Contents

الواجهة
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد
مقدمة
باب الألف
باب الثاء
باب الجيم
باب الحاء
باب الخاء
باب الدال
باب الراء
باب الزاي
تابع باب الزاء
تابع لحرف الزاء
تابع لحرف الزاء
باب الطاء
باب الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع حرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
باب النون
باب الصاد
باب الضاد
باب العين
تابع لحرف العين
تابع حرف العين
تابع لحرف العين
تابع لحرف العين
باب القاف
باب السين
باب الشين
باب الهاء
باب الواو
باب الياء
تابع باب الياء
باب الكني
باب بلاغات مالك ومرسلاته
باب مافي هذا الديوان من حديث مالك الذي ثبتت عليه أبوابه خاصة
الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج
الديباج - جزء 1
الديباج - جزء 2
الديباج - جزء 3
الديباج - جزء 4
الديباج - جزء 5
الديباج - جزء 6
المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج
المنهاج - مقدمة
المنهاج - الإيمان
المنهاج - الطهارة
المنهاج - الحيض
المنهاج - الصَّلَاة
المنهاج - المساجد ومواضع الصلاة
المنهاج - صلاة المسافرين وقصرها
المنهاج - بَاب صَلَاة الْجُمُعَة
المنهاج - بَاب صَلَاة الْعِيدَيْنِ
المنهاج - بَاب الدُّعَاء فِي صَلَاة الِاسْتِسْقَاء
المنهاج - بَاب صَلَاة الْكُسُوف
المنهاج - كِتَاب الْجَنَائِز
المنهاج - الزكاة
المنهاج - كِتَاب الصِّيَام
المنهاج - كِتَاب الِاعْتِكَاف
المنهاج - كِتَاب الْحَجّ
المنهاج - كِتَاب النِّكَاح
المنهاج - الرضاعة
المنهاج - الطلاق
المنهاج - اللِّعَان
المنهاج - العتق
المنهاج - البيوع
المنهاج - المساقاة
المنهاج - الفرائض
المنهاج - الهبات
المنهاج - الوصية
المنهاج - النذر
المنهاج - الأيمان
المنهاج - القسامة
المنهاج - الحدود
المنهاج - الأقضية
المنهاج - اللقطة
المنهاج - الجهاد والسير
المنهاج - الإمارة
المنهاج - الصيد والذبائح
المنهاج - كِتَاب الْأَضْاحَي
المنهاج - الأشربة
المنهاج - اللباس والزينة
المنهاج - الآداب
المنهاج - السلام
المنهاج - الألفاظ من الأدب وغيرها
المنهاج - الشعر
المنهاج - الرؤيا
المنهاج - الفضائل
المنهاج - فضائل الصحابة
المنهاج - البر والصلة والآداب
المنهاج - القدر
المنهاج - العلم
المنهاج - الذكر والدعاء
المنهاج - التوبة
المنهاج - صفات المنافقين
المنهاج - صفة القيامة والجنة والنار
المنهاج - الجنة وصفة نعيمها وأهلها
المنهاج - الفتن وأشراط الساعة
المنهاج - الزهد والرقائق
المنهاج - التفسير
تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي
أبواب الطهارة
أبواب الصلاة
تابع أبواب الصلاة
أبواب الوتر
أبواب الجمعة
تابع لأبواب الجمعة
أبواب العيدين
أبواب السفر
ابواب الزكاة
أبواب الصوم
أبواب الحج
تابع أبواب الحج
أبواب الجنائز
أبواب النكاح
أبواب الرضاع
أبواب الطلاق واللعان
ابواب البيوع
أبواب الأحكام
أبواب الديات
ابواب الحدود
تابع أبواب الحدود
أبواب الصيد
أبواب الأضاحي
أبواب النذور والأيمان
أبواب السير
أبواب الجهاد
أبواب اللباس
أبواب الأطعمة
أبواب الأشربة
تابع أبواب الأشربة
أبواب البر و الصله عن رسول الله صلى الله عليه و آله سلم
أبواب الطب عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الفرائض عن الرسول صلى الله عليه و سلم
أبواب الوصايا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الولاء و الهبة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب القدر عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم
أبواب الفتن عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الرؤيا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الشهادات عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
تابع لأبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صِفَةُ القِيامَة
أبواب صفة الجنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صفة جهنم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإيمان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب العلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإستئذان والآداب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب العلم
أبواب الأمثال
أبواب فضائل القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب القراءات عن رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم
أبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الدعوات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أحاديث شتى من أبواب الدعوات
المناقب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
مناقب الصحابة رضوان الله عليهم
تنوير الحوالك شرح موطأ مالك
كتاب وقوت الصلاة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب السهو
كتاب الجمعة
كتاب الصلاة في رمضان
كتاب صلاة الليل
كتاب صلاة الجماعة
كتاب قصر الصلاة في السفر
كتاب العيدين
كتاب صلاة الخوف
كتاب صلاة الكسوف
كتاب الاستسقاء
كتاب القبلة
كتاب القرآن
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب الجهاد
كتاب النذور و الأيمان
كتاب الضحايا
كتاب الذبائح
كتاب الصيد
كتاب العقيقة
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الرضاع
كتاب البيوع
كتاب القراض
كتاب المساقاة - كتاب كراء الأرض
كتاب الشفعة - كتاب الأقضية
كتاب الوصية - كتاب العتق والولاء
كتاب المكاتب - كتاب المدبر
كتاب الحدود
كتاب الأشربة - كتاب العقول
كتاب القسامة - كتاب الجامع
كتاب القدر - كتاب حسن الخلق
كتاب اللباس - كتاب صفة النبي
كتاب العين - كتاب الشعر
كتاب الرؤيا - كتاب السلام
كتاب الاستئذان والتشميت والصور والتماثيل وغيرها
كتاب البيعة - كتاب الكلام والعينة والتقى
كتاب جهنم - كتاب الصدقة
كتاب العلم - كتاب دعوة المظلوم - كتاب أسماء النبي
حاشية السندي على سنن ابن ماجة
المقدمة
الطَّهَارَة وَسُنَنهَا
الصلاة
الْأَذَان
المساجد والجماعات
أَبْوَاب إِقَامَة الصَّلَاة
الجنائز
الصوم
الزكاة
النكاح
الطلاق
الكفارات
التجارات
الأحكام
الحدود
الديات
الوصايا
الْفَرَائِض
الجهاد
المناسك
الْأَضَاحِيّ
الذبائح
الصيد
الأطعمة
الأشربة
الطب
اللباس
الْآدَاب
الدُّعَاء
تعبير الرؤيا
الْفِتَن
الزُّهْد
شرح سنن ابن ماجه لمغلطاي
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح رياض الصالحين
شرح رياض الصالحين - 01
شرح رياض الصالحين - 02
شرح رياض الصالحين - 03
شرح رياض الصالحين - 04
شرح سنن أبي داود للعيني
مقدمة التحقيق
كتاب الطهارة
كِتابُ الصَلاَةِ
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
عون المعبود شرح سنن أبي داود
كتاب الطهارة
تابع كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
كتاب الزكاة
تابع لكتاب الزكاة
كتاب اللقطة
كتاب المناسك
تابع لكتاب المناسك
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الصيام
تابع لكتاب الصيام
أول كتاب الجهاد
أول كتاب الضحايا
تابع كتاب الضحايا
أول كتاب الصيد
أول كتاب الوصايا
أول كتاب الفرائض
أول كتاب الخراج والفيء والإمارة
أول كتاب الجنائز
تابع لكتاب الجنائز
كتاب الأيمان والنذور
كتاب البيوع
كتاب الإجارة
كتاب القضاء
تابع لكتاب القضاء
كتاب العلم
كتاب الأشربة
كتاب الأطعمة
كتاب الطب
كتاب الكهانة والتطير
كتاب العتق
أول كتاب الحروف والقراءات
أول كتاب الحمام
أول كتاب اللباس
أول كتاب الترجل
أول كتاب الخاتم
أول كتاب الفتن والملاحم
أول كتاب المهدي
أول كتاب الملاحم
أول كتاب الحدود
أول كتاب الديات
أول كتاب السنة
تابع لكتاب السنة
أول كتاب الأدب
أبواب السلام
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن حجر
فتح الباري - هدي الساري مقدمة فتح الباري
فتح الباري - كتاب بدء الوحي
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب العلم
فتح الباري - كتاب الوضوء
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
فتح الباري - كتاب مواقيت الصلاة
فتح الباري - كتاب الأذان
فتح الباري - كتاب الجمعة
فتح الباري - كتاب الخوف
فتح الباري - كتاب العيدين
فتح الباري - كتاب الوتر
فتح الباري - كتاب الاستسقاء
فتح الباري - كتاب الكسوف
فتح الباري - كتاب سجود القرآن
فتح الباري - كتاب تقصير الصلاة
فتح الباري - كتاب التهجد
فتح الباري - كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة
فتح الباري - كتاب العمل في الصلاة
فتح الباري - كتاب السهو
فتح الباري - كتاب الجنائز
فتح الباري - كتاب الزكاة
فتح الباري - كتاب الحج
فتح الباري - كتاب العمرة
فتح الباري - كتاب المحصر
فتح الباري - كتاب جزاء الصيد
فتح الباري - كتاب فضائل المدينة
فتح الباري - كتاب الصوم
فتح الباري - كتاب صلاة التراويح
فتح الباري - كتاب فضل ليلة القدر
فتح الباري - كتاب الإعتكاف
فتح الباري - كتاب البيوع
فتح الباري - كتاب السلم
فتح الباري - كتاب الشفعة
فتح الباري - كتاب الإجارة
فتح الباري - كتاب الحرث والمزارعة
فتح الباري - كتاب المساقاة
فتح الباري - كتاب الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس
فتح الباري - كتاب الخصومات
فتح الباري - كتاب اللقطة
فتح الباري - كتاب المظالم
فتح الباري - كتاب الشركة
فتح الباري - كتاب الرهن
فتح الباري - كتاب العتق
فتح الباري - كتاب المكاتب
فتح الباري - كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها
فتح الباري - كتاب الشهادات
فتح الباري - كتاب الصلح
فتح الباري - كتاب الشروط
فتح الباري - كتاب الوصايا
فتح الباري - كتاب الجهاد و السير
فتح الباري - كتاب فرض الخمس
فتح الباري - كتاب الجزية و الموادعة
فتح الباري - كتاب بدء الخلق
فتح الباري - كتاب أحاديث الأنبياء
فتح الباري - كتاب المناقب
فتح الباري - كتاب فضائل الصحابة
فتح الباري - كتاب مناقب الأنصار
فتح الباري - كتاب المغازي
فتح الباري - كتاب التفسير
فتح الباري - كتاب فضائل القرآن
فتح الباري - كتاب النكاح
فتح الباري - كتاب الطلاق
فتح الباري - كتاب النفقات
فتح الباري - كتاب الأطعمة
فتح الباري - كتاب العقيقة
فتح الباري - كتاب الذبائح والصيد
فتح الباري - كتاب الأضاحي
فتح الباري - كتاب الأشربة
فتح الباري - كتاب المرضى
فتح الباري - كتاب الطب
فتح الباري - كتاب اللباس
فتح الباري - كتاب الأدب
فتح الباري - كتاب الإستئذان
فتح الباري - كتاب الدعوات
فتح الباري - كتاب الرقاق
فتح الباري - كتاب القدر
فتح الباري - كتاب الأيمان والنذور
فتح الباري - كتاب كفارات الأيمان
فتح الباري - كتاب الفرائض
فتح الباري - كتاب الحدود
فتح الباري - كتاب الديات
فتح الباري - كتاب استتابة المرتدين
فتح الباري - كتاب الإكراه
فتح الباري - كتاب الحيل
فتح الباري - كتاب التعبير
فتح الباري - كتاب الفتن
فتح الباري - كتاب الأحكام
فتح الباري - كتاب التمني
فتح الباري - كتاب أخبار الأحاد
فتح الباري - كتاب الإعتصام بالسنة
فتح الباري - كتاب التوحيد
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن رجب
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
مقدمة
خطبة الكتاب
كتاب الإيمان
كتاب العلم
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصوم
كتاب فضائل القرآن
كتاب الدعوات
كتاب المناسك
كتاب البيوع
كتاب الفرائض والوصايا
كتاب النكاح
كتاب العتق
كتاب القصاص
كتاب الديات
كتاب الحدود
كتاب الإمارة والقضاء
كتاب الجهاد
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأطعمة
كتاب اللباس
كتاب الطب والرقى
كتاب الرؤيا
كتاب الآداب
كتاب الرقاق
كتاب الفتن
كتاب صفة القيامة والجنة والنار
كتاب الفضائل والشمائل
كتاب المناقب

