Contents

الواجهة
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد
مقدمة
باب الألف
باب الثاء
باب الجيم
باب الحاء
باب الخاء
باب الدال
باب الراء
باب الزاي
تابع باب الزاء
تابع لحرف الزاء
تابع لحرف الزاء
باب الطاء
باب الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع حرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
باب النون
باب الصاد
باب الضاد
باب العين
تابع لحرف العين
تابع حرف العين
تابع لحرف العين
تابع لحرف العين
باب القاف
باب السين
باب الشين
باب الهاء
باب الواو
باب الياء
تابع باب الياء
باب الكني
باب بلاغات مالك ومرسلاته
باب مافي هذا الديوان من حديث مالك الذي ثبتت عليه أبوابه خاصة
الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج
الديباج - جزء 1
الديباج - جزء 2
الديباج - جزء 3
الديباج - جزء 4
الديباج - جزء 5
الديباج - جزء 6
المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج
المنهاج - مقدمة
المنهاج - الإيمان
المنهاج - الطهارة
المنهاج - الحيض
المنهاج - الصَّلَاة
المنهاج - المساجد ومواضع الصلاة
المنهاج - صلاة المسافرين وقصرها
المنهاج - بَاب صَلَاة الْجُمُعَة
المنهاج - بَاب صَلَاة الْعِيدَيْنِ
المنهاج - بَاب الدُّعَاء فِي صَلَاة الِاسْتِسْقَاء
المنهاج - بَاب صَلَاة الْكُسُوف
المنهاج - كِتَاب الْجَنَائِز
المنهاج - الزكاة
المنهاج - كِتَاب الصِّيَام
المنهاج - كِتَاب الِاعْتِكَاف
المنهاج - كِتَاب الْحَجّ
المنهاج - كِتَاب النِّكَاح
المنهاج - الرضاعة
المنهاج - الطلاق
المنهاج - اللِّعَان
المنهاج - العتق
المنهاج - البيوع
المنهاج - المساقاة
المنهاج - الفرائض
المنهاج - الهبات
المنهاج - الوصية
المنهاج - النذر
المنهاج - الأيمان
المنهاج - القسامة
المنهاج - الحدود
المنهاج - الأقضية
المنهاج - اللقطة
المنهاج - الجهاد والسير
المنهاج - الإمارة
المنهاج - الصيد والذبائح
المنهاج - كِتَاب الْأَضْاحَي
المنهاج - الأشربة
المنهاج - اللباس والزينة
المنهاج - الآداب
المنهاج - السلام
المنهاج - الألفاظ من الأدب وغيرها
المنهاج - الشعر
المنهاج - الرؤيا
المنهاج - الفضائل
المنهاج - فضائل الصحابة
المنهاج - البر والصلة والآداب
المنهاج - القدر
المنهاج - العلم
المنهاج - الذكر والدعاء
المنهاج - التوبة
المنهاج - صفات المنافقين
المنهاج - صفة القيامة والجنة والنار
المنهاج - الجنة وصفة نعيمها وأهلها
المنهاج - الفتن وأشراط الساعة
المنهاج - الزهد والرقائق
المنهاج - التفسير
تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي
أبواب الطهارة
أبواب الصلاة
تابع أبواب الصلاة
أبواب الوتر
أبواب الجمعة
تابع لأبواب الجمعة
أبواب العيدين
أبواب السفر
ابواب الزكاة
أبواب الصوم
أبواب الحج
تابع أبواب الحج
أبواب الجنائز
أبواب النكاح
أبواب الرضاع
أبواب الطلاق واللعان
ابواب البيوع
أبواب الأحكام
أبواب الديات
ابواب الحدود
تابع أبواب الحدود
أبواب الصيد
أبواب الأضاحي
أبواب النذور والأيمان
أبواب السير
أبواب الجهاد
أبواب اللباس
أبواب الأطعمة
أبواب الأشربة
تابع أبواب الأشربة
أبواب البر و الصله عن رسول الله صلى الله عليه و آله سلم
أبواب الطب عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الفرائض عن الرسول صلى الله عليه و سلم
أبواب الوصايا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الولاء و الهبة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب القدر عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم
أبواب الفتن عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الرؤيا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الشهادات عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
تابع لأبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صِفَةُ القِيامَة
أبواب صفة الجنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صفة جهنم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإيمان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب العلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإستئذان والآداب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب العلم
أبواب الأمثال
أبواب فضائل القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب القراءات عن رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم
أبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الدعوات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أحاديث شتى من أبواب الدعوات
المناقب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
مناقب الصحابة رضوان الله عليهم
تنوير الحوالك شرح موطأ مالك
كتاب وقوت الصلاة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب السهو
كتاب الجمعة
كتاب الصلاة في رمضان
كتاب صلاة الليل
كتاب صلاة الجماعة
كتاب قصر الصلاة في السفر
كتاب العيدين
كتاب صلاة الخوف
كتاب صلاة الكسوف
كتاب الاستسقاء
كتاب القبلة
كتاب القرآن
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب الجهاد
كتاب النذور و الأيمان
كتاب الضحايا
كتاب الذبائح
كتاب الصيد
كتاب العقيقة
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الرضاع
كتاب البيوع
كتاب القراض
كتاب المساقاة - كتاب كراء الأرض
كتاب الشفعة - كتاب الأقضية
كتاب الوصية - كتاب العتق والولاء
كتاب المكاتب - كتاب المدبر
كتاب الحدود
كتاب الأشربة - كتاب العقول
كتاب القسامة - كتاب الجامع
كتاب القدر - كتاب حسن الخلق
كتاب اللباس - كتاب صفة النبي
كتاب العين - كتاب الشعر
كتاب الرؤيا - كتاب السلام
كتاب الاستئذان والتشميت والصور والتماثيل وغيرها
كتاب البيعة - كتاب الكلام والعينة والتقى
كتاب جهنم - كتاب الصدقة
كتاب العلم - كتاب دعوة المظلوم - كتاب أسماء النبي
حاشية السندي على سنن ابن ماجة
المقدمة
الطَّهَارَة وَسُنَنهَا
الصلاة
الْأَذَان
المساجد والجماعات
أَبْوَاب إِقَامَة الصَّلَاة
الجنائز
الصوم
الزكاة
النكاح
الطلاق
الكفارات
التجارات
الأحكام
الحدود
الديات
الوصايا
الْفَرَائِض
الجهاد
المناسك
الْأَضَاحِيّ
الذبائح
الصيد
الأطعمة
الأشربة
الطب
اللباس
الْآدَاب
الدُّعَاء
تعبير الرؤيا
الْفِتَن
الزُّهْد
شرح سنن ابن ماجه لمغلطاي
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح رياض الصالحين
شرح رياض الصالحين - 01
شرح رياض الصالحين - 02
شرح رياض الصالحين - 03
شرح رياض الصالحين - 04
شرح سنن أبي داود للعيني
مقدمة التحقيق
كتاب الطهارة
كِتابُ الصَلاَةِ
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
عون المعبود شرح سنن أبي داود
كتاب الطهارة
تابع كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
كتاب الزكاة
تابع لكتاب الزكاة
كتاب اللقطة
كتاب المناسك
تابع لكتاب المناسك
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الصيام
تابع لكتاب الصيام
أول كتاب الجهاد
أول كتاب الضحايا
تابع كتاب الضحايا
أول كتاب الصيد
أول كتاب الوصايا
أول كتاب الفرائض
أول كتاب الخراج والفيء والإمارة
أول كتاب الجنائز
تابع لكتاب الجنائز
كتاب الأيمان والنذور
كتاب البيوع
كتاب الإجارة
كتاب القضاء
تابع لكتاب القضاء
كتاب العلم
كتاب الأشربة
كتاب الأطعمة
كتاب الطب
كتاب الكهانة والتطير
كتاب العتق
أول كتاب الحروف والقراءات
أول كتاب الحمام
أول كتاب اللباس
أول كتاب الترجل
أول كتاب الخاتم
أول كتاب الفتن والملاحم
أول كتاب المهدي
أول كتاب الملاحم
أول كتاب الحدود
أول كتاب الديات
أول كتاب السنة
تابع لكتاب السنة
أول كتاب الأدب
أبواب السلام
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن حجر
فتح الباري - هدي الساري مقدمة فتح الباري
فتح الباري - كتاب بدء الوحي
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب العلم
فتح الباري - كتاب الوضوء
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
فتح الباري - كتاب مواقيت الصلاة
فتح الباري - كتاب الأذان
فتح الباري - كتاب الجمعة
فتح الباري - كتاب الخوف
فتح الباري - كتاب العيدين
فتح الباري - كتاب الوتر
فتح الباري - كتاب الاستسقاء
فتح الباري - كتاب الكسوف
فتح الباري - كتاب سجود القرآن
فتح الباري - كتاب تقصير الصلاة
فتح الباري - كتاب التهجد
فتح الباري - كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة
فتح الباري - كتاب العمل في الصلاة
فتح الباري - كتاب السهو
فتح الباري - كتاب الجنائز
فتح الباري - كتاب الزكاة
فتح الباري - كتاب الحج
فتح الباري - كتاب العمرة
فتح الباري - كتاب المحصر
فتح الباري - كتاب جزاء الصيد
فتح الباري - كتاب فضائل المدينة
فتح الباري - كتاب الصوم
فتح الباري - كتاب صلاة التراويح
فتح الباري - كتاب فضل ليلة القدر
فتح الباري - كتاب الإعتكاف
فتح الباري - كتاب البيوع
فتح الباري - كتاب السلم
فتح الباري - كتاب الشفعة
فتح الباري - كتاب الإجارة
فتح الباري - كتاب الحرث والمزارعة
فتح الباري - كتاب المساقاة
فتح الباري - كتاب الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس
فتح الباري - كتاب الخصومات
فتح الباري - كتاب اللقطة
فتح الباري - كتاب المظالم
فتح الباري - كتاب الشركة
فتح الباري - كتاب الرهن
فتح الباري - كتاب العتق
فتح الباري - كتاب المكاتب
فتح الباري - كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها
فتح الباري - كتاب الشهادات
فتح الباري - كتاب الصلح
فتح الباري - كتاب الشروط
فتح الباري - كتاب الوصايا
فتح الباري - كتاب الجهاد و السير
فتح الباري - كتاب فرض الخمس
فتح الباري - كتاب الجزية و الموادعة
فتح الباري - كتاب بدء الخلق
فتح الباري - كتاب أحاديث الأنبياء
فتح الباري - كتاب المناقب
فتح الباري - كتاب فضائل الصحابة
فتح الباري - كتاب مناقب الأنصار
فتح الباري - كتاب المغازي
فتح الباري - كتاب التفسير
فتح الباري - كتاب فضائل القرآن
فتح الباري - كتاب النكاح
فتح الباري - كتاب الطلاق
فتح الباري - كتاب النفقات
فتح الباري - كتاب الأطعمة
فتح الباري - كتاب العقيقة
فتح الباري - كتاب الذبائح والصيد
فتح الباري - كتاب الأضاحي
فتح الباري - كتاب الأشربة
فتح الباري - كتاب المرضى
فتح الباري - كتاب الطب
فتح الباري - كتاب اللباس
فتح الباري - كتاب الأدب
فتح الباري - كتاب الإستئذان
فتح الباري - كتاب الدعوات
فتح الباري - كتاب الرقاق
فتح الباري - كتاب القدر
فتح الباري - كتاب الأيمان والنذور
فتح الباري - كتاب كفارات الأيمان
فتح الباري - كتاب الفرائض
فتح الباري - كتاب الحدود
فتح الباري - كتاب الديات
فتح الباري - كتاب استتابة المرتدين
فتح الباري - كتاب الإكراه
فتح الباري - كتاب الحيل
فتح الباري - كتاب التعبير
فتح الباري - كتاب الفتن
فتح الباري - كتاب الأحكام
فتح الباري - كتاب التمني
فتح الباري - كتاب أخبار الأحاد
فتح الباري - كتاب الإعتصام بالسنة
فتح الباري - كتاب التوحيد
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن رجب
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
مقدمة
خطبة الكتاب
كتاب الإيمان
كتاب العلم
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصوم
كتاب فضائل القرآن
كتاب الدعوات
كتاب المناسك
كتاب البيوع
كتاب الفرائض والوصايا
كتاب النكاح
كتاب العتق
كتاب القصاص
كتاب الديات
كتاب الحدود
كتاب الإمارة والقضاء
كتاب الجهاد
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأطعمة
كتاب اللباس
كتاب الطب والرقى
كتاب الرؤيا
كتاب الآداب
كتاب الرقاق
كتاب الفتن
كتاب صفة القيامة والجنة والنار
كتاب الفضائل والشمائل
كتاب المناقب

 
عودة لموقع هاني الطنبور
هاني الطنبور
الصفحة السابقة الصفحة التالية
 
 

 

تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي

أبواب النكاح
باب ماجاء في فضل التزويج والحث عليه
...
أبواب النكاح
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
1 ـ باب مَا جَاءَ في فَضْل التزْوِيجِ وَالحَثّ عَلَيْه
1086 ـ حدثنا سُفْيَانُ بنُ وَكِيعٍ. حدثنا حَفْصُ بنُ غِيَاثِ، عَنِ الْحجّاجِ، عَنْ مَكْحُولٍ، عَنْ أبي
الشّمَالِ، عَنْ أبي أيّوبَ قالَ: قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم "أرْبَعٌ مِنْ سُنَنِ الْمُرسَلِينَ: الحَيَاءُ والتّعَطُر وَالسّواكُ وَالنّكَاحُ".
ـــــــ
أبواب النكاح
قال القاري في المرقاة: قيل هو مشترك بين الوطء والعقد اشتراكاً لفظياً. وقيل حقيقة في العقد مجاز في الوطء وقيل بقلبه وعليه مشائخنا انتهى. قلت: قال الحافظ في الفتح النكاح في اللغة الضم والتداخل. وفي الشرع حقيقة في العقد. مجاز في الوطء على الصحيح. والحجة في ذلك كثرة وروده في الكتاب والسنة للعقد. حتى قيل إنه لم يرد في القرآن إلا للعقد. قال: وقيل مقول بالاشتراك على كل منهما، وبه جزم الزجاجي وهذا الذي يترجح في نظري. وإن كان أكثر ما يستعمل في العقد انتهى
"حدثنا حفص بن غياث" بكسر الغين المعجمة الكوفي القاضي ثقة فقيه تغير حفظه قليلاً في الاَخر "عن أبي الشمال" بن ضباب بكسر المعجمة وبموحدتين مجهول كذا في الخلاصة والتقريب. وقال في الميزان: حدث عنه مكحول بحديث: أربع من سنن المرسلين. لا يعرف إلا بهذا الحديث. قاله أبو زرعة قوله: "أربع" أي أربع خصال "من سنن المرسلين" أي فعلاً وقولاً. يعني التي فعلوها وحثوا عليها. وفيه تغليب. لأن بعضهم كعيسى ما ظهر منه الفعل في بعض الخصال وهو النكاح. قاله القاري في المرقاة. وقال المناوي في شرح الجامع الصغير، المراد أن الأربع من سنن غالب الرسل، فنوح لم يختتن وعيسى لم يتزوج انتهى. "الحياء" قال العراقي وقع في روايتنا

(4/196)


وفي البابِ عَنْ عُثْمانَ وثَوْبَانَ وابنِ مَسْعُودِ وعَائِشَةَ وَعبْدِ الله بنِ عَمْروٍ وأبي نجج وجَابِرٍ وعَكّافٍ. حدِيثُ أبي أيّوبَ حديثٌ حسنٌ غَرِيبٌ.
ـــــــ
بفتح الحاء المهملة وبعدها ياء مثناة من تحت وصحفه بعضهم بكسر الحاء وتشديد النون، وقال ابن القيم في الهدى: روى في الجامع بالنون والياى أي الحناء والحياء، وسمعت أبا الحجاج الحافظ فيقول الصواب الختان وسقطت النون من الحاشية. كذلك رواه المحاملي عن شيخ الترمذي. كذا في قوت المغتذي وأورد الخطيب التبريزي هذا الحديث في المشكاة نقلاً عن الترمذي هكذا: أربع من سنن المرسلين الحياء ويروي الختان والتعطر الخ. قال القاري في المرقاة: قال الطيبي: اختصر المظهر كلام التوربشتي و قال: في الحياء ثلاث روايات بالحاء المهملة والياء التحتانية يعني به ما يقتضي الحياء من الدين، كستر العورة، والتنزه عما تأباه المروءة ويذمه الشرع من الفواحش وغيرها، لا الحياء الجبلي نفسه، فإنه مشترك بين الناس. وإنه خلق غريزي لا يدخل في جملة السنن، وثانيها: الختان بخاء معجمة وتاء فوقها نقطتان، وهي من سنة الأنبياء من لدن إبراهيم عليه الصلاة والسلام إلى زمن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وثالثها: الحناء بالحاء المهملة والنون المشددة. وهذه الرواية غير صحيحة، ولعلها تصحيف لأنه يحرم على الرجال خضاب اليد والرجل تشبهاً بالنساء. وأما خضاب الشعر به فلم يكن قبل نبيناً صلى الله عليه وسلم، فلا يصح إسناده إلى المرسلين انتهى ما في المرقاة "والتعطر" أي استعمال العطر وهو الطيب.
قوله: "وفي الباب عن عثمان" بن عفان رضي الله عنه مرفوعاً: من كان منكم ذا طول فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج. ومن لا، فالصوم له وجاء. و "وثوبان" أخرجه الترمذي والروياني ورجاله ثقات إلا أن فيه انقطاعاً. كذا في التلخيص. "وابن مسعود" أخرجه الجماعة "وعن عائشة" أخرجه ابن ماجه بلفظ: النكاح من سنتي فمن لم يعمل بسنتي فليس مني الحديث. وفي إسناده عيسى بن ميمون وهو ضعيف "وعبد الله بن عمرو" بن العاص أخرجه النسائي وابن ماجه والبيهقي بلفظ: إن لكل عمل شرة، ولكل شرة فترة، فمن كان فترته إلى سنتي فقد اهتدى، ومن كان إلى غير ذلك فقد هلك . "وجابر" أخرجه الجماعة بلفظ: إ ن النبي صلى الله عليه وسلم قال له يا جابر تزوجت بكراً

(4/197)


حدثنا مَحْمُودُ بنُ خِدَاشٍ البغدادي. حدثنا عَبّادُ بنُ الْعَوّام، عنْ مَكْحُولٍ، عَنْ أبي الشّمالِ، عَنْ أبي أيّوبَ، عَنِ النبيّ صلى الله عليه وسلم، نَحْوَ حدِيثِ حَفصٍ.
وَرَوَى هذَا الْحَديِثَ هُشَيمٌ ومُحَمّدُ بنُ يَزِيدَ الوَاسِطِيّ وأبُو مُعَاوِيَةَ وغَيْرُ وَاحِدً عنِ الْحَجّاجِ، عَنْ مَكْحُولٍ، عَنْ أَبي أيّوبَ وَلَمْ يَذْكُرُوا فِيهِ "عَنْ أبي الشّمالِ" .
ـــــــ
أم ثيباً؟ قال ثيباً الحديث. وأخرج عبد الرزاق في الجامع عن جابر مرفوعاً: أيما شاب تزوج في حداثة سنه عج شيطانه عصم مني دينه " وعكاف" قال في القاموس. عكاف كشداد بن وداعة الصحابي انتهى. وقال الحافظ في تعجيل المنفعة: عكاف بن وداعة الهلالي، يقال ابن يسر التميمي، أخرج حديثه أبو علي بن السكن، والعقيلي، في الضعفاء والطبراني، في مسند الشاميين من طريق برد بن سنان عن مكحول عن غضيف بن الحارث عن عطية بن بسر المازني عن عكاف بن وداعة الهلالي، وأخرج أبو يعلى في مسنده وابن مندة في المعرفة من طريق بقية بن الوليد عن معاوية بن يحي عن سليمان بن موسى عن مكحول عن عضيف بن الحارث عن عطية بن بسر المازني قال: جاء عكاف بن وداعة الهلالي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا عكاف ألك زوجة؟ قال: لا. قال: ولا جارية؟ قال: لا. قال: وأنت صحيح موسر؟ قال نعم الحمدلله، قال: فأنت إذن من إخوان الشياطين، إما أن تكون من رهبان النصارى، فأنت منهم وإما أن تكون منا فاصنع كما نصنع، فإن من سنتنا النكاح. شراركم عزابكم، ويحك يا عكاف، تزوج الحديث. ثم ذكر الحافظ طرقاً أخرى ثم قال: ولا يخلو طريق من طرقه من ضعف انتهى. قوله: "حديث أبي أيوب حديث حسن غريب" في تحسين الترمذي هذا الحديث نظر، فإنه قد تفرد به أبو الشمال، وقد عرفت أنه مجهول إلا أن يقال: إن الترمذي عرفه ولم يكن عنده مجهولا، أو يقال إنه حسنه لشواهده فروى نحوه عن غير أبي أيوب. قال الحافظ في التلخيص بعد ذكر حديث أبي أيوب هذا: رواه أحمد والترمذي، ورواه ابن أبي خيثمة وغيره من حديث مليح بن عبد الله عن أبيه عن جده نحوه. ورواه الطبراني من حديث ابن عباس انتهى.

(4/198)


وحَدِيثُ حَفْصِ بنِ غِيَاثٍ وَعبّادِ بنِ الْعَوّامِ أصَحّ.
1087 ـ حدثنا مَحْمُودُ بنُ غَيْلاَنَ. حدثنا أبُو أحْمَدَ الزبيري. حدثنا سُفْيَانُ عَنِ الأعْمَشِ، عَنْ عُمَارَةَ بنِ عُمَيْرٍ، عَنْ عَبْدِ الرّحْمَنِ بنِ يَزِيدَ، عَنْ عَبْدِ الله بنِ مَسْعُودٍ قالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسولِ الله صلى الله عليه وسلم ونُحْنُ شَبَابٌ لاَ نَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ. فقَالَ: "يَا مَعْشَرَ الشبَابِ عَليْكُمْ بِالْبَاءَةِ. فإنّهُ أغَضّ لِلْبَصَرِ وأحْصَنُ لِلْفَرْجِ، فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَعَلَيْهِ بِالصّوْمِ. فإِنّ الصّوْمَ لَهُ وِجَاءٌ".
ـــــــ
قوله: "ونحن شباب" على وزن سحاب جمع شاب، قال الأزهر لم يجمع فاعل على فعال غيره "لانقدر على شيء" أي من المال، وفي رواية البخاري: لا نجد شيئاً "يا معشر الشباب" المعشر جماعة يشملهم وصف وخصهم بالخطاب لأن الغالب وجود قوة الداعي فيهم إلى النكاح "وعليكم بالباءة" بالهمزة وتاء التأنيث ممدوداً. قال النووي فيها أربع لغات: الفصيحة المشهورة البآءة بالمد والهاء. والثانية الباءة بلا مد. والثالثة البآء بالمد بلا هاء. والرابعة الباهة بهائين بلا مد. وأصلها في اللغة الجماع مشتقة من المباءة وهي المنزل. ومنه مباءة الإبل وهي مواطنها. ثم قيل لعقد النكاح باءة لأن من تزوج امرأة بوأها منزلاً. قال واختلف العلماء في المراد بالباءة هنا على قولين يرجعان إلى معنى واحد: أصحهما أن المراد معناه اللغوي وهو الجماع. فتقديره من استطاع منكم الجماع لقدرته على مؤنه وهي مؤن النكاح فليتزوج. ومن لم يستطع الجماع لعجزه عن مؤنه فعليه الصوم ليدفع شهوته. والقول الثاني: أن المراد هنا بالباءة مؤن النكاح سميت باسم ما يلازمها. والذي حمل القائلين بهذا قوله: ومن لم يستطع فعليه بالصوم. قالوا: والعاجز عن الجماع لا يحتاج إلى الصوم لدفع الشهوة فوجب تأويل الباءة على المؤن انتهى كلام النووي ملخصاً. "فإنه" أي التزوج "أغض للبصر" أي أخفض وأدفع لعين المتزوج عن الأجنبية من غض طرفه أي خفضه وكفه "وأحصن" أي أحفظ "للفرج" أي عن الوقوع في الحرام "فإن الصوم له وجاء" بكسر الواو وبالمد أي كسر لشهوته، وهو في الأصل رض الخصيتين

(4/199)


هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
حدثنا الحَسَنُ بنُ عَلي الْخَلاّلُ. حدثنا عَبْدُ الله بنُ نُمَيْرٍ. حدثنا الأعْمَشُ عَنْ عمَارَةَ، نحْوَهُ. وَقَدْ رَوَى غَيْرُ وَاحِدٍ عَنِ الأعْمَشِ بِهَذَا الإسْنَادِ، مِثْلَ هذَا. وَرَوَى أبُو مُعَاوِيةَ والْمُحَارِبيّ، عَنِ الأعْمَشِ، عَنْ إبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ الله، عَنِ النبيّ صلى الله عليه وسلم، نَحْوَهُ.
ـــــــ
ودقهما لتضعف الفحولة. فالمعنى أن الصوم يقطع الشهوة ويدفع شر المنى كالوجاء قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه البخاري ومسلم.
قوله: "وروى أبو معاوية والمحاربي عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله الخ" أخرج البخاري هذا الحديث في صحيحه بهذا السند. وبالسند المتقدم كليهما. وإبراهيم هذا هو النخعي. والمحاربي هذا هو عبد الرحمَن بن محمد بن زياد أبو محمد الكوفي لا بأس به.
تنبيه: استدل بهذا الحديث بعض المالكية على تحريم الاستمناء لأنه أرشد عند العجز عن التزويج إلى الصوم الذي يقطع الشهوة فلو كان الاستمناء مباحاً لكان الإرشاد إليه أسهل. وتعقب دعوى كونه أسهل لأن الترك أسهل من الفعل. وقد أباح الاستمناء طائفة من العلماء. وهو عند الحنابلة وبعض الحنفية لأجل تسكين الشهوة كذا في فتح الباري.
قلت: في الاستمناء ضرر عظيم على المستمنى بأي وجه كان. فالحق أن الاستمناء فعل حرام لا يجوز ارتكابه لا لغرض تسكين الشهوة. ولا لغرض آخر ومن أباحه لأجل التسكين فقد غفل غفلة شديدة ولم يتأمل فيما فيه من الضرر. هذا ما عندي والله تعالى أعلم.

(4/200)


باب ماجاء عن النهي عن التبتل
...
2 ـ باب ما جَاءَ في النّهْيِ عَنِ التّبَتل
1088 ـ حدثنا الْحَسَنُ بنُ عَلي الخَلاّلُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ قَالُوا: أخبرنا
ـــــــ
باب ما جَاءَ في النّهْيِ عَنِ التّبَتل
هو في الأصل الانقطاع والمراد به هنا الانقطاع من النساء وترك التزوج.

(4/200)


عَبْدُ الرّزّاقِ. أخبرنا مَعْمَرٌ عنِ الزّهْرِيّ، عَنْ سَعِيدِ بنِ الْمُسَيّبِ، عن سَعْد بن أبي وَقّاصٍ قالَ: "رَدّ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عَلَى عُثمَانَ بنِ مَظْعُونٍ التّبَتّلَ. ولوْ أَذِنَ لَهُ لاَخْتَصَيْنَا".
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
قوله: "رد رسول الله صلى الله عليه وسلم على عثمان بن مظعون التبتل" أي لم يأذن له حين استأذنه بل نهاه عنه. قال النووي: وهذا عند أصحابنا محمول على من تاقت نفسه ووجد مؤنه "ولو أذن له لاختصينا" أي لجعل كل منا نفسه خصياً كيلا يحتاج إلى النساء. قال الطيبي كان الظاهر أن يقول: ولو أذن له لتبتلنا. ولكنه عدل عن هذا الظاهر إلى قوله: لاختصينا لإرادة المبالغة. أي لبالغنا في التبتل حتى يفضي بنا الاختصاء. ولم يرد به حقيقة الاختصاء لأنه حرام. وقيل بل هو على ظاهره، وكان ذلك قبل النهي عن الاختصاء. ويؤيده توارد استيذان جماعة من صحابة النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك كأبي هريرة وابن مسعود وغيرهما كذا في فتح الباري. قال النووي وهذا محمول على أنهم كانوا يظنون جواز الاختصاء باجتهادهم، ولم يكن ظنهم هذا موافقاً فإن الاختصاء في الاَدمي حرام صغيراً كان أو كبيراً. قال البغوي: وكذا يحرم خصاء كل حيوان لا يؤكل، وأما المأكول فيجوز خصاؤه في صغره ويحرم في كبره انتهى. قلت يدل على عدم جواز خصاء البهائم مطلقاً صغيرة كانت أو كبيرة مأكولة كانت أو غير مأكولة ما أخرجه البزار قال الشوكاني في النيل بإسناد صحيح من حديث ابن عباس: إن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن صبر الروح، وعن إخصاء البهائم نهياً شديداً. وأخرجه أيضاً البيهقي في سننه الكبرى. ويؤيد هذا الحديث مارواه أحمد والطحاوي بإسناد ضعيف عن ابن عمر قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن إخصاء الخيل والبهائم، ثم قال ابن عمر: فيها نماء الخلق قال الشوكاني في النيل تحت هذا الحديث فيه دليل على تحريم خصي الحيوانات. وقول ابن عمر: فيها نماء الخلق أي زيادته إشارة إلى أن الخصي تنمو به الحيوانات، ولكن ليس كل ما كان جالباً لنفع يكون حلالاً، بل لا بد من عدم المانع وإيلام الحيوان، ههنا مانع لأنه ايلام لم يأذن به الشارع بل نهى عنه انتهى كلام

(4/201)


1089 ـ حدثنا أبُو هِشَامٍ الرّفَاعِيّ و زَيْدُ بنُ أَخْزَمَ الطائي و إسْحَاقُ بنُ إبْرَاهِيم الصواف الْبَصْرِيّ، قَالُوا: حدثنا مُعَاذُ بنُ هِشَامٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ سَمُرَةَ "أَنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم نهَى عَنِ التّبَتّلِ".
ـــــــ
الشوكاني. وقد استدل بعض الصحابة والتابعين على عدم جواز إخصاء البهائم بقوله تعالى: {وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ} قال الحافظ ابن كثير في تفسيره: {وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ} قال ابن عباس يعني بذلك خص الدواب وكذا روى عن ابن عمر وأنس وسعيد بن المسيب وعكرمة وأبي عياض وقتادة وأبي صالح والثوري. وقد ورد في حديث النهي عن ذلك انتهى. وقيل المراد بتغيير خلق الله في هذه الأية تغيير دين الله ففي تفسير ابن كثير: وقال ابن عباس في رواية عنه ومجاهد وعكرمة وإبراهيم النخعي، والحسن وقتادة والحكم والسدى والضحاك وعطاء الخراساني: {وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ} يعني دين الله عز وجل وهذا كقوله تعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ} على قول من جعل ذلك أمراً أي لا تبدلوا فطرة الله ودعوا الناس إلى فطرتهم انتهى.
قلت: لو تأملت وتدبرت في الاَيتين ظهر لك أن المراد بتغيير خلق الله في الاَية الأولى هو تغيير الصورة وأن المراد بتبديل خلق الله في الاَية الثانية هو تبديل دين الله. ويدل على أن المراد بتغيير خلق الله في الاَية الأولى هو تغيير الصورة ما أخرجه البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن مسعود: قال لعن الله الواشمات والمستوشمات والمتنمصات والمتفلجات للحسن. المغيرات خلق الله الحديث. وقد استدل من قال بجواز إخصاء البهائم بما ورد من أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحى بكبشين موجوئين. قالوا: لو كان إخصاء الحيوان المأكول حراماً. لما ضحى بالكبش الموجوء البتة. وفي هذا الاستدلال نظر كما لا يخفى على المتأمل. وقد بسطت الكلام في هذه المسألة في رسالتي إرشاد الهائم إلى حكم إخصاء البهائم.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان.
قوله: "نهى عن التبتل" قال الجزري في النهاية: التبتل الانقطاع عن النساء.

(4/202)


وَزَادَ زَيْد بنُ أَخْزَمَ في حَدِيثِهِ وَقَرَأَ قَتَادَةُ {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجَاً وَذُرّيّةً}.
وفي البابِ عَنْ سَعْد وأَنَسِ بنِ مَالِكٍ وعَائِشَةَ وابنِ عَبّاسٍ.
حدِيثُ سَمُرَةَ حدِيثٌ حسنٌ غرِيبٌ. وَرَوَى الأشْعَثُ بنُ عَبْدِ المْلِكِ هَذَا الْحَدِيثَ عَنِ الْحَسَنِ. عَنْ سَعْدِ بنِ هِشَامٍ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النبيّ صلى الله عليه وسلم نَحْوَهُ. وَيُقَالُ: كِلاَ الْحَدِيِثَيْنِ صَحْيحٌ.
ـــــــ
وترك النكاح. وامرأة بتول منقطعة عن الرجال لا شهوة لها فيهم. وبها سميت مريم أم المسيح عليهما السلام. وسمت الفاطمة البتول لانقاعها عن نساء زمانها فضلاً وديناً وحسباً. وقيل لانقطاعها عن الدنيا إلى الله تعالى انتهى. قوله: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ} الخ يعني أن النكاح من سنة المرسلين فلا ينبغي تركها أصلاً. وقد استدلت عائشة بهذه الاَية على منع التبتل روى النسائي عن سعد بن هشام: أنه دخل على أم المؤمنين عائشة قال قلت إني أريد أن أسألك عن التبتل فما ترين فيه؟ قالت فلا تفعل. أما سمعت الله عز وجل يقول "ولقد أرسلنا رسلاً من قبلك وجعلنا لهم أزواجاً وذرية" فلا تبتل.
قوله: "وفي الباب عن سعد" بن أبي وقاص أخرجه الطبراني وفيه: أن الله أبدلنا بالرهبانية الحنيفية السمحة. كذا في النيل "وأنس بن مالك" أخرجه أحمد بلفظ: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأمر بالباءة وينهى عن التبتل نهياً شديداً. ويقول تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأنبياء يوم القيامة. وأخرجه أيضاً ابن حبان وصححه وذكره في مجمع الزوائد في موضعين، وحسن إسناده في أحدهما كذا في النيل "وعائشة" أخرجه النسائي بلفظ حديث الباب "وابن عباس" أخرجه أحمد وأبو داود والحاكم والطبراني مرفوعاً بلفظ: لا صرورة في الإسلام. قال الحافظ في التلخيص: وهو من رواية عطاء عن عكرمة عنه. ولم يقع منسوباً فقال ابن طاهر هو ابن وزار وهو ضعيف لكن في رواية الطبراني ابن أبي الخوار وهو موثق انتهى.
قوله: "حديث سمرة حديث حسن غريب" فيه أن في سماع الحسن عن سمرة خلافاً مشهوراً.

(4/203)


باب ماجاء إذا جاءكم من ترضون دينه فزوجوه
...
3 ـ باب ما جاء اذا جاءكم مَنْ تَرْضَوْنَ دِينهُ فَزَوّجُوه
1090 ـ حدثنا قُتَيْبَةُ حدثنا عَبْدُ الحَمِيدِ بنُ سُلَيمانَ عن ابنِ عَجْلاَنَ، عَنِ ابنِ وَثِيمَةَ النّصْرِيّ، عن
أبي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إذَا خَطَبَ إلَيْكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ، فَزَوّجُوهُ. إلاّ تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ في الأرْضِ وفَسَادٌ عرِيضٌ". وفي البابِ عَنْ أبي حَاتِم المُزَنِيّ وَعَائِشَةَ. حديثُ أبي هُرَيْرَةَ، قَدْ خُولِفَ عبْدُ الحَمِيدِ
ـــــــ
باب ما جاء اذا جاءكم مَنْ تَرْضَوْنَ دِينهُ فَزَوّجُوه
قوله: "حدثنا عبد الحميد بن سليمان" الخزاعي أبو عمر المدني نزيل بغداد ضعيف من الثامنة "عن ابن وثيمة" بفتح واو وكسر مثلثة وسكون ياه اسمه زفر الدمشقي مقبول من الثالثة قوله: "إذا خطب إليكم" أي طلب منكم أن تزوجوه امرأة من أولادكم وأقاربكم "من ترضون" أي تستحسنون "دينه" أي ديانته "وخلقه" أي معاشرته "فزوجوه" أي إياها "إلا تفعلوا" أي إن لم تزوجوا من ترضون دينه وخلقه وترغبوا في مجرد الحسب والجمال أو المال "وفساد عريض" أي ذو عرض أي كبير، وذلك لأنكم إن لم تزوجوها إلا من ذي مال أو جاه، ربما يبقى أكثر نسائكم بلا أزواج، وأكثر رجالكم بلا نساء، فيكثر الافتتان بالزنا، وربما يلحق الأولياء عار فتهيج الفتن والفساد، ويترتب عليه قطع النسب وقلة الصلاح والعفة. قال الطيبي: وفي الحديث دليل لمالك، فإنه يقول لا يراعى في الكفاءة إلا الدين وحده. ومذهب الجمهور: أنه يراعى أربعة أشياء الدين والحرية والنسب والصنعة، فلا تزوج المسلمة من كافر، ولا الصالحة من فاسق، ولا الحرة من عبد، ولا المشهورة النسب من الخامل، ولا بنت تاجر أو من له حرفة طيبة ممن له حرفة خبيثة أو مكروهة، فإن رضيت المرأة أو وليها بغير كفء صح النكاح كذا في المرقاة.
قوله: "وفي الباب عن أبي حاتم المزني" أخرجه الترمذي "وعائشة" أي أبا حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس، وكان ممن شهد بدراً مع النبي صلى الله عليه وسلم تبنى سالماً وأنكحه ابنة أخيه الوليد بن عتبة بن ربيعة، وهو مولى

(4/204)


ابنُ سُلَيمانَ في هذا الحديثِ، فَرَوَاهُ اللّيْثُ بنُ سَعْدٍ عَنْ ابنِ عَجْلاَنَ. عَنْ أبي هُرَيْرَةَ، عَن النبيّ صلى الله عليه وسلم، مُرْسَلاً. قالَ مُحَمّد: وحديثُ اللّيْثُ أشبَهُ. وَلَمْ يَعُدّ حديثَ عبْدِ الحَمِيدِ مَحْفُوظاً.
1091 ـ حدثنا مُحَمّدُ بنُ عَمْوو السّواق البلخي حدثنا حَاتِمُ بنُ إسْمَاعِيلَ عَنْ عَبْدِ الله بنِ مُسْلِمِ بنِ هرْمُزَ، عَنْ مُحَمّدٍ وَسَعِيدِ ابْنٍى عبَيْدُ عَنْ أبي حَاتِمٍ المُزَنِيّ قالَ: قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إذَا جَاءَكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَأَنْكِحُوُهُ، إلا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ في الأرْضِ وَفَسَادٌ".
قَالُوا يا رسولَ الله وَإنْ كانَ فيهِ؟
قالَ: "إذَا جَاءكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فأنْكحِوهُ "ثَلاَثَ مَرّاتٍ". هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ. وأبُو حاتم المُزَنيّ لَهُ صُحْبَةٌ. وَلاَ نَعْرِفُ لَهُ عَنْ النبيّ صلى الله عليه وسلم غَيْرَ هذَا الحدْيثَ.
ـــــــ
امرأة من الأنصار. وأخرجه البخاري والنسائي وأبو داود. قوله: "مرسلاً" أي منقطعاً بعدم ذكر ابن وثيمة قوله: "ولم يعد حديث عبد الحميد محفوظاً" لأنه ضعيف، وأما الليث بن سعد ثقة ثبت.
قوله: "وإن كان فيه" أي شيء من قلة المال أو عدم الكفاءة. قوله: "هذا حديث حسن غريب" في سنده عبد الله بن مسلم بن هرمز وهو ضعيف، إلا أنه قد تأيد بحديث أبي هريرة المذكور قبله. قوله: "وأبو حاتم المزني له صحة" وقيل لا صحبة له كذا في التقريب

(4/205)


باب ماجاء في من تنكح على ثلاث خصال
...
4 ـ باب مَا جَاءَ أن المرأة تنْكَحُ عَلَى ثَلاَث خِصَال
1092 ـ حدثنا أَحْمَدُ بنُ مُحَمّدٍ بنِ مُوسَى. أخبرنا إسْحَاقُ بنُ يُوسُفَ الأزْرَقُ. أخبرنا عَبْدُ الْملكِبن أبي سليمان عَنْ عَطَاءِ، عَنْ جَابِرٍ أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ: "إنّ الْمَرْأةَ تُنْكَحُ عَلَى ديِنهَا ومَالِهَا وجَمَالِهَا. فَعَلَيْكَ
ـــــــ
باب مَا جَاءَ أن المرأة تنْكَحُ عَلَى ثَلاَث خِصَال
قوله: "تنكح" بصيغة المجهول "على دينها" أي لأجل دينها فعلى بمعنى اللام لما في الصحيحين: تنكح المرأة لأربع: لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها. الحديث

(4/205)


بِذَاتِ الدّينِ. تَرِبَتْ يَدَاكَ".
وفي البابِ عَنْ عَوفِ بنِ مَالِكٍ وعَائِشَةَ وعَبْدِ الله بنِ عَمْرِو وأبي سَعِيدٍ. حديثُ جابرٍ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
فعليك بذات الدين" قال القاضي رحمه الله: من عادة الناس أن يرغبوا في النساء ويختاروها لإحدى الخصال، واللائق بذوى المروءات وأرباب الديانات أن يكون الدين مطمح نظرهم فيما يأتون ويذرون، لا سيما فيما يدوم أمره ويعظم خطره انتهى. وقد وقع في حديث عبد الله بن عمر وعند ابن ماجه والبزار والبيهقي رفعه: لا تزوجوا النساء لحسنهن فعسى حسنهن أن يرديهن، ولا تزوجوهن لأموالهن فعسى أموالهن أن تطغيهن، ولكن تزوجوهن على الدين. ولأمة سوداء ذات دين أفضل. "تربت يداك" قال الجزري في النهاية يقال ترب الرجل إذا افتقر أي لصق بالتراب وأترب إذا استغنى وهذه الكلمة جارية على ألسنة العرب، لا يريدون بها الدعاء على المخاطب، ولا وقوع الأمر به. قال وكثيراً ترد للعرب ألفاظاً ظاهرها الذم، وإنما يريدون بها المدح كقولهم: لا أب لك، ولا أم لك، ولا أرض لك. ونحو ذلك انتهى. قوله: "وفي الباب عن عوف بن مالك وعائشة" لينظر من أخرج حديثهما "وعبد الله بن عمرو" أخرجه ابن ماجه وتقدم لفظه وأخرجه أيضاً البزار والبيهقي "وأبي سعيد" أخرجه الحاكم وابن حبان بلفظ تنكح المرأة على إحدى ثلاث خصال: جمالها ودينها وخلقها فعليك بذات الدين والخلق. قوله: "حديث جابر حديث حسن صحيح" وأخرجه مسلم.

