Contents

الواجهة
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد
مقدمة
باب الألف
باب الثاء
باب الجيم
باب الحاء
باب الخاء
باب الدال
باب الراء
باب الزاي
تابع باب الزاء
تابع لحرف الزاء
تابع لحرف الزاء
باب الطاء
باب الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع حرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
باب النون
باب الصاد
باب الضاد
باب العين
تابع لحرف العين
تابع حرف العين
تابع لحرف العين
تابع لحرف العين
باب القاف
باب السين
باب الشين
باب الهاء
باب الواو
باب الياء
تابع باب الياء
باب الكني
باب بلاغات مالك ومرسلاته
باب مافي هذا الديوان من حديث مالك الذي ثبتت عليه أبوابه خاصة
الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج
الديباج - جزء 1
الديباج - جزء 2
الديباج - جزء 3
الديباج - جزء 4
الديباج - جزء 5
الديباج - جزء 6
المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج
المنهاج - مقدمة
المنهاج - الإيمان
المنهاج - الطهارة
المنهاج - الحيض
المنهاج - الصَّلَاة
المنهاج - المساجد ومواضع الصلاة
المنهاج - صلاة المسافرين وقصرها
المنهاج - بَاب صَلَاة الْجُمُعَة
المنهاج - بَاب صَلَاة الْعِيدَيْنِ
المنهاج - بَاب الدُّعَاء فِي صَلَاة الِاسْتِسْقَاء
المنهاج - بَاب صَلَاة الْكُسُوف
المنهاج - كِتَاب الْجَنَائِز
المنهاج - الزكاة
المنهاج - كِتَاب الصِّيَام
المنهاج - كِتَاب الِاعْتِكَاف
المنهاج - كِتَاب الْحَجّ
المنهاج - كِتَاب النِّكَاح
المنهاج - الرضاعة
المنهاج - الطلاق
المنهاج - اللِّعَان
المنهاج - العتق
المنهاج - البيوع
المنهاج - المساقاة
المنهاج - الفرائض
المنهاج - الهبات
المنهاج - الوصية
المنهاج - النذر
المنهاج - الأيمان
المنهاج - القسامة
المنهاج - الحدود
المنهاج - الأقضية
المنهاج - اللقطة
المنهاج - الجهاد والسير
المنهاج - الإمارة
المنهاج - الصيد والذبائح
المنهاج - كِتَاب الْأَضْاحَي
المنهاج - الأشربة
المنهاج - اللباس والزينة
المنهاج - الآداب
المنهاج - السلام
المنهاج - الألفاظ من الأدب وغيرها
المنهاج - الشعر
المنهاج - الرؤيا
المنهاج - الفضائل
المنهاج - فضائل الصحابة
المنهاج - البر والصلة والآداب
المنهاج - القدر
المنهاج - العلم
المنهاج - الذكر والدعاء
المنهاج - التوبة
المنهاج - صفات المنافقين
المنهاج - صفة القيامة والجنة والنار
المنهاج - الجنة وصفة نعيمها وأهلها
المنهاج - الفتن وأشراط الساعة
المنهاج - الزهد والرقائق
المنهاج - التفسير
تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي
أبواب الطهارة
أبواب الصلاة
تابع أبواب الصلاة
أبواب الوتر
أبواب الجمعة
تابع لأبواب الجمعة
أبواب العيدين
أبواب السفر
ابواب الزكاة
أبواب الصوم
أبواب الحج
تابع أبواب الحج
أبواب الجنائز
أبواب النكاح
أبواب الرضاع
أبواب الطلاق واللعان
ابواب البيوع
أبواب الأحكام
أبواب الديات
ابواب الحدود
تابع أبواب الحدود
أبواب الصيد
أبواب الأضاحي
أبواب النذور والأيمان
أبواب السير
أبواب الجهاد
أبواب اللباس
أبواب الأطعمة
أبواب الأشربة
تابع أبواب الأشربة
أبواب البر و الصله عن رسول الله صلى الله عليه و آله سلم
أبواب الطب عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الفرائض عن الرسول صلى الله عليه و سلم
أبواب الوصايا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الولاء و الهبة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب القدر عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم
أبواب الفتن عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الرؤيا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الشهادات عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
تابع لأبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صِفَةُ القِيامَة
أبواب صفة الجنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صفة جهنم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإيمان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب العلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإستئذان والآداب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب العلم
أبواب الأمثال
أبواب فضائل القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب القراءات عن رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم
أبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الدعوات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أحاديث شتى من أبواب الدعوات
المناقب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
مناقب الصحابة رضوان الله عليهم
تنوير الحوالك شرح موطأ مالك
كتاب وقوت الصلاة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب السهو
كتاب الجمعة
كتاب الصلاة في رمضان
كتاب صلاة الليل
كتاب صلاة الجماعة
كتاب قصر الصلاة في السفر
كتاب العيدين
كتاب صلاة الخوف
كتاب صلاة الكسوف
كتاب الاستسقاء
كتاب القبلة
كتاب القرآن
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب الجهاد
كتاب النذور و الأيمان
كتاب الضحايا
كتاب الذبائح
كتاب الصيد
كتاب العقيقة
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الرضاع
كتاب البيوع
كتاب القراض
كتاب المساقاة - كتاب كراء الأرض
كتاب الشفعة - كتاب الأقضية
كتاب الوصية - كتاب العتق والولاء
كتاب المكاتب - كتاب المدبر
كتاب الحدود
كتاب الأشربة - كتاب العقول
كتاب القسامة - كتاب الجامع
كتاب القدر - كتاب حسن الخلق
كتاب اللباس - كتاب صفة النبي
كتاب العين - كتاب الشعر
كتاب الرؤيا - كتاب السلام
كتاب الاستئذان والتشميت والصور والتماثيل وغيرها
كتاب البيعة - كتاب الكلام والعينة والتقى
كتاب جهنم - كتاب الصدقة
كتاب العلم - كتاب دعوة المظلوم - كتاب أسماء النبي
حاشية السندي على سنن ابن ماجة
المقدمة
الطَّهَارَة وَسُنَنهَا
الصلاة
الْأَذَان
المساجد والجماعات
أَبْوَاب إِقَامَة الصَّلَاة
الجنائز
الصوم
الزكاة
النكاح
الطلاق
الكفارات
التجارات
الأحكام
الحدود
الديات
الوصايا
الْفَرَائِض
الجهاد
المناسك
الْأَضَاحِيّ
الذبائح
الصيد
الأطعمة
الأشربة
الطب
اللباس
الْآدَاب
الدُّعَاء
تعبير الرؤيا
الْفِتَن
الزُّهْد
شرح سنن ابن ماجه لمغلطاي
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح رياض الصالحين
شرح رياض الصالحين - 01
شرح رياض الصالحين - 02
شرح رياض الصالحين - 03
شرح رياض الصالحين - 04
شرح سنن أبي داود للعيني
مقدمة التحقيق
كتاب الطهارة
كِتابُ الصَلاَةِ
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
عون المعبود شرح سنن أبي داود
كتاب الطهارة
تابع كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
كتاب الزكاة
تابع لكتاب الزكاة
كتاب اللقطة
كتاب المناسك
تابع لكتاب المناسك
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الصيام
تابع لكتاب الصيام
أول كتاب الجهاد
أول كتاب الضحايا
تابع كتاب الضحايا
أول كتاب الصيد
أول كتاب الوصايا
أول كتاب الفرائض
أول كتاب الخراج والفيء والإمارة
أول كتاب الجنائز
تابع لكتاب الجنائز
كتاب الأيمان والنذور
كتاب البيوع
كتاب الإجارة
كتاب القضاء
تابع لكتاب القضاء
كتاب العلم
كتاب الأشربة
كتاب الأطعمة
كتاب الطب
كتاب الكهانة والتطير
كتاب العتق
أول كتاب الحروف والقراءات
أول كتاب الحمام
أول كتاب اللباس
أول كتاب الترجل
أول كتاب الخاتم
أول كتاب الفتن والملاحم
أول كتاب المهدي
أول كتاب الملاحم
أول كتاب الحدود
أول كتاب الديات
أول كتاب السنة
تابع لكتاب السنة
أول كتاب الأدب
أبواب السلام
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن حجر
فتح الباري - هدي الساري مقدمة فتح الباري
فتح الباري - كتاب بدء الوحي
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب العلم
فتح الباري - كتاب الوضوء
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
فتح الباري - كتاب مواقيت الصلاة
فتح الباري - كتاب الأذان
فتح الباري - كتاب الجمعة
فتح الباري - كتاب الخوف
فتح الباري - كتاب العيدين
فتح الباري - كتاب الوتر
فتح الباري - كتاب الاستسقاء
فتح الباري - كتاب الكسوف
فتح الباري - كتاب سجود القرآن
فتح الباري - كتاب تقصير الصلاة
فتح الباري - كتاب التهجد
فتح الباري - كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة
فتح الباري - كتاب العمل في الصلاة
فتح الباري - كتاب السهو
فتح الباري - كتاب الجنائز
فتح الباري - كتاب الزكاة
فتح الباري - كتاب الحج
فتح الباري - كتاب العمرة
فتح الباري - كتاب المحصر
فتح الباري - كتاب جزاء الصيد
فتح الباري - كتاب فضائل المدينة
فتح الباري - كتاب الصوم
فتح الباري - كتاب صلاة التراويح
فتح الباري - كتاب فضل ليلة القدر
فتح الباري - كتاب الإعتكاف
فتح الباري - كتاب البيوع
فتح الباري - كتاب السلم
فتح الباري - كتاب الشفعة
فتح الباري - كتاب الإجارة
فتح الباري - كتاب الحرث والمزارعة
فتح الباري - كتاب المساقاة
فتح الباري - كتاب الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس
فتح الباري - كتاب الخصومات
فتح الباري - كتاب اللقطة
فتح الباري - كتاب المظالم
فتح الباري - كتاب الشركة
فتح الباري - كتاب الرهن
فتح الباري - كتاب العتق
فتح الباري - كتاب المكاتب
فتح الباري - كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها
فتح الباري - كتاب الشهادات
فتح الباري - كتاب الصلح
فتح الباري - كتاب الشروط
فتح الباري - كتاب الوصايا
فتح الباري - كتاب الجهاد و السير
فتح الباري - كتاب فرض الخمس
فتح الباري - كتاب الجزية و الموادعة
فتح الباري - كتاب بدء الخلق
فتح الباري - كتاب أحاديث الأنبياء
فتح الباري - كتاب المناقب
فتح الباري - كتاب فضائل الصحابة
فتح الباري - كتاب مناقب الأنصار
فتح الباري - كتاب المغازي
فتح الباري - كتاب التفسير
فتح الباري - كتاب فضائل القرآن
فتح الباري - كتاب النكاح
فتح الباري - كتاب الطلاق
فتح الباري - كتاب النفقات
فتح الباري - كتاب الأطعمة
فتح الباري - كتاب العقيقة
فتح الباري - كتاب الذبائح والصيد
فتح الباري - كتاب الأضاحي
فتح الباري - كتاب الأشربة
فتح الباري - كتاب المرضى
فتح الباري - كتاب الطب
فتح الباري - كتاب اللباس
فتح الباري - كتاب الأدب
فتح الباري - كتاب الإستئذان
فتح الباري - كتاب الدعوات
فتح الباري - كتاب الرقاق
فتح الباري - كتاب القدر
فتح الباري - كتاب الأيمان والنذور
فتح الباري - كتاب كفارات الأيمان
فتح الباري - كتاب الفرائض
فتح الباري - كتاب الحدود
فتح الباري - كتاب الديات
فتح الباري - كتاب استتابة المرتدين
فتح الباري - كتاب الإكراه
فتح الباري - كتاب الحيل
فتح الباري - كتاب التعبير
فتح الباري - كتاب الفتن
فتح الباري - كتاب الأحكام
فتح الباري - كتاب التمني
فتح الباري - كتاب أخبار الأحاد
فتح الباري - كتاب الإعتصام بالسنة
فتح الباري - كتاب التوحيد
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن رجب
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
مقدمة
خطبة الكتاب
كتاب الإيمان
كتاب العلم
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصوم
كتاب فضائل القرآن
كتاب الدعوات
كتاب المناسك
كتاب البيوع
كتاب الفرائض والوصايا
كتاب النكاح
كتاب العتق
كتاب القصاص
كتاب الديات
كتاب الحدود
كتاب الإمارة والقضاء
كتاب الجهاد
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأطعمة
كتاب اللباس
كتاب الطب والرقى
كتاب الرؤيا
كتاب الآداب
كتاب الرقاق
كتاب الفتن
كتاب صفة القيامة والجنة والنار
كتاب الفضائل والشمائل
كتاب المناقب

 
عودة لموقع هاني الطنبور
هاني الطنبور
الصفحة السابقة الصفحة التالية
 
 

 

تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي

أبواب السير
باب ماجاء في الدعوة قبل القتال
...
ـ أبواب السير
1 ـ باب ما جاءَ في الدّعْوَةِ قَبْلَ القِتَال
1588 ـ حدثنا قُتَيْبَةُ حدثنا أبو عَوَانَةَ عن عَطَاءَ بن السّائِبِ عن أبي البَخْتَرِيّ "أنّ جَيْشاً مِن جُيُوشِ المُسْلمينَ كان أمِيرَهُمْ سَلْمَانُ الفَارِسِيّ
ـــــــ
"أبواب السير"
السير بكسر المهملة وفتح التحتانية: جمع سيرة، وأطلق ذلك على أبواب الجهاد لأنها متلقاة من أحوال النبي صلى الله عليه وسلم في غزواته.
"باب ما جاءَ في الدّعْوَةِ قَبْلَ القِتَال"
قوله: "عن أبي البختري" بفتح الموحدة والمثناة بينهما خاء معجمة ساكنة

(5/152)


