Contents

الواجهة
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد
مقدمة
باب الألف
باب الثاء
باب الجيم
باب الحاء
باب الخاء
باب الدال
باب الراء
باب الزاي
تابع باب الزاء
تابع لحرف الزاء
تابع لحرف الزاء
باب الطاء
باب الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع حرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
باب النون
باب الصاد
باب الضاد
باب العين
تابع لحرف العين
تابع حرف العين
تابع لحرف العين
تابع لحرف العين
باب القاف
باب السين
باب الشين
باب الهاء
باب الواو
باب الياء
تابع باب الياء
باب الكني
باب بلاغات مالك ومرسلاته
باب مافي هذا الديوان من حديث مالك الذي ثبتت عليه أبوابه خاصة
الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج
الديباج - جزء 1
الديباج - جزء 2
الديباج - جزء 3
الديباج - جزء 4
الديباج - جزء 5
الديباج - جزء 6
المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج
المنهاج - مقدمة
المنهاج - الإيمان
المنهاج - الطهارة
المنهاج - الحيض
المنهاج - الصَّلَاة
المنهاج - المساجد ومواضع الصلاة
المنهاج - صلاة المسافرين وقصرها
المنهاج - بَاب صَلَاة الْجُمُعَة
المنهاج - بَاب صَلَاة الْعِيدَيْنِ
المنهاج - بَاب الدُّعَاء فِي صَلَاة الِاسْتِسْقَاء
المنهاج - بَاب صَلَاة الْكُسُوف
المنهاج - كِتَاب الْجَنَائِز
المنهاج - الزكاة
المنهاج - كِتَاب الصِّيَام
المنهاج - كِتَاب الِاعْتِكَاف
المنهاج - كِتَاب الْحَجّ
المنهاج - كِتَاب النِّكَاح
المنهاج - الرضاعة
المنهاج - الطلاق
المنهاج - اللِّعَان
المنهاج - العتق
المنهاج - البيوع
المنهاج - المساقاة
المنهاج - الفرائض
المنهاج - الهبات
المنهاج - الوصية
المنهاج - النذر
المنهاج - الأيمان
المنهاج - القسامة
المنهاج - الحدود
المنهاج - الأقضية
المنهاج - اللقطة
المنهاج - الجهاد والسير
المنهاج - الإمارة
المنهاج - الصيد والذبائح
المنهاج - كِتَاب الْأَضْاحَي
المنهاج - الأشربة
المنهاج - اللباس والزينة
المنهاج - الآداب
المنهاج - السلام
المنهاج - الألفاظ من الأدب وغيرها
المنهاج - الشعر
المنهاج - الرؤيا
المنهاج - الفضائل
المنهاج - فضائل الصحابة
المنهاج - البر والصلة والآداب
المنهاج - القدر
المنهاج - العلم
المنهاج - الذكر والدعاء
المنهاج - التوبة
المنهاج - صفات المنافقين
المنهاج - صفة القيامة والجنة والنار
المنهاج - الجنة وصفة نعيمها وأهلها
المنهاج - الفتن وأشراط الساعة
المنهاج - الزهد والرقائق
المنهاج - التفسير
تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي
أبواب الطهارة
أبواب الصلاة
تابع أبواب الصلاة
أبواب الوتر
أبواب الجمعة
تابع لأبواب الجمعة
أبواب العيدين
أبواب السفر
ابواب الزكاة
أبواب الصوم
أبواب الحج
تابع أبواب الحج
أبواب الجنائز
أبواب النكاح
أبواب الرضاع
أبواب الطلاق واللعان
ابواب البيوع
أبواب الأحكام
أبواب الديات
ابواب الحدود
تابع أبواب الحدود
أبواب الصيد
أبواب الأضاحي
أبواب النذور والأيمان
أبواب السير
أبواب الجهاد
أبواب اللباس
أبواب الأطعمة
أبواب الأشربة
تابع أبواب الأشربة
أبواب البر و الصله عن رسول الله صلى الله عليه و آله سلم
أبواب الطب عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الفرائض عن الرسول صلى الله عليه و سلم
أبواب الوصايا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الولاء و الهبة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب القدر عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم
أبواب الفتن عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الرؤيا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الشهادات عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
تابع لأبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صِفَةُ القِيامَة
أبواب صفة الجنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صفة جهنم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإيمان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب العلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإستئذان والآداب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب العلم
أبواب الأمثال
أبواب فضائل القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب القراءات عن رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم
أبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الدعوات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أحاديث شتى من أبواب الدعوات
المناقب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
مناقب الصحابة رضوان الله عليهم
تنوير الحوالك شرح موطأ مالك
كتاب وقوت الصلاة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب السهو
كتاب الجمعة
كتاب الصلاة في رمضان
كتاب صلاة الليل
كتاب صلاة الجماعة
كتاب قصر الصلاة في السفر
كتاب العيدين
كتاب صلاة الخوف
كتاب صلاة الكسوف
كتاب الاستسقاء
كتاب القبلة
كتاب القرآن
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب الجهاد
كتاب النذور و الأيمان
كتاب الضحايا
كتاب الذبائح
كتاب الصيد
كتاب العقيقة
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الرضاع
كتاب البيوع
كتاب القراض
كتاب المساقاة - كتاب كراء الأرض
كتاب الشفعة - كتاب الأقضية
كتاب الوصية - كتاب العتق والولاء
كتاب المكاتب - كتاب المدبر
كتاب الحدود
كتاب الأشربة - كتاب العقول
كتاب القسامة - كتاب الجامع
كتاب القدر - كتاب حسن الخلق
كتاب اللباس - كتاب صفة النبي
كتاب العين - كتاب الشعر
كتاب الرؤيا - كتاب السلام
كتاب الاستئذان والتشميت والصور والتماثيل وغيرها
كتاب البيعة - كتاب الكلام والعينة والتقى
كتاب جهنم - كتاب الصدقة
كتاب العلم - كتاب دعوة المظلوم - كتاب أسماء النبي
حاشية السندي على سنن ابن ماجة
المقدمة
الطَّهَارَة وَسُنَنهَا
الصلاة
الْأَذَان
المساجد والجماعات
أَبْوَاب إِقَامَة الصَّلَاة
الجنائز
الصوم
الزكاة
النكاح
الطلاق
الكفارات
التجارات
الأحكام
الحدود
الديات
الوصايا
الْفَرَائِض
الجهاد
المناسك
الْأَضَاحِيّ
الذبائح
الصيد
الأطعمة
الأشربة
الطب
اللباس
الْآدَاب
الدُّعَاء
تعبير الرؤيا
الْفِتَن
الزُّهْد
شرح سنن ابن ماجه لمغلطاي
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح رياض الصالحين
شرح رياض الصالحين - 01
شرح رياض الصالحين - 02
شرح رياض الصالحين - 03
شرح رياض الصالحين - 04
شرح سنن أبي داود للعيني
مقدمة التحقيق
كتاب الطهارة
كِتابُ الصَلاَةِ
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
عون المعبود شرح سنن أبي داود
كتاب الطهارة
تابع كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
كتاب الزكاة
تابع لكتاب الزكاة
كتاب اللقطة
كتاب المناسك
تابع لكتاب المناسك
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الصيام
تابع لكتاب الصيام
أول كتاب الجهاد
أول كتاب الضحايا
تابع كتاب الضحايا
أول كتاب الصيد
أول كتاب الوصايا
أول كتاب الفرائض
أول كتاب الخراج والفيء والإمارة
أول كتاب الجنائز
تابع لكتاب الجنائز
كتاب الأيمان والنذور
كتاب البيوع
كتاب الإجارة
كتاب القضاء
تابع لكتاب القضاء
كتاب العلم
كتاب الأشربة
كتاب الأطعمة
كتاب الطب
كتاب الكهانة والتطير
كتاب العتق
أول كتاب الحروف والقراءات
أول كتاب الحمام
أول كتاب اللباس
أول كتاب الترجل
أول كتاب الخاتم
أول كتاب الفتن والملاحم
أول كتاب المهدي
أول كتاب الملاحم
أول كتاب الحدود
أول كتاب الديات
أول كتاب السنة
تابع لكتاب السنة
أول كتاب الأدب
أبواب السلام
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن حجر
فتح الباري - هدي الساري مقدمة فتح الباري
فتح الباري - كتاب بدء الوحي
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب العلم
فتح الباري - كتاب الوضوء
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
فتح الباري - كتاب مواقيت الصلاة
فتح الباري - كتاب الأذان
فتح الباري - كتاب الجمعة
فتح الباري - كتاب الخوف
فتح الباري - كتاب العيدين
فتح الباري - كتاب الوتر
فتح الباري - كتاب الاستسقاء
فتح الباري - كتاب الكسوف
فتح الباري - كتاب سجود القرآن
فتح الباري - كتاب تقصير الصلاة
فتح الباري - كتاب التهجد
فتح الباري - كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة
فتح الباري - كتاب العمل في الصلاة
فتح الباري - كتاب السهو
فتح الباري - كتاب الجنائز
فتح الباري - كتاب الزكاة
فتح الباري - كتاب الحج
فتح الباري - كتاب العمرة
فتح الباري - كتاب المحصر
فتح الباري - كتاب جزاء الصيد
فتح الباري - كتاب فضائل المدينة
فتح الباري - كتاب الصوم
فتح الباري - كتاب صلاة التراويح
فتح الباري - كتاب فضل ليلة القدر
فتح الباري - كتاب الإعتكاف
فتح الباري - كتاب البيوع
فتح الباري - كتاب السلم
فتح الباري - كتاب الشفعة
فتح الباري - كتاب الإجارة
فتح الباري - كتاب الحرث والمزارعة
فتح الباري - كتاب المساقاة
فتح الباري - كتاب الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس
فتح الباري - كتاب الخصومات
فتح الباري - كتاب اللقطة
فتح الباري - كتاب المظالم
فتح الباري - كتاب الشركة
فتح الباري - كتاب الرهن
فتح الباري - كتاب العتق
فتح الباري - كتاب المكاتب
فتح الباري - كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها
فتح الباري - كتاب الشهادات
فتح الباري - كتاب الصلح
فتح الباري - كتاب الشروط
فتح الباري - كتاب الوصايا
فتح الباري - كتاب الجهاد و السير
فتح الباري - كتاب فرض الخمس
فتح الباري - كتاب الجزية و الموادعة
فتح الباري - كتاب بدء الخلق
فتح الباري - كتاب أحاديث الأنبياء
فتح الباري - كتاب المناقب
فتح الباري - كتاب فضائل الصحابة
فتح الباري - كتاب مناقب الأنصار
فتح الباري - كتاب المغازي
فتح الباري - كتاب التفسير
فتح الباري - كتاب فضائل القرآن
فتح الباري - كتاب النكاح
فتح الباري - كتاب الطلاق
فتح الباري - كتاب النفقات
فتح الباري - كتاب الأطعمة
فتح الباري - كتاب العقيقة
فتح الباري - كتاب الذبائح والصيد
فتح الباري - كتاب الأضاحي
فتح الباري - كتاب الأشربة
فتح الباري - كتاب المرضى
فتح الباري - كتاب الطب
فتح الباري - كتاب اللباس
فتح الباري - كتاب الأدب
فتح الباري - كتاب الإستئذان
فتح الباري - كتاب الدعوات
فتح الباري - كتاب الرقاق
فتح الباري - كتاب القدر
فتح الباري - كتاب الأيمان والنذور
فتح الباري - كتاب كفارات الأيمان
فتح الباري - كتاب الفرائض
فتح الباري - كتاب الحدود
فتح الباري - كتاب الديات
فتح الباري - كتاب استتابة المرتدين
فتح الباري - كتاب الإكراه
فتح الباري - كتاب الحيل
فتح الباري - كتاب التعبير
فتح الباري - كتاب الفتن
فتح الباري - كتاب الأحكام
فتح الباري - كتاب التمني
فتح الباري - كتاب أخبار الأحاد
فتح الباري - كتاب الإعتصام بالسنة
فتح الباري - كتاب التوحيد
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن رجب
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
مقدمة
خطبة الكتاب
كتاب الإيمان
كتاب العلم
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصوم
كتاب فضائل القرآن
كتاب الدعوات
كتاب المناسك
كتاب البيوع
كتاب الفرائض والوصايا
كتاب النكاح
كتاب العتق
كتاب القصاص
كتاب الديات
كتاب الحدود
كتاب الإمارة والقضاء
كتاب الجهاد
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأطعمة
كتاب اللباس
كتاب الطب والرقى
كتاب الرؤيا
كتاب الآداب
كتاب الرقاق
كتاب الفتن
كتاب صفة القيامة والجنة والنار
كتاب الفضائل والشمائل
كتاب المناقب

 
عودة لموقع هاني الطنبور
هاني الطنبور
الصفحة السابقة الصفحة التالية
 
 

 

تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي

أبواب الصوم
باب ما جاء في فضل شهر رمضان
...
كتاب الصوم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
1 ـ باب ما جَاءَ في فَضْلِ شَهْرِ رَمَضَان
677 ـ حدثنا أبو كُرَيْبٍ محمدُ بنُ العَلاءِ بنِ كُرَيْبٍ، حدثنا أبو بَكْرِ بنِ عَيّاشٍ عن الأعْمَشِ عن أبي صالحٍ عن أبي هريرةَ قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إذا كان أَوّلُ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ صُفّدَتِ الشّيَاطِينُ ومَردَةُ الجِنّ وغُلّقَتْ أَبْوَابُ النِارِ فلم يُفْتَحْ منها بابٌ وفُتّحَتْ أبوابُ
ـــــــ
أبواب الصوم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
باب ما جَاءَ في فَضْلِ شَهْرِ رَمَضَان
قوله: "صفدت" قال الحافظ في الفتح. بالمهملة المضمومة بعدها فاء ثقيلة مكسورة أي شدت بالأصفاء وهي الأغلال وهو بمعنى سلسلت "الشياطين" وفي رواية النسائي من طريق أبي قلابة عن أبي هريرة بلفظ. وتغل فيه مردة الشياطين "ومردة الجن" جمع ما رد كطلبة وجهلة وهو المتجرد للشر، ومنه الأمرد لتجرده من الشعر، وهو تخصيص بعد تعميم أو عطف تفسير وبيان كالتتميم. وقيل الحكمة في تقييد الشياطين وتصفيدهم كيلا يوسوسوا في الصائمين. وأمارة ذلك تنزه أكثر المنهمكين في الطغيان عن المعاصي ورجوعهم بالتوبة إلى الله تعالى. وأما ما يوجد خلاف ذلك في بعضهم فإنها تأثيرات من تسويلات الشياطين أغرقت في عمق تلك النفوس الشريرة وباضت في رؤوسها. وقيل قد خص من عموم صفدت الشياطين زعيم زمرتهم وصاحب دعوتهم لكان الإنظار الذي سأله من الله فأجيب إليه فيقع ما يقع من المعاصي بتسويله وإغوائه. ويمكن أن يكون التقييد كناية عن ضعفهم في الإغواء والإضلال، كذا في المرقاة. قال الحافظ في الفتح. قال عياض. يحتمل أنه على ظاهره وحقيقته وأن ذلك كله علامة للملائكة لدخول

(3/359)


الجَنّةِ فلم يُغْلَقْ منها بابٌ ويُنَادِي مُنَادٍ يا بَاغِيَ الخَيْرِ أقْبِل وَيا بَاغِيَ الشّرّ أَقْصِرْ. ولله عُتَقَاء مِنَ النّار وذلك كُلّ لَيْلَةٍ".
ـــــــ
الشهر وتعظيم حرمته ولمنع الشياطين من أذى المؤمنين، ويحتمل أن يكون إشارة إلى كثرة الثواب والعفو وأن الشياطين يقل إغوائهم فيصيرون كالمصفدين. قال ويؤيد هذا الاحتمال الثاني قوله في رواية عند مسلم. فتحت أبواب الرحمة، قال ويحتمل أن يكون فتح الجنة عبارة عما يفتحه الله لعباده من الطاعات وذلك أسباب لدخول الجنة، وغلق أبواب النار عبارة عن صرف الهمم عن المعاصي الاَيلة بأصحابها إلى النار. وتصفيد الشياطين عبارة عن تعجيزهم عن الإغواء وتزيين الشهوات. قال الزبير بن المنير: والأول أوجه ولا ضرورة تدعو إلى صرف اللفظ عن ظاهره. وأما الرواية التي فيها أبواب الرحمة وأبواب السماء فمن تصرف الرواة. والأصل أبواب الجنة بدليل ما يقابله وهو غلق أبواب النار قال الحافظ: وقال القرطبي بعد أن رجح حمله على ظاهره فإن قيل كيف نرى الشرور والمعاصي واقعة في رمضان كثيراً فلو صفدت الشياطين لم يقع ذلك، فالجواب أنها إنما تقل عن الصائمين الصوم الذي حوفظ على شروطه وروعيت آدابه أو المصفد بعض الشياطين كما تقدم في بعض الروايات يعني رواية الترمذي والنسائي وهم المردة لاكملهم أو المقصود تقليل الشرور فيه. وهذا أمر محسوس فإن وقوع ذلك فيه أقل من غيره. إذ لا يلزم من تصفيد جميعهم أن لا يقع شر ولا معصية لأن لذلك أسباباً غير الشياطين كالنفوس الخبيثة والعادات القبيحة والشياطين الإنسية انتهى "وينادي مناد" قيل يحتمل أنه ملك أو المراد أنه يلقي ذلك في قلوب من يريد الله إقبالة على الخير كذا في قوت المغتذي "يا باغي الخير" أي طالب العمل والثواب "أقبل" أي إلى الله وطاعة بزيادة الاجتهاد في عبادته وهو أمر من الإقبال أي تعال فإن هذا أوانك فإنك تعطي الثواب الجزيل بالعمل القليل. أو معناه يا طالب الخير المعرض عنا وعن طاعتنا أقبل إلينا وعلى عبادتنا فإن الخير كله تحت قدرتنا وإرادتنا. قال العراقي. ظن ابن العربي أن قوله في الشقين يا باغي من البغي فنقل عن أهل العربية أن أصل البغي في الشرق وأقله ما جاء في طلب الخير ثم ذكر قوله تعالى {غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ} وقوله { يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ

(3/360)


وفي البابِ عن عبدِ الرحمَنِ بنِ عَوْفٍ وابنِ مَسْعُودٍ وسَلْمَانَ.
678 ـ حدثنا هَنّادُ حدثنا عَبْدَةُ والمُحَارِبِيّ عن محمدِ بنِ عَمْروٍ عن أَبِي سَلَمَةَ عن أبي هريرةَ قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم "مَنْ صَامَ رَمَضَانَ وقَامَهُ إيماناً واحْتِسَاباً غُفِرَ لَهُ ما تَقَدّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، ومَنْ قَامَ لَيْلَةَ
ـــــــ
بغير الحق} والذي وقع في الاَيتين هو بمعنى التعدي، وأما الذي في هذا الحديث فمعناه الطلب والمصدر منه بغاء وبغاية بضم الباء فيهما قال الجوهري: بغيته أو طلبته انتهى.
قلت: الأمر كما قال العراقي، وكذلك في قوله تعالى {ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ} معناه الطلب {ويا باغي الشر أقصر} بفتح الهمزة وكسر الصاد أي يا مريد المعصية أمسك عن المعاصي وارجع إلى الله تعالى فهذا أو أن قبول التوبة وزمان استعداد المغفرة، ولعل طاعة المطيعين وتوبة المذنبين ورجوع المقصرين في رمضان من أثر الندائين ونتيجة إقبال الله تعالى على الطالبين. ولهذا ترى أكثر المسلمين صائمين حتى الصغار والجوار بل غالبهم الذين يتركون الصلاة يكونون حينئذ مصلين، مع أن الصوم أصعب من الصلاة وهو يوجب ضعف البدن الذي يقتضي الكسل عن العبادة وكثرة النوم عادة، ومع ذلك ترى المساجد معمورة وبإحياء الليل مغمورة والحمد لله ولا حول ولا قوة إلا بالله، كذا في المرقاة "ولله عتقاء من النار" أي ولله عتقاء كثيرون من النار فلعلك تكون منهم "وذلك" قال الطيبي: أشار بقوله ذلك إما البعيد وهو النداء، وإما للقريب وهو لله عتقاء "كل ليلة" أي في كل ليلة من ليالي رمضان.
قوله: "وفي الباب عن عبد الرحمَن بن عوف" أخرجه النسائي وابن حبان "وابن مسعود" أخرجه البيهقي "وسلمان" أخرجه ابن حبان في الضعفاء والأربعة والبيهقي كذا في شرح سراج أحمد.
قوله: "من صام رمضان وقامه إيماناً" أي تصديقاً بأنه فرض عليه حق وأنه من أركان الإسلام ومما وعد الله عليه من الثواب والأجر قاله السيوطي. وقال الطيبي: نصب على أنه مفعول له أي للإيمان وهو التصديق بما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم والاعتقاد بفريضة الصوم "واحتساباً" أي طلباً للثواب منه تعالى،

(3/361)


القَدْرِ إيماناً واحْتِساباً غُفِرَ لَهُ ما تَقَدّمَ مِنْ ذَنْبِهِ".
قال أبو عيسى: حديثُ أبي هريرةَ الّذِي رَوَاهُ أبوُ بَكْرِ بنُ عَيّاش حديثٌ غريبٌ لا نَعْرِفُهُ مِنْ روَايَةِ أبي بَكْرِ بن عَيّاشٍ عن الأعْمَشِ عَنْ أَبي صَالحٍ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ إلاّ من حديثِ أبي بَكْرٍ قال: وسألتُ مُحَمّدَ بْنَ إسْمَاعِيلَ عن هَذَا الحديثِ فقالَ: الحسن بن الربيع حدثنا أبُو الأَحْوَصِ عن الأعْمَشِ عن مُجَاهِدٍ قوله: "إذا كانَ أَوّل لَيْلَةٍ مِن شَهْرِ رَمَضَانَ" فَذَكَرَ الحَديثَ، قال محمدٌ: وهذا أَصَحّ عِنْدِي مِنْ حديثِ أبي بَكْرِ بِن عَيّاشٍ.
ـــــــ
أو إخلاصاً، أي باعثه على الصوم ما ذكر لا الخوف من الناس ولا الاستحياء منهم ولا قصد السمعة والرياء عنهم "غفر له ما تقدم من ذنبه" قال السيوطي: زاد أحمد في مسنده: وما تأخر، وهو محمول على الصغائر دون الكبائر انتهى. قال النووي: إن المكفرات إن صادفت السيئات تمحوها إذا كانت صغائر وتخففها إذا كانت كبائر وإلا تكون موجبة لرفع الدرجات في الجنات.
قوله: "هذا حديث صحيح" وأخرجه الشيخان "غريب لا نعرفه إلا من رواية أبي بكر بن عياش الخ" الحديث أخرجه ابن ماجه أيضاً. قال الجزري: كلاهما من طريق أبي بكر بن عياش عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة وهذا إسناد صحيح. قال ميرك: وهذا لا يخلو عن تأمل، فإن أبا بكر بن عياش مختلف فيه. والأكثر على أنه كثير الغلط وهو ضعيف عن الأعمش ولذا قال الترمذي: غريب لا نعرفه إلا من رواية أبي بكر، "وسألت محمد بن إسماعيل الخ" لكن يفهم من كلام الشيخ ابن حجر العسقلاني أن الحديث المرفوع أخرجه ابن خزيمة والترمذي والنسائي وابن ماجه والحاكم وقال: واللفظ لابن خزيمة ونحوه للبيهقي من حديث ابن مسعود وقال فيه: فتحت أبواب الجنة فلم يغلق باب منها الشهر كله انتهى كلامه. ويقوي رفع الحديث أن مثل هذا لا يقال بالرأي فهو مرفوع حكماً والله أعلم تم كلام ميرك، كذا نقل القاري من المرقاة كلام الجزري وكلام ميرك، ثم تعقب على ميرك بوجوه لا يخلو بعضها عن كلام

(3/362)


باب ما جاء لا تتقدموا الشهر بصوم
...
فعُدّوا ثلاثينَ ثُمّ أفْطِرُوا".
قال: وفي البابِ عن بعضِ أصحابِ النبيّ صلى الله عليه وسلم "أخبرنا مَنْصُورُ بنُ المُعْتَمِرِ عن رِبْعِيّ بنِ حِرَاشٍ عن بعضِ أصحابِ النبيّ صلى الله عليه وسلم عَنِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم بِنَحْوِ هذا".
قال أبو عيسى: حديثُ أبي هريرةَ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. والعملُ على هذا عِنْدَ أهلِ العلمِ: كَرِهُوا أن يَتَعَجّلَ الرّجُلُ بِصِيَامٍ قَبْلَ دُخُولِ شهْرِ رَمَضَانَ لِمَعْنَى رَمَضَانَ وإنْ كانَ رَجُلٌ يَصُومُ صَوْماً فَوَافَقَ صِيَامُهُ ذلِكَ فلا بأسَ به عندَهُم.
ـــــــ
غطى الهلال في ليلة الثلاثين. قال الجزري في النهاية: يقال غم علينا الهلال إذا حال دون رؤيته غيم أو نحوه من غممت الشيء إذا غطيته، وفي غم ضمير الهلال، ويجوز أن يكون غم مسنداً إلى الظرف أي فإن كنتم مغموماً عليكم فأكملوا العدة انتهى "فعدوا ثلاثين" بصيغة الأمر من العد. والمعنى أكملوا عدة شعبان ثلاثين يوماً.
قوله: "وفي الباب عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الخ" قال الحافظ في الفتح: وروى أبو داود والنسائي وابن خزيمة من طريق ربعي عن حذيفة مرفوعاً: لا تقدموا الشهر متى ترووا الهلال أو تكملوا العدة ثم صوموا حتى ترووا الهلال أو تكملوا العدة. وقيل الصواب فيه عن ربعي عن رجل من الصحابة مبهم ولا يقدح ذلك في صحته انتهى.
قوله: "حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح" وأخرجه أحمد.
قوله : "كرهوا أن يتعجل الرجل بصيام قبل دخوله شهر رمضان لمعنى رمضان" قال السيوطي في قوت المغتذي: قوله لا تقدموا الشهر بيوم ولا يومين إنما نهي عن فعل ذلك احتياطاً لاحتمال أن يكون من رمضان، وهو معنى قول المصنف لمعنى رمضان انتهى وقال الحافظ في الفتح: قال العلماء: معنى الحديث لا تستقبلوا رمضان بصيام على نية الاحتياط لرمضان. قال الترمذي لما أخرجه فذكر الحافظ كلام الترمذي هذا إلى قوله: لمعنى رمضان.

(3/346)


باب ما جاء في الكراهية صوم يوم الشك
...
3ـ باب ما جاءَ في كَرَاهَيةِ صَوْمِ يَوْمِ الشّك
681 ـ حدثنا أبو سَعِيدٍ عبدُ الله بنُ سعيدٍ الأشَجّ حدثنا أبو خَالِدٍ الأحْمَرُ عن عَمْروِ بنِ قَيْسٍ الملائي عن أبي إسحاقَ عن صِلَةَ بنِ زُفَرَ قال:
ـــــــ
باب ما جاءَ في كَرَاهَيةِ صَوْمِ يَوْمِ الشّك
قوله: "أخبرنا أبو خالد الأحمر" اسمه سليمان بن حيان الأزدي الكوفي صدوق يخطئ من الثامنة "عن صلة بن زفر" بكسر الصاد المهملة وتخفيف اللام المفتوحة وزفر بالزاي والفاء على وزن عمر كوفي عبسي من كبار التابعين وفضلائهم.

(3/365)


"كُنّا عِنْدَ عَمّارِ بنِ يَاسِرٍ فأُتّيَ بِشَاةٍ مَصْلِيّةٍ فقال: كُلُوا فَتَنَحّى بَعْضُ القَوْمِ فقال إنّي صَائِمٌ، فقال عمّارٌ: مَنْ صَامَ اليوم الذي يُشَكّ فيهِ فَقَدْ عَصَى أبا القَاسِمِ صلى الله عليه وسلم".
قال: وفي الباب عن أبي هريرةَ وأَنَسٍ.
قال أبو عيسى: حديثُ عَمّارٍ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. والعملُ على هذا
ـــــــ
قوله: "كنا عند عمار بن ياسر" صحابي جليل مشهور من السابقين الأولين بدري قتل مع علي بصفين سنة سبع وثلاثين "مصلية" أي مشوية "فتنحى بعض القوم" أي اعتزل "فقال" أي بعض القوم الذي اعتزل واحترز عن أكلها "من صام اليوم الذي شك فيه" وفي بعض النسخ يشك فيه، وذكر البخاري هذا الحديث في صحيحه تعليقاً بلفظ: من صام يوم الشك والمراد من اليوم الذي يشك فيه يوم الثلاثين من شعبان إذا لم ير الهلال في ليلته بغيم ساتر أو نحوه، فيجوز كونه من رمضان وكونه من شعبان "فقد عصى أبا القاسم" هو كنية رسول الله صلى الله عليه وسلم، قيل فائدة تخصيص ذكر هذه الكنية الإشارة إلى أنه هو الذي يقسم بين عباد الله أحكامه زماناً ومكاناً وغير ذلك. قال الحافظ في فتح الباري: استدل به على تحريم يوم الشك لأن الصحابي لا يقول ذلك من قبل رأيه فيكون من قبل المرفوع. قال ابن عبد البر: هو مسند عندهم لا يختلفون في ذلك، وخالفهم الجوهري المالكي فقال: هو موقوف، والجواب، أنه موقوف لفظاً مرفوع حكماً انتهى.
قوله: "وفي الباب عن أبي هريرة" أخرجه البزار بلفظ: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيام ستة أيام أحدها اليوم الذي يشك فيه وفي إسناده عبد الله بن سعيد المقبري عن جده وهو ضعيف، وأخرجه أيضا الدارقطني وفي إسناده الواقدي، وأخرجه أيضا البيهقي وفي إسناد عباد وهو عبد الله بن سعيد المقبري المتقدم وهو منكر الحديث كما قال أحمد بن حنبل، كذا في النيل "وأنس" لم أقف على من أخرجه.
قوله: "حديث عمار حديث حسن صحيح" وأخرجه أيضاً ابن حبان وابن خزيمة وصححاه والحاكم والدارقطني والبيهقي. قال العراقي في شرح الترمذي: جمع الصاغاني في تصنيف له الأحاديث الموضوعة فذكر فيه حديث عمار المذكور وما أدري ما وجه الحكم عليه بالوضع وليس في إسناده من يتهم بالكذب وكلهم

(3/366)


عنْدَ أكثَر أَهلِ العلمِ منْ أصحابِ النبيّ صلى الله عليه وسلم ومَن بَعْدَهُمْ مِنَ التّابِعينَ. وبهِ يقولُ سُفْيَانُ الثّوْرِيّ ومالكُ بنُ أنسٍ وعبدُ الله بنُ المبارَكِ والشّافِعِيّ وأحمدُ وإسحاقُ: كَرِهُوا أَنْ يَصُومَ الرّجُلُ الْيَوْمَ الّذِي يُشَكّ فيهِ، وَرَأى أكْثَرُهُمْ إنْ صَامَهُ فكانَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ أن يَقْضِيَ يَوْماً مكَانَهُ.
ـــــــ
ثقات وقال: وقد كتبت على الكتاب المذكور كراسة في الرد عليه في أحاديث منها هذا الحديث قال نعم في اتصاله نظر، فقد ذكر المزي في الأطراف أنه روى عن أبي إسحاق السبيعي أنه قال: حدثت عن صلة بن زفر لكن جزم البخاري بصحته إلى صلة فقال في صحيحه: وقال صلة، وهذا يقتضي صحته عنده، وقال البيهقي في المعرفة: إنه إسناده صحيح انتهى.
قوله: "والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم الخ" قال في النيل: وقد استدل بهذه الأحاديث أي بحديث عمار بن ياسر المذكور في الباب وما في معناه كأحاديث الأمر بالصوم لرؤية الهلال وكأحاديث النهي عن استقبال رمضان بصوم على المنع من صوم يوم الشك. قال النووي: وبه قال مالك والشافعي والجمهور، وحكى الحافظ في الفتح عن مالك وأبي حنيفة أنه لا يجوز صومه عن فرض رمضان ويجوز عما سوى ذلك. قال ابن الجوزي: ولأحمد في هذه المسألة وهي إذا حال دون مطلع الهلال غيم أو غيره ليلة الثلاثين من شعبان ثلاثة أقوال: أحداها: يجب صومه على أنه من رمضان، وثانيها: لا يجوز فرضاً ولا نفلاً مطلقاً بل قضاء وكفارة ونذراً ونفلاً يوافق عادة، ثالثها: المرجع إلى رأي الإمام في الصوم والفطر، وذهب جماعة من الصحابة إلى صومه منهم علي وعائشة وعمرو بن عمر وأنس بن مالك وأسماء بنت أبي بكر وأبي هريرة ومعاوية وعمرو بن العاص وغيرهم وجماعة من التابعين. واستدل المجوزون لصومه بأدلة، ثم ذكرها الشوكاني وتكلم عليها وليس فيها ما يفيد مطلوبهم ثم قال: قال ابن عبد البر: وممن روي عنه كراهة صوم يوم الشك عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعمار وابن مسعود وحذيفة وابن عباس وأبو هريرة وأنس بن مالك، ثم قال: والحاصل أن الصحابة مختلفون في ذلك، وليس قول بعضهم بحجة على أحد والحجة ما جاءنا عن الشارع وقد عرفته. قال: وقد استوفيت الكلام على هذه المسألة في الأبحاث التي كتبتها على رسالة الجلال

(3/367)


4ـ بابُ ما جَاء في إحْصَاءِ هِلاَلِ شَعْبانَ لِرَمَضَان
682 ـ حدثنا مُسْلُمِ بنُ حَجّاجِ حدثنا يَحْيَى بنُ يَحْيَى حدثنا أبو معاوِيَةَ عن محمدِ بنِ عَمْروٍ عن أبي سَلَمَةَ عن أبي هريرةَ قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم "أحْصُوا هِلاَلَ شَعْبَانَ لِرَمَضَانَ".
قال أبو عيسى: حديثُ أبي هريرةَ لا نَعْرِفُهُ مِثْلَ هذا إلا مِنْ حديثِ أبي مُعَاوِيَةَ. والصّحِيحُ مَا رُوِيَ عن محمدِ بنِ عَمْروٍ عن أبي سَلَمَةَ عن أبي
ـــــــ
بابُ ما جَاء في إحْصَاءِ هِلاَلِ شَعْبانَ لِرَمَضَان
قوله: "حدثنا مسلم بن حجاج" هو صاحب الصحيح. قال العراقي: لم يرو المصنف في كتابه شيئاً عن مسلم صاحب الصحيح إلا هذا الحديث وهو من رواية الأقران فإنهما اشتركا في كثير من شيوخهما انتهى.
قوله: "أحصوا" بقطع الهمزة أمر من الإحصاء وهو في الأصل العد بالحصا أي عدوا "هلال شعبان" أي أيامه "لرمضان" أي لأجل رمضان أو للمحافظة على صوم رمضان. وقال ابن الملك: أي لتعلموا دخول رمضان. قال الطيبي: الإحصاء المبالغة في العد بأنواع الجهد، ولذلك كنى به عن الطاقة في قوله عليه الصلاة والسلام. استقيموا ولن تحصوا انتهى. وقال ابن حجر: أي اجتهدوا في إحصائه وضبطه بأن تتحروا مطالعه وتتراءوا منازله لأجل أن تكونوا على بصيرة في إدراك هلال رمضان على حقيقة حتى لا يفوتكم منه شيء، كذا في المرقاة. قال السيوطي في قوت المغتذي: هذا الحديث مختصر من حديث وقد رواه الدارقطني بتمامه فزاد: ولا تخلطوا برمضان إلا أن يوافق ذلك صياماً ما كان يصومه أحدكم، وصوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فإنها ليست تغمى عليكم العدة انتهى.
قوله: "لا نعرفه مثل هذا" أي بهذا اللفظ "إلا من حديث معاوية يعني أنه قد تفرد بهذا اللفظ والصحيح ما روى عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة الخ"

(3/368)


5 ـ باب ما جَاء أنّ الصّوْمَ لِرُؤْيَةِ الهلاَلِ والإفْطَار لَه
683 ـ حدثنا قُتَيْبَةُ، حدثنا أبو الأحْوَصِ عن سِمَاكِ عن عِكْرِمَةَ عن ابنِ عباسٍ قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم "لا تَصُومُوا قَبْلَ رَمَضَانَ، صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وأفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فإنْ حَالَتْ دُونَهُ غَيَابَة فأكْمَلُوا ثلاثين يَوْماً".
ـــــــ
باب ما جَاء أنّ الصّوْمَ لِرُؤْيَةِ الهلاَلِ إلخ.
قوله: "صوموا لرؤيته" الضمير للهلال على حد توارت بالحجاب اكتفاء بقرينه السياق. قال الطيبي: اللام للتوقيت كقوله تعالى: {أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} "دونه" أي دون الهلال "غيابه" بفتح الغين المعجمة واليائين المثناتين من تحت وهي السحاب ونحوها. قال القاري: هذا هو المشهور في ضبط هذا الحديث. وقال ابن العربي: يجوز أن يجعل بدل الياء الأخيرة باء موحدة من الغيب، وتقديره ما خفي عليك واستتر، أو نوناً من الغين وهو الحجاب، كذا في قوت المغتذي

(3/369)


وفي البابِ عن أبي هريرةَ وأبي بَكْرَةَ وابنِ عُمَرَ.
قال أبو عيسى: حديثُ ابنِ عبّاسٍ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وقد رُوِيَ عنْهُ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ.
ـــــــ
قوله: "وفي الباب عن أبي هريرة" أخرجه الشيخان "وأبي بكرة" أخرجه الشيخان "وابن عمر" أخرجه الشيخان.
قوله: "حديث ابن عباس حديث حسن صحيح" وأخرجه أحمد والنسائي

(3/370)


6- "باب ما جاء أن الشهر يكون تسعاً وعشرين"
684 ـ حدثنا أحمدُ بنُ مَنِيع، حدثنا يَحْيِى بنُ زكَرِيّا بنُ أبي زَائِدَةَ أخْبَرَنِي عيسى بنُ دِينَار عن أبيهِ عن عَمْروِ بنِ الحَارِثِ بنِ أبي ضرَار عن ابن مَسْعُودٍ قال: "ما صُمْتُ مع النبيّ صلى الله عليه وسلم تسعاً وعِشْرِينَ أكْثَرُ مِمّا صُمْنَا ثلاثينَ".
ـــــــ
قوله: "وفي الباب عن أبي هريرة" أخرجه الشيخان "وأبي بكرة" أخرجه الشيخان "وابن عمر" أخرجه الشيخان.
قوله: "حديث ابن عباس حديث حسن صحيح" وأخرجه أحمد والنسائي
"باب ما جاء أن الشهر يكون تسعاً وعشرين"
أي قد يكون تسعاً وعشرين
قوله: "عن عمرو بن الحارث بن أبي ضرار" بكسر المعجمة صحابي قليل الحديث وهو أخو جويرية أم المؤمنين. كذا في التقريب.
قوله: "ما صمت مع النبي صلى الله عليه وسلم الخ" وفي رواية أبي داود: لما صمنا مع النبي صلى الله عليه وسلم الخ. قال أبو الطيب السندي في شرح الترمذي كلمة "ما" تحتمل أن تكون مصدرية في الموضعين أي صومي تسعاً وعشرين أكثر من صومي ثلاثين، وتحتمل أن تكون في الموضعين موصولة والعائد محذوف، والتقدير ما صمته حال كونه تسعاً وعشرين أكثر مما صمناه حال كونه ثلاثين، فيكون تسعاً وعشرين، وكذلك ثلاثين حال من ضمير المفعول المحذوف الراجع إلى رمضان المراد بالموصول، وعلى التقديرين قوله "أكثر" مرفوع على الخبرية. والحاصل أن الأشهر الناقصة أكثر من الوافية. وأما القول بأن كلمة "ما" الأولى نافية وعلى هذا التقدير يكون قوله أكثر منصوباً ويكون الحاصل أن الناقص ما كان غالباً على الوافي فبعيد، ويؤيد هذا البعد ما قال الشيخ ابن حجر قال بعض الحفاظ: صام صلى الله عليه وسلم تسع رمضانات منها رمضانان فقط

(3/370)


قال: وفي البابِ عن عُمَرَ وأبي هريرةَ وعائِشَةَ وسَعْدِ بنِ أبي وَقّاصٍ وابنِ عباسٍ وابنِ عُمَرَ وأنَسٍ وجَابرٍ وأم سَلَمَةَ وأبي بكْرَةَ أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "الشّهْرُ يَكُونُ تِسْعاً وعِشْرِينَ".
685 ـ حدثنا عليّ بنُ حُجرٍ، حدثنا إسماعيلُ بنُ جَعْفَرٍ عن حُمَيْدٍ عن أنَسٍ أنّهُ قال: "آلى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم مِن نِسائِهِ شَهْراً فأَقَامَ في مَشْرُبَةٍ تِسْعاً وعِشْرِينَ يَوْماً، قالوا يا رسولَ الله إنّكَ آلَيْتَ شَهْراً فقالَ: الشّهْرُ تِسْعٌ وعِشْرُونَ".
ـــــــ
ثلاثون. وقال النووي: وقد يقع النقص متوالياً في شهرين وثلاثة وأربعة ولا يقع أكثر من أربعة انتهى كلام أبي الطيب باختصار. وحديث ابن مسعود هذا أخرجه أبو داود أيضاً وسكت هو والمنذري عنه، وذكره الحافظ في الفتح وسكت عنه هو أيضاً وقال: ومثله عن عائشة عند أحمد بإسناد جيد انتهى. قلت: والظاهر أن حديث ابن مسعود حسن.
قوله: "وفي الباب عن عمر وأبي هريرة الخ" أما حديث عمر رضي الله عنه فأخرجه الشيخان، وأما حديث أبي هريرة فأخرجه أيضاً الشيخان، وأما حديث عائشة فأخرجه أحمد، وأما حديث سعد بن أبي وقاص فأخرجه مسلم، فأما حديث ابن عمر وأنس وجابر وأم سلمة فأخرجه مسلم وغيره، وأما حديث ابن عباس وأبي بكرة فلينظر من أخرجه.
قوله: "آلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من نسائه" أي حلف أن لا يدخل عليهن، وليس المراد بالإيلاء في هذا الحديث الإيلاء الشرعي بل المراد الإيلاء اللغوي وهو الحلف "فأقام في مشربة" بضم الراء وفتحها أي غرفة. قال الجزري في النهاية: المشربة بالضم والفتح الغرفة، وفي القاموس: المشربة الغرفة أو العلية انتهى. والغرفة بالضم والعلية بالضم والتشديد معناهما بالفارسية برواره، كذا في الصراح، وبروار على وزن همواره معناه بالفارسية بالإخانة وحجرة بالاء حجرة "الشهر تسع وعشرون" أي هذا الشهر تسع وعشرون أو المعنى الشهر قد يكون كذلك. قال الحافظ في الفتح: ظاهره حصر الشهر في تسع وعشرين مع أنه لا ينحصر فيه بل قد يكون ثلاثين، والجواب أن المعنى أن الشهر يكون تسعة

(3/371)


قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
وعشرين أو اللام للعهد والمراد شهر بعينه أو هو محمول على الأكثر الأغلب، كقول ابن مسعود: ما صمنا مع النبي صلى الله عليه وسلم تسعاً وعشرين أكثر مما صمنا ثلاثين. ويؤيد الأول قوله في حديث أم سلمة: إن الشهر يكون تسعة وعشرين يوماً. وقال ابن العربي: معناه حصره من جهة أحد طرفيه أي أنه يكون تسعاً وعشرين وهو أقله ويكون ثلاثين وهو أكثره فلا تأخذوا أنفسكم بصوم الأكثر احتياطاً ولا تقتصروا على الأقل تخفيفاً، ولكن اجعلوا عبادتكم مرتبطة ابتداء وانتهاء باستهلاله انتهى.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه البخاري

(3/372)


7 ـ باب ما جَاء في الصّوْمِ بالشّهَادَة
686 ـ حدثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ، حدثنا محمدُ بنُ الصّبّاحِ حدثنا الولِيدُ بنُ أبي ثَوْرٍ عن سِمَاكٍ عن عَكْرِمَةِ عن ابنِ عباسٍ قال: "جَاءَ أعْرابي إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "إنّي رأَيْتُ الهِلاَلَ، فقال: "أتَشْهَدُ أن لا إلهَ إلاّ الله؟ أتَشْهَدُ أنّ محمداً رسولُ الله؟ قال: نعم، قال: يا بِلاَلُ أذّنْ في النّاسِ أنْ يَصُومُوا غداً".
ـــــــ
باب ما جَاء في الصّوْمِ بالشّهَادَة
قوله: "حدثنا محمد بن إسماعيل" هو الإمام البخاري رحمه الله "أخبرنا محمد بن الصباح" الدولابي أبي جعفر البغدادي ثقة حافظ من العاشرة "أخبرنا الوليد بن أبي ثور" هو الوليد بن عبد الله بن أبي ثور الهمداني الكوفي وقد ينسب بجده ضعيف من الثامنة كذا في التقريب "جاء أعرابي" أي واحد من الأعراب وهم سكان البادية "إني رأيت الهلال" يعني هلال رمضان كما في رواية يعني وكان غيماً، وفيه دليل على أن الإخبار كاف ولا يحتاج إلى لفظ الشهادة ولا إلى الدعوى " فقال أتشهد أن لا إله إلا الله الخ" قال ابن الملك: دل على أن الإسلام شرط في الشهادة "أذن في الناس" أمر من التأذين أي ناد فيهم وأعلمهم.

(3/372)


687 ـ حدثنا أبو كُرَيْبٍ حدثنا حُسَيْنٌ الجُعْفِيّ عن زَائِدَة عن سِمَاك نَحْوَهُ بهذا الإسناد.
قال أبو عيسى: حديثُ ابنِ عباس فيهِ اخْتِلاف. وَرَوَى سُفْيَانُ الثّوْرِي وغَيْرُهُ عنِ سِمَاكِ عن عِكْرِمَةَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم مُرْسلاً وأكثرُ أصحابِ سَمِاكٍ رَوَوْا عن سِمَاكٍ عن عِكْرِمَةَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم مُرْسِلاً.
والعملُ على هذا الحديثِ عند أكثر أهلِ العلمِ، قالوا تُقْبَلُ شهادَةُ رَجُلٍ وَاحِد في الصّيَامِ. وبهِ يقولُ ابنُ المباركِ والشّافِعِيّ وأحمدُ وأهلُ الكوفة. قال إسحاقُ: لا يُصَامُ إلاّ بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ وَلَمْ يَخْتَلِفْ أهلُ العلمِ في الإفطَارِ أنّهُ لا يُقْبَلُ فيهِ إلاّ شَهَادَةُ رَجُلَيْنِ.
ـــــــ
قوله: "وأكثر أصحاب سِمَاك رووا عن سِمَاك عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلاً" وقال النسائي: إنه أولى بالصواب، وسِمَاك إذا تفرد بأصل لم يكن حجة، كذا الحافظ في التلخيص: وقال في بلوغ المرام: رواه الخمسة وصححه ابن خزيمة وابن حبان ورجح النسائي إرساله انتهى.
قوله: "وبه يقول ابن المبارك والشافعي" أي في أحد قوليه. قال النووي: وهو الأصح "وأحمد" وبه قال أبو حنيفة رحمه الله: وهو قول الجمهور كما صرح به الحافظ في الفتح، واستدلوا بحديث الباب وبحديث ابن عمر رضي الله عنه قال: تراءى الناس الهلال فأخبرت النبي صلى الله عليه وسلم أني رأيته فصام وأمر الناس بصيامه، رواه أبو داود وصححه ابن حبان والحاكم "وقال إسحاق: لا يصام إلا بشهادة رجلين" وبه قال مالك والليث والأوزاعي والثوري والشافعي في أحد قوليه، واستدلوا بحديث عبد الرحمَن بن زيد بن الخطاب أنه خطب في اليوم الذي شك فيه فقال: ألا إني جالست أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وسألتهم أنهم حدثوني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته وأنسكوا لها، فإن غم عليكم فأتموا ثلاثين يوماً، فإن شهد شاهدان مسلمان فصوموا وأفطروا" . رواه أحمد والنسائي ولم يقل فيه "مسلمان" قال الشوكاني في النيل:

(3/373)


ـــــــ
ذكره الحافظ في التلخيص ولم يذكر فيه قدحاً وإسناده لا بأس به على اختلاف فيه انتهى. واستدلوا أيضاً بحديث أمير مكة الحارث بن حاطب قال: عهد إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ننسك للرؤية فإن لم نره وشهد شاهدا عدل نسكنا بشهادتهما، رواه أبو داود والدارقطني وقال هذا إسناد متصل صحيح.
وأجاب من قال بقبول شهادة رجل في الصيام عن هذين الحديثين بأن التصريح بالإثنين غاية ما فيه المنع من قبول الواحد بالمفهوم، وحديث ابن عباس وحديث ابن عمر المذكورين يدلان على قبوله بالمنطوق ودلالة المنطوق أرجح "ولم يختلف أهل العلم في الإفطار أنه لا يقبل فيه إلا شهادة رجلين" قال النووي في شرح مسلم: لا تجوز شهادة عدل واحد على هلال شوال عند جميع العلماء إلا أبا ثور فجوزه بعدل انتهى. واحتجوا بما رواه الدارقطني والطبراني في الأوسط من طريق طاؤس قال شهدت المدينة وبها ابن عمر وابن عباس فجاء رجل إلي وإليها وشهد عنده على رؤية هلال شهر رمضان فسأل ابن عمر وابن عباس عن شهادته فأمراه أن يجيزه وقالا: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أجاز شهادة واحد على رؤية هلال رمضان وكان لا يجيز شهادة الإفطار إلا بشهادة رجلين، قال الدارقطني: تفرد به حفص بن عمر الأيلي وهو ضعيف.
فإن قلت: هذا الحديث ضعيف فكيف يصح الاحتجاج به على عدم جواز شهادة رجل واحد في الإفطار.
قلت: أصل الاحتجاج بحديث عبد الرحمَن بن زيد وحديث الحارث بن حاطب المذكورين، فإن قوله صلى الله عليه وسلم: "فإن شهد شاهدان مسلمان فصوموا وأفطروا" في حديث عبد الرحمَن بن زيد، وقوله: "فإن لم نره وشهد شاهداً عدل نسكنا بشهادتهما" في حديث الحارث يدلان بمفهومهما على عدم جواز شهادة رجل واحد في الإفطار ولا يعارضه منطوق بل منطوق حديث ابن عمر وابن عباس وإن كان ضعيفاً يؤيدهما

(3/374)


باب ما جاء شهرا عيد لا ينفصان
...
4ـ باب ما جَاء شَهْراً عِيد لا يَنْقُصَان
688 ـ حدثنا أبو سلمة يَحْيَى بنُ خَلَفٍ البَصْرِيّ حدثنا بِشْرُ بنُ المُفَضّلِ عن خالدٍ الحَذّاءِ عن عبدِ الرحمَنِ بن أبي بَكْرَةَ عن أبيهِ قال: قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم "شَهْرا عِيدٍ لا يَنْقُصَانِ: رمَضَانُ وذو الحِجّةِ".
ـــــــ
ذكره الحافظ في التلخيص ولم يذكر فيه قدحاً وإسناده لا بأس به على اختلاف فيه انتهى. واستدلوا أيضاً بحديث أمير مكة الحارث بن حاطب قال: عهد إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ننسك للرؤية فإن لم نره وشهد شاهدا عدل نسكنا بشهادتهما، رواه أبو داود والدارقطني وقال هذا إسناد متصل صحيح.
وأجاب من قال بقبول شهادة رجل في الصيام عن هذين الحديثين بأن التصريح بالإثنين غاية ما فيه المنع من قبول الواحد بالمفهوم، وحديث ابن عباس وحديث ابن عمر المذكورين يدلان على قبوله بالمنطوق ودلالة المنطوق أرجح "ولم يختلف أهل العلم في الإفطار أنه لا يقبل فيه إلا شهادة رجلين" قال النووي في شرح مسلم: لا تجوز شهادة عدل واحد على هلال شوال عند جميع العلماء إلا أبا ثور فجوزه بعدل انتهى. واحتجوا بما رواه الدارقطني والطبراني في الأوسط من طريق طاؤس قال شهدت المدينة وبها ابن عمر وابن عباس فجاء رجل إلي وإليها وشهد عنده على رؤية هلال شهر رمضان فسأل ابن عمر وابن عباس عن شهادته فأمراه أن يجيزه وقالا: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أجاز شهادة واحد على رؤية هلال رمضان وكان لا يجيز شهادة الإفطار إلا بشهادة رجلين، قال الدارقطني: تفرد به حفص بن عمر الأيلي وهو ضعيف.
فإن قلت: هذا الحديث ضعيف فكيف يصح الاحتجاج به على عدم جواز شهادة رجل واحد في الإفطار.
قلت: أصل الاحتجاج بحديث عبد الرحمَن بن زيد وحديث الحارث بن حاطب المذكورين، فإن قوله صلى الله عليه وسلم: "فإن شهد شاهدان مسلمان فصوموا وأفطروا" في حديث عبد الرحمَن بن زيد، وقوله: "فإن لم نره وشهد شاهداً عدل نسكنا بشهادتهما" في حديث الحارث يدلان بمفهومهما على عدم جواز شهادة رجل واحد في الإفطار ولا يعارضه منطوق بل منطوق حديث ابن عمر وابن عباس وإن كان ضعيفاً يؤيدهما

(3/374)


قال أبو عيسى: حديثُ أبي بَكْرَةَ حديثٌ حسنٌ.
وقد رُوِيَ هذا الحديثُ عن عبدِ الرحمَنِ بنِ أبي بَكْرَةَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم مُرْسلاً.
قال أحمدُ: مَعْنَى هذا الحديثِ "شَهْرا عِيدٍ لا يَنْقُصَانِ" يقولُ: لا يَنْقُصَانِ مَعاً في سَنَةٍ واحِدَةٍ شَهْرُ رَمَضَانَ وذُو الحِجّةِ إنْ نقَصَ أحَدُهُمَا تَمّ الآخر.
وقال إسحاقُ: مَعْنَاهُ لا بَنْقُصَانِ، يقُولُ وإنْ كانَ تِسعاً وعِشْرِينَ فَهُوَ تَمَامٌ غَيْرُ نُقْصَانٍ. وعلى مَذْهَبِ إسحاقَ يَكُونُ يَنْقُصُ الشّهْرَانِ مَعاً في سَنَةٍ واحِدَةٍ.
ـــــــ
باب ما جَاء شَهْراً عِيد لا يَنْقُصَان
قوله: "رمضان وذو الحجة" بدلان وبيانان أطلق على رمضان أنه شهر عيد لقربه من العيد، ونظير قوله صلى الله عليه وسلم: "المغرب وتر النهار"، أخرجه الترمذي من حديث ابن عمر، وصلاة المغرب ليلية جهرية وأطلق كونها وتر النهار لقربها منه. قاله الحافظ.
قوله: "حديث أبي بكر حديث حسن" وأخرجه الشيخان فالظاهر أنه صحيح "قال أحمد" أي ابن حنبل رحمه الله "إن نقص أحدهما تم الآخر" أي إن جاء أحدهما تسعاً وعشرين جاء الآخر ثلاثين "وقال إسحاق" أي ابن راهويه رحمه الله وإن كان تسعاً وعشرين فهو تمام غير نقصان أي فهو تام في الفضيلة غير ناقص "وعلى مذهب إسحاق يكون ينقص الشهران معاً في سنة واحدة" أي على مذهب إسحاق يجوز أن ينقصا معاً في سنة واحدة وفي صحيح البخاري: وقال أبو الحسن: كان إسحاق بن راهويه يقول: لا ينقصان في الفضيلة إن كان تسعة وعشرين أو ثلاثين انتهى. وذكر ابن حبان لهذا الحديث معنيين: أحدهما ما قال إسحاق، والآخر أنهما في الفضل سواء لقوله في الحديث الآخر: ما من أيام العمل فيها أفضل من عشر ذي الحجة، وقيل معناه لا ينقصان في عام بعينه وهو العام الذي قال فيه صلى الله عليه وسلم تلك المقالة. وقيل: المعنى لا ينقصان في الأحكام، وبهذا جزم البيهقي وقبله الطحاوي فقال معنى لا ينقصان أي الأحكام فيهما وإن كانتا تسعة

(3/375)


ـــــــ
وعشرين متكاملة غير ناقصة عن حكمهما إذا كانا ثلاثين وقيل معناه لا ينقصان في نفس الأمر لكن ربما حال دون رؤية الهلال مانع، وهذا أشار إليه ابن حبان أيضاً ولا يخفي بعده. وقيل معناه لا ينقصان معاً في سنة واحدة على طريق الأكثر الأغلب وإن ندر وقوع ذلك، وهذا أعدل مما تقدم لأنه ربما وجد وقوعهما ووقوع كل منهما تسعة وعشرين. هذا تلخيص ما قاله الحافظ في فتح الباري.
وقال النووي في شرح مسلم: الأصح أن معناه لا ينقص أجرهما والثواب المرتب عليهما وإن نقص عددهما، وقيل معنا لا ينقصان جميعاً في سنة واحدة غالباً، وقيل لا ينقص ثواب ذي الحجة عن ثواب رمضان لأنه فيه المناسك حكاه الخطابي وهو ضعيف، والأول هو الصواب المعتمد، ومعناه أن قوله صلى الله عليه وسلم: "من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه"، وقوله: "من قام رمضاناً إيماناً واحتساباً"، وغير ذلك، فكل هذه الفضائل تحصل سواء تم عدد رمضان أم نقص انتهى.
قلت: الظاهر هو ما قاله النووي والله تعالى أعلم

(3/376)


بابما جاء لكل أهل بلد رؤيتهم
...
9ـ باب ما جَاء لِكُلّ أهْلِ بَلَدٍ رُؤْيَتُهُم
689 ـ حدثنا عَلِيّ بن حُجْرٍ، حدثنا إسماعيلُ بنُ جَعْفَر حدثنا محمدُ بنُ أبي حَرْمَلَةَ أخْبَرَنِي كُرَيْبٌ "أنّ أُمّ الفَضْلِ بِنْتَ الحَارِثِ بَعَثَتْهُ إلى مُعَاوِيَةَ بالشّامِ، قال: فَقَدِمْتُ الشّامَ فَقَضَيْتُ حَاجتَها واستُهِل عَليّ هِلاَلُ رَمَضَانَ وأنا بالشّامِ فرأَيْنَا الهِلاَلَ لَيْلَةَ الجُمُعَةِ، ثمّ قَدِمْتُ المَدِينَةَ في آخرِ الشهْرِ فَسَأَلَنِي ابنُ عبّاسٍ ثُمّ ذكَرَ الهِلاَلَ فقالَ متَى رأَيْتُمْ الهِلاَلَ؟ فقلت: رَأَيْنَاهُ لَيْلَةَ الجُمُعَةِ، فقال: أَأنْتَ رَأَيْتَهُ لَيْلَةَ الجُمُعَةِ؟ فَقلت: رَآهُ النّاسُ فَصَامُوا وصَام مُعَاويِةُ، قَالَ: لكنْ رأَيْنَاهُ لَيْلَةَ السّبْتِ فلا نَزَالُ نَصُوُمُ
ـــــــ
باب ما جَاء لِكُلّ أهْلِ بَلَدٍ رُؤْيَتُهُم
قوله: "بعثته" أي كريباً "واستهل على رمضان" بضم التاء من استهل قاله النووي يعني بصيغة المجهول "فرأينا الهلال" وفي رواية مسلم: فرأيت الهلال "فقال أنت رأيته ليلة الجمعة فقلت رآه الناس وصاموا وصام معاوية " وفي رواية

(3/376)