(4/206)


باب ماجاء في النظر إلى المخطوبة
...
5 ـ باب مَا جَاءَ في النّظَرِ إِلى الْمَخْطوبَة
1093 ـ حدثنا أحْمَدُ بنُ مَنِيعٍ. حدثنا ابنُ أبي زَائِدَةَ قال: حدّثَني عَاصِمٍ بنُ سُلَيمانَ "هو الأحول" عَنْ بَكْرِ بنِ عَبْدِ الله الْمُزْنّي، عَنِ الْمُغِيرَةِ بنِ شُعْبَةَ أَنّهُ خَطَبَ امْرَأَةً، فقَالَ النبيّ صلى الله عليه وسلم: "أنْظُرْ إِلَيْهَا فإِنّهُ أَحْرَى أَنْ يُؤْدَمَ بَيْنَكُمَا".
ـــــــ
باب مَا جَاءَ في النّظَرِ إِلى الْمَخْطوبَة
قوله: "فإنه " أي النظر إليها "أحرى" أي أجدر وأولى والنسب "أن يؤدم بينكما"

(4/206)


وفي البابِ عَنْ مُحَمّدِ بنِ مَسْلَمةَ وَجَابِرٍ وأَنَس وأبي حُميْدٍ وأبي هُرَيْرَةَ. هذا حديثٌ حسنٌ. وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ إلى هذَا الْحَدِيثِ، وَقالُوا: لاَ بَأْسَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَيْهَا مَا لَمْ يَرَ مِنْهَا مُحَرّماً. وهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ
ـــــــ
أي بأن يؤلف ويوفق بينكما، قال ابن الملك: يقال أدم الله بينكما يأدم أي أدما بالسكون أصلح وألف، وكذا آدم في الفائق الأدم والإيدام الإصلاح والتوفيق من أدم الطعام وهو إصلاحه بالإدام، وجعله موافقاً للطاعم. والتقدير يؤدم به. فالجار والمجرور أقيم مقام الفاعل ثم حذف أو نزل المتعدي منزلة اللازم، أي يوقع الأدم بينكما يعني يكون بينكما الألفة والمحبة، لأن تزوجها إذا كان بعد معرفة فلا يكون بعدها غالباً ندامة. وقيل بينكما نائب الفاعل كقوله تعالى {تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ} بالرفع كذا في المرقاة. قوله: "وفي الباب عن محمد بن مسلمة" قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إذا ألقى الله عز وجل في قلب امرئ خطبة امرأة فلا بأس أن ينظر إليها". أخرجه أحمد وابن ماجه. وأخرجه أيضاً ابن حبان والحاكم وصححاه وسكت عنه الحافظ في التلخيص "وجابر " قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "إذا خطب أحدكم المرأة فقدر أن يرى منها بعض ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل". أخرجه أحمد وأبو داود "وأنس" . أخرجه ابن حبان والدارقطني والحاكم وأبو عوانة وصححوه وهو مثل حديث المغيرة "وأبي حميد" أخرجه أحمد مرفوعاً: إذا خطب أحدكم امرأة فلا جناح عليه أن ينظر منها، إذا كان إنما ينظر إليها لخطبة، وإن كانت لا تعلم. وأخرجه أيضاً الطبراني والبزار، وأورده الحافظ في التلخيص وسكت عنه، وقال في مجمع الزوائد: رجال أحمد رجال الصحيح "وأبي هريرة" قال كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم فأتاه رجل فأخبره أنه تزوج امرأة من الأنصار فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أنظرت إليها؟" قال لا. قال "فاذهب فانظر إليها، فإن في أعين الأنصار شيئاً". أخرجه مسلم وأحمد والنسائي قوله: "هذا حديث حسن" أخرجه أحمد والنسائي وابن ماجه والدارمي وابن حبان وصححه. قوله: "وقد ذهب بعض أهل العلم إلى هذا الحديث وقالوا لا بأس أن ينظر إليها الخ" قال النووي في شرح مسلم تحت حديث أبي هريرة: فيه استحباب النظر إلى من يريد تزوجها. وهو مذهبنا ومذهب مالك وأبي حنيفة

(4/207)


وإسْحَاقَ. ومَعْنَى قَوْلِهِ "أَحْرَى أَنْ يُؤْدَمَ بَيْنَكُمَا" قالَ: أَحْرَى أَنْ تَدُومَ الْمَوَدّةُ بَيْنَكُمَا.
ـــــــ
وسائر الكوفيين، وأحمد وجماهير العلماء. وحكى القاضي عن قوم كراهته، وهذا مخالف لصريح هذا الحديث ومخالف لإجماع الأمة على جواز النظر للحاجة عند البيع والشراء والشهادة. ثم إنه إنما يباح له النظر إلى وجهها وكفيها فقط لأنهما ليسا بعورة، ولأنه يستدل بالوجه على الجمال، وبالكفين على خصوبة البدن أو عدمها. هذا مذهبنا ومذهب الأكثرين، وقال الأوزاعي: ينظر إلى مواضع اللحم. وقال داود: ينظر إلى جميع بدنها. وهذا خطأ ظاهر تنابذ لأصول السنة والإجماع، ثم مذهبنا ومذهب مالك وأحمد والجمهور أنه لا يشترط في جواز النظر رضاها بل له ذلك في غفلتها، ومن غير نقدم إعلام. لكن قال مالك: أكره نظره في غفلتها مخافة من وقوع نظره على عورة. وعن مالك رواية ضعيفة: أنه لا ينظر إليها إلا بإذنها، وهذا ضعيف لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد أذن في ذلك مطلقاً ولم يشترط استيذانها، ولأنها نستحي غالباً من الإذن انتهى كلام النووي.
قوله: "قال أحرى أن تدوم المحبة بينكما" قال في النهاية: أحرى أن يؤدم بينكما المحبة والاتفاق يقال أدم الله بينكما يأدم ادما بالسكون أي ألف ووفق وكذلك آدم يودم بالمد انتهى.

(4/208)


باب ماجاء في إعلان النكاح
...
6 ـ باب مَا جَاءَ في إعْلاَنِ النّكاح
1094 ـ حدثنا أحْمَدُ بنُ مَنِيعٍ. حدثنا هُشَيمٌ. أخبرنا أَبُو بَلْجٍ عنْ مُحَمّدِ بنِ حَاطِبٍ الْجُمَحِيّ. قالَ: قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم
ـــــــ
باب مَا جَاءَ في إعْلاَنِ النّكاح
قوله: "حدثنا هشيم" بالتصغير ابن بشير بوزن عظيم، ابن القاسم بن دينار السلمى أبو معاوية الواسطي ثقة ثبت كثير التدليس والإرسال "أخبرنا أبو بلج" بفتح الموحدة وسكون اللام بعدها جيم الكوفي ثم الواسطي، صدوق ربما أخطأ من الخامسة وهو أبو بلج الكبير "الجمحى" بضم الجيم وفتح الميم وبالحاء المهملة منسوب إلى جمح بن عمرو كذا في المغنى.

(4/208)


"فَصْلُ مَا بَيْنَ الْحَرَامِ والْحَلاَلِ الدّفّ والصّوْتُ".
وفي البابِ عنْ عَائِشَةَ وجَابِرٍ والرّبَيّعِ بِنْتِ مُعَوّذٍ. حدِيثُ مُحَمّدِ بنِ حَاطِبٍ حديثٌ حسنٌ.
ـــــــ
قوله: "وفصل ما بين الحلال والحرام" أي فرق ما بينهما "الصوت" قال الجزري في النهاية: يريد إعلان النكاح وذلك بالصوت والذكر به في الناس يقال له صوت وصيت انتهى. "والدف" بضم الدال وفتحها، قال القاري في المرقاة: الصوت أي الذكر والتشهير، والدف أي ضربه فإنه يتم به الإعلان. قال ابن الملك: ليس المراد أن لا فرق بين الحلال والحرام في النكاح إلا هذا الأمر، فإن الفرق يحصل بحضور الشهود عند العقد بل المراد الترغيب إلى إعلان أمر النكاح بحيث لا يخفى على الأباعد. فالسنة إعلان النكاح بضرب الدف وأصوات الحاضرين بالتهنئة أو النغمة في إنشاء الشعر المباح. وفي شرح السنة معناه: إعلان النكاح واضطراب الصوت به، والذكر في الناس كما يقال: فلان ذهب صوته في الناس. وبعض الناس يذهب به إلى السماع وهذا خطأ يعني السماع المتعارف بين الناس الاَن انتهى كلام القاري.
قلت: الظاهر عندي والله تعالى اعلم أن المراد بالصوت ههنا الغناء المباح، فإن الغناء المباح بالدف جائز في العرس، يدل عليه حديث الربيع بنت معوذ الاَتي في هذا الباب، وهو حديث صحيح أخرجه البخاري وفيه: فجعلت جويريات لنا يضربن بالدف، ويندبن من قتل من آبائي يوم بدر. قال المهلب: في هذا الحديث إعلان النكاح بالدف والغناء المباح انتهى. وروى البخاري في صحيحه عن عائشة أنها زفت امرأة إلى رجل من الأنصار، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "يا عائشة ما كان معكم لهو فإن الأنصار يعجبهم اللهو". قال الحافظ في رواية شريك: فقال فهل بعثتم معها جارية تضرب بالدف وتغني. وأخرج النسائي من طريق عامر بن سعد عن قرظة بن كعب وأبي مسعود الأنصاريين قال: إنه رخص لنا في اللهو عند العرس الحديث، وصححه الحاكم. وللطبراني من حديث السائب بن يزيد عن النبي صلى الله عليه وسلم: وقيل له أترخص في هذا؟ قال "نعم إنه نكاح لاسفاح، أشيدوا النكاح انتهى". قوله: "حديث محمد بن حاطب حديث حسن"

(4/209)


وأبُو بَلْجٍ اسْمُهُ يَحْيَى بنُ أبي سُلَيمٍ، ويُقَالُ ابنُ سُلَيمِ أيْضاً.
ومُحَمّدُ بنُ حَاطِبٍ قَدْ رَأى النبيّ صلى الله عليه وسلم وهُوَ غُلاَمٌ صَغِيرٌ.
1095 ـ حدثنا أَحْمَدُ بنُ مَنِيعٍ. حدثنا يَزِيدُ بنُ هَارُونَ. أخبرنا عيسَى بنُ مَيْمُونٍ الأنصاري عنِ الْقَاسِمِ بنِ مُحَمّد، عنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "أَعْلِنُوا هذَا النّكَاحَ واجْعَلُوهُ في المَسَاجِدِ، واضْرِبُوا عَليْهِ بِالدّفُوفِ". هذا حديثٌ غريب حسنٌ فِي هذَا الْبَابِ. وعيسى بنُ مَيْمُونٍ الأنْصَارِيّ يُضَعّفُ فِي الْحَدِيثِ.
ـــــــ
أخرجه أحمد والنسائي وابن ماجه والحاكم قوله: "أعلنوا هذا النكاح" أي بالبينة فالأمر للوجوب أو بالإظهار والاشتهار فالأمر للاستحباب كما في قوله "واجعلوه في المساجد" وهو إما لأنه أدعى للإعلان أو لحصول بركة المكان "واضربوا عليه" أي على النكاح "بالدفوف" لكن خارج المسجد. وقال الفقهاء: المراد بالدف ما لا جلاجل له. كذا ذكره ابن الهمام قال الحافظ: واستدل بقوله "واضربوا" على أن ذلك لا يختص بالنساء لكنه ضعيف، والأحاديث القوية فيها الإذن في ذلك للنساء فلا يلتحق بهن الرجال لعموم النهي عن التشبه بهن انتهى. قلت: وكذلك الغناء المباح في العرس مختص بالنساء فلا يجوز للرجال. قوله "هذا حديث حسن غريب" كذا في النسخ الحاضرة وأورد هذا الحديث الشيخ ولي الدين في المشكاة وقال رواه الترمذي، وقال هذا حديث غريب ولم يذكر لفظ حسن. وكذلك أورد الشوكاني هذا الحديث في النيل. وقال قال الترمذي هذا حديث غريب ولم يذكر هو أيضاً لفظ حسن، فالظاهر أن النسخة التي كانت عند صاحب المشكاة وعند الشوكاني هي الصحيحة، ويدل على صحتها تضعيف الترمذي عيسى بن ميمون أحد رواة هذا الحديث. وقد صرح الحافظ في الفتح بضعف هذا الحديث والله تعالى أعلم. وأخرج ابن ماجه هذا الحديث بلفظ: اعلنوا هذا النكاح واضربوا عليه بالغربال. وفي سنده خالد بن إلياس وهو متروك. وأخرجه من حديث عبد الله بن الزبير أحمد وصححه ابن حبان والحاكم بلفظ: أعلنوا النكاح وليس فيه: واضربوا عليه بالدفوف. قوله: "وعيسى بن ميمون الأنصارى يضعف في الحديث" عيسى بن ميمون هذا هو مولى القاسم

(4/210)


وَعيسَى بنُ مَيْمُونٍ الذي يَرْوِي عنِ ابنِ أبي نَجِيحٍ التّفْسِيرَ هُوَ ثِقَة.
1096 ـ حدثنا حُمَيْدُ بنُ مَسْعَدَةَ الْبَصْرِيّ حدثنا بِشْرُ بنُ المُفَضّلِ. حدثنا خَالِدُ بنُ ذَكْوَانَ، عنِ الرّبَيّعِ بِنْتِ مُعَوّذٍ قالَتْ: جَاءَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فَدَخَلَ عَلَيّ غَدَاةَ بنيَ بِي. فَجَلَسَ عَلَى فِراشِي كَمَجْلِسِكَ مِنّي، وَجُوَيْرِيَاتٌ لَنَا يَضْرِ بْنَ بِدُفُوِ فِهِنّ وَيَنْدُبْنَ مَنْ قُتِلَ
ـــــــ
بن محمد يعرف بالواسطي. قال البخاري منكر الحديث، وقال ابن حبان يروي أحاديث كلها موضوعات "وعيسى بن ميمون الذي يروي عن أبي نجيح التفسير هو ثقة" قال الحافظ في تهذيب التهذيب: عيسى بن ميمون الجرشي المكي أبو موسى المعروف بإبن داية وهو صاحب التفسير، وروى عن مجاهد وابن أبي نجيح، وعنه السفيانان وغيرهما. قال الدورى عن ابن معين ليس به بأس. وقال ابن المديني ثقة كان سفيان يقدمه على ورقاء. وقال الساجي ثقة. ووثقه أيضاً الترمذي وأبو أحمد الحاكم والدارقطني وغيرهم انتهى مختصراً. قوله: "عن الربيع" بضم الراء وفتح الموحدة وتشديد الياء المكسورة "بنت معوذ" بكسر الواو المشددة "غداة بني" بصيغة المجهول "بي" وفي رواية الشيخين: على أي سلمت وزففت إلى زوجي والبناء الدخول بالزوجة، وبين ابن سعد أنها تزوجت حينئذ إياس بن البكير الليثي وأنها ولدت له محمد بن إياس قيل له صحبة "كمجلسك منى" بكسر اللام أي مكانك خطاب لمن يروي الحديث عنها وهو خالد بن ذكوان، قال الحافظ في الفتح. قال الكرماني هو محمول على أن ذلك كان من وراء حجاب، أو كان قبل نزول آية الحجاب، أو جاز النظر للحاجة، أو عند الأمن من الفتنة انتهى. قال الحافظ والأخير هو المعتمد. والذي وضح لنا بالأدلة القوية أن من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم جواز الخلوة بالأجنبية والنظر إليها. وهو الجواب الصحيح عن قصة أم حرام بنت ملحان في دخوله عليها ونومه عندها وتفليتها رأسه، ولم يكن بينهما محرمية ولا زوجية انتهى كلام الحافظ واعترض القاري في المرقاة على كلام الحافظ هذا فقال: هذا غريب فإن الحديث لا دلالة فيه على كشف وجهها، ولا على الخلوة بها، بل

(4/211)


مِنْ آبائِي يَوْمَ بَدْرٍ. إلَى أَنْ قالَتْ إِحْدَاهُنّ: "وَفِينَا نَبيّ يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ" فقَالَ لهَا رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أُسْكُتِي عَنْ هذِهِ، وَقُولِي الذي كُنْتِ تَقُولِينَ قَبْلَهَا". هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
ينافيها مقام الزفاف، وكذا قولها فجعلت جويريات لنا يضربن بالدف الخ.
قلت لو ثبت بالأدلة القوية أن من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم جواز الخلوة بالأجنبية والنظر إليها لحصل الجواب بلا تكلف، ولكان شافياً وكافياً. ولكن لم يذكر الحافظ تلك الأدلة ههنا "وجويريات" بالتصغير قيل المراد بهن بنات الأنصار دون المملوكات "يضربن بدفهن" بضم الدال ويفتح، قيل تلك البنات لم تكن بالغات حد الشهوة، وكان دفهن غير مصحوب بالجلاجل "ويندبن" بضم الدال من الندبة بضم النون. وهي ذكر أوصاف الميت بالثناء عليه، وتعديد محاسنه بالكرم والشجاعة ونحوها. قوله: "من قتل من أبائي يوم بدر" قال الحافظ: إن الذي قتل من آبائها إنما قتل بأحد، وآباؤها الذين شهدوا بدراً معوذ ومعاذ وعوف واحدهم أبوها وآخران عماها أطلقت الأبوة عليهما تغليباً، "أسكتى عن هذه" أي عن هذه المقالة وفي رواية البخاري دعى هذه أي اتركي ما يتعلق بمدحى الذي فيه الإطراء المنهي عنه. زاد في رواية حماد بن سلمة: لا يعلم ما في غد إلا الله. فأشار إلى علة المنع "وقولي التي كنت تقولين قبلها" فيه جواز سماع المدح والمرثية مما ليس فيه مبالغة تفضي إلى الغلو. قاله الحافظ. قال القاري في المرقاة وإنما منع القائلة بقولها وفينا نبي الخ. لكراهة نسبة علم الغيب إليه لأنه لا يعلم الغيب إلا الله، وإنما يعلم الرسول من الغيب ما أخبره. أو لكراهة أن يذكر في أثناء ضرب الدف وأثناء مرثية القتلى لعلو منصبه عن ذلك انتهى قلت المعتمد هو الأول لما ورد به التصريح في رواية حماد بن سلمة كما مر آنفاً قوله: "وهذا حديث حسن صحيح" وأخرجه البخاري.

(4/212)


باب ماجاء ما يقال للمتزوج
...
7 ـ باب ما جَاءَ فيما يُقَالُ لِلْمُتَزَوّج
1097 ـ حدثنا قُتَيْبَةَ حدثنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بنُ مُحَمّدٍ عنْ سُهَيْلِ بنِ أبي صَالِحٍ، عنْ أبيهِ، عنْ أبِي هُرَيْرَةَ أَنّ
النبيّ صلى الله عليه وسلم كانَ إِذَا رَفّأَ الإنْسَانَ، إذَا تَزَوّجَ قالَ: "بَارَكَ الله وبَارَكَ عَلَيْكَ. وَجَمَعَ بَيْنَكُمَا في الْخَيْرِ" وفي البابِ عنْ علي بنِ أبي طَالِب. حَدِيثُ أبِي هُرَيْرَةَ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
باب فيما يقال للمتزوج
أي من الدعاء. قوله: "كان إذا رفأ الإنسان" بفتح الراء وتشديد الفاء مهموز معناه دعا له. قاله الحافظ في الفتح. وفي القاموس: رفأه ترفئة وترفيا قال له: بالرفاه والبنين أي بالالتئام وجمع الشمل انتهى. وذلك لأن الترفئة في الأصل الالتئام يقال رفأ الثوب لأم خرقه، وضم بعضه إلى بعض. وكانت هذه ترفئة الجاهلية ثم نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، وأرشد إلى ما في حديث الباب. فروى بقي بن مخلد عن رجل من بني تميم قال: كنا نقول في الجاهلية بالرفاه والبنين، فلما جاء الاسلام علمنا نبينا قال: قولوا بارك الله لكم وبارك فيكم وبارك عليكم. وأخرجه النسائي والطبراني عن عقيل بن أبي طالب: أنه قدم البصرة فتزوج امرأة فقالوا له بالرفاه والبنين فقال لا تقولوا هكذا، وقولوا كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اللهم بارك لهم وبارك عليهم". ورجاله ثقات "قال بارك الله وبارك عليك" وفي رواية غير الترمذي: بارك الله لك وبارك عليك وجمع بينكما في خير. قوله: "وفي الباب عن عقيل بن أبي طالب" أنه تزوج امرأة من بني جشم فقالوا بالرفاه والبنين. فقال: لا تقولوا هكذا ولكن قولوا كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم بارك لهم وبارك عليهم. أخرجه النسائي وابن ماجه وأحمد بمعناه وفي رواية له: لا تقولوا ذلك فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد نهانا عن ذلك قولوا بارك الله فيك وبارك لك فيها. وأخرجه أيضاً أبو يعلى والطبراني وهو من رواية الحسن عن عقيل قال في الفتح: ورجاله ثقات إلا أن الحسن لم يسمع من عقيل. قوله: "حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح" أخرجه أصحاب السنن وابن حبان والحاكم قاله الحافظ في الفتح

(4/213)


باب ماجاء في مايقول إذا دخل على أهله
...
8 ـ بابُ مَا يَقُول إذَا دَخَلَ عَلَى أهْلِه
1098 ـ حدثنا ابنُ أبِي عُمَرَ حدثنا سُفْيانُ بنُ عُيَيْنَةَ عنْ مَنْصُورِ، عنْ سَالِمِ بنِ أبي الجَعْدِ، عنْ كُرَيْبٍ، عنِ ابنِ عبّاسٍ قالَ: قالَ النبيّ صلى الله عليه وسلم: "لوْ أنّ أَحَدَكمْ، إذَا أتَى أهْلَهُ، قالَ: بِسْمِ الله اللّهُمّ جَنّبْنَا الشّيْطَانَ وَجَنّبِ الشيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا فإنْ قَضَى الله بَيْنَهُمَا وَلَداً لَمْ يَضُرّهُ الشّيْطانُ". هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
بابُ مَا يَقُول إذَا دَخَلَ عَلَى أهْلِه
قوله: "إذا أتى أهله" أي جامع امرأته أو جاريته. والمعنى: إذا أراد أن يجامع فيكون القول قبل الشروع، وفي روايته لأبي داود: إذا أراد أن يأتي أهله. وهي مفسرة لغيرها من الروايات التي تدل بظاهرها على أن القول يكون مع الفعل فهي محمولة على المجاز كقوله تعالى {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ} أي إذا أردت القراءة "جنبنا" أي بعدنا "الشيطان" مفعول ثان "ما رزقتنا" من الولد "لم يضره الشيطان" أي لم يسلط عليه بحيث لا يكون له عمل صالح. وإلا فكل مولود يمسه الشيطان إلا مريم وابنها، ولا بد له من وسوسة لكن كان ممن ليس له عليهم سلطان. قاله في المجمع. قلت وقد وقع في رواية لمسلم وأحمد: لم يسلط عليه الشيطان. وقد وقع في رواية للبخاري: لم يضره شيطان أبداً قال الحافظ في الفتح: واختلف في الضرر المنفي بعد الاتفاق على عدم الحمل على العموم في أنواع الضرر، على ما نقل القاضي عياض. وإن كان ظاهراً في الحمل على عموم الأحوال من صيغة النفي مع التأييد. وكان سبب ذلك الاتفاق ما ثبت في الصحيح: إن كل بني آدم يطعن الشيطان في بطنه حين يولد، إلا من استثنى. فإن هذا الطعن نوع من الضرر ثم اختلفوا، فقيل المعنى لم يسلط عليه من أجل بركة التسمية، بل يكون من جملة العباد الذين قيل فيهم "إن عبادي ليس لك عليهم سلطان" وقيل المراد لم يصرعه، وقيل لم يضره في بدنه. وقال الداودي: معنى لم يضره أي لم يفتنه عن دينه إلى الكفر وليس المراد عصمته منه عن المعصية انتهى كلام الحافظ مختصراً. وقد ذكر أقوالاً أخر من شاء الاطلاع عليه فليرجع إلى الفتح قوله "هذا حديث حسن صحيح" أخرجه الجماعة إلا النسائي كذا في المنتقى

(4/214)


باب ماجاء في الأوقات التي يستحب فيها النكاح
...
9 ـ باب ما جَاء في الأوْقَاتِ التي يُسْتَحَبّ فيهَا النّكاح
1099 ـ حدثنا محمد بن بشار حدثنا يَحْيَى بنُ سَعيِدٍ. حَدّثَنَا سُفْيَانُ عنْ إسْمَاعِيلَ بنِ أُمَيّةَ، عنْ عَبْدِ الله بنِ عُرْوَةَ، عنْ عُرْوَةَ، عنْ عَائِشَةَ قالَتْ: "تَزَوّجَنِي رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في شَوّالٍ، وَبَنَى بِي في شَوّالٍ".
وكانَتْ عائِشَةُ تَسْتَحِبُ أنْ يُبْنَى بِنِسَائِها في شَوّالٍ. هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. لاَ نَعْرِفُهُ إلاّ مِنْ حديث الثّوْرِيّ عَنْ إسْمَاعِيلِ بن أمية.
ـــــــ
باب ما جَاء في الأوْقَاتِ التي يُسْتَحَبّ فيهَا النّكاح
قوله: "بنى بي" أي دخل معي وزف بي. قال في النهاية: الابتناء والبناء الدخول بالزوجة. والأصل فيه أن الرجل كان إذا تزوج امرأة بنى عليها قبة ليدخل بها فيها. فيقال بنى الرجل على أهله. قال الجوهري: ولا يقال بنى بأهله. وهذا القول فيه نظر، فإنه قد جاء في غير موضع من الحديث وغير الحديث. وعاد الجوهري فاستعمله في كتابه انتهى "وبنى بي في شوال" زاد مسلم في روايته فأي نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أحظى عنده مني "وكانت عائشة تستحب أن يبني بنائها في شوال" ضمير نسائها يرجع إلى عائشة. قال النووي: فيه استحباب التزويج والتزوج والدخول في شوال، وقد نص أصحابنا على استحبابه، واستدلوا بهذا الحديث: وقصدت عائشة بهذا الكلام رد ما كانت الجاهلية عليه وما يتخيله بعض العوام اليوم من كراهة التزوج والتزويج والدخول في شوال. وهذا باطل لا أصل له وهو من آثار الجاهلية، كانوا يتطيرون بذلك لما في اسم شوال من الإشالة والرفع انتهى. وقال القاري: قيل إنما قالت هذا رداً على أهل الجاهلية فإنهم كانوا لا يرون يمناً في التزوج والعرس في أشهر الحج انتهى، قوله: "هذا حديث حسن" ورواه أحمد ومسلم والنسائي.

(4/215)


باب ماجاء في الوليمة
...
10 ـ باب مَا جاء في الوَليمَة
1100 ـ حدثنا قُتَيْبَةُ حدثنا حَمّادُ بنُ زَيْدٍ عنْ ثَابِتٍ، عنْ أَنَسٍ أَنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم رَأَى عَلَى عَبْدِ الرّحْمَن بنِ عَوْفٍ أثَرَ صفْرَةٍ. فقَالَ "مَا هذا؟" فقَالَ: إني تَزَوّجْتُ امْرَأَةً
ـــــــ
باب ما جَاء في الأوْقَاتِ التي يُسْتَحَبّ فيهَا النّكاح
قال العلماء من أهل اللغة والفقهاء وغيرهم: الوليمة الطعام المتخذ للعرس مشتقة من الولم وهو الجمع، لأن الزوجين يجتمعان. قاله الأزهري وغيره وقال الأنباري أصلها تمام الشيء واجتماعه والفعل منها أو لم قاله النووي واعلم أن العلماء ذكروا أن الضيافات ثمانية أنواع: الوليمة للعرس. والخرس بضم الخاء المعجمة ويقال بالصاد المهملة أيضاً للولادة والأعذار بكسر الهمزة وبالعين المهملة والذال المعجمة للختان. والوكيرة للبناء. والنقيعة لقدوم المسافر، مأخوذة من النقع وهو الغبار ثم قيل إن المسافر يصنع الطعام وقيل يصنعه غيره له والعقيقة يوم سابع الولادة. والوضيمة بفتح الواو وكسر الضاد المعجمة، الطعام عند المصيبة. والمأدبة بضم الدال وفتحها، الطعام المتخذ ضيافة بلا سبب. والوضيمة من هذه الأنواع الثمانية ليست بجائرة بل هي حرام. وقال الحافظ في الفتح وقد فاتهم ذكر الحذاق بكسر المهملة وتخفيف الذال المعجمة وآخره قاف الطعام الذي يتخذ عند حذق الصبي ذكره ابن الصباغ في الشامل. وقال ابن الرفعة هو الذي يصنع عند الختم أي ختم القرآن كذا قيده. ويحتمل ختم قدر مقصود منه، ويحتمل أن يطرد ذلك في حذقه لكل صناعة قال وروى أبو الشيخ والطبراني في الأواسط عن أبي هريرة رفعه: الوليمة حق وسنة الحديث. وفي آخره قال: والخرس والاعذار والتوكير أنت فيه بالخيار. وفيه تفسير ذلك، وظاهر سياقه الرفع، ويحتمل الوقف. وفي مسند أحمد من حديث عثمان بن أبي العاص في وليمة الختان: لم يكن يدعى لها انتهى
قوله: "رأى على عبد الرحمن بن عوف أثر صفرة" قال النووي وفي رواية ردع من زعفران براء ودال وعين مهملات. هو أثر الطيب. والصحيح في معنى هذا الحديث أنه تعلق به أثر من الزعفران وغيره من طيب العروس. ولم

(4/216)


عَلَى وَزْنِ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ. فقَالَ "بَارَكَ الله لَكَ. أَوْ لِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ".
ـــــــ
يقصده ولا تعمد التزعفر. فقد ثبت في الصحيح النهي عن التزعفر للرجال. وكذا نهى الرجال عن الخلوق لأنه شعار النساء. وقد نهى الرجال عن التشبه بالنساء فهذا هو الصحيح في معنى الحديث. وهو الذي اختاره القاضي والمحققون قال القاضي: وقيل إنه يرخص في ذلك الرجل العروس وقد جاء ذلك في أثر ذكره أبو عبيد. أنهم كانوا يرخصون في ذلك للشاب أيام عرسه. قال وقيل لعله كان يسيراً فلم ينكر انتهى كلام النووي. "على وزن نواة من ذهب" قال الخطابي النواة اسم لقدر معروف عندهم فسروها بخمسة دراهم من ذهب قال القاضي: كذا فسرها أكثر العلماء "أولم ولو بشاة" قال الحافظ ليست "لو" هذه الامتناعية إنما هي التي للتقليل. ووقع في حديث أبي هريرة بعد قوله: أعرست؟ قال نعم. قال أولمت؟ قال لا: فرمى إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بنواة من ذهب فقال أولم ولو بشاة. وهذا لو صح كان فيه أن الشاة من إعانة النبي صلى الله عليه وسلم. وكان يعكر على من استدل به على أن الشاة أقل ما يشرع للموسر. ولكن الإسناد ضعيف قال. ولولا ثبوت أنه صلى الله عليه وسلم أولم على بعض نسائه بأقل من الشاة لكان يمكن أن يستدل به على أن الشاة أقل ما تجزئ في الوليمة. ومع ذلك فلا بد من تقييده بالقادر عليها. قال عياض. وأجمعوا على أن لا حد لأكثرها، وأما أقلها فكذلك. ومهما تيسر أجزأ والمستحب أنها على قدر حال الزوج. وقد تيسر على الموسر الشاة فما فوقها انتهى.
وقد استدل بقوله: أولم ولو بشاة على وجوب الوليمة، لأن الأصل في الأمر الوجوب. وروى أحمد من حديث بريدة قال: لما خطب على فاطمة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنه لا بد للعروس من وليمة". قال الحافظ: سنده لا بأس به. وهذا الحديث قد استدل به على وجوب الوليمة، وقال به بعض أهل العلم: وأما قول ابن بطال: لا أعلم أحداً أوجبها، ففيه أنه نفى علمه، وذلك لا ينافي ثبوت الخلاف في الوجوب. وقد وقع في حديث وحشي بن حرب عند الطبراني مرفوعاً: الوليمة حق. وكذا وقع في أحاديث أخرى. قال ابن بطال قوله: حق أي ليس بباطل، بل يندب إليها وهي سنة فضيل، وليس المراد بالحق الوجوب، وأيضاً هو طعام لسرور حادث، فأشبه سائر الأطعمة، والأمر محمول على

(4/217)


وفي البابِ عِنْ ابنِ مَسْعُودٍ وعَائِشَةَ وَجَابِرٍ وزُهَيْرِ بنِ عُثمانَ.
حدِيثُ أَنَسٍ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
وقالَ أحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ: وَزْنُ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ: وَزْنُ ثَلاَثَةِ دَرَاهمَ وثُلُثٍ. وقالَ إسْحَاقُ: هُوَ وَزْنُ خَمْسَة دَرَاهمَ وثُلُثٍ.
ـــــــ
الاستحباب، ولكونه أمر بشاة وهي غير واجبة اتفاقاً. قوله: "وفي الباب عن ابن مسعود وعائشة وجابر وزهير بن عثمان" أما حديث ابن مسعود فأخرجه الترمذي في هذا الباب. وأما حديث عائشة فلينظر من أخرجه. وأما حديث جابر فأخرجه أحمد ومسلم وأبو داود وابن ماجه عنه مرفوعاف: إذا دعي أحدكم إلى طعام فليجب فإن شاء طعم، وإن شاة ترك. وأما حديث زهير بن عثمان فأخرجه أبو داود والنسائي، ولفظ أبو داود: الوليمة أول يوم حق والثاني معروف، واليوم الثالث سمعة ورياء قال المنذري في تلخيصه: قال أبو القاسم البغوي: ولا أعلم لزهير بن عثمان غير هذا. وقال أبو عمر النمري: في إسناده نظر. يقال إنه مرسل وليس له غيره. وذكر البخاري هذا الحديث في تاريخه الكبير في ترجمة زهير بن عثمان وقال: ولا يصح إسناده. ولا نعرف له صحبة. وقال ابن عمر وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا دعى أحدكم إلى وليمة فليجب". ولم يخص ثلاثة أيام ولا غيرها، وهذا أصح. وقال ابن سيرين عن أبيه لما بنى بأهله أولم سبعة أيام، ودعى في ذلك أبي بن كعب فأجابه انتهى. قال الحافظ في الفتح وقد وجدنا لحديث زهير بن عثمان شواهد فذكرها. ثم قال: وهذه الأحاديث وإن كان كل منها لا يخلو عن مقال فمجموعها يدل على أن للحديث أصلاً انتهى كلام الحافظ. قوله: "حديث أنس حديث حسن صحيح" وأخرجه البخاري ومسلم. قوله: "وقال أحمد بن حنبل وزن نواة من ذهب وزن ثلاثة دراهم وثلث" قال الحافظ: وقع في رواية حجاج بن أرطاة عن قتادة عند البيهقي: قومت ثلاثة دراهم وثلثاً. وإسناده ضعيف ولكن جزم به أحمد انتهى. "وقال إسحاق هو وزن خمسة دراهم" قال الحافظ: واختلف في المراد بقوله نواة. فقيل المراد واحدة نوى التمر كما يوزن بنوى الخروب. وإن القيمة عنها كانت يومئذ خمسة دراهم. وقيل لفظ النواة من ذهب عبارة عما قيمته خمسة دراهم من الورق. وجزم به الخطابي.

