Contents

الواجهة
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد
مقدمة
باب الألف
باب الثاء
باب الجيم
باب الحاء
باب الخاء
باب الدال
باب الراء
باب الزاي
تابع باب الزاء
تابع لحرف الزاء
تابع لحرف الزاء
باب الطاء
باب الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع حرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
باب النون
باب الصاد
باب الضاد
باب العين
تابع لحرف العين
تابع حرف العين
تابع لحرف العين
تابع لحرف العين
باب القاف
باب السين
باب الشين
باب الهاء
باب الواو
باب الياء
تابع باب الياء
باب الكني
باب بلاغات مالك ومرسلاته
باب مافي هذا الديوان من حديث مالك الذي ثبتت عليه أبوابه خاصة
الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج
الديباج - جزء 1
الديباج - جزء 2
الديباج - جزء 3
الديباج - جزء 4
الديباج - جزء 5
الديباج - جزء 6
المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج
المنهاج - مقدمة
المنهاج - الإيمان
المنهاج - الطهارة
المنهاج - الحيض
المنهاج - الصَّلَاة
المنهاج - المساجد ومواضع الصلاة
المنهاج - صلاة المسافرين وقصرها
المنهاج - بَاب صَلَاة الْجُمُعَة
المنهاج - بَاب صَلَاة الْعِيدَيْنِ
المنهاج - بَاب الدُّعَاء فِي صَلَاة الِاسْتِسْقَاء
المنهاج - بَاب صَلَاة الْكُسُوف
المنهاج - كِتَاب الْجَنَائِز
المنهاج - الزكاة
المنهاج - كِتَاب الصِّيَام
المنهاج - كِتَاب الِاعْتِكَاف
المنهاج - كِتَاب الْحَجّ
المنهاج - كِتَاب النِّكَاح
المنهاج - الرضاعة
المنهاج - الطلاق
المنهاج - اللِّعَان
المنهاج - العتق
المنهاج - البيوع
المنهاج - المساقاة
المنهاج - الفرائض
المنهاج - الهبات
المنهاج - الوصية
المنهاج - النذر
المنهاج - الأيمان
المنهاج - القسامة
المنهاج - الحدود
المنهاج - الأقضية
المنهاج - اللقطة
المنهاج - الجهاد والسير
المنهاج - الإمارة
المنهاج - الصيد والذبائح
المنهاج - كِتَاب الْأَضْاحَي
المنهاج - الأشربة
المنهاج - اللباس والزينة
المنهاج - الآداب
المنهاج - السلام
المنهاج - الألفاظ من الأدب وغيرها
المنهاج - الشعر
المنهاج - الرؤيا
المنهاج - الفضائل
المنهاج - فضائل الصحابة
المنهاج - البر والصلة والآداب
المنهاج - القدر
المنهاج - العلم
المنهاج - الذكر والدعاء
المنهاج - التوبة
المنهاج - صفات المنافقين
المنهاج - صفة القيامة والجنة والنار
المنهاج - الجنة وصفة نعيمها وأهلها
المنهاج - الفتن وأشراط الساعة
المنهاج - الزهد والرقائق
المنهاج - التفسير
تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي
أبواب الطهارة
أبواب الصلاة
تابع أبواب الصلاة
أبواب الوتر
أبواب الجمعة
تابع لأبواب الجمعة
أبواب العيدين
أبواب السفر
ابواب الزكاة
أبواب الصوم
أبواب الحج
تابع أبواب الحج
أبواب الجنائز
أبواب النكاح
أبواب الرضاع
أبواب الطلاق واللعان
ابواب البيوع
أبواب الأحكام
أبواب الديات
ابواب الحدود
تابع أبواب الحدود
أبواب الصيد
أبواب الأضاحي
أبواب النذور والأيمان
أبواب السير
أبواب الجهاد
أبواب اللباس
أبواب الأطعمة
أبواب الأشربة
تابع أبواب الأشربة
أبواب البر و الصله عن رسول الله صلى الله عليه و آله سلم
أبواب الطب عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الفرائض عن الرسول صلى الله عليه و سلم
أبواب الوصايا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الولاء و الهبة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب القدر عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم
أبواب الفتن عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الرؤيا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الشهادات عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
تابع لأبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صِفَةُ القِيامَة
أبواب صفة الجنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صفة جهنم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإيمان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب العلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإستئذان والآداب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب العلم
أبواب الأمثال
أبواب فضائل القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب القراءات عن رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم
أبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الدعوات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أحاديث شتى من أبواب الدعوات
المناقب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
مناقب الصحابة رضوان الله عليهم
تنوير الحوالك شرح موطأ مالك
كتاب وقوت الصلاة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب السهو
كتاب الجمعة
كتاب الصلاة في رمضان
كتاب صلاة الليل
كتاب صلاة الجماعة
كتاب قصر الصلاة في السفر
كتاب العيدين
كتاب صلاة الخوف
كتاب صلاة الكسوف
كتاب الاستسقاء
كتاب القبلة
كتاب القرآن
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب الجهاد
كتاب النذور و الأيمان
كتاب الضحايا
كتاب الذبائح
كتاب الصيد
كتاب العقيقة
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الرضاع
كتاب البيوع
كتاب القراض
كتاب المساقاة - كتاب كراء الأرض
كتاب الشفعة - كتاب الأقضية
كتاب الوصية - كتاب العتق والولاء
كتاب المكاتب - كتاب المدبر
كتاب الحدود
كتاب الأشربة - كتاب العقول
كتاب القسامة - كتاب الجامع
كتاب القدر - كتاب حسن الخلق
كتاب اللباس - كتاب صفة النبي
كتاب العين - كتاب الشعر
كتاب الرؤيا - كتاب السلام
كتاب الاستئذان والتشميت والصور والتماثيل وغيرها
كتاب البيعة - كتاب الكلام والعينة والتقى
كتاب جهنم - كتاب الصدقة
كتاب العلم - كتاب دعوة المظلوم - كتاب أسماء النبي
حاشية السندي على سنن ابن ماجة
المقدمة
الطَّهَارَة وَسُنَنهَا
الصلاة
الْأَذَان
المساجد والجماعات
أَبْوَاب إِقَامَة الصَّلَاة
الجنائز
الصوم
الزكاة
النكاح
الطلاق
الكفارات
التجارات
الأحكام
الحدود
الديات
الوصايا
الْفَرَائِض
الجهاد
المناسك
الْأَضَاحِيّ
الذبائح
الصيد
الأطعمة
الأشربة
الطب
اللباس
الْآدَاب
الدُّعَاء
تعبير الرؤيا
الْفِتَن
الزُّهْد
شرح سنن ابن ماجه لمغلطاي
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح رياض الصالحين
شرح رياض الصالحين - 01
شرح رياض الصالحين - 02
شرح رياض الصالحين - 03
شرح رياض الصالحين - 04
شرح سنن أبي داود للعيني
مقدمة التحقيق
كتاب الطهارة
كِتابُ الصَلاَةِ
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
عون المعبود شرح سنن أبي داود
كتاب الطهارة
تابع كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
كتاب الزكاة
تابع لكتاب الزكاة
كتاب اللقطة
كتاب المناسك
تابع لكتاب المناسك
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الصيام
تابع لكتاب الصيام
أول كتاب الجهاد
أول كتاب الضحايا
تابع كتاب الضحايا
أول كتاب الصيد
أول كتاب الوصايا
أول كتاب الفرائض
أول كتاب الخراج والفيء والإمارة
أول كتاب الجنائز
تابع لكتاب الجنائز
كتاب الأيمان والنذور
كتاب البيوع
كتاب الإجارة
كتاب القضاء
تابع لكتاب القضاء
كتاب العلم
كتاب الأشربة
كتاب الأطعمة
كتاب الطب
كتاب الكهانة والتطير
كتاب العتق
أول كتاب الحروف والقراءات
أول كتاب الحمام
أول كتاب اللباس
أول كتاب الترجل
أول كتاب الخاتم
أول كتاب الفتن والملاحم
أول كتاب المهدي
أول كتاب الملاحم
أول كتاب الحدود
أول كتاب الديات
أول كتاب السنة
تابع لكتاب السنة
أول كتاب الأدب
أبواب السلام
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن حجر
فتح الباري - هدي الساري مقدمة فتح الباري
فتح الباري - كتاب بدء الوحي
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب العلم
فتح الباري - كتاب الوضوء
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
فتح الباري - كتاب مواقيت الصلاة
فتح الباري - كتاب الأذان
فتح الباري - كتاب الجمعة
فتح الباري - كتاب الخوف
فتح الباري - كتاب العيدين
فتح الباري - كتاب الوتر
فتح الباري - كتاب الاستسقاء
فتح الباري - كتاب الكسوف
فتح الباري - كتاب سجود القرآن
فتح الباري - كتاب تقصير الصلاة
فتح الباري - كتاب التهجد
فتح الباري - كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة
فتح الباري - كتاب العمل في الصلاة
فتح الباري - كتاب السهو
فتح الباري - كتاب الجنائز
فتح الباري - كتاب الزكاة
فتح الباري - كتاب الحج
فتح الباري - كتاب العمرة
فتح الباري - كتاب المحصر
فتح الباري - كتاب جزاء الصيد
فتح الباري - كتاب فضائل المدينة
فتح الباري - كتاب الصوم
فتح الباري - كتاب صلاة التراويح
فتح الباري - كتاب فضل ليلة القدر
فتح الباري - كتاب الإعتكاف
فتح الباري - كتاب البيوع
فتح الباري - كتاب السلم
فتح الباري - كتاب الشفعة
فتح الباري - كتاب الإجارة
فتح الباري - كتاب الحرث والمزارعة
فتح الباري - كتاب المساقاة
فتح الباري - كتاب الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس
فتح الباري - كتاب الخصومات
فتح الباري - كتاب اللقطة
فتح الباري - كتاب المظالم
فتح الباري - كتاب الشركة
فتح الباري - كتاب الرهن
فتح الباري - كتاب العتق
فتح الباري - كتاب المكاتب
فتح الباري - كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها
فتح الباري - كتاب الشهادات
فتح الباري - كتاب الصلح
فتح الباري - كتاب الشروط
فتح الباري - كتاب الوصايا
فتح الباري - كتاب الجهاد و السير
فتح الباري - كتاب فرض الخمس
فتح الباري - كتاب الجزية و الموادعة
فتح الباري - كتاب بدء الخلق
فتح الباري - كتاب أحاديث الأنبياء
فتح الباري - كتاب المناقب
فتح الباري - كتاب فضائل الصحابة
فتح الباري - كتاب مناقب الأنصار
فتح الباري - كتاب المغازي
فتح الباري - كتاب التفسير
فتح الباري - كتاب فضائل القرآن
فتح الباري - كتاب النكاح
فتح الباري - كتاب الطلاق
فتح الباري - كتاب النفقات
فتح الباري - كتاب الأطعمة
فتح الباري - كتاب العقيقة
فتح الباري - كتاب الذبائح والصيد
فتح الباري - كتاب الأضاحي
فتح الباري - كتاب الأشربة
فتح الباري - كتاب المرضى
فتح الباري - كتاب الطب
فتح الباري - كتاب اللباس
فتح الباري - كتاب الأدب
فتح الباري - كتاب الإستئذان
فتح الباري - كتاب الدعوات
فتح الباري - كتاب الرقاق
فتح الباري - كتاب القدر
فتح الباري - كتاب الأيمان والنذور
فتح الباري - كتاب كفارات الأيمان
فتح الباري - كتاب الفرائض
فتح الباري - كتاب الحدود
فتح الباري - كتاب الديات
فتح الباري - كتاب استتابة المرتدين
فتح الباري - كتاب الإكراه
فتح الباري - كتاب الحيل
فتح الباري - كتاب التعبير
فتح الباري - كتاب الفتن
فتح الباري - كتاب الأحكام
فتح الباري - كتاب التمني
فتح الباري - كتاب أخبار الأحاد
فتح الباري - كتاب الإعتصام بالسنة
فتح الباري - كتاب التوحيد
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن رجب
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
مقدمة
خطبة الكتاب
كتاب الإيمان
كتاب العلم
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصوم
كتاب فضائل القرآن
كتاب الدعوات
كتاب المناسك
كتاب البيوع
كتاب الفرائض والوصايا
كتاب النكاح
كتاب العتق
كتاب القصاص
كتاب الديات
كتاب الحدود
كتاب الإمارة والقضاء
كتاب الجهاد
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأطعمة
كتاب اللباس
كتاب الطب والرقى
كتاب الرؤيا
كتاب الآداب
كتاب الرقاق
كتاب الفتن
كتاب صفة القيامة والجنة والنار
كتاب الفضائل والشمائل
كتاب المناقب

 
عودة لموقع هاني الطنبور
هاني الطنبور
الصفحة السابقة الصفحة التالية
 
 

 

تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي

أبواب الحج
باب ما جاء في حرمة مكة
...
أبواب الحج عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
ـــــــ
أبواب الحج عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أصل الحج في اللغة القصد وقال الخليل: كثرة القصد إلى معظم، وفي الشرع القصد إلى البيت الحرام بأعمال مخصوصة، وهو بفتح المهملة وبكسرها لغتان، نقل، الطبري أن الكسر لغة أهل نجد والفتح لغيرهم، ونقل عن حسين الجعفي أن الفتح الاسم والكسر المصدر، وعن غيره عكسه. ووجوب الحج معلوم من الدين بالضرورة وأجمعوا على أنه لا يتكرر إلا لعارض كالنذر، واختلف، هل هو على الفور أو التراخي، وهو مشهور وفي وقت ابتداء فرضه اختلاف فقيل قبل الهجرة وهو شاذ وقيل بعدها ثم اختلف في سنته، فالجمهور على أنها سنة ست. لأنها نزل فيها قوله تعالى {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} وهذا ينبئ على أن المراد بالإتمام ابتداء الفرض ويؤيده قراءة علقمة ومسروق وإبراهيم النخعي بلفظ: وأقيموا أخرجه الطبري بأسانيد صحيحة عنهم. وقيل المراد بالاتمام الاكمال بعد الشروع. وهذا يقتضي تقدم فرضه قبل ذلك وقد وقع في قصة ضمام ذكر الأمر بالحج وكان قدومه على ما ذكر

(3/535)


1 ـ باب ما جَاءَ في حُرْمَةِ مَكّة
806 ـ حدثنا قُتَيْبةُ بنُ سَعدٍ، حدثنا اللّيثُ بنُ سَعدٍ، عن سَعِيدِ بنِ أبي سَعيدٍ المَقْبُرِيّ، عنْ أبي شُرَيْحٍ العَدَويّ أنهُ قالَ لعَمْروِ بنِ سَعِيدٍ وهو يَبْعَثُ البُعُوثَ إلى مَكةَ: "إِئذَنْ لي أيهَا الأميرُ أُحَدّثْكَ قَوْلاً قامَ بهِ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم الغَدَ مِنْ يَوْمِ الفَتْحِ سَمِعَتْهُ أذُنَايَ وَوَعَاهُ قَلْبِي وأَبْصَرَتْهُ عَيْنَايَ
ـــــــ
الواقدي سنة خمس. وهذا يدل أن ثبت على تقدمه على سنة خمس أو وقوعه فيها. قاله الحافظ في فتح الباري.
باب ما جَاءَ في حُرْمَةِ مَكّة
قوله "العدوي" بفتح العين والدال وأبو شريح العدوي هذا هو الخزاعي الصحابي المشهور رضي الله عنه "أنه قال لعمرو بن سعيد" هو ابن العاصي بن سعيد بن العاصي بن أمية القرشي الأموي يعرف بالأشدق وليست له صحبة ولا كان من التابعين بإحسان "وهو" أي عمرو "يبعث البعوث" أي يرسل الجيوش والبعث جماعة من الجند يرسلها الأمير إلى قتال فرقة وفتح بلاد "إلى مكة" أي لقتال عبد الله بن الزبير لكونه امتنع من مبايعة يزيد بن معاوية واعتصم بالحرم وكان عمرو والي يزيد على المدينة. والقصة مشهورة وملخصها أن معاوية عهد بالخلافة بعده ليزيد بن معاوية فبايعه الناس إلا الحسين بن علي وابن الزبير فأما ابن أبي بكر فمات قبل موت معاوية وأما ابن عمر فبايع ليزيد عقب موت أبيه، وأما الحسين بن علي فسار إلى الكوفة لاستدعائهم اياه ليبايعوه فكان ذلك سبب قتله، وأما ابن الزبير فإعتصم ويسمى عائذ البيت وغلب على أمر مكة، فكان يزيد بن معاوية أمر أمراءه على المدينة أن يجهزوا إليه الجيوش، فكان آخر ذلك أن أهل المدينة على خلع يزيد من الخلافة "ايذن" بفتح الذال وتبدل همزته الثانية بالياء عند الابتداء وهو أمر من الإذن بمعنى الإجازة "أحدثك" بالجزم وقيل بالرفع "قولاً" أي حديثاً "قام به" صفة للقول، أي قام رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك القول خطيباً والمعنى حدث به "الغد" بالنصب أي اليوم الثاني من يوم الفتح "سمعته أذناي" بضم الذال وسكونها فيه اشارة إلى بيان حفظه له من جميع الوجوه أي حملته عنه بغير واسطة وذكر الأذنين للتأكيد "ووعاه قلبي" أي حفظه تحقيق لفهمه وتثبته "وأبصرته عيناي" يعني أن سماعه منه ليس اعتماداً على الصوت فقط

(3/536)


حِينَ تَكَلّمَ بهِ، أنّه حَمِدَ الله وأثنَى عليهِ ثُمّ قالَ: إنّ مَكةَ حَرّمَهَا الله ولم يُحَرّمْهَا النّاسُ ولا يَحِلّ لامرئ يُؤْمِنُ بالله واليَوْمِ الآخر أنْ يَسْفِكَ فيهَا دماً أَو يَعْضِدَ بهَا شَجَرَةً فإِنْ أَحَدٌ تَرَخّصَ بقِتَالِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم فِيهَا فَقُولُوا لهُ: إنّ الله أذِنَ لرسولهِ صلى الله عليه وسلم ولَمْ يَأْذَنْ لَكَ وإنما أَذِنَ لي فيه سَاعةً مِنْ النّهَارٍ، وقَدْ عادتْ حُرْمَتُهَا اليَوْمَ كَحُرْمَتِهَا بالأمْسِ ولُيبَلّغْ الشّاهدُ الغَائبَ" فَقِيلَ لأبي شُرَيحٍ: ما قالَ لكَ عَمْروُ؟ قالَ أنَا أَعْلَمُ مِنْكَ بِذَلِكَ يا أبا شُرَيحٍ، إنّ الحَرَمَ لا يُعِيذُ عَاصِياً ولا فَارّاً بِدَمٍ ولا فَارّاً بخَرْبَةٍ.
ـــــــ
بل مع المشاهدة "أنه حمد الله الخ " هو بيان لقوله تكلم "إن مكة حرمها الله تعالى" أي جعلها محرمة معظمة. قال الحافظ: أي حكم بتحريمها وقضاه ولا معارضة بين هذا وبين قوله في حديث أنس: أن إبراهيم حرم مكة لأن المعنى أن إبراهيم حرم مكة بأمر الله تعالى لا باجتهاده انتهى "ولم يحرمها الناس" أي من عندهم، أي أن تحريمها كان بوحي من الله لا باصلاح الناس "أن يسفك" بكسر الفاء وحكى ضمها وهو صب الدم والمراد به القتل "بها" أي بمكة "أو يعضد" بكسر الضاد المعجمة أي يقطع بالمعضد وهو آلة كالفاس "فإن" شرطية "أحد" فاعل فعل محذوف وجوباً يفسره "ترخص" نحو قوله تعالى {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ} "ولم يأذن لك" وبه تم جواب المترخص ثم ابتدأ وعطف على الشرط فقال "وإنما أذن" أي الله "ساعة" أي مقدار من الزمان والمراد به يوم الفتح. وفي مسند أحمد من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن ذلك كان من طلوع الشمس إلى العصر، والمأذون فيه القتال لا الشجر "وقد عادت" أي رجعت "حرمتها اليوم" أي يوم الخطبة المذكورة "كحرمتها بالأمس" أي ما عدا تلك الساعة ويمكن أن يراد بالأمس الزمن الماضي "ما قال لك عمرو بن سعيد" أي في جوابك "قال" أي عمرو "بذلك" أي الحديث أو الحكم "يا أبا شريح" يحتمل أن يكون النداء تتمة لما قبله أو تمهيداً لما بعده "إن الحرم" وفي رواية للبخاري أن مكة " لا يعيذ " من الاعاذة أي لا يجيز ولا يعصم "عاصياً" أي أن إقامة الحد عليه "ولا فاراً بدم" أي هارباً عليه دم يعتصم بمكة كيلا يقتص منه "ولا فاراً بخربة" قال الحافظ بفتح المعجمة وإسكان الراء ثم

(3/537)


قال أبو عيسى: ويُرْوَى "ولا فارّاً بِخَزْيةٍ" قال: وفي البابِ عن أبي هُرَيْرَةَ وابنِ عبّاسٍ.
قال أبو عيسى: حديثُ أبي شُرَيحٍ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وأبو شُرَيْحٍ الخُزَاعِيّ اسمُهُ خُوَيلِدُ بنُ عَمْروٍ وهو العَدَوِيّ وهو الكَعْبِيّ ومَعْنَى قوله: "ولا فارّاً بِخَرْبَةٍ" يَعْنِي الجِنَايَة، يقولُ منْ جَنَى جِنَايَة أوْ أَصَابَ دَماً ثم لجأ إِلى الحَرَمِ فإِنّهُ يُقَامُ عَليهِ الحَدّ.
ـــــــ
موحدة يعني السرقة كذا ثبت تفسيرها في رواية المستملي. قال ابن بطال: الخربة بالضم الفساد وبالفتح السرقة، وقد تصرف عمرو في الجواب وأتى بكلام ظاهره حق لكن أراد به الباطل. فإن الصحابي أنكر عليه نصب الحرب على مكة فأجابه بأنها لا تمنع من اقامة القصاص وهو صحيح. إلا أن ابن الزبير لم يرتكب أمراً يجب عليه فيه شيء من ذلك انتهى.
قوله: "ويروي بخزية" قال ابن العربي في بعض الروايات بكسر الخاء وزاي ساكنة بعدها مثناة تحتية أي بشيء يخزي منه أي يستحي.
قوله: "وفي الباب عن أبي هريرة" أخرجه الجماعة "وابن عباس" أخرجه البخاري ومسلم.
قوله: "حديث أبي شريح حديث حسن صحيح" وأخرجه البخاري ومسلم أيضاً.
قوله: "يقول" أي عمرو بن سعيد يعني يريد عمرو بقوله ولا فاراً بخربة أي من جنى جناية أو أصاب دماً ثم جاء إلى الحرم فإنه يقام عليه الحد وفيه اختلاف بين العلماء وقد بينه الحافظ في الفتح بالبسط والتفصيل من شاء الإطلاع عليه فليرجع إليه

(3/538)


2 ـ باب ما جَاءَ في ثَوابِ الحَجّ والعُمرة
807 ـ حدثنا قُتَيْبةُ و أبو سَعِيدٍ الأشَجّ قالا: أخبرنا أبو خَالِدٍ الأحْمَرُ عنْ عَمْروِ بنِ قَيْسٍ عنْ عَاصِمٍ عنْ شَقيقٍ عنْ عبدِ الله بن مسعود قالَ: قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم : "تابِعُوا بَيْنَ الحَجّ والعُمْرَةِ فإِنهُما يَنْفِيَانِ الفَقْرَ
ـــــــ
باب ما جَاءَ في ثَوابِ الحَجّ والعُمرة
قوله: "عن عبد الله" أي ابن مسعود "تابعوا بين الحج والعمرة" أي

(3/538)


والذنُوبَ كَمَا يَنْفِي الكِيْرُ خَبَثَ الحَدِيدِ والذهَبِ والفِضةِ ولَيْسَ للحَجّةِ المبرُورَةِ ثَوَابٌ إلاّ الجَنّةَ".
قال: وفي البابِ عنْ عُمَرَ وعامِرِ بنِ رَبِيعَةَ وأبي هُرَيْرَةَ وعبدِ الله بنِ حُبْشيّ وأمّ سَلَمَةَ وجَابِرٍ.
قال أبو عيسى: حديثُ ابنِ مَسْعُودٍ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ مِنْ حديثِ عبدِ الله بنِ مسعودٍ.رضي الله عنه
ـــــــ
قاربوا بينهما وأما بالقرآن أو بفعل أحدهما بالاَخر. قال الطيبي رحمه الله: أي إذا اعتمرتم فحجوا وإذا حججتم فاعتمروا "فإنهما" أي الحج والإعتمار "ينفيان الفقر" أي يزيلانه وهو يحتمل الفقر الظاهر بحصول غنى اليد، والفقر الباطن بحصول غنى القلب "والذنوب" أي يمحوانها قيل المراد بها الصغائر ولكن يأباه قوله "كما ينفي الكير" وهو ما ينفخ فيه الحداد لاشتعال النار للتصفية " خبث الحديد والذهب والفضة" أي وسخها "وليس للحجة المبرورة" قيل المراد بها الحج المقبول وقيل الذي لا يخالطه شيء من الإثم ورجحه النووي، وقال القرطبي الأقوال في تفسيره متقاربة المعنى. وحاصلها أنه الحج الذي وفيت أحكامه فوقع مواقعاً لما طلب من المكلف على الوجه الأكمل. كذا قال السيوطي في التوشيح.
قوله: "وفي الباب عن عمر" أخرجه ابن أبي شيبة ومسدد كذا في شرح سراج أحمد انتهى قلت: وأخرجه أحمد وابن ماجه بمثل حديث ابن مسعود. المكذور لكن إلى قوله خبث الحديد "وعامر بن ربيعة" لم أقف على حديثه "وأبي هريرة" أخرجه البخاري ومسلم بلفظ: من حج لله فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه "وعبد الله بن حبشي" بضم الحاء المهملة وسكون الموحدة وكسر الشين المعجمة ولم أقف على حديثه "وأم سلمة" أخرجه أبو داود وابن ماجه "وجابر" أخرجه أحمد والطبراني في الأوسط بإسناد حسن مرفوعاً: الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة قيل وما بره قال: إطعام الطعام وطيب الكلام. ورواه أيضاً ابن خزيمة في صحيحه والبيهقي والحاكم مختصراً وقال: صحيح الإسناد وفي الباب أحاديث كثيرة ذكرها المنذري في الترغيب.
قوله: "حديث ابن مسعود حديث حسن صحيح الخ" وأخرجه ابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما

(3/539)


808 ـ حدثنا ابنُ أبي عُمَر، حدثنا سُفْيانُ بنُ عُيَيْنَةَ عنْ منصُورٍ عنْ أبي حَازِمٍ عنْ أبي هُرَيْرَةَ قالَ: قَالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم "مَنْ حَجّ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ غُفِرَ لهُ ما تقَدّمَ مِنْ ذَنْبِهِ".
قال أبو عيسى: حديثُ أبي هُرَيْرَةَ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وأبو حَازِمٍ كُوفِيّ وهُو الأشْجَعِيّ واسْمُهُ سَلْمَانُ مَوْلَى عَزّةَ الأشْجَعِيّةِ.
ـــــــ
قوله: "من حج" وفي رواية للبخاري من حج هذا البيت قال الحافظ وهو يشمل الحج والعمرة وقد أخرجه الدارقطني بلفظ: من حج أو اعتمر وفي إسناده ضعف "فلم يرفث" بضم الفاء قال الحافظ: فاء الرفث مثلثة في الماضي والمضارع والأفصح، الفتح في الماضي والضم في المستقبل قال الرفث الجماع ويطلق على التعريض به وعلى الفحش في القول وقال الأزهري: الرفث إسم جامع لكل ما يريده الرجل من المرأة وكان ابن عمر يخصه بما خوطب به النساء. وقال عياض: هذا من قول الله تعالى {فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ} والجمهور على أن المراد به في الآية الجماع انتهى. قال الحافظ والذي يظهر أن المراد به في الحديث ما هو أعم من ذلك وإليه نحا القرطبي، وهو المراد بقوله في الصيام: فإذا كان صوم أحدكم فلا يرفث انتهى "ولم يفسق" أي لم يأت بسيئة ولا معصية "غفر له ما تقدم من ذنبه" وفي رواية الصحيحين رجع كيوم ولدته أمه. قال الحافظ في الفتح أي بغير ذنب، وظاهره غفران الصغائر والكبائر والتبعات وهو من أقوى الشواهد لحديث العباس بن مرداس المصرح بذلك وله شاهد من حديث ابن عمر في تفسير الطبري انتهى.
قوله: "حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان.
قوله: "وأبو حازم كوفي وهو الأشجعي وإسمه سلمان الخ" وأما أبو حازم سلمة بن دينار صاحب سهل بن سعد فلم يسمع من أبي هريرة قاله الحافظ

(3/540)


باب ما جاء من التغليظ قي ترك الحج
...
3 ـ باب ما جَاءَ مِنَ التّغْلِيظِ في تَرْكِ الحَج
809 ـ حدثنا محمدُ بنُ يَحْيى القُطَعِيّ البَصْرِيّ، أخبرنا مسْلِمُ بنُ
ـــــــ
باب ما جَاءَ مِنَ التّغْلِيظِ في تَرْكِ الحَج
ي" بضم القاف وفتح الطاء المهلمة البصري صدوق

(3/540)


إبْرَاهِيمَ، حدثنا هِلاَلُ بنُ عبدِالله مَوْلَى رَبِيعَةَ بنِ عَمْروِ بنِ مسْلِمٍ البَاهِلي، حدثنا أبو إسحاقَ الهَمْدَانِيّ عنْ الحَارِثِ عنْ عَلِي قالَ: قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ مَلَكَ زَاداً وَرَاحِلَةً تُبَلّغُه إِلى بَيْتِ الله وَلَمْ يَحجّ فلاَ عَليْهِ أَنْ يمُوت يَهُودِيّاً أو نَصْرَانِيّاً وذَلِكَ أنّ الله يقُولُ في كِتَابِهِ: {ولله عَلَى النّاسِ حِجّ البَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إلَيْهِ سَبِيلاَ}.
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ غريبٌ لا نَعْرِفُهُ إلاّ مِنْ هَذا الوَجْهِ وَفي إسْنَادِهِ مقَالٌ وِهلالُ بنُ عبدِ الله مَجْهُولٌ والحَارِثُ يُضَعّفُ في الحَديثِ.
ـــــــ
من العاشرة "أخبرنا هلال بن عبد الله" قال الحافظ في التقريب هلال بن عبد الله الباهلي مولاهم أبو هاشم البصري متروك من السابعة.
قوله: "من ملك زاداً وراحلة" وأي ولو بالإجازة "تبلغه" بتشديد اللام وتخفيفها أي توصله "فلا عليه" أي فلا بأس ولا مبالاة ولا تفاوت عليه "أن يموت" أي في أن يموت أو بين أن يموت "يهودياً أو نصرانياً" في الكفر إن اعتقد عدم الوجوب وفي العصيان إن اعتقد الوجوب، وقيل هذا من باب التغليظ الشديد وللمبالغة في الوعيد، والأظهر أن وجه التخصيص بهما كونهما من أهل الكتاب غير عاملين به فشبه بهما من ترك الحج حيث لم يعمل بكتاب الله تعالى ونبذه وراء ظهره كأنه لا يعلمه. قال الطيبي: والمعنى أن وفاته بهذه الحالة ووفاته على اليهودية والنصرانية سواء. والمقصود التغليظ في الوعيد كما في قوله تعالى {وَمَنْ كَفَرَ} انتهى "وذلك" أي ما ذكر من شرط الزاد والراحلة والوعيد على ترك هذه العبادة {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ} أي واجب عليهم "حج البيت" بفتح الحاء، وكسرها ويبدل من الناس "من استطاع إليه سبيلاً " أي طريقاً وفسره صلى الله عليه وسلم بالزاد والراحلة: رواه الحاكم وغيره كذا في الجلالين ويأتي الكلام في ذلك في الباب الأتي.
قوله: "وفي إسناده مقال وهلال بن عبد الله مجهول والحارث يضعف في الحديث" أما هلال بن عبد الله فقال الذهبي في الميزان في ترجمته: قال البخاري منكر الحديث وقال الترمذي مجهول وقال العقيلي لا يتابع على حديثه ثم ذكر الذهبي هذا الحديث من طريقه ثم قال ويروى عن علي قوله وقد جاء بإسناد آخر أصلح من هذا انتهى كلام الذهبي وأما الحارث فهو الحارث بن عبد الله الهمداني الأعور كذبه الشعبي وغيره.

(3/541)


ـــــــ
إعلم أن لحديث الباب طرقاً منها هذه التي ذكرها الترمذي ومنها الطريق التي أخرجها سعيد بن منصور في السنن، وأحمد وأبو يعلى والبيهقي عن شريك عن ليث بن أبي سليم عن ابن سابط عن أبي أمامة بلفظ: من لم يحبسه مرض أو حاجة ظاهرة أو سلطان جائز فلم يحج فليمت إن شاء يهودياً وإن شاء نصرانياً. وليث ضعيف وشريك سيء الحفظ وقد خالف سفيان الثوري فأرسله. رواه أحمد في كتاب الإيمان له عن وكيع عن سفيان عن ليث عن ابن سابط. ومنها الطريق التي أخرجها ابن عدي عن عبد الرحمَن القطامي عن أبي المهزم وهما متروكان عن أبي هريرة، قال الحافظ في التلخيص بعد ذكر هذه الطرق مع ألفاظها: وله طريق صحيحة إلا أنها موقوفة رواها سعيد بن منصور والبيهقي عن عمر ابن الخطاب قال: لقد هممت أن أبعث رجالاً إلى أهل الأمصار فينظروا كل من كان له جدة ولم يحج فيضربوا عليه الجزية، ما هم بمسلمين، ما هم بمسلمين، لفظ سعيد ولفظ البيهقي أن عمر قال: ليمت يهودياً أو نصرانياً ـ يقولها ثلاث مرات ـ رجل مات ولم يحج وعنده لذلك سعة وخليت سبيله، قلت وإذا انضم هذا الموقوف إلى مرسل بن سابط، علم أن لهذا الحديث أصلاً، ومحمله على من استحل الترك. وتبين بذلك خطأ من ادعى أنه موضوع انتهى كلام الحافظ

(3/542)


4ـ باب ما جَاءَ في إيجابِ الحَجّ بالزّادِ والرّاحِلَة
810 ـ حدثنا يُوسُفُ بنُ عِيسى، حدثنا وكيعٌ حدثنا إبراهيم بنُ يَزيدَ عن مُحمدِ بنِ عَبّادِ بنِ جَعْفَرٍ عن ابنِ عُمَر قال: جَاءَ رَجُلٌ إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقالَ: "يا رسولَ الله ما يُوجِبُ الحَجّ؟ قال الزّادُ والرّاحِلَةُ".
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ والعملُ عليهِ عِنْدَ أهلِ العلمِ: أَنّ الرّجُلَ إذَا مَلَكَ زَاداً ورَاحِلَةً وَجَبَ عليهِ الحَجّ. وإبراهيم هو ابنُ يَزيدَ الخَوْزِيّ المَكّيّ وقد تَكلّمَ فيهِ بَعْضُ أهلِ العلمِ مِنْ قَبلِ حِفْظِهِ.
ـــــــ
باب ما جَاءَ في إيجابِ الحَجّ بالزّادِ والرّاحِلَة
قوله: "ما يوجب الحج" أي ما شرط وجوب الحج " قال الزاد والراحلة" يعني الحج واجب على من وجدهما ذهاباً وإياباً.
قوله: "هذا حديث حسن" الظاهر أن الترمذي حسنه لشواهده، وإلا ففي

(3/542)


ـــــــ
سند هذا الحديث إبراهيم بن يزيد الخوزي وهو متروك الحديث كما صرح به الحافظ في التقريب. وقال في التلخيص: روى الدارقطني والحاكم والبيهقي من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى { وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً} قال قيل: يا رسول الله ما السبيل؟ قال "الزاد والراحلة". قال البيهقي: الصواب عن قتادة عن الحسن مرسلاً، يعني الذي أخرجه الدارقطني وسنده صحيح إلى الحسن ولا أرى الموصول إلا وهماً. وقد رواه الحاكم من حماد بن سلمة عن قتادة عن أنس أيضاً إلا أن الراوي عن حماد هو أبو قتادة عبد الله بن واقد الحراني، وقد قال أبو حاتم هو منكر الحديث ورواه الشافعي والترمذي وابن ماجه والدارقطني من حديث ابن عمر وقال الترمذي حسن، وهو من رواية إبراهيم بن يزيد الخوزي وقد قال فيه أحمد والنسائي متروك الحديث. ورواه ابن ماجه والدارقطني من حديث ابن عباس وسنده ضعيف أيضاً ورواه ابن المنذر من قول ابن عباس، ورواه الدارقطني من حديث جابر ومن حديث علي بن أبي طالب، ومن حديث ابن مسعود، ومن حديث عائشة ومن حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وطرقها كلها ضعيفة، فقد قال عبد الحق: إن طرقه كلها ضعيفة وقال أبو بكر ابن المنذر: لا يثبت الحديث في ذلك مسنداً. والصحيح من الروايات رواية الحسن المرسلة انتهى

(3/543)


باب ما جاء كم فرض الحج
...
5 ـ باب ما جَاءَكُمْ فُرِضَ الحَجّ؟
811 ـ حدثنا أَبو سَعيدٍ الأشَجّ، حدثنا مَنْصُورُ بنُ وَرْدَان عن عَليّ بنِ عَبْدِ الأعْلَى عن أبيهِ عن أبي البَخْتَرِيّ عن عليّ بنِ أبي طَالِبٍ قالَ لَمّا نَزَلَتْ: {ولله على النّاسِ حِجّ البَيْتِ مَنْ اسْتَطاعَ إلَيْهِ سَبيلاً} قالُوا: يا رسولَ الله أَفِي كلّ عامٍ؟ فَسَكَتَ فَقالوا: يا رسولَ الله أ في كلّ
ـــــــ
باب ما جَاءَكُمْ فُرِضَ الحَجّ
قوله: "عن أبي البختري" بفتح الموحدة وسكون الخاء المعجمة وفتح المثناة الفوقية وكسر الراء وشدة ياء تحتانية، وهو سعيد بن فيروز بن أبي عمران الطائي مولاه ثم الكوفي ثقة ثبت كثير الإرسال من الثالثة.

(3/543)


عَامٍ؟ قالَ لا. وَلَوْ قُلْتُ نَعمْ لَوَجَبَتْ فأَنْزَلَ الله {يا أَيُهَا الّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُوءْكُمْ}.
قال: وفي البابِ عنِ ابنِ عبّاسٍ وأبي هُريرةَ.
قال أبو عيسى: حديثُ علي حديثٌ حسنٌ غريبٌ واسْمُ أبي البَخْتَرِيّ سعيدُ بنُ أَبي عِمْرَانَ وهُوَ سَعيدُ بنُ فَيْرُوزَ.
ـــــــ
قوله: "قال لا" فيه دليل على أن الحج لا يجب إلا مرة واحدة وهو مجمع عليه كما قال النووي والحافظ وغيرهما وكذلك العمرة عند من قال بوجوبها، لا تجب إلا مرة إلا أن ينذر بالحج أو العمرة وجب الوفاء بالنذر بشرطه "ولو قلت نعم لوجبت" استدل به على أن النبي صلى الله عليه وسلم مفوض في شرع الأحكام وفي ذلك خلاف مبسوط في الأصول.
قوله: "وفي الباب عن ابن عباس" قال خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "يا أيها الناس كتب عليكم الحج" فقام الأقرع بن حابس فقال: أفي كل عام يا رسول الله؟ فقال "لو قلتها لوجبت، ولو وجبت لم تعملوا بها ولم تستطيعوا أن تعملوا بها، الحج مرة فمن زاد فهو تطوع". رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه والبيهقي والحاكم وقال صحيح على شرطهما "وأبي هريرة" أخرجه أحمد ومسلم والنسائي، وفي الباب أيضاً عن أنس أخرجه ابن ماجه قال الحافظ في التلخيص: رجاله ثقات.
قوله: "حديث علي حديث حسن غريب" قال الحافظ في التلخيص: سنده منقطع انتهى. قلت قال الخزرجي في الخلاصة: سعيد بن فيروز أبو البختري الكوفي تابعي جليل عن عمر وعلي مرسلاً انتهى. وقال ابن أبي حاتم في كتاب المراسيل: قال علي بن المديني: أبو البختري لم يلق علياً قال أبو زرعة: أبو البختري لم يسمع من علي شيئاً انتهى

(3/544)


باب ما جاء كم حج النبي صلى الله عليه وسلم
...
6ـ باب ما جَاءَكمْ حَجّ النبيّ صلى الله عليه وسلم؟
812 ـ حدثنا عَبدُ الله بنُ أَبي زِيادٍ الكوفي، حدثنا زَيْدُ بنُ حُبَابٍ عن سُفْيَانَ عن جَعْفَرِ بنِ مُحمدٍ عن أبيهِ عن جَابِرِ بنِ عبدِ الله "أَنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم حَجّ ثَلاثَ حِجَجٍ: حَجّتَيْنِ قَبْلَ أنْ يُهَاجِرَ وحَجّةً بَعْدَ مَا هاجَرَ ومَعهَا عُمْرَةٌ فَسَاقَ ثلاثاً وسِتّينَ بَدَنَةً وجاءَ عليّ مِنَ اليَمَنِ بِبَقِيّتِها فيها جَمَلٌ لأبي جَهْلٍ في أنْفِه بُرَةٌ منْ فِضّةٍ فَنَحَرَها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأَمَرَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم مِنْ كلّ بَدَنَةٍ بِبِضْعَةٍ فَطُبِخَتْ وشَرِبَ منْ مَرَقِهَا".
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ غريبٌ مِنْ حديثِ سُفْيانَ لا نَعْرِفُهُ إلاّ مِنْ حَديثِ زَيْدِ بنِ حُبابٍ ورَأيْتُ عَبْدَ الله بنَ عبدِ الرحمَنِ رَوَى
ـــــــ
باب ما جَاءَكمْ حَجّ النبيّ صلى الله عليه وسلم؟
قوله: "فساق ثلاثاً وستين بدنة " بفتحتين وهي الإبل والبقر عند الحنفية، والإبل فقط عند الشافعي، وسميت بها لكبر بدنها، والجمع بدن بضم فسكون. "وجاء علي من اليمن ببقيتها" أي ببقية البدن التي ذبحها النبي صلى الله عليه وسلم أو ببقية المائة، وإرجاع الضمير إلى المائة مع عدم ذكرها لشهرتها قال النووي: ما أهدي به علي رضي الله عنه اشتراه لا أنه من السعاية على الصدقة "في أنفه برة" بضم الباء وتخفيف الراء الحلقة تكون في أنف البعير. "من فضة" وفي رواية البيهقي من ذهب. قاله السيوطي ببضعة بفتح الموحدة وقد تكسر القطعة من اللحم "فشرب من مرقها" بفتح الميم والراء النكتة في شربه صلى الله عليه وسلم من مرقها دون الأكل من اللحم لما في المراق من الجمع لما خرج من البضعات كلها.
قوله: "ورأيت عبد الله بن عبد الرحمَن إلخ" هو عبد الله بن عبد الرحمَن بن الفضل بن بهرام السمرقندي أبو محمد الدارمي الحافظ صاحب المسند ثقة فاضل متقن من الحادية عشر. كذا في التقريب وقال الخزرجي في الخلاصة في ترجمته. أحد الأعلام وصاحب المسند والتفسير والجامع عن يزيد بن هارون ويعلى بن

(3/545)


هذا الحَديثَ في كُتُبِهِ عن عبْدِ الله بنِ أبي زِيادٍ، قال: وسأَلْتُ مُحمداً عن هذا فَلَمْ يَعْرِفْهُ مِنْ حَديثِ الثّوْرِيّ عن جَعْفَرٍ عن أبيهِ عن جابِرٍ عنِ النبيّ صلى الله عليه وسلم، ورَأَيْتُهُ لم يَعُد هذا الحَديثَ مَحْفُوظاً وقال، إِنّمَا يُرْوَى عنِ الثّوْرِيّ عن أبي إسْحاقَ عن مُجَاهِدٍ مرسلاً.
813 ـ حدثنا إسحاقُ بنُ مَنْصُورٍ حدثنا حَبّانُ بنُ هِلاَلٍ حدثنا هَمّامٌ حدثنا قَتَادَةُ قال: قُلْتُ لأنَسِ بنِ مالِكٍ: "كَمْ حَجّ النبيّ صلى الله عليه وسلم؟ قالَ حَجّة وَاحِدَة. واعْتَمرَ أرْبَعَ عُمَرٍ: عُمْرَة في ذِي القَعْدَةِ وعُمْرَة الحُدَيْبِيّةِ وعُمْرَة معَ حَجّتهِ وعُمْرة الجِعْرَانَةِ إذْ قَسَمَ غنِيمَةَ حُنَيْنٍ".
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ وحَبّانُ بنُ هِلاَلٍ هو أبو حَبيب البَصْرِيّ جَليلٌ ثِقَةٌ وثّقَهٌ يَحْيى بنُ سعيدٍ القَطّانُ.
ـــــــ
عبيد، وجعفر بن عون وأبي علي الحنفي وخلق وعنه م و ت والبخاري في غير الصحيح. قال أحمد إمام أهل زمانه. وقال ابن حبان. كان ممن حفظ وجمع وتفقه وصنف وحدث وأظهر السنة في بلده ودعا إليها وذب عن حريمها وقمع مخالفيها. قال أحمد بن سنان: مات سنة خمس وخمسين ومائتين انتهى.
قوله: "حبان بن هلال" بفتح الحاء المهملة وتشديد الموحدة ثقة ثبت من التاسعة.
قوله: "حجة واحدة" بالنصب أي حج حجة واحدة، وهي حجة الوداع. "عمرة في ذي القعدة" بالنصب على البدلية وبالرفع على الخبرية أي إحداها عمرة في ذي القعدة، "وعمرة الحديبية" بضم الحاء المهملة وتفتح الدال المهملة وسكون التحتية وكسر الموحدة وشدة التحتية الثانية وخفتها، موضع بينه وبين مكة تسعة أميال "وعمرة الجعرانة" بكسر الجيم وسكون العين، وقيل بكسر العين وتشديد الراء موضع بينه وبين مكة تسعة أميال وقيل ستة أميال. "إذ قسم غنيمة حنين" بضم الحاء المهملة مصغراً موضع وكان قسمة غنيمته بعد فتح مكة سنة ثمان.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه البخاري ومسلم

(3/546)


باب ما جاء كم اعتمر النبي صلى الله عليه وسلم
...
7ـ باب ماجَاءَكمْ اعْتَمَرَ النبيّ صلى الله عليه وسلم
814 ـ حدثنا قُتَيْبةُ حدثنا دَاوُد بن عبد الرّحْمَن العطّار عن عُمرو بن دِينَار عنْ عِكْرِمَةَ عنِ ابنِ عبّاسٍ: "أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم اعْتَمَرَ أرْبَعَ عُمَرٍ: عُمْرَةَ الحُدَيْبِيّةِ وعُمْرةَ الثّانيَةِ منْ قابِلٍ وَعُمْرَةَ القَضَاءِ في ذِي القَعْدَةِ وعُمْرةَ الثّالِثَةِ منَ الجِعْرَانَةِ والرّابِعَةَ التي مَعَ حَجّتِهِ".
قال: وفي البابِ عن أنَسٍ وعَبْدِ الله بنِ عَمْروٍ وابنِ عُمَر.
قال أبو عيسى: حديثُ ابنِ عبّاسٍ حديثٌ حسنٌ غريبٌ وَرَوَى ابنُ عُيَيْنَةَ
ـــــــ
باب ماجَاءَكمْ اعْتَمَرَ النبيّ صلى الله عليه وسلم
قوله: "اعتمر أربع عمر" بضم العين وفتح الميم جمع عمرة. "عمرة الحديبية" بتخفيف الياء وتشديدها، قيل هي اسم بيروقيل شجرة وقيل قرية على تسعة أميال من مكة أكثرها في الحرم، ذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم معتمراً إلى هذا الموضع، فاجتمعت قريش وصدوه من دخول مكة فصالحهم على أن يأتي من العام المقبل، فرجع ولم يعتمر ، ولكن عدوها من العمر لترتب أحكامها من إرسال الهدى، والخروج عن الإحرام فنحر وحلق وكانت في ذي القعدة. "وعمرة الثانية" أي عمرة السنة الثانية. "من قابل" أي من عام قابل "عمرة القصاص " أي عمرة العوض، وفي بعض النسخ عمرة القضاء، وفي صحيح البخاري من حديث أنس عمرة الحديبية في ذي القعدة حيث صده المشركون، وعمرة من العام المقبل في ذي القعدة حيث صالحهم "والرابعة التي مع حجته" أي حجة الوداع.
قوله: "وفي الباب عن أنس وعبد الله بن عمرو وابن عمر" أما حديث أنس فأخرجه الترمذي في الباب المتقدم، وأخرجه البخاري ومسلم وغيرهم. وأما حديث عبد الله بن عمرو فلينظر من أخرجه. وأما حديث ابن عمر فأخرجه البخاري.
قوله: "حديث ابن عباس حديث غريب" أخرجه أبو داود وابن ماجه وسكت عنه أبو داود والمنذري ورجاله كلهم ثقات

(3/547)


هذا الحَديثَ عنْ عَمْروِ بنِ دِينَارٍ عن عِكْرِمَةَ أَنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم اعْتَمرَ أَرْبَعَ عُمَرٍ ولَمْ يَذْكُرْ فيهِ عنِ ابنِ عَبّاسٍ.
815- حدثنا بِذَلِكَ سعيدُ بنُ عبدِ الرّحمَن المْخزُومِيّ حدثنا سُفْيانُ بنُ عُيَيْنَةَ عن عَمْروِ بنِ ديِنَارٍ عن عِكْرَمِةَ أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم فَذَكَرَ نَحْوَهُ.
ـــــــ

(3/548)


باب ما جاء في أى موضع أحرم النبي صلى الله عليه وسلم
...
8 ـ باب ما جَاءَ من أيّ مَوْضِعٍ أَحْرمَ النبيّ صلى الله عليه وسلم
816 ـ حدثنا ابنُ أَبي عُمَر، حدثنا سُفْيَانُ بنُ عُيَيْنَةَ عنْ جَعْفَرِ بنِ مُحمّدٍ عنْ أبيهِ عنْ جابِرِ بنِ عبدِ الله قالَ: "لَمّا أَرادَ النبيّ صلى الله عليه وسلم الحَجّ أذّنَ في النّاسِ فاجْتَمَعُوا فَلَمّا أتَى البَيْدَاءَ أحْرَمَ".
قال: وفي البابِ عنِ ابنِ عُمَرَ وأنَسٍ والمِسْوَرِ بنِ مَخْرَمَةَ.
ـــــــ
باب ما جَاءَ من أيّ مَوْضِعٍ أَحْرمَ النبيّ صلى الله عليه وسلم
قوله: "أذن في الناس" لقوله تعالى {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ} الآية : أي نادى بينهم بأني أريد الحج. قاله ابن الملك والأظهر أنه أمر منادياً بأنه صلى الله عليه وسلم يريد الحج. كما في حديث جابر الطويل قاله القاري. "فاجتمعوا" أي خلق كثير في المدينة "فلما أتى البيداء" وهي المفازه التي لا شيء فيها، وهي هنا إسم موضع مخصوص عند ذي الحليفة "أحرم" أي كرر إحرامه أو أظهره وهو أظهر لما ثبت أنه أحرم ابتدأ في مسجد ذي الحليفة بعد ركعتي الإحرام كذا في المرقاة. قلت بل هو المتعين ويدل عليه حديث أبي داود وستقف عليه عن قريب.
قوله: "وفي الباب عن ابن عمر" أخرجه الشيخان عنه أنه يقول: ما أهل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا من عند المسجد يعني مسجد ذي الحليفة، هذا لفظ البخاري "وأنس" أخرجه الجماعة ولفظ البخاري صلى النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة أربعا وبذي الحليفة ركعتين، ثم بات حتى أصبح بذي الحليفة فلما ركب راحلته واستوت به أهل. وفي رواية لأبي داود صلى الظهر ثم ركب راحلته فلما علا على جبل البيداء أهل "والمسور بن مخرمة" أخرجه البخاري وأبو داود في قصة الحديبية وفيه: فلما كان بذي الحليفة قلد الهدى وأشعره وأحرم منها.

