Contents

الواجهة
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد
مقدمة
باب الألف
باب الثاء
باب الجيم
باب الحاء
باب الخاء
باب الدال
باب الراء
باب الزاي
تابع باب الزاء
تابع لحرف الزاء
تابع لحرف الزاء
باب الطاء
باب الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع حرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
باب النون
باب الصاد
باب الضاد
باب العين
تابع لحرف العين
تابع حرف العين
تابع لحرف العين
تابع لحرف العين
باب القاف
باب السين
باب الشين
باب الهاء
باب الواو
باب الياء
تابع باب الياء
باب الكني
باب بلاغات مالك ومرسلاته
باب مافي هذا الديوان من حديث مالك الذي ثبتت عليه أبوابه خاصة
الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج
الديباج - جزء 1
الديباج - جزء 2
الديباج - جزء 3
الديباج - جزء 4
الديباج - جزء 5
الديباج - جزء 6
المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج
المنهاج - مقدمة
المنهاج - الإيمان
المنهاج - الطهارة
المنهاج - الحيض
المنهاج - الصَّلَاة
المنهاج - المساجد ومواضع الصلاة
المنهاج - صلاة المسافرين وقصرها
المنهاج - بَاب صَلَاة الْجُمُعَة
المنهاج - بَاب صَلَاة الْعِيدَيْنِ
المنهاج - بَاب الدُّعَاء فِي صَلَاة الِاسْتِسْقَاء
المنهاج - بَاب صَلَاة الْكُسُوف
المنهاج - كِتَاب الْجَنَائِز
المنهاج - الزكاة
المنهاج - كِتَاب الصِّيَام
المنهاج - كِتَاب الِاعْتِكَاف
المنهاج - كِتَاب الْحَجّ
المنهاج - كِتَاب النِّكَاح
المنهاج - الرضاعة
المنهاج - الطلاق
المنهاج - اللِّعَان
المنهاج - العتق
المنهاج - البيوع
المنهاج - المساقاة
المنهاج - الفرائض
المنهاج - الهبات
المنهاج - الوصية
المنهاج - النذر
المنهاج - الأيمان
المنهاج - القسامة
المنهاج - الحدود
المنهاج - الأقضية
المنهاج - اللقطة
المنهاج - الجهاد والسير
المنهاج - الإمارة
المنهاج - الصيد والذبائح
المنهاج - كِتَاب الْأَضْاحَي
المنهاج - الأشربة
المنهاج - اللباس والزينة
المنهاج - الآداب
المنهاج - السلام
المنهاج - الألفاظ من الأدب وغيرها
المنهاج - الشعر
المنهاج - الرؤيا
المنهاج - الفضائل
المنهاج - فضائل الصحابة
المنهاج - البر والصلة والآداب
المنهاج - القدر
المنهاج - العلم
المنهاج - الذكر والدعاء
المنهاج - التوبة
المنهاج - صفات المنافقين
المنهاج - صفة القيامة والجنة والنار
المنهاج - الجنة وصفة نعيمها وأهلها
المنهاج - الفتن وأشراط الساعة
المنهاج - الزهد والرقائق
المنهاج - التفسير
تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي
أبواب الطهارة
أبواب الصلاة
تابع أبواب الصلاة
أبواب الوتر
أبواب الجمعة
تابع لأبواب الجمعة
أبواب العيدين
أبواب السفر
ابواب الزكاة
أبواب الصوم
أبواب الحج
تابع أبواب الحج
أبواب الجنائز
أبواب النكاح
أبواب الرضاع
أبواب الطلاق واللعان
ابواب البيوع
أبواب الأحكام
أبواب الديات
ابواب الحدود
تابع أبواب الحدود
أبواب الصيد
أبواب الأضاحي
أبواب النذور والأيمان
أبواب السير
أبواب الجهاد
أبواب اللباس
أبواب الأطعمة
أبواب الأشربة
تابع أبواب الأشربة
أبواب البر و الصله عن رسول الله صلى الله عليه و آله سلم
أبواب الطب عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الفرائض عن الرسول صلى الله عليه و سلم
أبواب الوصايا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الولاء و الهبة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب القدر عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم
أبواب الفتن عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الرؤيا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الشهادات عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
تابع لأبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صِفَةُ القِيامَة
أبواب صفة الجنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صفة جهنم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإيمان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب العلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإستئذان والآداب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب العلم
أبواب الأمثال
أبواب فضائل القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب القراءات عن رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم
أبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الدعوات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أحاديث شتى من أبواب الدعوات
المناقب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
مناقب الصحابة رضوان الله عليهم
تنوير الحوالك شرح موطأ مالك
كتاب وقوت الصلاة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب السهو
كتاب الجمعة
كتاب الصلاة في رمضان
كتاب صلاة الليل
كتاب صلاة الجماعة
كتاب قصر الصلاة في السفر
كتاب العيدين
كتاب صلاة الخوف
كتاب صلاة الكسوف
كتاب الاستسقاء
كتاب القبلة
كتاب القرآن
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب الجهاد
كتاب النذور و الأيمان
كتاب الضحايا
كتاب الذبائح
كتاب الصيد
كتاب العقيقة
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الرضاع
كتاب البيوع
كتاب القراض
كتاب المساقاة - كتاب كراء الأرض
كتاب الشفعة - كتاب الأقضية
كتاب الوصية - كتاب العتق والولاء
كتاب المكاتب - كتاب المدبر
كتاب الحدود
كتاب الأشربة - كتاب العقول
كتاب القسامة - كتاب الجامع
كتاب القدر - كتاب حسن الخلق
كتاب اللباس - كتاب صفة النبي
كتاب العين - كتاب الشعر
كتاب الرؤيا - كتاب السلام
كتاب الاستئذان والتشميت والصور والتماثيل وغيرها
كتاب البيعة - كتاب الكلام والعينة والتقى
كتاب جهنم - كتاب الصدقة
كتاب العلم - كتاب دعوة المظلوم - كتاب أسماء النبي
حاشية السندي على سنن ابن ماجة
المقدمة
الطَّهَارَة وَسُنَنهَا
الصلاة
الْأَذَان
المساجد والجماعات
أَبْوَاب إِقَامَة الصَّلَاة
الجنائز
الصوم
الزكاة
النكاح
الطلاق
الكفارات
التجارات
الأحكام
الحدود
الديات
الوصايا
الْفَرَائِض
الجهاد
المناسك
الْأَضَاحِيّ
الذبائح
الصيد
الأطعمة
الأشربة
الطب
اللباس
الْآدَاب
الدُّعَاء
تعبير الرؤيا
الْفِتَن
الزُّهْد
شرح سنن ابن ماجه لمغلطاي
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح رياض الصالحين
شرح رياض الصالحين - 01
شرح رياض الصالحين - 02
شرح رياض الصالحين - 03
شرح رياض الصالحين - 04
شرح سنن أبي داود للعيني
مقدمة التحقيق
كتاب الطهارة
كِتابُ الصَلاَةِ
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
عون المعبود شرح سنن أبي داود
كتاب الطهارة
تابع كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
كتاب الزكاة
تابع لكتاب الزكاة
كتاب اللقطة
كتاب المناسك
تابع لكتاب المناسك
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الصيام
تابع لكتاب الصيام
أول كتاب الجهاد
أول كتاب الضحايا
تابع كتاب الضحايا
أول كتاب الصيد
أول كتاب الوصايا
أول كتاب الفرائض
أول كتاب الخراج والفيء والإمارة
أول كتاب الجنائز
تابع لكتاب الجنائز
كتاب الأيمان والنذور
كتاب البيوع
كتاب الإجارة
كتاب القضاء
تابع لكتاب القضاء
كتاب العلم
كتاب الأشربة
كتاب الأطعمة
كتاب الطب
كتاب الكهانة والتطير
كتاب العتق
أول كتاب الحروف والقراءات
أول كتاب الحمام
أول كتاب اللباس
أول كتاب الترجل
أول كتاب الخاتم
أول كتاب الفتن والملاحم
أول كتاب المهدي
أول كتاب الملاحم
أول كتاب الحدود
أول كتاب الديات
أول كتاب السنة
تابع لكتاب السنة
أول كتاب الأدب
أبواب السلام
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن حجر
فتح الباري - هدي الساري مقدمة فتح الباري
فتح الباري - كتاب بدء الوحي
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب العلم
فتح الباري - كتاب الوضوء
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
فتح الباري - كتاب مواقيت الصلاة
فتح الباري - كتاب الأذان
فتح الباري - كتاب الجمعة
فتح الباري - كتاب الخوف
فتح الباري - كتاب العيدين
فتح الباري - كتاب الوتر
فتح الباري - كتاب الاستسقاء
فتح الباري - كتاب الكسوف
فتح الباري - كتاب سجود القرآن
فتح الباري - كتاب تقصير الصلاة
فتح الباري - كتاب التهجد
فتح الباري - كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة
فتح الباري - كتاب العمل في الصلاة
فتح الباري - كتاب السهو
فتح الباري - كتاب الجنائز
فتح الباري - كتاب الزكاة
فتح الباري - كتاب الحج
فتح الباري - كتاب العمرة
فتح الباري - كتاب المحصر
فتح الباري - كتاب جزاء الصيد
فتح الباري - كتاب فضائل المدينة
فتح الباري - كتاب الصوم
فتح الباري - كتاب صلاة التراويح
فتح الباري - كتاب فضل ليلة القدر
فتح الباري - كتاب الإعتكاف
فتح الباري - كتاب البيوع
فتح الباري - كتاب السلم
فتح الباري - كتاب الشفعة
فتح الباري - كتاب الإجارة
فتح الباري - كتاب الحرث والمزارعة
فتح الباري - كتاب المساقاة
فتح الباري - كتاب الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس
فتح الباري - كتاب الخصومات
فتح الباري - كتاب اللقطة
فتح الباري - كتاب المظالم
فتح الباري - كتاب الشركة
فتح الباري - كتاب الرهن
فتح الباري - كتاب العتق
فتح الباري - كتاب المكاتب
فتح الباري - كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها
فتح الباري - كتاب الشهادات
فتح الباري - كتاب الصلح
فتح الباري - كتاب الشروط
فتح الباري - كتاب الوصايا
فتح الباري - كتاب الجهاد و السير
فتح الباري - كتاب فرض الخمس
فتح الباري - كتاب الجزية و الموادعة
فتح الباري - كتاب بدء الخلق
فتح الباري - كتاب أحاديث الأنبياء
فتح الباري - كتاب المناقب
فتح الباري - كتاب فضائل الصحابة
فتح الباري - كتاب مناقب الأنصار
فتح الباري - كتاب المغازي
فتح الباري - كتاب التفسير
فتح الباري - كتاب فضائل القرآن
فتح الباري - كتاب النكاح
فتح الباري - كتاب الطلاق
فتح الباري - كتاب النفقات
فتح الباري - كتاب الأطعمة
فتح الباري - كتاب العقيقة
فتح الباري - كتاب الذبائح والصيد
فتح الباري - كتاب الأضاحي
فتح الباري - كتاب الأشربة
فتح الباري - كتاب المرضى
فتح الباري - كتاب الطب
فتح الباري - كتاب اللباس
فتح الباري - كتاب الأدب
فتح الباري - كتاب الإستئذان
فتح الباري - كتاب الدعوات
فتح الباري - كتاب الرقاق
فتح الباري - كتاب القدر
فتح الباري - كتاب الأيمان والنذور
فتح الباري - كتاب كفارات الأيمان
فتح الباري - كتاب الفرائض
فتح الباري - كتاب الحدود
فتح الباري - كتاب الديات
فتح الباري - كتاب استتابة المرتدين
فتح الباري - كتاب الإكراه
فتح الباري - كتاب الحيل
فتح الباري - كتاب التعبير
فتح الباري - كتاب الفتن
فتح الباري - كتاب الأحكام
فتح الباري - كتاب التمني
فتح الباري - كتاب أخبار الأحاد
فتح الباري - كتاب الإعتصام بالسنة
فتح الباري - كتاب التوحيد
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن رجب
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
مقدمة
خطبة الكتاب
كتاب الإيمان
كتاب العلم
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصوم
كتاب فضائل القرآن
كتاب الدعوات
كتاب المناسك
كتاب البيوع
كتاب الفرائض والوصايا
كتاب النكاح
كتاب العتق
كتاب القصاص
كتاب الديات
كتاب الحدود
كتاب الإمارة والقضاء
كتاب الجهاد
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأطعمة
كتاب اللباس
كتاب الطب والرقى
كتاب الرؤيا
كتاب الآداب
كتاب الرقاق
كتاب الفتن
كتاب صفة القيامة والجنة والنار
كتاب الفضائل والشمائل
كتاب المناقب

 
عودة لموقع هاني الطنبور
هاني الطنبور
الصفحة السابقة الصفحة التالية
 
 

 

تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي

أبواب الأحكام
باب ماجاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في القاضي
...
13 ـ أبواب الأحكام
عن الرسول الله صلى الله عليه وسلم
1 ـ باب مَا جَاءَ عن رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم في الْقَاضِي
1339 ـ حدثنا مُحَمّدُ بنُ عَبْدِ الأَعْلَى الصنعاني حَدّثَنَا الْمُعْتَمِرُ بنُ سُلَيْمانَ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الْمَلِكِ يُحَدّثُ عَنْ عَبْدِ الله بنِ مَوْهِبٍ أنّ عُثمانَ قَالَ لابْنِ عمَرَ: اذْهَبْ فَاقْضِ بَيْنَ النّاسِ. قَالَ: أوَ تُعَافِينِي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ: فَمَا تَكْرَهُ مِنْ ذَلِكَ وَقَدْ كانَ أبُوكَ يَقْضِي؟ قَالَ: إني سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "مَنْ كان قَاضِياً فَقَضَى بِالْعَدْلِ، فَبِالْحَرِيّ أنْ يَنْقَلِبَ مِنْهُ كَفَافاً". فَمَا أرْجُو بَعْدَ ذَلِكَ؟.
ـــــــ
أبواب الأحكام
عن الرسول الله صلى الله عليه وسلم
قال الحافظ في الفتح: الأحكام جمع حكم والمراد بيان آدابه وشروطه وكذا الحاكم ويتناول لفظ الحاكم الخليفة والقاضي. والحكم الشرعي عند الأصوليين خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير ومادة الحكم من الأحكام وهو الإتقان بالشيء ومنعه من العيب
باب مَا جَاءَ عن رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم في الْقَاضِي
قوله: "فاقض بين الناس" أي اقبل القضاء بينهم "قال أو تعافيني" بالواو يعد الهمزة والمعطوف عليه محذوف. أي اترحم علي وتعافيني "من ذلك" أي القضاء "فبالحرى" بكسر الراء وتشديد الياء قال في النهاية فلان حرى بكذا وحرى بكذا أو بالحرى أن يكون كذا أي جدير وخليق والمثقل يثني ويجمع ويؤنث تقول حريان وحريون وحرية والمخفف يقع على الواحد والاثنين والجمع والمذكر والمؤنث على حالة واحدة لأنه مصدر "أن ينقلب منه كفافاً" قال في النهاية في حديث عمر: وددت أني سلمت من الخلافة كفافاً لا عليّ ولا ليّ. الكفاف هو

(4/552)


وفي الْحَدِيثِ قال قِصّةٌ. وفي البابِ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ. حديثُ ابن عُمَرَ حديثٌ غَرِيبٌ. وَلَيْسَ إسنّادُهُ عِنْدِي بِمُتّصِلٍ وَعَبْدُ الْمَلِكِ الذي رَوَى عَنْهُ الْمُعْتَمِرُ هَذَا، هُوَ عَبْدُ الْمَلِكِ بنُ أبي جَمِيلَةَ.
ـــــــ
الذي لا يفضل عن الشيء ويكون بقدر الحاجة إليه وهو نصب على الحال وقيل أراد به مكفوفاً عنى شرها انتهى. قال الطيبي: يعني أن من تولى القضاء واجتهد في تحري الحق واستفرغ جحده فيه حقيق أن لا يثاب ولا يعاقب فإذا كان كذلك فأي فائدة في توليه وفي معناه أنشد ـ على أنثى راض بأن أحمل الهوى وأخلص منه لا عليّ ولا ليّ. قال والحرى إن كان اسم فاعل يكون مبتدأ خبره أن ينقلب والباء زائدة نحو بحسبك درهم. أي الخليق والجدير كونه منقلباً منه كفافاً وإن جعلته مصدراً فهو خبر والمبتدأ ما بعده والباء متعلق بمحذوف أي كونه منقلباً ثابت بالاستحقاق "فما أرجو" أي فأي شيء أرجو "بعد ذلك" أي بعد ما سمعت هذا الحديث. وفي المشكاة فما راجعه بعد ذلك. أي فما رد عثمان الكلام على ابن عمر "وفي الحديث قصة" في الترغيب عن عبد الله بن موهب أن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال لابن عمر: إذهب فكن قاضياً قال أو تعفيني يا أمير المؤمنين؟ قال اذهب فاقض بين الناس. قال تعفيني يا أمير المؤمنين؟. قال: عزمت عليك إلا ذهبت فقضيت. قال: لا تعجل سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "من عاذ بالله فقد عاد بمعاذ؟" قال: نعم. قال: فإني أعوذ بالله أن أكون قاضياً. قال: وما يمنعك وقد كان أبوك يقضي؟ قال: لأني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من كان قاضياً فقضى بالجهل كان من أهل النار، ومن كان قاضيا فقضى بالجور كان من أهل النار، ومن كان قاضياً فقضى بحق أو بعدل سأل التفلت كفافاً فما أرجو منه بعد ذلك". رواه أبو يعلى وابن حبان في صحيحه وللترمذي باختصار عنهما، وقال حديث غريب وليس إسناده عندي بمتصل وهو كما قال فإن عبد الله بن موهب لم يسمع من عثمان رضي الله تعالى عنه انتهى ما في الترغيب.
قوله: "وفي الباب عن أبي هريرة" له في هذا الباب أحاديث ذكرها المنذري في الترغيب. قوله: "حديث ابن عمر حديث غريب" وأخرجه أبو يعلى وابن حبان في صحيحه مطولاً كما عرفت "وليس إسناده عندي بمتصل" فإن عبد الله بن

(4/553)


1340 ـ حدثنا هَنّادٌ. حَدّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ إسْرَائِيلَ، عَنْ عَبْدِ الأَعْلَى، عَنْ بِلاَلِ بنِ أبي مُوسَى، عَنْ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ، قال قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ سَأَلَ الْقَضَاءَ، وُكِلَ إلى نَفْسِهِ، وَمَنْ أجْبِرَ عَلَيْهِ، يَنْزِلُ الله علَيْهِ مَلكاً فَيُسَدّدُهُ".
1341 ـ حدّثنَا عَبْدُ الله بنُ عَبْدِ الرّحْمَنِ أخبرنا يَحْيَى بنُ حَمّادٍ عن أبي عَوانَةَ، عَنْ عَبْدِ الأعْلَى الثّعْلَبِيّ، عَنْ بِلاَلِ بنِ مِرْدَاسٍ الْفَزَارِيّ عَنْ خَيْثَمَةَ وَ "هُوَ البَصْرِيّ" عنْ أَنَس، عَنْ النبيّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "مَنْ ابْتَغَى الْقَضَاءَ، وَسَأَلَ فِيهِ شُفَعَاءَ، وُكِلَ إلَى نَفْسِهِ. وَمَنْ أُكْرِهَ عَلَيْهِ، أَنْزَلَ الله عَلَيْهِ مَلَكاً يُسَدّدُهُ". هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ، وَهُوَ أصَحّ مِنْ حَدِيثِ إسْرَائِيلَ عَنْ عَبْدِ الأعْلَى.
1342 ـ حدثنا نصْرُ بنُ عَلِي الْجَهْضَميّ. حدّثنَا الْفُضَيْلُ بنُ سُليْمانَ
ـــــــ
موهب لم يسمع من عثمان رضي الله عنه كما عرفت في كلام المنذري "وعبد الملك الذي روى عنه المعتمر هذا هو عبد الملك بن أبي جميلة" قال في التقريب مجهول، وقال في تهذيب التهذيب ذكره ابن حبان في الثقات، روى له الترمذي حديثاً واحداً في القضاء، وله في صحيح ابن حبان آخر انتهى.
"وكل إلى نفسه" بضم واو فكاف مخفقة مكسورة أي فوض إلى نفسه ولا يعان من الله "ومن جبر" بصيغة المجهول وفي بعض النسخ أجبر "فيسدده" أي يحمله على السداد والصواب.
قوله: "عن بلال بن مرداس" بكسر الميم وسكون الراء قال الحافظ: ويقال ابن أبي موسى الفزاري مقبول من السابعة "عن خيثمة" هو ابن أبي خيثمة البصري أبو نصر لين الحديث من الرابعة. قوله: "من ابتغى" أي طلب في نفسه "ومن أكره" أي أجبر. قوله: "وهو أصح من حديث إسرائيل عن عبد الأعلى" أي حديث أبي عوانة عن عبد الأعلى بذكر خيثمة أصح من حديث إسرائيل عن عبد الأعلى بغير ذكر خيثمة قال الحافظ وطريق خيثمة أخرجه أبو داود الترمذي

(4/554)


عَنْ عَمْرِو بنِ عَمْرو، عَنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيّ، عَنْ أبي هُرَيْرَةَ قالَ: قَالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ وَلِيَ الْقَضَاءَ، أوْ جُعِلَ قَاضِياً بَيْنَ النّاسِ، فَقَدْ ذُبِحَ بِغَيْرِ سِكّينٍ".
قال أبو عيسى هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. وَقَدْ رُوِيَ أيضاً مِنْ غَيْرِ هذَا الْوَجْهِ عنْ أبي هُرَيرَةَ عَنِ النبيّ صلى الله عليه وسلم.
ـــــــ
والحاكم انتهى. "من ولى القضاء" بصيغة المجهول من التولية "أو" للشك من الراوي "جعل قاضياً" بصيغة المجهول أي جعله السلطان قاضياً "فقد ذبح" بصيغة المجهول "بغير سكين" قال ابن الصلاح: المراد ذبح من حيث المعنى لأنه بين عذاب الدنيا إن رشد وبين عذاب الاَخرة إن فسد. وقال الخطابي ومن تبعه إنما عدل عن الذبح بالسكين ليعلم أن المراد ما يخاف من هلاك دينه دون بدنه وهذا أحد الوجهين. والثاني أن الذبح بالسكين فيه إراحة للمذبوح، وبغير السكين كالخنق وغيره يكون الألم فيه أكثر فذكر ليكون أبلغ في التحذير. ومن الناس من فتن بمحبة القضاء فأخرجه عما يتبادر إليه الفهم من سياقه فقال: إنما قال ذبح بغير سكين ليشير إلى الرفق به، ولو ذبح بالسكين لكان أشق عليه ولا يخفى فساد هذا كذا في التلخيص. قوله: "هذا حديث حسن غريب من هذ الوجه" وأخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه والحاكم والبيهقي. قال الحافظ: وله طرق، وأعله ابن الجوزي فقال هذا حديث لا يصح. وليس كما قال وكفاه قوة تخريج النسائي له. وذكر الدارقطني الخلاف فيه على سعيد المقبري قال: والمحفوظ عن سعيد المقبري عن أبي هريرة انتهى .

(4/555)


باب ماجاء في القاضي يصيب و يخطيء
...
2 ـ باب مَا جَاءَ في الْقَاضِي يصِيبُ وَيخطئ
1343 ـ حدثنا الحُسَيْنُ بنُ مَهْدِي، حدّثنا عَبْدُ الرّزّاقِ. اخبرنا مَعْمَر، عَنْ سُفْيانَ الثّوْرِيّ، عَنْ يَحْيَى بنِ سَعِيدٍ، عَنْ أبي بَكْرٍ بنِ عَمْرِو بنِ حَزْمٍ، عَنْ أبي سَلَمَةَ، عَنْ أبي هُرَيْرَةَ، قالَ: قالَ رَسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ فَأَصَابَ
ـــــــ
باب مَا جَاءَ في الْقَاضِي يصِيبُ وَيخطئ
قوله: "فاجتهد" عطف على الشرط على تأويل أراد الحكم "فأصاب" عطف

(4/555)


فَلَهُ أجْرَانِ. وإذَا حَكَمَ فَأَخْطَأَ فلَهُ أجْرٌ وَاحِدٌ". وفي البابِ عَنْ عَمْرِو بنِ الْعَاصِ وَعُقْبَةَ بنِ عَامِرٍ. حديثُ أبي هُرَيْرَةَ حَدِيثٌ حسنٌ غريبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. لاَ نَعْرِفُهُ مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ الثّوْرِيّ، عَنْ يَحْيى بنِ سَعِيدٍ، إلاّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدَ الرّزّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ سُفْيَانَ الثّورِيّ.
ـــــــ
على فاجتهد أي وقع اجتهاده موافقاً لحكم الله "فله أجران" أي أجر الاجتهاد وأجر الإصابة والجملة جزاء الشرط "فأخطأ فله أجر واحد" قال الخطابي: إنما يؤجر المخطئ على اجتهاده في طلب الحق لأن اجتهاده عبادة ولا يؤجر على الخطأ بل يوضع عنه الإثم وهذا فيمن كان جامعاً لاَلة الاجتهاد، عارفاً بالأصول، عالماً بوجوه القياس. فأما من لم يكن محلاً للاجتهاد فهو متكلف ولا يعذر بالخطأ بل يخاف عليه الوزر. ويدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم: "القضاء ثلاثة واحد في الجنة واثنان في النار". وهذا إنما هو في الفروع المحتملة للوجوه المختلفة دون الأصول التي هي أركان الشريعة وأمهات الأحكام التي لا تحتمل الوجوه ولا مدخل فيها للتأويل فإن من أخطأ فيها كان غير معذور في الخطأ وكان حكمه في ذلك مردوداً كذا في المرقاة. قوله: "وفي الباب عن عمرو بن العاص" أخرجه الشيخان "وعقبة بن عامر" أخرجه الحاكم والدارقطني. قوله: "حديث أبي هريرة حديث حسن غريب الخ" وأخرجه الشيخان عن عبد الله ابن عمرو وأبي هريرة .

(4/556)


باب ماجاء في القاضي كيف يقضي
...
3 ـ باب مَا جاءَ في القَاضي كيف يَقْضِي
1344 ـ حدثنا هَنّادٌ. حَدّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أبي عَوْنٍ الثقفي عنِ الحَارِثِ بنِ عَمْرٍو، عَنْ رِجَالٍ مِنْ أصْحابِ مُعَاذٍ أنّ رسولَ الله صلى
ـــــــ
باب مَا جاءَ في القَاضي كيف يَقْضِي
قوله: "عن أبي عون" اسمه محمد بن عبيد الله الثقفي الكوفي ثقة من الرابعة "عن الحارث بن عمرو" هو ابن أخ للمغيرة بن شعبة الثقفي، ويقال ابن عون مجهول من السادسة كذا في التقريب. وفي الميزان ما روي عن الحارث غير

(4/556)


الله عليه وسلم بَعَثَ مُعَاذاً إلى الْيَمَنِ فَقَالَ: "كَيْفَ تَقْضِي"؟ فَقَالَ: أقْضِي بِمَا في كِتَابِ الله. قالَ: "فإن لمْ يَكُن فِي كِتَابِ الله" ؟ قالَ: فبِسُنّةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم. قَالَ: "فإنْ لَمْ يكُنْ في سُنّةِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم؟" قَالَ: أجْتَهِدُ رَأْيِي. قَالَ: "الْحَمْدُ لله الذِي وَفّقَ رسول رَسُولَ الله".
13445 ـ حَدّثَنَا مُحَمّدُ بنُ بَشّارٍ. حَدّثَنَا مُحَمّدُ بنُ جعفر وَ عَبْدُ الرّحمَنِ بنُ مَهْدِيَ قَالاَ: حدّثنَا شُعْبَةُ عَنْ أبي عوْنٍ عَنْ الْحَارِثِ بنِ عَمْرو، ابْنِ أخٍ لِلْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، عَنْ أنَاسٍ مِنْ أهْلِ حِمْص، عَنْ مُعَاذٍ، عنِ النبيّ صلى الله عليه وسلم نحوه. هذا حديثٌ لاَ نَعْرِفُهُ إلاّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَلَيْسَ إسْنَادُهُ عِنْدِي بِمُتّصِلٍ. وَأَبُو عَوْنٍ الثَقَفِيّ، اسْمُهُ مُحَمّدُ بنُ عُبَيْدِ الله.
ـــــــ
أبي عون وهو مجهول "قال اجتهد رأيي" قال ابن الأثير في النهاية الاجتهاد بذل الوسع في طلب الأمر وهو افتعال من الجهد الطاقة، والمراد به رد القضية التي تعرض للحاكم من طريق القياس إلى الكتاب والسنة، ولم يرد الرأي الذي يراه من قبل نفسه عن غير حمل على كتاب وسنة انتهى. وقال الطيبي: قوله اجتهد رأيي المبالغة قائمة في جوهر اللفظ وبناؤه للافتعال للاعتمال والسعي وبذل الوسع. قال الراغب الجهد الطاقة والمثقة، والاجتهاد أخذ النفس ببذل الطاقة وتحمل المشقة. يقال جهدت رأيي واجتهدت اتعبته بالفكر. قال الخطابي لم يرد به الرأي الذي يسنح له من قبل نفسه أو يخطر بباله على غير أصل من كتاب وسنة، بل أراد رد القضية إلى معنى الكتاب والسنة من طريق القياس. وفي هذا إثبات للحكم بالقياس كذا في المرقاة "الحمدلله الذي وفق رسول رسول الله" زاد في رواية أبي داود لما يرضي رسول الله. قوله: "عن أناس من أهل حمص" بكسر الحاء المهملة وسكون الميم كورة بالشام. قوله: "هذا حديث لا نعرفه إلا من هذا الوجه" وأخرجه أحمد وأبو داود والدارقطني. قال الحافظ في التلخيص: قال البخاري في تاريخه الحارث بن عمرو عن أصحاب معاذ وعنه أبو عون لا يصح

(4/557)


ـــــــ
ولا يعرف إلا بهذا وقال الدارقطني في العلل رواه شعبة عن أبي عون هكذا وأرسله ابن مهدي وجماعة عنه والمرسل أصح. قال أبو داود أكثر ما كان يحدثنا شعبة عن أصحاب معاذ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال مرة عن معاذ، وقال ابن حزم لا يصح لأن الحارث مجهول وشيوخه لا يعرفون، قال وادعى بعضهم فيه التواتر وهذا كذب بل هو ضد التواتر لأنه ما رواه أحد غير أبي عون عن الحارث. فكيف يكون متواتراً؟ وقال عبد الحق لا يسند ولا يوجد من وجه صحيح. وقال ابن الجوزي في العلل المتناهية لا يصح وإن كان الفقهاء كلهم يذكرونه في كتبهم ويعتمدون عليه وإن كان معناه صحيحاً. وقال ابن طاهر في تصنيف له مفرد في الكلام على هذا الحديث: اعلم أنني فحصت عن هذا الحديث في المسانيد الكبار والصغار وسألت عنه من لقيته من أهل العلم بالنقل فلم أجد له غير طريقين أحدهما طريق شعبة والأخرى عن محمد بن جابر عن أشعث بن أبي الشعثاء عن رجل من ثقيف عن معاذ وكلاهما لا يصح انتهى. وقال الحافظ بن القيم في أعلام الموقعين: بعد ذكر حديث معاذ رضي الله عنه هذا ما لفظه: هذا حديث وإن كان عن غير مسمين فهم أصحاب معاذ فلا يضره ذلك لأنه يدل على شهرة الحديث، وأن الذي حدث به الحارث بن عمرو عن جماعة من أصحاب معاذ لا واحد منهم، وهذا أبلغ في الشهرة من أن يكون عن واحد منهم لو سمي كيف وشهرة أصحاب معاذ بالعلم والدين والفضل والصدق بالمحل الذي لا يخفى؟ ولا يعرف في أصحابه متهم ولا كذاب ولا مجروح بل أصحابه من أفاضل المسلمين وخيارهم لا يشك أهل العلم بالنقل في ذلك. كيف وشعبة حامل لواء هذا الحديث، وقد قال بعض أئمة الحديث: إذا رأيت شعبة في إسناد حديث فاشدد يديك به. قال أبو بكر الخطيب: وقد قيل إن عبادة بن نسي رواه عن عبد الرحمن بن غنم عن معاذ وهذا إسناد متصل ورجاله معروفون بالثقة على أن أهل العلم قد نقلوه واحتجوا به فوقفنا بذلك على صحته عندهم كما وقفنا على صحة قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا وصية لوارث". وقوله في البحر: هو الطهور ماؤه والحل ميتته. وقوله: إذا اختلف المتبايعان في الثمن والسلعة قائمة تحالفاً وتراد البيع. وقوله: الدية على العاقلة. وإن كانت هذه الأحاديث لا تثبت من جهة الإسناد.. . ولكن لما نقلها الكافة عن الكافة غنوا بصحتهاعندهم عن طلب الإسناد لها. فكذلك حديث معاذ لما احتجوا به جميعاً غنوا عن طلب الإسناد انتهى كلامه. وقد جوز النبي صلى الله عليه وسلم للحاكم أن يجتهد رأيه وجعل له على خطئه في اجتهاد الرأي أجراً واحداً إذا كان قصده معرفة الحق وأتباعه. وقد كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يجتهدون في النوازل ويقيسون بعض الأحكام على بعض ويعتبرون النظير بنظيره. ثم بسط ابن القيم في ذكر اجتهادات الصحابة رضي الله عنهم قال: وقد اجتهد الصحابة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم في كثير من الأحكام ولم يغنهم، كما أمرهم يوم الأحزاب أن يصلوا العصر في بني قريظة فاجتهد بعضهم وصلاها في الطريق وقال لم يرد منا التأخير وإنما أراد سرعة النهوض فنظروا إلى المعنى. واجتهد آخرون وأخروها إلى بني قريظة فصلوها ليلاً نظروا إلى اللفظ. وهؤلاء سلف أهل الظاهر وأولئك سلف أصحاب المعاني والقياس. وقال في آخر كلامه: قال المزنى: الفقهاء من عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومنا وهلم جرا استعملوا المقاييس في الفقه في جميع الأحكام في أمر دينهم. قال وأجمعوا بأن نظير الحق حق ونظير الباطل باطل فلا يجوز لأحد إنكار القياس لأنه التشبيه بالأمور والتمثيل عليها. انتهى ما في الأحكام. قلت الأمر كما قال ابن القيم لكن ما قال في تصحيح حديث الباب ففيه عندي كلام .