 
عودة لموقع هاني الطنبور
هاني الطنبور
الصفحة السابقة الصفحة التالية
 
 

 

تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي

أبواب النذور والأيمان
مدخل
...
أبواب النذور والأيمان
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
ـــــــ
"أبواب النذور والأيمان الخ"
النذور جمع نذر، وأصله الإنذار بمعنى التخويف، وعرفه الراغب بأنه إيجاب ما ليس بواجب لحدوث أمر، والأيمان بفتح الهمزة جمع يمين، وأصل اليمين في اللغة اليد، وأطلقت على الحلف لأنهم كانوا إذا تحالفوا أخذ كل يمين صاحبه. وقيل لأن اليد اليمنى من شأنها حفظ الشيء فسمى الحلف بذلك الحفظ المحلوف عليه، وسمى المحلوف عليه يميناً لتلبسه بها، ويجمع اليمين أيضاً على أيمن كرغيف وأرغف، وعرفت شرعاً بأنها توكيد الشيء بذكر اسم أو صفة لله، وهذا أخصر التعاريف وأقربها.

(5/120)


باب ماجاء عن الرسول صلى الله عليه وسلم أن لانذر في معصية
...
1ـ باب ما جاءَ عن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم
أن لا نَذْرَ في مَعْصِيَة
1562 ـ حدثنا قُتَيْبَةُ حدثنا أبو صفوانَ عن يونُسَ بن يَزيدَ عن ابن شِهَابٍ عن أبي سَلَمَةَ عن عائِشَةَ قالت: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لا نَذْرَ في مَعْصِيَةٍ وَكَفّارَتُهُ كَفّارَةُ يَمِينٍ" .
قال وفي البابِ عن ابن عُمَرَ وجابرٍ وعِمْرَانَ بن حُصَيْنٍ.
وهذا حديثٌ لا يَصِحّ لأنّ الزّهْرِيّ لم يَسْمَعْ هذا الحديثَ من أبي سَلَمَةَ قال سَمِعْتُ محمداً يقولُ: رويَ غير واحدٍ منهم موسى بنُ عُقْبَةَ وابنُ أبي
ـــــــ
"باب ما جاءَ عن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم أن لا نَذْرَ في مَعْصِيَة"
قوله: "لا نذر في معصية" قال الطيبي: أي لا وفاة في نذر معصية إنما قدر الوفاء لأن لا لنفي الجنس تقتضي نفي الماهية فإذا نفيت ينتفي ما يتعلق بها وهو غير صحيح لقوله بعده وكفارته كفارة اليمين، فإذاً يتعين تقديره الوفاء ويؤيد قوله في حديث عمران بن حصين: ومن كان نذر في معصية فذلك للشيطان ولا وفاء فيه ويكفر ما يكفر اليمين انتهى. "وكفارته كفارة يمين" استدل به من قال بوجوب الكفارة في نذر المعصية.
قوله: "وفي الباب عن ابن عمر وجابر وعمران بن حصين" أما حديث ابن عمر فلينظر من أخرجه، وأما حديث جابر فأخرجه أحمد بلفظ: لا وفاء لنذر في معصية الله. وأما حديث عمران بن حصين فأخرجه النسائي مرفوعاً بلفظ: "النذر نذران، فمن كان نذر في طاعة فذلك لله فيه الوفاء، ومن كان نذر في معصية فذلك للشيطان ولا وفاء فيه ويكفره ما يكفر اليمين" . وهذا الحديث ضعيف صرح به الحافظ في التلخيص.
قوله: "وهذا حديث لا يصح لأن الزهري لم يسمع هذا الحديث من أبي سلمة"

(5/121)


عَتِيقٍ عن الزّهْرِيّ عن سُلَيمانَ بنِ أرْقَمَ عن يحيى بن أبي كَثِيرٍ عن أبي سَلَمَةَ عن عائشَةَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم. قال محمدٌ: والحديثُ هو هذا.
1563ـ حدثنا أبو إسماعيلَ الترمذي واسمه محمدُ بن إسماعيلَ بن يوسفَ حدثنا أيوبَ بن سليمانَ بن بلالٍ حدثنا أبو بكرِ بن أبي أُوَيْسٍ عن سُلَيْمَانَ بنِ بلالٍ عن موسى بن عُقْبَةَ و عبدِ الله بن أبي عَتيقٍ عن الزهريّ عن سُليمانَ بن أرقمَ عن يحيى بن أبي كثيرٍ عن أبي سَلَمَةَ عن عائشةَ عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا نَذْرَ في مَعصيةِ الله، وكَفّارَتُهُ كَفّارَةُ يَمِينٍ" .
هذا حديثٌ غريبٌ وهو أصَحّ مِن حديثِ أبي صَفْوَانَ عن يونسَ1.وقال قومٌ مِن أهلِ الْعِلْمِ مِن أصحابِ النبيّ صلى الله عليه وسلم وغيرِهم: "لا نَذْرَ في مَعصيةِ الله، وكفّارَتهُ كفّارةُ يمين ٍ". وهو قولُ أحمدَ وإسحاقَ واحْتَجّا بحديثِ الزهريّ عن أبي سلمةَ عن عائشةَ.
ـــــــ
قال الحافظ في التلخيص رواه أحمد وأصحاب السنن وهو منقطع لم يسمعه الزهري من أبي سلمة "وهذا حديث غريب" وأخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه قال النسائي: سليمان بن أرقم متروك وقد خالفه غير واحد من أصحاب يحيى بن أبي كثير يعني فرووه عن يحيى بن أبي كثير عن محمد بن الزبير الحنظلي عن أبيه عن عمران انتهى.
قلت: ولهذا الحديث طرق أخرى ذكرها الحافظ في التلخيص مع الكلام عليها، وقال الووى في الروضة: حديث لا نذر في معصية وكفارته كفارة اليمين ضعيف باتفاق المحدثين، قال الحافظ: قد صححه الطحاوي وأبو علي بن السكن فأين الاتفاق انتهى.
قوله: "وهو قول أحمد وإسحاق" قد اختلف فيمن وقع منه النذر في المعصية هل
ـــــــ
1 . وفي بعض النسخ بعد قوله عن يونس وقعت هذه العبارة وأبو صفوان هو مكيّ واسمه عبدالله بن سعيد بن عبد الملك بن مروان وقد روى عن الحميدى وغير واحد من جلة أهل الحديث.

(5/122)


وقال بعضُ أهلِ الْعِلْمِ من أصحابِ النبيّ صلى الله عليه وسلم وغيرِهم: لا نَذْرَ في مَعْصِيَةٍ ولا كفّارَةَ في ذلك. وهو قولُ مالكٍ والشافعيّ.
1564 ـ حدثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعيدٍ عن مالكٍ بن أنس عن طَلْحَةَ بن عبدِ المَلِكِ الأيليّ عن القَاسِم بن محمدٍ عن عائشَةَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "مَنْ نَذَرَ أنْ يُطِيعَ الله فَلْيُطِعْهُ ومَن نَذَر أنْ يَعْصِى الله فلا يَعْصِهِ" .
1565-حدثنا الحسنُ بن علي الْخَلالُ حدثنا عبدُ الله بن نُمَيْرٍ عن عبيدِ الله بنِ عُمرَ عن طلحةَ بنِ عبدِ الملكِ الأيْلِيّ عن القاسِمِ بنِ محمدٍ عن عائشةَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم نحوَه.
ـــــــ
يجب فيه كفارة، فقال الجمهور لا، وعن أحمد والثوري وإسحاق وبعض الشافعية والحنفية نعم، واتفقوا على تحريم النذر في المعصية، واختلافهم إنما هو في وجوب الكفارة، واحتج من أوجبها بأحاديث الباب "وهو قول مالك والشافعي" وهو قول الجمهور، وأجابوا عن أحاديث ضعيفة.
قلت: والظاهر أنها بتعددها وتعدد طرقها تصلح للاحتجاج والله تعالى أعلم.
قوله: "من نذر أن يطيع الله فليطعه" الطاعة أعم من أن تكون في واجب أو مستحب، يتصور النذر في فعل الواجب بأن يؤقت كمن ينذر أن يصلي الصلاة في أول وقتها، فيجب عليه ذلك بقدر طاقته وأما المستحب من جميع العبادات المالية والبدنية فينقلب بالنذر واجباً، ويتقيد بما قيده به الناذر. والخبر صريح في الأمر بوفاء النذر إذا كان في طاعة، وفي النهي عن ترك الوفاء به إذا كان في معصية "من نذر أن يعصى الله فلا يعصه" قال في شرح السنة فيه دليل على أن من نذر معصية لا يجوز الوفاء به ولا يلزمه الكفارة، إذا لو كانت فيه الكفارة لبينه صلى الله عليه وسلم. قال القاري: لا دلالة في الحديث على نفي الكفارة ولا على إثباتها. قلت: الأمر كما قال القاري.

(5/123)


هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وقد رَوَاهُ يحيى بنُ أبي كَثِيرٍ عن القاسِم بن محمدٍ. وهو قولُ بعضِ أهلِ الْعِلْمِ من أصحابِ النبيّ صلى الله عليه وسلم وغيرِهم. وبه يقولُ مالكٌ والشافعيّ. قالوا: لا يعصى الله وليس فيه كَفّارَةُ يمينٍ إذا كانَ النّذْرُ في مَعْصِيَةٍ.
ـــــــ
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه البخاري وأحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه.
قوله: "قالوا لا يعصي الله" هذا مجمع عليه ليس فيه اختلاف "وليس فيه كفارة الخ" فيه اختلاف كما عرفت آنفاً

(5/124)


باب لانذر فيما لايملك ابن أدم
...
2 ـ باب ما جاء لا نَذْرَ فيما لا يملِكُ ابنُ آدم
1566 ـ حدثنا أحمدُ بنُ مَنِيعٍ حدثنا إسحاقُ بنُ يُوسُفَ الأزرقُ عن هِشَامٍ الدّسْتَوائِيّ عن يحيى بن أبي كثِيرٍ عن أبي قِلابَةَ عن ثابتِ بن الضّحّاكِ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "ليسَ على العبدِ نَذْرٌ فيما لا يَمْلِكُ" .
قال وفي الباب عن عبدِ الله بن عَمْرو وعِمْرَانَ بن حُصَيْن.
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
"باب ما جاء لا نَذْرَ فيما لا يملِكُ ابنُ آدم"
قوله: "ليس على العبد نذر فيما لا يملك" أي لا يصح النذر ولا ينعقد في شيء لا يملكه حين النذر حتى لو ملكه بعده الوفاء به ولا الكفارة عليه.
قوله: "وفي الباب عن عبد الله بن عمرو وعمران بن حصين" . أما حديث عبد الله بن عمر فأخرجه أبو داود. وأما حديث عمران فأخرجه مسلم.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه أبو داود

