشأ من البلادة. كذا في فتح الباري.
قلت: القول الظاهر الراجح هو حمله على الظاهر ولا حاجة إلى التأويل مع ما فيه ذكره الحافظ.
ويؤيد حمله على الظاهر ما حكى عن بعض المحدثين أنه رحل إلى دمشق لأخذ الحديث عن شيخ مشهور بها فقرأ جملة لكنه كان يجعل بيني وبينه حجاباً ولم ير وجهه فلما طالت ملازمته له ورأى حرصه على الحديث كشف له الستر فرأى وجهه وجه حمار فقال له احذر يا بني أن تسبق الإمام فإني لما مر بي الحديث استبعدت وقوعه فسبقت الإمام فصار وجهي كما ترى والله تعالى أعلم.
قوله: "قال لي محمد بن زياد إنما قال أما يخشى" في حاشية النسخة الأحمدية غرضه من هذا القول دفع توهم من قال إنا نشاهد من الناس الرفع قبل الإمام ولا يحول رأسه، فقال محمد: إن قوله أما يخشى ورد البتة لكن المراد منه إما التهديد أو يكون في البرزخ أو في النار انتهى ما في الحاشية.

(3/187)


قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. ومحمدُ بن زيادٍ "هو" بصري ثقة يُكْنَى أبا الحارثِ.
ـــــــ
قلت: روى شعبة هذا الحديث عن محمد بن زياد عن أبي هريرة بلفظ: أما يخشى أحدكم، أو ألا يخشى أحدكم إذا رفع رأسه قبل الإمام، كما في صحيح البخاري، فوقع الشك لشعبة في أن محمد بن زياد حدثه عن أبي هريرة بلفظ: أما يخشى أو ألا يخشى، فالظاهر أن حماد بن زيد سأل محمد بن زياد عن أن أبا هريرة حدثك بلفظ أما يخشى أو ألا يخشى، فأجابه محمد بن زياد بقوله إنما قال أي أبو هريرة أما يخشى. والله تعالى أعلم.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان.و أبوداود

(3/188)


405 ـ باب ما جاءَ في الذي يصلّي الفريضَةَ ثم يؤمّ الناسَ بعد ذلك
580 ـ حدثنا قُتَيْبةُ حدثنا حمادُ بن زيدٍ عن عَمْروِ بن دينارٍ عن جابرِ بن عبدِ الله "أن مُعاذَ بن جَبَلٍ كان يُصَلّي مع رسولِ الله صلى الله عليه وسلم المغربَ ثم يرجعُ إلى قومهِ فَيؤمّهم".
ـــــــ
قلت: روى شعبة هذا الحديث عن محمد بن زياد عن أبي هريرة بلفظ: أما يخشى أحدكم، أو ألا يخشى أحدكم إذا رفع رأسه قبل الإمام، كما في صحيح البخاري، فوقع الشك لشعبة في أن محمد بن زياد حدثه عن أبي هريرة بلفظ: أما يخشى أو ألا يخشى، فالظاهر أن حماد بن زيد سأل محمد بن زياد عن أن أبا هريرة حدثك بلفظ أما يخشى أو ألا يخشى، فأجابه محمد بن زياد بقوله إنما قال أي أبو هريرة أما يخشى. والله تعالى أعلم.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان.و أبوداود
باب ما جاءَ في الذي يصلّي الفريضَةَ ثم يؤمّ الناسَ بعد ذلك
قوله: "كان يصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم المغرب" وفي رواية مسلم من طريق منصور عن عمر وعشاء الآخرة "ثم يرجع إلى قومه فيؤمهم" في رواية من الطريق المذكورة فيصلي بهم تلك الصلاة، وللبخاري في الأدب فيصلي بهم الصلاة أي المذكورة. وفي هذا رد على من زعم أن المراد أن الصلاة التي كان يصليها مع النبي صلى الله عليه وسلم غير الصلاة التي كان يصليها بقومه، وفي رواية البخاري من طريق شعبة عن عمرو ثم يرجع فيؤم قومه فصلى العشاء قال الحافظ في الفتح: كذا في معظم الروايات، ووقع في رواية لأبي عوانة والطحاوي صلى بأصحابه المغرب، فإن حمل على التعدد أو على أن المراد بالمغرب العشاء وإلا فما في الصحيح أصح انتهى.

(3/188)


قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. والعملُ على هذا عندَ أصحابِنا الشافعيّ وأحمدَ وإسحاقَ. قالوا: إذا أمّ الرجلُ القومَ في المكتوُبَةِ وقد كان صلاّها قبلَ ذلكَ أنّ صلاةَ مَنِ ائْتَمّ به جائزةٌ واحتجوا بحديثِ جابرٍ في قصةِ مُعَاذٍ. وهو حديثٌ صحيحٌ، وقد رُوِيَ مِن غَيْرِ وجْهٍ عن جابرٍ.
ـــــــ
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان.
قوله: "والعمل على هذا عند أصحابنا الشافعي وأحمد وإسحاق" فيه دليل على أن المراد من قول الترمذي أصحابنا أصحاب الحديث كالإمام أحمد والإمام الشافعي وغيرهما، وقد مر ما يتعلق به في المقدمة "قالوا إذا أم الرجل القوم في المكتوبة وقد كان صلاها قبل ذلك أن صلاة من ائتم به جائزة. واحتجوا بحديث جابر في قصة معاذ" قال الحافظ في الفتح: استدل بهذا الحديث على صحة اقتداء المفترض بالمتنفل بناء على أن معاذاً كان ينوي بالأولى الفرض وبالثانية النفل، ويدل عليه ما رواه عبد الرزاق والشافعي والطحاوي والدارقطني وغيرهم من طريق ابن جريج عن عمرو بن دينار عن جابر في حديث الباب، زاد هي له تطوع ولهم فريضة، وهو حديث صحيح. وقد صرح ابن جريج في رواية عبد الرزاق بسماعه منه فانتفت تهمة تدليسه فقول ابن الجوزي: إنه لا يصح مردود، وتعليل الطحاوي له بأن ابن عيينة ساقه عن عمرو أتم من سياق ابن جريج ولم يذكر هذه الزيادة ليس بقادح في صحته، لأن ابن جريج آسن وأجل من ابن عيينة وأقدم أخذاً عن عمرو منه، ولو لم يكن كذلك فهي زيادة من ثقة حافظ ليست منافية لرواية من هو أحفظ منه ولا أكثر عدداً، فلا مانع في الحكم بصحتها. وأما رد الطحاوي لها باحتمال أن تكون مدرجة فجوابه أن الأصل عدم الأدراج حتى يثبت التفصيل، فمهما كان مضموماً إلى الحديث فهو منه ولا سيما إذا روى من وجهين والأمر هنا كذلك. فإن الشافعي أخرجها متابعاً لعمرو بن دينار عنه.
وقول الطحاوي هو ظن من جابر مردود، لأن جابراً كان ممن يصلي مع معاذ فهو محمول على أنه سمع ذلك منه، ولا يظن بجابر أنه يخبر عن شخص بأمر غير مشاهد إلا بأن يكون ذلك الشخص أطلعه عليه.

(3/189)


وَرُوِيَ عن أبي الدّرْداءِ أَنه سُئِلَ عن رجُل دخلَ المسجدَ والقومُ في صلاةِ العَصرِ وهو يَحْسَبُ أنها صلاةُ الظهرِ فائْتَمّ بهم. قال: صلاتُه جائزةٌ.
ـــــــ
وأما قول الطحاوي لا حجة فيها لأنها لم تكن بأمر النبي صلى الله عليه وسلم ولا تقريره فجوابه أنهم لا يختلفون في أن رأى الصحابي إذا لم يخالفه غيره حجة، والواقع هنا كذلك، فإن الذين كان يصلي بهم كلهم صحابة وفيهم ثلاثون عقبياً وأربعون بدرياً. قاله ابن حزم، قال ولا يحفظ من غيرهم من الصحابة امتناع ذلك، بل قال معهم بالجواز عمر وابن عمر وأبو الدرداء وأنس وغيرهم انتهى.
فإن قلت: روى أحمد والطحاوي عن معاذ بن رفاعة عن سليم رجل من بني سلمة أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إن معاذ بن جبل يأتينا الحديث وفي آخره يا معاذ لا تكن فتاناً إما أن تصلي معي وإما أن تخفف على قومك فهذه الرواية تدل على عدم صحة اقتداء المفترض بالمتنفل فإن قوله: إما أن تصلي معي وإما أن تخفف على قومك قال الطحاوي: معناه إما أن تصلي معي ولا تصلي بقومك وإما أن تخفف بقومك أي ولا تصلي معي.
قلت: في صحة هذه الرواية كلام، قال الشوكاني في النيل: قد أعلها ابن حزم بالانقطاع لأن معاذ ابن رفاعة لم يدرك النبي صلى الله عليه وسلم ولا أدرك الذي شكا إليه لأن هذا الشاكي مات قبل أحد انتهى.
ثم في صحة ما ذكره الطحاوي في معنى قوله إما أن تصلي معي وإما أن تخفف على قومك كلام أيضاً. قال الحافظ في الفتح: وأما دعوى الطحاوي أن معناه إما أن تصلي معي ولا تصل بقومك، وإما أن تخفف بقومك ولا تصل معي ففيه نظر، لأن لمخالفه أن يقول بل التقدير: إما أن تصلي معي فقط إذا لم تخفف وإما أن تخفف بقومك فتصلي معي وهو أولى من تقديره لما فيه من مقابلة التخفيف بترك التخفيف لأنه هو المسئول عنه المتنازع فيه انتهى.
قوله: "وهو حديث صحيح".
قوله: "وروي عن أبي الدرداء أنه سئل عن رجل دخل المسجد والقوم في صلاة العصر وهو يحسب أنها صلاة الظهر فائتم به قال صلاته جائزة" لم أقف على من أخرجه ولم أر في جوازها حديثاً مرفوعاً. وأما القياس على قصة معاذ فقياس مع الفارق كما لا يخفى على المتأمل والله تعالى أعلم.

(3/190)


قد قال قومٌ مِن أهلِ الكُوفِة: إذا ائْتَمّ قومٌ بإِمامٍ وهو يُصلّي العصرَ وهم يحسَبونَ أنها الظُهرُ فصلّى بهم واقْتَدَوْا به، فإِنّ صلاةَ المُقْتَدِي فاسدَةٌ إذا اختلفَ نِيّةُ الإمام و "نيّةُ" المأمُوم.
ـــــــ
وفتوى أبي الدرداء هذه فيما إذا يحسب الداخل أنها صلاة الظهر، وأما إذا يعلم أنها صلاة العصر ومع علمه بذلك قد ائتم به بنية الظهر، فالظاهر أن صلاته ليست بجائزة، يدل عليه حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا التي أقيمت. قال الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد بعد ذكر هذا الحديث بهذا اللفظ ما لفظه: قلت له في الصحيح فلا صلاة إلا المكتوبة، ومقتضى هذا أنه لو لم يصل الظهر وأقيمت صلاة العصر فلا يصلي إلا العصر لأنه قال فلا صلاة إلا التي أقيمت، رواه أحمد والطبراني في الأوسط وفيه ابن لهيعة وفيه كلام انتهى كلام الهيثمي "وقد قال قوم من أهل الكوفة إذا ائتم قوم بإمام وهو يصلي العصر وهم يحسبون أنها الظهر فصلى بهم واقتدوا به فإن صلاة المقتدي فاسدة إذا اختلفت نية الإمام والمأموم"، وهو قول الحنفية واحتجوا بأن المقتدين قد اختلفوا على إمامهم، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه، الحديث. أخرجه الشيخان عن أبي هريرة.
وأجيب عنه بأن الاختلاف المنهى عنه مبين في الحديث بقوله فإذا كبر فكبروا الخ وفيه شيء فتأمل

(3/191)


باب ما ذكر من الرخصة في السجود على الثواب في الحر والبرد
...
406 ـ باب
ما ذُكِرَ مِنَ الرّخْصَةِ في السجودِ على الثوبِ في الحَرّ والبَرْد
581 ـ حدثنا أحمدُ بن محمد حدثنا "عبدُ الله" بن المباركِ أَخبرنا خالدُ بن عبدِ الرحمَن "قال" حدثني غالبٌ القَطانُ عن بَكْرِ بن عبدِ الله
ـــــــ
باب ما ذُكِرَ مِنَ الرّخْصَةِ في السجودِ على الثوبِ في الحَرّ والبَرْد
قوله: "حدثنا أحمد بن محمد" بن موسى المروزي أبو العباس السمسار مردويه الحافظ وقد تقدم، "أخبرنا خالد بن عبد الرحمَن" السلمي أبو أمية البصري،

(3/191)


المُزَنيّ عن أنسِ بن مالكٍ قال " كُنّا إذا صلّيْنَا خَلْفَ النبيّ صلى الله عليه وسلم بالظّهَائِرِ سَجَدْنا على ثِيابِنا اتّقَاءَ الحَرّ".
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
"قال" : وفي البابِ عن جابرِ بن عبدِ الله وابن عباسٍ. "وقد رَوَى وَكيعٌ هذا الحديث عن خالدِ بن عبدِ الرحمَن".
ـــــــ
قال أبو حاتم صدوق له في البخاري فرد حديث "وحدثني غالب القطان" هو غالب ابن خطاف أبو سليمان بن أبي غيلان البصري وثقه أحمد وابن معين.
قوله: "بالظهائر" جمع ظهيرة وهي شدة الحر نصف النهار، ولا يقال في الشتاء ظهيرة " سجدنا على ثيابنا" الثياب جمع الثوب والثوب في اللغة يطلق على غير المخيط وقد يطلق على المخيط مجازاً قاله الحافظ "اتقاء الحر" بالنصب على العلية أي لاتقاء الحر ولفظ أبي داود: كنا نصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في شدة الحر فإذا لم يستطع أحدنا أن يمكن وجهه من الأرض بسط ثوبه فسجد عليه. وفي الحديث جواز استعمال الثياب وكذا وغيرها في الحيلولة بين المصلي وبين الأرض لاتقاء حرها وكذا بردها، واستدل به على إجازة السجود على الثوب المتصل بالمصلى. قال النووي: وبه قال أبو حنيفة والجمهور، وحمله الشافعي على الثوب المنفصل انتهى وأيده البيهقي هذا الحمل بما رواه الاسماعيلي من هذا الوجه بلفظ: فيأخذ أحدنا الحصى في يده فإذا برد وضعه وسجد عليه، قال فلو جاز السجود على شيء متصل به لما احتاجوا إلى تبريد الحصى مع طول الأمر فيه.
وتعقب باحتمال أن يكون الذي كان يبرد الحصى لم يكن في ثوبه فضلة يسجد عليها مع بقاء سترته له كذا في فتح الباري.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي وابن ماجه.
قوله: "وفي الباب عن جابر بن عبد الله وابن عباس" أما حديث جابر بن عبد الله فأخرجه ابن عدي وفي سنده عمر وبن شمر وجابر الجعفي وهما ضعيفان، وفي حديث جابر

(3/192)


هذا أنه صلى الله عليه وسلم كان يسجد على كور عمامته. وأما حديث ابن عباس فأخرجه ابن أبي شيبة بلفظ: أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في ثوب يتقي بفضوله حر الأرض وبردها، وأخرجه أحمد وأبو يعلى والطبراني في الأوسط والكبير، قال في مجمع الزوائد: ورجال أحمد رجال الصحيح كذا في النيل

(3/193)