(4/218)


1101 ـ حدثنا ابنُ أبي عُمرَ: حدثنا سُفْيَانُ بنُ عُيَيْنَةَ عن وَائِلِ بنِ دَاوُدَ عن أبيه، عن الزُهْرِيّ، عنْ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ: "أَنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم أوْ لَمْ عَلَى صَفِيّةَ بِنْتَ حُيَي بِسَوِيِقٍ وتمْرٍ".
هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ.
1102 ـ حدثنا مُحَمّدُ بنُ يَحْيَى. حدثنا الحُمَيْديّ، عنْ سُفْيَانَ، نَحْوَ هذا.
وقَدْ رَوَى غَيْرُ وَاحِدٍ هذا الحَدِيثَ عنِ ابنِ عُيَيْنَةَ، عنِ الزّهْرِيّ عنْ أَنَسٍ. ولَمْ يَذْكُرُوا فِيهِ "عنْ وَائِلٍ عن ابنِهِ نوف" .
ـــــــ
واختاره الأزهري. ونقله عياض عن أكثر العلماء. ويؤيده أن في رواية البيهقي من طريق سعيد بن بشر عن قتادة: وزن نواة من ذهب قومت خمسة دراهم انتهى كلام الحافظ مختصراً. وذكر فيه أقوالاً أخرى.
قوله: "عن وائل بن داود" التيمي الكوفي والد بكر ثقة من السادسة "عن ابنه نوف" بفتح النون وسكون الواو وفي رواية أبي داود عن ابنه بكر بن وائل. وليس في التقريب ولا في الخلاصة ولا في تهذيب التهذيب ذكر نوف بن وائل. فلينظر. وأما بكر بن وائل بن داود فصدوق روى عن الزهرى وغيره. وروى عنه أبوه وائل بن داود وغيره.
"أولم على صفية بنت حي بسويق وتمر" وفي رواية الصحيحين: أولم عليها بحيس قال القاري في المرقاة جمع بينهما بأنه كان في الوليمة كلاهما: فاخر كل راو بما كان عنده انتهى. قلت وقع في رواية للبخاري أنه أمر بالإنطاع فألقى فيها من التمر والأقط والسمن. فكانت وليمته قال الحافظ في الفتح. ولا مخالفة بينهما يعنى بين هذه الرواية وبين الرواية التي فيها ذكر الحيس. لأن هذه من أجزاء الحيس. قال أهل اللغة الحيس يؤخذ التمر فينزع نواه ويخلط بالأقط أو الدقيق أو السويق انتهى. ولو جعل فيه السمن لم يخرج عن كونه حيساً انتهى كلام الحافظ. قلت السمن أيضاً من أجزاء الحيس. قال في القاموس. الحيس الخلط وتمر يخلط بسمن وأقط فيعجن شديداً. ثم يندر منه نواه وربما جعل فيه سويق انتهى قوله: "حديث حسن غريب" ورواه أحمد وأبو داود

(4/219)


وكانَ سُفْيانُ بنُ عُيَيْنَةَ يُدَلّسُ في هذَا الحديث. فَرُبّمَا لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ "عن وَائِلٍ عن أبيه" وَرُبّمَا ذَكَرَهُ.
1103 ـ حدثنا مُحَمّدُ بنُ موسَى البَصْرِيّ. حدثنا زِيَادُ بنُ عبدِ الله حدثنا عَطَاءُ بنُ السّائِبِ عنْ أبي عَبْدِ الرّحْمَنِ، عنِ ابنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم "طَعَامُ أَوّلِ يَوْمٍ حَقّ. وطَعَامُ يَوْمِ الثّانِي سُنّةٌ. وطَعَامُ يَوْمِ الثّالِثِ سُمْعَةٌ. ومَنْ سَمّعَ سَمّعَ الله بِهِ".
ـــــــ
وابن ماجه وسكت عنه أبو داود والمنذري. قوله: "وكان سفيان بن عيينة يدلس في هذا الحديث" اعلم أن سفيان بن عيينة لم يكن يدلس إلا عن ثقة كما صرح به الحافظ في طبقات المدلسين.
قوله: "أخبرنا زياد بن عبد الله" بن الطفيل العامري البكائي بفتح المهملة وتشديد الكاف. أبو محمد الكوفي صدوق ثبت في المغازي. وفي حديثه عن غير ابن إسحاق لين. من الثامنة قاله الحافظ "عن أبي عبد الرحمن" السلمي الكوفي المقري اسمه عبد الله بن حبيب بن ربيعة ثقة ثبت من الثانية "طعام أول يوم حق" أي ثابت ولازم فعله وإجابته. أو واجب وهذا عند من ذهب إلى أن الوليمة واجبة أو سنة مؤكدة. فإنها في معنى الواجب. حيث يسيء بتركها ويترتب عتاب. وإن لم يجب عقاب. قاله القاري. قلت هذا الحديث من متمسكات من قال بالوجوب كما تقدم "وطعام يوم الثاني سنة" وروى أبو داود هذا الحديث عن رجل أعود من ثقيف بلفظ الوليمة أول يوم حق. والثاني معروف الخ. أي ليس بمنكر "وطعام يوم الثالث سمعة" بضم السين أي سمعة ورياء ليسمع الناس ويرائيهم. وفي رواية أبي داود سمعة ورياء "ومن سمع سمع الله به" بتشديد الميم فيهما أي من شهر نفسه بكرم أو غيره فخراً أو رياء شهره الله يوم القيامة بين أهل العرصات، بأنه مراء كذاب، بأن أعلم الله الناس بريائه وسمعته، وقرع باب أسماع خلقه، فيفتضح بين الناس. قال الطيبي: إذا أحدث الله تعالى لعبد نعمة حق له أن يحدث شكراً، واستحب ذلك في الثاني جبراً لما يقع من النقصان في اليوم الأول، فإن السنة مكملة للواجب. وأما اليوم الثالث فليس إلا رياء وسمعة، والمدعو يجب عليه الإجابة في الأول، ويستحب في الثاني، ويكره بل يحرم في الثالث انتهى. قال القاري وفيه رد صريح على أصحاب

(4/220)


حَديثُ ابنِ مَسْعُودٍ لاَ نَعْرِفُهُ مَرْفُوعاً إلا مِنْ حَديثِ زِيَادِ بنِ عبْدِ الله وزِيَادُ بنُ عَبْدِ الله كَثِيرُ الْغَرَائِبِ والمَنَاكِيرِ.
قال: وسَمِعْتُ مُحَمّدَ بنَ إسْمَاعِيلَ يَذْكُرُ عنْ مُحَمّدِ بنِ عُقْبَةَ قالَ: قالَ وَكِيعٌ: زِيَادُ بنُ عَبْدِ الله، مَعَ شَرَفِهِ، يَكْذِبُ في الْحَدِيثِ.
ـــــــ
مالك حيث قالوا باستحباب سبعة أيام لذلك انتهى. قلت لعلهم تمسكوا بما أخرجه ابن أبي شيبة من طريق حفصة بنت سيرين قالت: لما تزوج أبي دعا الصحابة سبعة أيام. فلما كان يوم الأنصار دعا أبي بن كعب، وزيد بن ثابت وغيرهما، فكان أبي صائماً فلما طعموا دعا أبي وأثنى. وأخرجه البيهقي من وجه آخر أتم سياقاً منه، وأخرجه عبد الرزاق إلى حفصة فيه ثمانية أيام. ذكره الحافظ في الفتح. وقد جنح الإمام البخاري في صحيحه إلى جواز الوليمة سبعة أيام حيث قال باب حق إجابة الوليمة والدعوة ومن أولم بسبعة أيام ونحوه. ولم يوقت النبي صلى الله عليه وسلم يوماً ولا يومين انتهى. وأشار بهذا إلى ضعف حديث الباب. ولكن ذكر الحافظ في الفتح شواهد لهذا الحديث وقال بعد ذكرها: هذه الأحاديث وإن كان كل منها لا يخلو عن مقال فمجموعها يدل على أن للحديث أصلاً. قال وقد عمل به يعني بحديث الباب الشافعية، والحنابلة. قال: وإلى ما جنح إليه البخاري ذهب المالكية، قال عياض: استحب أصحابنا لأهل السعة كونها أسبوعاً. قال وقال بعضهم: محله إذا دعا في كل يوم من لم يدع قبله ولم يكرر عليهم، وإذا حملنا الأمر في كراهة الثالث على ما إذا كان هناك رياء وسمعة ومباهاة كان الرابع وما بعده كذلك. فيمكن حمل ما وقع من السلف من الزيادة على اليومين عند الأمن من ذلك، وإنما أطلق ذلك على الثالث لكونه الغالب انتهى كلام الحافظ مختصراً. قوله: "حديث ابن مسعود لا نعرفه مرفوعاً إلا من حديث زيادة بن عبد الله" وقال الدارقطني به زياد بن عبد الله عن عطاء بن السائب عن أبي عبد الرحمن السلمى عنه، قال الحافظ وزياد مختلف في الاحتجاج به، ومع ذلك فسماعه عن عطاء بعد الاختلاط "وزياد بن عبد الله كثير الغرائب والمناكير" قال الحافظ في الفتح وشيخه فيه عطاء بن السائب وسماع زياد منه بعد اختلاطه، فهذه علته انتهى. وقد عرفت أن لحديثه شواهد يدل مجموعها أن للحديث أصلاً "قال وكيع زياد بن عبد الله مع شرفه يكذب في الحديث" قال الحافظ في التقريب: لم يثبت أن وكيعاً كذبه وله في البخاري موضع واحد متابعة انتهى. وحديث الباب أخرجه أبو داود من حديث رجل من ثقيف، قال قتادة: إن لم يكن اسمه زهير بن عثمان فلا أدري ما اسمه. وإسناده ليس بصحيح كما صرح به البخاري في تاريخه الكبير، وأخرجه ابن ماجه من حديث أبي هريرة وفي إسناده عبد الملك بن حسين النخعي الواسطي، قال الحافظ ضعيف. وفي الباب عن أنس عند البيهقي وفي إسناده بكر بن خنيس وهو ضعيف. وذكره ابن أبي حاتم والدارقطني في العلل من حديث الحسن عن أنس ورجحا رواية من أرسله عن الحسن وفي الباب أيضاً عن وحشي بن حرب عند الطبراني بإسناد ضعيف. وعن ابن عباس عنده أيضاً بإسناد كذلك.

(4/221)


باب ماجاء في إجابة الداعي
...
11 ـ باب مَا جَاءَ في إجَابَةِ الدّاعِي
1104 ـ حدثنا أبو سَلَمةَ يَحْيَى بنُ خَلَفٍ. حدثنا بِشْرُ بنُ المُفضّلِ عنْ إسْمَاعِيلَ بنِ أُمَيّةَ، عنْ نَافِعٍ، عنِ ابنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "ائْتُوا الدّعْوةَ إذَا دُعِيتُمْ".
ـــــــ
باب مَا جَاءَ في إجَابَةِ الدّاعِي
قوله: "إئتوا الدعوة إذا دعيتم" قال النووي دعوه الطعام بفتح الدال، ودعوة النسب بكسرها، هذا قول جمهور العرب، وعكسه تيم الرباب فقالوا الطعام بالكسر، والنسب بالفتح. وأما قول قطرب في المثلث: أن دعوة الطعام بالضم فغلطوه فيه. والحديث دليل على أنه يجب الإجابة إلى كل دعوة من عرس وغيره. وقد أخذ بظاهر هذا الحديث بعض الشافعية فقال بوجوب الإجابة إلى الدعوة مطلقاً عرساً كان أو غيره بشرطه. ونقله ابن عبد البر عن عبيد الله بن الحسن قاضي البصرة. وزعم ابن حزم أنه قول جمهور الصحابة والتابعين.
ويعكر عليه ما روى عن عثمان بن أبي العاص وهو من مشاهير الصحابة أنه قال في وليمة الختان لم يكن يدعى لها لكن يمكن الانفصال عنه بأن ذلك لا يمنع القول بالوجوب لو دعو وعند عبد الرزاق بإسناد صحيح عن ابن عمر: أنه دعا لطعام فقال رجل من القوم: أعفني. فقال ابن عمر: إنه لا عافية لك من هذا فقم وأخرج الشافعي وعبد الرزاق بسند صحيح عن ابن عباس أن ابن صفوان

(4/222)


وفي البابِ عنْ عَلِي وأبي هُرَيْرَةَ والبَرَاءِ وأَنَسٍ وأبي أَيّوبَ. حدِيثُ.
ـــــــ
دعاه فقال: إني مشغول، وإن لم تعفني جئته. وجزم بعدم الوجوب في غيره وليمة النكاح المالكية والحنفية والحنابلة وجمهور الشافعية، وبالغ السرخسي منهم فنقل فيه الإجماع ولفظ الشافعي: إتيان دعوة الوليمة حق. والوليمة التي تعرف وليمة العرس، وكل دعوة دعى إليها رجل وليمة، فلا أرخص لأحد في تركها، ولو تركها لم يتبين لي أنه عاص في تركها، كما تبين لي في وليمة العرس. قاله الحافظ. وقال في شرح حديث أبي هريرة الذي أشار إليه الترمذي في هذا الباب وذكرنا لفظه ما لفظه: والذي يظهر أن اللام في الدعوة للعهد من الوليمة المذكورة أولاً. وقد تقدم أن الوليمة إذا أطلقت حملت على طعام العرس، بخلاف سائر الولائم فإنها تقيد انتهى.
قلت: قال الشوكاني في النيل بعد ذكر كلام الحافظ هذا ما لفظه: ويجاب أولاً بأن هذا مصادرة على المطلوب، لأن الوليمة المطلقة هي محل النزاع وثانياً بأن في أحاديث، الباب ما يشعر بالإجابة إلى كل دعوة، ولا يمكن فيه ما أدعاه في الدعوة، وذلك نحو ما في رواية ابن عمر بلفظ: من دعى فلم يجب فقد عصى الله. وكذلك قوله: من دعي إلى عرس أو نحوه فليجب. ثم قال الشوكاني: لكن الحق ما ذهب إليه الأولون يعني بهم الذين قالوا بوجوب الإجابة إلى كل دعوة. قلت الظاهر هو ما قال الشوكاني والله تعالى أعلم.
فائدة: قال الحافظ في الفتح بعد أن حكى وجوب الإجابة إلى الوليمة، وشرط وجوبها أن يكون الداعي مكلفاً حراً رشيداً وأن لا يخص الأغنياء دون الفقراء، وأن لا يظهر قصد التودد لشخص بعينه لرغبة فيه أو رهبة منه، وأن يكون الداعي مسلماً على الأصح. وأن يختص باليوم الأول على المشهور، وأن لا يسبق فمن سبق تعينت الإجابة له دون الثاني، وإن جاءا معاً قدم الأقرب رحماً على الأقرب جواراً، على الأصح، فإن استويا أقرع، وأن لا يكون هناك من يتأذى بحضوره.
قوله: "وفي الباب عن علي" لينظر من أخرجه "وأبي هريرة" قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم شر الطعام طعام الوليمة، يدعى لها الأغنياء ويترك الفقراء، ومن ترك الدعوة فقد عصى الله رسوله أخرجه البخاري ومسلم "والبراء"

(4/223)


ابنِ عُمَرَ حدِيثٌ حسنٌ صحيح
ـــــــ
أخرجه البخاري "وأنس" أخرجه أحمد عنه: أن يهودياً دعا النبي صلى الله عليه وسلم إلى خبز شعير وإهاله سنخة، فأجابه. كذا في عمدة القاري. "وأبي أيوب" لم أقف على حديثه قوله: "حديث ابن عمر حديث حسن صحيح" وأخرجه البخاري ومسلم.

(4/224)


باب ماجاء فيمن يجيء إلى الوليمة بغير دعوة
...
12 ـ باب مَا جَاءَ فِيمَنْ يَجِيءُ إِلى الْوَلِيمَةِ من غير دَعوَة
1105 ـ حدثنا هَنّادٌ. حدثنا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عنِ الأعْمَشِ، عنْ شَقِيقٍ، عنْ أبي مَسْعُودٍ قالَ: جَاءَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ أَبُو شُعَيْبٍ إلَى غُلاَمٍ لَهُ لَحّامٍ، فقَالَ: اصْنَعْ لِي طَعَاماً يَكْفِي خَمْسَةً. فَإِنْي رَأَيْتُ في وَجْهِ رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم الْجُوعَ قال: فَصَنَعَ طعَاماً، ثُمّ أَرْسَلَ إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فَدَعَاهُ وَجُلَسَاءَهُ الّذِينَ مَعَهُ. فَلَمّا قامَ النبيّ صلى الله عليه وسلم اتّبَعَهُمْ رَجُلٌ لَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ حِينَ دُعُوا. فَلَمّا انْتَهَى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إلى الْبَابِ، قالَ لِصَاحِبِ الْمَنْزِلِ: "إنّهُ اتّبَعَنَا رَجُلٌ لَمْ يَكَنْ مَعَنَا حِينَ دَعَوْتَنَا، فإنْ أَذِنْتَ لَهُ دَخَلَ". قالَ: فَقَدْ أَذِنّا لَهُ،
ـــــــ
باب مَا جَاءَ فِيمَنْ يَجِيءُ إِلى الْوَلِيمَةِ من غير دَعوَة
قوله: "إلى غلام له لحام" بتشديد الخاء أي بائع اللحم كتمار، وهو مبالغة لاحم فاعل للنسبة كلابن وتامر، قاله القاري. قلت وقع في رواية للبخاري لفظ قصاب، والقصاب هو الجزار. قال الحافظ وفيه جواز الاكتساب بصنعة الجزارة انتهى. "فإن أذنت له دخل قال فقد أذنا له" فيه أنه لا يجوز لأحد أن يدخل في ضيافة قوم بغير إذن أهلها ولا يجوز للضيف أن يأذن لأحد في الإتيان معه إلا بأمر صريح، أو إذن عام، أو علم برضاه. قال الحافظ في الفتح: وفيه أن المدعو لا يمتنع من الإجابة إذا امتنع الداعي من الإذن لبعض من صحبه. وأما ما أخرجه مسلم من حديث أنس: أن فارسياً كان طيب المرق، صنع للنبي صلى الله عليه وسلم طعاماً ثم دعاه فقال النبي صلى الله عليه وسلم: وهذه لعائشة فقال لا: فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا فيجاب عنه بأن الدعوة لم تكن لوليمة،

(4/224)


فَلْيَدْخلْ.هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وفي البابِ عنِ ابنِ عُمَرَ.
ـــــــ
وإنما صنع الفارسي طعاماً بقدر ما يكفي الواحد، فخشي إن أذن لعائشة أن لا يكفي النبي صلى الله عليه وسلم. ويحتمل أن يكون الفرق أن عائشة كانت حاضرة عند الدعوة بخلاف الرجل، وأيضاً فالمستحب للداعي أن يدعو خواص المدعو معه، كما فعل اللحام بخلاف الفارسي، فلذلك امتنع من الإجابة إلا أن يدعوها. أو علم حاجة عائشة لذلك الطعام بعينه أو أحب أن تأكل معه منه، لأنه كان موصوفاً بالجودة ولم يعلم مثله في قصة اللحام وأما قصة أبي طلحة حيث دعا النبي صلى الله عليه وسلم إلى العصيدة فقال لمن معه قوموا. فأجاب عنه المازري أنه يحتمل أن يكون علم رضا أبي طلحة فلم يستأذنه، ولم يعلم رضا أبي شعيب فاستأذنه، ولأن الذي أكله القوم عند أبي طلحة كان مما خرق الله فيه العادة لنبيه صلى الله عليه وسلم، فكان جل ما أكلوه من البركة التي لا صنيع لأبي طلحة فيها. فلم يفتقر إلى استيذانه انتهى. قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه البخاري ومسلم قوله: "وفي الباب عن ابن عمر" أخرجه أبو داود مرفوعاً: من دعى فلم يجب فقد عصى الله ورسوله، ومن دخل على غير دعوة دخل سارقاً وخرج مغيراً. وهو حديث ضعيف كما صرح به الحافظ في الفتح.

(4/225)


باب ماجاء في تزويج الأبكار
...
13 ـ باب مَا جَاءَ في تَزْوِيجِ الأبْكار
1106 ـ حدثنا قُتَيْبَةُ حدثنا حَمّادُ بنُ زَيْدٍ عن عَمْروِ بنِ دِينَارٍ، عنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِ الله قالَ: تَزَوّجْتُ امْرَأةً، فَأَتَيْتُ النبيّ صلى الله عليه وسلم فقَالَ "أتَزَوّجْتَ يَا جَابِرُ؟" فَقلت: نَعَمْ. فقَالَ "بِكْراً أَمْ ثَيّباً"؟ فَقلت: لاَ. بَلْ ثَيّباً. فقَالَ "هَلاّ جَارِيَةً تُلاَعِبُهَا وَتُلاَعِبُكَ"؟
ـــــــ
باب ما جاء في تزويج الأبكار
جمع بكر وهي التي لم توطأ واستمرت على حالتها الأولى . قوله: "هلا جارية" أي بكرا "تلاعبها وتلاعبك" فيه أن تزوج البكر أولى، وأن الملاعبة مع الزوج مندوب إليها، قال الطيبي: وهو عبارة عن الألفة التامة، فإن الثيب قد تكون

(4/225)


فَقلت: يا رسولَ الله إنّ عَبْدَ الله مَاتَ وتَرَكَ سَبْعَ بَنَاتٍ أوْ تِسْعاً. فَجِئْتُ بِمَنْ يَقُومُ عَلَيْهِنّ. قال: "فَدَعَا لِي" وفي البابِ عنْ أُبَيّ بنِ كَعْبٍ وَكَعْبِ بنِ عُجْرَةَ.
حديثُ جَابِر بن عبد الله حَدِيثٌ حسنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
معلقة القلب بالزوج الأول فلم تكن محبتها كاملة بخلاف البكر. وعليه ما ورد: عليكم بالأبكار فإنهن أشد حباً وأقل خباً "فجئت بمن يقوم عليهن" وفي رواية للبخاري: كن لي تسع أخوات، فكرهت أن أجمع إليهن جارية خرقاء مثلهن، ولكن امرأة تقوم عليهن وتمشطهن. قال أصبت "فدعا لي" وفي رواية للبخاري: قال فبارك الله لك . وفي الحديث دليل على استحباب نكاح الأبكار إلا لمقتض لنكاح الثيب كما وقع لجابر. قوله: "وفي الباب عن أبي بن كعب" لم أقف على حديثه "وكعب بن عجرة" أخرجه الطبراني بنحو حديث جابر وفيه: تعضها وتعضك وفي الباب أيضاً عن عويم بن ساعدة في ابن ماجة والبيهقي بلفظ: عليكم بالأبكار فإنهن أعذب أفواهاً، وأنتق أرحاماً، وأرضى باليسير. وعن ابن عمر نحوه وزاد: وأسحن أقبالاً. رواه أبو نعيم في الطب. وفيه عبد الرحمن بن زيد بن أسلم وهو ضعيف كذا في التلخيص. قوله: "حديث جابر حديث حسن صحيح" وأخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه.

(4/226)


باب ماجاء لا نكاح الا لولي
...
14 ـ باب مَا جَاءَ لاَ نِكاحَ إِلاّ بِوَلِي
1107 ـ حدثنا عَلِيّ بنُ حُجْرٍ. أَخْبرَنا شَرِيكُ بنُ عَبْدِ الله عنْ أبي إسْحاقَ. وَحَدّثَنَا قُتَيْبَةُ. حدثنا أبُو عَوَانَةَ عنْ أبي إسْحَاقَ. ح وَحَدّثَنَا محمد بن بشّار. حَدّثَنَا عَبْدُ الرّحْمنِ بنُ مَهْدِي عنْ إسْرَائِيلَ، عنْ أبي إسْحَاقَ. ح وحَدّثَنَا عَبْدُ الله بنُ أبي زِيَادٍ. حدثنا زَيْدُ بنُ حُبَابٍ عنْ يُونُسَ بنِ أَبي إسْحَاقَ، عنْ أبي إسْحَاقَ، عنْ أبي بُرْدَةَ، عنْ أبي مُوسَى قالَ: "قالَ
ـــــــ
باب مَا جَاءَ لاَ نِكاحَ إِلاّ بِوَلِي
قوله: "عن أبي إسحاق" هو السبيعي "عن أبي بردة" بن موسى الأشعري روى عن أبيه وجماعة، وروى عنه أبو إسحاق السبيعي وجماعة، قيل اسمه عامر

(4/226)


رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: لاَ نِكاحَ إلاّ بِوَلِي". .
وفي البابِ عنْ عَائِشَةَ وابنِ عَبّاسٍ وأبي هُرَيْرَةَ وَعِمْرَانَ بنِ حُصَيْنٍ وَأنَسٍ.
1108 ـ حدثنا ابنُ أبي عُمَرَ. حدثنا سُفْيَانُ بنُ عُيَيْنَةَ عنْ ابنِ جُرَيْجٍ عنْ سُلَيْمانَ بن موسى، عنِ الزّهْرِيّ، عنْ عُرْوَةَ، عنْ عَائِشَةَ أنّ رسُولَ الله
ـــــــ
وقيل الحارث ثقة من الثانية "لا نكاح إلا بولي" قال السيوطي: حمله الجمهور على نفي الصحة، وأبو حنيفة على نفي الكمال انتهى قلت: الراجح أنه محمول على نفي الصحة، بل هو المتعين كما يدل عليه حديث عائشة الاَتي وغيره. قوله: "وفي الباب عن عائشة" مرفوعاً بلفظ: أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل الحديث. أخرجه أبو داود والترمذي وحسنه وصححه أبو عوانة، وابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم كذا في فتح الباري "وابن عباس" مرفوعاً بلفظ: لا نكاح إلا بولي. والسلطان ولي من لا ولي له. أخرجه الطبراني وفي إسناده الحجاج بن أرطاة وفيه مقال. وأخرجه سفيان في جامعه، ومن طريقه الطبراني في الأوسط بإسناد آخر حسن عن ابن عباس بلفظ: لا نكاح إلا بولي مرشد أو سلطان. كذا في فتح الباري "وأبي هريرة" قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تزوج المرأة المرأة، ولا تزوج المرأة نفسها، فإن الزانية هي التي تزوج نفسها. أخرجه ابن ماجه، والدارقطني والبيهقي. قال ابن كثير: الصحيح وقفه على أبي هريرة. وقال الحافظ: رجاله ثقات كذا في النيل "وعمران بن حصين" مرفوعاً بلفظ لا نكاج إلا بولي وشاهدى عدل. أخرجه أحمد والدارقطني والطبراني والبيهقي من حديث الحسن عنه، وفي إسناده عبد الله بن محرر وهو متروك، ورواه الشافعي من وجه آخر عن الحسن مرسلاً، وقال: هذا وإن كان منقطعاً فإن أكثر أهل العلم يقولون به. كذا في التلخيص. "وأنس" أخرجه ابن عدى كذا في شرح سراج أحمد.
قوله: "عن سليمان" هو ابن موسى الأموي مولاهم الدمشقي الأشدق، صدوق فقيه في حديثه بعض لين، خولط قبل موته بقليل كذا في التقريب. وقال في الخلاصة: وثقه رحيم وابن معين، وقال ابن عدى: تفرد بأحاديث وهو عندي ثبت صدوق: وقال النسائي: ليس بالقوى. قال أبو حاتم: محله الصدق،

(4/227)


صلى الله عليه وسلم قالَ "أيّمَا امْرَأَةٍ نُكِحَتْ بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيّهَا، فَنِكاحُهَا بَاطِلٌ. فَنِكاحُهَا بَاطِلٌ. فَنِكاحُهَا بَاطِلٌ. فإنْ دَخَلَ بهَا فَلَهَا المَهْرُ بِمَا اسْتَحَلّ مِنْ فَرْجِهَا. فإنِ اشْتَجَرُوا، فالسّلْطَانُ وَلِيّ مَنْ لاَ وَلِيّ لَهُ".
هذا حديثٌ حسنٌ. وَقَدْ رَوَى يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ الأنْصَارِيّ ويَحْيَى
ـــــــ
في حديثه بعض الاضطراب. قال ابن سعد: مات سنة تسع عشرة ومائة انتهى. قوله: "أيما امرأة نكحت" أي نفسها وأيما من ألفاظ العموم في سلب الولاية عنهن من غير تخصيص ببعض دون بعض أي أيما امرأة زوجت نفسها "فنكاحها باطل فنكاحها باطل. فنكاحها باطل" كرر ثلاث مرات للتأكيد والمبالغة "بما استحل" أي استمتع "فإن اشتجروا" أي الأولياء أي اختلفوا وتنازعوا اختلافاً للعضل كانوا كالمعدومين قاله القاري. وفي مجمع البحار: التشاجر الخصومة. والمراد المنع من العقد دون المشاحة في السبق إلى العقد، فأما إذا تشاجروا في العقد ومراتبهم في الولاية سواء، فالعقد لمن سبق إليه منهم إذا كان ذلك نظراً منه في مصلحتها انتهى "فالسلطان ولي من لا ولي له" لأن الولي إذا امتنع من التزويج فكأنه لا ولي لها فيكون السلطان وليها، وإلا فلا ولاية للسلطان مع وجود الولي. قوله: "هذا حديث حسن" وصححه أبو عوانة وابن خزيمة وابن حبان والحاكم كما عرفت من كلام الحافظ. وقال الحافظ في بلوغ المرام: أخرجه الأربعة إلا النسائي وصححه أبو عوانة وابن حبان والحاكم انتهى. وقال في التلخيص: وقد تكلم فيه بعضهم من جهة أن ابن جريج قال: ثم لقيت الزهري فسألته عنه فأنكره، قال: فضعف الحديث من أجل هذا. لكن ذكر عن يحي بن معين أنه قال: لم يذكر هذا عن ابن جريج غير ابن علية. وضعف يحي رواية ابن علية عن ابن جريج انتهى. وحكاية ابن جريج هذه وصلها الطحاوي عن ابن أبي عمران عن يحي بن معين عن ابن علية عن ابن جريج. ورواه الحاكم من طريق عبد الرزاق عن ابن جريج: سمعت سليمان سمعت الزهري، وعد أبو القاسم بن مندة عدة من رواه عن ابن جريج فبلغوا عشرين رجلاً، وذكر أن معمراً وعبيد الله بن زحر تابعاً ابن جريج على روايته إياه عن سليمان بن موسى. وأن قرة وموسى بن عقبة ومحمد بن إسحاق وأيوب بن موسى وهشام بن سعد وجماعة تابعو سليمان بن موسى

(4/228)


ابنُ أَيّوبَ وسُفْيَانُ الثّوْرِيّ وغَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الحُفّاظِ عنِ ابنِ جُرَيْجٍ، نَحْوَ هذَا.
وحدِيثُ أبي مُوسَى حدِيثٌ فِيهِ اخْتِلاَفٌ. رَوَاهُ إسْرَائِيلُ وَشَرِيكُ بنُ عَبْدِ الله وأبُو عَوَانَةَ وزُهَيْرُ بنُ مُعَاوِيَةَ وقَيْسُ بنُ الرّبيعِ عن أبي إسْحَاقَ، عنْ أبي بُرْدَةَ، عنْ أبي مُوسَى، عنِ النبيّ صلى الله عليه وسلم
ـــــــ
عن الزهري. قال ورواه أبو مالك الجنبي. ونوح ابن دراج، ومندل وجعفر بن برقان وجماعة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ورواه الحاكم من طريق أحمد عن ابن علية عن ابن جريج وقال في آخره: قال ابن جريج فلقيت الزهري فسألته عن هذا الحديث فلم يعرفه، وسألته عن سليمان بن موسى فأثنى عليه قال: وقال ابن معين: سماع ابن علية من ابن جريج ليس بذاك. قال: وليس أحد يقول فيه هذه الزيادة غير ابن علية. وأعل ابن حبان وابن عدى وابن عبد البر والحاكم وغيرهم الحكاية عن ابن جريج. وأجابوا عنها على تقدير الصحة بأنه لا يلزم من نسيان الزهري له أن يكون سليمان بن موسى وهم فيه. وقد تكلم عليه أيضاً الدارقطني في جزء من حدث ونسي، والخطيب بعده وأطال في الكلام عليه البيهقي في السنن وفي الخلافيات: وابن الجوزي في التحقيق. وأطال الماوردي في الحلوى في ذكر ما دل عليه هذا الحديث من الأحكام نصاً واستنباطاً فأفاد انتهى.
فإن قلت إن عائشة رضي الله تعالى عنها كانت تجيز النكاح بغير ولي كما روى مالك أنها زوجت بنت عبد الرحمن أخيها وهو غائب فلما قدم قال: أمثلي يفتات عليه في بناية؟ فهذا يدل على ضعف حديث عائشة المذكور فإنه يدل على اشتراط الولي قلت قال الحافظ: لم يرد في الخبر التصريح بأنها باشرت العقد فقد يحتمل أن تكون البنت المذكورة ثيباً ودعت إلى كفء وأبوها غائب فانتقلت الولاية إلى الولي الأبعد أو إلى السلطان. وقد صح عن عائشة أنها أنكحت رجلاً من بني أخيها فضربت بينهم بشر، ثم تكلمت حتى إذا لم يبق إلا العقد أمرت رجلاً فأنكح، ثم قالت: ليس إلى النساء نكاح. أخرجه عبد الرزاق كذا في فتح الباري قوله: "رواه إسرائيل وشريك بن عبد الله الخ" هذا بيان

(4/229)


ورواه أَسْبَاطُ بنُ محمّدٍ وزَيْدُ بنُ حُبَابٍ عنْ يُونُسُ بنِ أَبي إسْحَاقَ، عنْ أبي إسْحَاقَ، عنْ أبِي بُرْدَةَ عنْ أبي مُوسَى، عنِ النبيّ صلى الله عليه وسلم. وَرَوَى أبُو عُبَيْدَةَ الحَدّادُ عن يُونُسَ بنِ أبي إسْحَاقَ، عنْ أبي بُرْدَةَ عنْ أبي مُوسَى، عنِ النبي صلى الله عليه وسلم، نَحْوَهُ. ولَمْ يَذْكُرْ فِيهِ "عنْ أبي إسْحَاقَ".
وَقَدْ رُوِيَ عنْ يُونُسَ بنِ أبي إسْحَاقَ، عن ابي اسحاق عنْ أَبي بُرْدَةَ، عن أبي موسى عنِ النبيّ صلى الله عليه وسلم أيضاً.
وَرَوَى شُعْبَةُ والثّوْرِيّ عنْ أبي إسْحَاقَ، عنِ النبيّ صلى الله عليه وسلم: "لاَ نِكاحَ إلاّ بِوَلِي".
وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ أَصْحَابِ سُفْيَانَ عنْ سُفْيَانَ، عنْ أبي إسْحَاقَ، عنْ أبي بُرْدَةَ، عنْ أبي مُوسَى. وَلاَ يَصِحّ.
وَرِوَايَةُ هؤُلاَءِ الْذِينَ رَوَوْا عنْ أبي إسْحَاقَ، عنْ أبي بُردَةَ، عنْ أبي مُوسَى، عنِ النبيّ صلى الله عليه وسلم: "لا نِكاحَ إلاّ بِولِي" عِنْدِي أصَحّ. لأنّ سَمَاعَهُمَ مِنْ أبي إسْحَاقَ في أوْقَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ. وإنْ كانَ شُعْبَةُ والثّوْرِيّ أَحْفَطَ وأَثْبَتَ مِنْ جَمِيعِ هؤُلاَءِ الّذِينَ رَوَوْا عنْ أبي إسْحَاقَ هذَا الْحَدِيثَ. فَإِنّ رِوَايَةَ هؤُلاَءِ عِنْدِي أشْبَهُ. لأِنّ شُعْبَةَ والثّوْريّ سَمِعَا هَذَا الحديثَ منْ أبي إسحَاقَ في مَجْلَسٍ واحِدٍ. وَمِمّا يَدُلّ عَلَى ذَلِكَ مَا حَدّثَنا مَحْمُودُ بنُ غَيْلاَنَ: قال حدثنا أبُو دَاوُدَ: قال أنْبَأَنَا شُعْبَةُ قالَ: سَمِعْتُ سُفْيَانَ الثّوْرِيّ يَسْأَل أبَا إسْحَاقَ: أَسَمِعْتَ أَبَا بُرْدَةَ يَقُولُ: قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لاَ نِكاحَ إلاّ بِوَلِي"؟ فقالَ: نَعَمْ.

(4/230)


فدَلّ هذَا الحَديِثُ عَلَى أنْ سَمَاعَ شُعْبَةَ والثّوْرِيّ عن مكحول هذَا الحَدْيِثِ في وقْتِ واحِدٍ. وإسْرائِيلُ هو ثقة ثَبْتٌ في أبي إسْحَاقَ.
سَمِعْتُ مُحَمّدَ بنِ المُثَنّى يَقُولُ: سَمِعْتُ عَبْد الرّحْمَنِ بن مَهْدِي يَقُولُ: مَا فَاتَنِي مِنْ حدِيثِ الثّوْريّ عنْ أبي إسْحَاقَ، الذي فاتنى إلاّ لَمّا أتّكَلْتُ بِهِ عَلَى إسْرائيِلَ، لأنّهُ كانَ يَأتِي بِهِ أتمّ.
وحديثُ عائِشَةَ في هذا البابِ عنِ النبيّ صلى الله عليه وسلم "لاَ نِكاحَ إلاّ بِوَلِي" حَديثٌ عندي حسنٌ. رَوَاهُ ابنُ جُرَيْجٍ عن سُلَيْمَانَ بن مُوسَى، عنِ الزّهْرِيّ، عنْ عُرْوَةَ عن عَائِشَةَ، عنِ النبيّ صلى الله عليه وسلم.
وَرَوَاهُ الحَجّاجُ بنُ أَرْطَاةَ وجَعْفَرُ بنُ رَبِيعَةَ عِن الزّهْرِيّ، عن عُرْوَةَ، عن عَائِشَةَ، عنِ النبيّ صلى الله عليه وسلم. وَرُوِيَ عنْ هِشَام بنِ عُرْوَةَ، عنْ أبيهِ، عنْ عائِشَةَ، عنِ النبيّ صلى الله عليه وسلم مِثْلهُ. وَقَدْ تَكَلّمَ بَعْضُ أصحاب الحديثِ في حَديثِ الزّهْرِيّ، عنْ عُرْوَةَ، عَنْ عائِشَةَ، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم. قالَ ابنُ جُرَيْجٍ: ثمّ لَقِيتُ الزّهْرِيّ فَسَأَلْتُهُ فَأَنْكَرَهُ. فَضَعّفُوا هذَا الحَديثَ مِنْ أجْلِ هذَا. وذُكِرَ عنْ يَحْيَى بنِ مَعينٍ، أنّهُ قالَ: لَمْ يَذْكُرْ هذَا الحَرْفَ عنِ ابنِ جُرَيْجٍ إلاّ إسْمَاعِيلُ بنُ إبرَاهِيمَ. قالَ يَحْيَى بنُ
ـــــــ
الاختلاف الذي وقع في إسناد حديث أبي موسى، وقد رجح الترمذي رواية اسرائيل وشريك وغيرهما الذين رووا الحديث مسنداً متصلاً، على رواية شعبة والثوري المرسلة ـ لأجل أن سماعهم من أبي إسحاق في مجالس وأوقات مختلفة، وسماعهم منه في مجلس واحد. قوله: "وإسرائيل هو ثبت في أبي إسحاق الخ" قال الحافظ في فتح الباري. وأخرج ابن عدي عن عبد الرحمن بن مهدي، قال: إسرائيل في أبي إسحاق أثبت من شعبة وسفيان وأسند الحاكم من طريق علي ابن المديني، ومن طريق البخاري والذهلي وغيرهم ـ: أنهم صححوا حديث إسرائيل. قوله: "وروى الحجاج بن أرطاة وجعفر بن ربيعة عن الزهري عن عروة عن عائشة" فتابع الحجاج وجعفر سليمان بن موسى في روايته هذا الحديث عن الزهري، ولم يتفرد به. "قال ابن جريج: ثم لقيت الزهري فسألته فأنكره"

(4/231)


مَعِينٍ: وَسَمَاعُ إسْمَاعيلَ بنِ إبْراَهِيمَ عنَ ابنِ جُرَيْجِ لَيْسَ بِذاكَ. إنمَا صَحّح كُتُبَهُ عَلَى كُتُبِ عَبْدِ المجِيدِ بنِ عَبْدِ العَزيزِ بنِ أبي رَوّادٍ مَا سَمِعَ مِنِ ابنِ جُرَيْج.
وَضَعّفَ يَحْيَى رِوَايَةَ إسْمَاعيلَ بنِ إبْراهِيمَ عنِ ابنِ جُرَيجٍ.
وَالعَمَلُ في هذَا البابِ عَلَى حَدِيثِ النبيّ صلى الله عليه وسلم "لاَ نِكاحَ إلاّ بِوَلَي" عِنْدَ أهْلِ العِلْمِ مِنْ أصْحَابِ النبيّ صلى الله عليه وسلم مِنْهُمْ عُمَرُ بنُ الخَطّابِ، وَعَلِيّ بنُ أبي طالِبٍ، وعَبْدُ الله بنُ عَبّاسٍ وأبوُ هُرَيْرَةَ وَغَيْرُهُمْ.
ـــــــ
أي قال ابن جريج في آخر الحديث "فضعفوا هذا الحديث من أجل هذا" وقد تقدم الجواب عن هذا، فتذكر. "لم يذكر هذا الحرف" أي: ثم لقيت الزهرى فسألته فأنكره. "إلا إسماعيل بن إبراهيم" وهو المعروف بابن علية: ثقة حافظ "إنما صحح كتبه على كتب عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد" بفتح الراء وتشديد الواو الأزدى، أبي عبد الحميد المكي "روى" عن ابن جريج فأكثر، قال أحمد ويحي: ثقة يغلو في الإرجاء، وقال الدارقطني: يعتبر به، ولا يحتج به. كذا في الخلاصة. وقال في التقريب: صندوق يخطئ، أفرط ابن حبان فقال: متروك. "ما سمع من ابن جريج" أي لم يسمع إسماعيل من ابن جريج.
قوله: "والعمل في هذا الباب على حديث النبي صلى الله عليه وسلم: "لا نكاح إلا بولي" عند أهل العلم الخ" قد اختلف العلماء في اشتراط الولي في النكاح: فذهب الجمهور إلى ذلك، وقالوا: لا تزوج المرأة نفسها أصلاً. واحتجوا بأحاديث الباب. وذهب أبو حنيفة: إلى أنه لا يشترط الولي أصلاً، ويجوز أن تزوج

(4/232)


وَهكذَا رُوِيَ عنْ بَعْضِ فقَهاءِ التّابِعِينَ أنهُمْ قَالوا: لا نِكاح إلاّ بِوَلِي. مِنْهُمْ سَعِيدُ بنُ المُسَيّبِ والحَسَنُ البَصْرِيّ وشُرَيْحٌ وإبْرَاهِيمُ النّخَعِيّ وعُمَرُ بنُ عَبْدِ العَزِيزِ وَغَيْرُهُمْ.
وَبِهذَا يَقُولُ سُفْيانُ الثّوْرِيّ والأوْزَاعِيّ وعبْدُ الله بنُ المُبَاركِ ومالك والشّافِعِيّ وَأَحْمَدُ وَإسْحَاقُ.
ـــــــ
نفسها ـ ولو بغير إذن وليها ـ إذا تزوجت كفئاً. واحتج بالقياس على البيع: فإنها تستقل به. وحمل الأحاديث الواردة في اشتراط الولي، على الصغيرة. وخص بهذا القياس عمومها. وهو عمل سائغ في الأصول، وهو جواز تخصيص العموم بالقياس. لكن حديث معقل يدفع1 هذا القياس، ويدل على اشتراط الولي في النكاح دون غيره، ليندفع عن موليته العار باختيار الكفء. وانفصل بعضهم عن هذا الإيراد، بالتزامهم اشتراط الولي، ولكن لا يمنع ذلك تزويج نفسها، ويتوقف ذلك على إجازة الولي. كما قالوا في البيع. وهو مذهب الأوزاعي. وقال أبو ثور نحوه. لكن قال: يشترك إذن الولي لها في تزويج نفسها. وتعقب بأن إذن الولي لا يصح إلا لمن ينوب عنه، والمرأة لا تنوب عنه في ذلك لأن الحق لها. ولو أذن لها في إنكاح نفسها صارت كمن أذن لها في البيع من نفسها. ولا يصح. كذا في فتح الباري. قلت: أراد بحديث معقل ما رواه البخاري في صحيحه عن الحسن: "فلا تعضلوهن" قال: حدثني معقل بن يسار أنها نزلت فيه. قال: زوجت أختاً لي من رجل وطلقها. حتى إذا انقضت عدتها جاء يخطبها. فقلت له: زوجتك وفرشتك وأكرمتك فطلقتها. ثم جئت تخطبها؟ لا والله لا تعود إليك أبداً. وكان رجلاً لا بأس به. وكانت المرأة تريد أن ترجع إليه. فأنزل الله هذه الأية {فَلا تَعْضُلُوهُنَّ} فقلت: الاَن أفعل يا رسول الله. فزوجها إياه. قال الحافظ في الفتح: وهي أصرح دليل على اعتبار الولي وإلا لما كان لعضله معنى ولأنها لو كان لها أن تزوج ونفسها لم تحتج إلى أخيها. ومن كان أمره إليه لا يقال. إن غيره منعه منه. قال: وذكر ابن مندة: أنه لا يعرف عن أحد من الصحابة خلاف ذلك انتهى. قلت: القول القوي الراجح هو قول الجمهور. والله تعالى أعلم
ـــــــ
1 لفظ الأصل غير منقول في أوله. ثم هو متردد بين "رفع" و"يرفع" و " يدفع" والأخير هو الصواب.