(3/458)


9ـ باب ما جَاءَ مَتى أحْرَمَ النبيّ صلى الله عليه وسلم؟
818 ـ حدثنا قُتَيْبةُ حدثنا عبدُ السّلامِ بنُ حَرْبٍ عنْ خُصَيْفٍ عن سَعيدِ بنِ جُبَيْرٍ عنِ ابنِ عَبّاسٍ : "أَنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم أهَلّ في دُبُرِ الصّلاَةِ".
ـــــــ
" باب ما جاء متى أحرم النبي صلى الله عليه وسلم"
أي في أي وقت أحرم
قوله: "عن خصيف" بالخاء المعجمة والصاد المهملة مصغراً ابن عبد الرحمَن الجزري أبو عون صدوق سيء الحفظ خلط بآخره، ورمى بالأرجاء من الخامسة كذا في التقريب.
قوله: "أهل في دبر الصلاة" بضم الدال المهملة والموحدة أي عقيبها.

(3/550)


قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسن غريبٌ لا نَعْرِفُ أَحَداً روَاهُ غَيْرَ عَبْدِ السّلاَمِ بنِ حَرْبٍ وهُوَ الّذِي يَسْتَحِبّهُ أَهْلُ العِلْمِ أنْ يُحْرِمَ الرّجُلُ في دُبُرِ الصّلاَةِ.
ـــــــ
قوله: "هذا حديث غريب الخ" قال الزيلعي في نصب الراية: أخرجه الترمذي والنسائي قال في الإمام: وعبد السلام بن حرب أخرج له الشيخان في صحيحهما. وخصيف بن عبد الرحمَن ضعفه بعضهم انتهى. وقال الحافظ في الدراية: فيه خصيف وهو لين الحديث.
قوله: "وهو الذي يستحبه أهل العلم أن يحرم الرجل في دبر الصلاة" قال النووي قال مالك والشافعي والجمهور: إن الأفضل أن يحرم إذا انبعثت به راحلته. وقال أبو حنيفة: يحرم عقيب الصلاة وهو جالس قبل ركوب دابته وقبل قيامه. وهو قول ضعيف للشافعي وفيه حديث من رواية ابن عباس لكنه ضعيف انتهى. قلت: يشير إلى حديث الباب قال الحافظ في الدراية: قوله ولو لبى بعد ما استوت به راحلته جاز ولكن الأول أفضل لما روينا كذا قال، والأحاديث في أنه لبى بعد ما استوت به راحلته، أكثر وأشهر من الحديث الذي احتج به. ففي الصحيحين عن ابن عمر: أنه صلى الله عليه وسلم أهل حين استوت به راحلته . وفي لفظه لمسلم: كان صلى الله عليه وسلم إذا وضع رجله في الغرز وانبعثت به راحلته قائمة أهل وفي لفظ: لم أره يهل حتى تنبعث به راحلته. وللبخاري عن أنس: فلما ركب راحلته واستوت به أهل . وله عن جابر: إن إهلال رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذي الحليفة حين استوت به راحلته . ولمسلم عن ابن عباس: ثم ركب راحلته فلما استوت به على البيداء أهل قال الحافظ: وقد ورد ما يجمع بين هذه الأحاديث من حديث ابن عباس عند أبي داود والحاكم ثم ذكر الحديث وقد تقدم. قال: لو ثبت لرجح ابتداء الإهلال عقيب الصلاة إلا أنه من رواية خصيف وفيه ضعف انتهى. وقال في فتح الباري: وقد اتفق فقهاء الأمصار على جواز جميع ذلك وإنما الخلاف في الأفضل انتهى

(3/551)


باب ما جاء في إفراد لحج
...
10 ـ باب ما جَاءَ في إفْرَادِ الحَج
819 ـ حدثنا أَبُو مُصْعَبٍ قِراءَةً عن مالِكٍ بنِ أنَسٍ عن عبدِ الرحمَنِ
ـــــــ
"باب ما جاء في إفراد الحج"
اعلم أن الحج على ثلاثة أقسام: الإفراد والتمتع والقران أما الإفراد فهو

(3/551)


بنِ القَاسِمِ عن أبيهِ عنْ عائِشَةَ "أَنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم أَفْرَدَ الحَجّ". قال: وفي البابِ عن جَابِرٍ وابنِ عُمَرَ.
قال أبو عيسى: حديثُ عائِشَةَ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، والعمَلُ عَلَى هذَا عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ العِلْمِ، ورُوِي عنِ ابنِ عُمَرَ أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم أفْرَدَ الحَجّ وأفرَدَ أَبُو بكْرٍ وعُمَرُ وعُثْمانُ.
ـــــــ
الإهلال بالحج وحده في أشهره عند الجميع وفي غير أشهره أيضاً عند من يجيزه، والاعتمار بعد الفراغ من أعمال الحج لمن شاء، وأما التمتع فالمعروف أنه الاعتمار في أشهر الحج ثم التحلل من تلك العمرة والإهلال بالحج في تلك السنة، ويطلق التمتع في عرف السلف على القران أيضاً. قال ابن عبد البر لا خلاف بين العلماء أن التمتع المراد بقوله تعالى {فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ} أنه الاعتمار في أشهر الحج قبل الحج قال: ومن التمتع أيضاً القران لأنه تمتع بسقوط سفر النسك الآخر من بلده، ومن التمتع فسح الحج أيضاً إلى العمرة انتهى. وأما القران فصورته الإهلال بالحج والعمرة معاً، وهذا لا خلاف في جوازه، أو الإهلال بالعمرة ثم يدخل عليها الحج أو عكسه، هذا مختلف فيه. قاله الحافظ في الفتح.
قوله: "أفرد الحج" أي أحرم بالحج وحده.
قوله: "وفي الباب عن جابر" أخرجه مسلم "وابن عمر" أخرجه أحمد ومسلم. وفي الباب أيضاً عن ابن عباس أخرجه مسلم وعن عائشة أخرجه الشيخان.
قوله: "وحديث عائشة حديث حسن صحيح" وأخرجه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه.
قوله: "وروي عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم أفرد الحج الخ" لهذا الحديث دليل لمن قال إن الإفراد أفضل من القران والتمتع.
اعلم أنه قد اختلف في حجه صلى الله عليه وسلم هل كان قراناً أو تمتعاً أو إفراداً؟ وقد اختلفت الأحاديث في ذلك، فروي عن عدة من الصحابة أنه حج إفراداً كما عرفت وروي عن جماعة منهم أنه حج قراناً وروي عن طائفة منهم أنه حج تمتعاً كما ستعرف، وقد اختلفت الأنظار واضطربت الأقوال لاختلاف الأحاديث، فمن أهل العلم من جمع بين الروايات كالخطابي فقال: إن كلا أضاف

(3/552)


820- حدثنا بِذَلكَ قُتَيْبةُ أخبرنا عبدُ الله بنُ نافِعٍ الصّائِغُ عن عُبَيْدِ الله بنِ عُمَرَ عنْ نَافعٍ عنِ ابنِ عُمَرَ بهذَا.
قال أبو عيسى: وقال الثّوْريّ: إنْ أَفْرَدْتَ الحَجّ فَحَسنٌ وإنْ قَرَنْتَ فَحَسَنٌ وَإنْ تَمَتّعْتَ فَحَسَنٌ. وقال الشّافعيّ مِثْلَهُ، وقالَ أَحَبّ إلَيْنَا الإفْرَادُ ثُمّ التّمَتّعُ ثمّ القِرَانُ.
ـــــــ
إلى النبي صلى الله عليه وسلم ما أمر به اتساعاً ثم رجح أنه صلى الله عليه وسلم أفرد الحج. وكذا قال عياض وزاد فقال: وأما إحرامه فقد تضافرت الروايات الصحيحة بأنه كان مفرداً، وأما رواية من روى التمتع فمعناه أنه أمر به لأنه صرح بقوله: ولولا أن معي الهدى لأحللت فصح أنه لم يتحلل، وأما رواية من روى القرآن فهو إخبار عن آخر أحواله، لأنه أدخل العمرة على الحج لما جاء إلى الوادي. وقيل قل عمرة في حجة. قال الحافظ هذا الجمع هو المعتمد وقد سبق إليه قديماً ابن المنذر وبينه ابن حزم في حجة الوداع بياناً شافياً، ومهده المحب الطبري تمهيداً بالغاً يطول ذكره. ومحصله أن كل من روى عنه الإفراد حمل على ما أهل به في أول الحال، وكل من روى عنه التمتع أراد ما أمر به أصحابه، وكل من روى عنه القرآن، أراد ما استقر عليه الأمر، وجمع شيخ الإسلام ابن تيمية جمعاً حسناً فقال ما حاصله: إن التمتع عند الصحابة يتناول القران فتحمل عليه رواية من روى أنه صلى الله عليه وسلم حج تمتعاً وكل من روى الإفراد قد روى أنه صلى الله عليه وسلم حج تمتعاً وقراناً، فيتعين الحمل على القران وأنه أفرد أعمال الحج ثم فرغ منها، وأتى بالعمرة. ومن أهل العلم من صار إلى التعارض فرجح نوعاً، وأجاب عن الأحاديث القاضية بما يخالفه، وهي جرابات طويلة أكثرها متعسفة. وأورد كل منهم لما اختاره مرجحات، أقواها وأولاها مرجحات القران، لا يقاومها شيء من مرجحات غيره. وقد ذكر صاحب الهدى مرجحات كثيرة، ولكنها مرجحات باعتبار أفضلية القران على التمتع والإفراد، لا باعتبار أنه صلى الله عليه وسلم حج قراناً. وهو يحث آخر كذا في النيل.
قوله: "وقال الثوري: إن أفردت الحج فحسن، وإن قرنت فحسن، وإن تمتعت فحسن" الظاهر من كلام الثوري هذا، أن الأنواع الثلاثة عنده سواء، لا فضيلة

(3/553)


ـــــــ
لبعضها على بعض قال الحافظ في الفتح: حكى عياض عن بعض العلماء أن الصور الثلاثة في الفضل سواء، وهو مقتضى تصرف ابن خزيمة في صحيحه انتهى.
قوله: "وقال الشافعي مثله وقال: أحب إلينا الإفراد ثم التمتع ثم القران" وعند الحنفية القران أفضل من التمتع. والإفراد والتمتع أفضل من الإفراد، قال الحافظ في الفتح: ذهب جماعة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم إلى أن التمتع أفضل لكونه صلى الله عليه وسلم تمناه، فقال: "لولا أني سقت الهدى لأحللت" ، ولا يتمنى إلا الأفضل وهو قول أحمد بن حنبل في المشهور عنه وأجيب بأنه إنما تمناه تطييباً لقلوب أصحابه لحزنهم على فوات موافقته، وإلا فالأفضل ما اختاره الله له واستمر عليه. وقال ابن قدامة: يترجح التمتع بأن الذي يفرد إن اعتمر بعدها فهي عمرة مختلف في أجزائها عن حجة الإسلام، بخلاف عمرة التمتع، فهي مجزئة بلا خلاف، فيترجح التمتع على الإفراد ويليه القران. وقال من رجح القران هو أشق من التمتع وعمرته مجزئة بلا خلاف، فيكون أفضل منهما. وعن أبي يوسف: القران والتمتع في الفضل سواء وهما أفضل من الإفراد وعن أحمد: من ساق الهدى فالقران أفضل له ليوافق فعل النبي صلى الله عليه وسلم ومن لم يسق الهدى فالتمتع أفضل له ليوافق ما تمناه وأمر به أصحابه كذا في فتح الباري .

(3/554)


11ـ باب ما جاء في الجَمْعِ بَيْنَ الحَجّ والعُمْرَة
821 ـ حدثنا قُتَيْبةُ حدثنا حَمّادُ بنُ زَيْدٍ عن حُمَيْدٍ عن أنَسٍ قال سَمِعْتُ النبيّ صلى الله عليه وسلم يقولُ: "لَبّيْكَ بِعُمرَةٍ وحَجّةٍ".
قال: وفي البابِ عن عُمَرَ وعِمْرانَ بنِ حُصَيْنٍ.
ـــــــ
باب ما جاء في الجَمْعِ بَيْنَ الحَجّ والعُمْرَة أي القران
قوله: "يقول لبيك بعمرة وحجة" وفي رواية الشيخين يلبى بالحج والعمرة جميعاً يقول: لبيك عمرة وحجاً . وهو من أدلة القائلين بأن حجه صلى الله عليه وسلم كان قراناً. وقد رواه عن أنس جماعة من التابعين منهم الحسن البصري وأبو قلابة وحميد بن هلال وحميد بن عبد الرحمَن الطويل وقتادة ويحيى بن سعيد الأنصاري، وثابت البناني وعبد العزيز بن صهيب وغيرهم.
قوله: "وفي الباب عن عمر" بن الخطاب قال: سمعت رسول الله صلى الله

(3/554)


قال أبو عيسى: حديثُ أَنَسٍ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، وقد ذَهبَ بَعْضُ أَهْلِ العلمِ إلى هذَا، واخْتَارَوهُ مِنْ أَهْلِ الكُوفَةِ وغَيْرِهِمْ.
ـــــــ
عليه وسلم وهو بوادي العقيق يقول: "أتاني الليلة آت من ربي فقال صل في هذا الوادي المبارك وقل عمرة في حجة" . أخرجه أحمد والبخاري وأبو داود وابن ماجه. وفي رواية للبخاري: وقل عمرة وحجة "وعمران بن حصين" أخرجه مسلم وفي الباب أيضاً عن ابن عمر عند الشيخين. وعن عائشة عندهما أيضاً وعن جماعة من الصحابة رضي الله عنهم

(3/555)


12 ـ باب مَا جاءَ في التّمَتّع
822ـ حدثنا قُتَيْبةُ بنُ سَعيدٍ، عَنْ مالِكِ بنِ أنَسٍ، عنِ ابنِ شِهَابٍ، عن مُحمدِ بنِ عبدِ الله بنِ الحَارِثِ بنِ نَوْفَلٍ أَنّهُ سَمِعَ سَعْدَ بنَ أبي وقّاصٍ والضّحّاكَ بنَ قَيْسٍ وهُما يَذْكُرَان التّمَتّعَ بالعُمْرَةِ إلى الحَجّ فقال الضّحّاكُ بنُ قَيْسٍ: لا يَصْنَعُ ذَلكَ إلاّ مَنْ جَهِلَ أمْرَ الله فقالَ سَعْدٌ: بِئْسَ ما قُلْتَ يا ابنَ أَخِي. فقال الضّحّاكُ بن قيسٍ: فإِنّ عُمَرَ بنَ الخَطّابِ قَدْ نَهى عنْ ذلكَ. فقالَ سَعْدٌ: "قَدْ صَنَعَها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وصَنَعْنَاها مَعَهُ " قال: هذا حديثٌ صحيحٌ.
ـــــــ
باب مَا جاءَ في التّمَتّع
قوله: "إنه سمع سعد بن أبي وقاص" أحد العشرة المبشرة بالجنة مناقبه كثيرة رضي الله عنه. "والضحاك بن قيس" بن خالد بن وهب الفهري أبو أنيس الأمير المشهور صحابي صغير قتل في وقعة مرج راهط سنة أربع وستين. كذا في التقريب. وقال الخزرجي في الخلاصة: شهد فتح دمشق وتغلب عليها بعد موت يزيد ودعا إلى البيعة وعسكر بظاهرها، فالتقاه مروان بمرج راهط سنة أربع وستين فقتل، قيل ولد قبل وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بست سنين.
قوله: "لا يصنع ذلك" أي التمتع "إلا من جهل أمر الله تعالى" أي لأنه تعالى قال: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} فأمره بالإتمام يقتضي استمرار الإحرام إلى فراغ الحج ومنع التحلل، والتمتع يحلل "فإن عمر بن الخطاب قد نهى عن ذلك"

(3/555)


823 ـ حدثنا عبدُ بنِ حُمَيدٍ، أَخْبَرَنِي يَعْقُوبُ بن إبراهيم بنُ سَعْدٍ حدثنا أبي عنْ صَالحٍ بنِ كَيْسَانَ عن ابنِ شِهَابٍ أنّ سَالِمَ بنَ عبدِ الله حَدّثَهُ أنهُ سَمِعَ رَجُلاً منْ أهْلِ الشّامِ وهُوَ يَسْأَلُ عَبْدَ الله بنَ عُمَرَ عنْ التّمَتّعِ بالعُمْرَةِ إلى الحَجّ، فقالَ عبدُ الله بنُ عُمَرَ: هِي حَلاَلٌ. فقالَ الشّامِيّ إِنّ أبَاكَ قَدْ نَهَىَ عَنْهَا. فقالَ عبدُ الله بنُ عُمَرَ: أَرَأَيْتَ إنْ كَانَ أبي نَهَى عَنْهَا وصَنَعَهَا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: أَأَمْرُ أبِيْ نتّبَعُ أمْ أمْرُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم؟ فقالَ الرّجُلُ: بَلْ أمْرُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم. فقالَ لَقَدْ صَنَعَهَا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم. هذا حديث حسن صحيح.
824 ـ حدثنا أبو مُوسَى مُحَمّدُ بنُ المَثَنّى، أخبرنا عبدُ الله بْنُ إدْرِيسَ عنْ لَيثٍ عنْ طَاوُسٍ عنْ ابنِ عبّاسٍ قالَ: "تَمَتّعَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وأبو بَكْرٍ وعُمَرُ وعُثْمَانُ، وأوّلُ مَنْ نَهَى عنهُ مُعَاوِيةُ
ـــــــ
قال الباجي: إنما نهى عنه لأنه رأى الإفراد أفضل منها ولم ينه عنه تحريماً قال عياض: إنه نهى عن الفسخ ولهذا كان يضرب الناس عليها كما في مسلم. بناء على معتقده إن الفسخ خاص بتلك السنة. قال النووي: والمختار أن عمر وعثمان وغيرهما إنما نهوا عن المتعة المعروفة التي هي الإعتمار في أشهر الحج ثم الحج في عامه. وهو على التنزيه للترغيب في الافراد. ثم انعقد الاجماع على جواز التمتع من غير كراهة، وبقي الخلاف في الافضل كذا في المحلي شرح الموطأ "قد صنعها رسول الله صلى الله عليه وسلم" أي المتعة اللغوية وهي الجمع بين الحج والعمرة، وحكم القران والمتعة واحد. قاله القاري "وصنعناها معه" قال أي المتعة اللغوية أو الشرعية، إذ تقدم أن بعض الصحابة تمتعوا في حجة الوداع، والحاصل أن القران وقع منه صلى الله عليه وسلم والتمتع من بعض أصحابه.
قوله: "هذا حديث صحيح" وأخرجه مالك في الموطأ "أمر أبي" بتقدير همزة الاستفهام وفي بعض النسخ أأمر أبي بذكر الهمزة "يتبع" بصيغة المجهول.
قوله: "تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر وعثمان الخ"

(3/556)


وفي الباب عن علي وعثمان وجابر وسعد وأسماء ابنة أبي بكر وابن عمر.
قال أبو عيسى: حديثُ ابنِ عبّاسٍ حديثٌ حسنٌ وقداخْتَارَ قَوْمٌ مِنْ أهْلِ العلم مِنْ أصحابِ النبيّ صلى الله عليه وسلم وغَيْرِهْم التّمتّعَ بالعُمْرةِ. والتّمتّعُ أَنْ يَدْخُلَ الرّجُلُ بعْمَرةٍ في أشْهُرِ الحَجّ ثُمّ يُقِيم حَتّى يَحجّ فَهُوَ مُتَمَتّعٌ وعَليهِ دَمُ مَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ فإن لَمْ يَجِدْ صَامَ ثلاثةَ أيّامٍ في الحَجّ وسَبْعَةٍ إذَا رَجَعَ إلى أهْلِهِ. ويُسْتَحَبّ للمُتَمتّعِ إذَا صَامَ ثلاثةَ أَيّامٍ في الحّجّ
ـــــــ
يعارضه ما في صحيح مسلم، قال عبد الله بن شقيق: كان عثمان ينهي عن المتعة وكان علي يأمر بها وقد تقدم نهى عمر رضي الله عنه فيمكن أن يجاب: إن نهيهما محمول على التنزيه. ونهى معاوية رضي الله تعالى عنه على التحريم فأوليته باعتبار التحريم، قال النووي رحمه الله: وكان عمر وعثمان ينهيان عنها نهي تنزيه لا تحريم انتهى. ويمكن الجمع بين فعلهما ونهيهما بأن الفعل كان متأخراً لما علما جواز ذلك ويحتمل أن يكون لبيان الجواز. كذا في شرح أبي الطيب.
قوله: "وفي الباب عن علي وعثمان" أخرج مسلم وأحمد عن عبد الله بن شقيق: أن علياً كان يأمر بالمتعة وعثمان ينهى عنها فقال عثمان كلمة فقال علي: لقد علمت أنا تمتعنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عثمان: أجل ولكنا كنا خائفين "وجابر" أخرجه مسلم "وسعد" بن أبي وقاص أخرجه أحمد ومسلم عن غنيم بن قيس المازنيي قال: سألت سعد بن أبي وقاص عن المتعة في الحج فقال: فعلناها وهذا يومئذ كافر بالعروش: يعني بيوت مكة يعني معاوية انتهى. "وأسماء ابنة أبي بكر وابن عمر" أخرجه الشيخان وفي الباب أيضاً عن عائشة أخرجه الشيخان.
قوله: "حديث ابن عباس حديث حسن" وأخرجه أحمد أيضاً.
قوله: "فمن لم يجد" أي الهدى، ويتحقق ذلك بأن يعدم الهدي، أو يعدم ثمنه حينئذ، أو يجد ثمنه لكن يحتاج إليه لأهم من ذلك، أو يجده لكن يمتنع صاحبه من بيعه، أو يمتنع من بيعه إلا بغلائه، فينقل إلى الصوم كما هو نص القرآن {فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ} أي بعد الإحرام به. وقال النووي: هذا هو الأفضل فإن صامها قبل الإهلال بالحج أجزأه على الصحيح، وأما قبل التحلل من العمرة فلا على الصحيح، قاله مالك وجوزه الثوري وأصحاب الرأي وعلى

(3/557)


وسبعة إذا رجع إلى أهله. ويستجب للمتمتع إذا صام ثلاثة أيام في الحج أنْ يَصُومَ العَشْر وَيَكُونُ آخِرُهَا يَوْمَ عَرَفَةَ. فإِنْ لَمْ يَصُمْ في العَشْرِ صَامَ أَيّامَ التّشْرِيقِ في قَوْلِ بَعْضِ أهلِ العِلِمِ مِنْ أصحابِ النبيّ صلى الله عليه وسلم مِنْهُم ابنُ عُمَرَ وعائِشَة وبِهِ يَقُولُ مَالِكٌ والشّافِعيّ وأحمدُ وإسحاقُ.
وقالَ بَعْضُهُمْ لا يَصُومُ أَيّامَ التّشْرِيقِ وهُوَ قَوْلُ أهلِ الكُوفَةِ.
قال أبو عيسى: وأهلُ الَحديِثِ يَخْتَارُونَ التّمَتّعَ بالعُمْرَةِ في الحَجّ. وهُوَ قولُ الشّافِعيّ وأحمد وإسحاقَ.
ـــــــ
الأول: فمن استحب صيام عرفة بعرفة قال: يحرم يوم السابع ليصوم السابع والثامن والتاسع وإلا فيحرم يوم السادس ليفطر بعرفة "وسبعة إذا رجع إلى أهله" أشار إلى أن المراد بقوله تعالى {إِذَا رَجَعْتُمْ} الرجوع إلى الأمصار وبذلك فسر ابن عباس رضي الله عنه كما في صحيح البخاري. ووقع في حديث ابن عمر المرفوع: فمن لم يجد هدياً فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله. أخرجه البخاري في باب: من ساق البدن معه، وهذا هو قول الجمهور. وعن الشافعي معناه الرجوع إلى مكة وعبر عنه مرة بالفراغ من أعمال الحج. ومعنى الرجوع التوجه من مكة، فيصومها في الطريق إن شاء، وبه قال إسحاق بن راهويه. قاله الحافظ "منهم ابن عمر وعائشة، وبه يقول مالك والشافعي وأحمد وإسحاق" قال الحافظ في الفتح: روى عن ابن عمر وعائشة موقوفاً: إن أخرها يوم عرفة فإن لم يفعل صام أيام منى أي الثلاثة التي بعد يوم النحر، وهي أيام التشريق. وبه قال الزهري والأوزاعي ومالك والشافعي في القديم، ثم رجع عنه وأخذ بعموم النهي عن صيام أيام التشريق انتهى. "وقال بعضهم لا يصوم أيام التشريق وهو قول أهل الكوفة" وهو قول الحنفية وحجتهم نبيشة الهذلي عند مسلم مرفوعاً: أيام التشريق أيام أكل وشرب. وله من حديث كعب بن مالك: أيام منى أيام أكل وشرب. ومنها حديث عمرو بن العاص أنه قال لإبنه عبد الله في أيام التشريق: إنها الأيام التي نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صومهن وأمر بفطرهن . أخرجه أبو داود وابن المنذر وصححه ابن خزيمة والحاكم

(3/558)


ـــــــ
وحجة من قال: إنه يجوز للمتمتع أن يصوم أيام التشريق. ما رواه البخاري عن عروة عن عائشة وعن سالم عن ابن عمر قالا: لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن إلا لمن يجد الهدى، قال الحافظ في الفتح: كذا رواه الحفاظ من أصحاب شعبة بضم أوله على البناء لغير معين، ووقع في رواية يحيى بن سلام عن شعبة عند الدارقطني واللفظ له، والطحاوي: رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم للتمتع إذا لم يجد الهدي، أن يصوم أيام التشريق . وقال: إن يحيى بن سلام ليس بالقوى، ولم يذكر طريق عائشة وأخرجه من وجه آخر ضعيف عن الزهري عن عروة عن عائشة. وإذا لم تصح هذه الطرق المصرحة بالرفع، بقي الأمر على الاحتمال. وقد اختلف علماء الحديث في قول الصحابي: أمرنا بكذا ونهينا عن كذا، هل له حكم الرفع؟ على أقوال ثالثها: إن أضافه إلى عهد النبي صلى الله عليه وسلم فله حكم الرفع وإلا فلا. واختلف الترجيح فيما إذا لم يضفه ويلتحق به. رخص لنا في كذا وعزم علينا أن لا نفعل كذا. كل في الحكم سواء فمن يقول: إن له حكم الرفع. فغاية ما وقع في رواية يحيى بن سلام أنه روى بالمعنى، لكن قال الطحاوي: إن قول ابن عمر وعائشة "لم يرخص" أخذاه من عموم قوله تعالى {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ} لأن قوله في الحج يعم ما قبل يوم النحر وما بعده، فيدخل أيام التشريق. فعلى هذا فليس بمرفوع بل هو بطريق الاستنباط منهما عما فهما من عموم الآية . وقد ثبت نهيه صلى الله عليه وسلم عن صوم أيام التشريق، وهو عام في حق المتمتع وغيره، وعلى هذا فقد تعارض عموم الآية المشعر بالإذن، وعموم الحديث المشعر بالنهي. وفي تخصيص عموم المتواتر بعموم الاَحاد نظر لو كان الحديث مرفوعاً، فكيف وفي كونه مرفوعاً نظر. فعلى هذا يترجح القول بالجواز، وإلى هذا جنح البخاري كذا في فتح الباري

(3/559)


13ـ باب ما جَاءَ في التّلْبِيَة
825 ـ حدثنا أحمدُ بنُ مَنيعٍ حدثنا إسماعيلُ بنُ إبراهيم عنْ أيّوبَ عنْ نَافِعٍ عن ابنِ عُمَرَ قالَ: أنّ تَلْبيَةُ النبيّ صلى الله عليه وسلم كانت: "لَبّيْكَ اللهُمّ لَبّيْكَ، لَبّيْكَ لاَ شِريكَ لَكَ لَبّيْكَ، إنّ الحَمْدَ والنعْمَةَ لَكَ والمُلْكَ، لاَ شَرِيكَ لَكَ".
ـــــــ
باب ما جَاءَ في التّلْبِيَة
قوله: "لبيك" هي مصدر لبى أي قال: لبيك ولا يكون عامله إلا مضمراً، أي ألبيت يا رب بخدمتك إلباباً بعد إلباب من ألب بالمكان أقام به، أي أقمت على طاعتك إقامة بعد إقامة. وقيل أجبت دعوتك إجابة بعد إجابة، والمراد بالتثنية التكثير كقوله تعالى {ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ} أي كرة بعد كرة وحذف الزوائد للتخفيف، وحذف النون للإضافة، قاله القاري. وقال الحافظ في الفتح وعن الفراء هو منصوب على المصدر وأصله "لباً لك" فثنى على التأكيد، أي ألباباً بعد ألباب، وهذه التثنية ليست حقيقية، بل هي للتكثير أو المبالغة، ومعناه إجابة بعد إجابة أو إجابة لازمة، وقيل معنى لبيك: اتجاهي وقصدي إليك، مأخوذ من قولهم: داري تلب دارك، أي تواجهها. وقيل معناه: أنا مقيم على طاعتك من قولهم: لب الرجل بالمكان إذا أقام. وقيل: قرباً منك، من الإلباب وهو القرب. والأول أظهر وأشهر لأن المحرم مستجيب لدعاء الله إياه في حج بيته، ولهذا من دعا فقال: لبيك فقد استجاب. وقال ابن عبد البر: قال جماعة من أهل العلم معنى التلبية إجابة دعوة إبراهيم حين أذن في الناس بالحج انتهى. وهذا أخرجه عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم بأسانيدهم في تفاسيرهم عن ابن عباس ومجاهد وعطاء وعكرمة وقتادة وغير واحد والأسانيد إليهم قوية، وأقوى ما فيه عن ابن عباس، ما أخرجه أحمد بن منيع في مسنده وابن أبي حاتم من طريق قابوس بن أبي ظبيان عن أبيه عنه قال: لما فرغ إبراهيم عليه السلام من بناء البيت قيل له أذن في الناس بالحج، قال: رب وما يبلغ صوتي، قال: أذن وعلى البلاغ، قال فنادى إبراهيم يا أيها الناس كتب عليكم الحج إلى البيت العتيق. فسمعه من بين السماء والأرض. أفلا ترون أن الناس

(3/560)


826 ـ حدثنا قُتَيْبَةُ حدثنا اللّيْثُ عن نَافعٍ عن ابنِ عُمَرَ أَنّهُ: أَهَلّ فانْطَلَقَ يُهِلّ فيقُولُ: "لَبّيْكَ اللّهُمّ لَبّيْكَ، لاَ شَرِيكَ لَكَ لَبّيْكَ، إنّ الحَمْدَ والنّعْمَةَ لَك والمُلْكَ لا شَرِيكَ لَكَ" قالَ وكانَ عبدُ الله بنُ عُمَرَ يقُولُ: هَذِهِ تَلْبِيَةُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم: وكانَ يَزِيدُ مِنْ عِنْدِهِ في أثر تَلْبِيةِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم: لَبّيْكَ لَبّيْكَ، وسَعْدَيْكَ والخَيْرُ في يَدَيْكَ لَبّيْك، والرغباءُ إلَيْكَ . والعملُ. قال هذا حديثٌ صحيحٌ.
ـــــــ
يجيئون من أقصى الأرض يلبون، ومن طريق ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس وفيه: فأجابوه بالتلبية في أصلاب الرجال وأرحام النساء وأول من أجابه أهل اليمن، فليس حاج يحج من يومئذ إلى أن تقوم الساعة إلا من كان أجاب إبراهيم يومئذ انتهى كلام الحافظ مختصراً "إن الحمد" روى بكسر الهمزة على الاستيناف وبفتحها على التعليل، والكسر أجود عند الجمهور. وقال ثعلب لأن من كسر جعل معناه إن الحمد لك على كل حال، ومن فتح قال: معناه لبيك بهذا السبب. "والملك" بالنصب عطف على الحمد ولذا يستحب الوقف عند قوله الملك ويبتدأ بقوله "لا شريك لك" أي في استحقاق الحمد وإيصال النعمة ولا مانع من أن يكون الملك مرفوعاً وخبره لا شريك لك، أي فيه، كذا في المرقاة، وقال الحافظ في الفتح: والملك بالنصب على المشهور ويجوز الرفع وتقديره والملك كذلك.
قوله: "أهل فانطلق يهل يقول لبيك" قال أبو الطيب السندي أي أراد أن يهل فانطلق يهل، أي فشرع يهل أي ذهب حال كونه يهل، وقوله يقول لبيك بيان ليهل انتهى. والمراد من الإهلال رفع الصوت "قال وكان عبد الله بن عمر رضي الله عنه" القائل هو نافع "في أثر تلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم" أي في عقبها وبعد الفراغ منها، قال في القاموس: خرج في إثره وأثره بعده "وسعديك" قال القاضي: إعرابها وتثنيتها كما في لبيك ومعناه. مساعدة لطاعتك بعد مساعدة " والخير في يديك" أي الخير كله بيد الله تعالى ومن فضله "والرغبى إليك" قال القاضي قال المازري: يروى بفتح الراء والمد وبضم الراء مع القصر ونظيره العلياء والعليا، ومعناه ههنا الطلب والمسألة إلى من بيده الخير "والعمل" عطف على

(3/561)


قال: وفي البابِ عَنْ ابنِ مَسْعُودٍ وجَابِرٍ وَعَائِشَة وابنِ عَبّاسٍ وأبِي هُرَيْرَةَ.
قال أبو عيسى: حديثُ ابنَ عُمَرَ حدِيثٌ حسنٌ صحيحٌ. والعَملُ عَلْيهِ عِنْدَ بعض أهْلِ العِلْمِ مِنْ أصحابِ النبيّ صلى الله عليه وسلم وغَيْرِهِمْ، وهُوَ قَوْلُ سُفْيانَ والشّافِعِيّ وأَحمدَ وإسحاقَ، قالَ الشّافِعِيّ: وإِنْ زَادَ في التّلْبِيِةِ شَيْئاً مِنْ تَعْظِيمِ الله فَلاَ بأسَ إنْ شاءَ الله، وأَحَبّ إلَيّ أنْ يَقْتَصِرَ عَلَى تَلْبِيةِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم. قالَ الشّافِعِيّ: "وإنّما قُلْنا لاَ بَأْس بِزِيادَةِ تَعْظِيمِ الله فِيهَا" لِمَا جَاءَ عَنْ ابنِ عُمَرَ وهُوَ حَفِظَ التّلْبِيَةَ عنْ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ثُمّ زَادَ ابنُ عُمَرَ في تَلْبِيَتِهِ مِنْ قبلِهِ: "لَبّيْكَ والرّغْبَان إلَيْكَ والعَمَلُ".
ـــــــ
الرغبي، قال الطيبي: وكذلك العمل منته إليك، إذ هو المقصود منه انتهى. قال القاري والأظهر أن التقدير والعمل لك أي لوجهك ورضاك أو العمل بك أي بأمرك وتوفيقك أو المعنى أمر العمل راجع إليك في الرد والقبول انتهى. قلت: الأظهر عندي هو ما قال الطيبي.
قوله: "وفي الباب عن ابن مسعود" أخرجه النسائي "وجابر" أخرجه أبو داود وابن ماجه "وعائشة" أخرجه البخاري "وابن عباس" أخرجه أبو داود "وأبي هريرة" أخرجه أحمد وابن ماجه والنسائي.
قوله: "حديث ابن عمر حديث حسن صحيح" وأخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه.
قوله: "والعمل عليه عند أهل العلم الخ" قال الطحاوي بعد أن أخرج حديث ابن عمر وابن مسعود وعائشة وجابر وعمرو بن معد يكرب: أجمع المسلمون جميعاً على هذه التلبية، غير أن قوماً قالوا لا بأس أن يزيد فيها من الذكر لله ما أحب وهو قول محمد والثوري والأوزاعي وخالفهم آخرون فقالوا: لا ينبغي أن يزاد على ما علمه رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس كما في حديث معد يكرب ثم فعله هو ولم يقل لبوا بما شئتم، مما هو من جنس هذا بل علمهم كما علمهم التكبير في الصلاة، فكذا لا ينبغي أن يتعدى في ذلك شيئاً مما علمه، ثم أخرج حديث

(3/562)


ـــــــ
عامر بن سعد بن وقاص عن أبيه. أنه سمع رجلاً يقول لبيك ذا المعارج فقال إنه لذو المعارج، وماه هكذا نلبي على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فهذا سعد قد كره الزيادة في التلبية، وبه نأخذ انتهى. قال القاري في المرقاة: قال في البحر وهذا اختيار الطحاوي، ولعل مراده من الكراهة أن يزيد الرجل من عند نفسه على التلبية المأثورة بقرينة ذكره قبل هذا القول. ولا بأس للرجل أن يزيد فيها من ذكر الله تعالى ما أحب وهو قول محمداً أو أراد الزيادة في خلال التلبية المسنونة فإن أصحابنا قالوا: إن زاد عليها فهو مستحب. قال صاحب السراج الوهاج هذا بعد الإتيان بها، أما في خلالها فلا انتهى. قال الحافظ في الفتح: وهذا يدل على أن الاقتصار على التلبية المرفوعة أفضل لمداومته هو صلى الله عليه وسلم عليها. وأنه لا بأس بالزيادة لكونه لم يرد عليهم وأقرهم عليها وهو قول الجمهور. وبه صرح أشهب وحكى ابن عبد البر عن مالك الكراهة، قال وهو أحد قولي الشافعي. وقال الشيخ أبو الحامد: حكى أهل العراق عن الشافعي يعني في القديم أنه كره الزيادة على المرفوع وغلطوا بل لا يكره ولا يستحب، وحكي الترمذي عن الشافعي قال: فإن زاد في التلبية شيئاً من تعظيم الله فلا بأس وأحب إلى أن يقتصر على تلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم. وذلك أن ابن عمر حفظ التلبية عنه ثم زاد من قبله زيادة انتهى

(3/563)


14 ـ باب ما جَاءَ في فَضْلِ التّلْبِيَةِ والنّحْر
827 ـ حدثنا مُحمدُ بنُ رَافِعٍ حدثنا ابْنُ أَبِي فُدَيْكَ ح وحدثَنَا إسْحَاقُ بنُ مَنْصُورٍ أخبرنا ابنُ أَبي فُدَيكٍ عَن الضّحّاكِ بنِ عُثْمانَ عَنْ مُحمد بنِ المنكَدِرِ عنْ عَبْدِ الرحمَنِ بنِ يَرْبُوعٍ عَنْ أبي بَكْرٍ الصّدّيقِ " أَنّالنبيّ صلى الله عليه وسلم سُئِلَ: أَيّ الحَجّ أفْضَلُ؟ قالَ العَجّ والثّجّ".
ـــــــ
باب ما جَاءَ في فَضْلِ التّلْبِيَةِ والنّحْر
قوله: "أخبرنا ابن أبي فديك" بضم الفاء مصغراً، هو محمد بن إسماعيل بن مسلم بن أبي فديك صدوق من صغار الثامنة كذا في التقريب.
قوله: "أي الحج" أي أعماله أو خصاله بعد أركانه "أفضل" أي أكثر ثواباً.
قوله: "العج والثج" بتشديدهما والأول رفع الصوت بالتلبية، والثاني

(3/563)


828 ـ حدثنا هَنّادٌ حدثنا إسماعيلُ بنُ عَيّاشٍ عَنْ عُمَارَةَ بنِ غَزِيةَ عنْ أبي حَازِمٍ عنْ سَهْلٍ بنِ سَعْدٍ قالَ: قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم " مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُلَبّي الألبّى مِنْ عَنْ يَمِينِهِ أوَ شِمَالِهِ مِنْ حَجَرٍ أو شجرٍ أو مَدَرٍ حَتّى تنْقَطِعَ الأرْضُ مِنْ هَهُنَا وَهَهُنَا".
829 ـ حدثنا الحَسنُ بنَ مُحَمدٍ الزّعْفَرَانِيّ و عبدِ الرحمَنِ بن الأسْوَدِ أبو عَمْروٍ و البَصْرِيّ قالا أخبرنا عُبَيْدَةُ بنُ حُمَيْدٍ عنْ عُمَارَةَ بنِ غَزِيّةَ عنْ أبي حَازِمٍ عنْ سَهْلِ بنِ سَعْدٍ عنْ النبيّ صلى الله عليه وسلم نَحوَ حَديثِ إسماعيلَ بنِ عَيّاشٍ.
قال: وفي البابِ عنْ ابنِ عُمَرَ وَجَابِرٍ.
ـــــــ
سيلان دماء الهدى وقيل دماء الأضاحي قال الطيبي رحمه الله: ويحتمل أن يكون السؤال عن نفس الحج ويكون المراد ما فيه العج والثج وقيل على هذا يراد بهما الاستيعاب. لأنه ذكر أوله الذي هو الإحرام وآخره الذي هو التحلل بإراقة الدم اقتصاراً بالمبدأ والمنتهي عن سائر الأفعال أي الذي استوعب جميع أعماله من الأركان والمندوبات. كذا في المرقاة. وسيجيء تفسير العج والثج عن الترمذي أيضاً.
قوله: "عن عمارة" بضم العين المهملة وفتح الميم مخففة "بن غزية" بفتح الغين المعجمة وكسر الزاي بعدها تحتانية ثقيلة، ابن الحارث الأنصاري المازني المدني لا بأس به.
قوله: "إلا لبى من عن يمينه" كلمة من بالفتح موصولة "من حجر أو شجر أو مدر" من بيان من قال الطيبي لما نسب التلبية إلى هذه الأشياء عبر عنها بما يعبر عن أولى العقل انتهى. والمدر هو الطين المستحجر " حتى ينقضي الأرض" أي تنتهي "من ههنا وههنا" إشارة إلى المشرق والمغرب والغاية محذوفة، أي إلى منتهى الأرض كذا في اللمعات.
قوله: "أخبرنا عبيدة" بفتح أوله "بن حميد" بالتصغير الكوفي أبو عبد الرحمَن المعروف بالحذاء صدوق نحوي ربما أخطأ من الثامنة.
قوله: "وفي الباب عن ابن عمر" أخرجه ابن ماجه وفيه إبراهيم بن يزيد الخوزي وهو ضعيف، وذكر فيه ابن ماجه التفسير عن وكيع بلفظ: العج رفع الصوت بالتلبية والثج إراقة الدم "وجابر" أخرجه أبو القاسم في الترغيب

(3/564)


قال أبو عيسى: حديثُ أبِي بكر حديثٌ غريبٌ لا نَعْرِفُهُ إلاّ مِنْ حَدِيثِ ابنِ أبي فُدَيْكٍ عنْ الضّحّاكِ بنِ عُثْمانَ ومُحَمدُ بنُ المنْكَدِرِ لَمْ يَسْمَعْ منْ عَبْدِ الرحمَنِ بنِ يَربوعٍ. وقَدْ رَوَى مُحَمّدُ بنُ المُنْكَدِرِ عنْ سَعِيِدِ بنِ عبْدِ الرحمَنِ بنِ يَربوعٍ عنْ أبيهِ غَيْرَ هذَا الحَديثِ وَرَوَى أبُو نَعيمٍ الطّحّانُ ضِرَارُ بنُ صُرَدٍ هذَا الحدِيثَ عن ابنِ أبي فُدَيْكٍ عن الضّحّاكِ عن عُثْمانَ عنْ مُحمَدِ بنِ المنْكَدِرِ عنْ سَعِيدِ بن عبدِ الرحمَنِ بنِ يَرْبُوعٍ عن أبيهِ عن أبي بَكْرٍ عنْ النبيّ صلى الله عليه وسلم وأخْطَأَ فِيه ضرَارٌ.
قال أبو عيسى: سَمِعْتُ أَحمدَ بنَ الحَسَنِ يَقُولُ قالَ أَحمدُ بنُ حَنْبَلٍ: مَنْ قالَ "في هَذَا الحَدِيثِ" عن مُحمَدِ بنِ المُنكَدرِ عنْ ان عبدِ الرْحمنِ بنِ يَرْبوعٍ عنْ أبيهِ فَقَدْ أَخْطَأَ. قالَ وسَمِعْتُ محمداً يقُولُ "وذكَرْتُ لَهُ حَدِيثَ ضِرَارِ بنِ صُرَدٍ عنْ ابنِ أبي فُدَيْكٍ" فَقالَ هُوَ خَطَأٌ، فَقُلْتُ قَدْ رَوَاه غيرُهُ
ـــــــ
والترهيب، ورواية متروك وهو إسحاق بن أبي فروة كذا في النيل. وفي الباب أيضاً عن ابن مسعود رضي الله عنه. رواه ابن المقري في مسند أبي حنيفة وأخرجه أبو يعلى.
قوله: "ومحمد بن المنكدر لم يسمع من عبد الرحمَن بن يربوع" فحديث أبي بكر منقطع "وقد روى محمد بن المنكدر عن سعيد بن عبد الرحمَن بن يربوع عن أبيه غير هذا الحديث" وأما هذا الحديث فرواه عن عبد الرحمَن بن يربوع ولم يذكر واسطة سعيد بن عبد الرحمَن "وروى أبو نعيم الطحان ضرار" بكسر الضاد المعجمة وخفة الراء "بن صرد" بضم المهملة وفتح الراء الكوفي صدوق له أوهام وخطأ رمى بالتشيع وكان عارفاً بالفرائض من العاشرة "وأخطأ فيه ضرار" فإنه ذكر واسطة سعيد بين محمد بن المنكدر وعبد الرحمَن بن يربوع "قال وسمعت محمداً يقول" أي قال أبو عيسى: وسمعت محمد البخاري رحمه الله "ذكرت له" وفي بعض النسخ وذكرت له بزيادة الواو والجملة حال، أي سمعت محمداً يقول والحال:

(3/565)


عنْ ابنِ أبي فُدَيْكٍ أيضاً مِثْلَ رِوَايَتِهِ فَقالَ: لا شَيءَ إنمَا رَوَوْهُ عنْ ابنِ أبِي فُدَيكٍ ولَمْ يَذْكُرُوا فِيهِ "عنْ سَعِيدِ بنِ عبدِ الرحمْنِ". ورَأَيْتُهُ يُضَعّفُ ضِرارَ بنَ صُرَدٍ وَالعَجّ هُوَ رَفْعُ الصّوْتِ بالتّلْبِيَةِ والثَجّ هُوَ نَحْرُ البُدْنِ.
ـــــــ
أني قد ذكرت له حديث ضرار "ورأيته" أي محمد البخاري "يضعف ضرار بن صرد" قال الذهبي في الميزان في ترجمة ضرار بن صرد قال أبو عبد الله البخاري وغيره متروك وقال يحيى بن معين: كذابان بالكوفة هذا وأبو نعيم النخعي بن عدي.
قوله: "والثج هو نحر البدن" بضم الموحدة وسكون الدال المهملة جمع البدنة قال في مجمع البحار: البدنة عند جمهور اللغة وبعض الفقهاء الواحدة من الإبل والبقرة والغنم وخصها جماعة بالإبل وهو المراد في حديث تبكير الجمعة انتهى

(3/566)


15 ـ باب ما جَاءَ في رَفْعِ الصّوتِ بالتّلْبيَة
830 ـ حدثنا أحمدُ بنُ مَنِيعٍ، حدثنا سُفْيَانُ بنُ عُيَيْنَةَ عنْ عبدِ الله بنِ أبي بَكْرٍ "وهو ابن محمد بن عمرو بن حرم" عنْ عبدْ الملِك بنِ أبي بَكْر بنِ عبدِ الرحمَنِ بن الحارث بن هشام عن خَلاّدِ بنِ السّائِبِ بن خلاّد عَنْ أبيهِ قالَ: قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: " أَتَانِي جبريل فأمَرَني أنْ آمُرَ أصْحَابي أنْ يَرْفَعُوا أصْواتَهُمْ بالإهلاَلِ و التّلْبِيَةِ".
ـــــــ
باب ما جَاءَ في رَفْعِ الصّوتِ بالتّلْبيَة
قوله: "فأمرني أن آمر أصحابي" أمر ندب عند الجمهور ووجوب عند الظاهرية "وبالإهلال أو بالتلبية" المراد بالإهلال التلبية على طريق التجريد لأن معناه رفع الصوت بالتلبية وكلمة "أو" للشك قاله أبو الطيب والحديث يدل على استحباب رفع الصوت بالتلبية. وهو قول الجمهور وروى البخاري في صحيحه عن أنس قال: صلى النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة الظهر أربعاً والعصر بذي الحليفة ركعتين وسمعتهم يصرحون بهما جميعاً وروى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن بكر بن عبد الله المزني قال: كنت مع ابن عمر فلبى حتى أسمع ما بين الجبلين. وأخرجه أيضاً بإسناد صحيح من طريق المطلب بن عبد الله قال: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يرفعون أصواتهم بالتلبية حتى تبح أصواتهم، كذا في فتح الباري. قال ابن الهمام: رفع الصوت بالتلبية سنة فإن تركه كان مسيئاً ولا شيء عليه ولا يبالغ

(3/566)


قال أبو عيسى: حديثُ خَلاّدٍ عنْ أبيهِ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. ورَوَى بَعْضُهُمْ هذا الحَديثَ عنْ خَلاّدِ بنِ السّائِبِ عنْ زَيْدِ بنِ خَالِدٍ عَنْ النبي صلى الله عليه وسلم وَلاَ يَصِحّ. والصّحيحُ هُوَ عَنْ خَلاّدُ بن السّائِبِ عنْ أَبيهِ وهُوَ خَلاّدُ بنُ السّائِبِ بنِ خَلاّدِ بنِ سُوَيْدٍ الأنْصَارِي.
وفي البابِ عنْ زَيْدِ بنِ خَالِدٍ وأبي هُرَيْرَةَ وابنِ عبّاسٍ.
ـــــــ
فيه فيجهد نفسه كيلا يتضرر. ثم قال ولا يخفى أنه لا منافاة بين قولنا لا يجهد نفسه بشدة رفع الصوت، وبين الأدلة الدالة على استحباب رفع الصوت بشدة إذ لا تلازم بين ذلك وبين الإجهاد. إذ قد يكون الرجل جهوري الصوت عاليه طبعاً، فيحصل الرفع العالي مع عدم تعبه به انتهى. قال الشوكاني في النيل وذهب داود إلى أن رفع الصوت واجب وهو ظاهر قوله: فأمرني أن آمر أصحابي لاسيما وأفعال الحج وأقواله بيان لمجمل واجب هو قول الله تعالى {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ} وقوله صلى الله عليه وسلم: "خذوا عني مناسككم" انتهى. وقال فيه وخرج بقوله "أصحابي" النساء فإن المرأة لا تجهر بها بل تقتصر على إسماع نفسها انتهى.
قوله: "حديث خلاد عن أبيه حديث حسن صحيح" وأخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه وأخرجه أيضاً مالك في الموطأ، والشافعي عنه وابن حبان والحاكم والبيهقي وصححوه.
قوله: "وفي الباب عن زيد بن خالد" أخرجه ابن ماجه بلفظ: جاءني جبريل فقال يا محمد مر أصحابك فليرفعوا أصواتهم بالتلبية فإنها من شعار الحج "وأبي هريرة" أخرجه الحاكم "وابن عباس" أخرجه أحمد

(3/567)


16 ـ باب ما جاء في الاغتِسَالِ عِنْدَ الإحْرَام
831 ـ حدثنا عبدُ الله بنُ أبي زِيَادٍ، حدثنا عبدُ الله بنُ يَعْقُوبَ المَدَنِيّ عَنْ ابنِ أبي الزّنَادِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ خَارِجَةَ بِن زَيْدِ بنِ ثَابِتٍ عَنْ
ـــــــ
باب ما جاء في الاغتِسَالِ عِنْدَ الإحْرَام
قوله: "أخبرنا عبد الله بن يعقوب المدني" قال الذهبي في الميزان: لا أعرفه. وقال الحافظ في التقريب: مجهول الحال.