باب ما ذكر مما يستحب من الجلوس في المسجد بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس
...
407ـ باب ذِكْر ما يُسْتَحبُ مِن الجُلوسِ في المسْجدِ بعد صَلاةِ الصبحِ حتى تَطْلُعَ الشمْس
582 ـ حدثنا قُتَيْبةُ أخبرنا أبو الأحْوَصِ عن سِمَاك "بن حرب" عن جابرِ بنِ سَمُرَةَ قال: "كان النبيّ صلى الله عليه وسلم إذا صلّى الفجرَ قَعَدَ في مُصَلاّهُ حتى تَطْلُعَ الشمسُ".
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
583 ـ حدثنا عبدُ الله بن معاويةَ الجُمَحِيّ البَصْريّ حدثنا عبدُ العزيزِ بن مُسْلِمٍ حدثنا أبو ظِلاَلٍ عن أنس بن مالك قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم
ـــــــ
ذِكْر ما يُسْتَحبُ مِن الجُلوسِ في المسْجدِ بعد صَلاةِ الصبحِ حتى تَطْلُعَ الشمْس
قوله: "إذا صلى الفجر قعد في مصلاه" أي يذكر الله تعالى كما في رواية الطبراني "حتى تطلع الشمس" حسناه، كذا هو ثابت في مسلم وأسقطه في رواية أخرى، وفي الحديث ندب القعود في المصلى بعد صلاة الصبح إلى طلوع الشمس.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه مسلم وأبو داود والنسائي.
قوله: "حدثنا عبد الله بن معاوية الجمحي" بضم الجيم وفتح الميم وكسر الحاء المهملة منسوب إلى جمع بن عمر ثقة معمر من العاشرة. قال في الخلاصة: وثقه

(3/193)


"مَنْ صَلى الغداة في جَمَاعَةِ ثُمّ قَعَدَ يَذْكُرُ الله حتى تَطْلُعَ الشمْسُ ثُمّ صلّى ركعَتيْنِ كانَتْ له كأَجْرِ حَجّةٍ وعُمْرةٍ "قال" : قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: تَامّةٍ تَامّةٍ تَامّةٍ".
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ غريب "قال" : وسأَلْتُ محمدَ بن إسماعيلَ عن أبي ظِلاَلٍ فقال: هو مُقَارِبُ الحديث. قال محمدٌ: واسمُهُ هِلاَلٌ.
ـــــــ
الترمذي وابن حبان "أخبرنا عبد العزيز بن مسلم" القسملي أبو زيد المروزي ثم البصري ثقة عابد ربما وهم "أخبرنا أبو ظلال" بكسر المعجمة وتخفيف اللام وقد بين الترمذي اسمه فيما بعد ويجيء هناك ترجمته.
قوله: "ثم صلى ركعتين" أي بعد طلوع الشمس قال الطيبي: أي ثم صلى بعد أن ترتفع الشمس قدر رمح حتى يخرج وقت الكراهة، وهذه الصلاة تسمى صلاة الإشراق وهي أول صلاة الضحى.
قلت: وقع في حديث معاذ حتى يسبح ركعتي الضحى وكذا وقع في حديث أمامة وعتبة بن عبد "كانت" أي المثوبة "قال" أي أنس "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم تامة تامة تامة" صفة لحجة وعمرة كررها ثلاثاً للتأكيد، وقيل أعاد القول لئلا يتوهم أن التأكيد بالتمام وتكراره من قول أنس. قال الطيبي: هذا التشبيه من باب إلحاق الناقص بالكامل ترغيباً أو شبه استيفاء أجر المصلي تاماً بالنسبة إليه باستيفاء أجر الحاج تاماً بالنسبة إليه. وأما وصف الحج والعمرة بالتمام إشارة إلى المبالغة، كذا في المرقاة "هذا حديث حسن غريب"، حسنه الترمذي في إسناده أبو طلاف وهو متكلم فيه لكن له شواهد، فمنها حديث أبي أمامة، قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من صلى صلاة الغداة في جماعة ثم جلس يذكر الله حتى تطلع الشمس ثم قام فصلى ركعتين انقلب بأجر حجة وعمرة، أخرجه الطبراني

(3/194)


ـــــــ
قال المنذري في الترغيب: إسناده جيد ومنها حديث أبي أمامة وعتبة بن عبد مرفوعاً: من صلى صلاة الصبح في جماعة ثم ثبت حتى يسبح لله سبحة الضحى كان له كأجر حاج ومعتمر تاماً له حجرة وعمرة، أخرجه الطبراني قال المنذري: وبعض رواته مختلف فيه، قال: وللحديث شواهد كثيرة انتهى. وفي الباب أحاديث عديدة ذكرها المنذري في الترغيب "وسألت محمد بن إسماعيل عن أبي ظلال فقال هو مقارب الحديث" هو من ألفاظ التعديل وقد تقدم تحقيقه في المقدمة "قال محمد" يعني البخاري "واسمه هلال" قال الحافظ في التقريب: أبو ظلال بكسر المعجمة وتخفيف اللام اسمه هلال بن أبي هلال أو ابن أبي مالك وهو ابن ميمون وقيل غير ذلك في اسم أبيه القسملي البصري ضعيف مشهور بكنيته انتهى. وقال الذهبي في الميزان: هلال بن ميمون وهو هلال بن أبي سويد أبو ظلال القسملي صاحب أنس، قال ابن معين: ضعيف ليس بشيء وقال النسائي والأزدي ضعيف، وقال ابن عدي: عامة ما يرويه لا يتابعه الثقات عليه، وقال ابن حبان: مغفل لا يجوز الاحتجاج به بحال، وقال البخاري عنده مناكير انتهى. وقال في الكني واه بمرة

(3/195)


408ـ باب ما ذُكِرَ في الالتفَاتِ في الصّلاة
584 ـ حدثنا محمودُ بن غَيْلانَ وغيرُ واحدٍ قالوا حدثنا الفضلُ بن موسى عن عبدِ الله بن سعيدِ بن أبي هندٍ عن ثَوْرِ بن زَيْدٍ عن عِكْرمَةَ عن ابن عباسٍ " أَنّ رسوُلَ الله صلى الله عليه وسلم كانَ يَلْحَظُ في الصّلاةِ يَمِيناً وشِمَالاً ولا يَلويِ عُنُقَهُ خَلْفَ ظَهْره"
ـــــــ
باب ما ذُكِرَ في الالتفَاتِ في الصّلاة
قوله: "كان يلحظ في الصلاة" بفتح الحاء المهملة وبالظاء أي ينظر بمؤخر عينيه، واللحظ هو النظر بطرف العين الذي يلي الصدغ "يميناً وشمالاً" أي تارة إلى جهة اليمين وتارة إلى جهة الشمال "ولا يلوي عنقه" أي لا يصرف ولا يميل عنقه "خلف ظهره" أي إلى جهته قال الطيبي: اللي فتل الحبل، يقال لويته ألويه لياً، ولوى رأسه وبرأسه أماله ولعل هذا الالتفات كان منه في التطوع فإنه أسهل لما في حديث أنس أي الاَتي، وقال ابن الملك قيل التفاته عليه الصلاة والسلام

(3/195)


قال أبو عيسى: هذا حديثٌ غريبٌ. وقد خَالَف وكيعٌ الفَضْلَ بنَ موسَى في روايتهِ.
584 ـ حدثنا محمودُ بن غَيْلانَ حدثنا وكيعٌ عن عبدِ الله بن سعيدِ بن أبي هندٍ عن بعضِ أصحابِ عِكْرِمةَ "أَنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم كان يَلحَظُ في الصّلاةِ" فَذكرَ نحوَه.
"قال" : وفي البابِ عن أنسٍ وعائشَةَ.
ـــــــ
مرة أو مراراً قليلة لبيان أنه غير مبطل أو كان لشيء ضروري، فان كان أحد يلوي عنه خلف ظهره أي يحول صدره عن القبلة فهو مبطل للصلاة كذا في المرقاة. وقد أخرج الحازمي حديث ابن عباس هذا في كتاب الاعتبار بلفظ: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلتفت في صلاته الخ ثم قال: هذا حديث غريب تفرد به الفضل بن موسى عن عبد الله بن سعيد بن أبي هند متصلاً وأرسله غيره عن عكرمة انتهى.
قوله: "هذا حديث غريب" قال ميرك: ورواه الحاكم وقال على شرط البخاري وأقره الذهبي، وقال الترمذي حديث حسن غريب. وقال النووي: إسناده صحيح وروى مرسلاً كذا في المرقاة. قلت: وقع في النسخ الموجودة عندنا: هذا حديث غريب ليس في واحد منها حسن غريب.
قوله: "وقد خالف وكيع الفضل بن موسى في روايته" فإنه رواه عن عبد الله بن سعيد مرسلاً كما ذكره الترمذي بقوله حدثنا محمود بن غيلان الخ.
قوله: "وفي الباب عن أنس وعائشة" أخرج حديثهما الترمذي في هذا الباب وحديث عائشة رضي الله عنها أخرجه الشيخان أيضاً وفي الباب أحاديث كثيرة ذكرها الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد. وقال الحافظ في الفتح: ورد في كراهية الالتفات صريحاً على غير شرط البخاري عدة أحاديث منها عند أحمد وابن خزيمة من حديث أبي ذر رفعه: لا يزال الله مقبلاً على العبد في صلاته ما لم يلتفت فإذا صرف وجهه عنه

(3/196)


586 ـ حدثنا مُسْلِمُ بن حاتمٍ البَصْريّ حدثنا محمدُ بن عبدِ الله الأنصَاريّ عن أبيهِ عن عليّ بن زَيدٍ عن سَعيدِ بن المُسَيّبِ قال: قال أنس بن مالك: "قال لي رسولُ الله صلى الله عليه وسلم "يا بُنَيّ إيّاكَ والالْتِفَاتَ في الصّلاةِ فإنّ الالتفاتَ في الصّلاةِ هَلَكَةٌ فإِنْ كان لاَ بُدّ فَفِي التّطَوّعِ لا في الفَريضَةِ".
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ
587 ـ حدثنا صالحُ بن عبدِ الله حدثنا أبو الأحْوَصِ عن أشْعَثَ
ـــــــ
انصرف ومن حديث الحارث الأشعري نحوه وزاد "فاذا صليتم فلا تلتفتوا" وأخرج الأول أيضا أبو داود والنسائي قال: والمراد بالالتفات المذكور ما لم يستدبر القبلة بصدره أو عنقه كله وسبب كراهة الالتفات يحتمل أن يكون لنقص الخشوع أو لترك استقبال القبلة ببعض البدن انتهى قوله "يا بني إياك والالتفات في الصلاة" أي بتحويل الوجه "فان الالتفات في الصلاة هلكة" بفتحتين أي هلاك لأنه طاعة الشيطان وهو سبب الهلاك قال ميرك الهلاك على ثلاة أوجه افتقاد الشيء عندك وهو ثم غيرك عندك موجود كقوله تعالى: { هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ} وهلاك الشيء باستحالته والثالث الموت كقوله تعالى: {إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ} وقال الطيبي: الهلكة الهلاك وهو استحالة الشيء وفساده لقوله تعالى :{ وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ} والصلاة بالالتفات تستحيل من الكمال إلى الاختلاس المذكور في حديث عائشة "فان كان لا بد" أي من الالتفات "ففي التطوع لا في الفريضة" لأن مبني التطوع على المساهلة ألا ترى أنه يجوز قاعدا مع القدرة على القيام وفيه الإذن بالالتفات للحاجة في التطوع والمنع من ذلك في صلاة الفرض
قوله "هذا حديث حسن" ذكر الحافظ ابن تيمية هذا الحديث في المنتقى وقال رواه الترمذي وصححه

(3/197)


بن أبي الشّعْثَاء عن أبيهِ عن مَسْروقٍ عن عائشَةَ قالت "سأَلْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم عن الالتفاتِ في الصّلاةِ قال "هو اخْتِلاَسٌ يَخْتَلسُهُ الشيطانُ مِنْ صَلاةِ الرجلِ".
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ.
ـــــــ
قوله: "قال هو اختلاس" افتعال من الخلس وهو السلب أي استلاب وأخذ بسرعة وقيل شيء يختلس به "يختلسه الشيطان" أي يحمله على هذا الفعل. وأحاديث الباب تدل على كراهة الالتفات في الصلاة وهو قول الأكثر والجمهور وأنها كراهة تنزيه ما لم يبلغ إلى حد استدبار القبلة، والحكمة في التنفير عنه ما فيه من نقص الخشوع والإعراض عن الله تعالى وعدم التصميم على مخالفة وسوسة الشيطان.
واعلم أن الحافظ الحازمي قد استدل على نسخ الالتفات بحديث رواه بإسناده إلى ابن سيرين قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام في الصلاة نظر هكذا وهكذا، فلما نزل {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ}، نظر هكذا قال ابن شهاب: يبصره نحو الأرض. قال: وهذا وإن كان مرسلاً فله شواهد، واستدل أيضاً بقول أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا صلى رفع بصره إلى السماء فنزل {الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ} قلت: في هذا الاستدلال كلام كما لا يخفى على المتأمل.
قوله: "هذا حديث حسن غريب" وأخرجه أحمد والبخاري والنسائي وأبو داود

(3/198)


باب ما ذكر في الرجل يدرك الإمام ساجدا كيف يصنع
...
409ـ باب ما ذُكِرَ في الرجُلِ يُدْرِكُ الإمَامَ وهو ساجد كيفَ يَصْنَع
588 ـ حدثنا هِشَامُ بن يُونسَ الكوفيّ حدثنا المُحارِبيّ عن الحَجّاجِ بن أَرْطأةَ عن أبي إسحاقَ عن هُبَيْرَةَ "بن يريم" عن عَلِي، وعن عَمْرِو بن مُرّةَ عن ابن أبي لَيْلَى عن مُعَاذِ بن جَبَلٍ قالا: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إذا أتَى أَحدُكم الصلاةَ والإمامُ على حالٍ فَلْيَصْنَعْ كما يَصْنَعُ الإمامُ".
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ غريبٌ لا نعَلمُ أحداً أسْنَدَهُ إلا ما رُوِيَ
ـــــــ
باب ما ذُكِرَ في الرجُلِ يُدْرِكُ الإمَامَ وهو ساجد كيفَ يَصْنَع
قوله: "حدثنا هشام بن يونس الكوفي" اللؤلؤي أبو القاسم ثقة روي عن ابن عيينة وغيره وعنه الترمذي وثقه النسائي "أخبرنا المحاربي" هو عبد الرحمَن بن زياد الكوفي ثقة "عن أبي إسحاق" اسمه عمرو بن عبد الله السبيعي ثقة عابد اختلط بآخره "عن هبيرة" بضم الهاء وفتح الموحدة ابن مريم على وزن عظيم الكوفي عن علي وعنه أبو إسحاق السبيعي وثقه ابن حبان كذا في الخلاصة، وقال في التقريب: لا بأس به وقد عيب بالتشيع "وعن عمرو بن مرة" عطف على قوله عن هبيرة فإن هبيرة وعمرو بن مرة كليهما من شيوخ أبي إسحاق.
قوله: "إذا أتى أحدكم الصلاة والإمام على حال" أي من قيام أو ركوع أو سجود أو قعود " فليصنع كما يصنع الإمام" أي فليوافق الإمام فيما هو فيه من القيام أو الركوع أو غير ذلك أي فلا ينتظر الإمام إلى القيام كما يفعله العوام.
قوله: "هذا حديث غريب الخ" قال الحافظ في التلخيص: فيه ضعف وانقطاع انتهى، وقال الشوكاني في النيل صفحة 3431: والحديث وإن كان فيه ضعف لكنه يشهد له ما عند أحمد وأبي داود من حديث ابن أبي ليلى عن معاذ قال:

(3/199)