حَاصَرُوا قَصْراً مِن قُصُورِ فَارِسَ، فقالوا يا أبا عبدِ الله ألا نَنْهَدُ إليهم، قال: دَعُونِي أدْعُوهُم كما سَمِعْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يَدْعُوهُم، فأَتَاهُم سَلْمَان فقال لهم: إنّمَا أنَا رَجُلٌ مِنْكُمْ فَارِسيّ تَرَوْنَ العَرَبَ يُطِيعُونني، فإنْ أسْلَمْتُمْ فَلَكُمْ مِثْلُ الذي لنا، وعَلَيْكُمْ مِثْلُ الذي عَلَيْنَا، وإنْ أبَيْتُمْ إلاّ دِينَكُم تَرَكْنَاكُمْ عَلَيْهِ وأعطُونا الْجِزْيَةَ عَن يدٍ وأنتمُ صَاغِرُونَ. قالَ: وَرَطَنَ إليهم بالفارِسيّةِ وأنتمُ غَيْرُ مَحْمُودِينَ وإنْ أبَيْتُم نَابَذْنَاكُمْ على سَوَاء. قالوا: ما نَحْنُ بالّذِي نعطى الْجِزْيَةَ ولَكِنّا نقَاتِلكُمْ. فقالوا يا أبا عبدِ الله ألا نَنْهَدُ إليهم؟ قال: لا، قال: فدعاهم ثلاثةَ أيّامٍ إلى مِثْلِ هذا ثُمّ قال: انْهَدُوا إليهم، قال: فَنَهَدْنَا إليهم فَفَتَحْنَا ذَلِكَ القَصْرَ".
ـــــــ
اسمه سعيد بن منصور بن فيروز بن أبي عمران الطائي مولاهم الكوفي ثقة ثبت فيه تشيع قليل كثير الإرسال من الثالثة "ألا ننهد إليهم" أي لا ننهض إليهم "قال دعوني" أي اتركوني "أدعوهم كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوهم" أي إلى الإسلام، فإن أبوا فإلى إعطاء الجزية عن يد وهم صاغرون، فإن أبوا فإلى القتال "فإن أسلمتم فلكم مثل الذي لنا" أي من الغنيمة والفيء "وعليكم مثل الذي علينا" أي من أحكام المسلمين من الحدود ونحوها "وأعطونا الجزية عن يد" حال من الضمير أي عن يد مواتية بمعنى منقادين، أو عن يدكم بمعنى مسلمين بأيديكم غير باعثين بأيدي غيركم، أو عن غنى، ولذلك لا تؤخذ من الفقير، أو حال من الجزية بمعنى نقداً مسلمة عن يد إلى يد، أو عن إنعام عليكم، فإن إبقاءكم بالجزية نعمة عظيمة "وأنتم صاغرون" حال ثان من الضمير أي ذليلون "ورطن إليهم بالفارسية" أي تكلم فيها "وإن أبيتم نابذناكم على سواء" قال الجزري في النهاية: أي كاشفناكم وقاتلناكم على طريق مستقيم مستو في العلم بالمنابذة منا ومنكم بأن نظهر لهم العزم على قتالهم ونخبرهم به إخباراً مكشوفاً. والنبذ يكون بالفعل والقول

(5/153)


قال وفي البابِ عن بُرَيْدَةَ والنعمانِ بنِ مُقَرّنٍ وابنِ عُمَر وابنِ عباسٍ.
وحديثُ سلمانَ حديثٌ حسنٌ لا نعرِفُهُ إلاّ من حديثِ عَطَاءِ بن السّائِبِ.
وسَمِعْتُ محمداً يقولُ: أبو البَخْتَرِيّ لم يُدْرِكْ سلمانَ لأنه لمْ يُدْرِك عَلِيّا، وسلْمَانُ مات قَبْلَ عَلِيّ.
وقد ذَهَبَ بعضُ أهلِ الْعِلْمِ من أصحابِ النبيّ صلى الله عليه وسلم وغيرِهم إلى هذا ورَأَوْا أنْ يُدْعُوا قبلَ القِتَالِ. وهو قولُ إسحاقَ بنِ إبراهيمَ. قال: إن تَقَدّم إليهم في الدّعْوَةِ فَحَسَنٌ يكونُ ذلكَ أهْيَبَ.
وقالَ بعضُ أهلِ العِلْمِ: لا دَعْوَةَ اليومَ. وقال أحمدُ: لا أعْرِفُ اليومَ أحداً يُدْعَى. وقال الشافعيّ: لا يُقَاتَلُ الْعَدُوّ حتّى يُدْعَوْا إلاّ أن يَعْجَلُوا عن ذلك، فإنْ لَم يَفْعلْ فقد بلغَتْهم الدعوةُ.
ـــــــ
في الأجسام والمعاني، ومنه نبذ العهد: إذا أنقضه وألقاه إلى من كان بينه وبينه انتهى.
قوله: "وفي الباب عن بريدة الخ" أما حديث بريدة فأخرجه مسلم. وأما حديث النعمان فلينظر من أخرجه، وأما حديث ابن عمر فأخرجه مسلم، وأما حديث ابن عباس فأخرجه أحمد عنه قال: ما قاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم قوماً قط إلا دعاهم. وأخرجه الحاكم أيضاً. قال في مجمع الزوائد: أخرجه أحمد وأبو يعلى والطبراني ورجاله رجال الصحيح.
قوله: "وحديث سلمان حديث حسن" وأخرجه أحمد.
قوله: "ورأوا أن يدعوا" بصيغة المجهول أي العدو "وهو قول إسحاق بن إبراهيم" يعني إسحاق بن راهويه "وأن تقدم" بصيغة المجهول من التقدم "وقال بعض أهل العلم لا دعوة اليوم الخ" . قال الحافظ في الفتح: ذهب طائفة منهم عمر

(5/154)


ـــــــ
ابن عبد العزيز إلى اشتراط الدعاء إلى الإسلام قبل القتال، وذهب الأكثر إلى أن ذلك كان في بدء الأمر قبل انتشار دعوة الإسلام، فإن وجد من لم تبلغه الدعوة لم يقاتل حتى يدعي، نصل عليه الشافعي. وقال مالك: من قربت داره قوتل بغير دعوة لاشتهار الإسلام، ومن بعدت داره فالدعوة أقطع للشك. وروى سعيد بن منصور بإسناد صحيح عن أبي عثمان النهدي أحد كبار التابعين قال: كنا ندعو وندع، قال الحافظ: وهو منزل على الحالين المتقدمين انتهى

(5/155)


باب
1589ـ حدثنا محمدُ بن يَحْيى العَدَنِي الْمَكّيّ ويُكْنَى بأبي عبدِ الله الرجل الصالح هو ابن أبي عمر حدثنا سُفيَانُ بن عُيَيْنَةَ عن عبدِ الملكِ بن نَوْفَلِ بن مُساحِقٍ عن ابن عِصَامٍ المُزَنِيّ عن أبيه وكانت له صُحْبَةٌ قال: "كانَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إذا بَعَثَ جَيْشاً أو سَرِيّةً يقولُ لهم: "إذا رأيْتُمْ مَسْجِداً أو سَمِعْتُمْ مُؤَذّناً فلا تَقْتُلُوا أحداً" .
هذا حديثٌ غريبٌ. وهو حديثُ ابن عُيَيْنَةَ.
ـــــــ
"باب"
قوله: "إذا رأيتم مسجداً أو سمعتم مؤذناً" أي إذا حققتم علامة فعلية أو قولية من شعائر الإسلام "فلا تقتلوا أحداً" أي حتى تميزوا المؤمن من الكافر.
قوله: "هذا حديث حسن غريب" وأخرجه أبو داود

(5/155)


3 ـ باب في البَيَاتِ والْغَارات
1590 ـ حدثنا الأنصاري حدثنا مَعْنٌ حدثني مالكُ بن أنسٍ عن حُمَيْدٍ
ـــــــ
"باب في البَيَاتِ والْغَارات"
جمع الغارة، قال في مجمع البحار: تبييت العدو أن يقصد في الليل من غير أن

(5/155)


4 ـ باب في التحْرِيقِ والتخْريب
1592 ـ حدثنا قُتَيْبَةُ حدثنا اللّيْثُ عن نافعٍ عن ابن عُمرَ أنّ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم حَرّقَ نَخْلَ بَنِي النّضِيرِ وقَطَعَ، وهي البُوَيْرَةُ، فأنْزَلَ
ـــــــ
"باب في التحْرِيقِ والتخْريب"
قوله: "حرق" بتشديد الراء "نخل بني النضير وقطع" أي أمر بتحريق نخلهم وقطعها وهم طائفة من اليهود وقصتهم مشهورة مذكورة في كتب السير كالمواهب وفي تفسير سورة الحشر كالبغوي "وهي البويرة" بضم الموحدة وفتح الواو:

(5/157)


الله {ما قَطَعْتُمْ من لِينَةٍ أو تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ الله وَليُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ} .
وفي البابِ عن ابنِ عباسٍ. وهذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
وقد ذَهَبَ قَوْمٌ من أهلِ العلمِ إلى هذا ولم يَرَوْا بأْساً بِقَطْعٍ الأشجَارِ وتَخْرِيبِ الْحُصُونِ. وَكَرِهَ بعضُهم ذلك، وهو قولُ الأوْزَاعِيّ. قال الأوْزَاعِيّ: ونَهَى أبو بَكْرٍ الصّدّيقُ يزيد أنْ يقْطَعَ شجراً مُثْمِراً أو يُخَرّبَ عامراً وعمِلَ بذلكَ المُسْلِمُونَ بعدَه.
ـــــــ
موضع نخل لبني النضير {ما قَطَعْتُمْ من لِينَةٍ} أي أي شيء قطعتم من نخله {أو تَرَكْتُمُوهَا} الضمير لما وتأنيثه لأنه مفسر باللينة "قائمة على أصولها" أي لم تقطعوها {فَبِإِذْنِ الله} أي فبأمره وحكمه المقتضى للمصلحة والحكمة {وَليُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ} أي وفعتلم أو أذن لكم في القطع بهم ليجزيهم على فسقهم. واستدل به على جواز هدم ديار الكفار وقطع أشجارهم زيادة لغيظهم. قال النووي: اللينة المذكورة في القرآن هي أنواع التمر كلها إلا العجوة. وقيل كرام النخل، وقيل كل النخل، وقيل كل الأشجار، وقيل إن أنواع نخل المدينة مائة وعشرون نوعاً.
قوله: "وفي الباب عن ابن عباس" لينظر من أخرجه.
قوله: "وهذا حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان.
قوله: "وقد ذهب قوم من أهل العلم إلى هذا الخ" قال القاري: وفي هذا الحديث جواز قطع شجر الكفار وإحراقه، وبه قال الجمهور، وقيل لا يجوز. قال ابن الهمام: يجوز ذلك لأن المقصود كبت أعداء الله وكسر شوكتهم وبذلك هذا يحصل ذلك فيفعلون ما يمكنهم من التحريق وقطع الأشجار وإفساد الزرع. لكن إذا لم يغلب على الظن أنهم مأخوذون بغير ذلك، فإن كان الظاهر أنهم مغلوبون وأن الفتح باد كره ذلك لأنه إفساد في غير محل الحاجة وما أبيح إلا لها انتهى.
قوله: "وكره بعضهم ذلك وهو قول الأوزاعي. قال الأوزاعي: ونهى أبو بكر الصديق أن يقطع شجراً مثمراً أو يخرب عامراً، وعمل بذلك المسلمون بعده" . قال

(5/158)


باب ماجاء في الغنيمة
...
5ـ باب ما جاءَ في الْغَنِيمَة
1593ـ حدثنا محمدُ بنِ عُبَيْدٍ المُحَارِبيّ، حدثنا أسْبَاطُ بنُ محمدٍ عن سُلَيْمانَ التّيْمِيّ عن سَيّارٍ عن أبي أُمَامَةَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله فَضّلَنِي على الأنْبِيَاءِ، أو قال أُمّتِي على الأمَمِ، وأحَلّ لنا الغَنَائِمَ" .
ـــــــ
"باب ما جاءَ في الْغَنِيمَة"
قوله: "عن سيار" بمهملة بعدها تحتانية مشددة وآخره راء.
قوله: "أو قال أمتي على الأمم" أو للشك، أي إما قال فضلني على الأنبياء أو قال فضل أمتي على الأمم "وأحل لنا الغنائم" قال الخطابي: كان من تقدم

(5/159)


6ـ باب في سَهْمِ الْخَيْل
1595ـ حدثنا أحمدُ بنُ عَبْدَةَ الضّبّيّ و حُمَيدُ بن مَسْعَدَةَ قالا: حدثنا سُلَيْمُ بنُ أخْضَرَ عن عُبَيْدِ الله بنِ عُمر عن نافِعٍ عن ابنِ عُمَرَ أنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قَسمَ في النّفْلِ للفَرَسِ بِسَهْمَيْنِ وللرجُلِ بِسَهْمٍ".
ـــــــ
"باب في سَهْمِ الْخَيْل"
قوله: "قسم في النفل" أي الغنيمة، قال في النهاية: النفل بالتحريك الغنيمة وجمعه أنفال "وللرجل بسهم" ، المراد من الرجل صاحب الفرس، والمعنى

(5/162)


1596- حدثنا محمدُ بن بَشّارٍ حدثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مَهْدِي عن سُلَيْمِ بنِ أخْضَرَ نحوَه.
وفي البابِ عن مُجَمّعِ بن جاريةَ وابن عباسٍ وابنِ أبي عَمْرَةَ عن أبيهِ. وهذا حديثُ ابنِ عُمَرَ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. والعملُ على هذا عِنْدَ أكثر أهلِ العلمِ من أصحابِ النبيّ صلى الله عليه وسلم وغيرِهم. وهو قولُ سُفيَانَ الثوريّ والأوزاعيّ ومالكِ بن أنَسٍ وابنِ المبارَكِ والشافعيّ وأحمدَ وإسحاقَ
ـــــــ
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطى الفارس ثلاثة أسهم، سهماً له وسهمين لفرسه، يدل عليه رواية أحمد وأبي داود بلفظ: أسهم للرجل ولفرسه ثلاثة أسهم، سهم له وسهمان لفرسه، وفي لفظ: أسهم للفرس سهمين وللرجل سهماً متفق عليه.
قوله: "وفي الباب عن مجمع بن جارية وابن عباس وابن أبي عمرة عن أبيه" أما حديث مجمع وهو بضم الميم الأولى وفتح الجيم وكسر الميم الثانية المشددة، فأخرجه أحمد وأبو داود عنه قال: قسمت خيبر على أهل الحديبية فقسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم على ثمانية عشر سهماً، وكان الجيش ألفاً وخمسمائة فيهم ثلاثة مائة فارس، فأعطى الفارس سهمين والراجل سهماً. وقال أبو داود: إن حديث ابن عمر أصح قال: وأتى الوهم في حديث مجمع أنه قال ثلاث مائة فارس وإنما كانوا مائتي فارس. وأما حديث ابن عباس فأخرجه الدارقطني عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قسم لمائتي فرس بخيبر سهمين سهمين. وأما حديث ابن أبي عمرة عن أبيه فأخرجه أحمد وأبو داود عنه قال: أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة نفر ومعنا فرس، فأعطى كل إنسان منا سهماً وأعطى الفرس سهمين، واسم هذا الصحابي عمرو بن محسن كذا في المنتقى.
قوله: "وحديث ابن عمر حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان، وله ألفاظ في الصحيحين وغيره.