(4/558)


باب ماجاء في الإمام العادل
...
4 ـ باب مَا جَاءَ في الإمَامِ العَادِل
1346 ـ حدثنا عَلِيّ بنُ الْمُنْذِرِ الْكُوفِيّ. حدّثنَا مُحَمّدُ بْنُ فُضَيْلٍ عَنْ فُضَيْلٍ بن مَرْزوقٍ، عَنْ عَطِيّةَ، عَنْ أبي سَعِيدٍ، قَالَ: قَالَ رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إنّ أَحَبّ النّاسِ إلى الله يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأذْناهُمْ
ـــــــ
باب مَا جَاءَ في الإمَامِ العَادِل
قوله: "عن عطية" ابن سعد بن جنادة العوفي الجدلي أبي الحسن الكوفي ضعفه الثوري وهشيم وابن عدي وحسن له الترمذي أحاديث كذا في الخلاصة. وقال في التقريب: صدوق يخطئ كثيراً كان شيعياً مدلساً انتهى. وقال في الميزان تابعي شهير ضعيف قال أبو حاتم يكتب حديثه ضعيف وقال ابن معين: صالح وقال أحمد ضعيف الحديث، وقال النسائي وجماعة ضعيف انتهى مختصراً

(4/559)


مِنْهُ مَجْلِساً، إمَامٌ عَادِلٌ. وَأَبْغَضَ النّاسِ إلى الله، وَأَبْعَدَهُمْ مِنْهُ مَجْلِساً إمَامٌ جَائِرٌ". وفي البابِ عَنْ عبدالله بنِ أبِي أوْفَى. حديثُ أبي سَعِيدٍ حَديثٌ حَسَنٌ، غَرِيبٌ لاَ نَعْرِفِهُ إلاّ مِنْ هَذا الْوَجْهِ.
1327 ـ حدثنا عَبْدُ الْقُدُوسِ بنِ مُحَمّد، أبُو بَكْرٍ الْعَطّارُ. حدّثنَا عَمْرُو بنُ عَاصِمٍ. حَدّثنَا عِمْرَان الْقُطّانُ عَنْ أبي إسْحَاقَ الشّيْبَانِيّ عَنْ عبدالله بن أبي أوْفَى، قالَ: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إنّ الله مَعَ الْقاضِي مَا لَمْ يَجُرْ. فَإِذَا جَارَ تَخَلّى عَنْهُ وَلَزمَهُ الشّيْطَانُ". هذا حديثٌ حسنٌ غَرِيبٌ لاَ نَعْرِفُهُ إلاّ مِنْ حَدِيثِ عِمْرَانَ الْقَطّانِ.
ـــــــ
"عن أبي سعيد" الخدري رضي الله عنه. قوله: "إن أحب الناس" أي أكثرهم محبوبية قاله القاري، وقال المناوي أي أسعدهم بمحبته "وأدناهم" أي أقربهم "منه مجلساً" أي مكانة ومرتبة قاله القاري، وقال المناوي أي أقربهم من محل كرامته وأرفعهم عنده منزلة "إمام جائر" أي ظالم قوله: "وفي الباب عن ابن أبي أوفى" أخرجه الترمذي في هذا الباب. قوله: "حديث أبي سعيد حديث حسن غريب" في سنده عطية العوفي وقد عرفت حاله. قوله: "حدثنا عمرو بن عاصم" القيسي أبو عثمان البصري صدوق، في حفظه شيء، من صغار التاسعة "حدثنا عمران القطان" هو ابن داود بفتح الواو بعدها راء أبو العوام صدوق يهم ورمي برأي الخوارج من السابعة.
قوله: "عن ابن أبي أوفى" هو عبد الله بن أبي أوفى واسم أبي أوفى علقمة بن قيس الأسلمي شهد الحديبية وخيبر وما بعدهما من المشاهد ولم يزل بالمدينة حتى قبض النبي صلى الله عليه وسلم ثم تحول إلى الكوفة وهو آخر من مات من الصحابة بالكوفة سنة سبع وثمانين. ووهم القاري في شرح المشكاة فقال هو عبد الله بن أنيس الجهني الأنصاري. قوله: "الله" وفي بعض النسخ إن الله "مع القاضي" أي بالنصرة والإعانة "ما لم يجر" بضم الجيم أي ما لم يظلم "تخلى عنه" أي خذله وترك عونه "ولزمه الشيطان" لا ينفك عن إضلاله قوله: "هذا حديث حسن غريب" وأخرجه الحاكم في المستدرك والبيهقي في السنن الكبرى. قال المناوي في شرح الجامع الصغير قال الحاكم صحيح وأقروه انتهى. وفي الباب عن ابن مسعود مرفوعا بلفظ : إن الله ع القاضي مالم يحف عمداً أخرجه الطبراني ، فال المناوي ضعيف لضعف جعفر بن سليمان القاري أنتهى.

(4/560)


باب ماجاء في القاضي لا يقضي بين الخصمين حتى يسمع كلامهما
...
5 ـ باب ما جاءَ في الْقاضِي لا يَقْضِي بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ حتّى يَسْمعَ كَلاَمَهُمَا
1348 ـ حدثنا هَنّاد. حَدّثَنا حُسَيْنٌ الْجُعْفِيّ عَنْ زَائِدَةَ، عَنْ سِمَاكِ بنِ حَرْبٍ، عَنْ حَنَشٍ، عَنْ عَلِي، قَالَ: قالَ لي رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إذَا تقَاضَى إلَيْكَ رَجُلاَنِ، فَلاَ تَقْضِ لِلأَوّلِ حَتى تَسمَعَ كَلاَمَ الاَخَرِ. فَسَوْفَ تَدْرِي كَيْفَ تَقْضِي". قال عَلِيّ: فَمَا زِلْتُ قَاضِياً بَعْدُ. هذا حديثٌ حسنٌ.
ـــــــ
باب ما جاءَ في الْقاضِي لا يَقْضِي بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ حتّى يَسْمعَ كَلاَمَهُمَا
قوله: "عن حنش" بفتح الحاء المهملة والنون الخفيفة هو ابن المعتمر الكناني الكوفي صاحب علي. قال الحافظ صدوق له أوهام "إذا تقاضى إليك رجلان" أي ترافع إليك خصمان "فلا تقض للأول" أي من الخصمين وهو المدعي "حتى تسمع كلام الاَخر" قال الخطابي فيه دليل على أن الحاكم لا يقضي على غائب. وذلك أنه صلى الله عليه وسلم إذا منعه من أن يقضي لأحد الخصمين وهما حاضران حتى يسمع كلام الاَخر ففي الغائب أولى بالمنع. وذلك لإمكان أن يكون مع الغائب حجة تبطل دعوى الاَخر وتدحض حجته. قال الأشرف: لعل مراد الخطابي بهذا الغائب الغائب عن محل الحكم فحسب دون الغائب إلى مسافة القصر، فإن القضاء على الغائب إلى مسافة القصر جائز عند الشافعي كذا في المرقاة "فسوف تدري كيف تقضي" وفي رواية أبي داود فإنه أحرى أن يتبين لك القضاء "فما زلت قاضياً بعد" أي بعد دعائه وتعليمه صلى الله عليه وسلم. والحديث رواه الترمذي هكذا مختصراً، ورواه ابن ماجه هكذا: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن فقلت يا رسول الله بعثتني وأنا شاب أقضي بينهم ولا أدري ما القضاء؟ قال فضرب بيده في صدري ثم قال "اللهم اهد قلبه وثبت لسانه". قال فما شككت بعد في قضاء بين اثنين. ورواه أبو داود نحو ذلك. قوله: "هذا حديث حسن" وأخرجه أبو داود وابن ماجه ونقل المنذري تحسين الترمذي وأقره

(4/561)


باب ماجاء في إمام الرعية
...
6ـ باب مَا جَاءَ في إمَامِ الرّعِيّة
1349 ـ حدثنا أَحْمَدُ بنُ مَنِيعٍ، حدّثنا إسْمَاعِيلُ بنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدّثَنِي عَلِيّ بنُ الْحَكَمِ، حدّثني أبُو الْحَسَنِ قَالَ: قالَ عَمْرُو بْنِ مُرّةَ لِمُعَاوِيَةَ: إنّي سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "مَا مِنْ إمَامٍ يُغْلِقُ بَابَهُ دُونَ ذَوي الْحَاجَةِ والخَلّةِ وَالمَسْكَنَةِ، إلاّ أغْلَقَ الله أبْوَابَ السّمَاءِ دُونَ خَلّتِهِ وَحَاجَتِهِ وَمَسْكَنَتِهِ. فَجَعَلَ مُعَاوِيَةُ رَجُلاً عَلَى حَوَائجِ النّاسِ". وفي البابِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ. حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ مُرّةَ حَدِيثٌ غَرِيبٌ وقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ. وَعَمْرُو بْنُ مُرّةَ الْجُهَنِيّ، يُكْنَى أبَا مَرْيَمَ.
1350 ـ حدثنا عَليّ بْنُ حُجْرٍ. حدّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ عنْ يَزيدَ
ـــــــ
باب مَا جَاءَ في إمَامِ الرّعِيّة
قوله: "قال عمرو بن مرة" في التقريب عمرو بن مرة الجهني أبو طلحة أو أبو مريم صحابي مات بالشام في خلافة معاوية انتهى. وقال صاحب المشكاة عمرو بن مرة يكنى أبا مريم الجهني وقيل الأزدي شهد أكثر المشاهد انتهى. قوله: "وما من إمام يغلق بابه دون ذوي الحاجة والخلة والمسكنة" أي يحتجب ويمتنع من الخروج عند احتياجهم إليه والخلة بفتح الخاء المعجمة وتشديد اللام الحاجة والفقر. فالحاجة والخلة والمسكنة ألفاظ متقاربة وإنما ذكرها للتأكيد والمبالغة "إلا أغلق الله أبواب السماء دون خلته وحاجته ومسكنته" أي أبعده ومنعه عما يبتغيه من الأمور الدينية أو الدنيوية فلا يجد سبيلاً إلى حاجة من حاجاته الضرورية. قال القاضي: المراد باحتجاب الوالي أن يمنع أرباب الحوائج والمهمات أن يدخلوا عليه فيعرضوها له ويعسر عليهم إنهاوها. واحتجاب الله تعالى أن لا يجيب دعوته ويخيب آماله انتهى.
قوله: "وفي الباب عن ابن عمر" أخرجه الشيخان عنه مرفوعاً بلفظ: كلكم راع الحديث قوله: "حديث عمر بن مرة حديث غريب" وأخرجه أحمد والحاكم

(4/562)


أبي مَرْيَمَ، عنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُخَيْمِرَةَ، عَنْ أبي مَرْيَمَ صَاحِبَ رسول الله صلى الله عليه وسلم، عَنِ النّبي صلى الله عليه وسلم: نحْو هَذَا الحْدِيثِ بِمَعْنَاهُ
ـــــــ
والبزار. قوله: "عن القاسم بن مخيمرة" بضم الميم وفتح الخاء المعجمة وسكون التحتية وكسر الميم "عن أبي مريم" هو عمرو بن مرة المذكور "نحو هذا الحديث بمعناه" أخرجه أبو داود قال الحافظ في الفتح إن سنده جيد .

(4/563)


باب ماجاء لا يقضي القاضي وهو غضبان
...
7 ـ باب ما جاءَ لاَ يَقْضِي الْقَاضِي وَهُوَ غَضْبَان
1351 ـ حدثنا قُتَيْبَةُ. حَدّثنَا أبو عَوَانَةَ عَنْ عَبْدِ الملِكِ بنِ عُمَيْرٍ عَنْ عَبْدِ الرّحْمَنِ بنِ أبي بَكرَةَ. قالَ كَتَبَ أبي إلى عُبَيْدِ الله بنُ أبي بَكْرَةَ وَهُوَ قَاضٍ، أن لا تَحْكُمْ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَأَنْتَ غَضْبَانُ.
ـــــــ
باب ما جاءَ لاَ يَقْضِي الْقَاضِي وَهُوَ غَضْبَان
قوله: "وهو قاض" أي بسجستان كما في رواية مسلم "لا يحكم الحاكم بين اثنين" أي متخاصمين "وهو غضبان" بلا تنوين أي في حالة الغضب لأنه لا يقدر على الاجتهاد والفكر في مسألتهما قال ابن دقيق العيد: النهي عن الحكم حالة الغضب لما يحصل بسببه من التغير الذي يختل به النظر فلا يحصل استيفاء الحكم على الوجه. قال وعداه الفقهاء بهذا المعنى إلى كل ما يحصل به تغير الفكر كالجوع والعطش المفرطين وغلبة النعاس وسائر ما يتعلق به القلب تعلقاً بشغله عن استيفاء النظر وهو قياس مظنة على مظنة. وقد أخرج البيهقي بسند ضعيف عن أبي سعيد رفعه: لا يقضي القاضي إلا هو شبعان ريان. وسبب ضعفه أن في إسناده القاسم العمرى وهو متهم بالوضع. وظاهر النهي التحريم ولا موجب لصرفه عن معناه الحقيقي إلى الكراهة فلو خالف الحاكم فحكم في حال الغضب، فذهب الجمهور إلى أنه يصح إن صادف الحق لأنه صلى الله عليه وسلم قضى للزبير في حال الغضب كما في حديث عبد الله بن الزبير عن أبيه. فكأنهم جعلوا ذلك قرينة صارفة للنهي إلى الكراهة. قال الشوكاني: ولا يخفى أنه لا يصح إلحاق غيره صلى الله عليه وسلم به في مثل ذلك لأنه معصوم عن الحكم بالباطل في رضائه

(4/563)


فَإِني سَمِعْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "لاَ يَحْكُمْ الْحَاكِمُ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ".
قال أبو عيسى هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، وَأَبُو بَكْرَةَ، اسْمُهُ نُفَيْعٌ.
ـــــــ
وغضبه، بخلاف غيره فلا عصمة تمنعه عن الخطأ ولهذا ذهب بعضهم إلى أنه لا ينفذ الحكم في حال الغضب لثبوت النهي عنه، والنهي يقتضي الفساد. وفصل بعضهم بين أن يكون الغضب طرأ عليه بعد أن استبان له الحكم فلا يؤثر وإلا فهو محل الخلاف. قال الحافظ ابن حجر وهو تفصيل معتبر.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان "وأبو بكرة اسمه نفيع" بضم النون وفتح الفاء مصغراً صحابي مشهور بكنيته .

(4/564)


باب ماجاء في هدايا الأمراء
...
8 ـ باب مَا جَاءَ في هَدَايَا الأُمَرَاء
1352 ـ حدثنا أبُو كُرَيْبٍ. حدثنا أبُو أُسامَةَ عنْ دَاوُدَ بْن يَزِيدَ الأَوْدِيّ، عَنِ المٍغِيرَةِ بنِ شُبَيْلٍ، عَنْ قَيْسِ بنِ أبي حَازِمٍ، عَنْ مُعَاذِ بنِ جَبَلٍ قالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم إلى اليَمَنِ. فَلمّا سِرْتُ، أرْسَلَ في أثَرِي. فَرُددْتُ فَقَالَ: "أتَدْرِي لِمَ بَعَثْتُ إلَيْكَ؟ لاَ تُصيبَنّ شَيْئاً بِغَيرِ إذْنِي فإنّهُ غُلُولٌ. وَمَنْ يَغَلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلّ يَوْمَ الْقِيامَةِ. لِهَذَا دَعَوْتُكَ، فَامْضِ لِعَمَلِكَ". وفي البابِ عَنْ عَدِيّ بنِ عَمِيرَةَ
ـــــــ
باب مَا جَاءَ في هَدَايَا الأُمَرَاء
قوله: "في أثرى" بفتحتين وبكسر وسكون أي عقبي "فرددت" بصيغة المجهول من الرد أي فرجعت إليه ووقفت بين يديه "قال لا تصيبن شيئاً" فيه إضمار تقديره بعثت إليك لأوصيك وأقول لك لا تصيبن أي لا تأخذن "فإنه غلول" أي خيانة والغلول هو الخيانة في الغنيمة "ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة" قال الطيبي أراد بما غل ما ذكره في قوله صلى الله عليه وسلم لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء الحديث "لهذا" أي لأجل هذا النصح "وامض" أي أذهب وفي بعض النسخ فامض بالفاء. قوله: "وفي الباب عن عدي بن عميرة"

(4/564)


وَبُرَيْدَةَ والمُسْتَوْرِدِ بنِ شَدّادٍ وَأَبِي حُمَيْدٍ وابنِ عُمَرَ. حَدِيثُ مُعَاذٍ، حديثٌ غريبٌ لاَ نعْرِفُهُ إلاّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مِنْ حَدِيثِ أبي أُسَامَةَ عَنْ دَاوُدَ الأَوْدِيّ.
ـــــــ
بفتح العين المهملة وكسر الميم أخرجه مسلم وأبو داود "وبريدة" أخرجه أبو داود والحاكم "والمستوردين بن شداد" بتشديد الدال الأولى أخرجه أبو داود "وأبي حميد" أخرجه البيهقي وابن عدي قال الحافظ إسناده ضعيف "وابن عمر رضي الله عنه" لينظر من أخرجه. قوله: "حديث معاذ حديث حسن غريب الخ" ذكر الحافظ هذا الحديث في الفتح وعزاه إلى الترمذي وسكت عنه .

(4/565)


باب ماجاء في الراشي والمرتشي في الحكم
...
9 ـ باب ما جاء في الرّاشِي والمُرْتَشِي فِي الْحكم
1353 ـ حدثنا قُتَيْبَةُ. حَدّثَنَا أبُو عَوَانَةَ، عَنْ عَمْرِو بنِ أبي سَلَمَةَ عنْ أبِيهِ، عَنْ أبي هُرَيرَةَ قالَ: لَعَنَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم الرّاشِي وَالمُرْتَشِيَ في الحُكْمِ. وفي البابِ عَنْ عَبْدِ الله بنِ عَمْرٍو
ـــــــ
باب ما جاء في الراشي والمرتشي في الحكم
الراشي هو دافع الرشوة والمرتشي آخذها قوله: "لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الراشي والمرتشي في الحكم" زاد في حديث ثوبان والرائش يعني الذي يمشي بينهما. رواه أحمد قال ابن الأثير في النهاية الرّشوة والرّشوة الوصلة إلى الحاجة بالمصانعة وأصله من الرشا الذي يتوصل به إلى الماء فالراشي من يعطي الذي يعينه على الباطل. والمرتشي الاَخذ والرائش الذي يسعى بينهما يستزيد لهذا أو يستنقص لهذا. فأما ما يعطى توصلاً إلى أخذ حق أو دفع ظلم فغير داخل فيه. روى أن ابن مسعود أخذ بأرض الحبشة في شيء فأعطى دينارين حتى خلى سبيله. وروى عن جماعة من أئمة التابعين قالوا لا بأس أن يصانع الرجل عن نفسه وماله إذا خاف الظلم. انتهى كلام ابن الأثير. وفي المرقاة شرح المشكاة قيل: الرشوة ما يعطى لإبطال حق أو لإحقاق باطل. أما إذا أعطى ليتوصل به إلى حق أو ليدفع به عن نفسه ظلماً فلا بأس به. وكذا الاَخذ إذا أخذ ليسعى في إصابة صاحب الحق فلا بأس به. لكن هذا ينبغي أن يكون في غير القضاة والولاة.

(4/565)


وعَائِشَةَ، وابنِ حَدِيدَةَ وأَمّ سَلَمَةَ. حَدِيثُ أبِي هُرَيْرَةَ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَديثُ عَنْ أبي سَلَمَةَ بنِ عَبْدِ الرّحْمَنِ، عَنْ عَبْدِ الله بنِ عَمْرٍو
وَرُوِيَ عَنْ أبي سَلَمَةَ، عَنْ أبِيهِ، عَنِ النبيّ صلى الله عليه وسلم، وَلاَ يَصِحّ. قال وسَمِعْتُ عَبْدَ الله بن عَبْدِ الرّحْمَنِ يَقُولُ: حَدِيثُ أبي سَلَمَةَ عنْ عَبْدِ الله بنِ عَمْرٍو، عَنِ النبي صلى الله عليه وسلم، أَحْسَنُ شَيْءٍ في هَذَا البَابِ وَأَصَح.
1354 ـ حدثنا أبُو مُوسَى مُحَمّدُ بنُ المُثَنّى. حَدّثَنَا أبُو عَامِرٍ
ـــــــ
لأن السعي في إصابة الحق إلى مستحقه ودفع الظلم عن المظلوم واجب عليهم فلا يجوز لهم الأخذ عليه قال القاري: كذا ذكره ابن الملك وهو مأخوذ من كلام الخطابي: إلا قوله وكذا الاَخذ ـ وهو بظاهره ينافيه حديث أبي أمامة مرفوعاً: من شفع لأحد شفاعة فأهدى له هدية عليها فقبلها فقد أتى باباً عظيماً من أبواب الربا. رواه أبو داود انتهى. قوله: "وفي الباب عن عبد الله بن عمرو" أخرجه الترمذي وصححه وأبو داود وابن ماجه قال الشوكاني في النيل: إسناده لا مطعن فيه "وعائشة الخ" قال الحافظ في التلخيص مخرجاً أحاديث الباب: أما حديث عائشة وأم سلمة فينظر من أخرجهما "وابن حديدة" كذا في أكثر النسخ قال في أسد الغابة عن أبي نعيم وابن مندة أنه الصواب. قال وقيل أبو حديدة انتهى. بالمعنى وفي بعضها ابن حيدة وفي أبي حديد كذا في بعض الحواشي. قوله: "حديث أبي هريرة حديث حسن" وأخرجه أحمد وأبو داود وابن حبان وصححه. قال الشوكاني قد عزاه الحافظ في بلوغ المرام إلى أحمد والأربعة وهو وهم فإنه ليس في سنن أبي داود غير حديث ابن عمرو ووهم أيضاً بعض الشراح فقال: إن أبا داود زاد في روايته لحديث ابن عمرو لفظ في الحكم وليست تلك الزيادة عند أبي داود. قال ابن رسلان في شرح السنن: وزاد الترمذي والطبراني بإسناد جيد في الحكم انتهى. قلت الأمر كما قال الشوكاني. قوله: "وسمعت عبد الله بن عبد الرحمن" هو عبد الله بن عبد الرحمن بن الفضل بن بهرام السمرقندي

(4/566)


الْعَقَدِيّ. حَدّثَنَا ابنُ أبي ذِئْبٍ عَنْ خَالِهِ الْحَارِثِ بنِ عَبْدِ الرّحْمَنِ، عَنْ أبي سَلَمَةَ، عَنْ عَبْدِ الله بنِ عَمْرو، قَالَ: لَعَنَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم الرّاشِيَ وَالمُرْتَشِيَ. هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
أبو محمد الدارمي الحافظ صاحب المسند ثقة فاضل متقن مات سنة خمس وخمسين ومائتين.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" تقدم تخريجه .

(4/567)


باب ماجاء في قبول الهدية وإجابة الدعوة
...
10 ـ باب مَا جَاءَ في قَبُولِ الْهدِيّةِ وَإِجَابَةِ الدّعْوَة
1355 ـ حدثنا ألو بكر مُحَمّدُ بنُ عَبْدِ الله بنِ بَزِيع. حدّثَنَا بِشْرُ بنُ المُفَضّلِ. حَدّثَنَا سَعِيدٌ عنْ
قَتَادَةَ، عَنْ أنَسٍ بنِ مَالِكٍ، قَالَ قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لَوْ أُهْدِيَ إلَيّ كُرَاعٌ لَقَبِلْتُ. وَلَوْ دُعِيتُ عَلَيْهِ لأَجَبْتُ". وفي البابِ عَنْ عَلِي وَ عَائشَةَ والْمُغِيرَةِ بنِ شُعْبَة و سَلْمَانُ ومُعَاوِيَةَ بْن حَيْدَةَ وَ عَبْدِ الرّحْمَنِ بنِ عَلْقَمَةَ. حَدِيثُ أنَسٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
ـــــــ
باب مَا جَاءَ في قَبُولِ الْهدِيّةِ وَإِجَابَةِ الدّعْوَة
قوله: "لو أهدي إلى كراع" بضم الكاف وفتح الراء المخففة هو مستدق الساق من الرجل، ومن حد الرسغ من اليد. وهو من الغنم والبقر بمنزلة الوظيف من الفرس والبعير. وقيل الكراع ما دون الكعب من الدواب. وقال ابن فارس كراع كل شيء طرفه. كذا في الفتح "ولو دعيت عليه" أي على الكراع، ووقع في حديث أبي هريرة عند البخاري: لو دعيت إلى كراع لأجبت. قال الحافظ في الفتح: وقد زعم بعض الشراح، وكذا وقع للغزالي أن المراد بالكراع في هذا الحديث المكان المعروف بكراع الغميم، وهو موضع بين مكة والمدينة. وزعم أنه أطلق ذلك على سبيل المبالغة في الإجابة ولو بعد المكان لكان المبالغة في الإجابة مع حقارة الشيء أوضح ولهذا ذهب الجمهور إلى أن المراد بالكراع هنا كراع الشاة، وأغرب الغزالي في الإحياء فذكر الحديث بلفظ: ولو دعيت إلى كراع الغميم. ولا أصل لهذه الزيادة انتهى. قلت: لفظ الترمذي ولو دعيت عليه لأجبت يرد على من قال إن المراد بالكراع كراع الغميم. وفي الحديث دليل على حسن خلقه صلى الله عليه وسلم وتواضعه وجبره لقلوب الناس، وعلى قبول الهدية وإجابة من يدعو الرجل إلى منزله.
ولو علم أن الذي يدعوه إليه شيء قليل. قوله: "وفي الباب عن علي وعائشة والمغيرة بن شعبة وسلمان ومعاوية بن حيدة وعبد الرحمن بن علقمة" قال في التلخيص: أخرج أحمد والبزار عن علي رضي الله عنه أن كسرى أهدى النبي صلى الله عليه وسلم هدية فقبل منه، وأن الملوك أهدوا إليه فقبل منهم. وفي النسائي عن عبد الرحمن بن علقمة الثقفي قال : لما قدم وفد ثقيف قدموا معهم بهدية، فقال النبي صلى الله عليه وسلم أهدية أم صدقة؟ الحديث. وفيه قالوا: لا بل هدية فقبلها، وللبخاري عن عائشة: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتى بطعام سأل أهدية أم صدقة؟ فإن قيل صدقة قال لأصحابه كلوا وإن قيل هدية فضرب بيده فأكل معهم. قال الحافظ: والأحاديث في ذلك شهيرة. قوله: "حديث أنس حديث حسن صحيح" وأخرجه البخاري من حديث أبي هريرة بلفظ: لو دعيت إلى كراع لأجبت ولو أهدى إلي ذراع لقبلت .

(4/567)


باب ماجاء في التشديد على من يقضى له بشيء ليس له أن يأخذه
...
11 ـ باب مَا جَاءَ في التّشْدِيدِ عَلَى مَنْ يُقْضَى لَهُ بِشَيْءٍ لَيْس لَهُ أنْ يَأْخذَه
1356 ـ حدثنا هَارُونُ بْنُ إسْحَاقَ الْهَمْدَانِيّ. حَدّثنَا عَبْدَةُ بنُ سُليمانَ عَنْ هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أمّ سَلمَةَ عَنْ أُمّ سَلَمَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم "إنّكم تَخْتَصِمُونَ إِليّ، وَإنّما أنَا بَشَرٌ، وَلَعَلّ بَعْضكُمْ أَنْ يكونَ أَلْحَنَ بِحِجّتِهِ مِنْ بَعْضِ
ـــــــ
باب مَا جَاءَ في التّشْدِيدِ عَلَى مَنْ يُقْضَى لَهُ بِشَيْءٍ لَيْس لَهُ أنْ يَأْخذَه
قوله: "إنكم تختصمون إلي" أي ترمون المخاصمة إلي "وإنما أنا بشر" أي كواحد من البشر في عدم علم الغيب. قال النووي: معناه التنبيه على حالة البشرية. وأن البشر لا يعلمون عن الغيب وبواطن الأمور شيئاً إلا أن يطلعهم الله تعالى على شيء من ذلك. وأنه يجوز عليه في أمور الأحكام ما يجوز عليهم. وأنه إنما يحكم بين الناس بالظاهر ولا يتولى السرائر فيحكم بالبينة وباليمين ونحو ذلك من أحكام الظاهر مع إمكان كونه في الباطن خلاف ذلك. ولو شاء الله لأطلعه على باطن أمر الخصمين فحكم بيقين نفسه من غير حاجة إلى شهادة أو يمين. لكن لما أمر الله تعالى أمته بأتباعه والاقتداء، فأقواله وأفعاله وأحكامه أجرى له

(4/568)


فإن قَضَيْتُ لأِحَدٍ مِنْكُمْ بِشَيءٍ مِنْ حَقّ أَخِيهِ، فإنّما أقْطَعُ لَهُ قطعة مِنْ النّارِ، فَلاَ يَأْخُذْ مِنْهُ شَيْئاً". وفي البابِ عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ وَ عَائِشَةَ. حَدِيثُ أمّ سَلمَةَ، حَدِيثٌ حسنٌ صَحِيحٌ.
ـــــــ
حكمهم في عدم الاطلاع على باطن الأمور ليكون حكم الأمة في ذلك حكمه، فأجرى الله تعالى أحكامه على الظاهر الذي يستوي فيه هو وغيره ليصح الاقتداء به انتهى "ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض" وفي رواية للبخاري ومسلم: ولعل بعضكم أن يكون أبلغ من بعض. قال الحافظ: ألحن بمعنى أبلغ لأنه من لحن بمعنى فطن وزنه ومعناه، والمراد أنه إذا كان أفطن كان قادراً على أن يكون أبلغ في حجته من الاَخر انتهى. "فإنما أقطع له من النار" وفي بعض النسخ قطعة من النار أي الذي قضيت له بحسب الظاهر إذا كان في الباطن لا يستحقه فهو عليه حرام يؤول به إلى النار. وقوله قطعة من النار تمثيل يفهم منه شدة التعذيب على من يتعاطاه فهو من مجاز التشبيه كقوله تعالى: {إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً} قال النووي: في هذا الحديث دلالة لمذهب مالك والشافعي وأحمد وجماهير علماء الإسلام وفقهاء الأمصار من الصحابة والتابعين فمن بعدهم، أن حكم الحاكم لا يحل الباطل ولا يحل حراماً. فإذا شهد شاهداً زور لإنسان بمال، فحكم به الحاكم، لم يحل للمحكوم له من ذلك المال. ولو شهدا عليه بقتل لم يحل للولي قتله مع علمه بكذبهما. وإن شهد بالزور أنه طلق امرأته لم يحل لمن علم بكذبهما أن يتزوجها بعد حكم القاضي بالطلاق. وقال أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه: يحل حكم الحاكم الفروج دون الأموال فقال: نحل نكاح المذكورة. وهذا مخالف لهذا الحديث الصحيح وإجماع من قبله، ومخالف لقاعدة وافق هو وغيره عليها وهي أن الأبضاع أولى بالاحتياط من الأموال انتهى. قوله: "وفي الباب عن أبي هريرة" أخرجه ابن ماجه بنحو حديث الباب "وعائشة" لينظر من أخرجه. قوله: "حديث أم سلمة حديث حسن صحيح" أخرجه الجماعة وله ألفاظ

(4/569)


باب ماجاء أن البينة على المدعي واليمين على المدعي عليه
...
12 ـ باب ما جَاءَ في أنّ الْبَيّنَةَ عَلَى المُدّعِي
وَالْيَمِين عَلَى المُدّعَى علَيْه
1357 ـ حدثنا قُتَيْبَةُ. حدّثنَا أَبُو الأحْوَصِ عَن سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ عَلْقمَةَ بنِ وَائِلِ بن حجر عَنْ أبِيهِ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ مِنْ حَضْرَ مَوْتَ وَرَجُلٌ مِنْ كِنْدَةَ إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم. فقَالَ الحَضْرَمِيّ يَا رَسُولَ الله إنّ هَذَا غَلَبَني عَلَى أرْضٍ لِي. فقَالَ الْكِنْدِيّ: هِيَ أرْضي وَفي يَدِي لَيْسَ لَهُ فِيهَا حَقّ. فقَالَ النبيّ صلى الله عليه وسلم لِلْحَضْرَمِيّ "أَلَكَ بَيّنَةٌ"؟ قالَ: لاَ قالَ "فَلَكَ يَمِينُهُ" قَالَ: يَا رَسُولَ الله إنّ الرّجُلَ فَاجِرٌ لاَ يُبَالِي عَلَى مَا حَلَفَ عَلَيهِ، وَلَيْسَ يَتَوَرّعُ مِنْ شَيْءٍ. قَالَ "لَيْسَ لَكَ مِنْهُ إلاّ ذَلِكَ".
قَالَ، فَانْطَلَقَ الرّجُلُ لِيَحْلِفَ لَهُ. فَقَالَ رَسولُ الله صلى الله عليه وسلم لَمّا أَدْبَرَ "لَئِنْ حَلَفَ عَلَى مَالِكَ لِيَأْكُلَهُ ظُلْماً، ليَلْقَيَنّ الله وَهُوَ عَنْهُ مُعْرِضٌ" وفي البابِ عَنْ عُمَرَ وَابنِ عَبّاسٍ وَعَبْدِ الله بْنِ عَمْروِ
ـــــــ
باب ما جَاءَ في أنّ الْبَيّنَةَ عَلَى المُدّعِي وَالْيَمِين عَلَى المُدّعَى علَيْه
قوله: "عن أبيه" هو وائل بن حجر رضي الله تعالى عنه "جاء رجل من حضرموت" بفتح الحاء المهملة وسكون الضاد وفتح الميم وسكون الواو وآخره مثناة فوقية وهو موضع من أقصى اليمن "ورجل من كندة" بكسر فسكون أبو قبيلة من اليمن "غلبني على أرض ليّ" أي بالغصب والتعدي "هي أرضي" أي ملك لي "وفي يدي" أي وتحت تصرفي "إن الرجل" أي الكندي "فاجر" أي كاذب "إلا ذلك" أي ما ذكر من اليمين "لما أدبر" أي حين ولي على قصد الخلف "على ماله" أي على مال الحضرمي "ليلقين الله" بالنصب "وهو" أي الله "عنه" أي الكندي "معرض" قال الطيبي هو مجاز عن الاستهانة به والسخط عليه والإبعاد عن رحمته نحو قوله تعالى {وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ} قوله: "وفي الباب عن ابن عمر" لينظر من أخرجه "وابن عباس" أخرجه مسلم

(4/570)


وَالأشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ. حَديثُ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ. حدِيثٌ حسنٌ صحيحٌ.
1358 ـ حدثنا عَلِيّ بْنُ حُجْرٍ. أنبأنا عَلِيّ بْنُ مُسْهِرٍ وَغَيْرُهُ عَنْ مُحَمّد بْنِ عُبَيْدِ الله، عَنْ عَمْروِ بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدّهِ أَنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قَالَ في خُطْبتِهِ "الْبيّنَةُ عَلَى الْمُدّعِي. وَاليَمِينُ عَلَى الْمُدّعَى عَلَيْهِ". هذا حديثٌ في إسْنَادِهِ مَقَالٌ وَمُحَمّدُ بْنُ عُبَيْدِ الله الْعَرْزَمِيّ يُضَعّفُ في الْحَدِيثِ مِنْ قِبَلِ حِفْظِهِ. ضَعَفّهُ ابنُ الْمُبَارَكِ وَغَيْرُهُ.
1359 ـ حدثنا مُحَمّدُ بنُ سَهْلِ بنِ عَسْكَرٍ الْبَغْدَادِيّ حدّثنَا مُحَمّدُ بنُ يُوسُفَ. حدّثنَا نَافِعُ بنُ عُمَرَ الجُمَحِيّ عَنْ عَبْدِ الله بنِ أَبي مُلَيْكَةَ، عَن ابنِ عَبّاسٍ أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قضَى أنّ الْيمينَ عَلَى المُدّعَى عَلَيْهِ هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وَالْعَمَلُ عَلَى
ـــــــ
مرفوعاً: لو يعطي الناس بدعواهم لادعى الناس دماء رجال وأموالهم ولكن اليمين على المدعى عليه. وفي رواية البيهقي: لكن البينة على المدعى واليمين على من أنكر، وإسناده حسن أو صحيح على ما قال النووي في شرح مسلم "وعبد الله ابن عمرو" أخرجه الترمذي "والأشعث بن قيس" أخرجه أبو داود وابن ماجه قوله: "حديث وائل بن حجر حديث حسن صحيح" وأخرجه مسلم. قوله: "البينة على المدعى عليه" لأن جانب المدعي ضعيف فكلف حجة قوية وهي البينة وجانب المدعى عليه قوي فقنع منه بحجة ضعيفة وهي اليمين. قوله: "ومحمد بن عبيد الله العرزمي" بعين مهملة مفتوحة فراء ساكنة فزاي مفتوحة أبي عبد الرحمن الكوفي "يضعف في الحديث" قال الحافظ في التقريب: متروك انتهى. وقال الذهبي في الميزان: قال أحمد بن حنبل ترك الناس حديثه. وقال ابن معين: لا يكتب حديثه. وقال الفلاس: متروك، قال الذهبي هو من شيوخ شعبة المجمع على ضعفه ولكن كان من عباد الله الصالحين. مات سنة خمس وخمسين ومائة انتهى. قوله: "قضى أن اليمين على المدعى عليه" أي المنكر ولم يذكر في هذا الحديث

(4/571)


هَذَا عِنْدَ أهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أصْحَابِ النبيّ صلى الله عليه وسلم وَغَيْرِهِمْ أن البَيّنَةَ عَلَى الْمُدّعِي وَالْيَمِينَ عَلَى الْمدّعَى عَلَيْه.
ـــــــ
أن البينة على المدعى، لأنه ثابت مقرر في الشرع. فكأنه قال البينة على المدعى فإن لم يكن له بينة فاليمين على المدعى عليه. قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان .

(4/572)


باب ماجاء في اليمين مع الشاهد
...
13 ـ باب مَا جَاءَ في الْيَمِينِ مَعَ الشّاهِد
1360 ـ حدثنا يَعْقُوبُ بنُ إبْرَاهِيمَ الدّوْرَقِي حَدّثنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بنُ مُحَمّدٍ قَالَ: حَدّثَني رَبِيعةُ بنُ أبي عَبْدِ الرّحْمَنِ، عَنْ سُهَيْلٍ بنِ أبي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أبي هُرِيْرَةَ، قَالَ قَضَى رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم بِالْيَمِينِ مَعَ الشّاهِدِ الْوَاحِدِ قَالَ رَبِيعَةُ: وَأخْبرَنِي ابنٌ لِسَعْدِ بنِ عُبَادَةَ قَالَ: وَجَدْنَا في كِتَابِ سَعْد أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قَضَى بالْيَمينِ مَعَ الشّاهِدِ وفي البابِ عَن عَلِي وَجَابِرٍ وابنِ عَبّاسٍ وَسُرّقَ. حَدِيثُ أبي هُرَيْرَةَ أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قضَى بِالْيَمينِ مَعَ الشّاهِدِ، حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ.
ـــــــ
باب مَا جَاءَ في الْيَمِينِ مَعَ الشّاهِد
قوله: "قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم باليمين مع الشاهد الواحد" قال المظهر يعني كان للمدعي شاهد واحد فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحلف على ما يدعيه بدلاً من الشاهد الاَخر فلما حلف قضى له صلى الله عليه وسلم بما ادعاه. وبهذا قال الشافعي ومالك وأحمد. وقال أبو حنيفة: لا يجوز الحكم بالشاهد واليمين بل لا بد من شاهدين. وخلافهم في الأموال. فأما إذا كان الدعوى في غير الأموال فلا يقبل شاهد ويمين بالاتفاق. كذا في المرقاة. قوله: "وفي الباب عن علي" أخرجه أحمد والدارقطني من طريق جعفر بن محمد عن أبيه عن أمير المؤمنين على أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بشهادة شاهد واحد ويمين صاحب الحق وقضى به أمير المؤمنين بالعراق. "وجابر" أخرجه أحمد وابن ماجه والترمذي "وسرق" بالضم وتشديد الراء وصوب العسكري تخفيفها ابن أسد

(4/572)


1361 ـ حدثنا مُحَمّدُ بْنُ بَشّارٍ وَ مُحَمّدُ بنْ أَبّانَ قَالاَ. حَدّثَنا عَبْدُ الْوَهّابِ الثّقَفِيّ عَنْ جَعفَرِ بنِ مُحَمّدٍ عَنْ أبِيهِ، عَنْ جَابِرٍ أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قَضَى بِالْيَمينِ مَعَ الشّاهِدِ.
1362 ـ حدثنا عَلِيّ بنْ حُجْرٍ. أخبرنا إسْمَاعِيلُ بنُ جَعْفَرٍ. حدّثنَا جعْفَرُ بنُ مُحَمّدٍ عنْ أَبِيهِ أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قضَى بالْيَمينِ مَعَ الشّاهِدِ الْوَاحِدِ قالَ: وَقضَى بهَا عَلِيّ فِيكُمْ. وهذَا أصَحّ. وهَكَذَا رَوَى سُفْيَانُ الثّوْرِيّ، عنْ جَعْفَرِ بنِ مُحَمّدٍ، عنْ أبِيهِ، عنِ النبيّ صلى الله عليه
ـــــــ
الجهني. وقيل غير ذلك نسبه صحابي سكن مصر ثم الإسكندرية وحديثه أخرجه ابن ماجه وفي إسناده رجل مجهول وهو الراوي عنه. قوله: "حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى باليمين مع الشاهد حديث حسن غريب" وأخرجه ابن ماجه وأبو داود وزاد قال عبد العزيز الدراوردي فذكرت ذلك لسهيل فقال أخبرني ربيعة وهو عندي ثقة أني حدثته إياه ولا أحفظه. قال عبد العزيز وقد كان أصاب سهيلاً علة أذهبت بعض عقله ونسي بعض حديثه فكان سهيل بعد يحدثه عن ربيعة عنه عن أبيه انتهى. قال الحافظ في الفتح: رجاله مدنيون ثقات ولا يضره أن سهيل بن أبي صالح نسيه بعد أن حدث به ربيعة لأنه كان بعد ذلك يرويه عن ربيعة عن نفسه انتهى. وروى ابن أبي حاتم في العلل عن أبيه أنه صحيح وقال ابن رسلان في شرح السنن: إنه صحح حديث الشاهد واليمين الحافظان أبو زرعة وأبو حاتم من حديث أبي هريرة وزيد بن ثابت. قوله: "عن جعفر بن محمد" هو جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي أبو عبد الله المعروف بالصادق صدوق فقيه إمام مات سنة ثمان وأربعين ومائة عن ثمان وستين سنة "عن أبيه" هو محمد بن علي بن الحسين أبو جعفر المعروف بالباقر قال ابن سعد: ثقة كثير الحديث توفي سنة أربع عشرة ومائة. "عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى باليمين مع الشاهد" . حديث جابر هذا أخرجه أحمد وابن ماجه أيضاً. قوله: "وهذا أصح" أي كونه مرسلاً أصح قال ابن أبي حاتم في العلل عن أبيه وأبي زرعة هو مرسل. وقال الدارقطني: كان جعفر ربما أرسله وربما وصله. وقال الشافعي والبيهقي: عبد الوهاب وصله وهو ثقة. وقد صحح

(4/573)


وسلم مُرْسَلاً. ورَوَى عَبْدُ العَزِيزِ بنِ أبِي سَلَمَةَ ويحيى بن سُلَيْمٍ هذا الحَدِيثَ عَنْ جعْفَرِ بنِ مُحَمّدِ، عنْ أبِيهِ، عنْ عَلِي، عنِ النبيّ صلى الله عليه وسلم. والعَمَلُ علَى هَذَا عِنْدَ بَعْضِ أهْلِ العِلْمِ مِنْ أصْحَابِ النبيّ صلى الله عليه وسلم وَغيْرِهِمْ رَأوْا أَنّ اليَميِنَ مَعَ الشّاهِدِ الْوَاحِدِ جَائِز في الْحُقُوق والأَمْوَالِ. وهُوَ قَوْلُ مَالِكِ بنِ أنس والشّافِعِيّ وأحْمَدَ وإسْحَاقَ. وقَالُوا: لاَ يُقْضَى بِالْيَمينِ مَعَ الشّاهِدِ الوَاحدِ إلاّ فِي الحُقُوقِ والأمْوَالِ وَلَمْ يَرَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ مِنْ أهْلِ الكُوفَة وَغَيْرِهمْ أَنْ يُقضَى باليَمينِ مَعَ الشّاهِدِ الوَاحِدِ.
ـــــــ
حديث جابر أبو عوانة وابن خزيمة. قوله: "وهو قول مالك بن أنس والشافعي وأحمد وإسحاق" قال النووي. قال جمهور علماء الإسلام من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من علماء الأمصار: يقضي بشاهد ويمين المدعي في الأموال وما يقصد به الأموال. وبه قال أبو بكر الصديق وعلي وعمر بن عبد العزيز ومالك والشافعي وأحمد وفقهاء المدينة وسائر علماء الحجاز ومعظم علماء الأمصار، وحجتهم أنه جاءت أحاديث كثيرة في هذه المسألة من رواية علي وابن عباس وزيد بن ثابت وجابر وأبي هريرة وعمارة بن حزم وسعد بن عبادة، وعبد الله بن عمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة. قال الحفاظ: أصح أحاديث الباب حديث ابن عباس. قال ابن عبد البر: لا مطعن لأحد في إسناده، قال: ولا خلاف بين أهل المعرفة في صحته. قال: وحديث أبي هريرة وجابر وغيرهما حسنان انتهى. "ولم ير بعض أهل العلم من أهل الكوفة وغيرهم أن يقضي باليمين مع الشاهد الواحد" وهو قول أبي حنيفة والكوفيين والشعبي والحكم والأوزاعي والليث والأندلسيين من أصحاب مالك. قالوا لا يحكم بشاهد ويمين في شيء من الأحكام. واحتجوا بقوله تعالى: {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ} وبقوله: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ} وقد حكى البخاري وقوع المراجعة ذلك ما بين أبي الزناد وابن شبرمة، فاحتج أبو الزناد على جواز القضاء بشاهد ويمين بالخبر الوارد في ذلك فأجاب عنه ابن شبرمة بقوله تعالى هذا. قال الحافظ: وإنما تتم له الحجة بذلك على أصل مختلف فيه بين الفريقين يعني الكوفيين والحجازيين، وهو أن الخبر إذا ورد متضمناً لزيادة على ما في القرآن

(4/574)


ـــــــ
هل يكون نسخاً والسنة لا تنسخ القرآن أو لا يكون نسخاً، بل زيادة مستقلة بحكم مستقل إذا ثبت سنده وجب القول به. والأول مذهب الكوفيين، والثاني مذهب الحجازيين. ومع قطع النظر عن ذلك لا تنهض حجة ابن شبرمة لأنها تصير معارضة للنص بالرأي وهو غير معتد به. وقد أجاب الاسماعيلي فقال ما حاصله: إنه لا يلزم من التنصيص على الشيء نفيه عما عداه. قال الحافظ بعد ذكر حاصل بحثه هذا لكن مقتضي ما يحثه إنه لا يقضي باليمين مع الشاهد الواحد إلا عند فقد الشاهدين، أو ما قام مقامهما من الشاهد والمرأتين. وهو وجه للشافعية وصححه الحنابلة ويؤيده ما روى الدارقطني من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعاً: قضى الله ورسوله في يالحق بشاهدين فإن جاء بشاهدين أخذ حقه، وإن جاء بشاهد واحد حلف مع شاهده. وأجاب بعض الحنفية بأن الزيادة على القرآن نسخ وأخبار الاَحاد لا تنسخ المتواتر ولا تقبل الزيادة من الأحاديث إلا إذا كان الخبر بها مشهوراً. وأجيب بأن النسخ رفع الحكم ولا رفع هنا. وأيضاً فالناسخ والمنسوخ لا بد أن يتواردا على محل واحد وهذا غير متحقق في الزيادة على النسخ وغاية ما فيه أن تسمية الزيادة كالتخصيص نسخاً اصطلاح ولا يلزم منه نسخ الكتاب بالسنة لكن تخصيص الكتاب بالسنة جائز، وكذلك الزيادة، عليه كما في قوله تعالى {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ}، وأجمعوا على تحريم نكاح العمة مع بنت أخيها وسند الإجماع في ذلك السنة الثابتة. وكذلك قطع رجل السارق في المرة الثانية ونحو ذلك. وقد أخذ من رد الحكم بالشاهد واليمين لكونه زيادة على ما في القرآن بأحاديث كثيرة أحكام كثيرة كلها زائدة على ما في القرآن كالوضوء بالنبيذ، والوضوء بالقهقهة، ومن القيء، واستبراء المسبية، وترك قطع من سرق ما يسرع إليه الفساد، وشهادة المرأة الواحدة في الولادة، ولا قوة إلا بالسيف ولا جمعة إلا من السمك، ويحرم كل ذي ناب من السباع ومخلب من الطير، ولا يقتل الوالد بالولد، والقضاء بشاهد ويمين لا يخالف ظاهر القرآن لا يمنع أن يجوز أقل مما نص عليه يعني والمخالف لذلك لا يقول بالمفهوم أصلاً فضلاً عن مفهوم العدد كذا في النيل لا يرث القاتل من القتيل، وغير ذلك من الأمثلة التي تتضمن الزيادة على عموم الكتاب. وأجابوا بأن الأحاديث الواردة في هذه المواضع المذكورة أحاديث شهيرة فوجب العمل بها لشهرتها. فيقال لهم: وأحاديث القضاة بالشاهد واليمين رواها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم نيف وعشرون نفساً وفيها ما هو صحيح فأي شهرة على هذه الشهرة؟ قال الشافعي: القضاء بشاهد ويمين لا يخالف ظاهر القرآن لا يمنع أن يجوز أقل مما نص عليه يعني والمخالف لذلك لا يقول بالمفهوم أصلاً فضلاً عن مفهوم العدد كذا في النيل

(4/575)


باب ماجاء في العبد يكون بين رجلين فيعتق أحدهما نصيبه
...
14 ـ باب ما جَاءَ في الْعَبْدِ يَكُونُ بَيْنَ الرّجُليْنِ فَيَعْتِقُ أَحَدُهُمَا نَصِيبَه
1363 ـ حدثنا أَحْمَدُ بنُ مَنِيعٍ. حدّثنَا إِسْمَاعِيلُ بنُ إِبْرَاهِيمَ، عنْ أَيّوبَ، عنْ نَافِعٍ، عنِ ابنِ عُمَرَ، عنِ النبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ: "مَنْ أَعْتَقَ نَصِيباً، أَوْ قَالَ شَقِصاً، أوْ قَالَ شِرْكاً لَهُ في عَبْدٍ، فَكَانَ لَهُ مِنَ المَالِ مَا يَبْلغُ ثَمَنَهُ بِقِيمَةِ الْعَدْلِ، فَهُوَ عَتِيقٌ. وإلاّ فقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ". قالَ أيُوبُ: ورُبّمَا قالَ نَافِعٌ في هَذَا الْحَدِيثِ، يَعْنِي فَقَدْ عتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ. حديثُ ابنِ عُمَرَ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وَقَدْ رَوَاهُ
ـــــــ
باب ما جَاءَ في الْعَبْدِ يَكُونُ بَيْنَ الرّجُليْنِ فَيَعْتِقُ أَحَدُهُمَا نَصِيبَه
قوله: "أو قال شقيصاً" وفي بعض النسخ شقصاً قال في النهاية الشقص والشقيص النصيب في العين المشتركة من كل شيء "أو قال شركا" بكسر الشين وسكون الراء أي حصة ونصيباً كذا في النهاية "فكان له" أي للمعتق وفي رواية الشيخين: وكان له "ما يبلغ ثمنه" وفي رواية الشيخين: ما يبلغ ثمن العبد أي قيمة باقية "بقيمة العدل" أي تقويم عدل من المقومين أو المراد قيمة وسط "فهو" أي العبد "وإلا" أي وإن لم يكن له من المال ما يبلغ ثمن العبد "فقد عتق منه" أي من العبد "ما عتق" . من نصيب المعتق هذا الحديث بظاهره يدل على أن المعتق إن كان موسراً ضمن للشريك، وإن كان معسراً لا يستسعى العبد بل عتق منه ما عتق ورق ما رق. ومذهب أبي حنيفة إن كان موسراً ضمن أو استسعى الشريك العبد أو أعتق، وإن كان معسراً لا يضمن لكن الشريك إما أن يستسعى أو يعتق والولاء لهما لأن الإعتاق يتجزى عنده وقالا أي صاحباه: له ضمانه غنياً والسعاية فقيراً والولاء للمعتق لعدم تجزي الإعتاق عندهما. ومعنى الاستسعاء أن العبد يكلف للاكتساب حتى يحصل قيمته للشريك. وقيل هو أن يخدم الشريك بقدر ما له فيه من الملك كذا في اللمعات. قوله: "حديث أبن عمر حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان "وقد رواه"

(4/576)


سَالِمٌ عنْ أبِيهِ، عنِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم نحوه.
1364 ـ حدثنا بِذَلِكَ الْحَسَنُ بنُ عَلِي الْخَلاّلُ. حدّثنا عَبْدُ الرّزّاقِ. أخبرنا مَعْمَرٌ، عنِ الزّهْرِيّ، عنْ سَالِمٍ، عنْ أبيهِ، عنِ النبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ: "مَنْ أَعْتَقَ نَصِيباً لَهُ في عَبْدٍ، فَكانَ لَهُ مِنَ المَالِ مَا يَبْلغُ ثَمَنَهُ، فَهُوَ عَتِيقٌ مِنْ مَالِه". هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
1365 ـ حدثنا عَليّ بنُ خَشْرَمٍ. أخبرنا عِيسَى بنُ يُونُسَ، عنْ سَعِيدٍ بنِ أبي عَرُوبَةَ، عنْ قَتَادَةَ، عَنِ النّضْرِ بنِ أنَسٍ، عنْ بَشِيرِ بنِ نَهِيكٍ عنْ أبي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ أعْتَقَ نَصِيباً، أوْ قَالَ شَقِصاً في مَمْلُوك، فَخَلاَصُهُ في مَالِهِ إنْ كانَ لَهُ مَالٌ. فإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ، قُوّمَ قِيمَةَ عَدْلٍ ثُمّ يُسْتَسْعَى في نَصِيبِ الّذِي لَمْ يُعْتِقْ، غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْه" وفي البابِ عنْ عَبْدِ الله بنِ عَمْرٍو.
1366 ـ حدثنا مُحَمّدُ بنُ بَشّارٍ. حدّثنَا يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ عَنْ سَعِيدِ بنِ أبي عَرُوبَةَ، نَحْوَهُ.
ـــــــ
أي الحديث المذكور "سالم عن أبيه" أي عن ابن عمر كما رواه نافع عنه ثم أسنده الترمذي بقوله حدثنا بذلك الخ. قوله: "هذا حديث صحيح" وأخرجه البخاري وغيره. قوله: "عن بشير بن نهيك" بفتح الموحدة وكسر الشين المعجمة وبفتح النون وكسر الهاء وزنا واحداً هو أبو الشعثاء البصرى ثقة. قوله: "فخلاصه في ماله إن كان له مال" أي يبلغ قيمة باقية. وفي رواية مسلم من عتق شقصاً في عبد أعتق كله إن كان له مال "وإن لم يكن له" أي للمعتق "قوم" بصيغة المجهول من التقويم "قيمة عدل" أي تقديم عدل من المقومين أو المراد قيمة وسط "يستسعى" بصيغة المجهول. قال النووي رحمه الله: معنى الاستسعاء أن العبد يكلف بالاكتساب والطلب حتى يحصل قيمة نصيب الشريك الاَخر فإذا دفعها إليه عتق. كذا فسره الجمهور. وقال بعضهم: هو أن يخدم سيده الذي لم يعتق بقدر ما له فيه من الرق "غير مشقوق عليه" أي لا يكلف بما يسق عليه. قوله

(4/577)


وقالَ: شقيصاً. هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وَهَكَذَا رَوَى أبّانُ بنُ يَزِيدَ عنْ قَتَادَةَ مثْلَ رِوَايَةِ سَعِيدِ بنِ أبي عَرُوبَةَ، وَرَوَى شُعْبَةُ هَذَا الحَدِيثَ عَنْ قِتَادَةَ ولَمْ يَذْكُرْ فيهِ أمْرَ السّعَايَةِ. واخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في السّعَايَةِ فَرَأَى بَعْضُ أهْلِ العِلمِ السّعَايَةَ في هَذَا. وهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثّوْرِيّ وأهْلِ الكُوفَةِ. وبِهِ يَقُولُ إسْحَاقُ. وقَدْ قَالَ بَعْضُ أهْلِ العِلمِ: إذَا كانَ الْعَبدُ بَيْنَ الرجُلَيْنِ، فَأَعْتَقَ أحَدُهمَا نَصِيبَهُ، فإنْ كانَ لَهُ مالٌ: غَرِمَ نَصِيبَ صَاحِبهِ وعَتَقَ الْعَبْد من ماله وان لم يكن من مال عتق من العبد مَا عَتَقَ، وَلاَ يُسْتَسْعَى. وقَالُوا بِمَا رُوِيَ عنِ ابن عُمَرَ، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم. وهَذَا قَوْلُ أهْلِ المَدِينَةِ. وبِهِ يَقُولُ مَالِكُ بنُ أنَسٍ والشّافِعيّ وأحْمَدُ. وإسحاق
ـــــــ
"وفي الباب عن عبد الله بن عمرو" لينظر من أخرجه قوله: "هذا حديث حسن صحيح" أخرجه الجماعة إلا النسائي كذا في المنتقى. قوله: "وهكذا روى أبان ابن يزيد عن قتادة مثل رواية سعيد بن أبي عروبة نحوه" يعني بذكر الاستسعاء. قوله: "فرأى بعض أهل العلم السعاية في هذا وهو قول سفيان الثوري وأهل الكوفة وبه يقول إسحاق" قال الحافظ في الفتح: وقد ذهب إلى الأخذ بالاستسعاء إذا كان المعتق معسراً أبو حنيفة وصاحباه والأوزاعي والثوري وإسحاق وأحمد في رواية، وآخرون، ثم اختلفوا فقال الأكثر يعتق جميعه في الحال ويستسعى العبد في تحصيل قيمة نصيب الشريك، وزاد ابن أبي ليلى فقال: ثم يرجع العبد على المعتق الأول بما أداه للشريك، وقال أبو حنيفة وحده: يتخير الشريك بين الاستسعاء وبين عتق نصيبه. وهذا يدل على أنه لا يعتق عنده ابتداء إلا النصيب الأول فقط وهو موافق لما جنح إليه البخاري من أنه يصير كالمكاتب وعن عطاء يتخير الشريك بين ذلك وبين إبقاء حصته في الرق. وخالف الجميع زفر فقال يعتق كله وتقوم حصة الشريك فتؤخذ إن كان المعتق موسراً، وترتب في ذمته إن كان معسراً انتهى. "وقالوا بما روي عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم" يعني حديثه المذكور في هذا الباب. "وهذا قول أهل المدينة وبه يقول مالك بن أنس والشافعي وأحمد وإسحاق" قال الحاشية الأحمدية: ليس في

(4/578)


ـــــــ
نسخة صحيحة ذكر إسحاق ههنا وهو الأنسب بما سبق انتهى. واستدل لهم بحديث ابن عمر المذكور في هذا الباب، وبأحاديث أخرى ذكرها الحافظ في الفتح. وأجيب من قبلهم عن حديث أبي هريرة بأن ذكر الاستسعاء فيه مدرج ليس من كلام النبي صلى الله عليه وسلم. وأجيب من جانب الأولين عن حديث ابن عمر رضي الله عنه بأن الذي يدل فيه على ترك الاستسعاء هو قوله: وإلا فقد عتق منه ما عتق. هو مدرج ليس من قول النبي صلى الله عليه وسلم. قال الشوكاني في النيل: والذي يظهر أن الحديثين صحيحان مرفوعان وفاقاً لصاحبي الصحيح ثم قال بعد ذكر مؤيدات لهاتين الزيادتين فالواجب قبول الزيادتين المذكورتين في حديث ابن عمر وحديث أبي هريرة وظاهرهما التعارض والجمع ممكن وقد جمع البيهقي بين الحديثين بأن معناهما أن المعسر إذا أعتق حصته لم يسر العتق في حصة شريكه، بل تبقى حصة شريكه على حالها وهي الرق، ثم يستسعى العبد في عتق بقيته، فيحصل ثمن الجزء الذي لشريك سيده ويدفعه إليه ويعتق وجعلوه في ذلك كالمكاتب، وهو الذي جزم به البخاري. قال الحافظ: والذي يظهر أنه في ذلك باختياره لقوله غير مشقوق عليه. فلو كان ذلك على سبيل اللزوم بأن يكلف العبد الاكتساب والطلب حتى يحصل ذلك لحصل له غاية المشقة، وهي لا تلزم في الكتابة بذلك عند الجمهور لأنها غير واجبة فهذه مثلها. قال البيهقي: لا يبقى بين الحديثين بعد هذا الجمع معارضة أصلاً. قال الحافظ: وهو كما قال إلا أنه يلزم منه أن يبقى الرق في حصة الشريك إذا لم يختر العبد الاستسعاء، فيعارضه حديث أبي المليح، يعني بحديثه الذي يرويه عن أبيه: أن رجلاً من قومنا أعتق شقصاً له من مملوكه فرفع ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فجعل خلاصه عليه في ماله، وقال: ليس لله عز وجل شريك. رواه أحمد وفي لفظ: هو حر على ما إذا كان المعتق غنياً أو على ما إذا كان جميعه له فأعتق بعضه انتهى. وفي هذه المسألة كلام طويل من الجانبين، فإن شئت الوقوف عليه فعليك أن ترجع إلى فتح الباري وغيره

(4/579)


باب ماجاء في العمرى
...
15 ـ باب ما جَاءَ في الْعُمْرَى
1367 ـ حدثنا مُحَمّدُ بنُ المُثَنّى. حدّثْنَا ابنُ أبي عَدِي، عَنْ سَعِيدٍ، عنْ قَتَادَةَ، عنِ الْحَسَنِ، عنْ سَمُرَةَ أنّ نَبيّ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: "الْعُمْرَى جَائِزَةٌ لإهْلِهَا، أوْ مِيراثٌ لإهْلهَا". وفي البابِ عَنْ زَيْدِ بنِ ثَابِتٍ وجَابِرٍ، وأبي هُرَيْرَةَ وعَائِشَةَ وابنِ الزّبَيْرِ وَمُعَاوِيَةَ.
ـــــــ
باب ما جاء في العمرى
بضم العين المهملة وسكون الميم مع القصر قال الحافظ في الفتح وحكى ضم الميم مع ضم أوله وحكى فتح أوله مع السكون انتهى. قال في النهاية: يقال أعمرته الدار عمرى، أي جعلتها له يسكنها مدة عمره فإذا مات عادت إليّ، وكذا كانوا يفعلون في الجاهلية، فأبطل ذلك، وأعلمهم أن من أعمر شيئاً أو أرقبه في حياته فهو لورثته من بعده. وقد تعاضدت الروايات على ذلك والفقهاء فيها مختلفون فمنهم من يعمل بظاهر الحديث ويجعلها تمليكاً، ومنهم من يجعلها كالعارية ويتأول الحديث انتهى. قلت الجمهور على أن العمرى إذا وقعت كانت ملكاً للاَخذ ولا ترجع إلى الأول، إلا إن صرح باشتراط ذلك ثم اختلفوا إلى ما يتوجه التمليك فالجمهور أنه يتوجه إلى الرقبة كسائر الهبات. حتى لو كان المعمر عبداً فأعتقه الموهوب له، نفذ بخلاف الواهب. وقيل يتوجه إلى المنفعة دون الرقبة. وهو قول مالك والشافعي في القديم، وهل يسلك به مسلك العارية أو الوقف؟ روايتان عند المالكية. وعن الحنفية التمليك في العمرى يتوجه إلى الرقبة وفي الرقبى إلى المنفعة. وعنهم إنها باطلة كذا ذكره الحافظ. قلت ما ذهب إليه الجمهور هو الظاهر
قوله: "العمرى جائزة لأهلها" أي لأهل العمرى وهو المعمر له "أو ميراث لأهلها" شك من الراوي. وروى مسلم من حديث جابر مرفوعاً بلفظ: إن العمرى ميراث لأهلها. وفيه دليل على أن العمرى تمليك الرقبة والمنفعة فهو حجة على مالك رحمه الله في قوله: إن العمرى تمليك المنافع دون الرقبة. وحديث سمرة هذا أخرجه أحمد أيضاً وفي سماع الحسن من سمرة كلام. قوله: "وفي الباب عن زيد بن ثابت" أخرجه ابن حبان بلفظ: العمرى سبيلها سبيل الميراث "وجابر" أخرجه مسلم وغيره بألفاظ "وأبي هريرة"

(4/580)


1368 ـ حدثنا الأنْصَارِيّ. حدّثَنَا مَعْنٌ. حدّثنَا مَالِكٌ عنِ ابنِ شِهَابٍ، عن أبِي سَلَمَةَ، عنْ جَابِرِ أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ: "أيّمَا رَجُلٍ أُعْمِرَ عُمْرَى لَهُ وَلِعَقبِهِ، فَإِنّهَا لِلّذِي يُعطَاهَا، لا تَرْجِعُ إلى الّذي أعْطَاهَا. لأنّهُ أعْطَى عَطَاءً وَقَعَتْ فِيهِ المَوَارِيثُ". هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وهَكَذَا رَوَى مَعْمَرٌ وغَيرُ وَاحِدٍ عنِ الزّهْرِيّ، مِثْلَ روَايَةِ مَالِكٍ. ورَوَى بَعْضُهُمْ عنِ الزّهْرِيّ، وَلمْ يَذْكُرْ فِيهِ "وَلِعَقبِهِ" . وروى هذا الحديث من غير وجه عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال العمري جائزة لأهلها وليس فيها "لعقبه" وهذا حديث حسن صحيح. والعملُ على هَذَا عِنْدَ بَعْضِ أهْلِ العِلمِ. قَالُوا: إذَا قالَ: هَيَ لَكَ، حَيَاتَكَ وَلَعَقِبِكَ، فإنها لِمَنْ أُعْمِرَهَا، لاَ تَرْجِعُ إلا الأَوّلِ. وإذَا لَمْ يَقُلْ "لِعَقِبكَ" فَهِيَ رَاجِعَةٌ إلى الأَوّلِ إذا مَاتَ المُعْمَرُ. وهُوَ قَوْلُ مَالِكِ بنِ أنسٍ والشّافِعِيّ. ورُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَن النبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ: "الْعُمْرَى جَائِزةٌ لأَهْلِهَا" والْعَمَلُ عَلى هَذَا عِنْدَ بَعْضِ أهْلِ العِلمِ
ـــــــ
أخرجه البخاري ومسلم بلفظ: العمرى جائزة "وعائشة وابن الزبير ومعاوية" أما حديث ابن الزبير فأخرجه الطبراني ذكره العيني في العمدة. وأما حديث عائشة ومعاوية فلينظر من أخرجه.
قوله: "أيما رجل أعمر" بصيغة المجهول "عمرى" قال القاري هو مفعول مطلق "له" متعلق بعمر والضمير للرجل "ولعقبه" بكسر القاف ويجوز إسكانها مع فتح العين ومع كسرها كما في نظائره والعقب هم أولاد الإنسان ما تناسلوا قاله النووي. "فإنها" أي العمرى "للذي يعطاها" بصيغة المجهول "لأنه أعطى" على بناء الفاعل وقيل على بناء المفعول "عطاء وقعت فيه المواريث" والمعنى أنها صارت ملكاً للمدفوع إليه، فيكون بعد موته لوارثه كسائر أملاكه ولا ترجع إلى الدافع قوله: "هذا حديث صحيح" وأخرجه مسلم قوله: "والعمل على هذا" أي على حديث جابر المذكور "هي لك حياتك" بالنصب أي الدار لك مدة حياتك "ولعقبك" ولأولادك "فإنها لمن أعمرها" بصيغة المجهول "لا ترجع إلى الأول أي المعمر "إذا مات المعمر" أي المعمر له "وهو قول مالك بن أنس والشافعي" وهو قول الزهري. واحتجوا بحديث جابر المذكور فإن مفهوم الشرط الذي تضمنه أيما والتعليل يدل على أن

(4/581)


قَالُوا: إذَا مَاتَ المُعْمَرُ فَهُوَ لِوَرَثَتِهِ. وإنْ لمْ تجْعَلْ لِعَقِبهِ. وهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثّوْرِيّ وأحْمَدَ وإسْحَاقَ.
ـــــــ
من لم يعمر له كذلك لم يورث منه العمرى بل يرجع إلى المعطى. وبما روى مسلم عن جابر رضي الله عنه مرفوعاً. قال: إنما العمرى التي أجاز رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقول: هي لك ولعقبك، فأما إذا قال هي لك ما عشت فإنها ترجع إلى صاحبها. واعلم أن قول الشافعي هذا في القديم كما صرح به الحافظ في الفتح. وأما قوله في الجديد فكقول الجمهور. "وروي من غير وجه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: العمرى جائزة لأهلها" أي بدون ذكر ولعقبه. "وهو قول سفيان الثوري وأحمد وإسحاق" وهو قول أبي حنيفة رحمه الله والجمهور. واحتجوا بما روى مسلم عن جابر مرفوعاً: أن العمرى ميراث لأهلها. وبما روى هو عنه مرفوعاً: أمسكوا أموالكم عليكم لا تفسدوها فإنه من أعمر عمرى فهي للذي أعمر حياً وميتاً ولعقبه. قال النووي رحمه الله: والمراد به إعلامهم أن العمرى هبة صحيحة ماضية يملكها الموهوب له ملكاً تاماً لا يعود إلى الواهب أبداً. فإذا علموا ذلك فمن شاء أعمر ودخل على بصيرة، ومن شاء ترك لأنهم كانوا يتوهمون أنها كالعارية ويرجع فيها. وهذا دليلي للشافعي وموافقيه انتهى. قال الحافظ في الفتح بعد ذكر روايات العمرى المختلفة ما لفظه: فيجتمع من هذه الروايات ثلاثة أحوال: أحدها ـ أن يقول هي لك ولعقبك. فهذا صريح في أنها للموهوب له ولعقبه. ثانيها ـ أن يقول هي لك ما عشت فإذا مت رجعت إلى. فهذه عارية مؤقتة وهي صحيحة، فإذا مات رجعت إلى الذي أعطى، وقد بينت هذه والتي قبلها رواية الزهري، وبه قال أكثر العلماء ورجحه جماعة من الشافعية، والأصح عند أكثرهم: لا ترجع إلى الواهب، واحتجوا بأنه شرط فاسد فلغي ثالثها ـ أن يقول أعمرتكها ويطلق. فرواية أبي الزبير هذه "يعني بها ما رواه مسلم عنه عن جابر قال: جعل الأنصار يعمرون المهاجرين فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أمسكوا عليكم أموالكم ولا تفسدوها فإنه من أعمر عمرى فهي للذي أعمرها حياً وميتاً ولعقبه" تدل على أن حكمها حكم الأول، وأنها لا ترجع إلى الواهب. وهو قول الشافعي في الجديد والجمهور، وقال في القديم: العقد باطل من أصله. وعنه كقول مالك. وقيل القديم عن الشافعي كالجديد. وقد روى النسائي أن قتادة حكى أن سليمان بن هشام بن عبد الملك سأل الفقهاء عن هذه المسألة أعني صورة الإطلاق فذكر له قتادة عن الحسن وغيره أنها جائزة، وذكر له حديث أبي هريرة بذلك وذكر له عن عطاء عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل ذلك. قال فقال الزهري إنما العمرى أي الجائزة إذا أعمر له ولعقبه من بعده. فإذا لم يجعل عقبه من بعده كان للذي يجعل شرطه. قال قتادة: واحتج الزهري بأن الخلفاء لا يقضون بها. فقال عطاء: قضى بها عبد الملك بن مروان انتهى .