مِنْ هذا الوجهِ. والعملُ على هذا عندَ أهلِ العلمِ، قالوا: إذا جاء الرجلُ والإمامُ ساجدٌ فَلْيَسْجُدْ ولا تُجْزئُهُ تلكَ الركعةُ إذا فاتَهُ الركوعُ مع الإمامِ.
واختارَ عبدُ الله بن المبارَكِ أن يسجدَ مع الإمامِ. وَذَكَرَ عن بعضهمْ فقال: لَعَلّهُ لا يَرْفَعُ رَأسَهُ في تلك السجْدَةِ حتى يُغْفَرَ له.
ـــــــ
أحيلت الصلاة ثلاثة أحوال فذكر الحديث وفيه: فجاء معاذ فقال لا أجده على حال أبداً إلا كنت عليها ثم قضيت ما سبقني، قال فجاء وقد سبقه النبي صلى الله عليه وسلم ببعضها، قال فقمت معه فلما قضى النبي صلى الله عليه وسلم صلاته قام يقضي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قد سن لكم معاذ فهكذا فاصنعوا، وابن أبي ليلى وإن لم يسمع من معاذ فقد رواه أبو داود من وجه آخر عن عبد الرحمَن بن أبي ليلى قال: حدثنا أصحابنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر الحديث وفيه: فقال معاذ لا أراه على حال إلا كنت عليها الحديث. ويشهد له أيضاً ما رواه ابن أبي شيبة عن رجل من الأنصار مرفوعاً: من وجدني راكعاً أو قائماً أو ساجداً فليكن معي على حالتي التي أنا عليها، وما أخرجه سعيد بن منصور عن أناس من أهل المدينة مثل لفظ ابن أبي شيبة، قال الشوكاني: والظاهر أنه يدخل معه في الحال التي أدركه عليها مكبراً معتداً بذلك التكبير وإن لم يعتد بما أدركه من الركعة كمن يدرك الإمام في حال سجوده أو قعوده. انتهى كلام الشوكاني.
قوله: "ولا تجزئه تلك الركعة إذا فاته الركوع مع الإمام" وأما إذا أدرك الركوع مع الإمام فتجزؤه تلك الركعة وهذا هو مذهب الجمهور فقالوا: إن من أدرك الإمام راكعاً دخل معه واعتد بتلك الركعة وإن لم يدرك شيئاً من القراءة، وقال بعض أهل العلم لا تجزئه تلك الركعة إذا فاته القيام قراءة فاتحة الكتاب وإن أدرك الركوع مع الإمام، وقد ذهب إلى هذا أهل الظاهر وابن خزيمة وأبو بكر الضبعي، روى ذلك ابن سيد الناس في شرح الترمذي وذكر فيه حاكياً عمن روى عن ابن خزيمة أنه احتج لذلك بما روى عن أبي هريرة أنه صلى الله عليه وسلم قال: من أدرك الإمام في الركوع فليركع معه وليعد الركعة، وقد رواه البخاري في القراءة

(3/200)


ـــــــ
خلف الإمام من حديث أبي هريرة أنه قال إن أدركت القوم ركوعاً لم يعتد بتلك الركعة. فقال الحافظ: وهذا هو المعروف عن أبي هريرة موقوفاً وأما المرفوع فلا أصل له. وقال الرافعي تبعاً للإمام إن أبا عاصم العبادي حكى عن ابن خزيمة أنه احتج به، وقد حكى هذا المذهب البخاري في القراءة خلف الإمام عن كل من ذهب إلى وجوب القراءة خلف الإمام، وحكاه الحافظ في الفتح عن جماعة من الشافعية، وقواه الشيخ تقي الدين السبكي وغيره من محدثي الشافعية، ورجحه المقبلي قال: وقد بحثت هذه المسألة وأحطتها في جميع بحثي فقهاً وحديثاً فلم أحصل منها على غير ما ذكرت يعني من عدم الاعتداد بإدراك الركوع فقط.
واستدل الجمهور على ما ذهبوا إليه بحديث أبي هريرة: من أدرك الركوع من الركعة الأخيرة في صلاته يوم الجمعة فليضف إليها ركعة أخرى. رواه الدارقطني من طريق يسين بن معاذ وهو متروك، وأخرجه الدارقطني بلفظ: إذا أدرك أحدكم الركعتين يوم الجمعة فقد أدرك، وإذا أدرك ركعة فليركع إليها أخرى، ولكنه رواه من طريق سليمان بن داود الحراني ومن طريق صالح بن أبي الأخضر وسليمان متروك وصالح ضعيف. على أن التقييد بالجمعة في كلا الروايتين مشعر بأن غير الجمعة بخلافها، وكذا بالركعة في الرواية الأخرى يدل على خلاف المدعين لأن الركعة لجميعها وإطلاقها على الركوع وما بعده مجاز لا يصار إليه إلا لقرينة كما وقع عند مسلم من حديث البراء بلفظ: فوجدت قيامه فركعته فاعتداله فسجدته، فإن وقوع الركعة في مقابلة القيام والاعتدال والسجود قرينة تدل على أن المراد بها الركوع. وقد ورد حديث من أدرك ركعة من صلاة الجمعة بألفاظ لا تخلو طرقها عن مقال، حتى قال ابن أبي حاتم في العلل عن أبيه: لا أصل لهذا الحديث إنما المتن من أدرك من الصلاة ركعة فقد أدركها، وكذا قال الدارقطني والعقيلي، وأخرجه ابن خزيمة عن أبي هريرة مرفوعاً بلفظ: من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدركها قبل أن يقيم الإمام صلبه، وليس في ذلك دليل لمطلوبهم لما عرفت من أن مسمي الركعة جميع أركانها وأذكارها حقيقة شرعية وعرفية وهما مقدمتان على اللغوية. كما تقرر في الأصول، فلا يصح جعل حديث ابن خزيمة وما قبله قرينة صارفة عن المعنى الحقيقي، فإن قلت: فأي فائدة على هذا في التقييد بقوله: قبل أن يقيم صلبه، قلت:

(3/201)


ـــــــ
دفع توهم أن من دخل مع الإمام ثم قرأ الفاتحة وركع الإمام قبل فراغه منها غير مدرك، وأما استدلال الجمهور بحديث أبي بكرة حيث صلى خلف الصف مخافة أن تفوته الركعة فقال صلى الله عليه وسلم: زادك الله حرصاً ولا تعد، ولم يأمر بإعادة الركعة فليس فيه ما يدل على ما ذهبوا إليه، لأنه كما لم يأمر بالإعادة فلم ينقل إلينا أنه اعتد بها. والدعاء بالحرص لا يستلزم الاعتداد بها، لأن الكون مع الإمام مأمور به سواء كان الشيء الذي يدركه المؤتم معتداً به أم لا كما في حديثه: إذا جئتم إلى الصلاة ونحن سجود فاسجدوا ولا تعدوها شيئاً، رواه أبو داود وغيره على أن النبي صلى الله عليه وسلم قد نهى أبا بكرة عن العود إلى مثل ذلك، والاستدلال بشيء قد نهي عنه لا يصح. كذا ذكر الشوكاني في النيل.
قلت: واستدل من ذهب إلى أن مدرك الركوع لا يكون مدركاً للركعة إذا فاته القيام وقراءة فاتحة الكتاب بحديث: لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب وما في معناه، وبحديث: ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا، قال الحافظ في الفتح: قد استدل به على أن من أدرك الإمام راكعاً لم يحتسب له تلك الركعة للأمر بإتمامه ما فاته لأنه فاته القيام والقراءة فيه، ثم قال: حجة الجمهور حديث أبي بكرة انتهى.
قلت: القول الراجح عندي قول من قال: إن من أدرك الإمام راكعاً لم يحتسب له تلك الركعة وأما حديث أبي بكرة فواقعة عين، فتفكر. هذا ما عندي والله تعالى أعلم

(3/202)


باب كراهية أن بنتظر الناس والأمام وهم قيام عند افتتاح الصلاة
...
410ـ باب كَرَاهِيَةَ أن يَنْتَظِرَ الناسُ الإمَامَ وهُم قيامٌ عندَ افتتاحِ الصّلاة
589 ـ حدثنا أحمدُ بن محمدٍ حدثنا عبدُ الله "بنُ المبارَكِ" أخبرنا مَعْمَرٌ عن يحيىَ بن أبي كثيرٍ عن عبدِ الله بن أَبي قَتَادَةَ عن أَبيِه قال: قال
ـــــــ
باب كَرَاهِيَةَ أن يَنْتَظِرَ الناسُ الإمَامَ وهُم قيامٌ عندَ افتتاحِ الصّلاة
قوله: "حدثنا أحمد بن محمد" بن موسى أبو العباس السمسار المعروف بمردويه ثقة حافظ.

(3/202)


رسولُ الله صلى الله عليه وسلم "إذا أُقِيمَتِ الصّلاَةُ فلا تَقُومُوا حتى تَرَوْنيِ خَرَجْتُ".
ـــــــ
قوله: "إذا أقيمت الصلاة" أي إذا ذكر ألفاظ الإقامة "فلا تقوموا حتى تروني خرجت" أي من الحجرة الشريفة فقوموا، قال الحافظ في الفتح: قال مالك في الموطأ: لم أسمع في قيام الناس حين تقام الصلاة بحد محدود إلا أني أرى ذلك على طاقة الناس، فإن منهم الثقيل والخفيف، وذهب الأكثرون إلا أنهم إذا كان الإمام معهم في المسجد لم يقوموا حتى تفرغ الإقامة، وعن أنس أنه كان يقوم إذا قال المؤذن قد قامت الصلاة، رواه ابن المنذر وغيره، وكذا رواه سعيد بن منصور من طريق أبي إسحاق عن أصحاب عبد الله وعن سعيد بن المسيب قال: إذا قال المؤذن: الله أكبر وجب القيام، وإذا قال حي على الصلاة عدلت الصفوف، وإذا قال لا إله إلا الله كبر الإمام. وعن أبي حنيفة يقومون إذا قال حي على الفلاح، فإذا قال قد قامت الصلاة كبر الإمام، وأما إذا لم يكن الإمام في المسجد فذهب الجمهور إلى أنهم لا يقومون حتى يروه، وخالف من ذكرنا على التفصيل الذي شرحنا، وحديث الباب حجة عليهم وفيه جواز الإقامة والإمام في منزله إذا لم يسمعها وتقدم إذنه في ذلك. قال القرطبي: ظاهر الحديث أن الصلاة كانت تقام قبل أن يخرج النبي صلى الله عليه وسلم من بيته، وهو معارض لحديث جابر بن سمرة: أن بلالاً كان لا يقيم حتى يخرج النبي صلى الله عليه وسلم، ويجمع بينهما بأن بلالاً كان يراقب خروج النبي صلى الله عليه وسلم فأول ما يراه يشرع في الإقامة قبل أن يروه، ثم إذا رأوه قاموا فلا يقوم في مقامه حتى تعتدل صفوفهم. وأما ما رواه أبو داود وغيره من حديث أبي هريرة أن الصلاة كانت تقام لرسول الله صلى الله عليه وسلم فيأخذ الناس مقامهم قبل أن يجيء النبي صلى الله عليه وسلم فيجمع بينه وبين حديث أبي قتادة بأن ذلك ربما وقع لبيان الجواز، وبأن صنيعهم في حديث أبي هريرة كان سبب النهي عن ذلك في حديث أبي قتادة، وأنهم كانوا يقومون ساعة تقام الصلاة ولو لم يخرج النبي صلى الله عليه وسلم، فنهاهم عن ذلك لاحتمال أن يقع له شغل يبطى فيه عن الخروج فيشق عليهم انتظاره انتهى كلام الحافظ باختصار.

(3/203)


وفي البابِ عن أنسٍ. وحديثُ أنَسٍ غيرُ مَحْفُوظٍ.
قال أبو عيسى: حديثُ أبي قتادَةَ حَديثٌ حَسنٌ صحيحٌ. وقد كَرِهَ قَوْمٌ مِن أهلِ العلمِ مِنْ أصحابِ النبيّ صلى الله عليه وسلم "وغيرِهم" أن ينْتَظِرَ الناسُ الإمامَ وهم قِيَامٌ.
وقال بعضُهم: إذا كانَ الإمامُ في المسْجدِ فأقِيمَتِ الصلاةُ فإنما يقومُونَ إذا قال المؤذّن: "قد قامَتِ الصلاةُ". وهو قولُ ابنِ المبارَكِ.
ـــــــ
قوله: "وفي الباب عن أنس" لم أقف على من أخرجه. وفي الباب أيضاً عن أبي هريرة أن الصلاة كانت تقام لرسول الله صلى الله عليه وسلم فيأخذ الناس مصافهم قبل أن يأخذ النبي صلى الله عليه وسلم مقامه، أخرجه مسلم وأبو داود، وعنه أيضاً قال أقيمت الصلاة وعدلت الصفوف قياماً قبل أن يخرج إلينا النبي صلى الله عليه وسلم فخرج إلينا، الحديث أخرجه الشيخان.
قوله: "حديث أبي قتادة حديث حسن صحيح" أخرجه الجماعة إلا ابن ماجه ولم يذكر البخاري فيه قد خرجت.
قوله: "وقال بعضهم: إذا كان الإمام في المسجد وأقيمت الصلاة فإنما يقومون إذا قال المؤذن قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، وهو قول ابن المبارك" لم أر في هذا حديثاً مرفوعاً صحيحاً، نعم فيه أثر أنس أنه كان يقوم إذا قال المؤذن قد قامت الصلاة وقد تقدم في عبارة الحافظ، وفيه حديث مرفوع ضعيف رواه الطبراني في الكبير من طريق حجاج بن فروخ عن عبد الله بن أوفى قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قال بلال: قد قامت الصلاة نهض فكبر، ذكره الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد وقال: حجاج بن فروخ ضعيف جداً

(3/204)


باب مل ذكر في الثناء على الله والصلاة على النيى صلى الله وسلم قبل الدعاء
...
411ـ باب ما ذُكِرَ في الثناءِ على الله والصلاةِ على النبيّ صلى الله عليه وسلم قبل الدعاء
590 ـ حدثنا محمودُ بن غَيْلانَ حدثنا يحيىَ بن آدم حدثنا أبو بكرِ بنَ عَيّاشٍ عن عاصمٍ عنْ زِر عن عبدِ الله قال: "كُنْتُ أُصَلّي والنبيّ صلى الله عليه وسلم وأبُو بكرٍ وعُمَرُ معه، فلما جَلَسْتُ بَدَأْتُ بالثناءِ على الله ثم الصّلاةِ على النبيّ صلى الله عليه وسلم، ثم دَعوْتُ لنَفْسِي، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: سَلْ تُعْطَهْ. سَلْ تُعْطَهْ".
"قال" : وفي البابِ عن فَضَالَةَ بنِ عُبَيْدٍ.
ـــــــ
باب ما ذُكِرَ في الثناءِ على الله والصلاةِ على النبيّ صلى الله عليه وسلم قبل الدعاء
قوله: "أخبرنا يحيى بن آدم" بن سليمان الكوفي أبو زكريا ثقة حافظ فاضل من كبار التاسعة مات سنة 203 ثلاث ومائتين "أخبرنا أبو بكر بن عياش" الأسدي الكوفي مختلف في اسمه والصحيح أنه لا اسم له إلا كنيته، ثقة عابد إلا أنه لما كبر ساء حفظه وكتابه صحيح من السابعة قاله الحافظ في مقدمة الفتح والتقريب "عن عاصم" بن بهدلة صدوق له أوهام حجة في القراءة وحديثه في الصحيحين مقرون "عن زر" بكسر الزاي المعجمة وتشديد الراء المهملة ابن حبيش بمهملة وموحدة ومعجمة مصغراً ثقة جليل مخضرم "عن عبد الله" هو ابن مسعود.
قوله: "كنت أصلي" أي الصلاة ذات الأركان بدليل قوله الآتي فلما جلست "والنبي صلى الله عليه وسلم" أي حاضر أو جالس ونحوه قاله الطيبي " وأبو بكر وعمر معه" جملة أخرى معطوفة على الجملة الأولى وهي حال من فاعل أصلي "سل تعطه" الهاء إما للسكت كقوله حسابيه وإما ضمير للمسئول عنه لدلالة سل عليه.
قوله: "وفي الباب عن فضالة بن عبيد" قال بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم

(3/205)


قال أبو عيسى: حديثُ "عبدِ الله " حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
وروى أحمدُ بن حَنْبلٍ عن يحيىَ بنِ آدمَ مخْتَصراً.
ـــــــ
قاعد إذا دخل رجل فصلى فقال اللهم اغفر لي وارحمني فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "عجلت أيها المصلي إذا صليت فقعدت فاحمد الله بما هو أهله وصل علي ثم ادعه" ، قال: ثم صلى رجل آخر بعد ذلك فحمد الله وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: أيها المصلي أدع تجب، رواه الترمذي، وروى أبو داود والنسائي نحوه كذا في المشكاه.
قوله: "حديث عبد الله حديث حسن صحيح" وأخرجه ابن ماجه

(3/206)


412 ـ باب ما ذُكِرَ في تَطْيِيبِ المسَاجد
591 ـ حدثنا محمدُ بن حاتمٍ "المؤدب" "البغدادي" "البصري" حدثنا عامرُ بن صالحٍ الزّبَيْرِيّ "هو من ولد الزبير" حدثنا هِشَامُ بن عُروْةَ عن أبيهِ عن عائشَة قالت: "أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بِبِنَاء المسَاجدِ في الدّورِ وأنْ تُنَظّفَ وتُطَيّبَ".
ـــــــ
باب ما ذُكِرَ في تَطْيِيبِ المسَاجد
قوله: "حدثنا محمد بن حاتم البغدادي" الذمى أبو جعفر الخراساني ثم البغدادي ثقة، روى عنه الترمذي والنسائي ووثقه "أخبرنا عامر بن صالح الزبيري" قال في التقريب: عامر بن صالح بن عبد الله بن عروة بن الزبير القرشي الزبيري المدني نزل بغداد متروك الحديث، أفرط فيه ابن معين فكذبه وكان عالماً بالأخبار من الثامنة.
قوله: "أمر النبي صلى الله عليه وسلم ببناء المساجد في الدور" فسر سفيان بن عيينة الدور بالقبائل كما في الرواية الاَتية. وقال في المرقاة: هو جمع دار وهو اسم جامع للبناء والعرصية والمحلة، والمراد المحلات فإنهم كانوا يسمون المحلة التي اجتمعت فيها قبيلة داراً، أو محمول على اتخاذ بيت في الدار للصلاة كالمسجد

(3/206)


592 ـ حدثنا هنادٌ حدثنا عَبْدَةُ و وَكيعٌ عن هِشامِ بن عُروةَ عن أَبيهِ أنّ "النبيّ صلى الله عليه وسلم "أَمَر" فَذكرَ نحوهُ.
"قال أبو عيسى" "و" هذا أَصَحّ مِن الحديثِ الأوّلِ.
593 ـ حدثنا ابنُ أبي عُمرَ حدثنا سُفيانُ بن عُيَيْنَة عن هِشَامِ بن عُروةَ عن أَبيهِ "أَنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم أَمَر" فذكرَ نحَوهُ.
قال سُفيانُ: "قوله" ببناءِ المساجدِ في الدُوْرِ يعني القَبَائِلَ.
ـــــــ
يصلي فيه أهل البيت. قاله ابن الملك، والأول هو المعول وعليه العمل. وحكمة أمره لأهل كل محلة ببناء مسجد فيها أنه قد يتعذر أو يشق على أهل محلة الذهاب للأخرى فيحرمون أجر المسجد وفضل إقامة الجماعة فيه فأمروا بذلك ليتيسر لأهل كل محلة العبادة في مسجدهم من غير مشقة تلحقهم.
وقال البغوي: قال عطاء: لما فتح الله تعالى على عمر رضي الله عنه الأمصار أمر المسلمين ببناء المساجد وأمرهم أن لا يبنوا مسجدين يضار أحدهما الاَخر، ومن المضارة فعل تفريق الجماعة إذا كان هناك مسجد يسعهم فان ذاك سن توسعته أو اتخاذ مسجد يسعهم انتهى ما في المرقاة "وأن تنظف" بالتاء والياء بصيغة المجهول أي تطهر كما في رواية ابن ماجه، والمراد تنظيفها من الوسخ والدنس والنتن والتراب "وتطيب" بالتاء والياء أي بالرش أو العطر، ويجوز أن يحمل التطييب على التجمير في المسجد. قال في المرقاة: قال ابن حجر: وبه يعلم أنه يستحب تجمير المسجد بالبخور خلافاً لمالك حيث كرهه، فقد كان عبد الله يجمر المسجد إذا قعد عمر رضي الله عنه على المنبر، واستحب بعض السلف التخليق بالزعفران والطيب، وروى عنه عليه السلام فعله، وقال الشعبي هو سنة. وأخرج ابن أبي شيبة أن ابن الزبير لما بنى الكعبة طلى حيطانها بالمسك. وأنه يستحب أيضاً كنس المسجد وتنظيفه، وقد روى ابن أبي شيبة أنه عليه السلام كان يتبع غبار المسجد بجريدة انتهى ما في المرقاة.

(3/207)


413ـ باب ما جاءَ أنّ صلاةَ اللّيْلِ والنْهارِ مَثْنَى مَثْنَى
594 ـ حدثنا محمدُ بن بَشّارٍ حدثنا عبدُ الرحمَنِ بن مهديّ حدثنا شعبةُ عن يَعْلَى بن عطاءٍ عن علي الأزْديّ عن ابنِ عُمَر عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال "صلاةُ اللّيْلِ والنهَارِ مَثْنَى مَثْنَى".
قال أبو عيسى: اختلف أصحابُ شُعْبةَ في حديثِ ابن عُمَر، فرفَعَهُ بعضُهُم وأوقَفَه بعضُهُم.
وَرُوِيَ عن عبدِ الله العُمَرِيّ عن نافعٍ عن ابنِ عُمَر عن النبيّ صلى الله عليه وسلم نحوُ هذا.
ـــــــ
باب ما جاءَ أنّ صلاةَ اللّيْلِ والنْهارِ مَثْنَى مَثْنَى
قوله "عن علي الأزدي" هو ابن عبد الله البارقي صدوق ربما أخطأ من الثالثة "قال صلاة الليل والنهار مثنى مثنى" قد فسر ابن عمر رضي الله عنه راوي الحديث معنى مثنى مثنى، فعند مسلم من طريق عقبة بن حريث قلت لابن عمر: ما معنى مثنى مثنى؟ قال: تسلم من كل ركعتين وفيه رد على من زعم من الحنفية أن معنى مثنى مثنى أن يتشهد بين كل ركعتين، لأن راوي الحديث أعلم بالمراد به: وما فسره به هو المتبادر إلى الفهم لأنه لا يقال في الرباعية مثلاً إنها مثنى مثنى.
قوله "وروي عن عبد الله العمري" هو عبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب المدني ضعيف عابد "عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم نحو هذا" أي نحو حديث على الأزدي المذكور

(3/208)


414ـ باب كَيْفَ كانَ يتطوع النبيّ صلى الله عليه وسلم بالنّهَار
595 ـ حدثنا محمودُ بن غَيْلاَنَ حدثنا وَهْبُ بن جَرِيرٍ حدثنا شُعْبَةُ عن أبي إسْحَاقَ عن عاصِمِ بن ضَمْرَةَ قال: " سأَلْنَا علياً عن صَلاةِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم مِن النهارِ، فقال: إنكم لا تُطِيقُونَ ذاكَ فَقُلْنَا: مَن أَطاقَ ذاكَ مِنّا. فقال كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إذا كانت الشّمسُ من ههنا كهَيْئَتِها مِن ههنا عندَ العصْرِ صلّى ركعَتْين، وإذا
ـــــــ
باب كَيْفَ كانَ يتطوع النبيّ صلى الله عليه وسلم بالنّهَار
قوله "عن عاصم بن ضمرة" السلولي الكوفي صدوق قاله الحافظ.
قوله " فقال إنكم لا تطيقون ذلك" أي الدوام والمواظبة على ذلك، وعند ابن ماجه في آخر هذا الحديث: وقل من يداوم عليها "فقلنا من أطاق ذلك منا" خبره محذوف أي أخذه وفعله، وفي رواية ابن ماجه: فقلنا أخبرنا به نأخذ منه ما استطعنا "إذا كانت الشمس من ههنا" زاد في رواية ابن ماجه: يعني من قبل المشرق "كهيئتها من ههنا" يعني من قبل المغرب كما في رواية ابن ماجه "عند العصر صلى ركعتين" والحاصل أنه إذا ارتفعت الشمس من جانب المشرق مقدار ارتفاعها من جانب المغرب وقت العصر صلى ركعتين وهي صلاة الضحى وقيل هي صلاة الإشراق، واستدل به لأبي حنيفة على أن وقت العصر بعد المثلين.
قلت: إن كان المراد من صلاة الإشراق الصلاة التي كان يصليها النبي صلى الله عليه وسلم بعدما طلعت الشمس فظاهر أن هذه الصلاة غير صلاة الإشراق، وإن كان المراد من صلاة الإشراق غيرها فلا يصح الاستدلال فتفكر. وقد سمي صاحب إنجاح الحاجة هذه الصلاة الضحوة الصغرى، والصلاة الثانية الاَتية في

(3/212)


كانت الشمْسُ مِن ههنا كَهَيْئَتِها مِن ههنا عنْدَ الظّهر صَلّى أربعاً، وصلّى أربعاً قبلَ الظّهرِ أربعاً وبعدها ركعَتَيْنِ، وقبلَ العصْرِ أربعاً يَفْصِلُ بينَ كُلّ ركعَتَيْنِ بالتسليمِ على الملائِكَةِ المقربين والنّبِيّينَ والمُرْسَلِين ومَن تَبِعَهُم مِنَ المؤْمِنينَ والمسْلمينَ".
596 ـ حدثنا محمد بن المَثنّى حدثنا محمد بن جَعْفَرٍ حدثنا شُعْبَةُ عن أبي إسحاقَ عن عاصمِ بن ضَمْرَةَ عن علي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم نحوَه.
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حَسَنٌ.
ـــــــ
الحديث الضحوة الكبرى حيث قال: هذه الصلاة هي الضحوة الصغرى وهو وقت الاشراق وهذا الوقت هو أوسط وقت الاشراق وأعلاها، وأما دخول وقته فبعد طلوع الشمس وارتفاعها مقدار رمح أو رمحين حين تصير الشمس بازغة ويزول وقت الكراهة، وأما الصلاة الثانية فهي الضحوة الكبرى انتهى "وإذا كانت الشمس من ههنا" أي من جانب المشرق "كهيئتها من ههنا" أي من جانب المغرب "عند الظهر صلى أربعاً" وهي الضحوة الكبرى ويفصل بين كل ركعتين بالتسليم على الملائكة المقربين والنبيين والمرسلين ومن تبعهم من المؤمنين والمسلمين قال العراقي: حمل بعضهم هذا على أن المراد بالفصل بالتسليم والتشهد لأن فيه السلام على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى عباد الله الصالحين، قاله إسحاق بن إبراهيم، فإنه كان يرى صلاة النهار أربعاً، قال وفيما أوله عليه بعد. انتهى كلام العراقي.
قلت: قد ذكر الترمذي هذا الحديث مختصراً في باب ما جاء في الأربع قبل العصر وذكر هناك قول إسحاق بن إبراهيم: ولا بعد عندي فيما أوله عليه، بل هو الظاهر القريب بل هو المتعين، إذ النبيون والمرسلون لا يحضرون الصلاة حتى ينويهم المصلي بقوله السلام عليكم، فكيف يراد بالتسليم تسليم التحلل من الصلاة: هذا ما عندي والله تعالى أعلم.

(3/213)


وقال إسحاقُ بن ابراهيمَ: أحْسَنُ شَيءٍ رُوِيَ في تَطَوّعِ النبيّ صلى الله عليه وسلم في النهار هذا.
ورُوِيَ عن "عبدَ الله" بنِ المبارَكِ أَنه كان يُضَعّفُ هذا الحديث .
ـــــــ
قال في المرقاة: قال البغوي: المراد بالتسليم التشهد دون السلام، أي وسمي تسليماً على من ذكر لاشتماله عليه وكذا قاله ابن الملك. قال الطيبي: ويؤيده حديث عبد الله بن مسعود: كنا إذا صلينا قلنا السلام على الله قبل عباده السلام على جبرائيل، وكان ذلك في التشهد انتهى ما في المرقاة.
وأما قول ابن حجر المكي: لفظ الحديث يأبى ذلك، وإنما المراد بالتسليم فيه للتحلل من الصلاة فيسن للمسلم منها أن ينوي بقوله السلام عليكم من على يمينه وعلى يساره وخلفه من الملائكة ومؤمني الإنس والجن انتهى.
ففيه أنه يلزم على هذا التقدير مسنوناً للمصلي أن ينوي النبيين والمرسلين أيضاً بقوله السلام عليكم، والحال أن النبيين والمرسلين لا يحضرون الصلاة ولا يكونون على يمين المصلي ولا على يساره وخلفه فتأمل.
قوله "هذا حديث حسن" وأخرجه ابن ماجه والنسائي.
قوله "قال إسحاق بن إبراهيم" بن مخلد الحنظلي أبو محمد بن راهويه المروزي ثقة حافظ مجتهد قرين أحمد بن حنبل "أحسن شيء روي في تطوع النبي صلى الله عليه وسلم بالنهار هذا" أي هذا الحديث لعله أراد بكونه أحسن بشيء في تطوعه صلى الله عليه وسلم بالنهار باعتبار أنه مشتمل على ست عشرة ركعة دون غيره من الأحاديث والله تعالى أعلم، زاد ابن ماجه بعد رواية هذا الحديث قال وكيع: زاد فيه أبي فقال حبيب بن أبي ثابت: يا أبا إسحاق ما أحب أن لي بحديثك هذا ملء مسجدك هذا ذهباً انتهى.
"وروي عن ابن المبارك أنه كان يضعف هذا الحديث" الظاهر أن تضعيفه إنما هو من جهة عاصم بن ضمرة فإنه مختلف فيه في روايته عن علي رضي الله عنه

(3/214)


. وإِنّما ضَعّفَهُ عندَنا، والله أعلمُ لأنه لا يُرْوَى مِثْلُ هذا عن النبيّ صلى الله عليه وسلم إلاّ مِن هذا الوجِه عن عاصمِ بن ضَمْرَةَ عن عليَ. وعاصمُ بن ضَمْرَةَ هو ثِقَةٌ عندَ بعضِ أَهلِ العلم.
قال عليّ بن "المَدِينّي" : قال يحيى بن سعيدٍ القَطّانُ. قال سفيانُ: كُنّا نَعْرِفُ فَضْلَ حديثِ عاصمِ بن ضَمْرَةَ على حديثِ الحارثِ.
ـــــــ
كما ستعرف "وإنما ضعفه عندنا والله أعلم لأنه لا يروى مثل هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا من هذا الوجه عن عاصم بن ضمرة عن علي وعاصم بن ضمرة هو ثقة عند بعض أهل الحديث الخ" قال الذهبي في الميزان: عاصم بن ضمرة صاحب علي وثقه ابن معين وابن المديني، وقال أحمد: هو أعلى من الحارث الأعور وهو عندي حجة، وقال النسائي ليس به بأس: وأما ابن عدي فقال ينفرد على عليّ بأحاديث والبلية منه. وقال أبو بكر بن عياش: سمعت مغيرة يقول: لم يصدق في الحديث على علي إلا أصحاب ابن مسعود. وقال ابن حبان: روى عنه أبو إسحاق والحكم رديء الحفظ فاحش الخطأ يرفع عن علي قوله كثيراً فاستحق الترك على أنه أحسن حالاً من الحارس.
وقال الجوزجاني: روى عنه أبو إسحاق تطوع النبي صلى الله عليه وسلم ست عشرة ركعة ركعتين عند الثالثة من النهار ثم أربعاً قبل الزوال ثم أربعاً بعده ثم الركعتين بعد الظهر ثم أربعاً قبل العصر، فيا عباد الله أما كان الصحابة وأمهات المؤمنين يحكون هذا إذ هم معه في دهرهم، يعني أن عائشة وابن عمر وغيرهما حكوا عنه خلاف هذا وعاصم بن ضمرة ينقل أنه عليه السلام كان يداوم على ذلك. قال ثم خالف الأمة وروى: كان في خمس وعشرين من الإبل خمس شياه انتهى كلام الذهبي