(5/163)


قالوا: للفارِسِ ثلاثةُ أسْهُمٍ، سَهْمٌ له وسهمانِ لفَرَسِهِ، وللراجِلِ سَهْمٌ.
ـــــــ
قوله: "قالوا للفارس ثلاثة أسهم: سهم له وسهماً لفرسه، وللراجل سهم" وهو قول أبي يوسف ومحمد صحابي أبي حنيفة، وهو القول الراجح، واحتجوا بحديث ابن عمر المذكور في الباب وما في معناه.
وقال أبو حنيفة رحمه الله: للفارس سهمان وللراجل سهم، واستدل له بما رواه أحمد بن منصور الرمادي عن أبي بكر بن أبي شيبة عن أبي أسامة وابن نمير كلاهما عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر فيما أخرجه الدارقطني بلفظ: أسهم للفارس سهمين.
وأجاب الحافظ في الفتح عن ذلك بأنه لا حجة فيه، لأن المعنى أسهم للفارس بسبب فرسه سهمين غير سهمه المختص به، وقد رواه ابن أبي شيبة في مصنفه ومسنده بهذا الإسناد فقال للفرس. وكذلك أخرجه ابن أبي عاصم في كتاب الجهاد له عن أبي شيبة، وكأن الرمادي رواه بالمعنى. وقد أخرجه أحمد عن أبي أسامة وابن نمير معاً بلفظ: أسهم للفرس، وعلى هذا التأويل أيضاً يحمل ما رواه نعيم بن حماد عن ابن المبارك عن عبيد الله مثل رواية الرمادي، أخرجه الدارقطني. وقد رواه علي بن الحسن بن شقيق وهو أثبت من نعيم عن ابن المبارك بلفظ: أسهم للفرس.
واستدل له أيضاً بحديث مجمع بن جارية الذي أشار إليه الترمذي وذكرنا لفظه وفيه: فأعطى الفارس سهمين والراجل سهماً.
وأجاب عنه الحافظ بأن في إسناده ضعفاً، ولو ثبت يحمل على ما تقدم لأنه يحتمل الأمرين، والجمع بين الروايتين أولى ولا سيما والأسانيد الأولى أثبت ومع رواتها زيادة علم. وأصرح من ذلك ما أخرجه أبو داود من حديث أبي عمرة أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى للفرس سهمين، ولكل إنسان سهماً، فكان للفارس ثلاثة أسهم، وللنسائي من حديث الزبير أن النبي صلى الله عليه وسلم ضرب له أربعة أسهم سهمين لفرسه وسهماً له وسهماً لقرابته. وقد استدل لأبي حنيفة بدلائل أخرى لا يخلو واحد منها عن كلام قادح للاستدلال

(5/164)


باب ماجاء في السرايا
...
7 ـ باب ما جاءَ في السّرَايَا
1597 ـ حدثنا محمدُ بن يحيى الأزديّ البَصْرِيّ و أبو عَمّارٍ وغيرُ واحدٍ قالوا حدثنا وَهْبُ بن جَرِيرٍ عن أبيهِ عن يونُسَ بن يَزِيدَ عن الزّهْرِيّ عن عُبَيْدِ الله بن عبدِ الله بنِ عُتْبَةَ، عن ابنِ عباسٍ قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "خَيْرُ الصّحَابَةِ أرْبَعَةٌ، وَخَيْرُ السّرَايا أرْبَعُمَائَةٍ، وخَيْرُ الْجُيُوشِ أرْبَعَةُ آلافٍ، ولا يُغلَبُ اثنا عشَرَ ألفاً مِنْ قِلةٍ" .
ـــــــ
"باب ما جاءَ في السّرَايَا"
جمع السرية وهي قطعة من الجيش. قال في النهاية السرية هي طائفة من الجيش يبلغ أقصاها أربع مائة تبعث إلى العدو، وجمعها السرايا، سموا بذلك لأنهم يكونون خلاصة العسكر وخيارهم من الشيء السري النفيس
قوله: "خير الصحابة" بالفتح جمع صاحب ولم يجمع فاعل على فعالة غير هذا كذا في النهاية "أربعة" أي ما زاد عن ثلاثة، قال أبو حامد: المسافر لا يخلو عن رحل يحتاج إلى حفظه، وعن حاجة يحتاج إلى التردد فيها، ولو كانوا ثلاثة لكان المتردد، واحداً فيبقى بلا رفيق، فلا يخلو عن خطر وضيق قلب، لفقد الأنيس، ولو تردد اثنان كان الحافظ وحده، قال المظهر: يعني الرفقاء إذا كانوا أربعة خير من أن يكونوا ثلاثة، لأنهم إذا كانوا ثلاثة، ومرض أحدهم، وأراد أن يجعل أحد رفيقيه وصى نفسه، لم يكن هناك من يشهد بإمضائه إلا واحد، فلا يكفي، ولو كانوا أربعة كفى شهادة اثنين. ولأن الجمع إذا كانوا أكثر يكون معاونة بعضهم بعضاً أتم، وفضل صلاة الجماعة أيضاً أكثر، فخمسة خير من أربعة وكذا كل جماعة خير ممن هو أقل منهم لا ممن فوقهم "وخير السرايا أربعمائة، وخير الجيوش أربعة آلاف، ولا يغلب" بصيغة المجهول أي لا يصير مغلوباً "اثنا عشر ألفاً" قال الطيبي: جميع قرائن الحديث دائرة على الأربع واثنا عشر ضعفاً أربع، ولعل الإشارة بذلك إلى الشدة والقوة واشتداد ظهرانيهم تشبيهاً بأركان البناء،

(5/165)


هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ لا يسْندهُ كبيرُ أحدٍ غَيْرُ جَرِيرِ بن حَازِمٍ وإنّمَا رُوِيَ هذا الحديثُ عن الزّهْرِيّ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم مُرْسَلاً. وقد رَوَاهُ حِبّانُ بن علي الْعَنزِيّ عن عُقَيْلٍ عن الزّهْرِيّ عن عُبَيْدِ الله بنِ عبدِ الله عن ابنِ عباسٍ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم. ورَوَاهُ اللّيْثُ بن سعدٍ عن عُقَيْلٍ عن الزّهْرِيّ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم مُرْسَلاً.
ـــــــ
وقوله من قلة معناه أنهم صاروا مغلوبين لم يكن للقلة بل لأمر آخر سواها، وإنما لم يكونوا جيش قوبل بالميمنة أو الميسرة أو القلب فليكفها، ولأن الجيش الكثير المقاتل منهم بعضهم، وهؤلاء كلهم مقاتلون. ومن ذلك قول بعض الصحابة يوم حنين، وكانوا اثني عشر ألفاً لن نغلب اليوم من قلة، وإنما غلبوا من إعجاب منهم، قال تعالى: {وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً} وكان عشرة آلاف من أهل المدينة وألفان من مسملي فتح مكة.
قوله: "هذا حديث حسن غريب" وأخرجه أبو داود والدارمي والحاكم وسكت عنه أبو داود، واقتصر المنذري في مختصر السنن على نقل كلام الترمذي، وقال الحاكم هذا إسناد صحيح على شرط الشيخين.
قوله: "وقد رواه حبان بن علي العتري" بفتح العين والنون ثم زاي، أبو علي الكوفي ضعيف من الثامنة

(5/166)


باب من يعطي الفئ
...
8 ـ باب مَنْ يُعْطَى الْفَيْء
1598 ـ حدثنا قُتَيْبَةُ، حدثنا حاتمُ بنُ إسماعيلَ عن جعفرِ بنِ محمدٍ
ـــــــ
"باب مَنْ يُعْطَى الْفَيْء"
قال في النهاية: الفيء هو ما حصل المسلمين من أموال الكفار من غير حرب ولا جهاد، وأصل الفيء الرجوع كأنه كان في الأصل لهم فرجع إليهم انتهى.
والظاهر أن المراد من الفيء هنا مال الغنيمة.

(5/166)


عن أبيه عن يزيدَ بن هُرْمَز: "أنّ نَجْدَةَ الْحَرُورِي كَتَبَ إلى ابنِ عباسٍ يَسْأَلهُ هَل كانَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يَغْزُو بالنّسَاءِ؟ وهل كانَ يَضْرِبُ لَهُنّ بِسَهْمٍ؟ فكتَبَ إليه ابنُ عباسٍ: كَتَبْتَ إلَيّ تَسْأَلُنِي هَل كانَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يَغْزُو بالنّسَاءِ، وكانَ يَغْزُو بِهِنّ فيُدَاوِينَ المَرْضَى ويُحْذَينَ من الغَنِيمَةِ، وأمّا بسَهْمٍ فَلَمْ يَضْرِبْ لَهُنّ بِسَهْمٍ".
وفي البابِ عن أنسٍ وأُمّ عَطِيّةَ.
وهذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، والعملُ على هذا عندَ أكثر أهلِ العلمِ وهو قولُ سفيانَ الثوريّ والشافعيّ. وقال بعضُهم: يُسْهِمُ للمرأةِ والصّبيّ وهو قولُ الأوزاعيّ.
ـــــــ
قوله: "عن يزيد بن هرمز" المدني مولى بني ليث، وهو غير يزيد الفارسي على الصحيح وهو والد عبد الله ثقة من الثالثة "أن نجدة" بفتح النون وسكون الجيم بعدها دال مهملة "الحروري" نسبة إلى قرية حروراء بفتح حاء مهملة وضم راء أولى مخففة وكسر ثانية، وبينهما واو ساكنة وبالمد هي قرية بالكوفة: ونجدة هذا هو ابن عامر الحنفي الخارجي وأصحابه يقال لهم النجدان محركة.
قوله: "يحذين" بصيغة المجهول من الحذو بالحاء المهملة والذال المعجمة، أي يعطين، قال في القاموس: الحذوة بالكسر العطية "وأما يسهم بصيغة المعلوم من الإسهام" ، والحديث دليل على أن النساء إذا حضرت القتال مع الرجال لا يسهم لهن بل يعطين شيئاً من الغنيمة.
قوله: "وفي الباب عن أنس وأم عطية" لينظر من أخرج حديثهما.
قوله: "وهذا حديث حسن صحيح" وأخرجه أحمد ومسلم وأبو داود.
قوله: "والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم الخ" وهو الأقوى دليلاً "وقال بعضهم يسهم للمرأة والصبي وهو قول الأوزاعي" قال الخطابي: إن الأوزاعي قال يسهم لهن، قال وأحسبه ذهب إلى هذا الحديث يعني حديث حشرج بن زياد وإسناده ضعيف لا تقوم به حجة انتهى وحديث حشرج أخرجه أحمد وأبو داود

(5/167)


قال الأوزاعيّ: وأسْهَمَ النبيّ صلى الله عليه وسلم للصّبْيَان بِخَيْبَرَ وأسْهَمَتْ أئمّةُ المسلمينَ لكُلّ مَوْلُودٍ وُلِدَ في أرْضِ الْحَرْبِ قال الأوزاعيّ: وأسْهَمَ النبيّ صلى الله عليه وسلم للنّسَاء بِخَيْبَرَ، وأخَذَ بذلكَ المسلِمُونَ بعدَهُ.
1599-حدثنا بذلكَ علي بن خَشْرَمٍ، حدثنا عيسى بن يونسَ عن الأوزاعيّ بهذَا. ومَعْنَى قولِهِ ويُحْذَيْنَ مِنَ الْغَنِيمَةِ يقولُ يُرْضَخُ لَهُنّ بشيء من الغَنِيمَةِ يُعْطِينَ شَيْئاً.
ـــــــ
عنه عن جدته أم أبيه أنها خرجت مع النبي صلى الله عليه وسلم غزوة خيبر سادس ست نسوة، فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم فبعث إلينا فجئنا فرأينا فيه لغضب فقال: "مع من خرجتن وبإذن من خرجتن" فقلنا يا رسول الله: خرجنا نغزل الشعر ونعين في سبيل الله، ومعنا دواء للجرحى، ونناول السهام، ونسقي السويق، قال "قمن فانصرفن" حتى إذا فتح الله عليه خيبر أسهم لنا كما أسهم الرجل، قال: فقلت لها يا جدة، وما كان ذلك؟ قالت: تمراً؟ قال الشوكاني في النيل: وأخرجه أيضاً النسائي وسكت عنه أبو داود، وفي إسناده رجل مجهول وهو حشرج. وقال الخطابي إسناده ضعيف لا تقوم به حجة انتهى. "قال الأوزاعي: وأسهم النبي صلى الله عليه وسلم للنساء بخيبر الخ" هذا مرسل والمرسل لا تقوم به حجة على القول الراجح "يقول يرضخ لهن" بصيغة المجهول من الرضخ، قال في القاموس: رضخ له أعطاه عطاء غير كثير

(5/168)


9ـ باب هَلْ يُسْهَمُ لِلْعَبْد
1600ـ حدثنا قُتَيْبَةُ، حدثنا بِشْرُ بن المُفَضّلِ عن محمدِ بن زَيْدٍ عن عُمَيْرٍ مَوْلَى أبِي اللّحْمِ، قال: "شَهِدْتُ خَيْبَرَ مع سَادَتي فكلّمُوا فيّ رَسولُ
ـــــــ
"باب هَلْ يُسْهَمُ لِلْعَبْد"
قوله: "عن عمير" بالتصغير قال في التقريب: عمير مولى آبي اللحم الغفاري صحابي شهد خيبر "مولى آبي اللحم" هو اسم فاعل من أبي يأبى، قال أبو داود: قال أبو عبيدة: كان حرم اللحم على نفسه فسمى آبي اللحم "مع سادتي" جمع سيد

(5/168)


الله صلى الله عليه وسلم وكَلمُوهُ أنّي مَمْلُوكٌ. قال: فأَمَرَني فَقُلّدْتُ السّيْفَ فإذا أنا أَجُرّهُ فأَمَرَ لي بِشَيْءٍ من خرثى المتَاعِ، وعَرَضْتُ عليه رُقْيَةً كُنْتُ أرْقِي بِهَا المجَانينَ، فأَمَرَنِي بِطَرْحِ بعضِها وحَبْسِ بعضِها".
وفي البابِ عن ابنِ عباسٍ.
وهذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، والعملُ على هذا عندَ بعضِ أهلِ العلمِ أن لا يُسْهَمَ لِلْمَمْلُوكِ، ولكن يُرْضَخُ له بِشَيْءٍ، وهو قَوْلُ الثّوْرِيّ والشافعيّ وأحمدَ وإسحاقَ.
ـــــــ
"فكلموا فيّ" بتشديد الياء "وكلموه أني مملوك" قال الطيبي: عطف على قوله، فكلموا فيّ، أي كلموا في حقي وشأني أولاً بما هو مدح لي، ثم أتبعوه بقولهم إني مملوك انتهى "فقلدت السيف" بصيغة المجهول من التقليد، قال في المجمع: أي أمرني أن أحمل السلاح وأكون مع المجاهدين لأتعلم المحاربة: فإذا أنا أجره، أي أجر السيف على الأرض من قصر قامتي لصغر سني "فأمرني بشيء من خرثي المتاع" بالخاء المعجمة المضمومة، وسكون الراء المهملة بعدها مثلثة، وهو سقطة في النهاية هو أثاث البيت، قال في القاموس: الخرثي بالضم أثاث البيت أو أردأ المتاع والغنائم "وعرضت عليه رقية كنت أرقي بها المجانين فأمرني بطرح بعضها وحبس بعضها" أي بإسقاط بعض كلماتها التي تخالف القرآن والسنة: وإبقاء بعضها التي ليست كذلك، وفيه دليل على جواز الرقية من غير القرآن والسنة بشرط أن تكون خالية عن كلمات شركية وعما منعت عنه الشريعة.
قوله: "وفي الباب عن ابن عباس رضي الله عنه" أخرجه أحمد.
قوله: "وهذا حديث حسن صحيح" وأخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه والحاكم وصححه.
قوله: "والعمل على هذا عند بعض أهل العلم أن لا يسهم للمملوك الخ" وهو القول الراجح المعول عليه

(5/169)


