Contents

الواجهة
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد
مقدمة
باب الألف
باب الثاء
باب الجيم
باب الحاء
باب الخاء
باب الدال
باب الراء
باب الزاي
تابع باب الزاء
تابع لحرف الزاء
تابع لحرف الزاء
باب الطاء
باب الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع حرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
باب النون
باب الصاد
باب الضاد
باب العين
تابع لحرف العين
تابع حرف العين
تابع لحرف العين
تابع لحرف العين
باب القاف
باب السين
باب الشين
باب الهاء
باب الواو
باب الياء
تابع باب الياء
باب الكني
باب بلاغات مالك ومرسلاته
باب مافي هذا الديوان من حديث مالك الذي ثبتت عليه أبوابه خاصة
الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج
الديباج - جزء 1
الديباج - جزء 2
الديباج - جزء 3
الديباج - جزء 4
الديباج - جزء 5
الديباج - جزء 6
المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج
المنهاج - مقدمة
المنهاج - الإيمان
المنهاج - الطهارة
المنهاج - الحيض
المنهاج - الصَّلَاة
المنهاج - المساجد ومواضع الصلاة
المنهاج - صلاة المسافرين وقصرها
المنهاج - بَاب صَلَاة الْجُمُعَة
المنهاج - بَاب صَلَاة الْعِيدَيْنِ
المنهاج - بَاب الدُّعَاء فِي صَلَاة الِاسْتِسْقَاء
المنهاج - بَاب صَلَاة الْكُسُوف
المنهاج - كِتَاب الْجَنَائِز
المنهاج - الزكاة
المنهاج - كِتَاب الصِّيَام
المنهاج - كِتَاب الِاعْتِكَاف
المنهاج - كِتَاب الْحَجّ
المنهاج - كِتَاب النِّكَاح
المنهاج - الرضاعة
المنهاج - الطلاق
المنهاج - اللِّعَان
المنهاج - العتق
المنهاج - البيوع
المنهاج - المساقاة
المنهاج - الفرائض
المنهاج - الهبات
المنهاج - الوصية
المنهاج - النذر
المنهاج - الأيمان
المنهاج - القسامة
المنهاج - الحدود
المنهاج - الأقضية
المنهاج - اللقطة
المنهاج - الجهاد والسير
المنهاج - الإمارة
المنهاج - الصيد والذبائح
المنهاج - كِتَاب الْأَضْاحَي
المنهاج - الأشربة
المنهاج - اللباس والزينة
المنهاج - الآداب
المنهاج - السلام
المنهاج - الألفاظ من الأدب وغيرها
المنهاج - الشعر
المنهاج - الرؤيا
المنهاج - الفضائل
المنهاج - فضائل الصحابة
المنهاج - البر والصلة والآداب
المنهاج - القدر
المنهاج - العلم
المنهاج - الذكر والدعاء
المنهاج - التوبة
المنهاج - صفات المنافقين
المنهاج - صفة القيامة والجنة والنار
المنهاج - الجنة وصفة نعيمها وأهلها
المنهاج - الفتن وأشراط الساعة
المنهاج - الزهد والرقائق
المنهاج - التفسير
تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي
أبواب الطهارة
أبواب الصلاة
تابع أبواب الصلاة
أبواب الوتر
أبواب الجمعة
تابع لأبواب الجمعة
أبواب العيدين
أبواب السفر
ابواب الزكاة
أبواب الصوم
أبواب الحج
تابع أبواب الحج
أبواب الجنائز
أبواب النكاح
أبواب الرضاع
أبواب الطلاق واللعان
ابواب البيوع
أبواب الأحكام
أبواب الديات
ابواب الحدود
تابع أبواب الحدود
أبواب الصيد
أبواب الأضاحي
أبواب النذور والأيمان
أبواب السير
أبواب الجهاد
أبواب اللباس
أبواب الأطعمة
أبواب الأشربة
تابع أبواب الأشربة
أبواب البر و الصله عن رسول الله صلى الله عليه و آله سلم
أبواب الطب عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الفرائض عن الرسول صلى الله عليه و سلم
أبواب الوصايا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الولاء و الهبة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب القدر عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم
أبواب الفتن عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الرؤيا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الشهادات عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
تابع لأبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صِفَةُ القِيامَة
أبواب صفة الجنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صفة جهنم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإيمان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب العلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإستئذان والآداب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب العلم
أبواب الأمثال
أبواب فضائل القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب القراءات عن رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم
أبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الدعوات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أحاديث شتى من أبواب الدعوات
المناقب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
مناقب الصحابة رضوان الله عليهم
تنوير الحوالك شرح موطأ مالك
كتاب وقوت الصلاة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب السهو
كتاب الجمعة
كتاب الصلاة في رمضان
كتاب صلاة الليل
كتاب صلاة الجماعة
كتاب قصر الصلاة في السفر
كتاب العيدين
كتاب صلاة الخوف
كتاب صلاة الكسوف
كتاب الاستسقاء
كتاب القبلة
كتاب القرآن
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب الجهاد
كتاب النذور و الأيمان
كتاب الضحايا
كتاب الذبائح
كتاب الصيد
كتاب العقيقة
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الرضاع
كتاب البيوع
كتاب القراض
كتاب المساقاة - كتاب كراء الأرض
كتاب الشفعة - كتاب الأقضية
كتاب الوصية - كتاب العتق والولاء
كتاب المكاتب - كتاب المدبر
كتاب الحدود
كتاب الأشربة - كتاب العقول
كتاب القسامة - كتاب الجامع
كتاب القدر - كتاب حسن الخلق
كتاب اللباس - كتاب صفة النبي
كتاب العين - كتاب الشعر
كتاب الرؤيا - كتاب السلام
كتاب الاستئذان والتشميت والصور والتماثيل وغيرها
كتاب البيعة - كتاب الكلام والعينة والتقى
كتاب جهنم - كتاب الصدقة
كتاب العلم - كتاب دعوة المظلوم - كتاب أسماء النبي
حاشية السندي على سنن ابن ماجة
المقدمة
الطَّهَارَة وَسُنَنهَا
الصلاة
الْأَذَان
المساجد والجماعات
أَبْوَاب إِقَامَة الصَّلَاة
الجنائز
الصوم
الزكاة
النكاح
الطلاق
الكفارات
التجارات
الأحكام
الحدود
الديات
الوصايا
الْفَرَائِض
الجهاد
المناسك
الْأَضَاحِيّ
الذبائح
الصيد
الأطعمة
الأشربة
الطب
اللباس
الْآدَاب
الدُّعَاء
تعبير الرؤيا
الْفِتَن
الزُّهْد
شرح سنن ابن ماجه لمغلطاي
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح رياض الصالحين
شرح رياض الصالحين - 01
شرح رياض الصالحين - 02
شرح رياض الصالحين - 03
شرح رياض الصالحين - 04
شرح سنن أبي داود للعيني
مقدمة التحقيق
كتاب الطهارة
كِتابُ الصَلاَةِ
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
عون المعبود شرح سنن أبي داود
كتاب الطهارة
تابع كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
كتاب الزكاة
تابع لكتاب الزكاة
كتاب اللقطة
كتاب المناسك
تابع لكتاب المناسك
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الصيام
تابع لكتاب الصيام
أول كتاب الجهاد
أول كتاب الضحايا
تابع كتاب الضحايا
أول كتاب الصيد
أول كتاب الوصايا
أول كتاب الفرائض
أول كتاب الخراج والفيء والإمارة
أول كتاب الجنائز
تابع لكتاب الجنائز
كتاب الأيمان والنذور
كتاب البيوع
كتاب الإجارة
كتاب القضاء
تابع لكتاب القضاء
كتاب العلم
كتاب الأشربة
كتاب الأطعمة
كتاب الطب
كتاب الكهانة والتطير
كتاب العتق
أول كتاب الحروف والقراءات
أول كتاب الحمام
أول كتاب اللباس
أول كتاب الترجل
أول كتاب الخاتم
أول كتاب الفتن والملاحم
أول كتاب المهدي
أول كتاب الملاحم
أول كتاب الحدود
أول كتاب الديات
أول كتاب السنة
تابع لكتاب السنة
أول كتاب الأدب
أبواب السلام
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن حجر
فتح الباري - هدي الساري مقدمة فتح الباري
فتح الباري - كتاب بدء الوحي
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب العلم
فتح الباري - كتاب الوضوء
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
فتح الباري - كتاب مواقيت الصلاة
فتح الباري - كتاب الأذان
فتح الباري - كتاب الجمعة
فتح الباري - كتاب الخوف
فتح الباري - كتاب العيدين
فتح الباري - كتاب الوتر
فتح الباري - كتاب الاستسقاء
فتح الباري - كتاب الكسوف
فتح الباري - كتاب سجود القرآن
فتح الباري - كتاب تقصير الصلاة
فتح الباري - كتاب التهجد
فتح الباري - كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة
فتح الباري - كتاب العمل في الصلاة
فتح الباري - كتاب السهو
فتح الباري - كتاب الجنائز
فتح الباري - كتاب الزكاة
فتح الباري - كتاب الحج
فتح الباري - كتاب العمرة
فتح الباري - كتاب المحصر
فتح الباري - كتاب جزاء الصيد
فتح الباري - كتاب فضائل المدينة
فتح الباري - كتاب الصوم
فتح الباري - كتاب صلاة التراويح
فتح الباري - كتاب فضل ليلة القدر
فتح الباري - كتاب الإعتكاف
فتح الباري - كتاب البيوع
فتح الباري - كتاب السلم
فتح الباري - كتاب الشفعة
فتح الباري - كتاب الإجارة
فتح الباري - كتاب الحرث والمزارعة
فتح الباري - كتاب المساقاة
فتح الباري - كتاب الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس
فتح الباري - كتاب الخصومات
فتح الباري - كتاب اللقطة
فتح الباري - كتاب المظالم
فتح الباري - كتاب الشركة
فتح الباري - كتاب الرهن
فتح الباري - كتاب العتق
فتح الباري - كتاب المكاتب
فتح الباري - كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها
فتح الباري - كتاب الشهادات
فتح الباري - كتاب الصلح
فتح الباري - كتاب الشروط
فتح الباري - كتاب الوصايا
فتح الباري - كتاب الجهاد و السير
فتح الباري - كتاب فرض الخمس
فتح الباري - كتاب الجزية و الموادعة
فتح الباري - كتاب بدء الخلق
فتح الباري - كتاب أحاديث الأنبياء
فتح الباري - كتاب المناقب
فتح الباري - كتاب فضائل الصحابة
فتح الباري - كتاب مناقب الأنصار
فتح الباري - كتاب المغازي
فتح الباري - كتاب التفسير
فتح الباري - كتاب فضائل القرآن
فتح الباري - كتاب النكاح
فتح الباري - كتاب الطلاق
فتح الباري - كتاب النفقات
فتح الباري - كتاب الأطعمة
فتح الباري - كتاب العقيقة
فتح الباري - كتاب الذبائح والصيد
فتح الباري - كتاب الأضاحي
فتح الباري - كتاب الأشربة
فتح الباري - كتاب المرضى
فتح الباري - كتاب الطب
فتح الباري - كتاب اللباس
فتح الباري - كتاب الأدب
فتح الباري - كتاب الإستئذان
فتح الباري - كتاب الدعوات
فتح الباري - كتاب الرقاق
فتح الباري - كتاب القدر
فتح الباري - كتاب الأيمان والنذور
فتح الباري - كتاب كفارات الأيمان
فتح الباري - كتاب الفرائض
فتح الباري - كتاب الحدود
فتح الباري - كتاب الديات
فتح الباري - كتاب استتابة المرتدين
فتح الباري - كتاب الإكراه
فتح الباري - كتاب الحيل
فتح الباري - كتاب التعبير
فتح الباري - كتاب الفتن
فتح الباري - كتاب الأحكام
فتح الباري - كتاب التمني
فتح الباري - كتاب أخبار الأحاد
فتح الباري - كتاب الإعتصام بالسنة
فتح الباري - كتاب التوحيد
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن رجب
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
مقدمة
خطبة الكتاب
كتاب الإيمان
كتاب العلم
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصوم
كتاب فضائل القرآن
كتاب الدعوات
كتاب المناسك
كتاب البيوع
كتاب الفرائض والوصايا
كتاب النكاح
كتاب العتق
كتاب القصاص
كتاب الديات
كتاب الحدود
كتاب الإمارة والقضاء
كتاب الجهاد
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأطعمة
كتاب اللباس
كتاب الطب والرقى
كتاب الرؤيا
كتاب الآداب
كتاب الرقاق
كتاب الفتن
كتاب صفة القيامة والجنة والنار
كتاب الفضائل والشمائل
كتاب المناقب

 
عودة لموقع هاني الطنبور
هاني الطنبور
الصفحة السابقة الصفحة التالية
 
 

 

تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي

ابواب الزكاة
باب ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في منع الزكاة من التشديد
...
أبواب الزكاة عن رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم
1 ـ باب ما جَاء عن رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم في مَنْعِ الزّكَاة مِنَ التّشْديد
612ـ حدثنا هَنّادُ بنُ السّرِيّ التميمي الكوفي حدثنا أبو مُعَاوِيَةَ عن الأعْمَشِ عن المَعْرُورِ بنِ سُوَيْدٍ عن أبِي ذَر قال : "جِئْتُ إلى رسولِ الله صلى الله
ـــــــ
أبواب الزكاة
هي الركن الثالث من الأركان التي بني الإسلام عليها. قال ابن العربي في عارضة الأحوذي: تطلق الزكاة على الصدقة الواجبة والمندوبة والنفقة والحق والعفو، وتعريفها في الشرع: إعطاء جزء من النصاب الحولي إلى فقير ونحوه غير هاشمي ولا مطلبي، ثم لها ركن وهو الإخلاص. وشرط وهو السبب وهو ملك النصاب الحولي، وشرط من تجب عليه وهو العقل والبلوغ والحرية، ولها حكم وهو سقوط الواجب في الدنيا، وحصول الثواب في الأخرى، وحكمة وهي التطهير من الأدناس ورفع الدرجة واسترقاق الأحرار انتهى. قال الحافظ في الفتح: هو جيد لكن في شرط من تجب عليه اختلاف انتهى.
باب ما جَاء عن رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم في مَنْعِ الزّكَاة مِنَ التّشْديد
قوله: "عن معرور بن سويد"، الأسدي الكوفي يكنى بأبي أمية ثقة من الثانية عاش مائة وعشرين سنة "عن أبي ذر" هو أبو ذر الغفاري الصحابي المشهور

(3/241)


عليه وسلم وهُوَ جالِسٌ في ظِلّ الكَعْبَةِ، قال: فَرَآنِي مُقْبِلاً فقال: "هُمُ الأخْسَرُونَ وَرَبّ الكَعْبَةِ يَوْمَ القيامَةِ"، قال: فَقُلْتُ مَالِي لَعَلّهُ أُنْزِلَ فِيّ شَيْءٌ، قال: قلت: مَنْ هُمْ فِدَاكَ أَبِيْ وَأُمّي؟ فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "هُمُ الأكثَرُونَ إلاّ مَنْ قالَ هكذَا وهكذَا، وهكذا فَحَثَا بَيْنَ يَدَيْهِ وعن يَمِيِنهِ وَعَن شِمَالِهِ، ثم قال: والذّي نَفْسي بِيَدِهِ لا يَمُوتُ رَجُلٌ فَيَدَعُ إبلاً أو بَقَراً لَمْ يُؤَدّ زَكَاتَهَا إلاّ جَاءَتْهُ يَوْمَ القيامة
ـــــــ
رضي الله عنه اسمه جندب بن جنادة على الأصح وهو من أعلام الصحابة وزهادهم أسلم قديماً بمكة يقال كان خامساً في الإسلام، ثم انصرف إلى قومه فأقام عندهم إلى أن قدم المدينة على النبي صلى الله عليه وسلم بعد الخندق، ثم سكن الربذة إلى أن مات سنة اثنتين وثلاثين في خلافة عثمان رضي الله عنه. قال الذهبي: كان يوازي ابن مسعود في العلم وكان رزقه أربعمائة دينار ولا يدخر مالاً.
قوله: "هم الأخسرون" هم ضمير عن غير مذكور لكن يأتي تفسيره وهو قوله هم الأكثرون الخ " ورب الكعبة" الواو للقسم "قال فقلت" أي في نفسي "فداك أبي وأمي" بفتح الفاء لأنه ماض خبر بمعنى الدعاء، ويحتمل كسر الفاء والقصر لكثرة الاستعمال، أي يفديك أبي وأمي وهما أعز الأشياء عندي، قاله القاري. وقال العراقي: الرواية المشهورة بفتح الفاء والقصر على أنها جملة فعلية، وروي بكسر الفاء والمد على الجملة الاسمية انتهى "هم الأكثرون"، وفي رواية الشيخين هم الأكثرون أموالاً أي الأخسرون مالاً، هم الأكثرون مالاً "إلا من قال هكذا وهكذا وهكذا" أي إلا من أشار بيده من بين يديه وعن يمينه وعن شماله. قال الطيبي: يقال قال بيده أي أشار، وقال بيده أي أخذ، وقال برجله أي ضرب، وقال بالماء على يده أي صبه، وقال بثوبه أي رفعه "فحثا بين يديه وعن يمينه وعن شماله" أي أعطى في وجوه الخير، قال في القاموس: الحثي كالرمي ما رفعت به يدك، وحثوت له أعطيته يسيراً "فيدع" أي يترك "إبلاً وبقراً"

(3/242)


أعظم ما كانَتْ وأَسْمَنَهُ تَطَؤُهُ بأَخْفَافِهَا وتَنْطحُهُ بقُرُونِها كُلّمَا نَفِدَتْ أُخْرَاهَا عَادَتْ عليهِ أُولاَها حتّى يُقْضَى بَيْنَ النّاسِ".
وفي البابِ عن أبي هُرَيْرَةَ مِثْلُه. وعن عليّ بن أبي طَالِبٍ رضي الله عنه: "لُعِنَ مَانِعُ الصّدَقَةِ" وعن قَبِيصَةَ بنِ هُلْبٍ عن أبيهِ، وجابرِ بنِ عبدِ الله وعبدِ الله بن مسعودٍ.
قال أبو عيسى: حديثُ أبي ذَر حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
أو للتقسيم "أعظم ما كانت" بالنصب حال وما مصدرية "وأسمنه" أي أسمن ما كانت "تطؤه بأخفافها" أي تدوسه بأرجلها، وهذا راجع للإبل، لأن الخف مخصوص بها كما أن الظلف مخصوص بالبقر والغنم والظباء، والحافر يختص بالفرس والبغل والحمار، والقدم للاَدمي قاله السيوطي "وتنطحه" أي تضربه، والمشهور في الرواية بكسر الطاء قاله السيوطي "بقرونها" راجع للبقر "كلما نقدت" روى بكسر الفاء مع الدال المهملة من النفاد وبفتحها والذال المعجمة من النفوذ قاله السيوطي. قوله "وفي الباب عن أبي هريرة مثله" أخرجه البخاري ومسلم "وعن علي بن أبي طالب قال: لعن مانع الزكاة" أخرجه سعيد بن منصور والبيهقي والخطيب في تاريخه وابن النجار، وفيه محمد بن سعيد البورقي كذاب يضع الحديث، كذا في شرح سراج أحمد السندي "وقبيصة بن هلب عن أبيه" أي هلب الطائي قيل إنه بضم الهاء وإسكان اللام وآخره باء موحدة، وقيل بفتح الهاء وكسر اللام وتشديد الباء، قال ابن الجوزي وهو الصواب كذا في قوت المغتذي "وجابر بن عبد الله" أخرجه مسلم "وعبد الله بن مسعود" أخرجه ابن ماجه والنسائي بإسناد صحيح وابن خزيمة في صحيحه.
قوله: "حديث أبي ذر حديث حسن صحيح" وأخرجه البخاري ومسلم

(3/243)


واسْمُ أبي ذَر جُنْدَبُ بنُ السّكَنِ. ويُقَالُ ابنُ جُنَادَةَ.
613 ـ حدثنا عبدُ الله بنُ مُنِيرٍ عن عُبَيْدِ الله بن موسَى عن سُفْيَانَ الثّوْرِيّ عن حَكِيمِ بنِ الدّيْلَمِ عن الضَحّاكِ بنِ مُزَاحِمٍ قال: "الأَكْثَرُونَ أَصْحَابُ عَشَرةِ آلافٍ".
ـــــــ
"واسم أبي ذر جندب بن السكن ويقال ابن جنادة" بضم الجيم وخفة النون وإهمال الدال، قال العراقي: ما صدر به قول مرجوح وجعله ابن حبان وهما، والصحيح الذي صححه المتقدمون والمتأخرون الثاني.
قوله: "حدثنا عبد الله بن منير" بنون آخره مهملة مصغراً المروزي أبو عبد الرحمَن الزاهد الحافظ الجوال، روى عن النضر بن شميل ووهب بن جرير وخلق: وعنه البخاري وقال لم أر مثله والترمذي والنسائي ووثقه، مات سنة إحدى وأربعين ومائتين كذا في الخلاصة، وقد ضبط الحافظ في التقريب لفظ منير بضم الميم وكسر النون وكذا ضبطه في الفتح في باب الغسل في المخضب "عن حكيم بن الديلم" المدائني صدوق "عن الضحاك بن مزاحم" الهلالي مولاهم الخراساني يكنى أبا القاسم عن أبي هريرة وابن عباس وغيرهما، قال سعيد بن جبير لم يلق ابن عباس، ووثقه أحمد وابن معين وأبو زرعة، وقال ابن حبان: في جميع ما روي نظر، إنما اشتهر بالتفسير مات سنة خمس ومائة كذا في الخلاصة، وقال في التقريب: صدوق كثير الإرسال "قال الأكثرون أصحاب عشرة آلاف" قال القاضي أبو بكر بن العربي: يعني درهماً، وإنما جعله حد الكثرة لأنه قيمة النفس المؤمنة وما دونه في حد القلة وهو فقه بالغ، وقد روي عن غيره وإني لأستحبه قولاً وأصوبه رأياً انتهى كلامه. وفي حاشية النسخة الأحمدية هذا التفسير من الضحاك لحديث آخر هو قوله صلى الله عليه وسلم: من قرأ ألف آية كتب من المكثرين المقنطرين، وفسر المكثرين بأصحاب عشرة آلاف درهم، وأورد الترمذي هذا التفسير ههنا لمناسبة ضعيفة انتهى ما في الحاشية.

(3/244)


2ـ باب ما جَاءَ إذَا أَدّيْتَ الزكاةَ فقد قَضَيْتَ ما عَلَيْك
614 ـ حدثنا عُمَرُ بنُ حَفْصٍ الشّيْبَانِيُ البصري حدثنا عبدُ الله بنُ وَهْب أخبرنا عَمْرُو بنُ الحَارِثِ عن دَرّاجٍ عن ابنِ حُجَيْرَةَ "هو عبد الرحمن بن حجيزة البصري" عن أبي هُرَيْرَةَ أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال : "إِذا أَدّيْتَ زكاةَ مَالِكَ فَقَدْ قَضَيْتَ مَا عَلَيْكَ".
ـــــــ
باب ما جَاءَ إذَا أَدّيْتَ الزكاةَ فقد قَضَيْتَ ما عَلَيْك
قوله: "عن دراج" بتثقيل الراء وآخره جيم ابن سمعان أبي السمح، قيل اسمه عبد الرحمَن ودراج لقبه، وثقه ابن معين وضعفه الدارقطني، قال أبو داود: حديثه مستقيم إلا عن أبي الهيثم "عن ابن حجيرة" بضم الحاء وفتح الجيم مصغراً اسمه عبد الرحمَن ثقة وهو ابن حجيرة الأكبر.
قوله: "إذا أديت" أي أعطيت "زكاة مالك" الذي وجبت عليك فيه زكاة "فقد قضيت" أي أديت "ما عليك" من الحق الواجب فيه ولا تطالب بإخراج شيء آخر منه. قال أبو الطيب السندي في شرح الترمذي: قوله ما عليك أي من حقوق المال، وهذا يقتضي أنه ليس عليه واجب مالي غير الزكاة، وباقي الصدقات كلها تطوع وهو يشكل بصدقة الفطر والنفقات الواجبة، إلا أن يقال الكلام في حقوق المال وليس بشيء من هذه الأشياء من حقوق المال بمعنى أنه يوجبه المال بل يوجبه أسباب أخر، كالفطر والقرابة والزوجية وغير ذلك انتهى.

(3/245)


قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ، وقد رُوِيَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ أنّهُ ذَكَرَ الزكاةَ، فقالَ رجلٌ: "يا رسولَ الله هَلْ عَلَيّ غَيْرُهَا؟ فقال لا إلا أنْ تَتَطَوّع".
615 ـ حدثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ، حدثنا عليّ بنُ عبدِ الحميد الكُوفِيّ حدثنا سُلَيْمَانُ بنُ المُغِيرَةِ عن ثَابِتٍ عن أَنَسٍ قال: "كُنّا نَتَمَنّى أن يَأتي الأعْرَابِيّ العَاقِلُ فَيَسْأَلَ النبيّ صلى الله عليه وسلم
ـــــــ
قوله: "هذا حديث حسن غريب" وأخرجه ابن ماجه والحاكم في الزكاة. وقال الحاكم صحيح كذا في شرح الجامع الصغير للمناوى. وقال الحافظ في الفتح بعد نقل تحسين الترمذي وصححه الحاكم وهو على شرط ابن حبان، وعن أم سلمة عند الحاكم وصححه ابن القطان أيضاً وأخرجه أبو داود، وقال ابن عبد البر في سنده مقال، وذكر شيخنا يعني الحافظ العراقي في شرح الترمذي: إن سنده جيد، قال الحافظ وفي الباب عن جابر أخرجه الحاكم بلفظ: إذا أديت زكاة مالك فقد أذهبت عنك شره، ورجح أبو زرعة والبيهقي وغيرهما وقفه كما عند البزار انتهى. قوله: "حدثنا محمد بن إسماعيل" هو الإمام البخاري رحمه الله صرح به الحافظ كما ستقف "حدثنا علي بن حميد الكوفي" المعنى كوفي ثقة وكان ضريراً من العاشرة "أخبرنا سليمان بن المغيرة" القيسي مولاهم البصري أبو سعيد ثقة أخرج له البخاري مقروناً وتعليقاً من السابعة "عن ثابت" هو ابن أسلم البناني البصري ثقة عابد من الرابعة.
قوله: "يبتدئ" أي بالسؤال "الأعرابي العاقل" روى بالعين المهملة والقاف وهو المشهور وبالغين المعجمة والفاء والمراد به هنا الذي لم يبلغه النهي عن السؤال. كذا في قوت المغتذي. قال الحافظ في الفتح: وقع في رواية موسى

(3/246)


ونَحْنُ عِنْدَهُ، فَبَيْنَا نَحْنُ كذَلِكَ إِذْ أَتَاهُ أَعْرَابِيّ فَجَثَا بَيْنَ يَدَيِ النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمدُ إنّ رَسُولَكَ أَتَانَا فَزَعَم لَنَا أَنّكَ تَزْعُم أَنّ الله أَرْسَلَكَ، فقالَ النبيّ صلى الله عليه وسلم: نَعَمْ، قالَ: فَبِالّذِي رَفَع السّمَاءَ، وبَسَطَ الأرْضَ، ونَصَبَ الجِبَالَ آلله أَرْسَلَكَ؟ فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: نَعَمْ، قال: فإِنّ رَسُولَكَ زَعَمَ لَنَا أَنّكَ تَزْعُمُ أَنّ عَلَيْنَا خَمْسَ صَلَوَاتٍ في اليَوْمِ واللّيْلَةِ، فقالَ النبيّ صلى الله عليه وسلم: نَعَمْ، قالَ: فَبِالّذِي أَرْسَلَكَ آلله أَمَرَكَ بِهَذَا؟ قال: نعم فإنّ رَسُولَكَ زَعَمَ لَنَا أَنّكَ تَزْعُمُ أَنّ عَلَيْنَا صَوْمَ شَهْرٍ في السّنَةِ فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم:
ـــــــ
بن إسماعيل في أول هذا الحديث عن أنس قال: نهينا في القرآن أن نسأل النبي صلى الله عليه وسلم، فكان يعجبنا أن يَجِيِئَ الرجل من أهل البادية العاقل فيسأله ونحن نسمع، فجاء رجل، وكأن أنساً أشار إلى آية المائدة، قال: وتمنوه عاقلاً ليكون عارفاً بما يسأل عنه "فبينا نحن كذلك" أي على هذه الحالة وهي حالة التمني "إذ أتاه أعرابي" اسمه ضمام بن ثعلبة "فجثا" أي جلس على ركبته "فزعم لنا" أي فقال لنا، والزعم كما يطلق على القول المحقق أيضاً كما نقله أبو عمرو الزاهدي في شرح فصيح شيخه ثعلب، وأكثر سيبويه من قوله زعم الخليل في مقام الاحتجاج قاله الحافظ، والمراد به ههنا هو الأخير "إنك تزعم" أي تقول.
قوله: "فبالذي رفع السماء" أي أقسمك بالذي رفع السماء "الله" بمد

(3/247)


صَدَقَ، قالَ: فَبِالّذِي أَرْسَلَكَ آلله أَمَرَكَ بِهَذَا؟ قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: نَعَمْ، قالَ: فإِنّ رَسُولَكَ زَعَمَ لَنَا أَنّكَ تَزْعُمُ أَنّ عَلَيْنَا في أَمْوَالِنَا الزكَاةَ فقالَ النبيّ صلى الله عليه وسلم: صَدَقَ، قالَ: فَبِالّذِي أَرْسَلَكَ آلله أَمَرَكَ بِهَذَا؟ قالَ النبي صلى الله عليه وسلم: نَعَمْ، قال: فإنّ رَسُولَكَ زَعم لنا أنّكَ تزعم أنّ علينا الحج إلى البيتِ من استطاعَ إليه سبيلاً، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: نعم، قالَ: فبِالّذِي أرْسَلَكَ آلله أمَرَكَ بِهَذَا؟ فقالَ: النبي صلى الله عليه وسلم نعم، فقالَ: والّذِي بَعَثَكَ بالحَقّ لاَ أَدَعُ مِنْهُنّ شَيْئاً وَلاَ أُجَاوِزُهُنّ، ثُمّ وَثَبَ، فقالَ النبيّ صلى الله عليه وسلم: إِنْ صَدَقَ الأعْرَابِيّ دَخَل الجنّةَ".
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ مِنْ هذا الوجْهِ. وقد رُوِيَ مِنْ غَيْرِ هذا الوجْهِ عن أَنَسٍ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم.
ـــــــ
الهمزة للاستفهام كما في قوله تعالى {آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ} "لا أدع" أي لا أترك "ولا أجاوزهن" أي إلى غيرهن يعني لا أزيد عليهن باعتقاد الافتراض، وفي رواية مسلم: والذي بعثك بالحق لا أزيد عليهن ولا أنقص "ثم وثب" أي قام بسرعة.
قوله: "هذا حديث حسن غريب" من هذا الوجه ذكر الإمام البخاري في صحيحه هذا الحديث معلقاً فقال بعد روايته حديث أنس بإسناده ما لفظه: رواه موسى وعلي بن عبد الحميد عن سليمان عن ثابت عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم بهذا انتهى. قال الحافظ في الفتح موسى هو ابن إسماعيل التبوذكي وحديثه موصول عند أبي عوانة في صحيحه وعند ابن مندة في الإيمان، وإنما علقه البخاري لأنه لم يحتج بشيخه سليمان بن المغيرة، قال: وحديث علي بن عبد الحميد موصول عند الترمذي، أخرجه عن البخاري عنه، وكذا أخرجه الدارمي عن علي بن عبد الحميد وليس له في البخاري سوى هذا الموضع المعلق انتهى.
قوله: "وروي من غير هذا الوجه عن أنس الخ" رواه البخاري ومسلم

(3/248)


سَمِعْتُ محمدَ بنَ إسماعيلَ يقولُ: قالَ بَعْضُ أهلِ العلم: فقهُ هذا الحديثِ أنّ القِرَاءةَ على العَالِمِ والعَرْضَ عليهِ جَائزٌ مِثْلُ السّمَاعِ. واحْتَجّ بأَنّ الأعْرَابِيّ عَرَضَ على النبيّ صلى الله عليه وسلم فَأَقَرّ بهِ النبيّ صلى الله عليه وسلم.
ـــــــ
وغيرهما "قال بعض أهل الحديث فقه هذا الحديث" أي الحكم المستنبط منه، والمراد ببعض أهل الحديث أبو سعيد الحداد أخرجه البيهقي من طريق ابن خزيمة قال سمعت محمد بن إسماعيل البخاري يقول: قال أبو سعيد الحداد: عندي خبر عن النبي صلى الله عليه وسلم في القراءة على العالم، فقيل له فقام قصة ضمام بن ثعلبة قال آلله أمرك بهذا، قال: نعم، كذا في فتح الباري "أن القراءة على العالم والعرض عليه جائز مثل السماع" أي القراءة على الشيخ جائز كما يجوز السماع من لفظ الشيخ، وكان يقول بعض المتشددين من أهل العراق: إن القراءة على الشيخ لا تجوز ثم انقرض الخلاف فيه واستقر الأمر على جوازه، وأختلف في أن أيهما أرفع رتبة، والمشهور الذي عليه الجمهور أن السماع من لفظ الشيخ أرفع رتبة من القراءة عليه ما لم يعرض عارض يصير القراءة عليه أولى، ومن ثم كان السماع من لفظه في إملاء أرفع الدرجات لما يلزم منه من تحرز الشيخ والطالب كذا في الفتح

(3/249)


باب ما جاء في الزكاة الذهب والورق
...
3 ـ باب ما جَاء في زكاةِ الذّهَبِ والوَرِق
616 ـ حدثنا محمدُ بنُ عبدِ المَلِك بنِ أبي الشّواَربِ حدثنا أبو عَوَانَةَ عن أبي إسحاقَ عن عَاصِمِ بنِ ضَمْرَةَ عن علي قالَ: قالَ
ـــــــ
"باب ما جاء في زكاة الذهب والورق"
أي الفضة، يقال ورق بفتح الواو وكسرها وبكسر الراء وسكونها.
قوله: "عن عاصم بن ضمرة" السلولي الكوفي، قال في التقريب صدوق، وقال في الخلاصة وثقه ابن المديني وابن معين وتكلم فيه غيرهما.

(3/249)


رسولُ الله صلى الله عليه وسلم "قَدْ عَفَوْتُ عن صَدَقَةِ الخَيْلِ والرّقِيقِ فهَاتُوا صَدَقَةَ الرّقَةِ مِنْ كُلّ أرْبَعِينَ دِرْهَماً دِرْهَماً. وَلَيْسَ في تِسْعِينَ ومائةٍ شيءٌ فإذا بَلَغَتْ مائتينِ فَفِيها خَمْسَةُ الدّرَاهِمَ".
وفي البابَ عن أبِي بَكْرٍ الصّدّيقِ وعَمِرْو بنِ حَزْمٍ.
قال أبو عيسى: روَى هذا الحديثَ الأعْمَشُ وأبو عَوَانَةَ وغَيْرُهُمَا عن أبي إسحاقَ عن عَاصِمِ بنِ ضَمْرَةَ عن علي. وَرَوَى سُفيانُ الثّوْرِيّ
ـــــــ
قوله: "قد عفوت عن صدقة الخيل والرقيق" أي إذا لم يكونا للتجارة، وفي الخيل السائمة اختلاف وسيجيء بيانه وتحقيق الحق فيه في باب ما جاء ليس في الخيل والرقة صدقة. قال الطيبي: قوله: " عفوت" مشعر بسبق ذنب عن إمساك المال عن الإنفاق أي تركت وجاوزت عن أخذ زكاتهما مشيراً إلى أن الأصل في كل مال أن تؤخذ منه الزكاة "فهاتوا صدقة الرقة" أي زكاة الفضة، والرقة بكسر الراء وتخفيف القاف أي الدارهم المضروبة أصلة ورق وهو الفضة، خذف منه الواو وعوض عنه التاء كما في عدة ودية، قاله القاري في المرقاة، وقال الحافظ في الفتح: الرقة الفضة الخالصة سواء كانت مضروبة أو غير مضروبة "وليس لي في تسعين ومائة شيء" إنما ذكر التسعين لأنه آخر عقد قبل المائة، والحساب إذا جاوز الاَحاد كان تركيبه بالعقود كالعشرات والمئتين والألوف، فذكر التسعين ليدل على أن لا صدقة فيما نقص عن المائتين، ويدل عليه قوله "فإذا بلغت" أي الرقة "مائتين ففيها خمسة دراهم" أي الواجب فيها خمسة دراهم بعد حولان الحول.
قوله: "وفي الباب عن أبي بكر الصديق وعمرو بن حزم" أما حديث الصديق فأخرجه البخاري وأحمد، وأما حديث عمرو بن حزم فأخرجه الطبراني والحاكم والبيهقي.

