Contents

الواجهة
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد
مقدمة
باب الألف
باب الثاء
باب الجيم
باب الحاء
باب الخاء
باب الدال
باب الراء
باب الزاي
تابع باب الزاء
تابع لحرف الزاء
تابع لحرف الزاء
باب الطاء
باب الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع حرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
باب النون
باب الصاد
باب الضاد
باب العين
تابع لحرف العين
تابع حرف العين
تابع لحرف العين
تابع لحرف العين
باب القاف
باب السين
باب الشين
باب الهاء
باب الواو
باب الياء
تابع باب الياء
باب الكني
باب بلاغات مالك ومرسلاته
باب مافي هذا الديوان من حديث مالك الذي ثبتت عليه أبوابه خاصة
الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج
الديباج - جزء 1
الديباج - جزء 2
الديباج - جزء 3
الديباج - جزء 4
الديباج - جزء 5
الديباج - جزء 6
المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج
المنهاج - مقدمة
المنهاج - الإيمان
المنهاج - الطهارة
المنهاج - الحيض
المنهاج - الصَّلَاة
المنهاج - المساجد ومواضع الصلاة
المنهاج - صلاة المسافرين وقصرها
المنهاج - بَاب صَلَاة الْجُمُعَة
المنهاج - بَاب صَلَاة الْعِيدَيْنِ
المنهاج - بَاب الدُّعَاء فِي صَلَاة الِاسْتِسْقَاء
المنهاج - بَاب صَلَاة الْكُسُوف
المنهاج - كِتَاب الْجَنَائِز
المنهاج - الزكاة
المنهاج - كِتَاب الصِّيَام
المنهاج - كِتَاب الِاعْتِكَاف
المنهاج - كِتَاب الْحَجّ
المنهاج - كِتَاب النِّكَاح
المنهاج - الرضاعة
المنهاج - الطلاق
المنهاج - اللِّعَان
المنهاج - العتق
المنهاج - البيوع
المنهاج - المساقاة
المنهاج - الفرائض
المنهاج - الهبات
المنهاج - الوصية
المنهاج - النذر
المنهاج - الأيمان
المنهاج - القسامة
المنهاج - الحدود
المنهاج - الأقضية
المنهاج - اللقطة
المنهاج - الجهاد والسير
المنهاج - الإمارة
المنهاج - الصيد والذبائح
المنهاج - كِتَاب الْأَضْاحَي
المنهاج - الأشربة
المنهاج - اللباس والزينة
المنهاج - الآداب
المنهاج - السلام
المنهاج - الألفاظ من الأدب وغيرها
المنهاج - الشعر
المنهاج - الرؤيا
المنهاج - الفضائل
المنهاج - فضائل الصحابة
المنهاج - البر والصلة والآداب
المنهاج - القدر
المنهاج - العلم
المنهاج - الذكر والدعاء
المنهاج - التوبة
المنهاج - صفات المنافقين
المنهاج - صفة القيامة والجنة والنار
المنهاج - الجنة وصفة نعيمها وأهلها
المنهاج - الفتن وأشراط الساعة
المنهاج - الزهد والرقائق
المنهاج - التفسير
تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي
أبواب الطهارة
أبواب الصلاة
تابع أبواب الصلاة
أبواب الوتر
أبواب الجمعة
تابع لأبواب الجمعة
أبواب العيدين
أبواب السفر
ابواب الزكاة
أبواب الصوم
أبواب الحج
تابع أبواب الحج
أبواب الجنائز
أبواب النكاح
أبواب الرضاع
أبواب الطلاق واللعان
ابواب البيوع
أبواب الأحكام
أبواب الديات
ابواب الحدود
تابع أبواب الحدود
أبواب الصيد
أبواب الأضاحي
أبواب النذور والأيمان
أبواب السير
أبواب الجهاد
أبواب اللباس
أبواب الأطعمة
أبواب الأشربة
تابع أبواب الأشربة
أبواب البر و الصله عن رسول الله صلى الله عليه و آله سلم
أبواب الطب عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الفرائض عن الرسول صلى الله عليه و سلم
أبواب الوصايا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الولاء و الهبة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب القدر عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم
أبواب الفتن عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الرؤيا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الشهادات عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
تابع لأبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صِفَةُ القِيامَة
أبواب صفة الجنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صفة جهنم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإيمان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب العلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإستئذان والآداب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب العلم
أبواب الأمثال
أبواب فضائل القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب القراءات عن رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم
أبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الدعوات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أحاديث شتى من أبواب الدعوات
المناقب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
مناقب الصحابة رضوان الله عليهم
تنوير الحوالك شرح موطأ مالك
كتاب وقوت الصلاة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب السهو
كتاب الجمعة
كتاب الصلاة في رمضان
كتاب صلاة الليل
كتاب صلاة الجماعة
كتاب قصر الصلاة في السفر
كتاب العيدين
كتاب صلاة الخوف
كتاب صلاة الكسوف
كتاب الاستسقاء
كتاب القبلة
كتاب القرآن
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب الجهاد
كتاب النذور و الأيمان
كتاب الضحايا
كتاب الذبائح
كتاب الصيد
كتاب العقيقة
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الرضاع
كتاب البيوع
كتاب القراض
كتاب المساقاة - كتاب كراء الأرض
كتاب الشفعة - كتاب الأقضية
كتاب الوصية - كتاب العتق والولاء
كتاب المكاتب - كتاب المدبر
كتاب الحدود
كتاب الأشربة - كتاب العقول
كتاب القسامة - كتاب الجامع
كتاب القدر - كتاب حسن الخلق
كتاب اللباس - كتاب صفة النبي
كتاب العين - كتاب الشعر
كتاب الرؤيا - كتاب السلام
كتاب الاستئذان والتشميت والصور والتماثيل وغيرها
كتاب البيعة - كتاب الكلام والعينة والتقى
كتاب جهنم - كتاب الصدقة
كتاب العلم - كتاب دعوة المظلوم - كتاب أسماء النبي
حاشية السندي على سنن ابن ماجة
المقدمة
الطَّهَارَة وَسُنَنهَا
الصلاة
الْأَذَان
المساجد والجماعات
أَبْوَاب إِقَامَة الصَّلَاة
الجنائز
الصوم
الزكاة
النكاح
الطلاق
الكفارات
التجارات
الأحكام
الحدود
الديات
الوصايا
الْفَرَائِض
الجهاد
المناسك
الْأَضَاحِيّ
الذبائح
الصيد
الأطعمة
الأشربة
الطب
اللباس
الْآدَاب
الدُّعَاء
تعبير الرؤيا
الْفِتَن
الزُّهْد
شرح سنن ابن ماجه لمغلطاي
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح رياض الصالحين
شرح رياض الصالحين - 01
شرح رياض الصالحين - 02
شرح رياض الصالحين - 03
شرح رياض الصالحين - 04
شرح سنن أبي داود للعيني
مقدمة التحقيق
كتاب الطهارة
كِتابُ الصَلاَةِ
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
عون المعبود شرح سنن أبي داود
كتاب الطهارة
تابع كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
كتاب الزكاة
تابع لكتاب الزكاة
كتاب اللقطة
كتاب المناسك
تابع لكتاب المناسك
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الصيام
تابع لكتاب الصيام
أول كتاب الجهاد
أول كتاب الضحايا
تابع كتاب الضحايا
أول كتاب الصيد
أول كتاب الوصايا
أول كتاب الفرائض
أول كتاب الخراج والفيء والإمارة
أول كتاب الجنائز
تابع لكتاب الجنائز
كتاب الأيمان والنذور
كتاب البيوع
كتاب الإجارة
كتاب القضاء
تابع لكتاب القضاء
كتاب العلم
كتاب الأشربة
كتاب الأطعمة
كتاب الطب
كتاب الكهانة والتطير
كتاب العتق
أول كتاب الحروف والقراءات
أول كتاب الحمام
أول كتاب اللباس
أول كتاب الترجل
أول كتاب الخاتم
أول كتاب الفتن والملاحم
أول كتاب المهدي
أول كتاب الملاحم
أول كتاب الحدود
أول كتاب الديات
أول كتاب السنة
تابع لكتاب السنة
أول كتاب الأدب
أبواب السلام
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن حجر
فتح الباري - هدي الساري مقدمة فتح الباري
فتح الباري - كتاب بدء الوحي
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب العلم
فتح الباري - كتاب الوضوء
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
فتح الباري - كتاب مواقيت الصلاة
فتح الباري - كتاب الأذان
فتح الباري - كتاب الجمعة
فتح الباري - كتاب الخوف
فتح الباري - كتاب العيدين
فتح الباري - كتاب الوتر
فتح الباري - كتاب الاستسقاء
فتح الباري - كتاب الكسوف
فتح الباري - كتاب سجود القرآن
فتح الباري - كتاب تقصير الصلاة
فتح الباري - كتاب التهجد
فتح الباري - كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة
فتح الباري - كتاب العمل في الصلاة
فتح الباري - كتاب السهو
فتح الباري - كتاب الجنائز
فتح الباري - كتاب الزكاة
فتح الباري - كتاب الحج
فتح الباري - كتاب العمرة
فتح الباري - كتاب المحصر
فتح الباري - كتاب جزاء الصيد
فتح الباري - كتاب فضائل المدينة
فتح الباري - كتاب الصوم
فتح الباري - كتاب صلاة التراويح
فتح الباري - كتاب فضل ليلة القدر
فتح الباري - كتاب الإعتكاف
فتح الباري - كتاب البيوع
فتح الباري - كتاب السلم
فتح الباري - كتاب الشفعة
فتح الباري - كتاب الإجارة
فتح الباري - كتاب الحرث والمزارعة
فتح الباري - كتاب المساقاة
فتح الباري - كتاب الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس
فتح الباري - كتاب الخصومات
فتح الباري - كتاب اللقطة
فتح الباري - كتاب المظالم
فتح الباري - كتاب الشركة
فتح الباري - كتاب الرهن
فتح الباري - كتاب العتق
فتح الباري - كتاب المكاتب
فتح الباري - كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها
فتح الباري - كتاب الشهادات
فتح الباري - كتاب الصلح
فتح الباري - كتاب الشروط
فتح الباري - كتاب الوصايا
فتح الباري - كتاب الجهاد و السير
فتح الباري - كتاب فرض الخمس
فتح الباري - كتاب الجزية و الموادعة
فتح الباري - كتاب بدء الخلق
فتح الباري - كتاب أحاديث الأنبياء
فتح الباري - كتاب المناقب
فتح الباري - كتاب فضائل الصحابة
فتح الباري - كتاب مناقب الأنصار
فتح الباري - كتاب المغازي
فتح الباري - كتاب التفسير
فتح الباري - كتاب فضائل القرآن
فتح الباري - كتاب النكاح
فتح الباري - كتاب الطلاق
فتح الباري - كتاب النفقات
فتح الباري - كتاب الأطعمة
فتح الباري - كتاب العقيقة
فتح الباري - كتاب الذبائح والصيد
فتح الباري - كتاب الأضاحي
فتح الباري - كتاب الأشربة
فتح الباري - كتاب المرضى
فتح الباري - كتاب الطب
فتح الباري - كتاب اللباس
فتح الباري - كتاب الأدب
فتح الباري - كتاب الإستئذان
فتح الباري - كتاب الدعوات
فتح الباري - كتاب الرقاق
فتح الباري - كتاب القدر
فتح الباري - كتاب الأيمان والنذور
فتح الباري - كتاب كفارات الأيمان
فتح الباري - كتاب الفرائض
فتح الباري - كتاب الحدود
فتح الباري - كتاب الديات
فتح الباري - كتاب استتابة المرتدين
فتح الباري - كتاب الإكراه
فتح الباري - كتاب الحيل
فتح الباري - كتاب التعبير
فتح الباري - كتاب الفتن
فتح الباري - كتاب الأحكام
فتح الباري - كتاب التمني
فتح الباري - كتاب أخبار الأحاد
فتح الباري - كتاب الإعتصام بالسنة
فتح الباري - كتاب التوحيد
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن رجب
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
مقدمة
خطبة الكتاب
كتاب الإيمان
كتاب العلم
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصوم
كتاب فضائل القرآن
كتاب الدعوات
كتاب المناسك
كتاب البيوع
كتاب الفرائض والوصايا
كتاب النكاح
كتاب العتق
كتاب القصاص
كتاب الديات
كتاب الحدود
كتاب الإمارة والقضاء
كتاب الجهاد
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأطعمة
كتاب اللباس
كتاب الطب والرقى
كتاب الرؤيا
كتاب الآداب
كتاب الرقاق
كتاب الفتن
كتاب صفة القيامة والجنة والنار
كتاب الفضائل والشمائل
كتاب المناقب

 
عودة لموقع هاني الطنبور
هاني الطنبور
الصفحة السابقة الصفحة التالية
 
 

 

تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي

ابواب البيوع
باب ماجاء في ترك الشبهات
...
أبواب البيوع
عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
1 ـ باب ما جاء في ترك الشبهات
1221 ـ حدثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ. أنبأنا حَمّادُ بنُ زَيْدٍ عنْ مُجَالِدٍ، عنِ الشّعْبيّ، عنِ النّعْمانِ بنِ بَشِيرٍ قالَ: سَمِعْتُ رسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ "الْحَلاَلُ بَيّنٌ وَالْحَرَامُ بَيّنٌ. وبَيْنَ ذلِكَ أُمُورٌ مُشْتَبِهَاتٌ. لاَ يَدْرِي كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ أمِنَ الْحَلاَلِ هِيَ أَمْ مِنَ الْحَرَامِ. فمَنْ تَرَكَهَا. اسْتِبْرَاءً
ـــــــ
أبواب البيوع
عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
ما جاء في ترك الشبهات
قوله: "عن الشعبي" بفتح الشين المعجمة وسكون العين المهملة وبموحدة هو عامر بن شراحيل الفقيه المشهور قال مكحول: ما رأيت أفقه منه ثقة فاضل توفي سنة 103 ثلاث ومائة. قوله: "الحلال بين" بتشديد الياء المكسورة أي واضح لا يخفي حله بأن ورد نص على حله أو مهد أصل يمكن استخراج الجزئيات منه كقوله تعالى {خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً} فإن اللام للنفع فعلم أن الأصل في الأشياء الحل إلا أن يكون فيه مضرة "والحرام بين" أي ظاهر لا تخفى حرمته بأن ورد نص على حرمته كالفواحش والمحارم والميتة والدم ونحوها أو مهد ما يستخرج منه نحو كل مسكر حرام "وبين ذلك" المذكور من الحلام والحرام وفي رواية الصحيحين وبينهما "مشتبهات" بكسر الموحدة أي أمور ملتبسة غير مبينة لكونها ذات جهة إلى كل من الحلال والحرام "لا يدري كثير من الناس" قال الحافظ: مفهوم قوله كثير أن معرفة حكمها ممكن، لكن للقليل من الناس وهن المجتهدون فالشبهات على هذا في حق غيرهم. وقد تقع لهم حيث لا يظهر لهم ترجيح أحد الدليلين "فمن تركها" أي المشتبهات "استبراء" استفعال من البراءة أي طلباً

(4/394)


لِدِيِنِهِ وعِرْضِهِ فَقَدْ سَلِمَ. ومَنْ وَاقَعَ شَيْئاً مِنْهَا، يُوشِكُ أنْ يُوَاقِعَ الْحَرَامَ. كمَا أَنّهُ مَنْ يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى، يُوشِكُ أنْ يُوَاقِعَهُ. أَلاَ وَإِنّ لِكُلّ مَلِكٍ حِمى. ألاَ وَإنّ حِمَى الله مَحَارِمُهُ".
1222 ـ حدثنا هِنّادٌ. حدّثنَا وَكِيعٌ عنْ زَكَرِيّا بنِ أبي زَائِدَةَ، عنِ الشّعْبيّ، عنِ النّعْمانِ بنِ بَشِيرٍ، عنِ النبيّ صلى الله عليه وسلم، نَحْوَهُ
ـــــــ
للبراءة "لدينه" من الذم الشرعي "وعرضه" من كلام الطاعن "فقد سلم" من الذم الشرعي والطعن "ومن واقع شيئاً منها" أي من وقع في شيء من المشتبهات "يوشك أن يواقع الحرام" أي أن يقع فيه "كما أنه من يرعى حول الحمى" بكسر المهملة وفتح ميم مخففة، وهو المرعي الذي يحميه السلطان من أن يرتع منه غير رعاة دوابه. وهذا المنع غير جائز إلا للنبي صلى الله عليه وسلم لقوله صلى الله عليه وسلم لا حمى إلا الله ورسوله "يوشك أن يواقعه" أي يقرب أن يقع في الحمى قال الحافظ في اختصاص التمثيل بذلك نكتة وهي أن ملوك العرب كانوا يحمون لمراعي مواشيهم أماكن مختصة يتوعدون من يرعى فيها بغير إذنهم بالعقوبة الشديدة فمثل لهم النبي صلى الله عليه وسلم بما هو مشهور عندهم، فالخائف من العقوبة المراقب لرضا الملك يبعد عن ذلك الحمى خشية أن تقع مواشيه في شيء منه فبعده أسلم له ولو اشتد حذره. وغير الخائف المراقب يقرب منه ويرعى من جوانبه فلا يأمن أن تنفرد الفاذة فتقع فيه بغير اختياره أو يمحل المكان الذي هو فيه ويقع الخصب في الحمى فلا يملك نفسه أن يقع فيه فالله سبحانه وتعالى هو الملك حقاً وحماه محارمه "ألا" مركبة من همزة الاستفهام وحرف النفي لإعطاء معنى التنبيه على تحقق ما بعدها "وإن لكل ملك حمى" أي على ما كان عليه الجاهلية أو إخبار عما يكون عليه ظلمة الإسلامية. قال القاري في المرقاة: الأظهر أن الواو هي الابتدائية التي تسمى النحاة الاستينافية الدالة على انقطاع ما بعدها عما قبلها في الجمل كما ذكره صاحب المعنى "ألا وإن حمى الله محارمه" وهي أنواع المعاصي فمن دخله بارتكاب شيء منها استحق التقوية عليه. زاد في رواية الصحيحين: ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت

(4/395)


بِمعْنَاهُ. هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وقَدْ رَوَاهُ غَيْرُ وَاحِد عن الشّعْبيّ، عنِ النّعْمانِ بنِ بَشِيرٍ.
ـــــــ
فسد الجسد كله، ألا وهي القلب. قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه البخاري ومسلم.

(4/396)


باب ماجاء في أكل الربا
...
2 ـ باب مَا جَاءَ في أَكْلِ الرّبَا
1223 ـ حدثنا قُتَيْبَةُ. حدّثنَا أبُو عَوَانَةَ عنْ سِمَاكِ بنِ حَرْبٍ، عنْ عَبْدِ الرّحْمَنِ بنِ عَبْدِ الله بنِ
مَسْعُودٍ، عنِ ابنِ مَسْعُودٍ، قالَ: لَعَنَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم آكِلَ الرّبَا وَمُوكِلَهُ وَشَاهِدَيْهِ وَكاتِبَهُ.
وفي البابِ عنْ عُمرَ وَعَلِي وجَابِرٍ وأبي جحيفة.
حدِيثُ عَبْدِ الله حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
باب مَا جَاءَ في أَكْلِ الرّبَا
قوله: "لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم آكل الربا" أي أخذه وإن لم يأكل وإنما خص بالأكل لأنه أعظم أنواع الانتفاع كما قال تعالى {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً} . "ومؤكله" بهمز ويبدل أي معطيه لمن يأخذه وإن لم يأكل منه نظراً إلى أن الأكل هو الأغلب أو الأعظم كما تقدم "وشاهديه وكاتبه" وروى مسلم هذا الحديث عن جابر وزادهم سواء قال النووي هذا تصريح بتحريم كتابة المبايعة بين المترابيين والشهادة عليهما وفيه تحريم الإعانة على الباطل انتهى. وفي رواية النسائي عن ابن مسعود: آكل الربا ومؤكله وشاهداه وكاتبه اذا علموا ذلك ملعونون على لسان محمد صلى الله عليه وسلم يوم القيامة. قوله: "وفي الباب من عمر" أخرجه ابن ماجه والدارمي "وعلي" بن أبي طالب رضي الله عنه أخرجه النسائي "وجابر رضي الله عنه" أخرجه مسلم. وفي الباب أيضاً عن أبي جحيفة أخرجه البخاري ومسلم مرفوعاً: بلفظ حرم ثمن الدم وثمن الكلب وكسب البغي ولعن الواشمة والمستوشمة وآكل الربا ومؤكله إلخ. قوله: "حديث عبد الله حديث حسن صحيح" وأخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه وأخرجه أيضاً ابن حبان والحاكم وصححاه

(4/396)


باب ماجاء في التلغيظ في الكذب والزور ونحوه
...
3 ـ باب مَا جَاءَ في التّغْلِيظِ في الْكَذِبِ وَالزّورِ وَنحْوِه
1224 ـ حدثنا مُحَمّدُ بنُ عَبْدِ الأَعْلَى الصّنْعَانِيّ. حدّثنَا خَالِدُ بنُ الْحَارِثِ، عنْ شُعْبَةَ. حدّثنَا عُبَيْدُ الله بنُ أبي بَكْرِ بنِ أنَسٍ، عنْ أنَسٍ، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم "في الْكبَائِرِ" قالَ: "الشّرْكُ بِالله وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَقَتْلُ النّفْسِ، وَقَوْلُ الزّورِ" وفي البابِ عنْ أبي بَكْرَةَ وَأَيمَنَ بنِ خُرَيْمٍ وابنِ عُمرَ.
حدِيثُ أنَسٍ، حدِيثٌ حسنٌ صحيحٌ غرِيبٌ.
ـــــــ
باب ما جاء في التغليظ في الكذب والزور ونحوه
قوله: "عن النبي صلى الله عليه وسلم في الكبائر" وفي رواية للبخاري: سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الكبائر فقال "وعقوق الوالدين" أي قطع صلتهما مأخوذ من العق وهو الشق والقطع، والمراد عقوق أحدهما قيل هو إيذاء لا يتحمل مثله من الولد عادة، وقيل عقوقهما مخالفة أمرهما فيما لم يكن معصية. وفي معناهما الأجداد والجدات "وقتل النفس" أي بغير حق "وقول الزور" أي الكذب وسمي زوراً لميلانه عن جهة الحق. ووقع في رواية للبخاري: وشهادة الزور مكان وقول الزور. قوله: "وفي الباب عن أبي بكرة" أخرجه البخاري ومسلم "وأيمن بن خريم" بضم الخاء المعجمة وفتح الراء المهملة مصغراً ابن الأخرم الأسدي أبي عطية الشامي الشاعر مختلف في صحبته. وقال العجلي تابعي ثقة وأخرج حديثه أحمد والترمذي. وأخرج أبو داود وابن ماجه عن خريم بن فاتك مرفوعاً عدلت شهادة الزور بالإشراك بالله ثلاث مرات ثم قرأ "فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور حنفاء لله غير مشركين به" رواه أبو داود وابن ماجه ورواه أحمد والترمذي عن أيمن بن خريم إلا أن ابن ماجه لم يذكر القراءة "وابن عمر رضي الله عنه" أخرجه ابن ماجه مرفوعاً بلفظ: لن تزول قدم شاهد الزور حتى يوجب الله له بالنار. قوله: "وحديث أنس حديث حسن صحيح غريب" وأخرجه البخاري ومسلم

(4/397)


باب ماجاء في التجاء وتسميةالنبي صلى الله عليه وسلم إياهم
...
4 ـ باب مَا جَاءَ في التّجّارِ وَتَسْمِيَةِ النبيّ صلى الله عليه وسلم إِيّاهُم
1225 حدثنا هَنّادٌ. حدّثنَا أَبُو بَكْرِ بنُ عَيّاشٍ، عنْ عَاصِمٍ، عنْ أبي وَائِلٍ، عنْ قَيْسِ بنِ أبي غَرَزَةَ، قالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وَنحْنُ نُسَمى السّمَاسِرَةَ. فقَالَ "يَا مَعْشَر التّجّارِ إنّ الشّيطَانَ والإثْمَ يَحْضُرَانِ الْبَيْعَ. فَشُوبُوا بَيْعَكُمْ بالصّدَقَةِ" وفي البابِ عنِ الْبَرَاءِ بنِ عَازِبٍ ورِفَاعَةَ.
حدِيثُ قَيْسِ بنِ أبي غَرَزَةَ حدِيثٌ حسنٌ صحيحٌ. رَوَاهُ مَنْصُورٌ والأعْمَشُ وحَبِيبُ بنُ أبي ثَابِتٍ وغَيْرُ وَاحِدٍ عنْ أبي وَائِلٍ، عنْ قَيْسِ بنِ أبي غَرَزَةَ. ولاَ نَعْرِفُ لِقَيْسٍ عنِ النبيّ صلى الله عليه وسلم غَيْرَ هذَا.
ـــــــ
باب ما جاء في التجار وتسمية النبي صلى الله عليه وسلم إياهم
قوله: "عن قيس بن أبي غرزة" بمعجمة وراء وزاي مفتوحات الغفاري صحابي نزل الكوفة "نحن نسمى" بصيغة المجهول أي ندعى "السماسرة" بالنصب على أنه مفعول ثان وهو بفتح السين الأولى وكسر الثانية جمع السمسار قال في النهاية: السمسار القيم بالأمر الحافظ وهو اسم للذي يدخل بين البائع والمشتري متوسطاً لإمضاء البيع والسمسرة البيع والشراء انتهى. "فقال يا معشر التجار" ولفظ أبي داود: هكذا كنا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم نسمى السماسرة فمر بنا النبي صلى الله عليه وسلم فسمانا باسم هو أحسن منه فقال: يا معشر التجار الخ. قال الخطابي: السمسار أعجمي وكان كثير ممن يعالج البيع والشراء فيهم عجماً فتلقوا هذا الإسم عنهم فغيره رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى التجارة التي هي من الأسماء العربية وذلك معنى قوله فسمانا باسم هو أحسن منه انتهى. "إن الشيطان والإثم يحضران البيع" وفي رواية أبي داود: إن البيع يحضره اللغو والحلف. "فشوبوا" أمر من الشوب بمعنى الخلط أي اخلطوا "بيعكم بالصدقة" فإنها تطفئ غضب الرب. قوله: "وفي الباب عن البراء بن عازب" أخرجه البيهقي في شعب الإيمان "ورفاعة" أخرجه الترمذي وابن ماجه والدارمي. قوله: "حديث قيس بن أبي غرزة حديث حسن صحيح" وأخرجه أبو داود

(4/398)


1226 حدثنا هَنّاد. حَدّثنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عنِ الأَعمَشِ، عن شقِيقِ بنِ سَلَمةَ، عنْ قَيْسِ بنِ أبي غَرزَةَ، عنِ النبيّ صلى الله عليه وسلم، نَحْوَهُ بِمَعْنَاهُ وهذا حديثٌ صحيحٌ.
1227 حدثنا هَنّادٌ: حَدّثنَا قَبيصَةُ حدثنا عنْ سُفْيَانَ، عنْ أبي حَمْزَةَ، عنِ الْحَسَنِ، عنْ أبي سَعِيدٍ، عنِ النبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ "التّاجِرُ الصّدُوقُ الأمِينُ، مَعَ النّبِيّينَ والصّدّيِقينَ والشّهَداءِ".
حدثنا سويد حدثنا ابن المبارك عن سفيان عن أبي حمزة بهذا الإسناد نحوه. هذا حديث حسن لا نعرفه إلا من هذا الوجه من
ـــــــ
والنسائي وابن ماجه قوله: "ولا نعرف لقيس عن النبي صلى الله عليه وسلم غير هذا" قال المنذري وقد روى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن التجار هم الفجار إلا من بر وصدق". قال فمنهم من يجعلهما حديثين انتهى. قوله: "عن أبي حمزة" اسمه عبد الله بن جابر ويقال له أبو حازم أيضاً مقبول من السادسة كذا في التقريب. وقال في الخلاصة في ترجمته: يروى عن أبي الشعساء ومجاهد وعنه الثوري وحكام بن سلم وثقه ابن حبان "عن الحسن" بن أبي الحسن البصري ثقة فقيه فاضل مشهور وكان يرسل كثيراً ويدلس قاله البزار: كان يروي عن جماعة لم يسمع منهم فيتجوز ويقول حدثنا وخطبنا يعني قومه الذين حدثوا وخطبوا بالبصرة هو رأس أهل الطبقة الثالثة مات سنة عشرة ومائة وقارب التسعين. قوله: "التاجر الصدوق الأمين الخ" أي من تحرى الصدق والأمانة كان في زمرة الأبراء من النبيين والصديقين ومن توخى خلافهما كان في قرن الفجار من الفسقة والعاصين قاله الطيبي. وقال في اللمعات كلاهما من صيغ المبالغة تنبيه على رعاية الكمال في هذين الصفتين حتى ينال هذه الدرجة الرفيعة انتهى. قوله: "هذا حديث حسن" ، وقال الحاكم من مراسيل الحسن قاله المناوي وفي الباب عن ابن عمر: بلفظ التاجر الأمين الصدوق المسلم مع الشهداء يوم القيامة. أخرجه ابن ماجه والحاكم وقال صحيح واعترض قاله المناوي. وفي الباب أيضاً عن أنس بن مالك بلفظ: التاجر الصدوق تحت ظل العرش يوم القيامة أخرجه

(4/399)


حدِيثِ الثّوْرِيّ عنْ أبي حَمْزَةَ. وأبُو حَمْزَةَ عَبْدُ الله بنُ جَابِرٍ. وهُوَ شَيْخٌ بَصْرِيّ
1228 ـ حدثنا يَحْيَى بنُ خَلَفٍ. حدّثنَا بِشْرُ بنُ المُفَضّلِ عنْ عَبْدِ الله بنِ عُثمانَ بنِ خُثَيمٍ، عنْ إسْمَاعِيلَ بنِ عُبَيْدِ بنِ رِفَاعَةَ، عنْ أبِيهِ عنْ جَدّهِ أنّهُ خَرَجَ مَعَ النبيّ صلى الله عليه وسلم إلَى المُصَلّى. فَرَأى النّاسَ يَتَبَايَعُونَ فقَالَ "يَا مَعْشَرَ التّجّارِ" فَاسْتَجَابُوا لِرَسولِ الله صلى الله عليه وسلم، ورَفَعُوا أَعْنَاقَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ إِلَيْهِ. فقَالَ "إنّ التّجّارَ يُبْعَثُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فُجّاراً. إلاّ مَنِ اتّقَى الله وَبَرّ وصَدَقَ".
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. ويُقَالُ: إسماعِيلُ بنُ عُبَيْدِ الله بنِ رِفَاعَةَ أيْضاً.
ـــــــ
الأصفهاني في ترغيبه. وعن ابن عباس بلفظ: التاجر الصدوق لا يحجب من أبواب الجنة. أخرجه ابن النجار.
قوله: "عن إسماعيل بن عبيد" بالتصغير ويقال له إسماعيل بن عبيد الله أيضاً كما صرح به الترمذي "بن رفاعة" بكسر الراء "عن أبيه" عبيد "عن جده" رفاعة وهو رفاعة بن رافع بن مالك بن العجلان أبو معاذ المدني بدري جليل له أحاديث انفرد له البخاري ثلاثة أحاديث وعنه ابناه معاذ وعبيد مات في أول خلافة معاوية قوله: "إن التجار" بضم الفوقية وتشديد الجيم جمع تاجر "يبعثون يوم القيامة فجاراً" جمع فاجر من الفجور "إلا من اتقى الله" بأن لم يرتكب كبيرة ولا صغيرة من غش وخيانة أي أحسن إلى الناس في تجارته أو قام بطاعة الله وعبادته "وصدق" أي في يمينه وسائر كلامه. قال القاضي: لما كان من ديدن التجار التدليس في المعاملات والتهالك على ترويج السلع بما تيسر لهم من الأيمان الكاذبة ونحوها حكم عليهم بالفجور، واستثنى منهم من اتقى المحارم وبر في يمينه وصدق في حديثه. وإلى هذا ذهب الشارحون وحملوا الفجور على اللغو والحلف كذا في المرقاة. قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه ابن ماجة والدارمي

(4/400)


باب ماجاء في من حلق على سلعة كاذباً
...
5 ـ باب مَا جَاءَ فِيمَنْ حَلَفَ عَلَى سِلْعَةٍ كاذِبا
1229 ـ حدثنا مَحْمُودُ بنُ غَيْلاَنَ. حدّثنَا أبُو دَاوُدَ: قال أنبأنا شُعْبَةُ قالَ: أخْبَرَني عَلِيّ بنُ مُدْرِكٍ قالَ: سَمِعْتُ أبَا زُرْعَةَ بنَ عَمْرو بنِ جَرِيرٍ، يُحَدّثُ عنْ خَرَشَةَ بنِ الْحُرّ، عنْ أَبي ذَر، عنِ النبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ: "ثَلاَثَةٌ لاَ يَنْظُرُ الله إلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلاَ يُزَكّيهمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ. قلنا: مَنْ هُمْ يَا رَسولَ الله؟ فَقَدْ خَابُوا وَخَسِرُوا. فقالَ: الْمَنّانُ، والْمسبِلُ إزَارَهُ، والْمُنْفِقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْكاذِبِ".
وفي البابِ عنِ ابنِ مَسْعُودٍ وأبي هُرَيْرَةَ وأبي أمَامَةَ بنِ ثَعْلَبَةَ وعِمْرَانَ بن حُصَيْنٍ ومَعْقِلِ بنِ يَسَارٍ.
قال أبو عيسى حَدِيثُ أبي ذَر، حدِيثٌ حسنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
باب مَا جَاءَ فِيمَنْ حَلَفَ عَلَى سِلْعَةٍ كاذِبا
قوله: "أخبرني علي بن مدرك" بضم الميم وسكون الدال وكسر الراء فاعل من الإدراك ثقة "عن خرشة" بفتحات والشين المعجمة "بن الحر" بضم المهملة الفزاري كان يتيماً في حجر عمر قال أبو داود: له صحبة. وقال العجلي: ثقة من كبار التابعين. فيكون من الثانية كذا في التقريب. قوله: "لا ينظر الله إليهم" أي نظر رحمة "ولا يزكيهم" أي لا يطهرهم من الذنوب "فقد خابوا" أي حرموا من الخير "المنان" وفي رواية والمنان الذي لا يعطى شيئاً إلا منة بفتح الميم وتشديد النون أي إلا من به على من أعطاه "والمسبل إزاره" أي عن كعبيه كبراً واختيالاً "والمنفق" بالتشديد والتخفيف أي المروج "بالحلف" بكسر اللام وبسكونها قوله: "وفي الباب عن ابن مسعود" أخرجه الحاكم وقال صحيح على شرطهما كذا في الترغيب "وأبي هريرة" أخرجه الشيخان "وأبي أمامة بن ثعلبة" أخرجه مسلم والنسائي وابن ماجه "وعمران بن حصين" ، أخرجه أبو داود "ومعقل بن يسار" أخرجه أحمد. قوله: "حديث أبي ذر حديث حسن صحيح" وأخرجه مسلم

(4/401)


باب ماجاء في التبكير بالتجارة
...
6 ـ باب مَا جَاءَ في التّبْكِيرِ بِالتّجَارَة
1230 ـ حدثنا يَعْقُوبُ بنُ إبْرَاهِيمَ الدّوْرَقِيّ. حَدّثنَا هُشَيْمٌ. حَدّثَنا يَعْلَى بنُ عَطَاءٍ عنْ عُمَارَةَ بنِ جدِيدٍ، عنْ صَخْرٍ الْغَامِدِيّ قالَ: قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم "الّلهُمّ بَارِكْ لأمّتِي في بُكُورِهَا". قالَ: وكانَ إذَا بَعَثَ سَرِيّةً أوْ جَيْشاً، بَعَثَهُمْ أوّلَ النّهَارِ. وكانَ صَخْرٌ رَجُلاً تَاجِراً. وكانَ إذَا بَعَثَ تِجَارَةً بَعَثَهُمْ أوّلَ النّهَارِ، فَأَثْرَى وكَثُرَ مَالُهُ.
وفي البابِ عَنْ عَلِي وابنِ مَسْعُودٍ وبُرَيْدَةَ وأنَسٍ وابنِ عُمَرَ وابنِ عَبّاسٍ
ـــــــ
باب ما جاء في التبكير بالتجارة
التبكير من البكور قال في الصراح "بكور بكاه برخاستن وبامداد كردن وبإمداء رفتن يقال بكرت وابكرت وبكرت وباكرت وابتكرت كله بمعنى انتهى.
قوله: "حدثنا يعقوب بن إبراهيم الدورقي" بفتح مهملة وسكون واو وفتح راء وبقاف ثقة من العاشرة "حدثنا هشيم" هو هشيم بن بشير السلمي أبو معاوية قال يعقوب الدورقي: كان عند هشيم عشرون ألف حديث. وقال العجلي: ثقة يدلس وقال ابن سعد: ثقة حجة إذا قال أنبأنا "عن عمارة" بضم العين المهملة "بن حديد" بفتح الحاء المهملة وكسر الدال الأولى، وثقة ابن حبان وقال أبو حاتم مجهول. قوله: "اللهم بارك لأمتي في بكورها" أي أول نهارها. والإضافة لأدنى مناسبة كذا في المرقاة "قال وكان" أي رسول الله صلى الله عليه وسلم "إذا بعث سرية أو جيشاً" قال في النهاية: السرية طائفة من الجيش يبلغ أقصاها أربعمائة تبعث إلى العدو جمعها السرايا انتهى. "فأثرى" أي صار ذا ثروة بسبب مراعاة السنة. وإجابة هذا الدعاء منه صلى الله عليه وسلم كذا في اللمعات "وكثر ماله" عطف تفسير. قوله: "وفي الباب عن علي وبريدة الخ" قال الحافظ الذهبي في تذكرة الحفاظ في ترجمة عمارة بن حديد بعد ذكر حديث الباب من طريقه ما لفظه: وفي الباب عن أنس بإسناد تالف. وعن بريدة من طريق أوس بن عبد الله وهو لين وعن ابن عباس من وجهين لم يصحا انتهى. وأما حديث ابن عمر فأخرجه ابن ماجه بلفظ: اللهم بارك لأمتي في بكورها. وفي الباب عن أبي هريرة بلفظ:

(4/402)


وَجَابِرٍ. قال أبو عيسى حَدِيثُ صَخْرٍ الْغَامِدِيّ حديثٌ حسنٌ. وَلاَ نَعْرِفُ لِصَخْر الْغَامِدِيّ، عنِ النبيّ صلى الله عليه وسلم غَيْرَ هَذا الْحَدِيثِ. وقَدْ رَوَى سُفْيَانُ الثّوْرِيّ، عنْ شعْبَةَ، عنْ يَعْلَى بنِ عَطَاءٍ، هذَا الْحَدِيثَ.
ـــــــ
اللهم بارك لأمتي في بكورها يوم الخيمس. أخرجه ابن ماجه. وفي الباب عن جماعة من الصحابة رضي الله عنهم كما ستقف. قوله: "حديث صخر الغامدي حديث حسن" وأخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه وابن حبان في صحيحه. قال الذهبي في تذكرة الحفاظ بعد ذكر هذا الحديث: صخر لا يعرف إلا في هذا الواحد، ولا قيل إنه صحابي إلا به، ولا نقل ذلك إلا عمارة. وعمارة مجهول كما قال الرازيان ولا يفرح بذكر ابن حبان له بين الثقات فإن قاعدته معروفة من الاحتجاج بمن لا يعرف، تفرد بهذا الحديث عنه يعلى بن عطاء. قال ابن القطان: أما قوله حسن فخطأ انتهى. كلام الذهبي. قلت الأمر كما قال الحافظ الذهبي، قال المنذري في الترغيب. بعد ذكر هذا الحديث رووه كلهم عن عمارة بن حديد عن صخر، وعمارة بن حديد بجلى سئل عنه أبو حاتم الرازي. فقال مجهول: وسئل عنه أبو زرعة: فقال لا يعرف. وقال أبو عمر النمري: صخر بن وداعة الغامدي ـ وغامد في الأزد ـ سكن الطائف وهو معدود في أهل الحجاز روى عنه عمارة بن حديد وهو مجهول، لم يرو عنه غير يعلى الطائفي، ولا أعرف لصخر غير حديث: بورك لأمتي في بكورها. وهو لفظ رواه جماعة عن النبي صلى الله عليه وسلم انتهى كلامه. قال المنذري وهو كما قال أبو عمر: قد رواه جماعة من الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم منهم علي وابن عباس وابن مسعود وابن عمر وأبو هريرة وأنس بن مالك وعبد الله بن سلام والنواس بن سمعان وعمران بن حصين وجابر بن عبد الله وبعض أسانيده جيد ونبيط بن شريط. وزاد في حديثه: يوم خميسها. وبريدة وأوس بن عبد الله وعائشة وغيرهم من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين وفي كثير من أسانيدها مقال، وبعضها حسن وقد جمعتها في جزء وبسطت الكلام عليها. وروى عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "باكروا للغدو في طلب الرزق فإن الغدو بركة ونجاح". رواه البزار والطبراني في الأوسط، وروي عن عثمان رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "نوم الصبحة يمنع الرزق". رواه أحمد والبيهقي وغيرهما. وأوردهما ابن عدي في الكامل وهو ظاهر النكارة. وروي عن فاطمة بنت محمد ورضي الله عنها قالت: مر بي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا مضطجعة متصبحة فحركني برجله ثم قال: "يا بنية قومي اشهدي رزق ربك ولا تكوني من الغافلين، فإن الله يقسم أرزاق الناس ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس". رواه البيهقي ورواه أيضاً عن علي قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على فاطمة بعد أن صلى الصبح وهي نائمة فذكره بمعناه. وروى ابن ماجه من حديث علي قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن النوم قبل طلوع الشمس انتهى ما في الترغيب.

(4/403)


باب ماجاء في الرخصة في الشراء إلى أجل
...
7 ـ باب مَا جَاءَ في الرّخْصَةِ في الشّرَاءِ إلَى أجَل
1231 ـ حدثنا أَبُو حَفْص عمرُ بنُ عَلِي. أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بنُ زُرَيْعٍ. أخبرنا عُمَارَةُ بنُ أبي حَفْصَةَ. أخبرنا عِكْرِمَةُ عنْ عَائِشَةَ، قالَتْ: كانَ عَلَى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ثَوْبَيْنِ قِطْرِيّانِ غَلِيظَانِ. فَكانَ إذَا قَعَدَ فَعَرِقَ، ثَقُلاَ عَلَيْهِ. فَقَدِمَ بَزّ مِنَ الشّامِ لِفُلاَنٍ الْيَهُودِيّ. فَقلت: لَوْ بَعثْتَ إِلَيْهِ فَاشْتَرَيْتَ مِنْهُ ثَوْبَيْنِ إلَى الْمَيْسَرَةِ. فأَرْسَلَ إلَيْهِ فقَالَ: قَدْ عَلِمْتُ مَا يُرِيدُ. إنّمَا يُرِيدُ أنْ يذْهَبَ بِمَالِي، أوْ بِدَرَاهِمي. فقَالَ رسولُ الله
ـــــــ
باب ما جاء في الرخصة في الشراء إلى أجل
وبوب الإمام البخاري في صحيحه بلفظ: باب شراء النبي صلى الله عليه وسلم بالنسيئة قال ابن بطال: الشراء بالنسيئة جائز بالإجماع. قال الحافظ في الفتح: لعل المصنف يعني البخاري تخيل أن أحداً يتخيل أنه صلى الله عليه وسلم لا يشتري بالنسيئة فأراد دفع ذلك التخيل انتهى
قوله: "ثوبين قطريين" كذا في بعض النسخ وفي بعضها: ثوبان قطريان، وهو القياس. قال في النهاية: قطري بكسر القاف ضرب من البرود فيه حمرة وله أعلام وفيه بعض خشونة "فقدم بز" هو ضرب من الثياب "إلى الميسرة" أي مؤجلا إلى وقت اليسر "قد علمت ما يريد"

(4/404)


صلى الله عليه وسلم "كَذَبَ. قَدْ عَلِمَ أنّي مِنْ أتْقَاهُمْ لله وآدّاهُمْ لِلأمَانَةِ".
وفي البابِ عنِ ابنِ عبّاسٍ وأنَسٍ وأسْمَاءَ بنت يَزِيدَ. حدِيثُ عَائِشَةَ حدِيثٌ حسنٌ صحيحٌ غريب. وَقَدْ رَوَاهُ شُعْبَةُ أيْضاً عنْ عُمَارَةَ بنِ أبي حَفْصَةَ. سَمِعتُ مُحَمّدَ بنَ فِرَاسٍ الْبَصْرِيّ يَقُولُ: سمِعتُ أَبَا دَاوُدَ الطّيَالِسِي يَقُولُ: سُئِلَ شُعْبَةُ يَوْماً عنْ هَذَا الْحَديِثِ فقَالَ: لَسْتُ أُحَدّثُكُمْ حَتّى تَقُومُوا إِلَى حَرَمِيّ بنِ عُمَارَةَ، فتُقَبّلُوا رَأْسَهُ. قالَ: وَحَرَمِيّ في الْقَوْمِ.
1232 ـ حدثنا مُحَمّدُ بنُ بَشّارٍ. حَدّثَنا ابنُ أبي عَدِي و عُثْمانُ بنُ أبي عُمَرَ عنْ هِشَامِ بنِ حَسّانَ، عنْ عِكْرِمَةَ، عنِ ابنِ عَبّاسٍ قالَ: "تُوُفّيَ النبيّ صلى الله عليه وسلم وَدِرْعُهُ مَرْهُونَةٌ بِعِشْرِينَ صَاعاً مِنْ طَعَامٍ، أخَذَهُ لأهْلِهِ". هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
1233 ـ حدثنا مُحَمّدُ بنُ بَشّارٍ. حَدّثنَا ابنُ أبي عَدِي عنْ هِشَامٍ الدّسْتَوَائِيّ، عنْ قَتَادَةَ، عنْ أَنَسٍ ح قالَ مُحَمّدُ بن هشام، وحدثنا معاذ بن هشام قال: حَدّثَنَا أَبي عن قتَادَةَ عَن أَنَسٍ. قالَ "مَشَيْتُ إلَى النبيّ صلى الله عليه وسلم بِخُبْزِ شَعِيرٍ وَإهَالَةٍ سَنِخَةٍ. وَلَقَدْ رُهِنَ لَهُ دِرعٌ عند يَهُودِي
ـــــــ
ما استفهامية علق العلم أو موصولة، والعلم بمعنى العرفان "وآداهم" قال في المجمع بمد ألف أي أحسنهم وفاء انتهى. قوله: "وفي الباب عن ابن عباس" أخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجة "وأنس" أخرجه البخاري وغيره وأخرجه الترمذي أيضاً "وأسماء ابنة يزيد" لينظر من أخرج حديثها قوله: "حتى تقوموا إلى حرمي بن عمارة" بن أبي حفصة وحرمي بفتح الحاء والراء المهملتين وبشدة التحتانية، وإنما قال شعبة للقوم لتقببل رأسه لإعزازه وإكرامه لأنه هو ابن عمارة بن أبي حفصة الذي روى شعبة هذا الحديث عنه. قوله: "ودرعه مرهونة" الواو للحال قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وقال صاحب الاقتراح: هو على

(4/405)


بِعِشْرينَ صَاعاً مِنْ طعَامٍ أَخَذَهُ لأهْلِهِ. ولقَدْ سَمِعْتُهُ ذَاتَ يَوْمٍ يَقُولُ: مَا أَمْسَى في آلِ مُحَمّدٍ صلى الله عليه وسلم صَاعُ تَمْر وَلاَ صَاعُ حَب. وإنّ عِنْدَهُ يَوْمَئِذٍ لَتِسْع نِسْوَةٍ". هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
شرط البخاري كذا في النيل. "قال محمد" هو ابن بشار "مشيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بخبز شعير" قال الحافظ في الفتح: وقع لأحمد من طريق شيبان عن قتادة عن أنس: لقد وعى النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم على خبز شعير وإهالة سنخة فكأن اليهودي دعا النبي صلى الله عليه وسلم على لسان أنس فلهذا قال: مشيت إليه بخلاف ما يقتضيه ظاهره أنه أحضر ذلك إليه انتهى. "فإهالة" قال في القاموس: الإهالة الشحم أو ما أذيب منه أو الزيت وكل ما أئتدم به "سنخة" بفتح السين المهملة وكسر النون، المتغيرة الريح "مع يهودي وفي بعض النسخ عند يهودي، قال العلماء: والحكمة في عدوله صلى الله عليه وسلم عن معاملة مياسير الصحابة إلى معاملة اليهود إما بيان الجواز أو لأنهم لم يكن عندهم إذ ذاك طعام فاضل عن حاجتهم، أو خشي أنهم لا يأخذون منه ثمناً أو عوضاً، والله تعالى أعلم "بعشرين صاعاً" وفي رواية للشيخين: بثلاثين صاعاً من شعير. ولعله رهنه أول الأمر في عشرين ثم استزاده عشرة. فرواه الراوي تارة على ما كان الرهن عليه أولاً، وتارة على ما كان عليه آخراً. وقال في الفتح: لعله كان دون الثلاثين فجبر الكسر تارة وألقى الجبر أخرى انتهى. "ولقد سمعته ذات يوم يقول" قال الحافظ في الفتح: هو كلام أنس والضمير في سمعته للنبي صلى الله عليه وسلم. أي قال ذلك لما رهن الدرع عند اليهودي مظهراً للسبب في شرائه إلى أجل، وذهل من زعم أنه كلام قتادة وجعل الضمير في سمعته لأنس لأنه إخراج للسياق عن ظاهره بغير دليل انتهى. "وإن عنده يومئذ لتسع نسوة" قال الحافظ مناسبة ذكر أنس لهذا القدر مع ما قبله الإشارة إلى سبب قوله صلى الله عليه وسلم هذا وأنه لم يقله متضجراً ولا شاكياً معاذ الله من ذلك، وإنما قاله معتذراً عن إجابة دعوة اليهودي ولرهنه عنده درعه انتهى. قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه البخاري وغيره

(4/406)


باب ماجاء في كتابة الشروط
...
8 ـ باب مَا جَاءَ في كِتَابَةِ الشُرُوط
1234 ـ حدثنا مُحَمّدُ بنُ بَشّار. أخبرنا عَبّادُ بنُ لَيْثٍ صَاحِبُ الكَرَابِيسِي البصري. أخبرنا عَبْد المَجِيدِ بنُ وَهْبٍ قالَ: قالَ لِي العَدّاءُ بنُ خَالِدِ بنِ هَوْذَةَ: ألاَ أُقْرِئُكَ كِتَاباً كَتَبَهُ لِي رسولُ الله صلى الله عليه وسلم؟ قالَ قلت: بَلَى. فَأَخْرَجَ لِي كِتَاباً "هذَا ما اشْتَرَى العَدّاءُ بنُ خَالِدِ بنِ هَوْذَةَ مِنْ مُحَمّدٍ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم. اشْتَرَى مِنْهُ عَبْداً أوْ أمَةً. لاَ دَاءَ وَلاَ غَائِلَةَ وَلاَ خِبْثَةَ، بَيْعَ المُسْلِم المُسْلمَ" .
قال أبو عيسى هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ.
ـــــــ
باب مَا جَاءَ في كِتَابَةِ الشُرُوط
قوله "أخبرنا عباد بن ليث" أبو الحسن البصري صدوق يخطئ من التاسعة "صاحب الكرابيس" ويقال له الكرابيسي أيضاً، والكرابيس جمع كرباس بالكسر ثوب من القطن الأبيض معرب فارسيته بالفتح غيروه لعزة1 فعلال. والنسبة كرابيسي كأنه شبه بالأنصاري وإلا فالقياس كرباسي كذا في القاموس "قال لي العداء" بفتح العين المهملة وتشديد الدال المهملة أيضاً وآخره همزة بوزن الفعال، صحابي قليل الحديث أسلم بعد حنين "بن هوذه" بفتح الهاء وسكون الواو هو ابن ربيعة بن عمرو بن عامر بن صعصعة. قوله: "لاداء" قال المطرزي المراد به الباطن سواء ظهر منه شيء أم لا كوجع الكبد والسعال. وقال ابن المنير: لاداء أي يكتمه البائع وإلا فلو كان بالعبد داء وبينه البائع كان من بيع المسلم للمسلم، ومحصله أنه لم يرد بقوله: لاداء. نفي الداء مطلقاً بل نفي داء مخصوص وهو ما لم يطلع عليه "ولا غائله" قيل: المراد بها الإباق. وقال ابن بطال: هو من قولهم اغتالني فلان إذا احتال بحيلة سلب بها مالي. "ولا خبثة" بكسر الخاء المعجمة وبضمها وسكون الموحدة وبعدها مثلثة قيل: المراد الأخلاق الخبيثة كالإباق. وقال صاحب العين: هي الدنية. وقيل: المراد الحرام. كما عبر عن الحلال بالطيب. وقيل الداء ما كان في الخلق بفتح الخاء، والخبثة ما كان في الخلق بضمها. والغائلة سكوت البائع عن بيان ما يعلم من مكروه في المبيع. قاله ابن العربي كذا في النيل. "بيع المسلم المسلم" المسلم الأول بالجر فاعل
ـــــــ
1 هكذا وردت يالأصل . ولعلها مصحفة عن كلمة "بوزن" (المصحح) .

(4/407)


لاَ نَعْرِفُهُ إلاّ مِنْ حدِيثِ عَبّادِ بنِ لَيْثٍ. وَقَدْ رَوَى عَنْهُ هذَا الحدِيثَ غيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أهْلِ الحَديثِ.
ـــــــ
والثاني بالنصب مفعول. والمعنى أن هذا بيع المسلم المسلم ليس فيه شيء مما ذكر من الداء والغائلة والخبثة. قوله: "هذا حديث حسن غريب" وأخرجه النسائي وابن ماجه وابن الجارود وعلقه البخاري.

(4/408)


باب ماجاء في المكيال والميزان
...
9 ـ باب مَا جَاءَ في الْمِكْيَالِ والْمِيزَان
1235 ـ حدثنا سَعِيدُ بنُ يَعْقُوبَ الطّالَقَانِيّ. حدّثنَا خَالِدُ بنُ عَبْدِ الله الوَاسِطِيّ عنْ حُسَيْنِ بنِ
قَيْسٍ، عنْ عِكْرِمَةَ، عنِ ابنِ عَبّاسٍ، قالَ: قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم لأصْحَابِ الكَيْلِ والمِيزَانِ "إنّكُمْ قَدْ وُلّيْتُمْ أَمْرَيْنِ، هَلَكَتْ فِيهِ الأُمَمُ السّالِفَةُ قَبْلَكُمْ". هذا حديثٌ لاَ نَعْرِفهُ مَرْفُوعاً إلاّ مِنْ حدِيثِ حُسَيْنِ بنِ قَيْسٍ. وحُسَيْنُ بنُ قَيسٍ يُضَعّفُ في الحَدِيثِ. وقَدْ رُوِيَ هذَا بِإسْنَادٍ صَحِيحٍ عنِ ابنِ عَبّاسٍ موقوفاً.
ـــــــ
باب مَا جَاءَ في الْمِكْيَالِ والْمِيزَان
قوله "إنكم قد وليتم" بضم الواو وتشديد اللام المكسورة "أمرين" أي جعلتم حكاماً في أمرين أي الوزن والكيل. وإنما قال أمر بن أبهمة ونكره ليدل على التفخيم، ومن ثم قيل في حقهم: ويل للمطففين "هلكت فيه" كذا في نسخ الترمذي. وفي المشكاة فيهما وهو الظاهر "الأمم السالفة قبلكم" كقوم شعيب على نبينا وعليه الصلاة والسلام كانوا يأخذون من الناس تاما. وإذا أعطوهم أعطوهم ناقصاً. قوله: "وحسين بن قيس يضعف في الحديث" في التقريب: حسين بن قيس الرجي أبو علي الواسطي لقبه حنش متروك من السادسة. "وقد روي هذا بإسناد صحيح موقوفاً عن ابن عباس" قال المنذري في الترغيب بعد ذكر حديث الباب: رواه الترمذي والحاكم كلاهما من طريق حسين بن قيس عن عكرمة عنه أي عن ابن عباس وقال الحاكم صحيح الإسناد. قال الحافظ المنذري: كيف وحسين بن قيس متروك، والصحيح عن ابن عباس موقوف. كذا قاله الترمذي وغيره انتهى.

(4/408)


باب ماجاء في بيع من يزيد
...
10ـ باب مَا جَاءَ في بَيْعِ مَنْ يزِيد
1236 ـ حدثنا حُمَيْدُ بنُ مَسْعَدَةَ. حدثنا عُبَيْدُ الله بنُ شمَيْطِ بنِ عَجْلاَنَ. حدّثنَا الأخْضَرُ بنُ عَجْلاَنَ عنْ عَبْدِ الله الحَنَفِيّ، عنْ أنسٍ بنِ مَالِكٍ، أنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم بَاعَ حِلْساً وقَدَحاً. وقالَ "مَنْ يشْترِي هَذَا الحِلْسَ والقدَحَ"؟ فقَالَ رَجُلٌ: أَخَذْتُهُمَا بِدِرْهَمٍ. فقالَ النبيّ صلى الله عليه وسلم "مَنْ يزِيدُ عَلَى دِرْهَمٍ؟ مَنْ يَزِيدُ عَلَى دِرْهَمٍ؟" فَأَعْطَاهُ رَجُلٌ دِرْهَمَيْنِ. فَبَاعَهُمَا مِنْهُ. هذا حديثٌ حسنٌ لاَ نَعْرِفهُ إلاّ مِنْ حَدِيثِ الأخْضَرِ بنِ عَجْلاَنَ. وعَبْدُ الله الحَنَفِيّ الّذِي رَوَى عنْ أنَسٍ، هُوَ أبُو بَكْرٍ الحَنَفِيّ. والعَملُ عَلَى هذَا عِنْدَ بَعْضِ أهْلِ العِلمِ. لَمْ يَرَوْا بَأْساً بِبَيْعِ مَنْ يَزِيدُ في الْغَنَائِمِ والْمَوَارِيثِ وقَدْ رَوَى هذا
ـــــــ
باب مَا جَاءَ في بَيْعِ مَنْ يزِيد
قوله: "باع حلساً" بكسر الحاء المهملة وسكون اللام، كساء يوضع على ظهر البعير تحت القتب لا يفارقه. والحلس البساط أيضاً. ومنه: كن حلس بيتك حتى تأتيك يد خاطئة أو ميتة قاضية "وقدحا" بفتحتين أي أراد بيعهما وقضيته أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم صدقة. فقال له: هل لك شيء؟ فقال: ليس لي إلا حلس وقدح. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بعهما وكل ثمنهما ثم إذا لم يكن لك شيء فسل الصدقة". فباعهما. كذا في المرقاة "من يزيد على درهم الخ" ، فيه جواز الزيادة على الثمن إذا لم يرض البائع بما عين الطالب. قال النووي رحمه الله: هذا ليس بسوم لأن السوم هو أن يقف الراغب والبائع على البيع ولم يعقداه، فيقول الاَخر للبائع أنا أشتريه. وهذا حرام بعد استقرار الثمن. وأما السوم بالسلعة التي تباع لمن يزيد فليس بحرام. قوله: "هذا حديث حسن" وأعله ابن القطان بجهل حال أبي بكر الحنفي. ونقل عن البخاري أنه قال: لا يصح حديثه كذا في التلخيص. والحديث رواه أحمد وأبو داود مطولاً ورواه أبو داود أيضاً والترمذي والنسائي مختصراً قاله الحافظ.