(4/233)


باب ماجاء لا نكاح إلا ببينة
...
15 ـ باب مَا جَاء لاَ نِكاحَ إلاّ ببَيّنِة
1109 ـ حدثنا يُوسُفُ بنُ حَمَادٍ البَصْرِيّ حدثنا عَبْدُ الأعْلَى عنْ سَعِيدٍ، عن قَتَادَةَ، عنْ جَابِرِ بنِ
زَيْدٍ، عنِ ابنِ عَبّاسٍ أَنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ: "البَغَايَا اللاتي يُنْكِحْنَ أَنْفُسَهُنّ بِغَيْرِ بيّنَةٍ". .
قالَ يُوسفُ بنُ حَمّادٍ: رَفَعَ عَبْدُ الأعْلَى هَذَا الحَديثَ في التّفْسِيرِ. وأَوْقَفَهُ في كِتَابِ الطّلاَقِ، ولَمْ يَرْفَعْهُ.
ـــــــ
باب مَا جَاء: لاَ نِكاحَ إلاّ ببَيّنِة
قوله: "حدثنا يوسف بن حماد المعني" بفتح الميم وسكون العين المهملة ثم نون مكسورة ثم ياء مشددة: ثقة من العاشرة "أخبرنا عبد الأعلى" هو: ابن عبد الأعلى البصري الشامي بالمهملة ثقة من الثامنة "عن سعيد" هو: ابن أبي عروبة اليشكرى مولاهم البصرى ثقة حافظ له تصانيف لكنه كثير التدليس واختلط وكان من أثبت الناس في قتادة، قوله: "البغايا" أي الزواني. جمع "بغى" وهي: الزانية. من "البغاء" وهو: الزنا. مبتدأ خبره: "اللاتي ينكحن" بضم أوله أي يزوجن. قاله القاري: "أنفسهن" بالنصب "بغير بينة" قال الطيبي: المراد بالبينة إما الشاهد. فبدونه زنا. عند الشافعي رحمه الله وأبي حنيفة رحمه الله. وإما الولي. إذ به يتبين النكاح. فالتسمية بالبغايا تشديد: لأنه شبهه. انتهى. قال القاري: لا يخفى أن الأول هو الظاهر إذ لم يعهد إطلاق البينة على الولي شرعاً وعرفاً. انتهى.

(4/234)


1110 ـ حدثنا قُتَيْبَةَ حدثنا غُنْدَرٌ محمد بن جعفر، عنْ سَعِيدٍ بن أبي عروبة، نَحْوَهُ ولَمْ يَرْفَعْهُ. وهَذَا أَصَحّ.
هذا حديثٌ غَيرُ مَحْفُوظٍ. لاَ نَعْلَمُ أَحَداً رَفَعَهُ إلاّ مَا رُوِيَ عنْ عَبْدِ الأعْلَى عنْ سَعِيدٍ، عنْ قَتَادَةَ مَرْفُوعاً.
وَرُوِيَ عنْ عَبْدِ الأعْلَى عنْ سَعِيدٍ هَذَا الْحَدِيثُ مَوْقُوفاً.
وَالصّحِيحُ مَا رُوِيَ عنِ ابنِ عَبّاسٍ قَوْلُهُ "لاَ نِكاحَ إلاّ بِبيّنَة" .
وَهكَذَا رَوَى غَيْرُ وَاحِدٍ عنْ سَعِيدٍ بنِ أبي عَرُوَبةَ، نَحْوَ هذَا، مَوْقُوفاً.
وَفي هذا الْبَابِ عَنْ عِمْرَانَ بنِ حُصَيْنٍ وأنَسٍ وأبي هُرَيْرَةَ.
والْعَملُ عَلَى هذَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أصْحَابِ النبيّ صلى الله عليه وسلم، ومَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ التّابِعِينَ وغَيْرِهِمْ. قَالُوا: لاَ نِكَاحَ إلا بِشُهُودٍ. لَمْ
ـــــــ
قوله: "حدثنا غندر" بضم عين معجمة وسكون. وفتح دال مهملة وقد يضم: لقب محمد بن جعفر المدني البصري. ثقة صحيح الكتاب إلا أن فيه غفلة من التاسعة. قوله: "هذا حديث غير محفوظ. لا نعلم أحداً رفعه إلا ما روى عن عبد الأعلى الخ" قال الحافظ ابن تيمية في المنتقى: وهذا لا يقدح. لأن عبد الأعلى ثقة فيقبل رفعه وزيادته. وقد يرفع الراوي الحديث، وقد يقفه انتهى. قوله: "وفي الباب عن عمران بن حصين" عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: "لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل" ذكره أحمد بن حنبل في رواية ابنه عبد الله. كذا في المنتقى. قال الشوكاني: وأخرجه الدارقطني في العلل من حديث الحسن عنه، وفي إسناده: عبد الله بن محرر، وهو متروك. ورواه الشافعي من وجه آخر عن الحسن مرسلاً وقال: هذا وإن كان منقطعاً فإن أكثر أهل العلم يقولون به "وأنس" لينظر من أخرج حديثه "وأبي هريرة" مرفوعاً وموقوفاً، أخرجه البيهقي بلفظ: "لا نكاح الا بأربعة: خاطب وولي وشاهدين". وفي

(4/235)


يَخْتَلِفُوا فِي ذلِكَ مَنْ مَضَى مِنْهُمْ، إلاّ قَوْماً مِنَ الْمُتَأَخّرِينَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ. وإنّمَا اخْتَلَفَ أهْلُ الْعِلْمِ فِي هذَا إذَا شهِدَ وَاحِدٌ بَعْدَ وَاحِدٍ، فقَالَ أكْثَرُ أهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أهْلِ الْكُوفَةِ وَغَيْرِهْم: لاَ يَجُوزُ النّكَاحُ حَتّى يَشْهَدَ الشّاهِدَانِ مَعاً عِنْدَ عُقْدَةِ النّكَاحِ. وَقَدْ رَأَى بَعْضُ أهْلِ الْمَدِينَةِ إذَا أُشْهِدَ وَاحِدٌ بَعْدَ وَاحِدٍ، فأنّهُ جَائِزٌ، إذَا أَعْلَنُوا ذلِكَ.
وَهُوَ قَوْلُ مَالِكِ بنِ أَنَسٍ وغيره هكَذَا قالَ إسْحَاقُ بنُ إبْرَاهيمَ فِيمَا حَكَى عَنْ أهْلِ الْمدِيَنَةِ. وقالَ بَعْضُ أَهْلُ الْعِلْمِ: يجوز شَهَادَةُ رَجُل وَامْرَأَتَيْنِ فِي النّكَاحِ. وهُوَ قَوْلُ أحْمدَ وَإسْحَاقَ. النكاح، لتقييد الشهادة المعتبرة في حديث عمران بن حصين وعائشة وابن عباس. انتهى. واحتج الشافعي على اشتراط الذكورة في شهود النكاح، بقوله صلى الله عليه وسلم: "لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل" ، فإن لفظ "الشاهدين" يقع على الذكرين. وأجاب الحنفية عن هذا: بأن لا فرق ـ في باب الشهادة ـ بين الذكر والأنثى، وهذا اللفظ "يقع" على مطلق الشاهدين، مع قطع النظر عن وصف الذكورة والأنوثة. قلت: الظاهر هو قول الشافعي رحمه الله، والله تعالى أعلم
ـــــــ
إسناده: المغيرة بن شعبة، قال البخاري: منكر الحديث. قوله. "وقال بعض أهل العلم: شهادة رجل وامرأتين تجوز في النكاح، وهو قول أحمد واسحاق" وهو قول الحنفية: وقال الشافعي: لا يصح النكاح إلا بشهادة الرجال وقال باشتراط العدالة بالشهود وقالت الحنفية لا تشترط العدالة قال في الهداية ـ من كتب الحنفية ـ: اعلم أن الشهادة شرط في باب النكاح، لقوله عليه السلام: "لا نكاح إلا بشهود"، وهو حجة على مالك: في اشتراط الإعلان دون الشهادة. ولا بد من اعتبار الحرية فيها، لأن العبد لا شهادة له لعدم الولاية. ولا بد من اعتبار العقل والبلوغ، لأنه "لا" ولاية بدونهما. ولا بد من اعتبار الإسلام في أنكحة المسلمين، لأنه لا شهادة للكافر على المسلم. ولا يشترط وصف الذكورة حتى ينعقد بحضور رجل وامرأتين، وفيه خلاف الشافعي ولا تشترط العدالة حتى ينعقد بحضرة الفاسقين عندنا، خلافاً للشافعي. له: أن الشهادة من باب الكرامة، والفاسق من أهل الإهانة ولنا: أنه من أهل الولاية، فيكون من أهل الشهادة وهذا لأنه لما لم يحرم الولاية على نفسه لإسلامه، لا يحرم "الشهادة" على غيره، لأنه من جنسه. انتهى. قلت: احتج الشافعي على اشتراط العدالة في شهود النكاح، بتقييد الشهادة بالعدالة في حديث عمران بن حصين، وفي حديث عائشة. قال الشوكاني في النيل: والحق ما ذهب إليه الشافعي: من اعتبار العدالة في شهود

(4/236)


باب ماجاء في خطبة النكاح
...
16 ـ باب مَا جَاءَ فِي خُطْبَةِ النّكَاح
1111 ـ حدثنا قُتَيْبَةُ. حدثنا عَبْثَرُ بنُ الْقَاسِمِ عنِ الأعْمَشِ، عَنْ أبِي إسْحَاقَ، عنْ أبي الأحْوَصِ، عنْ عَبْدِ الله قالَ: عَلّمَنَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم التّشَهّدَ فِي الصّلاَةِ والتّشَهّدَ فِي الْحَاجَةِ. قالَ "التّشَهّدُ فِي الصّلاَةِ: التّحِيّاتُ لله والصّلَوَاتُ والطّيّبَاتُ. السّلاَمُ عَلَيْكَ أَيّهَا النبيّ وَرَحْمَةُ الله وبَرَكَاتُهُ. السّلاَمُ عَلَيْنَا وعَلَى عِبَادِ الله الصّالِحِينَ. أَشْهَدُ أَنْ لا إلهَ إلا الله وأَشْهَدُ أَنّ مُحَمّداً عَبْدُهُ ورَسُولُهُ. والتّشَهّدُ فِي الْحَاجَةِ، إنّ الْحَمْدَ لله نَسْتَعِينُهُ ونَسْتَغْفرُهُ. ونَعُوذُ بالله مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَسَيّئَات
ـــــــ
باب مَا جَاءَ فِي خُطْبَةِ النّكَاح
قوله: "أخبرنا عبثر" بفتح العين المهملة وسكون الموحدة وفتح المثلثة "بن القاسم" الزبيدي بالضم الكوفي: ثقة من الثامنة. "عن عبد الله" أي ابن مسعود. قوله: "والتشهد في الحاجة" أي من النكاح وغيره "قال" : أي ابن مسعود "التشهد في الصلاة" أي في آخرها "التحيات لله والصلوات الخ" تقدم شرحه في محله "والتشهد في الحاجة: أن الحمد لله" بتخفيف "أن" ورفع "الحمد" قال الطيبي: التشهد مبتدأ خبره "أن الحمد لله"، و "أن" مخففة من المثقلة، كقوله تعالى: {وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}. "نستعينه" أي في حمده وغيره، وهو وما بعده جمل مستأنفة مبينة لأحوال الحامدين. وفي رواية ابن ماجه: "نحمده ونستعينه" بزيادة "نحمده". "ونستغفره" أي في تقصير عبادته

(4/237)


أَعْمَالِنَا، فمَنْ يَهْدِه أَيْ الله فَلاَ مُضلّ لَهُ. ومِنْ يُضْلِلْ فَلاَ هَادِيَ لَهُ. وأشْهَدُ أَنْ لاَ إلهَ إلاّ الله. وأشْهَدُ أنّ مُحَمّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ" وَيَقْرَأُ ثَلاَثَ آيَاتٍ.
قالَ عَبْثرُ: فَفَسّرَهَ لنا سُفْيَانُ الثّوْرِيّ: اتّقُوا الله حَقّ تقَاتِه ولاَ تَمُوتُنّ إلاّ وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ. و {اتّقُوا الله الّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ والأرْحَامَ إنّ الله كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً}. {اتّقُوا الله وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً}. وفي البابِ عنْ عَدِيّ بنِ حَاتِمٍ.
حدِيثُ عَبْدِ الله حدِيثٌ حسنٌ رَوَاهُ الأعْمَشُ عنْ أبِي إسْحَاقَ، عَنْ أبِي الأحْوَصِ، عنْ عَبْدِ الله، عنِ النبيّ صلى الله عليه وسلم.
ـــــــ
من يهد الله" وفي بعض النسخ: "من يهده الله" بإثبات الضمير، وكذلك في رواية أبي داود والنسائي وابن ماجه. أي من يوفقه للهداية. "فلا مضل له" أي من شيطان ونفس وغيرهما "ومن يضلل" بخلق الضلالة فيه "فلا هادى له" أي لا من جهة العقل، ولا من جهة النقل ولا من ولي، ولا من نبي. قال الطيبي: أضاف الشر إلى الأنفس أولاً كسباً، والإضلال إلى الله تعالى ثانياً خلقاً وتدبيراً "قال:" أي ابن مسعود "ويقرأ ثلاث آيات" أي النبي صلى الله عليه وسلم. وهذا يقتضي معطوفاً عليه، فالتقدير: يقول الحمد لله ويقرأ "ففسرها" أي الاَيات الثلاث "اتقوا الله حق تقاته الخ" الاَية التامة هكذا: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}. {وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ} الخ الاَية التامة هكذا: {خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً} {وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً} الاَية، الاَية التامة هكذا: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً، يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً} قوله: "وفي الباب عن عدي بن حاتم" أخرجه مسلم بتغيير الألفاظ كذا في شرح سراج أحمد. وإني لم أجد حديثه في صحيح مسلم، فلينظر. قوله: "حديث عبد الله حديث حسن" وأخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه، وصححه

(4/238)


ورَوَاهُ شُعْبَةُ عنْ أبِي إسْحَاقَ، عنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، عنْ عَبْدِ الله، عنِ النبيّ صلى الله عليه وسلم. وَكِلاَ الْحَدِيثَيْنِ صحيحٌ. لأِنّ إسْرَائِيلَ جَمَعَهُمَا فقَالَ: عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عنْ أبِي الأحْوَصِ وَأَبِي عُبَيْدَةَ عنْ عَبْدِ الله بن مَسْعُودٍ، عنِ النبيّ صلى الله عليه وسلم. وقَدْ قَالَ أَهْلُ الْعِلْمِ: إنّ النّكَاحَ جَائِزٌ بِغَيْرِ خُطْبَةٍ. وهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثّوْرِيّ وغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ.
1112 ـ حدثنا أبُو هِشَامٍ الرّفَاعِيّ. حدثنا محمد بنُ فُضَيْل عنْ عَاصِمِ بنِ كُلَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "كُلّ خُطْبَةٍ لَيْسَ فِيهَا تَشَهّدٌ فَهِيَ كالْيَدِ الْجَذْمَاءِ".
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غَرِيبٌ.
ـــــــ
أبو عوانة وابن حبان. كذا في فتح الباري.
قوله: "وقد قال بعض أهل العلم: إن النكاح جائز بغير خطبة الخ" ويدل على الجواز حديث إسماعيل بن إبراهيم عن رجل من بني سليم، قال: "خطبت إلى النبي صلى الله عليه وسلم أمامة بنت عبد المطلب، فأنكحني من غير أن يتشهد". رواه أبو داود. ورواه البخاري في تاريخه الكبير، وقال: إسناده مجهول. انتهى. قال الشوكاني، وأما جهالة الصحابي المذكور، فغير قادحة. وقال الحافظ في فتح الباري ـ تحت حديث سهل بن سعد الساعدي ـ: وفيه أنه لا يشترط في صحة العقد تقدم الخطبة، إذا لم يقع في شيء ـ من طرق هذا الحديث ـ وقوع حمد ولا تشهد ولا غيرهما من أركان الخطبة وخالف في ذلك الظاهرية: فجعلوها واجبة، ووافقهم من الشافعية أبو عوانة، فترجم في صحيحه: "باب وجوب الخطبة عند العقد" انتهى. قوله: "حدثنا أبو هشام الرفاعي" اسمه: محمد ابن يزيد بن محمد بن كشير العجلي الكوفي، قاضي المدائن، ليس بالقوي، من صغار العاشرة. وذكره ابن عدي في شيوخ البخاري، وجزم الخطيب بأن البخاري روى عنه. لكن قد قال البخاري: رأيتهم مجمعين على ضعفه. كذا في التقريب. وقال في الميزان: قال أحمد العجلي: لا بأس به، وقال البرقاني: أبو هاشم ثقة، أمرني الدارقطني أن أخرج حديثه في الصحيح. إنتهى "ابن فضيل" اسمه.
محمد بن فضيل بن غزوان أبو عبد الرحمن الكوفي، صدوق عارف، رمى بالتشيع. قوله: "كل خطبة" بضم الخاء، وقال القاري: بكسر الخاء، وهي التزوج انتهى. قلت: الظاهر أنه بضم الخاء. "ليس فيها تشهد" قال التوربشتي: وأصل التشهد قولك: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله ويعبر به عن الثناء. وفي غير هذه الرواية. "كل خطبة ليس فيها شهادة فهي كاليد الجذماء" والشهادة: الخبر المقطوع به، والثناء على الله أصدق الشهادات وأعظمها. قال القاري: الرواية المذكورة رواها أبو داود عن أبي هريرة "كاليد الجذماء" بالذال المعجمة، أي المقطوعة التي لا فائدة فيها لصاحبها، أو التي بها جذام كذا في المجمع، قوله: "هذا حديث حسن غريب" قال الحافظ في الفتح في أوائله: قوله صلى الله عليه وسلم: "كل أمر ذى بال لا يبدأ فيه بحمد الله فهو أقطع" وقوله: "كل خطبة ليس شهادة فهي كاليد الجذماء" أخرجهما أبو داود وغيره من حديث أبي هريرة وفي كل منهما مقال. انتهى. وقال في التلخيص: حديث أبي هريرة "كل كلام لا يبدأ فيه بالحمد فهو أجذم" "أخرجه" أبو داود والنسائي وابن ماجه وأبو عوانة والدارقطني وابن حبان والبيهقي، من طريق الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة. واختلف في وصله وإرساله: فرجح النسائي والدارقطني الإرسال. قوله: ويروي: "كل أمر ذى بال لا يبدأ فيه بحمد الله فهو أبتر"، هو عند أبي داود والنسائي كالأول، وعند ابن ماجه كالثاني. لكن قال: "أقطع" بدل "أبتر" وكذا عند ابن حبان وله ألفاظ أخرى أوردها الحافظ عبد القادر الرهاوي في أول الأربعين البلدانية. انتهى. كلام الحافظ فالظاهر أن تحسين الترمذي بتعدد الطرق، والله تعالى أعلم.

(4/239)


باب ماجاء في استئمار البكر والثيب
...
17 ـ باب مَا جَاءَ فِي اسْتِئْمارِ الْبِكْرِ والَثّيّب
1113 ـ حدثنا إِسْحَاقُ بنُ مَنْصُورٍ. أخبرنا مُحَمّدُ بنُ يُوسُفَ. حدثنا الأوْزَاعِيّ عنْ يَحْيَى بنِ أبي كَثِيرٍ، عنْ أبي سَلَمَةَ، عنْ أبي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لاَ تُنْكَحُ الثّيّبُ
ـــــــ
باب مَا جَاءَ فِي اسْتِئْمارِ الْبِكْرِ والَثّيّب
قوله: "لا تنكح" بصيغة المجهول قوله: "الثيب" قال في النهاية: الثيب من ليس

(4/240)


حَتّى تُسْتَأْمَرَ. ولا تُنْكَحُ الْبِكْرُ حَتّى تُسْتَاذَنَ. وَإِذْنُهَا الصّمُوتُ". وفي البابِ عَنْ عُمَرَ وابنِ عَبّاس وعَائِشَةَ والْعُرْسِ بنِ عَمِيرَةَ. حدِيثُ أبي هُرَيْرَةَ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. والْعمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أهْلِ الْعِلْمِ، أنّ الثّيّبَ لا تُزوّجُ حَتّى تُسْتَأْمَرَ. وإِنْ زَوّجَهَا الأبُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَسْتَأْمِرَهَا، فَكَرِهَتْ ذلِكَ، فالنّكَاحُ مَفْسُوخٌ عِنْدَ عَامةِ أهْلِ الْعِلْمِ.
واخْتلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي تَزْوِيجِ الأبْكَارِ إذَا زَوّجَهُنّ الاَبَاءُ. فَرَأَى أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ وَغَيْرِهِمْ، أَنّ الأبَ إذَا زَوّجَ الْبِكْرَ وَهِيَ بَالِغَةٌ، بِغَيْرِ أَمْرِهَا، فَلمْ تَرْضَ بِتَزْوِيجِ الأبِ، فالنكَاحُ مَفْسُوخٌ.
ـــــــ
ببكر وفي رواية الشيخين: "الأيم" بتشديد الياء المكسورة. "حتى تستأمر" على البناء للمفعول، أي حتى تستأذن صريحاً. إذ "الاستيمار": طلب الأمر، والأمر لا يكون إلا بالنطق. "ولا تنكح البكر" المراد بالبكر: البالغة، إذ لا معنى لاستئذان الصغيرة، لأنها لا تدري ما الإذن؟ "حتى تستأذن" أي يطلب منها الإذن "وإذنها الصموت" أي السكوت، يعني: لا حاجة إلى إذن صريح منها، بل يكتفي بسكوتها لكثرة حيائها. وفي رواية الشيخين: "قالوا: يا رسول الله، وكيف إذنها؟ قال: "إذنها أن تسكت" واختلف في أن السكوت من البكر يقوم مقام الإذن في حق جميع الأولياء، أو في حق الأب والجد دون غيرهما. وإلى الأول ذهب الأكثر، لظاهر الحديث: قوله "وفي الباب عن عمر" لينظر من أخرجه "وابن عباس" أخرجه الجماعة إلا البخاري. "وعائشة" قالت: "قلت: يا رسول الله، تستأمر النساء في أبضاعهن؟ قال: نعم". قلت: إن البكر تستأمر فتستحي فتسكت؟ فقال سكاتها إذنها: أخرجه الشيخان: "والعرس" بضم أوله وسكون الراء. بعدها مهملة "ابن عميرة" بفتح العين المهملة وكسر الميم وسكون التحتانية، صحابي. قوله: "حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان قوله: "وأكثر أهل العلم من أهل الكوفة وغيرهم أن الأب اذا زوج البكر وهي بالغة بغير أمرها فلم ترض بتزويج الأب فالنكاح مفسوخ"

(4/241)


وَقالَ بَعْضُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ: تَزْوِيجُ الأبِ عَلَى الْبِكْرِ جَائِزٌ، وإِنْ كَرِهَتْ ذلِكَ. وهُوَ قَوْلُ مَالِكِ بنِ أَنَسٍ والشّافِعِيّ وأحْمَدَ وإسْحَاقَ.
ـــــــ
واحتجوا على ذلك بحديث ابن عباس: "أن جارية بكراً أتت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت: أن أباها زوجها وهي كارهة فخيرها النبي صلى الله عليه وسلم" رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه. قال ابن القطان في كتابه: حديث ابن عباس هذا حديث صحيح. "وقال بعض أهل المدينة: تزويج الأب على البكر جائز وإن كرهت ذلك، وهو قول مالك بن أنس والشافعي وأحمد وإسحاق" وهو قول ابن أبي ليلى والليث. واحتجوا بحديث ابن عباس الاَتي: "الأيم أحق بنفسها من وليها" فإنه دل بمفهومه على أن ولي البكر أحق بها منها. واحتج بعضهم بحديث أبي موسى مرفوعاً: "تستأمر اليتيمة في نفسها، فإن سكتت فهو إذنها"، قال: فقيد ذلك باليتيمة، فيحمل المطلب عليه، وفيه نظر، لحديث ابن عباس بلفظ: "والبكر يستأذنها أبوها في نفسها"، رواه مسلم. وأجاب الشافعي: بأن المؤامرة قد تكون عن استطابة نفس، ويؤيده حديث ابن عمر رفعه: "وأمروا النساء في بناتهن" رواه أبو داود. وقال الشافعي: لا خلاف أنه ليس للأم أمر، لكنه على معنى استطابة النفس. وقال البيهقي: زيادة ذكر الأب في حديث ابن عباس غير محفوظة، قال الشافعي: رواها ابن عيينة في حديثه، وكان ابن عمر والقاسم.. . وسالم يزوجون الأبكار لا يستأمروهن. قال البيهقي: والمحفوظ في حديث ابن عباس: "البكر تستأمر" ورواه صالح بن كيسان بلفظ: "واليتيمة لا تستأمر"، وكذلك رواه أبو بردة عن أبي موسى، ومحمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة. فدل على أن المراد بالبكر: اليتيمة. قال الحافظ ابن حجر: وهذا لا يدفع زيادة الثقة الحافظ بلفظ الأب، ولو قال قائل: "بل المراد باليتيمة البكر" لم يدفع. و "تستأمر" بضم أوله، يدخل فيه الأب وغيره. فلا تعارض بين الروايات. ويبقى النظر في أن "الاستثمار" هل هو شرط في صحة العقد، أو مستحب على معنى الاستطابة كما قال الشافعي؟ كل الأمرين محتمل، انتهى. كلام الحافظ. قلت: الظاهر أن الاستثمار هو شرط في صحة العقد لا على طريق الاستطابة يدل عليه حديث ابن عباس رضي الله عنه: أن جارية بكراً أنت النبي صلى الله عليه وسلم، فذكرت: أن أباها زوجها وهي

(4/242)


ـــــــ
كارهة، فخيرها رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد تقدم تخريجه، وهو حديث صحيح. قال الحافظ في الفتح: ولا معنى للطعن في الحديث، فإن طرقه تقوى بعضها ببعض، انتهى. وأجاب البيهقي: بأنه إنه ثبت الحديث في البكر، حمل على أنها زوجت بغير كفء قال الحافظ: وهذا الجواب هو المعتمد، فإنها واقعة عين: فلا يثبت الحكم فيها تعميماً. قلت: قد تعقب العلامة الأمير اليماني، على كلام البيهقي والحافظ في سبل اللام تعقباً حسناً، حيث قال: كلام هذين الإمامين محاماة على كلام الشافعي ومذهبهم وإلا فتأويل البيهقي لا دليل عليه فلو كان كما قال لذكرته المرأة، بل قالت: إنه زوجها وهي كارهة. فالعلة كراهتها، فعليها علق التخيير: لأنها المذكورة. فكأنه قال صلى الله عليه وسلم: "إذا كنت كارهة فأنت بالخيار". وقول المصنف ـ يعني الحافظ ابن حجر ـ إنها واقعة عين كلام غير صحيح. بل حكم عام لعموم علته، فأينما وجدت الكراهة ثبت الحكم. وقد أخرج النسائي عن عائشة: "أن فتاة دخلت عليها، فقالت: أبي زوجني من ابن أخيه يرفع في خسيسه1 وأنا كارهة. قالت: اجلسي حتى يأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأخبرته، فأرسل إلى أبيها فدعاه، فجعل الأمر إليها.
فقالت: يا رسول الله، قد أجزت ما صنع أبي، ولكن أردت أن أعلم النساء أن ليس للاَباء من الأمر شيء والظاهر أنها بكر، ولعلها البكر التي في حديث ابن عباس، وقد زوجها أبوها كفئاً ابن أخيه. وإن كانت ثيباً فقد صرحت: أنه ليس مرادها إلا إعلام النساء أنه ليس للاَباء من الأمر شيء. ولفظ "النساء" عام للثيب والبكر، وقد قالت هذه عنده صلى الله عليه وسلم فأقرها عليه. والمراد بنفي الأمر من الاَباء: ففي التزويج للكارهة، لأن السياق في ذلك. فلا يقال: هو عام لكل شيء. انتهى ما في السبل. قلت: حديث عائشة ـ الذي أخرجه النسائي ـ مرسل فإنه أخرجه عن عبد الله بن بريدة عن عائشة قال البيهقي: هذا مرسل، ابن بريدة لم يسمع من عائشة انتهى لكن رواه ابن ماجه متصلاً، وسنده هكذا: حدثنا هناد بن السري حدثنا وكيع عن كهمس بن الحسن عن ابن بريدة عن أبيه، قال: "جاءت
ـــــــ
1 كذا بالأصل. والرواية المعروفة أو المشهورة "برفع بي (بالباء) خسبيسته
(بزيادة تاء قبل الهاء) " فليراجع .

(4/243)


1114 ـ حدثنا قُتَيْبَةُ بن سعيد حدثنا مَالِكُ بنُ أَنَسٍ عَنْ عَبْدِ الله بن الْفَضْلِ، عنْ نَافِعِ بنِ جُبَيْرِ بنِ مُطعِمٍ عنِ ابنِ عَبّاسٍ أَنّ رسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: "الأيّمُ أَحَقّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيّهَا. والبِكْرُ تُسْتَأْذَنُ فِي نَفْسِهَا. وإذْنُهَا صُمَاتُهَا".
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. رواه شَعْبَةُ وسُفْيَانُ الثّوْرِيّ عَنْ مَالِكِ بنِ أَنَسٍ.
وقد احْتَجّ بَعْضُ الناسِ ـ فِي إِجَازَةِ النّكَاحِ بِغَيْرِ وَلي ـ بِهَذَ الحَدِيثِ وَلَيْسَ في هَذَا الحَدِيثِ مَا احْتَجّوا بِه. لأِنّهُ قَدْ رُوِيَ ـ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ ـ عنْ ابنِ عَبّاسٍ عنْ النبيّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ : "لاَ نِكَاحَ إلاّ بِوَلِي". وهَكَذَا أفْتَى بِهِ ابنُ عَبّاسٍ بَعْدَ النبيّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: "لاَ نِكَاحَ إلاّ بِوَلِي". وإنّمَا مَعْنَى قَوْلِ النبيّ صلى الله عليه وسلم:
ـــــــ
فتاة" الخ، بمثل حديث النسائي. وأخرجه أحمد في مسنده.
قوله: "الأيم" قال الحافظ: ظاهر هذا الحديث "أن" "الأيم" هي: الثيب التي فارقت زوجها بموت أو طلاق لمقابلتها بالبكر. وهذا هو الأصل في الأيم: ومنه قولهم: "الغزو مأيمة" أي يقتل الرجال. فتصير النساء أيامى. وقد تطلق على من لا زوج لها أصلاً. "وإذنها صماتها" بضم الصاد، بمعنى سكوتها. قوله: "هذا حديث حسن صحيح" أخرجه الجماعة إلا البخاري، قوله: "واحتج بعض الناس في إجازة النكاح بغير ولي، بهذا الحديث" قال الحافظ الزيلعي وجهه أنه شارك بينها وبين الولي، ثم قدمها بقوله: "أحق"، وقد صح العقد منه، فوجب أن يصح منها، انتهى. "وليس في هذا الحديث ما احتجوا به، لأنه قد روي من غير وجه، عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: "لا نكاح إلا بولي" وهو حديث صحيح كما عرفت "وهكذا أفتى به ابن عباس بعد النبي صلى الله عليه وسلم فقال: لا نكاح إلا بولي" فإفتاؤه به بعد النبي صلى الله عليه وسلم، يؤيد صحة حديثه. "وإنما معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم:

(4/244)


"الأيّمُ أحَقّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيّهَا" ـ عندَ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ ـ: أنّ الوَلِيّ لاَ يُزوّجُهَا إلاّ بِرِضَاهَا وأمْرِهَا: فإنْ زَوّجَهَا فَالنّكَاحُ مَفْسُوخٌ: عَلَى حَدِيثِ خَنْسَاءَ بِنْتِ خِذَم، حَيْثُ زَوّجَهَا أبُوهَا وهِيَ ثَيّبٌ، فَكَرِهتْ ذَلِكَ، فرَدّ النبيّ صلى الله عليه وسلم نِكَاحَهُ.
ـــــــ
"الأيم أحق بنفسها من وليها"، عند أكثر أهل العلم، أن الولي لا يزوجها إلا برضاها وأمرها. فإن زوجها فالنكاح مفسوخ على حديث خنساء بنت خدام الخ" قال الحافظ في الفتح: حديث عائشة "أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل" حديث صحيح، وهو يبين أن معنى قوله "أحق بنفسها من وليها": أنه لا ينفذ عليها أمره بغير إذنها، ولا يجبرها فإذا أرادت أن تزوج لم يجز لها إلا بإذن وليها. انتهى كلام الحافظ. وقال النووي في شرح صحيح مسلم: قوله صلى الله عليه وسلم: "أحق بنفسها" يحتمل ـ من حيث اللفظ ـ أن المراد: أحق من وليها في كل شيء من عقد وغيره، كما قاله أبو حنيفة وداود. ويحتمل.. . "من حيث غيره" أنها أحق بالرضا، أي لا تزوج حتى تنطق بالإذن، بخلاف البكر. ولكن لما صح قوله صلى الله عليه وسلم: "لانكاح إلا بولى" مع غيره من الأحاديث الدالة على اشتراط الولي ـ يتعين الاحتمال الثاني. قال: واعلم أن لفظة "أحق" ههنا المشاركة، "و" معناه: أن لها في نفسها في النكاح حقاً، ولوليها حقاً وحقها أوكد من حقه. فإنه لو أراد تزويجها كفئاً وامتنعت لم تجبر، ولو أرادت أن تتزوج كفئاً فامتنع الولي أجبر، فإن أصر زوجها القاضي. فدل على تأكد حقها ورجحانه. انتهى كلام النووي.

(4/245)


باب ماجاء في إكراه اليتيمة على الزواج
...
18 ـ باب مَا جَاءَ في إكْرَاهِ اليَتِيمَةِ عَلَى التّزْوِيج
1115 ـ حدثنا قُتَيْبَةُ حدثنا عَبْدُ العَزِيزِ بنُ مُحَمّدِ عَن مُحَمّدِ بنِ عمْرو عن أبِي سَلَمَةَ عن أبي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "اليَتِيمَةُ تُسْتَأْمَرُ فِي نَفْسِهَا، فإنْ صَمَتَتْ فَهُوَ إذْنُهَا،
ـــــــ
باب مَا جَاءَ في إكْرَاهِ اليَتِيمَةِ عَلَى التّزْوِيج
قوله: "اليتيمة تستأمر" اليتيمة هي: صغيرة لا أب لها، والمراد هنا:

(4/245)


وإنْ أبَتْ فَلاَ جَوَازَ عَلَيْهَا". يعني إذا أدركت فَرَدّتْ.
وفي البَابِ: عنْ أبِي مُوسَى، وابنِ عُمرَ وعائشة.
: حدِيثُ أبِي هُرَيْرَةَ حدِيثٌ حسنٌ.
ـــــــ
البكر البالغة، سماها باعتبار ما كانت. كقوله تعالى {وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ} وفائدة التسمية: مراعاة حقها والشفقة عليها في تحري الكفاية والصلاح فإن اليتيم مظنة الرأفة والرحمة. ثم هي قبل البلوغ لا معنى لإذنها، ولا لإبائها. فكأنه عليه الصلاة والسلام شرط بلوغها فمعناه: لا تنكح حتى تبلغ فتستأمر. قاله القاري في المرقاة. "فإن صمتت" أي سكتت "فهو" أي صماتها "وإن أبت" من الإباء، أي أنكرت ولم ترض "فلا جواز عليها" بفتح الجيم، أي فلا تعدي عليها ولا إجبار. قوله: "وفي الباب عن أبي موسى" أخرجه أحمد مرفوعاً بلفظ: "تستأمر اليتيمة في نفسها، فإن سكتت فقد أذنت، وإن أبت لم تكره". وأخرجه أيضاً ابن حبان والحاكم وأبو يعلى والدارقطني والطبراني. قال في مجمع الزوائد: ورجال أحمد رجال الصحيح "وابن عمر" قال: "توفي عثمان بن مظعون، وترك ابنة له من خولة بنت حكيم بن أمية بن حارثة بن الأوقص. وأوصى إلى أخيه قدامة بن مظعون ـ قال عبد الله: وهما خالاي. ـ فخطبت إلى قدامة ابن مظعون ابنة عثمان بن مظعون، فزوجنيها. ودخل المغيرة بن شعبة "يعني: إلى أمها" فأرغبها في المال: فحطت إليه، فحطت الجارية إلى هوى أمها فأبتا حتى ارتفع أمرهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال قدامة بن مظعون، يا رسول الله. ابنة أخي أوصى بها إلي، فزوجتها ابن عمتها، فلم أقصر بها في الصلاح ولا في الكفاءة "ولكنها امرأة، وإنما حطت إلى هوى أمها. قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هي يتيمة، ولا ننكح إلا بإذنها". قال: فانتزعت ـ والله ـ مني بعد أن ملكتها، فزوجوها المغيرة بن شعبة" رواه أحمد والدارقطني. قال صاحب المنتقى: وهو دليل على أن اليتيمة لا يجبرها وصى ولا غيره. انتهى قوله: "حديث أبي هريرة حديث حسن" قال في المنتقى: رواه الخمسة إلا ابن ماجه وقال في النيل: وأخرجه أيضاً ابن حبان والحاكم. قوله

(4/246)


واخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في تَزْوِيجِ اليَتِيمَةِ فَرَأَى بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: أنّ اليَتِيمَةَ إذَا زوّجَتْ فَالنّكَاحُ مَوْقُوفٌ حَتّى تَبْلُغَ، فإِذَا بَلَغَتْ فَلَهَا الخِيَارُ في إجَازَةِ النّكَاحِ أَوْ فَسْخِهِ. وهُوَ قَوْلُ بَعْضِ التّابِعِينَ وغَيْرِهِمْ. وقَالَ بَعْضُهُمْ: لاَ يَجُوزُ نِكَاحُ اليَتِيمَةِ حَتّى تَبْلُغَ، ولاَ يَجُوزُ الخِيَارُ فِي النّكَاحِ. وهُو قَوْلُ سُفْيَانَ الثّوْرِيّ والشّافِعِيّ وغَيْرِهِمَا منْ أَهْلِ العِلْمِ. وقَالَ أحْمَدُ وإسْحَاقُ: إذَا بَلَغَتْ اليَتِيمَةُ تِسْعَ سِنَينَ فزُوّجَتْ فَرَضِيَتْ، فالنّكَاحُ جَائزٌ، ولاَ خِيَارَ لَهَا إذَا أدْرَكَتْ. واحْتَجّا بِحَدِيثِ عَائِشَةَ: "أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم بَنَى بِهَا وهِيَ بِنْتُ تِسْعِ سَنِينَ" وَقَدْ قَالَتْ عَائِشَةُ "إذَا بَلَغتْ الجَارِيةُ تِسْعَ سِنِينَ فَهِيَ امْرَأَةٌ".
ـــــــ
فرأى بعض أهل العلم أن اليتيمة إذا زوجت فالنكاح موقوف حتى تبلغ، فإذا بلغت فلها الخيار في إجازة النكاح وفسخه" وهو قول أصحاب أبي حنيفة. ويدل على جواز تزويج اليتيمة قبل بلوغها، قوله تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ} ، قال الحافظ في الفتح: فيه دلالة على تزويج الولي غير الأب التي دون البلوغ بكراً كانت أو ثيباً، لأن حقيقة "اليتيمة" من كانت دون البلوغ ولا أب لها وقد أذن في تزويجها بشرط أن لا يبخس من صداقها. فيحتاج من منع ذلك إلى دليل قوى. انتهى. "وقال بعضهم: لا يجوز نكاح اليتيمة حتى تبلغ، ولا يجوز الخيار في النكاح" وهو قول الشافعي. واحتج بظاهر حديث الباب قال في شرح السنة: والأكثر على أن الوصي لا ولاية له على بنات الموصي، وإن فوض ذلك إليه. وقال حماد بن أبي سليمان: للوصي أن يزوج اليتيمة قبل البلوغ وحكى ذلك عن أبي شريح: أنه أجاز نكاح الوصي مع كراهة الأولياء. وأجاز مالك: إن فوضه الأب إليه انتهى. "وقال أحمد وإسحاق: إذا بلغت اليتيمة تسع سنين فزوجت فرضيت، فالنكاح جائز ولا خيار لها إذا أدركت" أي إذا بلغت. ولم أقف على دليل يدل على قول هذين الإمامين وأما احتجاجهما بحديث عائشة: "أن النبي صلى الله عليه وسلم بنى بها وهي بنت تسع سنين" ففيه: أن عائشة قد كانت أدركت وهي بنت تسع سنين. "قالت عائشة: إذا بلغت الجارية تسع سنين فهي امرأة" كأن عائشة أرادت: أن الجارية إذا بلغت تسع سنين فهي في حكم المرأة البالغة، لأنه يحصل لها حينئذ ما يعرف به نفعها وضررها: من الشعور والتمييز. والله تعالى أعلم.