(3/250)


وابنُ عُيَيْنَةَ وغَيْرُ واحِدٍ عن أَبِي إسحاقَ عن الحارِثِ عن علي. قال: وسألْتُ محمدَاً عن هذا الحَديثِ فقالَ كِلاَهُمَا عِنْدِي صحيحٌ عن أَبِي إسحاقَ، يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ روى عَنْهُما جَمِيعاً.
ـــــــ
قوله: "يحتمل أن يكون" أن هذا الحديث "عنهما جميعاً" أي عن عاصم بن ضمرة والحارث كليهما فروى أبو إسحاق عنهما، قال الحافظ في الفتح بعد ذكر حديث علي هذا. أخرجه أبو داود وغيره وإسناده حسن انتهى

(3/251)


باب ماجاء في الزكاة الإبل والغنم
...
4 ـ باب ما جَاءَ في زكاةِ الإبِلِ والغَنَم
617 ـ حدثنا زِيَادُ بنُ أَيُوبَ البَغْدَادِيّ و إبراهيم بنُ عبدِ الله الهَرَوِيّ و محمدُ بنُ كَامِل المَرْوَزِيّ ـ "المعْنَى وَاحِدٌ" ـ قالُوا: حدثنا عَبّادُ ابنُ العَوّامِ عن سُفيانَ بنِ حُسَين عن الزُهْرِيّ عن سَالِمٍ عن أبيهِ أنّ
ـــــــ
باب ما جَاءَ في زكاةِ الإبِلِ والغَنَم
قوله: "حدثنا زياد بن أيوب البغدادي" الطوسي الأصل أبو هاشم يلقب دلويه وكان يغضب منها ولقبه أحمد شعبة الصغير ثقة حافظ، وروى عنه البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي "وإبراهيم بن عبد الله الهروي" أبو عبد الله نزيل بغداد، قال الدارقطني ثقة ثبت، وضعفه أبو داود وغيره لوقفه في القرآن "ومحمد بن كامل المروزي" ثقة من صغار العاشرة "المعنى واحد" أي ألفاظهم مختلفة والمعنى واحد "أخبرنا عباد بن العوام" بن عمر الكلابي مولاهم أبو سهل الواسطي ثقة من الثامنة "عن سفيان بن حسين" الواسطي ثقة في غير الزهري باتفاقهم كذا في التقريب، وقال في الميزان: قال عثمان بن سعيد: سألت يحيى عنه فقال ثقة وهو ضعيف الحديث عن الزهري، وقال ابن عدي: سمعت أبا يعلى يقول: قيل لابن معين حدث سفيان بن حسين عن الزهري عن سالم عن

(3/251)


رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم كَتَبَ كِتَابَ الصّدَقَةِ فَلَمْ يُخْرِجْهُ إلى عُمّالِهِ حتى قُبِضَ فَقَرَنَهُ بِسَيْفِهِ، فَلَمّا قُبِضَ عَمِلَ بِهِ أبو بَكْرٍ حتّى قُبِضَ، وعُمَرُ حتّى قُبِضَ، وكانَ فيهِ "في خَمْسٍ مِنَ الإبِلِ شَاةٌ، وفي عَشْرٍ شَاتَانٍ، وفي خَمْسَ عَشْرَةَ ثلاثُ شِيَاهٍ، وفي عِشرينَ أَرْبَعُ شِيَاهٍ، وفي خَمْسٍ وَعِشْرينَ بِنْتُ مَخَاضٍ إلى خَمْسٍ وثلاثينَ، فإذا زَادَتْ فَفِيهَا ابْنَةُ لَبُونٍ إلى خَمْسٍ وأَرْبَعِينَ، فإذا زَادَتْ فَفِيهَا حِقّةٌ إلى سِتّينَ، فإذا
ـــــــ
أبيه في الصدقات فقال لم يتابعه عليه أحد ليس يصح انتهى. قلت: بل تابعه عليه سليمان بن كثير كما ستقف عليه في كلام المنذري.
قوله: "فقرنه بسيفه" أي كتب كتاب الصدقة فقرنه بسيفه لإرادة أن يخرجه إلى عماله فلم يخرجه حتى قبض، ففي العبارة تقديم وتأخير، قال أبو الطيب السندي: وفيه إشارة إلى أن من منع ما في هذا يقاتل بالسيف، وقد وقع المنع والقتال في خلافة الصديق رضي الله تعالى عنه وثباته على القتال مع مدافعة الصحابة أولاً يشير إلى أنه فهم الإشارة، قال هذا من فوائد بعض المشائخ انتهى "وكان فيه" أي في كتاب الصدقة "ثلاث شياه" جمع شاة " وفي خمس وعشرين بنت مخاض إلى خمس وثلاثين" استبدل به على أنه لا يجب فيما بين العدد شيء غير بنت مخاض خلافاً لمن قال كالحنفية تستأنف الفريضة فيجب في كل خمس من الإبل شاة مضافة إلى بنت المخاض قاله الحافظ في الفتح. قلت: لعله أراد بالحنفية بعضهم، وإلا ففي الهداية وشرح الوقاية وغيرهما من كتب الفقه الحنفي المعتبرة مصرح بخلافه موافقاً لما في الحديث. وبنت مخاض بفتح الميم والمعجمة الخفيفة وآخره معجمة، هي التي أتى عليها حول ودخلت في الثاني وحملت أمها، والماخض الحامل أي دخل وقتها وإن لم تحل "ففيها بنت لبون" بفتح اللام هي التي تمت لها سنتان ودخلت في الثالثة سميت بها لأن أمّها تكون لبوناً أي ذات لبن ترضع به أخرى غالباً "ففيها حقة" بكسر الحاء وتشديد القاف هي التي أتت عليها ثلاث سنين ودخلت في الرابعة سميت

(3/252)


زَادَت فَجَذَعَةٌ إلى خَمْس وسَبْعِينَ، فإذا زَادَتْ ففِيهَا ابْنَتَا لَبُونٍ إلى تِسْعِينَ، فإذا زَادَتْ فَفِيهَا حِقّتَانِ إلى عشْرينَ ومائَةٍ، فإذا زَادَتْ على عِشْرِينَ ومائَةٍ فِفِي كُلّ خَمْسِينَ حِقّةٌ، وفي كُلّ أرْبَعِينَ ابْنَةُ لَبُونٍ، وفي الشّاءِ في كُلّ أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ إلى عِشْرِينَ ومائَةٍ، فإذا زَادَتْ فَشَاتَانِ إلى مائَتَيْنِ، فإذا زَادَتْ فثلاَثُ شِيَاهٍ إلى ثلاثمائَةِ شَاةٍ فإذا زَادَتْ على ثلاثمائة شَاةٍ ففِي كُلّ مائَةِ شَاةٍ شَاةٌ، ثم لَيْسَ فيها شيءٌ حتى تَبْلُغَ أرْبَعَمائِةٍ ولا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرّقٍ ولا يُفَرّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ مَخَافَةَ الصّدَقَةِ.
ـــــــ
بها لأنها استحقت أن تركب وتحمل ويطرقها الجمل "ففيها جذعة" بفتح الجيم والذال المعجمة هي التي أتت عليها أربع سنين ودخلت في الخامسة سميت بها لأنها تجذع أي تقلع أسنان اللبن "فإذا زادت على عشرين ومائة ففي كل خمسين حقة وفي كل أربعين ابنة لبون" فواجب مائة وثلاثين بنتاً لبون وحقة، وواجب مائة وأربعين بنت لبون وحقتان وهكذا. قال في المرقاة: قال القاضي: دل الحديث على استقراء الحساب بعد ما جاوز العدد المذكور يعني أنه إذا زاد الإبل على مائة وعشرين لم تستأنف الفريضة. وهو مذهب أكثر أهل العلم، وقال النخعي والثوري وأبو حنيفة: تستأنف فإذا زادت على المائة والعشرين خمس لزم حقتان وشاة، وهكذا إلى بنت مخاض وبنت لبون على الترتيب السابق انتهى "وفي السماء في كل أربعين شاة شاة" قال أبو الطيب السندي: المراد عموم الحكم لكل أربعين شاة بالنظر إلى الأشخاص أي في أربعين شاة شاة كائنة لمن كان وأما بالنظر إلى شخص واحد ففي أربعين شاة ولا شيء بعد ذلك حتى تزيد على عشرين ومائة انتهى. "ولا يجمع بين متفرق ولا يفرق بين مجتمع مخافة الصدقة" بالنصب على أنه مفعول لأجله والفعلان على بناء المفعول، وفي رواية البخاري خشية الصدقة. قال الحافظ في الفتح: قال مالك في الموطأ: معنى هذا الحديث أن يكون النفر الثلاثة لكل واحد منهم أربعون شاة وجبت فيه الزكاة فيجمعونها حتى لا تجب عليهم كلهم فيها إلا شاة واحدة، أو يكون للخليطين مائتا شاة وشاتان فيكون

(3/253)


ومَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ فإنّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بالسّوِيّةِ، ولا يؤْخَذُ في الصّدَقَةِ هَرِمَةٌ ولا ذَاتُ عَيْبٍ".
وقال الزّهْرِيّ: إذَا جَاءَ المُصَدّقُ قَسّمَ الشّاءَ أثْلاثاً: ثُلُثُ خِيَارٌ،
ـــــــ
عليهما فيها ثلاث شياه فيفرقونها حتى لا يكون على كل واحد إلا شاة واحدة. وقال الشافعي: هو خطاب لرب المال من جهة، وللساعي من جهة، فأمر كل واحد منهم أن لا يحدث شيئاً من الجمع والتفريق خشية الصدقة، فرب المال يخشى أن تكثر الصدقة فيجمع أو يفرق لتقل، والساعي يخشى أن تقل الصدقة فيجمع أو يفرق لتكثر، فمعنى قوله "خشية الصدقة" أي خشية أن تكثر الصدقة أو خشية أن تقل الصدقة، فلما كان محتملاً للأمرين، لم يكن الحمل على أحدهما بأولى من الاَخر، فحمل عليهما معاً، لكن الذي يظهر أن حمله على المالك أظهر. والله أعلم انتهى. "وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بالسوية" يريد أن المصدق إذا أخذ من أحد الخليطين ما وجب أو بعضه من مال أحدهما، فإنه يرجع المخالط الذي أخذ منه الواجب أو بعضه بقدر حصته الذي خالطه من مجموع المالين مثلاً في المثلى كالثمار أو الحبوب، وقيمته في المقوم كالإبل والبقر والغنم، فلو كان لكل منهما عشرون شاة رجع الخليط على خليطه بقيمة نصف شاه لا بنصف شاة لأنها غير مثلية، ولو كان لأحدهما مائة وللاَخر مائة، فأخذ الساعي الشاتين الواجبتين من صاحب المائة رجع بثلث قيمتها أو من صاحب الخمسين، رجع بثلثي قيمتها، أو من كل واحد شاة رجع صاحب المائة بثلث قيمة شاته، وصاحب الخمسين بثلثي قيمة شاته. كذا في إرشاد الساري للقسطلاني "ولا يؤخذ في الصدقة هرمة" بفتح الهاء وكسر الراء، الكبيرة التي سقطت أسنانها "ولا ذات عيب" أي معيبة، واختلف في ضبطه، فالأكثر على أنه ما يثبت به الرد في البيع، وقيل ما يمنع الإجزاء في الأضحية، ويدخل في المعيب المريض والذكورة بالنسبة إلى الأنوثة، والصغير سناً بالنسبة إلى سن أكبر منه، قاله الحافظ "إذا جاء المصدق" بتخفيف الصاد وكسر الدال المشددة عامل الصدقة، أي إذا جاء العامل عند أرباب المال لأخذ الصدقة.

(3/254)


وثُلُثٌ أوْسَاطٌ وثُلُثٌ شِرَارٌ. وأَخَذَ المُصَدّقُ مِنَ الوسَطِ. ولم يَذْكُرِ الزّهْرِيّ البَقَرَ.
وفي البابِ عن أبي بَكْرٍ الصّدّيقِ وبهز بنِ حَكِيمٍ عن أبيهِ عن جَدّهِ وأَبِي ذَر وأَنَسٍ.
قال أبو عيسى: حديثُ ابنِ عُمَرَ حديثٌ حسنٌ. والعملُ على هذا الحديثِ عند عَامّةِ الفُقَهَاءِ. وقد رَوَى يونسُ بنُ يَزيدَ وغيرُ واحِدٍ عن الزُهْرِيّ عن سَالِمٍ بهذا الحديثَ ولم يَرْفَعُوهُ، وإنّمَا رَفَعَهُ سُفْيَان بنُ حُسَيْنٍ.
ـــــــ
قوله: "وفي هذا الباب عن أبي بكر الصديق" أخرجه البخاري وأحمد بطوله "وبهز بن حكيم عن أبيه عن جده" أخرجه أحمد في مسنده.
قوله: "وإنما رفعه سفيان بن حسين" قال الحافظ في الفتح: وسفيان بن حسين ضعيف في الزهري وقد خالفه من هو أحفظ منه في الزهري فأرسله انتهى. وقال المنذري وسفيان بن حسين أخرج له مسلم، واستشهد به البخاري. إلا أن حديثه عن الزهري فيه مقال، وقد تابع سفيان بن حسين على رفعه سليمان بن كثير وهو ممن اتفق البخاري ومسلم على الاحتجاج بحديثه. وقال الترمذي في كتاب العلل: سألت محمد بن اسماعيل عن هذا الحديث فقال أرجو أن يكون محفوظاً وسفيان بن حسين صدوق انتهى

(3/255)


5ـ باب ما جَاءَ في زكاةِ البَقَر
618 ـ حدثنا محمدُ بنُ عُبَيْد المُحَارِبيّ و أَبُو سَعِيدٍ الأشَجُ قالا: حدثنا عبدُ السّلاَمِ بنُ حَرْبٍ عن خُصَيْفٍ عن أبي عُبَيْدَةَ عن عبدِ الله عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "في ثلاثينَ مِنَ البَقَرِ تَبِيْعٌ أو تَبِيعةٌ. وفي كُلّ أرْبَعِينَ مُسِنّةٌ".
وفي البابِ عن مُعَاذٍ بنِ جَبَلٍ.
قال أبو عيسى: هكَذَا رَوَى عبدُ السّلاَمِ بنُ حَرْبٍ عن خصيْفٍ. وعبدُ السّلاَمِ ثِقَةٌ حَافِظٌ.
ـــــــ
باب ما جَاءَ في زكاةِ البَقَر
قوله: "عن خصيف" بالصاد المهملة مصغراً ابن عبد الرحمَن الجزري صدوق سيء الحفظ خلط بآخره من الخامسة "عن أبي عبيدة" هو ابن عبد الله بن مسعود مشهور بكنيته والأشهر أنه لا إسم له غيرها ويقال اسمه عامر كوفي في ثقة من كبار الثلاثة. والراجح أنه لا يصح سماعه من أبيه كذا في التقريب.
قوله: "في كل ثلاثين من البقر تبيع" أي ما كمل له سنة ودخل في الثانية، وسمي به لأنه يتبع أمه بعد والأنثى تبيعة "وفي كل أربعين سنة" أي ما كمل له سنتان، وطلع سنها ودخل في الثالثة. وأخرج الطبراني عن ابن عباس مرفوعاً: وفي كل أربعين مسنة أو مسن، والحديث دليل على وجوب الزكاة في البقر وأن نصابها ما ذكر. قال ابن عبد البر: لا خلاف بين العلماء أن السنة في زكاة البقر على ما في حديث معاذ.
قوله "وفي الباب عن معاذ بن جبل" أخرجه الترمذي في هذا الباب وأخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه.

(3/256)


وَرَوَى شَرِيكٌ هذا الحديثَ عن خصَيْفٍ عن أبي عُبَيدَةَ عن أبيهِ عن عبدِ الله. وأبو عُبَيْدَةَ بنُ عبدِ الله لَمْ يَسْمَعْ مِنْ "أبيهِ".
619 ـ حدثنا محمودُ بن غَيْلانَ، حدثنا عبدُ الرّزاقِ أخبرنا سُفْيَانُ عن الأعْمَشِ عن أبي وَائِلٍ عن مَسْروقٍ عن مُعاذِ بنِ جَبَلٍ قال: "بعَثَنِي النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليَمَنِ، فأَمَرَنِي أنْ آخُذَ مِنْ كُلّ ثلاثينَ بَقَرَة تَبِيعاً أو تَبِيعَة، ومِنْ كُلّ أَرْبَعِينَ مُسِنّةً، ومِنْ كُلّ حَالِمٍ دينَاراً أَو عدْلَهُ مَعافِرَ".
ـــــــ
قوله "وروي شريك هذا الحديث عن خصيف عن أبي عبيدة عن أبيه عن عبد الله" فزاد شريك لفظ "عن أبيه" بين لفظ عن أبي عبيدة وبين لفظ عن عبد الله، وشريك هذا هو ابن عبد الله الكوفي القاضي يخطئ كثيراً، تغير حفظه منذ ولي القضاء بالكوفة فزيادته لفظ "عن أبيه" منكرة، ورواية عبد السلام بن حرب بحذف هذه الزيادة، هي محفوظة فإنه ثقة حافظ، وقيل عن عبد الله بدل من عن أبيه.
قوله "أن أخذ من كل ثلاثين بقرة" قال ابن الهمام: البقر من بقر إذا شق سمي به لأنه يشق الأرض وهو اسم جنس، والتاء في بقرة للوحدة فيقع على الذكر والأنثى لا للتأنيث.
قوله "من كل حالم ديناراً" أراد بالحالم من بلغ الحلم وجرى عليه حكم الرجال سواء احتلم أم لا، والمراد به أخذ الحرية من لم يسلم "أو عدله" قال الخطابي: عدله أي ما يعادل قيمته من الثياب. قال الفراء: هذا عدل الشيء بكسر العين أي مثله في الصورة، وهذا عدله بفتح العين إذا كان مثله في القيمة. وفي النهاية العدل بالكسر وبالفتح وهما بمعنى المثل "معافر" على وزن مساجد حي

(3/257)


قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ.
وَرَوَى بعضُهُم هذا الحديثَ عن سُفْيَانَ عن الأعْمَشِ عن أبي وَائِلٍ عن مَسْرُوقٍ "أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم بَعَثَ مُعَاذاً إلى اليَمَنِ فَأَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ" وهذا أصحّ.
620 ـ حدثنا محمدُ بن بَشّارٍ حدثنا محمدُ بنُ جَعْفَرٍ حدثنا شُعْبَةُ عن عَمْرِو بنِ مُرّةَ قال: سَأَلْتُ أبا عُبَيْدَةَ بن عبد الله هل يذْكُرُ عنْ عبدِ الله شيئاً؟ قال: لا.
ـــــــ
من همدان لا ينصرف لما فيه من صيغة منتهى الجموع وإليهم تنسب الثياب المعافرية، والمراد هنا الثياب المعافرية كما فسره بذلك أبو داود.
قوله "هذا حديث حسن" وزعم ابن بطال أن حديث معاذ هذا متصل صحيح قال الحافظ: وفي الحكم بصحته نظر لأن مسروقاً لم يلق معاذاً وإنما حسنه الترمذي لشواهده، ففي الموطأ من طريق طاؤس عن معاذ نحوه، وطاؤس عن معاذ منقطع أيضاً، وفي الباب عن علي عند أبي داود.
قوله "وروى بعضهم هذا الحديث عن سفيان الخ" أي رواه بعضهم مرسلاً بغير ذكر معاذ، وهذا المرسل أخرجه ابن شيبة بسنده عن مسروق قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم معاذاً إلى اليمن فذكره كذا في نصب الراية

(3/258)


باب في كراهية أخذ خيار المال في الصدقة
...
6ـ باب ما جَاءَ في كَرَاهِيَةِ أَخْذِ خِيَارِ المالِ في الصّدَقَة
621 ـ حدثنا أبو كُرَيْبٍ، حدثنا وَكيعٌ، حدثنا زَكَرِيا بنُ إسْحَاقَ المَكّيّ، حدثنا يَحْيى بنُ عبدِ الله بن صَيْفِي عن أَبي مَعْبَدٍ عن ابنِ عباسٍ "أنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم بَعَثَ مُعَاذاً إلى اليَمَنِ فقال له: إنّكَ تَأْتِي قَوْماً أَهْلَ كِتَابٍ فادْعُهُمْ إلى شَهَادَةِ أَنْ لا إلهَ إلاّ الله وأَنّى رَسُولُ الله، فإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فأَعْلِمْهُم أن الله افترَضَ عَلَيْهِم خَمْسَ صَلَوَاتٍ في اليَوْمِ واللّيْلَةِ، فإِن هُمْ أَطَاعُوا لِذلِكَ فأَعْلِمْهُمْ أنّ الله افْتَرَضَ عَلَيْهِم صَدَقَةً في أَمْوَالِهِمْ تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ وتُرَدّ على فُقَرائِهِمْ،
ـــــــ
باب ما جَاءَ في كَرَاهِيَةِ أَخْذِ خِيَارِ المالِ في الصّدَقَة
قوله "أخبرنا يحيى بن عبد الله بن صيفي" هو يحيى بن عبد الله بن محمد بن يحيى بن صيفي المكي ثقة من السادسة كذا في التقريب.
قوله "بعث معاذاً إلى اليمن" أي أرسله إليه أميراً أو قاضياً "فإن هم أطاعوا لذلك" أي إنقادوا للإسلام وهو من قبيل حذف عامله على شريطة التفسير كقوله تعالى {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ} " فأعلمهم" من الإعلام " تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم" قال البخاري في صحيحه: باب أخذ الصدقة من الأغنياء وترد في الفقراء حيث كانوا، ثم ذكر هذا الحديث، قال الحافظ: ظاهر الحديث أن الصدقة ترد على فقراء من أخذت من أغنيائهم، وقال ابن المنير: اختار البخاري جواز نقل الزكاة من بلد المال لعموم قوله " فترد في فقرائهم" لأن الضمير يعود على المسلمين، فأي فقير منهم ردت فيه الصدقة في أية جهة كان، فقد وافق عموم الحديث انتهى. والذي يتبادر إلى الذهن من هذا الحديث عدم النقل وأن الضمير يعود على المخاطبين فيختص بذلك فقراؤهم، لكن

(3/259)


فإنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فإيّاكَ وكَرَائِمَ أمْوَالِهِمْ. واتّقِ دَعْوَةَ المَظْلُومِ فإنّهَا لَيْسَ بَيْنَهَا وبَيْنَ الله حِجَابٌ".
ـــــــ
رجح ابن دقيق العيد الأول. قال: إنه وإن لم يكن الأظهر إلا أنه يقويه أن أعيان الأشخاص المخاطبين في قواعد الشرع الكلية لا تعتبر في الزكاة كما لا تعتبر في الصلاة فلا يختص بهم الحكم وإن اختص بهم خطاب المواجهة انتهى. وقد اختلف العلماء في هذه المسألة فأجاز النقل الليث وأبو حنيفة وأصحابهما، ونقله ابن المنذر عن الشافعي واختاره، والأصح عند الشافعية والمالكية والجمهور وترك النقل، فلو خالف ونقل أجزأ عند المالكية على الأصح، ولم يجزئ عند الشافعية على الأصح إلا إذا فقد المستحقون لها، ولا يبعد أنه اختيار البخاري لأن قوله حيث كانوا يشعر بأنه لا ينقل عن بلد وفيه ممن هو متصف بصفة الاستحقاق انتهى كلام الحافظ.
قلت: والظاهر عندي عدم النقل إلا إذا فقد المستحقون لها أو يكون في النقل مصلحة أنفع وأهم من عدمه والله تعالى أعلم.
قال الحافظ: وفيه إيجاب الزكاة في مال الصبي والمجنون لعموم قوله "من أغنيائهم" قاله عياض وفيه بحث،، وأن الزكاة لا تدفع إلى الكافر لعود الضمير في فقرائهم إلى المسلمين سواء قلنا بخصوص البلد أو العموم انتهى "فإياك وكرائم أموالهم" جمع كريمة وهي خيار المال وأفضله، أي احترز من أخذ خيار أموالهم "واتق دعوة المظلوم" أي اتق الظلم خشية أن يدعو عليك المظلوم "فإنها ليس بينها وبين الله حجاب" مانع بل هي معروضة عليه تعالى. قال السيوطي: أي ليس لها ما يصرفها ولو كان المظلوم فيه ما يقتضي أنه لا يستجاب لمثله من كون مطعمه حراماً أو نحو ذلك، حتى ورد في بعض طرقه "وإن كان كافراً" رواه أحمد من حديث أنس قال ابن العربي: ليس بين الله وبين شيء حجاب عن قدرته وسمعه وبصره ولا يخفى عليه شيء، وإذا أخبر عن شيء أن بينه وبينه حجاباً فإنما يريد منعه انتهى.

(3/260)


في البابِ عن الصّنَابِحِيّ.
قال أبو عيسى: حديثُ ابنِ عباسٍ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وأبو مَعْبَدٍ مَوْلَى ابنِ عباسٍ اسْمُهُ نَافِذٌ.
ـــــــ
قوله "وفي الباب عن الصنابحي" هو صنابح بن الأعسر، قال الحافظ في التقريب: الصنابح بضم أوله ثم نون وموحدة ومهملة ابن الأعسر الأحمصي صحابي سكن الكوفة ومن قال فيه الصنابحي فقد وهم انتهى. قال سراج أحمد السرهندي في شرح الترمذي: أخرج حديثه ابن أبي شيبة قال: أبصر النبي صلى الله عليه وسلم ناقة حسنة في إبل الصدقة فقال ما هذه؟ قال صاحب الصدقة: إني ارتجعتها ببعيرين من حواشي الإبل، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "فنعم إذاً". كذا في شرح سراج أحمد السرهندي.
قوله "حديث ابن عباس حديث حسن صحيح" وأخرجه البخاري ومسلم وغيرهما.
قوله "اسمه نافذ" بفاء ومعجمة ثقة من الرابعة مات سنة أربع ومائة

(3/261)


باب ما جاء في الصدقة الزرع والثمر والحبوب
...
7 ـ باب ما جَاء في صَدَقَةِ الزّرْع والتّمرِ والحُبُوب
622 ـ حدثنا قُتَيْبةُ حدثنا عبدُ العَزِيزُ بن محمدٍ عن عَمْرِو بنِ يَحْيَى المَازِنِيّ عن أبيهِ عن أَبي سَعِيدٍ الخُدْرِيّ: أَنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "لَيْسَ فِيمَا دُونَ خمسِ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ
ـــــــ
باب ما جَاء في صَدَقَةِ الزّرْع والتّمرِ والحُبُوب
قوله: "ليس فيما دون خمسة ذود" أي من الإبل كما في رواية البخاري وغيره، والذود بفتح المعجمة وسكون الواو بعدها مهملة. قال الحافظ الأكثر على أن الذود من الثلاثة إلى العشرة وأنه لا واحد له من لفظه. وقال أبو عبيد:

(3/261)


ولَيْسَ فيما دُونَ خمسِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ، ولَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ".
وفي البابِ عن أبي هُرَيرَةَ وابن عُمَرَ وجَابِرٍ وعبدِ الله بن عَمْروٍ.
623 ـ حدثنا محمدُ بنُ بَشّارٍ حدثنا عبدُ الرحمَنِ بنُ مَهْدِي حدثنا سُفْيَانُ و شُعْبَةُ وحدثنا مَالِكُ بنُ أنَسٍ عَن عَمْرِو بنِ يَحْيَى عن أبيهِ عن أَبي سَعِيدٍ الخُدْرِيّ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم نحوَ حَدِيثِ عبدِ العَزِيزِ عن عَمْروِ بنِ يَحْيَى.
قال أبو عيسى: حديثُ أبي سَعيدٍ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وقد
ـــــــ
من الثنتين إلى العشرة. وقال القسطلاني: القياس في تمييز ثلاثة إلى عشر أن يكون جمع تكسير جمع قلة فمجيئه اسم جمع كما في هذا الحديث قليل. والذود يقع على المذكر والمؤنث والجمع والمفرد فلذا أضاف خمس إليه انتهى.
قوله: "وليس فيما دون خمس أواق" أي من الورق كما من رواية مالك في الموطأ. قال الحافظ: أواق بالتنوين وبإثبات التحتانية مشدداً أو مخففاً جمع أوقية بضم الهمزة وتشديد التحتانية. وحكى الجياني وقية بحذف الألف وفتح الواو. ومقدار الأوقية في هذا الحديث أربعون درهماً بالاتفاق انتهى.
قوله: "وليس فيما دون خسمة أوسق" جمع وسق بفتح الواو ويجوز كسرها كما حكاه صاحب المحكم وجمعه حينئذ أو ساق كحمل وأحمال، وقد وقع كذلك في رواية مسلم وهو ستون صاعاً بالاتفاق وفي رواية لمسلم: ليس فيما دون خمس أوسق من تمر ولا حب صدقة، ولفظ دون في المواضع الثلاثة بمعنى أقل، لا أنه نفى عن غير الخمس الصدقة كما زعم من لا يعتد بقوله كذا في الفتح.
قوله: "وفي الباب عن أبي هريرة" أخرجه أحمد "وابن عمر" أخرجه البخاري "وجابر" أخرجه مسلم "وعبد الله بن عمرو" لينظر من أخرج حديثه.
قوله: "حديث أبي سعيد حديث حسن صحيح" وأخرجه البخاري ومسلم.

(3/262)


رُوِيَ مَنْ غَيْرِ وَجْه عنهُ. والعملُ على هذا عِنْدَ أهلِ العلمِ أنْ لَيْسَ فِيما دُونَ خَمْسَةٍ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ. والوسقُ سِتونَ صاعاً، وخَمْسَةُ أوْسُقٍ ثلاثُمائة
ـــــــ
قوله: "والعمل على هذا عند أهل العلم أن ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة" كذا أطلق الترمذي، وهذا هو مذهب جمهور أهل العلم، وبه قال صاحباً أبي حنيفة محمد وأبو يوسف رحمهم الله تعالى، وذهب أبو حنيفة إلى أنه يجب العشر أو نصف العشر فيما أخرجت الأرض من غير تفصيل بين أن يكون قدر خمسة أوسق أو أقل أو أكثر. قال الإمام محمد في الموطأ بعد رواية حديث أبي سعيد المذكور ما لفظه: وبهذا نأخذ، وكان أبو حنيفة يأخذ بذلك إلا في خصلة واحدة فإنه كان يقول فيما أخرجت الأرض العشر من قليل أو كثير إن كانت تشرب سيحاً أو تسقيها السماء، وإن كانت تشرب بغرب أو دالية فنصف عشر. وهو قول إبراهيم النخعي ومجاهد انتهى. كلام محمد رحمه الله، وهو قول عمر بن عبد العزيز فإنه قال: فيما أنبتت الأرض من قليل أو كثير العشر . أخرجه عبد الرزاق وابن أبي شيبة، وأخرج عن مجاهد والنخعي نحوه. واستدل لهم بحديث ابن عمر رضي الله عنه مرفوعاً فيما سقت السماء والعيون أو كان عثرياً العشر، وفيما سقى بالنضح نصف العشر، أخرجه البخاري، ولفظ أبي داود: فيما سقت السماء والأنهار والعيون أو كان بعلا العشر، وفيما سقى بالسواني أو النضح نصف العشر ، وبحديث جابر مرفوعاً فيما سقته الأنهار والغيم العشر، وفيما سقى بالسانية نصف العشر، أخرجه مسلم، وبحديث معاذ قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن فأمرني أن آخذ مما سقت السماء وما سقى بعلا العشر، وما سقى بالدوالي نصف العشر، أخرجه ابن ماجه.
وتعقب بأن هذه الأحاديث مبهمة، وحديث أبي سعيد المذكور وما في معناه من الأخبار مفسرة، والزيادة من الثقة مقبولة فيجب حمل المبهم على المفسر.
وأجاب الحنفية عنه بأنه إذا ورد حديثان متعارضان أحدهما عام والآخر

(3/263)


ـــــــ
خاص فإن علم تقدم العام على الخاص خص بالخاص، وإن علم تقدم الخاص كان العام ناسخاً له فيما تناولاه، وإن لم يعلم التاريخ يجعل العام متأخراً لما فيه من الاحتياط، وههنا حديث أبي سعيد رضي الله عنه وما في معناه خاص، وحديث ابن عمر رضي الله عنه وما في معناه عام، ولم يعلم التاريخ فيجعل العام متأخراً ويعمل به.
قلت: لا تعارض بين حديث أبي سعيد وما في معناه وبين حديث ابن عمر رضي الله عنه وما في معناه أصلاً، فإن حديث ابن عمر رضي الله عنه سيق للتمييز بين ما يجب فيه العشر أو نصف العشر، وحديث أبي سعيد مساق لبيان جنس المخرج منه وقدره.
قال الحافظ ابن القيم في أعلام الموقعين: المثال السابع والثلاثون: رد السنة الصحيحة المحكمة في تقدير نصاب المعشرات بخمسة أوسق بالمتشابه من قوله فيما سقت السماء العشر وما سقى بنضح أو غرب فنصف العشر، قالوا وهذا يعم القليل والكثير وقد عارضه الخاص، ودلالة العام قطعية كالخاص، وإذا تعارضا قدم الأحوط وهو الوجوب، فيقال يجب العمل بكلا الحديثين ولا يجوز معارضة أحدهما بالآخر وإلغاء أحدهما بالكلية، فإن طاعة الرسول فرض في هذا وفي هذا، ولا تعارض بينهما بحمد الله بوجه من الوجوه، فإن قوله فيما سقت السماء العشر إنما أريد به التمييز بين ما يجب فيه العشر وبين ما يجب فيه نصفه، فذكر النوعين مفرقا بينهما في مقدار الواجب، وأما مقدار النصاب فسكت عنه في هذا الحديث وبينه نصاً في الحديث الاَخر، فكيف يجوز العدول عن النص الصحيح الصريح المحكم الذي لا يحتمل غير ما دل عليه البتة إلى المجمل المتشابه الذي غايته أن يتعلق فيه بعموم لم يقصد، وبيانه بالخاص المحكم المبين كبيان سائر العمومات بما يخصها من النصوص ـ إلى أن قال: ثم يقال إذا خصصتم عموم قوله فيما سقت السماء العشر بالقصب والحشيش ولا ذكر لهما في النص فهلا خصصتموه بالقياس الجلي الذي هو من أجلي القياس وأصحه على سائر أنواع الذي تجب فيه الزكاة. فإن زكاة الخاصة لم يشرعها الله في مال إلا وجعل له نصاباً كالمواشي والذهب والفضة.