حتى نُكْمِلَ ثلاثينَ يَوْماً أو نَرَاهُ، فَقُلْتُ ألا تَكْتَفِي بِرُؤيَةِ مُعَاوِيَةَ وصِيَامِهِ؟ قال: لا هكَذَا أَمَرَنا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم".
قال أبو عيسى: حديثُ ابنِ عبّاسٍ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ.
والعملُ على هذا الحديثِ عندَ أهلِ العلمِ أَنّ لِكُلّ أهْلِ بَلَدٍ رُؤْيَتهُمْ.
ـــــــ
مسلم: فقال أنت رأيته؟ فقلت: نعم ورآه الناس وصاموا وصام معاوية "فقال لكن رأيناه" أي فقال ابن عباس: لكن رأيناه "حتى نكمل" من الإكمال أو التكميل "فقلت ألا تكتفي برؤية معاوية وصيامه قال لا الخ" هذا بظاهره يدل على أن لكل أهل بلد رؤيتهم ولا تكفي رؤية أهل بلد لأهل بلد آخر. قال النووي في شرح مسلم: والصحيح عند أصحابنا أن الرؤية لا تعم الناس بل تختص بمن قرب على مسافة لا تقصر فيها الصلاة، وقيل إن اتفق المطلع لزمهم وإن اتفق الإقليم وإلا فلا. وقال بعض أصحابنا: تعم الرؤية في موضع جميع أهل الأرض، فعلى هذا تقول: إنما لم يعمل ابن عباس بخبر كريب لأنه شهادة فلا تثبت بواحد، لكن ظاهر حديثه أنه لم يرده لهذا وإنما رده لأن الرؤية لا يثبت حكمها في حق البعيد انتهى.
قوله: "حديث ابن عباس حديث حسن صحيح" وأخرجه مسلم.
قوله: "والعمل على هذا عند أهل العلم أن لكل أهل بلد رؤيتهم" ظاهر كلام الترمذي هذا أنه ليس في هذا اختلاف بين أهل العلم والأمر ليس كذلك.
قال الحافظ في الفتح: قد اختلف العلماء في ذلك على مذاهب: أحدها لأهل كل بلد رؤيتهم، وفي صحيح مسلم من حديث ابن عباس ما يشهد له، وحكاه ابن المنذر عن عكرمة والقاسم وسالم وإسحاق، وحكاه الترمذي عن أهل العلم ولم يحك سواه، وحكى الماوردي وجهاً للشافعية.
ثانيها: مقابله إذا رؤى ببلدة لزم أهل البلاد كلها وهو المشهور عند المالكية، لكن حكى ابن عبد البر الإجماع على خلافه، وقال أجمعوا على أنه لا تراعى الرؤية فيما بعد من البلاد كخراسان والأندلس. قال القرطبي: قد قال شيوخنا إذا كانت رؤية الهلال ظاهرة قاطعة بموضع ثم نقل إلى غيرهم بشهادة اثنين لزمهم الصوم. وقال بان الماجشون: لا يلزمهم بالشهادة إلا لأهل البلد الذي ثبتت فيه الشهادة إلا أن يثبت عند الإمام الأعظم فيلزم الناس كلهم لأن البلاد في حقه كالبلد الواحد

(3/377)


ـــــــ
إذ حكمه نافذ في الجميع. وقال بعض الشافعية: إن تقاربت البلاد كان الحكم واحداً وإن تباعدت فوجهان لا يجب عند الأكثر، واختار أبو الطيب وطائفة الوجوب، وحكاه البغوي عن الشافعي وفي ضبطه البعد أوجه: أحدها اختلاف المطالع، قطع به العراقيون والصيدلاني وصححه النووي في الروضة وشرح المهذب ثانيها مسافة القصر قطع به الإمام البغوي وصححه الرافعي في الصغير والنووي في شرح مسلم، ثالثها: اختلاف الأقاليم، رابعها: حكاه السرخسي فقال: يلزم كل بلد لا يتصور خفاؤه عنهم بلا عارض دون غيرهم، خامسها: قول ابن ماجشون المتقدم. انتهى كلام الحافظ.
قلت: حديث ابن عباس الذي يشهد القول الأول أخرجه الجماعة إلا البخاري وابن ماجه عن كريب أن أم الفضل بعثته إلى معاوية بالشام فقال فقدمت الشام فقضيت حاجتها واستهل على رمضان وأنا بالشام فرأيت الهلال ليلة الجمعة، ثم قدمت المدينة في آخر الشهر فسألني عبد الله بن عباس ثم ذكر الهلال. فقال متى رأيتم الهلال؟ فقلت رأيناه ليلة الجمعة، فقال أنت رأيته؟ فقلت نعم ورآه الناس وصاموا وصام معاوية، فقال لكنا رأيناه ليلة السبت فلا نزال نصوم حتى نكمل الثلاثين أو نراه، فقلت ألا تكتفي برؤية معاوية وصيامه؟ فقال: لا هكذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال الشوكاني في النيل بعد ذكر الأقوال التي ذكرها الحافظ ما لفظه: وحجة أهل هذه الأقوال حديث كريب هذا، ووجه الاحتجاج به أن ابن عباس لم يعمل برؤية أهل الشام وقال في آخر الحديث: هكذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدل ذلك على أنه قد حفظ من رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه لا يلزم أهل بلد العمل برؤية أهل بلد آخر. واعلم أن الحجة إنما هي في المرفوع من رواية ابن عباس لا في اجتهاده الذي فهم عنه الناس والمشار إليه بقوله: هكذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم هو قوله: فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين، والأمر الكائن من رسول الله صلى الله عليه وسلم هو ما أخرجه الشيخان وغيرهما بلفظ: لا تصوموا حتى تروا الهلال ولا تفطروا حتى تروه فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين، وهذا لا يختص بأهل ناحية على جهة الإنفراد بل هو خطاب لكل من يصلح له من المسلمين، فالاستدلال به على لزوم رؤية أهل بلد لغيرهم من أهل البلاد أظهر من الاستدلال به على عدم اللزوم، لأنه إذا رآه أهل بلد فقد رآه المسلمون فيلزم غيرهم ما لزمهم. ولو سلم توجه الإشارة في كلام ابن عباس إلى عدم لزوم رؤية

(3/378)


10 ـ باب ما جَاء ما يُسْتَحَبّ عَلَيْهِ الإفْطَار
690 ـ حدثنا محمدُ بنِ عُمَرَ بنِ علي المُقدّميّ حدثنا سَعِيد بنِ عامِرٍ حدثنا شعْبَةُ عن عبدِ العزيزِ بنِ صُهَيْبٍ عن أنسِ بنِ مالكٍ قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم "مَنْ وَجَدَ تَمْراً فَلْيُفْطِرْ عَلَيْهِ ومنْ لاَ فلْيُفْطِرْ على مَاءٍ فإِنّ الماء طَهُورٌ".
ـــــــ
أهل بلد لأهل بلد آخر، لكان عدم اللزوم مقيدأ بدليل العقل وهو أن يكون بين القطرين من البعد ما يجوز معه اختلاف المطالع. وعدم عمل ابن عباس برؤية أهل الشام مع عدم البعد الذي يمكن معه الاختلاف عمل بالاجتهاد وليس بحجة، ولو سلم عدم لزوم التقييد بالعقل فلا يشك أن الأدلة قاضية بأن أهل الأقطار يعمل بعضهم بخبر بعض وشهادته في جميع الأحكام الشرعية والرؤية من جملتها، وسواء كان بين القطرين من البعد ما يجوز معه اختلاف المطالع أم لا، فلا يقبل التخصيص إلا بدليل. ولو سلم صلاحية حديث كريب هذا للتخصيص فينبغي أن يقتصر فيه على محل النص إن كان النص معلوماً أو على المفهوم منه إن لم يكن معلوماً لو رووه على خلاف القياس، ولم يأت ابن عباس بلفظ النبي صلى الله عليه وسلم ولا بمعنى لفظه حتى ننظر في عمومه وخصوصه، إنما جاء بصيغة مجملة أشار بها إلى قصة هي عدم عمل أهل المدينة برؤية أهل الشام على تسليم أن ذلك المراد، ولم نفهم منه زيادة على ذلك حتى نجعله مخصصاً لذلك العموم، فينبغي الاقتصار على المفهوم من ذلك الوارد على خلاف القياس وعدم الإلحاق به، فلا يجب على أهل المدينة العمل برؤية أهل الشام دون غيرهم، ويمكن أن يكون في ذلك حكمة لا تعقلها. ولو تسلم صحة الإلحاق وتخصيص العموم به، فغايته أن يكون في المحلات التي بينها من البعد ما بين المدينة والشام أو أكثر وأما في أقل من ذلك فلا، وهذا ظاهر فينبغي أن ينظر ما دليل من ذهب إلى اعتبار البريد أو الناحية أو البلد في المنع من العمل بالرؤية. والذي ينبغي اعتماده هو ما ذهب إليه المالكية وحكاه القرطبي عن شيوخه أنه إذا رآه أهل بلد لزم أهل البلاد كلها، ولا يلتفت إلى ما قاله ابن عبد البر من أن هذا القول خلاف الإجماع، قال لأنهم قد أجمعوا على أنه لا تراعى الرؤية فيما بعد من البلدان كخراسان والأندلس، وذلك لأن الإجماع لا يتم والمخالف مثل هؤلاء الجماعة. انتهى كلام الشوكاني فتفكر وتأمل

(3/379)


باب ما جاء أن الفطر يوم تفطرون والأضحى يوم تضحون
...
11 ـ باب ما جَاء الصوم يوم تصومون والفطر يوم تفطرون والأضحى يوم تُضحّون
693 ـ أخبرني محمدُ بنُ إسماعيل أخبرنا إبراهيم بنُ المُنْذِرِ أخبرنا إسحاقُ بنُ جَعْفَرٍ بنِ محمدٍ: حدّثَنِي عبدُ الله بنُ جَعْفَرٍ عن عثمانَ بنِ محمدٍ الأَخْنَسي عن سعيدٍ المَقْبُرِيّ عن أبي هُرَيْرَةَ أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال "الصّوْمُ يَوْمَ تَصُومُونَ، والفِطْرُ يومَ تَفْطِرُونَ، والأضْحَى يَوْم تُضَحُونَ".
ـــــــ
باب ما جَاء الصوم يوم تصومون والفطر يوم تفطرون والأضحى يوم تُضحّون
قوله: "الصوم يوم تصومون الخ" هذا الحديث رواه أبو داود وابن ماجه أيضاً إلا أنهما لم يذكرا الصوم يوم تفطرون وفي الباب عن عائشة رضي الله عنها بلفظ

(3/382)


قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ وفَسّرَ بَعْضُ أهلِ العلمِ هذا الحديثَ فقال: إنّما مَعْنَى هذا، أنّ الصّوْم والفِطْر مع الجَمَاعَةِ وعظَمِ النّاسِ.
ـــــــ
قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الفطر يوم يفطر الناس والأضحى يوم يضحي الناس"، أخرجه الترمذي وصححه وأخرجه الدارقطني أيضاً وقال: وقفه عليها هي الصواب.
قوله: "هذا حديث غريب حسن" وسكت عنه أبو داود والمنذري، وقال الشوكاني في النيل: رجال إسناده ثقات انتهى.
قوله: "وفسر بعض أهل العلم هذا الحديث فقال: إنما معنى هذا الصوم والفطر مع الجماعة وعظم الناس" بكسر العين وفتح الظاء أي كثرة الناس. وقال الخطابي في معنى الحديث: إن الخطأ مرفوع عن الناس فيما كان سبيله الاجتهاد، فلو أن قوماً اجتهدوا فلم يروا الهلال إلا بعد ثلاثين فلم يفطروا حتى استوفوا العدد ثم ثبت عندهم أن الشهر كان تسعاً وعشرين فإن صومهم وفطرهم ماض لا شيء عليهم من وزر أو عيب، وكذلك هذا في الحج إذا أخطأوا يوم عرفة فإنه ليس عليهم إعادته. وقال المنذري في تلخيص السنن: وقيل فيه الإشارة إلى أن يوم الشك لا يصام احتياطاً وإنما يصوم يوم يصوم الناس، وقيل فيه الرد على من يقول إن من عرف طلوع القمر بتقدير حساب المنازل جاز له أن يصوم به ويفطر دون من لم يعلم، وقيل إن الشاهد الواحد إذا رأى الهلال ولم يحكم القاضي بشهادته أن هذا لا يكون هذا صوماً له كما لم يكن للناس انتهى. قال الشوكاني في النيل بعد كلام المنذري. وقد ذهب إلى الأخير محمد بن الحسن الشيباني قال: إنه يتعين على المنفرد برؤية هلال الشهر حكم الناس في الصوم والحج وإن خالف ما تيقنه، وروى مثل ذلك عن عطاء والحسن، والخلاف في ذلك للجمهور فقالوا يتعين عليه حكم نفسه فيما تيقنه وفسروا الحديث بمثل ما ذكر الخطابي. وقيل في معنى الحديث إنه إخبار بأن الناس يتحزبون أحزاباً ويخالفون الهدي النبوي، فطائفة تعمل بالحساب وعليه أمة من الناس، وطائفة يقدمون الصوم والوقوف بعرفة وجعلوا ذلك شعاراً وهم الباطنية، وبقي على الهدى النبوي الفرقة التي لا تزال ظاهرة على الحق فهي المرادة بلفظ الناس في الحديث وهي السواد الأعظم ولو كانت قليلة العدد، كذا في النيل

(3/383)


12ـ باب ما جَاءَ إذا أقْبلَ اللّيْلُ وأَدْبَرَ النّهَارُ فَقَدْ أفطرَ الصّائِم
694 ـ حدثنا هارونُ بنُ إسحاقَ الهَمَدَانِي حدثنا عَبْدَةُ بن سليمان عن هِشامِ بنِ عُرْوَةَ عن أبيهِ عن عَاصِمِ بنِ عُمَرَ عن عُمَر بنِ الخطّابِ قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم "إذا أقْبَلَ اللّيْلُ وأَدْبَرَ النّهَارُ وغَابَتِ الشّمس فقَدْ أَفْطَرْتَ".
قال: وفي الباب عن ابنِ أبي أَوْفَى وأَبى سعيدٍ
ـــــــ
باب ما جَاءَ إذا أقْبلَ اللّيْلُ وأَدْبَرَ النّهَارُ فَقَدْ أفطرَ الصّائِم
قوله: "إذا أقبل الليل" أي ظلامه من جهة المشرق "وأدبر النهار" أي ضياؤه من جانب المغرب "وغربت الشمس" أي غابت كلها: قال الطيبي: وإنما قال: وغربت الشمس مع الاستغناء عنه لبيان كمال الغروب كيلا يظن أنه يجوز الإفطار لغروب بعضها انتهى. وقال الحافظ في الفتح: ذكر في هذا الحديث ثلاثة أمور لأنها وإن كانت متلازمة في الأصل لكنها قد تكون في الأصل غير متلازمة، فقد يظن إقبال الليل من جهة المشرق ولا يكون إقباله حقيقة بل لوجود أمر يغطي ضوء الشمس، وكذلك إدبار النهار فمن ثم قيد بقوله: وغربت الشمس إشارة إلى اشتراط تحقق الإقبال والأدبار وأنهما بواسطة غروب الشمس لا بسبب آخر انتهى "فقد أفطرت" وفي رواية الشيخين: فقد أفطر الصائم. قال الحافظ: أي دخل في وقت الفطر كما يقال. أنجد إذا أقام بنجد وأتهم إذا أقام بتهامة، ويحتمل أن يكون معناه فقد صار مفطراً في الحكم لكون الليل ليس ظرفاً للصيام الشرعي، وقد رد هذا الاحتمال ابن خزيمة وأومأ إلى ترجيح الأول فقال: قوله "فقد أفطر الصائم" لفظ خبر ومعناه الأمر أي فليفطر الصائم. ورجح الحافظ الاحتمال الأول برواية شعبة بلفظ: فقد حل الإفطار. وقال الطيبي: ويمكن أن يحمل الإخبار على الإنشاء إظهاراً للحرص على وقوع المأمور به انتهى.
قوله: "وفي الباب عن ابن أبي أوفى وأبي سعيد" أما حديث ابن أبي أوفى فأخرجه البخاري ومسلم، وأما حديث أبي سعيد فلم أقف عليه، وذكر البخاري في صحيحه تعليقاً من فعله بلفظ: وأفطر أبو سعيد الخدري حين غاب قرص الشمس. قال الحافظ في الفتح: وصله سعيد بن منصور وابن أبي شيبة من طريق عبد الواحد ابن أيمن عن أبيه قال: دخلنا على أبي سعيد فأفطر ونحن نرى أن الشمس لم تغرب.

(3/384)


قال أبو عيسى: حديثُ عُمَر حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.

(3/385)


13ـ باب ما جَاءَ في تَعْجِيلِ الإفْطَار
695 ـ حدثنا محمد بن بشار حدثنا عبدُ الرحمَن بنُ مَهْدِي عن سُفْيَانَ عن أبي حَازِمٍ ح قال وأخبرنا أبو مُصْعَبٍ قِرَاءَةً عن مَالِك عن أبي حَازِمٍ عن سهْلِ بنِ سَعْدٍ قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم "لا يَزَالُ الناسُ بِخَيْر مَا عَجّلُوا الفِطْرَ".
قال: وفي البابِ عن أبي هريرةَ وابنِ عباسٍ وعائشةَ وأنسِ بنِ مالكٍ.
ـــــــ
باب ما جَاءَ في تَعْجِيلِ الإفْطَار
قوله: "لا يزال الناس بخير" في حديث أبي هريرة: لا يزال الدين ظاهراً، وظهور الدين مستلزم لدوام الخير "ما عجلوا الفطر " أي ما داموا على هذه السنة، زاد أبو ذر في حديثه: وأخروا السحور، أخرجه أحمد، "وما" ظرفية، أي مدة فعلهم ذلك امتثالاً للسنة واقفين عند حدها غير متنطعين بعقولهم ما يغير قواعدها زاد أبو هريرة: لأن اليهود والنصارى يؤخرون، أخرجه أبو داود وغيره. واتفق العلماء على أن محل ذلك إذا تحقق غروب الشمس بالرؤية أو بإخبار عدلين وكذا عدل واحد في الأرجح، قاله الحافظ في الفتح: قال القاري: قال بعض علمائنا: ولو أخر لتأديب النفس ومواصلة العشاءين بالنفل غير معتقد وجوب التأخير لم يضره ذلك، أقول: بل يضره حيث يفوته السنة، وتعجيل الإفطار بشربة ماء لا ينافي التأديب والمواصلة، مع أن في التعجيل إظهار العجز المناسب للعبودية ومبادرة إلى قبول الرخصة من الحضرة الربوبية انتهى كلام القاري.
قوله: "وفي الباب عن أبي هريرة" أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه مرفوعاً بلفظ: لا يزال هذا الدين ظاهراً ما عجل الناس الفطر لأن اليهود والنصارى يؤخرون " وابن عباس" أخرجه الطيالسي بلفظ: قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنا معشر الأنبياء أمرنا أن نعجل إفطارنا ونؤخر سحورنا، ونضع

(3/385)


قال أبو عيسى: حديثُ سَهْلِ بنِ سَعْدٍ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وهو الذي اختارَهُ أهلُ العلمِ من أصحابِ النبيّ صلى الله عليه وسلم وغيرهِم اسْتَحَبّوا تَعْجِيلٍ الفِطْرِ. وبه يقولُ الشافعيّ وأحمدُ وإسحاقُ.
696 ـ حدثنا إسحاق بنُ موسى الأنْصَاريّ حدثنا الوليدُ بنُ مُسْلِمٍ عن الأوزاعِيّ عن قُرّةَ بن عبد الرحمن عن الزهْرِيّ عن أبي سَلَمَةَ عن أبي هُريرةَ قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم "قال الله عزّ وجلّ: أحبُ عِبَادِي إليّ أَعْجَلُهُمْ فِطْراً".
697 ـ حدثنا عبدُ الله بنُ عبدِ الرحمَنِ أخبرنا أبو عاصِمٍ و أبو المُغِيرَةِ عن الأوزَاعِي بهذا الإسناد نحوَهُ.
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ.
ـــــــ
أيماننا على شمائلنا في الصلاة"، كذا في سراج السرهندي "وعائشة رضي الله عنها" أخرجه الترمذي "وأنس بن مالك" أخرجه الحاكم وابن عساكر بلفظ: من فقه الرجل في دينه تعجيل فطره، وتأخير سحوره، وتسحروا فإنه الغذاء المبارك.
قوله: "حديث سهل بن سعد حديث حسن صحيح" وأخرجه البخاري ومسلم.
قوله: "وهو الذي اختاره أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الخ" أخرجه عبد الرزاق وغيره بإسناد قال الحافظ صحيح عن عمرو بن ميمون الأودي قال: كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أسرع الناس إفطاراً وأبطأهم سحوراً انتهى.
قوله: "أحب عبادي إلي أعجلهم فطراً" أي أكثرهم تعجيلاً في الإفطار. قال الطيبي: ولعل السبب في هذه المحبة المتابعة للسنة والمباعدة عن البدعة والمخالفة لأهل الكتاب انتهى. وقال القاري: وفيه إيماء إلى أفضلية هذه الأمة لأن متابعة الحديث توجب محبة الله تعالى {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} وإليه الإشارة بحديث: لا يزال الدين ظاهراً ما عجل الناس الفطر لأن اليهود والنصارى يؤخرون انتهى.
قوله: "هذا حديث حسن غريب" ورواه أحمد وابن حزيمة وابن حبان في صحيحهما نقله ميرك، كذا في المرقاة.

(3/386)


698 ـ حدثنا هنادٌ حدثنا أبو مُعاوِيَةَ عن الأعمشِ عن عُمَارَةَ بنِ عُمَيْرٍ عن أبي عَطِيّةَ قال: دخَلْتُ أنا ومَسْروقٌ على عائشةَ فَقُلْنَا يا أُمّ المُؤْمِنِينَ رَجُلاَنِ مِنْ أصْحَابِ النبيّ صلى الله عليه وسلم أَحَدُهُمَا يُعَجّلُ الإِفْطَارَ ويُعَجّلُ الصّلاةَ، والآخر يُؤخّرُ الإفطَارَ ويؤَخّرُ الصلاةَ. قالت: أيّهُما يُعَجّلُ الإفطَارَ ويُعَجّلُ الصلاةَ؟ قلنا عبدُ الله بنُ مَسْعُودٍ، قالت: هكذَا صَنَعَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم. والآخر أبو مُوسى.
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وأبو عطيةَ اسْمُهُ مَالِكُ بنُ أَبِي عَامِر الهَمدَانِيّ ويقال: ابن عَامِرٍ الهَمْدَانيّ وابن عامرٍ أَصَحّ.
ـــــــ
قوله: "ويعجل الصلاة" الظاهر أن المراد صلاة المغرب، ويمكن حملها على العموم وتكون المغرب من جملتها، قاله أبو الطيب السندي "والآخر أبو موسى" قال الطيبي: الأول عمل بالعزيمة والسنة والثاني بالرخصة انتهى. قال القاري: وهذا إنما يصح لو كان الاختلاف في الفعل فقط أما إذا كان الاختلاف قولياً فيحمل على أن ابن مسعود اختار المبالغة في التعجيل وأبو موسى اختار عدم المبالغة فيه، وإلا فالرخصة متفق عليها عند الكل، والأحسن أن يحمل عمل ابن مسعود على السنة وعمل أبي موسى على بيان الجواز انتهى.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه مسلم

(3/387)


14 ـ باب ما جَاءَ في تَأْخِيرِ السّحُور
699 ـ حدثنا يَحْيَى بنُ موسى حدثنا أبو داوُدَ الطيالِسِيّ حدثنا هِشَامٌ الدّسْتَوَائِي عن قَتَادَةَ عن أنسِ بن مالك عن زَيْدِ بن ثابتٍ قال "تَسَحّرْنَا مع النبيّ صلى الله عليه وسلم ثم قُمْنَا إلى الصلاةِ قال: قلت كَمْ كانَ قَدْرُ ذلكَ؟ قال: قَدْرُ خَمْسِينَ آيةً".
ـــــــ
"باب ما جاء في تأخير السحور"
بفتح السين وهو ما يتسحر به من الطعام وبالضم مصدر
قوله: "قال: قلت" أي قال أنس: قلت لزيد بن ثابت "كم كان قدر ذاك؟"

(3/378)


15 ـ باب ما جَاءَ في بَيَانِ الفَجْر
701 ـ حدثنا هَنّادٌ حدثنا مُلاَزِمُ بنُ عَمْروٍ حدّثني عبدُ الله بنُ النّعْمَانِ عن قَيْسِ بنِ طَلْقِ بنِ عليَ حدّثني أبي طَلْقُ بنُ علي أنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: "كُلُوا واشْرَبُوا ولا يَهِيْدَنّكُمُ السّاطِعُ المُصْعَدُ وكُلُوا واشْرَبُوا حتى يَعْتَرِضَ لكُم الأحْمَرُ".
قال: وفي البابِ عن عَدِيّ بنِ حاتِمٍ وأبي ذر وسَمُرَةَ.
ـــــــ
باب ما جَاءَ في بَيَانِ الفَجْر
قوله: "أخبرنا ملازم بن عمرو" بن عبد الله بن بدر أبو عمرو اليمامي صدوق من الثامنة كذا في التقريب، قلت: روي عن عبد الله بن نعمان وغيره وعنه هناد وغيره، وقال ابن معين وأبو زرعة والنسائي ثقة "قال حدثني عبد بن النعمان" السحيمي اليمامي مقبول من السادسة كذا في التقريب وقال في الخلاصة: وثقه ابن حبان "ولا يهيدنكم" بفتح أوله وبالدال من هاده يهيده هيداً وهو الزجر "الساطع المصعد" بصيغة المفعول من الإصعاد أي المرتفع. قال في المجمع: أي لا تنزعجوا للفجر المستطيل فتمتنعوا به عن السحور فإنه الصبح الكاذب، وأصل الهيد الحركة انتهى. وقال الحافظ في الفتح: قوله "لا يهيدنكم" بكسر الهاء أي لا يزعجنكم فتمتنعوا به عن السحور فإنه الفجر الكاذب، يقال: هدته أهيده إذا أزعجته. ولإبن أبي شيبة عن ثوبان مرفوعاً: الفجر فجران، فأما الذي كأنه ذنب السرحان فإنه لا يحل شيئاً ولا يحرمه ولكن المستطير، أي هو الذي يحرم الطعام ويحل الصلاة، وهذا موافق للآية الماضية يعني {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ} " حتى يعترض لكم الأحمر" أي الفجر الأحمر المعترض من المراد به الصبح الصادق. وفي عمدة القاري: قوله الساطع المصعد قال الخطابي: سطوعه ارتفاعه مصعداً قبل أن يعترض، قال ومعنى الأحمر ههنا أن يستبطن البياض المعترض أوائل حمرة. انتهى ما في العمدة.
قوله: "وفي الباب عن عدي بن حاتم وأبي ذر وسمرة" أما حديث عدي بن

(3/389)


قال أبو عيسى: حديثُ طَلْقِ بن علي حديثٌ حسنٌ غريبٌ مِنْ هذا الوجْهِ. والعملُ على هذا عندَ أهلِ العلمِ أنه لا يَحْرُم على الصّائِمِ الأكلُ والشرْبُ حتى يكُونَ الفَجْرُ الأحْمَر المُعْتَرِضُ. وبهِ يقولُ عَامّةُ أهلِ العلمِ.
أخبرنا هَنّادٌ و يوسُفُ بنُ عيسى قالا أخبرنا وَكيعٌ عن أبي هِلاَلِ عن سَوَادَةَ بنِ حَنْظَلَةَ "هو القشيري" عن سَمُرَةَ بنِ جُنْدُبٍ قال: قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم "لا يُمْنَعَنّكُمْ مِنْ سُحُورِكُم أذانُ بِلاَلٍ ولا الفَجْرُ المُسْتَطِيل ولكنِ الفَجْرُ المُسْتَطيرُ في الأفُقِ".
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ.
ـــــــ
حاتم فأخرجه الشيخان وأخرجه أيضاً الترمذي في كتاب التفسير، وأما حديث أبي ذر فأخرجه الطحاوي في شرح الآثار بلفظ: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لبلال: إنك تؤذن إذا كان الفجر ساطعاً وليس ذلك الصبح إنما الصبح هكذا معترضاً كذا في نصب الراية. وأما حديث سمرة فأخرجه مسلم مرفوعاً بلفظ: لا يغرنكم من سحوركم أذان بلال ولا بياض الأفق المستطيل هكذا حتى يستطير هكذا يعني معترضاً. وفي رواية: ولا هذا البياض حتى يستطير، وأخرجه الترمذي في هذا الباب.
قوله: "حديث طلق بن علي حديث حسن غريب من هذا الوجه" ذكر الحافظ هذا الحديث في فتح الباري وسكت عنه.
قوله: "وبه يقول عامة أهل العلم" من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والتابعين وغيرهم وعليه تدل الأحاديث المرفوعة الصحيحة. وذهب معمر وسليمان الأعمش وأبو مجلز والحكم بن عتيبة إلى جواز التسحر ما لم تطلع الشمس، واحتجوا في ذلك بحديث حذيفة الذي أشار إليه الترمذي وذكرنا لفظه. وقال ابن حزم عن الحسن: كل ما امتريت. وعن ابن جريج قلت لعطاء أيكره أن أشرب وأنا في البيت لا أدري لعلي أصبحت؟ قال لابأس بذلك هو شك. وقال ابن أبي شيبة حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن مسلم قال: لم يكونوا يعدون الفجر فجركم إنما كانوا يعدون الفجر الذي يملأ البيوت والطرق. وعن معمر أنه كان يؤخر السحور

(3/390)


ـــــــ
جداً حتى يقول الجاهل لا صوم له. وروى سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن المنذر من طرق عن أبي بكر أنه أمر بغلق الباب حتى لا يرى الفجر. وروى ابن المنذر بإسناد صحيح عن علي رضي الله عنه أنه صلى الصبح ثم قال: الآن حين يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود. وقال ابن المنذر: ذهب بعضهم إلى أن المراد بتبيين بياض النهار من سواد الليل أن ينتشر البياض من الطرق والسكك والبيوت. وروي بإسناد صحيح عن سالم بن عبيد الأشجعي وله صحبة أن أبا بكر رضي الله عنه قال له: اخرج فانظر هل طلع الفجر؟ قال فنظرت ثم أتيته فقلت قد أبيض وسطع، ثم قال اخرج فانظر هل طلع؟ فنظرت فقلت قد اعترض فقال الآن ابلغني شرابي. وروى من طريق وكيع عن الأعمش أنه قال: لولا الشهرة لصليت الغداة ثم تسحرت، كذا في عمدة القاري وفتح الباري.
قلت: تقدم الجواب عن حديث حذيفة، وأما الآثار فهي لا تقاوم الأحاديث المرفوعة الصحيحة

(3/391)


16ـ باب ما جَاءَ في التشْدِيدِ في الغيْبَةِ للصّائِم
702 ـ حدثنا أبو موسى محمدُ بنُ المُثَنّى حدثنا عُثْمَانُ بنُ عُمَرَ قال وأخبرنا ابنُ أبي ذِئْبٍ عن المَقْبُرِيّ عن أبيهِ عن أبي هُريرةَ أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال "مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزّورِ والعَمَلَ بهِ فَلَيْسَ لله حاجَةٌ بأَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وشَرَابَهُ".
ـــــــ
باب ما جَاءَ في التشْدِيدِ في الغيْبَةِ للصّائِم
قوله: "من لم يدع" أي لم يترك "قول الزور" زاد البخاري في رواية "والجهل" قال الحافظ في الفتح: المراد بقول الزور الكذب انتهى. وقال القاري: المراد به الباطل، وهو ما فيه اسم والإضافة بيانية. وقال الطيبي: الزور الكذب والبهتان، أي من لم يترك القول الباطل من قول الكفر وشهادة الزور والإفتراء والغيبة والبهتان والقذف والشتم واللعن وأمثالها مما يجب على الإنسان اجتنابها ويحرم عليه ارتكابها " والعمل" بالنصب "وبه" أي بالزور يعني الفواحش من الأعمال لأنها في الإثم كالزور. وقال الطيبي: هو العمل بمقتضاه من الفواحش وما نهى الله عنه " فليس لله حاجة" أي التفات ومبالاة، وهو مجاز عن عدم القبول

(3/391)


قال: وفي البابِ عن أنسِ.
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
به نفي السبب وإرادة نفي المسبب "بأن يدع طعامه وشرابه" فإنهما مباحان في الجملة فإذا تركهما وارتكب أمراً حراماً من أصله استحق المقت وعدم قبول طاعته. قال القاضي: المقصود من الصوم كسر الشهوة وتطويع الأمارة، فإذا لم يحصل منه ذلك لم يبال بصومه ولم ينظر إليه نظر عناية، فعدم الحاجة عبارة عن عدم الإلتفات والقبول، وكيف يلتفت إليه والحال أنه ترك ما يباح من غير زمان الصوم من الأكل والشرب وارتكب ما يحرم عليه في كل زمان انتهى. قال ابن بطال: ليس معناه أن يؤمر بأن يدع صيامه وإنما معناه التحذير من قول الزور وما ذكر معه، وهو مثل قوله: من باع الخمر فليشقص الخنازير أي يذبحها، ولم يأمره بذبحها ولكنه على التحذير والتعظيم لإثم بائع الخمر. وأما قوله "فليس" لله حاجة فلا مفهوم له، فإن الله لا يحتاج إلى شيء انتهى. قال الحافظ في الفتح: قال شيخنا يعني العراقي في شرح الترمذي: لما أخرج الترمذي هذا الحديث ترجم ما جاء في التشديد في الغيبة للصائم وهو مشكل لأن الغيبة ليست قول الزور ولا العمل به لأنها أن يذكر غيره بما يكره، وقول الزور هو الكذب، وقد وافق الترمذي بقية أصحاب السنن فترجموا بالغيبة وذكروا هذا الحديث، وكأنهم فهموا من ذكر قول الزور والعمل به الأمر بحفظ النطق، ويمكن أن يكون فيه إشارة إلى الزيادة التي وردت في بعض طرقه وهي الجهل، فإنه يصح إطلاقه على جميع المعاصي. وأما قوله "والعمل به" فيعود على الزور، ويحتمل أن يعود أيضاً على الجهل أي والعمل بكل منهما انتهى.
قوله: "وفي الباب عن أنس" أخرجه الطبراني في الأوسط بلفظ: من لم يدع الخنا والكذب، ورجاله ثقات، قاله الحافظ في الفتح.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" أخرجه الجماعة إلا مسلماً والنسائي

(3/392)


17 ـ باب ما جَاء في فَضْلِ السّحُور
703ـ حدثنا قُتَيْبَةُ حدثنا أبو عَوَانَةَ عن قَتَادَةَ و عبدِ العَزِيزِ بنِ
ـــــــ
به نفي السبب وإرادة نفي المسبب "بأن يدع طعامه وشرابه" فإنهما مباحان في الجملة فإذا تركهما وارتكب أمراً حراماً من أصله استحق المقت وعدم قبول طاعته. قال القاضي: المقصود من الصوم كسر الشهوة وتطويع الأمارة، فإذا لم يحصل منه ذلك لم يبال بصومه ولم ينظر إليه نظر عناية، فعدم الحاجة عبارة عن عدم الإلتفات والقبول، وكيف يلتفت إليه والحال أنه ترك ما يباح من غير زمان الصوم من الأكل والشرب وارتكب ما يحرم عليه في كل زمان انتهى. قال ابن بطال: ليس معناه أن يؤمر بأن يدع صيامه وإنما معناه التحذير من قول الزور وما ذكر معه، وهو مثل قوله: من باع الخمر فليشقص الخنازير أي يذبحها، ولم يأمره بذبحها ولكنه على التحذير والتعظيم لإثم بائع الخمر. وأما قوله "فليس" لله حاجة فلا مفهوم له، فإن الله لا يحتاج إلى شيء انتهى. قال الحافظ في الفتح: قال شيخنا يعني العراقي في شرح الترمذي: لما أخرج الترمذي هذا الحديث ترجم ما جاء في التشديد في الغيبة للصائم وهو مشكل لأن الغيبة ليست قول الزور ولا العمل به لأنها أن يذكر غيره بما يكره، وقول الزور هو الكذب، وقد وافق الترمذي بقية أصحاب السنن فترجموا بالغيبة وذكروا هذا الحديث، وكأنهم فهموا من ذكر قول الزور والعمل به الأمر بحفظ النطق، ويمكن أن يكون فيه إشارة إلى الزيادة التي وردت في بعض طرقه وهي الجهل، فإنه يصح إطلاقه على جميع المعاصي. وأما قوله "والعمل به" فيعود على الزور، ويحتمل أن يعود أيضاً على الجهل أي والعمل بكل منهما انتهى.
قوله: "وفي الباب عن أنس" أخرجه الطبراني في الأوسط بلفظ: من لم يدع الخنا والكذب، ورجاله ثقات، قاله الحافظ في الفتح.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" أخرجه الجماعة إلا مسلماً والنسائي

(3/392)


صُهَيْبٍ عن أنَسٍ بنِ مالكٍ أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال "تَسَحّرُوا فإنّ في السّحُورِ بَرَكَةً".
قال: وفي البابِ عن أبي هريرة وعبدِ الله بنِ مَسْعُودٍ وجَابرِ بنِ عبدِ الله وابنِ عباسٍ وعَمْرِو بنِ العاصِ والعِربَاضِ بنِ سَارِيَةَ وعُتْبَةَ بنِ عَبْد الله وأبِي الدّارْدَاءِ.
ـــــــ
باب ما جَاء في فَضْلِ السّحُور
بالفتح هو اسم ما يتسحر به من الطعام والشراب، وبالضم المصدر والفعل نفسه كذا في النهاية
قوله : "تسحروا" أمر ندب كما أجمعوا عليه أي تناولوا شيئاً ما وقت السحر لحديث: تسحروا ولو بجرعة ماء، وقد صححه ابن حبان وقيل إنه ضعيف انتهى. قلت: قال الحافظ في فتح الباري: يحصل السحور بأقل ما يتناوله المرء من مأكول ومشروب. وقد أخرج أحمد من حديث أبي سعيد الخدري بلفظ: السحور بركة فلا تدعوه ولو أن يجرع أحدكم جرعة من ماء فإن الله وملائكته يصلون على المتسحرين: ولسعيد بن منصور من طريق أخرى مرسلة: تسحروا ولو بلقمة انتهى "فإن في السحور بركة" قال القاري: الرواية المحفوظة عند المحدثين فتح السين وهو ما يتسحر به من الطعام والشراب انتهى. وقال الجزري في النهاية: أكثر ما يروى بالفتح وقيل الصواب بالضم لأنه المصدر والأجر في الفعل لا في الطعام انتهى. قال الحافظ في الفتح: هو بفتح السين وبضمها لأن المراد بالبركة الأجر والثواب فيتناسب الضم لأنه مصدر بمعنى التسحر أو البركة لكونه يقوي على الصوم وينشط له ويخفف المشقة فيه فيناسب الفتح لأنه ما يتسحر به، وقيل البركة ما يتضمن من الاستيقاظ والدعاء في السحر، والأولى أن البركة في السحور تحصل بجهات متعددة وهي أتباع السنة، ومخالفة أهل الكتاب، والتقوى به على العبادة، والزيادة في النشاط، ومدافعة سوء الخلق الذي يثيره الجوع، والتسبب بالصدقة على من يسأل إذ ذاك، أو يجتمع معه الأكل والتسبب للذكر والدعاء وقت مظنة الإجابة، وتدارك نية الصوم لمن أغفلها قبل أن ينام انتهى.
قوله: "وفي الباب عن أبي هريرة وعبد الله بن مسعود وجابر بن عبد الله وابن عباس وعمرو بن العاص والعرباض بن سارية وعتبة بن عبد وأبي الدرداء"

(3/393)


قال أبو عيسى: حديثُ أنسٍ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
ورُوِيَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: "فَضْلُ مَا بَيْنَ صِيَامِنا وصِيَامِ أهْلِ الكِتَابِ أكْلَةُ السّحَرِ".
704 ـ حدثنا بذلك قُتَيْبَةُ حدثنا اللّيْثُ عن موسى بنِ عَلي عن أبيهِ عن أبي قَيْسٍ مَوْلَى عَمْرو بنِ العاصِ عن عَمْروِ بنِ العاصِ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم بذلك.
ـــــــ
أما حديث أبي هريرة فأخرجه أبو داود وابن حبان عنه مرفوعاً: نعم سحور المؤمن التمر. وأما حديث عبد الله بن مسعود وحديث جابر فلينظر من أخرجهما. وأما حديث ابن عباس فأخرجه البزار والطبراني في الكبير عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ثلاثة ليس عليهم حساب فيما طعموا إن شاء الله تعالى إذا كان حلالاً: الصائم والمتسحر والمرابط في سبيل الله". وأما حديث عمرو بن العاص فأخرجه الترمذي في هذا الباب. وأما حديث العرباض بن سارية فأخرجه أبو داود والنسائي وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما. قال المنذري: رووه كلهم عن الحارث بن زياد عن أبي رهم عن العرباض، والحارث لم يرو عنه غير يونس بن سيف وقال أبو عمر النمري مجهول يروى عن أبي رهم حديثه منكر انتهى. وأما حديث عتبة بن عبد فلينظر من أخرجه، وأما حديث أبي الدرداء فأخرجه ابن حبان في صحيحه عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "هو الغداء المبارك"، يعني السحور.
قوله: "فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب" ما زائدة أضيف إليها الفصل بمعنى الفرق "أكملة السحر" قال النووي: بفتح الهمزة هكذا ضبطناه وهكذا ضبطه الجمهور وهو المشهور في روايات بلادنا وهي عبارة عن المرة الواحدة من الأكل كالغدوة والعشوة وإن كثر المأكول فيها. وأما الأكلة بالضم فهي اللقمة الواحدة، وادعى القاضي عياض أن الرواية فيه بالضم ولعله أراد رواية بلا وهم فيها بالضم قال والصواب الفتح لأنه المقصود هنا انتهى كلام النووي. قال التوربشتي: والمعنى أن السحور هو الفارق بين صيامنا وصيام أهل الكتاب لأن الله تعالى أباحته لنا إلى الصبح بعد ما كان حراماً علينا أيضاً في بدء الإسلام، وحرمه عليهم بعد أن يناموا أو مطلقاً، ومخالفتنا إياهم تقع موقع الشكر لتلك النعمة،

(3/394)


ال: وهذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
وأهْلُ مِصْرَ يقُولُونَ: موسى بنُ عَلي، وأهْلُ العِراقِ يقُولُونَ: موسى بنُ عُلَيّ بنِ رَبَاحٍ اللّخْمِيّ.
ـــــــ
فقول ابن الهمام إنه من سنن المرسلين غير صحيح، كذا في المرقاة.
قوله: "وهذا حديث حسن صحيح" أخرجه مسلم.
قوله: " وأهل مصر يقولون موسى بن علي" بفتح العين وكسر اللام "وأهل العراق يقولون موسى بن علي" بضم العين مصغراً "وهو موسى بن علي بن رباح اللخمي" أبو عبد الرحمَن البصري صدوق ربما أخطأ من السابعة كذا في التقريب.

(3/395)


باب ما جاء في في كراهية الصوم في السفر
...
18 ـ باب ما جَاءَ في كَرَاهِيَةِ الصّومِ في السّفَر
705 ـ حدثنا قُتَيْبَةُ حدثنا عبدُ العزيزِ بنُ محمدٍ عن جَعْفَرِ بنِ محمدٍ عن أبيهِ عن جَابرِ بنِ عبدِ الله "أنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم خَرَجَ إلى مَكّةَ عامَ الفَتْحِ فَصامَ حتى بَلَغ كُرَاعَ الغَمِيمِ وصَامَ الناسُ مَعَهُ، فقيلَ لَهُ: إنّ الناسَ قَدْ شَقّ عليهِم الصّيَامُ وإنّ الناسَ يَنْظُرونَ فيما فَعَلْتَ، فدعَا بِقَدَحٍ مِنْ ماءٍ بعدَ العَصْرِ فَشَرِبَ والناسُ ينظرونَ إليهِ فأفْطَرَ بَعْضُهُمْ وصَامَ بعضُهُمْ، فبلغَهُ أنّ ناساً صاموا، فقال أولئكَ العُصَاةُ".
قال: وفي البابِ عن كَعْبِ بنِ عاصمٍ وابنِ عباسٍ وأبي هريرةَ.
ـــــــ
باب ما جَاءَ في كَرَاهِيَةِ الصّومِ في السّفَر
قوله: "عام الفتح" أي فتح مكة "حتى بلغ كراع الغميم" بضم الكاف والغميم بفتح المعجمة وهو اسم واد أمام عسفان قاله الحافظ "فدعا بقدح من ماء" زاد في رواية مسلم: فرفعه "فقال أولئك العصاة" جمع العاصي: وفي رواية مسلم: أولئك العصاة أولئك العصاة مكرراً مرتين . قال النووي: هذا محمول على من تضرر بالصوم أو أنهم أمروا بالفطر أمراً جازماً لمصلحة بيان جوازه فخالفوا الواجب، وعلى التقديرين لا يكون الصائم اليوم في السفر عاصياً إذا لم يتضرر به ويؤيد التأويل الأول قوله: فقيل إن الناس قد شق عليهم الصيام.
قوله: "وفي الباب عن كعب بن عاصم" أخرجه أحمد. قال الحافظ في التلخيص:

(3/395)


قال أبو عيسى: حديثُ جابرٍ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
وقد رُوِيَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنهُ قال "لَيْسَ مِنَ البِرّ الصيامُ في السّفَرِ".
واختلَفَ أهلُ العلمِ في الصّوْمِ في السّفَرِ، فرأَى بعض أهلِ العلمِ مِنْ أصحابِ النبيّ صلى الله عليه وسلم وغيرِهم أنّ الفِطْرَ في السّفَرِ أفْضَلُ، حتى رأَى بعضُهم عليهِ الإعادَةَ إذا صَامَ في السّفَرِ. واختارَ أحمدُ وإسحاقُ الفِطْرَ في السّفَرِ.
وقال بعضُ أهلِ العِلمِ مِنْ أصحابِ النبيّ صلى الله عليه وسلم وغيرِهم: إنْ وَجَدَ قُوّةً فصَامَ فَحَسَنٌ وهو أفْضَلُ، وهُوَ قَوْلُ سفيانَ الثّوْرِيّ ومالكِ بنِ أنسٍ وعبدِ الله بنِ المبارَكِ.
ـــــــ
روى أحمد من حديث كعب بن عاصم الأشعري بلفظ: ليس من أمبر مصيام في مسفر، وهذه لغة لبعض أهل اليمن يجعلون لام التعريف ميما، ويحتمل أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم خاطب بها هذا الأشعري كذلك لأنها لغته، ويحتمل أن يكون الأشعري هذا نطق بها على ما ألف من لغته فحملها عنه الراوي عنه وأداها باللفظ الذي سمعها به، وهذا الثاني أوجه عندي والله تعالى أعلم انتهى كلام الحافظ.
قوله: "حديث جابر حديث حسن صحيح" وأخرجه مسلم.
قوله: "وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ليس من البر الصيام في السفر" أخرجه البخاري ومسلم عن جابر قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فرأى زحاماً ورجلاً قد ظلل عليه فقال "ما هذا؟" قالوا: صائم، فقال: "ليس من البر الصوم في السفر"، ترجم البخاري في صحيحه: باب قول النبي صلى الله عليه وسلم لمن ظلل عليه واشتد الحر: ليس من البر الصوم في السفر، قال الحافظ: أشار بهذه الترجمة إلى أن سبب قوله صلى الله عليه وسلم: "ليس من البر الصيام في السفر " ر ما ذكر من المشقة، وأن من روى الحديث مجرداً فقد اختصر القصة انتهى.
قوله: "واختلف أهل العلم في الصوم في السفر الخ" قال الحافظ في فتح الباري: وقد اختلف السلف في هذه المسألة فقالت طائفة: لا يجزئ الصوم في السفر عن الفرض، بل من صام في السفر وجب عليه قضاؤه في الحضر لظاهر قوله

(3/396)


وقال الشافعيّ: وإنّما مَعْنَى قولِ النبيّ صلى الله عليه وسلم "لَيْسَ مِنَ البِرّ الصّيَامُ في السّفَرِ" وقولِه حين بلَغَهُ أنّ ناساً صامُوا فقال "أولئكَ العُصَاةُ" فَوَجْهُ هذا إذا لَمْ يَحْتَمِلْ قْلبُهُ قَبُولَ رُخْصَةِ الله، فأما مَنْ رأَى الفِطْرَ مُباحاً وصامَ وقَوِيَ على ذلكَ فهو أعْجَبُ إليّ.
ـــــــ
تعالى {فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} ولقوله صلى الله عليه وسلم: "ليس من البر الصيام في السفر"، ومقابلة البر الإثم، وإذا كان آثماً بصومه لم يجزئه، وهذا قول بعض أهل الظاهر، وحكي عن عمر وابن عمر وأبي هريرة والزهري وإبراهيم النخعي وغيرهم، واحتجوا بقوله تعالى {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} قالوا: ظاهره فعليه عدة، أو فالواجب عدة، وتأوله الجمهور بأن التقدير: فأفطر فعدة، ومقابل هذا القول قول من قال إن الصوم في السفر لا يجوز لمن خاف على نفسه الهلاك والمشقة الشديدة، حكاه الطبري عن قوم. وذهب أكثر العلماء ومنهم مالك والشافعي وأبو حنيفة إلى أن الصوم أفضل لمن قوي عليه ولم يشق عليه، وقال كثير منهم الفطر أفضل عملاً بالرخصة، وهو قول الأوزاعي وأحمد وإسحاق. وقال آخرون: هو مخير مطلقاً، وقال آخرون: أفضلهما أيسرهما لقوله تعالى {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ} فإن كان الفطر أيسر عليه فهو أفضل في حقه وإن كان الصيام أيسر كمن يسهل عليه حينئذ ويشق عليه قضاؤه بعد ذلك فالصوم في حقه أفضل، وهو قول عمر بن عبد العزيز، واختاره ابن المنذر. والذي يترجح قول الجمهور، ولكن قد يكون الفطر أفضل لمن اشتد عليه الصوم وتضرر به، وكذلك من ظن به الإعراض عن قبول الرخصة كما في المسح على الخفين انتهى كلام الحافظ.
قوله: "فوجه هذا إذا لم يحتمل قلبه قبول رخصة الله تعالى الخ" والظاهر أن قوله: ليس من البر الح وقوله: أولئك العصاة، محمول على من تضرر بالصوم وشق عليه كما تقدم

(3/397)


19 ـ باب ما جَاء في الرُخصَةِ في الصوّمِ في السّفَر
706 ـ حدثنا هارونُ بنُ إسحاقَ الهَمَدانِيّ عن عَبْدَة بنُ سُلَيمانَ
ـــــــ

(3/397)


عن هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ عن أبيهِ عن عَائشَةَ أنّ حمزةَ بنَ عَمْروٍ الأسْلَمِيّ سأَلَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم عن الصّومِ في السّفرِ وكان يَسْرُدُ الصّومَ، فقالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم "إِنْ شِئْتَ فَصُمْ وإِنْ شِئْتَ فَأَفْطِر".
قال: وفي البابِ عن أنسِ بنِ مالكٍ وأبي سعيدٍ وعبدِ الله بنِ مسْعودٍ وعبدِ الله بنِ عَمْروٍ وأبي الدّرْدَاءِ وحَمْزَةَ بنِ عَمْروٍ الأسْلَمِيّ.
ـــــــ
باب ما جَاء في الرُخصَةِ في الصوّمِ في السّفَر
قوله: "وكان يسرد الصوم" من باب نصر ينصر أي يتابعه ويواليه، وفي رواية الصحيحين: قال للنبي صلى الله عليه وسلم أأصوم في السفر، وكان كثير الصيام، وفي رواية لمسلم: فقال يا رسول الله إني رجل أسرد الصوم فأصوم في السفر. قال الحافظ في التلخيص: وفي رواية صحيحة عند أبي داود ما يقتضي أنه سأله عن الفرض وصححها الحاكم "إن شئت فصم وإن شئت فأفطر" قال النووي: فيه دليل لمذهب الجمهور أن الصوم والفطر جائزان، قال وفيه دلالة لمذهب الشافعي ومرافقيه أن صوم الدهر وسرده غير مكروه لمن لا يخاف ضرراً ولا يفوت به حقاً بشرط فطر يوم العيدين والتشريق لأنه أخبره بسرده لم ينكر عليه بل أقره عليه انتهى.
قلت: في الاستدلال بهذا الحديث على عدم كراهة صوم الدهر نظراً لأنه يحتمل أن يكون المراد من قوله إني رجل أسرد الصوم أي أكثر الصيام كما يدل عليه قوله: وكان كثير الصيام، فما لم ينتف هذا الاحتمال لا يتم الاستدلال.
قوله: "وفي الباب عن أنس بن مالك وأبي سعيد وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمرو وأبي الدرداء وحمزة بن عمرو الأسلمي" أما حديث أنس بن مالك فأخرجه الشيخان عنه قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في السفر فمنا الصائم ومنا المفطر فنزلنا منزلاً في يوم حار فسقط الصوامون وقام المفطرون فضربوا الأبنية وسقوا الركاب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ذهب المفطرون اليوم بالأجر". وأما حديث أبي سعيد فأخرجه مسلم وأخرجه الترمذي أيضاً في هذا الباب هذا الباب وأما حديث عبد الله بن مسعود فأخرجه الطحاوي عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصوم في السفر ويفطر. وأما حديث عبد الله بن عمرو فلينظر من أخرجه. وأما حديث أبي الدرداء فأخرجه الشيخان عنه قال: خرجنا مع

(3/398)


قال أبو عيسى: حديثُ عائشة أنّ حَمزَةَ بنَ عَمْرٍو سأَلَ النبيّ صلى الله عليه وسلم حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
707 ـ حدثنا نَصْرُ بنُ عَليّ الجَهْضَمِيّ حدثنا بِشْرُ بنُ المُفَضّلِ عن سَعِيدِ بنِ يزيدَ أبي مَسْلَمَةَ عن أبي نَضْرةَ عن أبي سعيدٍ الخدري قال "كُنّا نُسَافِرُ مع رسولِ الله صلى الله عليه وسلم في رَمَضَانَ فما يَعيبُ على الصائِمِ صَوْمهُ ولا على المُفْطِرِ إفطارَهُ".
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.
708 ـ حدثنا نَصْرُ بنُ عليَ حدثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ حدثنا الجُرَيْرِي، ح قال وحدثنا سفيانُ بنُ وَكيعٍ حدثنا عبدُ الأعلَى عن الجُرَيْرِيّ عن أبي نَضْرَةَ عن أبي سعيدٍ قال "كُنّا نُسَافِرُ مع رسولِ الله صلى الله عليه وسلم فَمِنّا الصّائِمُ ومنّا المُفْطِرُ فلا يَجِدُ المُفْطِرُ على الصّائِمِ ولا الصّائِمُ على المُفْطِرِ، فكانوا يَرَوْنَ أنّهُ مَنْ وَجَدَ قُوّةَ فصَامَ فَحَسَنٌ، ومَنْ وَجَدَ ضَعفاً فأَفْطَر فَحَسَنٌ"
ـــــــ.
رسول الله صلى الله عليه وسلم في شهر رمضان في حر شديد حتى إن كان أحدنا يضع يده على رأسه من شدة الحر وما فينا صائم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعبد الله بن رواحة. وأما حديث حمزة بن عمرو الأسلمي فأخرجه مسلم والنسائي عنه أنه قال يا رسول الله أجد مني قوة على الصوم في السفر فهل على جناح؟ فقال: "هي رخصة من الله تعالى فمن أخذ بها فحسن ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه".
قوله: "حديث عائشة أن حمزة بن عمرو الأسلمي سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا حديث حسن صحيح" أخرجه الجماعة.
قوله: "فما يعاب على الصائم صومه" لعمله بالعزيمة " ولا على المفطر ففطره" لعمله بالرخصة.
قوله: "فلا يجد المفطر على الصائم" أي لا يغضب قال في القاموس: وجد عليه يجد ويجد وجد أو جدة وموجدة غضب "وكانوا يرون أنه من وجد قوة فصام فحسن ومن وجد ضعفاً فأفطر فحسن" قال النووي: هذا صريح بترجيح

(3/399)


قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
مذهب الأكثرين وهو تفضيل الصوم لمن أطاقه بلا ضرر ولا مشقة ظاهرة، وقال بعض العلماء الفطر والصوم سواء لتعادل الأحاديث، والصحيح قول الأكثرين والله أعلم انتهى. وقال الحافظ في الفتح بعد ذكر هذا الحديث ما لفظه: وهذا التفصيل هو المعتمد وهو نص رافع النزاع إنتهى.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه مسلم

(3/400)


20 ـ باب ما جَاءَ في الرّخْصَةِ للِمُحَارِبِ في الإفْطَار
709 ـ حدثنا قُتَيْبَةُ حدثنا ابنُ لَهْيَعَةَ عن يَزِيدَ بْن أبي حَبِيبٍ عن مَعْمَرِ بنِ أبي حُيَيّةَ عن ابنِ المسَيّبِ "أنّهُ سَأَلَهُ عن الصّوْمِ في السّفَرِ فَحَدّثَ أنّ عُمَرَ بن الخَطّابِ قال غَزَوْنَا مَعَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم في رَمَضَانَ غَزْوتَيْنِ يَوْمَ بَدْرٍ والفَتْحِ فَأَفْطَرْنَا فيهِمَا".
قال: وفي البابِ عن أبي سَعِيدٍ.
ـــــــ
باب ما جَاءَ في الرّخْصَةِ للِمُحَارِبِ في الإفْطَار
قوله: "عن معمر" بفتح الميم وسكون العين "بن أبي حبيبة" بضم الحاء المهملة وتكراراً المثناة من تحت مصغراً، وقد قيل فيه ابن أبي حبيبة، وليس له عند المصنف إلا هذا الحديث، كذا في "قوت المغتذي".
قوله : "أنه سأله" أي أن معمر بن أبي حبيبة سأل ابن المسيب "والفتح" أي فتح مكة "فأفطرنا فيهما" إما لأجل السفر وإما للتقوى عند لقاء العدو، ويعين الثاني حديث أبي بكر بن عبد الرحمَن عن بعض الصحابة وسيجيء لفظه وفيه دليل على جواز الإفطار للمحارب عند لقاء العدو "وفي الباب عن أبي سعيد" أخرجه مسلم ولفظه: إنكم قد دنوتم من عدوكم والفطر أقوى لكم، قال: فكانت رخصة فمنا من صام ومنا من أفطر، ثم نزلنا منزلاً آخر فقال : إنكم مصبحو عدوكم والفطر أقوى لكم فأفطروا . فكانت عزمة فأفطرنا الحديث، مصبحو عدوكم والفطر أقوى لكم فأفطروا . فكانت عزمة فأفطرنا الحديث، وأخرجه مالك في الموطأ عن أبي بكر بن عبد الرحمَن عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر الناس في سفره عام الفتح

(3/400)


قال أبو عيسى: حديث عُمَرَ لا نَعْرِفُهُ إلاّ مِنْ هذا الوجْهِ.
وقد رُوِيَ عن أبي سعيدٍ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنّهُ أمَرَ بالفِطْرِ في غَزْوَةٍ غَزَاهَا وقد رُوِيَ عن عُمَرَ بنِ الخطّابِ نحوُ هذا، أَنّهُ رخّصَ في الإفْطَارِ عِنْدَ لِقَاءِ العَدُوّ. وبِهِ يقولُ بعضُ أهلِ العلمِ.
ـــــــ
بالفطر وقال: "تقووا لعدوكم"، وصام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخرجه عنه الشافعي في المسند وأبو داود وصححه الحاكم وابن عبد البر، كذا في التلخيص.
قوله: "حديث عمر لا نعرفه إلا من هذا الوجه" وفيه ابن لهيعة وهو ضعيف لكنه يعتضد بحديث أبي سعيد المذكور "وقد روي عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر بالفطر في غزوة غزاها" رواه مسلم وقد تقدم آنفاً لفظه

(3/401)


باب ما جاء في الرخصة في الإفطار للحبلى والمرضع
...
21ـ باب ما جَاءَ في الرّخصَة لاَ في الإفْطَارِ للحُبْلى وَالمُرْضِع
711 ـ حدثنا أبو كُرَيْبٍ و يُوسفُ بنُ عيسى قالا: حدثنا وَكيعٌ، حدثنا أبو هِلاَلٍ عن عبدِ الله بنِ سَوادَةَ عن أنَسٍ بنِ مَالِكٍ "رَجُلٌ من بَنِي عبدِ الله بنِ كَعْبٍ" قال: "أغارَتْ عَلَيْنَا خَيْلُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم فأَتَيْتُ
ـــــــ
باب ما جَاءَ في الرّخصَة لاَ في الإفْطَارِ للحُبْلى وَالمُرْضِع
قوله: "عن أنس بن مالك رجل من بني عبد الله بن كعب" زاد في رواية أبي داود: إخوة بني قشير. قال الحافظ في التقريب: أنس بن مالك القشيري الكعبي أبو أمية وقيل أبو أميمة أو أبو مية صحابي نزل البصرة انتهى. وقال ابن أبي حاتم في علله: سألت أبي عنه يعني الحديث فقال: اختلف فيه. والصحيح عن أنس بن مالك القشيري انتهى. وفي المرقاة: الصواب أنه من بني عبد الله بن كعب على ما جزم به البخاري في ترجمته، فهو كعبي لا قشيري خلافاً لما وقع لابن عبد البر لأن كعباً له ابنان عبد الله جد أنس هذا وقشير وهو أخو عبد الله، وأما أنس بن مالك خادم النبي صلى الله عليه وسلم فهو أنصاري تجاري خزرجي انتهى.
قوله: "أغارت علينا" أي على قومنا فإنه كان مسلماً من قبل، والإغارة النهب "خيل رسول الله صلى الله عليه وسلم" أي فرسانه صلى الله عليه وسلم

(3/401)


رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فَوَجَدْتُهُ يتغَدّى، فقال: "ادْنُ فكُلْ" "فقُلْت إني صَائِمٌ، فقال: "ادْنُ أُحَدّثْكَ عن الصّومِ أَو الصّيامِ: إنّ الله تعالى وَضَعَ عنِ المُسَافِرِ الصوم وشَطْرَ الصّلاَةِ، وعَنِ الحَامِلِ أو المُرْضِعِ الصّوْمَ أو الصّيَامَ" والله لَقَدْ قالَهُمَا النبيّ صلى الله عليه وسلم كِلتَيْهِمَا أو إِحداهما، فيا لَهْفَ نفسِي أنْ لا أكُونَ طَعِمْتُ مِنْ طَعَامِ النبيّ صلى الله عليه وسلم".
قال: وفي البابِ عن أبي أُمَيّةَ.
قال أبو عيسى: حديثُ أَنَسِ بنِ مالِكٍ الكَعْبِيّ حديثٌ حسنٌ ولا نَعْرِفُ لأنَسِ بنِ مَالِكٍ هذا عَنِ النبيّ صلى الله عليه وسلم غَيْرَ هذا الحَدِيثِ الواحِدِ.
والعملُ على هذا عندَ بعضِ أهل العلمِ.
وقال بعضُ أهلِ العلمِ: الحَامِلُ والمُرضِعُ تفْطِرنِ وتقْضِيَانِ وتطْعِمَان. وبهِ يقولُ سُفْيانُ ومالِكٌ والشّافِعِيّ وأحْمَدُ. وقالَ بعضُهم: يفطران ويطعمان
ـــــــ
"فقال أدن" أمر من الدنو بمعنى القرب "إن الله وضع عن المسافر شطر الصلاة" أي نصفه يعني نصف الصلاة الرباعية "وعن الحامل أو المرضع الصوم أو الصيام" وفي رواية أبو داود: إن الله وضع شطر الصلاة أو نصف الصلاة والصوم عن المسافر وعن المرضع أو الحبلى، والله لقد قالهما جميعاً أو أحدهما "والله لقد قالهما النبي صلى الله عليه وسلم كليهما أو أحدهما" أ ي قال الحامل والمرضع كليهما أو أحدهما.
قوله: "وفي الباب عن أبي أمية" أخرجه النسائي وليس فيه ذكر المرضع والحبلى.
قوله: "حديث أنس بن مالك الكعبي حديث حسن" وأخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه، وسكت عنه أبو داود، ونقل المنذري تحسين الترمذي وأقره.
قوله: "والعمل على هذا عند بعض أهل العلم" كذا قال الترمذي ولا خلاف في جواز الإفطار للحامل والمرضعة إذا خافت المرضعة على الرضيع والحامل على الجنين. قال الشوكاني في النيل: يجوز للحبلى والمرضع الإفطار، وقد ذهب إلى ذلك العترة والفقهاء إذا خافت المرضعة على الرضيع والحامل على الجنين، وقالوا إنها

(3/402)


ولا قَضَاء عَلَيْهِمَا، وإن شَاءَتَا قَضَتَا ولا إطعَامَ عَلَيْهِمَا. وبهِ يقولُ إسحاقُ.
ـــــــ
تفطر حتماً. قال أبو طالب: ولا خلاف في الجواز انتهى "وقال بعض أهل العلم: الحامل والمرضع يفطران ويقضيان ويطعمان، وبه يقول سفيان ومالك والشافعي وأحمد" أما أنهما يقضيان فلأنهما في حكم المريض والمريض يفطر ويقضي، وأما أنهما يطعمان فلاَثار بعض الصحابة رضي الله تعالى عنهم روى أبو داود في سننه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال في قوله "وعلى الذين يطيقونه" قال كانت رخصة للشيخ الكبير والمرأة الكبيرة وهما يطيقان الطعام، أن يفطرا أو يطعما مكان كل يوم مسكيناً، والحبلى والمرضع إذا خافتا يعني على أولادهما أفطرتا وأطعمتا، وأخرجه البزار كذلك وزاد في آخره: وكان ابن عباس يقول لأم ولد له حبلى: أنت بمنزلة الذي لا يطيقه فعليك الفداء ولا قضاء عليك. وصحح الدارقطني إسناده. وروى الإمام مالك في الموطأ بلاغاً أن عبد الله بن عمر سئل عن المرأة الحامل إذا خافت على ولدها واشتد عليها الصيام فقال تفطر وتطعم مكان كل يوم مسكيناً مداً من حنطة بمد النبي صلى الله عليه وسلم. قال مالك: وأهل العلم يرون عليها القضاء كما قال الله عز وجل {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} ويريدون ذلك مرضاً من الأمراض مع الخوف على ولدها انتهى "وقال بعضهم: يفطران ويطعمان ولا قضاء عليهما وإن شاءتا قضتا ولا إطعام، وبه يقول إسحاق" فعنده لا يجمع بين القضاء والإطعام، فإذا أفطرت الحامل والمرضع قضتا ولا إطعام أو أطعمتا ولا قضاء.
قال الحافظ في الفتح: اختلف في الحامل والمرضع ومن أفطر لكبر ثم قوي على القضاء بعد، فقال الشافعي: يقضون ويطعمون، وقال الأوزاعي والكوفيون: لا إطعام انتهى. قال البخاري في صحيحه: قال الحسن وإبراهيم في المرضع والحامل إذا خافتا على أنفسهما أو ولدهما تفطران وتقضيان ولا إطعام بأن الأصل فيه قوله تعالى: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} أي إذا أفطر يلزم عليه الصوم بقدر ما فاته ولا أثر للفدية فيه، والحامل والمرضع أعطى لهما حكم المريض فيلزم عليهما القضاء فقط، ويشهد له حديث الباب.
وقال العلامة الشاه ولي الله في المصفى بعد ذكر قول إسحاق المذكور ما لفظه:

(3/403)


ـــــــ
أين قول بتطبيق أدله مناسب ترمي نمايد انتهى. والظاهر عندي أنهما في حكم المريض فيلزم عليهما القضاء فقط والله تعالى أعلم

(3/404)


22ـ باب ما جَاءَ في الصّومِ عنِ الميّت
712 ـ حدثنا أبو سَعِيدٍ الأشَجّ، حدثنا أبو خالِدٍ الأحْمَرُ عِن الأعَمشِ عن سَلَمَةَ بنِ كُهَيْلٍ و مُسْلِمٍ البَطِينِ عن سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ و عَطَاءٍ و مُجَاهِد عن ابنِ عبّاس قال جاءَت امرأةٌ إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقالت: إنّ أُخْتِي مَاتَتْ وعليها صَوْمُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنَ؟ قال: "أَرَأَيْتِ لَوْ كان على أُخْتِكِ دَيْنٌ أَكْنتِ تَقْضِينَه"؟ قالت: نعَم، قال: "فَحَقّ الله أَحَقّ".
قال: وفي البابِ عن بُرَيْدَةَ وابنِ عُمَرَ وعائشةَ.
ـــــــ
باب ما جَاءَ في الصّومِ عنِ الميّت
قوله: "ومسلم البطين" بفتح الموحدة وكسر المهملة ثم تحتانية ساكنة ثم نون ثقة من رجال الأئمة الستة.
قوله: "جاءت امرأة" وفي رواية للبخاري: جاء رجل "فقالت إن أختي ماتت" وفي رواية للبخاري: إن أمي ماتت وعليها صوم شهرين متتابعين وفي رواية للشيخين: وعليها صوم نذر، وفي رواية للبخاري: وعليها صوم شهر، وفي رواية له: وعليها خمسة عشر يوماً. قال الحافظ في الفتح: وقد ادعى بعضهم أن هذا اضطراب من الرواة والذي يظهر تعدد الواقعة وأما الاختلاف في كون السائل رجلاً أو امرأة والمسئول عنه أختاً أو أماً فلا يقدح في موضع الاستدلال من الحديث "أرأيت لو كان على أختك دين أكنت تقضينه" فيه مشروعية القياس وضرب الأمثال ليكون أوضح وأوقع في نفس السامع وأقرب إلى سرعة فهمه "قال فحق الله أحق" وفي رواية للبخاري: فدين الله أحق أن يقضى، وفي رواية للشيخين أرأيت لو كان على أمك دين فقضيته أكان يؤدي ذلك عنها؟ قالت: نعم، قال: فصومي عن أمك. والحديث فيه دليل على أن من مات وعليه صوم صام عنه وليه، وهو قول أصحاب الحديث وهو المرجح.
قوله: "وفي الباب عن بريدة وابن عمر وعائشة" أما حديث بريدة فأخرجه

(3/404)


قال أبو عيسى: حديث ابن عباس حديث حسن صحيح.
713 ـ حدثنا أبو كُرَيْبٍ أخبرنا أبو خَالِدٍ الأحْمَرُ عن الأعْمَشِ بهذا الإسنادِ نَحْوَهُ
قال أبو عيسى: حديثُ ابنِ عباسٍ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
قال: وسمعت محمداً يقول: جوّد أبو خالد الأحمر هذا الحديث عن الأعْمَش. قال محمدٌ: وقد رَوَىَ غَيْرُ أبي خالِدٍ عن الأعمَشِ مِثْلَ رِوَايَةِ أبي خَالِدٍ.
قال أبو عيسى: ورَوَى أبو مُعاوِيةَ وغَيْرُ واحِدٍ هذا الحَديثَ عن الأعْمَشِ عن مُسْلِمِ البَطِين عن سَعِيدِ بنِ جُبَيْر عن ابنِ عبّاس عن النبيّ صلى الله عليه وسلم ولم يذكُرُوا فيه سَلَمَة بن كُهَيْلٍ ولا عَن عَطاءٍ ولا عَنْ مُجَاهِدٍ.
ـــــــ
أحمد ومسلم وأبو داود عنه قال: بينا أنا جالس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتته امرأة فقالت إني تصدقت على أمي بجارية وإنها ماتت، فقال "وجب أجرك وردها عليك الميراث"، قالت: يا رسول الله إنه كان عليها صوم شهر فأصوم عنها؟ قال: "صومي عنها "الحديث. وأما حديث ابن عمر فلم أقف على من أخرجه في الصوم عن الميت. وأما حديثه في الإطعام عن الميت فأخرجه الترمذي في الباب الآتي وسيجيء ما فيه من الكلام، وأما حديث عائشة فأخرجه الشيخان وغيرهما عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من مات وعليه صيام صام عنه وليه".
قوله: "وروى أبو معاوية وغير واحد هذا الحديث عن الأعمش الخ" أخرجه البخاري في صحيحه

(3/405)


23 ـ باب ما جَاء في الكَفارة
714 ـ حدثنا قُتَيْبَةُ حدثنا عَبْثرٌ "بن القاسم" عن أشْعَثَ عن محمدٍ عن نافعٍ عن ابنِ عُمَر عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال "مَنْ مَاتَ وعليهِ صِيَامُ شَهْرٍ فَلْيُطْعِمْ عَنْهُ مَكانَ كُلّ يَوْمٍ مِسْكِيناً"
ـــــــ
باب ما جَاء في الكَفارة
قوله: "أخبرنا عبثر" بفتح العين المهملة وسكون الموحدة وفتح المثلثة ابن القاسم الزبيدي بالضم أبو زبيد كذلك الكوفي ثقة.
قوله: "فليطعم عنه" على بناء الفاعل أي فليطعم ولي من مات "مكان كل يوم" من أيام الصيام الفائتة "مسكيناً" كذا وقع بالنصب في نسخ الترمذي

(3/405)


قال أبو عيسى: حديثُ ابنِ عُمَرَ لا نَعْرِفُهُ مرفُوعاً إلاّ مِنْ هذا الوجْهِ. والصحيحُ عِن ابنِ عُمَرَ مَوْقوفٌ. قولُهُ واختلفَ أهلُ العِلم في هذا الباب. فقالَ بعضُهم يُصَامُ عن المَيّتِ، وبهِ يقولُ أحمدُ وإسحاقُ قالا: إذا كان على المَيّتِ نَذْرُ صِيَامٍ يصوم عَنْهُ، وإذا كانَ عَلَيْهِ قَضَاءُ رَمَضَانَ أَطْعَمَ عنهُ.
ـــــــ
الموجودة عندنا، ووقع في كتاب المشكاة مسكين بالرفع، وعلى هذا يكون قوله "فليطعم" على بناء المجهول، ولم يبين في هذا الحديث مقدار الطعام وقد جاء في رواية البيهقي أنه مد من الحنطة وستجيء فأنتظر.
قوله: "لا نعرفه مرفوعاً إلا من هذا الوجه. والصحيح عن ابن عمر موقوف قوله" قال الحافظ في التلخيص بعد نقل قول الترمذي هذا ما لفظه: رواه ابن ماجه من هذا الوجه ووقع عنده عن محمد بن سيرين بدل محمد بن عبد الرحمَن وهو وهم منه أو من شيخه وقال الدارقطني: المحفوظ وقفه على ابن عمر وتابعه البيهقي على ذلك انتهى. وقال الزيلعي في نصب الراية: وضعفه عبد الحق في أحكامه بأشعث وابن أبي ليلى. وقال الدارقطني في علله: المحفوظ موقوف هكذا رواه عبد الوهاب بن بخت عن نافع عن ابن عمر. وقال البيهقي في المعرفة: لا يصح هذا الحديث فإن محمد بن أبي ليلى كثير الوهم ورواه أصحاب نافع عن نافع عن ابن عمر قوله ثم أخرجه عن عبيد الله بن الأخنس عن نافع عن ابن عمر قال: من مات وعليه صيام رمضان فليطعم عنه كل يوم مسكيناً مداً من حنطة انتهى.
قوله: "واختلف أهل العلم في هذا، فقال بعضهم: يصام عن الميت، وبه يقول أحمد وإسحاق قالا إذا كان على الميت نذر صيام يصام عنه، وإذا كان عليه قضاء رمضان أطعم عنه" وهو قول الليث وأبو عبيد، واستدلوا بحديث ابن عباس المذكور في الباب فإن قوله فيه: وعليها صوم شهرين متتابعين يقتضي أنه لم يكن عليها صوم شهر رمضان، بل كان عليها صوم النذر، بل قد وقع في رواية للشيخين: وعليها صوم نذر، وقد جاء في رواية أحمد وغيره بيان سبب النذر بلفظ: إن امرأة ركبت البحر فنذرت إن الله نجاها أن تصوم شهراً، فأنجاها الله فلم تصم حتى ماتت، فجاءت قرابة لها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك فقال : "صومي عنها". وحملوا العموم الذي في حديث عائشة الذي أشار إليه الترمذي

(3/406)


وقالَ مالِكٌ وسفيانٌ والشافعيٌ لا يَصَومُ أحَدٌ عن أَحَدٍ. قال: وأَشْعَثُ هو ابنُ سَوّارٍ. ومحمدٌ هو مسند ابنُ عبدِ الرحمَنِ بنِ أبي لَيْلَى.
ـــــــ
وذكرنا لفظه على المقيد في حديث ابن عباس.
وفيه أنه ليس بين حديث ابن عباس وحديث عائشة تعارض حتى يجمع بينهما فحديث ابن عباس صورة مستقلة سأل عنها من وقعت له، وأما حديث عائشة فهو تقرير قاعدة عامة، وقد وقعت الإشارة في حديث ابن عباس إلى نحو هذا العموم حيث قيل في آخره: فدين الله أحق أن يقضى "وقال مالك وسفيان والشافعي لا يصوم أحد عن أحد" وهو قول الحنفية واستدلوا بحديث ابن عمر المذكور في الباب، وفيه أنه قد تقدم أن المحفوظ أنه موقوف، وللاجتهاد فيه مسرح فلا يصلح للاستدلال، ثم ليس فيه ما يمنع الصيام.
فإن قلت: روى مالك بلاغاً أن ابن عمر كان يسأل هل يصوم أحد عن أحد أو يصلي أحد عن أحد؟ فيقول: لا يصوم أحد عن أحد ولا يصلي أحد عن احد ففيه ما يمنع الصيام.
قلت: قد جاء عن ابن عمر خلاف ذلك كما ذكره البخاري تعليقاً وسيجيء فاختلف قوله على أنه موقوف أيضاً، والحديث الصحيح أولى بالاتباع.
واستدلوا أيضاً بما روى النسائي في الكبرى بإسناد صحيح عن ابن عباس قال: لا يصلي أحد عن أحد ولا يصوم أحد عن أحد، وبما روي عن عائشة أنها سئلت عن امرأة ماتت وعليها صوم قالت: يطعم عنها. وعن عائشة قالت: لا تصوموا عن موتاكم وأطعموا عنهم، أخرجه البيهقي.
قالوا فلما أفتى ابن عباس وعائشة بخلاف ما روياه دل ذلك على أن العمل على خلاف ما روياه، وفيه أن هذا الاستدلال أيضاً مخدوش، أما أولاً فلأنه جاء عن ابن عباس خلاف ذلك، فروى ابن أبي شيبة بسند صحيح سند ابن عباس عن رجل مات وعليه نذر فقال يصام عنه النذر، وفي صحيح البخاري تعليقاً. أمر ابن عمر امرأة جعلت أمها على نفسها صلاة فقال: صلى عنها. وقال ابن عباس نحوه. قال ابن عبد البر: والنقل في هذا عن ابن عباس مضطرب. قال الحافظ في الفتح: ويمكن الجمع بحمل الإثبات في حق من مات والنفي في حق الحي انتهى. وأما أثر عائشة الأول فليس فيها ما يمنع الصيام، وأما أثرها الثاني فضعيف جداً كما صرح

(3/407)


ـــــــ
به الحافظ في الفتح، وأما ثانياً فلأن الراجح أن المعتبر ما رواه الصحابي لا ما رآه كما تقرر في مقره.
تنبيه: ذكر الترمذي في هذا الباب قولين، وفيه قول ثالث وهو أنه يجوز للولي أن يصوم عن الميت إذا مات وعليه صوم، أي صوم كان. قال الحافظ في الفتح: قد اختلف السلف في هذه المسألة فأجاز الصيام عن الميت أصحاب الحديث، وهو قول أبي ثور وجماعة من محدثي الشافعية، وقال البيهقي في الخلافيات: هذه المسألة ثابتة لا أعلم خلافاً بين أهل الحديث في صحتها، فوجب العمل بها، ثم ساق بسنده إلى الشافعي كل ما قلت وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم خلافه، فخذوا بالحديث ولا تقلدوني ، ثم ذكر الحافظ القولين اللذين ذكرهما الترمذي.
قلت: هذا القول الثالث الذي قال به أهل الحديث هو الراجح المعول عليه عندي، يدل عليه حديث ابن عباس وحديث بريدة وحديث عائشة، وهذه الأحاديث الثلاثة قد تقدمت في الباب المتقدم

(3/408)


24ـ باب ما جَاءَ في الصّائِم يَذْرَعُهُ الَقْيء
715 ـ حدثنا محمدُ بنُ عُبَيْدٍ المُحارِبيّ حدثنا عبدُ الرحمَن بنُ زَيْدِ بنِ أَسْلَمَ عن أَبيه عن عَطَاءِ بنِ يَسَارٍ عن أَبي سعيدٍ الخُدْرِيّ قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم " ثَلاثٌ لا يُفْطِرْنَ الصّائِمَ: الحِجَامَةُ والقَيْء والاحْتِلاَمُ".
قال أبو عيسى: حديثُ أبي سعيدٍ الخُدرِي حديث غَيْر مَحْفوظٍ.
وقد رَوَى عبدُ الله بنُ زَيْدِ بنِ أسْلَمَ وعبدُ العزيرِ بنُ محمدٍ وغَيْرُ واحدٍ
ـــــــ
"باب ما جاء في الصائم يذرعه القيء" أي يغلبه
قوله: "حدثنا محمد بن عبيد" بضم العين مصغراً.
قوله: "ثلاث" أي ثلاث خصال "لا يفطرن" من التفطير "الحجامة" بكسر الحاء أي الاحتجام "والقيء" أي إذا غلبه. قال البيهقي في المعرفة: هو محمول على ما لو ذرعه القيء جمعاً بين الأخبار انتهى "والاحتلام" أي ولو تذكر المنام ورأى المنى لأنه وإن كان في معنى الجماع لكن حيث أنه ليس باختياره لا يضره بالإجماع.

(3/408)


هذا الحديثَ عن زَيْدِ بنِ أسْلَمَ مُرْسَلاً ولم يَذْكُرُوا فيهِ "عن أبي سعيدٍ". وعبدُ الرحمَنِ بنُ زيْدِ بنِ أسْلَمَ يُضَعّفُ في الحديثِ قال: سَمِعْتُ أبا دَاوُدَ السّجْزِيّ يقولُ: سأَلْتُ أحمدَ بنَ حَنْبَلٍ عن عبدِ الرحمَن بنِ زَيْدِ بنِ أسْلَم؟ فقال: أخوهُ عبدُ الله بنُ زَيْدٍ لا بَأسَ بهِ قال: وسَمْعتُ محمداً يَذْكُرُ عن عَلِي بنِ عبدِ الله المديني قالَ: عبدُ الله بنُ زَيْدِ بن أسْلَمَ ثِقَةٌ. وعبدُ الرحمَن بنُ زَيْدِ بنِ أسْلَمَ ضعيفٌ. قال محمدٌ: ولا أَرْوِي عنْهُ شيئاً.
ـــــــ
قوله: "حديث أبي سعيد غير محفوظ الخ" وأخرجه البيهقي "ولم يذكروا فيه عن أبي سعيد" ورواه أبو داود عن زيد بن أسلم عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ورجحه أبو حاتم وأبو زرعة وقال إنه أصح وأشبه بالصواب كذا في النيل.
قوله: "سمعت أبا داود السجزي" قال العراقي: يريد أبا داود السجستاني صاحب السنن فإنه روى عنه. قال ابن مأكولا السجزي نسبة إلى سجستان على غير قياس، كذا في قوت المغتذي. وقال في المغنى: السجزي بمكسورة وسكون جيم وبزاي نسبة إلى السجز وهو اسم لسجستان وقيل نسبة إلى سجستان بغير قياس انتهى. "فقال أخوه عبد الله بن زيد لا بأس به" يعني وعبد الرحمَن بن زيد بن أسلم ضعيف. اعلم أن لزيد بن أسلم ثلاثة بنين عبد الله وعبد الرحمَن وأسامة فعند أحمد عبد الله ثقة والآخران ضعيفان، وعند يحيى بن معين بنو زيد كلهم ضعيف "وسمعت محمداً" هو الإمام البخاري "يذكر عن علي بن عبد الله" هو ابن المديني

(3/409)


25 ـ باب ما جَاءَ في من اسْتَقَاءَ عَمْدا
716 ـ حدثنا عليّ بنُ حُجْرٍ حدثنا عيسى بنُ يونُسَ عن هِشَامِ بنِ حَسّانَ عن محمد ابنِ سيرينَ عن أبي هُرَيْرَةَ أَنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال "مَنْ ذَرَعَهُ القَيْءُ فَلَيْسَ عليهِ قَضَاءٌ ومَنِ استْتَقَاءَ عَمْداً فَلْيَقْضِ".
ـــــــ
باب ما جاء من استقاء عمدا"
قوله: "ومن ذرعة القيء" بالذال المعجمة أي غلبه وسبقه في الخروج "فليس عليه قضاء" لأنه لا تقصير منه "ومن استقاء عمداً" أي من تسبب لخروجه قصداً

(3/409)


قال: وفي البابِ عن أبي الدّرْدَاءِ وثَوْبَانَ وفَضَاَلَة بنِ عُبَيْدٍ.
قال أبو عيسى: حديثُ أبي هريرةَ حديثٌ حسنٌ غريبٌ لا نعرِفُهُ مِنْ حديثِ هِشَامٍ عن ابنِ سِيرِينَ عن أبي هُرَيرةَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم إلاّ مِنْ حديثِ عيسى بنِ يونُسَ. وقالَ محمدٌ: لا أَراهُ مَحْفُوظاً.
قال أبو عيسى: وقد رُوِيَ هذا الحديثُ مِنْ غَيْرٍ وَجْهٍ عن أَبي هُرَيْرَةَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم ولا يَصحّ إسْنَادُهُ. وقد رُوِيَ عن أبيِ الدّرْدَاء وثَوْبَانَ وفَضَالَةَ بنِ عُبَيْدٍ أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قَاءَ فَأَفْطَرَ.
وإنّما مَعْنَى هذا أَنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم كانَ صَائِماً مُتَطَوّعاً فَقَاءَ فَضَعُفَ فأَفْطَر لذَلِكَ. هكذا رُوِيَ في بعضِ الحديثِ مُفَسّراً.
ـــــــ
"فليقض" قال ابن الملك: والأكثر على أنه لا كفارة عليه.
قوله: "وفي الباب عن أبي الدرداء وثوبان" أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي والدارمي عن معدان بن طلحة أن أبا الدراداء حدثه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قاء فأفطر، قال فلقيت ثوبان في مسجد دمشق فقلت إن أبا الدرداء حدثني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قاء فأفطر، قال: صدق وأنا صببت له وضوءه "وفضالة بن عبيد" أخرجه ابن ماجه بلفظ: إن النبي صلى الله عليه وسلم خرج عليهم في يوم كان يصومه فدعا بإناء فشرب فقلنا يا رسول الله إن هذا يوم كنت تصومه قال أجل ولكني قئت. وفي الباب عن ابن عمر موقوفاً عند مالك في الموطأ والشافعي بلفظ: من استقاء وهو صائم فعليه القضاء ومن ذرعه القيء فليس عليه القضاء .
قوله: "حديث أبي هريرة حديث حسن غريب" أخرجه الخمسة وأعله أحمد وقواه الدارقطني كذا في بلوغ المرام.
قوله: "وقال محمد" هو البخاري "لا أراه" بضم الهمزة أي لا أظنه. قال الطيبي: الضمير راجع إلى الحديث وهو عبارة عن كونه منكراً انتهى. وقال أبو داود: سمعت أحمد بن حنبل يقول: ليس من ذا شيء. قال الخطابي: يريد أن الحديث غير محفوظ.
قوله: "هكذا روي في بعض الحديث مفسراً" قال الزيلعي في نصب الراية: والحديث المفسر الذي أشار إليه الترمذي رواه ابن ماجه من حديث أبي مرزوق

(3/410)


والعملُ عندَ أَهْلِ العلمِ على حديثِ أَبي هُرَيْرَةَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنّ الصّائِمَ إذا ذَرَعَهُ القَيْءُ فلا قَضَاءَ عليهِ، وإذا اسْتَقَاءَ عَمْداً فَلْيَقْضِ . وبهِ يقولُ سفيانُ الثّوْرِيّ والشافعيّ وأحمدُ وإسحاقُ.
ـــــــ
قال: سمعت فضالة بن عبيد الأنصاري يحدث أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج عليهم فذكر الحديث وقد تقدم لفظه آنفاً.
قوله: "وبه يقول الشافعي وسفيان الثوري وأحمد وإسحاق" وهو قول أبي حنيفة، ففي الموطأ للإمام محمد أخبرنا مالك أخبرنا نافع أن ابن عمر كان يقول: من استقاء وهو صائم فعليه القضاء ومن ذرعه القيء فليس عليه شيء. قال محمد: وبه نأخذ وهو قول أبي حنيفة

(3/411)


باب ما جاء في الصائم يأكل ويشرب ناسيا"
...
26 ـ باب ما جَاءَ في الصّائِم يأْكُلُ و يَشْرَبُ ناسِيا
717 ـ حدثنا أبو سَعِيدٍ الأشجّ حدثنا أبو خالدٍ الأحمرُ عن حَجّاجٍ بن أرطأة عن قَتادَةَ عن ابنِ سِيريِنَ عن أبي هريرةَ قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم "مَنْ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ نَاسِيا فلا يُفْطِرْ فإِنّمَا هُو رِزْقّ رَزَقَهُ الله".
718 ـ حدثنا أَبو سَعِيدٍ الأشج حدثنا أبو أُسَامَةَ عن عَوْف عن ابنِ سِيريِنَ و خَلاّسٍ عن أَبي هُرَيْرَةَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم مِثْلَهُ أَو نَحْوَهُ.
قال: وفي البابِ عن أبي سعيدٍ وأُمّ إسحاقَ الغَنَوِيّةِ.
ـــــــ
باب ما جاء في الصيام يأكل ويشرب ناسيا
قوله :" من أكل أو شرب ناسيا" أي أنه في الصوم "فلا يفطر" وفي رواية للبخاري: فليتم صومه "فإنما هو رزق رزقه الله " وفي رواية البخاري :فإنما أطعمه الله وسقاه.
قوله: "وفي الباب عن أبي سعيد وأم إسحاق الغنوية" أما حديث أبي سعيد فلم أقف عليه، وأما حديث أم إسحاق فأخرجه أحمد بلفظ: أنها كانت عند النبي صلى الله عليه وسلم فأتى بقصعة من ثريد فأكلت معه ثم تذكرت أنها كانت صائمة، فقال لها ذو اليدين: الآن بعد ما شبعت؟ فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: "أتمي

(3/411)


قال أبو عيسى: حديثُ أبي هريرةَ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
والعملُ على هذا عندَ أكثَرِ أهلِ العلمِ. وبهِ يقولُ سُفْيَانُ الثّوْرِيّ والشافِعِيّ وأَحمدُ وإسحاقُ.
وقالَ مَالِكُ بنُ أَنَسٍ: إذا أَكَلَ في رمَضَانَ ناسِياً فَعَلَيْهِ القَضَاءُ. والقول الأوّلُ أَصَحّ.
ـــــــ
صومك فإنما هو رزق ساق الله إليك" انتهى. قال الحافظ في الفتح: وفي هذا رد على من فرق بين قليل الأكل وكثيره، قال ومن المستظرفات ما رواه عبد الرزاق عن ابن جريج عن عمرو بن دينار أن إنساناً جاء إلى أبي هريرة فقال أصبحت صائماً فنسيت فطعمت، قال لا بأس، قال ثم دخلت على إنسان فنسيت فطعمت وشربت، قال لا بأس الله أطعمك وسقاك، ثم قال دخلت على آخر فنسيت فطعمت قال أبو هريرة أنت إنسان لم تتعود الصيام.
قوله: "حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح" وأخرجه البخاري ومسلم.
قوله: "وبه يقول سفيان الثوري والشافعي وأحمد وإسحاق" وهو قول أبي حنيفة، فهؤلاء كلهم يقولون إن من أكل أو شرب ناسياً فليتم صومه ولا قضاء عليه ولا كفارة واحتجوا بحديث الباب "وقال مالك بن أنس: إذا أكل في رمضان ناسياً فعليه القضاء" وأجاب بعض المالكية عن حديث الباب بأنه محمول على صوم التطوع.
وقال القرطبي: احتج به من أسقط القضاء، وأجيب بأنه لم يتعرض فيه للقضاء فيحمل على سقوط المؤاخذة، لأن المطلوب صيام يوم لا حزم فيه، لكن روى الدارقطني فيه سقوط القضاء وهو لا يقبل الاحتمال، لكن الشأن في صحته فإن صح وجب الأخذ به وسقط القضاء انتهى. وقال المهلب وغيره: لم يذكر في الحديث إثبات القضاء فيحمل على سقوط الكفارة عنه وإثبات عذره ورفع الإثم عنه وبقاء نيته التي بيتها انتهى.
والجواب عن ذلك كله بما أخرجه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم والدارقطني من طريق محمد بن عبد الله الأنصاري عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة بلفظ: من أفطر في شهر رمضان ناسياً فلا قضاء عليه ولا كفارة، فعين رمضان وصرح بإسقاط القضاء ذكره الحافظ في فتح الباري، وقال بعد ذكر طرق هذا

(3/412)


27ـ باب ما جَاءَ في الإفطارِ مُتَعَمّدا
719 ـ حدثنا محمد بن بشار، حدثنا يحيى بنُ سَعِيد و عبدُ الرحمَنِ بنُ مَهْدِي قالا: حدثنا سُفْيَانُ عن حَبيبِ بنِ أَبي ثَابِتٍ، حدثنا أبو المُطَوّسِ عن أبِيهِ عن أبي هُرَيْرَةَ قالَ: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم "مَنْ أفْطَرَ يَوْماً مِنْ رَمَضَانَ منْ غَيْرِ رُخْصَةٍ ولا مَرَضٍ لَمْ يَقْضِ عنهُ صَوْمُ الدّهْرِ كُلّهِ وإنْ صَامَهُ".
ـــــــ
باب ما جَاءَ في الإفطارِ عمداً
قوله: "أخبرنا المطوس" بكسر الواو المشددة هو يزيد، وقيل عبد الله بن المطوس لين الحديث كذا في التقريب "عن أبيه" هو المطوس قال في التقريب: المطوس بتشديد الواو المكسوره، ويقال أبو المطوس عن أبي هريرة مجهول من الرابعة.
قوله: "من غير رخصة" كسفر "ولا مرض" أي مبيح للإفطار، من عطف الخاص على لعام "لم يقض عنه صوم الدهر كله" أي صومه، فالإضافة بمعنى في نحو مكر الليل، وكله للتأكيد "وإن صامه" أي ولو صام الدهر كله. قال الطيبي: أي لم يجد فضيلة الصوم المفروض بصوم النفل وإن سقط قضاؤه بصوم يوم واحد، وهذا على طريق المبالغة والتشديد، ولذلك أكده بقوله "وإن صامه" أي حق الصيام قال ابن الملك: وإلا فالإجماع على أنه يقضي يوماً مكانه، وقال ابن حجر: وما اقتضاه ظاهره أن صوم الدهر كله بينة القضاء عما أفطره من رمضان

(3/413)


قال أبو عيسى: حديثُ أبي هُرَيْرَةَ لا نعرِفُهُ إلاّ مِنْ هذا الوجْهِ. وسَمِعْتُ محمداً يقولُ: أبو المُطَوّسِ اسْمُهُ يَزِيدُ بنُ المُطَوّسِ ولا أعْرِفُ لهُ غَيْرَ هذا الحديثِ.
ـــــــ
لا يجزئه قال به علي وابن مسعود والذي عليه أكثر العلماء يجزئه وإن كان ما أفطره في غاية الطول والحر وما صامه بدله في غاية القصر والبرد كذا في المرقاة.
قلت: قال البخاري في صحيحه: ويذكر عن أبي هريرة رفعه: من أفطر يوماً في رمضان من غير عذر ولا مرض لم يقضه صيام الدهر وإن صامه. وبه قال ابن مسعود. وقال سعيد بن المسيب وابن جبير وإبراهيم وقتادة وحماد: يقضي يوماً مكانه انتهى. وذكر الحافظ في الفتح من وصل هذه الآثار قال وصله يعني أثر ابن مسعود للطبراني والبيهقي بإسناد لهما عن عرفجة قال قال عبد الله بن مسعود: من أفطر يوماً في رمضان متعمداً من غير علة ثم قضى طوال الدهر لم يقبل منه، وبهذا الإسناد عن علي مثله انتهى. وقال أبو هريرة بمثل قول ابن مسعود رضي الله عنه كما سيجيء، فظهر أن ما ادعى ابن الملك من أن الإجماع على أنه يقضي يوماً مكانه ليس بصحيح.
قوله: "حديث أبي هريرة رضي الله عنه حديث لا نعرفه إلا من هذا الوجه" أخرجه أصحاب السنن الأربعة وصححه ابن خزيمة من طريق سفيان الثوري وشعبة كلاهما عن حبيب بن أبي ثابت عن عمارة بن عمير عن أبي المطوس عن أبيه عن أبي هريرة.
قوله: "وسمعت محمداً يقول: أبو المطوس اسمه يزيد بن المطوس ولا أعرف له غير هذا الحديث" وقال البخاري في التاريخ: تفرد أبو المطوس بهذا الحديث ولا أدري سمع أبوه من أبي هريرة أم لا. قال الحافظ في الفتح: واختلف فيه على حبيب بن أبي ثابت اختلافاً كثيراً فحصلت فيه ثلاث علل الاضطراب والجهل بحال أبي المطوس والشك في سماع أبيه عن أبي هريرة، وهذه الثالثة تختص بطريقة البخاري في اشتراط اللقاء. وذكر ابن حزم من طريق العلاء بن عبد الرحمَن عن أبيه عن أبي هريرة مثله موقوفاً انتهى كلام الحافظ

(3/414)


باب ما جاء في الكفارة الفطر في رمضان
...
28ـ باب ما جاءَ في كَفّارَةِ الفِطْرِ في رَمَضَان
720 ـ حدثنا نَصْرُ بنُ عَلِي الجَهْضَمِيّ و أَبو عَمّارٍ "والمَعْنَى واحِدٌ والّلفْظُ لَفْظُ أبي عَمّارٍ" قال: أَخبرنا سُفْيَانُ بنُ عُيَيْنَةَ عن الزّهْرِيّ عن حُمَيْدِ بنِ عبدِ الرحمَنِ عن أبي هُرَيْرَةَ قال: "أتَاهُ رَجُلٌ فقالَ: يا رسولَ الله هلَكْتُ، قالَ: "وما أَهْلَكَكَ؟ قال: وَقَعْتُ على امْرأَتِي في رَمَضَانَ، قال: هل تَسْتَطِيعُ أَن تعْتِقَ رَقَبَةً؟ قال: لا، قالَ فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَن تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ؟
ـــــــ
باب ما جاءَ في كَفّارَةِ الفِطْرِ في رَمَضَان
قوله: "أتاه رجل" وفي رواية للبخاري وغيره: بينما نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاءه رجل، قال الحافظ: لم أقف على تسميته إلا أن عبد الغني في المبهمات وتبعه ابن بشكوال جزماً بأنه سلمان أو سلمة بن صخر البياضي "فقال يا رسول الله" وقع في رواية: جاء رجل وهو ينتف شعره ويدق صدره ويقول: هلك الأبعد، وفي رواية يلطم وجهه، وفي رواية: ويحثى على رأسه التراب. قال الحافظ بعد ذكر هذه الروايات: واستدل بهذا على جواز هذا الفعل والقول ممن وقعت له معصية، ويفرق بذلك بين مصيبة الدين والدنيا، فيجوز في مصيبة الدين لما يشعر به الحال من شدة الندم وصحة الإقلاع، ويحتمل أن تكون هذه الواقعة قبل النهي عن لطم الخدود وحلق الشعر عند المصيبة "هلكت" وفي حديث عائشة احترقت. واستدل به على أنه كان عامداً لأن الهلاك والاحتراق مجاز عن العصيان المؤدي إلى ذلك، فكأنه جعل المتوقع كالواقع، وبالغ فعبر عنه بلفظ الماضي. وإذا تقرر ذلك فليس فيه حجة على وجوب الكفارة على الناس وهو مشهور قول مالك والجمهور، وعن أحمد وبعض المالكية يجب على الناس وتمسكوا بترك استفساره عن جماعة هل كان عن عمد أو نسيان وترك الاستفصال في الفعل يترك منزلة العموم في القول كما اشتهر.
والجواب: أنه قد تبين حاله بقوله: هلكت واحترقت، فدل على أنه كان عامداً عارفاً بالتحريم، وأيضاً فدخول النسيان في الجماع في نهار رمضان في غاية البعد. "وقعت على امرأتي في رمضان" وفي حديث عائشة وطئت امرأتي "قال هل تستطيع أن تعتق رقبة؟"

(3/415)


قال: لا؟ قالَ فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تُطْعِمَ سِتّينَ مِسْكِيناً؟ قال: لا، قالَ: اجْلِسْ فَجَلسَ، فَأُتِيَ النبيّ صلى الله عليه وسلم بِعَرَقٍ فيه تَمْرٌ، والعَرَقُ المِكْتَلُ الضّخْمُ، قال: تَصَدّقْ بِه، فقالَ: مَا بَيْنَ لاَبَتَيْهَا أَحَدٌ أَفْقَرَ مِنّا،
ـــــــ
أي عبداً أو أمة "قال: لا، قال: فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا قال: فهل تستطيع أن تطعم ستين مسكيناً؟ قال: لا" قال القاضي وكذا في شرح السنة: رتب الثاني بالفاء على فقد الأول ثم الثالث بالفاء على فقد الثاني فدل على الترتيب. وقال مالك بالتخيير فإن المجامع مخير بين الخصال الثلاث عنده قال ابن حجر: الكفارة مرتبة ككفارة الظهار المذكورة في سورة المجادلة، وهو قول الشافعي والأكثرين. وقال مالك إنها مخيرة كالكفارة المذكورة في سورة المائدة لرواية أبي داود أن يعتق رقبة أو يصوم شهرين متتابعين أو يطعم ستين مسكيناً.
وأجابوا بأن "أو" كما لا تقتضي الترتيب لا تمنعه كما بينته الروايات الأخر، وحينئذ فالتقدير "أو" يصوم إن عجز عن العتق أو يطعم إن عجز عن الصوم، ورواتها أكثر وأشهر فقد رواها عشرون صحابياً وهي حكاية لفظ النبي صلى الله عليه وسلم ورواة هذا اثنان وهو لفظ الراوي انتهى كذا في المرقاة.
قلت: لا شك أن رواة الكفارة مرتبة أكثر، وأما إنها رواها عشرون صحابياً ففيه نظر. قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في فتح الباري: وسلك الجمهور في ذلك مسلك الترجيح بأن الذين رووا الترتيب عن الزهري أكثر ممن روى التخير إلى أن قال: بل روى الترتيب تمام ثلاثين نفساً أو أزيد، قال ويترجح الترتيب أيضاً بأنه أحوط لأن الأخذ به مجزي سواء قلنا بالتخيير أو لا بخلاف العكس انتهى كلام الحافظ. والحاصل أن القول بالترتيب هو الراجح المعول عليه "بعرق" بفتحتين "والعرق المكتل" بكسر الميم أي الزنبيل "الضخم" بسكون الخاء أي العظيم، وفي حديث علي عند الدارقطني: تطعم ستين مسكيناً لكل مسكين مد، وفيه فأتى بخمسة عشر صاعاً فقال أطعمه ستين مسكيناً، وكذا في رواية حجاج عن الزهري عند الدارقطني في حديث أبي هريرة، وقد جاء في بيان مقدار ما في المكتل من التمر روايات مختلفة وبرواية على هذه يحصل الجمع بينها كما ذكره الحافظ في الفتح "قال فتصدق به" أي على الفقراء "فقال" أي الرجل "ما بين لابتيها" أي المدينة

(3/416)


ل: فَضَحِكَ النبيّ صلى الله عليه وسلم حتى بَدَتْ أَنْيَابُهُ، قال: فخُذْهُ فَأَطْعِمْهُ أَهْلَكَ " قال: وفي البابِ عن ابنِ عُمَرَ وعائِشَةَ وعبدِ الله بنِ عَمْروٍ.
قال أبو عيسى: حديثُ أبي هُرَيْرَةَ حَديثٌ حسنٌ صحيحٌ. والعملُ على هذا الحديثِ عندَ أهلِ العلمِ في مَنْ أفْطَرَ في رَمَضَانَ مُتَعَمّداً مِنْ جِمَاعٍ. وأمّا مَنْ أفْطَرَ مُتَعَمّداً مِنْ أَكْلٍ أو شُرْبٍ فإِنّ أهلَ العلمِ قد اخْتَلَفُوا في ذلكَ، فقالَ بعضُهُم: عليهِ القَضَاءُ والكَفّارةُ، وشبهُوا الأكْلَ والشّرْبَ بالجِمَاعِ. وهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثّوْرِيّ وابنِ المُبَارَكِ وإسحاقَ.
وقال بعضُهُم: عليهِ القَضَاءُ ولا كَفّارَةَ عليهِ، لأنّهُ إِنّما ذُكِرَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم الكَفّارةُ في الجِمَاعِ ولمُ تذكر عنهُ في الأكْلِ والشّرْبِ، وقالوا: لا يُشْبِهُ الأكْلُ والشّرْبُ الجِمَاعَ. وهُوَ قَوْلُ الشافعيّ وأحمدَ. وقال الشافعيّ: وقَوْلُ النبيّ صلى الله عليه وسلم للرّجُلِ الذي أَفْطَرَ فَتَصَدّقَ عليهِ "خُذْهُ فأَطْعِمْهُ أَهْلَكَ" يَحْتَمِلُ هذا مَعانِيَ، يَحْتَمِلُ أنْ تكونَ الكَفّارَةُ على مَنْ قَدَرَ عليها، وهذا رَجُلٌ لَمْ يَقدِرْ على الكَفّارَةِ فَلمّا أعْطَاهُ النبيّ صلى الله عليه وسلم شَيْئاً ومَلَكَهُ فقال الرجُلُ "ما أَحَدٌ أفْقَرَ إليهِ مِنّا" فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم "خُذْهُ فأَطْعِمْهُ أَهْلَكَ" لأنّ الكَفّارَةَ إنّما تكونُ بعدَ الفَضْلِ عن قُوتِهِ. واختارَ الشافعيّ لِمَنْ كانَ على مِثْلِ هذا الحالِ أنْ يَأْكُلهُ، وتكُونَ الكَفّارَةُ عليهِ دَيْناً فمَتَى ما مَلَكَ يَوْماً ما كَفّرَ.
ـــــــ

(3/417)


29 ـ باب ما جَاءَ في السّوَاكِ للصّائِم
721 ـ حدثنا محمدُ بنُ بَشّارِ، حدثنا عبدُ الرحمَنِ بنُ مَهْدِي، أخبرنا
ـــــــ
باب ما جَاءَ في السّوَاكِ للصّائِم
قوله: "عن عاصم بن عبيد الله" بن عاصم بن عمر بن الخطاب العدوي المدني ضعيف من الرابعة.

(3/417)


سُفْيَانُ عن عاصِمِ بنِ عُبَيْدِ الله عن عبدِ الله بنِ عامِرِ بنِ رَبِيعَةَ عن أبيهِ قال "رأَيْتُ النبيّ صلى الله عليه وسلم ما لا أُحْصِي يَتَسَوّكُ وهو صَائِمٌ".
قال: وفي البابِ عن عائِشَةَ.
قال أبو عيسى: حديثُ عامِرِ بنِ رَبِيعَةَ حديثٌ حسنٌ. والعملُ على هذا عندَ أهلِ العلمِ لا يَرَوْنَ بالسّواكِ للصّائِمِ بَأْساً إلاّ أن بعضَ أهلِ العلمِ كَرِهُوا السّوَاكَ للصّائِمِ بالْعُودِ الرّطْبِ وكَرِهُوا لَهُ السّوَاكَ آخِرَ النّهارِ.
ـــــــ
قوله: "ما لا أحصى" أي مقداراً لا أقدر على إحصائه وعده لكثرته "يتسوك" مفعول ثان لأنه خبر على الحقيقة "وما" موصوفة "ولا أحصى" صفتها وهي ظرف ليتسوك مرات لا أقدر على عدها. قاله الطيبي قال ميرك: ولعله حمل الرؤية على معنى العلم، فجعل يتسوك مفعولاً ثانياً، ويحتمل أن تكون بمعنى الإبصار ويتسوك حينئذ حال، وقوله "وهو صائم" حال أيضاً إما مترادفة وإما متداخلة، كذا في المرقاة.
قوله: "وفي الباب عن عائشة" أخرجه ابن ماجه والدارقطني بلفظ: قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خير خصال الصائم السواك" "حديث عامر بن ربيعة حديث حسن" وأخرجه أحمد وأبو داود وأخرجه ابن خزيمة في صحيحه وقال كنت لا أخرج حديث عاصم ثم نظرت فإذا شعبة والثوري قد رويا عنه، وروي يحيى وعبد الرحمَن عن الثوري عنه، وروى مالك عنه خبراً في غير الموطأ. قال الحافظ: وضعفه ابن معين والذهلي والبخاري وغير واحد انتهى.
قوله: "والعمل على هذا عند أهل العلم لا يرون بالسواك للصائم بأساً" قبل الزوال وبعده، رطباً كان السواك أو يابساً. وهو قول أكثر أهل العلم، وبه قال مالك وأبو حنيفة والشافعي على ما حكى عنه الترمذي، واحتجوا بحديث الباب وبحديث عائشة الذي أشار إليه الترمذي وبحديث أبي هريرة: لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل وضوء، أخرجه النسائي، وبجميع الأحاديث التي رويت في معناه وفي فضل السواك فإنها بإطلاقها تقتضي إباحة السواك في كل وقت وعلى كل حال وهو الأصح والأقوى "إلا أن بعض أهل العلم كرهوا السواك للصائم بالعود الرطب" كالمالكية والشعبي فإنهم كرهوا للصائم الاستياك بالسواك الرطب

(3/418)


ولَمْ يَرَ الشافعيّ بالسّوَاكِ بَأْساً أَوّلَ النهَارِ و لا آخِرَهُ. وكَرِهَ أحمدُ وإسحاقُ السّوَاكَ آخِرَ النّهَارِ.
ـــــــ
لما فيه من الطعم، وأجاب عن ذلك ابن سيرين جواباً حسناً، قال البخاري في صحيحه: قال ابن سيرين: لا بأس بالسواك الرطب، قيل له طعم، قال والماء له طعم وأنت تمضمض به انتهى. وقال ابن عمر: لا بأس أن يستاك الصائم بالسواك الرطب واليابس رواه ابن أبي شيبة، قلت هذا هو الأحق، لأن أقصى ما يخشى من السواك الرطب أن يتحلل منه في الفم شيء وذلك الشيء كماء المضمضة فإذا قذفه من فيه لا يضره بعد ذلك والله تعالى أعلم. "وكرهوا له السواك آخر النهار" واحتجوا على ذلك بأن في الاستياك آخر النهار إزالة الخلوف المحمود بقوله صلى الله عليه وسلم: "لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك".
وأجيب بأن الخلوف بضم الخاء المعجمة على الصحيح تغير رائحة الفم من خلو المعدة وذلك لا يزال بالسواك. قال ابن الهمام: بل إنما يزيل أثره الظاهر عن السن من الاصفرار، وهذا لأن سبب الخلوف خلو المعدة من الطعام، والسواك لا يفيد شغلها بطعام ليرتفع السبب، ولهذا روى عن معاذ مثل ما قلنا، روى الطبراني عن عبد الرحمَن بن غنم قال: سألت معاذ بن جبل أتسوك وأنا صائم: قال نعم قلت: أي النهار شئت غدوة وعشية، قلت: إن الناس يكرهونه عشية ويقولون إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك؟" فقال: سبحان الله، لقد أمرهم بالسواك وهو يعلم أنه لا بد بفي الصائم خلوف وإن استاك، وما كار الذي يأمرهم أن ينتنوا أفواههم عمداً، ما في ذلك من الخير شيء بل فيه شر إلا من ابتلى ببلاء لا يجد منه بداً انتهى.
قلت: إسناد هذا الأثر جيد كما صرح به الحافظ في التلخيص الحبير. قال ابن الهمام: وكذا الغبار في سبيل الله لقوله عليه الصلاة والسلام: "من اغبرت قدماه في سبيل الله حرمه الله على النار، إنما يؤجر عليه من اضطر إليه ولم يجد عنه محيصاً فأما من ألقى نفسه عمداً فما له في ذلك من الأجر شيء". قيل: فيدخل في هذا أيضاً

(3/419)


ـــــــ
من تكلف الدوران تكثيراً للمشي إلى المساجد نظراً إلى قوله عليه الصلاة والسلام: وكثرة الخطا إلى المساجد قال: وفي المطلوب أحاديث مضعفة منها ما رواه البيهقي عن إبراهيم بن عبد الرحمَن حدثنا إسحاق الخوارزمي قال: سألت عاصم الأحول أيستاك الصائم بالسواك الرطب؟ قال: نعم، أتراه أشد رطوبة من الماء؟ قلت: أول النهار وآخره؟ قال: نعم، قلت: عمن رحمك الله؟ قال: عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم. وروى ابن حبان عن ابن عمر قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستاك آخر النهار، وهذا هو الصحيح عن ابن عمر من قوله: قلنا. كفى ثبوته عن ابن عمر مع تعدد الضعيف فيه مع عمومات الأحاديث الواردة في فضل السواك.
وأما ما روى الطبراني عنه عليه الصلاة والسلام: إذا صمتم فاستاكوا بالغدوة ولا تستاكوا بالعشى فإن الصائم إذا يبست شفتاه كانت له نوراً يوم القيامة، فحديث ضعيف لا يقاوم ما قدمنا انتهى كلام ابن الهمام ملخصاً.
قلت: حديث: إذا صمتم فاستاكوا بالغدوة الخ، رواه الدارقطني والبيهقي من حديث خباب وضعفاه، وروياه أيضاً من حديث علي وضعفاه أيضاً، قاله الحافظ في التلخيص وقال فيه: وأخرج الدارقطني من طريق عمر بن قيس عن عطاء عن أبي هريرة قال لك السواك إلى العصر فإذا صليت العصر فالقه فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك" انتهى.
قلت: وهذا الحديث أيضاً ضعيف فإن عمر بن قيس متروك، قال في التقريب: عمر بن قيس المكي المعروف بسندل متروك من السابعة انتهى. وقال في الخلاصة: في ترجمته عن عطاء وعنه ابن عيينة وابن وهب قال البخاري منكر الحديث انتهى.
قوله: "ولم ير الشافعي بالسواك بأساً أول النهار وآخره" كذا حكى الترمذي عن الشافعي، والمشهور عنه أنه كان يكره السواك بعد الزوال

(3/420)


30ـ باب ما جَاءَ في الكُحْلِ للِصّائِم
722 ـ حدثنا عبدُ الأعْلَى بنُ وَاصِلٍ الكوفي حدثنا الحسَنُ بنُ عَطِيّةَ، أخبرنا
ـــــــ
باب ما جَاءَ في الكُحْلِ للِصّائِم
قوله: "حدثنا عبد الأعلى بن واصل" بن عبد الأعلى الأسدي الكوفي ثقة

(3/420)


أبو عَاتِكَةَ عن أَنَسِ بن مالِكٍ قال "جَاءَ رَجُلٌ إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: اشْتَكَتْ عَيْنَي أفَأَكْتَحِلُ وأنا صَائِمٌ؟ قال: نَعَمْ".
قال: وفي البابِ عن أبي رَافِعٍ.
قال أبو عيسى: حديثُ أنَسٍ حديثٌ ليس إسْنَاده بالقوِيّ ولا يَصِحّ عنِ النبيّ صلى الله عليه وسلم في هذا البابِ شَيْءٌ. وأبُو عَاتِكَةَ يُضَعّفُ.
ـــــــ
من كبار العاشرة "أخبرنا الحسن بن عطية" بن نجيح القرشي أبو علي البزاز صدوق من التاسعة "أخبرنا أبو عاتكة" مجمع على ضعفه وسيجيء ترجمته "قال اشتكت عيني" بالتشديد: وفي نسخة بالتخفيف، أي أشكو من وجع عيني، قاله القاري "قال نعم" فيه جواز الاكتحال بلا كراهة للصائم، وبه قال الأكثرون.
قوله: "وفي الباب عن أبي رافع" أخرجه البيهقي من طريق محمد بن عبيد الله بن أبي رافع عن أبيه عن جده بلفظ: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يكتحل وهو صائم. قال ابن أبي حاتم عن أبيه هذا حديث منكر، وقال في محمد إنه منكر وكذا قال البخاري، ورواه ابن حبان في الضعفاء من حديث ابن عمر وسنده مقارب، ورواه ابن أبي عاصم في كتاب الصيام له من حديث ابن عمر أيضاً ولفظه: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعيناه مملؤتان من الإئمد وذلك في رمضان وهو صائم، ذكره الحافظ في التلخيص، قال: ورواه أبو داود من فعل أنس ولا بأس بإسناده. قال: وفي الباب عن بريرة مولاة عائشة في الطبراني الأوسط وعن ابن عباس في شعب الإيمان للبيهقي بإسناد جيد انتهى. وفي الباب أيضاً عن عائشة قالت: اكتحل النبي صلى الله عليه وسلم وهو صائم، أخرجه ابن ماجه عن بقية حدثنا الزبيدي عن هشام بن عروة عن أبيه عنها، والزبيدي هو سعيد بن أبي سعيد الزبيدي كما هو مصرح في رواية البيهقي وهو ضعيف.
قوله: "وأبو عاتكة يضعف" قال في التقريب. اسمه طريف بن سليمان أو بالعكس ضعيف وبالغ السليماني فيه من الخامسة. وقال في الخلاصة عن أنس وعنه الحسن بن عطية، قال البخاري. منكر الحديث انتهى، وقال في الميزان. مجمع على ضعفه.

(3/421)


واخْتَلَفَ أهْلُ العِلمِ في الكُحْلِ للصّائِمِ، فكَرِهَهُ بعضُهمُ، وهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ وابنِ المبَارَكِ وأَحمدَ وإسحاقَ. ورَخّصَ بعضُ أهلِ العلمِ في الكُحْلِ للصّائِمِ، وهو قولُ الشّافِعيّ.
ـــــــ
قوله: "واختلف أهل العلم في الكحل للصائم فكرهه بعضهم وهو قول سفيان وابن المبارك وأحمد وإسحاق" واستدل لهم بما أخرج أبو داود من طريق عبد الرحمَن بن النعمان بن معبد بن هوذة عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر بالإثمد المروح عند النوم وقال ليتقه الصائم . قال أبو داود: قال لي يحيى بن معين. هو حديث منكر انتهى. قال الزيلعي. قال صاحب التنقيح معبد وابنه النعمان كالمجهولين، وعبد الرحمَن بن النعمان قال ابن معين ضعيف، وقال لي أبو حاتم صدوق انتهى. فهذا الحديث لا يصلح للاستدلال على كراهة الكحل للصائم وليس في كراهته حديث صحيح "ورخص بعض أهل العلم في الكحل للصائم، وهو قول الشافعي" وهو قول الحنفية، وروى أبو داود في سننه بإسناده هو الأعمش قال: ما رأيت أحداً من أصحابنا يكره الكحل للصائم، وكان إبراهيم يرخص أن يكتحل الصائم بالصبر انتهى. وهذا الأثر سكت عنه أبو داود والمنذري، واستدل لهم بأحاديث الباب وهي بمجموعها تصلح للاحتجاج على جواز الاكتحال للصائم وليس في كراهته حديث صحيح، فالراجح هو القول بالجواز من غير كراهة والله تعالى أعلم.
فإن قلت: قد يوجد طعم الكحل في الحلق وقد ورد الفطر مما دخل وليس مما خرج.
قلت: حديث الفطر مما دخل وليس مما خرج مرفوعاً ضعيف، ثم المراد بالدخول دخول شيء بعينه من منفذ إلى الباطن، لا وصول أثر شيء من المسامات إلى الباطن، ولذا لا يفطر شم العطر ونحوه

(3/422)


31 ـ باب ما جَاءَ في القُبْلَةِ للصّائِم
723 ـ حدثنا هَنّادٌ و قُتَيْبةُ قالا: حدثنا أَبو الأحْوَصِ عن زِيَادِ بنِ عِلاَقَةَ
ـــــــ
باب ما جَاءَ في القُبْلَةِ للصّائِم
قوله: "عن زياد بن علاقة" بكسر العين المهملة وبالقاف ثقة من الثالثة.