(3/567)


أبيه أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم تجرد لإهلاله واغتسل"
قال أبو عيسى هذا حديث حسن غريب وقد استحب بعض أهل العلم الإغتسال عند الإحرام وهو قول الشافعي
ـــــــ
قوله: "تجرد" أي عن المخيط ولبس إزاراً ورداء قاله القاري. "لإهلاله" أي لإحرامه "واغتسل" أي للإحرام والحديث يدل على استحباب الغسل عند الإحرام وإلى ذلك ذهب الأكثر وقال الناصر: إنه واجب وقال الحسن البصري ومالك محتمل قاله الشوكاني.
قوله: "هذا حديث حسن غريب" قال الحافظ في التلخيص ورواه الدارقطني والبيهقي والطبراني وحسنه الترمذي وضعفه العقيلي انتهى. قال الشوكاني في النيل ولعل الضعف لأن في رجال إسناده عبد الله بن يعقوب المدني. قال ابن الملقن في شرح المنهاج جواباً على من أنكر على الترمذي تحسين الحديث: لعله إنما حسنه لأنه عرف عبد الله بن يعقوب الذي في إسناده أي عرف حاله. قال وفي الباب أحاديث تدل على مشروعية الغسل للإحرام

(3/568)


17 ـ باب ما جَاءَ في مَواقِيتِ الإحرامِ لأهْلِ الاَفَاق
832 ـ حدثنا أَحمدُ بنُ مَنيعٍ أخبرنا إسماعيلُ بنُ إبراهيم عَنْ أيُوبَ عن نافع عَنْ ابنِ عُمَرَ أنّ رَجُلاً قالَ: مِنْ أيْنَ نُهِلّ يا رسولَ الله قالَ: "يُهِلّ أهلُ المَدِينَةِ منْ ذِي الحُلَيْفَةِ وأهلُ الشّامِ من الجُحفَةِ وأهلُ نَجْدٍ مِنْ قَرْن، قال ويقولون "وأهلُ اليَمَنِ مِنْ يَلَمْلَمَ" ".
ـــــــ
باب ما جَاءَ في مَواقِيتِ الإحرامِ لأهْلِ الاَفَاق
قوله: "من أين نهل يا رسول الله" أصل الإهلال رفع الصلاة لأنهم كانوا يرفعون أصواتهم بالتلبية عند الإحرام ثم أطلق على نفس الإحرام اتساعاً "فقال يهل" أي يحرم "أهل المدينة" أي مدينته عليه الصلاة والسلام "من ذي الحليفة" بالمهملة والفاء مصغراً مكان معروف بينه وبين مكة مائتا ميل غير ميلين. قاله ابن حزم. وقال غيره بينهما عشر مراحل. قال النووي بينها وبين المدينة ستة أميال وبها مسجد يعرف بمسجد الشجرة خراب وبها بئر يقال لها بئر علي "وأهل الشام من الجحفة" بضم الجيم وسكون

(3/568)


وفي البابِ عَن ابنِ عَبّاسٍ وجَابِرِ بنِ عبدِ الله وعبدِ الله بنِ عَمْروٍ.
قال أبو عيسى: حديثُ ابنِ عُمَرَ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. والعملُ عَلى هذَا عندَ أهلِ العلمِ.
833 ـ حدثنا أَبو كُرَيْبٍ حدثنا وكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ عَن يَزيدَ بنِ أبي زِيَادٍ عَنْ مُحَمّدِ بنِ عَلِي عَنْ ابنِ عَبّاسٍ: "أَنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم وقّتَ لأهْلِ المَشْرِقِ العَقِيقَ
ـــــــ
الحاء وهي قرية خربة بينها وبين مكة خمس مراحل أو ستة وسميت الجحفة لأن السيل أجحف بها. ووقع في حديث عائشة عند النسائي: ولأهل الشام ومصر الجحفة والمقام الذي يحرم المصريون الآن رابغ بوزن فاعل براء وموحدة وغين معجمة قريب من الجحفة. كذا في فتح الباري.
وقال القاري في المرقاة: كان اسم الجحفة مهيعة فأجحف السيل بأهلها فسميت جحفة يقال أجحف به إذا ذهب به وسيل جحاف إذا جرف الأرض وذهب به والآن مشهور برابغ انتهى. "وأهل نجد من قرن" بفتح القاف وسكون الراء اسم موضع يقال له قرن المنازل أيضاً قال النووي: وقرن المنازل على نحو مرحلتين من مكة. قالوا أو هو أقرب المواقيت إلى مكة "وأهل اليمن من يلملم" بفتح التحاتنية واللام وسكون الميم بعدها لام مفتوحة ثم ميم، مكان على مرحلتين من مكة بينهما ثلاثون ميلاً، ويقال له الملم بالهمزة وهو الأصل والياء تسهيل لها تنبيه قال الحافظ: أبعد المواقيت من مكة ذو الحليفة ميقات أهل المدينة، فقيل الحكمة في ذلك أن تعظم أجور أهل المدينة وقيل رفقاً بأهل الاَفاق لأن أهل المدينة أقرب الاَفاق إلى مكة أي ممن له ميقات معين انتهى.
قوله: "وفي الباب عن ابن عباس" أخرجه البخاري ومسلم "وجابر بن عبد الله" أخرجه مسلم "وعبد الله بن عمرو" أخرجه إسحاق بن راهويه في مسنده والدارقطني في سننه بلفظ: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقت لأهل المدينة ذا الحليفة ولأهل الشام الجحفة ولأهل نجد قرناً ولأهل اليمن يلملم ولأهل العراق ذات عرق . وفي سنده الحجاج بن ارطاة كذا في نصب الراية.
قوله: "وقت لأهل المشرق العقيق" وهو موضع بحذاء ذات العرق مما

(3/569)


قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ
ـــــــ
وراءه، وقيل داخل في حد ذات العرق وأصله كل مسيل شقه السيل فوسعه من العق وهو القطع والشق. والمراد بأهل المشرق من منزله خارج الحرم من شرقي مكة إلى أقصى بلاد الشرق وهم العراقيون والمعنى حد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعين لإحرام أهل المشرق العقيق.
قوله: "هذا حديث حسن" قال المنذري بعد ذكر كلام الترمذي: هذا وفي إسناده يزيد بن أبي زياد وهو ضعيف. وذكر البيهقي أنه تفرد به انتهى.
فإن قلت روى أبو داود والنسائي عن عائشة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقت لأهل العراق ذات عرق. وروى مسلم في صحيحه عن ابي الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يسأل عن المهل، فقال سمعت أحسبه رفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: مهل أهل المدينة من ذي الحليفة، والطريق الأخرى الجحفة، ومهل أهل العراق من ذات عرق الحديث. فيثبت من هذين الحديثين أن ميقات أهل العراق ذات عرق. ويثبت من حديث الترمذي أنه العقيق فكيف التوفيق؟
قلت: قال الحافظ في الفتح: حديث الترمذي قد تفرد به يزيد بن أبي زياد وهو ضعيف وإن كان حفظه فقد جمع بينه وبين حديث جابر وغيره بأجوبة منها: إن ذات عرق ميقات الوجوب والعقيق ميقات الاستحباب لأنه من ذات عرق. ومنها أن العقيق ميقات بعض العراقيين وهم أهل المدائن والآخر ميقات لأهل البصرة، وقع ذلك في حديث لأنس عند الطبراني وإسناده ضعيف. ومنها أن ذات عرق كانت أولاً في موضع العقيق الآن ثم حولت وقربت إلى مكة فذات عرق والعقيق شيء واحد ويتعين الإحرام من العقيق ولم يقل به أحد وإنما قالوا يستحب احتياطاً انتهى.
فإن قلت: روى البخاري في صحيحه عن ابن عمر رضي الله عنه قال: لما فتح هذان المصران أتوا عمر فقالوا : يا أمير المؤمنين إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حد لأهل نجد قرناً، وهو جور عن طريقتنا وإنا إن أردتا قرن شق علينا. قال فانظروا حذوها من طريقكم. فحد لهم ذات عرق انتهى. والمراد من هذين المصرين الكوفة والبصرة كما صرح به شرائح البخاري، وهما سرتا العراق. فحديث ابن عمر يدل على أن عمر رضي الله عنه حد لأهل العراق ذات عرق باجتهاد

(3/570)


ـــــــ
منه. وحديث جابر وغيره يدل على أنها صارت ميقاتهم بتوقيت النبي صلى الله عليه وسلم فكيف التوفيق؟
قلت: جمع بينهما بأن عمر رضي الله تعالى عنه لم يبلغه الخبر فاجتهد فيه فأصاب ووافق السنة.
فإن قلت: قال ابن خزيمة: رويت في ذات عرق أخبار لا يثبت منها شيء عند أهل الحديث، وقال ابن المنذر لم نجد في ذات عرق حديثاً ثابتاً. وأما حديث جابر عند مسلم فهو مشكوك في رفعه. فالظاهر أن توقيت ذات عرق لأهل العراق باجتهاد عمر رضي الله عنه.
قلت قال الحافظ في الفتح: الحديث بمجموع الطرق يقوي. وأما حديث جابر فقد أخرجه أحمد في رواية ابن لهيعة وابن ماجه من رواية إبراهيم بن يزيد فلم يشكا في رفعه

(3/571)


18ـ باب ما جَاءَ في مَا لاَ يَجُوزُ للمُحْرِمِ لبْسُه
834 ـ حدثنا قُتَيْبَةُ، حدثنا اللّيْثُ عَنْ نَافِعٍ عنْ ابنِ عُمَرَ أَنّهُ قالَ: قامَ رَجُلٌ فَقالَ يا رسولَ الله ماذَا تَأمُرُنَا أنْ نَلْبَسَ مِنَ الثّيَابِ في الحرمِ؟ فَقالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لا تلبَسوا القَمِيصَ ولاَ السّرَاويلاتِ ولا البَرانِسَ ولا العَمَائمَ ولا الخِفَافَ إلاّ أن يَكُونَ أحَدٌ لَيْسَتْ لَهُ نَعْلاَنِ
ـــــــ
ماذا باب ما جَاءَ في مَا لاَ يَجُوزُ للمُحْرِمِ لبْسُه
قوله: " تأمرنا أن نلبس" من لبس بكسر الباء يلبس بفتحها لبساً بضم اللام لا من لبس بفتح الباء يلبس بكسرها لبساً بالفتح فإنه بمعنى الخلط ومنه قوله تعالى {وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ} في الحرم بضم الحاء وسكون الراء أي في الإحرام "لا تلبس القميص" قال الطيبي: بما يحرم لبسه لأنه منحصر "ولا السراويلات" جمع أو جمع الجمع "ولا البرانس" بفتح الموحدة وكسر النون جمع البرنس بضمهما. قال الجزري في النهاية: هو كل ثوب رأسه منه ملتزق به من دراعة أو جبة أو ممطر أو غيره وقال الجوهري: هو قلنسوة طويلة كان النساك يلبسونها في صدر الإسلام من البرس بكسر الباء القطن والنون الزائدة. وقيل إنه غير عربي انتهى كلام الجزري. "ولا العمائم" جمع العمامة بكسر العين "ولا الخفاف"

(3/571)


فَلْيَلْبَسِ الخُفّيْنِ وليقطعهما مَا أَسْفَلَ مِنْ الكَعْبَيْنِ وَلاَ تَلْبَسُوا شَيْئاً مِنَ الثّيَابِ مَسّهُ الزّعْفَرانُ ولاَ الوَرْسُ ولاَ تَتَنَقّبْ المَرأةُ الحَرامُ ولاَ تلبَسْ القُفّازَيْنِ".
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. والعَملُ عَلْيهِ عِندَ أَهْلِ العِلْمِ.
ـــــــ
بكسر الخاء جمع الخف "فليلبس الخفين ما أسفل من الكعبين" وفي رواية الشيخين فليلبس خفين وليقطعهما أسفل من الكعبين. قال الحافظ في الفتح والمراد كشف الكعبين في الإحرام. وهما العظمان الناتئان عند مفصل الساق والقدم ويؤيده ما روى ابن أبي شيبة عن جرير عن هشام بن عروة عن أبيه قال: إذا اضطر المحرم إلى الخفين خرق ظهورهما وترك فيهما قدر ما يستمسك رجلاه. وقال محمد بن الحسن ومن تبعه من الحنفية: الكعب هنا هو العظم الذي في وسط القدم عند معقد الشراك. وقيل إن ذلك لا يعرف عند أهل اللغة، وقيل إنه لا يثبت عن محمد وأن السبب في نقله عنه أن هشام بن عبيد الله الرازي سمعه يقول في مسألة المحرم: إذا لم يجد النعلين حيث يقطع خفيه. فأشار محمد بيده إلى موضع القطع. ونقله هشام إلى غسل الرجلين في الطهارة قال: ونقل عن الأصمعي وهو قول الإمامية أن الكعب عظم مستدير تحت عظم الساق حيث مفصل الساق والقدم. وجمهور أهل اللغة أن في كل قدم كعبين: قال: وظاهر الحديث أنه لا فدية على من لبسهما إذا لم يجد النعلين. وعن الحنفية تجب وتعقب بأنها لو وجبت لبينها النبي صلى الله عليه وسلم لأنه وقت الحاجة واستدل به على اشتراط القطع خلافاً للمشهور عن أحمد فإنه أجاز لبس الخفين من غير قطع لإطلاق حديث ابن عباس ومن لم يجد نعلين فليلبس خفين وتعقب بأنه موافق على قاعدة حمل المطلق على المقيد. فينبغي أن يقول بها هنا انتهى. "مسه الزعفران" لما فيه من الطيب "ولا الورس" بفتح الواو وسكون الراء وهو نبت أصفر طيب الريح يصبغ به. "ولا تنتقب المرأة الحرام" أي المحرمة أي لا تستر وجهها بالبرقع والنقاب "ولا تلبس القفازين" القفاز بضم القاف وتشديد الفاء شيء تلبسه نساء العرب في أيديهن يغطي الأصابع والكف والساعد من البرد ويكون فيه قطن محشو ذكره الطيبي وقيل يكون له أزرار يزر على الساعد.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان.
قوله: "والعمل عليه عند أهل العلم" قال عياض: أجمع المسلمون على أن

(3/572)


ـــــــ
ما ذكر في الحديث لا يلبسه المحرم وأنه نبه بالقميص والسراويل على كل مخيط، وبالعمائم والبرانس على كل ما يغطي الرأس به مخيطاً أو غيره، وبالخفاف على كل ما يستر الرجل انتهى. وقال ابن المنذر: أجمعوا على أن للمرأة لبس جميع ما ذكر، وإنما تشترك مع الرجل في منع الثوب الذي مسه الزعفران أو الورس انتهى

(3/573)


باب ما جاء في لبس السراويل والخفين للمحرم إذا لم يجد الإزار والنعلين
...
19 ـ باب ما جَاءَ في لُبْسِ السّرَاوِيلِ والخُفّيْنِ للمُحْرِمِ إذَا لَمْ بَجِدْ الإزَارَ والنّعْلَيْن
835 ـ حدثنا أحمدُ بنُ عَبْدَةَ الضّبّيّ البصريّ، حدثنا يزيدُ بنُ زُرَيعٍ حدثنا أيّوبُ حدثنا عَمْروُ بنُ دِينَارٍ عَنْ جَابِرٍ بنِ زَيْد عن ابنِ عبّاسٍ قالَ: سَمِعْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقولُ: "المحْرِمُ إذَا لَمْ يَجِدْ الإزَارَ فَلْيَلْبَسِ السّرَاوِيلَ وإذا لَمْ يَجِد النّعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسِ الخُفّيْنِ".
836- حدثنا قتيبة حدثنا حَمّادُ بنُ زَيْدٍ عنْ عَمْروٍ نحوَهُ. قال: وفي البابِ عنْ ابنِ عُمَرَ وجَابِرِ.
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. والعَمَلُ على هذَا عِنْدَ بَعْضِ أهْلِ العِلْمِ قَالوا: إذَا لَمْ يَجِدْ المُحْرِمُ الإزَارَ لَبِسَ السّرَاويلَ وإذَا لَمْ يَجِدْ النّعْلَيْنِ لَبِسَ الخُفّيْنِ . وهو قَوْلُ أحمدَ وقالَ بَعْضُهُمْ "عَلَى حَدِيثِ ابنِ عُمَرَ
ـــــــ
باب ما جَاءَ في لُبْسِ السّرَاوِيلِ والخُفّيْنِ للمُحْرِمِ إذَا لَمْ بَجِدْ الإزَارَ والنّعْلَيْن
قوله: "وإذا لم يجد النعلين فليلبس الخفين" استدل به لأحمد بن حنبل على إجازته لبس الخفين من غير قطع وأجيب بأنه مطلق وحديث ابن عمر مقيد فيحمل المطلق على المقيد.
قوله: "وفي الباب عن ابن عمر" أخرجه الشيخان "وجابر رضي الله عنه" أخرجه أحمد ومسلم بلفظ: من لم يجد نعلين فليلبس خفين ومن لم يجد إزاراً فليلبس سراويل.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان.
قوله: "وهو قول أحمد" قال أحمد: يجوز للمحرم لبس الخفين من غير

(3/573)


عَنْ النبيّ صلى الله عليه وسلم" : إذَا لَمْ يَجِدْ النّعْلَيْنِ فَلْيَلْبَس الخُفّيْنِ وليَقْطَعهمَا أسْفَلَ مِنَ الكَعْبَيْنِ . وهو قَولُ سُفْيانَ الثّوْرِيّ والشّافِعيّ
ـــــــ
قطع إذا لم يجد النعلين، واستدل بإطلاق حديث ابن عباس وجابر، وقد عرفت أن حديث ابن عمر مقيد، فيحمل المطلق على المقيد، وقد استدل بعض الحنابلة بأن القطع فساد والله لا يحب الفساد، ورد بأن الفساد إنما يكون فيما نهى الشرع عنه لا فيما أذن فيه. واستدل بعضهم بالقياس على السراويل وأجيب بأن القياس مع وجود النص فاسد الاعتبار.
قوله: "وهو قول سفيان الثوري والشافعي" وبه قال مالك وأبو حنيفة وجماهير العلماء واستدلوا بحديث ابن عمر رضي الله عنه وهو الحق، فإن المطلق يحمل على المقيد والزياده من الثقة مقبولة واختلف العلماء في لابس الخفين لعدم النعلين، هل عليه فدية أم لا؟ قال الشوكاني وظاهر الحديث أنه لا فدية على من لبسهما إذا لم يجد النعلين وعن الحنفية تجب وتعقب بأنها لو كانت واجبة لبينها النبي صلى الله عليه وسلم لأنه وقت الحاجة وتأخير البيان عنه لا يجوز انتهى

(3/574)


20 ـ باب ما جَاءَ في الذِي يُحْرِمُ وَعَلْيهِ قَمِيصٌ أَوْ جُبّة
837 ـ حدثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ، حدثنا عبدُ الله بنُ إِدْرِيسَ عنْ عَبدِ المَلِكِ بنِ أبي سُلَيْمانَ عنْ عَطَاءٍ عنْ يَعْلَى بنِ أُميّةَ قالَ : "رأى النبيّ صلى الله عليه وسلم أَعْرابِيّا قَدْ أَحْرَمَ وَعَلَيْهِ جُبّةٌ فأمَرَهُ أَنْ يَنْزِعَهَا".
838 ـ حدثنا ابنُ أبي عُمَرَ حدثنا سُفْيَانُ عنْ عَمْرو بنِ دِينَارٍ عنْ عَطَاءٍ عنْ صَفْوانَ بنِ يَعْلَى عن أبيهِ عنْ النبيّ صلى الله عليه وسلم نَحْوَهُ بمعْنَاهُ.
ـــــــ
باب ما جَاءَ في الذِي يُحْرِمُ وَعَلْيهِ قَمِيصٌ أَوْ جُبّة
قوله: "فأمره أن ينزعها" وفي رواية لأبي داود اخلع جبتك فخلعها من رأسه. وقد استبدل بهذا الحديث على المحرم ينزع ما عليه من المخيط من قميص أو غيره ولا يلزمه عند الجمهور تمزيقه ولا شقه وقال النخعي والشعبي: لا ينزعه من قبل رأسه لئلا يصير مغطياً لرأسه. أخرجه ابن أبي شيبة عنهما، وعن علي نحوه وكذا عن الحسن وأبي قلابة. ورواية أبي داود المذكورة ترد عليهم.

(3/574)


قال أبو عيسى وهذا أَصَحّ وفي الحَدِيثِ قصّةُ. وهَكَذَا رواه قَتادَةُ والحَجّاجُ بنُ أَرْطَاةَ وغَيْرُ واحِدٍ عنْ عَطَاءٍ عنْ يَعْلى بنِ أُمّيةَ. والصّحِيحُ مَا رَوَى عَمْروُ بنُ دِينَارِ وابنُ جُريجِ عَنْ عَطَاءٍ عن صَفْوانَ بنِ يَعْلَى عنْ أبِيهِ عنْ النبيّ صلى الله عليه وسلم.
ـــــــ
قوله: "وهذا أصح" أي رواية ابن أبي عمر بزيادة صفوان بين عطاء ويعلى أصح من رواية قتيبة بن سعيد.
قوله: "وفي الحديث قصة" روى البخاري في صحيحه عن صفوان بن يعلى أن يعلى قال لعمر: أرني النبي صلى الله عليه وسلم حين يوحى إليه قال: فبينما النبي صلى الله عليه وسلم بالجعرانة ومعه نفر من أصحابه جاء رجل فقال يا رسول الله كيف ترى في رجل أحرم بعمرة وهو متصمخ بطيب؟ فسكت النبي صلى الله عليه وسلم ساعة فجاءه الوحي فأشار عمر إلى يعلى، فجاء يعلى وعلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثوب قد أظل به فأدخل رأسه فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم محمر الوجه وهو يغط، ثم سرى عنه فقال أين الذين سأل عن العمرة؟ فقال اغسل الطيب الذي بك ثلاث مرات، وانزع عنك الجبة واصنع في عمرتك كما تصنع في حجك انتهى. "وهكذا روى قتادة والحجاج بن أرطاة وغير واحد عن عطاء عن يعلى بن أمية" أي بعدم ذكر صفوان بين عطاء ويعلى، والحديث أخرجه البخاري ومسلم

(3/575)


باب ما جاء ما يقتل المحرم من الدواب
...
21 ـ باب ما يَقْتُلُ المُحْرِمُ مِنْ الدّوَاب
839 ـ حدثنا محمدُ بنُ عبدِ المَلِكِ بنِ أبي الشّوارِبِ حدثنا يَزِيدُ بنُ زُرَيعٍ حدثنا مَعْمَرٌ عنْ الزُهْرِيّ عن عُرْوَةَ عنْ عائِشَةَ قَالَتْ قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: " خَمْسُ فَواسِق يُقْتَلْنَ في الحَرَمِ: الفَأْرَةُ والعَقْربُ والغُرابُ والحُدَيّا والكَلْبُ العقُورُ".
ـــــــ
باب ما يَقْتُلُ المُحْرِمُ مِنْ الدّوَاب
قوله: "خمس" بالتنوين مبتدأ وقوله "فواسق" صفته جمع فاسقة، وفسقهن خبئهن وكثرة الضرر منهن قال في النهاية أصل الفسوق الخروج عن الاستقامة.

(3/575)


قال: وفي البابِ عن ابنِ مَسْعُودٍ وابنِ عُمَرَ وأبي هُرَيْرَةَ وأَبي سَعيدٍ وابنِ عبّاسٍ.
قال أبو عيسى: حديث عائِشَةَ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
840 ـ حدثنا أَحمدُ بنُ مَنِيعٍ حدثنا هُشَيمٌ أخبرنا يَزِيدُ بنُ أبي زِيَادٍ عنْ ابنِ أبي نُعْمٍ عنْ أبي سَعِيدٍ عَنْ النبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ:
ـــــــ
والجور وبه سمي العاصي فاسقاً، وإنما سميت هذه الحيوانات فواسق على الاستعارة لخبثهن، وقيل لخروجهن عن الحرمة في الحل والحرم أي لا حرمة لهن بحال انتهى. قال الطيبي وروى بلا تنوين مضافاً إلى فواسق قال في المفاتيح الأول هو الصحيح "يقتلن" خبر لقوله خمس "في الحرم" أي في أرضه "الفأرة " بالهمزة وتبدل ألفاً أي الأهلية والوحشية "والعقرب" وفي معناها الحية بل بطريق الأولى "والغراب" أي الأبقع كما في رواية مسلم وهو الذي في ظهره أو بطنه بياض "والحديا" تصغير حدأة على وزن عنبة قلبت الهمزة بعد ياء التصغير ياء وأدغمت ياء التصغير فيه فصار حدية ثم حذفت التاء وعوض عنها الألف لدلالته على التأنيث أيضاً كذا في المرقاة "والكلب العقور" قال في النهاية: الكلب العقور هو كل سبع يعقر أي يجرح ويقتل ويفترس كالأسد والنمر والذئب سماها كلباً لاشتراكها في السبعية انتهى.
قوله: "وفي الباب عن ابن مسعود وابن عمر وأبي هريرة وأبي سعيد وابن عباس" أما حديث ابن مسعود فأخرجه مسلم بلفظ: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر محرماً بقتل حية . وأما حديث ابن عمر فأخرجه البخاري ومسلم من طريق مالك عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خمس من الدواب ليس على المحرم في قتلهن جناح: العقرب والفأرة والكلب العقور والغراب والحدأة". وأخرجاه أيضاً من وجه آخر عنه بنحوه زاد فيه مسلم: والحية وزاد فيه قال: وفي الصلاة أيضاً. وأما حديث أبي هريرة فأخرجه الطحاوي في معاني الآثار وأخرجه أيضاً أبو داود قال المنذري في إسناده محمد بن عجلان. وأما حديث أبي سعيد فأخرجه الترمذي في هذا الباب وأما حديث ابن عباس فأخرجه أحمد وذكره الحافظ في التلخيص وسكت عنه.
قوله: "حديث عائشة حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان.
قوله: "عن ابن أبي نعم" بضم النون وسكون العين المهملة هو عبد الرحمَن

(3/576)


"يَقْتُلُ المُحْرِمُ السّبُعَ العَادِي والكَلْبَ العَقُورَ والفَأرَةَ والعَقْرَبَ والحدَأَةَ والغُرابَ".
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ. والعَمَلُ عَلى هذا عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ قَالُوا المُحْرِم يَقْتُلُ السّبُعَ العَادِيَ. وهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثّوْرِيّ والشّافِعِيّ. وقَالَ الشّافِعِيّ كُلّ سَبُعٍ عدَا عَلَى النّاسِ أوْ عَلَى دَوَابّهِمْ فَلِلْمُحَرِمِ قَتْلُهُ.
ـــــــ
البجلي أبو الحكم الكوفي صدوق عابد من الثالثة.
قوله: "يقتل المحرم السبع العادي" أي الظالم الذي يفترس الناس ويعقر فكل ما كان هذا الفعل نعتا له من أسد ونمر وفهد ونحوها فحكمه هذا الحكم، وليس على قاتلها فدية "والكلب العقور الخ" وفي رواية أبي داود: الحية والعقرب والفويسقة ويرمي الغراب ولا يقتله والكلب العقور قال الخطابي: يشبه أن يكون المراد به الغراب الصغير الذي يأكل الحب وهو الذي استثناه مالك من جملة الغربان انتهى. وقال الزيلعي في تخريج الهداية: والغراب المنهي عن قتله في هذا الحديث يحمل على الذي لا يأكل الجيف ويحمل المأمور بقتله على الأبقع الذي يأكل الجيف انتهى كلامه، وأخرج النسائي وابن ماجه عن شعبة عن قتادة عن سعيد بن المسيب عن عائشة مرفوعاً: خمس يقتلهن المحرم الحية والفأرة والحدأة والغراب الأبقع والكلب العقور انتهى ما في التخريج

(3/577)


باب ما جاء في الحجامة للمحرم
...
22 ـ باب ماجاءَ في الحِجَامَةِ للمُحْرِم
841 ـ حدثنا قُتَيْبَةُ، حدثنا سُفْيَانُ بنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرو بنِ دِينَارٍ عَن طَاوُسٍ و عَطَاءٍ عَنْ ابنِ عَبّاسٍ: " أَنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم احْتَجَمَ وهُوَ مُحْرِمٌ".
ـــــــ
"باب الحجامة للمحرم"
أي هل يمنع منها أو تباح له مطلقاً أو للضرورة والمراد في ذلك كله المحجوم لا الحاجم.
قوله: "احتجم رسول الله صلى الله عليه وسلم" أي في رأسه كما في رواية البخاري "وهو محرم" جملة حالية.

(3/577)


قال: وفي البابِ عن أنسٍ وعبدِ الله بنِ بُحَيْنَةَ وجَابِرٍ.
قال أبو عيسى: حَديثُ ابنِ عَبّاسٍ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وقَدْ رَخّصَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ في الحِجَامَةِ للمُحْرِمِ قَالُوا: لا يَحْلِق شَعْراً. وقالَ مَالِكٌ: لا يَحْتَجِمُ المُحرِمُ ولاَ يَنزِعُ شَعْراً الا من ضرورة وقال سفيان الثوري والشافعيّ: لا بأس أن يحتجم المحرم ولا ينزع شعراً.
ـــــــ
قوله: "وفي الباب عن أنس" قال احتجم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محرم على ظهر القدم من وجع كان به، أخرجه أبو داود والنسائي "وعبد الله بن بحينة" أخرجه البخاري ومسلم "وجابر" لينظر من أخرجه.
قوله: "حديث ابن عباس حديث حسن صحيح" وأخرجه البخاري ومسلم.
قوله: "وقد رخص قوم من أهل العلم في الحجامة للمحرم الخ" قال النووي: إذا أراد المحرم الحجامة لغير حاجة فإن تضمنت قطع شعر فهي حرام لقطع الشعر وإن لم تتضمنه جازت عند الجمهور، وكرهها مالك وعن الحسن: فيها الفدية وإن لم يقطع شعراً وإن كان لضرورة جاز قطع الشعر، وتجب الفدية وخص أهل الظاهر الفدية بشعر الرأس، واستدل بهذا الحديث على جواز الفصد ربط الجرح والدمل وقطع العرق وقلع الضرس وغير ذلك من وجوه التداوي إذا لم يكن في ذلك ارتكاب ما نهي عنه المحرم، من تناول الطيب وقطع الشعر ولا فدية عليه في شيء من ذلك كذا في الفتح

(3/578)


23 ـ باب ما جَاءَ في كَرَاهِيَةِ تَزْويجِ المُحْرم
842 ـ حدثنا أَحمدُ بنُ مَنِيعٍ، حدثنا إسماعيلُ بنُ عُلَيّةَ حدثنا أيّوبُ عَنْ نَافِعٍ عنْ نُبَيْهِ بنِ وَهْبٍ قالَ أرَادَ ابنُ مَعْمَرٍ أنْ يُنكِحَ ابْنَهُ
ـــــــ
باب ما جَاءَ في كَرَاهِيَةِ تَزْويجِ المُحْرم
قوله: "عن نبيه بن وهب" بضم النون وفتح موحدة مصغراً العبدري المدني ثقة من صغار الثالثة.
قوله: "أراد ابن معمر أن ينكح ابنه" ابن معمر هو عمر بن عبيد الله بن

(3/578)


فَبَعَثَنِي إلى أَبانَ بنِ عُثْمَانَ وهُوَ أَميرُ المَوسِمِ بمكة فأَتَيْتُهُ فقلت: إنّ أَخَاكَ يُرِيدُ أَنْ يُنْكِحِ ابنَهُ فأحَبّ أنْ يُشْهِدَكَ ذَلِكَ قالَ: لاَ أُرَاهُ إلاّ أَعْرَابياً جَافِياً، إنّ المُحْرِمَ لاَ يَنكِحُ ولا يُنكِحُ أَو كَمَا قَال ثم حَدّثَ عنْ عُثْمَانَ مثلَهُ يَرْفَعُهُ.
وفي البابِ عَنْ أبي رَافعٍ ومَيْمُونَةَ.
قال أبو عيسى: حديثُ عُثْمانَ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ والعَمَلُ على هذَا عِنْدَ بَعضِ أصْحَابِ النبيّ صلى الله عليه وسلم، منهُمْ عُمَرُ بنُ الخطّابِ وعَليّ
ـــــــ
معمر وإسم إبنه طلحة كما في رواية مسلم "فبعثني" أي أرسلني "إلى أبان بن عثمان" ابن عفان الأموي أبي سعيد وقيل أبي عبد الله مدني ثقة من الثالثة "وهو" أي أبان بن عثمان "أمير الموسم" أي أمير الحجاج. قال في مجمع البحار: الموسم هو وقت يجتمع فيه الحاج كل سنة. وهو مفعل إسم للزمان لأنه معلم لهم وسمه يسمه وسماً أثر فيه بكى انتهى. "إن أخاك" يعني ابن معمر "فأحب أن يشهدك ذلك" وفي رواية لمسلم: فأحب أن تحضر ذلك "لا أراه" بضم الهمزة أي لا أظن "إلا أعرابياً جافياً" قال النووي أي جاهلاً بالسنة والأعرابي هو ساكن البادية انتهى. وقال في النهاية: من بدا جفا أي من سكن البادية غلظ طبعه لقلة مخالطة الناس، والجفا غلظ الطبع انتهى. "المحرم لا ينكح" بفتح الياء وكسر الكاف أي لا يتزوج لنفسه امرأة "ولا ينكح" بضم الياء وكسر الكاف أي لا يزوج الرجل امرأة بولاية ولا بوكالة "أو كما قال" شك من الرواي "ثم حدث" أي أبان بن عثمان "عن عثمان مثله يرفعه" ولفظه عند مسلم: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا ينكح المحرم ولا ينكح ولا يخطب".
قوله: "وفي الباب عن أبي رافع" أخرجه أحمد والترمذي في هذا الباب "وميمونة" أخرجه مسلم عن يزيد الأصم قال: حدثتني ميمونة بنت الحارث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوجها وهو حلال، قال كانت خالتي وخالة ابن عباس.
قوله: "حديث عثمان حديث حسن صحيح" وأخرجه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه.

(3/579)


ابنُ أبي طَالِبٍ وابنِ عُمَرَ وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ فُقَهَاءِ التّابِعِينَ وَبِه يَقُولُ مالِكٌ والشّافِعيّ وأَحْمد وإسحاقُ: لا يَرَوْنَ أَنْ يَتَزَوّجَ المُحْرِمُ قالُوا فإِنْ نَكَحَ فَنِكاحُهُ باطِلٌ.
843 ـ حدثنا قُتَيْبَةُ، أخبرنا حَمّادُ بنُ زَيْدٍ عن مَطَرٍ الوَرّاقِ عن رَبيعَةَ بنِ أَبِي عبدِ الرحمَنِ عن سُلَيْمانَ بنِ يَسَارٍ عن أبي رَافعٍ قال: "تَزَوّجَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم مَيْمُونَةَ وَهُوَ حَلاَلٌ، وبَنَى بها وهو حَلاَلٌ، وكُنْتُ أنا الرّسُولَ فيما بَيْنَهُمَا".
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ ولا نَعْلَمُ أَحْداً أسْنَدَهُ غَيْرَ حَمّادِ بنِ زَيْدٍ عن مَطَرٍ الوَراقِ عن رَبيعَةَ. وَرَوَى مالكُ بنُ أنسٍ عن رَبيعَةَ عن سُلَيْمانَ بنِ يَسارٍ أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم تَزَوّجَ مَيْمُونَةَ وهُوَ حَلاَلٌ رَوَاهُ مالِكٌ مُرْسَلاً قال ورَواهُ أيْضاً سُلَيْمانُ بنُ بِلاَلٍ عن رَبيعَةَ مُرْسَلاً.
ـــــــ
قوله: "وبه يقول مالك والشافعي وأحمد وإسحاق: لا يرون أن يتزوج المحرم الخ" وهو قول الجمهور وهو الراجح عندي. قال الحافظ في الفتح: اختلف العلماء في هذه المسألة فالجمهور على المنع لحديث عثمان: لا ينكح المحرم ولا ينكح أخرجه مسلم. وأجابوا عن حديث ميمونة يعني الذي رواه ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة وهو محرم. أخرجه الشيخان وغيرهما بأنه اختلف في الواقعة كيف كانت ولا تقوم بها الحجة ولأنها تحتمل الخصوصية فكأن الحديث في النهي عن ذلك أولى بأن يؤخذ به انتهى.
قوله: "عن أبي رافع" هو مولى النبي صلى الله عليه وسلم، واختلف في اسمه فقيل إبراهيم وقيل أسلم وقيل غير ذلك، مات في أول خلافة علي رضي الله عنه على الصحيح.
قوله: "تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم ميمونة" بنت الحارث الهلالية وتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم بسرف سنة سبع "وبنى بها" أي دخل عليها وهو كناية عن الزفاف "وكنت أنا الرسول" أي الواسطة.
قوله: "هذا حديث حسن" وأخرجه أحمد.

(3/580)


قال أبو عيسى: ورُوِيَ عن يَزِيدَ بنِ الأصَمّ عن مَيْمُونَةَ قالتْ: "تَزَوّجَنِي رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وهُوَ حَلاَلٌ ويزِيدُ بنُ الأصَمّ هُوَ ابنُ أُخْتِ مَيْمُونَةَ.
ـــــــ
قوله: "وروي عن يزيد بن الأصم عن ميمونة قالت تزوجني رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو حلال" أخرجه مسلم. قال صاحب منتقى الأخبار: رواية صاحب القصة والسفير فيها أولى لأنه أخبر وأعرف بها انتهى

(3/581)


24 ـ باب ما جَاءَ في الرُخْصَةِ في ذلك
844 ـ حدثنا حُمَيْدُ بنُ مَسْعَدَةَ البصري حدثنا سُفْيانُ بنُ حَبيبٍ عن هِشامِ بنِ حَسّانَ عن عِكْرِمَةَ عن ابنِ عَبّاسٍ "أَنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم تَزَوّجَ مَيْمُونَةَ وهُوَ مُحْرِمٌ".
قال: وفي البابِ عن عَائِشَةَ:
قال أبو عيسى: حديثُ ابنِ عَبّاسٍ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. والعملُ على هذا عندَ بَعْضِ أهلِ العلمِ. وبه يَقُولُ سُفْيَانُ الثّوْرِيّ وأَهْلُ الكُوفَةِ.
ـــــــ
باب ما جَاءَ في الرُخْصَةِ في ذلك
قوله: "تزوج ميمونة وهو محرم" وللبخاري: تزوج النبي صلى الله عليه وسلم ميمونة وهو محرم وبنى بها وهو حلال وماتت بسرف.
قوله: "وفي الباب عن عائشة" أخرجه ابن حبان والبيهقي عنها قالت: تزوج وهو محرم، وأخرجه الطحاوي أيضاً. وأخرج أيضاً عن أبي هريرة: تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم ميمونة وهو محرم.
قوله: "حديث ابن عباس حديث حسن صحيح" وأخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه.
قوله: "وبه يقول سفيان الثوري وأهل الكوفة" وبه قال عطاء وعكرمة، واحتجوا بحديث ابن عباس المذكور.

(3/581)


845 ـ حدثنا قُتَيْبَةُ، حدثنا حَمّادُ بنُ زَيْدٍ عن أَيّوبَ عن عِكْرِمَةَ عن ابنِ عبّاسٍ "أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم تَزَوّجَ مَيْمُونَةَ وهُوَ مُحْرِمٌ".
846 ـ حدثنا قُتَيْبَةُ، حدثنا دَاوُدُ بنُ عبدِ الرحمَنِ العَطّارُ عن عَمْرِو بنِ دِينَارٍ قالَ: سَمِعْتُ أبا الشّعْثَاءِ يُحَدّثُ عن ابنِ عَبّاسِ "أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم تَزَوّجَ مَيْمُونَةَ وهُوَ مُحْرِمٌ".
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ. وأبُو الشّعْثَاءِ اسْمُهُ جَابِرُ بنُ زَيْدٍ. واختَلَفُوا في تَزْويجِ النبيّ صلى الله عليه وسلم مَيْمُونَةَ لأنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم تَزَوّجَها في طَريقِ مَكّةَ، فقالَ بعضُهُمْ تَزَوّجَها حَلاَلاً وظَهَرَ أَمْرُ
ـــــــ
وأجيب أولاً بأنه مخالف لرواية أكثر الصحابة ولم يروه كذلك. إلا ابن عباس كما قال عياض.
وتعقب بأنه قد صح من رواية عائشة وأبي هريرة نحوه كما صرح به الحافظ في الفتح، وثانياً بأن حديث ابن عباس فعل وحديث عثمان رضي الله عنه قول، والصحيح عند الأصوليين عند تعارض القول والفعل ترجيح القول لأنه يتعدى إلى الغير، والفعل قد يكون مقصوراً عليه قاله النووي، وثالثاً بالمعارضة برواية ميمونة نفسها وهي صاحبة القصة، وكذلك برواية أبي رافع وهو السفير وهما أخبر وأعرف بها. أما رواية ميمونة فأخرجها الترمذي في هذا الباب وهي رواية صحيحة أخرجها مسلم أيضاً. وأما رواية أبي رافع فأخرجها الترمذي وحسنه كما عرفت في الباب المتقدم.
قلت: والكلام في هذا المقام من الطرفين طويل والراجح هو قول الجمهور، فإن حديث عثمان رضي الله عنه فيه بيان قانون كلي للأمة. وأما حديث ابن عباس رضي الله عنهما ففيه حكاية فعل النبي صلى الله عليه وسلم وفيه احتمالات متطرفة، هذا ما عندي والله تعالى أعلم.
قوله: "هذا حديث صحيح" وأخرجه مسلم "واختلفوا في تزويج النبي صلى الله عليه وسلم ميمونة الخ" قال النووي في شرح مسلم: ذكر مسلم الاختلاف أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة وهو محرم أو وهو حلال فاختلف العلماء بسبب ذلك في نكاح المحرم، فقال مالك والشافعي وأحمد وجمهور العلماء من

(3/582)


تَزْويجِها وهُوَ مُحْرِمٌ ثمّ بَنى بِهَا وهُو حَلالٌ بِسَرِفَ في طَريقِ مَكّةَ. وماتَتْ مَيْمُونَةُ بسَرِفَ حيثُ بنَى بها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ودُفِنَتْ بِسَرفَ.
847 ـ حدثنا إسحاقُ بنُ منصُورٍ حدثنا وَهْبُ بنُ جَريرٍ حدثنا أبي قال: "سَمِعْتُ أبا فَزارَةَ يُحَدّثُ عن يَزِيدَ بنِ الأصَمّ عن مَيْمُونَةَ "أنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم تَزوّجها وهُوَ حَلاَلٌ وَبَنى بها حَلاَلاً. وماتتْ بَسَرِفً ودفَنّاها في الظّلّةِ التي بُنِيَ بِهَا فِيهَا".
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ غريبٌ. وَرَوَى غَيْرُ واحِدٍ هذا الحديثَ
ـــــــ
الصحابة فمن بعدهم: لا يصح نكاح المحرم واعتمدوا أحاديث الباب، وقال أبو حنيفة والكوفيون يصح نكاحه لحديث قصة ميمونة.
وأجاب الجمهور عن حديث ميمونة بأجوبة أصحها أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما تزوجها حلالاً هكذا رواه أكثر الصحابة. قال القاضي وغيره: ولم يروا أنه تزوجها محرماً إلا ابن عباس وحده، وروت ميمونة وأبو رافع وغيرهما أنه تزوجها حلالاً وهم أعرف بالقضية لتعلقهم به بخلاف ابن عباس ولأنهم أضبط من ابن عباس وأكثر، الجواب الثاني: تأويل حديث ابن عباس على أنه تزوجها في الحرم وهو حلال، ويقال لمن هو في الحرم محرم وإن كان حلالاً وهي لغة شائعة معروفة ومنه البيت المشهور: قتلوا ابن عفان الخليفة محرماً، أي في حرم المدينة. والثالث أنه تعارض القول والفعل، والصحيح حينئذ عند الأصوليين ترجيح القول لأنه يتعدى إلى الغير، والفعل قد يكون مقصوراً عليه. والرابع جواب جماعة من أصحابنا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان له أن يتزوج في حال الإحرام وهو مما خص به دون الأمة وهذا أصح الوجهين عند أصحابنا، والوجه الثاني أنه حرام في حقه كغيره وليس من الخصائص انتهى كلام النووي.
قوله: "ثم بنى بها" أي دخل بها. قال في النهاية: الابتناء والبناء الدخول بالزوجة: والأصل فيه أن الرجل كان إذا تزوج امرأة بنى عليها قبة ليدخل بها فيها فيقال بنى: الرجل على أهله "بسرف" بفتح المهملة وكسر الراء موضع معروف من مكة بعشر أميال وقيل أقل وقيل أكثر "وماتت ميمونة بسرف" سنة إحدى وخمسين على الصحيح قاله الحافظ.

(3/583)


عن يَزيدَ بنِ الأصمّ مُرْسَلاً أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم تَزوّجَ مَيْمُونَةَ وهُوَ حَلاَلٌ.
ـــــــ
قوله: "عن يزيد بن الأصم" كوفي نزل الرقة وهو ابن أخت ميمونة أم المؤمنين ثقة من الثالثة "ودفناها في الظلة" بضم الظاء وتشديد اللام كل ما أظل من الشمس "التي بنى بها" أي دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بميمونة "فيها" أي في تلك الظلة.
قوله: "هذا حديث غريب" وأخرجه أحمد ومسلم وتقدم لفظه وأخرجه أبو داود أيضاً ولفظه قالت: تزوجني ونحن حلالان بسرف

(3/584)


25 ـ باب ما جَاء في أكْلِ الصّيْدِ للْمُحْرِم
848 ـ حدثنا قُتَيْبَةُ، حدثنا يَعْقُوبُ بنُ عبدِ الرحمَنِ عن عَمْرٍو بنِ أبي عَمْروٍ عن المُطّلِبِ عن جَابِر بن عبدالله عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ: "صَيْدُ البَرّ لكُمْ حَلالٌ وأنْتُمْ حُرُمٌ ما لَمْ تَصِيدُوهُ أوْ يُصَدْ لكُمْ".
قال: وفي البابِ عن أبي قَتادَةَ وطَلْحَةَ.
ـــــــ
باب ما جَاء في أكْلِ الصّيْدِ للْمُحْرِم
قوله: "عن المطلب" هو المطلب بن عبد الله بن المطلب بن حنطب المخزومي صدوق كثير التدليس والإرسال من الرابعة.
قوله: "صيد البر لكم الحلال وأنتم حرم" بضمتين أي محرمون "ما لم تصيدوه" بأنفسكم مباشرة "أو يصد لكم" أي لأجلكم. قال في المرقاة: وبهذا يستدل مالك والشافعي رحمهما الله على حرمة لحم ما صاده الحلال لأجل المحرم، وأبو حنيفة رحمه الله يحمله على أن يهدي إليكم الصيد دون اللحم أو على أن يكون معناه أن يصاد بأمركم فلا يحرم لحم صيد ذبحه حلال للمحرم من غير أمره أو دلالته انتهى. قلت: ما ذهب إليه مالك والشافعي هو مذهب الجمهور واحتجوا بحديث جابر هذا. ومن جملة أدلة الجمهور ما رواه أحمد وابن ماجه من حديث أبي قتادة وفيه: ولم يأكل منه حين أخبرته أني أصطدته له.
قوله: "وفي الباب عن أبي قتادة" أخرجه البخاري ومسلم والترمذي وغيرهم "وطلحة" أخرجه أحمد ومسلم والنسائي.

(3/584)


قال أبو عيسى: حديثُ جابرٍ حديثٌ مُفَسّرٌ والمُطّلِبُ لا نَعْرِفُ لَهُ سَماعاً مِنْ جَابِرٍ. والعَمَلُ على هَذا عندَ بعضِ أهْلِ العلمِ لا يَرَوْنَ بالصّيْدِ لِلْمُحْرِمِ بأساً إذا لم يَصْطَدْهُ أو يُصْطَدْ منْ أجْلِهِ. قال الشّافعيّ هذا أحْسَنُ حَدِيثٍ رُوِيَ في هذا البابِ وأقْيَسُ. والعَملُ على هذا. وهُوَ قَوْلُ أحمدَ وإسحاقَ.
849 ـ حدثنا قُتَيْبةُ عن مالِكِ بنِ أنسٍ عن أبي النّضْرِ عن نافعٍ مَوْلَى أبي قَتَادَةَ عن أبي قَتَادَة أنهُ كان مع النبيّ صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان ببعضِ طَريقِ مَكّةَ تَخَلّفَ مع أَصْحَابٍ لهُ مُحْرِمينَ وهُوَ غَيْرُ مُحْرِمٍ فَرَأَى حِماراً وحشياً فاستْوَى على فَرَسِهِ فَسَأَلَ أصْحَابَهُ أَنْ يُنَاوِلُوهُ سَوْطَهُ فأَبَوْا فسأَلَهُمْ رُمْحهُ فأَبَوْا عَليهِ فأَخَذَه ثم شدّ على الحِمار فقَتَلهُ فأَكَلَ مِنْهُ بَعْضُ أصحابٍ النبيّ صلى الله عليه وسلم وأبى بَعْضُهُمْ فأَدْرَكُوا النبيّ صلى الله عليه وسلم فسأَلُوهُ عن ذلك فقالَ "إنّما هيَ طُعْمَةٌ أَطْعَمَكُمُوهَا الله".
850 ـ حدثنا قُتَيْبَةُ عن مالكٍ عن زَيْدِ بنِ أسْلَمَ عن عطاءِ بنِ يَسَارٍ عن أبي قَتَادَةَ في حِماد الوَحْشِ مِثْلَ حَديثِ أبي النّضْرِ غَيْرَ أَنّ في حديثِ زَيْدِ بنِ أسْلَمَ أنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: "هَلْ مَعَكُمْ مِنْ لَحمِهِ شيءٌ".
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
قوله: "حديث جابر حديث مفسر" فإنه صريح في التفرقة بين أن يصيده المحرم أو يصيده غيره له وبين أن لا يصيده المحرم ولا يصاد له بل بصيده الحلال لنفسه ويطعمه المحرم ومقيد لبقية الأحاديث المطلقة.
قوله: "والمطلب لا نعرف له سماعاً من جابر" وقال الترمذي في موضع آخر: والمطلب بن عبد الله بن حنطب يقال إنه لم يسمع من جابر، وذكر أبو حاتم الرازي أنه لم يسمع من جابر، وقال ابنه عبد الرحمَن بن أبي حاتم يشبه أن يكون أدركه، ذكره المنذري

(3/585)


26ـ باب ما جَاءَ في كَراهِيَةِ لَحْمِ الصّيْدِ لِلْمُحْرِم
851 ـ حدثنا قُتَيْبَةُ حدثنا الّليْثُ عن ابنِ شِهابٍ عن عُبيدِ الله بنِ عبدِ الله أنّ ابنَ عَبّاسٍ أخْبَرَهُ أنّ الصّعْبَ بنَ جَثّامَةَ أخْبَرهُ "أنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم مَرّ بهِ بالأبواءِ أو بوَدّانَ فأَهْدَى لهُ حِماراً وحْشِياً فردّهُ عليهِ، فلما رأى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ما في وجْهِهِ من الكَرَاهِيَة قال: إنّهُ لَيْسَ بناردٌ عليك ولكنّا حُرُمٌ".
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ وقد ذَهَبَ قَوْمٌ منْ أهْلِ العلمِ منْ أصْحابٍ النبيّ صلى الله عليه وسلم وغَيْرِهِم إلى هذا الحديثِ وكَرِهُوا أكْلَ الصّيْدٍ لِلْمُحْرِمِ. وقال الشّافعيّ إنّما وجْهُ هذا الحديثِ عِنْدَنا إنّما رَدّهُ عَلَيْهِ لمّا ظَنّ أنّهُ صِيدَ مِنْ أجلِهِ وتَرَكَهُ على التّنَزهِ. وقد رَوَى بَعْضُ أصحابِ الزُهْريّ عن الزُهْريّ هذا الحديثَ وقال أهْدِي لهُ لَحْمُ حِمار وَحْشٍ وهُوَ غَيْرُ مَحْفُوظٍ.
قال: وفي البابِ عن علي وَزَيْدِ بنِ أرْقَمَ.
ـــــــ

(3/586)


27 ـ باب ما جَاءَ في صَيْدِ البَحْرِ لِلْمُحرِم
852 ـ حدثنا أبُو كُرَيْبٍ، حدثنا وكِيعٌ عن حَمّادِ بنِ سَلَمَة عن أبي المُهَزّمِ عن أبي هُرَيْرَةَ قال: "خَرَجْنَا مَعَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم في حَج أوْ عُمْرَةٍ فاْستَقْبَلَنَا رِجْلٌ منْ جَرادٍ فَجَعلْنَا نَضْرِبُهُ بأَسْياطِنَا وعِصِيّنا فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم كُلُوهُ فإنّهُ منْ صَيْدِ البَحْرِ"1.
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ غريبٌ لا نَعْرِفُهُ إلاّ مِنْ حديثِ أبي المُهَزمِ عن أبي هُرَيْرَةَ. وأبُو المُهَزّمِ اسْمُهُ يَزيدُ بنُ سُفْيَانَ وقد تَكَلّمَ فيه شُعْبَةُ. وقد رَخّصَ قَوْمٌ منْ أهْلِ العلمِ لِلْمُحْرِمِ أنْ يَصِيدَ الجَرادَ ويأكُلَه. وَرَأَى بَعْضُهُمْ عليهِ صَدَقَةٌ إذا اصْطَادَهُ وأَكَلَهُ.
ـــــــ
1 كذا بالأصل المعنى المراد: إنه من صيد البحر .. حكما لا حقيقة.