(4/582)


باب ماجاء في الرقبى
...
16ـ باب ما جَاءَ في الرّقْبَي
1369 ـ حدثنا أحْمَدُ بنُ مَنِيعٍ. حدّثنَا هُشَيْمٌ عنْ دَاوُدَ بنِ أبِي هِنْدٍ، عنْ أبي الزّبَيْرِ، عنْ جَابِرٍ، قالَ: قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "الْعُمْرَى جَائِزَة لإهْلِهَا. والرّقْبَى جَائِزَةٌ لإهْلِهَا".
قال أبو عيسى هذا حديثٌ حسنٌ. وقَدْ رَوَاهُ بَعْضُهُمْ عنْ أبي الزّبَيْرِ بهذا الاسناد عنْ جَابِرٍ مَوْقُوفاً. ولم يرفعه والْعَمَلُ عَلى هَذَا عِنْدَ بَعْضِ أهْلِ العِلمِ مِنْ أصْحَابِ النبي صلى الله عليه وسلم وغَيْرِهِمْ أنّ الرّقْبَي جَائِزَةٌ مِثْلَ العُمْرَى
ـــــــ
باب ما جاء في الرقبى
على وزن حبلى. قال الجزري في النهاية: الرقبي هو أن يقول الرجل للرجل قد وهبت لك هذه الدار فإن مت قبلي رجعت إلي، وإن مت قبلك فهي لك وهي فعلى من المراقبة لأن كل واحد منهما يرقب موت صاحبه انتهى. قال القاري الرقبى لا تصح عند أبي حنيفة ومحمد وتصح عند أبي يوسف رحمهم الله انتهى. وقال الحافظ في الفتح: العمرى والرقبى متحد المعنى عند الجمهور، ومنع الرقبى مالك وأبو حنيفة ومحمد ووافق أبو يوسف الجمهور. وقد روى النسائي بإسناد صحيح عن ابن عباس موقوفاً: العمرى والرقبى سواء إنتهى . قوله: "العمرى جائزة لأهلها" أي لمن أعمر له "والرقبى جائزة لأهلها" أي لمن أرقب له. وروى النسائي عن ابن عباس مرفوعاً بلفظ العمرى لمن أعمرها، والرقبى لمن أرقبها، والعائد في هبته كالعائد في قيئه. قوله: "هذا حديث حسن" أخرجه الخمسة كذا

(4/583)


وهُوَ قَوْلُ أحْمَدَ وإسْحَاقَ. وَفرّقَ بَعْضُ أهْلِ العِلمِ مِنْ أهْلِ الْكُوفَةِ وغَيْرِهِمْ بَيْنَ العُمْرَى وَالرّقْبَى. فَأَجَازُوا العُمْرَى وَلَمْ يُجِيزُوا الرّقْبَى. وَتَفْسِيرُ الرّقْبَى أنْ يَقُولَ: هَذَا الشيءُ لَكَ مَا عِشْتَ. فَإِنّ مِتّ قَبْلِي فَهِيَ رَاجِعَةٌ إلَيّ. وقالَ أحْمَدُ وإسْحَاقُ: الرّقْبَى مِثْلُ العُمْرَى. وهِيَ لِمَنْ أُعْطِيَهَا. ولاَ تَرْجِعُ إلَى الأَوّلِ.
ـــــــ
في المنتقى قوله: "ولم يجيزوا الرقبى" وحديث الباب وما في معناه حجة عليهم. قوله: "قال أحمد وإسحاق الرقبى مثل العمرى الخ" وهو قول الجمهور، وهو الظاهر يدل عليه حديث الباب. وفي الباب أحاديث ذكرها الزيلعي في نصب الراية في باب الرجوع في الهبة.

(4/584)


باب ماذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصلح بين الناس
...
17 ـ باب مَا ذُكِرَ عَنْ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم
في الصّلْحِ بَيْنَ النّاس
1370 ـ حدثنا الْحَسَنُ بنُ عَلِي الْخَلاّلُ. حدّثَنَا أبُو عَامِرٍ الْعَقَدِيّ. حدّثنَا كَثِيرُ بنُ عَبْدِ الله بنِ
عَمْرِو بنِ عَوْفٍ المُزْنِيّ عنْ أبِيهِ، عنْ جَدّهِ أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: "الصّلْحُ جَائِزٌ بَيْنَ المُسْلِمِينَ. إلاّ صُلْحاً حَرّمَ حَلاَلاً أوْ أحَلّ حَرَاماً. والمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ،
ـــــــ
باب مَا ذُكِرَ عَنْ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم في الصّلْحِ بَيْنَ النّاس
قوله: "حدثنا أبو عامر العقدي" بفتح العين المهملة والقاف اسمه عبد الملك ابن عمرو القيسي ثقة "حدثنا كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني" قال في التقريب ضعيف من السابعة منهم من كذبه. قوله: "الصلح جائز بين المسلمين" خصهم لا لإخراج غيرهم بل لدخولهم في ذلك دخولاً أولياً اهتماماً بشأنهم "إلا صلحاً حرم حلالاً" كمصالحة الزوجة للزوج على أن لا يطلقها أو لا يتزوج عليها أو لا يبيت عند ضرتها. "أو أحل حراماً" كالصلح على أكل ما لا يحل أكله أو نحو ذلك. "والمسلمون على شروطهم" أي ثابتون عليها لا يرجعون

(4/584)


إلاّ شَرْطاً حَرّمَ حَلاَلاً أوْ أحَلّ حَرَاماً". هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
عنها "إلا شرطاً حرم حلالاً" فهو باطل كان يشترط أن لا يطأ أمته أو زوجته أو نحو ذلك "أو أحل حراماً" كأن يشترط نصرة الظالم أو الباغي أو غزو المسلمين قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه ابن ماجه وأبو داود وانتهت روايته عند قوله شروطهم. وفي تصحيح الترمذي هذا الحديث نظر فإن في إسناده كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف وهو ضعيف جداً، قال فيه الشافعي وأبو داود: هو ركن من أركان الكذب. وقال النسائي: ليس بثقة. وقال ابن حبان: له عن أبيه عن جده نسخة موضوعة. وتركه أحمد وقد نوقش الترمذي في تصحيح حديثه. قال الذهبي: أما الترمذي فروى من حديثه: الصلح جائز بين المسلمين وصححه، فلهذا لا يعتمد العلماء على تصحيحه. وقال ابن كثير في إرشاده: قد نوقش أبو عيسى يعني الترمذي في تصحيحه هذا الحديث وما شاكله انتهى. واعتذر له الحافظ فقال وكأنه اعتبر بكثرة طرقه كذا قال الشوكاني في النيل: وذكر فيه طرقه، وقال بعد ذكرها: لا يخفي أن الأحاديث المذكورة والطرق يشهد بعضها لبعض، فأقل أحوالها أن يكون المتن الذي اجتمعت عليه حسناً انتهى .

(4/585)


باب ماجاء في الرجل يضع على حائط جاؤه خشباً
...
18 ـ باب ما جَاءَ في الرّجُلِ يَضَعُ عَلَى حَائِطِ جَارِهِ خَشَبا
1371 ـ حدثنا سَعِيدُ بنُ عَبْدِ الرّحمَنِ المخزومي، حدّثنَا سُفْيَانُ بنُ عُيَيْنَةَ عنِ الزّهْرِيّ، عنْ الأَعْرَجِ، عنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: قالَ رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إذَا اسْتَأْذَنَ أحَدَكُمُ جَارُهُ أنْ يَغْرِزَ خَشَبَةً في جِدَارِهِ، فَلاَ يَمْنَعْهُ".
ـــــــ
باب ما جَاءَ في الرّجُلِ يَضَعُ عَلَى حَائِطِ جَارِهِ خَشَبا
قوله: "أن يغرز" بكسر الراء أي يضع "خشبة" بالإفراد المراد به الجنس لأنه قد وقع في صحيح البخاري وغيره خشبة بالجمع. قال ابن عبد البر روي اللفظان في الموطإ والمعنى واحد، لأن المراد بالواحد الجنس انتهى. قال الحافظ: وهذا الذي يتعين للجمع بين الروايتين وإلا فالمعنى قد يختلف باعتبار أن أمر الخشبة الواحدة أخف في مسامحة الجار بخلاف الخشب الكثير انتهى. "فلا يمنعه"

(4/585)


فَلَمّا حَدّثَ أبُو هُرَيْرَةَ، طَأْطَأُوا رُؤُوسهُمْ، فقَالَ: مَالِي أَرَاكُمْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ؟ وَالله لأرْمِيَنّ بِهَا بَيْنَ أكْتَافِكُمْ. وفي البابِ عنِ ابنِ عَبّاسٍ وَمُجَمّع بنِ جَارِيَةَ. حديثُ أبي هُرَيْرَةَ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. والعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ بَعْضِ أهْلِ العِلمِ. وبِهِ يَقُولُ الشّافِعِيّ. وَرَوَى عن بَعْض أهْلِ العِلمِ مِنْهُمْ مَالِكُ بنُ أنَسٍ. قَالُوا: لَهُ أنْ يَمْنَعَ جَارَهُ أنْ يَضَعَ خَشَبَهُ في جِدَارِهِ. وَالْقَوْلُ الأوّلُ أصَحّ.
ـــــــ
بالجزم استدل به على أن الجدار إذا كان لواحد وله جار فاستأذنه أن يضع جذعه عليه فليس له المنع "فلما حدث أبو هريرة" أي هذا الحديث "طأطأوا" أي نكسوا وفي رواية ابن عيينة عند أبي داود، فنكسوا رؤوسهم "عنها" أي عن هذه السنة أو عن هذه المقالة "لأرمين بها" وفي رواية أبي داود لألقينها أي لأشيعن هذه المقالة فيكم ولأقر عنكم بها كما يضرب الإنسان بالشيء بين كتفيه ليستيقظ من غفلته. وقال الخطابي معناه: إن لم تقبلوا هذا الحكم وتعملوا به راضين لأجعلنها أي الخشبة على رقابكم كارهين. قال وأراد بذلك المبالغة وبهذا التأويل جزم إمام الحرمين تبعاً لغيره: وقال، إن ذلك وقع من أبي هريرة حين كان يلي إمرة المدينة. وقد وقع عند ابن عبد البر: لأرمين بها بين أعينكم وإن كرهتم. وهذا يرجح التأويل المتقدم. كذا في الفتح، قوله: "وفي الباب عن ابن عباس" أخرجه ابن ماجه "ومجمع بن جارية" أخرجه ابن ماجة والبيهقي. قوله: "حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح" أخرجه الجماعة إلا النسائي قوله: "وبه يقول الشافعي" وبه يقول أحمد وإسحاق وغيرهما من أهل الحديث وابن حبيب من المالكية. قاله الحافظ. وقد صرح هو بأن قول الشافعي هذا في القديم، قال وعنه في الجديد قولان. أحدهما اشتراط إذن المالك، فإن امتنع لم يجبر. وهو قول الحنفية. وحملوا الأمر في الحديث على الندب. والنهي على التنزيه جمعاً بينه وبين الأحاديث الدالة على تحريم مال المسلم إلا برضاه انتهى. "منهم مالك بن أنس قالوا الخ" وبه قال أبو حنيفة رحمه الله والكوفيون "والقول الأول أصح" لأحاديث الباب، وأما الأحاديث القاضية بأنه لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة من نفسه. فعمومات قال البيهقي: لم نجد في السنن الصحيحة ما يعارض هذا الحكم إلا عمومات لا يستنكر أن يخصها. وحمل بعضهم الحديث على ما إذا تقدم استئذان الجار. كما وقع في رواية لأبي داود بلفظ: إذا استأذن أحدكم أخاه. وفي رواية لأحمد من سأله جاره وكذا في رواية لابن حبان، فإذا تقدم الاستئذان لم يكن للجار المنع لا إذا لم يتقدم .

(4/586)


باب ماجاء أن اليمين على ما يصدقه صاحبه
...
19 ـ باب ما جَاءَ أنّ الْيَمِينَ عَلَى مَا يُصَدّقُهُ صَاحِبُه
1372 ـ حدثنا قُتَيْبَةُ وَ أَحْمَدُ بنُ مَنِيعٍ "المَعْنَى وَاحِدٌ" قالاَ: حدّثنَا هُشَيْمٌ عنْ عَبْدِ الله بنِ أبي صَالِحٍ، عنْ أبِيهِ، عنْ أبي هُرَيْرَةَ، قالَ: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "الْيَمِينُ عَلَى مَا يُصَدّقُكَ بِهِ صَاحِبُكَ". وقال قتيبة "على ما صدقك عليه صاحبك. هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ. وعبدالله بن ابي صالح هو أخو سهيل بن أبي صالح لاَ نَعْرِفُهُ إلاّ مِنْ حدِيثِ هُشَيْمٍ عنْ عَبْدِ الله بنِ أبي صَالِحٍ.
ـــــــ
باب ما جَاءَ أنّ الْيَمِينَ عَلَى مَا يُصَدّقُهُ صَاحِبُه
قوله: "المعنى واحد" أي في لفظ قتيبة، وأحمد بن منيع اختلاف ومعنى حديثهما واحد "اليمين" أي الحلف مبتدأ خبره قوله: "على ما يصدقك به صاحبك" قال القاري أي خصمك ومدعيك ومحاورك. والمعنى أنه واقع عليه لا يؤثر فيه التورية فإن العبرة في اليمين بقصد المستحلف إن كان مستحقاً وإلا فالعبرة بقصد الحالف فله التورية. قال هذا خلاصة كلام علمائنا من الشراح انتهى كلام القاري. وقال النووي في شرح مسلم: هذا الحديث محمول على الحلف باستحلاف القاضي، فإذا ادعى رجل على رجل فحلفه القاضي فحلف، وورى فنوى غير ما نوى القاضي. انعقدت يميينه على ما نواه القاضي ولا ينفعه التورية. وهذا مجمع عليه ودليله هذا الحديث والإجماع. فأما إذا حلف بغير استحلاف القاضي وورى فتنفعه التورية. ولا يحنث سواء حلف ابتداء من غير تحليف أو حلفه غير القاضي وغير نائبه في ذلك، ولا اعتبار بنية المستحلف غير القاضي واعلم أن التورية وإن كان لا يحنث بها فلا يجوز فعلها حيث يبطل بها حق مستحق. وهذا مجمع عليه. هذا تفصيل مذهب الشافعي وأصحابه انتهى كلامه مختصراً. قوله: "هذا حديث حسن غريب" وأخرجه مسلم وأحمد وأبو داود وابن ماجه، وفي رواية لمسلم: اليمين على نية المستحلف. وهو بكسر اللام .

(4/587)


والْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ بَعْضِ أهْلِ العِلم. وَبِهِ يَقولُ أحْمَدُ وَإِسْحَاقُ. وَرُوِيَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النّخَعِيّ أنّهُ قالَ: إذَا كَانَ المُسْتَحلِفُ ظَالماً، فَالنّيّةُ نِيّةُ الحَالِفِ. وإِذَا كَانَ المُسْتَحْلِفُ مَظْلُوماً، فالنّيّةُ نيّةُ الّذِي اسْتَحْلَفَ.

(4/588)


باب ماجاء في الطريق إذا اختلف فيه كم يجعل ؟
...
20 ـ باب ما جَاءَ في الطّرِيقِ إذَا اخْتُلِفَ فِيهِ، كَمْ يُجْعَلُ؟
1373 ـ حدثنا أبُو كُرَيْبٍ. حدّثنَا وَكِيعٌ عنْ المُثَنّى بنِ سَعِيدٍ الضّبَعِيّ، عن قَتَادَةَ عنْ بَشِيرِ بنِ
نَهِيك، عنْ أبي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "اجْعَلُوه الطّرِيقِ سَبْعَةَ أذْرُعٍ".
1374 ـ حدثنا مُحَمّدُ بنُ بَشّارٍ. حدّثنَا يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ. حدّثنَا الْمُثَنّى بنُ سَعِيدٍ عنْ قَتَادَةَ، عنْ بُشَيْر بنِ كَعْبٍ العَدَوِيّ، عَنْ أبي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إذَا تَشَاجَرْتُمْ في الطّرِيقِ
ـــــــ
باب ما جَاءَ في الطّرِيقِ إذَا اخْتُلِفَ فِيهِ، كَمْ يُجْعَلُ
قوله: "عن بشير بن نهيك" بفتح النون وكسر الهاء وآخره كاف وبشير بفتح الموحدة ثقة من الثالثة قوله: "اجعلوا الطريق سبعة أذرع" قال الحافظ: الذي يظهر أن المراد بالذراع ذراع الاَدمي فيعتبر ذلك بالمعتدل، وقيل المراد بالذراع ذراع البنيان المتعارف. قال الطبري: معناه أن يجعل قدر الطريق المشتركة سبعة أذرع ثم بيقى بعد ذلك لكل واحد من الشركاء في الأرض قدر ما ينتفع به ولا يضر غيره. والحكمة في جعلها سبعة أذرع لتسلكها الأحمال والأثقال دخولاً وخروجاً ولبيع ما لا بد لهم من طرحه عند الأبواب والتحق بأهل البنيان من قعد للبيع في حالة الطريق. فإن كانت الطريق أزيد من سبعة أذرع لم يمنع من القعود في الزائد، وإن كان أقل منع لئلا يضيق الطريق على غيره انتهى. قوله: "عن بشير بن كعب" بضم الموحدة وفتح الشين مصغراً مخضرم وثقه النسائي. قوله: "إذا تشاجرتم" من المشاجرة بالمعجمة والجيم أي تنازعتم

(4/588)


فَاجْعَلُوه سَبْعَةَ أذْرُعٍ". وهَذَا أصَحّ مِنْ حدِيثِ وَكِيعٍ. وفي البابِ عنِ ابنِ عَبّاسٍ. حديثُ بُشَيْرِ بنِ كَعْبِ الْعَدَوِيّ عنْ أبي هُرَيْرَةَ، حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وَرَوَى بَعْضُهُمْ هَذَا عَنْ قَتَادَةَ، عنْ بَشِيرِ بنِ نَهيكٍ، عَنْ أبي هُرَيْرَةَ. وهُوَ غَيْرُ مَحْفُوظٍ.
ـــــــ
وفي رواية مسلم: إذا اختلفتم قوله: "فاجعلوه سبعة أذرع" قال النووي: أما قدر الطريق فإن جعل الرجل بعض أرضه المملوكة طريقاً مسبلة للمارين فقدرها إلى خيرته، والأفضل توسيعها وليس هذه الصورة مرادة الحديث. وإن كان الطريق بين أرض لقوم وأرادوا إحيائها فإن اتفقوا على شيء فذاك. وإن اختلفوا في قدره جعل سبعة أذرع هذا مراد الحديث. أما إذا وجدنا طريقاً مسلوكا وهو أكثر من سبعة أذرع فلا يجوز لأحد أن يستولي على شيء منه وإن قل. لكن له عمارة ما حواليه من الموات ويملكه بالإحيار بحيث لا يضر المارين انتهى. قوله: "وفي الباب عن ابن عباس" أخرجه عبد الرزاق مرفوعاً بلفظ: إذا اختلفتم في الطريق الميتاء فاجعلوها سبعة أذرع. وفي الباب عن عبادة بن الصامت. أخرجه عبد الله بن أحمد في زيادات المسند والطبراني. وعن أنس: أخرجه ابن عدي. وفي كل من الأسانيد الثلاثة مقال، قاله الحافظ. قوله: "حديث بشير بن كعب عن أبي هريرة حديث حسن صحيح" أخرجه الجماعة إلا النسائي .

(4/589)


باب ماجاء في تخيير الغلام بين أبويه إذا افترقا
...
21 ـ باب ما جَاءَ في تَخْيِير الْغُلاَم بَيْنَ أبَوَيْهِ إذَا افْتَرَقَا
1375 ـ حدثنا نَصْرُ بنُ عَلِي. حَدّثنَا سُفْيَانُ عنْ زِيَادِ بنِ سَعْدٍ. عنْ هِلاَلِ بنِ أبي مَيْمُونَةَ الثّعْلَبِيّ، عنْ أبي مَيْمُونَةَ، عنْ أبي هُرَيْرَةَ، أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم خَيّرَ غُلاَماً بَيْنَ أبِيهِ وَأُمّهِ. قال وفي البابِ
ـــــــ
باب ما جاء في تخيير الغلام بين أبويه إذا افترقا
أي بالطلاق. قوله: "خير غلاماً" قال القاري: أي ولداً بلغ سن البلوغ، وتسميته غلاماً باعتبار ما كان كقوله تعالى {وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ} وقيل غلاماً مميزاً انتهى. قلت الظاهر أن المراد الغلام المميز "بين أبيه وأمه" قال القاري

(4/589)


عَنْ عَبْدِ الله بنِ عَمْرٍو، وجَدّ عَبْدِ الْحَمِيدِ بنِ جَعْفَرٍ. حَدِيثُ أبي هُرَيْرَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وأبُو مَيْمُونَةَ اسْمُهُ سُلَيْمٌ وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ بَعْضِ أهْلِ العِلْمِ مِنْ أصْحَابِ النبيّ صلى الله عليه وسلم وَغَيْرهِمْ. قَالُوا:
ـــــــ
وهو مذهب الشافعي. وأما عندنا فالولد إذا صار مستغنياً بأن يأكل وحده ويشرب وحده ويلبس وحده قيل ويستنجي وحده فالأب أحق به. والخصاف قدر الاستغناء بسبع سنين وعليه الفتوى. قال ابن الهمام: إذا بلغ الغلام السن الذي يكون الأب أحق به كسبع مثلاً أخذه الأب. ولا يتوقف على اختيار الغلام ذلك. وعند الشافعي: يخير الغلام في سبع أو ثمان. وعند أحمد وإسحاق: يخير في سبع. لهذا الحديث انتهى. قوله: "وفي الباب عن عبد الله بن عمرو" أخرجه أحمد وأبو داود بلفظ: أن امرأة قالت يا رسول الله إن ابني هذا كان بطني له وعاء، وثديي له سقاء، وحجرى له حواء. وإن أباه طلقني، وأراد أن ينزعه مني. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أنت أحق به ما لم تنكحي". ورواه الحاكم وصححه "وجد عبد الحميد بن جعفر" أخرجه أبو داود في الطلاق، والنسائي في الفرائض عن عبد الحميد بن جعفر عن أبيه عن جده رافع بن سنان: أنه أسلم وأبت امرأته أن تسلم فجاء بأبن له صغير لم يبلغ. فأجلس النبي صلى الله عليه وسلم الأب ههنا والأم ههنا ثم خيره وقال: اللهم اهده فذهب إلى أبيه. رواه أحمد والنسائي. وفي رواية عن عبد الحميد بن جعفر قال أخبرني أبي عن جدي رافع بن سنان أنه أسلم وأبت امرأته أن تسلم فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت ابنتي وهي فطيم أو شبههه. وقال رافع ابنتي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أقعد ناحية، وقال لها اقعدي ناحية، فأقعدت الصبية بينهما ثم قال ادعوها ـ فمالت إلى أمها ـ فقال النبي صلى الله عليه وسلم اللهم اهدها فمالت إلى أبيها فأخذها. رواه أحمد وأبو داود. وعبد الحميد هذا هو عبد الحميد بن جعفر بن عبد الله بن رافع بن سنان الأنصارى. قوله: "حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح" وأخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجة وصححه ابن حبان وابن القطان. قوله: "وأبو ميمونة اسمه سليم" بالتصغير قال في التقريب أبو ميمونة الفارسي المدني الأبار. قيل اسمه سليم أو سليمان أو سلمى. وقيل أسامة ثقة من الثالثة. ومنهم من فرق بين الفارسي والأبار وكل منهما مدني يروي عن أبي هريرة. وقال في تهذيب التهذيب وقيل إنه والد هلال ابن أبي ميمونة ولا يصح. روى عن أبي هريرة وغيره وعنه هلال بن أبي ميمونة

(4/590)


يُخَيّرُ الْغُلاَمُ بَيْنَ أبَوَيْهِ إذَا وَقعَتْ بَيْنَهُمَا المُنَازَعة في الْوَلَدِ. وَهُوَ قَوْلُ أحْمدَ وإسْحَاقَ. وَقالاَ: مَا كَانَ الْوَلَدُ صَغِيراً فَالأُمّ أحَقّ. فإذَا بَلَغَ الْغُلاَمُ سَبْعَ سِنِينَ خُيّرَ بَيْنَ أبَوَيْهِ. هِلاَلُ بنُ أبي مَيْمُونَةَ هُوَ هِلاَلُ بنُ عَلِيّ بنِ أُسَامَةَ. وهُوَ مَدَنِيّ. وقَدْ رَوَى عَنْهُ يَحْيَى بنُ أبي كَثِيرٍ، ومَالِكُ بنُ أنَسٍ، وفُلَيْحُ بنُ سُلَيْمَانَ.
ـــــــ
وغيره. وذكر الحافظ أسماء من فرق بين الفارسي والأبار. قوله: "والعمل على هذا عند بعض أهل العلم الخ" قال الشوكاني في النيل تحت حديث الباب: فيه دليل على أنه إذا تنازع الأب والأم في ابن لهما كان الواجب هو تخييره. فمن اختاره ذهب به. وقد أخرج البيهقي عن عمر: أنه خير غلاماً بين أبيه وأمه. وأخرج أيضاً عن علي أنه خير عمارة الجدامي بين أمه وعمته وكان ابن سبع أو ثمان سنين. وقد ذهب إلى هذا الشافعي وأصحابه وإسحاق بن راهوبه، وقال أحب أن يكون مع الأم إلى سبع سنين ثم يخير وقيل إلى خمس. وذهب أحمد إلى أن الصغير إلى دون سبع سنين أمه أولى به، وإن بلغ سبع سنين، فالذكر فيه ثلاث روايات: يخير وهو المشهور عن أصحابه، وإن لم يختر أقرع بينهما. والثانية ـ أن الأب أحق به. والثالثة ـ أن الأب أحق بالذكر والأم بالأنثى إلى تسع ثم يكون الأب أحق بها. والظاهر من أحاديث الباب أن التخيير في حق من بلغ من الأولاد إلى سن التمييز هو الواجب من غير فرق بين الذكر والأنثى انتهى. قوله: "وهلال بن أبي ميمونة هو هلال بن علي ابن أسامة وهو مدني" قال في تهذيب التهذيب: ويقال هلال بن أبي ميمونة وهلال بن أبي هلال العامري مولاهم المدني وبعضهم نسبة إلى جده فقال ابن أسامة وقال في التقريب ثقة من الخامسة .

(4/591)


باب ماجاء أن الوالد يأخذ من مال ولده
...
22 ـ باب ما جَاءَ أَنّ الْوَالِدَ يَأَخُذُ مِنْ مَالِ وَلَدِه
1376 ـ حدثنا أحْمَدُ بنُ مَنيعٍ. حَدّثنَا يَحْيَى بنُ زَكَرِيّا بنِ أبي زَائِدَةَ. حَدّثَنَا الأعْمَشُ عنْ عُمَارَةَ بنِ عُمَيْرٍ، عنْ عَمّتِهِ، عنْ
ـــــــ
باب ما جَاءَ أَنّ الْوَالِدَ يَأَخُذُ مِنْ مَالِ وَلَدِه
قوله: "عن عمارة" بضم المهملة وخفة الميم المفتوحة "بن عمير" بالتصغير التيمي كوفي ثقة ثبت من الرابعة "عن عمته" لا تعرف قال ابن حبان وسيأتي

(4/591)


عَائِشَةَ، قالَتْ: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إنّ أطْيَبَ مَا أكْلْتُمْ مِنْ كَسْبِكُمْ. وإنّ أوْلاَدَكُمْ مِنْ كَسْبِكُمْ". وفي البابِ عنْ جَابِرٍ وعَبْدِ الله بنِ عَمَرٍو. هذا حديثٌ حَسنٌ صحيح. وقَدْ رَوَى بَعَضُهُمْ هَذَا عَنْ عُمَارَةَ بنِ عُمَيْرٍ، عنْ أُمّهِ، عنْ عَائِشَةَ وَأَكْثَرُهُمْ قَالُوا عنْ عَمّتِهِ عنْ عَائِشَةَ والْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ بَعْضِ أهْلِ العِلمِ مِنْ أصْحابِ النبي صلى الله عليه وسلم وغَيْرِهِمْ. قَالُوا: إنّ يَدَ الْوَالدِ مَبْسُوطَةٌ في مَالِ وَلَدِهِ يأْخُذُ مَا شَاءَ.
ـــــــ
كلامه "إن أطيب ما أكلتم" أي أحله وأهنأه "من كسبكم" أي مما كسبتموه من غير واسطة لقربه للتوكل وكذا بواسطة أولادكم كما بينه بقوله: "وإن أولادكم من كسبكم" لأن ولد الرجل بعضه وحكم بعضه حكم نفسه، وسمي الولد كسباً مجازاً. قاله المناوي: وفي رواية عند أحمد أن ولد الرجل من أطيب كسبه فكلوا من أموالهم هنيئاً. وفي حديث جابر: أنت ومالك لأبيك. قال ابن رسلان: اللام للإباحة لا للتمليك، لأن مال الولد له وزكاته عليه وهو موروث عنه انتهى. قوله: "وفي الباب عن جابر وعبد الله بن عمرو" أما حديث جابر فأخرجه عنه ابن ماجه بلفظ: أن رجلاً قال يا رسول الله إن لي مالاً وولداً وإن أبي يريد أن يجتاج مالي فقال: "أنت ومالك لأبيك". قال ابن القطان: إسناده صحيح. وقال المنذري: رجاله ثقات. وقال الدارقطني: تفرد به عيسى بن يونس بن أبي إسحاق كذا في النيل. وأما حديث عبد الله بن عمرو فأخرجه أحمد وأبو داود بلفظ: أن أعرابياً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن أبي يريد أن يجتاج مالي. فقال: "أنت ومالك لوالدك". الحديث. وأخرجه أيضاً ابن خزيمة وابن الجارود. وفي الباب أيضاً عن سمرة عند البزار وعن عمر عند البزار أيضاً وعن ابن مسعود عند الطبراني وعن ابن عمر عند أبي يعلى. قوله: "هذا حديث حسن" أخرجه الخمسة كذا في المنتقى. وقال الشوكاني: أخرجه أيضاً ابن حبان في صحيحه والحاكم ولفظ أحمد "يعني لفظه الذي ذكرناه" أخرجه أيضاً الحاكم وصححه أبو حاتم وأبو زرعة وأعله ابن القطان بأنه عن عمارة عن عمته، وتارة عن امه وكلتاهما لا يعرفان انتهى. قوله: "قالوا إن يد الوالد مبسوطة في مال ولده يأخذه ما شاء" واستدلوا على ذلك بأحاديث الباب. قال الشوكاني:

(4/592)


وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لاَ يَأْخُذُ مِنْ مَالِهِ إلاّ عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَيْهِ.
ـــــــ
وبمجموع هذه الطرق ينتهض للاحتجاج. فيدل على أن الرجل مشارك لولده في ماله فيجوز له الأكل منه سواء أذن الولد أو لم يأذن. ويجوز له أيضاً أن يتصرف به كما يتصرف بماله ما لم يكن ذلك على وجه السرف والسفه. وقد حكى في البحر الإجماع على أنه يجب على الولد الموسر مؤنة الأبوين المعسرين انتهى. "وقال بعضهم لا يأخذ من ماله إلا عند الحاجة إليه" قال ابن الهمام بعد ذكر حديث عائشة المذكور: فإن قيل هذا يقتضي أنه له ملكاً ناجزاً في ماله. قلنا نعم لو لم يقيده حديث رواه الحاكم وصححه، والبيهقي عنها مرفوعاً: إن أولادكم هبة يهب لمن يشاء إناثاً ويهب لمن يشاء الذكور. وأموالهم لكم إذا احتجتم إليها. ومما يقع بأن الحديث يعني أنت ومالك لأبيك ما أول أنه تعالى ورث الأب من ابنه السدس مع ولد ولده، فلو كان الكل ملكه لم يكن لغيره شيء مع وجوده انتهى. قلت: قال الحافظ في التلخيص: قال أبو داود في هذه الزيادة وهي: إذا احتجتم إليها إنها منكرة ونقل عن ابن المبارك عن سفيان قال حدثنا به حماد ووهم فيه انتهى .

(4/593)


باب ماجاء فيمن يكسر له الشيء مايحكم له من مال الكاسر
...
23 ـ باب ما جَاءَ فيمنْ يُكْسَرُ لهُ الشّيْءُ، مَا يُحْكَمُ لَهُ مِنْ مَالِ الْكاسِر
1377 ـ حدثنا مَحْمُودُ بنُ غَيْلاَنَ. حَدّثَنَا أبُو دَاوُدَ الْحَفْرِيّ عنْ سُفْيَانَ الثوري، عنْ حُمَيْدٍ، عنْ أنَسٍ قالَ أهْدَتْ بَعْضُ أزْوَاجِ النبيّ صلى الله عليه وسلم إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم طَعَاماً في قَصْعَةٍ. فَضَرَبَتْ عَائِشَةُ الْقَصْعَةَ بِيَدِها. فأَلْقَتْ مَا فِيها. فَقالَ النبيّ صلى الله عليه وسلم
ـــــــ
باب ما جَاءَ فيمنْ يُكْسَرُ لهُ الشّيْءُ، مَا يُحْكَمُ لَهُ مِنْ مَالِ الْكاسِر
قوله: "حدثنا أبو داود الحفري" بفتح المهملة والفاء نسبة إلى موضع بالكوفة ثقة عابد من التاسعة "أهدت بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم" هي زينب بنت جحش كما رواه ابن حزم في المحلي عن أنس، ووقع قريب من ذلك لعائشة مع أم سلمة كما رواه النسائي عنها، وبعض الروايات تدل على أنها

(4/593)


"طَعامٌ بِطعامٍ، وَإِنَاءٌ بإنَاءٍ". هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
1378 ـ حدثنا عَلِيّ بنُ حُجْرٍ. أخبرنا سُوَيْدُ بنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ عنْ حَميْدٍ، عنْ أنَسٍ أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم اسْتَعَارَ قَصْعَةً فَضَاعَتْ فَضَمِنَها لَهُمْ. وَهذا حديثٌ غَيْرُ مَحْفُوظٍ. وَإِنمَا أرَادَ ـ عِنْدِي سُوَيْدٌ ـ الحَدِيثَ الّذِي رَوَاهُ الثّوْرِيّ. وَحَدِيثُ الثّوْرِيّ أصَحّ
ـــــــ
حفصة وبعضها تدل على أنها أم سلمة، وبعضها تدل على أنها صفية. قال الحافظ: وتحرر من ذلك أن المراد بمن أبهم في حديث الباب هي زينب لمجيء الحديث من مخرجه، وهو حميد عن أنس وما عدا ذلك فقصص أخرى، لا يليق بمن تحقق أن يقول في مثل هذا قيل المراسلة فلانة وقيل فلانة من غير تحرير انتهى. "بقصعة" بوزن صحفة وبمعناه "طعام بطعام وإناء بإناء" فيه دليل أن القيمي يضمن بمثله ولا يضمن بالقيمة إلا عند عدم المثل. ويؤيده رواية البخاري بلفظ: ودفع القصعة الصحيحة للرسول. وبه احتج الشافعي والكوفيون وقال مالك: إن القيمي يضمن بقيمته مطلقاً. وفي رواية عنه كالمذهب الأول وفي رواية عنه أخرى ما صنعه الاَدمى فالمثل وأما الحيوان فالقيمة. وعنه أيضاً ما كان مكيلاً أو موزوناً فالقيمة وإلا فالمثل. قال في الفتح: وهو المشهور عندهم ولا خلاف في أن المثلي يضمن بمثله. وأجاب القائلون بالقول الثاني عن حديث الباب وما في معناه بما حكاه البيهقي من أن القصعتين كانتا للنبي صلى الله عليه وسلم في بيتي زوجتيه فعاقب الكاسرة بجعل القصعة المكسورة في بيتها، وجعل الصحيحة في بيت صاحبتها، ولم يكن هناك تضمين. وتعقب بما وقع في رواية لابن أبي حاتم بلفظ: من كسر شيئاً فهو له وعليه مثله. وبهذا يرد على من زعم أنها واقعة عين لا عموم لها. قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرج معناه الجماعة. قوله: "حدثنا سويد بن عبد العزيز" السلمى مولاهم الدمشقى قاضي بعلبك أصله واسطى تزل حمص لين الحديث "استعار قصعة" بفتح القاف وسكون الصاد قال في القصعة الصحفة وقال في الصراح كاسه بزرك "وهذا حديث غير محفوظ وإنما أراد عندى سويد" هو ابن عبد العزيز "الحديث الذي رواه الثوري" يعني أن سويد بن عبد العزيز قد وهم في رواية حديث أنس المذكور فرواه عن حميد عن أنس بلفظ: أن النبي صلى الله عليه وسلم استعار قصعة الخ فهو غير محفوظ. والمحفوظ هو ما رواه سفيان الثوري عن حميد عن أنس بلفظ: أهدت بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم الخ .