(5/124)


3ـ باب في كفّارة النّذْرِ إذا لم يُسَم
1567 ـ حدثنا أحمدُ بنُ مَنِيعٍ حدثنا أبو بكرِ بنُ عَيّاشٍ حدثني محمدٌ مَوْلى المغيرةِ بنِ شَعْبةَ حدثني كَعْبُ بن عَلْقَمَةَ عن أبي الخيرِ عن عُقْبَةَ بن عامرٍ قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "كَفّارَةُ النّذْرِ إذا لَمْ يُسَمّ كَفّارَةُ يَمِين" .
ـــــــ
"باب في كفّارة النّذْرِ إذا لم يُسَم"
قوله: "حدثني محمد مولى المغيرة بن شعبة" محمد هذا هو ابن يزيد بن أبي زياد الثقفي. قال الذهبي في الميزان مجهول، قال وصحح له الترمذي "وقال حدثني كعب بن علقمة" بن كعب المصري التنوخي أبو عبد الحميد صدوق من الخامسة "عن أبي الخير" اسمه مرثد بن عبد الله اليزني المصري ثقة فقيه من الثالثة.
قوله: "كفارة النذر إذا لم يسم" أي لم يعينه الناذر بأن قال: إني نذرت نذراً أو على نذر ولم يعين أنه صوم أو غيره "كفارة يمين" فيه دليل على أن كفارة اليمين إنما تجب فيما كان من النذور غير مسمى. قال النووي: اختلف العلماء في المراد بهذا الحديث يعني حديث عقبة بن عامر الذي أخرجه مسلم بلفظ كفارة النذر كفارة اليمين فحمله جمهور أصحابنا على نذر اللجاج فهو مخير بين الوفاء بالنذر أو الكفارة. وحمله مالك وكثيرون أو الأكثرون على النذر المطلق كقوله عليّ نذر، وحمله جماعة من فقهاء الحديث على جميع أنواع النذر، وقالوا هو مخير في جميع أنواع المنذورات بين الوفاء بما التزم وبين كفارة اليمين انتهى. قال الشوكاني: والظاهر اختصاص الحديث يعني حديث مسلم المذكور بالنذر الذي لم يسم، لأن حمل المطلق على المقيد واجب، وأما النذور المسماة إن كانت طاعة فإن كانت غير مقدورة ففيها كفارة يمين، وإن كانت مقدروة وجب الوفاء بها سواء كانت متعلقة بالبدن أو بالمال، وإن كانت معصية لم يجز الوفاء بها ولا ينعقد ولا يلزم فيها الكفارة، وإن كانت مباحة مقدورة فالظاهر الانعقاد ولزوم الكفارة لوقوع الأمر بها في الأحاديث في قصة الناذرة بالمشي إلى بيت الله، وإن كانت غير مقدورة ففيها الكفارة لعموم: ومن نذر نذراً لم يطقه. هذا خلاصة ما يستفاد من الأحاديث الصحيحة انتهى.

(5/125)


هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ.
ـــــــ
قوله: "هذا حديث حسن صحيح غريب" وأخرجه مسلم بدون زيادة إذا لم يسم. وأخرجه أيضاً أبو داود والنسائي وابن ماجه. وفي الباب عن ابن عباس مرفوعاً بلفظ: من نذر نذراً ولم يسمه فكفارته كفارة يمين، ومن نذر نذراً لم يطقه فكفارته كفارة يمين، أخرجه أبو داود وابن ماجه. قال الحافظ في بلوغ المرام: إسناده صحيح إلا أن الحافظ رجحوا وقفه

(5/126)


باب فيمن حلف على يمين فرأى خيرا منها
...
4ـ باب فيمَن حلَفَ على يَمِينٍ فَرأى غيرَها خَيراً منها
1568 ـ حدثنا محمدُ بنُ عبد الأعْلى الصنعانيّ حدثنا المُعْتَمِرُ بن سُليمانَ عن يونسَ هو ابن عبيد حدثنا الحسنُ عن عبدِ الرحمَنِ بن سَمُرَةَ قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "يا عبدِ الرحمَنِ لا تسأَلِ الإمَارَةَ فإنّكَ إنْ أتَتْكَ عن مَسْأَلةٍ وُكِلْتَ إليها، إنْ أتَتْكَ مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا. وإذا حَلَفْتَ على يمينٍ فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خيراً منها فَأَتِ الذي هو خيرٌ وَلْتُكَفّرْ عن يَمِينِكَ" .
وفي البابِ عن عليّ وجابر عَدِيّ بن حاتمٍ وأبي الدّرْدَاءِ وأنسٍ وعائشةَ وعبدِ الله بن عَمْرٍو وأبي هريرةَ وأُمّ سَلَمَةَ وأبي موسَى.
ـــــــ
"باب فيمَن حلَفَ على يَمِينٍ فَرأى غيرَها خَيراً منها"
قوله: "لا تسأل" بصيغة النهي "الإمارة" بكسر الهمزة أي الحكومة "فإنك إن أنتك" ألا حصلت لك الإمارة "عن مسألة" أي بعد سؤالك إياها "وكلت إليها" بضم الواو وكسر الكاف مخففة: أي خليت وتركت معها من غير إعانة فيها "أعنت عليها" بصيغة المجهول من الإعانة، أي أعانك الله على تلك الإمارة "فأت الذي هو خير ولتكفر عن يمينك" ، وفي رواية فكفر عن يمينك وأت الذي هو خير.
قوله: "وفي الباب عن عدي بن حاتم وأبي الدرداء وأنس وعائشة وعبد الله بن عمرو وأبي هريرة وأم سلمة وأبي موسى" . أما حديث عدي بن حاتم فأخرجه

(5/126)


حديثُ عبدِ الرحمَنِ بنِ سَمُرَةَ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
مسلم. وأما حديث أبي الدرداء وأنس فلينظر من أخرجه. وأما حديث عائشة فأخرجه الحاكم. وأما حديث عبد الله بن عمرو فأخرجه أبو داود. وأما حديث أبي هريرة فأخرجه مسلم. وأما حديث أم سلمة فأخرجه الطبراني. وأما حديث أبي موسى فأخرجه الشيخان.
قوله: "حديث عبد الرحمن بن سمرة حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان

(5/127)


5 ـ باب في الكفّارةِ قبلَ الْحِنْث
1569 ـ حدثنا قُتَيْبَةُ عن مالِكِ بن أنسٍ عن سُهيلِ بن أبي صالحٍ عن أبِيهِ عن أبي هريرةَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "مَن حَلَفَ على يَمِينٍ فرأى غيرَها خيراً منها فَلْيُكَفّرْ عن يَمِينِهِ ولْيَفْعَلْ" .
قال وفي البابِ عن أُمّ سَلَمَةَ.
حديثُ أبي هريرةَ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ والعملُ على هذا عندَ أكثر أهلِ
ـــــــ
"باب في الكفّارةِ قبلَ الْحِنْث"
قوله "فليكفر عن يمينه وليفعل" استدل به من جوز له الكفارة قبل الحنث، وفيه أن الواو لمطلق الجمع. نعم وقع في حديث أم سلمة الذي أشار إليه الترمذي لفظ ثم لفظه فليكفر عن يمينه ثم ليفعل الذي هو خير أخرجه الطبراني، وكذلك وقع لفظ ثم في حديث عبد الرحمن بن سمرة عند أبي داود ولفظه: فكفر عن يمينك ثم ائت الذي هو خير، قال الحافظ في بلوغ المرام: إسناد هذه الرواية صحيح. قال الشوكاني: وأخرج نحوها أبو عوانة في صحيحه، وأخرج الحاكم عن عائشة نحوها انتهى. فهذه الروايات تدل على جواز تقديم الكفارة على الحنث.
قوله: "وفي الباب عن أم سلمة" أخرجه الطبراني كما تقدم آنفاً.
قوله: "حديث أبي هريرة حسن صحيح" وأخرجه أحمد ومسلم.

(5/127)


العلمِ من أصحابِ النبيّ صلى الله عليه وسلم وغيرهِم: أنّ الكفّارَةَ قبلَ الحِنْثِ تجزئ. وهو قولُ مالك بن أنس والشافعيّ وأحمدَ وإسحاقَ.
وقال بعضُ أهلِ الْعِلْمِ لا يُكَفّرُ إلاّ بَعدَ الحِنْثِ. قال سفيانُ الثوريّ: إنْ كَفّرَ بعدَ الحِنْثِ أحَبّ إليّ، وإنْ كَفّرَ قَبْلَ الحِنْثِ أجْزَأَهُ.
ـــــــ
قوله: "وهو قول مالك والشافعي وأحمد وإسحاق" قال ابن المنذر: رأى ربيعة والأوزاعي ومالك والليث وسائر فقهاء الأمصار غير أهل الرأي: أن الكفارة تجزيء قبل الحنث، إلا أن الشافعي استثنى الصيام فقال: لا يجزيء إلا بعد الحنث. وقال أهل الرأي تجزيء: لا الكفارة قبل الحنث. وعن مالك روايتان، ووافق الحنفية أشهب من المالكية وداود الظاهري وخالفه ابن حزم، واحتج الأولون بالروايات التي وقع فيها تقديم الكفارة على الحنث، وبالروايات التي وقع فيها لفظ ثم وقد ذكرناه فيما تقدم. واحتج الطحاوي لما ذهب إليه أهل الرأي بقوله تعالى: {ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ} فإن المراد إذا حلفتم فحنثتم.
ورده مخالفوه بل التقدير فأردتم الحنث. قال الحافظ: وأولى من ذلك أن يقال التقدير أعم من ذلك، فليس أحد التقديرين بأولى من الآخر انتهى.
واحتجوا أيضاً بأن ظاهر الآية أن الكفارة وجبت بنفس اليمين، ورده من أجازها بأنها لو كانت بنفس اليمين لم تسقط عمن لم يحنث اتفاقاً.
واحتجوا أيضاً بأن الكفارة بعد الحنث فرض، وإخراجها قبله تطوع، فلا يقدم التطوع مقام المفروض.
وانفصل عنه من أجاز بأنه يشترط إرادة الحنث وإلا فلا تجزيء كما في تقديم الزكاة، وذكر عياض وجماعة أن عدة من قال بجواز تقديم الكفارة أربعة عشرة صحابياً، وتبعهم فقهاء الأمصار إلا أبا حنيفة، وقد عرفت مما سلف أن المتوجه العمل برواية الترتيب المدلول عليه بلفظ ثم. ولولا الإجماع على جواز تأخير الكفارة عن الحنث لكان ظاهر الدليل أن تقديم الكفارة واجب. قال المازري:

(5/128)


ـــــــ
للكفارة ثلاث حالات: أحدها قبل الحلف فلا تجزيء اتفاقاً، ثانيها بعد الحلف والحنث فتجزيء اتفاقاً، ثالثها بعد الحلف وقبل الحنث ففيها الخلاف. وأحاديث الباب تدل على وجوب الكفارة مع إتيان الذي هو خير، وفي حديث عمرو بن شعيب ما يدل على أن ترك اليمين وإتيان الذي هو خير هو الكفارة. وقال أبو داود إنه ما ورد من ذلك إلا ما لا يعبأ به. قال الحافظ: كأنه يشر إلى حديث يحيى بن عبيد الله عن أبي هريرة يرفعه: من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها فليأت الذي هو خير فهو "كفارته"، ويحيى ضعيف جداً. وقد وقع في حديث عدي بن حاتم عند مسلم ما يوهم ذلك فإنه أخرجه عنه بلفظ: من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها فليأت الذي هو خير وليترك يمينه، هكذا أخرجه من وجهين ولم يذكر الكفارة، ولكن أخرجه من وجه آخر بلفظ: فرأى غيرها خيراً منها فليكفرها وليأت الذي هو خير، ومداره في الطرق كلها على عبد العزيز بن رفيع عن تميم بن طرفة عن عدي، والذي زاد ذلك حافظ فهو المعتمد انتهى