(4/247)


باب ماجاء في الوليين يزوجان
...
19 ـ باب مَا جَاءَ في الوَلِيّيْنِ يُزَوّجَان
1116 ـ حدثنا قُتَيْبَةُ حدثنا غُنْدَرٌ حدثنا سَعِيدُ بنُ أبِي عَروُبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَن الحسَن عَن سَمُرَةَ بنِ جُنْدَبٍ، أنّ رسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: "أَيّمَا امْرَأَةٍ زَوّجَهَا وَلِيّانِ فَهِيَ لِلأوّلِ مِنْهُمَا، ومَنْ بَاعَ بَيْعاً مِنْ رَجُلَيْنِ فَهُوَ لِلأوّلِ مِنْهُمَا".
هذا حديثٌ حسنٌ. والعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أهْلِ العِلْمِ، لاَ نَعْلَمُ بَيْنَهُمْ فِي ذلِكَ اخْتِلاَفاً: إذَا زَوّجَ أَحَدُ الوَلِيّيْنِ قَبْلَ الاَخَرِ، فَنِكَاحُ الأوّلِ جائِزٌ، ونِكَاحُ الاَخَرِ مَفْسُوخٌ. وإذَا زَوّجَا جَمِيعاً فَنكَاحُهُمَا جَمِيعاً مَفْسُوخٌ. وهُوَ قَوْلُ الثّوْرِيّ وأحْمَدَ وإسْحَاقَ.
ـــــــ
باب مَا جَاءَ في الوَلِيّيْنِ يُزَوّجَان
قوله: "حدثنا غندر" بفتح معجمة وسكون نون وفتح دال وقد تضم. "زوجها وليان" أي من رجلين "فهي للأول منهما" أي للسابق منهما ببينة أو تصادق. فإن وقعا معاً، أو جهل السابق منهما ـ بطلا معاً. قوله: "هذا حديث حسن" وأخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه. قال المنذري: وقد قيل: إن الحسن لم يسمع من سمرة شيئاً، وقيل سمع منه حديثاً في العقيقة. انتهى. وقال الحافظ في التلخيص: حسنه الترمذي، وصححه أبو زرعة وأبو حاتم والحاكم في المستدرك قال الحافظ: وصحته متوقفة على ثبوت سماع الحسن من سمرة، فإن رجاله ثقات، لكن إختلف فيه على الحسن. ورواه الشافعي وأحمد والنسائي، من طريق قتادة أيضاً، عن الحسن عن عقبة بن عامر. قال الترمذي: الحسن عن سمرة في هذا أصح. وقال ابن المديني: لم يسمع الحسن من عقبة شيئاً وأخرجه ابن ماجه من طريق شعبة عن قتادة عن الحسن عن سمرة أو عقبة بن عامر. انتهى

(4/248)


باب ماجاء في نكاح العبد بغير إذن سيده
...
20 ـ باب مَا جَاءَ فِي نِكَاحِ العَبْدِ بِغَيْرِ إذْنِ سَيّدِه
1117 ـ حدثنا عَلِيّ بنُ حُجْرٍ أخبرنا الوَلِيدُ بنُ مُسْلِمٍ عنْ زُهَيْرِ بنِ مُحمّدٍ عَنْ عَبْدِ الله بنِ مُحَمّدِ بنِ عَقِيلٍ عنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِ الله عَن النبيّ صلى الله عليه وسلم: قال "أيّمَا عَبْدٍ تَزَوّجَ بَغيْرِ إذْنِ سَيّدهِ فَهُوَ عَاهِرٌ".
وفي البَابِ: عنْ ابنِ عُمرَ. حدِيثُ جَابِرٍ حديثٌ حسنٌ. ورَوَى بَعْضُهُمْ هَذَا الحَدِيثَ عَنْ عَبْدِ الله بنِ مُحَمّدِ بنِ عَقِيلٍ عَنْ ابنِ عُمَرَ عَنْ النبيّ
ـــــــ
باب مَا جَاءَ فِي نِكَاحِ العَبْدِ بِغَيْرِ إذْنِ سَيّدِه
قوله: "بغير إذن سيده" أي مالكه. "فهو عاهر" أي زان. قال المظهر: لا يجوز نكاح العبد بغير إذن السيد وبه قال الشافعي وأحمد، ولا يصير العقد صحيحاً عندهما بالإجازة بعده. وقال أبو حنيفة ومالك: إن جاز بعد العقد صح. قلت: احتج من قال ببطلان النكاح وعدم صحته إلا بإذن السيد: بأنه صلى الله عليه وسلم حكم عليه بأنه عاهر، والعاهر: الزاني، والزنا باطل. وبرواية ابن عمر بلفظ: "إذا نكح العبد بغير إذن مولاه فنكاحه باطل"، وهو حديث ضعيف كما ستعرف. قوله "وفي الباب عن ابن عمر" أخرجه أبو داود من طريق عبد الله بن عمر العمري عن نافع عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: "إذا نكح العبد بغير إذن مولاه فنكاحه باطل" قال أبو داود: هذا الحديث ضعيف، وهو موقوف، وهو قول ابن عمر رضي الله عنهما. انتهى. قال الحافظ في التلخيص: ورواه ابن ماجه من حديث ابن عمر، بلفظ: "أيما عبد تزوج بغير إذن مواليه فهو زان" وفيه: مندل بن علي، وهو ضعيف. وقال أحمد بن حنبل: هذا حديث منكر. وصوب الدارقطني ـ في العلل ـ وقف هذا المتن على ابن عمر، ولفظ الموقوف أخرجه عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن نافع عن ابن عمر: "أنه وجد عبداً له تزوج بغير إذنه، ففرق بينهما، وأبطل صداقه، وضربه حداً" انتهى. قوله: "حديث جابر حديث حسن" قال المنذري ـ بعد نقل تحسين الترمذي هذا ـ ما لفظه: وفي إسناده عبد الله بن محمد بن عقيل، وقد احتج به غير واحد من الأئمة، وتكلم فيه غير واحد

(4/249)


صلى الله عليه وسلم ولاَ يَصِحّ. والصّحِيحُ: عنْ عَبْدِ الله بنِ مُحَمّدِ بنِ عَقِيلٍ عنْ جَابِرٍ.
والعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أهْلِ العِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النبيّ صلى الله عليه وسلم وغَيْرِهِمْ: أنّ نِكَاحَ العَبْدِ بِغَيْرِ إِذْنِ سَيّدِهِ لاَ يَجُوزُ وهُوَ أَحْمَدَ وإِسْحَاقَ وغَيْرِهِمَا بلا إختلاف.
1119 ـ حدثنا سَعِيدُ بنُ يحْيَى بنُ سَعِيدٍ الأمَوِيّ حدثنا أبِي حدثنا ابنُ جُرَيْجٍ عَنْ عَبْدِ الله بنِ مُحَمّدِ بنِ عَقِيلٍ عَنْ جَابِرٍ عَن النبيّ صلى الله عليه وسلم، قالَ: "أَيّمَا عَبْدٍ تَزَوّجَ بِغَيْرِ إِذْنِ سَيّدِهِ فَهُوَ عَاهِرٌ".
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
من الأئمة. انتهى. قوله: "هذا حديث حسن صحيح" في سنده: عبد الله بن محمد بن عقيل، وقد عرفت آنفاً أنه قد احتج به غير واحد، وتكلم فيه غير واحد والترمذي ممن احتج به، ولذلك صحح هذا الحديث. قال الخزرجي في الخلاصة: قال الترمذي: صدوق، سمعت محمداً يقول: كان أحمد وإسحاق والحميدي يحتجون بحديث ابن عقيل انتهى.

(4/250)


باب ماجاء في مهور النساء
...
21 ـ باب مَا جَاءَ فِي مُهُورِ النّسَاء
1120 ـ حدثنا مُحَمّدُ بنُ بَشّارِ حدثنا يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ وحدثنا عَبْدُ الرّحْمِن بنُ مَهْدِيّ و مُحَمّدُ بنُ جَعْفَرٍ، قَالُوا: حدثنا شُعْبَةُ عن عَاصِمٍ بنِ عبيد الله، قالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الله بنَ عَامِرِ بنِ رَبِيعَةَ عنْ أبِيهِ: "أنّ امْرَأةً مِنْ بَنِي فَزَارَةَ تَزَوّجَتْ على نَعْلَيْنِ، فقَالَ رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: أَرَضِيتِ مِنْ نَفْسِكِ ومَالِكِ بِنَعْلَيْنِ؟ قَالَتْ: نَعَمْ. قالَ: فَأَجَازَهُ".
ـــــــ
باب مَا جَاءَ فِي مُهُورِ النّسَاء
قوله: "أرضيت" همزة الاستفهام للاستعلام "من نفسك ومالك" بكسر اللام، أي بدل نفسك مع وجود مالك. قاله القاري. "قالت: نعم فأجازه"

(4/250)


وفي البَابِ: عَنْ عُمَرَ وأبِي هُرَيْرَةَ وسَهْل بنِ سَعْدٍ وأبِي سَعِيدٍ وأَنَسٍ وعَائِشَةَ وجَابِرٍ وأبِي حَدْرَدٍ الأسْلَمِيّ. حدِيثُ عَامِرٍ بنِ رَبِيعَةَ حدِيثٌ حسنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
استدل به من قال بجواز كون المهر شيئاً حقيراً له قيمة، لكن الحديث ضعيف. قوله: "وفي الباب عن عمر" أخرجه الخمسة وصححه الترمذي، وسيجيء "وأبي هريرة" قال: "جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: إني تزوجت امرأة من الأنصار" الحديث، وفيه قال: "على كم تزوجتها؟" قال: على أربع أواق. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "على أربع أواق: كأنما تنحتون الفضة من عرض هذا الجبل، ما عندنا ما نعطيك" الخ. أخرجه مسلم. "وسهل بن سعد" أخرجه الترمذي في هذا الباب، وأخرجه الشيخان: "وأبي سعيد" أخرجه الدارقطني مرفوعاً بلفظ: "لا يضر أحدكم بقليل من ماله تزوج أم بكثير، بعد أن يشهد". وفي سنده: أبو هارون العبدي، قال ابن الجوزى: وأبو هارون العبدي أسمه: عمارة بن جرير، قال حماد بن زيد: كان كذاباً، وقال السعدي: كذاب مفتري. كذا في نصب الراية. "وأنس" أخرجه الجماعة بلفظ: "أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى على عبد الرحمن بن عوف أثر صفرة، فقال: "ما هذا؟" قال: تزوجت امرأة على وزن نواة من ذهب. قال: "بارك الله" أولم ولو بشاة" "وعائشة" أخرجه أحمد مرفوعاً بلفظ: "إن أعظم النكاح بركة، أيسره مؤنة". وأخرجه أيضاً الطبراني في الأواسط، بلفظ: "أخف النساء صداقا، أعظمهن بركة" وفي إسناده: الحارث بن شبل، وهو ضعيف. وأخرجه أيضاً الطبراني ـ في الكبير والأوسط ـ بنحوه. وأخرج نحوه أبو داود والحاكم. وصححه عن عقبة بن عامر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خير الصداقه أيسره". "وجابر" بن عبد الله: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من أعطى في صداق امرأة سويقاً أو تمراً فقد استحل"، أخرجه أبو داود، وأشار إلى ترجيح وقفه. كذا في بلوغ المرام. "وأبي حدرد الأسلمي" لينظر من أخرجه.
قوله: "وحديث عامر بن ربيعة حديث حسن صحيح" قال الحافظ في بلوغ

(4/251)


واخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في المَهْرِ، فقَالَ بَعْضُ أهل العلم: المَهْرُ عَلَى مَا تَرَاضَوْا عَلَيْهِ، وهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثّوْرِيّ والشّافِعِيّ وأحْمَدَ وإسْحَاقَ. وقَالَ مَالِكُ بنُ أنَسٍ: لاَ يَكُونُ المَهْرُ أقَلّ مِنْ رُبْعِ دِينَارٍ. وقالَ بَعْضُ أهْلِ الكُوفَةِ: لاَ يَكُونُ المَهْرُ أقَلّ مِن عَشْرَةِ دَرَاهِمَ.
ـــــــ
المرام ـ بعد أن حكى تصحيح الترمذي هذا ـ إنه خولف في ذلك. انتهى. وقال الحافظ الزيلعي في نصب الراية ـ بعد أن حكى تصحيح الترمذي له: قال ابن الجوزي في التحقيق: عاصم بن عبيد الله1 قال ابن معين: ضعيف، وقال ابن حبان: كان فأحسن الخطإ فترك، انتهى.
قوله: "واختلف أهل العلم في المهر، فقال بعضهم: المهر على ما تراضوا عليه، وهو قول سفيان الثوري والشافعي وأحمد وإسحاق" قال الحافظ في الفتح: وأجازه الكافة بما تراضى عليه الزوجان، أو "كذا بالأصل. ولعل الصواب: أي" من العقد إليه "كذا بالأصل. ولعل الصواب: عليه" بما فيه منفعة: كالسوط والنعل، وإن كانت قيمته أقل من درهم. وبه قال يحي بن سعيد الأنصاري. وأبو الزناد وربيعة وابن أبي ذئب، وغيرهم من أهل المدينة غير مالك ومن تبعه، وابن جريج ومسلم بن خالد، وغيرهما من أهل مكة، والأوزاعي في أهل الشام، والليث في أهل مصر، والثوري وابن أبي ليلى، وغيرهما من العراقيين غير أبي حنيفة ومن تبعه، والشافعي وداود، وفقهاء أصحاب الحديث، وابن وهب من المالكية. انتهى. وحجتهم أحاديث الباب. "وقال مالك بن أنس: لا يكون المهر أقل من ربع دينار" قال القرطبي: استدل من قاسه بنصاب السرقة: بأنه عضو آدمي محترم، فلا يستباح بأقل من كذا قياساً على يد السارق. وتعقبه الجمهور: بأنه قياس في مقابل النص، فلا يصح وبأن اليد تقطع وتبين، ولا كذلك الفرج. وبأن القدر المسروق يجب رده. "وقال بعض أهل الكوفة: لا يكون المهر أقل من عشرة دراهم" وهو قول أبي حنيفة وأصحابه. واحتجوا بحديث جابر مرفوعاً: "لا تنكحوا
ـــــــ
1 كذا بالأصل هنا: (عبيد الله) بالياء، وهو مخالف للفظ المتن المتقدم: (عبد) بدون ياء. فليراجع.

(4/252)


ـــــــ
النساء إلا الأكفاء، ولا يزوجهن إلا الأولياء، ولا مهر دون عشرة دراهم". وفي سنده: مبشر بن عبيد قال الدارقطني بعد أن أخرج هذا الحديث: هو متروك الحديث، أحاديثه لا يتابع عليها. انتهى. وأسند البيهقي ـ وقد أخرجه في سننه ـ في كتاب المعرفة، عن أحمد، أنه قال: أحاديث مبشر بن عبيد موضوعة. انتهى. وأخرجه أيضاً أبو يعلى الموصلي في مسنده، وابن حبان في كتاب الضعفاء، وقال: مبشر بن عبيد يروي عن الثقات الموضوعات، لا يحل كتب حديثه إلا على جهة التعجب. انتهى. وأخرجه أيضاً ابن عدي والعقيلي، وأعلاه بمبشر. وأخرج الدارقطني والبيهقي في سننهما، عن الشعبي عن علي موقوفاً: "لا تقطع اليد في أقل من عشرة دراهم، ولا يكون المهر أقل من عشرة دراهم" وفي سنده: داود الأودي، وهو ضعيف. وله طرق أخرى في سنن الدارقطني، ولا تخلو عن ضعف. كذا في التعليق الممجد.
تنبيه: قال صاحب العرف الشذي: أكثرنا يحتج بحديث الدارقطني: "لا مهر أقل من عشرة دراهم" وفي جميع طرقه: حجاج بن أرطاة، وهو متكلم فيه. انتهى. قلت: ضعف هذا الحديث مشهور بمبشر بن عبيد، وهو متروك الحديث، بل قال الإمام أحمد رحمه الله: أحاديثه موضوعة. فالعجب من صاحب العرف الشذي أنه ضعف هذا الحديث بحجاج بن أرطاة، ولم يضعفه بمبشر.
تنبيه آخر: قال العيني في البناية مجيباً عن ضعف حديث جابر المذكور: فإنه إذا روى من طرق مفرداتها ضعيفة، يصير حسناً ويحتج به، ورد عليه صاحب عمدة الرعاية، حاشية شرح الوقاية ـ: بأن بكثرة الطرق إنما يصير الحديث حسناً: إذا كان الضعف فيها يسيراً، فيجبر بالتعدد، لا إذا كانت شديدة الضعف: بأن لا يخلو واحد منها عن كذاب أو متهم والأمر فيما نحن فيه كذلك. انتهى.
تنبيه آخر: قالت الحنفية: إن ما يدل على كون المهر أقل من عشرة، محمول على المعجل. قلت: رد عليهم صاحب عمدة الرعاية: بأن هذا الحمل إنما يسلم ـ مع مخالفته للظواهر ـ إذا ثبت التقدير بدليل معتمد وإذ ليس فليس.

(4/253)


1121 ـ حدثنا الحَسَنُ بنُ عَلِي الخَلاّلُ حدثنا إسْحَاقُ بنُ عِيسَى وَ عبْدُ الله بنُ نَافِعٍ الصائغ، قالاَ: أخبرنا مَالِكُ بنُ أنَسٍ عَنْ أبِي حَازمِ بنِ دِينَارٍ عَنْ سَهْلِ بنِ سَعْدٍ السّاعِدِيّ: "أنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم جَاءَتْهُ امْرَأَةٌ فَقَالتْ إِنّي وَهَبْتُ نَفْسِي لَكَ. فَقامَتْ طَوِيلاً، فَقالَ رَجُلٌ: يا رسولَ الله، زَوّجْنِيهَا إِنْ لَمْ تَكُنْ لَكَ بِهَا حَاجَةٌ. فَقالَ: هَلْ عِنْدَكَ مِنْ شَيْءٍ تُصْدِقُهَا؟ فَقَالَ: مَا عِنْدِي إِلاّ إِزَارِي هَذَا. فَقالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: إِزَاركَ إنْ أعْطَيْتَهَا جَلَسْتَ وَلاَ إزَارَ لَكَ فالْتَمِسْ شَيْئاً. قالَ: ما أَجِدُ. قالَ فالتَمِسْ وَلَوْ خَاتِماً مِنْ حَديدٍ. قالَ: فالتَمَسَ فَلَمْ يَجِدْ شَيْئاً، فَقالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: هَلْ معَكَ مِنْ القرْآنِ شَيءٌ؟ قال: نَعمْ سُورَةُ كَذَا، وسُورَةُ كَذَا لِسُوَرٍ سَمّاهَا فَقالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: زَوّجْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ".
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وَقَدْ ذَهَبَ الشّافِعِيّ إلَى هَذَا الحَدِيثِ، فَقالَ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ يُصْدِقُهَا، فَتَزَوّجَهَا عَلَى سُورَةٍ مِنَ القُرْآنِ
ـــــــ
تنبيه: اعلم أن حديث جابر المذكور من أخبار الاَحاد، وهو يخالف إطلاق قوله تعالى: {أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ} فإنه لا تقدير فيه بشيء. وتخصيص الكتاب بخبر الواحد ـ وإن كان صحيحاً ـ لا يجوز عند الحنفية، فما بالك إذا كان ضعيفاً فالعجب منهم أنهم كيف خصصوا بهذا الحديث الضعيف إطلاق الكتاب، وعملوا به. والعجب على العجب أنهم قد استندوا في الجواب عن الأحاديث الصحيحة التي دلت على كون المهر غير مال ـ وهي مروية في الصحيحين ـ بما استندت1 به الشافعية، حيث قالوا: هذا الأحاديث أخبار آحاد مخالفة لظاهر الكتاب، فلا يعمل به الشافعية، حيث قالوا: هذا الأحاديث أخبار آحاد مخالفة لظاهر الكتاب، فلا يعمل2 بظاهرها.
ـــــــ
1 عبارة الأصل المطبوع: "واستندت" ، وهي خطأ ، ومحرفة عما أثبتناه.
2 عبارة الأصل المطبوع: "تعمل" ؛ وهي مصحفة عما أثبتناه – وهو الظاهر -

(4/254)


فالنّكاحُ جَائِزٌ، ويُعَلّمُهَا سُورَةً منَ القُرْآنِ. وقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: النّكاحُ جَائِزٌ، ويَجْعَلُ لَهَا صَدَاقَ مِثْلِهَا. وهُوَ قَوْلُ أهْلِ الكُوفَةِ وأَحْمَدَ وإسْحَاقَ.
1122 ـ حدثنا ابنُ أبِي عُمرَ حدثنا سُفْيَانُ بنُ عُيَيْنَةَ عَنْ أيّوبَ عَنْ ابنِ سِيرِينَ عَنْ أبِي العَجْفَاءِ السّلمى، قالَ: قالَ عُمرُ بنُ الخَطّابِ: "أَلاَ لاَ تُغَالُوا صَدُقَةَ النّسَاءِ. فَإِنّهَا لَوْ كَانَتْ مَكْرُمَةً في الدّنْيَا أوْ تَقْوَى عِنْدَ الله، لَكانَ أوْلاَكُمْ بِها نَبيّ الله صلى الله عليه وسلم. مَا عَلِمْتُ رسُولَ الله صلى الله عليه وسلم نَكَحَ شَيْئاً مِن نِسَائِهِ، وَلاَ أنْكَحَ شَيْئاً مِنْ بَنَاتِهِ ـ عَلَى أكْثَرَ مِنْ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ أوِقيّةً".
ـــــــ
قوله: "عن أبي العجفاء"1 بفتح أوله وسكون الجيم: السلمي البصري، قيل: اسمه هرم بن نسيب، وقيل بالعكس، وقيل بالصاد يدل السين المهملتين مقبول من الثانية. "لا تغالوا" بضم التاء واللام "صدقة النساء" بفتح الصاد وضم الدال: جمع "الصداق" قال القاضي: المغالاة التكثير، أي لا تكثروا مهورهن. "فإنها أي الصدقة أو المغالاة، يعني: كثرة الصدقة، "لو كانت مكرمة" بفتح الميم وضم الراء: واحدة "المكارم" أي مما تحمد "أو تقوى عند الله" أو مكرمة في الاَخرة، لقول الله تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} قال القاري قال: وهي غير منونة، وفي نسخة "يعني: من المشكاة" : بالتنوين وقد قريء شاذاً في قوله تعالى: {أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ}. أولادكم بها أي بمغالاة المهور. "نكح شيئاً من نسائه" أي تزوج إحداهن "ولا أنكح" أي زوج "على أكثر من ثنتي عشرة أوقية" وهي: أربعمائة وثمانون درهماً "084" وأما ما روي: "أن صداق أم حبيبة كان أربعة آلاف درهم"
ـــــــ
1 يجب أن يلاحظ الشارح لم يتكلم عن حديث سهل بن سعد الساعدي المتقدم على حديث عمر. فلا يتوهم أن في النقل النفص. وإنما الذي نجوزه:هو أن نسخه الأصل ناقصة ، إذ يعد أن يكون الشارح لم يهتم بالكتابة عنه . إلا أن يكون سيذكر هذا الحديث في الأمور الخاصة بالقرآن ، فأرجأ الكلام عنه. وبثعد أن تكون نسخة الشارح من المتن ناقصة هذا الحديث.

(4/255)


هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وأبُو العَجْفَاءِ السّلَمِيّ، اسْمُهُ: هَرَمٌ. و "الأوُقية" ـ عنْدَ أهْلِ العِلْمِ ـ: أرْبَعُونَ دِرْهَماً، و "ثِنْتَا عَشْرَةَ أُوقِية: أرْبَعُمَائَةٍ وثَمَانُونَ دِرْهَماً.
ـــــــ
فإنه مستثنى من قول عمر. لأنه أصدقها النجاشي في الحبشة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة آلاف درهم، من غير تعيين من النبي صلى الله عليه وسلم. وما روته عائشة: "من ثنتي عشرة ونش، فإنه لم يتجاوز عدد الأواقي التي ذكرها عمر. ولعله أراد الأوقية، ولم يلتفت إلى الكسور. مع أنه نفى الزيادة في علمه. ولعله لم يبلغه صداق أم حبيبة، ولا الزيادة التي روتها عائشة. فإن قلت: نهيه عن المغالاة مخالف لقوله تعالى: {وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً} قلت: النص يدل على الجواز، لا على الأفضلية. والكلام فيها، لا فيه. لكن ورد في بعض الروايات: "أنه قال: لا تزيدوا في مهور النساء على أربعين أوقية فمن زاد ألقيت الزيادة في بيت المال. فقالت امرأة: ما ذاك لك، قال: ولم؟ قالت: لأن الله يقول: {وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً} فقال عمر: "امرأة أصابت، ورجل أخطأ" كذا في المرقاة، قلت: أخرج عبد الرزاق من طريق عبد الرحمن السلمى، قال: "قال عمر رضي الله عنه: لا تغالوا في مهور النساء، فقالت امرأة: ليس ذلك لك يا عمر، إن الله يقول: {وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً} "من ذهب" قال: وكذلك هي في قراءة ابن مسعود، ـ فقال عمر: امرأة خاصمت عمر فخصمته". وأخرجه الزبير بن بكار، من وجه آخر منقطع، "فقال عمر: امرأة أصابت، ورجل أخطأ" وأخرجه أبو يعلى من وجه آخر عن مسروق عن عمر، فذكره متصلاً مطولاً. قال الحافظ في الفتح. قال القاري في المرقاة: ذكر السيد جمال الدين المحدث في "روضة الأحباب" أن صداق فاطمة رضي الله عنها كان أربعمائة مثقال فضة. وكذلك ذكره صاحب المواهب، ولفظه: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعلي: "إن الله عز وجل أمرني أن أزوجك فاطمة على أربعمائة مثقال فضة" والجمع: أن عشرة دراهم سبعة مثاقيل، مع عدم اعتبار الكسور. لكن يشكل نقل ابن الهمام: "أن صداق فاطمة كان أربعمائة درهم". وعلى كل فما اشتهر بين أهل مكة: "من أن مهرها تسعة عشر مثقالاً من الذهب"،فلا أصل له. اللهم إلا أن يقال: إن هذا المبلغ قيمة درع علي رضي الله تعالى عنه، حيث دفعها إليها مهراً معجلاً. والله تعالى أعلم. انتهى.

(4/256)


باب ماجاء في الرجل يعتق الأمة ثم يتزوجها
...
22 ـ باب ما جَاءَ في الرّجُلِ يُعْتِقُ الأمَةَ ثُمّ يَتَزَوّجُهَا
1123 ـ حدثنا قُتَيْبَةُ حدثنا أبو عَوَانةَ عَن قَتادَةَ و عَبْدِ العَزِيزِ بن صُهَيبٍ عَن أنَسِ بنِ مَالِكٍ: "أنّ رسُولَ الله صلى الله عليه وسلم أعتَقَ صَفِيّةَ، وجعَلَ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا".
وفي البابِ عَن صَفِيّةَ. حدِيثُ أنَسٍ حدِيثٌ حسنٌ صحيحٌ. والعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ بَعْضِ أهْلِ العِلْمِ مِنْ أصْحَابِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم وغَيْرِهِمْ وهُوَ قَوْلُ الشّافِعِيّ وأحْمَدَ وإسْحَاقَ. وكَرِهَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ أنْ يُجْعَلَ عِتْقُهَا صَدَاقَهَا، حَتّى يَجْعَلَ لَهَا مَهْراً سِوَى العِتْقِ. والقَوْلُ الأوّلُ أصَحّ.
ـــــــ
باب ما جَاءَ في الرّجُلِ يُعْتِقُ الأمَةَ ثُمّ يَتَزَوّجُهَا
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" قال الحافظ في الفتح بعد ذكره: وصححه ابن حبان والحاكم.
قوله: "أعتق صفية" هي: أم المؤمنين صفية بنت حيى بن أخطب، من سبط هارون بن عمران كانت تحت ابن أبي الحقيق، وقتل يوم خيبر ووقعت صفية في السبي، فاصطفاها رسول الله صلى الله عليه وسلم: فأعتقها وتزوجها، وجعل عتقها صداقها وماتت سنة خمسين، وقيل غير ذلك "وجعل عتقها صداقها" فيه دليل على صحة جعل العتق صداقاً وقد قال به من القدماء: سعيد بن المسيب، وإبراهيم النخعي، وطاوس، والزهري. ومن فقهاء الأمصار: الثورى وأبو يوسف وأحمد وإسحاق. قالوا: إذا أعتق أمته، على أن يجعل عتقها صداقها، صح العقد والعتق والمهر. على ظاهر الحديث. قال الحافظ. وهو قول الحسن البصري وعامر الشعبي والأوزاعي وعطاء بن أبي رباح وقتادة وطاوس قاله العيني. قوله: "وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق" في عد الشافعي من القائلين بصحة جعل العتق صداقاً، كلام. قال النووي: قال الشافعي: فإن أعتقها على هذا الشرط فقبلت، عتقت، ولا يلزمها أن تتزوج به بل له عليها قيمتها: لأنه لم يرض بعتقها مجاناً فإن رضيت وتزوجها على مهر يتفقان عليه، فله عليها القيمة، ولها عليه المهر المسمى من قليل أو كثير وإن تزوجها على قيمتها، فإن كانت القيمة معلومة له ولها: صح الصداق، ولا تبقى له عليها قيمة ولا لها عليه صداق. وإن كانت مجهولة، ففيه وجهان لأصحابنا، أحدهما: يصح الصداق كما لو كانت معلومة، لأن هذا العقد فيه ضرب من المسامحة والتخفيف. وأصحهما ـ وبه قال جمهور أصحابنا ـ لا يصح الصداق، بل يصح النكاح، ويجب لها مهر المثل. انتهى. كلام النووي، وقال الحافظ في الفتح: ومن المستغرب قول الترمذي ـ بعد إخراج الحديث ـ: وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق، الخ. لكن لعل مراد من نقله عنه، صورة الاحتمال الأول انتهى. وأراد بصورة الاحتمال الأول، ما ذكر قبل بقوله: وأجاب الباقون عن ظاهر الحديث، بأجوبة أقربها إلى لفظ الحديث. أنه أعتقها بشرط أن يتزوجها، فوجبت له عليها قيمتها ـ وكانت معلومة ـ فتزوجها بها انتهى.
"وكره بعض أهل العلم أن يجعل عتقها صداقها، حتى يجعل لها مهراً سوى العتق" قال الثوري: اختلف العلماء فيمن أعتق أمته على أن يتزوج بها ويكون عتقها صداقها فقال الجمهور: لا يلزمها أن تتزوج به، ولا يصح هذا الشرط. وممن قاله: مالك والشافعي وأبو حنيفة ومحمد بن الحسن وزفر. انتهى

(4/257)


23 ـ باب مَا جَاءَ في الفَضْلِ فِي ذَلِك
1124 ـ حدثنا هَنّادٌ حدثنا عَلِيّ بنُ مُسْهِرٍ عن الفَضْلِ بنِ يَزيدَ عَن الشّعْبِيّ عَنْ أبِي بُرْدَةَ بنِ أبِي مُوسَى عَنْ أَبِيهِ، قالَ: قالَ رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "ثَلاَثَةٌ يُؤْتَوْنَ أجْرَهُمْ مَرّتَيْنِ: عَبْدٌ أدّى حَقّ الله
ـــــــ
باب ماجاء في الفضل في ذلك
قوله: "ثلاثة" أي من الرجال، أو رجال ثلاثة، مبتدأ وخبره: "يؤتون" بصيغة المجهول "أجرهم مرتين" أي يؤتيهم الله يوم القيامة أجرهم مرتين "عبد" بدل من المبتدإ: بدل بعض والعطف بعد الربط، أو بدل كل والربط بدل العطف. أو خبر مبتدأ محذوف، أي أحدهم أو مبتدأ موصوف محذوف الخبر، أي منهم

(4/258)


وحَقّ مَوَاليهِ، فَذَاكَ يُؤْتَى أجْرَهُ مَرّتَيْنِ: وَرَجُلٌ كانَتْ عِنْدَهُ جَارِيَةٌ وَضِيئَةٌ فَأَدّبَهَا فَأَحْسَنَ أَدَبَهَا، ثُمّ أعْتَقَهَا، ثُمّ تَزَوّجَهَا: يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْه الله فَذَلِكَ يُؤْتَى أجْرَهُ مَرّتَيْنِ. وَرَجُلٌ آمَنَ بالكِتَابِ الأوّلِ ثُمّ جَاءَ الكِتابُ الاَخرُ: فآمَنَ بِهِ فَذَلِكَ يُؤْتَى أجْرَهُ مَرّتَيْنِ".
1125 ـ حدثنا ابنُ أبِي عُمرَ حدثنا سُفْيَانُ عَنْ صَالِحِ بنِ صَالِحٍ ـ "وهُوَ ابنُ حَيّ" ـ عَنْ الشّعْبِيّ عَنْ أبِي بُردَةَ عَنْ أبي مُوسَى عَن النبيّ صلى الله عليه وسلم، نحوَهُ بِمَعْنَاهُ.
حَدِيثُ أبِي مُوسَى حدِيثٌ حسنٌ صحيحٌ. وأبُو بُردَةَ بنُ أبِي مُوسَى، اسْمُهُ: عَامِرُ بنُ عَبْدِ الله بنِ قَيْسٍ. و رَوَى شُعْبَةُ وسفيان الثّوْرِيّ هذا الحديث عَن صَالحِ بنِ صَالحِ بنِ حَي،
ـــــــ
قال القاري في المرقاة. "أدى حق الله" : من صلاة وصوم، "وحق مواليه" جمع "المولى" للإشارة إلا أنه لو كان مشتركاً بين جماعة: فلا بد أن يؤدي حقوق جميعهم فيعلم المنفرد بالأولى. أو للإيماء إلى أنه إذا تعدد مواليه بالمناوبة على جري العادة الغالبة فيقوم بحق كل. "فذلك" أي ذلك العبد "يؤتى أجره مرتين" أجر لتأدية حق الله، وأجر لتأدية حق مواليه. "وجارية وضيئة" أي جميلة "فأدبها" أي علمها الخصال الحميدة: مما يتعلق بأدب الخدمة إذ الأدب هو: حسن الأحوال من القيام والتعود، وحسن الأخلاق. "فأحسن أدبها" وفي رواية الشيخين: "فأحسن تأديبها" و "إحسان تأديبها" هو: الاستعمال علمها الرفق واللطف. وزاد في رواية الشيخين: "وعلمها فأحسن تعليمها". "يبتغي ذلك" أي بالمذكور: من التأديب والتعليم والتزوج. "فذلك يؤتى أجره مرتين" : أجر على عتقه، وأجر على تزوجه. "ورجل آمن بالكتاب الأول، ثم جاءه الكتاب الاَخر فآمن به" في رواية الشيخين: "رجل من أهل الكتاب: آمن بنبيه، وآمن بمحمد" قوله: "حديث أبي موسى حديث حسن صحيح" وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه"

(4/259)


باب ماجاء فيمن يتزوج المرأة ثم يطلقها قبل أن يدخل بها هل يتزوج أبنتها أم لا
...
24 ـ باب مَا جَاءَ فِيمَنْ يَتَزَوّجُ المَرْأَةَ ثمّ يُطَلّقُهَا قَبْلَ أنْ يَدْخُلَ بِهَا
هَلْ يَتَزَوّجُ ابنَتَهَا، أمْ لاَ؟
1126 ـ حدثنا قُتَيْبَةُ حدثنا ابنِ لَهِيعَةَ عَن عَمْروِ بنِ شُعَيْبٍ عَن أبِيهِ عَن جَدّهِ، أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ: "أيّما رَجُلٍ نَكَحَ امْرَأَةً فَدَخَلَ بِهَا، فَلاَ يَحِلّ لَهُ نِكَاحُ ابنَتِهَا. وإِنْ لَمْ يَكُنْ دَخَلَ بِهَا فَلْيَنْكِحْ ابنَتَهَا، وأيّمَا رَجُلٍ نَكَحَ امْرَأَةً فَدَخَلَ بِهَا أَوْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا فَلاَ يَحِلّ لَهُ نِكاحُ أُمّهَا". قال أبو عيسى: هذا حديثٌ لاَ يَصِحّ مِنْ قِبَلِ إسْنَادِهِ وإنّمَا رَوَاهُ ابنُ لَهِيعَةَ والمثَنّى بنُ الصّبّاحِ عنْ عَمْروِ بنِ شُعَيبٍ وَالمُثَنّى بنُ الصّبّاحِ وابنُ لَهِيعَةَ يضَعّفَانِ في الحَدِيثِ. والعَمَلُ عَلَى هذَا عِنْدَ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ قَالُوا إذَا تَزَوّجَ الرّجُلُ امْرَأَةً ثُمّ طَلّقَهَا قَبْلَ أنْ يَدْخُلَ بِها حَلّ لَهُ أَنْ يَنْكِحَ ابْنَتَهَا وإِذَا تَزَوّجَ الرّجُلُ الإبنَةَ فَطَلّقَهَا قَبْلَ أنْ يَدْخُلَ بِهَا لَمْ يَحلّ لَهُ نِكَاحُ أُمّهَا لِقَوْلِ الله تَعالَى {وأُمّهَاتِ نِسَائِكُمْ} وهُوَ قَوْلُ الشّافِعِيّ وأحْمَدَ وإسْحَاقَ.
ـــــــ
باب مَا جَاءَ فِيمَنْ يَتَزَوّجُ المَرْأَةَ
ثمّ يُطَلّقُهَا قَبْلَ أنْ يَدْخُلَ بِهَا هَلْ يَتَزَوّجُ ابنَتَهَا، أمْ لاَ؟
قوله: "حدثنا ابن لهيعة" بفتح اللام وكسر الهاء، اسمه: عبد الله. قوله "فدخل بها" أي جامعها "فلا يحل له نكاح ابنتها" قال تعالى: {وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ} وأسقط قيد كونها في حجره لأنه خرج مخرج غلب العادة "فإن لم يكن دخل بها فلينكح ابنتها" أي بعد طلاق أمها قال تعالى : {فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ}. "فلا يحل له نكاح أمها" لإطلاق قوله تعالى: {وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ} قوله: "هذا حديث لا يصح من قبل إسناده" أي من جهة إسناده وإن كان صحيحاً باعتبار معناه مطابقته معنى الاَية. قوله: "والمثنى بن الصباح وابن لهيعة يضعفان في الحديث" قال البيهقي: أجمع أصحاب الحديث على ضعف ابن لهيعة وترك الاحتجاج بما ينفرد به. كذا في التلخيص. والمثنى بن الصباح ضعيف اختلط بآخره. قاله الحافظ في التقريب. قوله: "وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق" وهو قول الحنفية قال في الهداية: ولا بأم امرأته دخل بإبنتها أو لم يدخل لقوله تعالى: {وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ} من غير قيد بالدخول ولا ببنت امرأته التي دخل بها لثبوت قيد الدخول بالنص انتهى.

(4/260)


باب ماجاء فيمن يطلق امراته ثلاثا فيتزوجها آخر فيطلقها قبل يدخل بها
...
25 ـ باب مَا جَاءَ فِيمَنْ يُطَلّقُ امْرَأَتَهُ ثَلاَثاً فَيَتَزَوّجُهَا آخَرُ
فَيُطِلّقُهَا قَبْل أَن يَدْخُلَ بِهَا
1127 ـ حدثنا ابنُ أبي عُمرَ و إسْحَاقُ بنُ مَنْصُورٍ قالاَ حدثنا سُفْيَانُ بنُ عُيَيْنَة عنْ الزّهْرِيّ عنْ عُرْوَةَ عنْ عَائِشَةَ قالَتْ: "جَاءَتْ امْرَأَةُ رِفَاعَةَ القُرَظِيّ إلَى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم فقَالَتْ إنّي كُنْتُ عِنْدَ رِفَاعَةَ فَطَلّقَنِي فَبَتّ طَلاَقِي فَتَزَوّجْتُ عَبْدَ الرّحْمَنِ بنَ الزّبَيْرِ وَمَا مَعَهُ إلاّ مِثْلَ هُدْبَةِ الثّوْبِ فقَالَ: أتُرِيدِينَ أنْ تَرْجِعِي إلَى رِفَاعَةَ؟ لاَ حَتّى تَذُوقِي عُسَيْلَتهُ ويَذُوقَ عُسَيْلتَكِ".
ـــــــ
باب مَا جَاءَ فِيمَنْ يُطَلّقُ امْرَأَتَهُ ثَلاَثاً فَيَتَزَوّجُهَا آخَرُ
فَيُطِلّقُهَا قَبْل أَن يَدْخُلَ بِهَا
قوله: "جاءت امرأة رفاعة" بكسر الراء "القرظي" بضم القاف وفتح الراء وبالظاء المعجمة نسبة إلى قريظة قبيلة من اليهود "عند رفاعة" أي في نكاحه "فبت طلاقي" أي قطعه فلم يبق من الثلاث شيئاً وقيل طلقني ثلاثاً "فتزوجت عبد الرحمن بن الزبير" بفتح الزاي وكسر الباء "وما معه" أي ليس مع عبد الرحمن من آلة الذكورة "إلا مثل هدبة الثوب" بضم الهاء وسكون الدال بعدها موحدة أي طرفه وهو طرف الثوب الغير المنسوج "أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة" في رواية الشيخين قالت نعم كما في المشكاة "لا" وفي رواية الشيخين: قال لا أي لا ترجعي إليه "حتى تذوقي عسيلته" بضم العين وفتح السين أي لذة جماع عبد الرحمن "ويذوق عسيلتك" كناية عن حلاوة الجماع والعسيل تصغير عسل، والتاء فيها على نية اللذة أو النطفة أي حتى تجدي منه لذة ويجد منك لذة بتغيب الحشفة. ولا يشترط

(4/261)


وفي البابِ عنْ ابنِ عُمَرَ وأنَسٍ والرّمَيْصَاء أَو الغُمَيْصَاء وأبِي هُرَيْرَةَ.
حدِيثُ عَائِشَةَ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ: "والعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ عَامّةِ أهْلِ العِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النبيّ صلى الله عليه وسلم وغَيْرِهِمْ أنّ الرّجُلَ إذَا طَلّقَ امْرَأَتَهُ ثَلاَثاً فَتَزَوّجَتْ زَوْجاً غَيْرَهُ فَطَلّقَهَا قَبْلَ أنْ يَدْخُلَ بِهَا أنّهَا لاَ تَحِلّ للزّوْجِ الأوّلِ إذَا لَمْ يَكُنْ جَامَعَهَا الزّوْجُ الاَخَرُ.
ـــــــ
انزال المني خلافاً للحسن البصري فإنه لا يحل عنده حتى ينزل الثاني حملاً للعسيلة عليه. قوله: "وفي الباب عن ابن عمر وأنس والرميصاء أو الغميصاء وأبي هريرة" أما حديث ابن عمر فأخرجه النسائي. وأما حديث أنس فأخرجه سعيد بن منصور والبيهقي. وأما حديث الرميصاء أو الغميصاء فأخرجه النسائي. وأما حديث أبي هريرة فأخرجه الطبراني وابن أبي شيبة قوله: "حديث عائشة حديث حسن صحيح" وأخرجه البخاري ومسلم وغيرهما. قوله: "والعمل على هذا عند عامة أهل العلم الخ" قال ابن المنذر: أجمع العلماء على اشتراط الجماع لتحل للأول إلا سعيد بن المسيب ثم ساق بسنده الصحيح عنه أنه قال: يقول الناس لا تحل للأول حتى يجامعها الثاني، وأنا أقول إذا تزوجها تزويجاً صحيحاً لا يريد بذلك إحلالها للأول فلا بأس أن يتزوجها الأول. قال ابن المنذر: هذا القول لا نعلم أحداً وافقه عليه إلا طائفة من الخوارج. ولعله لم يبلغه الحديث فأخذ بظاهر القرآن. كذا في فتح الباري. قلت: قول سعيد بن المسيب هذا في الرخصة يقابله قول الحسن البصري في التشديد. فإنه شرط الإنزال كما عرفت قال ابن بطال: شذ الحسن في هذا وخالفه سائر الفقهاء انتهى.