باب ماجاء في أهل الذمة يغزون مع المسلمين هل يسهم لهم
...
10ـ باب ما جاءَ في أهْلِ الذّمّةِ
يَغْزُونَ مَعَ المسْلِمينَ هل يُسْهِمُ لهم
1601 ـ حدثنا الأنْصَارِيّ، حدثنا مَعْنٌ حدثنا مالكُ بن أنسٍ عن الفُضَيْلِ بن أبي عبدِ الله بن ديَنارٍ الأسْلَمِيّ عن عُرْوَةَ عن عائِشَةَ: "أنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم خَرَجَ إلى بَدْرٍ حتى إذا كان بحَرّةِ الوَبرِ لَحِقَه رجُلٌ مِن المُشْركِينَ يَذْكُرُ مِنْهُ جُرْأَةً ونَجْدَةً، فقال له النبيّ صلى الله عليه وسلم: "تُؤْمِنُ بالله ورسولهِ؟" قال: لا، قال: " ارْجعْ فَلَنْ أسْتَعِينَ بِمُشْرِكٍ" .
وفي الحديث كَلاَمٌ أكْثَرُ مِنْ هذا.
ـــــــ
"باب ما جاءَ في أهْلِ الذّمّةِ يَغْزُونَ مَعَ المسْلِمينَ هل يُسْهِمُ لهم"
قوله: "حتى إذا كان بحرة الوبر" الحرة بفتح الحاء المهملة وتشديد الراء، والوبر بفتح الواو والباء الموحدة بعدها راء وبسكون الموحدة أيضاً: موضع على أربعة أميال من المدينة "يذكر منه جرأة ونجدة" بفتح النون وسكن الجيم أي شجاعة.
قوله: "وفي الحديث كلام أكثر من هذا" أي روي هذا الحديث مطولاً رواه أحمد ومسلم بطوله. ففي المنتقى عن عائشة قالت: خرج النبي صلى الله عليه وسلم قبل بدر فلما كان بحرة الوبرة أدركه رجل قد كان تذكر منه جرأة ونجدة ففرح به أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رأوه، فلما أدركه قال: جئت لأتبعك فأصيب معك، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: تؤمن بالله ورسوله؟ قال: لا، قال: فار جع فلن أستعين بمشرك ، قالت: ثم مضى حتى إذا بلغ كان بالشجرة أدركه الرجل فقال هل كما قال أول مرة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم كما قال أو مرة، فقال: لا، قال: فارجع فلن أستعين بمشرك ، قال فرجع فأدركه بالبيداء فقال له كما قال له أول مرة: تؤمن بالله ورسوله؟ قال: نعم، فقال له فانطلق.

(5/170)


هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ.والعملُ على هذا عندَ بعضِ أهلِ العلمِ، قالوا:لا يُسْهَمُ لأَهْلِ الذّمّةِ وإنْ قاتَلُوا مع المُسْلِمِينَ الْعَدُوّ.
ورَأَى بعضُ أهلِ الْعِلْمِ أنْ يُسْهَمَ لهم إذا شَهِدُوا القتَالَ مع المسْلِمِينَ.وَيُرْوَى عن الزّهْرِيّ أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم أسْهَمَ لِقَوْمٍ مِنَ الْيَهُودِ قاتَلُوا مَعَهُ.
1602-حدثنا بذلك قُتَيْبَةُ بنُ سعيدٍ أخبرنا عبدُ الوارثِ بن سعيدٍ عن عروة بن ثابتٍ عن الزّهْرِيّ.بهذا
ـــــــ
قوله: "هذا حديث حسن غريب" أخرج أحمد ومسلم مطولاً كما عرفت الاَن.
قوله: "والعمل على هذا عند بعض أهل العلم، قالوا لا يسهم لأهل الذمة وإن قاتلوا مع المسلمين العدو" وهو القول الراجح "ويروى عن الزهري أن النبي صلى الله عليه وسلم أسهم لقوم من اليهود قاتلوا معه" هذا مرسل. وأخرجه أيضاً أبو داود في المراسيل، ومراسيل الزهري ضعيفة. واستدل به من قال إن أهل الذمة يسهم لهم إذا شهدوا القتال مع المسلمين. قال الشوكاني في النيل: والظاهر أنه لا يسهم للنساء والصبيان والعبيد والذميين، وما ورد من الأحاديث مما فيه إشعار بأن النبي صلى الله عليه وسلم أسهم لأحد من هؤلاء فينبغي حمله على الرضخ وهو العطية القليلة جمعاً بين الأحاديث. وقد صرح حديث ابن عباس يعني المذكور في باب من يرضخ له من الغنيمة بما يرشد إلى هذا الجمع، فإنه نفى أن يكون للنساء والعبيد سهم معلوم، وأثبت الحذية وهكذا حديثه الآخر، فإنه صرح بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعطي المرأة والمملوك دون ما يصيب الجيش، وهكذا حديث عمير المذكور فإن فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم رضخ له بشيء من الأثاث ولم يسهم له، فيحمل ما وقع في حديث حشرج من أن النبي صلى الله عليه وسلم أسهم للنساء بخيبر على مجرد العطية من الغنيمة، وهكذا يحمل ما وقع في مرسل الزهري المذكور من الإسلام لقوم من اليهود، وما وقع في مرسل الأوزاعي المذكور أيضاً من الإسهام للصبيان كما لمح إلى ذلك المصنف انتهى كلام الشوكاني.

(5/171)


1623 ـ حدثنا أبو سَعيدٍ الأشَجّ، حدثنا حَفْصُ بن غِيَاثٍ، حدثنا بُرَيْدُ بن عبدِ الله بن أبي بُرْدَةَ، عن جَدّهِ أبي بُرْدَةَ عن أبي موسى: "قال: قَدِمْتُ على رسولِ الله صلى الله عليه وسلم في نَفَرٍ مِنَ الأشعَريّينَ خَيْبَرَ فأَسْهَمَ لنا مع الّذِينَ افْتَتَحُوهَا".
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ. والعَملُ على هذا عِنْدَ بعضِ أهلِ الْعِلْمِ قال الأوْزَاعِيّ مَن لَحِقَ بالمسْلِمينَ قَبْلَ أنْ يُسْهَمَ للخَيْلِ أُسْهِمَ لَهُ
ـــــــ
قلت: أراد بالمصنف صاحب المنتقى فإنه قال بعد ذكر مرسل الأوزاعي وغيره ما لفظه: ويحمل الإسهام فيه وفيما قبله على الرضخ انتهى.
قوله: "قال قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم الخ" ذكر الترمذي هذا الحديث مختصراً وذكره الشيخان مطولاً "فأسهم لنا مع الذين افتتحوها" أستدل به من قال إنه يسهم لمن حضر بعد الفتح قبل قسمة الغنيمة. قال ابن التين: يحتمل أن يكون إنما أعطاهم من جميع الغنيمة لكونهم وصلوا قبل القسمة وبعد حوزها، وهو أحد الأقوال للشافعي. قال ابن بطال: لم يقسم النبي صلى الله عليه وسلم في غير من شهد الوقعة إلا في خيبر فهي مستثناة من ذلك فلا تجعل أصلاً يقاس عليه، فإنه قسم لأصحاب السفينة لشدة حاجتهم، وكذلك أعطى الأنصار عوض ما كانوا أعطوا المهاجرين عند قدومهم عليهم. وقال الطحاوي: يحتمل أن يكون استطاب أنفس أهل الغنيمة بما أعطى الأشعريين وغيرهم. ومما يؤيد أنه لا نصيب لمن جاء بعد الفراغ من القتال ما رواه عبد الرزاق بإسناد صحيح وابن أبي شيبة عن عمرقال: الغنيمة لمن شهد الوقعة، وأخرجه الطبراني والبيهقي مرفوعاً وموقوفاً وقال الصحيح موقوف، وأخرجه ابن عدي من طريق أخرى عن علي موقوفاً، ورواه الشافعي من قول أبي بكر وفيه انقطاع كذا في النيل.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان.
قوله: "والعمل على هذا عند أهل العلم الخ" وفي بعض النسخ عند بعض أهل العلم وهو الظاهر

(5/172)


باب ماجاء في الإنتفاع بأنية المشركين
...
11ـ باب ما جاءَ في الانْتِفَاعِ بآنيةِ المشركين
1604ـ حدثنا زَيْدُ بن أخْزمَ الطّائِيّ، حدثنا أبو قُتَيْبَةَ سلم بن قُتَيْبَةَ، حدثنا شُعْبَةُ عن أيّوبَ عن أبي قِلاَبَةَ عن أبي ثَعْلَبَةَ الْخُشنِيّ قال:"سُئِلَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عن قُدُورِ المَجُوسِ. فقال: "أنقُوها غَسْلاً واطْبُخُوا فيها" ، ونَهَى عن كُلّ سَبُعٍ ذِي نَابٍ".
وقد رُوِيَ هذا الحديثُ مِن غَيْرِ هذا الوجْهِ عن أبي ثَعْلَبَةَ. رَوَاهُ أبو إدريسَ الْخَولانيّ عن أبي ثَعْلَبَةَ وأبو قِلاَبَةَ لَمْ يَسْمَعْ مِن أبي ثَعْلَبَةَ. إنّمَا رَوَاهُ عن أبي أسماء عن أبي ثَعْلَبَةَ.
1605- حدثنا هَنّادٌ، حدثنا ابنُ المُبَارَكِ عن حَيْوَةَ بن شُرَيْحٍ. قال: سَمِعْتُ ربيعَةَ بنَ يَزِيدَ الدّمَشْقِيّ يقولُ:أخْبَرَنِي أبو إدريسَ الْخَوْلاَنِيّ
ـــــــ
"باب ما جاءَ في الانْتِفَاعِ بآنيةِ المشركين"
قوله: "عن أبي ثعلبة" بفتح المثلثة بعدها عين مهملة ساكنة فلام مفتوحة فموحدة "الخشني" بضم الخاء المعجمة فشين معجمة مفتوحة فنون نسبة إلى خشين ابن نمرة في قضاعة اسمه جرهم بايع النبي صلى الله عليه وسلم بيعة الرضوان وضرب له بسهم يوم خيبر وأرسله إلى قومه فأسلموا، نزل بالشام ومات بها سنة خمس وسبعين.
قوله: "عن قدور المجوس" أي عن الطبخ فيها، والقدور جمع القدر بكسر القاف وسكون الدال "انقوها" من الإنقاء "غسلاً" تمييز "واطبخوا فيها" أي بعد الانتقاء بالغسل. قال الحافظ في الفتح بعد ذكر رواية الترمذي هذه، وفي لفظه من وجه آخر عن أبي ثعلبة قلت إنا نمر بهذا اليهود والنصارى والمجوس فلا نجد غير آنيتهم الحديث انتهى. وروى الشيخان عن أبي ثعلبة الخشني قال:

(5/173)


عائِذُ الله بنُ عُبَيْدِ الله.قال سَمِعْتُ أبَا ثَعْلَبَةَ الخُشنّى يقول:"أتَيْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فقلت:يَا رسولَ الله إنّا بأرْضِ قَوْمٍ أهْلِ كِتَابٍ نأْكُلُ في آنِيَتِهِمْ.قال: "إنْ وَجَدْتُمْ غَيْرَ آنِيَتِهِمْ فلا تَأْكُلُوا فيها، فإن لم تَجِدُوا فاغْسِلُوهَا وكُلُوا فيها" .
ـــــــ
قلت يا رسول الله إنا بأرض قوم أهل الكتاب أفنأكل في آنيتهم؟ قال لا تأكلوا فيها إلا أن لا تجدوا غيرها فاغسلوها وكلوا فيها، قال في سبل السلام: استدل به على نجاسة آنية أهل الكتاب وهل هو لنجاسة رطوبتهم أو لجواز أكلهم الخنزير وشربهم الخمر أو للكراهة، ذهب إلى الأول القائلون بنجاسة رطوبة الكفار، واستدلوا أيضاً بظاهر قوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ}، والكتابي يسمى مشركاً إذ قد قالوا "المسيح بن الله" "وعزير بن الله" . وذهب الشافعي وغيره إلى طهارة رطوبتهم وهو الحق لقوله تعالى: {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ}، ولأنه صلى الله عليه وسلم توضأ من مزادة مشركة، ولحديث جابر عند أحمد وأبي داود: كنا نغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فنصيب من آنية المشركين وأسقيتهم ولا يعيب ذلك علينا.
وأجيب بأن هذا كان بعد الاستيلاء ولا كلام فيه، قلنا في غيره من الأدلة غنية عنه فمنها ما أخرجه من حديث أنس أنه صلى الله عليه وسلم دعاه يهودي إلى خبز شعير وإهالة سنخة فأكل منها. قال في البحر: لو حرمت رطوبتهم لاستفاض بين الصحابة نقل توقيهم لقلة المسلمين حينئذ مع كثرة استعمالاتهم التي لا يخلو منها ملبوساً ومطعوماً، والعادة في مثل ذلك تقضي بالاستفاضة. قال: وحديث أبي ثعلبة إما محمول على كراهة الأكل في آنيتهم للاستقذار لا لكونها نجسة إذ لو كانت نجسة لم يجعله مشروطاً بعدم وجدان غيرها، إذ الإناء المتنجس بعد إزالة نجاسته هو وما لم يتنجس على سواء ولسد ذريعة المحرم، أو لأنها نجسة بلفظ. إنا نجاوز أهل الكتاب وهم يطبخون في قدورهم الخنزير ويشربون في آنيتهم الخمر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن وجدتم غيرها لحديث، وحديثه الأول مطلق وهذا مقيد

(5/174)


هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
بآنية يطبخ فيها ما ذكر ويشرب فيحمل المطلق على المقيد، وأما الآية فالنجس لغة المستقذر فهو أعم من المعنى الشرعي، وقيل معناه ذو نجس لأن معهم الشرك الذي هو بمنزلة النجس، ولأنهم يتطهرون ولا يغتسلون ولا يتجنبون النجاسات فهي ملابسة لهم، وبهذا يتم الجمع بين هذا وبين آية المائدة والأحاديث الموافقة حكمها، وآية المائدة أصرح في المراد انتهى ما في السبل. وقال صاحب المنقى: ذهب بعض أهل العلم إلى المنع من استعمال آنية الكفار حتى تغسل إذا كانوا ممن لا تباح ذبيحته، وكذلك من كان من النصارى بموضع متظاهراً فيه بأكل لحم الخنزير متمكناً فيه أو يذبح بالسن والظفر ونحو ذلك، وأنه لا بأس بآنية من سواهم جمعاً بذلك بين الأحاديث. واستحب بعضهم غسل الكل لحديث الحسن ابن علي قال: حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم: "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك" ، رواه أحمد والنسائي والترمذي وصححه انتهى، وقد تقدم الكلام في هذه المسألة في الباب الأول من أبواب الصيد "ونهى عن كل سبع ذي ناب" تقدم شرحه في كتاب الصيد.
قوله: "عائذ الله بن عبيد الله" كذا وقع في النسخة الأحمدية عبيد الله مصغراً وهو غلط والصواب عائذ بن عبد الله مكبراً، ووقع في الباب الأول من أبواب الصيد عائذ بن عبد الله مكبراً وهو الصواب.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان

(5/175)


12ـ باب في النّفْل
1606ـ حدثني محمدُ بن بَشارٍ، حدثنا عبدُ الرحمنِ بن مَهْدِي، حدثنا سُفْيَانُ عن عبدِ الرحمَنِ بن الحارِثِ عن سليمانَ بن مُوسَى عن مَكْحُولٍ
ـــــــ
"باب في النّفْل"
قال في المجمع النفل بفتح الفاء وقد تسكن زيادة يخص بها بعض الغزاة وهو أيضاً الغنيمة انتهى. قلت: المراد هنا المعنى الأول.