(5/129)


6 ـ باب في الاستِثْنَاءِ في الْيَمِين
1570 ـ حدثنا محمودُ بن غَيْلاَنَ حدثنا عبدُ الصمدِ بنِ عبدِ الوارثِ حدثني أبي وَحَمّادُ بن سَلَمَةَ عن أيوبَ عن نافعٍ عن ابنِ عُمَرَ أنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: "مَن حَلَفَ على يمينٍ فقالَ إنْ شَاءَ الله، فَلاَ حِنْثَ عليهِ" .
ـــــــ
"باب في الاستِثْنَاءِ في الْيَمِين"
قوله "من حلف على يمين فقال إن شاء الله فقد استثنى فلا حنث عليه" فيه دليل على أن التقييد بمشيئة الله مانع من انعقاد اليمين أو يحل انعقادها. وقد ذهب إلى ذلك الجمهور وادعى عليه ابن العربي الإجماع قال: أجمع المسلمون على أن قوله إن شاء الله يمنع انعقاد اليمين بشرط كونه متصلاً، قال: ولو جاز منفصلاً كما روى بعض السلف لم يحنث أحد قط في يمين ولم يحتج إلى كفارة، قال: واختلفوا في الاتصال، فقال مالك والأوزاعي والشافعي والجمهور هو أن يكون قوله إن شاء الله متصلاً

(5/129)


وفي البابِ عن أبي هريرةَ.
حديثُ ابنِ عُمَرَ حديثٌ حسنٌ، وقد رَوَاهُ عُبَيْدُ الله بن عُمرَ وغيرُهُ عن نافعٍ عن ابنِ عُمرَ موقوفاً. وهكذا رُوَى سالم عن ابنِ عُمرَ رضي الله عنهما موقوفاً.
ولا نعلمُ أحَداً رَفَعَهُ غَيرَ أيوبَ السّختِيَانِيّ. وقال إسماعيلُ بن إبراهيمَ: وكان أيوبُ أحياناً يرفعُهُ وأحياناً لا يرفَعُه.
والعملُ على هذا عند أكْثرَ أهلِ العلمِ مِن أصحابِ النبيّ صلى الله عليه وسلم وغيرِهم أنّ الاستثناءَ إذا كانَ موصولاً باليمينِ فلا حِنْثَ عليهِ، وهو قولُ سفيانَ الثوريّ والأوزاعيّ ومالكِ بن أنسٍ وعبدِ الله بنِ المباركِ والشافعيّ وأحمدَ وإسحاقَ.
ـــــــ
باليمين من غير سكون بينهما ولا يضر سكتة النفس. عن طاوس والحسن وجماعة من التابعين أن له الاستثناء ما لم يقم من مجلسه، وقال قتادة ما لم يقم أو يتكلم. وقال عطاء قدر حلبة ناقة. وقال سعيد بن جبير يصح بعد أربعة أشهر. وعن ابن عباس: له الاستثناء أبداً ولا فرق بين الحلف بالله أو بالطلاق أو العتاق أن التقييد بالمشيئة يمنع الانعقاد. وإلى ذلك ذهب الجمهور وبعضهم فصل، واستثنى أحمد العتاق قال لحديث: إذا قال أنت طالق إن شاء الله لم تطلق، وإن قال لعبده أنت حر إن شاء الله فإنه حر، وقد تفرد به حميد بن مالك وهو مجهول كما قال البيهقي كذا في النيل.
قوله: "وفي الباب عن أبي هريرة" أخرجه الترمذي في هذا الباب "حديث بن عمر حديث حسن" قال في المنتقى رواه الخمسة إلا أبا داود انتهى. قال في النيل: حديث ابن عمر رجاله رجال الصحيح وله طرق كما ذكره صاحب الأطراف، وهو أيضاً في سنن أبي داود في الأيمان والنذور لا كما قال المصنف يعني صاحب المنتقى.
قوله: "وهو قول سفيان الثوري والأوزاعي الخ" وهو القول الراجح المعول عليه.

(5/130)


1571ـ حدثنا يحيى بنُ موسى حدثنا عبدُ الرزاقِ أخبرنا مَعْمَرٌ عن ابن طاوس عن أبيه عن أبي هريرةَ أنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: "مَن حَلَفَ علي يمين فقال إنْ شَاءَ الله لَمْ يحنَثْ" . سألْتُ محمدَ بن إسماعيلَ عن هذا الحديثِ فقال: هذا حديثٌ خَطَأٌ أَخْطَأَ فيه عبدُ الرزّاقِ اختَصَرَهُ مِن حديثِ مَعْمَرٍ عن ابن طاوسٍ عن أبيهِ عن أبي هريرةَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "إنّ سُلَيْمانَ بن داودَ قال لأطُوفَنّ اللّيْلَةَ على سَبْعِينَ امرأَةً تَلِدُ كُلّ امرأَةٍ غُلاَماً، فطافَ عليهنّ فلَم تَلِد امرأةٌ مِنْهُنّ، إلاّ امرأةً نِصْفَ غُلاَمٍ، فقالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: لَوْ قالَ إن شاءَ الله لكَانَ كَمَا
ـــــــ
قوله: "لأطوفن" اللام جواب القسم وهو محذوف أي والله لأطوفن، ويؤيده قوله في آخره لم يحنث كما في رواية: لأن الحنث لا يكون إلا عن قسم. والقسم لا بد له من مقسم به "على سبعين امرأة" قد وقع في روايات هذا الحديث اختلاف كثير في العدد ذكرها الحافظ في الفتح وقال بعد ذكرها ما لفظه: فمحصل الروايات ستون وسبعون وتسع وتسعون ومائة، والجمع بينها أن الستين كن حرائر وما زاد عليهن كن سرارى أو بالعكس، وأما السبعون فللمبالغة، وأما تسعون والمائة فكن دون المائة وفوق التسعين، فمن قال تسعون ألقى الكسر، ومن قال مائة جبره. وأما قول بعض الشراح ليس في ذكر القليل نفي الكثير وهو ومن مفهوم العدد ليس بحجة عند الجمهور فليس بكاف في هذا المقام، وذلك أن مفهوم العدد معتبر عند كثيرين. وقد حكى وهب بن منبه في المبتدأ أنه كان لسليمان ألف امرأة ثلاث مائة مهيرة وسبع مائة سرية، ونحو ما أخرج الحاكم في المستدرك من طريق أبي معشر عن محمد بن كعب قال: إنه كان لسليمان ألف بيت من قوارير فيها ثلاث مائة صريحة وسبع مائة سرية انتهى "وتلد كل امرأة غلاماً" . وفي رواية للبخاري تحمل كل امرأة فارساً يجاهد في سبيل الله "فطاف عليهن" أي جامعهن قوله: "إلا امرأة نصف غلام" وفي رواية البخاري: إلا واحدة ساقطاً أحد شقيه "لو قال إن شاء

(5/131)


قالَ" هكذا رُوَى عن عبد الرزاقِ عن مَعْمَرٍ عن ابن طاوس عن أبِيهِ هذا الحديثَ بِطُولِهِ، وقال سَبْعِينَ امرأةً.
وقد رُوِيَ هذا الحديثُ مِن غيرِ وجهٍ عن أبي هريرةَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "قالَ سُليمانُ بنُ داودَ لأطُوفَنّ اللّيْلَةَ على مائةِ امرأةٍ" .
ـــــــ
الله لكان كما قال" وفي رواية للبخاري: لو قال إن شاء الله لم يحنث، وفي هذه الرواية: لأطوفن هذه الليلة بتسعين امرأة كل تلد غلاماً يقاتل في سبيل الله، فقال له صاحبه. قال سفيان يعني الملك: قل إن شاء الله فنسي الحديث، قال في الفتح: قوله لو قال إن شاء الله لم يحنث، قيل هو خاص بسليمان عليه السلام، وأنه لو قال في هذه الواقعة إن شاء الله حصل مقصوده، وليس المراد أن كل من قالها وقع ما أراد. ويؤيد ذلك أن موسى عليه السلام قالها عند ما وعد الخضر أنه يصبر عما يراه منه ولا يسأله عنه، ومع ذلك فلم يصبر كما أشار إلى ذلك في الحديث الصحيح: لوددنا لو صبر حتى يقص الله عليه أمرهما. وقد قالها الذبيح فوقع في قوله عليه السلام {سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ} فصبر حتى فداه الله بالذبح.
قوله: "لأطوفن الليلة على مائة امرأة" رواه أحمد وأبو عوانة كما في الفتح

(5/132)


7 ـ باب في كَرَاهِيَةِ الْحَلِفِ بغيرِ الله
1572 ـ حدثنا قُتَيْبَةُ حدثنا سفيانُ عن الزّهْرِيّ عن سالمٍ عن أبِيهِ سَمِعَ النبيّ صلى الله عليه وسلم عُمَرَ وهو يقولُ: وأبي وأبي، فقال: "ألا إنّ الله يَنْهَاكُمْ أنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ" فقالَ عُمَرُ: فَوَالله ما حَلَفْتُ به بعدَ ذلكِ ذَاكِراً ولا آثِراً.
ـــــــ
"باب في كَرَاهِيَةِ الْحَلِفِ بغيرِ الله"
قوله: "وهو يقول وأبي وأبي" الواو للقسم، يعني يقسم بأبيه ويقول: وأبي وأبي "فقال ألا" بالتخفيف للتنبيه "إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم" . قال العلماء:

(5/132)


وفي البابِ عن ثابتِ بن الضحّاكِ وابن عباسٍ وأبي هُرَيْرَةَ وقُتَيْلةَ وعبدِ الرحمَنِ بنِ سَمُرَةَ.
ـــــــ
السر في النهي عن الحلف بغير الله، أن الحلف بشيء يقتضي تعظيمه، والعظمة في الحقيقة إنما هي لله وحده، وظاهر الحديث، تخصيص الحلف بالله خاصة، لكن قد اتفق الفقهاء: على أن اليمين تنعقد بالله وذاته وصفاته العلية. واختلفوا في انعقادها ببعض الصفات وكأن المراد بقوله بالله الذات لا خصوص لفظ الله، وأما اليمين بغير ذلك فقد ثبت المنع فيها، وهل المنع للتحريم، قولان عند المالكية، كذا قال ابن دقيق العيد، والمشهور عندهم الكراهة، والخلاف أيضاً عند الحنابلة، لكن المشهور عندهم التحريم، وبه جزم الظاهرية وجمهور أصحابه على أنه للتنزيه، كذا في "ذاكراً ولا آثراً" بالمد وكسر المثلثة، أي حاكياً عن الغير، أي ما حلفت بها ولا حكيت ذلك عن غيري. ويدل عليه ما وقع في رواية عقيل عن ابن شهاب عند مسلم: ما حلفت بها منذ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عنها ولا تكلمت بها. وقد استشكل هذا التفسير لتصدير الكلام بحلفت، والحاكي عن غيره لا يسمى حالفاً. وأجيب باحتمال أن يكون العامل فيه محذوفاً أي ولا ذكرتها آثراً عن غيري، أو يكون ضمن حلفت معنى تكلمت، ويقويه رواية عقيل.
قوله: "وفي الباب عن ثابت بن الضحاك وابن عباس وأبي هريرة وقتيلة وعبد الرحمن بن سمرة" أما حديث ثابت بن الضحاك فأخرجه الشيخان. وأما حديث ابن عباس فلينظر من أخرجه، وأما حديث أبي هريرة فأخرجه النسائي مرفوعاً: لا تحلفوا إلا بالله، ولا تحلفوا إلا وأنتم صادقون. وأما حديث قتيلة وهي قتيلة بالمثناة والتصغير بنت صيفي الأنصارية أو الجهنية صحابية من المهاجرات، فأخرجه أحمد والنسائي عنها أن يهودياً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال إنكم تنددون وإنكم تشركون، تقولون ما شاء الله وشئت، وتقولون: والكعبة، فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم إذا أرادوا أن يحلفوا أن يقولوا ورب الكعبة، ويقول أحدهم ما شاء الله ثم شئت.