(4/262)


باب ماجاء في المحل والمحلل له
...
26 ـ باب مَا جَاءَ فِي المُحِلّ والمُحَلّلِ لَه
1128 ـ حدثنا أبُو سَعِيدٍ الأشَجّ حدثنا أشعْثُ بنُ عَبْدِ الرّحمَنِ ابنِ زُبَيْدٍ الأيَامِي حدثنا مُجَالِدٌ عنِ الشّعْبِيّ عنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِ الله
ـــــــ
باب مَا جَاءَ فِي المُحِلّ والمُحَلّلِ لَه
المحل اسم فاعل من الإحلال، والمحلل اسم مفعول من التحليل. والمراد من المحل هو من تزوج المرأة المطلقة ثلاثاً بقصد الطلاق أو شروطه لتحل هي لزوجها الأول، والمراد من المحلل له الزوج الأول
قوله: "عن الشعبي" بفتح الشين

(4/262)


وعنْ الْحَارِثِ عنْ عَلِي قالاَ: "إنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم لَعَنَ المُحِلّ والمُحَلّل لَهُ".
وفي البابِ عنْ ابنِ مَسْعُودٍ وأبي هُرَيْرَةَ وعُقْبَةَ بنِ عَامِرٍ وابنِ عَبّاسٍ. قال أبو عيسى: حَدِيثُ عَلي وجَابِرٍ حدِيثٌ مَعْلُولٌ. وهَكذَا رَوَى أَشْعَثُ بنُ عَبْدِ الرّحْمَنِ عنْ مُجَالِدٍ عنْ عَامِرٍ الشعبي عنْ الحَارِثِ عنْ عَلِي وعَامِرٌ
ـــــــ
المعجمة هو عامر بن شراحيل ثقة مشهور فقيه فاضل "وعن الحارث" عطف على عن جابر بن عبد الله. قوله: "لعن المحل والمحلل له" وقع في بعض الروايات المحلل والمحلل له كلا اللفظين من باب التفعيل الأول بكسر اللام والثاني بفتحها. قال القاضي: المحلل الذي تزوج مطلقة الغير ثلاثاً على قصد أن يطلقها بعد الوطء ليحل للمطلق نكاحها، وكأنه يحللها على الزوج الأول بالنكاح والوطء والمحلل له والزوج. وإنما لعنهما لما في ذلك من هتك المروءة، وقلة الحمية، والدلالة على خسه النفس وسقوطها. أما بالنسبة إلى المحلل له فظاهر وأما بالنسبة إلى المحلل فلأنه يعير نفسه بالوطء لغرض الغير فإنه إنما يطؤها ليعرضها لوطء المحلل له ولذلك مثله صلى الله عليه وسلم بالتيس المستعار انتهى. قال الحافظ في التلخيص استدلوا بهذا الحديث على بطلان النكاح إذا شرط الزوج أنه إذا نكحها بانت منه. أو شرط أنه يطلقها أو نحو ذلك، وحملوا الحديث على ذلك ولا شك أن إطلاقه يشمل هذه الصورة وغيرها. لكن روى الحاكم والطبراني في الأوسط من طريق أبي غسان عن عمر بن نافع عن أبيه قال: جاء رجل إلى ابن عمر فسأله عن رجل طلق امرأته ثلاثاً فتزوجها أخ له عن غير مؤامرة ليحلها لأخيه هل يحل للأول. قال: لا إلا بنكاح رغبة. كنا نعد هذا سفاحاً على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، انتهى كلام الحافظ. قلت روى الحاكم هذا الحديث في المستدرك، وصححه كما صرح به الزيلعي في نصب الراية. قوله "وفي الباب عن ابن مسعود" أخرجه الترمذي والنسائي وأحمد وإسحاق بن راهويه "وأبي هريرة" أخرجه أحمد والبزار وأبو يعلى الموصلي وإسحاق بن راهويه في مسانيدهم وحديث صحيح نص على صحته الزيلعي في نصب الراية. "وعقبة بن عامر" أخرجه ابن ماجه مرفوعاً بلفظ: ألا أخبركم بالتيس المستعار؟ قالوا بلى يا رسول الله. قال: هو المحلل لعن الله المحلل والمحلل له. قال عبد الحق في أحكامه: إسناده حسن "وأبن عباس" أخرجه ابن ماجه وفي إسناده زمعة بن صالح وهو

(4/263)


عنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِ الله عنْ النبيّ صلى الله عليه وسلم. وهذا حديثٌ لَيْسَ إسْنَادُهُ بالقَائِمِ لأنّ مُجَالِدَ بنَ سَعِيدٍ قَدْ ضَعّفَهُ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ مِنْهُمْ أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ وَرَوَى عَبْدُ الله بنُ نُمَيْرٍ هذَا الحَدِيثَ عنْ مُجَالِدٍ عنْ عَامِرٍ عنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِ الله عنْ عَلي. وهذَا قَدْ وَهِمَ فيهِ ابنَ نُمَيرٍ. والحَدِيثُ الأوّلُ أَصَح. وقَدْ رَوَاهُ مُغِيرةُ وابنُ أَبي خَالِدٍ وغَيْرُ وَاحِدٍ عنْ الشّعْبِيّ عنْ الحَارِثِ عنْ عَلِي.
1129 ـ حدثنا محمُودُ بنُ غَيْلاَنَ حدثنا أَبُو أَحْمَدَ الزهري حدثنا سُفْيَانُ عنْ أَبي قَيْسٍ عنْ هُزَيْلِ بنِ شُرَحْبِيلَ عنْ عَبْدِ الله بنِ مَسْعُودٍ قالَ: "لَعَنَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم المُحِلّ والمُحَلّلَ لَهُ".
قال أبو عيسى هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وأَبُو قَيْسٍ الأوْدِيّ اسْمُهُ عَبْدُ الرّحْمَنِ بنُ ثَرَوَانَ وقَدْ روَى هذَا الحَدِيث عنِ النبيّ صلى الله عليه وسلم مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ. والعَمَلُ عَلَى هذَا الحديث عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النبيّ صلى الله عليه وسلم مِنْهُمْ عُمَرُ بنُ الخَطّابِ وعُثْمَانُ بنُ عَفّانَ
ـــــــ
ضعيف. قوله: "لأن مجالد بن سعيد قد ضعفه بعض أهل العلم" قال الحافظ في التقريب: مجالد بضم أوله وتخفيف الجيم ابن سعيد بن عمير الهمداني أبو عمرو الكوفي ليس بالقوي، وقد تغير في آخر عمره انتهى. قوله: "عن عبد الله بن مسعود قال لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المحل والمحلل له" قال في سبل السلام: الحديث دليل على تحريم التحليل، لأنه لا يكون اللعن إلا على فاعل المحرم وكل محرم منهي عنه والنهي يقتضي فساد العقد واللعن وإن كان ذلك للفاعل لكنه علق بوصف يصح أن يكون علة الحكم وذكروا للتحليل صوراً منها أن يقول له في العقد: إذا أحللتها فلا نكاح وهذا مثل نكاح المتعة لأجل التوقيت. ومنها أن يقول في العقد: إذا أحللتها طلقتها. ومنها أن يكون مضمراً في العقد بأن يتواطأ على التحليل، ولا يكون النكاح الدائم هو المقصود. وظاهر شمول اللعن وفساد العقد لجميع الصور وفي بعضها خلاف بلا دليل ناهض فلا يستعمل بها انتهى قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وصححه ابن القطان وابن دقيق العيد

(4/264)


وعَبْدُ الله بنُ عَمْروٍ وغَيْرِهم. وهُوَ قَوْلُ الفُقَهَاءِ مِنَ التّابِعِينَ وَبِهِ يَقُولُ سُفْيَانُ الثّوْرِيّ وابنُ المُبَارَكِ والشّافِعِيّ وأَحْمَدُ وإسْحَاقُ قال: وسَمِعْتُ الجَارُودَ بن معاذٍ يذْكُرُ عنْ وَكِيعٍ أَنّهُ قالَ بِهَذَا وقالَ يَنْبَغِي أَنْ يُرْمَى بِهَذَا البَابِ مِنْ قَوْلِ أَصْحَابِ الرأيِ. قال جارود: قالَ وكِيعٌ: وقالَ سُفْيَانُ إذَا تَزَوّجَ الرّجل المَرْأَةَ لِيُحَلّلهَا ثُمّ بَدَا لَهُ أَنْ يُمْسِكَهَا فَلاَ يَحِلّ لَهْ أَنْ يُمْسِكَهَا حَتّى يَتَزَوّجَهَا بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ.
ـــــــ
على شرط البخاري كذا في التلخيص قوله: "والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم منهم عمر بن الخطاب" أخرج ابن أبي شيبة عنه قال: لا أوتي بمحلل ولا محلل له إلا رجمتها. كذا في شرح الترمذي للشيخ سراج أحمد ولم أقف على سنده "وعثمان بن عفان" قال الشيخ سراج أحمد: أخرجه البيهقي. قلت لم أقف على سنده ولا على لفظه "وبه يقول سفيان الثوري وابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق" قال الحافظ الزيلعي في نصب الراية: واعلم أن المصنف يعني صاحب الهداية، استدل بهذا الحديث، يعني بحديث لعن الله المحلل والمحلل له. على كراهة النكاح المشروط به التحليل، وظاهره يقتضي التحريم كما هو مذهب أحمد انتهى. قلت: لا شك في أن ما قال الإمام أحمد هو الظاهر. ثم أجاب الزيلعي فقال: لكن يقال لما سماه محللاً دل على صحة النكاح. لأن المحلل هو المثبت للحل فلو كان فاسداً لما سماه محللاً انتهى، قلت: سماه محللاً على حسب ظنه، فإن من تزوج المطلقة ثلاثاً بقصد الطلاق أو شرطه ظن أن تزوجه إياها ووطأها يحلها لزوجها الأول. وليس تسميته محللاً على أنه مثبت للحل في الواقع، ويؤيده قول ابن عمر: كنا نعد هذا سفاحاً على عهد النبي صلى الله عليه وسلم. وصححه الحاكم كما تقدم "وسمعت الجارود يذكر عن وكيع أنه قال بهذا" أي بما قال سفيان وابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق وقال: أي وكيع "ينبغي أن يرمي بهذا الباب من قول أصحاب الرأي" يعني أبا حنيفة وأصحابه. قال أبو الطيب السندي في شرح الترمذي. أي يطرح ويلقى من قولهم ما ذكروا في هذا الباب من صحة النكاح وإن قصد الإحلال. وذلك لأن اللعن يقتضي النهي عن هذا الفعل وحرمته، والحرمة في باب النكاح يقتضي عدم الصحة. فقولهم بالصحة مخالف للحديث فيكون مرمياً مطروحاً. قال أجابوا عنه أن قولهم

(4/265)


ـــــــ
ليس بمخالف للحديث. لأن اللعن قد يكون لخسة الفعل وهتك المروءة وتسميته محللاً يقتضي صحة العقد ليترتب عليه التحليل. وليس في الحديث تصريح بعدم الشرط أو بإثباته، فالتوفيق بينهما أن يحمل اللعن على أنه للخسة لا للتحريم لئلا يعارض قوله محللاً، فلا دلالة فيه على بطلان النكاح بمجرد أن يكون من نيته الإحلال. أو بكونه شرط الإحلال انتهى كلام أبي الطيب. قلت قوله اللعن قد يكون لخسة الفعل وهتك المروءة ادعاء محض لا دليل عليه، بل لعنة الله لا تكون إلا للتحريم. وقد تقدم أن تسميته محللاً لا يقتضي صحة العقد.
تنبيه: قول الإمام وكيع هذا يدل دلالة ظاهرة على أنه لم يكن حنفياً مقلداً للإمام أبي حنيفة فبطل قول صاحب العرف الشذي أن وكيعاً كان حنفياً مقلداً لأبي حنيفة. وقد تقدم الكلام في هذا في باب الإشعار من كتاب الحج "قال وكيع وقال سفيان إذا تزوج المرأة ليحللها ثم بدا له أن يمسكها فلا يحل له أن يمسكها حتى يتزوج بنكاح جديد" قال الخطابي في المعالم: إذا كان ذلك عن شرط بينهما فالنكاح فاسد لأن العقد متناه إلى مدة كنكاح المتعة. وإذا لم يكن شرطاً ودان نية وعقيدة فهو مكروه. فإن أصابها الزوج ثم طلقها وانقضت العدة فقد حلت للزوج الأول. وقد كره غير واحد من العلماء أن يضمر أو ينويا أو أحدهما التحليل وإن لم يشترطاه، وقال ابراهيم النخعي: لا يحلها لزوجها الأول إلا أن يكون نكاح رغبة، فإن كانت نية أحد الثلاثة الزوج الأول أو الثاني أو المرأة أنه محلل، فالنكاح باطل ولا تحل للأول وقال سفيان الثوري. إذا تزوجها وهو يريد أن يحللها لزوجها، ثم بدا له أن يمسكها لا يعجبني إلا أن يفارقها ويستأنف نكاحاً جديداً، وكذلك قال أحمد بن حنبل، وقال مالك بن أنس يفرق بينها على كل حال انتهى كلام الخطابي، وقال الشافعي: إن عقد النكاح مطلقاً لا شرط فيه فالنكاح ثابت، ولا تفسد النية من النكاح شيئاً، لأن النية حديث نفس وقد رفع عن الناس ما حدثوا به أنفسهم ذكر قول الشافعي هذا الحافظ المنذري في تلخيصه. قلت: في كلام الشافعي هذا كلام فتأمل.
تنبيه: قال صاحب العرف الشذي، والمشهور عندنا أن الشرط إثم والنكاح صحيح قال: ولأبي حنيفة: ما أفتى عمر بسند لعله جيد أن رجلاً نكح امرأة للتحليل فقال له عمر رضي الله عنه لا تفارق امرأتك وإن طلقتها فأعزرك. قال فدل على صحة النكاح للتحليل انتهى. قلت روى عبد الرزاق: أن امرأة أرسلت إلى رجل فزوجته نفسها ليحلها لزوجها، فأمره عمر بن الخطاب أن يقيم معها ولا يطلقها، وأوعده أن يعاقبه إن طلقها. ذكر هذا الأثر الشوكاني في النيل بغير السند، ولم أقف على سنده. فمن يدعى أنه صحيح فعليه البيان، وأثر عمر هذا يخالفه ما أخرج ابن أبي شيبة عنه قال: لا أوتي بمحلل له ولا محلل له إلا رجمتهما، ويخالفه قول ابن عمر رضي الله عنه كنا نعد هذا سفاحاً على عهد النبي صلى الله عليه وسلم. وصححه الحاكم وقد تقدم ثم قال: صاحب العرف الشذي وإن لم يشترط في اللفظ فإن كان الرجل معروفاً بهذا الفعل فمكروه تحريماً، كما في فتح القدير. وفي بعض كتبنا أنه إذا لم يشترط في اللفظ فالمحل له ثواب لأنه نفع أخيه المسلم انتهى بلفظه.
قلت: وفي بعض كتب الحنفية أنه مأجور وإن شرطاه بالقول لقصد الإصلاح. وهذا هو معمول به عند حنفية ديارنا فيعملون به ويظنون أنهم ينفعون إخوانهم ويصيرون مأجورين فهداهم الله تعالى إلى التحقيق

(4/266)


باب ماجاء في تحريم نكاح المتعة
...
27 ـ باب ما جَاءَ فِي تحريم نِكَاحِ المُتْعَة
1130 ـ حدثنا ابنُ أَبي عُمرَ حدثنا سُفْيَانُ عنْ الزّهْرِيّ عنْ عَبْدِ الله و الحَسَنِ ابنيْ مُحَمّدِ بنِ عَلِيَ عنْ
أَبِيهِمَا عنْ عَلِيَ بنِ أَبي طَالِبٍ
ـــــــ
باب ما جَاءَ فِي تحريم نِكَاحِ المُتْعَة
يعني تزويج المرأة إلى أجل فإذا انقضى وقعت الفرقة
قوله: "عن عبد الله والحسن ابني محمد بن علي" بن أبي طالب رضي الله عنه ومحمد هذا هو الذي يعرف بابن الحنفية وابنه عبد الله كنيته أبو هاشم. وذكر البخاري في التاريخ ولأحمد عن سفيان وكان الحسن أرضاهما إلى أنفسنا، وكان عبد الله يتبع السبئية انتهى. والسبئية ينسبون إلى عبد الله بن سبأ وهو من رؤساء الروافض. وكان المختار بن أبي عبيد على رأيه ولما غلب على الكوفة وتتبع قتلة الحسين فقتلهم، أحبته الشيعة ثم فارقه أكثرهم لما ظهر منه من الأكاذيب. وكان من رأى السبئية موالاة محمد بن علي بن أبي طالب، وكانوا يزعمون أنه المهدي وأنه لا يموت حتى يخرج في آخر الزمان. ومنهم من أقر بموته وزعم أن الأمر بعده صار إلى ابنه أبي هاشم هذا. ومات أبو هاشم في آخر ولاية سليمان بن عبد الملك سنة ثمان أو تسع وتسعين

(4/267)


"أَنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم نَهَى عنْ مُتْعَةِ النّسَاءِ وعنْ لُحُومِ الحُمُرِ الأهْلِيّةِ زَمَنَ خَيْبَر".
وفي البابِ عنْ سَبْرَةَ الجُهنِيّ وأَبي هُرَيْرَةَ.
حديث عليّ حدِيثٌ حسنٌ صحيحٌ والعَمَلُ على هذَا عِنْدَ أهْلِ العِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النبيّ صلى الله عليه وسلم وغَيْرِهِمْ وإنّمَا رُوِيَ عنْ ابنِ عَبّاسٍ شَيءٌ مِنَ الرّخْصَةِ فِي المُتْعَةِ ثُمّ رَجَعَ عنْ قَوْلِهِ حَيْثُ أخْبرَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم وأَمْرُ أَكْثَرِ أَهْلِ العِلْمِ عَلَى تَحْرِيمِ المُتْعَةِ وهُوَ قَوْلُ الثّوْرِيّ وابنِ المُبَارِك والشّافِعِيّ وأحْمَدَ وإسْحَاقَ.
ـــــــ
نهى عن متعة النساء وعن لحوم الحمر الأهلية زمن خيبر" الظرف متعلق بكلا الأمرين ففي رواية للبخاري: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم خيبر عن متعة النساء، وعن لحوم الحمر الأهلية. وهكذا في رواية لمسلم. قوله: "وفي الباب عن سبرة الجهني" بفتح السين المهملة وسكون الموحدة، أخرجه أحمد ومسلم: أنه غزا مع النبي صلى الله عليه وسلم في فتح مكة. قال فأقمنا بها خمسة عشر فأذن لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في متعة النساء. وذكر الحديث إلى أن قال فلم أخرج حتى حرمها رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي رواية: أنه كان مع النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا أيها الناس إني كنت أذنت لكم في الاستمتاع عن النساء، وإن الله قد حرم ذلك إلى يوم القيامة، فمن كان عنده منهن شيء فليخل سبيله، ولا تأخذوا مما أتيتموهن شيئاً. كذا في المنتقى "وأبي هريرة" أخرجه الدارقطني مرفوعاً بلفظ: هدم المتعة الطلاق والعدة والميراث. قال الحافظ في التلخيص: إسناده حسن قوله: "حديث حسن صحيح" وأخرجه البخاري ومسلم قوله: "وأمر أكثر أهل العلم على تحريم المتعة، وهو قول الثورى وابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق" قال الحازمي في كتاب الاعتبار. وهذا الحكم كان مباحاً مشروعاً في صدر الإسلام وإنما أباحه النبي صلى الله عليه وسلم لهم للسبب الذي ذكره ابن مسعود: وإنما كان ذلك يكون في أسفارهم ولم يبلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم أباحه لهم وهم في بيوتهم. ولهذا نهاهم عنه غير مرة ثم أباحه لهم في أوقات مختلفة حتى حرمه عليهم في آخر أيامه صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع وكان تحريم تأبيد لا تأقيت. فلم يبق اليوم في ذلك خلاف بين فقهاء الأمصار

(4/268)


1131 ـ حدثنا محمودُ بنُ غَيْلاَنَ حدثنا سُفْيَانُ بنُ عُقْبَةَ أَخُو قَبِيصَةَ بنِ عُقْبَةَ حدثنا سُفْيَانُ الثّوْرِيّ عنْ مُوسَى بنِ عُبَيدَةَ عنْ مُحَمّدِ بنِ كَعْبٍ عنْ ابنِ عَبّاسٍ قالَ: إنّمَا كَانَتْ المُتْعَةُ فِي أَوّلِ الإسْلاَمِ كانَ الرّجُلُ يَقدَمُ البَلْدَةَ لَيْسَ لَهُ بِهَا مَعْرِفَةٌ فيَتَزَوّجُ المَرْأَةَ بِقَدْرِ مَا يَرَى أنّهُ يُقيمُ فَتَحْفَظُ لَهُ مَتَاعَهُ وتُصْلِحُ لَهُ شَيأه إِذَا حَتّى نَزَلَتْ الاَيَةُ {إلاّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أيْمَانُهُمْ} قالَ ابنُ عَبّاسٍ: فَكُلّ فَرْجٍ سوى هذين فَهُوَ حَرَامٌ.
ـــــــ
وأئمة الأمة إلا شيئاً ذهب إليه بعض الشيعة. ويروى أيضاً عن ابن جريج جوازه وسنذكر أحاديث تدل على صحة ما ادعيناه. ثم ذكر الحازمي تلك الأحاديث إن شئت الوقوف عليها فعليك أن تراجعه.
قوله: "عن موسى بن عبيدة" بالتصغير الربذى بفتح الراء والموحدة ضعيف قاله الحافظ "حتى إذا نزلت الاَية: إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم" . قال الطيبي يريد أن الله تعالى وصفهم بأنهم يحفظون فروجهم عن جميع الفروج إلا عن الأزواج والسراري، والمستمتعة ليست زوجة لانتفاء التوارث إجماعاً، ولا مملوكة بل هي مستأجرة نفسها أياماً معدودة، فلا تدخل تحت الحكم انتهى. وحديث ابن عباس هذا رواه الحازمي في كتاب الاعتبار وقال: هذا إسناد صحيح لولا موسى بن عبيدة الربذي يسكن الربذة انتهى. قلت قال الحافظ ضعيف كما تقدم وقد روى روايات عديدة عن ابن عباس في الرجوع ذكرها الحافظ في الفتح. وقال يقوي بعضها بعضاً

(4/269)


باب ماجاء من النهي عن نكاح الشغار
...
28 ـ بابُ مَا جَاءَ في النّهيِ عَنْ نِكَاحِ الشّغَار
1132 ـ حدثنا مُحمدُ بنُ عَبْدِ المَلِكِ بنِ أبي الشّوَارِبِ حدثنا بِشْرُ بنُ المُفَضّلِ حدثنا حُمَيدٌ و "هُوَ الطّوِيلُ" قالَ: حَدّثَ الحَسَنُ عنْ عِمرَانَ بنِ
ـــــــ
بابُ مَا جَاءَ في النّهيِ عَنْ نِكَاحِ الشّغَار
قال في النهاية: هو نكاح معروف في الجاهلية كان يقول الرجل للرجل شاغرني أي زوجني أختك أو بنتك أو من تلى أمرها حتى أزوجك أختي أو بنتي

(4/269)


حُصَين عنْ النبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ: "لاَ جَلَبَ ولا جَنَبَ ولا شِغَارَ في الإسْلاَمِ، ومَنْ انتَهَبَ نُهْبَةً فَلَيْسَ مِنّا". هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وفي البابِ عَنْ أَنَسٍ وأبي رَيْحَانَةَ وابنِ عُمَرَ وجَابِرٍ ومُعَاوِيَةَ وأبِي هُرَيْرَةَ وَوَائِلِ بنِ حُجْرٍ.
ـــــــ
أو من ألى أمرها ولا يكون بينهما مهر، ويكون بضع كل واحدة منهما في مقابلة بضع الأخرى. وقيل له شغار لارتفاع المهر بينهما من شغر الكلب إذا رفع إحدى رجليه ليبول، وقيل الشغر البعد، وقيل الاتساع انتهى
قوله: "ولا جلب ولا جنب" بفتحتين فيهما "ولا شغار" بكسر أوله "في الإسلام" الظاهر أنه قيد في الكل ويحتمل أن يكون قيداً للأخير والجلب والجنب يكونان في السباق وفي الزكاة فالجب في السباق أن يتبع فرسه رجلاً يجلب عليه ويصيح ويزجره حثاً له على الجري. والجنب أن يجنب إلى فرسه فرساً عرياناً فإذا فتر المركوب تحول إليه. والجلب في الزكاة أن لا يقرب العامل أموال الناس بل ينزل موضعاً ثم يرسل من يجلب إليه الأموال من أماكنها ليأخذ صدقتها. فنهى عنه وأمر أن تؤخذ صدقاتهم على مياههم وأماكنهم. والجنب أن يجنب رب المال بماله أي يبعده عن مواضعه حتى يحتاج العامل إلى الإبعاد في أتباعه وطلبه. وفي المرقاة للقاري: والشغار أن تشاغر الرجل وهو أن تزوجه أختك على أن يزوجك أخته ولا مهر إلا هذا، من شغر البلد إذا خلا وهو قول أكثر أهل العلم. والمقتضي إفساده الاشتراك في البضع يجعله صداقاً. وقال أبو حنيفة والثوري: يصح العقد لكل منهما "ومن انتهب نهبة" بفتح النون وسكون الهاء مصدر، وأما بالضم فالمال المنهوب، أي من أخذ ما لا يجوز أخذه قهراً جهراً "فليس منا" أي ليس من المطيعين لأمرنا أو ليس من جماعتنا وعلى طريقتنا. قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه أحمد والنسائي. قوله: "وفي الباب عن أنس" أخرجه أحمد والنسائي "وأبي ريحانة" أخرجه أبو الشيخ بلفظ: أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن المشاغرة. والمشاغرة أن يقول: زوج هذا من هذه وهذه من هذا بلا مهر "وابن عمر" أخرجه الجماعة "وجابر" أخرجه مسلم وأخرج البيهقي أيضاً عن جابر بلفظ: نهى عن الشغار، أن تنكح هذه بهذه بغير صداق يضع هذه

(4/270)


1133 ـ حدثنا إسْحَاقُ بنُ مُوسَى الأنْصَارِيّ حدثنا مَعْنٌ حدثنا مَالِكٌ عنْ نَافِع عنْ ابنِ عُمَرَ: "أَنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم نَهَى عنْ الشّغَار". هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. والعَمَلُ عَلَى هذَا عِنْدَ عَامّةِ أهْلِ العِلْمِ لاَ يَرَوْنَ نِكَاحَ الشّغَارِ. والشّغَارُ أَنْ يُزَوّجَ الرّجُل ابْنَتَهَ عَلَى أَنْ يُزَوّجَهُ الاَخَرُ ابْنَتَهُ أَوْ أُخْتَهُ ولاَ صَدَاقَ بَيْنَهُمَا. وقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ نِكَاحُ الشّغَارِ مَفْسُوخٌ ولاَ يَحِلّ وإنْ جعَلَ لَهُمَا صَدَاقاً. وهُوَ قَوْلُ الشّافِعِيّ وأحْمدَ وإسْحَاقَ. ورُوِيَ عنْ عَطَاءِ بنِ أبي رَبَاحٍ أنّه قالَ يُقَرّانِ عَلَى نِكَاحِهِمَا ويُجْعَلُ لَهُمَا صَدَاقُ المِثْلِ وهُوَ قَوْلُ أهْلِ الكُوفَةِ.
ـــــــ
صداق هذه، ويضع هذه صداق هذه، "ومعاوية" أخرجه أحمد وأبو داود "وأبي هريرة رضي الله عنه" أخرجه أحمد ومسلم "ووائل بن حجر" لينظر من أخرجه. وفي الباب أيضاً عن أبي بن كعب مرفوعاً: لاشغار. قالوا: يا رسول الله ما الشغار؟ قال: "نكاح المرأة بالمرأة لا صداق بينهما". قال الحافظ إسناده ضعيف.
قوله: "نهى عن الشغار" هكذا أخرجه الترمذي مختصراً، وأخرجه الشيخان وغيرهما مع تفسير الشغار هكذا نهى عن الشغار، والشغار أن يزوج الرجل ابنته على أن يزوجه ابنته، وليس بينهما صدق. قال في المنتقى وأبو داود جعله أي تفسير الشغار من كلام نافع، وهو كذلك في تفسير متفق عليها انتهى قال القرطبي: تفسير الشغار صحيح موافق لما ذكره أهل اللغة فإن كان مرفوعاً فهو المقصود، وإن كان من قول الصحابي فمقبول أيضاً لأنه أعلم بالمقال وأقعد بالحال انتهى. قلت قد وقع في حديث أبي بن كعب: قالوا يا رسول الله ما الشغار؟ قال "إنكاح" المرأة الخ. فهذا نص صريح في أن تفسير الشغار مرفوع لكن هذا الحديث ضعيف كما عرفت، لكن قال الحافظ: وإسناده وإن كان ضعيفاً لكنه يستأنس به في هذا المقام انتهى. قوله: "وقال بعض أهل العلم نكاح الشغار مفسوخ، ولا يحل، وإن جعل لهما صداق. وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق الخ" قال ابن عبد البر: أجمع العلماء على أن نكاح الشغار لا يجوز. ولكن اختلفوا في صحته فالجمهور على البطلان. وفي رواية عن مالك يفسخ قبل الدخول لا بعده وحكاه ابن المنذر عن الأوزاعي، وذهب الحنفية إلى صحته ووجوب مهر المئل. وهو قول الزهرى ومكحول والثوري والليث، ورواية عن أحمد وإسحاق وأبي ثور، وهو قول على مذهب الشافعي لاختلاف الجهة، لكن قال الشافعي: إن النساء محرمات إلا ما أحل الله أو ملك يمين، فإذا ورد النهي عن نكاح تأكد التحريم. كذا في فتح الباري. قلت: والظاهر هو ما قال الشافعي رحمه الله والله تعالى أعلم.

(4/271)


باب ماجاء لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها
...
29 ـ باب مَا جَاءَ لاَ تُنْكَحُ المَرأَةُ عَلَى عَمّتِهَا ولاَ عَلَى خَالتِهَا
1134 ـ حدثنا نَصْرُ بنُ عَلِي الجَهْضَمِيّ حدثنا عَبْدُ الأعْلَى بن عبد الأعلى حدثنا سَعيدُ بنُ أبي عَروبَةَ عنْ أبي حريزٍ عنْ عِكْرِمَةَ عنْ ابنِ عَبّاسٍ: "أَنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم نَهَى أنْ تُزَوّج المَرأة عَلَى عَمّتِهَا أَوْ على خَالتِهَا".
وأبو حريز اسمه عبد الله بن حسين.
1135 ـ حدثنا نَصْرُ بنُ عَلِي. حدّثنَا عَبْدُ الأعْلَى عَنْ هِشَامِ بنِ حَسّانَ، عنِ ابنِ سِيرِينَ عنْ أبي هُرَيْرَةَ، عَنْ النبيّ صلى الله عليه وسلم
ـــــــ
باب مَا جَاءَ لاَ تُنْكَحُ المَرأَةُ عَلَى عَمّتِهَا ولاَ عَلَى خَالتِهَا
قوله: "عن أبي حريز" بفتح الحاء المهملة وكسر الراء وسكون التحتية وبالزاء، قال الحافظ في التلخيص اسمه عبد الله بن حسين علق له البخاري، ووثقه ابن معين وأبو زرعة، وضعفه جماعة فهو حسن الحديث. قوله: "نهى أن تزوج" بصيغة المجهول أي تنكح "المرأة على عمتها أو خالتها" روى ابن حبان في صحيحه، وابن عدي هذا الحديث من طريق أبي حريز عن عكرمة عن ابن عباس وزاد في آخره: إنكم إذا فعلتم ذلك فطعتم أرحامكم. ذكره الحافظ في التلخيص وفي الباب ما أخرجه أبو داود في المراسيل عن عيسى بن طلحة قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أن تنكح المرأة على قرابتها مخافة القطيعة انتهى. وقد ظهر بهذه الزيادة حكمة النهي عن الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها، وهي الاحتراز عن قطع الرحم. قال النووي هذا دليل لمذهب العلماء كافة أنه يحرم الجمع بينهما سواء كانت عمة وخالة حقيقية وهي أخت الأب وأخت الأم أو مجازية وهي أخت أبي الأب وأبي الجد وإن علا، وأخت أم الأم وأم الجدة من جهتي الأم والأب وإن علت. فكلهن حرام بالإجماع، ويحرم

(4/272)


بِمِثْلِهِ. وفي البابِ عن عَلِي وابنِ عُمَرَ وعَبْدِ الله بنِ عَمْروٍ وأبي سَعِيدٍ وَأبي أُمَامَةَ وَجَابِرٍ وعَائِشَةَ وأبي مُوسى وَسَمُرَةَ بنِ جُنْدَبٍ.
1136 ـ حدثنا الْحَسَنُ بنُ عَلِي الخلال حدثنا يَزِيدُ بنُ هارُونَ. أنبأنا دَاوُدُ بنُ أبي هِنْدٍ أخبرنا عَامِرٌ عَن أبي هُرَيْرَةَ، "أنّ رسُولَ الله صلى الله عليه وسلم نَهَى أنْ تُنْكَحَ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمّتِهَا أَوِ الْعَمّةُ عَلَى ابْنَةِ أَخِيهَا أَوِ الْمَرْأةُ عَلَى خَالَتِها، أَوِ الْخَالَةُ عَلَى بِنْتِ أُخْتِهَا. وَلاَ تُنْكَحُ الصّغْرَى عَلَى الْكُبْرَى، ولاَ الكُبْرَى عَلَى الصّغْرَى". حدِيثُ ابنِ عَبّاسٍ وأَبي هُرَيْرَةَ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. والعَملُ علَى هذا عِنْدَ عَامّةِ أهْلِ العِلْمِ،
ـــــــ
الجمع بينهما في النكاح أو في ملك اليمين انتهى. قوله: "وفي الباب عن علي وابن عمر وعبد الله بن عمرو الخ" وقال البيهقي قد جاء من حديث علي وابن مسعود وابن عمر وابن عباس وعبد الله بن عمرو وأنس وأبي سعيد وعائشة وليس فيها شيء شرط الصحيح انتهى. قال الحافظ في الفتح بعد نقل قول البيهقي هذا: وذكر مثل ذلك الترمذي بقوله: وفي الباب لكن لم يذكر ابن مسعود، ولا ابن عباس ولا أنسا. وزاد بدلهم أبا موسى وأبا أمامة وسمرة. ووقع لي أيضاً من حديث أبي الدرداء ومن حديث عتاب بن أسيد ومن حديث سعد بن أبي وقاص. ومن حديث زينب امرأة ابن مسعود فصار عدة من رواه غير الأولين يعني جابراً وأبا هريرة. ثلاثة عشر نفساً وأحاديثهم موجودة عند ابن أبي شيبة وأحمد وأبي داود والنسائي وابن ماجه وأبي يعلى والبزار والطبراني وابن حبان وغيرهم. قال: ولولا خشية التطويل لأوردتها مفصلة انتهى كلام الحافظ.
قوله: "حدثنا عامر" هو الشعبي. قوله: "نهى أن تنكح" بصيغة المجهول "ولا تنكح الصغرى" أي ببنت الأخ أو بنت الأخت وسميت صغرى لأنها بمنزلة البنت "على الكبرى" أي سناً غالباً أو رتبة فهي بمنزلة الأم. والمراد بها العمة والخالة "ولا الكبرى على الصغرى" كرر النفي من الجانبين للتأكيد لقوله: نهى عن تنكح المرأة على عمتها الخ. قوله: "حديث ابن عباس وأبي هريرة حديث حسن صحيح" المراد

(4/273)


لاَ نَعْلَمُ بَيْنَهُمُ اخْتِلاَفاً، أَنّهُ لا يَحِلّ لِلرّجُلِ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ المَرْأَةِ وَعَمّتِهَا أَوْ خَالَتِهَا. فَإِنْ نَكَحَ امْرَأَةً عَلَى عَمّتِها أَوْ خَالَتِهَا أوْ العَمّةُ عَلَى بِنْتِ أَخِيهَا، فَنِكاحُ الأُخْرَى مِنْهُمَا مَفْسُوخٌ. وَبِهِ يَقُولُ عَامّةُ أهْلِ العِلْمِ.
قال أبو عيسى: أَدْرَكَ الشعْبيّ أَبَا هُرَيْرَةَ وَرَوَى عَنْهُ. وَسَأَلْتُ مُحَمّداً عَنْ هذَا، فَقَالَ: صَحِيحٌ.
قال أبو عيسى: وَرَوَى الشّعْبيّ عَنْ رَجُلٍ عنْ أَبِي هُرَيْرَة.
ـــــــ
بحديث ابن عباس هو المذكور أولاً وأخرجه أحمد وأبو داود وابن حبان. وحديث أبي هريرة أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي أيضاً. ومسلم لم يخرجه هكذا بتمامه ولكنه فرقه حديثين فأخرج صدره عن أبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعاً: لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها انتهى. وأخرج باقيه عن قبيصة بن ذويب عن أبي هريرة مرفوعاً: لا تنكح العمة على بنت الأخ ولا ابنة الأخت على الخالة انتهى. كذا في نصب الراية. قوله: والعمل على هذا عند عامة أهل العلم، لا نعلم بينهم اختلافاً الخ. وقال ابن المنذر: لست أعلم في منع ذلك اختلافاً اليوم. وإنما قال بالجواز فرقة من الخوارج. وإذا ثبت الحكم بالسنة، واتفق أهل العلم على القول به لم يضره خلاف من خالفه. وكذا نقل الإجماع ابن عبد البر وابن حزم والقرطبي والنووي، لكن استثنى ابن حزم عثمان البتي وهو أحد الفقهاء القدماء من أهل البصرة، واستثنى النووي طائفة من الخوارج والشيعة واستثنى القرطبي الخوارج ولفظه: اختار الخوارج الجمع بين الأختين وبين المرأة وعمتها وخالتها، ولا يعتد بخلافهم لأنهم مرقوا من الدين انتهى. وفي نقله عنهم جواز الجمع بين الأختين غلط بين. فإن عمدتهم التمسك بأدلة القرآن لا يخالفونها البتة. وإنما يردون الأحاديث لاعتقادهم عدم الثقة بنقلتها وتحريم الجمع بين الأختين بنصوص القرآن. كذا في فتح الباري. قوله: "فنكاح الأخرى منهما مفسوخ" أي باطل وأما نكاح الأولى منهما فصحيح. هذا إذا عقد على إحداهما ثم عقد على الأخرى. وأما إذا عقد عليهما معاً بعقد واحد فنكاحهما باطل: قوله: "أدرك الشعبي أبا هريرة" الشعبي بفتح الشين المعجمة هو عامر بن شراحيل الكوفي ثقة مشهور فقيه فاضل قال: أدركت خمسمائة من الصحابة. فائدة الجمع بين زوجة رجل وبنته من غيرها جائز. قال البخاري في صحيحه: جمع عبد الله بن جعفر بين ابنة علي وامرأة علي. وقال ابن سيرين لا بأس به. وكرهه الحسن مرة ثم قال لا بأس به انتهى.