(3/422)


عن عَمْروِ بنِ مَيْمُونٍ عن عائِشَةَ أَن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان يُقَبّلُ في شَهْرِ الصّوْمِ".
قال: وفي البابِ عن عُمَرَ بنِ الخَطّابِ وحَفْصةَ وأَبي سَعِيدٍ وأُمّ سَلَمةَ وابنِ عباسٍ وأَنَسٍ وأَبي هُرَيْرَةَ.
قال أبو عيسى: حديثُ عائِشَةَ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
واخْتَلَفَ أَهلُ العلِمِ مِنْ أَصحابِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم وغيرهم في القُبْلَةِ للصائِمِ. فرَخّصَ بَعْضُ أصحابِ النبيّ صلى الله عليه وسلم في القُبْلَةِ للشّيْخِ ولَمْ
ـــــــ
قوله : "كان يقبل في شهر الصوم" أي في رمضان، وفي رواية لمسلم. يقبل في رمضان وهو صائم. قال الحافظ في الفتح. فأشارت عائشة إلى عدم التفرقة بين صوم الفرض والنفل انتهى.
قوله: "حديث عائشة حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان وغيرهما بألفاظ.
قوله: "وفي الباب عن عمر بن الخطاب" أخرجه أحمد وأبو داود بلفظ قال: هششت يوماً فقبلت وأنا صائم فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت صنعت اليوم أمراً عظيماً، قبلت وأنا صائم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم. "أرأيت لو تمضمضت بماء وأنت صائم؟" قلت: لا بأس بذلك، فقال صلى الله عليه وسلم: "ففيم؟ " كذا في المنتقى قال الحافظ في الفتح بعد ذكر هذا الحديث. أخرجه أبو داود والنسائي، قال النسائي منكر، وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم انتهى "وحفصة" أخرجه ابن ماجه بلفظ: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبل وهو صائم "وأم سلمة" أخرجه الشيخان بلفظ: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبلها وهو صائم "وابن عباس" أخرجه ابن ماجه بلفظ قال: رخص للكبير الصائم في المباشرة وكره للشاب "وأنس" لينظر من أخرجه "وأبي هريرة" أبو داود بلفظ: أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن المباشرة للصائم فرخص له، وأتاه آخر فسأله فنهاه، فإذا رخص له شيخ وإذا الذي نهاه شاب انتهى. وسكت عنه أبو داود والمنذري. وقال ابن الهمام: سنده جيد، كذا في المرقاة.
قوله: "فرخص بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في القبلة للشيخ ولم

(3/423)


يُرَخّصُوا للشّابِ مَخَافَةَ أَن لا يَسْلَمَ لَهُ صَوْمُهُ. والمُبَاشَرَةُ عندَهُمْ أَشَدّ وقد قالَ بَعْضُ أَهلِ العِلمِ: القُبْلَةُ تُنْقِصُ الأجْرَ ولا تُفْطِرُ الصّائِمَ، ورَأَوْا أنّ للصّائِمِ إذا مَلَكَ نَفْسَهُ أَن يُقبّلَ، وإذا لَمْ يَأْمَنْ على نَفْسِهِ تَرَكَ القُبْلَةَ لِيَسْلَمَ لَهُ صَوْمُهُ. وهو قولُ سُفْيَانَ الثّوْرِيّ والشّافِعيّ.
ـــــــ
يرخصوا للشاب إلخ" قال الحافظ في الفتح: فرق قوم بين الشاب والشيخ فكرهها يعني القبلة للشاب وأباحها للشيخ وهو مشهور عن ابن عباس أخرجه مالك وسعيد بن منصور وغيرهما وجاء فيه حديثان مرفوعان فيهما ضعف أخرج أحدهما أبو داود من حديث أبي هريرة والآخر أحمد من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص انتهى.
قوله: "وقال بعض أهل العلم: القبلة تنقض الأجر ولا تفطر الصائم ورأوا أن الصائم إذا ملك نفسه أن يقبل إلخ" قال الحافظ في الفتح بعد نقل كلام الترمذي هذا: ويدل على ذلك ما رواه مسلم من طريق عمر بن أبي سلمة وهو ربيب النبي صلى الله عليه وسلم أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أيقبل الصائم؟ فقال: سل هذه، لأم سلمة، فأخبرته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع ذلك، فقال: يا رسول الله قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر فقال أما والله إني لأتقاكم لله وأخشاكم له . فدل ذلك على أن الشاب والشيخ سواء، لأن عمر حينئذ كان شاباً ولعله كان أول ما بلغ. وفيه دلالة على أنه ليس من الخصائص.
وروى عبد الرزاق بإسناد صحيح عن عطاء بن يسار عن رجل من الأنصار أنه قبل امرأته وهو صائم فأمر امرأته أن تسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فسألته فقال: إن أفعل ذلك، فقال زوجها يرخص الله لنبيه فيما يشاء، فرجعت فقال أنا أعلمكم بحدود الله وأتقاكم. وأخرجه مالك لكنه أرسله، قال عن عطاء أن رجلاً فذكر نحوه مطولاً انتهى كلام الحافظ. قال قبل هذا. قد اختلف في القبلة والمباشرة للصائم، فكره قوم مطلقاً وهو مشهور عند المالكية، وروى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن ابن عمر أنه كان يكره القبلة والمباشرة. ونقل ابن المنذر وغيره عن قوم تحريمها، واحتجوا بقوله تعالى: {فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ} الآية ، فمنع من المباشرة في هذه الآية نهاراً.
والجواب عن ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم هو المبين عن الله تعالى

(3/424)


ـــــــ
وقد أباح المباشرة نهاراً، فدل على أن المراد بالمباشرة في الآية الجماع لا ما دونه من قبلة ونحوها.
وأباح القبلة قوم مطلقاً وهو المنقول صحيحاً عن أبي هريرة وبه قال سعيد وسعد بن أبي وقاص وطائفة، بل بالغ بعض أهل الظاهر فاستحيها انتهى كلام الحافظ.
قلت: أعدل الأقوال عندي ما ذهب إليه سفيان الثوري والشافعي من أن الصائم إذا ملك نفسه جاز له التقبيل وإذا لم يأمن تركه، وبه يحصل الجمع والتوفيق بين الأحاديث المختلفة، وهو قول أبي حنيفة رحمه الله قال محمد بن الحسن في الموطأ: لا بأس بالقبلة للصائم إذا ملك نفسه بالجماع، فإن خاف أن لا يملك نفسه فالكف أفضل وهو قول أبي حنيفة رحمه الله والعامة قبلنا انتهى

(3/425)


باب ما جاء في مباشرة للصائم
...
32ـ باب ما جَاءَ في مُبَاشَرَةِ الصائِم
724 ـ حدثنا ابنُ أبي عُمَرَ، أخبرنا وَكِيعٌ، حدثنا إسرَائيلُ عن أبي إسحاقَ عن أبي مَيْسَرَةَ عن عائِشَةَ قالت "كانَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يُبَاشِرُنِي وَهُوَ صَائِمٌ وكانَ أَمْلَككُم لإرْبِه".
725 ـ حدثنا هَنّادٌ حدثنا أبو مُعَاوِيَةَ عن الأعْمَشِ عن إبراهيم عن عَلْقَمةَ و الأسْوَدِ عن عائِشَةَ قالت " كانَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يِقُبّلُ وَيُبَاشِرُ وهُوَ صَائِمٌ وكانَ أَمْلَكَكُم لإربِهِ".
ـــــــ
وقد أباح المباشرة نهاراً، فدل على أن المراد بالمباشرة في الآية الجماع لا ما دونه من قبلة ونحوها.
وأباح القبلة قوم مطلقاً وهو المنقول صحيحاً عن أبي هريرة وبه قال سعيد وسعد بن أبي وقاص وطائفة، بل بالغ بعض أهل الظاهر فاستحيها انتهى كلام الحافظ.
قلت: أعدل الأقوال عندي ما ذهب إليه سفيان الثوري والشافعي من أن الصائم إذا ملك نفسه جاز له التقبيل وإذا لم يأمن تركه، وبه يحصل الجمع والتوفيق بين الأحاديث المختلفة، وهو قول أبي حنيفة رحمه الله قال محمد بن الحسن في الموطأ: لا بأس بالقبلة للصائم إذا ملك نفسه بالجماع، فإن خاف أن لا يملك نفسه فالكف أفضل وهو قول أبي حنيفة رحمه الله والعامة قبلنا انتهى
باب ما جاء في مباشرة الصائم
المباشرة أعم من القبلة، قيل هي مس الزوج المرأة فيما دون الفرج، وقيل هي القبلة واللمس باليد، قاله القاري.
قوله: "يباشرني" قال النووي: معنى المباشرة هنا اللمس باليد، وهو من التقاء البشرتين انتهى "وكان أملككم لأريه" بفتح الهمزة والراء وبالموحدة أي حاجته، ويروي بكسر الهمزة وسكون الراء أي عضوه، والأول أشهر وإلى ترجيحه أشار البخاري من التفسير، كذا في فتح الباري.
قلت: قال البخاري بعد رواية هذا الحديث: قال ابن عباس: إرب حاجة، وقال طاؤس "غير أولى الإربة" الأحمق لا حاجة له في النساء انتهى. قال الجزري

(3/425)


قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ وأَبُو مَيْسَرَةَ اسْمُهُ عمرُو بنُ شُرَحْبِيلَ. ومَعْنَى لإربِه يَعْنِي لِنَفْسِهِ.
ـــــــ
في النهاية: أي لحاجته تعني أنه كان غالباً لهواه، وأكثر المحدثين يروونه بفتح الهمزة والراء يعنون الحاجة وبعضهم يرويه بكسر الهمزة والراء يعنون الحاجة، وبعضهم يرويه بكسر الهمزة وسكون الراء وله تأويلان أحدهما أنه الحاجة والثاني أرادت به العضو وعنت به من الأعضاء الذكر خاصة انتهى. وفي مجمع البحار: خدش التفسير بالعضو بأنه خارج عن سنن الأدب انتهى. قال النووي: معنى كلام عائشة رضي الله تعالى عنها أنه ينبغي لكم الاحتراز عن القبلة ولا تتوهموا من أنفسكم أنكم مثل النبي صلى الله عليه وسلم في استباحتها لأنه يملك نفسه ويأمن الوقوع في قبلة يتولى منها إنزال أو شهوة وهيجان نفس ونحو ذلك وأنتم لا تأمنون ذلك، فطريقكم الإنكفاف عنها انتهى.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان وغيرهما بألفاظ "وأبو ميسرة اسمه عمرو بن شرحبيل" الكوفي الهمداني ثقة عابد مخضرم "ومعنى لأربه يعني لنفسه" هذا بيان حاصل المعنى، وقد عرفت أصل معنى لأربه

(3/426)


33 ـ باب ما جَاءَ لا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يَعْزِمْ مِنَ اللّيْل
726 ـ حدثنا إسحاقُ بنُ منصورٍ أخبرنا ابن أبي مَرْيَمَ أخبرنا يَحْيى بنُ أَيوبَ عن عبدِ الله بنِ أبي بَكْرٍ عن ابنِ شِهَابٍ عن سَالِمِ بنِ عبدِ الله عن أَبيهِ عن حَفْصَةَ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال "مَنْ لَمْ يُجْمِعِ الصيَامَ قَبْلَ الفَجْرِ فلا صِيَامَ لَهُ".
ـــــــ
باب ما جَاءَ لا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يَعْزِمْ مِنَ اللّيْل
قوله : "من لم يجمع الصيام" قال في النهاية: الإجماع إحكام النية والعزيمة أجمعت الرأي وأزمعته وعزمت وعزمت عليه بمعنى انتهى. والمعنى من لم يصمم العزم على الصوم "قبل الفجر" أي قبل الصبح الصادق "فلا صيام له" ظاهره أنه لا يصح الصوم بلا نية قبل الفجر فرضاً كان أو نفلاً، وإليه ذهب ابن عمر وجابر بن زيد ومالك والمزني وداود، وذهب الباقون إلى جواز النفل بنية من النهار وخصصوا هذا الحديث بما روي عن عائشة أنها قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يأتيني

(3/426)


قال أبو عيسى: حديثُ حَفْصَةَ حديثٌ لا نَعْرِفُهُ مرفوعاً إِلا مِنْ هذا الوجْهِ وقد رُوِيَ عن نافِعٍ عن ابنِ عُمَر قَوْلُهُ وهو أَصَحّ: وهكذا أيضاً روي هذا الحديث عن الزهري موقوفاً ولا نعلم أحداً رفعه إلاّ يحيى بن أيوب وإِنّمَا مَعْنَى هذا عندَ أهلِ العِلْمِ: لا صِيَامَ لِمَن لم يُجْمِعْ الصّيَامَ قبلَ طُلُوعِ الفَجْرِ في رَمَضَانَ أَو في قَضَاءِ رَمَضَانَ أو في صيَامِ نَذْرٍ إذا لَمْ يَنْوِهِ مِنَ اللّيْلِ لَمْ يُجْزِهِ.
ـــــــ
ويقول: "أعندك غداء؟" فأقول: لا، فيقول: "إني صائم"، وفي رواية إني إذن لصائم. وإذن للاستقبال وهو جواب وجزاء، كذا في المرقاة.
قلت: والظاهر الراجح هو ما ذهب إليه الباقون.
قوله: "حديث حفصة حديث لا نعرفه مرفوعاً إلا من هذا الوجه، وقد روي عن نافع عن ابن عمر قوله وهو أصح" قال في المنتقى بعد ذكر هذا الحديث: رواه الخمسة، وقال في النيل: أخرجه أيضاً ابن خزيمة وابن حبان وصححاه مرفوعاً، وأخرجه أيضاً الدارقطني. وقال الحافظ في التلخيص: واختلف الأئمة في رفعه ووقفه، فقال ابن أبي حاتم عن أبيه لا أدري أيهما أصح يعني رواية يحيى بن أيوب عن عبد الله بن أبي بكر عن الزهري عن سالم لكن الوقف أشبه. وقال أبو داود: لا يصح رفعه. وقال الترمذي الموقوف أصح. ونقل في العلل عن البخاري أنه قال هو خطأ، وهو حديث فيه اضطراب. والصحيح عن ابن عمر موقوف. وقال النسائي: الصواب عندي موقوف ولم يصح رفعه. وقال أحمد: ماله عندي ذلك الإسناد. وقال الحاكم في الأربعين: صحيح على شرط الشيخين. وقال في المستدرك: صحيح على شرط البخاري. قال البخاري: رواته ثقات إلا أنه روى موقوفاً. وقال الخطابي: أسنده عبد الله بن أبي بكر والزيادة من الثقة مقبولة. وقال ابن حزم: الاختلاف فيه يزيد قوة. وقال الدارقطني. كلهم ثقات انتهى كلام الحافظ.
قال الشوكاني: وقد تقرر في الأصول أن الرفع من الثقة زيادة مقبولة، وإنما قال ابن حزم. الاختلاف فيه يزيد الخبر قوة، لأن من رواه مرفوعاً فقد رواه موقوفاً باعتبار الطرق قال وفي الباب عن عائشة عند الدارقطني وفيه عبد الله بن عباد وهو مجهول وقد ذكره ابن حبان في الضفعاء. وعن ميمونة بنت سعد عند الدارقطني أيضاً بلفظ . سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من أجمع الصيام من الليل فليصم ومن أصبح ولم يجمعه فلا يصم"، وفي إسناده الوافدي انتهى كلام الشوكاني.

(3/427)


وَأَمّا صِيَامُ التّطَوّعِ فَمُبَاحٌ لَهُ أَن يَنْوِيَهُ بَعْدَ مَا أَصْبَحَ. وهو قَوْلُ الشافعيّ وأَحمدَ وَإسحاقَ.
ـــــــ
قوله: "وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق" واستدلوا بحديث الباب وبحديث عائشة المذكور. وتقرير الاستدلال بأن قوله صلى الله عليه وسلم: لا صيام في حديث الباب نكرة في سياق النفي فيعم كل صيام، ولا يخرج عنه إلا ما قام الدليل على أنه لا يشترط فيه إجماع قبل الفجر وهو حديث حفصة المذكور في الباب، والظاهر أن النفي متوجه إلى الصحة لأنها أقرب المجازين إلى الذات أو متوجه إلى نفي الذات الشرعية. وقد عرفت ما ذهب إليه ابن عمر وجابر بن زيد رضي الله تعالى عنهما ومالك وغيرهم، ولعل حديث عائشة المذكور لم يبلغهم. وفي اللمعات: والمذهب عندنا يعني الحنفية أنه يجوز صوم رمضان والنفل والنذر المعين بنية من نصف النهار الشرعي، وشرط للقضاء والكفارة والنذر المطلق أن يبيت النية لأنها غير متعينة فلا بد من التعيين في الابتداء، والدليل لنا في الفرض ما روي في السنن الأربعة عن ابن عباس قوله صلى الله عليه وسلم بعد ما شهد عنده الأعرابي برؤية الهلال. "ألا من أكل فلا يأكل بقية يومه ومن لم يأكل فليصم" ، وأما حديث حفصة مع أنه قد اختلف في رفعه فمحمول على نفي الكمال انتهى ما في اللمعات.
قلت: أجيب عن رواية ابن عباس بأنه إنما صحت النية في النهار في صورة شهادة الأعرابي برؤية الهلال لأن الرجوع إلى الليل غير مقدور، والنزاع فيما كان مقدوراً فيخص الجواز بمثل هذه الصورة أعني من انكشف له في النهار أن ذلك اليوم من رمضان وكمن ظهر له وجوب الصيام عليه من النهار كالمجنون يفيق والصبي يحتلم والكافر يسلم. وأما الاختلاف في رفع حديث حفصة فأجيب عنه بأن الرفع زيادة والزيادة من الثقة مقبولة. وأما حمله على نفي الكمال فغير ظاهر والظاهر أن النفي متوجه إلى الصحة أو إلى نفي الذات الشرعية. هذا ما عندي والله تعالى أعلم

(3/428)


34 ـ باب ما جَاءَ في إِفْطَارِ الصّائِم المُتطَوّع
727 ـ حدثنا قُتَيْبةُ أبو الأحْوَصِ عن سِمَاكِ بنِ حَرْبٍ
ـــــــ
باب ما جَاءَ في إِفْطَارِ الصّائِم المُتطَوّع
قوله: "عن ابن أم هانئ" قال الحافظ في تهذيب التهذيب: هارون بن أم هانئ،

(3/428)


عن ابنِ أُمّ هانِيءٍ عن أُمّ هانِيءٍ قالت "كُنْتُ قَاعِدَةً عندَ النبيّ صلى الله عليه وسلم فأُتِيَ بِشَرَابٍ فَشَرِبَ مِنْهُ ثُمّ نَاوَلَنِي فشَرِبْتُ مِنْهُ فقلتُ إِنّي أَذْنَبْتُ فاسْتَغْفِر لِي فقال: وماذَاك؟ قالت كُنْتُ صَائِمَةً فأَفْطَرْتُ، فقال: أَمِنْ قَضَاءِ كُنْتِ تَقْضِينَهُ؟ قالت: لا قال: فلا يَضُرّكِ".
قال: وفي البابِ عن أبي سعيدٍ وعائشةَ.
ـــــــ
ويقال ابن أم هانئ، ويقال ابن بنت أم هانئ والثالث وهم، روى حديثه سِمَاك بن حرب عنه عن أم هانئ مرفوعاً: الصائم المتطوع أمير نفسه. ولأم هانئ ابن يقال له جعدة بن هبيرة قال الحافظ، فيحتمل أن يكون هارون هذا ولد جعدة بن هبيرة. وأما أبو الحسن بن القطان فقال لا يعرف انتهى "عن أم هانئ" بهمزة بعد نون مكسورة بنت أبي طالب.
قوله: "كنت قاعدة عند النبي صلى الله عليه وسلم فأتى بشراب" أي من ماء فإنه المراد عند الإطلاق، وفي رواية أبي داود قالت: لما كان يوم الفتح فتح مكة جاءت فاطمة فجلست على يسار رسول الله صلى الله عليه وسلم وأم هانئ عن يمينه فجاءت الوليدة بإناء فيه شراب "ثم ناولني" أي بقية الشراب "أمن فضاء كنت تقضينه" وفي رواية أبي داود: أكنت تقضين شيئاً "فلا يضرك" أي ليس عليك إثم في إفطارك، وفي رواية أبي داود فلا يضرك إن كان تطوعاً.
قوله: "وفي الباب عن أبي سعيد" أخرجه البيهقي قال: صنعت للنبي صلى الله عليه وسلم طعاماً فلما وضع قال رجل أنا صائم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "دعاك أخوك وتكلف لك، أفطر فصم مكانه إن شئت". قال الحافظ في الفتح بعد ذكر هذا الحديث: إسناده حسن "وعائشة" أخرجه الجماعة إلا البخاري. قالت: دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم فقال: "هل عندكم من شيء؟" فقلت: لا، فقال: "فإني إذن صائم"، ثم أتانا يوماً آخر فقلنا يا رسول الله أهدى لنا حيس، فقال "أرينيه فلقد أصبحت صائماً" فأكل انتهى . وأحاديث الباب تدل على أنه يجوز لمن صام تطوعاً أن يفطر لا سيما إذا كان في دعوة إلى طعام أحد من المسلمين.

(3/429)


حديث أم هانىء في إسناده مقال والعمل عليه عند بعض أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم: أن الصائم المتطوع إذا أفطر فلا قضاء عليه إلا أن يحب أن يقضيه. وهو قول سفيان الثوري وأحمد وإسحاق والشافعي
728-حدثنا محمودُ بنُ غَيْلاَنَ، حدثنا أبو داود، حدثنا شُعْبَةُ قال: كُنْتُ أَسْمَعُ سِمَاكَ بنَ حَرْبٍ يقول: "أَحَدُ ابْنَى أُمّ هَدانِيءٍ حدّثَنِي فَلَقِيتُ أَنا أفْضَلَهُما وكان اسْمُهُ جَعْدَةَ، وكانت أُمّ هَانِيءٍ جَدّتَهُ فَحَدّثَني عن جَدّتِهِ أنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم دخلَ عليها فدَعا بشَرابٍ فَشَرِبَ
ـــــــ
قوله: "في إسناده مقال" فإن في سنده سِمَاك وقد اختلف عليه فيه. وقال النسائي: سِمَاك ليس يعتمد عليه إذا انفرد، وفي إسناده أيضاً هارون بن أم هانئ. قال ابن القطان: لا يعرف، وقال الحافظ في التقريب: مجهول.
قوله: "إن الصائم المتطوع إذا أفطر فلا قضاء عليه إلا أن يجب أن يقضيه، وهو قول سفيان الثوري وأحمد وإسحاق والشافعي" وهو قول الجمهور من أهل العلم، واستدلوا بقوله صلى الله عليه وسلم: " وإن كان تطوعاً فإن شئت وفاقضي وإن شئت فلا تقضي" في حديث أم هانيء، وبقوله صلى الله عليه وسلم: "أفطر فصم مكانه إن شئت" في حديث أبي سعيد الخدري قال الحافظ: هو دال على عدم الإيجاب انتهى. وقال أبو حنيفة: يلزمه القضاء، واحتج بحديث عائشة الآتي في الباب الآتي.
قوله: "فلقيت أنا أفضلهم" أي أفضل بني أم هانئ وهذا قول شعبة "وكان اسمه" أي اسم أفضل بني أم هانئ "جعدة" قال في التقريب: جعدة المخزومي من ولد أم هانئ قيل: هو ابن يحيى بن جعدة بن هبيرة وهو مقبول من السادسة انتهى. وقال في الخلاصة. جعدة المخزومي عن أبي صالح مولى أم هانئ وعنه شعبة. قال البخاري: لا يعرف إلا بحديث المتطوع أمير نفسه، وفيه نظر انتهى. وقال في التهذيب هو من ولد أم هانئ بنت أبي طالب أخو هارون وهو ابن ابنها انتهى.

(3/430)


ثم نَاوَلَها فشَرِبَتْ، فقالت يا رسولَ الله أَمَا إِنّي كُنْتُ صَائِمَةً، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "الصّائِمُ المُتَطَوّعُ أَمينُ نَفْسِهِ إنْ شَاءَ صَامَ وإنْ شَاءَ أَفْطَرَ".
قال شُعْبَةُ: قلتُ له: أَأنتَ سَمِعْتَ هذا مِنْ أُمّ هانِيءٍ؟ قال: لا أخْبَرَنِي أبو صَالحٍ وأَهْلُنَا عن أُمّ هَانِيءٍ.
ورَوَى حَمّادُ بنُ سَلَمةَ هذا الحديثَ عن سِمَاكٍ بن حرب، فقال عن: هارونَ بنِ بنْتِ أمّ هَانِيءٍ عنْ أمّ هَانِيءٍ. وروَايَةُ شُعْبَةَ أَحْسَنُ. هكذا حدثنا محمودُ بن غَيْلاَنَ عن أبي داودَ، فقال "أمينُ نَفْسِهِ" وحدثنا غَيْرُ محمودٍ عن أبي داودَ فقالَ "أمِيرُ نَفْسِهِ أَو أَمِينُ نَفْسِهِ" على الشّكّ. وهكذا رُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عن شُعْبَةَ "أَمِين نَفْسِهِ أَو أَمِير نَفْسِهِ" على الشكّ.
729 ـ حدثنا هَنّادٌ، حدثنا وَكِيعٌ، عن طَلْحَةَ بنِ يَحْيى، عن عَمّتِهِ
ـــــــ
قوله: "أمين نفسه" بالنون، قال في المجمع. معناه: أنه إذا كان أمين نفسه فله أن يتصرف في أمانة نفسه على ما يشاء انتهى. "قلت له" أي لجعدة "أخبرني أبو صالح" اسمه باذام بالذال المعجمة ويقال آخره نون مولى أم هانئ ضعيف مدلس من الثالثة، كذا في التقريب. وقال في الخلاصة: باذام بمعجمة بين ألفين مولى أم هانئ أبو صالح مدلس، يروي عن مولاته. قال ابن معين. ليس به بأس. قال النسائي. ليس بثقة.
قوله: "عن هارون بن بنت أم هانئ" قال في الخلاصة: هارون بن أم هانئ وقيل إنه حفيدها، عن أم هانئ وعنه سِمَاك مجهول، وقد عرفت من عبارة تهذيب التهذيب أن هارون بن أم هانئ يقال له ابن أم هانئ، ويقال ابن بنت أم هانئ والثالث وهم.
قوله: "فقال أمير نفسه أو أمين نفسه" تقدم بيان معنى أمين نفسه، ومعنى أمير نفسه أنه أمير لنفسه بعد دخوله في الصوم إن شاء صام أي أتم صومه، وإن شاء أفطر، إما بعذر أو بغيره.
قوله: "عن طلحة بن يحيى" ابن طلحة بن عبيد الله التيمي المدني نزيل الكوفة

(3/431)


ائشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ، عن عائِشَةَ أمّ المُؤْمِنِينَ قالت: "دَخَلَ عليّ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يَوْماً فقال هَلْ عِنْدَكُم شَيْءٌ قالت: قلت: لا، قال: "فإِنّي صَائِمٌ".
730 ـ حدثنا محمودُ بنُ غَيْلاَنَ حدثنا بِشْرُ بنُ السّرِيّ عن سُفْيَان عن طَلْحَةَ بنِ يَحْيى عن عائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ عن عائِشَةَ أُمّ المؤْمِنِينَ قالت: "إن كانَ النبيّ صلى الله عليه وسلم يَأْتِينِي فيقولُ أَعِنْدَكِ غَدَاءٌ؟ فَأَقُولُ: لا، فيقولُ: إنّي صَائِمٌ: قالَت: فأَتَانِي يَوْماً فقلتُ يا رسولَ الله إنّهُ قد أُهْدِيَتْ لَنَا هَدِيّةٌ، قال: وما هِيَ؟ قالت قلت: حَيْسٌ، قال: أَمَا إنّي قد أَصْبَحْتُ صَائِماً، قالت: ثم أَكَلَ".
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ.
ـــــــ
صدوق يخطئ من السادسة عن عمته عائشة بنت طلحة بن عبيد الله التيمية أم عمران كانت فائقة الجمال وهي ثقة من الثالثة.
قوله: "أعندك غداء" بفتح المعجمة والدال المهملة وهو ما يؤكل قبل الزوال "قلت حيس" بفتح الحاء المهملة وسكون الياء تمر مخلوط بسمن وأقط، وقيل طعام يتخذ من الزبد والتمر والأقط، وقد يبدل الأقط بالدقيق والزبد بالسمن، وقد يبدل السمن بالزيت، قاله القاري "قالت: ثم أكل" قال ميرك: يدل هذا على جواز إفطار النفل وبه قال الأكثرون. وقال أبو حنيفة: يجوز بعذر وأما بدونه فلا.
قوله: "هذا حديث حسن" وأخرجه مسلم

(3/432)


35 ـ بابُ ما جَاءَ في إيجابِ القَضَاءِ عَلَيْه
731 ـ حدثنا أحمدُ بنُ مَنِيعٍ، حدثنا كثِيرُ بنُ هِشَامٍ، حدثنا جَعْفَرُ بنُ بُرْقَانَ
ـــــــ
"باب ما جاء في إيجاب القضاء عليه"
أي على الصائم المتطوع الذي أفطر
قوله: "جعفر بن برقان" بضم الموحدة وسكون الراء بعدها قاف أبو عبد الله

(3/432)


عن الزّهريّ عن عُرْوَةَ عن عائِشَةَ قالت "كُنْت أَنا وحَفْصَةُ صَائمَتَيْنِ فَعُرِضَ لَنَا طَعَامٌ اشْتَهَيْنَاهُ فأَكَلْنَا مِنْهُ فَجاءَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فَبَدَرَتْنِي إليهِ حَفْصَةُ وكانَتِ ابْنَةَ أَبيها، فقالَت: يا رسولَ الله إنا كُنّا صَائِمَتَيْنِ فَعُرِضَ لَنَا طَعَامٌ اشْتَهَيْنَاهُ فأَكَلْنَا مِنْهُ، قال "اقْضِيَا يَوْماً آخَرَ مَكَانَه".
قال أبو عيسى: ورَوَى صالحُ بنُ أبي الأخْضَرِ ومحمدُ بنُ أَبي حَفْصَةَ هذا الحديِثَ عن الزّهريّ عن عُرْوَةَ عن عائِشَةَ مِثْلَ هذا. ورواه مالِكُ بنُ أَنَسٍ ومَعْمَرٌ وعُبَيْدُ الله بنُ عُمَر وزِيَادُ بنُ سَعْدٍ وغَيْرُ واحِدٍ مِنَ الحفّاظِ عن الزّهْرِيّ عن عائِشَةَ مُرْسَلاً ولَمْ يَذْكُرُوا فيهِ "عن عُرْوَةَ" وهذَا أَصَحّ لأنّهُ رُوِيَ عن ابنِ جُرَيْجٍ قال: سَأَلْتُ الزّهْرِيّ قُلْتُ له: أَحَدّثَكَ عُرْوَةُ عن عائِشَةَ؟ قالَ: لَمْ أسْمَع مِنْ عُرْوَةَ في هذا شيئاً، ولكني سَمِعْتُ في خِلاَفَةِ سُلَيْمَانَ بنِ عَبْدِ المَلِكِ مِنْ نَاسٍ عن بَعْضٍ مَنْ سَأَلَ عائِشَةَ عن هذا الحديثِ.
732 ـ حدثنا بذلك عليّ بنُ عيسَى بنُ يَزِيدَ البَغْدَادِيّ حدثنا رَوْحُ بنُ عُبَادَةَ عنِ ابنِ جُرَيْجٍ فَذَكَرَ الحديثَ.
ـــــــ
الرقي صدوق يهم في حديث الزهري، كذا في التقريب.
قوله: "كنت أنا وحفصة" بالرفع "صائمتين" أي نفلا فعرض لنا طعام بصيغة المجهول أو عرضه هنا أحد بطريق الهدية "فبدرتني إليه حفصة" أي سبقتني إليه صلى الله عليه وسلم في الكلام، من بدرت الشيء بدوراً أسرعت إليه "وكانت ابنة أبيها" تعني على خصال أبيها أي كانت جريئة كأبيها.
قوله: "ولم يذكروا فيه عن عروة وهذا أصح" وقال النسائي: هذا خطأ. وقال ابن عيينة في روايته: سئل الزهري عنه أهو عن عروة؟ فقال لا. وقال الخلال: اتفق الثقات على إرساله وشذ من وصله وتوارد الحفاظ على الحكم بضعف حديث عائشة هذا، كذا في فتح الباري.

(3/433)


وقد ذَهبَ قَوْمٌ مِنْ أهلِ العلمِ مِنْ أصحابِ النبيّ صلى الله عليه وسلم وغَيْرِهم إلى هذا الحديثِ فَرَأَوْا عليهِ القَضَاءَ إذا أفْطَر، وهو قولُ مالِكِ بنِ أنَسٍ.
ـــــــ
قوله: "فرأوا عليه القضاء إذا أفطر، وهو قول مالك بن أنس" وهو قول الحنفية واستدلوا عليه بحديث الباب وبحديث أبي سعيد الذي أشار إليه الترمذي في الباب المتقدم وقد ذكرنا لفظه، وأجيب عن ذلك بما في حديث أم هانئ وإن كان تطوعاً فإن شئت فاقضي وإن شئت فلا تقضي، رواه أحمد وأبو داود بمعناه فيجمع بينه وبين حديث عائشة وأبي سعيد بحمل القضاء على التخيير، وهو مذهب الجمهور من أهل العلم. قال الشوكاني في النيل ص131: ويدل على جواز الإفطار وعدم وجوب القضاء حديث أبي جحيفة يعني الذي فيه قصة زيادة سلمان أبا الدرداء لأن النبي صلى الله عليه وسلم قرر ذلك ولم يبين لأبي الدرداء وجوب القضاء عليه، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز. قال ابن المنير: ليس في تحريم الأكل في صوم النفل من غير عذر إلا الأدلة العامة كقوله تعالى {وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} لأن الخاص يقدم على العام كحديث سلمان. وقال ابن عبد البر: من احتج في هذا بقوله تعالى {وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} فهو جاهل بأقوال أهل العلم، فإن الأكثر على أن المراد بذلك النهي عن الرياء، كأنه قال "لا تبطلوا أعمالكم" بالرياء بل أخلصوها لله. وقال آخرون لا تبطلوا أعمالكم بارتكاب الكبائر، ولو كان المراد بذلك النهي عن إبطال ما لم يفرض الله عليه ولا أوجب على نفسه بنذر أو غيره لامتنع عليه الإفطار إلا بما يبيح الفطر من الصوم الواجب وهم لا يقولون بذلك انتهى. قال الشوكاني: ولا يخفى أن الآية عامة، والاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب كما تقرر في الأصول، فالصواب ما قال ابن المنير انتهى

(3/434)


36 ـ باب ما جَاءَ في وِصَالِ شَعْبَانَ برَمَضَان
733 ـ حدثنا محمد بن بشار، حدثنا عبدُ الرحمَنِ بنُ مَهْدِي عن سفْيَانَ عن مَنْصُورٍ عن سَالِمِ بنِ أَبي الجَعْدِ عن أَبي سَلَمَةَ عن أُمّ سَلَمَةَ قالت: "ما رَأَيْتُ النبيّ صلى الله عليه وسلم يَصُومُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ إلاّ شَعْبَانَ وَرَمَضَانَ".
ـــــــ

(3/434)


وفي البابِ عن عائِشَةَ.
قال أبو عيسى: حديثُ أُمّ سَلَمَةَ حديثٌ حسنٌ.
وقد رُوِيَ هذا الحديثُ لا عن أبي سَلَمَةَ عن عائِشَةَ أَنها قَالَتْ "ما رَأَيْتُ النبيّ صلى الله عليه وسلم في شَهْرٍ أكْثَرَ صِيَاماً مِنْهُ في شَعْبَانَ، كانَ يَصُومُهُ إلاَ قليلاً بَلْ كَانَ يَصُومُهُ كُلّهُ".
ـــــــ
باب ما جَاءَ في وِصَالِ شَعْبَانَ برَمَضَان
قوله: "ما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يصوم شهرين متتابعين إلخ" وفي رواية أبي داود وغيره: أنه لم يكن يصوم من السنة شهراً تاماً إلا شعبان يصله برمضان، وهذا اللفظ أوفق لما ترجم به الترمذي. قال الحافظ في الفتح بعد ذكر هذه الرواية: أي كان يصوم معظمه واستدل عليه برواية عائشة عند مسلم بلفظ: كان يصوم شعبان إلا قليلاً وسيجيء تحقيقه.
قوله: "حديث أم سلمة حديث حسن" وأخرجه أبي داود والنسائي وابن ماجه وسكت عنه أبو داود ونقل المنذري تحسين الترمذي وأقره، "وقد روي هذا الحديث أيضاً عن أبي سلمة عن عائشة" قال الحافظ في الفتح. يحتمل أن يكون أبو سلمة رواه عن كل من عائشة وأم سلمة، ويؤيده أن محمد بن إبراهيم التيمي رواه عن أبي سلمة عن عائشة تارة وعن أم سلمة تارة أخرى أخرجهما النسائي انتهى.
قوله: "ما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في شهر أكثر" بالنصب على أنه ثاني مفعول رأيت "صياماً" تمييز "منه" أي من النبي صلى الله عليه وسلم "في شعبان" متعلق بـ "صياماً"، والمعنى كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم في شعبان وفي غيره من الشهور سوى رمضان وكان صيامه في شعبان أكثر من صيامه فيما سواه كذا ذكره الطيبي. وقال بعض الشراح قوله "في شهر" يعني به غير شعبان وهو حال من المستكن في أكثر "وفي شعبان" حال من المجرور في منه العائد إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، أي ما رأيته كائناً في غير شعبان أكثر صياماً منه كائناً في شعبان، مثل زيد قائماً أحسن منه قاعداً، أو كلاهما ظرف أكثر الأول باعتبار الزيادة والثاني باعتبار أصل المعنى ولا تعلق له برؤيته، وإلا يلزم تفضيل الشيء على نفسه بإعبتار حالة واحدة، كذا ذكره القاري "كان يصومه إلا قليلاً بل كان يصومه كله" أي لغاية القلة، وفي رواية مسلم من طريق أبي لبيد عن

(3/435)


734 ـ حدثنا هَنّادٌ حدثنا عَبْدَةُ عن محمدِ بنِ عَمْرٍو حدثنا أبو سَلَمةَ عن عائِشَةَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم بذلكَ.
ورُوِيَ عن ابنِ المبَارَكِ أنهُ قالَ في هَذا الحَديِثِ قال: هُوَ جَائِزٌ في كَلاَمِ العَرَبِ إذا صَامَ أكثرَ الشّهْرِ أَنْ يُقَالَ صَامَ الشّهْرَ كُلّهُ، ويُقَالُ: قام فلانٌ ليلهُ أجمَعَ ولعلّهُ تعشى واشتغل ببعض أمره، كأن ابن المبارك قَدْ رَأَى كِلاَ الحَديثَيْنِ مُتّفِقَيْنِ، يَقُولُ: إنّما مَعْنَى هذا الحديثِ أنّه كانَ يَصُومُ أكثرَ الشّهْرِ.
ـــــــ
أبي سلمة عن عائشة. كان يصوم شعبان كله، كان يصوم شعبان إلا قليلاً.
قوله: "كأن ابن المبارك قد رأى كلا الحديثين متفقين يقول إنما معنى الحديث أنه كان يصوم أكثر الشهر" المراد بكلا الحديثين الحديث الذي ورد فيه صوم أكثر شعبان والحديث الذي جاء فيه صوم شعبان كله. قال الحافظ في الفتح. حاصل ما قال ابن المبارك أن الرواية الأولى مفسرة للثانية وأن المراد بالكل الأكثر، وهو مجازاً قليل الاستعمال واستبعده الطيبي قال لأن الكل تأكيد لإرادة الشمول ودفع التجوز فتفسيره بالبعض مناف له، قال فيحمل على أنه كان يصوم شعبان كله تارة ويصوم معظمه أخرى لئلا يتوهم أنه واجب كله كرمضان، وقيل المراد بقولها كله أنه كان يصوم من أوله تارة ومن آخره أخرى ومن أثنائه طوراً فلا يخلي شيئاً منه من صيام ولا يخص ببعضه بصيام دون بعض. وقال الزين بن المنير: إما أن يحمل قول عائشة على المبالغة والمراد الأكثر وإما أن يجمع بأن قولها الثاني متأخر عن قولها الأول، فأخبرت عن أول أمره أنه كان يصوم أكثر شعبان وأخبرت ثانياً عن آخر أمره أنه كان يصومه كله انتهى ولا يخفى تكلفه والأول هو الصواب، ويؤيده رواية عبد الله بن شقيق عن عائشة عند مسلم وسعد بن هشام عنها عند النسائي ولفظه: ولا صام شهراً كاملاً قط منذ قدم المدينة غير رمضان انتهى كلام الحافظ.

(3/436)


ـــــــ
واختلف في الحكمة في إكثاره صلى الله عليه وسلم من صوم شعبان على أقوال قد ذكرها الحافظ في الفتح وقد ذكر في تأييد بعضها بعض الأحاديث الضعاف ثم قال: والأولى في ذلك ما جاء في حديث أصح مما مضى أخرجه النسائي وأبو داود وصححه ابن خزيمة عن أسامة بن زيد قال: قلت يا رسول الله لم أرك تصوم من شهر من الشهور ما تصوم من شعبان؟ قال "ذلك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم"، ونحوه من حديث عائشة عند أبي يعلى لكن قال فيه: إن الله يكتب كل نفس ميتة تلك السنة فأحب أن يأتيني أجلي وأنا صائم، قال ولا تعارض بين هذا وبين ما جاء من النهي عن تقدم رمضان بصوم يوم أو يومين، وكذا ما جاء من النهي عن صوم نصف شعبان الثاني فإن الجمع بينهما ظاهر بأن يحمل النهي على من لم يدخل تلك الأيام في صيام اعتاده انتهى

(3/437)


باب ما جاء في كراهية الصوم في النصف الباقي من شعبان لحال رمضان
...
37ـ باب ما جَاءَ في كَرَاهِيَةِ الصّوْمِ في النّصْفِ الثاني مِنْ شَعْبَانَ لَحِالِ رَمَضَان
735 ـ حدثنا قُتَيْبةُ، حدثنا عبدُ العزِيز بنُ محمدٍ عن العَلاَءِ بنِ عبدِ الرحمَنِ عن أَبيهِ عن أَبي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم "إذا بَقِيَ نِصْفٌ مِنْ شَعْبَانَ فلا تَصُوموا".
ـــــــ
باب ما جَاءَ في كَرَاهِيَةِ الصّوْمِ في النّصْفِ الثاني مِنْ شَعْبَانَ لَحِالِ رَمَضَان
قوله: "إذا بقي نصف من شعبان فلا تصوموا" وفي رواية أبي داود وغيره: إذا انتصف شعبان، وفي رواية: فلا صيام حتى يكون رمضان. قال القاري في المرقاة: والنهي للتنزيه رحمة على الأمة أن يضعفوا عن حق القيام بصيام رمضان على وجه النشاط. وأما من صام شعبان كله فيتعود بالصوم ويزول عنه الكلفة ولذا قيده بالانتصاف أو نهى عنه لأنه نوع من التقدم والله أعلم. قال القاضي: المقصود استجمام من لا يقوى على تتابع الصيام فاستحب الإفطار كما استحب إفطار عرفة ليتقوى على الدعاء، فأما من قدر فلا نهى له، ولذلك جمع النبي صلى الله عليه وسلم بين الشهرين في الصوم انتهى.

(3/437)


قال أبو عيسى: حديثُ أَبي هريرةَ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ لا نَعْرِفُهُ إلاّ مِنْ هذا الوجْهِ على هذا اللفْظِ.
ومَعْنَى هذا الحديثِ عِنْدَ بَعْضِ أهلِ العلمِ أَنْ يكونَ الرّجُلُ مُفْطِراً فإِذا بَقِيَ مِنْ شَعْبَانَ شيءٌ أَخَذَ في الصوّمِ لَحِالِ شَهْرِ رَمَضَانَ.
ـــــــ
وقال الحافظ في فتح الباري: قال كثير من الشافعية بمنع الصوم من أول السادس عشر من شعبان لحديث العلاء بن عبد الرحمَن عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعاً: إذا انتصف شعبان فلا تصوموا، أخرجه أصحاب السنن وصححه ابن حبان وغيره. وقال الروياني من الشافعية: يحرم التقدم بيوم أو يومين لحديث: لا يتقدمن أحدكم رمضان بصوم يوم أو يومين، ويكره التقدم من نصف شعبان للحديث الآخر. وقال جمهور العلماء. يجوز الصوم تطوعاً بعد النصف من شعبان وضعفوا الحديث الوارد فيه، وقال أحمد وابن معين. إنه منكر، واستدل البيهقي بحديث الباب يعني لا يتقدمن أحدكم شعبان بصوم يوم أو يومين على ضعفه فقال: الرخصة في ذلك بما هو أصح من حديث العلاء وكذا منع قبله الطحاوي، واستظهر بحديث ثابت عن أنس مرفوعاً. أفضل الصيام بعد رمضان شعبان. لكن إسناده ضعيف، واستظهر أيضاً بحديث عمران بن حصين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لرجل: "هل صمت من سرد شعبان شيئاً؟" قال: لا، قال: "فإذا أفطرت من رمضان فصم يومين"، ثم جمع بين الحديثين يعني بين حديث العلاء ابن عبد الرحمَن وبين حديث: لا يتقدمن أحدكم رمضان بصوم يوم أو يومين، بأن حديث العلاء على من يضعفه الصوم وحديث التقدم بصوم يوم أو يومين مخصوص بمن يحتاط بزعمه لرمضان وهو جمع حسن انتهى كلام الحافظ.
قوله: "حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح" وصححه ابن حبان وغيره: وقال أحمد وابن معين إنه منكر كما قال الحافظ في الفتح: قال أبو داود في سننه: وكان عبد الرحمَن لا يحدث به قلت لأحمد لم؟ قال لأنه كان عنده أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصل شعبان برمضان. وقال عن النبي صلى الله عليه وسلم خلافه قال أبو داود: وليس هذا عندي خلافه ولم يجيء به غير العلاء عن أبيه انتهى. وقال المنذري في تلخيصه: حكى أبو داود عن الإمام أحمد أنه قال: هذا حديث

(3/438)


وقد رُوِيَ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ عَنِ النبيّ صلى الله عليه وسلم مَا يُشْبِهُ قولهم، حَيْثُ قالَ صلى الله عليه وسلم "لا تَقَدّمُوا شَهْرَ رَمَضَانَ بِصِيَامٍ إلاّ أَنْ يُوَافِقَ ذلكَ صَوْماً كانَ يَصُومُهُ أَحَدُكُمْ" وقد دَلّ في هذا الحديثِ إنّما الكَرَاهِيَةُ على مَنْ يَتَعَمّدُ الصّيَامَ لِحَالِ رَمَضَانَ.
ـــــــ
منكر، قال: وكان عبد الرحمَن يعني ابن مهدي لا يحدث به، ويحتمل أن يكون الإمام أحمد إنما أنكره من جهة العلاء بن عبد الرحمَن فإن فيه مقالاً لأئمة هذا الشأن.
قال: والعلاء بن عبد الرحمَن وإن كان فيه مقال فقد حدث عنه الإمام مالك مع شدة انتقاده للرجال وتحريه في ذلك، وقد احتج به مسلم في صحيحه وذكر له أحاديث انفرد بها رواتها، وكذلك فعل البخاري أيضاً، وللحفاظ في الرجال مذاهب فعل كل منهم ما أدى إليه اجتهاده من القبول والرد رضي الله عنهم انتهى كلام المنذري.
قلت: الحق عندي أن الحديث صحيح والله تعالى أعلم.
قوله: "ما يشبه قوله" أي قول بعض أهل العلم "والمعنى أنه قد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم" مثل قوله: "وهذا حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم إلخ" أي ما قلنا من أنه روى عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل قوله فلأنه صلى الله عليه وسلم قال إلخ، فهذا إشارة إلى قوله: وقد روى إلخ، وحيث تعليلية، وقال بعضهم: وهذا أي كراهة الأخذ في الصوم لحال رمضان لأنه صلى الله عليه وسلم إلخ، وقيل: وهذا أي دليل كراهة الأخذ في الصوم لحال رمضان حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم قال إلخ، والظاهر هو ما قلنا والله تعالى أعلم

(3/439)


ـ باب ما جَاءَ في لَيْلَةِ النّصْفِ مِنْ شَعْبَان
736 ـ حدثنا أَحمدُ بنُ مَنِيعٍ، حدثنا يَزِيدُ بنُ هَارُونَ أخبرنا الحَجّاجُ بنُ أَرْطاةَ عن يَحْيى بنِ أَبي كَثِيرٍ عن عُرْوَةَ عن عائِشَةَ قالَتْ "فَقَدْتُ
ـــــــ
"باب ما جاء في ليلة النصف من شعبان"
هي الليلة الخامسة عشر من شعبان وتسمى ليلة البراءة، وذكر هذا الباب هنا استطراد لذكر شعبان وإلا فالكلام في الصيام، قاله أبو الطيب المدني

(3/439)


رسولَ الله صلى الله عليه وسلم لَيْلَةً فَخَرَجْتُ فإِذا هُوَ بالبَقِيعِ، فقالَ "أَكُنْتِ تَخَافينَ أَنْ يحيفَ الله عَلَيْكِ وَرَسُولُهُ؟ قلت: يا رسولَ الله ظَننْتُ أنكَ أتَيْتَ بَعْض نِسَائِكَ، فقالَ: إنّ الله عزّ وجلّ يَنْزِلُ لَيْلَةَ النّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ إلى السَمَاءِ الدّنْيَا فَيَغْفِرُ لأكْثَرَ مِنْ عَدِدِ شَعْرِ غَنَمِ كَلْبٍ".
وفي البابِ عن أبي بَكْرٍ الصّديقِ.
ـــــــ
قوله: "فقدت" أي لم أجده قال في النهاية: فقدت الشيء أفقده إذا غاب عنك "ليلة" من ليالي تعني الليلة التي كان فيها عندي "فإذا هو البقيع" أي واقف فيه، والمراد بالبقيع بقيع الغرقد وهو موضع بظاهر المدينة فيه قبور أهلها كان به شجر الغرقد فذهب وبقي اسمه كذا في النهاية "أن يحيف" أي يجور ويظلم "الله عليك ورسوله" ذكر الله تنويهاً لعظم شأنه عند ربه على حد { إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله} قال الطيبي: أو تزييناً للكلام وتحسيناً، أو حكاية لما وقع في الآية {أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله} وإشارة إلى التلازم بينهما كالإطاعة والمحبة، قال: يعني ظننت أني ظلمتك بأن جعلت من نوبتك لغيرك، وذلك مناف لمن تصدى بمنصب الرسالة. "قلت: يا رسول الله ظننت أنك أتيت بعض نسائك" أي زوجاتك لبعض مهماتك فأردت تحقيقها وحملني على هذا الغيرة الحاصلة للنساء التي تخرجهن عن دائرة العقل وحائزة التدبر للعاقبة من المعاتبة أو المعاقبة، والحاصل أني ما ظننت أن يحيف الله ورسوله علي أو على غيري بل ظننت أنك بأمر من الله أو باجتهاد منك خرجت من عندي لبعض نسائك لأن عادتك أن تصلي النوافل في بيتك كذا في المرقاة "إلى سماء الدنيا" وفي رواية ابن ماجه: إلى السماء الدنيا "فيغفر لأكثر من عدد شعر غنم كلب" أي قبيلة بني كلب، وخصهم لأنهم أكثر غنماً من سائر العرب. نقل الأبهري عن الأزهار أن المراد بغفران أكثر عدد الذنوب المغفورة لا عدد أصحابها وهكذا رواه البيهقي انتهى ذكره القاري وفي المشكاة زاد رزين: ممن استحق النار.
قوله: "وفي الباب عن أبي بكر الصديق" أخرجه البزار والبيهقي بإسناد لا بأس به كذا في الترغيب والترهيب للمنذري في باب الترهيب من التهاجر.

(3/440)


قال أبو عيسى: حديثُ عائِشَةَ لا نَعْرِفُهُ إلا مِنْ هذا الوجْهِ مِنْ حديثِ الحَجّاجِ. وسَمِعْتُ محمداً يُضَعّفُ هذا الحديثَ. وقال يَحْيى بنُ أبي كَثِيرٍ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ عُرْوَةَ. والحَجّاجُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ يحْيى بنِ أبي كَثِيرٍ.
ـــــــ
قوله: "حديث عائشة لا نعرفه إلا من هذا الوجه" وأخرجه ابن ماجه والبيهقي "وقال يحيى بن كثير لم يسمع من عروة الخ" فالحديث منقطع في موضعين أحدهما ما بين الحجاج ويحيى والآخر ما بين يحيى وعروة.
اعلم أنه قد ورد في فضيلة ليلة النصف من شعبان عدة أحاديث مجموعها يدل على أن لها أصلاً، فمنها حديث الباب وهو منقطع، ومنها حديث عائشة قالت: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم من الليل فصلى فأطال السجود حتى ظننت أنه قد قبض، فلما رأيت ذلك قمت حتى حركت إبهامه فتحرك فرجع، فلما رفع رأسه من السجود وفرغ من صلاته قال: "يا عائشة أو يا حميراء أظننت أن النبي صلى الله عليه وسلم قد خاس بك؟" قلت: لا والله يا رسول الله ولكني ظننت أنك قبضت طول سجودك، فقال "أتدري أي ليلة هذه؟" قلت: الله ورسوله أعلم، قال: "هذه ليلة النصف من شعبان إن الله عز وجل يطلع على عباده في ليلة النصف من شعبان فيغفر للمستغفرين ويرحم المسترحمين ويؤخر أهل الحقد كما هم" ، رواه البيهقي. وقال هذا مرسل جيد ويحتمل أن يكون العلاء أخذه من مكحول. قال الأزهري: يقال للرجل إذا غدر بصاحبه فلم يؤته حقه قد خاس به، كذا في الترغيب والترهيب للحافظ المنذري.
ومنها حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يطلع الله إلى جميع خلقه ليلة النصف من شعبان فيغفر لجميع خلقه إلا لمشرك أو مشاجن"، قال المنذري في الترغيب بعد ذكره: رواه الطبراني في الأوسط وابن حبان في صحيحه والبيهقي، ورواه ابن ماجه بلفظه من حديث أبي موسى الأشعري والبزار والبيهقي من حديث أبي بكر الصديق رضي الله عنه بنحوه بإسناد لا بأس به. انتهى كلام المنذري. قلت: في سند حديث أبي موسى الأشعري عند ابن ماجه بن لهيعة وهو ضعيف.
ومنها حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "يطلع الله عز وجل إلى خلقه ليلة النصف من شعبان فيغفر لعباده إلا اثنين

(3/441)


ـــــــ
مشاحن وقاتل نفس" ، قال المنذري: رواه أحمد بإسناد لين انتهى.
ومنها حديث مكحول عن كثير بن مرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في ليلة النصف من شعبان: يغفر الله عز وجل لأهل الأرض إلا مشرك أو مشاحن، قال المنذري: رواه البيهقي وقال هذا مرسل جيد قال: ورواه الطبراني والبيهقي أيضاً عن مكحول عن أبي ثعلبة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يطلع الله إلى عباده ليلة النصف من شعبان فيغفر للمؤمنين ويمهل الكافرين ويدع أهل الحقد بحقدهم حتى يدعوه"، قال البيهقي: وهو أيضاً بين مكحول وأبي ثعلبة مرسل جيد انتهى.
ومنها حديث علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا كانت ليلة النصف من شعبان فقوموا ليلها وصوموا نهارها فإن الله ينزل فيها لغروب الشمس إلى السماء الدنيا فيقول ألا من مستغفر فأغفر له ألا مسترزق فأرزقه ألا مبتلي فأعافيه ألا كذا ألا كذا حتى يطلع الفجر"، رواه ابن ماجه وفي سنده أبو بكر ابن عبد الله بن محمد بن أبي سبرة القرشي العامري المدني، قيل اسمه عبد الله وقيل محمد وقد ينسب إلى جده رموه بالوضع كذا في التقريب. وقال الذهبي في الميزان: ضعفه البخاري وغيره. وروى عبد الله وصالح ابناً أحمد عن أبيهما قال: كان يضع الحديث، وقال النسائي: متروك انتهى.
فهذه الأحاديث بمجموعها حجة على من زعم أنه لم يثبت في فضيلة ليلة النصف من شعبان شيء والله تعالى أعلم.
تنبيه: اعلم أن المراد من ليلة مباركة في قوله تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ. فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ} عند الجمهور هي ليلة القدر، وقيل هي ليلة النصف من شعبان، وقول الجمهور وهو الحق، قال الحافظ بن كثير: من قال إنها ليلة النصف من شعبان فقد أبعد، فإن نص القرآن أنها في رمضان انتهى. وفي المرقاة شرح المشكاة قال جماعة من السلف: إن المراد في الآية هي ليلة النصف من شعبان إلا أن ظاهر القرآن بل صريحه يرده لإفادته في آية أنه نزل في رمضان وفي أخرى أنه نزل في ليلة القدر ثبت أن الليلة التي يفرق فيها كل أمر حكيم في الآية هي ليلة القدر لا ليلة النصف من شعبان، ولا نزاع

(3/442)


ـــــــ
في أن ليلة نصف شعبان يقع فيها فرق كما صرح به الحديث، وإنما النزاع في أنها المرادة من الآية والصواب أنها ليست مرادة منها، وحينئذ يستفاد من الحديث والآية وقوع ذلك الفرق في كل من الليلتين إعلاماً لمزيد شرفهما، ويحتمل أن يكون الفرق في أحدهما إجمالاً وفي الأخرى تفصيلاً أو تخص إحداهما بالأمور الدنيوية والأخرى بالأمور الأخروية وغير ذلك من الاحتمالات العقلية انتهى.
تنبيه آخر: قال القاري في المرقاة: إعلم أن المذكور في اللاَلي أن مائة ركعة في نصف شعبان بالإخلاص عشر مرات في كل ركعة مع طول فضله للديلمي وغيره موضوع، وفي بعض الرسائل قال علي ابن إبراهيم: ومما أحدث في ليلة النصف من شعبان الصلاة الألفية مائة ركعة بالإخلاص عشراً عشراً بالجماعة، واهتموا بها أكثر من الجمع والأعياد، لم يأت بها خبر ولا أثر إلا ضعيف أو موضوع ولا تغتر بذكر صاحب القوت والإحياء وغيرهما، وكان للعوام بهذه الصلاة افتتان عظيم حتى التزم بسببها كثرة الوقيد وترتب عليه من الفسوق وانتهاك المحارم ما يغني عن وصفه حتى خشي الأولياء من الخسف وهربوا فيها إلى البراري. وأول حدوث لهذه الصلاة ببيت المقدس سنة ثمان وأربعين وأربعمائة، قال: وقد جعلها جهلة أئمة المساجد مع صلاة الرغائب ونحوهما شبكة لجمع العوام وطلباً لرياسة التقدم وتحصيل الحطام، ثم إنه أقام الله أئمة الهدى في سعي إبطالها فتلاشى أمرها وتكامل إبطالها في البلاد المصرية والشامية في أوائل سني المائة الثامنة. قيل أول حدوث الوقيد من البرامكة وكانوا عبدة النار، فلما أسلموا أدخلوا في الإسلام ما يموهون أنه من سنن الدين ومقصودهم عبادة النيران حيث ركعوا وسجدوا مع المسلمين إلى تلك النيران ولم يأت في الشرع استحباب زيادة الوقيد على الحاجة في موضع، وما يفعله عوام الحجاج من الوقيد بجبل عرفات وبالمشعر الحرام وبمنى فهو من هذا القبيل. وقد أنكر الطرسوسي الاجتماع ليلة الختم في التراويح ونصب المنابر وبين أنه بدعة منكرة. قال القاري رحمه الله: ما أفطنه وقد ابتلى به أهل الحرمين الشريفين حتى في ليالي الختم يحصل اجتماع من الرجال والنساء والصغار والعبيد ما لا يحصل في الجمعة والكسوف والعيد ويستقبلون النار ويستدبرون بيت الله الملك ويقفون على هيئة عبدة النيران في نفس المطاف حتى يضيق على الطائفين المكان ويشوشون عليهم وعلى غيرهم من الذاكرين والمصلين

(3/443)


ـــــــ
وقراء القرآن في ذلك الزمان، فنسأل الله العفو والعافية والغفران والرضوان. انتهى كلام القاري مختصراً.
تنبيه آخر: لم أجد في صوم يوم ليلة النصف من شعبان حديثاً مرفوعاً صحيحاً. وأما حديث علي رضي الله عنه الذي رواه ابن ماجه بلفظ: إذا كانت ليلة النصف من شعبان فقوموا ليلها وصوموا نهارها الخ فقد عرفت أنه ضعيف جداً، ولعلي رضي الله عنه فيه حديث آخر وفيه: فإن أصبح في ذلك اليوم صائماً كان كصيام ستين سنة ماضية وستين سنة مستقبلة، رواه ابن الجوزي في الموضوعات وقال: موضوع وإسناده مظلم

(3/444)


باب ما جاء في الصوم المحرم
...
ـ باب ما جَاءَ في صَوْمِ المُحرّم
737 ـ حدثنا قُتَيْبةُ حدثنا أبو عَوَانَةَ عن أَبي بِشْرٍ عن حُمَيْدِ بنِ عبدِ الرحمَنِ الحِمْيَرِيّ عن أبي هُرَيْرَةَ قال: قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم "أَفْضَلُ الصّيَامِ بَعْدَ شَهْرِ رَمَضَانَ شَهْرُ الله المُحَرّمُ".
قال أبو عيسى: حديثُ أبي هريرةُ حديثٌ حسنٌ.
738 ـ حدثنا عليّ بنُ حُجْرٍ قال: أخبرنا عليّ بنُ مُسْهِرٍ عن عبدِ الرحمَنِ بنِ إسحاقَ عن النّعْمَانِ بنِ سَعْدٍ عن علي قال: "سألَهُ رَجُلٌ فقالَ أَيّ شَهْرٍ
ـــــــ
باب ما جَاءَ في صَوْمِ المُحرّم
قوله: "أفضل الصيام بعد صيام شهر رمضان شهر الله المحرم" أي صيام شهر الله المحرم، وأضاف الشهر إلى الله تعظيماً. فإن قلت: قد ثبت إكثار النبي صلى الله عليه وسلم من الصوم في شعبان، وهذا الحديث يدل على أن أفضل الصيام بعد صيام رمضان صيام المحرم. فكيف أكثر النبي صلى الله عليه وسلم منه في شعبان دون المحرم؟ قلت: لعله لم يعلم فضل المحرم إلا في آخر الحياة قبل التمكن من صومه، أو لعله كان يعرض فيه أعذار تمنع من إكثار الصوم فيه كسفر ومرض وغيرهما، كذا أفاد النووي رحمه الله في شرح مسلم.
قوله: "حديث أبي هريرة حديث حسن" وأخرجه مسلم في صحيحه بسند الترمذي وزاد: وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل.