(5/175)


عن أبي سَلاّمٍ عن أبي أُمَامَةَ عن عُبَادَةَ بن الصّامِتِ:"أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم كان يُنَفّلُ في البَدْأَةِ الرّبُعَ، وفي القُفُولِ الثّلُثَ".
وفي البابِ عن ابن عباسٍ وحَبيبِ بن مَسْلَمَةَ ومَعْنِ بنِ يزيدَ وابن عُمَرَ وسَلَمَةَ بن الأكْوعِ. وحديثُ عُبَادَةَ حديثٌ حسنٌ.وقد رُوِيَ هذا الحديثُ عن أبي سَلاّمٍ عن رَجُلٍ مِنْ أصحابِ النبيّ صلى الله عليه وسلم.
ـــــــ
قوله: "عن أبي سلام"بفتح السين وتشديد اللام المفتوحة اسمه ممطور الأسود الحبشي ثقة يرسل من الثالثة.
قوله: "كان ينفل"من التنفيل "في البدأة"بفتح الموحدة وسكون الدال المهملة بعدها همزة مفتوحة "الربع" أي ربع الغنيمة "وفي القفول"أي الرجوع "الثلث" أي ثلث الغنيمة، وفي رواية أحمد كان إذا غاب في أرض العدو نفل الربع وإذا أقبل راجعاً وكل الناس نفل الثلث. قال الخطابي: البدأة ابتداء السفر للغزو، وإذا نهضت سرية من جملة العسكر فإذا وقعت بطائفة من العدو فما غنموا كان لهم فيه الربع ويشركهم سائر العسكر في ثلاثة أرباعه، فإن قفلوا من الغزوة ثم رجعوا فأوقعوا بالعدو ثانية كان لهم مما غنموا الثلث لأن نهوضهم بعد القفل أشق لكون العدو على حذر وحزم انتهى. ورواية أحمد المذكورة تدل على أن تنفيل الثلث لأجل ما لحق الجيش من الكلال وعدم الرغبة في القتال لا لكون العدو قد أخذ حذره منهم.
قوله:"وفي الباب عن ابن عباس وحبيب بن مسلمة ومعن بن يزيد وابن عمر وسلمة بن الأكوع" أما حديث ابن عباس فلينظر من أخرجه.وأما حديث حبيب بن مسلمة فأخرجه أحمد وأبو داود عنه مرفوعاً بلفظ: نفل الرابع بعد الخمس في بدأته ونفل الثلث بعد الخمس في رجعته. وأما حديث معن بن يزيد فأخرجه أحمد وأبو داود وصححه الطحاوي ولفظه: قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لا نفل إلا بعد الخمس" . وأما حديث ابن عمر فأخرجه الشيخان. وأما حديث سلمة بن الأكوع فأخرجه أحمد ومسلم وأبو داود.

(5/176)


1607حدثنا هَنّادٌ، حدثنا ابن أبي الزّنَادِ عن أبيهِ عن عُبَيْدِ الله بن عبدِ الله بن عُتْبَةَ عن ابن عباسٍ: "أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم تَنَفّلَ سَيْفَهُ ذَا الفَقَارِ يومَ بَدْرٍ وهو الذي رَأَى فيهِ الرؤيَا يَوْمَ أُحُدٍ".
هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ.إنّمَا نَعْرِفُهُ من هذا الوَجْهِ مِنْ حَدِيثِ ابنِ أبي الزّنَاد. وقد اختلَفَ أهْلُ العِلْمِ في النّفلِ مِنَ الْخُمُس، فقالَ مالكُ بن أنَسٍ:لَمْ يَبلُغنِي أنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم نَفّلَ في مَغَازِيِه كُلّهَا، وقد بَلَغَنِي أنّهُ نَفّلَ في بَعْضِهَا وإنّمَا ذلِكَ على وَجْهِ الاجْتِهَادِ مِنَ الإمَامِ في أوّلِ المَغْنَمِ وآخِرِهِ.
قال ابنُ مَنْصُورٍ:قلت:لأحمد أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم نَفّلَ إذا فَصَل بالرّبُعِ بعدَ الْخُمسِ، وإذا قَفل بالثلُثِ بعدَ الخُمسِ، فقال يُخْرِجُ الْخُمُسَ ثُمّ يُنَفّلُ ممّا بَقِيَ ولا يُجَاوِزُ هذا.
قال أبو اسحق وهذا الحديثُ على ما قال ابنُ المسَيّبِ: النّفْلُ مِنَ الْخُمُسِ.قال إسحاقُ:كما قَالَ.
ـــــــ
قوله:"حديث عباده حديث حسن، وأخرجه أحمد وابن ماجه، وصححه ابن حبان.
قوله: "تنفل سيفه" أي أخذه زيادة عن السهم "ذا الفقار" بفتح الفاء والعامة يكسرونها كذا في المنتقى وهو بدل من سفيه "وهو الذي رأى فيه الرؤيا يوم أحد" قال التوربشتي: والرؤيا التي رأى فيه أنه رأى في منامه يوم أحد أنه هز ذا الفقار فانقطع من وسطه ثم هزه هزة أخرى فعاد أحسن مما كان، وقيل الرؤيا هي ما قاتل فيه: رأيت في ذباب سيفي ثلثاً فأولته هزيمة، ورأيت كأني أدخلت يدي في درع حصينة، فأولتها المدينة الحديث.
قوله: "هذا حديث حسن غريب" وأخرجه ابن ماجه.
قوله: "فقال يخرج الخمس ثم ينفل مما بقي الخ" قال الشوكاني: اختلف العلماء

(5/177)


ـــــــ
هل هو من أصل الغنيمة، أو من الخمس، أو من خمس الخمس، أو مما عدا الخمس على أقوال: ثم بسط الكلام فيه هذا الباب

(5/178)


باب ماجاء في من قتل قتيلا فله سلبه
...
13 ـ باب ما جاءَ فيمن قَتَلَ قَتِيلاً فَلَهُ سَلَبُه
1608ـ حدثنا الأنْصَارِيّ، حدثنا مَعْنٌ، حدثنا مالِكُ بنُ أنَسٍ عن يحيَى بن سَعِيدٍ عن عُمرَ بن كَثِيرٍ بن أفْلَحَ عن أبي محمدٍ مَوْلى أبي قَتَادَةَ عن أبي قَتَادَةَ قال:قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ قَتَلَ قَتِيلاً لَهُ عَلَيْهِ بَيّنَةٌ فَلَهُ سَلَبُهُ" . وفي الْحَدِيثِ قِصّةٌ.
1609حدثنا ابنُ أبي عُمَر، حدثنا سُفْيَانُ، عن يحيى بن سَعيدٍ بهذَا الإسْنَادِ نَحْوَهُ.
وفي البابِ عَن عَوْفِ بن مالِكٍ وخَالِدِ بن الوَلِيدِ وأنَسٍ وَسَمُرَةَ.
ـــــــ
"باب ما جاءَ فيمن قَتَلَ قَتِيلاً فَلَهُ سَلَبُه"
قوله: "عن عمر بن كثير بن أفلح" المدني مولى أبي أيوب ثقة من الرابعة "عن أبي محمد مولى أبي قتادة" اسمه نافع قال في التقريب نافع بن عباس بموحدة ومهملة أو تحتانية ومعجمة، أبو محمد الأقرع المدني مولى أبي قتادة، قيل له ذلك للزومه، وكان مولى عقيلة العقارية ثقة من الثالثة.
قوله: "من قتل قتيلاً" وفي رواية من قتل كافراً أي لمن قتل "عليه" أي على قتل القتيل "فله" أي لمن قتل "سلبه" بالتحريك: هو ما يوجد مع المحارب، من ملبوس وغيره عند الجمهور. وعن أحمد لا تدخل الدابة. وعن الشافعي يختص بأداة الحرب.
قوله: "وفي الحديث قصة" رواها الشيخان في صحيحهما.
قوله: "وفي الباب عن عوف بن مالك وخالد بن الوليد وأنس وسمرة" . أما حديث عوف بن مالك وخالد بن الوليد فأخرجه مسلم، ففيه عن عوف بن مالك أنه قال لخالد بن الوليد. أما علمت أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بالسلب للقاتل؟

(5/178)


وهذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.وأبو محمدٍ هو نافِعٌ مَوْلَى أبي قَتَادَةَ والعَمَلُ على هذا عندَ بَعْضِ أهْلِ العِلْمِ مِنْ أصْحَابِ النبيّ صلى الله عليه وسلم وغيرهِم، وهو قَوْلُ الأوْزَاعِيّ والشافعيّ وأحمدَ. وقال بَعْضُ أهلِ الْعِلْمِ: للإمَامِ أنْ يُخْرِجَ مِنَ السّلَبِ الْخُمُسَ. وقال الثّوْرِيّ النّفْلُ أن يقولَ الإمامُ: مَنْ أصَابَ شيئاً فَهُوَ لَهُ، ومَنْ قَتَلَ قَتِيلاً فَلَهُ سَلَبُهُ فَهُوَ جَائِزٌ وَلَيْسَ فيهِ الْخُمُسُ وقالَ إسحاقُ: السّلَبُ للقَاتِلِ إلاّ أنْ يَكُونَ شيئاً كثِيراً فَرَأى الإمَامُ أنْ يُخْرِجَ مِنْهُ الْخُمُسَ كما فَعَلَ عُمَرُ بنُ الْخَطّابِ.
ـــــــ
قال بلى: وعن عوف وخالد أيضاً أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يخمس السلب، رواه أحمد وأبو داود رضي الله عنهما. وأما حديث أنس فأخرجه أحمد وأبو داود وأما حديث سمرة فلينظر من أخرجه.
قوله:"وهذا حديث حسن صحيح"وأخرجه الشيخان.
قوله: "وهو قول الأوزاعي والشافعي وأحمد" ذهب الجمهور إلى أن القاتل يستحق السلب سواء قال أمير الجيش قبل ذلك من قتل قتيلاً فله سلبه أم لا. واستدلوا على ذلك بحديث أبي قتادة هذا، وهو الظاهر "وقال بعض أهل العلم: للإمام أن يخرج من السلب الخمس" روى عن مالك أنه يخير الإمام بين أن يعطي القاتل السلب أو يخمسه، واختاره القاضي إسماعيل قاله في النيل "وقال الثوري: النفل أن يقول الإمام: من أصاب شيئاً فهو له، ومن قتل قتيلاً فله سلبه" . قال الشوكاني: وذهب العترة والحنفية والمالكية إلى أنه لا يستحقه القاتل إلا أن شرط له الإمام ذلك "وقال إسحاق السلب للقاتل إلا أن يكون شيئاً كثيراً فرأى الإمام أن يخرج منه الخمس كما فعل عمر بن الخطاب" احتج القائلون بتخميس السلب لعموم قوله تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ} الآية ، فإنه لم يستثن شيئاً.
واستدل من قال إنه: لا خمس فيه لحديث عوف بن مالك وخالد المذكور وجعلوه مخصصاً لعموم الآية

(5/179)


14-باب في كَرَاهِيَةِ بَيْعِ المغَانِمِ حَتّى تُقسم
1610ـ حدثنا هَنّادٌ، حدثنا حَاتِمُ بنُ إسماعيلَ عن جَهْضَم بن عبدِ الله عن محمدِ بن إبراهيم عن محمدِ بن زَيْدٍ عن شَهْرِ بن حَوْشَبٍ عن أبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ قال:"نَهَى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عن شِرَاءِ المَغَانِمِ حَتّى تُقْسَم".
وفي البابِ عن أبي هُرَيْرَةَ. وهذا حديثٌ غريبٌ.
ـــــــ
"باب في كَرَاهِيَةِ بَيْعِ المغَانِمِ حَتّى تُقسم"
قوله:"نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شراء المغانم حتى تقسم"أي عن بيعها واشترائها حتى تقسم. قال القاري: قال القاضي: المقتضى للنهي عدم الملك عند من يرى أن الملك يتوقف على القسمة، وعند من يرى الملك قبل القسمة المقتضى له الجهل بعين المبيع وصفته إذا كان في المغنم أجناس مختلفة انتهى. وتبعه ابن الملك وغيره من علمائنا يعني الحنفية. قال المظهر: يعني لو باع أحد من المجاهدين نصيبه من الغنيمة لا يجوز لأن نصيبه مجهول، ولأنه ملك ضعيف يسقط بالأعراض، والملك المستقر لا يسقط بالأعراض انتهى.
قوله: "وفي الباب عن أبي هريرة" لينظر من أخرجه
قوله: "وهذا حديث غريب" وأخرجه ابن ماجه، والحديث ضعيف، فإن في سنده محمد بن إبراهيم الباهلي البصري، قال أبو حاتم مجهول، وأيضاً في سنده محمد بن زيد العبدي، قال في التقريب لعله ابن أبي القموس وإلا فمجهول

(5/180)


باب في كراهية وطء الحبالى من السبايا
...
15ـ باب ما جاءَ في كَرَاهِيَةِ وَطْءِ الحبَالَى مِنَ السّبَايَا
1611ـ حدثنا محمدُ بن يَحْيى النّيْسَابُورِيّ، حدثنا أبو عَاصِمٍ النّبِيلُ
ـــــــ
"باب ما جاءَ في كَرَاهِيَةِ وَطْءِ الحبَالَى مِنَ السّبَايَا"
الحبالى بفتح الحاء المهملة جمع الحبلى، والسبايا جمع سبية.