(3/586)


28 ـ باب ما جاء في الضّبُعِ يُصِيبُهَا المُحْرِم
853 ـ حدثنا أحمدُ بنُ مَنيِعٍ، حدثنا إسْماعيلُ بنُ إبراهيم حدثنا ابنُ جُرَيْجٍ عن عبدِ الله بن عُبَيْدِ بنِ عُمَيْرٍ عن ابِن أبي عَمّارٍ قال: " قُلْتُ لَجابر: الضّبُعُ أَصَيْدٌ هِيَ؟ قالَ: نَعَمْ. قال قلت: آكُلُهَا؟ قال: نَعَمْ. قَالَ قُلْتُ أَقَالَهُ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: نَعَمْ".
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. قال عليّ بن المديني: قالَ يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ وَرَوَى جَريرُ بنُ حازِمٍ هذا الحديث فقالَ عن جابِرٍ عن عُمَرَ وحديثُ ابنُ جُرَيْجٍ أصَحّ وهُوَ قَوْلُ أحمدَ وإسحاقَ. والعملُ على هذا الحَديثِ عِنْدَ بَعْضِ أهلِ العلمِ في المُحْرِمِ إذا أصابَ ضبُعاً أنّ عَليهِ الجَزَاءَ.
ـــــــ

(3/587)


29ـ باب ما جَاء في الاغتسالِ لدُخُولِ مَكّة
854 ـ حدثنايَحْيَى بنُ مُوسى حدثنا هارُونُ بنُ صَالِحٍ البلخي حدثنا عبدُ الرحمَن بنُ زَيْدِ بنِ أسْلَمَ عن أبيهِ عن ابنِ عُمرَ قالَ: "اغْتَسَل النبيّ صلى الله عليه وسلم لدُخُولِ مَكّةَ بفَخ".
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ غيرُ مَحْفُوظٍ والصّحيحُ مَا رَوَى نافِعٌ عَن ابنِ عُمرَ أنّهُ كانَ يَغْتَسِلُ لدُخُولِ مَكّةَ.
ـــــــ
باب ما جَاء في الاغتسالِ لدُخُولِ مَكّة
قوله: "بفخ" بفتح الفاء وبالخاء المعجمة المشددة موضع قريب من مكة. قال المحب الطبري: هو بين مكة ومنى، قال العراقي: ووقع في سنن الدارقطني بالجيم والمعروف الأول كذا في قوت المغتذي. وقال في النهاية: فخ موضع عند مكة وقيل واد دفن به عبد الله بن عمر انتهى.
قوله: "والصحيح ما روى نافع عن ابن عمر أنه كان يغتسل إلخ" الظاهر أن الضمير في أنه يرجع إلى ابن عمر رضي الله عنه ويحتمل أن يرجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم. روى البخاري في صحيحه عن نافع قال: كان ابن عمر إذا دخل أدنى

(3/587)


وبه يَقُولُ الشّافعيّ يُسْتَحَبّ الاغْتِسالُ لِدُخُولِ مَكةَ. وعبدُ الرحمنِ ابنُ زَيدِ بنِ أسْلَمَ ضَعِيفٌ في الحديثِ ضَعفّهُ أَحمدُ بنُ حَنْبَلٍ وعليّ بنُ المَدِينيّ وغَيْرُهُما ولا نَعْرِفُ هذا الحديث مَرْفُوعاً إلاّ مِنْ حَدِيثهِ.
ـــــــ
الحرم أمسك عن التبلية ثم يبيت بذي طوى ثم يصلى به الصبح ويغتسل ويحدث أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك. قال الحافظ في فتح الباري: يحتمل أن الإشارة به إلى الفعل الأخير وهو الغسل ويحتمل أنها إلى الجميع وهو الأظهر انتهى. وروى مسلم عن ابن عمر أنه كان لا يقدم مكة إلا بات بذي طوى حتى يصبح ويغتسل ثم يدخل مكة نهاراً. ويذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه فعله. وروى مالك في الموطأ عن نافع أن عبد الله بن عمر كان يغتسل لإحرامه قبل أن يحرم ولدخول مكة ولوقوفه عشية عرفة.
قوله: "وبه يقول الشافعي يستحب الاغتسال لدخول مكة" قال الحافظ في الفتح: قال ابن المنذر: الاغتسال عند دخول مكة مستحب عند جميع العلماء وليس في تركه عندهم فدية. وقال أكثرهم يجزيء منه الوضوء. وفي الموطأ أن ابن عمر كان لا يغسل رأسه وهو محرم إلا من احتلام وظاهره أن غسله لدخول مكة كان لجسده دون رأسه. وقال الشافعية: إن عجز عن الغسل تيمم. وقال ابن التين: لم يذكر أصحابنا الغسل لدخول مكة وإنما ذكروه للطواف والغسل لدخول مكة هو في الحقيقة للطواف انتهى.
قوله: "عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ضعيف إلخ" قال الذهبي في الميزان: عبد الرحمَن بن زيد بن أسلم العمري مولاهم المدني أخو عبد الله وأسامة. قال أبو يعلى الموصلي: سمعت يحيى بن معين يقول: بنو زيد بن أسلم ليسوا بشيء. وروى عثمان الدارمي عن يحيى بن معين يقول: بنو زيد ضعيف. وقال البخاري: عبد الرحمَن ضعفه عليّ جداً. وقال النسائي ضعيف. وقال أحمد: عبد الله ثقة والآخران ضعيفان

(3/588)


30ـ باب ما جاء في دُخُولِ النبيّ صلى الله عليه وسلم مَكّةَ مِنْ أَعْلاَهَا وخُرُوجِهِ مِنْ أسْفَلِهَا
855 ـ حدثنا أبو موسَى محمدُ بنُ المُثَنّى حدثنا سُفْيَانُ بنُ عُيَيْنَةَ عَنْ هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ عن أبيهِ عن عَائِشَةَ قالت: "لَمّا جاءَ النبيّ صلى الله عليه وسلم إلى مَكّةَ دَخَلَ مِنْ أَعْلاَهَا وخَرَجَ مِنْ أسْفَلِهَا".
قال: وفي البابِ عن ابنِ عُمَرَ.
قال أبو عيسى: حديثُ عَائِشَةَ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
باب ما جاء في دُخُولِ النبيّ صلى الله عليه وسلم مَكّةَ
قوله: "دخلها من أعلاها وخرج من أسفلها" قال القاري في المرقاة: المراد بأعلاها ثنية كداء بفتح الكاف والمد والتنوين وعدمه نظراً إلى أنه علم المكان أو البقعة وهي التي ينحدر منها إلى المقبرة، المسماة عند العامة بالمعلاة وتسمى بالحجون عند الخاصة، ويطلق أيضاً على الثنية التي قبله بيسير، والثنية الطريق الضيق بين الجبلين وبأسفلها ثنية كدى بضم الكاف والقصر والتنوين وتركه وهو المسى الآن بباب الشبيكة. قال الطيبي رضي الله عنه: يستحب عند الشافعية دخول مكة من الثنية العليا والخروج من السفلى سواء كانت هذه الثنية على طريق مكة كالمدني أولا كاليمني، قيل إنما فعل صلى الله عليه وسلم هذه المخالفة في الطريق داخلاً أو خارجاً للفأل بتغيير الحال إلى أكمل منه كما فعل في العيد وليشهد الطريقان وليتبرك به أهلهما انتهى. قلت: قد بين في المعنى الذي لأجله خالف النبي صلى الله عليه وسلم بين طريقيه وجوه أخر ذكرها الحافظ في الفتح مفصلاً.
قوله: "وفي الباب عن عمر رضي الله عنه" قال كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل مكة دخل من الثنية العليا التى بالبطحاء وإذا خرج خرج من الثنية السفلى، رواه الجماعة إلا الترمذي.
قوله: "حديث عائشة حديث حسن صحيح" وأخرجه البخاري ومسلم

(3/589)


31ـ باب ما جَاءَ فِي دُخُولِ النبيّ صلى الله عليه وسلم مَكّةَ نَهَارا
856 ـ حدثنا يُوسُفُ بنُ عيسى، حدثنا وَكِيعٌ، حدثنا العُمَرِيّ عن نَافِعٍ عن ابنِ عُمَرَ " أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم دَخَلَ مَكّةَ نَهَاراً".
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ.
ـــــــ
باب ما جَاءَ فِي دُخُولِ النبيّ صلى الله عليه وسلم مَكّةَ نَهَارا
قوله: "أخبرنا العمري" بضم العين وفتح الميم وشدة التحتانية هو عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب العمري المدني ثقة ثبت قدمه أحمد بن صالح على مالك في نافع من الخامسة عابد.
قوله: "دخل مكة نهاراً" وروى البخاري في صحيحه عن ابن عمر قال: بات النبي صلى الله عليه وسلم بذي طوى حتى أصبح ثم دخل مكة، وكان ابن عمر يفعله. قال الحافظ: وهو ظاهر في الدخول نهاراً، قال: وأما الدخول ليلاً فلم يقع منه صلى الله عليه وسلم إلا في عمرة الجعرانة فإنه صلى الله عليه وسلم أحرم من الجعرانة ودخل مكة ليلا فقضى أمر العمرة ثم رجع ليلا فأصبح بالجعرانة كبائت. كما رواه أصحاب السنن الثلاثة من حديث محرش الكعبي وترجم عليه النسائي دخول مكة ليلا، وروى سعيد بن منصور عن إبراهيم النخعي قال : كانوا يستحبون أن يدخلوا مكة نهاراً ويخرجوا منها ليلاً، وأخرج عن عطاء إن شئتم فادخلوا ليلا إنكم لستم كرسول الله صلى الله عليه وسلم إنه كان إماماً فأحب أن يدخلها نهاراً ليراه الناس انتهى . قال الحافظ: وقضية هذا أن من كان إماماً يقتدي به استحب له أن يدخلها نهاراً انتهى.
قوله هذا حديث حسن وفي بعض النسخ حسن صحيح وأخرجه البخاري ومسلم

(3/590)


باب ما جاء في كراهية رفع اليد عند رؤية البيت
...
32 ـ باب ما جَاءَ في كَرَاهِيَةِ رَفْعِ اليدينِ عِنْدَ رُؤْيَةِ البَيْت
857 ـ حدثنا يُوسُفُ بنُ عيسى حدثنا وَكيعٌ حدثنا شُعْبَةُ عن أبي قَزَعَةَ البَاهِليّ عن المُهَاجِرِ المَكّيّ قالَ: سُئِلَ جَابِرُ بنُ عبدِ الله أَيَرْفَعُ الرّجُلُ
ـــــــ
باب ما جَاءَ في كَرَاهِيَةِ رَفْعِ اليدينِ عِنْدَ رُؤْيَةِ البَيْت
قوله: "عن أبي قزعة" بقاف مفتوحة وسكون زاي وفتحها وبعين مهملة كنيته سويد بن حجير كذا في المغنى "عن المهاجر المكي" هو مهاجر بن عكرمة

(3/590)


يَدَيْهِ إذَا رَأَى البَيْتَ؟ فقالَ: حَجَجْنَا مَعَ النبيّ صلى الله عليه وسلم فَكُنّا نَفْعَلُهُ.
قال أبو عيسى: رَفْعُ اليدِ عِنْدَ رُؤْيَةِ البَيْتِ إنّما نَعْرِفُهُ مِنْ حديثِ شُعْبَةَ عن أبي قَزَعَةَ. وأبو قَزَعَةَ سُوَيْدُ بنُ حجر.
ـــــــ
ابن عبد الرحمَن الخراساني وثقه ابن حبان، وقال الحافظ في التقريب: مقبول من الرابعة.
قوله: "أفكنا نفعله" الهمزة للإنكار، وفي رواية أبي داود: فلم يكن يفعله، وفي رواية النسائي: فلم نكن نفعله. قال الطيبي: وبه قال أبو حنيفة ومالك والشافعي خلافاً لأحمد وسفيان الثوري وهو غير صحيح عن أبي حنيفة والشافعي أيضاً فإنهم صرحوا أنه يسن إذا رأى البيت أو وصل لمحل يرى منه البيت إن لم يره لعمى أو في ظلمة أن يقف ويدعو رافعاً يديه انتهى كلام القاري.
قلت: روى الشافعي في مسنده عن ابن جريج أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا رأى البيت رفع يديه وقال اللهم زد هذا البيت تشريفاً وتعظيماً وتكريماً ومهابة وزد من شرفه وكرمه ممن حجه واعتمره تشريفاً وتعظيماً وتكريماً وبراً. قال الشافعي بعد أن أورده: ليس في رفع اليدين عند رؤية البيت شيء فلا أكرهه ولا أستحبه. قال البيهقي: فكأنه لم يعتمد على الحديث لانقطاعه انتهى. فظهر من كلام الشافعي هذا أن رفع اليدين عند رؤية البيت عنده ليس بمكروه ولا مستحب. وأما حديث ابن جريج فقال الحافظ في التلخيص: هو معضل فيما بين ابن جريج والنبي صلى الله عليه وسلم انتهى وفي إسناده سعيد بن سالم القداح وفيه مقال قاله الشوكاني، وقال ليس في الباب ما يدل على مشروعية رفع اليدين عند رؤية البيت وهو حكم شرعي لا يثبت إلا بدليل. وأما الدعاء عند رؤية البيت فقد رويت فيه أخبار وآثار منها ما أخرجه ابن المفلس أن عمر كان إذا نظر إلى البيت قال: اللهم أنت السلام ومنك السلام فحينا ربنا بالسلام، ورواه سعيد بن منصور في السنن عن ابن عيينة عن يحيى بن سعيد ولم يذكر عمر، ورواه الحاكم عن عمر أيضاً وكذلك رواه البيهقي عنه انتهى.
قوله: "رفع اليد عند رؤية البيت إنما نعرفه من حديث شعبة عن أبي قزعة" وذكر الخطابي أن سفيان الثوري وابن المبارك وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه

(3/591)


ـــــــ
ضعفوا حديث جابر هذا لأن في إسناده مهاجر بن عكرمة المكي وهو مجهول عندهم لكن قد عرفت أن ابن حبان وثقه، وقال الحافظ إنه مقبول.
قوله: "واسم أبي قزعة سويد بن حجر" كذا في بعض النسخ وفي بعضها سويد بن حجير وهو الصحيح. قال الحافظ في التقريب: سويد بن حجير بتقديم المهملة مصغراً الباهلي أبو قزعة البصري ثقة من الرابعة انتهى، وكذلك في الخلاصة

(3/592)


33ـ باب ما جَاء كَيْفَ الطّواف
858 ـ حدثنا محمودُ بنُ غَيْلانَ حدثنا يَحْيَى بنُ آدَمَ أخبرنا سُفْيَانُ الثّوْرِيّ عن جَعْفَرِ بنِ محمدٍ عن أبيهِ عن جابرٍ قالَ: "لَمّا قَدِمَ النبيّ صلى الله عليه وسلم مَكّةَ دَخَلَ المَسْجِدَ فاسْتَلَمَ الحَجَر ثم مَضى على يَمِيِنِهِ فَرَمَلَ ثلاثاً ومَشى أرْبَعاً ثم أَتَى المَقَام فقالَ: واتّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إبراهيم مُصَلّى فَصَلّى رَكْعَتَيْن والمقامُ بَيْنَهُ وبَيْنَ البَيْتِ، ثم أَتَى الحَجَرَ بعدَ الركْعَتَيْن فاسْتَلَمَهُ ثم خَرَجَ إلى الصّفَا أَظُنّهُ قالَ: إنّ الصّفَا والمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ الله".
ـــــــ
باب ما جَاء كَيْفَ الطّواف
قوله: "دخل المسجد" أي المسجد الحرام "فاستلم الحجر" أي الحجر الأسود أي وضع يديه وقبله والاستلام افتعال من السلام بمعنى التحية، وأهل اليمن يسمون الركن الأسود بالمحيا لأن الناس يحيونه بالسلام، وقيل من السلام بكسر السين وهي الحجارة واحدتها سلمة بكسر اللام، يقال استلم الحجر إذا لمسه وتناوله كذا في النهاية وغيره "ثم مضى على يمينه" أي يمين نفسه مما يلي الباب وقيل على يمين الحجر، وفي رواية مسلم: ثم مشى على يمينه "فرمل" قال في النهاية رمل يرمل رملاً ورملاناً إذا أسرع في المشي وهز منكبيه "ثلاثاً" أي ثلاث مرات من الأشواط السبعة "ومشى" أي على عادته "ثم أتى المقام" أي مقام إبراهيم "فقال" أي فقرأ "واتخذوا" بكسر الخاء على الأمر وبفتحها "مصلى" أي موضع صلاة الطواف "والمقام بينه وبين البيت" جملة حالية، والمعنى صلى ركعتين خلف المقام "ثم أتى الحجر" أي الحجر الأسود "من شعائر الله" جمع شعيرة وهي العلامة التي جعلت للطاعات المأمور بها في الحج عندها كالوقوف والرمي والطواف والسعي.

(3/592)


وفي البابِ عن ابنِ عُمَرَ.
قال أبو عيسى: حديثُ جَابرٍ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. والعملُ على هذا عند أَهْلِ العلمِ.
ـــــــ
قوله: "وفي الباب عن ابن عمر" أخرجه الشيخان.
قوله: "حديث جابر حديث حسن صحيح" أخرجه مسلم أيضاً

(3/593)


34 ـ باب ما جَاءَ في الرّمَلِ منَ الحجَرِ إلى الحجَر
859 ـ حدثنا عليّ بنُ خَشْرَمٍ أخبرنا عبدُ الله بنُ وَهْبٍ عن مالِكِ بنِ أنَسٍ عن جَعْفَرِ بنِ محمدٍ عن أبيهِ عن جابِر "أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم رَمَلَ مِنَ الحَجَرِ إلى الحَجَرِ ثَلاثاً ومَشى أرْبعاً".
قال: وفي البابِ عن ابنِ عُمَرَ.
ـــــــ
"باب ما جاء في الرمل من الحجر إلى الحجر"
أي من الحجر الأسود إلى الحجر الأسود
قوله: "رمل من الحجر إلى الحجر ثلاثاً" فيه بيان أن الرمل يشرع في جميع المطاف من الحجر إلى الحجر. وأما حديث ابن عباس الذي أخرجه مسلم قال: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه مكة وقد وهنتهم حمى يثرب، قال المشركون إنه يقدم عليكم غداً قوم قد وهنتهم الحمى ولقوا منها شدة، فجلسوا مما يلي الحجر، وأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يرملوا ثلاثة أشواط ويمشوا ما بين الركنين ليرى المشركين جلدهم، فقال المشركون هؤلاء الذي زعمتم أن الحمى قد وهنتهم هؤلاء أجلد من كذا وكذا. قال ابن عباس: ولم يمنعه أن يأمرهم أن يرملوا الأشواط كلها إلا الإبقاء عليهم فمنسوخ بحديث جابر هذا. لأن حديث ابن عباس كان في عمرة القضاء سنة سبع قبل فتح مكة وحديث جابر هذا كان في حجة الوداع سنة عشر فوجب الأخذ بهذا المتأخر، كذا قال النووي في شرح مسلم. وقيل في وجه استمرار شرعية الرمل مع زوال سببه: أن فاعل ذلك إذا فعله تذكر السبب الباعث على ذلك فيتذكر نعمة الله على إعزاز الإسلام وأهله.
قوله: "وفي الباب عن ابن عمر" أخرجه مسلم.

(3/593)


قال أبو عيسى: حديثُ جابِرٍ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. والعملُ على هذا عِنْدَ أهْلِ العِلمِ. قال الشّافِعِيّ: إذا تَرَكَ الرّمْلَ عَمْداً فَقَدْ أَسَاءَ ولا شَيء عَلَيْهِ، وإذا لم يَرْمُلْ في الأشْوَاطِ الثّلاثَةِ لم يَرْمُلْ فيما بَقِيَ. وقالَ بَعْضُ أَهْلِ العلمِ: لَيْسَ على أهْلِ مَكّةَ رَمَلٌ ولا على من أَحْرَمَ منها
ـــــــ
قوله: "حديث جابر حسن صحيح" وأخرجه مسلم.
قوله: "قال الشافعي إذا ترك الرمل عمداً فقد أساء ولا شيء عليه" قال النووي: مذهب ابن عباس أن الرمل ليس بسنة وخالفه جميع العلماء من الصحابة والتابعين وأتباعهم ومن بعدهم فقالوا: هو سنة في الطوفات الثلاث من السبع فإن تركه فقد ترك سنة، وفاته فضيلة ويصح طوافه ولا دم عليه "وإذا لم يرمل في الأشواط الثلاثة لم يرمل فيما بقى" قال الحافظ: لا يشرع تدارك الرمل فلو تركه في الثلاث لم يقضه في الأربع لأن هيئتها السكينة فلا تغير، ويختص بالرجال فلا رمل على النساء، ويختص بطواف يعقبه سعي على المشهور، ولا فرق في استحبابه بين ماش وراكب ولا دم بتركه عند الجمهور، واختلف عند المالكية. وقال الطبري: قد ثبت أن الشارع رمل ولا مشرك يومئذ بمكة يعني في حجة الوداع فعلم أنه من مناسك الحج إلا أن تاركه ليس تاركاً لعمل بل لهيئة مخصوصة فكان كرفع الصوت بالتلبية فمن لبى خافصاً صوته لم يكن تاركاً للتلبية بل لصفتها ولا شيء عليه انتهى

(3/594)


35ـ باب ما جَاء في استلامِ الحَجَرِ والرّكْنِ اليَمانيّ دُونَ مَا سِوَاهُما
860 ـ حدثنا محمودُ بنُ غَيْلاَنَ، حدثنا عبدُ الرّزّاقِ أخبرنا سُفْيانُ و معْمَرٌ عن ابنِ خُثَيمٍ عن أَبي الطُفَيْلِ قال كنت مع ابنِ عبّاسٍ. ومُعَاوِيَةُ
ـــــــ
"باب ما جاء في استلام الحجر والركن اليماني دون ما سواهما"
يعني دون الركنين الشاميين. قال الحافظ في الفتح، في البيت أربعة أركان، الأول له فضيلتان كون الحجر الأسود فيه وكونه على قواعد إبراهيم، وللثاني الثانية فقط وليس للآخرين شيء منهما، فلذلك يقبل الأول ويستلم الثاني فقط ولا يقبل الآخران ولا يستلمان، هذا على رأي الجمهور واستحب بعضهم تقبيل الركن اليماني أيضاً انتهى

(3/594)


لا يمر بركن إلا استلمه، فقال له ابن عباس "إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يستلم إلا الحجر الأسود والركن اليماني فقال معاوية: ليس شيئ من البيت مهجورا"
وفي الباب عن عمر
قال أبو عيسى: حديث حسن صحيح والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم أن لا يستلم إلا الحجر الأسود والركن اليماني
ـــــــ
قوله: "لم يكن يستلم إلا الحجر الأسود والركن اليماني" بتخفيف الياء على المشهور لأن الألف عوض عن ياء النسب فلو شددت لكان جمعاً بين العوض والمعوض، وجوز سيبويه التشديد وقال إن الألف زائدة "فقال معاوية ليس شيء من البيت مهجوراً" زاد أحمد من طريق مجاهد: قال ابن عباس {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة} فقال معاوية: صدقت، قال الحافظ في الفتح: روى ابن المنذر وغيره استلام جميع الأركان أيضاً عن جابر وأنس والحسن والحسين من الصحابة، وعن سويد بن غفلة من التابعين، وقد يشعر ما في حديث عبيد بن جريج من أنه قال لابن عمر: رأيتك تصنع أربعاً لم أر أحداً من أصحابك يصنعها، فذكر منها: ورأيتك لا تمس من الأركان إلا اليمانيين، الحديث، بأن الذين رآهم عبيد بن جريج من الصحابة والتابعين كانوا لا يقتصرون في الاستلام على الركنين اليمانين. وقال بعض أهل العلم: اختصاص الركنين مبين بالسنة ومستند التعميم القياس.
وأجاب الشافعي عن قول من قال ليس شيء من البيت مهجوراً: بأنا لم ندع استلامهما هجراً للبيت. وكيف يهجره وهو يطوف به؟ ولكنا نتبع السنة فعلا أو تركا، ولو كان ترك استلامهما هجراً لهما لكان ترك استلام مابين الأركان هجراً لها ولا قائل به انتهى.
قوله: "وفي الباب عن عمر" لم أقف على حديث عمر في هذا الباب. وروى الشيخان عن ابن عمر قال : لم أر النبي صلى الله عليه وسلم يستلم من البيت إلا الركنين اليمانيين.
قوله: "حديث ابن عباس حديث حسن صحيح" وأخرجه أحمد والحاكم أيضاً: وأخرج مسلم المرفوع فقط من وجه آخر عن ابن عباس

(3/595)


36ـ باب ما جَاءَ أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم طافَ مُضْطَبِعا
861 ـ حدثنا محمودُ بنُ غَيْلاَنَ، حدثنا قَبيصَةُ عنْ سُفْيانَ عن ابنِ جُرَيْجٍ عن عَبدِ الحميدِ عن ابنِ يَعْلَى عن أبيهِ أنّ النبي صلى الله عليه وسلم "طافَ بالبَيْتِ مُضْطَبِعاً وعليه بُرْدٌ".
قال أبو عيسى: هذا حديثُ الثّوْرِيّ عن ابنِ جُرَيْجٍ ولا نَعْرِفُهُ إلاّ مِنْ حَديثِهِ وهُوَ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وعَبْدُ الحَميدِ هُوَ ابنُ جُبَيْرِة بنِ شَيْبَةَ عنِ ابنِ يَعْلَى عن أبيهِ وهُوَ يَعْلَى بنُ أُمَيّةَ.
ـــــــ
باب ما جَاءَ أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم طافَ مُضْطَبِعا
قوله: "طاف بالبيت مضطبعاً" قال الطيبي: الضبع وسط العضد ويطلق على الإبط، الاضطباع أن يجعل وسط ردائه تحت الإبط الأيمن ويلقي طرفيه على كتفه الأيسر من جهتي صدره وظهره، سمي بذلك لإبداء الضبعين، قيل إنما فعله إظهاراً للتشجيع كالرمل انتهى. قال القاري: الاضطباع والرمل سنتان في كل طواف بعده سعي، والاضطباع سنة في جميع الأشواط بخلاف الرمل، ولا يستحب الاضطباع من غير الطواف، وما يفعله العوام من الإضطباع من ابتداء الإحرام حجاً أو عمرة لا أصل له بل يكره حال الصلاة انتهى.
قوله: "وعليه برد" وفي رواية أبي داود: ببرد أخضر، وفي رواية أحمد في مسنده: وهو مضطبع ببرد له حضرمي. والحديث دليل على استحباب الاضطباع في الطواف. قال الحافظ: وهو مستحب عند الجمهور سوى مالك انتهى.
قوله: "وهو حديث حسن صحيح" وأخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه والدارمي أيضاً.
قوله: "وعن ابن يعلى" هو صفوان كذا سماه ابن عساكر في الأطراف وتبعه عليه المزي كذا في قوت المغتذي. قال الحافظ في التقريب: صفوان بن يعلى بن أمية التميمي المكي ثقة من الثالثة

(3/596)


37 ـ باب ما جاءَ في تَقْبيِل الحَجر
862 ـ حدثنا هَنّادٌ، حدثنا أَبُو مُعاوِيَةَ عن الأعْمَشِ عنْ إبراهيم عن عابِسِ بنِ رَبيَعةَ قالَ: "رَأيْتُ عُمَر بنَ الخَطّابِ يُقَبّلُ الحَجَرَ ويَقُولُ: إِنّي أُقَبّلُكَ وأَعْلَمُ أَنّكَ حَجَرٌ، ولَوْلا أنّي رَأَيْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم "يُقَبّلُكَ لَمْ أُقَبّلْكَ".
قال: وفي البابِ عن أبي بَكْرٍ وابنِ عُمَرَ.
قال أبو عيسى: حديثُ عُمَرَ حديثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ. والعَمَلُ على هذا
ـــــــ
باب ما جاءَ في تَقْبيِل الحَجر
قوله: "عن إبراهيم" هو النخعي.
قوله: "يقبل الحجر" أي الحجر الأسود "واعلم أنك حجر" زاد البخاري: لا تضر ولا تنفع "ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك لم أقبلك" قال الطبري: إنما قال ذلك عمر لأن الناس كانوا حديثي عهد بعبادة الأصنام فخشي عمر أن يظن الجهال أن استلام الحجر من باب تعظيم بعض الأحجار كما كانت العرب تفعل في الجاهلية فأراد عمر أن يعلم الناس أن استلامه إتباع لفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم لا لأن الحجر ينفع ويضر بذاته كما كانت الجاهلية تعتقده في الأثان انتهى. قال الحافظ: وفي قول عمر هذا التسليم للشارع في أمور الدين وحسن الإتباع فيما لم يكشف عن معانيها، وهو قاعدة عظيمة في إتباع النبي صلى الله عليه وسلم فيما يفعله ولو لم يعلم الحكمة فيه انتهى.
قوله: "وفي الباب عن أبي بكر" الصديق أنه وقف عند الحجر ثم قال: إني لاعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك، أخرجه ابن أبي شيبة والدارقطني في العلل، كذا في شرح سراج أحمد السرهندي. وقال القاري نقلا عن ابن الهمام: ومن غرائب المتون ما في ابن أبي شيبة في آخر مسند أبي بكر رضي الله عنه قال رجل رأي النبي صلى الله عليه وسلم إنه عليه الصلاة والسلام وقف عند الحجر فقال: إني لا اعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ولولا أمرني ربي أن أقبلك ما قبلتك انتهى. "وابن عمر" أخرجه البخاري.
قوله: "حديث عمر حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان.

(3/597)


عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ يَسْتَحِبّونَ تَقبِيلَ الحَجَرِ فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ وَلَمْ يَصِلْ إِلَيْهِ اسْتَلَمَهُ بِيَدِهِ وَقَبّلَ يَدَهُ. وَإِنْ لَمْ يَصِلْ إِلَيْهِ اسْتَقْبَلَهُ إِذَا حاذَى بِهِ وَكَبّرَ، وَهُوَ قَوْلُ الشّافِعي.
ـــــــ
قوله: "يستحبون تقبيل الحجر" المستحب في التقبيل أن لا يرفع به صوته، وروى الفاكهي عن سعيد بن جبير قال: إذا قبلت الركن فلا ترفع بها صوتك كقبلة النساء، كذا في فتح الباري

(3/598)


38 ـ باب ما جاءَ أنّهُ يُبْدَأُ بالصّفَا قَبْلَ المَرْوَة
863 ـ حدثنا ابنُ أبي عُمرَ، حدثنا سُفْيانُ بنُ عُيَيْنَةَ عن جَعْفرِ بنِ محمدٍ عن أبيهِ عن جابرٍ "أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم حِينَ قَدِمَ مَكّةَ طَافَ بالبَيْتِ سَبْعاً فَقَرَأ {واتّخِذُوا مِنْ مَقامِ إبراهيم مُصَلّى} فَصلّى خَلْفَ المقَامِ ثمّ أَتى الحجَر فاسْتَلَمَهُ ثمّ قالَ نَبْدَأُ بِما بَدَأ الله بِه، فَبَدَأ بالصّفَا وقَرَأَ: {إنّ الصّفَا والمَرْوَةَ منْ شَعَائِرِ الله}.
ـــــــ
باب ما جاءَ أنّهُ يُبْدَأُ بالصّفَا قَبْلَ المَرْوَة
قوله: "واتخذوا"، بكسر الخاء أمر من الاتخاذ، وفي قراءة بفتح الخاء خبر "من مقام إبراهيم" المراد بمقام إبراهيم الحرم كله والأول أصح قاله الحافظ. قلت: وحديث الباب يرد ما قال مجاهد "مصلى" أي مكان صلاة بأن تصلوا خلفه ركعتي الطواف، كذا في تفسير الجلالين. وقال الحافظ في الفتح: أي قبلة قاله الحسن البصري وغيره، وقال مجاهد: أي مدعي يدعي عنده ولا يصح حمله على مكان الصلاة لأنه لا يصلى فيه بل عنده، ويترجح قول الحسن بأنه جاز على المعنى الشرعي. وقد روى الأزرقي في أخبار مكة بأسانيد صحيحة أن المقام كان في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر في الموضع الذي هو فيه الآن حتى جاء سيل في خلافة عمر فاحتمله حتى وجد بأسفل مكة فأتى به فربط إلى أستار الكعبة حتى قدم عمر فاسثبت في أمره حتى تحقق موضعه الأول فأعاده إليه وبني حوله فاستقر ثم إلى الآن انتهى. "ثم أتى الحجر" أي الحجر الأسود "نبدأ بما بدأ الله به فبدأ بالصفا" أي ابتدأ بالصفا لأن الله تعالى بدأه بذكره في كلامه، فالترتيب

(3/598)


قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. والعملُ على هذا عندَ أهلِ العلمِ أنّهُ يبْدَأُ بالصّفَا قَبْلَ المَرْوَةِ، فإِنْ بَدَأ بالمَرْوَةِ قَبْلَ الصّفَا لَمْ يُجْزِهِ بدأ بالصّفَا. واخْتَلَفَ أهلُ العلم في مَنْ طَافَ بالبَيْتِ ولَمْ يَطُفْ بَيْنَ الصّفَا والمَرْوَةِ حتى رجع فقال بعض أهل العلم: إن لم يطف بين الصفا والمروة حتّى خَرَجَ مِنْ مَكّةَ فإِنْ ذَكَرَ وهُوَ قَريبٌ منها رَجَعَ فَطافَ بَيْنَ الصّفَا والَمْروَةِ، وإنْ لَمْ يَذْكُرْ حَتّى أتَى بِلادَهُ أْجزَأهُ وعليهِ دَمٌ. وهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثّوْرِيّ. وقالَ بَعْضُهُمْ: إنْ تَرَكَ الطّوَافَ بَيْنَ الصّفَا والمَرْوَةِ حَتّى رجَعَ إِلى بِلادِهِ فإِنّهُ لا يُجْزِيه. وهُوَ قَوْلُ الشّافِعيّ قال: الطّوَافُ بَيْنَ الصّفَا والمَرْوَةِ واجِبٌ لا يَجُوزُ الحَجّ إِلاّ بِه.
ـــــــ
الذكرى له اعتبار في الأمر الشرعي إما وجوباً أو استحباباً، وإن كانت الواو لمطلق الجمع في الآية وقرأ {إن الصفا والمروة من شعائر الله} قال في تفسير الخازن: شعائر الله أعلام دينه وأصلها من الإشعار وهو الإعلام واحدتها شعيرة، وكل ما كان معلما لقربان يتقرب به إلى الله تعالى من صلاة ودعاء وذبيحة فهو شعيرة من شعائر الله، ومشاعر الحج معالمه الظاهرة للحواس ويقال شعائر الحج، فالمطاف والموقف والمنحر كلها شعائر، والمراد بالشعائر هنا المناسك التي جعلها الله أعلاماً لطاعته، فالصفا والمروة منها حيث يسعى بينهما انتهى.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه مسلم مطولاً في قصة حجة الوداع.
قوله: "والعمل على هذا عند أهل العلم أنه يبدأ بالصفا قبل المروة، فإن بدأ بالمروة قبل الصفا لم يجزه" قال الطيبي: الابتداء بالصفا شرط وعليه الجمهور.
قوله: "واختلف أهل العلم من طاف بالبيت ولم يطف بين الصفا والمروة إلخ" قال الحافظ في الفتح: واختلف أهل العلم في هذا، فالجمهور قالوا هو ركن لا يتم الحج بدونه، وعن أبي حنيفة واجب بجبر بالدم، وبه قال الثوري في الناسي لا في العامد، وبه قال عطاء، وعنه أنه سنة لا يجب بتركه شيء، وبه قال أنس فيما نقله ابن المنذر، واختلف عن أحمد كهذه الأقوال الثلاثة، وعند الحنفية تفصيل فيما إذا ترك بعض السعي كما هو عندهم في الطواف بالبيت انتهى كلام الحافظ

(3/599)


39ـ باب ما جَاءَ في السّعْيِ بَيْنَ الصّفَا والمَرْوَة
864 ـ حدثنا قُتَيْبةُ، حدثنا سفيان بنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْروِ بنِ دِينَارٍ عن طَاوُسٍ عن ابنِ عبّاسٍ قال: "إِنّما سَعَى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بالبَيتِ وبَيْنَ الصّفَا والمَرْوَةِ لِيُرِيَ المُشْرِكينَ قُوّتَهُ".
قال: وفي البابِ عن عائِشَةَ وابنِ عمرَ وجابرٍ.
قال أبو عيسى: حديثُ ابنِ عبّاسٍ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
"باب ما جاء في السعي بين الصفا والمروة"
هما جبلان بمكة يجب المشي بينهما بعد الطواف في العمرة والحج سبعة أشواط مع سرعة المشي بين الميلين الأخضرين. قال النووي في تهذيب الأسماء واللغات: الصفا مبدأ السعي، وهو مقصور مكان مرتفع عند باب المسجد الحرام، وهو أنف أي قطعة من جبل أبي قبيس وهو الآن إحدى عشرة درجة أما المروة فلاطية جداً أي منخفضة وهي أنف من جبل قعيقعان هي درجتان، ومن وقف عليها كان محاذياً للركن العراقي وتمنعه العمارة من رؤيته وإذا نزل من الصفا سعى حتى يكون بين الميل الأخضر المعلق بفناء المسجد وبينه نحو ستة أذرع فيسعى سعياً شديداً حتى يحاذي الميلين الأخضرين اللذين بفناء المسجد وحذاء دار العباس ثم يمشي حتى المروة انتهى.
قوله: "إنما سعى بالبيت" أي رمل "وبين الصفا والمروة" أي سعى بينهما يعني أسرع المشي في بطن الوادي، ففي الموطأ حتى انصبت قدماه في بطن الوادي سعى حتى خرج منه "ليرى" من الإراءة "المشركين قوته" وجلادته. وللطبراني عن عطاء عن ابن عباس قال: من شاء فليرمل ومن شاء فلا يرمل إنما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالرمل ليرى المشركين قوته.
قوله: "وفي الباب عن عائشة وابن عمر وجابر" أما حديث عائشة فأخرجه الشيخان، ففي تخريج الزيلعي أخرجا عن عائشة في حديث طويل: قد سن رسول الله صلى الله عليه وسلم الطواف بينهما فليس لأحد أن يترك الطواف بينهما. وأما حديث ابن عمر فأخرجه الترمذي في هذا الباب. وأما حديث جابر فأخرج مسلم.
قوله: "حديث ابن عباس حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان وغيرهما

(3/600)


وهُوَ الّذِي يَسْتحِبّهُ أهْلُ العلمِ أنْ يَسْعى بَيْنَ الصّفَا والمَرْوةِ فإِنْ لَمْ يَسْعَ ومَشى بَيْنَ الصّفَا والمَرْوَةِ رَأوْهُ جائِزاً.
865 ـ حدثنا يُوسُفُ بنُ عيسى، حدثنا ابنُ فُضَيْلٍ عن عَطَاءِ بنِ السّائِبِ عن كَثِيرِ بنِ جُمْهَانَ قالَ: "رَأيْتُ ابنُ عُمرَ يَمْشي في السعى فَقُلْتُ لَهُ أتَمْشي في السعَى بَيْنَ الصّفَا والمَرْوَةِ؟ قالَ لَئِنْ سَعْيتُ لقَدْ رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسعى عليه ولقد رَأَيْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يَمْشي وأَنَا شَيْخٌ كَبيرٌ".
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. رُوِى سَعيد بن جُبَيْرٍ عَن ابنِ عُمَرَ نَحْوَ هذا.
ـــــــ
مطولاً "وهو الذي يستبحه أهل العلم أن يسعى بين الصفا والمروة، فإن لم يسع ومشى بين الصفا والمروة رأوه جائزاً" المراد من السعي بين الصفا والمروة السعي في بطن الوادي الذي بين الصفا والمروة، قال الشوكاني في شرح حديث جابر المذكور تحت قوله حتى انصبت قدماه في بطن الوادي ما لفظه: وفي الموطأ حتى انصبت قدماء في بطن الوادي سعى وفي هذا الحديث استحباب السعي في بطن الوادي حتى يصعد ثم يمشي باقي المسافة إلى المروة على عادة مشيه، وهذا السعي مستحب في كل مرة من المرات السبع في هذا الموضع، والمشي مستحب فيما قبل الوادي وبعده، ولو مشى في الجميع أو سعى في الجميع أجزأه وفاتته الفضيلة. وبه قال الشافعي ومن وافقه، وقال مالك فيمن ترك السعي الشديد في موضعه: تجب عليه الإعادة وله رواية أخرى موافقة الشافعي انتهى. قلت وحديث ابن عمر الآتي يدل على ما قال الشافعي وموافقوه.
قوله: "أخبرنا ابن فضيل" هو محمد بن فضيل بن غزوان الضبي مولاهم أبو عبد الرحمَن الكوفي صدوق عارف رمى بالتشيع من التاسعة "عن كثير ابن جمهان" بضم الجيم وسكون الميم وبالنون السلمي أو الأسلمي مقبول من الثالثة. قوله: "يمشي في المسعى" أي مكان السعي وهو بطن الوادي "وأنا شيخ كبير" هذا اعتذار لترك السعي قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه أبو داود والنسائي وابن

(3/601)


ـــــــ
ماجه وقال المنذري بعد نقل تصحيح الترمذي: وفي إسناده عطاء بن السائب وقد أخرج له البخاري حديثاً مقروناً. وقال أيوب هو ثقة وتكلم فيه غير واحد انتهى كلام المنذري

(3/602)


40ـ باب ما جَاءَ في الطّوَافِ رَاكِبا
866 ـ حدثنا بِشْرُ بنُ هِلاَلٍ الصّوّافُ البصري حدثنا عبدُ الْوَارِثِ و عبدُ الوَهّابِ الثقَفيّ عن خالِدٍ الحَذّاءِ عن عِكْرِمَةَ عن ابنِ عَبّاسٍ قالَ: "طَافَ النبيّ صلى الله عليه وسلم على رَاحِلَتِهِ فإِذَا انْتَهى إلَى الرّكْنِ أَشَارَ إلَيْهِ" قال: وفي البابِ عن جَابِرِ وأبي الطّفَيْلِ وأُمّ سَلَمةَ.
قال أبو عيسى: حديثُ ابنِ عَبّاسٍ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وقَدْ كَرِهَ قَوْمٌ مِنْ أَهِل العِلم أنْ يَطُوفَ الرّجُلُ بِالبَيْتِ وبَيْنَ الصّفَا والمَرْوَةِ رَاكِباً إلاّ مِنْ عُذْرٍ وهُوَ قَوْلُ الشّافِعِيّ.
ـــــــ
باب ما جَاءَ في الطّوَافِ رَاكِبا
قوله: "على راحلته" وفي رواية الشيخين على بعير "فإذا انتهى إلى الركن" أي الحجر الأسود "أشار إليه" أي بمحجن معه ويقبل المحجن كما في رواية أبي الطفيل عند مسلم قوله: "وفي الباب عن جابر" قال: طاف رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبيت وبالصفا والمروة في حجة الوداع على راحلته يستلم الحجر بمحجنه لأن يراه الناس وليشرف ويسألوه فإن الناس غشوه . رواه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي "وأبي الطفيل" قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يطوف بالبيت ويستلم الركن بمحجن معه ويقبل المحجن. أخرجه مسلم "وأم سلمة" أنها قدمت وهي مريضة فذكرت للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: "طوفي من وراه الناس وأنت راكبة". أخرجه الجماعة إلا الترمذي. وفي الباب أيضاً عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قدم مكة وهو يشتكي فطاف على راحلته الحديث أخرجه أحمد وأبو داود وفي إسناده يزيد بن أبي زياد ولا يحتج به. قوله: "حديث ابن عباس حديث حسن صحيح" وأخرجه البخاري ومسلم. قوله: "وقد كره قوم من أهل العلم أن يطوف الرجل بالبيت وبين الصفا والمروة راكباً إلا من عذر" واحتجوا بأحاديث

(3/602)


ـــــــ
الباب فإنها كلها مصرحة بأن طوافه صلى الله عليه وسلم راكباً كان لعذر فلا يلحق به من لا عذر له "وهو قول الشافعي" يعين قال بكراهة الطواف راكباً إلا من عذر فإن كان بغير عذر جاز بلا كراهة لكنه خلاف الأولى أو بكراهة قولان للشافعية وعند مالك وأبي حنيفة: المشي واجب فإن تركه بغير عذر فعليه دم. قال الحافظ في فتح الباري: كان طوافه صلى الله عليه وسلم راكباً للعذر، فلا دلالة فيه على جواز الطواف راكباً بغير عذر. وكلام الفقهاء يقتضي الجواز إلا أن المشي أولى والركوب مكروه تنزيهاً والذي يترجع المنع، لأن طوافه صلى الله عليه وسلم وكذا أم سلمة كان قبل أن يحوط المسجد فإذا حوط المسجد امتنع داخله إذ لا يومن التلويث فلا يجوز بعد التحويط بخلاف ما قبله فإنه كان لا يحرم للتلويث كما في السعي انتهى

(3/603)


41ـ باب ما جاءَ في فَضْلِ الطوَاف
867 ـ حدثنا سُفْيَانُ بنُ وَكيعٍ، حدثنا يَحَيى بنُ يَمَانٍ عن شَرِيكٍ عن أبي إسحاقَ عن عبدِ الله بنِ سَعيدِ بنِ جُبيْرٍ عن أبيهِ عن ابنِ عَبّاسٍ قالَ: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ طَافَ بالْبَيْتِ خَمْسِينَ مَرّةً خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمّهُ".
ـــــــ
باب ما جاءَ في فَضْلِ الطوَاف
قوله: "عن شريك" هو شريك بن عبد الله النخعي الكوفي القاضي صدوق يخطئ كثيراً تغير حفظه منذ ولي القضاء بالكوفة وكان عادلاً فاضلاً عابداً شديداً على أهل البدع من الثامنة. "عن أبي إسحاق" هو عمرو بن عبد الله الهمداني السبيعي ثقة عابد من الثالثة اختلط بآخره كذا في التقريب. قوله: "من طاف بالبيت خمسين مرة" حكى المحب الطبري عن بعضهم: أن المراد بالمرة الشوط ورده وقال المراد خمسون أسبوعاً، وقد ورد كذلك في رواية الطبراني في الأوسط قال: وليس المراد أن يأتي بها متوالية في آن واحد وإنما المراد أن يوجد في صحيفة حسناته ولو في عمره كله. كذا في قوت المغتذي "خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه" قال ابن العربي المراد به الصغائر.

(3/603)


قال: وفي البابِ عَنْ أنَسٍ وابنِ عُمَرَ.
قال أبو عيسى: حديثُ ابنِ عَبّاسٍ حديثٌ غريبٌ. سَأَلْتُ مُحمداً عن هذا الحديثِ فَقال: إنّما يُرْوَى هذا عَنِ ابنِ عَبّاسٍ
868 ـ حدثنا ابنُ أبي عُمَرَ، حدثنا سُفْيانُ بنُ عُيَيْنَةَ عَنْ أيّوبَ السختياني قال: كانُوا يَعُدّونَ عبدَ الله بنَ سَعيد بنِ جُبَيْرٍ أفْضَلَ مِنْ أَبِيهِ ولعبدالله أخٌ يُقَالُ لَهُ عبدُ المَلِكِ بنُ سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ وقَدْ رَوَى عَنْهُ أيْضاً.
ـــــــ
قوله: "وفي الباب عن أنس" لم أقف عليه "وابن عمر" بلفظ: من طاف بهذا البيت أسبوعاً فأحصاه كان كعتق رقبة، لا يضع قدما ولا يرفع أخرى إلاحط الله بها عنه خطيئة وكتب هل بها حسنة. أخرجه الترمذي والنسائي والحاكم كذا في شرح سراج أحمد. قلت ورواه ابن ماجه أيضاً وفي الباب أحاديث ذكرها المنذري في الترغيب. قوله: "حديث ابن عباس حديث غريب" وفي إسناده أبو إسحاق السبيعي وهو مدلس، ورواه عن عبد الله بن سعيد بالعنعنة ومع هذا فقد اختلط بآخره وأيضاً في إسناده شريك القاضي وقد عرفت حاله. قوله: "كانوا يعدون عبد الله ابن سعيد بن جبير أفضل من أبيه" وقال النسائي عقب حديثه في السنن: ثقة مأمون كذا في تهذيب التهذيب "وله أخ يقال له عبد الملك بن سعيد بن جبير" قال في التقريب لا بأس به

(3/604)


باب ما جاء في الصلاة بعد العصر وبعد المغرب في الطواف لمن يطوف
...
42ـ باب ما جاءَ في الصّلاَةِ بَعْدَ العَصْرِ وبَعْدَ الصبح لِمَنْ يَطُوف
869 ـ حدثنا أَبُو عَمّارٍ و عَليّ بنُ خَشْرَمٍ قالا: أخبرنا سُفْيَانُ بنُ
ـــــــ
"باب ما جاء في الصلاة بعد العصر وبعد المغرب لمن يطوف"
كذا وقع في بعض النسخ بعد العصر وبعد المغرب ووقع في بعضها بعد العصر وبعد الصبح وهذا هو الصواب. وأما توجيه أبي الطيب نسخة وبعد المغرب بأن قوله: بعد العصر كناية عن الأوقات المكروهة وقوله بعد المغرب كناية عن غيرها فصار المعنى في الأوقات المكروهة وغيرها ففيه تكلف.