(5/133)


وهذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. قال أبو عُبَيْدٍ: مَعْنَى قولهِ ولا آثِراً آتى لم آثُرْهْ عن غيرِي، يقولُ: لَمْ أذْكُرْهُ عَن غيرِي.
1573ـ حدثنا هنّادٌ حدثنا عَبْدَةُ عن عُبَيْدِ الله بن عُمَرَ عن نافِعٍ عن ابن عُمَر: أنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم أدْرَكَ عُمَرَ وهو في رَكْبٍ، وهو يَحْلِفُ بِأَبِيهِ، فقالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إنّ الله يَنْهَاكُمْ أنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ، لِيَحْلِفْ حَالِفٌ بالله أو ليَسكُتْ" .
ـــــــ
قوله: "وهذا حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان.
قوله: "قال أبو عبيد" هو إمام مشهور له تصانيف نافعة: منها غريب الحديث قاله الحافظ: اسمه القاسم بن سلام البغدادي الإمام المشهور ثقة فاضل مصنف من العاشرة، ولم أر له في الكتب حديثاً مستنداً بل من أقواله في شرح الغريب يقول "لا آثره عن غيره" أي لا أنقله عن غيري، قال في القاموس الصراح: الأثر نقل كردن سخن، ومنه حديث مأثور أي ينقله خلف عن سلف.
قوله: "أدرك عمر وهو في ركب" وفي رواية البخاري وهو يسير في ركب. وفي مسند يعقوب بن شيبة من طريق ابن عباس عن عمر: بينما أنا راكب أسير في غزاة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم "وهو يحلف بأبيه" زاد في رواية: وكان قريش تحلف بآبائها "ليحلف حالف بالله أو ليسكت" في هذا الحديث من الفوائد الزجر عن الحلف بغير الله، وإنما خص في حديث عمر بالاَباء لوروده على سببه المذكور، أو خص لكونه كان غالباً عليه لقوله في الرواية الأخرى: وكانت قريش تحلف بآبائها، ويدل على النعيم قوله: من كان حالفاً فلا يحلف إلا بالله.
وأما ما ورد في القرآن من القسم بغير الله ففيه جوابان:
أحدهما: أن فيه حذفاً: والتقدير ورب الشمس ونحوه:
الثاني: أن ذلك يختص بالله، فإذا أراد تعظيم شيء من مخلوقاته أقسم به وليس لغيره ذلك.

(5/134)


هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
وأما ما وقع مما يخالف ذلك كقوله الله عليه السلام للأعرابي: أفلح وأبيه أن صدق.
فأجيب عنه بأن ذلك كان قبل النهي أو بأنها كلمة جارية على اللسان لا يقصد بها الحلف كما جرى على لسانهم عقري حلقي وما أشبه ذلك، أو فيه إضمار اسم الرب كأنه قال: ورب أبيه، وقيل هو خاص ويحتاج إلى دليل. وحكى السهيلي عن بعض مشائخه أنه قال هو تصحيف وإنما كان والله قصرت اللامان، واستنكر القرطبي هذا وقال: إنه يجزم الثقة بالروايات الصحيحة، وأقوى الأجوبة الأولان، قاله الحافظ في الفتح، وقد بسط الكلام فيه. وأحاديث الباب تدل على أن الحلف بغير الله لا ينعقد لأن النهي يدل على فساد المنهي عنه، وإليه ذهب الجمهور. وقال بعض الحنابلة: إن الحلف بنبينا صلى الله عليه وسلم ينعقد وتجب الكفارة.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان

(5/135)


8 ـ باب
1574 ـ حدثنا قُتَيْبَةُ حدثنا أبو خالدٍ الأحمرُ عن الحسنِ بنِ عُبَيْدِ الله عن سَعْدِ بن عُبَيْدَةَ: أنّ ابنَ عُمَرَ سَمِعَ رجلاً يقولُ لا والكعبةِ، فقالَ ابنُ عُمرَ: لا يُحْلَفُ بِغَيْرِ الله، فإني سَمِعْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: "مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ الله فقد كَفَرَ أو أشْرَكَ" .
ـــــــ
"باب"
قوله: "من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك" كذا وقع في بعض النسخ بلفظ أو، وكذا ذكره الحافظ في الفتح نقلاً عن جامع الترمذي بلفظ: أو وقع في بعضها وأشرك بالواو، وكذا ذكره الحافظ في التلخيص نقلاً عن الترمذي بالواو. وقال الحافظ في الفتح والتعبير بقوله: فقد كفر أو أشرك للمبالغة في الزجر والتغليظ في ذلك، وقد تمسك به من قال بتحريم ذلك.

(5/135)


هذا حديثٌ حسنٌ.
وفُسِر هذا الحديثِ عندَ بعضِ أهلِ الْعِلْمِ أنّ قولَه فقد كَفَرَ أو أشْرَكَ على التّغْلِيظِ. والْحُجّةُ في ذلك حديثُ ابنِ عُمَرَ: "أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم سَمِعَ عُمَرَ يقولُ وأبي وأبي، فقال "ألاَ إنّ الله يَنْهَاكُمْ أنْ تَحْلِفُوا بآبائِكم" . وحديثُ أبي هُريرَة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: "مَنْ قال في حَلْفِهِ والّلات والعُزّى فَلْيَقُلْ لا إلهَ إلا الله" .
وهذا مِثْلُ ما رُوِيَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنهُ قال: "إنّ الرّيَاءُ شِرْكٌ" .
ـــــــ
قوله: "هذا حديث حسن" ، قال الحافظ في الفتح وصححه الحاكم، وقال في التلخيص: قال البيهقي لم يسمعه سعد بن عبيدة من ابن عمر، قال الحافظ: قد رواه شعبة عن منصور عنه قال: كنت عند ابن عمر، ورواه الأعمش عن سعد عن أبي عبد الرحمن السلمي عن ابن عمر انتهى، "من قال في حلفه باللات والعزى" صنمان معروفان في الجاهلية "فليقل لا إله إلا الله" قال الحافظ: وإنما أمر الحالف بذلك بقول لا إله إلا الله لكونه تعاطي صورة تعظيم الصنم، حيث حلف به. قال جمهور العلماء: من حلف باللات والعزى أو غيرهما من الأصنام، أي قال إن فعلت كذا فأنا يهودي، أو نصراني، أو بريء من الإسلام، أو من النبي صلى الله عليه وسلم لم تنعقد يمينه، وعليه أن يستغفر الله، ولا كفارة عليه، ويستحب أن يقول: لا إله إلا الله. وعن الحنفية تجب الكفارة إلا في مثل قوله أنا مبتدع أو بريء من النبي صلى الله عليه وسلم. واحتج بإيجاب الكفارة على المظاهر مع أن الظهار منكر من القول وزور كما قال الله تعالى: والحلف بهذه الأشياء منكر، وتعقب بهذا الخبر لأنه لم يذكر فيه إلا الأمر بلا إله إلا الله، ولم يذكر فيه كفارة، والأصل عدمها حتى يقام الدليل، وأما القياس على الظهار فلا يصلح لأنهم لم يوجبوا فيه كفارة الظهار، واستثنوا أشياء لم يوجبوا فيها كفارة إصلاح مع أنه منكر من القول انتهى. وحديث أبي هريرة هذا أخرجه الشيخان "الرياء شرك" روى ابن ماجه من حديث معاذ بن جبل أن يسير الرياء

(5/136)


وقد فَسّرَ بَعْضُ أهلِ الْعِلْمِ هذه الاَيةَ: {فَمَنْ كان يَرَجُو لِقَاءَ رَبّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالحاً} الآية،قال: لا يُرَائِي.
ـــــــ
شرك، الحديث. وقد فسر بعض أهل العلم هذه الآية {فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً} الآية تمامها {وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً} قال لا يرائي: يعني أن المراد من الشرك في هذه الرياء وأطلق على الرياء تغليظاً ومبالغة في الزجر عنه

(5/137)


باب فيمن يحلف في المشي ولا يستطيع
...
9 ـ باب فيمَن يَحْلِفُ بالمَشْي ولا يَسْتطِيع
1575 ـ حدثنا عبدُ القُدّوسِ بنُ محمدٍ العطّارُ البصريّ حدثنا عَمْرُو بن عَاصمٍ عن عمرانَ القطانِ عن حُمَيْدٍ عن أنسٍ قال: نَذَرَتِ امْرَأَةٌ أنْ تَمْشِيَ إلى بَيْتِ الله، فَسُئِلَ نبيّ الله صلى الله عليه وسلم عن ذلكَ، فقالَ: "إنّ الله لَغَنيّ عن مَشْيهَا، مُرُوهَا فَلْتَرْكَبْ" .
قال وفي البابِ عن أبي هُرَيْرَةَ وعُقْبَةَ بن عامرٍ وابن عباسٍ.
ـــــــ
"باب فيمَن يَحْلِفُ بالمَشْي ولا يَسْتطِيع"
قوله: "عن عمران القطان" هو عمران بن داود بفتح الواو بعدها راء، أبو العوام البصري، صدوق بهم ورمى برأي الخوارج.
قوله: "مروها فلتركب" فيه دليل على أن من نذر أن يمشي إلى بيت الله، وفيه تعذيبه نفسه فعليه أن يترك المشي ويركب، وأما قوله وفي تعذيبه نفسه، فيدل عليه حديث أنس الاَتي.
قوله: "وفي الباب عن أبي هريرة وعقبة بن عامر وابن عباس" أما حديث أبي هريرة فلينظر من أخرجه.
وأما حديث عقبة بن عامر فأخرجه الشيخان وغيرهما وأخرجه الترمذي أيضاً فيما يأتي. وأما حديث ابن عباس فأخرجه أحمد وأبو داود عنه قال: جاءت

(5/137)


1576 ـ حدثنا أبو موسى محمدُ بن المَثّنى حدثنا خالدُ بن الحارِثِ حدثنا حميْدٌ عن ثابتٍ عن أنسٍ قال: "مَرّ النبيّ صلى الله عليه وسلم بشيْخٍ كبيرٍ يتهَادى بينَ ابْنَيْهِ، فقال: "ما بَالُ هذا؟" قالوا: يَا رسولَ الله نَذَرَ أنْ يَمْشِي، قالَ: "إنّ الله عز وجل لَغَنِيّ عن تَعْذِيبِ هذا نَفْسَه' ُ، قال: فَأَمَرَهُ أنْ يَرْكَبَ".
1577- حدثنا محمدُ بن المثَنّى حدثنا ابنُ أبي عَدِيّ عن حُمَيْدٍ عن أنسٍ أنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً فَذَكَرَ نحوَه.
حديثٌ أنسٍ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ من هذا الوجه والعمل على هذا عند بعض أهل العلم وقالوا إذا نذرت امرأة أن تمشي فتركب ولتهد شاةً.
ـــــــ
امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله: إن أختي نذرت أن تحج ماشية فقال: "إن الله لا يصنع بشقاء أخيك شيئاً، لتخرج راكبة ولتكفر عن يمينها" . والحديث هذا سكت عنه أبو داود والمنذري ورجاله رجال الصحيح.
قوله: "وحديث أنس حديث حسن صحيح غريب" وأخرج الشيخان معناه.
قوله: "يهادي" بصيغة المجهول "بين ابنيه" أي يمشي بين ابنيه معتمداً عليهما من ضعفه "فقال ما بال هذا" أي ما حال هذا الشيخ "قالوا نذر يا رسول الله أن يمشي" وللنسائي في رواية: نذر أن يمشي إلى بيت الله "إن الله لغني عن تعذيب هذا نفسه" . هذا فاعل المصدر، ونفسه مفعوله "فأمره أن يركب" أي لعجزه عن المشي.
قوله: "هذا حديث صحيح" أخرجه الجماعة إلا ابن ماجه.
قوله: "والعمل على هذا عند بعض أهل العلم وقالوا إذا نذرت المرأة أن تمشي فلتركب ولتهد شاة" قد وقع في حديث عكرمة عن ابن عباس في قصة أخت عقبة