(3/444)


تأْمُرُنيِ أَنْ أَصُومَ بَعْدَ شَهْر رَمَضَانَ؟ قالَ لَهُ ما سَمِعْتُ أحداً يَسْأَلُ عن هذا إلاّ رَجُلاً سَمِعْتُهُ يَسْأَلُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وأَنا قَاعِدٌ فقالَ يا رسولَ الله أَيّ شَهْرٍ تَأْمُرُنِي أَنْ أَصُومَ بَعْدَ شَهْرِ رَمَضَانَ؟ قالَ: إنْ كُنْتَ صَائِماً بَعْدَ شَهْرِ رَمَضَانَ فَصُمِ المُحَرّمَ فإِنّهُ شَهْرُ الله، فيهِ يَوْمٌ تَابَ فيهِ على قَوْمٍ ويَتُوبُ فيهِ على قَوْمٍ آخَريِ نَ".
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب.
ـــــــ
قوله: "فيه يوم تاب الله فيه على قوم" هم قوم موسى بنو إسرائيل نجاهم الله من فرعون وأغرقه "هذا حديث حسن غريب" وأخرجه عبد الله بن الإمام أحمد عن غير أبيه، قاله المنذري في الترغيب: ونقل تحسين الترمذي وأقره

(3/445)


40 ـ باب ما جَاءَ في صَوْمِ يَوْمِ الجُمُعَة
739 ـ حدثنا القَاسِمُ بنُ دِينَارٍ حدثنا عُبَيْدُ الله بنُ موسى و طَلْقُ بنُ غَنّامٍ عن شَيْبَانَ عن عاصِمٍ عن زِر عن عبدِ الله قال "كانَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يَصُومُ مِنْ غُرّةِ كُلّ شَهْرٍ ثلاثةَ أيامٍ، وقَلّ ما كانَ يُفْطِرُ يَوْمَ الجُمُعَةِ".
ـــــــ
باب ما جَاءَ في صَوْمِ يَوْمِ الجُمُعَة
قوله: "من غرة كل شهر" قال العراقي: يحتمل أن يراد بغرة الشهر أوله وأن يراد بها الأيام الغر وهي البيض كذا في قوت المغتذي "قل ما كان يفطر يوم الجمعة" قال المظهر: تأويله أنه كان يصومه منضماً إلى ما قبله أو إلى ما بعده أو أنه مختص بالنبي صلى الله عليه وسلم كالوصال انتهى. قلت: وجه تأويله أنه قد ثبت النهي عن إفراد يوم الجمعة بالصيام، وقد ذهب الجمهور إلى كراهته، وذهب أبو حنيفة ومالك إلا أنه لا كراهة فيه واستدل لهما بهذا الحديث. قال الحافظ في فتح الباري: واستدل الحنفية بحديث أبي مسعود يعني الذي ذكره الترمذي في هذا الباب وليس فيه حجة لأنه يحتمل أن يريد كان لا يتعمد فطره إذا وقع في الأيام التي كان يصومها ولا يضاد ذلك كراهة إفراده بالصوم جمعاً بين الحديثين انتهى كلام الحافظ. وقال

(3/445)


وفي البابِ عن ابنِ عُمَر وأَبي هريرةَ.
قال أبو عيسى: حديثُ عبدِ الله حديثٌ حسنٌ غريبٌ.
وقد اسْتَحَبّ قَوْمٌ مِنْ أهلِ العلمِ صِيَامَ يَوْمِ الجُمُعَةِ. وإنّما يُكْرَهُ أَنْ يَصُومَ يَوْمَ الجُمُعَةِ لا يَصُومُ قَبْلَهُ ولا بَعْدَهُ.
قَالَ ورَوَى شُعْبَةُ عَنْ عَاصِمٍ هَذَا الحَديِثَ ولَمْ يَرْفَعْهُ.
ـــــــ
العيني رحمه الله: فإن قلت: يعارض هذه الأحاديث "يعني الأحاديث التي تدل على كراهة إفراد يوم الجمعة بالصوم" ما رواه الترمذي من حديث عبد الله "يعني الحديث الذي ذكره الترمذي في هذا الباب" قلت: لا نسلم هذه المعارضة لأنه لا دلالة فيه على أنه صلى الله عليه وسلم صام يوم الجمعة وحده، فنهيه صلى الله عليه وسلم في هذه الأحاديث يدل على أن صومه يوم الجمعة لم يكن في يوم الجمعة وحده بل إنما كان بيوم قبله أو بيوم بعده وذلك لأنه لا يجوز أن يحمل فعله على مخالفة أمره إلا بنص صحيح صريح، فحينئذ يكون نسخاً أو تخصيصاً، وكل واحد منهما منتف. انتهى كلام العيني ملخصاً.
قلت: حاصل كلام العيني هذا هو ما قال الحافظ، فالعجب كل العجب من العيني أنه نقل قول الحافظ ثم اعترض عليه وقال: والعجب من هذا القائل يترك ما يدل عليه ظاهر الحديث ويدفع حجيته بالاحتمال الناشئ من غير دليل الذي لا يعتبر ولا يعمل به وهذا كله عسف ومكابرة انتهى. فاعتراض العيني هذا إن كان صحيحاً فهو واقع على نفسه فإن حاصل كلامهما واحد فتفكر.
قوله: "وفي الباب عن ابن عمرو وأبي هريرة" أما حديث ابن عمر فأخرجه ابن أبي شيبة عنه قال: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم مفطر يوم جمعة قط، كذا في عمدة القاري. وأما حديث أبي هريرة فأخرجه الحافظ ابن عبد البر بسنده إلى أبي هريرة أنه قال: من صام الجمعة كتب له عشرة أيام من أيام الآخرة لا يشاكلهن أيام الدنيا، كذا في النيل، وفي الباب عن ابن عباس أخرجه ابن أبي شيبة نحو رواية ابن عمر المذكور.
قوله: "حديث عبد الله حسن" وأخرجه النسائي وصححه ابن حبان وابن عبد البر وابن حزم كذا في عمدة القاري

(3/446)


باب ما جاء في كراهية صوم يوم الجمعة ويعده
...
41ـ باب ما جَاءَ في كَرَاهِيَةِ صَوْمِ يَوْمِ الجُمُعَةِ وَحْدَه
740 ـ حدثنا هَنّادٌ، حدثنا أبو مُعَاوِيَةَ عن الأعْمَشِ عن أبي صَالحٍ عن أبي هريرةَ قال: قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم "لا يَصُومُ أحَدُكُم يَوْمَ الجُمُعَةِ إلاّ أنْ يَصُومَ قَبْلَهُ أو يَصُومَ بَعْدَهُ".
قال: وفي البابِ عن علي وجابرٍ وجُنَادَةَ الأزْدِيّ وجُويْرِيَةَ وأنَسٍ وعبدِ الله ابنِ عَمْروٍ.
ـــــــ
باب ما جَاءَ في كَرَاهِيَةِ صَوْمِ يَوْمِ الجُمُعَةِ وَحْدَه
قوله: "لا يصوم أحدكم يوم الجمعة" نفى معناه نهى. قال الحافظ: ذهب الجمهور إلى أن النهي فيه للتنزيه واختلف في سبب النهي عن إفراده على أقوال: أحدها: لكونه يوم عيد والعيد لا يصام. واستشكل ذلك مع الإذن بصيامه مع غيره، وأجاب ابن القيم وغيره بأن شبهه بالعيد لا يستلزم استواءه معه من كل جهة، ومن صام معه غيره انتفت عنه صورة التحري. ثانيها: لئلا يضعف عن العبادة وهذا اختاره النووي. ثالثها: خوف المبالغة في تعظيمه فيفتتن به كما افتتن اليهود بالسبت. رابعها: خشية أن يفرض عليهم كما خشي صلى الله عليه وسلم من قيامهم الليل ذاك: خامسها: مخالفة النصارى لأنه يجب عليهم صومه ونحن مأمورون بمخالفتهم. قال الحافظ بعد ذكر هذه الأقوال مع مالها وما عليها ما لفظه: واقوى الأقوال وأولاها بالصواب أولها، وورد فيه صريحاً حديثان أحدهما رواه الحاكم وغيره عن أبي هريرة مرفوعاً: يوم الجمعة يوم عيد فلا تجعلوا يوم عيدكم يوم صيامكم إلا أن تصوموا قبله أو بعده، والثاني رواه ابن أبي شيبة بإسناد حسن عن علي قال: من كان منكم متطوعاً من الشهر فليصم يوم الخميس ولا يصم يوم الجمعة فإنه يوم طعام وشراب وذكر انتهى.
قوله: "وفي الباب عن علي" أخرجه ابن أبي شيبة وتقدم لفظه آنفاً "وجابر" أخرجه الشيخان "وجنادة الأزهري" أخرجه أحمد "وجويرية" أخرجه البخاري وأحمد وأبو داود "وأنس" أخرجه الطبراني من رواية صالح بن جبلة عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "من صام الأربعاء والخميس والجمعة بنى الله له في

(3/447)


قال أبو عيسى: حديثُ أبي هريرةَ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. والعملُ على هذا عندَ أهلِ العلمِ يَكْرَهُونَ لِلرّجُلِ أنْ يَخْتَصّ يَوْمَ الجُمُعَةِ بِصِيَامٍ لا يصُومُ قَبْلَهُ ولا بَعْدَهُ. وبهِ يقولُ أحمدُ وإسحاقُ.
ـــــــ
الجنة قصراً من لؤلؤ وياقوت وزبرجد وكتب له براءة من النار" . وصالح بن جبلة ضعفه الأزدي، كذا في عمدة القاري "وعبد الله بن عمرو" أخرجه النسائي.
قوله: "حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح وأخرجه الشيخان".
قوله: "وبه يقول أحمد وإسحاق" وبه يقول الشافعي والجمهور. وقال مالك: لا كراهة فيه ففي الموطأ قال يحيى: وسمعت مالكاً يقول: لم أسمع أحداً من أهل العلم والفقه ومن يقتدي به نهي عن صيام يوم الجمعة وصيامه حسن، وقد رأيت بعض أهل العلم يصومه وأراه كان يتحراه انتهى. وبه قال أبو حنيفة قال سراج أحمد في شرح الترمذي: قال إمامنا أبو حنيفة: يندب صوم الجمعة ولو منفرداً وتمسك بحديث أخرجه الترمذي عن ابن مسعود، وكره منفرداً الشافعي وأحمد. قال النووي: السنة مقدم على ما رآه مالك وقد ثبت النهي عن صوم يوم الجمعة ومالك معذور في أنه لم يبلغه انتهى. قلت: وقد تقدم الجواب عن حديث ابن مسعود فالحق في هذا الباب ما ذهب إليه الشافعي وأحمد والجمهور والله تعالى أعلم

(3/448)


باب ما جاء في الصوم يوم السبت
...
42 ـ باب ما جاءَ في صَوْمِ يَوْمِ السّبْت
741 ـ حدثنا حُمَيْدُ بنُ مَسْعَدَةَ حدثنا سُفْيَانُ بنُ حبيبٍ عن ثَوْرِ بنِ يَزِيدَ عن خالِدِ بنِ مَعْدَانَ عن عبدِ الله بنِ بُسْرٍ عن أخْتِهِ أنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال "لا تَصُومُوا يَوْمَ السّبْتِ إلاّ فيما إفْتَرَضَ الله عَلَيْكُمْ،
ـــــــ
باب ما جاءَ في صَوْمِ يَوْمِ السّبْت
قوله: "عن عبد الله بن يسر" بضم الموحدة وسكون السين "عن أخته" وفي رواية أبي داود: عن أخته الصماء. قال القاري: بتشديد الميم اسمها بهية وتعرف بالصماء.
قوله: "لا تصوموا يوم السبت أي وحده إلا فيما افترض عليكم" بصيغة المجهول. قال الطيبي: قالوا النهي عن الإفراد كما في الجمعة والمقصود مخالفة اليهود

(3/448)


فإن لَمْ يَجِدْ أحَدُكُمْ إِلا لِحَاءَ عِنَبَةٍ أو عُودَ شَجَرَةٍ فَلْيَمْضُغْهُ".
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ. ومَعْنَى كَرَاهِنةِ في هذا أنْ يَخُصّ الرّجُلُ يَوْمَ السّبْتِ بِصِيامٍ، لأنّ اليَهُودَ تُعَظّمُ يَوْمَ السّبْتِ.
ـــــــ
فيهما، والنهي فيهما للتنزيه عند الجمهور، وما افترض يتناول المكتوب والمنذور وقضاء الفوائت وصوم الكفارة، وفي معناه ما وافق سنة مؤكدة كعرفة وعاشوراء أو وافق ورداً. وزاد ابن الملك: وعشرة ذي الحجة أو في خير الصيام صيام داود فإن النهي عنه شدة الاهتمام والعناية به حق كأنه يراه واجباً كما تفعله اليهود. قال القاري: فعلى هذا يكون النهي للتحريم، وأما على غير هذا الوجه فهو للتنزيه بمجرد المشابهة "إلا لحاء عنبة" قال التوربشتي اللحاء ممدود وهو قشر الشجر، والعنبة هي الحبة من العنب انتهى "أو عود شجرة" عطف على الحاء عنبة "فليمضغه" قال في القاموس: مضغة كمنعه ونصره لاكه بأسنانه، وهذا تأكيد بالإفطار لنفي الصوم وإلا فشرط الصوم النية فإذا لم توجد لم يوجد ولو لم يأكل.
قوله: "هذا حديث حسن" وصححه الحاكم على شرط البخاري وقال النووي: صححه الأئمة، كذا في المرقاة. وقال أبو داود في السنن: هذا الحديث منسوخ انتهى. وقال فيه أيضاً: قال مالك: هذا كذب انتهى. وقال المنذري: وروى هذا الحديث من حديث عبد الله بن بسر ومن حديث أبيه بسر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن حديث الصماء عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقال النسائي: هذه أحاديث مضطربة انتهى كلام المنذري. وقال الحافظ في التلخيص: قال الحاكم: وله معارض بإسناد صحيح، ثم روى عن كريب أن ناساً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثوه إلى أم سلمة أسألها عن الأيام التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر لها صياماً فقالت يوم السبت والأحد، فرجعت إليهم فقاموا بأجمعهم إليها فسألوها فقالت صدق، وكان يقول إنهما يوم عيد للمشركين فأنا أريد أن أخالفهم، ورواه النسائي والبيهقي وابن حبان. وروى الترمذي من حديث عائشة قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم من الشهر السبت والأحد والاثنين الخ انتهى.

(3/449)


ـــــــ
قلت: قد جمع بين هذه الأحاديث بأن النهي متوجه إلى الإفراد والصوم باعتبار انضمام ما قبله أو ما بعده، ويؤيده أنه صلى الله عليه وسلم قد أذن لمن صام الجمعة أن يصوم يوم السبت بعدها، والجمع مهما أمكن أولى من النسخ. وأما علة الاضطراب فيمكن أن تدفع بما ذكره الحافظ في التلخيص. وأما قوله مالك إن هذا الحديث كذب فلم يتبين لي وجه كذبه والله تعالى أعلم

(3/450)


باب ما حاء في صوم يوم الإثنين والخميس
...
43ـ باب ما جَاءَ في صَوْمِ يَوْمِ الاثْنَيْنِ والخَميِس
742 ـ حدثنا أبو حَفْصٍ عَمْروُ بنُ علي الفَلاّسُ حدثنا عبدُ الله بنُ دَاوُدَ عن ثَوْرِ بنِ يَزِيدَ عن خَالِدِ بنِ مَعْدَانَ عن رَبِيعَةَ الجُرَشِيّ عن عائِشَةَ قالت "كانَ النبيّ صلى الله عليه وسلم يَتَحَرّى صَوْمَ الاثْنَيْنِ والخَمِيسِ".
قال: وفي البابِ عن حَفْصَةَ وأَبي قَتَادَةَ وأبي هريرة وأُسَامَةَ بنَ زَيْدٍ.
قال أبو عيسى: حديثُ عائِشَةَ حديثٌ حسنٌ غريبٌ مِنْ هذا الوجْهِ.
743 ـ حدثنا محمودُ بنُ غَيْلاَنَ حدثنا أبو أحمدَ و مُعَاوِيَةُ بنُ هِشَامٍ قالا حدثنا سُفْيَانُ عن منصورٍ عن خَيْثَمَةَ عن عائِشَةَ قالت "كان رسولُ الله
ـــــــ
باب ما جَاءَ في صَوْمِ يَوْمِ الاثْنَيْنِ والخَميِس
قوله: "عن ربيعة الجرشي" بضم الجيم وفتح الراء بعدها معجمة مختلف في صحبته وثقه الدارقطني وغيره كذا في التقريب.
قوله: "يتحرى صوم الاثنين والخميس" أي يقصده ويطلبه. والتحري طلب الأحرى والأولى، وقيل التحري طلب الثواب والمبالغة في طلب شيء.
قوله: "وفي الباب عن حفصة وأبي قتادة وأسامة بن زيد" أما حديث حفصة فأخرجه أبو داود، وأما حديث أبي قتادة فأخرجه مسلم، وأما حديث أسامة فأخرجه أبو داود والنسائي، كذا في التلخيص.
قوله: "حديث عائشة حديث حسن غريب من هذا الوجه" وأعله ابن القطان بالراوي عنها وأنه مجهول، وأخطأ في ذلك فهو صحابي، كذا في التلخيص.

(3/450)


صلى الله عليه وسلم يَصُومُ مِنَ الشّهْرِ السّبْتَ والأحَدَ والاْثَنْينِ، ومِنَ الشّهْرِ الآخر الثلاثَاء والأرْبِعَاءَ والخَمِيسَ".
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ. وَرَوَى عبدُ الرحمَنِ بنُ مَهْدِي هذا الحديِثَ عن سُفْيَانَ ولَمْ يَرْفَعْهُ.
744 ـ حدثنا محمدُ بنُ يَحْيَى حدثنا أبو عاصِمٍ عن محمدِ بنِ رِفَاعَةَ عن سُهيْلِ بنِ أبي صالحٍ عن أبيهِ عن أبي هريرةَ أَنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: "تُعْرَضُ الأعمالُ يَوْمَ الاْثَنيْنِ والخَميِسِ فأُحِبّ أنْ يُعْرَضَ عَمَلي وأنا صَائِمٌ".
قال أبو عيسى: حديثُ أبي هريرةَ في هذا البابِ حديثٌ حسنٌ غريبٌ.
.
ـــــــ
قوله: "يصوم من الشهر السبت والأحد والاثنين" مراعاة للعدالة بين الأيام فإنها أيام الله تعالى، ولا ينبغي هجران بعضها لانتفاعنا بكلها. قال الطيبي: وقد ذكر الجمعة في الحديث السابق فكان يستوفي أيام الأسبوع بالصيام قال ابن ملك: وإنما لم يصم صلى الله عليه وسلم الستة متوالية كيلا يشق على الأمة الاقتداء به رحمة لهم وشفقة عليهم، كذا في المرقاة.
قوله: "وروى عبد الرحمَن بن مهدي هذا الحديث عن سفيان ولم يرفعه" قال الحافظ في فتح الباري: وهو أشبه.
قوله: "تعرض الأعمال" أي على الله تعالى "فأحب أن يعرض عملي وأنا صائم" أي طلب الزيادة رفعة الدرجة. قال ابن الملك: وهذا لا ينافي قوله عليه السلام: "يرفع عمل الليل قبل عمل النهار وعمل النهار قبل عمل الليل، للفرق بين الرفع والعرض، لأن الأعمال تجمع في الأسبوع وتعرض في هذين اليومين". وفي حديث مسلم: تعرض أعمال الناس في كل جمعة مرتين يوم الاثنين ويوم الخميس فيغفر لكل مؤمن إلا عبداً بينه وبين أخيه شحناء فيقال أنظروا هذين حتى يصطلحا. قال ابن حجر: ولا ينافي هذا رفعها في شعبان فقال إنه شهر ترفع فيه الأعمال وأحب أن يرفع عملي وأنا صائم، لجواز رفع أعمال الأسبوع مفصلة وأعمال العام مجملة. كذا في المرقاة.

(3/451)


ـــــــ
قلت: حديث رفع الأعمال في شعبان أخرجه النسائي وأبو داود وصححه ابن خزيمة من حديث أسامة قلت يا رسول الله لم أرك تصوم من شهر من الشهور ما تصوم من شعبان قال ذلك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم، ونحوه من حديث عائشة عند أبي يعلى كذا في النيل

(3/452)


باب ما جاء في الصوم الأربعاء والخميس
...
44ـ باب ما جَاءَ في صَوْمِ يوم الأربعَاءِ والخَميِس
745 ـ حدثنا الحُسَيْنُ بنُ محمدٍ الجُزيْرِيّ و محمدُ بنُ مَدّوَيْهِ قالا حدثنا عُبَيْدُ الله بنُ موسى أخبرنا هارونُ بنُ سَلْمَانَ عن عُبَيْد الله المسلمِ القُرَشِيّ عن أبيهِ قال: "سَأَلْتُ "أو سُئلَ" رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صِيَامِ الدّهْرِ فقال: إنّ لأهْلِكَ عَلَيْكَ حَقَاً، صُمْ رَمَضَانَ والذي يَلِيهِ وكُلّ أَرْبعَاءَ وخَمِيسٍ، فإِذا أنْتَ قَدْ صُمْتَ الدّهْرَ وأَفْطَرْتَ".
وفي البابِ عن عائِشَةَ.
قال أبو عيسى: حديثُ مُسْلِمٍ القُرَشِيّ حديثٌ غريبٌ. ورَوَى بَعْضُهم عن هارونَ بنِ سَلْمَانَ عن مُسْلِمِ بنِ عُبَيْدِ الله عن أبيهِ.
ـــــــ
باب ما جاء في صوم الأربعاء والخميس
قوله: "محمد بن مدويه" بفتح الميم وشدة الدال هو محمد بن أحمد بن الحسين بن مدويه القرشي أبو عبد الرحمَن الترمذي صدوق من الحادية عشر.
قوله: "صم رمضان والذي يليه" قيل أراد الست من شوال، وقيل أراد به شعبان "وكل أربعاء" بالمد وعدم الانصراف "وخميس" بالجر والتنوين "فإذاً" بالتنوين والفاء جزاء شرط محذوف أي إن فعلت ما قلت لك فقد صمت، وإذا جواب جيء لتأكيد الربط.
قوله: "حديث مسلم القرشي حديث غريب" الحديث أخرجه أبو داود أيضاً وسكت عنه "وروى بعضهم عن هارون بن سلمان عن مسلم بن عبيد الله عن أبيه" قال المنذري في تلخيص السنن بعد نقل الكلام الترمذي هذا: وقد أخرج النسائي الروايتين، الرواية الأولى والثانية التي أشار إليها الترمذي انتهى

(3/452)


باب ما جاء في فضل الصوم يوم عرفة
...
45ـ باب ما جَاءَ في فَضْل صّوْمِ عَرَفَة
746 ـ حدثنا قُتَيْبةُ و أحمدُ بنُ عَبْدَةَ الضّبّيّ قالا أخبرنا حَمّادُ بنُ زَيْدٍ عن غَيْلاَنَ بنِ جَرِيرٍ عن عبدِ الله بنِ مَعْبَدٍ الزّمّانِيّ عن أبي قَتَادَةَ أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ إنّي أحْتَسِبُ على الله أنْ يُكَفّرَ السّنَةَ التي بعده والسّنَةَ و التي قبله ".
قال: وفي البابِ عن أَبي سَعِيدٍ.
قال أبو عيسى: حديثُ أبي قَتَادَةَ حديثٌ حسنٌ. وقد اسْتَحَبّ أهلُ العلمِ صِيَامَ يَوْمِ عَرَفَةَ إِلاّ بِعَرَفَةَ.
ـــــــ
باب ما جَاءَ في فَضْل صّوْمِ عَرَفَة
قوله: "عن عبد الله بن معبد الزماني" بكسر الزاي وتشديد الميم وبنون بصري ثقة من الثالثة كذا في التقريب.
قوله: "إني أحتسب على الله" أي أرجو منه. قال الطيبي: كأن الأصل أن يقال أرجو من الله أن يكفر فوضع موضعه أحتسب وعداه بعلي الذي للوجوب على سبيل الوعد مبالغة لحصول الثواب انتهى "أن يكفر السنة التي بعده والسنة التي قبله" قال النووي: قالوا المراد بالذنوب الصغائر، وإن لم تكن الصغائر يرجى تخفيف الكبائر، فإن لم تكن رفعت الدرجات. وقال القاري في المرقاة: قال إمام الحرمين: المكفر الصغائر. وقال القاضي عياض. وهو مذهب أهل السنة والجماعة، وأما الكبائر فلا يكفرها إلا التوبة. أو رحمة الله انتهى. فإن قيل: كيف يكون أن يكفر السنة التي بعده مع أنه ليس للرجل ذنب في تلك السنة. قيل: معناه أن يحفظه الله تعالى من الذنوب فيها، وقيل أن يعطيه من الرحمة الثواب قدراً يكون ككفارة السنة الماضية والسنة القابلة إذا جاءت واتفقت له ذنوب انتهى.
قوله: "حديث أبي قتادة حديث حسن" وأخرجه مسلم مطولاً.

(3/453)


46ـ باب ما جاء في كَرَاهِيَةِ صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ بِعَرَفَة
747 ـ حدثنا أحمدُ بنُ مَنِيعٍ حدثنا إسماعيلُ بنُ عُلَيّةَ حدثنا أيوبُ عن عِكْرِمَةَ عن ابنِ عبّاسٍ "أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم أفْطَرَ بِعَرَفَةَ وأَرْسَلَتْ إليهِ أَمّ الفَضْلِ بَلبَنٍ فَشَرِبَ".
وفي البابِ عن أبي هريرةَ وابنِ عُمَرَ وأُمّ الفَضْلِ.
قال أبو عيسى: حديثُ ابنِ عبّاسِ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وقد رُوِيَ عن ابنِ عُمَر قال : "حَجَجْتُ مع النبيّ صلى الله عليه وسلم فَلَمْ يَصُمْهُ "يَعْنِي يَوْمَ عَرَفَةَ"، ومَعَ أبي بَكْرٍ فَلَمْ يَصُمْهُ، ومَعَ عُمَرَ فَلَمْ يَصُمْهُ ومع عثمان فلم يصمه".
والعملُ على هذا عندَ أكثرِ أهلِ العلمِ يَسْتَحِبّونَ الإفطَارَ بِعَرَفَةَ لِيَتَقَوّى بهِ الرّجُلُ على الدّعَاءِ. وقد صَامَ بَعْضُ أهلِ العلمِ يَوْمَ عَرَفَةَ بِعَرَفَةَ.
ـــــــ
باب ما جاء في كَرَاهِيَةِ صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ بِعَرَفَة
قوله: "أخبرنا اسماعيل بن علية" بضم العين المهملة وفتح اللام وتشديد التحتية.
قوله: "وأرسلت إليه أم الفضل" أي بنت الحارث وهي امرأة العباس.
قوله: "وفي الباب أبي هريرة" أخرجه أحمد وابن ماجه بلفظ: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صوم عرفة بعرفات، أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه والحاكم والبيهقي وفيه مهدي الهجري وهو مجهول، ورواه العقيلي في الضعفاء من طريقه وقال لا يتابع عليه. قال العقيلي: وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم بأسانيد جياد أنه لم يصم يوم عرفة بها ولا يصح النهي عن صيامه. قال الحافظ في التلخيص بعد ذكر كلامه هذا. قد صححه ابن خزيمة ووثق مهدياً المذكور ابن حبان "وابن عمر" أخرجه الترمذي والنسائي وابن حبان "وأم الفضل" أخرجه الشيخان.
قوله، "وقد صام بعض أهل العلم يوم عرفة بعرفة" قال الحافظ في الفتح. وعن ابن الزبير وأسامة ابن زيد وعائشة أنهم كانوا يصومونه أي يصومون يوم

(3/454)


748 ـ حدثنا أحمدُ بنُ منِيعٍ و عليّ بنُ حُجْرٍ قالا حدثنا سُفْيَانُ بنُ عُيَيْنَةَ و إسماعيلُ بنُ إبراهيم عن ابنِ أبي نَجِيحٍ عن أبيهِ قال: سُئِلَ ابنُ عُمَر عنج صَوْمِ يوم عَرَفَةَ بعرفة قال: "حَجَجْتُ مع النبيّ صلى الله عليه وسلم فَلَمْ يَصُمْهُ، ومَعَ أَبي بَكْرٍ فَلَمْ يَصُمْهُ، ومَعَ عُمَرَ فَلَمْ يَصُمْهُ، ومَعَ عُثْمانَ فَلَمْ يَصُمْهُ، وأنا لا أَصُومُه ولا آمُرُ بهِ ولا أنهَى عنهُ".
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ. وقد رُوِيَ هذا الحديثُ عن ابنِ نَجِيحٍ عن أَبيهِ عن رَجُلٍ عن ابنِ عُمَرَ
ـــــــ
عرفة بعرفة، وكان ذلك يعجب الحسن ويحكيه عن عثمان، وعن قتادة مذهب آخر قال لا بأس به إذا لم يضعف عن الدعاء، ونقله البيهقي في المعرفة عن الشافعي في القديم، واختاره الخطابي والمتولي من الشافعية، وقال الجمهور. يستحب فطره حتى قال عطاء من أفطره ليتقوى به على الذكر كان له مثل أجر الصائم. وقال الطبري: إنما أفطر رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرفة ليدل على الاختيار للحاج بمكة لكي لا يضعف عن الدعاء والذكر المطلوب يوم عرفة. وقيل إنما كره صوم يوم عرفة لأنه يوم عيد لأهل الموقف لاجتماعهم فيه، ويؤيده ما رواه أصحاب السنن عن عقبة بن عامر مرفوعاً. يوم عرفة ويوم النحر وأيام منى عيدنا أهل الإسلام انتهى كلام الحافظ.
قلت: ما ذهب إليه الجمهور من أنه يستحب الفطر يوم عرفة بعرفة هو الظاهر، ويدل عليه حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهي عن صوم عرفة بعرفة : وقد صحح هذا الحديث ابن خزيمة والحاكم على ما قاله الحافظ في الفتح وأخذ بظاهره بعض السلف. فجاء عن يحيى بن سعيد الأنصاري قال: يجب فطر يوم عرفة للحاج والله تعالى أعلم.
قلت: "وأبو نجيح اسمه يسار" المكي مولى ثقيف مشهور بكنيته ثقة من الثالثة وهو والد عبد الله بن أبي نجيح مات سنة تسع ومائة كذا في التقريب.
قوله: "وقد روي هذا الحديث أيضاً عن ابن أبي نجيح عن رجل عن ابن عمر"

(3/455)


ـــــــ
فالظاهر أن أبا نجيح سمع أولاً هذا الحديث بواسطة رجل ثم لقي ابن عمر فسمعه منه بلا واسطة

(3/456)


باب ما جاء في الحث على الصوم يوم عاشوراء
...
47ـ باب ما جَاءَ في الحَثّ على صَوْمِ يَوْمِ عَاشُورَاء
749 ـ حدثنا قُتَيْبةُ و أَحمدُ بنُ عَبْدَةَ الضّبّيّ قالا: حدثنا حَمّادُ بنُ زَيْدٍ عن غَيْلاَنَ بنِ جَرِيرٍ عن عبدِ الله بنِ مَعْبَدٍ عن أبي قَتَادَةَ أَنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال : "صِيَامُ يَوْمِ عَاشوراءَ إنّي أحْتَسِبُ على الله أنْ يُكَفّرِ السّنَةَ التي قَبْلَهُ".
وفي البابِ عن علي ومحمدِ بنِ صَيْفِيّ وسَلَمَةَ بنِ الأكْوَعِ وهندِ بنِ أسْمَاءَ وابنِ عَبّاسٍ والرّبَيّعِ بِنْتِ مُعَوّذِ بنِ عَفْرَاءَ وعبدِ الرحمَنِ بنِ سَلَمَةَ الخزاعيّ عن عَمّهِ
ـــــــ
"باب ما جاء في الحث على صوم يوم عاشوراء"
بالمد على المشهور وحكي فيه القصر. قال الطيبي: وهو اليوم العاشر من المحرم، وسيجيء الكلام في تعيينه.
قوله: "إني أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله" فإن قيل: ما وجه أن صوم عاشوراء يكفر السنة التي قبله، وصوم يوم عرفة يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده؟ قيل: وجهه أن صوم يوم عرفة من شريعة محمد صلى الله عليه وسلم وصوم يوم عاشوراء من شريعة موسى عليه الصلاة والسلام. وقال الحافظ في الفتح: روى مسلم من حديث أبي قتادة مرفوعاً. إن صوم عاشوراء يكفر سنة وإن صيام عرفة يكفر سنتين. وظاهر أن صيام عرفة أفضل من صيام عاشوراء، وقد قيل في الحكمة في ذلك أن يوم عاشوراء منسوبة إلى موسى عليه السلام، ويوم عرفة منسوب إلى النبي صلى الله عليه وسلم فلذلك كان أفضل انتهى والله تعالى أعلم.
قوله: "وفي الباب عن علي أخرجه الدارمي والترمذي وأحمد والبيهقي والنسائي "ومحمد بن صيفي" أخرجه ابن ماجه و "سلمة بن الأكوع" أخرجه الشيخان "وهند بن أسماء" أخرجه الطحاوي "وابن عباس" أخرجه الشيخان "والربيع بنت معوذ" أخرجه مسلم "عبد الرحمَن بن سلمة الخزاعي عن عمه" أخرجه الطحاوي

(3/456)


عبدِ الله بنِ الزّبَيْرِ، ذَكَرُوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنّهُ حَثّ على صِيَامِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ.
قال أبو عيسى: لا نَعْلَمُ في شيءٍ مِنَ الرّوَايَاتِ أَنهُ قال : صِيَامُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ كَفّارَةُ سَنَةٍ. إلاّ في حديثِ أبي قَتَادَةَ، وبحديثِ أبي قَتَادَةَ يقولُ أحمدُ وإسحاقُ.
ـــــــ
"وعبد الله بن الزبير" أخرجه أحمد والبزار والطبراني "ذكروا" أن هؤلاء الصحابة المذكورون رضي الله عنهم

(3/457)


48 ـ باب ما جَاءَ في الرخْصَةِ في تَرْكِ صَوْمِ يومِ عَاشُورَاء
750 ـ حدثنا هارونُ بنُ إسحاقَ الهَمْدَانِيّ حدثنا عَبْدَةُ بنُ سُلَيْمانَ عنِ هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ عن أبيهِ عن عائِشَةَ قالت: "كانَ عَاشُورَاءُ يوماً تَصُومُهُ قُرَيْشٌ في الجاهليةِ، وكانَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يصُومُهُ فَلمّا قَدِمَ المدِينةَ صَامَهُ وأَمَرَ الناسَ بِصِيَامِهِ، فلما افْتُرِضَ رَمَضَانُ كانَ رَمَضَانُ هُوَ الفَرِيضَةَ وتُرِكَ عَاشورَاء، فَمَنْ شَاءَ صَامَهُ وَمَنْ شَاءَ تَرَكَهُ".
ـــــــ
باب ما جَاءَ في الرخْصَةِ في تَرْكِ صَوْمِ يومِ عَاشُورَاء
قوله: "وكان عاشوراء يوم تصومه قريش" هكذا في غالب النسخ والظاهر يوماً بالنصب واعتباره منصوباً مضافاً إلى الجملة بعده كما في "يوم ينفع الصادقين يبعده إشتمال تصومه على ضمير عائد إليه فإن اشتمال الجملة" المضاف إليها على ضمير المضاف غير متعارف في العربية بل قد منعه بعضهم، فالظاهر أن الجملة التي بعده صفة له واعتبار اليوم اسم كان على أن عاشوراء خبر كان بعيد من حيث المعنى ومن حيث علم الإعراب، لأن عاشوراء معرفة ويوم نكرة، فالوجه أن يقال إن كان فيه ضمير الشأن وعاشوراء مبتدأ خبره يوماً كذا في شرح الترمذي لأبي الطيب "فلما افترض رمضان كان رمضان هو الفريضة" ظاهر هذا الحديث أن صوم عاشوراء كان فرضاً ثم نسخ وجوبه بوجوب صوم رمضان. قال الحافظ في الفتح: يؤخذ من مجموع الأحاديث أنه كان واجباً لثبوت الأمر بصومه، ثم

(3/457)


وفي البابِ عن ابنِ مَسْعُودٍ وقَيْسِ بنِ سَعْدٍ وجَابِرِ بنِ سَمُرَةَ وابنِ عُمَرَ ومُعَاوِيَةَ.
قال أبو عيسى: والعملُ على هذا عندَ أهلِ العلمِ، على حديثِ عائِشَةَ وهو حديثٌ صحيحٌ. لايَرَوْنَ صِيَامَ يوم عَاشُورَاءَ واجِباً إلا مَنْ رَغِبَ في صِيَامِهِ لِمَا ذُكِرَ فيهِ مِنَ الفَضْلِ.
ـــــــ
تأكد الأمر بذلك، ثم زيادة التأكيد بالنداء العام، ثم زيادته بأمر من أكل بالإمساك، ثم زيادته بأمر الأمهات أن لا يرضعن فيه الأطفال، وبقول ابن مسعود الثابت في مسلم: لما فرض رمضان ترك عاشوراء، مع العلم بأنه ما ترك استحبابه بل هو باق، فدل على أن المتروك وجوبه. وأما قول بعضهم المتروك تأكد استحبابه والباقي مطلق استحبابه، فلا يخفي ضعفه، بل تأكد استحبابه باق ولاسيما مع استمرار الاهتمام به حتى في عام وفاته صلى الله عليه وسلم حيث يقول: لئن عشت لأصومن التاسع والعاشر، ولترغيبه في صومه، وأنه يكفر سنة، وأي تأكيد أبلغ من هذا انتهى.
قوله: "وفي الباب عن ابن مسعود وقيس بن سعد وجابر بن سمرة وابن عمر ومعاوية" أما حديث ابن مسعود فمتفق عليه، وأما حديث قيس بن سعد فأخرجه ابن أبي شيبة، وأما حديث جابر بن سمرة فأخرجه مسلم، وأما حديث ابن عمر ومعاوية وهو ابن أبي سفيان فمتفق عليهما.
قوله: "وهو حديث صحيح" وأخرجه البخاري والنسائي

(3/458)


باب ما جاء في عاشوراء أى يوم هو
...
49 ـ باب ما جَاءَ عاشُورَاءَ أَيّ يَوْمٍ هُو
751 ـ حدثنا هَنّادٌ و أبو كُرَيْبٍ. قالا: أخبرنا وَكيعٌ عن حَاجِبِ بنِ عُمَر عن الحَكَمِ بنِ الأعْرَجِ قال: "انْتَهَيْتُ إلى ابنِ عَبّاسٍ وهُوَ مُتَوَسّدٌ رِدَاءَهُ في زَمْزَم فَقلت: أَخْبِرْنِي عن يَوْمِ عاشُورَاءَ أَيّ يَوْمٍ هو أَصُومُهُ؟ فقالَ: إذا رَأَيْتَ هِلاَلَ المُحَرّمِ فاعْدُدْ ثم أصْبِحْ مِنْ التاسعِ صَائِماً،
ـــــــ
باب ما جَاءَ عاشُورَاءَ أَيّ يَوْمٍ هُو
قوله: "وهو متوسد رداءه في زمزم" وفي رواية لمسلم: عند زمزم "ثم أصبح

(3/458)


50 ـ باب ما جَاءَ في صِيَامِ العَشْر
753 ـ حدثنا هَنّادٌ حدثنا أبو مُعَاوِيَةَ عن الأعْمَشِ عن إبراهيم عن الأسْودِ عن عائِشَةَ قالَتْ: "ما رَأَيْتُ النبيّ صلى الله عليه وسلم صَائِماً فيِ العَشْرِ قَطّ".
ـــــــ
"باب ما جاء في صيام العشر"
أي عشر ذي الحجة
قوله: "ما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم صائماً في العشر قط" وفي رواية

(3/461)


قال أبو عيسى: هَكَذَا رَوَى غَيْرُ واحِدٍ عن الأعْمَشِ عن إبراهيم عن الأسْوَدِ عن عائِشَةَ. وَرَوى الثورِيّ وغَيْرُهُ هذا الحَدِيثَ عن مَنْصُورٍ عن إبراهيم "أَنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم لَمْ يُرَ صَائِماً في العَشْرِ".
وَرَوَى أَبو الأحْوَصِ عنَ منصُورٍ عن إبراهيم عنْ عَائِشَةَ ولَمْ يَذْكُرْ فيهِ "عنِ الأسْوَدِ". وقد اخْتَلَفُوا على مَنْصُورٍ في هذا الحَدِيثِ، ورِوَايَةُ الأعْمَشِ أَصَحّ وَأَوْصَلُ إسْنَاداً. قالَ: وسَمِعْتُ محمدَ بنَ أَبَانٍ يقولُ: سَمِعْتُ وَكِيعاً يقولُ: الأعْمَشُ أَحْفَظُ لإسنَادِ إبراهيم مِنْ مَنْصُورِ.
ـــــــ
مسلم: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصم العشر. قال النووي: قال العلماء: هذا الحديث مما يوهم كراهة صوم العشر، والمراد بالعشر ههنا الأيام التسعة من أول ذي الحجة قالوا: وهذا مما يتأول فليس في صوم هذه التسعة كراهة، بل هي مستحبة استحباباً شديداً لاسيما التاسع منها وهو يوم عرفة. وثبت في صحيح البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ما من أيام العمل الصالح فيها أفضل منه في هذه". يعني العشر الأوائل من ذي الحجة، فيتأول قولها لم يصم العشر أنه لم يصمه لعارض مرض أو سفر أو غيرهما أو أنها لم تره صائماً فيه، ولا يلزم من ذلك عدم صيامه في نفس الأمر. ويدل على هذا التأويل حديث هنيدة بن خالد عن امرأته عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم تسع ذي الحجة ويوم عاشوراء وثلاثة أيام من كل شهر أول اثنين من الشهر والخميس، رواه أبو داود وهذا لفظه وأحمد والنسائي وفي روايتهما: وخميسين انتهى. وقال الحافظ في الفتح في شرح حديث البخاري الذي ذكره النووي ما لفظه: واستدل به على فضل صيام عشر ذي الحجة لاندراج الصوم في العمل، قال: ولا يرد على ذلك ما رواه أبو داود وغيره عن عائشة قالت: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صائماً العشر قط لاحتمال أن يكون ذلك لكونه كان يترك العمل وهو يحب أن يعمله خشية أن يفرض على أمته. كما رواه الصحيحان من حديث عائشة أيضاً انتهى.
قوله: "ورواية الأعمش أصح وأوصل إسناداً" والحديث أخرجه مسلم من طريق الأعمش عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة وأخرجه أبو داود أيضاً من هذه الطريق

(3/462)


51ـ باب ما جَاءَ في العَمَلِ في أَيّامِ العَشْر
754 ـ حدثنا هَنّادٌ، حدثنا أبو مُعَاوِيَةَ عن الأعْمَشِ عن مُسْلِمٍ "هو البَطِينُ، وهو ابنُ أبي عِمْرَانَ عن سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ عن ابنِ عبّاس قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَا مِنْ أيّامٍ العَمَلُ الصّالِحُ فِيهِنّ أحَبّ إلى الله مِنْ هَذهِ الأيّامِ العَشْرِ"، فقالُوا يا رسولُ الله: ولا الجِهَادُ في سَبِيلِ الله؟ فقالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "ولا الجِهَادُ في سَبِيل الله، إلاّ رَجُلٌ خَرجَ بِنَفْسِهِ ومَالِهِ، فَلَمْ يَرْجِعْ من ذَلِكَ بِشَيْءٍ".
ـــــــ
"باب ما جاء في العمل في أيام العشر"
أي عشر ذي الحجة
قوله: "وهو ابن أبي عمران البطين" بفتح الموحدة هو لقب مسلم بن أبي عمران لقب بذلك لعظم بطنه ذكره الحافظ.
قوله: "ما من أيام" من زائدة "العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام العشر" أي العشر الأول من ذي الحجة. وفي حديث جابر في صحيحي أبي عوانة وابن حبان: ما من أيام أفضل عند الله من أيام عشر ذي الحجة، كذا في الفتح. قال الطيبي: العمل مبتدأ وفيهن متعلق به والخبر أحب والجملة خبر ما أي واسمها أيام ومن الأولى زائدة والثانية متعلقة بأفعل وفيه حذف، كأنه قيل ليس العمل في أيام سوى العشر أحب إلى الله من العمل في هذه العشر. قال ابن الملك: لأنها أيام زيارة بيت الله والوقت إذا كان أفضل كان العمل الصالح فيه أفضل وذكر السيد اختلف العلماء في هذه العشر، والعشر الأخير من رمضان فقال بعضهم: هذه العشر أفضل لهذا الحديث، وقال بعضهم: عشر رمضان أفضل للصوم والقدر، والمختار أن أيام هذه العشر أفضل ليوم عرفة وليالي عشر رمضان أفضل لليلة القدر، لأن يوم عرفة أفضل أيام السقة، وليلة القدر أفضل ليالي السنة، ولذا قال ما من أيام ولم يقل من ليال كذا في الأزهار وكذا في المرقاة "ولا الجهاد في سبيل الله " أي أفضل من ذلك "إلا رجل" أي إلا جهاد رجل "لم يرجع من ذلك" أي مما ذكر من نفسه وماله "بشيء" أي

(3/463)


وفي البابِ عَنْ ابنِ عُمَرَ وأبي هُرَيْرَةَ وعبدِ الله بنِ عَمْروٍ وجَابِرٍ.
قال أبو عيسى: حَدِيثُ ابنِ عَبّاسٍ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ.
755 ـ حدثنا أبو بَكْرِ بنِ نافعِ البصرِيّ حدثنا مَسْعُودُ بنُ واصِلٍ عن نَهّاسِ بنِ قَهْمٍ عن قَتَادَةَ عن سعيدِ بنِ المُسَيّبِ عن أبي هُرَيْرَةَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ: "مَا مِنْ أيّامٍ أحَبّ إلى الله أنْ يتَعَبّدَ لَهُ فيها مِنْ عَشْرِ ذِي الحجّةِ، يَعْدِلُ صِيَامُ كُلّ يَوْمٍ مِنْهَا بصِيَامُ سَنَةٍ وقِيَامُ كُلّ لَيْلَةٍ مِنْهَا بِقِيَامِ لَيْلَةِ القَدْرِ".
ـــــــ
صرف ماله ونفسه في سبيل الله فيكون أفضل من العامل في أيام العشر أو مساوياً له.
قوله: "وفي الباب عن ابن عمر" أخرجه أبو عوانة في صحيحه "وأبي هريرة" أخرجه الترمذي وابن ماجه "وعبد الله بن عمرو" لم أقف على من أخرجه "وجابر" أخرجه أبو عوانة وابن حبان في صحيحهما.
قوله: "حديث ابن عباس حديث حسن غريب صحيح" وأخرجه البخاري وأبو داود وابن ماجه.
قوله: "حدثنا أبو بكر بن نافع البصري" اسمه محمد بن أحمد بن نافع العبدي مشهور بكنيته صدوق من صغار العاشرة "أخبرنا مسعود بن واصل" الأرزق البصري صاحب السابري لين الحديث من التاسعة "عن نهاس" بتشديد الهاء ثم مهملة "بن قهم" بفتح القاف وسكون الهاء البصري ضعيف من السادسة.
قوله: "ما" بمعنى ليس "من أيام" من زائدة وأيام اسمها "أحب إلى الله" بالنصب على أنه خبرها وبالفتح صفتها وخبرها ثابتة وقيل بالرفع على أنه صفة أيام على المحل والفتح على أنها صفتها على اللفظ. وقوله: "أن يتعبد" في محل رفع بتأويل المصدر على أنه فاعل أحب، وقيل التقدير لأن يتعبد أي يفعل العبادة "له" أي لله "فيها" أي في الأيام "من عشر ذي الحجة " قال الطيبي: قيل لو قيل أن يتعبد مبتدأ وأحب خبره ومن متعلق بأحب يلزم الفصل بين أحب ومعموله بأجنبي فالوجه أن يقرأ أحب بالفتح ليكون صفة أيام وأن يتعبد فاعله ومن متعلق بأحب والفصل ليس بأجنبي والفصل ليس بأجنبي وهو كقوله ما رأيت رجلاً أحسن

(3/464)


قال أبو عيسى: هذا حديثٌ غريبٌ لا نَعْرِفُهُ إلا مِنْ حديثِ مَسْعُودِ بنِ واصِلٍ عن النّهّاسِ. قال: وسَأَلْتُ محمداً عن هذا الحَديثِ فَلْم يَعْرِفْهُ مِنْ غَيْرِ هذا الوجْهِ مِثْلَ هذا. وقَالَ: قَد رُوِيَ عن قَتَادَةَ عن سَعِيدِ بنِ المُسَيّبِ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم مرسلاً شيءٌ مِنْ هذا
ـــــــ
في عينه الكحل من عين زيد، وخبر ما محذوف، أقول: لو جعل أحب خبر ما وأن يتعبد متعلقاً بأحب بحذف الجار أي ما من أيام أحب إلى الله لأن يتعبد له فيها من عشر ذي الحجة لكان أقرب لفظاً ومعنى، أما اللفظ فظاهر، وأما المعنى فلأن سوق الكلام لتعظيم الأيام والعبادة تابعة لها لا عكسه، وعلى ما ذهب إليه القائل يلزم العكس مع ارتكاب ذلك التعسف "يعدل" بالمعلوم وقيل بالمجهول أي يسوي "صيام كل يوم منها" أي ما عدا العاشر. وقال ابن الملك: أي من أول ذي الحجة إلى يوم عرفة "صيام سنة" أي لم يكن فيها عشر ذي الحجة، كذا قيل، والمراد صيام التطوع فلا يحتاج إلى أن يقال: لم يكن فيها أيام رمضان.
قوله: "هذا حديث غريب الخ" وأخرجه ابن ماجه، وهذا حديث ضعيف لأن في سنده مسعود بن واصل وهو لين الحديث، وفيه نحاس بن قهم وهو ضعيف كما عرفت

(3/465)


52 ـ باب ما جَاءَ في صِيامِ سِتّةِ أيّامٍ مِنْ شَوّال
756 ـ حدثنا أَحمدُ بنُ مَنِيعٍ، حدثنا أبو مُعَاوِيَةَ حدثنا سَعِدُ بنُ سَعِيدٍ عن عُمَرَ بنِ ثابتٍ عن أبي أيّوبَ قالَ: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثم أتْبَعَهُ سِتّا مِنْ شَوّالٍ فَذَلِكَ صِيَامُ الدّهْرِ".
ـــــــ
باب ما جَاءَ في صِيامِ سِتّةِ أيّامٍ مِنْ شَوّال
قوله: "من صام رمضان ثم أتبعه" بهمزة قطع أي جعل عقبه في الصيام "بست من شوال" وفي رواية مسلم ستاً من شوال قال النووي: هذا صحيح: ولو كان ستة بالهاء جاز أيضاً، قال أهل اللغة: يقال صمنا خمساً وستاً وخمسة وستة، وإنما يلتزمون إثبات الهاء في المذكر إذا ذكروه بلفظه صريحاً فيقولون: صمنا ستة

(3/465)


وفي البابِ عن جَابرٍ وأبي هُرَيْرَةَ وثَوْبانَ.
قال أبو عيسى: حَديثُ أبي أيّوبَ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ وقدِ اسْتَحَبّ قَوْمٌ صِيَامَ سِتّةِ أيامٍ مِنْ شَوّالٍ بهذا الحَديِثِ.
قال ابنُ المُبَارَك هُوَ حَسنٌ هو مِثْلُ صِيَامِ ثلاثةِ أيامٍ منْ كلّ شَهْرٍ. قال ابنُ المُبَارَكِ: ويُرْوَى في بعضِ الحديثِ: وَيُلْحَقُ هذا الصّيَامُ برَمَضَانَ واختارَ ابن المُبارَكِ أنْ تكُونَ سِتّةَ أيامٍ في أوّلِ الشّهْرِ وقد رُوِيَ عن ابنِ المبَارَكِ أنه قالَ: إنْ صامَ سِتّةَ أيامٍ مِنْ شَوّالٍ مُتَفَرّقاً فَهُوَ جَائِزٌ.
ـــــــ
أيام ولا يجوز ست أيام، فإذا حذفوا الأيام جاز الوجهان. ومما جاء حذف الهاء فيه من المذكر إذا لم يذكر بلفظه قوله تعالى {يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً} أي عشرة أيام انتهى. "فذلك صيام الدهر" لأن الحسنة بعشر أمثالها، فرمضان بعشرة أشهر والستة بشهرين. قال النووي. وقد جاء هذا في حديث مرفوع في كتاب النسائي.
قوله: "وفي الباب عن جابر وأبي هريرة وثوبان" وفي الباب أيضاً عن البراء بن عازب وابن عباس وعائشة. قال ميرك في تخريج أحاديث هؤلاء الصحابة رضي الله عنهم أما حديث جابر فرواه الطبراني وأحمد والبزار والبيهقي، وأما حديث أبي هريرة فرواه البزار والطبراني وإسنادهما حسن. وقال المنذري أحد طرقه عند البزار صحيح، وأما حديث ثوبان فرواه ابن ماجه والنسائي وابن خزيمة في صحيحه وابن حبان ولفظه عند ابن ماجه: من صام ستة أيام بعد الفطر كان كصيام السنة "من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها" وأما لفظ البقية فقريب منه، وأما حديث ابن عباس فرواه الطبراني وأحمد والبزار والبيهقي، وأما حديث عائشة فرواه الطبراني أيضاً، كذا في المرقاة. قلت: وأما حديث البراء بن عازب فرواه الدارقطني.
قوله: "حديث أبي أيوب حديث حسن صحيح" وأخرجه مسلم وأبو داود وابن ماجه.
قوله: "وقد استحب قوم صيام ستة من شوال لهذا الحديث" وهذا هو

(3/466)


قال أبو عيسى : وقد رَوَى عبدُ العزيزِ بنُ محمدٍ عن صَفْوانَ بنِ سُلَيم وسَعْدِ بنِ سعيدٍ عن عُمَرَ بنِ ثابتٍ عَنْ أبي أيّوبَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم هذا. وَرَوَى شُعْبَةُ عن ورْقاءَ بنِ عُمَرَ عن سَعْدِ بنِ سَعِيدٍ هذا الحديثَ. وسَعْدُ بنُ سَعيدٍ هو أخوُ يَحْيى بنِ سَعيدٍ الأنْصَاريّ. وقد تَكَلّمَ بَعضُ أهلِ الحديثِ في سَعْدِ بنِ سعيدٍ مِنْ قِبَلِ حِفْظِهِ.
ـــــــ
الحق. قال النووي: فيه دلالة صريحة لمذهب الشافعي وأحمد وداود وموافقيهم في استحباب صوم هذه الستة. وقال مالك وأبو حنيفة: يكره ذلك قال مالك في الموطأ: ما رأيت أحداً من أهل العلم يصومها، قالوا فيكره لئلا يظن وجوبه ودليل الشافعي وموافقيه هذا الحديث الصحيح الصريح وإذا ثبت السنة لا تترك لترك بعض الناس أو أكثرهم أو كلهم لها، وقولهم: قد يظن وجوبها ينتقض بصوم يوم عرفة وعاشوراء وغيرهما من الصوم المندوب انتهى كلام النووي.
قلت: قول من قال بكراهة صوم هذه الستة باطل مخالف لأحاديث الباب، ولذلك قال عامة المشايخ الحنفية بأنه لا بأس به. قال ابن الهمام: صوم ست من شوال عن أبي حنيفة وأبي يوسف كراهته، وعامة المشايخ لم يروا به بأساً انتهى.
قوله: "ويروى" بصيغة المجهول ونائب فاعله هو قوله: ويلحق هذا الصيام برمضان، كذا في بعض الحواشي. قلت: لم أقف أنا على الحديث الذي روى فيه هذا اللفظ، نعم قد وقع في حديث ثوبان: من صام ستة أيام بعد الفطر كان كصيام السنة، والظاهر المتبادر من البعدية هي البعدية القريبة "واختار ابن المبارك أن يكون ستة أيام من أول الشهر" أي من أول شهر شوال متوالية "وروي عن ابن المبارك أنه قال: إن صام ستة أيام متفرقاً فهو جائز" قال النووي: قال أصحابنا: والأفضل أن تصام الستة متوالية عقب يوم الفطر فإن فرقها أو أخرها عن أوائل الشهر إلى أواخره حصلت فضيلة المتابعة لأنه يصدق أنه اتبعه ستاً من شوال انتهى.
قلت: الظاهر هو ما نقل النووي عن أصحابه، فإن الظاهر المتبادر من لفظ بعد الفطر المذكور في حديث ثوبان المذكور هي البعدية القريبة والله تعالى أعلم.
قوله: "وقد تكلم بعض أهل الحديث في سعد بن سعيد من قبل حفظه"

(3/467)


ـــــــ
قال الحافظ في التقريب: سعد بن سعيد بن قيس بن عمرو الأنصاري أخو يحيى صدوق سيء الحفظ من الرابعة انتهى.
فإن قلت: كيف صحح الترمذي حديث سعد بن سعيد المذكور مع تصريحه فإنه قد تكلم فيه بعض أهل الحديث من قبل حفظه.
قلت: الظاهر أن تصحيحه لتعدد الطرق، وقد تقدم في المقدمة أنه قد يصحح الحديث لتعدد طرقه على أنه لم يتفرد به سعد بن سعيد بل تابعه صفوان بن سليم كما تقدم

(3/468)


باب ما جاء في صوم ثلاثة من كل شهر
...
53ـ باب ما جاء في صَوْمِ ثَلاثَة أيام مِنْ كلّ شَهْر
757 ـ حدثنا قُتَيْبةُ حدثنا أبو عَوَانَةَ عن سِماكِ بنِ حَرْبٍ عن أَبي الرّبيعِ عن أبي هُريرة قال: عَهِدَ إليّ النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثةً: "أَنْ لا أنامَ إلاّ على وِتْرٍ، وصَوْمَ ثلاثةِ أيامٍ مِنْ كلّ شَهْرٍ وأنْ أُصَلّىَ الضّحَى".
ـــــــ
باب ما جاء في صَوْمِ ثَلاثَة أيام مِنْ كلّ شَهْر
قوله: "عهد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم" أي أوصي، وفي رواية الشيخين: أوصاني خليلي "ثلاثة" أي ثلاثة خصال "أن لا أنام إلا على وتر" قال الحافظ: فيه استحباب تقدم الوتر على النوم وذلك في حق من لم يثق بالاستيقاظ، ويتناول من يصلي بين النومين، وهذه الوصية لأبي هريرة ورد مثلها لأبي الدرداء فيما رواه مسلم ولأبي ذر فيما رواه النسائي انتهى كلام الحافظ. قال الشيخ عبد الحق في اللمعات: لعله اكتفى لأبي هريرة بأول الليل لأنه كان يحفظ أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ويستحضر ملفوظاته وكان يمضي جزء كثير من الليل فيه، وذلك أفضل لأن الاشتغال بالعلم أفضل من العبادة وهو السبب في الوصية له بأن يوتر قبل أن ينام. انتهى كلام الشيخ، قلت: ويمكن أن يكون لسبب آخر كما هو في الوصية لأبي الدرداء ولأبي ذر رضي الله عنهما والله تعالى أعلم "وصوم ثلاثة أيام من كل شهر" قال الحافظ: الذي يظهر أن المراد بها البيض "وأن أصلي الضحى" زاد أحمد في رواية: كل يوم، وفي رواية للبخاري بلفظ: وركعتي الضحى. قال ابن دقيق العيد. لعله ذكر الأقل الذي يوحد التأكيد بفعله وفي هذا

(3/468)


758 ـ حدثنا محمودُ بنُ غَيْلاَنَ حدثنا أبو داودَ قال أنْبأَنَا شُعْبَةُ عنِ الأعْمَشِ قال: سَمِعْتُ يَحْيَى بنَ بَسّامٍ يُحَدّثُ عن موسى بنِ طَلْحةَ قال سَمِعْتُ أبا ذَرَ يقولُ: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "يا أبا ذَرَ إذا صُمْتَ مِنَ الشّهْرِ ثلاَثةَ أيامٍ فَصُمْ ثلاثَ عَشْرَةَ وأرْبعَ عَشْرَةَ وخَمْسَ عَشْرَةَ".
وفي البابِ عن أبي قَتَادَةَ وعبدِ الله بنٍ عَمْرٍو وقرّةَ بنِ إياسٍ المُزَنِيّ وعبدِ الله بنِ مَسْعُودٍ وأبي عَقْرَبٍ وابنِ عباسٍ وعائِشَةَ وقتادَةَ بنِ مِلْحانَ وعُثمانَ بنِ أبي العاصِ وجَريرٍ.
ـــــــ
دلالة على استحباب صلاة الضحى وأن أقلها ركعتان. قال الحافظ في الفتح: حكى شيخنا الحافظ أبو الفضل بن الحسين في شرح الترمذي أنه اشتهر بين العوام أن من صلى الضحى ثم قطعها يعمى. فصار كثير من الناس يتركونها أصلاً لذلك وليس لما قالوا أصل، بل الظاهر أنه مما ألقاه الشيطان على ألسنة العوام ليحرمهم الخير الكثير لاسيما ما وقع في حديث أبي ذر انتهى. وحديث أبي هريرة المذكور لم يحكم عليه الترمذي بشيء هو حديث صحيح وأخرجه الشيخان.
قوله: "سمعت يحيى بن بسام" بفتح الموحدة وتشديد السين المهملة وآخره ميم.
قوله: "فصم ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة" هي أيام الليالي البيض.
قوله: "وفي الباب عن أبي قتادة" أخرجه مسلم وفيه: ثلاث من كل شهر ورمضان إلى رمضان. فهذا صيام الدهر كله، "وعبد الله بن عمرو" أخرجه الشيخان وفيه: ثلاثة أيام من كل شهر صوم الدهر كله، صم كل شهر ثلاثة أيام واقرأ القرآن في كل شهر "وقرة بن إياس المزني" أخرجه أحمد بإسناد صحيح عنه مرفوعاً: صيام ثلاثة أيام من كل شهر صيام الدهر كله وإفطاره، وأخرجه أيضاً البزار والطبراني وابن حبان في صحيحه كذا في الترغيب "وعبد الله بن مسعود" قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم من غرة كل شهر ثلاثة أيام وقلما كان يفطر يوم الجمعة، أخرجه الترمذي والنسائي وأخرجه أبو داود إلى ثلاثة أيام وقلما كان يفطر يوم الجمعة، أخرجه الترمذي والنسائي وأخرجه أبو داود إلى ثلاثة أيام وصححه ابن خزيمة "وأبي عقرب" لينظر من أخرج حديثه "وابن عباس" أخرجه النسائي "وعائشة" أخرجه مسلم والترمذي في هذا الباب "وقتادة بن ملحان" بكسر الميم وقيل بفتحها ولم أقف على من أخرج حديثه "وعثمان بن أبي العاص"

(3/469)


قال أبو عيسى: حديثُ أَبي ذَر حديثٌ حسنٌ.
وقد رُوِيَ في بعضِ الحديثِ أنّ مَنْ صَامَ ثلاثةَ أيامٍ من كلّ شَهْرٍ كانَ كَمَنْ صامَ الدّهْرَ.
759 ـ حدثنا هَنّادٌ أبو مُعاوِيَةَ عن عاصمٍ الأحْولِ عن أبي عُثمانَ النّهدي عن أبي ذَر قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ صامَ مِنْ كلّ شَهْرٍ ثلاثةَ أيامٍ فَذَلِكَ صيامُ الدّهْرِ فأَنْزَلَ الله عزّ وجل تَصْديقَ ذلك في كِتابه {مَنْ جاء بالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها} اليَوْمُ بِعَشْرَةِ أيامٍ".
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيح.
وقد رَوى شُعْبَة هذا الحديثَ عن أبي شِمْرٍ وأبي التّيّاحِ عن أبي عُثمانَ عن أبي هُريرةَ عَن النبيّ صلى الله عليه وسلم.
760 ـ حدثنا محمودُ بنُ غَيْلانَ حدثنا أبو دَاودَ أخبرنا شُعْبَةُ عن يزيدَ الرّشْكِ قَال سَمِعْتُ مُعاذَةَ قَالت: قُلْتُ لِعائِشةَ: "أكانَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يَصُومُ ثلاثةَ أيامٍ مِنْ كلّ شَهْرٍ؟ قالت: نَعمْ، قلت: مِنْ أيّهِ كانَ يَصُومُ؟ قالت: كانَ لا يُبَالي مِنْ أيّهِ صامَ".
ـــــــ
أخرجه النسائي والبيهقي "وجرير" أخرجه النسائي وقال الحافظ إسناده صحيح.
قوله: "حديث أبي ذر حديث حسن" وأخرجه النسائي وصححه ابن حبان كذا في المرقا.
قوله: "فذلك صيام الدهر" وذلك لأن الحسنة بعشر أمثالها فيعدل صيام الثلاثة الأيام من كل شهر صيام الشهر كله فيكون كمن صام الدهر.
قوله: "هذا حديث حسن" وأخرجه ابن ماجه.
قوله: "عن أبي شمر" بكسر الشين المعجمة وسكون الميم الضبعي مقبول من الرابعة.