(3/604)


عُيَيْنَةَ عَنْ أبي الزّبَيْرِ عن عبدِ الله بنِ بَابَاهَ عن جُبَيْرِ بنِ مُطْعِمٍ "أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم: قالَ: يَا بَنيِ عَبْدِ مَنَافٍ، لا تَمْنَعُوا أَحَداً طَافَ بِهَذَا البَيتِ وصَلى أيّةَ سَاعَةٍ شَاءَ مِنْ لَيْلٍ أوْ نَهَارٍ".
وفي البابِ عنِ ابنِ عَبّاسٍ وَأبي ذَر.
ـــــــ
قوله: "عن عبد الله بن باباه" بموحدتين بينهما ألف ساكنة ويقال بتحتانية بدل الألف ويقال بحذف الهاء المكي ثقة من الرابعة.
قوله: "يا بني عبد مناف" خصهم بالخطاب دون سائر قريش لعلمه بأن ولاية الأمر والخلافة ستؤل إليهم مع أنهم رؤساء مكة وفيهم كانت السدانة والحجابة واللواء والسقاية والرفادة. قاله الطيبي "لا تمنعوا أحداً طاف بهذا البيت" يعني بيت الله "وصلى أية ساعة شاء من ليل ونهار" قال القاري: أي صلاة الطواف أو مطلقاً وهو قابل للتقييد بغير الأوقات المهينة إذ سبق النهي أو الصلاة بمعنى الدعاء انتهى.
قلت: الظاهر أن صلاة الطواف مستثناة من الأوقات المنهية. قال المظهر: فيه دليل على أن صلاة التطوع في أوقات الكراهة غير مكروهة بمكة لشرفها لينال الناس من فضلها في جميع الأوقات، وبه قال الشافعي، وعند أبي حنيفة حكمها حكم سائر البلاد في الكراهة لعموم العلة وشمولها. قال ابن الملك: والظاهر أن المراد بقوله وصلى أية ساعة شاء في الأوقات الغير المكروهة توفيقاً بين النصوص انتهى.
قلت: التوفيق بين النصوص ليس بمنحصر في هذا. قال الخطابي: واستدل به الشافعي على أن الصلاة جائزة بمكة في الأوقات المنهى فيها عن الصلاة في سائر البلدان، واحتج له أيضاً بحديث أبي ذر وقوله: إلا بمكة، فاستثناه من بين البقاع. وذهب بعضهم إلى تخصيص ركعتي الطواف من بين الصلاة، قالوا إذا كان الطواف بالبيت غير محظور في شيء من الأوقات وكان من سنة الطواف أن تصلي الركعتان بعده فقد عقل أن هذا النوع من الصلاة غير منهى عنه انتهى.
قلت: حديث أبي ذر الذي أشار إليه الخطابي هو مارواه أحمد ورزين عنه بلفظ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس ولا بعد العصر حتى تغرب الشمس إلا بمكة إلا بمكة إلا بمكة" ، وسنده ضعيف، وهو يؤيد حديث الباب.
قوله: "وفي الباب عن ابن عباس وأبي ذر" أما حديث ابن عباس فأخرجه

(3/605)


قال أبو عيسى: حَدِيثُ جُبَيْر حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وقد رَوَاهُ عَبْدُ الله بْنُ أَبي نَجِيحٍ عن عَبْدِ الله بنِ بَابَاهَ أيضْاً. وقد اخْتَلَفَ أَهْلُ العِلمِ في الصّلاةِ بَعْدَ العَصْرِ وَبَعْدَ الصّبْحِ بِمَكّةَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لا بأْسَ في الصلاة والطواف بعد العصر وبعد الصبح، وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاقَ، واحْتَجّوا بحَديِثِ النبيّ صلى الله عليه وسلم. هذا وقالَ بَعْضُهُمْ: إذَا طَافَ بَعْدَ العَصْرِ لَمْ يُصَلّ حتى تَغْرُبَ الشّمْسُ، وكَذَلِكَ إنْ طَافَ بَعْدَ
ـــــــ
الطحاوي في معاني الآثار عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "يا بني عبد مناف إن وليتم هذا الأمر فلا تمنعوا أحداً طاف بهذا البيت وصلى أي ساعة شاء من ليل أو نهار". وأما حديث أبي ذر فأخرجه أحمد ورزين وتقدم لفظه، وأخرجه أيضاً الدارقطني والبيهقي وسنده ضعيف.
قوله: "حديث جبير بن مطعم حديث حسن صحيح" وأخرجه أبو داود وسكت عنه، وأخرجه النسائي وابن ماجه، ونقل المنذري تصحيح الترمذي وأقره.
وله: "فقال بعضهم لا بأس بالصلاة والطواف بعد العصر وبعد الصبح، وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق" وهو قول الإمام الطحاوي رحمه الله من الأئمة الحنفية حيث قال في شرح معاني الآثار بعد البحث والكلام في هذه المسألة ما لفظه: وإليه نذهب يعني إلى الجواز، وهو قول سفيان، وهو خلاف قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد رحمهم الله تعالى انتهى. وقال صاحب التعليق الممجد من العلماء الحنفية ما لفظه: ولعل المنصف المحيط بأبحاث الطرفين يعلم أن هذا يعني جواز ركعتي الطواف بعد العصر وبعد الصبح قبل الطلوع والغروب هو الأرجح الأصح، قال: وعليه كان عملي بمكة قال: ولما طفت طواف الوداع حضرت المقام مقام إبراهيم لصلاة ركعتي الطواف فمنعني المطوفون من الحنفية فقلت لهم الأرجح الجواز في هذا الوقت وهو مختار الطحاوي من أصحابنا وهو كاف لنا، فقالوا لم نكن مطلعين على ذلك وقد استفدنا منك ذلك انتهى كلامه "واحتجوا بحديث النبي صلى الله عليه وسلم" كحديث الباب وحديث ابن عباس وأبي ذر "وقال بعضهم إذا طاف بعد العصر لم يصل حتى تغرب الشمس إلخ" وهو قول

(3/606)


صَلاةِ الصّبْحِ أَيْضاً لَمْ يُصَلّ حتى تَطْلُعَ الشّمْسُ. واحْتَجّوا بحَدِيثِ عُمَرَ أَنّهُ طَافَ بَعْدَ صَلاةِ الصّبْحِ فَلَمْ يُصَلّ. وخرَجَ مِنْ مَكّةَ حتى نَزَلَ بِذِي طُوَى فَصَلّى بَعْدَ مَا طَلَعَتِ الشمْسُ، وهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثّوْرِيّ ومَالِكِ بنِ أَنَسٍ.
ـــــــ
أبي حنيفة وأصحابه "واحتجوا بحديث عمر أنه طاف بعد صلاة الصبح فلم يصل وخرج من مكة حتى نزل بذي طوى" بضم الطاء اسم موضع بين مكة والمدينة "فصلى بعد ما طلعت الشمس" أخرجه مالك في الموطأ. وقال الإمام محمد في موطئه بعد رواية هذا الحديث: وبهذا نأخذ، ينبغي أن لا يصلي ركعتي الطواف حتى تطلع الشمس وتبيض. وهو قول أبي حنيفة رحمه الله والعامة من فقهائنا انتهى

(3/607)


42 ـ باب ما جَاءَ مَا يُقْرَأُ في رَكْعَتَيِ الطّوَاف
870 ـ حدثنا أَبُو مُصْعَبٍ المدني قِرَاءَةً عن عَبدِ العَزِيزِ بنِ عِمْرَانَ عن جَعْفَرِ بنِ محمدٍ عن أَبيهِ عن جَابِرِ بنِ عَبْدِ الله "أَن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قَرَأ في رَكْعَتَيِ الطّوَافِ بِسُورَتَيِ الإخْلاَصِ { قُلْ يَا أَيّهَا الكافِرونَ} و {قُلْ هُوَ الله أحَدٌ}".
ـــــــ
باب ما جَاءَ مَا يُقْرَأُ في رَكْعَتَيِ الطّوَاف
قوله: "حدثنا أبو مصعب" هو أحمد بن أبي بكر بن الحارث الزهري المدني الفقيه صدوق عابه أبو خيثمة للفتوى بالرأي من العاشرة "قراءة" بالنصب على التمييز أو على الحالية يعيني حدثنا مصعب حال كونه قارئاً علينا ونحن نسمع "عن عبد العزيز بن عمران" الزهري المدني الأعرج يعرف بإبن ثابت متروك احترقت كتبه فحدث من حفظه فاشتد خلطه وكان عارفاً بالأنساب من الثامنة "عن جعفر بن محمد" بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي أبو عبد الله المعروف بالصادق صدوق فقيه إمام من السادسة مات سنة ثمان وأربعون ومائة. قوله: "بسورتي الأخلاص" قال العراقي: هذا من باب التغليب حيث أطلق على سورة الكافرين سورة الأخلاص، ويحتمل أنه على حقيقته وأن سورة الكافرين على انفرادها سورة الإخلاص لما فيها من التبري ممن عبد من دون الله انتهى. والحديث يدل على استحباب القراءة بهاتين السورتين في ركعتي الطواف.

(3/607)


871 ـ حدثنا هَنادٌ حدثنا وَكِيعٌ عن سُفْيَانَ عن جَعْفَرِ بنِ محمدٍ عن أَبيهِ "أَنّهُ كَانَ يَسْتَحِبّ أَنْ يَقْرَأَ في رَكْعَتَيِ الطّوَافِ ب {قُلْ يَا أَيّهَا الكافِرُون} و {قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ}".
قال أبو عيسى: وهذا أَصَحّ مِنْ حَديثِ عَبْدِ العَزِيزِ بنِ عِمْرَانَ. وحَدِيثُ جَعفَرِ بنِ محمدٍ عن أَبيهِ في هذَا أَصَحّ مِنْ حَدِيثِ جَعْفَرِ بنِ محمدٍ عن أَبيهِ عن جَابِرٍ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم. وعَبْدُ العَزِيزِ بن عِمْرَانَ ضَعِيفٌ في الحَدِيثِ.
ـــــــ
قوله: "وحديث جعفر بن محمد عن أبيه في هذا أصح من حديث جعفر بن محمد بن أبيه جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم. وعبد العزيز بن عمران ضعيف" في كلام الترمذي هذا نظر، فإن عبد العزيز بن عمران لم يتفرد برواية هذا الحديث عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم. بل روى مسلم في صحيحه من طريق حاتم بن إسماعيل المدني عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم وفيه: ثم تقدم إلى مقام إبراهيم فقرأ {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً} فجعل المقام بينه وبين البيت، فكان أبي يقول: ولا أعلمه ذكره إلا عن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الركعتين قل هو الله أحد وقل يا أيها الكافرون. قال النووي: ليس هو شكا في ذلك لأن لفظة العلم تنافي الشك بل جزم برفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وقد ذكر البيهقي بإسناد صحيح على شرط مسلم عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم طاف بالبيت فرمل من الحجر الأسود ثلاثاً ثم صلى ركعتين قرأ فيهما { قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} و {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} انتهى كلام النووي، وروى النسائي من طريق مالك عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما انتهى إلى مقام إبراهيم قرأ {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً} فصلى ركعتين فقرأ فاتحة الكتاب و {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} و {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} الحديث

(3/608)


44 ـ باب ما جَاءَ في كَرَاهِيَةِ الطّوَافِ عُرْيَانا
872 ـ حدثنا عَلِيّ بنُ خَشْرَمٍ أخبرنا سُفْيَانُ بنُ عُيَيْنَةَ عن أَبي إسحاقَ عن زَيْدِ بنِ أُثَيْعٍ قالَ: "سَأَلْتُ عَلِيّا بأَيّ شَيْءٍ بُعِثْتَ؟ قالَ: بأَرْبَعٍ: لا يَدْخُلُ الجَنّةَ إلاّ نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ، ولا يَطُوفُ بالبَيْتِ عُريان، ولا يَجْتَمِعُ المُسْلِمُونَ والمشركونَ بَعْدَ عَامهم هذَا، ومَنْ كانَ بَيْنَهُ وبَيْنَ
ـــــــ
باب ما جَاءَ في كَرَاهِيَةِ الطّوَافِ عُرْيَانا
قوله: "حدثنا علي بن خشرم" بفتح الخاء والشين المعجمتين بوزن جعفر المروزي ثقة من صغار العاشرة "عن أبي إسحاق" هو السبيعي "عن زيد بن أثيع" بضم الهمزة وفتح المثلثة ويقال زيد بن يثيع قال الحافظ: زيد بن يثيع بضم التحتانية وقد تبدل همزة بعدها مثلثة ثم تحتانية ساكنة ثم مهملة الهمداني الكوفي ثقة مخضرم من الثانية، وقال الخزرجي في الخلاصة: زيد بن يثيغ بمعجمتين مصغراً وقيل أثيغ بهمزة، وقيل أثيل قاله شعبة الهمداني الكوفي مخضرم عن عمر وعلي، وعنه أبو إسحاق السبيعي فقط، وثقه ابن حبان انتهى. قال في هامش الخلاصة: قوله بمعجمتين يعني الغين والثاء وإن كان المعروف في ضبطها بالمثلثة. وفي باب العين المهملة وفصل الياء من القاموس: يثيع كزبير ويقال أثيع والد زيد التابعي انتهى. ففي ضبطه العين بالإعجام ما لا يخفي انتهى ما في الهامش.
قوله: "بأي شيء بعثت" بصيغة المجهول أي بأي شيء أرسلت إلى مكة في الحجة أمر النبي صلى الله عليه وسلم فيها أبا بكر رضي الله عنه "ولا يطوف بالبيت عرياناً" استدل به على أن الستر شرط لصحة الطواف، وهو مذهب الجمهور وذهبت الحنفية إلى أنه ليس بشرط، فمن طاف عرياناً عند الحنفية أعاد ما دام بمكة فإن خرج لزمه دم، وذكر ابن إسحاق في سبب هذا الحديث أن قريشاً ابتدعت قبل الفيل أو بعده أن لا يطوف بالبيت أحد ممن يقدم عليهم من غيرهم أول ما يطوف إلا في ثياب أحدهم، فإن لم يجد طاف عرياناً، فإن خالف وطاف بثيابه ألقاها إذا فرغ ثم لم ينتفع بها، فجاء الإسلام فهدم ذلك كله ولا يجتمع المسلمون والمشركون بعد عامهم هذا "وفي حديث أبي هريرة الذي أشار إليه الترمذي:

(3/609)


النبيّ صلى الله عليه وسلم عَهْدٌ فعَهْدُهُ إلى مُدّتِهِ، ومَنْ لاَ مُدّةَ لَهُ فَأَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ".
قال: وفي البابِ عنْ أَبي هُرَيْرَةَ.
قال أبو عيسى: حديثُ عَلِي حديثٌ حسنٌ.
873 ـ حدثنا ابنُ أبي عُمَرَ و نَصْرُ بنُ عَلِي حدثنا سُفْيَانُ بنُ عينية عن أَبي إسحاقَ نَحْوَهُ وقالا: زَيْدُ بنُ يُثَيْعٍ وهذَا أَصَحّ.
قال أبو عيسى: وشُعْبَةُ وَهِمَ فيهِ فقالَ زَيْدُ بنُ أُثَيْلٍ.
ـــــــ
أن لا يحج بعد العام مشرك، قال العيني أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر النداء بذلك حين نزلت { إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا} والمزاد بالمسجد الحرام هنا الحرم كله فلا يمكن مشرك من دخول الحرم بحال، وكذلك لا يمكن أهل الذمة من الإقامة بعد ذلك لقوله صلى الله عليه وسلم: "أخرجوا اليهود والنصارى من جزيرة العرب" ، قاله في مرض موته صلى الله عليه وسلم انتهى "ومن كان بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم عهد فعهده إلى مدته ومن لا مدة له فأربعة أشهر" قال الحافظ في الفتح: استدل بهذا على أن قوله تعالى { فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ} يختص بمن لم يمكن له عهد مؤقت، أو لم يكن له عهداً أصلا وأما من له عهد مؤقت فهو إلى مدته. فروى الطبري من طريق ابن إسحاق قال: هم صنفان صنف كان له عهد دون أربعة أشهر فأمهل إلى تمام أربعة أشهر وصنف كانت له مدة عهده بغير أجل فقصرت على أربعة أشهر. ثم ذكر الحافظ كلاماً نافعاً من شاء الوقوف عليه فليرجع إلى تفسير سورة براءة من فتح الباري.
قوله: "وفي الباب عن أبي هريرة" أخرجه الشيخان وفيه: ألا لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوفن بالبيت عريان.
قوله: "حديث علي حديث حسن" وأخرجه سعيد بن منصور والنسائي والطبري. قاله الحافظ في الفتح.
قوله: "وقالا زيد بن يثيع" بالتحتانية المضومة وفتح المثلثة مصغراً "فقال زيد بن أثيل" بضم الهمزة وفتح المثلثة وسكون التحتانية وباللام

(3/610)


44ـ باب ما جَاءَ في دُخُولِ الكَعْبَة
874 ـ حدثنا ابنُ أبي عُمَرَ، حدثنا وَكِيعٌ عن إسْمَاعيلَ بنِ عبدِ المَلِكَ عن ابنِ أبي مُلَيْكَةَ عن عَائِشَةَ قالَتْ: "خَرَجَ النبيّ صلى الله عليه وسلم مِنْ عِنْدِي وهُوَ قَرِيرُ العَيْنِ طَيّبُ النّفْسِ فَرَجَعَ إليّ وهُوَ حَزِينٌ، فقُلْتُ لَهُ، فقالَ "إنّي دَخَلْتُ الكَعْبَةَ وَوَدِدْتُ أَنّي لَمْ أكُنْ فَعَلْتُ، إنّي أَخَافُ أنْ أكُونَ أتْعَبْتُ أُمّتِي مِنْ بَعْدِي".
ـــــــ
باب ما جَاءَ في دُخُولِ الكَعْبَة
قوله: "حدثنا ابن أبي عمر" هو محمد بن يحيى بن أبي عمر العدني نزيل مكة صدوق صنف المسند وكان لازم ابن عيينة لكن قال أبو حاتم: فيه غفلة من العاشرة، روى عن فضيل ابن عياض وأبي معاوية وخلق وعنه م ت ق وثقه ابن حبان، وقال أبو حاتم: صدوق حدث بحديث موضوع عن ابن عيينة قال البخاري: مات سنة 243 ثلاث وأربعين ومائتين. كذا في التقريب والخلاصة "وهو قرير العين" كناية عن السرور والفرح. قال في النهاية: وفي حديث الاستسقاء لو رآك لقرت عيناه أي لسر بذلك وفرح وحقيقته أبرد الله دمعة عينيه لأن دمعة الفرح والسرور باردة، وقيل معنى أقر الله عينك بلغك أمنيتك حتى ترضى نفسك وتسكن عينك فلا تستشرف إلى غيره انتهى "فقلت له" أي استفسرت وجه الحزن " وودت أني لم أكن فعلت إلخ" وفي رواية أبي داود : ولو استقبلت من أمري ما استدبرت ما دخلتها إني أخاف أن أكون قد شققت على أمتي . قال الشوكاني في النيل: في هذا الحديث دليل على أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل الكعبة في غير عام الفتح لأن عائشة لم تكن معه فيه إنما كانت معه في غيره وقد جزم جمع من أهل العلم أنه لم يدخل فيه إلا عام الفتح وهذا الحديث يرد عليهم، وقد تقرر أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يدخل البيت في عمرته فتعين أن يكون دخله في حجته وبذلك جزم البيهقي. وقد أجاب البعض عن هذا الحديث بأنه يحتمل أن يكون صلى الله عليه وسلم قال ذلك لعائشة بالمدينة بعد رجوعه من غزوة الفتح وهو بعيد جداً. وفيه أيضاً دليل على أن دخول الكعبة ليس من مناسك الحج وهو مذهب الجمهور، وحكى القرطبي عن بعض العلماء أن دخولها

(3/611)


قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ
ـــــــ
من المناسك، وقد ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن دخولها مستحب، ويدل على ذلك ما أخرج ابن خزيمة والبيهقي من حديث ابن عباس: من دخل البيت دخل في جنة وخرج مغفوراً له، وفي إسناده عبد الله بن المؤمل وهو ضعيف، ومحل استحبابه ما لم يؤذ أحداً بدخوله انتهى. قلت: ويدل على استحبابه حديث ابن ابن عمر في الباب الاَتي.
وله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه أبو داود وابن ماجه أيضاً

(3/612)


46ـ باب ما جَاءَ في الصّلاةِ في الكَعْبَة
875 ـ حدثنا قُتَيْبةُ، حدثنا حَمّادُ بنُ زَيْدٍ عن عَمْروِ بنِ دِينَارٍ عن ابنِ عُمَرَ عن بِلاَلٍ: "أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم صَلّى في جَوْفِ الكَعْبَةِ. قال ابنُ عبّاسٍ: لَم يُصَلّ ولَكِنّهُ كَبّرَ".
قال: وفي البابِ عن أُسَامَةَ بنِ زَيْدٍ والفَضْلِ بنِ عبّاسٍ وعُثْمانَ بنِ طَلْحَةَ وشَيْبَةَ بنِ عُثْمَانَ.
ـــــــ
باب ما جَاءَ في الصّلاةِ في الكَعْبَة
قوله: "قال ابن عباس: لم يصل ولكنه كبر" وفي رواية لمسلم عن ابن عباس يقول: أخبرني أسامة بن زيد أن النبي صلى الله عليه وسلم لما دخل البيت دعا في نواحيه كلها ولم يصل فيه الحديث، قال النووي: أجمع أهل الحديث على الأخذ برواية بلال لأنه مثبت فمعه زيادة علم فوجب ترجيحه، والمراد الصلاة المعهودة ذات الركوع والسجود، ولهذا قال ابن عمر: ونسيت أن أساله كم صلى ، وأما نفي أسامة فسببه أنهم لما دخلوا الكعبة أغلقوا الباب واشتغلوا بالدعاء فرأى أسامة النبي صلى الله عليه وسلم يدعو ثم اشتغل أسامة بالدعاء في ناحية من نواحي البيت والنبي صلى الله عليه وسلم في ناحية أخرى وبلال قريب منه ثم صلى النبي صلى الله عليه وسلم فرآه بلال لقربه ولم يره أسامة لبعده واشتغاله مع خفة الصلاة وإغلاق الباب، وجاز له نفيها عملاً بظنه، وأما بلال فحققها فأخبر بها انتهى كلام النووي.
قوله: "وفي الباب عن أسامة بن زيد" أخرجه أحمد في مسنده وابن حبان

(3/612)


قال أبو عيسى: حَدِيثُ بِلاَلٍ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. والعَمَلُ عليهِ عِنْدَ أَكْثَرِ أهْلِ العِلمِ، لا يَرَوْنَ بالصّلاةِ في الكَعْبَةِ بَأْساً. وقالَ مَالِكُ بنُ أَنَس: لا بَأْسَ بالصّلاةِ النّافِلةِ في الكَعْبَةِ وكَرِهَ أنْ تُصَلّى المَكْتُوبَة في الكَعْبَةِ وقالَ الشّافِعِيّ: لا بَأْسَ أن تُصَلّى المَكْتُوبَة والتّطَوّع في الكَعْبَةِ لأنّ حُكْمَ النّافِلَةِ والمَكْتُوبَةِ في الطّهَارَةِ والقِبْلَةِ سِوَاءٌ.
ـــــــ
في صحيحه من طريق أبي الشعثاء عن ابن عمر أخبرني أسامة بن زيد أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في الكعبة بين الساريتين ومكثت معه عمراً لم أسأله كم صلى . قال الزيلعي في تخريجه بعد ذكره هذا صحيح انتهى. وروى مسلم في صحيحه عن أمامة خلاف هذا كما تقدم "والفضل بن عباس" أخرجه أحمد وإسحاق بن راهويه في مسنديهما والطبراني في معجمه بلفظ أن: رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يصل في الكعبة ولكنه لما دخلها وقع ساجداً بين العمودين ثم جلس يدعو كذا في نصب الراية "وعثمان بن طلحة" أخرجه أبو داود والبيهقي وأحمد والضياء عن امرأة من بني سليم عن عثمان بن طلحة كذا في شرح سراج أحمد "وشيبة بن عثمان" أخرجه ابن عساكر عن عبد الرحمَن الزجاج: قال: أتيت شيبة بن عثمان فقلت يا أبا عثمان زعموا أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل الكعبة فلم يصل، فقال كذبوا وأبي، لقد صلى بين العمودين ثم ألصق بهما بطنه وظهره. كذا في شرح سراج أحمد.
قوله: "وقال مالك بن أنس: لا بأس بالصلاة النافلة في الكعبة" كذا أطلق الترمذي عن مالك جواز النافلة وقيده بعض أصحابه بغير الرواتب وما تشرع فيه الجماعة، قاله الحافظ في الفتح "وكره أن يصلي المكتوبة في الكعبة" وروى عنه المنع وكذا عن أحمد لقوله تعالى {فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} أي قبالته ومن فيه مستدبر لبعضه، وأما جواز النافلة فيه فإنه يسامح في النافلة ما لا يسامح في الفريضة "وقال الشافعي لا بأس أن يصلي المكتوبة والتطوع في الكعبة" وبه قال الحنفية وهو مذهب الجمهور. قال الحافظ في فتح الباري: وفيه أي في حديث بلال استحباب الصلاة في الكعبة وهو ظاهر في النفل ويلتحق به الفرض إذ لا فرق بينهما في مسألة الاستقبال وهو قول الجمهور انتهى. وقال النووي في شرح مسلم: ودليل الجمهور

(3/613)


ـــــــ
حديث بلال وإذا صحت النافلة صحت الفريضة لأنهما في الموضع سواء في الاستقبال في حال النزول وإنما يختلفان في الاستقبال في حال السير في السفر انتهى. قال الحافظ: وعن ابن عباس لا تصح الصلاة داخلها مطلقاً وعلله بأنه يلزم من ذلك استدبار بعضها، وقد ورد الأمر باستقبالها فيحمل على استقبال جميعها، وقال به بعض المالكية والظاهرية والطبري انتهى. قلت: والظاهر هو ما قال به الجمهور وهو أقوى المذاهب في هذا الباب والله تعالى أعلم

(3/614)


47 ـ باب ما جَاءَ في كَسْرِ الكَعْبَة
876 ـ حدثنا محمودُ بنُ غَيْلاَنَ، حدثنا أبو دَاوُدَ عن شُعْبَةَ عن أبي إسحاقَ عن الأسْوَدِ بنِ يَزِيدَ أَنّ ابنَ الزّبَيْرِ قالَ لَهُ حَدّثْنيِ بما كَانَتْ تُفْضِي إِلَيْكَ أُمّ المُؤْمِنِينَ يَعْنِي عَائِشَةَ، فقالَ: "حَدّثَتْنِي أَنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ لهَا: لَوْلاَ أنّ قَوْمكِ حَدِيثُو عَهْدٍ بالجَاهِليّةِ لهَدَمْتُ الكَعْبَةَ وجعَلَتُ لَهَا بَابَيْنِ. قال: فَلَمّا مَلَكَ ابنُ الزّبَيْرِ هَدَمَهَا وجَعَلَ لَهَا بَابَيْنِ".
ـــــــ
"باب ما جاء في كسر الكعبة"
أي هدمها
قوله: "إن ابن الزبير" يعني عبد الله بن الزبير الصحابي المشهور "قال له" أي للأسود "بما كانت تفضي إليك" أي تسر إليك، وفي رواية للبخاري: قال لي ابن الزبير كانت عائشة تسر إليك كثيراً فما حدثتك في الكعبة "لولا أن قومك حديثو عهد" بالإضافة، وقال المطرزي: لا يجوز حذف الواو في مثل هذا والصواب حديث وعهد، كذا في فتح الباري. وقال السيوطي في حاشية النسائي: ويمكن أن يوجه بأن لفظ القوم مفرد لفظاً وجمع معنى فروعي إفراد اللفظ في جانب الخبر كما روعي اللفظ في إرجاع الضمير في قوله تعالى {كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ} حيث أفرد آتت انتهى. قال الجزري في النهاية: الحديث ضد القديم، والمراد به قرب عهدهم بالكفر والخروج منه والدخول في الإسلام وأنه لم يتمكن الدين في قلوبهم، فلو هدمت الكعبة وغيرتها ربما نفروا من ذلك انتهى "وجعلت لها بابين" أي أي باباً شرقياً وباباً غربياً "فلما ملك ابن الزبير هدمها وجعل لها بابين" أحدهما يدخل منه والآخر يخرج منه. وروى مسلم في صحيحه قصة هدمها وبنائها مطولاً.

(3/614)


48 ـ باب ما جاءَ في الصّلاَةِ في الحِجْر
877 ـ حدثنا قُتَيْبةُ، حدثنا عبدُ العَزِيزِ بنُ مُحمدٍ عن عَلْقَمَةَ بنِ أبي عَلْقَمَةَ عن أمّر عن أبيهِ عَنْ عَائِشةَ قالت: "كُنْتُ أُحِبّ أنْ أدْخُلَ البيْتَ فأُصَلّي فيهِ، فأَخَذَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بِيَديِ فأَدْخَلَنيِ الْحِجْرَ فقال صَلّي في الْحِجْرِ
ـــــــ
"باب ما جاء في الصلاة في الحجر"
بكسر المهملة وسكون الجيم وهو معروف على صفة نصف الدائرة، كذا في فتح الباري. وقال في القاموس: الحجر بالكسر العقل وما حواه الحطيم المدار بالكعبة شرفها الله تعالى من جانب الشمال انتهى. وقال في النهاية: الحجر بالكسر اسم الحائط المستدير إلى جانب الكعبة الغربي انتهى، قلت: في قوله الغربي نظر كما لا يخفى.
قوله: "عن علقمة بن أبي علقمة عن أبيه عن عائشة" كذا في نسخ الترمذي وفي رواية أبي داود عن علقمة عن أمه عن عائشة، وفي رواية النسائي: عن أمه عن أبيه عن عائشة بزيادة عن أبيه عن أمه

(3/615)


إن أرَدْتِ دُخُولَ البيتِ فإِنّما هُوَ قِطْعَة مِنَ البَيْتِ ولَكِنّ قَوْمكِ اسْتَقْصَرُوهُ حِينَ بَنَوْا الكَعْبَةَ فأَخْرَجُوهُ مِنَ البيْتِ".
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وعَلْقَمةُ بنُ أبي عَلْقمةَ هُو عَلقمة بن بلال.
ـــــــ
قوله: "فإنما هو قطعة من البيت" هذا ظاهره أن الحجر كله من البيت وكذا قوله في رواية عائشة عند البخاري قالت: سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن الجدار أو من البيت هو؟ قال نعم ، وبذلك كان يفتي ابن عباس كما رواه عبد الرزاق عن أبيه عن مرثد بن شرحبيل قال: ابن عباس يقول: لو وليت من البيت ما ولى ابن الزبير لأدخلت الحجر كله في البيت فلم يطاف به إن لم يكن من البيت؟ وقد ذكر الحافظ في الفتح روايات أخرى تدل بإطلاقها على أن الحجر كله من البيت ثم قال: وهذه الروايات كلها مطلقة، وقد جاءت روايات أصح منها مقيدة منها لمسلم من طريق أبي قزعة عن الحارث بن عبد الله عن عائشة: حتى أزيد فيه من الحجر، وله من وجه آخر عن الحارث عنها: فإن بدا لقومك أن يبنوه بعدي فهلمي لأريك ما تركوا منه، فأراها قريباً من سبعة أذرع. وله من طريق سعد بن ميناء عن عبد الله بن الزبير عن عائشة: وزدت فيها من الحجر ستة أذرع. ثم ذكر روايات مقيدة أخرى غير هذه الروايات ثم حقق أن الروايات المطلقة محمولة على المقيدة. وقد بسط الكلام فيه وأجاد.
قوله: "ولكن قومك استقصروه" أي قصروه عن تمام بنائه لقلة النفقة.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه أبو داود والنسائي أيضاً "وعلقمة بن أبي علقمة هو علقمة بن بلال" قال المنذري: وعلقمة هذا هو مولى عائشة تابعي مدني احتج به البخاري ومسلم وأمه حكى البخاري وغيره أن اسمها مرجانة انتهى

(3/616)


49 ـ باب ما جَاءَ في فضل الحجَرِ الأسْوَدِ والرّكْنِ والمَقَام
878 ـ حدثنا قُتَيْبَة، حدثنا جَرِيرٌ عَنْ عَطَاءِ بنِ السّائِبِ عن سَعِيد بنِ جُبَيْرٍ عن ابنِ عَبّاس قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "نَزَلَ الحَجَرُ الأسْوَدُ مِنَ الجَنّةِ وهُوَ أشَدّ بيَاضاً مِنَ اللّبَنِ فَسوّدَتْهُ خَطايا بَنيِ آدَمَ".
ـــــــ
باب ما جَاءَ في فضل الحجَرِ الأسْوَدِ والرّكْنِ والمَقَام
قوله: "وهو أشد بياضاً من اللبن" جملة حالية "فسودته خطايا بني آدم" قال

(3/616)


قال: وفي البابِ عن عبْدِ الله بنِ عَمْروٍ وأبي هُرَيْرَةَ.
ـــــــ
في المرقاة: أي صارت ذنوب بني آدم الذين يمسحون الحجر سبباً لسواده، والأظهر حمل الحديث على حقيقته إذ لا مانع نقلاً ولا عقلاً. وقال بعض الشراح من علمائنا يعني الحنفية: هذا الحديث يحتمل أن يراد به المبالغة في تعظيم شأن الحجر وتفظيع أمر الخطايا والذنوب، والمعنى أن الحجر لما فيه من الشرف والكرامة واليمن والبركة شارك جواهر الجنة فكأنه نزل منها وأن خطايا بني آدم تكاد تؤثر في الجماد فتجعل المبيض منه أسود فكيف بقلوبهم أو لأنه من حيث أنه مكفر للخطايا محاء للذنوب كأنه من الجنة ومن كثرة تحمله أوزار بني آدم صار كأنه ذو بياض شديد فسودته الخطايا ومما يؤيد هذا أنه كان فيه نقط بيض ثم لا زال السواد يتراكم عليها حتى عمها. وفي الحديث: إذا أذنب العبد نكتت في قلبه نكتة سوداء فإذا أذنب فيه نكتة أخرى وهكذا حتى يسود قلبه جيعه ويصير ممن قال فيهم {كَلا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} والحاصل أن الحجر بمنزلة المرآة البيضاء في غاية من الصفاء ويتغير بملاقاة ما لا يناسبه من الأشياء حتى يسود لها جميع الأجزاء وفي الجملة الصحبة لها تأثير بإجماع العقلاء انتهى كلام القاري. قال الحافظ بن الحجر: واعترض بعض الملحدين على هذا الحديث فقال كيف سودته خطايا المشركين ولم تبيضه طاعات أهل التوحيد؟ وأجيب بما قال ابن قتيبة: لو شاء الله لكان ذلك وإنما أجرى الله العادة بأن السواد يصبغ ولا ينصبغ على العكس من البياض. وقال المحب الطبري: في بقائه أسود عبرة لمن له بصيرة. فإن الخطايا إذا أثرت في الحجر الصلد فتأثيرها في القلب أشد، قال وروي عن ابن عباس إنما غيره بالسواد لئلا ينظر أهل الدنيا إلى زينة الجنة فإن ثبت فهذا هو الجواب. قال الحافظ بن حجر: أخرجه الحميدي في فضائل مكة بإسناد ضعيف انتهى.
قوله: "وفي الباب عن عبد الله بن عمرو" أخرجه الترمذي في هذا الباب وأخرجه أحمد وصححه ابن حبان وسيجيء الكلام عليه "وأبي هريرة" أخرجه ابن ماجه عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من فاوض الحجر الأسود فكأنما يفاوض يد الرحمن". وفي فضائل مكة للجندي من حديث ابن جريج عن محمد بن عباد بن جعفر عن ابن عباس: إن هذا الركن الأسود هو يمين الله في الأرض

(3/617)


قال أبو عيسى: حديثُ ابنِ عبّاسٍ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
879 ـ حدثنا قُتَيْبةُ، حدثنا يَزِيدُ بنُ زُرَيْعٍ عن رجَاءٍ أبي يَحْيى قالَ: سَمِعْتُ مُسَافِعاً الحاجِبَ قال: سَمِعْتُ عَبْدَ الله بنَ عَمْرٍو يقُولُ: "سَمِعْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: إنّ الرّكْنَ والمَقَامَ ياقُوتَتَانِ مِن ياقُوتِ الجَنّةِ طَمَسَ الله نُورَهُمَا وَلَوْ لَمْ يَطْمِسْ نُورَهُمَا لأضَاءَتَا مَا بَيْنَ المَشْرِق والمَغْرِبِ".
ـــــــ
يصافح به عباده مصافحة الرجل أخاه. ومن حديث الحكم بن أبان عن عكرمة عنه زيادة فمن لم يدرك بيعة رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم استلم الحجر فقد بايع الله ورسوله. وقال المحب الطبري والمعنى كونه يمين الله والله أعلم كل ملك إذا قدم عليه قبلت يمينه، ولما كان الحاج والمعتمر أول ما يقدمان يسن لهما تقبيله نزل منزلة يمين الملك يده ولله المثل الأعلى، ولذلك من صافحه كان عند الله عهد كما أن الملك يعطي العهد بالمصافحة كذا في عمدة القاري.
واعلم أن لابن عباس حديث آخر في فضل الحجر الأسود عند الترمذي رواه في أواخر كتاب الحج مرفوع بلفظ: والله ليبعثنه الله يوم القيامة له عينان الخ.
قوله: "حديث ابن عباس حديث حسن صحيح" قال الحافظ في الفتح: وفيه عطاء بن السائب وهو صدوق لكنه اختلط وجرير ممن سمع منه بعد اختلاطه لكن له طريق أخرى في صحيح ابن خزيمة فيقوي بها وقد رواه النسائي من طريق حماد بن سلمة عن عطاء مختصراً ولفظه: الحجر الأسود من الجنة، وحماد ممن سمع من عطاء قبل الاختلاط. وفي صحيح ابن خزيمة أيضاً عن ابن عباس مرفوعاً: إن لهذا الحجر لساناً وشفتين يشهدان لمن استلمه يوم القيامة بحق ، وصححه أيضاً ابن حبان والحاكم وله شاهد من حديث أنس عند الحاكم أيضاً انتهى ما في الفتح.
قوله: "إن الركن والمقام" أي الحجر الأسود ومقام إبراهيم "ياقوتتان من ياقوت الجنة" المراد به الجنس فالمعنى أنهما من يواقيت الجنة "طمس الله نورهما" أي أذهبه، قال القاري: أي بمساس المشركين لهما، ولعل الحكمة في طمسهما ليكون الإيمان غيبياً لا عينياً "ولو لم يطمس" على بناء الفاعل ويجوز أن يكون على بناء المفعول "لأضاءتا ما بين المشرق والمغرب" أي لأنارتاه.

(3/618)


قال أبو عيسى: هذا يُرْوَى عنْ عَبْدِ الله بنِ عَمْرو مَوْقُوفاً قَوْلُهُ.
وفيهِ عن أَنَسٍ أيْضاً وهُوَ حديثٌ غريبٌ.
ـــــــ
قوله: "وفيه عن أنس أيضاً" أخرجه الحاكم كما ستقف عليه "وهو حديث غريب" وأخرجه أيضاً ابن حبان من طريق رجاء بن صبيح والحاكم ومن طريقه البيهقي كذا في الترغيب. وقال الحافظ في الفتح بعد ذكر هذا الحديث مرفوعاً: أخرجه أحمد والترمذي وصححه ابن حبان في إسناده رجى أبو يحيى وهو ضعيف. قال الترمذي: حديث غريب ويروى عن عبد الله بن عمرو موقوفاً. وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: وقفه أشبه والذي رفعه ليس بقوي انتهى

(3/619)


50 ـ باب ما جَاءَ في الخُروُج إِلى منًى والمُقَامِ بها
880 ـ حدثنا أبوُ سَعيدٍ الأشَجّ حدثنا عَبدُ الله بنُ الأجْلَحِ عن إسماعيلَ بنِ مُسْلِمٍ عن عَطاءٍ عنِ ابنِ عَبّاسٍ قال: "صَلّى بِنَا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بمنًى الظّهْرَ والعَصْرَ والمَغْرِبَ والعِشَاءَ والفَجْرَ ثُمّ غَدَا إلَى عَرَفَاتٍ".
قال أبو عيسى: وإسماعيلُ بنُ مُسْلِمٍ قد تكلّموا فيهِ
ـــــــ
"باب ما جاء في الخروج إلى منى والمقام بها"
بضم الميم من الإقامة، ومنى موضع بين مكة والمزدلفة حدها من جهة المشرق بطن المسيل إذا هبطت من وادي محسر، ومن جهة المغرب جمرة العقبة ذكره النووي في التهذيب. وقال في المجمع: سمي به لما يمنى فيه من الدماء أي يراق وهو لا تنصرف وتكتب بالياء إن قصد بها البقعة ويصرف ويكتب بالألف بتأويل موضع انتهى.
قوله: "صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنى" أي يوم التروية وهو اليوم الثامن من ذي الحجة "ثم غدا" من الغدو وهو المشي أول النهار أي سار غدوة بعد طلوع الشمس لما في حديث جابر الطويل: ثم مكث قليلاً حتى طلعت الشمس "إلى عرفات" بفتحتين قال النووي: اسم لموضع الوقوف سمي به لأن آدم عرف حواء هناك، وقيل لأن جبريل عرف إبراهيم المناسك هناك. قوله "وإسماعيل بن مسلم قد تكلم فيه" إسماعيل بن مسلم هذا هو أبو إسحاق البصري

(3/619)


881 ـ حدثنا أَبو سَعيدٍ الأشَجّ حدثنا عبدُ الله بنُ الأجْلَحِ عنِ الأعْمَشِ عن الحَكَمِ عن مِقْسَمٍ عنِ ابنِ عَبّاسٍ: "أَنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم صَلّى بمنًى الظّهْرَ والفَجْرَ ثُمّ غَدَا إِلَى عَرفَاتٍ".
قال: وفي البابِ عن عبدِ الله بنِ الزّبَيْرِ وأنَسٍ.
قال أبو عيسى: حديثُ مِقْسَمٍ عن ابنِ عبّاسٍ قال عليّ بنُ المَدِينيّ: قالَ يَحْيَى: قال شُعْبَةُ لَمْ يَسْمَعْ الحَكَمُ مِنْ مِقْسَمٍ إلاّ خَمْسَةَ أشيَاءَ وَعَدّها ولَيْسَ هذا الحديثُ فِيما عَدّ شُعْبَةُ.
ـــــــ
المجاور المكي الفقيه ضعفه ابن المبارك. وقال أحمد: منكر الحديث كذا في الخلاصة وحديث ابن عباس هذا أخرجه ابن ماجه أيضاً قوله: "أخبرنا عبد الله بن الأجلح" بتقديم الجيم على الحاء المهملة.
قوله: "وفي الباب عن عبد الله بن الزبير" أخرجه الحاكم في المستدرك بلفظ قال: من سنة الحج أن يصلي الإمام الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح بمنى ثم يغدو إلى عرفة حتى إذا زالت الشمس خطب الناس ثم صلى الظهر والعصر جميعاً، كذا في شرح سراج أحمد "وأنس رضي الله عنه" أخرجه البخاري عن عبد العزيز بن رفيع قال: سألت أنس بن مالك قلت: أخبرني بشيء عقلته عن النبي صلى الله عليه وسلم أين صلى الظهر والعصر يوم التروية قال: بمنى الحديث. وفي الباب عن جابر في الحديث الطويل في صفة الحج عند مسلم: فلما كان يوم التروية توجهوا إلى منى فأهلوا بالحج وركب رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر الحديث. وفي الباب أيضاً عن ابن عمر أخرجه ابن ماجه مرفوعاً وأخرجه مالك موقوفاً. قوله "وليس هذا الحديث فيما عد شعبة" فعلى هذا يكون هذا الحديث منقطعاً ولكن له شواهد صحيحة كما عرفت

(3/620)


51 ـ باب ما جاءَ أَنّ مِنًى مُنَاخُ مَنْ سَبَق
882 ـ حدثنا يُوسُفُ بنُ عيسَى و مُحمدُ بنُ أَبانٍ قالاحدثنا وَكِيعٌ عن إسْرَائِيلَ عن إبراهيم بنِ مُهَاجِرٍ عن يُوسُفَ بنِ مَاهَكَ عن أُمّهِ مُسَيْكَةَ
ـــــــ
باب ما جاءَ أَنّ مِنًى مُنَاخُ مَنْ سَبَق
قوله: "عن يوسف بن ماهك" بفتح هاء وبكاف ترك صرفه، وعند الأصيلي

(3/620)


عن عائشةَ قالت: "قُلْنا يا رسولَ الله ألاَ نَبْني لَكَ بِنَاءً يُظِلّكَ بمنًى قال: لا مِنًى مُنَاخُ مَنْ سَبَق ".
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
مصروف، كذا في المغنى ثقة من الثالثة "عن أمه مسيكة" بالتصغير المكية لا يعرف حالها من الثالثة كذا في التقريب، ذكرها الذهبي في الميزان في المجهولات. قوله: "ألا نبني لك بناء" وفي رواية لابن ماجه: بيتا "قال لا" أي لا تبنوا لي بناء بمنى لأنه ليس مختصاً بأحد إنما هو موضع العبادة من الرمي وذبح الهدى والحلق ونحوها، فلو أجيز البناء فيه لكثرت الأبنية وتضيق المكان، وهذا مثل الشوارع ومقاعد الأسواق، وعند أبي حنيفة أرض الحرم موقوفة فلا يجوز أن يملكها أحد "منى" مبتدأ "مناخ من سبق" خبر مبتدأ والمناخ بضم الميم موضع إناخة الإبل. قوله "هذا حديث حسن" وأخرجه ابن ماجه والحاكم أيضاً. ومدار هذا الحديث على مسيكة وهي مجهولة كما عرفت

(3/621)


52 ـ باب ما جَاءَ في تَقْصيرِ الصّلاَةِ بمنًى
883 ـ حدثنا قُتَيْبةُ، حدثنا أبو الأحْوَصِ عن إسرائيل عن أبي إسْحاقَ عن حارِثَةَ بنِ وهْبٍ قال: "صَلّيْتُ مَعَ النبيّ صلى الله عليه وسلم بِمنًى آمَنَ مَا كانَ النّاسُ وأكْثَرَهُ رَكْعَتْينِ".
ـــــــ
باب ما جَاءَ في تَقْصيرِ الصّلاَةِ بمنًى
قوله: "آمن ما كان الناس" قال في مجمع البحار: بمد همزة أفعل من الأمن ضد الخوف وما مصدرية أي صلى بنا والحال أنا أكثر أكواننا في سائر الأوقات أمنا من غير خوف، وإسناد الأمن إلى الأوقات مجاز انتهى. وقال أبو الطيب في شرح الترمذي: المقصود من هذا الكلام وأمثاله واضح أي حين كان الناس أكثر أمناً وعدداً، لكن تطبيقه على قواعد العربية خفي، والأقرب أن ما مصدرية وكان تامة وآمن منصوب على الظرفية بتقدير مضاف وموصوفه مقدر من جنس المضاف إليه كما هو المشهور في اسم التفضيل، وأكثره عطف على آمن وضميره لما أضيف إليه آمن، والتقدير زمان كون هو آمن أكوان الناس وزمان كون

(3/621)


قال: وفي البابِ عنِ ابنِ مَسْعُودٍ وابنِ عُمَر وأنَسٍ.
قال أبو عيسى: حديثُ حَارِثَةَ بنِ وهْبٍ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وَرُوِيَ عن ابنِ مَسْعُودٍ أنّهُ قال صَلّيْتُ مَعَ النبيّ صلى الله عليه وسلم بِمنًى رَكْعَتْينِ ومَعَ أَبي بَكْرِ ومَعَ عُمَرَ و مع عُثْمانَ رَكْعَتَيْنِ صَدْراً مِنْ إمَارَتِهِ وقد اخْتَلَفَ أَهْلُ العِلْم في تَقْصيرِ الصّلاَةِ بمنًى لأهْلِ مَكّةَ. فقال بَعْضُ أَهْلِ العلمِ: لَيْسَ لأهْلِ مكّةَ أنْ يَقْصُرُوا الصّلاَةَ بمنًى إلاّ مَنْ كانَ بمنًى مُسَافِرا وهُوَ قَوْلُ ابنِ جُرَيْجٍ وسُفْيانَ الثّوْرِيّ ويَحْيى بنِ سَعيدٍ القَطّانِ والشافِعِيّ وأحمدَ وإسحاقَ. وقال بَعْضُهُمْ لا بأْسَ لأهْلِ مَكّةَ أنْ يَقْصُرُوا الصّلاَةَ
ـــــــ
هو أكثر أكوان الناس عدداً، ونسبة الأمن والكثرة إلى الكون مجازية فإنهما وصفان للناس حقيقة فرجع بالنظر إلى الحقيقة إلى زمان وحين كان الناس فيه آمن وأكثر. وعلى هذا فنصب آمن وأكثر على الظرفية بتقدير المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه انتهى.
قوله: "عن ابن مسعود" أخرجه البخاري ومسلم، وقد ذكر الترمذي لفظه فيما بعد "وابن عمر" قال: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنى ركعتين وأبو بكر بعده وعمر بعد أبي بكر وعثمان صدراً من خلافته، ثم إن عثمان صلى بعد أربعاً، فكان ابن عمر إذا صلى مع الإمام صلى أربعاً وإذا صلاها وحده صلى ركعتين. أخرجه الشيخان "وأنس" قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى مكة فكان يصلي ركعتين ركعتين حتى رجعنا إلى المدينة قيل له أقمتم بمكة شيئاً؟ قال: أقمنا بها عشراً. أخرجه الشيخان.
قوله: "حديث حارثة بن وهب حديث حسن صحيح" أخرجه الشيخان. قوله: "وروي عن ابن مسعود أنه قال: صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم بمنى ركعتين الخ" رواه الشيخان. قوله "إلا من كان بمنى مسافراً" استناء منقطع أي ليس لأهل مكة أن يقصروا الصلاة بمنى لكن من كان بمنى مسافراً فهو يقصرها ويحتمل الاتصال أي إلا من كان منهم نازلاً بمنى مسافراً بأن خرج على نية السفر أو رجع من السفر ونزل بها قل دخوله مكة "وهو قول ابن جريج وسفيان الثوري ويحيى بن سعيد القطان والشافعي وأحمد وإسحاق" وهو قول أبي حنيفة وأصحابه

(3/622)


بمنى وهو قول الأوزاعي ومالك وسفيان بن عيينة وعبد الرحمن بن مهدي
ـــــــ
وحجتهم أن المسافة التي بين مكة ومنى لا يقصر فيها الصلاة، والقصر بمنى ليس لأجل النسك بل للسفر "وهو قول الأوزاعي ومالك وسفيان بن عيينة وعبد الرحمَن بن مهدي" وحجتهم أن القصر بمنى للنسك وليس لأجل السفر. قال بعض المالكية: لو لم يجز لأهل مكة القصر بمنى لقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: "أتموا وليس بين مكة ومنى مسافة القصر"، فدل على أنهم قصروا للنسك، وأجيب بأن الترمذي روى من حديث عمران بن حصين أنه صلى الله عليه وسلم كان يصلي بمكة ركعتين ويقول "يا أهل مكة أتموا فإنا قوم سفر" ، وكأنه ترك إعلامهم بذلك بمنى استغناء بما تقدم بمكة، قال الحافظ بن حجر: وهذا ضعيف لأن الحديث من رواية علي بن زيد بن جدعان وهو ضعيف، ولو صح فالقصة كانت في الفتح وقصة منى في حجة الوداع وكان لا بد من بيان ذلك لبعد العهد، انتهى كلام الحافظ، قال الخطابي في المعالم: ليس في قوله: صلى بنا ركعتين دليل على أن المكي يقصر الصلاة بمنى لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان مسافراً بمنى فصلى صلاة المسافر، ولعله لو سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صلاته لأمره بالإتمام، وقد يترك رسول الله صلى الله عليه وسلم بيان بعض المأمور في بعض المواطن اقتصاراً على ما تقدم من البيان السابق خصوصاً في مثل هذا الأمر الذي هو من العلم الظاهر العام وكان عمر بن الخطاب يصلي بهم فيقصر فإذا سلم التفت إليهم وقال: أتموا يا أهل مكة فإنا قوم سفر انتهى

(3/623)


باب ما جاء في الوقوف بعرفات والدعاء فيها
...
53ـ باب ما جاء في الوُقُوفِ بعَرَفاتٍ والدّعاءِ بها
884 ـ حدثنا قُتَيْبةُ حدثنا سُفْيانُ بنُ عُيَيْنَةَ عن عَمْروِ بنِ ديِنَارٍ عن عَمْروِ بنِ عبدِ الله بنِ صَفْوَانَ عن يَزِيدَ بنِ شَيْبَانَ قال: "أتَانَا ابنُ مِرْبَعٍ الأنْصَارِيّ ونَحْنُ وُقُوفٌ بالمَوْقِفِ "مكاناً يُبَاعِدُهُ عَمْروٌ" فقال: إنّي
ـــــــ
باب ما جاء في الوُقُوفِ بعَرَفاتٍ والدّعاءِ بها
قوله: "أتانا ابن مربع الأنصاري" بكسر الميم وسكون الراء وفتح الموحدة صحابي رضي الله عنه وسيجيء ما في اسمه من الاختلاف "مكاناً" أي في مكان كما في رواية أبي داود "يباعده عمرو" أي يباعد ذلك المكان عمرو بن عبد الله

(3/623)


رسولُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم إلَيْكُمْ يَقولُ: كُونُوا على مَشَاعِرِكُمْ فإِنّكُمْ على إرْثٍ مِنْ إرْثِ إبراهيمَ".
قال: وفي البابِ عن علي وعائِشَةَ وجُبَيْرِ بنِ مُطْعِمٍ والشّرِيدِ بنِ سُوَيْدٍ الثّقَفيّ.
قال أبو عيسى: حديثُ ابن مِرْبَعٍ حديثٌ حسنٌ صحيح لا نَعْرِفُهُ إلاّ مِنْ حديثِ ابنِ عُيَيْنةَ عن عَمرِو بنِ دِينَار. وابنُ مِرْبَعٍ اسْمُهُ يَزِيدُ بنُ مِرْبَعٍ الأنْصارِيّ وإنّمَا يُعْرَفُ لهُ هذا الحَديِثُ الوَاحِدُ.
885 ـ حدثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعْلَى الصّنْعَانيّ البَصْرِيّ حدثنا محمدُ بنُ عبدِ الرّحمَن الطّفاوِيّ حدثنا هِشامُ بنُ عُرْوَةَ عَن أبيهِ عنْ عائشَةَ قالَتْ: "كانَتْ قُرَيْشٌ ومَنْ كانَ على دِيِنَها وَهُمُ الحُمْسُ يَقِفُونَ بالمُزْدَلِفَةِ
ـــــــ
من موقف الإمام يعني يجعله بعيداً بوصفه إياه بالبعد والمباعدة بمعنى التبعيد، وهذا قول الراوي عن عمرو بن عبد الله وهو عمرو بن دينار "كونوا على مشاعركم " جمع مشعر يريد بها مواضع النسك سميت بذلك لأنها معالم العبادات "على إرث من إرث إبراهيم" علة للأمر بالاستقرار والتثبت على الوقوف في موافقهم القديمة، علل ذلك بأن موقفهم موقف إبراهيم ورثوه منه ولم يخطئوا في الوقوف فيه عن سنته، فإن عرفة كلها موقف والواقف بأي جزء منها آت بسنته متبع لطريقته وإن بعد موقفه عن موقف النبي صلى الله عليه وسلم قال الطيبي. قوله: "وفي الباب عن علي" أخرجه البيهقي وضعفه والترمذي كما سيذكر، وابن خزيمة والمحاملي في الدعاء وابن أبي الدنيا في الأضاحي، وابن النجار كذا في شرح سراج أحمد "وعائشة" أخرجه الشيخان "وجبير بن مطعم" أخرجه الشيخان أيضاً "والشريد بن سويد الثقفي" لينظر من أخرج حديثه. قوله: "حديث ابن مربع حديث حسن" وأخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه. قوله: "وابن مربع اسمه يزيد بن مربع" قال الحافظ في التقريب: زيد بن مربع بن قيظي صحابي أكثر ما يجيء مبهماً وقيل اسمه يزيد وقيل عبد الله انتهى.
قوله: "حدثنا محمد بن عبد الأعلى الصنعاني" بمفتوحة سكون ونون وبعين مهملة فألف فنون أخرى نسبة إلى صنعاء اليمن وإلى صنعاء دمشق كذ في المغنى "الطفاوي" بضم مهملة وخفة فاء وواو كذا في المغنى. قوله: "وهم الحمس" بضم مهملة وسكون