(3/264)


صَاعٍ، وصَاعُ النبيّ صلى الله عليه وسلم خَمْسَةُ أَرْطَالٍ وثُلُثٌ، وصَاعُ أهْلِ الكُوفَةِ ثَمَانِيَةُ أَرْطَالٍ. وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْس أوَاقٍ صَدَقَةٌ والأوقيّةُ
ـــــــ
ويقال أيضاً: هلا أوجبتم الزكاة في قليل كل مال وكثير عملا بقوله تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً} وبقوله صلى الله عليه وسلم: "وما بعد من صاحب إبل ولا بقر لا يؤذي زكاتها إلا بطح له يوم القيامة بقاع قرقر" وبقوله: "ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي زكاتها إلا صفحت له يوم القيامة بصفائح من نار" وهلا كان هذا العموم عندكم مقدماً على أحاديث النصب الخاصة، وهلا قلتم هناك تعارض مسقط وموجب فقدمنا الموجب أحتياطاً، وهذا في غاية الوضوح انتهى كلام ابن القيم.
وإذا عرفت هذا كله ظهر لك أن القول الراجح المعول عليه هو ما قال به الجمهور وأما ما قال به الإمام أبو حنيفة وإبراهيم النخعي فهو قول مرجوح، ولذلك قال الإمام محمد في كتاب الحجج ما لفظه: ولسنا نأخذ من قول أبي حنيفة وإبراهيم ولكننا نأخذ بما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة" ، انتهى كلامه. "والوسق ستون صاعاً" أي من صاع النبي صلى الله عليه وسلم. قال الإمام محمد في كتاب الحجج: والوسق عندنا ستون صاعاً بصاع النبي صلى الله عليه وسلم انتهى "وخمسة أوسق ثلاثمائة صاع" لأنك إذا ضربت الخمسة في الستين حصل هذا المقدار.
قوله: "وصاع النبي صلى الله عليه وسلم خمس أرطال وثلث، وصاع أهل الكوفة ثمانية أرطال" أخرج الدارقطني في سننه عن إسحاق بن سليمان الرازي قال: قلت لمالك بن أنس: أبا عبد الله كم قدر صاع النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: خمسة أرطال وثلث بالعرقي أنا حزرته فقلت أبا عبد الله خالفت شيخ القوم، قال من هو؟ قلت: أبو حنيفة يقول ثمانية أرطال، فغضب غضباً شديداً ثم قال لجلسائه: يا فلان هات صاع جدك، يا فلان هات صاع جدتك، قال إسحاق: فاجتمعت آصع، فقال ما تحفظون في هذا؟ فقال: هذا حدثني أبي عن أبيه

(3/265)


أرْبَعُونَ دِرْهَماً وخَمْسُ أوَاقٍ مائَتَا دِرْهَمٍ. ولَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ صدقةٌ، يَعْنِي لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسٍ مِنْ الإبِلِ، فإذا بلَغَتْ خَمْساً وعِشْرينَ مِنَ الإبِلِ فَفِيهَا بِنْتُ مَخَاضٍ، وفِيما دُونَ خَمْسٍ وعِشْرِينَ مِنَ الإبِلِ في كُلّ خْمسٍ مِنَ الإبِلِ شَاةٌ.
ـــــــ
أنه كان يؤدي بهذا الصاع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وقال الآخر حدثني أبي عن أمه أنها أدت بهذا الصاع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال مالك: أنا حزرت هذه فوجدتها خمسة أرطال وثلثاً انتهى.
قال القاضي الشوكاني في النيل: هذه القصة مشهورة أخرجها أيضاً البيهقي بإسناد جيد. وقد أخرج ابن خزيمة والحاكم من طريق عروة عن أسماء بنت أبي بكر أنهم كانوا يخرجون زكاة الفطر في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمد الذي يقتات به أهل المدينة، وللبخاري عن مالك عن نافع عن ابن عمر أنه كان يعطي زكاة رمضان عند النبي صلى الله عليه وسلم بالمد الأول، ولم يختلف أهل المدينة في الصاع وقدره من لدن الصحابة إلى يومنا هذا، أنه كما قال أهل الحجاز خمسة أرطال وثلث بالعراقي، وقال العراقيون منهم أبو حنيفة أنهم ثمانية أرطال وهو قول مردود تدفعه هذه القصة المسندة إلى صيعان الصحابة التي قررها النبي صلى الله عليه وسلم وقد رجع أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم صاحب أبي حنيفة بعد هذه الواقعة إلى قول مالك وترك قول أبي حنيفة انتهى كلام الشوكاني.
قلت: أخرج الطحاوي عن أبي يوسف قال قدمت المدينة فأخرج إلى من أثق به صاعاً وقال هذا الصاع النبي صلى الله عليه وسلم فوجدته خمسة أرطال وثلثا، قال الطحاوي: وسمعنا ابن أبي عمران يقول الذي أخرجه لأبي يوسف هو مالك انتهى. وذكر الحافظ الزيلعي رواية الدارقطني المذكورة وقال بعد ذكرها قال صاحب التنقيح إسناده مظلم وبعض رجاله غير مشهورين، والمشهور ما أخرجه البيهقي عن الحسين بن الوليد القرشي وهوثقة قال قدم علينا أبو يوسف رحمه الله

(3/266)


ـــــــ
من الحج فقال: إني أريد أن أفتح عليكم باباً من العلم أهمني ففحصت عنه فقدمت المدينة فسألت عن الصاع فقال صاعنا هذا صاع رسول الله صلى الله عليه وسلم، قلت لهم ما حجتكم في ذلك؟ فقالوا نأتيك بالحجة غداً، فلما أصبحت أتاني نحو من خمسين شيخاً من أبناء المهاجرين والأنصار مع كل رجل منهم صاع تحت ردائه، كل رجل منهم يخبر عن أبيه وأهل بيته أن هذا صاع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنظرت فإذا هي سواء، قال عيرته فإذا خمسة أرطال وثلث بنقصان يسير، فرأيت أمراً قوياً. فتركت قول أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه في الصاع وأخذت بقول أهل المدينة، هذا هو المشهور من قول أبي يوسف رحمه الله. وقد روي أن مالكاً رضي الله تعالى عنه ناظره واستدل عليه بالصيعان التي جاء بها أولئك الرهط فرجع أبي يوسف إلى قوله. وقال عثمان بن سعيد الدارمي: سمعت علي بن المديني يقول: عيرت صاع النبي صلى الله عليه وسلم فوجدته خمسة أرطال وثلث رطل بالتمر انتهى كلامه، كذا في نصب الراية.
قلت: ظهر بهذا كله أن الحق أن صاع النبي صلى الله عليه وسلم كان خمسة أرطال وثلث رطل، وكان الصحابة رضي الله تعالى عنهم بهذا الصاع النبوي يخرجون زكاة الفطر في عهده صلى الله عليه وسلم. وأما صاع أهل الكوفة فهو خلاف صاع النبي صلى الله عليه وسلم ولم يكن يخرج زكاة الفطر في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولا في عهد الصحابة رضي الله عنهم بصاع أهل الكوفة، فالصاع الشرعي هو الصاع النبوي دون غيره.
وأما حديث الدارقطني عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتوضأ بالمد رطلين ويغتسل بالصاع ثمانية أرطال فضعيف، والحديث في الصحيحين عن أنس ليس فيه ذكر الوزن، وكذا حديثه عن عائشة رضي الله عنها جرت السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الغسل من الجنابة صاع من ثمانية أرطال، وفي الوضوء رطلان ضعيف، وكذا حديث ابن عدي عن جابر رضي الله عنه بمثل حديث أنس المذكور ضعيف، صرح الحافظ بضعف هذه الأحاديث في الدراية.
وأما ما روى أبو عبيد عن إبراهيم النخعي قال: كان صاع النبي صلى الله عليه وسلم ثمانية أرطال ومده رطلين فهو مرسل وفيه الحجاج بن أرطأة قال الحافظ،

(3/267)


8ـ باب ما جَاءَ لَيْسَ في الخَيْلِ وَالرّقِيقِ صَدَقَة
624 ـ حدثنا أبو كريب محمدُ بنُ العَلاَءِ و محمودُ بنُ غَيْلاَنَ قال حدثنا وَكِيعٌ عن سُفْيَانَ و شُعْبَةَ عن عبدِ الله بن دِينارٍ عن سُلَيْمَانَ بنِ يَسَارٍ عن عِرَاكِ بنِ مَالِكٍ عن أبي هُرَيْرةَ قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم "لَيْسَ على المُسْلِمِ، في فَرَسِهِ ولافي عَبْدِهِ صَدَقَةٌ".
وفي البابِ عن عبدِ الله بنِ عَمْر وٍ عليّ
ـــــــ
باب ما جَاءَ لَيْسَ في الخَيْلِ وَالرّقِيقِ صَدَقَة
قوله: "عن عبد الله بن دينار" العدوي مولاهم المدني ثقة "عن عراك بن مالك" بكسر العين وتخفيف الراء الغفاري المدني فقيه أهل دهلك ثقة فاضل مات في خلافة يزيد بن عبد الملك بعد المائة، ودهلك جزيرة قريبة من أرض الحبشة من ناحية اليمن هو مدني الأصل، نفاه يزيد بن عبد الملك إلى دهلك لكلمة قالها أيام عمر بن عبد العزيز.
قوله: "ليس على المسلم في فرسه ولا عبده صدقة" أي إذا لم يكونا للتجارة. قال الحافظ في الفتح: واستدل به من قال من أهل الظاهر بعدم وجوب الزكاة فيهما مطلقاً ولو كان للتجارة، وأجيبوا بأن زكاة التجارة ثابتة بالإجماع كما نقله ابن المنذر وغيره فيخص به عموم هذا الحديث.
قوله: "وفي الباب عن عبد الله بن عمرو وعلي" أما حديث عبد الله بن عمرو فليظر من أخرجه. وأما حديث علي فأخرجه أبو داود بإسناد حسن وأخرجه الترمذي أيضاً في باب زكاة الذهب والورق.

(3/268)


قال أبو عيسى: حديثُ أبي هُرَيْرَةَ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
والعملُ عليهِ عِندَ أهْلِ العلْمِ أنّهُ لَيْسَ في الخَيْلِ السّائِمَةِ صَدقَةٌ، ولا في الرّقِيقِ إذا كانُوا لِلْخدمَةِ صَدقَةٌ، إلاّ أَنْ يَكُونُوا للتّجَارَةِ، فإذا كانُوا لِلتّجَارَةِ فَفِي أَثْمَانِهم الزّكَاةُ إذا حَالَ عَلَيْها الحَوْلُ.
ـــــــ
قوله: "حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان وغيرهما.
قوله: "والعمل عليه عند أهل العلم، أنه ليس في الخيل السائمة صدقة ولا في الرقيق إذا كانوا للخدمة صدقة إلا أن يكونوا للتجارة" وهو قول مالك والشافعي وأبي يوسف ومحمد صاحبي أبي حنيفة رحمهما الله. قال محمد في موطأه بعد رواية حديث الباب: وبهذا نأخذ ليس في الخيل صدقة سائمة كانت أو غير سائمة. وأما في قول أبي حنيفة رحمه الله فإذا كانت سائمة يطلب نسلها ففيها الزكاة إن شئت في كل فرس دينار وإن شئت فالقيمة. ثم في كل مائتي درهم خمسة دراهم، وهو قول إبراهيم النخعي انتهى كلام محمد قال القاري في شرح الموطأة وافقه أي محمداً أبو يوسف واختاره الطحاوي وفي الينابيع: عليه الفتوى، وهو قول مالك والشافعي انتهى كلام القاري.
وقال النووي في شرح مسلم تحت حديث الباب: هذا الحديث أصل في أن أموال القنية لا زكاة فيها، وأنه لا زكاة في الخيل والرقيق إذا لم تكن للتجارة، وبهذا قال العلماء كافة من السلف والخلف، إلا أن أبا حنيفة وشيخه حماد بن أبي سليمان، وزفر أوجبوا في الخيل إذا كانت إناثاً أو ذكوراً وإناثاً في كل فرس دينار، وإن شاء قومها وأخرج عن كل مائتي درهم خمسة دراهم، وليس لهم حجة في ذلك، وهذا الحديث صريح في الرد عليهم انتهى.
قلت: والقول الراجح المعول عليه هو ما قال به العلماء كافة، واستدل لأبي حنيفة بما أخرجه الدارقطني والبيهقي من طريق الليث بن حماد الأصطخري أخبرنا أبو يوسف عن فورك عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر مرفوعاً: في الخيل السائمة في كل فرس دينار.

(3/269)


ـــــــ
وأجيب عنه بوجهين: أحدهما أن هذا الحديث ضعيف جداً، قال الدارقطني تفرد به فورك وهو ضعيف جداً ومن دونه ضعفاء انتهى. وقال البيهقي: لو كان هذا الحديث صحيحاً عند أبي يوسف لم يخالفه انتهى، وقد استدل له بأحاديث أخرى لا تصلح للاحتجاج، وقد أجاب عنها الطحاوي في شرح الآثار جواباً شافياً. من شاء الاطلاع عليه فليرجع إليه

(3/270)


9ـ باب ما جَاءَ فِي زكاةِ العَسَل
625 ـ حدثنا محمدُ بنُ يَحْيَى النّيْسَابُورِيّ حدثنا عَمْرُو بنُ أبي سَلَمَةَ التّنّيسِيّ عن صَدَقَة بنِ عبدِ الله عن مُوسَى بن يَسَارٍ عن نَافِعٍ عن ابنِ عُمَر قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم "في العَسَلِ في كُلّ عَشْرَةِ أزُقّ، زِقّ".
ـــــــ
وأجيب عنه بوجهين: أحدهما أن هذا الحديث ضعيف جداً، قال الدارقطني تفرد به فورك وهو ضعيف جداً ومن دونه ضعفاء انتهى. وقال البيهقي: لو كان هذا الحديث صحيحاً عند أبي يوسف لم يخالفه انتهى، وقد استدل له بأحاديث أخرى لا تصلح للاحتجاج، وقد أجاب عنها الطحاوي في شرح الآثار جواباً شافياً. من شاء الاطلاع عليه فليرجع إليه
باب ما جَاءَ فِي زكاةِ العَسَل
قوله: "حدثنا محمد بن يحيى النيسابوري" هو الحافظ الذهلي أحد الأعلام الكبار، له رحلة واسعة ونقد، وروى عنه البخاري ويدلسه1 "12"، وروى عنه الترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجه، وهو الذي جمع حديث الزهري في مجلدين. قال الذهلي: أنفقت على العلم مائة وخمسين ألفاً. قال الحافظ في التقريب: ثقة حافظ جليل مات سنة ثمان وخمسين ومائتين وله ست وثمانون سنة "أخبرنا عمرو بن أبي سلمة التنيسي" بكسر مثناة فوق وقيل بفتحها وكسر نون مشددة تحت وسين مهملة، قال في التقريب: صدوق له أوهام من كبار العاشرة "عن صدقة ابن عبد الله" السمين الدمشقي ضعيف من السابعة.
قوله: "في كل عشرة أزق" بفتح الهمزة وضم الزاي وتشديد القاف أفعل جمع قلة "زق" بكسر الزاي مفرد الأزق وهو ظرف من جلد يجعل فيه السمن والعسل.
ـــــــ
أي لا يصرح باسمه كما في تهذيب التهذيب1

(3/270)


وفي البابِ عن أبي هُرَيرَةَ وأبِي سَيّارَةَ المُتَعِيّ وعبدِ الله بنِ عمْروٍ.
قال أبو عيسى: حديثُ ابنِ عُمَرَ في إسْنَادِهِ مَقَالٌ. ولا يَصِحُ عَن النبيّ صلى الله عليه وسلم في هذا البابِ كَبِيرٌ شَيْءٍ. والعملُ على هذا
ـــــــ
قوله: "وفي الباب عن أبي هريرة وأبي سيارة المتعي وعبد الله بن عمرو" أما حديث أبي هريرة فأخرجه عبد الرزاق عنه قال: كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهل اليمن أن يؤخذ من العسل العشر، وفي إسناده عبد الله بن محرر قال البخاري في تاريخه: عبد الله متروك ولا يصح في زكاة العسل شيء، كذا في فتح الباري. وأما حديث أبي سيارة فأخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه عنه قال: قلت يا رسول الله أن لي نحلا، قال: فأد العشور الحديث وهو منقطع، قال ابن عبد البر: لا يقوم بهذا حجة. وأما حديث عبد الله بن عمرو فأخرجه أبو داود والنسائي من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: جاء هلال أحد بني متعان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعشور نحل له وكان سأله أن يحمي له وادياً فحماه له، فلما ولى عمر كتب إلى عامله إن أدى إليك عشور نحله فاحم له سلبه وإلا فلا. قال الحافظ في الفتح بعد ذكره: إسناده صحيح إلى عمرو، وترجمة عمرو قوية على المختار لكن حيث لا تعارض، وقد ورد ما يدل على أن هلالاً أعطى ذلك تطوعاً، فعند عبد الرزاق عن صالح بن دينار عن عمر بن عبد العزيز كتب إلى عثمان بن محمد ينهاه أن يأخذ من العسل صدقة، إلا إن كان النبي صلى الله عليه وسلم أخذها فجمع عثمان أهل العسل فشهدوا أن هلال بن سعد قدم النبي صلى الله عليه وسلم بعسل فقال "ما هذا؟" قال: صدقة، فأمر برفعها ولم يذكر العشور، لكن الإسناد الأول أقوى، إلا أنه محمول على أنه في مقابلة الحمى. كما يدل عليه كتاب عمر بن الخطاب انتهى كلام الحافظ.
قوله: "في إسناده مقال" لأنه قد تفرد به صدقة بن عبد الله وهو ضعيف كما تقدم.
قوله: "ولا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الباب كبير شيء"

(3/271)


عِنْدَ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ. وبهِ يقُولُ أحمدُ وإسحاقُ. وقالَ بعضُ أهلِ العِلْمِ لَيْسَ في العَسَلِ شَيْءٌ
ـــــــ
وقال البخاري في تاريخه: لا يصح في زكاة العسل شيء.
قوله: "والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم، وبه يقول أحمد وإسحاق، وقال بعض أهل العلم ليس في العسل شيء"، وقال ابن المنذر ليس في العسل خبر يثبت ولا إجماع فلا زكاة وهو قول الجمهور، وعن أبي حنيفة وأحمد وإسحاق: يجب العشر فيما أخذ من غير أرض الخراج. قال الحافظ في الفتح بعد نقل قول ابن المنذر هذا: وما نقله عن الجمهور مقابله قول الترمذي، ثم ذكر الحافظ قول الترمذي هذا ثم قال: وأشار شيخنا في شرحه إلى أن الذي نقله ابن المنذر أقوى انتهى كلام الحافظ. وقال الشوكاني في النيل: وذهب الشافعي ومالك والثوري وحكاه ابن عبد البر عن الجمهور إلى عدم وجوب الزكاة في العسل قال: واعلم أن حديث أبي سيارة وحديث هلال إن كان غير أبي سيارة لا يدلان على وجوب الزكاة في العسل لأنهما تطوعا بها وحمى لها بدل ما أخذ، وعقل عمر العلة فأمر بمثل ذلك، ولو كان سبيله سبيل الصدقات لم يخبر في ذلك، وبقية الأحاديث لا تنتهض للاحتجاج بها انتهى

(3/272)


باب ما جاء لا زكاة على المال المستفادة حتى يحول عليه الحول
...
10 ـ باب ما جَاءَ لا زكَاةَ عَلَى المَالِ المسْتفَادِ حتى يَحُولَ عَلَيْهِ الحَوْل
626حدثنا يَحْيَى بنُ موسَى حدثنا هارُونُ بنُ صَالحٍ الطّلْحيّ المدني
ـــــــ
"باب ما جاء لا زكاة على المال المستفاد حتى يحول عليه الحول"
المراد بالمال المستفاد المال الذي حصل للرجل في أثناء الحول من هبة أو ميراث أو مثله ولا يكون من نتائج المال الأول
قوله: "أخبرنا هارون بن صالح الطلحي" نسبة إلى طلحة جد جده، قال في التقريب صدوق.

(3/272)


أخبرنا عبدُ الرحمَنِ بنُ زَيْدِ بنِ أسْلَمَ عن أبيهِ عن ابنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم "مَن اسْتفَادَ مَالاً فلاَ زكاةَ عَلَيْهِ حَتّى يَحُولَ عَلَيْهِ الحَوْلُ عند ربّه".
وفي البابِ عن سَرّارَ بِنْتِ نِبْهانَ
627 ـ حدثنا محمدُ بنُ بَشّارٍ أخبرنا عبدُ الوَهّابِ الثّقَفِيّ حدثنا أيّوبُ عن نَافِعٍ عن ابنِ عُمَرَ قال: مَن استْفَادَ مالاً فلا زكاةَ فِيهِ حَتّى يَحُولَ عَلَيْهِ الحَوْلُ عِنْدَ رَبّهِ.
قال أبو عيسى: وهذا أصَحّ مِنْ حدِيثِ عبدِ الرحمَنِ بنِ زَيْدِ بنِ أسْلَمَ".
ـــــــ
قوله: "من استفاد مالا فلا زكاة عليه حتى يحول عليه الحول" إعلم أن المال المستفاد على نوعين أحدهما أن يكون من جنس النصاب الذي عنده، كما إذا كانت له إبل فاستفاد إبلا في أثناء الحول، وثانيهما أن يكون من غير جنسه كما إذا استفاد بقراً في صورة نصاب الإبل، وهذا لا ضم فيه اتفاقاً، بل يستأنف للمستفاد حساب آخر، والأول على نوعين: أحدهما أن يكون المستفاد من الأصل كالأرباح والأولاد وهذا يضم إجماعاً، والثاني أن يكون مستفاداً بسبب آخر كالمشتري والموروث، وهذا يضم عند أبي حنيفة ولا يضم عند مالك والشافعي وأحمد بن حنبل، واستدل الأئمة الثلاثة بحديث ابن عمر المروي في هذا الباب وبآثار الصحابة رضي الله عنهم، فروى البيهقي عن أبي بكر وعلي وعائشة موقوفاً عليهم مثل ما روى عن ابن عمر رضي الله عنه "وفي الباب عن سري" قال الحافظ في التقريب: بفتح أولها وتشديد الراء مع المد وقيل القصر بنت بنهان الغنوية صحابية لها حديث انتهى، ولم أقف على حديثها.
قوله: "وهذا أصح من حديث عبد الرحمَن بن زيد بن أسلم" أي هذا الموقوف صحيح والحديث المرفوع ليس بصحيح. قال الحافظ في البلوغ بعد ذكر حديث ابن عمر المرفوع ما لفظه: والراجح وقفه، وقال في التلخصي بعد ذكر حديث

(3/273)


قال أبو عيسى: وَروَى أيّوبُ وعُبَيْد الله بن عمر وغَيْرُ وَاحِدٍ عن نَافعٍ عن ابن عُمَرَ مَوقُوفاً. وعبدُ الرحمَن بنُ زَيْدِ بنِ أسْلَمَ ضَعِيفٌ في الحَديثِ، ضَعفَهُ أحمدُ بنُ حَنْبَلٍ وعليّ بنُ المَدِينيّ وغيْرُهُما مِنْ أهلِ الحَديثِ، وهو كَثِيرُ الغَلَطِ.
وقد رُوِيَ عن غَيْرِ واحدٍ من أَصْحَابٍ النبيّ صلى الله عليه وسلم أنّ لا زكاةَ في المال المُسْتَفَادِ حَتّى يَحُولَ عَلَيْهِ الحَوْلُ. وبهِ يقولُ مالكُ بنُ أنَسٍ والشافعيّ وأحمدُ وإسحاقُ.
وقالَ بعضُ أهلِ العلمِ: إذا كانَ عندَهُ مالٌ تَجِبُ فِيهِ الزكاةُ فَفِيهِ الزكاةُ وإن لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ سِوَى المَالِ المُسْتَفَادِ ـ مَال تَجِبُ فيهِ الزكاةُ ـ لَمْ يجِبْ علَيهِ في المَالِ المُسْتَفَادِ زكاةٌ حَتّى يَحُولَ عَلَيْهِ الحَوْلُ. فإن اسْتَفَادَ مالاً
ـــــــ
ابن عمر رضي الله عنه المرفوع ما لفظه: قال الترمذي: والصحيح عن ابن عمر موقوف، وكذا قال البيهقي وابن الجوزي وغيرهما. وروى الدارقطني في غرائب مالك من طريق إسحاق بن إبراهيم الحنيني عن مالك عن نافع عن ابن عمر نحوه. قال الدارقطني الحنيني ضعيف والصحيح عن مالك موقوف. وروى البيهقي عن أبي بكر وعلي وعائشة موقوفاً عليهم مثل ما روي عن ابن عمر قال: والاعتماد في هذا وفي الذي قبله على الآثار عن أبي بكر وغيره انتهى ما في التلخيص. وحديث ابن عمر المرفوع أخرجه الدارقطني والبيهقي.
قوله: "وقال بعض أهل العلم: إذا كان عنده مال تجب فيه الزكاة ففيه الزكاة" أي إذا كان عنده مال سوى المال المستفاد وكان ذلك المال بقدر النصاب فيجب الزكاة في المال المستفاد ويضم مع ماله الذي كان عنده ويزكي معه إذا كان المال المستفاد من جنس ماله الذي كان عنده، ولا يستأنف للمال المستفاد حساب آخر.

(3/274)


َبْلَ أنْ يَحُولَ عَليهِ الحَوْلُ فإِنّهُ يُزَكّي المالَ المُسْتَفَادَ مَعَ مالِهِ الّذِي وَجَبَتْ فيهِ الزكاةُ. وبهِ يقولُ سُفْيانُ الثّوْرِيُ وأهلُ الكُوفَةِ.
ـــــــ
فقوله "تجب فيه الزكاة" صفة لقوله "مال" والضمير في قوله "ففيه الزكاة" راجع إلى المال المستفاد "وبه يقول سفيان الثوري وأهل الكوفة" وهو قول الحنفية. وأجابوا عن حديث الباب بأنه ضعيف، قالوا وعلى تسليم ثبوته فعمومه ليس مراداً للإنفاق على خروج الأرباح والأولاد فعللنا بالمجانسة فقلنا إنما أخرج الأولاد والأرباح للمجانسة لا للتوليد. فيجب أن يخرج المستفاد إذا كان من جنسه وهو أدفع للحرج على أصحاب الحرف الذين يجدون كل يوم درهماً فأكثر وأقل، فإن في اعتبار الحول لكل مستفاد حرجا عظيماً وهو مدفوع بالنص.
قلت: لا شك في أن حديث الباب المرفوع ضعيف والراجح أنه موقوف وهو في حكم المرفوع. قال صاحب سبل السلام: له حكم الرفع لأنه لا مسرح للاجتهاد فيه انتهى. وقد عرفت أن اعتماد الشافعية وغيرهم في هذه المسألة على الآثار لا على الحديث المرفوع

(3/275)


11 ـ باب ما جَاء لَيْسَ على المُسْلِمِينَ جِزْيَة
628ـ حدثنا يَحْيَى بن أَكْثَم حدثنا جَريرٌ عن قَابُوسَ بنِ أبِي
ـــــــ
"باب ماجاء ليس على المسلمين جزية"
الجزية ما يؤخذ من أهل الذمة وتسميتها بذلك للاجتراء بها في حقن دمهم. قال العراقي في شرح الترمذي: معناه أنه إذا أسلم في أثناء الحول لا يؤخذ عن ذلك العام شيء، قال: وقد جرت عادة المصنفين بذكر الجزية بعد الجهاد، وقد أدخلها المصنف في الزكاة تبعاً لمالك. قال ابن العربي: أول من أدخل الجزية في أبواب الصدقة مالك في الموطأ، فتبعه قوم من المصنفين وترك اتباعه آخرون. قال ووجه إدخالها فيها التكلم على حقوق الأموال، فالصدقة حق المال على المسلمين، والجزية حق المال على الكفار.

(3/275)


ظَبْيَانَ عن أبيهِ عن ابنِ عباسٍ قال: قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم "لاَ تَصْلُحُ قِبْلَتَانِ في أرْضٍ وَاحِدَةٍ وَلَيْسَ على المُسْلِمينَ جِزْيَةٌ".
629 ـ حدثنا أبُو كُرَيْبٍ حدثنا جَريرٌ عن قَابُوسٍ بهذا الإسْنادِ نحوَه.
وفي البابِ عن سعيدِ بنِ زَيْدٍ وجَدّ حَرْبِ بن عُبَيْدِ الله الثّقَفِيّ.
ـــــــ
قوله: "حدثنا يحيى بن أكثم" بفتح الهمزة وسكون الكاف وفتح المثلثة قال في التقريب: يحيى بن أكثم بن محمد بن قطن التميمي المروزي أبو محمد القاضي المشهور فقيه صدوق إلا أنه رمى بسرقة الحديث ولم يقع ذلك له، وإنما كان يرى الرواية بالإجازة والوجادة من العاشرة "أخبرنا جرير" هو ابن عبد الحميد "عن قابوس بن أبي ظبيان" بفتح المعجمة وسكون الموحدة بعدها تحتانية، قال الحافظ: فيه لين "عن أبيه" أي أبي ظبيان واسمه حصين بن جندب الكوفي ثقة.
قوله: "لا يصلح قبلتان في أرض واحدة" قال التوربشتي: أي لا يستقيم دينان بأرض واحدة على سبيل المظاهرة والمعادلة، أما المسلم فليس له أن يختار الإقامة بين ظهراني قوم كفار، لأن المسلم إذا صنع ذلك فقد أحل نفسه فيهم محل الذمي فينا، وليس له أن يجر إلى نفسه الصغار، وأما الذي يخالف دينه دين الإسلام فلا يمكن من الإقامة في بلاد الإسلام إلا ببذل الجزية ثم لا يؤذن له في الإشاعة بدينه انتهى. " وليس على المسلمين جزية" أي من أسلم من أهل الذمة قبل أداء ما وجب عليه من الجزية فإنه لا يطالب به لأنه مسلم وليس على مسلم جزية. والحديث رواه أبو داود وزاد في آخره: وسئل سفيان الثوري عن هذا فقال يعني إذا إسلم فلا جزية عليه، وروى الطبراني في معجمه الأوسط عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من أسلم فلا جزية عليه
قوله: "وفي الباب عن سعيد بن زيد وجد حرب بن عبيد الله الثقفي"

(3/276)


قال أبو عيسى: حديثُ ابنِ عباسٍ قد روِيَ عن قَابُوس بنِ أبي ظَبْيَانَ عن أبيهِ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم مُرْسَلاً.
والعملُ على هذا عِنْدَ عامّةِ أهْلِ العلمِ أَنّ النّصْرانِيّ إذَا أَسْلَمَ وُضعِتْ عَنْهُ جِزْيَةُ رَقَبَتِهِ. وقولُ النبيّ صلى الله عليه وسلم "لَيْسَ على المُسْلِمِينَ عُشُور" إنّما يَعْني به جِزْيَةَ الرّقَبَةِ. وفي الحَدِيثِ ما يُفَسّرُ هذَا حَيْثُ قال "إنّما العُشُورُ على اليَهُودِ والنّصَارى، ولَيْسَ على المُسْلِمِينَ عُشُورٌ".
ـــــــ
أما حديث سعيد بن زيد فلينظر من أخرجه، وأما حديث جد حرب فأخرجه أبو داود مرفوعاً بلفظ: إنما العشور على اليهود والنصارى وليس على المسلمين عشور.
قوله: "وحديث ابن عباس قد روى إلخ" لم يحكم الترمذي على حديث ابن عباس بشيء من الصحة أو الضعف وقد عرفت أن في سنده قابوس بن ظبيان وفيه لين، والحديث أخرجه أحمد وأبو داود.
قوله: "وقول النبي صلى الله عليه وسلم ليس على المسلمين جزية عشور يعني به جزية الرقبة" أي المراد من قوله جزية عشور جزية الرقبة لإخراج الأرض، "وفي الحديث ما يفسر هذا حيث قال إنما العشور" بضم العين جمع عشر "على اليهود والنصارى وليس على المسلمين عشور" أخرجه أبو داود. وقد فهم الترمذي أن المراد من العشور في هذا الحديث جزية الرقبة، قال ابن العربي في عارضة الأحوذي: ظن أبو عيسى أن حديث أبي أمية عن أبيه في العشور أنه الجزية وليس كذلك، وإنما أعطوا العهد على أن يقروا في بلادهم ولا يعترضوا في أنفسهم وأما على أن يكونوا في دارنا كهيئة المسلمين في التصرف وفيها والتحكم بالتجارة في مناكبها فلما أن داحت الأرض بالإسلام وهدأت الحال عن الاضطراب وأمكن الضرب فيها للمعاش أخذ منهم عمر ثمن تصرفهم وكان شيئاً يؤخذ منهم في الجاهلية

(3/277)


ـــــــ
فأقره الإسلام وخفف الأمر فيما يجلب إلى المدينة نظراً لها إذا لم يكن تقدير حتم ولا من النبي صلى الله عليه وسلم أصل، وإنما كان كما قال ابن شهاب حملا للحال كما كان في الجاهلية. وقد كانت في الجاهلية أمور أقرها الإسلام، فهذه هي العشور التي انفرد بروايتها أبو أمية، فأما الجزية كما قال أبو عيسى فلا، انتهى كلام ابن العربي.
وقال القاري في المرقاة شرح المشكاة في شرح هذا الحديث ما لفظه: قال ابن الملك: أراد به عشر مال التجارة لا عشر الصدقات في غلات أرضهم. قال الخطابي: لا يؤخذ من المسلم شيء من ذلك دون عشر الصدقات، وأما اليهود والنصارى فالذي يلزمهم من العشور هو ماصولحوا عليه وقت العقد، فإن لم يصالحوا على شيء فلا عشور عليهم، ولا يلزمهم شيء أكثر من الجزية، فأما عشور أراضيهم وغلاتهم فلا تؤخذ منهم الشافعية، وقال أبو حنيفة: إن أخذوا منا عشوراً في بلادهم إذا ترددنا إليهم في التجارات أخذنا منهم، وإن لم يأخذوا لم نأخذ انتهى، وتبعه ابن الملك لكن المقرر في المذهب1 في مال التجارة أن العشر يؤخذ من مال الحربي، ونصف العشر من الذمي، وربع العشر من المسلم بشروط ذكرت في كتاب الزكاة. نعم يعامل الكفار بما يعاملون المسلمين، إذا كان بخلاف ذلك، وفي شرح السنة إذا دخل أهل الحرب بلاد الإسلام تجاراً. فإن دخلوا بغير أمان ولا رسالة غنموا، وإن دخلوا بأمان وشرطه أن يؤخذ منهم عشر أو أقل أو أكثر، أخذ المشروط، وإذا طافوا في بلاد الإسلام فلا يؤخذ منهم في السنة إلا مرة انتهى ما في المرقاة
ـــــــ
1 أي المذهب الحنفية

(3/278)


باب ما جاء في زكاة الحلى
...
631 ـ حدثنا محمودُ بنُ غَيْلاَنَ حدثنا أبو دَوادَ عن شُعْبَةَ عن الأَعْمَشِ قالَ: سَمِعْتُ أبَا وَائِلٍ يُحَدّثُ عن عَمْرو بنِ الحارِثِ بنِ أخِي زَيْنبَ امْرَأَةِ عبدِ الله عن زَيْنَبَ امْرَأَةِ عبدِ الله عن النبيّ صلى الله عليه وسلم نَحْوَهُ.
قال أبو عيسى: وهذَا أصَحّ مِنْ حَدِيِثِ أبي مُعَاوِيَةَ.
وأبو مُعَاوِيَةَ وَهِمَ في حَدِيِثِهِ فَقَالَ: عن عَمْرو بنِ الحارِثِ عن ابنِ أخِي زَيْنَبَ. والصّحِيحُ إنّما هُو عن عَمْرو بنِ الحارِثِ ابنِ أخِي زَيْنَبَ.
ـــــــ
يتوهم أن الحلي من الحوائج الأصلية ولا تجب فيها الزكاة ويؤيد هذا المعنى قوله صلى الله عليه وسلم "فإنكن أكثر أهل جهنم"، أي لترك الواجبات.
وأما كون الخطاب للحاضرات خصوصاً فممنوع، بل الخطاب لكل من يصلح للخطاب، نعم فيه تلميح إلى حسن الصدقة في حق غير الغنيات فلا يرد أن كون الأمر للوجوب لا يستقيم، ويؤيده ما في آخر هذا الحديث في البخاري: قالت زينب لعبد الله قد أمرنا بالصدقة فأته فسله فإن كان ذلك يجزئ عني وإلا صرفتها إلى غيركم الحديث، لأن النوافل من الصدقات، لا كلام في جوازهما لو صرفت إلى الزوج، انتهى كلام أبي الطيب.
قلت: في الاستدلال بهذا الحديث على وجوب الزكاة في الحلي نظر، فإنه ليس بنص صريح فيه لاحتمال أن يكون معنى قوله ولو من حليكن أي ولو تيسر من حليلكن كما قيل، وهذا لا يدل على وجوب الزكاة في الحلي إذ يجوز أن يكون واجباً على الإنسان في أمواله الآخر ويؤديه من الحلي، وقد ذكر أبو الطيب هذا الاحتمال ولم يجب عن هذا جواباً شافياً فتفكر.
قوله: "وأبو معاوية وهم في حديثه فقال عن عمرو بن الحارث عن ابن أخي زينب، والصحيح إنما هو عن عمرو بن الحارث بن أخي زينب" كما قال شعبة، فوهم أبي معاوية في حديثه، أنه جعل عمرو بن الحارث وابن أخي زينب رجلين

(3/280)


وقد رُوِيَ عن عَمْرِو بنِ شعَيْبٍ عن أبيه عن جَدّهِ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أَنّهُ رَأَى في الحُلِيّ زكاةً. وفي إسْنَادِ هذا الحديث مَقَالٌ.
واخْتَلَفَ أَهْلُ العِلْمِ في ذلكَ، فَرَأَى بَعْضُ أَهْلِ العِلمِ مِنْ أصْحَابِ النبيّ صلى الله عليه وسلم والتابِعِينَ في الحُلِيّ زكاةَ ما كانَ مِنْهُ ذَهَبٌ وفِضّةٌ.
ـــــــ
الأول يروي عن الثاني وليس الأمر كذلك، بل ابن أخي زينب صفة لعمرو ابن الحارث، والحاصل أن زيادة لفظ "عن" بين عمرو بن الحارث وابن أخي زينب وهم الصحيح حذفه كما في رواية شعبة، قال الحافظ في الفتح: وقد حكى ابن القطان الخلاف فيه على أبي معاوية وشعبة، وخالف الترمذي في ترجيح رواية شعبة في قوله عن عمرو بن الحارث عن ابن أخي زينب لانفراد أبي معاوية بذلك. قال ابن القطان: لا يضره الانفراد لأنه حافظ وقد وافقه حفص بن غياث في رواية عنه، وقد زاد في الإسناد رجلاً لكن يلزم من ذلك أن يتوقف في صحة الإسناد، لأن ابن أخي زينب حينئذ لا يعرف حاله، وقد حكى الترمذي في العلل المفردات أنه سأل البخاري عنه فحكم على رواية أبي معاوية بالوهم، وأن الصواب رواية الجماعة عن الأعمش عن شقيق عن عمرو بن الحارث بن أخي زينب انتهى ما في الفتح.
قوله: "وقد روي عن عمرو بن شعيب إلخ" أخرجه الترمذي في هذا الباب وبين ما فيه من المقال.
قوله: "فرأى بعض أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والتابعين في الحلي زكاة ما كان منه ذهب وفضة" يعني أن اختلاف أهل العلم إنما هو في حلي الذهب والفضة، وأما في حلى غير الذهب والفضة كاللؤلؤ فليس فيه اختلاف إذا لم يكن للتجارة. وأخرج ابن عدي في الكامل عن عمر بن أبي عمر الكلاعي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعاً لا زكاة في حجر، وضعف بعمر

(3/281)


وبهِ يقولُ سُفْيَان الثوْرِيّ وعبدُ الله بن المَبارَكِ. وقالَ بعضُ أصحابِ
ـــــــ
الكلاعي وقال إنه مجهول لا أعلم حديث عنه غير بقية وأحاديثه منكرة وغير محفوظة انتهى، وأخرجه أيضاً عن محمد بن عبيد الله الغردمي عن عمرو بن شعيب به وضعف الغردمي عن البخاري والنسائي والفلاس ووافقهم عليه في ذلك، وأخرج بن أبي شيبة في مصنفه عن عكرمة قال: ليس في حجر اللؤلؤ ولا حجر الزمرد زكاة إلا أن يكون للتجارة، فإن كانت للتجارة فيه الزكاة، كذا في نصب الراية "وبه يقول سفيان الثوري وعبد الله بن المبارك" وبه قال أبو حنيفة وأصحابه، وروى ذلك عن عمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمرو وعبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهم، وبه قال سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير وعطاء ومحمد بن سيرين وجابر بن زيد ومجاهد والزهري وطاؤس وميمون بن مهران والضحاك وعلقمة والأسود وعمر بن عبد العزيز وذر الهمداني والأوزاعي وابن شبرمة والحسن بن حي، وقال ابن المنذر وابن حزم: الزكاة واجبة بظاهر الكتاب والسنة، كذا في عمدة القاري شرح البخاري للعلامة العيني. وفي نصب الراية: أخرج ابن أبي شيبة عن عطاء وإبراهيم النخعي وسعيد بن جبير وطاؤس وعبد الله بن شداد أنهم قالوا في الحلي الزكاة زاد ابن الشداد: حتى في الخاتم، وأخرج عن عطاء أيضاً وإبراهيم النخعي قالوا: السنة أن في الحلي الذهب والفضة الزكاة انتهى، وفيه أيضاً روى ابن أبي شيبة في مصنفه: حدثنا وكيع عن مساور الوراق عن شعيب بن يسار قال: كتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه أن مر من قبلك من نساء المسلمين أن يزكين حليهن. قال البخاري في تاريخه هو مرسل انتهى. وقال الحافظ في الدراية: أخرج ابن أبي شيبة بإسناد ضعيف أن عمر كتب إلخ، وروي عبد الرزاق رواه الطبراني في معجمه، ذكره الحافظ الزيلعي وابن حجر في تخريجهما وسكتا عنه. وروى الدارقطني عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن عبد الله بن عمرو أنه كان يكتب إلى خازنه سالم أن يخرج زكاة حلى نسائه كل سنة، ورواه ابن أبي شيبة حدثنا وكيع عن جرير بن حازم

(3/282)


ـــــــ
عن ابن عمرو بن شعيب عن عبد الله بن عمرو أنه كان يأمر نسائه أن يزكين حليهن انتهى.
قال في سبل السلام: وفي المسألة أربعة أقوال: الأولى وجوب الزكاة، وهو مذهب الهدوية وجماعة من السلف وأحد أقوال الشافعي عملا بهذه الأحاديث. والثاني لا تجب الزكاة في الحلية. وهو مذهب مالك وأحمد والشافعي في أحد أقواله لاَثار وردت عن السلف قاضية بعدم وجوبها في الحلية، ولكن بعد صحة الحديث لا أثر للاَثار، والثالث أن زكاة الحلية عاريتها، كما روى الدارقطني عن أنس وأسماء بنت أبي بكر، الرابع أنها تجب فيها الزكاة مرة واحدة رواه البيهقي عن أنس، وأظهر الأقوال دليلاً وجوبها لصحة الحديث وقوته انتهى.
قلت: القول بوجوب الزكاة في حلي الذهب والفضة هو الظاهر الراجح عندي يدل عليه أحاديث، فمنها حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده الذي روى أبو داود في سننه من طريق حسين بن ذكوان المعلم عنه وهو حديث صحيح كما ستعرف.
ومنها حديث أم سلمة رضي الله عنها أنها كانت تلبس أوضاحاً من ذهب فقالت يا رسول الله أكنز هو؟ فقال: "إذا أديت زكاته فليس بكنز" ، أخرجه أبو داود والدارقطني وصححه الحاكم. كذا في بلوغ المرام. وقال الحافظ في الدراية: قواه ابن دقيق العيد.
ومنها حديث عائشة رواه أبو داود عن عبد الله بن شداد أنه قال: دخلنا على عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأى في يدي فتخات من ورق، " فقال ما هذا يا عائشة؟" فقلت: صنعتهن أتزين لك يا رسول الله، "قال أتؤدين زكاتهن؟" قلت: لا، أو ما شاء الله، "قال هو حسبك من النار". وأخرجه الحاكم في مستدركه وقال صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. وقال الحافظ في الدارية: قال ابن دقيق العيد: هو على شرط مسلم.
ومنها حديث أسماء بنت يزيد أخرجه أحمد في مسنده حدثنا علي بن عاصم عن عبد الله بن عثمان ابن خيثم عن شهر بن حوشب عن أسماء بنت يزيد قالت: دخلت

(3/283)


أنا وخالتي على النبي صلى الله عليه وسلم وعلينا أسورة من ذهب فقال لنا: "أتعطيان زكاتها؟" فقلنا لا، قال: أما تخافان أن يسوركما الله أسورة من نار؟ أديا زكاتها؟ ذكر الحافظ في التلخيص وسكت عنه وقال في الدراية: في إسناده مقال. وقال العيني في عمدة القاري: فإن قلت. قال ابن الجوزي وعلي بن عاصم وعبد الله بن خيثم قال ابن معين أحاديثه ليست بالقوية، وشهر بن حوشب قال ابن عدي لا يحتج بحديثه، قلت: ذكر في الكمال: وسئل أحمد عن علي بن عاصم فقال هو والله عندي ثقة، وأنا أحدث عنه، وعبد الله بن خيثم قال بن معين هو ثقة حجة، وشهر بن حوشب قال أحمد ما أحسن حديثه ووثقه، وعن يحيى هو ثقة، وقال أبو زرعة: هو لا بأس به. فظهر من هذا كله سقوط كلام ابن الجوزي وصحة الحديث انتهى كلام العيني.
قلت: علي بن عاصم متكلم فيه، قال البخاري. ليس بالقوي عندهم يتكلمون فيه انتهى كذا في الميزان. وشهر بن حوشب صدوق كثير الإرسال والأوهام كما في التقريب، ففي صحة حديث أسماء بنت يزيد نظر، لكن لا شك في أنه يصلح للاستشهاد.
ومنها حديث فاطمة بنت قيس قالت: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم بطرق فيه سبعون مثقالاً من ذهب، فقلت يا رسول الله خذ منه الفريضة فأخذ منه مثقالاً وثلاثة أرباع مثقال . أخرجه الدارقطني وفي إسناده أبو بكر الهزلي وهو ضعيف، ونصر بن مزاحم وهو أضعف منه، وتابعه عباد بن كثير أخرجه أبو نعيم في ترجمة شيبان بن زكريا من تاريخه كذا في الدراية.
ومنها حديث عبد الله بن مسعود قال: قلت للنبي صلى الله عليه وسلم: إن لامرأتي حلياً من ذهب عشرين مثقالاً قال فأد زكاته نصف مثقال وإسناده ضعيف جداً أخرجه الدارقطني كذا في الدراية.