(3/470)


قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ قال: ويَزيدُ الرّشْك هُوَ يَزيدُ الضّبَعيّ وهو يَزيدُ بنُ القاسِم وهو القَسّامُ، والرّشْكُ هو القَسّامُ في لُغَةِ أهْلِ البْصْرَةِ.
ـــــــ
قوله: "قالت نعم" أي وهذا أقل ما كان يقتصر عليه "قلت من أيه" صام أي من أي يوم وفي رواية مسلم: من أي أيام الشهر "كان لا يبالي في أية همام" وفي رواية مسلم: لم يكن يبالي من أي أيام الشهر يصوم.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه مسلم.
قوله: "ويزيد الرشك" : بكسر الراء وسكون الشين المعجمة "هو يزيد الضبعي" بضم المعجمة وفتح الموحدة بعدها عين مهملة، قال في الخلاصة: يزيد بن أبي يزيد الضبعي مولاهم أبو الأزهر البصري الذارع القسام الرشك عن مطرف بن الشخير وعنه شعبة ومعمر، وثقه أبو حاتم وله في البخاري فرد حديث

(3/471)


54ـ بابُ مَا جَاءَ في فَضْلِ الصّوْم
761 ـ حدثنا عِمْرانُ بنُ موسى القَزّازُ البَصْرِيّ حدثنا عبدُ الوارثِ بنُ سَعيدٍ حدثنا عليّ بنُ زَيْدٍ عن سَعيدِ بنِ المُسَيّبِ عن أبي هريرةَ قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إنّ رَبكُمْ يقولُ كلّ حَسَنَةٍ بِعَشْرِ أمْثالِها إلى سَبْعِمائةِ ضِعْفٍ والصّوْمُ لِي وأنا أجْزِي بهِ الصّوْمُ جُنَةٌ مِنَ النّارِ
ـــــــ
بابُ مَا جَاءَ في فَضْلِ الصّوْم
قوله: "القزاز" بفتح القاف وشده الزاي الأولى، قال في القاموس: القز الإبريسم والقزاز ككتان بائع القز.
قوله: "كل حسنة بعشر أمثالها" أي تضاعف بعشر أمثالها "إلى سبعمائة ضعف" بكسر الضاد أي مثل "والصوم لي" وفي رواية الشيخين: كل عمل ابن آدم يضاعف الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلا الصوم فإنه لي الخ، قال الحافظ في الفتح: قد اختلف العلماء في المراد بقوله تعالى: "الصيام لي وأنا أجزي به" مع أن الأعمال كلها له وهو الذي يجزى بها على أقوال، ثم ذكر الحافظ عشرة أقوال ثم قال: وأقرب الأقوال التي ذكرتها إلى الصواب الأول

(3/471)


ولَخُلوفُ فَمِ الصّائِمِ أطْيَبُ عِنْدَ الله مِنْ ريحِ المِسْكِ وَ إنْ جَهِلَ عَلى أحَدِكُمْ جَاهِلٌ وهُوَ صائِمٌ فَلْيَقُلْ إنّي صائِمٌ".
ـــــــ
والثاني، وأنا أذكر ههنا هذين القولين، ومن شاء الوقوف على باقيها فليرجع إلى الفتح، فالقول الأول أن الصوم لا يقع فيه الرياء كما يقع في غيره، قال أبو عبيد في غريبه: قد علمنا أن أعمال البر كلها لله وهو الذي يجزي بها فترى والله اعلم أنه إنما خص الصيام لأنه ليس يظهر من ابن آدم بفعله وإنما هو شيء في القلب، ويؤيد هذا التأويل قوله صلى الله عليه وسلم: "ليس في الصيام رياء"، حدثنيه شبابة عن عقيل عن الزهري فذكره يعني مرسلاً، قال: وذلك لأن الأعمال لا تكون إلا بالحركات إلا الصوم فإنما هو بالنية التي تخفى عن الناس. هذا وجه الحديث عندي انتهى، قال الحافظ: وقد روى الحديث المذكور البيهقي في الشعب من طريق عقيل وأورده من وجه آخر عن الزهري موصولاً عن أبي سلمة عن أبي هريرة وإسناده ضعيف ولفظه: الصيام لا رياء فيه. قال الله عز وجل: هو لي وأنا أجزي به، وهذا لو صح لكان قاطعاً للنزاع. قال الحافظ: معنى النفي في قوله: لا رياء في الصوم، أنه لا يدخله الرياء بفعله وإن كان قد يدخله الرياء بالقول كمن يصوم ثم يخبر بأنه صائم فقد يدخله الرياء من هذه الحيثية، فدخول الرياء في الصوم إنما يقع من جهة الإخبار بخلاف بقية الأعمال فإن الرياء قد يدخلها بمجرد فعلها. وثانيها أن المراد بقوله: وأنا أجزي به، أني أنفرد بعلم مقدار ثوابه وتضعيف حسناته، وأما غيره من العبادات فقد اطلع عليها بعض الناس قال القرطبي: معناه أن الأعمال قد كشفت مقادير ثوابها للناس وأنها تضاعفت من عشرة إلى سبع مائة إلى ما شاء الله إلا الصيام فإن الله يثيب عليه بغير تقدير. ويشهد لهذا السياق الرواية الأخرى يعني رواية الموطأ وكذلك رواية الأعمش عن أبي صالح حيث قال: كل عمل ابن آدم يضاعف الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى ما شاء الله، قال الله: إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به، أي أجازي عليه جزاء كثيراً من غير تعيين لمقداره، وهذا كقوله تعالى {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} انتهى. والصابرون الصائمون في أكثر الأقوال انتهى ما في الفتح.

(3/472)


وفي البابِ عن مُعاذِ بنِ جَبَلٍ وسَهْلِ بنِ سَعدٍ وكَعْبِ بنِ عُجْرَةَ وسَلاَمَةَ بنِ قَيْصَرَ وبَشِيرِ بنِ الخَصَاصِيّةِ. واسْمُ بشيرٍ زَحْمُ بنُ مَعْبَدٍ، والخَصَاصِيّةُ هِيَ أُمّهُ.
قال أبو عيسى: وحديثُ أبي هُريرةَ حديثٌ حسنٌ غريبٌ مِن هذا الوَجْهِ.
762 ـ حدثنا محمدُ بنُ بشارٍ حدثنا أبو عامِرٍ العَقَدِيّ عن هِشَامِ بنِ سَعْد عن أبي حازِمٍ عن سَهْلِ بنِ سَعْدٍ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال:
ـــــــ
قوله: "وفي الباب عن معاذ بن جبل وسهل بن سعد وكعب بن عجرة وسلامة بن قيصر وبشير بن الخصاصية" أما حديث معاذ بن جبل فأخرجه أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه كلهم من رواية أبي وائل عن معاذ، والحديث طويل وفيه: الصوم جنة، وذكر المنذري هذا الحديث الطويل في باب الصمت. وأما حديث سهل بن سعد فأخرجه البخاري ومسلم وغيرهما. وأما حديث كعب بن عجرة فأخرجه الحاكم عنه قال . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: احضروا المنبر، فحضرنا، فلما ارتقى درجة قال: "آمين"، فلما ارتقى الدرجة الثانية، قال: "آمين"، فلما ارتقي الدرجة الثالثة قال: "آمين"، فلما نزل قلنا يا رسول الله لقد سمعنا منك اليوم شيئاً ما كنا نسمعه؟ قال، "إن جبريل عرض لي فقال". بعد من أدرك رمضان فلم يغفر له قلت. "آمين"، فلما رقيت الثانية قال: بعد من ذكرت عنده فلم يصل عليك فقلت: آمين، فلما رقيت الثالثة قال: بعد من أدرك أبويه الكبر عنده أو أحدهما فلم يدخلاه الجنة قلت: "آمين". قال الحاكم صحيح الإسناد. وأما حديث سلامة بن قيصر فأخرجه أبو يعلى والبيهقي عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من صام يوماً ابتغاء وجه الله بعده الله من جهنم كبعد غراب طار وهو فرخ حتى مات هرماً"، كذا في الترغيب، لكن فيه سلمة بن قيصر بغير الألف، وقال المنذري بعد ذكر هذا الحديث. ورواه الطبراني فسماه سلامة بزيادة ألف وفي إسناده عبد الله بن لهيعة انتهى. وأما حديث بشير بن الخصاصية فلينظر من أخرجه.
قوله: "وإسم بشير زحم" بالزاء وسكون الحاء المهملة.

(3/473)


" في الجَنّةِ باب يُدْعَى الرّيّانُ يُدْعى لَهُ الصّائِمُونَ فَمَنْ كانَ منَ الصّائِمينَ دَخَلهُ، وَمَنْ دَخَلَهُ لمْ يَظْمأ أبداً".
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ.
763 ـ حدثنا قُتَيْبَةُ حدثنا عبدُ العزيزِ بنُ محمدٍ عن سهْيلِ بنِ أبي صالحٍ عن أبيهِ عن أبي هريرةَ قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "للصّائِمِ فَرْحَتانِ فرْحَةٌ حِينَ يُفْطِرُ وفَرْحَةٌ حِينَ يَلْقى رَبّهُ".
قال أبو عيسى: وهذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
قوله: "في الجنة باب يدعى" أي يسمى "الريان" بفتح الراء وتشديد التحتانية وزن فعلان من الري اسم علم، باب من أبواب الجنة يختص بدخول الصائمين منه، وهو مما وقعت المناسبة بين لفظه ومعناه لأنه مشتق من الري وهو مناسب لحال الصائمين. قال القرطبي: اكتفي بذكر الري عن الشبع لأنه يدل عليه من حيث أنه يستلزمه: قال الحافظ: أو لأنه أشق على الصائم من الجوع انتهى وفي رواية الشيخين: في الجنة ثمانية أبواب منها باب يسمى الريان "يدعي له الصائمون" وفي رواية الشيخين: لا يدخله إلا الصائمون " ومن دخله لم يظمأ أبداً" وفي رواية النسائي وابن خزيمة: من دخل شرب ومن شرب لم يظمأ أبداً.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح غريب" وأخرجه الشيخان.
قوله: "فرحة حين يفطر" قال القرطبي: معناه فرحة بزوال جوعه وعطشه حيث أبيح له الفطر، وهذا الفرح طبعي وهو السابق للفهم، وقيل إن فرحه بفطره إنما هو من حيث أنه تمام صومه وخاتمة عبادته وتخفيف من ربه ومعونة على مستقبل صومه

(3/474)


55ـ باب ما جاءَ في صَوْمِ الدّهْر
764 ـ حدثنا قُتَيْبَةُ و أحمدُ بنُ عَبْدَةَ قالا: حدثنا حَمّادُ بنُ زَيْدٍ عن غَيْلانَ بنِ جَريرٍ عن عبدِ الله بنِ مَعْبَدٍ عن أبي قَتادَةَ قال: "قيلَ يا رسول الله كَيْفَ بمَنْ صامَ الدّهْرَ قال: "لا صامَ ولا أفْطَرَ" أوْ "لَمْ يَصُمْ وَلم يُفْطِرْ".
وفي البابِ عن عبدِ الله بنِ عَمْروٍ وعبدِ الله بن الشّخّيرِ وعِمْرانَ بنِ حُصَيْنٍ وأبي مُوسى.
قال أبو عيسى: حديثُ أبي قَتَادَةَ حديثٌ حسنٌ.
وقد كَرِهَ قَوْمٌ مِنْ أهْلِ العلمِ صِيامَ الدّهْرِ، وأجازه قوم أخرون، وقالوا إنما يَكُونُ صِيامُ الدّهْرِ إذا لم يُفْطِرْ يوْمَ الفِطْرِ ويومَ الأضحى وأيّامَ التشْريقِ فَمَنْ أفْطَرَ
ـــــــ
باب ما جاءَ في صَوْمِ الدّهْر
قوله: "قال لا صام ولا أفطر أو لم يصم ولم يفطر" هو من شك من أحد رواته. قال في اللمعات: اختلفوا في توجيه معناه، فقيل هذا دعاء عليه كراهة لصنيعه وزجراً له عن فعله، والظاهر أنه إخبار، فعدم إفطاره ظاهر، وأما عدم صومه فلمخالفته السنة، وقيل لأنه يستلزم صوم الأيام المنهية وهو حرام. وقيل لأنه يتضرر وربما يفضي إلى إلقاء النفس إلى التهلكة وإلى العجز عن الجهاد والحقوق الآخر انتهى.
قوله: "وفي الباب عن عبد الله بن عمرو" أخرجه الشيخان وفيه: لا صام من صام الأبد مرتين "وعبد الله بن الشخير وعمران بن حصين" قال في التلخيص: ولأحمد وابن حبان عن عبد الله بن الشخير من صام الأبد فلا صام ولا أفطر. وعن عمران بن حصين نحوه انتهى. "وأبي موسى" أخرجه ابن حبان وغيره بلفظ: من صام الدهر ضيقت عليه جهنم هكذا، وعقد تسعين ، كذا في التلخيص. وقال في الفتح: أخرجه أحمد والنسائي وابن خزيمة وابن حبان.
قوله: "وحديث أبي قتادة حسن" وأخرجه مسلم مطولاً.

(3/475)


في هذه الأيّامِ فقَدْ خَرَجَ مِنْ حَدّ الكَراهِيَةِ ولا يَكونُ قد صامَ الدّهْرَ كُلّهُ. هكذا رُوِيَ عن مالكِ بنِ أنسٍ وهُوَ قَوْلُ الشّافعيّ وقالَ أحمدُ وإسحاقُ نَحْواً مِنْ هذا وقالا: لا يجبُ أن يُفْطِرَ أيّاماً غَيْرَ هذه الخَمْسةِ الأيّامِ التي نهى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عنها يَوْمِ الفِطْرِ ويَوْمِ الأضْحى وأيّاِمِ التّشْرِيقِ.
ـــــــ
قوله: "وقد كره قوم من أهل العلم صيام الدهر وقالوا إنما يكون صيام الدهر إذا لم يفطر يوم الفطر ويوم الأضحى وأيام التشريق الخ". قال النووي في شرح مسلم: واختلف العلماء فيه فذهب أهل الظاهر إلى منع صيام الدهر لظواهر هذه الأحاديث، قال القاضي وغيره: وذهب جماهير العلماء إلى جوازه إذا لم يصم الأيام المنهى عنها وهي العيدان والتشريق، ومذهب الشافعي وأصحابه أن سرد الصيام إذا أفطر العيد والتشريق لا كراهة فيه بل هو مستحب بشرط أن لا يلحقه به ضرر ولا يفوت حقاً فإن تضرر أو فوت حقاً فمكروه، واستدلوا بحديث حمزة بن عمرو وقد رواه البخاري ومسلم أنه قال: يا رسول الله إني أسرد الصوم أفأصوم في السفر، فقال "إن شئت فصم". وهذا لفظ رواية مسلم، فأقره صلى الله عليه وسلم على سرد الصيام، ولو كان مكروهاً لم يقره لاسيما في السفر، وقد ثبت عن ابن عمر بن الخطاب أنه كان يسرد الصيام، وكذلك أبو طلحة وعائشة وخلائق من السلف. وأجابوا عن حديث: لا صام من صام الأبد، بالاَجوبة أحدها أنه محمول على حقيقته بأن يصوم معه العيدين والتشريق، وبهذا أجابت عائشة رضي الله عنها، والثاني أنه محمول على من تضرر به أو فوت به حقاً، ويؤيده أن النهي كان خطاباً لعبد الله بن عمرو بن العاص. وقد ذكر مسلم عنه أنه عجز في آخر عمره وندم على كونه لم يقبل الرخصة، قالوا فنهى ابن عمرو لعلمه بأنه سيعجز. وأقر حمزة بن عمر ولعلمه بقدرته بلا ضرر، والثالث أن معنى لا صام أنه لا يجد من مشقته ما يجدها غيره فيكون خبراً لا دعاءاً انتهى كلام النووي.
قلت: في الاستدلال بأحاديث جواز سرد الصوم على جواز صيام الدهر عندي نظر

(3/476)


56ـ باب ما جَاءَ في سَرْدِ الصّوْم
765 ـ حدثنا قُتَيْبةُ حدثنا حَمّادُ بنُ زَيْدٍ عن أَيّوبَ عن عبدِ الله بنِ شَقِيقٍ قال: "سأَلْتُ عَائِشَةَ عن صِيَامِ النبيّ صلى الله عليه وسلم قالت: كانَ يَصُومُ حتى نَقُولَ قَدْ صَامَ ويُفْطِرُ حتى نقولَ قد أفْطَرَ. قالت: وما صَام رسولُ الله صلى الله عليه وسلم شَهْراً كامِلاً إلا رَمَضَانَ".
وفي البابِ عن أنَسٍ وابنِ عبّاسٍ.
قال أبو عيسى: حديثُ عَائِشَةَ حديثٌ صحيحٌ.
766 ـ حدثنا عليّ بنُ حُجْرٍ حدثنا إسماعيلُ بنُ جَعْفَرٍ عن حُمَيْدٍ عن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ أَنّهُ سُئِلَ عَنْ صَوْمِ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "كانَ يَصُومُ مِنَ الشّهْرِ حتى نَرَى أَنّهُ لا يُرِيدُ أَنْ يُفْطِرَ مِنْهُ، ويُفْطِرُ حتى نرى
ـــــــ
"باب ما جاء في سرد الصوم"
أي تواليه وتتابعه
قوله: "حتى نقول قد صام" وفي رواية مسلم: قد صام قد صام بتكرار لفظ قد صام "حتى نقول قد أفطر" وفي رواية مسلم: قد أفطر قد أفطر، وفي رواية للشيخين: رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم حتى نقول لا يفطر، ويفطر حتى نقول لا يصوم، وهذه الرواية مفسرة لرواية الباب "وما صام رسول الله صلى الله عليه وسلم شهراً كاملاً إلا رمضان" وإنما لم يستكمل غير رمضان لئلا يظن وجوبه قاله النووي.
قوله وفي الباب عن أنس أخرجه البخاري والترمذي وابن عباس أخرجه الشيخان والترمذي.
قوله: "حديث عائشة حديث حسن صحيح" وأخرجه مسلم وأخرجه هو والبخاري بلفظ آخر.
قوله: "كان يصوم من الشهر" أياماً كثيرة "حتى يرى" بصيغة المجهول أي حتى يظن، وفي رواية للبخاري حتى نظن "أن يفطر منه" أي من الشهر

(3/477)


أنّهُ لا يُرِيدُ أَنْ يَصُومَ مِنْهُ شَيْئاً، وكُنْتَ لا تَشَاءُ أنْ تَرَاهُ مِنَ اللّيْلِ مُصَلّياً إلاّ رأيتَهُ مُصَلّياً، ولا نَائِماً إلاّ رأَيْتَهُ نَائِماً".
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
767 ـ حدثنا هَنّادٌ حدثنا وَكِيعٌ عن مِسْعَرٍ و سُفْيانَ عن حَبِيبِ بنِ أَبي ثَابتٍ عن أَبي العَبّاسِ عن عبدِ الله بنِ عَمْروٍ قالَ: قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "أفْضَلُ الصّوْمِ صوم أَخِي دَاوُدَ كانَ يَصُومُ يَوْماً ويُفْطِرُ يَوْماً ولا يَفِرّ إذَا لاَقَى".
ـــــــ
"فكنت لا تشاء أن تراه من الليل مصلياً الخ" وفي رواية للبخاري: ما كنت أحب أن أراه من الشهر صائماً إلا رأيته ولا مفطراً إلا رأيته، ولا من الليل قائماً إلا رأيته. قال الحافظ في الفتح: يعني أن حاله في التطوع بالصيام والقيام كان يختلف فكان تارة يقوم من أول الليل وتارة من وسطه وتارة من وسطه وتارة من آخره، فكان من أراد أن يراه في وقت من أوقات الليل قائماً أو في وقت من أوقات الشهر صائماً فراقبه المرة بعد المرة فلا بد أن يصادفه قام أو صام على وفق ما أراد أن يراه، هذا معنى الخبر، وليس المراد أنه كان يسرد الصوم ولا أنه كان يستوعب الليل قياماً انتهى.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" تقدم تخريجه.
قوله: "ولا يفر إذا لاقى" أي العدو، وزاد النسائي من طريق محمد بن إبراهيم عن أبي سلمة: وإذا وعد لم يخلف، قال الحافظ: ولم أرها من غير هذا الوجه ولها مناسبة بالمقام وإشارة إلى أن سبب النهي خشيته أن يعجز عن الذي يلزمه فيكون كمن وعد فأخلف، كما أن في قوله: وكان لا يفر إذا لاقى. إشارة إلى حكمه صوم يوم وإفطار يوم. قال الخطابي: محصل قصة عبد الله بن عمرو أن الله تعالى لم يتعبد عبده بالصوم خاصة بل تعبده بأنواع من العبادات فلو استفرغ جهده لقصر في غيره، فالأولى الاقتصاد فيه ليستبقي بعض القوة لغيره، وقد أشير إلى ذلك بقوله عليه الصلاة والسلام في داود عليه السلام: وكان لا يفر إذا لاقى، لأنه كان يتقوى بالفطر لأجل الجهاد.

(3/478)


و قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وأَبو العَبّاسِ هو الشّاعِرُ المكيّ الأعْمَى واسْمُهُ السّائِبُ بنُ فَرّوخٍ.
وقالَ بعضُ أهلِ العلمِ: أفْضَلُ الصّيَامِ أَنْ تصوم يَوْماً وتُفطر يَوْماً، ويُقَالُ: هذا هُوَ أَشَدّ الصّيَامِ.
ـــــــ
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه باختلاف الألفاظ.
قوله: "وقال بعض أهل العلم أفضل الصيام أن يصوم يوماً ويفطر يوماً ويقال هذا هو أشد الصيام" قال الحافظ: وذهب جماعة منهم المتولي من الشافعية إلى أن صيام داود أفضل وهو ظاهر الحديث بل صريحه، ويترجح من حيث المعنى أيضاً بأن صيام الدهر قد يفوت بعض الحقوق وبأن من اعتاده فإنه لا يكاد يشق عليه بل تضعف شهوته عن الأكل وتقل حاجته إلى الطعام والشراب نهاراً وبألف تناوله في الليل بحيث يتجدد له طبع زائد بخلاف من يصوم يوماً ويفطر يوماً فإنه ينتقل من فطر إلى صوم ومن صوم إلى فطر انتهى.

(3/479)


57 ـ باب ما جَاءَ في كَرَاهِيَةِ الصّومِ يَوْمَ الفِطْرِ ويوم النّحْر
768 ـ حدثنا قُتَيْبةُ حدثنا عبدُ العزِيزِ بنُ محمدٍ عن عَمرِو بنِ يَحْيى عن أَبيهِ عَنْ أبي سَعِيدٍ الخُدْرِيّ قالَ : "نَهَى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عَنْ صِيَامَيْنِ: يَوْمِ الأضْحَى ويَوْمِ الفِطْرِ".
قال: وفي البابِ عَنْ عُمَرَ وعَلِي وعَائشِةَ وأبي هُرَيْرَةَ وعُقْبَةَ بنِ عَامرٍ وأَنَسٍ.
ـــــــ
باب ما جَاءَ في كَرَاهِيَةِ الصّومِ يَوْمَ الفِطْرِ ويوم النّحْر
قوله: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيامين صيام يوم الأضحى ويوم الفطر" وفي لفظ للبخاري: لا صوم في يومين، ولمسلم: لا يصح الصيام في يومين .
قوله: "وفي الباب عن عمر" أخرجه الترمذي والبخاري ومسلم "وعلي" يأتي تخريجه في الباب الآتي
"وعائشة" أخرجه مسلم "وأبي هريرة" أخرجه البخاري ومسلم "وعقبة بن عامر" أخرجه الخمسة إلا ابن ماجه وصححه الترمذي كذا في الرحمة المهداة "وأنس" أخرجه الدارقطني ويأتي لفظه في الباب الاَتي

(3/479)


قال أبو عيسى: حديثُ أَبي سَعِيدٍ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. والعملُ عليهِ عندَ أهلِ العلمِ.
قال أبو عيسى: وعَمْروُ بنُ يَحْيى هو ابنُ عُمَارةَ بنِ أبي الحسَنِ المازِنِيّ المدني، وهو ثِقَةُ، رَوَى له سُفْيَانُ الثوريّ وشُعْبَةُ ومالكُ بنُ أنَسٍ.
769 ـ حدثنا محمدُ بنُ عبدِ الملِكِ بنِ أبي الشّوَارِبِ حدثنا يَزِيدُ بنُ زُرَيْعِ حدثنا مَعْمَرٌ عن الزّهْرِيّ عن أبي عُبَيْدٍ مَوْلَى عبدِ الرحمَن بنِ عَوْف قَال: "شَهِدْتُ عُمَرَ بنَ الخطّابِ في يَوْمِ النحر بَدَأَ بالصّلاةِ قَبلَ الخُطْبَةِ ثم قالَ: سَمِعْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يَنْهى عَنْ صَوْمِ هَذَيْنِ اليَوْمَيْنِ أمّا يَوْمُ الفِطْرِ فَفِطْرُكُمْ مِنْ صَوْمِكُمْ وعِيدٌ للمسْلِمِينَ، وأمّا يوْمُ الأضْحَى فَكُلُوا مِنْ لَحْمِ نُسُكِكُمْ".
قال: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وأبو عُبَيْدٍ مَوْلَى عبدِ الرحمَن بنِ عَوْفٍ اسْمُهُ سَعْدٌ، ويقالُ له مَوْلى عبدِ الرحمَنِ بنِ أزْهَرَ أيضاً. وعبدُ الرحمَن بنُ أزْهَرَ هو ابنُ عمّ عبدِ الرحمَن بنِ عَوْفٍ.
ـــــــ
قوله: "حديث أبي سعيد حسن صحيح" وأخرجه البخاري ومسلم.
قوله: "والعمل عليه عند أهل العلم" قال النووي في شرح صحيح مسلم: قد أجمع العلماء على تحريم صوم هذين اليومين بكل حال سواء صامهما عن نذر أو تطوع أو كفارة أو غير ذلك، ولو نذر صومهما متعمداً لعينهما قال الشافعي والجمهور لا ينعقد نذره ولا يلزمه قضاؤهما، وقال أبو حنيفة: ينعقد ويلزمه قضاؤهما قال: فإن صامهما أجزأه وخالف الناس كلهم في ذلك انتهى.
قوله: "وأما يوم الأضحى فكلوا من لحم نسككم" النسك بضم النون والسين جمع النسيكة والمراد بها هنا الذبيحة المتقرب بها.
قوله: "هذا حديث صحيح" وأخرجه البخاري ومسلم.
قوله: "ويقال له" أي لأبي عبيد "مولى عبد الرحمَن بن أزهر أيضاً" قال البخاري في صحيحه: وقال ابن عيينة: من قال مولى ابن أزهر فقد أصاب ومن قال مولى عبد الرحمَن

(3/480)


ـــــــ
بن عوف فقد أصاب انتهى. قال الحافظ في الفتح: قال ابن التين: وجه كون القولين صواباً ما روى أنهما اشتركا في ولائه، وقيل يحمل أحدهما على الحقيقة والآخر على المجاز، وسبب المجاز أما بأنه كان يكثر ملازمة أحدهما إما لخدمة أو للأخذ عنه أو لانتقاله من ملك أحدهما إلى ملك الاَخر. وجزم الزبير بن بكار بأنه كان مولى عبد الرحمَن بن عوف، فعلى هذا فنسبته إلى ابن أزهر هي المجازية. قال: واسم ابن أزهر أيضاً عبد الرحمَن وهو ابن عم عبد الرحمَن بن عوف وقيل ابن أخيه انتهى كلام الحافظ

(3/481)


58ـ بابُ ما جَاءَ في كَرَاهِيَةِ الصّوْمِ في أيامِ التّشْرِيق
770ـ حدثنا هَنّادٌ حدثنا وَكِيعٌ عن موسى بنِ علي عن أبيهِ عن عُقْبَةَ بنِ عَامِرٍ قالَ: قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "يَوْمُ عَرَفَةَ ويَوْمُ النَحْرِ وأيّامُ التّشْرِيقِ عِيدُنَا أَهْلَ الإسْلاَمِ، وهِيَ أيامُ أكْلٍ وشُرْبٍ".
ـــــــ
"باب ما جاء في كراهية صوم أيام التشريق"
هي ثلاثة أيام تلي عيد النحر سميت بذلك من تشريق اللحم وهو تقديده وبسطه في الشمس ليجف لأن لحوم الأضاحي كانت تشرق فيها بمنى، وقيل سميت به لأن الهدى والضحايا لا تنحر حتى تشرق الشمس أي تطلع كذا في النهاية
قوله: "يوم عرفة" أي اليوم التاسع من ذي الحجة "ويوم النحر" أي اليوم العاشر من ذي الحجة "وأيام التشريق" أي اليوم الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر "عيدنا" بالرفع على الخبرية "أهل الاسلام" بالنصب على الاختصاص "وهي" أي الأيام الخمسة "أيام أكل وشرب" في الحديث دليل على أن يوم عرفة وأيام التشريق أيام عيد كما أن يوم النحر يوم عيد وكل هذه الأيام الخمسة أيام أكل وشرب. قال الشوكاني في النيل: ظاهر حديث أبي قتادة مرفوعاً: صوم عرفة يكفر سنتين ماضية ومستقبلة، رواه الجماعة إلا البخاري والترمذي أنه يستحب صوم عرفة مطلقاً، وظاهر حديث عقبة بن عامر يعني المذكور في هذا الباب أنه يكره صومه مطلقاً، وظاهر حديث أبي هريرة قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صوم عرفة بعرفات، رواه أحمد وابن ماجه أنه لا يجوز

(3/481)


وفي البابِ عن علي وسَعْدٍ وأَبي هُرَيْرَةَ وجَابِرٍ ونُبَيْشَةَ وبِشْرِ بنِ سُحَيْمٍ وعبدِ الله بنِ حُذَافَةَ وأَنَسٍ وحَمْزةَ بنِ عَمْروٍ الأسْلَمِيّ وكَعْبِ بنِ مَالِكٍ وعَائِشَةَ وعَمْروِ بنِ العَاصِ وعبدِ الله بنِ عَمْروٍ.
ـــــــ
صومه بعرفات فيجمع بين الأحاديث بأن صوم هذا اليوم مستحب لكل أحد مكروه لمن كان بعرفات حاجاً. والحكمة في ذلك أنه ربما كان مؤدياً إلى الضعف عن الدعاء والذكر يوم عرفة هنالك والقيام بأعمال الحج، وقيل الحكمة أنه يوم عيد لأهل الموقف لاجتماعهم فيه، ويؤيده حديث عقبة بن عامر انتهى كلام الشوكاني محصلاً.
قوله: "وفي الباب عن علي" أخرجه النسائي من طريق مسعود بن الحكم عن أمه أنها رأت وهي بمنى في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم راكباً يصيح يقول: يا أيها الناس إنها أيام أكل وشرب ونساء وبعال وذكر الله، قالت فقلت من هذا؟ قالوا علي بن أبي طالب، ورواه البيهقي من هذا الوجه لكن قال إن جدته حدثته كذا في التلخيص "وسعد" بن أبي وقاص أخرجه أحمد بلفظ قال: أمرني النبي صلى الله عليه وسلم أن أنادي أيام منى أنها أيام أكل وشرب ولا صوم فيها، يعني أيام التشريق، وأخرجه البزار أيضاً. قال في مجمع الزوائد: رجالهما رجال الصحيح "وأبي هريرة" أخرجه الدارقطني في سننه في الضحايا وفيه: وأيام منى أيام أكل وشرب وبعال، وفي سنده سعيد بن سلام العطار قال الزيلعي: رماه أحمد بالكذب "وجابر" لينظر من أخرجه "ونبيشة" الهذلي أخرجه مسلم بلفظ: أيام التشريق أيام أكل وشرب "وبشر بن سحيم" بمهملتين مصغراً أخرجه النسائي بنحو حديث نبيشة "وعبد الله بن حذافة" أخرجه الدارقطني بلفظ: لا تصوموا في هذه الأيام فإنها أيام أكل وشرب وبعال يعني أيام منى. وفي إسناده الواقدي "وأنس" أخرجه الدارقطني بلفظ: إن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن خمسة أيام في السنة يوم الفطر ويوم النحر وثلاثة أيام التشريق، وفي إسناده محمد بن خالد الطحان وهو ضعيف "وحمزة بن الأعور الأسلمي" لينظر من أخرجه "وكعب بن مالك" أخرجه أحمد ومسلم وفيه: أيام منى أيام أكل وشرب "وعائشة" وابن عمر قالا: لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن إلا لمن لم يجد الهدى، أخرجه البخاري "وعمرو بن العاص" أخرجه أبو داود "وعبد الله بن عمرو" أخرجه البزار.

(3/482)


قال أبو عيسى: وحديثُ عُقْبَةَ بنِ عَامِرٍ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. والعملُ على هذَا عندَ أهلِ العلمِ يَكْرَهُونَ صِيَامَ أَيامِ التّشْرِيقِ، إلاّ أَنّ قومْاً مِنْ أصْحابِ النبيّ صلى الله عليه وسلم وغيرِهم رخَصّوا للمُتَمَتّعِ إذا لَمْ يَجِدْ هَدْياً ولم يَصُمْ في العَشْرِ أَنْ يَصُومَ أَيّامَ التّشْرِيقِ. وبهِ يقولُ مالكُ بنُ أنسٍ والشّافِعِيّ وأحمدُ وإسحاقُ.
ـــــــ
قال الزيلعي في نصب الراية: قال المنذري في حواشيه: وقد روى هذا الحديث من رواية نبيشة.
قوله: "حديث عقبة بن عامر حديث حسن صحيح" وأخرجه أبو داود والنسائي وسكت عنه أبو داود، ونقل المنذري تصحيح الترمذي وأقره.
قوله: "إلا أن قوماً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم رخصوا للمتمتع إذا لم يجد هدياً ولم يصم في العشر أن يصوم أيام التشريق" قال الحافظ في الفتح: وقد روى ابن المنذر وغيره عن الزبير بن العوام وأبي طلحة الجواز مطلقاً، وعن علي وعبد الله بن عمرو بن العاص المنع مطلقاً، وهو المشهور عن الشافعي، وعن ابن عمر وعائشة وعبيد بن عمير في آخرين منعه إلا للمتمتع الذي لا يجد الهدى، وهو قول مالك والشافعي في القديم، وعن الأوزاعي وغيره أيضاً يصومها المحصر والقارن انتهى. واستدل القائلون الجواز للمتمتع بحديث عائشة وابن عمر قالا: لم يرخص في أيام التشريق، إلا لمن لم يجد الهدى، رواه البخاري، وله عنهما أنهما قالا: الصيام لمن تمتع بالعمرة إلى الحج إلى يوم عرفة، فإن لم يجد هدياً ولم يصم صام أيام منى. قال الشوكاني: وهذه الصيغة لها حكم الرفع، وقد أخرجه الدارقطني والطحاوي بلفظ: رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم للمتمتع إذا لم يجد الهدى أن يصوم أيام التشريق،
وفي إسناده يحيى بن سلام وليس بالقوي ولكنه يؤيد ذلك عموم الآية . قالوا وحمل المطلق على المقيد واجب وكذلك بناء العام على الخاص. قال الشوكاني: وهذا أقوى المذاهب، وأما القائل بالجواز مطلقاً فأحاديث الباب جميعها ترد عليه "وبه يقول مالك بن أنس والشافعي وأحمد وإسحاق" وقال أبو حنيفة رحمه الله: لا يصوم أيام التشريق

(3/483)


قال أبو عيسى: وأهلُ العِراقِ يقولُونَ: موسى بنُ عَلي بنِ رَباحٍ وَأَهلُ مِصْرَ يَقُولُونَ مُوسَى بنُ عُلَيّ. وقال: سَمِعْتُ قُتَيْبةَ يَقُولُ سَمِعْتُ اللّيْثَ بنَ سَعْدٍ يقولُ: قالَ موسى بنُ علي: لا أجْعَلُ أحَداً في حِل صَغّر اسْمَ أبِي.
ـــــــ
. قال محمد في الموطأ لا ينبغي أن يصام أيام التشريق لمتعة ولا لغيرها لما جاءت من النهي عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهو قول أبي حنيفة والعامة من قبلنا انتهى.
قوله: "أهل العراق يقولون موسى بن علي بن رباح" بضم العين وفتح اللام مصغراً "وأهل مصر يقولون موسى بن علي" بفتح العين وكسر اللام مكبراً

(3/484)


59 ـ باب ما جَاءَ في كَرَاهِيَةِ الحِجَامَةِ للصّائِم
771 ـ حدثنا محمدُ بن يحيى وحدثنا محمدُ بنُ رافِعٍ النَيْسَابُورِيّ و محمودُ بنُ غَيْلاَنَ و يَحْيى بنُ مُوسى قالوا حدثنا عبدُ الرّزّاقِ عن مَعْمَرٍ عن يَحْيى بنِ أبي كثيرٍ عن إبراهيم بنِ عبدِ الله بنِ قَارِظٍ عن السّائِبِ بنِ يَزِيدَ عن رَافِعِ بنِ خَدِيجٍ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ "أفْطَرَ الحَاجِمُ والمَحْجُومُ".
قال أبو عيسى: وفي البابِ عن علي وسَعْدٍ وشَدّادِ بنِ أوْسٍ وثَوْبَانَ وأُسَامَةَ بنِ
ـــــــ
باب ما جَاءَ في كَرَاهِيَةِ الحِجَامَةِ للصّائِم
قوله: "عن إبراهيم بن عبد الله بن قارظ" بقاف وظاء، وقيل هو عبد الله بن إبراهيم بن قارظ ووهم من زعم أنهما اثنان صدوق من الثالثة كذا في التقريب "أفطر الحاجم والمحجوم" استدل بظاهر هذا الحديث من قال بحرمة الحجامة للصائم وسيجيء ذكرهم.
قوله: وفي الباب عن سعد أي ابن أبي وقاص مالك بن وهب بن عبد مناف أحد العشرة، أخرج حديثه ابن عدي في الكامل وفي سنده داود بن الزبرقان وهو ضعيف "وعلي" بن أبي طالب، أخرجه النسائي وذكر الاختلاف فيه، وأخرجه البزار في مسنده وقال: جميع ما يرويه الحسن عن علي مرسل وإنما يروى عن قيس بن عباد وغيره عن علي "وشداد بن أوس وثوبان" قال الحافظ في التلخيص: أما حديث ثوبان وشداد فأخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه والحاكم وابن حبان من طريق يحيى بن أبي كثير عن أبي قلابة عن أبي أسماء عن ثوبان. قال علي بن سعيد النسوي: سمعت أحمد يقول هو أصح ما روي فيه، وكذا قال

(3/484)


زَيْدٍ وعَائِشَةَ ومَعْقِلِ بنِ سَنان، ويُقَالُ "ابن يسارٍ" وأبي هُرَيْرَةَ وابنِ عبّاسٍ وأبي موسى وبِلاَلٍ وسعد.
قال أبو عيسى: وحديثُ رَافِعِ بنِ خَدِيْجٍ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وذُكِرَ عن أحمدَ بنِ حَنْبَلٍ أنّهُ قالَ: أصَحّ شَيْءٍ في هذا البابِ حَدِيثُ رَافِعِ بنِ خَديجٍ وذُكِرَ عن عليّ بنِ عبدِ الله أَنه قال أَصَحّ شَيءٍ في هذا البابِ حديثُ ثَوْبانَ وشَدّادِ بنِ أوْسٍ لأنّ يَحْيَىَ بنَ أبي كَثيرٍ رَوَى عن أبي قِلاَبَة الحَديثَيْنِ جَميعاً حَديثَ ثَوْبانَ وحَديثَ شَدّادِ بنِ أوْسٍ.
ـــــــ
الترمذي عن البخاري ورواه المذكورون من طريق يحيى بن أبي كثير أيضاً عن أبي قلابة عن أبي الأشعث عن شداد بن أوس وصحح البخاري الطريقين تبعاً لعلي بن المديني، نقله الترمذي في العلل. وقد استوعب النسائي طرق هذا الحديث في السنن الكبرى انتهى "وأسامة بن زيد" أخرجه النسائي من حديث أشعث بن عبد الملك عن الحسن عنه ثم قال: لا نعلم تابع أشعث على روايته أحد "وعائشة" أخرجه النسائي أيضاً وفيه ليث بن أبي سليم وهو ضعيف ومعقل بن يسار ويقال "معقل بن سنان" أخرجه النسائي أيضاً وذكر الاختلاف فيه "وابن عباس" أخرجه النسائي "وأبي موسى" أخرجه النسائي والحاكم وصححه علي بن المديني، وقال النسائي رفعه خطأ والموقوف أخرجه ابن أبي شيبة وعلقه البخاري "وبلال" أخرجه النسائي، وقد ذكر الحافظ الزيلعي في نصب الراية والحافظ بن حجر في التلخيص هذه الأحاديث وغيرها مع الكلام عليها مفصلاً من شاء الوقوف عليها فليرجع إليهما.
قوله: "حديث رافع بن خديج حديث حسن صحيح" وأخرجه ابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه وقال صحيح على شرط الشيخين "وذكر عن أحمد بن حنبل أنه قال أصح شيء في هذا الباب حديث رافع بن خديج" قال الحافظ في الفتح: لكن عارض أحمد يحيى بن معين في هذا فقال حديث رافع أضعفها. وقال البخاري: هو غير محفوظ، وقال ابن أبي حاتم عن أبيه هو عندي باطل. وقال الترمذي: سألت إسحاق بن منصور عنه فأبى أن يحدثني به عن عبد الرزاق وقال هو غلط، قلت: ما علته؟ قال: روى هشام الدستوائي عن يحيى بن أبي كثير

(3/485)


وقد كَرِهَ قَوْمٌ مِنْ أهلِ العلمِ مِنْ أصحابِ النبيّ صلى الله عليه وسلم وغيرِهمْ الحِجَامَةَ للصّائِمِ حتّى أنّ بعضَ أَصحابَ النبيّ صلى الله عليه وسلم احْتَجَمَ باللّيْلِ مِنْهُمْ أَبو مُوسى الأشْعَرِيّ وابنُ عُمَرَ وبهذَا يقولُ ابنُ المبارَك.
ـــــــ
بهذا الإسناد حديث: مهر البغي خبيث، وروي عن يحيى عن أبي قلابة أن أبا أسماء حدثه أن ثوبان أخبره به فهذا هو المحفوظ عن يحيى، فكأنه دخل لمعمر حديث في حديث انتهى "وذكر عن علي بن عبد الله" بن جعفر بن نجيح السعدي مولاهم أبو الحسن بن المديني البصري ثقة ثبت إمام أعلم أهل عصره بالحديث وعلله "وأنه قال أصح شيء في هذا الباب حديث ثوبان وشداد بن أوس لأن يحيى بن أبي كثير روى عن أبي قلابة الحديثين جميعاً حديث ثوبان وحديث شداد بن أوس" يعني فانتفى الاضطراب وتعين الجمع بذلك. وقد صحح للبخاري الطريقين تبعاً لعلي بن المديني كما عرفت في بيان تخريج حديثهما، وكذا قال عثمان الدارمي: صح حديث أفطر الحاجم والمحجوم من طريق ثوبان وشداد، قال: وسمعت أحمد يذكر ذلك، وقال المروزي: قلت لأحمد: إن يحيى بن معين قال ليس فيه شيء يثبت، فقال: هذا مجازفة. وقال ابن خزيمة: صح الحديثان جميعاً وكذا قال ابن حبان والحاكم كذا في الفتح.
قوله: "وقد كره قوم من أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم الحجامة للصائم" واحتجوا بحديث الباب وهو بظاهره يدل صراحة على أن الحجامة تفطر الصائم. قال الطيبي: ذهب إلى هذا الحديث جمع من الأئمة وقالوا يفطر الحاجم والمحجوم، ومنهم أحمد وإسحاق، وقال قوم منهم مسروق والحسن وابن سيرين: يكره الحجامة للصائم ولا يفسد الصوم بها، وحملوا الحديث على التشديد وأنهما نقصا أجر صيامهما وأبطلاه بارتكاب هذا المكروه. وقال الأكثرون: لا بأس بها إذ صح عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم احتجم وهو محرم واحتجم وهو صائم، وإليه ذهب مالك والشافعي وأصحاب أبي حنيفة وقالوا معنى قوله "أفطر" تعرض للإفطار كما يقال هلك فلان إذا تعرض الهلاك انتهى كلام الطيبي، وقال البغوي في شرح السنة: معنى قوله "أفطر الحاجم

(3/486)


قال أبو عيسى: سَمِعْتُ إسحاقَ بنَ مَنْصُورٍ يقولُ: قال عَبدُ الرحمنِ بنُ مَهْدِي: مَنِ احْتَجَمَ وهُوَ صائِمٌ فَعَلَيْهِ القَضَاءُ. قال إسحاقُ بنُ مَنْصُورٍ وهكذا قال أحمدُ بن حنبل وإسحاقُ بن إبراهيم.
قال أبو عيسى وأخبرني الحسن بن محمد الزّعْفرانِيّ قال: قال الشّافعيّ: قد رُوِي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أَنهُ احْتَجَمَ وهُوَ صائمٌ ورُوِي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنهُ قال: "أَفْطَر الحَاجِمُ والمَحْجُومُ " ولا أَعْلَمُ واحداً منْ هَذَيْنِ الحَديثَيْنِ ثابِتاً. ولو تَوَقّى رَجُلٌ الحِجَامَةَ وهُوَ صائمٌ كان أحَبّ إلَيّ لو احْتَجَمَ صائمٌ لمْ أَرَ ذَلكَ أَنْ يُفْطِرَهُ.
قال أبو عيسى: هكذا كانَ قولُ الشّافعيّ ببغْدادَ، وأَمّا بِمصْرَ فَمالَ إلى الرّخْصَةِ، ولمْ يَرَ بالحِجَامَةِ للصائم بأْساً واحْتَجّ بأَنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم احْتَجَمَ في حَجّةِ الودَاعِ وهُوَ مُحْرِمٌ صائم.
ـــــــ
والمحجوم" أي تعرضا للإفطار، أما الحاجم فلأنه لا يأمن من وصول شيء من الدم إلى جوفه عند المص، وأما المحجوم فلأنه لا يأمن ضعف قوته بخروج الدم فيؤول أمره إلى أن يفطر انتهى كلام البغوي

(3/487)


60 ـ باب ما جَاءَ منَ الرّخْصَةِ في ذلك
772 ـ حدثنا بشْرٌ بنُ هِلالٍ البَصْرِيّ، حدثنا عبدُ الوارثِ بنُ سعيدٍ حدثنا أَيوبُ عَنْ عكْرِمَةَ عن ابنِ عبّاسٍ قال: "احتجمَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وهو مُحْرِمٌ صَائمٌ".
قال أبو عيسى هذا حديث صحيح هكذا روى وهيب نحو
ـــــــ
باب ما جَاءَ منَ الرّخْصَةِ في ذلك
قوله: "احتجم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محرم صائم" أي احتجم في حال اجتماع الصوم مع الإحرام.

(3/487)


رواية عبد الوارث وروى إسماعيل بن إبراهيم عن أيوب عن عكرمة مرسلا ولم يذكر فيه عن ابن عباس.
773 ـ حدثنا أَبو موسى، حدثنا محمدُ بنُ عبدِ الله الأنْصارِيّ عن حَبيبِ بنِ الشّهيدِ عن مَيْمُونِ بنِ مِهْرانَ عن ابنِ عبّاسٍ "أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم احْتَجَمَ وهُوَ صَائِمٌ".
هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ منْ هذا الوجْهِ.
ـــــــ
قوله: "هذا حديث صحيح" وأخرجه الشيخان.
قوله: "هكذا روى وهيب نحو رواية عبد الوارث" ورواية وهيب أخرجها البخاري في صحيحه "وروى إسماعيل بن إبراهيم" وهو معروف بإبن علية.
قوله: "عن حبيب بن الشهيد" الأزدي البصري ثقة ثبت من الخامسة "عن ميمون بن مهران" الجزري أصله كوفي نزل الرقة ثقة فقيه ولي الجزيرة لعمر بن عبد العزيز وكان يرسل من الرابعة.
قوله: "هذا حديث غريب من هذا الوجه" ورواه النسائي أيضاً بإسناد الترمذي وزاد: وهو محرم، وقال: هذا حديث منكر لا أعلم أحداً رواه عن حبيب غير الأنصاري، ولعله أراد النبي صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة كذا في عمدة القاري.
وله: احتجم فيما بين مكة والمدينة وهو محرم صائم قال الحافظ في التلخيص له طرق عند النسائي وهاها وأعلها، واستشكل كونه صلى الله عليه وسلم جمع بين الصيام والإحرام لأنه لم يكن من شأنه التطوع بالصيام في السفر، ولم يكن محرماً إلا وهو مسافر، ولم يسافر في رمضان إلى جهة الإحرام إلا في غزاة الفتح ولم يكن حينئذ محرماً. قال الحافظ بعد ذكر هذا الكلام ما لفظه: وفي الجملة الأولى نظر، فما المانع من ذلك. فلعله فعل مرة لبيان الجواز وبمثل هذا لا نرد الأخبار الصحيحة. ثم ظهر لي أن بعض الرواة جمع بين الأمرين في الذكر، فأوهم أنهما وقعا معاً والأصوب رواية البخاري: احتجم وهو صائم، واحتجم وهو محرم فيحمل على أن كل واحد منهما وقع في حالة مستقلة وهذا لا مانع منه، فقد صح أنه صلى الله عليه وسلم صام في رمضان وهو مسافر وهو في الصحيحين

(3/488)


774 ـ حدثنا أحمدُ بنُ مَنِيعٍ، حدثنا عبدُ الله بنُ إدْريسَ عن يَزيدَ بن أبي زِيَادٍ عن مِقسَمٍ عن ابنِ عبّاسٍ "أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم احْتَجَمَ فيما بين مَكّةَ والمَدِينَةَ وهو مُحْرِمٌ صائِمٌ".
قال أبو عيسى: وفي البابِ عن أبي سَعيدٍ وجابرٍ وأنَسٍ.
قال أبو عيسى: حديثُ ابنِ عبّاسٍ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وقد ذَهَبَ بَعْضُ أَهلِ العلمِ منْ أصحابِ النبيّ صلى الله عليه وسلم وغيرِهم إلى هذا الحديثِ ولمْ يَرَوْا بالحِجَامَةِ للّصائِمِ بأْساً وهوَ قَوْلُ سُفْيانَ الثّوْرِيّ ومالكِ بنِ أَنَسٍ والشّافِعِيّ.
ـــــــ
بلفظ: وما فينا صائم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعبد الله بن رواحة، ويقوي ذلك أن غالب الأحاديث ورد مفصلاً انتهى كلام الحافظ.
قوله: "وفي الباب عن أبي سعيد وجابر وأنس" أما حديث أبي سعيد فأخرجه النسائي من رواية أبي المتوكل عن أبي سعيد قال: رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم في القبلة للصائم والحجامة: وأما حديث جابر فأخرجه النسائي أيضاً من رواية أبي الزبير عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وهو صائم، وأما حديث أنس رضي الله عنه فأخرجه الدارقطني من رواية ثابت عنه وفيه: ثم رخص النبي صلى الله عليه وسلم بعد في الحجامة للصائم. وفي الباب أيضاً عن ابن عمر وعائشة ومعاذ وأبي موسى، وتخريج أحاديث هؤلاء رضي الله عنهم مذكور في عمدة القاري.
قوله: "حديث ابن عباس حديث حسن صحيح" وأخرجه النسائي وله طرق كما تقدم في كلام الحافظ.
قوله: "وقد ذهب بعض أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذا الحديث الخ" قال ابن حزم: صح حديث أفطر الحاجم والمحجوم بلا ريب لكن وجدنا من حديث أبي سعيد: أرخص النبي صلى الله عليه وسلم في الحجامة للصائم وإسناده صحيح فوجب الأخذ به لأن الرخصة إنما تكون بعد العزيمة فدل على نسخ الفطر بالحجامة سواء كان حاجماً أو محجوماً انتهى. قال الحافظ في

(3/489)


ـــــــ
الفتح بعد ذكر كلام ابن حزم هذا ما لفظه: والحديث المذكور أخرجه النسائي وابن خزيمة والدارقطني ورجاله ثقات، ولكن اختلف في رفعه ووقفه وله شاهد من حديث أنس أخرجه الدارقطني ولفظه: أول ما كرهت الحجامة للصائم، أن جعفر بن أبي طالب احتجم وهو صائم فمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أفطر هذان، ثم رخص النبي صلى الله عليه وسلم بعد في الحجامة للصائم وكان أنس يحتجم وهو صائم ورواته كلهم من رجال البخاري إلا أن في المتن ما ينكر لأن فيه أن ذلك كان في الفتح وجعفر كان قتل قبل ذلك. ومن أحسن ما ورد في ذلك ما رواه عبد الرزاق وأبو داود من طريق عبد الرحمَن بن عابس عن عبد الرحمَن بن أبي ليلى عن رجال من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الحجامة للصائم وعن المواصلة ولم يحرمهما إبقاء على أصحابه، إسناده صحيح والجهالة بالصحابي لا تضر، وقوله " إبقاء على أصحابه" يتعلق بقوله "نهى" وقد رواه ابن أبي شيبة عن وكيع عن الثوري بإسناده هذا ولفظه: عن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم قالوا إنما نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الحجامة للصائم وكرهها للضعيف أي لئلا يضعف انتهى كلام الحافظ

(3/490)


61 ـ باب ما جَاءَ في كَرَاهِيَةِ الوِصالِ للصائم
775 ـ حدثنا نَصْرُ بنُ علي حدثنا بِشْرُ بنُ المُفَضّلِ و خالِدُ بنُ الحارثِ عن سَعيد عن قَتَادَةَ عن أنَسٍ قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لا تُوَاصِلُوا، قالُوا فإِنّكَ تُوَاصِلُ يا رسولَ الله قال: إِنّي لَسْتُ كَأَحَدِكُمْ إِنّ رَبّي يُطْعِمُني ويَسْقِيني".
ـــــــ
باب ما جاء في كراهية الوصال في الصيام
هو الترك في ليالي الصيام لما يفطر بالنهار بالقصد فيخرج من أمسك اتفاقاً ويدخل من أمسك جميع الليل أو بعضه، قاله الحافظ ابن حجر: وقال الجزري في النهاية: هو أن لا يفطر يومين أو أياماً انتهى.
قوله: "إني لست كأحدكم" وفي حديث ابن عمر: لست مثلكم، وفي حديث أبي هريرة عند مسلم: لستم في ذلك مثلي "إن ربي يطعمني ويسقيني"

(3/490)


وفي البابِ عن علي وأبي هُرَيرةَ وعَائِشَةَ وابن عُمَرَ وجَابرٍ وأبي سَعيد وبَشِيرِ بنِ الخَصاصِيَةِ.
قال أبو عيسى: حديثُ أنسٍ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ والعملُ على هذا عندَ أهلِ العلم كَرِهُوا الْوِصالَ في الصيامِ وَرُوِيَ عن عبدِ الله بنِ الزّبَيْرِ أنّهُ كانَ يُوَاصِلُ الأيّامَ ولا يُفْطِرُ.
ـــــــ
استئناف مبين لنفي المساواة. قال الجمهور: هذا مجاز عن لازم الطعام والشراب وهو القوة فكأنه قال: يعطيني قوة الاَكل والشارب ويفيض على ما يسد مسد الطعام والشراب ويقوي على أنواع الطاعة من غير ضعف في القوة ولا كلال في الإحساس، ويحتمل أن يكون المراد أي يشغلني بالتفكر في عظمته والتملي بمشاهدته والتغذي بمعارفه وقرة العين بمحبته والاستغراق في مناجاته والإقبال عليه عن الطعام والشراب وإلى هذا جنح ابن القيم وقال: قد يكون هذا الغذاء أعظم ومن له أدنى ذوق وتجربة يعلم استغناء الجسم بغذاء القلب والروح عن كثير من الغذاء الجسماني ولا سيما الفرح المسرور بمطلوبه الذي قرت عينه بمحبوبه.
وقيل: هو على حقيقته وأنه صلى الله عليه وسلم كان يؤتى بطعام وشراب من عند الله كرامة له في ليالي صيامه، وتعقب بأنه لو كان كذلك لم يكن مواصلاً. قلت: في هذا التعقب نظر فتفكر.
قوله: "وفي الباب عن علي وأبي هريرة وعائشة وابن عمر وجابر وأبي سعيد وبشير بن الخصاصية" أما حديث علي فأخرجه أحمد، وأما حديث أبي هريرة فأخرجه الشيخان، وأما حديث عائشة فأخرجه أيضاً الشيخان، وأما حديث ابن عمر فأخرجه أيضاً الشيخان، وأما حديث جابر فأخرجه الطبراني، وأما حديث أبي سعيد فأخرجه البخاري، وأما حديث بشير بن الخصاصية فأخرجه أحمد في مسنده.
قوله: "حديث أنس حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان.
قوله: "والعمل على هذا عند بعض أهل العلم كرهوا الوصال في الصيام" واختلفوا في المنع، فقيل على سبيل التحريم، وقيل على سبيل الكراهة، وقيل يحرم على من شق ويباح لمن لا يشق عليه. وذهب الأكثرون إلى تحريم الوصال وهو القول الراجح "وروي عن عبد الله بن الزبير أنه كان يواصل الأيام" أخرج

(3/491)


ـــــــ
بن أبي شيبة عن ابن الزبير بإسناد صحيح أنه كان يواصل خمسة عشر يوماً ذكره الحافظ في الفتح

(3/492)