(4/409)


الحديث. الْمُعْتَمِرُ بنُ سُلَيْمانَ، وغَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ كبار الناس عنِ الأخْضَرِ بنِ عَجْلاَنَ
ـــــــ
قوله: "والعمل على هذا عند بعض أهل العلم لم يروا بأساً ببيع من يزيد في الغنائم والمواريث" حكى البخاري عن عطاء أنه قال: أدركت الناس لا يرون بأساً في بيع المغانم في من يزيد. ووصله ابن أبي شيبة عن عطاء ومجاهد وروى هو وسعيد بن منصور عن مجاهد قال: لا بأس ببيع من يزيد. وكذلك كانت تباع الأخماس. قال ابن العربي لا معنى لاختصاص الجواز بالغنيمة والميراث فإن الباب واحد والمعنى مشترك انتهى. قال الحافظ: وكان الترمذي يقيد بما ورد في حديث ابن عمر الذي أخرجه ابن خزيمة وابن الجارود والدارقطني من طريق زيد بن أسلم عن ابن عمر نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبيع أحدكم على بيع أحد حتى يذر. إلا الغنائم والمواريث. وكأنه خرج على الغالب فيما يعتاد فيه البيع مزايدة وهي الغنائم والمواريث ويلتحق بهما غيرهما للإشتراك في الحكم، وقد أخذ بظاهره الأوزاعي وإسحاق فخصا الجواز ببيع المغانم والمواريث. وعن إبراهيم النخعي أنه كره بيع من يزيد انتهى. وقال العيني في عمدة القاري: أما البيع والشراء فيمن يزيد فلا بأس فيه في الزيادة على زيادة أخيه. وذلك لما رواه الترمذي من حديث أنس ثم ذكر العيني حديث الباب ثم قال وهو قول مالك والشافعي وجمهور أهل العلم. وكره بعض أهل العلم الزيادة على زيادة أخيه ولم يروا صحة هذا الحديث وضعفه الأزدي بالأخضر بن عجلان في سنده. وحجة الجمهور على تقدير عدم الثبوت أنه لو ساوم وأراد شراء سلعته وأعطى فيها ثمناً لم يرض به صاحب السلعة. ولم يركن إليه ليبيعه فإنه يجوز لغيره طلب شراؤها قطعاً. ولا يقول أحد إنه يحرم السوم بعد ذلك قطعاً كالخطبة على خطبة أخيه إذا رد الخاطب الأول لأنه لا فرق بين الموضعين. وذكر الترمذي عن بعض أهل العلم جواز ذلك يعني بيع من يزيد في الغنائم والمواريث. قال العيني روى الدارقطني من رواية ابن لهيعة قال حدثنا عبيد الله بن جعفر عن زيد بن أسلم عن ابن عمر قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع المزايدة ولا بيع أحدكم على بيع أخيه إلا الغنائم والمواريث. ثم رواه من طريقين آخرين: أحدهما عن الواقدي مثله وقال شيخنا يعني الحافظ زين الدين العراقي
رحمه الله: والظاهر أن الحديث خرج على الغالب وعلى ما كانوا يعتادون فيه مؤايدة وهي الغنائم والمواريث، فإنه وقع البيع في غيرهما مزايدة. فالمعنى واحد كما قاله ابن العربي. انتهى. كلام العيني، قلت من كره بيع من يزيد لعله تمسك بما رواه البزار من حديث سفيان بن وهب سمعت النبي صلى الله عليه وسلم ينهى عن بيع المزايدة لكنه حديث ضعيف فإن في إسناده ابن لهيعة وهو ضعيف.

(4/410)


باب ماجاء في بيع المدبر
...
11ـ باب مَا جَاء في بَيعِ المُدَبّر
1237 ـ حدثنا ابنُ أَبي عُمَرَ. حدّثَنَا سُفْيَانُ بنُ عُيَيْنَةَ عنْ عَمْرو بنِ دِينَارٍ، عنْ جَابِرٍ أنّ رَجُلاً مِنَ الأنْصَارِ دَبّرَ غُلاَماً لَهُ. فمَاتَ ولَمْ يَتْرُكْ مَالاً غَيْرَهُ. فَبَاعَهُ النبيّ صلى الله عليه وسلم. فاشْترَاهُ نَعيمُ بنُ عبد الله بن النحّامِ قالَ جَابِرٌ: عَبْداً قِبْطيّاً مَاتَ عَامَ الأوّل، في إمَارَةِ ابنِ الزّبَيْرِ.
ـــــــ
باب ما جاء في بيع المدبر
اسم مفعول من التدبير وهو تعليق العتق بالموت. قوله: "أن رجلاً من الأنصار" في مسلم أنه أبو مذكور الأنصاري والغلام اسمه يعقوب. ولفظ أبي داود: أن رجلاً يقال له أبو مذكور أعتق غلاماً يقال له يعقوب "دبر غلاماً له" بأن قال: أنت حر بعد موتي "فمات ولم يترك مالاً غيره" قال العيني في عمدة القاري: هذا مما نسب به سفيان بن عيينة إلى الخطأ أعني قوله فمات ولم يكن سيده مات كما هو مصرح به في الأحاديث الصحيحة. وقد بين الشافعي خطأ ابن عيينة فيها بعد أن رواه عنه. وقال البيهقي من طريق شريك عن سلمة بن كهيل عن عطاء وأبي الزبير عن جابر: أن رجلاً مات وترك مدبراً وديناً ثم قال البيهقي: وقد اجمعوا على خطأ شريك في ذلك. وقال شيخنا يعني الحافظ العراقي: وقد رواه الأوزاعي وحسين المعلم وعبد المجيد بن سهيل كلهم عن عطاء، لم يذكر أحد منهم هذه اللفظة بل صرحوا بخلافها انتهى. "فاشتراه نعيم" بضم النون مصغراً ابن النحام بفتح النون وتشديد الحاء المهملة "قال جابر عبداً قبطياً" أي كان ذلك الغلام عبداً قبطياً وهو يعقوب القبطي "مات" أي ذلك الغلام "عام الأول

(4/411)


هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ و رُوِيَ مِنْ غَيْرِ وجْهٍ عنْ جَابِرِ بنِ عبدِ الله. والعَمَلُ عَلَى هذَا الحَديثِ عِنْدَ بعْضِ أهْلِ العِلْمِ منْ أَصْحَابِ النبيّ صلى الله عليه وسلم وغَيْرِهِمْ لَمْ يَرَوْا بِبَيْعِ المُدَبّرِ بأساً وهُوَ قَوْلُ الشّافِعِيّ وأحْمَدَ وإسْحَاقَ. وَكَرهَ قَوْمٌ مِنْ أهْلِ العِلْمِ منْ أصْحَابِ النبيّ صلى الله عليه وسلم وغَيْرِهِمْ بيْعَ المُدَبّرِ. وهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثّوْرِيّ وَمَالِكٍ والأوْزَاعِيّ.
ـــــــ
في إمارة ابن الزيبر" أي في العام الأول من إمارة ابن الزبير. قوله: "هذا حديث حسن صحيح" أخرجه الجماعة قوله: "لم يروا بأسابيع المدبر وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق" قال الشوكاني في النيل: والحديث يدل على جواز بيع المدبر مطلقاً من غير تقييد بالفسق والضرورة. وإليه ذهب الشافعي وأهل الحديث ونقله البيهقي في المعرفة عن أكثر الفقهاء وحكى النووي عن الجمهور أنه لا يجوز بيع المدبر مطلقاً. والحديث يرد عليهم انتهى .

(4/412)


باب ماجاء في كراهية تلقي البيوع
...
12ـ باب ما جَاء في كَرَاهِيَةِ تلَقّي البُيُوع
1238 ـ حدثنا هَنّادٌ. حدّثنَا ابنُ المُبَارَكِ. أخبرنا سُلَيْمانُ التّيْمِي عنْ أَبي عُثمانَ، عنِ ابنِ مَسْعُودٍ، عنِ النبيّ صلى الله عليه وسلم أَنّهُ نَهَى عنْ تَلَقّى البُيُوعِ. وفي البابِ عنْ عَلِي وابنِ عَبّاسٍ وأبي هُرَيْرَةَ وأبي سَعِيدٍ وابنِ عُمَرَ ورَجُلٍ منْ أَصْحَابِ النبيّ صلى الله عليه وسلم.
ـــــــ
باب ما جاء في كراهية تلقي البيوع
أي المبيعات وأصحابها قال في مجمع البحار هو أن يستقبل المصري البدوي قبل وصوله إلى البلد ويخبره بكساد ما معه كذباً ليشتري منه سلعته بالوكس وأقل من الثمن انتهى . قوله: "أنه نهى عن تلقي البيوع" فيه دليل على أن التلقي محرم. وقد ذهب إلى الأخذ بظاهر الحديث الجمهور فقالوا: لا يجوز تلقي البيوع والركبان، وحكى ابن المنذر عن أبي حنيفة أنه أجاز التلقي. وتعقبه الحافظ بأن الذي في كتب الحنفية أنه يكره التلقي في حالتين: أن يضر بأهل البلد وأن يلبس السعر على الواردين انتهى. قوله: "وفي الباب عن علي وابن عباس وأبي هريرة وأبي سعيد وابن عمر ورجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم" أما حديث

(4/412)


1239 ـ حدثنا سَلَمَةُ بنُ شَبِيبٍ. حدّثَنا عبدُ الله بنُ جَعْفَرٍ الرّقّيّ حدّثَنا عُبَيْدُ الله بنُ عَمْرو عنْ أيّوبَ، عنْ مُحَمّدِ بنِ سِيرينَ، عنْ أبي هُرَيْرَةَ أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم نَهَى أنْ يُتَلَقّى الجَلبُ. فإن تلقَاهُ إنْسَانٌ فابْتَاعهُ، فَصَاحِبُ السّلْعَةِ فيهَا بِالخِيارِ. إذَا وَرَدَ السّوقَ.
هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ منْ حدِيثِ أَيّوبَ. وَحدِيثُ ابنِ مَسْعُودٍ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وَقَدْ كَرِهَ قَوْمٌ مِنْ أهْلِ العِلْمِ تَلَقّى البُيُوعِ. وهُوَ ضَرْبٌ مِنْ الخَدِيعَةِ. وهُوَ قَوْلُ الشّافِعِيّ وغَيْرِهِ مِنْ أصْحَابِنَا.
ـــــــ
علي فلينظر من أخرجه. وأما حديث ابن عباس فأخرجه الشيخان. وأما حديث أبي هريرة فأخرجه الجماعة. وأما حديث أبي سعيد فلينظر من أخرجه. وأما حديث ابن عمر فأخرجه الشيخان. وأما حديث رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فلم أقف عليه.
قوله: "نهى أن يتلقى" بصيغة المجهول "الجلب" بفتح اللام مصدر بمعنى اسم المفعول أي المجلوب، يقال جلب الشيء جاء به من بلد إلى بلد للتجارة "فإن تلقاه" أي الجلب "إنسان فابتاعه" أي اشتراه "فصاحب السلعة بالخيار إذا ورد السوق" قال صاحب المنتقى: فيه دليل على صحة البيع انتهى. واختلفوا: هل يثبت له الخيار مطلقاً أو بشرط أن يقع له في البيع غبن؟ ذهبت الحنابلة إلى الأول وهو الأصح عند الشافعية: وهو الظاهر. وظاهره أن النهي لأجل منفعة البائع وإزالة الضرر عنه وصيانته ممن يخدعه. قال ابن المنذر: وحمله مالك على نفع أهل السوق لا على نفع رب السلعة وإلى ذلك جنح الكوفيون والأوزاعي، قال: والحديث حجة للشافعي. أنه أثبت الخيار للبائع لا لأهل السوق انتهى. وقد احتج مالك ومن معه بما وقع في رواية من النهي عن تلقي السلع حتى تهبط الأسواق، وهذا لا يكون دليلاً لمدعاهم لأنه يمكن أن يكون ذلك يخدع. ولا مانع من أن يقال العلة في النهي مراعاة نفع البائع ونفع أهل السوق انتهى ما في النيل. قوله: "هذا حديث حسن غريب الخ" أخرجه الجماعة إلا البخاري "وحديث ابن مسعود حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان قوله: "وقد كره قوم من أهل العلم تلقي البيوع الخ" وهو الحق عندي والله تعالى أعلم .

(4/413)


باب ماجاء لا يبيع حاضر لباد
...
13 ـ باب مَا جَاء لاَ يبِيعُ حَاضِر لِبَاد
1240 ـ حدثنا قُتَيْبَةُ و أحْمَدُ بنُ مَنِيعٍ قالاَو حدّثنا سُفْيَانُ بنُ عُيَيْنَةَ عنِ الزُهْرِيّ، عنْ سَعِيدِ بنِ المُسَيّبِ، عنْ أبي هُرَيْرَةَ قالَ: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم. وقالَ قُتَيْبَةُ يَبْلُغُ بِهِ النبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ "لاَ يَبِيعُ حَاضِرٌ لِبَادٍ".
قال وفي البابِ عنْ طَلْحَةَ وجابر وأنَسٍ وابنِ عَبّاسٍ
ـــــــ
باب مَا جَاء لاَ يبِيعُ حَاضِر لِبَاد
قوله: "لا يبيع حاضر لباد" الحاضر ساكن الحضر والبادي ساكن البادية: قال في القاموس: الحضر والحاضرة والحضارة وتفتح خلاف البادية والحضارة الإقامة في الحضر. ثم قال والحاضر خلاف البادي وقال في البدو والبادية والباداة والبداوة خلاف الحضر، وتبدى أقام بها وتبادى تشبه بأهلها. والنسبة بداوي وبدوي وبدا القوم خرجوا إلى البادية. انتهى. قال النووي: هذه الأحاديث تتضمن تحريم بيع الحاضر للبادي، وبه قال الشافعي والأكثرون قال أصحابنا: والمراد به أن يقدم غريب من البادية أو من بلد آخر بمتاع تعم الحاجة إليه ليبيعه بسعر يومه فيقول له البلدي اتركه عندي لأبيعه على التدريج بأغلى. قال أصحابنا وإنما يحرم بهذه الشروط، وبشرط أن يكون عالماً بالنهي. فلو لم يعلم النهي وكان المتاع مما لا يحتاج في البلد أو لا يؤثر فيه لقلة ذلك المجلوب لم يحرم ولو خالف وباع الحاضر للبادي صح البيع مع التحريم. هذا مذهبنا وبه قال جماعة من المالكية وغيرهم: وقال بعض المالكية: بفسخ البيع ما لم يفت. وقال عطاء ومجاهد وأبو حنيفة: يجوز بيع الحاضر للبادي مطلقاً لحديث: الدين النصيحة. قالوا: وحديث النهي عن بيع حاضر لباد منسوخ. وقال بعضهم إنه على كراهة التنزيه بمجرد الدعوى. انتهى كلام النووي. وقال في سبل السلام: وكل هذه القيود لا يدل عليها الحديث بل استنبطوها من تعليلهم للحديث بعلل متصيدة من الحكم. قال ودعوى النسخ غير صحيحة لافتقاره إلى معرفة التاريخ. وحديث النصيحة مشروط فيه، أنه إذا استنصح أحدكم اخاه فلينصح له فإذا استنصحه نصحه بالقول لأنه يتولى له البيع. قوله: "وفي الباب عن طلحة" أخرجه أبو داود "وأنس" أخرجه الشيخان "وجابر" أخرجه مسلم "وابن عباس" أخرجه

(4/414)


وَحَكِيمِ بنِ أبي يَزِيدَ، عنْ أبيهِ، وعَمْرِو بن عَوْفٍ المُزَنِيّ جَدّ كَثِيرِ بنِ عَبْدِ الله وَرَجُلٍ مِنْ أصْحَابِ النبيّ صلى الله عليه وسلم.
1241 ـ حدثنا نَصْر بنُ عَلِيَ و أحْمَدُ بنُ مَنيعٍ قالاَ: حدّثنَا سُفْيَانُ بنُ عُيَيْنَةَ عنْ أبي الزّبَيْرِ، عنْ جَابِرٍ قالَ: قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم "لاَ يَبِيعُ حَاضِرٌ لِبَادٍ. دَعُوا النّاسَ، يَرْزُقُ الله بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْض". حدِيثُ أبي هُرَيْرَةَ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وحدِيثُ جَابِرٍ في هذا، هُوَ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ أيْضاً. وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا الحَدِيثِ عِنْدَ بَعْضِ أهْلِ العِلْمِ مِنْ أصْحَابِ النبيّ صلى الله عليه وسلم وغَيْرِهِمْ. كرِهُوا أنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ. وَرَخّصَ بَعْضُهُمْ في أنْ يَشْتَرِي حَاضِرٌ لِبَادٍ. وقالَ الشّافِعِيّ: يُكْرَهُ أنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ، وَإنْ بَاعَ فالْبَيْعُ جَائِزٌ.
ـــــــ
الشيخان "وحكيم بن أبي يزيد عن أبيه" أخرجه أحمد وذكره الحافظ في الفتح وسكت عنه. وأما حديث عمرو بن عوف، وحديث رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فلم أقف عليهما. قوله: "وهو الناس" أي اتركوهم ليبيعوا متاعهم رخيصاً "يرزق الله بعضهم من بعض" بكسر القاف عل أنه مجزوم في جواب الأمر وبضمها على أنه مرفوع. قوله: "حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان "حديث جابر في هذا هو حديث حسن صحيح" وأخرجه مسلم. قوله: "ورخص بعضهم في أن يشتري حاضر لباد" قال العيني: وقد اختلف العلماء في شراء الحاضر للبادي فكرهت طائفة كما كرهوا البيع له واحتجوا بأن البيع في اللغة يقع على الشراء كما يقع الشراء على البيع كقوله تعالى {وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ} أي باعوه وهو من الأضداد، وروي ذلك عن أنس. وأجازت طائفة الشراء لهم، وقالوا: إن النهي إنما جاء في البيع خاصة ولم يعدوا ظاهر اللفظ. وروي ذلك عن الحسن البصري رحمه الله واختلف قول مالك في ذلك فمرة قال: لا يشتري له ولا يشتري عليه. ومرة أجاز الشراء له وبهذا قال الليث والشافعي. وقال الكرماني قال إبراهيم: والعرب تطلق البيع على الشراء. ثم قال الكرماني: هذا صحيح على مذهب من جوز استعمال اللفظ المشترك في معنييه، اللهم إلا أن يقال البيع والشراء ضدان فلا يصح إرادتهما معاً فإن قلت فما توجيهه؟ قلت: وجهه أن يحمل على عموم المجاز انتهى. قال العيني. قول إبراهيم المذكور ليس مبنياً على أنه مشترك. واستعمل في معنييه بل هما من الأضداد انتهى كلام العيني

(4/415)


باب ماجاء في النهي عن الحافلة والمزابنة
...
14 ـ باب مَا جَاء في النّهْيِ عن المُحَاقَلَةِ والمُزَابَنَة
1242 ـ حدثنا قُتَيْبَةُ. حدّثَنا يَعْقُوبُ بنُ عَبْدِ الرحمَنِ الإسكندراني عنْ سُهَيْلِ بنِ أبي صَالِحٍ، عنْ أبيهِ،
عنْ أبي هُرَيْرَةَ قالَ: نَهَى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عَن المُحَاقَلَةِ والمُزَابَنَةِ.
قال وفي البابِ عنِ ابنِ عُمرَ وابنِ عَبّاسٍ وَزَيْدِ بن ثابت وسَعْدٍ وجَابِرٍ ورَافِعِ بنِ خَدِيجٍ وأبي سَعيدٍ.
حدِيثُ أبي هُرَيْرَةَ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
باب ما جاء في النهي عن المحاقلة والمزابنة
يأتي تفسيرهما عن الترمذي قوله: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المحاقلة والمزابنة" قد جاء تفسير المحاقلة والمزابنة في الحديث وهو المعتمد. روى البخاري ومسلم عن ابن عمر قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المزابنة أن يبيع نمر حائطة إن كان نخلاً بتمر كيلاً. وإن كان كرماً أن يبيعه بزبيب كيلاً. وعند مسلم: وإن كان زرعاً أن يبيعه بكيل طعام. نهى عن ذلك كله، وفي رواية لهما: نهى عن المزابنة. قال: "والمزابنة أن يباع ما في رؤوس النخل بتمر بكيل مسمى إن زاد فلى، وإن نقص فعلى". وعن جابر قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المخابرة والمحاقلة والمزابنة والمحاقلة أن يبيع الرجل الزرع بمائة فرق حنطة. الحديث رواه مسلم كذا في المشكاة. قوله: "وفي الباب عن ابن عمر وابن عباس وزيد بن ثابت وسعد وجابر ورافع بن خديج وأبي سعيد" أما حديث ابن عمر وجابر فقد تقدم آنفاً. وأما حديث ابن عباس فأخرجه البخاري. وأما حديث زيد بن ثابت فلينظر من أخرجه. وأما حديث سعد فأخرجه الترمذي في هذا الباب. وأما حديث رافع بن خديح فلينظر من أخرجه وأما حديث أبي سعيد فأخرجه الشيخان. قوله: "حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح"

(4/416)


والمُحَاقَلَةُ بَيْعُ الزّرْعِ بِالحنْطَةِ. والمُزَابَنَةُ بَيْعُ الثّمَرِ عَلَى رُؤُوسِ النخْلِ بالتّمْرِ. والعَمَلُ عَلَى هذَا عِنْدَ أكثر أهْل العِلْمِ. كَرِهُوا بيْعَ المُحَاقَلَةِ والمُزَابَنَةِ.
1243 ـ حدثنا قُتَيْبَةُ. حدّثنا مَالِكُ بنُ أَنَسٍ، عنْ عبدِ الله بنِ يَزِيدَ أَنّ زَيْداً أبَا عَيّاشٍ، سَأَلَ سَعْداً عنِ البَيْضَاءِ بالسّلْتِ. فقَالَ
ـــــــ
وأخرجه مسلم. قوله: "والمحاقلة بيع الزرع بالحنطة" قال الجزري في النهاية: المحاقلة مختلف فيها قيل هي اكتراء الأرض بالحنطة. هكذا جاء مفسراً في الحديث وهو الذي يسميه الزراعون بالمحارثة. وقيل هي المزارعة على نصيب معلوم كالثلث والربع ونحوهما وقيل هي بيع الطعام في سنبلة بالبر. وقيل بيع الزرع قبل إدراكه. وإنما نهى عنها لأنها من المكيل ولا يجوز فيه إذا كانا من جنس واحد إلا مثلاً بمثل، ويداً بيد. وهذا مجهول لا يدري أيهما أكثر. وفيه النسيئة انتهى. "والمزابنة بيع الثمر على رؤوس النخل بالتمر" قال الجزري في النهاية: المحاقلة مفاعلة من الحقل وهو الزرع إذا تشعب قبل أن يغلظ سوقه. وقيل هو من الحقل وهي الأرض التي تزرع ويسميه أهل العراق القراح انتهى. قوله: "أن زيداً أبا عياش" قال الحافظ في التقريب: زيد ابن عياش بالتحتانية أبو عياش المدني صدوق من الثالثة "سأل سعداً" هو ابن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه "عن البيضاء بالسلت" وفي رواية الموطإ للإمام محمد عمن اشترى البيضاء بالسلت. والبيضاء هو الشعير كما في رواية، ووهم وكيع فقال عن مالك الذرة ولم يقله غيره. والعرب تطلب البيضاء على الشعير والسمراء على البر. كذا قال ابن عبد البر والسلت بضم السين وسكون اللام ضرب من الشعير لا قشر له يكون في الحجاز. قاله الجوهري كذا في التعليق الممجد. قال الجزرى في النهاية: البيضاء الحنطة وهي السمراء أيضاً، وقد تكرر ذكرها في البيع والزكاة وغيرهما وإنما كره ذلك لأنهما عنده جنس واحد وخالفه غيره انتهى. وقال السلت ضرب من الشعير أبيض لا قشر له. وقيل هو نوع من الحنطة. والأول أصح لأن البيضاء الحنطة انتهى. وقال في حاشية موطإ الإمام مالك: البيضاء نوع من البر أبيض وفيه رخاوة تكون ببلاد مصر والسلت

(4/417)


أَيّهُمَا أَفْضَلُ؟ قالَ: البَيْضَاءُ. فَنَهَى عنْ ذَلِكَ. وقالَ سَعْدٌ: سَمِعْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يُسْأَلُ عنِ اشْتِرَاءِ التّمْرِ بالرّطبِ. فقالَ لِمَنْ حَوْلهُ "أيَنْقُصُ الرّطَبُ إذَا يَبِسَ؟" قَالُوا نَعَمْ، فَنَهَى عنْ ذلِكَ.
ـــــــ
نوع من الشعير لا قشر له تكون في الحجاز وحكى الخطابي عن بعضهم أنه قال البيضاء هو الرطب من السلت. والأول أعرف إلا أن هذا القول أليق بمعنى الحديث، وعليه يدل موضع التشبيه من الرطب بالتمر. ولو اختلف الجنس لم يصح التشبيه وفي الغريبين: السلت هو حب الحنطة، والشعير لا قشر له انتهى. وفي القاموس: البيضاء هو الحنطة والرطب من السلت انتهى. "فنهى عن ذلك" فيه تأمل فتأمل وتفكر "أينقص الرطب إذا يبس" بهمزة الاستفهام فنهى عن ذلك قال الإمام محمد في موطإه بعد رواية هذا الحديث: وبهذا نأخذ لا خير في أن يشتري الرجل قفيز رطب بقفيز من تمر يداً بيد. لأن الرطب ينقص إذا جف فيصير أقل من قفيز فلذلك فسد البيع فيه انتهى. وبه قال أحمد والشافعي ومالك وغيرهم وقالوا لا يجوز بيع التمر بالرطب لا متفاضلاً ولا متماثلاً يداً بيد كان أو نسيئة. وأما التمر بالتمر والرطب بالرطب فيجوز ذلك متماثلاً لا متفاضلاً يداً بيد لا نسيئة، وفيه خلاف أبي حنيفة حيث جوز بيع التمر بالرطب متماثلاً إذا كان يداً بيد لأن الرطب تمر وبيع التمر بالتمر جائز متماثلاً من غير اعتبار الجودة والرداءة. وقد حكى عنه أنه لما دخل بغداد سألوه عن هذا وكانوا أشداء عليه لمخالفته الخبر. فقال: الرطب إما أن يكون تمراً أو لم يكن تمراً، فإن كان تمراً جاز لقوله صلى الله عليه وسلم التمر بالتمر مثلا بمثل، وإن لم يكن تمراً جاز لحديث: إذا اختلف النوعان فبيعوا كيف شئتم. فأوردوا عليه الحديث فقال: مداره على زيد بن عياش، وهو مجهول، أو قال ممن لا يقبل حديثه. واستحسن أهل الحديث هذا الطعن منه حتى قال ابن المبارك: كيف يقال إن أبا حنيفة لا يعرف الحديث وهو يقول زيد ممن لا يقبل حديثه؟ قال ابن الهمام في الفتح رد ترديده بأن ههنا قسماً ثالثاً، وهو أنه من جنس التمر ولا يجوز بيعه بالاَخر كالحنطة المقلية بغير المقلية لعدم تسوية الكيل بهما، فكذا الرطب والتمر لا يسويهما الكيل، وإنما يسوي في حال اعتدال البدلين

(4/418)


حدثنا هنادٌ. حدّثنَا وكِيعٌ عن مَالِكٍ، عنْ عبدِ الله بنِ يَزِيدَ عنْ زَيْدٍ أبي عَيّاشٍ قالَ. سَأَلْنَا سَعْداً، فَذَكَرَ نَحْوَهُ. هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. والعَمَلُ عَلَى هذَا عِنْدَ أهْلِ العِلْمِ. وهُوَ قَوْلُ الشّافِعِيّ وأصْحَابِنَا.
ـــــــ
وهو أن يجف الاَخر وأبو حنيفة يمنعه ويعتبر التساوي حال العقد. وعروض النقص بعد ذلك لا يمنع من المساواة في الحال إذا كان موحيه أمراً خلقياً وهو زيادة الرطوبة بخلاف المقلية بغيرها فإنه في الحال يحكم لعدم التساوي لاكتناز أحدهما وتخلخل الاَخر. ورد طعنه في زيد بأنه ثقة كما مر وقد يجاب أيضاً بأنه على تقدير صحته السند، فالمراد النهي نسيئة. فإنه ثبت في حديث أبي عياش هذا زيادة نسيئة. أخرجه أبو داود عن يحيى بن أبي كثير عن عبد الله بن يزيد أن أبا عياش أخبره أنه سمع سعداً يقول: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الرطب بالتمر نسيئة، وأخرجه الحاكم والطحاوي في شرح معاني الآثار. ورواه الدارقطني وقال اجتماع هؤلاء الأربعة يعني مالكاً وإسماعيل ابن أمية والضحاك بن عثمان وآخر على خلاف ما رواه يحيى بن أبي كثير يدل على ضبطهم للحديث وأنت تعلم أن بعد صحة هذه الرواية يجب قبولها لأن المذهب المختار عند المحدثين هو قبول الزيادة وإن لم يروها الأكثر إلا في زيادة تفرد بها بعض الحاضرين في المجلس فإن مثله مردود كما كتبناه في تحرير الأصول، وما نحن فيه لم يثبت أنه زيادة في مجلس واحد لكن يبقى قوله في تلك الرواية الصحيحة: أينقص الرطب إذا جف عرياً عن الفائدة إذا كان النهي عنه للنسيئة انتهى كلام ابن الهمام. وهذا غاية التوجيه في المقام مع ما فيه من الإشارة إلى ما فيه. وللطحاوي كلام من شرح معاني الآثار مبني على ترجيح رواية النسيئة، وهو خلاف جمهور المحدثين وخلاف سياق الرواية أيضاً، ولعل الحق لا يتجاوز عن قولهما وقول الجمهور كذا في التعليق الممجد. قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه مالك في الموطإ وأصحاب السنن. وقد أعل أبو حنيفة هذا الحديث من أجل زيد بن عياش وقال مداره على زيد بن عياش وهو مجهول وكذا قال ابن حزم، وتعقبوهما بأن الحديث صحيح وزيد ليس بمجهول، قال الزرقاني: زيد كنيته أبو عياش واسم أبيه عياش المدني تابعي صدوق نقل عن
مالك أنه مولى سعد بن أبي وقاص وقيل إنه مولى بني مخزوم. وفي تهذيب التهذيب: زيد بن عياش أبو عياش الزرقي ويقال المخزومي روى عن سعد وعنه عبد الله بن يزيد وعمران بن أنيس ذكره ابن حبان في الثقات، وصحح الترمذي وابن خزيمة وابن حبان حديثه المذكور. وقال الدارقطني: ثقة. وقال الحاكم في المستدرك هذا حديث صحيح لإجماع أئمة النقل على إمامة مالك. وأنه محكم في كل ما يرويه إذا لم يوجد في روايته إلا الصحيح خصوصاً في رواية أهل المدينة. والشيخان لم يخرجاه لما خشيا من جهالة زيد انتهى. وفي فتح القدير شرح الهداية قال صاحب التنقيح: زيد بن عياش أبو عياش الزرقي المدني ليس به بأس ومشائخنا ذكروا عن أبي حنيفة بأنه مجهول، ورد طعنه بأنه ثقة. وروى عنه مالك في الموطإ وهو لا يروي عن مجهول. وقال المنذري كيف يكون مجهولاً وقد روى عنه ثقتان عبد الله بن يزيد وعمران بن أبي أنيس وهما مما احتج بهما مسلم في صحيحه وقد عرفه أئمة هذا الشأن وأخرج حديثه مالك مع شدة تحريه في الرجال. وقال ابن الجوزي في التحقيق قال أبو حنيفة: إنه مجهول فإن كان هو لم يعرفه فقد عرفه أئمة النقل انتهى. وفي غاية البيان شرح الهداية نقلوا تضعيفه عن أبي حنيفة. ولكن لم يصح ضعفه في كتب الحديث، فمن أدعى فعليه البيان انتهى. وفي البناية للعيني عنه قول صاحب الهداية: زيد بن عياش ضعيف عند النقلة هذا ليس بصحيح بل هو ثقة عند النقلة انتهى كذا في التعليق الممجد. قوله: "والعمل على هذا عند أهل العلم وهو قول الشافعي وأصحابنا" وهو الحق والصواب وقد عرفت قول الإمام أبي حنيفة وما فيه من الكلام .

(4/419)


باب ماجاء في كراهية بيع الثمرة قبل أن يبدو صلاحها
...
15 ـ باب مَا جَاء في كَرَاهِيَةِ بيْعِ الثّمرَةِ حتى يَبْدُوَ صَلاحها
1244 ـ حدثنا أحْمَدُ بنُ مَنِيعٍ. حدّثنَا إسْمَاعِيلُ بنُ إبْراهِيمَ، عنْ أَيُوبَ، عنْ نَافِعٍ، عنِ ابنِ عُمَرَ أنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم نَهَى عنْ بَيْعِ النّخْلِ حَتّى يَزهُوَ.
ـــــــ
باب مَا جَاء في كَرَاهِيَةِ بيْعِ الثّمرَةِ حتى يَبْدُوَ صَلاحها
قوله: "حتى يزهو" يقال زها النخل يزهو إذا ظهرت ثمرته، وأزهى يزهي إذا أحمر أو أصفر وقيل هما بمعنى الاحمرار والاصفرار. منهم من أنكر يزهو.

(4/420)


1245 ـ وبِهذا الإسْنَادِ أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم نَهَى عنْ بَيْعِ السّنْبُلِ حَتّى يَبْيَضّ وَيَأْمَنَ العَاهَةَ. نَهَى البائِعَ والْمشْتَرِي.
وفي البابِ عنْ أَنَسٍ، وعَائِشَةَ، وأبي هريرة، وابنِ عَبّاسٍ، وَجَابِرٍ وأبي سَعِيدٍ وَزَيدِ بنِ ثَابِتٍ. حديثُ ابنِ عُمَر حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. والعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أهْلِ العِلْمِ مِنْ أصْحَابِ النبيّ صلى الله عليه وسلم وَغَيْرِهِمْ. كَرِهُوا بَيعَ الثّمَارِ قَبْل أنْ يَبْدُوَ صَلاَحُهَا. وهُوَ قَوْلُ الشّافِعِيّ وَأحْمَدَ وَإسْحَاقَ.
ـــــــ
ومنهم من أنكر يزهي. وفي صحيح البخاري في حديث أنس: قلنا لأنس ما زهوها؟ قال تحمر أو تصفر. وقال الزيلعي في نصب الراية يستعمل زها وأزهى ثلاثياً ورباعياً قال في الصحاح: يقال زهى النخل يزهو إذا بدت فيه الحمرة أو الصفرة. وأزهى لغة حكاها أبو زيد ولم يعرفها الأصمعي ووقع رباعياً في الصحيح وثلاثياً عند مسلم كلاهما من حديث أنس انتهى كلام الزيلعي.
"حتى يبيض" أي يشتد حبه "ويأمن العاهة" أي الاَفة. والجملة من باب عطف التفسير. قوله: "وفي الباب عن أنس" أخرجه البخاري ومسلم "وعائشة" أخرجه الدارقطني في العلل بلفظ: نهى عن بيع الثمار حتى تنجو من العاهة كذا في التلخيص "وأبي هريرة" أخرجه أحمد ومسلم والنسائي وابن ماجه "وابن عباس" أخرجه الدارقطني بلفظ: نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يباع ثمر حتى يطعم الحديث "وجابر" أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود أبي "سعيد" لينظر من أخرجه "وزيد بن ثابت" أخرجه أبو داود وذكره البخاري تعليقاً قوله: "حديث ابن عمر حديث حسن صحيح" . أخرجه الجماعة إلا البخاري وابن ماجه. قوله: "والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم كرهوا بيع الثمار قبل بدو صلاحها. وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق" كذا قال الترمذي وقال الحافظ في الفتح: قد اختلف في ذلك على أقوال. فقيل: يبطل مطلقاً. وهو قول ابن أبي ليلى والثوري، ووهم من نقل الإجماع على البطلان. وقيل: يجوز مطلقاً ولو شرط التبقية. وهو قول يزيد بن أبي حبيب، ووهم من نقل الأجماع فيه أيضاً. وقيل: إن شرط القطع لم يبطل

(4/421)


1246 ـ حدثنا الحَسنُ بنُ عَلِي الخَلاّلُ. حدّثنَا الوَلِيدِ وَ عَفّانُ وَ سُلَيْمانُ بنُ حَرْبٍ، قالُوا: حدّثنا حَمّادُ بنُ سَلَمَةَ عنْ حُمَيْدٍ، عنْ أنَسٍ، "أنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم نَهَى عنْ بَيْعِ العِنَبِ حَتّى يَسْودّ، وعَنْ بَيْعِ الحَبّ حَتّى يَشْتَدّ". هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ، لاَ نَعْرِفهُ مَرْفُوعاً إلاّ مِنْ حديثِ حَمّادِ بنِ سَلَمَةَ.
ـــــــ
وإلا بطل. وهو قول الشافعي وأحمد والجمهور ورواية عن مالك. وقيل: يصح إن لم يشترط التبقية، والنهي فيه محمول على بيع الثمار قبل أن توجد أصلاً، وهو قول أكثر الحنفية. وقيل هو على ظاهره لكن النهي فيه للتنزيه انتهى ما في الفتح. وقال الشوكاني في النيل: اعلم أن ظاهر أحاديث الباب وغيرها المنع من بيع الثمر قبل الصلاح، وإن وقوعه في تلك الحالة باطل كما هو مقتضى النهي. ومن ادعى أن مجرد شرط القطع يصحح البيع قبل الصلاح فهو محتاج إلى دليل يصلح لتقييد أحاديث النهي، ودعوى الإجماع على ذلك لا صحة لها كما عرفت من أن أهل القول الأول يقولون بالبطلان مطلقاً. وقد عول المجوزون مع شرط القطع في الجواز على علل مستنبطة فجعلوها مقيدة للنهي وذلك مما لا يفيد من لم يسمح بمفارقة النصوص لمجرد خيالات عارضة وشبه واهية تنهار بأيسر تشكيك. فالحق ما قاله الأولون من عدم الجواز مطلقاً. وظاهر النصوص أيضاً أن البيع بعد ظهور الصلاح صحيح سواء شرط البقاء أو لم يشرط لأن الشارع قد جعل النهي ممتداً إلى غاية بدو الصلاح: وما بعد الغاية مخالف لما قبلها. ومن ادعى أن شرط البقاء مفسد فعليه الدليل ولا ينفعه في المقام ما ورد من النهي عن بيع وشرط لأنه يلزمه في تجويزه للبيع قبل الصلاح مع شرط القطع وهو بيع وشرط. وأيضاً ليس كل شرط في البيع منهياً عنه فإن اشتراط جابر بعد بيعه للجمل أن يكون له ظهره إلى المدينة قد صححه الشارع، وهو شبيه بالشرط الذي نحن بصدده انتهى كلام الشوكاني. قوله: "حتى يسود" بتشديد الدال أي يبدو صلاحه زاد مالك في الموطإ: فإنه إذا اسود ينجو عن العاهة "حتى يشتد" اشتداد الحب قوته وصلابته قوله: "هذا حديث حسن غريب" وأخرجه أبو داود وابن ماجه وسكت عنه أبو داود وأقر المنذري تحسين الترمذي

(4/422)


باب ماجاء في النهي عن بيع حبل الحبلة
...
16 ـ باب مَا جَاءَ في بَيع حَبلِ الْحَبَلَة
1247 ـ حدثنا قُتَيْبَةُ. حَدّثَنَا حَمّادُ بنُ زَيْدٍ، عنْ أَيّوبَ، عنْ نَافِعٍ، عنْ ابنِ عُمَرَ "أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم نَهَى عنْ بَيْع حَبَلِ الْحَبَلَةِ". وفي البابِ عنْ عَبْدِ الله بنِ عَبّاسٍ وَأَبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ. حدِيثُ ابنِ عُمَرَ حديث حسنٌ صحيحٌ. وَالْعَمَلُ عَلَى هذَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلم. وَحَبَلُ الْحَبَلَةِ نِتَاجُ النّتَاج. وَهُوَ بَيعٌ مَفْسُوخٌ عَنْدَ أهْلِ الْعِلْمِ.
ـــــــ
باب ما جاء في بيع حبل الحبلة
بفتح المهملة والموحدة وقيل في الأول بسكون الموحدة، وغلط عياض وهو مصدر حبلت تحبل حبلاً. والحبلة جمع حابل مثل ظلمة وظالم ويجيء تفسير حبل الحبلة من الترمذي . قوله: "نهى عن بيع حبل الحبلة" كذا روى الترمذي الحديث بدون التفسير. ورواه البخاري ومسلم مع التفسير هكذا: نهى عن بيع حبل الحبلة وكان بيعاً يتبايعه أهل الجاهلية. كان الرجل يبتاع الجزور إلى أن تنتج الناقة ثم تنتج التي في بطنها. وأخرج البخاري في صحيحه في أيام الجاهلية من طريق عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال: كان أهل الجاهلية يتبايعون لحم الجزور إلى حبل الحبلة. وحبل الحبلة، أن تنتج الناقة ما في بطنها ثم تحمل التي نتجت فنهاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك. فظاهر هذا السياق أن هذا التفسير من كلام ابن عمر ولهذا جزم ابن عبد البر بأنه من تفسير ابن عمر كذا في الفتح. قوله: "وفي الباب عن عبد الله بن عباس" أخرجه الطبراني في معجمه ذكره الزيلعي "وأبي سعيد الخدري" أخرجه ابن ماجه. قوله: "حديث ابن عمر حديث حسن صحيح" وأخرجه البخاري ومسلم، قوله: "وحبل الحبلة نتاج النتاج" أي أولاد الأولاد، اعلم أن الحبل الحبلة تفسيرين مشهورين: أحدهما ـ ما قال به مالك والشافعي وجماعة وهو أن يبيع بثمن إلى أن يلد ولد الناقة، وقال بعضهم: أن يبيع بثمن إلى أن تحمل الدابة وتلد ويحمل ولدها. وبه جزم أبو إسحاق في التنبيه فلم يشترط وضع حبل الولد وعلة النهي على هذا التفسير الجهالة في الأجل.

(4/423)


وَهُوَ مِنْ بُيُوعِ الْغَرَرِ. وَقَدْ رَوَى شُعْبَةُ هذَا الْحَدِيثَ عنْ أيّوبَ، عَنْ سَعِيدِ بن جُبَيْرٍ، عنِ ابنِ عَبّاسٍ. وَرَوَى عَبْدُ الْوَهّابِ الثّقَفِيّ وغَيْرُهُ عَنْ أيّوبَ، عَنْ سَعِيدٍ بنِ جُبَيْرٍ وَنَافِعٍ، عَنِ ابنِ عُمَرَ، عَنِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم، وهَذَا أصَحّ.
ـــــــ
وثانيهما ـ ما قال به أبو عبيدة وأبو عبيد وأحمد وإسحاق وابن حبيب المالكي وأكثر أهل اللغة وبه جزم الترمذي، هو بيع ولد نتاج الدابة. وعلة النهي على هذا التفسير أنه بيع معدوم ومجهول وغير مقدور على تسليمه فيدخل في بيوع الغرر. قال الحافظ: ورجح الأول لكونه موافقاً للحديث وإن كان كلام أهل اللغة موافقاً للثاني. وقال ابن التين: محصل الخلاف هل المراد البيع إلى أجل أو بيع الجنين؟ وعلى الأول هل المراد بالأجل ولادة الأم أو ولادة ولدها. وعلى الثاني هل المراد بيع الجنين الأول أو بيع الجنين؟ فصارت أربعة أقوال انتهى. وقال النووي: التفسير الثاني أقرب إلى اللغة، لكن الراوي وهو ابن عمر قد فسره بالتفسير الأول وهو أعرف. ومذهب الشافعي ومحقق الأصوليين أن تفسير الراوي مقدم إذا لم يخالف الظاهر انتهى. "وهو بيع مفسوخ" أي ممنوع ومنهى عنه "وهو من بيوع الغرر" هذا على تفسير الترمذي. وأما على تفسير غير الترمذي فعلة النهي جهالة الثمن .

(4/424)


باب ماجاء في كراهية بيع الغرر
...
وَهُوَ مِنْ بُيُوعِ الْغَرَرِ. وَقَدْ رَوَى شُعْبَةُ هذَا الْحَدِيثَ عنْ أيّوبَ، عَنْ سَعِيدِ بن جُبَيْرٍ، عنِ ابنِ عَبّاسٍ. وَرَوَى عَبْدُ الْوَهّابِ الثّقَفِيّ وغَيْرُهُ عَنْ أيّوبَ، عَنْ سَعِيدٍ بنِ جُبَيْرٍ وَنَافِعٍ، عَنِ ابنِ عُمَرَ، عَنِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم، وهَذَا أصَحّ.
ـــــــ
وثانيهما ـ ما قال به أبو عبيدة وأبو عبيد وأحمد وإسحاق وابن حبيب المالكي وأكثر أهل اللغة وبه جزم الترمذي، هو بيع ولد نتاج الدابة. وعلة النهي على هذا التفسير أنه بيع معدوم ومجهول وغير مقدور على تسليمه فيدخل في بيوع الغرر. قال الحافظ: ورجح الأول لكونه موافقاً للحديث وإن كان كلام أهل اللغة موافقاً للثاني. وقال ابن التين: محصل الخلاف هل المراد البيع إلى أجل أو بيع الجنين؟ وعلى الأول هل المراد بالأجل ولادة الأم أو ولادة ولدها. وعلى الثاني هل المراد بيع الجنين الأول أو بيع الجنين؟ فصارت أربعة أقوال انتهى. وقال النووي: التفسير الثاني أقرب إلى اللغة، لكن الراوي وهو ابن عمر قد فسره بالتفسير الأول وهو أعرف. ومذهب الشافعي ومحقق الأصوليين أن تفسير الراوي مقدم إذا لم يخالف الظاهر انتهى. "وهو بيع مفسوخ" أي ممنوع ومنهى عنه "وهو من بيوع الغرر" هذا على تفسير الترمذي. وأما على تفسير غير الترمذي فعلة النهي جهالة الثمن .

(4/424)


نَهَى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ وَبَيْعِ الْحَصَاةِ. وفي البابِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَابنِ عَبّاسٍ وَأَبِي سَعِيدٍ وَأَنَسٍ. حَدِيثُ أبي هُرَيْرَةَ
ـــــــ
"نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الغرر" قال النووي: النهي عن بيع الغرر أصل عظيم من أصول كتاب البيوع، ويدخل فيه مسائل كثيرة غير منحصرة كبيع الاَبق والمعدوم والمجهول وما لا يقدر على تسليمه وما لم يتم ملك البائع عليه، وبيع السمك في الماء الكثير، واللبن في الضرع، وبيع الحمل في البطن، وبيع بعض الصبرة مبهما، وبيع ثوب من أثواب. وشاة من شياه، ونظائر ذلك. وكل هذا بيع باطل لأنه غرر من غير حاجة. وقد يحتمل بعض الغرر بيعاً إذا دعت إليه حاجة، كالجهل بأساس الدار وكما إذا باع الشاة الحامل والتي في ضرعها لبن فإنه يصح البيع لأن الأساس تابع للظاهر من الدار. ولأن الحاجة تدعو إليه فإنه لا يمكن رؤيته. وكذا القول في حمل الشاة ولبنها، وكذلك أجمع المسلمون على جواز أشياء فيها غرر حقير. منها أنهم أجمعوا على صحة بيع الجبة المحشوة وإن لم ير حشوها ولو بيع حشوها بانفراده لم يجز، وأجمعوا على جواز إجارة الدار والدابة والثوب ونحو ذلك شهراً مع أن الشهر قد يكون ثلاثين يوماً وقد يكون تسعة وعشرين. وأجمعوا على جواز دخول الحمام بالأجرة مع اختلاف الناس في استعمالهم الماء وفي قدر مكثهم قال العلماء: مدار البطلان بسبب الغرر والصحة مع وجوده على ما ذكرناه وهو أنه إن دعت حاجة إلى ارتكاب الغرر ولا يمكن الاحتراز عنه إلا بمشقة، وكان الغرر حقير أجاز البيع وإلا فلا. واعلم أن بيع الملامسة وبيع المنابذة وبيع حبل الحبلة وبيع الحصاة وعسب الفحل وأشباهها من البيوع التي جاء فيها نصوص خاصة هي داخلة في النهي عن بيع الغرر، ولكن أفردت بالذكر ونهى عنها لكونها من بياعات الجاهلية المشهورة انتهى كلام النووي. "وبيع الحصاة" فيه ثلاث تأويلات: أحدها: أن يقول بعتك من هذه الأثواب ما وقعت عليه الحصاة التي أرميها. أو بعتك من هذه الأرض من هنا إلى ما انتهت إليه الحصاة. والثاني: أن يقول بعتك على أنك بالخيار إلى أن أرمي بهذه الحصاة. والثالث: أن يجعلا نفس الرمي بالحصاة بيعاً فيقول إذا رميت هذا الثوب بالحصاة فهو مبيع منك بكذا، قاله النووي. قوله: "وفي الباب عن ابن عمر وابن عباس وأبي سعيد وأنس" أما حديث ابن

(4/425)


حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وَالْعَمَلُ عَلَى هذَا الْحَدِيثِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلمِ. كَرِهُوا بَيْعَ الْغَرَرِ. قَالَ الشّافِعِيّ: وَمِنْ بَيْعِ الْغَرَرِ بَيْعُ السّمَكِ فِي الْمَاءِ. وَبَيْعُ الْعَبْدِ الاَبِقِ. وَبَيْعُ الطّيْرِ فِي السّمَاءِ. وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنَ الْبُيُوعِ. وَمَعنَى بَيْعِ الْحَصَاةِ، أَنْ يَقُولَ الْبَائِعُ للمُشْتَرِي: إذَا نَبَذْتُ إلَيْكَ بِالْحَصَاةِ، فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَكَ. وهذا شبِيهُ ببَيْعَ المُنَابَذَةِ. وَكَانَ هَذَا مِنْ بُيُوعِ أهْلِ الْجَاهِلِيّةِ.
ـــــــ
عمر فأخرجه البيهقي وابن حبان. قال الحافظ: إسناده حسن، وأما حديث ابن عباس فأخرجه ابن ماجه وأحمد. وأما حديث أبي سعيد فأخرجه ابن ماجه. وأما حديث أنس فأخرجه أبو يعلى، وفي الباب أيضاً عن سهل بن سعد عند الدارقطني والطبراني. وعن علي عند أحمد وأبو داود. وفي الباب أحاديث أخرى ذكرها الحافظ في التلخيص، والعيني في شرح البخاري. قوله: "حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح" أخرجه الجماعة إلا البخاري. قوله: "قال الشافعي: ومن بيع الغرر بيع السمك في الماء" قال العراقي: وهو فيما إذا كان السمك في ماء كثير بحيث لا يمكن تحصيله منه وكذا إذا كان يمكن تحصيله منه ولكن بمشقة شديدة. وأما إذا كان في ماء يسير بحيث يمكن تحصيله منه وكذا إذا كان يمكن تحصيله منه بغير مشقة فإنه يصح لأنه مقدور على تحصيله وتسليمه، وهذا كله إذا كان مرئياً في الماء القليل، بأن يكون الماء صافياً، فأما إذا لم يكن مرئياً بأن يكون كمدراً فإنه لا يصح بلا خلاف. انتهى كلام العراقي. قوله: "ومعنى بيع الحصاة أن يقول البايع للمشتري: إذا نبذت الخ" وقع هذا التفسير في رواية البزار، قال الحافظ في التلخيص: وللبزار من طريق حفص بن عاصم عنه يعني عن أبي هريرة نهى عن بيع الحصاة يعني إذا قذف الحصاة فقد وجب البيع انتهى. "وهو" أي بيع الحصاة "يشبه" من الإشباه أي يشابه "بيع المنابذة" هو أن ينبذ الرجل إلى الرجل بثوبه وينبذ الاَخر بثوبه ويكون ذلك بيعهما عن غير نظر ولا تراض، ويأتي باقي الكلام في بيع المنابذة في بابه

(4/426)


باب ماجاء في النهي عن بيعتين في بيعة
...
18 ـ باب مَا جَاءَ فِي النّهْيِ عَن بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَة
1249 ـ حدثنا هَنادٌ. حَدّثَنَا عَبْدَةُ بنُ سُلَيمَانَ، عَنْ مُحَمّدِ بنِ عَمْرو، عَنْ أبي سَلَمَةَ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: "نَهَى رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عَنْ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَة". وفي البابِ عَنْ عَبْدِ الله بنِ عَمْرٍو وَابنِ عُمَرَ وَابنِ مَسْعُودٍ. حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ، وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أهْلِ الْعِلْمِ. وَقَدْ فَسّرَ بَعْضُ أهْلِ الْعِلْمِ، قَالُوا: بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ، أنْ يَقولَ: أَبِيعُكَ هَذَا الثَوبَ بِنَقْدٍ بِعَشْرَة، وَبِنَسِيئَة بِعِشْرِينَ، وَلا يُفَارِقُهُ عَلَى أَحَدِ الْبَيعَيْنِ، فإِذَا فَارَقَهُ عَلَى أَحَدِهِمَا، فَلاَ بَأْسَ إذَا كَانَت الْعُقْدَةُ عَلَى واحد مِنْهُمَا.
ـــــــ
باب مَا جَاءَ فِي النّهْيِ عَن بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَة
قوله: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيعتين في بيعة" أي صفقة واحدة وعقد واحد ويأتي تفسير هذا عن المصنف. قوله: "وفي الباب عن عبد الله بن عمرو وابن عمر وابن مسعود" قال الحافظ في التلخيص حديث ابن مسعود رواه أحمد من طريق عبد الرحمن ابنه عنه بلفظ: نهى عن صفقتين في صفقة. وحديث ابن عمر رواه ابن عبد البر مثله وحديث ابن عمرو رواه الدارقطني في أثناء حديث انتهى. قوله: "وحديث أبي هريرة حديث حسن صحيح" قال الحافظ في بلوغ المرام: رواه أحمد والنسائي وصححه الترمذي وابن حبان ولأبي داود: من باع بيعتين فله أوكسهما أو الربا انتهى. قال الشوكاني في النيل: وأخرجه أيضاً الشافعي ومالك في بلاغاته. قوله: "وقد فسر بعض أهل العلم قالوا: بيعتين في بيعة أن يقول أبيعك هذا الثوب بنقد بعشرة وبنسيئة بعشرين ولا يفارقه على أحد البيعين" قال في شرح السنة بعد ذكر هذا التفسير: هو فاسد عند أكثر أهل العلم لأنه لا يدري أيهما جعل الثمن انتهى. وقال في النيل: والعلة في تحريم بيعتين في بيعة عدم استقرار الثمن في صورة بيع الشيء الواحد بثمنين انتهى. "فإذا فارقه على أحدهما فلا بأس إذا كانت العقدة على واحد منهما" بأن قال البائع:

(4/427)


قَالَ الشّافعِيّ: وَمِنْ مَعْنَى مَا نَهْى النبي صلى الله عليه وسلم عَنْ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ، أنْ يَقُولَ: أَبِيعُكَ دَارِي هَذِهِ بِكَذَا. عَلَى أَنْ تَبِيعَنِي غُلاَمَكَ بكَذَا فَإذَا وَجَبَ لي غُلاَمُكَ وَجَبَ لَكَ دَاري. وهذا يفَارق عَنْ بَيْعٍ بِغَيْرِ ثَمنٍ مَعْلُومٍ، وَلاَ يَدْرِي كلّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا على ما وَقَعَتْ عَلَيْهِ صَفْقَتُهُ.
ـــــــ
أبيعك هذا الثوب بنقد بعشرة وبنسبئة بعشرين. فقال المشتري: اشتريته بنقد بعشرة ثم نقد عشرة دراهم، فقد صح هذا البيع. وكذلك إذا قال المشتري اشتريته بنسيئة بعشرين، وفارق البائع على هذا صح البيع لأنه لم يفارقه على إيهام وعدم استقرار الثمن، بل فارقه على واحد معين منهما: وهذا التفسير قد رواه الإمام أحمد في روايته عن سِمَاك، ففي المنتقى عن سِمَاك عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه قال: نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن صفقتين في صفقة. قال سِمَاك هو الرجل يبيع البيع فيقول هو بنسأ بكذا، وهو بنقد بكذا وكذا، قال الشوكاني في النيل قوله: من باع بيعتين في بيعة فسره سِمَاك بما رواه المصنف يعني صاحب المنتقى عن أحمد عنه، وقد وافقه على مثل ذلك الشافعي فقال بأن يقول بعتك بألف نقداً أو ألفين إلى سنة، فخذ أيهما شئت أنت، وشئت أنا. ونقل ابن الرفعة عن القاضي أن المسألة مفروضة على أنه قبل على الإبهام، أما لو قال قبلت بألف نقد أو بألفين بالنسيئة صح ذلك انتهى. وقد فسره الشافعي بتفسر آخر وهو ما ذكره الترمذي بقوله: "قال الشافعي: ومن معنى ما نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيعتين في بيعتين أن يقول أبيعك داري هذه بكذا على أن تبيعني غلامك بكذا. فإذا وجب لي غلامك وجبت لك داري، وهذا تفارق عن بيع بغير ثمن معلوم، ولا يدري كل واحد منهما على ما وقعت عليه صفقته" قال في المرقاة بعد ذكر هذا التفسير: هذا أيضاً فاسد لأنه بيع وشرط، ولأنه يؤدي إلى جهالة الثمن لأن الوفاء ببيع الجارية لا يجب. وقد جعله من الثمن وليس له قيمة فهو شرط لا يلزم، وإذا لم يلزم ذلك بطل بعض الثمن فيصير ما بقي من المبيع في مقابلة الثاني مجهولاً انتهى. وقال في النيل والعلة في تحريم هذه الصورة التعليق بالشرط المستقبل انتهى. واعلم أنه قد فسر البيعتان

(4/428)


ـــــــ
في بيعة بتفسير آخر وهو أن يسلفه ديناراً في قفيز حنطة إلى شهر فلما حل الأجل وطالبه والحنطة بعني القفير الذي لك على إلى شهرين بقفيزين، فصار ذلك بيعتين في بيعة، لأن البيع الثاني قد دخل على الأول فيرد إليه أوكسهما وهو الأول. كذا في شرح السنن لابن رسلان فقد فسر حديث أبي هريرة المذكور بلفظ: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيعتين في بيعة. بثلاثة تفاسير فاحفظها، ثم اعلم أن لحديث أبي هريرة هذا رواية أخرى رواها أبو داود في سننه بلفظ: من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الربا. قال الشوكاني في النيل: محمد بن عمرو بن علقمة وقد تكلم فيه غير واحد. قال المنذري: والمشهور عنه من رواية الدراوردي ومحمد بن عبد الله الأنصاري أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن بيعتين في بيعة. انتهى ما في النيل. قلت: وقد تفرد هو بهذا اللفظ وقد روى هذا الحديث عن عدة من الصحابة رضي الله عنهم من طرق ليس في واحد منها هذا اللفظ. فالظاهر أن هذه الرواية بهذا اللفظ ليست صالحة للاحتجاج والله تعالى أعلم. قال الشوكاني في شرح هذه الرواية ما لفظه: قوله فله أوكسهما أي أنقصهما. قال الخطابي: لا أعلم أحداً قال بظاهر الحديث وصحح البيع بأوكس الثمنين إلا ما حكى عن الأوزاعي، وهو مذهب فاسد انتهى. قال الشوكاني: ولا يخفى أن ما قاله هو ظاهر الحديث: لأن الحكم له بالأوكس يستلزم صحة البيع به. ومعنى قوله أو الربا يعني أو يكون قد دخل هو وصاحبه في الربا المحرم إذا لم يأخذ الأوكس بل أخذ الأكثر. قال وذلك ظاهر في التفسير الذي ذكره ابن رسلان. وأما في التفسير الذي ذكره أحمد عن سِمَاك وذكره الشافعي ففيه متمسك لمن قال: يحرم بيع الشيء بأكثر من سعر يومه لأجل النساء. وقد ذهب إلى ذلك زين العابدين علي بن الحسين، والناصر والمنصور بالله والهادوية والإمام يحيى. وقالت الشافعية والحنفية وزيد بن علي، والمؤيد بالله والجمهور: إنه يجوز لعموم الأدلة القاضية بجوازه، وهو الظاهر لأن ذلك المتمسك هو الرواية الأولى من حديث أبي هريرة يعني التي رواها أبو داود. وقد ذكرنا لفظها آنفاً وقد عرفت ما في راويها من المقال. ومع ذلك المشهور عنه اللفظ الذي رواه غيره وهو النهي عن بيعتين في بيعة، ولا حجة فيه على المطلوب. ولو سلمنا أن تلك الرواية التي تفرد بها ذلك الراوي صالحة للاحتجاج لكان احتمالها لتفسير خارج عن محل النزاع ـ كما سلف عن ابن رسلان قادحاً في الاستدلال بها على المتنازع فيه، على أن غاية ما فيها الدلالة على المنع من البيع إذا وقع على الصورة، وهي أن يقول نقداً بكذا ونسيئة بكذا، لا إذا قال من أول الأمر نسيئة بكذا فقط، وكان أكثر من سعر يومه مع أن المتمسكين بهذه الرواية يمنعون من هذه الصورة، ولا يدل الحديث على ذلك. فالدليل أخص من الدعوى. قال: وقد جمعنا رسالة في هذه المسألة وسميناها شفاء الغلل في حكم زيادة الثمن لمجرد الأجل. وحققناها تحقيقاً لم نسبق إليه انتهى كلام الشوكاني .