(3/284)


النبيّ صلى الله عليه وسلم منهم ابنُ عُمَرَ وعائِشَةُ وجابرُ بنُ عبدِ الله وأنسُ بنُ مالكٍ: لَيْسَ في الحُلِيّ زكاةٌ. وهكذَا رُوِيَ عن بعضِ فُقَهَاء التّابِعِينَ. وبه يقولُ مالكُ بنُ أَنَسٍ والشافعيّ وأَحمدُ وإسحاقُ.
ـــــــ
قوله: "وقال بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم منهم ابن عمر وعائشة وجابر بن عبد الله وأنس بن مالك: ليس في الحلي زكاة" قال الحافظ في الدراية: قال الأثرم: قال أحمد: خمسة من الصحابة كانوا لا يرون في الحلي زكاة: ابن عمر وعائشة وأنس وجابر وأسماء انتهى. فأما ابن عمر فهو عند مالك عن نافع عنه، وأما عائشة فعنده أيضاً وهما صحيحان، وأما أنس فأخرجه الدارقطني من طريق علي بن سليمان: سألت أنساً عن الحلي فقال: ليس فيه زكاة، وأما جابر فرواه الشافعي عن سفيان عن عمر بن شعيب. سمعت رجلاً سأل جابراً عن الحلي أفيه زكاة قال: لا، قال البيهقي في المعرفة: فأما ما يروي عن جابر مرفوعاً. ليس في الحلي زكاة فباطل لا أصل له، وإنما يروى عن جابر من قوله، وأما أسماء فروى الدارقطني من طريق هشام بن عروة عن فاطمة بنت المنذر عن أسماء بنت أبي بكر أنها كانت تحلي بناتها الذهب ولا تزكي نحواً من خمسين ألفاً انتهى ما في الدراية. "وهكذا روى عن بعض فقهاء التابعين" كالقاسم بن محمد والشعبي فقالا: لا تجب الزكاة في الحلي "وبه يقول مالك بن أنس والشافعي وأحمد وإسحاق" قال العيني: كان الشافعي بهذا في العراق وتوقف بمصر، وقال هذا مما استخير الله فيه، وقال الليث: ما كان من حلي يلبس ويعار فلا زكاة فيه وإن اتخذ للتحرز عن الزكاة ففيه الزكاة. وقال أنس: يزكي عاماً واحداً لا غير انتهى كلام العيني.
واحتج لمن قال بعدم وجوب الزكاة في الحلي بحديث جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ليس في الحلي زكاة، رواه ابن الجوزي في التحقيق بسنده عن عافية بن أيوب عن ليث بن سعد عن أبي الزبير عنه".
وأجيب عنه بأنه حديث باطل لا أصل له. قال البيهقي في المعرفة: وما يروى عن عافية بن أيوب عن الليث عن أبي الزبير عن جابر مرفوعاً: ليس في الحلى

(3/285)


632 ـ حدثنا قُتَيْبةُ، حدثنا ابنُ لَهِيعَةَ عن عَمْروِ بنِ شُعَيْبٍ عن أَبيهِ عن جَدّهِ أنّ امْرَأَتَيْنِ أَتَتَا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وفي أَيْدِيهِمَا سِوَارَانِ مِنْ ذَهَبٍ، فقالَ لَهُمَا: أَتُؤَدّيَانِ زَكَاتَهُ؟ قَالَتَا: لا، فقالَ
ـــــــ
زكاة، فباطل لا أصل له، إنما يروى عن جابر من قوله. وعافية بن أيوب مجهول، فمن احتج به مرفوعاً كان مغروراً بدينه داخلاً فيما يعيب المخالفين من الاحتجاج برواية الكذابين انتهى. وقال الشيخ في الإمام: رأيت بخطة شيخنا المنذري رحمه الله وعافية بن أيوب لم يبلغني فيه ما يوجب تضعيفه، قال الشيخ: ويحتاج من يحتج به إلى ذكر ما يوجب تعديله انتهى.
واحتج لهم أيضاً بآثار ابن عمر وعائشة وأنس وجابر: وللقائلين بعدم وجوب الزكاة في الحلى أعذار عديدة كلها باردة. فمنها أن أحاديث الزكاة في الحلى محمولة على أنها كانت في ابتداء الإسلام حين كان التحلي بالذهب حراماً على النساء فلما أبيح لهن سقطت الزكاة، وهذا العذر باطل، قال البيهقي كيف يصح هذا القول من حديث أم سملة رضي الله عنها وحديث فاطمة بنت قيس وحديث أسماء وفيها التصريح بلبسه مع الأمر بالزكاة انتهى.
ومنها أن الزكاة المذكورة في هذه الأحاديث إنما كانت للزيادة على قدر الحاجة، وهذا إدعاء محض لا دليل عليه، بل في بعض الروايات مايرده، قال الحافظ الزيلعي وبسند الترمذي رواه أحمد وابن أبي شيبة وإسحاق بن راهويه في مسانيدهم وألفاظهم قال لهما: فأديا زكاة هذا الذي في أيديكما، وهذا اللفظ يرفع تأويل من يحمله على أن الزكاة المذكورة فيه شرعت الزيادة فيه على قدر الحاجة انتهى.
ومنها أن المراد بالزكاة في هذه الأحاديث التطوع إلى الفريضة، أو المراد بالزكاة الإعارة، قال القاري في المرقاة: وهما في غاية البعد إذ لا وعيد في ترك التطوع والإعارة مع أنه لا يصح إطلاق الزكاة على العارية لا حقيقة ولا مجازاً انتهى.
قوله: "وفي أيديهما سواران" تثنية سوار ككتاب وغراب القلب كالأسوار

(3/286)


لَهُمَا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: أَتُحِبّانِ أنْ يُسَوّرَكُمَا الله بِسِوارَيْنِ مِنْ نَارٍ؟ قَالَتَا: لا، قال: فَأَدّيَا زكاَتَهُ".
قال أبو عيسى: وهذا حديثٌ قد رَوَاهُ المُثَنّى بنُ الصّبّاحِ عن عَمْروِ بن شُعَيْبٍ نَحْوَ هذَا. والمُثَنّى بنُ الصّبّاحِ وابنُ لَهِيعَةَ يُضَعّفَانِ في الحديثِ ولا يَصِح في هذَا الباب عن النبيّ صلى الله عليه وسلم شَيْءٌ.
ـــــــ
بالضم وجمعه أسورة وأساور وأساورة كذا في القاموس، قلت يقال له في الفارسية دست برنجن وفي الهندية كنكن " أتؤديان زكاته" أي الذهب أو ما ذكر من السوارين، قال الطيبي الضمير فيه بمعنى اسم الإشارة كما في قوله تعالى. {لا فَارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ} "فأديا زكاته" فيه دليل وجوب الزكاة في الحلى وهو الحق.
قوله. "ولا يصح في هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم شيء" قال ابن الملقن: بل رواه أبو داود في سننه بإسناد صحيح ذكره ميرك كذا في المرقاة، وقال الزيلعي في نصب الراية: قال المنذري: لعل الترمذي قصد الطريقين الذين ذكرهما، فطريق أبي داود لا مقال فيها انتهى. وقال الحافظ ابن حجر في الدراية بعد نقل كلام الترمذي هذا ما لفظه: كذا قال وغفل عن طريق خالد بن الحارث انتهى. قلت: روى أبو داود في سننه حدثنا أبو كامل وحميد بن مسعدة المعنى أن خالد بن الحارث حدثهم أخبرنا حسين عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن امرأة أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعها ابنة لها وفي يد ابنتها مسكتان غليظتان من ذهب فقال "لها أتعطين زكاة هذا؟" قالت: لا، قال: "أيسرك أن يسورك الله بهما يوم القيامة سوارين من نار؟" قال فخلعتهما فألقتهما إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقالت: هما لله ورسوله. وإلى هذا الحديث أشار ابن الملقن والمنذري والحافظ بن حجر. وقال الزيلعي في نصب الراية بعد ذكر حديث أبي داود هذا ما لفظه: قال ابن القطان في كتابه إسناده صحيح، وقال المنذري في مختصر إسناده لا مقال فيه

(3/287)


ـــــــ
فإن أبا داود رواه عن أبي كامل الجحدري وحميد بن مسعدة وهما من الثقات احتج بهما مسلم، وخالد بن الحارث إمام فقيه احتج به البخاري ومسلم وكذلك حصين بن ذكوان المعلم احتجا به في الصحيح. ووثقه ابن المديني وابن معين وأبو حاتم وعمرو بن شعيب فهو ممن قد علم، وهذا إسناد يقوم به الحجة إن شاء الله تعالى انتهى.
قلت: فظهر أن قول الترمذي لا يصح في هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم شيء غير صحيح والله تعالى أعلم

(3/288)


باب ما جاء في زكاة الخضروات
...
13ـ باب ما جاءَ في زكاةِ الخَضْرَاوَات
633ـ حدثنا عليّ بنُ خَشْرَمٍ، أخبرنا عيسى بنُ يُونُسَ عن الحَسَنِ بن عمارة عن محمدِ بنِ عبدِ الرحمَنِ بنِ عُبَيْدٍ عن عيسى بنِ طَلْحَةَ عن مُعَاذٍ " أنهُ كَتَبَ إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم يَسأَلُهُ عن الخَضْراوَاتِ وهيَ البُقُولُ، فقالَ: لَيْسَ فيها شَيْءٌ".
ـــــــ
"باب ما جاء في زكاة الخضراوات"
بفتح الخاء المعجمة جمع خضراء والمراد بها الرياحين والورود والبقول والخيار والقثاء والبطيخ والباذنجان وأشباه ذلك.
قوله: "عن محمد بن عبد الرحمَن بن عبيد" القرشي مولى آل طلحة كوفي ثقة من السادسة "عن عيسى بن طلحة" بن عبيد الله التيمي المدني ثقة فاضل من كبار الثالثة "وهي البقول" هذا تفسير من بعض الرواة "فقال ليس فيها شيء" لأنها لا تقتات، والزكاة لا تختص بالقوت، وحكمته أن القوت ما يقوم به من بدن الإنسان، لأن الاقتيات من الضروريات التي لا حياة بدونها، فوجب فيها حق لأرباب الضرورات قاله القاري. والحديث يدل على عدم وجوب الزكاة في الخضراوات، وإلى ذلك ذهب مالك والشافعي وقالا: إنما تجب فيما يكال ويدخس للاقتيات. وعن

(3/288)


ـــــــ
أحمد أنها تخرج مما يكال ويدخر ولو كان لا يقتات، وبه قال أبو يوسف ومحمد. وأوجبها في الخضراوات الهادي والقاسم إلا الحشيش والحطب لحديث: الناس شركاء في ثلاث، ووافقهما أبي حنيفة إلا أنه استثنى السعف والتبن.
واستدلوا على وجوب الزكاة في الخضراوات بعموم قوله تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً} وقوله {وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ} وقوله {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} وبعموم حديث: فيما سقت السماء معشر ونحوه، قالوا: وحديث الباب ضعيف لا يصلح لتخصيص هذه العمومات.
وأجيب بأن طرقه يقوي بعضها بعضاً فينتهي لتخصيص هذه العمومات، ويقوي ذلك ما أخرجه الحاكم والبيهقي والطبراني من حديث أبي موسى ومعاذ حين بعثهما النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليمن يعلمان الناس أمر دينهم فقال: لا تأخذ الصدقة إلا من هذه الأربعة الشعير والحنطة والزبيب والتمر، قال البيهقي: رواته ثقات وهو متصل، وما أخرجه الطبراني عن عمر قال: إنما سن رسول الله صلى الله عليه وسلم الزكاة في هذه الأربعة فذكرها، وهو من رواية موسى بن طلحة عن عمر، قال أبو زرعة: موسى عن عمر مرسل، وما أخرجه ابن ماجه والدارقطني من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده بلفظ: إنما سن رسول الله صلى الله عليه وسلم الزكاة في الحنطة والشعير والتمر والزبيب، زاد ابن ماجه: والذرة، وفي إسناده محمد بن عبيد الله العرزمي وهو متروك، وما أخرجه البيهقي من طريق مجاهد قال: لم تكن الصدقة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم إلا في خمسة فذكرها، وأخرج أيضاً من طريق الحسن فقال: لم يفرض الصدقة النبي صلى الله عليه وسلم إلا في عشرة، فذكر الخمسة المذكورة والإبل والبقر والغنم والذهب والفضة، وحكى أيضاً عن الشعبي أنه قال: كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهل اليمن: إنما الصدقة في الحنطة والشعير والتمر والزبيب، قال البيهقي: هذه المراسيل طرقها مختلفة وهي يؤكد بعضها بعضاً انتهى. فلا أقل من انتهاض هذه الأحاديث لتخصيص تلك العمومات التي قد دخلها التخصيص بالأوساق والبقر والعوامل وغيرها، فيكون الحق ما ذهب إليه الحسن البصري والحسن بن صالح والثوري والشعبي من أن الزكاة

(3/289)


قال أبو عيسى: إسْنَادُ هذا الحَدِيثِ لَيْسَ بصَحِيحٍ. ولَيْسَ يَصِحّ في هذا البَابِ عنِ النبيّ صلى الله عليه وسلم شَيْءٌ. وإنّمَا يُرْوَى هذا عن موسى بنِ طَلْحةَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم مُرْسَلاً. والعملُ على هذا عِنْدَ أهلِ العِلم أنهُ لَيْسَ في الخضْروَاتِ صَدَقَةٌ.
ـــــــ
لا تجب إلا في البر والشعير والتمر والزبيب، لا فيما عدا هذه الأربعة مما أخرجت الأرض. وأما زيادة الذرة في حديث عمرو بن شعيب فقد عرفت أن في إسنادها متروكاً ولكنها معتضدة بمرسل مجاهد والحسن انتهى كلام الشوكاني.
قلت: في إسناد حديث أبي موسى ومعاذ وطلحة بن يحيى وهو مختلف فيه قاله الحافظ بن حجر في الدراية ص 164: ورواه الحاكم في المستدرك مرفوعاً باللفظ المذكور، ورواه البيهقي بلفظ أنهما حين بعثا إلى اليمن لم يأخذوا الصدقة إلا من هذه الأربعة، قال الشيخ في الإمام: وهذا غير صريح في الرفع كذا في نصب الراية. وأما ما أخرجه الحاكم من طريق مجاهد ففي سنده خصيف، قال الحافظ في التقريب: الخصيف بن عبد الرحمَن الجزري صدوق سيء الحفظ خلط بآخره. وأما ما أخرج من طريق الحسن ففي سنده عمرو بن عبيد وهو متكلم فيه على ما قال الزيلعي في نصب الراية.
قوله: "وليس يصح في هذا الباب عن النبي صلى الله عليه وسلم شيء" وفي الباب عن علي وعائشة ومحمد بن جحش وأنس وطلحة لكنها كلها ضعيفة وقد ذكرها مع بيان ضعفها الحافظ الزيلعي في نصب الراية وقال بعد ذكرها: قال البيهقي: وهذه الأحاديث يشهد بعضها بعضاً ومعها قول بعض الصحابة، ثم أخرج عن الليث عن مجاهد عن عمر قال: ليس في الخضراوات صدقة. قال الشيخ في الإمام: ليث بن أبي سليم قد علل البيهقي به روايات كثيرة، ومجاهد عن عمر منقطع، وأخرج عن قيس بن الربيع عن أبي إسحاق عن عاصم بن ضمرة عن علي رضي الله تعالى عنه قال: ليس في الخضراوات والبقول صدقة، قال الشيخ: وقيس بن الربيع متكلم فيه انتهى.
قوله: "وإنما يروى هذا عن موسى بن طلحة عن النبي صلى الله عليه وسلم

(3/290)


ال أبو عيسى: والحَسَنُ هو ابنُ عُمَارَةَ وهو ضَعِيفٌ عندَ أهلِ الحَديِثِ، ضَعّفَهُ شُعْبَةُ وغَيْرُهُ وتَرَكَهُ عبدُ الله بنُ المَبارَكِ.
ـــــــ
مرسلاً"، رواه الدارقطني في سننه "والحسن هو ابن عمارة الخ" قال الحافظ في التقريب: الحسن بن عمارة البجلي مولاهم أبو محمد الكوفي قاضي بغداد متروك من السابعة

(3/291)


باب ما جاء في الصدقة فيما يسقى بالنهار وغيرها
...
14 ـ باب ما جَاءَ في الصّدَقَةِ فيما يُسْقَى بالأنْهَارِ وغَيْرِها
634 ـ حدثنا أبو موسى الأنْصَارِيّ، حدثنا عَاصِمُ بنُ عبدِ العَزِيزِ المَدَنِيّ حدثنا الحَارِثُ بنُ عبدِ الرحمَنِ بنِ أبي ذُبَابٍ عن سُلَيْمانَ بنِ يَسَارٍ و بُسْرِ بنِ سَعِيدٍ عن أبي هريرةَ قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم "فِيمَا سَقَتِ السّمَاءُ والعُيُونُ العُشْرُ، وفِيمَا سُقِيَ بالنّضْح نِصْفُ العُشْرِ".
ـــــــ
باب ما جَاءَ في الصّدَقَةِ فيما يُسْقَى بالأنْهَارِ وغَيْرِها
قوله: "مديني" خبر مبتدأ محذوف أي هو مديني "أخبرنا الحارث بن عبد الرحمَن بن أبي ذباب" بضم المعجمة وبموحدتين صدوق يهم من الخامسة "وبسر بن سعيد" بضم أوله ثم مهملة ساكنة ثقة جليل من الثانية.
قوله: "فيما سقت من السماء" أي المطر من باب ذكر المحل وإرادة الحال، وليس المراد خصوص المطر بل السيل والأنهار كذلك "والعيون" أي الجارية على وجه الأرض التي لا يتكلف في رفع مائها لاَلة ولا لحمل "العشر" مبتدأ وخبره فيما سقت السماء، أي العشر واجب فيما سقت السماء "وفيما سقي بالنضح" بفتح النون وسكون المعجمة بعدها مهملة أي بالسانية وهي رواية مسلم، والمراد بها الإبل التي يستقى عليها، وذكر الإبل كالمثال وإلا فالبقر وغيرها كذلك في الحكم، كذا في الفتح، والنضح في الأصل مصدر بمعنى السقي، قال الجزري في النهاية: النواضح هي الإبل التي يستقى عليها والواحد الناضح انتهى.

(3/291)


قال وفي البابِ عن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ وابنِ عُمَرَ وجَابِرٍ.
قال أبو عيسى: وقد رُوِيَ هذا الحَديِثُ عن بُكَيْرِ بنِ عبدِ الله بنِ الأشَجّ وعن سُلَيْمانَ بنِ يَسَارٍ و وبُسْرِ بنِ سَعِيدٍ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم مُرْسَلا. وكأَنّ هذا أَصَحّ. وقد صَحّ حديثُ ابنِ عُمَر عن النبيّ صلى الله عليه وسلم في هذا البابِ وعليهِ العملُ عندَ عَامّةِ الفُقَهَاءِ.
ـــــــ
قوله: "وفي الباب عن أنس بن مالك وابن عمر وجابر" أما حديث أنس فأخرجه ابن النجار عن أبان عن أنس، وأما حديث ابن عمر فأخرجه البخاري وأصحاب السنن، وأما حديث جابر فأخرجه أحمد ومسلم والنسائي وأبو داود.
قوله: "وعليه العمل عند عامة الفقهاء" قال النووي في شرح مسلم في شرح حديث جابر: فيما سقت الأنهار والغيم العشور وفيما سقي بالسانية نصف العشر ما لفظه: في هذا الحديث وجوب العشر فيما سقي بماء السماء والأنهار ونحوها مما ليس فيه مؤنة كثيرة، ونصف العشر فيما سقي بماء السماء والأنهار ونحوها مما ليس فيه مؤنة كثيرة، ونصف العشر فيما سقي بالنواضح وغيرها مما فيه مؤنة كثيرة، وهذا متفق عليه، ولكن اختلف العلماء في أنه هل يجب الزكاة في كل ما أخرجت الأرض من الثمار والزروع والرياحين وغيرها إلا الحشيش والحطب ونحوها أم يختص؟ فعمم أبو حنيفة وخصص الجمهور على اختلاف لهم فيما يختص به انتهى.
قلت: قد تقدم الكلام في هذا في الباب السابق. وقال الحافظ في الفتح: دل الحديث على التفرقة في القدر المخرج الذي يسقى بنضح أو بغير نضح. فإن وجد ما يسقي بهما فظاهره أنه يجب فيه ثلاثة أرباع العشر إذا تساوى ذلك، وهو قول أهل العلم، قال ابن قدامة: لا نعلم فيه خلافاً، وإن كان أحدهما أكثر كان حكم الأقل تبعاً للأكثر، نص عليه أحمد. وهو قول الثوري وأبي حنيفة وأحد قولي الشافعي، والثاني يؤخذ بالقسط، ويحتمل أن يقال إن أمكن فصل كل واحد منهما أخذ بحسابه. وعن ابن القاسم صاحب مالك: العبرة بما تم به الزرع وانتهى ولو كان أقل انتهى.

(3/292)


635ـ حدثنا أَحمدُ بنُ الحَسَنِ حدثنا سعِيدُ بنُ أَبي مَرْيَمَ حدثنا ابنُ وَهْبٍ حدثني يُونُسُ عن ابنِ شِهَابٍ عن سَالِمٍ عن أَبيِه عَنْ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم "أَنّهُ سَنّ فِيمَا سَقَتِ السّمَاءُ والعُيُونُ أو كانَ عَثَرِيّاً العشرَ، وفِيمَا سُقِيَ بالنّضْجِ نِصْف العُشْرِ".
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
قوله: "عن أبيه" أي عبد الله بن عمر رضي الله عنه "أنه سن" أي شرع وقرر "أو كان عثرياً" بفتح المهملة والمثلثة وكسر الراء وتشديد التحتانية، قال في النهاية: هو من النخل الذي يشرب بعروقه من ماء المطر يجتمع في حفيرة، وقيل هو العذق الذي لا يسقيه إلا ماء المطر، قال القاضي: والأول ههنا أولى لئلا يلزم التكرار وعطف الشيء على نفسه، وقيل: ما يزرع في الأرض تكون رطبة أبداً لقربها من الماء، كذا في المرقاة "العشور" قال النووي: ضبطناه بضم العين جمع عشرة، وقال القاضي عياض: ضبطناه من عامة شيوخنا بفتح العين، وقال هو اسم للمخرج من ذلك، وقال صاحب المطالع: أكثر الشيوخ يقولونه بالضم وصوابه الفتح، قال النووي: وهذا الذي ادعاه من الصواب ليس بصحيح وقد اعترف بأن أكثر الرواة رووه بالضم وهو الصواب جمع عشر، وقد اتفقوا على قولهم: عشور أهل الذمة بالضم ولا فرق بين اللفظين انتهى.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه البخاري وغيره.
تنبيه: مذهب جمهور أهل العلم والأئمة الأربعة: وجوب العشر في جميع الحبوب من الحنطة والشعير والعدس والحمص والأرز ونحو ذلك. قال الإمام مالك في موطأه: والحبوب التي فيها الزكاة: الحنطة والشعير والسلت والذرة والدخن والأرز والعدس والجلبان واللوبيا والجلجلان وما أشبه ذلك من الحبوب التي تصير طعاماً فالزكاة تؤخذ منها كلها بعد أن تحصد وتصير حباً انتهى. وتمسكوا بعموم أحاديث الباب وبعموم الآيات التي تدل على وجوب العشر. وذهب الحسن البصري والحسن بن صالح والثوري والشعبي وابن سيرين، إلى أنه لا يجب الزكاة إلا في الشعير والحنطة والزبيب والتمر، فوجوب العشر عند هؤلاء منحصر في هذه الأربعة، واحتجوا

(3/293)


ـــــــ
بما روى الطبراني والحاكم والدارقطني عن أبي موسى الأشعري ومعاذ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهما: "لا تأخذا الصدقة إلا من هذه الأصناف الأربعة الشعير والحنطة والزبيب والتمر". قال صاحب سبل السلام: قال البيهقي رواته ثقات وهو متصل، وروى الطبراني من حديث موسى بن طلحة عن عمر: إنما سن رسول الله صلى الله عليه وسلم الزكاة في هذه الأربعة فذكرها، قال أبو زرعة إنه مرسل، ورجح هذا المذهب حيث قال: فالأوضح دليلاً مع الحاصرين للوجوب في هذه الأربعة انتهى. وكذا رجح الشوكاني في النيل هذا المذهب حيث قال: فالحق أن الزكاة لا تجب إلا في البر والشعير والتمر والزبيب لا فيما عدا الأربعة مما أخرجت الأرض. قال: وأما زيادة الذرة في حديث عمرو بن شعيب فقد عرفت أن في إسنادها متروكاً لكنها معتضدة بمرسل مجاهد والحسن انتهى.
قلت: في سند حديث أبي موسى ومعاذ المذكور طلحة بن يحيى وهو مختلف فيه، قال الحافظ في الدراية: وروى الحاكم من طريق أبي بردة عن أبي موسى ومعاذ حين بعثهما النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليمن: لا تأخذوا الصدقة إلا من هذه الأربعة فذكرها، ورواه البيهقي عنهما موقوفاً، وفي الإسناد طلحة بن يحيى مختلف فيه، وهو أمثل مما في الباب انتهى كلام الحافظ.
ثم الحصر فيه ليس حصراً حقيقياً وإلا يلزم أن لا تجب الزكاة في صنف غير هذه الأصناف الأربعة، واللازم باطل فالملزوم مثله، بل الحصر فيه إضافي. قال القاري في المرقاة في شرح هذا الحديث: والحصر فيه إضافي انتهى. والدليل على كون هذا الحصر إضافياً ما رواه الحاكم في المستدرك عن معاذ رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "فيما سقت السماء والبعل والسيل العشر"، "وفيما سقي بالنضح نصف العشر، وإنما يكون ذلك في التمر والحنطة والحبوب"، وأما القثاء والبطيخ والرمان والقصب فقد عفى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. فالحق عندي ما ذهب إليه الجمهور والله تعالى أعلم.
تنبيه آخر: قال الحنفية: إن العشر والخراج لا يجتمعان على مسلم ويستدلون بحديث: لا يجتمع عشر وخراج في أرض مسلم.
قلت: لم يقم دليل صحيح على قولهم هذا، وأما هذا الحديث الذي يستدلون

(3/294)


به فباطل لا أصل له، قال الحافظ الزيلعي في نصب الراية: الحديث الثالث قال عليه السلام: "لا يجتمع عشر وخراج في أرض مسلم"، قلت رواه ابن عدي في الكامل عن يحيى بن عنبسة حدثنا أبو حنيفة عن حماد عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يجتمع على مسلم خراج وعشر" ا نتهى. قال ابن عدي: يحيى بن عنبسة منكر الحديث وإنما يروي هذا من قول إبراهيم، وقد رواه أبو حنيفة عن حماد عن إبراهيم قوله: فجاء يحيى بن عنبسة فأبطل فيه ووصله إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ويحيى بن عنبسة مكشوف الأمر في ضعفه لروايته عن الثقات الموضوعات انتهى. قال ابن حبان: ليس هذا من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويحيى بن عنبسة دجال يضع الحديث لا يحل الرواية عنه انتهى: وقال الدارقطني: يحيى هذا دجال يضع الحديث وهو كذب على أبي حنيفة ومن بعده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكره ابن الجوزي في الموضوعات. وقال البيهقي: هو حديث باطل ويحيى هذا متهم بالوضع انتهى ما في نصب الراية.
قلت: وأحاديث الباب بعمومها تدل على الجمع بين الخراج والعشر. قال الزيلعي في نصب الراية: استدل ابن الجوزي في التحقيق للشافعي في الجمع بين العشر والخراج بعموم الحديث عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سن في ما سقت السماء والعيون أو كان عثرياً العشور، وفيما سقي بالنضح نصف العشر تفرد به البخاري، وهذا عام في الخراجية وغيرها انتهى. وقال الزيلعي في ذلك الكتاب استدل الشيخ تقي الدين في الإمام للشافعي بما أخرجه البيهقي عن يحيى بن آدم حدثنا سفيان بن سعيد عن عمرو بن ميمون بن مهران قال: سألت عمر بن عبد العزيز عن المسلم يكون في يده أرض الخراج، فيسأل الزكاة فيقول إنما على الخراج، فقال: الخراج على الأرض والعشر على الحب انتهى. قلت: إسناده صحيح. قال الحافظ في الدراية: وقد صح عن عمر بن عبد العزيز أنه قال لمن قال إنما على الخراج: الخراج على الأرض والعشر على الحب. أخرجه البيهقي من طريق يحيى بن آدم في الخراج له، وفيها عن الزهري. لم يزل المسلمون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعده يعاملون على الأرض ويستكرونها ويؤدون الزكاة عما يخرج منها وفي الباب حديث ابن عمر: فيما سقت السماء العشر، متفق عليه ويستدل بعمومه انتهى ما في الدارية.

