Contents

الواجهة
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد
مقدمة
باب الألف
باب الثاء
باب الجيم
باب الحاء
باب الخاء
باب الدال
باب الراء
باب الزاي
تابع باب الزاء
تابع لحرف الزاء
تابع لحرف الزاء
باب الطاء
باب الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع حرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
باب النون
باب الصاد
باب الضاد
باب العين
تابع لحرف العين
تابع حرف العين
تابع لحرف العين
تابع لحرف العين
باب القاف
باب السين
باب الشين
باب الهاء
باب الواو
باب الياء
تابع باب الياء
باب الكني
باب بلاغات مالك ومرسلاته
باب مافي هذا الديوان من حديث مالك الذي ثبتت عليه أبوابه خاصة
الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج
الديباج - جزء 1
الديباج - جزء 2
الديباج - جزء 3
الديباج - جزء 4
الديباج - جزء 5
الديباج - جزء 6
المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج
المنهاج - مقدمة
المنهاج - الإيمان
المنهاج - الطهارة
المنهاج - الحيض
المنهاج - الصَّلَاة
المنهاج - المساجد ومواضع الصلاة
المنهاج - صلاة المسافرين وقصرها
المنهاج - بَاب صَلَاة الْجُمُعَة
المنهاج - بَاب صَلَاة الْعِيدَيْنِ
المنهاج - بَاب الدُّعَاء فِي صَلَاة الِاسْتِسْقَاء
المنهاج - بَاب صَلَاة الْكُسُوف
المنهاج - كِتَاب الْجَنَائِز
المنهاج - الزكاة
المنهاج - كِتَاب الصِّيَام
المنهاج - كِتَاب الِاعْتِكَاف
المنهاج - كِتَاب الْحَجّ
المنهاج - كِتَاب النِّكَاح
المنهاج - الرضاعة
المنهاج - الطلاق
المنهاج - اللِّعَان
المنهاج - العتق
المنهاج - البيوع
المنهاج - المساقاة
المنهاج - الفرائض
المنهاج - الهبات
المنهاج - الوصية
المنهاج - النذر
المنهاج - الأيمان
المنهاج - القسامة
المنهاج - الحدود
المنهاج - الأقضية
المنهاج - اللقطة
المنهاج - الجهاد والسير
المنهاج - الإمارة
المنهاج - الصيد والذبائح
المنهاج - كِتَاب الْأَضْاحَي
المنهاج - الأشربة
المنهاج - اللباس والزينة
المنهاج - الآداب
المنهاج - السلام
المنهاج - الألفاظ من الأدب وغيرها
المنهاج - الشعر
المنهاج - الرؤيا
المنهاج - الفضائل
المنهاج - فضائل الصحابة
المنهاج - البر والصلة والآداب
المنهاج - القدر
المنهاج - العلم
المنهاج - الذكر والدعاء
المنهاج - التوبة
المنهاج - صفات المنافقين
المنهاج - صفة القيامة والجنة والنار
المنهاج - الجنة وصفة نعيمها وأهلها
المنهاج - الفتن وأشراط الساعة
المنهاج - الزهد والرقائق
المنهاج - التفسير
تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي
أبواب الطهارة
أبواب الصلاة
تابع أبواب الصلاة
أبواب الوتر
أبواب الجمعة
تابع لأبواب الجمعة
أبواب العيدين
أبواب السفر
ابواب الزكاة
أبواب الصوم
أبواب الحج
تابع أبواب الحج
أبواب الجنائز
أبواب النكاح
أبواب الرضاع
أبواب الطلاق واللعان
ابواب البيوع
أبواب الأحكام
أبواب الديات
ابواب الحدود
تابع أبواب الحدود
أبواب الصيد
أبواب الأضاحي
أبواب النذور والأيمان
أبواب السير
أبواب الجهاد
أبواب اللباس
أبواب الأطعمة
أبواب الأشربة
تابع أبواب الأشربة
أبواب البر و الصله عن رسول الله صلى الله عليه و آله سلم
أبواب الطب عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الفرائض عن الرسول صلى الله عليه و سلم
أبواب الوصايا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الولاء و الهبة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب القدر عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم
أبواب الفتن عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الرؤيا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الشهادات عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
تابع لأبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صِفَةُ القِيامَة
أبواب صفة الجنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صفة جهنم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإيمان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب العلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإستئذان والآداب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب العلم
أبواب الأمثال
أبواب فضائل القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب القراءات عن رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم
أبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الدعوات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أحاديث شتى من أبواب الدعوات
المناقب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
مناقب الصحابة رضوان الله عليهم
تنوير الحوالك شرح موطأ مالك
كتاب وقوت الصلاة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب السهو
كتاب الجمعة
كتاب الصلاة في رمضان
كتاب صلاة الليل
كتاب صلاة الجماعة
كتاب قصر الصلاة في السفر
كتاب العيدين
كتاب صلاة الخوف
كتاب صلاة الكسوف
كتاب الاستسقاء
كتاب القبلة
كتاب القرآن
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب الجهاد
كتاب النذور و الأيمان
كتاب الضحايا
كتاب الذبائح
كتاب الصيد
كتاب العقيقة
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الرضاع
كتاب البيوع
كتاب القراض
كتاب المساقاة - كتاب كراء الأرض
كتاب الشفعة - كتاب الأقضية
كتاب الوصية - كتاب العتق والولاء
كتاب المكاتب - كتاب المدبر
كتاب الحدود
كتاب الأشربة - كتاب العقول
كتاب القسامة - كتاب الجامع
كتاب القدر - كتاب حسن الخلق
كتاب اللباس - كتاب صفة النبي
كتاب العين - كتاب الشعر
كتاب الرؤيا - كتاب السلام
كتاب الاستئذان والتشميت والصور والتماثيل وغيرها
كتاب البيعة - كتاب الكلام والعينة والتقى
كتاب جهنم - كتاب الصدقة
كتاب العلم - كتاب دعوة المظلوم - كتاب أسماء النبي
حاشية السندي على سنن ابن ماجة
المقدمة
الطَّهَارَة وَسُنَنهَا
الصلاة
الْأَذَان
المساجد والجماعات
أَبْوَاب إِقَامَة الصَّلَاة
الجنائز
الصوم
الزكاة
النكاح
الطلاق
الكفارات
التجارات
الأحكام
الحدود
الديات
الوصايا
الْفَرَائِض
الجهاد
المناسك
الْأَضَاحِيّ
الذبائح
الصيد
الأطعمة
الأشربة
الطب
اللباس
الْآدَاب
الدُّعَاء
تعبير الرؤيا
الْفِتَن
الزُّهْد
شرح سنن ابن ماجه لمغلطاي
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح رياض الصالحين
شرح رياض الصالحين - 01
شرح رياض الصالحين - 02
شرح رياض الصالحين - 03
شرح رياض الصالحين - 04
شرح سنن أبي داود للعيني
مقدمة التحقيق
كتاب الطهارة
كِتابُ الصَلاَةِ
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
عون المعبود شرح سنن أبي داود
كتاب الطهارة
تابع كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
كتاب الزكاة
تابع لكتاب الزكاة
كتاب اللقطة
كتاب المناسك
تابع لكتاب المناسك
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الصيام
تابع لكتاب الصيام
أول كتاب الجهاد
أول كتاب الضحايا
تابع كتاب الضحايا
أول كتاب الصيد
أول كتاب الوصايا
أول كتاب الفرائض
أول كتاب الخراج والفيء والإمارة
أول كتاب الجنائز
تابع لكتاب الجنائز
كتاب الأيمان والنذور
كتاب البيوع
كتاب الإجارة
كتاب القضاء
تابع لكتاب القضاء
كتاب العلم
كتاب الأشربة
كتاب الأطعمة
كتاب الطب
كتاب الكهانة والتطير
كتاب العتق
أول كتاب الحروف والقراءات
أول كتاب الحمام
أول كتاب اللباس
أول كتاب الترجل
أول كتاب الخاتم
أول كتاب الفتن والملاحم
أول كتاب المهدي
أول كتاب الملاحم
أول كتاب الحدود
أول كتاب الديات
أول كتاب السنة
تابع لكتاب السنة
أول كتاب الأدب
أبواب السلام
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن حجر
فتح الباري - هدي الساري مقدمة فتح الباري
فتح الباري - كتاب بدء الوحي
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب العلم
فتح الباري - كتاب الوضوء
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
فتح الباري - كتاب مواقيت الصلاة
فتح الباري - كتاب الأذان
فتح الباري - كتاب الجمعة
فتح الباري - كتاب الخوف
فتح الباري - كتاب العيدين
فتح الباري - كتاب الوتر
فتح الباري - كتاب الاستسقاء
فتح الباري - كتاب الكسوف
فتح الباري - كتاب سجود القرآن
فتح الباري - كتاب تقصير الصلاة
فتح الباري - كتاب التهجد
فتح الباري - كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة
فتح الباري - كتاب العمل في الصلاة
فتح الباري - كتاب السهو
فتح الباري - كتاب الجنائز
فتح الباري - كتاب الزكاة
فتح الباري - كتاب الحج
فتح الباري - كتاب العمرة
فتح الباري - كتاب المحصر
فتح الباري - كتاب جزاء الصيد
فتح الباري - كتاب فضائل المدينة
فتح الباري - كتاب الصوم
فتح الباري - كتاب صلاة التراويح
فتح الباري - كتاب فضل ليلة القدر
فتح الباري - كتاب الإعتكاف
فتح الباري - كتاب البيوع
فتح الباري - كتاب السلم
فتح الباري - كتاب الشفعة
فتح الباري - كتاب الإجارة
فتح الباري - كتاب الحرث والمزارعة
فتح الباري - كتاب المساقاة
فتح الباري - كتاب الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس
فتح الباري - كتاب الخصومات
فتح الباري - كتاب اللقطة
فتح الباري - كتاب المظالم
فتح الباري - كتاب الشركة
فتح الباري - كتاب الرهن
فتح الباري - كتاب العتق
فتح الباري - كتاب المكاتب
فتح الباري - كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها
فتح الباري - كتاب الشهادات
فتح الباري - كتاب الصلح
فتح الباري - كتاب الشروط
فتح الباري - كتاب الوصايا
فتح الباري - كتاب الجهاد و السير
فتح الباري - كتاب فرض الخمس
فتح الباري - كتاب الجزية و الموادعة
فتح الباري - كتاب بدء الخلق
فتح الباري - كتاب أحاديث الأنبياء
فتح الباري - كتاب المناقب
فتح الباري - كتاب فضائل الصحابة
فتح الباري - كتاب مناقب الأنصار
فتح الباري - كتاب المغازي
فتح الباري - كتاب التفسير
فتح الباري - كتاب فضائل القرآن
فتح الباري - كتاب النكاح
فتح الباري - كتاب الطلاق
فتح الباري - كتاب النفقات
فتح الباري - كتاب الأطعمة
فتح الباري - كتاب العقيقة
فتح الباري - كتاب الذبائح والصيد
فتح الباري - كتاب الأضاحي
فتح الباري - كتاب الأشربة
فتح الباري - كتاب المرضى
فتح الباري - كتاب الطب
فتح الباري - كتاب اللباس
فتح الباري - كتاب الأدب
فتح الباري - كتاب الإستئذان
فتح الباري - كتاب الدعوات
فتح الباري - كتاب الرقاق
فتح الباري - كتاب القدر
فتح الباري - كتاب الأيمان والنذور
فتح الباري - كتاب كفارات الأيمان
فتح الباري - كتاب الفرائض
فتح الباري - كتاب الحدود
فتح الباري - كتاب الديات
فتح الباري - كتاب استتابة المرتدين
فتح الباري - كتاب الإكراه
فتح الباري - كتاب الحيل
فتح الباري - كتاب التعبير
فتح الباري - كتاب الفتن
فتح الباري - كتاب الأحكام
فتح الباري - كتاب التمني
فتح الباري - كتاب أخبار الأحاد
فتح الباري - كتاب الإعتصام بالسنة
فتح الباري - كتاب التوحيد
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن رجب
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
مقدمة
خطبة الكتاب
كتاب الإيمان
كتاب العلم
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصوم
كتاب فضائل القرآن
كتاب الدعوات
كتاب المناسك
كتاب البيوع
كتاب الفرائض والوصايا
كتاب النكاح
كتاب العتق
كتاب القصاص
كتاب الديات
كتاب الحدود
كتاب الإمارة والقضاء
كتاب الجهاد
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأطعمة
كتاب اللباس
كتاب الطب والرقى
كتاب الرؤيا
كتاب الآداب
كتاب الرقاق
كتاب الفتن
كتاب صفة القيامة والجنة والنار
كتاب الفضائل والشمائل
كتاب المناقب

 
عودة لموقع هاني الطنبور
هاني الطنبور
الصفحة السابقة الصفحة التالية
 
 

 

تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي

أبواب الجنائز
باب ماجاء في ثواب المرض
...
أبواب الجنائز
عن رسول لله صلى الله عليه وسلم
1 ـ باب ما جَاءَ في ثَوابِ المَريض
972ـ حدثنا هَنّادٌ حدثنا أبُو مُعَاوِيَةَ عن الأعْمَشِ عن إبَراهِيم عن الأسْوَدِ عن عائِشَةَ قالتْ قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم "لا يُصِيبُ المُؤمِنَ شَوْكَةٌ فَمَا فَوْقَهَا إلاّ رَفَعَهُ الله بِهَا دَرَجَةً وَحَطّ عَنْهُ بها خَطِيئَةً".
وفي البابِ عن سَعْدِ بنِ أَبي وقّاصٍ وأبي عُبَيْدَةَ بن الجراحِ وأبي هُرَيْرَة وأبي أُمَامَةَ وأبي سَعِيدٍ وأنَسٍ وعبْدِ الله بنِ عَمْروٍ وأسَدِ بنِ كُلاز وجَابر بن عبدالله وعَبْدِ الرحمَن بنِ أزْهَرَ وأبي مُوسَى.
ـــــــ
أبواب الجنائز عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
قال النووي: الجنازة بكسر الجيم وفتحها والكسر أفصح، ويقال بالفتح للميت وبالكسر للنعش عليه ميت ويقال عكسه، والجمع جنائز بالفتح لا غير، قال: والجنازة مشتقة من جنز إذا ستر ذكره ابن فارس وغيره والمضارع يجنز بكسر النون انتهى
باب ما جاء في ثواب المرض
قوله: "شوكة" بالفتح وهو في الفارسية خار "فما فوقها" يمكن أن يراد به ما هو فوقها في الصغر والقلة فيرجع إلى ما هو أقل منها أو ما هو فوقها في الكبر والتألم فيرجع إلى ما هو أكبر منها، وقد فسروا بالوجهين قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا} والمعنى الأول أنسب وأفيد قاله أبو الطيب السندي.
قوله: "وفي الباب عن سعد بن أبي وقاص وأبي عبيدة بن الجراح وأبي هريرة وأبي أمامة وأبي سعيد وأنس وعبد الله بن عمرو وأسد بن كرز وجابر وعبد الرحمن بن أزهر وأبي موسى" أما حديث سعد بن أبي وقاص فأخرجه

(4/39)


قال أبو عيسى: حديثُ عائِشَةَ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
973 ـ حدثنا سُفْيَانُ بن وَكِيعٍ حدثنا أبي عن أُسَامَةَ بنِ زَيْدٍ عن محمد بنِ عَمْروٍ بنِ عَطَاءٍ عنْ عَطَاءِ بنِ يَسَارٍ عن أبي سَعيدٍ الخُدْرِيّ رضي الله عنه قالَ قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَا مِنْ شَيْءٍ يُصِيبُ المُوءْمِنَ مِنْ نَصَبٍ ولا حَزَنٍ ولا وَصَبٍ حَتّى الهَمّ يَهُمّهُ إِلاّ يُكَفّرُ الله بهِ عَنهُ سيّئاته".
ـــــــ
الترمذي وابن ماجة والدارمي. وأما حديث أبي عبيدة بن الجراح فأخرجه أحمد والبخاري في الأدب المفرد وأصله في النسائي بسند جيد وصححه الحاكم وذكره الحافظ في الفتح في كتاب المرضى. وأما حديث أبي هريرة فأخرجه مالك في الموطأ والترمذي. وأما حديث أبي أمامة فأخرجه ابن أبي الدنيا والطبراني في الكبير كذا في الترغيب. وأما حديث أبي سعيد فأخرجه الشيخان. وأما حديث أنس فأخرجه أحمد ورواته ثقات قاله المنذري. وأما حديث عبد الله بن عمرو فلينظر من أخرجه. وأما حديث أسد بن كرز فأخرجه عبد الله بن أحمد في زوائده وابن أبي الدنيا بإسناد حسن. وأما حديث جابر فأخرجه أحمد والبزار وأبو يعلى وابن حبان في صحيحه. وأما حديث عبد الرحمن بن أزهر فلينظر من أخرجه. وأما حديث أبي موسى فأخرجه البخاري وأبو داود.
قوله: "حديث عائشة حديث حسن صحيح" وأخرجه البخاري ومسلم.
قوله: "وما من شيء" ما نافية ومن زائدة للاستغراق قوله: "من نصب" بفتحتين التعب والألم الذي يصيب البدن من جراحة وغيرها "ولا حزن" بضم الحاء وسكون الزاي وبفتحتهما وهو الذي يظهر منه في القلب خشونة، يقال مكان حرن أي خشن "ولا وصب" بفتحتين الألم اللازم والسقم الدائم "حتى الهم" بالرفع فحتى ابتدائية والجملة بعد الهم خبره، وبالجر فحتى عاطفة أو بمعنى إلى فالجملة بعده حاله "يهمه" أي يذيبه من هممت الشحم إذا أذبته من باب نصر ينصر. قال في القاموس: الهم الحزن هم السقم جسمه أذابه وأذهب لحمه، وفي رواية البخاري: ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم، قال في الفتح: الهم ينشأ من الفكر فيما يتوقع حصوله مما يتأذى به، والغم كرب يحدث

(4/40)


قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ في هذا البَابِ. قالَ وسمِعْتُ الجَارُودَ يَقُولُ سَمِعْتُ وَكِيعاً يَقُولُ: لَمْ يُسْمَعْ في الهَمّ أنّهُ يَكُونُ ـ كَفّارَةً إلاّ في هذا الحَدِيث. قالَ: وقد رَوَى بَعْضُهُمْ هَذا الحَدِيث عن عَطَاءِ بنِ يَسارٍ عن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عن النبيّ صلى الله عليه وسلم.
ـــــــ
للقلب بسبب ما حصل، والحزن يحدث لفقد ما يشق على المرء فقده. وقيل الهم والغم بمعنى واحد انتهى. "إلا يكفر الله به عنه سيئاته" ظاهره تعميم جميع السيئات لكن الجمهور خصوا ذلك بالصغائر لحديث: الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان كفارات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر. فحملوا المطلقات الواردة في التفكير على هذا المقيد.
قوله: "هذا حديث حسن" وأخرجه البخاري ومسلم "وقد روى بعضهم هذا الحديث عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم" رواه البخاري في صحيحه من طريق محمد بن عمرو بن حلحلة عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم.
قوله: "قال وسمعت الجارود" أي قال الترمذي سمعت الجارود وهو الجارود بن معاذ السلمي الترمذي شيخ أبي عيسى الترمذي ثقة من العاشرة "يقول سمعت وكيعاً" هو وكيع بن الجراح الكوفي ثقة حافظ عابد من كبار التاسعة "أنه" أي وكيعاً.

(4/41)


باب ماجاء في عيادة المريض
...
2 ـ باب ما جَاءَ في عِيَادَة المَرِيض
974 ـ حدثنا حُمَيْدُ بنُ مَسْعَدَةَ حدثنا يَزِيدُ بنُ زُرَيْعٍ أخبرنا خَالِدٌ الحَذّاءُ عن أبي قِلاَبَةَ عن أبي أَسْمَاءَ الرّحَبِيّ عن ثَوْبَانَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ: "إنّ المُسْلِمَ إذَا عَادَ أَخَاهُ المُسْلِمَ لَمْ يَزَلْ في خُرْفَةِ الجَنّةِ".
ـــــــ
باب ما جاء في عيادة المريض
قوله: "عن أبي أسماء الرحبى" هو عمرو بن مرثد ويقال اسمه عبد الله ثقة من الثالثة مات في خلافة عبد الملك.
قوله: "لم يزل في خرفة الجنة" زاد مسلم: حتى يرجع. والخرقة بضم الخاء

(4/41)


وفي البابِ عن عَلِي وأبي مُوسَى والبَراءِ وأبي هُرَيْرَةَ وأنَسٍ وجَابِرٍ.
قال أبو عيسى: حدِيثُ ثَوْبَانَ حديثٌ حسنٌ صحيح. ورَوَى أبُو غِفَارٍ وعَاصِمٌ الأحْوَلُ هذا الحَدِيثَ عن أبي قِلاَبَةَ عن أبي الأشْعَثِ أبي عن أسْمَاءَ عن ثَوْبَانَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم نَحْوَهُ. وسَمِعْتُ محمداً يقُولُ: مَنْ رَوَى هذا الحَدِيثَ عن أبي الأشْعَثِ عن أبي أسْمَاءَ فَهُوَ أَصَحّ. قالَ محمدٌ: وأَحَادِيثُ أبي قِلاَبَةَ إنّمَا هِيَ عن أبي أسْمَاءَ إلاّ هذا الحَدِيثَ فهُوَ عِنْدِي عن أبي الأشْعَثِ عن أبي أسْمَاءَ.
ـــــــ
وسكون الراء وفتح الفاء. قال الهروي في غريبه: الخرقة ما يخترف من النخل حين يدرك ثمرة. قال أبو بكر بن الأنيارى: شبه رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يحرزه عائد المريض من الثواب بما يحرز المخترف من الثمر. وحكى الهروي عن بعضهم أن المراد بذلك الطريق فيكون معناه أنه طريق يؤديه إلى الجنة كذا في قوت المغتذي. وقال ابن العربي: قوله لم يزل في خرفة الجنة فإن ممشاه إلى المريض لما كان من الثواب على كل خطوة كان الخطأ سبباً إلى نيل الدرجات في النعيم المقيم، عبر بها عنها لأنه بسببها مجاز انتهى.
قوله: "وفي الباب عن علي" أخرجه الترمذي "وأبي موسى" أخرجه البخاري "والبراء" أخرجه الشيخان "وأبي هريرة" أخرجه مسلم "وأنس" أخرجه أبو داود "وجابر" أخرجه الديلي في الفردوس بلفظ: أفضل العيادة أجراً سرعة القيام من عند المريض.
قوله: "حديث ثوبان حديث حسن" وأخرجه مسلم.
قوله: "وروى أبو غفار" بكسر المعجمة وتخفيف الفاء آخره راء اسمه مثنى بن سعد أو سعيد الطائي ليس به بأس من السادسة "نحوه" أي نحو حديث خالد الحذاء "قال" أي أبو عيسى "وسمعت محمداً" يعني الإمام البخاري رحمه الله "من روى هذا الحديث عن أبي الأشعث عن أبي الأسماء فهو أصح" أي من روى عن أبي الأسماء بحذف واسطة أبي الأشعث "وأحاديث أبي قلابة" أي جميع أحاديثه غير هذا الحديث "إنما هي عن أبي أسماء" أي بلا واسطة أبي الأشعث "إلا هذا الحديث" أي المذكور "وهو عندي عن أبي الأشعث عن أبي اسماء"

(4/42)


975 ـ حدثنا محمدُ بنُ الوَزِيرِ الوَاسِطيّ حدثنا يَزيدُ بنُ هَارُونَ عن عَاصِمٍ الأحْولِ عن أبي قِلاَبَةَ عن أبي الأشْعَثِ عن أبي أَسْمَاءَ عن ثَوْبَانَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم نَحْوَهُ وزَادَ فِيهِ: "قِيلَ مَا خُرْفَةُ الجَنّة؟ قالَ جَنَاهَا".
976- حدثنا أحمدُ بنُ عَبْدَةَ الضّبّيّ حدثنا حَمّادُ بنُ زَيْدٍ عن أَيّوبَ عن أَبي قِلاَبَةَ عن أبي أَسْمَاءَ عن ثَوْبَانَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم نحْوَ حَدِيثِ خَالِدٍ ولَمْ يَذْكُرْ فيهِ "عن أبي الأشْعَث" .
قال أبو عيسى: ورَوَاه بَعْضُهُمْ عن حَمّادِ بنِ زَيْدٍ ولَمْ يَرْفَعْهُ.
977 ـ حدثنا أَحمدُ بنُ مَنيعٍ حدثنا الحَسَنُ بنُ محمدٍ أَخبرنا إسْرَائِيلُ عن ثُوَيْرٍ "هو ابن أبي فاختة" عن أبيهِ قالَ: "أَخَذَ عَلِيّ بِيَدِي قَالَ انْطَلِقْ بِنَا إلى الحسن نَعُودُهُ فَوَجَدْنَا عِنْدَهُ أَبَا مُوسَى فقالَ عَلِيّ عليه السّلام أَعَائداً جِئْتَ يَا أبَا مُوسَى أَمْ زَائِراً؟ فقالَ لاَ بَلْ عَائِداً، فقالَ عَليّ سَمِعْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ : مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَعُودُ مُسْلِماً غُدْوَةً إِلاّ صَلَى عليهِ سَبْعُونَ
ـــــــ
أي بواسطة أبي الأشعث، فمن روى هكذا فهو أصح "وزاد فيه قيل ما خرقة الجنة؟ قال جناها" بفتح الجيم. قال في النهاية الجنا اسم ما يجتني من الثمر ويجمع الجنا على أجن مثل عصى وأعص انتهى.
قوله: "عن ثوير" بضم المثلثة مصغراً ابن فاختة بمعجمة مكسورة ومثناة مفتوحة سعيد بن علاقة بكسر المهملة الكوفي ضعيف رمى بالرفض من الرابعة "عن أبيه" سعيد بن علاقة الهاشمي مولاهم أبو فاختة الكوفي مشهور بكنيته ثقة من الثالثة.
قوله: "أخذ علي" أي ابن أبي طالب رضي الله تعالى عنه "إلى الحسن" أي ابن علي رضي الله تعالى عنه "غدوة" بضم الغين ما بين صلاة الغدوة وطلوع الشمس كذا قاله ابن الملك، والظاهر أن المراد به أول النهار وما قبل الزوال "إلا صلى عليه"

(4/43)


أَلْفَ مَلَكٍ حَتّى يُمسِيَ، وإنْ عَادَهُ عَشِيّةً إلاّ صَلى عَليْهِ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ حَتى يُصْبِحَ وكانَ لَهُ خَرِيفٌ في الجَنّةِ".
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ. وقد رُوِيَ عن عَلِي هذا الحَدِيثُ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ ومنهم مَنْ وقَفَهُ ولَمْ يَرْفَعْهُ. اسْمُ وأَبي فَاخِتَةَ اسمه سَعِيدُ بنُ عِلاَقَةَ.
ـــــــ
أي دعا له بالمغفرة "حتى يمسي" من الامساء "وإن عاده" إن نافية بدلالة إلا ولمقابلتها ما "عشية" أي ما بعد الزوال أو أول الليل "وكان له" أي للعائد "خريف" أي بستان وهو في الأصل الثمر المجتني أو مخروف من ثمر الجنة فعيل بمعنى مفعول. قوله: "هذا حديث غريب حسن" وأخرجه أبو داود والنسائي "واسم أبي فاختة" هو والد ثوير كما عرفت.
فائدة: قال أبو بكر بن العربي تكرار العيادة سنة لما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل بسعد بن معاذ حين ضرب له خيمة في المسجد ليعوده من قريب، قال ويعاد المريض من كل ألم دق أو جل ويعاد من الرمد، وقد روى أن زيد بن أرقم عاده رسول الله صلى الله عليه وسلم من رمد أصابه، وما روى عن أبي هريرة مرفوعاً لا يعاد من وجع العين ولا من وجع الضرس ولا من الدمل فليس بصحيح انتهى كلامه محصلا

(4/44)


باب ماجاء في النهي عن التمني للموت
...
3 ـ باب ما جَاءَ في النهي عن التّمَنّي للمَوْت
978 ـ حدثنا محمدُ بنُ بَشّارِ حدثنا محمدُ بنُ جَعْفَرٍ حدثنا شُعْبَةُ عن أَبي إسحَاقَ عن حَارِثَةَ بنِ مُضَرّبٍ قالَ: "دَخَلْتُ على خَبّابٍ وقد
ـــــــ
باب ما جاء في النهي عن تمني الموت
قوله: "عن حارثة بن مضرب" بالحاء المهملة والثاء المثلثة وأبوه بضم الميم وفتح الضاد المعجمة وكسر الراء المشددة وآخره باء موحدة وليس له عند المصنف إلا هذا الحديث قاله السيوطي. وقال الحافظ في التقريب: ثقة من الثانية غلط من نقل عن ابن المديني أنه تركه انتهى.
قوله: "دخلت على خباب" بالتشديد أي ابن الأرت بتشديد الفوقية تميمي

(4/44)


اكْتَوى في بَطْنِهِ فقالَ مَا أَعْلَمُ أَحَداً مِنْ أَصْحَابِ النبيّ صلى الله عليه وسلم لَقِيَ مِنَ البَلاَءِ ما لَقِيتُ، لَقَدْ كُنْتُ ما أجِدُ دِرْهَماً على عَهْدِ النبيّ صلى الله عليه وسلم وفي نَاحِيَة من بَيْتِي أَرْبَعُون أَلْفاً ولَوْلاَ أَنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم نَهَانَا أَوْ نَهَى أَن نتَمَنّى المَوْت لَتَمَنّيْتُ".
وفي الباب عن أنس و أبي هُرَيْرَةَ وجَابر.
ـــــــ
سبى في الجاهلية وبيع بمكة ثم حالف بني زهرة وأسلم في السنة السادسة وهو أول من أظهر إسلامه فعذب عذاباً شديداً لذلك، وشهد بدراً والمشاهد كلها ومات سنة سبع وثلاثين منصرف علي كرم الله وجهه من صفين، فمر على قبره فقال: رحم الله خباباً أسلم راغباً وهاجر طائعاً وعاش مجاهداً وابتلى في جسمه أحوالاً ولن يضيع الله أجره "وقد اكتوى في بطنه" قال الطيبي الكى علاج معروف في كثير من الأمراض، وقد ورد النهي عن الكي فقيل النهي لأجل أنهم كانوا يرون أن الشفا منه وأما إذا أعتقد أنه سبب وأن الشافي هو الله فلا بأس به. ويجوز أن يكون النهي من قبل التوكل وهو درجة أخرى غير الجواز انتهى. ويؤيده حديث: لا يسترقون ولا يكتوون وعلى ربهم يتوكلون " لقد كنت وما أجد درهما على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم" كأكثر الصحابة لأن الفتوحات العظيمة لم تقع إلا بعد، ألا ترى أن عبد الله بن أبي السرح لما افتتح إفرقية في زمن عثمان بلغ سهم الفارس فيه ثلاثة آلاف دينار "وفي ناحية بيتي أربعون ألفاً" وفي رواية أحمد: وإن في جانب بيتي الاَن لأربعين ألف درهم "نهانا أو نهى" شك من الراوي بين هذين اللفظين "أن يتمنى" بصيغة المجهول "لتمنيته" أي لأستريح من شدة المرض الذي من شأن الجبلة البشرية أن تنفر منه ولا تصبر عليه. والحديث رواه أحمد وزاد قال ثم أتى بكفنه فلما رآه بكى وقال لكن حمزة لم يوجد له كفن إلا بردة ملحاء إذا جعلت على رأسه قلصت عن قدميه وإذا جعلت على قدميه قلصت عن رأسه حتى مدت على رأسه وجعل على قدميه الإذخر "وفي الباب عن أبي هريرة وأنس وجابر" أما حديث أبي هريرة فأخرجه البخاري ولفظه: لا يتمنى أحدكم الموت إما محسناً فلعله أن يزداد خيراً وإما مسيئاً فلعله أن

(4/45)


قال أبو عيسى: حديثُ خَبّابٍ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وقد رُوِيَ عن أنَسِ بنِ مَالِكٍ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أَنّه قال: "لاَ يَتَمنّيَنّ أَحَدُكُمْ المَوْتَ لِضُر نَزَلَ بهِ ولْيَقُلْ الّلهُمّ أَحْيِنِي مَا كانَتِ الحَيَاةُ خَيْراً لي وتَوَفّنِي إذَا كَانتِ الوَفَاةُ خَيْراً لِي".
967 ـ حدثنا بذلِكَ عَلِيّ بنُ حُجْرٍ أخبرنا إسماعيلُ بنُ إِبْرَاهِيمَ أخبرنا عَبْدُ العَزِيزِ بنُ صُهَيْبٍ عن أنَسٍ بنِ مَالِكٍ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم بِذَلِكَ.
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
يستعتب، وأما حديث أنس فأخرجه البخاري ومسلم. وأما حديث جابر فأخرجه أحمد.
قوله: "حديث خباب حديث حسن صحيح" وأخرجه أحمد.
قوله: "بضر" بضم الضاد وتفتح أي بسبب ضرر مالي أو بدني ووجه النهي أن تمنى الموت من أجل الضر أنه يدل على الجزع في البلاء وعدم الرضاء بالقضاء "ما كانت الحياة خيراً لي" أي من الموت وهو أن تكون الطاعة غالبة على المعصية والأزمنة خالية عن الفتنة والمحنة "وتوفني" أي أمتني "إذا كانت الوفاة" أي الممات "خيراً لي" أي من الحياة بأن يكون الأمر عكس ما تقدم.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان

(4/46)


باب ماجاء في التعوذ للمريض
...
4 ـ باب ما جَاءَ في التَعَوّذِ لِلْمَرِيض
979 ـ حدثنا بِشْرُ بنُ هِلاَلٍ البَصْرِيّ الصّوّافُ حدثنا عَبْدُ الوَارِثِ بنُ سَعِيدٍ عن عَبْدِ العَزِيزِ بنِ صُهَيْبٍ عن أَبي نَضْرَةَ عن أَبي سَعِيدٍ "أنّ جِبْرَيلَ أَتَى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقَالَ: يا محمدُ أَشْتَكَيْتَ؟ قالَ
ـــــــ
باب ما جاء في التعوذ للمريض
قوله: "إن جبريل" بكسر الجيم وفتحها "أتى النبي صلى الله عليه وسلم" أي للزيارة أو العيادة "أشتكيت؟" بفتح الهمزة للاستفهام وحذف همزة الوصل،

(4/46)


نَعَمْ. قالَ بِسْمِ الله أَرْقِيكَ مِنْ كُلّ شَيْءٍ يُؤْذِيكَ، مِنْ شَرّ كُلّ نَفْسٍ وَعَيْنٍ حَاسِدٍ بسْمِ الله أَرْقِيكَ والله يَشْفيكَ".
980 ـ حدثنا قُتَيْبَةُ حدثنا عَبْدُ الوَارِثِ بنُ سَعِيدِ عن عَبْدِ العَزِيزِ بنِ صُهَيْبٍ قالَ "دَخَلْتُ أَنَا وثَابِتٌ على أَنَسِ بنِ مَالِكٍ فقالَ ثابِتٌ: يا أبَا حَمْزَةَ اشتَكَيْتُ. فقالَ أَنَسٌ أَفَلاَ أرْقِيكَ بِرُقْيَةِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم؟ قالَ بَلَى. قالَ : اللّهُمّ رَبّ النّاسِ مُذْهِبَ البَاسِ إشْفِ أَنْتَ الشّافِي لاَ شَافِيَ إِلاّ أَنْتَ شِفَاءً لاَ يُغٍادِرُ سَقَماً".
قال وفي البابِ عن أنَسٍ وعَائِشَةَ.
ـــــــ
وقيل بالمد على اثبات همزة الوصل وإبدالها ألفاً، وقيل بحذف الاستفهام "قال بسم الله أرقيك" بفتح الهمزة وكسر القاف مأخوذ من الرقية "من شر كل نفس" أي خبيثة "وعين حاسدة" وفي رواية مسلم: أو عين حاسد. قال النووي في شرح مسلم: قيل يحتمل أن المراد بالنفس نفس الاَدمي وقيل يحتمل أن المراد بها العين، فان النفس تطلق على العين، يقال رجل منفوس إذا كان يصيب الناس بعينه، كما قال في الرواية الأخرى: من شر كل ذي عين. ويكون قوله أو عين حاسد من باب التوكيد بلفظ مختلف أو شكا من الراوي في لفظه انتهى كلام النووي.
قوله: "وثابت البناني" بضم الموحدة "يا أبا حمزة" هذا كنية أنس.
قوله: "رب الناس" بالنصب بحذف حرف النداء "مذهب الباس" أي مزيل شدة المرض. قال الحافظ ابن حجر: الباس بغير همزة للازدواج فإن أصله الهمزة "شفاء" بالنصب على أنه مفعول مطلق لا شف، والجملتان معترضتان بين الفعل والمفعول المطلق "لا يغادر" بالغين المعجمة أي لا يترك "سقما" بفتحتين وبضم وسكون أي مرضاً والتنكير للتقليل، وفائدة التقييد أنه قد يحصل الشفاء من ذلك المرض فيخلفه مرض آخر يتولد منه مثلاً فكان يدعو بالشفاء المطلق لا بمطلق الشفاء.
قوله: "وفي الباب عن أنس" أخرجه أحمد وابن السني "وعائشة" أخرجه

(4/47)


قال أبو عيسى: حدِيثُ أَبي سَعِيدٍ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وسَأَلْتُ أبا زرْعَةَ عن هذا الحَدِيثِ فَقُلْتُ لَهُ رِوَايَةُ عَبْدِ العَزِيزِ عن أبي نَضْرَةَ عن أبي سَعيِدٍ أصَحّ أوْ حَدِيثُ عَبْدِ العَزِيزِ عن أنَسٍ؟ قالَ كِلاَهُمَا صَحِيحٌ. وروى عَبْدُ الصّمدِ بنُ عبدِ الوَارِثِ عن أبيهِ عن عَبْدِ العَزِيزِ بنِ صُهَيْبٍ عن أَبي نَضْرَةَ عن أبي سَعِيدٍ وعن عَبْدِ العَزيزِ بنِ صُهَيْبٍ عن أَنَسٍ. ـــــــ
الشيخان والنسائي. قوله: "حديث أبي سعيد حديث حسن صحيح" وأخرجه مسلم والنسائي وابن ماجه. قوله: "قال" أي أبو عيسى "سألت أبا زرعة" هو عبيد الله بن عبد الكريم بن يزيد بن فروخ الرازي إمام حافظ ثقة مشهور، روى عنه مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه. قال إسحاق: كل حديث لا يعرفه أبو زرعة ليس له أصل مات سنة أربع وستين ومائتين "أخبرنا عبد الصمد بن عبد الوارث الخ" هذا مقول أبي زرعة، واستدل بقوله هذا على كون كلا الحديثين صحيحاً

(4/48)


5 ـ باب ما جَاءَ في الحَثّ على الوَصِيّة
981 ـ حدثنا إسْحَاقُ بنُ مَنْصُورٍ أخبرنا عَبْدُ الله بنُ نُمَيْرٍ حدثنا عُبَيْدُ الله بنُ عُمرَ عن نَافِعٍ عن ابنِ عُمرَ أنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: "مَا حَقّ امْرِيءٍ مُسْلِمٍ يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ ولَهُ شَيْءٌ يُوصِي فيهِ
ـــــــ
باب ماجاء في الحث على الوصية
قوله: "ما" أي ليس "حق امرئ مسلم" قال الحافظ: كذا في أكثر الروايات وسقط لفظ مسلم من رواية أحمد عن إسحاق بن عيسى عن مالك والوصف بالمسلم خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له. أو ذكر للتهييج لتقع المبادرة لامتثاله لما يشعر به من نفي الاسلام عن تارك ذلك، ووصية الكافر جائزة في الجملة. وحكى ابن المنذر فيه الإجماع. وقد بحث فيه السبكي من جهة أن الوصية شرعت زيادة في العمل الصالح والكافر لا عمل له بعد الموت، وأجاب بأنهم نظروا إلى أن الوصية كالإعتاق وهو يصح عن الذمي والحربي "يبيت" كأن فيه حذفاً تقديره أن يبيت وهو كقوله تعالى {وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ} الاَية، ويجوز أن يكون يبيت صفة لمسلم وبه جزم الطيبي "وله شيء" جملة حالية "يوصي فيه" صفة شيء

(4/48)


إلاّ وَوَصِيّتُهُ مَكْتُوبَة عِنْدَهُ". وفي البابِ عن ابنِ أَبي أَوْفَي.
قال أبو عيسى: حديثُ ابن عُمرَ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
"إلا ووصيته مكتوبة عنده" قال الطيبي رحمه الله: ما بمعنى ليس ويبيت صفة ثالثة لامرئ ويوصي فيه صفة شيء، والمستثنى خبر أي لليس ثم قيد ليلتين على ما قاله المظهر تأكيد وليس بتحديد، والمعنى لا ينبغي له أن يمضي عليه زمان وإن كان قليلاً في حال من الأحوال إلا أن يبيت بهذه الحال وهي أن يكون وصيته مكتوبة عنده لأنه لا يدري متى يدركه الموت. قال الطيبي رحمه الله وفي تخصيص ليلتين تسامح في إرادة المبالغة أي لا ينبغي أن يبيت ليلة وقد سامحناه في هذا المقدار فلا ينبغي أن يتجاوز عنه. قال النووي: فيه دليل على وجوب الوصية والجمهور على أنها مندوبة، وبه قال الشافعي رحمه الله. ومعناه ما الحزم والاحتياط لمسلم إلا أن تكون وصيته مكتوبة عنده. وقال داود وغيره من أهل الظاهر: هي واجبة بهذا الحديث، ولا دلالة فيه على الوجوب لكن إن كان على الإنسان دين أو وديعة لزمه الإيصاء بذلك، ويستحب تعجيلها وأن يكبها في صحيفة ويشهد عليه فيها، وإن تجدد له أمر يحتاج إلى الوصية به ألحقه بها.
قوله: "وفي الباب عن ابن أبي أوفى" أخرجه البخاري من طريق طلحة بن مصرف قال سألت عبد الله بن أبي أوفى هل كان النبي صلى الله عليه وسلم أوصى؟ فقال لا فقلت كيف كتب على الناس الوصية أو أمروا بالوصية؟ قال أوصى بكتاب الله. قوله "حديث ابن عمر حديث حسن صحيح" وأخرجه البخاري ومسلم.

(4/49)


باب ماجاء في الوصية بالثلث والربع
...
6 ـ باب ما جَاءَ في الوَصِيّةِ بالثلُثِ والربُع
982 ـ حدثنا قُتَيْبَةُ أخبرنا جَرِيرٌ عن عَطَاءِ بنِ السّائِبِ عن أبي عَبْدِ الرحمَن السّلَمِيّ عن سَعْدِ بنِ مَالِكٍ قالَ: "عَادَنِي رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وأنَا مَرِيضٌ فقَالَ: أوْصَيْتَ؟ قُلْتُ نَعَمْ. قالَ: بِكَمْ؟ قلت: بِمَالِي كُلّهِ في سَبِيلِ الله، قالَ: فَمَا تَرَكْتَ لِوَلَدِكَ؟ قال :

(4/49)


هُمْ أَغْنِيَاءُ بِخَيْرٍ، قالَ أَوْصِ بالعُشْرِ، فَمَا زِلْتُ أُنَاقِصُهُ حَتى قالَ أَوْصِ بالثّلث والثّلُثُ كثير" قالَ أبوُ عَبْدِ الرحمَنِ ونَحْنُ نَسْتَحِبّ أنْ ينْقُصَ مِنَ الثّلُثِ لِقَوْلِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم والثّلُثُ كبيرٌ.
ـــــــ
باب ما جاء في الوصية بالثلث والربع
قوله: "هم أغنياء بخير" قال في مجمع البحار: قوله بخير خبر بعد خبر أو صفة أغنياء قوله: "فما زلت أناقصه" قال في مجمع البحار: أي أراجعه في النقصان أي أعد ما ذكره ناقصاً ولو روى بضاد معجمة لكان من المناقضة انتهى. قلت: في جميع النسخ الحاضرة أناقص بالصاد المهملة، وأورد الشيخ ولي الدين هذا الحديث في المشكاة وفيه أيضاً بالصاد المهملة لكن قال القاري في المرقاة: وفي نسخة بالمعجمة، وقال فيه نقلاً عن ابن الملك أي قال سعد: فما زلت أناقض النبي صلى الله عليه وسلم من المناقضة أي ينقض عليه الصلاة والسلام قولي وأنقض قوله أراد به المراجعة حرصاً على الزيادة. وروى بالصاد المهملة عن النقصان انتهى ما في المرقاة. قلت وقع في رواية للنسائي: أوص بالعشر فما زال يقول وأقول حتى قال أوص بالثلث الخ. وقال الجزري في النهاية في حديث صوم التطوع فناقضني وناقضته أي ينقض قولي وأنقض قوله من نقض البناء أراد به المراجعة والمرادة انتهى "والثلث كبير" وقع في رواية البخاري "كثير" بالمثلثة. قال الحافظ في الفتح: كذا في أكثر الروايات ومعناه كثير بالنسبة إلى ما دونه. قال: ويحتمل أن يكون قوله والثلث كثير مسوقاً لبيان الجواز بالثلث وأن الأولى أن ينقص عنه ولا يزيد عليه وهو ما يبتدره الفهم، ويحتمل أن يكون لبيان أن التصدق بالثلث هو الأكمل أي كثير أجره، ويحتمل أن يكون معناه كثير غير قليل. قال الشافعي رحمه الله: وهذا أولى معانيه يعني أن الكثرة أمر نسبي وعلى الأول عول ابن عباس انتهى. قلت المراد بالأول الاحتمال الأول، وهو أن قوله: والثلث كثير مسوق لبيان الجواز وأن الأولى أن ينقص عنه. روى البخاري في صحيحه عن ابن عباس قال: لو غفر الناس إلى الربع، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الثلث والثلث كبير أو كثير. قال الحافظ في الفتح: قوله لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال هو كالتعليل لما اختاره من النقصان عن الثلث وكأن ابن عباس أخذ

(4/50)


قال وفي البابِ عن ابنِ عبّاسِ.
قال أبو عيسى: حديثُ سَعْدٍ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وقد رُوِيَ عنه مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ، وقَدْ رُوىَ عنهُ "والثّلث كَثِيرٌ" والعملُ على هذا عِنْدَ أهْلِ العِلْمِ لاَ يَرَوْنَ أَنْ يُوصِى الرّجُلُ بأَكْثَرَ مِنَ الثُلث ويَسْتَحِبّونَ أنْ يَنْقُصَ مِنْ الثُلُثِ. وقالَ سُفْيَانُ الثّوْرِىّ كانوا يَسْتَحِبّونَ في الوَصِيّةِ الخُمُسَ دُونَ الرُبُعِ، والرّبُع دُونَ الثّلُثِ. ومَنْ أوْصَى بالثّلُثِ فَلَمْ يَتْرُكْ شَيْئاً، ولا يَجُوُزُ لَهُ إلاّ الثّلُثَ.
ـــــــ
ذلك من وصفه صلى الله عليه وسلم الثلث بالكثرة انتهى "قال أبو عبد الرحمن: فنحن نستحب أن ينقص من الثلث لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: والثلث كثير" يعني لوصفه صلى الله عليه وسلم الثلث بالكثرة وكذلك قال ابن عباس رضي الله عنه كما عرفت آنفاً. وقال النووي في شرح مسلم: إن كان الورثة فقراء استحب أن ينقص منه وإن كانوا أغنياء فلا.
قوله: "وفي الباب عن ابن عباس" أخرجه البخاري ومسلم وتقدم لفظه.
قوله: "حديث سعد حديث حسن صحيح" وأخرجه البخاري ومسلم.
قوله: "وقد روى عنه كبير" أي بالموحدة "ويروي كثير" أي بالمثلثة. قوله: "والعمل على هذا عند أهل العلم لا يرون أن يوصي الرجل بأكثر من الثلث" قال العيني في شرح البخاري: إذا أوصى المسلم بأكثر من ثلث ماله فإن لم يكن له ورثة جاز وإن كان له ورثة، فإن أجازوا جازت الوصية وإن ردوا بطلت الوصية. وقال مالك والشافعي وأحمد: لا يجوز إلا في الثلث ويوضع الثلثان لبيت المال إنتهى "ويستحبون أن ينقص من الثلث. وقال سفيان الثوري: كانوا يستحبون في الوصية الخمس دون الربع والربع دون الثلث الخ" قال العيني في شرح البخاري: إعلم أن الإجماع قائم على أن الوصية بالثلث جائزة، وأوصى الزبير رضي الله عنه بالثلث. واختلف العلماء في القدر الذي تجوز الوصية به هل هو الخمس أو السدس أو الربع، فعن أبي بكر رضي الله عنه أنه أوصى بالخمس وقال: إن الله تعالى رضي من غنائم المؤمنين بالخمس. وقال معمر عن قتادة: أوصى عمر رضي الله عنه بالربع. وقال إسحاق: السنة الربع كما روى عن ابن عباس. وروى عن علي رضي الله عنه: لأن أوصى بالخمس أحب إلى من الربع، ولأن أوصى بالربع أحب إلى من الثلث. واختار آخرون السدس. وقال إبراهيم: كانوا يكرهون أن يوصوا مثل نصيب أحد الورثة حتى يكون أقل وكان السدس أحب إليهم من الثلث. واختار آخرون العشر. واختار آخرون لمن كان ماله قليلاً وله وارث ترك الوصية، روى ذلك عن علي واين عباس وعائشة. وفي التوضيح: وقام الإجماع من الفقهاء أنه: لا يجوز لأحد أن يوصي بأكثر من الثلث إلا أبا حنيفة وأصحابه وشريك بن عبد الله. قال العيني: هو قول ابن مسعود وعبيدة ومسروق وإسحاق. وقال زيد بن ثابت: لا يجوز لأحد أن يوصي بأكثر من ثلثه وإن لم يكن له وارث، وهو قول مالك والأوزاعي والحسن بن حي والشافعي إنتهى كلام العيني.

(4/51)


باب ماجاء في تلقين المريض عند الموت والدعاء له
...
7 ـ باب ما جاءَ في تَلْقِينِ المَريضِ عِنْدَ المَوْتِ والدّعَاءِ لَهُ عنده
983 ـ حدثنا أبو سَلَمَةَ يَحْيَى بنُ خَلَفٍ البَصْرِي حدثنا بَشْرُ بنُ المُفَضّلِ عن عُمَارَةَ بنِ غَزِيّةَ عن يَحْيَى بنِ عُمَارَةَ عن أبي سَعِيدٍ الخُدْرِيّ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ: "لَقّنُوا مَوْتَاكُمْ لاَ إلَهَ إلاّ الله".
ـــــــ
باب ما جاء في تلقين المريض عند الموت والدعاء له
قوله: "عن عمارة بن غزية" بفتح المعجمة وكسر الراء بعدها تحتانية ثقيلة ابن الحارث الأنصاري والمدني لا بأس به.
قوله: "لقنوا موتاكم لا إله إلا الله" قال النووي في شرح مسلم: معناه من حضره الموت ذكروه لا إله إلا الله ليكون آخر كلامه كما في الحديث: من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة. والأمر بهذا التلقين أمر ندب، وأجمع العلماء على هذا التلقين وكرهوا الإكثار عليه والموالاة لئلا يضجر بضيق حاله وشدة كربه فيكره ذلك بقلبه أو يتكلم بما لا يليق إنتهى. قال القاري في المرقاة: الجمهور على أنه يندب هذا التلقين، وظاهر الحديث يقتضي وجوبه وذهب إليه جمع، بل نقل بعض المالكية الاتفاق عليه إنتهى. قلت: الأمر كما قال القاري والله تعالى أعلم. قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: المراد بقول لا إله إلا الله في هذا الحديث وغيره كلتا الشهادة فلا يرد إشكال ترك ذكر الرسالة.

(4/52)


وفي البابِ عن أبي هُرَيْرَةَ وأُمّ سَلَمَةَ وعَائِشَةَ وجَابرٍ وسُعْدَى المُرّيّةِ وهيَ امْرَأةُ طَلْحَةَ بنِ عُبَيْدِ الله.
قال أبو عيسى: حديثُ أبي سَعِيدٍ حديثٌ حسنٌ غريبٌ صحيحٌ.
ـــــــ
قال الزين بن المنير: قول لا إله إلا الله لقب جرى على النطق بالشهادتين شرعاً إنتهى.
إعلم أن المراد من الموتى في هذا الحديث من حضره الموت لا الميت حقيقة، فإن ابن حبان روى عن أبي هريرة بمثل حديث الباب وزاد: فإنه من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة يوماً من الدهر وإن أصابه ما أصابه قبل ذلك، ذكره الحافظ في التلخيص. وقال فيه: وروى من حديث عطاء بن السائب عن أبيه عن جده بلفظ: من لقن عند الموت شهادة أن لا إله إلا الله دخل الجنة إنتهى. وأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم. قال: افتحوا على صبيانكم أول كلمة بلا إله إلا الله ولقنوهم عند الموت لا إله إلا الله فإنه من كان أول كلامه لا إله إلا الله ثم عاش ألف سنة ما سئل عن ذنب واحد، أخرجه الحاكم في تاريخه والبيهقي في شعب الإيمان عن ابن عباس وقال غريب، كذا في جمع الجوامع للسيوطي.
قوله: "وفي الباب عن أبي هريرة" أخرجه مسلم "وأم سلمة" أخرجه مسلم "وعائشة" أخرجه النسائي "وجابر" أخرجه العقيلي في الضعفاء والطبراني في الدعاء وفيه عبد الوهاب بن مجاهد وهو متروك كذا في التلخيص "وسعدى المرية" بضم السين وسكون العين بنت عوف لها صحبة "وهي امرأة طلحة بن عبيد الله" أحد العشرة استشهد يوم الجمل.
قوله: "حديث أبي سعيد حديث غريب حسن صحيح" أخرجه الجماعة إلا البخاري.

(4/53)


984 ـ حدثنا هَنّادٌ حدثنا أبو مُعَاوِيَةَ عن الأعْمَشِ عن شَقِيقٍ عن أُمّ سَلَمَةَ قالَتْ قالَ لَنَا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إذَا حَضَرْتُمْ المَرِيضَ أو المَيّتَ فَقُولُوا خَيْراً فإنّ الملائِكةَ يُؤَمّنُون على مَا تَقُولُونَ" قالَتْ: فَلَمّا مَاتَ أبُو سَلَمَةَ أَتَيْتُ النبيَ صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسولَ الله إنّ أبَا سَلَمَةَ مَاتَ، قالَ فَقُولِي: "اللّهُمّ اغْفِرْ لِي ولَهُ وأعقِبْنِي مِنْه عُقْبَى حَسَنَةً، قالَتْ فَقُلْتُ فأَعْقَبَنِي الله مِنْهُ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْهِ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم".
قال أبو عيسى: شَقِيقٌ هُوَ ابنُ سَلَمَةَ أَبُو وَائِلٍ الأْسَدِيُ.
قال أبو عيسى: حديثُ أُمّ سَلَمَةَ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وقد كانَ يُسْتَحَبّ أَنْ يُلَقّنَ المَريضُ عِنْدَ المَوْتِ قَوْل لاَ إلَهَ إلاّ الله. وقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: إذَا قالَ ذَلِكَ مَرّة فَمَا لَمْ يَتَكَلّمْ بَعْدَ ذَلِكَ فلا يَنْبَغِي أَنْ يُلَقّنَ ولا يُكْثَرَ عَلَيْهِ في هذا. ورُوِيَ عن ابنِ المُبَارَكِ أنّهُ لَمّا حَضَرتْهُ الوَفَاةُ جَعَلَ رَجُلٌ يُلَقّنُهُ لا إلَه إلاّ الله. وأكْثَرَ عَلَيْهِ، فقالَ لَهُ عبدُ الله: إذَا قُلْتَ مَرّة فأنَا على ذَلِكَ مَا لَمْ أتَكَلّمْ بِكَلاَمٍ. وإنّمَا مَعْنَى قَوْلِ عبدِ الله
ـــــــ
قوله: "عن الأعمش" إسمه سليمان بن مهران أبو محمد الكاهلي ثقة حافظ.
قوله: "إذا حضرتم المريض أو الميت" أي الحكمى فأو للشك أو الحقيقي فأو للتنويع قاله القاري "فقولوا خيراً أي للمريض أشفه وللميت إغفر له، ذكره المظهر كذا في المرقاة "فإن الملائكة يؤمنون" بالتشديد أي يقولون آمين "على ما تقولون" من الدعاء خيراً أو شراً. قال النووي: فيه الندب إلى قول الخير حينئذ من الدعاء والاستغفار له وطلب اللطف به والتخفيف عنه ونحوه، وفيه حضور الملائكة حينئذ وتأمينهم إنتهى "وأعقبني منه عقبى حسنة" أي عوضني منه عوضاً حسناً "فأعقبني الله منه من هو خير منه" أي أعطاني الله بدله من هو خير منه "رسول الله صلى الله عليه وسلم" بدل من من هو خير منه.
قوله: "حديث أم سلمة حديث حسن صحيح" وأخرجه مسلم.
قوله: "وروى عن ابن المبارك" هو عبد الله بن المبارك المروزي أحد الأئمة الأعلام وشيوخ الإسلام. قال ابن عيينة: ابن المبارك عالم المشرق والمغرب وما بينهما. وقال شعبة: ما قدم علينا مثله ثقة ثبت فقيه عالم جواد جمعت فيه خصال الخير مات سنة إحدى وثمانين ومائة "وإنما معنى قول عبد الله"

(4/54)


إنّما أَرَادَ ما رُوِيَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: "مَنْ كانَ آخِرُ قَوْلِهِ لاَ إلَهَ إلاّ الله دَخَلَ الجَنّةَ".
ـــــــ
أي ابن المبارك "إنما أراد ما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم من كان آخر قوله الخ" أخرجه أبو داود والحاكم عن معاذ بن جبل. وقد روى ابن أبي حاتم في ترجمة أبي زرعة أنه لما احتضر أرادوا تلقينه فتذاكروا حديث معاذ فحدثهم به أبو زرعة بإسناده وخرجت روحه في آخر قول لا إله إلا الله

(4/55)


8 ـ باب ما جَاءَ في التَشْدِيدِ عِنْدَ المَوْت
985 ـ حدثنا قُتَيْبَةُ حدثنا اللّيْثُ عن ابنِ الهَادِ عن مُوسَى بنِ سَرْجِسَ عن القَاسِمِ بنِ محمدٍ عن عَائِشَةَ أنّهَا قالَتْ: "رأَيْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وَهُوَ بالموْتِ وَعِنْدَهُ قَدَحٌ فيهِ ماءٌ وهُوَ يُدخِلُ يَدَهُ في القَدَحِ ثُمّ يَمْسَحُ وجْهَهُ بالمَاءِ ثُمّ يقُولُ: اللهُمّ أَعنىّ على غَمَرَاتِ المَوْتِ وسَكَرَاتِ المَوْتِ".
ـــــــ
باب ماجاء في التشديد عند الموت
قوله: "عن ابن الهاد" هو يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد الليثي أبو عبد الله المدني ثقة مكثر من الخامسة "عن أبي موسى بن سرجس" بفتح المهملة وسكون الراء وكسر الجيم بعدها مهملة مدني مستور من السادسة "عن القاسم بن محمد" بن أبي بكر الصديق ثقة أحد الفقهاء بالمدينة من كبار الثالثة.
قوله: "وهو بالموت" أي مشغول أو ملتبس به "ثم يمسح وجهه بالماء" دفعاً لحرارة الموت أو دفعاً للغشيان وكربه "اللهم أعني على غمرات الموت" أي شدائده أي أعني على دفعها. قال في القاموس: غمرة الشيء شدته ومزدحمة ج غمرات وغمار انتهى. وقال في مجمع البحار: غمرات الموت شدائده انتهى. "وسكرات الموت" أي شدائده جمع سكرة بسكون الكاف وهي شدة الموت. قال سراج أحمد في شرح الترمذي: هو عطف بيان لما قبله والظاهر أن يراد بالأولى الشدة وبالأخرى ما يترتب عليها من الدهشة والحيرة الموجبة للغفلة. وقال القاضي في تفسير قوله تعالى {وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ} إن سكرته شدته الذاهبة بالعقل انتهى.