(5/138)


ـــــــ
بن عامر عند أحمد فلتركب ولتهد بدنة، وفي لفظ عند أبي داود فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تركب وتهدي هدياً، وقد بسط الكلام ههنا الشوكاني في النيل من شاء الوقوف عليه فليرجع إلى النيل

(5/139)


10 ـ باب في كَراهيَةِ النذور
1578 ـ حدثنا قُتَيْبَةُ حدثنا عبدُ العزيزِ بنُ محمدٍ عن العَلاَءِ بن عبدِ الرحمَنِ عن أبِيهِ عن أبي هُرَيْرَةَ قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لا تَنْذِرُوا، فإنّ النّذْرَ لا يُغْنِي مِنَ القَدَرِ شيئاً، وإنّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ البَخِيلِ" .
ـــــــ
"باب في كَراهيَةِ النذور"
قوله: "لا تنذروا" بضم الذال وكسرها "فإن النذر لا يغني" أي لا يدفع أو لا ينفع "من القدر" بفتحتين أي من القضاء السماوي "شيئاً" فإن المقدر لا يتغير "وإنما يستخرج به" أي يسبب النذر "من البخيل" لأن غير البخيل يعطى باختياره بلا واسطة النذر. قال القاضي: عادة الناس تعليق النذور على حصول المنافع ودفع المضار فنهى عنه فإن ذلك فعل البخلاء، إذ السخي إذا أراد أن يتقرب إلى الله تعالى استعجل فيه وأتى به في الحال، والبخيل لا تطاوعه نفسه بإخراج شيء من يده إلا في مقابلة عوض يستوفى أو لا فيلتزمه في مقابلة ما يحصل له ويعلقه على جلب نفع، أو دفع ضر، وذلك لا يغني عن القدر شيئاً، أي نذر لا يسوق إليه خيراً لم يقدر له ولا يرد شراً قضى عليه، ولكن النذر قد يوافق القدر فيخرج من البخيل مالولاه لم يكن يريد أن يخرجه. وقال الخطابي: معنى نهيه عن النذر إنما هو التأكد لأمره وتحذير التهاون به بعد إيجابه، ولو كان معناه الزجر عنه حتى يفعل لكان في ذلك إبطال حكمه وإسقاط لزوم الوفاء به، إذ صار معصية، وإنما وجه الحديث أنه أعلمهم أن ذلك أمر لا يجلب لهم في العاجل نفعاً ولا يصرف عنهم ضراً، ولا يرد شيئاً قضاه الله تعالى، فلا تنذروا

(5/139)


قال وفي البابِ عن ابنِ عُمَر.
حديثُ أبي هريرةَ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. والعملُ على هذا عندَ بعضِ أهلِ الْعِلْمِ من أصحابِ النبيّ صلى الله عليه وسلم وغيرِهم كَرِهُوا النّذْرَ. وقال عبدُ الله بن المبارَكِ: معنى الكراهَيةِ في النّذْرِ في الطاعَةِ والمعصيةِ، وإنْ نَذَرَ الرجلُ بالطاعَةِ فوَفّى به فلَهُ فِيهِ أجْرٌ ويُكْرَهُ له النّذْرُ.
ـــــــ
على أنكم تدركون بالنذر شيئاً لم يقدر الله لكم، أو تصرفون عن أنفسكم شيئاً جرى القضاء به عليكم، وإذا فعلتم ذلك فأخرجه عنه بالوفاء، فإن الذي نذرتموه لازم لكم.
قال الطيبي: تحريره أنه علل النهي بقوله فإن النذر لا يغني من القدر، ونبه به على أن النذر المنهي عنه هو النذر المقيد، الذي يعتقد أنه يغني عن القدر بنفسه، كما زعموا، وكم نرى في عهدنا جماعة يعتقدون ذلك لما شاهدوا من غالب الأحوال حصول المطالب بالنذر. وأما إذا نذر، واعتقد أن الله تعالى هو الذي يسهل الأمور وهو الضار والنافع، والنذور كالذارئع والوسائل فيكون الوفاء بالنذر طاعة ولا يكون منهياً عنه، كيف وقد مدح الله تعالى جل شأنه الخيرة من عباده بقوله {يُوفُونَ بِالنَّذْرِ} و {إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراًً} وأما معنى "وإنما يستخرج به من البخيل" فإن الله تعالى يحب البذل والإنفاق، فمن سمحت أريحته فذلك، وإلا فشرع النذور ليستخرج به من مال البخيل انتهى.
قوله: "وفي الباب عن ابن عمر" أخرجه الجماعة إلا الترمذي ولفظه: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن النذر وقال: إنه لا يرد شيئاً، وإنما يستخرج به من البخيل.
قوله: "حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح" أخرجه الجماعة إلا أبا داود.
قوله: "والعمل على هذا عند بعض أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كرهوا النذر" قال الخطابي: هذا باب من العلم غريب، وهو أن ينهى عن فعل شيء حتى إذا فعل كان واجباً، وقد ذهب أكثر الشافعية ونقل عن نص الشافعي

(5/140)


ـــــــ
أن النذر مكروه، وكذا عن المالكية، وجزم الحنابلة بالكراهة. وقال النووي: إنه مستحب، صرح بذلك في شرح المهذب. وروى ذلك عن القاضي حسين ولتولى والغزالي القرطبي في المفهم بحمل ما ورد في الأحاديث من النهي على نذر المجازاة فقال: هذا النهي أن يقول مثلاً إن شفى الله مريضي فعلي صدقة ووجهه الكراهة أنه لما وقف فعل القربة المذكورة على حصول الغرض المذكور ظهر أنه لم يتمحض له نية التقرب إلى الله بما صدر منه، بل سلك فيها مسلك المعارضة، ويوضحه أنه لو لم يشف مريضه لم يتصدق بما علقه على شفائه، وهذه حالة البخيل، فإنه لا يخرج من ماله شيئاً إلا بعوض عاجل يزيد على ما أخرج غالباً وهذا المعنى هو المشار إليه بقوله: "وإنما يستخرج به من البخيل" قال: وقد ينضم إلى هذا اعتقاد جاهل يظن أن النذر يوجب حصول ذلك الغرض، أو أن الله تعالى يفعل معه ذلك الغرض لأجل ذلك النذر، وإليهما الإشارة في الحديث بقوله: فإنه لا يرد شيئاً، والحالة الأولى تقارب الكفر: والثانية خطأ صريح. قال الحافظ: بل تقرب من الكفر، ثم نقل القرطبي عن العلماء حمل النهي في الخبر على الكراهة قال: والذي يظهر لي أنه على التحريم في حق من يخاف عليه ذلك الاعتقاد الفاسد فيكون إقدامه على ذلك محرماً والكراهة في حق من لم يعتقد ذلك. قال الحافظ: وهو تفصيل حسن، ويؤيده قصة ابن عمر راوي الحديث في النهي عن النذر فإنها في نذر المجازاة انتهى

(5/141)


11 ـ باب في وفاءِ النّذْر
1579 ـ حدثنا إسحاقُ بن منصورٍ أخبرنا يحيى بن سعيدٍ القَطّانُ عن عُبَيْدِ الله بن عُمَر عن نافعٍ عن ابنِ عمَر عن عُمَر قال: قلت يَا رسولَ الله إني كنتُ نَذَرْتُ أنْ أعْتَكِفَ لَيْلَة في المسجدِ الْحَرَام في الجاهِلَيّةِ، قال: "أوفِ بِنَذْرِكَ" .
ـــــــ
"باب في وفاءِ النّذْر"
قوله: "أوف بنذرك" زاد البخاري في رواية: فاعتكف ليلة.

(5/141)


وفي البابِ عن عبدِ الله بن عَمْرِو وابن عباسٍ.
حديثُ عُمرَ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، وقد ذهبَ بعضُ أهلِ الْعِلْمِ إلى هذا الحديثِ، قالوا إذا أسْلَمَ الرجُلُ وعليه نَذْرُ طاعَةٍ فَلْيَفِ بهِ.
وقال بعضُ أهلِ الْعِلْمِ من أصحابِ النبيّ صلى الله عليه وسلم وغيرِهم: لا اعتِكَافَ إلاّ بِصَوْمٍ. وقال آخَرُونَ مِن أهلِ الْعِلْمِ: ليس على المُعْتَكِفِ
ـــــــ
قوله: "وفي الباب عن عبد الله بن عمرو وابن عباس" أما حديث عبد الله بن عمرو فأخرجه أبو داود، وأما حديث ابن عباس فأخرجه ابن ماجه.
قوله: "وحديث عمر حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان.
قوله: "وقد ذهب بعض أهل العلم إلى هذا الحديث" قال الشوكاني: في حديث عمر رضي الله عنه دليل على أنه يجب الوفاء بالنذر من الكافر متى أسلم، وقد ذهب إلى هذا بعض أصحاب الشافعي، وعند الجمهور لا ينعقد نذر الكافر، وحديث عمر حجة عليهم، وقد أجابوا عنه بأن النبي صلى الله عليه وسلم لما عرف بأن عمر قد تبرع بفعل ذلك أذن له لأن الاعتكاف طاعة، ولا يخفى ما في هذا الجواب من المخالفة للصواب، وأجاب بعضهم بأنه صلى الله عليه وسلم أمره بالوفاء استحباباً بقوله فاعتكف ليلة على جواز الاعتكاف بغير صوم، لأن الليل ليس بوقت صوم، وقد أمره صلى الله عليه وسلم أن يفي بنذره على الصفة التي أوجبها. وتعقب بأن في رواية لمسلم يوماً بدل ليلة، وقد جمع ابن حبان وغيره بأن نذر اعتكاف يوم وليلة، فمن أطلق ليلة أراد بيومها، ومن أطلق يوماً أراد بليلته، وقد ورد الأمر بالصوم في رواية أبي داود والنسائي بلفظ: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: "اعتكف وصم" أخرجه أبي داود والنسائي من طريق عبد الله بن بديل ولكنه ضعيف، وقد ذكر ابن عدي والدارقطني أنه تفرد بذلك عن عمرو بن دينار. قال في الفتح: ورواية من روى يوماً شاذة، وقد وقع في رواية سليمان بن بلال عند البخاري فاعتكف ليلة، فدل أنه لم يزد على نذره شيئاً، وأن الاعتكاف لا صوم فيه، وأنه لا يشترط له حد معين "وقال بعض أهل العلم

(5/142)