(3/295)


ـــــــ
والحاصل أنه لم يقم دليل صحيح على أن الخراج والعشر لا يجتمعان على مسلم، بل حديث ابن عمر وما في معناه بعمومه يدل على الجمع، وأثر عمر بن عبد العزيز وأثر الزهري يدلان على أن العمل كان على ذلك في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعده.
تنبيه آخر: قال صاحب الهداية: لم يجمع أحد من أئمة العدل والجور بينهما يعني بين الخراج والعشر، وكفي بإجماعهم حجة انتهى.
قلت: دعوى الإجماع باطلة جداً. قال الحافظ في الدراية راداً على صاحب الهداية: ولا إجماع مع خلاف عمر بن عبد العزيز والزهري بل لم يثبت عن غيرهما التصريح بخلافهما انتهى

(3/296)


15ـ باب ما جَاءَ في زكاةِ مَالِ اليَتيم
636 ـ حدثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ حدثنا إبراهيم بنُ مُوسَى حدثنا الولِيدُ بنُ مُسْلِمٍ عن المُثَنّى بنِ الصّبّاحِ عن عَمْروِ بنِ شُعَيْبٍ عن أَبيِه عن جَدّهِ أَنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم خَطَبَ النّاسَ فقالَ: "أَلاَ مَنْ وَلِيَ يَتِيماً لَهُ مَالٌ فَليَتّجِرْ فيهِ ولاَ يترُكْهُ حَتّى تَأْكُلَهُ الصّدَقَة".
ـــــــ
باب ما جَاءَ في زكاةِ مَالِ اليَتيم
قوله: "حدثنا محمد بن إسماعيل" هو الإمام البخاري "أخبرنا إبراهيم بن موسى" بن يزيد بن زاذان التميمي أبو إسحاق الرازي الفراء المعروف بالصغير روى عن هشام بن يوسف الصنعائي والوليد بن مسلم وغيرهما وعنه البخاري ومسلم وأبو داود، وروى الباقون عنه بواسطة، ثقة حافظ كذا في تهذيب التهذيب والتقريب.
قوله: "ألا" للتنبيه "من ولي" بفتح الواو وكسر اللام، قال القاري في المرقاة: وفي نسخة أي من المشكاة بضم الواو وتشديد اللام المكسورة أي صار ولي يتيم "له مال" صفة ليتيم أي من صار ولياً ليتيم ذي مال "فليتجر" بتشديد الفوقية أي بالبيع والشراء "فيه" أي في مال اليتيم "ولا يتركه" بالنهي وقيل بالنفي "حتى تأكله الصدقة" أي تنقصه وتفنيه، لأن الأكل سبب الفناء. قال

(3/296)


قال أبو عيسى: وإنما رُوِيَ هذا الحديثُ مِن هذا الوجْهِ وفي إسْنَادِهِ مَقَالٌ لأنّ المُثَنّى بنَ الصّبّاحِ يُضَعّفُ في الحَدِيثِ. وَرَوَى بَعْضُهمُ هذا الحَدِيثَ عن عَمْروِ بن شُعَيْبٍ أنّ عُمَرَ بن الخطّابِ فَذَكَرَ هذا الحدِيثَ.
وقد اخْتَلَفَ أَهْلُ العِلْمِ في هذَا البَابِ، فَرَأَى غَيْرُ واحِدٍ مِن أَصْحَابِ النبيّ صلى الله عليه وسلم في مَالِ اليَتِيمِ زَكَاةً مِنْهُمْ عُمَرُ وعَلِيّ وعائِشَةُ وابنُ عُمَرَ. وبهِ يقُولُ مَالِكٌ والشّافِعِيّ وأحمدُ وإسحاقُ.
ـــــــ
ابن الملك: أي يأخذ الزكاة منها فينقص شيئاً فشيئاً، وهذا يدل على وجوب الزكاة في مال الصبي، وبه قال الشافعي وأحمد ومالك، وعند أبي حنيفة لا زكاة فيه انتهى.
قوله: "وفي إسناده مقال الخ" قال الحافظ في بلوغ المرام: وله شاهد مرسل عند الشافعي انتهى. وقال في التلخيص: ورواه الدارقطني من حديث أبي إسحاق الشيباني أيضاً عن عمرو بن شعيب لكن راويه عنه مندل بن علي وهو ضعيف، ومن حديث العرزمي عن عمرو والعرزمي ضعيف متروك، ورواه ابن عدي من طريق عبد الله بن علي وهو الإفريقي وهو ضعيف، قال الحافظ: وروى الشافعي عن عبد المجيد بن أبي رواد عن ابن جريج عن يوسف بن ماهك مرسلاً أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ابتغوا في أموال اليتامى لا تأكلها الزكاة، ولكن أكده الشافعي بعموم الأحاديث الصحيحة في إيجاب الزكاة. وفي الباب عن أنس مرفوعاً: اتجروا في مال اليتامى لا تأكلها الزكاة، رواه الطبراني في الأوسط في ترجمة علي بن سعد انتهى.
قوله: "وروى بعضهم هذا الحديث عن عمرو بن شعيب أن عمر بن الخطاب فذكر هذا الحديث" قال الدارقطني في العلل: رواه حسين المعلم عن مكحول عن عمرو بن شعيب عن سعيد بن المسيب عن عمر، ورواه ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن عمرو بن شعيب عن عمر لم يذكر ابن المسيب وهو أصح وإياه عني الترمذي انتهى كذا في التلخيص.
قوله: "منهم عمر وعلي وعائشة وابن عمر" روى مالك في الموطأ عن عمر

(3/297)


وقالَتْ طَائِفَة مِنْ أَهْلِ العِلْمِ: لَيْسَ في مَالِ اليَتِيمِ زكاة، وبهِ يَقُولُ سُفْيَانُ الثَوْرِيّ وعبدُ الله بنُ المبارَكِ.
ـــــــ
بن الخطاب قال: اتجروا في أموال اليتامى لا تأكلها الزكاة، ورواه البيهقي وقال إسناده صحيح قاله الحافظ في التلخيص، وقال فيه وروى الشافعي عن ابن عيينة عن أيوب عن نافع عن ابن عمر موقوفاً أيضاً. قال: وروى الدارقطني والبيهقي وابن عبد البر ذلك من طرق عن علي بن أبي طالب وهو مشهور عنه انتهى، وروى مالك عن عبد الرحمَن بن القاسم عن أبيه قال: كانت عائشة تليني وأخاً لي يتيمين في جحرها فكانت تخرج من أموالنا الزكاة.
قوله: "وبه يقول مالك والشافعي وأحمد وإسحاق" واستدلوا بأحاديث الباب وهي وإن كانت ضعيفة لكنها يؤيدها آثار صحيحة عن الصحابة رضي الله عنهم وبعموم الأحاديث الواردة في إيجاب الزكاة.
قوله: "وقالت طائفة من أهل العلم: ليس في مال اليتيم زكاة وبه يقول سفيان الثوري وعبد الله بن المبارك" وبه يقول أبو حنيفة، واستدل هؤلاء بحديث عائشة وعلي وغيرهما رضي الله عنهم: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: رفع القلم عن ثلاثة عن النائم حتى يستيقظ، وعن المبتلي حتى يبرأ، وعن الصبي حتى يكبر. قال ابن الهمام في فتح القدير: وأما ما روى عن عمر وابنه وعائشة رضي الله عنهم من القول بالوجوب في مال الصبي والمجنون لا يستلزم كونه عن سماع إذ يمكن إذ يمكن الرأي فيه فيجوز كونه بناء عليه، فحاصله قول صحابي عن اجتهاد عارضه رأي صحابي آخر. قال محمد ابن الحسن في كتاب الآثار: أنبأنا أبو حنيفة حدثنا ليث بن أبي سليم عن مجاهد عن ابن مسعود قال: ليس في مال اليتيم زكاة، وليث كان أحد العلماء العباد وقيل اختلط في آخر عمره، ومعلوم أن أبا حنيفة لم يكن ليذهب فيأخذ عنه حال اختلاطه ويرويه وهو الذي شدد أمر الرواية ما لم يشدده غيره، وروى مثل قول ابن مسعود عن ابن عباس تفرد به ابن لهيعة انتهى.
قلت: لم يثبت عن أحد من الصحابة رضي الله عنهم بسند صحيح عدم القول بوجوب الزكاة في مال الصبي. وأما أثر ابن مسعود فهو ضعيف من وجهين

(3/298)


وعَمْرُو بنُ شُعَيْبٍ هو ابنُ محمدِ بنِ عبدِ الله بنِ عَمْروِ بنِ العَاصِ. وشعَيْبٌ قد سَمِعَ مِن جَدّهِ عبدِ الله بنِ عَمْرو. وقد تكَلّمَ يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ
ـــــــ
الأول أنه منقطع والثاني أن في إسناده ليث بن أبي سليم، قال الحافظ بن حجر في التقريب: صدوق اختلط أخيراً ولم يتميز حديثه، وقال الزيلعي في نصب الراية، قال البيهقي: وهذا أثر ضعيف فإن مجاهداً لم يلق ابن مسعود فهو منقطع وليث بن أبي سليم ضعيف عند أهل الحديث انتهى. وأجاب ابن الهمام عن الوجه الأول ولم يجب عن الوجه الثاني، وفيما أجاب عن الوجه الأول كلام فتفكر. وأما أثر ابن عباس فقد تفرد به ابن لهيعة كما صرح به ابن الهمام وهو ضعيف عند أهل الحديث قاله الترمذي في باب الرخصة في استقبال القبلة بغائط أو بول. وقال الذهبي في تذكرة الحفاظ: يروى حديثه في المتابعات ولا يحتج به انتهى.
وأما حديث عائشة وعلي المذكور ففي الاستدلال به على عدم وجوب الزكاة في مال الصبي نظر، كيف وقد رواه عائشة وعلي رضي الله تعالى عنهما وهما قائلان بوجوب الزكاة في مال الصبي. وقال الزيلعي في نصب الراية: قال ابن الجوزي: والجواب أن المراد قلم الإثم أو قلم الأذى انتهى. وقال القاضي ابن العربي في عارضة الأحوذي: وزعم أبو حنيفة أن الزكاة أوجبت شكر نعمة المال كما أن الصلاة أوجبت شكر نعمة البدن ولم يتعين بعد على الصبي شكر، قلنا محل الصلاة يضعف عن شكر النعمة فيه، ومحل الزكاة وهو المال كامل لشكر النعمة، فإن قيل لا يصح منه القربة، قلنا يؤدي عنه كما يؤدي عن المغمى عليه: وعن الممتنع جبراً. وكما يؤدي عنه العشر والفطرة وهو دين يقضي عنه لمستحقة وإن لم يعمل به لأن الناظر لم حكم به انتهى.
قوله: "وشعيب قد سمع من جده عبد الله بن عمرو" وأما قول ابن حبان: لم يصح سماع شعيب من جده عبد الله فقال الدارقطني هو خطأ. وقد روى عبيد الله بن عمر العمري وهو من الأئمة العدول عن عمرو بن شعيب عن أبيه قال: كنت جالساً عند عبد الله بن عمرو فجاء رجل فاستفتاه في مسألة فقال: يا شعيب امض معه إلى ابن عباس، فقد صح بهذا سماع شعيب من جده عبد الله وقد أثبت سماعه منه أحمد بن حنبل وغيره كذا في نصب الراية ص 378 تخريج

(3/299)


في حديثِ عَمْروِ بنِ شُعَيْبٍ وقالَ: هُوَ عِنْدَنَا وَاهٍ. ومَنْ ضَعّفَهُ فإِنّمَا ضَعّفَهُ مِنْ قِبَلِ أَنّهُ يُحدّثُ مِنْ صَحِيفَةِ جَدّهِ عبدِ الله بنِ عَمْروٍ.
وأَمّا أكْثَرُ أهْلِ الحَدِيثِ فَيَحْتَجّونَ بِحَدِيثِ عَمْروِ بن شُعَيْبٍ فيُثْبِتُونَهُ، مِنْهُم أَحمدُ وإسحاقُ وغَيْرُهُمَا.
ـــــــ
الهداية. قلت: وقد أسند ذلك الدارقطني في السنن قال حدثنا أبو بكر بن زياد النيسابوري حدثنا محمد بن يحيى الذهلي وغيره قالوا حدثنا محمد بن عبيد حدثنا عبيد الله بن عمر ورواه الحاكم أيضاً من هذا الوجه ذكره الحافظ في تهذيب التهذيب وقال فيه: وقد صرح شعيب بسماعه من عبد الله في أماكن وصح سماعه كما تقدم، وكما روى حماد بن سلمة عن ثابت البناني عن شعيب قال: قال سمعت عبد الله بن عمرو فذكر حديثاً أخرجه أبو داود من هذا الوجه إنتهى.
قلت: وقد سمع عمرو من أبيه شعيب، ففي تهذيب التهذيب قال محمد بن علي الجوزجاني قلت لأحمد: عمرو سمع من أبيه شيئاً قال يقول حدثني أبي انتهى "وقد تكلم يحيى بن سعيد" هو القطان "في حديث عمرو بن شعيب وقال هو عندنا واه" أي ضعيف وكذلك تكلم فيه غير واحد من أئمة الحديث ولكن أكثرهم على أنه صحيح قابل للاحتجاج كما صرح به الترمذي "ومن ضعفه فإنما ضعفه من قبل أنه يحدث من صحيفة جده عبد الله بن عمرو" يعني تضعيف من ضعفه ليس إلا من جهة أنه يحدث من صحيفة جده: قال الحافظ في تهذيب التهذيب: قال الساجي: قال ابن معين: هو ثقة في نفسه وما روى عن أبيه عن جده لا حجة فيه وليس بمتصل وهو ضعيف من قبيل أنه مرسل وجد شعيب كتب عبد الله بن عمرو فكان يرويها عن جده إرسالا وهي صحاح عن عبد الله بن عمرو غير أنه لم يسمعها: قال الحافظ: فإذا شهد له ابن معين أن أحاديثه صحاح غير أنه لم يسمعها وصح سماعه لبعضها، فغاية الباقي أن يكون وجادة صحيحة وهو أحد وجوه التحمل والله تعالى أعلم إنتهى.
قوله "وأما أكثر أهل الحديث فيحتجون بحديث عمرو بن شعيب ويثبتونه منهم أحمد وإسحاق وغيرهما" قال الحافظ بن حجر في فتح الباري ص 51 ج2:

(3/300)


ـــــــ
ترجمة عمرو قوية على المختار لكن حيث لا تعارض إنتهى. وفي شرح ألفية العراقي للمصنف: وقد اختلف في الاحتجاج برواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وأصح الأقوال أنها حجة مطلقاً إذا صح السند إليه. قال ابن الصلاح: وهو قول أكثر أهل الحديث حملاً للجد عند الإطلاق على الصحابي عبد الله بن عمرو دون إبنه محمد والد شعيب لما ظهر لهم من إطلاقه ذلك، فقد قال البخاري رأيت أحمد بن حنبل وعلي بن المديني وإسحاق بن راهويه وأبا عبيدة وأبا خيثمة وعامة أصحابنا يحتجون بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ما تركه أحد منهم وثبتوه، فمن الناس بعدهم؟ وقول ابن حبان: هي منقطعة لأن شعيباً لم يلق عبد الله مردود، فقد صح سماع شعيب من جده عبد الله بن عمرو كما صرح به البخاري في التاريخ وأحمد، وكما رواه الدارقطني والبيهقي في السنن بإسناد صحيح إنتهى

(3/301)


باب ما جاء أن العجماء جرحها جبار في الركاز الخمس
...
16 ـ باب ما جَاءَ أَنّ العَجْمَاءَ جُرْحُهَا جُبَارٌ وفي الرّكَازِ الخُمُس
637 ـ حدثنا قُتَيْبةُ، حدثنا اللّيْثُ بنُ سَعْدٍ عن ابنِ شِهَابٍ عن سَعِيدِ بنِ المُسَيّبِ و أَبي سَلَمَةَ عن أبي هُرَيْرَةَ عن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم قال "العَجْمَاءُ جُرْحُهَا جُبَارٌ، والمعْدِنُ جُبَارٌ، والبِئْرُ جُبَارٌ، وفي الرّكَازِ الخُمْسُ".
ـــــــ
باب ما جَاءَ أَنّ العَجْمَاءَ جُرْحُهَا جُبَارٌ وفي الرّكَازِ الخُمُس
قوله "العجماء" أي البهيمة وهي في الأصل تأنيث الأعجم وهو الذي لا يقدر على الكلام سمي بذلك لأنه لا يتكلم "جرحها" بضم الجيم وفتحها والمفهوم من النهاية نقلاً عن الأزهري أنه بالفتح لا غير لأنه مصدر وبالضم الجراحة "جبار" بضم الجيم أي هدر، أي إذا أتلفت البهيمة شيئاً ولم يكن معها قائد ولا سائق وكان نهاراً فلا ضمان، وإن كان معها أحد فهو ضامن لأن الإتلاف حصل بتقصيره، وكذا إذا كان ليلاً لأن المالك قصر في ربطها إذ العادة أن تربط

(3/301)


الدواب ليلاً وتسرح نهاراً، كذا ذكره الطيبي وابن الملك "والمعدن" بفتح الميم وكسر الدال مكان يخرج منه شيء من الجواهر والأجساد المعدنية من الذهب والفضة والنحاس وغير ذلك من عدن بالمكان إذا أقام به "والبئر" بهمز ويبدل "جبار" أي إذا استأجر حافراً لحفر البئر أو استخراج المعدن فانهار عليه لا ضمان، وكذا إذا وقع فيه إنسان فهلك إن لم يكن الحفر عدواناً وإن كان ففيه خلاف "وفي الركاز" بكسر الراء " الخمس" إعلم أن مالكاً رحمه الله والشافعي رحمه الله والجمهور حملوا الركاز على كنوز الجاهلية المدفونة في الأرض، وقالوا لا خمس في المعدن بل فيه الزكاة إذا بلغ قدر النصاب، وهو المأثور عن عمر بن عبد العزيز وصله أبو عبيد في كتاب الأموال وعلقه البخاري في صحيحه. وأما الحنفية فقالوا الركاز يعم العدن والكنز ففي كل ذلك الخمس، وما ذهب إليه الجمهور من التفرقة بين الركاز والمعدن وهو الظاهر لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "المعدن جبار وفي الركاز الخمس". عطف الركاز على المعدن وفرق بينهما في الحكم، فعلم منه أن المعدن ليس بركاز عند النبي صلى الله عليه وسلم بل هما شيئان متغايران، ولو كان المعدن ركازاً عنده لقال المعدن جبار وفيه الخمس، ولما لم يقل ذلك ظهر أنه غيره لأن العطف يدل على المغايرة. قال الحافظ بن حجر في فتح الباري: والحجة للجمهور التفرقة من النبي صلى الله عليه وسلم بين المعدن والركاز بواو العطف فصح أنه غيره انتهى.
ولأن الركاز في لغة أهل الحجاز هو ما ذهب إليه الجمهور، ولا شك في أن النبي الحجازي صلى الله عليه وسلم تكلم بلغة أهل الحجاز وأراد به ما يريدون منه، قال ابن الأثير في النهاية: الركاز عند أهل الحجاز الجاهلية المدفونة في الأرض وعند أهل العراق المعادن، والقولان تحتملهما اللغة لأن كل منهما مركوز في الأرض أي ثابت يقال ركزه يركزه ركزاً إذا دفنه وأركز الرجل إذا وجد الركاز، والحديث إنما جاء في التفسير الأول وهو الكنز الجاهلي، وإنما كان فيه الخمس لكثرة نفعه وسهولة أخذه انتهى.
وفي المرقاة لعلي القاري: وأما ما روى عن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "في الركاز الخمس"، قيل وما الركاز يا رسول الله؟ قال: "الذهب الذي خلقه الله في الأرض يوم خلقت الأرض". رواه البيهقي وذكره في

(3/302)


وفي البابِ عن أنَسِ بنِ مالِكٍ وعبدِ الله بنِ عَمْروٍ وعُبَادَةَ بنِ الصّامِتِ وعَمْروِ بنِ عَوْفٍ المُزَنيّ وجَابرٍ.
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
الإمام، فهو وإن سكت عنه في الإمام مضعف بعبد الله بن أبي سعيد المقبري انتهى.
قوله "وفي الباب عن أنس بن مالك وعبد الله بن عمرو وعبادة بن الصامت وعمرو بن عوف المزني وجابر" وفي الباب أيضاً عن عبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس وزيد بن أرقم وأبي ثعلبة الخشني وسراء بنت نبهان الغنوية. فحديث أنس عند أحمد والبزار مطولاً وفيه: هذا ركاز وفيه الخمس، وحديث عبد الله بن عمرو عند الشافعي من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في كنز وجده رجل في خربة جاهلية: "إن وجدته في قرية غير مسكونة ففيه وفي الركاز الخمس" . وحديث عبد الله بن الصامت رواه ابن ماجه من رواية إسحاق بن يحيى بن الوليد عن عبادة بن الصامت قال: قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن المعدن جبار وجرحها جبار"، وهذا منقطع لأن إسحاق لم يدرك عبادة، وحديث عمرو بن عوف المزني رواه بن ماجه أيضاً، وحديث جابر رواه أحمد والبزار من رواية مجالد عن الشعبي عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: السائبة، الحديث وفيه: في الركاز الخمس، كذا في عمدة القاري وتخريج أحاديث عبد الله بن مسعود وغيره مذكور فيه أيضاً من شاء الوقوف عليه فليرجع إليه.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" أخرجه الجماعة

(3/303)


17 ـ باب ما جاءَ في الخَرْص
638 ـ حدثنا مَحمُودُ بن غَيْلاَنَ، حدثنا أبو داودَ الطّيَالِسِيّ، أخبرنا
ـــــــ
"باب ما جاء في الخرص"
الخرص في اللغة هو الحزر والتخمين، وسيجيء بيان ما هو المراد منه من المؤلف.

(3/303)


شُعْبَةُ أخبَرَني خُبَيْبُ بنُ عبدِ الرّحمَنِ قال سَمِعْتُ عبدِ الرّحمَنِ بنِ مَسْعُودِ بنِ نَيارٍ يقول: جاءَ سَهْلُ بنُ أَبي حَثْمَةَ إِلى مَجْلِسنَا فَحدّثَ أنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم كانَ يقولُ: "إذا خَرصْتُمْ فَخُذُوا ودَعُوا الثّلُثَ، فإِن لم تَدَعُوا الثّلُثَ فدَعُوا الرّبُعَ".
ـــــــ
قوله: "أخبرني خبيب بن عبد الرحمَن" أبو الحارث المدني ثقة من الرابعة "قال سمعت عبد الرحمَن بن مسعود بن نيار" بكسر النون وبالتحتانية الأنصاري المدني مقبول من الرابعة "جاء سهل بن أبي حثمة" بفتح الحاء المهملة وسكون المثلثة صحابي صغير "إذا خرصتم" أي حزرتم وخمنتم أيها السعاة "فخذوا" أي زكاة المخروص "ودعوا الثلث" أي اتركوه، قال الطيبي: فخذوا جواب للشرط، ودعوا عطف عليه، أي إذا " خرصتم" فبينوا مقدار الزكاة ثم خذوا ثلثي ذلك المقدار واتركوا الثلث لصاحب المال حتى يتصدق به انتهى. وقال القاضي: الخطاب مع المصدقين أمرهم أن يتركوا للمالك ثلث ما خرصوا عليه أو ربعه توسعة عليه حتى يتصدق به هو على جيرانه ومن يمر به ويطلب منه فلا يحتاج إلى أن يغرم ذلك من ماله، وهذا قول قديم للشافعي وعامة أهل الحديث. وعند أصحاب الرأي لا عبرة بالخرص لإفضائه إلى الربا، وزعموا أن الأحاديث الواردة فيه كانت قبل تحريم الربا، ويرده حديث عتاب بن أسيد فإنه أسلم يوم الفتح وتحريم الربا كان مقدماً انتهى.
قال القاري بعد نقل كلام القاضي هذا: وحديث جابر الطويل في الصحيح صريح فإن تحريم الربا كان في حجة الوداع انتهى.
قال الحافظ بن حجر في فتح الباري: قال الخطابي أنكر أصحاب الرأي الخرص وقال بعضهم: إنما كان يفعل تخويفاً للمزارعين لئلا يخونوا. لا يلزم به الحكم لأنه تخمين وغرور، أو كان يجوز قبل تحريم الربا والقمار، وتعقبه الخطابي بأن تحريم الربا والميسر متقدم والخرص عمل به في حياة النبي صلى الله عليه وسلم حتى مات ثم أبو بكر وعمر فمن بعدهم، ولمن ينقل عن أحد منهم ولا من التابعين تركه إلا عن الشعبي قال: وأما قولهم إنه تخمين وغرور فليس كذلك بل هو اجتهاد

(3/304)


قال: وفي البابِ عن عائِشَةَ وعَتّابِ بنِ أَسِيدٍ وابنِ عبّاسٍ.
قال أبو عيسى: والعَمَلُ على حدِيثِ سَهْلِ بن أبي حَثْمَةَ عندَ أكثرِ أهلِ العلمِ في الخَرصِ، وبحَديِثِ سَهْلِ بنِ أبي حَثْمَةَ يَقولُ أحمدُ واسحاق:
ـــــــ
في معرفة مقدار التمر وإدراكه بالخرص الذي هو نوع من المقادير. قال: واعتل الطحاوي بأنه يجوز أن يحصل للثمرة آفة فتتلفها فيكون ما يؤخذ من صاحبها مأخوذاً بدلاً مما يسلم له. وأجيب بأن القائلين به لا يضمنون أرباب الأموال ما تلف بعد الخرص. قال ابن المنذر: أجمع من يحفظ عنه العلم أن المخروص إذا أصابته جائحة قبل الجذاذ فلا ضمان انتهى.
قال الحافظ بن القيم في اعلام الموقعين: المثال التاسع والعشرون: رد السنة الصحيحة الصريحة المحكمة في خرص الثمار في الزكاة والعرايا وغيرها إذا بدا إصلاحها، ثم ذكر أحاديث الخرص ثم قال: فردت هذه السنن كلها بقوله تعالى {إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ} قالوا: والخرص من باب القمار والميسر فيكون تحريمه ناسخاً لهذه الآثار، وهذا من أبطل الباطل فإن الفرق بين القمار والميسر والخرص المشروع كالفرق بين البيع والربا، والميتة والمذكى، وقد نزه الله رسوله وأصحابه عن تعاطي القمار وعن شرعه وإدخاله في الدين، ويا لله العجب أكان المسلمون يقامرون إلى زمن خيبر ثم استمروا على ذلك إلى عهد الخلفاء الراشدين، ثم انقضى عصر الصحابة وعصر التابعين على القمار ولا يعرفون أن الخرص قمار حتى بينه بعض فقهاء الكوفة؟ هذا والله الباطل حقاً والله الموفق انتهى كلام ابن القيم.
قوله: "وفي الباب عن عائشة" أخرجه أبو داود "وعتاب" بفتح العين المهملة وتشديد المثناة الفوقانية "بن أسيد" بفتح الهمزة وكسر المهملة وحديثه أخرجه أبو داود والترمذي.
قوله: "وبحديث سهل بن أبي حثمة يقول إسحاق وأحمد" قال الحافظ في فتح الباري بعد ذكر حديث سهل بن أبي حثمة: قال بظاهره الليث وأحمد وإسحاق وغيرهم، وفهم منه أبو عبيد في كتاب الأموال أنه القدر الذي يأكلونه بحسب

(3/305)


والخَرْصُ إذا أَدْرَكَتِ الثّمَارُ مِنَ الرّطَبِ والعِنَب مِمّا فيهِ الزكاةُ بَعَثَ السّلْطَانُ خَارِصاً يخَرصُ عليهِمْ. والخَرْصُ أنْ يَنْظُرَ مَنْ يُبْصِرُ ذلكَ فيقولُ: يَخْرُجُ مِنْ هَذَا الزّبِيبِ كَذَا وكَذَا ومِنَ التّمْرِ كَذَا وكَذَا فيُحصى عَلَيْهِمْ، ويَنْظُر مَبلَغَ العُشْرِ مِنْ ذلكَ فَيُثْبِتُ عَلَيْهِمْ ثم يُخَلّي بَيْنَهُمْ وبَيْنَ الثّمَارِ فَيَصْنَعُونَ ما أحَبّوا، فإذا أَدْرَكَتِ الثّمَارُ أُخِذَ منهم العُشْرُ. هكذا فَسّرَهُ بعضُ أَهلِ العلمِ. وبهذا يقولُ مالكٌ والشافعيّ وأحمدُ وإسْحاقُ.
639 ـ حدثنا أبو عَمْرٍو مسلم بنُ عَمْرٍو الحَذَاءُ المَدَنِيّ حدثنا عبدُ الله بن نافعٍ الصائغ عن محمدِ بنِ صالحٍ التّمّارُ عن ابنِ شِهَابٍ عن سعيدِ بنِ المُسَيّبِ عن عَتّابِ بنِ أَسِيدٍ أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم كان يَبْعَثُ على الناسِ مَنْ يَخْرُصُ عليهم كُرُومَهمُ وثِمَارَهُم وبهذا الإسنادِ أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: في زكاةِ الكُرُومِ "إنّها تُخْرَصُ كمَا يُخْرَصُ النّخْلُ ثم تُؤَدّى زكاتُهُ زَبِيباً كمَا تُؤَدّى زكاةُ النّخْلِ تَمْراً".
ـــــــ
احتياجهم إليه، فقال يترك قدر احتياجهم. وقال مالك وسفيان: لا يترك لهم شيء. وهو المشهور عن الشافعي. قال ابن العربي: والمتحصل من صحيح النظر أن يعمل بالحديث وهو قدر المؤنة، ولقد جربناه فوجدناه كذلك في الأغلب مما يؤكل رطباً انتهى.
قوله: "والخرص إذا أدركت الثمار الخ" من ادراك الشيء بلغ وقته كذا القاموس. قال الحافظ بن حجر: وفائدة الخرص التوسعة على أرباب الثمار في التناول منها والبيع من زهوها وإيثار الأهل والجيران والفقراء لأن في منعهم منها تضييقاً لا يخفى انتهى.
قوله: "عن محمد بن صالح التمار" بفتح المثناة الفوقانية وتشديد الميم صدوق يخطئ من السابعة "كرومهم" بضمتين جمع الكرم وهو شجر العنب. قال ابن حجر: ولا ينافي تسمية العنب كرماً خبر الشيخين: لا تسموا العنب كرماً

(3/306)


قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ. وقد رَوَى ابنُ جُرَيْجٍ هذا الحديثَ عن ابنِ شِهَابٍ عن عُرْوَةَ عن عائِشَةَ. وسأَلْتُ محمداً عن هذا الحديث فقالَ: حديثُ ابنِ جُرَيْجٍ غَيْرُ مَحْفُوظٍ، وحديثُ ابنِ المُسَيّبِ عن عتّابِ بنِ أَسِيدٍ أثبت أصَحّ.
ـــــــ
فإن الكرم هو المسلم، وفي رواية: فإنما الكرم قلب المؤمن. لأنه نهى تنزيه. على أن تلك التسمية من لفظ الراوي فلعله لم يبلغه النهي أو خاطب به من لا يعرفه إلا به انتهى "زبيباً" هو اليابس من العنب

(3/307)


18 ـ باب ما جَاءَ في العَامِل على الصّدَقَةِ بالحق
640 ـ حدثنا أحمد بن مَنِيعٍ حدثنا يزيدُ بنُ هارونَ أخبرنا يزيدُ بنُ عَياضٍ عن عاصِمِ بن عُمَرَ بنِ قَتَادَةَ ح وحدثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ قال: أخْبرنا أَحمدُ بنُ خالدٍ عن محمدِ بنِ إسحاقَ عن عاصِمِ بنِ عُمَرَ بنِ قَتَادَةَ عن محمودِ بنِ لَبيدٍ عن رَافِعِ بنِ خَدِيجٍ قال: سَمِعْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: "العَامِلُ على الصّدَقَةِ بالحَقّ كالغَازِي في سَبِيلِ الله حتى يَرْجِعَ إلى بَيْتِهِ".
ـــــــ
باب ما جَاءَ في العَامِل على الصّدَقَةِ بالحق
قوله: "العامل على الصدقة بالحق" متعلق بالعامل أي عملاً بالصدق والصواب، أو بالإخلاص والاحتساب "كالغازي في سبيل الله" أي في تحصيل بيت المال واستحقاق الثواب في تمشية أمر الدارين قاله القاري "حتى يرجع" أي العامل. قال ابن العربي في شرح الترمذي: وذلك أن الله ذو الفضل العظيم، قال من جهز فقد غزا، ومن خلفه في أهله بخير فقد غزا، والعامل على الصدقة خليفة الغازي لأنه يجمع مال سبيل الله فهو غاز بعمله وهو غاز بنيته، وقال عليه السلام: إن بالمدينة قوماً ما سلكتم وادياً ولا قطعتم شعباً إلا وهم معكم حبسهم العذر، فكيف بمن حبسه العمل للغازي وخلافته وجمع ماله الذي ينفقه في سبيل

(3/207)


باب في المعتدي في الصدقة
...
19 ـ باب ما جاءَ في المُعْتَدِي في الصّدَقَة
641 ـ حدثنا قُتَيْبةُ أخبرنا اللّيْثُ عن يَزِيدَ بنِ أَبي حَبِيبٍ عن سَعْدِ بنِ سِنَانٍ عن أنَسِ بنِ مالكٍ قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم "المُعْتَدِي في الصّدَقَةِ كَمَانِعهَا".
ـــــــ
باب ما جاءَ في المُعْتَدِي في الصّدَقَة
قوله "المعتدي في الصدقة كمانعها" الاعتداء مجاوزة الحد، فيحتمل أن يكون المراد به المزكي الذي يعتدي بإعطاء الزكاة غير مستحقيها ولا على وجهها أو العامل. قال التوربشتي: إن العامل المعتدي في أخذ الصدقة عن المقدار الواجب هو في الوزر كالذي يمنع عن أداء ما وجب عليه، كذا في اللمعات. وقال في شرح السنة: معنى الحديث أن على المعتدي في الصدقة من الإثم ما على المانع فلا يحل لرب المال كتمان المال وإن اعتدى عليه الساعي انتهى. وقيل المعتدي في الصدقة هو الذي يجاوز الحد في الصدقة بحيث لا يبقى لعياله شيئاً، وقيل. هو الذي يعطي ويمن ويؤذي، فالإعطاء مع المن والأذي كالمنع عن أداء ما وجب

(3/308)


قال: وفي البابِ عن ابنِ عُمَرَ وأُمّ سَلَمَةَ وأبي هُرَيْرةَ.
قال أبو عيسى: حديثُ أنَسٍ حديثٌ غريبٌ مِن هذا الوَجْهِ.
وقد تَكَلَمّ أحمدُ بنُ حَنبلٍ في سَعْدِ بنِ سِنَانٍ. وهكذا يقولُ اللّيْثُ بنُ سَعْدٍ عن يَزِيدَ بنِ أَبي حَبِيبٍ عن سَعْدِ بنِ سِنَانٍ عن أنَسِ بنِ مَالكٍ.
ـــــــ
عليه، قال تعالى {قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذىً} قلت: الظاهر أن المراد بالمعتدى في الصدقة العامل المعتدي في أخذ الصدقة، ويؤيده حديث بشير بن الخصاصية قال: قلنا إن أهل الصدقة يعتدون علينا أفنكتم من أموالنا بقدر ما يعتدون؟ قال: لا، رواه أبو داود. فمعنى الحديث أن على المعتدي في الصدقة من الإثم ما على المانع لأن العامل إذا اعتدى في الصدقة بأن أخذ خيار المال أو الزيادة على المقدار الواجب ربما يمنعها المالك في السنة الأخرى، فيكون في الإثم كالمانع والله تعالى أعلم.
قوله "وفي الباب عن ابن عمر وأم سلمة وأبي هريرة، لينظر من أخرج حديثهم حديث أنس حديث غريب من هذا الوجه" وأخرجه أبو داود وابن ماجه وابن خزيمة في صحيحه، كلهم من رواية سعد بن سنان عن أنس كذا في الترغيب.
قوله "وقد تكلم أحمد بن حنبل في سعد بن سنان" قال الذهبي في الميزان في ترجمته: قال أحمد: لم أكتب أحاديثه لأنهم اضطربوا فيه وفي حديثه. وقال الجوزجاني: أحاديثه واهية. وقال س: منكر الحديث. وقال الدارقطني: ضعيف. ونقل ابن القطان أن أحمد يوثقه انتهى. وقال الحافظ في التقريب: سعد بن سنان، ويقال سنان بن سعد الكندي المصري، وصوب الثاني البخاري وابن يونس، صدوق له أفراد من الخامسة.
قوله "وهكذا يقول الليث بن سعد الخ" حاصله أن الرواة مختلفون في اسم سعد بن سنان، فقال الليث: سعد بن سنان، وقال عمرو بن الحارث وابن لهيعة: سنان بن سعد. ونقل الترمذي عن البخاري أن الصحيح سنان بن سعد ويقول عمرو بن الحارث وابن لهيعة "عن يزيد بن أبي حبيب عن سنان بن سعد عن أنس

(3/309)


قال أبو عيسى سَمِعْتُ محمداً يقولُ: والصّحِيحُ سِنَانُ بنُ سَعْدٍ. وقَوْلُهُ "المُعْتَدِي في الصّدَقَةِ كَمَانِعِهَا" يقولُ: على المُعْتَدِي مِن الإثْمِ كَمَا على المَانِعِ إذا مَنَعَ.
ـــــــ
بن مالك" لم توجد هذه العبارة في بعض النسخ "سمعت محمداً يقول: والصحيح سنان بن سعد قد بسط الكلام في هذا المقام الحافظ في تهذيب التهذيب في ترجمة سعد بن سنان فعليك أن تراجعه فإنه نافع.
قوله "وقوله المعتدي في الصدقة كمانعها، يقول: على المعتدى من الإثم الخ" قال ابن الأثير في النهاية: المعتدي في الصدقة كمانعها هو أن يعطي الزكاة غير مستحقها، وقيل: أراد أن الساعي إذا أخذ خيار المال ربما منعه في السنة الأخرى فيكون سبباً في ذلك فهما في الإثم سواء انتهى

(3/310)


باب ما جاء في رضى للمصدق
...
20 ـ باب ما جَاءَ في رضا المُصَدّق
642 ـ حدثنا عليّ بنُ حُجْرٍ أخبرنا محمدُ بنُ يَزِيدَ عن مُجَالِدٍ عن الشّعْبِيّ عن جَرِيرٍ قال: قالَ النبيّ صلى الله عليه وسلم "إذا أَتَاكُمْ المُصَدّقُ فلا يُفَارِقَنّكُمْ إلا عَنْ رِضاً".
ـــــــ
"باب ما جاء في رضى المصدق"
بتخفيف الصاد أي آخذ الصدقة وهو العامل.
قوله: "إذا أتاكم المصدق فلا يقارقنكم إلا عن رضى" وفي رواية مسلم: إذا أتاكم المصدق فليصدر عنكم وهو عنكم راض. قال الطيبي: ذكر السبب وأراد السبب لأنه أمر للعامل وفي الحقيقة أمر للمزكي. والمعنى تلقوه بالترحيب وأداء زكاة أموالكم ليرجع عنكم راضياً، وإنما عدل إلى هذه الصفة مبالغة في استرضاء المصدق وإن ظلم انتهى. قال السيوطي في قوت المتغتذي: إذا أتاكم المصدق بتخفيف الصاد وهو العامل فلا يفارقنكم إلا عن رضى. قال الشافعي: يعني والله اعلم أن يوفوه طائعين ويتلقوه بالترحيب لا أن يؤتوه من أموالهم ما ليس

(3/310)


643 ـ حدثنا أبو عَمّارٍ الحسين بن حريث حَدّثنا سُفيَانُ بن عيينة عن داودَ عن الشّعْبِيّ عن جريرٍ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم بنَحْوِهِ.
قال أبو عيسى: حديثُ داودَ عن الشّعْبِيّ أَصَحّ مِنْ حديثِ مُجَالِدٍ. وقد ضَعّفَ مُجَالِداً بعضُ أهلِ العلمِ وهو كَثِيرُ الغَلَطِ.
ـــــــ
عليهم. قال البيهقي في سننه: وهذا الذي قاله الشافعي محتمل لولا ما في رواية أبي داود من الزيادة وهي: قالوا يا رسول الله: وإن ظلمونا؟ قال: ارضوا مصدقيكم وإن ظلمتم فكأنه رأى الصبر على تعديهم انتهى.
قوله: "حديث داود عن الشعبي أصح من حديث مجالد" والحديث أخرجه مسلم "وقد ضعف مجالداً بعض أهل العلم إلخ" في التقريب: مجالد بضم أوله وتخفيف الجيم ابن سعيد بن عمير الهمداني أبو عمرو الكوفي ليس بالقوي وقد تغير في آخر عمره من صغار السادسة انتهى. وقال الذهبي في الميزان: قال ابن معين وغيره: لا يحتج به. وقال أحمد: يرفع كثيراً مما لا يرفعه الناس ليس بشيء وقال النسائي: ليس بالقوي. وقال البخاري: كان يحيى بن سعيد يضعفه، وكان ابن مهدي لا يروي عنه انتهى مختصراً

(3/311)