(4/429)


باب ماجاء في كراهية بيع ماليس عنده
...
19 ـ باب مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةِ بَيْعِ ما لَيْسَ عِنْدَك
1250 ـ حدثنا قُتَيْبَةُ. حدّثنا هُشَيْمٌ عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ يُوسُف بنِ ماهَكَ، عَنْ حَكِيمِ بن حِزَامٍ، قالَ: أتيتت رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم. فَقلت: يَأْتِينِي الرّجُلُ يَسألُني مِنَ الْبَيْعِ مَا لَيْسَ عنْدِي، أَبْتَاعُ لَهُ مِنَ السّوقِ ثُمّ أبِيعُهُ؟ قال "لاَ تَبعْ ما لَيْسَ عِنْدَكَ" قال وفي الباب عن عبدالله بن عمر. .
1251 ـ حدثنا قُتَيْبَةُ. حَدّثَنَا حَمّادُ بنُ زَيْدٍ عَنْ أَيّوبَ،
ـــــــ
باب مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةِ بَيْعِ ما لَيْسَ عِنْدَك
قوله: "أبتاع له من السوق" بتقدير همزة الاستفهام أي أأشتري له من السوق؟ وفي رواية أبي داود: أفأبتاع له من السوق؟ "ثم أبيعه" لم يقع هذا اللفظ في رواية أبي داود ولا في رواية النسائي ولا في رواية ابن ماجه. والظاهر أنه ليس على معناه الحقيقي، بل المراد منه التسليم. ومقصود السائل أنه هل يبيع ما ليس عنده ثم يشتريه من السوق ثم يسلمه للمشتري الذي اشترى له منه "قال لا تبع ما ليس عندك" أي شيئاً ليس في ملكك حال العقد. في شرح السنة هذا في بيوع الأعيان دون بيوع الصفات فلذا قيل السلم في شيء موصوف عام الوجود عند المحل المشروط يجوز، وإن لم يكن في ملكة حال العقد. وفي معنى ما ليس عنده في الفساد بيع العبد الاَبق، وبيع المبيع قبل القبض وفي معناه بيع مال غيره بغير إذنه لأنه لا يدري هل يجيز مالكه أم لا، وبه قال الشافعي رحمه الله. وقال جماعة: يكون العقد موقوفاً على إجازة المالك. وهو قول مالك وأصحاب وأبو حنيفة

(4/430)


عَن يُوسُفَ بنِ ماهَكَ، عَن حَكِيمِ بن حِزَامٍ قالَ "نَهانِي رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم أنْ أبِيعَ ما ليْس عِنْدِي".
1252 ـ حدثنا أَحْمَدُ بنُ مَنِيعٍ. حَدّثَنَا إسْمَاعِيلُ بنُ إبْرَاهِيمَ. حدّثنَا أَيّوبُ. حدّثَنا عَمْروُ بنُ شُعَيْبٍ قالَ: حدّثَنِي أَبِي، عنْ أبِيهِ، حتّى ذَكَرَ عَبْدَ الله بنَ عَمْروٍ، أَنّ رسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: "لاَ يَحلّ سَلَفٌ وَبَيْعٌ. ولاَ شَرْطَانِ فِي بَيْعٍ. ولاَ رِبْحُ مَا لمْ يُضْمَنُ.
ـــــــ
وأحمد رحمهم الله كذا في المرقاة. قوله: "أن أبيع ما ليس عندي" فيه وفي قوله: لا تبع ما لبس عندك. دليل على تحريم بيع ما ليس في ملك الإنسان ولا داخلاً تحت مقدرته. وقد استثنى من ذلك السلم فتكون أدلة جوازه مخصصة لهذا العموم. قوله: "هذا حديث حسن" وأخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجة ونقل المنذري تحسين الترمذي وأقره. قوله: "وفي الباب عن عبد الله بن عمرو" وأخرجه الترمذي في هذا الباب. قوله: "لا يحل سلف" بفتحتين "وبيع" أي معه يعني مع السلف بأن يكون أحدهما مشروطاً في الاَخر قال القاضي رحمه الله: السلف يطلق على السلم والقرض والمراد به هنا شرط القارض على حذف المضاف أي لا يحل بيع مع شرط سلف بأن يقول مثلاً: بعتك هذا الثوب بعشرة على أن تقرضني عشرة، نفي الحل اللازم للصحة، ليدل على الفساد من طريق الملازمة. وقيل هو أن يقرضه قرضاً ويبيع منه شيئاً بأكثر من قيمته فإنه حرام لأن قرضه روج متاعة بهذا الثمن، وكل قرض جر نفعاً فهو حرام. "ولا شرطان في بيع" فسر بالمعنى الذي ذكره الترمذي أولاً للبيعتين في بيعة. ويأتي تفسير آخر عن الإمام أحمد "ولا ربح ما لم يضمن" يريد به الربح الحاصل من بيع ما اشتراه قبل أن يقبضه، وينتقل من ضمان البائع إلى ضمانه، فإن بيعه فاسد. وفي شرح السنة قيل: معناه أن الريح في كل شيء إنما يحل أن لو كان الخسران عليه فإن لم يكن الخسران عليه كالبيع قبل القبض إذا تلف، فإن ضمانه على البائع. ولا يحل للمشتري أن يسترد منافعه التي انتفع بها البائع قبل القبض، لأن المبيع لم يدخل بالقبض في ضمان

(4/431)


ولاَ بَيْعُ ما لَيْسَ عِنْدَكَ". وهذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
قالَ إسْحَاقُ بنُ مَنْصُورٍ: قُلْتُ لأحْمَدَ: ما مَعْنَى نَهَى عنْ سَلفٍ وَبَيْعٍ؟ قالَ: أَنْ يَكُونَ يُقرِضُهُ قَرْضا ثُمّ يُبايِعُهُ عليه بَيْعاً يَزْدَادُ عَلَيْهِ. ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ يُسْلِفُ إلَيْهِ فِي شَيءٍ فَيَقُولُ: إنْ لَمْ يَتَهَيّأْ عِنْدَكَ فهُوَ بَيْعٌ عَلَيْكَ. قالَ إسْحَاقُ "يعني ابن راهويه" كمَا قالَ قُلْتُ لأحمدَ: وعَنْ بَيْعِ ما لَمْ تَضْمَنْ؟ قالَ: لاَ يَكُونُ عِنْدِي إلاّ فِي الطّعام ما لَمْ تَقْبِضْ. قالَ إِسْحَاقُ: كمَا قالَ، فِي كُلّ ما يُكَالُ
ـــــــ
المشتري، فلا يحل له ربح المبيع قبل القبض. "ولا بيع ما ليس عندك" تقدم معناه قوله: "وهذا حديث حسن صحيح" وأخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجة قال المنذري بعد نقل تصحيح الترمذي: ويشبه أن يكون صحيحاً لتصريحه بذكر عبد الله بن عمرو ويكون مذهبه في الامتناع بحديث عمرو بن شعيب إنما هو الشك في إسناده لجواز أن يكون الضمير عائداً على محمد بن عبد الله بن عمرو فإذا صح بذكر عبد الله بن عمرو انتفي ذلك انتهى. قوله: "قال إسحاق بن منصور" بن بهرام الكرسج أبو يعقوب التميمي المروزي ثقة ثبت من الحادية عشرة روى عنه الجماعة سوى أبي داود وتتلمذ لأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه ويحيى بن معين وله عنهم مسائل كذا في التقريب وتهذيب التهذيب. "ثم يبايعه بيعاً يزداد عليه" يعني يبيع منه شيئاً بأكثر من قيمته "ويحتمل أن يكون يسلف" أي يقرض "إليه في شيء" يعني قرضه دراهم أو دنانير وأخذ منه شيئاً "فيقول إن لم يتهيأ عندك" أي لم يتهيأ ولم يتيسر لك رد الدراهم أو الدنانير "فهو بيع عليك" يعني فذلك الشيء الذي أخذت منك يكون مبيعاً منك بعوض تلك الدراهم أو الدنانير "قال إسحاق كما قال" المراد من إسحاق هذا إسحاق بن راهويه، والضمير في قال راجع إلى أحمد بن حنبل أي قال إسحاق بن راهويه كما قال أحمد بن حنبل في بيان معنى نهى عن سلف وبيع "قلت لأحمد وعن بيع ما لم تضمن" أي سألته عن معنى بيع ما لم يضمن "قال" أي أحمد بن حنبل "لا يكون عندي إلا في الطعام" أي النهي عن بيع ما لم تضمن ليس على عمومه بل هو مخصوص بالطعام "يعني لم تقبض" هذا تفسير لقوله لم تضمن "قال إسحاق" هو ابن راهوية "كما قال"

(4/432)


أوْ يُوزَنُ. قالَ أَحْمَدُ: إذَا قالَ أبِيعُكَ هَذَا الثّوْبَ وَعَلَيّ خِياطَتُهُ وقَصَارَتُهُ. فَهذَا مِنْ نَحْوِ شَرْطَيْنِ فِي بَيْعٍ. وإذَا قالَ: أَبِيعُكَهُ، وعَلَيّ خِياطَتُهُ فَلاَ بَأْسَ بِهِ. و قالَ أبِيعُكَهُ وعَلَيّ قَصَارَتُهُ فَلاَ بَأْسَ بهِ. إنمَا هو شَرْطٌ وَاحِدٌ. قالَ إسْحَاقُ: كمَا قالَ.
حدِيثُ حَكِيمِ بنِ حِزامٍ حدِيثٌ حسنٌ. قَدْ رُوِيَ عنه مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ. رَوَىَ أيّوبُ السّخْتِيَانِيّ وأبُو بِشْر عن يُوسُفَ بنِ ماهَكَ، عنْ حَكِيمِ بن حِزامٍ. وَرَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَوْفٌ وهِشَامُ بنُ حُسّانَ، عنِ ابنِ سِيرِينَ عنْ حَكِيمِ بنِ حِزَامٍ، عنِ النبيّ صلى الله عليه وسلم. وهذا حديثٌ مُرْسَلٌ. إنمَا رَوَاهُ ابنُ سِيرِينَ عنْ أَيّوبَ السّخْتِيَانِيّ. عنْ يُوسُفَ بنِ مَاهَكَ، عن حَكِيمِ بنِ حِزَامٍ.هكذا
ـــــــ
أي أحمد قوله: "فهذا من نحو شرطين في بيع" ، أي فلا يجوز لقوله صلى الله عليه وسلم: "ولا شرطان في بيع" "وإذا قال أبيعكه وعليّ خياطته فلا بأس به أو قال أبيعكه وعلى قصارته فلا بأس به إنما هذا الشرط واحد" أي فيجوز لمفهوم قوله صلى الله عليه وسلم: "ولا شرطان في بيع". وكلام الترمذي هذا يدل على أن البيع بشرطين لا يجوز عند أحمد، والبيع بشرط يجوز عنده. قال في مجمع البحار: لا فرق عند الأكثر في البيع بشرط أو شرطين. وفرق أحمد بظاهر هذا الحديث انتهى. قال الشيخ عبد الحق الدهلوي في اللمعات: التقييد بشرطين وقع اتفاقاً وعادة وبالشرط الواحد أيضاً لا يجوز لأنه قد ورد النهي عن بيع وشرط انتهى. وقال الشوكاني في النيل: وقد أخذ بظاهر الحديث بعض أهل العلم فقال: إن شرط في البيع شرطاً واحداً صح، وإن شرط شرطين أو أكثر لم يصح. ومذهب الأكثر، عدم الفرق بين الشرط والشرطين. واتفقوا على عدم صحة ما فيه شرطان انتهى. قلت: حديث النهي عن بيع وشرط أخرجه الطبراني في الأوسط والحاكم في علوم الحديث من طريق عبد الوارث بن سعيد عن أبي حنيفة، حدثني عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن بيع وشرط، أورده في قصة. كذا

(4/433)


1235 ـ حدثنا الْحَسَنُ بنُ عَلِي الخَلاّلُ و عَبْدَةُ بنُ عَبْدِ الله الخزاعي البصري أبو سهل وغَيْرُ وَاحِدٍ، قالُوا: حدّثنَا عَبْدُ الصّمَدِ بنُ عَبْدِ الْوَارِثِ عنْ يَزِيدَ بنِ إبْرَاهِيمَ، عن ابنِ سيرِينَ، عنْ أيُوبَ، عنْ يُوسُفَ بنِ ماهَكَ، عنْ حَكِيمِ بن حزام قَالَ: نَهانِي رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم أنْ أبِيعَ ما لَيْسَ عِنْدِي.
وَرَوَى وكِيعٌ هَذَا الْحَدِيثَ عنْ يَزِيدَ بنِ إبْرَاهيمَ عنِ ابنِ سِيرينَ، عنْ أَيّوبَ، عنْ حَكِيمِ بنِ حِزَامٍ. ولَمْ يَذْكُرْ فِيهِ "عنْ يُوسُفَ بنِ مَاهَكَ" .
وَرِوَايَةُ عَبْدِ الصّمَدِ أصَحّ.
وقَدْ رَوَى يَحْيَى بنُ أبي كَثير هَذَا الْحَدِيثَ عنْ يَعْلَى بن حَكِيمٍ، عن يُوسُفَ بنِ ماهَكَ، عنْ عَبْدِ الله بنِ عِصْمَةَ، عنْ حَكِيمِ بنِ حِزامٍ، عنِ النبيّ صلى الله عليه وسلم. والعَمَلُ عَلَى هَذَا الحديث عِنْدَ أكْثَرِ أَهلِ الْعِلْمِ. كَرِهُوا أنْ يَبِيعَ الرّجُلُ ما لَيْسَ عِنْدَهُ.
ـــــــ
في الدراية للحافظ ابن حجر. وقال الحافظ الزيلعي بعد ذكره بالقصة: قال ابن القطان وعلته ضعف أبي حنيفة في الحديث انتهى. "قال إسحاق كما قال" أي كما قال أحمد.
قوله: "حديث حكيم بن حزام حديث حسن" الظاهر أنه تكرار قوله: "وقد روى يحيى بن أبي كثير هذا الحديث عن يعلى بن حكيم عن يوسف بن ماهك عن عبد الله بن عصمة عن حكيم بن حزام الخ" ، قال الحافظ في التلخيص: وزعم عبد الحق أن عبد الله بن عصمة ضعيف جداً ولم يتعقبه ابن القطان بل نقل عن ابن حزم أنه قال هو مجهول وهو جرح مردود فقد روى عند ثلاثة، واحتج به النسائي انتهى. وقال فيه: وصرح همام عن يحيى بن أبي كثير أن يعلى بن حكيم حدثه أن يوسف حدثه أن حكيم بن حزام حدثه انتهى .

(4/434)


باب ماجاء في كراهية بيع الولاء وهبته
...
20 ـ باب ما جَاءَ فِي كَراهِيةِ بَيْعِ الْوَلاَءِ وَهِبَتِه
1254 ـ حدثنا مُحَمّدُ بنُ بَشّارٍ. حدّثنَا عَبْدُ الرّحْمنِ بنُ مَهْدِي قال: حدّثنَا سُفْيَانُ و شُعْبَةُ، عنْ عَبْدِ الله بنِ دِينَارٍ، عنِ ابنِ عُمَرَ "أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم نَهَى عنْ بَيْعِ الْوَلاَءِ وَهِبَتِهِ".
قال أبو عيسى هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. لاَ نَعْرِفُه إِلاّ مِنْ حدِيثِ عَبْد الله بنِ دِينارٍ، عنِ ابنِ عُمَرَ. والعَمَلُ عَلَى هذا الْحَدِيثِ عِنْدَ أهْلِ العِلْمِ. وَقَدْ رَوَى يَحْيى بنُ سُلَيمٍ هَذَا الْحَدِيِثَ عنْ عُبَيْدِ الله بنِ عُمَرَ، عنْ نافِعٍ، عنِ ابنِ عُمرَ عنِ النبيّ صلى الله عليه وسلم، أَنّهُ نَهَى عَنْ بَيْعِ الْوَلاَءِ وَهِبَتِهِ. وهُوَ وَهْمٌ: وَهِمَ فيهِ يَحْيَى بنُ سُلَيْمٍ رَوَى عَبْدُ الْوَهّابِ الثَقَفِيّ وعَبْدُ الله بنُ نُميْرٍ وغَيرُ وَاحِدٍ عنْ عُبَيْدِ الله بنِ عُمرَ، عنْ عَبْدِ الله بنِ دِينَارٍ، عنِ ابنِ عُمرَ، عنِ النبيّ صلى الله عليه وسلم. وهَذَا أصَحّ مِنْ حدِيث يَحْيَى بنِ سُلَيْمٍ.
ـــــــ
باب ما جاء في كراهية بيع الولاء وهبته
الولاء بالفتح والمد حق ميراث المعتق من المعتق بالفتح . قوله: "نهى عن بيع الولاء" بفتح الواو والمد. قال في النهاية: يعني ولاء العتق وهو إذا مات المعتق ورثه معتقه أو ورثة معتقه كانت العرب تبيعه وتهبه فنهى عنه لأن الولاء كالنسب فلا يزول بالإزالة انتهى. قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان قوله: "والعمل على هذا الحديث عند أهل العلم" قال النووي في شرح مسلم: في الحديث تحريم بيع الولاء وهبته وإنهما لا يصحان، وأنه لا ينتقل الولاء عن مستحقه بل هو لحمة كلحمة النسب. وبهذا قال جماهير العلماء من السلف والخلف. وأجاز بعض السلف نقله ولعلهم لم يبلغهم الحديث انتهى. قوله: "وهو وهم" أي ذكر نافع بين عبيد الله بن عمر وابن عمر "وهم فيه يحيى بن سليم" فإنه قد خالف غير واحد من الثقات الحفاظ فإنهم يذكرون بينهما عبد الله بن دينار. ويحيى بن سليم هذا هو الطائفي نزيل مكة صدوق سيء الحفظ. قاله الحافظ في التقريب. وقال الخزرجي في الخلاصة وثقه ابن معين وابن سعد والنسائي إلا في عبيد الله بن عمر. وقال أبو حاتم محله الصدق ولم يكن بالحافظ ولا يحتج به. قال الخزرجي: احتج به ع وله في خ فرد حديث انتهى.

(4/435)


باب ماجاء في كراهية بيع الحيوان بالحيوان نسيئة
...
21 ـ باب مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةِ بيْعِ الْحَيَوَانِ بِالْحَيَوَانِ نَسِيئَة
1255 ـ حدثنا أبُو مُوسَى مُحَمّدُ بنُ مُثَنّى، حَدّثنَا عبْدُ الرّحْمَنِ بنُ مَهْدِي، عنْ حَمّادِ بنِ سَلَمةَ، عنْ قَتَادَةَ، عنِ الْحَسَنِ، عنْ سَمُرَةَ "أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم نهى عنْ بَيْعِ الْحَيَوَانِ بِالحَيَوَانِ نَسِئَةً".
وفي البابِ عنِ ابنِ عَبّاسٍ وجَابِرٍ وابنِ عُمرَ. حدِيثُ سَمُرَةَ حدِيثٌ حسنٌ صحيحٌ. وَسمَاعُ الْحَسنِ مِنْ سَمُرَةَ صحيحٌ. هَكذَا قالَ عَلِيّ بنُ الْمَدِينِيّ وَغَيْرُهُ. والعَمَلُ عَلَى هذَا عِنْدَ أَكْثرِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النبيّ صلى الله عليه وسلم وَغَيْرِهِمْ، فِي بَيْعِ الْحَيَوَانِ بِالْحَيَوَانِ نَسِيئَةً،
ـــــــ
باب مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةِ بيْعِ الْحَيَوَانِ بِالْحَيَوَانِ نَسِيئَة
قوله: "نهى عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة" بفتح النون وكسر السين وفتح الهمزة. قال في القاموس: نسأته البيع وأنسأته بعته بنسئة بالضم وبنسئة كأخرة. وقال في مجمع البحار: فيه ثلاث لغات نسيئة بوزن كريمة وبالادغام وبحذف الهمزة وكسر النون انتهى. قوله: "وفي الباب عن ابن عباس" أخرجه البزار والطحاوي وابن حبان والدارقطني بنحو حديث سمرة: قال الحافظ في الفتح. ورجاله ثقات إلا أنه اختلف في وصله وإرساله، فرجح البخاري وغير واحد إرساله انتهى. "وجابر" أخرجه الترمذي وغيره قال الحافظ وإسناده لين "وابن عمر" أخرجه الطحاوي والطبراني. قوله: "حديث سمرة حديث حسن صحيح" قال الحافظ: ورجاله ثقات إلا أنه اختلف في سماع الحسن عن سمرة. قوله: "وسماع الحسن من سمرة صحيح" هكذا "قال علي بن المديني وغيره" سيأتي الكلام فيه في باب اختلاب المواشي بغير إذن الأرباب، قوله: "والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم الخ" كذا قال الترمذي، قال الشوكاني في النيل: ذهب الجمهور إلى جواز بيع الحيوان

(4/436)


وهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثّوْرِيّ وأهْلِ الْكُوفَةِ، وبهِ يَقُولُ أَحْمَدُ وَقَدْ رَخّصَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النبيّ صلى الله عليه وسلم وغَيْرِهِمْ فِي بَيْعِ الْحَيَوَانِ بِالحَيَوَانِ نَسيئَة، وهُوَ قَوْلُ الشّافِعِيّ وَإِسْحَاقَ.
1256 ـ حدثنا أَبُو عَمّارٍ الْحُسَيْنِ بنُ حُرَيْثِ. حدثنا عَبْدُ الله بنُ نُمَيْرٍ، عنِ الْحَجّاجِ "وهُوَ ابنُ أَرْطَاةَ" عنْ أَبِي الزّبَيْرِ، عنْ جَابِر
ـــــــ
بالحيوان نسيئة متفاضلاً مطلقاً. وشرط مالك أن يختلف الجنس ومنع من ذلك مطلقاً مع النسيئة أحمد بن حنبل وأبو حنيفة وغيره من الكوفيين انتهى. قوله: "وهو قول سفيان الثوري وأهل الكوفة وبه يقول أحمد" واستدلوا بأحاديث الباب وفي الباب روايات موقوفة فأخرج عبد الرزاق من طريق ابن المسيب عن علي بن أبي طالب أنه كره بعيراً ببعيرين نسيئة. وروى ابن أبي شيبة عنه نحوه، وعن ابن عمر عبد الرزاق وابن أبي شيبة أنه سئل عن بعير ببعيرين فكرهه "وقد رخص بعض أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم في بيع الحيوان بالحيوان نسيئة، وهو قول الشافعي وإسحاق" واستدلوا بحديث عبد الله بن عمرو، قال أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أبعث جيشاً على إبل كانت عندي قال فحملت الناس عليها حتى نفدت الإبل وبقيت بقية من الناس. قال فقلت يا رسول الله الإبل قد نفدت وقد بقيت بقية من الناس لا ظهر لهم. فقال لي ابتع علينا إبلاً بقلائص من إبل الصدقة إلى محلها حتى تنفذ هذا البعث. قال وكنت أبتاع البعير بقلوصين وثلاث قلائص من إبل الصدقة إلى محلها حتى نفذت ذلك البعث فلما جاءت إبل الصدقة أداها رسول الله صلى الله عليه وسلم. رواه أحمد وأبو داود. قال الشوكاني في النيل: في إسناده محمد بن إسحاق وفيه مقال معروف. وقوى الحافظ في الفتح إسناده، وقال الخطابي في إسناده مقال وأعله يعني من أجل محمد بن إسحاق، ولكن قد رواه البيهقي في سننه من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. وأجابوا عن حديث سمرة بما فيه من المقال. وقال الشافعي: المراد به النسيئة من الطرفين لأن اللفظ يحتمل ذلك كما يحتمل النسيئة من طرف. وإذا كانت النسيئة من الطرفين فهي من بيع الكالي بالكالي وهو لا يصح عند الجميع. وأجاب المانعون هم حديث عبد الله بن عمرو المذكور بأنه منسوخ ولا يخفي أن النسخ لا يثبت إلا بعد تقرر تأخر

(4/437)


قالَ: قالَ رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم "الْحَيَوَانُ اثْنَانِ بِواحِدٍ، لاَ يَصْلُحُ نسِيئاً. وَلاَ بَأْسَ بهِ يَداً بيَدٍ".
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
الناسخ ولم ينقل ذلك، فلم يبق ههنا إلا الطلب لطريق الجمع إن أمكن ذلك. أو المصير إلى التعارض، قيل وقد أمكن الجمع بما سلف عن الشافعي ولكنه متوقف على صحة إطلاق النسيئة على بيع المعدوم بالمعدوم. فإن ثبت ذلك في لغة العرب أو في اصطلاح الشرع فذاك وإلا فلا شك أن أحاديث النهي وإن كان كل واحد منها لا يخلو عن مقال لكنها تثبت من طريق ثلاثة من الصحابة: سمرة وجابر بن سمرة وابن عباس. وبعضها يقوي بعضاً فهي أرجح من حديث واحد غير خال من المقال. وهو حديث عبد الله بن عمرو. ولا سيما وقد صحح الترمذي وابن الجارود حديث سمرة فإن ذلك مرجح آخر. وأيضاً قد تقرر في الأصول أن دليل التحريم أرجح من دليل الإباحة وهذا أيضاً مرجح ثالث، كذا في النيل قوله: "الحيوان اثنين بواحدة لا يصلح نسيئاً" تمسك به من منع بيع الحيوان بالحيوان متفاضلاً نسيئاً. قوله: "هذا حديث حسن" في سنده الحجاج بن أرطاة وهو صدوق كثير الخطأ والتدليس. وروي هذا الحديث عن أبي الزبير بالعنعنة .

(4/438)


باب ماجاء في شراء العبد بالعبدين
...
22 ـ باب مَا جَاءَ فِي شِرَاءِ الْعَبْدِ بِالْعَبْدَين
1257 ـ حدثنا قُتَيْبَةُ حدثنا اللّيْثُ، عنْ أبِي الزّبَيْرِ، عنْ جَابِرٍ قالَ: جَاءَ عَبْد فَبَايَعَ النبيّ صلى الله عليه وسلم عَلَى الْهِجْرةِ. وَلاَ يَشْعُرُ النبيّ صلى الله عليه وسلم أنّهُ عَبْدٌ. فَجَاءَ سَيّدُهُ يُرِيدُهُ. فقَالَ النبيّ صلى الله عليه وسلم "بِعْنِيهِ".
فَاشْتَرَاهُ بِعَبْدَيْنِ أسْوَدَيْنِ. ثُمّ لَمْ يُبَايِعْ أَحَداً بَعْدُ،
ـــــــ
باب مَا جَاءَ فِي شِرَاءِ الْعَبْدِ بِالْعَبْدَين
قوله: "فاشتراه بعبدين أسودين" فيه دليل على جواز بيع الحيوان بالحيوان متفاضلاً إذا كان يداً بيد. وهذا مما لا خلاف فيه، وإنما الخلاف في بيع الحيوان

(4/438)


حَتّى يَسْأَلَهُ "أعَبْدٌ هُوَ"؟ .وفي البابِ عنْ أنَسٍ. حدِيثُ جَابِرٍ حدِيثٌ حسنٌ صحيحٌ. والْعَمَلُ عَلَى هذَا عِنْدَ أهْلِ العِلْمِ، أنّهُ لاَ بَأْسَ بِعَبْدٍ بعبْدَيْنِ، يَداً بِيدٍ. واخْتَلَفُوا فِيهِ إذَا كانَ نَسِيئاً.
ـــــــ
بالحيوان نسيئة. وقد تقدم بيانه في الباب المتقدم. قوله: "وفي الباب عن أنس" أخرجه أحمد ومسلم وابن ماجه عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم اشترى صفية بسبعة أرؤس من دحية الكلبي. قوله: "حديث جابر حديث حسن صحيح" . وأخرجه مسلم

(4/439)


باب ماجاء أن الحنطة بالحنطة مثلاً بمثل وكراهية التفاضل فيه
...
23 ـ باب ما جَاءَ أَنّ الْحِنْطَةَ بِالحنْطَةِ مِثْلاً بِمِثْل
وَكَرَاهِيَةَ التّفَاضُلِ فِيهِ
1258 ـ حدثنا سُوَيْدُ بنُ نَصْرٍ حدثنا عبد الله بنُ الْمُبَارَكِ أخبرنا سُفْيَان عنْ خَالِدٍ الْحَذّاءِ، عنْ أبي قِلاَبَةَ، عنْ أبي الأَشْعَثِ، عنْ عُبَادَةَ بنِ الصّامِتِ عنِ النبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ "الذّهَبُ بالذّهَبِ مِثْلاً بِمِثْلٍ والْفِضّةُ بِالْفِضّةِ مِثْلاً بِمِثْلٍ. والتّمْرُ بِالتّمْرِ مِثْلاً بِمِثْلٍ. والْبُرّ بِالبُرّ مِثْلاً بِمِثْل، والْمِلْحُ بِالْمِلْحِ مِثْلاً بِمِثْل، والشّعِيرُ بِالشّعِيرِ مِثْلاً بِمثْلٍ. فَمنِ زَادَ أَوِ ازْدَادَ فَقَدْ أَرْبَى. بِيعُوا الذّهَبَ بِالْفِضّةِ كَيْفَ شِئْتُمْ، يَداً بِيَدٍ. وبِيعُوا البُرّ بِالتّمْرِ كَيْفَ شِئْتُمْ يَداً بِيَدٍ، وبيعُوا الشّعِيرَ بِالتّمْرِ كَيْفَ شِئْتُمْ يَداً بِيدِ". وفي البابِ عنْ أَبي سَعِيدٍ وأبي هُرَيْرةَ
ـــــــ
باب ما جَاءَ أَنّ الْحِنْطَةَ بِالحنْطَةِ مِثْلاً بِمِثْل وَكَرَاهِيَةَ التّفَاضُلِ فِيهِ
قوله: "الذهب بالذهب" بالرفع على تقدير يباع وبالنصب على تقدير بيعوا "فمن زاد" أي أعطى الزيادة "أو ازداد" أي طلب الزيادة "فقد أربى" أي أوقع نفسه في الربا، وقال التوربشتي أي أتى الربا وتعاطاه. ومعنى اللفظ أخذ أكثر مما أعطاه من ربا الشيء يربوا إذا زاد. "بيعوا الذهب بالفضة كيف شئتم يداً بيد" أي حالاً مقبوضاً في المجلس قبل افتراق أحدهما عن الاَخر. وفي رواية مسلم فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد. قوله: "وفي الباب عن أبي سعيد" مرفوعاً بلفظ الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر،

(4/439)


وبِلاَلٍ حدِيثُ عُبَادَةَ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وقَدْ رَوَى بَعْضُهُمْ هَذَا الْحَدِيثَ عنْ خَالِدٍ بِهَذَا الإسْنَادِ، قالَ "بِيعُوا البُر بِالشّعيرِ كَيْفَ شِئْتُمْ يَداً بِيَدٍ".
وَرَوَى بَعْضُهُمْ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ خَالِدٍ، عَنْ أَبي قِلاَبَةَ، عَنْ أَبي الأَشْعَثِ، عَنْ عُبَادَةَ، عَنْ النبيّ صلى الله عليه وسلم الحديث، وَزَادَ فيهِ "قالَ خَالِدٌ: قالَ أَبُو قِلاَبَةَ: بِيعُوا الْبُرّ بالشّعِير كَيْفَ شِئْتُمْ" فَذَكَرَ الحَدِيثَ. وَالعَمَلُ عَلَى هَذا عِنْدَ أَهْلِ العِلْم. لاَ يَرَوْنَ أَنْ يُبَاعَ البُرّ بِالبُرّ إِلاّ مِثْلاً بِمثْلٍ. وَالشّعِيرُ بالشّعِيرِ إلاّ مثلاً بِمِثْلٍ. فإذَا اخْتَلَفَ الأَصْنافُ فَلاَ بَأْسَ أَنْ يُباعَ مُتَفَاضِلاً إِذَا كَانَ يَداً بِيَدٍ. وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ العِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النبيّ صلى الله عليه وسلم وَغَيْرِهِمْ. وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثّوْرِيّ وَالشّافِعِيّ وَأَحْمَدَ وَإسْحاقَ. قالَ الشّافِعِيّ: وَالحُجّةُ فِي ذلِكَ قَوْلُ النبيّ صلى الله عليه وسلم "بِيعُوا الشّعِيرَ بالبُرّ كَيْفَ شِئْتُمْ، يَداً بِيَدِ".
وَقَدْ كرهَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ أَنْ تُبَاعَ الحنْطَةُ بالشّعِيرِ إلاّ مِثْلاً بمثْلٍ. وَهُوَ قَوْلُ مالِكِ بْنِ أَنَسٍ. وَالقَوْلُ الأَوّلُ أَصَحّ.
ـــــــ
والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلاً بمثل، يداً بيد، فمن زاد أو استزاد فقال أربي. الاَخذ والمعطي فيه سواء. أخرجه مسلم "وأبي هريرة" أخرجه مسلم "وبلال" أخرجه البزار في مسنده كذا في نصب الراية. قوله: "وهو قول مالك بن أنس" وهو قول الليث والأوزاعي. وحجتهم أن الحنطة والشعير هما صنف واحد "والقول الأول" وهو أن الحنطة والشعير صنفان يجوز بيع أحدهما بالاَخر متفاضلاً. وهو قول الجمهور "أصح" من القول الثاني. لأنه يدل على القول الأول قوله صلى الله عليه وسلم: "بيعوا البر بالشعير كيف شئتم". وقوله صلى الله عليه وسلم في حديث عمر عند البخاري وغيره: "البر بالبر ربا إلا هاء وهاء والشعير بالشعير ربا إلا هاء وهاء". وقال الحافظ في الفتح واستدل به على أن البر والشعير صنفان. وهو قول الجمهور وخالف في ذلك مالك والليث والأوزاعي فقالوا هما صنف واحد انتهى.

(4/440)


باب ماجاء في الصرف
...
24 ـ باب مَا جَاءَ فِي الصّرْف
1259 ـ حدثنا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ. أخبرنا حُسَيْنُ بْنُ مُحمّدٍ. أخبرنا شَيْبَانُ عَنْ يَحْيَى بْنِ أبي كَثِيرٍ، عَنْ نَافِعٍ، قَالَ: انْطَلَقْتُ أَنَا وابْنُ عُمرَ إلَى أَبي سَعِيدٍ. فَحَدّثَنَا أَنّ رسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ "سَمِعَتْهُ أُذُنَايَ هَاتَان" يَقولُ "لاَ تَبِيعُوا الذّهَبَ بِالذّهَبِ إلاّ مِثْلاً بمِثْلٍ. وَالْفِضّةَ بالفِضةِ إلاّ مِثْلاً بمثْلٍ. لاَ يُشَفّ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ. وَلاَ تَبِيعُوا مِنْهُ غائِباً بِنَاجِزٍ". وفي البابِ عَنْ أَبي بَكْرٍ وَ عُمَرَ وَ عُثْمَانَ وَ أَبي هُرَيْرَةَ وِ هِشَام
ـــــــ
باب ما جاء في الصرف
هو بيع الذهب بالفضة وبالعكس، قاله العيني قوله: "انطلقت أنا وابن عمر إلى أبي سعيد" وأخرجه مسلم من طريق الليث عن نافع أن ابن عمر قال له رجل من بني ليث: إن أبا سعيد الخدري يأثر هذا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: نافع فانطلق عبد الله وأنا معه والليث. حتى دخل على أبي سعيد الخدري فقال: إن هذا أخبرني أنك تخبر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الورق بالورق إلا مثلاً بمثل الحديث. فأشار أبو سعيد بأصبعيه إلى عينيه وأذنيه فقال: أبصرت عيناي وسمعت أذناي رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول الخ. "لا تبيعوا الذهب بالذهب" يدخل في الذهب جميع أصنافه من مضروب ومنقوش وجيد ورديء وصحيح ومكسر وحلى وتبر وخالص ومغشوش. ونقل النووي تبعاً لغيره في ذلك الإجماع "إلا مثل بمثل" أي إلا حال كونهما متماثلين أي متساويين "والفضة بالفضة" المراد بالفضة جميع أنواعها مضروبة وغير مضروبة "لا يشف بعضه على بعض" بصيغة المضارع المجهول من الإشفاف وهو التفضيل يقال شف الدرهم يشف إذا زاد وإذا نقص من الأضداد. وأشفه غيره يشفه كذا في عمدة القاري. "ولا تبيعوا منه غائباً" أي غير حاضر "بناجز" أي حاضر من النجز بالنون والجيم والزاي. قال الحافظ في الفتح أي مؤجلاً بحال والمراد

(4/441)


ابْنِ عَامِرٍ وَ البَرَاءِ وَزَيْدِ بنِ أَرْقَمَ وَ فَضَالَةَ بنِ عُبَيْد و أَبي بكْرَةَ و ابنِ عُمَرَ و أَبي الدّرْدَاءِ و بلاَل قال: وحَدِيثُ أَبي سَعِيدٍ عَنْ النّبيّ صلى الله عليه وسلم في الرّبا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. والعَمَلُ عَلَى هذَا عِنْدَ أَهلِ العِلْمِ مِنْ أصْحَابِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم وَغَيْرِهِمْ. إِلاّ مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ أَنّهُ كَانَ لاَ يَرَى بَأْساً أَنْ يُبَاعَ الذّهَبُ بِالذّهَبِ مُتَفَاضِلا، والفِضّةُ بِالفِضّةِ مُتَفَاضِلاً، إذَا كَانَ يَداً بيَدٍ. وَقَالَ: إِنما الرّبَا فِي النّسِيئَةِ. وكَذَلِكَ رُوِيَ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ شَيْءٌ مِنْ هذَا. وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أَنّهُ رَجَعَ عَنْ قَوْلِهِ حِينَ حَدّثَهُ أَبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيّ عَنِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم. والْقَوْلُ الأوّلُ أَصَحّ. والعَمَلُ عَلَى هذَا عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم وهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثّوْرِيّ وابْنِ الْمبَارَكِ والشّافِعِيّ وأَحْمَدَ وإِسْحاقَ. وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ الْمبَارَكِ أنّهُ قَالَ: لَيْسَ فِي الصّرْفِ اخْتِلاَفٌ.
ـــــــ
بالغائب أعم من المؤجل كالغائب عن المجلس مطلقاً، مؤجلاً كان أو حالاً، والناجز الحاضر إنتهى. قوله: "وفي الباب من أبي بكر الخ" قال الحافظ في التلخيص: وفي الباب عن عمر رضي الله عنه في الستة، وعن علي في المستدرك، وعن أبي هريرة في مسلم، وعن أنس في الدارقطني، وعن بلال في البزار وعن أبي بكرة متفق عليه. وعن ابن عمر في البيهقي وهو معلول إنتهى. قلت: وحديث زيد بن أرقم والبزار مرفوعاً بلفظ: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الذهب بالورق دينا. أخرجاه في الصحيحين، وأما أحاديث باقي الصحابة رضي الله عنهم فلينظر من أخرجها، قوله: "حديث أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث حسن صحيح" وأخرجه البخاري ومسلم، قوله: "والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم إلا ما روي عن ابن عباس الخ" اعلم أن بيع الصرف له شرطان، منع النسيئة مع اتفاق النوع واختلافه وهو المجمع عليه، ومنع التفاضل في النوع الواحد منهما وهو قول الجمهور. وخالف فيه ابن عمر ثم رجع وابن عباس واختلف في رجوعه وقد وقد روى الحاكم من طريق حيان العدوى سألت أبا مجلز عن الصرف فقال: كان

(4/442)


1260 ـ حدثنا الْحَسَنُ بْنُ عَلِي الخَلاّلُ. حدّثَنَا يَزِيدُ بنُ هَارُون. أخبرنا حَمّادُ بنُ سَلَمَةَ عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ سَعِيدِ بنِ جُبيْرٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: كُنْتُ أَبِيعُ الإِبِلَ بِالبَقيعِ. فَأَبِيعُ بالدّنَانِيرِ. فآخُذُ مَكَانَهَا الوَرِقَ وأبِيعُ بالوَرقِ فَآخُذُ مَكانَهَا الدّنَانِيرَ. فَأَتَيْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم، فَوَجّدْتُهُ خَارجاً مِنْ بَيْتِ حَفْصَةَ. فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ "لاَ بَأْسَ بِهِ بالقِيمَةِ".
ـــــــ
ابن عباس لا يرى به بأساً زماناً من عمره ما كان منه عيناً بعين يداً بيد. وكان يقول: إنما الربا في النسيئة. فلقيه أبو سعيد فذكر القصة والحديث وفيه: التمر بالتمر والحنطة بالحنطة والشعير بالشعير والذهب بالذهب والفضة بالفضة يداً بيد مثلاً بمثل فمن زاد فهو ربا. فقال ابن عباس: أستغفر الله وأتوب إليه. فكان ينهى عنه أشد النهي. كذاغ قال الحافظ في فتح الباري. فإن قلت فما وجه التوفيق بين حديث أبي سعيد المذكور وبين حديث أسامة أن النبي صلى الله عليه وسلم "قال لا ربا إلا في النسيئة". أخرجه الشيخان وغيرهما: قلت: اختلفوا في الجمع بينهما فقيل: إن حديث أسامة منسوخ لكن النسخ لا يثبت بالاحتمال. وقيل: المعنى في قوله: لا ربا الربا الأغلظ الشديد التحريم المتوعد عليه بالعقاب الشديد كما تقول العرب: لا عالم في البلد إلا زيد. مع أن فيها علماء غيره وإنما القصد نفي الأكمل لا نفي الأصل. وأيضاً فنفي تحريم ربا الفضل من حديث أسامة إنما هو بالمفهوم فيقدم عليه حديث أبي سعيد لأن دلالته بالمنطوق، ويحمل حديث أسامة على الربا الأكبر كما تقدم. وقال الطبري: معنى حديث أسامة لا ربا إلا في النسيئة إذا اختلفت أنواع البيع والفضل فيه يداً بيد ربا، جمعاً بينه وبين حديث أبي سعيد ذكره الحافظ.
قوله: "بالبقيع" بالموحدة والمراد به بقيع الغرقد، فإنهم كانوا يقيمون السوق فيه قبل أن يتخذ مقبرة وروى النقيع بالنون وهو موضع قريب من المدينة يستنقع فيه الماء أي يجتمع كذا في النهاية. "فأبيع بالدنانير" أي تارة "فآخذ مكانها" أي مكان الدنانير "الورق" أي الفضة وهو بفتح الواو وكسر الراء وبأسكانها على المشهور ويجوز فتحهما وقيل بكسر الواو المضروبة وبفتحها المال "وأبيع بالورق" أي تارة أخرى "فقال لا بأس به بالقيمة" أي لا بأس أن تأخذ بدل الدنانير الورق بالعكس بشرط التقابض في

(4/443)


هذا حديثٌ لاَ نَعْرِفُهُ مَرْفُوعاً إِلاّ مِنْ حَدِيثِ سِمَاكِ بْن حَرْبٍ عَنْ سَعِيدِ بن جُبَيْرٍ عنْ ابنِ عُمَرَ. وَرَوَى دَاوُدُ بنُ أَبي هِنْدٍ هذَا الْحَدِيثَ عنْ سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ، عَنْ ابنَ عُمَرَ، مَوْقُوفاً. وَالْعَمَلُ عَلَى هذَا عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ أنْ لاَ بَأْسَ أَنْ يَقْتَضِيَ الذّهَبَ مِنْ الْوَرِقِ، والْوَرِقَ مِنَ الذّهَبِ. وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ وإسْحاقَ. وَقَدْ كَرِهَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النبيّ صلى الله عليه وسلم وَغَيْرِهِمْ، ذلِكَ.
1261 ـ حدثنا قُتَيْبَةُ. حدّثنا اللّيْثُ عَنِ ابنِ شِهَاب، عَنْ مالِكِ بن أَوْسِ بنِ الْحَدَثَانِ، أَنّهُ قَالَ: أَقبَلْتُ أَقولُ: مَنْ يَصْطَرِفُ الدّرَاهِمَ؟
ـــــــ
المجلس. وفي المشكاة فقال: لا بأس أن تأخذ بسعر يومها ما لم تفترقا وبينكما شيء. قال ابن الملك أي شيء من علقة الاستبدال وهو التقابض في المجلس في بيع النقد بالنقد ولو مع اختلاف الجنس انتهى. قال الطيبي رح: فإنما نكره أي لفظ شيء وأبهمه للعلم بالمراد وإن تقابض النقدين في المجلس مما هو مشهور لا يلتبس على كل أحد كذا في المرقاة والضمير المنصوب في قوله أن تأخذها راجع إلى أحد النقدين عن الدراهم والدنانير على البدل كما ذكره الطيبي رحمه الله. قال الشوكاني في النيل: فيه دليل على جواز الاستبدال عن الثمن الذي في الذمة بغيره وظاهره أنهما غير حاضرين جميعاً بل الحاضر أحدهما وهو غير اللازم فيدل على أن ما في الذمة كالحاضر انتهى قوله: "هذا حديث لا نعرفه مرفوعاً إلا من حديث سِمَاك الخ" وأخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه وأحمد وصححه الحاكم. قوله: "والعمل على هذا عند بعض أهل العلم الخ" قال في النيل وهو محكى عن عمر وابنه عبد الله والحسن والحكم وطاؤس والزهري ومالك والشافعي وأبي حنيفة والثوري والأوزاعي وأحمد وغيرهم. وروى عن ابن مسعود وابن عباس وسعيد بن المسيب وأحد قولي الشافعي أنه مكروه أي الاستبدال المذكور والحديث يرد عليهم. واختلف الأولون فمنهم من قال يشترطان أن يكون بسعر يومها كما وقع في الحديث، وهو مذهب أحمد. وقال أبو حنيفة والشافعي أنه يجوز بسعر يومها وأغلى وأرخص وهو خلاف ما في الحديث من قوله بسعر يومها. وهو أخص من حديث: إذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا يداً بيد. فيبني العام على الخاص. قوله: "عن مالك بن أوس بن الحدثان" بفتح المهملة والمثلثة، النصري بالنون المدني له رؤية وروى عن عمر "من يصطرف الدراهم" من

(4/444)


فَقَالَ طَلْحَةُ بنُ عُبَيْدِ الله، وَهُوَ عِنْدَ عُمَرَ بْنِ الْخَطّابِ: أرِنَا ذَهَبَكَ ثم ائْتِنَا إذَا جَاءَ خَادِمُنَا نُعْطِكَ وَرِقَكَ. فَقَالَ عُمَرُ: كَلاّ، والله لَتُعْطِيَنّهُ وَرِقَهُ أَوْ لَتَرُدّنّ إلَيْهِ ذَهَبَهُ. فإِنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ "الْوَرِقُ بالذّهَبِ رِباً إِلاّ هَاءَ وَهَاءَ. وَالبرّ بالبُرّ رِباً إلاّ وَهَاءَ وهاء. وَالشّعِيرُ بالشّعِيرِ رِباً إِلاّ هَاءَ وَهَاءَ. والتّمْرُ بِالتّمْرِ رِباً إِلاّ هَاءَ وهَاءَ". هذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ. والعَمَلُ عَلَى هذَا عِنْدَ أهلِ العِلْمِ. وَمَعْنى قَوْلِهِ "إِلاّ هَاءَ وَهَاءَ" يَقُولُ يَداً بِيَدٍ.
ـــــــ
الاصطراف وكان أصله بالتاء فابدلت التاء بالطاء "أرنا ذهبك ثم ائتنا إذا جاء خادمنا" وفي رواية مالك في الموطإ: فتراوضنا حتى اصطرف مني، وأخذ الذهب يقلبها في يده، ثم قال حتى يأتي خازني من الغابة. وإنما قال ذلك طلحة لظنه جواز ذلك كسائر البيوع وما كان بلغه حكم المسألة "نعطك ورقك" الورق بكسر راء ويسكن وبكسر واو مع سكون، والرقة بكسر راء وخفة قاف الدرهم المضروب "إلا هاء وهاء" قال النووي: فيه لغتان المد والقصر والمد أفصح وأشهر وأصله هاك فأبدلت الكاف من المد ومعناه: خذ هذا ويقول لصاحبه مثله. قوله: "هذا حديث حسن صحيح" أخرجه الجماعة قوله: "والعمل على هذا عند أهل العلم" يعني على أنه لا يجوز بيع الناجز بالغائب في الصرف.

(4/445)


باب ماجاء في أبتياع النخل بعد التأبير والعبد و له مال
...
25ـ باب مَا جَاءَ في ابْتِيَاعِ النّخْلِ بَعْدَ التّأْبِيرِ، والْعَبْدِ ولَهُ مَال
1262 ـ حدثنا قُتَيْبَةُ. حَدّثَنَا اللّيْثُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمٍ، عنْ أَبِيهِ قالَ: سِمعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "مَنِ ابتَاعَ نَخْلاً بَعْدَ أَنْ تؤبّرَ فَثَمَرَتُهَا لِلّذِي بَاعَهَا، إلاّ أَنْ يَشْترِطَ
ـــــــ
باب مَا جَاءَ في ابْتِيَاعِ النّخْلِ بَعْدَ التّأْبِيرِ، والْعَبْدِ ولَهُ مَال
قوله: "من ابتاع" أي اشترى "بعد أن تؤبر" بصيغة المجهول من التأبير وهو تلقيح النخل، وهو أن يوضع شيء من طلع فحل النخل في طلع الأنثى إذا انشق فتصلح ثمرته بإذن الله تعالى. "فثمرتها للذي باعها" فيه دليل على أن من

(4/445)


المُبْتَاعُ.وَمَنْ ابْتَاعَ عَبْداً وَلَهُ مَالٌ فمالُهُ لِلّذِي بَاعَهُ، إلا أنْ يَشْترِطَ المبْتَاعُ". وفي البابِ عَنْ جَابِرٍ وحَدِيثُ ابنِ عُمَرَ حَدِيثٌ حسَنٌ صَحِيحٌ. هَكَذَا رُوِيَ مِنْ غَيرِ وَجْهٍ عَن الزّهْرِيّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابنِ عُمَرَ، عَنِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قَالَ "مَنِ ابتَاعَ نَخْلاً بَعْدَ أَنْ تؤَبّرَ فَثَمَرَتهَا لِلْبَائِعِ إلاّ أَنْ يْشترِطَ المُبْتَاعُ، ومَنْ بَاعَ عَبْداً ولَهُ مَالٌ فَمَالُهُ للذي باعه، إلاّ أَنْ يَشْتَرِطَ الْمبَتاعُ". وقد رُوِيَ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابنِ عُمَرَ، عَنِ النبيّ صلى الله عليه وسلم قَالَ "مَنِ ابْتَاعَ نَخْلاً قَدْ أُبّرَتْ فَثَمَرَتهَا لِلْبَائِعِ، إلاّ أَنْ يَشْترِطَ المبْتَاعُ".
ـــــــ
باع نخلاً وعليها ثمرة مؤبرة لم تدخل الثمرة في البيع بل تستمر على ملك البائع، ويدل بمفهومه على أنها إذا كانت غير مؤبرة تدخل في البيع وتكون للمشتري وبذلك قال جمهور العلماء، وخالفهم الأوزاعي وأبو حنيفة فقالا: تكون للبائع قبل التأبير وبعده. وقال ابن أبي ليلى: تكون للمشتري مطلقاً. وكلا الإطلاقين مخالف لأحاديث الباب. وهذا إذا لم يقع شرط من المشتري بأنه اشترى الثمرة ولا من البائع بأنه استثنى لنفسه الثمرة، فإن وقع ذلك كانت الثمرة للشارط من غير فرق بين أن تكون مؤبرة أو غير مؤبرة. قال في الفتح: لا يشترط في التأبير أن يؤبر أحد بل لو تأبر بنفسه لم يختلف الحكم عند جميع القائلين به. كذا في النيل. "إلا أن يشترط المبتاع" أي المشتري بأن يقول: اشتريت النخلة بثمرتها هذه "وله مال" قال القاري: اللام للاختصاص فإن العبد لا ملك له خلافاً لمالك. "فماله" بضم اللام "للذي باعه" أي باق على أصله وهو كونه ملكاً للبائع قبل البيع. قال القاري. وهذا على رأي من قال: إن العبد لا ملك له قال في شرح السنة: فيه بيان أن العبد لا ملك له بحال، قإن السيد لو ملكه لا يملك لأنه مملوك. فلا يجوز أن يكون مالكاً كالبهائم. وقوله "وله مال" إضافة مجاز لا إضافة ملك، كما يضاف السرج إلى الفرس، والإكاف إلى الحمار، والغنم إلى الراعي. يدل عليه أنه قال: فماله للبائع أضاف الملك إليه وإلى البائع في حالة واحدة ولا يجوز أن يكون الشيء والواحد كله ملكاً للاثنين في حالة واحدة.

(4/446)


رُوِيَ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابنِ عُمَرَ عَنْ عُمَرَ، أَنّهُ قَالَ: مَنْ بَاعَ عَبْداً ولَهُ مَالٌ، فمَالُهُ لِلْبَائِعِ إلاّ أنْ يَشْترِطَ المبْتَاعُ. هَكَذَا رَوَاه عُبَيْدُ الله بنُ عُمَر وغَيْرُهُ عَنْ نَافِعٍ، الْحَدِيثَيْنِ.
وقَدْ رَوىَ بَعْضُهُمْ هذَا الْحَدِيثَ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابنِ عمَرَ، عَن النبيّ صلى الله عليه وسلم أَيْضاً.
ورَوَى عِكْرِمَةُ بنُ خَالِدٍ عَنِ ابنِ عمَرَ، عَنِ النبيّ صلى الله عليه وسلم نَحْوَ حَدِيثِ سَالمٍ. والعَمَلُ عَلى هذَا الْحَدِيثِ عِنْدَ بَعْضِ أهلِ العِلْمِ. وهُوَ قَوْلُ الشّافِعِيّ وأحْمَدَ وإسْحاقَ.
قَالَ مُحَمّدُ بن اسماعيل حَدِيثُ الزّهْرِيّ عَنْ سَالِمٍ عنْ أبِيهِ، عَنِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم، أصَحّ
ـــــــ
فثبت أن إضافة المال إلى العبد مجاز أي للاختصاص، وإلى المولى حقيقة أي الملك. قال النووي رحمه الله: مذهب مالك والشافعي في القديم أن العبد إذا ملكه سيدة مالا ملكه، لكنه إذا باعه بعد ذلك كان ماله للبائع إلا أن يشترط لظاهر الحديث. وقال الشافعي إن كان المال دراهم لم يجز بيع العبد وتلك الدراهم بدراهم. وكذا إن كان الدنانير أو الحنطة لم يجز بيعهما بذهب أو حنطة. وقال مالك: يجوز إن اشترطه المشتري وإن كان دراهم والثمن دراهم لإطلاق الحديث كذا في المرقاة. قال الشوكاني في النيل: والظاهر القول الأول يعني قول مالك لأنه نسبة المال إلى الملوك تقتضي أنه يملك، وتأويله بأن المراد أن يكون شيء في يد العبد من مال سيده وأضيف إلى العبد للاختصاص والانتفاع، لا للملك كما يقال: الجل للفرس خلاف الظاهر انتهى. قوله: "وفي الباب عن جابر" لينظر من أخرجه. قوله: "حديث ابن عمر حديث حسن صحيح" وأخرجه مسلم وروى البخاري المعنى الأول وحده كذا في المشكاة

(4/447)


باب ماجاء في البيعان بالخيار مالم يتفرقا
...
26 ـ باب مَا جَاءَ في البيّعينِ بِالْخِيارِ مَا لَم يَتفَرّقَا
1263 ـ حدثنا واصلُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلى. حدثنا مُحَمّدُ بنُ فُضَيْلٌ عنْ يَحْيى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْن عمرَ قالَ: سَمعْتُ رسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "البَيعانِ بالْخِيارِ مَا لَمْ يَتَفَرّقَا أوْ يَخْتَارَا".
قالَ: فَكانَ ابنُ عُمرَ إذَا ابْتَاعَ بَيْعاً وهُوَ قَاعِدٌ، قَامَ لِيَجِبَ لَهُ البَيْعُ.
ـــــــ
باب ما جاء البيعين بالخيار "ما لم يتفرقا"
البيعان بفتح الموحدة وتشديد التحتية البائع والمشتري . قوله: "البيعان بالخيار" بكسر الخاء المعجمة اسم من الاختيار أو التخيير وهو طلب خير الأمرين من إمضاء البيع أو فسخه، والمراد بالخيار هنا خيار المجلس والبيع هو البائع أطلق على المشتري على سبيل التغليب. أو لأن كل واحد من اللفظين يطلق على الاَخر. قال العراقي لم أر في شيء من طرق الحديث البائعان وإن كان لفظ البائع أشهر وأغلب من البيع وإنما استعملوا ذلك بالقصر والإدغام من الفعل الثلاني المعتل العين في ألفاظ محصورة كطيب وميت وكيس وريض ولين وهين. واستعملوا في باع الأمرين فقالوا بايع وبيع انتهى. وقال الحافظ: البيع بمعن البائع كضيق وضائق وليس كبين وبائن فإنهما متغايران كقيم وقائم انتهى. "ما لم يتفرقا" أي بالأبدان كما فهمه ابن عمر وهو راوي الحديث، وأبو برزة الأسلمي وهو راوي الحديث أيضاً كما ستقف عليه في هذا الباب "أو يختارا" أي مضاء البيع. قوله: "فكان ابن عمر إذا ابتاع بيعاً وهو قاعد قام ليجب له" وفي رواية للبخاري: وكان ابن عمر إذا اشترى شيئاً يعجبه فارق صاحبه، ولمسلم في رواية: وكان إذا بايع رجلاً فأراد أن لا يقيله قال فمشي هنيهة ثم رجع إليه. ولابن أبي شيبة في رواية: كان ابن عمر إذا باع انصرف ليجب له البيع. قوله: "عن حكيم بن حزام" بكسر مهملة فزاي "فإن صدقا" أي في صفة البيع والثمن وما يتعلق بهما "وبينا" أي عيب الثمن والمبيع "بورك" أي كثر النفع "لهما في بيعهما" أي وشرائهما أو المراد في عقدهما "محقت" بصيغة المجهول أي أزيلت وذهبت "بركة تبيعهما" قال الحافظ: يحتمل أن يكون على ظاهره وإن شؤم التدليس والكذب وقع ذلك العقد فمحق بركته. وإن كان الصادق مأجوراً

(4/448)


قال أبو عيسى: وفي البابِ عنْ أبي بَرْزَةَ وَحَكِيمِ بنِ حزَامٍ وعَبْدِ الله بنِ عَبّاسٍ وعَبْدِ الله بنِ عَمْروٍ وسَمُرَةَ وأبي هُرَيْرَةَ.
قال أبو عيسى: حدِيثُ ابنِ عُمرَ حدِيثٌ حسنٌ صحيحٌ. وَالْعَمَلُ عَلَى هذَا عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ العِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النبيّ صلى الله عليه وسلم وغَيْرِهِمْ. وهُوَ قَوْلُ الشّافِعِيّ وأحْمَدَ وإسْحَاقَ. وقَالُوا: الْفُرْقَةُ بِالأَبْدَانِ لاَ بالْكَلاَمِ.
ـــــــ
والكاذب مأزوراً ويحتمل أن يكون ذلك مختصاً بمن وقع منه التدليس والعيب دون الاَخر ورجحه ابن أبي جمرة انتهى. قوله: "وهذا حديث صحيح" وأخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي وأحمد. قوله: "وفي الباب عن أبي برزة" أخرجه أبو داود والطحاوي وغيرهما بلفظ: أن رجلين اختصما إليه في قرس بعد ما تبايعا، وكانا في سفينة. فقال لا أراكما افترقتما. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "البيعان بالخيار ما لم يتفرقا" "وعبد الله بن عمرو" وأخرجه الترمذي وأبو داود والنسائي وأحمد. "وسمرة" أخرجه النسائي "وأبي هريرة" أخرجه أبو داود "وابن عباس" أخرجه ابن حبان والحاكم والبيهقي. وفي الباب أيضاً عن جابر أخرجه البزار والحاكم وصححه. قوله: "حديث ابن عمر حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان. قوله: "وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق وقالوا الفرقة بالأبدان لا بالكلام" وبه قال ابن عمر وأبو برزة الأسلمي قال الحافظ في الفتح. ولا يعرف لهما مخالف من الصحابة انتهى. وهو قول شريح والشعبي وطاوس وعطاء وابن أبي مليكة ونقل ابن المنذر القول به أيضاً عن سعيد بن المسيب والزهري وابن أبي ذئب من أهل المدينة، وعن الحسن البصري والأوزاعي وابن جريج وغيرهم. وبالغ ابن حزم فقال: لا نعلم لهم مخالفاً من التابعين إلا النخعي وحده، ورواية مكذوبة عن شريح. والصحيح عنه القول به كذا في فتح الباري. قلت: هذا القول هو الظاهر الراجح المعول عليه وقد اعترف صاحب التعليق الممجد من الحنفية بأنه أولى الأقوال حيث قال: ولعل المنصف الغير المتعصب يستيقن بعد إحاطة الكلام من الجوانب في هذا البحث أن أولى الأقوال هو ما فهمه الصحابيان الجليلان، يعني ابن عمر وأبا برزة الأسلمي رضي الله

(4/449)