62ـ باب ما جَاءَ في الجُنُبِ يُدْرِكُهُ الفَجْرُ وهُو يُريدُ الصّوْم
776 ـ حدثنا قُتَيْبةُ، حدثنا اللّيْثُ عن ابنِ شِهابٍ عن أبي بكْرِ بنِ عبدِ الرحمَنِ بنِ الحَارثِ بنِ هِشام قال: "أخْبرتْنِي عائشةُ وأُمّ سَلَمَةَ زَوْجا النبيّ صلى الله عليه وسلم أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم كانَ يُدْرِكُهُ الفَجْرُ وهو جُنُبٌ مِنْ أَهْلهِ ثمّ يَغْتَسِلُ فَيصُومُ".
قال أبو عيسى: حديثُ عائشةَ وأُمّ سَلَمَةَ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ والعَمَلُ على هَذا عنَد أكثرِ أهلِ العلمِ مِنْ أصحابِ النبيّ صلى الله عليه وسلم وَغَيْرِهِم وهو قَوْلُ سُفْيانَ والشّافعيّ وأحمدَ وإسحاقَ وقد قال قوْمٌ مِنَ التّابعينَ: إذا أصْبَحَ جُنُباً يَقْضي ذلكَ اليَوْمَ. والقَوْلُ الأوّلُ أَصَحّ.
ـــــــ
باب ما جَاءَ في الجُنُبِ يُدْرِكُهُ الفَجْرُ وهُو يُريدُ الصّوْم
قوله: "زوجا النبي" بصيغة التثنية سقط نون التثنية بالإضافة.
قوله: "وهو جنب من أهله" أي من الجماع لا من الاحتلام "حديث عائشة وأم سلمة حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان وغيرهما "والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم" قال النووي في شرح مسلم: قد أجمع أهل هذه الأعصار على صحة صوم الجنب سواء كان من احتلام أو جماع وبه قال جماهير الصحابة والتابعين، وحكي عن الحسن بن صالح بن حي إبطاله وكان عليه أبو هريرة، والصحيح أنه رجع عنه كما صرح به في رواية مسلم، وقيل لم يرجع عنه وليس بشيء، وحكى عن طاوس وعروة: إن علم بجنابته لم يصح وإلا فيصح، وحكى مثله عن أبي هريرة، وحكى أيضاً عن الحسن البصري أنه يجزئه في صوم التطوع دون العرض، وحكى عن سالم بن عبد الله والحسن البصري والحسن بن صالح يصومه ويقضيه، ثم ارتفع هذا الخلاف وأجمع العلماء بعد هؤلاء على صحته انتهى كلام النووي.
قوله: "وقد قال قوم من التابعين إذا أصبح جنباً يقضي ذلك اليوم" وقد كان أبو هريرة رضي الله عنه يفتي الناس أنه من أصبح جنباً فلا يصوم ذلك اليوم

(3/492)


ـــــــ
ثم رجع عن هذه الفتيا. قال الحافظ في الفتح: وقد بقي على مقالة أبي هريرة بعض التابعين كما نقله الترمذي ثم ارتفع ذلك الخلاف واستقر الإجماع على خلافه كما جزم به النووي. وأما ابن دقيق العيد فقال: صار ذلك إجماعاً أو كالإجماع انتهى "والقول الأول أصح" فإن قلت: قد ثبت من حديث أبي هريرة ما يخالف حديث الباب فأخرج الشيخان عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال: "من أصبح جنباً فلا صوم له" ، وقد بقي على العمل بحديث أبي هريرة هذا بعض التابعين كما ذكره الترمذي فما وجه كون القول الأول أصح من القول الثاني.
قلت: لو وجوه مذكورة في فتح الباري وغيره. قال ابن عبد البر: إنه صح وتواتر حديث عائشة وأم سلمة، وأما حديث أبي هريرة فأكثر الروايات عنه أنه كان يفتي بذلك، وأيضاً رواية اثنين مقدمة على رواية واحد ولا سيما وهما زوجتان للنبي صلى الله عليه وسلم والزوجات أعلم بحال الأزواج. وقال الحافظ في التلخيص: قال ابن المنذر: أحسن ما سمعت في هذا الحديث أنه منسوخ لأن الجماع في أول الإسلام كان محرماً على الصائم في الليل بعد النوم كالطعام والشراب، فلما أباح الله الجماع إلى طلوع الفجر جاز للجنب إذا أصبح قبل الاغتسال، وكان أبو هريرة يفتي بما سمعه من الفضل على الأمر الأول ولم يعلم النسخ، فلما علمه من حديث عائشة وأم سلمة رجع إليه. قال الحافظ: وقال المصنف إنه محمول عند الأئمة على ما إذا أصبح مجامعاً واستدامه مع علمه بالفجر، والأول أولى انتهى. وقال محمد في موطئه: من أصبح جنباً من جماع من غير احتلام في شهر رمضان ثم اغتسل بعد ما طلع الفجر فلا بأس بذلك، وكتاب الله تعالى يدل على ذلك

(3/493)


63ـ باب ما جَاءَ في إِجَابَةِ الصّائِمِ الدّعْوَة
777 ـ حدثنا أَزْهَرُ بنُ مَروانَ البَصْرِيّ حدثنا محمد بن سواء حدثنا سَعيدُ بنُ أبي عَرُوَبةَ عن أَيّوبَ عن محمدِ بنِ سيرينَ عن أَبي هُرَيْرَةَ عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا دُعِيَ أحَدُكُمْ إلى طَعامٍ فَلْيُجِبْ، فإِنْ كانَ صائِماً فَلْيُصَلّ" يَعْني الدّعاءَ.
ـــــــ
باب ما جَاءَ في إِجَابَةِ الصّائِمِ الدّعْوَة
قوله: "فإن كان صائماً فليصل" أي فليدع لأهل الطعام بالبركة كما في حديث ابن مسعود عند الطبراني، وإن كان صائماً فليدع بالبركة " يعني الدعاء" هذا تفسير

(3/493)


778 ـ حدثنا نصْرُ بنُ علي حدثنا سُفْيَانُ بنُ عُيَيْنَةَ عن أبي الزّنادِ عن الأعْرَجِ عن أبي هُرَيرةَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "إِذا دُعِيَ أحَدُكُمْ وهُوَ صَائِمٌ فَلْيَقُلْ: إنّي صَائِمٌ".
قال أبو عيسى: وكِلاَ الحَديثَيْنِ في هذا البابِ عن أبي هُرَيْرَةَ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
ـــــــ
من بعض الرواة أو الترمذي، أي ليس المراد بقوله "فليصل" الصلاة كما هو الظاهر بل المراد به الدعاء، وحمله الطيبي على ظاهره فقال: أي ركعتين في ناحية البيت كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم في بيت أم سليم انتهى. قال القاضي في المرقاة: ظاهر حديث أم سليم أن يجمع بين الصلاة والدعاء انتهى. قلت: حديث أم سليم أخرجه البخاري عن أنس ولفظه هكذا قال: دخل النبي صلى الله عليه وسلم على أم سليم فأتته بتمر وسمن فقال أعيدوا سمنكم في سقائه وتمركم في وعائه فإني صائم ثم قام إلى ناحية من البيت فصلى غير المكتوبة فدعا لأم سليم وأهل بيتها انتهى. ويجوز لمن صام صوم نفل أن يفطر ويطعم لما أخرجه مسلم في صحيحه عن جابر رضي الله عنه مرفوعاً: إذا دعى أحدكم إلى طعام فليجب فإن شاء طعم وإن شاء لم يطعم انتهى.
قوله: "فليقل إني صائم" قال ابن الملك: أمر صلى الله عليه وسلم المدعو حين لا يجيب الداعي أن يعتذر عنه بقوله إني صائم، وإن كان يستحب إخفاء النوافل لئلا يؤدي ذلك إلى عداوة وبغض في الداعي انتهى. وقال النووي: محمول على أنه يقوله اعتذاراً له وإعلاماً بحاله فإن سمح له ولم يطالبه بالحضور سقط عنه الحضور، وإن لم يسمح وطالبه بالحضور لزمه الحضور وليس الصوم عذراً في إجابة الدعوة لكن إذا حضر لا يلزمه الأكل ويكون الصوم عذراً في ترك الأكل بخلاف المفطر فإنه يلزمه الأكل على أصح الوجهين عندنا وأما الأفضل للصائم فقال أصحابنا إن كان يشق على صاحب الطعام صومه استحب له الفطر وإلا فلا، هذا إذا كان صوم تطوع، فإن كان صوماً واجباً حرم الفطر انتهى كلام النووي.
قوله: "فكلا الحديثين في هذا الباب عن أبي هريرة حسن صحيح" وأخرجهما مسلم

(3/494)


64ـ باب ما جَاءَ في كَرَاهِيَةِ صَوْمِ المَرأَةِ إلاّ بِإِذْنِ زَوْجِهَا
779 ـ حدثنا قُتَيْبةُ ونصْرُ بنُ عَلي قالا حدثنا سُفْيَانُ بنُ عُيَيْنَةَ عن أبي الزنّادِ عن الأعْرَجِ عن أبي هُريرةَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "لاَ تَصُومُ المَرْأةُ وَزَوْجُهَا شَاهِدٌ يَوْماً مِن غَيْرِ شَهْرِ رَمَضَانَ إلاّ بإِذْنِهِ".
قال: وفي البابِ عن ابنِ عبّاسٍ وأبي سَعيدٍ.
قال أبو عيسى: حديثُ أبي هُرَيْرَةَ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ وقد رُوِيَ هذا الحَديثُ عن أبي الزّنادِ عن موسى بنِ أبي عُثْمانَ عن أبيهِ عن أبي هُرَيْرَةَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم.
ـــــــ
باب ما جَاءَ في كَرَاهِيَةِ صَوْمِ المَرأَةِ إلاّ بِإِذْنِ زَوْجِهَا
قوله: "لا تصوم المرأة" النفي بمعنى النهي، وفي رواية مسلم: لا يحل للمرأة أن تصوم "وزوجها شاهد" أي حاضر معها في بلدها "إلا بإذنه" تصريحاً أو تلويحاً. قال القاري في المرقاة: ظاهر الحديث إطلاق منع صوم النفل فهو حجة على الشافعية في استثناء نحو عرفة وعاشوراء انتهى. قلت: الأمر كما قال القاري، وإنما لم يلحق بالصوم الإعتكاف لا يصح بدون الصوم انتهى "وفي الباب عن ابن عباس وأبي سعيد" أما حديث ابن عباس فأخرجه الطبراني عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم وفيه: ومن حق الزوج على الزوجة أن لا تصوم تطوعاً إلا بإذنه فإن فعلت جاعت وعطشت ولا يقبل منها، كذا في الترغيب. وأما حديث أبي سعيد فأخرجه أبو داود وابن ماجه، كذا في المشكاة في باب عشرة النساء.
قوله: "حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح" وأخرجه البخاري ومسلم وغيرهما

(3/459)


65ـ باب ما جَاءَ في تَأْخِيرِ قَضَاءِ رَمَضَان
780 ـ حدثنا قُتَيْبةُ، حدثنا أبو عَوانَةَ عن إسماعيلَ السّدّيّ عن عبدِ الله البَهِيّ عن عَائِشةَ قالت: "مَا كُنْتُ أقْضى ما يَكُونُ عَلَيّ مِنْ رَمَضَانَ إلاّ في شَعْبَانَ حَتَى تُوُفّيَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم".
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، قال: وقَد رَوَى يَحْيى بنُ سَعيدٍ الأنْصَارِيّ عن أبي سَلَمَةَ عن عَائشةَ نَحْوَ هذَا.
ـــــــ
باب ما جَاءَ في تَأْخِيرِ قَضَاءِ رَمَضَان
قوله: "وعن عبد الله البهي" بفتح الموحدة وكسر الهاء ليس نسبة إلى أحد وإنما هو لقب عبد الله البهي مولى مصعب بن الزبير، كذا في جامع الأصول.
قوله: "إلا في شعبان" زاد البخاري: قال يحيى: الشغل من النبي صلى الله عليه وسلم أو بالنبي صلى الله عليه وسلم، وهذه الزيادة مدرجة من قول يحيى بن سعيد الأنصاري كما بينه الحافظ في الفتح، وقال فيه: ومما يدل على ضعف الزيادة أنه صلى الله عليه وسلم كان يقسم لنسائه فيعدل وكان يدنو من في المرأة في غير نوبتها فيقبل ويلمس من غبر جماع، فليس في شغلها بشيء من ذلك ما يمنع الصوم اللهم إلا أن يقال إنها كانت لا تصوم إلا بإذنه ولم يكن يأذن لاحتمال احتياجه إليها، فإذا ضاق الوقت أذن لها، وكان هو صلى الله عليه وسلم يكثر الصوم في شعبان فلذلك كانت لا يتهيأ لها القضاء إلا في شعبان. وفي الحديث دلالة على جواز تأخير قضاء رمضان مطلقاً سواء كان لعذر أو بغير عذر لأن الزيادة كما بيناه مدرجة، فلو لم تكن مرفوعة لكان الجواز مقيداً بالضرورة، لأن للحديث حكم الرفع، لأن الظاهر اطلاع النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك مع توفر دواعي أزواجه على السؤال منه عن أمر الشرع، فلولا أن ذلك كان جائزاً لم تواظب عائشة عليه. ويؤخذ من حرصها على ذلك في شعبان. أنه لا يجوز تأخير القضاء حتى يدخل رمضان آخر

(3/496)


66ـ باب ما جَاءَ في فَضْل الصّائِمِ إذَا أُكِلَ عِنْدَه
781 ـ حدثنا عليّ بنُ حُجْرِ أخبرنا شَريِكٌ عن حَبِيبِ بنِ زَيْدٍ عن لَيْلَى عَنْ مَوْلاَتِهَا عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ: "الصّائِمُ إذَا أَكَلَ عِنْدَهُ المَفَاطِيرُ صَلّتْ عَلَيْهِ المَلاَئِكَةُ".
قال أبو عيسى: ورَوَى شُعْبَةُ هذَا الحَدِيثَ عَنْ حَبِيبِ بنِ زَيْدٍ عن ليلى عَنْ جَدّتِهِ أُمّ عُمَارَةَ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم نَحْوَهُ.
782 ـ حدثنا محمودُ بنُ غَيْلاَنَ حدثنا أَبو دَاوُدَ، أخبرنا شُعْبَةُ عن حَبِيبِ بنِ زَيْدٍ قالَ: سَمِعْتُ مَوْلاَةً لَنَا يُقَالُ لَهَا لَيْلَى تُحَدّثُ عَنْ جدّة أُمّ عُمَارَةَ بنت كَعْبٍ الأنْصَارِيّةِ "أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم دَخَلَ عَلَيْهَا فقَدّمَتْ إِلَيْهِ طَعَاماً فقالَ: كُلِى، فَقَالَتْ: إنّي صَائِمَةٌ، فقالَ رسولُ الله صلى الله
ـــــــ
باب ما جَاءَ في فَضْل الصّائِمِ إذَا أُكِلَ عِنْدَه
قوله: "أخبرنا شريك" بن عبد الله النخعي الكوفي القاضي صدوق يخطئ كثيراً تغير حفظ منذ ولي القضاء بالكوفة "عن ليلى" قال في التقريب: ليلى مولاة أم عمارة الأنصارية مقبولة من السادسة، وذكرها الذهبي في الميزان في فصل النسوة المجهولات "عن مولاتها" أي معتقتها بالكسر وهي أم عمارة ويطلق المولاة على المعتقة بالفتح أيضاً.
قوله: "إذا أكل عنده المفاطير" جمع المفطر أي المفطرون "صلت عليه الملائكة" أ ي دعت له الملائكة بما صبر مع وجود المرغب.
قوله: "عن جدته أم عمارة" بضم العين وتخفيف الميم الأنصارية يقال اسمها نسيبة بنت كعب بن عمرو الأنصارية والدة عبد الله بن زيد صحابية مشهورة.
قوله: "سمعت مولاة لنا" المراد بالمولاة ههنا المعتقة بالفتح.

(3/497)


عليه وسلم إنّ الصّائِمَ تُصَلّي عَلَيْهِ المَلاَئِكَةُ إذَا أُكِلَ عِنْدَهُ حَتَى يَفْرُغُوا، ورُبّمَا قالَ "حَتّى يَشْبَعُوا".
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
783 ـ حدثنا محمدُ بنُ بَشّارٍ حدثنا محمدُ بنُ جَعْفَرٍ حدثنا شُعْبَةُ عن حَبِيبِ بنِ زَيْدٍ عن مَوْلاَةٍ لَهُمْ يُقَالُ لَهَا لَيْلَى عَنْ أُمّ عُمَارَةَ بِنْتِ كَعْبٍ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم نَحْوَهُ ولَمْ يَذْكُرْ فيهِ "حتّى "يَفْرُغُوا أَو يَشْبَعُوا"".
قال أبو عيسى: وأُم عُمَارَةَ هِيَ جَدّةُ حَبِيبِ بنِ زَيْدٍ الأنْصَارِيّ.
ـــــــ
قوله: "تصلي عليه الملائكة" أي تستغفر له "إن الصائم إذا أكل عنده" أي ومالت نفسه إلى المأكول واشتد صومه عليه.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه أحمد وابن ماجه أيضاً ورواه النسائي عن ليلى مرسلاً.
قوله: "وعن مولاة لهم" المراد بالمولاة ههنا المعتقة بالفتح

(3/498)


67 ـ باب ما جَاءَ في قَضَاء الحَائِضِ الصّيَامَ دُونَ الصلاة
784 ـ حدثنا عليّ بنُ حُجْرٍ أخبرنا عليّ بنُ مُسْهر عن عُبَيْدَةَ عن إبراهيم عن الأسْوَدِ عن عائِشَةَ قالت "كُنّا نَحِيضُ على عهد رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ثُمّ نَطْهُرُ فَيَأْمُرُنَا بِقَضَاءِ الصّيَامِ ولا يَأْمُرُنَا بِقَضَاءِ الصّلاةِ".
ـــــــ
باب ما جَاءَ في قَضَاء الحَائِضِ الصّيَامَ دُونَ الصلاة
قوله: "عن عبيدة" بالتصغير ابن معتب بميم مضمومة وفتح عين وكسر مثناة فوقية ثقيلة بعدها موحدة الكوفي الضرير ضعيف واختلط بآخره من الثامنة، ما له في البخاري سوى موضع واحد في الأضاحي، كذا في التقريب. قلت: علق له البخاري في ذلك الموضع الواحد.
قوله: "فيأمرنا بقضاء الصيام ولا يأمرنا بقضاء الصلاة" قد علل ذلك بأن قضاء الصوم لا يشق لأنه لا يكون في السنة إلا مرة بخلاف قضاء الصلاة فإنه يشق كثيراً لأنه يكون غالباً في كل شهر ستاً أو سبعاً وقد يمتد إلى عشر فيلزم قضاء صلوات أربعة أشهر من السنة وذلك في غاية المشقة، قاله القاري.

(3/498)


قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ. وقد رُوِيَ عن مُعَاذَةَ عن عَائِشَةَ أَيْضاً. والعملُ على هذا عِنْدَ أهلِ العلمِ لا نَعْلَمُ بَيْنَهُم اخْتِلاَفاً أنّ الحَائِضَ تَقْضِي الصّيَامَ وَلاَ تَقْضي الصّلاةَ.
قال أبو عيسى: وعُبَيْدَةُ هُوَ ابنُ مُعَتّبٍ الضّبّيّ الكُوفِيّ يُكْنَى أَبَا عَبْدِ الكَرِيمِ.
ـــــــ
قوله: "هذا حديث حسن" قد عرفت أن في سنده عبيدة بن معتب وهو ضعيف ومع كونه ضعيفاً كان قد اختلط بآخره إلا أنه معتضد بطريق معاذة عن عائشة.
قوله: "وقد روي عن معاذة عن عائشة أيضاً" أخرجه البخاري ومسلم والترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجه

(3/499)


68 ـ باب ما جَاءَ في كَرَاهِيَةِ مُبَالَغَةِ الاسْتِنْشَاقِ للصّائِم
785 ـ حدثنا عبدُ الوَهّابِ بن عبدالحكيم البغداديّ الوَرّاقُ وأَبُو عَمّارٍ الحسين بن حرث قالاَ حدثنا يَحْيى بنُ سُلَيْمٍ حَدّثَنيِ إسماعيلُ بنُ كثِيرٍ قالَ سَمِعْتُ عَاصِمَ بنَ لَقِيطِ بنِ صَبْرَةَ عن أبيهِ قالَ: " قُلْتُ يَا رَسُولَ الله أَخْبِرْنِي عنِ الوُضُوءِ قالَ: "أَسْبِغ الوُضُوءَ، وخَلّلْ بَيْنَ الأصَابِعِ، وبَالِغْ في الاسْتِنْشَاقِ إِلاّ أَنْ تَكُونَ صَائِماً ".
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وقد كرِهَ أَهْلُ العِلْمِ السّعُوطَ للِصّائِمِ وَرَأَوْا أَنّ ذلكَ يُفْطرهُ، وفي الباب ما يُقَوّي قَوْلَهُمْ.
ـــــــ
باب ما جَاءَ في كَرَاهِيَةِ مُبَالَغَةِ الاسْتِنْشَاقِ للصّائِم
قوله: "سمعت عاصم بن لقيط بن صبرة" بفتح الصاد وكسر الباء ويجوز سكون الباء مع فتح الصاد وكسرها كذا في التهذيب "أخبرني عن الوضوء" أي كماله "قال أسبغ الوضوء" بضم الواو أي أتم فرائضه وسننه "وخلل بين الأصابع" أي أصابع اليدين والرجلين "وبالغ في الاستنشاق" بإيصال الماء إلى باطن الأنف "إلا أن تكون صائماً" فلا تبالغ لئلا يصل إلى باطنه فيبطل الصوم.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه أبو داود والنسائي وأخرجه ابن ماجه والدارمي إلى قوله بين الأصابع.

(3/499)


ـــــــ.
قوله: "وقد كره أهل العلم السعوط للصائم" قال في القاموس: سعطه الدواء كمنعه ونصره وأسعطه إياه سعطة واحدة وإسعاطه واحدة أدخله في أنفة فاستعط، والسعوط كصبور ذلك الدواء "ورأوا أن ذلك" أي السعوط "يفطره" من التفطير أي بجعل الصائم مفطراً ويفسد صومه "وفي الحديث ما يقوي قولهم" قال الخطابي: في الحديث من الفقه إن وصل الماء إلى الدماغ يفطر الصائم إذا كان ذلك بفعله، وعلى قياس ذلك كل ما وصل إلى جوفه بفعله من حقنة وغيرها سواء كان ذلك في موضع الطعام والغذاء أو في غيره من حشو جوفه انتهى. واختلف إذا دخل من ماء المضمضة والاستنشاق إلى جوفه خطأ، فقالت الحنفية ومالك والشافعي في أحد قوليه والمزني أنه يفسد الصوم، وقال أحمد بن حنبل وإسحاق والأوزاعي وأصحاب الشافعي أنه لا يفسد الصوم كالناسي، وقال الحسن البصري والنخعي يفسد إن لم يكن لفريضة

(3/500)


69ـ باب ما جَاءَ فِيمَنْ نَزَلَ بِقَوْمٍ فلا يَصُومُ إِلاّ بإِذْنِهِم
786 ـ حدثنا بِشْرُ بنُ مُعَاذٍ العَقَدِيّ البَصْرِيّ حدثنا أَيّوبُ بنُ وَاقِدٍ الكُوفِيّ عن هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ عن أبيهِ عن عَائِشَةَ قالَتْ: قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم "مَنْ نَزَلَ على قَوْمٍ فَلاَ يَصُومَنّ تَطَوّعاً إلاّ بإِذْنِهِمْ"
ـــــــ.
باب ما جَاءَ فِيمَنْ نَزَلَ بِقَوْمٍ إلخ .
قوله: "بشر بن معاذ العقدي" بفتح المهملة والقاف أبو سهل الضرير صدوق من العاشرة كذا في التقريب "أخبرنا أيوب بن واقد الكوفي" أبو الحسن ويقال أبو سهل سكن البصرة متروك من الثامنة كذا في التقريب. وقال الذهبي في الميزان: قال البخاري: منكر الحديث. وقال أحمد: ضعيف. وقال ابن معين: ليس بثقة. وقال ابن عدي: عامة ما يرويه لا يتابع عليه انتهى.
قوله: "فلا يصومن تطوعاً إلا بإذنهم" جبراً لخاطرهم، والنهي للتنزيه، كذا في التيسير. وقال أبو الطيب في شرح الترمذي: لئلا يتحرجوا بصومه بسبب تقييد الوقت وإحسان الطعام للصائم بخلاف ما إذا كان مفطراً فيأكل معهم كما يأكلون، فيندفع عنهم الحرج، ولأنه من آداب الضيف أن يطيع المضيف، فإذا خالف فقد ترك الأدب انتهى.

(3/500)


قال أبو عيسى: هذا حديثٌ مُنْكَرٌ لا نَعْرِفُ أحَداً مِنَ الثّقَاتِ رَوَى هَذَا الحَدِيثَ عن هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ. وقد رَوَى مُوسى بنِ دَاوُدَ عَنْ أبي بَكْرٍ المَدِنّي عَنْ هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ عَنْ أبيهِ عَنْ عائِشَة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم نَحْواً مِنْ هذا.
وهذا حديثٌ ضعيفٌ أيْضاً. أبُو بَكْرٍ ضعيفٌ عندَ أهلِ الحَديثِ. وأبو بَكْرٍ المْدنِيّ الذي رَوَى عَنْ جَابِرِ بنِ عبدِ الله اسْمُهُ الفَضْلُ بنُ مُبَشّرٍ وهُوَ أوْثَقُ مِنْ هذَا وأقْدَمُ.
ـــــــ
قوله: "هذا حديث منكر" المنكر ما تفرد به الضعيف "وقد روى موسى بن داود" الضبي أبو عبد الله الطرطوسي نزيل بغداد ولي قضاء طرسوس صدوق ففيه زاهد له أوهام من صغار التاسعة، قاله الحافظ في التقريب. وقال في تهذيب التهذيب: روى له مسلم حديث أبي سعيد في الشك في الصلاة فقط، واستشهد به الترمذي في حديث في صيام التطوع انتهى.
قوله: "وهو أوثق من هذا وأقدم" أي أبو بكر المديني الذي روى عن جابر أوثق وأقدم من أبي بكر المديني عن هشام. قال الحافظ في التقريب: أبو بكر المديني عن هشام ضعيف من السابعة، وقال فيه الفضل بن مبشر بموحدة ومعجمة ثقيلة الأنصاري أبو بكر المدني مشهرو بكنيته فيه لين من الخامسة انتهى. وقال الخزرجي: الفضل بن مبشر الأنصاري أبو بكر المدني ضعفه جماعة انتهى. فظهر أن المراد بقول الترمذي: "هو أوثق من هذا" أنه وإن كان هو في نفسه ضعيفاً أيضاً لكنه أقوى من هذا، وضعفه أقل من ضعف هذا

(3/501)


70 ـ باب ما جَاءَ في الاْعتِكاف
787 ـ حدثنا محمودُ بنُ غَيْلاَنَ حدثنا عبدُ الرّزّاقُ أخبرنا مَعْمَرٌ عنِ الزّهْرِيّ عَنْ سَعِيدِ بنِ المُسَيّبِ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ و عُرْوَةٌ عَنْ عَائِشَة
ـــــــ
"باب ما جاء في الاعتكاف"
الاعتكاف لغة لزوم الشيء وحبس النفس عليه، وشرعاً المقام في المسجد من شخص مخصوص على صفة مخصوصة، وليس بواجب إجماعاً إلا على من نذره، وكذا من شرع فيه فقطعه عامداً عند قوم، واختلف في اشتراط الصوم له كذا في فتح الباري وغيره.

(3/501)


" أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَعْتَكِفُ العَشْرَ الأوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ حَتّى قَبَضَهُ الله".
قَالَ: وفي البابِ عَنْ أُبَيّ بنِ كَعْبٍ وأبي ليلى وأبِي سَعِيدٍ وأنَسٍ وابنِ عُمَرَ.
قال أبو عيسى: حديثُ أبي هُرَيْرَةَ وعَائِشَةَ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
788 ـ حدثنا هَنّادُ حدثنا أبو مُعَاوِيةَ عن يَحْيى بنِ سَعيدٍ عنْ عَمْرَةَ عن عائشةَ قالت: " كانَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إذا أَرادَ أنْ يَعَتكِفَ صَلّى الفَجْرَ ثُمّ دَخَل في مُعْتكَفِهِ".
ـــــــ
قوله: "عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة وعروة عن عائشة" يعني أن الزهري روى هذا الحديث من طريقين: الأول عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة والثاني عن عروة عن عائشة.
قوله: "حتى قبضه الله" وفي رواية الصحيحين: حتى توفاه الله ثم اعتكف أزواجه من بعده. قال ابن الهمام: هذه المواظبة المقرونة بعدم الترك مرة لما اقترنت بعدم الإنكار على من لم يفعله من الصحابة كانت دليل السنية وإلا كانت دليل الوجوب، أو نقول اللفظ وإن دل على عدم الترك ظاهراً لكن وجدنا صريحاً يدل على الترك وهو ما في الصحيحين وغيرهما، ثم ذكر حديث عائشة وفيه: فلما انصرف صلى الله عليه وسلم من الغداة أبصر أربع قباب فقال: "ماهذا؟" فأخبر خبرهن "ما حملن على هذا البر؟" انزعوها فنزعت، فلم يعتكف في رمضان حتى اعتكف في آخر العشر من شوال.
قوله: "وفي الباب عن أبي بن كعب" بلفظ: واظب عليه النبي صلى الله عليه وسلم في العشر الأواخر من رمضان فسافر عاماً فلم يعتكف، فلما كان من قابل اعتكف عشرين يوماً، أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه وابن خزيمة وغيرهم "وأبي ليلى" لينظر من أخرجه "وأبي سعيد" أخرجه الشيخان "وأنس" أخرجه الترمذي وابن ماجه "وابن عمر رضي الله عنه" أخرجه الشيخان.
قوله: "حديث أبي هريرة وعائشة حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان.
قوله: "صلى الفجر ثم دخل معتكفه" بصيغة المفعول أي مكان اعتكافه،

(3/502)


قال أبو عيسى: وقد رُوِيَ هذا الحديثُ عن يَحْيَى بنِ سعيدٍ عن عَمْرةَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم مرسلاً. رَوَاهُ مالِكٌ وغَيْرُ واحِدٍ عن يَحيى بنِ سَعِيدٍ عن عمرة مُرْسَلاً. وَرَوَاهُ الأوْزَاعِيّ وسُفْيان الثّوْرِيّ وغير واحد عن يَحْيى بن سعيدٍ عن عَمْرةَ عن عائِشَةَ.
والعَمَلُ على هذا الحديثِ عِنْدَ بعْضِ أَهلِ العلمِ يقُولُونَ : إذَا أرادَ الرّجُلُ أنْ يَعْتَكِفَ صلّى الفَجْرَ ثم دَخَلَ في مُعْتَكَفِهِ. وهو قَوْلُ أَحمدَ بن حنبل
ـــــــ
أي انقطع فيه وتخلى بنفسه بعد صلاة الصبح، لا أن ذلك وقت ابتداء اعتكافه بل كان يعتكف من الغروب ليلة الحادي والعشرين وإلا لما كان معتكفاً العشر بتمامه الذي ورد في عدة أخبار أنه كان يعتكف العشر بتمامه، وهذا هو المعتبر عند الجمهور اعتكاف عشر أو شهر، وبه قال الأئمة الأربعة، ذكره الحافظ العراقي كذا في شرح الجامع الصغير للمناوي. وقال الحافظ ابن حجر في الفتح: فيه أن أول الوقت الذي يدخل فيه المعتكف بعد صلاة الصبح، وهو قول الأوزاعي والليث والثوري، وقال الأئمة الأربعة وطائفة: يدخل قبيل غروب الشمس وأولوا الحديث على أنه دخل من أول الليل ولكن إنما تخلى بنفسه في المكان الذي أعده لنفسه بعد صلاة الصبح انتهى كلام الحافظ. وقال أبو الطيب السندي: وإنما جنح الجمهور إلى التأويل المذكور للعمل بالحديثين: الأول ما روى البخاري عن عائشة قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يعتكف في العشر الأواخر من رمضان والثاني ما رواه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يعتكف في كل رمضان عشرة أيام الحديث، فاستفيد من الحديث الأول عشر ليال ومن الآخر عشرة أيام، فأولوا بما تقدم جمعاً بين الحديثين انتهى.
قوله: "وقد روى هذا الحديث إلخ" والحديث أخرجه البخاري ومسلم.
قوله: "وهو قول أحمد بن حنبل" قال أبو الطيب في شرح الترمذي: يفهم من هذا أن هذا هو مذهب الإمام أحمد وليس كذلك، بل إنما هو رواية عنه. قال الشيخ شمس الدين أبو عبد الله محمد بن مفلح المقدسي في كتابه الفروع: ومن أراد أن يعتكف العشر الأخير تطوعاً أدخل قبل ليلته الأولى نص عليه أي الإمام أحمد، وعنه بعد صلاة الفجر أول يوم منه انتهى مختصراً.

(3/503)


وإسحاقَ بنِ إبراهيمَ. وقالَ بَعْضُهُمْ إذَا أرادَ أَنْ يَعْتَكِفَ فَلْتَغِبْ لهُ الشمس منَ الّليْلَةِ التي يريدُ أنْ يعْتَكِفَ فيها مِنَ الغَدِ، وقد قَعَدَ في مُعْتَكَفِه وهو قولُ سُفْيانَ الثّوْريّ ومالِك بنِ أنَسٍ.
ـــــــ
قوله: "وقد قعد في معتكفه" جملة حالية وذو الحال قوله الشمس، أي فلتغب له الشمس في حالة الاعتكاف، كذا في بعض الحواشي، والظاهر أن هذه الجملة حال من الضمير المجرور في قوله له أي فلتغب له الشمس حال كونه قاعداً في معتكفه.
قوله: "وهو قول سفيان الثوري ومالك بن أنس" وهو قول الجمهور وبه قال الأئمة الأربعة كما عرفت في كلام الحافظ

(3/504)


71ـ باب ما جَاءَ في لَيْلَةِ القَدْر
789 ـ حدثنا هارُونُ بنُ إسحاقَ الهَمْدَانِيّ حدثنا عَبْدَةُ بنُ سُلَيمانَ عن هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ عن أبيهِ عن عائِشَةَ قالَتْ: "كانَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يُجَاوِرُ في العَشْرِ الأوَاخِرِ مِنْ رَمضَانَ وَيَقُولُ: "تَحرّوْا ليْلَةَ القَدْرِ في العَشْرِ الأوَاخِرِ منْ رَمضَانَ".
وفي البابِ عن عُمَرَ وأُبَي وجابِرِ بنِ سَمُرَةَ وجابِرِ بنِ عبدِ الله وابنِ عُمَرَ والفَلَتَانِ بنِ عاصِمٍ وأَنَسٍ وأَبي سَعيدٍ وعبدِ الله بنِ أُنَيْسٍ
ـــــــ
باب ما جَاءَ في لَيْلَةِ القَدْر
قوله: "يجاوز" أي يعتكف "في العشر الأواخر" بكسر الخاء المعجمة جمع الأخرى، وقال في المصابيح: لا يجوز أن يكون جمع آخر، والمعنى: كان يعتكف في الليالي العشر الأواخر من رمضان "تحروا" أي اطلبوا. قال في النهاية: أي تعمدوا طلبها فيها، والتحري القصد والاجتهاد في الطلب والعزم على تخصيص الشيء بالفعل والقول انتهى.
قوله: "وفي الباب عن عمر رضي الله عنه" أخرجه بن أبي شيبة "وأبي ابن كعب" أخرجه مسلم والترمذي "وجابر بن سمرة" بلفظ: رأيت ليلة القدر فأنسيتها فاطلبوها في العشر الأواخر هي ليلة ريح ومطر ورعد، أخرجه الطبراني

(3/504)


وأبي بَكْرَةَ وابنِ عبّاسٍ وبِلاَلٍ وعُبَادَةَ بنِ الصّامِتِ.
قال أبو عيسى: حديثُ عَائِشَةَ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ وقَوْلُها "يُجاوِرُ" يعنى يعْتَكِفُ وأَكْثَرُ الرّوَاياتِ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنّهُ قالَ "التمسوها في العَشْرِ الأواخِرِ في كلّ وِتْرٍ". وَرُوِيَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم في لَيْلَةِ القَدْرِ أَنّها لَيْلَةُ إحْدى وعِشْرينَ وليْلَةُ ثلاثٍ وعِشْرينَ وخَمْسٍ وعِشْرينَ وسَبْعٍ وعِشْرينَ وتِسْعٍ وعِشْرينَ وآخِرِ ليْلَةٍ منْ رَمضانَ.
ـــــــ
"وجابر عن عبد الله" لينظر من أخرجه "وابن عمر" أخرجه الشيخان وغيرهما "والفلتان" بفتح الفاء واللام المفتوحة وبالتاء المثناة من فوق ثم ألف ثم نون "ابن عاصم" الجرمي ويقال المنقري والصواب الأول، قال أبو عمرو هو خال كليب بن شهاب الجرمي والد عاصم بن كليب يعد في الكوفيين، كذا في شرح الترمذي لأبي الطيب "وأنس" أخرجه الديلمي في الفردوس "وأبي سعيد" أخرجه الشيخان وغيرهما "وعبد الله بن أنيس" بضم الهمزة مصغراً أخرجه أبو داود "وأبي بكرة" أخرجه الترمذي "وابن عباس" أخرجه البخاري وأبو داود وأحمد "وبلال" أخرجه أحمد بلفظ: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ليلة القدر ليلة أربع وعشرين " وعبادة بن الصامت" أخرجه البخاري.
قوله: "حديث عائشة حديث حسن صحيح" وأخرجه البخاري ومسلم "وأكثر الروايات عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال التمسوها في العشر الأواخر في كل وتر" فالأرجح والأقوى أن كون ليلة القدر منحصر في رمضان ثم في العشر الأخير منه ثم في أوتاره لا في ليلة منه بعينها. قال الحافظ ابن حجر في الفتح: وهذا هو الذي يدل عليه مجموع الأخبار الواردة فيها وقال: قد اختلف العلماء في ليلة القدر اختلافاً كثيراً وتحصل لنا من مذاهبهم في ذلك أكثر من أربعين قولاً ثم ذكر هذه الأقوال ثم قال: وأرجحها كلها أنها في وتر من العشر الأخير وأنها تنتقل كما يفهم من أحاديث الباب، وأرجاها أوتار العشر، وأرجى أوتار العشر عند الشافعية ليلة إحدى وعشرين أو ثلاث وعشرين، وأرجاها عند الجمهور ليلة سبع وعشرين انتهى.

(3/505)


قالَ الشافِعيّ كأَنّ هذا عِنْدي والله أعلمُ أَنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم كان يجيبُ على نَحْوِ ما يُسْأَلُ عنهُ. يُقالُ لهُ نَلْتَمِسُها في لَيْلَةِ كذَا فيقُولُ الْتَمِسُوها في لَيْلَةِ كذَا. قالَ الشافعيّ: وأَقْوَى الرّوَاياتِ عِنْدي فيها لَيْلَةُ إِحْدى وعِشْرينَ.
قال أبو عيسى: وقد رُوِيَ عن أُبَيّ بنِ كعْبٍ أَنّهُ كانَ يَحْلِفُ أنّها ليْلَةُ سبْعٍ وعِشْرينَ ويقُولُ: أخبرنَا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بِعلاَمَتِها فَعَدَدْنا وحَفِظْن ا ورُوِيَ عن أبي قِلاَبَةَ أنّهُ قال: ليَلةُ القَدْرِ تَنْتَقِلُ في العَشْرِ الأواخِرِ أَخبرنا بِذَلكَ عَبْدُ بنُ حُمَيْدٍ حدثنا عبدُ الرّزّاقِ عنْ مَعْمَرٍ عن أيّوبَ عن أبي قِلاَبَةَ بهذا.
790 ـ حدثنا واصِلُ بنُ عبدِ الأعْلَى الكُوفِيّ حدثنا أَبُو بكْرٍ عن عاصمٍ عن زَر قالَ: قُلْتُ لأبيّ بنِ كَعْبٍ: أنّى عَلِمْتَ أبا المُنْذِرِ أَنّها ليْلَةُ سَبْعٍ وعِشْرينَ؟ قال: بَلى أخْبَرَنا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أنها ليلةٌ صَبِيحَتُها تَطْلُعُ الشّمْسُ لَيْسَ لها شُعاعٌ. فَعدَدْنا وحَفِظْنا
ـــــــ
قوله: "قال الشافعي: كان هذا عندي والله اعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجيب على نحو ما يسأل عنه إلخ" قد اعترض على القاري في المرقاة على كلام الشافعي هذا ولفظه فيه أنه ما يحفظ حديث ورد بهذا اللفظ فكيف يحمل عليه جميع ألفاظ النبوة انتهى.
قوله: "وقد روى عن أبي بن كعب" رواه الترمذي في هذا الباب "وروى عن أبي قلابة أنه قال ليلة القدر تنتقل في العشر الأواخر" ونص عليه مالك والثوري وأحمد وإسحاق، وزعم الماوردي أنه متفق عليه، وكأنه أخذه من حديث ابن عباس أن الصحابة اتفقوا على أنها في العشر الأخير ثم اختلفوا في تعيينها قاله الحافظ.
قوله: "أني علمت" بفتح الهمزة وتشديد النون وبالألف المقصورة، أي من أين علمت ومن أي دليل عرفت؟ "أبا المنذر" بحذف حرف النداء وهو كنية أبي بن كعب "ليس لها شعاع" قال الطيبي: الشعاع ما يرى من ضوء الشمس عند حدودها مثل الحبال والقضبان مقبلة إليك لما نظرت إليها انتهى. قال النووي: قال القاضي:

(3/506)


والله لَقدْ عَلِمَ ابنُ مَسْعُودٍ أنّها في رَمضَانَ وأنّها لَيلَةُ سَبْعٍ وعِشْرينَ ولكِنْ كَرِهَ أَنْ يُخْبِرَكُمْ فَتَتّكِلُوا.
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
791 ـ حدثنا حُمَيْدُ بنُ مَسْعَدَةَ، حدثنا يَزيدُ بنُ زُرَيْع حدثنا عُيَيْنَةُ بنُ عبدِ الرحمَنِ قال حَدّثَني أبي قالَ: ذُكِرَتْ ليْلَةُ القَدْر عِنْدَ أَبي بكْرَةَ فقالَ: ما أنا مُلْتَمِسُها لِشَيْءٍ سَمِعْتُهُ مِنْ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم إلاّ في العَشْرِ الأواخِرِ فإِنّي سَمِعْتُهُ يقُولُ: "التْمِسُوها في تِسْع يَبْقَيْنَ أوْ في سَبْعٍ يَبْقيْنَ أوْ في خَمْسٍ يَبْقَيْنَ أَوْ في ثلاَثٍ أَواخر ليْلَةَ. قالَ:
ـــــــ
قيل معنى "لا شعاع لها" أنها علامة جعلها الله تعالى لها. قال: وقيل بل لكثرة اختلاف الملائكة في ليلتها ونزولها إلى الأرض وصعودها بما تنزل به سترت بأجنحتها وأجسامها اللطيفة ضوء الشمس وشعاعها انتهى. قال في المرقاة فيه: أن الأجسام اللطيفة لا تستر شيئاً من الأشياء الكثيفة، نعم لو قيل غلب نور تلك الليلة ضوء الشمس مع بعد المسافة الزمانية مبالغة في إظهار أنوارها الربانية لكان وجهاً وجيهاً انتهى. قلت فيه ما فيه كما لا يخفي على المتأمل. قيل فائدة العلامة أن يشكر على حصول تلك النعمة إن قام بخدمة الليلة وإلا فيتأسف على ما فاته من الكرامة ويتدارك في السنة الاَتية، وإنما لم يجعل علامة في أول ليلها إبقاء لها على إبهامها.
قوله: "والله لقد علم ابن مسعود أنها في رمضان إلخ" وفي رواية مسلم: قلت إن أخاك ابن مسعود يقول: من يقم الحول يصب ليلة القدر، فقال رحمه الله أراد أن لا يتكل الناس. أما إنه قد علم أنها في رمضان إلخ "فتتكلموا" أي فتعتمدوا على قول واحد وإن كان هو الصحيح الغالب فلا تقوموا إلا في تلك الليلة وتتركوا قيام سائر الليالي فيفوت حكمة الإبهام الذي نسي بسببها عليه الصلاة والسلام.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه مسلم.
قوله: "التمسوها" أي ليلة القدر "في تسع" أي تسع ليال "يبقين" بفتح الياء والقاف وهي التاسعة والعشرون "أو في سبع يبقين" وهي السابعة والعشرون

(3/507)


وكانَ أبو بكْرَةَ يُصَلّي في العِشْرينَ منْ رَمضَانَ كَصَلاتِه في سائِرِ السّنَةِ، فإِذَا دَخَلَ العَشْرُ اجْتَهدَ.
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
"أو في خمس يبقين" وهي الخامسة والعشرون "أو ثلاث" أي يبقين وهي الثالثة والعشرون "أو آخر ليلة" من رمضان أي سلخ الشهر. قال الطيبي: يحتمل التسع أو السلخ رجحنا الأول بقرينة الأوتار، كذا في المرقاة شرح المشكاة. وقال في اللمعات: قوله في تسع يبقين قيل في تسع يبقين محمول على الثانية والعشرين، وفي سبع يبقين محمول على الرابعة والعشرين، وفي خمس يبقين على السادسة والعشرين، وأو ثلاث على الثامن والعشرين، أو آخر ليلة محمول على التاسع والعشرين، وقيل على السلخ أقول هذا إذا كان الشهر ثلاثين يوماً، وأما إذا كان تسعاً وعشرين فالأولى على الحادية والعشرين والثانية على الثالثة والعشرين والثالثة على الخامسة والعشرين والرابعة على السابعة والعشرين، وهذا أولى لكثرة الأحاديث الورادة في الأتار، بل نقول: لا دليل على كونها أولى هذه الأعداد، فالظاهر أن المراد من كونها في تسع يبقين الخ ترديدها في الليالي الخمس أو الأربع أو الثلاث أو الاثنين أو الواحدة انتهى ما في اللمعات

(3/508)


72 ـ باب مِنْه
792 ـ حدثنا محمودُ بنُ غَيْلاَنَ، حدثنا وكيعٌ، حدثنا سُفْيَانُ عن أبي إسحاقَ عن هُبَيْرَةَ بن يَرِيم عن علي "أَنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم كانَ يُوقِظُ أَهْلَهُ في العَشْرِ الأواخِر مِنْ رمَضَانَ".
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
باب مِنْه
قوله: "عن أبي إسحاق" هو السبيعي "عن هبيرة" بضم هاء وفتح موحدة "ابن يريم" بفتح التحتية وكسر الراء بوزن عظيم، قال الحافظ: لا بأس به. وقد عيب بالتشيع.
قوله: "كان يوقظ أهله" أي للصلاة، وروى الترمذي عن أم سلمة: لم يكن صلى الله عليه وسلم إذا بقى من رمضان عشرة أيام يدع أحداً يطيق القيام إلا أقامه.

(3/508)


793 ـ حدثنا قُتَيْبةُ حدثنا عبدُ الواحد بنُ زِيادٍ عن الحَسنِ بنِ عُبَيْدِ الله عن إبراهيم عن الأسْوَدِ عن عائِشَةَ قالت: "كانَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يَجْتَهِدُ في العَشْرِ الأواخِر ما لا يَجْتَهدُ في غَيْرِها".
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ غريب حسنٌ صحيحٌ
ـــــــ.
قوله: "يجتهد في العشر الأواخر" قيل أي يبالغ في طلب ليلة القدر فيها، قال القاري: والأظهر أنه يجتهد في زيادة الطاعة والعبادة "ما لا يجتهد في غيرها" أي في غير العشر.
قوله: "هذا حديث غريب حسن صحيح" وأخرجه أحمد ومسلم

(3/509)


73ـ باب ما جَاءَ في الصّوْمِ في الشّتَاء
794 ـ حدثنا محمدُ بنُ بشّارٍ، حدثنا يَحْيى بنُ سَعِيدٍ حدثنا سُفْيانُ عَنْ أبي إسحاقَ عن نُمْيرِ بنِ عَريبٍ عن عامِرِ بنِ مَسْعُودٍ عنِ النبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ : "الغَنيمَةُ البارِدَةُ الصّوْمُ في الشّتَاءِ"
ـــــــ.
باب ما جَاءَ في الصّوْمِ في الشّتَاء
قوله: "هذا حديث غريب حسن صحيح" وأخرجه أحمد ومسلم
قوله: "عن نمير" بضم النون وفتح الميم مصغراً "بن عريب" بفتح العين المهملة وكسر الراء وسكون التحتية وآخره موحدة. قال في التقريب مقبول من الثالثة "عن عامر بن مسعود" بن أمية بن خلف الجمحي، يقال له صحبة وذكره ابن حبان وغيره في التابعين كذا في التقريب.
قوله: "الغنيمة الباردة الصوم في الشتاء" لوجود الثواب بلا تعب كثير وفي الفائق: الغنيمة الباردة هي التي تجيء عفواً من غير أن يصطلي دونها بنار الحرب ويباشر حر القتال في البلاد، وقيل هي الهيئة الطيبة مأخوذة من العيش البارد، والأصل في وقوع البرد عبارة عن الطيب والهناءة أن الماء والهواء لما كان طيبهما ببردهما خصوصاً في بلاد الحارة قبل: ماء بارد وهواء بارد على طريق الاستطابة ثم كثر حتى قيل عيش بارد وغنيمة بارد وغنيمة باردة وبرد أمرنا. قال الطيبي: والتركيب من قلب التشبيه لأن أصل الصوم في الشتاء كالغنيمة الباردة، وفيه من المبالغة أن يلحق الناقص بالكامل كما يقال زيد كالأسد فإذا عكس وقيل الأسد

(3/509)


قال أبو عيسى: هذا حديثٌ مُرسلٌ. عامِر بنُ مَسْعُود لَمْ يُدْرِكِ النبيّ صلى الله عليه وسلم وهُوَ والِد إبراهيم بنِ عامِرٍ القُرَشيّ الّذِي روَى عَنْهُ شُعْبَةُ والثّوْرِيّ.
ـــــــ
كزيد يجعل الأصل كالفرع والفرع كالأصل يبلغ التشبيه إلى الدرجة القصوى في المبالغة، والمعنى أن الصائم يجوز الأجر من غير أن يمسه حر العطش أو يصيبه ألم الجوع من طول اليوم انتهى.
قوله: "هذا حديث مرسل، عامر بن مسعود لم يدرك النبي صلى الله عليه وسلم" قال صاحب المشكاة في الإكمال: عامر بن مسعود عو عامر بن مسعود بن أمية بن خلف الجمحي وهو ابن أخي صفوان بن أمية روى عنه نمير بن عريب، أخرج حديثه الترمذي في الصوم وقال هو مرسل لأن عامر بن مسعود لم يدرك النبي صلى الله عليه وسلم، وقد أورده ابن مندة وابن عبد البر في أسماء الصحابة، وقال ابن معين: لا صحبة له انتهى. وحديث عامر بن مسعود وهذا أخرجه أحمد في مسنده أيضاً "هو والد إبراهيم بن عامر القرشي" قال ابن معين والنسائي: ثقة، وقال أبو حاتم: صدوق لا بأس به

(3/510)


74 ـ باب ما جَاءَ {وعلى الذينَ يُطيقُونَهُ}
795- حدثنا قُتَيْبةُ، حدثنا بكْرُ بنُ مُضَرَ عن عَمْروِ بنِ الحَارثِ عن بُكَيْرِ بن عبد الله بن الأشج عن يَزيدَ مَوْلَى سَلَمَةَ بنِ الأكْوَعِ عن سلَمَةَ بنِ الأكْوَعِ قال: لَمّا نَزَلَتْ {وعلى الّذينَ يُطيقُونَهُ فِدْيَةٌ طعَامُ مِسْكينِ}
ـــــــ
"باب ما جاء على الذين يطيقونه"
أي باب ما جاء في أن قوله تعالى: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} منسوخ.
قوله: "لما نزلت: وعلى الطريق يطيقونه" أي الصوم إن أفطروا "فدية" مرفوع على الابتداء وخبره مقدم وهو قوله "وعلى الذين " وقراءة العامة فدية بالتنوين وهي الجزاء والبدل من قولك فديت الشيء بالشيء أي هذا بهذا قاله العيني "طعام مسكين" بيان لفدية أو بدل منها، وهو نصف صاع من بر أو صاع من

(3/510)


كانَ مَنْ أرادَ مِنّا أَنْ يُفْطِرَ ويَفْتَدِيَ حتى نَزَلَتَ الآية التي بَعْدَها فَنَسَخَتْها.
ـــــــ
غيره عند أهل العراق، وعند أهل الحجاز مد قاله العيني " كان من أراد من أن يفطر ويفتدي" كذا وقع في رواية الترمذي وفي رواية الشيخين، ووقع في رواية أبي داود كان من أراد منا أن يفطر ويفتدي فعل، وهذه الرواية هي مفسرة لرواية الترمذي والشيخين، وفي رواية لمسلم: كنا في رمضان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من شاء صام ومن شاء أفطر فافتدى بطعام مسكين حتى أنزلت هذه الآية {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} "حتى نزلت الآية التي بعدها" أي {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} كما في رواية مسلم المذكورة "فنسختها" أي فنسخت الثانية والأولى وهذا الحديث دليل صريح على أن قوله تعالى { وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ } منسوخ وهو قول الجمهور وهو الحق. ويدل عليه صراحة ما رواه البخاري في صحيحه عن ابن عمر أنه قرأ "فدية طعام مساكين" قال هي منسوخة. قال الحافظ في الفتح: وقد أخرجه الطبري من طريق عبد الوهاب الثقفي عن عبيد الله بن عمر بلفظ: نسخت هذه الآية { وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ } ا لتي بعدها {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} انتهى. وفي صحيح البخاري: قال ابن نمير حدثنا الأعمش حدثنا عمرو بن مرة حدثنا ابن أبي ليلى حدثنا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم: نزل رمضان فشق عليهم فكان من أطعم كل يوم مسكيناً ترك الصوم عمن يطيقه ورخص لهم في ذلك فنسختها "وأن تصوموا خير لكم" فأمروا بالصوم. قال الحافظ في الفتح: واتفقت هذه الأخبار يعني رواية سلمة وابن عمر وابن أبي ليلى عن أن قوله {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ} منسوخ، وخالف في ذلك ابن عباس فذهب إلى أنها محكمة لكنها مخصوصة بالشيخ الكبير ونحوه انتهى.
قلت: مذهب ابن عباس هذا مبنى على أنه قرأ "يطوقونه" بصيغة المجهول من التطويق وهي قراءة ابن مسعود أيضاً كما صرح به الحافظ، وقراءة العامة "يطيقونه" من أطاق يطيق. روى البخاري في صحيحه عن عطاء سمع ابن عباس يقرأ { وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} قال ابن عباس: ليست بمنسوخة هو للشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما فليطعمان مكان كل يوم مسكينا. قال الحافظ في الفتح: قوله "يطوقونه" بفتح الطاء وتشديد الواو مبنياً للمفعول مخفف الطاء من طوق بضم أوله بوزن قطع وهذه قراءة ابن مسعود أيضاً: وقد وقع عند النسائي

(3/511)


قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ ويَزيدَ هُوَ ابنُ أبي عُبَيْد مَوْلَى سلَمةَ بنِ الأكْوَعِ.
ـــــــ
من طريق ابن أبي نجيح عن عمرو بن دينار "يطوقونه" يكلفونه وهو تفسير حسن أي يكلفونه إطاقته انتهى. وقال فيه أيضاً: ورجح ابن المنذر النسخ من جهة قوله {وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ} قال: لأنها لو كانت في الشيخ الكبير الذي لا يطيق الصيام لم يناسب أن يقال له "وأن تصوموا خير لكم" مع أنه لا يطيق الصيام انتهى.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي "ويزيد هو ابن أبي عبيد مولى سلمة بن الأكوع" ثقة من الرابعة

(3/512)


باب ما جاء من أكل ثم خرج يريد سفرا"
...
75 ـ باب مَنْ أَكلَ ثمّ خَرَجَ يُريدُ سَفَرا
796 ـ حدثنا قُتَيْبةُ حدثنا عبدُ الله بنُ جَعْفَرٍ عن زيدِ بن أسْلَمَ عن محمدِ بنِ المُنْكَدِرِ عن محمدِ بنِ كَعْبٍ أنّهُ قال: "أتَيْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ في رمَضَانَ وهُوَ يُريدُ سَفَراً وقد رُحلَتْ لهُ راحِلَتُهُ وَلَبِسَ ثِيَابَ السّفَرِ فَدَعا بِطَعامٍ فأَكلَ فقُلْتُ لهُ سُنّةٌ؟ فقالَ سَنّةٌ ثمّ رَكِبَ".
ـــــــ
باب مَنْ أَكلَ ثمّ خَرَجَ يُريدُ سَفَرا
قوله: "أخبرنا عبد الله بن جعفر" بن نجيح السعدي مولاهم أبو جعفر المدني والد علي بصري أصله من المدينة ضعيف من الثامنة يقال تغير حفظه بآخره، كذا في التقريب. وقال الذهبي في الميزان: متفق على ضعفه لكنه لم يتفرد بهذا الحديث بل تابعه محمد بن جعفر في الرواية الآتية وهو ثقة "وقد رحلت له راحلته" أي وضع الرحل على راحلته لركوبه السفر. والراحلة هي البعير القوي على الأسفار والأحمال يستوي فيه الذكر وغيره، وهاؤه للمبالغة "فقلت له سنة" أي هذا سنة؟ "فقال سنة" فيه دليل لمن قال إنه يجوز للمسافر أن يفطر في بيته قبل أن يخرج. وفي الباب حديث عبيد بن جبير قال: كنت مع أبي بصرة الغفاري في سفينة من الفسطاط في رمضان فرفع ثم قرب غداءه قال: اقترب. قلت: ألست ترى البيوت؟ قال: أترغب عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فأكل، أخرجه أبو داود وسكت عنه هو والمنذري والحافظ في التلخيص، وقال الشوكاني في النيل: رجال إسناده ثقات.

(3/512)


797 ـ حدثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ حدثنا سَعِيدُ بنُ أبي مَرْيَم حدثنا محمدُ بنُ جَعْفَرٍ قال حَدّثَني زَيْدُ بنُ أَسْلَمَ قال حَدّثَني محمدُ بنُ المُنْكَدِرِ عن محمدِ بنِ كَعْبٍ قال: "أتَيْتُ أَنَسَ بنَ مالِكٍ في رَمَضَانَ فَذَكَرَ نَحْوَهُ".
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ ومحمدُ بنُ جَعْفَرٍ هُوَ ابنُ أَبي كَثِيرٍ هو مَدِينِيّ ثِقَةٌ وهُو أخُو إسماعِيلَ بنِ جَعْفَرٍ وعَبْدُ الله بنُ جَعْفَرٍ هُوَ ابنُ نَجيحٍ والِدُ عليّ بنِ المَديِنيّ. وكانَ يَحْيى بنُ معِين يُضَعّفُهُ. وقد ذَهَبَ بعْضُ أهْلِ العِلمِ إلى هذا الحَدِيثِ وقالوا لِلْمُسافِرِ أَنْ يُفْطِرَ في بَيْتِهِ قَبْلَ أنْ يَخْرُجَ وليْس لهُ أَنْ يَقْصُرَ الصّلاَةَ حتّى يَخْرُجَ مِنْ جِدارِ المَدينَةِ أوِ القَرْيَةِ وهُوَ قَوْلُ إسحاقَ بنِ إبراهيم
ـــــــ
قوله: "هذا حديث حسن" ولا بأس بكون عبد الله بن جعفر في الطريق الأولى فإنه لم يتفرد به بل تابعه محمد بن جعفر في الطريق الثانية وهو ثقة.
قوله: "وقد ذهب بعض أهل العلم إلى هذا الحديث الخ" قال الشوكاني في النيل: وهذان الحديثان يعني حديث أنس وحديث عبيد بن جبر يدلان على أنه يجوز للمسافر أن يفطر قبل خروجه من الموضع الذي أراد السفر منه. قال ابن العربي في العارضة: هذا صحيح ولم يقل به إلا أحمد، أما علماؤنا فمنعوا منه، لكن اختلفوا: إذا أكل هل عليه كفارة؟ فقال مالك: لا، وقال أشهب هو متأول، وقال غيرهما: يكفر ونحب أن لا يكفر لصحة الحديث ولقول أحمد عذر يبيح الإفطار فطريانه1 على الصوم يبيح الفطر كالمرض، وفرق بأن المرض لا يمكن دفعه بخلاف السفر قال ابن العربي: وأما حديث أنس فصحيح يقتضي جواز الفطر مع أهبة السفر ثم ذكر أن قوله من السنة لا بد من أن يرجع إلى التوقيف. والخلاف في ذلك معروف في الأصول. والحق أن قول الصحابي من السنة ينصرف إلى سنة الرسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد صرح هذان الصحابيان بأن الإفطار للمسافر قبل مجاوزة البيوت من السنة انتهى ما في النيل "وهو قول إسحاق بن إبراهيم" هو إسحقاق بن راهويه
ـــــــ
1 كذا بالأصل ولعل الصواب "فسريانه على الصوم"

(3/513)


76ـ باب ما جَاءَ في تُحْفَةِ الصّائِم
798 ـ حدثنا أحمدُ بنُ مَنيعٍ، حدثنا أبُو مُعَاوِيةَ عن سعدِ بنِ طَريفٍ عن عُمَيْرِ بنِ مأْمُونٍ عنِ الحَسَنِ بنِ عَلِي قالَ: قال رَسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "تُحْفَةُ الصّائِمِ الدّهْنُ والمِجْمَرُ".
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ غريبٌ ليْسَ إِسْنَادُهُ بِذاكَ لا نَعْرِفُهُ إلاّ مِنْ حديثِ سَعْدِ بنِ طَريف. وسَعْد بن طريف يُضَعّفُ ويُقَالُ عُمَيْرُ بنُ مأْمُومٍ أَيْضاً.
ـــــــ
باب ما جَاءَ في تُحْفَةِ الصّائِم
قوله: "عن سعد بن طريف" الحنظلي الكوفي متروك ورماه ابن حبان بالوضع وكان رافضياً كذا في التقريب "عن عمير بن مأمون" مقبول من الرابعة.
قوله: "تحفة الصائم الدهن والمجمر" بكسر الميم هو الذي يوضع فيه النار للبخور. قال في النهاية: يعني أنه يذهب عنه مشقة الصوم وشدته، والتحفة طرفة الفاكهة وقد تفتح الحاء والجمع التحف ثم تستعمل في غير الفاكهة من الألطاف والنغض انتهى. فإذا زار أحدكم أخاه وهو صائم فليتحفه بذلك.
قوله: "هذا حديث غريب ليس إسناده بذاك" أي ليس إسناده بالقوى "وسعد يضعف" قال ابن معين: لا يحل لأحد أن يروي عنه، وقال أحمد وأبو حاتم ضعيف الحديث وقال النسائي والدارقطني متروك، وقال ابن حبان: كان يضع الحديث على الفور، وقال البخاري: ليس بالقوي عندهم، كذا في الميزان. وذكر الذهبي فيه حديث الباب من منكراته.
قوله: "ويقال عمير بن مأموم أيضاً" يعني بالميم بدل النون

(3/514)


77 ـ باب ما جَاءَ في الفِطْرِ والأضْحَى مَتى يكُون
799 ـ حدثنا يَحْيى بنُ موسى، حدثنا يَحْيى بنُ اليَمانِ عن مَعْمَرٍ عن
ـــــــ
"باب ما جاء في الفطر والأضحى متى يكون"
وقد بوب الترمذي فيما تقدم بلفظ: باب ما جاء أن الفطر يوم تفطرون والأضحى يوم تضحون، وذكر فيه حديث أبي هريرة مرفوعاً: الصوم يوم تصومون والفطر يوم تفطرون والأضحى يوم تضحون وحسنه.