(4/594)


باب ماجاء في حد بلوغ الرجل والمرأة
...
24ـ باب ما جَاء في حَدّ بُلوغِ الرّجُلِ والْمَرأَة
1379 ـ حدثنا مُحَمّدُ بنُ وَزِيرٍ الْوَاسِطِيّ. حدّثَنَا إسْحَاقُ بنُ يُوسُفَ الأزْرَقُ عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عُبَيْدِ الله بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، قالَ: عُرِضْتُ عَلَى رسول الله صلى الله عليه وسلم في جَيْشٍ وَأَنَا ابنُ أرْبَعَ عَشْرَةَ فلمْ يَقْبَلْنِي. فعُرِضْتُ عَلَيْهِ مِنْ قَابِل في جَيْش وَأَنَا ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ فَقَبِلَنِي. قالَ نَافِعٌ: وَحَدّثْتُ بِهَذَا الْحَدِيثِ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَقَالَ: هَذَا حَدّ مَا بَيْنَ الصّغِيرِ وَالْكَبِيرِ. ثُمّ كَتَبَ أنْ يُفْرَضَ لِمَنْ يَبْلُغُ الْخَمْسَ عَشْرَةَ. حَدّثَنَا ابْنُ أبي عُمَرَ. حَدّثنَا سُفْيَانُ بنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عُبَيْدِ الله بنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عنِ ابنِ عُمَرَ، عَنِ النبيّ صلى الله عليه وسلم، نَحْوَه. وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ "أنّ عُمَرَ بنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَتَبَ أنّ هَذَا حَدّ مَا بَيْنَ الصّغِيرِ وَالْكَبِيرِ" . وَذَكَرَ
ـــــــ
باب ما جاء في حد البلوغ
قوله: "عرضت" بصيغة المجهول أي للذهاب إلى الغزو "على رسول الله صلى الله عليه وسلم" من باب عرض العسكر على الأمير "في جيش" أي في واقعة أحد وكانت في السنة الثالثة من الهجرة "وأنا ابن أربع عشرة" جملة حالية "فلم يقبلني" وفي رواية للشيخين فلم يجزني. وزاد البيهقي وابن حبان في صحيحه بعد قوله فلم يجزني ولم يرني بلغت "فعرضت عليه من قابل في جيش" يعني غزوة الخندق وهو غزوة الأحزاب "فقبلني" وفي رواية للشيخين فأجازني أي في المقاتلة أو المبايعة وقيل كتب الجائزة لي وهو رزق. وزاد البيهقي وابن حبان بعد قوله: فأجازني ورآني بلغت. وقد صحح هذه الزيادة أيضاً ابن خزيمة كذا في النيل:

(4/595)


ابْنُ عُيَيْنَةَ في حَدِيثهِ. قال فحَدّثْت بِهِ عُمَرَ بنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ. فقَالَ: هَذَا حَدّ مَا بَيْنَ الذّرّيّةِ وَالمُقَاتَلَةِ. هذا حديثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أهْلِ العِلمِ، وَبِهِ يَقُولُ سُفْيَانُ الثّوْرِيّ وابْنُ المُبَارَكِ والشّافِعيّ وأحْمَدُ وَإسْحَاقُ. يَرَوْنَ أنّ الْغُلاَمَ إذَا اسْتَكْمَلَ خَمْسَ عَشَرَةَ
ـــــــ
قوله: "هذا حد ما بين الذرية والمقاتلة" بكسر التاء يريد إذا بلغ الصبي خمس عشرة سنة دخل في زمرة المقاتلين وأثبت في الديوان اسمه، وإذا لم يبلغها عد من الذرية قال الحافظ في الفتح: استدل بقصة ابن عمر على أن من استكمل خمس عشرة سنة أجريت عليه أحكام البالغين وإن لم يحتلم فيكلف بالعبادات وإقامة الحدود، ويستحق سهم الغنيمة، ويقتل إن كان حربياً، ويفك عنه الحجر إن أونس رشده، وغير ذلك من الأحكام. وقد عمل بذلك عمر بن عبد العزيز وأقره عليه راويه نافع. وأجاب الطحاوي وابن القصار وغيرهما ممن لم يأخذ به بأن الإجازة المذكورة جاء التصريح بأنها كانت في القتال. وذلك يتعلق بالقوة والجلد. وأجاب بعض المالكية بأنها واقعة عين فلا عموم لها، ويحتمل أن يكون صادف أنه كان عند تلك السن قد احتلم فلذلك أجازه. وتجاسر بعضهم فقال إنما رده بضعفه لا لسنه. وإنما أجازه لقوته لا لبلوغه. ويرد على ذلك ما أخرجه عبد الرزاق عن ابن جريج ورواه أبو عوانة وابن حبان في صحيحهما من وجه آخر عن ابن جريج أخبرني نافع فذكر هذا الحديث بلفظ: عرضت على النبي صلى الله عليه وسلم يوم الخندق فلم يجزني ولم يرني بلغت. وهي زيادة صحيحة لا مطعن فيه لجلالة ابن جريج وتقدمه على غيره في حديث نافع. وقد صرح فيها بالتحديث فانتفى ما يخشى من تدليسه. وقد نص فيها لفظ ابن عمر لقوله: ولم يرني بلغت وابن عمر أعلم بما روى من غيره ولا سيما في قصة تتعلق به انتهى كلام الحافظ. قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان. قوله: "والعمل على هذا عند أهل العلم الخ" قال في شرح السنة العمل على هذا عند أكثر أهل العلم. قالوا: إذا استكمل الغلام أو الجارية خمس عشرة سنة كان بالغاً. وبه قال الشافعي وأحمد وغيرهما. وإذا احتلم واحد منهما قبل بلوغه هذا المبلغ بعد استكمال تسع سنين يحكم ببلوغه. وكذلك إذا حاضت الجارية بعد تسع ولا حيض ولا احتلام قبل بلوغ التسع انتهى. وقال في الهداية: بلوغ الغلام بالاحتلام والإحبال والإنزال إذا وطئ. فإن لم يوجد فحتى يتم له ثمان

(4/596)


سَنَة، فَحُكْمُهُ حُكْمُ الرّجَالِ. وإنِ احْتَلَمَ قَبْلَ خَمْسَ عَشْرَةَ فحكْمُهُ حُكْمُ الرّجَالِ. وَقَالَ أحْمَدُ وَإِسْحَاقُ، الْبُلُوغُ ثَلاَثَةُ مَنَازِلَ: بُلُوغُ خَمْسَ عَشْرَةَ، أوْ الاحْتِلاَمُ، فإنْ لَمْ يُعْرَفْ سِنّه وَلا احْتلامُهُ فالإنْبَاتُ "يَعْنِي الْعَانَةَ" .
ـــــــ
عشرة سنة وبلوغ الجارية بالحيض والاحتلام والحبل، فإن لم يوجد ذلك فحتى يتم لها سبع عشرة سنة. وهذا عند أبي حنيفة رحمه الله. وقالا إذا تم للغلام والجارية خمس عشرة فقد بلغا. وهو رواية عن أبي حنيفة رحمه الله، وهو قول الشافعي انتهى. قلت: ما ذهب إليه أكثر أهل العلم من أن الغلام أو الجارية إذا استكمل خمس عشرة سنة كان بالغاً هو الراجح الموافق لحديث الباب قوله: "فالإنبات يعني العانة" يريد إنبات شعر العانة وقد أخرج الشيخان من حديث أبي سعيد بلفظ: فكان يكشف عن مؤتزر المراهقين فمن أنبت منهم قتل، ومن لم ينبت جعل في الذراري وفي الإنبات أحاديث أخرى مذكورة في النيل. وقد استدل بحديث أبي سعيد هذا وما في معناه أن الإنبات من علامات البلوغ. قال الشوكاني: استدل بهذا الحديث من قال إن الإنبات من علامات البلوغ. وتعقب بأن قتل من أنبت ليس لأجل التكليف بل لدفع ضرره لكونه مظنة للضرر كقتل الحية ونحوها. ورد هذا التعقب بأن القتل لمن كان كذلك ليس إلا لأجل الكفر، لا لدفع الضرر لحديث أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله وطلب الإيمان وإزالة المانع منه فرع التكليف ويؤيد هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يغزو إلى البلاد البعيدة كتبوك، ويأمر بغزو أهل الأقطار النائية مع كون الضرر ممن كان كذلك مأموناً، وكون قتال الكفار لكفرهم هو مذهب طائفة من أهل العلم. وذهبت طائفة أخرى إلى أن قتالهم لدفع الضرر والقول بهذه المقالة هو منشأ ذلك التعقب. ومن القائلين بهذا شيخ الإسلام ابن تيمية حفيد المصنف يعني مصنف المنتقى. وله في ذلك رسالة انتهى كلام الشوكاني

(4/597)


باب ماجاء في من تزوج امرأة أبيه
...
25ـ باب فِيمَنْ تَزَوّجَ امْرَأَةَ أبِيه
1380 ـ حدثنا أبُو سعَيدٍ الأشجّ. حَدّثَنَا حفَصُ بنُ غِيَاثٍ عنْ أشْعَثَ، عَنْ عَدِيّ بن ثَابِتٍ، عَنِ الْبَرَاءِ قالَ: مَرّ بِي خَالِي أبُو بُرْدَةَ بْنُ نِيَارٍ وَمَعَهُ لِوَاءٌ فَقلت: أَيْنَ تُرِيدُ؟ قَالَ: بَعَثَنِي رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إلَى رَجُلٍ تَزَوّجَ امْرَأَةَ أبِيهِ، أنْ آتيَهُ بِرَأْسِهِ. وفي البابِ عَنْ قُرّةَ المزني.
قال أبو عيسى حَدِيثُ الْبَرَاءِ حديثٌ حسنٌ غَرِيبٌ، وَقَدْ رَوَى مُحَمّدُ بْنُ إسْحَاقَ هَذَا الْحَدَيثَ عَنْ عَدِي بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ يَزِيدَ عَنِ الْبَرَاءِ. وَقَدْ رُوِيَ هذَا الْحَدِيثُ عَنْ أشْعَثَ، عَنْ عَدِي، عَنْ يزيد بن الْبَرَاءِ عَنْ أبِيهِ. وَرُوِيَ عَنْ أشْعَثَ، عَنْ عَدِي، عَنْ يَزِيدَ بْنِ البَرَاءِ، عَنْ خَالِهِ، عَنِ النبيّ صلى الله عليه وسلم.
ـــــــ
باب فِيمَنْ تَزَوّجَ امْرَأَةَ أبِيه
قوله: "مر بي خالي أبو بردة بن نيار" بكسر النون بعدها تحتية خفيفة حليف الأنصار "ومعه لواء" بكسر اللام أي علم قال المظهر: وكان ذلك اللواء علامة كونه مبعوثاً من جهة النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك الأمر "بعثني" أي أرسلني "أن آتيه" أي آتى رسول الله صلى الله عليه وسلم "برأسه" أي برأس ذلك الرجل وفي رواية لأبي داود وللنسائي وابن ماجه والدارمي: فأمرني أن أضرب عنقه وآخذ ماله. والحديث دليل على أنه يجوز للإمام أن يأمر بقتل من خالف قطعياً من قطعيان الشريعة كهذه المسألة فإن الله تعالى يقول {وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} ولكنه لا بد من حمل الحديث على أن ذلك الرجل الذي أمر صلى الله عليه وسلم بقتله عالم بالتحريم وفعله مستحلاً وذلك من موجبات الكفر والمرتد بقتل. قوله: "وفي الباب عن قرة" لينظر من أخرجه. قوله: "حديث البراء حديث حسن غريب" أخرجه الخمسة. قال الشوكاني: وللحديث أسانيد كثيرة منها ما رجاله رجال الصحيح "وقد روى محمد بن إسحاق هذا الحديث عن عدي بن ثابت الخ" قال المنذري: قد اختلف في هذا الحديث اختلافاً كثيراً فذكره، من شاء الوقوف عليه فليرجع إلى النيل

(4/598)


26ـ باب ما جَاءَ في الرّجُليْنِ يكُونُ أحدُهُمَا أسْفَلَ مِنَ الاَخَرِ في المَاء
1381 ـ حدثنا قُتَيْبَةُ. حَدثنَا اللّيثُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، أنّهُ حَدّثَهُ، أنّ عَبْدَ الله بْنَ الزّبَيْرِ حَدّثَه أنّ رَجُلاً مِنّ الأنْصَارِ خَاصَمَ الزّبَيْر عِنْدَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم في شِرَاجِ الْحَرّة الّتِي يَسقُونَ بهَا النّخْلَ. فقَالَ الأنْصَارِيّ. سَرّحِ المَاءِ يَمُرّ. فأَبَى
ـــــــ
باب ما جاء في الرجلين يكون أحدهما أسفل من الاَخر في الماء
المراد بالأسفل الأبعد أي يكون أرض أحدهما قربية من الماء وأرض الاَخر بعيدة منها قوله: "إن رجلاً من الأنصار" زاد البخاري روايته في كتاب الصلح: قد شهد بدرا. قال الداودي بعد جزمه بأنه كان منافقاً، وقيل كان بدرياً فإن صح فقد وقع ذلك منه قبل شهودها لانتقاء النفاق ممن شهدها. وقال ابن التين: إن كان بدرياً فمعنى قوله لا يؤمنون لا يستكملون. كذا في فتح الباري. وقال القاري في المرقاة: قال التوربشتي رحمه الله: وقد اجترأ جمع من المفسرين بنسبة الرجل تارة إلى النفاق وأخرى إلى اليهودية، وكلا القولين زائغ عن الحق إذ قد صح أنه كان أنصارياً ولم يكن الأنصار من جملة اليهود. ولو كان مغموضاً عليه في دينه لم يصفوا بهذا الوصف فانه وصف مدح. والأنصار وإن وجد منهم من يرمي بالنفاق فإن القرن الأول والسلف بعدهم تحرجوا واحترزوا أن يطلقوا على من ذكر بالنفاق، واشتهر به الأنصاري. والأولى بالشحيح بدينه أن يقول هذا قول أذله الشيطان فيه بتمكنه عند الغضب وغير مستبدع من الصفات البشرية الإبتلاء بأمثال ذلك انتهى ما في المرقاة "خاصم الزبير" أي ابن العوام ابن صفية بنت عبد المطلب عمة النبي صلى الله عليه وسلم أي حاكم إلى النبي صلى الله عليه وسلم "في شراج الحرة" بكسر المعجمة وبالجيم جمع شرج بفتح أوله وسكون الراء مثل بحر وبحار. والمراد بها هنا مسيل الماء، وإنما أضيفت إلى الحرة لكونها فيها، والحرة موضع معروف بالمدينة قال أبو عبيد: كان بالمدينة واديان يسيلان بماء المطر فيتنافس الناس فيه فقضي رسول الله صلى الله عليه وسلم للأعلى فالأعلى كذا في الفتح "فقال الأنصاري" يعني للزبير "سرح الماء"

(4/599)


عَلَيْهِ. فَاخْتَصَمُوا عِنْدَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم. فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم للزّبَيْرِ: "اسْقِ يَا زُبَيْرِ ثمّ أرْسلِ المَاءِ إلى جَارِكَ" فَغَضِبَ الأنْصَارِيّ: فَقَالَ يا رسول الله أنْ كانَ ابْنَ عَمّتِكَ؟ فَتَلَوّنَ وَجْهُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ثمّ قالَ: "يا زُبَيْر اسْقِ ثمّ احْبِسِ الْماءَ حتّى يَرْجِعَ إلى الْجَدْرِ" فَقالَ الزّبَيْرُ: وَالله إنّي لأحْسِبُ نَزَلَتْ هَذِهِ الاَيَةُ في ذَلِكَ. {فَلاَ وَرَبّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتّى يُحَكّموكَ فِيما شَجَر بَيْنَهُمْ}. هذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
أمر من التسريح أي أطلقه وأرسله، وإنما قال له ذلك لأن الماء كان يمر بأرض الزبير قبل أرض الأنصاري فيحبسه لإكمال سقي أرضه ثم يرسله إلى أرض جاره، فالتمس منه الأنصاري تعجيل ذلك فامتنع. إعلم أنه وقع في النسخة الأحمدية شرح بالشين المعجمة وهو غلط "فأبى" أي الزبير "عليه" أي على الأنصاري "اسق يا زبير" بهمزة وصل من الثلاثي. وحكى ابن التين أنه بهمزة قطع من الرباعي قاله الحافظ "ثم أرسل الماء إلى جارك" فإن أرض الزبير كانت أعلى من أرض الأنصاري "أن كان ابن عمتك" بفتح همزة أن أي حكمت بذلك لأجل أن كان أو بسبب أن كان قال القاضي: وهو مقدر بأن أو لأن. وحرف الجر يحذف معها للتخفيف كثيراً فإن فيها مع صلتها طولا. أي وهذا التقديم والترجيح لأنه ابن عمتك أو بسببه ونحوه قوله تعالى {أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ} أي لا تطعه مع هذا المثالب لأن كان ذا مال "فتلون وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم" أي تغير من الغضب "حتى يرجع إلى الجدر" أي يصير إليه والجدر بفتح الجيم وسكون الدال المهملة هو المسناة وهو ما وضع بين شربات النخل كالجدار وقيل المراد الحواجز التي تحبس الماء، ويروي الجدر بضم الدال وهو جمع جدار والمراد جدران الشربات التي في أصول النخل فإنها ترفع حتى تصير شبه الجدار والشربات بمعجمة وفتحات هي الحفر التي تحفر في أصول النخل "فلا وربك" لا زائدة "لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر" أي اختلط "بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً" ضيقاً أو شكاً "مما قضيت ويسلموا" ينقادوا لحكمك "تسليماً" من غير معارضة "الاَية" بالنصب أي أتم الاَية. قوله: "هذا حديث حسن"

(4/600)


وَرَوَى شُعَيْبُ بنُ أبي حَمْزَةَ عنِ الزّهْرِيّ، عنْ عُرْوَةَ بنِ الزّبَيْرِ، عنِ الزّبَيْرِ، ولَمْ يَذْكُرْ فيهِ "عَنْ عَبْدِ الله بنِ الزبيْرِ" . وَرَوَاهُ عَبْدُ الله بنُ وَهْبٍ عنِ اللّيْثِ. ويُونُسُ عنِ الزّهْرِيّ، عنْ عُرْوَةَ، عنْ عَبْدِ الله بنِ الزّبَيْرِ. نحْوَ الْحَدِيثِ الأوّلِ.
ـــــــ
وأخرجه الشيخان قوله: "وروى شعيب بن أبي حمزة عن الزهري عن عروة بن الزبير عن الزبير ولم يذكر فيه عن عبد الله بن الزبير" أخرجه البخاري في الصلح من صحيحه "نحو الحديث الأول" أي الذي أسنده الترمذي وقد بسط الحافظ في الفتح الكلام في بيان الاختلاف .

(4/601)


باب ماجاء في من يعتق مماليكه عند موته وليس له مال غيرهم
...
27ـ باب ما جَاءَ فِيْمَنْ يُعْتِقُ مَمالِيكَهُ عِنْدَ مَوْتِهِ، وَلَيْسَ لَهُ
مَالٌ غَيْرُهُم
1382 ـ حدثنا قُتَيْبَةُ. حَدّثَنَا حَمّادُ بنُ زَيْدٍ، عنْ أيّوبَ، عَنْ أبي قِلاَبَةَ، عنْ أبي المُهَلّبِ، عنْ عِمْرَانَ بنِ حُصَيْنٍ أنّ رَجُلاً مِنْ الأنْصَارِ أعْتَقَ سِتّةَ أعْبُدٍ لَهُ عِنْدَ مَوْتِهِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُمْ. فَبَلَغَ ذَلِكَ النبيّ صلى الله عليه وسلم، فَقالَ لَهُ قَوْلاً شَدِيداً. ثُمّ دَعَاهُمْ فَجَزّأَهُمْ ثُمّ أقْرَعَ بَيْنَهُمْ. فأعْتَقَ اثْنَيْنِ وَأَرَقّ أرْبَعَةً. وفي البابِ عن أبي هُرَيْرَةَ. حدِيثُ عِمْرَانَ بنِ حُصَيْنٍ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وقد
ـــــــ
باب ما جَاءَ فِيْمَنْ يُعْتِقُ مَمالِيكَهُ عِنْدَ مَوْتِهِ، وَلَيْسَ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُم
قوله: "اعتق ستة أعبد" جمع عبد أي ستة مماليك "فقال له قولا شديداً" كراهة لفعله وتغليظاً عليه لعتق العبيد كلهم وعدم رعاية جانب الورثة "ثم دعاهم" أي طلبهم "فجزاهم" قال النووي بتشديد الزاي وتخفيفها لغتان مشهورتان ذكرهما ابن السكيت وغيره، أي فقسمهم وفي رواية مسلم فجزأهم "ثلاثاً وأرق أربعة" أي أبقى حكم الرق على الأربعة. ودل الحديث على أن الإعتاق في مرض الموت ينفذ عن الثلث لتعلق حق الورثة بماله وكذا التبرع كالهبة ونحوه. قوله: "وفي الباب عن أبي هريرة" قوله: "حديث عمران بن حصين حديث حسن صحيح"

(4/601)


روي من غير هذا الوجه عن عمران بن الحصين وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ بَعْضِ أهْلِ العِلمِ من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم. وهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ والشّافَعِيّ وَأَحْمَدَ وإسْحَاقَ يَرَوْنَ استعمال الْقُرْعَةَ في هَذا وفِي غَيْرِهِ. وأمّا بَعْضُ أهْلِ العِلمِ مِنْ أهْلِ الْكُوفَةِ وغَيْرِهِمْ فَلمْ
ـــــــ
أخرجه الجماعة إلا البخاري كذا في المنتقى. قوله: "وهي قول مالك بن أنس والشافعي وأحمد وإسحاق يرون القرعة في هذا وفي غيره" وهو قول الجمهور قال الإمام البخاري في صحيحه: باب القرعة في المشكلات، وذكر فيه عدة أحاديث كلها تدل على مشروعية القرعة قال الحافظ في الفتح: وجه إدخالها في كتاب الشهادات أنها من جملة البينات التي تثبت بها الحقوق فكما تقطع الخصومة والنزاع بالبينة، كذلك تقطع بالقرعة ومشروعية القرعة مما اختلف فيه، والجمهور على القول بها في الجملة وأنكرها بعض الحنفية. وحكى ابن المنذر عن أبي حنيفة القول بها وجعل المصنف يعني البخاري رحمه الله ضابطها الأمر المشكل. وفسرها غيره بما يثبت فيه الحق لاثنين فأكثر وتقع المشاحة فيه فيقرع لفصل النزاع. وقال إسماعيل القاضي: ليس في القرعة إبطال الشيء من الحق كما زعم بعض الكوفيين، بل إذا وجبت القسمة بين الشركاء فعليهم أن يعدلوا ذلك بالقيمة ثم يقترعوا، فيصير لكل واحد ما وقع له بالقرعة مجتمعاً مما كان له في الملك مشاعاً فيضم في موضع بعينه ويكون ذلك بالعوض الذي صار لشريكه. لأن مقادير ذلك قد عدلت بالقيمة، وإنما أفادت القرعة أن لا يختار واحد منهم شيئاً معيناً فيختاره الاَخر فيقطع التنازع. وهي إما في الحقوق المتساوية وإما في تعيين الملك. فمن الأول عقد الخلافة إذا استووا في صفة الإمامة. وكذا بين الأئمة في الصلوات، والمؤذنين، والأقارب في تغسيل الموتى والصلاة عليهم، والحائضات إذا كن في درجة، والأولياء في التزويج والاستباق إلى الصف الأول. وفي إحياء الموات. وفي نقل المعدن ومقاعد الأسواق. والتقديم بالدعوى عند الحاكم والتزاحم على أخذ اللقيط، والنزول في الخان المسبل ونحوه، وفي السفر ببعض الزوجات، وفي ابتداء القسم والدخول ابتداء النكاح، وفي الإقراع بين العبيد إذا أوصى بعتقهم ولم يسعهم الثالث، وهذه الأخيرة من صور القسم الثاني أيضاً وهو تعيين الملك ومن صور تعيين الملك الإقراع بين الشركاء عند تعديل السهام في القسمة انتهى

(4/602)


يَرَوُا القُرْعَةَ. وقَالُوا: يُعْتَقُ مِنْ كلّ عَبْدٍ الثّلُثُ. ويُسْتَسْعَى في ثُلُثَيْ قِيمتِهِ. وأبُو المُهَلّبِ اسْمُهُ عَبْدُ الرّحمَنِ بنُ عَمْرٍو الجُرميّ وهو غير أبي قلابة وَيُقَالُ مُعَاوِيةُ بنُ عَمرٍو
ـــــــ
كلام الحافظ. "وأما بعض أهل العلم من أهل الكوفة وغيرهم فلم يروا القرعة" وهو قول أبي حنيفة. وحديث الباب حجة على هؤلاء والقول الأول هو الحق والصواب. "وقالوا يعتق من كل عبد" أي من الأعبد الستة "الثلث" أي ثلثه "يستسعى" بصيغة المجهول أي كل عبد "في ثلثي قيمته" فإن ثلثه قد صار حراء قوله: "وأبو المهلب اسمه عبد الرحمن بن عمرو الخ" قال في التقريب ثقة من الثانية .

(4/603)


باب ماجاء في من ملك ذا محرم
...
29ـ باب ما جَاءَ فِيْمَنْ مَلكَ ذَا رحم مَحْرَم
1383 ـ حدثنا عَبْدُ الله بنُ معاوية الجُمَحِيّ البصرى حَدّثنَا حَمّادُ بنُ سَلَمَةَ عَنْ قَتَادَةَ، عن الحَسَنِ، عن سَمُرَةَ أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: "مَنْ مَلَكَ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمِ فَهُوَ حُرّ".
قال أبو عيسى هذا حديثٌ لا نَعْرِفُهُ مُسْنداً، إلاّ مِنْ حَدِيثِ حَمّادِ بنِ سلَمَةَ. وقَدْ رَوَى بَعْضُهُمْ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ قَتَادَةَ، عنِ الْحَسَنِ، عن عُمَرَ، شَيْئاً مِنْ هَذَا.
ـــــــ
باب ما جَاءَ فِيْمَنْ مَلكَ ذَا رحم مَحْرَم
قوله: "من ملك ذا رحم" بفتح الراء وكسر الحاء وأصله موضع تكوين الولد ثم استعمل للقرابة فيقع على كل من بينك وبينه نسب يوجب تحريم النكاح "محرم" بفتح الميم وسكون الحاء المهملة وفتح الراء المخففة ويقال محرم بصيغة المفعول من التحريم. والمحرم من لا يحل نكاحه من الأقارب كالأب والأخ والعم ومن في معناهم وهو بالجر، وكان القياس أن يكون بالنصب لأنه صفة ذا رحم لا نعت رحم ولعله من باب جر الجواد كقوله: بيت ضب خرب، وماء شن بارد. "فهو" أي ذو الرحم المحرم ذكرا كان أو أنثى "حر" أي عتق عليه بسبب ملكه. قوله: "هذا حديث لا نعرفه مسنداً إلا من حديث حماد بن سلمة" قال الحافظ في التلخيص: ورواه شعبة عن قتادة عن الحسن ملاسلاً وشعبة

(4/603)


1384 ـ حدثنا عُقْبَةُ بنُ مُكْرَمٍ الْعَمّيّ البَصَرِيّ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، قَالُوا حَدّثَنَا مُحَمّدُ بنُ بَكْرٍ الْبُرْسَانِيّ. عَنْ حَمّادِ بنِ سَلَمَةَ، عنْ قَتَادَةَ. وعَاصِمٌ الأحْوَلُ عنِ الْحَسَنِ، عنْ سَمُرَةَ، عنِ النبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ: "مَنْ مَلَكَ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ فَهُوَ حُرّ". ولاَ نَعْلَمُ أحَداً ذَكَرَ في هَذَا الْحَدِيثِ عَاصِماً الأحْوَلَ عنْ حَمّادِ بنِ سَلَمَةَ، غَيْرَ مُحَمّدِ بنِ بَكْرٍ. والْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ بَعْضِ أهْلِ العِلمِ. وقَدْ رُوِيَ عنِ ابنِ عُمَرَ، عنِ النبيّ
ـــــــ
أحفظ من حماد وقال علي بن المديني: هو حديث منكر. وقال البخاري لا يصح انتهى. وقال الشوكاني لكن الرفع من الثقة زيادة لولا ما في سماع الحسن من سمرة مقال انتهى. والحديث أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجة. قوله: "وقد روى بعضهم هذا الحديث عن قتادة عن الحسن عن عمر شيئاً من هذا" أخرجه أبو داود عن قتادة عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه موقوفاً عليه بمثل حديث سمرة. قال المنذري: وأخرجه النسائي وهو موقوف وقتادة لم يسمع عن عمر، فإن مولده بعد وفاة عمر بنيف وثلاثين سنة انتهى.
قوله: "حدثنا عقبة بن مكرم" بضم الميم وسكون الكاف وفتح الراء "العمى" يفتح المهملة وتشديد الميم أبو عبد الملك البصري ثقة من الحادية عشر "حدثنا محمد بن بكر البرساني" بضم الموحدة وسكون الراء ثم مهملة أبو عثمان البصري صدوق يخطى من التاسعة. قوله: "والعمل على هذا عند بعض أهل العلم" قال ابن الأثير في النهاية: والذي ذهب إليه أكثر أهل العلم من الصحابة والتابعين وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه وأحمد: أن من ملك ذا رحم محرم عتق عليه ذكرا كان أو أنثى. وذهب الشافعي وغيره من الأئمة والصحابة والتابعين إلى أنه يعتق عليه أولاد الاَباء والأمهات، ولا يعتق عليه غيرهم من ذوي قرابته. وذهب مالك إلى أنه يعتق عليه الولد والوالدان والأخوة ولا يعتق غيرهم انتهى. قال البيهقي وافقنا أبو حنيفة في بني الأعمام، أنهم لا يعتقون بحق الملك. واستدل الشافعي ومن وافقه بأن غير الوالدين والأولاد لا يتعلق بها رد الشهادة، ولا يجب بها النفقة مع اختلاف الدين، فأشبه قرابة ابن العم وبأنه لا يعصبه فلا يعتق عليه بالقرابة كابن العم. قال الشوكاني: لا يخفى أن نصب مثل

(4/604)


صلى الله عليه وسلم قَالَ: "مَنْ مَلَكَ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ فَهُوَ حُرّ" رَوَاهُ ضَمْرَةُ بنُ رَبِيعَةَ عنْ الثّوْرِيّ، عنْ عَبْدِ الله بنِ دِينَارٍ، عنِ ابنِ عُمَرَ، عنِ النبيّ صلى الله عليه وسلم.
ولا يُتَابَعُ ضَمْرَة عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ. وهُوَ حدِيثٌ خطَأٌ عِنْدَ أهْلِ الْحَدِيثِ.
ـــــــ
هذه الأقيسة في مقابلة حديث سمرة وحديث ابن عمر رضي الله عنه مما لا يلنفت إليه منصف. والاعتذار عتهما بما فيهما من المقال ساقط لأنهما يتعاضدان فيصلحان للاحتجاج انتهى كلام الشوكاني. قوله: "ولا يتابع ضمرة بن ربيعة على هذا الحديث" قال الحافظ بن ربيعة الفلسطيني أبو عبد الله أصل دمشقي صدوق يهم قليلاً من التاسعة انتهى. وفي الخلاصة وثقه أحمد وابن معين والنسائي وابن سعد "وهو حديث خطأ عند أهل الحديث" وقال النسائي: حديث منكر. وقال البيهقي: وهم فيه ضمرة. والمحفوظ بهذا الإسناد نهى عن بيع الولاء، وعن هبته. ورد الحاكم هذا بأن روى من طريق ضمرة الحديثين بالإسناد الواحد. وصححه ابن حزم. وعبد الحق وابن القطان كذا في التلخيص. وحديث ابن عمر هذا أخرجه ابن ماجه والنسائي والحاكم من طريق ضمرة التي ذكرها الترمذي .