وقَدْ قالَ بَعْضُ أهْلِ الْعِلْمِ: مَعْنَى قَوْلِ النبيّ صلى الله عليه وسلم "مَا لَمْ يَتَفَرّقَا" يَعْنِي الْفُرْقَةَ بالْكَلاَمِ. والْقَوْلُ الأَوّلُ أصَحّ، لأن ابنَ عُمرَ هُوَ رَوَى عنِ النبيّ صلى الله عليه وسلم. وهُوَ أَعْلَمُ بِمَعْنَى مَا رَوَى. وَرُوِيَ عَنْهُ أَنّهُ كانَ إذَا أرَادَ أنْ يُوجِبَ الْبَيْعَ، مَشَى لِيَجِبَ لَهُ. وهكذَا وَرُوِيَ عنْ أبي بَرْزَةَ.
1264 ـ حدثنا مُحَمّدُ بنُ بَشّارٍ. حدّثنَا يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ عنْ شُعْبَةَ عن قَتَادَة، عنْ صَالِحٍ أبي الْخَلِيلِ، عنْ عَبْدِ الله بنِ الْحَارِثِ، عنْ حَكِيم بنِ حِزامٍ قالَ: قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم "الْبَيّعَانِ بالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرّقَا. فإِنْ صَدَقَا وَبَيّنَا، بُورِكَ لَهُمَا في بَيْعهِمَا، وإنْ كتما وكَذبَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعهِمَا".
هذا حديثٌ صحيحٌ.
ـــــــ
عنهما. وفهم الصحابي إن لم يكن حجة لكنه أولى من فهم غيره بلا شبهة وإن كان كل من الأقوال مستند إلى حجة انتهى كلامه. "وقد قال بعض أهل العلم: معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم ما لم يتفرقا يعني الفرقة بالكلام" وهو قول إبراهيم النخعي. وبه قال المالكية إلا ابن حبيب والحنفية كلهم. قال ابن حزم: لا نعلم لهم سلفاً إلا إبراهيم وحده، ورواية مكذوبة عن شريح. والصحيح عنه القول به: قال الإمام محمد في موطإه وتفسيره عندنا على

(4/450)


وَهَكَذَا رُويَ عَنْ أبي بَرْزَةَ الأَسْلَمِيّ أَنّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا إلَيْهِ في فَرَسٍ بَعْدَ مَا تَبَايَعَا. وَكانُوا في سَفينَةٍ. فَقَالَ: لاَ أرَاكُمَا افترَقْتُمَا. وَقَالَ رَسولُ الله صلى الله عليه وسلم "الْبَيّعَانِ بالْخِيَار مَا لَمْ يَتَفَرّقَا".
وَقَدْ ذَهبَ بعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أهْلِ الكُوفَةِ وغَيْرِهِمْ، إلى أَنّ الْفُرْقَةَ بالكلامِ، وهُوَ قَوْلُ سفيان الثّوْرِيّ.
وَهكذَا رُوِيَ عَنْ مالِكِ بْنِ أنَسٍ. وَرُوِيَ عَن ابن الْمُبَارَكِ أنّهُ قالَ: كَيْفَ أَرُدّ هذَا؟ والْحَدِيثُ فيهِ عنْ النبيّ صلى الله عليه وسلم صحيح وقوّى هذا المذْهَبَ.
وَمَعْنَى قَوْلِ النبيّ صلى الله عليه وسلم "إلاّ بَيْعَ الْخِيَارِ" مَعْنَاهُ أَنْ يخَيّرَ الْبَائِعُ المُشْترِيَ بَعْدَ إيجَابِ الْبَيْعِ. فإِذَا خَيّرَهُ فاخْتَارَ الْبَيْعَ، فَلَيْسَ لَهُ خِيَارٌ بَعْدَ ذلِكَ في فَسْخِ الْبَيْعِ. وإن لَمْ يَتَفَرّقَا. هكَذَا فَسّرَهُ الشافِعِيّ وغَيْرُه. ومِمّا يُقَوّى قَوْلَ مَنْ يَقُولُ "الْفُرْقَةُ بالأبْدَانِ لاَ بِالكَلاَمِ" حدِيثُ عَبدِ الله بنِ عَمْروٍ عنِ النبيّ صلى الله عليه وسلم.
ـــــــ
ما بلغنا عن إبراهيم النخعي أنه قال المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا عن منطق البيع إذا قال البائع: قد بعتك فله أن يرجع ما لم يقل الاَخر قد اشتريت، وإذا قال المشتري قد اشتريت بكذا وكذا له أن يرجع عن قوله اشتريت ما لم يقل البائع قد بعت. وهو قول أبي حنيفة والعامة من فقهائنا، انتهى ما في الموطإ. وقد أطال صاحب التعليق الممجد ههنا الكلام وأجاد واجاب عن كل ما تمسك به الحنفية فعليك أن ترجع إليه. "ومعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: إلا بيع الخيار. معناه أن يخير البائع المشتري بعد إيجاب البيع. فإذا خيره فاختار البيع الخ" قد اختلف العلماء في المراد بقوله: إلا بيع الخيار. فقال الجمهور وبه جزم الشافعي: هو استثناء من امتداد الخيار إلى التفرق. والمراد أنهما إن اختارا إمضاء البيع قبل التفرق. فقد لزم البيع حينئذ وبطل اعتبار التفرق فالتقدير إلا البيع الذي جرى فيه التخاير. قال النووي: اتفق أصحابنا

(4/451)


1265 ـ أخبرنا بِذلِكَ قُتَيْبَةُ، عن سعيد حدّثنَا اللّيْثُ بنُ سَعدٍ عنِ ابنِ عَجْلاَنَ، عنْ عَمْروِ بنِ شُعَيْبٍ، عنْ أَبيهِ، عنْ جَدّهِ أَنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ "الْبَيّعَانِ بالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرّقَا، إلاّ أنْ تَكُونَ صَفقَةَ خِيَارٍ. ولاَ يَحِلّ لَهُ أَنْ يُفَارِقَ صَاحِبَهُ خَشْيَةَ أَنْ يَسْتَقِيلَهُ".
ـــــــ
على ترجيح هذا التأويل، وأبطل كثير منهم ما سواه.
وغلطوا قائله. ورواية الليث ظاهرة جداً في ترجيحه قيل هو استثناء من انقطاع الخيار بالتفرق. وقيل المراد بقوله: أو يخير أحدهما الاَخر أي فيشترطا الخيار مدة معينة، فلا ينقضي الخيار بالتفرق بل يبقى حتى تمضي المدة. حكاه ابن عبد البر عن أبي ثور ورجح الأول بأنه أقل في الإضمار وفيه أقوال أخرى ذكرها الحافظ في الفتح. قوله: "إلا أن تكون صفقة خيار" بالرفع على أن كان تامة، والتقدير إلا أن توجد أو تحدث صفقة خيار وبالنصب على أن كان ناقصة وأسمها مضمر وخبرها صفقة خيار، والتقدير إلا أن تكون الصفقة صفقة خيار. والمراد أن المتبايعين إذا قال أحدهما لصاحبه: اختر إمضاء البيع أو افسخه فاختار أحدهما تم البيع وإن لم يتفرقا. قاله الشوكاني. وقال القاري في المرقاة: والمعنى أن المتبايعين ينقطع خيارهما بالتفرق إلا أن يكون البيع بيعاً شرط فيه الخيار. وتفسير القاري هذا خلاف ما فسر به الشوكاني وكلاهما محتمل. وقد تقدم اختلاف أهل العلم في تفسير إلا بيع الخيار وقال الطيبي: الإضافة في صفقة خيار للبيان فإن الصفقة يجوز أن تكون للبيع أو للعهد انتهى. وقال في النهاية إن أكبر الكبائر أن تقاتل أهل صفقتك، هو أن يعطي الرجل عهده وميثاقه ثم يقاتله، لأن المتعاهدين يضع أحدهما يده في يد الاَخر كما يفعل المتبايعان وهي المرة من النتصفيق باليدين انتهى. "ولا يحل" أي في الورع قاله القاري "له" أي لأحد المتعاقدين "أن يفارق صاحبه" أي بالبدن "خشية أن يستقيله" بالنصب على أنه مفعول له واستدل بهذا القائلون بعدم ثبوت خيار المجلس. قالوا لأن في هذا الحديث دليلاً على أن صاحبه لا يملك الفسخ إلا من جهة الاستقالة. وأجيب بأن الحديث حجة عليهم لا لهم. ومعناه لا يحل له أن يفارقه بعد البيع خشية أن يختار فسخ البيع. فالمراد بالاستقالة فسخ النادم منهما

(4/452)


هذا حديثٌ حَسَنٌ. وَمَعْنَى هذَا، أنْ يُفَارِقَهُ بعْدَ البَيْعِ خَشيَةَ أنْ يَسْتقِيلَهُ، ولَوْ كانَتِ الفُرْقَةُ بِالكلاَمِ، ولمْ يكُنْ لَهُ خِيارٌ بَعْدَ البيْع، لَمْ يَكُنْ لِهذَا الْحَدِيثِ مَعنى. حَيْثُ قَالَ صلى الله عليه وسلم "وَلاَ يَحِلّ لَهُ أنْ يُفَارِقَهُ خَشْيةَ أنْ يَسْتَقِيلَهُ" .
ـــــــ
للبيع. وعلى هذا حمله الترمذي وغيره من العلماء قالوا: ولو كانت الفرقة بالكلام لم يكن له خيار بعد البيع، ولو كان المراد حقيقة الاستقالة لم تمنعه من المفارقة لأنها لا تختص بمجلس العقد. وقد أثبت في أول الحديث الخيار، ومده إلى غاية التفرق. ومن المعلوم أن من له الخيار لا يحتاج إلى الاستقالة فتعين حملها على الفسخ. وحملوا نفي الحل على الكراهة لأنه لا يليق بالمروءة وحسن معاشرة المسلم لا أن اختيار الفسخ حرام انتهى. قلت: الأمر كما قال الشوكاني. وبهذا اندفع قول القاري في المرقاة بأنه دليل صريح لمذهبنا لأن الإقالة لا تكون إلا بعد تمام العقد. ولو كان له خيار المجلس لما طلب من صاحبه الإقالة ووجه الاندفاع ظاهر من كلام الشوكاني. وبكلامه أيضاً ظهر صحة قول المظهر بأن المراد من الاستقالة طلب الفسخ لا حقيقة الإقالة وهي دفع العاقدين البيع بعد لزومه بتراضيهما، أي لا ينبغي للمتقي أن يقوم من المجلس بعد العقد ويخرج من أن يفسخ العاقد الاَخر البيع بخيار المجلس، لأن هذا يشبه الخديعة انتهى. ووجه صحة كلامه أيضاً ظاهر من كلام الشوكاني "هذا حديث حسن" قال في المنتقى بعد ذكره: رواه الخمسة إلا ابن ماجه. ورواه الدارقطني وفي لفظ: حتى يتفرقا من مكانهما. قوله: "ومعنى هذا أن يفارقه الخ" وكذا قال غير الترمذي من أهل العلم كما عرفت في كلام الشوكاني .

(4/453)


27 ـ باب
1266 ـ حدثنا نَصْرُ بنُ عَلِي. حَدّثنَا أَبُو أحْمَدَ. حَدّثنَا يَحْيَى بنُ أيّوبَ "وهو البجليّ الكوفيّ" قَالَ: سَمِعْتُ أبَا زُرْعَةَ بنَ عَمْرو بن جرير يُحَدّثُ عَنْ أبي هُرَيرَةَ، عَنِ
ـــــــ
باب
قوله: "سمعت أبا زرعة بن عمرو" بن جرير البجلي الكوفي روى عن جده

(4/453)


النبيّ صلى الله عليه وسلم قَالَ "لاَ يَتَفَرَقَنّ عَنْ بَيْعٍ إلاّ عَنْ تَرَاضٍ".
قال أبو عيسى هذا حديثٌ غَرِيبٌ.
1267 ـ حدثنا عَمْروُ بنُ حَفْصٍ الشّيْبَانيّ. حَدّثنَا ابنُ وَهْبٍ عنِ ابن جُرَيجٍ، عَنْ أبي الزّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم خَيّرَ أعْرَابياً بَعْدَ الْبَيْعِ. وَهذا حديثٌ حسنٌ غَرِيبٌ.
ـــــــ
جرير وأبي هريرة من ثقات علماء التابعين قوله: "لا يتفرقن عن بيع إلا عن تراض" وفي رواية أبي داود "لا يفترقن اثنان إلا عن تراض" . قال الطيبي قوله عن تراض صفة مصدر محذوف والاستثناء متصل أي لا يتفرقن اثنان إلا تفرقاً صادراً عن تراض انتهى. قال القاري لمراد بالحديث والله تعالى اعلم أنهما لا يتفرقان إلا عن تراض بينهما فيما يتعلق بإعطاء الثمن وقبض المبيع وإلا فقد يحصل الضرر، وهو منهي في الشرع أو المراد منه أن يشاور مريد الفراق صاحبه ألك رغبة في المبيع. فإن أريد الإقالة أقاله، فيوافق الحديث الأول يعني الحديث الاَتي في هذا الباب. وهذا نهى تنزيه للإجماع على حل المفارقة من غير إذن الاَخر ولا علمه انتهى. وقال قال الأشرف: وفيه دليل على ثبوت خيار المجلس لهما وإلا فلا معنى لهذا القول انتهى. قلت: قد فهم راوي الحديث عن أبي هريرة منه ثبوت خيار المجلس وهو أبو زرعة ابن عمرو ففي سنن أبي داود: حدثنا محمد بن حاتم الجرجرائي قال مروان الفزاري أخبرنا عن يحيى بن أيوب قال كان أبو زرعة إذا بايع رجلاً خيره قال ثم يقول خيرني فيقول سمعت أبا هريرة يقول الحديث. قوله: "هذا حديث غريب" وأخرجه أبو داود وسكت عنه. وقال المنذري وأخرجه الترمذي ولم يذكر أبا زرعة، وقال هذا حديث غريب انتهى كلام المنذري. قلت قد ذكر الترمذي أبا زرعة لكنه لم يذكر قوله الذي ذكره أبو داود في روايته. قوله: "خير أعرابياً بعد البيع" أي بعد تحققه بالإيجاب والقبول. قال الطيبي: ظاهره يدل على مذهب أبي حنيفة لأنه لو كان خيار المجلس ثابتاً بالعقد كان التخيير عبثاً. والجواب أن هذا مطلق يحمل على المقيد كما سبق في الحديث الأول من الباب انتهى. أراد بالحديث الأول حديث ابن عمر: المتبايعان كل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا إلا بيع الخيار. قوله: "وهذا حديث حسن غريب" وقال صاحب المشكاة بعد ذكر هذا الحديث: رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن صحيح غريب. وقال القاري وحسن غير موجود في بعض النسخ .

(4/454)


باب ماجاء فيمن يخدع في البيع
...
28 ـ باب ما جَاءَ فِيمَنْ يُخْدَعُ في البَيْع
1268 ـ حدثنا يُوسُفُ بنُ حَمّادٍ الْبَصْرِيّ. حَدّثَنَا عبْدُ الأَعَلى بنُ عَبْدِ الأعْلَى عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتادَةَ، عَنْ أنَسٍ، أنّ رَجُلاً كانَ في عُقْدَتِهِ ضَعْفٌ. وَكانَ يُبَايِعُ. وَأن أهْلَهُ أَتَوُا النبيّ صلى الله عليه وسلم فَقَالُوا: يا رسُولَ الله احْجُرْ عَلَيْهِ. فَدَعَاهُ نبيّ الله صلى الله عليه وسلم فَنَهَاهُ. فَقَالَ: يا رسولَ الله إنّي لا أَصْبرُ عَنْ الْبَيْعِ. فَقَالَ "إذَا بَايَعْتَ فَقُل هَاءَ وَهَاءَ وَلاَ خِلاَبَةَ".
قال أبو عيسى وفي البابِ عَنِ ابنِ عمَرَ.
ـــــــ
باب ما جَاءَ فِيمَنْ يُخْدَعُ في البَيْع
قوله: "أن رجلاً كان في عقدته" قال في النهاية أي في رأيه ونظره في مصالح نفسه انتهى. وكان اسم ذلك الرجل حبان بن منقذ بفتح الحاء المهملة والموحدة الثقيلة "ضعف" أي كان ضعيف العقل والرأي "أحجر عليه" بضم الجيم أمر من الحجر وهو المنع من التصرف ومنه حجر القاضي على الصغير والسفيه إذا منعهما من التصرف من مالهما كذا في النهاية "فنهاه" أي عن المبايعة "فقل هاء وهاء" تقدم ضبطه وتفسيره في باب الصرف "ولا خلابة" بكسر الخاء المعجمة وتخفيف اللام أي لا خديعة ولا لنفي الجنس، أي لا خديعة في الدين. لأن الدين النصيحة. قال النووي: واختلف العلماء في هذا الحديث فجعله بعضهم خاصاً في حقه وأن المغابنة بين المتبايعين لازمة، لا خيار للمغبون بسببها سواء قلت أو كثرت. وهذا مذهب الشافعي وأبي حنيفة وآخرين وهي أصح الروايتين عن مالك. وقال البغداديون من المالكية: للمغبون الخيار لهذا الحديث بشرط أن يبلغ الغبن ثلث القيمة، فإن كان دونه فلا. والصحيح الأول لأنه لم يثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم أثبت له الخيار، وإنما قال له: قل لا خلابة أي لا خديعة ولا يلزم من هذا ثبوت الخيار، ولأنه لو ثبت أو أثبت له الخيار كانت قضية عين لا عموم لها فلا ينفذ منه إلى غيره إلا بدليل انتهى. قوله: "وفي الباب عن ابن عمر" أخرجه

(4/455)


وحَدِيثُ أَنَسٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غرِيبٌ. وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا الحَدِيثِ عِنْدَ بَعْضِ أهْلِ العِلْمِ. وَقَالُوا: الحَجْرُ عَلَى الرّجلِ الحُرّ في البَيْعِ وَالشّرَاءِ إذَا كانَ ضَعِيفَ العَقْلِ. وَهُوَ قَوْلُ أحْمَدَ وإسْحَاقَ. وَلَمْ يَرَ بَعْضُهُمْ أنْ يُحْجَرَ عَلَى الحُرّ البَالِغِ.
ـــــــ
الشيخان وأبو داود والنسائي. قوله: "حديث أنس حديث حسن صحيح غريب" وأخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجة وسكت عنه أبو داود والمنذري. قوله: "والعمل على هذا الحديث عند بعض أهل العلم. وقالوا الحجر على الرجل الحر الخ" واستدلوا بحديث أنس المذكور، وجه الاستدلال أن أهل ذلك الرجل الذي كان في عقدته ضعف لما قالوا: يا رسول الله احجر عليه. لم ينكر عليهم فلو كان الحجر على الحر البالغ لا يصح لأنكر عليهم. واستدل أيضاً بهذا الحديث من لم يقل بالحجر على الحر البالغ بأنه صلى الله عليه وسلم لم يحجر على ذلك الرجل فلو كان الحجر على الحر البالغ جائزاً لحجر على ذلك ومنعه من البيع فتأمل .

(4/456)


باب ماجاء في المصراة
...
29 ـ باب مَا جَاء في المُصَرّاة
1269 ـ حدثنا أبُو كُرَيْبِ. حدّثنَا وَكيعٌ عنْ حَمّادِ بنِ سَلَمَةَ، عَنْ مُحَمّدَ بنِ زِيَادٍ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم "مَنِ اشْتَرَى مُصَرّاةً فَهُوَ بالخِيَارِ إذَا حَلَبَهَا. إنْ شَاءَ رَدّهَا ورَدّ مَعَها صَاعاً مِنْ تَمْرٍ". وفي البابِ عَنْ أنَسٍ وَرَجُلٍ مِنْ أصْحَابِ النبيّ صلى الله عليه وسلم.
ـــــــ
باب ما جاء في المصراة
اسم مفعول من التصرية، قال في النهاية: المصراة الناقة أو البقرة أو الشاة يصري اللين في ضرعها أي يجمع ويحبس انتهى يعني لتباع كذلك ويغتربها المشتري ويظن أنها لبون فيزيد في الثمن
قوله: "فهو بالخيار إذا حلبها" وفي رواية للشيخين: بعد أن يحلبها. قال الحافظ ظاهر الحديث أن الخيار لا يثبت إلا بعد الحلب، والجمهور على أنه إذا علم بالتصرية ثبت له الخيار ولو لم يحلب، لكن لما كانت التصرية لا تعرف غالباً إلا بعد الحلب ذكر قيداً في ثبوت الخيار، فلو

(4/456)


1270 ـ حدثنا مُحَمّدُ بنُ بَشّارٍ. حدثنا أبُو عَامِرٍ. حَدّثَنَا قُرّةُ بنُ خالِدٍ عَنْ مُحَمّدِ بنِ سِيرينَ، عَنْ أبي هُرَيْرَةَ عَنِ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال "مَنِ اشْتَرَى مُصَرّاةً فَهُوَ بِالخِيَارِ ثَلاَثَةَ أيّامٍ. فإنْ رَدّهَا رَد مَعَهَا صَاعاً منْ طَعَامٍ لاَ سَمْرَاءَ". هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وَالعمَلُ عَلَى هَذَا الحَدِيثِ عِنْدَ أصْحَابِنَا. مِنْهُمُ الشّافِعِيّ وَأَحْمَدُ وإسْحَاقُ
ـــــــ
ظهرت التصرية بغير الحلب فالخيار ثابت "إن شاء ردعاً ورد معها صاعاً من تمر" أي عوضاً عن لبنها لأن بعض اللبن حديث في ملك المشتري، وبعضه كان مبيعاً فلعدم تمييزه امتنع رده ورد قيمته: فأوجب الشارع صاعاً قطعاً للخصومة من غير نظر إلى قلة اللبن وكثرته كذا في المرقاة. قوله: "وفي الباب عن أنس" أخرجه أبو يعلى "ورجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم" أخرجه أحمد بإسناد صحيح. وفي الباب عن ابن ابن عمر أخرجه أبو داود والطبراني، وعن عمرو بن عوف المزني أخرجه البيهقي في الخلافيات. كذا في فتح الباري. قوله: "فهو بالخيار ثلاثة أيام" فيه دليل على امتداد الخيار هذا المقدار، فتقيد بهذه الرواية الروايات القاضية بأن الخيار بعد الحلب على الفور كما في قوله: بعد أن يحلبها "فإن ردها رد معها صاعاً من طعام الا سمراء" قال الحافظ: تحمل الرواية التي فيها الطعام على التمر. وقد روى الطحاوي من طريق أيوب عن ابن سيرين أن المراد بالسمراء الحنطة الشامية. وروى ابن أبي شيبة وأبو عوانة من طريق هشام بن حسان عن ابن سيرين: لاسمراء يعني الحنطة وروى ابن المنذر من طريق ابن عون عن ابن سيرين انه سمع أبا هريرة يقول: لا سمراء تمر ليس ببر. فهذه الروايات تبين أن المراد بالطعام التمر. ولما كان المتبادر إلى الذهن أن المراد بالطعام القمح نفاه بقوله لا سمراء انتهى.
قوله: "معنى لا سمراء لا بر" بضم الموحدة وتشديد الراء وهي الحنطة قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه البخاري ومسلم قوله: "والعمل على هذا الحديث عند أصحابنا منهم الشافعي وأحمد وإسحاق" قال الحافظ في الفتح قد أخذ بظاهر هذا الحديث يعني حديث أبي هريرة المذكور جمهور أهل العلم وأفتى

(4/457)


ـــــــ
به ابن مسعود وأبو هريرة ولا مخالف لهم من الصحابة وقال به من التابعين ومن بعدهم من لا يحصى عدد ولم يفرقوا بين أن يكون اللبن الذي احتلب قليلاً أو كثيراً. ولا بين أن يكون التمر قوت تلك البلد أم لا. وخالف في أصل المسألة أكثر الحنفية وفي فروعها أكثرون. أما الحنفية فقالوا لا يرد بعيب التصرية ولا يجب رد صاع من التمر وخالفهم زفر فقال يقول الجمهور إلا أنه قال يتخير بين صاع تمر أو نصف صاع بر وكذا قال ابن أبي ليلى وأبو يوسف في رواية إلا أنهما قالا لا يتعين صاع التمر بل قيمته واعتذر الحنفية عن الأخذ بحديث المصراة بأعذار شتى فمنهم من طعن في الحديث بكونه من رواية أبي هريرة ولم يكن كابن مسعود وغيره من فقهاء الصحابة فلا يؤخذ بما رواه مخالفاً للقياس الجلي وهو كلام آذى قائله به نفسه وفي حكايته غنى عن تكلف الرد عليه وقد ترك أبو حنيفة القياس الجلي لرواية أبي هريرة وأمثاله كما في الوضوء بنبيذ التمر، ومن القهقهة في الصلاة وغير ذلك. وأظن أن لهذه النكتة أورد البخاري حديث ابن مسعود عقب حديث أبي هريرة إشارة منه إلى أن ابن مسعود قد أفتى بوفق حديث أبي هريرة فلولا أن خبر أبي هريرة في ذلك ثابت لما خالف ابن مسعود القياس الجلي في ذلك وقد اختص أبو هريرة بمزيد الحفظ لدعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم له ثم مع ذلك لم ينفرد أبو هريرة برواية هذا الأصل فقد أخرجه أبو داود من حديث ابن عمر رضي الله عنه وأخرجه الطبراني من وجه آخر عنه وأبو يعلي من حديث أنس وأخرجه البيهقي في الخلافيات من حديث عمرو بن عوف المزني وأخرجه أحمد من رواية رجل من الصحابة لم يسم وقال ابن عبد البر هذا الحديث مجمع على صحته وثبوته من جهة النقل واعتل من لم يأخذ به بأشياء لا حقيقة لها ومنهم من قال هو حديث مضطرب لذكر التمر فيه تارة والقمح أخرى واللبن أخرى واعتباره بالصاع تارة وبالمثل أو المثلين تارة وبالإناء أخرى والجواب أن الطرق الصحيحة لا اختلاف فيها والضعيف لا يعل به الصحيح ومنهم من قال وهو معارض لعموم القرآن كقوله تعالى {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ} وأجيب بأنه من ضمان المتلفات لا العقوبات والمتلفات تضمن بالمثل وبغير المثل ومنهم من قال هو منسوخ وتعقب بأن النسخ لا يثبت بالاحتمال ولا دلالة على النسخ مع مدعيه كذا في فتح الباري وقد بسط الحافظ فيه الكلام في هذا المقام بسطاً حسناً

(4/458)


ـــــــ
وأجاد وقال الحافظ ابن القيم في أعلام الموقعين: المثال العشرون رد المحكم الصحيح الصريح في مسألة المصراة بالمتشابه من القياس وزعمهم أن هذا يخالف الأصول فلا يقبل فيقال الأصول كتاب الله وسنة رسوله وإجماع أمته والقياس الصحيح الموافق للكتاب والسنة فالحديث الصحيح أصل بنفسه فكيف يقال الأصل يخالف نفسه؟ هذا من أبطل الباطل والأصول في الحقيقة اثنان لا ثالث لهما كلام الله وكلام رسوله وما عداهما فمردود إليهما فالسنة أصل قائم بنفسه والقياس فرع فكيف يرد الأصل بالفرع؟ وقد تقدم بيان موافقة حديث المصراة للقياس وإبطال قول من زعم أنه خلاف القياس ويا لله العجب كيف وافق الوضوء بالنبيذ المشتد للأصول حتى قبل؟ وخالف خبر المصراة للأصول حتى رد؟ انتهى.
قلت قد أطال الحافظ ابن القيم في هذا الكتاب في إبطال قول من زعم أنه خلاف القياس فعليك أن ترجع إليه.تنبيه: قال صاحب العرف الشذي: أما ما ذكر صاحب المنار وغيره من أن حديث المصراة يرويه أبو هريرة وهو غير فقيه ورواية الذي ليس بفقيه غير معتبر إذا كانت خلاف القياس والقياس يقتضي بالفرق بين اللبن القليل والكثير ولبن الناقة أو الشاة أو البقرة وغيرها من الأقيسة فأقول إن مثل هذا قابل الإسقاط من الكتب فإنه لا يقول به عامل وأيضاً هذه الضابطة لم ترد عن أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ولكنها منسوبة إلى عيسى بن أبان انتهى كلام صاحب العرف الشذي بلفظه. قلت وكذلك كثير من الضوابط والمسائل المذكورة في كتب الحنفية المنسوبة إلى الإمام أبي حنيفة قابلة للإسقاط من الكتب الحنفية فإنها لم ترد عنه رحمه الله بل هي منسوبة إليه بلا دليل وشأنه أعلى وأجل أن يقول بها. تنبيه آخر: قال صاحب العرف الشذي: أول من أجاب الطحاوي فعارض الحديث واتى بحديث الخراج بالضمان وسنده قوي أقول إن هذا الجواب ليس بذاك القوي انتهى كلام صاحب العرف الشذي بلفظه. ثم بسط في تضعيف جواب الطحاوي هذا وتوهينه قلت لا شك في أن جواب الطحاوي هذا ضعيف، وواه وقد زعم الطحاوي رحمه الله أن حديث الخراج بالضمان ناسخ لحديث المصراة وهذا زعم فاسد قال الحافظ في الفتح: وقيل إن ناسخه حديث الخراج بالضمان وهو حديث أخرجه أصحاب السنن عن عائشة ووجهة الدلالة منه أن اللبن فضلة من فضلات الشاه ولو هلكت لكان من ضمان المشتري فكذلك فضلاتها تكون له فكيف يعزم بدلها للبائع حكاه الطحاوي أيضاً. وتعقب بأن حديث المصراة أصلح منه باتفاق فكيف يقدم المرجوح على الراجح ودعوى كونه بعده لا دليل عليها وعلى التنزل فالمشتري لم يؤمر بغرامة ما حدث في ملكه بل بغرامة اللبن الذي ورد عليه العقد ولم يدخل في العقد فليس بين الحديثين على هذا تعارض انتهى كلام الحافظ، وقال قبلي هذا ما لفظه: ومنهم من قال هو منسوخ وتعقب بأن النسخ لا يثبت بالاحتمال ولا دلالة على النسخ مع مدعيه لأنهم اختلفوا في الناسح ثم ذكر الحافظ الأحاديث التي زعموا أنها ناسخة وأجاب عنها جواباً شافياً إن شئت الوقوف عليها فارجع إلى فتح الباري .

(4/459)


باب ماجاء في اشتراط ظهر الدابة عند البيع
...
30 ـ باب مَا جَاء في اشْتراط ظهْرِ الدّابةِ عِنْدَ البيْع
1271 ـ حدثنا ابنُ أبي عُمَرَ. حدّثنا وَكِيعٌ عنْ زَكَريّا، عنِ الشّعْبي، عنْ جَابِرِ بنِ عبدِ الله أنّهُ بَاعَ مِنَ النبيّ صلى الله عليه وسلم بَعِيراً، واشْتَرطَ ظَهْرَهُ إلَى أهْلِهِ. هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
وقَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنْ جَابرٍ. وَالعَمَلُ عَلَى هذَا عِنْدَ بَعْضِ أهْلِ العِلمِ مِنْ أصْحَابِ النبيّ صلى الله عليه وسلم وَغَيْرِهِمِ. يَرَوْنَ الشّرْطَ في الْبَيْعِ جائِزاً، إذَ كانَ شرْطاً وَاحِداً. وَهُوَ قَوْلُ أحْمدَ وَإسْحَاقَ.
وقَالَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ: لا يَجُوزُ الشّرْطُ في البَيْعِ. وَلاَ يَتِمّ البَيْعُ إذَا كانَ فيِهِ شَرْطٌ.
ـــــــ
باب مَا جَاء في اشْتراط ظهْرِ الدّابةِ عِنْدَ البيْع
قوله: "واشترط ظهره إلى أهله" وفي رواية للصحيحين واستثنيت حملانه إلى أهلي بضم الحاء المهملة والمراد الحمل عليه قال الشوكاني: وهو يدل على جواز البيع مع استثناء الركوب. وبه قال الجمهور، وجوزه مالك إذا كانت مسافة السفر قريبة وحدها بثلاثة أيام. وقال الشافعي وأبو حنيفة وآخرون: لا يجوز ذلك سواء قلت المسافة أو كثرت واحتجوا بحديث النهي عن بيع وشرط وحديث النهي عن الثنيا، وأجابوا عن حديث الباب بأنه قصة عين تدخلها الاحتمالات. ويجاب بأن حديث النهي عن بيع وشرط مع ما فيه من المقال هو أعم من حديث الباب مطلقاً فيبنى العام على الخاص. وأما حديث النهي عن الثنيا فقد تقدم تقييده بقوله: إلا أن يعلم. انتهى كلام الشوكاني. قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان

(4/460)


باب الإنتفاع بالرهن
...
31 ـ باب مَا جَاء في الانْتِفَاعِ بالرّهْن
1272 ـ حدثنا أبُو كُرَيْبٍ وَ يُوسُفُ بنُ عِيسى قالاَ: حدّثنَا وَكِيعٌ عنْ زَكَرِيّا، عنْ عَامِرٍ، عن أبي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم "الظهْرُ يُرْكَبُ إذَا كانَ مَرْهُوناً. ولَبَنُ الدّرّ يُشْرَبُ إذَا كانَ مَرْهُوناً. وَعَلَى الّذِي يَرْكَب وَيَشْرَبُ، نَفَقَتُهُ". هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
باب ما جاء في الانتفاع بالرهن
أي بالشيء المرهون قوله: "الظهر يركب" بصيغة المجهول، وكذلك يشرب وهو خبر بمعنى الأمر. والمراد من الظهر ظهر الدابة، وقيل الظهر الإبل القوي يستوي فيه الواحد والجمع "ولبن الدر" بفتح المهملة وتشديد الراء مصدر بمعنى الدارة أي ذات الضرع. وقوله لبن الدر من إضافة الشيء إلى نفسه كقوله تعالى {وَحَبَّ الْحَصِيدِ} قاله الحافظ. "وعلى الذي يركب ويشرب نفقته" أي كائناً من كان هذا ظاهر الحديث. وفيه حجة لمن قال يجوز للمرتهن الانتفاع بالرهن إذا قام بمصلحته ولو لم يأذن له المالك. وهو قول أحمد وإسحاق وطائفة قالوا: أينتفع المرتهن من الرهن بالركوب والخلب بقدر النفقة ولا ينتفع بغيرهما لمفهوم الحديث: وأما دعوى الإجمال 1 فقد دل بمنطوقه على إباحة الانتفاع في مقابلة الإنفاق وهذا يختص بالمرتهن لأن الحديث وإن كان مجملاً لكنه يختص بالمرتهن، لأن انتفاع الراهن بالمرهون لكونه مالك رقبته لا لكونه منفقاً عليه، بخلاف المرتهن: وذهب الجمهور إلى أن المرتهن لا ينتفع من المرهون بشيء. وتأولوا الحديث لكونه ورد على خلاف القياس من وجهين أحدهما التجويز لغير المالك أن يركب ويشرب بغير إذنه، والثاني تضمينه ذلك بالنفقة لا بالقيمة. قال ابن عبد البر: هذا الحديث عند جمهور الفقهاء يرده أصول مجمع عليها وآثار ثابتة لا يختلف في صحتها. ويدل على نسخه حديث ابن عمر:
ـــــــ
1 قيل إن فاعل الركوب والشرب لم يتعين فيكون الحديث مجملا .

(4/461)


ـــــــ
لا تحلب ماشية امرئ بغير إذنه: رواه البخاري انتهى. وقال الشافعي يشبه أن يكون المراد من رهن ذات در وظهر لم يمنع الراهن من درها وظهرها، فهي محلوبة ومركوبة له كما كانت قبل الرهن: واعترضه الطحاوي بما رواه هشيم عن زكريا في هذا الحديث ولفظه: إذا كانت الدابة مرهونة فعلى المرتهن علفها. الحديث قال: فتعين أن المراد المرتهن لا الراهن، ثم أجاب عن الحديث بأنه محمول على أنه كان قبل تحريم الربا فلما حرم الربا ارتفع ما أبيح في هذا للمرتهن وتعقب بأن النسخ لا يثبت بالاحتمال والتاريخ في هذا متعذر والجمع بين الأحاديث ممكن. وقد ذهب الأوزاعي والليث وأبو ثور إلى حمله على ما إذا امتنع الراهن من الإنفاق على المرهون فيباح حينئذ للمرتهن الإنفاق على الحيوان حفظاً لحياته ولإبقاء المالية فيه، وجعل له في مقابلة نفقته الانتفاع بالركوب أو بشرب اللبن بشرط ألا يزيد قدر ذلك أو قيمته على قدر علفه وهي من جملة مسائل الظفر. كذا أفاد الحافظ في فتح الباري. قلت حمل الحديث على ما إذا امتنع الراهن من الإنفاق على المرهون خلاف الظاهر. وقال في سبل السلام: إنه تقييد للحديث بما لم يقيد به الشارع. وأما قول ابن عبد البر يدل على نسخه حديث ابن عمر: لا تحلب ماشية امرئ بغير إذنه ففيه ما قال الحافظ في جواب الطحاوي من أن النسخ لا يثبت بالاحتمال والتاريخ في هذا متعذر والجمع بين الحديثين ممكن، وقال في السبل: أما النسخ فلا بد له من معرفة التاريخ على أنه لا يحمل عليه إلا إذا تعذر الجمع ولا تعذر هنا إذ يخص عموم النهي بالمرهونة انتهى. وأما قوله بأن الحديث يرده أصول مجمع عليها وآثار ثابتة ففيه إن هذا الحديث أيضاً أصل من أصول الشريعة. والجمع بين هذا الأصل وتلك الأصول المجمع عليها وتلك الآثار الثابتة التي أشار إليها ممكن. وأما قول الجمهور بأن الحديث ورد على خلاف القياس من وجهين الخ. ففيه ما قال الحافظ ابن القيم في أعلام الموقعين: ومن ذلك قول بعضهم: إن الحديث الصحيح وهو قوله الرهن مركوب ومحلوب وعلى الذي يركب ويحلب النفقة على خلاف القياس فإنه جوز لغير المالك أن يركب الدابة ويحلبها وضمنه ذلك بالنفقة، فهو مخالف للقياس من وجهين والصواب ما دل عليه الحديث. وقواعد الشريعة وأصولها لا تقتضي سواه. فإن الرهن إذا كان حيواناً محترم في نفسه بحق الله سبحانه، وكذلك فيه حق الملك،

(4/462)


لاَ نَعْرِفُهُ مَرْفُوعاً إلا مِنْ حدِيثِ عَامر الشّعْبيّ، عنْ أبي هُرَيْرَةَ. وَقَدْ رَوَى غَيْرُ وَاحِدٍ هذَا الحَدِيثَ عنِ الأعْمَشِ، عنْ أبي صَالِحٍ، عنْ أبي هُرَيْرَةَ مَوْقُوفاً. والعَمَلُ عَلَى هذَا عِنْدَ بَعْضِ أهْلِ العِلْمِ. وهُوَ قَوْلُ أحْمَدَ وَإسْحَاقَ.
ـــــــ
وللمرتهن حق الوثيقة. وقد شرع الله سبحانه الرهن مقبوضاً بيد المرتهن فإذا كان بيده فلم يركبه ولم يحلبه ذهب نفعه باطلاً، وإن مكن صاحبه من ركوبه خرج عن يده وتوثيقه، وإن كلف صاحبه كل وقت أن يأتي يأخذ لبنه شق عليه غاية المشقة، ولا سيما مع بعد المسافة، وإن كلف المرتهن بيع اللبن وحفظ ثمنه للراهن شق عليه. فكان بمقتضى العدل والقياس ومصلحة الراهن والمرتهن والحيوان أن يستوفي المرتهن منفعة الركوب والحلب ويعوض عنهما بالنفقة ففي هذا جمع بين المصلحتين وتوفير الحقين، فإن نفقة الحيوان واجبة على صاحبه. والمرتهن إذا أنفق عليه أدى عنه واجباً وله فيه حق فله أن يرجع ببدله ومنفعة الركوب والحلب يصح أن يكونا بدلاً، فأخذها خير من أن تهدر على صاحبها باطلاً. ويلزم بعوض ما أنفق المرتهن وإن قيل للمرتهن لا رجوع لك كان في إضرار به، ولم تسمح نفسه بالنفقة على الحيوان، فكان ما جاءت به الشريعة هو الغاية التي ما فوقها في العدل والحكمة والمصلحة شيء يختار. ثم ذكر ابن القيم كلاماً حسناً مفيداً من شاء الوقوف عليه فليرجع إلى الأعلام. وقال القاضي الشوكاني في النيل: ويجاب عن دعوى مخالفة هذا الحديث الصحيح للأصول بأن السنة الصحيحة من جملة الأصول فلا ترد إلا بمعارض أرجح منها بعد تعذر الجمع. وعن حديث ابن عمر بأنه عام وحديث الباب خاص فيبنى العام على الخاص، والنسخ لا يثبت إلا بدليل يقضي بتأخر الناسخ على وجه يتعذر معه الجمع لا بمجرد الاحتمال مع الإمكان. انتهى كلام الشوكاني، فالحاصل أن حديث الباب صحيح محكم ليس بمنسوخ ولا يرده أصل من أصول الشريعة، ولا أثر من الآثار الثابتة. وهو دليل صريح في جواز الركوب على الدابة المرهونة بنفقتها وشرب لبن الدر المرهونة بنفقتها. وهو قول أحمد وإسحاق كما ذكره الترمذي. وأما قياس الأرض المرهونة على الدابة المرهونة والدر المرهونة، فقياس مع الفارق هذا ما عندي والله تعالى أعلم. قوله: "هذا حديث حسن صحيح" أخرجه الجماعة

(4/463)


وقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: لَيْسَ لَهُ أنْ يَنْتَفِعَ مِنَ الرّهْنِ بِشَيْءٍ.
ـــــــ
إلا مسلماً والنسائي. قوله: "والعمل على هذا عند بعض أهل العلم وهو قول أحمد وإسحاق" قالا: ينتفع المرتهن من الرهن بالركوب والحلب بقدر النفقة ولا ينتفع بغيرهما، لمفهوم الحديث. قال الطيبي: وقال أحمد وإسحاق: للمرتهن أن ينتفع من المرهون بحلب وركوب دون غيرهما ويقدر بقدر النفقة، واحتجا بهذا الحديث. ووجه التمسك به أن يقال: دل الحديث بمنطوقه على إباحة الانتفاع في مقابلة الإنفاق وانتفاع الراهن ليس كذلك، لأن إباحته مستفادة له من تملك الرقبة لا من الانفاق وبمفهومه على أن جواز الانتفاع مقصور على هذين النوعين من المنفعة، وجواز انتفاع غير مقصور عليهما. فإذا المراد أن للمرتهن أن ينتفع بالركوب والحلب من المرهون بالنفقة وإنه إذا فعل ذلك لزمه النفقة انتهى. قلت: قول أحمد وإسحاق هو الظاهر الموافق لحديث الباب. وقد قال به طائفة أيضاً كما عرفت في كلام الحافظ. وقد قال: بجواز انتفاع الركوب وشرب اللبن بقدر العلف إبراهيم النخعي أيضاً. قال الإمام البخاري في صحيحه: وقال المغيرة عن إبراهيم: تركب الضالة بقدر علفها والرهن مثله انتهى. قال الحافظ في الفتح: قوله والرهن مثله في الحكم المذكور. وقد وصله سعيد بن منصور بالإسناد المذكور ولفظه: الدابة إذا كانت مرهونة تركب بقدر علفها وإذا كان لها لبن يشرب منه بقدر علفها،. ورواه حماد بن سلمة في جامعه عن حماد بن أبي سليمان عن إبراهيم ولفظه: إذا ارتهن شاة شرب المرتهن من لبنها بقدر ثمن علفها، فإن استفضل من اللبن بعد ثمن العلف فهو ربا انتهى. "وقال بعض أهل العلم ليس له" أي للمرتهن "أن ينتفع من الرهن" ، أي من الشيء المرهون "بشيء" أي بشيء من الانتفاع. وهو قول الجمهور، واستدلوا بحديث أبي هريرة مرفوعاً: لا يغلق الرهن من صاحبه الذي رهنه له غنمه وعليه غرمه. رواه الشافعي والدارقطني وقال: هذا إسناد حسن متصل. كذا في المنتقى. قال الشوكاني: قوله له غنمه وعليه غرمه. فيه دليل لمذهب الجمهور، لأن الشارع قد جعل الغنم والغرم للراهن ولكنه قد اختلف في وصله وإرساله ورفعه ووقعه وذلك مما يوجب عدم انتهاضه لمعارضة ما في صحيح القلت حديث أبي هريرة الذي استدل به الجمهور قد بسط الكلام فيه الحافظ ابن حجر في التلخيص من شاء الوقوف عليه فليرجع إليه .بخاري وغيره انتهى

(4/464)


باب ماجاء في شراء القلادة وفيها ذهب وخرز
...
32 ـ باب مَا جَاءَ في شِرَاءِ القِلادَةِ وَفِيها ذَهبٌ وَخَرز
1273 ـ حدثنا قُتَيْبَةُ. حدّثنا اللّيْثُ عَنْ أبي شُجَاعٍ سَعِيدِ بنِ يَزِيدَ عنْ خَالِدِ بنِ أبي عِمْرانَ، عنْ حَنَشٍ الصّنْعَانِيّ، عنْ فَضَالَةَ بنِ عُبَيْدٍ قالَ: اشْتَرَيْتُ يَوْمَ خَيْبَر قِلاَدَةً باثْنَي عَشَرَ دِيناراً، فِيها ذَهَبٌ وَخَرزٌ. فَفَصّلْتُهَا. فَوَجَدْتُ فِيها أكْثَرَ مِنَ اثْنَيْ عَشَرَ دِينَاراً. فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَبيّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ "لاَ تُبَاعُ حَتّى تُفَصّلَ".
حدّثنَا قُتَيْبَةُ. حَدّثنَا ابنُ المُبارَكِ عن أبي شُجَاعٍ سَعِيدِ بنِ يَزِيدَ، بِهَذَا الإسْنَادِ، نَحْوَهُ. هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. والعَمَلُ عَلَى هذَا عِنْدَ بَعْضِ أهْلِ العِلْمِ مِنْ أصْحَابِ النبيّ صلى الله عليه وسلم وَغَيْرِهِمْ. لَمْ يَرَوْا أنْ يُبَاعَ السّيْفُ مُحَلّى، أوُ مِنْطَقةٌ مُفَضّضَةٌ، أوْ مِثْلُ هذَا، بِدَرَاهِمَ حَتّى يُمَيّزَ وَيُفَصّلَ. وَهُوَ قَوْلُ ابنِ المُبَارَكِ، والشّافِعِيّ، وأَحْمَدَ، وإسْحَاقَ.
ـــــــ
باب ما جاء في شراء القلادة وفيها ذهب وخرز
قال في القاموس: الخرز محركة الجوهر وما ينظم. وقال في الصراح: خرزة بفتحتين مهره خرازات الملك وجواهر تاجه. والقلادة بكسر القاف ما يقلد في العنق. وقال في الصراح: قلادة بالكسر كردن بند وجميل . قوله: "عن حنش" بفتح الحاء المهملة والنون الخفيفة بعدها معجمة ابن عبد الله ويقال ابن علي والسبائي ثقة من الثالثة كذا في التقريب. "عن فضالة" بفتح الفاء "عن عبيد" بالتصغير "ففصلتها" من التفصيل أي ميزت ذهبها وخرزها بعد العقد "فوجدت فيها" أي في القلادة "لا تباع" أي القلادة بعد هذا نفي بمعنى النهي "حتى تفصل" بصيغة المجهول أي تميز والحديث رواه أبو داود بلفظ أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى بقلادة فيها ذهب وخرز ابتاعها من رجل بتسعة دنانير، أو سبعة دنانير فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا حتى تميز بينه وبينه. فقال: إنما أردت الحجارة

(4/465)


وقَدْ رَخّصَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ في ذَلِكَ مِنْ أصْحَابِ النبيّ صلى الله عليه وسلم وَغَيْرِهِمْ.
ـــــــ
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا حتى تميز بينهما. قال فرده حتى ميز بينهما. قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه مسلم وأبو داود والنسائي. قال الحافظ في التلخيص: وله عند الطبراني في الكبير طرق كثيرة جداً في بعضها قلادة فيها خرز وذهب، وفي بعضها ذهب وجوهر وفي بعضها خرز وذهب، وفي بعضها خرز معلقة بذهب، وفي بعضها بإثني عشر ديناراً، وفي أخرى بتسعة دنانير، وفي أخرى بسبعة دنانير. وأجاب البيهقي عن هذا الاختلاف بأنها كانت بيوعاً شهدها فضالة. قال الحافظ: والجواب المسدد عندي أن هذا الاختلاف لا يوجب ضعفاً بل المقصود من الاستدلال محفوظ لا اختلاف فيه، وهو النهي عن بيع ما لم يفصل وأما جنسها وقدر ثمنها فلا يتعلق به في هذه الحالة ما يوجب الحكم بالاضطراب، وحينئذ فينبغي الترجيح بين رواتها وإن كان الجميع ثقات فيحكم بصحة رواية أحفظهم وأضبطهم، ويكون رواية الباقين بالنسبة إليه شاذة. وهذا الجواب هو الذي يجاب به في حديث جابر وقصة جمله ومقدار ثمنه انتهى كلام الحافظ. قوله: "والعمل على هذا عند بعض أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم، لم يروا أن يباع سيف محلى" أي بالفضة "أو منطقة" بكسر الميم في الفارسية كمربند "مفة" اسم مفعول من التفضيض. قال في الصراح تفضيض سيم كوفت وسيم اندود كردن "وهو قول ابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق" وهو منقول عن عمر بن الخطاب وابنه وجماعة من السلف وهو الظاهر. "وقد رخص بعض أهل العلم في ذلك من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم" وقالت الحنفية: إنه يجوز إذا كان الذهب المنفرد أكثر من الذي في القلادة نحوها لا مثله ولا دونه قال النووي في شرح مسلم في هذا الحديث: إنه لا يجوز بيع ذهب مع غيره بذهب حتى يفصل فيباع الذهب بوزنه ذهباً ويباع الاَخر بما أراد، وكذا لاتباع فضة مع غيرها بفضة وكذا الحنطة مع غيرها بحنطة والملح مع غيره بملح وكذا سائر الربويات. بل لا بد من فصلها وسواء كان الذهب في الصورة المذكورة أو قليلاً أو كثيراً وكذلك باقي الربويات. وهذه هي المسألة المشهورة في كتب الشافعي وأصحابه وغيره المعروفة بمسألة
مدعجوة، وصورتها باع مدعجوة ودرهما بمدعجوة أو بدرهمين لا يجرز لهذا الحديث. وهذا منقول عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ابنه وجماعة من السلف. وهو مذهب الشافعي وأحمد وإسحاق ومحمد بن عبد الحكيم المالكي. وقال أبو حنيفة وللثوري والحسن بن صالح: يجوز بيعه بأكثر مما فيه من الذهب، ولا يجوز بمثله ولا بدونه. وقال مالك وأصحابه وآخرون يجوز بيع السيف المحلى بذهب وغيره مما هو في معناه بما فيه ذهب. فيجوز بيعه بالذهب إذا كان الذهب في المبيع تابعاً لغيره وقدروه بأن يكون الثلث فما دونه. قال: وأجابت الحنفية بأن الذهب فيها كان أكثر من اثني عشر درهماً وقد اشتراها بإثني عشر ديناراً. قالوا: ونحن لا تجيز هذا وإنما نجيز البيع إذا باعها بذهب أكثر مما فيها فيكون ما زاد من الذهب المنفرد في مقابلة الخرز ونحوه مما هو من الذهب المبيع فيصير كمعقدين. وأجاب الطحاوي بأنه إنما نهى عنه لأنه كان في بيع الغنائم لئلا يغبن المسلمون في بيعها. قال النووي: ودليل صحة قولنا وفساد التأويلين يعني جواب الحنفية وجواب الطحاوي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا يباع حتى يفصل. وهذا صريح في اشتراط فصل أحدهما عن الاَخر في البيع، وأنه لا فرق بين أن يكون الذهب المبيع به قليلاً أو كثيراً وأنه لا فرق بين بيع الغنائم وغيرها انتهى كلام النووي. وقال صاحب السبل. وأجاب المانعون بأن الحديث فيه دلالة على علة النهي وهي عدم الفصل حيث قال لا يباع حتى يفصل وظاهره الإطلاق في المساوي وغيره فالحق مع القائلين بعدم الصحة. ولعل وجه حكم النهي هو سد الذريعة إلى وقوع التفاضل في الجنس الربوي ولا يكون إلا بتمييزه بفصل واختيار المساواة بالكيل والوزن وعدم الكفاية بالظن في التغليب انتهى .

(4/466)


باب ماجاء في اشتراط الولاء والزجر عن ذلك
...
33 ـ باب مَا جَاءَ في اشْترَاطِ الْوَلاَءِ وَالزّجْرِ عنْ ذلِك
1274 ـ حدثنا مُحَمّدُ بنُ بَشّارٍ. حدّثنَا عَبْدُ الرّحْمَنِ بنُ مَهْدِي. حدثنا سُفْيَانُ عنْ مَنْصُورٍ، عنْ إبْرَاهِيمَ، عنِ الأسْوَدِ، عنْ عَائِشَةَ أنهَا أرَادَتْ أنْ تَشْتَرِي بَرِيرَةَ. فَاشْتَرطُوا الوَلاَءَ. فقَالَ النبيّ صلى الله
ـــــــ
باب مَا جَاءَ في اشْترَاطِ الْوَلاَءِ وَالزّجْرِ عنْ ذلِك
قوله: "أرادت أن تشتري بريرة" بوزن فعيلة مشتقة من البرير وهو

(4/467)


عليه وسلم "اشْتَرِيهَا. فَإنّمَا الْوَلاَءُ لِمَنْ أَعْطَى الثّمَنَ، أوْ لِمَنْ ولِيَ النّعْمَةَ". وفي البابِ عنِ ابنِ عُمرَ.
حدِيثُ عَائِشَةَ حدِيثٌ حسنٌ صحيحٌ. والعَمَلُ عَلَى هذَا عِنْدَ أهْلِ العِلْمِ. قالَ: ومَنْصُورُ بنُ الْمُعْتَمِرِ يُكَنّى أبَا عَتّابٍ.
حدّثنَا أبُو بَكْرٍ الْعَطّارُ الْبَصْرِيّ عنْ عَلِي ابنِ الْمَدِينِيّ قالَ: سَمِعتُ يَحْيَى بنَ سَعِيدٍ يَقُولُ: إذَا حُدّثْتَ عنْ مَنْصُورٍ فَقَدْ مَلأْتَ يَدَكَ مِن الخَيرِ
ـــــــ
ثمن الأراك. وقيل إنها فعيلة من البر بمعنى مفعولة كمبرورة أو بمعنى فاعلة كرحيمة هكذا وجهه القرطبي والأول أولى لأنه صلى الله عليه وسلم غير اسم جويرية وكان اسمها برة وقال: "لا تزكوا أنفسكم" فلو كانت بريرة من البر لشاركتها في ذلك وكانت بريرة لناس من الأنصار كما وقع عند أبي نعيم وقيل لناس من بني هلال. قاله ابن عبد البر. ويمكن الجمع وكانت تخدم عائشة قبل أن تعتق كما في حديث الإفك وعاشت إلى خلافة معاوية وتفرست في عبد الملك بن مروان أنه يلي الخلافة فبشرته بذلك. وروى هو ذلك عنها كذا في الفتح "اشتريها فإنما الولاء لمن أعطى الثمن" أي لمن اشترى وأعتق. قال في اللمعات: قد يتوهم أن هذا متضمن للخداع والتغرير فكيف أذن رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهله بذلك؟ والجواب أنه كان جهلاً باطلاً منهم فلا اعتذار بذلك واشكل من ذلك ما ورد في بعض الروايات. خذيها واشترطي الولاء لهم فإن الولاء لمن اعتق. والجواب أن اشتراطه لهم تسليم لقولهم الباطل بإرخاء العنان دون إثباته لهم انتهى. قلت قد ذكر الحافظ في الفتح في دفع هذا الإشكال وجوهاً عديدة بالبسط فعليك أن تطالعه "أو لمن ولى النعمة" أي المعتق قوله: "وفي الباب عن ابن عمر" أخرجه البخاري والنسائي وأبو داود. قوله: "حديث عائشة حديث حسن صحيح" أخرجه البخاري ومسلم "وقال" أي أبو عيسى "منصور بن المعتمر يكنى أبا عتاب" بفتح المهملة وشدة الفوقانية وبالموحدة "إذا حدثت" بصيغة المجهول "عن منصور" أي ابن المعتمر يعني إذا حدثك رجل عن منصور "فقد ملأت يدك من الخير" كناية عن كونه ثقة ثبتا في الحديث وكان هو أثبت أهل

(4/468)


لاَ تُرِدْ غَيْرَهُ. ثمّ قالَ يَحْيَى: مَا أجِدُ في إِبْرَاهِيمَ النّخَعِيّ وَمُجَاهِدٍ، أثْبَتَ عن مَنْصُورٍ.
قال وأخْبَرَني مُحَمّدٌ عنْ عَبْدِ الله بنِ أبي الأسود قال : قال عبدالرحمن ابن مهدي : منصور أثبت أهل الكوفة.
ـــــــ
الكوفة وكان لا يحدث إلا عن ثقة "لا ترد" من الإرادة "وغيره" أي غير منصور "وأخبرني محمد" هو الإمام البخاري رحمه الله وهذا قول الترمذي. قوله: "وفي الباب عن ابن عمر" أخرجه البخاري وأبو داود والنسائي. قوله: "حديث عائشة حديث حسن صحيح" وأخرجه البخاري ومسلم قوله: "وقال" أي أبو عيسى الترمذي "منصور بن المعتمر يكني أبا عتاب" بفتح المهملة وشدة الفوقية. قوله: "قال سمعت يحيى بن سعد" ابن فروخ التميمي القطان البصري الحافظ الحجة أحد أئمة الجرح والتعديل "إذا حدثت" بصيغة المجهول للمخاطب "عن منصور" هو منصور بن المعتمر المذكور. قال الحافظ الذهبي في تذكرة الحفاظ في ترجمة أحد الأعلام لا أحفظ له شيئاً عن الصحابة، وحدث عن أبي وائل وربعي بن حراش وإبراهيم وسعيد بن جبير ومجاهد والشعبي وأبي حازم الأشجعي وطبقتهم وعنه شعبة وشيبان وسفيانان وشريك وخلق كثير، وحكى عنه شعبة قال: ما كتبت حديثاً قط. وقال ابن مهدي لم يكن بالكوفة أحد أحفظ من منصور. وقال أحمد العجلي كان منصوراً أثبت أهل الكوفة لا يختلف فيه أحد، مات في سنة اثنتين وثلاثين ومائة انتهى مختصراً "فقد ملأت يدك من الخير لا ترد" من الإرادة "غيره" مقصود يحيى القطان من هذا الكلام بيان كمال حفظ منصور بن المعتمر وإتقانه في الحديث .ي الأسْوَدِ قالَ: قالَ عَبْدُ الرّحْمَنِ بنُ مَهْدِي: مَنْصُورٌ أثْبَتُ أهْلِ الْكُوفَةِ.