(4/55)


قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ.
986 ـ حدثنا الحَسَنُ بنُ الصّبّاحِ البغدادي حدثنا مُبَشّرُ بنُ إِسماعيلَ الحَلَبِيّ عن عَبْدِ الرحمنِ بنِ العَلاَءِ عن أبيهِ عن ابنِ عُمَرَ عن عائِشَةَ قالَتْ: "مَا أَغْبِطُ أحَداً بَهوْنِ مَوْتٍ بَعْدَ الّذِي رَأيتُ مِنْ شِدّةِ مَوْتِ رسول الله صلى الله عليه وسلم".
قالَ: سألْتُ أبا زُرْعَةَ عن هذا الحديثِ و قُلْتُ لَهُ مَنْ عَبْدُ الرحمَنِ بنُ العَلاَءِ؟ فقال هُوَ العَلاَء بن اللّجْلاَجِ وإنْما أعرفهُ مِنْ هذا الوَجْهِ.
ـــــــ
قوله: "هذا حديث غريب" لم يحكم عليه الترمذي بشيء من الصحة والضعف والظاهر أنه ضعيف لأن موسى بن سرجس مستور كما تقدم.
قوله: "والحسن بن الصباح البزار" آخره راء أبو علي الواسطي نزيل بغداد صدوق يهم وكان عابداً فاضلاً من العاشرة "أخبرنا مبشر" بكسر المعجمة الثقيلة صدوق من التاسعة "عن عبد الرحمن بن العلاء" بن اللجلاج نزيل حلب مقبول من السابعة "عن أبيه" العلاء بن اللجلاج ثقة من الرابعة.
قوله: "ما أغبط" بكسر الباء يقال غبطت الرجل أغبطه إذا اشتهيت أن يكون لك مثل ماله وأن يدوم عليه ما هو فيه أي ما أحسد "أحداً" ولا أتمنى ولا أفرح لأحد "بهون موت" الهون بالفتح الرفق واللين أي بسهولة موت، والإضافة فيه إضافة الصفة إلى الموضوف أي لما رأيت شدة وفاته علمت أن ذلك ليس من المنذرات الدالة على سوء عاقبة المتوفي، وأن هون الموت وسهولته ليس من المكرمات. وإلا لكان صلى الله عليه وسلم أولى الناس به فلا أكره شدة الموت لأحد ولا أغبط أحداً يموت من غير شدة. قوله: "هو ابن العلاء اللجلاج" بجيمين وسكون الأول منهما. قوله: "وإنما أعرفه من هذا الوجه" لم يحكم عليه بشيء من الصحة والضعف والظاهر أنه حسن

(4/56)


9 ـ باب
987 ـ حدثنا محمد بنُ بَشّارٍ حدثنا يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ عن المُثَنّى بنِ سَعِيدٍ
ـــــــ
باب
قوله: "حدثنا محمد بن بشار" هو محمد بن بشار بندار ثقة من العاشرة.

(4/56)


عن قَتَادَةَ عن عَبْدِ الله بنِ بُرَيْدَةَ عن أبيهِ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ: "المُؤْمِنُ يَمُوتُ بِعَرَقِ الجِبِينِ".
قال وفي البابِ عن ابنِ مَسْعُودِ.
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ وقد قالَ بَعْضُ أَهْلِ العلم، لاَ نَعْرِفُ لِقَتَادَةَ سَمَاعاً مِنْ عَبْدِ الله بنِ بُرَيْدَةَ.
ـــــــ
قوله: "المؤمن يموت بعرق الجبين" قيل هو عبارة عن شدة الموت، وقيل هو علامة الخير عند الموت. قال ابن الملك: يعني يشتد الموت على المؤمن بحيث يعرق جبينه من الشدة لتمحيص ذنوبه أو لتزيد درجته. وقال التوربشتي: فيه وجهان أحدهما ما يكابده من شدة السياق التي يعرق دونها الجبين، والثاني أنه كناية عن كد المؤمن في طلب الحلال وتضييقه على نفسه بالصوم والصلاة حتى يلقى الله تعالى والأول أظهر كذا في المرقاة. وقال العراقي: اختلف في معنى هذا الحديث فقيل إن عرق الجبين لما يعالج من شدة الموت وقيل: من الحياء وذلك لأن المؤمن إذا جاءته البشرى مع ما كان قد اقترف من الذنوب حصل له بذلك خجل واستحي من الله تعالى فعرق لذلك جبينه، كذا في قوت المغتذي.
قوله: "في الباب عن ابن مسعود" أخرجه الشيخان كذا قال سراج أحمد في شرحه وإني لم أجد في الصحيحين حديثاً عن ابن مسعود في هذا الباب والله تعالى أعلم.
قوله: "هذا حديث حسن" والحديث أخرجه النسائي وابن ماجه أيضاً، ورواه الحاكم وقال على شرطهما وأقره الذهبي كذا في المرقاة

(4/57)


10 ـ باب
988 ـ حدثنا عَبْدُ الله بنُ أَبي زِيَادٍ الكوفي وحدثنا هَارُونُ بنُ عَبْدِ الله البَزّارُ البَغْدَادِيّ قالا: حدثنا سَيّارُ "بنُ حَاتِمٍ" حدثنا جَعْفَرُ بنُ سُليْمَانَ
ـــــــ
باب
قوله: "حدثنا سيار بن حاتم" بفتح السين المهملة وتشديد التحتانية صدوق له أوهام من كبار التاسعة "أخبرنا جعفر بن سليمان" الضبعي صدوق زاهد لكنه يتشيع من الثامنة.

(4/57)


عن ثابِتٍ عن أَنَسٍ "أَنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم دَخَلَ على شَاب وهُوَ في المَوْتِ فقَالَ كَيْفَ تَجِدُكَ؟ قالَ والله يا رسولَ الله إنّي أرْجُو الله وإنّي أَخَافُ ذُنُوبِي. فقَالَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم لاَ يَجْتَمِعَانِ في قَلْبِ عَبْد في مِثْلِ هَذَا المَوْطِنِ إلاّ أَعْطَاهُ الله مَا يَرْجُو، وآمَنَهُ مِمّا يَخَافُ".
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسن غريبٌ وقد رَوَىَ بَعْضُهُمْ هذا الحَدِيثَ عن ثَابِتٍ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم مُرْسَلاً.
ـــــــ
قوله: "وهو بالموت" أي في سكراته "كيف تجدك" قال ابن الملك: أي كيف تجد قلبك أو نفسك في الإنتقال من الدنيا إلى الاَخرة راجياً رحمة الله أو خائفاً من غضب الله "أرجوا الله" أي أجدني أرجو رحمته "وإني" أي مع هذا "أخاف ذنوبي" قال الطيبي: علق الرجاء بالله والخوف بالذنب وأشار بالفعلية إلى أن الرجاء حدث عند السياق وبالإسمية والتأكيد بان إلى أن خوفه كان مستمراً محققاً "لا يجتمعان" أي الرجاء والخوف "في مثل هذا الموطن" أي في هذا الوقت وهو زمان سكرات الموت. ومثله كل زمان يشرف على الموت حقيقة أو حكماً كوقت المبادرة وزمان القصاص ونحوهما فلا يحتاج إلى القول بزيادة المثل. وقال الطيبي: مثل زائدة والموطن إما مكان أو زمان كمقتل الحسين رضي الله تعالى عنه انتهى "ما يرجو" أي من الرحمة "وآمنه مما يخاف" أي من العقوبة بالعفو والمغفرة. قوله: "هذا حديث غريب" قال ميرك عن المنذري إسناده حسن، ورواه ابن أبي الدنيا أيضاً كذا في المرقاة. قلت: ورواه ابن ماجة أيضاً

(4/58)


باب ماجاء في كراهية النعي
...
11 ـ باب ما جَاءَ في كَرَاهِيَة النّعي
989 ـ حدثنا أَحمدُ بنُ مَنِيعٍ حدثنا عَبْدُ القُدّوسِ بنُ بَكْرٍ بنِ خُنَيْسٍ
ـــــــ
باب ما جاء في كراهية النعي
بفتح النون وسكون العين المهملة وتخفيف الياء وفيه أيضاً كسر العين وتشديد الياء، وهو في اللغة الإخبار بموت الميت كما في الصحاح والقاموس وغيرهما من كتب اللغة. وفي النهاية: نعي الميت نعياً إذا أذاع موته وأخبر به
قوله: "حدثنا عبد القدوس بن بكر بن خنيس" بضم الخاء المعجمة وفتح

(4/58)


أخبرنا حَبيبُ بنُ سُلَيْمٍ العَبْسِيّ عن بِلاَلِ بن يَحْيَى العَبْسِيّ عن حُذَيْفَةَ بن اليمان قَالَ: "إذَا مِتّ فلا تُؤْذِنوا بي، إِنّي أخَافُ أَنْ يَكُونَ نَعْياً، فإنّي سَمِعْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يَنْهَى عن النّعْي". هذا حديثٌ حسنٌ صحيح.
ـــــــ
النون مصغراً. قال أبو حاتم: لا بأس به "أخبرنا حبيب بن سليم" بضم السين وفتح اللام مصغراً. قال الشيخ محمد طاهر في كتابه المغني: سليم كله بالضم إلا سليم بن حبان بفتحها "العبسي" بفتح العين المهملة وسكون الموحدة. قال الحافظ في تهذيب التهذيب: أخرجا يعني الترمذي وابن ماجه له حديثاً واحداً في الجنائز وحسنه الترمذي وذكره ابن حبان في الثقات "عن بلال بن يحي العبسي" روى عن حذيفة بن اليمان وغيره وعنه حبيب بن سليم العبسي وغيره. قال إسحاق بن منصور حذيفة بن اليمان وغيره وعنه حبيب بن سليم العبسي وغيره. قال إسحاق بن منصور عن يحيى بن معين: ليس به بأس قاله الحافظ في تهذيب التهذيب. وقال في التقريب: صدوق "عن حذيفة" هو ابن اليمان صحابي جليل.
قوله: "فلا تؤذنوا بي أحداً" من الإيذان بمعنى الإعلام أي لا تخبروا بموتي أحداً "وينهي عن النعي" الظاهر أن حذيفة رضي الله عنه أراد بالنعي في هذا الحديث معناه اللغوي وحمل النهي على مطلق النعي. وقال غيره من أهل العلم إن المراد بالنعي في هذا الحديث النعي المعروف في الجاهلية. قال الأصمعي: كانت العرب إذا مات فيها ميت له قدر ركب راكب فرساً وجعل يسير في الناس ويقول: نعاه فلان أي أنعية وأظهر خبر وفاته، قال الجوهري: وهي مبنية على الكسر مثل دراك ونزال كذا في قوت المغتذي. وإنما قالوا هذا لأنه قد ثبت أنه صلى الله عليه وسلم نعى النجاشي، وأيضاً قد ثبت أنه صلى الله عليه وسلم أخبر بموت زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب وعبد الله بن رواحة حين قتلوا بمؤتة. وأيضاً قد ثبت أنه صلى الله عليه وسلم قال حين أخبر بموت السوداء أو الشاب الذي كان يقم المسجد: ألا آذنتموني. فهذا كله يدل على أن مجرد الإعلام بالموت لا يكون نعياً محرماً وإن كان باعتبار اللغة يصدق عليه اسم النعي، ولذلك قال أهل العلم إن المراد بالنعي في قوله ينهي عن النعي النعي الذي كان في الجاهلية جمعاً بين الأحاديث. قال ابن العربي: يؤخذ من مجموع الأحاديث ثلاث حالات: الأولى إعلام الأهل والأصحاب وأهل الصلاح فهذا سنة، الثانية: دعوة الحفل للمفاخرة فهذه تكرة، الثالثة: الاعلام بنوع آخر كالنياحة ونحو ذلك فهذا يحرم انتهى.

(4/59)


990 ـ حدثنا محمدُ بنُ حُمَيْدٍ الرّازيّ حدثنا حَكاّمُ بنُ سَلْمٍ وحدثنا هَارُونُ بنُ المغيرَةِ عن عَنْبَسَةَ عن أَبي حَمْزَةَ عن إبراهيمَ عن عَلْقَمَةَ عن عَبْدِ الله عن النّبِيّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "إيّاكُمْ والنّعْي فإِنّ النّعْيَ مِنْ عَمَلِ الجَاهِلِيّةِ". قَالَ عَبْدُ الله: والنّعْيُ أَذَانٌ بالميّتِ. وفي البابِ عن حُذَيْفَةَ.
991 ـ حدثنا سَعِيدُ بنُ عَبْدِ الرحمن المخْزُومِيّ حدثنا عَبْدُ الله بنُ الوَلِيدِ العَدَنِيّ عن سُفْيَانَ الثّوْرِيّ عن أَبي حَمْزَةَ عن إبراهيمَ عن عَلْقَمَةَ عن عَبْدِ الله عن النبي صلى الله عليه وسلم نَحْوَهُ وَلَمْ يَرْفَعْهُ ولَمْ يَذْكُرْ فيهِ "والنّعْيُ أذَانٌ بالميّتِ".
قال أبو عيسى وهذا أَصَحّ مِنْ حَدِيثِ عَنْبَسَةَ عَن أَبي حَمْزَةَ. وأَبُو حَمْزَةَ هُوَ مَيْمُون الأعْوَرُ ولَيْسَ هُوَ بالقَوِيّ عِنْدَ أهْلِ الحَدِيثِ.
قال أبو عيسى: حَدِيثُ عَبْدِ الله حديثٌ حسنٌ غريبٌ. وقد كَرِهَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ النّعْيَ. والنّعْيُ عِنْدَهُمْ أَنْ يُنَاديَ في النّاسِ أَنّ فُلاَناً مَاتَ لِيَشْهَدُوا جَنَازَتَهُ. وقَالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ لا بَأَسَ أن يُعْلِمَ الرجل قَرَابَتَه
ـــــــ
قوله: "هذا حديث حسن" وأخرجه ابن ماجه أيضاً. وقال الحافظ في الفتح بإسناد حسن.
قوله: "أخبرنا حكام" بفتح الحاء المهملة وتشديد الكاف "ابن سلم" بفتح السين المهملة وسكون اللام ثقة له غرائب من الثامنة "عن أبي خمرة" هو ميمون الأعور وليس بالقوي عند أهل الحديث. قال الحافظ: ميمون ابو خمرة الأعور مشهور بكنيته ضعيف من السادسة "عن إبراهيم" هو النخعي "عن عبد الله" هو ابن مسعود رضي الله عنه.
قوله: "إياكم والنعي" أي اتقوا النعي. المراد بالنعي في هذا الحديث ما يكون على طريقة الجاهلية كما تقدم، عن إبراهيم أنه قال لا بأس إذا مات الرجل أن يؤذن صديقه وأصحابه، إنما كان يكره أن يطاف في المجالس فيقال أنعى فلاناً فعل أهل الجاهلية رواه سعيد بن منصور في سننه. قوله: "والنعي أذان بالميت" أي إعلام بموته.
قوله: "وفي الباب عن حذيفة" قد أخرج الترمذي حديث حذيفة في هذا

(4/60)


وإخْوّانِه، ورُوِيَ عن إبرَاهِيمَ أَنه قَالَ: لا بأْسَ بأَنْ يُعْلِمَ الرجُلُ قَرَابَتَهُ.
ـــــــ
الباب، فلعل أشار إلى حديث آخر له والله تعالى أعلم "وقد كره بعض أهل العلم النعي، والنعي عندهم أن ينادى في الناس بأن فلاناً مات ليشهدوا جنازته" قال أبو الطيب في شرحه: أي يركب راكب وينادي في الناس فهذا نعي الجاهلية وهو مكروه، ويؤيده حديث عبد الله: إياكم والنعي فإن النعي من عمل الجاهلية، وقوله: وقال بعض أهل العلم لا بأس بأن يعلم الخ يعني إن نعى نعى غير أهل الجاهلية فلا بأس به وتركه أولى. والذي عليه الجمهور أن مطلق الإعلام بالموت جائز وليس فيه ترك الأولى بل ربما يقال إنه سنة لما ورد أنه صلى الله عليه وسلم نعى النجاشي رواه البخاري. وقال بعض الفضلاء: معنى قوله والنعي عندهم الخ أي حملوا النهي على مطلق النعي وهو خبر الموت كما في مقتضى كلام حذيفة على طريق الاحتمال حيث قال فإني أخاف فقوله وقال بعضهم الخ أي يحمل الحديث على نعي أهل الجاهلية انتهى. أقول توجيه حسن إلا أنه يأبى تفسيره للقول الأول بما فسره به تفسيرهم بقولهم أن ينادي آه والله أعلم انتهى كلام أبي الطيب. قلت: فيما قال بعض الفضلاء في شرح كلام الترمذي شيء، وكذا فيما قال أبو الطيب، لكن قول بعض الفضلاء أظهر مما قال أبو الطيب فتفكر. قال الحافظ في فتح الباري: والحاصل أن محض الإعلام بذلك لا يكره فإن زاد على ذلك فلا، وقد كان بعض السلف يشدد في ذلك حتى كان حذيفة إذا مات له الميت يقول لا تؤذنوا به أحداً إني أخاف أن يكون نعياً الخ.
قوله: "وروي عن ابراهيم النخعي أنه قال الخ" أخرجه سعيد بن منصور في سننه وتقدم لفظه وأخرج أيضاً عن ابن سيرين أنه قال لا أعلم بأساً أن يؤذن الرجل صديقه وحميمه: ذكره الحافظ في الفتح

(4/61)


باب ماجاء أن الصبر في الصدمة الأولى
...
12 ـ باب ما جَاءَ أَنّ الصّبْرَ في الصّدْمَةِ الأولَى
992 ـ حدثنا قُتَيْبَةُ حدثنا اللّيْث عن يَزِيدَ بنِ أَبي حَبِيبٍ
ـــــــ
باب ما جاء أن الصبر في الصدمة الأولى
قوله: "عن يزيد بن أبي حبيب" مولى شريك بن الطفيل الأزدي المصري. قال الليث: يزيد عالمنا وسيدنا. وقال ابن سعد: ثقة كثير الحديث مات سنة ثمان

(4/61)


عن سَعْدِ بنِ سِنَانٍ عن أَنَسٍ أَنّ رَسولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: "الصّبْرُ في الصّدْمَة الأولى".
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ غريبٌ مِنْ هذا الوجْهِ.
993 ـ حدثنا محمدُ بنُ بَشّارِ حدثنا محمدُ بنُ جَعْفَرٍ عن شُعْبَةَ عن ثَابِتٍ البُنَانِيّ عن أَنَسٍ بنِ مَالِكٍ عن النبي صلى الله عليه وسلم قالَ: "الصّبْرُ عِنْدَ الصّدْمَةِ الأولى".
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
وعشرين ومائة "عن سعد بن سنان" ويقال سنان بن سعد الكندي المصري، وصوب الثاني البخاري وابن يونس صدوق له أفراد من الخامسة كذا في التقريب.
قوله: "الصبر في الصدمة الأولى" وفي الرواية الاَتية عند الصدمة الأولى وفي رواية للبخاري عند أول صدمة. وأصل الصدم ضرب الشيء الصلب بمثله فاستعير للمصيبة الواردة على القلب. والمعنى إذا وقع الثبات أول شيء يهجم على القلب من مقتضيات الجزع فذلك هو الصبر الكامل الذي يترتب عليه الأجر. قال الطيبي: إذ هناك سورة المصيبة فيثاب على الصبر وبعدها تنكسر السورة ويتسلى المصاب بعض التسلى فيصير الصبر طبعاً فلا يثاب عليها انتهى.
قوله: "هذا حديث غريب من هذا الوجه" أي من هذا الطريق يعني من طريق الليث عن يزيد بن حبيب عن سعد بن سنان عن أنس. وهذا الحديث مشهور من طريق شعبة عن ثابت البناني عن أنس أو بهذا الطريق أخرجه الشيخان في صحيحهما وأخرجه الترمذي أيضاً بهذا الطريق فيما بعد.
قوله: "الصبر عند الصدمة الأولى" أي عند قوة المصيبة وشدتها. قال الخطابي: المعنى أن الصبر الذي يحمد عليه صاحبه ما كان عند مفاجأة المصيبة بخلاف ما يعد ذلك فإنه على الأيام يسلو انتهى. وقال الحافظ في الفتح: الصبر عند الصدمة الأولى أي هو المطلوب المبشر عليه بالصلاة والرحمة.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي

(4/62)


باب ماجاء في تقبيل الميت
...
13 ـ باب ما جَاءَ في تَقْبيلِ الميّت
994 ـ حدثنا محمدُ بنُ بَشّارٍ حدثنا عَبْدُ الرحمَن بنُ مَهْدِي حدثنا سُفْيَانُ عن عَاصِمِ بنِ عُبَيْدِ الله عن القَاسِمِ بنِ محمدٍ عن عَائِشَةَ "أَنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قبّلَ عُثمانَ بنَ مَظُعُونٍ وهُوَ مَيّتٌ وهُوَ يَبْكي أَو قالَ عَيْنَاهُ تَذْرِفَان".
وفي الباب عن ابن عبّاسٍ وجَابِرٍ وعَائِشَةَ قَالُوا: إنّ أَبَا بَكْرٍ قبّلَ النّبِيّ صلى الله عليه وسلم وهُو مَيّتٌ.
قال أبو عيسى: حَديثُ عائشة حديثٌ حسنٌ صحيح.
ـــــــ
باب ما جاء في تقبيل الميت
قوله: "عن عاصم بن عبيد الله" بن عاصم بن عمر بن الخطاب العدوي مدني ضعيف كذا في الخلاصة والتقريب "قبل عثمان بن مظعون" هو أخ رضاعي لرسول الله صلى الله عليه وسلم. قال صاحب المشكاة: هاجر الهجرتين وشهد بدراً وكان حرم الخمر في الجاهلية، وهو أول من مات من المهاجرين بالمدينة في شعبان على رأس ثلاثين شهراً من الهجرة، ولما دفن قال نعم السلف هو لنا، ودفن بالبقيع، وكان عابداً مجتهداً من فضلاء الصحابة انتهى "وهو ميت" حال من المفعول "وهو" أي النبي صلى الله عليه وسلم "أو قال عيناه تدرفان" أي تجريان دمعاً. وفي رواية ابن ماجه: فكأن أنظر إلى دموعه تسيل على خديه. والحديث يدل على أن تقبيل المسلم بعد الموت والبكاء عليه جائز.
قوله: "وفي الباب عن ابن عباس وجابر وعائشة قالوا" أي هؤلاء الثلاثة "إن أبا بكر قبل الخ" روى البخاري عن عائشة وابن عباس أن أبا بكر قبل النبي صلى الله عليه وسلم بعد موته انتهى. قال الشوكاني: فيه جواز تقبيل الميت تعظيماً وتبركاً لأنه لم ينقل أنه أنكر أحد من الصحابة على أبي بكر فكان إجماعه انتهى.
قوله: "حديث عائشة حديث حسن صحيح" قال المنذري في تلخيص السنن: قال الترمذي حسن صحيح وفي إسناده عاصم بن عبيد الله بن عاصم بن عمر بن الخطاب وقد تكلم فيه غير واحد من الأئمة انتهى كلام المنذري

(4/63)


باب ماجاء في غسل الميت
...
14ـ باب ما جَاءَ في غُسْلِ الميّت
995 ـ حدثنا أَحمدُ بنُ مَنِيعِ حدثنا هُشَيْمٌ أَخبرنا خَالدٌ وَ مَنْصُورٌ و هِشَامٌ "فَأَمّا خَالِدٌ وهِشَامٌ فقالا عَنْ محمدٍ و حَفْصَةَ: وقَالَ منْصُورٌ عن محمدٍ" عَن أُمّ عطِيّةَ قالَتْ: "تُوُفّيَتْ إحْدَى بَنَاتِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ اغْسِلْنَهَا وِتْرَا ثَلاَثاً أَو خَمْساً أَو أَكثَرَ مِنْ ذَلِكَ إنْ رَأَيْتُنّ، واغْسِلْنَهَا بمَاءِ وسِدْرٍ واجْعَلْنَ في الاَخِرَةِ كَافُوراً أَوْ شَيْئاً مِنْ كَافُورٍ فإِذَا
ـــــــ
باب ما جاء في غسل الميت
قال ابن العربي في العارضة: خبر الواحد مقبول في الأحكام الشرعية باتفاق من أهل السنة، واختلف العلماء هل يقبل خبر الواحد فيما تعم به البلوى فرده أبو حنيفة وقد بيناه في أصول الفقه وأنه قد تناقض في مسائل قبل فيها خبر الواحد، ومن هذا الباب غسل الميت إذ ليس في حديث سواه انتهى
قوله: "أخبرنا خالد" هو الحذاء "ومنصور" هو ابن زاذان "وهشام" هو ابن حسان "فأما خالد وهشام فقالا عن محمد وحفصة" محمد هذا هو ابن سيرين وحفصة هذه هي بنت سيرين "وقال منصور عن محمد" أي ولم يذكر حفصة "عن أم عطية" فروى خالد وهشام عن محمد وحفصة عن أم عطية، وروى منصور عن محمد عن أم عطية. قال الحافظ في الفتح: مدار حديث أم عطية على محمد وحفصة ابني سيرين. قال ابن المنذر: ليس في أحاديث الغسل للميت أعلى من حديث أم عطية وعليه عول الأئمة.
قوله: "توفيت إحدى بنات النبي صلى الله عليه وسلم" هي زينب زوج أبي العاص بن الربيع كما في مسلم وهو المشهور، وقيل إنها أم كلثوم زوج عثمان كما في ابن ماجة ولفظه: دخل علينا ونحن نغسل ابنته أم كلثوم وكذا وقع لابن بشكوال في المبهمات عن أم عطية والدولابي في الذرية الطاهرة. قال الحافظ ابن حجر في الفتح: فيمكن ترجيح أنها أم كلثوم بمجيئه من طرق متعددة، ويمكن الجمع بأن تكون أم عطية حضرتهما جميعاً، فقد جزم ابن عبد البر في ترجمتها بأنها كانت غاسلة الميتات "من ذلك" بكسر الكاف لأنه خطاب للمؤنث "إن رأيتن"

(4/64)


فَرَغْتُنّ فَآذِنّنِي فَلَمّا فَرَغْنَا آذَنّاهُ فأَلْقَى إلينَا حَقْوَه فَقَالَ أَشْعِرنْهَا بهِ"
ـــــــ
أي إن احتجتن إلى أكثر من ثلاث أو خمس للإنقاء لا للتشهي فافعلنه قاله الطيبي "واغسلنها بماء وسدر" قال القاضي هذا لا يقتضي استعمال السدر في جميع الغسلات والمستحب استعماله في الكرة الأولى ليزيل الأقذار ويمنع عنه تسارع الفساد ويدفع الهوام. قال ابن الهمام: الحديث يفيد أن المطلوب المبالغة في التنظيف لا أصل التطهير وإلا فالماء كاف فيه، ولا شك أن تسخين الماء كذلك مما يزيد في تحقيق المطلوب فكان مطلوباً شرعياً. وعند الشافعي لا يغلي قيل يبدأ بالقراح أولاً ليبتل ما عليه من الدرن أولاً فيتم قلعه بالماء والسدر ثم يحصل تطييب البدن بعد النظافة بماء الكافور، والأولى أن يغسل الأوليان بالماء والسدر كما هو ظاهر كتاب الهداية. وأخرج أبو داود عن ابن سيرين أنه كان يأخذ الغسل عن أم عطية يغسل بالسدر مرتين والثالث بالماء والكافور وسنده صحيح كذا في المرقاة. قلت: قال الحافظ الزيلعي في نصب الراية بعد ذكر حديث أبي داود هذا نقلاً عن النووي: إسناده على شرط البخاري ومسلم انتهى. وسكت عنه أبو داود والمنذري. تنبيه: وقع في المرقاة المطبوعة: قال القاضي: هذا لا يقتضي استعمال السدر في جميع الغسلات الخ. قلت: الظاهر أن يكون هذا يقتضي استعمال السدر في جميع الغسلات بحذف كلمة لا كما قال الزين بن المنير: ظاهره أن السدر يخلط في كل مرة من مرات الغسل لأن قوله بماء وسدر يتعلق بقوله اغسلنها انتهى "كافوراً أو شيئاً من كافور" شك من الراوي أي اللفظين قال: والأول محمول على الثاني لأنه نكرة فيصدق بكل شيء منه "فآذنني" بالمد وكسر الذال وتشديد النون الأولى أمر لجماعة النساء من الإيذان وهو الإعلام والنون الأولى أصلية ساكنة والثانية ضمير فاعل وهي مفتوحة والثالثة للوقاية "فألقى إلينا حقوه" بفتح المهملة ويجوز كسرها بعدها قاف ساكنة والمراد به هنا الإزار كما وقع مفسراً في رواية للبخاري. والحقو في الأصل معقد الإزار وأطلق على الإزار مجازاً قاله الحافظ "أشعر نهابه" أي بالحقو في النهاية أي اجعلنه شعارها، والشعار الثوب الذي يلي الجسد لأنه بلى شعره، قال الطيبي: أي اجعلن هذا الحقو تحت الأكفان بحيث يلاصق بشرتها والمراد إيصال البركة إليها.

(4/65)


قالَ هُشَيْمٌ: "وفي حدِيثِ غَيْرِ هَؤُلاَءِ ولا أَدْرِي ولَعَلّ هِشَاماً مِنْهُمْ" قالَتْ: وضَفَرْنَا شَعْرَهَا ثَلاَثةَ قُرُونٍ. قالَ هُشَيْمٌ: أَظُنّهُ قالَ فأَلْقَيْنَاهُ خَلْفَهَا. قالَ هُشَيْمٌ: فَحَدّثَنَا خَالِدٌ مِنْ بَيْنِ القَوْمِ عن حَفْصَةَ ومحمدٍ عن أُمّ عَطِيّة قالَتْ: وقالَ لَنَا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: وابْدَأْنَ بِمِيَامِنِهَا ومَوَاضِعَ الوُضُوءِ". وفي البابِ عن أُمّ سُلَيْمٍ.
قال أبو عيسى: حدِيثُ أُمّ عَطِيّةَ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. والعملُ على
ـــــــ
قوله: "وفي حديث غير هؤلاء" أي خالد ومنصور وهشام "وضفرنا شعرها" الضفر قتل الشعر قال الطيبي: من الضفيرة وهي النسج ومنه ضفر الشعر وإدخال بعضه في بعض "ثلاثة قرون" أي ثلاث ضفائر، ووقع في رواية للبخاري ناصيتها وقرينها أي جانبي رأسها وفي رواية أخرى للبخاري: أنهن جعلن رأس بنت النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة قرون نقضته ثم غسلنه ثم جعلنه ثلاثة قرون "فألقيناه خلفها" أي فألقينا الشعر خلف ظهرها. قال الحافظ في فتح الباري: واستدل به على ضفر شعر الميت خلافاً لمن منعه، فقال ابن القاسم لا أعرف الضفر بل يكف، وعن الأوزاعي والحنفية يرسل شعر الميت خلفها وعلى وجهها مفرقة. قال القرطبي: وكأن سبب الخلاف أن الذي فعلته أم عطية هل استندت فيه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، أم فعلته استحساناً كلا الأمرين محتمل، لكن الأصل أن لا يفعل بالميت شيء من جنس القرب إلا بإذن من الشرع محقق ولم يرد ذلك مرفوعاً كذا قال. وقال النووي: الظاهر اطلاع النبي صلى الله عليه وسلم وتقريره قال الحافظ ابن حجر: وقد رواه سعيد بن منصور بلفظ الأمر عن أم عطية قالت: قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم اغسلنها وتراً واجعلن شعرها ضفائر. وأخرج ابن حبان في صحيحه عن أم عطية اغسلنها ثلاثاً أو خمساً أو سبعاً واجعلن لها ثلاثة قرون انتهى. "وفي الباب عن أم سليم" لينظر من أخرجه.
قوله: "حديث أم عطية حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان.

(4/66)


هذا عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ. وقد رُوِيَ عن إبْرَاهِيمَ النّخَعِيّ أَنّهُ قالَ: غُسْلُ المَيّتِ كالغُسْلِ مِنَ الجَنَابَةِ. وقالَ مَالِكُ بنُ أَنَسٍ: لَيْسَ لِغُسْلِ المَيّتِ عِنْدَنَا حَدّ مُؤقّتٌ ولَيْسَ لِذَلِكَ صِفَةٌ مَعْلُومَة ولكن يُطَهّرُ. قالَ الشّافِعِيّ إنّمَا قَالَ مَالِكٌ قَوْلاً مُجْمَلاً، يُغَسّلُ وَيُنْقى، وَإذَا أُنْقِيَ الميّتُ بِمَاءِ قراحِ أَوْ مَاءِ غَيْرِهِ أجْزَأَ ذَلِكَ مِنْ غُسْلِهِ ولكنْ أحَبّ إليّ أن يُغْسَل ثَلاَثاً فصاعِداً لا يقصر عَنْ ثلاثٍ لِمَا قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: اغْسِلنَهَا ثلاثاً أو خَمْساً. وإنْ أَنْقَوا في أَقَلّ مِنْ ثلاث مَرّات أجْزَأَ ولا نرَى أنّ قَوْلَ النبيّ صلى الله عليه وسلم إنّمَا هُوَ على مَعْنَى الإنْقَاءِ ثلاثاً أو خَمْساً ولَمْ يُؤَقّتْ.
ـــــــ
قوله: "قد روي عن إبراهيم النخعي أنه قال غسل الميت كالغسل من الجنابة" يعني يراعى في غسل الميت ما يراعى في الغسل من الجنابة.
قوله: "وقال مالك بن أنس: ليس لغسل الميت عندنا حد مؤقت وليس لذلك صفة معلومة" قال مالك في الموطأ: وليس لغسل الميت عندنا حد موصوف وليس لذلك صفة معلومة ولكن يغسل فيطهر انتهى.
قلت: بل له حد موصوف وصفة معلومة، فيغسل الميت وتراً ثلاثاً أو خمساً أو سبعاً أو أكثر من ذلك إن رأى الغاسل، ويبدأ بميامنه ومواضع الوضوء منه، ويغسل بماء وسدر، ويجعل في الغسلة الأخيرة الكافور. وإن كان الميت امرأة فيضفر شعر رأسها ثلاثة قرون ويجعل خلفها. وهذه الصفات كلها قد جاءت في حديث أم عطية الصحيح المتفق عليه فلا حاجة إلى القول المجمل بأنه ليس لغسل الميت حد موصوف وليس لذلك صفة معلومة "قال الشافعي إنما قال مالك قولاً مجملاً يغسل وينقى" ولم يفصل ولم يبين "وإذا أنقى" بصيغة المجهول من الإنقاء. "بماء القراح" قال في القاموس القراح كسحاب الماء لا يخالطه ثفل من سويق وغيره والخالص كالقريح "ولا يرى" وفي بعض النسخ أو لا يرى بهمزة الاستفهام "ولم يؤقت" من التوقيت أي لم يحدد، والمعنى أن المقصود من قوله اغسلنها ثلاثاً أو خمساً هو الانقاء لا التحديد، فإن حصل النقاء والطهارة بأقل من ثلاث مرات أجزأ.

(4/67)


وكذَلِكَ قالَ الفُقَهَاءُ وهُمْ أَعْلَمُ بمعَانِي الحَدِيثِ. وقالَ أحمدُ وإسحاقُ وتكُونُ الغَسَلاَتُ بِمَاءٍ وسِدْرٍ ويَكُونُ في الاَخِرَةِ شَيْءٌ مِنَ كافور.
ـــــــ
قوله: "وكذلك قال الفقهاء وهم أعلم بمعاني الحديث" المراد بالفقهاء الفقهاء من المحدثين كسفيان الثوري والإمام مالك والإمام الشافعي والإمام أحمد بن حنبل وعبد الله بن المبارك وإسحاق بن راهويه وغيرهم، وقد صرح الترمذي بذلك في كتاب العلل.
قوله: "وقال أحمد وإسحاق وتكون الغسلات بماء وسدر" أي قالا بكون جميع الغسلات بالماء والسدر لإطلاق قوله صلى الله عليه وسلم واغسلنها بماء وسدر، وظاهره أن السدر يخلط في كل مرة من مرات الغسل "ويكون في الاَخرة" أي في الغسلة الاَخرة "شيء من كافور" قال ابن العربي: وقد قالوا الأولى بالماء القراح والثانية بالماء والسدر والثالثة بالماء والكافور. وقد قال النخعي: لا يجعل الكافور في الماء وليس هذا في لفظ الحديث ولم يقتضيه بلفظ الحديث من خلط الماء بالسدر والكافور انتهى

(4/68)


باب ماجاء في المسك للميت
...
15 ـ باب ما جَاءَ في المِسْكِ للمَيّت
996 ـ حدثنا سُفْيَانُ بنُ وَكِيعٍ حدثنا عن شُعْبَةَ عن خُلَيدِ بنِ جَعْفَرٍ عن أبي نَضْرَةَ عن أبي سَعِيدٍ "أن النبيّ صلى الله عليه وسلم سُئِلَ عن المِسْكِ فقالَ هُوَ أَطْيَبُ طِيبِكُمْ".
ـــــــ
باب ما جاء المسك للميت
قوله: "حدثنا سفيان بن وكيع" بن الجراح الرواسي الكوفي أبو محمد. قال البخاري يتكلمون فيه. وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم: لئن "حدثنا أبي" هو وكيع بن الجراح أبو سفيان أحد الأئمة الأعلام ثقة حافظ "عن خليد" بالتصغير "بن جعفر" بن طريف الحنفي البصري صدوق لم يثبت أن ابن معين ضعفه قاله الحافظ.
قوله: "فقال هو أطيب طيبكم" أي أفضله فهو أفخر أنواعه وسيدها، وتقديم العنبر عليه خطأ كما قال ابن القيم، ومطابقة الحديث للباب بأن من المعلوم أن الطيب سنة للميت والمسك فرد من الطيب بل هو من أفضل أفراده فهو أيضاً سنة له.

(4/68)


997 ـ حدثنا محمودُ بنُ غَيْلاَنَ أخبرنا أبُو دَاوُدَ و شَبَابَةُ قالا أخبرنا شُعْبَةُ عن خُلَيْدِ بن جَعْفَرٍ نحوه.
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. والعملُ على هذا عِنْدَ بَعْضِ أهْلِ العِلْمِ. وهُوَ قَوْلُ أحمدَ وإسْحَاقَ وقد كَرِهَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ المِسْكَ لِلْمَيّتِ. قال وقد رَوَاهُ المُسْتَمِرّ بنُ الرّيّانِ أَيْضاً عن أبي نَضْرَةَ عن أبي سَعِيدٍ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم. قالَ عَلِيّ قال يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ المُسْتَمِرّ بنُ الرّيّانِ ثِقَةٌ قال يحيى خُلَيْدُ بنُ جَعْفَرٍ ثِقَة.
ـــــــ
تنبيه: قال الحافظ الزيلعي في نصب الراية ص 443 بعد ذكر هذا الحديث: أخرجه مسلم في الطب وأخرجه أبو داود والنسائي في الجنائز وبوبا عليه باب الطيب للميت قال ولم أعرف مطابقته للباب انتهى. قلت: ليس في واحدة من نسخ أبي داود الموجودة عندنا باب الطيب للميت بل وقع في جميعها باب في المسك للميت ووقع في نسخة النسائي المطبوعة الموجودة عندنا المسك وليس فيها لفظ باب ولا لفظ للميت، فالحديث مطابق لتبويبها كما عرفت.
قوله: "وهو قول أحمد وإسحاق واستدل لهما بحديث الباب وما أخرج الحاكم في المستدرك عن أبي وائل" قال: كان عند علي رضي الله تعالى عنه مسك فأوصى أن يحنط به وقال هو فضل حنوط رسول الله صلى الله عليه وسلم انتهى. وسكت. ورواه ابن أبي شيبة في مصنفه ورواه البيهقي في سننه. قال النووي: إسناده حسن وبما أخرج عبد الرزاق في مصنفه عن سلمان أنه استودع إمرأته مسكا قال: إذا مت فطيبوني به فإنه يحضرني خلق من خلق لا ينالون من الطعام والشراب يجدون الريح انتهى.
قوله: "وقد كره بعض أهل العلم المسك للميت" لم أقف على وجه الكراهة والحق هو الجواز. قوله: "وقد رواه المستمر بن الريان الخ" بفتح الراء المهملة وشدة التحتانية وأخرج روايته مسلم وأبو داود والنسائي. قوله: "قال علي" وهو علي بن عبد الله بن جعفر بن نجيح السعدي مولاهم أبو الحسن ابن المديني البصري ثقة ثبت إمام أعلم أهل عصره بالحديث وعلله "قال يحيى بن سعيد" بن فروخ أبو سعيد القطان أحد أئمة الجرح والتعديل.

(4/69)


باب ماجاء في الغسل من غسل الميت
...
16 ـ باب ما جَاءَ في الغُسْلِ مِنْ غُسْلِ المَيّت
998 ـ حدثنا محمدُ بنُ عَبْدِ المَلِكِ بنِ أبي الشّوَارِبِ حدثنا عَبْدُ العَزِيزِ بنُ المُخْتَارِ عن سُهَيْلِ بن أبي صَالِحٍ عن أبيهِ عن أبي هُرَيْرَةَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ: "مِنْ غُسْلِهِ الغُسْلُ، ومِنْ حَمْلِهِ الوُضُوءُ يَعْنيِ المَيّتَ". وفي البابِ عن عَلِي وعَائِشَةَ.
قال أبو عيسى: حديثُ أبي هُرَيْرَةَ حديثٌ حسنٌ. وقد رُوِيَ عن
ـــــــ
باب ما جاء في الغسل من غسل الميت
قوله: "من غسله الغسل" وفي رواية أبي داود من طريق عمرو بن عمير عن أبي هريرة بلفظ: من غسل الميت فليغتسل ومن حمله فليتوضأ "يعني الميت" هذا تفسير من بعض الرواة للضمير المجرور في قوله من غسله ومن حمله.
قوله: "وفي الباب عن علي" أخرجه أبو داود والنسائي وغيرهما ولفظ أبي داود: قال قلت للنبي صلى الله عليه وسلم إن عمك الشيخ الضال قد مات قال: اذهب فوار أباك ثم لا تحدثن شيئاً حتى تأتيني، فذهبت فواريته وجثته فأمرني فاغتسلت ودعا لي انتهى. قال الحافظ: مدار كلام البيهقي على أنه ضعيف ولا يتبين وجه ضعفه. قال وقع عند ابن أبي شيبة في مصنفه بلفظ: فقلت إن عمك الشيخ الكافر قد مات فما ترى فيه؟ قال أرى أن تغسله وتجنه كذا في التلخيص "وعائشة" أخرجه أبو داود وغيره بلفظ أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يغتسل من أربع: من الجنابة ويوم الجمعة ومن الحجامة ومن غسل الميت انتهى والحديث ضعيف.
قوله: "حديث أبي هريرة حديث حسن" قال الحافظ في الفتح: هو معلول لأن أبا صالح لم يسمعه من أبي هريرة. وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: الصواب عن أبي هريرة موقوف انتهى. وقال في التلخيص بعد ما ذكر طرقاً عديدة لحديث أبي هريرة هذا ما لفظه: وفي الجملة هو بكثرة طرقه أسوأ أحواله أن يكون حسناً فإنكار النووي على الترمذي تحسينه معترض. وقد قال الذهبي في مختصر البيهقي: طرق هذا الحديث أقوى من عدة أحديث احتج بها الفقهاء ولم يعلوها بالوقف

(4/70)


أَبي هُرَيْرَةَ مَوْقُوفاً. وقد اخْتَلَفَ أهْلُ العِلمِ في الذي يُغَسّلُ المَيّتَ فقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ مِنْ أصْحَابِ النبيّ صلى الله عليه وسلم وغَيْرِهِمْ: إِذَا غَسّلَ مَيّتَاً فَعَلَيْهِ الغُسْلُ. وقَالَ بَعْضُهُمْ عَلَيْهِ الوُضُوءُ. وقالَ مَالِكُ بنُ أنَسٍ: أسْتْحِبّ الغُسْلَ مِنْ غُسْلِ المَيّتِ ولاَ أرَى ذَلِكَ وَاجِباً وهَكَذَا قالَ الشّافِعِيّ. وقالَ أحمدُ: مَنْ غَسّلَ مَيّتَاً أرْجُو أن لا يَجِبَ عَليهِ الغُسْلُ وأما الوُضُوءُ
ـــــــ
بل قدموا رواية الرفع انتهى. قلت: الحق أن حديث أبي هريرة هذا بكثرة طرقه وشواهده لا ينزل عن درجة الحسن، وقد صحح هذا الحديث ابن حبان كما ذكره الحافظ في التلخيص.
قوله: "فقال بعض أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وبرهم: إذا غسل ميتاً فعليه الغسل" أي فالغسل عليه واجب، وروي ذلك عن علي وأبي هريرة واستدلوا على الوجوب بحديث الباب وما في معناه فإنه بظاهره يدل على الوجوب وقال مالك بن أنس: أستحب الغسل من غسل الميت ولا أرى ذلك واجباً وهكذا قال الشافعي وقال أحمد: من غسل ميتاً أرجو أن لا يجب عليه الغسل، واستدل هؤلاء أيضاً بحديث الباب لكنهم حملوا الأمر فيه على الاستحباب لحديث ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ليس عليكم في غسل ميتكم غسل إذا غسلتموه إن ميتكم يموت طاهراً وليس بنجس فحسبكم أن تغسلوا أيديكم" أخرجه البيهقي وقد حسن الحافظ إسناده وقال فيجمع بينه وبين الأمر في حديث أبي هريرة بأن الأمر على الندب أو المراد بالغسل غسل الأيدي كما صرح به في هذا انتهى، ولحديث ابن عمر رضي الله عنه كما نغسل الميت فمنا من يغتسل ومنا من لا يغتسل. قال الحافظ في التلخيص: إسناده صحيح وهو يؤيد أن الأمر في حديث أبي هريرة للندب وهو أحسن ما جمع به بين مختلف هذه الأحاديث انتهى، ولحديث أسماء بنت عميس امرأة أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنها غسلت أبا بكر حين توفي ثم خرجت فسألت من حضرها من المهاجرين فقالت إن هذا يوم شديد البرد وأنا صائمة فهل على من غسل؟ قالوا لا؟ قالو لا، رواه مالك في الموطأ. قال الشوكاني في النيل: وهو من الأدلة الدالة على استحباب الغسل دون وجوبه، وهو أيضاً من القرائن الصارفة عن الوجوب، فإنه يبعد

(4/71)


فَأَقَلّ مَا قِيلَ فيهِ. وقالَ إسْحَاقُ: لاَ بُدّ مِنَ الوُضُوءِ. قال وقد رُوِيَ عن عَبدِ الله بنِ المُبَارَكِ أنّهُ قالَ: لا يَغْتَسِلُ ولاَ يَتَوَضّأُ مِنْ غَسّلِ المَيّتِ.
ـــــــ
غاية البعد أن يجهل أهل ذلك المجمع الذين هم أعيان المهاجرين والأنصار واجباً من الواجبات الشرعية، ولعل الحاضرين منهم جل المهاجرين وأجلهم، لأن موت مثل أبي بكر حادث لا يظن بأحد من الصحابة الموجودين في المدينة أن يتخلف عنه، وهم في ذلك الوقت لم يتفرقوا كما يتفرقوا من بعد انتهى وقال فيه: والقول بالاستحباب هو الحق لما فيه من الجمع بين الأدلة بوجه مستحسن انتهى.
"وقد روي عن عبد الله بن المبارك أنه قال لا يغتسل ولا يتوضأ من غسل الميت" استدل من ذهب إلى عدم استحباب الاغتسال من غسل الميت بحديث ابن عباس المذكور وبحديث أسماء بنت عميس المذكور، وأجابوا عن حديث الباب بأنه ضعيف. قال علي بن المديني وأحمد بن حنبل: لا يصح في الباب شيء. وقال الذهلي: لا أعلم فيه حديثاً ولو ثبت للزمنا استعماله. وقال الرافعي: لم يصحح علماء الحديث في هذا الباب شيئاً مرفوعاً. وقد عرفت أن الحق أن حديث الباب بكثرة طرقه وشواهده لا ينحط عن درجة الحسن وأجابوا أيضاً بأن حديث الباب منسوخ وقد جزم به أبو داود ونقله عن أحمد وفيه أن النسخ لا يثبت بالاحتمال بل إذا وجد ناسخ صريح وهو متأخر

(4/72)


باب ماجاء ما يستحب من الأكفان
...
17 ـ باب مَا يُسْتَحَبّ مِنَ الأكْفَان
999 ـ حدثنا قُتَيْبَةُ حدثنا بِشْرُ بنُ المُفَضّلِ عن عَبْدِ الله بنِ عُثْمَانَ بنِ خُثَيْمٍ عن سَعِيدِ بن جُبَيْرٍ عن ابنِ عَبّاسٍ قالَ قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "البَسُوا مِنْ ثِيَابِكُمْ البَيَاضَ فإِنّها مِنْ خَيْرِ ثِيَابِكُمْ وكفّنُوا فِيها مَوْتَاكُمْ".
ـــــــ
باب ما يستحب من الأكفان
قوله: "البسوا" بفتح الباء "من ثيابكم" من تبعيضية أو بيانية مقدمة "البياض" أي ذات البياض "فإنها" أي الثياب البيض "وكفنوا فيها موتاكم" قال القاري: الأمر فيه للاستحباب. قال ابن الهمام: وأحبها البياض ولا بأس

(4/72)


وفي البابِ عن سَمُرَةَ وابنِ عُمَرَ وعائشةَ.
قال أبو عيسى حديثُ ابنِ عَبّاسٍ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وهُوَ الذي يَسْتَحِبّهُ أهْلُ العِلْمِ. وقالَ ابنُ المُبَارَكِ أحَبّ إِليّ أنْ يُكَفّنَ في ثِيَابِهِ الّتِي كان يُصَلّي فِيها. وقالَ أحمدُ وإسْحَاقُ: أحَبّ إلَيْنَا أنْ يُكَفّنَ فِيها البَيَاضُ، ويُسْتَحَبّ حُسْنُ الكَفَنِ.
ـــــــ
بالبرد والكتان للرجال، ويجوز للنساء الحرير والمزعفر والمعصفر اعتباراً للكفن باللباس في الحياة انتهى. قال النووي: استحباب التكفين في البياض مجمع عليه.
قوله: "وفي الباب عن سمرة" أخرجه أحمد والنسائي والترمذي "وابن عمر" أخرجه ابن عدي في الكامل "وعائشة" أخرجه الشيخان بلفظ: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كفن في ثلاثة أثواب يمانية بيض سحولية إلخ، وفي الباب أحاديث أخرى ذكرى الشوكاني في النيل.
قوله: "حديث ابن عباس حديث حسن صحيح" أخرجه الخمسة إلا النسائي كذا في المنتقى وصححه ابن القطان "وقال ابن المبارك أحب إلى أن يكفن في ثيابه التي كان يصلي فيها" لأنها ثياب عبادة قد تعبد فيها. وروى ابن سعد عن طريق القاسم بن محمد بن أبي بكر. قال أبو بكر: كفنونني في ثوبي اللذين كنت أصلي فيهما، كذا في فتح الباري في تذكرة الحفاظ للذهبي. قال الزهري: إن سعداً لما احتضر دعا بخلق جبة صوف وقال كفنوني فيها فإني قاتلت فيها يوم بدر إنما خبأتها لهذا.
قوله: "ويستحب حسن الكفن" يأتي بيان حسنه في الباب الأتي

(4/73)


18 ـ باب
1000 ـ حدثنا محمدُ بنُ بَشّارٍ حدثنا عُمرُ بنُ يُونُسَ حدثنا عِكْرِمَةُ بنُ عَمّارٍ عن هِشَامِ بنِ حَسّانَ عن محمدِ بنِ سِيرِينَ عن أبي قَتَادَةَ قالَ قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إذَا وَلِيَ أحَدُكُمْ أخَاهُ فَلْيُحْسِنْ كَفَنَهُ".
ـــــــ
باب
قوله: "فليحسن" ضبط بفتح الحاء وإسكانها. قال النووي: كلاهما صحيح "كفنه" قال السيوطي في قوت المغتذي: المشهور في رواية هذا الحديث فتح

(4/73)


وفيهِ عن جَابِرٍ. قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ. وقال ابنُ المُبَارَكِ قال سَلاّمُ بنُ أبي مُطِيعٍ في قوله: ولْيُحْسِنْ أحَدُكُمْ كَفَنَ أخِيهِ. قال هُوَ الصّفَاءُ ولَيْسَ بالمُرْتَفِع.
ـــــــ
الفاء وحكى بعضهم سكونها على المصدر انتهى والمراد بإحسان الكفن نظافته ونقاؤه وكثافته وستره وتوسطه وكونه من جنس لباسه في الحياة لا أفخر منه ولا أحقر، وليس المراد بإحسانه السرف والمغالاة ونفاسته لحديث علي رضي الله عنه مرفوعاً: لا تغالوا في الكفن فإنه يسلب سلباً سريعاً، رواه أبو داود.
قوله: "وفيه عن جابر" أخرجه مسلم. قوله: "قال سلام" بتشديد اللام وسلام هذا هو شيخ ابن المبارك ثقة صاحب سنة، في رواية عن قتادة ضعف من السابعة. قاله الحافظ "هو الصفا" أي النظيف "وليس بالمرتفع" أي في الثمن

(4/74)


باب ماجاء في كم كفن النبي صلى الله عليه وسلم
...
19 ـ باب ما جَاءَ في كَفَنِ النبيّ صلى الله عليه وسلم
1001 ـ حدثنا قُتَيْبَةُ حدثنا حَفْصُ بنُ غِيَاثٍ عن هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ عن أبيهِ عن عائِشَةَ قالَتْ: "كُفّنَ النبيّ صلى الله عليه وسلم في ثَلاثةِ أثْوَابٍ بِيضٍ يَمَانِيّةٍ لَيْسَ فيها قَمِيصٌ ولاَ عِمَامَةٌ. قالَ فَذَكَرُوا لِعَائِشَةَ قَوْلَهُمْ "في ثَوْبَيْنِ وبُرْد حِبَرَةٍ" فقَالَتْ قَدْ أُتِيَ بالبُرْدِ ولَكِنّهُمْ رَدّوهُ ولمْ يُكَفّنُوهُ فيهِ.
ـــــــ
باب ما جاء في كم كفن النبي صلى الله عليه وسلم
قوله: "يمانية" بتخفيف الياء على اللغة الفصيحة المشهورة وحكى سيبويه والجوهري وغيرهما لغة في تشديدها، وجه الأول أن الألف بدل من ياء النسبة فلا يجتمعان فيقال يمنية أو يمانية بالتخفيف وكلاهما نسبة إلى اليمن "ليس فيها قميص ولا عمامة" فيه دليل على أن القميص ليس بمستحب في الكفن وهو قول الجمهور. وقال مالك والحنفية باستحبابه: وأجابوا عن قول عائشة رضي الله عنها ليس فيها قميص ولا عمامة. بأنه يحتمل نفي وجودهما ويحتمل أن يكون المراد نفي المعدود

(4/74)


قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
1002 ـ حدثنا ابنُ أبِي عُمرَ حدثنا بِشْرُ بنُ السّرِيّ عن زَائِدَةَ عن عَبْدِ الله بنِ محمدِ بنِ عَقِيلٍ عن جَابِرِ بنِ عَبْدِ الله "أنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم كَفّنَ حَمْزَةَ بنَ عَبْدِ المُطّلِبِ في نَمِرَةٍ في ثَوْبٍ وَاحِدٍ".
وفي البابِ عن عَلِي وابنِ عَبّاسٍ وعَبْدِ الله بنُ مُغَفّلٍ وابنِ عُمرَ.
ـــــــ
أي الثلاثة خارجة عن القميص والعمامة وهما زائدان. وأن يكون معناه ليس فيها قميص جديد، أو ليس فيها القميص الذي غسل فيه، أو ليس فيها قميص مكفوف الأطراف. ويجاب بأن الاحتمال الأول هو الظاهر وما عداه متعسف فلا يصار إليه كذا في النيل.
قوله: "فذكروا لعائشة قولهم في ثوبين وبرد حبرة" بكسر الحاء المهملة وفتح الموحدة ما كان من البرود مخططاً. وروى أبو داود عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم كفن في ثوبين وبرد حبرة انتهى. قال الحافظ في الفتح إسناده حسن لكن روى مسلم والترمذي من حديث عائشة أنهم نزعوها عنه انتهى.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" أخرجه الجماعة.
قوله: "كفن حمزة بن عبد المطلب" عم رسول الله صلى الله عليه وسلم "في نمرة" بفتح نون وكسر ميم هي شملة فيها خطوط بيض وسود أو بردة من صوف يلبسها الأعراب. كذا في القاموس "في ثوب واحد" بدل من في نمرة. وروى أحمد في سنده عن خباب: أن حمزة لم يوجد له كفن إلا بردة ملحاء إذا جعلت على قدميه قلصت عن رأسه حتى مدت على رأسه وجعل على قدميه الأذخر انتهى.
قوله: "وفي الباب عن علي" أخرجه ابن أبي شيبة وأحمد والبزار بلفظ قال: كفن النبي صلى الله عليه وسلم في سبعة أثواب. وفي إسناده عبد الله بن محمد بن عقيل وهو سيء الحفظ لا يصلح الاحتجاج بحديثه إذا خالف الثقات كما هنا كذا في النيل "وابن عباس" أخرجه أحمد وأبو داود بلفظ: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كفن في ثلاثة أثواب قميصه الذي مات فيه، وحلة نجرانية الحلة ثوبان، وفي إسناده يزيد بن أبي زياد وهو ضعيف كبر فتغير. قاله الحافظ "وعبد الله بن مغفل" لينظر من أخرجه "وابن عمر" أخرجه الحاكم بمعنى حديث علي المذكور.