(4/605)


باب ماجاء من زرع في أرض قوم بغير إذنهم
...
29 ـ باب ما جَاءَ فيمن زَرَعَ في أرْض قَومٍ بِغيْرِ إذْنِهِم
1385 ـ حدثنا قُتَيْبَةُ. حدّثنا شَرِيكُ بنُ عَبْدِ الله النّخَعِيّ، عَنْ أبي إسْحَاقَ عنْ عَطَاءٍ، عنْ رَافِعٍ بنِ خَدِيجٍ أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ: "مَنْ زَرَعَ في أرْضِ قَوْمٍ بِغَيْرِ إذْنِهِمْ، فَلَيْسَ لَهُ مِنَ الزّرْعِ شَيْءٌ،
ـــــــ
باب ما جَاءَ فيمن زَرَعَ في أرْض قَومٍ بِغيْرِ إذْنِهِم
قوله: "فليس له من الزرع شيء" يعني ما حصل من الزرع يكون لصاحب الأرض، ولا يكون لصاحب البذر إلا بذره وإليه ذهب أحمد وقال غيره: ما حصل من الزرع فهو لصاحب البذر وعليه نقصان الأرض، كذا نقله القاري عن بعض العلماء الحنفية. ونقل عن ابن الملك أنه عليه أجرة الأرض من يوم

(4/605)


ولَهُ نَفَقَتُهُ". هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ. لاَ نَعْرِفُهُ مِنْ حَديثِ أبي إسْحَاقَ، إلاّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مِنْ حدِيثِ شَرِيكِ بنِ عَبْدِ الله. والعَملُ عَلَى هذَا الْحَدِيثِ عِنْدَ بَعْضِ أهْلِ العِلمِ، وَهُوَ قَوْلُ أحْمَدَ وَإسْحَاقَ.
ـــــــ
غصبها إلى يوم تفريغها انتهى. قلت ما ذهب إليه الإمام أحمد هو ظاهر الحديث "وله نفقته" أي ما أنفقه الغاصب على الزرع من المؤنة في الحرث والسقي وقيمة البذر وغير ذلك. وقيل المراد بالنفقة قيمة الزرع فتقدر قيمته ويسلمها المالك والظاهر الأول. قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وضعفه الخطابي، ونقل عن البخاري تضعيفه وهو خلاف ما نقله الترمذي عن البخاري من تحسينه. وضعفه أيضاً البيهقي وهو من طريق عطاء بن أبي رباح عن رافع. قال أبو زرعة لم يسمع عطاء من رافع وكان موسى بن هارون يضعف هذا الحديث ويقول لم يروه غير شريك. ولا رواه عن عطاء غير أبي إسحاق ولكن قد تابعه قيس بن الربيع وهو سيء الحفظ. كذا في النيل والحديث أخرجه الخمسة إلا النسائي كذا في المنتقى. قوله: "والعمل على هذا الحديث عند بعض أهل العلم وهو قول أحمد وإسحاق" قال ابن رسلان: قد استدل به، كما قال الترمذي. أحمد على أن من زرع بذرا في أرض غيره واسترجعها صاحبها فلا يخلو إما أن يسترجعها مالكها ويأخذها بعد حصاد الزرع أو يسترجعها والزرع قائم قيل أن يحصد فإن أخذها مستحقها بعد حصاد الزرع، فإن الزرع لغاصب الأرض لانعلم فيها خلافاً. وذلك لأنه نماء ماله، وعليه أجرة الأرض إلى وقت التسليم، وضمان نقص الأرض وتسوية حفرها. وإن أخذ الأرض صاحبها من الغاصب والزرع قائم فيها لم يملك إجبار الغاصب على قلعه، وخير المالك بين أن يدفع إليه نفقته ويكون الزرع له، أو يترك الزرع للغاصب. وبهذا قال أبو عبيد. وقال الشافعي: وأكثر الفقهاء أن صاحب الأرض يملك إجبار الغاصب على قلعه، واستدلوا يقوله صلى الله عليه وسلم: "ليس لعرق ظالم حق". ويكون الزرع المالك البذر عندهم على كل حال وعليه كراء الأرض. ومن جملة ما استدل به الأولون ما أخرجه أحمد وأبو داود والطبراني وغيرهم أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى زرعاً في أرض ظهير فأعجبه فقال: "ما أحسن زرع ظهير"، فقالوا إنه ليس لظهير، ولكنه لفلان. "قال فخذوا زرعكم وردوا عليه نفقته". فدل على أن الزرع تابع

(4/606)


وَسَأَلْتُ مُحَمّدَ بنَ إسمَاعِيلَ عنْ هَذَا الْحَدِيثِ فقَالَ: هُوَ حديثٌ حسنٌ. وقالَ: لا أعْرِفُه مِنْ حديثِ أبي إسْحَاقَ إلاّ مِنْ رِوَايَةِ شَرِيكٍ. قالَ مُحمّدٌ: حَدّثَنَا مَعْقِلُ بنُ مَالِكٍ البَصْرِيّ. حَدّثَنَا عُقْبَةُ بنُ الأصَم، عَنْ عَطَاءٍ، عنْ رَافِعٍ بنِ خَدِيجٍ، عنْ النبيّ صلى الله عليه وسلم نحوهُ.
ـــــــ
الأرض. ولا يخفى أن حديث رافع بن خديج أخص من قوله صلى الله عليه وسلم: "ليس لعرق ظالم حق مطلقاً". فيبني العام على الخاص وهذا على فرض أن قوله: ليس لعرق ظالم حق. يدل على أن الزرع لرب البذر، فيكون الراجح ما ذهب إليه أهل القول الأول من أن الزرع لصاحب الأرض إذا استرجع أرضه الزرع فيها. وأما إذا استرجعها بعد حصاد الزرع، فظاهر الحديث أنه أيضاً لرب الأرض، ولكنه إذا صح الإجماع على أنه للغاصب كان مخصصاً لهذه الصورة، وقد روى عن مالك وأكثر علماء المدينة مثل ما قاله الأولون، وفي البحر أن مالكاً والقاسم يقولان: الزرع لرب الأرض واحتج لما ذهب الجمهور من أن الزرع للغاصب بقوله صلى الله عليه وسلم: "الزرع للزراع، وإن كان غاصباً". ولم أقف على هذا الحديث فينظر فيه. وقال ابن رسلان: إن حديث: ليس لعرق ظالم حق. ورد في الغرس الذي له عرق مستطيل في الأرض. وحديث رافع ورد في الزرع فيجمع بين الحديثين، ويعمل بكل واحد منهما في موضعه. ولكن ما ذكرناه من الجمع أرجح لأن بناء العام على الخاص أولى من المصير إلى قصر العام على السبب من غير ضرورة. انتهى كلام الشوكاني. قوله: "قال محمد" هو الإمام البخاري "حدثنا معقل بن مالك البصري" قال الحافظ مقبول من العاشرة، وزعم الأزدي أنه متروك فأخطأ "حدثنا عقبة بن الأصم" هو عقبة بن عبد الله الأصم الرفاعي البصري ضعيف وربما دلس، ووهم من فرق بين الأصم والرفاعي كابن حبان "عن عطاء" هو ابن أبي رباح

(4/607)


باب ماجاء في النحل والتسوية بين الولد
...
30 ـ باب ما جَاءَ في النّحْلِ والتّسْوِيَةِ بَيْنَ الْوَلِد
1386 ـ حدثنا نَصْرُ بنُ عَلي وَ سَعِيدُ بنُ عَبْدِ الرّحْمَنِ المَخْزُومِيّ "المَعْنَى الْوَاحِدُ" قَالا: حَدّثَنَا سُفْيَانُ عنْ الزّهْرِيّ، عَنْ حميد بن عَبْدِ الرّحْمَنِ وَعَنْ محمّدِ بنِ النّعْمَانِ بنِ بَشِيرٍ، يُحَدّثَانِ عَنِ النّعْمَانِ بنِ بَشِيرٍ، أنّ أبَاهُ نَحَلَ ابْناً لَهُ غُلاَماً. فَأَتَى النبيّ صلى الله عليه وسلم يُشْهِدُهُ فقَالَ: "أكُلّ وَلَدَكَ قدْ نَحَلْتَهُ. مِثْلَ ما نَحَلْتَ هَذَا؟" قَالَ: لاَ. قال "فَارْدُدْهُ". هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وَقَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهِ عنِ النّعْمَانِ بنِ بَشِيرٍ، والْعَمَلُ على هَذا عِنْدَ بَعْضِ أهْلِ العِلمِ، يَسْتَحِبّونَ التّسْوِيَةَ بَيْنَ الْوَلَدِ، حَتّى قَالَ بَعْضُهُمْ: يُسَوّي بَيْنَ وَلَدِهِ حتّى في الْقُبْلَةِ.
ـــــــ
باب ما جَاءَ في النّحْلِ والتّسْوِيَةِ بَيْنَ الْوَلِد
قوله: "أن أباه نحل" أي أعطى ووهب. قال في النهاية: النحل العطية والهبة ابتداء من غير عوض ولا استحقاق "ابنا له" هو النعمان بن بشير نفسه. ففي الصحيحين عن النعمان بن بشير أن أباه اتى به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إني نحلت إبني هذا غلاماً. "غلاماً" أي عبداً "يشهده" أي يجعله شاهداً "فأردده" أي أردد الغلام إليك. وفي رواية للشيخين قال: أعطيت سائر ولدك مثل هذا. قال: لا قال فاتقوا الله واعدلوا بين أولادكم. قال فرجع فرد عطيته. وفي رواية لهما: أنه قال: لا أشهد على جور. وفي رواية لهما: أيسرك أن يكونوا إليك في البر سواء. قال: بلى قال: فلا إذاً. قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان وغيرهما. قوله: "والعمل على هذا عند بعض أهل العلم يستحبون التسوية بين الولد حتى قال بعضهم: يسوي بين الولد حتى في القبلة" قال الحافظ في الفتح: ذهب الجمهور إلى أن التسوية مستحبة فإن فضل بعضاً صح وكره واستحبت المبادرة إلى التسوية أو الرجوع، فحملوا الأمر على الندب، والنهي على التنزيه. قال وتمسك به يعني بحديث النعمان بن بشير من أوجب التسوية في عطية الأولاد. وبه صرح البخاري. وهو قول طاوس والثوري وأحمد وإسحاق. وقال به بعض المالكية ثم المشهور عن هؤلاء أنها باطلة. وعن أحمد تصح. ويجب أن

(4/608)


وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يُسَوّي بَيْنَ وَلَدِهِ في النّحْلِ وَالْعَطِيّةِ "يعني الذّكَرُ والأُنْثَى سَوَاءٌ" وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثّوْرِيّ. وقَالَ بَعْضُهُمْ: التسْوِيَةُ بَيْنَ الولَدِ، أنْ يُعْطَى الذّكَرُ مِثْلَ حَظّ الأُنْثَيَيْنِ، مِثْلَ قِسْمَةِ المِيرَاثِ، وَهُوَ قَوْلُ أحْمَدَ وإسْحَاقَ.
ـــــــ
يرجع. وعنه يجوز التفاضل إن كان له سبب كأن يحتاج الولد لأمانته ودينه أو نحو ذلك دون الباقين. وقال أبو يوسف: تجب التسوية إن قصد بالتفضيل الإصرار. قال ومن حجة من أوجبه أنه مقدمة الواجب، لأن قطع الرحم والعقوق محرمان. فما يؤدي إليهما يكون محرماً. والتفصيل بما يؤدي إليهما انتهى. "وقال بعضهم يسوي بين ولده في النحل والعطية، الذكر والأنثى سواء. وهو قول سفيان الثوري الخ" قال الحافظ في الفتح: اختلفوا في صفة التسوية، فقال محمد بن الحسن وأحمد وإسحاق وبعض الشافعية، والمالكية: العدل أن يعطي الذكر حظين كالميراث، واحتجوا بأنه حظها من ذلك المال لو أبقاه الواهب في يده حتى مات. وقال غيرهم: لا فرق بين الذكر والأنثى. وظاهر الأمر بالتسوية يشهد لهم واستأنسوا بحديث ابن عباس رفعه: سووا بين أولادكم في العطية. فلوا كنت مفضلاً أحداً لفضلت النساء. أخرجه سعيد بن منصور والبيهقي من طريقه. وإسناده حسن انتهى .

(4/609)


باب ماجاء في الشفعة
...
31 ـ باب ما جَاءَ في الشّفْعَة
1387 ـ حدثنا عَلِيّ بنُ حُجْرٍ. حَدّثَنَا إسْمَاعِيلُ بنُ عُلَيّةَ، عَنْ سَعِيدٍ عَنْ قَتَادَةَ، عنْ الْحَسَنِ، عَنْ سَمُرَةَ، قَالَ: قَالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "جَارُ الدّارِ أحَقّ بالدّارِ".
ـــــــ
باب ما جاء في الشفعة
بضم الشين المعجمة وسكون الفاء وغلط من حركها، وهي مأخوذة لغة من الشفع، وهو الزوج وقيل من الزيادة وقيل من الإعانة، وفي الشرع انتقال حصة شريك إلى شريك كانت انتقلت إلى أجنبي بمثل العرض المسمى. قاله الحافظ في الفتح قوله: "جار الدار أحق بالدار" استدل به القائلون بثبوت الشفعة للجار.

(4/609)


قال أبو عيسى: وفي البابِ عَنِ الشّرِيدِ وَأبي رَافعٍ وَأَنَسٍ حَدِيثُ سَمُرَةَ حديث حَسنٌ صحيحٌ. ورَوَى عِيسَى بنُ يُونُسَ عَنْ سَعِيدِ بنِ أبي عَرُوبَةَ، عنْ قَتَادَةَ، عَنْ أنَسٍ، عَنِ النّبي صلى الله عليه وسلم، مِثْلَهُ.
وَرُوِيَ عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ سَمُرَةَ عنِ النبيّ صلى الله عليه وسلم. وَالصّحِيحُ عِنْدَ أهْلِ العِلمِ، حَدِيثُ الْحَسَنِ، عَنْ سَمُرَةَ. ولاَ نَعْرِفُ حَدِيثَ قَتَادَةَ عَنْ أنَسٍ، إلاّ مِنْ حَدِيثِ عِيسَى بنِ يُونُسَ. وَحَدِيثُ عَبْدِ الله بنِ عَبْدِ الرّحمَنِ الطّائفِيّ، عَنْ عَمْرِو بنِ الشّرِيدِ، عَنْ أبيهِ، عَنِ النبيّ صلى الله عليه وسلم، في هَذَا الْبَابِ هُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ. وَرَوَى إبْرَاهِيمُ بْنُ مَيْسَرَةَ عَنْ عَمْرِو بنِ الشّرِيدِ، عَنْ أبي رَافِعٍ، عنْ النبيّ صلى الله عليه وسلم: قال سَمِعْتُ مُحَمّداً يَقُولُ: كِلاَ الحَدِيثَيْنِ عِنْدِي صَحِيحٌ.
ـــــــ
وأجاب عنه القائلون بعدم الشفعة بالجوار بأن المراد بالجار هو الشريك. قوله: "وفي الباب عن الشريد" بفتح الشين المعجمة وكسر الراء بن سويد، قال: قلت يا رسول الله أرضي ليس لأحد فيها شرك، ولا قسم إلا الجوار. فقال: "الجار أحق بسقبه ما كان". رواه أحمد والنسائي وابن ماجه. ولابن ماجة مختصراً: الشريك أحق بسقبه ما كان. كذا في المنتقى "وأبي رافع" أخرجه البخاري مرفوعاً بلفظ: الجار بسقبه. وأخرجه أيضاً أبو داود والنسائي وابن ماجه. "وأنس" أخرجه النسائي مرفوعاً بلفظ: جار الدار أحق بالدار. قوله: "حديث سمرة حديث حسن صحيح" وأخرجه أحمد وأبو داود والنسائي. قال المنذري: اختلف الأئمة في سماع الحسن عن سمرة، والأكثر على أنه لم يسمع منه إلا حديث العقيقة انتهى. قوله: "وقد روى عيسى بن يونس عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله" أخرجه النسائي "وروى" أي عيسى بن يونس "عن سعيد بن أبي عروبة الخ" أخرجه النسائي أيضاً "ولا نعرف حديث قتادة عن أنس إلا من حديث عيسى بن يونس" قال الدارقطني في سننه بعد روايته: وهم فيه عيسى بن يونس وغيره يرويه عن قتادة عن الحسن عن سمرة
هكذا رواه شعبة وغيره وهو الصواب انتهى. قال ابن القطان عيسى بن يونس ثقة، ولا يبعد أن يكون جمع بين الروايتين أعني عن أنس وعن سمرة انتهى. قوله: "وحديث عبد الله بن عبد الرحمن الطائفي عن عمرو بن الشريد عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الباب هو حديث حسن" أخرجه النسائي وابن ماجه من طريق حسين المعلم عن عمرو بن شعيب عن عمرو بن الشريد عن أبيه. وقد ذكرنا لفظه فيما تقدم "وروى ابراهيم بن ميسرة عن عمرو بن الشريد عن أبي رافع عن النبي صلى الله عليه وسلم" أخرجه البخاري وغيره بلفظ: الجار أحق بسقبه. وفيه قصة "سمعت محمداً يقول كلا الحديثين عندي صحيح" قال الحافظ في الفتح: يحتمل أن يكون سمعه من أبيه ومن أبي رافع انتهى .

(4/610)


باب ماجاء في الشفعة للغائب
...
32ـ باب ما جَاءَ في الشّفعَةِ لِلْغَائِب
1388 ـ حدثنا قُتَيْبَةُ. حَدّثَنَا خَالِدُ بنُ عَبْدُ الله الْوَاسِطيّ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بنِ أبي سُلَيْمانَ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرٍ، قالَ. قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "الْجَارُ أحَقّ بِشُفْعَتِهِ. يُنْتَظرُ بِهِ وَإِنْ كَانَ غَائِباً، إذَا كَانَ طَرِيقُهُمَا وَاحِداً". هذا حديثٌ غَرِيبٌ. وَلاَ نَعْلَمُ أحَداً رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ
ـــــــ
باب ما جَاءَ في الشّفعَةِ لِلْغَائِب
قوله: "الجار أحق بشفعته" أي بشفعة جاره كما في رواية أبي داود "ينتظر" بصيغة المجهول "به" أي بالجار، قال ابن رسلان: يحتمل انتظار الصبي بالشفعة حتى يبلغ. وقد أخرج الطبراني في الصغير والأوسط عن جابر أيضاً مرفوعاً: الصبي على شفعته حتى يدرك، فإذا أدرك فإن شاء أخذ وإن شاء ترك. وفي إسناده عبد الله بن بزيغ وكذا في النيل. قلت قال الذهبي في الميزان في ترجمة عبد الله بن بزيغ: قال الدارقطني لين ليس بمتروك. وقال ابن عدى ليس بحجة، وهو قاضي تستر، وعامة أحاديثه ليست بمتروكة انتهى. "وإن كان غائباً" بالواو وإن وصلية. قال الطيبي في شرح المشكاة بإثبات الواو في الترمذي وأبي داود وابن ماجه والدارمي وجامع الأصول وشرح السنة وبإسقاطها في نسخ المصابيح والأول أوجه "إذا كان طريقهما" أي طريق الجارين أو والدارين. "هذا حديث حسن غريب" ورواه أحمد وأبو داود وابن ماجه والدارمي قوله: "لا نعلم أحداً تكلم فيه غير شعبة من أجل هذا الحديث" قال الذهبي في الميزان عبد الملك

(4/611)


غَيْرَ عَبْدِ الْمَلِكِ بنِ أبي سُليمانَ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرٍ .
وَعَبْد الْمَلِكِ هُوَ ثِقَةٌ مَأْمُونٌ عِنْدَ أهْلِ الحَدِيثِ. لاَ نَعْلَمُ أحَداً تَكَلّمَ فِيهِ غَيْرَ شُعْبَةَ، مِنْ أجْلِ هَذَا الْحَدِيث. وَقَدْ رَوَى وَكِيعٌ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بنِ أبي سُليمانَ هَذَا الحَدِيثَ. ورُوَي عَنْ ابن الْمُبَارَك. عن سُفْيَانَ الثّوْرِيّ، قالَ: عَبْدُ الْمَلِكِ بنُ أبي سُليمانَ مِيزَانٌ. يَعْنِي في الْعِلْمِ. وَالْعَمَلُ عَلى هَذَا الْحَدِيثِ عِنْدَ أهْلِ الْعِلْمِ، أنّ الرّجُلَ أحَقّ بِشُفْعَتِهِ وَإِنْ كَانَ غَائباً. فإذَا قَدِمَ فَلَهُ الشّفْعَةُ. وَإِنْ تَطَاوَلَ ذَلِكَ.
ـــــــ
بن أبي سليمان أحد الثقات المشهورين تكلم فيه شعبة لتفرده عن عطاء بخبر الشفعة للجار. قال وكيع: سمعت شعبة يقول: لو روى عبد الملك حديثاً آخر مثل حديث الشفعة لطرحت حديثه. وقال أبو قدامة السرخسي: سمعت يحيى القطان يقول لو روى عبد الملك حديثاً آخر كحديث الشفعة لتركت حديثه وروى أحمد ابن أبي مريم عن يحيى ثقة. وقال أحمد حديثه في الشفعة منكر وهو ثقة انتهى. وقال المنذري بعد نقل كلام الترمذي: وقال الإمام الشافعي يخاف أن لا يكون محفوظاً وأبو سلمة حافظ. وكذلك أبو الزبير ولا يعارض حديثهما بحديث عبد الملك. وسئل الإمام أحمد بن حنبل عن هذا الحديث فقال: هذا حديث منكر. وقال يحيى لم يحدث به إلا عبد الملك. وقد أنكره الناس عليه. وقال الترمذي: سألت محمد بن إسماعيل البخاري عن هذا الحديث فقال لا أعلم أحداً رواه عن عطاء غير عبد الملك تفرد به. ويروى عن جابر خلاف هذا. هذا آخر كلامه وقد احتج مسلم في صحيحه بحديث عبد الملك، واستشهد به البخاري ولم يخرجا له هذا الحديث. ويشبه أن يكون تركاه لتفرده به، وإنكار الأئمة عليه. وجعله بعضهم رأياً لعبد الملك أدرجه عبد الملك في الحديث انتهى كلام المنذري. قوله: "فإذا قدم فله الشفعة وإن تطاول ذلك" وظاهر الحديث أنه لا يجب عليه السير متى بلغه للطلب أو البعث برسول كما قال مالك. وقال بعض أهل العلم: إنه يجب عليه ذلك إذا كانت مسافة غيبته ثلاثة أيام فما دونها وإن كانت المسافة فوق ذلك لم يجب.

(4/612)


33 ـ باب ما جَاءَ إذَا حُدّتِ الْحُدُودُ وَوَقَعَتِ السّهَامُ فَلاَ شُفْعَة
1389 ـ حدثنا عَبْدُ بنُ حُمَيْدٍ. أخبرنا عبدالرزاق أخبرنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزّهْرِيّ، عَنْ أبي سَلَمَةَ بنِ عَبْدِ الرحمَنِ، عَنْ جَابِر بنِ عَبْدِ الله قالَ: قَال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إذَا وَقَعَتِ الْحدُودُ، وَصُرّفَتِ الطّرُقُ، فَلاَ شُفْعَةَ". قال أبو عيسى هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وَقَدْ رَوَاهُ بَعْضُهُمْ مُرْسَلاً، عَنْ أبي سَلَمَةَ، عَنِ النبيّ صلى الله عليه وسلم. والْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ بَعْضِ أهْلِ العِلمِ مِنْ أصْحَابِ النبيّ صلى الله عليه وسلم. مِنْهُمْ عُمَرُ بنُ الخَطابِ وَعُثْمانُ بنُ عَفّانَ. وبِهِ يَقُولُ بَعْضُ فُقَهَاءِ التّابِعِينَ. مِثْلُ عُمَرَ بنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَغَيرِهِ. وَهُوَ قَوْلُ أهْلِ الْمَدِينَةِ. مِنْهُمْ يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ الأنْصَارِيّ وَرَبِيعَةُ بنُ أبي عَبْدِ الرّحمَنِ وَمَالِكُ بنُ أنَسٍ. وَبِهِ يَقُولُ الشّافِعِيّ وأحْمَدُ وإسْحَاقُ. لاَ يَرَوْنَ الشّفْعَةُ إلاّ لِلْخَلِيطِ. وَلاَ يَرَوْنَ لِلْجَارِ شُفْعَةً إذَا لَمْ يَكُنْ خَلِيطاً.
ـــــــ
باب إذَا حُدّتِ الْحُدُودُ وَوَقَعَتِ السّهَامُ فَلاَ شُفْعَة
قوله: "إذا وقعت الحدود" أي إذا قسم الملك المشتري، ووقعت الحدود أي الحواجز والنهايات. قال ابن الملك: أي عينت وظهر كل واحد منها بالقسمة والإفراز "وصرفت" بصيغة المجهول أي بينت "الطرق" بأن تعددت، وحصل لكل نصيب طريق مخصوص. قال في النهاية: صرفت الطرق أي بينت مصارفها وشوارعها كأنه من التصرف أو التصريف انتهى. وقال ابن مالك معناه خلصت وبانت، وهو مشتق من الصرف بكسر المهملة، الخالص من كل شيء كذا في الفتح "فلا شفعة" استدل بهذا الحديث لمن قال: إن الشفعة لا تثبت إلا بالخلطة لا بالجوار قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه أحمد البخاري قوله: "وبه يقول الشافعي وإسحاق: لا يرون الشفعة إلا للخليط. ولا يرون للجار شفعة إذا لم يكن خليطاً" واستدلوا بحديث جابر المذكور، واستدلوا أيضاً بأن الشفعة ثبتت على خلاف الأصل لمعنى معدوم في الجار. وهو أن الشريك ربما دخل عليه

(4/613)


وَقَالَ بَعْضُ أهْلِ العِلمِ. مِنْ أصْحَابِ النبيّ صلى الله عليه وسلم وَغَيْرِهِمْ: الشفْعَةُ للْجَارِ. واحْتَجّوا بالْحَدِيثِ الْمَرْفُوعِ عَنِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "جَارُ الدّارِ أحَقّ بِالدّارِ" وَقَالَ "الجَارُ أحَقّ بِسَقَبِهِ" وَهُوَ قَوْلُ الثوْرِيّ وابنِ المُبَارَكِ وَأَهْل الْكُوفَةِ.
ـــــــ
شريكه فتأذى به، فدعت الحاجة إلى مقاسمته فيدخل عليه الضرر بنقص قيمة ملكه، وهذا لا يوجد في المقسوم "وقال بعض أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم: الشفعة للجار" وبه قال أبو حنيفة وأصحابه "واستدلوا بالحديث المرفوع عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: جار الدار أحق بالدار" قد تقدم هذا الحديث في باب ما جاء في الشفعة "وقال الجار أحق بسقبه" بفتح السين المهملة والقاف ويجوز إسكانها وهو القرب والملاصقة. أخرجه البخاري عن عمرو بن الشريد. قال: وقفت على سعد بن أبي وقاص فجاء المسور بن مخرمة فوضع يده على إحدى منكبي إذ جاء أبو رافع مولى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا سعد ابتع مني بيتي في دارك. فقال سعد: والله ما أبتاعهما فقال المسور: والله لتبتاعنهما. فقال سعد: والله لا أزيدك على أربعة آلاف منجمة أو مقطعة. قال أبو رافع: لقد أعطيت بهما خمسمائة دينار، ولولا أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "الجار أحق بسقبه" ما أعطيتكهما بأربعة آلاف، وإنما أعطى بهما خمسمائة دينار فأعطاه إياه. قال الحافظ في الفتح: قال ابن بطال استدل بهذا الحديث أبو حنيفة وأصحابه على إثبات الشفعة للجار. وأوله غيرهم على أن المراد به الشريك بناء على أن أبا رافع كان شريك سعد في البيتين، ولذلك دعاه إلى الشراء منه. قال وأما قولهم: إنه ليس في اللغة ما يقتضي تسمية الشريك جاراً فمردود فإن كل شيء قارب شيئاً قيل له جار، وقد قالوا لإمرأة الرجل جارة. لما بينهما من الخالطة انتهى. وتعقبه ابن المنير بأن ظاهر الحديث أن أبا رافع كان يملك بيتين من جملة دار سعد لا شقصاً شائعاً من منزل سعد وذكر عمر بن شبة أن سعداً كان اتخذ دارين بالبلاط متقابلتين بينهما عشرة أذرع، وكانت التي عن يمين المسجد منهما لأبي رافع، فاشتراها سعد منه. ثم ساق حديث الباب فاقتضى كلامه أن سعداً كان جاراً لأبي رافع قبل أن يشتري منه داره لا شريكاً. وقال بعض الحنفية: يلزم الشافعية القائلين بحمل اللفظ على حقيقته ومجازه أن يقولوا بشفعة الجار لأن الجار حقيقة في المجاور، مجاز في الشريك. وأجيب بأن محل ذلك عند التجرد، وقد قامت القرينة منا على المجاز فاعتبر للجمع بين حديثي جابر وأبي رافع. فحديث جابر صريح في اختصاص الشفعة بالشريك، وحديث أبي رافع مصروف الظاهر اتفاقاً، لأنه يقتضي أن يكون الجار أحق من كل أحد حتى من الشريك. والذين قالوا بشفعة الجار قدموا الشريك مطلقاً ثم المشارك في الطريق ثم الجار على من ليس بمجاور فعلى هذا فيتعين تأويل قوله "أحق" بالحمل على الفضل أو التعهد ونحو ذلك انتهى ما في الفتح .

(4/614)


35 ـ باب
1390 ـ حدثنا يُوسفُ بنُ عيسَى. حدّثنا الفَضْلُ بنُ مُوسَى. عَنْ أبي حَمْزَةَ السّكّرِيّ، عنْ عَبْدِ العَزِيزِ بنِ رُفَيْعٍ، عنِ ابنِ أبي مُلَيْكَةَ، عنْ ابنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم "الشّرِيكُ شَفِيعٌ والشّفْعَةُ في كلّ شَيْءٍ". هذا حديثٌ لاَ نَعْرِفُهُ مِثْلَ هَذَا، إلاّ مِنْ حديثِ أبي حَمْزَةَ السّكّرِيّ. وقَدْ رَوَى غَيْرُ وَاحِدٍ عنْ عبْدِ العَزِيزِ بنِ رُفَيْعٍ، عنِ ابنِ أبي مُلَيْكَةَ، عنِ النبيّ صلى الله عليه وسلم، مُرْسَلاً وهَذَا أصَحّ.
ـــــــ
باب
قوله: "عن أبي حمزة السكرى" قال الخزرجي في الخلاصة: سمي بذلك لحلاوة كلامه انتهى. قال في القاموس السكر بالضم وتشديد الكاف معرب شكر. وقال الحافظ ثقة فاضل "عن عبد العزيز بن رفيع" بضم الراء وفتح الفاء مصغراً عن ابن أبي مليكة بالتصغير هو عبيد الله بن أبي مليكة من مشاهير التابعين وعلمائهم وكان قاضياً على عهد ابن الزبير. قوله: "والشفعة في كل شيء" استدل به من قال بثبوت الشفعة في كل شيء مما يمكن نقله أو لا، لكن الحديث معلول بالإرسال. قوله: "هذا أصح" أي كونه مرسلاً أصح. قال الحافظ في الفتح روى

(4/615)


1391 ـ حدثنا هَنّادٌ. حَدثنَا أبُو بَكْرٍ بنُ عَيّاشٍ عنْ عَبْدِ العَزِيزِ بنِ رُفَيْعٍ، عنِ ابنِ أبي مُلَيْكَةَ، عنِ النبيّ صلى الله عليه وسلم، نحْوَهُ بِمَعْنَاهُ. ولَيْسِ فيهِ "عن ابن عَبّاس" وهَكَذَا رَوَى غَيْرُ وَاحِدٍ عنْ عَبْدِ العَزيزِ بنِ رُفَيْعٍ، مِثْلَ هذَا. لَيْسَ فيهِ "عنِ ابنِ عَبّاس" وهذَا أصَحّ مِنْ حدِيثِ أبي حَمْزَةَ، وأبو حَمْزَةَ ثِقَةٌ. يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ الخَطَأُ مِنْ غَيْرِ أبي حَمْزَةَ.
1392 ـ حدثنا هَنّادٌ. حدّثنَا أبُو الأحْوَصِ، عنْ عَبْدِ العَزِيزِ بنِ رُفَيْعٍ، عنِ ابنِ أبي مُلَيْكةَ، عنِ النبيّ صلى الله عليه وسلم، نحْوَ حدِيثِ أبي بَكْرِ بنِ عَيّاشٍ. وقالَ أكْثَرُ أهْلِ العِلْمِ: إنمَا تَكُونَ الشّفْعةُ في الدُور والأرَضِينَ. وَلَمْ يَرَوُا الشّفْعَةَ في كلّ شيءٍ. وقالَ بَعْضُ أهلِ العِلْمِ: الشّفْعَةُ في كلّ شَيْءٍ. والأوّلُ أصَحّ.
ـــــــ
البيهقي من حديث ابن عباس مرفوعاً: الشفعة في كل شيء ورجاله ثقات، إلا أنه أعل بالإرسال. وأخرج الطحاوي له شاهداً من حديث جابر بإسناد لا بأس برواته انتهى. قوله: "وقال أكثر أهل العلم إنما تكون الشفعة في الدور والأرضين ولم يروا الشفعة في كل شيء" واحتجوا بحديث جابر رضي الله عنه: قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشفعة في كل شركة لم تقسم ربعة أو حائط. الحديث رواه مسلم. قال القاري: في هذا الحديث دلالة على أن الشفعة لا تثبت إلا فيما لا يمكن نقله كالأراضي والدور والبساتين، دون ما يمكن نقله كالأمتعة والدواب. وهو قول عامة أهل العلم انتهى. واحتجوا أيضاً بحديث سمرة المذكور في الباب وبحديث عبادة بن الصامت: أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بالشفعة بين الشركاء في الأرضين والدور. رواه عبد الله بن أحمد في المسند، وهو من رواية إسحاق عن عبادة ولم يدركه. "وقال بعض أهل العلم الشفعة في كل شيء" وبه قال مالك في رواية وهو قول عطاء. وعن أحمد تثبت في الحيوانات دون غيرها من المنقولات كذا في الفتح، واحتج من قال بثبوت الشفعة في كل شيء بحديث ابن عباس المذكور في الباب، وقد عرفت أنه معلول بالإرسال.