(4/469)


34 ـ باب
1275 ـ حدثنا أبُو كُرَيْبٍ. حَدّثنَا أبُو بَكْرِ بنُ عَيّاشٍ عنْ أبي حُصَيْنٍ، عنْ حَبِيبِ بنِ أبي ثَابِتٍ، عنْ حَكِيمِ بنِ حِزَامٍ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث حكيم بن حزام يَشْترِي
ـــــــ
باب
قوله: "بعث حكيم بن حزام" بكسر الحاء وبالزاي وهو ابن أخي

(4/469)


لَهُ أُضْحِيّةً بِدِينَارٍ. فَاشْترَى أُضْحِيّةً فأُرْبِحَ فِيهَا دِينَاراً. فَاشْترَى أُخْرَى مَكَانهَا. فَجَاءَ بِالأُضْحِيّةِ والدّينَارِ إلَى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم فقَالَ "ضَحّ بِالشّاةِ، وَتَصَدّقْ بِالدّينَارِ". حدِيثُ حَكِيمِ بنِ حِزامٍ لاَ نَعْرِفُهُ إلاّ مِنْ هذَا الْوَجْهِ. وَحَبِيبُ بنُ أبي ثَابِتٍ لَمْ يَسْمَعْ، عِنْدِي، مِنْ حَكِيمِ بنِ حِزَامٍ.
1276 ـ حدثنا أَحْمَدُ بنُ سَعِيدٍ الدّارِمِيّ. حدّثنَا حَبّان. حدّثنَا هَارُونُ الأعور المقرئ. "وهو ابن موسى القارئ" حدّثَنا الزّبَيْرُ بنُ الخرّيتٍ عنْ أبي لَبِيدٍ، عنْ عُرْوَةَ الْبَارِقِيّ قالَ: دَفَعَ إِلَيّ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم دِينَاراً لأَشْترِي لَهُ شَاةً. فَاشْترَيْتُ لَهُ شاتَيْنِ. فَبِعْتُ إحْدَاهُما بِدِينَارٍ. وَجِئْتُ بِالشّاةِ
ـــــــ
خديجة أم المؤمنين ولد قبل الفيل بثلاث عشرة سنة وكان من أشراف قريش ووجوهها في الجاهلية والإسلام وتأخر إسلامه إلى عام الفتح، ومات بالمدينة سنة أربع وخمسين وله مائة وعشرون سنة، ستون في الجاهلية وستون في الاسلام "يشتري له" وفي رواية أبي داود ليشتري له "أضحية" أي ما يضحي به من غنم "وتصدق بالدينار" جعل جماعة هذا أصلاً فقالوا: من وصل إليه مال من شبهة وهو لا يعرف له مستحقاً فإنه يتصدق به. ووجه الشبهة ههنا أنه لم يأذن لحكيم بن حزام في بيع الأضحية. ويحتمل أن يتصدق به لأنه قد خرج عنه للقربة لله تعالى في الأضحية فكرة ثمنها. قاله في النيل: قوله: "حديث حكيم بن حزام لا نعرفه إلا من هذا الوجه وحبيب بن أبي ثابت لم يسمع عندي من حكيم بن حزام" فالحديث منقطع وأخرجه أبو داود من طريق أبي حصين عن شيخ من أهل المدينة عن حكيم بن حزام: قال المنذري: في إسناده مجهول انتهى. قوله: "حدثنا الزبير بن خريت" بكسر المعجمة والراء المشددة المكسورة وآخره مثناة وثقه أحمد وابن معين "عن أبي لبيد" اسمه لمازة بكسر اللام وتخفيف الميم وبالزاي ابن الزبار بفتح الزاي وتثقيل الموحدة وآخره راء، صدوق ناصبي من الثالثة. كذا في التقريب. قوله: "فاشتريت له شاتين" فيه دليل على أنه يجوز للوكيل إذا قال له المالك: إشتر بهذا الدينار شاة ووصفها أن يشتري بها شاتين

(4/470)


والدّينَارِ إلَى النبيّ صلى الله عليه وسلم. فَذَكَرَ لَهُ مَا كانَ مِنْ أَمْرِهِ. فَقالَ لَهُ "بَارَكَ الله لَكَ في صَفْقَةِ يَمِينكَ".
فَكانَ يَخْرُجُ بعد ذلك إِلَى كُنَاسَةِ الْكُوفَةِ، فَيَربَحُ الرّبْحَ الْعظِيمَ. فَكانَ مِنْ أكْثَرِ أهْلِ الْكُوفَةِ مَالاً.
حدّثنا أحْمَدُ بنُ سَعِيدٍ الدّارمي. حدّثنا حَبّانُ. حدّثنا سَعِيدُ بنُ زَيْدٍ "هو أخو حمّاد بن زيد" قال حدثنا الزّبَيْرُ بنُ خِرّيتٍ عنْ أبي لَبِيدٍ فَذَكَرَ نَحْوَهُ.
وقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ أهْلِ الْعِلْمِ إلَى هذَا الْحَدِيثِ وقَالُوا بِهِ. وهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ وإسْحَاقَ. ولَمْ يَأْخُذْ بَعْضُ أهْلِ الْعِلْمِ بِهذَا الْحَدِيثِ. مِنْهُمُ الشّافِعِيّ وسَعِيدُ بنُ زَيْدٍ، أخُو حَمّادِ بنِ زَيْدٍ. وأبُو لَبِيدٍ اسْمُهُ لِمَازَةُ
ـــــــ
بالصفة المذكورة، لأن مقصود الموكل قد حصل وزاد الوكيل خيراً ومثل هذا لو أمره أن يبيع شاة بدرهم فباعها بدرهمين أو بأن يشتريها بدرهم فاشتراها بنصف درهم. وهو الصحيح عند الشافعية كما نقله النووي في زيادات الروضة "فقال بارك الله في صفقة يمينك" بفتح صاد وسكون فاء والمعنى بارك الله في بيعك وتجارتك "فكان بعد ذلك يخرج إلى كناسة الكوفة" بضم الكاف وتخفيف النون موضع بالكوفة "فيربح الربح العظيم الخ" وفي رواية البخاري فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيعه بالبركة. فكان لو اشترى تراباً لربح فيه. وحديث عروة البارقي هذا أخرجه أحمد والبخاري وأبو داود وابن ماجه وفي إسناده من عند البخاري سعيد بن زيد أخو حماد وهو مختلف فيه عن أبي لبيد لمازة بن زبار، وقد قيل إنه مجهول لكنه قال: إنه وثقه ابن سعد. وقال حرب: سمعت أحد يثني عليه وقال في التقريب: إنه ناصبي أجلد قال المنذري والنووي: إسناده صحيح لمجيئه من وجهين. وقد رواه البخاري من طريق ابن عيينة عن شعيب بن غرقد، سمعت الحي يحدثون من عروة. قال الحافظ: الصواب أنه متصل في إسناده مبهم. قوله: "وقد ذهب بعض أهل العلم إلى هذا الحديث وقالوا به وهو قول أحمد وإسحاق الخ" قال في النيل: في الحديث دليل على صحة بيع الفضولي. وبه قال مالك وأحمد في إحدى الروايتين عنه، والشافعي في القديم.
وقواه النووي في الروضة وهو مروى عن جماعة من السلف منهم علي وابن عباس وابن مسعود وابن عمر وقال الشافعي في الجديد وأصحابه: إن البيع الموقوف والشراء الموقوف باطلان لحديث: لا تبع ما ليس عندك. وأجابوا عن حديثي الباب بما فيهما من المقال وعلى تقدير الصحة فيمكن أنه كان وكيلاً بالبيع بقرينة فهمها منه صلى الله عليه وسلم. وقال أبو حنيفة: إنه بكون البيع الموقوف صحيحاً دون الشراء والوجه أن الإخراج عن ملك المالك مفتقر إلى إذنه بخلاف الإدخال. ويجاب بكن الإدخال للمبيع في الملك يستلزم الإخراج من الملك للثمن. وروي عن مالك العكس من قول أبي حنيفة فإن صح فهو قوي لأن فيه جمعاً بين الأحاديث انتهى كلام الشوكاني .

(4/471)


باب ماجاء في المكاب إذا كان عنده مايؤدي
...
35 ـ باب مَا جَاءَ في الْمكَاتَبِ إذَا كانَ عِنْدَهُ مَا يُؤَدّي
1277 ـ حدثنا هارُونُ بنُ عَبْدِ الله البَزّارُ حدّثنا يَزِيدُ بنُ هارُونَ أخبرنا حَمّادُ بنُ سَلَمةَ عنْ أَيّوبَ، عنْ عِكْرِمَةَ، عنِ ابنِ عَبّاسٍ، عنِ النبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ "إذَا أصَابَ الْمُكاتَبُ حَدّاً أوْ مِيرَاثاً، وَرِثَ بحِسَابِ مَا عَتَقَ مِنْهُ".
وَقالَ النبيّ صلى الله عليه وسلم "يُؤَدّي الْمكاتَبُ بِحِصّةِ مَا أدّى، دِيَةَ حُر
ـــــــ
باب مَا جَاءَ في الْمكَاتَبِ إذَا كانَ عِنْدَهُ مَا يُؤَدّي
قوله: "إذا أصاب المكاتب" أي استحق "حداً" أي دية "أو ميراثاً ورث" بفتح فكسر راء مخفف "بحساب ما عتق منه" أي بحسبه ومقداره. والمعنى إذا ثبت للمكاتب دية أو ميراث ثبت له من الدية والميراث بحسب ما عتق من نصفه كما لو أدى نصف الكتابة ثم مات أبوه وهو حر ولم يخلف غيره، فإنه يرث منه نصف ماله أو كما إذا جنى على المكاتب جناية وقد أدى بعض كتابته فإن الجاني عليه أن يدفع إلى ورثته بقدر ما أدى من كتابته دية حر ويدفع إلى مولاه بقدر ما بقي من كتابته دية عبد. مثلاً إذا كاتبه على ألف وقيمته مائة وأدى خمسمائة ثم قتل فلورثة العبد خمسمائة من ألف نصف دية حر، ولمولاه خمسون نصف قيمته "يودي المكاتب" بضم ياء وسكون واو وفتح دال مخففة أي يعطي دية المكاتب "بحصة ما أدى" بفتح الهمزة وتشديد الدال أي قضى ووفى.

(4/472)


ومَا بَقِيَ، دِيَةَ عَبْدٍ". وفي البابِ عَنْ أُمّ سَلَمةَ. حدِيثُ ابْنِ عَبّاسٍ حدِيثٌ حسنٌ. وَهكَذَا رَوَى يَحْيَى بنُ أبي كَثِيرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ، عنِ ابنِ عَبّاسٍ، عنِ النبيّ صلى الله عليه وسلم. وَرَوَى خَالِدٌ الْحَذّاءُ عنْ عِكْرِمَةَ، عنْ عَلِي، قَوْلَهُ. والعَمَلُ عَلَى هذَا الحديث عِنْدَ بَعْضِ أهْل العِلْمِ مِنْ أصْحَابِ النبيّ صلى الله عليه وسلم وغَيْرِهِمْ.
وقالَ أكْثَرُ أهْلِ العِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النبيّ صلى الله عليه وسلم وغَيْرِهم: الْمُكَاتَبُ عَبْدٌ، مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ. وهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثّوْرِيّ والشّافِعِيّ وأحْمَدَ وإسْحَاقَ.
1278 ـ حدثنا قُتَيْبَةُ. حدّثنَا عَبْدُ الوَارِثِ بنُ سَعِيدٍ عنْ يَحْيَى بنِ أَبي أُنَيْسةَ، عنْ عَمْروِ بنِ شُعَيْبٍ، عن أبيه عنْ جَدّهِ قالَ: سَمِعْتُ رسولَ الله
ـــــــ
قال القاري وفي نسخة يعني من المشكاة بحسب ما أدى أي من النجوم "دية حر" بالنصب "وما بقي" أي ويعطى بحصة ما بقي عليه من النجوم "دية عبد" بالنصب قال الأشرف: قوله يؤدي بتخفيف الدال مجهولاً من ودي يدي دية أي أعطى الدية وانتصب دية حر مفعولاً به، ومفعول ما أدى من النجوم محذوف عائد إلى الموصول أي بحصة ما أداه من النجوم يعطى دية حر وبحصة ما بقي دية عبد. قوله: "وفي الباب عن أم سلمة" أخرجه الترمذي وأبو داود وابن ماجه. قوله: "حديث ابن عباس حديث حسن" وأخرجه أبو داود. قوله: "والعمل على هذا الحديث عند بعض أهل العلم الخ" قال القاضي رحمه الله: وهو دليل على أن المكاتب يعتق بقدر ما يؤديه من النجم. وكذا حديث أم سلمة وبه قال النخعي وحده، ومع ما فيه من الطعن معارض بحديثي عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. قال القاري: يمكن أن يقال في الجمع بينهما وبينه على تقدير صحته تقوية لقول النخعي أنه يعتق عتقاً موقوفاً على تكميل تأدية النجوم لا سيما على القول بجواز تجزي العتق انتهى. قوله: "وهو قول سفيان الثوري والشافعي وأحمد وإسحاق" وهو قول أبي حنيفة

(4/473)


صلى الله عليه وسلم يَخْطُبُ يَقُولُ: "مَنْ كاتَبَ عَبْدَهُ عَلَى مائَةِ أُوقيةٍ، فأَدّاهَا إلاّ عَشْرَة أوَاقٍ "أَوْ قالَ عَشْرَةَ دَرَاهِمَ" ، ثمّ عَجَزَ، فَهُوَ رَقِيقٌ". هذا حديثٌ حسن غرِيبٌ. والعمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ مِنْ أصْحَابِ النبيّ صلى الله عليه وسلم وغَيرِهِمْ أَنّ المُكاتَبَ عَبْدٌ ما بَقِيَ علَيْهِ شَيْءٌ مِنْ كِتَابَتِهِ. وقَدْ رَوَى الْحَجّاجُ بنُ أرْطَاةَ عنْ عَمْروِ بنِ شُعَيْبٍ نَحْوَهُ.
1279 ـ حدثنا سَعِيدُ بنُ عَبْدِ الرّحْمَنِ. قال: حدّثنَا سُفْيَانُ بن عينية عنِ الزّهْرِيّ، عنْ نَبْهَانَ، عن موح أمّ سلمة عنْ أُمّ سَلمَةَ قالَتْ: قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم "إذَا كانَ عِنْدَ مُكاتَبِ إِحْدَاكُنّ مَا يُؤَدّي، فَلْتَحْتَجِبْ مِنْهُ".
ـــــــ
رحمه الله قوله: "على مائة أوقية" بضم همزة وتخفيف تحتية وقد تشدد وهي اسم لأربعين درهماً "فأداها" أي فقضى المائة ودفعها "إلا عشرة أواق" بفتح الهمزة وتنوين القاف جمع أوقية، ووقع في أكثر نسخ الترمذي عشر أواق بغير التاء وهو الظاهر "ثم عجز" أي عن أداء نجوم الكتابة "فهو" أي فعبده المكاتب العاجز، قال ابن الملك: هذا يدل على أنه إن عجز المكاتب عن أداء البعض كعجزه عن الكل فللسيد فسخ كتابته فيكون رقيقاً كما كان، ويدل مفهوم قوله فهو رقيق على أن ما أداه يصير لسيده قوله: "وهذا حديث غريب" قال في المنتقى، بعد ذكر هذا الحديث، رواه الخمسة إلا النسائي انتهى. وقال في النيل وأخرجه أيضاً الحاكم وصححه، قال الشافعي لم أجد أحداً روى هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا عمراً ولم أر من رضيت من أهل العلم يثبته. وعلى هذا فتيا المفتين انتهى. قلت: وأخرجه أبو داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعاً بلفظ قال: المكاتب عبد ما بقي عليه من مكاتبته درهم. قال الحافظ في بلوغ المرام: أخرجه أبو داود بإسناد حسن وأصله عند أحمد والثلاثة وصححه الحاكم انتهى. وقال المنذري: في إسناده إسماعيل بن عياش وفيه مقال. قوله: "حدثنا سعيد بن عبد الرحمن الخ" وقع في بعض النسخ قبل هذا باب منه "عن نبهان" بفتح النون وسكون الموحدة زاد أبو داود مكاتب أم سلمة "فلتحتجب" أي إحداكن وهي سيدته. "منه" أي المكاتب فإن ملكه على شرف الزوال وما قارب الشيء

(4/474)


هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. ومَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ عِنْدَ أهْلِ العِلْمِ عَلَى التّوَرّعِ. وقَالُوا: لاَ يُعْتقُ الْمُكاتَبُ، وَإِنْ كانَ عِنْدَهُ مَا يُؤَدّي، حَتّى يُؤَدّيَ.
ـــــــ
يعطي حكمه، والمعنى أنه لا يدخل عليها. قوله: "هذا حديث حسن صحيح" قال الحافظ في بلوغ المرام بعد ذكره أحمد والأربعة وصححه الترمذي انتهى. قوله: "ومعنى هذا الحديث عند أهل العلم على التورع الخ" . قال القاضي: هذا أمر محمول على التورع والاحتياط لأنه بصدد أن يعتق بالاداء لا أنه يعتق بمجرد أن يكون واجداً للنجم فإنه لا يعتق ما لم يؤد الجميع لقوله صلى الله عليه وسلم: "المكاتب عبد ما بقي عليه درهم". ولعله قصد به منع المكاتب عن تأخير الأداء بعد التمكن ليستبيح به النظر إلى السيدة وسد هذا الباب عليه انتهى .

(4/475)


باب ماجاء إذا أفلس للرجل غريم فيجد عنده متاعه
...
36 ـ باب مَا جَاءَ إِذَا أَفْلَسَ لِلرّجُلِ غَرِيمٌ فَيَجِدُ عِنْدَهُ مَتَاعَه
1280 ـ حدثنا قُتَيْبَةُ. حدّثنَا اللّيْثُ، عنْ يَحْيَى بنِ سَعِيدٍ، عنْ أبي بَكْرِ بنِ محمد بن عمرو بن حَزْمٍ، عنْ عُمَرَ بن عَبْدِ الْعَزِيزِ، عنْ أبي بكْرِ بنِ عَبدِ الرّحْمَنِ بنِ الْحَارِثِ بنِ هِشَامٍ، عنْ أبي هُرَيْرَةَ، عنْ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم أَنّهُ قالَ "أيّمَا امرئ أفْلَسَ، وَوَجَدَ رَجُلٌ سِلْعَتَهُ عِنْدهُ بِعَيْنِهَا، فَهُوَ أَوْلَى بِهَا مِنْ غَيرِهِ". وفي البابِ عنْ سَمُرَةَ وابنِ عُمَرَ.
ـــــــ
باب ما جاء إذا أفلس للرجل غريم فيجد عنده متاعه
قال في النهاية أفلس الرجل إذا لم يبق له مال. ومعناه. صارت دراهمه فلوساً. وقيل صار إلى حال يقال: ليس معه فلس. وقد أفلس يفلس إفلاساً فهو مفلس وفلسه الحاكم تفليساً انتهى والغريم المديون
"ووجد رجل سلعته عنده بعينها" أي بذاتها بأن تكون غير هالكة حساً، أو معنى بالتصرفات الشرعية "فهو" أي الرجل "أولى بها" أي أحق بسلعته "من غيره" أي من الغرماء. قوله: "وفي الباب عن سمرة" أخرجه أحمد وأبو داود وهو من رواية الحسن البصري عنه وفي سماعه منه خلاف معروف لكنه يشهد لصحته حديث الباب "وابن عمر"

(4/475)


حدِيثُ أبي هُرَيْرَةَ حدِيثٌ حسنٌ صحيحٌ. والعَملُ عَلَى هذَا عنْدَ بَعْضِ أهْلِ العِلْمِ. وهُوَ قَوْلُ الشّافِعيّ وأحْمَدَ وإسْحَاقَ. وقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْم: هُوَ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ. وهُوَ قَوْلُ أهْلِ الْكُوفَةِ.
ـــــــ
أخرجه ابن حبان بإسناد صحيح قاله في النيل. قوله: "حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح" وأخرجه البخاري ومسلم. قوله: "والعمل على هذا عند بعض أهل العلم وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق" قال في شرح السنة: العمل على هذا عند أكثر أهل العلم قالوا: إذا أفلس المشتري بالثمن ووجد البائع عين ماله، فله أن يفسخ البيع ويأخذ عين ماله وإن كان قد أخذ بعض الثمن وأفلس بالباقي أخذ من ماله بقدر ما بقي من الثمن كما رواه البخاري قضى به عثمان رضي الله عنه، وروي عن علي رضي الله عنه، ولا نعلم لهما مخالفاً من الصحابة. وبه قال مالك والشافعي رحمهما الله انتهى. قلت: وهو الحق وهو قول الجمهور "وقال بعض أهل العلم هو أسوة الغرماء" بضم الهمزة أي هو مساو لهم وكواحد منهم يأخذ مثل ما يأخذون، ويحرم عما يحرمون "وهو قول أهل الكوفة" وهو مذهب الحنفية قال في التعليق الممجد: ومذهب الحنفية في ذلك أن صاحب المتاع ليس بأحق لا في الموت ولا في الحياة لأن المتاع بعد ما قبضه المشتري صار ملكاً خالصاً له، والبائع صار أجنبياً منه كسائر أمواله. فالغرماء شركاء البائع فيه في كلتا الصورتين وإن لم يقبض. فالبائع أحق لاختصاصه به وهذا معنى واضح لولا ورود النص بالفرق وسلفهم في ذلك علي، فإن قتادة وروى عن خلاس بن عمرو عن علي أنه قال: هو أسوة الغرماء إذا وجدها بعينها. وأحاديث خلاس عن علي ضعيفة، وروى مثله عن إبراهيم النخعي ومن المعلوم أن كل أحد يؤخذ من قوله ويرد إلا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولا عبرة الرأي بعد ورود نصة. كذا حققه ابن عبد البر والزرقاني انتهى. واعلم أن الحنفية قد اعتذروا عن العمل بأحاديث الباب باعتذارات كلها واهية. فمنها ـ أنها مخالفة للأصول، وفساد هذا الاعتذار ظاهر فإنه السنة الصحيحة هي من جملة الأصول فلا يترك العمل بها إلا لما هو انهض منها. ومنها ـ أنها محمولة على ما إذا كان المتاع وديعة أو عارية أو لقطة وفساد هذا الاعتذار أيضاً ظاهر فإنه لو كان كذلك لم يقيد بالإفلاس ولا جعل أحق بها لما تقتضيه صيغة أفعل من الاشتراك. ويرد هذا الاعتذار أنه وقع في رواية لمسلم والنسائي أنه لصاحبه الذي باعه. وفي رواية لابن حبان: إذا أفلس الرجل فوجد البائع سلعته. وكذلك وقع في عدة روايات ما يدل صراحة على أنها واردة في صورة البيع. قال الحافظ في الفتح: فظهر بهذا أن الحديث وارد في صورة البيع، ويلتحق به القرض وسائر ما ذكر يعني من العارية والوديعة بالأولى. ومنها أنها محمولة على ما إذا أفلس المشتري قبل أن يقبض السلعة. ويرد هذا الاعتذار أنه وقع في حديث سمرة عند مفلس وفي حديث أبي هريرة عند رجل، وفي رواية لابن حبان: ثم أفلس. وهي عنده: إذا فلس الرجل وعنده متاع .

(4/476)


باب ماجاء في النهي للمسلم ان يدفع إلى الذمي الخمر يبيعها له
...
37 ـ باب مَا جَاءَ
في النّهْيِ لِلْمُسْلِمِ، أَنْ يَدفعَ إِلَى الذّمّيّ الخَمْرَ يَبِيعُهَا لَه
1281 ـ حدثنا عَلِيّ بنُ خَشْرَمٍ. أخبرنا عِيسَى بنُ يُونُسَ عنْ مُجَالِدٍ، عنْ أبي الْوَدّاكِ، عنْ أبي سَعِيدٍ قالَ: كانَ عِنْدَنَا خَمْرٌ لِيَتِيمٍ. فَلمّا نَزَلَتِ الْمَائِدَةُ، سَأَلْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم عنْهُ، وقُلْتُ إنّهُ لِيَتِيمٍ فقَالَ "أَهْرِيقُوهُ". وفي البابِ عنْ أنَسٍ بنِ مَالِكٍ.
ـــــــ
باب مَا جَاءَ في النّهْيِ لِلْمُسْلِمِ، أَنْ يَدفعَ إِلَى الذّمّيّ الخَمْرَ يَبِيعُهَا لَه
قوله: "فلما نزلت المائدة" أي الاَية التي فيها تحريم الخمر وهي قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ} الاَيتين. "عنه" أي عن الخمر التي عندي لليتيم والخمر قد يدكر أو بتأويل الشراب "فقال أهريقوه" أي صبوه والأصل أريقوه من الإراقة، وقد تبدل الهمزة بالهاء وقد تستعمل هذه الكلمة بالهمزة والهاء معاً كما وقع هنا وهو نادر. وفيه دليل على أن الخمر لا تملك ولا تحبس بل تجب إراقتها في الحال. ولا يجوز لأحد الانتفاع بها إلا بالإراقة قوله: "وفي الباب عن أنس بن مالك" أن أبا طلحة سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أيتام ورثوا خمراً قال: "أهرقها". قال أفلا أجعلها خلا؟ قال:

(4/477)


حدِيثُ أبي سَعِيدٍ حدِيثٌ حسنٌ صحيح. وقَدْ رُوِيَ منْ غَيرِ وَجْهٍ عنِ النبيّ صلى الله عليه وسلم نَحْوُ هذَا. وقالَ بِهذَا بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ. وكَرِهُوا أَنْ تُتّخَذَ الْخَمرُ خَلاّ. وَإنمَا كُرِهَ مِنْ ذَلِكَ، والله أعْلمُ، أنْ يَكُونَ الْمُسْلِمُ في بَيْتِهِ خَمْرٌ حَتّى يَصِير خَلاّ. وَرَخّصَ بَعْضُهُمْ في خَلّ الْخَمْرِ، إذَا وُجِدَ قَدْ صَارَ خَلاّ
ـــــــ
لا. أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي. قوله: "حديث أبي سعيد حديث حسن" وأخرجه أحمد قوله: "وقال بهذا بعض أهل العلم وكرهو أن يتخذ الخمر خلا الخ" قال الخطابي في المعالم: تحت حديث أنس في هذا بيان واضح أن معالجة الخمر حتى تصير خلا غير جائز. ولو كان إلى ذلك سبيل لكان مال اليتيم أولى الأموال به لما يجب من حفظه وتثميره والحيطة عليه، وقد كان نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن إضاعة المال، فعلم أن معالجته لا تطهره ولا ترده إلى المالية بحال. انتهى. وقال الشوكاني في النيل: فيه دليل للجمهور على أنه لا يجوز تخليل الخمر ولا تطهر بالتخليل. هذا إذا خللها بوضع شيء فيها، أما إذا كان التخليل بالنقل من الشمس إلى الظل أو نحو ذلك. فأصح وجه عن الشافعية أنها تحل وتطهر. وقال الأوزاعي وأبو حنيفة تطهر إذا خللت بإلقاء شيء فيها. قلت: والحق أن تخليل الخمر ليس بجائز لحديث الباب، ولحديث أنس المذكور، ومن قال بالجواز فليس له دليل. "ورخص بعضهم في خل الخمر إذا وجد قد صار خلا" أي من غير معالجة قال القاري في المرقاة تحت حديث أنس رضي الله عنه فيه حرمة التخليل ربه قال أحمد. وقال أبو حنيفة والأوزاعي والليث: يطهر بالتخليل. وعن مالك ثلاث روايات أصحها عنه أن التخليل حرام، فلو خللها عصى وطهرت. والشافعي على أنه إذا ألقى فيه شيء للتخلل لم يطهر أبداً. وأما بالنقل إلى الشمس مثلاً فللشافعية فيه وجهان أصحهما تطهيره وأما الجواب عن قوله عليه الصلاة والسلام لا عند من يجوز تخليل الخمر: أن القوم كانت تفوسهم ألفت بالخمر وكل مألوف تميل إليه النفس فخشي النبي صلى الله عليه وسلم من دواخل الشيطان فنهاهم عن اقترانهم نهى تنزيه كيلا يتخذ التخليل وسيلة
إليها. وأما بعد طول عهد التحريم فلا يخشى هذه الدواخل ويؤده خبر: نعم الإدام الخل. رواه مسلم عن عائشة وخير خلكم خل خمركم. رواه البيهقي في المعرفة عن جابر مرفوعاً، وهو محمول على بيان الحكم لأنه اللائق بمنصب الشارع لا بيان اللغة انتهى كلام القاري. قلت قال الحافظ الزيلعي في نصب الراية بعد ذكر حديث: خير خلكم خل خمركم ما لفظه: قال البيهقي في المعرفة رواه المغيرة بن زياد وليس بالقوى. وأهل الحجاز يسمون خل العنب خل الخمر. قال: وإن صح فهو محمول على ما إذا تخلل بنفسه. وعليه يحمل حديث فرج ابن فضالة انتهى. قلت: حديث فرج بن فضالة أخرجه الدارقطني في سننه عنه عن يحيى بن سعيد عن عمرة عن أم سلمة مرفوعاً في الشاة أن دباغها يحل كما يحل خل الخمر. قال الدارقطني: تفرد به فرج بن فضالة وهو ضعيف. قاله الحافظ في الدراية. قال ويعارض ظاهره حديث أنس: سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الخمر أتتخذ خلا؟ قال: "لا". أخرجه مسلم وأخرج أيضاً عنه أن أبا طلحة سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن أيتام ورثوا خمراً قال "أهرقها". قال: أفلا نجعلها خلا؟ قال: "لا". انتهى. وأما القول بأن النهي للتنزيه فغير ظاهر. وأما حديث. نعم الإدام الخل. فالمراد بالخل الخل الذي لم يتخذ من الخمر جمعاً بين الأحاديث والله تعالى أعلم .

(4/478)


38 ـ باب
1282 ـ حدثنا أبُو كُرَيْبٍ. حدّثنَا طَلْقُ بنُ غَنّامٍ عنْ شَرِيكٍ وَ قَيْسٌ عَنْ أبي حَصِينٍ، عَنْ أبي صالح عن أَبي هُرَيْرَة قالَ قَالَ النبيّ صلى الله عليه وسلم "أدّ الأمَانَةَ إلَى مَنِ ائْتَمَنَكَ، وَلا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ".
قال أبو عيسى هذا حديثٌ حَسنٌ غَرِيبٌ. وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَى هذَا الحَدِيثِ وَقَالُوا:
ـــــــ
باب
قوله: "حدثنا طلق بن الغنام" بفتح الغين المعجمة وشدة النون النخعي أبو محمد الكوفي ثقة من كبار العاشرة "عن أبي حصين" بفتح الحاء المهملة اسمه عثمان بن عاصم ابن حصين الأسدي الكوفي ثقة ثبت. قوله: "أد الأمانة" هي كل شيء لزمك أدؤه. والأمر للوجوب. قال الله تعالى {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا

(4/479)


ـــــــ
الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} "إلى من ائتمنك" أي عليها "ولا تخن من خانك" أي لا تعامله بمعاملته ولا تقابل خيانته بخيانتك. قال في سبل السلام: وفيه دليل على أنه لا يجازي بالإساءة من أساء. وحمله الجمهور على أنه مستحب لدلالة قوله تعالى {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا ، وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ} على الجواز وهذه في المعروفة بمسألة الظفر. وفيها أقوال للعلماء. هذا القول: الأول: وهو الأشهر من أقوال الشافعي وسواء كان من جنس ما أخذ عليه أو من غير جنسه. والثاني: يجوز إذا كان من جنس ما أخذ عليه لا من غيره، لظاهر قوله: "بمثل ما عوقبتم به" وقوله مثلها وهو رأي الحنفية. والثالث: لا يجوز ذلك إلا لحكم الحاكم، لظاهر النهي في الحديث ولقوله تعالى {وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} وأجيب أنه ليس أكلاً بالباطل. والحديث يحمل فيه النهي على الندب. الرابع: لإبن حزم أنه يجب عليه أن يأخذ بقدر حقه سواء كان من نوع ما هو عليه أو من غيره ويبيع ويستوفي حقه. فإن فضل على ما هو له رده أو لورثته. وإن نقص بقي في ذمة من عليه الحق. فإن لم يفعل ذلك فهو عاص لله عز وجل إلا أن يحلله أو يبرئه فهو مأجور. فإن كان الحق الذي له لا بينة له عليه وظفر بشيء من مال من عنده له الحق أخذه، فإن طولب أنكر، فإن استحلف حلف وهو مأجور في ذلك. قال وهذا قول الشافعي وأبي سليمان وأصحابهما. وكذالك عندنا كل من ظفر لظالم بمال ففرض عليه أخذه وإنصاف المظلوم منه واستدل بالاَيتين وبقوله تعالى {وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ} وبقوله تعالى {وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ} وبقوله تعالى {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} وبقوله صلى الله عليه وسلم لهند امرأة أبي سفيان: "خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف". وبحديث البخاري: إن نزلتم بقوم وأمروا لكم بما ينبغي للضيف فاقبلوا وإن لم يفعلوا فخذوا منهم حق الضيف. واستدل لكونه إذا لم يفعل عاصياً بقوله تعالى {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى} الاَية. وبقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من رأى منكراً" الحديث. ثم ذكر حديث أبي هريرة فقال: هو من رواية طلق بن غنام عن شريك وقيس بن الربيع وكلهم ضعيف. قال ولئن صح فلا حجة فيه لأنه ليس له انتصاف المرء حقه خيانة بل هو حق واجب وإنكار منكر انتهى مختصراً. قوله: "هذا حديث حسن غريب" وأخرجه أبو داود وسكت عنه. ونقل المنذري

(4/480)


إذَا كانَ لِلرّجُلِ عَلَى آخَرَ شَيْءٌ فَذَهَبَ بِهِ، فَوَقَعَ لَهُ عِنْدَهُ شَيْءٌ، فَلَيْسَ لَهُ أنْ يَحْبِسَ عَنْهُ بِقَدْرِ مَا ذَهَبَ لَهُ عَلَيْهِ. وَرَخّصَ فِيهِ بَعضُ أهْلِ الْعِلْمِ مِنَ التّابِعِينَ. وَهُوَ قَوْلُ الثّورِيّ، وَقَالَ: إنْ كانَ لَهُ عَلَيْهِ دَرَاهِمُ، فَوَقَعَ لَهُ عِنْدَهُ دَنَانِيرُ، فَلَيْسَ لَهُ أنْ يَحْبِسَ بِمَكَانِ دَرَاهِمِه. إلاّ أنْ يَقَعَ عِنْدَهُ لَهُ دَرَاهِمُ، فَلهُ حِينَئِذ أنْ يَحبِسَ مِنْ دَرَاهِمِه بِقَدْرِ مَا لهُ عَلَيْهِ. َ
ـــــــ
تحسين الترمذي وأقره. وقال الزيلعي قال ابن القطان: والمانع من تصحيحه أن شريكا وقيس بن الربيع مختلف فيهما انتهى. وقال الحافظ في بلوغ المرام: وصححه الحاكم واستنكره أبو حاتم الرازي انتهى. وقال الشوكاني في النيل. وفي الباب عن أبي بن كعب عند ابن الجوزي في العلل المتناهية: وفي إسناده من لا يعرف. وأخرجه أيضاً الدارقطني. وعن أبي أمامة عند البيهقي والطبراني بسند ضعيف. وعن أنس عند الدارقطني والطبراني والبيهقي. وعن رجل من الصحابة عند أحمد وأبي داود والبيهقي وفي إسناده مجهول آخر غير الصحابي. لأن يوسف بن ماهك رواه عن فلان عن آخر وقد صححه ابن السكن وعن الحسن مرسلاً عند البيهقي قال الشافعي: هذا الحديث ليس بثابت. قال ابن الجوزي: لا يصح من جميع طرقه. وقال أحمد: هذا حديث باطل لا أعرفه من وجه يصح. قال الشوكاني: لا يخفي أن وروده بهذه الطرق المتعددة مع تصحيح إمامين من الأئمة المعتبرين لبعضها وتحسين إمام ثالث منهم مما يصير به الحديث منتهضاً للاحتجاج انتهى .

(4/481)


باب ماجاء أن العارية مؤداة
...
39 ـ باب مَا جَاءَ في أنّ الْعَارِيَةَ مُؤَدّاة
1283 ـ حدثنا هَنّادٌ وَ عَلِيّ بْنُ حُجْرٍ قَالاَ: حَدّثَنا إسْماعيِلُ بْنُ عَيّاشٍ عَنْ شُرَحْبِيلَ بن مُسْلِمٍ الخَوْلاَنِيّ عَنْ أبي أُمَامَةَ قَالَ: سَمِعْتُ النبيّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ في الخُطْبَة، عَامَ حَجّةِ الْوَدَاعِ "الْعارِيَةُ مُؤدّاةٌ، وَالزّعِيمُ غَارِم، وَالدّيْنُ مَقْضِي". وفي البابِ عَنْ سَمُرَةَ
ـــــــ
باب مَا جَاءَ في أنّ الْعَارِيَةَ مُؤَدّاة
قوله: "العارية مؤداة" قال التوربشتي أي تؤدى إلى صاحبها، واختلفوا في

(4/481)


وَصَفْوَانَ بْنِ أُمَيّةَ وَأنَسٍ قال: وحَدِيثُ أبي أُمَامَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ غريب. وَقدْ رُوِيَ عَنْ أبي أمامَةَ، عَنِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم أيْضاً، مِنْ غَيرِ هذا الوَجْه.
1284 ـ حدثنا مُحَمّدُ بْنُ الْمُثَنّى. حدّثَنا ابنُ أبي عَدِي عنْ سَعِيدٍ، عنْ قَتادَةَ، عنِ الْحَسنِ، عنْ سَمُرةَ، عنِ النبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ: "عَلَى الْيَدِ مَا أخَذَتْ حَتّى تُؤَدّيَ". قالَ قَتَادَةُ: ثُمّ نَسِيَ الْحَسَنُ فقَالَ:
ـــــــ
تأويله على حسب اختلافهم في الضمان، فالقائل بالضمان يقول: تؤدي عينا حال القيام وقيمة عند التلف، وفائدة التأدية عند من يرى خلافه إلزام المستعير مؤنة ردها إلى مالكها كذا في المرقاة. "والزعيم" أي الكفيل "غارم" قال في النهاية: الغارم الذي يلتزم ما ضمنه وتكفل به ويؤديه، والغرم أداء شيء لازم وقد غرم يغرم غرماً انتهى. والمعنى أنه ضامن ومن ضمن ديناً لزمه أداؤه "والدين مقضى" أي يجب قضاؤه. قوله: "وفي الباب عن سمرة" أخرجه الترمذي وأبو داود وابن ماجه "وصفوان بن أمية" أخرجه أبو داود "وأنس" أخرجه الطبراني في كتاب مسند الشاميين ذكره الزيلعي في نصب الراية في الكفالة بإسناده ومتنه. وفي الباب عن ابن عباس ذكره الزيلعي فيه. قوله: "حديث أبي أمامة حديث حسن" وأخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه. قال الحافظ الزيلعي: قال صاحب التنقيح: رواية إسماعيل بن عياش من الشاميين جيدة وشرحبيل من ثقات الشاميين. قاله الإمام أحمد ووثقه أيضاً العجلي وابن حبان وضعفه ابن معين انتهى. والحديث أخرجه الترمذي في الوصايا مطولاً. قوله: "على اليد ما أخذت" أي يجب على اليد رد ما أخذته. قال الطيبي ما موصولة مبتدأ وعلى اليد خبره، والرابع محذوف أي ما أخذته اليد ضمان على صاحبها. والإسناد إلى اليد على المبالغة لأنها هي المتصرفة "حتى تؤدي" بصيغة الفاعل المؤنث والضمير إلى اليد أي حتى تؤديه إلى مالكه فيجب رده في الغصب وإن لم يطلبه. وفي العارية إن عين مدة رده إذا انقضت ولو لم يطلب مالكها. وفي الوديعة لا يلزم إلا إذا طلب المالك. ذكره ابن الملك. قال القاري: وهو تفصيل حسن يعني من أخذ مال أحد بغضب أو عارية، أو وديعة لزم رده انتهى. "قال قتادة: ثم نسي الحسن"

(4/482)


فَهوَ أمِينُكَ لاَ ضَمانَ عَلَيْهِ، يَعْنِي الْعَارِيَةَ. هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النبيّ صلى الله عليه وسلم وغَيْرِهِمْ إلى هذَا. وقَالُوا: يَضْمَنُ صَاحِبُ الْعارِيَةِ. وهُوَ قَوْلُ الشّافِعِيّ وأحْمَدَ.
ـــــــ
أي الحديث "فقال" أي الحسن "هو" أي المستعير "لا ضمان عليه" لا يلزم من قول الحسن إن المستعير لا ضمان عليه أنه نسي الحديث كما ستعرف "هذا حديث حسن" أخرجه الخمسة إلا النسائي وصححه الحاكم. وسماع الحسن من سمرة فيه خلاف مشهور ووقع في بعض النسخ هذا حديث صحيح، واستدل بهذا الحديث من قال بأن الوديع والمستعير ضامنان وهو صالح للاحتجاج به على التضمين، لأن المأخوذ إذا كان على اليد الاَخذة حتى ترده فالمراد أنه في ضمانها كما يشعر لفظ على من غير فرق بين مأخوذ ومأخوذ. وقال المقبلي في المنار: يحتجون بهذا الحديث في مواضع على التضمين. ولا أراه صريحاً لأن اليد الأمينة أيضاً عليها ما أخذت حتى ترد، وإلا فليست بأمينة. إنما كلامنا هل يضمنها لو تلفت بغير جناية؟ وليس الفرق بين المضمون وغير المضمون إلا هذا. وأما الحفظ فمشرك وهو الذي تفيده على فعل هذا لم ينس الحسن كما زعم قتادة حين قال: هو أمينك لا ضمان عليه. بعد رواية الحديث انتهى. قال الشوكاني بعد ذكر كلام المقبلي هذا: ولا يخفى عليك ما في هذا الكلام من قلة الجدوى وعدم الفائدة وبيان ذلك أن قوله لأن اليد الأمينة عليها ما أخذت حتى ترد وإلا فليست بأمينة يقتضي الملازمة بين عدم الرد وعدم الأمانة فيكون تلف الوديعة والعارية بأي وجه من الوجوه قبل الرد مقتضياً لخروج الأمين عن كونه أميناً وهو ممنوع، فإن المقتضي لذلك إنما هو التلف بخيانة أو جناية ولا نزاع في أن ذلك موجب للضمان، إنما النزاع في تلف لا يصير به الأمين خارجاً عن كونه أميناً. كالتلف بأمر لا يطاق دفعه أو بسبب سهو أو نسيان أو بآفة سماوية أو سرقة أو ضياع بلا تفريط فإنه يوجد التلف في هذه الأمور مع بقاء الأمانة. وظاهر الحديث يقتضي الضمان وقد عارضه ما أسلفنا، ثم ذكر الشوكاني كلام صاحب ضوء النهاء ثم تعقب عليه ثم قال: وأما مخالفة رأي الحسن لروايته فقد تقرر في الأصول: أن العمل بالرواية لا بالرأي انتهى قوله: "وقالوا يضمن صاحب العارية وهو قول الشافعي وأحمد" قال في النيل قال ابن عباس وأبو هريرة وعطاءشض

(4/483)


وقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ مِنْ أصْحَابِ النبيّ صلى الله عليه وسلم وغَيْرِهِمْ، لَيْسَ عَلَى صَاحِبِ الْعارِيَةِ ضَمانٌ إلاّ أَنْ يُخَالِفَ. وهُوَ قَوْلُ الثّوْرِيّ وأهْل الْكُوفَةِ. وبِهِ يَقُولُ إِسْحَاقُ.
ـــــــ
والشافعي وأحمد وإسحاق وعزاه صاحب الفتح إلى الجمهور: أنها إذ تلفت في يد المستعير ضمنها إلا فيما إذا كان ذلك على الوجه المأذون فيه، واستدلوا بحديث سمرة المذكور وبقوله تعالى {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} ولا يخفي أن الأمر بتأدية الأمانة لا يستلزم ضمانها إذا تلفت "وقال بعض أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم" وغيرهم: ليس على صاحب العارية ضمان إلا أن يخالف. وهو قول الثوري وأهل الكوفة وبه يقول "إسحاق" واستدلوا بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا ضمان على مؤتمن. رواه الدارقطني قال الحافظ: في إسناده ضعف. وأخرجه الدارقطني من طريق أخرى عنه بلفظ: ليس على المستعير غير المغل ضمان. ولا عن المستودع غير المغل ضمان وقال: إنما يروى هذا عن شريح غير مرفوع قال الحافظ: وفي إسناده ضعيفان قال الشوكاني: قوله لا ضمان على مؤتمن فيه دليل على أنه لا ضمان على من كان أميناً على عين من الأعيان كالوديع والمستعير، أما الوديع فلا يضمن. قيل إجماعاً إلا لجناية منه على العين والوجه في تضمينه بالجناية أنه صار بها خائناً. والخائن ضامن لقوله صلى الله عليه وسلم: "ولا على المستودع غير المغل ضمان والمغل هو الخائن" وهكذا يضمن الوديع إذا وقع منه تعد في حفظ العين. لأنه نوع من الخيانة وأما العارية فقد ذهبت الحنفية والمالكية إلى أنها غير مضمونة على المستعير إذا لم يحصل منه تعد انتهى

(4/484)


باب ماجاء في الإحتكار
...
40 ـ باب مَا جَاءَ في الاحتكار
1285 ـ حدثنا إسْحَاقُ بنُ مَنْصُورٍ. أخبرنا يَزِيدُ بنُ هارُونَ
ـــــــ
باب ما جاء في الاحتكار
قال الحافظ: الاحتكار الشرعي إمساك الطعام عن البيع وانتظار الغلاء مع الاستغناء عنه وحاجة الناس إليه. وبهذا فسره مالك عن أبي الزناد عن سعيد بن المسيب. وعن أحمد: إنما يحرم احتكار الطعام المقتات دون غيره من الأشياء

(4/484)


حدثنا مُحَمّدُ بنُ إسْحَاقَ عنْ مُحَمّدِ بنِ إبْرَاهِيمَ، عنْ سَعيدِ بنِ الْمُسَيّبِ، عنْ مَعْمَرِ بنِ عَبْدِ الله بنِ فَضْلَةَ، قالَ: سَمِعْتُ رسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ "لاَ يَحْتَكِرُ إلاّ خَاطِيءٌ" فَقُلْتُ لِسَعيدٍ: يَا أبَا مُحَمّدٍ إِنّكَ تَحْتَكِرُ. قالَ: ومَعْمَرٌ قَدْ كانَ يَحْتَكِرُ. وَإنمَا رُوِيَ عنْ سَعِيدِ بنِ الْمُسَيّبِ أنّهُ كانَ يَحْتَكِرُ الزّيْتَ وَالحنطَة ونَحْوَ هذَا. وفي البابِ عنِ عُمرَ وعَلِي وَأبي أُمَامَةَ، وابنِ عُمرَ. وحَدِيثُ مَعْمَرٍ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وَالَعَمَلُ عَلَى هَذا عِنْدَ
ـــــــ
انتهى قوله: "لا يحتكر إلا خاطئ" بالهمز أي عاص آثم. ورواه مسلم بلفظ: من احتكر فهو خاطئ. قال النووي: الاحتكار المحرم هو في الأقوات خاصة بأن يشتري الطعام في وقت الغلاء ولا يبيعه في الحال بل أدخره ليغلو، فأما إذا جاء من قرية أو اشتراه في وقت الرخص وادخره وباعه في وقت الغلاء فليس باحتكار ولا تحريم فيه، وأما غير الأقوات فلا يحرم الاحتكار فيه بكل حال انتهى. واستدل مالك بعموم الحديث على أن الاحتكار حرام من المطعوم وغيره ذكره ابن الملك في شرح المشارق كذا في المرقاة. قوله: "فقلت" قائله محمد بن ابراهيم "لسعيد" أي ابن المسيب "يا أبا محمد" كنية سعيد بن المسيب "إنك تحتكر قال ومعمر" أي ابن عبد الله بن فضالة "قد كان يحتكر" أي في غير الأقوات "والخبط" بفتح الخاء المعجمة والموحدة الورق الساقط أي علف الدواب "ونحو هذا" أي من غير الأقوات قال ابن عبد البر وآخرون إنما كانا يحتكران الزيت. وحملا الحديث على احتكار القوت عند الحاجة إليه. وكذلك حمله الشافعي وأبو حنيفة وآخرون قوله: "وفي الباب عن عمر" مرفوعاً: من احتكر على المسلمين طعامهم ضربه الله بالجذام والإفلاس. أخرجه ابن ماجه قال الحافظ في الفتح: إسناده حسن. وعنه مرفوعاً بلفظ: الجالب مرزوق والمحتكر ملعون. أخرجه ابن ماجه وإسناده ضعيف. "وعلي" لم أقف على حديثه "وأبي أمامة" مرفوعاً: من احتكر طعاماً أربعين يوماً ثم تصدق به لم يكن له كفارة. أخرجه رزين "وابن عمر" مرفوعاً: من احتكر طعاماً أربعين ليلة فقد بريء من الله وبريء منه ـ أخرجه أحمد والحاكم قال الحافظ في الفتح في إسناده مقال. وفي الباب عن أبي هريرة مرفوعاً: من احتكر حكرة

(4/485)


أَهْلِ العِلْمِ. كَرِهُوا احْتِكارَ الطّعَامِ. وَرَخّصَ بَعضُهُمْ في الأِحْتِكارِ في غَيرِ الطعَامِ. وقالَ ابنُ الْمُبَارَكِ: لاَ بَأْسَ بِالاحتكَارِ في الْقُطْنِ والسّخْتِيَانِ وَنَحْوِ ذلك.
ـــــــ
يريد أن يغالي بها على المسلمين فهو خاطئ. أخرجه الحاكم ذكره الحافظ وسكت عنه. وعن معاذ مرفوعاً: من احتكر طعاماً على أمتي أربعين يوماً وتصدق به لم يقبل منه. أخرجه ابن عساكر. قوله: "ورخص بعضهم في الاحتكار في غير الطعام" واحتجوا بالروايات التي فيها التصريح بلفظ الطعام. قال الشوكاني في النيل: وظاهر أحاديث الباب أن الاحتكار محرم من غير فرق بين قوت الاَدمي والدواب بين غيره. والتصريح بلفظ الطعام في بعض الروايات لا يصلح لتقييد باقي الروايات المطلقة. بل هو من التنصيص على فرد من الأفراد التي يطلق عليها المطلق وذلك لأن نفي الحكم عن غير الطعام إنما هو لمفهوم اللقب وهو غير معمول به عند الجمهور، وما كان كذلك لا يصلح للتقييد على ما تقرر في الأصول. قوله: "قال ابن المبارك لا بأس بالاحتكار بالقطن والسختيان" قال في القاموس السختيان ويفتح جلد الماعز إذا دبغ معرب

(4/486)


باب ماجاء في بيع المحفلات
...
41 ـ باب مَا جَاءَ فِي بَيْعِ المُحَفّلاَت
1286 ـ حدثنا هَنّادٌ. حدّثنَا أبُو الأَحْوَصِ، عنْ سِماكٍ، عنْ عِكرِمَةَ، عنِ ابنِ عَبّاسٍ أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ "لاَ تَسْتَقْبِلُوا السّوقَ. ولاَ تُحَفّلُوا. ولاَ يُنفّقْ بَعْضُكُمْ لِبعْضٍ". وفي البابِ عنِ ابنِ مَسْعُودٍ
ـــــــ
باب ما جاء في بيع المحفلات
المحفلة هي المصراة وقد ذكر الترمذي تفسيرها في هذا الباب قال أبو عبيد: سميت بذلك لأن اللبن بكثر في ضرعها وكل شيء كثرته فقد حفلته. تقول ضرع حافل أي عظيم. واحتفل القوم إذا كثر جمعهم ومنه سمي المحفل قوله: "لا تستقبلوا السوق" المراد من السوق العير أي لا تلقوا الركبان قال في المجمع في حديث الجمعة: إذا جاءت سويقة أي تجارة وهي مصغر السوق سميت بها لأن التجارة تجلب إليها والمبيعات تساق نحوها والمراد العير انتهى. "ولا تحفلوا" من التحفيل بالمهملة

(4/486)


وأبي هُرَيْرَةَ وحدِيثُ ابنِ عَبّاسٍ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. والْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ. كَرِهُوا بَيْعَ المُحَفّلَةِ. وَهِيَ المُصَرّاةُ، لاَ يَحْلُبُهَا صَاحِبُهَا أيّاماً أوْ نحْوَ ذَلِكَ، لِيَجْتَمِعَ اللّبَنُ في ضَرْعِهَا. فَيَغْترّ بهَا الْمُشْتَرِي. وهذَا ضَرْبٌ مِنَ الْخَدِيعَةِ والْغَرَرِ.
ـــــــ
والفاء بمعنى التجميع. والمعنى لا تتركوا حلب الناقة أو البقرة أو الشاة ليجتمع ويكثر لبنها في ضرعها فيعتز به المشتري. "ولا ينفق" بصيغة النهي من التنفيق وهو من النفاق ضد الكساد. قال نفقت السلعة فهي نافقة وأنفقتها ونفقتها إذا جعلتها نافقة "بعضكم لبعض" قال في النهاية: أي لا يقصد أن ينفق سلعته على جهة النجش فإنه بزيادته فيها يرغب السامع فيكون قوله سبباً لابتياعها ومنفقاً لها انتهى. قوله: "وفي الباب عن ابن مسعود" أخرجه البخاري موقوفاً عليه بلفظ قال: من اشترى شاة محفلة فردها فليرد معها صاعاً من تمر. وأخرجه الإسماعيلي مرفوعاً وذكر أن رفعه غلط "وأبي هريرة" أخرجه البخاري ومسلم قوله: "حديث ابن عباس حديث حسن صحيح" هذا الحديث رواه الترمذي من طريق سِمَاك عن عكرمة وقال الحافظ في الئقريب: سِمَاك بن حرب الكوفي أبو المغيرة صدوق وروايته عن عكرمة خاصة مضطربة وقد تغير بآخره فكان ربما يلقن انتهى. فتصحيح الترمذي هذا الحديث لوروده من وجوه أخرى صحيحة .

(4/487)


باب ماجاء في اليمين الفاجرة يقتطع بها مال المسلم
...
42 ـ باب مَا جَاءَ في الْيَمِينِ الْفَاجِرَةِ يُقْتَطَعُ بِهَا مَالُ الْمُسْلم
1287 ـ حدثنا هَنّادٌ. حدّثنَا أبُو مُعَاوِيَة عنِ الأَعمَشِ، عنْ شَقِيقِ بنِ سَلمَةَ، عنْ عَبْدِ الله بنِ مَسْعُودٍ، قالَ: قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم "مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمينٍ وهُوَ فِيهَا فَاجِرٌ، لِيَقْتَطِعَ بِهَا، كلَ امْرِءٍ مُسْلمٍ، لَقِيَ الله وهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ".
ـــــــ
باب مَا جَاءَ في الْيَمِينِ الْفَاجِرَةِ يُقْتَطَعُ بِهَا مَالُ الْمُسْلم
قوله: "من حلف على يمين" المراد باليمين المال المحلوف عليه "وهو فيها فاجر" أي كاذب "ليقتطع بها مال امرئ مسلم" قال الحافظ يقتطع يفتعل من القطع كأنه قطعه عن صاحبه أو أخذ قطعة من ماله بالحلف المذكور "لقي الله وهو عليه غضبان"

(4/487)


فقَالَ الأشْعثُ بنُ قَيْسٍ: فِيّ، وَالله لَقَدْ كانَ ذَلِكَ. كانَ بَيْنِي وبَيْنَ رَجُل مِنَ الْيَهُودِ أرْضٌ فَجَحدنِي. فَقَدّمْتُهُ إلَى النبيّ صلى الله عليه وسلم. فقالَ لِي رسولُ الله صلى الله عليه وسلم "ألَكَ بَيّنَةٌ"؟ قلت: لا. فقَالَ لِلْيَهُودِيّ "احْلِفْ" فَقلت: يا رسولَ الله إذاً يَحْلِفُ فَيَذْهَبُ بِمَالِي. فأَنْزَلَ الله تعالى: {إنّ الّذِينَ يَشْترُونَ بِعَهْدِ الله وَأَيمَانِهِمْ ثَمَناً قَليلاً} إلى آخِر الاَيَةِ. وفي البابِ عنْ وَائِلِ بنِ حُجْرٍ، وأبي مُوسَى وأبي أُمَامَةَ بنِ ثَعْلَبَةَ الأنْصَارِيّ وعِمْرَانَ بنِ حُصَيْنٍ. وحدِيثُ ابنِ مَسْعُودٍ، حدِيثٌ حسنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
في حديث وائل بن حجر عند مسلم: وهو عنه معرض. وفي حديث أبي أمامة بن ثعلبة عند مسلم فقد أوجب الله له النار وحرم عليه الجنة. "فقال الأشعث" هو ابن قيس أبو محمد الكندي صحابي نزل الكوفة "فيّ والله لقد كان ذلك كان بيني وبين رجل الخ" وقع في رواية للبخاري: من حلف على يمين صبر ليقتطع بها مال امرئ مسلم لقي الله وهو عليه غضبان. فأنزل الله تصديق ذلك {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً} إلى آخر الاَية. فدخل الأشعث بن قيس فقال: فيّ أنزلت الخ "إذن يحلف" بالنصب قال السهيلي لا غير. وحكى ابن خروف جواز الرفع في مثل هذا ذكره الحافظ. قوله: "وفي الباب عن وائل ابن حجر" أخرجه مسلم "وأبي موسى" لينظر من أخرجه "وأبي أمامة بن ثعلبة" أخرجه مسلم "وعمران بن حصين" أخرجه أبو داود قوله: "حديث ابن مسعود حديث حسن صحيح" وأخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه

(4/488)


باب ماجاء إذا اختلف البيعان
...
43 ـ باب ما جاءَ إذَا اخْتَلَفَ الْبَيّعَان
1288 ـ حدثنا قُتَيْبَةُ. حدّثنَا سُفْيَانُ عنِ ابنِ عَجْلاَنَ، عنْ
ـــــــ
باب ما جاء إذا اختلف البيعان
بفتح الموحدة وتشديد التحتية المكسورة أي المتبايعان قوله: "إذا اختلف البيعان" ، أي إذا اختلف البائع والمشتري في قدر الثمن أو في شرط الخيار أو في شيء

(4/488)


عَوْنِ بنِ عَبْدِ الله، عنِ ابنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم "إذَا اخْتَلَفَ الْبَيّعَانِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ. والْمبْتَاعُ بِالْخِيَارِ". هذا حديثٌ مُرْسَلٌ. عَوْنُ بنُ عبدِ الله لَمْ يُدْرِكِ ابنِ مَسْعُودٍ. وقَدْ رُوِيَ عنِ القاسِمِ بنِ عَبْدِ الرّحْمَنِ، عنِ ابن مَسْعُودٍ، عنِ النبيّ صلى الله عليه وسلم هَذَا الحَديثُ أيْضاً. وهُوَ مُرْسَلٌ أيْضاً. قال ابن مَنْصُورٍ: قُلْتُ لأحْمَدَ: إذَا اخْتَلفَ البَيعّانِ وَلَمْ تَكُنْ بَيّنةٌ؟ قالَ: القَوْلُ مَا قالَ رَبّ السّلْعَةِ، أوْ يَترَادّانِ. قالَ إسْحَاقُ: كما قالَ. وكُلّ مَنْ كانَ القَوْلُ قَوْلَهُ، فَعَلَيْهِ اليْمِينُ. وقد رُوِيَ نحو هذا عنْ بَعْضِ أهل العلم من التّابِعِينَ مِنْهُم شُرَيْحٌ .
ـــــــ
آخر ولم يكن لأحد منهما بينة. قال في النيل: لم يذكر الأمر الذي فيه الاختلاف، وحذف المتعلق مشعر بالتعميم في مثل هذا المقام على ما تقرر في علم المعاني فيعم الاختلاف في المبيع والثمن وفي كل أمر يرجع إليهما وفي سائر الشروط المعتبرة والتصريح بالاختلاف في الثمن في بعض الروايات لا ينافي في هذا العموم المستفاد من الحذف انتهى. "فالقول قول البائع" أي مع يمينه "والمبتاع" أي المشتري "بالخيار" أي إن شاء اختار البيع ورضي بقول البائع وإن شاء فسخ البيع والحديث دليل على أنه إذا وقع الخلاف بين البائع والمشتري في الثمن أو المبيع أو في شرط من شروطهما فالقول قول البائع مع يمينه لما عرف من القواعد الشرعية: أن من كان القول قوله فعليه اليمين. كذا في سبل السلام قلت يدل على أن القول قول البائع مع يمينه رواية أحمد والنسائي عن أبي عبيدة: وأناه رجلان تبايعا سلعة فقال هذا أخذت بكذا وكذا، وقال هذا بعت بكذاوكذا، فقال أبو عبيدة: أتى عبد الله في مثل هذا فقال: حضرت النبي صلى الله عليه وسلم في مثل هذا فأمر بالبائع أن يستحلف ثم يخير المبتاع إن شاء أخذ وإن شاء ترك. قوله: "والمبتاع" أي المشتري "بالخيار" أي إن شاء أخذا وإن شاء ترك. قوله: "هذا حديث مرسل الخ" وأخرجه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه وغيرهم. وروى هذا الحديث عن عبد الله بن مسعود من طرق بألفاظ ذكرها الحافظ في التلخيص "القول ما قال رب السلعة" أي البائع "قال إسحاق كما قال" أي أحمد "وكل من قال القول قوله فعليه اليمين" يدل على ذلك رواية أحمد والنسائي التي ذكرنا قال الشوكاني قد استدل بالحديث من قال إن القول قول البائع إذا وقع الاختلاف بينه وبين المشتري في أمر من الأمور المتعلقة بالعقد. ولكن مع يمينه كما وقع في الرواية الاَخرة. وهذا إذا لم يقع التراضي بينهما على التراد، فإن تراضيا على ذلك جاز بلا خلاف فلا يكون لهما خلاص عن النزاع إلا التفاسخ أو حلف البائع والظاهر عدم الفرق بين بقاء المبيع وتلفه لما عرفت من عدم انتهاض الرواية المصرح فيها باشتراط بقاء المبيع للاحتجاج، والتراد مع التلت ممكن بأن يرجع كل واحد منهما بمثل المثلى وقيمة القيمي إذا تقرر لك ما يدل عليه هذا الحديث من كون القول قول البائع من غير فرق، فاعلم أنه لم يذهب إلى العمل به في جميع صور الاختلاف أحد فيما أعلم، بل اختلفوا في ذلك اختلافاً طويلاً على حسب ما هو مبسوط في الفروع. ووقع الاتفاق في بعض الصور والاختلاف في بعض. وسبب الاختلاف في ذلك ما سيأتي من قوله صلى الله عليه وسلم: "البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه". لأنه يدل بعمومه على أن اليمين على المدعى عليه. والبينة على المدعي من غير فرق بين أن يكون أحدهما بائعاً والاَخر مشتريا أو لا. وحديث الباب يدل على أن القول قول البائع مع يمينه والبينة على المشتري من غير فرق بين أن يكون البائع مدعياً أو مدعى عليه فبين الحديثين عموم وخصوص من وجه فيتعارضان باعتبار مادة الانفاق وهي حيث يكون البائع مدعياً فينبغي أن يرجع في الترجيح إلى الأمور الخارجة. وحديث إن اليمين على المدعى عليه عزاه المصنف يعني صاحب المنتقي في كتاب الأقضية إلى أحمد ومسلم، وهو أيضاً في صحيح البخاري في الرهن وفي باب: اليمين على المدعى عليه انتهى بقدر الحاجة .