(4/75)


قال أبو عيسى: حديثُ عَائِشَةَ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وقد رُوِيَ في كَفَنِ النبيّ صلى الله عليه وسلم رِوَايَاتٌ مُخْتَلِفَةٌ، وحديثُ عَائِشَةَ أصَحّ الأحَادِيثِ التي رُوِيَتْ في كَفَنِ النبيّ صلى الله عليه وسلم. والعملُ حديث عائشة عِنْدَ أَكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النبيّ صلى الله عليه وسلم وغَيْرِهِمْ. قالَ سُفْيَانُ الثّوْرِيّ: يُكَفّنُ الرّجُلُ في ثَلاَثَ أثْوَابٍ، إن شِئْتَ في قَمِيصٍ ولِفَافَتَيْنِ وإنْ شِئْتَ في ثلاثِ لَفَائِفَ. ويجزئ ثَوْبٌ وَاحِدٌ إنْ لَمْ يَجِدُوا ثَوْبَيْنِ، والثّوْبَانِ يُجْزِيَانِ، والثّلاثةُ لِمَنْ وَجَدها أَحَبّ إليهمْ، وهُوَ قَوْلُ الشّافِعِيّ وأحمدَ وإسْحَاقَ، قالُوا تُكَفّنُ المَرْأَةُ في خَمْسَةِ أثْوَابٍ.
ـــــــ
قوله: "حديث عائشة حديث حسن صحيح" وأخرجه الجماعة "والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم" أي عمل أكثر أهل العلم على أن يكفن الرجل في ثلاثة أثواب ليس فيها قميص ولا عمامة، وهو قول مالك والشافعي وأحمد بن حنبل. قال القاري في المرقاة نقلا عن المواهب: قال مالك والشافعي وأحمد يستحب أن يكون الثلاث لفائف ليس فيها قميص ولا عمامة. وقال الحنفية: الأثواب الثلاثة إزار وقميص ولفافة انتهى.
قوله: "يجزئ ثوب واحد الخ" قال الحافظ في الفتح: إن الثلاث في حديث عائشة ليست شرطاً في الصحة وإنما هو مستحب وهو قول الجمهور. واختلف فيما إذا شح بعض الورثة بالثاني أو الثالث. والمرجح أنه لا يلتفت إليه، وأما الواحد الساتر لجميع البدن فلا بد منه بالاتفاق انتهى.
قوله: "وقالوا تكفن المرأة في خمسة أثواب" لحديث ليلى بنت قائف الثقفية قالت: كنت فيمن غسل أم كلثوم بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم عند وفاتها وكان أول ما أعطانا رسول الله صلى الله عليه وسلم الخفا ثم الدرع ثم الخمار ثم الملحفة ثم أدرجت بعد ذلك في الثوب الاَخر، الحديث رواه أحمد وأبو داود وقال القاضي ابن العربي في العارضة: قوله في هذا الحديث أم كلثوم وهم، إنما هي زينب لأن أم كلثوم توفيت ورسول الله صلى الله عليه وسلم غائب ببدر انتهى .

(4/76)


باب ماجاء في الطعام يصنع لأهل الميت
...
20 ـ باب ما جَاءَ في الطّعامِ يصْنَعُ لأهْلِ الميّت
1003 ـ حدثنا أحمدُ بنُ مَنِيعٍ و عَلِيّ بنُ حُجْرٍ قالاحدثنا سُفْيَانُ بنُ عُيَيْنَةَ عن جَعْفَرِ بنِ خَالِدٍ عن أبيهِ عن عَبْدِ الله بنِ جَعْفَرٍ قالَ: "لَمّا جَاءَ نَعْيُ جَعْفَرٍ قالَ النبيّ صلى الله عليه وسلم: "إصْنَعُوا لأهْلِ جَعْفَرٍ طَعَاماً فإنهُ قَدْ جَاءَهُمْ مَا يَشْغَلُهُمْ".
ـــــــ
باب ما جاء في الطعام يصنع لأهل البيت
قوله: "لما جاء نعي جعفر" أي ابن أبي طالب أي خبر موته بموتة وهي موضع عند تبوك سنة ثمان "ما يشغلهم" لفتح الياء والغين وقيل بضم الأول وكسر الثالث. قال في القاموس: شغله كمنعه شغلاً ويضم وأشغله لغة جيدة أو قليلة أو رديئة، والمعنى جاءهم ما يمنعهم من الحزن عن تهيئة الطعام لأنفسهم فيحصل الهم والضرر وهم لا يشعرون. قال الطيبي: دل على أنه يستحب للأقارب والجيران تهيئة طعام لأهل الميت انتهى. قال ابن العربي في العارضة: والحديث أصل في المشاركات عند الحاجة وصححه الترمذي. والسنة فيه أن يصنع في اليوم الذي مات فيه لقوله صلى الله عليه وسلم: "فقد جاءهم ما يشغلهم عن حالهم". فحزن موت وليهم اقتضى أن يتكلف لهم عيشهم. وقد كانت العرب مشاركات ومواصلات في الباب الأطعمة باختلاف الأسباب وفي حالات اجتماعها انتهى قال القاري والمراد طعام يشبعهم يومهم وليلتهم فإن الغالب أن الحزن الشاغل عن تناول الطعام لا يستمر أكثر من يوم، ثم إذا صنع لهم ما ذكر سن أن يلح عليهم في الأكل لئلا يضعفوا بتركه استحياء أو لفرط جزع انتهى. وقال ابن الهمام: ويستحب لجيران أهل الميت والأقرباء الأباعد تهيئة طعام يشبعهم يومهم وليلتهم لقوله صلى الله عليه وسلم : "اصنعوا لاَل جعفر طعاماً، وقال يكره اتخاذ الضيافة من أهل الميت لأنه شرع في السرور لا في الشرور وهي بدعة مستقبحة انتهى". وقال القاري: واصطناع أهل البيت الطعام لأجل اجتماع الناس عليه بدعة مكروهة بل صح عن جرير رضي الله عنه كنا نعده من النياحة وهو ظاهر في التحريم انتهى. قلت: حديث جرير رضي الله عنه أخرجه أحمد وابن ماجه بلفظ:

(4/77)


قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيح. وقد كَانَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ يَسْتَحِب أَنْ يُوجّه إلى أهْلِ المَيّتِ شَيْءٌ لِشُغْلِهِمْ بالمُصِيبَةِ. وهُوَ قَوْلُ الشّافِعِيّ.
قال أبو عيسى وجَعْفَرُ بنُ خَالِدٍ هُوَ ابنُ سَارّةَ وهُوَ ثِقَةٌ رَوَى عَنْهُ ابنُ جُرَيْجٍ.
ـــــــ
في ذلك وإلا فضرب بقية الوجه داخل في ذلك "ودعا بدعوة الجاهلية" أي بدعائهم. يعني قال عند البكاء ما لا يجوز شرعاً مما يقول به أهل الجاهلية كالدعاء بالويل والثبور وكواكهفاه واجبلاه.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه البخاري ومسلم
قال كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت وصنعة الطعام بعد دفنه من النياحة انتهى. وإسناده صحيح.
فإن قلت: حديث جرير هذا مخالف لحديث عاصم بن كليب الذي رواه أبو داود في سننه بسند صحيح عنه عن أبيه عن رجل من الأنصار قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على القبر يوصي: "لحافراً أوسع من قبل رجليه أوسع من قبل رأسه" فلما رجع استقبله داعي امرأته فأجاب ونحن معه، فجيء بالطعام فوضع يده ثم وضع القوم فأكلوا الحديث. رواه أبو داود والبيهقي في دلائل النبوة هكذا في المشكاة في باب المعجزات. فقوله: فلما رجع استقبله داعي امرأته الخ نص صريح في أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أجاب دعوة أهل البيت واجتمع هو وأصحابه بعد دفنه وأكلوا، فإن الضمير المجرور في امرأته راجع إلى ذلك الميت الذي خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازته، فما التوفيق بين هذين الحديثين المختلفين؟
قلت: قد وقع في المشكاة لفظ داعي امرأته بإضافة لفظ امرأة إلى الضمير وهو ليس بصحيح بل الصحيح داعي امرأة بغير الإضافة، والدليل عليه أنه قد وقع في سنن أبو داود: داعي امرأة بغير الإضافة. قال في عون المعبود: داعي امرأة كذا وقع في النسخ الحاضرة، وفي المشكاة: داعي امرأته بالإضافة انتهى. وروى هذا الحديث الإمام أحمد في مسنده ص 293 ج 5 وقد وقع فيه أيضاً: داعي امرأة بغير الإضافة بل زاد فيه بعد داعي امرأة لفظ: من قريش، فلما ثبت أن الصحيح في حديث عاصم بن كليب هذا لفظ: داعي امرأة بغير إضافة امرأة إلى الضمير، ظهر أن حديث جرير المذكور ليس بمخالف لحديث عاصم بن كليب هذا فتفكر. هذا ما عندي والله تعالى أعلم.
قوله: "هذا حديث حسن" وصححه ابن السكن، والحديث أخرجه أبو داود وابن ماجه.
قوله: "وجعفر بن خالد هو ابن سارة" بمهملة وخفة راء وقيل بشدته،كذا ذكر صاحب المغني "وهو ثقة" ووثقه أيضاً أحمد وابن معين والنسائي وغيرهم "روى عنه ابن جريج" وابن عيينة. قال البغوي: لا أعلم روى عنه غيرهما كذا في تهذيب التهذيب

(4/78)


باب ماجاء في النهي عن ضرب الخدود وشق الجيوب عند المصيبة
...
21 ـ باب ما جَاءَ في النّهْيِ عَنْ ضَرْبِ الخُدُودِ
وشَقّ الجُيُوبِ عِنْدَ المُصِيبَة
1004 ـ حدثنا محمدُ بنُ بَشّارٍ حدثنا يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ عن سُفْيَانَ قالَ حَدّثَنِي زُبَيْدٌ الأيَامِيّ عن إبَراهِيمَ عن مَسْرُوقٍ عن عَبْدِ الله عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ : "لَيْسَ مِنّا مَنْ شَقّ الجُيُوبَ وضَرَبَ الخُدُودَ ودَعَا بِدَعْوَةِ الجَاهِلِيّةِ".
قال أبو عيسى رحمه الله: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
باب ما جاء في النهي عن ضرب الخدود الخ
قوله: "حدثني زبيد" بزاي موحدة مصغراً "الأيامي" بفتح الهمزة ويقال له اليامي بحذف الهمزة أيضاً.
قوله: "ليس منا" أي من أهل سنتنا وطريقتنا، وليس المراد به إخراجه عن الدين ولكن فائدة إيراده بهذا اللفظ المبالغة في الردع عن الوقوع في مثل ذلك، كما يقول الرجل لولده عند معاتبته لست منك ولست مني. أي ما أنت على طريقتي. وقيل المعنى ليس على ديننا الكامل أي أنه خرج من فرع من فروع الدين وإن كان معه أصله. قال الحافظ في الفتح: ويظهر لي أن هذا النفي يفسره التبري المذكور في حديث أبي موسى حيث قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بريء من الصالقة والحالقة والشاقة. وأصل البراءه الانفصال من الشيء، وكأنه توعده بأن لا يدخله في شفاعته مثلاً. قال: وحكى عن سفيان أنه كان يكره الخوض في تأويله ويقول ينبغي أن يمسك عن ذلك ليكون أوقع في النفوس وأبلغ في الزجر انتهى. "من شق الجيوب" جمع جيب بالجيم والموحدة وهو ما يفتح من الثوب ليدخل فيه الرأس، والمراد بشقه إكمال فتحه إلى آخره وهو من علامات التسخط "وضرب الخدود" جمع الخد خص الخد بذلك لكونه الغالب

(4/79)


باب ماجاء في كراهية النوح
...
22 ـ باب ما جَاءَ في كَرَاهِيَةِ النّوْح
1005 ـ حدثنا أحمدُ بنُ مَنِيعٍ حدثنا قُرّانُ بنُ تَمّامٍ و مَرْوَان بنُ مُعَاوِيَةَ و يزِيدُ بنُ هَارُونَ عن سَعِيدِ بنُ عُبَيْدٍ الطّائِيّ عن عَلِيّ بنِ رَبِيعَةَ الأسَدِيّ قال: "مَاتَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصَارِ يُقَال لَهُ قَرَظَةُ بنُ كَعْبٍ فَنِيحَ عَلَيْهِ فَجَاءَ المغِيرَةُ بنُ شُعْبَةَ فَصَعِدَ المِنْبَرَ فَحَمِدَ الله وأثْنَى عليهِ وقالَ: مَا بَالُ النّوْحِ في الإسْلاَمِ أَمَا إِنّي سَمِعْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "بمَ نِيحَ عَلَيْه عُذّبَ مَا نِيحَ عَلَيْهِ".
وفي البابِ عن عُمَرَ وعَلِي وأبي مُوسَى وقَيْسِ بنِ عَاصِمٍ وأبي هُرَيْرَةَ
ـــــــ
باب ما جاء في كراهية النوح
قوله: "قران" بضم أوله وتشديد الراء "بن تمام" بتشديد الميم الأول ثقة.
قوله: "يقال له فرظة" بفتح القاف والراء والظاء المشالة أنصاري خزرجي كان أحد من وجهه عمر إلى الكوفة ليفقه الناس، وكان على يده فتح الري، واستخلفه علي على الكوفة، وجزم ابن سعد وغيره بأنه مات في خلافته وهو قول مرجوح لما ثبت في صحيح مسلم أن وفاته حيث كان المغيرة بن شعبة أميراً على الكوفة وكانت إمارة المغيرة على الكوفة من قبل معاوية من سنة إحدى وأربعين إلى أن مات وهو عليها سنة خمسين كذا في فتح الباري "من نيح" مجهول ناح "ما نيح عليه" أي ما دام نيح عليه، وفي رواية الصحيحين: من نيح عليه فإنه يعذب بما نيح عليه يوم القيامة.
قوله: "وفي الباب عن عمر رضي الله عنه" أخرجه الشيخان والترمذي "وعلي" أخرجه ابن أبي شيبة "وأبي موسى" أخرجه أحمد مرفوعاً بلفظ: الميت يعذب ببكاء الحي إذا قالت النائحة واعضداه واناصراه واكاسباه حبذ

(4/80)


وجُنَادَةُ بنِ مَالِكٍ وأنَسٍ وأُمّ عَطِيّةَ وسَمُرَةَ وأبي مَالِكٍ الأشْعَرِيّ.
قال أبو عيسى: حديثُ المُغِيرَةِ حديثٌ غريبٌ حسنٌ صحيحٌ.
1006 ـ حدثنا محمودُ بنُ غَيْلاَنَ حدثنا أبُو دَاوُدَ أنبأنا شُعْبَةُ والمَسْعُودِيّ عن عَلْقَمَةَ بنِ مَرْثِدٍ عن أبي الرّبِيعِ عن أبي هُرَيْرَةَ قالَ قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "أَرْبَع فِي أُمّتِي مِنْ أَمْرِ الجَاهِلِيّةِ لَنْ يَدَعَهُنّ الناسُ: النّيَاحَةُ والطعْنُ في الأحْسَابِ والعَدْوَى "أجْرَبَ بَعِيرٌ فأَجْرَبَ
ـــــــ
الميت وقيل له: أنت عضدها. أنت ناصرها. أنت كاسبها. إنتهى. أخرجه الترمذي "وقيس بن عاصم" أخرجه النسائي "وأبي هريرة" أخرجه الترمذي وأخرجه ابن عدي من حديث الحسن عن أبي هريرة بلفظ: لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم النائحة: والمستمعة، وهو ضعيف ذكره الحافظ في التلخيص "وجنادة بن مالك" أخرجه الطبراني "وأنس" وأخرج مسلم عن أنس أن عمر قال لحفصة أما علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "المعول عليه يعذب في قبره"، زاد ابن حبان: قالت بلى كذا في التلخيص "وأم عطية" أخرجه الشيخان والنسائي أخرجه البزار "وسمرة" أخرجه البزار أيضاً "وأبي مالك الأشعري" أخرجه أحمد ومسلم مرفوعاً بلفظ: أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر في الأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة، الحديث وفي الباب أحاديث كثيرة. مذكورة في عمدة القاري صفحة 95 ج 4.
قوله: "حديث المغيرة بن شعبة حديث غريب حسن صحيح" أخرجه الشيخان.
قوله: "أربع في أمتي" أي خصال أربع كائنة في أمتي "من أمر الجاهلية" أي حال كونهن من أمور الجاهلية وخصالها "لن يدعهن" بفتح الدال أي لن يتركهن "النياحة" هي قول واويلاه واحسرتاه، والندبة عد شمائل الميت مثل واشجاعاه واأسداه واجبلاه قاله القاري "والطعن في الأحساب" جمع الحسب وما يعده الرجل من الخصال التي تكون فيه كالشجاعة والفصاحة وغير ذلك، وقيل الحسب ما يعده الإنسان من مفاخر آبائه. قال ابن السكيت: الحسب والكرم يكونان في الرجل وإن لم يكن لاَبائه شرف، والشرف والمجد لا يكونان

(4/81)


مِائَةَ بَعِيرٍ. مَنْ أجْرَبَ البَعِيرَ الأوّلَ؟" والأنْوَاءُ "مُطْرِنَا بِنَوءِ كذَا وكذَا".
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ.
ـــــــ
إلا بالاَباء "والعدوى" بفتح العين المهملة وسكون الدال المهملة. قال الجزري في النهاية: هو إسم من الإعداء كالرعوي والبقوي من الإرعاء والإبقاء، يقال أعداه الداء يعديه إعداء وهو أن يصيبه مثل ما بصاحب الداء، وذلك أن يكون ببعير جرب مثلاً فتنتقي مخالطته بإبل أخرى خداراً أن يتعدى ما به من الجرب إليها فيصيبها ما أصابه وقد أبطله الإسلام لأنهم كانوا يظنون أن المرض بنفسه يتعدى، فأعلمهمم النبي صلى الله عليه وسلم أنه ليس الأمر كذلك وإنما الله هو الذي يمرض وينزل الداء "أجرب بعير" أي صار ذا جرب "من أجرب العير الأول" هذا رد عليهم أي من أين صار فيهم الجرب "والأنواء مطرنا بنوء كذا وكذا" الأنواء جمع نوء. قال النووي في شرح مسلم نقلا عن الشيخ أبي عمر الصلاح: النوء في أصله ليس هو نفس الكوكب فإنه مصدر ناء النجم ينوء نوءاً أي سقط وغاب، وقيل نهض وطلع، وبيان ذلك أن ثمانية وعشرين نجماً معروفة المطالع في أزمنة السنة كلها وهي المعروفة بمنازل القمر الثمانية والعشرين يسقط في كل ثلاث عشرة ليلة منها نجم في المغرب مع طلوع الفجر ويطلع آخر يقابله في المشرق من ساعته، فكان أهل الجاهلية إذا كان عند ذلك مطر ينسبونه إلى الساقط الغارب منهما. وقال الأصمعي إلى الطالع منهما. قال أبو عبيد: ولم أسمع أن النوء السقوط إلا في هذا الموضع، ثم إن النجم نفسه قد يسمى نوأ تسمية للفاعل بالمصدر. قال أبو إسحاق الزجاج في أمالية الساقطة في المغرب هي الأنواء والطالعة في المشرق هي البوارج إنتهى كلام النووي

(4/82)


باب ماجاء في كراهية البكاء على الميت
...
23 ـ باب ما جاءَ في كَرَاهِيَةِ البُكَاءِ على المَيّت
1007 ـ حدثنا عَبْدُ الله بنُ أبي زِيَادٍ حدثنا يَعْقُوبُ بنُ إبرَاهِيمَ بنِ سَعْدٍ حدثنا أَبي عَنْ صَالحِ بنِ كَيْسَانَ عن الزّهْرِيّ عن سَالِمِ بنِ عَبْدِ الله عن أبيهِ قالَ قالَ عُمَرُ بنُ الخَطابِ قال َ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "المَيّتُ يُعَذّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ".
ـــــــ
باب ما جاء في كراهية البكاء على الميت
قوله: "الميت يعذب ببكاء أهله عليه" فيه دلالة على أنه لا يجوز البكاء على

(4/82)


وفي البابِ عن ابنِ عُمَرَ وعِمْرَانَ بنِ حُصَيْنٍ.
قال أبو عيسى: حديثُ عُمَرَ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وقد كَرِهَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ البُكَاءَ عَلى المَيّتِ قالُوا: الميّتُ يُعَذّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ، وذَهَبُوا
ـــــــ
الميت لأنه سبب لتعذيبه. وإليه ذهب بعض أهل العلم كما ستعرف. وقد حكى النووي إجماع العلماء على اختلاف مذاهبهم أن المراد بالبكاء الذي يعذب الميت عليه هو البكاء بصوت ونياحة لا بمجرد دمع العين.
قوله: "وفي الباب عن ابن عمر وعمران بن حصين" أما حديث ابن عمر فأخرجه الشيخان بمثل حديث عمر رضي الله عنه. ولأحمد ومسلم عنه بلفظ: الميت يعذب في قبره بما نيح عليه. وأما حديث عمران بن حصين فأخرجه النسائي مرفوعاً بلفظ: الميت يعذب بنياحة أهله عليه الحديث.
قوله: "حديث عمر حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان.
قوله: "وقد كره قوم من أهل العلم البكاء على الميت وقالوا الميت يعذب ببكاء أهله عليه الخ" وقد ذهب إلى هذا جماعة من السلف منهم عمر وإبنه. وروي عن أبي هريرة أنه رد هذه الأحاديث وعارضها بقوله تعالى {وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} وروى عنه أبو يعلى أنه قال: تالله لئن انطلق رجل مجاهد في سبيل الله فاستشهد فعمدت امرأته سفها وجهلاً فبكت عليه ليعذبن هذا الشهيد بذنب هذه السفيهة، وإلى هذا جنح جماعة من الشافعية منهم الشيخ أبو حامد وغيره. وذهب جمهور العلماء إلى تأويل هذه الأحاديث لمخالفتها للعمومات القرآنية وإثباتها لتعذيب من لا ذنب له واختلفوا في التأويل، فذهب جمهورهم كما قال النووي إلى تأويلها بمن أوصى بأن يبكى عليه لأنه بسببه ومنسوب إليه، قالوا: وقد كان ذلك من عادة العرب كما قال طرفة بن العبد:
إذا مت فابكيني بما أنا أهله
...
وشقي على الجيب يا أم معبد.
قال في الفتح: واعترض بأن التعذيب بسبب الوصية يستحق بمجرد صدور الوصية، والحديث دال على أنه إنما يقع عند الامتثال، والجواب أنه ليس في السياق حصر لا يلزم من وقوعه عند الامتثال أن لا يقع إذا لم يمتثلوا مثلاً إنتهى. قلت: والحق هو ما ذهب إليه الجمهور من تأويل هذه الأحاديث الصحيحة

(4/83)


إلى هذا الحَدِيثِ وقالَ ابنُ المُبَارَكِ: أَرْجُو إِنْ كَانَ يَنْهَاهُمْ في حَيَاتِهِ أن لاَ يَكُونَ عَليْهِ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ.
1008 ـ حدثنا عَلِيّ بنُ حُجْرٍ أخبرنا محمدُ بنُ عَمّارٍ حَدّثَنِي أَسِيدُ بنُ أبي أَسِيدٍ أنّ مُوسَى بنِ أبي مُوسَى الأشْعَرِيّ أخْبَرَهُ عن أبيهِ أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: "مَا مِنْ مَيّتٍ يَمُوتُ فَيَقُومُ بَاكِيهِ فَيَقُولُ واجَبَلاَهُ واسَيّدَاهُ أو نَحْوَ ذَلِكَ إِلاّ وُكّلَ بِهِ مَلَكَان يَلْهَزَانِهِ أهَكَذَا كُنْت؟".
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب.
ـــــــ
ولا وجه لردها مع إمكان التأويل، ولهم تأويلات بعضها قريبة وبعضها بعيدة فتؤخذ القريبة وتترك البعيدة. وإن شئت الوقوف على هذه التأويلات فارجع إلى فتح الباري وغيره من شروح البخاري "وقال ابن المبارك: أرجو إن كان ينهاهم في حياتهم أن لا يكون عليه من ذلك شيء" وهذا هو رجائي والله تعالى أعلم.
قوله: "حدثني أسيد بن أبي أسيد" بفتح الهمزة وكسر السين فيهما المراد أبو سعيد المديني صدوق.
قوله: "ما من ميت" أي حقيقي أو مشرف على الموت "يموت" قال الطيبي هو كقول ابن عباس يمرض المريض أو تضل الضالة فسمى المشارف للموت والمرض والضلال ميتاً ومريضاً وضالة، وهذه الحالة هي التي ظهرت على عبد الله بن رواحة إنتهى. قلت: وقصة عبد الله بن رواحة أخرجها البخاري وقد ذكرتها في آخر هذا الباب "يلهزانه" بفتح الهاء أي يضربانه ويدفعانه. وفي النهاية: اللهز الضرب بجمع اليد في الصدر يقال لهزه بالرمح أي طعنه في الصدر "أهكذا كنت" أي توبيخاً وتقريعاً.
قوله: "هذا حديث حسن غريب" قال الحافظ في التلخيص: ورواه الحاكم وصححه وشاهده في الصحيح عن النعمان بن بشير قال: أغمي على عبد الله بن رواحة فجعلت أخته تبكي وتقول واجبلاه واكذا واكذا فلما أفاق قال ما قلت شيئاً إلا قيل لي أنت كذا، فلما مات لم تبك عليه

(4/84)


باب ماجاء في الرخصة في البكاء على الميت
...
24 ـ باب ما جَاءَ في الرّخْصَةِ في البُكَاءِ على المَيّت
1009 ـ حدثنا قُتَيْبَةُ عن مَالِكٌ قال وحدثنا إسْحَاقُ بنُ مُوسَى حدثنا مَعْنٌ حدثنا مَالِكٌ عن عَبْدِ الله بنِ أبي بَكْرٍ بنِ محمدِ بنِ عَمْروِ بنِ حَزْمٍ عن أبيهِ عن عَمرَةَ "أنّها أَخْبَرَتْهُ أنها سَمِعَتْ عَائِشَةَ وذُكِرَ لَها أَنّ ابنَ عُمَرَ يَقُولُ: "إِنّ المَيّتَ لَيُعَذّبُ بِبُكَاءِ الحَيّ " فقالَتْ عائِشَةُ: غَفَرَ الله لأبي عَبْدِ الرحمَن أمَا إنّهُ لَمْ يَكْذِبْ ولَكِنّهُ نَسِيَ أَوْ أَخْطَأَ "إنّمَا مَرّ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عَلَى يَهُودِيّةٍ يُبْكى عَلَيْهَا فقَالَ إِنّهُمْ لَيَبْكُونَ عَلَيْها وإنّهَا لَتُعَذّبُ في قَبْرِها".
ـــــــ
باب ما جاء في الرخصة في البكاء على الميت
أي في الرخصة في البكاء الذي ليس به صوت ولا نياحة
قوله: "عن عمرة" بفتح العين هي بنت عبد الرحمن بن سعد بن زرارة الأنصارية المدنية أكثرت عن عائشة رضي الله عنها ثقة من الثالثة.
قوله: "وذكر" بصيغة المجهور "لها" أي لعائشة "غفر الله لأبي عبد الرحمن" كينته عبد الله بن عمر رضي الله عنه، وهذا من الاَداب الحسنة المأخوذة من قوله تعالى {عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ} فمن استغرب من غيره شيئاً ينبغي أن يوطى ويمهد له بالدعاء إقامة لعذره فيما وقع منه وأنه لم يتعمد، ومن ثم زادت على ذلك بياناً واعتذاراً بقولها "أما" بالتخفيف للتنبيه أو للافتتاح يؤتي بها لمجرد التأكيد "إنه" أي ابن عمر "ولكنه نسي" أي مورده الخاص "أو خطأ" أي في إرادته العام "يبكي عليها" بصيغة المجهول "إنهم" أي اليهود "وإنها" أي اليهودية "لتعذب في قبرها" أي لكفرها. قال القاري في المرقاة: ولا يخفي أن هذا الاعتراض وارد لو لم يسمع الحديث إلا في هذا المورد وقد ثبت بألفاظ مختلفة وبروايات متعددة عنه وعن غيره غير مقيدة بل مطلقة دخل هذا الخصوص تحت ذلك العموم فلا منافاة ولا معارضة فيكون إعتراضها بحسب اجتهادها إنتهى. وقال الحافظ في فتح الباري: قال القرطبي: إنكار عائشة ذلك وحكمها على الراوي بالتخطئة أو النسيان أو على أنه سمع بعضاً ولم يسمع بعضاً بعيد،

(4/85)


قال أبو عيسى: هذا حديثٌ صحيح
1010 ـ حدثنا قُتَيْبَةُ حدثنا عَبّادُ بنُ عَبّادٍ المُهَلّبِيّ عن محمد بنِ عَمْروٍ عن يَحْيَى بنِ عَبْدِ الرحمَنِ عن ابنِ
عُمَرَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ: "المَيّتُ يُعَذّبُ بِبُكَاءِ أهْلِهِ عَلَيْهِ. فَقَالتْ عائِشَةُ يَرْحَمُهُ الله لَمْ يَكْذِبْ ولَكِنّهُ وَهِمَ، إنّمَا قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم لِرَجُلٍ مَاتَ يَهُودِيّاً: إنّ المَيّتَ لَيُعَذّبُ وإنّ أهْلَهُ لَيَبْكُونَ عَلَيْهِ".
وفي البابِ عن ابنِ عَبّاسٍ وقَرظَةَ بنِ كَعْبٍ وأبي هُرَيْرَةَ وابنِ مَسْعُودٍ وأُسَامَةَ بنِ زَيْدٍ.
ـــــــ
لأن الرواة لهذا المعنى من الصحابة كثيرون وهم جازمون فلا وجه للنفي مع إمكان حمله على محمل صحيح إنتهى.
قوله: "هذا حديث حسن" وأخرجه الشيخان.
قوله: "فقالت عائشة يرحمه الله لم يكذب ولكنه وهم الخ" وكذلك حكمت عائشة رضي الله عنها على عمر رضي الله عنه أيضاً بالتخطئة، ففي رواية ابن عباس عن عائشة عند البخاري ومسلم: فقالت يرحم الله عمر والله ما حدث رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن الله ليعذب المؤمن ببكاء أهله عليه" ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "إن الله ليزيد الكافر عذاباً ببكاء أهله عليه"، وقالت حسبكم القرأن قوله: {وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} قال الحافظ في الفتح: وهذه التأويلات عن عائشة متخالفة وفيه إشعار بأنها لم ترد الحديث بحديث آخر بل بما استشعرته من معارضة القرآن قال الداودي: رواية ابن عباس عن عائشة بينت ما نفته عمرة وعروة عنها إلا أنها خصته بالكافر لأنها أثبتت أن الميت يزداد عذاباً ببكاء أهله، فأي فرق بين أن يزداد بفعل غيره أو يعذب ابتداء إنتهى.
قوله: "وفي الباب" أي في باب الرخصة في البكاء على الميت "عن ابن عباس" أخرجه أحمد بلفظ: قال ماتت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فبكت النساء فجعل عمر يضربهن بسوطه فأخره رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده وقال

(4/86)


قال أبو عيسى: حديثُ عائِشَةَ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وقد رُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عن عائِشَةَ. وقد ذَهَبَ أهْلُ العِلْمِ إلى هذا وتَأَوّلُوا هَذِهِ الاَيةَ {ولاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} وهُوَ قَوْلُ الشّافَعِيّ.
1011 ـ حدثنا عَلِيّ بنُ خَشْرَمٍ أخبرنا عِيسى بنُ يُونُسَ عن ابنِ أبي لَيْلَى عن عَطَاءٍ عن جَابرِ بنِ عَبْدِ الله قالَ: "أَخَذَ النبيّ صلى الله عليه وسلم بِيَدِ عَبْدِ الرحمَنِ بنِ عَوْفٍ فانْطَلَقَ بِهِ إلى ابنْهِ إبرَاهِيمَ فَوَجَدَهُ يجوُدُ بِنَفْسِهِ فأَخَذَهُ النبيّ صلى الله عليه وسلم فَوَضَعَهُ في حِجْرِه فَبَكَى، فقالَ لَهُ عَبْدُ الرحمَن: أَتَبْكِي أَوَ لَمْ تَكُنْ نَهَيْتَ عن البُكاءِ؟ قالَ: لا، ولَكِنْ نَهَيْتُ عن صَوْتَيْنِ أَحْمَقَيْنِ فَاجِرَيْنِ: صَوْتٍ عِنْدَ مُصِيبَةٍ خَمْشِ وُجُوهٍ وشَقّ جُيُوبٍ ورَنّةِ شيطانٍ" وفي الحَدِيثِ كَلاَمٌ أَكْثَرُ مِنْ هذا.
ـــــــ
"مهلاً يا عمر" ثم قال: "إياكن ونعيق الشيطان" ثم قال: "إنه مهما كان من العين ومن القلب فمن الله عز وجل ومن الرحمة وما كان من اليد ومن اللسان فمن الشيطان" انتهى "وقرظة بن كعب" لينظر من أخرجه قوله: "وأبي هريرة" أخرجه أحمد والنسائي قال : مات ميت من آل رسول الله صلى الله عليه وسلم فاجتمع النساء يبكين عليه فقام عمر ينهاهن ويطردهن فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "دعهن يا عمر فإن العين دامعة والقلب مصاب والعهد قريب" انتهى "وابن مسعود" لينظر من أخرجه "وأسامة بن زيد" أخرجه الشيخان قال أرسلت ابنة النبي صلى الله عليه وسلم إليه أن ابناً لي قبض فأتنا الحديث وفيه: ففاضت عيناه، فقال سعد يا رسول الله ما هذا؟ فقال "هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده فإنما يرحم الله من عباده الرحماء" انتهى.
قوله: "حديث عائشة حديث حسن صحيح" أصل القصة رواها الشيخان.
قوله: "يجود بنفسه" أي يخرجها ويدفعها كما يدفع الإنسان ما له. قاله الحافظ "أو لم تكن نهيت" بالبناء للفاعل على المشهور وضبطه بعضهم بالبناء للمفعول كذا في قوت المغتذي "صوت" بالجر بدل من صوتين "خمش وجوه" مصدر خمشت المرأة وجهها خمشاً إذا قشرت بالأظفار قاله أبو الطيب السندي "ورنة الشيطان" بفتح راء وتشديد نون صون مع بكاء فيه ترجيع كالقلقلة

(4/87)


قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.
ـــــــ
كذا في مجمع البحار. قال النووي في الخلاصة: المراد به الغناء والمزامير. قال وكذا جاء مبيناً في رواية البيهقي. قال العراقي: ويحتمل أن المراد به رنة النوح لا رنة الغناء ونسب إلى الشيطان لأنه ورد في الحديث أول من ناح ابليس، وتكون رواية الترمذي قد ذكر فيها أحد الصوتين فقط واختصر الاَخر. ويؤيده أن في رواية البيهقي: إني لم أنه عن البكاء إنما نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين صوت نغمة لهو ولعب ومزامير شيطان، وصوت عند مصيبة خمش وجوه وشق جيوب ورنة، وهذا هو رحمة ومن لا يرحم لا يرحم. كذا في قوت المغتذي.
قوله: "هذا حديث حسن" أصل قصة هذا الحديث في الصحيحين من حديث أنس رضي الله عنه
قال: وحديث أنس في هذا الباب غير محفوظ.

(4/88)


باب ماجاء في المشي امام الجنازة
...
25 ـ باب ما جَاءَ في المَشْيِ أَمَامَ الجَنَازَة
1012 ـ حدثنا قتَيْبَةُ و أَحمد بنُ مَنِيعٍ و إسْحَاقُ بنُ مَنْصُورٍ و محمودُ بنُ غَيْلاَنَ قالُوا حدثنا سُفْيَانُ بنُ عُيَيْنَةَ عن الزّهْرِيّ عن سَالِمٍ عن أبيهِ قالَ: "رَأَيْتُ النبيّ صلى الله عليه وسلم وأبَا بَكْرٍ وعُمَرَ يَمْشُونَ أَمَامَ الجَنَازَةِ".
1013 ـ حدثنا الحَسَنُ بنُ عَلِي الخَلاّلُ حدثنا عمْرُو بنُ عَاصِمٍ عن هَمّامٌ عن مَنْصُورٍ و بَكْر الكُوفِيّ و زِيَادٍ و سُفْيَانَ، كُلُهُمْ يَذْكُرُ أَنّهُ
ـــــــ
باب في المشي أمام الجنازة
قوله: "عن الزهري عن سالم عن أبيه قال رأيت النبي صلى الله عليه وسلم الخ" أخرج هذا الحديث أحمد وأصحاب السنن والدارقطني وابن حبان والبيهقي من حديث ابن عيينة عن الزهري عن سالم عن أبيه به. قال أحمد إنما هو عن الزهري مرسل، وحديث سالم فعل ابن عمر، وحديث ابن عيينة وهم كذا في التلخيص.

(4/88)


سَمِعَ عن الزّهْرِيّ عن سَالِمِ بنِ عَبْدِ الله عن أبيهِ قالَ "رَأَيْتُ النبيّ صلى الله عليه وسلم وأَبا بَكْرٍ وعُمَرَ يَمشُونَ أَمَامَ الجَنَازَةِ".
1014 ـ حدثنا عَبْدُ بنُ حُمَيْدٍ حدثنا عَبْدُ الرّزّاقِ أخبرنا مَعْمَرٌ عن الزّهْرِيّ قالَ: "كانَ النبيّ صلى الله عليه وسلم وأبُو بَكْرٍ وعُمَرُ يَمْشُونَ أَمَامَ الجَنَازَةِ". قالَ الزّهْرِيّ وأَخْبَرَنِي سَالِمٌ أَنّ أَبَاهُ كَانَ يَمْشِي أَمَامَ الجَنَازَةِ.
قال وفي البابِ عن أنَسٍ.
قال أبو عيسى: حديثُ ابنِ عُمَر هَكَذَا رواه ابنُ جُرَيْجٍ وزِيَادُ بنُ سَعْدٍ وغَيْرُ وَاحِدٍ عن الزّهْرِيّ عَنْ سَالِمٍ عن أبيهِ نَحْوَ حدِيثِ ابنِ عُيَيْنَةَ ورَوَى مَعْمَرٌ ويُونُسُ بنُ يَزِيدَ ومَالِكٌ وغَيْرُ واحد مِنَ الحُفّاظِ عن الزّهْرِيّ أَنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَمْشِي أَمَامَ الجَنَازَةِ قالَ الزهريّ: وَأَخْبَرَنِي سَالِم أَنّ أَبَاهُ كَانَ يَمْشِي أَمَامَ الجَنَازَةِ، وأهْلُ الحَديثِ كُلّهُمْ يَرَوْنَ أنّ الحَديثَ المُرْسَلَ في ذَلِكَ أَصَحّ.
ـــــــ
قوله: "عن الزهري قال كان النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر يمشون أمام الجنازة" هذه الرواية مرسلة، ورواية سفيان المتقدمة عن الزهري موصولة، والأصح الإرسال كما صرح به الترمذي فيما بعد. قوله: "وأخبرني سالم أن أباه" أي عبد الله بن عمر رضي الله عنه. قوله: "وفي الباب عن أنس" أخرجه الترمذي.
قوله: "وأهل الحديث كلهم يرون أن الحديث المرسل في ذلك أصح" لكن البيهقي اختار ترجيح الموصول لأنه من رواية ابن عيينة وهو ثقة حافظ وعن علي بن المديني قال: قلت لابن عيينة يا أبا محمد خالفك الناس في هذا الحديث فقال استيقن الزهري حدثني مراراً لست أحصيه يعيده ويبديه سمعته من فيه عن سالم عن أبيه. قال الحافظ في التلخيص. وهذا لا ينفي عنه الوهم فإنه ضابط لأنه سمعه منه عن سالم عن أبيه والأمر كذلك إلا أن فيه إدراجاً لعل الزهرى أدمجه إذ حدث به ابن عيينة وفصله لغيره وقد أوضحته في المدرج بأتم من هذا وجزم أيضاً بصحته ابن المنذر وابن حزم انتهى كلام الحافظ.

(4/89)


قال أبو عيسى: وسَمِعْتُ يَحْيَى بنَ مُوسَى يَقُولُ سمعت عَبْدَ الرّزّاقِ يقول قالَ ابن المُبَارَكِ: حدِيثُ الزّهْرِيّ في هذا مُرْسَلٌ أَصَحّ مِنْ حَدِيث ابن عُيَيْنَةَ. قالَ ابنُ المُبَارَك: وَأَرَى ابنَ جُرَيْجٍ أَخَذَهُ عن ابنِ عُيَيْنَةَ.
قال أبو عيسى: ورَوَى هَمامُ بنُ يَحْيى هذا الحَديثَ عن زِيَادٍ، وهُوَ ابن سَعْدٍ ومَنْصُورٍ وبَكْرٍ وسُفْيَانَ عن الزّهْرِيّ عن سَالِمٍ عن أبيهِ، وإنمَا هُوَ سُفْيَانُ بنُ عُيَيْنَةَ رَوَى عنهُ هَمّامٌ. واخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في المَشْيِ أمامَ الجَنَازَةِ فَرَأَى بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النّبِيّ صلى الله عليه وسلم وغَيْرهُمْ أنّ المَشْيَ أمامها أفْضَلُ وهُوَ قَوْلُ الشّافِعيّ وأحمدَ.
1015 ـ حدثنا محمدُ بنُ المُثَنّى حدثنا محمدُ بنُ بَكرٍ حدثنا يُونُسُ بنُ يَزِيدَ عن الزهري عن أنَس كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي أمام الجنازة وأبو بكر وعُمَرُ وعُثْمَانُ ".
و سَأَلْتُ محمداً عن هذا الحَدِيثِ فَقالَ: هذا حديث خطأٌ أَخْطَأَ فِيهِ محمدُ بنُ بَكْرٍ وإنّمَا يُرْوَي هذا الحَدِيثُ عن يُونُسَ عن الزّهْرِيّ أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم وأَبَا بَكْرٍ وعُمرَ كَانُوا يَمْشُونَ أَمَامَ الجَنَازَةِ" قال الزّهْرِيّ: وأَخْبَرَنِي سَالِمٌ أنّ أَبَاهُ كَانَ يَمْشِي أمَامَ الجَنَازَةِ. قالَ محمدٌ: هذا أصَحّ.
ـــــــ
قوله: "وهو قول الشافعي وأحمد" وهو قول مالك وهو مذهب الجمهور على ما صرح به الحافظ في الفتح، واستدلوا بحديث ابن عمر المذكور في الباب واستدلوا أيضاً بما أخرج عبد الرزاق في مصنفه عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أنه كان يضرب الناس يقدمهم أمام جنازة زينب بنت جحش رضي الله عنها وبما أخرج ابن أبي شيبة حدثنا وكيع عن ابن أبي ذئب عن صالح مولى التوأمة قال رأيت أبا هريرة رضي الله تعالى عنه وأبا قتادة وابن عمر وأبا أسيد رضي الله عنهم يمشون أمام الجنازة

(4/90)


باب ماجاء ف المشي خلف الجنازة
...
26 ـ باب ما جَاءَ في المَشْيِ خَلفَ الجَنَازَة
1016 ـ حدثنا محمودُ بنُ غَيْلاَنَ حدثنا وَهْبُ بنُ جَرِيرٍ عن شُعْبَةَ عن يَحْيَى إِمَامِ بَنِي تَيْمِ الله عن أبي مَاجِدٍ عن عَبْدِ الله بنِ مَسْعُودٍ قالَ "سَأَلْنَا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم عن المَشْيِ خَلْفَ الجَنَازَةِ قال مَا دُونَ الْخَبَب، فإنْ كَانَ خَيْراً عَجّلْتُمُوهُ، وإن كان شَرّاً فَلاَ يُبَعّدُ إلاّ أهْلُ النّارِ، الجَنَازَةُ مَتْبُوعَةٌ ولاَ تُتْبَعُ ولَيْسَ منّا مَنْ تَقَدّمَهَا".
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ لا يُعرف مِنْ حدِيثِ عَبْدِ الله بنِ مَسْعُودٍ إِلاّ مِنْ هذا الوَجْهِ. قال: سَمِعْتُ محمدَ بنَ إسْماعيلَ يُضْعّفُ حديثَ أبي مَاجِدٍ لهذا. وقالَ محمدٌ قالَ الحُمَيْدِيّ قالَ ابنُ عُيَيْنَةَ: قِيلَ ليَحْيَى مَنْ أبُو مَاجِدٍ هذا؟ قال طَائِرٌ طَارَ فَحَدّثَنَا. وقد ذَهَبَ بَعْضُ أهلِ العِلْمِ مِنْ أصْحَابِ النبيّ
ـــــــ
باب ما جاء في المشي خلف الجنازة
قوله: "عن يحيى إمام بني تيم الله" يحيى هذا بن عبد الله بن الحارث الجابر أبو الحارث الكوفي لين الحديث من السادسة "عن أبي ماجد" قيل اسمه عائذ بن فضلة مجهول لم يرو عنه غير يحيى الجابر من الثانية كذا في التقريب، ويقال له أبو ماجدة أيضاً كما في قوت المغتذي.
قوله: "فقال ما دون الخبب" هو سرعة المشي مع تقارب الخطى كذا في قوت المغتذي "فلا يبعد" قال العراقي يحتمل ضبطه وجهين أحدهما بناؤه للمفعول ويكون المراد أن حاملها يبعدها عنه بسرعة بها لكونه من أهل النار، ويحتمل أن يكون بفتح الياء والعين أيضاً من بعد بالكسر يبعد بالفتح إذا هلك انتهى. "والجنازة متبوعة" أي حقيقة وحكماً فيمشي خلفها "ولا تتبع" بفتح التاء والباء وبرفع العين على النفي وبسكونها على النهي أي لا تتبع الناس هي فلا نكون عقيبهم وهو تصريح بما علم ضمناً "ليس منها من تقدمها" أي لا يثبت له الأجر.
قوله: "فقال طائر طار فحدثنا" أشار إلى أنه مجهول "وبه يقول الثورى وإسحاق" وبه يقول الأوزاعي واستدل لهم بحديث الباب وبما رواه سعيد بن

(4/91)


صلى الله عليه وسلم وغَيْرِهِمْ إلى هذا، رَأَوْا أنّ المَشيَ خلْفَهَا أفْضَلُ. وبهِ يَقُولُ سفيان الثّوْرِيّ وإسْحَاقُ. قال ابن أبا مَاجِدٍ رَجُلٌ مَجْهُولٌ لا يعرف إنّما يروى عنه حَدِيثَانِ عن ابنِ مسْعُودٍ. ويَحْيَى إمَامُ بنيِ تَيْمِ الله ثِقَةٌ يُكْنَى أبَا الحَارِثِ ويُقَالُ لَهُ يَحْيَى الجَابِرُ، وَيُقَالَ لَهُ يَحْيَى المُجْبرُ أيْضاً وَهُوَ كُوفِيّ رَوَى لَهُ شُعْبَةُ وَسُفْيَانُ الثّوْرِيّ وأبو الأحْوَص وسُفْيَانُ بنُ عُيَيْنَةَ.
ـــــــ
منصور وغيره عن علي قال: المشي خلفها أفضل من المشي أمامها كفضل صلاة الجماعة على صلاة الفذ. قال الحافظ: إسناده حسن وهو موقوف له حكم المرفوع، لكن حكى الأثرم عن أحمد أنه تكلم في إسناده انتهى. وفي الباب أحاديث أخر ذكرها الحافظ الزيلعي في نصب الراية.
قوله: "وله حديثان عن ابن مسعود" الحديث الاَخر ما رواه أبو الأحوص عن يحيى التميمي عن أبي ماجدة عن ابن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله عفو يحب العفو"، كذا في الميزان وقوت المغتذي.
قوله: "ويحيى إمام بني تيم الله ثقة" قال العراقي: هذا مخالف بقول الجمهور فقد ضعفه ابن معين وأبو حاتم والنسائي والجوزجاني. وقال البيهقي ضعفه جماعة من أهل النقل ثم قال فيه أحمد وابن عدي لا بأس به كذا في قوت المغتذي "ويقال له يحيى الجابر ويقال له يحيى المجبر أيضاً" لأنه كان يجبر الأعضاء، كذا في تهذيب التهذيب

(4/92)


باب ماجاء في كراهية الركوب خلف الجنازة
...
27 ـ باب ما جَاءَ في كَرَاهِيَةِ الرّكُوبِ خَلْفَ الجَنَازَة
1017 ـ حدثنا عَلِيّ بنُ حُجْرٍ أخبرنا عيسَى بنُ يُونُسَ عن أبي بَكْرِ بنِ أبي مَرْيَمَ عن رَاشِدِ بنِ سَعْدٍ عن ثَوْبَانَ قالَ خَرَجْنَا مَعَ رسول الله صلى الله عليه وسلم في جَنَازَةِ فَرَأَى نَاساً رُكْبَاناً فقَالَ ألاَ تَسْتَحيوُنَ؟ إِنّ مَلاَئِكَةَ الله على أقْدَامِهِمْ وأنْتُمْ على ظهُورِ الدّوَابّ".
ـــــــ
باب ما جاء في كراهية الركوب خلف الجنازة
قوله: "ألا تستحيون إن ملائكة الله الخ" إن هذه بكسر الهمزة قاله

(4/92)


قال وفي البابِ عن المُغِيرَةِ بنِ شُعْبَةَ وجَابِرِ بنِ سَمُرَةَ.
قال أبو عيسى: حديثُ ثَوْبَانَ قد رُوِيَ عَنْهُ مَوْقُوفاً.
ـــــــ
القاري. والحديث يدل على كراهة الركوب خلف الجنازة، ويعارضه ما أخرج أبو داود عن المغيرة بن شعبة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الراكب يسير خلف الجنازة والماشي يمشي خلفها وأمامها وعن يمينها ويسارها قريباً منها" الحديث. والجمع بن هذين الحديثين بوجون منها أن حديث المغيرة في حق المعذور بمرض أو شلل أو عرج ونحو ذلك، وحديث الباب في حق غير المعدور. ومنها أن حديث الباب محمول على أنهم كانوا قدام الجنازة أو طرفها فلا ينافي حديث المغيرة. ومنها أن حديث المغيرة لا يدل على عدم الكراهة وإنما يدل على الجواز فيكون الركوب جائزاً مع الكراهة.
قوله: "وفي الباب عن المغيرة بن شعبة" أخرجه أبو داود وتقدم لفظه وأخرجه أحمد والنسائي وابن ماجه بلفظ: الراكب خلف الجنازة والماشي حيث شاء منها "وجابر بن سمرة" أخرجه مسلم والترمذي "حديث ثوبان قد روى عنه موقوفاً" لم يتكلم الترمذي على حديث ثوبان المرفوع المذكور بحسن ولا ضعف، وفي إسناده أبو بكر بن أبي مريم وهو ضعيف

(4/93)


باب ماجاء في الرخصة في ذلك
...
28 ـ باب ما جَاءَ في الرّخْصَةِ في ذَلِك
1018 ـ حدثنا محمودُ بنُ غَيْلاَنَ حدثنا أبو دَاوُدَ حدثنا شُعْبَةُ عن سِمَاك قالَ سَمِعْتُ جَابِرَ بنَ سَمُرَةَ يَقُولُ: "كُنّا مَعَ النبيّ صلى الله عليه وسلم في جنازة أبي الدّحْداحِ، وهُوَ على فَرَسٍ له يَسعَى ونَحْنُ حَوْلَهُ وهُوَ يَتَوقّصُ بِهِ".
ـــــــ
باب ما جاء في الرخصة في ذلك
قوله: "في جنازة ابن الدحداح" بفتح الدالين المهملتين وحائين مهملتين "وهو على فرس له" أي حين رجع كما في الرواية الاَتية "يسعى" قال العراقي: روى بالياء والنون "وهو يتوقص به" بالقاف المشددة والصاد المهملة أي

(4/93)


1019 ـ حدثنا عَبْدُ الله بن الصّبّاحِ الهَاشِمِيّ حدثنا أبو قُتَيْبَةَ عن الجَرّاحِ عن سِمَاكٍ عن جَابِرِ بن سَمُرَةَ "أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم اتّبَعَ جَنَازَةَ أبي الدّحْدَاحِ مَاشِياً وَرَجَعَ على فَرَسٍ".
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
يتثوب به. وفي مصنف ابن أبي شيبة يتوقس بالسين المهملة وهما نعتان كذا في قوت المغتذي وقال في المجمع: أي يثب ويقارب الخطو.
قوله: "عن الجراح" بتشديد.
قوله: "ورجع على فرس" فيه دليل على جواز الركوب عند الإنصراف. وقال العلماء لا يكره الركوب في الرجوع من الجنازة إتفاقاً لإنقضاء العبادة كذا في المرقاة. وقال النووي: فيه إباحة الركوب في الرجوع عن الجنازة وإنما يكره الركوب في الذهاب معها إنتهى.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه مسلم

(4/94)


باب ماجاء في الإسراع في الجنازة
...
29 ـ باب ما جَاءَ في الإسْرَاعِ بالجَنَازَة
1020 ـ حدثنا أحمدُ بنُ مَنِيعٍ حدثنا سفيان بنُ عُيَيْنَةَ عن الزّهْرِيّ سَمِعَ سَعِيدَ بنَ المُسَيّبِ عن أبي هُرَيْرَةَ يَبْلُغُ بهِ النبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ: "أسْرِعُوا بالجَنَازَةِ فإِنْ يكُن خَيْراً تُقَدّمُوها إلَيْهِ، وإنْ يكُن شَرّاً تَضَعُوهُ عَنْ رِقَابِكُمْ".
ـــــــ
باب ما جاء في الإسراع بالجنازة
قوله: "يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم" أي يرفع الحديث إليه صلى الله عليه وسلم.
قوله: "أسرعوا" أمر من الإسراع. قال الحافظ في الفتح: نقل ابن قدامة أن الأمر فيه للاستحباب بلا خلاف بين العلماء، وشذ ابن حزم فقال بوجوبه. والمراد بالإسراع شدة المشي، وعلى ذلك حمله بعض السلف وهو قول الحنفية. قال صاحب الهداية: ويمشون بها مسرعين دون الخبب. وفي المبسوط ليس فيه

(4/94)


وفي البابِ عن أبي بَكْرَةَ.
قال أبو عيسى: حديثُ أبي هُرَيْرَةَ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
شيء مؤقت غير أن العجلة أحب إلى أبي حنيفة وعن الشافعي والجمهور: المراد بالإسراع ما فوق سجية المشي المعتاد ويكره الإسراع الشديد، ومال عياض إلى نفي الخلاف فقال: من استحبه أراد الزيادة على المشي المعتاد ومن كرهه أراد الإفراط فيه كالرمل. والحاصل أنه يستحب الإسراع بها لكن بحيث لا ينتهي إلى شدة يخاف معها حدوث مفسدة بالميت أو مشقة على الحامل أو المشيع لئلا ينافي المقصود من النظافة أو إدخال المشقة على المسلم إنتهى كلام الحافظ "بالجنازة" أي بحملها إلى قبرها "فإن تك" أي الجثة المحمولة قاله الحافظ. وقال القاريء: أي فلن تكن الجنازة. قال المظهر: الجنازة بالكسر الميت وبالفتح السرير فعلى هذا أسند الفعل إلى الجنازة وأريد بها الميت "خيراً" أي ذا خير، وفي رواية الشيخين: صالحة "تقدموها" أي الجنازة "إليه" أي الخير، وفي رواية الشيخين: فإن تكن صالحة فخير تقدمونها إليه. قال القاري قال كان حال ذلك الميت حسناً طيباً فأسرعوا به حتى يصل إلى تلك الحالة الطيبة عن قريب. قال الحافظ: وفي الحديث استحباب المبادرة إلى دفن الميت لكن بعد أن يتحقق أنه مات، أما مثل المطعون والمفلوج والمسبوت فينبغي أن لا يسرع بدفنهم حتى يمضي يوم وليلة ليتحقق موتهم، نبه على ذلك ابن بزيزة إنتهى.
قوله: "وفي الباب عن أبي بكرة" أخرجه أبو داود من طريق عيينة بن عبد الرحمن عن أبيه أنه كان في جنازة عثمان بن أبي العاص وكنا نمشي مشياً خفيفاً فلحقنا أبو بكرة فرفع سوطه فقال لقد رأيتنا ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نرمل رملاً انتهى. وسكت عنه أبو داود والمنذري. وقال النووي في الخلاصة: سنده صحيح. قال العيني: نرمل رملاً من رمل رملان ورملانا إذا أسرع في المشي وهز منكبيه، ومراده الإسراع المتوسط. ويدل عليه ما رواه ابن أبي شيبة في مصنفه من حديث عبد الله بن عمرو أن أباه أوصاه قال: إذا حملتني على السرير فامش مشياً بين المشيين وكن خلف الجنازة فإن مقدمتها للملائكة وخلفها لبني آدم انتهى.
قوله: "حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح" أخرجه الجماعة

(4/95)


باب ماجاء في قتلى أحد وذكر حمزة
...
30 ـ باب ما جَاءَ في قَتْلَى أُحدٍ وذِكْرِ حَمْزَة
1021 ـ حدثنا قُتَيْبَةَ حدثنا أبُو صَفْوانَ عن أُسَامَةَ بنِ زَيْدٍ عن ابنِ شِهَابٍ عن أنَسٍ بنِ مَالِكٍ قالَ : أَتَى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عَلَى حَمْزَةَ يَوْمَ أُحُد فَوَقَفَ عَلَيْهِ فَرَآهُ قَدْ مُثّلَ بِهِ، فقَالَ لَوْلاَ أَنْ تَجدَ صَفِيّةُ في نَفْسِهَا لَتَرَكْتُهُ حَتّى تَأْكُلَهُ العَافِيَةُ حتى يحْشَرَ يَوْمَ القِيَامَة مِنْ بُطُونِهَا. قالَ ثُمّ دَعَا بِنَمِرةٍ فكَفّنَهُ فيها فكَانَتْ إذَا مُدّتْ على رَأْسِهِ بَدَتْ رِجْلاَهُ، وإذَا مُدّتْ على رِجْلَيْهِ بَدَا رَأْسُهُ. قالَ فَكَثُرَ القَتلَى وقَلتِ الثّيَابُ، قالَ فكُفّنَ الرّجُلِ والرّجُلاَنِ والثّلاَثَةُ في الثّوْبِ الوَاحِدِ ثُمّ يُدْفَنُونَ في قَبْرٍ وَاحِدٍ. فَجَعَلَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يَسْأَلُ عَنْهُمْ أَيّهُمْ أكْثَرُ قُرْآناً فَيُقَدّمَهُ إلى القِبْلَةِ. قالَ فَدَفَنَهُمْ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ولَمْ يُصَلّ عَلَيْهِمْ"
ـــــــ
باب ما جاء في قتلى أحد وذكر حمزة قتلى جمع قتيل
النمرة الكِساءُ الخَلِقُ وقد خولف أسامة بن زيد، في رواية هذا الحديث فروى الليث بن سعد عن ابن شهاب عن عبد الرحمَن بن كعب بن مالك عن جابر بن عبد الله بن زيد، وروى معمر عن الزهري عن عبد الله بن ثعلبة عن جابر، ولا نعلم أحداً ذكره عن الزهري عن أنس إلا أُسامة بن زيد.
وسألت محمداً عن هذا الحديث؟ فقال: حديث الليث عن ابن شهاب عن عبد الرحمَن بن كعب بن مالك عن جابرٍ، أصح.
قوله: "قد مثل به" قال في الدر النثير: مثلت بالقتيل جدعت أنفه أو أذنه أو مذاكيره أو شيئاً من أطرافه، والاسم مثلة "لولا أن تجد" أن تحزن وتجزع "صفية" هي بنت عبد المطلب عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وشقيقة حمزة رضي الله عنهما "حتى تأكله العافية" قال الخطابي: هي السباع والطير التي تقع على الجيف فتأكلها وتجمع على العوافي "حتى يحشر يوم القيامة من بطونها" إنما أراد ذلك ليتم له به الأجر ويكمل ويكون كل البدن مصروفاً في سبيله تعالى إلى البعث أو البيان أنه ليس عليه فيما فعلوا به من المثلة تعذيب حتى إن دفنه وتركه سواء قاله أبو الطيب "بنمرة" بفتح نون وكسر ميم بردة من صوف وغيره مخططة وقيل الكساء.
قوله: "ولم يصل عليهم" واستدل به من قال بأن الشهيد لا يصلي عليه وسيجيء الكلام على هذه المسألة في باب ترك الصلاة على الشهيد.