21 ـ باب ما جَاءَ أنّ الصّدَقَةَ تُؤْخَذُ مِنَ الأغْنِياءِ فتُرَدّ على الفُقَرَاء
644 ـ حدثنا عليّ بن سَعِيدٍ الكِنْدِيّ الكوفيّ، حدثنا حَفْصُ بن غِيَاثٍ عن أَشْعَثَ عن عَوْنِ بنِ أَبي حُجَيْفَةَ عن أَبيهِ قال: "قَدِمَ عَلَيْنَا مُصَدّقُ النّبيّ صلى الله عليه وسلم فأَخَذَ الصّدَقَةَ مِنْ أَغْنِيَائِنَا فَجَعَلَهَا في فُقَرَائِنَا، وكُنْتُ غَلاَماً يَتِيماً فأَعْطَانِي منها قَلُوصاً".
ـــــــ
باب ما جاء أن الصدقة تؤخذ من الأغنياء فترد على الفقراء
قوله: "عن عون بن أبي جحيفة" بتقديم الجيم على الحاء كجهينة.
قوله: "فأخذ الصدقة من أغنيائنا فجعلها في فقرائنا" قال في حاشية النسخة

(3/311)


ـــــــ
الأحمدية: أي فقراء ذلك القوم والبلد وهذا مستحب، اللهم إذا كان غيرهم أحوج منهم وأحق فيحمل الصدقة من بلد إلى بلد ومن قوم إلى قوم آخر انتهى بلفظه.
قلت: قد اختلف العلماء في هذه المسألة فأجاز النقل الليث وأبو حنيفة وأصحابهما. ونقله ابن المنذر عن الشافعي واختاره والأصح عند الشافعية والمالكية والجمهور ترك النقل، فلو خالف ونقل أجزأ عند المالكية على الأصح ولم يجزئ عند الشافعية على الأصح إلا إذا فقد المستحقون لها، كذا في فتح الباري. وفيه: ولا يبعد أنه اختيار البخاري لأن قوله حيث كانوا يشعر بأنه لا ينقلها عن بلد وفيه ممن هو متصف بصفة الاستحقاق انتهى.
قلت: قد عقد البخاري في صحيحه بلفظ: باب أخذ الصدقة من الأغنياء وترد في الفقراء حيث كانوا، وأورد فيه حديث ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل: إنك ستأتي قوماً أهل الكتاب الحديث وفيه: فأخبرهم أن الله قد افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم. قال الحافظ في الفتح: ظاهر حديث الباب أن الصدقة ترد على فقراء من أخذت من أغنيائهم. وقال ابن المنير: اختار البخاري جواز نقل الزكاة من بلد المال لعموم قوله: فترد في فقرائهم لأن الضمير يعود على المسلمين، فأي فقير منهم ردت فيه الصدقة في أي جهة كان فقد وافق عموم الحديث انتهى. قال: والذي يتبادر إلى الذهن من هذا الحديث عدم النقل وأن الضمير يعود على المخاطبين فيختص بذلك فقرائهم، لكن رجح ابن دقيق العيد الأول وقال: وإن لم يكن الأظهر إلا أنه يقويه أن أعيان الأشخاص المخاطبين في قواعد الشرع الكلية لا تعتبر في الزكاة كما لا تعتبر في الصلاة فلا يختص بها الحكم وإن اختص بهم خطاب المواجهة انتهى ما في الفتح.
قلت: لا شك أن الظاهر المتبادر إلى الذهن من هذا الحديث هو عدم النقل، ويؤيده حديث أبي جحيفة الذي أورده الترمذي في هذا الباب وحديث عمران بن حصين أنه استعمل على الصدقة فلما رجع قيل له أين المال؟ قال: وللمال أرسلتني؟ أخذناه من حيث كنا نأخذ على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ووضعناه حيث كنا نضعه، رواه أبو داود وابن ماجه وسكت عنه أبو داود والمنذري ورجال إسناده رجال الصحيح. فالراجح عندي أن الصدقة ترد في فقراء

(3/312)


قال: وفي الباب عن ابن عباس.
قال أبو عيسى: حديث أبي جُحَيْفَةَ حديثٌ حسنٌ غريبٌ.
ـــــــ
من أخذت من أغنيائهم إلا إذا فقدوا أو تكون في نقلها مصلحة أنفع من ردها إليهم، فحينئذ تنقل لما علم بالضرورة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستدعي الصدقات من الإعراب إلى المدينة ويصرفها في فقراء المهاجرين والأنصار، كما أخرج النسائي من حديث عبد الله بن هلال الثقفي قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: كدت أقتل بعدك في عناق أو شاة من الصدقة، فقال صلى الله عليه وسلم: "لولا أنها تعطى فقراء المهاجرين ما أخذتها"، والله تعالى أعلم "قلوصاً" بفتح القاف الناقة الشابة ويجمع على قلاص بكسر القاف.
قوله: "وفي الباب عن ابن عباس" أخرجه الشيخان "حديث أبي جحيفة حديث حسن غريب" قال في النيل: رجال هذا الحديث ثقات إلا أشعث بن سوار ففيه مقال وقد أخرج له مسلم متابعة انتهى

(3/313)


22 ـ باب مَنْ تَحِلّ لَهُ الزكاة
645 ـ حدثنا قُتَيْبةُ و عَليّ بن حُجْرٍ قال قُتَيْبةُ حدثنا شَرِيكٌ وقال عليّ حدثنا شَرِيكٌ "والمَعْنَى واحِدٌ" عن حَكِيمِ بنِ جُبَيْرٍ عن محمدِ بنِ عبدِ الرحمَنِ بن يَزيِدَ عَنْ أبيهِ عن عبدِ الله بن مَسْعُودٍ قال: قالَ رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم "مَنْ سَأَلَ النّاسَ ولَهُ ما يُغْنِيهِ جَاءَ يَوْمَ القِيامةِ ومَسْأَلَتُهُ في وجْهِهِ خُمُوشٌ أو خُدُوشٌ أَو كُدُوحٌ" قِيلَ يا رَسُولَ الله
ـــــــ
باب مَنْ تَحِلّ لَهُ الزكاة
قوله: "المعنى واحد" أي لفظ حديث قتيبة وعلي بن حجر مختلف ومعنى حديثهما واحد.
قوله: "وله ما يغنيه" أي عن السؤال "ومسألته" أي أثرها "في وجهه خموش أو خدوش أو كدوح" بضم أوائلها ألفاظ متقاربة المعاني جمع خمش

(3/313)


وما يُغْنِيهِ؟ قال "خَمْسُونَ دِرْهماً أو قِيمَتُهَا مِنَ الذهَبِ".
قال: وفي البابِ عن عبدِ الله بن عَمْروٍ.
قال أبو عيسى: حديثُ ابنِ مَسْعُودٍ حديثٌ حسنٌ. وقد تَكَلّمَ شُعْبَةُ في حَكِيمِ بنِ جُبَيْرٍ مِنْ أجْلِ هذا الحديثِ.
ـــــــ
وخدش وكدح، فـ "أو" هنا إما لشك الراوي إذا الكل يعرب عن أثر ما يظهر على الجلد واللحم من ملاقاة الجسد ما يقشر أو يجرح، ولعل المراد بها آثار مستنكرة وفي وجهه حقيقة أو أمارات ليعرف ويشهر بذلك بين أهل الموقف، أو لتقسيم منازل السائل فإنه مقل أو مكثر أو مفرط في المسألة، فذكر الأقسام على حسب ذلك، والخمش أبلغ في معناه من الخدش، وهو أبلغ من الكدح، إذا الخمش في الوجه، والخدش في الجلد، والكدح فوق الجلد، وقيل الخدش قشر الجلد بعود، والخمش قشره بالأظفار، والكدح العض، وهي في أصلها مصادر لكنها لما جعلت أسماء للاَثار جمعت، كذا في المرقاة.
قوله: "وما يغنيه" أي كم هو أو أي مقدار من المال يغنيه "قال خمسون درهماً أو قيمتها من الذهب" أي قيمة الخمسين من الذهب.
قوله: "وفي الباب عن عبد الله بن عمرو" أخرجه النسائي بلفظة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من سأل وله أربعون درهماً فهو الملحف".
قلت: وفي الباب عن عطاء بن يسار عن رجل من بني أسد له صحبة في أثناء حديث مرفوع قال فيه: من سأل منكم وله أوقية أو عدلها فقد سأل إلحافاً، أخرجه أبو داود. وعن سهل بن الحنظلية قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من سأل وعنده ما يغنيه فإنما يستكثر من النار"، فقالوا يا رسول الله وما يغنيه؟ قال: "قدر ما يغديه ويعشيه"، أخرجه أبو داود وصححه ابن حبان، كذا في فتح الباري "حديث ابن مسعود حديث حسن" وأخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه والدارمي.
قوله: "وقد تكلم شعبة في حكيم بن جبير من أجل هذا الحديث" وتكلم فيه غيره أيضاً. قال الذهبي في الميزان: شيعي مقل. قال أحمد: ضعيف منكر الحديث.

(3/314)


646 ـ حدثنا محمودُ بنُ غَيْلاَنَ، حدثنا يَحْيَى بنُ آدَمَ حدثنا سُفيانُ عن حَكِيمِ بنِ جُبَيرٍ بهذا الحَديثِ، فقالَ لَهُ عبدُ الله بنُ عُثْمَانَ صَاحِبُ شُعْبَةَ: لَوْ غَيْرُ حَكِيمٍ حَدّثَ بهذا الحديث، فقالَ لَهُ سُفْيَانُ وما لحكِيمٍ لا يُحَدّثُ عنهُ شُعْبَةُ قال: نعَمْ قال سُفيانُ سَمِعْتُ زُبَيْداً يُحَدّثُ بهذا عن محمدِ بنِ عبدِ الرحمَنِ بنِ يَزِيدَ. والعملُ على هذا عندَ بعضِ أَصْحَابِنَا. وبه يَقُولُ الثّوْرِيّ وعبدُ الله بنُ المبَارَكِ وأحمدُ وإسحاقُ، قالوا إذا كانَ عندَ الرّجُلِ خمسونَ دِرْهَماً لَمْ تَحِلّ لَهُ الصّدَقَةُ.
ـــــــ
وقال النسائي: ليس بالقوي. وقال الدارقطني: متروك. وقال الجوزجاني: حكيم بن جبير كذاب انتهى مختصراً. وقال الحافظ في التقريب: ضعيف رمي بالتشيع.
قوله: "فقال له" أي لسفيان، وقائل هذا يحيى بن آدم "لو غير حكيم حدث بهذا" كلمة لو للتمني "فقال له" أي لعبد الله بن عثمان "لا يحدث عنه شعبة" بتقدير همزة الاستفهام أي ألا يحدث عنه شعبة "قال نعم" أي قال عبد الله بن عثمان: نعم لا يحدث عنه شعبة. قال الذهبي في الميزان: قال معاذ: قلت لشعبة: حدثنى بحديث حكيم بن جبير قال أخاف النار أن أحدث عنه، قلت فهذا يدل على أن شعبة ترك الرواية بعد انتهى "قال سفيان سمعت زبيداً يحدث بهذا عن محمد بن عبد الرحمَن بن يزيد" وفي رواية أبي داود قال يحيى: فقال عبد الله بن عثمان لسفيان: حفظي أن شعبة لا يروي عن حكيم بن جبير، فقال سفيان: فقد حدثناه زبيد عن محمد بن عبد الرحمَن بن يزيد. قلت: زبيد هذا هو ابن الحارث اليامي الكوفي ثقة ثبت عابد من السادسة. قال الحافظ المنذري في تلخيص السنن: قال الخطابي: وضعفوا الحديث للعلة التي ذكرها يحيى بن آدم، قالوا: أما مارواه سفيان فليس فيه بيان أنه أسنده وإنما قال فقد حدثنا زبيد عن محمد بن عبد الرحمَن بن يزيد حسب. وحكى الترمذي أن سفيان صرح بإسناده فقال سمعت زبيدا يحدث بهذا عن محمد بن عبد الرحمَن بن يزيد، وحكاه ابن عدي أيضاً، وحكى أيضاً أن الثوري قال: فأخبرنا به زبيد، وهذا يدل على أن الثوري حدث به مرتين

(3/315)


ولم يَذْهَبْ بعضُ أهلِ العلمِ إلى حَدِيثِ حَكِيمِ بنِ جُبَيْرٍ وَوَسّعُوا في هذا وقالوا: إذا كانَ عِنْدَهُ خَمْسُونَ دِرْهَماً. أو أكْثَرُ وهو مُحْتَاجٌ فَلَهُ أَنْ يَأخُذَ مِنَ الزكاةِ. وهو قَوْلُ الشافعيّ وغَيْرِهِ مِنْ أَهلِ الفِقْهِ والعلمِ.
ـــــــ
لا يصرح فيه بالإسناد ومرة يسنده فتجتمع الروايات. وسئل يحيى بن معين: يرويه أحد غير حكيم؟ فقال يحيى: نعم يرويه يحيى بن آدم عن زبيد. ولا أعلم أحداً يرويه إلا يحيى بن آدم، وهذا وهم لو كان كذا لحدث به الناس جميعاً عن سفيان، لكنه حديث منكر. هذا الكلام قاله يحيى أو نحوه انتهى كلام المنذري ملخصاً.
قوله: "وهو قول الشافعي وغيره من أهل الفقه والعلم"، وقال الشافعي قد يكون الرجل غنياً بالدرهم مع الكسب ولا يغنيه الألف مع ضعفه في نفسه وكثرة عياله.
وفي المسألة مذاهب أخرى، أحدها قول أبي حنيفة: إن الغنى من ملك نصاباً فيحرم عليه أخذ الزكاة. واحتج بحديث ابن عباس في بعث معاذ إلى اليمن وقول النبي صلى الله عليه وسلم له: "تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم، فوصف من تؤخذ الزكاة منه بالغنى". وقد قال: "لا تحل الصدقة لغني".
ثانيها: أن حده من وجد ما يغديه وما يعشيه على ظاهر حديث سهل بن الحنظلية حكاه الخطابي عن بعضهم، ومنهم من قال وجهه من لا يجد غداء ولا عشاء على دائم الأوقات.
ثالثها: أن حده أربعون درهماً، وهو قول أبي عبيد بن سلام على ظاهر حديث أبي سعيد وهو الظاهر من تصرف البخاري لأنه أتبع ذلك قوله لا يسألون الناس إلحافاً، وقد تضمن الحديث المذكور أن من سأل وعنده هذا القدر فقد سأل إلحافاً كذا في فتح الباري. والمراد بحديث أبي سعيد ما روايه النسائي عنه وفيه: ومن سأل وله أوقية فقد ألحف

(3/316)


23 ـ باب ما جَاءَ مَنْ لا تَحِلّ لَهُ الصّدَقَة
647 ـ حدثنا أبو بكر محمد بن بَشّارٍ، حدثنا أبو دَاودَ الطّيَالِسيّ،أخبرنا
ـــــــ
لا يصرح فيه بالإسناد ومرة يسنده فتجتمع الروايات. وسئل يحيى بن معين: يرويه أحد غير حكيم؟ فقال يحيى: نعم يرويه يحيى بن آدم عن زبيد. ولا أعلم أحداً يرويه إلا يحيى بن آدم، وهذا وهم لو كان كذا لحدث به الناس جميعاً عن سفيان، لكنه حديث منكر. هذا الكلام قاله يحيى أو نحوه انتهى كلام المنذري ملخصاً.
قوله: "وهو قول الشافعي وغيره من أهل الفقه والعلم"، وقال الشافعي قد يكون الرجل غنياً بالدرهم مع الكسب ولا يغنيه الألف مع ضعفه في نفسه وكثرة عياله.
وفي المسألة مذاهب أخرى، أحدها قول أبي حنيفة: إن الغنى من ملك نصاباً فيحرم عليه أخذ الزكاة. واحتج بحديث ابن عباس في بعث معاذ إلى اليمن وقول النبي صلى الله عليه وسلم له: "تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم، فوصف من تؤخذ الزكاة منه بالغنى". وقد قال: "لا تحل الصدقة لغني".
ثانيها: أن حده من وجد ما يغديه وما يعشيه على ظاهر حديث سهل بن الحنظلية حكاه الخطابي عن بعضهم، ومنهم من قال وجهه من لا يجد غداء ولا عشاء على دائم الأوقات.
ثالثها: أن حده أربعون درهماً، وهو قول أبي عبيد بن سلام على ظاهر حديث أبي سعيد وهو الظاهر من تصرف البخاري لأنه أتبع ذلك قوله لا يسألون الناس إلحافاً، وقد تضمن الحديث المذكور أن من سأل وعنده هذا القدر فقد سأل إلحافاً كذا في فتح الباري. والمراد بحديث أبي سعيد ما روايه النسائي عنه وفيه: ومن سأل وله أوقية فقد ألحف

(3/316)


سُفْيَانُ وحدثنا محمودُ بن غَيْلاَنَ أخبرنا عبدُ الرّزّاقِ أخبرنا سُفْيَانُ عن سَعْدِ بنِ إبراهيم عن رَيْحَانَ بنِ يزيد عن عبدِ الله بن عَمْرٍو عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال "لا تَحِلّ الصّدَقَةُ لِغَنِي ولا لِذِي مرّةٍ سَوِيّ".
قال: وفي البابِ عن أبي هُرَيرَةَ وحُبْشِيّ بن جُنَادَةَ وقَبِيصَةَ بنِ مخَارِقِ.
قال أبو عيسى: حديثُ عبدِ الله بنِ عَمْروٍ حديثٌ حسنٌ. وقد رَوَى شُعْبَة عن سَعْدِ بن إبراهيم هذا الحديِثَ بهذا الإسْنَادِ ولَمْ يَرْفَعْهُ.
وقد رُوِيَ في غَيْرِ هذا الحديثِ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم "لا تَحِلّ المسْأَلَةَ لِغَنِي ولا لِذِي مِرّةٍ سَوِي".
وإذا كانَ الرجُلُ قَوِيّاً مُحْتَاجاً ولَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ شَيْءٌ فتُصُدّقَ عَلَيْهِ أجْزَأ عَن المُتَصَدّقِ عندَ أهلِ العلمِ وَوَجْهُ هَذَا الحَدِيثِ عِنْدَ بعضِ أَهْلِ العِلْمِ عَن المسْأَلَةِ.
ـــــــ
باب ما جَاءَ مَنْ لا تَحِلّ لَهُ الصّدَقَة
قوله: " ولا لذي مرة" بكسر الميم وتشديد الراء أي قوة "سوى" أي مستوى الخلق قاله الجوهري والمراد استواء الأعضاء وسلامتها.
قوله: "وفي الباب عن أبي هريرة" أخرجه أبو دادو والنسائي وابن ماجه "وحبشي بن جنادة" أخرجه الترمذي "وقبيصة بن المخارق" أخرجه مسلم "حديث عبد الله بن عمرو حديث حسن" وأخرجه أبو داود والدارمي.
قوله: "ووجه هذا الحديث عند بعض أهل العلم على المسألة" أي حديث عبد الله بن عمرو المذكور عند بعض أهل العلم محمول على المسألة، والمراد بقوله: لا تحل الصدقة. لا تحل المسألة والدليل عليه حديث حبشي بن جنادة الآتي لكنه ضعيف.
قوله: "عن حبشي" بضم الحاء وسكون الموحدة "بن جنادة" بضم الجيم.
قوله: "ولا لذي مرة" أي لذي قوة على الكسب "سوى" صحيح سليم

(3/317)


648 ـ حدثنا عليّ بنُ سَعيدٍ الكِنْدِيّ حدثنا عبد الرّحِيمِ بن سُليمانَ عن مُجَالِدٍ عن عَامِرٍ الشعبي عن حُبْشِيّ بن جُنَادَةَ السّلُوليّ. قال: سَمِعْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول في حَجّةِ الوَدَاعِ وَهُوَ وَاقِفٌ بِعَرَفَةَ أتَاهُ أَعْرَابِيّ فأخَذَ بِطَرَفِ رِدَائِهِ فَسَأَلَهُ إيّاهُ فَأَعْطَاهُ وَذَهَبَ فَعِنْدَ ذلك حَرُمَتِ المسْأَلَةُ فقالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إنّ المسْأَلَةَ لا تَحِلّ لِغَنِي ولا لِذِي مِرّةٍ سَوِي إلاّ لِذِي فَقْر مُدْقِعٍ أَو غُرْمٍ مُفْظِعٍ، ومَنْ سَأَلَ النّاسَ لِيُثْري بهِ مَالهُ كان خُمُوشاً في وَجْهِهِ يَوْمَ القِيَامةِ ورضْفاً يأْكُلُهُ مِنْ جَهَنّمَ، ومَنْ شَاءَ فَلْيُقِلّ ومَنْ شَاءَ فَلْيُكْثِرْ".
ـــــــ
الأعضاء "إلا لذي فقر مدقع" بضم الميم وسكون الدال المهملة وكسر القاف وهو الفقر الشديد الملصق صاحبه بالدقعاء وهي الأرض التي لا نبات بها "أو غرم مفظع" بضم الغين المعجمة وسكون الراء وهو ما يلزم أداؤه تكلفاً لا في مقابلة عوض والمفظع بضم الميم وسكون الفاء وكسر الظاء المعجمة وبالعين المهملة وهو الشديد الشنيع الذي جلوز الحد. كذا في النيل الأوطار. وقال القاري في المرقاة: قال الطيبي: والمراد ما استدان لنفسه وعياله في مباح. قال: ويمكن أن يكون المراد به ما لزمه من الغرامة بنحو دية وكفارة انتهى "ليثرى" من الإثراء "به" أي بسبب السؤال وبالمأخوذ "ماله " قال القاري في المرقاة: بفتح اللام ورفعه أي ليكثر ماله من أثرى الرجل إذا كثرت أمواله، كذا قاله بعض الشراح. وفي النهاية. الثري المال، وأثرى القوم كثروا وكثرت أموالهم. وفي القاموس. الثروة كثرة العدد من الناس والمال، وثري القوم ونموا، والمال كذلك، وثري كرضي كثر ماله، كأثرى. إذا عرفت ذلك فاعلم أن في أكثر النسخ ماله بفتح اللام، وهو خلاف ما عليه أهل اللغة من أن أثرى لازم فيتعين رفعه اللهم إلا أن يقال "ما" موصولة و "له" جار ومجرور انتهى "كان" أي السؤال أو المال "خموشاً" بالضم أي عبساً "ورضفاً" بفتح فسكون أي حجراً محمياً "فمن شاء فليقل" أي هذا السؤال أو ما يترتب عليه من النكال "ومن شاء فليكثر" وهما أمر

(3/318)


ـ حدثنا مَحمودُ بن غَيْلاَنَ حدثنا يَحْيَى بنُ آدَمَ عن عبدِ الرّحيمِ بنِ سُليمَانَ نَحْوَهُ.
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ غريبٌ مِنْ هذا الوجْهِ.
ـــــــ
تهديد، ونظيره قوله تعالى: {فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً}.
قوله: "هذا حديث غريب من هذا الوجه" لم يحكم الترمذي على هذا الحديث بشيء من الصحة أو الضعف، والحديث ضعيف لأن في سنده مجالداً وهو ضعيف

(3/319)


باب من تحل له الصدقة من الغارمين وغيرهم
...
24 ـ باب ما جاءَ مَن تَحِلّ لَهُ الصّدَقَةُ مِنَ الغَارِمِينَ وغَيْرِهِم
650 ـ حدثنا قُتَيْبةُ، حدثنا اللّيْثُ عن بُكَيْرِ بنِ عبدِ الله بن الأشَجّ عن عِيَاضِ بنِ عبدِ الله عن أَبيِ سَعيدٍ الخُدْرِيّ قال: أُصِيبَ رَجُلٌ في عَهْدِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم في ثِمَارٍ ابْتَاعَهَا فَكَثُرَ دَيْنُه فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم "تَصَدّقُوا عليهِ"، فَتَصَدّقَ الناسُ عليهِ فَلَمْ يَبْلُغْ ذلِكَ وَفَاءَ دَيْنِهِ، فقالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم لِغُرَمَائِهِ: "خُذُوا ما وَجَدْتُمْ ولَيْسَ لكُمْ إلاّ ذلكَ".
ـــــــ
باب ما جاءَ مَن تَحِلّ لَهُ الصّدَقَةُ مِنَ الغَارِمِينَ وغَيْرِهِم
قوله: "أصيب رجل" أي أصابه آفة، قيل هو معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه "في ثمار" متعلق بأصيب "ابتاعها" أي اشتراها، والمعنى لحقه خسران بسبب إصابة آفة في ثمار اشتراها ولم ينقد ثمنها "فكثر دينه" أي فطالبه البائع بثمن تلك الثمار، وكذا طالبه بقية غرمائة وليس له مال يؤديه "فلم يبلغ ذلك" أي ما تصدقوا عليه "لغرمائه" جمع غريم وهو بمعنى المديون والدائن، والمراد ههنا هو الأخير "وليس لكم إلا ذلك" أي ما وجدتم، والمعنى ليس لكم إلا أخذ ما وجدتم،

(3/319)


وفي الباب عن عائشة وجويرية وأنس
قال أبو عيسى: حديث أبي سعيد حديث حسن صحيح
ـــــــ
والإمهال بمطالبة الباقي إلى الميسرة. وقال المظهر. أي ليس لكم زجره وحبسه لأنه ظهر إفلاسه، وإذا ثبت إفلاس الرجل لا يجوز حبسه في الدين بل يخلى ويمهل إلى أن يحصل له مال فيأخذه الغرماء، وليس معناه أنه ليس لكم إلا ما وجدتم وبطل ما بقي من ديونكم، لقوله تعالى {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ} كذا في المرقاة.
قلت: ما نفاه المظهر قد قال به جماعة، وهم الذين ذهبوا إلى وجوب وضع الجائحة. قال النووي في شرح مسلم: اختلف العلماء في الثمرة إذا بيعت بعد بدو الصلاح وسلمها البائع إلى المشتري بالتخلية بينه وبينها ثم تلفت قبل أوان الجذاذ بآفة سماوية، هل تكون من ضمان البائع أو المشتري؟ فقال الشافعي في أصح قوليه وأبو حنيفة والليث بن سعد وآخرون: هي من ضمان المشتري ولا يجب وضع الجائحة لكن يستحب. وقال الشافعي في القديم وطائفة: هي من ضمان البائع ويجب وضع الجائحة. وقال مالك: إن كانت دون الثلث لم يجب وضعها وإن كانت الثلث فأكثر، وجب وضعها وكانت من ضمان البائع، ثم ذكر النووي دلائل هؤلاء الأئمة من شاء الوقوف عليها فليرجع إليه.
قوله: "وفي الباب عن عائشة وجويرية وأنس" أما حديثي عائشة وحديث جويرية فلينظر من أخرجهما، وأما حديث أنس فأخرجه أحمد وأبو داود عنه مرفوعاً: إن المسألة لا تحل إلا لثلاثة. لذي فقر مدقع، أو لذي غرم مفظع، أو لذي دم موجع. كذا في المنتقى. وفي الباب أحاديث أخرى مذكورة في نصب الراية والدراية.
قوله حديث أبي سعيد حديث حسن صحيح و أخرجه مسلم.

(3/320)


25 ـ باب ما جَاءَ في كَرَاهِيَةِ الصدقَةِ للنبيّ صلى الله عليه وسلم وأَهْلِ بَيْتِهِ ومَوَالِيه
651 ـ حدثنا بندار أخبرنا مَكّيّ بنُ إبراهيم و يوسُفُ بنُ سعيد
ـــــــ

(3/320)


الضّبَعِيّ قالا: حدثنا بَهْزُ بنُ حَكِيمٍ عن أَبيهِ عن جَدّهِ قال " كانَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إذا أُتِيَ بِشَيْءٍ سأَلَ "أَصَدَقَةٌ هيَ أَمْ هَدِيّةٌ؟ فإِنْ قَالُوا صَدَقَةٌ لَم يَأْكُلْ، وإنْ قالُوا هَدِيّةٌ أَكَلَ".
قال: وفي البابِ عن سَلْمَانَ وأَبي هُرَيْرَةَ وأَنَسٍ والحسَنِ بنِ علي وأبي عمِيرَةَ "جَد مُعَرّفُ بنِ وَاصِلٍ واسْمُهُ رشَيْدُ بنُ مَالِكٍ" ومَيْمُونِ بن مهْرانَ وابنِ عباسٍ وعبدِ الله بنِ عَمْروٍ وَأبي رَافِعٍ وعبدِ الرحمَنِ بنِ عَلْقَمَةَ.
ـــــــ
باب ما جَاءَ في كَرَاهِيَةِ الصدقَةِ للنبيّ صلى الله عليه وسلم وأَهْلِ بَيْتِهِ ومَوَالِيه
قوله: "ويوسف بن يعقوب الضبعي" بضم الضاد المعجمة وفتح الباء الموحدة وعين مهملة نزل في بني ضبيعة فنسب إليهم وليس منهم.
قوله: "وإن قالوا هدية أكل" فارقت الصدقة الهدية حيث حرمت عليه تلك وحلت له هذه بأن القصد من الصدقة ثواب الاَخرة، وذلك ينبئ عن عز المعطي وذل الآخذ في احتياجه إلى الترحم عليه والرفق إليه، ومن الهدية التقرب إلى المهدي إليه وإكرامه بعرضها عليه، ففيها غاية العزة والرفعة لديه. وأيضاً فمن شأن الهدية مكافأتها في الدنيا، ولذا كان عليه الصلاة والسلام يأخذ الهدية ويثيب عوضها عنها فلا منة البتة فيها بل لمجرد المحبة كما يدل عليه حديث: تهادوا تحابوا وأما جزاء الصدقة ففي العقبي ولا يجازيها إلا المولى.
قوله: "وفي الباب عن سلمان وأبي هريرة وأنس والحسن بن علي وأبي عميرة جد معروف بن واصل واسمه رشيد بن مالك وميمون أو مهران وابن عباس وعبد الله بن عمرو وأبي رافع وعبد الرحمَن بن عقلمة" أما حديث سلمان فأخرجه أحمد والحاكم في المستدرك من رواية أبي ذر الكندي عن سلمان: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة الحديث، وفيه فسأله أصدقة أم هدية؟ فقال: هدية. فأكل، اللفظ للحاكم. وروى أحمد من رواية أبي الطفيل عن سلمان قال. كان

(3/321)


ـــــــ
النبي صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية ولا يقبل الصدقة. وأما حديث أبي هريرة فأخرجه الشيخان. وأما حديث أنس فأخرجه أيضاً الشيخان. وأما حديث الحسن بن علي فأخرجه أحمد وأبو يعلى والطبراني في الكبير من رواية أبي الحوراء قال: كنا عند الحسن بن علي فسأل ما عقلت من النبي صلى الله عليه وسلم أو عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: كنت أمشي معه فمر على جرين من تمرة الصدقة فأخذت تمرة فألقيتها في فمي فأخذها بلعابها، فقال بعض القوم. وما عليك لو تركتها؟ فقال. إنا آل محمد لا تحل لنا الصدقة، وإسناده صحيح.
وأما حديث أبي عميرة بفتح العين وكسر الميم واسمه رشيد بضم الراء وفتح الشين المعجمة فأخرجه الطحاوي عنه قال: كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فأتى يطبق عليه تمر فقال أصدقة أم هدية الحديث، وفيه: إنا آل محمد لا نأكل الصدقة، وأخرجه الكجي في مسنده نحوه.
وأما حديث ميمون أو مهران فأخرجه عبد الرزاق.
وأما حديث ابن عباس فأخرجه أبو يعلى والطبراني في الكبير قال: استعمل النبي صلى الله عليه وسلم الأرقم بن أبي الأرقم على السعاية فاستتبع أبا رافع فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله فقال: يا أبا رافع إن الصدقة حرام عليّ وعلى آل محمد وإن مولى القوم من أنفسهم.
وأما حديث عبد الله بن عمرو فأخرجه أحمد عنه بلفظ: إن النبي صلى الله عليه وسلم وجد تمرة تحت جنبه من الليل فأكلها فلم ينم تلك الليلة فقال بعض نسائه: يا رسول الله أرقت البارحة قال: "إني وجدت تمرة فأكلتها وكان عندنا تمر من تمر الصدقة فخشيت أن يكون منه".
وأما حديث أبي رافع فأخرجه أبو داود بلفظ: أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث رجلاً على الصدقة من بني مخزوم فقال لأبي رافع: إصحبني فإنك تصيب منها فقال: حتى آتي النبي صلى الله عليه وسلم فأسأله، فأتاه فسأله فقال: مولى القوم من أنفسهم وإنا لا تحل لنا الصدقة. واسم أبي رافع إبراهيم أو أسلم أو ثابت أو هرمز مولى النبي صلى الله عليه وسلم.
وأما حديث عبد الرحمَن بن علقمة فأخرجه النسائي عنه قال: قدم وفد لثقيف

(3/322)


وقد رُوِيَ هذا الحديثُ أيضاً عن عبدِ الرحمَنِ بنِ عَلْقَمَةَ عن عبدِ الرحمَنِ بنِ أَبي عَقِيلٍ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم. وجَدّ بَهْزِ بنِ حَكِيمٍ اسْمُهُ مُعَاوِيةُ بنُ حَيْدَةَ القُشَيْرِيّ.
قال أبو عيسى: حديثُ بَهْزِ بنِ حَكِيمٍ حديثٌ حسنٌ غريبٌ.
652 ـ حدثنا محمدُ بنُ المُثَنّى قال: حدثنا محمدُ بنُ جَعْفَرٍ حدثنا شُعْبَةُ عن الحكَمِ عن ابنِ أبي رَافِعٍ عن أبي رَافِعٍ رضي الله عنه "أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم بَعَثَ رَجُلاً مِنْ بَنيِ مَخْزُومٍ على الصّدَقة، فقالَ لأبي رَافِعٍ "اصحَبْنيِ كَيْمَا تُصيبَ منها"، فقال: لا حَتّى آتِيَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فأَسْأَلَهُ، فانطَلَقَ إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فَسَأَلَهُ فقال: "إنّ الصّدَقَةَ لاَ تَحِلّ لنَا وإن مَوَالِيَ القَوْمِ مِنْ أنْفُسِهِمْ".
ـــــــ
على رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعهم هدية فقال: أهدية أم صدقة الحديث، وفيه: قالوا لا، فقبلها.
قوله: "عن عبد الرحمَن بن أبي عقيل" بفتح العين وكسر القاف "اسمه معاوية بن حيدة" بفتح الحاء المهملة وسكون التحتانية وفتح الدال المهملة "القشيري" قال في المغنى بضم قاف وفتح شين معجمة وسكون ياء منسوب إلى قشير بن كعب منه بهز بن حكيم انتهى.
قوله: "بعث رجلاً من بني مخزوم على الصدقة" أي أرسله ساعياً ليجمع الزكاة ويأتي بها إليه، والرجل هو الأرقم بن أبي الأرقم قاله السيوطي "فقال" أي الرجل "اصحبني" أي رافقني وصاحبني في هذا السفر "كما تصيب" نُصب بكى وما زائدة أي لتأخذ "منها" أي من الصدقة "فقال لا" أي لا أصحبك "فاسأله" أي استأذنه، أو اسأله هل يجوز لي أم لا؟ "وإن موالي القوم" أي عتقاؤهم "من أنفسهم" بضم الفاء أي فحكمهم كحكمهم، والحديث يدل على تحريم الصدقة على النبي صلى الله عليه وسلم وتحريمها على آله، ويدل على تحريمها على موال آل بني هاشم ولو كان الأخذ على جهة العمالة، قال الحافظ في الفتح: وبه قال أحمد وأبو حنيفة

(3/323)


قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وأَبو رَافِعِ مَوْلَى النبيّ صلى الله عليه وسلم اسْمُهُ أسْلَمُ وابنُ أبي رَافِعٍ هُوَ عُبَيْدُ الله بنُ أبي رَافِعِ كَاتِبُ عليّ بن أبي طَالِبٍ رضي الله عنه.
ـــــــ
وبعض المالكية كإبن الماجشون وهو الصحيح عند الشافعية. وقال الجمهور: يجوز لهم لأنهم ليسوا منهم حقيقة، وكذلك لم يعوضوا بخمس الخمس ومنشأ الخلاف قوله: منهم أو من أنفسهم هل يتناول المساواة في حكم تحريم الصدقة أم لا، وحجة الجمهور أنه لا يتناول جميع الأحكام فلا دليل فيه على تحريم الصدقة، لكنه ورد على سبب الصدقة، وقد اتفقوا على أنه لا يخرج السبب وإن اختلفوا هل يخص به أو لا انتهى. قلت: والظاهر ما ذهب إليه أحمد وأبو حنيفة وغيرهما والله تعالى أعلم.
قوله: "وهذا حديث حسن صحيح" وأخرجه أبو داود والنسائي "وابن أبي رافع هو عبيد الله أبي رافع إلخ" ثقة من الثالثة

(3/324)


26 ـ باب ما جَاءَ في الصّدَقَةِ على ذِيِ القَرَابَة
653 ـ حدثنا قُتَيْبةُ، حدثنا سُفْيَانُ بنُ عُيَيْنَةَ عن عاصمٍ الأحْوَلِ عن حَفْصَةَ بِنْتِ سِيْرِيْنَ عن الرّبَابِ عن عمّها سَلْمَانَ بنِ عامرٍ يَبْلُغُ بِهِ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال "إذا أفْطَرَ أَحَدُكم فليُفْطِرْ على تَمْرٍ فإِنّهُ بَرَكَةٌ، فإِن لم يَجِد تَمْرَاً فالماءُ فإِنّهُ طَهُورٌ وقال: "الصّدَقَةُ على المسْكِينِ
ـــــــ
باب ما جَاءَ في الصّدَقَةِ على ذِيِ القَرَابَة
قوله: "عن حفصة بنت سيرين" أم الهذيل الأنصارية البصرية ثقة من الثالثة "عن الرباب" بفتح الراء وتخفيف الموحدة وآخرها موحدة.
قوله: "فإنه" أي التمر "بركة" أي ذو بركة وخير كثير، أو أريد به المبالغة. قال الطيبي: أي فإن الإفطار على التمر فيه ثواب كثير وبركة. وفيه أنه يرد على عدم حسن المقابلة بقوله: فإنه طهور، قاله القاري "فإن لم يجد تمراً فالماء " أي فالماء كاف للإفطار أو مجزئ عن أصل السنة "فإنه طهور" أي بالغ في الطهارة فيبتدأ