(4/274)


باب ماجاء في الشرط عند عقدة النكاح
...
30 ـ باب مَا جَاءَ في الشّرْطِ عِنْدَ عُقْدَةِ النّكاح
1137 ـ حدثنا يُوسُفُ بنُ عِيسى. حدثنا وَكِيعٌ. حدثنا عَبْدُ الْحَمِيدِ بنُ جَعْفَرٍ عنْ يَزِيدَ بنِ أَبي حَبِيبٍ، عنْ مَرْثَدِ بنِ عَبْدِ الله الْيزَنِيّ أَبي الخَيْرِ، عنْ عُقْبَةَ بنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيّ قالَ: "قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: إنّ أَحَقّ الشّرُوطِ أَنْ يُوفَى بِهَا، مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الفُروجَ".
حدثنا أبو مُوسَى مُحَمّدُ بنُ المُثَنّى. حدثنا يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ عنْ عَبْدِ الحَمِيدِ
ـــــــ
باب مَا جَاءَ في الشّرْطِ عِنْدَ عُقْدَةِ النّكاح
قوله: "عن مرثد" بفتح الميم وسكون الراء بعدها مثلثة "ابن عبد الله اليزني" بفتح التحتانية والزاي بعدها نون "أبي الخير" كنية مرثد قوله: "إن أحق الشروط أن يوفي بها" بالتخفيف من باب الأفعال، ويجوز التشديد من التفعيل، وأن يوفي بها بدل من الشروط، والمعنى أحق الشروط بالوفاء "ما استحللتم به الفروج" خبر إن، قال القاضي المراد بالشروط، ههنا المهر لأنه المشروط في مقابلة البضع. وقيل جميع ما تستحقه المرأة بمقتضى الزوجية من المهر والنفقة وحسن المعاشرة فإن الزوج التزمها بالعقد فكأنها شرطت فيه. وقيل كل ما شرط الزوج ترغيباً للمرأة في النكاح ما لم يكن محظوراً. قال النووي: قال الشافعي أكثر العلماء على أن هذا محمول على شرط لا ينافي مقتضى النكاح، ويكون من مقاصده كاشتراط العشرة بالمعروف والإنفاق عليها وكسوتها وسكناها، ومن جانب المرأة أن لا تخرج من بيته إلا بإذنه، ولا تتصرف في متاعه إلا برضاه، ونحو ذلك. وأما شرط يخالف مقتضاه كشرط أن لا يقسم لها ولا يتسرى عليها، ولا ينفق ولا يسافر بها ونحو ذلك. فلا يجيب الوفاء به بل يكون لغواً ويصح النكاح بمهر المثل. وقال أحمد يجب الوفاء بكل شرط. قال الطيبي: فعلى هذا الخطاب في قوله: "ما استحللتم" للتغليب فيدخل فيه الرجال والنساء. ويدل عليه

(4/275)


ابنِ جَعْفَرٍ، نحْوَهُ. هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. والْعَمَلُ عَلَى هذَا عِنْدَ بَعْضِ أهْلِ العِلْمِ منْ أَصْحَابِ النبيّ صلى الله عليه وسلم. مِنْهُمُ عُمَرُ بنُ الْخَطّابِ قالَ: إذَا تَزَوّجَ رَجُلٌ امْرَأَةً. وشَرَطَ لَها أَنْ لا يُخْرِجَهَا منْ مِصْرِهَا، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُخْرِجَهَا، وهُوَ قَوْلُ بَعْضِ أهْلِ العِلْمِ. وبِهِ يِقُولُ الشّافِعِيّ وأحْمَدُ وَإِسْحَاقُ. وَرُوِيَ عنْ عَلِي بنِ أَبِي طَالِبٍ أَنّهُ قالَ: شَرْطُ الله قَبْلَ شَرْطِهَا. كأَنّهُ رَأَى لِلزّوْجِ أَنْ يُخْرِجَهَا وَإنْ كانَتِ اشْترَطَتْ عَلَى زَوْجِهَا أَنْ لاَ يُخْرِجَهَا. وَذَهَبَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْم إِلَى هذَا. وهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثّوْرِيّ وبَعْضِ أَهْلِ الكُوفَةِ.
ـــــــ
الرواية الأخرى "ما استحللتم به الفروج" كذا في المرقاة. قوله: "هذا حديث حسن صحيح" أخرجه الجماعة. قوله: "منهم عمر بن الخطاب قال: إذا تزوج الرجل امرأة وشرط لها أن لا يخرجها من مصرها فليس له أن يخرجها" روى سعيد بن منصور من طريق إسماعيل بن عبيد الله وهو ابن أبي المهاجر عن عبد الرحمن بن غنيم قال: كنت مع عمر حيث تمس ركبتي ركبته. فجاءه رجل فقال: يا أمير المؤمنين تزوجت هذه. وشرطت لها دارها وإني أجمع لأمري أو لشأني أن انتقل إلى أرض كذا وكذا فقال: لها شرطها. فقال الرجل: هلك الرجل إذ لا تشاء امرأة أن تطلق زوجها إلا طلقت فقال عمر: المؤمنون على شروطهم عند مقاطع حقوقهم انتهى. وذكره البخاري في صحيحه مختصراً معلقاً. وقد اختلف عن عمر فروى ابن وهب بإسناد جيد عن عبيد بن السباق أن رجلاً تزوج امرأة فشرط لها أن لا يخرجها من دارها فارتفعوا إلى عمر فوضع الشرط. وقال: المرأة مع زوجها. قال أبو عبيد: تضادت الروايات عن عمر في هذا: وقد قال بالقول الأول عمرو بن العاص ومن التابعين طاؤس وأبو الشعثاء وهو قول الأوزاعي "وهو قول بعض أهل العلم. وبه يقول الشافعي وأحمد وإسحاق" قال الحافظ: والنقل في هذا عن الشافعي غريب بل الحديث عندهم محمول على الشروط التي لا تنافي مقتضى النكاح، بل تكون من مقتضياته ومقاصده كاشتراط العشرة بالمعروف والإنفاق والكسوة والسكنى، وأن لا يقصر في شيء من حقها من قسمة ونحوها. وكشرطه عليها أن لا تخرج إلا بإذنه ولا تمنعه نفسها ولا تتصرف

(4/276)


ـــــــ
في متاعه إلا برضاه ونحو ذلك، وأما شرط ينافي مقتضى النكاح كأن لم يقسم لها، أو لا يتسرى عليها أو لا ينفق أو نحو ذلك، فلا يجب الوفاء به بل إن وقع في صلب العقد لغى وصح النكاح بمهر المثل في وجه يجب المسمى، ولا أثر للشرط. وفي قول للشافعي يبطل النكاح، وقال أحمد وجماعة يجب الوفاء بالشرط مطلقاً وقد استشكل ابن دقيق العيد حمل الحديث على الشروط التي هي من مقتضيات النكاح، وقال: تلك الأمور لا تؤثر الشروط في إيجابها. فلا تشتد الحاجة إلى تعليق الحكم باشتراطها. وسياق الحديث يقتضي خلاف ذلك لأن لفظ أحق الشروط يقتضي أن يكون بعض الشروط يقتضي الوفاء بها، وبعضها أشد اقتضاء، والشروط التي هي من مقتضى العقد مستوية في وجوب الوفاء بها انتهى. "وعن علي بن أبي طالب أنه قال: شرط الله قبل شرطها كأنه رأى للزوج أن يخرجها، وإن كانت اشترطت على زوجها أن لا يخرجها. وذهب بعض أهل العلم إلى هذا وهو قول سفيان الثورى وبعض أهل الكوفة" قال الحافظ: وقال الليث والثوري والجمهور بقول علي: حتى لو كان صداق مثلها مائة مثلاً فرضيت بخمسين على أن لا يخرجها فله إخراجها، ولا يلزمه إلا المسمى. وقالت الحنفية لها أن ترجع بما نقصته له من الصداق. وقال الشافعي يصح النكاح ويلغو الشرط ويلزمه مهر المثل وعنه يصح وتستحق الكل وقال أبو عبيد والذي نأخذ به أنا نأمره بالوفاء بشرطه من غير أن يحكم عليه بذلك. قال: وقد أجمعوا على أنها لو اشترطت عليه أن لا يطأها لم يجب الوفاء بذلك الشرط فكذلك هذا. قال الحافظ: ومما يقوي حمل حديث عقبة على الندب ما في حديث عائشة في قصة بريرة: كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل والوطء والإسكان وغيرهما من حقوق الزوج إذا شرط عليه إسقاط شيء منها كان شرطاً ليس في كتاب الله. وأخرج الطبراني في الصغير بإسناد حسن عن جابر: أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب أم مبشر بنت البراء ابن معروف فقالت: إني شرطت لزوجي أن لا أتزوج بعده. فقال النبي صلى الله عليه وسلم "إن هذا لا يصلح" انتهى.

(4/277)


باب ماجاء في الرجل يسلم وعنده عشر نسوة
...
31 ـ باب مَا جَاءَ في الرّجُلِ يُسلِمُ وَعِنْدَهُ عَشْرُ نِسْوَة
1138 ـ حدثنا هَنّادٌ. حدثنا عَبْدَةُ عنْ سَعِيدِ بنِ أبي عَرُوبَةَ، عنْ مَعْمَرٍ، عنْ الزّهْريّ، عنْ سَالِمِ بنِ
عَبْدِ الله، عنِ ابنِ عُمَرَ أَنّ: غَيْلانَ بنَ سَلَمَةَ الثّقَفِيّ أسْلمَ ولَهُ عَشْرُ نِسْوَةٍ في الْجَاهلِيّةِ، فَأسْلَمنَ مَعَهُ. فَأَمَرَهُ النبيّ صلى الله عليه وسلم أَنْ يَتَخَيّرَ مِنْهُنّ ارْبَعاً. هكذا رواه معمر عنِ الزّهْرِيّ، عنْ سَالمٍ، عنْ أبِيهِ. قال: وَسَمِعْتُ مُحَمّدَ بنَ إسْمَاعِيلَ يَقُولُ: هذا حديثٌ غَيْرُ مَحْفُوظٍ. والصّحِيحُ مَا رَوَى شُعَيْبُ بنُ أبي حَمْزَةَ وَغَيْرُهُ عنِ الزّهْرِيّ وَحَمْزَةَ، قالَ: حُدّثْتُ عنْ مُحَمّدِ بنِ سُوَيْدٍ الثّقَفِيّ، أَنّ غَيْلاَنَ بن سَلَمَةَ أسْلَمَ وَعِنْدَهُ عَشْرُ نِسْوَةٍ. قالَ مُحَمّدٌ: وإنمَا حَدِيثُ الزّهْرِيّ عنْ سَالمٍ، عنْ أَبِيهِ أنّ رَجُلاً مِنْ ثَقِيف طَلّقَ نِسَاءَهُ. فقالَ لَهُ عُمَرُ:
ـــــــ
باب مَا جَاءَ في الرّجُلِ يُسلِمُ وَعِنْدَهُ عَشْرُ نِسْوَة
قوله: "إن غيلان" بفتح الغين "أن يتخير منهن أربعاً" قال المظهر فيه إن أنكحة الكفار صحيحة، حتى إذا أسلموا لم يؤمروا بتجديد النكاح إلا إذا كان في نكاحهم من لا يجوز الجمع بينهن من النساء، وإنه لا يجوز أكثر من أربع نسوة، وإنه إذا قال اخترت فلانة وفلانة للنكاح ثبت نكاحهن وحصلت الفرقة بينه وبين ما سوى الأربع من غير أن يطلقهن. قال محمد في موطإه: بهذا نأخذ يختار منهن أربعاً أيتهن شاء، ويفارق ما بقي. وأما أبو حنيفة رحمه الله فقال: الأربع الأول جائز ونكاح من بقي منهن باطل. وهو قول ابراهيم النخعي رحمه الله قال ابن الهمام والأوجه قول محمد. وفي الهداية: وليس له أن يتزوج أكثر من ذلك. قال ابن الهمام: اتفق عليه الأربعة وجمهور المسلمين. أما الجواري فله ما شاء منهن انتهى. قوله: "قال محمد وإنما حديث الزهرى عن سالم عن أبيه أن رجلاً من ثقيف طلق نساءه فقال له عمر الخ" يعني أن المحفوظ عن الزهري بهذا السند هو هذا الموقوف على عمر. وأما الحديث المرفوع المذكور بهذا السند فهو غير محفوظ، بل الصحيح أنه عن الزهري قال حدثت عن محمد بن سويد الثقفي أن غيلان بن سلمة أسلم الخ. كما روى شعيب بن حمزة وغيره عن الزهري، لا كما

(4/278)


لَتُراجِعَنّ نِسَاءَكَ، أوْ لأرْجُمَنّ قَبْرَكَ، كَمَا رُجِمَ قَبْرُ أبِي رِغَالٍ. والعَمَلُ عَلَى حَديثِ غَيْلاَنَ بنِ سَلَمَةَ عِنْدَ أصْحَابِنَا. مِنْهُمْ الشّافِعِيّ وأحْمَدُ وإِسْحَاقُ.
ـــــــ
روى معمر عن الزهري. وحكم مسلم في التمييز على معمر بالوهم، وقال ابن أبي حاتم عن أبيه وأبي زرعة: المرسل أصح لكن الإمام أحمد أخرج في مسنده عن ابن علية، ومحمد بن جعفر جميعاً عن معمر بالحديثين معاً المرفوع والموقوف على عمر ولفظه: أن ابن سلمة الثقفي أسلم وتحته عشرة نسوة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم "اختر منهن أربعاً" فلما كان في عهد عمر طلق نساءه وقسم ماله بين بنيه. فبلغ ذلك عمر. فقال إني لأظن الشيطان مما يسترق من السمع سمع بموتك، فقذفه في نفسك وأعلمك أنك لا تمكث إلا قليلاً. وأيم الله لتراجعن نساءك ولترجعن مالك أو لأورثهن منك، ولاَمرن بقبرك فيرجم كما رجم قبر أبي رغال انتهى. والموقوف على عمر هو الذي حكم البخاري بصحته عن الزهري عن سالم عن أبيه بخلاف أول القصة. قوله: "كما رجم قبر أبي رغال" بكسر الراء المهملة بعدها غين معجمة في القاموس في فصل الراء من باب اللام: وأبو رغال ككتاب في سنن أبي داود ودلائل النبوة وغيرهما عن ابن عمر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين خرجنا معه إلى الطائف فمررنا بقبر فقال: "هذا قبر أبي رغال". وهو أبو ثقيف وكان من ثمود وكان بهذا الحرم يدفع عنه، فلما خرج منه أصابته النقمة التي أصابت قومه بهذا المكان فدفن فيه الحديث. وقول الجوهري كان دليلاً للحبشة حين توجهوا إلى مكة فمات في الطريق غير معتد به، وكذا قول ابن سيدة كان عبداً لشعيب وكان عشاراً جائراً انتهى. وفي بعض الحواشي يضرب به المثل في الظلم والشؤم، وهو الذي يرجم الحاج قبره إلى الاَن. قال جرير: إذا مات الفرزدق فارجموه كما ترجمون قبر أبي رغال.

(4/279)


باب ماجاء في الرجل يسلم وعنده أختان
...
32 ـ باب مَا جَاءَ في الرجُلِ يُسلِمُ وعِنْدَهُ أُخْتَان
1139 ـ حدثنا قُتَيْبَةُ. حدثنا ابنُ لَهِيعَةَ عنْ أبي وَهْبٍ الْجَيْشَانِيّ أنّهُ سَمِعَ ابْنَ فَيْرُوزَ الدّيْلمِي يُحَدّثُ عنْ أبِيهِ قالَ: "أَتَيْتُ النبيّ صلى الله
ـــــــ
باب مَا جَاءَ في الرجُلِ يُسلِمُ وعِنْدَهُ أُخْتَان
حدثنا محمد بن بشار حدثنا وهب بن جرير حدثنا أبي قال: سمعت يحيى بن أيوب يحدث عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي وهب الجيشاني عن الضحاك بن فيروز الديلمي عن أبيه قال: قلت: يا رسول الله أسلمتُ وتحتي أُختان قال: "اختر أَيتهُما شِئتَ ". قوله: "انه سمع ابن فيروز" بفتح الفاء غير منصرف للعجمة والعلمية واسمه

(4/279)


عليه وسلم فَقلت: يَا رَسُولَ الله إني أسْلَمْتُ وَتَحْتِي أُخْتَانِ. فقالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: اخْتَرْ أيّتَهُمَا شِئْتَ". هذا حديثٌ حسنٌ. وأبو وَهْبٍ الْجَيْشَانِيّ اسْمُهُ الدّيْلَمُ بنُ هُوشَع.
ـــــــ
الضحاك "بحديث عن أبيه" هو فيروز الديلي وهو من أبناء فارس من فرس صنعاء، وكان ممن وفد على النبي صلى الله عليه وسلم وهو قاتل الأسود العنسي الكذاب الذي ادعى النبوة باليمن قتل في آخر أيام رسول الله صلى الله عليه وسلم ووصله خبره في مرضه الذي مات فيه، روى عنه ابناه الضحاك وعبد الله وغيرهما مات في خلافة عثمان قوله: "اختر أيتهما شئت" وفي رواية أبي داود: طلق أيتهما شئت. قال المظهر: ذهب الشافعي ومالك وأحمد إلى أنه لو أسلم رجل وتحته أختان وأسلمتا معه كان له أن يختار إحداهما، سواء كانت المختارة تزوجها أولاً أو آخراً، وقال أبو حنيفة رحمه الله: أن تزوجهما معاً لا يجوز له أن يختار واحدة منهما، وأن تزوجهما متعاقبتين له أن يختار الأولى منهما دون الأخيرة انتهى. قال الشوكاني: والظاهر ما قاله الأولون لتركه صلى الله عليه وسلم الاستفصال ولما في قوله: ختر أيتهما من الإطلاق انتهى. قوله: "هذا حديث حسن غريب" وأخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه قال في النيل: وأخرجه أيضاً الشافعي، وصححه ابن حبان والدارقطني والبيهقي، وأعله البخاري والعقيلي انتهى. قلت: في سند الترمذي ابن لهيعة فتحسينه لتعدد الطرق، قوله: "وأبو وهب الجيشاني" بفتح الجيم وسكون التحتانية بعدها معجمة "اسمه الديلم بن هوشع" وقال ابن يونس هو عبيد بن شرحبيل مقبول من الرابعة كذا في التقريب.

(4/280)


باب الرجل يشتري الجارية وهي حامل
...
33ـ باب ما جاء في الرّجُلِ يَشْتَرِي الْجَارِيةَ وَهِي حامِل
1140 ـ حدثنا عُمرُ بنُ حَفْصٍ الشّيْبَانِيّ الْبَصْرِيّ. حدثنا عَبْدُ الله بنُ وَهْبٍ. حدثنا يَحْيَى بنُ أيّوبَ عنْ رَبِيعَةَ بنِ سُلَيمٍ، عنْ بُسْرِ بنِ عُبَيْدِ الله، عنْ رُوَيْفِعٍ بنِ ثَابِتٍ، عنِ النبيّ صلى الله عليه وسلم
ـــــــ
باب ما جاء في الرّجُلِ يَشْتَرِي الْجَارِيةَ وَهِي حامِل
قوله: "عن بسر" بضم الموحدة وسكون السين المهملة "ابن عبيد الله"

(4/280)


قالَ: "مَنْ كانَ يُؤْمِنُ بِالله والْيَوْمِ الاَخِرِ فَلاَ يَسْقِ مَاءَهُ وَلدَ غَيْرِهِ". هذا حديثٌ حسنٌ. وَقَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنْ رُوَيْفِعِ بنِ ثَابِتٍ. والْعَملُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أهْلِ الْعِلْمِ، لاَ يَرَوْنَ لِلرّجُلِ، إذَا اشْتَرَى جَارِيَةً وَهِيَ حَامِلٌ، أَنْ يَطَأَهَا حَتّى تَضَعَ. وفي البابِ عنْ أبي الدّرْدَاءِ وابنِ عَبّاسٍ والْعِرْبَاضِ بن سَارِيَةَ، وأَبي سَعِيدٍ.
ـــــــ
الحضرمي الشامي ثقة حافظ "عن رويفع" بالتصغير قوله: "فلا يسقى" بفتح أوله أي يدخل "ماءه" أي نطفته "ولد غيره" وفي رواية أبي داود زرع غيره يعني إتيان الحبالى، وزاد أبو داود: ولا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الاَخر أن يقع على امرأة من السبى حتى يستبرئها، ولا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الأخر أن يبيع مغنماً حتى يقسم. قوله: "هذا حديث حسن" وأخرجه أحمد وأبو داود والدارمي وابن أبي شيبة والطبراني والبيهقي والضياء المقدسي وابن حبان وصححه، والبزار وحسنه. قوله: "وفي الباب عن ابن عباس" أخرجه الحاكم بلفظ: أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى يوم خيبر عن بيع المغانم حتى تقسم. وقال: لا تسق ماءك زرع غيرك. وأصله في النسائي "وأبي الدرداء" عن النبي صلى الله عليه وسلم: "أتى على امرأة مجح على باب فسطاط فقال لعله يريد أن يلم بها". فقالوا: نعم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لقد هممت أن ألعنه لعنة تدخل معه قبره، وكيف يورثه وهو لا يحل له؟ كيف يستخدمه وهو لا يحل له؟" أخرجه أحمد ومسلم وأبو داود، ورواه أبو داود الطيالسي وقال: كيف يورثه وهو لا يحل له؟ وكيف يسترقه وهو لا يحل له؟ والمجح هي الحامل كذا في المنتقى "والعرباض بن سارية" أخرجه أحمد والترمذي بلفظ: أن النبي صلى الله عليه وسلم حرم وطء السبايا حتى يضعن ما في بطونهم. كذا في المنتقى "وأبي سعيد" أخرجه أحمد وأبو داود بلفظ: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في سبى أوطاس "لا توطأ حامل حتى تضع، ولا غير حامل حتى تحيض حيضة". وأخرجه الحاكم وصححه. قال الحافظ في التلخيص إسناده حسن انتهى.

(4/281)


باب ماجاء في الرجل يسبي الأمة ولها زوج هل يحل له وطؤها
...
34 ـ باب مَا جَاءَ في الرّجُلِ يَسْبِي الاْءَمَةَ وَلَها زَوْجٌ، هَلْ يَحِلّ لَهُ أن يَطَأَهَا
1141 ـ حدثنا أَحْمَدُ بنُ مَنِيعٍ حدثنا هُشَيْمٌ. حدثنا عُثمانُ الْبَتّيّ عنْ أبي الْخَليِل، عنْ أبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ قالَ: أَصَبْنَا سَبَايَا يَوْمَ أوْطَاسٍ، وَلَهُنّ أَزْوَاجٌ في قَوْمِهِنّ. فَذَكَرُوا ذلِكَ لِرَسولِ الله صلى الله عليه وسلم، فَنَزَلَتْ: {والْمُحْصَنَاتُ مِنَ النّسَاءِ إلاّ مَا مَلَكَتْ أَيمَانُكُمْ}.
هذا حديثٌ حسنٌ. وَهَكَذَا رَوَاهُ الثّوْرِيّ عنْ عُثمانَ الْبَتّيّ، عنْ أبي الخَلِيلِ، عنْ أبي سَعِيدٍ. وأبُو الْخَليلِ اسْمُهُ صالِحُ بنُ أبي مَرْيمَ. ورَوَى هَمّامٌ هذا الْحَدِيثَ عنْ قَتَادَةَ، عنْ صَالِحٍ أبي الخَلِيلِ، عَنْ أبي عَلْقَمَة الهَاشِميّ، عنْ أبي سَعِيدٍ، عَنْ النّبيّ صلى الله عليه وسلم. حَدّثَنَا بِذلِكَ عَبدُ بنُ حُمَيْدٍ. حدثنا حَبّانُ بنُ هِلاَلٍ. حدثنا هَمّامٌ.
ـــــــ
باب ما جاء يسبى الأمة ولها زوج هل يحل له أن يطأها
أي هل يجوز للسابى وطء تلك الأمة بعد الاستبراء. قوله: "حدثنا عثمان البتي" هو عثمان بن مسلم البتي بفتح الموحدة وتشديد المثناة أبو عمرو البصري صدوق "أصبنا سبايا يوم أوطاس" بالصرف وقد لا يصرف، موضع أو بقعة على ثلاث مراحل من مكة، فيها وقعة للنبي صلى الله عليه وسلم قال القاري: "والمحصنات" أي وحرمت عليكم المحصنات أي ذوات الأزواج "من النساء" أن تنكحوهن قبل مفارقة أزواجهن حرائر مسلمات كن أولا "إلا ما ملكت أيمانكم" من الإماء بالسبي فلكم وطؤهن، وإن كان لهم أزواج في دار الحرب بعد الاستبراء. والحديث رواه مسلم مطولاً ولفظه. أن النبي صلى الله عليه وسلم يوم حنين بعث جيشاً إلى أوطاس فلقى عدوا فقاتلوهم فظهروا عليهم، وأصابوا لهم سبايا فكأن ناساً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم تحرجوا من غشيانهن من أجل أزواجهن من المشركين. فأنزل الله تعالى في ذلك: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} فهن لكم حلال إذا انقضت عدتهن انتهى. قال النووي المراد بقوله إذا انقضت عدتهن أي استبراؤهن وهي بوضع الحمل عن الحامل، وبحيضة من الحاثل، كما جاءت به الأحاديث الصحيحة. والحديث دليل عن أن السبايا يحل وطؤهن بعد الاستبراء، وإن كن ذوات الأزواج. قوله: "هذا حديث حسن" وأخرجه مسلم وأبو داود والنسائي

(4/282)


باب ماجاء في كراهية مهر البغى
...
35 ـ باب مَا جَاءَ في كَرَاهِيَةِ مَهْرِ الْبَغِي
1142 ـ حدثنا قُتَيْبَةُ حدثنا اللّيْثُ عن ابن شهاب عن أبي بكر بن عبدالرحمن عن أبي مسعود الانصاري قالَ: "نَهَى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عنْ ثَمنِ الْكَلْبِ ومَهْرِ البَغِيّ وحُلْوَانِ الْكاهِنِ". وفي البابِ عنْ رَافِعِ بنِ خَدِيجٍ وأبي جُحَيْفَةَ وأَبي هُرَيْرَةَ وابنِ عَبّاسٍ.
حديثُ أبي مَسْعُودٍ حدِيثٌ حسنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
باب مَا جَاءَ في كَرَاهِيَةِ مَهْرِ الْبَغِي
بفتح الموحدة وكسر المعجمة وتشديد التحتانية وهو فغيل بمعنى فاعله، وجمع البغى البغايا، والبغاء بكسر أوله الزنا والفجور، وأصل البغاء الطلب غير أنه أكثر ما يستعمل في الفساد
قوله: "عن ثمن الكلب" فيه دليل على تحريم بيع الكلب وظاهره عدم الفرق بين المعلم وغيره، سواء كان مما يجوز اقتناؤه أو مما لا يجوز. وإليه ذهب الجمهور، وقال أبو حنيفة: يجوز. وقال عطاء والنخعي يجوز بيع كلب الصيد دون غيره، ويدل عليه ما أخرجه النسائي من حديث جابر قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ثمن الكلب إلا كلب صيد. قال في الفتح ورجال إسناده ثقات إلا أنه طعن في صحته وأخرج نحوه الترمذي من حديث أبي هريرة لكن من رواية أبي المهزم وهو ضعيف. فينبغي حمل المطلق على المقيد، ويكون المحرم بيع ما عدا كلب الصيد إن صلح هذا المقيد للاحتجاج به "ومهر البغى" المراد به ما تأخذه الزانية على الزنا، وهو مجمع على تحريمه "وحلوان الكاهن" بضم الحاء المهملة وسكون اللام، هو ما يعطاه الكاهن على كهانته. والكاهن ـ قال الخطابي ـ هو الذي يدعى مطالعة علم الغيب، ويخبر الناس عن الكوائن. قال الحافظ في الفتح: حلوان الكاهن حرام بالإجماع لما فيه من أخذ العوض على أمر باطل. وفي معناه التنجيم والضرب بالحصى وغير ذلك مما يتعاطاه العرافون من استطلاع الغيب: قوله: "وفي الباب عن رافع بن خديج وأبي جحيفة وأبي هريرة وابن عباس" أما حديث رافع بن خديج فلينظر من أخرجه. وأما حديث أبي جحيفة فأخرجه البخاري ومسلم. وأما حديث أبي هريرة فلينظر من أخرجه. وأما حديث ابن عباس فأخرجه أحمد وأبو داود. قوله: "حديث أبي مسعود حديث حسن صحيح" أخرجه الجماعة

(4/283)


باب ماجاء أن لا يخطب الرجل على خطبة أخيه
...
36 ـ باب مَا جَاءَ أَنْ لاَ يَخْطُبَ الرّجُلُ عَلَى خِطْبَةِ أخيه
1143 ـ حدثنا أحْمَدُ بنُ مَنِيعٍ و قُتَيْبَةُ قالاَ: حدثنا سُفْيَانُ بنُ عُيَيْنَةَ عنِ الزّهْرِيّ. عنْ سَعِيدِ بنِ الْمُسَيّبِ، عنْ أبي هُرَيْرَةَ "قالَ قتَيْبَةُ: يَبْلُغُ بِهِ النبيّ صلى الله عليه وسلم. وقالَ أَحْمَدُ: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم" : "لاَ يَبِيعُ الرّجُلُ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ، ولاَ يَخْطُبُ عَلَى خِطْبَةِ أخِيهِ". وفي البابِ عنْ سَمُرَةَ وابنِ عُمَرَ. قال أبو عيسى حدِيثُ أبي هُرَيْرَةَ حدِيثٌ حسنٌ صحيحٌ. قالَ مَالِكُ بنُ أنَسٍ: إنمَا مَعْنَى كَرَاهِيَةِ أنْ يَخْطُبَ الرّجُلُ
ـــــــ
باب ما جاء أن لا يخطب الرجل على خطبة أخيه
قال في النهاية خطب يخطب خطبه بالكسر فهو خاطب، والاسم منه الخطبة أيضاً وأما الخطبة بالضم فهو من القول والكلام انتهى. وقال في الصراح خطبة بالكسر زن خواستن
قوله: "قال قتيبة يبلغ به" أي قال قتيبة في روايته يبلغ به أي يرفع أبو هريرة الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم "وقال أحمد" أي قال أحمد بن منيع في روايته "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم" فمعنى روايتهما واحد وإنما الفرق في اللفظ. قوله: "لا يبيع الرجل على بيع أخيه" قال العلماء البيع على البيع حرام. وكذلك الشراء على الشراء. وهو أن يقول لمن اشترى سلعة في زمن الخيار افسخ لأبيعك بأنقص أو يقول للبايع: افسخ لأشتري منك بأزيد: قال الجمهور لا فرق في ذلك بين المسلم والذمي، وذكر الأخ خرج للغائب فلا مفهوم له "ولا يخطب على خطبة أخيه" قال الجزري في النهاية: هو أن يخطب الرجل المرأة فتركن إليه ويتفقا على صداق، ويتراضيا ولم يبق إلا العقد. فأما اذا لم يتفقا ولم يتراضيا. ولم يركن أحدهما إلى الاَخر، فلا يمنع من خطبتها وهو خارج عن النهي انتهى. قوله: "وفي الباب عن سمرة وابن عمر" وفي الباب أيضا عن عقبة بن عامر. أما حديث سمرة فأخرجه أحمد مرفوعاً بلفظ:

(4/284)


عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ، إذَا خَطَبَ الرّجُلُ الْمَرْأَةَ فَرَضِيَتْ بِهِ، فَلَيْسَ لإحَدٍ أنْ يخْطُبَ عَلَى خِطْبَتِهِ. وقالَ الشّافِعِيّ مَعْنَى هذَا الْحَدِيثِ "لاَ يَخْطُبُ الرّجُلُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ"، هذَا عِنْدَنَا إذَا خَطَبَ الرّجُلُ الْمَرْأَةَ فَرَضِيَتْ بِهِ ورَكَنَتْ إلَيْهِ، فَليْسَ لإحَدٍ أنْ يَخْطُبَ عَلَى خِطْبَتِهِ. فَأَمّا قَبْلَ أَنْ يَعْلَمَ رِضَاهَا أوْ رُكُونَها إلَيْهِ، فَلاَ بَأْسَ أَنْ يَخْطُبَهَا. والحُجّةُ في ذلِكَ حدِيثُ فَاطِمَةَ بِنْتَ قَيْسٍ، حَيْثُ جَاءَتِ النبيّ صلى الله عليه وسلم فَذَكَرَتْ لَهُ أنّ أبَا جَهْمِ بن حُذَيْفَةَ ومعُاوِيَةَ بنَ أبي سُفْيَانَ خَطَبَاهَا. فقالَ "أَمّا أَبُو جَهْمٍ، فَرَجُلٌ لاَ يَرْفَعُ عَصَاهُ عنِ النّسَاءِ. وأمّا مُعَاوِيَةُ فَصُعْلُوكٌ لاَ مَالَ لَهُ. ولكِنِ انْكِحِي أُسَامَةَ". فَمَعْنَى هذَا الْحَدِيثِ عِنْدَنَا، والله أَعْلَمُ، أنّ فَاطِمَةَ لَمْ تُخْبِرْهُ بِرِضَاهَا بوَاحِدِ مِنْهُمَا. ولَوْ أَخبَرَتْهُ، لَمْ يُشِرْ عَلَيْهَا بِغَيْرِ الّذِي ذَكَرَتْ.
ـــــــ
نهى النبي أن يخطب الرجل على خطبة أخيه. وأما حديث ابن عمر فأخرجه أحمد والبخاري والنسائي ولفظه: لا يخطب الرجل على خطبة الرجل حتى يترك الخاطب قبله أو يأذن له الخاطب. وأما حديث عقبة بن عامر فأخرجه أحمد ومسلم ولفظه: المؤمن أخو المؤمن، فلا يحل للمؤمن أن يبتاع على بيع أخيه، ولا يخطب على خطبة أخيه حتى يذر. قوله: "حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح" وأخرجه البخاري والنسائي قوله: "والحجة في ذلك حديث فاطمة بنت قيس الخ" قال النووي في شرح مسلم: هذه الأحاديث ظاهرة في تحريم الخطبة على خطبة أخيه. وأجمعوا على تحريمها إذا كان قد صرح للخاطب بالإجابة ولم يأذن ولم يترك فلو خطب على خطبته وتزوج، والحالة هذه عصى، وصح النكاح ولم يفسخ. هذا مذهبنا ومذهب الجمهور. وقال داود يفسخ النكاح وعن مالك روايتان كالمذهبين. وقال جماعة من أصحاب مالك: بفسخ قبل الدخول لا بعده وأما إذا عرض له بالإجابة ولم يصرح ففي تحرير الخطبة على خطبته قولان للشافعي: أصحهما لا يحرم. وقال بعض المالكية: لا يحرم حتى يرضو بالزوج ويسمى المهر. واستدلوا لما ذكرناه من أن التحريم إنما هو إذا حصلت الإجابة بحديث فاطمة بنت قيس فإنها

(4/285)


1144 ـ حدثنا مَحْمُودُ بنُ غَيْلاَنَ حدثنا أبُو دَاوُدَ قالَ: أنْبَأَنَا شُعْبَةُ قالَ: أخْبَرَني أبُو بَكْرٍ بنُ الْجَهْمِ قالَ: دَخَلْتُ أنَا وأبُو سَلَمَةَ بنُ عَبْدِ الرّحْمَنِ عَلى فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ. فَحَدّثَتْنَا أنّ زَوْجَهَا طَلّقَهَا ثَلاَثاً، ولَمْ يَجْعَلْ لهَا سُكْنَى ولاَ نَفَقَةً. قَالتْ: وَوَضَعَ لِي عَشْرَةَ أقْفِزَةٍ عِنْدَ ابنِ عَمَ لَهُ: خَمْسَةً شَعِيراً وخَمْسَةً بُراً. قَالتْ: فَأَتيْتُ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فَذَكَرْتُ ذلِكَ لَهُ. قَالتْ: فقَالَ "صَدَقَ" قالت فَأَمَرَنِي أَنْ أَعْتَدّ في بَيْتِ أُمّ شَرِيكٍ. ثمّ قالَ لِي رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم "إنّ بَيْتَ أُمّ شَرِيكٍ بَيْتٌ يَغْشَاهُ الْمُهَاجِرُونَ. وَلكِنِ اعْتَدّي في بَيْتِ ابنِ أُمّ مَكْتُومٍ. فَعَسَى أَنْ تُلْقِي ثِيَابَكِ فلا يَرَاكِ. فَإذَا انْقْضَتْ عِدّتُكِ فَجَاءَ أَحَدٌ يَخْطُبكِ فآذِنِيني".
ـــــــ
قالت خطبني أبو جهم ومعاوية، فلم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم خطبة بعضهم على بعض بل خطبها لأسامة. وقد يعترض على هذا الدليل فيقال لعل الثاني لم يعلم بخطبة الأول، وأما النبي صلى الله عليه وسلم فأشار بأسامة، لا أنه خطب له واتفقوا على أنه إذا ترك الخطبة رغبة عنها، أو أذن فيها جازت الخطبة على خطبته وقد صرح بذلك في هذه الأحاديث انتهى.
قوله: "على فاطمة بنت قيس" أي القرشية أخت الضحاك كانت من المهاجرات الأول "فحدثت أن زوجها طلقها ثلاثاً" ، وفي رواية لمسلم وغيره فبعث إليها بتطليقه كانت بقيت لها "ووضع لي عشرة أقفزة" جمع قفيز وهو مكيال معروف "خمسة شعير وخمسة بر" بدل من عشرة أقفزة "فقال صدق" أي في عدم جعله لك السكنى والنفقة. "يغشاها المهاجرون" أي يدخلون عليها "فعسى أن تلقى ثيابك فلا يراك" قال النووي احتج بعض الناس بهذا على جواز نظر المرأة إلى الأجنبي بخلاف نظره إليها، وهو ضعيف. والصحيح الذي عليه الجمهور أنه يحرم على المرأة النظر إلى الأجنبي كما يحرم عليه النظر إليها لقوله تعالى: {وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ} الاَية. ولحديث أم سلمة: أفعمياوان أنتما؟ وأيضاً ليس في هذا الحديث رخصة لها في النظر إليه، بل فيه أنها آمنة عنده من نظر غيره، وهي مأمورة بغض بصرها

(4/286)


فَلمّا انْقضَتْ عِدّتِي، خَطَبَنِي أبُو جَهْمٍ وَمُعَاوِيَةُ. قَالتْ: فَأَتَيْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، فَذَكَرْتُ ذلِكَ لَهُ. فَقَالَ: "أمّا مُعَاوِيَةُ فَرَجُلٌ لاَ مَالَ لَهُ. وَأَمّا أبُو جَهْمٍ فَرَجُلٌ شَدِيدُ عَلَى النّسَاءِ". قَالتْ، فَخَطبَنِي أُسَامَةُ بنُ زَيْدٍ، فَتَزَوّجَنِي، فَبَارَكَ الله لِي في أُسَامَةَ.
هذا حديثٌ صحيحٌ. وَقَدْ رَوَاهُ سُفْيَانُ الثّوْرِي عنْ أبي بَكْرِ بنِ أبي الجَهْم نحْوَ هذَا الْحَدِيثِ. وَزَادَ فِيهِ: فقَالَ لِي النبيّ صلى الله عليه وسلم "انْكِحِي أُسَامَةَ". حدثنا مَحْمُودٌ حدثنا وَكِيعٌ عنْ سُفْيَانَ، عنْ أبي بَكْرِ بنِ أبي الْجَهْم بِهذَا.
ـــــــ
عنه انتهى. "خطبني أبو جهم ومعاوية" أبو جهم هذا هو عامر بن حذيفة العدوي القرشى، وهو مشهور بكنيته، وهو الذي طلب النبي صلى الله عليه وسلم انبجانية في الصلاة. قال النووي: وهو غير أبي جهم المذكور في التيمم، وفي المرور بين يدي المصلي ومعاوية هذا هو ابن أبي سفيان بن حرب الأموي. "أما معاوية فرجل لا مال له وفي رواية مسلم: فصعلوك لا مال له. والصعلوك بالضم الفقير الذي لا مال له "وأما أبو جهم فرجل شديد على النساء" وفي رواية لمسلم: فرجل ضراب للنساء. وفي هذا دليل على جواز ذكر الإنسان بما فيه عند المشاورة وطلب النصيحة، ولا يكون هذا من الغيبة المحرمة. "فبارك الله في أسامة" وفي رواية مسلم: فجعل الله فيه خيراً واغتبطت. قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه مسلم بطوله والبخاري مختصراً. قوله: "ورواه سفيان الثوري عن أبي بكر بن أبي جهم الخ" أخرج هذه الرواية مسلم. وقد أخرح مسلم حديث فاطمة بنت قيس من طرق عديدة مطولاً مختصراً. وقد استنبط منه النووي فوائد كثيرة في شرح مسلم فعليك أن تراجعه

(4/287)


باب ماجاء في العزل
...
37 ـ باب مَا جَاءَ في الْعَزْل
1145 ـ حدثنا مُحَمّدُ بنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بنِ أبِي الشّوَارِبِ حدثنا يَزِيدُ
ـــــــ
باب مَا جَاءَ في الْعَزْل
بفتح العين المهملة وسكون الزاي هو النزع بعد الإيلاج لينزل خارج الفرج

(4/287)


ابنُ زُرَيْعٍ. حدثنا مَعْمَرٌ عنْ يَحْيَى بْنِ أبي كَثِيرٍ، عنْ مُحَمّدِ بنِ عَبْدِ الرّحْمَنِ بنِ ثَوْبَانَ، عنْ جَابرٍ قالَ: "قُلْنَا: ياَ رسولَ الله إنّا كُنَا نَعْزِلُ. فَزَعَمَتِ الْيَهُودُ أنّهُ الْمَوْءُودَةُ الصّغْرَى. فقَالَ: كَذَبَتِ الْيَهُودُ. إِنّ الله إذَا أَرَادَ أَنْ يَخْلُقَهُ فلَمْ يَمْنَعْهُ".
وفي البابِ عنْ عُمَرَ وَالبرَاءِ وأَبي هُرَيْرَةَ وأبي سَعِيدٍ.
ـــــــ
قوله: "فزعمت اليهود أنه" أي العزل "الموءودة الصغرى" الوأد فن البنت حية، وكانت العرب تفعل ذلك خشية الإملاق والعار. قاله النووي. والمعنى أن اليهود زعموا أن العزل نوع من الوأد لأن فيه إضاعة النطفة التي أعدها الله تعالى ليكون منها الولد. وسعياً في إبطال ذلك الاستعداد بعزلها عن محلها "كذبت اليهود" أي في زعمهم إن العزل الموءودة الصغرى "إن الله تعالى إذا أراد أن يخلقه لم يمنعه" أي العزل أو شيء. وهذا الحديث دليل لمن أجاز العزل. قوله: "وفي الباب عن عمر والبراء وأبي هريرة وأبي سعيد" أما حديث عمر فأخرجه أحمد وابن ماجه عنه قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعزل من الحرة إلا بإذنها . قال صاحب المنتقى ليس إسناده بذاك. وقال الشوكاني: في إسناده ابن لهيعة وفيه مقال معروف، ويشهد له ما أخرجه عبد الرزاق والبيهقى عن ابن عباس قال. نهى عن عزل الحرة إلا بإذنها. وروى عنه ابن أبي شيبة. أنه كان يعزل عن أمته. وروى البيهقي عن ابن عمر مثله. وأما حديث البراء فلينظر من أخرجه. وأما حديث أبي هريرة فأخرجه النسائي نحو حديث أبي سعيد. وأما حديث أبي سعيد فأخرجه أحمد وأبو داود قال. قالت اليهود: العزل الموءودة الصغرى. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: كذبت اليهود، إن الله عز وجل لو أراد أن يخلق شيئاً لم يستطع أحد أن يصرفه. فإن قلت حديث الباب وما في معناه يعارضه حديث جذامة بنت وهب ففيه: ثم سألوه عن العزل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ذلك الوأد الخفي". وهي "وإذا الموءودة سئلت" . أخرجه أحمد ومسلم فما وجه الجمع والتوفيق بين هذين الحديثين؟ قلت قد اختلفوا في وجه الجمع، فمن العلماء من جمع بينهما بحمل حديث جذامة على التنزيه. وهذه طريقة البيهقي. ومنهم من ضعف حديث جذامة لمعارضته لما هو أكثر منه طرقاً. قال