صَوْمٌ إلا أن يُوجِبَ على نَفْسِهِ صَوْماً، واحْتَجّوا بحديثِ عُمَرَ أنهُ نَذَرَ أنْ يَعْتَكِفَ لَيْلَةً في الجاهِليةِ، فأَمَرَهُ النبيّ صلى الله عليه وسلم بالوَفَاءِ. وهو قولُ أحمدَ وإسحاقَ.
ـــــــ
من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم لا اعتكاف إلا بصوم" وهو قول أبي حنيفة ومالك والثوري والأوزاعي، واستدلوا على ذلك بحديث عائشة قالت: السنة على المعتكف أن لا يعود مريضاً الحديث، وفيه: ولا اعتكاف إلا بصوم، أخرجه أبو داود وفي الحديث كلام "وقال آخرون من أهل العلم: ليس على المعتكف صوم الخ" وأجابوا عن حديث عائشة المذكور بما فيه من الكلام، قال الشوكاني: وهذا هو الحق لا كما قاتل ابن القيم: إن الراجح عليه جمهور السلف، أن الصوم شرط في الاعتكاف، وقد روي عن علي وابن مسعود أنه ليس على المعتكف صوم إلا أن يوجبه على نفسه، ويدل على ذلك حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ليس على المعتكف صيام إلا أن يجعله على نفسه، رواه الدارقطني، وقال رفعه أبو بكر السوسي وغيره لا يرفعه، وأخرجه الحاكم مرفوعاً وقال صحيح الإسناد

(5/143)


12 ـ باب كيف كانَ يمينُ النبيّ صلى الله عليه وسلم
1580 ـ حدثنا عليّ بن حُجْرٍ أخبرنا عبدُ الله بن المبارَكِ و عبدُ الله بنُ جَعْفَرٍ عن موسَى بن عُقْبَةَ عن سالمِ بنِ عبدِ الله عن أبيهِ قال: "كثيراً ما كانَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يَحْلِفُ بِهَذِهِ اليَمِينِ: "لا وَمُقَلّبِ القُلُوبِ" .
ـــــــ
"باب كيف كانَ يمينُ النبيّ صلى الله عليه وسلم"
قوله: "لا ومقلب القلوب" لا لنفي الكلام السابق، ومقلب القلوب هو الضم المقسم به، والمراد بتقليب القلوب: تقليب أحوالها لا تقليب ذواتها، وفيه جواز تسمية

(5/143)


هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ
ـــــــ
الله بما ثبت من صفاته على وجه يليق به. قال القاضي أبو بكر ابن العربي: في الحديث جواز الحلف بأفعال الله تعالى إذا وصف بها ولم يذكر اسمه تعالى، وفرق الحنفية بين القدرة والعلم فقالوا: إن من حلف بقدرة الله تعالى انعقدت يمينه، وإن حلف بعلم الله تعالى لم تنعقد لأن العلم يعبر به عن المعلوم كقوله تعالى: {هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا} ، والجواب أنه هنا مجاز إن سلم أن المراد به المعلوم والكلام إنما هو في الحقيقة. قال الراغب: تقليب الله القلوب والأبصار صرفها عن رأي إلى رأي، قال: ويعبر عن القلب عن المعاني التي تختص به من الروح والعلم والشجاعة.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" أخرجه الجماعة إلا مسلماً

(5/144)


13ـ باب في ثوابِ مَن أعْتَقَ رقَبة
1581ـ حدثنا قُتَيْبَةُ حدثنا اللّيْثُ عن ابنِ الهادِ عن عُمَرَ بنِ عليّ بنِ الحسينِ بن علي بن أبي طالب عن سعيدِ بن مَرْجانَةَ، عن أبي هريرةَ قال: سَمِعْتُ رسولَ الله
ـــــــ
"باب في ثواب من أعتق رقبة"
ذكر الترمذي في هذا الباب حديث أبي هريرة في ثواب العتق ثم عقد فيما بعد باباً آخر بلفظ: باب ما جاء في فضل من أعتق، وذكر فيه حديث أبي أمامة رضي الله عنه في فضل العتق، والظاهر أن في هذا تكرار بلا فائدة، ولو عقد واحداً من هذين البابين وأورد فيه هذين الحديثين كما فعل صاحب المنتقى لكان أحسن قوله: "عن عمر بن علي بن الحسين" بن علي بن أبي طالب الهاشمي المدني صدوق فاضل "عن سعيد بن مرجانة" هو ابن عبد الله على الصحيح ومرجانة أمه حجازي، وزعم الذهلي أنه ابن يسار، ثقة فاضل من الثالثة.

(5/144)


صلى الله عليه وسلم يقولُ: "مَنْ أعْتَقَ رقَبَةً مُؤْمِنَةً أعْتَقَ الله منهُ بِكُلّ عُضْوٍ مِنْهُ عُضْواً مِنَ النارِ، حتّى يُعْتِقَ فَرْجَهُ بِفَرْجِهِ" .
قال وفي البابِ عن عائشةَ وعمرِو بن عَبَسَةَ وابن عباسٍ وواثِلَةَ بن الأسْقَعِ وأبي أُمَامَة وعقبةَ بن عامرٍ وكَعْبِ بن مُرّةَ.
حديثُ أبي هُرَيْرَةَ هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ مِن الوجهِ. وابنُ الهادِ
ـــــــ
قوله: "من أعتق رقبة مؤمنة" هذا مقيد لباقي الروايات المطلقة، فلا يستحق الثواب المذكور إلا من أعتق رقبة مؤمنة "أعتق الله" من باب المشاكلة والمراد أنجاه الله "منه" أي من العتق بالكسر "بكل عضو منه" أي من المعتق بالفتح، والمعنى أنجى الله تعالى بكل عضو من المعتق بالفتح عضواً من المعتق بالكسر من النار "حتى يعتق" أي الله سبحانه وتعالى "فرجه" بالنصب أي فرج المعتق بالكسر "بفرجه" أي بفرج المعتق بالفتح. واستشكله ابن العربي فقال: الفرج لا يتعلق به ذنب يوجب النار إلا الزنا، فإن حمل على ما يتعاطى من الصغائر كالمفاخذة لم يشك عتقه من النار بالعتق، وإلا فالزنا كبيرة لا تكفر إلا بالتوبة. قال: فيحتمل أن يكون المراد أن العتق يرجح عند المؤازاة بحيث يكون مرجحاً لحسنات المعتق ترجيحاً يوازي سيئة الزنا انتهى. قال الحافظ: ولا اختصاص لذلك بالفرج، بل يأتي في غيره من الأعضاء، كاليد في الغصب مثلاً انتهى.
قوله: "وفي الباب عن عائشة وعمرو بن عبسة وابن عباس وواثلة بن الأسقع وأبي أمامة وكعب بن مرة وعقبة بن عامر" وأما حديث عائشة فلينظر من أخرجه. وأما حديث عمرو بن عبسة بفتح العين المهملة والموحدة والسين المهملة، فأخرجه أبو داود. وأما حديث ابن عباس فلينظر من أخرجه. وأما حديث واثلة فأخرجه الحاكم. وأما حديث أبي أمامة فأخرجه الترمذي وسيأتي. وأما حديث كعب بن مرة فأخرجه أحمد وأبو داود. وأما حديث عقبة بن عامر فأخرجه الحاكم.
"حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه" وأخرجه البخاري ومسلم.

(5/145)


اسمُهُ: يزيدُ بن عبدِ الله بن أُسامَةَ بن الْهَادِ وهو مدنيّ ثِقَةٌ. قد رَوَى عنه مالكُ بن أنسٍ وغيرُ واحدٍ مِنْ أهلِ الْعِلْمِ.
ـــــــ
قوله: "وهو مديني ثقة" قال الحافظ ثقة مكثر

(5/146)


14ـ باب في الرّجُلِ يَلْطِمُ خَادِمَه
1582ـ حدثنا أبُو كُرَيْبٍ حدثنا المحَارِبيّ عن شُعْبَةَ عن حُصَيْنٍ عن هلالِ بن يسَافٍ عن سُوَيْدٍ بن مُقَرّنٍ المُزَنِيّ قال: "لَقَدْ رَأَيْتُنَا سَبْعة إخْوَةٍ ما لنا خَادِمٌ إلاّ وَاحِدةٌ فَلَطَمَهَا أحَدُنَا، فأَمرَنا النبيّ صلى الله عليه وسلم أن نُعْتِقَهَا".
قال وفي البابِ عن ابنِ عُمَرَ.
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
وقد رَوَى غيرُ واحدٍ هذا الحديثَ عن حُصَيْنِ بنِ عبدِ الرحمَنِ. فذَكَرَ بعضُهم في الحديثِ قال: لَطَمَهَا على وَجْهِهَا.
ـــــــ
"باب في الرجل يلطم خادمه"
في القاموس: اللطم ضرب الخد وصفحة الجسد بالكف مفتوحة لطمة يلطمه، وفي الصراح: لطم طابنجة زدن من باب ضرب يضرب "ما لنا خادم إلا واحدة" لفظ الخادم يطلق على الغلام والجارية. قال في القاموس: خدمه يخدمه ويخدمه خدمة، فهو خادم وخادمة "فأمرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن نعتقها" فيه حث على الرفق بالمماليك، وأجمع المسلمون على أن عتقه بهذا ليس بواجب، وإنما هو مندوب كفارة ذنبه فيه وإزالة إثم ظلمه قاله الطيبي
قوله: "وفي الباب عن ابن عمر" أخرجه مسلم عنه مرفوعاً: "من ضرب غلاماً له حداً لم يأته أو لطمه فإن كفارته أن يعتقه .
قوله: "وهذا حديث حسن صحيح" وأخرجه مسلم من طرق

(5/146)


15 ـ باب
1583 ـ حدثنا أحمدُ بن مَنِيعٍ حدثنا إسحاقُ بن يوسفَ الأزْرَقُ عن هِشَامٍ الدّسْتوائيّ عن يحيى بن أبي كثيرٍ عن أبي قِلاَبَةَ عن ثابتِ بن الضّحّاكِ قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ حَلَفَ بِمِلّةٍ غَيْرِ الإسلامِ كاذباً فهو كما قالَ" .
ـــــــ
"باب"
وفي بضع النسخ باب ما جاء في كراهية الحلف بغير ملة الإسلام، وفي بعضها باب ما جاء فيمن حلف بملة غير ملة الإسلام.
قوله: "عن ثابت بن الضحاك" هو أبو زيد الأنصاري الخزرجي كان ممن بايع تحت الشجرة في بيعة الرضوان وهو صغير ومات في فتنة ابن الزبير.
قوله: "من حلف بملة" بكسر الميم وتشديد اللام: الدين والشريعة، وهي نكرة في سياق الشرط، فتعمه جميع الملل كاليهودية والنصرانية والدهرية ونحوها "غير الإسلام" بالجر صفة ملة "كاذباً" أي في حلفه "فهو كما قال" قال في الفتح: يحتمل أن يكون المراد بهذا الكلام التهديد والمبالغة في الوعيد لا الحكم، كأن قال فهو مستحق مثل عذاب من اعتقد ما قال، ونظيره من ترك الصلاة فقد كفر، أي استوجب عقوبة من كفر. وقال ابن المنذري: ليس على إطلاقه في نسبته إلى أكفر، بل المراد أنه كاذب كذب المعظم لتلك الجهة، وقال: اختلف فيمن قال الكفر بالله ونحوه إن فعلت ثم فعل، فقال ابن عباس وأبو هريرة وعطاء وقتادة وجمهور فقهاء الأمصار: لا كفارة عليه ولا يكون كافراً إلا إن أضمر ذلك بقلبه. قال الأوزاعي والثوري والحنفية وأحمد وإسحاق: هو يمين وعليه الكفارة. قال ابن المنذر: والأول أصح لقوله صلى الله عليه وسلم: "من حلف باللات والعزى فليقل لا إله إلا الله" ، ولم يذكر كفارة، زاد غيره: وكذا قال من حلف بملة سوى الإسلام فهو كما قال فأراد التغليظ في ذلك حتى لا يجترئ أحد عليه. قال ابن دقيق العيد: الحلف بالشيء حقيقة هو القسم به وإدخال بعض حروف القسم عليه كقوله