(3/624)


يَقُولُونَ نَحْنُ قَطينُ الله وكانَ مَنْ سِوَاهُمْ يَقِفُونَ بِعَرَفَةَ، فَأَنْزَلَ الله تعالى : {ثم أفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النّاسُ}" .
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ قال ومَعْنى هذا الحَديثِ أنّ أهْلَ مكّةَ كانوا لا يَخْرُجُونَ مِنَ الحَرَمِ، وعَرَفة خارِجٌ مِنَ الحَرَمِ، وأَهْلُ مكّةَ كانوا يَقِفُونَ بالمُزْدَلِفَةِ وَيَقُولُونَ نَحْنُ قَطينُ الله يَعْني سُكّانَ الله، ومَنْ سِوَى أَهْلِ مَكّةَ كانُو يَقِفُونَ بِعَرَفاتٍ، فأَنْزَلَ الله تعالى: {ثمّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النّاسُ}. والحُمْسُ هُمْ أهْلُ الحَرَمِ.
ـــــــ
ميم فمهملة، قال في القاموس: الحمس الأمكنة الصلبة جمع أحمس ولقب به قريش وكنانة وجديلة ومن تابعهم في الجاهلية لتحمسهم في دينهم أو لالتجائهم بالحمساء وهي الكعبة انتهى. وقال الحافظ في الفتح: والأحمس في كلام العرب الشديد وسموا بذلك لما شددوا على أنفسهم وكانوا إذا أهلوا بحج أو عمرة لا يأكلون لجماً ولا يضربون وبراً ولا شعراً وإذا قدموا مكة وضعوا ثيابهم التي كانت عليهم. وقيل سموا حمساً بالكعبة لأنها حمساً حجرها أبيض يضرب إلى السواد، والأول أشهر وأكثر وأنه من التحمس وهو التشدد انتهى كلامه ملخصاً "يقولون نحن قطين الله" قال في القاموس: قطن قطونا أقام وفلاناً خدمه فهو قاطن والجمع قطان وقاطنة وقطين انتهى. وقطين الله على حذف المضاف أي سكان بيت الله {ثُمَّ أَفِيضُوا} أي ادفعوا يا قريش وأصله أفيضوا أنفسكم فحذف المفعول {مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ} من عرفة بأن تقفوا بها معهم

(3/625)


54 ـ باب مَا جاءَ أَنّ عَرَفَةَ كُلّها مَوْقِف
886 ـ حدثنا محمدُ بنُ بَشّارٍ حدثنا أبو أَحمدَ الزّبَيْرِيّ حدثنا سُفْيانُ عنْ عبدِ الرحمَنِ بنِ الحَارِثِ بنِ عَيّاشٍ بنِ أبي رَبِيعَةَ عنْ زَيْدِ بنِ علي عنْ أبيهِ عنْ عُبَيْدِ الله بنِ أبي رَافِعٍ عن عليَ بنِ أبي طَالِبٍ رضي الله عنه قالَ: "وقَفَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بِعَرَفَةَ فقالَ: هذهِ عَرَفَةُ وهذا هُوَ المَوْقِفُ وعَرَفَةُ كُلّها مَوْقِفٌ،
ـــــــ
باب مَا جاءَ أَنّ عَرَفَةَ كُلّها مَوْقِف
قوله: "هذه عرفة" هي اسم لبقعة معروفة "وعرفة كلها موقف" أي إلا بطن

(3/625)


ثمّ أَفاضَ حِينَ غَرَبَتِ الشمسُ وأرْدَفَ أسَامَةَ بنَ زَيْدٍ وجَعَل يُشيرُ بِيَدِهِ على هينته والنّاسُ يَضْرِبُونَ يَميناً وشِمَالاً يَلْتَفِتُ إليهم ويقولُ: يا أيّها النّاسُ عَلَيْكُمُ السّكِينَةُ. ثمّ أتَى جَمْعاً فَصَلّى بهم الصّلاَتَيْنِ جَميعاً فَلَمّا أصْبَحَ أَتَى قُزَحَ فوَقَفَ عليه وقال: هذا قزَحُ وهُوَ المَوْقِفُ وجَمْعٌ كُلّها مَوْقِفٌ ثمّ أفَاضَ حتى انتهَى إلى وادِي مُحَسّرٍ فَقَرَعَ ناقَتَهُ فَخَبّتْ حتى جاوَزَ الْوَادي، فَوَقفَ وأَرْدَفَ الفَضْلَ ثم أتى الجَمْرَةَ
ـــــــ
عرفة "ثم أفاض" أي دفع من عرفة "وأردف أسامة بن زيد" أي جعله رديفه، وفيه جواز الإرداف إذا كانت الدابة مطيقة، وقد تظاهرت به الأحاديث "على هيئته" بفتح الهاء وسكون التحتية وفتح الهمزة أي حال كونه صلى الله عليه وسلم على هيئته وسيره المعتاد، ووقع في بعض النسخ على حمنته قال السيوطي في قوت المغتذي: بضم الحاء المهملة ثم ميم ساكنة ثم نون أي على عادته في السكون والرفق قاله أبو موسى المديني، وفي رواية غير المصنف على هيئته بفتح الهاء والهمزة مكان النون أي على سيره المعتاد. انتهى كلام السيوطي وفي بعض النسخ على هينته قال أبو الطيب في شرح الترمذي: بكسر الهاء ثم مثناة تحتية ساكنة ثم نون وهو حال أي حال كونه على عادته في السكون والرفق انتهى "والناس يضربون" زاد أبو داود: الإبل "يلتفت إليهم" في رواية أبي داود: لا يلتفت إليهم بزيادة لا، قال المحب الطبري: قال بعضهم: رواية الترمذي بإسقاط لا، أصح. وقد تكررت هناك على بعض الرواة من قوله شمالاً، كذا في قوت المغتذي قال أبو الطيب: وعلى تقدير صحتها معناه: لا يلتفت إلى مشيهم ولا يشاركه فيه . وعلى تقدير الإسقاط حال كونه يلتفت إليهم ويقول لهم الخ، "عليكم السكينة" بالنصب على الأعزاء قال السيوطي "ثم أتى جمعاً" بفتح الجيم وسكون الميم هو علم للمزدلفة اجتمع فيه آدم وحواء لما أهبطا كذا في المجمع "أتى قزح" بفتح القاف وفتح الزاء وحاء مهملة اسم جبل بالمزدلفة وهو غير منصرف للعدل والعلمية "إلى وادي محسر" بضم الميم وفتح الحاء المهملة وتشديد السين المهملة وكسرها، قال النووي: سمي بذلك لأن فيل أصحاب الفيل حسر فيه أي أعي وكل، ومنه قوله تعالى {يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ} "فقرع ناقته" أي ضربها بمقرعة بكسر الميم وهو السوط "فخبت" من الخبب محركة وهو ضرب من العدو "حتى جاوز الوادي" قيل

(3/626)


فَرَمَاهَا ثم أتى المَنْحَرَ فقالَ هذا المَنْحَرُ ومِنًى كُلّها منحرٌ. واسْتَفْتَتْهُ جَارِيَةٌ شابّةٌ منْ خَثْعَمٍ فقالتْ: إنّ أبي شَيْخٌ كَبيرٌ قد أدْرَكَتْهُ فَريضَةُ الله في الحَجّ أفَيُجْزِيءُ أنْ أَحُجّ عَنْهُ. قالَ حُجّي عنْ أبِيكِ، قال: ولَوَى عُنُقَ الفَضْلِ، فقالَ العَبّاسُ يا رسولَ الله لِمَ لَوَيْتَ عُنُقَ ابنَ عَمّكَ؟ قالَ رَأيت شابّاً وشَابّةً فَلَمْ آمَنِ الشّيْطَانَ عَلَيْهِما. ثم أَتاه رَجُلٌ فقالَ يا رسولَ الله إنّي أَفَضْتُ قَبْلَ أنْ أحْلِقَ قالَ: احْلِقْ أوْ قَصّرْ ولا حَرَجَ. قالَ وجاءَ آخَرُ فقالَ يا رسولَ الله إِنّي ذَبَحْتُ قَبْلَ أنْ أَرْمِيَ، قالَ: ارْمِ ولا حَرَجَ. قالَ: ثمّ أَتَى البَيْتَ فَطَافَ بهِ ثُمّ أتَى زَمْرَمَ فقالَ يا بَني عَبْدِ المُطّلبِ لَوْلا أنْ يَغْلِبَكُمْ النّاسُ عنه لَنَزْعت".
قال: وفي البابِ عنْ جابرٍ.
قال أبو عيسى: حديثُ عَلِي حديثٌ حسنٌ صحيحٌ لا نَعْرِفُهُ منْ حَديثِ عَلي إلاّ مِنْ هذا الوَجْهِ مِنْ حَديثِ عبدِ الرّحمَن بنِ الحَارِثِ بنِ عَيّاشٍ وقد رَوَاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ عن الثّوْرِيّ مِثْلَ هذا. والعملُ على هذا عِنْدَ أَهْلِ العِلمِ
ـــــــ
الحكمة في ذلك أنه فعله لسعة الموضع، وقيل لأن الأودية مأوى الشياطين، وقيل لأنه كان موقفاً للنصارى فأحب الإسراع فيه مخالفة لهم، وقيل لأن رجلاً اصطاد فيه صيداً فنزلت نار فأحرقته فكان إسراعه لمكان العذاب كما أسرع في ديار ثمود قاله السيوطي "ولوى عنق الفضل" أي صرف عنقه من جانب الجارية إلى جانب آخر "لولا أن يغلبكم عليه الناس لنزعت" قال النووي: معناه لولا خوفي أن يعتقد الناس ذلك من مناسك الحج فيزدحمون عليه بحيث يغلبونكم ويدفعونكم عن الاستقاء لاستقيت معكم لزيادة فضيلة هذا الاستقاء. وقال بعضهم: لولا يغلبكم أي قصداً للإتباع لنزعت أي أخرجت الماء وسقيته الناس كما تفعلون أنتم، قاله حثاً لهم على الثبات.
قوله: "وفي الباب عن جابر" أخرجه مسلم والترمذي. قوله "حديث علي حديث حسن صحيح" وأخرجه أبو داود مختصراً قوله

(3/627)


قد رَأوْا أنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الظّهْرِ والعَصْرِ بِعَرَفَةَ في وَقْتِ الظّهْرِ. وقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: إذَا صَلّى الرّجُلُ في رَحْلِهِ ولَمْ يَشْهَدِ الصّلاةَ مع الإمَامِ إن شَاء جَمَعَ هُوَ بَيْنَ الصّلاتَيْنِ مِثْلَ مَا صَنَعَ الإمامُ قال وزَيْدُ بنُ عَلِي هُوَ ابنُ حُسَيْنِ بنِ عَلِي بنِ أبي طَالِبٍ.
ـــــــ
"وقال بعض أهل العلم إذا صلى الرجل في رحله الخ" قال الإمام البخاري في صحيحه: وكان ابن عمر إذا فاتته الصلاة مع الإمام جمع بينهما انتهى. قال الحافظ في الفتح: وصله إبراهيم الحربي في المناسك له قال: حدثنا الحوضي عن همام أن نافعاً حدثه أن ابن عمر كان إذا لم يدرك الإمام يوم عرفة جمع بين الظهر والعصر في منزله. وأخرج الثوري في جامعه رواية عبد الله بن الوليد العدني عنه عن عبد العزيز بن أبي رواد عن نافع مثله. وأخرجه ابن المنذر من هذا الوجه، وبهذا قال الجمهور. وخالفهم في ذلك النخعي والثوري وأبو حنيفة فقالوا يختص الجمع بمن صلى مع الإمام، وخالف أبا حنيفة في ذلك صاحباه والطحاوي، ومن أقوى الأدلة لهم صنيع ابن عمر هذا. وقد روى حديث جمع النبي صلى الله عليه وسلم بين الصلاتين وكان مع ذلك يجمع وحده فدل على أنه عرف أن الجمع لا يختص بالإمام، ومن قواعدهم أن الصحابي إذا خالف ما روى دل على أن عنده بأن مخالفه أرجح تحسيناً للظن به فينبغي أن يقال هذا ههنا انتهى كلام الحافظ.
قوله: "وزيد بن علي هو ابن حسين بن علي بن أبي طالب" المدني أحد أئمة أهل البيت ثقة من الرابعة وهو الذي ينسب إليه الزيدية خرج في خلافه هشام بن عبد الملك فقتل بالكوفة سنة اثنتين وعشرين ومائة كذا في التقريب، والخلاصة

(3/628)


55 ـ باب ما جَاءَ في الإفَاضَةِ مِنْ عَرَفَات
887 ـ حدثنا محمودُ بنُ غَيْلاَنَ، حدثنا وَكِيعٌ و بِشْرُ بنُ السّرِيّ و أبو نُعَيْمٍ قالوا حدثنا سُفْيَانُ بنُ عُيَيْنَةَ عن أبي الزّبَيْرِ عن جَابِرٍ "أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم أَوْضَعَ في وَادِي مُحَسّرٍ. وزَادَ فيهِ بِشْرٌ:
ـــــــ
باب ما جَاءَ في الإفَاضَةِ مِنْ عَرَفَات
قوله: "أوضع" وضع البعير يضع وضعاً وأوضعه راكبه أيضاعاً إذا حمله على سرعة السير كذا في النهاية "في وادي محسر" تقد ضبط في الباب المتقدم.

(3/628)


"وأَفَاضَ مِنْ جَمْعٍ وعَلَيْهِ السّكِينَةُ وأَمَرَهُم بالسّكِينَةِ". وزَادَ فيهِ أَبُو نُعَيْمٍ: "وأَمَرَهُم أَنْ يَرْمُوا بِمِثْلِ حَصَا الخَذْفِ. وقالَ لَعَلّي لا أَرَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هذَا" ".
"قال" : وفي البابِ عن أُسَامَةَ بنِ زَيْدٍ.
قال أبو عيسى: حديثُ جَابِرٍ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
قال الأزرقي: وهو خمس مائة ذراع وخمسة وأربعون ذراعاً، وإنما شرع الإسراع فيه لأن العرب كانوا يقفون فيه ويذكرون مفاخر آبائهم فاستحب الشارع مخالفتهم "وأفاض من جمع" أي من المزدلفة "وعليه السكينة" جملة حالية "وأمرهم بالسكينة" وفي حديث أسامة الذي أشار إليه الترمذي وفي هذا الباب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أفاض من عرفات كان يسير العنق وإذا وجد فجوة نص، وفي حديث الفضل بن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في عشية عرفة وغداة جمع للناس حين دفعوا: عليكم بالسكينة وهو كاف ناقته . رواه أحمد ومسلم. وفي هذه الأحاديث كيفية السير في الدفع من عرفات إلى مزدلفة لأجل الاستعجال للصلاة لأن المغرب لا تصلى إلا مع العشاء بالمزدلفة فيجمع بين المصلحتين من الوقار والسكينة عند الزحمة ومن الإسراع عند عدم الزحام "وأمرهم أن يرموا مثل حصا الخذف" بفتح الخاء المعجمة وسكون الذال المعجمة وبالفاء قال العلماء: حصى الخذف كقدر حبة الباقلاء.
قوله: "حديث جابر حديث حسن صحيح" أخرجه الخمسة كذا في المنتقى

(3/629)


باب ما جاء في الحمع بين المغرب والعشاء
...
56 ـ باب ما جَاءَ في الجَمْعِ بَيْنَ المغربِ والعِشَاءِ بالمُزْدَلِفَة
888 ـ حدثنا محمدُ بنُ بَشّارٍ، حدثنا يَحْيَى بن سَعِيدٍ القَطّانُ حدثنا سُفْيَانُ الثّوْرِيّ عن أبي إسْحاقَ عن عبدِ الله بنِ مَالِكٍ: " أنّ ابنْ عُمَر صَلّى بِجَمْعٍ فَجَمَعَ بَيْنَ الصّلاَتْينِ بإِقَامَةٍ وقالَ: رَأَيْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فَعَلَ مِثْلَ هذا في هذا المكَانِ".
ـــــــ
باب ما جَاءَ في الجَمْعِ بَيْنَ المغربِ والعِشَاءِ بالمُزْدَلِفَة
قوله: "عن عبد الله بن مالك" بن الحارث الهمداني روى عن علي وابن عمر وعنه أبو إسحاق السبيعي وأبو روق الهمداني ذكره ابن حبان في الثقات كذا في تهذيب التهذيب "صلى بجمع" أي بالمزدلفة "فجمع بين الصلاتين بإقامة" استدل به

(3/629)


889 ـ حدثنا محمدُ بنُ بَشّارٍ حدثنا يَحْيَى بنُ سَعيدٍ عن إسماعيلَ بنِ أبي خَالِدٍ عن أبي إسْحاقَ عن سَعِيد بن جُبَيْرٍ عن ابنِ عُمَر عن النبيّ صلى الله عليه وسلم بِمِثْلهِ: قالَ محمدُ بن بَشّارٍ قالَ يَحْيَى: والصّوابُ حديثُ سُفْيَانَ.
قال: وفي البابِ عن عَلِي وأبي أيّوبَ وعبدِ الله بنِ مَسْعُودٍ وجَابِرٍ وأُسَامَةَ بنِ زَيْدٍ.
قال أبو عيسى: حَدِيثُ ابنِ عُمَر في رِوَايَةِ سُفْيَانَ أَصَحّ مِنْ رِوَايَةِ إسماعيلَ بنِ أَبي خَالِدٍ. وحَديِثُ سُفْيَانَ حديثٌ حسنٌ صحيح.
. قال: وَرَوَى إسْرَائيلُ هذَا الحَدِيثَ عن أبي إسْحاقَ عن عبدِ الله وخَالِدٍ ابْنَىْ مَالِكٍ عن ابنِ عُمَر. وحَدِيثُ سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ عن ابنِ عُمَر هُوَ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. أيْضاً رَوَاهُ سَلَمَةُ بنُ كُهَيْلٍ عن سَعِيدِ بنُ جُبَيْرٍ. وأَمّا أَبُو إسحاقَ فإنما روى عن
ـــــــ
من قال بالجمع بين الصلاتين في المزدلفة بإقامة واحدة، وهو قول سفيان الثوري كما صرح به الترمذي.
قوله: "وفي الباب عن علي وأبي أيوب وعبد الله بن مسعود وجابر وأسامة بن زيد" أما حديث علي فلينظر من أخرجه. وأما حديث أبي أيوب فأخرجه البخاري ومسلم عنه أنه صلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع المغرب والعشاء بالمزدلفة، ورواه الطحاوي في شرح معاني الآثار وزاد: بإقامة واحدة. وأما حديث عبد الله بن مسعود فأخرجه البخاري موقوفاً عليه وأما حديث جابر فأخرجه مسلم مطولاً في قصة حجة الوداع وفيه: حتى أتى المزدلفة فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين ولم يسبح بينهما . وأما حديث أسامة بن زيد فأخرجه البخاري ومسلم. وفي الباب أحاديث أخرى ذكرها العيني في عمدة القاري والطحاوي في شرح الآثار.
قوله: "حديث ابن عمر رواية سفيان أصح من رواية إسماعيل بن أبي خالد وحديث سفيان حديث حسن صحيح" حديث ابن عمر في الجمع بين المغرب والعشاء بالمزدلفة بإقامة واحدة متفق عليه

(3/630)


عَبْدِ الله وخَالِدِ ابَنَيْ مَالِكٍ عن ابنِ عُمَر والعملُ على هذا عِنْدَ أهلِ العلمِ لأنه لا تُصَلّى صلاةَ المَغْرِبِ دُونَ جَمْعٍ، فإِذَا أَتَى جَمْعاً وهُوَ المُزْدَلِفَةُ جَمَعَ بَيْنَ الصّلاَتَيْنِ بإِقَامَةٍ واحِدَةٍ ولَمْ يَتَطَوّعْ فِيمَا بَيْنَهُمَا وهُوَ الذي اخْتَارَهُ بَعْضُ أهِلِ العلمِ وذَهَب إليهِ، وهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثّوْرِيّ قالَ سُفْيَانُ: وإن شَاءَ صَلّى المَغْرِبَ ثم تَعَشّى وَوَضَعَ ثِيَابَهُ ثم أَقَامَ فَصَلّى العِشَاءَ.
ـــــــ
قوله: "والعمل على هذا عند أهل العلم أنه لا يصلي صلاة المغرب دون جمع" قال العيني: قال شيخنا زين الدين رحمه الله: كأنه أراد أن العمل عليه مشروعية واستحباباً لا تحتما ولا لزوماً، فإنهم لم يتفقوا على ذلك بل اختلفوا فيه فقال سفيان الثوري: لا يصليهما حتى يأتي جمعاً وله السعة في ذلك إلى نصف الليل فإن صلاهما دون جمع أعاد، وكذا قال أبو حنيفة: إن صلاهما قبل أن يأتي المزدلفة فعليه الإعادة وسواء صلاهما قبل مغيب الشفق أو بعده عليه أن يعيدهما إذا أتى المزدلفة. وقال مالك: لا يصليهما أحد قبل جمع إلا من عذر. فإن صلاهما من عذر لم يجمع بينهما حتى يغيب الشفق وذهب الشافعي إلى أن هذا هو الأفضل. وأنه إن جمع بينهما في وقت المغرب أو في وقت العشاء بأرض عرفات أو غيرها أو صلى كل صلاة في وقتها جاز لذلك، وبه قال الأوزاعي وإسحاق بن راهويه وأبو ثور وأبو يوسف وأشهب، وحكاه النووي عن أصحاب الحديث، وبه قال من التابعين عطاء وعروة وسالم والقاسم وسعيد بن جبير انتهى "فإذا أتى جمعاً وهو المزدلفة جمع بين الصلاتين بإقامة واحدة ولم يتطوع فيما بينهما وهو الذي اختاره بعض أهل العلم وذهبوا إليه، وهو قول سفيان الثوري". قال العيني في العمدة: الذي قال بإقامة واحدة قال بحديث الزهري عن سالم عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع بين المغرب والعشاء بجمع بإقامة واحدة. وكذا رواه ابن عباس مرفوعاً عند مسلم انتهى "قال سفيان وإن شاء صلى المغرب ثم تعشى ووضع ثيابه ثم أقام فصلى العشاء" روى البخاري في صحيحه عن عبد الرحمَن بن يزيد يقول: حج عبد الله يعني ابن مسعود رضي الله عنه فأتينا المزدلفة حين الأذان بالعتمة أو قريباً من ذلك فأمر رجلاً فأذن وأقام ثم صلى المغرب وصلى بعدها ركعتين ثم دعا بعشائه فتعشى ثم أمر فأذن وأقام، قال عمرو:

(3/631)


فقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلمِ: يَجْمَعُ بَيْنَ المَغْرِبِ والعِشَاءِ بالمُزْدَلِفَةَ بِأَذَانٍ وإقَامَتَيْنِ يُؤَذّنُ لِصَلاَةِ المَغْرِبِ ويُقيمُ ويُصَلّي المَغْرِبَ ثم يُقِيمُ ويُصَلّي العِشَاءَ، وهُوَ قَوْلُ الشّافِعيّ
ـــــــ
ولا أعلم الشك إلا من زهير وصلى العشاء ركعتين الحديث. وهذا هو متمسك سفيان الثوري لكنه موقوف "وقال بعض أهل العلم" : يجمع بين المغرب والعشاء بالمزدلفة بأذان وإقامتين يؤذن لصلاة المغرب، ويقيم ويصلي المغرب. ثم يقيم ويصلي العشاء "وهو قول الشافعي" قال النووي في شرح مسلم: الصحيح عند أصحابنا أنه يصليهما بأذان للأولى وإقامتين لكل واحدة إقامة. وقال في الإيضاح إنه الأصح كذا في العمدة. قلت: وهو المختار عندي، ويدل عليه حديث جابر الطويل في قصة حجة الوداع أخرجه مسلم وفيه حتى أتى المزدلفة فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين ولم يسبح بينهما شيئاً. وفي هذه المسألة أقوال أخرى ذكرها العيني في عمدة القاري منها هذا الذي ذكره الترمذي قال العيني: الثالث أنه يؤذن للأولى ويقيم لكل واحدة منهما وهو قول أحمد بن حنبل في أصح قوليه، وبه قال أبو ثور وعبد الملك بن الماجشون من المالكية والطحاوي، وقال الخطابي هو قول أهل الرأي. وذكر ابن عبد البر أن الجوزجاني حكاه عن محمد بن الحسن عن أبي يوسف عن أبي حنيفة رحمه الله. قال الرابع أنه يؤذن للأولى ويقيم لها ولا يؤذن للثانية ولا يقيم لها، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف حكاه النووي وغيره. قال هذا هو مذهب أصحابنا، وعند زفر: بأذان وإقامتين، قال الخامس أنه يؤذن لكل منهما ويقيم. وبه قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه وعبد الله بن مسعود رضي الله عنه وهو قول مالك وأصحابه إلا ابن الماجشون وليس لهم في ذلك حديث مرفوع، قاله ابن عبد البر انتهى كلام العيني. قلت: روى البخاري في صحيحه عن ابن مسعود الجمع بين المغرب والعشاء بالمزدلفة بأذان وإقامة لكل منهما من فعله، وقد تقدم لفظه، وقد روى ذلك الطحاوي بإسناد صحيح من فعل عمر رضي الله عنه قال الحافظ في الفتح: وقد أخذ بظاهره مالك وهو اختيار البخاري

(3/632)


57ـ باب ما جَاءَ فيمن أدْرَكَ الإمَامَ بِجَمْعٍ فَقَدْ أدْرَكَ الحَج
890 ـ حدثنا محمدُ بنُ بَشّارٍ حدثنا يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ وعَبْدُ الرحمَنِ بنُ مَهْدِي قالا حدثنا سُفْيَانُ عن بُكَيْرٍ بنِ عَطَاءٍ عن عبدِ الرحمَنِ بنِ يَعْمَرَ "أنّ نَاساً مِنْ أهْلِ نَجْدٍ أتَوْا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وهُوَ بعَرَفَةَ فَسَأَلُوهُ فَأَمَرَ مُنَادِياً فَنَادَى: الحَجّ عَرَفَةُ. مَنْ جَاءَ لَيْلَةَ جَمْعٍ قَبْلَ طُلُوعِ الفَجْرِ فَقَدْ أدْرَكَ الحَجّ، أيامُ مِنًى ثَلاَثَةٌ فَمَنْ تَعَجّلَ في يَوْمَيْنِ فَلاَ
ـــــــ
"باب ما جاء من أدرك الإمام بجمع فقد أدرك الحج"
الجمع بفتح الجيم وسكون الميم علم للمزدلفة اجتمع فيها آدم وحواء لما أهبطا كذا في المجمع، أي من أدرك الإمام بالمزدلفة وقد وقف بعرفة فقد أدرك الحج.
قوله: "عن عبد الرحمَن بن يعمر" بفتح التحتانية وسكون العين المهملة وفتح الميم ويضم غير منصرف قال الحافظ: صحابي نزل بالكوفة ويقال مات بخراسان.
قوله: "فسألوه" وفي رواية أبي داود: فجاء ناس أو نفر من أهل نجد فأمروا رجلاً فنادى رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف الحج "الحج عرفة" أي الحج الصحيح حج من أدرك يوم عرفة قاله الشوكاني . وقال الشيخ عز الدين عبد السلام: تقديره إدراك الحج وقوف عرفة لأنه يفوت بفواته "من جاء ليلة جمع" أي ليلة المبيت بالمزدلفة وهي ليلة العيد "قبل طلوع الفجر" أي فجر يوم النحر أي من جاء عرفة ووقف فيها ليلة المزدلفة قبل طلوع فجر يوم النحر وأورد صاحب المشكاة هذا الحديث بلفظ: من أدرك عرفة ليلة جمع قبل طلوع الفجر "فقد أدرك الحج" أي لم يفته وأمن من الفساد. وفيه رد على من زعم أن الوقوف يفوت بغروب الشمس يوم عرفة ومن زعم أن وقته يمتد إلى ما بعد الفجر إلى طلوع الشمس فظاهره أنه يكفي الوقوف في جزء من أرض عرفة ولو في لحظة لطيفة في هذا الوقت. وبه قال الجمهور. وحكى النووي قولاً أنه لا يكفي الوقوف ليلاً ومن اقتصر عليه فقد فاته الحج، والأحاديث الصحيحة ترده "أيام منى ثلاثة" مبتدأ وخبر يعني أيام منى ثلاثة أيام وهي الأيام المعدودات وأيام التشريق وأيام رمي الجمار وهي الثلاثة التي بعد يوم النحر وليس يوم النحر منهم

(3/633)


باب ما جاء في التقديم الضعفة من جمع بليل
...
58 ـ باب ما جاءَ في تَقْدِيمِ الضّعفَةِ مِنْ جَمْعٍ بِلَيْل
893 ـ حدثنا قُتَيْبةُ، حدثنا حَمّادُ بنُ زَيْدٍ عن أيّوبَ عن عِكْرِمَةَ عن ابنِ عَبّاسٍ قالَ "بَعَثَني رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في ثَقَلٍ مِنْ جَمْعٍ بِلَيْلٍ".
"قال" : وفي البابِ عن عائِشَةَ وأُمّ حَبِيبَةَ وأسْمَاءَ بنت أبي بكر والفَضْلِ "بن عباس".
قال أبو عيسى: حديثُ ابنِ عَبّاسٍ "بَعَثَنِي رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في ثَقَلٍ" حديثٌ صحيحٌ رُوِيَ عنهُ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ. ورَوَى شُعْبَةُ هذا الحَديِثَ عن مُشَاشٍ عن عَطَاءٍ عن ابنِ عبّاسٍ "أنّ النبيّ صلى الله
ـــــــ
باب ما جاءَ في تَقْدِيمِ الضّعفَةِ مِنْ جَمْعٍ بِلَيْل
ومشاش بصري روى عنه شعبة.
قوله: "في ثقل" بفتح الثاء المثلثة والقاف متاع المسافر وحشمه و "من جمع" أي المزدلفة "بليل" قال الطيبي: يستحب تقديم الضعفة لئلا يتأذوا بالزحام "وفي الباب عن عائشة" قالت: كانت سودة امرأة ضخمة ثبطة فاستأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تفيض من جمع بليل فاستأذن لها أخرجه الشيخان "وأم حبيبة" أخرجه مسلم بلفظ أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث بها من جمع بليل "وأسماء" أخرجه الشيخان "والفضل" أخرجه الترمذي.
قوله: "عن مشاش" بضم الميم وتكرار الشين المعجمة كذا في قوت المغتذي،

(3/636)


عليه وسلم قَدّمَ ضَعَفَةَ أهْلِهِ مِنْ جَمْعٍ بِلَيْلٍ" وهذا حديثٌ خَطَأٌ أخْطأَ فيهِ مُشَاشٌ وزَادَ فيه "عن الفَضْلِ بنِ عبّاسٍ". ورَوَى ابن جُرَيْجٍ وغَيْرُهُ هذا الحَدِيثَ عن عَطَاءٍ عن ابنِ عَبّاسٍ ولَمْ يَذْكُرُوا فيهِ "عن الفَضْلِ بنِ عَبّاسٍ"
894ـ حدثنا أبو كُرَيْبٍ حدثنا وَكِيعٌ عن المَسْعُودِيّ عن الحَكَمِ عن مِقْسَمٍ عن ابنِ عَبّاسٍ "أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قَدّمَ ضَعَفَةَ أهْلِهِ وقالَ: لا تَرْمُوا الجَمْرَةَ حَتّى تَطْلُعَ الشّمْسُ".
قال أبو عيسى: حديثُ ابنِ عَباسٍ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. والعملُ على هذا الحَدِيثِ عِنْدَ أهلِ العِلمِ، لَمْ يَرَوْا بأْساً أَنْ يَتَقَدّمَ الضّعَفَةُ مِنَ المُزْدَلِفَةِ بِلَيْلٍ يَصِيرُونَ إلى مِنًى.
وقالَ أكثرُ أهلِ العِلْمِ بحَدِيثِ النبيّ صلى الله عليه وسلم أَنّهُمْ لاَ يَرْمُونَ حَتّى تَطْلُعَ الشّمْسُ . وَرَخّصَ بعَضُ أَهْلِ العِلْمِ في أنْ يَرْمُوا بِلَيْلٍ. والعمَلُ على حَدِيثِ النبيّ صلى الله عليه وسلم أنهم لا يرمون وهُوَ قَوْلُ الثّوْريّ والشّافِعِيّ.
ـــــــ
وقال في التقريب: مشاش بمعجمتين أبو ساسان أو أبو الأزهر السلمي البصري أو المروزي وقيل هما اثنان مقبول من السادسة.
قوله: "قدم ضعفة أهله " بفتح الضاد المعجمة والعين المهملة جمع ضعيف وهم النساء والصبيان والخدم.
قوله: "عن مقسم" بوزن منبر، قال في التقريب: بكسر أوله، بن بجرة بضم الموحدة وسكون الجيم ويقال نجدة بفتح النون وبدال مولى عبد الله بن الحارث ويقال له مولى ابن عباس للزومة له صدوق وكان يرسل من الرابعة.
قوله: "لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس" فيه دليل على عدم جواز الرمى في الليل وعليه أبو حنيفة والأكثرون خلافاً للشافعي. والتقييد بطلوع الشمس لأن الرمى حينئذ سنة وما قبله بعد طلوع الفجر جائز اتفاقاً كذا في المرقاة.
قوله: "وهو قول الثوري والشافعي" احتج الشافعي بحديث أسماء، أخرج البخاري ومسلم عن عبد الله مولى أسماء عن أسماء أنها رمت الجمرة، قلت لها إنا رمينا الجمرة بليل، قالت: إنا كنا نصنع هذا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ويجمع بين هذا الحديث وبين حديث ابن عباس:

(3/637)


ـــــــ
الشمس بحمل الأمر على الندب ويؤيده ما أخرجه الطحاوي من طريق شعبة مولى ابن عباس عنه قال: بعثني النبي صلى الله عليه وسلم مع أهله وأمرني أن أرمي مع الفجر، قاله الحافظ في الفتح وقال فيه: وقال الحنفية لا يرمي جمرة العقبة، إلا بعد طلوع الشمس فإن رمى قبل طلوع الشمس وبعد طلوع الفجر جاز، وإن رماها قبل الفجر أعادها، وبهذا قال أحمد وإسحاق والجمهور، وزاد إسحاق ولا يرميها قبل طلوع الشمس، وبه قال النخعي ومجاهد والثوري وأبو ثور، ورأى جواز ذلك قبل طلوع الفجر عطاء وطاؤس والشعبي والشافعي، واحتج الجمهور بحديث ابن عمر أنه كان يقدم ضعفة أهله الحديث. وفيه فمنهم من يقدم منى لصلاة الفجر ومنهم من يقدم بعد ذلك فإذا قدموا رموا الجمرة وكان ابن عمر يقول: أرخص في أولئك رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ رواه البخاري ومسلم. واحتج إسحاق بحديث ابن عباس: لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس. انتهى كلام الحافظ

(3/638)


59ـ باب
895 ـ حدثنا عليّ بنُ خَشْرَمٍ حدثنا عيسىَ بنُ يُونُسَ عن ابنِ جُرْيجٍ عن أبي الزّبَيْرِ عن جَابِرٍ قالَ: "كانَ النبيّ صلى الله عليه وسلم يَرْمِي يَوْمَ النّحْرِ ضُحًى وأمّا بَعْدَ ذَلِكَ فَبَعْدَ زَوَالِ الشّمْسِ".
ـــــــ
باب
قوله: "يرمى يوم النحر ضحى" قال العراقي: الرواية فيه بالتنوين على أنه مصروف انتهى أي وقت الضحوة من بعد طلوع الشمس إلى ما قبل الزوال "وأما بعد ذلك" أي بعد يوم النحر وهو أيام التشريق "بعد زوال الشمس" أي فيرمي بعد الزوال، وفيه دليل على أن السنة أن يرمى الجمار في غير يوم الأضحى بعد الزوال وبه قال الجمهور، وخالف فيه عطاء وطاوس فقالا يجوز قبل الزوال مطلقاً. ورخص الحنفية في الرمي في يوم النفر قبل الزوال. وقال إسحاق: إن رمى قبل الزوال أعاد إلا في اليوم الثالث فيجزئه. كذا في فتح الباري. قلت: لا دليل على ما ذهب إليه عطاء وطاوس لا من فعل النبي صلى الله عليه وسلم ولا من قوله. وأما ترخيص الحنفية في الرمي في يوم النفر قبل الزوال فاستدلوا عليه بأثر ابن عباس رضي الله عنه وهو ضعيف فالمعتمد ما قال به الجمهور. قال في الهداية: وأما اليوم

(3/638)


قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. والعملُ عَلَى هذَا الحديث عِنْدَ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ أَنّهُ لاَ يَرْمِي بَعْدَ يَوْمِ النّحْرِ إلاّ بَعْدَ الزّوَالِ.
ـــــــ
الرابع فيجوز الرمي قبل الزوال عند أبي حنيفة خلافاً لهما ومذهبه مروى عن ابن عباس رضي الله عنه انتهى. قال ابن الهمام: أخرج البيهقي عنه: إذا انتفخ النهار من يوم النفر فقد حل الرمى والصدر والانتفاخ الارتفاع، وفي سنده طلحة بن عمرو ضعفه البيهقي. قال ابن الهمام: ولا شك أن المعتمد في تعيين الوقت للرمي في الأول من أول النهار وفيما بعده من بعد الزوال ليس إلا فعله كذلك مع أنه غير معقول ولا يدخل وقته قبل الوقت الذي فعله فيه عليه الصلاة والسلام، كما لا يفعل في غير ذلك المكان الذي رمى فيه عليه الصلاة والسلام وإنما رمى عليه الصلاة والسلام في الرابع بعد الزوال فلا يرمي قبله انتهى . قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه البخاري ومسلم

(3/639)


60 ـ باب ما جاءَ أَنّ الإفاضَةَ مِنْ جَمْعٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشّمْس
896 ـ حدثنا قُتَيْبةُ حدثنا أبوُ خَالِدٍ الأحْمَرُ عن الأعْمَشِ عن الحَكَمِ عن مِقْسَمٍ عن ابنِ عبّاسٍ: " أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم أَفَاضَ قَبْلَ طُلُوعِ الشّمْسِ".
قال: وفي البابِ عن عُمَر.
قال أبو عيسى: حديثُ ابنِ عبّاسٍ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وإنما كانَ أَهْلُ الجَاهِلِيّةِ يَنْتَظِرُونَ حَتّى تَطْلُعَ الشّمْسُ ثُم يُفِيضُونَ.
897 ـ حدثنا محمودُ بنُ غَيْلاَنَ حدثنا أبُو دَاوُدَ قالَ أَنْبَأَنَا شُعْبَةُ عن أبي إسْحاقَ قال سَمِعْتُ عَمْروَ بنَ مَيْمُونٍ يحدّث يَقُولُ: "كُنّا وُقُوفاً بِجَمْعٍ
ـــــــ
باب ما جاءَ أَنّ الإفاضَةَ مِنْ جَمْعٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشّمْس
الإضافة الدفعة
قوله: "أفاض قبل طلوع الشمس" وفي بعض النسخ أفاض من جمع قبل طلوع الشمس. قوله: "وفي الباب عن عمر رضي الله عنه" أخرجه البخاري والأربعة. قوله: "كنا وقوفاً" جمع واقف "بجمع" أي بالمزدلفة

(3/639)


فقالَ عُمرُ بنُ الخَطّابِ: إنّ المُشْرِكِينَ كانُوا لا يُفِيضُونَ حتى تَطْلُعَ الشّمْسُ وكانُوا يَقُولُونَ: أشْرِق ثَبِيْر، وإنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم خَالَفَهُمْ، فأَفَاضَ عُمَرُ قَبْلَ طُلُوعِ الشّمْسِ".
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
"إن المشركين كانوا لا يفيضون" أي من جمع "أشرق" بفتح أوله فعل أمر من الإشراق أي أدخل في الشروق والمشهور أن المعنى لتطلع عليك الشمس "ثبير" بفتح المثلثة وكسر الموحدة جبل معروف هناك وهو على يسار الذاهب إلى منى وهو أعظم جبال مكة عرف برجل من هذيل اسمه ثبير دفن فيه، والحديث فيه مشروعية الدفع من الموقف بالمزدلفة قبل طلوع الشمس عند الإسفار، وقد نقل الطبري الإجماع على أن من لم يقف فيها حتى طلعت الشمس فإنه الوقوف. قال ابن المنذر: وكان الشافعي وجمهور أهل العلم يقولون بظاهر هذا الحديث وما ورد في معناه، وكان مالك يرى أن يدفع قبل الإسفار وهو مردود بالنصوص

(3/640)


61 ـ باب ما جاءَ أَنّ الجِمَارَ التي يرمى بها مِثْلُ حَصَى الخَذْف
898 ـ حدثنا محمدُ بنُ بَشّارٍ، حدثنا يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ القَطّانُ حدثنا ابنُ جُرَيْجٍ عن أبي الزّبَيْرِ عن جَابِرٍ قالَ: "رَأَيْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يَرْمِي الجِمَارَ بِمِثْلِ حَصَى الخَذْفِ".
قال: وفي البابِ عن سُلَيْمانَ بنِ عَمْروِ بنِ الأحْوَصِ عن أُمّه "وهِيَ أُمّ جُنْدُبٍ الأزَدِيةُ" وابنِ عَبّاسٍ والفَضْلِ بنِ عَبّاسٍ وعبدِ الرحمَن بنِ عُثْمانَ التميمي وعَبْدِ الرحمَنِ بنِ مُعَاذٍ.
ـــــــ
"باب ما جاء أن الجمار التي ترمي مثل حصى الخذف"
أي صغاراً كالباقلاء
قوله: "يرمي الجمار بمثل حصى الحذف " قال العلماء: هو نحو حبة الباقلاء. قاله النووي: وقال: قال أصحابنا: ولو رمى بأكبر منها أو أصغر جاز، وكان مكروهاً انتهى. قوله: "وفي الباب عن سلميان بن عمرو بن الأحوص عن أمه وهي أم جندب الأزدية" صحابية وابنها سليمان كوفي مقبول من الثانية "وابن عباس والفضل جندب الأزدية" صحابية وابنها سليمان كوفي مقبول من الثانية "وابن عباس والفضل ابن عباس وعبد الرحمَن بن عثمان التيمي وعبد الرحمَن بن معاذ" أما حديث أم

(3/640)


قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وهُوَ الذي اخْتَارَهُ أَهْلُ العِلْمِ أَنْ تَكُونَ الجِمَارُ التي يرْمَى بها مِثْلَ حَصَى الخَذْفِ.
ـــــــ
جندب فأخرجه أبو داود وابن ماجه. وأما حديث ابن عباس فأخرجه النسائي وبان ماجه. وأما حديث الفضل بن عباس فأخرجه مسلم وفيه: عليكم بحصى الخذف الذي ترمي به الجمرة. وفي رواية أخرى له: والنبي صلى الله عليه وسلم يشير بيده كما يخذف الإنسان وأما حديث ابن عباس وحديث عبد الرحمَن بن عثمان وعبد الرحمَن بن معاذ فلينظر من أخرجهم. قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه مسلم

(3/641)


باب ما جاء في الرمي بعد الزوال
...
62 ـ باب ما جَاءَ في الرّمْيِ بَعْدَ زَوَالِ الشّمْس
899 ـ حدثنا أحمدُ بنُ عَبْدَةَ الضّبّيّ البَصْرِيّ، حدثنا زِيَادُ بنُ عَبْدِ الله عن الحَجّاجِ عن الحَكَمِ عن مِقْسَمٍ عن ابنِ عَبّاسٍ قالَ: "كانَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يَرْمِى الجِمَارَ إذَا زَالَتِ الشّمْسُ".
ـــــــ
باب ما جَاءَ في الرّمْيِ بَعْدَ زَوَالِ الشّمْس
قوله: "عن الحجاج" هو ابن دينار الواسطي "عن الحكم" هو ابن عتيبة "عن مقسم" بكسر الميم وسكون القاف ابن بجرة ابن نجدة. قوله: "يرمي الجمار إذا زالت الشمس" أي في غير يوم النحر لما روى مسلم وابن خزيمة وابن حبان من طريق ابن جريج أخبرني أبو الزبير عن جابر قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم رمى الجمرة ضحى يوم النحر وحده، ورمى بعد ذلك بعد زوال الشمس، والحديث يدل على أن السنة أن يرمي الجمار في غير يوم الأضحى بعد الزوال، وبه قال الجمهور، وخالف فيه عطاء وطاوس فقالا: يجوز قبل الزوال مطلقاً، ورخص الحنفية في الرمي في يوم النفر قبل الزوال، وقال إسحاق إن رمى قبل الزوال أعاد إلا في اليوم الثالث فيجزئه انتهى. كذا في فتح الباري: قلت: احتج الحنفية بما رواه البيهقي عن ابن عباس: إذا انتفخ النهار من يوم النفر فقد حل الرمي والصدر. قال الزيلعي في نصب الراية في سنده طلحة بن عمرو ضعفه البيهقي قال والانتفاخ الارتفاع انتهى. والحق ما ذهب إليه الجمهور. وفي الباب عن ابن عمر: كنا نتحين

(3/641)


قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ.
ـــــــ
فإذا زالت الشمس رمينا. رواه البخاري وأبو داود وعن عائشة قالت: أفاض رسول الله صلى الله عليه وسلم من آخر يوم حين صلى الظهر ثم رجع إلى منى فمكث بها ليالي أيام التشريق يرمي الجمرة إذا زالت الشمس الحديث. رواه أحمد وأبو داود. وأحاديث الباب كلها ترد على من قال بجواز الرمي قبل الزوال في غير يوم النحر.
قوله: "هذا حديث حسن" وأخرجه أحمد وابن ماجه أيضاً وإسناد ابن ماجه هكذا: حدثنا جبارة ابن المفلس حدثنا إبراهيم بن عثمان بن أبي شيبة أبو شيبة عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس

(3/642)


باب ما جاء في الرمى الجمار راكبا"
...
63ـ باب ما جَاءَ في رَمْيِ الجِمَارِ رَاكِباً وماشيا
900 ـ حدثنا أحمدُ بنُ مَنِيعٍ، حدثنا يَحْيَى بنُ زَكَرِيّا بنِ أَبي زَائِدَةَ حدثنا الحَجّاجُ عن الحَكَمِ عن مِقْسَمٍ عن ابنِ عَبّاسٍ "أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم رَمَى الجمْرةَ يَوْمَ النّحْرِ رَاكِباً".
قال: وفي البابِ عن جَابِرٍ وقُدَامَةَ بنِ عبدِ الله وأُمّ سُلَيْمانَ بنِ عَمْرِو بنِ الأحْوَصِ.
ـــــــ
باب ما جَاءَ في رَمْيِ الجِمَارِ رَاكِباً
قوله: "رمى الجمرة" أي جمرة العقبة. قوله "وفي الباب عن جابر" قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يرمي الجمرة على راحلته يوم النحر ويقول لتأخذوا عني مناسككم فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه. أخرجه أحمد ومسلم والنسائي "وقدامة بن عبد الله" بضم القاف وتخفيف الدال المهملة قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يرمي الجمرة يوم النحر على ناقة صهباء ليس ضرب ولا طرد وليس قيل إليك إليك . أخرجه الشافعي والترميذي والنسائي وابن ماجه والدارمي "وأم سليمان بن عمرو بن الأحوص" قالت: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يرمي الجمرة من بطن الوادي وهو راكب يكبر مع كل حصاة الحديث. أخرجه أبو داود وسكت عنه، وأخرجه ابن ماجه بنحوه قال المنذري: وفي إسناده يزيد بن أبي زياد قال: وقد تقدم الكلام عليه.

(3/642)


قال أبو عيسى: حديثُ ابنِ عَبّاسٍ حديثٌ حسنٌ. والعملُ عَلى هذا عِنْدَ بَعْضِ أهْلِ العِلْمِ. واخْتَارَ بَعْضُهُمْ أنْ يَمْشِيَ إلى الجِمَارِ، وقد روى عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يمشي إلى الجمار وَوَجْهُ هذا الحَدِيثِ عِنْدَنَا أَنّهُ رَكِبَ في بَعْضِ الأيّامِ لِيُقْتَدَى بِهِ في فِعْلِهِ، وكِلاَ الحَدِيثَيْنِ مُسْتَعْمَلٌ عِنْدَ أهْلِ العِلْمِ.
901 ـ حدثنا يُوسُفُ بنُ عِيسَى، حدثنا ابنُ نُمَيْرٍ عن عُبَيْدِ الله عن نَافِعٍ عن ابنِ عُمَرَ " أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم كانَ إذَا رَمَى الجِمَارَ مَشَى إلَيْهِا ذَاهِباً وَرَاجِعاً".
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. والعَمَلُ على هذَا عِنْدَ أكْثَرِ أَهْلِ العِلْمِ. وقالَ بَعْضُهُمْ يَرْكَبُ يَوْمَ النّحْرِ ويَمْشِي في الأيّامِ التي بَعْدَ يَوْمِ النّحْرِ.
قال أبو عيسى: وكَأَنّ مَنْ قالَ هذا إنّمَا أَرَادَ إتباع النبيّ صلى الله عليه وسلم في فِعْلِهِ لأنّهُ إنّما رُوِيَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أَنّهُ رَكِبَ يَوْمَ النّحْرِ حَيْثُ ذَهَبَ يَرْمِي الجِمَارَ ولاَ يَرْمِي يَوْمَ النّحْرِ إِلاّ جَمْرَةَ العَقَبَةِ.
ـــــــ
قوله: "حديث ابن عباس حديث حسن" وأخرجه ابن ماجه. قوله: "والعمل عليه عند بعض أهل العلم" قال النووي: مذهب مالك والشافعي وغيرهما أنه يستحب لمن وصل من راكباً أن يرمي جمرة العقبة يوم النحر راكباً، ولو رماها. ماشياً جاز، وأما من وصلها ماشياً فيرميها ماشياً وهذا في يوم النحر، وأما اليومان الأولان من أيام التشريق فالسنة أن يرمي فيهما جميع الجمرات ماشياً وفي اليوم الثالث يرمي راكباً وينفر، هذا كله مذهب مالك والشافعي وغيرهما. وقال أحمد وإسحاق: يستحب يوم النحر أن يرمي ماشياً. قال ابن المنذر: وكان ابن عمر وابن الزبير وسالم يرمون مشاة قال: وأجمعوا على أن الرمي يجزيه على أي حال رماه إذا وقع في المرمى انتهى كلام النووي

(3/643)


باب كيف ترمى الجمار
...
64ـ باب ما جاء كَيْفَ تُرْمَى الجِمَار
902 ـ حدثنا يُوسُفُ بنُ عِيسى، حدثنا وَكِيعٌ حدثنا المَسْعُودِيّ عن جَامِعِ بنِ شَدّادٍ أَبي صَخْرَةَ عن عَبْدِ الرحمَن بنِ يَزِيدَ قالَ: "لمّا أَتَى عَبْدُ الله جَمْرَةَ العَقَبَةِ اسْتَبْطَنَ الوَاديِ واسْتَقْبَلَ الكَعْبَةَ وجَعَلَ يَرْمِي الجَمْرَةَ على حَاجِبِهِ الأيْمَنِ ثُمّ رَمَى بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ يُكَبّرُ مَعَ كُلّ حَصَاةٍ ثُمّ قالَ: والله الذي لا إلَهَ ألاّ هو مِنْ هَهُنَا رَمَى الّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ البَقَرَةِ".
903- حدثنا هَنّادٌ حدثنا وَكِيعٌ عن المَسْعُودِيّ بهذا الإسْنَادِ نَحْوَهُ.
قال: وفي البابِ عن الفَضْلِ ابنِ عَبّاسٍ وابنِ عَبّاسٍ وابنِ عُمَرَ وَجَابِرٍ.
ـــــــ
باب ما جاء كَيْفَ تُرْمَى الجِمَار
قوله: "أخبرنا المسعودي" هو عبد الرحمَن بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الكوفي المسعودي صدوق اختلط قبل موته، وضابطه أن من سمع منه ببغداد فبعد الاختلاط مات سنة 160 ستين ومائة.
قوله: "لما أتى عبد الله" هو ابن مسعود رضي الله عنه "استبطن الوادي" أي قصد بطن الوادي ووقف في وسطه "واستقبل القبلة" كذا في رواية الترمذي وروى البخاري هذا الحديث وفيه. وجعل البيت عن يساره ومنى عن يمينه، وكذلك رواه مسلم قال الحافظ: ما رواه البخاري هو الصحيح وما رواه الترمذي شاذ في إسناده المسعودي وقد اختلط انتهى "يكبر مع كل حصاة" استدل به على اشتراط رمي الجمرات واحدة واحدة وقد قال صلى الله عليه وسلم "خذوا عني مناسككم"، وخالف في ذلك عطاء وصاحبه أبو حنيفة رحمه الله فقالا لو رمي السبع دفعة واحدة أجزأه "الذي أنزلت عليه سورة البقرة" خص سورة البقرة بالذكر لأن كثيراً من أفعال الحج مذكور فيها فكأنه قال هذا مقام الذي أنزلت عليه أحكام المناسك منبهاً بذلك على أن أفعال الحج توقيفية. وقيل خص البقرة بذلك لطولها وعظم قدرها وكثرة ما فيها من الأحكام، أو أشار بذلك إلى أنه يشرع الوقوف عندها بقدر سورة البقرة والله أعلم.
قوله: "وفي الباب عن الفضل بن عباس" أخرجه ابن جرير "وابن عباس"

(3/644)


قال أبو عيسى: حديثُ ابنِ مَسْعُودٍ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. والعملُ على هذا عِنْدَ أهْلِ العِلْمِ يَخْتَارُونَ أنْ يَرْمِيَ الرّجُلُ مِنْ بَطْنِ الوَادِي بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ يُكَبّرَ مَعَ كُلّ حَصَاةِ. وقد رَخّصَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ إِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ أَن يَرْمِيَ مِنْ بَطْنِ الوَادِي رَمَى مِنْ حَيْثُ قَدَرَ عَلَيهِ وإنْ لَمْ يَكَنْ في بَطْنِ الوَادِي.
ـــــــ
أخرجه ابن خزيمة والطبراني والحاكم والبيهقي كذا في شرح سراج أحمد "وابن عمر رضي الله عنه" أخرجه البخاري "وجابر" أخرجه مسلم ففي حديثه الطويل متى أتى الجمرة التي عند الشجرة فرماها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة رمى من بطن الوادي ثم انصرف إلى المنحر فنحر . قوله: "حديث ابن مسعود حسن صحيح" قال الحافظ في الفتح: في إسناده المسعودي وقد اختلط، قال ولفظ واستقبل القبلة فيه شاذ كما عرفت آنفاً.
قوله: "يختارون أن يرمي الرجل من بطن الوادي" قال النووي في شرح مسلم: في حديث ابن مسعود استحباب كون الرمي من بطن الوادي فيستحب أن يقف تحتها في بطن الوادي فيجعل مكة عن يساره ومنى عن يمينه ويستقبل العقبة والجمرة ويرميها بالحصيات السبع، وهذا هو الصحيح في مذهبنا وبه قال جمهور العلماء. وقال بعض أصحابنا: يستحب أن يقف مستقبل الجمرة مستديراً مكة. وقال بعض أصحابنا يستحب أن يقف مستقبل الكعبة وتكون الجمرة عن يمينه والصحيح الأول انتهى كلام النووي، قلت: من قال باستحباب استقبال القبلة وكون الجمرة عن اليمين استدل برواية الترمذي بلفظ: واستقبل القبلة وجعل يرمي الجمرة على حاجبه الأيمن. واحتج الجمهور القائلون باستحباب استقبال العقبة والجمرة برواية البخاري ومسلم عن ابن مسعود بلفظ: جعل البيت عن يساره ومنى عن يمينه . وقالوا إن رواية الشيخين مقدمة على رواية الترمذي "سبع حصيات ويكبر مع كل حصاة" قال النووي: استحباب التكبير مع كل حصاة هو مذهبنا ومذهب مالك والعلماء كافة. قال القاضي: وأجمعوا على أنه لو ترك التكبير لا شيء عليه.