(3/215)


باب في الكراهية الصلاة في لحف النساء
...
415ـ باب "في" كَرَاهِيَة الصّلاةِ في لُحُفِ النّسَاء
597 ـ حدثنا محمدُ بن عبدِ الأعلى حدثنا خالدُ بن الحارثِ عن أشْعَثَ "وهو ابن عبدِ الملكِ" عن محمدِ بن سيرينَ عن عبدِ الله بن شَقِيقٍ عن عائشةَ قالت "كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم لا يصَلّي في لُحُفِ نِسَائِهِ"
ـــــــ
"باب في كراهية الصلاة في لحف النساء"
بضم اللام والحاء جمع لحاف بكسر اللام وهو والملحفة: اللباس الذي فوق سائر اللباس من دثار البرد ونحوه، قال في المحكم كذا في قوت المغتذي
قوله "أخبرنا خالد بن الحارث" بن عبيد بن سليم الهجيمي أبو عثمان البصري ثقة ثبت "عن أشعث وهو ابن عبد الملك" الحمراني بضم المهملة بصري يكنى أبا هاني ثقة فقيه "عن عبد الله بن شقيق" العقيلي بالضم بصرى ثقة فيه نصب من الثالثة كذا في التقريب.
قوله "لا يصلي في لحف نسائه" وفي رواية أبي داود: في شعرنا أو لحفنا شك من الراوي. والحديث يدل على مشروعية تجنب ثياب النساء التي هي مظنة لوقوع النجاسة فيها وكذلك سائر الثياب التي تكون كذلك، وفيه أيضاً أن الاحتياط والأخذ باليقين جائز غير مستنكر في الشرع وأن ترك المشكوك فيه من المتيقن المعلوم جائز وليس من نوع الوسواس، وأما ما ورد أنه صلى الله عليه وسلم كان يصلي في الثوب الذي يجامع فيه أهله ما لم ير فيه أذى فهو من باب الأخذ بالمئنة لعدم وجوب العمل بالمظنة كذا في النيل.
قوله "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه.

(3/216)


قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وقد رُوِيَ في ذلك. رخصة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم
ـــــــ
قوله "وقد روي في ذلك رخصة عن النبي صلى الله عليه وسلم" أشار إلى حديث عائشة رضي الله عنها قالت: كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلينا شعارنا وقد ألقينا فوقه كساء، فلما أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ الكساء فلبسه ثم خرج فصلى الغداة الحديث، رواه أبو داود وروى مسلم وأبو داود عنها قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل وأنا إلى جنبه وأنا حائض وعلى مرط وعليه بعضه. قال القاضي الشوكاني: كل ذلك يدل على عدم وجوب تجنب ثياب النساء وإنما هو مندوب فقط عملاً بالاحتياط، وبهذا يجمع بين الأحاديث انتهى

(3/217)


باب ما يجوز من المشى والعمل في صلاة التطوع
...
416 ـ باب "ذكر" ما يجوزُ من المَشْيِ والعَمَلِ في صلاةِ التطَوّع
598 ـ حدثنا أبو سَلَمةَ يحيى بن خَلَفٍ حدثنا بِشْرُ بن المُفَضّل عن بُرْدِ بن سِنَانٍ عن الزّهْرِيّ عن عُرْوَةَ عن عائشةَ قالت: "جِئْتُ ورسولُ الله صلى الله عليه وسلم يُصَلّي في البيتِ والبابُ عليهِ مُغْلَقٌ،
ـــــــ
باب ما ذكر ما يجوز من المشى والعمل في الصلاة التطوع
قوله "عن برد" بضم الموحدة وسكون الراء "بن سنان" بكسر مهملة وخفة نون أولى الدمشقي نزيل البصرة مولى قريش صدوق رمى بالقدر. كذا في التقريب وقال في الخلاصة: وثقه ابن معين وأبو حاتم والنسائي.
قوله "يصلي في البيت" وفي رواية النسائي يصلي تطوعاً "والباب عليه مغلق" فيه أن المستحب لمن صلى في بيت بابه إلى القبلة أن يغلق الباب عليه ليكون سترة للبار بين يديه وليكون أستر. وفي رواية أبي داود: فجئت فاستفتحت

(3/217)


فَمَشى حتى فَتَحَ لي ثُمّ رَجَعَ إلى مَكَانِهِ، ووَصَفَتِ البابَ في القِبلَةِ".
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ.
ـــــــ
" فمشى حتى فتح لي" قال ابن رسلان: هذا المشي محمول على أنه مشى خطوة أو خطوتين أو مشى أكثر من ذلك متفرقاً. قال الشوكاني: وهو من التقييد بالمذهب ولا يخفي فساده "ثم رجع إلى مكانه" وفي رواية أبي داود: إلى مصلاه أي رجع إلى مكانه على عقبيه "ووصفت الباب في القبلة" أي ذكرت عائشة أن الباب كان إلى القبلة أي فلم يتحول صلى الله عليه وسلم عنها عند مجيئه إليه، ويكون رجوعه إلى مصلاه على عقبيه إلى خلف. قال الأشرف: هذا قطع وهم من يتوهم أن هذا الفعل يستلزم ترك استقبال القبلة ولعل تلك الخطوات لم تكن متوالية، لأن الأفعال الكثيرة إذا تفاصلت ولم تكن على الولاء لم تبطل الصلاة قال المظهر: ويشبه أن تكون تلك المشية لم تزد على خطوتين. قال القاري: الإشكال باق لأن الخطوتين مع الفتح والرجوع عمل كثير فالأولى أن يقال تلك الفعلات لم تكن متواليات انتهى.
قلت: هذا كله من التقيد بالمذهب، والظاهر أن أمثال هذه الأفعال في صلاة التطوع عند الحاجة لا تبطل الصلاة وإن لم تكن متوالية: قال ابن الملك: مشيه عليه الصلاة والسلام وفتحه الباب ثم رجوعه إلى مصلاه يدل على أن الأفعال الكثيرة إذا تتوالى لا تبطل الصلاة، وإليه ذهب بعضهم انتهى كلامه. قال القاري: وهو ليس بمعتمد في المذهب انتهى.
قلت: ما قال ابن الملك هو ظاهر الحديث لكن في صلاة التطوع عند الحاجة لا مطلقاً، وهو الراجح المعتمد المعول عليه وإن لم يكن معتمداً في المذهب الحنفي والله تعالى أعلم.
قوله "هذا حديث حسن غريب" وأخرجه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه، وسكت عنه أبو داود، ونقل المنذري تحسين الترمذي وأقره

(3/218)


417ـ باب ما ذُكِرَ في قِراءة سورتَيْنِ في رَكْعَة
599 ـ حدثنا محمودُ بن غَيْلانَ حدثنا أبو دَاودَ قال أنبأنا شُعْبَةُ عن الأعْمَشِ قال: "سَمِعْتُ أبا وائلٍ قال: سأَل رَجُلٌ عبدَ الله عن هذا الحَرْفِ {غَيْرِ آسِنٍ} أو يَاسِنٍ قال: كُلّ القرآنِ قرأْتَ غَيْرَ هذا "الحرف"؟ قال نعم، قال: إنّ قَوْماً يَقْرَءُونَهُ يَنْثُرونَهُ نَثْرَ الدّقَلِ، لا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ،
ـــــــ
باب ما ذُكِرَ في قِراءة سورتَيْنِ في رَكْعَة
قوله "أخبرنا أبو داود" هو الطيالسي.
قوله "سأل رجل" هو نهيك بفتح النون وكسر الهاء ابن سنان البجلي "عبد الله" هو ابن مسعود "عن هذا الحرف غير آسن أو ياسن" ي عني هذا اللفظ بهمزة أو بياء، وهذا اللفظ وقع في سورة محمد هكذا "فيها أنهار من ماء غير آسن" الآية أي غير متغير "قال كل القرآن قرأت غير هذا؟" بتقدير همزة الاستفهام وبنصب كل على أنه مفعول قرأت بفتح التاء على الخطاب، أي قال عبد الله بن مسعود للرجل: أكل القرآن قرأت غير هذا الحرف "قال نعم" أي قال الرجل نعم قرأت كل القرآن غير هذا وأحصيته، وفي رواية لمسلم: كيف تقرأ هذا الحرف ألفاً تجده أو ياء؟ "من ماء غير آسن" أو "من ماء غير ياسن" قال فقال عبد الله: وكل القرآن قد أحصيت غير هذا قال: أني لأقرأ المفصل في ركعة، فقال عبد الله هزاً كهز الشعر، إن أقواماً يقرؤن القرآن لا يجاوز تراقيهم، ولكن إذا وقع في القلب فرسخ فيه نفع. الحديث "ينثرون نثر الدقل" أي يرمون بكلماته من غير روية وتأمل كما يرمى الدقل بفتحتين وهو رَدِيئُ التمر فإنه لرداءته لا يحفظ ويلقي منثوراً وقال في النهاية: أي كما يتساقط الرطب اليابس من العذق إذا هز "لا يجاوز تراقيهم" جمع ترقوة بالفتح وهي العظم بين النحر والعاتق، وهو كناية عن عدم القبول والصعود في موضع العرض. وقال النووي معناه: أن قوماً يقرأون وليس حظهم من القرآن إلا مروره على اللسان

(3/219)


إنّي لأَعْرِفُ السّوَرَ النظَائِرَ التي كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يَقْرنُ بَيْنَهُنّ، قال فأَمَرْنَا عَلْقَمَةَ فَسَأَلَهُ فقال: عشرونَ سورةً مِنَ المُفَصّلِ كانَ النبيّ صلى الله عليه وسلم يَقرُنُ بَيْنَ كلّ سورَتَيْنِ في رَكْعَةٍ".
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
فلا يجاوز تراقيهم ليصل قلوبهم، وليس ذلك هو المطلوب بل المطلوب تعقله وتدبره بوقوعه في القلب "إني لأعرف السور النظائر" أ ي السور المتماثلة في المعاني كالمواعظة أو الحكم أو القصص لا المتماثلة في عدد الاَي. قال المحب الطبري: كنت أظن أن المراد أنها متساوية في العدد حتى اعتبرتها فلم أجد فيها شيئاً متساوياً "يقرن" بضم الراء وكسرها "قال" أي أبو وائل "فأمرنا علقمة" بن قيس بن مالك النخعي أي قال أبو وائل فأمرنا علقمة أن يسأل ابن مسعود عن السور النظائر "فسأله" أي فسأل علقمة عبد الله بن مسعود "فقال عشرون سورة من المفصل" وهو من ق إلى آخر القرآن على الصحيح لكثرة الفصل بين سورة بالبسملة على الصحيح قاله الحافظ "يقرن بين كل سورتين في كل ركعة" أي يجمع بين سورتين منها في كل ركعة على تأليف ابن مسعود فإنه جمع القرآن على نسق غير ما جمعه زيد وهي الرحمَن والنجم في ركعة. واقتربت والحاقة في ركعة، والطور والذاريات في ركعة، وإذا وقعت والنون في الركعة، والمعارج والنازعات في ركعة، وويل للمطففين وعبس في ركعة، والمدثر والمزمل في ركعة، وهل أتى ولا أقسم في ركعة، وعم والمرسلات في ركعة، والدخان وإذا الشمس في ركعة، كذا في مجمع البحار. قلت: كذلك وقع بيان جمع السورتين في كل ركعة في رواية أبي داود وقال في آخره تأليف ابن مسعود رحمه الله انتهى.
ويتبين بهذا أن في قوله عشرون سورة من المفصل في حديث الباب تجوز لأن الدخان ليست منه، قاله الحافظ. وفي الحديث جواز الجمع بين سورتين في كل ركعة، وقد روى أبو داود وصححه ابن خزيمة من طريق عبد الله بن شقيق

(3/220)


ـــــــ
قال: سألت عائشة أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجمع بين السور؟ قالت: نعم من المفصل. قال الحافظ: ولا يخالف هذا ما ورد أنه جمع بين البقرة وغيرها من الطوال لأنه يحمل على النادر انتهى.
قوله "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان وغيرهما

(3/221)


باب ماذكر في فضل المشى إلى المسجد وما يكتب له من الأجر في خطاه
...
418 ـ باب ما ذُكِرَ في فَضْلِ المَشْي إلى المسْجدِ وما يُكْتَبُ لهُ مِنَ الأجْرِ في خُطَاه
600 ـ حدثنا محمودُ بن غَيْلان حدثنا أبو داودَ قال أنبأنا شُعبةُ عن الأعمَشِ سَمِعَ ذكوَانَ عن أبي هريرةَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "إذا تَوَضّأَ الرجُلُ فأَحْسَنَ الوُضُوءَ ثم خَرجَ إلى الصّلاةِ لا يخُرِجُهُ أو "قال" لا يُنْقِزُهُ إلا إيّاهَا لم يَخْطُ خُطْوَةً إلاّ رَفَعَهُ الله بها دَرَجَةً أو حَطّ عنهُ بها خَطِيئَةً".
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
قال: سألت عائشة أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجمع بين السور؟ قالت: نعم من المفصل. قال الحافظ: ولا يخالف هذا ما ورد أنه جمع بين البقرة وغيرها من الطوال لأنه يحمل على النادر انتهى.
قوله "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان وغيرهما
باب ما ذُكِرَ في فَضْلِ المَشْي إلى المسْجدِ وما يُكْتَبُ لهُ مِنَ الأجْرِ في خُطَاه
قوله أخبرنا "أبو داود" هو الطيالسي "سمع ذكران" هو أبو صالح السمان الزيات المدني ثقة ثبت وكان يجلب الزيت إلى الكوفة من الثالثة مات سنة إحدى ومائة قاله الحافظ، وقال في الخلاصة: روى عن سعد وأبي الدرداء وعائشة وأبي هريرة وخلق. وعنه بنوه سهيل وعبد الله وصالح وعطاء بن أبي رباح، وسمع منه الأعمش ألف حديث، قال أحمد ثقة ثقة شهد الدار انتهى.
قوله: "فأحسن الوضوء" بأن راعى فروضه وشروطه وآدابه "أو قال لا ينهزه" كلمة أو للشك من الراوي، أي لا يدفعه، قال في النهاية: النهز الدفع يقال نهزت الرجل أنهزه إذا دفعته، ونهز رأسه إذا حركه "إلا إياها" أي إلا الصلاة، والمعنى خرج إلى المسجد ولم ينو بخروجه غير الصلاة.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه بألفاظ

(3/221)