(4/616)


باب ماجاء في اللقطة وضالة الإبل والغنم
...
36ـ باب ما جَاءَ في اللّقْطَةِ وَضَالّةِ الإبِل والْغَنَم
1393 ـ حدثنا الحَسَنُ بنْ عَلِي الْخَلاّلُ. حدّثنَا عَبْدُ الله بنُ نُمَيْرِ ويَزِيدُ بنُ هَارُونَ، عنْ سفْيَانَ، عنْ سَلمَةَ بنِ كُهَيْل، عنْ سُوَيْدِ بنِ غَفَلةَ، قالَ: خَرَجْتُ مَعَ زَيْدِ بنِ صُوحَانَ وسَلْمَانَ بنِ رَبِيعَةَ. فَوَجَدْتُ سَوْطاً "قالَ ابنُ نَميرٍ في حدِيثِهِ: فَالتَقَطَتُ سَوْطاً فأَخَذْتُهُ" . قَالاَ: دَعْهُ. فَقلت: لاَ أَدَعُهُ تَأْكُلهُ السّبَاعُ، لاَخُذَنّهُ فَلأَسْتَمْتِعَنّ بِهِ. فَقَدِمْتُ عَلَى أُبَيّ بنِ كَعْبٍ، فَسَأَلْتُهُ عنْ ذلِكَ، وحَدّثْتُهُ الْحَدِيثَ
ـــــــ
باب ما جاء في اللقطة وضالة الإبل والغنم
اللقطة الشيء يلتقط وهو بضم اللام وفتح القاف على المشهور عند أهل اللغة والمحدثين. وقال عياض: لا يجوز غيره. وقال الزمخشري في الفائق: اللقطة بفتح القاف والعامة تسكنها كذا قال وقد جزم الخليل بأنها بالسكون. قال: وأما بالفتح فهو اللاقط وقال الأزهري: هذا الذي قاله هو القياس، ولكن الذي سمع من العرب وأجمع عليه أهل اللغة والحديث الفتح. كذا في الفتح والضال في الحيوان كاللقطة في غيره
قوله: "عن سويد" بالتصغير "بن غفلة" بفتح المعجمة والفاء أبو أمية الجعفي تابعي كبير مخضرم أدرك النبي صلى الله عليه وسلم وكان في زمنه رجلاً، وأعطى الصدقة في زمنه ولم يره على الصحيح، وقيل إنه صلى خلفه ولم يثبت، وإنما قدم المدينة حين نفضوا أيديهم من دفنه صلى الله عليه وسلم ثم شهد الفتوح ونزل الكوفة ومات بها سنة ثمانين أو بعدها "قال خرجت" أي في غزاة كما في رواية البخاري "مع زيد بن صوحان" بضم الصاد المهملة وسكون الواو وبعدها تابعي كبير مخضرم أيضاً "وسلمان بن ربيعة" هو الباهلي يقال له صحبة ويقال له سلمان الخيل لخبرته بها، وكان أميراً على بعض المغازي في فتوح العراق في عهد عمر وعثمان "قالا" أي زيد بن صوحان وسلمان بن ربيعة "دعه" وفي رواية البخاري ألقه "تأكله السباع" كأنه كان من الجلد أو مثله مما يأكله السباع "لأخذته ولأستمتعن به" وفي رواية البخاري: ولكن إن وجدت صاحبه وإلا استمتعت به "فقدمت على أبي بن كعب"

(4/617)


فقَالَ: أحْسَنْتَ. وجَدْتُ عَلَى عَهْدِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم صُرّةً فِيهَا مِائَةُ دِينَارٍ، قالَ، فأتَيْتُهُ بهَا. فقَالَ لِي "عَرّفْهَا حَوْلاً" فَعَرّفْتُهَا حولاً فَما أجِدُ مَنْ يَعْرِفُهَا، ثُمّ أتَيْتُهُ بهَا. فقَالَ "عَرّفْهَا حَوْلاً آخَرَ" فَعَرّفْتُهَا ثمّ أتَيْتهُ بها. فقَالَ "عَرّفهَا حَوْلاً آخرَ" وقال "احْصِ عِدّتَهَا وَوِعَاءَهَا وَوِكَاءَهَا، فَإنْ جَاءَ طَالِبُهَا فَأخْبَرَكَ بِعِدّتِهَا وَوِعَائهَا وَوِكَائِهَا فَادْفَعْهَا إلَيْهِ، وإلاَ فَاسْتَمْتِعْ بِهَا" قال هذا حديثٌ حسنٌ صَحيحٌ.
1394 ـ حدثنا قُتَيْبَةُ. حدثنا إسْماعِيلُ بنُ جَعْفَرٍ عنْ رَبِيعَةَ بنِ أبي عَبْدِ الرّحمَنِ، عنْ يَزِيدَ مَوْلَى الْمُنْبَعِثِ، عنْ زَيْدِ بنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيّ أَنّ رَجُلاً سَأَلَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم عَن اللّقَطَةِ؟ فقَالَ "عَرّفْهَا سَنَةً ثمّ اعْرِفْ وِكَاءَهَا وَوِعَاءَهَا وَعِفَاصَهَا. ثمّ اسْتَنْفقْ بهَا.
ـــــــ
وفي رواية البخاري فلما رجعنا حججنا فمررت بالمدينة فسألت أبي بن كعب "فقال أحسنت" أي فيما فعلت "وقال أحص" أمر الإحصاء "عدتها" أي عددها "ووعاءها" الوعاء بكسر الواو والمد ما يجعل فيه الشيء سواء كان من جلد أو خزف أو خشب أو غير ذلك "ووكاءها" الوكاء بكسر الواو والمد الخيط الذي يشد به الصرة وغيرهما. قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه أحمد ومسلم. قوله: "ثم أعرف وكاءها" في النهاية الوكاء هو الخيط الذي تشد به الصرة والكيس ونحوهما. "ووعاءها" تقدم معناه "وعفاصها" بكسر أوله أي وعاءها. في الفائق العفاص الوعاء الذي يكون فيه اللقطة من جلد أو خرقة أو غير ذلك. قال ابن عبد الملك: وإنما أمر بمعرفتها ليعلم صدق وكذب من يدعيها. في شرح السنة اختلفوا في تأويل قوله: اعرف عفاصها في أنه لو جاء رجل وادعى اللقطة وعرف عفاصها ووكاءها، هل يجب الدفع إليه؟ فذهب مالك وأحمد إلا أنه يجب الدفع إليه من غير بينة، إذ هو المقصود من معرفة العفاص والوكاء. وقال الشافعي وأصحاب أبي حنيفة رحمه الله: إذا عرف الرجل العفاص والوكاء والعدد والوزن ووقع في نفسه أنه صادق فله أن يعطيه، وإلا فببينة. لأنه قد يصيب في الصفة بأن يسمع الملتقط بصفها، فعلى هذا تأويل

(4/618)


فإنْ جَاءَ رَبّهَا فأَدّهَا إلَيْهِ" فقَالَ له: يَا رسولَ الله فَضَالّةُ الْغَنمِ؟ فقَالَ "خُذْهَا. فإنمَا هِيَ لَكَ أوْ لأِخِيكَ أَوْ لِلذّئْبِ" فقَالَ: يَا رَسُولَ الله فَضَالّةُ الإبلِ؟ قالَ، فَغضِبَ النبيّ صلى الله عليه وسلم حَتّى احْمَرّتْ وَجْنَتَاهُ، أَوِ احْمَرّ وَجْهُهُ. فقَالَ "مَالَكَ وَلهَا؟ مَعَهَا حِذَاؤهَا وسِقَاؤُهَا حَتّى تَلْقَى
ـــــــ
قوله: اعرف عفاصها ووكاءها لئلا تختلط بماله اختلاطاً لا يمكنه التمييز إذا جاء مالكها. انتهى ما في المرقاة. قلت قد وقع في حديث أبي بن كعب عند مسلم وغيره: فإن جاء أحد يخبرك بعددها ووعائها ووكائها فأعطها إياه. قال الحافظ في الفتح: وقد أخذ بظاهر هذه الزيادة مالك وأحمد. وقال أبو حنيفة والشافعي: إن وقع في نفسه صدقة جاز أن يدفع إليه ولا يجبر على ذلك إلا ببينة لأنه قد يصيب الصفة. وقال الخطابي: إن صحت هذه اللقطة لم يجز مخالفتها وهي فائدة. قوله اعرف عفاصها الخ. وإلا فالاحتياط مع من لم ير الرد إلا بالبينة قال ويتأول قوله: اعرف عفاصها. على أنه أمره بذلك لئلا تختلط بماله أو لتكون الدعوى فيها معلومة. قال الحافظ: قد صحت هذه الزيادة فتعين المصير إليها انتهى. قلت: قد ذكر وجه صحة هذه الزيادة في الفتح، من شاء الوقوف على ذلك فليرجع إليه. "فإن جاء ربها" أي مالك اللقطة "فأدها إليه" فيه دليل على بقاء ملك مالك اللقطة خلافاً لمن أباحها بعد الحول بلا ضمان "فضالة الغنم" بتشديد اللام أي غاويتها أو متروكتها مبتدأ خبره محذوف أي ما حكمها "هي لك" أي إن أخذتها وعرفتها ولم تجد صاحبها فإن لك أن تملكها "أو لأخيك" يريد به صاحبها. والمعنى: إن أخذتها فظهر مالكها فهو له أو تركتها فاتفق أن صادفهافهو أيضاً له. وقيل معناه: إن لم تلتقطها يلتقطها غيرك "أو للذئب" بالهمزة وإبداله. أي إن تركت أخذها الذئب وفيه تحريض على التقاطها. قال الطيبي: أي تركتها ولم يتفق أن يأخذها غيرك يأكله الذئب غالباً. بذلك على جواز التقاطها وتملكها وعلى ما هو العلة لها، وهي كونها معرضة للضياع ليدل على اطراد هذا الحكم في كل حيوان يعجز عن الرعي بغير راع "احمرت وجنتاه" أي خداه "أو احمر وجهه" شك من الراوي "مالك ولها" أي شيء لك ولها. قيل ما شأنك معها أي اتركها ولا تأخذها "معها حذاؤها وسقاؤها" الحذاء بالمد

(4/619)


رَبّهَا". وفي الباب عن أبي كعب وعبد الله بن عمر والجارود ابن المعلى وعياض بن حمار وجرير بن عبد الله . حدِيثُ زَيْدِ بنِ خَالِدٍ حدِيثٌ حسنٌ صَحيحٌ. وقَدْ رُوِيَ عَنْهُ مِنْ غَيْرِ وجْهٍ. وحدِيثُ يَزيدَ مَوْلى الُمنْبعِثِ، عنْ زَيْدِ بنِ خَالِدٍ، حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وقَدْ رُويَ عَنْهُ مِنْ غَيْرِ وجْهٍ. والْعَمَلُ عَلَى هذَا عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أصْحَابِ النّبي صلى الله عليه وسلم وغَيْرِهم، رَخّصُوا في اللّقَطَةِ إِذَا عَرّفَهَا سَنَةً فَلمْ يَجِدْ مَنْ يَعْرِفُهَا، أَنْ يَنْتَفِعَ بِها، وهُوَ قَوْلُ الشّافِعيّ وأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ.
ـــــــ
النعل والسقاء بالكسر القربة والمراد هنا بطنها وكروشها، فإن فيه رطوبة يكفي أياماً كثيرة من الشرب. فإن الإبل قد يتحمل من الظماء ما لا يتحمله سواء من البهائم، ثم أراد أنها تقوى على المشي وقطع الأرض وعلى قصد المياه وورودها ورعي الشجر والامتناع عن السباع المفترسة. قوله: "وفي الباب عن أبي بن كعب وعبد الله بن عمر" في حاشية النسخة الأحمدية كذا في أكثر النسخ وفي نسخة صحيحة عبد الله بن عمرو بالواو، وعليه يدل بعض القرائن انتهى. قلت: الأمر كما في هذه الحاشية "والجارود بن المعلى وعياض بن حمار وجرير بن عبد الله" أما حديث أبي بن كعب فأخرجه أحمد ومسلم. وأما حديث عبد الله بن عمر بغير الواو على ما في أكثر النسخ فلم أقف عليه. وأما حديث عبد الله بن عمرو بالواو فأخرجه النسائي وأبو داود. وأما حديث الجارود فأخرجه الدارمي عنه. قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ضالة المسلم حرق النار". وأما حديث عياض بن حمار فأخرجه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة. وأما حديث جرير بن عبد الله فأخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجة مرفوعاً بلفظ: لا يأوي الضالة إلا ضال. قوله: "حديث زيد بن خالد حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان "وحديث يزيد مولى المنبعث عن زيد بن خالد حديث حسن صحيح وقد روى عنه من غير وجه" الظاهر أن هذا تكرار. قوله: "رخصوا في اللقطة إذا عرفها سنة فلم يجد من يعرفها أن ينتفع بها. وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق" واستدلوا بقوله صلى الله عليه وسلم: "وإلا فاستمتع بها وما في معناه". قال الحافظ في الفتح: قوله وإلا فاستنفقها، استدل به على أن الملتقط يتصرف فيها سواء كان غنياً أم فقيراً.

(4/620)


وقَالَ بَعْضُ أهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أصْحَابِ النبيّ صلى الله عليه وسلم وغَيْرِهِمْ: يُعَرّفُهَا سَنَةً، فإنْ جَاءَ صَاحِبُهَا وإلا تَصَدّقَ بِهَا. وهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثّوْرِيّ وعَبْدِ الله بنِ المُبَارَكِ، وهُوَ قَوْلُ أهْلِ الكُوفةِ، لَمْ يَرَوْا لِصَاحِبِ اللّقَطَةِ أنْ يَنْتَفِعَ بِهَا إذَا كَانَ غَنِياً. وقالَ الشّافِعيّ: يَنْتَفِعَ بِهَا وإنْ كانَ غَنِياً، لأنّ أُبَي بنَ كَعْبٍ أصَابَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم صُرّةً فِيهَا مِائَةُ دِينَارِ،
ـــــــ
وعن أبي حنيفة إن كان غنياً تصدق بها، وإن صاحبها تخير بين إمضاء الصدقة أو تغريمه. قال صاحب الهداية: إلا إن كان يأذن الإمام فيجوز للغني كما في قصة أبي بن كعب. وبهذا قال عمر وعلي وابن مسعود وابن عباس وغيرهم من الصحابة والتابعين. "وقال بعض أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم: بعرفها سنة فإن جاء صاحبها وإلا تصدق بها وهو قول سفيان الثوري وعبد الله بن المبارك وهو قول أهل الكوفة" استدل لهم بحديث عياض بن حمار وفيه: وإن لم يجئ صاحبها فهو مال الله يؤتيه من يشاء. رواه أحمد وابن ماجه. قال الشوكاني: استدل به من قال إن الملتقط يملك اللقطة بعد أن يعرف بها حولاً. وهو أبو حنيفة، لكن بشرط أن يكون فقيراً وبه قالت الهادوية. واستدلوا على اشتراط الفقر بقوله في هذا الحديث: فهو مال الله. قالوا وما يضاف إلى الله إنما يتملكه من يستحق الصدقة. وذهب الجمهور إلى أنه يجوز له أن يصرفها في نفسه بعد التعريف سواء كان غنياً أو فقيراً لإطلاق الأدلة الشاملة للغني والفقير كقوله: فاستمتع بها، وفي لفظ: فهي كسبيل مالك. وفي لفظ: فاستنفقها. وفي لفظ: فهي لك. وأجابوا عن دعوى أن الإضافة "يعني إضافة المال إن الله في قوله: فهو مال الله" تدل على الصرف إلى الفقير بأن ذلك لا دليل عليه: فإن الأشياه كلها تضاف إلى الله. قال الله تعالى {وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ} انتهى. "وقال الشافعي: ينتفع بها وإن كان غنياً" وهو قول الجمهور كما عرفت "لأن أبي بن كعب أصاب على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم صره فيها مائة دينار

(4/621)


فأَمَرَهُ رسول الله صلى الله عليه وسلم أَنْ يُعَرّفَهَا ثُمّ يَنْتَفِعَ بهَا، وكانَ أُبي كَثِيرَ المَالِ، مِنْ مَيَاسِيرِ أصْحَابِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأَمَرَهُ رسول الله صلى الله عليه وسلم أنْ يُعَرّفَهَا، فَلَمْ يَجِدْ مَنْ يَعْرِفُهَا، فأَمَرَهُ النبيّ صلى الله عليه وسلم أنْ يَأْكُلَهَا، فَلوْ كانَتِ اللّقطةُ لَمْ تَحِلّ إلاّ لِمَنْ تَحِلّ لَهُ الصّدَقَةُ، لَمْ تَحِلّ لِعَليّ بنِ أبي طالِبٍ، لأَنّ عَلِيّ بنَ أبِي طَالِبٍ أصَابَ دِينَاراً عَلَى عَهْدِ النبي صلى الله عليه وسلم فَعَرّفَهُ فَلَمْ يَجِدْ مَنْ يَعْرِفُه، فأَمَرَهُ النبيّ صلى الله عليه وسلم بأَكْلِه، وكانَ لا يحِلّ لَهُ الصّدَقَةُ.
ـــــــ
فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يعرفها ثم ينتفع بها. وكان أبي كثير المال من مياسير أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الخ" أخرج حديث أبي بن كعب هذا الترمذي في هذا الباب، وأخرجه أيضاً أحمد ومسلم. ومياسير جمع موسر قال في القاموس: اليسر بالضم وبضمتين واليسار والمسارة والميسرة مثلثة السين السهولة والغني وأيسر أيساراً ويسرى صار ذا غني فهو موسر جمعه مياسير انتهى. وقول الشافعي: وكان أبي كثير المال قد اعترض عليه بحديث أبي طلحة الذي في الصحيحين حيث استشار النبي صلى الله عليه وسلم في صدقته فقال اجعلها في فقراء أهلك. فجعلها أبو طلحة في أبي بن كعب وحسان وغيرهما. والجواب عنه أن ذلك في أول الحال. وقول الشافعي بعد ذلك حين فتحت الفتوح كذا في التلخيص "فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يأكلها" وهذا دليل على أنه يجوز للغني أن ينتفع باللقطة. وأجاب من قال بعدم جوازه بأنه إنما جاز لأبي بن كعب الانتفاع بها لأنه صلى الله عليه وسلم قد كان أذن له بالانتفاع بها وإذا يأذن الإمام يجوز للغني الانتفاع باللقطة. قلت: هذا الجواب إنما يتمشى إذا ثبت عدم جواز الانتفاع باللقطة للغني بدليل صحيح "فلو كانت اللقطة لم تحل إلا لمن تحل له الصدقة لم تحل لعلي بن أبي طالب لأن على بن أبي طالب أصاب ديناراً على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرفه فلم يجد من يعرفه فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يأكله" يأتي تخريج حديث علي هذا عن قريب. "وكان علي لا تحل له الصدقة" وهذا أيضاً

(4/622)


وقَدْ رَخّص بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ، إذا كانَتِ الّلَقْطَةُ يَسِيرةً، أنْ يَنْتَفِعَ بهَا ولاَ يُعَرّفَهَا. وقالَ بَعْضُهُمْ: إذَا كانَ
دُونَ دِينَارٍ يُعَرّفُهَا قَدْرَ جُمْعَةٍ، وهُوَ قَوْلُ إسْحَاقَ بنِ إبْرَاهِيمَ.
ـــــــ
دليل على جواز الانتفاع باللقطة للغني. "وقد رخص بعض أهل العلم إذا كانت اللقطة يسيرة أن ينتفع بها ولا يعرفها الخ" أخرج أحمد وأبو داود عن جابر قال رخص لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في العصا والسوط والحبل وأشباهه يلتقطه الرجل ينتفع به. وعن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بتمرة في الطريق فقال لولا أني أخاف أن تكون من الصدقة لأكلتها. أخرجه الشيخان. قال صاحب المنتقى فيه إباحة المحقرات في الحال انتهى. قال الشوكاني: حديث جابر في إسناده المغيرة بن زياد، قال المنذري: تكلم فيه غير واحد. وفي التقريب صدوق له أوهام وفي الخلاصة: وثقة وكيع وابن معين وابن عدي وغيرهم. وقال أبو حاتم: شيخ لا يحتج به. وقوله وأشباهه يعني كل شيء يسير. وقوله ينتفع به. فيه دليل على جواز الانتفاع بما يوجد في الطرقات من المحقرات ولا يحتاج إلى تعريف، وقيل أنه يجب التعريف بها ثلاثة أيام. لما أخرجه أحمد والطبراني والبيهقي والجوزجاني، واللفظ لأحمد من حديث يعلى بن مرة مرفوعاً: من التقط لقطة يسيرة حبلاً أو درهما أو شبه ذلك فليعرفها ثلاثة أيام، فإن كان فوق ذلك فليعرفه سنة أيام. زاد الطبراني: فإن جاء صاحبها وإلا فليتصدق بها، وفي إسناده عمر بن عبد الله بن يعلى، وقد صرح جماعة بضعفه ولكنه قد أخرج له ابن خزيمة متابعة. وروى عن جماعة، وزعم ابن حزم أنه مجهول، وزعم هو وابن القطان أن يعلى وحكيمة التي روت هذا الحديث عن يعلى مجهولان. قال الحافظ: وهو عجب منهما، لأن يعلى صحابي معروف الصحبة ـ قال ابن رسلان: ينبغي أن يكون هذا الحديث معمولاً به لأن رجال إسناده ثقات، وليس فيه معارضة للأحاديث الصحيحة بتعريف سنة لأن التعريف سنة هو الأصل المحكوم به عزيمة، وتعريف الثلاث رخصة تيسيراً للملتقط لأن الملتقط اليسير يشق عليه التعريف سنة مشقة عظيمة بحيث يؤدي إلى أن أحداً لا يلتقط اليسير، والرخصة لا تعارض العظيمة بل لا تكون إلا مع بقاء حكم الأصل كما هو مقرر في الأصول. ويؤيد تعريف الثلاث ما رواه عبد الرزاق عن أبي سعيد أن علياً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم

(4/623)


1395 ـ حدثنا مُحَمّدٌ بن بَشّارٍ. حدّثنَا أبُو بَكْرٍ الحَنَفِيّ أخبرنا الضّحّاكُ بنُ عُثْمانَ. حدّثَني سَالِمٌ أبُو النّضْرِ عنْ بُسْرِ بنِ سَعِيدٍ، عنْ زَيْدِ ابنِ خَالِدٍ الجُهَنِيّ أنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم سُئِلَ عنِ الّلقَطَةِ فقَالَ "عَرّفْهَا سَنَةً. فإنِ اعْتُرِفَتْ، فَأَدّهَا. وَإلاّ فَاعْرِفْ وِعَاءَها
ـــــــ
بدينار وجده في السوق، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: عرفه ثلاثاً. ففعل فلم يجد أحداً يعرفه فقال: كله. انتهى. وينبغي أيضاً أن يقيد مطلق الانتفاع المذكور في حديث الباب بالتعريف بالثلاث المذكورة فلا يجوز للملتقط أن ينتفع بالحقير إلا بعد التعريف به ثلاثاً حملاً للمطلق على المقيد وهذا إذا لم يكن ذلك الشيء الحقير مأكولاً، فإن كان مأكولاً جاز أكله ولم يجب التعريف به أصلاً كالتمرة ونحوها لحديث أنس المذكورة لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد بين أنه لم يمنعه من أكل التمرة إلا خشية أن تكون من الصدقة. ولولا ذلك لأكلها وقد روى ابن أبي شيبة عن ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها وجدت تمرة فأكلتها وقالت: لا يحب الله الفساد. قال في الفتح يعني أنها لو تركتها فلو تؤخذ فتؤكل لفسدت. قال وجواز الأكل هو المجزوم به عند الأكثر انتهى. ويمكن أن يقال أنه يقيد حديث التمرة بحديث التعريف ثلاثاً كما قيد به حديث الانتفاع، ولكنها لم تجر للمسلمين عادة بمثل ذلك. وأيضاً الظاهر من قوله صلى الله عليه وسلم لأكلتها أي في الحال. ويبعد كل البعد أن يريد صلى الله عليه وسلم لأكلتها بعد التعريف بها ثلاثاً. وقد اختلف أهل العلم في مقدار التعريف بالحقير فحكى في البحر عن زيد بن علي والناصر والقاسمية والشافعي أنه يعرف به سنة كالكثير وحكى عن المؤيد بالله والإمام يحيى وأصحاب أبي حنيفة أنه يعرف به ثلاثة أيام. واحتج الأولون بقوله صلى الله عليه وسلم: "عرفها سنة". قالوا ولم يفصل. واحتج الاَخرون بحديث يعلى بن مرة وحديث علي وجعلوهما مخصصين لعموم حديث التعريف سنة، وهو الصواب لما سلف. قال الإمام المهدي: قلت الأقوى تخصيصه بما مر للحرج انتهى يعني تخصيص حديث السنة بحديث التعريف ثلاثاً انتهى كلام الشوكاني. قوله: "عن بسر" بضم الموحدة وسكون السين المهملة "ابن سعيد" المدني العابد مولى ابن الحضرمي ثقة جليل من الثانية "فإن اعترفت"

(4/624)


وَوِكَاءَهَا وعَدَدَهَا، ثمّ كُلْهَا فإنْ جاءَ صَاحِبُهَا فَأَدّهَا". حديثٌ حسنٌ غَريبٌ منْ هذَا الوَجْهِ. وقَال أحْمَدُ: أصَحّ شَيْءٍ في هذا البابِ هذَا الحَديثُ. والعمل على هذا عند بعض أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم رخصو في اللقطة إذا عرفها سنة فلم يجد من يعرفها أن ينتفع بها وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق.
ـــــــ
بصيغة المجهول أي اللقطة "فأدها" أي أد إلى ربها المعترف "ثم كلها" أي بعد التعريف إلى سنة وفيه أنه يجوز للملتقط أن يأكل اللقطة ويتصرف فيها وإن كان غنياً لإطلاقا الحديث ولا يجب عليه أن يتصدقها. قوله: "هذا حديث حسن صحيح الخ" وأخرجه الشيخان "والعمل على هذا عند بعض أهل العلم الخ" قد تقدمت هذه العبارة بعينها فهي مكررة وليس في تكرارها فائدة .

(4/625)


باب ماجاء في الوقف
...
37 ـ باب ما جاء في الوَقف
1396 ـ حدثنا عَلِيّ بنُ حُجْرٍ أنبأنا إسْمَاعيلُ بنُ إبْرَاهِيمَ عَنْ ابنِ عَوْنٍ، عَنْ نَافِعٍ، عنِ ابنِ عُمَرَ، قَالَ: أَصَابَ عُمَرُ أَرْضاً بِخَيبرَ فَقَالَ: يا رسولَ الله أصبْتُ مَالاً بِخَيْبَرَ، لَمْ أُصِبْ مَالاً قَطّ أنْفَسَ عِنْدِي مِنْهُ. فَمَا تَأْمُرنِي؟ قَالَ "إنْ شِئْتَ حَبَسْتَ أَصْلَهَا وتَصَدّقْت بِهَا"
ـــــــ
باب ما جاء في الوَقف
قوله: "أصاب عمر" أي صادف في نصيبه من الغنيمة "أرضاً بخيبر" هي المسماة بثمغ كما في رواية البخاري، وأحمد وثمغ بفتح المثلثة والميم وقيل بسكون الميم وبعدها عين معجمة "لم أصب مالاً قط" أي قبل هذا أبداً "أنفس" أي أعز واجود، والنفيس الجيد المغتبط به يقال نفس بفتح النون وضم الفاء نفاسة "فما تأمرني" أي فيه فإني أردت أن أتصدق به وأجعله لله، ولا أدري بأي طريق أجعله له. "حبست" بتشديد الموحدة ويخفف أي وقفت "وتصدقت بها" أي بمنفعتها وبين ذلك ما في رواية عبيد الله بن عمر: أحبس أصلها وسبل ثمرتها.

(4/625)


فَتَصَدّقَ بِهَا عُمَرُ، أنّهَا لاَ يُبَاعُ أصْلُهَا وَلا يُوهَب ولاَ يُورَثُ. تَصَدّقَ بهَا في الفُقَرَاءِ والقُرْبَى وَفي الرّقَابِ وَفي سَبيلِ الله، وابنِ السّبِيلِ، والضّيْفِ. لاَ جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيها أَنْ يأْكُلَ مِنْهَا بِالمَعْرُوفِ، أوْ يُطْعِمَ صَدِيقاً، غَيْرَ مُتَمَوّلٍ فِيهِ. قَالَ: فَذَكَرْتُهُ لِمحَمّدِ بنِ سيرينَ فَقَالَ "غَيْرَ مُتأَثّلٍ مَالا" .
ـــــــ
وفي رواية يحيى بن سعيد تصدق بثمره وحبس أصله قاله الحافظ "فتصدق بها عمر أنها لا يباع أصلها ولا يوهب ولا يورث" فيه أن الشرط من كلام عمر. وفي رواية للبخاري فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "تصدق بأصله لا يباع ولا يوهب ولا يورث ولكن ينفق ثمره" فتصدق به عمر الخ. وهذه الرواية تدل على أن الشرط من كلام النبي صلى الله عليه وسلم ولا منافاة لأنه يمكن الجمع بأن عمر شرط ذلك الشرط بعد أن أمره النبي صلى الله عليه وسلم به فمن الرواة من رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ومنهم من وقف على عمر لوقوعه منه امتثالاً للأمر الواقع منه صلى الله عليه وسلم به "تصدق بها في الفقراء" وفي المشكاة وتصدق بها الخ بزيادة الواو "والقربى" تأنيث الأقرب كذا قيل. والأظهر أنه بمعنى القرابة والمضاف مقدر ويؤيده قوله تعالى {وَآتِ ذَا الْقُرْبَى} قال القاري. وقال الحافظ يحتمل أن يكون هم من ذكر في الخمس ويحتمل أن يكون المراد بهم قربى الواقف، وبهذا الثاني جزم القرطبي "وفي الرقاب" بكسر الراء جمع رقبة وهم المكاتبون أي في أداء ديونهم ويحتمل أن يريد أن يشتري به الأرقاء وبعتقهم "وفي سبيل الله" أي منقطع الغزاة أو الحاج قاله القاري. "وابن السبيل" أي ملازمته وهو المسافر "والضيف" هو من نزل بقوم يريد القرى "لا جناح" أي لا إثم "على من وليها" أي قام بحفظها وإصلاحها "أن يأكل منها بالمعروف" بأن يأخذ منها قدر ما يحتاج إليه قوتاً وكسوة "أو يطعم" من الإطعام "غير متمول فيه" أي مدخر حال من فاعل وليها "قال فذكرتها لابن سيرين" القائل هو ابن عون. ووقع في رواية للبخاري فحدثت به ابن سيرين قال الحافظ في الفتح: القائل هو ابن عون. بين ذلك الدارقطني من طريق أبي أسامة عن ابن عون قال: ذكرت حديث نافع لابن سيرين فذكره انتهى. "فقال غير متأثل مالاً" أي غير مجمع لنفسه منه رأس

(4/626)


قَالَ: ابنُ عَوْف: فَحَدّثَني بِهِ رَجُلٌ آخَرُ أنّهُ قَرَأَهَا في قِطْعَةِ أَدِيم أحْمَرَ "غَيْرَ مُتَأَثّلٍ مَالاً" هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ .
قالَ إسْمَاعِيلُ: وَأنا قَرَأْتُهَا عِنْدَ ابنِ عُبيدِ الله بنِ عُمَرَ، فَكانَ فيهِ "غَيْرَ مُتَأَثّلٍ مالاً" . والعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أهْلِ العِلْمِ مِنْ أصْحَابِ النبيّ صلى الله عليه وسلم وغَيْرِهِمْ. لاَ نَعْلَمُ بَيْنَ المُتقَدّمِينَ مِنْهُمْ في ذَلِكَ، اخْتِلاَفاً في إجَازَةِ وَقْفِ الأرضِينَ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
1397 ـ حدثنا عَليّ بنُ حُجْرٍ. أخبرنا إسْماعِيلُ بنُ جَعْفَرٍ، عنِ العَلاَءِ بنِ عَبْدِ الرّحْمَن، عنْ أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عَنْهُ أَنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ "إذَا مَاتَ الإنْسَانُ انْقَطَعَ عَملُه إلاّ مِنْ ثَلاَثٍ: صَدَقَةٌ جَارِيةٌ. وَعِلْمٌ يُنْتَفِعُ بِهِ. وَوَلَدٌ صَالِحٌ يدْعُو لَهُ". هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
مال. قال ابن الأثير أي غير جامع يقال مال مؤثل ومجد مؤثل أي مجموع ذو أصل وأثلة الشيء أصله انتهى. وقال الحافظ التأثل أصل المال حتى كأنه عنده قديم، وأثلة كل شيء أصله. "قال ابن عون فحدثني به رجل آخر الخ" وقع في النسخة المطبوعة الأحمدية ابن عوف بالفاء وهو غلط "في قطعة أديم أحمر" قال في القاموس: الأديم الجلد أو أحمره أو مدبوغه. قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه. قوله: "لا نعلم بين المتقدمين منهم في ذلك اختلافاً في إجازة وقف الأرضين وغير ذلك" وجاء عن شريح أنه أنكر الحبس ومنهم من تأوله. وقال أبو حنيفة لا يلزم وخالفه جميع أصحابه إلا زفر بن الهذيل، فحكى الطحاوي عن عيسى بن أبان قال كان أبو يوسف يجيز بيع الوقف، فبلغه حديث عمر هذا فقال من سمع هذا من ابن عون فحدثه به أبن عليه فقال هذا لا يسع أحداً خلافه، ولو بلغ أبا حنيفة لقال به. فرجع عن بيع الوقف حتى صار كأنه لا خلاف فيه بين أحد انتهى كذا في الفتح. قوله: "انقطع عن عمله" أي أعماله بدليل الاستثناء والمراد فائدة عمله لانقطاع عمله يعني لا يصل إليه أجر وثواب من شيء من عمله "إلا من ثلاث" فإن أجرها لا ينقطع "صدقة جارية" بالجر بدل من ثلاث قال في الأزهار هي الوقف وشبهه مما يدوم نفعه "وعلم ينتفع به" أي بعد موته "وولد صالح يدعو له" قال ابن الملك قيد الولد بالصالح لأن الأجر لا يحصل من غيره وإنما ذكر دعاءه تحريضاً للولد على الدعاء لأبيه. قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه مسلم.

(4/627)


باب ماجاء في العجماء أن جرحها جبار
...
38 ـ باب مَا جَاء في العَجْمَاءِ جُرْحهَا جُبار
1398 ـ حدثنا أَحْمَدُ بنُ مَنِيعٍ. حدّثنَا سُفْيَانُ عنِ الزّهْرِيّ، عنْ سَعِيدِ بنِ المُسَيّبِ، عن أَبي هُرَيْرَةَ قالَ: قَالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم "العَجْمَاءُ جرْحُهَا جُبَارٌ: وَالْبِئْرُ جُبَارٌ. والمَعْدِنُ جُبَارٌ. وفِي الرّكَازِ الخُمْسُ".
وفي البابِ عن جَابرٍ، وَ عَمْرو بنِ عون بن عَوْفٍ المُزَنِيّ، و عُبَادَةَ بنِ الصّامِتِ. حدِيثُ أبي هُرَيْرَةَ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
1399 ـ حدثنا قُتَيْبَةُ. حدّثنَا الليْثُ عنِ ابنِ شِهَاب عنْ سَعِيدِ بنِ المُسَيّبِ وأبي سَلَمَةَ بن عبد الرحمن، عنْ أبي هُرَيْرَةَ، عنِ النبيّ صلى الله عليه وسلم، نحْوَهُ.
1400 ـ حدثنا الأنصاريّ عن مَعْنٍ قالَ: أخبرنا مَالِكُ بنُ أَنَسٍ: وتَفْسيرُ حدِيثِ النبيّ صلى الله عليه وسلم "العَجْمَاءُ جُرْحُهَا جُبارٌ" يَقُولُ: هَدَرٌ لاَدِيَةَ فِيهِ. ومَعْنَى قَوْلِهِ "العَجْمَاءُ جُرْحُهَا جُبَارٌ" فَسّرَ
ـــــــ
باب مَا جَاء في العَجْمَاءِ جُرْحهَا جُبار
قوله: "العجماء" بفتح العين ممدوداً سميت عجماء لأنها لا تتكلم "جرحها" بضم الجيم وفتحها فبالفتح مصدر وبالضم الاسم "جبار" بضم الجيم وتخفيف الموحدة أي هدر لا شيء فيه "والبئر" بالهمزة ويبدل "جبار" فمن حفر بيراً في ارضه أو في أرض المباح وسقط فيه رجل لا قود ولا عقل على الحافر، وكذلك المعدن قاله القاري. "والمعدن جبار" ليس المراد أنه لا زكاة فيه وإنما المعنى أن من استأجر للعمل في معدن مثلاً فهلك فهو هدر ولا شيء على من استأجره.

(4/628)


ذَلِكَ بَعْضُ أهلِ العِلْمِ قَالُوا: الْعَجْمَاءُ الدّابّةُ المُنْفَلِتَةُ مِنْ صَاحِبَها. فَمَا أصَابَتْ في انْفِلاَتِهَا فَلاَ غُرْمَ عَلَى صَاحِبهَا. "والمَعْدِنُ جُبارٌ" يَقُولُ: إذَا احْتَفَرَ الرّجُلُ مَعْدِناً فَوقَعَ فِيهَا إِنْسَانٌ فَلاَ غُرْمَ عَلَيْهِ. وكَذلِكَ الْبِئْرُ إذَا احْتَفَرَهَا الرّجُلُ لِلسّبِيلِ، فَوَقَعَ فيهَا إنْسَانٌ فَلاَ غُرْمَ عَلَى صَاحِبها. "وفِي الرّكَازِ الْخُمسُ" والرّكَازُ: مَا وُجِدَ في دَفْنِ أهْلِ الْجَاهِلِيّةِ. فَمَنْ وَجَدَ رِكَازاً أدّى مِنْهُ الْخُمسَ إلى السّلْطَانِ. ومَا بَقِيَ فَهُوَ لَهُ.
ـــــــ
(وفي الركاز الخمس" الركاز بكسر الراء وتخفيف الكاف وآخره زاي المال المدفون مأخوذ من الركز بفتح الراء يقال ركزه يركزه ركزاً إذا دفنه فهو مركوز قوله: "وفي الباب عن جابر وعمرو بن عوف المزني وعبادة بن الصامت" لينظر من أخرج أحاديث هؤلاء الصحابة رضي الله عنهم "حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح" أخرجه الجماعة. قوله: "فالركاز ما وجد من دفن الجاهلية" بكسر الدال المهملة وسكون الفاء بمعنى المدفون كالذبح بمعنى المذبوح. وأما بالفتح فهو المصدر ولا يراد هنا "فمن وجد ركازاً أدى منه الخمس" قال البخاري في صحيحه قال مالك وابن إدريس الركاز دفن الجاهلية في قليله وكثيره الخمس، وليس المعدن بركاز. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم "في المعدن جبار وفي الركاز الخمس" انتهى. قال الحافظ: قوله في قليله وكثيره الخمس فهو قوله في القديم كما نقله ابن المنذر واختاره. وأما في الجديد فقال لا يجب فيه الخمس حتى يبلغ نصاب الزكاة الأول قول الجمهور وهي مقتضى ظاهر الحديث قوله. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "في المعدن جبار وفي الركاز الخمس أي فغاير بينهما" انتهى. قال البخاري: وقال بعض الناس المعدن ركاز مثل دفن الجاهلية لأنه يقال الركز المعدن إذا أخرج منه شيء، قيل له: فقد يقال لمن وهب له الشيء وربح ربحاً كثيراً وكثر تمره: أركزت ثم ناقضه وقال لا بأس أنه يكتمه ولا يؤدي الخمس انتهى. قال الحافظ: قوله: وقال بعض الناس إلخ قال ابن التين المراد ببعض الناس أبو حنيفة قال الحافظ: ويحتمل أن يريد به أبا حينفة وغيره من الكوفيين ممن قال بذلك. قال ابن بطال: ذهب أبو حنيفة والثوري وغيرهما إلى أن المعدن كالركاز واحتج لهم بقول العرب أركز الرجل إذا أصاب ركازاً وهي قطع من الذهب تخرج من المعادن. والحجة للجمهور تفرقة النبي صلى الله عليه وسلم بين المعدن والركاز بواو العطف.