(4/489)


باب ماجاء في بيع فضل الماء
...
44 ـ باب مَا جَاءَ فِي بَيْعِ فَضْلِ الْمَاء
1289 ـ حدثنا قُتَيْبَةُ. حَدّثَنَا دَاوُدُ بْنُ عَبْد الرّحْمَنِ الْعَطّارُ، عنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أبي الْمِنْهَالِ، عَنْ إيَاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُزَنيّ قَالَ: نَهَى النبي صلى الله عليه وسلم عَنْ بَيْعِ المَاءِ. وفي البابِ عَنْ جَابرٍ وَبُهَيْسَةَ، عَنْ أبيهَا. وَأَبي هُرَيْرَةَ وعَائِشَةَ وَأنَس وَعبدِ الله بنِ عَمْروٍ.
ـــــــ
باب مَا جَاءَ فِي بَيْعِ فَضْلِ الْمَاء
قوله: "عن إياس بن عبد" بغير إضافة يكنى أبا عوف له صحبة يعد في أهل

(4/490)


ـــــــ
الحجاز قوله: "نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الماء" وفي رواية غير الترمذي عن بيع فضل الماء وفيه دليل على تحريم بيع فضل الماء والظاهر أنه لا فرق بين الماء الكائن في أرض مباحة أو في أرض مملوكة وسواء كان للشرب أو لغيره وسواء كان لحاجة الماشية أو الزرع وسواء كان في فلاة أو في غيرها وقد خصص من عموم أحاديث المنع من البيع للماء ما كان منه محرزاً في الاَنية لأنه يجوز بيعه قياساً. على جواز بيع الحطب إذا أحرزه الحاطب لحديث الذي أمره صلى الله عليه وسلم بالاحتطاب ليستغني به عن المسألة وهو متفق عليه من حديث أبي هريرة وهذا القياس بعد تسليم صحته إنما يصح على مذهب من جوز التخصيص بالقياس والخلاف في ذلك معروف في الأصول ولكنه يشكل على النهي عن بيع الماء على الاطلاق ما ثبت في الحديث الصحيح من أن عثمان رضي الله عنه اشترى نصف بئر رومة من اليهودي وسبلها للمسلمين بعد أن سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "من اشترى بئر رومة فيوسع بها على المسلمين وله الجنة وكان اليهودي يبيع ماءها" الحديث. فإنه كما يدل على جواز بيع البئر نفسها وكذلك العين بالقياس عليها يدل على جواز بيع الماء لتقريره صلى الله عليه وسلم لليهودي على البيع ويجاب بأن هذا كان في صدر الإسلام وكانت شوكة اليهود في ذلك الوقت قوية والنبي صلى الله عليه وسلم صالحهم في مبادي الأمر على ما كانوا عليه ثم استقرت الأحكام وشرع لأمته تحريم بيع الماء فلا يعارضه ذلك التقرير وأيضاً الماء هنا دخل تبعاً لبيع البئر ولا نزاع في جواز ذلك انتهى كلام الشوكاني ملخصاً قوله: "وفي الباب عن جابر وبهيسة عن أبيها وأبي هريرة وعائشة وأنس وعبد الله بن عمرو" أما حديث جابر فأخرجه مسلم عنه مرفوعاً بلفظ: نهى عن بيع فضل الماء. وأما حديث بهيسة عن أبيها فأخرجه أبو داود بلفظ: أنه قال يا رسول الله ما الشيء الذي لا يحل منعه قال الماء ثم أعاد فقال الملح وفيه قصة وأعله عبد الحق وابن القطان بأنها لا تعرف لكن ذكرها ابن حبان وغيره في الصحابة كذا في التلخيص. وأما حديث أبي هريرة فأخرجه ابن ماجه بسند صحيح: ثلاث لا يمنعه من الماء والكلاء والنار. وأما حديث عائشة فأخرجه ابن ماجه بلفظ أنها قالت: يا رسول الله ما الشيء الذي لا يحل منعه؟ قال: الماء والملح والنار. الحديث وإسناده ضعيف. وأما حديث أنس فأخرجه الطبراني

(4/491)


حَدِيثُ إيَاسٍ حَديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وَالعَمَلُ عَلَى هذَا عِنْدَ أكْثَر أَهْلِ العِلْمِ، أنّهُمْ كرِهُوا بَيْعَ المَاءِ. وَهُوَ قَوْلُ ابنِ المُبَارَكِ والشّافِعِيّ وَأَحْمَدَ وَإسحَاقَ. وقَدْ رَخّصَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ في بَيْعِ المَاءِ. مِنْهُمُ الحَسَنُ البَصْرِيّ.
1290 ـ حدثنا قُتَيْبَةُ. حدّثَنَا اللّيْثُ عنْ أبي الزّنَادِ، عَنِ الأعْرَجِ، عَنِ أبي هُرَيْرَةَ أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ "لاَ يُمْنَعُ فَضْلُ المَاءِ، لِيُمْنَعَ بِهِ الكَلاء". هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
وَأبُو المنْهَالِ اسْمُهُ عبدُ الرّحْمَنِ بنُ مُطْعِم. كُوفِيّ. وَهُوَ الّذِي رَوَى عَنْهُ حَبيبُ بنُ أبي ثَابِتٍ. وأبُو المنْهَالِ سَيّارُ بنُ سَلاَمَةَ، بَصْرِي. صَاحِبُ أبي بَرْزَةَ الأسْلَمِيّ.
ـــــــ
في الصغير: خصلتان لا يحل منعهما الماء والنار. وقال أبو حاتم في العلل: هذا حديث منكر. وأما حديث ابن عمرو فأخرجه الطبراني بسند حسن. كذا في التلخيص في كتاب إحياء الموات. قوله: "حديث إياس حديث حسن صحيح أخرجه الخمسة إلا ابن ماجه. قوله والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم أنهم كرهوا بيع الماء الخ" استدلوا على هذا بأحاديث الباب "وقد رخص بعض أهل العلم في بيع الماء الخ" وقد تقدم ذكر ما تمسكوا في كلام الشوكاني. قوله: "لا يمنع" بصيغة المجهول "فضل الماء" وهو الفاضل عن كفاية صاحبه "ليمنع به الكلاء" بفتح الكاف واللام بعدها همزة مقصورة. وهو النبات رطبه يابسه والمعنى أن يكون حول البئر كلاء ليس عنده ماء غيره ولا يمكن أصحاب المواشي رعيه. إلا إذا مكنوا من سقى بهائمهم من تلك البئر لئلا يتضرروا بالعطش بعد الرعي فيستلزم منعهم من الماء منعهم من الرعي. وإلى هذا التفسير ذهب الجمهور، وعلى هذا يختص البذل بمن له ماشية. ويلحق به الرعاة إذا احتاجوا إلى الشرب لأنه إذا منعهم من الشرب امتنعوا من الرعي هناك. ويحتمل أن يقال يمكنهم حمل الماء لأنفسهم لقلة ما يحتاجون إليه منه بخلاف البهائم. والصحيح الأول ويلتحق بذلك الزرع عند مالك. والصحيح عند الشافعية، وبه قالت الحنفية الاختصاص بالماشية. وفرق الشافعي في ما حكاه المزني عنه بين المواشي والزرع بأن الماشية ذات أرواح يخشى من عطشها موتها، بخلاف الزرع. وبهذا أجاب النووي وغيره

(4/492)


باب ماجاء في كراهية عسب الفحل
...
45 ـ باب ما جَاءَ في كَرَاهِيَةِ عَسْبِ الفَحْل
1291 ـ حدثنا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ وَ أَبُو عَمّارٍ قَالا: حَدّثَنَا إسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَيّةَ حدثنا عَلِيّ بْنُ الْحَكَمِ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: نَهَى النبيّ صلى الله عليه وسلم عَنْ عَسْبِ الْفَحْلِ.
وفي البابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَنَسٍ وَأَبي سَعِيدٍ. حَدِيثُ ابْنِ عمَرَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ بَعضِ أَهْلِ العِلْمِ. وَقَدْ رَخّصَ بعضهم في قَبُولِ الكَرَامَةِ عَلَى ذلِكَ.
ـــــــ
باب ما جاء في كراهية عسب الفحل
بفتح العين المهملة وإسكان السين المهملة أيضا وفي آخره موحدة ويقال له العسيب أيضا والفحل الذكر من كل حيوان فرسا كان أو جملا أو تيسا وغير ذلك وقد روى النسائي من حديث أبي هريرة نهى عن عسيب التيس قال في القاموس العسب ضراب الفحل وماؤه أو نسله والولد وإعطاء الكراء على الضراب والفعل كضرب انتهى قوله: "نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن عسب الفحل" قال في النهاية عسب الفحل ماؤه فرساً كان أو بعيراً أو غيرهما وعسبه أيضاً ضرابه يقال عسب الفحل الناقة يعسبها عسباً ولم ينه عن واحد منهما وإنما أراد النهي عن الكراء الذي يؤخذ عليه فإن إعارة الفحل مندوب إليها، وقد جاء في الحديث: ومن حقها إطراق فحلها. ووجه الحديث أنه نهى عن كراء عسب الفحل فحذف المضاف وهو كثير في الكلام. وقيل يقال الكراء الفحل عسب وعسب فحله يعسبه أي أكراه وعسبت الرجل إذا أعطيته كراء ضراب فحله فلا يحتاج إلى حذف مضاف وإنما نهى عنه للجهالة التي فيه ولا بد في الإجارة من تعيين العمل ومعرفة مقداره انتهى. قوله: "وفي الباب عن أبي هريرة وأنس وأبي سعيد" أما حديث أبي هريرة فأخرجه النسائي وتقدم لفظه. وأما حديث أنس فأخرجه الترمذي في هذا الباب. ولأنس غير حديث الباب عند الشافعي

(4/493)


1292 ـ حدثنا عَبْدَةُ بْنُ عَبْدِ الله الْخُزَاعِيّ البَصْرِيّ. حَدّثَنَا يَحْيَىَ بْنُ آدَمَ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ حُمَيْدٍ الرّؤَاسِيّ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ محَمّدِ بْنِ إبْرَاهيمَ التّيمِيّ، عَنْ أَنَسٍ بنِ مَالِكٍ أَنّ رَجُلاً مِنْ كِلاَبٍ سَأَلَ النبيّ صلى الله عليه وسلم عَنْ عَسْبِ الفَحْل، فَنَهَاهُ. فقَالَ: يا رسُولَ الله إِنّا نُطْرِقُ الفَحْلَ فَنُكرَمُ. فَرَخّصَ لَهُ في الكرَامَةِ.
ـــــــ
وأما حديث أبي سعيد فأخرجه الدارقطني والبيهقي كذا في التلخيص وفي الباب عن علي عند الحاكم في علوم الحديث وابن حبان والبزار وعن البراء عند الطبراني وعن ابن عباس عنده أيضاً وعن جابر عند مسلم. قوله: "حديث ابن عمر حديث حسن صحيح" وأخرجه أحمد والبخاري وغيرهما. قوله: "والعمل على هذا عند بعض أهل العلم" وهو قول الجمهور. والنهي عندهم للتحريم وهو الحق، قال الحافظ في الفتح: بيعه وكراءه حرام لأنه غير متقوم ولا معلوم ولا مقدور على تسليمه وفي وجه للشافعية والحنابلة: تجوز الإجارة مدة معلومة. وهو قول الحسن وابن سيرين، ورواية عن مالك قواها الأبهري وغيره. وحمل النهي على ما إذا وقع لأمد مجهول، وأما إذا استأجر مدة معلومة فلا بأس كما يجوز الاستيجار لتلقيح النخل. وتعقب بالفرق لأن المقصود هنا ماء الفحل وصاحبه عاجز عن تسليمه بخلاف التلقيح انتهى. وقال الشوكاني: وأحاديث الباب ترد عليهم أي على من جوز إجارة الفحل للضراب مدة معلومة لأنها صادقة على الإجارة. قال صاحب الأفعال أعسب الرجل عسبا اكترى منه فحلاً ينزيه انتهى. "وقد رخص قوم في قبول الكرامة على ذلك" أي قبول الهدية على ذلك وهو الحق كما يدل عليه حديث أنس الآتي. قال الحافظ: وأما عارية ذلك فلا خلاف في جوازه فإن أهدى للمعير هدية من المستعير بغير شرط جاز ثم ذكر الحافظ حديث أنس الآتى ثم قال: ولابن حبان في صحيحه من حديث أبي كبشة مرفوعاً: من أطرق فرساً فأعقب كان له كأجر سبعين فرساً انتهى. قوله: "إنا نطرق الفحل" بضم النون وكسر الراء أي نعيره للضراب. قال في النهاية: ومنه الحديث: ومن حقها إطراق فحلها. أي إعارته للضراب، واستطرق الفحل استعارته لذلك "فنكرم" بصيغة المتكلم المجهول أي يعطينا صاحب الأنثى شيئاً بطريق الهدية والكرامة لا على سبيل

(4/494)


هذا حديثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. لا نَعْرِفُهُ إلاّ مِنْ حَدِيثِ إبْرَاهيمَ بنِ حُمَيْدٍ عَنْ هِشَامِ بن عُروَةَ.
ـــــــ
المعارضة "فرخص له في الكرامة" أي في قبول الهدية دون الكراء، وفيه دليل على أن المعير إذا أهدى إليه المستعير هدية بغير شرط حلت له. وقد ورد الترغيب في إطراق الفحل أخرج ابن حبان في صحيحه من حديث أبي كبشة مرفوعاً: من أطرق فرساً فأعقب كان له كأجر سبعين فرساً. قوله: "هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث إبراهيم بن حميد الخ" قال في التنقيح: وإبراهيم ابن حميد وثقة النسائي وابن معين وأبو حاتم وروى له البخاري ومسلم. كذا في نصب الراية

(4/495)


باب ماجاء في ثمن الكلب
...
46 ـ باب مَا جَاءَ في ثمنِ الكلْب
1293 ـ حدثنا قُتَيْبَةُ. حدّثنا الّليثُ عَن ابن شِهَابِ وحدثنا سَعِيدُ بنُ عَبْدِ الرّحمنِ المَخْزُومِي وَغَيرُ وَاحِد قَالُوا: حَدّثنَا سُفْيَانُ بنُ عُيَينَةَ عَنْ الزّهْرِيّ، عَنْ أبي بَكرِ بنِ عَبْدِ الرّحمنِ، عَنْ أبي مَسْعُودٍ الأنْصَارِيّ، قَالَ: نَهَى رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عَنْ ثمَنِ الكَلْبِ ومَهرِ البَغِيّ وَحُلْوَانِ الكاهِنِ. هذا حديثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ .
1294 ـ حدثنا مُحَمّدُ بنُ رَافِعٍ. حَدّثَنَا عَبْدُ الرّزّاقِ. حدثنا مَعْمَرٌ عَنْ يَحْيَى بن أبي كَثِيرٍ، عَنْ إبْرَاهيمَ بنِ عَبْدِ الله بنِ قارِظٍ، عَنِ السّائِبِ بنِ يَزِيدَ، عَنْ رَافِعِ بن خَدِيجٍ أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ "كَسْبُ الْحَجّامِ خَبِيثٌ. وَمَهْرُ البَغِيّ خَبيثٌ. وثمَنُ
ـــــــ
باب ما جاء في ثمن الكلب
قوله: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ثمن الكلب" فيه دليل على عدم صحة بيع الكلب مطلقاً وهو قول الجمهور. "ومهر البغي" بفتح الموحدة وكسر المعجمة وتشديد التحتانية وهو فعيل بمعنى فاعله من بغت المرأة بغاء

(4/495)


الكَلْبِ خَبيثٌ". وفي البابِ عَنْ عُمَرَ وابنِ مَسْعُودٍ وَجَابرٍ وأبي هُرَيْرَةَ
ـــــــ
بالكسر إذا زنت. ومنه قوله تعالى {وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ} ومهر البغي هو ما تأخذه الزانية على الزنا سماه مهراً مجازاً "وحلوان الكاهن" بضم الحاء المهملة وسكون اللام ما يعطاه على كهانته. قال الهروي: أصله من الحلاوة شبه المعطي بالشيء الحلو من حيث أنه يأخذه سهلاً بلا كلفة ومشقة. والكاهن هو الذي يتعاطى الإخبار عن الكائنات في المستقبل، ويدعي معرفة الأسرار. وكانت في العرب كهنة يدعون أنهم يعرفون كثيراً من الأمور الكائنة، ويزعمون أن لهم تابعة من الجن تلقي إليهم الأخبار. ومنهم من يدعى أنه يدرك الأمور بفهم أعطيه. ومنهم من زعم أنه يعرف الأمور بمقدمات وأسباب يستدل بهما على مواقعها، كالشيء يسرق فيعرف المظنون به للسرقة، ومتهم المرأة بالزنية فيعرف من صاحبها ونحو ذلك. ومنهم من يسمى المنجم كاهناً حيث إنه يخبر عن الأمور كإتيان المطر، ومجيء الوباء، وظهور القتال، وطالع نحس أو سعيد، وأمثال ذلك. وحديث النهي عن إتيان الكاهن يشتمل على النهي عن هؤلاء كلهم وعلى النهي عن تصديقهم والرجوع إلى قولهم. كذا في المرقاة. قال الحافظ: وحلوان الكاهن حرام بالإجماع لما فيه من أخذ العوض على أمر باطل. وفي معناه التنجيم والضرب بالحصى وغير ذلك مما يتعاطاه العرافون من استطلاع الغيب انتهى. قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه البخاري ومسلم. قوله: "كسب الحجام خبيث الخ" أي مكروه لدناءته، قال القاضي: الخبيث في الأصل ما يكره لرداءته وخسته ويستعمل للحرام، من حيث كرهه الشارع واسترذله كما يستعمل الطيب للحلال قال تعالى {وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ} أي الحرام بالحلال ولما كان مهر الزانية حراماً كان الخبث المسند إليه بمعنى الحرام، وكسب الحجام لما لم يكن حراماً لأنه صلى الله عليه وسلم احتجم وأعطى الحجام أجره كان المراد من المسند إليه الثاني. وأما نهي بيع الكلب فمن صححه كالحنفية فسره بالدناءة، ومن لم يصححه كأصحابنا فسره بأنه حرام انتهى قوله: "وفي الباب عن عمر" أخرجه الطبراني ذكره الزيلعي في نصب الراية ص 194 "وابن مسعود" لم أقف على حديثه "وجابر" أخرجه أحمد ومسلم وأبو داود "وأبي هريرة" أخرجه ابن حبان في

(4/496)


وابِن عَبّاسٍ وابن عُمرَ وعَبْدِ الله بن جَعْفَر. حَدِيثُ رَافِعٍ حَدِيثٌ حَسنٌ صَحِيحٌ. والعَمَلُ عَلَى هذَا عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ العِلمِ. كرِهُوا ثَمنَ الكَلبِ. وهُو قولُ الشّافعيّ وأحمد وإسْحاقَ. وقَدْ رَخّصَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ في ثَمَنِ كلْبِ الصّيْدِ.
ـــــــ
صحيحه والدارقطني في سننه ذكره الزيلعي "وابن عباس" أخرجه أحمد وأبو داود "وابن عمر" أخرجه الحاكم "وعبد الله بن جعفر" لم أقف على حديثه. قوله: "حديث رافع حديث حسن صحيح" وأخرجه مسلم. قوله: "والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم كرهوا ثمن الكلب الخ" قال الطيبي: في الحديث دليل على أنه لا يصح بيعه وأن لا قيمة على متلفه سواء كان معلماً أو لا وسواء كان يجوز اقتناؤه أم لا. وأجاز أبو حنيفة بيع الكلب الذي فيه منفعة. وأوجب القيمة على متلفه. وعن مالك روايات: الأولى ـ لا يجوز البيع وتجب القيمة. والثانية ـ كقول أبي حنيفة والثالثة ـ كقول الجمهور انتهى. وقال الشوكاني في النيل: وقال عطاء والنخعي يجوز بيع كلب الصيد دون غيره. ويدل عليه ما أخرجه النسائي من حديث جابر قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ثمن الكلب إلا كلب صيد. قال في الفتح: ورجال إسناده ثقات إلا أنه طعن في صحته. وأخرج نحوه الترمذي من حديث أبي هريرة لكن من رواية أبي المهزم وهو ضعيف. فينبغي حمل المطلق على المقيد ويكون المحرم بيع ما عدا كلب الصيد إن صح هذا المقيد للاحتجاج به. واختلفوا أيضاً هل تجب القيمة على متلفه؟ فمن قال بتحريم بيعه قال بعدم الوجوب ومن قال بجوازه قال بالوجوب. ومن فصل في البيع فصل في لزوم القيمة انتهى .

(4/497)


باب ماجاء في كسب الحجام
...
47 ـ باب مَا جَاءَ في كَسْبِ الْحَجّام
1295 ـ حدثنا قُتَيْبَةُ عَنْ مَالِكِ بْنِ أنَسٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ ابْنِ مُحيّصَةَ أَخَي بَنِي حَارَثَةَ، عَنْ أبِيهِ، أنّهُ اْستَأْذَنَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم في إجارَة الْحَجّامِ فَنَهَاهُ عَنْهَا. فَلَمْ يَزَلْ يَسْأَلُهُ وَيَسْتَأْذِنُهُ حَتّى
ـــــــ
باب مَا جَاءَ في كَسْبِ الْحَجّام
قوله: "عن ابن محيصة" بتشديد التحتانية المكسورة "في إجارة الحجام" وفي

(4/497)


قَالَ "اعْلِفْهُ نَاضِحَكَ. وَأَطْعِمْهُ رَقِيقَكَ".
قال وفي البابِ عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ وَأبي جُحَيْفَةَ، وَجَابِرٍ، وَالسّائِبِ
حَدِيثُ مُحَيّصَةَ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ وَالْعَمَلُ عَلَى هذَا عِنْدَ بَعْضِ أهْلِ الْعِلْمِ. وَقَالَ أحْمَدُ إنْ سَأَلَنِي حَجّامٌ نهَيْتُهُ، وَآخُذُ بِهذَا الْحدِيثِ.
ـــــــ
رواية الموطإ في أجرة الحجام "فلم يزل يسأله ويستأذنه" أي في أن يرخص له في أكلها فإن أكثر الصحابة كانت لهم أرقاء كثيرون، وأنهم كانوا يأكلون من خراجهم ويعدون ذلك من أطيب المكاسب. فلما سمع محيصة نهيه عن ذلك وشق ذلك عليه لاحتياجه إلى أكل أجرة الحجام. تكرر في أن يرخص له في ذلك "حتى قال" صلى الله عليه وسلم "اعلفه ناضحك" بهمزة وصل وكسر اللام أي أطعمه قال في القاموس: العلف كالضرب الشرب الكثير وإطعام الدابة كالإعلاف، والناضح هو الجمل الذي يسقى به الماء "وأطعمه رقيقك" أي عبدك لأن هذين ليس لهما شرف ينافيه دناءة هذا الكسب بخلاف الحر. وهذا ظاهر في حرمته على الحر والحديث صحيح. لكن الإجماع على تناول الحر له فيحمل النهي على التنزيه. كذا ذكره ابن الملك. قوله: "وفي الباب عن رافع بن خديج" أخرجه مسلم وغيره وقد تقدم "وأبي جحيفة" أخرجه البخاري "وجابر" أخرجه أحمد بلفظ: أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن كسب الحجام فقال أطعمه ناصحك "والسائب" أخرجه أبو يعلى الموصلي في مسنده. ذكره الزيلعي في نصب الراية ص 194ج2. قوله: "حديث محيصة حديث حسن" وأخرجه أحمد وأبو داود وأخرجه أيضاً مالك. قوله: "وقال أحمد: إن سألني حجام الخ" قال الحافظ في الفتح: ذهب أحمد وجماعة إلى الفرق بين الحر والعبد فكرهوا للحر الاحتراف بالحجامة، ويحرم الإنفاق على نفسه منها ويجوز له الإنفاق على الرقيق والدواب منها، وأباحوها للعبد مطلقاً وعمدتهم حديث محيصة.

(4/498)


باب ماجاء من الرخصة في كسب الحجام
...
48 ـ باب مَا جَاءَ في الرّخْصَةِ فِي كَسْبِ الْحَجّام
1296 ـ حدثنا عَليّ بْنُ حُجْرٍ. أخبرنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ حُمَيْدٍ قَالَ: سُئِلَ أنَسٌ عَنْ كَسْبِ الْحَجّامِ؟ فَقَالَ أَنَسٌ: احْتَجَمَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم. وَحَجَمَه أبُو طَيْبَةَ. فَأَمَرَ لَهُ بِصَاعَيْنِ مِنْ طَعَامٍ وَكَلّمَ أهْلَهُ فَوَضَعُوا عَنْهُ مِنْ خَرَاجِهِ، وَقَالَ "إنّ أَفْضَلَ مَا تَدَاوَيْتُمْ بِه الْحِجَامَةُ" أوْ "إنّ مِنْ أمْثَلِ دَوَائِكُمُ الْحِجَامَةَ". وفي البابِ عَنْ عَلِي وابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ عُمَرَ. حديثُ أنَسٍ حَدِيثٌ حسنٌ صحيحٌ. وَقَدْ رَخّصَ بَعْضُ أهل الْعِلمِ مِنْ أصْحَابِ النبيّ صلى الله عليه وسلم وَغَيْرِهِمْ. في كَسبِ الْحَجّامِ. وَهُوَ قَوْلُ الشّافِعيّ.
ـــــــ
باب مَا جَاءَ في الرّخْصَةِ فِي كَسْبِ الْحَجّام
قوله: "عن حميد" بالتصغير هو حميد الطويل "وحجمه أبو طيبة" بفتح مهملة فسكون تحتية ثم باء موحدة عبد لبني بياضة، واسمه نافع أو دينار أو مسيرة أقوال "وأمر أهله" أي ساداته "فوضعوا عند من خراجه" بفتح الخاء المعجمة هو ما يقدره السيد على عبده في كل يوم ويقال له ضريبة وغلة "أو إن من أمثل دوائكم" أي من أفضل دوائكم وأو للشك. قوله: "وفي الباب عن علي لينظر من أخرجه وابن عباس" أخرجه البخاري ومسلم "وابن عمر" لينظر من أخرج حديثه. قوله: "حديث أنس حديث حسن صحيح" وأخرجه البخاري ومسلم قوله: "وقد رخص بعض أهل العلم الخ" قال الحافظ في الفتح: اختلف العلماء في هذه المسألة فذهب الجمهور إلى أنه حلال. واحتجوا بهذا الحديث يعني بحديث ابن عباس قال: احتجم النبي صلى الله عليه وسلم وأعطى الحجام أجره ولو علم كراهية لم يعطه قال وقالوا هو كسب فيه دناءة وليس بمحرم فحملوا الزجر عنه على التنزيه. ومنهم من أدعى النسخ وأنه كان حراماً ثم أبيح وجنح إلى ذلك الطحاوي، والنسخ لا يثبت بالاحتمال. وذهب أحمد وجماعة إلى الفرق بين الحر والعبد. وقد ذكرنا مذهب أحمد فيما تقدم نقلاً عن الفتح. قال الحافظ: وجمع ابن العربي بين قوله صلى الله عليه وسلم: "كسب الحجام خبيث"، وبين إعطائه الحجام أجرته. بأن محل الجواز ما إذا كانت الأجرة على عمل معلوم. ويحمل الزجر على ما إذا كان على عمل مجهول. قال وفي الحديث الأجرة على المعالجة بالطب والشفاعة إلى أصحاب الحقوق أن يخففوا منها. وجواز مخارجة السيد لعبده كأن يقول له: أذنت لك أن تكتسب على أن تعطيني كل يوم كذا وما زاد فهو لك انتهى .

(4/499)


باب ماجاء في كراهية ثمن الكلب والسنور
...
49 ـ باب مَا جَاءَ في كَرَاهيةِ ثَمَنِ الْكَلْبِ وَالسّنّوْر
1297 ـ حدثنا عَلِيّ بْنُ حُجْرٍ وَ عَلِيّ بْنُ خَشْرَمٍ قَالاَ: أنبأنا عِيسَى بنُ يُونُسَ عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أبي
سُفيَانَ، عَنْ جَابرٍ قالَ: نَهَى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ وَالسّنّوْرِ. هذا حديثٌ في إسْنَادِهِ اضْطِرَابٌ. وَقَدْ رُوِيَ هذَا الْحَدِيثُ عَن الأَعْمَشِ، عَنْ بَعْضِ أصْحَابِه، عَنْ جَابِرٍ. وَاضْطَرَبُوا عَلى الأَعْمَش في رِوَايَةِ هذَا الْحَدِيثِ.
ـــــــ
باب ما جاء في كراهية ثمن الكلب والسنور
بكسر السين المهملة وفتح النون المشددة وسكون الواو وبعدها راء وهو الهر "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ثمن الكلب والسنور" قال في شرح السنة: هذا محمول على ما لا ينفع أو على أنه نهي تنزيه لكي يعتاد الناس هبته وإعارته والسماحة به كما هو الغالب فإن كان نافعاً وباعه صح البيع وكان ثمنه حلالاً. هذا مذهب الجمهور وإلا ما حكى عن أبي هريرة وجماعة من التابعين رضوان الله تعالى عليهم أجمعين، واحتجوا بالحديث وأما ما ذكره الخطابي وابن عبد البر أن الحديث ضعيف فليس كما قالا بل هو صحيح. كذا في المرقاة. قلت: لا شك أن الحديث صحيح فإن مسلماً أخرجه في صحيحه كما ستعرف. وقال الشوكاني: وفيه دليل على تحريم بيع الهر وبه قال أبو هريرة ومجاهد وجابر بن زيد حكى ذلك عنهم ابن المنذر. وحكاه المنذري أيضاً عن طاوس وذهب الجمهور إلى جواز بيعه. وأجابوا عن هذا الحديث بأنه ضعيف. وفيه أن الحديث صحيح رواه مسلم. وقيل إنه يحمل النهي على كراهة التنزيه وإن بيعه ليس من مكارم الأخلاق ولا من المروءات. ولا يخفى أن هذا إخراج النهي عن معناه الحقيقي بلا مقتضى انتهى. قوله: "في إسناده اضطراب" قال المنذري: والحديث أخرجه البيهقي

(4/500)


وَقَدْ كَرِهَ قَوْمٌ مِنْ أهْلِ الْعِلْمِ ثَمَنَ الْهِرّ: وَرَخّصَ فِيهِ بَعْضُهُمْ. وَهُوَ قَوْلُ أحمَدَ وَإسْحَاقَ. وَرَوَى ابنُ فُضَيْل، عن الأَعْمَشِ، عَنْ أبي حَازِم عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النبيّ صلى الله عليه وسلم، مِنْ غَيْرِ هذَا الوَجْهِ.
1298 ـ حدثنا يَحْيَى بنُ مُوسَى. حَدّثَنا عَبْدُ الرّزّاقِ. أخبرنا عُمَرُ بنُ زَيْدٍ الصّنْعَانِيّ عَنْ أبي الزّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قالَ نَهَى النبيّ صلى الله عليه وسلم عَنْ أكْلِ الْهِرّ وَثَمَنِهِ. هذا حديثٌ غريبٌ وَعُمَرُ بنُ زَيْدٍ، لا نَعْرِفُ كَبيِرَ أَحَدٍ رَوَى عَنْهُ، غَيْرَ عَبْدِ الرّزّاقِ.
ـــــــ
في السنن الكبرى من طريقين عن عيسى بن يونس وعن حفص بن غياث كلاهما عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر ثم قال: أخرجه أبو داود في السنن عن جماعة عن عيسى بن يونس. قال البيهقي: وهذا حديث صحيح على شرط مسلم دون البخاري. إذ هو لا يحتج برواية أبي سفيان. ولعل مسلماً إنما لم يخرجه في الصحيح لأن وكيع بن الجراح رواه عن الأعمش قال: قال جابر بن عبد الله فذكره ثم قال: قال الأعمش أرى أبا سفيان ذكره فالأعمش كان يشك في وصل الحديث فصارت رواية أبي سفيان بذلك ضعيفة انتهى. قوله: "هذا حديث غريب وعمر بن يزيد لا نعرف كبير أحد الخ" والحديث أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه. وقال النسائي هذا منكر. قال المنذري: وفي إسناده عمر ابن زيد الصنعاني. قال ابن حبان: ينفرد بالمناكير عن المشاهير حتى خرج عن حد الاحتجاج به. وقال الخطابي: وقد تكلم بعض العلماء في إسناد هذا الحديث. وزعم أنه غير ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقال أبو عمر بن عبد البر: حديث بيع السنور لا يثبت رفعه. هذا آخر كلامه. وقد أخرج مسلم في صحيحه من حديث معقل وهو ابن عبيد الله الجزري عن أبي الزبير قال: سألت جابراً عن ثمن الكلب والسنور. قال: زجر النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك.

(4/501)


50 ـ باب
1299 ـ أخبرنا أبُو كُرَيْبٍ. أخبرنا وَكِيعٌ عَنْ حَمّادِ بنَ سَلَمَةَ عَنْ أبي الْمُهَزّمِ، عَنْ أبي هُريرَةَ قَالَ: نَهَى عَنْ ثمنِ الْكَلْبِ، إلاّ كَلْبَ الصّيْدِ.
هذا حديثٌ لاَ يَصِحّ مِنْ هذَا الْوَجْهِ. وأبُو الْمُهَزمِ اسْمُهُ يزِيدُ بنُ سُفيَانَ. وَتَكَلّمَ فيهِ شُعْبَةُ بنُ الْحَجّاج وضعّفه وقد رُوِيَ عَنْ جَابِرٍ عَنِ النبيّ صلى الله عليه وسلم، نَحْوَ هذَا. ولاَ يصِحّ إسْنَادُهُ أيَضاً.
ـــــــ
باب
قوله: "عن أبي المهزم" بتشديد الزاي المكسورة التميمي البصري اسمه يزيد، وقيل عبد الرحمن بن سفيان متروك من الثالثة قاله الحافظ. قوله: "نهى عن الكلب إلا كلب الصيد" استدل به عطاء والنخعي على أنه يجوز بيع كلب الصيد دون غيره، لكن الحديث ضعيف لا يصلح للاحتجاج. قوله: "وتكلم فيه شعبة بن الحجاج" قال في الميزان روى عنه شعبة ثم تركه. وقال النسائي: متروك. قال مسلم بن إبراهيم سمعت شعبة يقول كان أبو المهزم مطروحاً في مسجد ثابت لو أعطاه إنسان فلساً لحدثه سبعين حديثاً. وقال مسلم سمعت شعبة يقول رأيت أبا المهزم ولو يعطي درهماً لوضع حديث انتهى قوله: "وروي عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم نحو هذا ولا يصح إسناده أيضاً" أخرجه النسائي قال الحافظ: بإسناد رجاله ثقات إلا أنه طعن في إسناده. وقد وقع في حديث ابن عمر عند أبي حاتم بلفظ: نهى عن ثمن الكلب وإن كان ضارياً يعني مما يصيد وسنده ضعيف قال أبو حاتم هو منكر انتهى .

(4/502)


باب ماجاء في كراهية بيع المغنيات
...
51 ـ باب مَا جَاءَ في كَرَاهِيَة بَيْعِ الْمُغَنّيَات
1300 ـ حدثنا قُتَيْبَةُ. أخبرنا بكْرُ بنُ مُضَرَ عنْ عُبيْدِ الله بن زَحْرٍ عنْ عَليّ بنِ يَزِيدَ، عنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبي أُمَامَةَ، عَنْ
ـــــــ
باب مَا جَاءَ في كَرَاهِيَة بَيْعِ الْمُغَنّيَات
قوله: "حدثنا بكر بن مضر" بضم الميم وفتح الضاد غير منصرف ثقة ثبت "عن عبيد الله بن زحر" بفتح الزاي وسكون المهملة صدوق يخطئ. "عن علي بن يزيد"

(4/502)


رسولِ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: "لاَ تَبيعُوا القَيْنَاتِ وَلاَ تَشْتَرُوهُنّ. ولاَ تُعَلّمُوهُنّ. ولاَ خَيْرَ في تِجَارَةٍ فِيهِنّ. وَثَمَنُهُنّ حَرَامٌ. في مِثْلِ هذَا أُنْزِلَتْ هذِهِ الاَيَةُ {ومِنَ النّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلّ عن سَبِيلِ الله} إلى آخِرِ الاَيَةِ". وفي البابِ عنْ عُمرَ بنِ الْخَطّابِ. حدِيثُ أَبي أُمَامَةَ، إنمَا نَعْرِفُهُ مِثْلَ هذَا مِنْ هذَا الْوَجْهِ. وقَدْ تَكَلّمَ بَعْضُ أهْلِ الْعِلمِ في عَلِيّ بنِ يَزِيدَ وَضَعّفَهُ. وهُوَ شَامِيّ.
ـــــــ
ابن أبي زياد الألهاني الدمشقي صاحب القاسم بن عبد الرحمن ضعيف من السادسة "عن القاسم" هو ابن عبد الرحمن الدمشقي أبو عبد الرحمن احب أبي أمامة صدوق يرسل كثيراً. قوله: "لا تبيعوا القينات" بفتح القاف وسكون التحتية في الصحاح. القين الأمة مغنية كانت أو غيرها. قال التوربشتي: وفي الحديث يراد بها المغنية لأنها إذا لم تكن مغنية فلا وجه للنهي عن بيعها وشرائها "ولا نعلموهن" أي الغناء فإنها رقية الزنا "وثمنهن حرام" قال القاضي: النهي مقصور على البيع والشراء لأجل التغني، وحرمه ثمنها دليل على فساد بيعها والجمهور صحح بيعها. والحديث مع ما فيه من الضعف للطعن في روايته مؤول بأن أخذ الثمن عليهن حرام كأخذ ثمن العنب من النباذ لأنه إعانة، وتوصل إلى حصول محرم لا لأن البيع غير صحيح انتهى. {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ} أي يشتري الغناء والأصوات المحرمة التي تلهي عن ذكر الله. قال الطيبي رحمه الله: الإضافة فيه بمعنى من البيان، نحو جبة خز وباب ساج أي يشتري اللهو من الحديث. لأن اللهو يكون من الحديث، ومن غيره. والمراد من الحديث المنكر فيدخل فيه نحو السمر بالأساطير وبالأحاديث التي لا أصل لها، والتحدث بالخرافات والمضاحيك والغناء وتعلم الموسيقى وما أشبه ذلك. كذا في المرقاة. وأخرج ابن أبي شيبة بإسناد صحيح أن عبد الله سئل عن قوله تعالى {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ} قال: الغناء والذي لا إله غيره. وأخرجه الحاكم وصححه والبيهقي كذا في التلخيص. قوله: "وفي الباب عن عمر بن الخطاب" لينظر من أخرجه. قوله: "حديث أبي أمامة إنما نعرفه مثل هذا من هذا لوجه" وأخرجه أحمد وابن ماجه "وقد تكلم بعض أهل العلم في علي بن يزيد الخ" . قال البخاري:
منكر الحديث. وقال النسائي: ليس بثقة. وقال أبو زرعة: ليس بقوى. وقال الدارقطني: متروك. كذا في الميزان .

(4/503)


باب ماجاء في كراهية أن يفرق بين الاخوين أو بين الوالدة وولدها في البيع
...
52 ـ باب مَا جَاء في كَرَاهِيَةِ الفرق بَيْنَ الاخَوَيْنِ
أوْ بَيْنَ الوَالِدَةِ وَوَلَدِهَا في البَيْع
1301 ـ حدثنا عُمَرَ بنُ حَفْصٍ الشّيْبَانِيّ. أخبرنا عبدُ الله بنُ وَهْبٍ قالَ: أخْبَرَنِي يحُيَىّ بنُ عبدِ الله، عنْ أبي عَبْدِ الرّحْمنِ الحبلّى، عَنْ أبي أيّوب قَالَ: سَمِعْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ "مَنْ فَرّقَ بَيْنَ الِوالدَةٍ وَوَلَدِهَا، فَرّقَ الله بَيْنَهُ وَبَيْنَ أحِبّتِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ". هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ.
1302 ـ حدثنا الحَسْنُ بنُ قزعة. أخبرنا عبدُ الرّحمنِ بنُ مَهْدِي عنْ حَمّادِ بنِ سَلَمَةَ، عنِ الحَجّاجِ، عن الحكم عنْ مَيْمُونِ بنِ أبي شَبِيبٍ عَنْ عَلِي قالَ: وَهَبَ لِي رسولُ الله صلى الله عليه وسلم غُلاَمَيْنِ أخَوَينِ. فَبِعْتُ
ـــــــ
باب مَا جَاء في كَرَاهِيَةِ الفرق بَيْنَ الاخَوَيْنِ إلخ
قوله: "من فرق" بتشديد الراء "بين والدة وولدها" أي ببيع أوهبة أو خديعة بقطيعة وأمثالها، وفي معنى الوالدة الوالد بل وكل ذي رحم محرم. قال الطيبي رحمه الله: أراد به التفريق بين الجارية وولدها بالبيع والهبة وغيرهما. وفي شرح السنة وكذلك حكم الجدة وحكم الأب والجد وأجاز بعضهم البيع مع الكراهة وإليه ذهب أصحاب أبي حنيفة كما يجوز التفريق بين البهائم. وقال الشافعي: إنما كره التفريق بين السبايا في البيع، وأما الولد فلا بأس. ورخص أكثرهم في التفريق بين الأخوين، ومنع بعضهم لحديث علي أي الاَتي واختلفوا في حد الكبر المبيح للتفريق قال الشافعي هو أن يبلغ سبع سنين أو غايته وقال الأوزاعي حتى يستغني عن أبيه وقال مالك حتى يصغر وقال أصحاب أبي حنيفة رحمه الله حتى يحتلم. وقال أحمد: لا يفرق بينهما وإن كبر واحتلم، وجوز أصحاب أبي حنيفة التفريق بين الأخوين الصغيرين فإن كان أحدهما صغيراً لا يجوز. كذا في المرقاة "فرق الله بينه وبين أحبته" أي من أولاده ووالديه وغيرهما "يوم القيامة" أي في موقف يجتمع فيه الأحباب ويشفع بعضهم بعضاً عند رب الأرباب فلا يرد عليه قوله تعالى {يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ}. قوله: "هذا حديث حسن غريب"

(4/504)


أحَدَهُمَا. فقَالَ لِي رسولُ الله صلى الله عليه وسلم "يَا عَلِيّ مَا فَعَلَ غُلاَمُكَ"؟ فَأَخْبَرْتُهُ فقَالَ "رُدّهُ، رُدّهُ". هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ، وقَدْ كَرِهَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ مِنْ أصْحَابِ النبيّ صلى الله عليه وسلم وَغَيْرِهِمْ، التّفْرِيقَ بَيْنَ السّبْيِ في الْبَيْعِ.
ـــــــ
وأخرجه الدارمي وأحمد والحاكم في المستدرك قوله: "يا علي ما فعل" بالفتح أي صنع "غلامك" أي الغائب "فأخبرته" أي أعلمت النبي صلى الله عليه وسلم ببيعه "رده" أي رد البيع "رده" كرره للتأكيد. قوله: "هذا حديث حسن غريب" وأخرجه ابن ماجه. قال الشوكاني: وهو من رواية ميمون بن أبي شبيب عن علي رضي الله عنه. وقد أعله أبو داود بالانقطاع بينهما وأخرجه الحاكم وصحح إسناده ورجحه لشواهده انتهى. قوله: "وقد كره بعض أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم التفريق بين السبي في البيع" وكذا في غير البيبع كالهبة. قال الشوكاني: في أحاديث الباب دليل على تحريم التفريق بين الوالدة والولد وبين الأخوين، أما بين الوالدة وولدها فقد حكى في البحر عن الإمام يحيى إنه إجماع حتى يستغني الولد بنفسه. وقد اختلف في انعقاد البيع فذهب الشافعي إلى أنه لا ينعقد. وقال أبو حنيفة وهو قول للشافعي: أنه ينعقد وقد ذهب بعض الفقهاء إلى أنه لا يحرم التفريق بين الأب والابن وأجاب عن ذلك صاحب البحر بأنه مقيس على الأم. ولا يخفى أن حديث أبي موسى المذكور في الباب يشمل الأب فالتعويل عليه إن صح أولى من التعويل على القياس. وأما بقية القرابة فذهبت الهادوية والحنفية إلى أنه يحرم التفريق بينهم قياساً. وقال الإمام يحيى والشافعي: لا يحرم. والذي يدل عليه النص هو تحريم التفريق بين الإخوة. وأما بين من عداهم من الأرحام فإلحاقه بالقياس فيه نظر، لأنه لا تحصل منهم بالمفارقة مشقة كما تحصل بالمفارقة بين الوالد والولد وبين الأخ وأخيه فلا إلحاق لوجود الفارق فينبغي الوقوف على ما تناوله النص. وظاهر الأحاديث أنه يحرم التفريق سواء كان بالبيع أو بغيره مما فيه مشقة تساوي مشقة التفريق بالبيع إلا التفريق الذي لا اختيار فيه للمفرق كالقسمة. انتهى كلام الشوكاني. قلت: المراد بحديث أبي موسى الذي أشار إليه الشوكاني حديثه

(4/505)


وَرَخّصَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ في التّفْرِيقِ بَيْنَ الْمَولدَاتِ الّذِين وُلِدُوا في أرْضِ الاسْلاَمِ. والقَوْلُ الأوّلُ أَصَحّ. وَرُوِيَ عنْ إبْرَاهِيمَ النخعي أنّهُ فَرّقَ بَيْنَ وَالِدَةٍ وولَدِهَا في الْبَيْعِ. فَقِيلَ لَهُ في ذَلِكَ؟ فقَالَ: إنّي قَدِ اسْتأَذَنْتُهَا في ذلكَ. فَرَضِيَتْ.
ـــــــ
الذي أخرجه ابن ماجه والدارقطني عنه قال: لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم من فرق بين الوالد وولده وبين الأخ وأخيه. "والقول الأول أصح" يعني صحيح فإنه يدل عليه أحاديث الباب. وأما من رخص في التفريق مطلقاً فأحاديث الباب حجة عليه. اعلم أنه قد استدل على جواز التفريق بعد البلوغ بحديث سلمة بن الأكوع، فأخرج احمد ومسلم وأبو دواد عنه قال: خرجنا مع أبي بكر أمره علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فغزونا فزارة فلما دنونا من الماء أمرنا أبو بكر فعرسنا. الحديث. وفيه قال: فجئت بهم أسوقهم إلى أبي بكر وفيهم امرأة من فزارة عليها قشع من آدم ومعها ابنة لها من أحسن العرب وأجمله، فنفلني أبو بكر ابنتها فلم أكشف لها ثوباً حتى قدمت المدينة، ثم بت فلم أكشف لها ثوباً. وفيه: فقلت هي لك يا رسول الله قال فبعث بها إلى أهل مكة وفي أيديهم أسارى من المسلمين ففداهم بتلك المرأة. قال صاحب المنتقي بعد ذكر هذا الحديث ما لفظه: وهو حجة في جواز التفريق بعد البلوغ انتهى. قال الشوكاني قوله: فلم أكشف لها ثوباً كناية عن عدم الجماع. والظاهر أن البنت قد كانت بلغت قال: وقد حكى في الغيث الإجماع على جواز التفريق بعد البلوغ، فإن صح فهو المستند لا هذا الحديث لأن كون بلوغها هو الظاهر غير مسلم إلا أن يقال إنه حمل الحديث على ذلك للجمع بين الأدلة. وقد استدل على جواز التفريق بين البالغين بما أخرجه الدارقطني والحاكم من حديث عبادة بن الصامت بلفظ: لا تفرق بين الأم وولدها قيل إلى متى؟ قال: حتى يبلغ الغلام وتحيض الجارية. وهذا نص على المطلوب صريح لولا أن في إسناده عبد الله بن عمرو الواقفي وهو ضعيف، وقد رماه على بن المديني بالكذب ولم يروه عن سعيد بن عبد العزيز غيره. وقد استشهد له الدارقطني بحديث سلمة المذكور. ولا شك أن مجموع ما ذكر من الإجماع وحديث سلمة وهذا الحديث منتهض للاستدلال به على التفرقة بين
الكبير والصغير انتهى كلام الشوكاني فتفكر وتأمل. قوله: "وروي عن ابراهيم أنه فرق الخ" لم أقف على من أخرجه، وفي قول إبراهيم هذا كلام كما لا يخفى والله تعالى أعلم .

(4/506)


باب ماجاء فيمن يشتري العبد ويستغله الخ
...
53 ـ باب مَا جَاء فيمَنْ يَشْتَرِي الْعَبْدَ وَيَسْتَغلّهُ ثمّ يَجِدُ بِهِ عَيْبا
1303 ـ حدثنا مُحَمّدُ بنُ المُثَنّى. حدّثنَا عثمانُ بنُ عُمَرَو أبوُ عَامِر العَقَديّ. عنِ ابنِ أبي ذِئْبٍ، عنْ مَخْلَدِ بنِ خُفَافٍ، عنْ عُرْوَةَ، عنْ عَائِشَةَ أنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قَضَى أنّ الخَرَاجَ بالضّمَانِ.
ـــــــ
باب ما جاء فيمن يشتري العبد ويستغله الخ
قال في النهاية الغلة الداخل الذي يحصل من الزرع والثمر واللبن والإجارة والنتاج ونحو ذلك انتهى. وقال الحافظ في الفتح ما يقدره السيد على عبده في كل يوم يقال لها الخراج والضريبة والغلة انتهى. وقال في القاموس: الغلة الدخل من كراء دار، وأجر غلام، وفائدة أرض وأغلت الضيعة أعطتها واستغل عبده كلفه أن يغل عليه انتهى قوله: "وأبو عامر العقدي" بعين وقاف مفتوحتين ودال مهملة واسمه عبد الملك بن عمرو "عن مخلد" بفتح الميم وسكون الخاء المعجمة وفتح اللام "بن خفاف" بضم الخاء المعجمة وفائين بوزن غراب. قوله: "قضى أن الخراج بالضمان" قال الطيبي رحمه الله الباء في بالضمان متعلقة بمحذوف تقديره الخراج مستحق بالضمان. أي بسببه. وقيل الباء للمقابلة والمضاف محذوف أي منافع المبيع بعد القبض تبقى للمشتري في مقابلة الضمان اللازم عليه بتلف المبيع ونفقته ومؤنته. ومنه قوله: من عليه غرمه فعليه غنمه. والمراد بالخراج ما يحصل من علة العين المبتاعة عبداً كان أو أمة أو ملكاً. وذلك أن يشتريه فيستغله زماناً ثم بعثر منه على عيب قديم لم يطلعه البائع عليه أو لم يعرفه فله رد العين المعيبة وأخذ الثمن ويكون للمشتري ما استغله لأن المبيع لو تلف في يده لكان من ضمانه ولم يكن له على البائع شيء. وفي شرح السنة قال الشافعي رحمه الله فيما يحدث في يد المشتري من نتاج الدابة وولد الأمة ولبن الماشية وصوفها وثمر الشجرة أن الكل يبقى للمشتري وله رد الأصل بالعيب. وذهب أصحاب أبي حنيفة رحمه اللهإلى أن حدوث الولد والثمرة في يد المشتري يمنع رد الأصل بالعيب بل يرجع بالأرش. وقال

(4/507)


هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الحديثُ مِنْ غيْرِ هذَا الوَجْهِ. والعَمَلُ عَلى هذَا عِنْدَ أهلِ العِلْمِ.
1304 ـ حدثنا أبُو سَلَمَةَ يَحْيَى بنُ خَلَفٍ. حدثنا عُمَرُ بنُ عَلي المقدّمىّ عَنْ هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ، عنْ أبيهِ، عنْ عَائِشَةَ، أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قَضَى أنّ الخَرَاجَ بِالضّمانِ. قال هذا حديثٌ صحيحٌ، غَريبٌ مِنْ حدِيثِ هِشَامِ بن عُرْوَةَ.واستغرب محمد بن إسماعيل هذا الحديث ، من حديث عمر بن علي .
وقَدْ رَوَى مُسْلِمُ بنُ خَالِدٍ الزنْجِيّ هَذَ الْحَديِثَ عنْ هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ. وَرَوَاهُ جَرِيرٌ ؛ وحدِيثُ جَرِيرٍ يُقَالُ تَدْلِيسٌ دَلّسَ فيهِ جَريرٌ. لَمْ يسْمَعْهُ مِنْ هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ.
وتَفْسِيرُ الخَرَاجِ بِالضّمانِ، هُوَ الرّجُلُ يَشْتَرِي العَبدَ فيستغلّهُ ثُمّ
ـــــــ
مالك رحمه الله: يرد الولد مع الأصل ولا يرد الصوف ولو اشترى جارية فوطئت في يد المشتري بالشبهة أو وطأها ثم وجد بها عيباً فإن كان ثيباً ردها والمهر للمشتري ولا شيء عليه إن كان هو الواطئ وإن كانت بكراً فافتضت فلا رد له. لأن زوال البكارة نقص حدث في يده بل يسترد من الثمن بقدر ما نقص العيب من قيمتها. وهو قول مالك والشافعي. قوله: "هذا حديث حسن وقد روي هذا الحديث من غير هذا الوجه" وأخرجه الترمذي بعد هذا بسند آخر وصححه. قال الحافظ في بلوغ المرام بعد ذكر هذا الحديث. رواه الخمسة وضعفه البخاري وأبو داود وصححه الترمذي وابن خزيمة وابن الجارود وابن حبان والحاكم وابن القطان انتهى. قوله: "واستغرب محمد بن إسماعيل هذا الحديث" أي جعله غريباً "وقد روى مسلم بن خالد الزنجي" ففيه صدوق كثير الأوهام كذا في التقريب "وحديث جرير يقال تدليس" أي مدلس "دلس فيه جرير" معنى التدليس أي يروي الراوي عمن لقيه أو عاصره ما لم يسمعه منه بصيغة تحتمل السماع كلفظة قال، وعن قوله: "هو الرجل الذي يشتري العبد فيستغله" أي يأخذ غلته

(4/508)


يجد به عيباً فيرده على البائع فالغلة للمشتري .لأن العبد لو هلك هلك من مال المشتري . ونحو هذا من المسائل ، يكون فيه الخراج بالضمان.
ـــــــ
"فالغلة للمشتري" لا للبائع "لأن العبد لو هلك هلك من مال المشتري" أي لم يكن على البائع شيء أي الخراج مستحق بسبب الضمان .

(4/509)


باب ماجاء في الرخصة في أكل الثمرة للمار بها
...
54 ـ بابُ ما جَاء في الرّخْصَةِ في أكْلِ الثّمَرةِ لِلْمَارّ بها
1305 ـ حدثنا مُحَمّدُ بنُ عبْدِ المَلِكِ بنِ أبي الشّوَارِبِ. حدّثنَا يَحْيَى بنُ سُلَيْمٍ، عنْ عُبيدِ الله بنِ عُمَرَ، عنْ نَافِعٍ، عنِ ابنِ عُمرَ، عنِ النبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ "مَنْ دَخَلَ حَائِطاً فَلْيَأكُلْ ولاَ يَتّخِذْ خُبْنَةً".
قال وفي البابِ عنْ عبدِ الله بنِ عَمْرو وَعَبّادِ بنِ شُرَحْبِيلَ
ـــــــ
بابُ ما جَاء في الرّخْصَةِ في أكْلِ الثّمَرةِ لِلْمَارّ بها
قوله: "حدثنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب" قال في التقريب صدوق من كبار للعاشرة "حدثنا يحيى بن سليم" هو الطائفي كما هو مصرح عند ابن ماجه. قال في التقريب: يحيى بن سليم الطائفي صدوق سيء الحفظ انتهى. وقال في مقدمة فتح الباري: وثقة ابن معين والعجلي وابن سعد. وقال أبو حاتم: محله الصدق ولم يكن بالحافظ. وقال النسائي: ليس به بأس وهو منكر الحديث عن عبيد الله بن عمرو. وقال الساجي: أخطأ في أحاديث رواها عن عبيد الله بن عمرو. قال يعقوب بن سفيان: كان رجلاً صالحاً وكتابه لا بأس به، فإذا حدث من كتابه فحديثه حسن. وإذا حدث حفظاً فيعرف وينكر انتهى. قلت: حديث الباب رواه يحيى بن سليم عن عبيد الله بن عمر. قوله: "من دخل حائطاً فليأكل" أي من ثماره "ولا يتخذ خبنة" بضم الخاء المعجمة وسكون الموحدة وبعدها نون وهي طرف الثوب أي لا يأخذ منه شيئاً في ثوبه. قوله: "وفي الباب عن عبد الله بن عمرو" أخرجه أبو داود في اللقطة والنسائي في الزكاة وابن ماجه والترمذي في هذا الباب. "وعباد بن شرحبيل" أخرجه أبو داود وابن ماجه

(4/509)


ورَافِعِ بنِ عَمْرو وَعُمَيْرٍ مَوْلَى آبي اللّحْمِ وأَبي هُرَيْرَةَ. حديثُ ابنِ عُمَرَ حديثٌ غريبٌ. لاَ نَعْرِفُهُ مِنْ هذا الوَجْهِ إلاّ مِنْ حديثِ يَحْيَى بن سُلَيم. وقَدْ رَخّصَ فِيهِ بعضُ أهْلِ العلم لابنِ السّبِيلِ في أكلِ الثّمَار. وكَرِهَهُ بعضُهُمْ إلاّ بالثّمَنِ.
1306 ـ حدثنا قُتَيْبَةُ. حدثنَا اللّيْثُ عنِ ابنِ عَجْلاَنَ، عنْ عَمْرو بن شُعَيْب، عنْ أبيهِ، عنْ جَدّهِ أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم سُئِلَ عَنِ الثّمَرِ الْمُعَلّقِ. فقَالَ مَنْ "أَصَابَ مِنْهُ مِنْ ذِي حَاجَةٍ
ـــــــ
"ورافع بن عمرو" الغفاري أخرجه أبو داود وابن ماجه والترمذي "وعمير مولى آبي اللحم وأبي هريرة" لينظر من أخرج حديثهما. قوله: "حديث ابن عمر حديث غريب الخ" . قال البيهقي: لم يصح وجاء من أوجه أخر غير قوية انتهى. قال الحافظ في الفتح بعد ذكر كلام البيهقي هذا، والحق أن مجموعها لا يقصر عن درجة للصحيح وقد احتجوا في كثير من الأحكام بما هو دونها انتهى. قوله: "وقد رخص فيه بعض أهل العلم لابن السبيل في أكل الثمار وكرهه بعضهم إلا بالثمن" قال النووي في شرح المهذب: اختلف العلماء فيمن مر ببستان أو زرع أو ماشية. قال الجمهور لا يجوز أن يأخذ منه شيئاً إلا في حال الضرورة فيأخذ ويغرم عند الشافعي والجمهور. وقال بعض السلف لا يلزمه شيء وقال أحمد: إذا لم يكن على البستان حائط جاز له الأكل من الفاكهة الرطبة. في أصح الروايتين ولم لم يحتج لذلك. وفي الأخرى إذا احتاج ولا ضمان عليه في الحالين. وعلق الشافعي القول بذلك على صحة الحديث. قال البيهقي: يعني حديث ابن عمر مرفوعاً: إذا مر أحدكم بحائط فليأكل ولا يتخذ خبنة أخرجه الترمذي واستغربه كذا في فتح الباري. قلت: قد ضعف البيهقي هذا الحديث فقال: لم يصح وجاء من أوجه غير قوية. وقال الحافظ: والحق أن مجموعها لا يقصر عن درجة الصحيح وقد نقلنا آنفاً كلام البيهقي. وكلام الحافظ. ويأتي بقية الكلام في هذه المسألة في باب احتلاب المواشي بغير إذن الأرباب. قوله: "عن الثمر" بفتحتين "المعلق" أي المدلى من الشجر "من أصاب منه" أي من الثمر "من ذي حاجة" بيان لمن

(4/510)


غَيْرَ مُتّخِذٍ خُبْنَةً، فَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ". هذا حديثٌ حسنٌ.
1307 ـ حدثنا أَبُو عَمّارٍ. حدّثنَا الْفَضْلُ بنُ مُوسَى عنْ صَالِحِ بنِ أبي حُبَيْرٍ عنْ أَبِيهِ، عنْ رَافِعِ بنِ عَمْروٍ، قالَ: كُنْتُ أَرْمِي نَخْلَ الأنْصَارِ. فأَخَذُونِي فذَهَبُوا بِي إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم. فقَالَ "يَا رَافِعُ لِمَ تَرْمِي نَخْلهُمْ"؟ قالَ قلت: يا رسولَ الله الْجُوعُ. قالَ "لاَ تَرْمِ. وَكُلْ مَا وَقَعَ. أشْبَعكَ الله وَأرْوَاكَ". هذا حديثٌ حسنٌ غرِيبٌ.
ـــــــ
أي فقير أو مضطر "غير متخذ" بالنصب على أنه حال من فاعل أصاب "خبنة" قال في النهاية: الخبنة معطف الإزار وطرف الثوب أي لا يأخذ منه في ثوبه يقال أخبن الرجل إذا خبأ شيئاً في خبنة ثوبه أو سراويله انتهى "فلا شي عليه" قال ابن الملك: أي فلا إثم عليه لكن عليه ضمانه أو كان ذلك في أول الإسلام ثم نسخ. وأجاز ذلك أحمد من غير ضرورة كذا في المرقاة. قوله: "هذا حديث حسن" وأخرجه النسائي وأبو داود وابن ماجه.
قوله: "كنت أرمي نخل الأنصار" وفي رواية أبي داود كنت غلاماً أرمي نخل الأنصار "وكل ما وقع" أي سقط. قوله: "هذا حديث حسن غريب صحيح" وأخرجه أبو داود وابن ماجه .