(4/96)


قال أبو عيسى: حديثُ أنَسٍ حديثٌ حسنٌ غريبٌ. لا نَعْرِفُهُ مِنْ حديثِ أنَسٍ إلاّ مِنْ هذا الوَجْهِ.
ـــــــ
قوله: "حديث أنس حديث حسن غريب" وأخرجه أبو داود وسكت عنه، وذكر المنذري قول الترمذي هذا وأقره

(4/97)


31 ـ باب آخر
1022 ـ حدثنا عَلِيّ بنُ حُجْرٍ أخبرنا عَلِيّ بنُ مُسْهِرٍ عن مُسْلِمٍ الأعْوَرِ عن أنَسِ بنِ مَالِكٍ قالَ: "كانَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يَعُودُ المَرِيضَ ويَشْهَدُ الجَنَازَةَ، ويَرْكَبُ الحِمَارَ، ويُجِيبُ دَعْوَةَ العَبْدِ، وكَانَ يَوْمَ بَني قُرَيْظَةَ على حِمَارٍ مَخْطُومٍ بِحَبْلٍ مِنْ لِيفٍ عَلَيْهِ إِكَافُ لِيف".
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ لا نَعْرِفُهُ إِلاّ مِنْ حدِيثِ مُسْلِمٍ عن أنَسٍ
ـــــــ
باب آخر
قوله: "ويركب الحمار" قال ابن الملك: فيه دليل على أن ركوب الحمار سنة. قال القاري: فمن استنكف من ركوبه كبعض المتكبرين وجماعة من جهلة الهند فهو أخس من الحمار انتهى. قلت: كيف وقد قال تعالى {وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً} "وكان يوم بني قريظة" بضم القاف وفتح الظاء المعجمة المشالة بوزن جهينة قبيلة من يهود خيبر وكانت هذه الوقعة لسبع بقين من ذي القعدة سنة خمس "محطوم بحبل" أي مجعول في أنفه بحبل "من ليف" بكسر اللام بالفارسية بوست درخمت خرما. قال في القاموس: خطمه بالخطام أي جعله على أنفه كخطمه به أو جر أنفه ليضع عليه الخطام، وهو ككتاب كل ما وضع في أنف البعير أي ونحوه لينقاد به "عليه" أي على الفرس "إكاف ليف" بكسر الهمزة ويقال له الوكاف بالواو وهو للحمار كالسرج للفرس، وإكاف ليف بالإضافة وفي بعض النسخ إكاف من ليف.

(4/97)


ومُسْلِمٌ الأعْوَرُ يُضَعّفُ وهُوَ مُسْلِمُ بنُ كَيْسَانَ تكلم فيه وقد روى عنه شعبة وسفيان المُلاَئيّ.
ـــــــ
قوله: "ومسلم الأعور يضعف" قال النسائي وغيره: متروك كذا في الميزان "وهو مسلم بن كيسان الملائي" بميم مضمومة وخفة لام وبياء في آخره نسبة إلى بيع الملاء نوع من الثياب كذا في المعنى

(4/98)


32 ـ باب
1023 ـ حدثنا أبُو كُرَيْبِ حدثنا أبو مُعَاوِيَةَ عن عَبْدِ الرحمَنِ بنِ أبي بَكْرٍ عن أبي
مُلَيْكَةَ عن عَائِشَةَ قالَتْ: "لَمّا قُبِضَ رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم اخْتَلَفُوا في دَفْنِهِ، فقالَ أبوُ بَكْرٍ
سَمِعْتُ مِنْ رَسولِ الله صلى الله عليه وسلم شَيئاً مَا نَسِيتُهُ قالَ: "مَا قَبَضَ الله نَبياً إلاّ في الموضِعِ الذِي يُحِبّ أَنْ يُدْفَنَ فيهِ، ادَفَنُوهُ في مَوْضِعِ فِرَاشِهِ".
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ غريبٌ. وعَبْدُ الرحمَنِ بنُ أبي بَكْرٍ المُلَيْكِيّ يُضَعّفُ مِنْ قِبَلِ حِفْظِهِ. وقد رُوِيَ هذا الحَدِيثُ مِنْ غَيْرِ هذا وَجْه. فرَوَاهُ ابنُ عَبّاسٍ عن أبي بَكْرٍ الصّدّيقِ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم
ـــــــ
باب
قوله: "اختلفوا في دفنه" أي في موضع دفنه، فقال بعضهم يدفن بمكة وقال الاَخرون بالمدينة في البقيع وقيل في القدس كذا في اللمعات "ما قبض الله نبياً إلا في الموضع الذي يحب أن يدفن فيه" إكراماً له حيث لم يفعل به إلا ما يحبه ولا ينافيه كراهة الدفن في البيوت لأن من خصائص الأنبياء أنهم يدفنون حيث يموتون.
قوله: "هذا حديث غريب" قال المناوي: ضعيف لضعف ابن أبي مليكة انتهى. قلت: قد وهم المناوى، فإن ابن أبي مليكة ليس بضعيف بل هو ثقة وضعف هذا الحديث. إنما هو لضعف عبد الرحمن بن أبي بكر بن عبيد الله بن أبي مليكة. قال الحافظ في التقريب. ضعيف، وقال الترمذي: يضعف من قبل حفظه.

(4/98)


33 ـ باب آخَر
1024 ـ حدثنا أبو كُرَيْبٍ حدثنا مُعَاوِيَةُ بنُ هِشَامٍ عن عِمْرَانَ بنِ أَنَس المَكّيّ عن عَطَاءٍ عن ابنِ عُمَرَ: "أنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: "اُذْكُرُوا مَحَاسِنَ مَوْتَاكُمْ وكُفوا عَنْ مَسَاوِيهمْ".
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ غريبٌ. سَمِعْتُ محمداً يَقُولُ: عِمْرَانُ بنُ أنسٍ المَكّيّ مُنْكَرُ الحَدِيثِ. ورَوَى بَعْضُهُمْ عن عَطَاءٍ عن عائِشَةَ. قال وعِمْرَانُ بنُ أبي أنَسِ مِصْرِيٌ أقْدَمُ وأَثْبَتُ مِنْ عِمْرَانَ بنِ أنَسٍ المَكّيّ.
ـــــــ
باب آخر
قوله: "أذكروا محاسن موتاكم" محاسن جمع حسن على غير قياس، والأمر للندب "وكفوا" أمر للوجوب أي امتنعوا "عن مساويهم" جمع سوء على غير قياس أيضاً. قال حجة الإسلام: غيبة الميت أشد من الحي، وذلك لأن عفو الحي واستحلاله ممكن ومتوقع في الدنيا بخلاف الميت. وفي الأزهار قال العلماء: وإذا رأى الغاسل من الميت ما يعجبه كاستنارة وجهه وطيب ريحه وسرعة انقلابه على المغتسل استحب أن يتحدث به، وإن رأى ما يكره كنيته وسواد وجهه أو بدنه أو انقلاب صورته حرم أن يتحدث به كذا في المرقاة.
قوله: "هذا حديث غريب" ورواه أبو داود وابن حبان.
قوله: "وعمران بن أنس مصري الخ" يعني أن عمران بن أنس اثنان مصري ومكي، والمصري أثبت وأقدم من المكي، قاله الحافظ في التقريب

(4/99)


باب ماجاء في الجلوس قبل أن توضع الجنازة
...
34 ـ باب ما جَاءَ في الجُلُوسِ قَبْلَ أنْ تُوضَع
1025 ـ حدثنا محمدُ بنُ بَشّارٍ حدثنا صَفْوانُ بنُ عيسَى عن بِشْرِ بنِ رَافِعٍ عن عَبْدِ الله بنِ سُلَيْمَانَ بنِ جُنَادَةَ بنِ أبي أُمَيّةَ عن أبيهِ
ـــــــ
باب ما جاء في الجلوس قبل أن توضع
قوله: "عن بشر بن رافع" الحارثي أبو الأسباط فقيه ضعيف الحديث "عن عبد الله بن سليمان بن جنادة" بضم الجيم وبالنون ضعيف من السادسة "عن أبيه"

(4/99)


عن جَدّهِ عن عُبَادَةَ بن الصّامِتِ قالَ: "كانَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إذا أَتّبَعَ الجَنَازَةَ لَمْ يَقْعُدْ حَتّى تُوضَعَ في اللّحْدِ، فَعَرَضَ لَهُ حَبْرٌ فقالَ هَكَذاَ نَصْنَعُ يا محمدُ قال: فَجَلَسَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وقالَ خَالِفُوهُمْ".
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ غريبٌ. وبِشْرُ بنُ رافِعٍ لَيْسَ بالقَوِيّ في الحَدِيثِ.
ـــــــ
سليمان بن جنادة منكر الحديث من السادسة "عن جده" جنادة بن أبي أمية الأزدي ثقة.
قوله: "حتى توضع في اللحد" بفتح اللام وسكون الحاء الشق في جانب القبلة من القبر "فعرض له حبر" بفتح الحاء وتكسر أي عالم أي ظهر له صلى الله عليه وسلم عالم من اليهود "فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم" أي بعد ما كان واقفاً أو بعد ذلك "وقال خالفوهم" قال القاري: فبقي القول بأن التابع لم يقعد حتى توضع عن أعناق الرجال هو الصحيح انتهى. قلت: هذا الحديث ضعيف لأن في إسناده بشر بن رافع وعبد الله بن سليمان وأباه سليمان جنادة وهؤلاء كلهم ضعفاء. وقد روى الشيخان وغيرهما عن أبي سعيد الخدري مرفوعاً: إذا رأيتم الجنازة فقوموا فمن تبعها فلا يقعد حتى توضع. قال الحازمي قد اختلف أهل العلم في هذا الباب، فقال قوم من تبع جنازة فلا يقعدن حتى توضع عن أعناق الرجال، وممن رأى ذلك الحسن بن علي وأبو هريرة وابن عمر وابن الزبير والأوزاعي وأهل الشام وأحمد وإسحاق. وذكر إبراهيم النخعي والشعبي أنهم كانوا يكرهون أن يجلسوا حتى توضع عن مناكب الرجال، وبه قال محمد بن الحسن، وخالفهم في ذلك آخرون ورأوا الجلوس أولى واعتقدوا الحكم الأول منسوخاً، وتمسكوا في ذلك بأحاديث، ثم ذكر بإسناده حديث الباب وقال هذا حديث غريب أخرجه الترمذي في كتابه وقال بشر بن رافع ليس بقوى في الحديث، وقد روى هذا الحديث من غير هذا الطريق وفيه أيضاً كلام، ولو صح لكان صريحاً في النسخ غير أن حديث أبي سعيد أصح وأثبت فلا يقاومه هذا الإسناد، ثم روى الحازمي بإسناده عن علي رضي الله عنه قال: قدمنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة أول ما قدمنا فكان النبي صلى الله عليه وسلم
لا يجلس حتى توضع الجنازة ثم جلس بعد وجلسنا معه فكان يؤخذ بالاَخر فالاَخر من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهذا الحديث بهذه الألفاظ غريب أيضاً ولكنه يشيد ما قبله، انتهى كلام الحازمي

(4/100)


35 ـ باب فَضْلِ المصِيبَةِ إِذَا احتَسَب
1026 ـ حدثنا سُوَيْدُ بنُ نَصْرٍ حدثنا عَبْدُ الله بنُ المُبَارَكِ عن حَمّادِ بنِ سَلَمَةَ عن أبي سِنَانٍ قالَ: دَفَنْتُ إبْنيِ سِنَاناً وأبو طَلْحَةَ الخَوْلاَنِيّ جَالِسٌ على شَفِيرِ القَبْرِ فَلَمّا أَرَدْتُ الخُرُوجَ أَخَذَ بِيَدِي فقالَ ألاَ أُبَشّرُكَ يا أبَا سِنَانٍ؟ قُلْتُ بَلَى قالَ: حَدّثَنِي الضّحّاكُ بنُ عَبْدِ الرحمَنِ بنِ عرْزَب عن أبي مُوسَى الأشْعَرِي: "أنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: إذَا مَاتَ وَلَدُ العَبْدِ قالَ الله لِمَلاَئِكَتِهِ قَبَضْتُمْ وَلَدَ عَبْدِي؟ فَيَقُولُونَ نَعَمْ فَيَقُولُ قبضتم ثمَرَةَ فُؤَادِهِ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ. فَيَقُولُ: مَاذَا قالَ عَبْدي؟ فَيَقُولُونَ حَمِدَكَ واسْتَرْجَعَ، فَيَقُولُ الله: ابْنُوا لِعَبْدِي بَيْتاً في الجَنّةِ وسَمّوهُ بَيْتَ الحَمْدِ".
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ.
ـــــــ
باب فضل المصيبة إذا احتسب
أي صبر وطلب الثواب
قوله: "على شفير القبر" أي على طرفه "حدثني ضحاك بن عبد الرحمن بن عرزب" بفتح المهملة وسكون
الراء وفتح الزاي ثم موحدة ثقة من الثالثة "قال الله لملائكته" أي ملك الموت وأعوانه "قبضتم" على تقدير الاستفهام "ولد عبدي" أي روحه "فيقول قبضتم ثمرة فؤاده" أي يقول ثانياً إظهاراً لكمال الرحمة كما أن الوالد العطوف يسأل الفصاد هل فصدت ولدي مع أنه بأمره ورضاه. وقيل سمي الولد ثمرة فؤاده لأنه نتيجة الأب كالثمرة للشجرة "واسترجع" أي قال: إنا لله وإنا إليه راجعون "وسموه بيت الحمد" أضاف البيت إلى الحمد الذي قاله عند المصيبة لأنه جزاء ذلك الحمد، قاله القاري

(4/101)


باب ماجاء في التكبير على الجنازة
...
36 ـ بابُ ما جَاءَ في التّكْبِيرِ على الجَنَازَة
1027 ـ حدثنا أحمدُ بن مَنِيعٍ حَدّثَنَا إسماعيلُ بنُ إبراهيمَ أخبرنا مَعْمَرٌ عن الزّهْرِيّ عن سَعِيدِ بنِ المُسَيّبِ عن أبي هُرَيْرَةَ "أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم صَلّى على النّجَاشِيّ فَكَبّرَ أرْبَعاً".
وفي البابِ عن ابنِ عَبّاسٍ وابنِ أبي أوْفَي وجَابِرٍ وأنس ويزِيدَ بنِ ثَابتٍ.
قال أبو عيسى: ويَزِيدُ بنُ ثَابِتٍ هُوَ أخُو زَيْدِ بنِ ثَابِتٍ وهُوَ أكْبرُ مِنْهُ شَهِدَ بَدْراً وَزَيْدٌ لَمْ يَشْهَدْ بَدْراً.
ـــــــ
باب ما جاء في التكبير على الجنازة
قوله: "صلى على النجاشي" بفتح النون وتخفيف الجيم وبعد الألف شين معجمة ثم ياء ثقيلة كياء النسب وقيل بالتخفيف وهو لقب من ملك الحبشة. وحكى المطرزي عن بعضهم تشديد الجيم وخطأه، كذا في فتح الباري واسمه أصحمة بوزن أربعة، وهو ممن آمن به صلى الله عليه وسلم ولم يره وكان ردءاً للمسلمين المهاجرين إليه مبالغاً في الإحسان إليهم "فكبر أربعاً" فيه دليل على أن التكبير على الجنازة أربع تكبيرات وعليه عمل الأكثر.
قوله: "وفي الباب عن ابن عباس وابن أبي أوفى وجابر وأنس ويزيد بن ثابت" أما حديث ابن عباس فأخرجه الحازمي في كتاب الاعتبار عنه قال آخر ما كبر رسول الله صلى الله عليه وسلم على الجنائز أربعاً، وكبر عمر رضي الله عنه على أبي بكر أربعاً، وكبر عبد الله بن عمر على عمر أربعاً، وكبر الحسن بن علي على علي أربعاً، وكبر الحسين على الحسن أربعاً، وكبرت الملائكة على آدم أربعاً، وأخرجه الدارقطني مختصراً. وهو حديث ضعيف وله طرق أخرى كلها ضعيفة ذكرها الزيلعي في نصب الراية. وأما حديث ابن أبي أوفى فأخرجه أحمد عن عبد الله بن أبي أوفى أنه مات له إبن فكبر أربعاً وقام بعد الرابعة قدر ما بين التكبيرتين يدعو ثم قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع هكذا، ورواه أبو بكر الشافعي في الغيلانيات من هذا الوجه، وزاد: ثم سلم عن يمينه وشماله ثم قال: لا أزيد على ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع،

(4/102)


قال أبو عيسى: حديثُ أبي هُرَيْرَةَ هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ والعملُ على هذا عِنْدَ أكثَرِ أَهْلِ العِلْمِ مِنْ أصْحَابِ النبيّ صلى الله عليه وسلم وغَيْرِهِمِ يَرَوْنَ التّكْبِيرَ على الجَنَازَةِ أَرْبَعَ تَكْبِيراتٍ، وهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثوْرِيّ ومَالِك بنِ أنَسٍ وابنِ المُبَارَكِ والشافِعيّ وأحْمَدَ وإسحاقَ.
ـــــــ
ذكره الحافظ في التلخيص وسكت عنه. وأما حديث جابر فأخرجه الشيخان عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على أصحمة النجاشي فكبر عليه أربعاً. وأما حديث أنس فأخرجه الحازمي في كتاب الناسخ والمنسوخ عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كبر على أهل بدر سبع تكبيرات وعلى بني هاشم سبع تكبيرات وكان آخر صلاته أربعاً حتى خرج من الدنيا، قال وإسناده واهي وقد روي آخر صلاته كبر أربعاً من عدة روايات كلها ضعيفة كذا في نصب الراية. وقد روى أبو داود في سننه عن أنس حديثاً طويلاً وفيه: فكبر أربع تكبيرات لم يطل ولم يسرع ورفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم. وأما حديث يزيد بن ثابت فأخرجه أحمد وابن ماجه وفيه: ثم أتى القبر فصففنا خلفه فكبر عليه أربعاً.
قوله: "حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح" أخرجه الجماعة.
قوله: "وهو قول سفيان الثورى ومالك بن أنس وابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق" وهو قول أبي حنيفة. وقد استدلوا بحديث الباب. قال الحافظ ابن حجر في الفتح: وقد اختلف السلف في ذلك فروى مسلم عن زيد بن أرقم أنه يكبر خمساً ورفع ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم وروى ابن المنذر عن ابن مسعود أنه صلى على جنازة رجل من بني أسد فكبر خمساً. وروى ابن المنذر وغيره عن علي أنه كان يكبر على أهل بدر ستاً وعلى الصحابة خمساً وعلى سائر الناس أربعاً. وروي أيضاً بإسناد صحيح عن أبي معبد قال: صليت خلف ابن عباس على جنازة فكبر ثلاثاً. قال ابن المنذر: ذهب أكثر أهل العلم إلى أن التكبير أربع، وفيه أقوال أخر فذكر ما تقدم قال: والذي نختار ما ثبت عن عمر. ثم ساق بإسناد صحيح إلى سعيد بن المسيب قال: كان التكبير أربعاً وخمساً فجمع عمر الناس على أربع. وروى البيهقي بإسناد حسن إلى أبي وائل قال كانوا

(4/103)


1028 ـ حدثنا محمدُ بنُ المُثَنّى أخبرنا محمدُ بنُ جَعْفَرٍ أخبرنا شُعْبَةُ عن عَمْروِ بنِ مُرّةَ عن عَبْدِ الرحمَن بنِ أبي لَيْلَى قالَ: "كانَ زَيْدُ بنُ أَرْقَم يُكَبّرُ على جَنَائِزنَا أَرْبعَاً وإنّهُ كَبّرَ على جَنَازَةٍ خَمْساً فَسَأَلْنَاهُ عن ذَلِكَ فقالَ كَانَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يُكَبّرُهَا".
قال أبو عيسى: حديثُ زَيْدِ بنِ أَرْقَمَ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وقد ذَهَبَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ إلى هذا مِنْ أصْحَابِ النبيّ صلى الله عليه وسلم وغَيْرِهِم رأوْا التّكبِيرَ على الجَنَازَةِ خَمْساً وقالَ أحمدُ وإسْحَاقُ: إذَا كَبّرَ الإمَامُ على الجَنازَةِ خَمْساً فإِنّهُ يَتبَعُ الإمَامَ.
ـــــــ
يكبرون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعاً وستاً وخمساً وأربعاً، فجمع عمر الناس على أربع كأطول الصلاة إنتهى.
قوله: "فإنه يتبع الإمام" أي المقتدي يتبع الإمام. قال العيني: ظاهر كلام الخرقي أن الإمام إذا كبر خمساً تابعه المأموم ولا يتابعه في زيادة عليها، ورواه الأثرم عن أحمد. وروى حرب عن أحمد: إذا كبر خمساً لا يكبر معه ولا يسلم إلا مع الإمام. وممن لا يرى متابعة الإمام في زيادة على أربع، الثوري ومالك وأبو حنيفة والشافعي واختاره ابن عقيل كذا ذكره العيني نقلاً عن ابن قدامة. قلت: الراجح عندي أن الإمام إذا كبر خمساً تابعه المأموم

(4/104)


باب مايقول في الصلاة على الميت
...
37 ـ باب ما يَقُولُ في الصلاةِ على المَيّت
1029 ـ حدثنا عَلِيّ بنُ حُجْرٍ أخبرنا هِقْلُ بنُ زِيَادٍ حدثنا الأوْزَاعِيّ عن يَحْيَى بن أبي كَثِيرٍ حَدّثَنِي
أبو إبراهِيمَ الأشْهَلِيّ عن أبيهِ قالَ: "كانَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إذَا صَلّى على الجَنَازَةِ قالَ اللّهُمّ اغْفِرْ لِحَيّنَا
ـــــــ
باب ما يقول في الصلاة على الميت
قوله: "حدثني أبو ابراهيم الأشهلي" مقبول من الثالثة قيل إنه عبد الله بن أبي قتادة، ولا يصح قاله الحافظ في التقريب.

(4/104)


وَمَيّتِنَا، وشَاهِدِنَا وغَائِبِنَا وصَغِيرِنَا وكَبِيرِنَا، وذَكَرِنَا وأُنثَانَا"
قالَ يَحْيَى وحدّثَني أَبُو سَلَمَةَ بنُ عَبْدِ الرحمَنِ عن أبي هُرَيْرَةَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم مِثْلَ ذَلِكَ وَزَادَ فِيهِ: "الّلهُمّ مَنْ أَحْيَيْتَهُ مِنّا فأَحْيهِ على الإسْلاَمِ، ومَنْ تَوَفّيْتَهُ مِنّا فَتَوَفّهُ على الإيمَانِ".
قال وفي البابِ عن عَبْدِ الرحمَنِ وعَائِشَةَ وأبي قَتَادَةَ وعَوْفٍ بنِ مالِكٍ وجَابرٍ.
ـــــــ
قوله: "صغيرنا وكبيرنا" ههنا إشكال وهو أن الصغير غير مكلف لا ذنب له فما معنى الاستغفار له، وذكروا في دفعه وجوها فقيل: الاستغفار في حق الصغير لرفع الدرجات، وقيل المراد بالصغير والكبير الشاب والشيخ. وقال التوربشتي عن الطحاوي أنه سئل عن معنى الاستغفار للصبيان مع أنه لا ذنب لهم فقال معناه السؤال من الله أن يغفر له ما كتب في اللوح المحفوظ أن يفعله بعد البلوغ من الذنوب حتى إذا كان فعله كان مغفوراً وإلا فالصغير غير مكلف لا حاجة له إلى الاستغفار "وذكرنا وأنثانا" المقصود من القرائن الأربع الشمول والاستيعاب كأنه قيل: اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات كلهم أجمعين "قال يحيى" أي ابن أبي كثير "فأحيه على الإسلام" أي الاستسلام والانقياد للأوامر والنواهي "فتوفه على الإيمان" أي التصديق القلبي إذا لا نافع حينئذ غيره ورواه أبو داود من طريق يحيى عن أبي سلمة عن أبي هريرة وزاد: اللهم لا تحرمنا أجره ولا تضلنا بعده. ووقع في هذه الرواية اللهم من أحييته منا فأحيه على الإيمان ومن توفيته منا فتوفه على الإسلام. قال الشوكاني في النيل: ولفظ فأحيه على الإسلام هو الثابت عند الأكثر وعند أبي داود فأحيه على الإيمان. وتوفه على الإسلام.
قوله: "وفي الباب عن عبد الرحمن بن عوف وعائشة وأبي قتادة وجابر وعوف بن مالك" أما حديث عبد الرحمن وأبي قتادة وجابر فلينظر من أخرجه. وأما حديث عائشة فأخرجه الحاكم. وأما حديث عوف بن مالك فأخرجه مسلم.

(4/105)


قال أبو عيسى: حديِثُ وَالِدِ أبي إبرَاهِيمَ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. ورَوَى هِشَامٌ الدّسْتَوَائِيّ وعَلِيّ بنُ المُبَارَكِ هذا الحَدِيثَ عن يَحْيَى بنِ أبي كَثِير عن أبي سَلَمَةَ بنِ عَبْدِ الرحمَنِ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم مُرْسَلاً. ورَوَى عِكْرِمَةُ بنُ عَمّارٍ عن يَحْيَى بنِ أبي كَثِيرٍ عن أبي سَلَمَةَ عن عَائِشَةَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم. وحديثُ عِكْرِمَةَ بنِ عمّارٍ غَيْرُ مَحْفُوظٍ، وعِكْرِمَةُ رُبّمَا يَهِمّ في حدِيثِ يَحْيَى. ورُوِيَ عن يَحْيَى بنِ أبي كَثِيرٍ عن عَبْدِ الله بنِ أبي قَتَادَةَ عن أبيهِ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم.
وسَمِعْتُ محمداً يَقُولُ: أَصَحّ الرّوَايَاتِ في هذا حديِثُ يَحْيَى بنِ أَبي كَثِيرٍ عن أبي إبراهِيمَ الأشْهَلِيّ عن أبيهِ. وسَأَلْتُهُ عن اسمِ أبي إبرَاهيمَ فَلَمْ يَعْرِفْهُ.
ـــــــ
قوله: "حديث والد أبي إبراهيم حديث حسن صحيح" وأخرجه أحمد والنسائي ورواه أبو داود والنسائي وغيرهما من طريق يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة "وروى هشام الدستوائي الخ" قال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن حديث يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة فقال: الحفاظ لا يذكرون أبا هريرة إنما يقولون أبو سلمة عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلاً لا يوصله بذكر أبي هريرة إلا غير متقن والصحيح أنه مرسل وروى عكرمة بن عمار عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن عائشة الخ. قال الحاكم بعد رواية حديث أبي هريرة المذكور: وله شاهد صحيح فرواه من حديث أبي سلمة عن عائشة نحوه وأعله الترمذي بقوله: "وحديث عكرمة بن عمار غير محفوظ، وعكرمة ربما يهم في حديث يحيى" قال الحافظ في التقريب: عكرمة بن عمار العجلي أبو عمار اليمامي أصله من البصرة صدوق يغلط وفي روايته عن يحيى بن أبي كثير اضطراب ولم يكن له كتاب "وروى عن يحيى بن أبي كثير عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم" وقد توهم بعض الناس أن أبا ابراهيم المذكور هو عبد الله بن أبي قتادة وهو غلط. أبو ابراهيم من بني عبد الأشهل وأبو قتادة من بني سلمة. قاله الحافظ في التلخيص نقلاً عن ابن أبي حاتم عن أبيه.

(4/106)


1030 ـ حدثنا محمدُ بنُ بَشّارٍ حدثنا عَبْدُ الرحمَنِ بنُ مَهْدِي حدثنا مُعَاوِيَةُ بنُ صَالِحٍ عن عَبْدِ الرحمَنِ بن جُبَيْرِ بنِ نُفَيْرٍ عن أبيهِ عن عَوْفٍ بنِ مَالِكٍ قالَ: "سَمِعْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يُصَلّي على مَيّتٍ فَفَهِمْتُ مِنْ صَلاَتِهِ عَلَيْهِ اللّهُمّ اغْفِرْ لَهُ وارْحَمْهُ واغْسِلْهُ بالبَرَد واغسِلْه كَمَا يُغْسَل الثّوْبُ".
ـــــــ
قوله: "ففهمت من صلاته" وفي رواية لمسلم: فحفظت من دعائه، وفي رواية أخرى له: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم على جنازة يقول "واغسله بالبرد" بفتحتين وهو حب الغمام قاله العيني: روى الترمذي هذا الحديث هكذا مختصراً، ورواه مسلم مطولاً ولفظه: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على جنازة فحفظت من دعائه وهو يقول: اللهم اغفر له وارحمه وعافه واعف عنه واكرم نزله ووسع مدخله واغسله بالماء والثلج والبرد، ونقه من الخطايا كما نقيت الثوب الأبيض من الدنس، وابدله داراً خيراً من داره وأهلاً خيراً من أهله وزوجاً خيراً من زوجه وأدخله الجنة وأعذه من عذاب القبر ومن عذاب النار انتهى، قال النووي: فيه إشارة إلى الجهر بالدعاء في صلاة الجنازة، وقد اتفق أصحابنا على أنه إن صلى عليها بالنهار أسر بالقراءة وإن صلى بالليل ففيه وجهان: الصحيح الذي عليه الجمهور يسر والثاني يجهر. وأما الدعاء فيسر به بلا خلاف وحينئذ يتأول هذا الحديث على أن قوله حفظت من دعائه أي علمنيه بعد الصلاة فحفظته انتهى. قلت: ويرد هذا التأويل قوله في رواية أخرى: سمعت. وقال القاري في المرقاة وهذا يعني قوله حفظت لا ينافي ما تقرر في الفقه من ندب الإسرار لأن الجهر هنا للتعليم لا غير انتهى. وقال الشوكاني في النيل: قوله سمعت النبي صلى الله عليه وسلم. وكذا قوله: فحفظت من دعائه. يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم جهر بالدعاء وهو خلاف ما صرح به جماعة من استحباب الإسرار بالدعاء، وقد قيل: إن جهره صلى الله عليه وسلم بالدعاء لقصد تعليمهم. وأخرج أحمد عن جابر قال: ما أباح لنا في دعاء الجنازة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أبو بكر ولا عمر. وفسر أباح بمعنى قدر. قال الحافظ والذي وقفت عليه باح بمعنى جهر. والظاهر أن الجهر والإسرار بالدعاء جائزان انتهى كلام الشوكاني.

(4/107)


قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. قالَ محمد: أَصَحّ شَيْءٍ في هذا البابِ هذا الحَدِيثُ.
ـــــــ
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه مسلم "وقال محمد بن إسماعيل: أصح شيء في هذا الباب هذا الحديث" أي حديث عوف بن مالك. وقد ورد في هذا الباب أحاديث منها ذكره الترمذي ومنها حديث وائلة بن الأصقع أخرجه أبو داود، ومنها حديث عبد الله بن أبي أوفى أخرجه أحمد وابن ماجه، قال الحافظ ابن حجر: واختلاف الأحاديث في ذلك محمول على أنه يدعو لميته بدعاء ولاَخر بآخر انتهى. قال الشوكاني: إذا كان المصلي عليه طفلاً استحب أن يقول المصلي: اللهم اجعله لنا سلفاً وفرطاً وأجراً. روى ذلك البيهقي من حديث أبي هريرة. وروى مثله سفيان في جامعه عن الحسن قال: والظاهر أنه يدعو بهذه الألفاظ الواردة في هذه الأحاديث سواء كان الميت ذكراً أو أنثى ولا يحول الضمائر المذكرة إلى صيغة التأنيث إذا كانت الميت أنثى لأن مرجعها الميت وهو يقال على الذكر والأنثى انتهى .
وطلحة بن عبد الله بن عوف هو ابن أخي عبد الرحمَن بن عوفٍ روى عنه الزهري.

(4/108)


باب ماجاء في القراءة على الجنازة بفاتحة الكتاب
...
38 ـ بابُ ما جَاءَ في القِرَاءَةِ على الجَنَازَة بفَاتِحَةِ الكِتاب
1031 ـ حدثنا أحمدُ بنُ مَنِيعٍ حدثنا زيْدُ بنُ حُبَابٍ حدثنا إبرَاهِيمُ بنُ عُثْمَانَ عن الحَكَمِ عن مِقْسَمٍ عن ابنِ عَبّاسٍ "أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قَرَأَ على الجَنَازَةِ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ".
ـــــــ
بابُ ما جَاءَ في القِرَاءَةِ على الجَنَازَة بفَاتِحَةِ الكِتاب
قوله: "أخبرنا ابراهيم بن عثمان" هو أبو شيبة الواسطي قال الحافظ: مشهور بكنيته متروك الحديث "قرأ على الجنازة بفاتحة الكتاب" أي بعد التكبيرة الأولى. وقد أخرج الشافعي والحاكم عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم كبر على الميت أربعاً وقرأ بأم القرآن بعد التكبيرة الأولى، ولفظ الحاكم: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكبر على جنائزنا أربعاً ويقرأ بفاتحة الكتاب في التكبيرة الأول، وفيه إبراهيم بن محمد بن أبي يحي فقد وثقه جماعة منهم الشافعي وابن الأصبحاني وابن عدي وابن عقدة وضعفه آخرون. قاله ابن القيم في جلاء الْافهام.

(4/108)


وفي البابِ عن أُمّ شَرِيكٍ.
قال أبو عيسى: حدِيثُ ابن عَبّاسٍ حدِيثٌ لَيْسَ إسْنَادُهُ بِذَلكَ القَوِيّ. إبرَاهِيمُ بنُ عُثْمَانَ هُوَ أبو شَيْبَةَ الوَاسِطِيّ مُنْكَرُ الحَدِيثِ. والصّحِيحُ عن ابنِ عَبّاسٍ قوله: "مِنَ السّنّةِ القِرَاءَةُ على الجَنَازَةِ بفَاتِحة الكِتَاب)
1032 ـ حدثنا محمدُ بنُ بَشّارٍ حدثنا عَبْدُ الرحمَنِ بن مَهْدِي أخبرنا
ـــــــ
وقد صرح العراقي في شرح الترمذي بأن إسناد حديث جابر ضعيف.
قوله: "وفي الباب عن أم شريك" أخرجه ابن ماجه عنها قالت: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نقرأ على الجنازة بفاتحة الكتاب، وفي إسناده ضعف يسير كما قال الحافظ في التلخيص. وفي الباب أيضاً عن أم عفيف النهدية قالت: أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن نقرأ بفاتحة الكتاب على ميتنا، رواه أبو نعيم كذا في عمدة القاري. وعن أبي أسامة بن سهل بن حنيف قال: السنة في الصلاة على الجنازة أن يكبر ثم يقرأ بأم القرأن ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ثم يخلص الدعاء للميت ولا يقرأ إلا في الأولى، أخرجه عبد الرزاق والنسائي. قال الحافظ في الفتح: إسناده صحيح انتهى. قلت: روى النسائي في سننه قال أخبرنا قتيبة قال حدثنا الليث عن ابن شهاب عن أبي أمامة قال: السنة في الصلاة على الجنازة أن يقرأ في التكبيرة الأولى بأم القرآن مخافتة ثم تكبر ثلاثاً والتسليم عند الاَخرة. وقال النووي في الخلاصة: إن إسناده على شرط الشيخين، قاله العيني في شرح البخاري.
قوله: "إبراهيم بن عثمان هو أبو شيبة الواسطي منكر الحديث" قال في التقريب بكنيته متروك الحديث.
قوله: "والصحيح عن ابن عباس قوله: من السنة القراءة على الجنازة بفاتحة الكتاب" قال الحافظ في الفتح بعد ذكر قول الترمذي هذا ما لفظه: هذا مصير منه يعني من الترمذي إلى الفرق بين الصيغتين "أي بين قوله أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ على الجنازة بفاتحة الكتاب وبين قوله من السنة القراءة على الجنازة بفاتحة الكتاب، ولعله أراد الفرق بالنسبة إلى الصراحة والاحتمال انتهى" .

(4/109)


سُفيَانُ عن سَعْدِ بنِ إبَراهِيمَ عن طَلْحَةَ بنِ عَوْفٍ "أن ابْنَ عَبّاس صَلّى على جَنَازَةٍ فَقَرَأَ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ فَقُلْتُ لَهُ فقَالَ "إنّهُ مِنَ السّنّةِ أوْ مِنْ تَمَامِ السّنّةِ".
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. والعملُ على هذا عِنْدَ بَعْضِ أهْلِ العِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النبيّ صلى الله عليه وسلم وغَيْرِهِمْ يَخْتَارُونَ أَنْ يقْرَأَ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ بَعْدَ التّكبِيرَةِ الأولَى. وَهُوَ قَوْلُ الشافعيّ وأحمدَ وإسْحَاقَ. وقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ لا يقْرَأُ في الصّلاةِ على الجَنَازَة، إنّمَا هُوَ ثناءٌ على الله والصّلاَةُ على النبي صلى الله عليه وسلم والدُعَاءُ لِلْمَيّتِ، وهُوَ قَوْلُ الثّوْرِيّ وغَيْرِهِ مِنْ أهْلِ الكُوفَةِ.
ـــــــ
قوله: "إن عباس صلى على جنازة فقرأ بفاتحة الكتاب فقلت له فقال إنه من السنة أو من تمام السنة" شك من الراوي. وفي رواية النسائي: فقرأ بفاتحة الكتاب وسورة، جهر حتى أسمعنا، فلما فرغ أخذت بيده فسألته فقال سنة وحق. وللحاكم من طريق ابن عجلان أنه سمع سعيد بن سعيد يقول: صلى ابن عباس على جنازة فجهر بالحمد ثم قال: إنما جهرت لتعلموا أنها سنة. قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه البخاري والنسائي وابن حبان والحاكم.
قوله: "وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق" وقولهم هو الحق يدل عليه أحاديث الباب "وقال بعض أهل العلم لا يقرأ في الصلاة الخ" وهو قول أبي حنيفة رحمه الله. قال محمد في موطإه لا قراءة على الجنازة وهو قول أبي حنيفة رحمه الله انتهى، واستدل لهم بحديث أبي هريرة مرفوعاً: إذا صليتم على الميت فأخلصوا له الدعاء، رواه أبو داود وابن ماجه. قلت هذا الاستدلال ليس بشيء فإن المراد بقوله: فأخلصوا له الدعاء أدعوا له بالاخلاص وليس فيه نفي القراءة على الجنازة: كيف وقد روى القاضي إسماعيل في كتاب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم عن أبي أمامة أنه قال: إن السنة في الصلاة على الجنازة أن يقرأ بفاتحة الكتاب ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ثم يخلص الدعاء للميت حتى يفرغ ولا يقرأ إلا مرة ثم يسلم، وأخرجه ابن الجارود في المنتقي. قال الحافظ: ورجاله مخرج لهم في الصحيحين.

(4/110)


ـــــــ
ففي هذا الحديث أن السنة في الصلاة على الجنازة قراءة الفاتحة وإخلاص الدعاء للميت وكذا وقع الجمع بين القراءة وإخلاص الدعاء للميت في رواية عبد الرزاق وقد تقدمت هذه الرواية. واستدل الطحاوي على ترك القراءة في التكبيرة الأولى بتركها في باقي التكبيرات وترك التشهد. قلت: هذا الاستدلال أيضاً ليس بشيء فإنه قياس في مقابلة النص. وأجابوا عن أحاديث الباب بأن قراءة الفاتحة في الصلاة على الجنازة كانت على وجه الدعاء. قال الطحاوي: ولعل قراءة من قرأ الفاتحة من الصحابة كانت على وجه الدعاء لا على وجه التلاوة. قلت: هذا ادعاء محض لا دليل عليه فهو مما لا يلتفت إليه. قال صاحب التعليق الممجد: قد صنف حسن الشرنبلالى من متأخري أصحابنا يعني الحنفية رسالة سماها بالنظم المستطاب بحكم القراءة في صلاة الجنازة بأم الكتاب ورد فيها على من ذكر الكراهة بدلائل شافية، وهذا هو الأولى لثبوت ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه انتهى كلام صاحب التعليق الممجد.
فائدة: قال الشوكاني في النيل: ذهب الجمهور إلى أنه لا يستحب الجهر بالقراءة في صلاة الجنازة، وتمسكوا بقول ابن عباس: لم أقرأ أي جهراً إلا لتعلموا أنه سنة: وبقوله في حديث أبي أمامة سراً في نفسه انتهى كلام الشوكاني. قلت: وقع في حديث أبي أمامة عند النسائي: السنة في الصلاة على الجنازة أن يقرأ بأم القرآن مخافتة، وقد تقدم هذا الحديث آنفاً، وأما لفظ سراً في نفسه فقد وقع عند الشافعي فأخرج في مسنده: أخبرنا مطرف بن مازن عن معمر عن الزهري أخبرني أبو أمامة بن سهل أنه أخبره رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن السنة في الصلاة على الجنازة أن يكبر الإمام ثم يقرأ بفاتحة الكتاب بعد التكبيرة الأولى سراً في نفسه، الحديث. وأما قول ابن عباس الذي ذكره الشوكاني فأخرجه الحاكم من طريق شرحبيل ابن سعد عن ابن عباس أنه صلى على جنازة بالأبواء فكبر ثم قرأ الفاتحة رافعاً صوته ثم صلى على النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال: اللهم عبدك وابن عبدك الحديث. وفي آخره ثم انصرف فقال: يا أيها الناس إني لم أقرأ عليها أي جهراً إلا لتعلموا أنها سنة. قال الحافظ في الفتح: وشرحبيل مختلف في توثيقه انتهى. وأخرج ابن الجارود في المنتقى من طريق زيد بن طلحة التيمي قال: سمعت ابن عباس قرأ على جنازة فاتحة الكتاب وسورة وجهر بالقراءة وقال إنما جهرت لأعلمكم أنها سنة. وأخرجه أيضاً من طريق طلحة بن عبد الله قال: صليت خلف ابن عباس على جنازة فقرأ بفاتحة الكتاب وسورة فجهر حتى سمعت الحديث، وقد تقدم رواية الحاكم بلفظ إنما جهرت لتعلموا أنها سنة. قال الشوكاني: وقيل يستحب الجهر بالقراءة فيها، واستدل على ذلك بما رواه النسائي من حديث ابن عباس فقد وقع فيه: فقرأ بفاتحة الكتاب وسورة وجهر فلما فرغ قال سنة وحق. وقال بعض أصحاب الشافعي: إنه يجهر بالليل كالليلية انتهى كلام الشوكاني.
قلت: قول ابن عباس إنما جهرت لتعلموا أنها سنة يدل على أن جهره كان للتعليم، وأما قول بعض أصحاب الشافعي يجهر بالليل كالليلية فلم أقف على رواية تدل على هذا والله تعالى أعلم.
فائدة أخرى: قد وقع في رواية النسائي التي ذكرتها آنفاً: فقرأ بفاتحة الكتاب وسورة، وهذا يدل على أن السنة قراءة فاتحة الكتاب وسورة معها. قال الشوكاني: فيه مشروعية قراءة سورة مع الفاتحة في صلاة الجنازة ولا محيص عن المصير إلى ذلك لأنها زيادة خارجة عن مخرج صحيح انتهى. قلت: قال الحافظ في التلخيص بعد ذكر أثر ابن عباس أنه قرأ على الجنازة بفاتحة الكتاب وقال إنها سنة ما لفظه: ورواه أبو يعلى في مسنده من حديث ابن عباس وزاد: وسورة. قال البيهقي: ذكر السورة غير محفوظ وقال النووي إسناده صحيح انتهى.

(4/111)


باب كيف الصلاة على الميت والشفاعة له
...
39 ـ باب ما جاء في الصّلاة على الجنازة والشّفَاعَةُ لَهُ
1033 ـ حدثنا أبُو كُرَيْبٍ حدثنا عَبْدُ الله بنُ المُبَارَكِ و يُونُسُ بنُ بكَيْرٍ عن محمدِ بنِ إسْحَاقَ عن يَزِيدَ بنِ أبي حبيبٍ عن مَرْثَدِ بن عَبْدِ الله اليَزَنِيّ قالَ: كانَ مَالِكُ بنُ هُبَيْرَةَ إذَا صَلّى على جَنَازَةٍ فَتَقَالّ
ـــــــ
باب ما كيف الصلاة على الميت والشفاعة له
قوله: "عن مرثد" بفتح الميم وسكون الراء بالتاء المثلثة المفتوحة "بن عبد الله اليزني" بفتح التحتانية والزاي بعدها نون ثقة فقيه. قوله: "كان مالك بن هبيرة" بالتصغير السكوني الكندي صحابي نزل حمص ومصر مات في أيام مروان وكان

(4/112)


النّاسَ عَلَيْهَا جَزّأُهُم ثَلاَثَةَ أَجْزَاءٍ ثُمّ قالَ: قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ صَلّى عَلَيْهِ ثَلاَثَةُ صُفُوفٍ فقد أَوْجَبَ".
قال وفي البابِ عن عَائِشَةَ وأُمّ حَبِيبَةَ وأَبي هُرَيْرَةَ ومَيْمُونَةَ زَوْجِ النبيّ صلى الله عليه وسلم.
قال أبو عيسى: حدِيثُ مَالِكِ بنِ هُبَيْرَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ. هَكَذَا
ـــــــ
أميراً لمعاوية رضي الله عنه على الجيوش وغزو الروم "فتقال الناس عليها" تفاعل من القلة أي رآهم قليلاً "جزأهم ثلاثة أجزاء" من التجزئة أي فرقهم وجعل القوم الذين يمكن أن يكونوا صفاً واحداً ثلاثة صفوف. وفي رواية أبي داود: جزأهم ثلاثة صفوف. قال القاري في المرقاة: أي قسمهم ثلاثة أقسام أي شيوخاً وكهولاً وشباباً، أو فضلاء وطلبة العلم والعامة انتهى. قال أبو الطيب السندي في شرح الترمذي بعد ذكر هذا القول: هذا بعيد جداً انتهى. قلت: لا شك في بعده بل الحق والصواب أن المراد جعلهم ثلاثة صفوف كما في رواية أبي داود "ثم قال" أي استدلالا لفعله "من صلى عليه ثلاثة صفوف" وأقل الصف أن يكون اثنين على الأصح قاله القاري. قلت: ولا حد لأكثره "فقد أوجب" في رواية أبي داود: وجبت له الجنة. وفي رواية البيهقي: غفر له، كذا في قوت المغتذي. فمعنى أوجب أي أوجب الله عليه الجنة أو أوجب مغفرته وعداً منه وفضلاً.
قوله: "وفي الباب عن عائشة" أخرجه مسلم والترمذي "وأم حبيبة" لم أقف على حديثها "وأبي هريرة" أخرجه ابن ماجه بسند صحيح عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من صلى عليه مائة من المسلمين غفر له، كذا في فتح الباري "وميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم" أخرجه النسائي من حديث أبي المليح حدثني عبد الله عن إحدى أمهات المؤمنين وهي ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت أخبرني النبي صلى الله عليه وسلم قال : "ما من ميت يصلي عليه أمة من الناس إلا شفعوا فيه. فسألت أبا المليح عن الأمة قال أربعون".
قوله: "حديث مالك بن هبيرة حديث حسن" وصححه الحاكم كما قال الحافظ في الفتح وأخرجه أبو داود وسكت عنه هو والمنذري وأخرجه ابن ماجه.

(4/113)


رَوَاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ عن محمدِ بنِ إسْحَاقَ. وَرَوَى إبرَاهِيمُ بنُ سَعْدٍ عن محمدِ بنِ إسْحَاقَ هذا الحَديِثَ وأدْخَلَ بَيْنَ مَرْثَدٍ ومَالِكٍ بنِ هُبَيْرَةَ رَجُلاً. وروَايَةُ هَؤلاَءِ أَصَحّ عِنْدَنَا.
1034 ـ حدثنا ابنُ أبِي عُمَرَ حدثنا عَبْدُ الوهاب الثّقَفِي عن أيّوبَ وحدثنا أَحمدُ بنُ مَنِيعٍ وَ عَلِيّ بنُ حُجْر قالا حدثنا إسماعيلُ بنُ إبراهِيمِ عن أيّوبَ عن أبي قِلاَبَةَ عن عَبْدِ الله بنِ يَزِيدَ ـ "رَضِيعٍ كَانَ لِعَائِشَةَ" ـ عن عَائِشَةَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ: "لا يَموتُ أَحَدٌ مِنَ المُسْلمِينَ فَتصلّى عَلَيْه أُمّةٌ مِنَ المُسْلِمِينَ يبلغون أَنْ يَكُونُوا مِائَةً فَيَشْفَعُوا له إلاّ شُفّعُوا فِيهِ". وقالَ عَلِب بن حجر في حَدِيثهِ: مِائَة فَمَا فَوْقَهَا.
ـــــــ
قوله: "رضيع كان لعائشة" بالجر بدل من عبد الله بن يزيد.
قال الحافظ في التقريب: عبد الله بن يزيد رضيع عائشة بصري وثقه العجلي من الثالثة. قلت: قال في القاموس: رضيعك أخوك من الرضاعة.
قوله: "فليصلي عليه أمة" أي جماعة "فيشفعوا له" من المجرد أي دعو له "إلا شفعوا فيه" من التفعيل على بناء المفعول أي قبلت شفاعتهم "فيه" في حقه، وروى مسلم عن ابن عباس مرفوعاً: ما من رجل مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلاً لا يشركون بالله شيئاً إلا شفعهم الله فيه. وفي هذه الأحاديث استحباب تكثير جماعة الجنازة ويطلب بلوغهم إلى هذا العدد الذي يكون من موجبات الفوز. وقد قيد ذلك بأمرين الأول أن يكونوا شافعين فيه أي مخلصين له الدعاء سائلين له المغفرة، الثاني أن يكونوا مسلمين ليس فيهم من يشرك بالله شيئاً كما في حديث ابن عباس. قال النووي في شرح مسلم: قال القاضي: قيل هذه الأحاديث خرجت أجوبة لسائلين سألوا عن ذلك فأجاب كل واحد عن سؤاله، قال ويحتمل أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم أخبر بقبول شفاعة مائة فأخبر به ثم بقبول شفاعة أربعين ثم ثلاثة صفوف وإن قل عددهم فأخبر به ويحتمل أيضاً أن يقال هذا مفهوم عدد ولا يحتج به جماهير الأصوليين، فلا يلزم من الإخبار عن قبول شفاعة مائة منع قبول ما دون ذلك وكذا في الأربعين مع ثلاثة صفوف،

(4/114)


قال أبو عيسى: حدِيثُ عَائِشَةَ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وقد أَوْقَفَهُ بَعْضُهُمْ ولَمْ يَرْفَعْهُ.
ـــــــ
وحينئذ كل الأحاديث معمول بها ويحصل الشفاعة بأقل الأمرين من ثلاثة صفوف وأربعين انتهى كلام النووي. وقال التوربشتي: لا تضاد بين هذه الأحاديث لأن السبيل في أمثال هذا المقام أن يكون الأقل من العددين متأخراً عن الأكثر، لأن الله تعالى إذا وعد المغفرة لمعنى لم يكن من سنته النقصان من الفضل الموعود بعد ذلك، بل يزيد تفضلاً، فيدل على زيادة فضل الله وكرمه على عباده انتهى.
قوله: "حديث عائشة حديث حسن صحيح" أخرجه مسلم والنسائي.
قوله: "وقد أوقفه بعضهم ولم يرفعه" قال النووي. قال القاضي عياض:
رواه سعيد بن منصور موقوفاًعلى عائشة فأشار إلى تعليله بذلك وليس معللاً لأن من رفعه ثقة وزيادة الثقة مقبولة انتهى.