(3/645)


904 ـ حدثنا نَصْرُ بنُ عليَ الجَهْضِميّ و عليّ بنُ خَشْرَمٍ قالا حدثنا عيسى بنُ يُونُسَ عن عُبَيْدِ الله بن أَبي زيادٍ عن القَاسِمِ بنِ مُحَمّدٍ عن عائشةَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "إِنّما جُعِلَ رَمْيُ الجِمَارِ وَالسّعْيُ بَيْنَ الصّفَا والمَرْوَةِ لإقامَةِ ذِكْرِ الله".
قال أبو عيسى: وهذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
قوله: "من ههنا رمى الذي أنزلت عليه سورة البقرة" خصها بالذكر لما فيها من أحكام الحج. قوله1 "وفي الباب عن الفضل بن عباس وابن عباس وابن عمر وجابر" أما حديث الفضل بن عباس فأخرجه أيضاً مسلم وغيره. وأما حديث ابن عمر رضي الله عنه فأخرجه مالك في الموطأ. قوله "حديث ابن مسعود حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان. قوله: "إنما جعل رمى الجمار والسعي بين الصفا والمروة لإقامة ذكر الله" أي لأن يذكر الله في هذه المواضع المتبركة فالحذر الحذر من الغفلة، وإنما خصا بالذكر مع أن المقصود من جميع العبادات هو ذكر الله تعالى لأن ظاهرهما فعل لا تظهر فيهما العبادة وإنما فيهما التعبد للعبودية بخلاف الطواف حول بيت الله والوقوف للدعاء فإن أثر العبادة لائحة فيهما كذا في المرقاة. قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه الدارمي
ـــــــ
1 قد وقع التكرار في العبارة من سهو الكاتب

(3/646)


65 ـ باب ما جاءَ في كَرَاهِيَةِ طَرْدِ النّاسِ عِنْدَ رَمْيِ الجِمَار
905 ـ حدثنا أَحمدُ بنُ مَنِيعٍ، حدثنا مَرْوَانُ بنُ مُعَاوَيَةَ عنْ أيْمَنَ بنِ نابِلٍ عنْ قُدَامَةَ بنِ عبدِ الله قالَ: "رَأَيْتُ النبيّ صلى الله عليه وسلم يَرْمِي الجِمَارَ على ناقَةٍ ليْسَ ضَرْبٌ ولا طَرْدٌ ولا إلَيْكَ إِلَيْكَ".
ـــــــ
باب ما جاءَ في كَرَاهِيَةِ طَرْدِ النّاسِ عِنْدَ رَمْيِ الجِمَار
قوله: "عن أيمن" بفتح الهمزة وسكون التحتية وفتح الميم "ابن نابل" بالنون وبالموحدة المكسورة صدوق يهم قاله الحافظ "عن قدامة بن عبد الله" بضم القاف وبالدال المهملة أسلم قديماً وسكن مكة ولم يهاجر وشهد حجة الوداع "ليس"

(3/646)


قال: وفي البابِ عَنْ عَبدِ الله بنِ حَنْظَلَةَ.
قال أبو عيسى: حَديثُ قُدَامَةَ بنِ عبدِ الله حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وإنّما يُعْرَفُ هذا الحديِثُ مِنْ هذا الوَجْهِ، وهُوَ حديث. وأَيْمَن بن نابِلٍ وهُوَ ثِقَةٌ عِنْدَ أَهْلِ الحَديثِ.
ـــــــ
أي هناك "ضرب ولا طرد ولا إليك إليك" أي تنح تنح وهو اسم فعل بمعنى تنح عن الطريق.
قوله: "وفي الباب عن عبد الله بن حنظلة" لينظر من أخرجه. قوله: "حديث قدامة بن عبد الله حديث حسن صحيح" وأخرجه الشافعي والنسائي وابن ماجه والدارمي

(3/647)


باب ما جاء في الأشتراك في البدنه والنقرة
...
66 ـ باب ما جَاءَ في الاشْتِرَاكِ في البَدَنَةِ والبَقَرَة
906 ـ حدثنا قُتَيْبةُ، حدثنا مالكُ بنُ أنَسٍ عنْ أبي الزّبَيْرِ عن جابرٍ قالَ: "نَحَرْنا مَعَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم عامَ الحُدَيْبِيّةِ البَقَرَةَ عن سَبْعَةٍ والبَدَنَةَ عن سَبْعَةٍ".
قال: وفي البابِ عن ابنِ عُمَرَ وأبي هُرَيْرَةَ وعائشةَ وابنِ عَبّاسٍ
ـــــــ
"باب ما جاء في الاشتراك في البدنة والبقرة"
قال في القاموس: البدنة محركة من الإبل والبقر. وقال في النهاية: البدنة تقع على الجمل والناقة والبقرة وهي بالإبل أشبه. وقال في الفتح: إن أصل البدن من الإبل وألحقت بها البقرة شرعاً.
قوله: "البقرة عن سبعة والبدنة عن سبعة" وفي رواية لمسلم: اشتركنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في الحج والعمرة كل سبعة منا في بدنة فقال رجل لجابر: أيشترك في البقر ما يشترك في الجزور فقال: ما هي إلا من البدن.
قوله: "وفي الباب عن ابن عمر وأبي هريرة وعائشة وابن عباس" أما حديث ابن عمر وأبي هريرة وعائشة فلينظر من أخرجه. وأما حديث ابن عباس فأخرجه الترمذي في هذا الباب. وفي الباب أيضاً عن حذيفة أنه صلى الله عليه وسلم أشرك بين المسلمين في البقرة عن سبعة رواه أحمد كذا في التلخيص.

(3/647)


قال أبو عيسى: حديثُ جَابِرٍ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. والعملُ على هَذا عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النبيّ صلى الله عليه وسلم وغَيْرِهِمْ يَرَوْنَ الجَزُورَ عن سَبْعَةٍ والبقَرَةَ عن سَبْعَةٍ. وهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثوْرِيّ والشّافِعِيّ وأَحمدَ. ورُوِيَ عنِ ابْنِ عبّاسٍ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: "أَنّ البَقَرَةَ عن سَبْعَةٍ والجَزُورَ عن عَشرةٍ". وهُوَ قَوْلُ إسحاقَ واحْتَجّ بهذا الحديثِ. وحديثُ ابن عبّاسٍ إنّما نَعْرِفُهُ منْ وجْهِ واحِدٍ.
907 ـ حدثنا الحُسَيْنُ بنُ حُرَيْثٍ وغَيْرُ واحِدٍ قالُوا حدثنا الفَضْلُ بنُ مُوسى عَنْ حُسَيْنِ بنِ واقِدٍ عنْ عِلْبَاء بنِ أَحْمرَ عن عِكْرِمَةَ عن ابنِ عَبّاسٍ قالَ: "كُنّا مَعَ النبيّ صلى الله عليه وسلم في سَفَرٍ فَحَضَر الأضْحى فاشْتَرَكْنَا في البَقرَةِ سبْعَةً وفي الجَزُورِ عَشْرَةً".
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ وهُوَ حَديثُ حُسَيْنِ بنِ واقِدٍ.
ـــــــ
قوله: "حديث جابر حديث حسن صحيح" وأخرجه مسلم. قوله: "وهو قول سفيان والثوري والشافعي وأحمد" وهو قول الحنفية، واحتجوا بحديث الباب وما في معناه "وروى عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم: أن البقرة عن سبعة والجزور عن عشرة" أسنده الترمذي فيما بعد بقوله حدثنا الحسين بن حريث الخ "وهو قول إسحاق" أي ابن راهويه "واحتج بهذا الحديث" ويشهد له ما في الصحيحين من حديث رافع بن خديج أنه صلى الله عليه وسلم قسم فعدل عشراً من الغنم ببعير

(3/648)


67 ـ باب ما جاءَ في إِشْعَارِ البُدْن
908 ـ حدثنا أبُو كُرَيْبٍ، حدثنا وَكيعٌ عن هِشَامٍ الدّسْتَوَائِيّ عن قَتَادَةَ عنْ أبي حَسّانَ الأعْرَجِ عن ابنِ عَبّاسٍ : "أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم
ـــــــ
"باب ما جاء في إشعار البدن"
قال الجزري في النهاية: إشعار البدن هو أن يشق أحد جنبي سنام البدئة حتى يسيل دمها ويجعل ذلك لها علامة تعرف بها أنها هدى انتهى. قال الحافظ:

(3/648)


قَلدَ نَعْلَيْنِ وأَشْعَرَ الهَدْيَ في الشّقّ الأيَمنِ بِذِي الحُلَيْفَةِ وأمَاطَ عَنْهُ الدّمَ".
قال: وفي البابِ عنِ المِسْوَرِ بنِ مَخْرَمَةَ.
قال أبو عيسى: حديثُ ابنِ عبّاسٍ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وأبُو حَسّانَ الأعْرَجُ اسْمُهُ مُسْلِمٌ. والعملُ على هذا عِنْدَ أهْلِ العِلمِ مِنْ أصْحَابِ النبيّ صلى الله عليه وسلم وغَيْرِهِمْ يَرَوْنَ الإشْعَارَ وهُوَ قَوْلُ الثوْرِيّ والشّافِعِيّ
ـــــــ
وفائدة الإشعار الإعلام بأنها صارت هدياً ليتبعها من يحتاج إلى ذلك، وحتى لو اختلطت بغيرها تميزت أوضلت عرفت أو عطبت عرفها المساكين بالعلامة فأكلوها مع ما في ذلك من تعظيم شعار الشرع وحث الغير عليه.
قوله: "قلد نعلين" أي علقهما وجعلهما في رقبة الهدى. قال العيني رحمه الله: التقليد هو تعليق نعل أو جلد ليكون علامة الهدى "وأشعر الهدي في شق الأيمن" وفي رواية مسلم: فأشعرها في صفحة سنامها الأيمن. قال النووي: صفحة السنام جانبه أي في جانب سنامها الأيمن "وأماط عنه الدم" أي مسحه وسلته عنه. والحديث أخرجه مسلم ولفظه هكذا: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر بذي الحليفة ثم دعا بناقته فأشعرها في صفحة سنامها الأيمن وسلت الدم وقلدها نعلين ثم ركب راحلته فلما استوت به على البيداء أهل بالحج انتهى.
قوله: "وفي الباب عن المسور بن مخرمة" أخرجه البخاري وفي الباب أيضاً عن عائشة أخرجه الشيخان. قوله: "حديث ابن عباس حديث حسن صحيح" وأخرجه مسلم. قوله: "اسمه مسلم" أي ابن عبد الله المشهور بكنيته صدوق رمى برأي الخوارج. قوله: "والعمل على هذا عند أهل العلم الخ". قال النووي: في هذا الحديث استحباب الإشعار والتقليد في الهدايا من الإبل، وبهذا قال جماهير العلماء من السلف والخلف. وقال أبو حنيفة: الإشعار بدعة لأنه مثلة وهذا يخالف الأحاديث الصحيحة المشهورة في الإشعار، وأما قوله إنها مثلة فليس كذلك بل هذا كالفصد والحجامة والختان والكي والوسم انتهى. قال الحافظ: وأبعد من منع الإشعار واعتل باحتمال أنه كان مشروعاً قبل النهي عن المثلة فإن النسخ لا يصار إليه بالاحتمال بل وقع الإشعار في حجة الوداع وذلك بعد النهي عن المثلة بزمان.

(3/649)


وأحمدَ وإسحاقَ، قالَ سَمِعْتُ يُوسُفَ بنَ عيسى يَقُولُ سَمِعْتُ وَكيعاً يقُولُ "حين رَوَى هذا الحديثَ قال" لا تَنْظُرُوا إلى قَوْلِ أَهْلِ الرّأْيِ في هذا فإنّ الإشْعَارَ سُنّة، وقَوْلَهُمْ بِدْعَةٌ. قالَ وسَمِعْتُ أبا السّائِبِ يقُولُ كُنّا عِنْدَ
ـــــــ
قوله: "قال سمعت يوسف بن عيسى" أي قال أبو عيسى سمعت يوسف بن عيسى وهو من شيوخ الترمذي ثقة فاضل من العاشرة "فقال لا تنظروا إلى قول أهل الرأي في هذا فإن الإشعار سنة وقولهم بدعة" قال أبو الطيب السندي في شرح الترمذي أشار بهذا إلى قول الإمام أبي حنيفة، قيل إن الإشعار عنده مكروه وقيل بدعة انتهى. وقال صاحب العرف الشذي: لفظ أهل الرأي ليس للتوهين بل يطلق على الفقيه إلا أن أول إطلاق هذا اللفظ على أبي حنيفة وأصحابه فإنه أول من دون الفقه قال ثم يستعمل لفظ أهل الرأي في كل فقيه انتهى. قلت: لا شك في أن مراد وكيع بأهل الرأي الإمام أبو حنيفة وأصحابه، يدل على ذلك قول وكيع الآتي أشعر: رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويقول أبو حنيفة هو مثله. وقول وكيع هذا وقوله: لا تنظروا إلى قول أهل الرأي الخ كلاهما للإنكار على الإمام أبو حنيفة في قوله الإشعار مثله أو مكروه، فأنكر وكيع بهذين القولين عليه وعلى أصحابه إنكاراً شديداً ورد عليه رداً بليغاً، وظهر من هذين القولين أن وكيعاً لم يكن حنفياً مقلداً للإمام أبي حنيفة، فإنه لو كان حنفياً لم ينكر عليه هذا الإنكار البتة. فبطل قول صاحب العرف الشذي أن وكيعاً كان حنفياً.
فإن قلت: قال الذهبي في تذكرة الحفاظ في ترجمة وكيع: قال يحيى: ما رأيت أفضل منه يعني من وكيع يقوم الليل ويسرد الصوم ويفتي بقول أبي حنيفة انتهى، فقول يحيى هذا يدل على أن وكيعاً كان حنفياً.
قلت: المراد بقوله: ويفتي بقول أبي حنيفة هو الإقتناء بجواز شرب نبيذ الكوفيين، فإن وكيعاً كان يشربه ويفتي بجوازه على قول أبي حنيفة. قال الذهبي في تذكرة الحفاظ: ما فيه أي ما في وكيع إلا شربه نبيذ الكوفيين وملازمته له جاء ذلك من غير وجه عنه انتهى. والحاصل أن المراد بقوله: يفتي بقول أبي حنيفة الخصوص لا العموم، ولو سلم أن المراد به العموم فلا شك أن المراد أنه كان يفتي بقول أبي حنيفة الذي ليس مخالفاً للحديث والدليل على ذلك قولاه المذكوران

(3/650)


وكيعٍ فقال: لِرَجُلٍ عنده مِمّنْ يَنْظُرُ في الرّأْي: أشعَرَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ويقُولُ أَبُو حَنِيفَةَ هُوَ مُثْلةٌ. قالَ الرّجُلُ فإنّهُ قد رُوِيَ عنْ إبراهيم النّخعّي أنّهُ قالَ الإشْعَارُ مُثْلةٌ. قالَ فرأيتُ وكيعاً غَضِبَ غَضَباً شَدِيداً وقالَ أقُولُ لكَ قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وتقُولُ قال إبراهيمُ؟ ما أحَقّكَ بأَنْ تُحْبَسَ ثمّ لا تَخْرُجَ حَتّى تَنْزِعَ عنْ قَوْلِكَ هذا.
ـــــــ
. وأما قول صاحب العرف الشذي: لفظ أهل الرأي يطلق على الفقيه وقوله يستعمل في كل فقيه ففيه أن هذا اللفظ لا يطلق على كل فقيه كما بيناه في المقدمة "فإن الإشعار سنة وقولهم بدعة" يعني أن الإشعار ثابت من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأما قول أهل الرأي بأن الإشعار مثلة فهو بدعة لم يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم، ولم يفهم صاحب العرف الشذي معنى هذه الجملة حيث قال: قوله بدعة الخ لم يصرح وكيع بأن هذا قول أبي حنيفة، وإذا ذكر قوله لم يقله بدعة إلا أنه لم يرض به انتهى كلامه بلفظه "ويقول أبو حنيفة هو مثلة" قال في النهاية: يقال مثلت بالحيوان أمثل به مثلاً، إذا قطعت أطرافه، وشوهت به، ومثلت بالقتيل إذا جدعت أنفه أو أذنه أو مذاكيره أو شيئاً من أطرافه، والاسم المثلة انتهى. ومعنى قول أبي حنيفة هو مثلة أي الإشعار داخل في المثلة والمثلة حرام فالإشعار حرام، ولا شك أن هذا القول مخالف لحديث الباب. والظاهر عندي أنه لم يبلغه رحمه الله تعالى. وأما العذر الذي ذكره الطحاوي وغيره فهو عندي بارد والله تعالى أعلم. "ما أحقك بأن تحبس" بصيغة المجهول، وما أحقك فعل التعجب "حتى تنزع عن قولك هذا" أي ترجع عنه، وإنما غضب وكيع على ذلك الرجل الذي كان ينظر في الرأي لأنه عارض الحديث النبوي بقول إبراهيم النخعي. وذكر صاحب العرف الشذي أن الإمام أبا يوسف قال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يحب الدباء فقال رجل إني لا أحبه فأمر أبو يوسف بقتل ذلك الرجل

(3/651)


68 ـ باب
909 ـ حدثنا قُتَيْبَةُ و أبُو سَعيدٍ الأشَجّ قالا: حدثنا يحيى بنُ اليَمانِ عنْ
ـــــــ
باب
قوله: "حدثنا ابن اليمان" اسمه يحيى العجلي الكوفي صدوق عابد يخطئ كثيراً

(3/651)


سُفْيانَ عن عُبَيْدِ الله عنْ نَافَعٍ عن ابنِ عُمَرَ " أَنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم اشْتَرَى هَدْيَهُ مِنْ قُدَيْدٍ".
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ غريبٌ لا نَعْرِفُهُ مِنْ حَديثِ الثّوْرِيّ إِلاّ مِنْ حَديثِ يَحْيى بنِ اليَمانِ. ورُوِيَ عنْ نَافِعٍ أنّ ابنَ عُمَرَ اشْتَرَى مِنْ قُدَيْدٍ.
قال أبو عيسى: وهذا أصَحّ.
ـــــــ
وقد تغير من كبار التاسعة "عن عبيد الله" هو ابن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب العمري المدني أبو عثمان ثقة ثبت قدمه أحمد بن صالح على مالك بن نافع.
قوله: "اشترى هديه من قديد" قال في النهاية: قديد مصغراً وهو موضع بين مكة والمدينة انتهى. قوله: "لا نعرفه من حديث الثوري إلا من حديث يحيى بن اليمان" وقد عرفت حاله "وهذا أصح" أي هذا الموقوف من المرفوع الذي رواه يحيى بن اليمان عن الثوري

(3/652)


69 ـ باب ما جاءَ في تَقْليدِ الهَدْيِ للِمْقيم
910 ـ حدثنا قُتَيْبةُ، اللّيْثُ عن عبدِ الرحمَنِ بنِ القاسمِ عن أبيهِ عنْ عَائِشَةَ أَنّهَا قالتْ: " فَتَلْتُ قَلاَئِدَ هَدْيِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ثمّ لَمْ يُحْرِمْ ولَمْ يَتْرُكْ شَيْئاً مِنَ الثّيَابِ".
ـــــــ
"باب ما جاء في تقليد الهدي للمقيم"
أي من غير أن يتلبس بالإحرام. والهدي ما يهدي إلى الكعبة من النعم لتنحر به، وتقليدها أن يجعل في رقابها شيء كالقلادة من لحاء الشجرة أو الصوف ونحو ذلك ليعلم أنها هدي.
قوله: "فتلت قلائد هدى رسول الله صلى الله عليه وسلم" قلائد جمع قلادة وهي ما تعلق بالعنق "ثم لم يحرم" أي لم يصر محرماً "ولم يترك شيئاً من الثياب" أي التي أحلها الله له، وفي رواية للبخاري من طريق عمرة بنت عبد الرحمَن أن زياد بن أبي سفيان كتب إلى عائشة أن عبد الله بن عباس قال: من أهدى هدياً حرم عليه ما يحرم على الحاج حتى ينحر هديه، قالت عمرة فقالت عائشة ليس كما قال ابن

(3/652)


قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. والعملُ على هذا عندَ بَعْض أهلِ العلمِ. قالوا: إِذَا قَلّدَ الرّجُلُ الهَدْيَ وهُوَ يُريدُ الحَجّ لَمْ يَحْرُمْ عليهِ شيءٌ مِنَ الثّيَابِ والطّيبِ حتّى يُحْرِمَ. وقال بعضُ أهلِ العلمِ: إِذَا قَلّدَ الرّجُلُ هَدْيَ فَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ مَا وجَبَ على المُحرِمِ.
ـــــــ
عباس، أنا فتلت قلائد هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي ثم قلدها رسول الله صلى الله عليه وسلم بيديه ثم بعث بها مع أبي فلم يحرم على رسول الله صلى الله عليه وسلم شيء أحله الله حتى نحر الهدي انتهى.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان.
قوله: "والعمل على هذا عند بعض أهل العلم قالوا إذا قلد الرجل الهدى وهو يريد الحج الخ" قال النووي: من بعث هديه لا يصير محرماً ولا يحرم عليه شيء مما يحرم على المحرم وهذا مذهبنا ومذهب العلماء كافة انتهى. "وقال بعض أهل العلم: إذا قلد الرجل الهدي فقد وجب عليه ما وجب على المحرم" وبه قال ابن عباس، وقد ثبت ذلك عن جماعة من الصحابة منهم ابن عمر. رواه ابن أبي شيبة عن ابن علية عن أيوب وابن المنذر من طريق ابن جريج كلاهما عن نافع: أن ابن عمر كان إذا بعث بالهدى يمسك عما يمسك عنه المحرم إلا أنه لا يلبي. ومنهم قيس بن سعد بن عبادة، أخرج سعيد بن منصور عن طريق سعيد بن المسيب نحو ذلك، وروى ابن أبي شيبة عن عمر وعلي أنهما قالا في الرجل يرسل ببدنة: أنه يمسك عما يمسك عنه المحرم وهذا منقطع. قال ابن المنذر: قال عمر وعلي وابن عمر وابن عباس والنخعي وعطاء وابن سيرين وآخرون: من أرسل الهدى وأقام حرم عليه ما يحرم على المحرم. وقال ابن مسعود وعائشة وأنس وابن الزبير وآخرون: لا يصير بذلك محرماً وإلى ذلك صار نقهاء الأمصار واحتج من قال بأنه يجب عليه ما يجب على المحرم بما رواه الطحاوي وغيره من طريق عبد الملك بن جابر عن أبيه قال: كنت جالساً عند النبي صلى الله عليه وسلم فقد قميصه من جيبه حتى أخرجه من رجليه وقال: إني أمرت ببدني التي بعثت بها أن تقلد اليوم وتشعر على مكان كذا فلبست قميصي ونسيت فلم أكن لأخرج قميصي من رأسي الحديث . وهذا لا حجة فيه لضعف إسناده كذا في فتح الباري. والمذهب القوي هو أن باعث الهدى لا يصير

(3/653)


ـــــــ
محرماً لثبوته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأسانيد صحيحة، وما ذهب إليه ابن عباس وغيره لم يثبت عنه بسند صحيح والله تعالى أعلم

(3/654)


70 ـ باب ما جاءَ في تَقْليدِ الغَنَم
911 ـ حدثنا مُحَمّدُ بنُ بَشّارٍ، حدثنا عبدُ الرحمَن بنُ مَهْدِيَ عنْ سُفْيَانَ عنْ مَنْصُورٍ عنْ إبراهيم عنِ الأسْوَدِ عنْ عائشةَ قالَتْ: "كُنتُ أَفْتِلُ قَلاَئِدَ هَدْيِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم كُلّها غَنَماً ثمّ لا يُحْرِمُ".
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. والعملُ على هذا عندَ بَعْضِ أَهْلِ العلمِ مِنْ أَصحابِ النبيّ صلى الله عليه وسلم وغَيْرِهِمْ يَرَوْنَ تَقلِيدَ الغَنَمِ..
ـــــــ
باب ما جاءَ في تَقْليدِ الغَنَم
قوله: "كنت أفتل قلائد هدى رسول الله صلى الله عليه وسلم كلها" بالنصب تأكيد للقلائد أو بالجر تأكيد لهدى "غنماً" حال عن الهدى إلا أنه اشترط في الحال من المضاف إليه صحة وضعه موضع المضاف، وهو ههنا مفقود إلا على قول من قال: إذا كان المضاف مثل جزء المضاف إليه مطلقاً فحينئذ لا إشكال، كذا في شرح الترمذي لأبي الطيب.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" أخرجه الجماعة: قوله: "والعمل على هذا عند بعض أهل العلم الخ" وهو قول الكثيرين، قال النووي: في حديث عائشة دلالة لمذهبنا ومذهب الكثيرين أنه يستحب تقليد الغنم. وقال مالك وأبو حنيفة: لا يستحب بل خصا التقليد بالإبل والبقر، وهذا الحديث صريح في دلالته عليهما انتهى. وقال ابن المنذر: أنكر مالك وأصحاب الرأي تقليد الغنم ولم نجد لهم حجة إلا قول بعضهم إنها تضعف عن التقليد وهو حجة ضعيفة لأن المقصود من التقليد العلامة وقد اتفقوا على أنها لا تشعر لأنها تضعف عنه فتقلد بما لا يضعفها والحنفية في الأصل يقولون ليست الغنم من الهدى فالحديث حجة عليهم من جهة أخرى انتهى

(3/654)


71ـ باب ما جاء إذا عَطِبَ الهَدْيَ ما يُصْنَعُ بِه
912 ـ حدثنا هارُونَ بنُ إسحاقَ الهَمْدَانِيّ، حدثنا عَبْدَةُ بنُ سُلَيمْانَ عن هِشامِ بنِ عُرْوَةَ عن أبيهِ عَنْ ناجِيَةَ الخُزَاعِيّ صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "قُلْتُ يا رسولَ الله كَيْفَ أصْنَعُ بما عَطِبَ مِنَ العبد له؟ قال انْحَرْها ثمّ اغْمِسْ نَعْلهَا في دَمِهَا ثُمّ خلّ بَيْنَ النّاسِ وبَيْنَها فيَأْكْلُوهَا ".
وفي البابِ عن زوَيْبٍ أبي قَبِيصَةَ الخُزَاعِيّ.
ـــــــ
"باب ما جاء إذا عطب الهدي ما يصنع به"
عطب كفرح هلك، والمراد قرب هلاكها حتى خيف عليها الموت.
قوله: "عن ناجية الخزاعي" هو ابن جندب بن كعب وقيل ابن كعب بن جندب صحابي تفرد بالرواية عنه عروة بن الزبير. قال السيوطي: ليس له في الكتب إلا هذا الحديث وكان اسمه ذكوان فسماه النبي صلى الله عليه وسلم ناجية حين نجا من قريش، واسم أبيه جندب وقيل كعب انتهى. قوله: "كيف أصنع بما عطب" قال في النهاية: عطب الهدي هلاكه وقد يعبر عن آفة تعتريه وتمنعه عن السير فينحر انتهى. "ثم أغمس نعلها" إنما يفعل ذلك لأجل أن يعلم من مر به أنه هدي فيأكله "ثم خل بين الناس وبينها فيأكلوها" وفي حديث ذويب أبي قبيصة: ولا تطعمها أنت ولا أحد من أهل رفقتك. قال النووي: وفي المراد بالرفقة وجهان لأصحابنا أحدهما الذين يخالطون المهدي في الأكل وغيره دون باقي القافلة، والثاني وهو الأصح الذي يقتضيه ظاهر نص الشافعي وجمهور أصحابنا أن المراد بالرفقة جميع القافلة، لأن السبب الذي منعت به الرفقة هو خوف تعطيبهم إياه وهذا موجود في جميع القافلة، فإن قيل إذا لم تجوزوا لأهل الرفقة أكله وقلتم بتركه في البرية كان طعمة للسباع وهذا إضاعة مال، قلنا ليس فيه إضاعة بل العادة الغالبة أن سكان البوادي يتتبعون منازل الحجيج لالتقاط ساقطة ونحو ذلك، وقد تأتي قافلة إثر قافلة، والرفقة بضم الراء وكسرها لغتان مشهورتان انتهى.
قوله: "وفي الباب عن ذويب أبي قبيصة الخزاعي" أخرجه أحمد ومسلم وابن ماجه عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يبعث معه بالبدن ثم يقول إن عطب

(3/655)


قال أبو عيسى: حديثُ ناجِيَةَ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. والعَملُ على هَذا عندَ أهْلِ العلمِ قالُوا "في هَدْيِ التّطَوّعِ: إِذَا عَطِبَ" لا يأْكلُ هُوَ ولا أحَدٌ مِنْ أهْلِ رُفْقَتِهِ ويُخَلّى بَيْنَهُ وبَيْنَ النّاسِ يأْكُلُونَهُ، وقد أجْزَأ عَنْهُ. وهُوَ قَوْلُ الشّافِعِيّ وأحمدَ وإسحاقَ وقالوا: إنْ أَكلَ مِنْهُ شَيْئاً غَرِمَ بقدر ما أَكلَ مِنْهُ. وقالَ بعضُ أهْلِ العِلْمِ إذَا أكلَ مِنْ هَدْيِ التّطَوّعِ شَيْئاً فَقَدْ ضَمِنَ
ـــــــ
منها شيء فخشيت عليها موتاً فانحرها ثم اغمس نعلها في دمها ثم اضرب به صفحتها ولا تطعمها أنت ولا أحد من أهل رفقتك، قوله: "حديث ناجية حديث حسن صحيح" قال في المنتقى: رواه الخمسة إلا النسائي.
قوله: "ويخلي بينه وبين الناس" أي يترك بينه وبين الناس "يأكلونه" قال النووي: ولا يجوز للأغنياء الأكل منه مطلقاً لأن الهدي مستحق للمساكين فلا يجوز لغيرهم انتهى. وقال القاري في شرح الموطأ لمحمد: اعلم أن هدي التطوع إذا بلغ الحرم يجوز لصاحبه وغيره من الأغنياء لأن القربة فيه بالإراقة إنما يكون في الحرم وفي غيره التصدق انتهى، "وقد أجزأ عنه" أي لا بدل عليه "وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق وقالوا: إن أكل منه شيئاً غرم مقدار ما أكل منه" أي تصدق قيمة ما أكل منه من الغرم وهو أداء شيء لازم. قال سعيد بن المسيب: إنه كان يقول من ساق بدنة تطوعاً ثم عطبت فنحرها فليجعل قلادتها ونعلها في دمها ثم يتركها للناس يأكلونها وليس عليه شيء، فإن هو أكل منها أو أمر بأكلها فعليه الغرم. رواه محمد في الموطأ وقوله فعليه الغرم بضم الغين أي الغرامة وهي قيمة ما أكل "وقال بعض أهل العلم إذا أكل من هدي التطوع شيئاً فقد ضمن" أي عليه البدل، وهذا خلاف مذهب الجمهور. قال عياض: فما عطب من هدي التطوع لا يأكل منه صاحبه ولا سائقه ولا رفقته لنص الحديث، وبه قال مالك والجمهور وقالوا: لا بدل عليه لأنه موضع بيان. ولم يبين صلى الله عليه وسلم بخلاف الهدي الواجب إذا عطب قبل محله فيأكل منه صاحبه والأغنياء لأن صاحبه يضمنه لتعلقه بذمته، قاله الزرقاني

(3/656)


72ـ باب ما جَاءَ في رُكُوبِ البَدَنَة
913 ـ حدثنا قُتَيْبةُ، حدثنا أبُو عَوَانَةَ عنْ قَتَادَةَ عن أنس "أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم رَأى رَجُلاً يَسُوقُ بَدَنَةً قالَ لهُ ارْكَبْها، فقال يا رسولَ الله إنّها بَدَنَةٌ. فقال لهُ في الثّالِثَةِ أوْ في الرّابِعَةِ: ارْكَبْها وَيْحَكَ أوْ وَيْلَكَ".
قال: وفي البابِ عن علي وأبي هُرَيْرَةَ وجابِرٍ.
ـــــــ
باب ما جَاءَ في رُكُوبِ البَدَنَة
قوله: "رأى رجلاً" قال الحافظ: لم أقف على اسمه بعد طول البحث "يسوق بدنة" بفتح الموحدة والدال والنون وفي رواية لمسلم: مقلدة وكذا في رواية للبخاري "فقال يا رسول الله إنها بدنة" أراد أنها بدنة مهداة إلى البيت الحرام، ولو كان مراده الإخبار عن كونها بدنة لم يكن الجواب مفيداً لأن كونها من الإبل معلوم، فالظاهر أن الرجل ظن أنه خفي على النبي صلى الله عليه وسلم كونها هدياً فقال إنها بدنة. قال في الفتح: والحق أنه لم يخف ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم لكونها كانت مقلدة، ولهذا قال لما زاد في مراجعته ويلك "ويحك أو ويلك" شك من الراوي. قال الجزري في النهاية: ويح كلمة ترحم وتوجع تقال لمن وقع في هلكة لا يستحقها، وقد يقال بمعنى المدح والتعجب وهي منصوبة على المصدر وقد ترتفع وتضاف ولا تضاف، يقال ويح زيد وويحاله وويح له انتهى. وقال: الويل الحزن والهلاك والمشقة من العذاب، وكل من وقع في هلكة دعا بالويل، ومعنى النداء فيه: يا حزني ويا هلاكي ويا عذابي أحضر، فهذا وقتك وأوانك، فكأنه نادى الويل أن يحضره لما عرض له من الأمر الفظيع، قال وقد يرد الويل بمعنى التعجب.
قوله: "وفي الباب عن علي وأبي هريرة وجابر" أما حديث علي فأخرجه أحمد عنه أنه سئل: أيركب الرجل هديه؟ فقال لا بأس به، قد كان النبي صلى الله عليه وسلم يمر بالرجال يمشون فيأمرهم بركوب هديه . قال لا تتبعون شيئاً أفضل من سنة نبيكم صلى الله عليه وسلم . وأما حديث أبي هريرة فأخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي بنحو حديث أنس المذكور في الباب. وأما حديث جابر

(3/657)


قال أبو عيسى: حديثُ أنَسٍ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وقد رَخّصَ قَوْمٌ مِنْ أهْلِ العِلمِ مِنْ أَصْحَابِ النبيّ صلى الله عليه وسلم وَغَيْرِهِمْ في رُكُوبِ البَدَنَةِ إذَا احْتَاجَ إلى ظَهْرِها. وهُوَ قَوْلُ الشّافِعيّ وأحمدَ وإسحاقَ. وقالَ بَعْضُهُمْ: لا يَرْكَبْ مالَمْ يُضْطَر إليها.
ـــــــ
فأخرجه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي عنه أنه سئل عن ركوب الهدي فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "اركبها بالمعروف إذا ألجئت إليها حتى تجد ظهراً".
قوله: "حديث أنس حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان.
قوله: "وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق" وحكى ابن عبد البر عن الشافعي ومالك وأبي حنيفة وأكثر الفقهاء كراهة ركوبه لغير حاجة. ونقل الطحاوي عن أبي حنيفة جواز الركوب مع الحاجة ويضمن ما نقص منها بالركوب، والطحاوي أقعد بمعرفة مذهب أمامه وقد وافق أبا حنيفة الشافعي على ضمان النقص في الهدى الواجب. كذا في النيل، وقال بعضهم: لا يركب ما لم يضطر إليه. قال في النيل: وقيد بعض الحنفية الجواز بالاضطرار ونقله ابن أبي شيبة عن الشعبي، وحكى ابن المنذر عن الشافعي أنه يركب إذا اضطر ركوباً غير قادح، وحكى ابن العربي عن مالك أن يركب للضرورة فإذا استراح نزل يعني إذا انتهب ضرورته، والدليل على اعتبار الضرورة ما في حديث جابر المذكورة من قوله صلى الله عليه وسلم: "اركبها بالمعروف إذا ألجئت إليها"

(3/658)


73ـ باب ما جَاءَ بأَيّ جانِبِ الرّأَسِ يَبْدَأُ في الحَلْق
914 ـ حدثنا أَبُو عَمّار الحسين بن حريث، حدثنا سُفْيانُ بنُ عُيَيْنَةَ عن هِشامِ بنِ حَسّانَ عن ابنِ سِيرينَ عن أنَسِ بنِ مالكٍ قالَ: "لمّا رَمَى النبي صلى الله عليه وسلم الجَمْرَةَ نَحَرَ نُسُكَهُ ثمّ ناوَلَ الحالِقَ شِقّهُ الأيْمَنَ فَحَلَقَهُ فأَعْطَاهُ
ـــــــ
باب ما جَاءَ بأَيّ جانِبِ الرّأَسِ يَبْدَأُ في الحَلْق
قوله: "نحر نسكه" جمع نسيكة بمعنى ذبيحة. قال في النهاية: نسك ينسك نسكاً إذا ذبح، والنسيكة الذبيحة "ثم ناول الحالق شقه الأيمن" فيه استحباب

(3/658)


أبا طَلْحَةَ، ثمّ ناوَلهُ شِقّهُ الأيْسَرَ فَحَلَقهُ فقال اقْسِمْهُ بيْنَ النّاسِ".
915- حدثنا ابنُ أبي عُمَرَ حدثنا سُفْيَانُ عَن هِشامٍ نَحْوَهُ.
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ.
ـــــــ
البداءة في حلق الرأس بالشق الأيمن من رأس المحلوق وهو مذهب الجمهور. وقال أبو حنيفة: يبدأ بجانبه الأيسر لأنه على يمين الحالق والحديث يرد عليه. والظاهر أن هذا الخلاف يأتي في قص الشارب قاله الشوكاني "فأعطاه" أي الشعر المحلوق "فقال اقسمه بين الناس" فيه مشروعية التبرك بشعر أهل الفضل ونحوه وفيه دليل على طهارته شعر الاَدمي وبه قال الجمهور.
قوله: "هذا حديث حسن" وأخرجه البخاري ومسلم.
تنبيه: ذكر صاحب العرف الشذي ههنا قصة الإمام أبي حنيفة والحجام المشهورة فقال: إن أبا حنيفة لما ذهب حاجاً ففرغ عن حجته وأراد الحلق فاستدبر القبلة، قال الحالق: استقبلها، ثم بدأ أبو حنيفة باليسار، قال الحالق ابدأ باليمين، ثم بعد الحلق أخذ أبو حنيفة أن يقوم وما دفن الأشمار، قال الحلق ادفنها، فقال أبو حنيفة: أخذت ثلاثة مسائل من الحالق، ثم قال هذه الحكاية ثبوتها لا يعلم انتهى كلامه بلفظه.
قلت: قال الحافظ بن حجر في التلخيص: وهي قصة مشهورة أخرجها ابن الجوزي في مثير العزم الساكن بإسناده إلى وكيع عنه انتهى. وقال الرافعي: وإذا حلق فالمستحب أن يبدأ بالشق الأيمن ثم الأيسر، وأن يكون مستقبل القبلة، وأن يكبر بعد الفراغ، وأن يدفن شعره انتهى كلام الرافعي. قال الحافظ في التلخيص: أما البداءة ففي الصحيحين عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى جمرة العقبة فرماها ثم أتى منزله بمنى ونحر ثم قال للحلاق "خذ" وأشار إلى جانبه الأيمن فلما فرغ منه قسم شعره بين من يليه ثم أشار إلى الحلاق فحلق الأيسر الحديث. وأما استقبال القبلة فلم أره في هذا المقام صريحاً وقد استأنس له بعضهم بعموم حديث ابن عباس مرفوعاً: خير المجالس ما استقبلت به القبلة. أخرجه أبو داود وهو ضعيف. وأما التكبير بعد الفراغ فلم أره أيضاً. وأما دفن الشعر فقد سبق في الجنائز ولعل الرافعي أخذه من قصة

(3/659)


ـ
ـــــــ
أبي حنيفة عن الحجام ففيها أنه أمره أن يتوجه قبل القبلة، وأمره أن يكبر وأمره أن يدفن وهي مشهورة إلى آخر ما نقلنا آنفاً

(3/660)


74ـ باب ما جَاءَ في الحَلْقِ والتّقْصِير
916 ـ حدثنا قُتَيْبةُ، حدثنا اللّيْثُ عن نَافِعٍ عن ابنِ عُمَرَ قالَ: "حَلَقَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وحَلَقَ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ وقَصّرَ بَعْضُهُمْ قالَ ابنُ عُمَرَ إِنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: "رَحِمَ الله المُحَلّقِينَ مَرّةً أَوْ مَرّتَيْنِ ثُمّ قالَ والمُقَصّرِينَ".
قال: وفي البابِ عن ابنِ عبّاسٍ وابنِ أُمّ الحُصَيْنِ ومَارِبَ وأَبي سَعِيدٍ وأَبي مَرْيَمَ وحُبْشِيّ بنِ جُنَادَةَ وأَبي هُرَيْرَةَ.
ـــــــ
باب ما جَاءَ في الحَلْقِ والتّقْصِير
قوله: "قال رحم الله المحلقين مرة أو مرتين الخ" لفظ حديث أبي هريرة عند الشيخين: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "اللهم اغفر للمحلقين"، قالوا يا رسول الله وللمقصرين، قال "اللهم اغفر للمحلقين قالوا يا رسول الله وللمقصرين". والحديث يدل على أن الحلق أفضل من التقصير لتكريره صلى الله عليه وسلم الدعاء للمحلقين وترك الدعاء للمقصرين في المرة الأولى والثانية مع سؤالهم له ذلك. وظاهر صيغة المحلقين أنه يشرع حلق جميع الرأس لأنه الذي تقتضيه الصيغة إذ لا يقال لمن حلق بعض رأسه أنه حلقه إلا مجازاً. وقد قال بوجوب حلق الجميع أحمد ومالك واستحبه الكوفيون والشافعي ويجزيء البعض عندهم، واختلفوا في مقداره فعن الحنفية الربع إلا أن أبا يوسف قال النصف، وعن الشافعي أقل ما يجب حلق ثلاث شعرات، وفي وجه لبعض أصحابه شعرة واحدة وهكذا الخلاف في التقصير، كذا في النيل.
قوله: "وفي الباب عن ابن عباس وابن أم الحصين ومارب وأبي سعيد وأبي مريم وحبشي بن جنادة وأبي هريرة" أما حديث ابن عباس فأخرجه ابن ماجه. وأما حديث ابن أم الحصين فلم أقف عليه، نعم أخرج مسلم عن أم الحصين

(3/660)


قال: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ والعملُ على هذَا عِنْدَ أهلِ العِلمِ يَخْتَارُونَ أَنْ يَحْلقَ رَأْسَهُ وإن قَصّرَ، يَرَوْنَ أَنّ ذَلِكَ يجزئ عَنْهُ. وهُوَ قَوْلُ سُفْيانَ الثّوْرِيّ والشّافِعيّ وأَحمدَ وإسحاقَ.
ـــــــ
مرفوعاً وفيه: دعا للمحلقين ثلاثاً وللمقصرين مرة واحدة. وأما حديث مارب ويقال له قارب فأخرجه ابن مندة في الصحابة. وأما حديث أبي سعيد فأخرجه ابن أبي شيبة. وأما حديث أبي مريم فأخرجه أحمد في مسنده. وأما حديث حبشي بن جنادة فأخرجه ابن أبي شيبة. وأما حديث أبي هريرة فأخرجه الشيخان. وقد ذكر العيني في عمدة القاري ألفاظ حديث هؤلاء الصحابة مع تراجمهم رضي الله عنهم.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه البخاري ومسلم وغيرهما.
قوله: "هو قول سفيان الثوري والشافعي وأحمد وإسحاق" قال الحافظ في الفتح: في حديث الباب من الفوائد أن التقصير يجزئ عن الحلق وهو مجمع عليه انتهى

(3/661)


باب ما جاء في كراهية الحلق النساء
...
75ـ باب ما جَاءَ في كَرَاهِيَةِ الحَلْقِ للنّسَاء
917 ـ حدثنا محمدُ بنُ مُوسَى الجُرَشِيّ البَصْرِيّ حدثنا أبو دَاوُدَ الطّيَالِسِيّ حدثنا هَمّامٌ عن قَتَادَةَ عن خِلاَسِ بنِ عَمْرٍو عن عَلِيَ قالَ: "نَهَى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أَنْ تَحْلقَ المَرْأَةُ رَأسَهَا".
918 ـ حدثنا محمدُ بنُ بَشّارٍ حدثنا أبو دَاوُدَ عن هَمّامٍ عن خِلاَسٍ نَحْوَهُ ولمَ يَذْكُرْ فيهِ "عن عَلِي".
قال أبو عيسى: حديثُ عَلِي فيهِ اضْطِرَابٌ. وَرُوِيَ هذا الحَدِيثُ عن
ـــــــ
باب ما جَاءَ في كَرَاهِيَةِ الحَلْقِ للنّسَاء
قوله: "عن خلاس" بكسر الخاء المعجمة وتخفيف اللام "ابن عمرو" الهجري البصري ثقة "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تحلق المرأة رأسها" أي في التحلل أو مطلقاً وفيه دليل على أنه لا يجوز الحلق للنساء في التحلل، بل المشروع لهن التقصير.
قوله: "حديث علي فيه اضطراب" فإنه رواه همام عن قتادة عن خلاس بن عمرو مرة مسنداً بذكر علي ومرة مرسلاً من غير ذكر علي، ورواه حماد بن

(3/661)


حَمّادِ بنِ سَلَمَةَ عن قَتَادَةَ عن عَائِشَةَ أَنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم نَهَى أنْ تَحْلِقَ المَرْأَةُ رَأْسَهَا. والعملُ على هذا عِنْدَ أهْلِ العِلْمِ لا يَرَوْنَ على المرأَةِ حَلْقاً، ويَرَوْنَ أنّ عَلَيْهَا التّقْصِيرَ.
ـــــــ.
سلمة عن قتادة عن عائشة. وقال عبد الحق في أحكامه: هذا حديث يرويه همام عن يحيى عن قتادة عن خلاس بن عمرو عن علي، وخالفه هشام الدستوائي وحماد بن سلمة فروياه عن قتادة عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلاً انتهى. وفي الباب عن ابن عباس مرفوعاً: ليس على النساء الحلق إنما على النساء التقصير. أخرجه أبو داود والدارقطني والطبراني، وقد قوى إسناده البخاري في التاريخ وأبو حاتم في العلل وحسنه الحافظ وأعله ابن القطان ورد عليه ابن الموفق فأصاب كذا في النيل.
وفي الباب أيضاً عن عائشة من وجه آخر أخرجه البزار وهو ضعيف، وعن عثمان رضي الله عنه أخرجه البزار وهو أيضاً ضعيف.
قوله: "والعمل على هذا عند أهل العلم لا يرون على المرأة حلقاً ويرون أن عليها التقصير" وحكى الحافظ في الفتح الإجماع على ذلك

(3/662)


باب ما جاء في من حلق قبل أن يذبح أو نحر قبل أن يرمى
...
قال: وفي البابِ عن عَلِي وجَابرٍ وابنِ عبّاسٍ وابنِ عُمَرَ وأُسَامَةَ بنِ شَرِيكٍ.
قال أبو عيسى: حدِيثُ عبدِ الله بنِ عَمْروٍ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. والعملُ على هذا عِنْدَ أكثرِ أهْلِ العِلمِ وهُوَ قَوْلُ أحمدَ وإسحاقَ. وقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلمِ إذا قَدّمَ نُسُكاً قَبْل نُسُكٍ فَعَلَيْهِ دَمٌ.
ـــــــ
بعضها على بعض وعدم وجوب الدم، فإن قوله صلى الله عليه وسلم لا حرج ظاهر في رفع الإثم والفدية معاً لأن اسم الضيق يشملهما وهو مذهب الشافعي وجمهور السلف والعلماء وفقهاء أصحاب الحديث.
قوله: "وفي الباب عن علي" أخرجه أحمد والترمذي "وجابر" أخرجه ابن جرير "وابن عباس" أخرجه الشيخان "وابن عمر" أخرجه البزار "وأسامة بن شريك" أخرجه أبو داود.
قوله: "حديث عبد الله بن عمرو حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان.
قوله: "والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم وهو قول أحمد وإسحاق الخ" قال الطيبي رحمه الله: أفعال يوم النحر أربعة: رمي جمرة العقبة، ثم الذبح، ثم الحلق، ثم طواف الإفاضة، فقيل هذا الترتيب سنة وبه قال الشافعي وأحمد وإسحاق لهذا الحديث يعني لحديث عبد الله بن عمرو فلا يتعلق بتركه دم. وقال ابن جبير إنه واجب وإليه ذهب جماعة من العلماء، وبه قال أبو حنيفة ومالك وأولوا قوله: ولا حرج ـ على دفع الإثم لجله دون الفدية انتهى. قال القاري: ويدل على هذا أن ابن عباس روى مثل هذا الحديث وأوجب الدم. فلولا أنه فهم ذلك وعلم أنه المراد لما أمر بخلافه انتهى كلام القاري. قلت: احتج الطحاوي بقول ابن عباس: من قدم شيئاً من نسكه أو أخره فليهرق لذلك دماً. قال وهو أحد من روى: أن لا حرج. فدل على أن المراد بنفي الحرج نفي الإثم فقط وأجيب بأن الطريق بذلك إلى ابن عباس فيها ضعف فإن ابن أبي شيبة أخرجها وفيها إبراهيم بن مهاجر وفيه مقال، وعلى تقدير الصحة فيلزم من يأخذ بقول ابن عباس أن يوجب الدم في كل شيء من الأربعة المذكورة ولا يخصه بالحلق قبل الذبح أو قبل الرمي