(3/324)


صَدَقَةٌ وهِيَ على ذِي الرّحِمِ ثِنْتَانِ صدَقَةٌ وصِلَةٌ".
قال: وفي البابِ عن زَيْنَبَ امْرَأَةِ عبدِ الله بن مَسْعُودٍ وجابرٍ وأبي هُرَيْرَةَ.
قال أبو عيسى: حديثُ سَلْمَانَ بنِ عَامِرٍ حديثٌ حسنٌ. والرّبَابُ هَيِ اّمّ الرّائِحِ بنت صُلَيْعٍ. وهَكَذَا رَوَى سُفْيَانُ الثوريّ عن عَاصِمٍ عن حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرينَ عن الرّبَابِ عَن سَلْمَانَ بنِ عَامِرٍ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم نَحْوَ هذا الحديثِ. وَرَوَى شُعْبَةُ عن عَاصِمٍ عن حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرينَ عن سَلْمَانَ بنِ عَامِرٍ ولَمْ يَذْكُرْ فيهِ "عن الرّبَابِ". وحديثُ سُفْيَانَ الثّوْرِيّ وابْنِ عُيَيْنَةَ أَصَحّ. وهَكذَا رَوَى ابنُ عَوْنٍ وهِشَامُ بنُ حَسّانَ عن حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ عن الرّبَابِ عن سَلْمَانَ بنِ عَامِرٍ.
ـــــــ
به تفاؤلا بطهارة الظاهر والباطن. قال الطيبي: لأنه مزيل المانع من أداء العبادة ولذا من الله تعالى على عباده {وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُوراً} وقال ابن الملك: يزيل العطش عن النفس انتهى. ويؤيده قوله عليه الصلاة والسلام عند الإفطار، ذهب الظمأ "الصدقة على المسكين" أي صدقة واحدة "وهي على ذي الرحم ثنتان صدقة وصلة" يعني أن الصدقة على الأقارب أفضل لأنه خيران ولا شك أنهما أفضل من واحد.
قوله: "وفي الباب عن زينب امرأة عبد الله بن مسعود وجابر وأبي هريرة" أما حديث عبد الله بن مسعود فأخرجه البخاري وفيه: قال نعم لها أجران أجر القرابة وأجر الصدقة. وأما حديث جابر فأخرجه أحمد. وأما حديث أبي هريرة فأخرجه مسلم.
قوله: "وحديث سلمان بن عامر حديث حسن" وأخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه والدارمي، ولم يذكر: فإنه بركة غير الترمذي، وفي رواية أخرى: كذا في المشكاة. وأخرجه ابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما والحاكم وقال صحيح الإسناد. كذا في الترغيب "والرباب هي أم الرائح" بالراء والهمزة والحاء المهملة "ابنة صليع" بمهملتين مصغرة

(3/325)


27ـ باب ما جَاءَ أَن في المالِ حقا سِوى الزكاة
654 ـ حدثنا محمدُ بن أحمد بن مَدّوَيه، حدثنا الأسودُ بنُ عَامِرٍ عن شَرِيكٍ عن أبي حَمْزَةَ عن الشّعْبِيّ عن فَاطِمَةَ بنت قَيْس قالَتْ: سَأَلْتُ أو سُئِلَ النبيّ صلى الله عليه وسلم عن الزكاةِ فقال: "إنّ في المالِ لَحَقّاً سِوَى الزكاةِ" ثُمّ تَلاَ هذِهِ الآية الّتي في البَقَرَةِ: {لَيْسَ البِرّ أنْ تُوَلّوا وُجُوهَكُمْ} الآية .
655 ـ حدثنا عبدُ الله بنُ عبدِ الرحمَنِ أخبرنا محمدُ بنُ الطُفَيْلِ عن شَرِيكٍ عن أبي حمْزَةَ عن عَامِرٍ الشّعبيّ عن فَاطِمَةَ بِنْت قَيْسٍ عَنِ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "إنّ في المالِ حَقّاً سِوَى الزكاةِ".
ـــــــ
باب ما جَاءَ أَن في المالِ حقا سِوى الزكاة
قوله: "حدثنا محمد بن مدويه" بفتح الميم وتشديد الدال قال الحافظ في التقريب: محمد بن أحمد بن الحسين بن مدويه بميم وتسكين الدال المهملة القرشي أبو عبد الرحمَن الترمذي صدوق من الحادية عشرة.
قوله: "إن في المال لحقاً سوى الزكاة" كفكاك أسير وإطعام مضطر وإنقاذ محترم، فهذه حقوق واجبة غيرها، لكن وجوبها عارض فلا تدافع بينه وبين خبر: ليس في المال حق سوى الزكاة. قاله المناوي في شرح الجامع الصغير. وقال القاري في المرقاة: وذلك مثل أن لا يحرم السائل والمستقرض، وأن لا يمنع متاع بيته من المستعير كالقدر والقصعة وغيرهما، ولا يمنع أحد الماء والملح والنار. كذا ذكره الطيبي وغيره انتهى "ثم تلا هذه الآية إلخ" أي قرأها اعتضاداً واستشهاداً، والآية بتمامها هكذا {لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ} قال الطيبي رحمه الله: وجه الاستشهاد أنه تعالى ذكر إيتاء المال في هذه الوجوه ثم قفاه بإيتاء الزكاة فدل ذلك على أن في المال حقاً سوى الزكاة، قيل: الحق حقان: حق يوجبه الله تعالى على عباده، وحق يلتزمه العبد على نفسه الزكية الموقاة من الشح المجبول عليه الإنسان انتهى.

(3/326)


قال أبو عيسى: هذا حديثٌ إسْنَادُهُ لَيْسَ بِذَاكَ. وأبو حَمْزَةَ مَيْمُونٌ الأعْوَرُ يُضَعّفُ وَرَوَى بَيَانٌ وإسماعيلُ بنُ سَالِمٍ عن الشّعْبِيّ هذا الحديثَ قَوْلَهُ وهذا أصَحّ.
ـــــــ
قوله: "عن عامر" هو الشعبي الذي وقع في المسند التقدم "هذا حديث إسناده ليس بذاك" والحديث أخرجه أيضاً ابن ماجه والدارمي "وأبو حمزة ميمون الأعور يضعف" قال أحمد: متروك الحديث، وقال الدارقطني: ضعيف. وقال البخاري: ليس بالقوي عندهم. وقال النسائي: ليس بثقة كذا في الميزان

(3/327)


28 ـ باب ما جَاء في فَضْلِ الصّدَقَة
656 ـ حدثنا قُتَيْبةُ حدثنا اللّيْثُ عن سَعِيدٍ بن أبي سعيد المَقْبُرِيّ عن سَعِيدِ بنِ يَسَارٍ أنّهُ سَمِعَ أبا هريرةَ يقولُ: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم "ما تَصدقَ أحَدٌ بصَدَقَةٍ مِن طَيّبٍ ولا يَقْبَلُ الله إلاّ الطّيّبَ إلاّ أخَذَهَا الرّحْمَنُ بِيَمِينِهِ وإنْ كانَتْ تَمْرَةً تَرْبُو في كَفّ الرحمنِ حتّى تكُونَ أَعْظَمَ
ـــــــ
باب ما جَاء في فَضْلِ الصّدَقَة
قوله: "عن سعيد المقبري" هو ابن سعيد كيسان أبو سعد المدني ثقة من الثالثة تغير قبل موته بأربع سنين.
قوله: "من طيب" أي من حلال "ولا يقبل الله إلا الطيب" جملة معترضة لتقرير ما قبله. وفيه إشارة إلى أن غير الحلال غير مقبول. قال القرطبي: وإنما لا يقبل الله الصدقة بالحرام لأنه غير مملوك للمصدق وهو ممنوع من التصرف فيه والمتصدق به متصرف فيه فلو قبل منه لزم أن يكون الشيء مأموراً ومنهياً من وجه واحد وهو محال انتهى.
قوله: "إلا أخذها الرحمن بيمينه" وفي حديث عائشة عند البزار: فيتلقاها الرحمن بيده. قال في اللمعات: المراد حسن القبول ووقوعها منه عز وجل موقع الرضا، وذكر اليمين للتعظيم والتشريف وكلتا يدي الرحمن يمين انتهى. وقال الزبير ابن المنير: الكناية عن الرضا والقبول بالتلقي باليمين لتثبت المعاني المعقولة من

(3/327)


مِنَ الجَبَلِ كما يُرَبّي أَحَدُكم فَلُوّهُ أو فَصِيلَه".
قال: وفي البابِ عن عائِشةَ وعَدِيّ بنِ حاتِمٍ وأنَسٍ وعبدِ الله بنِ أبي أَوْفَى وحَارِثَةَ بنِ وَهْبٍ وعبدِ الرحمَنِ بنِ عَوْفٍ وبُرَيْدَةَ.
قال أبو عيسى: حديثُ أبي هريرةَ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
657 ـ حدثنا محمدُ بنُ إسماعيل، حدثنا موسى بنُ إسماعيلَ أخبرنا
ـــــــ
الأذهان وتحقيقها في النفوس تحقيق المحسوسات، أي لا يتشكك في القبول كما لا يتشكك من عاين التلقي للشيء بيمينه، لا أن التناول كالتناول المعهود، ولا أن المتناول به جارحة انتهى. قلت: وسيجيء في هذا الباب ما هو الحق في أحاديث الصفات "تربو" أي تزيد "حتى تكون " أي التمرة "فلوه" بفتح الفاء ويضم وبضم اللام وتشديد الواو أي المهر وهو ولد الفرس "أو فصيله" ولابن خزيمة من طريق سعيد بن يسار عن أبي هريرة فلوه أو قال فصيله، وهذا يشعر بأن أو للشك قال الحافظ في الفتح: قال في القاموس: الفصيل ولد الناقه إذا فصل عن أمه جمعه فصلان بالضم والكسر وككتاب. وقال في النهاية: لارضاع بعد فصال أي بعد أن يفصل الولد عن أمه وبه سمي الفصيل من أولاد الإبل فعيل بمعنى مفعول، وأكثر من يطلق في الإبل وقد يقال في البقر انتهى.
قوله: "وفي الباب عن عائشة وعدي بن حاتم وأنس وعبد الله بن أبي أوفى وحارثة بن وهب وعبد الرحمن بن عوف وبريدة" أما حديث عائشة فأخرجه مسلم، وأما حديث عدي بن حاتم فأخرجه الشيخان وأحمد والترمذي وابن ماجة كذا في شرح سراج أحمد. وأما حديث أنس فأخرجه الترمذي في هذا الباب.
وأما حديث عبد الله بن أبي أوفى فلينظر من أخرجه. وأما حديث حارثة بن وهب فأخرجه الشيخان وأحمد والنسائي. وأما حديث عبد الرحمن بن عوف فأخرجه ابن سعد وابن عدي في الكامل والطبراني في الأوسط. وأما حديث بريدة فأخرجه مسلم.
قوله: "حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان.

(3/328)


صَدَقَةُ بنُ موسى عن ثَابِتٍ عن أَنَسٍ قال: سُئِلَ النبيّ صلى الله عليه وسلم: أيّ الصّوْمِ أفْضَلُ بَعْدَ رمَضَانَ؟ فقال: "شَعْبَانُ لِتَعْظيمِ رمَضَانَ"، قيال: فأَيّ الصّدَقَةِ أَفْضَلُ؟ قال: "صّدَقَةٌ في رَمَضَانَ".
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ غريبٌ. وصَدَقَةُ بنُ موسى لَيْسَ عِندهُم بذاكَ القَوِيّ.
658 ـ حدثنا عُقْبَةُ بنُ مكْرَمٍ العميّ البصْرِيّ، حدثنا عبدُ الله بنُ عيسى الخَزّازُ البصري عن يونُسَ بن عُبَيْدٍ عن الحَسَنِ عن أنَسِ بنِ مالكٍ قال: قال
ـــــــ
قوله: "حدثنا محمد بن إسماعيل" هو الإمام البخاري أخبرنا موسى بن إسماعيل المنقري مولاهم أبو سلسة التبوذكي البصري، روى عن جرير بن حازم ومهدي ابن ميمون وخلق، وروى عنه البخاري وأبو داود، وروى الباقون عنه بواسطة الحسن بن الخلال ثقة ثبت.
قوله: "قال شعبان لتعظيم رمضان" أي صوم شعبان ليطابق المبتدأ، قال العراقي: يعارضه حديث مسلم عن أبي هريرة: أفضل الصيام بعد شهر رمضان شهر الله المحرم، وحديث أنس ضعيف وحديث أبي هريرة صحيح فيقدم عليه انتهى. وقال أبو الطيب السندي: ولا يعارضه حديث: أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم ، لجواز أن يكون أفضل الصيام شعبان، ولعل المراد بتعظيم رمضان تعظيم صيامه بأن تتعود النفس له لئلا يقل على النفس فتكرهه طبعا ولئلا تخل بآدابه فجأة الصيام انتهى. ويأتي باقي الكلام في صوم شعبان في كتاب الصيام.
قوله: "وصدقة بن موسى ليس عندهم بذاك القوى" ضعفه ابن معين والنسائي وغيرهما، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه وليس بقوي كذا في الميزان، وقال الحافظ: صدوق له أوهام.
قوله: "حدثنا عقبة بن مكرم" بضم الميم وسكون الكاف وفتح الراء ثقة من الحادية عشرة "أخبرنا عبد الله بن عيسى الخزاز" بمعجمات ضعيف من التاسعة "عن يونس بن عبيد" أحد الأئمة من رجال الكتب الستة "عن الحسن" هو الحسن البصري.

(3/329)


رسولُ الله صلى الله عليه وسلم "إِنّ الصّدقةَ لَتُطْفِيءُ غَضَبَ الرّبّ وتَدْفَعُ عن مِيتَة السّوءِ".
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسن غريبٌ مِنْ هذا الوجْهِ.
659 ـ حدثنا أبو كُرَيْبٍ محمدُ بنُ العَلاَء حدثنا وَكيعٌ حدثنا عَبّادُ بنُ منصُورٍ حدثنا القاسِمُ بنُ محمدٍ قال: سَمِعْتُ أبا هريرةَ يقولُ: قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم "إنّ الله يَقْبَلُ الصّدَقَةَ ويَأْخُذُهَا بِيَمِينِهِ فيُرَبّيهَا لأحَدِكُمْ كَمَا يُرَبّي أحَدُكُمْ مُهْرَهُ، حتّى إنّ اللّقْمَةَ لَتَصِيرُ مِثْلَ أحدٍ"، وتَصْدِيقُ ذلك في كِتَابِ الله عزّ وجَلّ {أَلَمْ يَعْملوُا أن الله هُوَ يَقْبَلُ التّوْبَةَ عن عِبَادِهِ ويَأْخُذُ الصّدَقَاتِ} و {يمْحَقُ الله الرّبَا ويُرْبِي الصّدَقَاتِ}.
قال: هذا حديثٌ صحيحٌ.
ـــــــ
قوله: "إن الصدقة لتطفئ غضب الرب" أي سخطه على من عصاه "وتدفع ميتة السوء" بكسر الميم وهي الحالة التي يكون عليها الإنسان في الموت، والسوء بفتح السين ويضم قال العراقي: الظاهر أن المراد بها ما استعاذ منه النبي صلى الله عليه وسلم الهدم والتردي والغرق والحرق وأن يتخبطه الشيطان عند الموت وأن يقتل في سبيل الله مدبراً، وقال بعضهم: هي موت الفجاءة، وقيل ميتة الشهرة كالمصلوب مثلا انتهى.
قوله: "كما يربى أحدكم مهره" بضم الميم وسكون الهاء قال في القاموس: المهر بالضم ولد الفرس أو أول ما ينتج منه ومن غيره. جمعه أمهار ومهار ومهارة والأنثى مهرة "وتصديق ذلك في كتاب الله عز وجل: {أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ} " قال العراقي: في هذا تخليط من بعض الرواة والصواب: ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة الآية وقد رويناه في كتاب الزكاة ليوسف القاضي على الصواب انتهى.
قوله: "هذا حديث صحيح" وقد صرح بصحته المنذري في الترغيب "وقد روي عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحو هذا" تقدم لفظه وتخريجه.

(3/330)


وقد رُوِيَ عن عائشةَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم نَحْوُ هذا.
وقد قالَ غَيْرُ واحِدٍ مِنْ أَهلِ العلمِ في هذا الحديثِ وما يُشْبِهُ هذا مِنَ الرّوَايَاتِ مِنَ الصّفَاتِ ونُزُولِ الرّبّ تَبَارَكَ وتعاَلى كُلّ لَيْلَةٍ إلى السّمَاءِ الدّنْيَا، قالوا: قد تثبُتُ الرّوَايَاتُ في هذا ويؤمَنُ بِهَا ولا يُتَوَهّمُ ولا يُقَال كَيْفَ؟ هكَذَا رُوِيَ عن مالكِ وسُفْيَانَ بنِ عُيَيْنَةَ وعبدِ الله بنِ المبَارَكِ أنهم قالوا في هذه الأحَاديثِ: أَمِرّوها بلا "كَيْفَ"، وهكذا قَوْلُ أهلِ العلمِ مِنْ أهلِ السّنّةِ والجمَاعةِ. وأما الْجَهمِيَةُ فأَنْكَرَتْ هذهِ الرّوَاياتِ وقالوا هذا
ـــــــ
قوله: "وأمروها بلا كيف" بصيغة الأمر من الإمرار أي أجردها على ظاهرها ولا تعرضوا لها بتأويل ولا تحريف بل فوضوا الكيف إلى الله سبحانه وتعالى "وهكذا قول أهل العلم من أهل السنة والجماعة" وهو الحق والصواب. وقد صنف الحافظ الذهبي في هذا الباب كتاباً سماه كتاب العلو للعلي الغفار في إيضاح صحيح الأخبار وسقيمها، وهو كتاب مفيد نفيس نافع جداً، ذكر في أوله عدة آيات من آيات الاستواء والعلو ثم قال: فإن أحببت يا عبد الله الإنصاف فقف مع نصوص القرآن والسنة ثم انظر ما قاله الصحابة والتابعون وأئمة التفسير في هذه الآيات وما حكوه من مذاهب السلف، إلى أن قال: فإننا على اعتقاد صحيح وعقد متين من أن الله تعالى تقدس اسمه لا مثل له وأن إيماننا بما ثبت من نعوته كإيماننا بذاته المقدسة، إذ الصفات تابعة للموصوف، فنعقل وجود الباري ونميز ذاته المقدسة عن الأشباه من غير أن نعقل الماهية، فكذلك القول في صفاته نؤمن بها ونتعقل وجودها ونعلمها في الجملة من غير أن نتعقلها أو نكيفها أو نمثلها بصفات خلقه تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً. فالاستواء كما قال الإمام مالك الاستواء معلوم والكيف مجهول، ثم ذكر الذهبي الأحاديث الواردة في العلو واستوعبها مع بيان صحتها وسقمها، ثم ذكر بعد سرد الأحاديث أقوال كثير من الأئمة، وحاصل الأقوال كلها وهو ما قال إن إيماننا بما ثبت من نعوته كإيماننا بذاته المقدسة إلخ، ونقل عن الوليد بن مسلم قال: سألت الأوزاعي ومالك بن أنس وسفيان الثوري والليث بن سعد عن الأحاديث التي فيها الصفات فكلهم قالوا لي

(3/331)


شْبِيهٌ. وقد ذَكَرَ الله عزّ وجلّ في غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِهِ الْيَدَ والسّمْعَ والبَصَرَ فَتَأَوّلَتْ الْجَهمِيّةُ هذِه الآيات ففَسّرُوهَا على غَيْرِ ما فَسّرَ أهلُ العِلمِ، وقالوا إنّ الله لم يَخْلُقْ آدَمَ بيَدِهِ، وقالوا إنّ مَعْنَى الْيَدِ ههنا القُوّةُ.
وقال إسحاقُ بنُ ابراهيمَ: إنّما يَكُونُ التّشْبِيهُ إذا قال يَدُ كيَدٍ أَوْ مِثْلُ يَدٍ، أَوْ سَمْعٌ كَسَمْعٍ أو مِثْلُ سَمْعٍ، فإِذا قالَ سَمْعٌ كَسَمْعٍ أو مِثْلُ سَمْعٍ فهذا التَشْبِية. وأما إذا قال كما قالَ الله تعالى يَدٌ وسَمْعٌ وبَصَرٌ ولا يقولُ كَيْفَ ولا يَقُولُ مِثْلُ سَمْعٍ ولا كَسَمْعٍ فهذا لا يَكُونُ تَشْبِيهاً وهُوَ كَمَا قالَ الله تعالَى في كتَابِهِ { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وهُوَ السّمِيعُ البَصِيرُ}.
ـــــــ
أمروها كما جاءت بلا تفسير وإن شئت تفاصيل تلك الأقوال فارجع إلى كتاب العلو.
قوله: "وأما الجهمية فأنكرت هذه الروايات إلخ" قال الحافظ في مقدمة الفتح: الجهمية من ينفي صفات الله تعالى التي أثبتها الكتاب والسنة ويقول القرآن مخلوق "وقالوا هذا تشبيه" وذهبوا إلى وجوب تأويلها "فتأولت الجهمية هذه الآيات وفسروها على غير ما فسر أهل العلم" فتفسيرهم هذه الآيات ليس إلا تحريفاً لها، فالحذر الحذر عن تأويلهم وتفسيرهم "وقالوا إن الله لم يخلق آدم بيده، وقالوا إنما معنى اليد القوة" فغرضهم من هذا التأويل هو نفي اليد لله تعالى ظناً منهم أنه لو كان له تعالى يد لكان تشبيهاً، ولم يفهموا أن مجرد ثبوت اليد له تعالى ليس بتشبيه "وقال إسحاق بن إبراهيم" هو إسحاق بن راهويه "إنما يكون التشبيه إذا قال يد كيد إلخ" هذا جواب عن قول الجهمية

(3/332)


29 ـ باب ما جَاءَ في حَقّ السّائل
660 ـ حدثنا قُتَيْبةُ حدثنا اللّيْثُ بن سعد عن سعِيدِ بنِ أبي سعيد عن عبدِ الرحمَنِ بنِ بُجَيدٍ عن جَدّتِهِ أُم بُجَيْدٍ "وكانت مِمّنْ بَايَعَ رسول الله صلى الله
ـــــــ
باب ما جَاءَ في حَقّ السّائل
قوله: "عن سعيد بن أبي هند" الفزاري مولاهم ثقة من الثالثة "عن عبد الرحمَن بن بجيد" بضم الموحدة وفتح الجيم مصغراً له روية ذكره بعضهم في الصحابة

(3/332)


عليه وسلم أنها قالَت لِرَسولِ الله صلى الله عليه وسلم إنّ المِسْكِينَ لَيَقُومُ على بَابِي فَمَا أَجِدُ لَهُ شَيْئاً أُعْطِيْهِ إيّاهُ، فقالَ لها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إن لم تَجِدِي شَيْئاً تُعِطينه إيّاهُ إلاّ ظِلْفاً مُحْرَقاً فادْفَعِيهِ إليه في يَدِهِ".
قال: وفي البابِ عن علي وحُسَيْنِ بنِ علي وأبي هريرةَ وأبي أُمَامَةَ.
قال أبو عيسى: حديثُ أُمّ بُجَيْدٍ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
عن جدته أم بجيد" يقال إن اسمها حواء صحابية.
قوله: "إلا ظلفا" بكسر الظاء المعجمة وإسكان اللام وبالفاء هو للبقر والغنم كالحفر للفرس "محرقاً" اسم مفعول من الإحراق، وقيد الإحراق مبالغة في رد السائل بأدنى ما يتيسر أي لا ترديه محروماً بلا شيء مهما أمكن حتى إن وجدت شيئاً حقيراً مثل الظلف المحرق اعطيه إياه. وقال القاضي أبو بكر بن العربي في عارضة الأحوذي: اختلف في تأويله فقيل ضربه مثلاً للمبالغة كما جاء: من نبي الله له بيتاً في الجنة ، وقيل إن الظلف المحرق كان له عندهم قدراً بأنهم يسحقونه ويسفونه انتهى.
قوله: "وفي الباب عن علي وحسين بن علي وأبي هريرة وأبي أمامة" أما حديث علي فأخرجه أبو داود بمثل حديث حسين بن علي الآتي وفي سنده رجل مجهول، وأما حديث حسين بن علي فأخرجه أيضاً أبو داود مرفوعاً بلفظ: للسائل حق وإن جاء على فرس وإسناده حسن إلا أنه مرسل، قال أبو علي بن السكن وأبو القاسم البغوي وغيرهما: كل روايات حسين بن علي رضي الله عنه مراسيل فهو مرسل صحابي وجمهور العلماء على الاحتجاج به. وأما حديث أبي هريرة فأخرجه الشيخان مرفوعاً بلفظ: لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاة، وأما حديث أبي أمامة فلينظر من أخرجه .
قوله: "حديث أم بجيد حديث حسن صحيح" وأخرجه أحمد وأبو داود

(3/333)


30 ـ باب ما جَاءَ في إعْطَاءِ المُؤَلّفَةِ قُلُوبُهُم
661 ـ حدثنا الحَسنُ بنُ علي الخَلاّلُ، حدثنا يَحْيى بنُ آدَمَ عن
ـــــــ

(3/333)


ابنِ المبارَكِ عن يُونُسَ بن يزيد عن الزّهْرِيّ عن سَعِيدِ بنِ المُسَيّبِ عن صَفْوَانَ بنِ أُمَيّةَ قال "أعْطَانِي رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يَومَ حُنَيْنٍ وإنَهُ لأبْغَضُ الخَلْقِ إلَيّ فمَا زَالَ يُعْطِينيِ حَتّى إنّهُ لأحَبّ الخَلْقِ إليّ".
قال أبو عيسى: حدثني الحَسنُ بنُ علي بهذا أو شِبْههِ في المُذَاكَرَةِ قال: وفي البابِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ.
قال أبو عيسى: حديثُ صَفْوَانَ رَوَاهُ مَعْمَرٌ وغَيْرُهُ عن الزّهْرِيّ عن سَعِيدِ بنِ المَسيّبِ أنّ صَفْوَانَ بنَ أُمَيّةَ قال: "أعْطَانِي رسولُ الله صلى الله
ـــــــ
"باب ما جاء في إعطاء المؤلفة قلوبهم"
قال ابن العربي: اختلف الناس في المؤلفة قلوبهم هل كانوا مسلمين لكن إسلامهم كان يتوقع عليه الضعف أو الذهاب فأعطوا تثبيتاً، وقيل: بل كانوا كفاراً أعطوا استكفاء لشرهم واستعانة للمجاهدين المحاربين بهم، وهذا هو الصحيح وعليه تدل الأخبار كلها انتهى. قلت: في قوله "وعليه تدل الأخبار كلها" نظر ففي حديث أنس عند مسلم: فإني أعطي رجالاً حديثي عهد بكفر أتألفهم الحديث.
قوله: "أخبرنا يحيى بن آدم" بن سليمان الكوفي أبو زكريا مولى بني أمية ثقة حافظ فاضل من كبار التاسعة مات سنة ثلاث ومائتين "عن صفوان بن أمية" بن خلف بن وهب القرشي الجمحي المكي صحابي من المؤلفة، مات أيام قتل عثمان "يوم حنين" كزبير موضع بين الطائف ومكة.
قوله: "وبهذا أو شبهه" كأن الترمذي لم يضبط لفظ حديث الحسن بن علي ضبطاً كاملاً فلذلك قال هذا.
قوله: "وفي الباب عن أبي سعيد" أخرجه مسلم. قلت: وفي الباب أيضاً عن أنس أخرجه أحمد بإسناد صحيح، وعن عمرو بن تغلب أخرجه أحمد والبخاري. قال الشوكاني في النيل: وفي الباب أحاديث كثيرة قال: وقد عد ابن الجوزي أسماء المؤلفة قلوبهم في جزء مفرد فبلغوا نحو الخمسين نفساً انتهى.

(3/334)


عليه وسلم" وكَأَنّ هذا الحديثَ أَصَحّ وأَشْبَهُ إنّما هُوَ "سَعِيدُ بنُ المسَيّبِ أنّ صَفْوَانَ".
وقد اخْتَلَفَ أهلُ العلمِ في إعْطَاءِ المؤَلّفَةِ قُلُوبُهُمْ، فَرَأَى أكثرُ أهلِ العلمِ أنّ لا يُعْطَوْا وقالوا إنّما كانوا قَوْماً على عَهْدِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم، كان يَتَأَلّفُهم على الإسْلاَمِ حتّى أَسْلَمُوا، ولَمْ يَروْا أَنْ يُعْطَوْا اليَوْمَ مِنَ الزكاةِ على مِثْلِ هذا المعنَى، وهو قولُ سُفْيَانَ الثّوْرِيّ وأَهلِ الكُوفَةِ وغَيْرِهِم، وبِهِ يقولُ أحمدُ وإسحاقُ.
وقال بَعْضُهُم: مَنْ كانَ اليَوْمَ على مِثْلِ حَالِ هَؤلاَءِ وَرَأَى الإمامُ أنْ يَتَأَلّفَهُمْ على الإسْلاَمِ فأعْطَاهُم جَازَ ذلكَ، وهو قَوْلُ الشّافعيّ.
ـــــــ
قوله: "رواه معمر وغيره عن الزهري عن سعيد بن المسيب أو صفوان بن أمية الخ" أي بلفظ "إن" مكان لفظ "عن" "وكأن هذا الحديث" أي حديث معمر وغيره بلفظ: أن صفوان بن أمية "أصح وأشبه" من حديث يونس بلفظ. عن صفوان بن أمية، ويونس هذا هو ابن يزيد الأيلي، قال الحافظ في التقريب ثقة إلا أن في روايته عن الزهري وهما قليلاً "إنما هو سعيد بن المسيب أن صفوان بن أمية" قال ابن العربي في العارضة. الصحيح من هذا عن سعيد بن المسيب أن صفوان بن أمية لأن سعيداً لم يسمع من صفوان شيئاً وإنما يقول الراوي فلان عن فلان إذا سمع شيئاً ولو حديثاً واحداً فيحمل سائر الأحاديث التي سمعها من واسطة عنه على العنعنة، فأما إذا لم يسمع منه شيئاً فلا سبيل إلى أن يحدث عنه لا بعنعنة ولا بغيرها انتهى.
قوله: "فرأى أكثر أهل العلم أن لا يعطوا الخ" قال الزيلعي في نصب الراية: روى ابن أبي شيبة في مصنفه حدثنا وكيع عن إسرائيل عن جابر عن عامر الشعبي قال: إنما كانت المؤلفة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما ولي أبو بكر رضي الله عنه انقطعت انتهى. قال الحافظ في الدراية: في إسناده جابر الجعفي وأخرجه الطبراني وأخرجه عن الحسن نحوه، وروى الطبراني من طريق حبان

(3/335)


ـــــــ
بن أبي جبلة أن عمر لما أتاه شيبة بن حصين قال: الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر. يعني ليس اليوم مؤلفة "وقال بعضهم من كان اليوم على مثل هؤلاء ورأى الإمام أن يتألفهم على الإسلام فأعطاهم جاز ذلك. وهو قول الشافعي" قال ابن العربي: قال قوم إذا احتاج الإمام إلى ذلك الآن فعله وهو الصحيح عندي، وبه قال الشافعي، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً"، فكل ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم لحكمة وحاجة وسبب فوجب أن السبب والحاجة إذا ارتفعت أي يرتفع الحكم وإذا عادت أن يعود ذلك انتهى. وقال الشوكاني في النيل: والظاهر جواز التأليف عند الحاجة إليه، فإذا كان في زمن الإمام قوم لا يطيعونه إلا للدنيا، ولا يقدر على إدخالهم تحت طاعته بالقسر والغلب فله أن يتألفهم ولا يكون لفشو الإسلام تأثير لأنه لم ينفع في خصوص هذه الواقعة إنتهى

(3/336)


باب ما جاء في المتصدق يرث الصدقة
...
31 ـ باب ما جَاءَ في المُتَصَدّقّ يَرِثُ صَدَقَته
662 ـ حدثناعليّ بنُ حُجْرٍ، حدثنا عليّ بنُ مُسْهِرٍ عن عبدِ الله بنِ عَطَاءٍ عن عبدِ الله بنِ بُرَيْدَةَ عن أبيهِ قال: "كُنْتُ جَالِساً عند النبيّ صلى الله عليه وسلم إذ أتَتَهُ امْرَأَةٌ فقالت يا رسولَ الله إني كُنْتُ تَصَدّقْتُ على أُمّي بِجَارِيَةٍ وإنّهَا مَاتَتْ، قال: وَجَبَ أَجْرُكِ، وَرَدّهَا عَلَيْكِ المِيرَاثُ، قالت: يا رسولَ الله إنّها كانَ عليها صَوْمُ شَهْرٍ أَفَأَصُومُ عَنْهَا؟ قال: صُومِي عَنْهَا
ـــــــ
باب ما جَاءَ في المُتَصَدّقّ يَرِثُ صَدَقَته
قوله: " قال وجب أجرك" أي بالصلة " وردها عليك الميراث" النسبة مجازية أي رد الله الجارية عليك بالميراث وصارت الجارية ملكاً لك بالإرث وعادت إليك بالوجه الحلال، والمعنى أنه ليس هذا من باب العود في الصدقة لأنه ليس أمراً إختيارياً. قال ابن الملك: أكثر العلماء على أن الشخص إذا تصدق بصدقة على قريبه ثم ورثها حلت له، وقيل يجب صرفها إلى فقير لأنها صارت حقاً لله تعالى انتهى. وهذا تعليل في معرض النص فلا يعقل كذا في المرقاة.
قوله: "صومي عنها" قال الطيبي: جوز أحمد أن يصوم الولي عن الميت ما كان

(3/336)


لت: يا رسولَ الله إنّهَا لَمْ تَحُجّ قَط أَفأَحُجّ عَنْهَا؟ قال: نَعم حُجّي عَنْهَا".
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ لا يُعْرَفُ هذا مِنْ حديثِ بُرَيْدَةَ إلا مِنْ هذا الوَجْهِ. وعبدُ الله بنُ عَطَاءٍ ثِقَةٌ عِنْدَ أهلِ الحديثِ. والعملُ على هذا عِنْدَ أكثَرِ أهلِ العلمِ أنّ الرّجُلَ إذا تَصَدّقَ بِصَدَقَةٍ ثم وَرِثهَا حَلّتْ لَهُ.
وقال بَعْضُهم إنّما الصدقةَ شَيْءٌ جَعَلَهَا لله، فإِذا وَرِثَهَا فَيَجِبُ أَنْ يَصْرِفَهَا في مِثْلِهِ. وَرَوَى سُفْيَانُ الثّوْرِيّ وزُهَيْر بنُ مُعَاوِيَةَ هذا الحديثَ عن عبدِ الله بنِ عَطَاء.
ـــــــ
عليه من قضاء رمضان أو نذر أو كفارة بهذا، ولم يجوز مالك والشافعي وأبو حنيفة انتهى، بل يطعم عنه وليه لكل يوم صاعاً من شعير أو نصف صاع من بر عند أبي حنيفة، وكذا لكل صلاة، وقيل لصلوات كل يوم، كذا في المرقاة. قلت: ما قال أحمد هو ظاهر الحديث، ويجيء تحقيق هذه المسألة في موضعها.
قوله: "قال نعم حجى عنها" أي سواء وجب عليها أم لا، أوصت به أم لا، قال ابن الملك: يجوز أن يحج أحد عن الميت بالإنفاق "وعبد الله بن عطاء ثقة عند أهل الحديث" ذكره ابن حبان في الثقات، وقال الدوري عن ابن معين عبد الله بن عطاء صاحب ابن بريدة ثقة كذا هو في تاريخ الدوري رواية أبي سعيد بن الأعرابي عنه. قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه مسلم.
قوله: "وقال بعضهم إنما الصدقة شيء جعلها الله فإذا ورثها فيجب أن يصرفها في مثله" قول هذا البعض تعليل في معرض النص فلا يلتفت إليه، والحق هو ما ذهب إليه أكثر أهل العلم

(3/337)


32 ـ باب ما جَاءَ في كَرَاهِيَةِ العَوْدِ في الصّدَقَة
663حدثنا هارونُ بنُ إسحاقَ الهَمْدَانِيّ حدثنا عبدُ الرّزّاق عن
ـــــــ
باب ما جَاءَ في كَرَاهِيَةِ العَوْدِ في الصّدَقَة
قوله: "حدثنا هارون بن إسحاق الهمداني" بسكون الميم الكوفي أبو القاسم

(3/337)


مَعْمَرٍ عن الزّهْرِيّ عن سَالِمٍ عن ابنِ عُمَر عن عُمَر أنّهُ حَمَلَ على فَرَسٍ في سبيلٍ الله ثم رَآهَا تُبَاعُ فأرادَ أن يَشْتَرِيَهَا فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم "لا تَعْدُ في صَدَقَتِكِ".
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ. والعملُ على هَذا عِنْدَ أكثَرِ أهلِ العلمِ.
ـــــــ
صدوق من صغار العاشرة "أنه حمل على فرس في سبيل الله" المراد أنه ملكه إياه ولذلك ساغ له بيعه. ومنهم من قال: كان عمر قد حبسه وإنما ساغ للرجل بيعه لأنه حصل فيه هزال عجز بسببه عن اللحاق بالخيل وضعف عن ذلك وانتهى إلى عدم الإنتفاع به، ويرجح الأول قوله: "لا تعد في صدقتك" ولو كان حبساً لعلة به، كذا في النيل.
قوله: "ولا تعد في صدقتك" زاد الشيخان في رواية: وإن أعطاك بدرهم فإن العائد في صدقته كالكلب يعود في قيئه. قال ابن الملك: ذهب بعض العلماء إلى أن شراء المتصدق صدقته حرام لظاهر الحديث، والأكثرون على أنها كراهة تنزيه لكون القبح فيه لغيره، وهو أن المتصدق عليه ربما يسامح المتصدق في الثمن بسبب تقدم إحسانه فيكون كالعائد في صدقته في ذلك المقدار الذي سومح انتهى.
فإن قلت: هذا الحديث يعارضه حديث أبي سعيد الخدري مرفوعاً: لا تحل الصدقة إلا لخمسة: لعامل عليها أو رجل إشتراها بماله الحديث، فكيف الجمع بينهما؟ قلت: جمع بينهما مجمل حديث الباب على كراهة التنزيه. وقال الشوكاني: الظاهر أنه لا معارضة بين هذين الحديثين، فإن حديث عمر في صدقة التطوع، وحديث أبي سعيد في صدقة الفريضة، فيكون الشراء جائزاً في صدقة الفريضة لأنه لا يتصور الرجوع فيها حتى يكون الشراء مشبهاً له بخلاف صدقة التطوع فإنه يتصور الرجوع فيها فكره ما يشبهه وهو الشراء انتهى.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه البخاري ومسلم

(3/338)


باب ما جاء في الصدقة الميت
...
33ـ باب ما جَاءَ في الصدقةِ عن المَيّت
664 ـ حدثنا أحمدُ بنَ مَنِيعٍ، حدثنا رَوْحُ بنُ عُبَادَةَ حدثنا زَكَرِيّا بنُ إسحاقَ قال: حدثني عَمْروُ بنُ دِينارٍ عن عِكْرِمَةَ عن ابنِ عباس "أنّ رَجُلاً قالَ: يا رسولَ الله إنّ أُمّي تُوُفّيَتْ أفَيَنْفَعُها إنْ تَصَدّقْتُ عنها؟، قالَ: نَعم، قالَ: فإنّ لي مَخْرَفاً فأُشْهِدُكَ أنّي قد تَصَدّقْتُ بِهِ عنها".
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ وبِهِ يقولُ أهلُ العِلمِ. يقُولُونَ: لَيْسَ شَيْءٌ يَصِلُ إلى المَيّتِ إلاّ الصَدَقَةُ والدُعَاءُ.
وقد رَوَى بَعْضُهُم هذا الحدِيثَ عن عَمْروِ بنِ دِينَارٍ عن عِكْرِمَةَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم مُرْسَلاً قال: ومَعْنَى قَوْلِهِ "إنّ لي مَخْرَفاً " يعْنِي بُسْتَاناً.
ـــــــ
باب ما جَاءَ في الصدقةِ عن المَيّت
قوله: "أفينفعها إن تصدقت عنها" بكسر الهمزة على أنها شرطية وفاعل ينفع ضمير راجع إلى التصدق المفهوم من الشرط ولا يلزم الإضمار قبل الذكر، لأن قوله أفينفعها" في معنى جزاء الشرط فكأنه متأخر عن الشرط رتبة، أو يقال إن المرجع متقدم حكماً لأن سوق الكلام دال عليه كما في قوله تعالى { وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ} أي أبوي الميت، قاله أبو الطيب السندي.
قوله: "فان لي مخرفاً" بفتح الميم الحديقة من النخل أو العنب أو غيرهما "فأشهدك" بصيغة المتكلم من الإشهاد "به" أي بالمخرف "عنها" أي عن أمي.
قوله: "هذا حديث حسن" وأخرجه البخاري وأبو داود والنسائي.
قوله: "وبه يقول أهل العلم: يقولون ليس شيء يصل إلى الميت إلا الصدقة والدعاء" أي وصول نفعهما إلى الميت مجمع عليه لا اختلاف بين علماء أهل السنة والجماعة، واختلف في العبادات البدنية كالصوم والصلاة وقراءة القرآن. قال القاري في شرح الفقه الأكبر: ذهب أبو حنيفة وأحمد وجمهور السلف رحمهما الله إلى وصولها، والمشهور من مذهب الشافعي ومالك عدم وصولها انتهى.