(4/629)


باب ماذكر في إحياء أرض الموات
...
39 ـ باب مَا ذُكِرَ في إحْيَاءِ أَرْضِ المَوَات
1401 ـ حدثنا مُحَمّدُ بنُ بَشّارٍ أخبرنا عَبْدُ الْوَهّابِ. حدثنا أَيّوبُ، عنْ هِشَامُ بنِ عُرْوَةَ، عنْ أبِيهِ، عنْ سَعِيد بنِ زَيْدٍ، عنِ النبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ "مَنْ أَحْيَى أَرْضاً مَيّتَةً فَهِيَ لَهُ.
ـــــــ
فصح أنه غيره وقال وما ألزم به البخاري القائل المذكور قد يقال لمن وهب له الشيء أو ربح ربحاً كثيراً أو كثر ثمره أركزت حجة بالغة، لأنه لا يلزم من الاشتراك في الأسماء لاشتراك في المعنى إلا إن أوجب لك من يجب التسليم له وقد أجمعوا على أن المال الموهوب لا يجب فيه الخمس وإن كان يقال له أركز فكذلك المعدن. وأما قوله ثم ناقض الخ فليس كما قال وإنما أجاز له أبو حنيفة أن يكتمه إذا كان محتاجاً بمعنى أنه يتأول أن له حقاً في بيت المال ونصيباً في الفيء فأجاز له أن يأخذ الخمس لنفسه عوضاً عن ذلك لأنه أسقط الخمس عن المعدن انتهى. وقد نقل الطحاوي المسألة التي ذكرها ابن بطال ونقل أيضاً أنه لو وجد في داره معدناً فليس عليه شيء. وبهذا يتجه اعتراض البخاري. والفرق بين المعدن والركاز في الوجوب وعدمه أن المعدن يحتاج إلى عمل ومؤنة ومعالجة لاستخراجه بخلاف الركاز وقد جرت عادة الشرع أن ما غلظت مؤنته خفف عنه في قدر الزكاة، وما خففت زيد فيه. وقيل إنما جعل في الركاز الخمس لأنه مال كافر فنزل من وجده منزلة الغنائم فكان له أربعة أخماسه انتهى .
باب مَا ذُكِرَ في إحْيَاءِ أَرْضِ المَوَات
بفتح الميم قال في النهاية الموات الأرض التي لم تزرع ولم تعمر ولا جرى عليه ملك أحد وإحياؤها مباشرة عمارتها، وتأثير شيء فيها قوله: "من أحي أرضاً ميتة" الأرض الميتة هي التي لم تعمر شبهت عمارتها بالحياة وتعطيلها بالموت. قال الزرقاني: ميتة بالتشديد. قال العراقي: ولا يقال بالتخفيف لأنه إذا خفف تحذف منه تاء التأنيث، والميتة والموات والموتان بفتح الميم والواو التي لم تعمر سميت بذلك تشبيهاً لها بالميتة التي لا ينتفع بها لعدم الانتفاع بها بزرع أو غرس أو بناء أو نحوها انتهى. "فهي له" أي صارت تلك الأرض مملوكة له سواء كانت فيها قرب من العمران أم بعد سواء أذن له الإمام في ذلك

(4/630)


وَلَيْسَ لِعِرْقِ ظَالِمٍ حَقّ". هذا حديثٌ حَسَنٌ غريب.
1402 ـ حدثنا مُحَمّدُ بْنِ بَشّارٍ. حَدّثنَا عَبْدُ الْوَهّابِ الثَقَفِيّ عنْ
ـــــــ
أم لم يأذن وهذا قول الجمهور. وعن أبي حنيفة لا بد من إذن الإمام مطلقاً وعن مالك: فيما قرب. وضابط القرب ما بأهل العمران إليه حاجة من رعي ونحوه. واحتج الطحاوي للجمهور مع حديث الباب بالقياس على ماء البحر والنهر وما يصطاد من طير وحيوان. فإنهم انفقوا على أن من أخذه أو صاده يملكه سواء قرب أو بعد سواء أذن الإمام أو لم يأذن. كذا في الفتح. قلت: خالف أبا حنيفة صاحباه فقالا بقول الجمهور. وحجة الجمهور حديث الباب وما في معناه وهو الظاهر الراجح وقد قال الترمذي إنه صح. واستدل لأبي حنيفة بحديث الأرض لله ورسوله ثم لكم من بعدي فمن أحيى شيئاً من موتات الأرض فله رقبتها. أخرجه ابن يوسف في كتاب الخراج فإنه أضافه إلى الله ورسوله، وكل ما أضيف إلى الله ورسوله لا يجوز أن يختص به إلا بإذن الإمام. قلت: لم أقف على سند هذا الحديث ولا أدري كيف هو وعلى تقدير صحته فالكبرى ممنوعة. لحديث الباب ولقوله في هذا الحديث فمن أحيى شيئاً الخ فتفكر. واستدل له أيضاً بحديث: ليس للمرء إلا ما طابت به نفس إمامه. قلت: هذا حديث ضعيف قال الزيلعى في نصب الراية بعد ذكره: رواه الطبراني وفيه ضعف من حديث معاذ انتهى "وليس لعرق" بكسر العين وسكون الراء وهو أحد عروق الشجرة "ظالم" قال الحافظ في الفتح: في رواية الأكثر بتنوين عرق وظالم نعت له وهو راجع إلى صاحب العرق أي ليس لذي عرق ظالم أو إلى العرق أي ليس لعرق ذي ظلم. ويروى بالإضافة ويكون الظالم صاحب العرق فيكون المراد بالعرق الأرض. وبالأول جزم مالك والشافعي والأزهري وابن فارس وغيرهم، وبالغ الخطابي فغلط رواية الإضافة انتهى. قال في النهاية: هو أن يجيء الرجل إلى أرض قد أحياها رجل قبله فيغرس فيها غرساٌ غصباً ليستوجب به الأرض والرواية لعرق بالتنوين وهو على حذف المضاف أي لذي عرق ظالم فجعل العرق نفسه ظالماً والحق لصاحبه أو يكون الظالم من صفة صاحب العرق، وإن روى عرق بالإضافة فيكون الظالم صاحب العرق وألحق المعرق، وهو أحد عروق الشجرة انتهى قوله: "هذا حديث حسن غريب" وأخرجه أبو داود والنسائي

(4/631)


أَيّوبُ عَنْ هِشَامٍ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ وَهْبٍ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ جَابِرٍ بْنِ عَبْدِ الله، عَنِ النبي صلى الله عليه وسلم قَالَ "مَنْ أَحْيَى أَرْضاً مَيّتَةَ فَهِيَ لَهُ". هذا حديثٌ حَسَنٌ صحيح.
وَقَدْ رَوَاهُ بَعْضُهُمْ عَنْ هِشَامٍ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النبيّ صلى الله عليه وسلم، مُرْسَلاً. والْعَمَلُ عَلَى هَذَا الحديث عِنْدَ بَعْضِ أهْلِ الْعلْمِ وغَيْرِهِمْ وهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ وَإسْحْاقَ. قَالُوا: لَهُ أنْ يُحْيِيَ الأرْضَ الْمَوَاتَ بِغَيْرِ إذْنِ السّلْطَانِ. وقد قَالَ بَعْضُهُمْ لَيْسَ لَهُ أنْ يُحْيِيَهَا إلاّ بِإذْنِ السّلْطَانِ وَالْقَوْلُ الأوّلُ أَصَحّ.
وفي البابِ عَنْ جَابِرٍ وَ عمَروِ بْنِ عَوْفٍ الْمُزْنِيّ جَدّ كَثِيرٍ وسَمُرَةَ.
ـــــــ
وسكت عنه أبو داود وأقر المنذري تحسين الترمذي. قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه النسائي قوله: "وقد رواه بعضهم عن هشام بن عروة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلاً" هذا المرسل أخرجه أبو داود والنسائي ومالك. قوله: "وهو قول أحمد وإسحاق" وهو قول الجمهور كما تقدم "وقالوا" أي بعض أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم "له" أي يجوز لمن أراد إحياء الأرض الميتة "وقال بعضهم ليس له أن يحييها إلا بإذن السلطان" وهو قول أبي حنيفة رحمه الله قال محمد رحمه الله في الموطإ أبعد ذكر حديث الباب مرسلاً وأثر عن عمر رضي الله عنه بمثله ما لفظه: قال محمد وبهذا نأخذ من أحيى أرضاً ميتة بإذن الإمام أو بغير إذنه فهي له. فأما أبو حنيفة رحمه الله فقال لا يكون له إلا أن يجعلها له الإمام. قال وينبغي للإمام إذا أحياها أن يجعلها له وإن لم يفعل لم تكن له انتهى. قوله: "وفي الباب عن جابر رضي الله عنه" لعله أشار إلى ما أخرجه النسائي عنه بلفظ: من أحيى أرضاً ميتة فله فيها أجر وما أكلت العافية منها فهو له صدقة. "وعمرو بن عوف المزني جد كثير" أخرجه ابن أبي شيبة والبزار في مسنديهما والطبراني في معجمه عن كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف عن أبيه عن جده مرفوعاً بلفظ حديث سعيد ابن زيد، ورواه ابن عدي في الكامل وأعله بكثير وضعفه عن أحمد والنسائي وابن

(4/632)


1403 ـ حدثنا أبُو مُوسى مُحَمّدُ بْنُ الْمُثَنّى قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا الْوَلِيدِ الطّيَالِسِي عَنْ قَوْلِهِ "وَلَيْسَ لِعِرق ظَالِم حَقّ" فَقَالَ: الْعِرْقُ الظّالِمُ: الْغَاصِبُ الّذِي يَأْخُذُ مَا لَيْسَ لَهُ. قلت: هُوَ الرّجُلُ الّذِي يَغْرِسُ في أرْضِ غَيْرِهِ؟ وقَالَ: هو ذَاكَ.
ـــــــ
معين جداً كذا في نصب الراية. "وسمرة" لينظر من أخرج حديثه. قوله: "قال سألت أبا الوليد الطيالسي" هو هشام بن عبد الملك الباهلي مولاهم البصري الحافظ الإمام الحجة قال أحمد متقن. وهو اليوم شيخ الإسلام ما أقدم عليه أحداً من المحدثين. قال البخاري: مات سنة سبع وعشرين ومائتين "قلت هو الرجل الذي يغرس في أرض غيره" بتقدير همزة الاستفهام والقائل هو محمد بن المثنى "قال" أي أبو الوليد .

(4/633)


باب ماجاء في القطائع
...
40 ـ باب ما جَاءَ في الْقَطَائع
1404 ـ قَالَ: قُلْتُ لقُتَيْبَةَ بْنِ سَعِيدٍ: حَدّثَكُمْ مُحَمّدُ بْنُ يَحْيَى بنّ قَيْسٍ المَأْرِبِيّ، حدثني أبي عَنْ ثمامَةَ بْنِ شُرَاحِيلَ، عَنْ سُمَيّ
ـــــــ
باب ما جاء في القطائع
جمع قطيعة تقول أقطعته أرضاً جعلتها له قطيعة. والمراد به ما يخص به الإمام بعض الرعية من الأرض الموات فيختص به ويصير أولى بإحيائه ممن لم يسبق إلى إحيائه واختصاص الاقطاع بالموات متفق عليه في كلام الشافعية. وحكى عياض أن الإقطاع تسويغ الإمام من مال الله شيئاً لمن يراه أهلاً لذلك. قال وأكثر ما يستعمل الأرض وهو أن يخرج منها لمن يراه ما يجوزه، إما بأن يملكه إياه فيعمره، وإما بأن يجعل له غلته مدة. انتهى كذا في الفتح قوله: "قلت لقتيبة بن سعيد حدثكم محمد بن يحيى بن قيس" قرأ الترمذي هذا الحديث على شيخه قتيبة بالقراءة عليه وهذا أحد وجوه التحمل. قال السيوطي في تدريب الراوي: وإذا قرأ على الشيخ قائلاً أخبرك فلان أو نحوه كما قلت أخبرنا فلان والشيخ مصغ إليه فاهم له غير منكر ولا مقر لفظ صح السماع، وجازت الرواية به اكتفاء بالقرائن الظاهرة، ولا يشترط نطق الشيخ بالإقرار كقوله

(4/633)


ابنِ قَيْسٍ، عَنْ سميْرٍ، عَنْ أَبْيَضَ بْنِ حَمّالٍ أَنّهُ وفَدَ إلَى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فَاسْتَقْطَعَهُ المِلْحَ، فَقَطَعَ لَهُ. فَلَمّا أنْ وَلَى قَالَ رَجُلٌ منَ المَجْلِس: أتَدْرِي مَا قَطَعْتَ لَهُ؟ إنّما قَطعَتَ لهُ المَاءَ الْعِدّ. قَالَ: فَانْتَزَعَهُ مِنْهُ. قَالَ، وَسألَهُ عَمّا يُحْمَى مِنَ الأرَاكِ؟ قَالَ: مَا لَمْ تَنَلْهُ خِفَافُ الإبِلِ:
ـــــــ
نعم على الصحيح الذي قطع به جماهير أصحاب الفنون. وشرط بعض أصحاب الشافعية والظاهريين نطقه به انتهى. كلام السيوطي. قلت قد أقر قتيبة بعد قراءة الترمذي هذا الحديث عليه ونطق بقوله نعم كما هو مصرح في آخر الحديث "المأربي" منسوب إلى مأرب بفتح الميم وسكون الهمزة وكسر الراء وقيل بفتحها موضع باليمين "عن ثمامة" بضم المثلثة "بن شراحيل" بفتح الشين المعجمة "عن سمي" بضم السين المهملة وفتح الميم وتشديد الياء "ابن قيس" قال الحافظ مجهول "عن شمير" بضم الشين المعجمة وفتح الميم مصغراً ابن عبد الدار اليمامي مقبول من الثالثة "عن أبيض بن حمال" بفتح الحاء المهملة وتشديد الميم "وفد" أي قدم "استقطعه" أي سأله أن يقطع إياه "الملح" أي معدن الملح "فقطع له" لظنه صلى الله عليه وسلم أنه يخرج منه الملح بعمل وكد "فلما أن ولى" أي أدبر "قال رجل من المجلس" وهو الأقرع بن حابس التميمي على ما ذكره الطيبي، وقيل إنه العباس بن مرداس "الماء العد" بكسر العين وتشديد الدال المهملة، أي الدائم الذي لا ينقطع والعد المهيأ "قال" أي الرجل قال ابن الملك والظاهر أنه أبيض الراوي قال القاري: الأظهر أن فاعل قال هو الرجل وإلا فكان حقه أن يقوله فرجعه مني انتهى. قلت عندي أن فاعل قال هو شمير الراوي عن أبيض فنفكر "قال أي شمير" الراوي "وسأله" أي الرجل النبي صلى الله عليه وسلم كذا في المرقاة. وقال الشيخ عبد الحق في اللمعات: أي سأل أبيض رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت الظاهر عندي هو ما قال الشيخ "عن ما يحمي" بصيغة المجهول "من الأراك" بيان لما وهو القطعة من الأرض على ما في القاموس ولعل المراد منه الأرض التي فيها الأراك. قال المظهر: المراد من الحمى هنا الإحياء إذ الحمى المتعارف لا يجوز لأحد أن يخصه "ما لم تنله" بفتح النون أي لم تصله "خفاف الإبل" معناه ما كان بمعزل من المراعي والعمارات. وفيه دليل على أن الإحياء

(4/634)


فأقَرّ بِهِ قُتَيْبَةُ، وَقالَ: نَعَمْ
1405 ـ حدثنا محمد بن يحيى ابن أبي عَمْرو. حَدّثنَا مُحَمّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ قَيْسِ المَأْرِبيّ، بهذا الإسناد نحْوَهُ.
وفي البابِ عَنْ وَائِلٍ وأَسْماءَ بنت أبي بَكْرٍ. حَدِيثُ أبْيَضَ حَدِيثٌ غَرِيبٌ. وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أصْحَابِ النبيّ صلى الله عليه وسلم وَغَيْرِهِمْ، في القَطَائِعِ. يَرَوْنَ جَائِزاً أنْ يُقْطِعَ الإمَامُ لِمَنْ رَأَى ذَلِكَ.
1406 ـ حدثنا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلاَنَ. حدّثَنَا أَبُو دَاوْدَ أخبرنا شُعْبَةُ عَنْ سِمَاكٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَلْقَمَة بْنَ وَائِلٍ يُحَدّثُ عَنْ أبِيهِ أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم أقْطَعَهُ أرْضاً بِحضْرَموتَ. قَالَ مَحْمُودٌ:
ـــــــ
لا يجوز بقرب العمارة لاحتياج أهل البلد إليه لرعي مواشيهم، وإليه أشار بقوله ما لم تنله خفاف الإبل. قال الأصمعي: الخف الجمل المسن. والمعنى أن ما قرب من المرعى لا يحمي بل يترك لمسان الإبل وما في معناها من الضعاف التي لا تقوى على الامعان في طلب المرعى وقال الطيبي رحمه الله: وقيل يحتمل أن يكون المراد به أنه لا يحمي ما تناله الأخفاف ولا شيء منها إلا وتناله الأخفاف. كذا في المرقاة. قوله: "فأقربه وقال نعم" هذا متعلق بقوله قلت لقتيبة بن سعيد حدثكم محمد بن يحيى الخ أي قال الترمذي لشيخه قتيبة حدثكم محمد بن يحيى الخ فأقر به قتيبة، وقال: نعم. وهذا أحد وجوه التحمل. وقد مر تفصيله في ابتداء الكتاب في شرح قوله: فأقربه الشيخ الثقة الأمين. قوله: "وفي الباب عن وائل وأسماء إبنه أبي بكر" أما حديث وائل فأخرجه الترمذي في هذا الباب وأما حديث أسماء فأخرجه أبو داود بلفظ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقطع للزبير نخيلاً. قوله "حديث أبيض بن حمال حديث حسن غريب" وأخرجه ابن ماجة والدارمي. قوله: "أقاطعه" أي أعطى واثلاً "أرضاً بحضرموت" بفتح الحاء المهملة وسكون الضاد وفتح الواو والميم اسم بلد باليمن. وهما اسمان جعلا اسما واحداً فهو غير منصرف بالعلمية والتركيب. وقال في القاموس بضم

(4/635)


أخبرنا النّضْرُ عنْ شُعْبَةَ، وَزَادَ فِيهِ "وَبَعَثَ له مُعَاوِيَةَ لِيُقْطِعِها إيّاهُ" . هذا حديثٌ حسنٌ.
ـــــــ
الميم بلد وقبيلة "وبعث له" أي مع وائل "معاوية" الظاهر أن المراد به هو ابن الحاكم السلمى، وابن جاهمة السلمي. وأما معاوية بن أبي سفيان فهو وأبوه من مسلمة الفتح ثم هو من المؤلفة قلوبهم فهو غير ملائم للمرام وإن كان مطلق هذا الاسم ينصرف إليه في كل مقام قاله القاري. قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه الدارمي .

(4/636)


باب ماجاء في فضل الغرس
...
40 ـ باب مَا جاء في فَضْلِ الغَرس
1407 ـ حدثنا قُتَيْبَةُ. حدّثنا أبُو عَوَانَةَ عَنْ قَتَادَةَ، عنْ أنَسٍ عَنِ النبي صلى الله عليه وسلم قَالَ "مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْساً، أوْ يَزْرَعُ زَرْعاً، فَيأكلُ مِنْهُ إنسَانٌ، أوْ طَيْرٌ، أوْ بَهِيمَةٌ إلاّ كانَتْ لَهُ صدقَةٌ". وفي البابِ عنْ أبي أيّوبَ وجَابرٍ وَأُمّ مُبْشّرٍ وَزَيْدٍ بن خَالِد.
ـــــــ
باب ما جاء في فضل الغرس
بفتح الغين المعجمة وسكون الراء قال في الصراح غرس بالفتح نشاندن درخت قوله: "يغرس" بكسر الراء. قال في القاموس: غرس الشجر يغرسه أثبته في الأرض كاغرسة والغرس المغروس "أو يزرع" أو للتنويع لأن الزرع غير الغرس "زرعاً" نصبه وكذا نصب غرساً على المصدرية أو على المفعولية "فيأكل منه" أي مما ذكر من المغروس أو المزروع "إنسان" ولو بالتعدي "أو طير أو بهيمة" أي ولو بغير اختياره "إلا كانت له صدقة" قال الطيبي الرواية برفع الصدقة على أن كانت تامة انتهى. قال القاري: وفي نسخة يعني من المشكاة بالنصب على أن الضمير راجع إلى المأكول وأنث لتأنيث الخبر انتهى. والحديث رواه مسلم عن جابر وفيه: وما سرق منه له صدقة. وفي رواية له عنه: لا يغرس مسلم غرساً فيأكل منه إنسان ولا دابة ولا طير إلا كان له صدقة إلى يوم القيامة. قوله: "وفي الباب عن أبي أيوب" أخرجه أحمد عنه مرفوعاً: ما من رجل يغرس غرساً إلا كتب الله من الأجر قدر ما يخرج من ذلك الغرس. قال المنذري:

(4/636)


حدِيثُ أنسٍ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
رواته محتج بهم في الصحيح إلا عبد الله بن عبد العزيز الليثي "وأم مبشر" بضم الميم وفتح الموحدة وكسر الشين المشددة صحابية مشهورة امرأة زيد بن حارثة وحديثها أخرجه مسلم "وجابر" أخرجه مسلم "وزيد بن خالد" لينظر من أخرجه وفي الباب عن أحاديث أخرى ذكرها المنذري في الترغيب في باب الزرع وغرس الأشجار المثمرة. قوله: "حديث أنس حديث حسن صحيح" وأخرجه البخاري ومسلم

(4/637)


باب ماجاء في المزارعة
...
42 ـ باب مَا ذُكِرَ في المُزَارَعة
1408 ـ حدثنا إسْحَاقُ بنُ مَنْصور. أخبرنا يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ، عَنْ عُبيدِ الله، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابنِ عُمَرَ أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم عَامَلَ أهْلَ خَيْبَر بِشَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ ثَمرٍ أوْ زَرْعٍ. وفي البابِ عنْ أنَسٍ وابنِ عبّاس وزيدِ بنِ ثَابتٍ وجَابرٍ. هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. والعَمَلُ عَلَى هذَا عِنْدَ بَعْضِ أهْلِ العِلْمِ مِنْ أصْحَابِ النبيّ صلى الله عليه وسلم
ـــــــ
باب ما جاء في المزارعة
المزارعة هي أن يعامل إنساناً على أرض ليتعهدها بالسقي والتربية على أن ما رزق الله تعالى من الحبوب يكون بينهما بجزء معين. كذا في المرقاة. والمراد بقوله بجزء معين كالنصف والربع والثلث قوله: "عامل أهل خيبر" وهو يهود خيبر وهو موضع قريب المدينة غير منصرف "بشطر ما يخرج" أي بنصفه فالشطر هنا بمعنى النصف وقد يأتي بمعنى النحو كقوله تعالى {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} أي نحوه "منها" أي من خيبر يعني من نخلها وزرعها. والحديث دليل على جواز المزارعة بالجزء المعلوم من نصف أو ربع أو ثمن وهو الحق. قوله: "وفي الباب عن أنس" لينظر من أخرجه "وابن عباس " أن النبي صلى الله عليه وسلم دفع خيبر أرضها ونخلها مقاسمة على النصف. أخرجه أحمد وابن ماجه. "وزيد بن ثابت" أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه وسيأتي لفظه في الباب الذي بعده "وجابر" لينظر من أخرجه. قوله: "هذا حديث حسن صحيح" أخرجه الجماعة

(4/637)


وَغَيْرِهِمْ. لَمْ يَرَوْا بالمُزَارَعَةِ بَأْسَاً عَلَى النّصْفِ والثُلُثِ والرُبُعِ.
ـــــــ
قوله: "ولم يروا بالمزارعة بأساً على النصف والثلث والربع الخ" وهو قول الجمهور. قال الشيخ عبد الحق الدهلوي: المساقاة أن يدفع الرجل أشجاره إلى غيره ليعمل فيه ويصلحها بالسقي والتربية على سهم معين كنصف أو ثلث، والمزارعة عقد على الأرض ببعض الخارج كذلك. والمساقاة تكون في الأشجار والمزارعة في الأراضي، وحكمها واحد، وهما فاسدان عند أبي حنيفة. وعند صاحبيه والاَخرين من الأئمة جائز. وقيل لا نرى أحداً من أهل العلم عنهما إلا أبو حنيفة، وقيل زفر معه. وقال في الهداية: الفتوى على قولهما والدليل للأئمة ما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم عامل أهل خيبر على نصف ما يخرج من ثمر أو زرع. ولأبي حنيفة ما روى أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن المخابرة وهي المزارعة انتهى كلامه. قلت: أحاديث النهي عن المخابرة محمولة على التنزيه أو على ما إذا اشترط صاحب الأرض ناحية منها معينة كما يدل عليه أحاديث ذكرها صاحب المنتقى. وقال بعد ذكرها وما ورد من النهي المطلق عن المخابرة والمزارعة يحمل على ما فيه مفسدة كما بينته هذه الأحاديث أو يحمل على اجتنابها ندباً واستحباباً، فقد جاء ما يدل على ذلك ثم ذكر أحاديث تدل على أن النهي عن المخابرة والمزارعة ليس للتحريم بل هو للتنزيه. قال الشوكاني في النيل: كلام المصنف يعني صاحب المنتقى هذا كلام حسن ولا بد من المصير إليه للجمع بين الأحاديث المختلفة. وهو الذي رجحناه فيما سلف انتهى. قلت: الأمر كما قال الشوكاني، وقال الحافظ في الفتح هذا الحديث يعني حديث الباب هو عمدة من أجاز المزارعة والمخابرة لتقرير النبي صلى الله عليه وسلم لذلك، واستمراره على عهد أبي بكر إلى أن أجلاهم عمر. واستدل به على جواز المساقاة في النخل والكرم وجميع الشجر الذي من شأنه أن يثمر بجزء معلوم يجعل للعامل من الثمرة. وبه قال الجمهور وخصه الشافعي في الجديد بالنخل والكرم وألحق المقل بالنخل لشبهه به، وخصه أبو داود بالنخل، وقال أبو حنيفة وزفر: لا يجوز بحال لأنها إجارة بثمرة معدومة أو مجهولة. وأجاب من جوزه بأنه عقد على عمل في المال ببعض نمائه فهو كالمضاربة لأن المضارب يعمل في المال بجزء من نمائه وهو معدوم ومجهول: وقد صح عقد الإجارة مع أن المنافع معدومة. فكذلك هنا وأيضاً فالقياس في إبطال نص أو إجماع

(4/638)


واخْتَار بَعْضُهُمْ أنْ يَكُونَ البَذْرُ مِنْ رَبّ الأرْضِ. وهُوَ قَوْل أَحْمدَ وإسْحاقَ. وكرِهَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ المُزَارِعَةَ بِالثُلُثِ والرّبُعِ. ولَمْ يَرَوْا بِمُسَاقَاةِ النّخِيلِ بِالثُلُثُ والرُبُعِ بَأْساً. وهُوَ قَوْلُ مالِكِ بنِ أنَسِ والشّافِعِيّ. ولمْ يَرَ بَعْضُهُمْ أنْ يَصِحّ شَيْءٌ مِنَ المُزَارَعَةِ، إلاّ أنْ يَسْتأْجِرَ الأرْضَ بِالذّهبِ والفِضّةِ.
ـــــــ
مردود. وأجاب بعضهم عن قصة خيبر بأنها فتحت صلحاً وأقروا على أن الأرض ملكهم بشرط أن يعطوا نصف الثمرة. فكان ذلك يؤخذ بحق الجزية فلا يدل على جواز المساقاة. وتعقب بأن معظم خيبر فتح عنوة وبأن كثيراً منها قسم بين العانمين وبأن عمر أجلاهم منها فلو كانت الأرض ملكهم ما أجلاهم عنها. واستدل من أجازه في جميع الثمر بأن في بعض طرق حديث الباب بشطر ما يخرج منها من نخل وشجر. وفي رواية عند البيهقي على أن لهم الشطر من كل زرع ونخل وشجر انتهى. "واختار بعضهم أن يكون البذر من رب الأرض" أي مالكها. قال الحافظ في الفتح: واستدل به يعني بحديث الباب على جواز البذر من العامل أو المالك لعدم تقييده في الحديث بشيء من ذلك. واحتج من منع بأن العامل حينئذ كأنه باع البذر من صاحب الأرض بمجهول من الطعام نسيئة وهو لا يجوز. وأجاب من أجازه بأنه مستثنى من النهي عن بيع الطعام بالطعام نسيئة جمعاً بين الحديثين، وهو أولى من إلغاء أحدهما انتهى. "وهو قول مالك بن أنس والشافعي" والراجح أن المزارعة بالثلث والربع، والمساقاة بالثلث والربع كلاهما جائز غير مكروه كما عرفت. "ولم ير بعضهم أن يصح شيء من المزارعة الخ" قال الحافظ في الفتح: وبالغ ربيعة فقال لا يجوز كراءها إلا بالذهب أو الفضة. وقال طاوس وطائفة قليلة: لا يجوز كراء الأرض مطلقاً وذهب إليه ابن حزم وقواه، واحتج له بالأحاديث المطلقة في ذلك انتهى.

(4/639)


43 ـ باب
1409 ـ حدثنا هَنّادٌ. حدّثنَا أبُو بَكْرِ بنُ عَيّاشِ. عنْ أبي حُصَيْنٍ، عنْ مُجَاهِدٍ، عنْ رَافِعِ بنِ خَدِيجٍ، قالَ: نهَانَا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عَنْ أمْرٍ كانَ لَنَا نَافِعاً. إذَا كانَتْ لأِحَدِنَا أرْضٌ أنْ يُعْطِيهَا بِبَعْضِ خَرَاجِهَا أوْ بدَرَاهِمَ. وقالَ "إذَا كانَتْ لأِحَدِكُمْ أرْضٌ فَلْيَمْنَحْهَا أخَاهُ أوْ لِيزْرَعْهَا".
1410 ـ حدثنا مَحْمودُ بنُ غَيْلاَنَ. أخبرنا الفَضْلُ بنُ مُوسى الشّيْبَانِيّ. أخبرنا شَرِيكٌ عنْ شُعْبَةَ، عنْ عمْرو بنِ دِينارٍ، عنْ طَاوُسٍ، عنِ ابنِ عبّاسٍ أنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم لَمْ يُحَرّمِ المُزَارَعَةَ.
ـــــــ
باب
قوله: "أن يعطيها" أي نهى عن أن يعطيها "بعض خراجها" أي ببعض ما يخرج من الأرض "أو بدراهم" احتج به من قال بعدم جواز كراء الأرض مطلقاً لكن هذا الحديث ضعيف. قال الحافظ في الفتح: وأما ما رواه الترمذي من طريق مجاهد عن رافع بن خديج في النهي عن كراء الأرض ببعض خراجها أو بدراهم. فقد أعله النسائي بأن مجاهداً لم يسعه من رافع. قال الحافظ: ورواية أبو بكر بن عياش في حفظه مقال، وقد رواه أبو عوانة وهو أحفظ منه عن شيخه فيه، فلم يذكر الدراهم. وقد روى مسلم من طريق سليمان بن يسار عن رافع بن خديج في حديثه ولم يكن يومئذ ذهب ولا فضة انتهى. "فليمنحها" بفتح التحتية وسكون الميم وفتح النون بعدها حاء مهملة ويجوز كسر النون والمراد يجعلها منيحة وعارية أي ليعطها مجاناً "أخاه" ليزرعها هو "أو ليزرعها" أي أحدكم نفسه. قوله: "لم يحرم المزارعة الخ" فيه دليل على أن في حديث النهي عن المزارعة ليس للتحريم بل للتنزيه كما تقدم. ويدل على ذلك أيضاً ما رواه البخاري وغيره عن عمرو بن دينار قال: قلت لطاؤوس لو يركت المخابرة فإنهم يزعمون أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عنها. فقال: إن أعلمهم يعني ابن عباس أخبرني أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينه عنها. وقال: لأن يمنح أحدكم أخاه خير له من أن يأخذ

(4/640)


وَلكنْ أمَرَ أنْ يَرْفُقَ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ. هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وفي الباب عنْ زَيْدِ بنِ ثَابتٍ وجابر رضي الله عنهما. وحديثُ رَافِعٍ فيهِ اضْطِرابٌ. يُرْوَى هذَا الحديثُ عنْ رَافِعِ بنِ خَديجٍ، عنْ عُمُومَتِهِ. ويُرْوَى عَنْهُ عنْ ظُهَيْرِ ابنِ رَافِعٍ، وهُوَا أحَدُ عُمُومَتَهِ. وقَدْ رُوِيَ هذَا الحدِيثُ عَنْهُ عَلَى رِوَاياتٍ مُخْتَلِفَةٍ.
ـــــــ
عليها خراجاً معلوماً. "لكن أمر أن يرفق" من الرفق وهو اللطف من باب نصر. قال في الصراح: رفق بالكسر نرمي كردن ضد العنف صلته بالباء انتهى. وقال في القاموس: الرفق بالكسر ما استعين به رفق به وعليه مثلثة رفقاً ومرفقاً كمجلس ومقعد ومنبر انتهى. قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه البخاري بلفظ آخر وقد تقدم. قوله: "وفي الباب عن زيد بن ثابت" أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه عن عروة بن الزبير قال: قال زيد بن ثابت: يغفر الله لرافع بن خديج أنا والله أعلم بالحديث منه، إنما أتى رجلان قد اقتتلا فقال عليه السلام: "إن كان هذا شأنكم فلا تكروا طريق المزارع"، فسمع رافع قوله: لا تكروا المزارع. وهذا حديث حسن كذا في نصب الراية. قوله: "حديث رافع حديث فيه أضطراب الخ" روى مسلم وغيره حديث رافع بألفاظ مختلفة بعضها مختصرة، وبعضها مطولة وفي الباب عن جابر قال: كانوا يزرعونها بالثلث والربع والنصف فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "من كانت له أرض فليزرعها أو ليمنحها فإن لم يفعل فليمسك أرضه". رواه البخاري وغيره عن أبي هريرة مرفوعاً: من كانت له أرض فليزرعها أو ليمنحها أخاه فإن أبى فليمسك أرضه. رواه البخاري وغيره. قال الحافظ في فتح الباري: قد استظهر البخاري لحديث رافع بحديث جابر وأبي هريرة راداً على من زعم أن حديث رافع فرد، وأنه مضطرب. وأشار إلى صحة الطريقين عنه حيث روى عن عمه عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقد روى عن عمه عن النبي صلى الله عليه وسلم وأشار إلى أن روايته بغير واسطة مقتصرة على النهي عن كراء الأرض، وروايته عن عمه مفسرة للمراد وهو ما يينه ابن عباس في روايته من إرادة الرفق والتفضيل وأن النهي عن ذلك ليس للتحريم انتهى .

(4/641)