(4/511)


باب ماجاء في النهي عن الثنيا
...
55 ـ باب مَا جَاءَ في النّهْيِ عنِ الثّنيَا
1308 ـ حدثنا زِيَادُ بنُ أَيّوبَ الْبَغْدَادِيّ. أخبرنا عَبّادُ بنُ الْعَوّامِ قال: أَخْبرَنِي سُفْيَانُ بنُ حُسَيْنٍ عنْ يُونُسَ بنِ عُبَيْدٍ، عنْ عَطَاءٍ، عنْ جَابِرٍ أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم نَهَىَ عَنِ الْمُحَاقَلَةِ والْمُزَابَنَةِ والْمُخَابَرَةِ والثّنْيَا، إِلاّ أَنْ تُعْلَمَ. هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، غرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجهِ
ـــــــ
باب ما جاء في النهي عن الثنيا
بضم المثلثة على وزن الدنيا اسم من الاستثناء، وهي في البيع أن يستثنى شيئاً مجهولاً قوله: "نهى عن المحاقلة والمزابنة" تقدم تفسيرهما "والمخابرة" بالخاء

(4/511)


مِنْ حدِيث يُونُسَ بنِ عُبَيْدٍ عنْ عطَاءٍ، عنْ جَابرٍ.
ـــــــ
المعجمة وهي كراء الأرض بالثلث والربع. كما في رواية مسلم "والثنيا" أي إذا أفضت إلى الجهالة "إلا أن تعلم" بصيغة المجهول. والمعنى إذا كان الاستثناء معلوماً فهو ليس بمنهى عنه، وإنما المنهي عنه هو الاستثناء المجهول. قال ابن حجر المراد بالثنيا الاستثناء في البيع نحو أن يبيع الرجل شيئاً ويستثنى بعضه، فإن كان الذي استثناه معلوماً من الأرض صح بالإتفاق. وإن كان مجهولاً نحو أن يستثني شيئاً غير معلوم لم يصح البيع. والحكمة في النهي عن استثناء المجهول ما يتضمنه من الغرر مع الجهالة انتهى. قوله: "هذا حديث حسن صحيح الخ" وأخرجه مسلم بلفظ: نهى عن الثنياء. أخرجه أيضاً بزيادة "إلا أن تعلم" النسائي وابن حبان في صحيحه. وغلط ابن الجوزي فزعم أن هذا الحديث متفق عليه وليس الأمر كذلك. فإن البخاري لم يذكر في كتابه الثنيا

(4/512)


باب ماجاء في كراهية بيع الطعام حتى يستوفيه
...
56 ـ باب مَا جَاءَ في كَرَاهِيَةِ بَيْعِ الطّعَامِ حَتى يَسْتَوْفِيَه
1309 ـ حدثنا قُتَيْبَةُ. حدّثنَا حَمّادُ بنُ زَيْدٍ عنْ عَمرو بنِ دِينَارٍ، عنْ طَاوُسٍ، عنِ ابنِ عَبّاسٍ أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ "مَن ابْتاعَ طَعاماً فَلاَ يَبعْهُ حَتّى يَسْتَوْفَيهُ". قالَ ابنُ عَبّاسِ: وأَحْسَبُ كُلّ شَيءٍ مثْلَهُ
ـــــــ
باب ما جاء في كراهية بيع الطعام حتى يستوفيه
أي يقبضه. قوله: "من ابتاع" أي اشترى "حتى يستوفيه" أي يقبضه واقياً "قال ابن عباس: وأحسب كل شيء مثله" أي مثل الطعام استعمل ابن عباس القياس ولعله لم يبلغه النص المقتضي لكون سائر الأشياء كالطعام. كحديث زيد بن ثابت. أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن تباع السلع حيث تبتاع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم. أخرجه أبو داود والدارقطني. وكحديث حكيم بن حزام: قلت يا رسول الله إني اشتري بيوعاً فما يحل منها وما يحرم علي؟ قال: إذا اشتريت شيئاً فلا تبعه حتى تقبضه.. . رواه أحمد. قال محمد في الموطإ بقول ابن عباس نأخذ الأشياء كلها مثل الطعام، لا ينبغي أن يبيع المشتري شيئاً اشتراه حتى يقبضه. وكذلك قول أبي حنيفة رحمه الله إلا أنه رخص في الدور والعقار

(4/512)


وفي البابِ عنْ جَابرٍ وابنِ عُمرَ وأبي هريرة. حدِيثُ ابنِ عَبّاسٍ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. والعَملُ عَلَى هَذَا عنْدَ أَكثَرِ أهْلِ الْعِلْمِ. كَرهُوا بَيْعَ الطّعَامِ حَتّى يَقْبِضَهُ الْمُشْتَرِي. وقدْ رَخّصَ بَعْضُ أهْلِ الْعِلْمِ فِيمنِ ابْتَاعَ شَيْئاً مِمّا لا يُكَالُ ولاَ يُوزَنُ، مِمّا لاَ يُؤْكَلُ ولا يُشْرَبُ، أنْ يَبِيعَهُ قَبْلَ أنْ يَسْتَوْفِيَهُ. وإنّمَا التّشْدِيدُ عِنْدَ أهْلِ الْعِلْمِ، فِي الطّعامِ. وَهُوَ قَوْلُ أحْمَدَ وإسْحاقَ.
ـــــــ
والأرضين التي لا تحول أن تباع قبل أن تقبض. أما نحن فلا تجيز شيئاً من ذلك حتى يقبض انتهى كلام الإمام محمد. قلت: ما ذهب إليه الإمام محمد هو الظاهر لإطلاق حديث زيد بن ثابت وحديث حكيم بن حزام المذكورين. قوله: "وفي الباب عن جابر" أخرجه أحمد ومسلم "وابن عمر" قال: كانوا يتبايعون الطعام جزافاً بأعلى السوق، فنهاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبيعوه حتى ينقلوه. أخرجه الجماعة إلا الترمذي وابن ماجه. قوله حديث ابن عباس حسن صحيح أخرجه الجماعة. قوله: "وقد رخص بعض أهل العلم في من ابتاع شيئاً مما لا يكال ولا يوزن" أي في من اشترى شيئاً غير مكيل ولا موزون "مما لا يؤكل ولا يشرب" لما لا يكال ولا يوزن "أن يبيعه قبل أن يستوفيه" وهو قول أبي حنيفة رحمه الله في الدور والعقار والأرضين كما تقدم "وإنما التشديد عند أهل العلم في الطعام وهو قول أحمد وإسحاق" قال العيني في البناية: اختلفوا في هذه المسألة فقال مالك: يجوز جميع التصرفات في غير الطعام قبل القبض لورود التخصيص في الأحاديث بالطعام وقال أحمد: إن كان المبيع مكيلاً أو موزوناً أو معدوداً لم يجز بيعه قبل القبض وفي غيره يجوز. وقال زفر ومحمد والشافعي: لا يجوز بيع شيء قبل القبض طعاماً كان أو غيره لإطلاق الأحاديث. وذهب أبو حنيفة وأبو يوسف إلا جواز بيع غير المنقول قبل القبض لأن النهي معلول بضرر انفساخ العقد لخوف الهلاك، وهو في العقار وغيره نادر وفي المنقولات غير نادر. انتهى كلام العيني. قلت: قد عرفت فيما تقدم أن الظاهر قول زفر ومحمد والشافعي ومن تبعهم والله تعالى أعلم .

(4/513)


باب ماجاء في النهي عن البيع على بيع أخيه
...
57 ـ باب مَا جَاءَ فِي النّهْيِ عَنْ البَيْعِ على بيع أَخِيه
1310 ـ حدثنا قُتَيْبَةُ. حدّثنا اللّيْثُ عنْ نافِعٍ، عنِ ابنِ عُمرَ، عنِ النبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ "لا يَبِيعُ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْض. وَلاَ يَخْطُبُ بعضكم عَلَى خِطْبَةِ بَعْض". وفي البابِ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ وَسَمُرَةَ. حدِيثُ ابنِ عُمَرَ حدِيثٌ حسنٌ صحيحٌ.
وقد رُوِيَ عنِ النبيّ صلى الله عليه وسلم أَنّهُ قالَ "لاَ يَسُومُ الرّجُلُ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ" ومَعْنَى الْبَيْعِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عنِ النبيّ صلى الله عليه وسلم، عِنْدَ بَعضِ أهْلِ الْعِلْمِ، هُوَ السّوْمُ.
ـــــــ
باب مَا جَاءَ فِي النّهْيِ عَنْ البَيْعِ على بيع أَخِيه
قوله: "لا يبيع بعضكم على بيع بعض" بأن يجيء بعضكم بعد استقرار الثمن. بين البائع والمشتري وركون أحدهما إلى الاَخر فيزيد على ما استقر، فإطلاق البيع مجاز أول يراد به السوم. "ولا يخطب بعضكم على خطبة بعض" أي بعد التوافق على الصداق وركون أحدهما إلى الاَخر. ولفظ البخاري: نهى أن يبيع الرجل على بيع أخيه، وأن يخطب الرجل على خطبة أخيه حتى يترك الخاطب قبله أو يأذن له الخاطب. قوله: "وفي الباب عن أبي هريرة" أخرجه البخاري ومسلم "وسمرة" لينظر من أخرج حديثه. قوله: "حديث ابن عمر حديث حسن صحيح وأخرجه البخاري ومسلم. قوله وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا يسوم الرجل على سوم أخيه" أخرجه مسلم عن أبي هريرة بلفظ: لا يسم الرجل على سوم أخيه المسلم. "ومعنى البيع في هذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم عند بعض أهل العلم هو السوم" صورة السوم أن يأخذ شيئاً ليشتريه فيقول: المالك رده لأبيعك خيراً منه بثمنه أو مثله بأرخص أو يقول للمالك استرده لأشتريه منك بأكثر. وإنما يمنع من ذلك بعد استقرار الثمن وركون أحدهما إلى الاَخر. فإن كان ذلك تصريحاً. فقال الحافظ في الفتح: لا خلاف في التحريم وإن كان ظاهراً ففيه وجهان للشافعية. وقال ابن حزم: إن لفظ الحديث لا يدل على اشتراط الركون. وتعقب بأنه لا بد من أمر مبين لوضع التحريم في
السوم لأن السوم في السلعة التي تباع فيمن يزيد لا يحرم اتفاقاً كما حكاه في الفتح عن ابن عبد البر. فتعين أن السوم المحرم ما وقع فيه قدر زائد على ذلك.
وأما صورة البيع على البيع والشراء على الشراء فهو أن يقول لمن اشترى سلعة في زمن الخيار افسخ لأبيعك بأنقص. أو يقول للبائع افسخ لأشتري منك بأزيد. قال في الفتح، وهذا مجمع عليه. وقد اشترط بعض الشافعية في التحريم أن لا يكون المشتري مغبوناً غبناً فاحشاً. وإلا جاز البيع على البيع، والسوم على السوم لحديث: الدين النصيحة. وأجيب عن ذلك بأن النصحة لا تنحصر في البيع على البيع والسوم على السوم. لأنه يمكن أن يعرفه أن قيمتها كذا فيجمع بذلك بين المصلحتين. كذا في الفتح .

(4/514)


باب ماجاء في بيع الخمر والنهي عن ذلك
...
58 ـ باب ما جَاءَ فِي بَيْعِ الْخَمْرِ والنّهْيِ عَنْ ذلِك
1311 ـ حدثنا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ. حدثنَا المعتمر بنُ سُلَيْمانَ قالَ: سَمِعْتُ لَيْثاً يُحَدّثُ عَنْ يَحْيَى بنِ عَبّادٍ، عَنْ أنَسٍ، عَنْ أَبي طَلْحَةَ، أَنّهُ قالَ: يَا نَبيّ الله إِنّي اشْتَرَيْتُ خَمْراً لإيْتَامِ فِي حِجْرِي. قالَ "أَهْرِقِ الْخَمْرَ وَاكْسِرِ الدّنَانَ".
قال وفي البابِ عَنْ جابِرٍ وَعائِشَةَ وَأَبي سَعِيدٍ
ـــــــ
باب ما جَاءَ فِي بَيْعِ الْخَمْرِ والنّهْيِ عَنْ ذلِك
قوله: "لأيتام" صفة خمر أي اشتريتها للتخليل كذا في بعض الحواشي. ويحتمل أن يتعلق باشتريت أي اشتريتها لأجلهم ويكون هذا قبل التحريم، ثم سأل عن حكمها بعد التحريم هلى ألقيه أو أهريقه. فيكون في معنى الحديث السابق، يعني حديث أبي سعيد قال: كان عندنا خمر ليتيم فلما نزلت المائدة سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه وقلت إنه ليتيم فقال "أهريقوه". رواه الترمذي ويناسبه معنى رواية أبي داود أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن أيتام ورثوا خمراً قال "أهرقها" قال: أفلا أجعلها خلاً؟ قال "لا". كذا في اللمعات. "في حجري" صفة لأيتام "واكسر الدنان" بكسر الدال جمع الدن وهو ظرفها، وإنما أمر بكسره لنجاسته بتشربها وعدم إمكان تطهيره أو مبالغة للزجر عنه وعما قاربها. كما كان التغليظ في أول الأمر ثم نسخ كذا في المرقاة. قوله: "وفي الباب عن جابر" أخرجه الجماعة "وعائشة" أخرجه الأصبهاني ذكره المنذري في الترغيب "وأبي سعيد"

(4/515)


وابْنِ مَسْعُودٍ وابنِ عُمَرَ وَأَنَسٍ. حدِيثُ أَبي طَلْحَةَ، رَوَى الثّوْرِيّ هَذَا الْحَدِيثَ عَنِ السّدّيّ، عَنْ يَحْيَى بنِ عَبّاد، عَنْ أَنسٍ أَنّ أَبَا طَلْحَةَ كانَ عِنْدَهُ وهَذَا أَصَح مِنْ حَدِيث اللّيْثِ.
1312 ـ حدثنا مُحَمّدُ بنُ بَشّارٍ. حدثنا يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ. حدثنا سُفْيَانُ عَنِ السّدّيّ، عَنْ يَحْيَى بنِ عَبّادٍ، عَنْ أَنَسٍ بنِ مَالِكٍ قالَ: سُئِلَ النبيّ صلى الله عليه وسلم: أيُتّخَذُ الْخَمْرُ خَلا؟ قَالَ "لا". هذا حديثٌ حسنٌ صحيح.
1313 ـ حدثنا عَبْدُ الله بنُ مُنِيرٍ قَالَ: سَمِعْتُ قال أبو عيسى أبا عَاصِمٍ عَنْ شَبِيبٍ بنِ بَشْرٍ، عَنْ أنَسِ بنِ مَالِكٍ قَالَ. لَعَنَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم
ـــــــ
أخرجه أحمد بلفظ: قال قلنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم لما حرمت الخمر إن عندنا خمر اليتيم لنا فأمرنا فأهرقناها. "وابن مسعود" لم أقف على حديثه "وابن عمر" أخرجه أبو داود وابن ماجه. "وأنس" أخرجه الترمذي وابن ماجه. قوله: "حديث أبي طلحة روى الثوري هذا الحديث عن السدي عن يحيى بن عباد عن أنس أن أبا طلحة كان عنده" فالحديث على رواية السدى من مسند أنس رضي الله عنه. وأما على رواية الليث فهو من مسند أبي طلحة رضي الله عنه. والسدى هذا هو الكبير واسمه اسماعيل بن عبد الرحمن الكوفي صدوق يهم، كان يقعد في سدة باب الجامع فسمي بالسدى بضم السين وتشديد الدال. قوله: "قالا لا" قال النووي في شرح مسلم: هذا دليل الشافعي والجمهور أنه لا يجوز تخليل الخمر ولا تطهر بالتخليل، هذا إذا خللها بخبز أو بصل أو غير ذلك مما يلقى فيها فهي باقية على نجاستها، وينجس ما ألقي فيها. هو مذهب الشافعي وأحمد والجمهور، وقال الأوزاعي والليث وأبو حنيفة: تطهر. وعن مالك ثلاث روايات أصحها: أن التخليل حرام فلو خللها عصى وطهرت. والثانية حرام ولا تطهر. والثالثة حلال وتطهر. وأجمعوا أنها إذا انتقلت بنفسها خلا طهرت وقد يحكى عن سحنون المالكي أنها لا تطهر فإن صح عنه فهو محجوج بإجماع من قبله انتهى. قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه أحمد ومسلم وأبو داود.

(4/516)


في الْخَمرِ عَشرَةً: عَاصِرَهَا وَمُعْتَصِرَهَا وَشَارِبَهَا وَحَامِلَهَا والمحمُولَةَ إِلَيْهِ وَسَاقِيَهَا وبَائِعَهَا وآكِلَ ثَمنِها والمشتري لَهَا والمشْترَاةَ لَهُ.
هذا حديث غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثِ أنَسٍ. وقدْ رُوِيَ نحْوُ هذا عَنْ ابن عَبّاس وَابنِ مَسْعُود وابنِ عُمَرَ عَنِ النبيّ صلى الله عليه وسلم.ٌ
ـــــــ
قوله: "في الخمر" ظرفية مجازية أو تعليلية أي في شأنها أو لأجلها "عشرة" أي عشرة أشخاص "عاصرها" بالنصب بدلاً عن المفعول به وهو من يعصرها بنفسه لنفسه أو لغيره "ومعتصرها" من يطلب عصرها لنفسه أو غيره "والمحمولة إليه" أي من يطلب أن يحملها أحد إليه "وبائعها" أي عاقدها ولو كان وكيلاً أو دلالاً "والمشتري" أي للشرب أو للتجارة بالوكالة أو غيرها "لها" أي للخمر "والمشتراة له" بصيغة اسم المفعول أي الذي اشتريت الخمر له قوله: "هذا حديث غريب من حديث أنس" رضي الله عنه وأخرجه ابن ماجه "وقد روى نحو هذا عن ابن عباس" أخرجه أحمد بإسناد صحيح وابن حبان والحاكم كذا في الترغيب "وابن مسعود" لم أقف على حديثه "وابن عمر رضي الله عنه" أخرجه أبو داود وابن ماجه

(4/517)


باب ماجاء في احتلاب المواشي بغير إذن الأرباب
...
59 ـ باب مَا جَاءَ فِي احْتِلاَبِ الْموَاشِي بِغَيْرِ إذْنِ الأرْبَاب
1314 ـ حدثنا أَبُو سَلَمةَ يَحْيى بنُ خَلَفٍ. حَدّثنَا عَبْدُ الأعْلَى عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسن، عْنْ سَمُرَةَ بنِ جُنْدَبِ، أَنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قَالَ "إذَا أتى أحَدُكُم عَلَى مَاشِيَةٍ، فإنْ كانَ فِيها صَاحِبُهَا فَلْيَسْتَأذِنْهُ. فإنْ أَذِنَ لَهُ فَلْيَحْتَلِبْ ولْيَشْرَبْ. وَإنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا أحَدٌ
ـــــــ
باب ما جاء في احتلاب المواشي بغير إذن الأرباب
أي بغير إذن أرباب المواشي. وهي جمع الماشية، قال في القاموس: الماشية الإبل والغنم انتهى. وقال في النهاية: الماشية جمعها المواشي وهي اسم يقع على الإبل والبقر والغنم وأكثر ما يستعمل في الغنم انتهى
قوله: "إذا أتى أحدكم على ماشية" قال الطيبي رحمه الله: أتى متعد بنفسه وعداه بعلي لتضمنه معنى نزل، وجعل الماشية بمنزلة المضيف. وفيه معنى حسن التعليل وهذا إذا كان الضيف

(4/517)


َفلْيُصَوّتْ ثَلاَثاً. فَإنْ أجَابَهُ أحَدٌ فَلْيَسْتَأَذِنْهُ. فإِنْ لَمْ يُجبْهُ أَحَدٌ فَلْيَحْتَلِبْ ولْيَشْرَبْ ولاَ يَحْمِلْ".
قال وفي البابِ عَنْ عُمَرَ وأبِي سَعِيد.
حديث سَمُرَةَ حديث حسنٌ غريب والْعَمَلُ عَلَى هذَا عِنْدَ بَعْضِ أهْلِ الْعِلْمِ. وَبِهِ يَقُولُ أَحْمَدُ وَإسْحاقُ.
ـــــــ
النازل مضطراً انتهى. "فليستأذنه" بسكون اللام ويجوز كسرها "فليصوت" بتشديد الواو أي فليصح وليناد "ولا يحمل" أي منه شيئاً. قوله: "وفي الباب عن ابن عمر" أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا يحلبن أحد ماشية امرئ بغير إذنه، أيحب أحدكم أن تؤتي مشربته، فتكسر خزانته، فينتقل طعامه؟ فإنما تخزن لهم ضروع مواشيهم أطعماتهم، فلا يحلبن أحد ماشية أحد إلا بإذنه". أخرجه البخاري ومسلم "وأبي سعيد" أخرجه ابن ماجه مرفوعاً بلفظ: إذا أتيت على راع فناده ثلاثاً فإن أجابك وإلا فاشرب من غير أن تفسد. الحديث. وذكر الحافظ هذا الحديث في الفتح وقال: أخرجه ابن ماجه والطحاوي وصححه ابن حبان والحاكم. قوله: "حديث سمرة حديث حسن غريب صحيح" وأخرجه أبو داود. قال الحافظ في الفتح: إسناده صحيح إلى الحسن فمن صحح سماعه من سمرة صححه ومن لا أعله بالانقطاع، لكن له شواهد من أقواها حديث أبي سعيد فذكره وقد تقدم آنفاً. قوله: "والعمل على هذا عند بعض أهل العلم وبه يقول أحمد وإسحاق" قال القاري قال في شرح السنة: العمل على هذا يعني على حديث ابن عمر المذكور عند أكثر أهل العلم أنه لا يجوز أن يحلب ماشية الغير بغير إذن إلا إذا اضطر في مخمصة، ويضمن وقيل لا ضمان عليه لأن الشرع أباحه له. وذهب أحمد وإسحاق وغيرهما إلى إباحته لغير المضطر أيضاً إذا لم يكن المالك حاضراً. فإن أبا بكر رضي الله عنه حلب لرسول الله صلى الله عليه وسلم لبنا من غنم رجل من قريش يرعاها عبد له وصاحبها غائب في هجرته إلى المدينة. ولما روى الحسن عن سمرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا أتى أحدكم على ماشية". الحديث. وقد رخص بعضهم لابن السبيل في أكل ثمار الغير. ولما روي عن ابن عمر رضي الله عنه بإسناد غريب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من دخل حائطاً ليأكل غير متخذ خبنة فلا شيء عليه". وعند أكثرهم

(4/518)


ـــــــ
لا يباح إلا بإذن المالك إلا بضرورة مجاعة كما سبق. قال التوربشتي: وحمل بعضهم هذه الأحاديث على المجاعة والضرورة لأنها لا تقاوم النصوص التي وردت في تحريم مال المسلم انتهى. وقال الحافظ في الفتح تحت حديث ابن عمر المذكور قال ابن عبد البر في الحديث النهي عن أن يأخذ المسلم للمسلم شيئاً إلا بإذنه وإنما خص اللبن بالذكر لتساهل الناس فيه، فنبه على ما هو أولى منه. وبهذا أخذ الجمهور لكن سواء كان بإذن خاص أو إذن عام. واستثنى كثير من السلف ما إذا علم بطيب نفس صاحبه وإن لم يقع منه إذن خاص ولا عام. وذهب كثير منهم إلى الجواز مطلقاً في الأكل والشرب سواء علم بطيب نفسه أو لم يعلم والحجة لهم ما أخرجه أبو داود والترمذي وصححه من رواية الحسن عن سمرة مرفوعاً: إذا أتى أحدكم على ماشية الحديث. وأجيب عنه بأن حديث النهي أصح وأولى أن يعمل به وبأنه معارض للقواعد القطعية في تحريم مال المسلم بغير إذنه فلا يلتفت إليه. ومنهم من جمع بين الحديثين بوجوه من الجمع. منها ـ حمل الإذن على ما إذا علم طيب نفس صاحبه والنهي على ما إذا لم يعلم ومنها ـ تخصيص الإذن بابن السبيل دون غيره أو بالمضطر أو بحال المجاعة مطلقاً وهي متقاربة. ومنهم من حمل حديث النهي على ما إذا كان المالك أحوج من المار. لحديث أبي هريرة: بينما نحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر إذ رأينا إبلاً مصرورة فثبنا إليها فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن هذه الإبل لأهل بيت من المسلمين هو قوتهم. أيسركم لو رجعتم إلى مزاودكم فوجدتم ما فيها قد ذهب"؟ قلنا لا. قال: "فإن ذلك كذلك". أخرجه أحمد وابن ماجه واللفظ له. وفي حديث أحمد فابتدرها القوم ليحلبوها قالوا فيحمل حديث الإذن على ما إذا لم يكن المالك محتاجاً وحديث النهي على ما إذا كان مستغنياً. ومنهم من حمل الإذن على ما إذا كانت غير مصرورة، والنهي على ما إذا كانت مصرورة لهذا الحديث. لكن وقع عند أحمد في آخره: فإن كنتم لا بد فاعلين فاشربوا ولا تحملوا. فدل على عموم الإذن في المصرور وغيره لكن بقيد عدم الحمل ولا بد منه. واختار ابن العربي الحمل على العادة قال وكانت عادة أهل الحجاز والشام وغيرهم المسامحة في ذلك بخلاف بلدنا. وأشار أبو داود في السنن إلى قصر ذلك على المسافر في الغزو. وآخرون على قصر الإذن على ما كان لأهل الذمة والنهي

(4/519)


وَقَالَ عَليّ بنُ الْمدِينيّ سَمَاعُ الْحَسَنِ مِنْ سَمُرَةَ صَحيحٌ. وَقَدْ تَكلّم بَعْضُ أَهْلِ الْحَدِيثِ في رِوَايَةِ الحَسَنِ، عَنْ سَمُرَةَ، وَقَالُوا: إِنمَا يُحَدّثُ عَنْ صَحِيفَةِ سَمُرَةَ.
ـــــــ
على ما كان للمسلمين وقال الطحاوي: وكان ذلك حين كانت الضيافة واجبة ثم نسخت فنسخ ذلك الحكم وأورد الأحاديث في ذلك وقال النووي في شرح المهذب. اختلف العلماء في من مر ببستان أو زرع أو ماشية. قال الجمهور: لا يجوز أن يأخذ منه شيئاً إلا في حال الضرورة فيأخذ ويغرم عند الشافعي والجمهور. وقال بعض السلف: لا يلزمه شيء. وقال أحمد: إذا لم يكن على البستان حائط جاز له الأكل من الفاكهة الرطبة في أصح الروايتين.
ولو لم يحتج لذلك وفي الأخرى إذا احتاج ولا ضمان عليه في الحالين. وعلق الشافعي القول بذلك على صحة الحديث، قال البهيقي: يعني حديث ابن عمر مرفوعاً: إذا مر أحدكم بحائط فليأكل ولا يتخذ خبنة. أخرجه الترمذي واستغربه. قال البهيقي: لم يصح وجاء من أوجه أخر غير قوية قال: الحافظ: والحق أن مجموعها لا يقصر عن درجة الصحيح. وقد احتجوا في كثير من الأحكام بما هو دونها. انتهى كلام الحافظ مختصراً. قوله: "وقال علي بن المديني: سماع الحسن من سمرة صحيح، وقد تكلم بعض أهل الحديث في رواية الحسن عن سمرة وقالوا إنما يحدث عن صحيفة سمرة" وقال الترمذي في باب كراهية بيع الحيوان بالحيوان نسيئة: سماع الحسن من سمرة صحيح هكذا قال علي بن المديني وغيره انتهى. قال الحافظ في تهذيب التهذيب: وأما رواية الحسن عن سمرة بن جندب ففي صحيح البخاري سماعاً منه لحديث العقيقة. وقد روى عنه نسخة كبيرة غالبها في السنن الأربعة وعند علي بن المديني أن كلها سماع. وكذا حكى الترمذي عن البخاري وقال يحيى القطان وآخرون: هي كتاب. وذلك لا يقتضي الانقطاع. وفي مسند احمد حدثنا هشيم عن حميد الطويل وقال جاء رجل إلى الحسن فقال إن عبداً له أبق وإنه نذر إن يقدر عليه أن يقطع يده. فقال الحسن حدثنا سمرة قال قلما خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبة إلا أمر فيها بالصدقة ونهى عن المثلة. وهذا يقتضي سماعه منه لغير حديث العقيقة. وقال أبو داود عقب حديث سليمان بن سمرة عن أبيه في الصلاة:
دلت هذه الصحيفة على أن الحسن سمع من سمرة. قال الحافظ: ولم يظهر لي وجه الدلالة بعد انتهى .

(4/520)


باب ماجاء في بيع جلود الميتة والأصنام
...
60 ـ باب مَا جَاءَ في بَيْع جُلودِ الْميتَةِ والأصْنَام
1315 ـ حدثنا قُتَيْبَةُ. حدثنَا اللّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ بنِ أبي حَبِيبٍ عَنْ عَطَاءِ بنِ أَبي رَبَاحٍ، عَنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِ الله، أنّهُ سَمِعَ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم، عَامَ الْفَتْحِ وهُوَ بِمَكّةَ، يَقُولُ "إنّ الله وَرَسُولَهُ حَرّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ وَالْميْتَةِ والخِنْزِيرِ والأَصْنَامِ" فَقِيلَ: يا رَسُولَ الله أرَأيْتَ شُحُومَ الْميْتَةِ؟ فإنّهُ يُطْلَى بِهَا السّفُنُ ويُدهَنُ بِها الْجُلودُ وَيَسْتَصْبِحُ بِهَا النّاسُ؟ قالَ لا "هُوَ حَرامٌ".
ـــــــ
باب مَا جَاءَ في بَيْع جُلودِ الْميتَةِ والأصْنَام
قوله: "عام الفتح وهو مكة" فيه بيان تاريخ ذلك وكان ذلك في رمضان سنة ثمان من الهجرة، ويحتمل أن يكون التحريم وقع قبل ذلك ثم أعاده صلى الله عليه وسلم ليسمعه من لم يكن سمعه "إن الله ورسوله حرم" هكذا وقع في هذا الكتاب وفي الصحيحين وغيرهما بإسناد الفعل إلى الضمير الواحد. وكان الأصل حرماً. قال الحافظ في الفتح: والتحقيق جواز الإفراد في مثل هذا ووجه الإشارة إلى أن أمر النبي صلى الله عليه وسلم ناشئ عن أمر الله، وهو نحو قوله: والله ورسوله أحق أن يرضوه. والمختار في هذا الجملة الأولى حذفت لدلالة الثانية عليها، والتقدير عند سيبويه: والله أحق أن يرضوه ورسوله أحق أن يرضوه انتهى. "بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام" أي وإن كانت من ذهب أو فضة "أرأيت" أي أخبرني "شحوم الميتة فإنه يطلى به" الضمير يرجع إلى شحم الميتة على تأويل المذكور قاله الطيبي قال القاري: والأظهر أنه راجع إلى الشحم المفهوم من الشحوم "السفن" بضمتين جمع السفينة "ويدهن" بتشديد الدال "ويستصبح" بكسر الموحدة أي ينور "بها الناس" أي المصباح أو بيوتهم يعني فهل يحل بيعها لما ذكر من المنافع فإنها مقتضية لصحة البيع "قال لا هو حرام" قال الحافظ أي البيع هكذا فسره بعض العلماء كالشافعي ومن اتبعه ومنهم من حمل قوله وهو حرام على الانتفاع فقال: يحرم الانتفاع بها وهو قول أكثر العلماء

(4/521)


ثمّ قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عِنْدَ ذلِكَ "قَاتَلَ الله اليَهُودَ. إنّ الله حَرّمَ عَلَيْهِمُ الشّحُومَ فَأجْمَلُوهُ ثمّ باعُوهُ فَأَكَلُوا ثمَنَهُ".
وفي البابِ عَنْ عُمَرَ وابْنِ عَبّاسٍ. حَدِيثُ جَابِرٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَالْعَمَلُ عَلَى هذَا عِنْدَ أهْلِ الْعِلْمِ.
ـــــــ
فلا ينتفع من الميتة أصلا عندهم إلا ما خص بالدليل وهو الجلد المدبوغ. واختلفوا فيما يتنجس من الأشياء الطاهرة فالجمهور على الجواز. وقال أحمد وابن الماجشون: لا ينتفع بشيء من ذلك. واستدل الخطابي على جواز الانتفاع بإجماعهم على أن من ماتت له دابة ساغ له إطعامها لكلاب الصيد فكذلك يسوغ دهن السفينة بشحم الميتة ولا فرق. انتهى كلام الحافظ "قاتل الله اليهود" أي أهلكهم ولعنهم إخبار أو دعاء "إن الله حرم عليهم الشحوم" أي شحوم الغنم والبقر قال الله تعالى {حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا} فأجملوه أي أذابوه. قال في النهاية: جملت الشحم وأجملته أذبته. وقال في القاموس: جمل الشحم أذابه كأجمله واجتمله. واحتالوا بذلك في تحليله وذلك لأن الشحم المذاب لا يطلق عليه لفظ الشحم في عرف العرب بل يقولون إنه الودك "ثم باعوه فأكلوا ثمنه" الضمير المنصوب في هذه الجمل الثلاث راجع إلى الشحوم على تأويل المذكور أو إلى الشحم المفهوم من الشحوم كما تقدم. قال في شرح السنة: فيه دليل على بطلان كل حيلة تحتال للتوصيل إلى محرم وأنه لا يتغير حكمه بتغير هيأته وتبديل اسمه انتهى. قوله "وفي الباب عن عمر" مرفوعاً: قاتل الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها فباعوها. أخرجه الشيخان "وابن عباس" أخرجه أحمد وأبو داود: قوله "حديث جابر حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان .

(4/522)


باب ماجاء في كراهية الرجوع من الهبة
...
61 ـ باب ما جَاء في الرّجُوعِ في الْهِبَة
1316 ـ حدثنا أحمدُ بْنُ عَبْدَةَ الضّبّيّ. حدثنا عَبْدُ الوهّابِ الثّقَفِيّ حدثنا أيّوبُ عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ الله عَنْهُمَا، أنّ رَسولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ "لَيْسَ لَنَا مَثَلُ السّوءِ. الْعَائِدُ في
ـــــــ
باب ما جَاء في الرّجُوعِ في الْهِبَة
قوله "ليس لنا مثل السوء" أي لا ينبغي لنا معشر المؤمنين أن نتصف

(4/522)


هِبَتِهِ كالْكلْبِ يَعُودُ في قَيْئِهِ". وفي البابِ عنِ ابنِ عُمرَ، عنِ النبيّ صلى الله عليه وسلم أنهُ قالَ: "لاَ يَحِلّ لأِحَدٍ أنْ يُعْطِيَ عَطِيّةً فَيَرْجِعَ فِيهَا. إلاّ الْوَالِدَ فِيمَا يُعْطِي وَلَدَهُ".
1317 ـ حدثنا بِذلِكَ مُحَمّدُ بنُ بَشّارٍ. حدّثنَا ابنُ عَدِيّ عنْ حُسَيْنٍ الْمُعَلّمِ، عنْ عَمْروِ بنِ شُعَيْبٍ أَنّهُ سَمِعَ طَاوُساً يُحَدّثُ عنِ ابنِ عُمرَ وابنِ عَبّاسٍ، يَرْفَعَانِ الْحَدِيثَ إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم، بِهذَا الْحدِيثِ. حدِيثُ ابنِ عَبّاسٍ رَضِيَ الله عَنْهُمَا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ عنْدَ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أصْحَابِ النبيّ صلى الله
ـــــــ
بصفة ذميمة يشابهنا فيها أخس الحيوانات في أخس أحوالها قال الله سبحانه وتعالى {لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى} ولعل هذا أبلغ في الزجر عن ذلك وأدل على التحريم مما لو قال لا تعودوا في الهبة. وإلى القول بتحريم الرجوع في الهبة بعد أن تقبض، ذهب جمهور العلماء إلا هبة الوالد لولده جميعاً بين هذا الحديث وحديث النعمان بن بشير "العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه" . وفي رواية للبخاري: العائد في هبته كالعائد في قيئه. قال الطحاوي: قوله: قوله كالعائد في قيئة وإن اقتضى التحريم لسكون القيء حراماً. لكن الزيادة في الرواية الأخرى وهي قوله كالكلب تدل على عدم التحريم لأن الكلب غير متعبد فالقيء ليس حراماً عليه. والمراد التنزيه عن فعل يشبه فعل الكلب. وتعقب باستبعاد ما تأوله ومنافرة سياق الأحاديث له، وبأن عرف الشرع في مثل هذه الأشياء يريد به المبالغة في الزجر كقوله من: لعب بالنرد شير فكأنما غمس يده في لحم خنزير. قال الحافظ في الفتح: قوله "لا يحل لأحد أن يعطى عطية فيرجع" بالنصب عطف على يعطى "فيها" أي في عطيته "إلا الوالد" بالنصب على الاستثناء. واحتج به من قال بتحريم الرجوع في الهبة إلا هبة الوالد لولده وهم جمهور العلماء. قوله "حديث ابن عباس حديث حسن صحيح" وأخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه، وأخرجه

(4/523)


عليه وسلم وَغَيْرِهِمْ. قَالُوا: مَنْ وَهَبَ هِبَةً لِذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجع فَيها ومن وهب هبة لغير ذي رحِمٍ محْرم فله أن يرجع فيها، مَا لَمْ يُثَبْ مِنْهَا وهُوَ قَوْلُ الثّوْرِيّ. وقالَ الشّافِعِيّ: لا يَحِلّ لأِحَدٍ أنْ يُعْطِيَ عَطِيّةً فيَرْجِعَ فِيهَا إلاّ الْوَالِدَ فِيما يُعْطِي وَلَدَهُ. واحْتَجّ الشّافِعِيّ بحَدِيثِ عَبْدِ الله بنِ عُمرَ عنِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ "لاَ يَحِلّ لأِحَدٍ أنْ يُعْطِيَ عَطِيّةً فيَرْجِعَ فِيهَا، إلاّ الْوَالِدَ فِيما يُعْطِي وَلَدَهُ".
ـــــــ
أيضاً ابن حبان والحاكم وصححاه. قوله "قالوا من وهب هبة لذي رحم محرم فليس له أن يرجع في هبته، ومن وهب هبة لغير ذي رحم محرم فله أن يرجع فيها ما لم يثب" بصيغة المجهول أي ما لم يعوض "منها" أي من هبته "وهو قول الثوري" وهو قول أصحاب أبي حنيفة رحمه الله. قال القاضي رحمه الله: حديث ابن عمر وابن عباس نص صريح على أن جواز الرجوع مقصور على ما وهب الوالد من ولده. وإليه ذهب الشافعي وعكس الثوري وأصحاب أبي حنيفة وقالوا: لا رجوع للواهب فيما وهب لولده أو لأحد من محارمه، ولأحد الزوجين فيما وهب للاَخر. وله الرجوع فيما وهب للأجانب. وجوز مالك الرجوع مطلقاً إلا في هبة أحد الزوجين من الاَخر. وأول بعض الحنفية هذا الحديث بأن قوله لا يحل معناه التحذير عن الرجوع لا نفي الجواز عنه، كما في قولك لا يحل للواجد رد السائل. وقوله إلا الوالد لولده. معناه أن له أن يأخذ ما وهب لولده ويتصرف في نفقته وسائر ما يجب له عليه وقت حاجته كسائر أمواله استيفاء لحقه من ماله لا استرجاعاً لما وهب ونقضاً للهبة وهو مع بعده عدول عن الظاهر بلا دليل انتهى كلام القاضي قال القاري في المرقاة متعقباً عليه: المجتهد أسير الدليل وما لم يكن له دليل لم يحتج إلى التأويل انتهى. قلت قد أخرج مالك عن عمر أنه قال: من وهب هبة يرجو ثوابها وهي رد على صاحبها ما لم يثب منها. ورواه البيهقي عن ابن عمر مرفوعاً وصححه الحاكم. قال الحافظ: والمحفوظ من رواية ابن عمر عن عمر ورواه عبد الله بن موسى مرفوعاً، قيل وهو وهم. قال الحافظ: صححه الحاكم وابن حزم ورواه ابن حزم أيضاً عن أبي هريرة مرفوعاً بلفظ: الواهب أحق بهبته ما لم يثب منها. وأخرجه أيضاً ابن ماجه والدارقطني ورواه الحاكم من حديث الحسن عن سمرة مرفوعاً بلفظ، إذا كانت الهبة لذي رحم محرم لم يرجع. ورواه الدارقطني من حديث ابن عباس قال الحافظ. وسنده ضعيف. قال ابن الجوزي: أحاديث ابن عمر وأبي هريرة وسمرة ضعيفة. وليس منها ما يصح. وأخرج الطبراني في الكبير عن ابن عباس مرفوعاً: من وهب هبة فهو أحق بها حتى يثاب عليها، فإن رجع في هبته فهو كالذي يقيء ويأكل منه. قال الشوكاني بعد ذكر هذه الروايات: فإن صحت هذه الأحاديث كانت مخصصة لعموم حديث الباب فيجوز الرجوع في الهبة قبل الإثابة عليها ومفهوم حديث سمرة يدل على جواز الرجوع في الهبة لغير ذي الرحم انتهى. "وقال الشافعي لا يحل الخ" وبه قال جمهور العلماء كما عرفت

(4/524)


باب ماجاء في العرايا والرخصة في ذلك
...
62 ـ باب مَا جَاءَ في الْعَرَايَا والرّخْصَةِ في ذلِك
1318 ـ حدثنا هَنّادٌ. حدّثنَا عَبْدَةُ عنْ مُحَمّدِ بنِ إسْحَاقَ. عنْ نَافِعٍ، عنِ ابنِ عُمرَ، عنْ زَيْدِ بنِ ثَابِتٍ أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم
ـــــــ
باب ما جاء في العرايا والرخصة في ذلك
العرايا جمع العرية وهي عطية ثمر النخل دون الرقبة، كان العرب في الجدب يتطوع أهل النخل بذلك على من لا ثمر له كما يتطوع صاحب الشاة أو الإبل بالمنيحة وهي عطية اللبن دون الرقبة. والعرية فعيلة بمعنى فعولة، أو فاعلة، يقال عرى النخل بفتح العين والراء بالتعدية يعروها إذا أفردها عن غيرها بأن أعطاها لاَخر على سبيل المنحة ليأكل ثمرها وتبقى رقبتها لمعطيها، ويقال عريت النخل بفتح العين وكسر الراء تعري على أنه قاصر فكأنها عريت عن حكم أخواتها واستثبتت بالعطية واختلف في المراد بها شرعاً. فقال مالك: والعرية أن يعري الرجل النخلة أي يهبها له أو يهب له ثمرها ثم يتأذى بدخوله عليه فرخص له أن يشتريها أي يشتري رطبها منه بتمر كذا نقل البخاري في صحيحه عنه. وقال الشافعي في الأم: العرايا أن يشتري الرجل ثمن النخلة فأكثر بخرصه من التمر بأن يخرص الرطب ثم يقدر كم ينقص إذا يبس ثم يشتري بخرصة تمر فإن تفرقا قبل أن يتقابضا فسد البيع انتهى. قال الحافظ في الفتح: محصله أن لا يكون جزافاً ولا نسيئة انتهى. وقال ابن إسحاق في حديث عن نافع عن ابن عمر: كانت العرايا أن يعري الرجل في ما له النخلة والنخلتين كذا في صحيح البخاري

(4/525)


ـــــــ
قال الحافظ: أما حديث ابن إسحاق عن نافع فوصله الترمذي دون تفسير ابن إسحاق وأما تفسيره فوصله أبو داود عنه بلفظ: النخلات. وزاد فيه: فيشق عليه فيبيعها بمثل خرصها. وهذا قريب من الصورة التي قصر مالك العرية عليها انتهى. وقال يزيد بن هارون عن سفيان بن حسين: العرايا نخل كانت توهب للمساكين فلا يستطيعون أن ينتظروا بها رخص لهم أن يبيعوها بما شاءوا من التمر. كذا في صحيح البخاري. قال الحافظ هذا وصله الإمام أحمد في حديث سفيان بن حسين عن الزهري عن سالم عن أبيه عن زيد بن ثابت مرفوعاً في العرايا. قال سفيان ابن حسين فذكره. قال الحافظ وصور العرية كثيرة وهذه إحداها. قال: منها أن يقول الرجل لصاحب حائط بعني ثمر نخلات بأعيانها بخرصها من التمر فيخرصها أو يبيعه ويقبض منه التمر ويسلم إليه النخلات بالنخلية فينتفع برطبها. منها أن يهبه إياها فيتضرر الموهوب له بانتظار صيرورة الرطب تمراً ولا يحب أكلها رطباً لاحتياجه إلى التمر فيبيع ذلك الرطب بخرصه من الواهب أو من غيره بتمر يأخذ معجلاً ومنها أن يبيع الرجل ثمر حائطه بعد بدو صلاحه ويستثنى منه نخلات معلومة يبقيها لنفسه أو لعياله، وهي التي عفى له عن خرصها في الصدقة وسميت عراياً لأنها أعريت من أن تخرص في الصدقة فرخص لأهل الحاجة الذين لا نقد لهم وعندهم فضول من تمر قوتهم أن يبتاعوا بذلك التمر من رطب تلك النخلات بخرصها، ومما يطلق عليه اسم عرية أي يعري رجلاً ثمر نخلات يبيح له أكلها والتصرف فيها وهذه هبة مخصوصة ومنها أن يعري عامل الصدقة لصاحب الحاجة من حائطه نخلات معلومة لا يخرصها في الصدقة وهاتان الصورتان من العرايا لا بيع فيهما. وجميع هذه الصور صحيحة عند الشافعي والجمهور. وقصر مالك العرية في البيع على الصورة الثانية. وقصرها أبو عبيد على الصورة الأخيرة من صور البيع، وزاد انه رخص لهم أن يأكلوا الرطب ولا يشتروه لتجارة ولا ادخار، ومنع أبو حنيفة صور البيع كلها وقصر العرية على الهبة، وهو أن يعري الرجل تمر نخلة من نخله ولا يسلم ذلك له ثم يبدو له في ارتجاع تلك الهبة، فرخص له أن يحتبس ذلك ويعطيه بقدر ما وهبه له من الرطب بخرصه تمراً، وحمله على ذلك أخذه بعموم النهي عن بيع التمر بالتمر. وتعقب بالتصريح باستثناء العرايا في حديث ابن عمر كما تقدم وفي حديث غيره

(4/526)


نَهَى عنِ الْمُحَاقَلَةِ والْمُزَابَنَةِ. إلا أَنّهُ قَدْ أَذِنَ لأِهْلِ الْعَرَايَا أنْ يَبِيعُوهَا بِمثْلِ خَرْصِهَاوفي البابِ عنْ أبي هُرَيْرَة وجَابِرٍ. حدِيثُ زَيْدِ بنِ ثَابِتٍ
ـــــــ
وحكى الطحاوي عن عيسى بن أبان من أصحابهم أن معنى الرخصة أن الذي وهبت العرية لم يملكها لأن الهبة لا تملك إلا بالقبض فلما جاز له أن يعطي بدلها تمراً وهو لم يملك البدل منه حتى يستحق البدل كان ذلك مستثنى وكان رخصة وقال الطحاوي بل معنى الرخصة فيه أن المرء مأمور بإمضاء ما وعد به ويعطي بدله ولم لم يكن واجباً عليه، فلما أذن له أن يحبس ما وعد به ويعطى بدله ولا يكون في حكم من أخلف وعده. ظهر بذلك معنى الرخصة. واحتج لمذهبه بأشياء تدل على أن العرية العطية ولا حجة في شيء منها. لأنه لا يلزم من كون أصل العرية العطية أن لا تطلق العرية شرعاً على صور أخرى. قال ابن المنذر: الذي رخص في العرية هو الذي نهى عن بيع الثمر بالتمر في لفظ واحد من رواية جماعة من الصحابة قال: ونظير ذلك الإذن في السلم مع قوله صلى الله عليه وسلم: "لا تبع ما ليس عندك". قال فمن أجاز السلم مع كونه مستثنى من بيع ما ليس عندك، ومنع العرية مع كونها مستثناة مع بيع الثمر بالتمر، فقد تناقض. وأما حملهم الرخصة على الهبة فبعيد مع تصريح الحديث بالبيع واستثناء العرايا منه، فلو كان المراد الهبة لما استثنيت العرية من البيع، ولأنه عبر بالرخصة والرخصة لا تكون إلا بعد ممنوع، والمنع إنما كان في البيع لا الهبة. وبأن الرخصة قيدت بخمسة أوسق أو ما دونها، والهبة لا تتقيد لأنهم لم يفرقوا في الرجوع في الهبة بين ذي رحم وغيره وبأنه لو كان الرجوع جائزاً فليس إعطاؤه بالتمر بدل الرطب بل هو تجديد هبة أخرى. فإن الرجوع لا يجوز فلا يصح تأويلهم انتهى . قوله: "نهى عن المحاقلة والمزابنة" قد تقدم تفسيرها أيضاً وهو بيع الثمر في رؤوس النخل بالتمر "إلا أنه قد أذن لأهل العرايا أن يبيعوها بمثل خرصها" الخرص بفتح الخاء المعجمة وسكون الراء الحرز والاسم بالكسر. قال في النهاية: خرص النخلة والكرمة يخرصها خرصاً إذا حزر ما عليها من الرطب تمراً، ومن العنب زبيباً. فهو من الخرص الظن. لأن الحزر إنما هو تقدير بظن والاسم الخرص بالكسر. يقال كم خرص أرضك انتهى. قوله: "وفي الباب عن أبي هريرة" أخرجه الترمذي وأخرجه الشيخان أيضاً "وجابر" أخرجه أحمد والشافعي وصححه

(4/527)


هكذَا. رَوَى مُحَمّدُ بنُ إسْحَاقَ هذَا الْحَدِيثَ، ورَوَى أَيّوبُ وعُبَيْدُ الله بنُ عُمرَ ومَالِكُ بنُ أَنَسٍ عن نافع، عنِ ابنِ عُمرَ أَنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم نهى عن المحاقلة والمزابنة وبهذا الاسناد عن ابن عمر عن زيد بن ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه رَخّصَ في الْعَرَايا وهذا أصح من حديث محمد بن أسحاق.
1319 ـ حدثنا أبو كُرَيْبٍ. حدّثنَا زَيْدُ بنُ حُبَابٍ عنْ مَالِكِ بن أنس، عنْ دَاوُدَ بنِ حُصَيْن، عنْ أبي سُفْيَانَ مَوْلَى ابنِ أَبي أحْمَدَ، عنْ أبي هُرَيْرَةَ أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم رخّصَ في بَيْعِ الْعَرَايَا فِيما دُونَ خَمْسَةِ أوْسُقٍ، أوْ كَذَا. حدّثنَا قُتَيْبَةُ عنْ مَالِكٍ، عنْ دَاوُدَ بنِ حُصَيْنٍ، نحوَهُ. وَرُوِيَ هذَا الْحَدِيثُ عنْ مَالِكٍ، أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم أَرْخَصَ في بَيْعِ الْعَرَايَا في خَمْسَةِ أوْسُقٍ، أَوْ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ.
ـــــــ
ابن خزيمة وابن حبان والحاكم. قوله: "هكذا روى محمد بن إسحاق هذا الحديث وروى أيوب الخ" يعني روى محمد بن إسحاق النهي عن المحاقلة والمزابنة والرخصة في العرايا كليهما عن ابن عمر عن زيد بن ثابت. وروى أيوب وغيره النهي عن المحاقلة والمزابنة عن ابن عمر رضي الله عنه بغير واسطة زيد بن ثابت والرخصة في العرايا عن ابن عمر عن زيد بن ثابت. ورواية أيوب وغيره أصح من رواية ابن إسحاق. قال الحافظ في الفتح: مراد الترمذي أن التصريح بالنهي عن المزابنة لم يرد في حديث زيد بن ثابت وإنما رواه ابن عمر بغير واسطة وروى ابن عمر استثناء العرايا بواسطة زيد بن ثابت. فإن كانت رواية ابن إسحاق محفوظة. . احتمل أن يكون ابن عمر حمل الحديث كله عن زيد بن ثابت وكان عنده بعضه بغير واسطة. قال وأشار الترمذي إلى أن ابن إسحاق وهم فيه. والصواب التفصيل انتهى.
قوله: "في خمسة أوسق أو فيما دون خمسة أوسق" شك من الراوي والوسق ستون صاعاً. وقد اعتبر من قال بجواز بيع العرايا بمفهوم هذا العدد ومنعوا ما زاد عليه واختلفوا في جواز الخمسة لأجل الشك المذكور. والخلاف عند المالكية والشافعية. والراجح عند المالكية الجواز في الخمسة فما دونها، وعند الشافعية الجواز فيما دون الخمسة. ولا يجوز في الخمسة وهو قول

(4/528)


1320 ـ حدثنا قُتَيْبَةُ. حدثنَا حَمادُ بنُ زَيْدٍ عنْ أَيّوبَ، عنْ نافِعٍ، عَنِ ابنِ عمَرَ، عنْ زَيْدِ بنِ ثَابِتٍ أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم أرْخَصَ في بَيْعِ الْعَرَايَا بِخَرْصِهَا. هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وحدِيث أبِي هُرَيْرَةَ حدِيثٌ حسنٌ صحيحٌ. والْعَمَلُ عَلَيْهِ عنْدَ بَعْضِ أهْلِ العِلْمِ. مِنْهُمُ الشّافِعِيّ وأحْمَدُ وإسْحَاقُ. وقَالُوا: إنّ الْعَرَايَا مُسْتَثْنَاةٌ مِن جُملَةِ نَهْيِ النبيّ صلى الله عليه وسلم. إذْ نَهَى عنِ الْمُحَاقَلةِ والْمُزَابَنَةِ. واحْتَجّوا بِحَدِيثِ زَيْدِ بنِ ثَابِتٍ وحدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ، وقَالُوا لَهُ أنْ يَشترِيَ مَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ. ومَعْنَى هَذَا عِنْدَ بعْضِ أهْلِ العِلْمِ: أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم أَرَادَ التّوْسِعَةَ عَليْهِمْ في هذَا، لأَنهُمْ شَكَوْا إلَيْهِ وقَالوا: لاَ نَجِدُ مَا نَشْتَرِي مِنْ الثّمَرِ إلاّ بِالتّمْرِ، فَرَخّصَ لَهُمْ فِيما دُونَ خَمْسَةِ أوْسُقٍ أنْ يَشَترُوهَا، فَيَأْكُلُوهَا رُطَباً.
1321 ـ حدثنا الْحَسَنُ بنُ عَلِيّ الحلوانيّ الْخَلالُ. حدّثنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنِ الوَلِيدِ بنِ كثِيرٍ. حدّثنَا بُشَيْرُ بنُ يَسَارٍ مَولَى بَنِي حَارِثَةَ أنّ رَافِعَ ابنَ خَدِيجٍ و سَهْلَ بنَ أبي حَثمَةَ حَدّثَاهُ أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم
ـــــــ
الحنابلة وأهل الظاهر. قوله: "أرخص" وفي رواية البخاري ومسلم رخص من الترخيص "بخرصها" وفي رواية الشيخين بخرصها كيلا. ولمسلم رخص في العرية يأخذها أهل البيت بخرصها تمراً بأكلونها رطباً. وأخرجه الطبراني من طريق أيوب وعبيد الله بن عمر عن نافع بلفظ: رخص في العرايا النخلة والنخلتين يوهبان للرجل فيبيعهما بخرصهما تمراً زاد فيه: يوهبان للرجل. وليس بقيد عند الجمهور، قاله الحافظ: قوله: "وهذا حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان "وحديث أبي هريرة حديث حسن صحيح" ، وأخرجه الشيخان أيضاً. قوله: "والعمل عليه عند بعض أهل العلم منهم الشافعي وأحمد وإسحاق وقالوا إن العرايا مستثناة الخ" . وأما قول الإمام أبي حنيفة أن العرايا ليست بمستثناة من بيع الثمر

(4/529)


نَهَى عنْ بَيْعِ الْمُزَابَنَةِ، الثّمَرِ بِالتّمْرِ، إلاّ لأِصْحَابِ الْعَرَايَا. فَإِنّه قدْ أذِنَ لَهُمْ. وعنْ بَيْعِ الْعِنَبِ بِالزّبِيبِ وعنْ كلّ ثَمَرٍ بخرصه. هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. غَرِيبٌ مِنْ هذَا الْوَجْهِ.
ـــــــ
بالتمر بل هبة، فقد تقدم ما فيه في كلام الحافظ فتذكر. قوله: "الثمر بالتمر" الأول بالثاء المثلثة والثاني بالتاء المثناة الفوقانية وهذا تفسير المزابنة "وعن كل ثمر بخرصها" بفتح الخاء المعجمة وأشار ابن التين إلى جواز كسرها. وجزم ابن العربي بالكسر وأنكر الفتح، وجوزهما النووي وقال: الفتح أشهر انتهى. والخرص هو التخمين والحدس. قوله: "هذا حديث صحيح غريب من هذا الوجه" وأخرجه مسلم وأخرجه البخاري من حديث سهل بن أبي حثمة وحده .

(4/530)


باب ماجاء في كراهية النجش
...
63 ـ باب ما جَاءَ في كَرَاهِيَةِ النّجْشِ في البيوع
1322 ـ حدثنا قُتَيْبَةُ وَ أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ قالاَ: حدّثنَا سُفْيَانُ، عنِ الزّهْرِيّ، عَنْ سَعِيدِ بنِ الْمُسَيّبِ، عنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم. وقالَ قُتَيْبَةُ يَبْلُغُ بِهِ النبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ "لاَ تَنَاجَشُوا". وفي البابِ عنِ ابنِ عُمَرَ وأنَسٍ. قال أبو عيسى حدِيثُ أبي هُرَيْرَةَ
ـــــــ
باب ما جاء في كراهية النجش في البيوع
قال في النهاية: هو أن يمدح السلعة لينفقها ويروجها أو يزيد في ثمنها وهو لا يريد شراءها ليقع غيره فيها. والأصل فيه تنفير الوحش من مكان إلى مكان انتهى. وقال الحافظ في الفتح: النجش بفتح النون وسكون الجيم بعدها معجمة وهو في اللغة تنفير الصيد واستثارته من مكانه ليصاد، يقال نجشت الصيد أنجشه بالضم نجشاً. وفي الشرع الزيادة في ثمن السلعة ممن لا يريد شراءها ليقع غيره فيها، سمي بذلك لأن الناجش يثير الرغبة في السلعة ويقع ذلك بمواطأة البائع فيشتركان في الإثم ويقع ذلك بغير علم البائع فيختص بذلك الناجش وقد يختص به البائع كمن يخبر بأنه اشترى سلعة بأكثر مما اشتراها به ليغر غيره بذلك. وقال ابن قتيبة: النجش الختل والخديعة ومنه قيل للصائد ناجش لأنه يختل الصيد ويحتال له انتهى
قوله: "قال لا تناجشوا" قال الحافظ ذكره بصيغة التفاعل لأن التاجر إذا فعل

(4/530)


حدِيثٌ حسنٌ صحيحٌ. والعَمَلُ عَلَى هذَا عِنْدَ أهْلِ العِلْمِ. كَرِهُوا النّجْشَ. والنّجْشُ أنْ يَأْتِي الرّجُلُ الّذِي يفصل السّلْعَةَ إلَى صَاحِبِ السّلعَةِ فَيسْتَامُ بِأَكْثَرَ مِمّا تَسْوَى. وَذلِكَ عِنْدَمَا يَحْضُرُهُ الْمشْترِي، يُرِيدُ أنْ يَغْترّ المُشْتري بِهِ، ولَيْسَ مِنْ رَأْيِهِ الشّرَاءُ. إنّمَا يُرِيدُ أنْ نخدع المُشْترِي بِمَا يَسْتَامُ. وهَذَا ضَرْبٌ مِنَ الْخَدِيعَةِ.
قالَ الشّافِعِيّ: وإنْ نَجَشَ رَجُلٌ، فَالنّاجِشُ آثِمٌ فِيما يَصْنَعُ، والبَيْعُ جَائِزٌ. لأِنّ الْبَائِعَ غَيْرُ النّاجِشِ.
ـــــــ
لصاحبه ذلك كان بصدد أن يفعل له مثله انتهى. قوله: "وفي الباب عن ابن عمر" أخرجه البخاري ومسلم بلفظ: نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن النجش "وأنس" لينظر من أخرجه "حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح" وأخرجه البخاري "فيستام بأكثر مما تسوى" أي بأكثر مما تساويه السلعة يعني يستام بأكثر من قيمة السلعة. قال في القاموس: وهو لا يساوي شيئاً ولا يسوي كيرضى انتهى. قوله: "قال الشافعي: وإن نجش رجل فالناجش آثم فيما يصنع والبيع جائز لأن البائع غير الناجش" قال ابن بطال: أجمع العلماء على أن الناجش عاص بفعله. واختلفوا في البيع إذا وقع على ذلك ونقل ابن المنذر عن طائفة من أهل الحديث فساد ذلك البيع، وهو قول أهل الظاهر. ورواية عن مالك وهو المشهور عند الحنابلة إذا كان ذلك بمواطأة البائع أو صنعه. والمشهور عند المالكية في مثل ذلك ثبوت الخيار وهو وجه للشافعية قياساً على المصراة. والأصح عندهم صحة البيع مع الإثم وهو قول الحنفية. وقال الرافعي أطلق الشافعي في المختصر تعصية الناجش وشرط في تعصية من باع على بيع أخيه أن يكون عالماً بالنهي. وأجاب الشارحون بأن النجش خديعة، وتحريم الخديعة واضح لكل أحد وإن لم يعلم هذا الحديث بخصوصه بخلاف البيع على بيع أخيه فقد لا يشترك فيه كل أحد، واشتشكل الرافعي الفرق بأن البيع على بيع أخيه إضرار والإضرار يشترك في علم تحريمه كل أحد قال فالوجه تخصيص المعصية في الموضعين بمن علم التحريم انتهى. وقد حكى البيهقي في المعرفة والسنن عن الشافعي تخصيص التعصية في النجش أيضاً بمن علم النهي فظهر أن ما قاله الرافعي بحثاً منصوص. ولفظ: الشافعي النجش أن يحضر الرجل السعلة تباع فيعطي بها الشيء وهو لا يريد شراءها ليقتدي به السوم فيعطون بها أكثر مما كانوا يعطون لو لم يسمعوا سومه. فمن نجش فهو عاص بالنجش إن كان عالماً بالنهي، والبيع جائز لا يفسده معصية رجل نجش عليه. كذا في فتح الباري .