(4/115)


باب ماجاء في كراهية الصلاة على الجنازة
...
40 ـ باب ما جَاءَ في كَرَاهِيَةِ الصّلاةِ على الجَنَازَةِ
عِنْدَ طُلُوعِ الشّمْسِ وعِنْدَ غُرُوبِهَا
1035 ـ حدثنا هَنّادٌ حدثنا وَكيعٌ عن مُوسَى بن علَي بنِ رَبَاحٍ عن أبيهِ عن عُقْبَةَ بنِ عَامِرٍ الجُهَنِيّ قالَ: "ثَلاَثُ سَاعَاتٍ كانَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يَنْهَانَا أَنْ نُصَلّيَ فِيهِنّ أَوْ نَقْبُرَ فِيهِنّ مَوْتَانَا: حِينَ تَطْلُعُ الشّمْسُ بَازِغَةً حَتى تَرْتَفِعَ، وحِينَ يَقُومُ قَائِمُ الظّهِيرَةِ، حَتّى تَمِيلَ، وحِينَ تَضَيّفُ الشحر لِلْغُرُوبِ حَتّى تَغْرُبَ".
ـــــــ
باب ما جاء في كراهة الصلاة على الجنازة
عند طلوع الشمس وعند غروبها
قوله: "ثلاث ساعات" أي أوقات "أن نصلي فيهن" هو بإطلاقه يشمل صلاة الجنازة لأنها صلاة "أو نقبر فيهن موتانا" من باب نصر أي ندفن فيهن موتانا، يقال قبرته إذا دفنته وأقبرته إذ جعلت له قبراً يوارى فيه، ومنه قوله تعالى {فَأَقْبَرَهُ} كذا في المرقاة. وقال النووي: وهو بضم الباء الموحدة وكسرها لغتان انتهى "حين تطلع الشمس بازغة" أي طالعة ظاهرة حال مؤكدة "وحين يقوم قائم الظهيرة" قال النووي: الظهيرة حال استواء الشمس، ومعناه حين لا يبقى

(4/115)


قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. والعملُ على هذا عِنْدَ بَعْضِ أهْلِ العِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النبيّ صلى الله عليه وسلم وغَيْرِهِمْ يَكْرَهُونَ الصّلاَةَ على الجَنَازَةِ في هَذِهِ السّاعَاتِ. وقال ابنُ المُبَارَكِ: مَعْنَى هذا الحَدِيثِ أَن نَقْبُرَ فيهِنّ مَوتْانَا يَعْنِي الصّلاَةَ على الجَنَازَةِ وَكَرِهَ الصّلاَةَ عِنْدَ
ـــــــ
للقائم في الظهيرة ظل في المشرق ولا في المغرب انتهى. وقال ابن حجر: الظهيرة هي نصف النهار وقائمها أما الظل وقيامه وقوفه، من قامت به دابته وقفت، والمراد بوقوفه بطوء حركته الناشئ من بطوء حركة الشمس حينئذ باعتبار ما يظهر للناظر؟ بادى الرأي وإلا فهي سائرة على حالها وأما القائم فيها لأنه حينئذ لا يميل له ظل إلى جهة المشرق ولا إلى جهة المغرب، وذلك كله كناية عن وقت استواء الشمس في وسط السماء "حتى تميل" أي الشمس من المشرق إلى المغرب وتزول عن وسط السماء إلى الجانب الغربي وميلها هذا هو الزوال. قال ابن حجر: ووقت الاستواء المذكور وإن كان وقتاً ضيقاً لا يسع صلاة إلا أنه يسع التحريمة فيحرم تعمد التحريمة فيه "وحين تضيف" بفتح التاء والضاد المعجمة وتشديد الياء أي تميل قاله النووي. وأصل الضيف الميل سمي الضيف لميله إلى من ينزل عليه.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه.
قوله: "وقال ابن المبارك: معنى هذا الحديث أو أن نقبر فيهن موتانا يعني الصلاة" أي ليس المراد بقوله أو نقبر الدفن كما هو الظاهر بل المراد صلاة الجنازة. قلت: قد حمل الترمذي قوله نقبر فيهن موتانا على صلاة الجنازة ولذلك بوب عليه باب ما جاء في كراهية الصلاة على الجنازة عند طلوع الشمس وعند غروبها، ونقل في تأييده قول ابن المبارك، وحمله أبو داود على الدفن الحقيقي فإنه ذكره في الجنائز وبوب عليه باب الدفن عند طلوع الشمس وعند غروبها. قال الزيلعي في نصب الراية: قد جاء بتصريح الصلاة فيه رواه الإمام أبو حفص عمر بن شاهين في كتاب الجنائز من حديث خارجة بن مصعب عن ليث بن سعد عن موسى بن علي به قال: نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نصلي على موتانا عند ثلاث عند طلوع الشمس إلى آخره، انتهى ما في نصب الراية. قلت: لو صحت

(4/116)


طُلُوعِ الشَمْسِ وعِنْدَ غُرُوبِهَا وإذَا انْتَصَفَ النهَارُ حَتى تَزُولَ الشمْسُ. وهُوَ قَوْلُ أحمدَ وإسْحاقَ قالَ الشّافِعِيّ: لا بأْسَ في الصّلاة على الجَنَازَةِ في السّاعَاتِ التي تكْرَهُ فِيهِنّ الصّلاَةُ.
ـــــــ
هذه الرواية لكانت قاطعة للنزاع ولوجب حمل قوله أو نقبر فيهن موتانا على الصلاة، لكن هذه الرواية ضعيفة، فإن خارجة بن مصعب ضعيف، قال الحافظ في التقريب في ترجمته: متروك وكان يدلس عن الكذابين، ويقال إن ابن معين كذبه.
تنبيه: قال النووي في شرح مسلم: قال بعضهم: إن المراد بالقبر صلاة الجنازة وهذا ضعيف، لأن صلاة الجنازة لا تكره في هذا الوقت بالإجماع فلا يجوز تفسير الحديث بما يخالف الإجماع، بل الصواب أن معناه تعمد تأخير الدفن إلى هذه الأوقات كما يكره تعمد تأخير العصر إلى اصفرار الشمس بلا عذر وهي صلاة المنافقين، فأما إذا وقع في هذه الأوقات بلا تعمد فلا يكره. انتهى كلام النووي. قلت: قوله صلاة الجنازة لا تكره في هذا الوقت بالإجماع فيه نظر ظاهر كما ستقف على ذلك في بيان المذاهب.
قوله: "وهو قول أحمد وإسحاق" وهو قول مالك والأوزاعي والحنفية، وهو قول ابن عمر رضي الله تعالى عنهما. روى أبي شيبة من طريق ميمون بن مهران قال: كان ابن عمر يكره الصلاة على الجنازة إذا طلعت الشمس وحين تغرب. قال الحافظ في فتح الباري: وإلى قول ابن عمر ذهب مالك والأوزاعي والكوفيون وأحمد وإسحاق انتهى. قال القاري في المرقاة: والمذهب عندنا أن هذه الأوقات الثلاثة يحرم فيها الفرائض والنوافل وصلاة الجنازة وسجدة التلاوة إلا إذا حضرت الجنازة أو تليت آية السجدة حينئذ فإنهما لا يكرهان، لكن الأولى تأخيرهما إلى خروج الأوقات انتهى. واستدل هؤلاء بحديث الباب، وقولهم هو الظاهر والله تعالى أعلم "وقال الشافعي: لا بأس أن يصلي على الجنازة في الساعات التي يكره فيهن الصلاة" وأجيب من جانبه عن حديث الباب بأنه محمول على الدفن الحقيقي. قال البيهقي: ونهيه عن القبر في هذه الساعات لا يتناول الصلاة على الجنازة وهو عند كثير من أهل العلم محمول على كراهية الدفن في تلك الساعات انتهى. كذا نقل الزيلعي عن البيهقي في نصب الراية. وتعقب بأنه كيف لا يتناول الصلاة على الجنازة وقد رواه إسحاق بن راهويه في كتاب الجنائز بلفظ: نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نصلي على موتانا عند ثلاث: عند طلوع الشمس الخ، وقد عرفت أنها رواية ضعيفة فإن قيل: صلاة الجنازة صلاة وكل صلاة منهى عنها في هذه الساعات. فكيف قال الشافعي: لابأس أن يصلي على الجنازة في هذه الساعات؟ يقال: ليس كل صلاة منهى عنها في هذه الساعات؟ عند الشافعي بل المنهى عنها إنما هي الصلوات التي لا سبب لها، وأما ذوات الأسباب من الصلوات فهي جائزة عنده في هذه الساعات، والصلاة على الجنازة من ذوات الأسباب.

(4/117)


باب في الصلاة على الأطفال
...
41 ـ باب ما جاء في الصّلاَةِ على الأطْفَال
1036 ـ حدثنا بِشْرُ بنُ آدَمَ ابنِ بِنْتِ أزْهَرَ السّمّان البصري حدثنا إسماعيلُ بنُ سَعِيدِ بن عُبْيدِ الله حدثنا أبي عن زِيَادِ بنِ جُبَيْرِ بنِ حَيّةَ عن أبيهِ عن المُغِيرَةِ بنِ شُعْبَةَ أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ: "الرَاكِبُ خَلْفَ الجَنَازَةِ، والمَاشِي حَيْثُ شَاءَ منْهَا، والطّفْلُ يُصَلّي عَلَيْهِ".
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. رواه إسْرَائِيلُ وغَيْرُ
ـــــــ
باب ما في الصلاة على الأطفال
قوله: "بشر بن آدم ابن بنت أزهر السمان" قال في التقريب: بشر بن آدم بن يزيد البصرى أبو عبد الرحمن ابن بنت أزهر السمان صدوق فيه لين من العاشرة انتهى. وقال في الخلاصة: روى عن جده لأمه أزهر السمان وابن مهدي وزيد بن الحباب وعنه دت عس ق. قال أبو حاتم: ليس بقوي. وقال النسائي لا بأس به "عن زياد بن جبير بن حية" بفتح الحاء المهملة وتشديد التحتانية المفتوحة ثقة.
قوله: "الراكب خلف الجنازة" أي يمشي خلفها "والماشي حيث شاء منها" أي يمشي حيث أراد من الجنازة خلفها أو قدامها أو يمينها أو شمالها، زاد في رواية أبي داود: قريباً منها "والطفل يصلى عليه" قال في القاموس: الطفل بالكسر الصغير من كل شيء والمولود. وفي رواية أبي داود: والسقط يصلي عليه ويدعي لوالديه بالمغفرة والرحمة. قال في القاموس: السقط مثلثة، الولد لغير تمام انتهى.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وصححه ابن حبان وأخرجه الحاكم بلفظ: السقط يصلى عليه ويدعي لوالديه بالعافية والرحمة. قال الحاكم صحيح على شرط

(4/118)


وَاحِدٍ عن سَعيدِ بنِ عُبَيْدِ الله والعملُ عَلَيْهِ عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ العِلْمِ مِنْ أصْحَابِ النبيّ صلى الله عليه وسلم وغَيْرِهِمْ قالُوا يُصَلّي عَلَى الطّفْلِ وإنْ لَمْ يَستَهِلّ بَعْدَ أَنْ يُعَلَمَ أَنّهُ خُلِقَ. وهُوَ قَوْلُ أحمدَ وإسْحَاقَ.
ـــــــ
البخاري لكن رواه الطبراني موقوفاً على المغيرة وقال لم يرفعه سفيان، ورجح الدارقطني في العلل الموقوف كذا في التلخيص. والحديث أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه. وفي الباب أيضاً عن علي أخرجه ابن عدي في ترجمة عمرو بن خالد وهو متروك. ومن حديث ابن عباس أخرجه ابن عدي أيضاً من رواية شريك عن ابن إسحاق عن عطاء عنه، وقواه ابن طاهر في الذخيرة، وقد ذكره البخاري من قول الزهري تعليقاً، ووصله ابن أبي شيبة. وأخرج ابن ماجه من رواية البختري بن عبيد عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعاً: صلوا على أطفالكم فإنهم من أفراطكم. إسناده ضعيف كذا في التلخيص.
قوله: "قالوا: يصلى على الطفل وإن لم يستهل بعد أن يعلم أنه خلق وهو قول أحمد وإسحاق" قال الخطابي في المعالم: اختلف الناس في الصلاة على السقط، فروى عن ابن عمر أنه قال: يصلى عليه وإن لم يستهل، وبه قال ابن سيرين وابن المسيب. وقال أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه كل ما نفخ فيه الروح وتمت له أربعة أشهر وعشر صلى عليه. وقال إسحاق: إنما الميراث بالاستهلال فأما الصلاة فإنه يصلى عليه لأنه نسمة تامة قد كتب عليها الشقاوة والسعادة فلأي شيء تترك الصلاة عليه. وروي عن ابن عباس أنه قال: إذا استهل ورث وصلى عليه. وعن جابر: إذا استهل صلى عليه وإن لم يستهل لم يصل عليه. وبه قال أصحاب الرأي، وهو قول مالك والأوزاعي والشافعي انتهى كلام الخطابي وما ذهب إليه أحمد وإسحاق رجحه العلامة ابن تيمية في المنتقى حيث قال: وإنما يصلى عليه إذا نفخت فيه الروح وهو أن يستكمل أربعة أشهر، فأما إن سقط لدونها فلا لأنه ليس بميت إذ لم ينفخ فيه روح. وأصل ذلك حديث ابن مسعود قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق: إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوماً، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله إليه ملكاً بأربع كلمات يكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد، ثم ينفخ فيه الروح. متفق عليه انتهى. قال الشوكاني في النيل بعد ذكر كلام ابن تيمية هذا: ومحل الخلاف فيمن سقط بعد أربعة أشهر ولم يستهل، وظاهر حديث الاستهلال أنه لا يصلى عليه وهو الحق لأن الاستهلال يدل على وجود الحياة قبل خروج السقط كما يدل على وجودها بعده، فاعتبار الاستهلال من الشارع دليل على أن الحياة بعد الخروج من البطن معتبرة في مشروعية الصلاة على الطفل وأنه لا يكتفي بمجرد العلم بحياته في البطن فقط، انتهى كلام الشوكاني.

(4/119)


باب ماجاء في ترك الصلاة على الطفل حتى يستهل
...
42 ـ باب ما جَاءَ في تَرْكِ الصّلاَةِ علَى الجنين حَتى يَسْتهِل
1037 ـ حدثنا أبُو عَمّارٍ الحُسَيْنُ بنُ حُرَيْثٍ حدثنا محمدُ بنُ يَزِيدَ الواسطي عن إسماعيلَ بنِ مُسْلِمٍ المكي عن أبي الزّبَيْرِ عن جَابِرٍ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ: "الطّفْلُ لاَ يُصَلّي عَلَيْهِ ولاَ يَرِثُ ولاَ يُورَثُ حَتّى يَستَهِلّ".
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ قد اضْطَرَبَ النّاسُ فيهِ، فَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ عن أبي الزّبَيْرِ عن جَابِرٍ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم مَرْفُوعاً. ورَوَى أشْعَثُ
ـــــــ
باب ما جاء في ترك الصلاة على الطفل حتى بستهل
قوله: "الطفل لا يصلى عليه ولا يرث ولا يورث حتى يستهل" قال في النهاية: استهلال الصبي تصويته عند ولادته انتهى وكذا في المجمع، وفيه أراد العلم بحياته بصياح أو اختلاج أو نفس أو حركة أو عطاس انتهى. وقال ابن الهمام: الاستهلال أن يكون منه ما يدل على الحياة من حركة عضو أو رفع صوت انتهى. وقد أخرج البزار عن ابن عمر مرفوعاً: استهلال الصبي العطاس. قال الحافظ في التلخيص: وإسناده ضعيف انتهى.
قوله: "هذا حديث قد اضطرب الناس فيه الخ" قال الحافظ في التلخيص بعد ذكر هذا الحديث. أخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه وفي إسناده إسماعيل المكي عن أبي الزبير عنه أي عن جابر رضي الله عنه وهو ضعيف. قال الترمذي: رواه أشعث وغير واحد عن أبي الزبير عن جابر موقوفاً وكأن الموقوف أصح، وبه جزم النسائي، وقال الدارقطني في العلل: لا يصح رفعه، وقد روى عن شريك عن أبي الزبير مرفوعاً ولا يصح ورواه ابن ماجه من طريق الربيع بن بدر عن أبي الزبير مرفوعاً، والربيع ضعيف. ورواه ابن أبي شيبة من طريق أشعث بن سوار عن أبي الزبير موقوفاً، ورواه النسائي أيضاً وابن حبان في صحيحه

(4/120)


بنُ سَوّارٍ وَغَيْرُ واحِدٍ عن أبي الزّبَيْرِ عن جَابِرٍ مَوْقوفاً. وروى محمد بن اسحاق عن عطاء بن ابي رباح عن جابر موقوفاً وكَأَنّ هذا أصَحّ مِنَ الحَدِيثِ المَرْفُوعِ. وقد ذَهَبَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ إلى هذا قَالُوا لا يُصَلّى على الطّفْلِ حَتّى يَسْتَهِلّ. وهُوَ قَوْلُ سفيَانُ الثورِيّ والشّافَعِيّ.
ـــــــ
والحاكم من طريق إسحاق الأزرق عن سفيان الثورى عن أبي الزبير عن جابر وصححه الحاكم على شرط الشيخين ووهم لأن أبا الزبير ليس من شرط البخاري وقد عنعن فهو علة هذا الخبر إن كان محفوظاً عن سفيان الثورى، ورواه الحاكم أيضاً من طريق المغيرة بن مسلم عن أبي الزبير مرفوعاً وقال لا أعلم أحداً رفعه عن أبي الزبير غير المغيرة، وقد وقفه ابن جريج وغيره ورواه أيضاً من طريق بقية عن الأوزاعي عن أبي الزبير مرفوعاً. انتهى ما في التلخيص "وكأن هذا أصح من المرفوع" قال القاري في المرقاة بعد ذكر كلام الترمذي هذا ما لفظه: وأنت سمعت غير مرة أن المختار في تعارض الوقف والرفع تقديم الرفع لا الترجيح بالأحفظ والأكثر بعد جود أصل الضبط والعدالة. انتهى كلام القاري، قلت هذا ليس بمجمع عليه ثم قد عرفت ما فيه من المقال.
قوله: "وهو قول الثورى والشافعي" وبه قال أصحاب الرأي، وهو قول مالك والأوزاعي كما عرفت في كلام الخطابي. وقال الشوكاني: هو الحق وقد تقدم كلامه.

(4/121)


باب ماجاء في الصلاة على الميت في المسجد
...
43 ـ باب ماَ جَاءَ في الصّلاَةِ عَلَى المَيّتِ في المَسْجِد
1038 ـ حدثنا عَلِيّ بنُ حُجْرٍ أخبرنا عَبْدُ العَزِيزِ بنُ محمدٍ عن عَبْدِ الْوَاحِدِ بنِ حَمْزَةَ عن عَبّادِ بنِ عَبْدِ الله بنِ الزّبَيْرِ عن عَائِشَةَ قالَتْ: "صَلّى رَسولُ الله صلى الله عليه وسلم عَلَى سُهَيْلِ بنِ بَيْضَاءِ في المَسجِدِ".
ـــــــ
باب ما جاء في الصلاة على الميت في المسجد
قوله: "صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على سهيل بن البيضاء في المسجد" وفي رواية لمسلم: والله لقد صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على ابني بيضاء في المسجد سهيل وأخيه. قال النووي: قال العلماء: بنو البيضاء ثلاثة إخوة سهل وسهيل وصفوان وأمهم البيضاء واسمها وعد والبيضاء وصف وأبوهم وهب عن ربيعة القرشي الفهري وكان سهيل قديم الاسلام هاجر إلى الحبشة ثم عاد إلى مكة ثم هاجر إلى المدينة وشهد بدراً وغيرها توفي سنة تسع من الهجرة انتهى كلام النووي.

(4/121)


قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ. والعملُ على هذا عِنْدَ بعضِ أهْلِ العِلْمِ. قالَ الشّافعِيّ: قالَ مالِكٌ لا يُصَلّى على المَيّتِ في المَسْجِدِ. وقالَ الشّافِعِيّ: يُصَلّى عَلَى المَيّتِ في المَسْجِدِ واحْتَجّ بِهَذَا الحَدِيثِ.
ـــــــ
قوله: "هذا حديث حسن" أخرجه الجماعة إلا البخاري.
قوله: "قال الشافعي قال مالك لا يصلي على الميت في المسجد" وهو قول ابن أبي ذئب وأبي حنيفة وكل من قال بنجاسة الميت، واحتجوا بحديث أبي هريرة مرفوعاً: من صلى على جنازة في المسجد فلا شيء له. رواه أبو داود وسيجيء بيان ما فيه من الكلام. واحتج بعضهم بأن العمل استقر على ترك ذلك لأن الذين أنكروا ذلك على عائشة رضي الله عنها كانوا من الصحابة. قال الحافظ ابن حجر: ورد بأن عائشة لما أنكرت ذلك الإنكار سلموا لها، فدل على أنها حفظت ما نسوه انتهى.
قوله: "وقال الشافعي يصلى على الميت في المسجد واحتج بهذا الحديث" وبه قال أحمد وإسحاق وهو قول الجمهور واستدلوا بحديث الباب، واستدل لهم أيضاً بأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على النجاشي بالمصلى كما في صحيح البخاري، وللمصلي حكم المسجد فيما ينبغي أن يجتنب فيه بدليل حديث أم عطية: ويعتزل الحيض المصلي. قال الحافظ في فتح الباري: وقد روى ابن أبي شيبة وغيره أن عمر صلى على أبي بكر في المسجد وأن صهيباً صلى على عمر في المسجد، زاد في رواية: ووضعت الجنازة تجاه المنبر، وهذا يقتضي الإجماع على جواز ذلك انتهى. قلت: والحق هو الجواز، وأما حديث أبي داود المذكور فأجيب عنه بأجوبة قال النووي في شرح مسلم: أجابوا عنه بأجوبة أحدها أنه ضعيف لا يصح الاحتجاج به. قال أحمد بن حنبل: هذا حديث ضعيف تفرد به صالح مولى التوأمة وهو ضعيف. الثاني: أن الذي في النسخ المشهورة المحققة المسموعة من سنن أبي داود: من صلى على جنازة في المسجد فلا شيء عليه. ولا حجة لهم حينئذ فيه. الثالث: أنه لو ثبت الحديث وثبت أنه قال فلا شيء له لوجب تأويله على: فلا شيء عليه ليجمع بين الروايتين وبين هذا الحديث وحديث سهيل بن بيضاء وقد جاء له بمعنى عليه كقوله تعالى: {وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا}. الرابع: أنه محمول على نقص الأجر في حق من صلى في المسجد ورجع ولم يشيعها إلى المقبرة لما فاته من تشييعه إلى المقبرة وحضور دفنه انتهى كلام النووي قلت: الظاهر أن حديث أبي داود حسن: قال الحافظ في التقريب: صالح بن نبهان المدني مولى التوأمة صدوق اختلط بآخره. قال ابن عدي لا بأس برواية القدماء عنه كابن أبي ذئب وابن جريج انتهى. وروى أبو داود هذا الحديث من طريق ابن أبي ذئب عن صالح مولى التوأمة. وقد ثبت أن عمر رضي الله عنه صلى على أبي بكر في المسجد وأن صهيباً صلى على عمر رضي الله عنه في المسجد ولم ينكر أحد من الصحابة على عمر ولا على صهيب فوقع إجماع الصحابة رضي الله عنهم على جواز الصلاة على الميت في المسجد. فلا بد من تأويل حديث أبي داود المذكور على تقدير أنه حسن والله تعالى أعلم.

(4/122)


باب ماجاء أين يقوم الإمام من الرجل والمرأة
...
44 ـ باب ما جَاء أيْنَ يَقُومُ الإمَامُ مِنْ الرّجُل والمَرْأَةِ؟
1039 ـ حدثنا عَبْدُ الله بنُ مُنِيرٍ عن سَعِيدٍ بنِ عَامِرٍ عن هَمامٍ عن أبي غَالِبٍ قال صلّيت مع انس بن مالك على جنازة رجل فقام حيال رأسه، ثُمّ جَاؤوا بِجَنَازَةِ امْرَأَةِ مِنْ قُرَيْشٍ. فقَالُوا يا أبَا حَمْزَةَ صَلّ عَلَيْهَا فقَامَ حِيَالَ وَسَطِ السّريرِ، فقالَ لَهُ العَلاَءُ بنُ زِيَادٍ:
ـــــــ
باب ما جاء أين يقوم الإمام من الرجل والمرأة
قوله: "على جنازة رجل" أي عبد الله بن عمر رضي الله عنه كما في رواية أبي داود "فقام حيال رأسه" بكسر الحاء أي حذاءه ومقابله "بجنازة امرأة من قريش" وفي رواية أبي داود المرأة الأنصارية. قال القاري: فالقضية إما متعددة وإما متحدة فتكون المرأة قرشية أنصارية انتهى "فقالوا" أي أولياؤها "يا أبا حمزة" كنية أنس رضي الله عنه "فقام حيال وسط السرير" بسكون السين وفتحه. قال الطيبي: الوسط بالسكون يقال فيما كان متفرق الأجزاء كالناس والدواب وغير ذلك، وما كان متصل الأجزاء كالدار والرأس فهو بالفتح، وقيل كل منهما يقع موقع الاَخر وكأنه أشبه. وقال صاحب المغرب: الوسط بالفتح كالمركز للدائرة وبالسكون داخل الدائرة، وقيل ما يصلح فيه بين فبالفتح وما لا

(4/123)


هَكَذَا رَأَيْتَ النبيّ صلى الله عليه وسلم قَامَ على الجَنَازَةِ مَقَامَكَ مِنْهَا ومِنَ الرّجُلِ مقَامَكَ مِنْهُ؟ قالَ نَعَمْ، فَلَمّا فَرَغَ قالَ احْفَظُوا".
وفي البابِ عن سَمُرَةَ.
قال أبو عيسى: حدِيثُ أنَسٍ هذاحديثٌ حسنٌ. وقد رَوَى غَيْرُ وَاحِدٍ عن هَمّامٍ مِثْلَ هذا. وَرَوَى وَكِيعٌ هذا الحَدِيثَ عن هَمّامٍ فَوَهِمَ فيهِ فقالَ عن غَالِبٍ عن أَنَسٍ والصّحِيحُ عن أبي غَالِبٍ. وقد رَوَى هذا الحَدِيثَ عَبْدُ الوَارِثِ بنُ سَعِيدٍ وغَيْرُ وَاحِدٍ عن أبي غَالِبٍ مِثْلَ رِوَايَةِ همّامٍ. واخْتَلَفوا في إسْم أبي غَالِبٍ هذا فقَالَ بَعْضُهُمُ يقال اسمُهُ نَافِعٌ ويُقَالُ رَافِعٌ. وقد ذَهَبَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ إلى هذا. وهُوَ قَوْلُ أحمدَ وإسْحَاقَ.
ـــــــ
فبالسكون انتهى. ووقع في رواية أبي داود فقام عند عجيزتها. قال في النهاية: العجيزة العجز وهي للمرأة خاصة والعجز مؤخر الشيء "هكذا رأيت" بحذف حرف الاستفهام "قام على الجنازة" أي من المرأة.
قوله: "وفي الباب عن سمرة" رواه الجماعة.
قوله: "حديث أنس حديث حسن" وأخرجه أبو داود وابن ماجه وسكت عنه أبو داود والمنذري والحافظ في التلخيص. قال الشوكاني: ورجال إسناده ثقات.
قوله: "واختلفوا في اسم أبي غالب هذا الخ" قال في التقريب: أبو غالب الباهلي مولاهم الخياط اسمه نافع أو رافع ثقة من الخامسة "وقد ذهب بعض أهل العلم إلى هذا" أي إلى أن الإمام يقوم حذاء رأس الرجل وحذاء عجيزة المرأة "وهو قول أحمد وإسحاق" وهو قول الشافعي وهو الحق وهو رواية عن أبي حنيفة. قال في الهداية: وعن أبي حنيفة أنه يقوم من الرجل بحذاء رأسه ومن المرأة بحذاء وسطها لأن أنساً فعل كذلك وقال هو السنة انتهى. ورجح الطحاوي قول أبي حنيفة هذا على قوله المشهور حيث قال في شرح الآثار: قال أبو جعفر والقول الأول أحب إلينا لما قد شده الاثار التي روينا عن رسول الله صلى الله

(4/124)


1040 ـ حدثنا عَلِيّ بنُ حُجْر أخبرنا عبد الله بنُ المُبَارَكِ و الفَضْلُ بنُ مُوسَى عن حُسَيْنٍ المُعَلّمِ عن عَبْدِ الله بن بُرَيْدَةَ عن سَمُرَةَ بنِ جُنْدُبٍ "أَنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم صَلّى على امْرَأَةٍ فقَامَ وَسَطَهَا".
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وقد رَوَاه شُعْبَةُ عن حُسَيْنٍ المُعَلّمِ نحوه.
ـــــــ
عليه وسلم انتهى. وذهب الحنفية إلى أن الإمام يقوم بحذاء صدر الميت رجلاً كان أو امرأة، وهو قول أبي حنيفة المشهور. وقال مالك: يقوم حذاء الرأس منهما، ونقل عنه أن يقوم عند وسط الرجل وعند منكبي المرأة. وقال بعضهم: حذاء رأس الرجل وثدي المرأة واستدل بفعل علي رضي الله عنه. وقال بعضهم إنه يستقبل صدر المرأة وبينه وبين السرة من الرجل. قال الشوكاني بعد ذكر هذه الأقوال: وقد عرفت أن الأدلة دلت على ما ذهب إليه الشافعي وأن ما عداه لا مستند له من المرفوع إلا مجرد الخطأ في الاستدلال أو التعويل على محض الرأي أو ترجيح ما فعله الصحابي على ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم، وإذا جاء نهر الله بطل نهر معقل. نعم لا ينتهض مجرد الفعل دليلاً للوجوب، ولكن النزاع فيما هو الأولى والأحسن ولا أولى ولا أحسن من الكيفية التي فعلها المصطفى صلى الله عليه وسلم، انتهى كلام الشوكاني.
قوله: "فقام وسطها" المراد بوسطها عجيزتها كما يدل عليه رواية أبي داود. وأما قول الشيخ ابن الهمام: هذا لا ينافي كونه الصدر بل الصدر وسط باعتبار توسط الأعضاء إذ فوته يداه ورأسه وتحته بطنه وفخذاه، ويحتمل أنه وقف كما قلنا إلا أنه مال إلى العورة في حقها فظن الراوي ذلك لتقارب المحلين فما لا التفات إليه بعد ما ثبت أنه صلى الله عليه وسلم كان يقوم حذاء رأس الرجل وحذاء عجيزة المرأة قوله: "هذا حديث حسن صحيح" أخرجه الجماعة

(4/125)


باب ماجاء في ترك الصلاة على الشهيد
...
45 ـ باب ما جَاءَ في تَرْكَ الصّلاةِ على الشّهِيد
1041 ـ حدثنا قُتَيْبَةُ حدثنا اللّيْثُ عن ابنِ شِهَاب عن عَبْدِ الرحمَنِ بنِ كَعْبِ بنِ مَالِكِ أنّ جَابِرَ بنَ عَبْدِ الله أخْبَرَهُ "أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَجْمَعُ بَيْنَ الرّجُلَيْنِ مِنْ قَتْلَى أُحُدٍ في الثّوْبِ الوَاحِدِ ثُمّ يَقُولُ: أَيُهُمَا أَكْثَرُ أخذاً لِلقُرْآنِ؟ فإِذَا أُشِيرَ لهُ إلى أَحَدِهِمَا قَدّمَهُ في اللّحْدِ، وقال أَنَا شَهِيدٌ على هَؤُلاَءِ يَوْمَ القِيَامَةِ" وَأَمَرَ بِدَفْنِهِمْ في دِمَائِهِمْ، ولَمْ يُصَلّ عَلَيْهِمْ، ولَمْ يُغَسّلُوا".
وفي البابِ عن أنَسِ بنِ مَالِكٍ.
ـــــــ
باب ما جاء في ترك الصلاة على الشهيد
المراد بالشهيد قتيل المعركة في حرب الكفار ففي الصلاة عليه اختلاف مشهور كما ستقف عليه
قوله: "كان يجمع بين الرجلين من قتلى أحد في الثوب الواحد" أي للضرورة ولا يلزم منه تلاقي بشرتهما إذ يمكن حيلولتهما بنحو إذخر مع احتمال أن الثوب كان طويلاً فأدرجا فيه ولم يفصل بينهما لكونهما في قبر واحد "أيهما أكثر حفظاً للقرآن" وفي بعض النسخ: أخذاً للقرآن "قدمه" أي ذلك الأحد "في اللحد" بفتح اللام وسكون الحاء أي الشق في عرض القبر جانب القبلة "فقال أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة" في المرقاة قال المظهر: أي أنا شفيع لهم وأشهد أنهم بذلوا أرواحهم في سبيل الله انتهى. وأشار إلى أن على بمعنى اللام. قال الطيبي: تعديته بعلى تدفع هذا المعنى ويمكن دفعه بالتضمين، ومنه قوله تعالى {وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} انتهى ما في المرقاة مختصراً "ولم يصل عليهم" قال الحافظ في فتح الباري: هو مضبوط في روايتنا بفتح اللام وهو اللائق بقوله بعد ذلك ولم يغسلوا وسيأتي بعد ما بين من وجه آخر عن الليث بلفظ: ولم يصل عليهم ولم يغسلهم وهذه بكسر اللام والمعنى ولم يفعل ذلك بنفسه ولا بأمره. انتهى كلام الحافظ.
قوله: "وفي الباب عن أنس بن مالك" أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي

(4/126)


قال أبو عيسى: حديثُ جَابِرٍ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وقد رُوِيَ هذا الحَدِيثُ عن الزهْرِيّ عن أنَسٍ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم. ورُوِيَ عن الزّهْرِيّ عن عَبْدِ الله بن ثَعْلَبَةَ بن أبي صُعَيْرٍ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم ومِنْهُمْ مَنْ ذَكَرَهُ عن جَابِرٍ. وقد اخْتَلَفَ أَهْلُ العِلْمِ في الصّلاَةِ على الشّهِيدِ فقالَ بَعْضُهُمْ: لا يُصَلّى على الشّهِيدِ وهُوَ قَوْلُ أَهْلِ المَدِينَةِ، وبِهِ يَقُولُ الشّافِعِيّ وأَحمدُ.
ـــــــ
بلفظ: إن شهداء أحد لم يغسلوا ودفنوا بدمائهم ولم يصل عليهم. قوله: "حديث جابر حديث حسن صحيح" أخرجه البخاري والنسائي وابن ماجه.
قوله: "وقد روى هذا الحديث عن الزهري عن أنس" أخرجه أبو داود والترمذي من طريق أسامة بن زيد الليثي، وأسامة سيء الحفظ، وقد حكى الترمذي في العلل عن البخاري أن أسامة غلط في إسناد كذا في فتح الباري "وروى عن الزهري عن عبد الله بن ثعلبة بن أبي صعير عن النبي الخ" أخرجه أحمد من طريق محمد بن إسحاق، والطبراني من طريق عبد الرحمن بن إسحاق وعمرو بن الحارث كلهم عن ابن شهاب عن عبد الله له رواية، فحديثه من حيث السماع مرسل، وقد رواه عبد الرزاق عن معمر فزاد فيه جابراً فيحمل على أن الحديث عند الزهري عن شيخين كذا في فتح الباري. والمراد بقوله عن شيخين عبد الرحمن بن كعب كما في رواية الباب وعن عبد الله بن ثعلبة كما في رواية أحمد والطبراني "ومنهم من ذكره عن جابر" كما في رواية عبد الرزاق.
قوله: "فقال بعضهم لا يصل على الشهيد وهو قول أهل المدينة وبه يقول الشافعي وأحمد" قال الشافعي في الأم: جاءت الأخبار كأنها عيان من وجوه متواترة أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصل على قتلى أحد وما روى أنه صلى عليهم وكبر على حمزة سبعين تكبيرة لا يصح، وقد كان ينبغي لمن عارض بذلك هذه الأحاديث الصحيحة أن يستحي على نفسه، قال: وأما حديث عقبة بن عامر فقد وقع في نفس الحديث أن ذلك كان بعد ثمان سنين يعني والمخالف يقول لا يصلى على القبر إذا طالت المدة. قال وكأنه صلى الله عليه وسلم دعا لهم واستغفر لهم حين قرب أجله مودعاً لهم بذلك ولا يدل ذلك على نسخ الحكم الثابت انتهى. قلت: أخرج

(4/127)


وقالَ بَعْضُهُمْ يُصَلّى على الشهِيدِ، واحْتَجّوا بِحَدِيثِ النبيّ صلى الله عليه وسلم أنّهُ صَلّى على حَمْزَةَ وهُوَ قَوْلُ الثّوْرِيّ وأهْلِ الكُوفَةِ. وبهِ يَقُولُ إسْحَاقُ.
ـــــــ
البخاري في صحيحه في غزوة أحد عن عقبة بن عامر قال : صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على قتلى أحد بعد ثمان سنين كالمودع للأحياء والأموات " وقال بعضهم: يصلى على الشهيد، واحتجوا بحديث النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى على حمزة وهو قول الثورى وأهل الكوفة وبه يقول إسحاق" حديث الصلاة على حمزة الذي أشار إليه الترمذي أخرجه الحاكم من حديث جابر قال: فقد رسول الله صلى الله عليه وسلم حمزة حين جاء الناس من القتال فقال رجل رأيته عند تلك الشجيرات، فلما رآه ورأى ما مثل به شهق وبكى فقام رجل من الأنصار فرمى عليه بثوب ثم جيء بحمزة فصلى عليه الحديث، وفي إسناده أبو حماد الحنفي وهو متروك. وأخرج أبو داود في المراسيل والحاكم من حديث أنس قال: مر النبي صلى الله عليه وسلم على حمزة وقد مثل به ولم يصل على أحد من الشهداء غيره، وأعله البخاري والترمذي والدارقطني بأنه غلط فيه أسامة بن زيد فرواه عن الزهري عن أنس، ورجحوا رواية الليث عن الزهري عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن جابر. وأخرج ابن إسحاق عن ابن عباس قال: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بحمزة فسجى ببردة ثم صلى عليه وكبر سبع تكبيرات ثم أتي بالقتلى فيوضعون إلى حمزة فيصلي عليهم وعليه معهم حتى صلى عليه ثنتين وسبعين صلاة، وفي إسناده رجل مبهم لأن ابن إسحاق قال حدثني من لا أتهم عن مقسم مولى ابن عباس عن ابن عباس قال السهيلي إن كان الذي أبهمه ابن إسحاق هو الحسن بن عمارة فهو ضعيف وإلا فهو مجهول لا حجة فيه. قال الحافظ: الحامل للسهيلي على ذلك ما وقع في مقدمة مسلم عن شعبة أن الحسن بن عمارة حدثه عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على قتلى أحد فسألت الحكم فقال لم يصل عليهم انتهى. قال الشوكاني: لكن حديث ابن عباس روى من طريق أخرى فذكرها. واعلم أن في الصلاة على قتلى أحد وعلى حمزة أحاديث أخرى لكن لا يخلو واحد منها عن كلام. قال ابن تيمية في المنتقى: وقد رويت الصلاة عليهم يعني على شهداء أحد بأسانيد لا تثبت انتهى.

(4/128)


ـــــــ
ثم اعلم أنه لم يرد في شيء من الأحاديث أنه صلى الله عليه وسلم صلى على شهداء بدر ولا أنه لم يصل عليهم، وكذلك في شهداء سائر المشاهد النبوية إلا ما روى النسائي في سننه والطحاوي عن شداد بن الهاد رضي الله عنه أن رجلاً من الأعراب جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فآمن به واتبعه الحديث، وفيه ولكنى اتبعتك على أن أرمي إلى ههنا وأشار إلى حلقه بسهم فأموت فأدخل الجنة فقال إن تصدق الله يصدقك، فلبثوا قليلاً ثم نهضوا في قتال العدو فأتى به النبي صلى الله عليه وسلم يحمل قد أصابه سهم حيث أشار فقال النبي صلى الله عليه وسلم أهو هو؟ قالوا نعم، قال صدق الله فصدقه، ثم كفنه النبي صلى الله عليه وسلم في جبة النبي صلى الله عليه وسلم ثم قدمه فصلى عليه فكان مما ظهر من صلاته اللهم هذا عبدك خرج مهاجراً في سبيلك فقتل شهيداً أنا شهيد على ذلك. وما روى أبو داود في سننه عن أبي سلام عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: أغرنا على حي من جهينة فطلب رجل من المسلمين رجلاً منهم فضربه فأخطأه وأصاب نفسه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أخوكم يا معشر المسلمين فابتدره الناس فوجدوه قد مات، فلفه رسول الله صلى الله عليه وسلم بثيابه ودمائه وصلى عليه ودفنه، فقالوا يا رسول الله أشهيد هو؟ قال نعم وأنا له شهيد. قال الشوكاني في النيل: سكت عنه أبو داود والمنذري وفي إسناده سلام بن أبي سلام وهو مجهول. وقال أبو داود بعد إخراجه عن سلام المذكور: إنما هو عن زيد بن سلام عن جده أبي سلام انتهى. وزيد ثقة انتهى ما في النيل وقد استدل بهذين الحديثين أيضاً لمن قال بالصلاة على الشهيد. قال الشوكاني: أما حديث أبي سلام فلم أقف للمانعين من الصلاة على جواب عليه وهو من أدلة المثبتين لأنه قتل في المعركة بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وسماه شهيداً وصلى عليه. نعم لو كان النفي عاماً غير مقيد بوقعة أحد ولم يرد في الإثبات غير هذا الحديث لكان مختصاً بمن قتل مثل صفته انتهى. وأما حديث شداد بن الهاد فهو أيضاً من أدلة المثبتين فإنه قتل في المعركة وسماه شهيداً وصلى عليه. ولكن حمل البيهقي هذا على أنه لم يمت في المعركة. قلت والظاهر عندي أن الصلاة على الشهيد ليست بواجبة فيجوز أن يصلي عليها ويجوز تركها والله تعالى أعلم. وروى الماوردي عن أحمد الصلاةعلى الشهيد أجود وإن لم يصلوا عليه أجزأ، ذكره الحافظ في الفتح. واختار الشوكاني الصلاة على الشهيد وأجاب عن كلام الإمام الشافعي الذي ذكره في الأم.
فائدة: قال الشوكاني في النيل: قد اختلف في الشهيد الذي وقع الخلاف في غسله والصلاة عليه هل هو مختص بمن قتل في المعركة أو أعم من ذلك، فعند الشافعي أن المراد بالشهيد قتيل المعركة في حرب الكفار، وخرج بقوله في المعركة من جرح في المعركة وعاش بعد ذلك حياة مستقرة، وخرج بحرب الكفار من مات في قتال المسلمين كأهل البغي، وخرج بجميع ذلك من يسمى شهيداً بسبب غير السبب
المذكور ولا خلاف أن من جمع هذه القيود شهيد وروى عن أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد أن من جرح في المعركة إن مات قبل الارتثاث فشهيد والإرتثاث أن يحمل ويأكل أو يشرب أو يوصي أو يبقى في المعركة يوما وليلة حيا وذهبت الهادوية إلى أن من جرح في المعركة يقال له شهيد وإن مات بعد الارتثاث وأما من قتل مدافعا عن نفس أو مال في المصر ظلما فقال أبو حنيفة وأبو يوسف إنه شهيد وقال الشافعي إنه وإن قيل له شهيد فليس من الشهداء الذين لا يغسلون وذهبت العترة والحنفية والشافعي في قوله له إن قتيل البغاة شهيد قالوا إذا لم يغسل على أصحابه وهو توقيف انتهى كلام الشوكاني.

(4/129)


باب ماجاء في الصلاة على القبر
...
46 ـ باب ما جَاءَ في الصّلاَةِ عَلَى القَبْر
1042 ـ حدثنا أحمدُ بنُ مَنِيعٍ حدثنا هُشَيْمٌ حدثنا الشّيْبَانِيّ أخبرنا الشّعْبِيّ: "أَخْبَرَنِي مَنْ رَأَى النبيّ صلى الله عليه وسلم وَرَأَى قَبْراً مُنْتَبِذاً فَصَفّ أَصْحَابَهُ خلفه فَصَلَى عَلَيْهِ فَقِيلَ لَهُ من أَخْبَرَكَم؟ فقالَ ابنُ عَبّاسٍ".
ـــــــ
باب ما جَاءَ في الصّلاَةِ عَلَى القَبْر
قوله: "أخبرنا الشيباني" هو سليمان بن أبي سليمان أبو إسحاق الشيباني "أخبرنا الشعبي" هو عامر بن شراحيل الشعبي من كبار التابعين قال: أدركت خمسمائة من الصحابة "ورأى قبراً منتبذاً" قال في النهاية أي منفرداً عن القبور بعيداً عنها "فصف أصحابه فصلى عليه" أي على القبر، وفي رواية البخاري: فأمهم وصلوا خلفه "فقيل له" أي للشعبي "من أخبرك" أي بهذا الحديث "فقال ابن عباس"

(4/130)


وفي البابِ عن أَنَسٍ وبُرَيْدَةَ ويَزِيدَ بنِ ثابِتٍ وأبي هُرَيْرَةَ وعَامِرِ بنِ رَبِيعَةَ وأبي قَتَادَةَ وسَهْلِ بنِ حُنَيْفٍ.
قال أبو عيسى: حديثُ ابنِ عَبّاسٍ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. والعملُ على هذا عِنْدَ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ مِنْ أصْحَابِ النبيّ صلى الله عليه وسلم وَغَيْرِهِمْ وهُوَ قَوْلُ الشّافِعيّ وأحمد وإسحاقَ. وقالَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ لا يُصَلّى على القَبْرِ،
ـــــــ
أي فقال الشعبي أخبرني ابن عباس. وفي رواية البخاري: قلت من حدثك هذا يا أبا عمرو؟ قال ابن عباس. قال الحافظ في الفتح: القائل هو الشيباني والمقول له هو الشعبي. قال وسياق الطرق الصحيحة تدل على أنه صلى الله عليه وسلم صلى عليه في صبيحة دفنه.
قوله: "وفي الباب عن أنس" أخرجه البزار "وبريدة" أخرجها البيهقي "ويزيد بن ثابت" أخرجه أحمد والنسائي ص 326 "وأبي هريرة" أخرجه البخاري ومسلم "وعامر بن ربيعة" أخرجه ابن ماجه "وأبي قتادة" أخرجه البيهقي أنه صلى الله عليه وسلم صلى على قبر البراء، وفي رواية بعد شهر كذا في النيل "وسهل بن حنيف" أخرجه ابن عبد البر في كتابه التمهيد. قال الإمام أحمد: رويت الصلاة على القبر من النبي صلى الله عليه وسلم من ستة وجوه حسان. قال ابن عبد البر: بل من تسعة كلها حسان وساقها كلها بأسانيده في تمهيده من حديث سهل بن حنيف وأبي هريرة وعامر بن ربيعة وابن عباس وزيد بن ثابت الخمسة في صلاته على المسكينة، وسعد بن عبادة في صلاة المصطفى على أم سعد بعد دفنها بشهر، وحديث الحصين بن وحوح في صلاته على قبر طلحة بن البراء. وحديث أبي أمامة بن ثعلبة أنه صلى الله عليه وسلم رجع من بدر وقد توفيت أم أبي أمامة فصلى عليها، وحديث أنس أنه صلى على امرأة بعد ما دفنت وهو محتمل للمسكينة وغيرها، وكذا ورد من حديث بريدة عند البيهقي وسماها محجنة، كذا في التعليق الممجد.
قوله: "حديث ابن عباس حديث حسن صحيح" وأخرجه البخاري ومسلم.
قوله: "والعمل على هذا" أي على مشروعية الصلاة على القبر "وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق" سواء صلى على الميت أو لا وهو قول الجمهور انتهى. واستدلوا بأحاديث الباب "وقال بعض أهل العلم: لا يصلى على القبر

(4/131)


وهُو قَوْلُ مَالِكِ بنِ أَنَسٍ. وقالَ عبد الله بنُ المُبَارَكِ: إذَا دُفِنَ المَيّتُ ولَمْ يُصَلّ عَلَيْهِ صُلّيَ عَلى القَبْرِ. ورَأَى ابنُ المُبارَكِ الصّلاَةَ على القَبْرِ.
ـــــــ
وهو قول مالك بن أنس" قال ابن المنذر: ومنعه النخعي ومالك وأبو حنيفة وعنهم إن دفن قبل أن يصلى عليه شرع وإلا فلا. وأجابوا عن أحاديث الباب بأن ذلك كان من خصائصه صلى الله عليه وسلم، واستدلوا على هذا بقوله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة عند مسلم: إن هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها وإن الله ينورها لهم بصلاتي عليهم. قالوا صلاته صلى الله عليه وسلم كانت لتنوير القبر. وقالا يوجد في صلاة غيره فلا يكون الصلاة على القبر مشروعاً. وأجاب ابن حبان عن ذلك بأن في ترك إنكاره صلى الله عليه وسلم على من صلى معه على القبر بيان جواز ذلك لغيره وأنه ليس من خصائصه. وتعقب بأن الذي يقع بالتبعية لا ينهض دليلاً للأصالة. ومن جملة ما أجاب به الجمهور عن هذه الزيادة، أنها مدرجة في هذا الإسناد وهي من مراسيل ثابت، بين ذلك غير واحد من أصحاب حماد بن زيد. قال الحافظ: وقد أوضحت ذلك بدلائله في كتاب بيان المدرج. قال البيهقي: يغلب على الظن أن هذه الزيادة من مراسيل ثابت كما قال أحمد انتهى. قلت: وقع في حديث يزيد بن ثابت عند النسائي قال: لا يموت فيكم ميت ما دمت بين أظهركم إلا يعني آذنتموني به فإن صلاتي له رحمة. وهذا ليس بمرسل وأجاب الشوكاني بأن الاختصاص لا يثبب إلا بدليل ومجرد كون الله ينور القبور بصلاته صلى الله عليه وسلم على أهلها لا ينفي مشروعية الصلاة على القبر لغيره لا سيما بعد قوله صلى الله عليه وسلم: "صلوا كما رأيتموني أصلي انتهى".
قوله: "وقال ابن المبارك إذا دفن الميت ولم يصل عليه الخ" قال الشوكاني في النيل: وأما من لم يصل عليه ففرض الصلاة عليه الثابت بالأدلة وإجماع الأمة باق، وجعل الدفن مسقطاً لهذا الفرض محتاج إلى دليل. قال وقد استدل بحديث الباب يعني حديث ابن عباس المذكور على رد قول من فصل فقال: يصلى على قبر من لم يكن قد صلى عليه قبل الدفن لا من كان قد صلى عليه لأن القصة وردت فيمن قد صلى عليه والمفصل هو بعض المانعين.

(4/132)


وقالَ أَحمدُ وإسحاقُ يُصَلّي على القَبْرِ إلى شَهْرٍ، وقالا أكْثَرُ مَا سَمِعْنَا عن ابنِ المُسَيّبِ أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم صَلّى على قَبْرِ أُمّ سَعْدِ بنِ عُبَادَةَ بَعْدَ شَهْر.
1043 ـ حدثنا محمدُ بنُ بَشّارٍ حدثنا يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ عن سَعِيدِ بنِ أبي عَروبَةَ عن قَتَادَةَ عن سَعِيدِ بنِ المُسَيّبِ "أنّ أُمّ سَعْدِ مَاتَتْ والنبيّ صلى الله عليه وسلم غَائِبٌ فَلَمّا قَدِمَ صَلّى عَلَيْهَا وقد مَضَى لذَلِكَ شَهْرٌ".
ـــــــ
قوله: "وقال أحمد وإسحاق: يصلى على القبر إلى شهر" قال الأمير اليماني في سبل السلام ص 194: واختلف القائلون بالصلاة على القبر في المدة التي شرعت فيها الصلاة فقيل إلى شهر بعد دفنه، وقيل إلى أن يبلى الميت لأنه إذا بلى لم يبق ما يصلى عليه، وقيل أبداً لأن المراد من الصلاة عليه الدعاء وهو جائز في كل وقت. قال: هذا هو الحق إذ لا دليل على التحديد بمدة انتهى. قلت استدل أحمد وإسحاق وغيرهما ممن قال إلى شهر بحديث سعيد بن المسيب الذي رواه الترمذي في هذا الباب. قال الحافظ في التلخيص بعد ذكره: ورواه البيهقي وإسناده مرسل صحيح انتهى. وروى الدارقطني عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على قبر بعد شهر، وروى عنه أيضاً أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على ميت بعد ثلاث. قلت: الظاهر الاقتصار على المدة التي ثبتت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأما القياس على مطلق الدعاء وتجويزه في كل وقت ففيه نظر كما لا يخفي.
قوله: "عن سعيد بن المسيب أن أم سعد ماتت الخ" هذا مرسل وقد عرفت آنفاً أنه رواه البيهقي وإسناده مرسل صحيح

(4/133)


باب ماجاء في صلاة النبي صلى الله عليه وسلم على النجاشي
...
47 ـ باب مَا جَاء في صَلاَةِ النبيّ صلى الله عليه وسلم على النجَاشِي
1044 ـ حدثنا أبو سَلَمَةَ يَحْيَى بنِ خَلَفٍ و حُمَيْدُ بنُ مَسْعَدَةَ
ـــــــ
باب ما جاء في صلاة النبي صلى الله عليه وسلم على النجاشي
هو من سادات التابعين أسلم ولم يهاجر وهاجر المسلمون إليه إلى الحبشة مرتين وهو يحسن إليهم، وأرسل إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن

(4/133)


قالا حدثنا بِشْرُ بنُ المفَضّلِ حدثنا يونس بنُ عُبَيْدٍ عن محمدِ بنِ سِيرِينَ عن أبي المُهَلّبِ عن عِمْرَانَ بن حُصَيْنٍ قالَ: قالَ لنا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إنّ أخَاكُمْ النّجَاشِيّ قد مَاتَ فَقُومُوا فَصَلّوا عَلَيْهِ. قالَ: فَقُمْنَا فَصَفَفْنَا كَمَا يُصَفّ على المَيّتِ وَصَلّيْنَا عليه كَمَا يُصَلّى على المَيّتِ".
ـــــــ
أمية بكتابين أحدهما يدعوه فيه إلى الإسلام والثاني يطلب منه تزويجه بأم حبيبة، فأخذ الكتاب ووضعه على عينيه وأسلم وزوجه أم حبيبة، وأسلم على يده عمرو بن العاص قبل أن يصحب النبي صلى الله عليه وسلم فصار يلغز به فيقال صحابي كثير الحديث أسلم على يد تابعي كذا في ضياء الساري. وقال الحافظ في الفتح: هو بفتح النون وتخفيف الجيم وبعد الألف شين ثم ياء ثقيلة كياء النسب وقيل بالتخفيف، ولقب من ملك الحبشة. وحكى المطرزي تشديد الجيم عن بعضهم وخطأه انتهى. قلت: كما يقال لمن ملك الفرس كسرى ولمن ملك الروم قيصر كذلك يقال لمن ملك الحبشة النجاشي، وكان اسمه أصحمة، في صحيح البخاري في هجرة الحبشة من طريق ابن عيينة عن ابن جريج فقوموا فصلوا على أخيكم أصحمة
قوله: "إن أخاكم النجاشي قد مات" وفي رواية للبخاري: قد توفي اليوم رجل صالح من الحبش، وفي رواية أبي هريرة عند البخاري: نعى النجاشي في اليوم الذي مات فيه، وفيه علم من أعلام النبوة لأنه صلى الله عليه وسلم أعلمهم بموته في اليوم الذي مات فيه مع بعد ما بين أرض الحبشة والمدينة " وصلينا عليه كما يصلى على الميت" استدل به على مشروعية الصلاة على الميت الغائب عن البلد، وبذلك قال الشافعي وأحمد وجمهور السلف حتى قال ابن حزم لم يأت عن أحد من الصحابة منعه، وعن الحنفية والمالكية لا يشرع ذلك.
وقد اعتذر من لم يقل بالصلاة على الغائب من قصة النجاشي بأمور منها أنه كان بأرض لم يصل عليه بها أحد فتعينت الصلاة عليه لذلك، ومن ثم قال الخطابي لا يصلى على الغائب إلا إذا وقع موته1 ليس بها من يصلى عليه واستحسنه الروياني من الشافعية، وبه ترجم أبو داود في السنن الصلاة على المسلم يليه أهل الشرك ببلد آخر: قال الحافظ في الفتح: هذا محتمل إلا أنني لم أقف في شيء من الأخبار على أنه لم يصل عليه في بلده أحد. ومنها أنه كشف له صلى الله عليه وسلم عنه حتى رآه
ـــــــ
1 يعني في بلدة

(4/134)


وفي البابِ عن أبي هُرَيْرَةَ وجَابِرِ بنِ عَبْدِ الله وأبي سَعِيدٍ وحُذْيْفَةَ بنِ أسِيدٍ وجَرِيرِ بنِ عَبْدِ الله.
ـــــــ
فتكون صلاته عليه كصلاة الإمام على ميت رآه ولم يره المأمومون ولا خلاف في جوازها. وأجيب عنه بأن هذا يحتاج إلى نقل صحيح صريح ولم يثبت.
فإن قلت: قد روى عن ابن عباس قال: كشف للنبي صلى الله عليه وسلم عن سرير النجاشي حتى رآه وصلى عليه، وأخرج ابن حبان عن عمران بن حصين قصة الصلاة على النجاشي وفي روايته: فقام وصفوا خلفه وهم لا يظنون إلا أن جنازته بين يديه أخرجه من طريق الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي قلابة عن أبي المهلب عنه، ولأبي عوانة من طريق أبان وغيره عن يحيى: فصلينا خمسة ونحن لا نرى إلا أن الجنازة قدامنا.
قلت: أما رواية ابن عباس فقد ذكرها الواقدى في أسبابه بغير إسناد كما ذكره الحافظ في فتح الباري: وأما رواية عمران بن حصين بلفظ: وهم لا يظنون إلا أن جنازته بين يديه، وبلفظ ونحن لا نرى إلا أن الجنازة قدامنا، فالمراد به أنهم صلوا عليه كما يصلون على الميت الحاضر من غير فرق. ويدل عليه حديث الباب بلفظ: فقمنا فصففنا كما يصف على الميت وصلينا عليه كما يصلى على الميت، وهو مروى عن عمران بن حصين. ومنها أن ذلك خاص بالنجاشي لأنه لم يثبت أنه صلى الله عليه وسلم صلى على ميت غائب، قاله الملهب. وأجاب عنه الحافظ في الفتح فقال كأنه لم يثبت عنده قصة معاوية بن معاوية الليثي وقد ذكرت في ترجمته في الصحابة أن خبره قوي بالنظر إلى مجموع طرقه انتهى. ولمن لم يقل بالصلاة على الغائب اعتذارات أخرى ضعيفة لا حاجة إلى ذكرها والكلام عليها، قال الشوكاني بعد البحث في هذه المسألة ما لفظه: والحاصل أنه لم يأت المانعون من الصلاة على الغائب بشيء يعتد به سوى الاعتذار بأن ذلك مختص بمن كان في أرض لا يصلى عليه فيها وهو أيضاً جمود على قصة النجاشي يدفعه الأثر والنظر انتهى. قلت الكلام في هذه المسألة طويل مذكور في فتح الباري وغيره فعليك أن تراجعه.
قوله: "وفي الباب عن أبي هريرة وجابر بن عبد الله وأبي سعيد وحذيفة بن أسيد وجرير بن عبد الله" أما حديث أبي هريرة فأخرجه الجماعة. وأما

(4/135)


قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ مِنْ هذا الوَجْهِ. وقد رَوَاهُ أبُو قِلاَبَةَ عن عَمّهِ أبي المُهَلّبِ عن عِمْرَانَ بنِ حُصَيْنٍ. وأبو المُهَلّبِ اسْمُهُ عَبْدُ الرحمَنِ بن عَمْرٍو ويُقَالُ لَهُ مُعَاوِيَةُ بنُ عَمْرو.
ـــــــ
حديث جابر فأخرجه الشيخان. وأما حديث أبي سعيد وحذيفة وجرير فلينظر من أخرجه.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه أحمد والنسائي "وأبو المهلب اسمه عبد الرحمن بن عمرو الخ" قال الحافظ في التقريب: أبو المهلب الجرمي البصري عم أبي قلابة فذكر الاختلاف في اسمه ثم قال ثقة من الثانية.