باب ما ذكر في الصلاة بعد المغرب في البيت أفضل
...
419ـ باب ما ذُكِرَ في الصّلاةِ بعدَ المغربِ أنه في البيتِ أفْضَل
601 ـ حدثنا محمدُ بن بَشّارٍ حدثنا إبراهيم بن أبي الوَزِيرِ "البصري ثقة" حدثنا محمدُ بن موسى عن سعدِ بن إسحاقَ بن كَعْبِ بن عُجْرَةَ عن أبيهِ عن جَدّهِ قال: "صَلّى النبيّ صلى الله عليه وسلم في مَسْجِدِ بَني عبدِ الأشْهَلِ المغْرِبَ فَقَامَ نَاسٌ يَتَنَفّلُونَ، فقَال النبيّ صلى الله عليه وسلم: عَلَيكُمْ بهَذِهِ الصّلاة في البُيُوتِ".
ـــــــ
باب ما ذُكِرَ في الصّلاةِ بعدَ المغربِ أنه في البيتِ أفْضَل
قوله: "أخبرنا إبراهيم ابن أبي الوزير" هو إبراهيم بن عمر بن مطرف الهاشمي مولاهم أبو إسحاق بن أبي الوزير المكي نزيل البصرة صدوق من التاسعة قال الحافظ: وقال في الخلاصة: روى عن عبد الرحمَن بن الغسيل ونافع بن عمر ومالك، وعنه ابن المثنى وابن بشار. قال أبو حاتم لا بأس به. "أخبرنا محمد بن موسى" بن أبي عبد الله الفطري بكسر الفاء وسكون الطاء المدني مولاهم، روى عن المقبري ويعقوب بن سلمة الليثي وعون بن محمد بن الحنفية وروى عنه عبد الرحمَن بن أبي الموال وابن مهدي وابن أبي فديك وأبو المطرف بن أبي الوزير وإبراهيم بن أبي عمر بن أبي الوزير وغيرهم. قال أبو حاتم: صدوق صالح الحديث كان يتشيع، وقال الترمذي ثقة، وقال أبو جعفر الطحاوي محمود في روايته، كذا في التقريب وتهذيب التهذيب "عن سعد بن إسحاق بن كعب بن عجرة" البلوي المدني حليف الأنصار ثقة من الخامسة "عن أبيه" هو إسحاق بن كعب بن عجرة، قال الذهبي في الميزان: إن إسحاق بن كعب تابعي مستور تفرد بحديث سنة المغرب وهو غريب جداً انتهى. وقال الحافظ في التقريب: مجهول الحال قتل يوم الحرة "عن جده" هو كعب بن عجرة صحابي مشهور مات بعد الخمسين وله نيف وسبعون.
قوله "في مسجد بني عبد الأشهل" هم طائفة من الأنصار "فقام ناس يتنفلون" وفي رواية أبي داود فلما قضوا صلاتهم رآهم يسبحون بعدها "عليكم بهذه الصلاة" أي النوافل "في البيوت" وفي رواية أبي داود: هذه صلاة البيوت. قال القاري

(3/222)


قال أبو عيسى: هذا حديثٌ غَرِيبٌ "من حديث كعب بن عجرة" لاَ نَعْرِفُهُ إلاّ مِنْ هَذَا الوجْهِ. والصحيحُ ما رُوِيَ عن ابنِ عُمَرَ قال: "كانَ النبيّ صلى الله عليه وسلم يُصَلّي الرّكْعَتَيْنِ بَعْدَ المَغْرِبِ في بَيْتِهِ".
ـــــــ
في المرقاة: هذا إرشاد لما هو الأفضل، والظاهر أن هذا إنما هو لمن يريد الرجوع إلى بيته بخلاف المعتكف في المسجد فإنه يصليها فيه ولا كراهة بالاتفاق.
قوله "هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه" قد عرفت أن إسحاق بن كعب مستور وقد تفرد هو بهذا الحديث، وحديث كعب بن عجرة هذا أخرجه أيضاً أبو داود والنسائي.
قوله "والصحيح ما روي عن ابن عمر قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي الركعتين بعد المغرب في بيته" أخرجه البخاري بلفظ: قال حفظت من النبي صلى الله عليه وسلم عشر ركعات: ركعتين قبل الظهر، وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب في بيته، وركعتين بعد العشاء في بيته الحديث، وفي لفظ له: وأما المغرب والعشاء ففي بيته. واستدل به على أن فعل النوافل الليلية في البيوت أفضل من المسجد بخلاف رواتب النهار، وحكى ذلك عن مالك والثوري: وفي الاستدلال به على ذلك نظر، والظاهر أن ذلك لم يقع عن عمد وإنما كان صلى الله عليه وسلم يتشاغل بالناس في النهار غالباً وبالليل يكون في بيته غالباً. وأغرب ابن أبي ليلى. فقال لا تجزي سنة المغرب في المسجد، حكاه عبد الله بن أحمد عنه عقب روايته لحديث محمود بن لبيد رفعه: أن الركعتين بعد المغرب من صلاة البيوت، وقال: إنه حكى ذلك لأبيه عن ابن أبي ليلى فاستحسنه. كذا في فتح الباري.
قلت: في مسند الإمام أحمد حدثنا عبد الله حدثني أبي حدثنا يعقوب حدثنا أبي عن ابن إسحاق حدثني عاصم بن عمر بن قتادة الأنصاري عن محمود بن لبيد أخي بني عبد الأشهل قال: أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى بنا المغرب في مسجدنا، فلما سلم منها قال اركعوا هاتين الركعتين في بيوتكم للسبحة بعد المغرب انتهى، والظاهر أن إسناده حسن. ويعقوب هذا هو يعقوب بن إبراهيم بن سعد

(3/223)


وقد رُوِيَ عن حُذَيْفَةَ "أَنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم صَلّى المَغْرِبَ فَمَا زَالَ يُصَلّي في المسْجِدِ حَتّى صَلّى العِشَاءَ الاَخِرَةَ" فَفِي هذا الحَديِثِ دَلاَلَةٌ أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم صَلّى الرّكْعَتَيْنِ بعدَ المغرِبِ في المسْجدِ.
ـــــــ
الزهري، وفيه في روايته الأخرى: قال أبو عبد الرحمَن هو عبد الله بن الإمام أحمد: قلت لأبي إن رجلاً قال من صلى ركعتين بعد المغرب في المسجد لم تجزه إلا أن يصليهما في بيته لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال هذه من صلوات البيوت. قال: من قال هذا؟ قلت: محمد بن عبد الرحمَن، هو ابن أبي ليلى قال: ما أحسن ما قال أو ما أحسن ما انتزع انتهى. ففي قول الحافظ: والظاهر أن ذلك لم يقع عن عمد الخ. نظر ظاهر.
قوله: "وقد روي عن حذيفة أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى المغرب فما زال يصلي في المسجد حتى صلى العشاء الاَخرة" في مسند أحمد ص 404 جزء 5 حدثنا عبد الله حدثني أبي حدثنا زيد بن الحباب أنبأنا إسرائيل أخبرني ميسرة بن حبيب عن المنهال عن زر بن حبيش عن حذيفة قال: قالت لي أمي: متى عهدك بالنبي صلى الله عليه وسلم الحديث وفيه: فجئته فصليت معه المغرب فلما قضى الصلاة قام يصلي فلم يزل يصلي حتى صلى العشاء ثم خرج انتهى. وإسناده حسن "ففي هذا الحديث دلالة أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الركعتين بعد المغرب في المسجد" وروى أبو داود في سننه عن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يطيل القراءة بعد المغرب حتى يتفرق أهل المسجد، ففي هذا الحديث أيضاً دلالة على أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الركعتين بعد المغرب في المسجد، لكن في سنده يعقوب بن عبد الله القمي. قال المنذري قال الدارقطني: ليس بالقوى انتهى. فطريق الجمع بين هذه الأحاديث أن يقال إنه يجوز فعل الركعتين بعد المغرب في المسجد، والأولى والأفضل أن تصليا في البيت والله تعالى أعلم

(3/224)


420ـ باب ما ذكر في الاغْتِسَالِ عندَ ما يُسْلِمُ الرجُل
602 ـ حدثنا محمد بن بشّار حدثنا عبدُ الرحمَنِ بنُ مَهْدِي حدثنا سُفْيَانُ عن الأغَرّ بن الصّبّاحِ عن خَلِيفَةَ بن حُصَيْنٍ عن قَيْسِ بن عَاصِمٍ "أنّهُ أَسْلَمَ فَأَمرهُ النبيّ صلى الله عليه وسلم أن يَغْتَسِلَ بماءٍ وسِدْرٍ".
"قال" : وفي الباب عن أبي هُرَيْرَةَ.
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ لا نعرِفُهُ إلاّ مِن هذا الوجْهِ.
ـــــــ
باب ما ذكر في الاغْتِسَالِ عندَ ما يُسْلِمُ الرجُل
قوله: "أخبرنا سفيان" هو الثوري "عن الأغر" بفتح الغين المعجمة بعدها راء مشددة "بن الصباح" بالموحدة المشددة بعد الصاد التميمي المنقري مولاهم الكوفي روى عن أبي نضرة وغيره وعنه الثوري وغيره ثقة، وثقه يحيى بن معين والنسائي "عن خليفة بن حصين" بن قيس بن عاصم التميمي المنقري عن جده قيس بن عاصم وعلي بن أبي طالب، وعنه الأغر المنقري وثقه النسائي "عن قيس بن عاصم" بن سنان بن خالد المنقري صحابي مشهور بالحلم.
قوله: "فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يغتسل بماء وسدر" فيه دليل على مشروعية الغسل لمن أسلم، فذهب بعض أهل العلم إلى وجوبه، وذهب الأكثرون إلى الاستحباب.
قوله: "وفي الباب عن أبي هريرة" أخرجه أحمد بلفظ: أن ثمامة أسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم اذهبوا به إلى حائط بني فلان فمروه أن يغتسل، وأخرجه أيضاً عبد الرزاق والبيهقي وابن خزيمة وابن حبان وأصله في الصحيحين وليس فيهما الأمر بالاغتسال وإنما فيهما أنه اغتسل كذا في النيل.
قوله: "هذا حديث حسن" وأخرجه أبو داود والنسائي وأحمد وابن حبان وابن خزيمة وصححه ابن السكن كذا في النيل، وسكت عنه أبو داود وذكر المنذري تحسين الترمذي وأقره.

(3/225)


والعملُ عليهِ عندَ أهلِ العِلْمِ يَسْتَحِبّونَ للرّجُلِ إذا أَسْلَمَ أَنْ يَغْتَسِلَ وَيَغْسِلَ ثِيابَهُ.
ـــــــ
قوله. "والعمل عليه عند أهل العلم يستحبون للرجل إذا أسلم أن يغتسل" قال الخطابي: هذا الغسل عند أكثر أهل العلم على الاستحباب لا على الإيجاب، وقال الشافعي: إذا أسلم الكافر أحب له أن يغتسل فإن لم يفعل ولم يكن جنباً أجزأه أن يتوضأ ويصلي. وكان أحمد بن حنبل وأبو ثور يوجبان الاغتسال إذا أسلم قولاً بظاهر الحديث، وقالوا لا يخلو المشرك في أيام كفره من جماع أو احتلام وهو لا يغتسل، ولو اغتسل لم يصح ذلك منه لأن الاغتسال من الجنابة فرض من فروض الدين وهو لا يجزيه إلا بعد الإيمان كالصلاة والزكاة ونحوها. وكان مالك يرى أن يغتسل الكافر إذا أسلم انتهى كلام الخطابي.
قلت: واستدل من قال بالاستحباب ـ إلا لمن أجنب ـ بأنه لم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم كل من أسلم بالغسل، ولو كان واجباً لما خص بالأمر به بعضاً دون بعض، فيكون ذلك قرينة تصرف الأمر إلى الندب. وأما وجوبه على المجنب فللأدلة القاضية بوجوبها لأنها لم تفرق بين كافر ومسلم. واحتج القائل بالاستحباب مطلقاً لعدم وجوبه على المجنب بحديث: الإسلام يجب ما قبله. قال القاضي الشوكاني: والظاهر الوجوب لأن أمر البعض قد وقع به التبليغ، ودعوى عدم الأمر لمن عداهم لا يصلح متمسكاً لأن غاية ما فيها عدم العلم بذلك وهو ليس علماً بالعدم انتهى "ويغسل ثيابه" وإن كان عليه شعر الكفر يحلق ويختتن. لما رواه أبو داود عن عثيم بن كليب عن أبيه عن جده أنه جاء النبي صلى الله عليه وسلم فقال قد أسلمت فقال له النبي صلى الله عليه وسلم ألق عنك شعر الكفر، يقول احلق، قال وأخبرني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال الآخر معه: ألق عنك شعر الكفر واختتن انتهى، لكن الحديث ضعيف. قال المنذري: قال عبد الرحمَن بن أبي حاتم كليب والد عثيم بصري روى عن أبيه مرسل هذا آخر كلامه، وفيه أيضاً رواية مجهول انتهى كلام المنذري. والمراد بشعر الكفر الشعر الذي هو للكفار علامة

(3/226)


ـــــــ
لكفرها، وهي مختلفة الهيئة في البلاد المختلفة. فكفرة الهند ومصر لهم في موضع من الرأس شعور طويلة لا يتعرضون لها بشيء من الجز أو الحلق أبداً. وإذا يريدون حلق الرأس يحلقون كله إلا ذلك المقدار

(3/227)


باب ما ذكر من التسمية في دخول الخلاء
...
421 ـ باب مَا ذُكِرَ مِنَ التّسْمِيَةِ عند دُخُولِ الخَلاَء
603 ـ حدثنا محمدُ بن حُمَيْدٍ الرّازِيّ حدثنا الحَكَمُ بن بَشِيرِ بنِ سَلْمَانَ حدثنا خَلاّدٌ الصّفّارُ عن الحَكَمِ بن عبدِ الله النَصْرِيّ عن أَبي إسْحَاقَ عن أبي جُحَيْفَةَ عن عليّ بن أَبي طَالِب "رضي الله عنه" أنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال "سَتْرُ مَا بَيْنَ أعْيُنِ الجِنّ وَعَوْرَاتِ بَنِي آدَمَ إذَا دَخَلَ أَحَدُهُمِ الخَلاَءَ أنْ يَقُولَ: بِسْمِ الله".
ـــــــ
باب مَا ذُكِرَ مِنَ التّسْمِيَةِ عند دُخُولِ الخَلاَء
قوله: "حدثنا محمد بن حميد الرازي" حافظ ضعيف وكان ابن معين حسن الرأي فيه "أخبرنا الحكم بن بشير بن سلمان" النهدي الكوفي صدوق له فرد حديث عندهما "أخبرنا خلاد الصفار" هو خلاد ابن عيسى أو ابن مسلم العبدي أبو مسلم الكوفي وثقه يحيى بن معين "عن الحكم بن عبد الله النصري" بالنون وثقه ابن حبان كذا في الخلاصة، وقال في التقريب مقبول "عن أبي إسحاق" هو السبيعي "عن أبي جحيفه" بتقديم الجيم على الحاء المهملة مصغراً اسمه وهب بن عبد الله السوائي مشهور بكنيته ويقال له وهب الخير صحابي معروف وصحب علياً رضي الله عنه وكان من صغار الصحابة، مات النبي صلى الله عليه وسلم ولم يبلغ الحلم، وكان من كبار أصحاب علي وخواصه، كذا في التقريب والخلاصة.
قوله: "ستر ما بين أعين الجن" بفتح السين مصدر، وقيل بالكسر وهو الحجاب "وعورات بني آدم" بسكون الواو "إذا دخل أحدهم الخلاء" أي وقت دخول أحد بني آدم الخلاء "أن يقول بسم الله" خبر لقوله ستر ما بين أعين الجن. قال المناوي: وذلك لأن اسم الله تعالى كالطابع على بني آدم فلا يستطيع الجن

(3/227)