(5/180)


عن وَهْبٍ أبي خَالِدٍ قال:حدّثَتْنِي أُمّ حَبَيبَةَ بنتِ عِرباضِ بن سَارِيَةَ أنّ أباهَا أخْبَرَهَا:"أنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم نَهَى أنْ تُوطأ السّبَايَا حَتّى يَضَعْنَ مَا فِي بُطُونِهِنّ".
وفي البابِ عن رُوَيفعِ بن ثابتٍ. وحديثُ عِرْبَاضٍ حديثٌ غريبٌ. والعَمَلُ على هذا عندَ أهلِ الْعِلْمِ.
ـــــــ
قوله:"حدثتني أم حبيبة بنت عرباض بن سارية"قال في التقريب مقبولة من الثالثة "نهى أن توطأ السبايا حتى يضعن ما في بطونهن" فيه دليل على أن يحرم على الرجل أن يطأ الأمة المسبيه إذا كانت حاملاً حتى تضع حملها: وروى أبو داود وأحمد عن أبي سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في سبي أوطاس: لا توطأ حامل حتى تضع ولا غير حامل حتى تحيض حيضة، وفيه دليل على أنه يحرم على الرجل أن يطأ الأمة المسبيه إذا كانت حاملاً حتى تستبرئ بحيضة. وقد ذهب إلى ذلك الشافعية والحنفية والثوري والنخعي ومالك، وظاهر قوله ولا غير حامل أنه يجب الاستبراء للبكر، ويؤيده القياس على العدة، فإنها تجب مع العلم براءة الرحم. وذهب جماعة من أهل العلم إلى أن الاستبراء إنما يجب في حق من لم تعلم براءة رحمها، وأما من علمت براءة رحمها فلا استبراء في حقها. وقد روى عبد الرزاق عن ابن عمر أنه قال: إذا كانت الأمة عذراء لم يستبرئها إن شاء وهو في صحيح البخاري عنه، ثم ذكر الشوكاني: مؤيدات لهذا القول، ثم قال: ومن القائلين بأن الاستبراء إنما هو للعلم ببراءة الرحم فحيث تعلم البراءة لا يجب وحيث لا يعلم ولا يظن يجب: أبو العباس بن سريج وأبو العباس بن تيمية وابن القيم، ورجحه جماعة من المتأخرين منهم الجلال والمقبلي والمغربي والأمير وهو الحق، لأن العلة معقولة، فإذا لم توجد مئنة كالحمل ولا مظنة كالمرأة المزوجة فلا وجه لإيجاب الاستبراء. والقول بأن الاستبراء تعبدي وأنه يجب في حق الصغيرة، وكذا في حق البكر والآيسة ، ليس عليه دليل انتهى كلام الشوكاني.
قوله: "وفي الباب عن رويفع" بالتصغير. وأخرج حديثه أحمد والترمذي وأبو داود عنه مرفوعاً: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يسقى ماءه ولد

(5/181)


وقال الأوْزَاعِيّ:إذا اشْتَرَى الرّجُلُ الجَارِيَةَ مِنَ السّبْيِ وهي حَامِلٌ، فقد رُوِيَ عن عُمرَ بن الخطّابِ أنه قال: لا تُوَطأُ حَامِلٌ حتى تَضَعَ.قال:الأوْزَاعِيّ:وأما الحَرَائِرُ فَقَدْ مَضَت السّنّةُ فِيهِنّ بأنْ أُمِرْنَ بالعِدّةِ. كُلّ هذا حَدّثَنِي عليّ بن خَشْرَمٍ قال حدثنا عيسى بن يُونُسَ عن الأوْزَاعِيّ.
ـــــــ
غيره" ، وزاد أبو داود: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يقع على امرأة من السبى حتى يستبرئها" ، وفي لفظ: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا ينكحن ثيباً من السبايا حتى تحيض" . رواه أحمد.
قوله: "وحديث عرباض حديث غريب" وأخرجه ابن أبي شيبة من حديث علي بلفظ: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن توطأ حامل حتى تضع، ولا حائل حتى تستبريء بحيضة، وفي إسناده ضعف وانقطاع.
قوله: "قال حدثنا عيسى بن يونس" بن أبي إسحاق السبيعي الكوفي سكن الشام، روى عن الأوزاعي وخلق وعنه علي بن خشرم وخلق قال في حاشية الأحمدية، وفي نسخة صحيحة علي بن يونس قلت: هذا غلط والصواب عيسى بن يونس

(5/182)


باب ماجاء في طعام المشركين
...
16 ـ باب ما جاءَ في طَعَامِ المشْرِكِين
1612 ـ حدثنا محمودُ بن غَيْلانَ، حدثنا أبو داودَ الطّيَالِسِيّ عن شُعْبَةَ أخْبَرَنِي سِمَاك بن حَرْبٍ. قال سَمِعْتُ قَبِيصَةَ بنَ هلْبٍ يُحَدّثُ عن أبيهِ قال: سَأَلْتُ النبيّ صلى الله عليه وسلم عن طَعَامِ النّصَارَى، فقال: "لا يَتَخَلّجَنَ في صَدْرِكَ طَعَامٌ ضَارعت فيهِ النّصْرَانِيّةَ" .
ـــــــ
"باب ما جاءَ في طَعَامِ المشْرِكِين"
قوله: "سمعت قبيصة بن هلب" بضم الهاء وسكون اللام "قال سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن طعام النصارى" ، وفي رواية سأله رجل فقال إن من الطعام طعاماً أتحرج منه، كذا في المشكاة "لا يتخلجن في صدرك طعام" وفي رواية شيء

(5/182)


هذا حديثٌ حسنٌ.قال محمودٌ:وقال عُبَيْد الله بن موسى عن إسْرَائِيلَ عن سِمَاكٍ عن قَبِيصَةَ عن أبِيهِ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم مثلَهُ. قال محمودٌ: وقال وَهْبُ بن جَرِيرٍ عن شُعْبَةَ عن سِمَاكٍ عن مُرّيّ بن قَطَرِي عن عَدِيّ بن حَاتِمٍ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم مثلَهُ.
والعملُ على هذا عندَ أهلِ الْعِلْمِ مِنَ الرّخْصَةِ في طعامِ أهلِ الكِتابِ.
ـــــــ
مكان طعام، ويتخلجن بالخاء المعجمة، قال التوربشتي: يروى بالحاء المهملة وبالخاء المعجمة فمعناه بالمهملة لا يدخلن قلبك منه شيء فإنه مباح نظيف، وبالمعجمة لا يتحركن الشك في قلبك انتهى. وقال في المجمع: أصل الاختلاج الحركة والاضطراب "ضارعت فيه النصرانية" أي شابهت لأجله أهل الملة النصرانية من حيث امتناعهم إذا وقع في قلب أحدهم إنه حرام أو مكروه، وهذا في المعنى تعليل النهي. والمعنى لا تتحرج، فإنك إن فعلت ذلك ضارعت فيه النصرانية فإنه من دأب النصارى وترهيبهم. وقال الطيبي: هو جواب شرط محذوف، والجملة الشرطية مستأنفة لبيان الموجب، أي لا يدخلن في قلبك ضيق وحرج لأنك على الحنيفية السهلة السمحة، فإنك إذا شددت على نفسك بمثل هذا شابهت فيه الرهبانية، فإن ذلك دأبهم وعادتهم، قال تعالى: {وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ} الآية .
قوله: "هذا حديث حسن" وأخرجه أبو داود "قال محمود" هو ابن غيلان "عن مري" بضم الميم وتشديد الراء المكسورة "قطري" بفتح القاف والطاء. قال في التقريب: مري بلفظ النسب ابن قطري بفتحتين وكسر الراء مخففاً الكوفي مقبول من الثالثة انتهى، قلت: ذكره ابن حبان في الثقات، وقال الذهبي: لا يعرف، تفرد عنه سِمَاك.
قوله: "والعمل على هذا عند أهل العلم من الرخصة في طعام أهل الكتاب" قد ذكر الترمذي في الباب لفظ طعام المشركين وليس في الحديث ذكر المشركين فالظاهر أنه حمل المشركين على أهل الكتاب في هذا الباب والله تعالى أعلم

(5/183)


17ـ باب في كراهِيَةِ التّفْرِيق بين السّبْي
1613 ـ حدثنا عُمرُ بنُ حَفْصٍ بن عمر الشّيْبَانِيّ، أخبرنا عبدُ الله بنُ وَهْبٍ أخْبَرَنِي حُيَي عن أبي عبدِ الرحمَنِ الْحُبُلِيّ عن أبي أيوبَ قال: سَمِعْتُ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يقول: "مَنْ فَرّقَ بين وَالِدَةٍ وَوَلَدِها فَرّقَ الله بَيْنَهُ وبين أحِبّتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" .
وفي الباب عن عليّ. وهذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ. والعملُ على هذا عندَ أهلِ الْعِلْمِ من أصحابِ النبي صلى الله عليه وسلم وغيرِهم كَرِهُوا التّفْرِيقَ بينَ السّبْيِ بين الْوَالِدَةِ وَوَلَدِها، وبين الْوَلَدِ والْوَالِدِ، وبين الاْخْوَةِ.
ـــــــ
"باب في كراهِيَةِ التّفْرِيق بين السّبْي"
قوله:"أخبرني حي"بضم أوله ويائين من تحت الأول مفتوحة ابن عبد الله بن شريح المعافري المصري صدوق يهم من الثالثة.
قوله: "من فرق بين والدة وولدها" أي بما يزيل الملك "فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة" قال المناوي: التفريق بين أمة وولدها بنحو بيع حرام، قبل التمييز عند الشافعي، وقبل البلوغ عند أبي حنيفة.
قوله: "وفي الباب عن عليَ" أخرجه الترمذي في باب كراهية أن يفرق بين الأخوين من كتاب البيوع.
قوله: "هذا حديث حسن غريب" وأخرجه أحمد والحاكم في المستدرك، وقال صحيح وتعقب قاله المناوي، وتقدم هذا الحديث بهذا الإسناد في الباب المذكور وتقدم الكلام في هذه المسألة هناك

(5/184)


باب ماجاء في قتل الأسارى والفداء
...
18 ـ باب ما جاءَ في قَتْلِ الأسَارَى وَالْفِدَاء
1614 ـ حدثنا أبو عُبَيْدَةَ بن أبي السّفَرِ، واسْمُهُ أحمدُ بنُ عبدِ الله الْهَمَدَانِيّ و محمودُ بنُ غَيْلاَنَ، قالا حدثنا أبو داوُدَ الْحَفْرِيّ، حدثنا يَحْيى بنُ زكريّا بنُ أبي زائدةَ عن سُفْيَانَ بنِ سعيدٍ عن هِشَامٍ عن ابنِ سيرينَ عن عُبَيْدَةَ عن عليّ أنّ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم قال: "إنّ جِبْرائيل هَبَطَ عليهِ فقال له:خَيّرْهُمْ ـ يَعْني أصحابَك ـ في أسارَى بَدْرٍ، القتلَ أو الفِدَاء عَلَى أن يُقْتَلَ منهم قابلاً مثلَهم، قالوا: الفِدَاءَ ويُقْتَلُ مِنّا" .
ـــــــ
"باب ما جاءَ في قَتْلِ الأسَارَى وَالْفِدَاء"
قوله: "هبط عليه" أي نزل عليه."فقال"أي جبريل "له"أي للنبي صلى الله عليه وسلم "خيرهم" بصيغة الأمر من التخيير "يعني أصحابك" أي يريد بالضمير أصحابك، وهذا التفسير إما من عليّ أو ممن بعده من الرواة. والمعنى: قل لهم أنتم في أسارى بدر "القتل أو الفداء" بالنصب فيهما أي فاختاروا القتل أو الفداء. والمعنى أنكم مخيرون بين أن تقتلوا أسارى، ولا يلحقكم ضرر من العدو وبين أن تأخذوا منهم الفداء. "على أن يقتل منهم" أي من الصحابة "قابل" كذا وقع في بعض النسخ وفي بعضها قبل بالتنوين وهو الظاهر "مثلهم" يعني بعدهم من يتطور منهم، يكون الظفر للكفار فيها، وقد قتل من الكفار يومئذ سبعون وأسر سبعون "قالوا" أي الصحابة "الفداء" أي اخترنا الفداء "ويقتل منا" بالنصب بإضمار أن بعد الواو العاطفة على الفداء، أي وأن يقتل منا في العام المقبل مثلهم، قال القاري: وفي نسخة يعني من المشكاة بالرفع فيهما أي اختيارنا فداءهم وقتل بعضنا بقتل من المسلمين يوم أحد مثل ما اقتدى المسلمون منهم يوم بدر، وقد قتل من الكفار يومئذ سبعون وأسر سبعون. قال تعالى: {أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ } وإنما اختاروا ذلك رغبة منهم في إسلام أسارى بدر، وفي نيلهم درجة الشهادة في السنة

(5/185)


ـــــــ
القابلة وشفقة سنهم على الأسارى بمكان قرابتهم منهم. قال التوربشتي:هذا الحديث مشكل جداً لمخالفته ما يدل على ظاهر التنزيل، ولما صح من الأحاديث في أمر أسارى بدر، أن أخذ الفداء كان رأياً رأوه فعوتبوا عليه، ولو كان هناك تخيير بوحي سماوي لم تتوجه المعاتبة عليه، وقد قال الله تعالى: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى} إلى قوله {لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} وأظهر لهم شأن العاقبة بقتل سبعين منهم بعد غزوة أحد عند نزول قوله تعالى: {أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا} .وممن نقل عنه هذا التأويل، من الصحابة علي رضي الله تعالى عنه، فلعل علياً ذكر هبوط جبريل في شأن نزول هذه الآية ، وبيانها فاشتبه الأمر فيه على بعض الرواة. ومما جرأنا على هذا التقرير سوى ما ذكرناه هو أن الحديث تفرد به يحيى بن زكريا بن أبي زائدة عن سفيان من بين أصحابه فلم يروه غيره، والسمع قد يخطيء، والنسيان كثيراً يطرأ على الإنسان، ثم إن الحديث يروى عنه متصلاً وروى عن غيره مرسلاً، فكان ذلك مما يمنع القول لظاهره: قال الطيبي: أقول وبالله التوفيق: لا منافاة بين الحديث والآية ، وذلك أن التخيير في الحديث وارد على سبيل الاختيار والامتحان ولله أن يمتحن عباده بما شاء، امتحن الله تعالى أزواج النبي صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ} الآيتين ، وامتحن الناس بتعليم السحر في قوله تعالى: {وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ} وامتحن الناس بالملكين، وجعل المحنة في الكفر والإيمان بأن يقبل العامل تعلم السحر فيكفر، ويؤمن بترك تعلمه، ولعل الله تعالى امتحن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بين أمرين القتل والفداء، وأنزل جبريل عليه السلام بذلك، هل هم يختارون ما فيه رضا الله تعالى من قتل أعدائه أم يؤثرون العاجلة من قبول الفداء، فلما اختاروا الثاني عوقبوا بقوله تعالى: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ} . قال القاري بعد ذكر هذا الكلام ما لفظه: قلت بعون الله إن هذا الجواب غير مقبول لأنه معلول ومدخول، فإنه إذا صح التخيير لم يجز العتاب والتعبير فضلاً عن التعذيب والتعزير، وأما ما ذكره من تخيير أمهات المؤمنين، فليس فيه أنهم لو اخترن الدنيا لعذبن في العقبى، ولا في الأولى، وغايته أنهن يحرمن من مصاحبة المصطفى لفساد اختيارهن الأدنى

(5/186)