(4/288)


1146 ـ حدثنا قُتَيْبَةُ و ابنُ عُمَرَ قالاَ: حدثنا سُفْيَانُ بنُ عُيَيْنَةَ عنْ عَمْروِ بنِ دِينَارٍ، عنْ عَطَاءٍ، عنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِ الله قالَ: كُنّا نَعْزِلُ، وَالْقُرْآنُ يَنزِلُ.
حدِيثُ جَابِرٍ حدِيثٌ حسنٌ صحيحٌ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ
ـــــــ
الحافظ: وهذا دفع للأحاديث الصحيحة بالتوهم. والحديث صحيح لا ريب فيه، والجمع ممكن. ومنهم من ادعى أنه منسوخ. ورد بعدم معرفة التاريخ. وقال الطحاوي: يحتمل أن يكون حديث جذامة على وفق ما كان عليه الأمر أولاً من موافقة أهل الكتاب فيما لم ينزل عليه، ثم علمه الله بالحكم فكذب اليهود فيما كانوا يقولونه وتعقبه ابن رشد وابن العربي بأن النبي صلى الله عليه وسلم لا يحرم شيئاً تبعاً لليهود، ثم يصرح بتكذيبهم فيه. ومنهم من رجح حديث جذامة بثبوته في الصحيح وضعف مقابله بالاختلاف في إسناده والاضطراب. وقال الحافظ: ورد بأنه إنما يقدح في حديث لا فيما يقوى بعضه بعضاً، فإنه يعمل به وهو هنا كذلك، والجمع ممكن ورجح ابن حزم العمل بحديث جذامة بأن أحاديث غيرها موافقة لأصل الإباحة، وحديثها يدل على المنع. قال فمن ادعى أنه أبيح بعد أن منع فعليه البيان. وتعقب بأن حديثها ليس صريحاً في المنع، إذا لا يلزم من تسميته وأدا خفياً على طريقي التشبيه أن يكون حراماً. وجمع ابن القيم فقال الذي كذب فيه صلى الله عليه وسلم اليهود هو زعمهم أن العزل لا يتصور معه الحمل أصلاً، وجعلوه بمنزلة قطع النسل بالوأد. فأكذبهم وأخبر أنه لا يمنع الحمل إذا شاء الله خلقه، وإذا لم يرد خلقه لم يكن وأد حقيقة وإنما وأدا خفياً في حديث جذامة. لأن الرجل إنما يعزل هرباً من الحمل فأجرى قصده لذلك مجرى الوأد. لكن الفرق بينهما أن الوأد ظاهر بالمباشرة اجتمع فيه القصد والفعل، والعزل يتعلق بالقصد فقط. فلذلك وصفه بكونه خفياً. وهذا الجمع قوي كذا في النيل.
قوله: "كنا نعزل والقرآن ينزل" فيه جواز الاستدلال بالتقرير من الله ورسوله على حكم من الأحكام لأنه لو كان ذلك الشيء حراماً لم يقررا عليه، ولكن بشرط أن يعلمه النبي صلى الله عليه وسلم. وقد ذهب الأكثر من أهل الأصول على ما حكاه في الفتح: إلى أن الصحابي إذا أضاف الحكم إلى زمن النبي صلى الله عليه وسلم كان له حكم الرفع. قال لأن الظاهر أن النبي صلى الله عليه وسلم اطلع على ذلك وأقره. لتوفر دواعيهم على سؤالهم إياه عن

(4/289)


مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ. وَقَدْ رَخّصَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النبيّ صلى الله عليه وسلم وَغَيْرِهِمْ، في الْعَزْلِ. وقالَ مَالِكُ بنُ أنَسٍ: تُسْتَأْمَرُ الحُرّةُ في الْعَزْلِ، ولا تُسْتَأْمَرُ الأَمَةُ.
ـــــــ
الأحكام. قال وقد وردت عدة طرق تصرح باطلاعه على ذلك، وأخرج مسلم من حديث جابر قال: كنا نعزل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فبلغ ذلك نبي الله صلى الله عليه وسلم فلم ينهنا. قوله: "حديث جابر حديث حسن صحيح" وأخرجه البخاري ومسلم. قوله: "وقد رخص قوم من أهلم العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في العزل" فاستدلوا بأحاديث الباب. "وقال مالك بن أنس: تستأمر الحرة في العزل ولا تستأمر الأمة" يدل عليه ما رواه أحمد وابن ماجه عن عمر بن الخطاب قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعزل عن الحرة إلا بإذنها. وفي إسناده ابن لهيعة، وفيه مقال معروف ويشهد له ما أخرجه عبد الرزاق والبيهقي عن ابن عباس قال: نهى عن عزل الحرة إلا بإذنها، وروى عنه ابن أبي شيبة أنه كان يعزل عن أمته. وروى البيهقي عن ابن عمر مثله. وقد اختلف السلف في حكم العزل فحكى في الفتح عن ابن عبد البر أنه قال: لا خلاف بين العلماء أنه لا يعزل عن الزوجة الحرة إلا بإذنها، لأن الجماع من حقها، ولها المطالبة به، وليس الجماع المعروف إلا ما لا يلحقه العزل. قال الحافظ وافقه في نقل هذا الإجماع ابن هبيرة قال: وتعقب بأن المعروف عند الشافعية أنه لاحق للمرأة في الجماع فيجوز عندهم العزل عن الحرة بغير إذنها على مقتضى قولهم. ويدل على اعتبار الإذن من الحرة حديث عمر المذكور. وأما الأمة فإن كانت زوجة فحكمها حكم الحرة. واختلفوا هل يعتبر الإذن منها أو من سيدها؟ وإن كانت سرية فقال في الفتح: يجوز بلا خلاف عندهم إلا في وجه حكاه الروياني في المنع مطلقاً. كمذهب ابن حزم.

(4/290)


باب ماجاء في كراهية العزل
...
38 ـ باب مَا جَاءَ في كَرَاهِيَةِ الْعَزْل
1147 ـ حدثنا ابنُ أبي عُمَرَ و قُتَيْبَةُ قالاَ: حدثنا سُفْيَانُ بنُ عُيَيْنَةَ عنِ ابنِ أبي نجِيحٍ، عنْ مُجَاهِدٍ، عنْ قَزَعَةَ، عنْ أبي سَعِيدٍ قالَ:
ـــــــ
باب مَا جَاءَ في كَرَاهِيَةِ الْعَزْل
قوله "عن قزعة" بفتح القاف والزاي ابن يحي البصري ثقة من الثالثة.

(4/290)


ذُكِرَ الْعَزْلُ عِنْدَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم فقَالَ: "لِمَ يَفْعَلُ ذلِكَ أحَدُكُمْ؟". زَادَ ابنُ أبي عمَرَ في حَدِيثِهِ: وَلَمْ يَقلْ لاَ يَفْعَلْ ذَاكَ أَحَدُكُمْ. قالاَ في حَدِيثهِمَا: "فَإِنّهَا لَيْسَتْ نَفْسٌ مَخْلُوقَةٌ إلاّ الله خَالِقُهَا". وفي البابِ عنْ جَابِر.
حدِيثُ أَبي سَعِيدٍ حدِيثٌ حسنٌ صحيحٌ. وَقَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عنْ أبي سَعِيدٍ. وَقَد كَرِهَ الْعَزْلَ قَوْمٌ مِنْ أهْلِ الْعِلْمِ مِنَ أَصْحَابٍ النبيّ صلى الله عليه وسلم وَغَيْرِهِمْ.
ـــــــ
قوله: "لم يفعل ذلك أحدكم. وزاد ابن أبي عمر في حديثه ولم يقل لا يفعل ذلك أحدكم" أشار إلى أنه لم يصرح لهم بالنهي. وإنما أشار إلى أن الأولى ترك ذلك. لأن العزل إنما كان خشية حصول الولد، فلا فائدة في ذلك لأن الله إن كان قد خلق الولد لم يمنع العزل ذلك، فقد يسبق الماء ولم يشعر العازل فيحصل العلوق ويلحقه الولد. ولا راد لما قضى الله. والفرار من حصول الولد يكون لأسباب منها خشية علوق الزوجة الأمة. لئلا يصير الولد رقيقاً، أو خشية دخول الضرر على الولد المرضع إذا كانت الموطوءة ترضعه، أو فراراً من كثرة العيال إذا كان الرجل مقلاً، فيرغب في قلة الولد لئلا يتضرر بتحصيل الكسب. وكل ذلك لا يغني شيئاً. وقد أخرج أحمد والبزار وصححه ابن حبان من حديث أنس: أن رجلاً سأل عن العزل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لو أن الماء الذي يكون منه الولد أهرقته على صخرة لأخرج الله منها ولداً. وله شاهدان في الكبير للطبراني عن ابن عباس. وفي الأوسط له عن ابن مسعود كذا في الفتح.

(4/291)


باب ماجاء في القسمة للبكر والثيب
...
39 ـ باب مَا جَاءَ في الْقِسْمَةِ لِلْبِكْرِ وَالثيّب
1148 ـ حدثنا أبُو سَلَمةَ يَحْيَى بنُ خَلَفٍ حدثنا بِشْرُ بنُ الْمفَضّل عنْ خَالِدٍ الحَذّاءِ، عنْ أبي قِلاَبَةَ، عنْ أنَسِ بنِ مَالِكٍ قالَ: لَوْ شِئْتُ أنْ أَقُولَ: قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم. وَلكِنّهُ قالَ: السّنّةُ، إِذَا
ـــــــ
باب مَا جَاءَ في الْقِسْمَةِ لِلْبِكْرِ وَالثيّب
وقال بعض أهل العلم من التابعين: إذا تزوج البكر على إمْرأتِهِ أقام عندها ثلاثاً. وإِذا تزوج الثيب أقام عندها ليلتين والقول الأولُ أصحّ.
قوله: "قال" أي أبو قلابة "لو شئت أن أقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لكنه قال السنة" كان يشير إلى أنه لو صرح برفعه إلى النبي صلى الله

(4/291)


تَزَوّجَ الرّجُلُ الْبِكْرَ عَلَى امْرَأَتِهِ، أقَامَ عِنْدَهَا سَبْعاً. وإذَا تَزَوّجَ الثّيّبَ عَلَى امْرَأتِهِ، أقَامَ عِنْدَهَا ثَلاَثاً. وفي البابِ عنْ أُمّ سَلَمَة. حدِيثُ أنَسٍ حدِيثٌ حسنٌ صحيحٌ. وقَدْ رَفَعَهُ محَمّدٌ بنُ إسْحَاقَ عَنْ أيّوبَ، عنْ أبي قِلاَبَةَ، عنْ أنَسٍ. ولَمْ يَرْفَعْه بَعْضُهُمْ. قال: والعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ بَعْضِ أهْلِ العِلْمِ. قَالُوا: إذَا تَزَوّجَ الرّجُلُ امْرَأَةً بِكْراً عَلَى امْرَأَتِهِ، أقَامَ عِنْدَهَا سَبْعاً، ثمّ قَسَمَ بَيْنَهُمَا بَعْدُ، بِالْعَدْلِ. وَإِذَا تَزَوّجَ الثّيّبَ عَلَى امْرَأتِهِ أقَامَ عِنْدَهَا ثَلاثاً. وهو قول مالك والشافعي وأحمد وإِسحاق.
ـــــــ
عليه وسلم لكان صادقاً ويكون روى بالمعنى وهو جائز عنده، لكنه رأى أن المحافظة على اللفظ أولى. واعلم أن الصحابي إذا قال السنة أو من السنة فالمراد به سنة النبي صلى الله عليه وسلم وهو الذي يتبادر من قول الصحابي. وقد وقع في صحيح البخاري في الحج قول سالم بن عبد الله بن عمر حين سأله الزهري عن قول ابن عمر للحجاج: إن كنت تريد السنة هل تريد سنة النبي صلى الله عليه وسلم فقال له سالم وهل يعنون بذلك إلا سنته انتهى. "إذا تزوج الرجل البكر على امرأته" أي يكون عنده امرأة فيتزوج معها بكراً "أقام عندها سبعاً" زاد في رواية الشيخين ثم قسم قوله: "وإذا تزوج ثيباً على امرأته أقام ثلاثاً" زاد في رواية الشيخين ثم قسم. وفي رواية الدارقطني: للبكر سبعة أيام وللثيب ثلاثة ثم يعود إلى نسائه. قوله: "وفي الباب عن أم سلمة" أخرجه أحمد ومسلم وأبو داود وابن ماجه عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما تزوجها أقام عندها ثلاثة أيام وقال إنه ليس بك هوان على أهلك، فإن شئت سبعت لك، وإن سبعت لك سبعت لنسائي. وفي رواية الدارقطني: إن شئت أقمت عندك ثلاثاً خالصة لك وإن شئت سبعت لك وسبعت لنسائي قالت تقيم معي ثلاثاً خالصة. وفي إسناد رواية الدارقطني هذه الواقدي وهو ضعيف جداً. قوله: "حديث أنس حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان. قوله: "والعمل على هذا عند بعض أهل العلم قالوا: إذا تزوج الرجل امرأة بكراً على امرأته أقام عندها سبعاً ثم قسم بينهما بعد بالعدل الخ" واستدلوا بأحاديث الباب فإنها ظاهرة فيما قالوا. وهو مذهب الشافعي وأحمد وإسحاق وجمهور العلماء قال النووي في شرح مسلم: وفيه أن حق

(4/292)


ـــــــ
الزفاف ثابت للمزفوفة. وتقدم به على غيرها فإن كانت بكراً كان لها سبع ليال بأيامها بلا قضاء، وإن كانت ثيباً كان لها الخيار إن شاءت سبعاً ويقضي السبع لباقي النساء، وإن شاءت ثلاثاً ولا يقضي. وهذا مذهب الشافعي وموافقيه. وهو الذي ثبتت فيه هذه الأحاديث الصحيحة. ومن قال به مالك وأحمد وإسحاق وأبو ثور وابن جرير وجمهور العلماء انتهى كلام النووي. وروى الإمام محمد في موطإه حديث أم سلمة وفيه: إن شئت سبعت عندك وسبعت عندهن، وإن شئت ثلثت عندك ودرت. قالت: ثلث. قال محمد بهذا نأخذ: ينبغي إن سبع عندها أن يسبع عندهن لا يزيد لها عليهن شيئاً، وإن ثلث عندها يثلث عندهن. وهو قول أبي حنيفة والعامة من فقهائنا انتهى. قلت: مذهب الحنفية أنه لا فرق بين الجديدة والقديمة ولا بين البكر والثيب بل يجب القسم بينهن بالسوية. والاستدلال على هذا بحديث أم سلمة غير ظاهر بل الظاهر منه هو ما ذهب إليه الجمهور وقد أقر به صاحب التعليق الممجد على موطإ محمد. وكذا الظاهر من سائر أحاديث الباب هو ما ذهب إليه الجمهور ويؤيده رواية الدارقطني بلفظ: إن شئت أقمت عندك ثلاثاً خالصة لك، وإن سبعت لك سبعت لنسائي. قالت تقيم معي ثلاثاً خالصة. واستدل أبو حنيفة وأصحابه بالظواهر الواردة بالعدل بين الزوجات. وأجيبوا بأن أحاديث الباب مخصصة للظواهر العامة. والحاصل أن المذهب الراجح الظاهر من الأحاديث الصحيحة هو مذهب الجمهور والله تعالى أعلم.
تنبيه: اعلم أن الإمام أبا حنيفة وأصحابه كما تركوا العمل بظاهر أحاديث الباب، كذلك ترك الإمام مالك وأصحابه العمل بظاهر حديث أم سلمة المذكور. فإنه يفهم منه جواز التخيير للثيب بين الثلاث بلا قضاء والسبع مع القضاء وإليه ذهب الشافعي وأحمد والجمهور. وقال مالك وأصحابه لا تخيير بل للبكر الجديدة سبع، وللثيب ثلاث، بدون التخيير والقضاء. قال ابن عبد البر: هذا يعني حديث أم سلمة تركه مالك وأصحابه للحديث الذي رواه مالك عن أنس انتهى. وأشار به إلى حديث أنس المذكور في الباب قال صاحب التعليق الممجد: واعتذر أصحاب مالك عن حديث أم سلمة الدال صريحاً على التخيير، بأن مالكاً رأى ذلك من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم لأنه خص في النكاح بخصائص. فاحتمال الخصوصية منع من الأخذ به. وفيه ضعف ظاهر لأن مجرد الاحتمال لا يمنع الاستدلال انتهى. قلت الأمر كما قال صاحب التعليق الممجد.

(4/293)


باب ماجاء في التسوية بين الضرائر
...
40 ـ باب مَا جَاءَ في التّسْوِيَةِ بَيْنَ الضَرائِر
1149 ـ حدثنا ابنُ أبي عُمَرَ أخبرنا بِشْرُ بنُ السّرِيّ. أخبرنا حَمّادُ بنُ سَلَمةَ عنْ أيّوبَ، عنْ أبي قِلاَبَةَ، عنْ عَبْدِ الله بنِ يَزِيدَ، عنْ عَائِشَةَ "أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم كانَ يَقْسِمُ بَيْنَ نِسَائِهِ فَيَعْدِلُ ويَقُولُ: الّلهُمّ هذِهِ قِسْمَتِي فِيمَا أَمْلِكُ، فَلاَ تَلُمْنِي فِيما تَمْلِكُ ولاَ أَمْلِكُ".
حديثُ عَائشةَ هكَذَا، رَوَاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ عن حمّادِ بنِ سلمَةَ، عنْ أَيّوبَ عنْ أبي قِلاَبَةَ، عنْ عبدِ الله بنِ يَزِيدَ، عنْ عَائِشَةَ "أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم كانَ يَقْسم". وَرَوَاهُ حَمّادُ بنُ زَيْدِ وغَيْرُ وَاحدٍ عن أيّوبَ، عنْ أبي قِلاَبَةَ، مُرْسَلاً أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم كانَ يَقْسِمُ" وهذَا أصَحّ مِنْ حَديثِ حَمّادِ بنِ سَلَمَةَ.
ومعنى قوله :لا تلمني فيما تملك ولا أملك إنما يعني به الحب والمودة.كذا فسره بعض أهل العلم.
ـــــــ
باب ما جاء في التسوية بين الضرائر
هي زوجات الرجل لأن كل واحدة تتضرر بالأخرى بالغيرة والقسم كذا في المجمع
قوله: "كان يقسم بين نسائه فيعدل" استدل به من قال أن القسم كان واجباً عليه، وذهب بعض المفسرين إلى أنه لا يجب عليه، واستدلوا بقوله تعالى {تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ} الآية، وذلك من خصائصه "ويقول اللهم هذه قسمتي فيما أملك" أي أقدر عليه "فلا تلمني" أي لا تعاتبني ولا تؤاخذني "فيما تملك ولا أملك" أي من زيادة المحبة والميل. قال ابن الهمام: ظاهره أن ما عداه مما هو داخل تحت ملكه وقدرته يجب التسوية فيه. ومنه عدد الوطآت والقبلات والتسوية فيهما غير لازمة إجماعاً. قوله: "وهذا أصح من حديث حماد بن سلمة" وكذا أعله النسائي والدارقطني وقال أبو زرعة: لا أعلم أحداً تابع حماد بن سلمة على وصله: والحديث أخرجه الخمسة إلا أحمد وأخرجه أيضاً الدارمي وصححه ابن حبان والحاكم. قوله: "كذا فسره بعض أهل العلم" أخرج البيهقي من طريق علي بن طلحة عن ابن عباس

(4/294)


1150 ـ حدثنا مُحَمّدُ بنُ بَشّارٍ أخبرنا عبدُ الرّحمَنِ بنُ مَهْدِي. أخبرنا هَمامٌ عنْ قتادَةَ، عنِ النّضْرِ بنِ أنَسٍ، عنْ بَشِيرِ بنِ نَهِيكٍ، عنْ أبي هُرَيْرَةَ، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ: "إذا كانتَ عِنْدَ الرّجُلِ امْرَأَتَانِ، فَلْم يعْدِلْ بَيْنَهُمَا، جَاءَ يَوْمَ القِيامَةِ وَشِقّهُ سَاقِطٌ".
وَإنّمَا أَسْنَدَ هذا الحَديثَ هَمّامُ بن يَحْيَى عن قَتَادَة. ورَوَاهُ هِشَامٌ الدّسْتَوَائيّ عنْ قَتَادةَ قالَ: كانَ يُقالُ. وَلاَ نَعْرِفُ هذَا الحديثَ مَرفوعاً إِلاّ مِنْ حدِيثِ هَمّامٍ.
ـــــــ
في قوله: "ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء" قال في الحب والجماع وعند عبيدة بن عمرو السلماني مثله. قوله: "جاء يوم القيامة وشقه ساقط" وفي بعض الروايات جاء يوم القيامة يجر أحد شقيه ساقطاً أو مائلاً. قال الطيبي في شرح قوله: "وشقه ساقط" أي نصفه مائل قيل بحيث يراه أهل العرصات ليكون هذا زيادة في التعذيب وهذا الحكم غير مقصور على امرأتين، فإنه لو كانت ثلاث أو أربع كان السقوط ثابتاً، واحتمل أن يكون نصفه ساقطاً وإن لزم الواحدة وترك الثلاث أو كانت ثلاثة أرباعه ساقطة على هذا فاعتبر، ثم إن كانت الزوجتان إحداهما حرة والأخرى أمة فللحرة الثلثان من القسم وللأمة الثلث. بذلك ورد الأثر قضى به أبو بكر وعلي رضي الله عنهما. كذا في المرقاة: قوله: "وإنما أسند هذا الحديث همام" أي رواه مرفوعاً، "ولا نعرف هذا الحديث مرفوعاً إلا من حديث همام" وقال عبد الحق: هو خبر ثابت لكن علته أن هماماً تفرد به، وأن هشاماً رواه عن قتادة فقال: كان يقال. وأخرج أبو نعيم عن أنس نحوه. وحديث أبي هريرة هذا أخرجه الخمسة وأخرجه أيضاً الدارمي وابن حبان والحاكم قال: وإسناده على شرط الشيخين كذا في المنتقى والنيل

(4/295)


باب ماجاء في الزوجين المشركين يسلم أحدهما
...
41 ـ باب مَا جَاءَ في الزّوْجَيْنِ الْمُشْرِكَيْنِ يُسْلِمُ أَحَدُهُمَا
1151 ـ حدثنا أَحْمَدُ بنُ مَنِيعٍ وَ هَنّادٌ قالا: أخبرنا أبُو معَاوِيَةَ عنِ الْحَجّاجِ، عنْ عَمْروِ بنِ شُعَيْبٍ، عنْ أَبِيهِ، عنْ جَدّهِ أنّ رسُولَ الله
ـــــــ
باب ما جاء في الزوجين المشركين يسلم أحدهما
قوله: "عن الحجاج" هو ابن أرطاة صدوق كثير الخطأ والتدليس.

(4/295)


صلى الله عليه وسلم ردّ ابْنَتَهُ زَيْنَبَ عَلَى أبي الْعَاصِ بنِ الرّبِيعِ، بِمَهْرٍ جَدِيدٍ وَنِكاحٍ جَدِيدٍ.
هذا حديثٌ فِي إسْنَادهِ مَقالٌ وفي الحديث الاَخر أيضاً مقالٌ والعَمَلُ عَلَى هذَا الْحَدِيثِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنّ الْمَرأَةَ إِذَا أَسْلَمت قَبْلَ زَوْجِهَا ثُمّ أسْلَمَ زَوْجُهَا وَهِيَ في الْعِدّةِ أَنّ زَوْجَهَا أَحَقّ بِهَا ما كانَتْ في الْعِدّةِ. وهُوَ قَوْلُ مَالِكِ بنِ أَنَسٍ وَالأوْزَاعِيّ وَالشّافِعِيّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ.
1152 ـ حدثنا هَنّادُ أخبرنا يُونُسُ بنُ بُكَيْرٍ عنْ مُحَمّدِ بنِ إسْحَاقَ قالَ: حَدّثَني دَاوُدُ بنُ الحُصَيْن عنْ عِكْرَمَةَ، عنِ ابنِ عَبّاسٍ قالَ: "رَدّ النبيّ صلى الله عليه وسلم ابْنَتَهُ زَيْنَبَ عَلَى أبِي الْعَاصِ بنِ الرّبِيعِ، بَعْدِ سِتّ سِنِينَ، بالنّكاحِ الاْوّلِ. ولَمْ يُحْدِثْ نِكاحاً". هذا حديثٌ لَيْسَ بإسنَادِه بأسٌ، ولَكنْ لا نَعْرِفُ وَجْهَ هذَا الحدَيثِ، وَلَعَلّهُ قَدْ جَاء هذَا
ـــــــ
قوله: "رد ابنته زينب على أبي العاص بن الربيع بمهر جديد ونكاح جديد" يخالفه حديث ابن عباس الآتي ففيه أنه صلى الله عليه وسلم ردها عليه بالنكاح الأول ولم يحدث نكاحاً، وهو أصح كما ستعرف، قوله: "هذا حديث في إسناده مقال في إسناده حجاج بن أرطاة وهو مدلس" . وأيضاً لم يسمعه من عمرو بن شعيب كما قال أبو عبيد، وإنما حمله عن العرزمي وهو ضعيف، وقد ضعف هذا الحديث جماعة من أهل العلم كذا في النيل والحديث أخرجه أيضاً ابن ماجه قوله: "والعمل على هذا عند أهل العلم" أي من حيث أن هذا الحديث يقتضي أن الرد بعد العدة يحتاج إلى نكاح جديد. فالرد بلا نكاح لا يكون إلا قبل العدة. قاله أبو الطيب المدني، "وهو قول مالك بن أنس والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق" وقال محمد في موطإه: إذا أسلمت المرأة وزوجها كافر في دار الإسلام لم يفرق بينهما حتى يعرض على الزوج الإسلام، فإن أسلم فهي امرأته، وإن أبى أن يسلم فرق بينهما وكانت فرقتها تطليقة بائنة. وهو قول أبي حنيفة وإبراهيم النخعي انتهى.
قوله: "بعد ست سنين بالنكاح الأول ولم يحدث نكاحاً" وفي رواية لأحمد وأبي داود وابن ماجه بعد سنتين قال الشوكاني:وفي رواية بعد ثلاث سنين وأشار في الفتح إلى الجمع فقال: المراد بالست ما بين هجرة زينب وإسلامه، وبالسنتين

(4/296)


ـــــــ
أو الثلاث ما بين نزول قوله تعالى: {لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ} وقدومه مسلماً فإن بينهما سنتين وأشهراً. قوله: "هذا حديث ليس بإسناده بأس" حديث ابن عباس هذا صححه الحاكم. وقال الخطابي: هو أصح من حديث عمرو بن شعيب، وكذا قال البخاري. قال ابن كثير في الإرشاد: هو حديث جيد قوي وهو من رواية ابن إسحاق عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس انتهى، إلا أن حديث داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس نسخه، وقد ضعف أمرها علي ابن المديني وغيره من علماء الحديث وابن إسحاق فيه مقال معروف. كذا في النيل. قلت قد تقدم في بحث القراءة خلف الإمام أن الحق أن ابن إسحاق ثقة قابل للاحتجاج. "ولكن لا نعرف وجه الحديث" قال الحافظ: أشار بذلك إلى أن ردها إليه بعد ست سنين أو بعد سنتين أو ثلاث مشكل لاستبعاد أن تبقى في العدة هذه المدة. قال ولم يذهب أحد إلى جواز تقرير المسلمة تحت المشرك إذا تأخر إسلامه عن إسلامها حتى انقضت عدتها. وممن نقل الإجماع في ذلك ابن عبد البر، وأشار إلى أن بعض أهل الظاهر قال بجوازه، ورده بالاجماع المذكور. وتعقب بثبوت الخلاف قديماً فيه، فقد أخرجه ابن أبي شيبة عن علي وإبراهيم النخعي بطرق قوية، وأفتى به حماد شيخ أبي حنيفة، وأجاب الخطابي عن الاشكال بأن بقاء العدة تلك المدة ممكن وإن لم تجر به عادة في الغالب، ولا سيما إن كانت المدة إنما هي سنتان وأشهر فإن الحيض قد يبطئ عن ذات الأقراء لعارض. وبمثل هذا أجاب البيهقي. قال الحافظ: وهو أولى ما يعتمد في ذلك وقال السهيلي في شرح السيرة: إن حديث عمرو بن شعيب هو الذي عليه العمل، وإن كان حديث ابن عباس أصح اسناداً، لكن لم يقل به أحد من الفقهاء، لأن الإسلام قد كان فرق بينهما قال الله تعالى: {لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ} ومن جمع بين الحديثين قال: معنى حديث ابن عباس: ردها عليه على النكاح الأول في الصداق والحباء، ولم يحدث زيادة على ذلك من شرط ولا غيره انتهى. وقد أشار إلى مثل هذا الجمع ابن عبد الله. وقيل: إن زينب لما أسلمت وبقي زوجها على الكفر لم يفرق النبي صلى الله عليه وسلم إذا لم يكن قد نزل تحريم نكاح المسلمة على الكافر، فلما نزل قوله تعالى: {لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ} الاَية أمر النبي صلى الله عليه وسلم ابنته أن تعتد، فوصل أبو العاص مسلماً قبل انقضاء العدة فقررها النبي صلى الله

(4/297)


مِنْ قِبَلِ دَاوُدَ بنِ حُصَيْنٍ، مِنْ قِبَلِ حِفْظِهِ.
1153 ـ حدثنا يُوسُفُ بنُ عِيسى أخبرنا وَكيعٌ قال أخبرنا إسْرَائِيلُ عن سِمَاكِ بنِ حَرْبٍ، عنْ عِكْرِمَةَ، عنِ ابن عبّاسٍ: "أنّ رَجُلاً جَاءَ مُسْلِماً عَلَى عَهْدِ النبيّ صلى الله عليه وسلم. ثمّ جَاءَتِ امْرأتُهُ مُسْلِمَة. فقَالَ: ياَ رسولَ الله إنهَا كانَتْ أسْلَمَتْ مَعِي. فَرَدّهَا عَلَيْهِ". هذا حديثٌ صحيحٌ. سَمِعْتُ عَبْدَ بن حميدٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ يَزِيدَ بنَ هَارُونَ يَذْكُرُ عن محمّدِ بنِ إسْحَاقَ، هذا الحديثَ.
وحديثُ الحجّاجِ، عنْ عَمْرو بنِ شُعَيْبٍ، عنْ أبيهِ عن جدّهِ أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم رَدّ ابْنَتَه عَلَى أبي العاصِ بمَهْرٍ جَديدٍ وَنِكاحٍ جَدِيدٍ. فقال يَزِيدُ بنُ هَارُونَ: حدِيثُ ابنِ عبّاس أَجْودُ إسْناداً. والعَمَلُ عَلَى حديثِ عَمْرو بن شُعيْب.
ـــــــ
عليه وسلم بالنكاح الأول. فيندفع الاشكال. قال ابن عبد البر: وحديث عمرو بن شعيب تعضده الأصول وقد صرح فيه بوقوع عقد جديد. والأخذ بالصريح أولى من الأخذ بالمحتمل، ويؤيده مخالفة ابن عباس لما رواه كما حكى ذلك عنه البخاري. قال الحافظ: وأحسن المسالك في تقرير الحديثين ترجيح حديث ابن عباس، كما رجحه الأئمة، وحمله على تطاول العدة فيما بين نزول آية التحريم وإسلاء أبي العاص، ولا مانع من ذلك انتهى. وفي المقام كلام أكثر من هذا فعليك أن تراجع شروح البخاري كالفتح وغيره.
قوله: "فقال يا رسول الله إنها كانت أسلمت معي فردها عليه" فيه أن المرأة إذا أسلمت مع زوجها ترد إليه وهذا مجمع عليه. قوله: "يذكر عن محمد بن إسحاق هذا الحديث" أراد بهذا الحديث حديث ابن عباس المذكور بلفظ: رد النبي صلى الله عليه وسلم ابنته زينب الخ.

(4/298)


باب ماجاء في الرجل يتزوج المرأة فيموت عنها قبل أن يفرض لها
...
42 ـ باب مَا جَاءَ في الرّجُلِ يَتَزَوّجُ الْمَرْأَةَ فَيَمُوتَ عَنْهَا قَبْلَ
أنْ يَفْرِضَ لهَا
1154 ـ حدثنا مَحْمُودُ بنُ غَيْلاَنَ حدثنا يَزِيْدُ بنُ الْحُبَابِ. حدثنا سُفْيَانُ عنْ مَنْصُورٍ، عنْ إبْرَاهِيمَ، عنْ عَلْقَمَةَ، عنِ ابنِ مَسْعُ ودٍ، أَنهُ سُئِلَ عنْ رَجُلٍ تَزَوّجَ امْرَأَةً ولَمْ يَفْرِضْ لهَا صَدَاقاً، ولَمْ يَدْخُلْ بهَا حَتّى مَاتَ. فقَالَ ابنُ مَسْعُودٍ: لهَا مِثْلُ صَدَاقِ نِسَائِهَا. لاَ وَكْسَ ولاَ شَطَطَ. وعَلَيْهَا العِدّةُ وَلهَا الْمِيرَاثُ. فقَامَ مَعْقِلُ بنُ سِنَانٍ الأَشْجَعِيّ فقَالَ: قضَى رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم في بَرْوَعَ بِنْتِ وَاشِقٍ، امْرَأَة مِنّا، مِثْلَ الذي قضَيْتَ. فَفرِحَ بهَا ابنُ مَسْعُودٍ. وفي البابِ عَن الْجَرّاحِ.
ـــــــ
باب مَا جَاءَ في الرّجُلِ يَتَزَوّجُ الْمَرْأَةَ فَيَمُوتَ عَنْهَا قَبْلَ أنْ يَفْرِضَ لهَا
قوله: "ولم يفرض" بفتح الياء وكسر الراء أي لم يقدر ولم يعين "لها صداقا" أي مهراً "ولم يدخل بها" أي لم يجامعها ولم يخل بها خلوة صحيحة "مثل صداق نسائها" أي نساء قومها "لا وكس" بفتح فسكون أي لا نقص "ولا شطط" بفتحتين أي ولا زيادة "ولها العدة" أي الموفاة "ولها الميراث" زاد في رواية لأبي داود: فإن يك صواباً فمن الله، وإن يك خطأ فمني، ومن الشيطان والله ورسوله بريئان. "فقام معقل" بفتح الميم وكسر القاف "ابن سنان" بكسر السين "الأشجعي" بالرفع صفة معقل "في بروع" قال في القاموس كجدول ولا يكسر بنت واشق صحابية انتهى. وقال في المغنى بفتح الباء عند أهل اللغة وكسرها عند أهل الحديث انتهى. وقال في جامع الأصول: أهل الحديث يرونها بكسر الباء وفتح الواو وبالعين المهملة. وأما أهل اللغة فيفتحون الباء ويقولون إنه ليس بالعربية فعول إلا خروع لهذا النبت، وعقود اسم واد انتهى. قال القاري فليكن هذا من قبيلهما ونقل المحدثين أحفظ. قال وهو غير منصرف "بنت واشق" بكسر الشين المعجمة "ففرح بها" أي بالقضية أو بالفتيا لكون اجتهاده موافقاً لحكمه صلى الله عليه وسلم. قوله: "وفي الباب عن الجراح" بفتح الجيم وتشديد

(4/299)


1155 ـ حدثنا الْحَسَنُ بنُ عَلي الْخَلاّلُ. حدثنا يَزيدُ بنُ هارُونَ وعَبْدُ الرّزّاقِ، كِلاَهُمَا عنْ سُفْيَانَ، عنْ مَنْصُورٍ نَحْوَهُ.
حَدِيثُ ابنِ مَسْعُودٍ حدِيثٌ حسنٌ صحيحٌ. وَقَدْ رُوِى عَنْهُ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ. والْعَمَلُ عَلَى هذَا عِنْدَ بَعْضِ أهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أصْحَابِ النبيّ صلى الله عليه وسلم وَغَيْرِهِمْ.
وَبِه يَقُولُ الثّوْرِيّ وأحْمَدُ وإسْحَاقُ. وقالَ بَعْضُ أهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أصْحَابِ النبيّ صلى الله عليه وسلم، مِنْهُمْ عَليّ بنُ أبي طَالبٍ وَزَيْدُ بنُ ثَابِت وابن عباس وابنُ عُمرَ: إِذَا تَزَوّجَ الرّجُلُ المرَأَة ولم يدخل بها ولَمْ يَفْرِضْ لهَا صَدَاقاً حَتّى مَاتَ، قالُوا: لهَا الْمِيرَاثُ، ولاَ صَدَاقَ لهَا، وعَلَيْهَا الْعِدّةُ. وَهُوَ قَوْل
ـــــــ
الراء بن أبي الجراح الأشجعي صحابي مقل وأخرج حديثه أبو داود قوله: "حديث ابن مسعود حديث حسن صحيح" قال الحافظ في بلوغ المرام: وصححه الترمذي وجماعة انتهى. قال في السبل منهم ابن مهدي وابن حزم وقال: لا مغمز فيه بصحة إسناده. ومثله قال البيهقي في الخلافيات. قلت: الحديث صحيح وكل ما أعلوه به فهو مدفوع. قوله: "والعمل على هذا عند بعض أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم. وبه يقول الثوري وأحمد وإسحاق" قال في النيل: والحديث فيه دليل على أن المرأة تستحق بموت زوجها بعد العقد قبل فرض الصداق جميع المهر، وإن لم يقع منه دخول ولا خلوة. وبه قال ابن مسعود وابن سيرين وابن أبي ليلى وأبو حنيفة وأصحابه وإسحاق وأحمد انتهى. قلت: وهو الحق. "وقال بعض أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم منهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه وابن عباس وابن عمر: إذا تزوج الرجل امرأة ولم يدخل بها ولم يفرض لها صداقا حتى مات قالوا لها الميراث ولا صداق لها، وعليها العدة" وهو قول الأوزاعي والليث ومالك وأحمد قول الشافعي. قالوا لأن الصداق عوص، فإذا لم يستوف الزوج المعوض عنه لم يلزم قياساً على ثمن المبيع. وأجابوا عن الحديث بأن فيه اضطراباً فروى مرة عن معقل بن سنان، ومرة عن معقل بن يسار، ومرة عن بعض أشجع لا يسمى، ومرة عن رجل من أشجع أو ناس من أشجع. وضعفه الواقدي بأنه حديث ورد إلى المدينة من

(4/300)


الشّافِعيّ. قالَ: لَوْ ثَبَتَ حَدِيثُ بَرْوَعَ بِنْتِ واشِقٍ لَكانَتِ الْحُجّةُ فِيما رُوِيَ عنِ النبيّ صلى الله عليه وسلم. ورُوِيَ عنِ الشّافِعيّ أنّهُ رَجَعَ بِمِصْرَ بَعْدُ عنْ هذَا الْقَوْلِ، وقالَ بِحَدِيثِ بَرْوَعَ بِنْتِ وَاشِقٍ
ـــــــ
أهل الكوفة فما عرفه علماء المدينة. وروي عن علي رضي الله عنه أنه رده بأنه معقل بن سنان أعرابي بوال على عقبيه. وأجيب بأن الاضطراب غير قادح لأنه متردد بين صحابي وصحابي، وهذا لا يطعن به في الرواية ولا يضر الرواية بلفظ "عن بعض أشجع" أو "عن رجل من أشجع" لأنه فسر ذلك بمعقل. قال البيهقي: قد سمى فيه ابن سنان وهو صحابي مشهور، والاختلاف فيه لا يضر فإن جميع الروايات فيه صحيحة، وفي بعضها ما دل على أن جماعة من أشجع شهدوا بذلك وقال ابن أبي حاتم قال أبو زرعة الذي قال معقل بن سنان أصح. وأما عدم معرفة علماء المدينة فلا يقدح بها عدالة الراوي. وأما الرواية عن علي رضي الله عنه فقال في البدر المنير: لم يصح عنه "وقال لو ثبت حديث بروع بنت واشق لكانت الحجة فيما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم" وقال الشافعي في الأم: إن كان يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو أولى الأمور، ولا حجة في أحد دون رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن كبر. ولا شيء في قوله إلا طاعة الله بالتسليم له. ولم أحفظه عنه من وجه يثبت مثله مرة يقال عن معقل بن سنان، ومرة عن معقل بن يسار، ومرة عن بعض أشجع لا يسمى انتهى. وغرضه التضعيف بالاضطراب، وقد عرفت الجواب عنه. وروى الحاكم في المستدرك عن حرملة بن يحيى أنه قال: سمعت الشافعي يقول إن صح حديث بروع بنت واشق قلت به. قال الحاكم: قال شيخنا أبو عبد الله لو حضرت الشافعي لقمت على رؤوس الناس وقلت قد صح الحديث انتهى. وروي عن الشافعي أنه رجع عن هذا القول. وقال بحديث بروع بنت واشق" لثبوته عنده بعد أن كان متردداً في صحته.

(4/301)