قال أبو عيسى: هذا حديثٌ غَرِيبٌ لا نَعْرِفُهُ إلاّ مِنْ هَذا الوجْهِ. وإسْنَادُهُ لَيْسَ بِذَاكَ "القويّ".
وقد رُوِيَ عن أَنَسٍ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم شيء في هذَا.
ـــــــ
فكه، وقال: قال بعض أئمتنا الشافعية: ولا يزيد الرحمَن الرحيم، لأن المحل ليس محل ذكر، ووقوفاً مع ظاهر هذا الخبر انتهى. وقال ابن حجر المكي: يسن أن يقدم على كل من التعوذين بسم الله انتهى. قال القاري بعد نقل كلام ابن حجر هذا ما لفظه: ولا بعد أن يؤخر عنهما على وفق تقدم الاستعاذة على البسملة في التلاوة، ولو اكتفى بكل منهما لحصل أصل السنة والجمع أفضل انتهى.
قوله: "هذا حديث غريب" أخرجه أحمد في مسنده وابن ماجه. قال المناوي بإسناد صحيح.
قلت: إسناد الترمذي ليس بصحيح كما صرح به بقوله "وإسناده ليس بذاك" أي ليس بالقوى لأن محمد بن حميد الرازي شيخ الترمذي ضعيف.
قوله: "وقد روي عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم شيء في هذا" أخرجه الطبراني بلفظ: ستر بين أعين الجن وبين عورات بني آدم إذا وضع أحدهم ثوبه أن يقول بسم الله. كذا في الجامع الصغير. قال المناوي في شرحه بإسناد حسن. قال القاري في المرقاة بعد ذكر هذا الحديث ما لفظه: هذا الحديث يدل على أن "ما" زائدة في الحديث السابق يعني حديث على المذكور في هذا الباب وأن الحكم عام، ثم الظرف قيد واقعي غالي للتكشف المحتاج إلى الستر بالبسملة المتقدمة لا أنه احترازي فإنه ينبغي أن يبسمل إذا أراد كشف العورة عند خلع الثوب أو إرادة الغسل انتهى

(3/228)


باب ما ذكر من سيماء هذه الأمة من آثار السجود والطهور يوم القيامة
...
422ـ باب ما ذُكِرَ مِنْ سِيمَا هذه الأمّةِ يَوْمَ القِيَامَةِ مِنْ آثَارِ السّجُودِ والطّهُور يوم القيامة
604 ـ حدثنا أبو الوَلِيدِ "أحمد بن بكار" الدّمَشْقِيّ أخبرنا الوَلِيدُ بن مُسْلِمٍ قال: قال صَفْوَانُ بن عَمْروٍ أخْبَرَنِي يَزِيدُ بنُ خُمَيْرٍ عن عبدِ الله بن بُسْرٍ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "أُمّتِي يَوْمَ القِيَامَةِ غُرّ مِنَ السّجُودِ مُحَجّلُونَ مِنَ الوُضُوءِ".
ـــــــ
باب ما ذُكِرَ مِنْ سِيمَا هذه الأمّةِ يَوْمَ القِيَامَةِ مِنْ آثَارِ السّجُودِ والطّهُور يوم القيامة
قوله: "قال صفوان بن عمرو" السكسكي أبو عمرو الحمصي قال عمرو بن علي ثبت، وقال أبو حاتم ثقة له في مسلم فرد حديث "أخبرني يزيد بن خمير" بالخاء المعجمة مصغراً الهمداني الزيادي الحمصي روى عن أبي أمامة وعبد الله بن بسر وعنه صفوان بن عمر وشعبة ووثقه، ووثقه أيضاً ابن معين والنسائي.
قوله: "قال أمتي يوم القيامة غر" بضم الغين المعجمة وشدة الراء جمع أغر وهو أبيض الوجه "من السجود" أي من أثر السجود في الصلاة "محجلون من الوضوء" المحجل من الدواب التي قوائمها بيض مأخوذ من الحجل وهو القيد كأنها مقيدة بالبياض. والمعنى يأتون يوم القيامة بيض الوجوه من آثار السجود، وبيض مواضع الوضوء من اليدين والرجلين من آثار الوجوه، فالغرة من أثر أبي هريرة عند مسلم وغيره مرفوعاً قال: وددت أنا قد رأينا إخواننا، قالوا: أو لسنا إخوانك يا رسول الله؟ قال أنتم أصحابي وإخواننا الذين لم يأتوا بعد، فقالوا كيف تعرف من لم يأت بعد من أمتك يا رسول الله؟ فقال: أرأيت لو أن رجلاً له خيل غر محجلة بين ظهري خيل دهم بهم ألا يعرف خيله؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال فإنهم يأتون غراً محجلين من الوضوء وأنا فرطهم على الحوض، وفي رواية ابن ماجه: تردون على غراً محجلين من الوضوء سيماء أمتي ليس لأحد غيرها.

(3/229)


قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ مِن هذا الوجْهِ مِن حَدِيثِ عبدِ الله بن بُسْرٍ.
ـــــــ
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وفي الباب عن أبي هريرة وتقدم آنفاً لفظ حديثه. وفي الباب أيضاً عن أبي الدرداء أخرج حديثه أحمد وفيه: فقال رجل يا رسول الله كيف تعرف أمتك من بين الأمم فيما بين نوح إلى أمتك؟ قال: هم غر محجلون من أثر الوضوء ليس أحد كذلك غيرهم الحديث. وهذا نص صريح في أن الغرة والتحجيل من خصوصيات هذه الأمة.
فإن قلت: جعل السجود في حديث عبد الله بن بسر المذكور في هذا الباب علة للغرة يعارضه جعل الوضوء علة للغرة والتحجيل في حديث أبي هريرة وحديث أبي الدرداء الذين ذكرنا لفظهما آنفاً.
قلت: يمكن أن يقال إن للغرة علتين للسجود والوضوء، وأما التحجيل فعلته هو الوضوء وحده والله تعالى أعلم

(3/230)


423 ـ باب مَا يُسْتَحَبّ مِنَ التّيَمّنِ في الطّهُور
605 ـ حدثنا هَنّادٌ حدثنا أَبو الأحْوَصِ عن أَشْعَثَ بن أَبي الشّعْثَاء عن أَبيِه عن مَسْرُوقٍ عن عَائِشَةَ قالت: "أنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم كان يُحِبّ التّيَمّنَ في طُهُورِهِ إذا تَطَهّرَ، وفي تَرَجّلِهِ إذا تَرَجّلَ، وفي إنْتِعَالِهِ إذا انْتَعَلَ".
وأبو الشّعْثَاءِ اسْمُهُ سُلَيْمُ بنُ أَسْوَدَ المُحَارِبيّ.
ـــــــ
باب مَا يُسْتَحَبّ مِنَ التّيَمّنِ في الطّهُور
قوله: "يحب التيمن" أي الابتداء في الأفعال والرجل اليمنى والجانب الأيمن "في طهوره" بالضم ويفتح والمراد به المصدر "وفي ترجله" أي امتشاطه الشعر من اللحية والرأس "وانتعاله" أي لبس نعلة.

(3/230)


قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان وغيرهما

(3/231)


باب ذكر قدر ما يجزىء من الماء في الوضوء
...
424ـ باب قَدْرِ ما يُجْزِيءُ مِنَ الماءِ في الوضُوء
606 ـ حدثنا هَنّادٌ حدثنا وَكِيعٌ عن شَرِيْكٍ عن عبدِ الله بن عيسى عن ابن جَبْرٍ عن أَنَسِ "بن مَالِكٍ" أنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: "يُجْزِيءُ في الوُضُوءِ رَطْلاَنِ مِنْ مَاءٍ".
ـــــــ
باب ذكر قدر ما يجزئ من الماء في الوضوء
قد عقد الترمذي في أبواب الطهارة باباً بلفظ: باب الوضوء بالمد، وذكر هناك اختلاف أهل العلم في هذه المسألة، فالظاهر أنه لم يكن له حاجة إلى عقد هذا الباب ههنا فتفكر.
قوله: "عن شريك" هو ابن عبد الله الكوفي القاضي بواسط ثم الكوفة صدوق يخطئ كثيراً تغير حفظه منذ ولي القضاء بالكوفة، وكان عادلاً فاضلاً شديداً على أهل البدع "عن عبد الله بن عيسى" هو ابن عبد الرحمَن بن أبي ليلى الأنصاري أبو محمد الكوفي ثقة فيه تشيع "عن ابن جبر" هو عبد الله بن عبد الله بن جبر كما صرح به الترمذي وهو ثقة "يجزئ في الوضوء رطلان من ماء" الرطل بالفتح ويكسر اثنتا عشرة أوقية والأوقية أربعون درهماً كذا في القاموس، وقوله يجزئ ظاهره أنه لا يجزئ في الوضوء دون رطلين من الماء، ويعارضه حديث عباد بن تميم عن أم عمارة بنت كعب أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ فأتى بماء في إناء قدر ثلثي المد، رواه أبو داود والنسائي وصححه أبو زرعة. وحديث الباب قد تفرد به شريك القاضي وقد عرفت أنه يخطئ كثيراً وتغير حفظه منذ ولي القضاء بالكوفة.

(3/231)


قال أبو عيسى: هذا حديثٌ غريبٌ لا نَعْرِفُهُ إلاّ مِنْ حَدِيثِ شَرِيكٍ على هذا اللفْظِ.
ورَوَى شُعْبَةُ عن عبدِ الله بنِ عبدِ الله بن جَبْرٍ عن أنَسِ "بنِ مالِكٍ" "أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم كانَ يَتَوَضّأُ بالمَكّوكِ وَيغْتَسِلُ بِخَمْسَةِ مَكَاكِيّ".
ـــــــ
قوله: "هذا حديث غريب" وأخرج بنحوه أحمد وأبو داود.
قوله: "كان يتوضأ بالمكوك" بفتح الميم وضم الكاف الأولى وتشديدها بوزن تنور: قال النووي: لعل المراد بالمكوك هنا المد انتهى. وقال صاحب مجمع البحار: أراد بالمكوك المد وقيل الصاع والأول أشبه انتهى. "ويغتسل بخمسة مكاكي" جمع مكوك وأصله مكاكيك أبدلت الكاف الأخيرة بالياء وأدغمت الياء في الياء: وقد جاء في قدر ماء الاغتسال وماء الوضوء روايات مختلفة، قال الشافعي وغيره: الجمع بين هذه الروايات أنها كانت اغتسالات في أحوال انتهى، وكذلك كانت وضوآت في أحوال، قال الشوكاني: القدر المجزئ من الغسل ما يحصل به تعميم البدن على الوجه المعتبر سواء كان صاعاً أو أقل أو أكثر ما لم يبلغ في النقصان إلى مقدار لا يسمى مستعمله مغتسلاً أو إلى مقدار في الزيادة يدخل فاعله في حد الإسراف. وهكذا الوضوء القدر المجزئ منه ما يحصل به غسل أعضاء الوضوء سواء كان مداً أو أقل أو أكثر ما لم يبلغ في الزيادة إلى حد الإسراف أو النقصان إلى حد لا يحصل به الواجب انتهى كلام الشوكاني. قلت: الأمر كما قال

(3/232)


425 ـ باب مَا ذُكِرَ في نَضْحِ بَوْلِ الغُلاَمِ الرّضِيع
607 ـ حدثنا محمد بن بشار حدثنا مُعَاذُ بن هِشَامٍ قال: حَدّثَنيِ أبي عَن
ـــــــ
باب مَا ذُكِرَ في نَضْحِ بَوْلِ الغُلاَمِ الرّضِيع
قوله: "أخبرنا معاذ بن هشام" بن أبي عبد الله الدستوائي البصري وقد سكن اليمن صدوق ربما وهم مات سنة مائتين "قال حدثني أبي" هو هشام بن أبي

(3/232)


قَتَادةَ عَنْ أبي حَرْبِ بنِ أَبي الأَسْوَدِ عن أبيهِ عن عليَ بن أَبي طالب "رضي الله عنه" أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في بَوْل الغلاَم الرّضِيعِ: "يُنْضَحُ بَوْلُ الغُلاَمِ ويُغْسَلُ بَوْلُ الَجارِيَةِ". قَال قَتَادَةُ وهَذَا ما لم يَطْعَما. فإِذا طَعِما غُسِلا جميعاً.
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ "صحيح".
رفعَ هشَامٌ الدّسْتَوائِيّ هذا الحَديثَ عن قَتادةَ، وأَوقَفَهُ سعِيدُ بنُ أبي عَرُوبَةَ عن قَتادَةَ وَلَمْ يَرْفَعْهُ.
ـــــــ
عبد الله سنبر وزن جعفر أبو بكر البصري الدستوائي ثقة ثبت وقد رمى بالقدر من كبار السابعة "عن أبي حرب بن أبي الأسود" الديلي البصري ثقة قيل اسمه محجن وقيل عطاء من الثالثة مات سنة 108 ثمان ومائة "عن أبيه" هو أبو الأسود الديلي بكسر المهملة وسكون التحتانية ويقال الدؤلي بالضم بعدها همزة مفتوحة البصري، اسمه ظالم بن عمرو بن سفيان، ويقال عمرو بن ظالم، ويقال غير ذلك ثقة فاضل مخضرم.
قوله: "قال في بول الغلام الرضيع: ينضح بول الغلام ويغسل بول الجارية" قال الجزري في النهاية: نضح عليه الماء ونضحه به إذا رشه عليه انتهى. وفي القاموس: نضح البيت ينضحه رشه. وقال فيه الرش نقض الماء والدم والدمع انتهى. وهذا الحديث حجة صريحة في أنه يكفي النضح في بول الصبي ولا يكفي في بول الجارية بل لا بد من غسله وهو الحق. واعلم أن الترمذي رحمه الله قد عقد في أبواب الطهارة باباً في هذه المسألة بلفظ: باب ما جاء في نضج بول الغلام قبل أن يطعم وذكر فيه حديث أم قيس بنت محصن وأشار إلى أحاديث منها حديث علي المذكور ههنا ثم قال: وهو قول غير واحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والتابعين ومن بعدهم مثل أحمد وإسحاق، قالوا ينضح بول الغلام ويغسل بول الجارية وهذا ما لم يطعما فإذا طعما غسلاً جميعاً انتهى كلامه، فلا أدري لم ذكر

(3/233)


ـــــــ
هذا الباب ههنا والظاهر أنه تكرار، وقد بسطنا الكلام في هذه المسألة هناك فتذكر.
تنبيه: اعلم أن المصنف رحمه الله قد ذكر في آخر كتاب الصلاة أبواباً كان موضع ذكرها كتاب الطهارة فلا أدري لم فعل هكذا فتفكر

(3/234)


باب ما ذكر في الرخصة للجنب في الأكل والوم إذا توضأ
...
426ـ باب مَا "ذُكِرَ" في الرّخْصَةِ لِلْجُنُبِ في الأكلِ والنّوْمِ إذا تَوَضّأ
608 ـ حدثنا هَنّادٌ حدثنا قَبِيصَةُ عن حَمّادِ بن سَلَمَةَ عن عَطاءٍ الخُرَاسَانِي عن يَحْيى بن يَعْمَرَ عن عَمّار "أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم رَخّصَ للجُنُبِ إذا أرادَ أَنْ يَأَكُلَ أو يَشْرَبَ أو يَنَامَ أَنْ يَتَوَضّأَ وُضُوءَه للصّلاةِ".
ـــــــ
باب مَا "ذُكِرَ" في الرّخْصَةِ لِلْجُنُبِ في الأكلِ والنّوْمِ إذا تَوَضّأ
قوله: "أخبرنا قبيصة" بن عقبة بن محمد بن سفيان السوائي أبو عامر الكوفي صدوق ربما خالف روى عن الثوري وشعبة وحماد بن سلمة وغيرهم، وعنه البخاري والذهلي وهناد بن سري وغيرهم كذا في التقريب وتهذيب التهذيب "عن يحيى بن يعمر" بفتح التحتانية والميم بينهما مهملة ساكنة البصري نزيل مرو وقاضيها ثقة فصيح وكان يرسل من الثالثة كذا في التقريب. وقال صاحب مجمع البحار في كتابه المغنى بفتح الميم وضمها.
قوله: "رخص للجنب إذا أراد أن يأكل أو يشرب أو ينام أن يتوضأ وضوءه للصلاة" أي الوضوء الشرعي. والحديث يدل على أفضلية الغسل للجنب إذا أراد أن يأكل أو يشرب أو ينام لأن العزيمة أفضل من الرخصة، وعلى أنه