(4/531)


باب ماجاء في الرجحان في الوزن
...
64 ـ باب مَا جَاءَ في الرّجْحَانِ في الْوَزْن
1323 ـ حدثنا هَنّادٌ وَ مَحْمُودُ بنُ غَيْلاَنَ قالاَ: حدّثنَا وَكِيعٌ، عنْ سُفْيَانَ، عنْ سِمَاكِ بنِ حَرْبٍ، عنْ سُوَيْدِ بنِ قَيْسٍ قالَ: جَلَبْتُ أَنَا وَمَخْرَفَةُ الْعَبْدِيّ بَزّاً منْ هَجَرٍ. فَجَاءَنَا النبيّ صلى الله عليه وسلم فَسَاوَمَنَا بِسَرَاوِيلَ. وعِنْدِي وزّانٌ يَزِنُ بِالأجْرِ. فقالَ النبيّ صلى الله عليه وسلم
ـــــــ
باب مَا جَاءَ في الرّجْحَانِ في الْوَزْن
قوله: "عن سويد" بالتصغير قال في التقريب سويد بن قيس صحابي له حديث السراويل نزل الكوفة "جلبت أنا" قال في القاموس: جلبه يجلبه جلباً وجلبا واجتلبه ساقه من موضع إلى موضع آخر انتهى. وقال في الصراح: الجلب كشيدن جليب أنجه ازشهر بشهر برند بفروختن "ومخرفة" بفتح الميم وسكون الخاء المعجمة فراء ثم فاء ويقال بالميم والصحيح الأول كذا في الاستيعاب "بزا" بتشديد الزاء قال في القاموس: البز الثياب أو متاع البيت من الثياب ونحوها وبائعه البزاز وحرفته البزازة انتهى. قال القاري في المرقاة: قال محمد رحمه الله في السير البز عند أهل الكوفة ثياب الكتان والقطن لا ثياب الصوف والخز "من هجر" بفتحتين موضع قريب من المدينة وهو مصروف قاله القاري. وقال في القاموس: وهجر محركة بلد باليمن بينه وبين عشر يوم وليلة، مذكر مصروف وقد يؤنث ويمنع واسم لجميع أرض البحرين ومنه المثل كمبضع تمر إلى هجر وقرية كانت قرب المدينة وإليها تنسب القلال أو تنسب إلى هجر اليمن انتهى. وفي رواية أبي داود: جلبت أنا ومخرفة العبدي بزا من هجر فأتينا به مكة "فجاءنا النبي صلى الله عليه وسلم" زاد في رواية النسائي ونحن بمنى "فساومنا بسراويل" وفي رواية النسائي فاشترى منا سراويلا. قال السيوطى: ذكر بعضهم أن النبي صلى الله عليه وسلم اشترى السراويل ولم يلبسها. وفي الهدى لابن القيم الجوزي

(4/532)


لِلْوَزّانِ "زِنْ وأرْجِحْ". وفي البابِ عنْ جَابرٍ وأبي هُرَيْرَةَ. حديثُ سُوَيْدٍ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وَأهْلُ العِلْمِ يَسْتَحِبّونَ الرّجْحَانَ في الوَزْنِ.
وَرَوَى شُعْبَةُ هذَا الْحَديثَ عنِ سمَاكٍ، فَقَالَ: عَنْ أبي صَفْوَانَ. وَذَكَرَ الحَدِيثَ.
ـــــــ
أنه لبسها فقيل إنه سبق قلم لكن في مسند أبي يعلي والمعجم الأوسط للطبراني بسند ضعيف عن أبي هريرة قال: دخلت يوماً السوق مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلس إلى البزارين فاشترى سراويل بأربعة دراهم. قلت: يا رسول الله وإنك لتلبس السراويل فقال أجل في السفر والحضر والليل والنهار فإني أمرت بالستر فلم أجد شيئاً أستر منه. كذا في فتح الودود "وعندي وزان يزن" أي الثمن "بالأجر" أي بالأجرة "زن" بكسر الزاي أي ثمنه "وأرجح" بفتح الهمزة وكسر الجيم. قال في القاموس: رجح الميزان يرجح مثلثه رجوحاً ورجحاناً مال وأرجح له ورجح أعطاه راجحاً. قال الخطابي في الحديث دليل على جواز أخذ الأجرة على الوزن والكيل، وفي معناهما أجرة القسام والحاسب وكان سعيد بن المسيب بنهي عن أجرة القسام وكرهها أحمد بن حنبل فكان في مخاطبة النبي صلى الله عليه وسلم وأمره إياه به كالدليل على أن وزن الثمن على المشتري وإذا كان الوزن عليه لأن الأيفاء يلزمه فقد دل على أن أجرة الوزان عليه، وإذا كان ذلك على المشتري فقياسه في السلعة المبيعة أن يكون على البائع انتهى. قوله: "وفي الباب عن جابر" أخرجه البخاري وغيره وأما حديث أبي هريرة فلينظر من أخرجه. قوله: "حديث سويد حديث حسن صحيح" وأخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه والدارمي وأحمد. قوله: "وروى شعبة هذا الحديث عن سِمَاك فقال عن أبي صفوان وذكر الحديث" فخالف شعبة سفيان فإنه رواه عن سِمَاك عن سويد ابن قيس. قال أبو داود في سننه بعد ذكر رواية سفيان ورواية شعبة ما لفظه والقول قول سفيان: حدثنا ابن أبي رزمة قال سمعت أبي يقول قال رجل لشعبة: خالفك سفيان. فقال: دمغتني وبلغني عن يحيى بن معين قال كل من خالف سفيان فالقول قول سفيان. حدثنا أحمد بن حنبل أخبرنا وكيع عن شعبة قال كان سفيان أحفظ مني انتهى. وقال المنذري في تلخيص السنن: وقال أبو أحمد الكرابيسي أو صفوان مالك بن عميرة ويقال سويد بن قيس باع من النبي صلى الله عليه وسلم فارجح له وقال أبو عمر النمري: أبو صفوان مالك بن عميرة ويقال سويد بن قيس وذكر له هذا الحديث وهذا يدل على أنه عندهما رجل واحد كنيته أبو صفوان واختلف في اسمه انتهى .

(4/533)


باب ماجاء في إنظار المعسر والرفق به
...
65 ـ باب مَا جَاء في إنْظَارِ المُعْسِرِ وَالرّفْق بِه
1324 ـ حدثنا أبو كُرَيْبٍ. حدّثَنَا إسْحَاقُ بنُ سُلَيْمانَ الرّازِيّ عنْ دَاوُدَ بنِ قَيْسٍ، عَنْ زَيْدِ بنْ أسْلَمَ، عَنْ أبي صَالِحٍ، عَنْ أبي هُرَيْرَةَ قالَ: قَالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم "مَنْ أنْظَرَ مُعْسِراً أوْ وَضَعَ لَهُ، أظَلّهُ الله يَوْمَ القِيامَةِ تحْتَ ظِلّ عرشِهِ، يَوْمَ لاَ ظِلّ إلاّ ظِلّهُ".
قال وفي البابِ عَنْ أبي اليَسَرِ وأَبي قَتَادَةَ وحُذَيْفَةَ وابنِ مَسْعُودٍ وعُبَادَةَ وجابر.
قال أبو عيسى حديثُ أبي هُرَيْرَةَ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، غرِيبٌ منْ هذَا الوَجْهِ.
1304 ـ حدثنا هَنّادٌ. حَدّثَنَا أبُو مُعَاوِيَةَ عن الأعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنِ أَبي مَسْعُودٍ قالَ: قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم "حُوسِبَ
ـــــــ
باب ما جاء في إنظار المعسر والرفق به
الإنظار التأخير والإمهال والمعسر الفقير قوله: "من أنظر معسراً" أي أمهل مديوناً فقيراً "أو وضع له" أي حط وترك دينه كله أو بعضه "أظله الله يوم القيامة تحت ظل عرشه" أي أوقفه الله تحت ظل عرشه. قوله: "وفي الباب عن أبي اليسر" بفتحتين أخرجه مسلم مرفوعاً بلفظ: من أنظر معسراً أو وضع عنه أظله الله في ظله "وأبي قتادة" أخرجه مسلم مرفوعاً بلفظ: من أنظر معسراً أو وضع عنه أنجاه الله من كرب يوم القيامة. "وحذيفة" أخرجه البخاري "وابن مسعود" أخرجه الترمذي في هذا الباب "وعبادة" لم أقف على حديثه قوله: "حديث أبي هريرة حسن صحيح غريب الخ" ذكر المنذري هذا الحديث في ترغيبه وعزاه للترمذي وحده وقال معنى وضع له أي ترك له شيئاً مما له عليه انتهى. قوله: "عن أبي مسعود" اسمه عقبة بن عمرو بن ثعلب الأنصاري البدري

(4/534)


رَجُلٌ مِمّنْ كانَ قَبْلَكُمْ. فَلَمْ يُوجَدْ لَهُ مِنَ الخَيْرِ شَيْءٌ. إلاّ أنّهُ كانَ رَجُلاً مُوسِراً. وكانَ يُخَالِطُ النّاسَ. وَكانَ يأمُرُ غِلْمَانَهُ أنْ يَتَجَاوَزوا عَنِ المُعْسِر. فَقَالَ الله عز وجل: نَحْنُ أحَقّ بِذَلِكَ مِنْهُ تَجَاوَزُوا عَنْهُ".
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
صحابي جليل رضي الله عنه "إلا أنه كان رجلاً موسراً" أي غنياً ذا مال "يخالط الناس" أي يعامل الناس بالبيع والشراء "أن يتجاوزوا عن المعسر" أي الفقير أي يتسامحوا في الاقتضاء والاستيفاء وقبول ما فيه نقص يسير "بذلك" أي بالتجاوز "تجاوزوا عنه" أي تسامحوا عنه. قوله: "هذا حديث صحيح" وأخرجه مسلم .

(4/535)


باب ماجاء في مطل الغني ظلم
...
66 ـ باب مَا جَاء في مَطْلِ الغْنيّ أنّه ظُلْم
1325 ـ حدثنا مُحَمّدُ بنُ بَشّارٍ. حَدّثَنَا عَبْدُ الرّحْمَنِ بنُ مَهْدِي حدّثنَا سُفْيَانُ، عَنْ أبي الزّنَادِ، عَنِ
الأعْرَجِ، عَنْ أبي هُرَيْرَةَ، عَنِ النبيّ صلى الله عليه وسلم قَالَ "مَطْلُ الْغَنِيّ ظُلْمٌ. وَإذَا أُتْبِعَ أحَدُكُم
ـــــــ
باب مَا جَاء في مَطْلِ الغْنيّ أنّه ظُلْم
قوله: "مطل الغنى" أي تأخيره أداء الدين من وقت إلى وقت بغير عذر "ظلم" فإن المطل منع أداء ما استحق أداؤه وهو حرام من المتمكن ولو كان غنياً ولكنه ليس متمكناً جاز له التأخير إلى الإمكان. ذكره النووي. قال الحافظ: المراد بالغني هنا من قدر على الأداء فأخره ولو كان فقيراً. قال وقوله مطل الغنى هو من إضافة المصدر للفاعل عند الجمهور والمعنى أنه يحرم على الغني القادر أن يمطل بالدين بعد استحقاقه بخلاف العاجز وقيل هو من إضافة المصدر للمفعول والمعنى يجب وفاء الدين ولو كان مستحقه غنياً ولا يكون غناه سبياً لتأخير حقه عنه. وإذا كان كذلك في حق الغنى فهو في الفقير أولى. ولا يخفي بعد هذا التأويل انتهى. "فإذا أتبع" بضم الهمزة القطعية وسكون المثناة الفوقية وكسر الموحدة أي جعل تابعاً للغير بطلب الحق وحاصله إذا أحيل

(4/535)


عَلَى مَلِيّ فَلْيَتْبَعْ". قال أبو عيسى حدِيثُ أبي هُرَيْرَةَ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وَمَعْنَاهُ: إذَا أُحِيلَ أَحَدُكْم عَلَى مَلِيَ فَلْيَتْبَعْ. فقال بَعْضُ أهلِ العِلْمِ: إذَا أُحِيلَ الرّجُلُ عَلَى مَلِي فَاحْتَالَهُ فَقَدْ بَرِئ المُحِيلُ وليْسَ لَهُ أنْ يَرْجِعَ عَلَى المُحِيلِ. وَهُوَ قَوْل الشّافِعِيّ وأحْمَدَ وَإسْحَاقَ. وقَالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: إذَا تَوَى مَالُ هذَا بإفْلاَس المُحَالِ عَلَيْهِ، فَلَهُ أنْ يَرْجِعَ عَلَى الأوّلِ. وَاحتَجُوا بِقَوْلِ عُثمانَ وَغَيْرِهِ حِينَ قَالُوا "لَيْسَ عَلَى مَالِ مُسْلِمٍ تَوى" . قَالَ إسْحَاقُ: مَعْنَى هذَا الحدِيثِ "لَيْسَ عَلَى مَالِ مُسْلِمٍ تَوى" هذَا إذَا أُحِيلَ الرّجُلُ عَلَى آخرَ، وَهُوَ يَرَى أنّهُ مَلِيّ. فإذا هُوَ مُعْدِمٌ، فَلَيْسَ عَلَى مَالِ مُسْلِمٍ تَوى.
ـــــــ
"على ملي" أي غنى. قال في النهاية: المليء بالهمزة الثقة الغني وقد أولع الناس فيه بترك الهمزة وتشديد الياء انتهى. "فليتبع" بفتح الياء وسكون التاء وفتح الموحدة أي فليحتل يعني فليقبل الحوالة. قال الحافظ ابن حجر في الفتح: معنى قوله اتبع فليتبع أي أحيل فليحتل. وقد رواه بهذا اللفظ أحمد قال المشهور في الرواية واللغة كما قال النووي إسكان المثناة في اتبع وفي فليتبع وهو على البناء للمغعول مثل إذا علم فليعلم. وقال القرطبي أما اتبع فبضم الهمزة وسكوت التاء مبنياً لما لم يسم فاعله عند الجميع. وأما فليتبع فالأكثر على التخفيف وقيده بعضهم على التشديد، والأول أجود انتهى. قال الحافظ: وما ادعاه من الاتفاق على اتبع يرده قول الخطابي أن أكثر المحدثين يقولونه بتشديد التاء والصواب التخفيف. قوله: "فقال بعض أهل العلم إذا أحيل الرجل على ملي فاحتاله" أي فقبل ذلك الرجل الحوالة "وليس له" أي للرجل المحتال "أن يرجع إلى المحيل" واستدل على ذلك بأنه لو كان له الرجوع لم يكن لاشتراط الغني فائدة فلما شرط علم أنه انتقل انتقالاً لا رجوع له كما لو عوضه عن دينه بعوض ثم تلف العوض في يد صاحب الدين فليس له رجوع. "وقال بعض أهل العلم إذا توى" كرضى أي هلك "مال هذا" أي المحتال "بإفلاس المحال عليه" أي موته "فله أن يرجع على الأول" أي فللمحتال أن يرجع على المحيل وهو قول الحنفية قالوا يرجع عند التعذر وشبهره بالضمان "واحتجوا بقول عثمان وغيره حين قالوا ليس على مال مسلم توى" على وزن حصى بمعنى الهلاك "وهو يرى أنه ملي" أي الرجل المحتال يظن أن الاَخر المحال عليه غنى "فإذا" للمفاجأة "هو معدم" أي مفلس "فليس على مال مسلم توى" أي هلاك وضياع .

(4/536)


باب ماجاء في المنابذه والملامسة
...
67 ـ باب مَا جَاء في المُلاَمَسَةِ والمُنَابَذَةِ
1326 ـ حدثنا أبُو كُريْبٍ وَ مَحْمُودُ بنُ غَيْلاَنَ قَالاَ: حَدّثنَا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أبي الزّنَادِ، عَنِ الأعْرَجِ، عنْ أبي هُرَيْرَةَ قَالَ نَهَى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عَنْ بَيْعِ المَنابَذَةِ وَالمُلاَمَسَةِ. وفي البابِ عَنْ أبي سَعِيدٍ وَابنِ عُمَرَ. حَديثُ أبي هُرَيْرَةَ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ وَمَعْنَى هذَا الحدِيثِ أنْ يَقُولَ: إذَا نَبَذْتُ إلَيْكَ الشّيْء فَقَدْ وَجَبَ
ـــــــ
باب مَا جَاء في المُلاَمَسَةِ والمُنَابَذَةِ
قوله: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع المنابذة والملامسة" زاد مسلم أما الملامسة فإن يلمس كل واحد منهما ثوب صاحبه بغير تأمل. والمنابذة أن ينبذ كل واحد منهما ثوبه إلى الاَخر ولم ينظر واحد منهما إلى ثوب صاحبه. قوله: "وفي الباب عن أبي سعيد" قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الملامسة والمنابذة في البيع، والملامسة لمس الرجل ثوب الاَخر بيده بالليل أو النهار ولا يقلبه والمنابذة أن ينبذ الرجل إلى الرجل بثوبه وينبذ الاَخر بثوبه ويكون ذلك بيعهما من غير نظر ولا تراض. "وابن عمر رضي الله عنه" لم أقف على حديثه. قوله: "حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح" وأخرجه البخاري ومسلم. قوله: "ومعنى هذا الحديث أن يقول إذا نبذت الخ" قال الحافظ في الفتح: واختلف العلماء في تفسير الملامسة على ثلاث صور هي أوجه للشافعية: أصحها ـ أن يأتي بثوب مطوي أو في ظلمة فيمسه المستام فيقول له صاحب الثوب بعتكه بكذا بشرط أن يقوم لمسك مقام نظرك ولا لا خيار لك إذا رأيته وهذا موافق للتفسير المذكور في الحديث. الثاني ـ أن يجعلا نفس اللمس بيعاً بغير صيغة زائدة. الثالث ـ أن يجعلا اللمس شرطاً في قطع

(4/537)


البَيْعُ يبنِي وَبَيْنَكَ. والمُلامَسَةُ أنْ يَقُولَ: إذَا لَمسْتَ الشّيءَ فَقَد وَجَبَ البَيْعُ، وإنْ كانَ لاَ يَرَى مِنْهُ شَيْئاً. مِثْل مَا يَكُونَ في الجِرابِ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ. وإنّمَا كانَ هذَا مِنْ بُيُوعِ أهْلِ الجَاهِلِيّةِ. فَنَهَى عَنْ ذَلِكَ.
ـــــــ
خيار المجلس وغيره والبيع على التأويلات كلها باطل. قال وأما المنابذة فاختلفوا أيضاً على ثلاثة أقوال وهي أوجه للشافعية: أصحها ـ أن يجعلا نفس النبذبيعاً كما تقدم في الملامسة وهو الموافق للتفسير في الحديث. والثاني ـ أن يجعلا النبذ بيعاً بغير صيغة والثالث ـ أن يجعلا النبذ قاطعاً للخيار. قال واختلفوا في تفسير النبذ فقيل هو طرح الثوب كما وقع تفسيره في الحديث المذكور وقيل هو نبذ الحصاة. والصحيح أنه غيره انتهى كلام الحافظ ملخصاً. قوله: "وإن كان لا يرى" الواو وصلية "منه" أي من الشيء البيع "مثل ما يكون في الجراب" أي مثل المبيع الذي يكون في الجراب وهو بفتح الجيم وكسرها بالفارسية انبان على ما في الصراح وقال في القاموس: الجراب بالكسر ولا يفتح أو لغية فيما حكاه عياض وغيره المزود والوعاء ج جُرُب وأجربة انتهى. "فنهى عن ذلك" والعلة في النهي عنه الغرر والجهالة وإبطال خيار المجلس .

(4/538)


باب ماجاء في السلف في الطعام والتمر
...
68 ـ باب مَا جَاءَ في السّلَفِ في الطعَام والتّمر
1327 ـ حدثنا أحْمَدُ بنُ مَنِيعٍ. حَدّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ ابنِ أبي نجيحٍ، عنْ عَبْدِ الله بْنِ كَثِيرٍ، عَنْ أبي الْمِنْهَالِ، عَنِ ابنِ عَبّاسٍ قَالَ: قَدِمَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم الْمَدِينَةَ وَهُمْ يُسْلِفُونَ في الثّمَر
ـــــــ
باب ما جاء في السلف في الطعام والثمر
السلف بفتحتين السلم وزنا ومعنى. قال الجزري في النهاية السلم هو أن تعطي ذهباً أو فضة في سلعة معلومة إلى أمد معلوم فكأنك قد أسلمت الثمن إلى صاحب السلعة وسلمته إليه انتهى. قلت: فالثمن المعجل يسمي رأس المال والمبيع المؤجل المسلم فيه ومعطي الثمن رب السلم وصاحبه المبيع المسلم إليه. والقياس يأبى عن جواز هذا العقد لأنه داخل تحت بيع ما ليس عنده إلا أنه جوز لورود الأحاديث الصحيحة بذلك. وآية المداينة في سورة البقرة دالة على جوازه كما روى عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قوله: "قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم

(4/538)


فقَالَ "مَنْ أسْلَفَ فَلْيُسْلِفْ في كَيْلٍ مَعْلُومٍ، وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ إلى أجَلٍ مَعْلُومٍ". وفي البابِ عَنِ ابْنِ أبي أوْفَى وَعَبْدِ الرّحْمَنِ بنِ أبْزَى. حَدِيثُ ابنِ عَبّاسٍ حدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أصْحَابِ النبيّ صلى الله عليه وسلم وَغَيْرِهِمْ. أجَازُوا السّلَفَ في الطّعَامَ والثّيَابِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، مِمّا يُعْرَفُ حَدّهُ وَصِفَتُهُ. وَاخْتَلَفُوا
ـــــــ
المدينة" أي من مكة بعد الهجرة "وهم يسلفون في الثمر" الجملة حالية والإسلاف إعطاء الثمن في مبيع إلى مدة أي يعطون الثمن في الحال ويأخذون السلعة في المال. وفي رواية البخاري ومسلم وهم يسلفون في الثمار السنة والسنتين والثلاث كذا في المشكاة "من أسلف فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم" فيه دلالة على وجوب الكيل والوزن وتعيين الأجل في المكيل والموزون وإن جهالة أحدهما مفسدة للبيع. قال النووي في شرح مسلم: فيه جواز السلم وأنه يشترط أن يكون قدره معلوماً بكيل أو وزن أو غيرهما مما يضبط به، فإن كان مذروعاً كالثوب اشترط ذكر ذرعات معلومة. وإن كان معدوداً كالحيوان اشترط ذكر عدد معلوم. ومعنى الحديث أنه إن أسلم في مكيل فليكن كيله معلوماً، وإن كان موزوناً فليكن وزنه معلوماً وإن كان مؤجلاً فليكن أجله معلوماً. ولا يلزم من هذا اشتراط كون السلم مؤجلاً بل يجوز حالاً لأنه إذا جاز مؤجلاً مع الغرر فجواز الحال أولى لأنه أبعد من الغرر، وليس ذكر الأجل في الحديث لاشتراط الأجل بل معناه: إن كان أجل فليكن معلوماً. وقد اختلف العلماء في جواز السلم الحال مع إجماعهم على جواز المؤجل فجوز الحال الشافعي وآخرون ومنعه مالك وأبو حنيفة وآخرون، وأجمعوا على اشتراط وصفه بما يضبطه به انتهى كلام النووي. قوله: "قال" أي أبو عيسى "وفي الباب عن ابن أبي أوفى وعبد الرحمن ابن أبزى" قالا: كنا نصيب المغانم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان يأتينا أنباط من أنباط الشام فنسلفهم في الحنطة والشعير والزبيب، وفي رواية: والزيت إلى أجل مسمى قيل: أكان لهم زرع؟ قالا: ما كنا نسألهم عن ذلك أخرجه البخاري. قوله: "حديث ابن عباس حديث حسن صحيح"

(4/539)


في السّلَمِ في الْحَيَوانِ. فَرَأى بَعْضُ أهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أصْحَاب النبيّ صلى الله عليه وسلم وَغَيْرِهِمْ السّلَمَ في الْحَيَوانِ جَائِزاً وهُوَ قَوْلُ الشّافِعيّ وأحْمَدَ وإسْحَاقَ. وَكَرِهَ بَعْضُ أهْلِ الْعِلْمِ مِن أصْحَابِ النبيّ صلى الله عليه وسلم وَغَيْرِهم ـ السّلّم في الْحَيوَانِ. وهُو قَوْلُ سُفْيانَ وأهْلِ الْكُوفةِ
ـــــــ
أخرجه الجماعة قوله: "فرأى بعض أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم السلم في الحيوان جائزاً، وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق" واحتجوا بما أخرجه أحمد وأبو داود والحاكم عند عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره أن يجهز جيشاً فنفدت الإبل فأمره أن يأخذ من قلائص الصدقة فكان يأخذ البعير بالبعيرين إلى إبل الصدقة قال الحافظ في الدراية: وفي إسناده اختلاف لكن أخرج البيهقي من وجه آخر قوى عن عبد الله بن عمرو نحوه انتهى. "وكره بعض أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم السلم في الحيوان. وهو قول سفيان الثوري وأهل الكوفة" واحتجوا بما أخرجه الحاكم في المستدرك والدارقطني في سننه عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن السلف في الحيوان. قال الزيلعي في نصب الراية: قال الحاكم حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه انتهى. قال صاحب التنقيح وإسحاق بن إبراهيم بن جوفي: قال فيه ابن حبان منكر الحديث جداً يأتي عن الثقات بالموضوعات لا يحل كتب حديثه إلا على جهة التعجب. وقال الحاكم: روى أحاديث موضوعة انتهى. واحتجوا أيضاً بما روى محمد بن الحسن في الآثار عن أبي حنيفة عن حماد عن إبراهيم عن عبد الله بن مسعود أنه قال: لا تسلمن ما لنا في شيء من الحيوان وهو موقوف وفيه قصة قال الحافظ الزيلعي: قال في التنقيح: فيه انقطاع انتهى .

(4/540)


باب ماجاء في أرض المشترك يريد بعضهم بيع نصيبه
...
69 ـ باب مَا جَاءَ في أرْضِ الْمُشترَكِ يُرِيدُ بَعْضُهُمْ بَيْعَ نصِيبه
1328 ـ حدثنا عَلِيّ بنُ خَشْرَمٍ. حدّثنَا عِيسَى بنُ يُونُسَ، عنْ سَعِيدٍ، عنْ قَتَادَةَ، عنْ سُلَيمانَ الْيَشْكُرِيّ، عنْ جَابِر بنِ عَبْدِ الله أنّ
ـــــــ
باب مَا جَاءَ في أرْضِ الْمُشترَكِ يُرِيدُ بَعْضُهُمْ بَيْعَ نصِيبه
قوله: "عن سليمان اليشكرى" بفتح التحتية وسكون الشين المعجمة وضم

(4/540)


نبِيّ الله صلى الله عليه وسلم قالَ "مَنْ كانَ لَهُ شَرِيكٌ في حَائِطٍ، فَلاَ يَبِيعُ نَصِيبَهُ مِنْ ذلِكَ حَتّى يَعْرِضَهُ على شَرِيكهِ". هذا حديثٌ إسْنَادُهُ لَيْسَ بِمُتّصل سَمِعْتُ مُحَمّداً يَقُولُ: سُلَيْمَانُ اليَشْكُرِيّ، يُقَالُ إِنّهُ مَاتَ في حَيَاةِ جَابِرِ بنِ عَبْدِ الله. قالَ: وَلَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ قَتَادَةُ وَلاَ أبو بِشْرٍ. قالَ مُحَمّدٌ:
ـــــــ
الكاف هو سليمان بن قيس ثقة قال أبو داود: مات في فتنة ابن الزبير. قوله: "من كان له شريك في حائط" أي بستان "من ذلك" أي من ذلك الحائط "حتى يعرضه على شريط" وفي رواية مسلم. لا يحل له أن يبيع حتى يؤذن شريكه فإن شاء أخذ وإن شاء ترك فإذا باع ولم يؤذنه فهو أحق به انتهى. قال النووي وهذا محمول عندنا على الندب إلى إعلامه وكراهة بيعه قبل إعلامه كراهة تنزيه وليس بحرام. ويتأولون الحديث على هذا ويصدق على المكروه أنه ليس بحلال. ويكون الحلال بمعنى المباح وهو مستوى الطرفين والمكروه ليس بمباح مستوى الطرفين بل هو راجح الترك. واختلف العلماء فيما لو أعلم الشريك بالبيع فأذن فيه فباع ثم أراد الشريك أن يأخذ بالشفعة. فقال الشافعي ومالك وأبو حنيفة وأصحابهم وعثمان البتي وابن أبي ليلى وغيرهم له أن يأخذ بالشفعة وقال الحكم والثوري وأبو عبيد وطائفة من أهل الحديث ليس له الأخذ. وعن أحمد روايتان كالمذهبين انتهى كلام النووي. قال الشوكاني في النيل متعقباً على من قال إنه يصدق على المكروه، إنه ليس بحلال ما لفظه: هذا إنما يتم إذا كان اسم الحلال مختصاً بما كان مباحاً أو مندوباً أو واجباً وهو ممنوع. فإن المكروه من أقسام الحلال. وقال فيه قال في شرح الإرشاد: الحديث يقتضي أنه يحرم البيع قبل العرض على الشريك. قال ابن الرفعة: ولم أظفر به عن أحد من أصحابنا ولا محيد عنه. وقد قال الشافعي: إذا صح الحديث فاضربوا بقولي عرض الحائط. قوله: "هذا حديث ليس إسناده بمتصل" وأخرجه مسلم بسند آخر متصل صحيح ولفظه: من كان له شريك في ربعة أو نخل فليس له أن يبيع حتى يؤذن شريكه. فإن رضي أخذ وإن كره ترك، وفي رواية له: لا يحل له أن يبيع حتى يؤذن شريكه. وفي رواية أخرى له: لا يصلح أن يبيع حتى يعرض على شريكه. "ولم يسمع منه" أي من سليمان اليشكري "قتادة ولا أبو بشر" قال الخزرجي في الخلاصة: سليمان بن قيس اليشكري عن جابر

(4/541)


وَلاَ نَعْرِف لأَحَدٍ مِنْهُمْ سَمَاعاً مِنْ سُلَيمانَ الْيَشْكُرِيّ. إلاّ أَنْ يَكُونَ عَمْرو بنُ دِينَارٍ. فَلَعَلّهُ سَمِعَ مِنْهُ في حَيَاةِ جَابِرِ بنِ عَبْدِ الله. قالَ: وَإنمَا يُحَدّثُ قَتَادَةُ عنْ صَحِيفَةِ سُلَيمانَ الْيَشْكُرِيّ. وَكَانَ لَهُ كِتَاب عنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِ الله حدثنل أبو بكر العطّار عبد القدوس قال: عَلِيّ بنُ الْمَدِينِيّ: قالَ يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ: قالَ سُلَيْمَانُ التّيْمِيّ: ذَهَبُوا بِصَحِيفَةِ جَابِرِ بنِ عَبْدِ الله إلَى الْحَسَنِ الْبَصْرِيّ فَأَخَذَهَا، أَوْ قالَ فَرَوَاهَا. وذهَبُوا بِهَا إلَى قَتَادَةَ فَرَوَاهَا. وأَتوني بهَا فَلَمْ أردهَا يقول رددتها.
ـــــــ
وأبي سعيد. وعنه عمرو بن دينار وأرسل عنه قتادة وأبو بشر قال النسائي ثقة انتهى. "ولا نعرف لأحد منهم" أي ممن روى عن سليمان اليشكري "ولعله" أي لعل عمرو بن دينار "سمع منه" أي من سليمان اليشكري .

(4/542)


باب ماجاء في المخابرة والمعاومة
...
70 ـ باب مَا جَاءَ في المُخَابَرَة والمُعَاوَمة
1329 ـ حدثنا محمد بنُ بَشّارٍ. حدّثنَا عَبْدُ الْوَهّابِ الثَقَفِيّ. حدّثنَا أَيّوبُ عنْ أبي الزّبَيْرِ، عنْ جَابِرٍ
أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم نَهَى عَنِ المُحَاقَلَةِ والمُزَابَنَةِ والمُخَابَرَةِ والمُعَاوَمة. ورَخّصَ في الْعَرايَا. هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
باب مَا جَاءَ في المُخَابَرَة والمُعَاوَمة
قوله: "نهى عن المحاقلة والمزابنة" أما المحاقلة والمزابنة فقد تقدم معانيهما في باب النهي عن المحاقلة والمزابنة. وأما المخابرة فقد تقدم معناها في باب النهي عن الثنيا "والمعاومة" مفاعلة من العام، كالمسانهة من السنة والمشاهرة من الشهر. قال الجزري في النهاية: هي بيع ثمر النخل أو الشجر سنتين أو ثلاثاً فصاعداً قبل أن تظهر ثماره. وهذا البيع باطل لأنه بيع ما لم يخلق فهو كبيع الولد قبل أن يخلق "ورخص في العرايا" تقدم تفسير العرايا في باب العرايا. قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه مسلم .

(4/542)


71 ـ باب
1330 ـ حدثنا مُحَمّدُ بنُ بَشّارٍ. حدّثنَا الْحَجّاجُ بنُ مِنْهَالٍ. حدّثنَا حَمّادُ بنُ سَلمَةَ عنْ قَتَادَةَ. و ثَابِتٌ و حُمَيْدٌ عنْ أَنَسٍ، قالَ: غَلاَ السّعْرُ عَلَى عَهْدِ رسول الله صلى الله عليه وسلم. فَقَالُوا: يَا رسولَ الله سَعّرْ لَنَا فقَالَ "إنّ الله هُوَ الْمسَعّرُ الْقَابِضُ الْبَاسِطُ الرّزّاقُ، وإنّي لأَرْجُو أنْ ألْقَى رَبّي وَلَيْسَ أحَدٌ مِنْكُمْ يَطْلُبُنِي بِمَظْلَمِةٍ في دَمٍ ولاَ مَال". هذا حديثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
ـــــــ
باب
قوله: "غلا السعر" بكسر السين وهو بالفارسية نرخ أي ارتفع السعر "سعر لنا" أمر من تسعير وهو أن يأمر السلطان أو نوابه أو كل من ولي من أمور المسلمين أمر أهل السوق أن لا يبيعوا أمتعتهم إلا بسعر كذا فيمنع من الزيادة عليه أو النقصان لمصلحة "إن الله هو المسعر" بتشديد العين المكسورة قال في النهاية: أي أنه هو الذي يرخص الأشياء ويغليها فلا اعتراض لأحد. ولذلك لا يجوز التسعير انتهى. "القابض الباسط" أي مضيق الرزق وغيره على من شاء كيف شاء وموسعه "وليس أحد منكم يطلبني بمظلمة" قال في المجمع مصدر ظلم واسم ما أخذ منك بغير حق وهو بكسر لام وفتحها وقد ينكر الفتح انتهى. وقد استدل بالحديث وما ورد في معناها على تحريم التسعير وأنه مظلمة ووجهه أن الناس مسلطون على أموالهم. والتسعير حجر عليهم. والإمام مأمور برعاية مصلحة المسلمين وليس نظره في مصلحة المشتري برخص الثمن أولى من نظره في مصلحة البائع بتوفير الثمن وإذا تقابل الأمران وجب تمكين الفريقين من الاجتهاد لأنفسهم وإلزام صاحب السلعة أن يبيع بما لا يرضى به مناف لقوله تعالى {إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ} وإلى هذا ذهب جمهور العلماء. وروي عن مالك أنه يجوز للإمام التسعير. وأحاديث الباب ترد عليه وظاهر الأحاديث أنه لا فرق بين حالة الغلاء ولا حالة الرخص، ولا فرق بين المجلوب وغيره وإلى ذلك مال الجمهور. وفي وجه للشافعية جواز التسعير في حالة الغلاء. وظاهر الأحاديث عدم الفرق بين ما كان قوتاً للاَدمى ولغيره من الحيوانات، وبين ما كان من غير ذلك من الإدامات وسائر الأمتعة. قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه أبو داود وابن ماجة والدارمي وأبو يعلى والبزار. قال الحافظ: وإسناده على شرط مسلم، وصححه أيضاً ابن حبان. وفي الباب عن أبي هريرة عند أحمد وأبو داود قال: جاء رجل فقال يا رسول الله سعر. فقال: بل ادعوا الله. ثم جاء آخر فقال: يا رسول الله سعر. فقال بل الله يخفض ويرفع. قال الحافظ: وإسناده حسن. وعن أبي سعيد عند ابن ماجه والبزار والطبراني ورجاله رجال الصحيح، وحسنه الحافظ وعن علي عند البزار نحوه وعن ابن عباس عند الطبراني في الصغير، وعن أبي جحيفة في الكبير كذا في النيل

(4/543)


باب ماجاء في كراهية الغش في البيوع
...
72 ـ باب مَا جَاءَ في كَرَاهِيَةِ الْغِشّ في الْبُيُوع
1331 ـ حدثنا عَلِيّ بنُ حُجْر أخبرنا إسْمَاعِيلُ بنُ جَعْفَرٍ، عنِ الْعَلاَءِ بنِ عَبْدِ الرّحْمَنِ، عنْ أَبيِهِ، عنْ
أبي هُرَيْرَةَ أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم مَرّ عَلَى صُبْرَةٍ مِنْ طَعَامٍ. فَأدْخَلَ يَدَهُ فِيهَا، فَنَالَتْ أصَابِعُهُ بَلَلاً. فَقالَ "يَا صَاحِبَ الطّعامِ مَا هَذَا" قالَ: أصَابَتْهُ السّماءُ، يَا رسولَ الله قالَ "أَفَلاَ جَعَلْتَهُ فَوْقَ الطّعَامِ حَتّى يَرَاهُ النّاسُ"؟ ثمّ
ـــــــ
باب ما جاء في كراهية الغش في البيوع
قال في النهاية: الغش ضد النصح من الغشش وهو المشرب لكدر انتهى. وقال في القاموس: غشه لم يمحضه النصح أو أظهر له خلاف ما أضمر كغششه والغش بالكسر الاسم منه انتهى. وقال في الصراح: غش بالكسر خيانت كردن
قوله: "مر على صبرة" بضم الصاد المهملة وسكون الموحدة ما جمع من الطعام بلا كيل ووزن كذا في القاموس، وقال في النهاية: الصبرة الطعام المجتمع كالكومة وجمعها صبر "من طعام" المراد من الطعام جنس الحبوب المأكول "فأدخل يده فيها" أي في الصبرة "فنالت" أي أدركت "بللا" بفتح الموحدة واللام "قال أصابته السماء" أي المطر لأنها مكانه وهو نازل منها قال الشاعر:

(4/544)


قالَ: "مَنْ غَشّ فَلَيْسَ مِنّا". وفي البابِ عنِ ابْنِ عُمَرَ وأبي الحَمْرَاءِ وابنِ عَبّاس وبُرَيْدَةَ وأبي بُرْدَة بنِ نِيَارٍ وَحُذَيْفَةَ بنِ الْيَمانِ. حديثُ أبي هُرَيْرَةَ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. والْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أهلِ الْعِلْمِ. كَرهُوا الْغِشّ، وَقَالُوا الْغِشّ حَرَامٌ.
ـــــــ
إذا نزل السماء بأرض قوم. رعيناه وإن كانوا غضاباً "من غش أمتي ليس مني" وفي رواية مسلم فليس مني. قال النووي: كذا في الأصول ومعناه ممن اهتدى بهديي واقتدى بعلمي وعلمي وحسن طريقتي كما يقول الرجل إذا لم يرض فعله لست مني. وهكذا في نظائره مثل قوله: من حمل علينا السلاح فليس منا. وكان سفيان بن عيينة يكره تفسير مثل هذا أو يقول: بئس مثل القول، بل يمسك عن تأويله ليكون أوقع في النفوس وأبلغ في الزجر انتهى. وهو يدل على تحريم الغش وهو مجمع عليه. قوله: "وفي الباب عن ابن عمر رضي الله عنه" أخرجه أحمد والدارمي "وأبي الحمراء" أخرجه ابن ماج وابن عباس وبريرة لينظر من أخرج حديثهما "وأبي بردة بن نيار" أخرجه أحمد "وحذيفة بن اليمان" لم أقف على حديثه "حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح" أخرجه الجماعة إلا البخاري والنسائي .

(4/545)


باب ماجاء في استقراض البصير أو الشيء من الحيوان
...
73 ـ باب مَا جَاءَ في اسْتِقْرَاضِ الْبَعِيرِ أوِ الْشّيْءِ مِنَ الْحَيَوانِ
1332 ـ حدثنا أبُو كُرَيبٍ. حدّثنَا وَكِيعٌ عنْ عَلِيّ بنِ صَالِحٍ، عَنْ سَلَمَةَ بنِ كُهَيْلٍ، عن أبي سَلَمَةَ، عنْ أبي هُرَيْرَةَ قالَ: اسْتَقْرَضَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم سنا فأَعْطَاه سِنا خَيْراً مِنْ سِنّهِ وقالَ: "خِيَارُكُمْ أحَاسِنُكُمْ قَضَاءً". وفي البابِ عنْ أبي رَافِعٍ. قال أبو عيسى حديثُ أبي هُرَيْرَةَ حديثٌ
ـــــــ
باب ما جاء في استقراض البعير أو الشيء من الحيوان
أي غير البعير. قوله: "استقرض رسول الله صلى الله عليه وسلم" أي من رجل "سنا" أي جملا له سن معين "فأعطى" وفي نسخة فأعطاه "سنا خير من سنه" أي من سن الرجل الذي استقرض منه قوله: "وفي الباب عن أبي رافع" أخرجه

(4/545)


حسنٌ صحيحٌ. وَقَدْ رَوَاهُ شُعْبَةُ وسُفْيَانَ عنْ سَلَمَةَ. والعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ بَعْضِ أهْلِ الْعِلمِ. لَمْ يَرَوْا بِاسْتَقْرَاضِ السّنّ بأْساً مِنَ الاْبِل. وهُو قَولُ الشّافعيّ وأَحمدَ وإسْحاقَ. وكَرِهَ بَعْضُهُمْ ذَلِكَ.
ـــــــ
مسلم والترمذي في هذا الباب. قوله: "حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح" وأخرجه البخاري ومسلم. قوله: "والعمل على هذا عند بعض أهل العلم لم يروا باستقراض السن بأساً من الإبل. وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق" قال الحافظ وهو قول أكثر أهل العلم انتهى. وقال النووي في شرح مسلم: وفي الحديث جواز اقتراض الحيوان. وفيه ثلاثة مذاهب: مذهب الشافعي ومالك وجماهير العلماء من السلف والخلف ـ إنه يجوز قرض جميع الحيوان إلا الجارية لمن يملك وطيها فإنه لا يجوز. ويجوز إقراضها لمن لا يملك وطيها كمحارمها والمرأة والخنثى. والمذهب الثاني ـ مذهب المزني وابن جرير وداود ـ أنه يجوز قرض الجارية وسائر الحيوان لكل واحد. والثالث مذهب أبي حنيفة والكوفيين ـ أنه لا يجوز قرض شيء من الحيوان. وهذه الأحاديث ترد عليهم ولا تقبل دعواهم النسخ بغير دليل انتهى كلام النووي. قلت جواز اقتراض الحيوان هو الراجح يدل عليه أحاديث الباب "وكره بعضهم ذلك" وهو قول الثوري وأبي حنيفة رحمه الله، واحتجوا بحديث النهي عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة وهو حديث قد روي عن ابن عباس مرفوعاً، أخرجه ابن حبان والدارقطني وغيرهما ورجال إسناده ثقات إلا أن الحفاظ رجحوا إرساله، وأخرجه الترمذي من حديث الحسن عن سمرة، وفي سماع الحسن من سمرة اختلاف وفي الجملة هو حديث صالح للحجة. وادعى الطحاوي أنه ناسخ لحديث الباب. وتعقب بأن النسخ لا يثبت بالاحتمال. والجمع بين الحديثين ممكن فقد جمع بينهما الشافعي وجماعة بحمل النهي على ما إذا كان نسيئة من الجانبين ويتعين المصير إلى ذلك، لأن الجمع بين الحديثين أولى من إلغاء أحدهما باتفاق، وإذا كان ذلك المراد من الحديث بقيت الدلالة على جواز استقراض الحيوان والسلم فيه. واعتل من منع بأن الحيوان يختلف اختلافاً متبايناً حتى لا يوقف على حقيقة المثلية فيه. وأجيب بأنه لا مانع من الإحاطة به بالوصف بما يدفع التغاير، وقد جوز الحنفية التزويج والكتابة على الرقيق الموصوف بالذمة كذا في الفتح.

(4/546)


1333 ـ حدثنا مُحَمّدُ بنُ المُثَنّى. حَدثنَا وَهْبُ بنُ جَرِيرٍ. حدّثنَا شُعْبَةُ عنْ سَلَمَةَ بنِ كُهَيْلٍ، عنْ أبي سَلمَةَ عن أبي هُريْرَةَ أنّ رَجُلاً تَقَاضَى رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم فَأَغْلَظَ لَهُ، فَهَمّ بِهِ أصْحَابُهُ. فقَالَ رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "دَعُوهُ، فَإِنّ لِصَاحِبِ الْحَقّ مَقَالاً" و قال َ
ـــــــ
تنبيه: قال صاحب العرف الشذي: قال أبو حنيفة لا يجوز القرض إلا في المكيل أو الموزون، قال ولنا حديث النهي عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة، وإن قيل هذا الحديث في البيع لا القرض يقال إن مناطهما واحد انتهى. قلت قد رد هذا الجواب بأن الحنطة لا يباع بعضها ببعض نسيئة وقرضها جائز فكذلك الحيوان لا يجوز بيع بعضه ببعض نسيئة وقرضه جائز، وقد عرفت أن هذا الحديث محمول على ما إذا كانت النسيئة من الجانبين جمعاً بين الأحاديث. قال ومحمل حديث الباب عندي أنه اشترى البعير بثمل مؤجل ثم أعطى إبلاً بدل ذا الثمن بغير الراوي بهذا انتهى كلامه. قلت: تأويله هذا مردود عليه يرده لفظ استقرض في حديث أبي هريرة المذكور في الباب. قوله: "أن رجلاً تقاضى رسول الله صلى الله عليه وسلم" أي طلب منه قضاء الدين، وفي رواية للبخاري: كان لرجل على النبي صلى الله عليه وسلم سن من الإبل فجاءه يتقاضاه. ولأحمد عن عبد الرزاق عن سفيان: جاء أعرابي يتقاضى النبي صلى الله عليه وسلم بعيراً "فأغلظ له" أي فعنف له صلى الله عليه وسلم: قال النووي: الإغلاظ محمول على التشديد في المطالبة من غير أن يكون هناك قدح فيه ويحتمل أن يكون القائل كافراً من اليهود أو غيرهم انتهى. قال الحافظ: والأول أظهر لرواية أحمد أنه كان أعرابياً وكأنه جرى على عادته من جفاء المخاطبة "فهم به أصحابه" أي أراد أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن يؤذوه بالقول أو الفعل، لكن لم يفعلوا أدباً مع النبي صلى الله عليه وسلم. "دعوه" أي اتركوه ولا تزجروه "فإن لصاحب الحق مقالاً" أي صولة الطلب وقوة الحجة لكن مع مراعاة الأدب المشروع. قال ابن الملك: المراد بالحق هنا الدين أي من كان له على غريمه حق فماطله فله أن يشكوه ويرافعه إلى الحاكم ويعاتب عليه وهو المراد بالمقال كذا في شرح المشارق.

(4/547)


"اشْتَرُوا لَهُ بَعِيراً، فَأَعْطُوهُ إيّاهُ" فَطَلَبُوهُ فَلَمْ يَجِدُوا إلاّ سِنّا أفْضَلَ مِنْ سِنّهِ. فَقَالَ: "اشْتَرُوهُ فَأَعْطوهُ إيّاهُ.
فَإِنّ خيْرَكمْ أَحْسَنُكُم قَضَاءً".
1334 ـ حدثنا مُحَمّدُ بنُ بَشّارٍ. حدّثَنا مُحَمّدُ بنُ جَعْفَرٍ. حدّثنا شُعْبَةُ عن سَلمَةَ بنِ كُهَيْلٍ، نَحْوَهُ.
قال أبو عيسى هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
1335 ـ حدثنا عَبْدُ بنُ حُمَيْدٍ. حَدّثَنا رَوْحُ بنُ عُبَادَةَ. حَدّثَنَا مَالِكُ بنُ أنَسٍ عَنْ زَيْدِ بنِ أسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بنِ يَسَارٍ، عَنْ أبي رَافِعٍ مَوْلَى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: اسْتَسْلَفَ رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم بَكْراً. فَجَاءَتْهُ إبِلٌ مِنَ الصَدَقَةِ. قَالَ أبُو رَافِعٍ. فأَمَرَنِي رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم أنْ أقْضِي الرّجُلَ بَكْرَهُ. فَقلت: لاَ أَجِدُ في الإبِلِ إلاّ جَمَلاً خِيَاراً رَبَاعِياً. فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "أعْطِهِ إيّاهُ. فإنّ خِيَارَ النّاسِ أحْسَنُهُمْ قَضَاءً". هذا حديثٌ حسن صحيحٌ.
ـــــــ
"اشتروا له بعيراً" قال الحافظ وفي رواية عبد الرزاق: التمسوا له مثل سن بعيره "فلم يجدوا إلا سناً أفضل من سنه" لأن بعيره كان صغيراً والموجود كان رباعياً خياراً كما في رواية أبي رافع الاَتية "فإن خيركم أحسنكم قضاء" فيه جواز وفاء ما هو أفضل من المثل المقترض إذا لم تقع شرطية ذلك في العقد فيحرم حينئذ اتفاقاً وبه قال الجمهور وعن المالكية تفصيل في الزيادة إن كانت بالعدد منعت وإن كانت بالوصف جازت. قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان.
قوله: "حدثنا روح بن عبادة" ابن العلاء أبو محمد البصري ثقة فاضل له تصانيف من التاسعة. قوله: "استسلف" أي استقرض "بكراً" بفتح الباء وسكون الكاف أي شاباً من الإبل قال في النهاية: البكر بالفتح الفتى من الإبل بمنزلة الغلام من الناس، والأنثى بكرة وقد يستعار للناس انتهى. "فجاءته إبل من الصدقة" أي قطعة إبل من إبل الصدقة "إلا جملاً خياراً" قال في النهاية يقال جمل خيار وناقة خيار أي مختار ومختارة "رباعياً" بفتح الراء وتخفيف الباء الموحدة والياء المثناة التحتانية، وهو من الإبل ما أتى عليه ست سنين ودخل في السابعة حين طلعت رباعيته "اعطه إياه فإن خيار الناس الخ" قال النووي هذا مما يستشكل فيقال كيف قضى من إبل الصدقة أجود من الذي يستحقه الغريم؟ مع أن الناظر في الصدقات لا يجوز تبرعه منها. والجواب أنه صلى الله عليه وسلم اقترض لنفسه فلما جاءت إبل الصدقة اشترى منها بعيراً رباعياً ممن استحقه فملكه النبي صلى الله عليه وسلم بثمنه وأوفاه متبرعاً بالزيادة من ماله، ويدل على ما ذكرناه رواية أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "اشتروا له سناً". فهذا هو الجواب المعتمد وقد قيل في أجوبته غيره منها أن المقترض كان بعض المحتاجين اقترض لنفسه فأعطاه من الصدقة حين جاءت وأمره بالقضاء انتهى. قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه مسلم وروى ابن ماجه عن عرباض ابن سارية الجملة الأخيرة بلفظ: خير الناس خيرهم قضاء .

(4/548)


73 ـ باب
1336 ـ حدثنا أبُو كُرَيْبٍ. حَدّثَنَا إسْحاقُ بنُ سُلَيْمانَ الرازي عَنْ مُغِيرَةَ بنِ مُسْلِمٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنْ الْحَسَنِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: "إن الله يُحِبّ سَمْحَ الْبَيْعِ، سَمْحَ الشّرَاءِ. سَمْحَ الْقَضَاءِ". قال وفي الباب عن جابر. هذا حديثٌ غَرِيبٌ. وَقَدْ رَوَى بَعْضُهمْ هَذَا الْحَدِيثَ عن يُونُسَ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيّ، عَنْ أبي هُرَيْرَةَ.
1337 ـ حدثنا عَبّاسٌ الدّورِي حَدّثَنَا عَبْدُ الْوَهّابِ بنُ عَطَاءِ أخبرنا إسْرَائِيلُ، عَنْ زَيْدِ بنِ عَطَاءٍ بنِ السّائِب، عَنْ مُحَمّدِ بن المُنْكَدِرِ عَنْ جَابِرِ قَالَ: قال رَسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "غَفَرَ الله لِرَجُلٍ كان قَبْلَكُمْ. كانَ سَهْلاً إذَا بَاعَ. سَهْلاً إذَا اشْتَرَى. سَهْلاً إذَا اقْتَضَى".
ـــــــ
باب
قوله: "إن الله يحب سمح البيع" بفتح السين وسكون الميم أي سهلاً في البيع وجواداً يتجاوز عن بعض حقه إذا باع. قال الحافظ: السمح الجواد يقال سمح بكذا إذا جاد والمراد هنا المساهلة "سمح الشراء سمح القضاء" أي التقاضي لشرف نفسه وحسن خلقه بما ظهر من قطع علاقة قلبه بالمال. قاله المناوي. وللنسائي من حديث عثمان رفعه: أدخل الله الجنة رجلاً كان سهلاً مشترياً وبايعاً وقاضياً ومقتضياً. ولأحمد من حديث عبد الله بن عمرو ونحوه. قوله: "هذا حديث غريب"

(4/549)


قال هذا حديثٌ صَحِيحٌ حَسَنٌ غريب مِنْ هَذَا الْوَجْهِ.
ـــــــ
وأخرجه الحاكم في المستدرك وقال صحيح. قال المناوي في شرح الجامع الصغير: وأقروه.
قوله: "غفر الله لرجل كان قبلكم كان سهلاً الخ" قال المناوي: فيه حث لنا على التأسي بذلك لعل الله أن يغفر لنا "إذا اقتضى" أي إذا طلب ديناً له على غريم يطلبه بالرفق واللطلف لا بالخرق والعنف. قوله: "هذا حديث غريب صحيح حسن من هذا الوجه" ورواه أحمد والبيهقي قال المناوي في شرح الجامع الصغير: ذكر الترمذي أنه سئل عنه البخاري فقال حسن انتهى. ورواه البخاري في صحيحه من طريق علي بن عياش عن محمد بن مطرف عن محمد بن المنكدر عن جابر بلفظ: رحم الله رجلاً سمحاً إذا باع وإذا اشترى وإذا اقتضى .

(4/550)


75 ـ باب النّهْيِ عنْ الْبَيْعِ في المَسْجِد
1338 ـ حدثنا الْحَسَنُ بنُ عَلِي الْخَلاّلُ. حَدّثنَا عارِمٌ. حَدّثنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بنُ مُحَمّدٍ. أخبرنا يَزِيدُ بنُ خُصَيْفَةَ، عَنْ مُحَمّدِ بْنِ عَبْدِ الرّحْمَنِ بنِ ثَوْبَانَ، عَنْ أبي هُرَيْرَةَ أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: "إذَا رَأَيْتُمْ مَنْ يَبِيعُ أوْ يبْتَاعُ في الْمَسْجِدِ، فَقُولُوا: لاَ أَرْبَحَ الله تِجَارَتَكَ. وَإِذَا رَأَيْتُمْ مَنْ يَنْشُدُ فِيهِ ضَالّة فَقُولوا: لا ردّ الله عَلَيْكَ".
ـــــــ
باب النّهْيِ عنْ الْبَيْعِ في المَسْجِد
قوله: "وإذا رأيتم من يبيع أو يبتاع" أي يشتري قال القاري: حذف المفعول يدل على العموم فيشمل ثوب الكعبة والمصاحف والكتب والسبح "فقولوا" أي لكل منهما باللسان جهراً أو بالقلب سراً. قاله القاري. قلت: الظاهر أن يكون القول باللسان جهراً ويدل عليه حديث بريدة الاَتي "لا أربح الله تجارتك" دعاه عليه أي لا جعل الله تجارتك ذات ربح ونفع. ولو قال لهما معاً لا أربح الله تجارتكما جاز لحصول المقصود "وإذا رأيتم من ينشد" بوزن يطلب ومعناه أي يطلب برفع الصوت "فيه" أي في المسجد "ضالة" قال في النهاية: الضالة هي الضائعة من كل ما يقتني من الحيوان وغيره يقال ضل الشيء إذا ضاع، وضل عن

(4/550)


حديِثُ أبي هُرَيْرَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ. كَرِهُوا البَيْعَ وَالشّرَاءَ في الْمَسْجِدِ. وَهُوَ قَوْلُ أحْمد وَإِسْحَاقَ. وَقَدْ رَخّصَ بَعَضُ أَهْلِ الْعِلْمِ، في الْبَيْعِ وَالشّرَاءِ في الْمَسْجِدِ.
ـــــــ
الطريق إذا حار. وهي في الأصل فاعلة ثم اتسع فيها فصارت من الصفات الغالبة وتقع على الذكر والأنثى والاثنين والجمع وتجمع على ضوال انتهى. "فقولوا لا ردها الله عليك" وروى مسلم عن أبي هريرة مرفوعاً بلفظ: من سمع رجلاً ينشد ضالة في المسجد فليقل لا ردها الله عليك لأن المساجد لم تبن لهذا. وعن بريدة أن رجلاً نشد في المسجد فقال من دعا إلى الجمل الأحمر فقال النبي صلى الله عليه وسلم لا وجدت إنما بنيت المساجد لما بنيت له. قال النووي في هذين الحديثين فوائد: منها ـ النهي عن نشد الضالة في المسجد ويلحق به ما في معناه من البيع والشراء والإجارة ونحوها من العقود وكراهة رفع الصوت فيه. قال القاضي: قال مالك وجماعة من العلماء يكره رفع الصوت في المسجد بالعلم وغيره. وأجاز أبو حنيفة ومحمد بن مسلمة من أصحاب مالك رفع الصوت فيه بالعلم والخصومة وغير ذلك مما يحتاج إليه الناس لأنه مجمعهم ولا بدلهم منه انتهى. قوله: "حديث أبي هريرة حديث حسن غريب" وأخرجه الدارمي وأحمد والنسائي في اليوم والليلة، وابن خزيمة والحاكم وقال صحيح على شرط مسلم. ذكره ميرك وقد عرفت أن مسلماً قد أخرج الشطر الثاني من هذا الحديث. قوله: "والعمل على هذا عند بعض أهل العلم كرهوا البيع والشراء في المسجد" وهو الحق لأحاديث الباب "وقد رخص بعض أهل العلم في البيع والشراء في المسجد" لم أقف على دليل يدل على الرخصة وأحاديث الباب حجة على من رخص

(4/551)