وفي البابِ عن ابنِ مَسْعُودٍ وأنَسٍ وأبي بَرَزَةَ وجُبَيْر بنِ مُطْعِمٍ.
ـــــــ
بالأعلى.وما قضية الملكين، وقضية تعليم السحر، فنعم امتحان من الله وابتلاء، لكن ليس فيه تخيير لأحد، ولهذا قال المفسرون في قوله تعالى {فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} أنه أمر تهديد لا تخيير. وأما قوله: أم يؤثرون الأعراض العاجلة من قبول الفدية فلما اختاروه عوقبوا بقوله {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ} الآية ، فلا يخفى ما فيه من الجرأة العظيمة والجناية الجسيمة، فإنهم ما اختاروا الفدية لا للتقوية على الكفار، وللشفقة على الرحم، ولرجاء أنهم يؤمنون، أو في أصلابهم من يؤمن.
ولا شك أن هذا وقع منهم اجتهاداً وافق رأيه صلى الله عليه وسلم، غايته أن اجتهاد عمر وقع أصوب عنده تعالى، فيكون من موافقات عمر رضي الله عنه، ويساعدنا ما ذكره الطيبي، من أنه يعضده سبب النزول، روى مسلم والترمذي عن ابن عباس عن عمر رضي الله عنهم، أنهم لما أسروا الأسارى يوم بدر، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر وعمر رضي الله عنهما: ما ترون في هؤلاء الأسارى؟ فقال أبو بكر: يا رسول الله بنو العمم والعشيرة، أرى أن تأخذ منهم فدية، فتكون لنا قوة على الكفار، فعسى الله أن يهديهم إلى الإسلام، فقال صلى الله عليه وسلم: ما ترى يا ابن الخطاب؟ قلت: لا والله يا رسول الله ما أرى الذي رأى أبو بكر، ولكن أرى أن تمكننا، فنضرب أعناقهم، فإن هؤلاء أثمة الكفر وصناديده، فهوى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال أبو بكر ولم يهو ما قلت، فلما كان من الغد فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر قاعدان يبكيان، فقلت: يا رسول الله أخبرني من أي شيء تبكي وصاحبك؟ فقال أبكي للذي عرض على أصحابك من أخذهم الفداء، لقد عرض عليّ عذابهم أدنى من هذه الشجرة ، وأنزل الله تعالى الآية انتهى. قال القاري: ويمكن أن يقال جمعاً بين الآية والحديث أن اختيار الفداء منهم أولاً كان بالإطلاق ثم وقع التخيير بعده بالتقييد والله أعلم.
قوله: "وفي الباب عن ابن مسعود وأنس وأبي برزة وجبير بن مطعم" أما حديث ابن مسعود، فأخرجه أبو داود، وأما حديث أنس، فأخرجه مسلم،

(5/187)


هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ مِن حديثِ الثّوْرِيّ لا نَعْرِفُهُ إلاّ مِن حَديثِ ابنِ أبِي زَائِدَةَ.
وَرَوَى أبو أُسَامَةَ عن هِشَامٍ عن ابنِ سِيرِينَ عن عُبَيْدَةَ عن علي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم نَحوَهُ.
ورَوَى ابنُ عَونٍ عن ابنِ سِيرِينَ عن عُبَيْدَةَ عن عليّ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم مُرْسلاً.
وأبو داود الحَفرِيّ اسْمُهُ عُمرُ بنُ سَعْدٍ.
1615ـ حدثنا ابنُ أبي عُمرَ حدثنا سُفْيَانُ حدثنا أيّوبُ عن أبِي قِلاَبَةَ عن عَمّهِ عن عمرانَ بنِ حُصَيْنٍ:"أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم فَدَى رجُلَيْنِ مِن المسلمينَ برَجُلٍ مِنَ المشرِكينَ".
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
وأما حديث أبي برزة، فلينظر من أخرجه، وأما حديث جبير بن مطعم، فأخرجه البخاري.
قوله:"هذا حديث حسن غريب الخ"قال الطيبي:قول ابن حبان هذا حديث غريب لا يشعر بالطعن فيه، لأن الغريب قد يكون صحيحاً انتهى. قال القاري: وقد يكون ضعيفاً فيصلح للطعن في الجملة انتهى. قلت: الأمر كان قال الطيبي.
قوله:"أبو داود الحفري" بفتح الحاء المهملة والفاء وبالراء نسبة إلى موضع بالكوفة "اسمه عمر بن سعد"بن عبد ثقة عابد من التاسعة.
"فدي رجلين من المسلمين برجل من المشركين"زاد في رواية أحمد من بني عقيل.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه أحمد وأخرجه مسلم مطولاً.

(5/188)


وَعَمّ أبِي قِلاَبَةَ هو أبو المهَلّبِ واسْمُهُ عبدُ الرحمَنِ بن عَمْرٍو، ويُقَالُ مُعاوِيةُ بنُ عَمْرٍو.وأبو قِلاَبَةَ اسْمُهُ عبدُ الله بنُ زَيْدٍ الجَرْمِيّ.
والعملُ على هذا عِنْدَ أكثرِ أهلِ الْعِلْمِ من أصحابِ النبيّ صلى الله عليه وسلم وغيرِهم أنّ للإمامِ أنْ يَمُنّ على مَن شَاءَ مِنَ الأُسارَى، ويَقتُل مَن شَاءَ مِنهم، وَيَفْدِي مَنْ شَاءَ، واخْتَارَ بعضُ أهلِ الْعِلْمِ القتلَ على الفِدَاءِ.
وقال الأوْزَاعِيّ:بَلَغَنِي أنّ هذِهِ الآية منْسُوخَةٌ:قوله تعالى: {فَإِمّا مَنّا بَعْدُ وَإِمّا فِدَاءً} نَسَخَتْها {فَاقْتُلُوهُم حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُم} .
حدثنا بذلك هَنّادٌ حدثنا ابنُ المباركِ عن الأوْزَاعِيّ. قال إسحاقُ بن منصُورٍ: قلتُ لأحمدَ: إذا أُسِرَ الأَسِيرُ يُقْتَلُ أو يُفَادَى أحَبّ إليكَ؟ قال إن قدروا أن يفادوا فليس له بأس، وان قتل فلا أعلم به بأساً. قال إسحاقُ: الإثْخَانُ أحَبّ إلَيّ إلاّ أنْ يَكُونَ مَعْرُوفاً فأطْمعُ بهِ الكثِيرَ.
ـــــــ
قوله:"وعم أبي قلابة هو أبو المهلب"بضم الميم وفتح الهاء وباللام المشددة المفتوحة الجرمي البصري "واسمه عبد الرحمن بن عمر الخ ثقة من الثانية" .
قوله:"والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم الخ" قال الشوكاني في النيل: مذهب الجمهور أن الأمر في الأسارى الكفرة من الرجال إلى الإمام يفعل ما هو الأحظ للإسلام والمسلمين. وقال الزهري ومجاهد وطائفة: لا يجوز أخذ الفداء من الكفار أصلاً. وعن الحسن وعطاء لا تقتل الأسرى بل يتخير من المن والفداء. وعن مالك: لا يجوز المن بغير فداء. وعن الحنفية: لا يجوز المن أصلاً لا بفداء ولا بغيره. قال الطحاوي: وظاهر الآية يعني قوله تعالى: {فَإِمّا مَنّا بَعْدُ وَإِمّا فِدَاءً} حجة للجمهور، وكذا حديث أبي هريرة في قصة ثمامة. وقال أبو بكر

(5/189)


ـــــــ
الرازي:احتج أصحابنا لكراهية فداء المشركين بالمال، بقوله تعالى: {لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ} الآية ، ولا حجة لهم في ذلك لأنه كان قبل حل الغنيمة كما قدمنا عن ابن عباس: والحاصل أن القرآن والسنة قاضيان بما ذهب إليه الجمهور فإنه قد وقع منه صلى الله عليه وسلم المن وأخذ الفداء، ووقع منه القتل، فإنه قتل النضر ابن الحارث وعقبة بن معيط وغيرهما، ووقع منه فداء رجلين من المسلمين برجل من المشركين، قال: وقد ذهب إلى جواز فك الأيسر من الكفار بالأسير من المسلمين جمهور أهل العلم لحديث عمران بن حصين

(5/190)


باب ماجاء في النهي عن قتل النساء والصبيان
...
19ـ باب ما جاءَ في النّهْيِ عن قَتْلِ النّساءِ والصّبْيَانِ
1617ـ حدثنا قُتَيْبَةُ حدثنا اللّيْثُ عن نَافِعٍ عن ابنِ عُمرَ أخَبَرَهُ "أنّ امْرَأَةً وُجِدَتْ في بعضِ مَغَازِي رسولِ الله صلى الله عليه وسلم مَقْتُولَةً فأَنكَرَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ذلكَ، ونهَى عن قَتْلِ النّسَاءِ والصّبْيَانِ".
وفي البابِ عن بُرَيْدَةَ وَرَبَاحٍ، ويقالُ رَبَاحُ بنُ الرّبِيعِ والأسودِ بن سَرِيعٍ وابنِ عبّاسٍ والصّعْبِ بن جَثامَةَ.
ـــــــ
"باب ما جاءَ في النّهْيِ عن قَتْلِ النّساءِ والصّبْيَانِ"
قوله:"ونهى عن قتل النساء والصبيان"قال ابن الهمام:ما أظن إلا أن حرمة قتل النساء والصبيان إجماع. وعن أبي بكر أنه أوصى يزيد بن أبي سفيان حين بعثه إلى الشام وقال لا تقتلوا الولدان، ولا النساء ولا الشيوخ الحديث، قال: لكن يقتل من قاتل من كل من قلنا إنه لا يقتل كالمجنون والصبي والمرأة والشيوخ والرهبان إلا أن الصبي والمجنون يقتلان في حال قتالهما، أما غيرهما من النساء والرهبان ونحوهم فإنهم يقتلون إذا قاتلوا بعد الأسر، والمرأة الملكة تقتل وإن لم تقاتل، وكذا الصبي الملك والمعتوه الملك، لأن في قتل الملك كسر شوكتهم كذا في المرقاة، قلت: في بعض كلام ابن الهمام هذا تأمل فتأمل.
قوله: "وفي الباب عن بريدة ورباح ويقال رباح بن الربيع" قال الحافظ في الفتح: رباح بكسر الراء المهملة بعدها تحتانية، وقال المنذري بالياء الموحدة، ويقال بالياء

(5/190)


هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. والعملُ على هذا عندَ بعضِ أهلِ العلم مِن أصحابِ النبيّ صلى الله عليه وسلم وَغَيْرِهم كَرِهُوا قَتْلَ النّسَاءِ وَالوِلْدَان.وهو قولُ سُفيانَ الثّوْرِيّ والشافعيّ.
ـــــــ
التحتانية، ورجح البخاري أنه بالموحدة "والأسود بن سريع وابن عباس والصعب ابن جثامة" أما حديث بريدة فأخرجه مسلم، وإما حديث رباح فأخرجه أحمد وأبو داود. وأما حديث الأسود بن سريع فأخرجه أحمد.وأما حديث ابن عباس فأخرجه أحمد وفيه: ولا تقتلوا الولدان ولا أصحاب الصوامع. وأما حديث الصعب بن جثامة فأخرجه الترمذي في هذا الباب.
قوله:"هذا حديث حسن صحيح"أخرجه الجماعة إلا النسائي.
قوله: "والعمل على هذا عند بعض أهل العلم الخ" قال الشوكاني:أحاديث الباب تدل على أنه لا يجوز قتل النساء والصبيان، وإلى ذلك ذهب مالك والأوزاعي، فلا يجوز ذلك عندهما بحال من الأحوال حتى لو تترس أهل الحرب بالنساء والصبيان لم يجز رميهم ولا تحريقهم، وذهب الشافعي والكوفيون إلى الجمع بين الأحاديث المختلفة فقالوا: إذا قاتلت راجع الأصل المرأة جاز قتلها، إذا قاتلت إلا إن باشرت القتل، أو قصدت إليه: ويدل على ما رواه أبو داود في المراسيل عن عكرمة أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بامرأة مقتولة يوم حنين فقال: من قتل هذه؟ فقال رجل: أنا يا رسول الله غنمتها فأردفتها خلفي، فما رأت الهزيمة فيما أهوت إلى قائم سيفي لتقتلني فقتلتها، فلم ينكر عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووصله الطبراني في الكبير وفيه حجاج بن أرطأة وابن أبي شيبة عن عبد الرحمن بن يحيى الأنصاري. ونقل ابن بطال أنه اتفق الجميع على المنع من القصد إلى قتل النساء والولدان، أما النساء فلضعفهن، وأما الولدان فلقصورهم عن فعل الكفار ولما في استبقائهم جميعاً من الانتفاع إما

(5/191)


ورخّصَ بَعْضُ أهلِ الْعِلْمِ في البَيَاتِ وَقتلِ النّسَاءِ فيهم والوِلْدَانِ، وهو قَوْلُ أحمدَ وإسحاقَ، ورَخّصَا فِي البَيَاتِ.
1618ـ حدثنا نَصْرُ بنُ علي الْجَهْضَمِيّ حدثنا سُفيانُ بنُ عُيَيْنَةَ عن الزّهْرِيّ عن عُبَيْدِ الله بنِ عبدِ الله عن ابنِ عباسٍ قال: أخبَرَنِي الصّعْبُ بنُ جَثّامَةَ قال:"قلتُ يَا رسولَ الله إنّ خَيْلَنَا أوْطئتْ مِن نِسَاءِ المُشرِكينَ وأوْلاَدِهِم، قال: هُمْ مِنْ آبائِهم ".
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
بالرق أو الفداء فيمن يجوز أن يفادي به انتهى "ورخص بعض أهل العلم في البيات" بفتح الموحدة هو الغارة بالليل "وقتل النساء فيهم"أي في الكفار "والولدان" عطف على النساء "وهو قول أحمد إسحاق رخصاً في البيات".قال الحافظ في الفتح قال أحمد: لا بأس في البيات ولا أعلم أحداً كرهه انتهى.
قوله: "أخبرني الصعب بن جثامة"بفتح الجيم وتشديد المثلثة الليثي صحابي عاش إلى خلافة عثمان.
قوله:"هم من آبائهم"وفي رواية البخاري: هم منهم، قال الحافظ أي في الحكم تلك الحالة، فليس المراد إباحة قتلهم بطريق القصد إليهم بل المراد إذا لم يمكن الوصول إلى الآباء إلا بوطء الذرية، فإذا أصيبوا لاختلاطهم بهم جاز قتلهم.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" أخرجه الجماعة إلا النسائي، وزاد أبو داود قال الزهري: ثم نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل النساء والصبيان كذا في المنتقى. قال الشوكاني: استدل به من قال إنه لا يجوز قتلهم مطلقاً انتهى. قال وهذه الزيادة أخرجها الإسماعيلي من طريق جعفر الفريابي عن علي بن المديني عن سفيان بلفظ: وكان الزهري إذا حدث بهذا الحديث قال وأخبرني أبي بن كعب بن مالك عن عمه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بعث إلى ابن أبي الحقيق نهى عن قتل النساء والصبيان. وأخرجه أيضاً ابن حبان مرسلاً كأبي داود، قال في الفتح: وكأن الزهري أشار بذلك إلى نسخ حديث الصعب انتهى

(5/192)