(3/234)


قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ "صحيحٌ".
ـــــــ
يجوز له أن يأكل أو يشرب أو ينام قبل الاغتسال، وهذا كله مجمع عليه قاله النووي: وأما من أراد أن يأكل أو يشرب فقد اتفق الناس على عدم وجوب الوضوء عليه، وحكى ابن سيد الناس في شرح الترمذي عن ابن عمر واجب، وأما من أراد أن ينام وهو جنب فقال الظاهرية وابن حبيب من المالكية بوجوب الوضوء عليه وذهب الجمهور إلى استحبابه وعدم وجوبه. وتمسك القائلون بالوجوب بحديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه ذكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم أنه تصيبه الجنابة من الليل فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "توضأ واغسل ذكرك ثم نم"، رواه الشيخان. وتمسك الجمهور بحديث ابن عباس مرفوعاً: إنما أمرت بالوضوء إذا قمت إلى الصلاة، أخرجه أصحاب السنن، وبحديث عائشة: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينام وهو جنب ولا يمس ماءاً، أخرجه أبو داود والترمذي، وهو حديث ضعيف لا يصلح للاستدلال. قال الشوكاني في النيل بعد ذكر ما تمسك به الفريقان ما لفظه: فيجب الجمع بين الأدلة بحمل الأمر على الاستحباب، ويؤيد ذلك أنه أخرج ابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما من حديث ابن عمر أنه سئل النبي صلى الله عليه وسلم: أينام أحدنا وهو جنب؟ قال: نعم ويتوضأ إن شاء انتهى كلام الشوكاني.
قلت: الأمر عندي كما قال الشوكاني والله تعالى أعلم.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه أحمد. وأخرج الشيخان عن عائشة مرفوعاً بلفظ: كان إذا أراد أن يأكل أو ينام وهو جنب توضأ وضوءه للصلاة، وأخرج أحمد والنسائي عنها مرفوعاً بلفظ: إذا أراد أن يأكل أو يشرب وهو جنب يغسل يديه ثم يأكل ويشرب، قال الشوكاني: يجمع بين الروايات بأنه تارة يتوضأ وضوءه للصلاة، وتارة يقتصر على غسل اليدين، لكن هذا في الأكل والشرب خاصة، وأما في النوم والمعاودة فهو كوضوء الصلاة لعدم المعارض للأحاديث المصرحة فيهما بأنه كوضوء الصلاة انتهى

(3/235)


427ـ باب مَا "ذُكِرَ" في فَضْلِ الصّلاة
609 ـ حدثنا عبدُ الله بن أبي زِيَادٍ "القطواني" "الكوفي" حدثنا عُبَيْدُ الله بنُ موسى حدثنا غَالِبٌ أَبو بِشْرٍ عن أَيّوبَ بنِ عَائِذٍ الطّائِيّ عن قَيْس بن مُسْلِمٍ عن طَارِقِ بن شِهَابٍ عن كَعْبِ بن عُجْرَةَ قال: قال لِي رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "أُعِيذُكَ بالله يَا كَعْبُ بن عُجْرَةَ مِنْ أُمَرَاء يكُونونَ "مِنْ" بَعْدِي، فَمَنْ غَشِيَ أبْوَابَهُم فَصَدّقَهُمْ في كَذِبِهِمْ وأَعَانَهُم على ظُلْمِهمْ فَلَيْسَ مِنّي ولَسْتُ مِنهُ،
ـــــــ
باب مَا "ذُكِرَ" في فَضْلِ الصّلاة
قوله: "حدثنا عبد الله بن أبي زياد" هو عبد الله بن الحكم بن أبي زياد القطواني الكوفي الدهقان من شيوخ الترمذي، "أخبرنا عبيد الله بن موسى" العبسي الكوفي ثقه من رجال الستة "أخبرنا غالب أبو بشر" هو غالب بن نجيح الكوفي وثقه ابن حبان كذا في الخلاصة "عن أيوب بن عائذ الطائي" اليحتري ثقة "عن قيس بن مسلم" الجدلى الكوفي ثقة "عن طارق بن شهاب" الأحمصي كوفي مخضرم، قال أبو داود: رأى النبي صلى الله عليه وسلم ولم يسمع منه، وثقه ابن معين "عن كعب بن عجرة" بضم وسكون العين وسكون الجيم الأنصاري المدني صحابي مشهور.
قوله: "أعيذك بالله يا كعب بن عجرة من أمراء" أي من عملهم أو من الدخول عليهم أو اللحوق بهم "يكونون من بعدي" يعني سفهاء موصوفين بالكذب والظلم "فمن غشى أبوابهم" وفي رواية النسائي. فمن دخل عليهم، وهو المراد من غشيان أبوابهم، قال في النهاية غشيه يغشاه غشياناً إذا جاء وغشاه تغشية إذا غطاه، وغشى الشيء إذا لابسه انتهى "فصدقهم في كذبهم" بفتح فكسر ويجوز بكسر فسكون والأول أصح وأفصح لعدم ورود غيره من القرآن، وقيل الكذب إذا أخذ في مقابلة الصدق كان بسكون الذال للازدواج، وإذا أخذ وحده كان بالكسر كذا في المرقاة "وأعانهم على ظلمهم" أي بالإفتاء ونحوه "فليس مني ولست منه"

(3/236)


ولاَ يَرِدُ عليّ الحْوضَ، وَمَنْ غَشيَ أَبْوابَهم أَوْ لَمْ يغْشَ فلمْ يُصَدّقْهُم في كَذبِهِم ولمْ يُعِنْهُم على ظُلْمِهِمِ فَهُو مِنّي وأَنَا مِنهُ، وَسَيَرِدّ عَليّ الحَوْضَ، يَا كَعْب بن عُجْرَةَ الصّلاةُ بُرْهَانٌ، والصّوْمُ جُنّةٌ حَصِينَةٌ، والصّدَقَةُ تُطْفِيء الخَطِيئَةَ كَما يُطْفِيءُ الماءُ النَارَ، يا كَعْبُ بنَ عُجْرَةَ، إنهُ لاَ يَرْبُو لَحمٌ نَبَتَ مِن سُحْتٍ إلاّ كاَنتِ النّارُ أَوْلَى بِهِ".
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ مِنْ هذا الوجْهِ لا نعرفه إلا من حديث عُبيد الله بن موسى وأيوب بن عائذ "الطائي" يضعف ويقال: كان يَرَى رأي الإرجاء. وسَأَلْتُ محمداً عَن هَذا الحَديِثِ فَلَمْ يَعْرِفْهُ إلاّ مِن حديثِ عُبَيْدِ الله بنِ موسى واسْتَغْرَبَه جداً.
610 ـ حدثنا ابنُ نُمَيْرٍ عن عُبَيْدِ الله بن موسى عن غالبٍ بهذا.
ـــــــ
أي بين وبينه براءة ونقض ذمة قاله القاري، وقيل هو كناية عن قطع الوصلة بين ذلك الرجل وبينه صلى الله عليه وسلم، أي ليس بتابع لي وبعيد عني، وكان سفيان الثوري يكره تأويله ويحمله على ظاهره ليكون أبلغ في الزجر "ولا يرد" من الورود أي لا يمر "علي" بتشديد الياء بتضمين معنى العرض، أي لا يرد معروضاً على "الحوض" أي حوض الكوثر "فهو مني وأنا منه" كناية عن بقاء الوصلة بينه وبينه صلى الله عليه وسلم بشرط ألا يكون قاطع آخر "الصلاة برهان" أي حجة ودليل على إيمان صاحبها "والصوم جنة" بضم الجيم وتشديد النون هو الترس "حصينة" أي مانعة من المعاصي بكسر القوة والشهوة "والصدقة تطفئ الخطيئة" التي تجر إلى النار، يعني تذهبها وتمحو أثرها "إنه" ضمير الشأن "لا يربو" أي لا يرتفع ولا يزيد، ربا المال يربو إذا زاد "لحم نبت" أي نشأ "من سحت" بضم السين وسكون الحاء أي حرام.
قوله: "هذا حديث حسن" وأخرجه النسائي

(3/237)


428ـ باب مِنْه
611 ـ حدثنا مُوسَى بنُ عبدِ الرحمَنِ "الكندي" الكُوفيّ حدثنا زَيْدُ بن الحُبابِ أخبرنا مُعَاويةُ بنُ صَالحٍ حدّثَنيِ سُلَيْم بنُ عامرٍ قال: سَمِعْتُ أبا أُمَامةَ يقولُ: سَمِعْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يَخْطُبُ في حَجّةِ الوَدَاعِ فقال "اتّقُوا الله "رَبّكُمْ"، وصلّوا خَمْسَكُمْ، وصوُمُوا شهْركُمْ، وأَدّوا زكاةَ أمْوَالِكُمْ وأَطِيعُوا ذا أَمْرِكُمْ، تَدْخُلُوا جَنّةَ رَبّكُمْ" قال:
ـــــــ
"باب منه"
أي من الباب المتقدم، والمعنى هذا باب آخر في فضل الصلاة.
قوله: "حدثنا موسى بن عبد الرحمَن الكوفي" هو موسى بن عبد الرحمَن بن سعيد بن مسروق الكندي المسروقي أبو عيسى الكوفي من شيوخ الترمذي، قال في التقريب: ثقة من كبار الحادية عشر "حدثني سليم بن عامر" الكلاعي ويقال الخبايري الحمصي ثقة من الثالثة، غلط من قال إنه أدرك النبي صلى الله عليه وسلم، مات سنة ثلاثين ومائة.
قوله: "وصلوا خمسكم" أضاف إليهم ليقابل العمل بالثواب في قوله جنة ربكم، ولينعقد البيع والشراء بين العبد والرب كما في قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ} الآية . وقال الطيبي: حكمة إضافة هذا وما بعده إليهم إعلامهم بأن ذوات هذه الأعمال بكيفيتها المخصوصة من خصوصياتهم التي امتازوا بها عن سائر الأمم. وحثهم على المبادرة للامتثال بتذكيرهم بما خوطبوا به، وتذكيرهم بأن هذه الإضافة العملية يقابلها إضافة فضلية هي أعلى منها وأتم وهي الجنة المضافة إلى وصف الربوبية المشعر بمزيد تربيتهم وتربية نعيمهم بما فارقوا به سائر الأمم "وصوموا شهركم" المختص بكم وهو رمضان وأبهمه الدلالة على أنه صار من الظهور عندهم إلى حد لا يقبل الشك والتردد "وأدوا زكاة أموالكم" في الخلعيات وأدوا زكاتكم طيبة بها أنفسكم، وحجوا بيت ربكم، كذا في قوت

(3/238)


فقلتُ لأبي أُمَامَةَ: مُنْذُ كَمْ سَمِعْتَ "من رسول الله صلى الله عليه وسلم" هذا الحديثَ؟ قال سَمِعْتُهُ وأَنا ابنُ ثلاثينَ سَنَةً.
ـــــــ
المغتذي، والمراد بأموالكم أي التي هي ملك لكم "وأطيعوا ذا أمركم" قال القاري: أي الخليفة والسلطان وغيرهما من الأمراء، أو المراد العلماء، أو أعم، أي كل من تولى أمراً من أموركم سواء كان السلطان ولو جائراً ومتغلباً وغيره ومن أمرائه وسائر نوابه، ألا أنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، ولم يقل أميركم إذ هو خاص عرفاً ببعض من ذكر ولأنه أوفق لقوله تعالى: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} انتهى كلام القاري.
قلت: المراد بقوله "ذا أمركم" هو الذي أريد بقوله {أُولِي الْأَمْرِ} في هذه الآية : قال البخاري في صحيحه: باب قوله {وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} ذوي الأمر، قال الحافظ: وهو تفسير أبي عبيدة، قال ذلك في هذه الآية وزاد. والدليل على ذلك أن واحدها ذو أي واحد أولى لأنها لا واحد لها من لفظها، قال: واختلف في المراد ب {أُولِي الْأَمْرِ} في هذه الآية ، فعن أبي هريرة هم الأمراء أخرجه الطبراني بإسناد صحيح، وأخرج عن ميمون بن مهران وغيره نحوه، وعن جابر بن عبد الله قال: هم أهل العلم والخير، وعن مجاهد وعطاء وأبي الحسن وأبي العالية: هم العلماء، ومن وجه آخر أصح منه عن مجاهد قال: هم الصحابة وهذا أخص، وعن عكرمة: أبو بكر وعمر، وهذا أخص من الذي قبله، ورجح الشافعي الأول واحتج له بأن قريشاً كانوا لا يعرفون الإمارة ولا ينقادون إلى أمير، فأمروا بالطاعة لمن ولي الأمر، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: من أطاع أميري فقد أطاعني . متفق عليه، واختار الطبري حملها على العموم، وإن نزلت في سبب خاص، قاله الحافظ في الفتح:
قلت: والراجح أن المراد بقوله "ذا أمركم" في الحديث وبقوله {أُولِي الْأَمْرِ} في الآية هم الأمراء، ويؤيده شأن نزولها، فروى البخاري في صحيحه عن ابن عباس {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} قال: نزلت في عبد الله بن حذافة بن قيس بن عدي إذ بعثه النبي صلى الله عليه وسلم في سرية انتهى. وعقد البخاري رحمه الله في ابتداء كتاب الأحكام من صحيحه باباً بلفظ: باب قول الله {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} وأورد فيه حديثين الأول

(3/239)


قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
آخر أبواب الصلاة
ـــــــ
حديث أبي هريرة الذي فيه: ومن أطاع أميري فقد أطاعني ومن عصى أميري فقد عصاني ، والثاني حديث ابن عمر: ألا كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته . قال الحافظ في الفتح: في هذا إشارة من المصنف إلى ترجيح القول الصائر إلى أن الآية نزلت في طاعة الأمراء خلافاً لمن قال نزلت في العلماء، وقد رجح ذلك أيضاً الطبري، وقال ابن عيينة: سألت زيد بن أسلم عنها ولم يكن بالمدينة أحد يفسر القرآن بعد محمد بن كعب مثله، فقال اقرأ ما قبلها تعرف، فقرأت {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ} الآية فقال هذه في الولاة انتهى. وقال العيني في عمدة القاري ص 554ج8 قوله: {وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} في تفسيره أحد عشر قولاً الأول الأمراء قاله ابن عباس وأبو هريرة وابن زيد والسدي، الثاني أبو بكر وعمر رضي الله عنهما، الثالث جميع الصحابة قاله مجاهد، الرابع الخلفاء الأربعة قاله أبو بكر الوراق فيما قاله الثعلبي، الخامس المهاجرون والأنصار قاله عطاء، السادس الصحابة والتابعون، السابع أرباب العقل الذين يسوسون أمر الناس قاله ابن كيسان، الثامن العلماء والفقهاء قاله جابر بن عبد الله والحسن وأبو العالية، التاسع أمراء السرايا قاله ميمون بن مهران ومقاتل والكلبي، والعاشر أهل العلم والقرآن قاله مجاهد واختاره مالك، الحادي عشر عام في كل من ولى أمر شيء وهو الصحيح، وإليه مال البخاري بقوله ذوي الأمر انتهى كلام العيني.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه ابن حبان في صحيحه والحاكم في المستدرك وقال صحيح على شرط مسلم ولا يعرف له علة ولم يخرجاه، وقد احتج مسلم بأحاديث لسليم بن عامر وسائر رواته متفق عليهم، كذا في نصب الراية. وفي الباب عن أبي الدرداء أخرجه الطبراني في كتاب مسند الشاميين مرفوعاً بلفظ: أخلصوا عبادة ربكم وصلوا خمسكم وأدوا زكاة أموالكم وصوموا شهركم وحجوا بيت ربكم تدخلوا جنة ربكم، ذكره الزيلعي في نصب الراية

(3/240)