(4/136)


باب في فضل الصلاة على الجنازة
...
48ـ باب ما جَاءَ في فَضْلِ الصّلاةِ على الجَنَازَة
1045 ـ حدثنا أبُو كُرَيْبٍ حدثنا عَبْدَةُ بنُ سُلَيْمَانَ عن محمدِ بنِ عَمْرو حدثنا أبو سَلَمَةَ عن أبي
هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم "مَنْ صَلّى على جَنَازَةٍ فَلَهُ قِيرَاطٌ، ومَنْ تَبعَهَا حَتّى يُقْضَي دَفْنُهَا فَلَهُ قِيرَاطَانِ أَحَدُهُمَا أَوْ أَصْغَرُهُمَا مِثْلُ أُحُدٍ" فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لابنِ عُمرَ فَأَرْسَل إلى عَائِشَةَ فسَأَلَها عن ذَلِكَ فقَالَتْ: صَدَقَ أبُو هُرَيْرَةَ، فقَالَ ابنُ عُمَر: لَقَدْ فَرّطْنَا في قَرَارِيطَ كَثِيرَةٍ.
ـــــــ
باب ما جَاءَ في فَضْلِ الصّلاةِ على الجَنَازَة
قوله: "فله قيراط" بكسر القاف قال الجوهري: أصله قراط بالتشديد لأن جمعه قراريط فأبدل من أحد حرفي تضعيفه ياء، قال: والقيراط نصف دانق والدانق سدس الدرهم فعلى هذا يكون القيراط جزء من اثني عشر جزء من الدرهم. وأما صاحب النهاية فقال: القيراط جزء من أجزاء الدينار وهو نصف عشره في أكثر البلاد في الشام جزء من أربعة وعشرين جزءاً "حتى يقضي دفنها" أي يفرغ من دفنها "أحدهما أو أصغرهما" شك من الراوي "مثل أحد" هذا التفسير المراد ههنا لا للفظ "فذكرت ذلك" هذا مقول أبي سلمة "فرطنا" من التفريط أي ضيعنا كما في رواية لمسلم "في قراريط كثيرة" جمع قيراط أي ضيعنا

(4/136)


وفي البابِ عن البَرَاءِ وعَبْدِ الله بنِ مُغَفّلٍ وعَبْدِ الله بنِ مَسْعُودٍ وأبي سَعِيدٍ وأُبي بنِ كَعْبٍ وابنِ عُمَر وثَوْبَانَ.
قال أبو عيسى: حديثُ أبي هُرَيْرَةَ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. قد رُويَ عَنْهُ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ.
ـــــــ
قراريط كثيرة من عدم المواظبة على حضور الدفن. بين ذلك مسلم في روايته من طريق ابن شهاب عن سالم بن عبد الله قال: كان ابن عمر يصلي على الجنازة ثم ينصرف فلما بلغه حديث أبي هريرة قال فذكره.
قوله: "وفي الباب عن البراء الخ" قال الحافظ في الفتح: وقع لي حديث الباب يعني حديث أبي هريرة الذي ذكره الترمذي في هذا الباب من رواية عشرة من الصحابة غير أبي هريرة، وعائشة من حديث ثوبان عند مسلم، والبراء وعبد الله بن مغفل عند النسائي، وأبي سعيد عند أحمد، وابن مسعود عند أبي عوانة، وأسانيد هؤلاء الخمسة صحاح، ومن حديث أبي بن كعب عند ابن ماجه، وابن عباس عند البيهقي في الشعب، وأنس عند الطبراني في الأوسط، وواثلة بن الأصقع عند ابن عدي، وحفصة عند حميد بن زنجويه في فضائل الأعمال، وفي كل من أسانيد هؤلاء الخمسة ضعف انتهى.
قوله: "حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان وغيرهما.

(4/137)


49 ـ باب آخَر
1046 ـ حدثنا محمدُ بنُ بَشّارٍ حدثنا رَوْحٌ بنُ عُبَادَةَ حدثنا عَبّادُ بنُ مَنْصُورٍ قالَ سَمِعْتُ أَبَا المُهَزّمِ قال: صَحِبْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ عَشْرَ سِنينَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: سَمِعْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "مَنْ تَبِعَ
ـــــــ
باب آخَر
قوله: "أخبرنا روح بن عبادة" بفتح الراء وسكون الواو ثقة فاضل له تصانيف من التاسعة "سمعت أبا المهزم" قال في المغنى: بمضمومة وفتح هاء وفتح زاي مشددة وهو يزيد بن سفيان انتهى. وقال في التقريب: بتشديد الزاي المكسورة التميمي البصري اسمه يزيد وقيل عبد الرحمن بن سفيان متروك من الثالثة.

(4/137)


جَنَازَةً وحَمَلَهَا ثلاثَ مَرّاتٍ فَقَدْ قَضَى مَا عَلَيْهِ مِنْ حَقّهَا".
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ غريبٌ وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ بهذا الإسْنَادِ ولَمْ يَرْفَعْهُ. وأَبُو المُهَزّمِ إسْمُهُ يَزِيدُ بنُ سُفْيَانَ وضَعّفَه شُعْبَةُ.
ـــــــ
قوله: "وحملها ثلاث مرات" قال ابن الملك: يعني يعاون الحاملين في الطريق ثم يتركها ليستريح ثم يحملها في بعض الطريق يفعل كذلك ثلاث مرات "فقد قضى ما عليه من حقها" أي من حق الجنازة بيان لما قال ميرك أي من جهة المعاونة لا من دين وغيبة ونحوهما انتهى. وقد عد صلى الله عليه وسلم أن من جملة الحقوق التي للمؤمن على المؤمن أن يشيع جنازته.
قوله: "هذا حديث غريب" لم يحكم الترمذي عليه بالضعف وهو ضعيف لأن في سنده أبا المهزم وهو متروك كما عرفت.
قوله: "وضعفه شعبة" قال الذهبي في الميزان: قال مسلم: سمعت شعبة يقول رأيت أبا المهزم ولو يعطي درهماً لوضع حديثاً انتهى.
إعلم أن أهل العلم قد اختلفوا في كيفية حمل الجنازة، فقال محمد رحمه الله في موطإه وصفته أن يبدأ الرجل فيضع يمين الميت المقدم على يمينه ثم يضع يمين الميت المؤخر على يمينه ثم يعود إلى المقدم الأيسر فيضعه على يساره، وهذا قول أبي حنيفة رضي الله عنه انتهى. وقال الشافعي رحمه الله: السنة أن يحملها رجلان يضعها السابق على أصل عنقه والثاني على أعلى صدره. واستدل للإمام أبي حنيفة بما رواه ابن ماجه عن عبيد بن بسطاس عن أبي عبيدة عن أبيه عبد الله بن مسعود قال: من اتبع جنازة فليأخذ بجوانب السرير كلها فإنه من السنة وإن شاء فليدع، ثم إن شاء فليدع ورواه أبو داود الطيالسي وابن أبي شيبة وعبد الرزاق في مصنفيهما. حدثنا شعبة عن منصور بن المعتمر عبيد بن بسطاس به بلفظ فليأخذ بجوانب السرير الأربعة: ومن طريق عبد الرزاق رواه الطبراني في معجمه ورواه محمد بن الحسن الشيباني في كتاب الآثار أخبرنا أبو حنيفة رضي الله عنه حدثنا منصور بن المعتمر به قال: من السنة حمل الجنازة بجوانب السرير الأربعة كذا في نصب الراية. واحتج للإمام الشافعي رحمه الله بما أخرجه ابن سعد عن شيوخ من بني عبد الأشهل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حمل جنازة سعد بين العمودين حتى خرج به من الدار. وأجاب صاحب الهداية عن هذا بأن ذلك كان لازدحام الملائكة. قلت: لا شك في أنه كان في جنازة سعد ازدحام الملائكة. فروى سعد بإسناد صحيح عن ابن عمر رفعه قال: لقد شهد سبعون ألف ملك لم ينزلوا إلى الأرض قبل ذلك، كذا في الدراية لكن لا يلزم من هذا أن حمل جنازته بين العمودين كان لازدحامهم فتفكر. وقد حملت جنائز عدة من الصحابة رضي الله عنه بين العمودين. قال: الحافظ في الدراية: وفي الباب عن الحسن بن الحسن بن علي في جنازة جابر أخرجه الطبراني. وعن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف رأيت سعداً في جنازة عبد الرحمن بن عوف واضعاً السرير على كاهله بين العمودين أخرجه الشافعي. ومن حديث أبي هريرة أنه صنع ذلك في جنازة سعد. ومن حديث عثمان أنه صنع ذلك. ومن طريق ابن عمر في جنازة رافع بن خديج، ومن طريق ابن الزبير في جنازة المسور بن مخرمة: وروى ابن سعد عن مروان أنه فعل ذلك هو وأبو هريرة بجنازة حفصة بنت عمر انتهى ما في الدراية.

(4/138)


باب ماجاء في القيام للجنازة
...
50 ـ باب ما جَاءَ في القِيَامِ لِلْجَنَازَة
1047 ـ حدثنا قُتَيْبَةُ حدثنا الّليْثُ عن ابنِ شِهَابٍ عن سَالِمٍ بنِ عَبْدِ الله عن أبيهِ عن عَامِرِ بنِ رَبِيَعَةَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم وَأخبرنا قُتَيْبَةُ أخبرنا الّليْثُ عن نَافِعٍ عن ابنِ عُمَر عن عَامِرِ بنِ رَبِيعَةَ عن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: "إذَا رَأَيْتُمْ الجَنَازَةَ فَقُومُوا لَهَا حَتّى تُخَلّفَكُمْ أَوْ تُوضَعَ".
ـــــــ
باب ما جَاءَ في القِيَامِ لِلْجَنَازَة
قوله: "إذا رأيتم الجنازة فقوموا لها" وفي حديث جابر عند مسلم: إن الموت فزع فإذا رأيتم الجنازة فقوموا. وفي حديث سهل بن حنيف وقيس بن سعد عند البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم مرت به جنازة فقام فقيل له إنها جنازة يهودي فقال أليست نفساً؟ وفي حديث أنس مرفوعاً عند الحاكم فقال: إنما قمنا للملائكة . وفي حديث عبد الله بن عمرو مرفوعاً عند أحند وابن حبان والحاكم: إنما تقومون إعظاماً للذي يقبض النفوس. ولفظ ابن حبان: إعظاماً لله الذي يقبض

(4/139)


وفي البابِ عن أبي سَعِيدٍ وجَابِرٍ وسَهْلِ بنِ حُنَيْفٍ وقَيْسِ بنِ سَعْدٍ وأبي هُرَيْرَةَ. حديثُ عَامِرِ بنِ رَبِيعَةَ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
1048 ـ حدثنا نَصْرُ بنُ عَلِيَ الجَهْضَمِيّ والحَسَنُ بنُ عَلِي الخلال الحُلْوَانِيّ قالا حدثنا وهْبُ بنُ جَرِيرٍ حدثنا هِشَامٌ الدّسْتَوَائِيّ عن يحْيَى بنِ أبي كَثِيرٍ عن أبي سَلَمَةَ عن أبي سَعِيدٍ الخُدْرِيّ: "أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذَا رَأَيْتُمْ الجَنَازَةَ فَقُومُوا لها فَمَنْ تَبِعَهَا فلاَ يَقْعُدَنّ حَتّى تُوضَعَ".
ـــــــ
الأرواح، قال الحافظ في الفتح ما محصله: إنه لا تنافي بين هذه التعليلات لأن القيام للفزع من الموت فيه تعظيم لأمر الله وتعظيم للقائمين بأمره في ذلك وهم الملائكة. قال: وأما ما أخرجه أحمد من حديث الحسن بن علي قال إنما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم تأذياً بريح اليهودي. زاد الطبراني من حديث عبد الله بن عياش: فأذاه ريح بخورها. وللطبرى والبيهقي من وجه آخر عن الحسن كراهية أن تعلو رأسه. فإن ذلك لا يعارض الأخبار الأولى الصحيحة، أما أولاً فلأن أسانيدها لا تقاوم تلك في الصحة، وأما ثانياً فلأن التعليل بذلك راجع إلى ما فهمه الراوي، والتعليل الماضي صريح من لفظ النبي صلى الله عليه وسلم انتهى.
قوله: "حتى تخلفكم" بضم أوله وفتح المعجمة وتشديد اللام المكسورة بعدها فاء أي تترككم وراءها ونسبة ذلك إليها على سبيل المجاز لأن المراد حاملها "أو توضع" أي عن مناكب الرجال. قوله: "وفي الباب عن أبي سعيد" أخرجه البخاري ومسلم "وجابر" أخرجه البخاري ومسلم "وسهل بن حنيف" لينظر من أخرجه "وقيس بن سعد" أخرجه البخاري ومسلم "وأبي هريرة" أخرجه البخاري ومسلم. قوله: "حديث عامر بن ربيعة حديث حسن صحيح" وأخرجه البخاري ومسلم.
قوله: "فمن تبعها فلا يقعدن حتى توضع" قيل أراد به وضعها عن الأعناق ويعضده رواية الثورى حتى توضع بالأرض، وقيل حتى توضع في اللحد قاله الطيبي. قلت: قال الحافظ في التلخيص: المراد بالوضع الوضع على الأرض،

(4/140)


قال أبو عيسى: حديثُ أبي سَعِيدٍ في هذا البَابِ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وهُوَ قَوْلُ أَحمدَ وإسْحَاقَ قالا مَنْ تَبِعَ جَنَازَة فَلاَ يَقْعُدَنّ حَتّى تُوضَعَ عن أَعْنَاقِ الرّجَالِ. وقد رُوِيَ عن بَعْضِ أهْلِ العِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم وغَيْرِهِمْ أَنّهُمْ كَانُوا يَتَقَدّمُونَ الجَنَازَةَ فيَقْعُدُون قَبْلَ أَنْ تَنْتَهِيَ إِلَيْهِمْ الجَنَازَةُ. وهُوَ قَوْلُ الشّافِعِيّ.
ـــــــ
ووقع في رواية عبادة: حتى توضع في اللحد، ويرده ما في حديث البراء الطويل الذي صححه أبو عوانة وغيره: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة فإنتهينا إلى القبر ولما يلحد فجلسنا حوله، ووقع في رواية سهيل عن أبيه عن أبي هريرة اختلاف، فقال الثورى عنه حتى توضع بالأرض، وقال أبو معاوية عنه حتى توضع باللحد، حكاه أبو داود ووهم رواية أبي معاوية وكذلك قال الأثرم انتهى.
قوله: "حديث أبي سعيد في هذا الباب حديث حسن صحيح" وأخرجه البخاري ومسلم.
قوله: "وهو قول أحمد وإسحاق قالا من تبع الخ" قال الحافظ في الفتح: اختلف الفقهاء في ذلك فقال أكثر الصحابة والتابعين باستحبابه كما نقله ابن المنذر وهو قول الأوزاعي وأحمد وإسحاق ومحمد بن الحسن، وروى البيهقي من طريق أبي حازم الأشجعي عن أبي هريرة وابن عمر وغيرهما أن القائم مثل الحامل يعني في الأجر. وقال الشعبي والنخعي: يكره القعود قبل أن توضع. وقال بعض السلف: يجب القيام واحتج برواية سعيد عن أبي هريرة وأبي سعيد قالا: ما رأينا رسول الله صلى الله عليه وسلم شهد جنازة قط فجلس حتى توضع، أخرجه النسائي انتهى كلام الحافظ. قوله: "وقد روى عن بعض أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم أنهم كانوا يتقدمون الخ" لم أقف على حديث صحيح يدل على ذلك والظاهر الموافق للأحاديث الصحيحة الصريحة هو ما ذهب إليه أحمد وإسحاق وغيرهما والله تعالى أعلم.

(4/141)


51 ـ باب الرخّصَةِ في تَرْكِ القِيَامِ لَهَا
1049 ـ حدثنا قُتَيْبَةُ حدثنا الّلْيثُ عن يَحْيَى بنِ سَعِيدٍ عن وَاقِدٍ و "هُوَ ابنُ عَمْروِ بنِ سَعْدِ بنِ مُعَاذٍ)
عن نَافِعِ بنِ جُبَيْرٍ عن مَسْعُودِ بنِ الحَكَم عن عَلِيّ بنِ أبي طَالِبٍ أنّهُ ذُكَرَ القِيَام في الجَنَائِزِ حَتّى تُوضَعَ فقَالَ عَلِي: "قَامَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ثُمّ قَعَدَ".
وفي البابِ عن الحَسَنِ بنِ عَلِيَ وابنِ عَبّاسِ.
ـــــــ
باب في الرخصة في ترك القيام لها أي عند رؤية الجنازة
قوله: "فقال عليّ: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قعد" قال البيضاوي: يحتمل قول علي ثم قعد أي بعد أن جاوزته وبعدت عنه، ويحتمل أن يريد كان يقوم في وقت ثم ترك القيام أصلاً، وعلى هذا يكون فعله الأخير قرينة في أن المراد بالأمر الوارد في ذلك الندب، ويحتمل أن يكون نسخاً للوجوب المستفاد من ظاهر الأمر، والأول أرجح لأن احتمال المجاز يعني في الأمر أولى من دعوى النسخ انتهى كلام البيضاوي. قال الحافظ في الفتح: والاحتمال الأول يدفعه ما رواه البيهقي من حديث علي أنه أشار إلى قوم قاموا أن يجلسوا ثم حدثهم الحديث. ومن ثم قال بكراهته القيام جماعة منهم سليم الرازي وغيره من الشافعية. وقال ابن حزم: قعوده صلى الله عليه وسلم بعد أمره بالقيام يدل على أن الأمر للندب ولا يجوز أن يكون نسخاً لأن النسخ لا يكون إلا بنهي أو بترك معه نهى قال الحافظ في الفتح: وقد ورد معنى النهي من حديث عبادة قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقوم للجنازة فمر به حبر من اليهود فقال هكذا نفعل، فقال اجلسوا وخالفوهم أخرجه أحمد وأصحاب السنن إلا النسائي فلو لم يكن إسناده ضعيفاً لكان حجة في النسخ انتهى.
قلت: ويدل على النسخ ما رواه أحمد عن علي بلفظ قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنا بالقيام في الجنازة ثم جلس بعد ذلك وأمرنا بالجلوس.
قوله: "وفي الباب عن الحسن بن علي وابن عباس" أخرجه النسائي من طريق محمد بن سيرين قال: إن جنازة مرت بالحسن بن علي وابن عباس فقام الحسن ولم يقم

(4/142)


قال أبو عيسى: حديثُ عَلِي حديث حسنٌ صحيح وفيهِ رِوَايَةُ أَرْبَعَةٍ مِنَ التابِعِينَ بَعْضُهُمْ عن بَعْضٍ. والعملُ على هذا عِنْدَ بَعْضِ أهْلِ العِلْمِ. قالَ الشّافِعِيّ: وهذا أَصَحّ شَيْءٍ في هذا البابِ. وهذا الحَدِيثُ نَاسِخٌ لِلحَدِيثِ للأوّلِ "إِذَا رَأَيْتُمْ الجَنَازَةَ فَقُومُوا" وقالَ أحمدُ إنْ شَاءَ قَامَ وإن شَاءَ لَمْ يَقُمْ واحْتَجّ بأَن النبيّ صلى الله عليه وسلم قد رُوِيَ عَنْهُ أنّهُ قَامَ ثُمّ قَعَدَ،
ـــــــ
ابن عباس فقال الحسن أليس قد قام رسول الله صلى الله عليه وسلم لجنازة يهودي؟ قال ابن عباس: نعم ثم جلس.
قوله: "حديث علي حديث حسن صحيح" وأخرجه مسلم بلفظ: أن النبي صلى الله عليه وسلم قام في الجنازة ثم قعد بعد.
قوله: "وهذا الحديث ناسخ للحديث الأول: إذا رأيتم الجنازة فقوموا" ويدل على النسخ حديث عبادة وقد تقدم، وما رواه أحمد عن علي بلفظ: ثم جلس بعد ذلك وأمرنا بالجلوس وتقدم هذا أيضاً، وما رواه البيهقي من حديث علي أنه أشار إلى قوم قاموا أن يجلسوا ثم حدثهم الحديث وقد تقدم هذا أيضاً "وقال أحمد إن شاء قام وإن شاء لم يقم إلخ" فعند أحمد حديث على هذا ليس بناسخ للحديث الأول. قال الحازمي في كتاب الاعتبار: وقد اختلف أهل العلم في هذا الباب فقال بعضهم على الجالس أن يقوم إذا رأى الجنازة حتى تخلفه، وممن رأى ذلك أبو مسعود البدري وأبو سعيد الخدري وقيس بن سعد وسهل بن حنيف وسالم بن عبد الله. وقال أحمد بن حنبل إن قام لم أعبه وإن قعد فلا بأس به، وبه قال إسحاق الحنظلي، وقال أكثر أهل العلم: ليس على أحد القيام للجنازة، روينا ذلك عن علي بن أبي طالب والحسن بن علي وعلقمة الأسود والنخعي ونافع بن جبير، وفعله سعيد بن المسيب، وبه قال عروة بن الزبير ومالك وأهل الحجاز والشافعي وأصحابه وذهبوا إلى أن الأمر بالقيام منسوخ وتمسكوا في ذلك بأحاديث، ثم ذكر الحازمي بإسناده حديث علي بن أبي طالب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقوم في الجنائز ثم جلس بعد قال: هذا حديث صحيح أخرجه مسلم، ثم ذكر بإسناده عن مسعود بن الحكم الزرقى أنه سمع علي بن أبي طالب رضي الله عنه في رحبة الكوفة وهو يقول: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنا بالقيام في

(4/143)


وهَكَذَا قالَ إسْحَاقُ بنُ إبرَاهِيمَ. ومَعْنَى قَوْلِ عَلِي: "قَامَ النبي صلى الله عليه وسلم في الجَنَازَةِ ثُمّ قَعَدَ" . يَقُولُ: كَانَ رسول الله صلى الله عليه وسلم إذَا رَأَى الجَنَازَة قام ثُمّ تَرَكَ ذَلِكَ بَعْدُ فَكانَ لاَ يَقُومُ إذَا رَأَى الجَنَازَةَ.
ـــــــ
الجنازة ثم جلس بعد ذلك وأمرنا بالجلوس، ثم ذكر بإسناده عن مجاهد عن أبي معمر قال: مرت بنا جنازة فقمنا فقال من أفتاكم بهذا؟ قلنا أبو موسى الأشعري، فقال ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا مرة كان يتشبه بأهل الكتاب فلما نسخ ذلك ونهى عنه انتهى. قال الحازمي فهذه الألفاظ كلها تدل على أن القعود أولى من القيام. قال الشافعي: قد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم تركه بعد فعله والحجة في الاَخر من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن كان الأول واجباً فالاَخر من أمره ناسخ، وإن كان استحباباً فالاَخر هو الاستحباب، وإن كان مباحاً لا بأس بالقيام والقعود فالقعود أولى لأنه الاَخر من فعله صلى الله عليه وسلم انتهى.

(4/144)


باب ماجاء في قول النبي صلى الله عليه وسلم:(اللحد لنا والشق لغيرنا).
...
52 ـ باب ما جَاءَ في قَوْلِ النبيّ صلى الله عليه وسلم "الّلحْدُ لَنَا والشّقّ لِغَيْرِنَا"
1050 ـ حدثنا أبُو كُرَيْبٍ و نَصْرُ بنِ عَبْدِ الرحمَنِ الكُوفِيّ و يُوسُفُ بنُ مُوسَى القَطّانُ البَغْدَادِيّ قالُوا حدثنا حَكّامُ بنُ سَلْمٍ عن عَلِيّ بنِ عَبْدِ الأعْلَى عن أبيهِ عن سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ عن ابنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ النبيّ صلى الله عليه وسلم: "الّلحْدُ لَنَا والشّقّ لِغَيْرِنَا".
ـــــــ
باب ما جاء في قول النبي صلى الله عليه وسلم اللحد لنا والشق لغيرنا
اللحد بفتح اللام وبالضم وسكون الحاء هو الشق في عرض القبر جانب القبلة، والشق هو الضريح وهو الشق في وسط القبر.
قوله: "حدثنا حكام" بفتح الحاء وتشديد الكاف "بن سلم" بفتح السين وسكون اللام ثقة له غرائب "عن علي بن عبد الأعلى" صدوق ربما وهم.
قوله: "اللحد لنا والشق لغيرنا" قال التوربشتى: أي اللحد آثر وأولى لنا،

(4/144)


وفي البابِ عن جَرِيرِ بنِ عَبْدِ الله وعَائِشَةَ وابنِ عُمَر وجَابر.
قال أبو عيسى: حديثُ ابن عَبّاسٍ حديثٌ حسنٌ غريبٌ مِنْ هذا الوَجْهِ.
ـــــــ
والشق آثر وأولى لغيرنا، أي هو اختيار من كان قبلنا من أهل الإيمان، وفي ذلك بيان فضيلة اللحد وليس فيه نهي عن الشق، لأن أبا عبيدة مع جلالة قدره في الدين والأمانة كان يصنعه ولأنه لو كان منهياً لما قالت الصحابة أيهما جاء أولاً عمل عمله، ولأنه قد يضطر إليه لرخاوة الأرض انتهى. وقال الطيبي ويمكن أنه عليه الصلاة والسلام عني بضمير الجمع نفسه أي أوثر لي اللحد وهو أخبار عن الكائن فيكون معجزة انتهى. وقيل معناه اللحد لنا معشر الأنبياء والشق جائز لغيرنا. قلت: الصحيح هو ما ذكره التوربشتي، ويؤيده حديث جرير بن عبد الله بلفظ: اللحد لنا والشق لغيرنا أهل الكتاب.
قوله: "وفي الباب عن جرير بن عبد الله" أخرجه أحمد والبزار وابن ماجه بنحو حديث ابن عباس المذكور في هذا الباب وفيه عثمان بن عمير وهو ضعيف، وزاد أحمد بعد قوله لغيرنا أهل الكتاب "وعن عائشة" أخرجه ابن ماجة بلفظ قالت: لما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم اختلفوا في اللحد والشق حتى تكلموا في ذلك وارتفعت أصواتهم فقال عمر رضي الله عنه لا تصخبوا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم حياً ولا ميتاً أو كلمة نحوها فأرسلوا إلى الشقاق واللاحد جميع، فجاء اللاحد فلحد لرسول الله صلى الله عليه وسلم ثم دفن صلى الله عليه وسلم " وابن عمر رضي الله عنه" أخرجه أحمد بلفظ: أنهم الحدوا للنبي صلى الله عليه وسلم لحداً، وفيه عبد الله العمري وأخرجه ابن أبي شيبة بلفظ: ألحدوا للنبي صلى الله عليه وسلم، ولأبي بكر وعمر "وجابر" أخرجه ابن شاهين في كتاب الجنائز بلفظ حديث ابن عباس المذكور. وأحاديث الباب تدل على استحباب اللحد وأنه أولى من الضرح، وإلى ذلك ذهب الأكثر كما قال النووي في شرح مسلم إجماع العلماء على جواز اللحد والشق.
قوله: "حديث ابن عباس غريب من هذا الوجه" أخرجه الخمسة. قال الشوكاني: وصححه ابن السكن وحسنه الترمذي كما وجدنا ذلك في بعض النسخ الصحيحة من جامعه في إسناده عبد الأعلى بن عامر وهو ضعيف انتهى .

(4/145)


باب ماجاء ما يقول إذا أدخل الميت قبره
...
53 ـ باب مَا يَقُول إذا أُدْخِلَ المَيّتُ قبره
1051 ـ حدثنا أبُو سَعِيدٍ الأشَجّ حدثنا أبو خَالِدٍ الأحْمَرُ حدثنا الحَجّاجُ عن نَافِعٍ عن ابنِ عُمَرَ "أنّ
النبيّ صلى الله عليه وسلم كان إذَا أُدْخِلَ المَيّتُ القَبْرَ ـ "وقالَ أبُو خَالِدٍ مرّةً إذَا وُضِعَ المَيّتُ في لَحْدِهِ" قالَ ـ مَرّةً بِسْمِ الله وبالله وعَلَى مِلّةِ رسولِ الله" وقالَ مَرّةً: "بِسْمِ الله وبالله وَعَلَى سُنّةِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم".
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ مِنْ هَذا الْوَجْهِ.
وقَدْ رُوِيَ هذا الحَدِيثُ مِنْ غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ أيضا عن ابنِ عُمَرَ،
ـــــــ
باب مَا يَقُول إذا أُدْخِلَ المَيّتُ قبره
قوله: "إذا أدخل" روى مجهولاً ومعلوماً "الميت" بالرفع أو النصب "القبر" مفعول ثان "قال" أي أبو سعيد الأشج "وقال أبو خالد إذا وضع الميت في لحده" يعني أن أبا خالد قال مرة لفظ إذا وضع الميت في لحده مكان لفظ إذا أدخل الميت القبر، وقد جاء صريح هذا في رواية ابن ماجة كما ستعرف "قال مرة بسم الله" أي وضعته أو وضع أو أدخله "وبالله" أي بأمره وحكمه أو بعونه وقدرته "وعلى ملة رسول الله" أي على طريقته ودينه "وقال مرة بسم الله وبالله وعلى سنة رسول الله" أي على طريقته وشريعته والمراد بملة رسول الله وسنته واحد. قال الطيبي: قوله أدخل روى معلوماً ومجهولاً والثاني أغلب فعلى المجهول لفظ كان بمعنى الدوام وعلى المعلوم بخلافه، لما روى أبو داود عن جابر قال: رأى ناس ناراً في المقبرة فأتوها، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم في القبر وهو يقول: ناولوني صاحبكم، فإذا هو بالرجل الذي يرفع صوته بالذكر. قال ميرك: وفيه نظر لأنه على تقدير المعلوم يحتمل الدوام أيضاً. وعلى تقدير المجهول يحتمل عدمه أيضاً كما لا يخفى. قال القاري: وفيه أن إدخاله عليه الصلاة والسلام الميت بنفسه الأشرف لم يكن دائماً بل كان نادراً، لكن قوله بسم الله يمكن أن يكون دائماً مع إدخاله وإدخال غيره تأمل انتهى.
قوله: "هذا حديث حسن غريب" وأخرجه أحمد وابن ماجه.

(4/146)


عنِ النبيّ صلى الله عليه وسلم. ورَوَاهُ أَبُو الصّدِيقِ النّاجِي عنِ ابْنِ عُمَرَ، عنِ النبيّ صلى الله عليه وسلم.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أبي الصّدّيقِ الناجي، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، مَوْقُوفاً أيضاً.
ـــــــ
قوله: "رواه أبو الصديق الناجي عن النبي صلى الله عليه وسلم" أخرجه أبو داود "وقد روى عن أبي الصديق موقوفاً أيضاً" قال المنذري وأخرجه النسائي مسنداً وموقوفاً. وفي الباب أحاديث أخرى ذكرها الحافظ في التلخيص والزيلعي في نصب الراية.
تنبيه: اعلم أن الترمذي رحمه الله روى حديث الباب بالإجمال وقد رواه ابن ماجه بالإيضاح فقال: حدثنا هشام بن عمار حدثنا اسماعيل بن عياش حدثنا ليث بن أبي سليم عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم وحدثنا عبد الله بن سعيد حدثنا أبو خالد الأحمر حدثنا الحجاج عن نافع عن ابن عمر، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أدخل الميت القبر قال بسم الله وعلى ملة رسول الله. وقال أبو خالد مرة: إذا وضع الميت في لحده قال: بسم الله وعلى سنة رسول الله. وقال هشام في حديثه: بسم الله وفي سبيل الله وعلى ملة رسول الله.

(4/147)


باب ماجاء في الثوب الواحد يلقى تحت الميت في القبر
...
54 ـ باب ما جَاءَ في الثّوْبِ الوَاحِدِ يُلْقَى تحْتَ المَيّتِ في القَبْر
1052 ـ حدثنا زَيْدُ بنُ أَخْزَمَ الطّائيّ البصري. حدثنا عُثمانُ بنُ فَرْقَدٍ، قالَ: سَمِعْتُ جَعْفَرَ بْنَ مُحمّدٍ عنْ أَبيهِ قالَ: الّذِي أَلْحَدَ قَبْرَ رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم أبُو طَلْحَةَ. والّذِي أَلْقَى الْقَطِيفَةَ تَحْتَهُ شُقْرَانُ مَوْلَى لِرسولِ الله صلى الله عليه وسلم.
ـــــــ
باب ما جَاءَ في الثّوْبِ الوَاحِدِ يُلْقَى تحْتَ المَيّتِ في القَبْر
قوله: "سمعت جعفر بن محمد" جعفر هذا معروف بالصادق، وأبوه محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب معروف بالباقر. قوله: "الذي ألحد" يقال لحد يلحد كذهب يذهب وألحد يلحد إذا حفر اللحد وهو الشق تحت الجانب القبلي من القبر "والذي ألقى القطيفة" قال في النهاية: هي كساء له خمل "شقران" بضم الشين المعجمة وسكون القاف مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم

(4/147)


قالَ جَعْفَرٌ: وَأَخْبَرَنِي عبيدالله بْنُ أبي رَافِعٍ قالَ: سَمِعْتُ شُقْرَانَ يَقُولُ: أَنَا، وَالله طرَحْتُ القَطِيفَةَ تحْتَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم في الْقَبْرِ وفي البابِ عنِ ابْنِ عَبّاس.
قال أبو عيسى: حَديثُ شُقْرَانَ حديثٌ حسنٌ غريبٌ. وَرَوَى عَلِيّ بْنُ المَدِيِنِيّ عنْ عُثْمَانَ بْنِ فَرْقَدٍ هذا الحَدِيثَ.
ـــــــ
قيل اسمه صالح شهد بدراً وهو مملوك ثم عتق. قال الحافظ أظنه مات في خلافة عثمان. قال النووي في شرح مسلم هذه القطيفة ألقاها شقران وقال كرهت أن يلبسها أحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد نص الشافعي وجميع أصحابنا وغيرهم من العلماء على كراهة وضع قطيفة أو مضربة أو مخدة أو نحو ذلك تحت الميت في القبر، وشذ عنهم البغوي من أصحابنا فقال في كتابه التهذيب: لا بأس بذلك لهذا الحديث. والصواب كراهته كما قاله الجمهور. وأجابوا عن هذا الحديث بأن شقران انفرد بفعل ذلك ولم يوافقه غيره من الصحابة ولا علموا ذلك وإنما فعله شقران لما ذكرناه عنه من كراهته أن يلبسها أحد بعد النبي صلى الله عليه وسلم لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يلبسها ويفترشها فلم تطب نفس شقران أن يتبذلها أحد بعد النبي صلى الله عليه وسلم. وخالفه غيره فروى البيهقي عن ابن عباس أنه كره أن يجعل تحت الميت ثوب في قبره، انتهى كلام النووي. "وأخبرني بن أبي رافع قال: سمعت شقران يقول أنا والله طرحت القطيفة الخ" وروى ابن إسحاق في المغازي، والحاكم في الإكليل من طريقه. والبيهقي عنه من طريق ابن عباس، قال: كان شقران حين وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حفرته أخذ قطيفة قد كان يلبسها ويفترشها فدفنها معه في القبر، وقال والله لا يلبسها أحد بعدك فدفنت معه. وروى الواقدي عن علي بن حسين أنهم أخرجوها وبذلك جزم ابن عبد البر كذا في التلخيص.
قوله: "وفي الباب عن ابن عباس" أخرجه الترمذي في هذا الباب ومسلم وغيره "حديث شقران حديث حسن غريب" ذكره الحافظ في التلخيص وسكت عنه.

(4/148)


1053 ـ حدثنا محمدُ بْنُ بَشّارٍ. حدثنا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عنْ شُعْبَة، عنْ أبي حمْرَةَ، عنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: جُعِلَ في قَبْرِ النبيّ صلى الله عليه وسلم قَطِيفَةٌ حَمْرَاءُ.
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وَقَدْ رَوَى شُعْبَة عنْ أبي حَمْزَةَ القَصّاب، واسْمُهُ عمرُانُ بْنُ أبي عَطَاءٍ. وَرُوِيَ عَنْ أبي جَمْرَةَ الضبَعِيّ. واسْمُهُ نَصْرُ بْنُ عِمْرَانَ، وكِلاهُمَا مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وقَدْ رُويَ عن ابن عَبّاسٍ: أَنّهُ كَرِهَ أَنْ يُلْقَى تَحْتَ المَيّتِ في القَبْرِ شَيْءٌ. وَإِلَى هذا ذَهَبَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ.
قال: وقالَ مُحّمدُ بنُ بَشّارٍ في مَوْضِعْ آخَرَ: حَدّثَنَا مُحمّدُ بنُ جَعْفَرٍ ويَحْيَى عنْ شُعْبَةَ عن أبي جَمْرَةَ عنْ ابنِ عَبّاسٍ وهذَا أَصَحّ.
ـــــــ
قوله: "اخبرنا يحيى بن سعيد" هو القطان "عن أبي جمرة" بفتح الجيم وسكون الميم "قال جعل" بصيغة المجهول، والجاعل هو شقران مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تقدم. قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه مسلم والنسائي وابن حبان. قال الحافظ وروى ابن أبي شيبة وأبو داود في المراسيل عن الحسن نحوه وزاد: لأن المدينة أرض سبخة وذكرا بن عبد البر أن تلك القطيفة استخرجت قبل أن يهال التراب انتهى. وقال الحافظ العراقي في ألفيته في السيرة: وفرشت في قبره قطيفة وقيل أخرجت وهذا أثبت.
قوله: "وقد روى شعبة عن أبي حمزة القصاب" بالحاء المهملة والزاي والقصاب بمعنى بائع القصب "واسمه عمران بن أبي عطاء" الواسطي روى عن ابن عباس وأنس وغيرهما وعنه شعبة والثوري وغيرهما ثقة له في مسلم حديث ابن عباس: لا أشبع الله بطنه. وليس له حديث في جامع الترمذي "وروى" أي شعبة "عن أبي جمرة" بفتح الجيم وسكون الراء المهملة "الضبعى" بضم الضاد المعجمة وفتح الموحدة بعدها مهملة "واسمه نصر بن عمران" البصري نزيل خراسان مشهور بكنيته، ثقة ثبت من الثالثة. قوله: "وإلى هذا ذهب بعض أهل العلم" وذهب الجمهور إلى الكراهة وقولهم هو الراجح وتقدم الجواب عن حديث الباب والله تعالى أعلم قوله: "حدثنا محمد بن جعفر ويحيى عن شعبة عن أبي جمرة" بالجيم لا غير وليس لأبي حمزة القصاب حديث في الترمذي.

(4/149)


باب ماجاء في تسوية القبر
...
55 ـ باب ما جَاءَ في تَسْوِيَةِ القَبْر
1054 ـ حدثنا محمدُ بنُ بَشّارٍ حدثنا عَبْدُ الرّحْمَنِ بنُ مَهْدِيَ. حدثنا سُفْيَانُ عن حَبِيبِ بنِ أبي ثَابِتٍ، عنْ أبي وَائِلٍ، أَنّ عَليَا قالَ لأَبِي الهَيّاجِ الأسَدِيّ: أبْعَثُكَ عَلَى مَا بَعَثَنِي به النبيّ صلى الله عليه وسلم: "أنْ لاَ تَدَع قَبْراً مُشْرِفاً إلاّ سَوّيْتَهُ، ولاَ تِمْثَالاً إلاّ طَمَسْتَهُ".
ـــــــ
باب ما جَاءَ في تَسْوِيَةِ القَبْر
قوله: "قال لأبي الهياج" بتشديد التحتية "الأسدي بفتح السين ويسكن "أبعثك على ما أبعثني" أي أرسلك للأمر الذي أرسلني وإنما ذكر تعديته بحرف على، لما في البعث من معنى الاستعلاء والتأمير أي أجعلك أميراً على ذلك كما امرني رسول الله صلى الله عليه وسلم قاله القاري. "أن لا تدع" أن مصدرية ولا نافية خبر مبتدأ محذوف أي هو "أن لا تدع" وقيل أن تفسيرية ولا ناهية أي لا تترك "قبرأ مشرفاً" قال القاري: هو الذي بنى عليه حتى ارتفع دون الذي أعلم عليه بالرمل والحصباء أو محسومة بالحجارة ليعرف ولا يوطأ "إلا سويته" في الأزهار قال العلماء: يستحب أن يرفع القبر قدر شبر، ويكره فوق ذلك، ويستحب الهدم. ففي قدره خلاف. قيل إلى الأرض تغليظاً وهذا أقرب إلى اللفظ، أي لفظ الحديث من التسوية. وقال ابن الهمام: هذا الحديث محمول على من كانوا يفعلونه من تعلية القبور بالبناء العالي وليس مرادنا ذلك بتسنيم القبر، بل بقدر ما يبدو من الأرض ويتميز عنها كذا في المرقاة. وقال الشوكاني في النيل: قوله ولا قبراً مشرفاً إلا سويته. فيه أن السنة أن القبر لا يرفع رفعاً كثيراً من غير فرق بين من كان فاضلاً ومن كان غير فاضل. والظاهر أن رفع القبور زيادة على القدر المأذون فيه محرم. وقد صرح بذلك أصحاب أحمد وجماعة من أصحاب الشافعي ومالك. ومن رفع القبور الداخل تحت الحديث دخولاً أولياً، القبب والمشاهد المعمورة على القبور، وأيضاً هو من اتخاذ القبور مساجد، وقد لعن النبي صلى الله عليه وسلم

(4/150)


وفي البابِ عَنْ جَابِرٍ.
قال أبو عيسى: حديثُ عَلِي حديثٌ حسنٌ، والعملُ على هذا عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ العِلْمِ، يَكْرَهُونَ أنْ يُرْفَعَ القَبرُ فَوْقَ الأرْضِ.
ـــــــ
فاعل ذلك. وكم قد سرى عن تشييد أبنية القبور وتحسينها من مفاسد يبكي لها الإسلام. منها اعتقاد الجهلة لها كاعتقاد الكفار للأصنام، وعظم ذلك فظنوا أنها قادرة على جلب النفع ودفع الضر، فجعلوها مقصداً لطلب قضاء الحوائج، وملجأ لنجاح المطالب، وسألوا منها ما يسأله العباد من ربهم، وشدوا إليه الرحال، وتمسحوا بها واستغاثوا، وبالجملة أنهم لم يدعوا شيئاً مما كانت الجابية تفعله بالأصنام إلا فعلوه. فإنا لله وإنا إليه راجعون. ومع هذا المنكر الشنيع والكفر الفظيع لا نجد من يغضب لله ويغار حمية للدين الحنيف لا عالماً ولا متعلماً، ولا أميراً ولا وزيراً ولا ملكاً، وقد توارد إلينا من الأخبار ما لا يشك معه أن كثيراً من هؤلاء القبوريين أو أكثرهم إذا توجهت عليه يمين من جهة خصمه، حلف بالله فاجراً، فإذا قيل له بعد ذلك: احلف بشيخك ومعتقدك الولي الفلاني، تلعثم وتلكأ وأبي واعترف بالحق. وهذا من أبين الأدلة الدالة على أن شركهم قد بلغ فوق شرك من قال: إنه تعالى ثاني اثنين أو ثالث ثلاثة. فيا علماء الدين، ويا ملوك المسلمين، أي رزء للإسلام أشد من الكفر، وأي بلاء لهذا الدين أضر عليه من عبادة غير الله، وأي مصيبة يصاب بها المسلمون تعدل هذه المصيبة، وأي منكر يجب إنكاره إن لم يكن إنكاره هذا الشرك البين واجباً؟
لقد أسمعت لو ناديت حياً
...
ولكن لا حياة لمن تنادي
ولو ناراً نفخت بها أضاءت
...
ولكن أنت تنفخ في الرماد
ولا تمثالاً" أي صورة "إلا طمسته" أو محوته وأبطلته.
قوله: "وفي الباب عن جابر" لينظر من أخرجه وفي الباب أيضاً عن فضالة بن عبيد أخرجه مسلم عن ثمامة بن شفى قال كنا مع فضالة بن عبيد بأرض الروم برودس، فتوفي صاحب لنا فأمر فضالة بقبره فسوى، ثم قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر بتسويتها.

(4/151)


قالَ الشافِعِيّ: أكْرَهُ أَن يُرْفَعَ الْقَبْرُ إِلاّ بِقَدْرِ مَا يُعْرَفُ أَنّهُ قَبْرٌ، لكَيْلا يُوطَأَ وَلاَ يُجْلَسَ عَلَيْهِ.
ـــــــ
قوله: "حديث علي حديث حسن" وأخرجه مسلم "قال الشافعي: أكره أن يرفع القبر إلا بقدر ما يعرف أنه قبر لكيلا يوطأ ولا يجلس عليه" قال النووي في شرح مسلم 213 ج 1 في شرح قوله يأمر بتسويتها: فيه إن السنة أن القبر لا يرفع على الأرض رفعاً كثيراً، ولا يسنم بل يرفع نحو شبر ويسطح، وهذا مذهب الشافعي ومن وافقه. ونقل القاضي عياض عن أكثر العلماء: أن الأفضل عندهم تسنيمها. وهو مذهب مالك انتهى كلام النووي. وأخرج البخاري في صحيحه عن سفيان التمار أنه حدثه أنه رأى قبر النبي صلى الله عليه وسلم مسنما، قال الحافظ قوله مسنماً: أي مرتفعاً، زاد أبو نعيم في المستخرج: وقبر أبي بكر وعمر كذلك. واستدل به على أن المستحب تسنيم القبور. وهو قول أبي حنيفة ومالك وأحمد والمزني وكثير من الشافعية. وأدعى القاضي حسين انفاق الأصحاب عليه، وتعقب بأن جماعة من قدماء الشافعية استحبوا التسطيح كما نص عليه الشافعي، وبه جزم الماوردي وآخرون. وقول سفيان التمار لا حجة فيه كما قال البيهقي لاحتمال أن قبره صلى الله عليه وسلم لم يكن في الأول مسنماً، فقد روى أبو داود والحاكم من طريق القاسم بن محمد بن أبي بكر قال: دخلت على عائشة فقلت يا أمه اكشفي لي عن قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبيه، فكشفت له عن ثلاثة قبور لا مشرفة ولا لاطئة، مبطوحة ببطحاء العرصة الحمراء. زاد الحاكم: فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم مقدماً وأبا بكر رأسه بين كتفي النبي صلى الله عليه وسلم، وعمر رأسه عند رجلي النبي صلى الله عليه وسلم. وهذا كان في خلافة معاوية فكأنها كانت في الأول مسطحة، ثم لما بنى جدار القبر في إمارة عمر بن عبد العزيز على المدينة من قبل الوليد بن عبد الملك صيروها مرتفعة. وقد روى أبو بكر الاَجرى في كتاب صفة قبر النبي صلى الله عليه وسلم من طريق إسحاق بن عيسى ابن بنت داود بن أبي هند عن غنيم بن بسطام المديني قال: رأيت قبر النبي صلى الله عليه وسلم في إمارة عمر بن عبد العزيز فرأيته مرتفعاً نحواً من أربع أصابع ورأيت قبر أبي بكر وراء قبره، ورأيت قبر عمر وراء قبر أبي بكر أسفل منه.
ثم الاختلاف في ذلك في أيهما أفضل لا في أصل الجواز، ورجح المزني التسنيم من حيث المعنى بأن المسطح يشبه ما يصنع للجلوس بخلاف المسنم، ورجحه ابن قدامة بأنه يشبه أبنية أهل الدنيا وهو من شعار أهل البدع، فكأن التسنيم أولى. ويرجح التسطيح ما رواه مسلم من حديث فضالة بن عبيد: أنه مر بقبر فسوى ثم قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر بتسويتها انتهى كلام الحافظ.

(4/152)


باب في كراهية الوطء على القبور والجلوس عليها
...
56 ـ باب ما جَاءَ في كَرَاهِيَةَ المشي عَلَى الْقُبُورِ واَلجُلُوسِ عَلَيْهَا والصلاة إليها
1055 ـ حدثنا هَنّادٌ. حدثنا عبد الله بنُ المُبَارَكِ عنْ عَبْدِ الرّحمَنِ بنِ يَزيد بنِ جَابِرٍ، عنْ بُسْرِ بنِ عُبَيْدِ الله، عنْ أبي إِدْرِيسَ الخَوْلاَنِيّ، عنْ وَاثِلَةَ بنِ الأسقَعِ، عنْ أبي مَرْثَدٍ الْغَنَوِي قالَ: قالَ النبيّ صلى الله عليه وسلم: "لاَ تَجْلِسُوا عَلَى الْقُبُور ولاَ تُصَلّوا إِلَيْهَا".
وفي البابِ عنْ أبي هُرَيْرَةَ، وعَمْروِ بنِ حَزْمٍ، وبَشِيرِ بنِ الخَصَاصِيَةِ.
ـــــــ
باب ما جاء كراهية المشي على القبور والجلوس عليها والصلاة إليها وفي بعض النسخ باب في كراهية المشي على القبور الخ.
قوله: "عن بسر بن عبيد الله" بضم الموحدة وسكون السين "عن أبي مرثد" بفتح الميم وسكون الراء وفتح الثاء المثلثة "الغنوي" بفتحتين صحابي بدري مشهور بكنيته واسمه كناز بتشديد النون وآخره زاي معجمة "لا تجلسوا على القبور" فيه دليل على تحريم الجلوس على القبر وإليه ذهب الجمهور قاله الشوكاني. قال ابن الهمام: وكره الجلوس على القبر ووطؤه وحينئذ فما يصنعه الناس ممن دفنت أقاربه ثم دفنت حواليه خلق؟ من وطأ تلك القبور إلى أن يصل إلى قبر قريبه مكروه. ويكره النوم عند القبر، وقضاء الحاجة بل أولى. ويكره كل ما لم يعهد من السنة والمعهود منها ليس إلا زيارتها والدعاء عندها قائماً، كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل في الخروج في البقيع انتهى "ولا تصلوا إليها" أي مستقبلين إليها قال القاري: وفي معناه بل أولى منه الجنازة الموضوعة وهو مما ابتلى به أهل مكة حيث يضعون الجنازة عند الكعبة ثم يستقبلون إليها.
قوله: "وفي الباب عن أبي هريرة" أخرجه الجماعة إلا البخاري والترمذي

(4/153)


1056 ـ حدثنا مُحمّدُ بنُ بَشّارٍ أخبرنا عَبْدُ الرحمَنِ بنُ مَهْدِي عنْ عبْدِ الله بْنِ المُبَارَكِ، بهذَا الإسْنَادِ، نحْوَهُ.
1057 ـ حدثنا علي بْنُ حُجْرٍ و أبُو عَمّارٍ قالاَ: أخبرنا الوَلِيدُ بنُ مُسْلِمٍ عنْ عَبْدِ الرّحمَنِ بْنِ يَزِيدَ بنِ جَابِرٍ، عنْ بُسْرِ بْنِ عُبَيْدِ الله، عنْ وَاثِلَةَ بْنِ الأسْقَعِ، عنْ أبي مَرْثَدٍ الغنويّ، عنِ النبيّ صلى الله عليه وسلم، نحوَهُ ولَيْسَ فِيهِ "عنْ أَبي إدْرِيسَ" وهذا الصّحِيحُ.
قال أبو عيسى: قالَ مُحمّدٌ: وحديثُ ابْنِ المُبَارَكِ خَطَأٌ، أخْطَأ فِيهِ ابْنُ المُبَارك، وَزَادَ فِيهِ "عنْ أبي إِدْرِيسَ الخَوْلاَنِيّ" وإنّمَا هُوَ بُسْرُ
ـــــــ
مرفوعاً: لأن يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه فتخلص إلى جلده، خير له من أن يجلس على قبر "وعمرو بن حزم" أخرجه أحمد بلفظ: قال، رآني النبي صلى الله عليه وسلم متكئاً على قبر فقال لا نؤذ صاحب هذا القبر أو لا نؤذه. قال الحافظ في الفتح: إسناده صحيح "وبشير بن الخصاصية" بفتح الموحدة وكسر الشين هو بشير بن معبد، وقيل ابن زيد بن معبد السدوسي المعروف بابن الخصاصية، بمعجمة مفتوحة وصادين مهملتين بعد الثانية تحتانية صحابي جليل، أخرج حديثه أبو داود والنسائي وابن ماجه بلفظ: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً يمشي في نعلين بين القبور، فقال يا صاحب السبتيتين ألقهما. سكت عنه أبو داود والمنذري ورجال إسناده ثقات إلا خالد بن نمير فإنه يهم وأخرجه أيضاً الحاكم وصححه قاله الشوكاني في النيل. "فائدة" قال الشوكاني في النيل تحت حديث بشير هذا فيه دليل على أنه لا يجوز المشي بين القبور بالنعلين، ولا يختص عدم الجواز بكون سبتيتين لعدم الفارق بينها وبين غيرها. وقال ابن حزم: يجوز وطء القبور بالنعال التي ليست سبتية لحديث: أن الميت يسمع خفق نعالهم. وخص المنع بالسبتية، وجعل هذا جمعاً بين. الحديثين وهو وهم لأن سماع الميت لخفق النعال لا يستلزم أن يكون المشي على قبر أو بين القبور فلا معارضة انتهى كلام الشوكاني.
قوله: "قال محمد" هو الإمام البخاري "حديث ابن المبارك خطأ أخطأ فيه ابن المبارك وزاد فيه عن أبي إدريس الخولاني الخ" لقائل أن يقول: إن ابن المبارك

(4/154)


بْنُ عُبَيْدِ الله عنْ وَاثِلَةَ، هَكَذَا رَوَى غَيْرُ وَاحِدٍ عنْ عَبْدِ الرحمَنِ بنِ يَزِيدَ بنِ جَابِرٍ. ولَيْسَ فِيهِ "عنْ أبي إدْريس الخَوْلانِيّ". وبسربه عبيدالله قد سمع من واثلة بن الأسقع.
ـــــــ
ثقة حافظ فيمكن أن يكون الحديث عند بسر بن عبيد الله بالوجهين، أعني رواه أولاً عن وائلة بواسطة أبي إدريس ثم لقيه فرواه عنه من غير واسطة والله تعالى أعلم وحديث أبي مرثد هذا أخرجه مسلم.