(5/147)


هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
وقد اختلفَ أهلُ العلمِ في هذا إذا حَلَفَ الرجلُ بملّةٍ سِوَى الاْسْلاَمِ، فقال هو يَهُودِيّ أو نَصْرَانِيّ إن فَعَلَ كذا وكذا، فَفَعَلَ ذَلِكَ الشّيءَ، فقالَ بعضُهم: قد أتَى عظيماً ولا كَفّارَةَ عَلَيْهِ. وهو قولُ أهلِ المدينةِ. وبه يقولُ مالكُ بن أنَسٍ. وإلى هذا القولِ ذَهبَ أبو عُبَيْدٍ. وقال بعضُ أهلِ العلمِ مِن أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم والتابعينَ وغيرِهم: عليه في ذلك الكَفّارَةُ. وهو قولُ سفيانَ وأحمدَ وإسحاقَ.
ـــــــ
والله، وقد يطلق على التعليق بالشيء يمين كقولهم: من حلف بالطلاق، فالمراد بتعليق الطلاق، وأطلق عليه الحلف لمشابهته لليمين في اقتضاء الحنث أو المنع. وإذا تقرر ذلك فيحتمل أن يكون المراد المعنى الثاني لقوله كاذباً، والكذب يدخل القضية الإخبارية التي يقع مقتضاها تارة، ولا يقع أخرى، وهذا بخلاف قولنا والله وما أشبهه، فليس الإخبار بها عن أمر خارجي بل هي لإنشاء القسم، فتكون صورة الحلف هنا على وجهين: أحدهما أن تتعلق بالمستقبل كقوله: إن فعل كذا فهو يهودي. والثاني تتعلق بالماضي كقوله: إن كان كاذباً فهو يهودي، وقد يتعلق بهذا من لم ير فيه الكفارة لكونه لم يذكر فيه كفارة بل جعل المرتب على كذبه قوله فهوكما قال. قال: ولا يكفر في صورة الماضي إلا إن قصد التعظيم وفيه خلاف عند الحنفية لكونه تنجيزاً معنى فصار كما قول قال هو يهودي، ومنهم من قال: إذا كان لا يعلم أنه يمين لم يكفر وإن كان يعلم أن يكفر بالحنث به كفر لكونه رضي بالكفر حيث أقدم على الفعل. وقال بعض الشافعية: ظاهر الحديث أنه يحكم عليه بالكفر إذا كان كاذباً. والتحقيق التفصيل، فإن اعتقد تعظيم ما ذكر كفر، وإن قصد حقيقة التعليق فينظر، فإن كان أراد أن يكون متصفاً بذلك كفر، لأن إرادة الكفر كفر، وإن أراد البعد عن ذلك لم يكفر، لكن هل يحرم عليه ذلك أو يكره تنزيهاً، الثاني هو المشهور كذا في النيل.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" أخرجه الجماعة إلا أبا داود

(5/148)


16- باب
1584ـ حدثنا محمودُ بن غَيْلانَ حدثنا وكيعٌ عن سفيانَ عن يحيَى بن سعيدٍ عن عُبَيْدِ الله بن زَحْرٍ عن أبي سعيدٍ الرعَيْنِيّ عن عبدِ الله بن مالكٍ اليَحْصبِيّ عن عُقبةَ بن عامرٍ قال: "قُلْتُ يَا رسولَ الله إنّ أُخْتِيَ نَذَرَتْ أنْ تَمْشِي إلى البيتِ حافِيَةً غيرَ مُخْتَمِرَةٍ، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: "إنّ الله لا يَصْنَعُ بِشَقَاءِ أُخْتِكَ شيئاً فلْتَرْكَبْ ولْتَخْتَمِرْ وَلْتَصُمْ ثلاثَةَ أيامٍ" .
قال وفي البابِ عن ابن عباسٍ.
وهذا حديثٌ حسنٌ. والعملُ على هذا عندَ بعضِ أهلِ الْعِلْمِ. وهو قولُ أحمدَ وإسحاقَ.
ـــــــ
"باب"
قوله: "عن عبيد الله بن زحر" بفتح الزاي وسكون المهملة الضمرى مولاهم الإفريقي صدوق يخطيء من السادسة "عن أبي سعيد الرعيني" براء مضمومة وعين مهملة مصغراً اسمه جعثل بضم الجيم، والمثلثة بينهما مهملة ساكنة ابن هاعان بتقديم الهاء القتباني بكسر القاف، وسكون المثناة بعدها موحدة المصري صدوق، فقيه من الرابعة "عن عبد الله بن مالك اليحصبي" بفتح التحتانية وسكون المهملة وفتح الصاد المهملة بعدها موحدة مصري صدوق من الثالثة.
قوله: "إلى البيت" أي إلى بيت الله "حافية" أي غير منتعلة "إن الله لا يصنع بشقاء أختك" بفتح الشين أي بتعبها ومشقتها "شيئاً" أي من الصنع، فإنه منزه من رفع الضرر وجلب النفع "فلتركب ولتختمر" . وفي رواية الشيخين: لتمش ولتركب. قال الحافظ في الفتح: وإنما أمر الناذر في حديث أنس أن تركب جزماً وأمر أخت عقبة أن تمشي وأن تركب، لأن الناذر في حديث أنس كان شيخاً ظاهر العجز، وأخت عقبة لم توصف بالعجز، فكأنه أمرها أن تمشي إن قدرت، وتركب إن عجزت انتهى.

(5/149)


ـــــــ
قلت: حديث أنس الذي أشار إليه الحافظ، قد مر في باب من يحلف بالمشي ولا يستطيع.

(5/150)


17- باب
1585 ـ حدثنا إسحاقُ بن منصورٍ حدثنا أبو المُغِيرَةِ حدثنا الأوزاعيّ حدثنا الزّهْرِيّ عن حُمَيْدِ بن عبدِ الرحمَنِ عن أبي هريرةَ قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ حَلَفَ مِنْكُمْ فقَالَ في حَلْفِه والّلات والعُزّى فَلْيَقُلْ لا إلهَ إلاّ الله، ومن قال: تَعَالَ أُقَامِرْكَ فَلْيَتَصَدّقْ" .
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وأبو المُغِيرةِ: هو الْخَوْلانِيّ الحمْصِيّ، واسمُهُ عبدُ القُدّوسِ بن الْحَجّاجِ.
ـــــــ

(5/150)


18 ـ باب قضاءِ النّذْر عن الميّت
1586 ـ حدثنا قُتَيْبَةُ حدثنا اللّيْثُ عن ابنِ شِهَابٍ عن عُبَيْدِ الله بن عبدِ الله بن عُتْبَةَ عن ابن عباسٍ: أنّ سَعْدَ بن عُبَادَةَ اسْتَفْتَى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم في نَذْر كان على أُمّهِ تُوُفّيَتْ قَبْلَ أنْ تَقْضِيَهُ، فقالَ النبيّ صلى الله عليه وسلم: "اقْضِه عنها" .
ـــــــ
"باب قضاءِ النّذْر عن الميّت"
قوله: "اقْضِه عنها" فيه دليل على قضاء الحقوق الواجبة عن الميت، وقد ذهب الجمهور إلى أن من مات وعليه النذر مالي، فإنه يجب قضاؤه من رأس ماله وإن لم يوص، إلا إن وقع النذر في مرض الموت فيكون من الثلث. وشرط المالكية والحنفية أن يوصي بذلك مطلقاً. قال القاضي عياض: اختلفوا في نذر أم سعد هذا، فقيل كان نذراً مطلقاً، وقيل كان صوماً، وقيل عتقاً، وقيل صدقة. واستدل كل قائل بأحاديث جاءت في قضية أم سعد والأظهر أنه كان نذراً في المال

(5/150)


باب ماجاء في فضل من أعتق
...
19 ـ باب ما جاءَ في فَضْلِ مَنْ أعْتَق
1587 ـ حدثنا محمدُ بن عبدِ الأَعْلَى حدثنا عِمْرَانُ بن عُيَيْنَةَ، هو أخو سُفيانَ بن عُيَيْنَةَ، عن حُصَيْنٍ عن سالمِ بن أبي الْجَعْدِ عن أبي أُمامةَ وغيرِهِ من أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "أَيّمَا امرئ مُسْلِمٍ أعْتَقَ امْرَأً مُسْلِماً كان فكاكه من النار يجزى كلّ عضوٍ من عضواً منه وأيّما امرئ مسلمٍ أعْتَقَ امْرَأَتَيْنِ مُسْلِمَتَيْنِ كانَتَا فِكَاكَهُ مِنَ النارِ يجزئ كُلّ عُضْوٍ مِنْهُمَا عُضْواً مِنْهُ. وأيّمَا امْرَأَةٍ مُسْلِمَةٍ أعْتَقَتْ امْرَأَة مُسْلِمَةً كانَتْ فِكَاكَهَا مِنَ النارِ يجزئ كُلّ عُضْوٍ مِنْهُا عُضْواً منها" .
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ منِ هذا الوجهِ
ـــــــ
"باب ما جاءَ في فَضْلِ مَنْ أعْتَق"
قوله: "حدثنا عمران بن عيينة" الكوفي صدوق له أوهام "عن حصين بالتصغير" ، هو ابن عبد الرحمن السلمي أبو الهذيل الكوفي ثقة، تغير حفظه في الاَخر.
قوله: "أيما امريء مسلم" فيه دليل على أن هذا الأجر مختص بمن كان من المعتقين مسلماً فلا أجر للكافر في عتقه إلا إذا انتهى أمره إلى الإسلام "أعتق امرأ مسلماً" فيه دليل على أن هذه مختص بمن أعتق أمرأ مسلماً. ولا خلاف

(5/151)


ـــــــ
في أن معتق الرقبة الكافرة مثاب على العتق، ولكنه ليس كثواب الرقبة المسلمة "كان فكاكه" بفتح الفاء وكسرها لغة أي خلاصة "يجزيء" بالهمزة من الإجزاء كذا في النسخ الحاضرة. وذكر صاحب المنتقى هذا الحديث وعزاه إلى الترمذي بلفظ: يجزي بغير الهمزة. قال الشوكاني في شرح المنتقى: قوله: يجزي بضم الياء وفتح الزاي غير مهموز، فالظاهر أن نسخ الترمذي مختلفة في هذا اللفظ. والحديث دليل على أن العتق من القرب الموجبة للسلامة من النار، وأن عتق الذكر أفضل من عتق الأنثى. وقد ذهب البعض إلى تفضيل عتق الأنثى على الذكر. واستدل على ذلك بأن عتقها يستلزم حرية ولدها سواء تزوجها حر أم عبد، ومجرد هذه المناسبة لا يصلح لمعارضة ما وقع التصريح به في الأحاديث من فكاك المعتق إما رجلاً أو امرأتين، وأيضاً عتق الأنثى ربما أفضى في الغالب إلى صياغها لعدم قدرتها على التكسب بخلاف الذكر. قال في الفتح: وفي قوله أعتق الله بكل عضو عضواً منه إشارة إلى أنه ينبغي ألا يكون في الرقبة نقصان لتحصيل الاستيعاب.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح غريب" ولأحمد ولأبي داود معناه من رواية كعب بن مرة أو مرة بن كعب السلمي وزاد فيه: وأيما امرأة مسلمة أعتقت امرأة مسلمة كانت فكاكها من النار يجزي بكل عضو من أعضائها عضواً من أعضائها

(5/152)