(3/633)


77ـ باب ما جاءَ في الطّيبِ عِنْدَ الإحْلاَلِ قَبْلَ الزّيَارَة
920 ـ حدثنا أحمدُ بنُ مَنِيعٍ، حدثنا هُشَيمٌ أخبرنا مَنْصُورُ "يعني بن زَاذَانَ" عن عبدِ الرحمَنِ بنِ القاسِمِ عن أبِيهِ عن عَائِشَةَ قَالَتْ "طَيّبْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قَبْلَ أنْ يُحْرِمَ ويَوْمَ النّحْرِ قَبْلَ أنْ يَطُوفَ بالبَيْتِ بطيبٍ فيهِ مِسْكٌ".
وفي البابِ عن ابنِ عَبّاسٍ.
قال أبو عيسى: حديثُ عَائِشَةَ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. والعملُ على هذا عِنْدَ أكْثَرِ أهْلِ العِلمِ مِنْ أصحْابِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم وغَيْرِهِمْ يَرَوْنَ أنّ المُحْرِمَ إذَا رَمَى جَمْرَةَ العَقَبَةِ يَوْمَ النّحْرِ وذَبَحَ وحَلَقَ أوْ قَصّرَ فَقَدْ حَلّ لَهُ كُلّ شَيْءٍ حَرُمَ عَلَيْهِ إلاّ النّسَاءُ. وهُوَ قَوْلُ الشّافِعيّ وأحمدَ وإسحاقَ. وقد رُوِيَ عن عُمَرَ بنِ الخَطّابِ أنّهُ قَالَ: حَلّ لَهُ كلّ شَيْءٍ إلاّ النّسَاءَ والطّيبَ. وقد ذَهَبَ بَعْضُ أهْل العِلمِ إلى هذا مِنْ أصْحَابِ النبيّ صلى الله عليه وسلم وغَيْرِهم وهُوَ قَوْلُ أَهْلِ الكُوفَةِ.
ـــــــ
"باب ما جاء في الطيب عند الإحلال قبل الزيارة" أي قبل طواف الزيارة
قوله: "ويوم النحر قبل أن يطوف بالبيت بطيب الخ" هذا دليل صريح على أنه يجوز استعمال الطيب يوم النحر قبل الطواف بالبيت. وهو الراجح المعول عليه "وفي الباب عن ابن عباس" قال إذا رميتم الجمرة فقد حل لكم كل شيء إلا النساء، فقال له رجل يا ابن عباس والطيب؟ فقال أما أنا فقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يضمخ رأسه بالمسك، أفطيب ذلك أم لا؟ أخرجه النسائي وابن ماجه. قوله: "وهو الشافعي وأحمد وإسحاق" وهو قول الحنفية.
قوله: "وقد روي عن عمر بن الخطاب أنه قال: حل له كل شيء إلا النساء والطيب" أخرجه محمد في الموطأ بلفظ: من رمى الجمرة ثم حلق أو قصر ونحر هدياً إن كان معه حل له ما حرم عليه في الحج إلا النساء والطيب حتى يطوف بالبيت "وقد ذهب بعض أهل العلم إلى هذا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم"

(3/664)


ـــــــ
وبه قال ابن عمر رضي الله عنه وهو قول مالك "وهو قول أهل الكوفة" ليس المراد بأهل الكوفة الإمام أبا حنيفة لأن مذهبه في هذا الباب هو ما ذهب إليه الشافعي وأحمد وإسحاق. قال محمد في الموطأ بعد رواية أثر عمر رضي الله عنه المذكور: هذا قول عمر وابن عمر، وقد روت عائشة خلاف ذلك قالت: طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي هاتين بعد ما حلق قبل أن يزور البيت، فأخذنا بقولها. وعليه أبو حنيفة والعامة من فقهائنا انتهى. وقد استدل لمالك بما روى الحاكم عن عبد الله بن الزبير قال: من سنة الحج إذا رمى الجمرة الكبرى حل له شيء حرم عليه إلا النساء والطيب حتى يزور البيت. لكن زيادة الطيب في هذه الرواية شاذة كما صرح به الحافظ في الدراية، والقول الراجح القوي هو ما ذهب إليه الشافعي وغيره

(3/665)


78ـ باب ما جَاءَ مَتى تقطع التّلْبِيَة في الحَج
921 ـ حدثنا محمدُ بنُ بَشّارٍ، حدثنا يَحْيى بنُ سَعيدٍ عن ابن جريج عن عطاء عن ابنِ عَبّاسٍ عن الفَضْلِ بنِ عبّاسٍ قالَ: "أَرْدَفَني رسولُ الله صلى الله عليه وسلم مِنْ جَمْعٍ إلى مِنًى فَلَمْ يَزَلْ يُلَبّي حَتّى رَمَى الجَمْرَةَ".
وفي البابِ عن عَلِي وابنِ مَسْعُودٍ وابنِ عبّاسٍ.
قال أبو عيسى: حديثُ الفَضْلِ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. والعَمَلُ على هذا عِنْدَ أهْلِ العِلمِ مِنْ أَصْحَابِ النبيّ صلى الله عليه وسلم وغَيْرِهِم أَنّ الحاجّ لا يقْطَعُ التّلْبِيَةَ حتى يَرْمِيَ الجَمْرَةَ. وهُوَ قَولُ الشّافِعيّ وأَحمدَ وإسحاقَ.
ـــــــ
باب ما جَاءَ مَتى تقطع التّلْبِيَة في الحَج
قوله: "من جمع" بفتح الجيم وسكون الميم اسم للمزدلفة "حتى رمى جمرة العقبة" وفي رواية لمسلم: حتى بلغ الجمرة. قوله: "وفي الباب عن علي" أخرجه البيهقي وابن مسعود أخرجه أبو داود بلفظ: رمقت النبي صلى الله عليه وسلم فلم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة بأول حصاة كذا في الدراية "وابن عباس" أخرجه ابن جرير.
قوله: "حديث الفضل حديث حسن صحيح" أخرجه الجماعة كذا في المنتقى "أن الحاج لا يقطع التلبية حتى يرمي الجمرة وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق"

(3/665)


ـــــــ
قال الحافظ في الفتح: واختلفوا هل يقطع التلبية مع رمي أول حصاة أو عند تمام الرمي؟ فذهب إلى الأول الجمهور، وإلى الثاني أحمد وبعض أصحاب الشافعي، ويدل لهم ما روى ابن خزيمة من طريق جعفر بن محمد عن أبيه عن علي بن الحسين عن ابن عباس عن الفضل قال: أفضت مع النبي صلى الله عليه وسلم من عرفات فلم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة يكبر مع كل حصاة ثم قطع التلبية مع آخر حصاة . قال ابن خزيمة: هذا حديث صحيح مفسر لما أبهم في الروايات الأخرى وأن المراد بقوله حتى رمى جمرة العقبة أي أتم رميها انتهى كلام الحافظ. قال الشوكاني والأمر كما قال ابن خزيمة فإن هذه زيادة مقبولة خارجة من مخرج صحيح غير منافية للمزيد وقبولها متفق عليه انتهى. قلت: واحتج الجمهور برواية مسلم بلفظ: حتى بلغ الجمرة وبحديث ابن مسعود المذكور. قال النووي في شرح مسلم: قوله لم يزل يلبي حتى بلغ الجمرة دليل على أنه يستديم التلبية حتى يشرع في رمي جمرة العقبة غداة يوم النحر، وهذا مذهب الشافعي وسفيان الثوري وأبي حنيفة وأبي ثور وجماهير العلماء من الصحابة والتابعين وفقهاء الأمصار ومن بعدهم. وقال الحسن البصري: يلبي حتى يصلي الصبح يوم عرفة ثم يقطع، وحكي عن علي وابن عمر وعائشة ومالك وجمهور فقهاء المدينة أنه يلبي حتى تزول الشمس يوم عرفة ولا يلبي بعد الشروع في الوقوف. وقال أحمد وإسحاق وبعض السلف: يلبي حتى يفرغ من رمي جمرة العقبة. ودليل الشافعي والجمهور هذا الحديث الصحيح. ولا حجة للآخرين في مخالفتها فيتعين إتباع السنة، وأما قوله في الرواية الأخرى فلم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة فقد يحتج به أحمد وإسحاق لمذهبهما، ويجيب الجمهور عنه بأن المراد حتى شرع في الرمي ليجمع بين الروايتين انتهى كلام النووي. قلت: رواية ابن خزيمة المذكورة تخدش هذا الجواب

(3/666)


79ـ باب ما جَاءَ مَتى تُقْطَعُ التّلْبِيَة في العُمْرَة
922 ـ حدثنا هَنّادٌ، حدثنا هُشَيْمٌ عن ابنِ أبي لَيْلَى عنْ عَطَاءٍ
ـــــــ
باب ما جَاءَ مَتى تُقْطَعُ التّلْبِيَة في العُمْرَة
قوله: "عن ابن أبي ليلى" هو محمد بن عبد الرحمَن بن أبي ليلى كما صرح به المنذري. قال الحافظ في التقريب: صدوق سيء الحفظ جداً.

(3/666)


عَنِ ابن عبّاسٍ "يَرْفَعُ الحديثَ" : "إنّهُ كَانَ يُمْسِكُ عن التّلْبِيَةِ في العُمْرَةِ إِذَا اسْتَلَمَ الحَجَرَ".
وفي البابِ عنْ عبدِ الله بنِ عَمْروٍ.
قال أبو عيسى: حديثُ ابنِ عبّاسٍ حديثٌ صحيحٌ. والعملُ عَليهِ عِنْدَ أكْثَرِ أَهِل العلمِ قالُوا لا يَقْطَعُ المُعْتَمِرُ التّلْبِيَةَ حَتى يَسْتلِمَ الحجَرَ. وقالَ بعْضُهُمْ إذَا انْتَهى إلى بُيُوتِ مَكّةَ قَطَعَ التّلْبِيَةَ. والعملُ على حديثِ النبيّ صلى الله عليه وسلم وبِهِ يقُولُ سفيان والشّافِعِيّ وأحمدُ وإِسْحَاقُ.
ـــــــ
قوله: "قال يرفع الحديث" أي قال عطاء يرفع ابن عباس الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم، والحديث رواه أبو داود بلفظ: حدثنا مسدد أخبرنا هشيم عن ابن أبي ليلى عن عطاء عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يلبي المعتمر حتى يستلم الحجر "أنه كان" أي رسول الله صلى الله عليه وسلم "إذا استلم الحجر" أي الحجر الأسود يقال: استلم الحجر إذا لمسه وتناوله .
قوله: "وفي الباب عن عبد الله بن عمرو" لينظر من أخرجه.
قوله: "حديث ابن عباس حديث صحيح" قال المنذري: في إسناده محمد بن عبد الرحمَن بن أبي ليلى وقد تكلم فيه جماعة من الأئمة انتهى. وقد عرفت أنه سيء الحفظ جداً، ففي صحة هذا الحديث نظر. وقال أبو داود بعد روايته: رواه عبد الملك بن أبي سليمان وهمام عن عطاء عن ابن عباس موقوفاً انتهى.
قوله: "قالوا لا يقطع المعتمر التلبية حتى يستلم الحجر" واستدلوا بحديث الباب وظاهره أن المعتمر يلبي في حال دخوله المسجد وبعد رؤية البيت وفي حال مشيه حتى يشرع في الاستلام ويستثني منه الأوقات التي فيها دعاء مخصوص "وقال بعضهم: إذا انتهى إلى بيوت مكة قطع التلبية" لم يقم على هذا القول دليل وهو مخالف لحديث الباب

(3/667)


80ـ باب ما جاء في طَوَافِ الزّيارَةِ باللّيْل
923 ـ حدثنا محمدُ بنُ بَشّارٍ، حدثنا عبدُ الرحمَنِ بنُ مَهْدِي حدثنا سُفْيانُ عن أبي الزّبيْرِ عن ابنِ عَبّاسٍ وعائشةَ "أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم أخّرَ طَوَافَ الزّيارَةِ إِلى اللّيْلِ".
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حَسَنٌ صحيح. وقَد رَخّصَ بَعْضُ أهلِ العلِمِ في أَنْ يُؤَخّرَ
ـــــــ
باب ما جاء في طَوَافِ الزّيارَةِ باللّيْل
قوله : "أخر طواف الزيارة إلى الليل" قال ابن القطان الفاسي: هذا الحديث مخالف لما رواه ابن عمر وجابر عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه طاف يوم النحر نهاراً انتهى . قلت: روى الشيخان عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفاض يوم النحر ثم رجع فصلى الظهر بمنى. وروى مسلم عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم انصرف إلى المنحر فنحر ثم ركب فأفاض إلى البيت فصلى بمكة الظهر. وقد أشار الإمام البخاري في صحيحه إلى الجمع بين الأحاديث بأن يحمل حديث ابن عمر وجابر على اليوم الأول، وحديث ابن عباس وعائشة هذا على بقية الأيام. قال البخاري في صحيحه: باب الزيارة يوم النحر. وقال أبو الزبير عن عائشة وابن عباس: أخر النبي صلى الله عليه وسلم الزيارة إلى الليل. ويذكر عن أبي حسان عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يزور البيت أيام منى . وقال لنا أبو نعيم: حدثنا سفيان عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر أنه طاف طوافاً واحداً ثم أتى منى يعني يوم النحر، ورفعه عبد الرزاق قال حدثنا عبيد الله، ثم ذكر البخاري حديث أبي سلمة أن عائشة قالت: حججنا مع النبي صلى الله عليه وسلم فأفضنا يوم النحر الحديث . قال الحافظ في الفتح: ولرواية أبي حسان شاهد مرسل أخرجه ابن أبي شيبة عن ابن عيينة: حدثنا ابن طاوس عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفيض كل ليلة انتهى . قلت: حديث ابن عباس وعائشة المذكور في هذا الباب ضعيف كما ستعرف فلا حاجة إلى الجمع الذي أشار إليه البخاري، وأما على تقدير الصحة فهذا الجمع متعين.
قوله: "هذا حديث حسن" في كون هذا الحديث حسناً نظر، فإن أبا الزبير ليس له سماع من ابن عباس وعائشة كما صرح به الحافظ ابن أبي حاتم في كتاب المراسيل.

(3/668)


طَوَافَ الزّيارَةِ إِلى اللّيْلِ واسْتَحَبّ بَعْضُهُمْ أنْ يَزُورَ يَوْمَ النّحْرِ وَوسّعَ بَعْضُهُم أَنْ يُؤَخرَ ولَوْ إلى آخِرِ أَيّامِ مِنَى.
ـــــــ
قوله: "وقد رخص بعض أهل العلم في أن يؤخر طواف الزيارة إلى الليل" قال في زاد المعاد أفاض صلى الله عليه وسلم إلى مكة قبل الظهر راكباً فطاف طواف الإفاضة وهو طواف الزيارة والصدر ولم يطف غيره ولم يسع معه. هذا هو الصواب، وطائفة زعمت أنه لم يطف في ذلك اليوم وإنما أخر طواف الزيارة إلى الليل، وهو قول طاؤس ومجاهد وعروة. واستدلوا بحديث ابي الزبير المكي عن عائشة المخرج في سنن أبي داود والترمذي. قال الترمذي: حديث حسن. وهذا الحديث غلط بين خلاف المعلوم من فعله صلى الله عليه وسلم الذي لا يشك فيه أهل العلم بحجته صلى الله عليه وسلم. وقال أبو الحسن القطان: عندي أن هذا الحديث ليس بصحيح، إنما طاف النبي صلى الله عليه وسلم يومئذ نهاراً، وإنما اختلفوا هل هو صلى الظهر بمكة أو رجح إلى منى فصلى الظهر بها بعد أن فرغ من طوافه؟ فإبن عمر يقول إنه رجع إلى منى فصلى الظهر بها وجابر يقول إنه صلى الظهر بمكة وهو ظاهر حديث عائشة من غير رواية أبي الزبير هذه التي فيها أنه أخر الطواف إلى الليل، وهذا شيء لم يرو إلا من هذا الطريق. وأبو الزبير مدلس لم يذكر ههنا سماعاً من عائشة انتهى

(3/669)


باب ما جاء في نزول الأبطح
...
قال: وفي البابِ عن عائشةَ وأبي رافِعٍ وابنِ عبّاسٍ.
قال أبو عيسى: حديثُ ابنِ عُمَرَ حديثٌ صحيح حسنٌ غريبٌ. إنّما نَعْرِفُهِ مِنْ حدِيثِ عبدِ الرّزّاقِ عن عُبَيْدِ الله بنِ عُمَرَ: وقَد اسْتَحَبّ بَعْضُ أهلِ العِلْمِ نُزُولَ الأبْطَحِ منْ غَيْرِ أن يَرَوْا ذَلِكَ واجِباً إلاّ من أحَبّ
ـــــــ
نزله رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعن عائشة: إنما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم الأبطح لأنه كان أسمح لخروجه . قال النووي: فحصل خلاف بين الصحابة رضي الله عنهم ومذهب الشافعي ومالك والجمهور استحبابه اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين وغيرهم، وأجمعوا على أن من تركه لا شيء عليه، ويستحب أن يصلي به الظهر والعصر والمغرب والعشاء ويبيت به بعض الليل أو كله اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم انتهى.
قوله: "وفي الباب عن عائشة" قالت: نزول الأبطح ليس بسنة إنما نزله رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه كان أسمح لخروجه إذا خرج، أخرجه الشيخان وغيرهما "وأبي رافع" قال لم يأمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أنزل الأبطح حين خرج من منى ولكن جئت فضربت قبته فجاء فنزل، أخرجه مسلم وأبو داود "وابن عباس" أخرجه الترمذي والشيخان.
قوله: "حديث ابن عمر حسن صحيح" وأخرجه مسلم.
قوله: "وقد استحب بعض أهل العلم نزول الأبطح من غير أن يروا ذلك واجباً" وهو مذهب الشافعي ومالك وأبي حنيفة والجمهور، قال العيني: قال الحافظ زكي الدين عبد العظيم المنذري: التحصيب مستحب عند جميع العلماء، وقال شيخنا زين الدين وفيه نظر لأن الترمذي حكى استحبابه عن بعض أهل العلم وحكى النووي استحبابه عن مذهب الشافعي ومالك والجمهور وهذا هو الصواب. وقد كان من أهل العلم من لا يستحبه فكانت أسماء وعروة بن الزبير لا يحصبان حكاه ابن عبد البر انتهى كلام العيني. والاستحباب هو الحق لتقريره صلى الله عليه وسلم على ذلك وقد فعله الخلفاء بعده. ومما يدل على استحباب التحصيب ما أخرجه الشيخان وغيرهما من حديث أسامة بن زيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: نحن نازلون بخيف بني كنانة حيث قاسمت قريشاً على الكفر

(3/670)


ذلِكَ: قالَ الشّافِعيّ: ونُزُولُ الأبطَحِ لَيْسَ منَ النّسُكِ في شيءٍ إنّما هُوَ مَنْزلٌ نَزَلَهُ النبيّ صلى الله عليه وسلم.
925 ـ حدثنا ابنُ أبي عُمَرَ، حدثنا سُفيَانُ عن عَمْرِو بنِ دِينَار عن عَطاءٍ عن ابنِ عَبّاسٍ قالَ: "لَيْسَ التّحْصيبُ بشيء إنّما هُوَ مَنْزِلٌ نَزَلَهُ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم".
قال أبو عيسى: التّحْصيبُ نُزُولُ الأبْطَحِ.
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
.
ـــــــ
يعني المحصب وذلك أن بني كنانة حالفت قريشاً على بني هاشم أن لا يناكحوهم ولا يؤووهم ولا يبايعوهم قال الزهري: والخيف الوادي. وأخرج الشيخان وغيرهما من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال حين أراد أن ينفر من منى: نحن نازلون غداً فذكر نحوه.
قوله: "وليس التحصيب بشيء " أي من أمر المناسك الذي يلزم فعله. قاله ابن المنذر. قال الحافظ: من نفى أنه سنة كعائشة وابن عباس أراد أنه ليس من المناسك فلا يلزم بتركه شيء ومن أثبته كابن عمر أراد دخوله في عموم التأسي بأفعاله صلى الله عليه وسلم لا الإلزام بذلك انتهى

(3/671)


82ـ باب
926 ـ حدثنا محمدُ بنُ عَبْدِ الأعْلَى حدثنا يزِيدُ بنُ زُرَيعٍ حدثنا حَبيبٌ المُعَلّمُ عن هِشامِ بنِ عُروَةَ عن أبيهِ عن عائشةَ قالَت: "إنّما نَزَلَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم الأبْطَحَ لأنّهُ كانَ أسْمَحَ لِخُروجِهِ".
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
باب
قوله: "لأنه كان أسمح لخروجه" أي أسهل لتوجهه إلى المدينة ليستوي في ذلك البطيء أو المعتدل ويكون مبيتهم وقيامهم في السحر ورحيلهم بأجمعهم إلى المدينة قاله الحافظ.

(3/671)


927- حدثنا ابن أبي عمر حدثنا سفيان عن هشام بن عروة نحوه
ـــــــ
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه البخاري ومسلم وغيرهما

(3/672)


83 ـ باب ما جَاءَ في حَجّ الصّبي
928 ـ حدثنا محمدُ بنُ طَريفٍ الكُوفيّ حدثنا أَبُو مُعَاوِيَةَ عنْ مُحمدِ بنِ سُوْقَةَ عَنْ محمد بن المنكدر عن جابِرِ بنِ عبدِ الله قالَ: "رَفَعَتْ امْرَأَةٌ صَبِياً لها إلى رسوُلِ الله صلى الله عليه وسلم فقالَتْ يا رَسولَ الله أَلِهَذَا حَجّ قال: نَعَمْ ولَكِ أَجْرٌ".
قال: وفي البابِ عن ابنِ عَبّاسٍ.
ـــــــ
باب ما جَاءَ في حَجّ الصّبي
قوله: "محمد بن طريف" بن خليفة البجلي أبو جعفر الكوفي عن عمرو بن عبيد وأبي بكر بن عياش وأبي معاوية وعنه م د ت ق صدوق مات سنة 242 اثنتين وأربعين ومائتين "أخبرنا أبو معاوية" اسمه محمد بن حازم التميمي الضرير الكوفي ثقة "عن محمد بن سوقة" بضم السين المهملة وسكون الواو والغنوي أبو بكر الكوفي العابد ثقة مرضي عابد من الخامسة.
قوله: "قال نعم ولك أجر" قال النووي: فيه حجة للشافعي ومالك وأحمد وجماهير العلماء أن حج الصبي منعقد صحيح يثاب عليه وإن كان لا يجزئه عن حجة الإسلام بل يقع تطوعاً، وهذا الحديث صريح فيه. وقال أبو حنيفة رحمه الله: لا يصح حجه. قال أصحابه وإنما فعلوه تمريناً له ليعتاده فيفعله إذا بلغ، وهذا الحديث يرد عليهم، قال ابن بطال: أجمع أئمة الفتوى على سقوط الفرض عن الصبي حتى يبلغ إلا أنه إذا حج به كان له تطوعاً عند الجمهور. وقال أبو حنيفة: لا يصح إحرامه ولا يلزمه شيء بفعل شيء من محظورات الإحرام وإنما يحج به على جهة التدريب كذا في فتح الباري. قلت: واحتج الجمهور بقوله صلى الله عليه وسلم: "نعم ولك أجر". وهو حجة على أبي حنيفة.
قوله: "وفي الباب عن ابن عباس" أن النبي صلى الله عليه وسلم لقي ركباً بالروحاء فقال: "من القوم؟" قالوا المسلمون: فقالوا من أنت: فقال رسول الله صلى الله

(3/672)


حديث جابر حديث غريب.
929 ـ حدثنا قتيبة حدثنا قزعة بن سويد الباهلي عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله عن النبيّ صلى الله عليه وسلم نحوه يعني حديث محمد بن طريف.
"قال أبو عيسى: وقد روي عن محمد بن المنكدر عن النبيّ صلى الله عليه وسلم مرسلاً"
930 ـ حدثنا قتيبة حدثنا حاتم بن اسماعيل عن محمد بن يوسف عن السائب بن يزيد قال: حج بي أبي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع وأنا ابن سبع سنين.
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. وقد أجمع أهل العلم أن الصبي إذا حج قبل أن يدرك فعليه الحج إذا أدرك لا تجزيءُ عنه تلك الحجة عن حجة الإسلام وكذلك المملوك إذا حج في رقه ثم اعتق
ـــــــ
عليه وسلم فرفعت إليه امرأة صبياً فقالت ألهذا حج؟ قال نعم ولك أجر . رواه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي. قوله: "حديث جابر حديث غريب" لم يحكم الترمذي على هذا الحديث بشيء من الصحة والحسن والظاهر أنه حسن ويشهد له حديث ابن عباس المذكور. قوله: "أخبرنا قزعة" بفتح القاف والزاي والعين "ابن سويد" بالتصغير أبو محمد البصري ضعيف قاله الحافظ: قوله: "حج بي أبي" وقال ابن سعد عن الواقدي عن حاتم: حجت بي أمي ويجمع بينهما بأنه كان مع أبويه.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه أحمد والبخاري. قوله: "قد أجمع أهل العلم أن الصبي إذا حج قبل أن يدرك" من الإدراك أي يبلع "فعليه الحج إذا أدرك لا تجزئ عنه تلك الحجة عن حجة الإسلام" وشذ بعضهم فقال: إذا حج الصبي أجزأه ذلك عن حجة الإسلام. لظاهر قوله صلى الله عليه وسلم نعم في جواب قولها ألهذا حج، وقال الطحاوي: لا حجة فيه لذلك بل فيه حجة على من زعم أنه لا حج له لأن ابن عباس راوي الحديث قال: أيما غلام حج به أهله ثم بلغ فعليه حجة أخرى. ثم ساقه بإسناد صحيح. وقد أخرج هذا الحديث مرفوعاً الحاكم وقال على

(3/673)


فعليه الحج إذا وجد إلى ذلك سبيلاً ولا يجزيء عنه ما حج في حال رقه وهو قول سفيان الثوري والشافعي وأحمد وإسحاق.
931 ـ حدثنا محمد بن إسماعيل الواسطي قال: سمعت ابن نمير عن أشعث بن سوار عن أبي الزبير عن جابر قال: كنا إذا حججنا مع النبيّ صلى الله عليه وسلم فكنا نلبي عن النساء ونرمي عن الصبيان.
قال أبو عيسى: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه وقد اجمع أهل العلم على أن المرأة لا يلبي عنها غيرها بل هي تلبي عن نفسها ويكره لها رفع الصوت بالتلبية.
ـــــــ
شرطهما، والبيهقي وابن حزم وصححه، وقال ابن خزيمة الصحيح موقوف. وأخرجه كذلك. قال البيهقي: تفرد برفعه محمد بن المنهال، ورواه الثوري عن شعبة موقوفاً ولكنه قد تابع محمد بن المنهال على رفعه الحارث بن شريح أخرجه كذلك الإسماعيلي والخطيب، ثم ذكر الشوكاني روايات أخرى قال: فيؤخذن مجموع هذه الأحاديث أنه يصح حج الصبي ولا يجزئه عن حجة الإسلام إذا بلغ، وهذا هو الحق فتعين المصير إليه جمعاً بين الأدلة انتهى.
قوله: "فكنا نلبي عن النساء ونرمي عن الصبيان" وأخرج هذا الحديث أحمد وابن ماجه وابن أبي شيبة بلفظ: حججنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعنا النساء والصبيان فلبينا عن الصبيان ورمينا عنهم. قال ابن القطان: ولفظ ابن أبي شيبة أشبه بالصواب، فإن المرأة لا يلبي عنها غيرها أجمع على ذلك أهل العلم. قوله: "هذا حديث غريب" ومع غرابته ضعيف. فإن في سنده أشعث بن سوار وهو ضعيف كما صرح به الحافظ في التقريب، وفيه أيضاً أبو الزبير المكي وهو مدلس ورواه عن جابر بالعنعنة.

(3/674)


84 ـ باب ما جاءَ في الحجّ عن الشّيْخ الكبير والميت
932 ـ حدثنا أحمد بن منيع، حدثنا روح بن عبادة أخبرنا
ـــــــ
باب ما جاءَ في الحجّ عن الشّيْخ الكبير والميت
قوله: "حدثنا روح بن عبادة" بفتح راء وسكون واو وإهمال حاء ومن ضم

(3/674)


ابن جريج أخبرني ابن شهاب قال حدثني سليمان بن يسار عن عبد الله بن عباس عن الفضل بن عباسٍ أن امرأة من خثعم قالت يا رسول الله إنّ أبي أدْرَكته فريضة الله في الحج وهو شيخ كبير لا يستطيع أن يستوي على ظهر البعير قال: "حجّي عنه".
قال وفي الباب عن علي وبريدة وحصين بن عوف وأبي رزين العقيلي وسودة بنت زمعة وابن عباس.
قال أبو عيسى: حديث الفضل بن عباس حديث حسن صحيح وروي عن ابن عباس أيضاً عن سنان بن عبد الله الجهني عن عمته عن النبيّ صلى الله عليه وسلم وروي عن ابن عباس عن النبيّ صلى الله عليه وسلم
ـــــــ
الراء أخطأ كذا في المغنى. قوله: "أن امرأة من خثعم" بفتح الخاء المعجمة والعين المهملة أبو قبيلة من اليمن سموا به ويجوز منعه وصرفه "وهو شيخ كبير" قال الطيبي بأن أسلم شيخاً وله المال أو حصل له المال في هذا الحال لا يستطيع أن يستوي على ظهر البعير "استئناف مبين قال حجي عنه" فيه دليل على جواز الحج عن غيره إذا كان معضوباً، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه والثوري والشافعي وأحمد وإسحاق، قاله العيني.
قوله: "وفي الباب عن علي" أخرجه البيهقي بلفظ أن امرأة من خثعم شابة قالت يا رسول الله إن أبي شيخ كبير أدركته فريضة الله على عباده في الحج لا يستطيع أداءها، فيجزي عنه أن أؤديها؟ قال نعم. ذكره الحافظ في التلخيص وسكت عنه "وبريدة" أخرجه الترمذي ومسلم "وحصين بن عوف" أخرجه ابن ماجه من طريق محمد بن كريب عن أبيه عن ابن عباس قال: حدثني حصين بن عوف قلت يا رسول الله إن أبي أدركه الحج ولا يستطيع أن يحج إلا معترضاً، فصمت ساعة ثم قال حج عن أبيك انتهى . قال العقيلي: قال أحمد: محمد بن كريب منكر الحديث كذا في نصب الراية "وأبي رزين العقيلي" أخرجه أصحاب السنن الأربعة وابن حبان في صحيحه والحاكم في المستدرك وقال على شرط الشيخين "وسودة" أخرجه الطبراني وذكر الزيلعي سنده ومتنه في نصب الراية "وابن عباس" أخرجه الشيخان.

(3/675)


وسألت محمداً عن هذه الروايات؟ فقال أصح شيء في هذا الباب ما روى ابن عباس عن الفضل بن عباس عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال محمد ويحتمل أن يكون ابن عباس سمعه من الفضل وغيره عن النبيّ صلى الله عليه وسلم ثم روى هذا عن النبيّ صلى الله عليه وسلم وأرسله ولم يذكر الذي سمعه منه.
ـــــــ
قوله: "وروي عن ابن عباس أيضاً عن سنان بن عبد الله الجهني عن عمته عن النبي صلى الله عليه وسلم" قيل في قول الترمذي هذا نظر من حيث أن الموجود بهذا الإسناد هو حديث آخر في المشي إلى الكعبة لا عن الكبير العاجز، رواه الطبراني من رواية عبد الرحيم بن سليمان عن محمد بن كريب عن كريب عن ابن عباس عن سنان بن عبد الله الجهني: أن عمه حدثته أنها أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله توفيت أمي وعليها مشي إلى الكعبة نذراً، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "هل تستطيعين أن تمشي عنها"؟ قالت نعم، قال "فامشي عن أمك"، قالت أو يجزئ ذلك عنها؟ قال "نعم أرأيت لو كان عليها دين ثم قضيتيه عنها هل كان يقبل منك"؟ قالت نعم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم "فالله أحق بذلك".
وأجيب عنه بأنه أراد أن يبين الاختلاف في هذا الحديث عن ابن عباس في المتن والإسناد معاً وهذا اختلاف في متنه كذا في عمدة القاري. قلت: لو كان إرادة الترمذي بيان الاختلاف في هذا الحديث في المتن أيضاً ساق لفظ حديث ابن عباس عن سنان بن عبد الله عن عمته، فالظاهر أنه قد جاء بهذا الإسناد حديث في الحج عن الكبير العاجز أيضاً. وقد وقف عليه الترمذي والبخاري ولم يقف عليه من تعقب على الترمذي في قوله المذكور والله تعالى أعلم.
قوله: "فقال أصح شيء في هذا ما روى ابن عباس عن الفضل بن عباس الخ". قال الحافظ في الفتح: إنما رجح البخاري الرواية عن الفضل لأنه كان ردف النبي صلى الله عليه وسلم حينئذ، وكان ابن عباس قد تقدم من مزدلفة إلى منى مع الضعفة، وقد سبق في باب التلبية والتكبير عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم أردف الفضل فأخبر الفضل: أنه لم يزل يلبي حتى رمى الجمرة، فكأن الفضل حدث أخاه بما شاهده في تلك الحالة، انتهى كلام الحافظ.

(3/676)


قال أبو عيسى: وقد صحّ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم في هذا الباب غير حديث والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم وغيرهم وبه يقول الثوري وابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق يرون أن يحج عن الميت وقال مالك: إذا أوصى أن يحج عنه حج عنه وقد رخص بعضهم أن يحج عن الحي إذا كان كبيراً أو بحال لا يقدر أن يحج وهو قول ابن المبارك والشافعي.
ـــــــ
قوله: "وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم غير حديث" أي أحاديث كثيرة وقد ذكرها الزيلعي في نصب الراية.
قوله: "وبه يقول الثوري وابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق يرون أن يحج عن الميت" وبه قال أبو حنيفة: قال محمد في موطأه: لا بأس بالحج عن الميت وعن المرأة والرجل إذا بلغا من الكبر مالا يستطيعان أن يحجا، وهو قول أبي حنيفة والعامة من فقهائنا انتهى.
قوله: "وقال مالك إذا أوصى أن يحج عنه حج عنه إلخ" قال العيني في شرح البخاي: وحاصل ما في مذهب مالك ثلاثة أقوال مشهورها: لا يجوز. ثانيها: يجوز من الولد، ثالثها: يجوز إن أوصى به. وعن النخعي وبعض السلف: لا يصح الحج عن ميت ولا عن غيره. وهي رواية عن مالك وإن أوصى به. وفي مصنف ابن أبي شيبة عن ابن عمر أنه قال: لا يحج أحد عن أحد ولا يصم أحد عن أحد، وكذا قال إبراهيم النخعي. وقال الشافعي والجمهور: يجوز الحج عن الميت عن فرضه ونذره سواء أوصى به أو لم يوص. وهو واجب في تركته انتهى "وقد رخص بعضهم أن يحج عن الحي إذا كان كبيراً إلخ". وهو قول أحمد وإسحاق وأي حنيفة كما تقدم

(3/677)


85 ـ باب منه
933 ـ حدثنا يوسف بن عيسى حدثنا وكيع عن شعبة عن النعمان بن سالم عن عمرو بن أوس عن أبي رزين العقيلي أنه أتى النبيّ
ـــــــ
باب منه
قوله: "عن عمرو بن أوس" بفتح الهمزة وسكون الواو وبالسين المهملة

(3/677)


صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إن أبي شيخ كبير لا يستطيع الحج ولا العمرة، ولا الظعن قال: حج عن أبيك واعتمر.
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح وإنما ذكرت العمرة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث أن يعتمر الرجل عن غيره. وأبو رزين العقيلي اسمه لقيط بن عامر.
934 ـ حدثنا محمد بن عبد الأعلى حدثنا عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن عبد الله بن عطاء قال وحدثنا علي بن حجر، حدثنا علي بن مهر عن عبدالله بن عطاء عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: جاءت امرأة إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقالت إن أمي ماتت ولم تحج أفأحج
ـــــــ
الثقفي الطائفي بابعي كبير من الثانية، ووهم من ذكره في الصحابة "عن أبي رزين" بفتح الراء وكسر الزاء "العقيلي" بالتصغير واسمه لقيط بن عامر كذا في فتح الباري.
قوله: "فقال يا رسول الله إن أبي شيخ كبير إلخ" قال الحافظ في الفتح: هذه قصة أي غير قصة الخثعمية قال ومن وحد بينها وبين حديث الخثمعي فقد أبعد وتكلف "ولا الظعن" بفتح ظاء وسكون عين وحركتها الراحلة أي لا يقوى على السير ولا على الركوب من كبر السن كذا في المجمع "حج عن أبيك" فيه جواز الحج عن الغير، واستدل الكوفيون بعمومة على جواز صحة حج من لم يحج نيابة عن غيره، وخالفهم الجمهور فخصوه بمن حج عن نفسه واستدلوا بما في السنن وصحيح ابن خزيمة وغيره من حديث ابن عباس : أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً يلي عن شبرمة فقال: أحججب عن نفسك؟ فقال: لا، قال: حج عن نفسك ثم احجج عن شبرمة . كذا في الفتح. قلت: الظاهر الراجح هو قول الجمهور والله تعالى أعلم "واعمر" استدل به من قال بوجوب العمرة. قال الإمام أحمد: لا أعلم في إيجاب العمرة حديثاً أجود من هذا ولا أصح منه.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه أبو داود وسكت عنه ونقل المنذري في تلخيصه تصحيح الترمذي وأقره وأخرجه أيضاً النسائي وابن ماجه وغيرهم كما تقدم.
قوله: "وأبو رزين العقيلي اسمه لقيط بن عامر" قال الحافظ في التقريب: لقيط بن صبره بفتح المهلمة وكسر الموحدة صحابي مشهور ويقال إنه جده واسم

(3/678)


عنها؟ قال: نعم حجي عنها.
قال: وهذا حديث "حسن" صحيح.
ـــــــ
أبيه عامر وهو رزين العقيلي والأكثر على أنهما اثنان انتهى. قوله: "قال نعم حجي عنها" فيه جواز الحج عن الميت. قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه مسلم وأخرجه الحاكم في المستدك وزاد فيه الصوم: والصدقة وقال صحيح الإسناد ولم يخرجاه كذا في نصب الراية

(3/679)


86ـ باب ما جاء في العمرة أواجبة هي أم لا؟
935 ـ حدثنا محمد بن عبد الأعلى الصّنعاني حدثنا عمرو بن علي عن الحجاج عن محمد بن المنكدر عن جابر أن النبيّ صلى الله عليه وسلم سئل عن العمرة أواجبة هي؟ قال: "لا وأن تعتمروا هو أفضل".
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.
ـــــــ
باب ما جاء في العمرة أواجبة هي أم لا
قوله: "عن الحجاج" هو ابن أرطاة الكوفي القاضي أحد الفقهاء صدوق كثير الخطأ والتدليس. قوله: "قال لا وأن يعتمروا هو أفضل" احتج به الحنفية والمالكية على أن العمرة ليست بواجبة لكن الحديث ضعيف كما ستعرف.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" قال الحافظ في الفتح: في إسناده الحجاج وهو ضعيف، وقد روى ابن لهيعة عن عطاء بن جابر مرفوعاً الحج والعمرة فريضتان أخرجه ابن عدي وابن لهيعة ضعيف، ولا يثبت في هذا الباب عن جابر شيء، بل روى ابن الجهم المالكي بإسناد حسن عن جابر: ليس مسلم إلا عليه عمرة. موقوف على جابر وانتهى. وقال العيني في شرح البخاي: فإن قلت: قال المنذري: وفي تصحيحه له نظر فإن سنده الحجاج بن أرطاة ولم يحتج به الشيخان في صحيحهما وقال ابن حبان: تركه ابن المبارك ويحيى القطان وابن معين وأحمد. وقال: قال الدارقطني لا يحتج به، وإنما روى هذا الحديث موقوفً على جابر. وقال البيهقي ورفعه ضعيف. قلت: قال الشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد في كتاب الإمام: وهذا الحكم بالتصحيح في رواية الكرخي لكتاب الترمذي وفي رواية

(3/679)


وهو قول بعض أهل العلم قالوا العمرة ليست بواجبة وكان يقال هما حجان: الحج الأكبر يوم النحر والحج الأصغر العمرة. وقال الشافعي العمرة سنة لا نعلم أحداً رخص في تركها وليس فيها شيء ثابت بأنها تطوع وقد روي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم بإسناد وهو ضعيف، لا تقوم
ـــــــ
غيره حسن لا غير.
وقال شيخنا زين الدين: لعل الترمذي إنما حكم عليه بالصحة لمجيئه من وجه آخر فقد رواه يحيى بن أيوب عن عبد الله بن عمر عن أبي الزئير عن جابر: قلت يا رسول الله العمرة فريضة كالحج؟ قال لا، وأن تعتمر خير لك . ذكره صاحب الإمام. وقال إعترض عليه بضعف عبد الله بن عمر العمري قال العيني: رواه الدارقطني من رواية يحيى بن أيوب عن عبيد الله بن المغيرة عن أبي الزبير عن جابر قال: قلت يا رسول الله العمرة واجبة فريضتها كفريضة الحج؟ قال لا وأن تعتمر خير لك. ورواه البيهقي من رواية يحيى بن أبي أيوب عن عبيد الله غير منسوب عن أبي الزبير. ثم قال وهو عبيد الله بن المغيرة تفرد به عن أبي الزبير. وروى ابن ماجه من حديث طلحة بن عبيدالله أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: الحج جهاد والعمرة تطوع، وروى عبد الباقي بن قانع من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه. وكذا روى عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه انتهى.
قوله: "وهو قول بعض أهل العلم قالوا العمرة ليست بواجبة" وهو قول الحنفية والمالكية واستدلوا بحديث الباب قد عرفت أنه ضعيف لا يصلح للاحتجاج.
قوله: "وكان يقال هما حجان الحج الأكبر يوم النحر والحج الأصغر العمرة" قال في مجمع البحار: ومنه الحج الأكبر هو يوم النحر أو يوم عرفة ويسمون العمرة الحج الأصغر وأيام الحج كلها أو القران أو يوم حج أبو بكر، والأصغر العمرة أو يوم عرفة أو الإفراد انتهى ما في المجمع "وقال الشافعي: العمرة سنة" أي واجبة ثابتة بالسنة، قال العيني: قال شيخنا زين الدين ما حكاه الترمذي عن الشافعي لا يريد به أنها ليست بواجبة بدليل قوله لا نعلم أحداً رخص في تركها لأن السنة التي يراد بها خلاف الواجب يرخص تركها قطعاً، والسنة تطلق ويراد بها الطريقة وغير سنة الرسول صلى الله عليه وسلم انتهى. "قال" أي الشافعي "وقد روى" أي في كون العمرة تطوعاً "عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو ضعيف"

(3/680)


بمثله الحجة وقد بلغنا عن ابن عباس أنه كان يوجبها
ـــــــ
وقد تقدم آنفاً الأحاديث التي رويت في كون العمرة تطوعاً "وقد بلغنا عن ابن عباس أنه كان يوجبها" أخرج الشافعي وسعيد بن منصور كلاهما عن سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار سمعت طاوساً يقول سمعت ابن عباس يقول: والله إنها لقرينتها في كتاب الله {وأتموا الحج والعمرة لله} وللحاكم من طريق عطاء عن ابن عباس: الحج والعمرة فريضتان وإسناده ضعيف. والضمير في قوله لقرينتها للفريضة وكأن أصل الكلام أن يقول: لقرينته لأن المراد الحج كذا في فتح الباري. وقد ذهب الشافعي وأحمد وغيرهما من أهل الأثر إلى وجوب العمرة واختاره البخاري في صحيحه، واستدلوا بقول ابن عباس المذكور، وذكره البخاري تعليقاً. وبقول ابن عمر رضي الله عنه ليس من خلق الله أحد إلا عليه حجة وعمرة واجبتان من استطاع إليه سبيلاً فمن زاد شيئاً فهو خير وتطوع . أخرجه ابن خزيمة والدارقطني والحاكم وذكره البخاري وتعليقاً. وقال سعيد بن أبي عروبة في المناسك عن أيوب عن نافع عن ابن عمر قال: الحج والعمرة فريضتان، وبقول صبي بن معبد لعمر: رأيت الحج والعمرة مكتوبين عليفأهللت بهما فقال له هديت لسنة نبيك. أخرجه أبو داود. وروى ابن خزيمة وغيره في حديث عمر سؤال جبريل عن الإيمان والإسلام فوقع فيه أن تحج وتعتمر وإسناده قد أخرجه مسلم لكن لم يسق لفظه، وبأحاديث أخر غير ما ذكر، وبقوله تعالى: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} أي أقيموهما، والظاهر هو وجوب العمرة والله تعالى أعلم

(3/681)


87 ـ باب مِنْه
936 ـ حدثنا أَحمدُ بنُ عَبْدَةَ الضّبّيّ حدثنا زِيادُ بنُ عَبْدِ الله عن يزيدَ بنِ أبي زِيادٍ عن مُجَاهِدٍ عَن ابنِ عَبّاسٍ "عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ: دَخَلَتْ العُمْرَةُ في الحَجّ إلى يَوْمِ القيَامَةِ".
وفي البابِ عنْ سُرَاقَةَ بنِ جَعْشُمٍ وجَابِرِ بنِ عبدِ الله.
ـــــــ
باب منه
قوله: " دخلت العمرة في الحج" أي في أشهر الحج.
قوله: "وفي الباب عن سراقة" بضم السين "بن مالك بن جعشم" بضم الجيم

(3/681)


قال أبو عيسى: حديثُ ابنِ عَبّاسِ حديثٌ حسنٌ. ومَعْنى هذا الحديثِ. أَنْ لا بأْسَ بالْعُمرةِ في أشْهُرِ الحَجّ. وهكذا فسّره الشّافعيّ وأحمدُ وإسحاقُ. ومَعْنى هذا الحديثِ: أن أَهْلَ الجَاهِلِيّةِ كانُوا لا يَعْتَمِرُونَ في أشْهُر الحَجّ، فَلَمّا جاءَ الإسْلاَمُ رَخّصَ النبيّ صلى الله عليه وسلم في ذلكَ فقالَ: دَخَلَتْ
ـــــــ
والشين صحابي مشهور من مسلمة الفتح مات في خلافة عثمان رضي الله عنه سنة 42 أربع وعشرين وقيل بعدها. أخرج النسائي وابن ماجه من طريق طاوس عن سراقة أنه قال: يا رسول الله أرأيت عمرتنا هذه لعامنا أم للأبد؟ فقال لا بل للأبد دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة . ولطاوس عن سراقة في اتصاله نظر ولكن أخرجه الدارقطني من طريق أبي الزبير عن جابر عن سراقة "وجابر بن عبد الله" أخرج مسلم حديثه الطويل في قصة حج النبي صلى الله عليه وسلم وفيه: فمن كان منكم ليس معه هدي فليحل وليجعلها عمرة، فقال سراقة بن مالك بن جعشم فقال يا رسول الله ألعامنا هذا أم للأبد، فشبك رسول الله صلى الله عليه وسلم أصابعه واحدة في الأخرى وقال: دخلت العمرة في الحج مرتين لا بل لأبد أبد.
قوله: "حديث ابن عباس حديث حسن" في إسناده زياد بن عبد الله بن الطفيل العامري البكائي أبو محمد الكوفي صدوق ثبت في المغازي وفي حديثه عن غير ابن إسحاق لين، ولم يثبت أن وكيعاً كذبه، وله في البخارى موضع واحد متابعة. وفي إسناد هذا الحديث أيضاً يزيد بن أبي زياد الهاشمي مولاهم الكوفي ضعيف كبر فتغير صار يتلقن وكان شيعياً، فتحسين الترمذي لعله لشواهده.
قوله "ومعنى هذا الحديث: أن لا بأس بالعمرة في أشهر الحج وهكذا قال الشافعي وأحمد وإسحاق" قال الجزري في النهاية: دخلت العمرة في الحج معناه أنها سقط فرضها بوجوب الحج ودخلت فيه، وهذا تأويل من لم يرها واجبة، فأما من أوجبها فقال معناه أن عمل العمرة قد دخل في عمل الحج فلا يرى على القارن أكثر من إحرام واحد وطواف وسعي، وقيل معناه أنها قد دخلت في وقت الحج وشهوره لأنهم كانوا لا يعتمرون في أشهر الحج فأبطل الإسلام ذلك وأجازه انتهى. قلت: هذا المعنى الأخير هو الذي اختاره الترمذي وبه قال الشافعي وأحمد وإسحاق وهو الظاهر والله تعالى أعلم.

(3/682)


العُمْرَةُ في الحَجّ إلى يَوْمِ القيامَةِ . يَعْني لا بأْسَ بالعُمْرَةِ في أَشْهُرِ الحَجّ وأَشْهُرُ الحَجّ شَوّال وذُو القَعْدَةِ وعَشْرٌ مِنْ ذِي الحِجّةِ، لا يَنْبَغيِ للرّجُلِ أَنْ يُهِلّ بالحَجّ إلاّ في أشْهُرِ الحَجّ. وأَشْهُرُ الحُرُمِ رَجَبٌ وَذو القَعْدَةِ وذو الحِجّةِ والمُحَرّمُ. هكذا قال غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ العلمِ مِنْ أصحابِ النبيّ صلى الله عليه وسلم وغَيْرِهِمْ.
ـــــــ
قوله: "وأشهر الحج شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة" أجمع العلماء على أن المراد بأشهر الحج ثلاثة أولها شوال لكن اختلفوا هل هي بكمالها أو شهران وبعض الثالث، فذهب إلى الأول مالك وهو قول للشافعي، وذهب غيرهما من العلماء إلى الثاني، ثم اختلفوا فقال ابن عمر وابن عباس وابن الزبير وآخرون: عشر ليال من ذي الحجة وهل يدخل يوم النحر أولا، فقال أحمد وأبو حنيفة نعم، وقال الشافعي في المشهور المصحح عنه لا، وقال بعض أتباعه تسع من ذي الحجة ولا يصح في يوم النحر ولا في ليلته وهو شاذ، ويرد على من أخرج يوم النحر من أشهر الحج قوله صلى الله عليه وسلم في يوم النحر: هذا يوم الحج الأكبر.

(3/683)


88 ـ باب ما جاءَ في ذِكْرِ فَضْلِ العُمْرَة
937 ـ حدثنا أَبُو كُرَيْبٍ حدثنا وَكيعٌ عنْ سُفْيَانَ عنْ سُمَي عنْ أبي صالِحٍ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ قالَ قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "العُمْرَةُ إلى العُمْرَةِ تُكَفّر ما بَيْنَهُما والحَجّ المَبْرُورُ ليْسَ لَهُ جَزَاءٌ إلاّ الجَنَةَ".
قال أبو عيس هذا حديث حسن صحيح.
ـــــــ
باب ما جاءَ في ذِكْرِ فَضْلِ العُمْرَة
قوله: "عن سمى" بضم السين وفتح الميم وشدة التحتانية مولى أبي بكر ابن عبد الرحمن ثقة.
قوله: "العمرة إلى العمرة تكفر ما بينهما" من الذنوب دون الكبائر كما في قوله الجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهما. قاله العيني "والحج المبرور" قال ابن خالويه المبرور والمقبول، وقال غيره: الذي لا يخالطه شيء من الإثم ورجحخ النووي. وقال القرطبي: الأقوال التي ذكرت في تفسيره متقاربة المعنى وهي أنه الحج الذي وفيت أحكامه ووقع موقعاً لما طلب من المكلف على الوجه الأكمل.
قوله: هذا حديث حسن صحيح" أخرجه الجماعة إلا أبا داود.

(3/683)