(3/514)


محمد بن المندكر عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :"الفطر يوم يفطر الناس والأضحى يوم يضحّي الناس"
قال أبو عيسى: سألت محمدا قلت له: محمد بن المنكدر سمع من عائشة؟ قال : نعم يقول في حديثه سمعت عائشة.
قال أبو عيسى: وهذا حديث حسن غريب صحيح من هذا الوجه.
ـــــــ
قوله: الفطر يوم يفطر الناس والأضحى يوم يضحي الناس" قال الترمذي فيما تقدم: فسر بعض أهل العلم هذا الحديث فقال الصوم والفطر مع الجماعة وعظم الناس انتهى، قال في سبل السلام: فيه دليل على أنه يعتبر في ثبوت العيد الموافقة للناس وأن المنفرد بمعرفة يوم العيد بالرؤية يجب عليه موافقة غيره ويلزمه حكمهم في الصلاة والإفطار والأضحية انتهى. وقد تقدم الكلام في هذا.

(3/515)


78 ـ باب ما جَاءَ في الإعْتِكافِ إذَا خَرَجَ مِنْه
800ـ حدثنا محمدُ بنُ بَشّارِ حدثنا ابنُ أبي عَدِي قال: أنْبأَنَا حُمَيْدٌ الطّوِيلُ عن أنَسِ بنِ مالِكٍ قالَ: "كانَ النبيّ صلى الله عليه وسلم يَعْتَكِفُ في العَشْرِ الأوَاخِرِ مِنْ رَمضَانَ، فَلَم يَعتَكِف عاماً. فلمّا كانَ في العَامِ المُقْبِلِ اعتكَفَ عِشْرِينَ".
ـــــــ
.باب ما جاء في الاعتكاف إذا خرج منه"
قد عقد الترمذي فيما تقدم باب الاعتكاف ثم عقد عدة أبواب لا تعلق لها بالاعتكاف ثم عقد هذا الباب وهذا ليس بمستحسن، وكان له أن يسوق أبواب الاعتكاف كلها متوالية متناسقة.
قوله: " فلم يعتكف عاماً" قال القاري: لعله كان لعذر انتهى. قلت: الظاهر أن عدم اعتكافه كان لعذر السفر، يدل عليه ما أخرجه النسائي واللفظ له وأبو داود وصححه ابن حبان وغيره من حديث أبي بن كعب أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان فسافر عاماً فلم يعتكف فلما كان العام المقبل اعتكف عشرين، كذا في الفتح "فلما كان العام المقبل" اسم فاعل من الإقبال " "اعتكف عشرين"" بكسر العين والراء وقيل بفتحهما على التثنية،

(3/515)


قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ مِنْ حديث أَنَسٍ بن مالك. واخْتَلَفَ أَهْلُ العلمِ في المُعْتَكِفِ إذَا قَطَعَ اعْتِكَافَهُ قَبْلَ أَنْ يُتِمّهُ على ما نَوَى، فقالَ بَعْضُ أَهلِ العِلمِ إذَا نَقَضَ اعْتِكَافَهُ وَجَبَ عليهِ القَضَاءُ، واحْتَجّوا بالحَدِيثِ: "أَنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم خَرَجَ مِنَ اعْتِكَافِهِ فاعْتَكَفَ عَشْراً مِنْ شَوّالٍ، وهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ. وقالَ بَعْضُهُمْ: إنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ نَذْرُ اعْتِكَافٍ أَو شَيْءٌ أَوْجَبَهُ على نَفْسِهِ وكانَ مُتَطَوّعاً فَخَرَجَ فَلَيْسَ عليهِ أَنْ يَقْضِيَ، إِلاّ أنْ يُحبّ ذلكَ اخْتِيَاراً مِنْهُ ولا يَجِبُ ذلكَ عليهِ". وهُوَ قَوْلُ الشّافَعِيّ.
قالَ الشّافِعِيّ: فكُلّ عَمَلٍ لَكَ أن لا تَدْخُلَ فيهِ، فإِذَا دَخَلْتَ فيهِ فَخَرَجْتَ مِنْهُ فَلَيْسَ عَلَيْكَ أَنْ تَقْضِيَ إلاّ الحَجّ والعُمْرَةَ. وفي البابِ عن أَبي هُرَيْرَةَ.
ـــــــ
قال في اللمعات: أي اهتماماً ودلالة على التأكيد لا لأن ما فات من النوافل المؤقتة يقضي انتهى. ووجه المناسبة بالترجمة أنه صلى الله عليه وسلم لما قضى الاعتكاف لمجرد النية وكان لم يشرع فيه بعد فقضاؤه بعد الشروع أولى بالثبوت كذا في بعض الحواشي.
قوله هذا حديث حسن غريب صحيح من حديث أنس وأخرجه النسائي وأبو داود من حديث أبي بن كعب وصححه ابن حبان وغيره كما تقدم.
قوله: " "قبل أن يتمه على ما نوى" " أي قبل إتمامه على قدر ما نوى، "فقال بعض أهل العلم: إذا نقض اعتكافه وجب عليه القضاء واحتجوا بالحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج من اعتكافه فاعتكف عشراً من شوال" " أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه عن عائشة رضي الله تعالى عنها، وفي حديث البخاري: فترك الاعتكاف ذلك الشهر ثم اعتكف عشراً من شوال، ولفظ " "خرج من اعتكافه" " ليس في واحد من هذه الكتب الخمسة ولم أقف على من أخرج الحديث بهذا اللفظ "وهو قول مالك" وبه قال الحنفية " "وهو قول الشافعي"" وأجاب الشافعي ومن تبعه عن حديث عائشة المذكور بأن قضاءه صلى الله عليه وسلم للاعتكاف كان على طريق الاستحباب لأنه كان إذا عمل عملاً أثبته ولهذا لم ينقل أن نساءه اعتكفن معه في شوال " "وكل عمل"" مبتدأ " "لك أن لا تدخل فيه"" صفة للمبتدأ أو هو كناية عن أن يكون نفلاً.
قوله: " "وفي الباب عن أبي هريرة"" لينظر من أخرجه

(3/516)


79ـ باب المُعْتَكِفِ يَخْرُجُ لَحاجَتِهِ أَمْ لا؟
801 ـ حدثنا أَبو مُصْعَبٍ المدني قِرَاءَةً عن مَالِكِ بنِ أَنَسٍ عن ابنِ شِهَابٍ عن عُرْوَةَ و عَمْرَةَ عن عَائِشَةَ أَنها قالَتْ: "كانَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إذَا اعْتَكَفَ أدْنَى إِليّ رَأْسَهُ فأُرَجّلُهُ، وكانَ لا يَدْخُلُ البَيْتَ إلا لِحاجَةِ الإنْسَانِ".
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. هَكَذَا رَوَاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ
ـــــــ
باب المُعْتَكِفِ يَخْرُجُ لَحاجَتِهِ أَمْ لا؟
قوله: "عن مالك بن أنس عن ابن شهاب عن عروة وعمرة عن عائشة" كذا وقع في النسخ الموجودة عندنا عن عروة وعمرة عن عائشة بالجمع بينهما والصواب أن يكون عن عروة عن عمرة عن عائشة يدل عليه قول الترمذي الاَتي: وهكذا رواه غير واحد عن مالك بن أنس عن ابن شهاب عن عروة عن عمرة عن عائشة. وقال الحافظ في الفتح: ورواه مالك يعني عن ابن شهاب الزهري عن عروة عن عمرة. قال أبو داود وغيره: لم يتابع عليه، وذكر البخاري أن عبيد الله بن عمر تابع مالكاً وذكر الدارقطني أن أبا أويس رواه كذلك عن الزهري انتهى ما في الفتح "أدنى" أي قرب "إلي" بتشديد الياء "رأسه" زاد الشيخان في روايتهما: وهو في المسجد "فأرجله" من الترجيل وهو تسريح الشعر وهو استعمال المشط في الرأس أي أمشطه وأدهنه. قال الحافظ في الفتح: وفي الحديث جواز التنظيف والتطيب والغسل والحلق والتزين إلحاقاً بالترجل. والجمهور على أنه لا يكره فيه إلا ما يكره في المسجد. وعن مالك: تكره فيه الصنائع والحرف حتى طلب العلم انتهى. وقال ابن الملك: فيه دليل على أن المعتكف لو أخرج بعض أجزائه من المسجد لا يبطل اعتكافه "وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان" فسرها الزهري بالبول والغائظ وقد اتفقوا على استئنائهما، واختلفوا في غيرهما من الحاجات كالأكل والشرب ولو خرج لهما فتوضأ خارج المسجد لم يبطل، ويلتحق بهما القيء والفصد لمن احتاج إليه.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه.

(3/517)


عَنْ مَالِكِ عن ابنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ وعَمرةَ عن عَائِشَةَ ورواه بعضهم عن مالك عن ابنِ شِهَابٍ عن عُرْوَةَ عن عَمْرَةَ عن عَائِشَةَ والصّحِيحُ عن عُرْوَةَ وعَمْرَةَ عن عَائِشَةَ.
802 ـ حدثنا بِذَلِكَ قُتَيْبةُ حدثنا اللّيْثُ بن سعد عن ابن شهاب عن عروة و عمرة عن عائشة والعملُ على هذَا عِنْدَ أَهْلِ العِلمِ إذَا اعْتَكَفَ الرّجُلُ أن لا يخرج من اعتكافه الا لحاجة الانسان واجتمعوا على هذا أنه يخرج لِقَضَاءِ حَاجَتِهِ لِلْغَائِطِ والْبَوْلِ. ثُمّ اخْتَلَفَ أَهْلُ العِلمِ في عِيَادَةِ المرِيضِ وشُهُودِ الجُمُعَةِ والجَنَازَةِ للمُعْتَكِفِ، فَرَأَى بَعْضُ أَهلِ العِلمِ مِنْ أصْحَابِ النبيّ صلى الله عليه وسلم وغَيْرِهِمْ أَنْ يَعُودَ المرِيضَ ويُشَيّعَ الجَنَازَةَ ويَشْهَدَ الجُمُعَةَ إذا اشْتَرَطَ ذَلِكَ، وهوُ قَوْلُ سُفْيَانَ الثّوْرِيّ وابنِ المُبَاركِ
ـــــــ
قوله: "والصحيح عن عروة وعمرة عن عائشة، هكذا روى الليث بن سعد عن ابن شهاب عن عروة وعمرة عن عائشة" روى البخاري في صحيحه قال: حدثنا قتيبة حدثنا الليث عن ابن شهاب عن عروة وعن عمرة بنت عبد الرحمَن أن عائشة الخ. قال الحافظ في الفتح: قوله: عن عروة وعمرة كذا في رواية الليث جمع بينهما ورواه يونس عن الأوزاعي عن الزهري عن عروة وحده، ورواه مالك عنه عن عروة عن عمرة إلى آخر ما نقلنا عبارته فيما تقدم ثم قال: واتفقوا على أن الصواب قول الليث وأن الباقين اختصروا منه ذكر عمرة، وأن ذكر عمرة في رواة مالك من المزيد في متصل الأسانيد، وقد رواه بعضهم عن مالك فوافق الليث. انتهى كلام الحافظ.
قوله: "وأجمعوا على هذا أنه يخرج لقضاء حاجته للغائط والبول" وكذا لغسل الجناية أن لا يمكنه الاغتسال في المسجد "فرأى بعض أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم أن يعود المريض ويشيع الجنازة ويشهد الجمعة إذا اشترط ذلك" أي في ابتداء اعتكافه "وهو قول سفيان الثوري وابن المبارك" وهو قول إسحاق كما بينه الترمذي فيما بعد. قال الحافظ في الفتح: وقال الثوري والشافعي وإسحاق: إن شرط شيئاً من ذلك يعني عيادة المريض وتشييع الجنازة وشهود الجمعة لم يبطل اعتكافه بفعله وهو رواية عن أحمد انتهى. قلت: قولهم

(3/518)


وقالَ بَعْضُهُمْ: لَيْسَ لَهُ أنْ يَفْعَل شَيْئاً مِنْ هذَا وَرَأَوْا للمُعْتَكِفِ إذَا كانَ في مِصْرٍ يُجَمّعُ فيهِ أنْ لا يَعْتَكِفَ إلاّ في مَسْجِدِ الجَامِعِ لأنّهُم كَرِهُوا الخُرُوجَ له مِنْ مُعْتَكَفِهِ إلى الجُمُعَةِ، ولَمْ يَرَوْا لَهُ أَنْ يَتْرُكَ الجُمُعَةَ فقالوا لا يَعْتَكِفُ إلاّ في مَسْجِدِ الجَامِعِ حتّى لا يَحْتَاجَ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ مُعْتَكَفِهِ لِغَيْرِ قضاءِ حاجةِ الإنسانِ لأن خروجه لِغَيْرِ حاجةِ الإنْسَانِ قَطْعٌ عِنْدَهُمْ للاْعتِكَافِ، هُوَ قَوْلُ مَالِكٍ والشّافِعِيّ. وقالَ أحمدُ: لاَ يَعُودُ المَرِيضَ ولاَ يَتْبَعُ الجَنَازَةَ على حَدِيثِ عَائِشَةَ. وقال إسحاقُ: إن اشْتَرَطَ ذلكَ فَلَهُ أنْ يَتْبَعَ الجَنَازَةَ ويَعُودَ المَريِضَ.
ـــــــ
هذا محتاج إلى دليل صحيح "وقال بعضهم: ليس له أن يفعل شيئاً من هذا" واحتجوا بما روى أبو داود من طريق عبد الرحمَن بن إسحاق عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: السنة على المعتكف أن لا يعود مريضاً ولا يشهد جنازة ولا يمس امرأة ولا يباشرها ولا يخرج لحاجة إلا ما لا بد منه، ولا اعتكاف إلا بصوم، ولا اعتكاف إلا في مسجد جامع. قال أبو داود غير عبد الرحمَن لا يقول فيه السنة. وقال المنذري في مختصره: وعبد الرحمَن بن إسحاق أخرج له مسلم ووثقه يحيى بن معين وأثنى عليه غيره، وتكلم فيه بعضهم انتهى، وقال الحافظ في بلوغ المرام بعد ذكر هذا الحديث: لا بأس برجاله إلا أن الراجح وقف آخره وقال في فتح الباري: وجزم الدارقطني بأن القدر الذي من حديث عائشة قولها: لا يخرج إلا لحاجة، وما عداه ممن دونها، وروينا عن علي والنخعي والحسن البصري إن شهد المعتكف جنازة أو عاد مريضاً أو خرج للجمعة بطل اعتكافه، وبه قال الكوفيون وابن المنذر إلا في الجمعة انتهى. يعني أن الكوفيين يقولون: إذا خرج المعتكف للجمعة لا يبطل اعتكافه، وإن شهد الجنازة أو عاد مريضاً يبطل. قال صاحب شرح الوقاية: ولا يخرج منه إلا لحاجة الإنسان أو للجمعة وقت الزوال انتهى. وقال الأمير اليماني في سبل السلام في شرح حديث عائشة قالت: السنة على المعتكف أن لا يعود مريضاً الخ ما لفظه: فيه دلالة على أنه لا يخرج المعتكف لشيء مما عينته هذه الرواية وأيضاً لا يخرج لشهود الجمعة وأنه إن فعل

(3/519)


ـــــــ
ذلك بطل اعتكافه، وفي المسألة خلاف كبير ولكن الدليل قائم على ما ذكرناه انتهى كلام الأمير. قلت: ويؤيده حديث عائشة: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يسأل عن المريض إلا ماراً في اعتكافه ولا يعرج عليه، أخرجه أبو داود وفيه ليث بن أبي سليم وهو ضعيف والصحيح عن عائشة من فعلها وكذلك أخرجه مسلم وغيره، وقال ابن حزم صح ذلك عن علي، كذا في التلخيص "ورأوا للمعتكف إذا كان في مصر يجمع فيه لا يعتكف إلا في المسجد الجامع الخ" هذا هو المختار عندي والله تعالى أعلم

(3/520)


80 ـ باب ما جَاءَ في قِيَامِ شَهْرِ رَمَضَان
803 ـ حدثنا هَنّادٌ، حدثنا محمدُ بنُ الفُضَيْلِ عن دَاوُدَ بنِ أبي هِنْدٍ عن الوَلِيدِ بنِ عَبْدِ الرحمَنِ الجُرَشِيّ عن جُبَيْرِ بنِ نُفَيْرٍ عن أَبي ذَرَ قال: "صُمْنَا مَعَ رَسولِ الله صلى الله عليه وسلم فَلَمْ يُصَلّ بِنَا حتّى بَقِيَ سَبْعٌ مِنَ الشّهْرِ فقامَ بِنَا حتَى ذَهَبَ ثُلُثُ اللّيْلِ ثُمّ لَمْ يَقُمْ بِنَا في السّادِسَةِ وقَامَ بِنَا في الخَامِسَةِ حتّى ذَهَبَ شَطْرُ اللّيْلِ، فَقُلْنَا له يا رسولَ الله لو نفّلْتَنَا بَقِيّةَ لَيْلَتِنَا هَذِهِ؟ فَقَالَ إنّهُ مَنْ قَامَ مَعَ الإمَامِ حَتّى يَنْصَرِفَ هو كُتِبَ لَهُ قِيَامُ
ـــــــ
باب ما جَاءَ في قِيَامِ شَهْرِ رَمَضَان
قوله : "صمنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم" أي في رمضان "فلم يصل بنا" أي لم يصل بنا غير الفريضة من ليالي شهر رمضان، وكان إذا صلى الفريضة دخل حجرته "حتى بقي سبع من الشهر" أي ومضى اثنان وعشرون. قال الطيبي: أي سبع ليال نظراً إلى المتيقن وهو أن الشهر تسع وعشرون فيكون القيام في قوله "فقام بنا" أي ليلة الثالثة والعشرين، والمراد بالقيام صلاة الليل "حتى ذهب ثلث الليل" أي صلى بنا بالجماعة صلاة الليل إلى ثلث الليل، وفيه ثبوت صلاة التراويح بالجماعة في المسجد أو الليل "ثم لم يقم بنا في السادسة" أي مما بقي وهي الليلة الرابعة والعشرون " "وقام بنا في الخامسة"" وهي الليلة الخامسة والعشرون "حتى ذهب شطر الليل" أي نصفه "لو نفلتنا" من التنفيل "بقية ليلتنا هذه" أي لو جعلت بقية الليل زيادة لنا على قيام الشطر. وفي النهاية: لو زدتنا من الصلاة النافلة سميت

(3/520)


لَيْلَةٍ. ثُمّ لَمْ يُصَلّ بِنَا حَتى بَقِيَ ثَلاَثٌ مِنَ الشهْرِ وصَلّى بِنَا في الثّالِثَةِ وَدَعَا أَهْلَهُ ونِسَاءَهُ فَقَامَ بِنَا حَتّى تَخَوّفْنَا الفَلاَحَ، قُلْتُ لَهُ: ومَا الفَلاَحُ؟ قالَ: "السّحورُ".
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
بها النوافل لأنها زائدة على الفرائض. قال المظهر: تقديره لو زدت قيام الليل على نصفه لكان خيراً لنا، ولو للتمني "إنه" ضمير الشأن "من قام مع الإمام" ي من صلى الفرض معه " "حتى ينصرف"" أي الإمام "كتب له قيام ليلة" أي حصل له قيام ليلة تامة، يعني أن الأجر حاصل بالفرض وزيادة النوافل مبنية على قدر النشاط لأن الله تعالى لا يمل حتى تملوا، والظاهر أن المراد بالفرض العشاء والصبح لحديث ورد بذلك " "حتى بقي ثلاث من الشهر" " أي الليلة السابعة والعشرون والثامنة والعشرون والتاسعة والعشرون " "وصلى بنا في الثالثة" " وهي الليلة السابعة والعشرون " "ودعا أهله ونساءه"" وفي رواية أبي داود: جمع أهله ونساءه والناس " "قلت:"" قائلة جبير بن نفير " "له"" أي لأبي ذر " "ما الفلاح؟ قال السحور" " بالضم والفتح قال في النهاية: السحور بالفتح اسم ما يتسحر به من الطعام والشراب وبالضم المصدر والفعل نفسه، وأكثر ما يروي بالفتح، وقيل الصواب بالضم لأنه بالفتح الطعام، والبركة والأجر والثواب في الفعل لا في الطعام انتهى. قال القاضي: الفلاح الفوز بالبغية، سمي السحور به لأنه يعين على إتمام الصوم وهو الفوز بما كسبه ونواه والموجب للفلاح في الآخرة وقال الخطابي: أصل الفلاح البقاء وسمي السحور فلاحاً إذا كان سبباً لبقاء الصوم ومعيناً عليه انتهى.
تنبيه: إعلم أنه لم يرد في حديث أبي ذر هذا بيان عدد الركعات التي صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في تلك الليالي، لكن قد ورد بيانه في حديث جابر رضي الله عنه وهو أنه صلى الله عليه وسلم، صلى في تلك الليالي ثمان ركعات ثم أوتر كما ستقف عليه.
قوله: " "هذا حديث حسن صحيح"" وأخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه وسكت عنه أبو داود. ونقل المنذري تصحيح الترمذي وأقره، وقال ابن حجر المكي: هذا الحديث صححه الترمذي والحاكم انتهى.

(3/521)


واخْتَلَفَ أَهْلُ العِلمِ في قِيَامِ رَمَضَانَ، فَرَأَىَ بَعْضُهُمْ أَنْ يُصَلّيَ إحْدَى وأَرْبَعِينَ رَكْعَةً مَعَ الوِتْرِ، وهُوَ قَوْلُ أَهْلِ المَدِينَةِ، والعَمَلُ على هذَا عِنْدَهُمْ بالمَديِنَةِ.
ـــــــ
قوله: " "واختلف أهل العلم في قيام رمضان"" أي في عدد ركعات التراويح "فرأى بعضهم أن يصلي إحدى وأربعون ركعة مع الوتر" وهو قول أهل المدينة، ولم أر فيه حديثاً مرفوعاً لا صحيحاً ولا ضعيفاً وروي فيه أثار، فأخرج محمد بن نصر في قيام الليل عن محمد بن سيرين أن معاذاً أبا حليمة القاري كان يصلي بالناس في رمضان إحدى وأربعين ركعة وعن ابن أبي ذئب عن صالح مولى التوأمة قال: أدركت الناس قبل الحرة يقومون بإحدى وأربعين يوترون منها بخمس انتهى. قال العيني: قال شيخنا يعني الحافظ العراقي: وهو أكثر ما قيل فيه. قال العيني: وذكر ابن عبد البر في الاستذكار عن الأسود بن يزيد: كان يصلي أربعين ركعة ويوتر بسبع هكذا ذكره. ولم يقل إن الوتر من الأربعين "والعمل على هذا عندهم بالمدينة" قول الترمذي هذا يخالف ما رواه محمد بن نصر عن ابن أيمن قال مالك: أستحب أن يقوم الناس في رمضان بثمان وثلاثين ركعة ثم يسلم الإمام والناس ثم يوتر بهم بواحدة، وهذا العمل بالمدينة قبل الحرة منذ بضع ومائة سنة إلى اليوم انتهى. قال العيني بعد ذكر هذه الرواية: هكذا روى ابن أيمن عن مالك وكأنه جمع ركعتين من الوتر مع قيام رمضان وإلا فالمشهور عن مالك ست وثلاثون والوتر بثلاث والعدد واحد انتهى كلام العيني. قلت تأويل العيني رواية ابن أيمن بقوله: وكأنه جمع الخ يرده لفظ رواية ابن أيمن فتفكر.
إعلم أن الترمذي رحمه الله في قيام رمضان قولين: الأول: إحدى وأربعون ركعة مع الوتر، والثاني: عشرون ركعة، وفيه أقوال كثيرة لم يذكرها الترمذي قلنا أن نذكرها. قال العيني في عمدة القاري بعد ذكر القول الأول: ورواية ابن أيمن عن مالك المذكورة ما لفظه: وقيل: ست وثلاثون، وهو الذي عليه عمل أهل المدينة، وروى ابن وهب قال: سمعت عبد الله بن عمر يحدث عن نافع قال: لم أدرك الناس إلا وهم يصلون تسعاً وثلاثين ركعة ويوترون منها بثلاث.
وقيل: أربع وثلاثون على ما حكي عن زرارة بن أوفي أنه كذلك كان يصلي بهم في العشر الأخير.

(3/522)


ـــــــ
وقيل: ثمان وعشرون، وهو المروى عن زرارة بن أوفى في العشرين الأولين من الشهر، وكان سعيد بن جبير يفعله في العشر الأخير.
وقيل: أربع وعشرون وهو مروي عن سعيد بن جبير.
وقيل عشرون، وحكاه الترمذي عن أكثر أهل العلم، فإنه مروىيعن عمر وعلي وغيرهما من الصحابة وهو قول أصحابنا الحنفية.
وقيل: إحدى عشرة ركعة، وهو اختيار مالك لنفسه واختاره أبو بكر بن العربي انتهى كلام العيني.
وقال الحافظ جلال الدين السيوطي في رسالته المصابيح في صلاة التراويح: قال الجوزي من أصحابنا عن مالك أنه قال: الذي جمع عليه الناس عمر بن الخطاب أحب إلي وهو إحدى عشرة ركعة وهي صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، قيل له إحدى عشرة ركعة بالوتر؟ قال نعم وثلاث عشرة قريب ، قال ولا أدري من أين أحدث هذا الركوع الكثير انتهى.
قلت: القول الراجح المختار الأقوى من حيث الدليل هو هذا القول الأخير الذي اختاره مالك لنفسه أعني إحدى عشرة ركعة، وهو الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسند الصحيح، بها أمر عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، وأما الأقوال الباقية فلم يثبت واحد منها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بسند صحيح ولا ثبت الأمر به عن أحد من الخلفاء الراشدين بسند صحيح خال عن الكلام. فأما ما قلنا من أن إحدى عشرة ركعة هي الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما روى البخاري ومسلم وغيرهما من حديث أبي سلمة بن عبد الرحمَن أنه سأل عائشة كيف كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان؟ فقالت: ما كان يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة، يصلي أربعاً فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعاً فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثاً الحديث. فهذا الحديث الصحيح نص صريح في أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة.
تنبيه: قد ذكر العيني رحمه الله في عمدة القاري تحت هذا الحديث أسئلة مع أجوبتها وهي مفيدة فلنا أن نذكرها قال: الأسئلة والأجوبة منها أنه ثبت في الصحيح من حديث عائشة أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل العشر الأول يجتهد

(3/523)


ـــــــ
فيه ما لا يجتهد في غيره، وفي الصحيح أيضا من حديثها كان إذا دخل العشر أحيا الليل وأيقظ أهله وجد وشد ميزرة، وهذا يدل على أنه كان يزيد في العشر الأواخر على عادته فكيف يجمع بينه وبين حديث الباب.
فالجواب: أن الزيادة في العشر الأواخر يحمل على التطويل دون الزيادة في العدد.
ومنها أن الروايات اختلف عن عائشة رضي الله عنها في عدد ركعات صلاة النبي صلى الله عليه وسلم بالليل، ففي حديث الباب: إحدى عشرة ركعة، وفي رواية هشام بن عروة عن أبيه: كان يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة، وفي رواية مسروق أنه سألها عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: سبع وتسع وإحدى عشرة سوى ركعتي الفجر، وفي رواية إبراهيم عن الأسود عن عائشة أنه كان يصلي الليل تسع ركعات، رواه البخاري والنسائي وابن ماجه.
والجواب: أن من عدها ثلاث عشرة أراد بركعتي الفجر، وصرح بذلك في رواية القاسم عن عائشة رضي الله عنها: كانت صلاته بالليل عشر ركعات ويوتر بسجدة ويركع بركعتي الفجر فتلك ثلاث عشرة ركعة، وأما رواية سبع وتسع فهي في حالة كبره وكما سيأتي إن شاء الله تعالى انتهى كلام العيني.
قلت: الأمر كما قال العيني رحمه الله في الجواب عن السؤال الثاني. وأما الجواب عن السؤال الأول ففيه أنه قد ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان قد يصلي ثلاث عشرة ركعة سوى الفجر ، فروى مسلم في صحيحه من حديث زيد بن خالد الجهني أنه قال: لأرمقن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم الليلة، فصلى ركعتين خفيفتين ثم صلى ركعتين طويلتين طويلتين طويلتين، ثم صلى ركعتين وهمادون اللتين قبلهما، ثم صلى ركعتين وهما دون اللتين قبلهما، ثم صلى ركعتين وهما دون اللتين قبلهما. ثم أوتر. فلذلك ثلاث عشرة ركعة، فالأحسن في الجواب أن يقال: إنه صلى الله عليه وسلم كان يفتح صلاته بالليل بركعتين خفيفتين كما في هذا الحديث، وروى مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام من الليل افتتح صلاته بركعتين خفيفتين.
وروي أيضاً عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا قام أحدكم من الليل فليفتح صلاته بركعتين خفيفتين". فقد عدت هاتان الركعتان الخفيفتان، فصار قيام الليل ثلاث عشرة ركعة. ولما لم تعد لما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخففهما، صار إحدى عشرة ركعة والله تعالى أعلم.

(3/524)


ـــــــ
ويدل على هذا القول الأخير الذي اختاره مالك لنفسه، أعني إحدى عشرة ركعة حديث جابر رضي الله تعالى عنه قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في شهر رمضان ثمان ركعات وأوتر فلما كانت القابلة اجتمعنا في المسجد، ورجونا أن يخرج فلم نزل فيه حتى أصبحنا ثم دخلنا فقلنا: يا رسول الله اجتمعنا البارحة في المسجد، ورجونا أن تصلي بنا. فقال إني خشيت أن يكتب عليكم رواه الطبراني في الصغير ومحمد بن نصر المروزي في قيام الليل، وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما.
قال الحافظ الذهبي في ميزان الاعتدال بعد ذكر هذا الحديث: إسناده وسط انتهى. وهذا الحديث صحيح عند ابن خزيمة وابن حبان، ولذا أخرجاهما في صحيحهما. وقد ذكر الحافظ ابن حجر هذا الحديث في فتح الباري لبيان عدد الركعات التي صلاها النبي صلى الله عليه وسلم بالناس في شهر رمضان، فهو صحيح عنده أو حسن، فإنه قد قال في مقدمة الفتح: فأسوق إن شاء الله تعالى الباب وحديثه أولاً، ثم أذكر وجه المناسبة بينهما إن كانت خفية ثم استخرج ثانياً ما يتعلق به غرض صحيح في ذلك الحديث، من الفوائد المتنية والإسنادية، من تتمات وزيادات وكشف غامض، وتصريح مدلس بسماع، ومتابعة سامع من شيخ اختلط قبل ذلك، كل من أمهات المسانيد والجوامع والمستخرجات والاجزاء والفوائد، بشرط الصحة أو الحسن فيما أورده من ذلك انتهى.
فإن قلت: قال النيموي في آثار السنن بعد ذكر حديث جابر المذكور: في إسناده لين. وقال في تعليقه: مداره على عيسى بن جارية ثم ذكر جرح ابن معين والنسائي وأبي داود، وتوثيق أبي زرعة وابن حبان. ثم قال: قول الذهبي إسناده وسط ليس بصواب بل إسناده دون وسط انتهى.
قلت: قال الحافظ ابن حجر في شرح النخبة: الذهبي من أهل الاستقراء التام في نقد الرجال انتهى. فلما حكم الذهبي بأن إسناده وسط بعد ذكر الجرح والتعديل في عيسى بن جارية وهو من أهل الاستقرار التام في نقد الرجال، فحكمه بأن إسناده وسط هو الصواب ويؤيده إخراج ابن خزيمة وابن حبان هذا الحديث في صحيحيهما ولا يلتفت إلى ما قال النيموي، ويشهد لحديث جابر هذا حديث عائشة المذكور: ما كان يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة.
ويدل على هذا القول الأخير الذي اختاره مالك أعني إحدى عشرة ركعة ما رواه أبو يعلى من حديث جابر بن عبد الله قال: جاء بن أبي كعب إلى رسول الله

(3/525)


ـــــــ
صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إنه كان مني الليلة شيء يعني في رمضان، قال "وما ذاك يا أبي؟" قال نسوة في داري قلن إنا لا نقرأ القرآن فنصلي بصلاتك. قال فصليت بهن ثمان ركعات وأوترت. فكانت سنة الرضا، ولم يقل شيئاً . قال الهيثمي في مجمع الزوائد: إسناده حسن.
وأما ما قلنا من أن بإحدى عشرة ركعة أمر عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه فلأن الإمام مالك رحمه الله روى في موطئه عن محمد بن يوسف عن السائب بن يزيد أنه قال: أمر عمر بن الخطاب رضي الله عنه أبي بن كعب رضي الله عنه وتميماً الداري أن يقوما للناس بإحدى عشرة ركعة وكان القارئ يقرأ حتى كنا نعتمد على العصي من طول القيام، وما كنا ننصرف إلا في فروع الفجر. ورواه أيضاً سعيد بن منصور وأبو بكر بن أبي شيبة قال النيموي في آثار السنن: إسناده صحيح.
فإن قلت: قال الحافظ في الفتح بعد ذكر أثر عمر رضي الله عنه هذا: ورواه عبد الرزاق من وجه آخر عن محمد بن يوسف فقال: إحدى وعشرين انتهى. وقال الزرقاني في شرح الموطأ قال ابن عبد البر: روى غير مالك في هذا إحدى وعشرون. وهو الصحيح، ولا أعلم أحداً قال فيه إحدى عشرة إلا مالك. ويحتمل أن يكون ذلك أولاً ثم خفف عنهم طول القيام ونقلهم إلى إحدى وعشرين إلا أن الأغلب عندي أن قوله إحدى عشرة وهم انتهى.
قلت: قول ابن عبد البر أن الأغلب عندي أن قوله إحدى عشرة وهم باطل جداً قال الزرقاني في شرح الموطأ بعد ذكر قول ابن عبد البر هذا ما لفظه: ولا وهم وقوله: إن مالكاً انفرد به ليس كما قال. فقد رواه سعيد بن منصور من وجه آخر عن محمد بن يوسف فقال: إحدى عشرة كما قال مالك انتهى كلام الزرقاني. وقال النيموي في آثار السنن: ما قاله ابن عبد البر من وهم مالك فغلط جداً، لأن مالكاً قد تابعه عبد العزيز بن محمد عند سعيد بن منصور في سننه، ويحيى بن سعيد القطان عند أبي بكر بن أبي شيبة في مصنفه، كلاهما عن محمد بن يوسف وقالا إحدى عشرة. كما رواه مالك عن محمد بن يوسف. وأخرج محمد بن نصر المروزي قي قيام الليل من طريق محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن يوسف عن جده السائب بن يزيد قال كنا نصلي في زمن عمر رضي الله عنه في رمضان ثلاث عشرة ركعة

(3/526)


وأَكْثَرُ أهْلِ العِلمِ على ما رُوِيَ عن عُمَر وعلي وغَيْرِهِمَا مِنْ أَصحابِ النبيّ صلى الله عليه وسلم عِشْرِينَ رَكْعَةً.
ـــــــ
قال النيموي: هذا قريب مما رواه مالك عن محمد بن يوسف أي مع الركعتين بعد العشاء انتهى كلام النيموي.
قلت: فلما ثبت أن الإمام مالكاً لم ينفرد بقوله: إحدى عشرة بل تابعه عليه عبد العزيز بن محمد وهو ثقة ويحيى بن سعيد القطان إمام الجرح والتعديل، قال الحافظ في التقريب: ثقة متقن حافظ إمام ظهر لك حق الظهور أن قول ابن عبد البر أن الأغلب أن قوله إحدى عشرة وهم ليس بصحيح بل لو تدبرت ظهر لك أن الأمر على خلاف ما قال ابن عبد البر، أعني أن الأغلب أن قول غير مالك في هذا الأثر إحدى وعشرون كما في رواية عبد الرزاق وهم، فإنه قد انفرد هو بإخراج هذا الأثر بهذا اللفظ، ولم يخرجه به أحد غيره فيما أعلم. وعبد الرزاق وإن كان ثقة حافظاً لكنه قد عمي في آخر عمره فتغير. كما صرح به الحافظ في التقريب. وأما الإمام مالك فقال الحافظ في التقريب: إمام دار الهجرة رأس المتقنين وكبير المثبتين حتى قال البخاري: أصح الأسانيد كلها مالك عن نافع عن ابن عمر انتهى. ومع هذا لم ينفرد هو بإخراج هذا لأثر بلفظ: إحدى عشرة بل أخرجه أيضاً بهذا اللفظ سعيد بن منصور وابن أبي شيبة كما عرفت.
فالحاصل أن لفظ: إحدى عشرة. في أثر عمر بن الخطاب المذكور صحيح ثابت محفوظ، ولفظ إحدى وعشرون في هذا الأثر غير محفوظ والأغلب أنه وهم والله تعالى أعلم.
قوله: "وأكثر أهل العلم على ما روي عن علي وعمر وغيرهما من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عشرين ركعة" أما أثر علي رضي الله عنه فأخرجه البيهقي في سننه وابن أبي شيبة عن أبي الحسناء: أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أمر رجلاً أن يصلي بالناس خمس ترويحات عشرين ركعة. قال النيموي في تعليق آثار السنن: مدار هذا الأثر على أبي الحسناء وهو لا يعرف انتهى.
قلت الأمر كما قال النيموي قال الحافظ في التقريب في ترجمة أبي الحسناء: أنه مجهول وقال الذهبي في ميزانه: لا يعرف انتهى. وروى عن علي أثر آخر فروى البيهقي في سننه من طريق حماد بن شعيب عن عطاء بن السائب عن أبي

(3/527)


ـــــــ
عبد الرحمَن السلمي عن علي رضي الله تعالى عنه ودعاء القراء في رمضان فأمر منهم رجلاً يصلي بالناس عشرين ركعة، قال وكان علي رضي الله تعالى عنه يوتر بهم. وروي ذلك من وجه آخر عن علي. قال النيموي بعد ذكر هذا الأثر: حماد بن شعيب ضعيف. قال الذهبي في الميزان: ضعفه ابن معين وغيره. وقال يحي مرة: لا يكتب حديثه. وقال البخاري: فيه نظر. وقال النسائي: ضعيف. وقال ابن عدي، أكثر حديثه مما لا يتابع عليه انتهى كلام النيموي قلت: الأمر كما قال النيموي.
فائدة قال الشيخ ابن الهمام في التحرير: إذا قال البخاري للرجل فيه نظر فحديثه لا يحتج به، ولا يستشهد به ولا يصلح للاعتبار انتهى كلام ابن الهمام. قلت: فأثر على هذا لا يحتج به ولا يستشهد به ولا يصلح للاعتبار فإن في سنده حماد بن شعيب وقال البخاري فيه نظر.
تنبيه يستدل بهذين الأثرين على أن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه أمر أن يصلي التروايح عشرين ركعة. وعلي أنه رضي الله عنه صلى التروايح عشرين ركعة وقد عرفت أن هذين الأثرين ضعيفان لا يصلحان للاستدلال. ومع هذا فهما مخالفان لما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحديث الصحيح.
وأما أثر عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه فأخرجه أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدثنا وكيع عن مالك بن أنس عن يحيى بن سعيد أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أمر رجلاً يصلي بهم عشرين ركعة. قال النيموي في آثار السنن: رجاله ثقات، لكن يحيى بن سعيد الأنصاري لم يدرك عمر رضي الله تعالى عنه انتهى.
قلت: الأمر كما قال النيموي فهذا الأثر منقطع لا يصلح للاحتجاج ومع هذا فهو مخالف لما ثبت بسند صحيح عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه أمر أبي بن كعب وتميماً الداري أن يقوما للناس بإحدى عشرة ركعة. أخرجه مالك في الموطأ. وقد تقدم، وأيضاً هو مخالف لما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحديث الصحيح. وأما أثر عمر رضي الله تعالى عنه الذي أخرجه عبد الرزاق فقد عرفت حاله، وأخرج أبو بكر بن أبي شيبة في مصنفه عن عبد العزيز بن رفيع قال: كان أبي بن كعب رضي الله تعالى عنه يصلي بالناس في رمضان بالمدينة عشرين ركعة ويوتر بثلاث. قال النيموي عبد العزيز بن رفيع لم يدرك أبي بن كعب انتهى. قلت الأمر كما قال النيموي، فأثر أبي بن كعب هذا منقطع. ومع هذا فهو مخالف لما ثبت عن

(3/528)


وَهُوَ قَوْلُ الثّوْرِيّ وابنِ المُبَارَكِ والشّافِعيّ.رحمه الله وقَالَ الشّافِعيّ:
ـــــــ
عمر رضي الله تعالى عنه أنه أمر أبي بن كعب وتميماً الداري أن يقوما للناس بإحدى عشرة ركعة، وأيضاً هو مخالف لما ثبت عن أبي بن كعب أنه صلى في رمضان بنسوة داره ثمان ركعات وأوتر. وقد تقدم ذكره بتمامه. وفي قيام الليل قال الأعمش: كان أي ابن مسعود "وهو قول سفيان الثوري وابن المبارك والشافعي" وهو قول الحنفية واستدل لهم بما روى ابن أبي شيبة في مصنفه والطبراني وعنه البيهقي من طريق إبراهيم بن عثمان أبي شيبة عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي في رمضان عشرين ركعة سوى الوتر انتهى. وهذا الحديث ضعيف جداً لا يصلح للاستدلال، فاستدلالهم بهذا الحديث ليس بصحيح. قال الحافظ الزيلعي في نصب الراية: وهو معلول بابن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان جد الإمام أبي بكر بن أبي شيبة، وهو متفق على ضعفه، ولينه ابن عدي في الكامل، ثم إنه مخالف للحديث الصحيح عن أبي سلمة بن عبد الرحمَن: أنه سأل عائشة رضي الله عنها كيف كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان؟ قالت ما كان يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة. الحديث انتهى كلام الزيلعي، وقال النيموي في تعليق آثار السنن: وقد أخرجه عبد بن حميد الكشي في مسنده والبغوي في معجمه، والطبراني في معجمه الكبير والبيهقي في سننه، كلهم من طريق أبي شيبة إبراهيم بن عثمان جد الإمام أبي بكر بن أبي شيبة وهو ضعيف، قال البيهقي بعد ما أخرجه: انفرد به أبو شيبة إبراهيم بن عثمان العبسي الكوفي وهو ضعيف انتهى. وقال المزي في تهذيب الكمال: قال أحمد ويحيى وأبو داود ضعيف، وقال يحيى أيضاً ليس بثقة، وقال النسائي والدولابي متروك الحديث وقال أبو حاتم ضعيف الحديث سكتوا عنه، وقال صالح ضعيف لا يكتب حديثه. ثم قال المزي ومن مناكيره حديث: أنه صلى الله عليه وسلم كان يصلي في رمضان عشرين ركعة انتهى. وهكذا في الميزان، وقال الحافظ في التقريب: متروك الحديث انتهى كلام النيموي، وقال الشيخ ابن الهمام في فتح القدير بعد ذكر هذا الحديث: ضعيف بأبي شيبة إبراهيم بن عثمان جد

(3/529)


الإمام أبي بكر بن أبي شيبة، متفق على ضعفه مع مخالفته للصحيح انتهى، وقال العيني في عمدة القاري بعد ذكر هذا الحديث وأبو شيبة هو إبراهيم بن عثمان العبسي الكوفي قاضي واسط جد أبي بكر بن أبي شيبة كذبه شعبة وضعفه أحمد وابن معين والبخاري والنسائي وغيرهم. وأورد له ابن عدي هذا الحديث في الكامل في مناكيره انتهى.
واستدل لهم أيضاً بما روى البيهقي في سننه عن السائب بن يزيد قال: كنا نقوم في زمان عمر ابن الخطاب بعشرين ركعة والوتر وصحح إسناده السبكي في شرح المنهاج وعلي القاري في شرح الموطأ.
قلت: في سنده أبو عثمان البصري واسمه عمرو بن عبد الله قال النيموي في تعليق آثار السنن: لم أقف من ترجم له انتهى. قلت لم أقف أنا أيضاً على ترجمته مع التفحص الكثير وأيضاً في سنده أبو طاهر للفقيه شيخ البيهقي ولم أقف على من وثقه. فمن ادعى صحة هذا الأثر فعليه أن يثبت كون كل منهما ثقة قابلاً للاحتجاج. فإن قلت قال التاج السبكي في الطبقات الكبرى في ترجمة أبي بكر الفقيه: كان إمام المحدثين والفقهاء في زمانه وكان شيخاً أديباً عارفاً بالعربية، له يد طولى في معرفة الشروط، وصنف فيه كتاباً انتهى. فهذا يدل على كونه ثقة قلت: لا دلالة في هذا على كونه ثقة قابلاً للاحتجاج، نعم فيه دلالة على كونه جليل القدر في الحديث والفقه والعربية ومعرفة الشروط، ولكن لا يلزم من هذا كونه ثقة فالحاصل أن في صحة هذا الأثر نظراً وكلاماً، ومع هذا فهو معارض بما رواه سعيد بن منصور في سننه قال: حدثنا عبد العزيز بن محمد حدثني محمد بن يوسف سمعت السائب بن يزيد يقول: كنا نقوم في زمان عمر بن الخطاب رضي الله عنه بإحدى عشرة ركعة. قال الحافظ جلال الدين السيوطي في رسالته المصابيح في صلاة التراويح بعد ذكر هذا الأثر: إسناده في غاية الصحة انتهى، وأيضاً هو معارض بما رواه محمد بن نصر في قيام الليل من طريق محمد بن إسحاق حدثني محمد بن يوسف عن جده السائب بن يزيد قال: كنا نصلي في زمن عمر رضي الله عنه في رمضان ثلاث عشرة ركعة، وهو أيضاً معارض بما رواه مالك في الموطأ، عن محمد بن يوسف عن السائب بن يزيد أنه قال: أمر عمر بن الخطاب أبي بن كعب وتميماً الداري أن يقوما للناس بإحدى عشرة ركعة، فأثر السائب بن يزيد

(3/530)


ـــــــ
الذي رواه البيهقي لا يصلح للاحتجاج. فإن قلت روى البيهقي هذا الأثر بسند آخر بلفظ قال: كانوا يقومون على عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه في شهر رمضان بعشرين ركعة وصحح إسناده النووي وغيره قلت في إسناده أبو عبد الله بن فنجويه الدينوري، ولم أقف على ترجمته، فمن يدعي صحة هذا الأثر فعليه أن يثبت كونه ثقة قابلاً للاحتجاج. وأما قول النيموي: هو من كبار المحدثين في زمانه، لا يسأل عن مثله، فما لا يلتفت إليه. فإن مجرد كونه من كبار المحدثين لا يستلزم كونه ثقة.
تنبيهات: الأول ـ قال النيموي في تعليق آثار السنن: لا يخفي عليك أن ما رواه السائب من حديث عشرين ركعة قد ذكره بعض أهل العلم بلفظ: إنهم كانوا يقومون على عهد عمر بعشرين ركعة، وعلى عهد عثمان وعلي مثله. وعزاه إلى البيهقي، فقوله وعلي عهد عثمان وعلى مثله قول مدرج لا يوجد في تصانيف البيهقي انتهى كلام النيموي.
قلت: الأمر كما قال النيموي.
الثاني ـ قد جمع البيهقي وغيره بين روايتي السائب المختلفتين المذكورتين بأنهم كانوا يقومون بإحدى عشرة ركعة، ثم كانوا يقومون بعشرين ويوترون بثلاث.
قلت فيه: إنه لقائل أن يقول بأنهم كانوا يقومون أولاً بعشرين ركعة، ثم كانوا يقومون بإحدى عشرة ركعة. وهذا هو الظاهر لأن هذا كان موافقاً لما هو الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وذاك كان مخالفاً له فتفكر.
الثالث: قد ادعى بعض الناس أنه قد وقع الإجماع على عشرين ركعة في عهد عمر رضي الله عنه واستقر الأمر على ذلك في الأمصار.
قلت: دعوى الإجماع على عشرين ركعة واستقرار الأمر على ذلك في الأمصار باطلة جداً. كيف وقد عرفت في كلام العيني رحمه الله أن في هذا أقوالاً كثيرة، وأن الإمام مالكاً رحمه الله قال: وهذا العمل يعني القيام في رمضان بثمان وثلاثين ركعة والإيتار بركعة بالمدينة قبل الحرة منذ بضع ومائة سنة إلى اليوم انتهى. واختار هذا الإمام إمام دار الهجرة لنفسه إحدى عشرة ركعة وكان الأسود بن يزيد النخعي الفقيه يصلي أربعين ركعة ويوتر بسبع وتذكر باقي الأقوال التي

(3/531)


وهَكَذَا أدْرَكْتُ بِبَلَدِنَا بِمَكّةَ، يُصَلّونَ عِشْرِينَ رَكْعَةً. وقال أحْمَدُ: رُوِيَ في هَذَا ألْوانٌ ولم يَقْضِ فيهِ بَشيءٍ، وقال إسحَاقُ بل نخْتَارُ إِحْدَى وأرْبَعِينَ رَكْعَةً عَلَى ما رُوِيَ عن أُبَيّ بنِ كَعْبٍ واخْتَارَ ابنُ المَبارَكِ وأحْمَدُ وإِسْحَاقُ الصّلاةَ مَعَ الإمَامِ في شَهْرِ رَمَضَانَ، واخْتَارَ الشّافِعِيّ أنْ يُصَلّيَ الرّجلُ وَحْدَهُ إذَا كاَنَ قَارِئاً.
ـــــــ
ذكرها العيني، فأين الإجماع على عشرين ركعة؟ وأين الاستقرار على ذلك في الأمصار؟ "وقال أحمد روى في هذا ألوان" أي أنواع من الروايات "لم يقض" أي لم يحكم أحمد "فيه بشيء" وفي كتاب قيام الليل لابن نصر المروزي قال إسحاق بن منصور قلت لأحمد بن حنبل: كم من ركعة يصلي في قيام شهر رمضان؟ فقال قد قيل فيه ألوان نحواً من أربعين إنما هو تطوع قال إسحاق: نختار أربعين ركعة وتكون القراءة أخف انتهى. "وقال إسحاق بل نختار إحدى وأربعين ركعة على ما روي عن بن أبي كعب" لم أقف على من رواه وقد ثبت أن عمر رضي الله عنه أمر أبي بن كعب رضي الله عنه وتميماً الداري أن يقوما للناس بإحدى عشرة ركعة وقد ثبت أيضاً أنه صلى بالنساء في رمضان بثمان ركعات وأوتر وذكره لرسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يقل شيئاً " واختار ابن المبارك وأحمد وإسحاق الصلاة مع الإمام في شهر رمضان" وفي كتاب قيام الليل: وقيل لأحمد بن حنبل: يعجبك أن يصلي الرجل مع الناس في رمضان أو وحده؟ قال يصلي مع الناس. قال ويعجبني أن يصلي مع الإمام ويوتر معه. قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الرجل إذا قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له بقية ليلته". قال أحمد رحمه الله: يقوم مع الناس حتى يوتر معهم ولا ينصرف حتى ينصرف الإمام قال أبو داود: شهدته يعني أحمد رحمه الله شهر رمضان يوتر مع إمامه إلا ليلة لم أحضرها. وقال إسحاق رحمه الله قلت لأحمد: الصلاة في الجماعة أحب إليك أم يصلي وحده في قيام شهر رمضان؟ قال يعجبني أن يصلي في الجماعة يحيي السنة وقال إسحاق كما قال انتهى. "واختار الشافعي أن يصلي الرجل وحده إذا كان قارئاً" أي حافظاً للقرآن كله أو بعضه

(3/532)


81ـ باب ما جَاءَ في فَضْلِ مَنْ فَطّرَ صَائِما
804 ـ حدثنا هَنّادٌ، حدثنا عَبْدُ الرّحِيمِ عنْ عَبْدِ المَلِكِ بنِ أبي سُلَيمَانَ عن عَطاءٍ عَن زَيْدِ بنِ خَالِدٍ الجُهَنِيّ قالَ: قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "من فطّرَ صائِماً كانَ لهُ مثْلُ أجرِهِ غَيْرَ أنّهُ لا يَنْقُصُ مِنْ أجْرِ الصّائِمِ شيئاً".
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
باب ما جَاءَ في فَضْلِ مَنْ فَطّرَ صَائِما
قوله: "من فطر صائماً" قال ابن الملك التفطير جعل أحد مفطراً، أي من أطعم صائماً انتهى. قال القاري: أي عند إفطاره "كان له" أي لمن فطر "مثل أجره" أي الصائم: وقد جاء في حديث سلمان الفارسي. من فطر فيه صائماً كان له مغفرة لذنوبه وعتق رقبته من النار. وكان له مثل أجره من غير أن ينتقص من أجره شيء: قلنا يا رسول الله ليس كلنا نجد ما نفطر به الصائم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يعطي الله هذا الثواب من فطر صائماً على مذقة لبن أو تمرة أو شربة من ماء، ومن أشبع صائماً سقاه الله من حوضي شربة لا يظمأ حتى يدخل الجنة" الحديث، رواه البيهقي. قال ميرك: ورواه ابن خزيمة في صحيحه وقال: إن صح الخبر ورواه من طريقه البيهقي، ورواه أبو الشيخ وابن حبان في الثواب باختصار عنهما، وفي رواية لأبي الشيخ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من فطر صائماً في شهر رمضان من كسب حلال صلت عليه الملائكة ليالي رمضان كلها وصافحه جبريل ليلة القدر ومن صافحه جبريل عليه السلام يرق قلبه وتكثر دموعه"، قال فقلت يا رسول الله من لم يكن عنده؟ قال: فقبضة من طعام قلت: أفرأيت إن لم يكن عنده لقمة خبز قال فمذقة لبن قلت أفرأيت إن لم يكن عنده، قال: "فشربه من ماء"، قال المنذري وفي أسانيدهم علي بن زيد بن جدعان ورواه ابن خزيمة والبيهقي أيضاً باختصار عنه من حديث أبي هريرة، وفي إسناده كثير بن زيد كذا في المرقاة. قلت قال الحافظ في التقريب: علي بن زيد بن جدعان ضعيف وقال في تهذيب التهذيب قال الترمذي صدوق إلا أنه ربما رفع الشيء الذي يوقفه غيره انتهى. فعلي بن زيد هذا ضعيف عند الأكثر صدوق عند الترمذي.

(3/533)


ـــــــ
قوله: هذا حديث حسن صحيح وأخرجه النسائي وابن ماجه وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما، ولفظ ابن خزيمة والنسائي: من جهز غازياً أو جهز حاجاً أو خلفه في أهله أو أفطر صائماً كان له مثل أجورهم من غير أن ينقص من أجورهم. كذا في الترغيب
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.

(3/534)


باب الترغيب في قيام شهر رمضان وما جاء فيه من الفضل
...
82ـ باب التّرْغِيبِ في قِيَامِ رَمَضانَ وما جَاءَ فِيهِ مِنْ الفَضْل
805 ـ حدثنا عبدُ بنُ حُمَيْدٍ، حدثنا عبدُ الرّزّاقِ أخبرنا مَعْمرٌ عنْ الزّهْرِيّ عنْ أبي سَلَمَةَ عنْ أبي هُرَيْرَةَ قالَ: كانَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يُرَغّبُ في قيَامِ رَمَضانَ مِنْ غَيْرِ أنْ يَأْمُرَهُمْ بِعزِيمةٍ ويقول: "مَنْ قامَ رَمَضانَ إيماناً واحْتِسَاباً غُفِرَ لهُ ما تَقدّمَ مِنْ ذَنْبِهِ" فَتُوِفّيَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم والأمْرُ علَى ذلِكَ ثُمّ كانَ الأمرُ كَذَلِكَ في خِلافَةِ أبي بَكْرٍ وصَدْراً مِنْ خِلافَةِ عُمَر علَى ذلِكَ.
ـــــــ
باب التّرْغِيبِ في قِيَامِ رَمَضانَ وما جَاءَ فِيهِ مِنْ الفَضْل
قوله: "يرغب" من الترغيب "من غير أن يأمرهم بعزيمة" أي بفريضة قاله في مجمع البحار وقال القاري: أي بعزم وبث وقطع، يعني بفريضة. وقال الطيبي: العزيمة والعزم عقد القلب على إمضاء الأمر "من قام رمضان إيماناً" أي تصديقاً بوعد الله بالثواب عليه "واحتساباً" أي طلباً للأجر لا لقصد آخر من رياء أو نحوه "غفر له" ظاهره يتناول الصغائر والكبائر وبه جزم ابن المنذر. وقال النووي: المعروف أنه يختص بالصغائر، وبه جزم إمام الحرمين وعزاه عياض لأهل السنة. قال بعضهم: ويجوز أن يخفف من الكبائر إذا لم يصادف صغيرة. كذا في الفتح "ما تقدم من ذنبه" زاد أحمد وغيره: وما تأخر. قال الحافظ: قد استشكلت هذه الزيادة من حيث أن المغفرة تستدعي سبق شيء يغفر، والمتأخر من الذنوب لم يأت فكيف يغفر؟ والجواب أنه كناية عن حفظهم من الكبائر فلا تقع منهم كبيرة بعد ذلك وقيل: أن معناه أن ذنوبهم تقع مغفورة انتهى. "والأمر على ذلك" أي على ترك الجماعة في التراويح وصدراً من خلافة عمر بن الخطاب، أي في أول خلافته وصدر الشيء ووجهه أوله، ثم جمع عمر رضي الله

(3/534)


في البابِ عنْ عائِشَةَ. وقَدْ رُوِيَ هذا الحديثُ أيضاً عنْ الزّهْرِيّ عنْ عُرْوَةَ عنْ عائِشَةَ. عن النبي صلى الله عليه وسلم
ـــــــ
عنه الناس على قاريء واحد ففي صحيح البخاري عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير عن عبد الرحمَن بن عبد القاريء: أنه قال خرجت مع عمر بن الخطاب ليلة في رمضان إلى المسجد فإذا الناس أوزاع متفرقون، يصلي الرجل لنفسه، ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط، فقال عمر: إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل، ثم عزم فجمعهم على أبي بن كعب ثم خرجت معه ليلة أخرى والناس يصلون بصلاة قارئهم. قال عمر رضي الله عنه: نعم البدعة هذه، والتي تنامون عنها أفضل من التي تقومون. يريد آخر الليل وكان الناس يقومون أوله.
قوله: "وفي الباب عن عائشة" أخرجه الشيخان.
قوله: "هذا حديث صحيح" وأخرجه الشيخان

(3/535)