(3/339)


ـــــــ
وقال في المرقاة: قال السيوطي في شرح الصدور: إختلف في وصول ثواب القرآن للميت، فجمهور السلف والأئمة الثلاثة على الوصول، وخالف في ذلك إمامنا الشافعي مستدلاً بقوله تعالى {وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى} وأجاب الأولون عن الآية بأوجه: أحدها إنها منسوخة بقوله تعالى {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ} الآية ، أدخل الأبناء الجنة بصلاح الاَباء. الثاني: أنها خاصة بقوم إبراهيم وموسى عليهما الصلاة والسلام، فأما هذه الأمة فلها ما سعت وما سعى لها، قاله عكرمة. الثالث: أن المراد بالإنسان هنا الكافر، فأما المؤمن، فله ما سعى وسعى له، قاله الربيع بن أنس. الرابع: ليس للإنسان إلا ما سعى من طريق العدل، فأما من باب الفضل فجائز أن يزيده الله ما شاء، قاله الحسين بن فضل. الخامس: أن اللام في الإنسان بمعنى على، أي ليس على الإنسان إلا ما سعى، واستدلوا على الوصول بالقياس على الدعاء والصدقة والصوم والحج والعتق فإنه لا فرق في نقل الثواب بين أن يكون عن حج أو صدقة أو وقف أو دعاء أو قراءة، وبما أخرج أبو محمد السمرقندي في فضائل {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} عن علي مرفوعاً: من مر على المقابر وقرأ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} إحدى عشرة مرة ثم وهب أجره للأموات أعطى من الأجر بعدد الأموات. وبما أخرج أبو القاسم سعد بن علي الزنجاني في فوائده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من دخل المقابر ثم قرأ فاتحة الكتاب وقل هو الله أحد وألهاكم التكاثر ثم قال إني جعلت ثواب ما قرأت من كلامك لأهل المقابر من المؤمنين والمؤمنات كانوا شفعاء له إلى الله تعالى" ، وبما أخرج صاحب الخلال بسنده عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من دخل المقابر فقرأ سورة يس خفف الله عنهم وكان له بعدد من فيها حسنات". وهذه الأحاديث وإن كانت ضعيفة فمجموعها يدل على أن لذلك أصلاً وأن المسلمين ما زالوا في كل مصر وعصر يجتمعون ويقرأون لموتاهم من غير نكير فكان ذلك إجماعاً، ذكر ذلك كله الحافظ شمس الدين بن عبد الواحد المقدسي الحنبلي في جزء ألفه في المسألة انتهى ما في المرقاة بتقديم وتأخير.
قلت: قوله فمجموعها يدل على أن لذلك أصلاً فيه تأمل، فلينظر هل يدل مجموعها على أن لذلك أصلاً أم لا، وليس كل مجموع من عدة أحاديث ضعاف

(3/340)


ـــــــ
يدل على أن لها أصلاً. فأما قوله: وأن المسلمين ما زالوا في كل مصر وعصر يجتمعون ويقرأون لموتاهم ففيه نظر ظاهر، فإنه لم يثبت عن السلف الصالحين رضي الله عنهم اجتماعهم وقراءتهم لموتاهم، ومن يدعي ثبوته فعليه البيان بالإسناد الصحيح. وقال الشوكاني في النيل: والحق أنه يخصص عموم الآية يعني آية { وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى} بالصدقة من الولد وبالحج من الولد ومن غير الولد أيضاً وبالعتق من الولد لما ورد في هذا كله من الحديث، وبالصلاة من الولد أيضاً. لما روى الدارقطني أن رجلاً قال: يا رسول الله إنه كان لي أبوان أبرهما في حال حياتهما فكيف لي ببرهما بعد موتهما؟ فقال صلى الله عليه وسلم: "إن من البر أن تصلي لهما مع صلاتك وأن تصوم لهما مع صيامك." قال: وبالصيام من الولد لهذا الحديث ولحديث ابن عباس عند البخاري ومسلم أن امرأة قالت يا رسول الله إن أمي ماتت وعليها صوم نذر؟ فقال: "أرأيت لو كان على أمك دين فقضيته أكان يودي ذلك عنها" قالت: نعم، قال: "فصومي". ومن غير الولد لحديث: من مات وعليه صيام صام عنه وليه. متفق عليه من حديث عائشة. قال: وبقراءة يس من الولد وغيره لحديث: "إقرأوا على موتاكم يس"، قال: وبالدعاء من الولد وغيره لحديث: "أو ولد صالح يدعو له"، ولحديث: "أستغفروا لأخيكم وسلوا له التثبيت"، ولغير ذلك من الأحاديث وبجميع ما يفعله الولد لوالديه من أعمال البر لحديث: "ولد الإنسان من سعيه". وقد قيل: إنه يقاس على هذه المواضع التي وردت بها الأدلة غيرها فيلحق الميت كل شيء فعله غيره. هذا تلخيص ما قاله الشوكاني في النيل.
قلت: وحديث الدارقطني الذي ذكره الشوكاني ضعيف لا يصلح للاحتجاج، وذكره مسلم في مقدمة صحيحه وذكر وجه ضعفه

(3/341)


34ـ باب ما جاءَ في نَفَقَةِ المرأةِ مِن بَيْتِ زَوْجِهَا
665 ـ حدثنا هنّادُ حدثنا إسماعيلُ بنُ عَيّاشِ، حدثنا شُرَحْبِيلُ بنُ مُسْلِمٍ الخَوْلاَنِيّ عن أَبي أُمَامَةَ البَاهِلِيّ قال: سَمِعْتُ رسولَ الله صلى الله
ـــــــ
باب ما جاءَ في نَفَقَةِ المرأةِ مِن بَيْتِ زَوْجِهَا
قوله: "لا تنفق" نفي وقيل نهى "إلا بإذن زوجها" أي صريحاً أو دلالة "قال

(3/341)


عليه وسلم في خُطْبَتِهِ عَامَ حَجّةِ الوَدَاعِ يقول: "لا تُنفِق امْرَأَةٌ شيئاً مِنْ بَيْتِ زَوْجهَا إلاّ بإِذْنِ زَوْجِهَا"، قيلَ يا رسُولَ الله ولا الطّعَامُ؟ قالَ: "ذاكَ أفْضَلُ أَمْوَالِنَا".
وفي الباب عن سَعْدِ بنِ أبي وَقّاصٍ وأَسْمَاءَ بنت أبي بَكْرٍ وأَبي هُرَيْرَةَ وعبدِ الله بنِ عَمْروٍ وعائشةَ رضي الله عنها.
قال أبو عيسى: حديثُ أبي أُمَامَةَ حديثٌ حسنٌ.
666 ـ حدثنا محمدُ بنُ المُثَنّى، حدثنا محمدُ بنُ جَعْفَرٍ حدثنا شُعْبَةُ عن
ـــــــ
ذلك أفضل أموالنا" يعني فإذا لم تجز الصدقة بما هو أقل قدراً من الطعام بغير إذن الزوج فكيف تجوز بالطعام الذي هو أفضل.
قوله: "وفي الباب عن سعد بن أبي وقاص" أخرجه أبو داود بلفظ قال: لما بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم النساء قامت امرأة جليلة كأنها من نساء مضر. فقالت يا نبي الله أنأكل على آبائنا وأبنائنا وأزواجنا ما يحل لنا من أموالهم؟ قال: الرطب تأكلنه وتهدينه "وأسماء بنت أبي بكر" أخرجه عبد الرزاق بلفظ: أن أسماء بنت أبي بكر قالت: ما لي شيء إلا ما يدخل على الزبير فأتصدق منه؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إنفقي ولا توكي فيوكى عليك" "وأبي هريرة" أخرجه الشيخان مرفوعاً بلفظ: إذا أنفقت المرأة من كسب زوجها من غير أمره فلها نصف أجره " وعبد الله بن عمرو" لينظر من أخرجه "وعائشة" أخرجه الشيخان وأخرجه الترمذي أيضاً في هذا الباب.
قوله: "حديث أبي أمامة حديث حسن" في سنده إسماعيل بن عياش الحمصي صدوق في روايته عن أهل بلده مخلط في غيرهم، وقد روى هذا الحديث عن شرحبيل بن مسلم الخولاني وهو من أهل بلده فإنه شامي. قال في التقريب في ترجمته: صدوق فيه لين، وقال في الخلاصة: وثقه العجلي وأحمد وضعفه ابن معين.

(3/342)


عَمْروِ بنِ مُرّةَ قالَ: سَمِعْتُ أبا وَائِلٍ يُحَدّثُ عن عَائشةَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إذا تَصَدّقَتِ المرأَةُ مِن بَيْتِ زَوْجِهَا كانَ لها بِهِ أجْرٌ وللزّوجِ مِثْلُ ذلكَ وللخازِنِ مِثْلُ ذلكَ ولا ينقُصُ كُلّ واحدٍ منهم مِنْ أَجْرِ صَاحِبِهِ شيئاً لَهُ بِمَا كَسَبَ ولهَا بِمَا أَنْفَقَتْ".
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ.
667 ـ حدثنا محمودُ بنُ غَيْلاَنَ حدثنا المُؤمّلُ عن سُفْيَانَ عن مَنْصُورٍ عن أبي وَائِلٍ عن مَسْرُوقٍ عن عائِشَةَ قالت: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم "إذا أعْطَتِ المرأَةُ مِنْ بَيْتِ زَوْجِهَا بِطِيبِ نَفْسٍ غَيْرَ مُفْسِدَةٍ كان لها مِثْلُ أجْرِهِ لها ما نَوَتْ حَسناً وللخازِنِ مِثْلُ ذلكَ".
ـــــــ
قوله: "إذا تصدقت المرأة من بيت زوجها" أي بطيب نفس غير مفسدة كما في الرواية الاَتية، وفي رواية للبخاري: من طعام بيتها.
قوله: "وللخازن" أي الذي كانت النفقة بيده "له بما كسب" أي للزوج بسبب كسبه وتحصيله "ولها بما أنفقت" أي وللزوجة بسبب إنفاقها. قال محي السنة: عامة العلماء على أنه لا يجوز لها التصدق من مال زوجها بغير إذنه وكذا الخادم. والحديث الدال على الجواز أخرج على عادة أهل الحجاز يطلقون الأمر للأهل والخادم في التصدق والإنفاق عند حضور السائل ونزول الضيف كما قال عليه الصلاة والسلام: لا توعي فيوعى الله عليك انتهى.
قوله: "هذا حديث حسن وأخرجه البخاري ومسلم".
قوله: "إذا أعطت المرأة من بيت زوجها" أي أنفقت وتصدقت "غير مفسدة" نصب على الحال أي غير مسرفة في التصدق. وهذا محمول على إذن الزوج لها بذلك صريحاً أو دلالة، وقيل هذا جار على عادة أهل الحجاز فإن عاداتهم أن يأذنوا لزوجاتهم وخدمهم بأن يضيفوا الأضياف ويطعموا السائل والمسكين والجيران فحرض رسول الله صلى الله عليه وسلم أمته على هذه العادة الحسنة والخصلة المستحسنة، كذا في المرقاة "فإن لها مثل أجره" أي للمرأة مثل أجر الزوج "لها ما نوت حسناً" حال من الموصولة في قوله: ما نوت كذا في بعض الحواشي.

(3/343)


قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وهذا أَصحّ مِنْ حديثِ عَمْرِو بن مُرّةَ عن أبي وَائِلٍ. وعَمْروُ بن مُرّةَ لا يذْكُرُ في حديِثهِ عن مَسْرُوقٍ.
ـــــــ
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه البخاري ومسلم.
قوله: "وهو أصح من حديث عمرو بن مرة عن أبي وائل" أي حديث منصور عن أبي وائل بذكر مسروق أصح من حديث عمرو بن مرة عن أبي وائل بدون ذكر مسروق فإنه قد تابع منصوراً الأعمش في ذكر مسروق كما في صحيح البخاري

(3/344)


35 ـ باب ما جاءَ في صَدَقَةِ الفِطر
668 ـ حدثنا محمودُ بن غَيْلاَنَ، حدثنا وكِيعٌ عن سُفْيَانَ عن زَيْدِ بنِ أسْلَمَ عن عِيَاضِ بنِ عبدِ الله عن أبي سَعِيدٍ الخُدْرِيّ قال: "كُنّا نُخْرِجُ زكاةَ الفِطْرِ إذ كانَ فِينَا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم صَاعاً مِنْ طَعَامٍ أو صَاعاً مِنْ شَعِيرٍ أو صَاعاً مِنْ تَمْرٍ أو صَاعاً مِن زَبِيبٍ أو صَاعاً مِنْ
ـــــــ
باب ما جاءَ في صَدَقَةِ الفِطر
أي من رمضان فأضيفت الصدقة للفطر لكونها تجب بالفطر منه ويقال لها زكاة الفطر وزكاة رمضان وزكاة الصوم، وكان فرضها في السنة الثانية من الهجرة في شهر رمضان قبل العيد بيومين، قاله القسطلاني.
قوله: "صاعاً من طعام أو صاعاً من تمر" ظاهره المغايرة بين الطعام وبين ما ذكر بعده وقد حكى الخطابي أن المراد بالطعام هنا الحنطة وأنه اسم خاص له، قال هو وغيره قد كانت لفظة الطعام تستعمل في الحنطة عند الإطلاق حتى إذا قيل اذهب إلى سوق الطعام فهم منه سوق القمح، وإذا غلب العرف نزل اللفظ عليه. قال الحافظ في الفتح. وقد رد ذلك ابن المنذر وقال ظن بعض أصحابنا أن قوله في حديث أبي سعيد صاعاً من طعام حجة لمن قال صاع من حنطة وهذا غلط منه، وذلك أن أبا سعيد أجمل الطعام ثم فسره ثم أورد طريق حفص بن ميسرة عند البخاري وغيره إن أبا سعيد قال. كنا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم

(3/244)


36 ـ باب ما جَاءَ في تَقْديِمها قبلَ الصّلاة
672 ـ حدثنا مُسْلِمُ بنُ عَمْروِ بنِ مُسلْمٍ أبو عَمْروٍ الحَذّاءُ المدني حدّثَنيِ عبدُ الله بنِ نَافِعٍ الصائغُ عن ابنِ أبي الزّنَادِ عن موسى بنِ عُقْبَةَ عن نَافِعٍ عن ابنِ عُمَر "أنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم كانَ يَأْمُرُ بإِخْرَاجِ الزكاةِ قَبْلَ الغدو للِصلاةِ يَوْمَ الفِطْرِ".
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريب. وهو الذي يَسْتَحِبّهُ أهلُ العلمِ أنْ يُخْرِجَ الرّجُلُ صَدَقَةَ الفِطْرِ قَبْلَ الغَدُوّ إلى الصّلاةِ.
ـــــــ
باب ما جَاءَ في تَقْديِمها قبلَ الصّلاة
قوله: "عن ابن أبي الزناد" اسمه عبد الرحمَن المدني مولى قريش صدوق تغير حفظه لما قدم بغداد وكان فقيهاً من السابعة "عن موسى بن عقبة" بن أبي عياش الأسدي مولى آل الزبير ثقة فقيه إمام في المغازي من الخامسة لم يصح أن ابن معين لينه "كان يأمر بإخراج الزكاة قبل الغدو للصلاة يوم الفطر" الغدو المشي أول النهار أي قبل خروج الناس للصلاة وبعد صلاة الفجر.
قوله: "هذا حديث حسن غريب صحيح" وأخرجه البخاري ومسلم

(3/351)


ـــــــ
بلفظ: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بزكاة الفطر أن يؤدى قبل خروج الناس للصلاة وبعد صلاة الفجر.
قوله: "وهو الذي يستحبه أهل العلم الخ" قال ابن عيينة في تفسيره: عن عمرو بن دينار عن عكرمة قال: يقدم الرجل زكاته يوم الفطر بين يدي صلاته فإن الله يقول {قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى} ولابن خزيمة من طريق كثير بن عبد الله عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن هذه الآية فقال نزلت في زكاة الفطر. كذا في فتح الباري. وفي صحيح البخاري: وكان ابن عمر يعطيها للذين يقبلونها، وكانوا يعطون قبل الفطر بيوم أو يومين. قال البخاري: كانوا يعطون ليجمع لا للفقراء.
وفي موطأ الإمام مالك عن نافع أن ابن عمر كان يبعث زكاة الفطر إلى الذي يجمع قبل الفطر بيومين أو ثلاثة قال الحافظ في الفتح: وأخرجه الشافعي عنه وقال هذا حسن وأنا أسحبه، يعني تعجيلها قبل يوم الفطر انتهى. ويدل على ذلك أيضاً ما أخرجه البخاري في الوكالة وغيرها عن أبي هريرة قال: وكلني رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفظ زكاة رمضان الحديث، وفيه: أنه أمسك الشيطان ثلاث ليال وهو يأخذ من التمر، فدل على أنهم كانوا يعجلونها، وعكسه الجوزقي فاستدل به على جواز تأخيرها عن يوم الفطر وهو محتمل للأمرين انتهى.
قلت: أثر ابن عمر رضي الله عنه إنما يدل على جواز إعطاء صدقة الفطر قبل الفطر بيوم أو يومين ليجمع لا للفقراء كما قال البخاري رحمه الله، وكذلك حديث أبي هريرة. وأما إعطاؤها قبل الفطر بيوم أو يومين للفقراء فلم يقم عليه دليل والله أعلم

(3/352)


باب ما جاء في التعجيل الزكاة
...
37 ـ باب ما جَاءَ في تعجيل الزكاة
673 ـ حدثنا عبدُ الله بنُ عبدِ الرحمَنِ، أخبرنا سَعِيدُ بنُ مَنْصُورٍ
ـــــــ
باب ما جَاءَ في تعجيل الزكاة
قوله: "حدثنا عبد الله بن عبد الرحمَن" بن الفضل بن بهرام السمرقندي أبو محمد الحافظ صاحب المسند ثقة فاضل متقن، روى عنه مسلم وأبو داود

(3/352)


أخبرنا إسماعيلُ بنُ زَكَرِيّا عن الحَجّاجِ بنِ دِينَارٍ عن الحَكَمِ بنِ عُتَيْبَةَ عن حُجَيّةَ بنِ عَدِي عن علي "أنّ العَبّاسَ سَأَلَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم في تَعْجِيلِ صَدَقَتِهِ قَبْلَ أن تَحِلّ فَرَخّصَ له في ذلكَ".
674 ـ حدثنا القَاسِمُ بنُ دِينَارٍ الكُوفِيّ حدثنا إسحاقُ بنُ منصورٍ عن إسرائيلَ عن الحَجّاجِ بنِ دِينارٍ عن الحَكمِ بنِ جَحْلٍ عن حُجْرٍ العَدَوِيّ عن علي أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال لِعُمَرَ: "إنّا قد أَخَذْنَا زكاةَ العَبّاسِ عَامَ الأوّلِ لِلْعَامِ".
ـــــــ
والترمذي والبخاري في غير الصحيح مات سنة خمس وخمسين ومائتين "عن سعيد بن منصور" بن شعبة الخراساني نزيل مكة ثقة مصنف، وكان لا يرجع عما في كتابه لشدة وثوبه به، كان حافظاً جوالاً صنف السنن جمع فيها ما لم يجمعه غيره، مات سنة 227 سبع وعشرين ومائتين "عن الحكم بن عتيبة" بالمثناة ثم الموحدة مصغراً الكندي الكوفي ثقة ثبت فقيه إلا أنه ربما دلس من الخامسة "عن حجية" بضم الحاء المهملة وفتح الجيم وتشديد التحتانية بوزن علية "بن عدي" الكندي. قال الحافظ في التقريب: صدوق يخطئ من الثالثة. وقال الذهبي في الميزان: حجية بن عدي الكندي عن علي، قال أبو حاتم شبه مجهول لا يحتج به. قلت روى عنه الحكم وسلمة بن كهيل وأبو إسحاق وهو صدوق إن شاء الله، قد قال فيه العجلي ثقة انتهى.
قوله: "قبل أن تحل" أي قبل أن يجيء وقتها من حلول الأجل مجيئه كذا في بعض الحواشي. وقال في مجمع البحار قبل أن يحل بكسر الحاء من الحلال أو من حلول الدين أي يجب. وقال القاري في المرقاة: قبل أن تحل بكسر الحاء أي تجب الزكاة وقيل قبل أن تصير حالاً بمعنى الحول "فرخص له" أي للعباس وفيه دليل على جواز تعجيل الصدقة قبل الحول.
قوله: "عن الحكم بن جحل" بفتح الجيم وسكون المهملة الأزدي البصري ثقة من السادسة "عن حجر العدوي" قال الحافظ في التقريب قيل هو حجية بن عدي وإلا فمجهول من الثالثة.
قوله: "إنا قد أخذنا زكاة العباس عام الأول للعام" المعنى: إنا قد أخذنا

(3/353)


وفي البابِ عن ابنِ عباسٍ.
قال أبو عيسى: لا أعرِفُ حديثَ تَعْجِيلِ الزكاةِ مِنْ حديثِ إسْرَائيلَ عن الحَجّاجِ بنِ ديِنَارٍ إلاّ مِنْ هذا الوجْهِ. وحديثُ إسماعيلَ بنِ زكريّا عن الحجّاجِ عِنْدِي أَصَحّ مِنْ حديثِ إسرائيلَ عن الحجّاجِ بنِ دِينَارٍ. وقد رُوِيَ هذا الحديثُ عن الحَكَمِ بنِ عُتَيْبَةَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم مرسلاً.
وقد اخْتَلَفَ أَهلُ العِلْمِ في تَعْجِيلِ الزكاةِ قَبْلَ مَحلّهَا، فَرَأَى طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ العِلمِ أن لا يُعَجّلَهَا. وبِهِ يقولُ سُفْيَانُ الثّوْرِيّ. قال: أحَبّ إلَيّ أَن
ـــــــ
زكاته العام الأول لهذا العام. وروى أبو داود الطيالسي من حديث أبي رافع بلفظ: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعمر إنا كنا تعجلنا صدقة مال العباس رضي الله عنه عام أول كذا في التلخيص، وفيه أيضاً دليل على جواز تعجيل الصدقة.
قوله: "وفي الباب عن ابن عباس" أخرجه الدارقطني عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث عمر ساعياً فأتى العباس فأغلظ له فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم. فقال إن العباس قد أسلفنا زكاة ماله العام والعام المقبل. وفي إسناده ضعف، وأخرجه أيضاً هو والطبراني من حديث أبي رافع نحو هذا وإسناده ضعيف أيضاً، ومن حديث أبن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم تعجل من العباس صدقة سنتين، وفي سنده محمد بن ذكوان وهو ضعيف. قال الحافظ في الفتح بعد ذكر هذه الروايات: وليس ثبوت هذه القصة في تعجيل صدقة العباس ببعيد في النظر بمجموع هذه الطرق والله أعلم انتهى.
قوله: "وقد روي هذا الحديث عن الحكم بن عتيبة عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسل" أي وهو مرسل ذكر الدارقطني الاختلاف فيه على الحكم ورجح رواية منصور عن الحسن بن مسلم بن يناق عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلاً، وكذا رجحه أبو داود، وكذا في التلخيص.
قوله: "فرأى طائفة من أهل العلم أن لا يعجلها" وهو قول مالك قال:

(3/354)


لا يُعَجّلَهَا. وقال أكثرُ أَهلِ العِلمِ إنْ عجّلَهَا قَبْلَ مَحلّهَا أَجْزَأَتْ عَنهُ. وبه يقولُ الشّافِعِيّ وأحمدُ وإسحاقُ.
ـــــــ
الزكاة إسقاط الواجب، ولا إسقاط قبل الوجوب وصار كالصلاة قبل الوقت بجامع أنه أداء قبل السبب إذ السبب هو النصاب الحولي ولم يوجد. قال ابن الهمام في جوابه: قلنا لا نسلم اعتبار الزائد على مجرد النصاب جزءاً من السبب بل هو النصاب فقط والحول. تأجيل في الأداء بعد أصل الوجوب، فهو كالدين المؤجل، وتعجيل المؤجل صحيح فالأداء بعد النصاب كالصلاة في أول الوقت لا قبله، وكصوم المسافر رمضان لأنه بعد السبب. ويدل على صحة هذا الاعتبار ما في أبو داود والترمذي من حديث علي أن العباس سأل النبي صلى الله عليه وسلم في تعجيل زكاته الحديث.
قوله: "وقال أكثر أهل العلم إن عجلها قبل محلها أجزأت عنه، وبه يقول الشافعي وأحمد وإسحاق" وهو قول الحنفية وهو الحق. واستدلوا بحديث الباب وبحديث أبي هريرة : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر على الصدقة فقيل منع ابن جميل وخالد بن الوليد وعباس عم النبي صلى الله عليه وسلم الحديث، وفيه: وأما العباس فهي علي ومثلها معي، رواه مسلم. قال النووي قوله: فهي علي ومثلها معها معناه أني تسلفت منه زكاة عامين. وقال الذين لا يجوزون تعجيل الزكاة معناه أنا أؤديها عنه. قال أبو عبيدة وغيره: معناه أن النبي صلى الله عليه وسلم أخرها عن العباس إلى وقت يساره من أجل حاجته إليها والصواب أن معناه تعجلتها منه، وقد جاء في حديث آخر في غير مسلم: إنا تعجلنا منه صدفة عامين انتهى كلام النووي.
قلت: أشار النووي إلى ما رواه الطبراني والبزار من حديث ابن مسعود أنه صلى الله عليه وسلم تسلف من العباس صدقة عامين وفي إسناده محمد بن ذكوان وهو ضعيف، ورواه البزار من حديث موسى بن طلحة عن أبيه نحوه وفي إسناده الحسن بن عمارة وهو متروك، ورواه الدارقطني من حديث ابن عباس وفي إسناده مندل بن علي والعزرمي وهما ضعيفان، والصواب أنه مرسل

(3/355)


38ـ باب ما جَاءَ في النّهْيِ عن المَسْأَلَة
"باب ما جاء في النهي عن المسألة" أي السؤال
675 ـ حدثنا هنّادٌ، حدثنا أبو الأحْوَصِ عن بَيَانِ بنِ بِشْرٍ عن قَيْسِ بن أَبِي حَازِمٍ عن أبي هريرةَ قال: سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يقولُ: "لأن يَغْدُوَ أَحَدُكُم فَيَحْتَطِبَ على ظَهْرِهِ فَيَتَصَدّقَ مِنْهُ فَيَسْتَغْنِيَ بهِ عن النّاسِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ رَجُلاٌ أَعْطَاهُ أَوْ مَنَعَهُ ذَلِكَ فإِنّ اليَدَ العُلْيَا أفضل مِنَ اليَدِ السّفْلَى وابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ".
ـــــــ
"باب ما جاء في النهي عن المسألة" أي السؤال
قوله: "عن بيان بن بشر" الأحمصي الكوفي أبي بشر الكوفي ثقة ثبت من الخامسة "عن قيس بن أبي حازم" البجلي الكوفي ثقة من الثانية مخضرم "لأن يغدو أحدكم" بفتح اللام، والغدو السير في أول النهار. وغالب الخطابين يخرجون كذلك، ويطلق على مطلق السير إطلاقاً شائعاً فيمكن حمله على الحقيقة وعلى المجاز الشائع "فيحتطب" بالنصب عطف على يغدو أي يجمع الحطب "على ظهره" متعلق بمقدر هو حال مقدرة أي حاملاً على ظهره أي مقدراً حمله على ظهره إذ لا حمل حال الجمع بل بعده، وإنما حال الجمع بل بعده وإنما حال الجمع تقدير الحمل "فيتصدق منه ويستغني به" عطف على الفعل السابق وأن مع مدخولاتها مبتدأ خبره قوله خير، أي ما يلحقه مشقة الغدو والاحتطاب وتصدق والاستغناء به خير من ذل السؤال، قاله أبو الطيب السندي "فإن اليد العليا خير من اليد السفلى" اليد العليا هي المنفقة والسفلى هي السائلة، ففي الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وهو على المنبر وذكر الصدقة والتعفف والمسألة: "اليد العليا خير من اليد السفلى، فاليد العليا هي المنفقة والسفلى السائلة وذكر الحافظ في الفتح أحاديث في هذا ثم قال: فهذه الأحاديث متضافرة على أن اليد العليا هي المنفقة معطية وأن السفلى هي السائلة"، وهذا هو المعتمد وهو قول الجمهور "وابدأ بمن تعول" خطاب للمنفق أي ابدأ في الإتفاق بمن تمون ويلزمك نفقته من عيالك فإن فضل شيء فلغيرهم.

(3/356)


وفي البابِ عن حَكِيمِ بنِ حِزامٍ وأَبي سَعِيدٍ الخُدْرِيّ والزّبَيْرِ بنِ العَوّامِ وعَطِيّةَ السّعْدِيّ وعبدِ الله بنِ مَسْعُودٍ ومَسْعُودِ بنِ عَمْرٍو وابنِ عَبّاسٍ وثوبانَ وزيادِ بنِ الحَارِثِ الصُدَائِيّ وأَنَسٍ وحُبْشِيّ بنِ جُنَادَةَ وقَبِيصَةَ بنِ مُخَارِقٍ وسَمُرَةَ وابنِ عُمَرَ.
قال أبو عيسى: حديثُ أبي هُرَيْرةَ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ يُسْتَغْرَبُ مِنْ حديثِ بَيَانٍ عن قَيْسٍ.
ـــــــ
قوله: "وفي الباب عن حكيم بن حزام وأبي سعيد الخدري والزبير بن العوام وعطية السعدي وعبد الله بن مسعود ومسعود بن عمرو وابن عباس وثوبان وزياد بن الحارث الصدائي وأنس وحبشي بن جنادة وقبيصة بن مخارق وسمرة وابن عمر" أما حديث حكيم بن حزام أخرجه البخاري ومسلم، وأما حديث أبي سعيد الخدري فأخرجه أيضاً البخاري ومسلم، وأما حديث الزبير بن العوام فأخرجه البخاري، وأما حديث عطية السعدي فلينظر من أخرجه، وأما حديث عبد الله بن مسعود فأخرجه الترمذي وأبو داود وعنه حديث آخر أخرجه أبو يعلى والغالب على روايته التوثيق، ورواه الحاكم وصحح إسناده كذا في الترغيب. وأما حديث مسعود بن عمرو فأخرجه البيهقي. وأما حديث ابن عباس فأخرجه أيضاً البيهقي. وأما حديث ثوبان فأخرجه أحمد والبزار والطبراني. وأما حديث زياد بن الحارث فلينظر من أخرجه. وأما حديث أنس فأخرجه أبو داود والبيهقي مطولاً والترمذي والنسائي مختصراً. وأما حديث حبشي بن جنادة فأخرجه الترمذي. وأما حديث قبيصة بن مخارق فأخرجه مسلم وأبو داود والنسائي. وأما حديث سمرة فأخرجه الترمذي وأبو داود. وأما حديث ابن عمر فأخرجه البخاري ومسلم. وفي الباب أحاديث أخرى ذكرها المنذري في الترغيب والترهيب ومن شاء الوقوف على ألفاظ هذه الأحاديث التي أشار إليها الترمذي فليرجع إلى الترغيب.
قوله: "حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح" وأخرجه البخاري ومسلم.

(3/357)


676 ـ حدثنا محمودُ بنُ غَيْلاَنَ، حدثنا وَكِيعٌ، حدثنا سُفْيَانُ عن عَبْدِ المَلِكِ بنِ عُمَيْرٍ عن زَيْدِ بنِ عُقْبَةَ عن سَمُرَةَ بنِ جُنْدُبٍ قالَ: قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إنّ المْسأَلَة كَدّ يَكُدّ بها الرّجُلُ وَجْهَهُ إِلاّ أَنْ يَسْأَلَ الرجُلُ سُلْطَاناً أوْ في أمْرٍ لا بُدّ مِنْهُ".
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
قوله: "عن عبد الملك بن عمير" بن سويد اللخمي الكوفي ثقة فقيه تغير حفظه وربما دلس من الثالثة "عن زيد بن عقبة" الفزاري الكوفي ثقة من الثالثة "إن المسألة كد يكد بها الرجل وجهه" قال في النهاية: الكد الإتعاب يقال: كد يكد في عمله إذا استعجل وتعب، وأراد بالوجه ماءه ورونقه انتهى. وقال السيوطي في قوت المغتذي: كد بفتح الكاف وتشديد الدال المهملة، وفي رواية أبي داود: كدوح بضم الكاف والدال وحاء مهملة، وقد ذكر اللفظين معاً أبو موسى المديني في ذيله على الغريبين وفسر الكدوح بالخدوش في الوجه والكد بالتعب والنصب. قال العراقي: ويجوز أن يكون الكدح بمعنى الكد من قوله تعالى {إِنَّكَ كَادِحٌ} وهو السعي والحرص انتهى ما في قوت المغتذي "إلا أن يسأل الرجل سلطاناً" وفي رواية أبي داود: إلا أن يسأل الرجل ذا سلطان أي ذا حكم وسلطنة بيده بيت المال فيسأل حقه فيعطيه منه إن كان مستحقاً. قال الخطابي: أي ولو مع الغناء فسأله حقه من بيت المال لأن السؤال مع الحاجة دخل في قوله: أو في أمر لا بد منه انتهى "أو في أمر لا بد منه" كما في الحمالة والجائحة والفاقة.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه أبو داود والنسائي وسكت عنه أبو داود، ونقل المنذري تصحيح الترمذي.

(3/358)