(4/155)


باب ماجاء في كراهية تخصيص القبور والكتابة عليها
...
57 ـ باب مَا جَاءَ في كَرَاهِيَةِ تَجْصِيِص الْقُبُور وَالْكِتَابَةِ علَيْهَا
1046 ـ حدثنا عَبْدُ الرحمَنِ بنُ الأسْوَدِ أَبُو عَمْروٍ الْبَصْرِيّ. حدثنا مُحمّدُ بْنُ رَبِيعَةَ عنِ ابنِ جُرَيْجٍ،
عن أبي الزّبَيْرِ، عنْ جَابِرٍ قالَ: "نَهَى النبيّ صلى الله عليه وسلم أنْ تُجَصّصَ الْقُبُورُ وأنْ يُكْتَبَ عَلَيْهَا
ـــــــ
باب مَا جَاءَ في كَرَاهِيَةِ تَجْصِيِص الْقُبُور وَالْكِتَابَةِ علَيْهَا
قوله: "نهى أن تجصص القبور" بصيغة المجهول وفي رواية لمسلم: نهى عن تقصيص القبور بالقاف والصادين المهملتين وهو بمعنى التجصيص والقصة هي الجص "وأن يكتب عليها" بالبناء للمفعول، قال أبو الطيب السندي في شرح الترمذي: يحتمل النهي عن الكتابة مطلقاً، ككتاب اسم صاحب القبر وتاريخ وفاته أو كتابة شيء من القرآن وأسماء الله تعالى ونحو ذلك للتبرك، لاحتمال أن يوطأ أو يسقط على الأرض فيصير تحت الأرجل. قال الحاكم بعد تخريج هذا الحديث في المستدرك: الإسناد صحيح وليس العمل عليه، فإن أئمة المسلمين من الشرق والغرب يكتبون على قبورهم، وهو شيء أخذه الخلف عن السلف وتعقبه الذهبي في مختصره بأنه محدث ولم يبلغهم النهي انتهى، قال الشوكاني في النيل: فيه تحريم الكتابة على القبور، وظاهره عدم الفرق بين كتابة اسم الميت على القبر وغيرها، وقد استثنت الهادوية رسم الاسم فجوزوه، لا على وجه الزخرفة، قياساً على وضعه صلى الله عليه وسلم الحجر على قبر عثمان كما تقدم، وهو من التخصيص بالقياس وقد قال به الجمهور، لا أنه قياس في مقابلة النص كما قال في ضوء النهار

(4/155)


وأنْ يُبْنَى عَلَيْهَا، وأنْ تُوطَأَ".
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حَسَنٌ صحيِح. قَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنْ جَابِرٍ.
وَقَدْ رَخّصَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ، مِنْهُمُ الحَسَنُ الْبَصرِي في تَطْيِينِ القُبُورِ.
وَقَالَ الشّافِعيّ: لاَ بَأْسَ أنْ يُطَيّنَ الْقَبْرُ.
ـــــــ
ولكن الشأن في صحة هذا القياس انتهى "وأن يبنى عليها" فيه دليل على تحريم البناء على القبر، وفصل الشافعي وأصحابه فقالوا: إن كان البناء في ملك الباني فمكروه، وإن كان في مقبرة مسبلة فحرام. قال الشوكاني ولا دليل على هذا التفصيل. وقد قال الشافعي: رأيت الائمة بمكة يأمرون بهدم ما يبني ويدل على الهدم حديث علي رضي الله عنه انتهى.
قلت: الأمر كما قال الشوكاني وأراد بحديث علي رضي الله عنه حديثه الذي تقدم في باب تسوية القبر "وأن توطأ" أي بالأرجل لما فيه من الاستخفاف قال في الأزهار: والوطء لحاجة كزيارة ودفن ميت لا يكره. قال القاري في المرقاة: وفي وطئه للزيارة محل بحث انتهى. وفي رواية مسلم: وأن يقعد عليه، قال الشوكاني فيه دليل على تحريم القعود على القبر وإليه ذهب الجمهور. وقال مالك في الموطأ: المراد بالقعود الحدث. وقال النووي: وهذا تأويل ضعيف أو باطل، والصواب أو المراد بالقعود الجلوس، ومما يوضحه الرواية الواردة بلفظ: لا تجلسوا على القبور انتهى. قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي وفي لفظه: نهى أن يبني على القبر أو يزاد عليه أو يجصص أو يكتب عليه.
قوله: "وقد رخص بعض أهل العلم منهم الحسن البصري في تطيين القبور الخ" جاء في تطيين القبور روايتان: ما روى أبو بكر النجار من طريق جعفر بن محمد عن أبيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم رفع قبره من الأرض شبراً وطين بطين الأحمر من العرصة ذكره الحافظ في التلخيص ص 165 وسكت عنها. والثانية ـ ما ذكر صاحب مسند الفردوس عن الحاكم أنه روى من طريق ابنمسعود مرفوعاً: لا يزال الميت يسمع الأذان ما لم يطين قبره. قال الحافظ في التلخيص ص 165 بعد ذكر هذه الرواية: إسناده باطل فإنه من رواية محمد بن القاسم الطايكاني وقد رموه بالوضع انتهى. واختلف الفقهاء الحنفية في تطيين القبور، قال سراج أحمد السرهندي في شرح الترمذي وفي البرجندي: وينبغي أن لا يجصص القبر، وأما تطيينه ففي الفتاوي المنصورية: لا بأس به خلافاً لما يقوله الكرخي إنه مكروه. وفي المضمرات المختار: أنه لا يكره انتهى. وقال في اللمعات في الخانية: تطيين القبور لا بأس به خلافاً لما قاله الكرخى انتهى. وقال الشوكاني في النيل: وحكى في البحر عن الهادي والقاسم أنه لابأس بالتطيين لئلا ينطمس. وبه قال الإمام يحيى وأبو حنيفة انتهى.

(4/156)


باب مايقول الرجل إذا دخل المقابر
...
59 ـ باب مَا يَقُول الرّجُلُ إِذَا دَخَلَ المَقَابِر
1059 ـ حدثنا أَبُو كُرَيْبٍ. حدثنا مُحَمّدُ بْنُ الصّلْتِ، عَنْ أبِي كُدَيْنَةَ، عَنْ قَابُوسَ بْنِ أَبِي ضَبْيَانَ، عَنْ أبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قَالَ : مَرّ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم بِقُبُورِ الْمَدِينَةِ. فَأَقْبَلَ عَلَيْهِمْ بِوَجْهِهِ
ـــــــ
باب ما يقول الرجل إذا دخل المقابر
جمع مقبرة قال في القاموس: المقبرة مثلثة الباء وكمكنسة موضع القبور.
قوله: "حدثنا أبو كريب" اسمه محمد بن العلاء بن كريب الهمداني الكوفي مشهور بكنيته ثقة حافظ، عن هشيم وابن المبارك وابن عيينة وخلق وعنه ع من العاشرة كذا في التقريب والخلاصة "حدثنا محمد بن الصلت" بن الحجاج الأسدي أبو جعفر الكوفي ثقة من كبار العاشرة "عن أبي كمدينة" بضم الكاف وفتح النون مصغرا اسمه يحيى بن الملهب الكوفي صدوق من السابعة "عن قابوس بن أبي ظبيان" بفتح المعجمة وسكون الموحدة بعدها تحتانية الكوفي فيه لين "عن أبيه" اسمه حصين بن جندب الجنبي ثقة من الثانية. قوله: "فأقبل عليهم" أي على أهل القبور "بوجهه" قال القاري في المرقاة: فيه دلالة على أن المستحب في حال السلام على الميت أن يكون وجهه لوجه الميت، وأن يستمر كذلك في الدعاء أيضاً، وعليه عمل عامة المسلمين خلافاً لما قاله ابن حجر من أن السنة عندنا أنه حالة الدعاء يستقبل القبلة، كما علم من الأحاديث في مطلق الدعاء انتهى. وفيه أن كثيراً

(4/157)


فقَالَ "السّلاَمُ عَلَيْكُمْ يَا أَهْلَ الْقُبُورِ يَغْفِرُ الله لَنَا وَلَكُمْ. أنتمْ سَلَفُنَا وَنَحْنُ بِالأْثَرِ".
وفي البابِ عَنْ بُرَيْدَةَ وعَائِشَةَ. حَدِيثُ ابْنِ عَبّاسٍ حديثٌ حسنٌ غَريبٌ.
وَأَبُو كُدَيْنَةَ اسْمُهُ يَحْيى بْنُ الْمُهَلّبِ. وَأَبُو ظَبْيَانَ اسمُهُ حُصَيْنُ بْنُ جُنْدُبٍ.
ـــــــ
من مواضع الدعاء ما وقع استقباله عليه الصلاة والسلام للقبلة منها ما نحن فيه، ومنها حالة الطواف والسعي ودخول الميت وخروجه، وحال الأكل والشرب وعيادة المريض، وأمثال ذلك فيتعين أن يقتصر الاستقبال وعدمه على المورد إن وجد، وإلا فخير المجالس ما استقبل القبلة كما ورد به الخبر انتهى كلام القاري. "أنتم سلفنا" بفتحتين في النهاية، هو من سلف المال كأنه أسلفه وجعله ثمناً للأجر على الصبر عليه، وقيل سلف الإنسان من تقدمه بالموت من الاَباء وذوي القرابة، ولذا سمي الصدر الأول من التابعين بالسلف الصالح انتهى "ونحن بالأثر" بفتحتين يعني تابعون لكم من ورائكم لاحقون بكم.
قوله: "وفي الباب عن بريدة" أخرجه مسلم قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر: السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم للاحقون نسأل الله لنا ولكم العافية " وعائشة" وأخرجه أيضاً مسلم بلفظ: قالت كيف أقول يا رسول الله، تعني في زيارة القبور. قال: قولي السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين، وإنا إن شاء الله بكم للاحقون.

(4/158)


باب ماجاء في الرخصة في زيارة القبور
...
60 ـ باب ما جَاءَ في الرّخْصَةِ في زِيَارَةِ الْقُبُور
1060 ـ حدثنا مُحَمّدُ بْنُ بَشّارٍ وَ مَحْمُودُ بنُ غَيْلاَنَ وَ الحَسَنُ بْنُ
ـــــــ
باب ما جَاءَ في الرّخْصَةِ في زِيَارَةِ الْقُبُور
قوله: "فقد أذن لمحمد في زيارة قبر أمه" فيه دليل على جواز زيارة قبر القريب الذي لم يدرك الإسلام "فزوروها" الأمر للرخصة أو للاستحباب، وعليه الجمهور بل ادعى بعضهم الإجماع، بل حكى ابن عبد البر عن بعضهم وجوبها كذا

(4/158)


عَلِيَ الخلالُ قَالُوا: حدثنا أَبُو عَاصِمٍ النّبِيلُ. أَخْبَرْنَا سُفْيَانُ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ، عَنْ سُلَيمانَ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "قَدْ كنُتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ، فَقَدْ أُذِنَ لِمُحَمّدٍ في زِيَارَةِ قَبْرِ أُمّهِ. فَزُورُهَا، فَإِنّها تُذَكّرُ الاَخِرَةَ".
وفي البابِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ وابْنِ مَسْعُودٍ وَأَنَسٍ وَأبي هُرَيْرَةَ وَأُمّ سَلَمَةَ.
قال أبو عيسى: حَدِيث بُرَيْدَةَ حَدِيثُ حسنٌ صحيحٌ. والْعَمَلُ عَلَى هذَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ. لاَ يَرَوْنَ بزِيَارَةِ الْقُبُورِ بَأْساً. وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْمُبَارَكِ وَالشّافِعِيّ وَأَحْمَدَ وَإسْحَاقَ.
ـــــــ
في المرقات "فإنها تذكر الاَخرة" أي فإن القبور أو زيارتها تذكر الاَخرة.
قوله: "وفي الباب عن أبي سعيد" لينظر من أخرجه "وابن مسعود" أخرجه ابن ماجه بلفظ: كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، فإنها تزهد في الدنيا وتذكر الاَخرة " وأنس" أخرجه أبو داود والنسائي والحاكم ولفظ الحاكم: كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها فإنها ترق القلوب وتدمع العين وتذكر الاَخرة " وأبي هريرة" أخرجه مسلم بلفظ قال: زار النبي صلى الله عليه وسلم قبر أمه فبكى وأبكى من حوله، فقال استأذنت ربي في أن استغفر لها فلم يؤذن لي، واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي، فزوروا القبور فإنها تذكر الموت. " وأم سلمة رضي الله عنها" أخرجه الطبراني بسند حسن بلفظ: نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإن لكم فيها عبرة. كذا في المرقاة. قوله: "حديث بريدة حديث حسن صحيح" وأخرجه مسلم. قوله: "والعمل على هذا عند أهل العلم الخ" قال النووي تبعاً للعبدري والحازمي وغيرهما: اتفقوا على أن زيارة القبور للرجال جائزة. قال الحافظ في الفتح: فيه نظر لأن ابن أبي شيبة وغيره روى عن ابن سيرين وإبراهيم والشعبي الكراهة مطلقاً، فلعل من أطلق أراد بالاتفاق ما استقر عليه الأمر بعد هؤلاء وكأن هؤلاء لم يبلغهم الناسخ، ومقابل هذا القول ابن حزم: أن زيارة القبور واجبة ولو مرة واحدة في العمر لورود الأمر به انتهى.

(4/159)


باب ماجاء في كراهية زيارة القبور للنساء
...
61 ـ باب مَا جَاءَ في كَرَاهِيَةِ زِيَارَةِ الْقُبُورِ لِلنّسَاء
1061 ـ حدثنا قُتَيْبَةُ حدثنا أَبُو عَوانَةَ عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبي سَلَمَةَ، عَنْ أَبيهِ، عَنْ أبي هُرَيْرَةَ أَنّ رَسولَ الله صلى الله عليه وسلم لَعَنَ زَوّارَاتِ الْقُبُورِ.
وفي البابِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وَحَسّانَ بْنِ ثَابِتٍ.
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَقَدْ رَأَى بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ، أَنّ هذَا كانَ قَبْلَ أَنْ يُرَخّصَ النبيّ صلى الله عليه وسلم فِي زِيَارَةِ الْقُبُورِ. فَلَمّا رَخّصَ دَخَلَ فِي رُخْصَتِهِ الرّجَالُ وَالنّسَاءُ.
ـــــــ
باب مَا جَاءَ في كَرَاهِيَةِ زِيَارَةِ الْقُبُورِ لِلنّسَاء
قوله: "لعن زوارات القبور" .. . قال القاري لعل المراد كثيرات الزيارة. وقال القرطبي هذا اللعن إنما هو المكثرات من الزيارة لما تقتضيه الصيغة من المبالغة، ولعل السبب ما يفضي إليه ذلك من تضييع حق الزوج، وما ينشأ منهن من الصياح ونحو ذلك، فقد يقال إذا أمن جميع ذلك فلا مانع من الإذن، لأن تذكر الموت يحتاج إليه الرجال والنساء انتهى. قال الشوكاني في النيل: وهذا الكلام هو الذي ينبغي اعتماده في الجمع بين أحاديث الباب المتعارضة في الظاهر انتهى.
قوله: "وفي الباب عن ابن عباس وحسان بن ثابت" أما حديث ابن عباس فأخرجه الترمذي وحسنه والنسائي وابن ماجه.. . وابن حبان في صحيحه كلهم من رواية أبي صالح عن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج. كذا في الترغيب. قال الحافظ في التلخيص: أبو صالح هو مولى أم هانئ وهو ضعيف. وأما حديث حسان بن ثابت فأخرجه أحمد وابن ماجه والحاكم.
قوله: "فلما رخص دخل في رخصته الرجال والنساء" قال الحافظ بن حجر: وهو قول الأكثر ومحله ما إذا أمنت الفتنة. ويؤيد الجواز حديث أنس قال:

(4/160)


وَقَالَ بَعضُهُمْ: إِنّمَا كُرِهَ زِيَارَةُ الْقُبُورِ لِلنّسَاءِ، لِقِلّةِ صَبْرِهِنّ وَكَثْرَةِ جَزَعِهِنّ.
ـــــــ
مر النبي صلى الله عليه وسلم بامرأة تبكي عند قبر فقال: "اتقي الله واصبري الخ". فإنه صلى الله عليه وسلم لم ينكر على المرأة قعودها عند القبر وتقريره حجة. وممن حمل الإذن على عمومه للرجال والنساء عائشة رضي الله عنها فروى الحاكم من طريق ابن أبي مليكة أنها زارت قبر أخيها عبد الرحمن، فقيل لها: أليس قد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك؟ قالت نعم كان نهى ثم أمر بزيارتها انتهى. قلت ويؤيد الجواز ما رواه مسلم من حديث عائشة قالت: كيف أقول يا رسول الله، تعني إذا زارت القبور. قال: "قولي السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين" الحديث "وقال بعضهم إنما كره" أي النبي صلى الله عليه وسلم وروى بصيغة المجهول قاله القاري، واستدل من قال بالكراهة بأحاديث الباب، وبالأحاديث التي وردت في تحريم اتباع الجنائز للنساء، كحديث أم عطية عند الشيخين: قالت نهينا عن اتباع الجنائز ولم يعزم علينا. وأجاب من قال بالجواز عن أحاديث الباب بأنها محمولة على زيارتهن لمحرم كالنوح وغيره. قال القاري في المرقاة بعد ذكر الأحاديث التي مرت في باب الرخصة في زيارة القبور ما لفظه: هذه الأحاديث بتعليلاتها تدل على أن النساء كالرجال في حكم الزيارة إذا زرن بالشروط المعتبرة في حقهن، وأما خبر: لعن الله زوارات القبور فمحمول على زيارتهن لمحرم كالنوح وغيره مما اعتدنه انتهى. وقد تقدم قول القرطبي أن اللعن في حديث الباب للمكثرات من الزيارة. وهذا هو الظاهر والله تعالى أعلم.

(4/161)


باب ماجاء في الزيارة للقبور للنساء
...
62 ـ باب ما جاء في الزيارة للقبور للنساء
1062 ـ حدثنا الحسين بن حريث حدثنا عيسى بن يونس عن ابن جريج، عن عبد الله بن أبي مليكة قال: تُوفيَ عبد الرحمَن بن أبي بكر بحُبشيّ قال: فحُمِلَ إلى مكة فدفن فيها.
ـــــــ
باب ما جاء في الزيارة للقبور للنساء
قوله: "توفي عبد الرحمن بن أبي بكر" الصديق وهو أخو عائشة رضي الله عنها "بالحبشى" في النهاية بضم الحاء وسكون الباء وكسر الشين وتشديد الياء،

(4/161)


فلما قدِمت عائشة أتت قَبر عبد الرحمَن بن أبي بكر فقالت:
وَكُنّا كَنَدَمَانَيْ جَذِيمَةَ حِقْبَةً
...
مِنَ الدّهْرِ حَتّى قِيلَ: لَنْ يَتَصَدّعَا
فَلَمّا تَفَرّقْنَا كَأنّى وَمَالِكاً
...
لِطُولِ اجتماعٍ، لَمْ نَبِتْ لَيْلَةً مَعاً
ثم قالت: والله: لَوْ حَضَرتُكَ مَا دُفِنْتَ إلا حَيْثُ مُتّ. ولو شَهِدْتُكَ مَازُرتُكَ.
ـــــــ
موضع قريب من مكة. وقال الجوهري: جبل بأسفل مكة. وقال السيوطي: مكان بينه وبين مكة اثنا عشر ميلاً "فحمل" أي نقل من الحبشى "فلما قدمت عائشة" أي مكة "فقالت" أي منشدة مثيرة إلى أن طول الاجتماع في الدنيا بعد زواله يكون كأقصر زمن وأسرعه كما هو شأن الفاني جميعه "وكنا كندماني جذيمة" قال الشمني في شرح المغنى: هذا البيت لتميم بن نويرة يرثي أخاه مالكاً الذي قتله خالد بن الوليد. وجذيمة بفتح الجيم وكسر الذال قال الطيبي: جذيمة هذا كان ملكاً بالعراق والجزيرة وضم إليه العرب وهو صاحب الزباء انتهى. وفي القاموس: الزباء ملكة الجزيرة وتعد من ملوك الطوائف، أي كنا كنديمي جذيمة وجليسيه، وهما مالك وعقيل كانا نديميه وجليسيه مدة أربعين سنة "حقبة" بالكسر أي مدة طويلة "حتى قيل لن يتصدعا" أي إلى أن قال الناس لن يتفرقا "فلما تفرقنا" أي بالموت "كأني ومالكاً" هو أخو الشاعر الميت "لطول اجتماع" قيل اللام بمعنى مع أو بعد كما في قوله تعالى {أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} ومنه صوموا لرؤيته أي بعد رؤيته "لم نبت ليلة معاً" أي مجتمعين "ثم قالت" أي عائشة "لو حضرتك" أي وقت الدفن "ما دفنت" بصيغة المجهول "إلا حيث مت" أي منعتك أن تنقل من مكان إلى مكان بل دفنت حيث مت "ولو شهدتك" أي حضرت وفاتك "ما زرتك" قال الطيبي: لأن النبي صلى الله عليه وسلم لعن زوارات القبور انتهى. ويرد عليه: أن عائشة كيف زارت مع النهي، وإن كانت لم تشهد وقت موته ودفنه؟ ويمكن أن يجاب عنه بأن النهي محمول على تكثير الزيارة لأنه صيغة مبالغة، ولذا قالت: لو شهدتك ما زرتك لأن التكرار ينبئ عن الإكثار، كذا في بعض الحواشي. وقد تقدم الكلام في زيارة القبور للنساء في الباب الذي قبله، ولم يحكم الترمذي على حديث الباب بشيء من الصحة والضعف، ورجاله ثقات إلا أن ابن جريج مدلس، ورواه عن عبد الله بن أبي مليكة بالعنعنة.

(4/162)


باب ماجاء في الدفن بالليل
...
63 ـ باب مَا جَاءَ فِي الدّفْنِ بالّلْيل
1063 ـ حدثنا أَبُو كُرَيْبٍ وَ مُحَمّدُ بْنُ عَمْروٍ السّوّاقُ قَالاَ: حدثنا يَحْيَى بْنُ الْيَمَانِ عَن الْمِنْهَالِ بْنِ خَلِيفَةَ، عَنِ الْحَجّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ، عَنْ عَطَاءِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ "أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم دَخَلَ قَبْراً لَيْلاً. فَأُسْرِجَ لَهُ سِرَاجٌ. فَأَخَذَهُ مِنْ قِبَلِ الْقِبْلَةِ وقَالَ: رَحِمَكَ الله إِنْ كُنْتَ لأوّاهاً تَلاّءً لِلقُرْآنِ وَكَبّرَ عَلَيْهِ أَرْبَعاً".
وفي البابِ عَنْ جَابِرٍ وَيَزِيدَ بْنِ ثَابِتٍ. وَهُوَ أَخُو زَيْدٍ بْنِ ثَابِتٍ، أَكْبَرُ مِنْهُ.
ـــــــ
باب مَا جَاءَ فِي الدّفْنِ بالّلْيل
قوله: "ومحمد بن عمرو السواق" بتشديد الواو "عن المنهال بن خليفة" الكوفي أبو قدامة ضعيف من السابعة قوله: "عن الحجاج بن أرطاة" بفتح الهمزة النخعي أبو أرطاة الكوفي القاضي صدوق كثير الخطأ والتدليس. قوله: "فأسرج" ماض مجهول "له" أي للميت أو للنبي صلى الله عليه وسلم "فأخذه" أي أخذ النبي صلى الله عليه وسلم الميت "من قبل القبلة" في الأزهار احتج أبو حنيفة بهذا الحديث على أن الميت يوضع في عرض القبر في جانب القبلة بحيث يكون مؤخر الجنازة إلى مؤخر القبر، ورأسه إلى رأسه، ثم يدخل الميت القبر. وقال الشافعي: والأكثرون يسل من قبل الرأس بأن يوضع رأس الجنازة على مؤخر القبر ثم يدخل الميت القبر انتهى "إن كنت" إن مخففة من المثقلة أي إنك كنت "لأواها" بتشديد الواو أي كثير التأوه من خشية الله. قال في النهاية: الأواه المتأوه المتضرع. وقيل هو الكثير البكاء أو الكثير الدعاء "تلاء" بتشديد اللام أي كثير التلاوة وقوله "وفي الباب عن جابر" أخرجه أبو داود بلفظ قال: رأى ناس ناراً في المقبرة فأتوها فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم في القبر، وإذا هو يقول ناولوني صاحبكم فإذا هو الرجل الذي كان يرفع صوته بالذكر. والحديث سكت عنه أبو داود والمنذري "ويزيد بن ثابت" لينظر من أخرجه.

(4/163)


قال أبو عيسى: حَدِيثُ ابْنِ عَبّاسٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ. وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ أهْلِ الْعِلْمِ إلى هذَا. وَقَالَ: يُدْخَلُ الْمَيّتُ الْقبرَ مِنْ قِبَلِ الْقِبْلَةِ. وقَالَ بَعْضُهُمْ: يُسَلّ سَلاّ.
ـــــــ
قوله: "حديث ابن عباس حديث حسن" قال الحافظ الزيلعي في نصب الراية وأنكر عليه لأن مداره على الحجاج بن أرطاة وهو مدلس، ولم يذكر سماعاً قال ابن القطان ومنهال بن خليفة ضعفه ابن معين وقال البخاري رحمه الله: فيه نظر انتهى كلام الزيلعي.
قوله: "وقد ذهب بعض أهل العلم إلى هذا" وهو قول أبي حنيفة واستدل له بحديث الباب وقد عرفت أنه ضعيف. وبما أخرج ابن أبي شيبة في مصنفه عن عمير بن سعيد أن علياً رضي الله عنه كبر على يزيد بن المكفف أربعاً، وأدخل من قبل القبلة. وبما أخرج هو أيضاً عن ابن الحنفية أنه ولي ابن عباس فكبر عليه أربعاً وأدخله من قبل القبلة "وقال بعضهم يسل سلا" أي يدخل الميت في القبر من قبل الرأس بأن يوضع رأس الجنازة على مؤخر القبر، ثم يدخل الميت القبر. وهو قول الشافعي وأحمد والأكثرين وهو الأقوى والأرجح دليلاً، واستدلوا بما أخرج أبو داود عن أبي إسحاق قال: أوصى الحارث أن يصلي عليه عبد الله بن يزيد، فصلى عليه ثم أدخله القبر من قبل رجلي القبر، وقال هذا من السنة. وهذا الحديث سكت عنه أبو داود والمنذري ورجاله رجال الصحيح قاله الشوكاني. وقال الزيلعي في نصب الراية بعد ذكر هذا الحديث: وأخرجه البيهقي، وقال إسناده صحيح. وهو كالمسند لقوله من السنة انتهى. وبما أخرج ابن شاهين في كتاب الجنائز عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يدخل الميت من قبل رجليه ويسل سلا. قال الحافظ ابن حجر في الدراية: إسناده ضعيف ورواه ابن أبي شيبة بإسناده صحيح لكنه موقوف على أنس، انتهى. قلت قال الزيلعي في نصب الراية بعد ما ذكر حديث أنس المرفوع: وروى ابن أبي شيبة في مصنفه: حدثنا عبد الأعلى عن خالد عن ابن سيرين قال كنت مع أنس رضي الله عنه في جنازة، فأمر بالميت فأدخل من قبل رجليه انتهى. حدثنا وكيع عن إسرائيل عن جابر عن عامر أنه أدخل ميتاً من قبل رجليه انتهى وبما أخرج

(4/164)


وَرَخّصَ أَكْثَرُ أهْلِ الْعِلْمِ فِي الدّفَنِ بِاللّيْلِ.
ـــــــ
ابن ماجه عن أبي رافع قال: سل رسول الله صلى الله عليه وسلم سعداً ورش على قبره ماء إنتهى. وفي سنده منذر بن علي وهو ضعيف.
فإن قلت ما أخرج أبو داود عن أبي إسحاق كيف يكون إسناده صحيحاً؟ وأبو إسحاق هذا هو السبيعي وكان قد اختلط في آخر في عمره ومع هذا قد كان مدلساً.
قلت: نعم لكن رواه عنه شعبة وهو لا يحمل عن شيوخه إلا صحيح حديثهم كما صرح به الحافظ ابن حجر في فتح الباري ص 051 ج 1 وقد تقرر أن رواية أبي إسحاق من طريق شعبة محمولة على السماع، وإن كانت معنعنة. قال الحافظ ابن حجر في طبقات المدلسين: قال البيهقي وروينا عن شعبة أنه قال: كفيتكم تدليس ثلاثة، الأعمش وأبي إسحاق وقتادة. قال الحافظ: فهذه قاعدة جيدة في أحاديث هؤلاء الثلاثة، أنها إذا جاءت من طريق شعبة دلت على السماع ولو كانت معنعنة، انتهى. "ورخص أكثر أهل العلم في الدفن بالليل" لأحاديث الباب، وكرهه الحسن البصري، واستدل بحديث جابر رضي الله عنه وفيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم زجر أن يقبر الرجل ليلاً حتى يصلى عليه. رواه مسلم. وأجيب عنه بأن الزجر منه صلى الله عليه وسلم إنما كان لترك الصلاة لا للدفن بالليل، أو لأجل أنهم كانوا يدفنون بالليل لرداءة الكفن. فالزجر إنما هو لما كان الدفن بالليل مظنة إساءة الكفن فإذا لم يقع تقصير في الصلاة على الميت، وتكفينه فلا بأس بالدفن ليلاً. وقد دفن النبي صلى الله عليه وسلم ليلاً كما رواه أحمد عن عائشة وكذا دفن أبو بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما ليلاً وعلي رضي الله عنه دفن فاطمة ليلاً.

(4/165)


باب ماجاء في الثناء الحسن على الميت
...
64 ـ باب ما جَاءَ في الثّنَاءِ الْحَسنِ عَلَى الْمَيّت
1064 ـ حدثنا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ. حدثنا يزِيدُ بْنُ هَارُونَ. أَخْبَرَنَا حُمَيْدٌ عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: "مُرّ عَلَى رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم: بِجَنَازَةٍ فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا خَيْراً. فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم:
ـــــــ
باب ما جَاءَ في الثّنَاءِ الْحَسنِ عَلَى الْمَيّت
قوله: "مُر" بصيغة المجهول "فأثنوا عليها خيراً" وفي رواية النضر بن أنس عن أبيه عند الحاكم قالوا: جنازة فلان كان يحب الله ورسوله ويعمل بطاعة الله

(4/165)


وجَبَتْ ثمّ قَالَ: أنْتُمْ شُهَدَاءُ الله فِي الأرْضِ". وفي البابِ عَنْ عُمَرَ وَكَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ وأبِي هُرَيْرَةَ.
قال أبو عيسى: حَدِيثُ أَنَسٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ.
1065 ـ حدثنا يَحْيَى بْنُ مُوسَى وَ هارُونُ بنُ عَبْدِ الله الْبزّار قَالاَ: حدثنا أبُو دَاوُدَ الطّيَالِسِيّ. حدثنا دَاوُدُ بنُ أبي الْفُرَاتِ. حدثنا عَبْدُ الله بنْ بُرَيْدَةَ عَنْ أبِي الأسْوَدِ الدّيْلِيّ، قَالَ: قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ فَجَلَسْتُ إِلَى عُمَرَ بنِ الْخَطّابِ. فَمَرّوا بِجَنَازَةٍ فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا خَيْراً. فَقَالَ عُمَرُ: وَجَبَتْ. فَقُلْتُ لِعُمَرَ: وَمَا وَجَبَتْ؟ قالَ: أَقُولُ كمَا قالَ رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم. قَالَ: "مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ لَهُ ثَلاَثَةٌ إِلاّ وَجَبَتْ لهُ الْجَنّةُ" قَالَ
ـــــــ
ويسعى فيها "وجبت" أي الجنة كما في الحديث الاتي "أنتم شهداء الله في الأرض" أي المخاطبون بذلك من الصحابة، ومن كان على صفتهم من الإيمان. وحكى ابن التين: أن ذلك مخصوص بالصحابة لأنهم كانوا ينطقون بالحكمة بخلاف من بعدهم، والصواب أن ذلك يختص بالمتقيات والمتقين انتهى.
قوله: "وفي الباب عن عمر" أخرجه البخاري والترمذي "وكعب بن عجرة" لينظر من أخرجه "وأبي هريرة" أخرجه أحمد وفي إسناده رجل لم يسم كذا في النيل. قوله: "حديث أنس حديث حسن صحيح" وأخرجه البخاري ومسلم "عن أبي الأسود الديلي" بكسر الدال وسكون التحتية ويقال الدؤلي بالضم بعدها همزة مفتوحة هو التابعي الكبير المشهور.
قوله: "ما من مسلم يشهد له ثلاثة إلا وجبت له الجنة" قال الداؤدي: المعتبر في ذلك شهادة أهل الفضل والصدق لا الفسقة لأنهم قد يثنون على من يكون مثلهم، ولا من بينه وبين الميت عداوة، لأن شهادة العدو لا تقبل. قال النووي: قال بعضهم معنى الحديث أن الثناء بالخير لمن أثنى عليه أهل الفضل وكان ذلك مطابقاً للوافع، فهو من أهل الجنة. فإن كان غير مطابق فلا وكذا عكسه. قال والصحيح أنه على عمومه، وأن من مات منهم فألهم الله تعالى الناس الثناء عليه بخير، كان دليلاً على أنه من أهل الجنة، سواء كانت أفعاله تقتضي ذلك أم لا، فإن الأعمال داخلة تحت المشيئة وهذا إلهام يستدل به على تعيينها، وبهذا تظهر فائدة الثناء انتهى. قال الحافظ ابن حجر

(4/166)


قُلْنَا: وَاثْنَانِ؟ قَالَ: وإثْنَانِ. قَالَ: وَلَمْ نَسْأَلْ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم عَنِ الْوَاحِدِ.
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وَأَبُو الأسْوَدِ الدّيْلِيّ اسْمُهُ ظَالِمُ بنُ عَمْروِ بنِ سُفْيَانَ.
ـــــــ
وهذا في جانب الخير واضح، ويؤيده ما رواه أحمد وابن حبان، والحاكم عن أنس مرفوعاً: ما من مسلم يموت فيشهد له أربعة من جيرانه الأدنين أنهم لا يعلمون منه إلا خيراً، إلا قال الله تعالى: قد قبلت قولكم، وغفرت له ما لا تعلمون. وأما جانب الشر فظاهر الحديث كذلك. لكن إنما يقع ذلك في حق من غلب شره على خيره، وقد وقع في رواية النضر بن أنس عن أبيه عند الحاكم: إن لله ملائكة تنطق على ألسنة بني آدم بما في المره من الخير والشر انتهى "قلنا واثنان" أي فحكم اثنين "قال واثنان" أي وكذلك اثنان وقيل هو عطف تلقين "ولم نسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الواحد" قيل الحكمة في الاقتصار على الإثنين لأنهما نصاب الشهادة غالباً. وقال الزين بن المنير: إنما لم يسأل عمر عن الواحد استبعاداً منه أن يكتفي في مثل هذا المقام العظيم بأقل من النصاب.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه البخاري.

(4/167)


باب ماجاء في ثواب من قدم ولداً
...
65 ـ باب مَا جَاءَ في ثَوَابِ مَنْ قَدّمَ وَلَدا
1066 ـ حدثنا قُتَيْبَةُ عَنْ مَالِكٍ بنِ أَنَسٍ ح وحدثنا الأنْصَارِيّ. حدثنا مَعْنٌ. حدثنا مَالِكُ بنُ أنَسٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمسيّبِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: "لاَ يَمُوتُ لأحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ثَلاَثَةٌ مِنَ الْوَلَدِ فَتَمَسّهُ النّارُ، إِلاّ تَحِلّةَ الْقَسَمِ".
ـــــــ
باب ما جَاءَ في الثّنَاءِ الْحَسنِ عَلَى الْمَيّت
أي مات ولده فصبر. قوله "فتمسه" بالنصب لأن الفعل المضارع ينصب بعد النفي بتقدير أن قاله الحافظ والعيني ولهما ههنا كلام مفيد "إلا تحلة القسم" بفتح المثناة فوق وكسر الحاء المهملة وتشديد اللام أي ما ينحل به القسم وهو

(4/167)


قال وفي البابِ عَنْ عُمَرَ وَمُعَاذٍ وَكَعْبِ بنِ مَالِكٍ وَعُتْبَةَ بنِ عَبْدٍ وَأُمّ سُلَيْمٍ وَجَابِرٍ وَأَنَسٍ وأَبي ذَر وابنِ مَسْعُودٍ وأبي ثَعْلَبَةَ الأشْجَعِيّ وابنِ عَبّاسٍ وَعُقْبَةَ بنِ عَامِرٍ وَأبي سَعِيدٍ وَقُرّةَ بنِ إِيَاسٍ الْمُزنِيّ.
قال وَأبْو ثَعْلَبَةَ الأشجعي لَهُ عَنِ النبيّ صلى الله عليه وسلم حَدِيثٌ وَاحِدٌ، هو هذَا الْحَدِيث، وَلَيْسَ هُوَ بِالخُشَنِيّ.
ـــــــ
اليمين وهو مصدر حلل اليمين أي كفرها. يقال حلل تحليلاً وتحله. وقال أهل اللغة يقال: فعلته تحلة القسم. أي قدر ما حللت به يميني ولم أبالغ. وقال الجزري في النهاية: قيل أراد بالقسم قوله تعالى {وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا} تقول العرب ضربه تحليلاً، وضربه تعذيراً، إذا لم يبالغ في ضربه. وهذا مثل في القليل المفرط في القلة، وهو أن يباشر من الفعل الذي يقسم عليه المقدار الذي يبر به قسمه، مثل أن يحلف على النزول بمكان فلو وقع به وقعة خفيفة أجزأته، فتلك تحلة قسمه. فالمعنى: لا تمسه النار إلا مسة يسيرة مثل تحلة قسم الحالف، ويريد بتحلته الورود على النار والاجتياز بها. والتاء في التحلة زائدة انتهى ما في النهاية. وقال الحافظ في الفتح قالوا أي الجمهور المراد به قوله تعالى {وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا} قال الخطابي: معناه لا يدخل النار ليعاقب بها، ولكنه يدخلها مجتازاً، ولا يكون ذلك الجواز إلا قدر ما يحلل به الرجل يمينه. ويدل على ذلك ما وقع عند عبد الرزاق عن معمر عن الزهري في آخر الحديث إلا تحلة القسم، يعني الورود. وذكر الحافظ روايات أخرى تدل على هذا فعليك أن ترجع إلى فتح الباري.
قوله: "وفي الباب عن عمر ومعاذ وكعب بن مالك الخ" وفي الباب أيضاً عن مطرف بن الشخير، وعبادة بن الصامت، وعلي بن أبي طالب، وأبي أمامة، وأبي موسى والحارث بن وقيش، وجابر بن سمرة وعمرو بن عبسة، ومعاوية ابن حيدة، وعبد الرحمن بن بشير، وزهير بن علقمة، وعثمان بن أبي العاص، وعبد الله بن الزبير، وابن النضر السلمى، وسفينة وحوشب بن طخمة، والحسحاس بن بكر، وعبد الله بن عمر، والزبير بن العوام، وبريدة وأبي سلمة راعي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبي برزة الأسلمي، وعائشة أم المؤمنين، وحبيبة بنت سهل، وأم مبشر ورجل لم يسم رضي الله تعالى عنهم، وإن شئت تخريج أحاديث

(4/168)


قال أبو عيسى: حَدِيثُ أبي هُرَيْرَةَ حدِيثٌ حسنٌ صحيحٌ.
1067 ـ حدثنا نَصْرُ بنُ عَلِي الْجَهْضَمِيّ. حدثنا إِسْحاقُ بنُ يُوسُفَ. حدثنا الْعَوّامُ بنُ حَوْشَبٍ عَنْ أبي مُحَمّدٍ مَوْلَى عُمَرَ بنِ الخَطّابِ، عَنْ أبي عُبَيْدَةَ بنِ عَبْدِ الله بنِ مَسْعُودٍ، عَنْ عَبْدِ الله قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ قَدّمَ ثَلاَثَةً لَمْ يَبْلغُوُا الحُلمَ كانُوا لَهُ حِصْناً حَصِيناً ".
قَالَ أبُو ذر: قَدّمْتُ اثْنَيْنِ. قَالَ: وَاثْنَيْنِ. فَقَالَ أُبَيّ بنُ كَعْبٍ سَيّدُ الْقُرّاءِ: قَدّمْتُ وَاحِداً؟ قَالَ: وَواحِداً. ولكِنْ إِنّمَا ذَاكَ عِنْدَ الصّدْمةِ اْلأُولَى".
ـــــــ
هؤلاء الصحابة فارجع إلى عمدة القاري ص 03 ج 4 "وأبو ثعلبة له عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث واحد هذا الحديث" أخرجه أحمد في مسنده والطبراني في معجمه الكبير من رواية ابن جريج عن أبي الزبير عن عمر بن نبهان عنه قال : قلت يا رسول الله مات لي ولدان في الإسلام. فقال: من مات له ولدان في الإسلام أدخله الجنة بفضل رحمته إياهما " وليس هو بالخشنى" بضم الخاء المعجمة وفتح الشين وكسر النون، يعني أن أبا ثعلبة الجشمى الذي روى الحديث المذكور آنفاً ليس هو بأبي ثعلبة الخشنى بل هما صحابيان، وأبو ثعلبة الخشنى صحابي مشهور اختلف في اسمه واسم أبيه اختلافاً كثيراً "وحديث أبي هريرة حديث حسن صحيح" وأخرجه البخاري ومسلم.
قوله: "من قدم ثلاثة من الولد" أي من قدمهم بالصبر على موتهم قال القاري: الظاهر أن معناه من قدم صبر ثلاثة من الولد عند فقدهم واحتسب ثوابهم عند ربهم. أو المراد بالتقديم لازمه وهو التأخر أي الذنب أو البلوغ والظاهر أن هذا قيد للكمال، لأن الغالب أن يكون القلب عليه أرق والصبر عنهم أشق وشفاعتهم أرجى وأسبق "كانوا له حصناً حصيناً عن النار" أي حصاراً محكماً، وحاجراً مانعاً من النار "قدمت اثنين" أي فما حكمه "قال واثنين" أي وكذا من قدم اثنين "فقال أبي بن كعب سيد القراء" إنما قيل له سيد القراء لقوله صلى الله عليه

(4/169)


قال أبو عيسى: هذا حديثٌ غَرِيبٌ. وأبُو عُبَيْدَةَ لَمْ يَسْمَعْ منْ أبيهِ.
1068 ـ حدثنا نَصْرُ بنُ عَلِي الْجَهْضَمِيّ و أبُو الْخَطّابِ زِيَادُ بنُ يَحْيَى الْبَصْرِيّ قَالاَ: حدثنا عَبْدُ رَبّهِ بنُ بَارِقٍ الْحَنَفِيّ قَالَ: سَمِعْتُ جَدّي أبَا أُمّي سِمَاكَ بنَ الْوَلِيدِ الْحَنَفِيّ يُحَدّثُ أنّهُ سَمِعَ ابن عَبّاسٍ يُحدّثُ أنّهُ سَمِع رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "مَنْ كانَ لَهُ فَرَطَانِ مِنْ أُمّتِي أدْخَلَهُ الله بِهِمَا الْجَنّةَ".
فَقَالتْ لَهُ عَائِشَةُ: فَمَنْ كانَ لَهُ فَرَطٌ مِنْ أُمّتِكَ؟ قَالَ: "ومَنْ كانَ لَهُ فَرَطٌ، يَا مُوَفّقَةُ" قَالتْ: فَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فَرَطٌ مِنْ أُمّتِكَ؟ قَالَ: "فَأَنَا فَرَطُ أُمّتِي. لَنْ يُصَابُوا بِمِثْلِي".
ـــــــ
وسلم أقرؤكم أبي "ولكن إنما ذلك عند الصدمة الأولى" أي يحصل ذلك بالصبر عند الصدمة الأولى.
قوله: "وأبو عبيدة لم يسمع من أبيه" أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود مشهور بكنيته، والأشهر أنه لا اسم له غيرها، ويقال اسمه عامر كوفي ثقة من كبار الثالثة، والراجح أنه لا يصح سماعه من أبيه كذا في التقريب.
قوله: "أبا أمي" بدل من جدى يعني أنه سمع الحديث من جده الفاسد وهو أبو الأم.
قوله: "من كان له فرطان" بفتحتين أي ولدان لم يبلغا أوان الحلم بل ماتا قبله يقال فرط إذا تقدم وسبق فهو فارط، والفرط هنا الولد الذي مات قبله، فإنه يتقدم ويهيء لوالديه نزلا ومنزلاً في الجنة كما يتقدم فراط القافلة إلى المنازل، فيعدون لهم ما يحتاجون إليه من الماء والمرعى وغيرهما "من أمتي" بيان لمن "فمن كان له فرط" أي فما حكمه أو فهل له هذا الثواب "قال ومن كان له فرط" أي فكذلك "يا موفقة" أي في الخيرات وللأسئلة الواقعة موقعها شفقة على الأمة "فأنا فرط أمتي" أي سابقهم وإلى الجنة بالشفاعة سائقهم بل أنا أعظم من كل فرط فإن الأجر على قدر المشقة "لن يصابوا" أي أمتي "بمثلي" أي بمثل مصيبتي لهم فإن مصيبتي اشد عليهم من سائر المصائب

(4/170)


باب ماجاء في الشهداء من هم
...
66 ـ باب مَا جَاءَ في الشُهَدَاءِ مَنْ هُم
1069 ـ حدثنا الأنْصَارِيّ حدثنا مَعنٌ. حدثنا مَالِكُ وحدثنا قُتَيْبَةُ عَنْ مَالِكٍ، عَنْ سُمَي، عَنْ أبي
صَالحٍ، عَنْ أبي هُرَيْرَةَ "أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَال: "الشّهَدَاءُ خَمْس: الْمَطْعُونُ والْمَبْطُونُ والْغَرِقُ وصَاحِبُ الْهَدْمِ والشهِيدُ في سَبيلِ الله".
ـــــــ
باب مَا جَاءَ في الشُهَدَاءِ مَنْ هُم
قوله: "عن سمى" بضم السين وفتح الميم، مصغراً مولى أبي بكر بن عبد الرحمن المخزومي أبي عبد الله المدني ثقة من السادسة "الشهداء خمسة" جمع شهيد بمعنى فاعل لأنه يشهد مقامه قبل موته أو بمعنى مفعول لأن الملائكة تشهده أي تحضره مبشرة له، وقد ذكر الحافظ في سبب تسمية الشهيد شهيداً أقوالا أخرى واعلم أن الأحاديث قد اختلفت في عدد أسباب الشهادة. ففي بعضها خمسة، وفي بعضها سبعة، وفي بعضها أقل من ذلك. قال الحافظ الذي يظهر أنه صلى الله عليه وسلم أعلم بالأقل ثم أعلم زيادة على ذلك فذكرها في وقت آخر ولم يقصد الحصر في شيء من ذلك انتهى "المطعون" أي الذي ابتلى بالطاعون ومات به "والمبطون" أي الذي يموت بمرض البطن كالاستسقاء ونحوه، قال القرطبي: المراد بالبطن الاستسقاء أو الإسهال على قولين للعلماء "والغريق" أي الذي يموت من الغرق "وصاحب الهدم" بفتح الدال وتسكن أي الذي يموت تحت الهدم. قال في النهاية: الهدم بالتحريك البناء المهدوم فعل بمعنى المفعول، وبالسكون الفعل نفسه "والشهيد في سبيل الله" أي المقتول فيه. قال ابن الملك وإنما أخره لأنه من

(4/171)


وفي البابِ عَنْ أنَسٍ وصَفْوَانَ بنِ أُمَيّةَ وجَابِرِ بنِ عَتِيكٍ وخَالِدِ بنِ عُرْفُطَةَ وسُلَيمانَ بنِ صُردٍ وأبي مُوسَى وعَائِشةَ.
قال أبو عيسى: حدِيثُ أبي هُرَيْرَةَ حدِيثٌ حسنٌ صحيحٌ.
1070 ـ حدثنا عُبَيْدُ بنُ أسْبَاطِ بنِ مُحَمّدٍ القُرَشِيّ الْكُوفِيّ حدثنا أبِي. أخبرنا أبُو سِنَانٍ الشّيْبَانِيّ عَنْ أبي إسْحَاقَ السّبَيْعيّ، قالَ: قالَ سُلَيمانُ بنُ صُرَدٍ لِخَالِدِ بنِ عُرْفُطةَ "أوْ خَالدٌ لِسلَيمان" : أمَا سَمِعْتَ رسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "مَنْ قَتَلَهُ بَطْنُهُ لَمْ يُعذّبْ في قَبْرِهِ"؟
ـــــــ
باب الترقي من الشهيد الحكمى إلى الحقيقي. واعلم أن الشهداء الحكمية كثيرة، وردت في أحاديث شهيرة، جمعها السيوطي في كراسة سماها "أبواب السعادة في أسباب الشهادة".
قوله: "وفي الباب عن أنس وصفوان بن أمية، وجابر بن عتيك، وخالد بن عرفطة، وسليمان بن صرد، وأبي موسى وعائشة" أما حديث أنس فأخرجه البخاري ومسلم عنه مرفوعاً: الطاعون شهادة لكل مسلم. وأما حديث صفوان بن أمية رضي الله عنه فلينظر من أخرجه. وأما حديث جابر بن عتيك فأخرجه مالك وأبو داود والنسائي. وأما حديث خالد بن عرفطة وسليمان بن صرد فأخرجه الترمذي في هذا الباب. وأما حديث أبي موسى فلينظر من أخرجه وأما حديث عائشة فأخرجه البخاري.
قوله: "حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح" وأخرجه البخاري ومسلم وغيرهما.
قوله: "حدثنا عبيد بن أسباط بن محمد القرشي الكوفي" صدوق من الحادية عشرة "أخبرنا أبي" وهو أسباط بن محمد بن عبد الرحمن بن خالد القرشي مولاهم ثقة ضعف في الثورى من التاسعة "أخبرنا أبو سنان الشيباني" اسمه سعيد بن سنان البرجمى الأصغر الكوفي نزيل الري صدوق له أوهام من السادسة "قال قال سليمان بن صرد" بضم المهملة وفتح الراء، ابن الجون الخزاعي أبو مطرف الكوفي صحابي قتل بعين الوردة سنة خمس وستين "لخالد بن عرفطة" بضم العين المهملة وسكون الراء وضم الفاء القضاعي، صحابي استنابه سعد على الكوفه، مات سنة أربع وستين "أو خالد لسليمان" شك من الراوي. قوله: "من قتله بطنه"

(4/172)


فَقَالَ أحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: نَعَمْ.
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ غَرِيبُ في هذَا البابِ. وقَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ هذَا الْوَجْهِ.
ـــــــ
إسناده مجازي أي من مات من وجع بطنه وهو يحتمل الإسهال والاستسقاء والنفاس، وقيل من حفظ بطنه من الحرام والشبه فكأنه قتله بطنه، كذا في المرقاة. قلت والظاهر هو الأول "لم يعذب في قبره" لأنه لشدته كان كفارة لسيئته. وصح في مسلم: أن الشهيد يغفر له كل شيء إلا الدين أي إلا حقوق الاَدميين.

(4/173)


باب ماجاء في كراهية الفرار من الطاعون
...
67 ـ باب مَا جَاءَ في كَرَاهِيَةِ الْفِرَارِ منَ الطّاعُون
1071 ـ حدثنا قتيْبَةُ. حدثنا حَمّادُ بنُ زَيْدٍ عَنْ عَمْروِ بنِ ديِنَارٍ، عَنْ عَامِرٍ بنِ سعْدٍ، عَنْ أُسَامَةَ بنِ
زَيْدٍ: أَنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم ذَكَرَ الطّاعُونَ فقَالَ: "بَقِيّةُ رِجْزٍ أوْ عَذَابٍ أُرْسِلَ عَلَى طَائِفَةٍ مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ. فإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلاَ تَخْرُجُوا مِنْهَا. وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَلَسْتمْ بِهَا فَلاَ تهْبِطُوا عَلَيْهَا".
ـــــــ
باب مَا جَاءَ في كَرَاهِيَةِ الْفِرَارِ منَ الطّاعُون
قوله: "هذا حديث حسن غريب" وأخرجه أحمد، قال ميرك: وأخرجه النسائي وابن حبان
قوله: "بقية رجز" بكسر الراء أي عذاب "أو عذاب" شك من الراوي "أرسل على طائفة من بني إسرائيل" قال الطيبي: هم الذين أمرهم الله تعالى أن يدخلوا الباب سجداً فخالفوا، قال تعالى {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزاً مِنَ السَّمَاءِ} قال ابن الملك: فأرسل عليهم الطاعون فمات منهم في ساعة أربعة وعشرون ألفاً من شيوخهم وكبرائهم "فإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا منها" قال ابن الملك: فإن العذاب لا يدفعه الفرار، وإنما يمنعه التوبة والاستغفار، قال الطيبي: فيه أنه لو خرج لحاجة فلا بأس "فلا تهبطوا عليها" بكسر الباء من باب ضرب يضرب، وفي رواية الشيخين: فلا تقدموا عليه والمراد بالهبوط هو القدوم، وعادة العرب أن يسموا الذهاب بالصعود والقدوم بالهبوط.

(4/173)


وفي الْبَاب عنْ سَعْدٍ وخُزيْمَةَ بنِ ثَابِتٍ وعَبْدِ الرّحْمَنِ بنِ عَوْفٍ وَجَابِرٍ وَعَائِشَةَ.
ـــــــ
قوله: "وفي الباب عن سعد" أي ابن أبي وقاص أخرجه الطحاوي في شرح الآثار بلفظ: قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إذا وقع الطاعون بأرض وأنتم بها فلا تفروا منها، وإذا كان بأرض فلا تهبطوا عليها" "وخزيمة ابن ثابت" لينظر من أخرجه "وعبد الرحمن بن عوف" أخرجه الشيخان بلفظ: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فراراً منه". "وجابر" أخرجه أحمد بلفظ: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: الفار من الطاعون كالفار من الزحف، والصابر فيه له أجر شهيد. قال الحافظ في فتح الباري: سنده صالح المتابعات. وقال الحافظ المنذري في الترغيب والترهيب: إسناده حسن. وقال الحافظ العراقي في المغنى عن حمل الأسفار في الأسفار في تخريج إحياء العلوم: إسناده ضعيف "وعائشة" أخرجه أحمد بلفظ: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فناء أمتي بالطعن والطاعون". فقلت يا رسول الله هذا الطعن قد عرفناه فما الطاعون؟ قال غدة كغدة الإبل. المقيم فيها كالشهيد، والفار منها كالفار من الزحف. قال الحافظ العراقي في المغني عن الأسفار: إسناده جيد. وقال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: سنده حسن. وقال الزرقاني: رجاله ثقات. وأحاديث الباب كلها تدل على حرمة الخروج من أرض وقع بها الطاعون فراراً منه، وكذا الدخول في أرض وقع بها الطاعون. لأن الأصل في النهي التحريم. ويدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم في حديث عائشة: الفار منها كالفار من الزحف. قال الحافظ في فتح الباري: ومنهم من قال النهي فيه للتنزيه فيكره ولا يحرم. وخالفهم جماعة فقالوا: يحرم الخروج منها لظاهر النهي الثابت في الأحاديث الماضية. وهذا هو الراجح عند الشافعية وغيرهم، ويؤيده ثبوت الوعيد على ذلك. فأخرج أحمد وابن خزيمة من حديث عائشة مرفوعاً في اثناء حديث بسند حسن: قلت يا رسول الله فما الطاعون؟ قال غدة كغدة الإبل، المقيم فيها كالشهيد، والفار منها كالفار من الزحف انتهى. وقال النووي في شرح مسلم: وفي هذه الأحاديث منع القدوم على بلدة الطاعون، ومنع الخروج فراراً من ذلك. أما الخروج

(4/174)


قال أبو عيسى: حدِيثُ أُسَامَة بنِ زَيْدٍ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
لعارض فلا بأس. وهذا الذي ذكرنا هو مذهبنا ومذهب الجمهور، قال القاضي: هو قول الأكثرين حتى قالت عائشة: الفرار منه كالفرار من الزحف. قال ومنهم من جوز القدوم عليه والخروج منه فراراً. ثم قال: والصحيح ما قدمناه من النهي عن القدوم عليه والفرار منه لظاهر الأحاديث الصحيحة انتهى. وقال الشيخ عبد الحق الدهلوي في أشعة اللمعات: ضابطه دروهمين أست كه درانجا كه هست نبا يدر فت وازنجاكه باشد نبايد كريخت واكرحه كريختن در بعض مواضع مثل خانه كه دروى زلزله شده يا آتش كرفته يانشتن درزير ديو اريكه خم شده نزد غلبه ظن بهلاك امده است اما درباب طاعون جز صبرنيا مده وكريختن تجويز نيافته وقياس اين بران مواد فاسد است كه انها از قبيل اسباب عادية اندواين أو اسباب وهمي وبرهد تقدير كريختن ازانجا جائز نيست وهيج جاوارد نشده وهركه بكريز دعاصى ومرتكب كبيره ومردود است نسأل الله العافية انتهى. وقال الشيخ إسماعيل المهاجر الحنفي في تفسيره روح البيان: والفرار من الطاعون حرام، إلى أن وفي الحديث الفار من الطاعون كالفار من الزحف، والصابر فيه كالصابر في الزحف. فهذا الخبر يدل على أن النهي عن الخروج للتحريم، وأنه من الكباتر انتهى. وقال الزرقاني في شرح الموطأ: والجمهور على أنه للتحريم حتى قال ابن خزيمة: إنه من الكبائر التي يعاقب اللهعليها إن لم يعف انتهى. وقال في شرح المواهب: وخالفهم الأكثر وقالوا إنه للتحريم، حتى قال في شرح المواهب: وخالفهم الأكثر وقالوا إنه للتحريم، حتى قال ابن خزيمة: إنه من الكبائر التي يعاقب عليها إن لم يعف، وهو ظاهر قوله صلى الله عليه وسلم: "الطاعون غدة كغدة البعير، المقيم بها كالشهيد، والفار منه كالفار من الزحف". رواه أحمد برجال ثقات وروى الطبراني وأبو نعيم بإسناد حسن مرفوعاً: الطاعون شهادة لأمتي ووخز أعدائكم من الجن، غدة كغدة الإبل تخرج في الاَباط والمراق، من مات منه مات شهيداً، ومن أقام به كان كالمرابط في سبيل الله، ومن فر منه كان كالفار من الزحف انتهى قلت والحق أن الخروج من أرض وقع فيها الطاعون فراراً منه حرام. وقد ألفت في هذه المسألة رسالة سميتها "خير الماعون في منع الفرار من الطاعون".
قوله: "حديث أسامة حديث حسن صحيح" وأخرجه البخاري ومسلم.

(4/175)


باب ماجاء فيمن أحب لقاء الله أحب الله لقاءه
...
68 ـ باب مَا جَاءَ فِيمَنْ أَحَبّ لِقَاءَ الله أَحَبّ الله لِقَاءَه
1072 ـ حدثنا أَحْمَدُ بنُ مِقْدَامٍ، أبُو الأشْعَثِ العِجْلِيّ. حدثنا الْمُعْتَمِرُ بنُ سُلَيمانَ قالَ: سَمِعْتُ أبي
يُحَدّثُ عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، عَنْ عُبَادَةَ بنِ الصّامِتِ، عَنْ النبيّ صلى الله عليه وسلم: قَالَ: "مَنْ أَحَبّ لِقَاءَ الله أَحَبّ الله لِقَاءَهُ. ومَنْ كَرِهَ لِقَاءَ الله كَرِهَ الله لِقَاءَهُ".
وفي البابِ عَنْ أبي مُوسَى وأَبي هُرَيْرَةَ وعَائِشَةَ.
قال أبو عيسى: حدِيثُ عُبَادَةَ بنِ الصّامتِ حسنٌ صحيحٌ.
1073 ـ حدثنا حُمَيْدُ بنُ مَسْعَدَةَ. حدثنا خَالِدُ بنُ الْحَارِثِ. حدثنا سَعِيدُ بنُ أبي عَرُوبَةَ قال: وحدثنا مُحَمّدُ بنُ بَشّارٍ. وحدثنا مُحَمّدُ بنُ بكْرٍ عَنْ سَعِيدِ بنِ أَبي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ زُرَارَةَ بنِ أَوْفَى، عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ، عَنْ عَائِشَةَ أنهَا ذَكَرَتْ أنّ رسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: "مَنْ أَحَبّ لِقَاءَ الله أَحَبّ الله لِقَاءَهُ. ومَنْ كَرِهَ لِقَاءَ الله كَرِهَ الله لِقَاءَهُ". قَالتْ: فَقلت: يَا رَسُولَ الله كُلّنَا نَكْرَهُ الْمَوْتَ. قالَ: "لَيْسَ ذلِكَ. وَلكِنّ الْمُؤْمِنَ إِذَا بُشّرَ بِرَحْمَةِ الله ورِضْوَانِهِ وَجَنّتِهِ، أَحَبّ ـــــــ
باب مَا جَاءَ فِيمَنْ أَحَبّ لِقَاءَ الله أَحَبّ الله لِقَاءَه
قوله: "من أحب لقاء الله" قال الجزري في النهاية: المراد بلقاء الله المصير إلى الله أو الاَخرة، وطلب ما عند الله، وليس الغرض به الموت، لأن كلا يكرهه، فمن ترك الدنيا وأبغضها أحب لقاء الله، ومن آثرها وركن إليها كره لقاء الله، لأنه إنما يصل إليه بالموت انتهى. قوله: "وفي الباب عن أبي موسى" أخرجه البخاري ومسلم "وأبي هريرة" أخرجه مسلم "وعائشة" أخرجه البخاري ومسلم والترمذي.
قوله: "حديث عبادة حديث حسن صحيح" وأخرجه البخاري ومسلم.
قوله: "ليس كذلك" أي ليس الأمر كما ظننت يا عائشة "ولكن المؤمن إذا بشر" أي عند النزع وحضور الملائكة ففي رواية البخاري: ولكن المؤمن

(4/176)


لقاء الله، وأَحَبّ الله لِقَاءَهُ. وإنّ الْكافِرَ إِذَا بُشّرَ بِعَذَابِ الله وسَخَطِهِ كَرِهَ لِقَاءَ الله وكَرِهَ الله لِقَاءَهُ".
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
إذا حضره الموت بشر برضوان الله الخ. وفي حديث أبي هريرة عند مسلم: وليس بالذي تذهب إليه ولكن إذا شخص البصر، وحشرج الصدر، واقشعر الجلد وتشنجت الأصابع، فعند ذلك من أحب لقاء الله الخ. قال النووي في شرح مسلم: وهذا الحديث يفسر آخره أوله، ويبين المراد بباقي الأحاديث المطلقة: من أحب لقاء الله ومن كره لقاء الله. ومعنى الحديث أن الكراهة المعتبرة هي التي تكون عند النزع في حالة لا تقبل توبته ولا غيرها، فحينئذ يبشر كل إنسان بما هو صائر إليه، وما أعد له، ويكشف له عن ذلك. فأهل السعادة يحبون الموت ولقاء الله لينتقلوا إلى ما أعد لهم، ويحب الله لقاءهم فيجزل لهم العطاء والكرامة، وأهل الشقاوة يكرهون لقاءه لما علموا من سوء ما ينتقلون إليه، ويكره الله لقاءهم أي يبعدهم عن رحمته وكرامته، ولا يريد ذلك بهم. وهذا معنى كراهته سبحانه لقاءهم. وليس معنى الحديث أن سبب كراهة الله تعالى لقاءهم كراهتهم ذلك، ولا أن حبه لقاء الاَخرين حبهم ذلك. بل هو صفة لهم انتهى كلام النووي.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" أخرجه البخاري ومسلم.

(4/177)


باب ماجاء فيمن يقتل نفسه لم يصل عليه
...
69 ـ باب مَا جَاءَ فِيمَنْ قتَلَ نَفْسَه
1074 ـ حدثنا يُوسُفُ بنُ عِيَسى. حدثنا وَكِيعٌ. حدثنا إسْرَائِيلُ و شَرِيكٌ عَنْ سِمَاكِ بنِ حَرْبٍ، عَنْ جَابِر بنِ سَمُرَةَ "أنّ رَجُلاً قَتَلَ نَفْسهُ. فَلَمْ يُصَلّ عَليْه النبيّ صلى الله عليه وسلم".
ـــــــ
باب مَا جَاءَ فِيمَنْ قتَلَ نَفْسَه
قوله: "أن رجلا قتل نفسه الخ" وفي رواية مسلم: أتى النبي صلى الله عليه وسلم برجل قتل نفسه بمشاقص فلم يصل عليه. وفي رواية النسائي: أن رجلاً قتل نفسه بمشاقص والمشاقص جمع شقص وهو سهم عريض فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أما أنا فلا أصلي عليه".

(4/177)


قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيح. واخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في هذَا، فقَالَ بَعْضُهُمْ: يُصَلّى عَلَى كلّ مَنْ صَلّى إِلَى الْقِبْلةِ، وَعَلى قَاتِلِ النّفْسِ. وَهُوَ قَوْلُ الثّوْرِيّ وَإِسْحَاقَ.
ـــــــ
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" أخرجه الجماعة إلا البخاري. قوله "فقال بعضهم يصلي على كل من صلى للقبلة وعلى قاتل النفس وهو قول سفيان الثورى وإسحاق" قال النووي في شرح مسلم تحت هذا الحديث ما لفظه: وفي هذا الحديث دليل لمن يقول: لا يصلى على قاتل نفسه لعصيانه. وهذا مذهب عمر بن عبد العزيز والأوزاعي. وقال الحسن والنخعي وقتادة ومالك وأبو حنيفة والشافعي وجماهير العلماء: يصلي عليه. وأجابوا عن هذا الحديث بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصل عليه بنفسه زجراً للناس عن مثل فعله، وصلت عليه الصحابة. وهذا كما ترك النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة في أول الأمر على من عليه دين زجراً لهم عن التساهل في الاستدانة، وعن إهمال وفائها، وأمر أصحابه بالصلاة عليه، فقال صلى الله عليه وسلم: "صلوا على صاحبكم". قال القاضي مذهب العلماء كافة: الصلاة على كل مسلم. ومحدود ومرجوم، وقاتل نفسه، وولد الزنا. وعن مالك وغيره: أن الإمام يجتنب الصلاة على مقتول في حد، وأن أهل الفضل لا يصلون على الفساق زجراً لهم. وعن الزهري: لا يصلى على مرجوم ويصلى على المقتول في قصاص. وقال أبو حنيفة رحمه الله: لا يصلى على محارب ولا على قتيل الفئة الباغية. وقال قتادة: لا يصلى على ولد الزنا. وعن الحسن: لا يصلى على النفساء تموت من زنا، ولا على ولدها. ومنع بعض السلف الصلاة على الطفل الصغير. واختلفوا في الصلاة على السقط فقال بها فقهاء المحدثين وبعض السلف: إذا مضى عليه أربعة أشهر. ومنعها جمهور الفقهاء حتى يستهل أو تعرف حياته بغير ذلك. وأما الشهيد المقتول في حرب الكفار فقال مالك والشافعي والجمهور: لا يغسل ولا يصلى عليه. وقال أبو حنيفة: يغسل ولا يصلى عليه. وعن الحسن: يغسل ويصلى عليه انتهى كلام النووي وقال الشوكاني في النيل: وذهب مالك والشافعي وأبو حنيفة وجمهور العلماء إلى أنه يصلى على الفاسق. وأجابوا عن حديث جابر بأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما لم يصل عليه بنفسه زجراً للناس. وصلت عليه الصحابة. ويؤيد ذلك

(4/178)


وقالَ أحْمَدُ: لاَ يُصَلّي الإمَامُ عَلَى قَاتِلِ النّفْسِ، ويُصَلّي عَلَيْهِ غَيْرُ الإمَامِ.
ـــــــ
ما عند النسائي: أما أنا فلا أصلي عليه انتهى. "وقال أحمد: لا يصلي الإمام على قاتل النفس ويصلي عليه غير الإمام" يدل عليه ما في رواية النسائي من قوله صلى الله عليه وسلم: أما أنا فلا أصلي عليه.

(4/179)


باب ماجاء في المديون
...
70 ـ باب مَا جَاءَ في الصلاة على الْمَدْيُون
1075 ـ حدثنا مَحْمُودُ بنُ غَيْلاَنَ. حدثنا أبو دَاوُدَ. حدثنا شُعْبَةُ عَنْ عُثْمانَ بنِ عَبْدِ الله بنِ مَوْهِبٍ. قالَ: سَمِعتُ عَبْدَ الله بنَ أبِي قَتَادَةَ يُحَدّثُ عَنْ أبِيهِ "أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم أُتِيَ بِرَجُلٍ لِيُصَلّي عَليْهِ. فقَال النبيّ صلى الله عليه وسلم: صَلّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ. فإنّ عَليْهِ دَيْناً".
قالَ أبو قَتَادَةَ: هُوَ عَلَيّ.
ـــــــ
باب مَا جَاءَ في الصلاة على الْمَدْيُون
قوله: "أتي" بصيغة المجهول "برجل" أي بجنازة رجل "صلوا على صاحبكم فإن عليه ديناً" قال القاضي وغيره: امتناع النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة على المديون إما للتحذير عن الدين، والزجر عن المماطلة، والتقصير في الأداء، أو كراهة أن يوقف دعاءه بسبب ما عليه من حقوق الناس ومظالمهم. وقال القاضي ابن العربي في العارضة: وامتناعه من الصلاة لمن ترك عليه ديناً تحذيراً عن التقحم في الديون لئلا تضيع أموال الناس، كما ترك الصلاة على العصاة زجراً عنها، حتى يجتنب خوفاً من العار، ومن حرمان صلاة الإمام وخيار المسلمين انتهى. "قال أبو قتادة وهو على الخ" فيه دليل على جواز الضمان عن الميت سواء ترك وفاء أو لم يترك. وهو قول أكثر أهل العلم، وبه قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: لا يصح الضمان من حيث لم يخلف وفاء بالاتفاق لو ضمن عن حر معسر ديناً ثم مات من عليه الدين، كان الضمان بحاله. فلما لم يناف موت المعسر دوام الضمان لا ينافي ابتداءه. قال الطيبي والتمسك بالحديث أولى من هذا القياس ذكره القاري نقلاً عن شرح السنة ثم قال: وقال بعض علمائنا تمسك به أبو يوسف ومحمد ومالك

(4/179)


فقَالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "بالْوَفَاءِ"؟ قال: بِالوفَاءِ. فَصَلّى عَلَيْهِ.
وفي البابِ عَنْ جَابِرٍ وسَلَمَة بنِ الأكْوَعِ وَأسْماءَ بِنْتِ يَزِيدَ.
قال أبو عيسى: حدِيثُ أبي قَتَادَةَ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
1076 ـ حَدّثَنِي أبُو الْفَضْلِ مَكْتُومُ بنُ الْعَبّاسِ الترمذي قالَ: حَدّثنا عَبْدُ الله بنُ صَالِحٍ، قال حَدّثَنِي الّليْثُ قال حدّثَنِي عُقَيْلٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قال أَخْبَرَنِي أبُو سَلَمَةَ بنُ عَبْدِ الرّحْمَن عَنْ أبي هُرَيْرَةَ أنّ رسُولَ الله صلى الله عليه وسلم كانَ يُؤتَى بِالرّجُلِ الْمُتَوفَى، عَلَيْهِ الدّيْنُ، فَيَقُولُ "هَلْ تَرَكَ لِدَيْنِهِ مِنْ قَضَاءٍ؟" فَإِنْ حُدّثَ أنّهُ تَرَكَ وَفَاءً صَلّى عَلَيْهِ. وَإِلاّ قالَ لِلْمُسْلِمينَ: "صَلّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ".
ـــــــ
والشافعي وأحمد رحمهم الله تعالى في إنه تصح الكفالة عن ميت لم يترك مالاً وعليه دين. فإنه لو لم تصح الكفالة لما صلى النبي صلى الله عليه وسلم عليه. وقال أبو حنيفة رحمه الله: لا تصح الكفالة عن ميت مفلس، لأن الكفالة عن الميت المفلس كفالة بدين ساقط والكفالة بالدين الساقط باطلة. والحديث يحتمل أن يكون إقراراً بكفالة سابقة، فإن لفظ الاقرار والانشاء في الكفالة سواء، ولا عموم لحكاية الفعل ويحتمل أن يكون وعداً لا كفالة. وكان امتناعه صلى الله عليه وسلم عن الصلاة عليه ليظهر له طريق قضاء ما عليه فلما ظهر صلى عليه صلى الله عليه وسلم انتهى. قلت والظاهر ما قال به أكثر أهل العلم والله تعالى أعلم.
قوله: "وفي الباب عن جابر وسلمة بن الأكوع وأسماء بنت يزيد" أما حديث جابر فأخرجه البخاري ومسلم، وأما حديث سلمة بن الأكوع فأخرجه البخاري وأما حديث أسماء بنت يزيد فأخرجه الطبراني كما في عمدة القاري. قوله: "حديث أبي قتادة حديث حسن صحيح" وأخرجه البخاري من حديث سلمة بن الأكوع وفيه قال أبو قتادة: صل عليه يا رسول الله وعلى دينه فصلى عليه.
قوله: "بالرجل المتوفي" أي بالميت "عليه دين" جملة حالية "فيقول" أي رسول الله صلى الله عليه وسلم "من قضاء" أي ما يقضي به دينه "فإن حدث"

(4/180)


فَلَمّا فَتَحَ الله عَلَيْهِ الْفُتُوحَ قامَ فقَالَ: "أَنَا أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ. فَمنْ تُوُفّيَ مِنَ المسلمين فتَرَكَ دَيْناً، عَلَيّ قَضَاؤُهُ. وَمَنْ تَرَكَ مَالاً فَهُوَ لِوَرَثَتِهِ".
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وَقَدْ رَوَاهُ يَحْيَى بنُ بُكَيْرٍ وَغَيْرُ وَاحِدٍ عَنِ الّليْثِ بنِ سَعْدٍ
ـــــــ
بصيغة المجهول أي أخبر "فلما فتح الله عليه الفتوح" أي الفتوحات المالية "قام" أي على المنبر "أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم" أي أولى في كل شيء من أمور الدين والدنيا، ولذا أطلق ولم يقيد، فيجب عليهم أن يكون أحب إليهم من أنفسهم، وحكمه أنفذ عليهم من حكمها، وحقه آثر عليهم من حقوقها، وشفقتهم عليه أقدم من شفقتهم عليها، وكذلك شفقته صلى الله عليه وسلم عليهم أحق وأحرى من شفقتهم على أنفسهم فإذا حصلت له الغنيمة يكون هو أولى بقضاء دينهم كذا في المرقاة. قال المنذري في الترغيب: قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان لا يصلي على المدين، ثم نسخ ذلك وذكر هذا الحديث.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه البخاري ومسلم وغيرهما.

(4/181)


باب ماجاء في عذاب القبر
...
71 ـ باب ما جَاءَ في عَذَابِ الْقَبْر
1077 ـ حدثنا أبُو سَلَمَةَ يَحْيى بنُ خَلَفٍ البَصْرِيّ حدثنا بِشْرُ بنُ الْمُفَضّلِ، عَنْ عَبْدِ الرحمَنِ بنِ إسْحَاقَ، عَنْ سَعِيدِ بنِ أبي سَعِيدٍ الْمَقْبُريّ، عَنْ أبي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إذَا قُبِرَ الْمَيّتُ "أوْ قالَ أَحَدُكُمْ" أتَاهُ مَلَكانِ أَسْوَدَانِ أَزْرَقَانِ. يُقَالُ لإحَدِهِما الْمُنْكَرُ
ـــــــ
باب ما جَاءَ في عَذَابِ الْقَبْر
قوله: "إذا قبر الميت" بصيغة المجهول أي إذا أدخل في القبر ودفن "أو قال أحدكم" شك من الراوي أي أو قال أحدكم مكان لفظ الميت "أتاه ملكان أسودان أزرقان" بزاء فراء أي أزرقان أعينهما. زاد الطبراني في الأوسط من طريق أخرى عن أبي هريرة: أعينهما مثل قدور النحاس، وأنيابهما مثل

(4/181)


وَالاَخَرُ النّكيرُ. فَيَقُولاَنِ: مَا كُنْتَ تَقُولُ في هذَا الرّجُلِ؟ فَيَقُولُ مَا كانَ يَقُولُ: هُوَ عَبْدُ الله وَرَسُولُهُ. أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاّ الله وَأَنّ مُحَمّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. فَيَقُولاَنِ: قَدْ كُنّا نَعْلَمُ أَنّكَ تَقُولُ هذَا. ثمّ
ـــــــ
صياصي البقر، وأصواتهما مثل الرعد. ونحوه لعبد الرزاق من مرسل عمرو بن دينار وزاد: يحفران بأنيابهما ويطآن في أشعارهما، معهما مرزبة لو اجتمع عليها أهل منى لم يقلوها. كذا في فتح الباري. "يقال لأحدهما المنكر" مفعول من أنكر بمعنى نكر، إذا لم يعرف أحداً "وللاَخر النكير" فعيل بمعنى مفعول من نكر بالكسر، إذا لم يعرفه أحد، فهما كلاهما ضد المعروف سميا بهما، لأن الميت لم يعرفهما ولم ير صورة مثل صورتهما. كذا في المرقاة. وقال الحافظ في الفتح: ذكر بعض الفقهاء أن اسم اللذين يسألان المذنب منكر ونكير، واسم اللذين يسألان المطيع مبشر وبشير "فيقولان ما كنت تقول" زاد في حديث أنس رضي الله عنه عند البخاري ومسلم: فيقعدانه. وزاد حديث البراء: فتعاد روحه في جسده. وزاد ابن حبان من طريق أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه: فإذا كان مؤمنا كانت الصلاة عند رأسه والزكاة عن يمينه، والصوم عن شماله، وفعل المعروف من قبل رجليه، فيقال له اجلس فيجلس، وقد مثلت له الشمس عند الغروب. زاد ابن ماجه من حديث جابر: فيجلس فيمسح عينيه، ويقول دعوني أصلي. "في هذا الرجل" وفي حديث أنس عند البخاري: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ لمحمد. ولأحمد من حديث عائشة: ما هذا الرجل الذي كان فيكم؟ قال القسطلاني: عبر بذلك امتحاناً لئلا يتلقن تعظيمه عن عبارة القائل. قيل يكشف للميت حيث يرى النبي صلى الله عليه وسلم، وهي بشرى عظيمة للمؤمن إن صح ذلك. ولا نعلم حديثاً صحيحاً مروياً في ذلك والقائل به إنما استند لمجرد أن الإشارة لا تكون إلا للحاضر. لكن يحتمل أن تكون الإشارة لما في الذهن فيكون مجاز انتهى كلام القسطلاني "فيقول" أي الميت "ما كان يقول" أي قبل الموت "قد كنا نعلم أنك تقول هذا" أي الإقرار بالوحدانية والرسالة. وعلمهما بذلك إما بإخبار الله تعالى إياهما بذلك.

(4/182)


يُفْسَحُ لَهُ في قَبْرِهِ سبْعُونَ ذرَاعاً في سَبْعِينَ. ثُمّ يُنَوّرُ لَهُ فِيهِ. ثُمّ يُقَالُ لَهُ: نَمْ. فَيَقُولُ أَرْجِعُ إِلَى أَهْلِي فأُخْبِرُهُمْ؟ فَيَقُولاَنِ: نَمْ كَنَوْمَةِ الْعَرُوس الّذِي لاَ يُوقِظُهُ إلا أَحَبّ أَهْلِهِ إلَيْهِ، حَتّى يَبْعَثَهُ الله مِنْ مَضْجَعِهِ ذلِكَ".
"وَإِنْ كانَ مُنَافِقاً قالَ: سَمِعْتُ النّاسَ يَقُولُونَ فَقُلْتُ مِثْلَهُ. لاَ أدْرِي. فيَقُولاَنِ: قَدْ كُنّا نَعْلَمُ أنّكَ تَقُولُ ذلِكَ. فيُقَالُ لِلأرْضِ: الْتَئِمِي عَلَيْهِ. فَتَلْتَئِمُ عَلَيْهِ. فَتَخْتَلِفُ فيها أضْلاَعُهُ. فَلاَ يَزَالُ فِيهَا مُعَذّباً
ـــــــ
أو بمشاهدتهما في جبينه أثر السعادة وشعاع نور الإيمان والعبادة. "لم يفسح" بصيغة المجهول أي يوسع "سبعون ذراعاً في سبعين" أي في عرض سبعين ذراعاً. يعني طوله وعرضه كذلك. قال الطيبي: أصله يفسح قبره مقدار سبعين ذراعاً فجعل القبر ظرفاً للسبعين، وأسند الفعل إلى السبعين مبالغة في السعة "ثم ينور له فيه" أي يجعل النور له في قبره الذي وسع عليه، وفي رواية ابن حبان: وينور له كالقمر ليلة البدر "نم" أمر من نام ينام "فيقول" أي الميت لعظيم ما رأى من السرور "أرجع إلى أهلي" أي أريد الرجوع كذا قيل. والأظهر أن الاستفهام مقدر قاله القاري. "فأخبرهم" أي بأن حالي طيب ولا حزن لي ليفرحوا بذلك "كنومة العروس" هو يطلق على الذكر والأنثى في أول اجتماعهما وقد يقال للذكر العريس "الذي لا يوقظه" الجملة صفة العروس وإنما شبه نومه بنومة العروس لأنه يكون في طيب العيش "إلا أحب أهله إليه" قال المظهر: عبارة عن عزته وتعظيمه عند أهله يأتيه غداة ليلة زفافه من هو أحب وأعطف فيوقظه على الرفق واللطف "حتى يبعثه الله" هذا ليس من مقول الملكين بل من كلامه صلى الله عليه وسلم، وحتى متعلق بمحذوف أي ينام طيب العيش حتى يبعثه الله "سمعت الناس يقولون" وفي بعض النسخ يقولون قولاً وكذلك في المشكاة والمراد بالقول: هو أن محمداً رسول الله "فقلت مثله" أي مثل قولهم "لا أدري" أي أنه نبي في الحقيقة أم لا، وهو استيناف أي ما شعرت غير ذلك القول، ويحتمل أن يكون في محل النصب على الحال "التأمي" أي انضمي واجتمحي "فيختلف أضلاعه" بفتح الهمزة جمع ضلع وهو عظم الجنب، أي تزول عن

(4/183)


حتّى يَبْعَثَهُ الله مِنْ مَضْجَعِهِ ذلِكَ".
وفي البابِ عَنْ عَلِي وزَيْدِ بنِ ثَابِتٍ وابنِ عَبّاسٍ والْبَراءِ بنِ عَازِبٍ وَأبي أيّوبَ وأنَسٍ وجَابِرٍ وعَائِشَةَ وأبي سَعِيدٍ. كُلّهُمْ رَوَوْا عنِ النبيّ صلى الله عليه وسلم في عَذَابِ الْقَبْرِ.
قال أبو عيسى: حدِيثُ أبي هُرَيْرَةَ حدِيثٌ حسنٌ غريبٌ.
1078 ـ حدثنا هَنّادٌ. حدثنا عَبْدَةُ عَنْ عُبَيْدِ الله، عَنْ نَافِعٍ، عنِ ابنِ عُمَرَ، قالَ: قالَ رَسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إِذَا مَاتَ الْمَيّتُ عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ. بالغداة والعشيّ فَإِنْ كانَ مِنْ أهْلِ الْجَنّةِ، فَمِنْ أهْلِ الْجَنّةِ. وإنْ
ـــــــ
الهيئة المستوية التي كانت عليها من شدة التئامها عليه وشدة الضغطة، وتجاوز جنبيه من كل جنب إلى جنب آخر "فلا يزال فيها" أي في الأرض أو في تلك الحالة قوله "وفي الباب عن علي رضي الله عنه" لم أقف عليه "وزيد بن ثابت" أخرجه مسلم "وابن عباس" لم أقف عليه "والبراء بن عازب" أخرجه البخاري ومسلم وأحمد وأبو داود. وأخرجه أحمد حديثه الطويل. وذكره صاحب المشكاة في باب ما يقال عند من حضره الموت. وصححه أبو عوانة وغيره كما صرح به الحافظ في التلخيص "وأبي أيوب" لم أقف عليه "وأنس" أخرجه البخاري ومسلم "وجابر" أخرجه أحمد وابن ماجه "وعائشة" أخرجه البخاري ومسلم "وأبي سعيد" أخرجه الدارمي والترمذي.
قوله: "عرض عليه مقعده" أي أظهر له مكانه الخاص من الجنة والنار، وزاد في رواية الصحيحين: بالغداة والعشي. قال القرطبي: يجوز أن يكون هذا العرض على الروح فقط، ويحوز أن يكون عليه مع جزء من البدن. قال: والمراد بالغداة والعشي وقتهما، وإلا فالموتى لا صباح عندهم ولا مساء. قال وهذا في حق المؤمن والكافر واضح. فأما المؤمن المخلص فيحتمل في حقه أيضاً لأنه يدخل الجنة في الجملة. ثم هو مخصوص بغير الشهداء لأنهم أحياء وأرواحهم تسرح في الجنة. ويحتمل أن يقال: فائدة العرض في حقهم تبشير أرواحهم باستقرارها في الجنة مقترنة بأجسادها. فإن فيه قدراً زائداً على ما هي فيه الاَن انتهى. "إن كان" أي الميت "من أهل الجنة فمن أهل الجنة"

(4/184)


كانَ مِنْ أهْلِ النّارِ، فَمِنْ أهْلِ النّارِ، ثمّ يُقَالُ: هذَا مَقْعَدُكَ حَتّى يَبْعَثَكَ الله يَوْمَ الْقِيَامَةِ".
قال أبو عيسى: وهذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
قال التوربشتي: التقدير. إن كان من أهل الجنة فمقعد من مقاعد أهل الجنة يعرض عليه ووقع عند مسلم بلفظ: إن كان من أهل الجنة فالجنة. أي فالمعروض الجنة "هذا" أي المقعد المعروض عليك "مقعدك حتى يبعثك الله الخ" قال ابن التين معناه: أي لا تصل إليه إلى يوم البعث. قال الحافظ في الفتح في رواية مسلم عن يحي بن يحي عن مالك: حتى يبعثك الله إليه يوم القيامة. قال ابن عبد البر: والمعنى حتى يبعثك الله إلى ذلك المقعد، ويحتمل أن يعود الضمير إلى الله، فإلى الله ترجع الأمور. والأول أظهر انتهى. ويؤيده رواية الزهرى عن سالم عن أبيه بلفظ: ثم يقال هذا مقعدك الذي تبعث إليه يوم القيامة. أخرجه مسلم انتهى كلام الحافظ.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه البخاري ومسلم.
باب ما جاء في أجر من عزى مصاباً
العزاء الصبر، والتعزية حمله عليه. قوله: "حدثنا يوسف بن عيسى" بن دينار أبو يعقوب المروزي ثقة فاضل من العاشرة "أخبرنا علي بن عاصم" بن صهيب الواسطي التيمي صدوق يخطئ ويصر ورمى بالتشيع من التاسعة "أخبرنا والله محمد بن سوقة" بضم المهملة الغنوي أبو بكر الكوفي ثقة مرضي عابد من الخامسة. ولا حاجة إلى القسم ولعله لوجه اقتضاه عند التحديث. قوله: "من عزى مصاباً" أي ولو بغير موت بالمأتي لديه أو بالكتابة إليه بما يهون المصيبة عليه، ويحمله بالصبر بوعد الأجر أو بالدعاء له بنحو أعظم الله لك الأجر، وألهمك الصبر، ورزقك الشكر "فله" أي فللمعزى "مثل أجره" أي نحو أجر المصاب على صبره

(4/185)


باب ماجاء في أجر من عزى مصاباً
...
72 ـ باب مَا جَاءَ في أجْرِ مَنْ عَزّى مُصَابا
1067 ـ حدثنا يُوسُفُ بنُ عِيسَى. حدثنا عَلِيّ بنُ عَاصِمٍ. قال: حدثنا، والله مُحّمدُ بنُ سُوقَةَ عَنْ إبْرَاهِيمَ، عَنِ الأسْوَدِ، عَنْ عَبْدِ الله، عَنِ النبيّ صلى الله عليه وسلم، قالَ "مَنْ عَزّى مُصَاباً فَلَهُ مِثْلُ أجْرِهِ".
ـــــــ
باب ما جاء في أجر من عزى مصابا ً
العزاء الصبر، والتعزية حمله عليه. قوله: "حدثنا يوسف بن عيسى" بن دينار أبو يعقوب المروزي ثقة فاضل من العاشرة "أخبرنا علي بن عاصم" بن صهيب الواسطي التيمي صدوق يخطئ ويصر ورمى بالتشيع من التاسعة "أخبرنا والله محمد بن سوقة" بضم المهملة الغنوي أبو بكر الكوفي ثقة مرضي عابد من الخامسة. ولا حاجة إلى القسم ولعله لوجه اقتضاه عند التحديث. قوله: "من عزى مصاباً" أي ولو بغير موت بالمأتي لديه أو بالكتابة إليه بما يهون المصيبة عليه، ويحمله بالصبر بوعد الأجر أو بالدعاء له بنحو أعظم الله لك الأجر، وألهمك الصبر، ورزقك الشكر "فله" أي فللمعزى "مثل أجره" أي نحو أجر المصاب على صبره

(4/185)


قال أبو عيسى: هذا حديثٌ غَرِيبٌ. لاَ نَعْرِفُهُ مَرْفُوعاً إِلاّ مِنْ حدِيثِ عَلِيّ بنِ عَاصِمٍ.
ـــــــ
لأن الدال على الخير كفاعله. قوله: "هذا حديث غريب" والحديث أخرجه ابن ماجة. قال ميرك: ورواه البيهقي وفي سنده ضعف وقال السيوطي في قوت المغتذي: قال الحافظ صلاح الدين العلائي ومن خطه نقلت هذا الحديث. أخرجه ابن الجوزي في الموضوعات من طريق حماد بن الوليد عن سفيان الثوري عن محمد بن سوقة به. ومن طريق محمد بن عبيد الله العزرمي عن أبي الزبير عن جابر به. وتعلق عليه في الأول بحماد بن الوليد فقد قال فيه ابن عدي: عامة ما يرويه لا يتابع عليه. وقال ابن حبان يسرق الحديث، ويلزق بالثقات ما ليس من حديثهم، ثم ذكر له هذا الحديث. وأنه إنما يعرف من حديث علي بن عاصم، لا من حديث الثوري. وفي الثاني بالعزرمي فقد قال فيه النسائي ليس بثقة. قال العلائي: علي بن عاصم أحد الحفاظ المكثرين، ولكن له أوهام كثيرة تكلموا فيه بسببها، ومن جملتها هذا الحديث. وقد تابعه عليه عن محمد بن سوقة عبد الحليم بن منصور، لكنه ليس بشيء. قال فيه ابن معين والنسائي: متروك فكأنه سرقه من علي ابن عاصم. وقال الحافظ أبو بكر الخطيب كان أكثر كلامهم فيه، يعني علي بن عاصم بسبب هذا الحديث. وقد رواه إبراهيم بن مسلم الخوارزمي عن وكيع عن قيس بن الربيع عن محمد بن سوقة وإبراهيم بن مسلم هذا ذكره ابن حيان في الثقات ولم يتكلم فيه أحد، وقيس بن الربيع صدوق متكلم فيه لكن حديثه يؤيد رواية علي بن عاصم ويخرج به عن أن يكون ضعيفاً واهياً، فضلاً عن أن يكون موضوعاً. وقال يعقوب بن شيبة: هذا حديث كوفي منكر يرون أنه لا أصل له مسنداً ولا موقوفاً. وقد رواه أبو بكر النهشلي وهو صدوق ضعيف عن محمد بن سوقة قوله. قال العلائي: وهذه علة مؤثرة لكن يعقوب بن شيبة ما ظفر بمتابعة إبراهيم بن مسلم وقد روى ابن ماجه والبيهقي من طريق قيس بن عمارة مولى الأنصاري، وقد وثقه ابن حبان عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده: أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "من عزى أخاه المؤمن من مصيبة كساه الله حلل الكرامة يوم القيامة". والظاهر أن في إسناده انقطاعاً انتهى كلام العلائي. قوله "لا نعرفه مرفوعاً إلا من حديث علي بن عاصم" قد عرفت في كلام العلائي المذكور آنفاً أنه رواه

(4/186)


وَرَوَى بَعْضُهُمْ عَنْ مُحّمدِ بن سُوقَةَ، بِهذَا الإسْنادِ، مِثْلَهُ مَوْقُوفاً، وَلمْ يَرْفَعْهُ.
وَيُقَالُ: أَكْثرُ مَا ابتُلِيَ بِهِ عَلِيّ بنُ عَاصِمٍ، بهذَا الْحَدِيثِ. نَقَمُوا عَلَيْهِ.
ـــــــ
إبراهيم بن مسلم الخوارزمي عن وكيع، عن قبس بن الربيع، عن محمد بن سوقة "موقوفاً" أي على عبد الله بن مسعود. قال القاري: لكن له حكم المرفوع ويعضده خبر ابن ماجه بسند حسن مرفوعاً: ما من مسلم يعزي أخاه بمصببة إلا كساء الله من حلل الكرامة يوم القيامة انتهى. قلت قد عرفت في كلام العلائي أن الظاهر أن في إسناده انقطاعاً "أكثر ما ابتلى به علي بن عاصم بهذا الحديث" يعني أن أكثر كلام المحدثين في علي بن عاصم بسبب هذا الحديث. قال يعقوب بن شيبة: هذا الحديث من أعظم ما أنكره الناس على علي بن عاصم وتكلموا فيه مع ما أنكر عليه سواه. كذا في تهذيب التهذيب "نقموا عليه" أي عابوا وأنكروا عليه

(4/187)


باب ماجاء فيمن يموت يوم الجمعة
...
73 ـ باب مَا جَاءَ فِيمَنْ مات يَوْمَ الْجُمعة
1080 ـ حدثنا مُحَمّدُ بنُ بَشّارٍ. حدثنا عَبْدُ الرّحْمَنِ بنُ مَهْدِي و أَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِيّ قالاَ: أخبرنا هِشَامُ بنُ سَعْدٍ عَنْ سَعِيدِ بنِ أبي هِلاَلٍ، عَنْ رَبِيعَةَ بنِ سَيْفٍ، عَنْ عَبْدِ الله بنِ عَمْروٍ، قالَ: قالَ رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَمُوتُ يَوْمَ الْجُمعَةِ أَوْ لَيْلَةَ الْجُمعَةِ إلا وَقَاهُ الله فِتْنَةَ الْقَبْرِ".
ـــــــ
باب ماجاء في من يموت يوم الجمعة
قوله: "وأبو عامر العقدي" بفتح المهملة والقاف اسمه عبد الملك بن عمرو القيسي، ثقة من التاسعة "عن ربيعة بن سيف" بن مانع الإسكندراني صدوق له مناكير من الرابعة. قوله: "ما من مسلم يموت يوم الجمعة أو ليلة الجمعة" الظاهر أن أو للتنويع لا للشك "إلا وقاه الله" أي حفظه "فتنة القبر" أي عذابه وسؤاله

(4/187)


قال أبو عيسى: هذا حديثٌ غَرِيبٌ. قال: وهذا حديث ليْسَ إِسْنَادُهُ بِمُتصِلٍ. رَبِيعَةُ بنُ سَيْفٍ، إنما يرْوِيَ عَنْ أبِي عَبْدِ الرّحْمنِ الحُبُلّي، عَنْ عَبْدِ الله بنِ عَمْروٍ. وَلاَ نَعْرِفُ لِرَبِيعَةَ بنِ سَيْفٍ سَمَاعاً مِنْ عَبْدِ الله بنِ عَمْرو.
ـــــــ
وهو يحتمل الإطلاق، والتقييد والأول هو الأولى بالنسبة إلى فضل المولى. وهذا يدل على أن شرف الزمان له تأثير عظيم كما أن فضل المكان له أثر جسيم.
قوله: "ولا نعرف لربيعة بن سيف سماعاً من عبد الله بن عمرو" فالحديث ضعيف لانقطاعه، لكن له شواهد. قال الحافظ في فتح الباري بعد ذكر هذا الحديث في إسناده ضعف وأخرجه أبو يعلى من حديث أنس نحوه، وإسناده أضعف انتهى. وقال القاري في المرقاة: ذكره السيوطي في باب: من لا يسأل في القبر: وقال أخرجه أحمد والترمذي، وحسنه وابن أبي الدنيا عن ابن عمرو ثم قال: وأخرجه ابن وهب في جامعه، والبيهقي أيضاً من طريق آخر عنه بلفظ: إلا برئ من فتنة القبر. وأخرجه البيهقي أيضاً ثالثة عنه موقوفاً بلفظ وقي الفتان. قال القرطبي: هذه الأحاديث أي التي تدل على نفي سؤال القبر لا تعارض أحاديث السؤال السابقة. أي لا تعارضها بل تخصها، وتبين من لا يسأل في قبره ولا يفتن فيه، فمن يجري عليه السؤال ويقاسي تلك الأهوال. وهذا كله ليس فيه مدخل للقياس، ولا مجال للنظر فيه. وإنما فيه التسليم والانقياد لقول الصادق المصدوق. قال الحكيم الترمذي. ومن مات يوم الجمعة فقد انكشف له الغطاء عما له عند الله لأن يوم الجمعة لا تسجر فيه جهنم وتغلق أبوابها، ولا يعمل سلطان النار فيه ما يعمل في سائر الأيام، فإذا قبض الله عبداً من عبيده فوافق قبضه يوم الجمعة كان ذلك دليلاً لسعادته وحسن مآبه، وإنه لا يقبض في هذا اليوم إلا من كتب له السعادة عنده، فلذلك يقيه فتنة القبر، لأن سببها إنما هو تمييز المنافق من المؤمن، قلت: ومن تتمة ذلك أن من مات يوم الجمعة له أجر شهيد، فكان على قاعدة الشهداء في عدم السؤال. كما أخرجه أبو نعيم في الحلية عن جابر: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من مات يوم الجمعة أو ليلة الجمعة أجير من عذاب القبر وجاء يوم القيامة وعليه طابع الشهداء". وأخرج حميد في ترغيبه عن إياس ابن بكير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من مات يوم الجمعة كتب له أجر شهيد، ووقي فتنة القبر". وأخرج من طريق ابن جريح عن عطاء قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما من مسلم أو مسلمة يموت في يوم الجمعة أو ليلة الجمعة إلا وقى عذاب القبر، وفتنة القبر ولقي الله ولا حساب عليه، وجاء يوم القيامة ومعه شهود يشهدون له أو طابع". وهذا الحديث لطيف صرح فيه بنفي الفتنة والعذاب معاً انتهى كلام السيوطي.

(4/188)


باب ماجاء في تعجيل الجنازة
...
74 ـ باب مَا جَاءَ في تَعْجِيلِ الْجَنَازَة
1081 ـ حدثنا قُتَيْبَةُ. حدثنا عَبْدُ الله بنُ وَهْبٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الله الْجُهَنِيّ، عَنْ محمّدِ بنِ عُمَرَ بنِ عَلِيّ بنِ أبي طَالِبٍ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ عَلِيّ بنِ أبي طَالِبٍ أنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ لَهُ "يَا عَليّ ثَلاَثٌ لاَ تُؤَخّرْهَا: الصّلاَةُ إذَا آتَتْ. وَالْجَنَازَةُ إذَا حَضَرَتْ. وَالأيّمُ
ـــــــ
باب مَا جَاءَ في تَعْجِيلِ الْجَنَازَة
قوله: "عن سعيد بن عبد الله الجهني" قال العراقي: ليس له في الكتب ولا يعرف في هذا إلا هذا الحديث. ولا يعرف إلا برواية ابن وهب عنه. وقال فيه أبو حاتم مجهول وذكره ابن حبان في الثقات كذا في قوت المغتذي. قلت: وقال الحافظ في التقريب مقبول "عن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب" صدوق من السادسة وروايته عن جده مرسلة كذا في التقريب "عن أبيه" أي عمر بن علي بن أبي طالب، ثقة من الثالثة، مات زمن الوليد وقيل قبل ذلك. قال الحافظ قوله "ثلاث" أي من المهمات وهو المسوغ للابتداء، والمعنى ثلاثة أشياء "الصلاة" بالرفع أي منها أو إحداها "إذا آنت" أي حانت، قال العراقي هو بمد الهمزة بعدها نون ومعناها إذا حضرت، هكذا ضبطناه في أصول سماعنا. قال: ووقع في روايتنا في مسند أحمد: إذا أتت بتاء مكررة وبالقصر، والأول أظهر كذا في قوت المغتذي "والجنازة إذا حضرت" قال القاري في المرقاة: قال الأشرف: فيه دليل على أن الصلاة على الجنازة لا تكره في الأوقات المكروهة. نقله الطيبي وهو كذلك عندنا أيضاً: إذا حضرت في تلك الأوقات من الطلوع والغروب والاستواء. وأما إذا حضرت قبلها، وصلى عليها في تلك الأوقات فمكروهة، وأما بعد الصبح وقبله وبعد العصر فلا تنكره مطلقاً انتهى "والأيم" بتشديد

(4/189)


إِذَا وَجَدَتّ لَهَا كُفْؤاً".
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ غَرِيبٌ. وَمَا أَرَى إسْنَادَهُ بِمُتّصِلٍ.
ـــــــ
الياء المكسورة أي المرأة للعزبة ولو بكرا قاله القاري يعني التي لا زوج لها "إذا وجدت لها كفواً" الكفؤ المثل وفي النكاح: أن يكون الرجل مثل المرأة في الإسلام، والحرية، والصلاح، والنسب، وحسن الكسب، والعمل. قاله القاري. قوله: "هذا حديث غريب وما أرى إسناده متصلاً" وأخرجه ابن ماجه صفحة 108 والحاكم وابن حبان. قال ميرك: رجاله ثقات والظاهر أن إسناده متصل. قال الحافظ الزيلعي في نصب الراية بعد ذكر هذا الحديث عن جامع الترمذي ما لفظه: أخرجه الحاكم في المستدرك في النكاح وقال صحيح الإسناد ولم يخرجاه انتهى. إلا أني وجدته قال عن سعيد بن عبد الرحمن الجمحى عوض سعيد بن عبد الله الجهني فلينظر انتهى.

(4/190)


75 ـ باب آخَرُ فِي فَضْلِ التَعْزِيَة
1082 ـ حدثنا مُحَمّدُ بنُ حَاتِمٍ الْمُؤدّبُ حدثنا يونُسُ بنُ مُحَمّدٍ قال: حَدّثَتْنَا أُمّ الأَسْوَدِ عَنْ مُنْيَةَ بنت عُبيْدِ بنِ أبي بَرْزَةَ، عَنْ جَدّها أبي بَرْزَةَ قالَ: قالَ رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ عَزّى ثَكْلَى، كُسِيَ بُرْداً في الْجَنّةِ".
قال أبو عيسى: هذا حديث غريب وليس اسناده بالقويّ.
ـــــــ
باب آخَرُ فِي فَضْلِ التَعْزِيَة
قوله: "حدثتنا أم الأسود" الخزاعية ويقال الأسلمية ثقة من السابعة "عن منية" بضم الميم وبسكون النون بعدها تحتانية "ابنة عبيد" بالتصغير، قال الحافظ في التقريب: لا يعرف حالها من الرابعة قوله: "من عزى ثكلى" بفتح المثلثة مقصور المرأة التي فقدت ولدها "كسى" بصيغة المجهول أي ألبس "بردا" أي ثوباً عظيماً مكافأة على تعزيتها. قال المناوي في شرح الجامع الصغير: لا يعزي المرأة الشابة إلا زوجها أو محرمها انتهى. قوله: "هذا حديث غريب وليس إسناده بالقوي" لأنه فيه منية بنت عبيد، وهي مجهولة كما عرفت

(4/190)


باب ماجاء في رفع اليدين على الجنازة
...
76 ـ باب مَا جَاءَ في رَفْعِ الْيَدَيْنِ عَلَى الْجَنَازَة
1083 ـ حدثنا الْقَاسِمُ بنُ دِينَارٍ الْكُوفِيّ. أخبرنا إسمَاعِيلُ بنُ أَبَانَ الوَرّاقُ عَنْ يَحْيَى بنِ يَعْلَى
الأسلمي، عَنْ أبي فَرْوَةَ يَزِيدَ بنِ سِنَانٍ عَنْ زَيْدٍ بن أبي أُنَيْسَةَ عَنِ الزّهْرِيّ، عَنْ سَعِيدِ بنِ المُسَيّبِ، عَنْ أبي هُرَيْرَةَ أَنّ رسُولَ الله صلى الله عليه وسلم كَبّرَ عَلَى جَنَازَةٍ. فَرَفَعَ يَدَيْهِ في أوّلِ تَكبِيرَةٍ، وَوَضَعَ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى.
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ غَريبٌ لاَ نَعْرِفُهُ إِلاّ مِنْ هذَا الْوَجْهِ.
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ العِلْمِ في هذَا. فَرَأَى أَكْثَرُ أَهْلِ العْلِمِ مِنْ أصْحَابِ النبيّ صلى الله عليه وسلم وَغَيْرِهِمْ، أنْ يَرْفَعَ الرّجُلُ يَدَيْهِ، في كُلّ تَكْبِيرَةٍ، عَلَى الجَنَازَةِ. وَهُوَ قَوْلُ ابنِ الْمُبَارَكِ والشّافِعِيّ وأحْمدَ وَإسْحَاقَ.
ـــــــ
باب ما جاء في رفع اليدين على الجنازة
قوله: "حدثنا القاسم بن دينار الكوفي" ثقة من الحادية عشرة "أخبرنا اسماعيل بن أبان الوراق" ثقة تكلم فيه للتشيع "عن يحي بن يعلى الأسلمي" الكوفي شيعي ضعيف من التاسعة "عن أبي فروة يزيد بن سنان" الرهاوي ضعيف من كبار السابعة "عن زيد بن أبي أنيسة" بالتصغير ثقة. قوله: "فرفع يديه في أول تكبيرة ووضع اليمنى على اليسرى" فيه دليل لمن قال برفع اليدين في التكبيرة الأولى دون التكبيرات الباقية والحديث ضعيف قوله: "هذا حديث غريب" وأعله ابن القطان في كتابه بأبي فروة ونقل تضعيفه عن أحمد والنسائي وابن معين والعقيلي قال: وفيه علة أخرى وهو أن يحي بن يعلى الراوي عن أبي فروة هو وأبو زكريا القطواني الأسلمي هكذا صرح به عند الدارقطني وهو ضعيف. قلت قال ابن حبان في أبي فروة كثير الخطأ لا يعجبني الاحتجاج به إذا وافق الثقات. فكيف إذا انفرد؟ وثم نقل عن ابن معين أنه قال: ليس بشيء كذا في نصب الراية قوله: "وهو قول ابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق" واستدل لهم بحديث ابن عمر رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا

(4/191)


وقالَ بَعْضُ أهْلِ الْعِلْمِ: لاَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ إلاّ في أوّلِ مَرّةٍ. وهُوَ قَوْلُ الثوْرِيّ وأهْلِ الْكُوفَةِ.
وذُكِرَ عَنِ ابنِ الْمُبَارَكِ أنّهُ قالَ "في الصّلاَةِ عَلَى الْجَنَازَةِ" : لاَ يَقْبِضُ يَمِينِهِ عَلَى شِمَالهِ.
وَرَأَى بَعْضُ أهْلِ الْعِلْمِ أنْ يَقْبِضَ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ كما يَفْعَلُ في الصّلاَةِ.
قال أبو عيسى: "يقبض" أَحَبّ إلَيّ.
ـــــــ
صلى على الجنازة رفع يديه في كل تكبيرة، وإذا انصرف سلم. أخرجه الدارقطني في علله عن عمر بن شيبة: حدثنا يزيد بن هارون أنبأنا يحيى بن سعيد عن نافع عن ابن عمر فذكره وقال هكذا.. . رفعه عمر بن أبي شيبة. وخالفه جماعة فرووه عن يزيد بن هارون موقوفاً، وهو الصواب. ولم يرو البخاري في كتابه المفرد في رفع اليدين شيئاً في هذا الباب، إلا حديثاً موقوفاً على ابن عمر، وحديثاً موقوفاً على عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه. كذا في نصب الراية. قلت: لم أجد حديثاً مرفوعاً صحيحاً في هذا الباب قوله: "وقال بعض أهل العلم لا يرفع يديه إلا في أول مرة وهو قول الثوري وأهل الكوفة" واستدل لهم بحديث الباب وقد عرفت أنه ضعيف، واستدل لهم أيضاً بحديث ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه على الجنازة في أول تكبيرة ثم لا يعود. أخرجه الدارقطني في سننه عن الفضل بن السكن حدثنا هشام بن يوسف حدثنا معمر عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس فذكره وسكت عنه، لكن أعله العقيلي في كتابه بالفضل بن السكن وقال إنه مجهول. كذا في نصب الراية. قلت: قال الذهبي في الميزان: الفضل بن السكن الكوفي عن هشام بن يوسف لا يعرف وضعفه الدارقطني انتهى.

(4/192)


باب ماجاء أن نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه
...
77 ـ باب ما جاء أن نَفْس الْمؤمنِ مُعَلّقَةٌ بِدَينِهِ حَتّى يُقْضَى عَنْهُ
1084 ـ حدثنا مَحْمُودُ بنُ غَيْلاَنَ. أخبرنا أبُو أُسَامَةَ عَنْ زَكَرِيّا بنِ أبي زَائِدَةَ، عَنْ سَعْدِ بنِ
إبْرَاهِيمَ، عَنْ أبي سَلَمَةَ، عَنْ أبي هُرَيْرَةَ، قال: قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "نَفْسُ المُؤْمِنِ مُعَلّقَةٌ بِدَيْنِهِ حَتّى يُقْضَى عَنْهُ".
1073 ـ حدثنا مُحَمّدُ بنُ بشّارٍ. أخبرنا عَبْدُ الرّحْمَنِ بنُ مَهْدِي. أخبرنا إبرَاهِيمُ بنُ سَعْدٍ عَنْ أبِيه، عَنْ عُمَرَ بنِ أبي سَلَمةَ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ أبي هُرَيْرَةَ، عَنِ النبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قالَ: "نَفْسُ الْمُؤْمِنِ مُعَلّقَةٌ بِدَيْنِهِ حَتّى يُقْضَى عَنْهُ".
ـــــــ
باب ما جاء أن نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه
قوله: "نفس المؤمن معلقة" قال السيوطي أي محبوسة عن مقامها الكريم وقال العراقي أي أمرها موقوف لا حكم لها بنجاة ولا هلاك حتى ينظر هل يقضى ما عليها من الدين أم لا انتهى. وسواء ترك الميت وفاء أم لا كما صرح به جمهور أصحابنا، وشذ الماوردي فقال: إن الحديث محمول على من يخلف وفاء كذا في قوت المغتذي. وقال الشوكاني في النيل: فيه الحث للورثة على قضاء دين الميت، والإخبار لهم بأن نفسه معلقة بدينه حتى يقضى عنه. وهذا مقيد بمن له مال يقضى منه دينه. وأما من لا مال له ومات عازماً على القضاء، فقد ورد في الأحاديث ما يدل على أن الله تعالى يقضي عنه، بل ثبت أن مجرد محبة المديون عند موته للقضاء موجبة لتولي الله سبحانه لقضاء دينه، وإن كان له مال ولم يقض منه الورثة. أخرج الطبراني عن أبي أمامة مرفوعاً: من دان بدين في نفسه وفاؤه، ومات تجاوز الله عنه وأرضى غريمه بما شاء. ومن دان بدين وليس في نفسه وفاؤه ومات، اقتص الله لغريمه منه يوم القيامة. وأخرج أيضاً من حديث ابن عمر: الدين دينان. فمن مات وهو ينوي قضاءه فأنا وليه، ومن مات ولا ينوي قضاءه فذلك الذي يؤخذ من حسناته، ليس يومئذ دينار ولا درهم. وأخرج أحمد

(4/193)


ـــــــ
وأبو نعيم في الحلية والبزار والطبراني بلفظ: يدعى بصاحب الدين يوم القيامة حتى يوقف بين يدي الله عز وجل فيقول: يا ابن آدم فيم أخذت هذا الدين؟ وفيم ضيعت حقوق الناس؟ فيقول: يا رب إنك تعلم أني أخذته فلم آكل ولم أشرب ولم أضيع ولكن أتي على يدي إما حرق، وإما سرق وإما وضيعة. فيقول الله: صدق عبدي وأنا أحق من قضى عنك. فيدعو الله بشيء فيضعه في كفة ميزانه، فترجح حسناته على سيئاته فيدخل الجنة بفضل رحمته. هكذا ذكر الشوكاني هذه الأحاديث بغير الإسناد ولم يتكلم عليها بشيء من الصحة والضعف، ثم ذكر حديث أبي هريرة مرفوعاً: من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه، ومن أخذ يريد إتلافها أتلفه الله. أخرجه البخاري ثم ذكر حديث ميمونة: ما من مسلم يدان ديناً، يعلم الله أنه يريد أداءه إلا أدى الله عنه في الدنيا والاَخرة. قال أخرج الحاكم بلفظ: من تداين بدين في نفسه وفاؤه ثم مات تجاوز الله عنه وأرضى غريمه بما شاء. ثم قال وقد ورد أيضاً ما يدل على أن من مات من المسلمين مديوناً فدينه على من إليه ولاية أمور المسلمين يقضيه عنه من بيت مالهم، وإن كان له مال كان لورثته. أخرج البخاري من حديث أبي هريرة: ما من مؤمن إلا وأنا أولى به في الدنيا والاَخرة. اقرؤا إن شئتم {النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ} فأيما مؤمن مات وترك مالا فليرثه عصبته من كانوا، ومن ترك دينا أو ضياعاً فليأتني فأنا مولاه. وأخرج أحمد ومسلم والنسائي وابن ماجه في حديث آخر: من ترك مالا فلأهله، ومن ترك ديناً أو ضياعاً فإلى وعلى. وأنا أولى بالمؤمنين. قال الشوكاني وفي معنى ذلك عدة أحاديث ثبتت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قالها بعد أن كان يمتنع من الصلاة على المديون، فلما فتح الله عليه البلاد وكثرت الأموال صلى على من مات مديوناً. وقضى عنه وذلك مشعر من مات مديوناً استحق أن يقضي عنه دينه من بيت مال المسلمين. وهو أحد المصارف الثمانية فلا يسقط حقه بالموت. ودعوى من ادعى اختصاصه صلى الله عليه وسلم بذلك ساقطة. وقياس الدلالة ينفي هذه الدعوى في مثل قوله صلى الله عليه وسلم: "وأنا وارث من لا وارث له، أعقل عنه وأرثه". أخرجه أحمد وابن ماجه وسعيد بن منصور والبيهقي. وهم لا يقولون أن ميراث من لا وارث له مختص برسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد أخرج الطبراني من حديث سلمان ما يدل على انتفاء

(4/194)


قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ. وَهُوُ أَصَحّ مِنَ الأوّلِ.
"آخر كتاب الجنائز"
ـــــــ
هذه الخصوصية المدعاة ولفظه: من ترك مالا فلورثته، ومن ترك ديناً فعلي، وعلى الولاة من بعدي من بيت المال. قوله: "هذا حديث حسن" وأخرجه أحمد وابن ماجه قال الشوكاني: رجال إسناده ثقات إلا عمر بن أبي سلمة بن عبد الرحمَن وهو صدوق يخطئ انتهى.

(4/195)