20ـ باب
1619 ـ حدثنا قُتَيْبَةُ حدثنا اللّيْثُ عن بُكَيْرٍ بنِ عبدِ الله عن سُلَيْمانَ بنِ يَسَارٍ عن أبي هُرَيْرَةَ قال: "بَعَثَنا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في بَعْثٍ، فقال: إنْ وَجَدْتُمْ فُلاَناً وَفُلاَناً لِرَجُلَيْنِ مِن قُرَيْشٍ فأحْرِقُوهُمَا بِالنّارِ ، ثم قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم حينَ أرَدْنَا الخُرُوجَ: إنّي كُنْتُ أمَرْتُكُمْ أنْ تحرِقُوا فُلاناً وفلاناً بالنّارِ، وإنّ النّارَ لا يُعَذّبُ بها إلاّ الله، فإن وَجَدْتُمُوهما فَاقْتُلُوهُمَا ".
وفي البابِ عن ابنِ عباسٍ وَحَمْزَةَ بنِ عَمْرٍو الأسْلَمِيّ.
"قال أبو عيسى"حديثُ أبي هُرَيْرَةَ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. والعملُ على هذا عندَ أهل العِلْمِ. وقد ذكَرَ محمدُ بن إسحاقَ بَيْنَ سُلَيْمانَ بن يَسَارٍ وبَيْنَ أبي هُرَيْرَةَ رجلاً في هذا الحديثِ. ورَوَى غَيْرُ واحِدٍ مِثْلَ رِوَايَةِ اللّيْثِ. وحديثُ اللّيْثِ بنِ سَعْدٍ أَشْبَهُ وَأَصَحّ.
ـــــــ
"باب"
قوله: "في بعث" أي في جيش "وإن النار لا يعذب بها إلا الله" هو خبر بمعنى النهي. وقد اختلف السلف في التحريق فكره ذلك عمر وابن عباس وغيرهما مطلقاً سواء كان في سبب كفر أو في حال مقاتلة أو في قصاص، وأجازه علي وخالد بن الوليد وغيرهما. قال المهلب: ليس هذا النهي عن التحريم بل على سبيل التواضع، ويدل على جواز التحريق فعل الصحابة، وقد سمل النبي صلى الله عليه وسلم، أعين العرنيين بالحديد، وقد أحرق أبو بكر بالنار في حضرة الصحابة وحرق خالد بن الوليد ناساً من أهل الردة، وكذلك حرق علي.
قوله: "حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح" وأخرجه أحمد والبخاري وأبو داود

(5/193)


باب ماجاء في الغلول
...
21ـ باب ما جاءَ في الغُلُول
1620ـ حدثنا قُتَيْبَةُ حدثنا أبو عَوَانَةَ عن قَتَادَةَ عن سالمِ بنِ أبي الْجَعْدِ عن ثَوْبَانَ قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَن ماتَ وهو بَرِيءٌ مِن ثلاثٍ الكِبْرِ والغُلُولِ والدّيْنِ دَخَلَ الْجَنّةَ" .
وفي البابِ عن أبي هُرَيْرَةَ وزَيْدِ بنِ خَالِدٍ الجُهَنِيّ.
ـــــــ
"باب ما جاءَ في الغُلُول"
قال المنذري في الترغيب: الغلول هو ما يأخذه أحد الغزاة من الغنيمة مختصاً به ولا يحضره إلى أمير الجيش ليقسمه بين الغزاة، سواء قل أو كثر، وسواء كان الآخذ أمير الجيش أو أحدهم. واختلف العلماء في الطعام والعلوفة ونحوهما اختلافاً كثيراً انتهى. وقال الجزري في النهاية: الغلول الخيانة في المغنم والسرقة من الغنيمة قبل القسمة، وكل من خان في شيء خفية فقد غل، وسميت غلولاً لأن الأيدي فيها مغلولة أي ممنوعة، مجعول فيها غل، وهو الحديدة التي تجمع يد الأسير إلى عنقه ويقال لها جامعة أيضاً انتهى
قوله:"وهو بريء من الكبر"بكسر الكاف وسكون الموحدة وبالراء "والدين" بفتح الدال المهملة وسكون التحتانية "دخل الجنة" يفهم منه أن من مات وهو ليس بريئاً من هذه الثلاث لا يدخل الجنة.
قوله: "وفي الباب عن أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني" أما حديث أبي هريرة فأخرجه الشيخان. وأما حديث زيد بن خالد فأخرجه مالك وأحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه.
اعلم أن الترمذي لم يحكم على حديث ثوبان هذا بشيء من الصحة والضعف، وقد صححه الحاكم قال المنذري في الترغيب بعد ذكر هذا الحديث: رواه الترمذي والنسائي وابن ماجه وابن حبان في صحيحه والحاكم وقال صحيح على شرطهما.

(5/194)


1621ـ حدثنا محمدُ بنِ بَشّارٍ حدثنا ابن أبي عَدِي عن سعيدٍ عن قَتَادَةَ عن سَالِمِ بنِ أبي الْجَعْدِ عن مَعْدَانَ بن أبي طَلْحَةَ عن ثَوْبَانَ قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ فَارَقَ الرّوحُ الْجَسَدَ وَهُوَ بَريءٌ مِنْ ثَلاَثٍ: الكَنْز وَالغُلُولِ والدّيْنِ دَخَلَ الجَنّةَ" هكذا. قال سَعيدٌ: الكَنْزَ، وقال أبو عَوَانَةَ في حديثِهِ: الكِبْرَ، ولمْ يذكر فيه عن مَعْدَانَ. ورِوَايَةُ سَعيدٍ أصَحّ.
1622ـ حدثنا الحسَنُ بنُ عليّ حدثنا عبدُ الصّمَدِ بنُ عبدِ الوارِثِ حدثنا عِكْرِمَةُ بنُ عَمّارٍ حدثنا سِمَاكٌ أبو زُمَيْلٍ الحَنَفِيّ قال: سَمِعْتُ ابنَ عباسٍ يقولُ حدثني عُمَرُ بنُ الخطابِ قال: "قِيلَ يَا رسولَ الله إنّ فُلاَناً قد اسْتُشْهِدَ، قال: "كَلاّ قد رَأَيْتُهُ في النّارِ بِعَبَاءَةٍ قد غَلّها" ، قال: " قُمْ يَا عليّ فنَادِ أنّهُ لا يَدْخُلُ الْجَنّةَ إلاّ المؤمِن ثلاثاً" .
ـــــــ
قوله: "عن سعيد" هو ابن أبي عروبة "من فارق الروح الجسد" أي من فارق روحه جسده، وكذلك وقع في بعض نسخ الترغيب "الكنز" بفتح الكاف وسكون النون وبالزاي. قال في مجمع البحار لغة المال المدفون تحت الأرض، فإذا أخرج منه الواجب لم يبق كنزاً شرعاً وإن كان مكنوزاً لغة، ويشهد عليه ما ورد: كل ما أديت زكاته فليس بكنز "هكذا قال سعيد: الكنز" يعني بالكاف والنون والزاي "وقال أبو عوانة في حديثه الكبر" يعني بالكاف الموحدة والراء "ورواية سعيد أصح" قال البيهقي في كتابه عن أبي عبد الله يعني الحاكم: الكنز مقيد بالزاي والصحيح في حديث أبي عوانة بالراء.
قوله: "حدثنا سِمَاك أبو زميل" بضم الزاي المعجمة وفتح الميم مصغراً، وسِمَاك بكسر أوله وتخفيف الميم وهو ابن الوليد اليمامي ليس به بأس من الثالثة "إن فلاناً قد استشهد" بصيغة المجهول أي صار شهيداً "قال كلا" زجر ورد

(5/195)


"هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ.
ـــــــ
لقولهم في هذا الرجل إنه شهيد محكوم له بالجنة أول وهلة، بل هو في النار بسبب غلوله "بعباءة" العباء والعباءة ضرب من الأكسية قاله الطيبي، وقال في القاموس العباء كساء كالعباءة.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح وأخرجه أحمد ومسلم. وأحاديث الباب تدل على تحريم الغلول من غير فرق بين القليل منه والكثير، وقد ورد في حديث أبي هريرة عند مسلم: لا يغل أحدكم حين يغل وهو مؤمن. ونقل النووي الإجماع على أنه من الكبائر، وقد صرح القرآن والسنة بأن الغال يأتي يوم القيامة والشيء الذي غله معه

(5/196)


باب ماجاء في خروج النساء في الحرب
...
22 ـ باب ما جاءَ في خُرُوجِ النساءِ في الْحَرْب
1623 ـ حدثنا بِشْرُ بنُ هِلاَلٍ الصّوّافُ حدثنا جَعْفَرُ بنُ سُلَيْمَانَ الضّبَعِيّ عن ثَابِتٍ عن أنَسٍ قال: "كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يَغْزُو بأُمّ سُلَيْمٍ ونِسْوَةٍ مَعَهَا مِنَ الأنْصَارِ يَسْقِينَ الماءَ، ويُدَاوِينَ الجَرْحَى".
ـــــــ
"باب ما جاءَ في خُرُوجِ النساءِ في الْحَرْب"
قوله: "يسقين الماء ويداوين الجرحى" وفي حديث الربيع نسقي القوم ونخدمهم ونرد القتلى والجرحى إلى المدينة، وفي حديث أم عطية عند أحمد ومسلم وابن ماجه قالت: غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سبع غزوات أخلفهم في رحالهم وأصنع لهم الطعام وأداوي الجرحى وأقوم على الزمنى. وفي هذه الأحاديث دليل على أنه يجوز خروج النساء في الحرب لهذه المصالح. والجهاد ليس بواجب على النساء، يدل على ذلك حديث عائشة عند أحمد والبخاري قالت: يا رسول الله نرى الجهاد أفضل العمل، أفلا نجاهد؟ قال: لكن أفضل الجهاد حج مبرور. قال ابن بطال: دل حديث عائشة على أن الجهاد غير واجب على النساء، ولكن ليس في قوله أفضل الجهاد حج مبرور، وفي رواية البخاري: جهادكن الحج. ما يدل على أنه ليس لهن أن يتطوعن بالجهاد، وإنما لم يكن واجباً

(5/196)


وفي البابِ عن الرّبَيّعِ بنْتِ مُعَوّذٍ. وهذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ
ـــــــ
لما فيه من مغايرة المطلوب منهن من الستر ومجانبة الرجال، فلذلك كان الحج أفضل لهن من الجهاد انتهى.
قوله: "وفي الباب عن الربيع بنت معوذ" أخرجه أحمد والبخاري.
قوله: "وهذا حديث حسن صحيح" وأخرجه مسلم

(5/197)


باب ماجاء في قبول هدايا المشركين
...
23 ـ بابُ ما جاءَ في قبُولِ هَدَايا المُشرِكين
1624 ـ حدثنا عليّ بنُ سَعِيدٍ الكِنْدِيّ حدثنا عبدُ الرّحِيمِ بنُ سُلَيْمانَ عن إسْرَائِيلَ عن ثوَيْرٍ عن أبيهِ عن عليّ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: "أنّ كِسْرَى أهْدَى له فَقَبِلَ، وَأنّ المُلُوكَ أهْدوا إليهِ فَقَبِلَ مِنْهُمْ".
وفي البابِ عن جَابرٍ. وهذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ. وَثُوَيْرٌ بنُ أبِي فَاختَةَ اسْمُهُ سعيدُ بنُ عِلاَقَةَ. وَثُوْيرٌ يُكْنَى أبَا جَهْمٍ.
ـــــــ
"بابُ ما جاءَ في قبُولِ هَدَايا المُشرِكين"
قوله: "عن ثوير" بضم الثاء المثلثة وفتح الواو مصغراً.
قوله: "إن كسرى" بكسر الفاء وفتحها لقب ملوك الفرس "فقبل منهم" هذا الحديث من الأحاديث التي تدل على جواز قبول هدايا المشركين وهي كثيرة، وسيأتي التوفيق بينها وبين الأحاديث التي تدل على المنع.
قوله: "وفي الباب عن جابر" قال العيني في شرح البخاري: روى في هذا الباب عن جماعة من الصحابة عن جابر رضي الله عنه رواه ابن عدي في الكامل عنه، قال: أهدى النجاشي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قارورة من غالية، وكان أول من عمل له الغالية. قال العيني: لم أجد في هدايا الملوك له صلى الله عليه وسلم من حديث جابر إلا هذا الحديث، والنجاشي كان قد أسلم، ولا مدخل للحديث في الباب إلا أن يكون أهداه له قبل إسلامه وفيه نظر، ويحتمل أن يراد بالنجاشي

(5/197)


ـــــــ
نجاشي آخر، من ملوك الحبشة لم يسلم كما في الحديث الصحيح عند مسلم من حديث أنس: أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب قبل موته إلى كسرى وقيصر وإلى النجاشي وإلى كل جبار يدعوهم الحديث. وعن أبي حميد الساعدي قال: غزونا مع النبي صلى الله عليه وسلم الحديث وفيه وأهدى ملك أيلة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بغلة بيضاء فكساه رسول الله صلى الله عليه وسلم بردة وكتب له ببحرهم، أخرجه الشيخان. وعن أنس أخرجه مسلم والنسائي من رواية قتادة عنه: أن أكيدر دومة الجندل أهدى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم جبة من سندس. ولأنس حديث آخر رواه ابن عدي في الكامل من رواية علي بن زيد عن أنس: أن ملك الروم أهدى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ممشقة من سندس فلبسها، أورده في ترجمة علي وضعفه، قال العيني: الممشقة بضم الميم الأولى، وفتح الثانية، وتشديد الشين المعجمة، وبالقاف هو الثوب المصبوغ بالمشق بكسر الميم، وهو المغيرة، ولأنس حديث آخر رواه أبو داود من رواية عمارة بن زاذان عن ثابت عن أنس: أن ملك ذي يزن أهدى لرسول الله صلى الله عليه وسلم حلة أخذها بثلاثة وثلاثين ناقة فقبلها. وعن بلال بن رباح أخرجه أبو داود عنه حديثاً مطولاً، وفيه ألم تر إلى الركائب المناخاة الأربع فقلت بلى. فقال: إن لك رقابهن وما عليهن فإن عليهن كسوة وطعاماً أهداهن إليّ عظيم فدك، فاقبضهن فاقض دينك. وعن حكيم بن حزام أخرجه أحمد في مسنده والطبراني في الكبير من رواية عراك بن مالك أن حكيم بن حزام قال: كان محمد أحب رجل في الناس إليّ في الجاهلية، فلما تنبأ وخرج إلى المدينة شهد حكيم بن حزام الموسم وهو كافر فوجد حلة لذي يزن تباع فاشتراها بخمسين ديناراً ليديها لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقدم بها عليه المدينة فأراده على قبضها هدية فأبى، قال عبد الله: حسبته، قال: إنا لا نقبل شيئاً من المشركين ولكن إن شئت أخذناها بالثمن، فأعطيته حين أبى على الهداية. انتهى ما في شرح البخاري للعيني.
قوله: "وهذا حديث حسن غريب" وأخرجه أيضاً البزار وأورده في التلخيص ولم يتكلم عليه، وفي إسناده ثوير بن أبي فاختة وهو ضعيف قوله: "وثوير هو ابن أبي فاختة" بخاء معجمة مكسورة ومثناة مفتوحة "اسمه" أي اسم أبي فاختة "سعيد بن علاقة" بكسر العين المهملة.

(5/198)


1625 ـ حدثنا محمدُ بنُ بَشّارٍ حدثنا أبو داودَ عن عِمْرانَ القطّانِ عن قَتَادَةَ عن يَزِيدَ بن عبدِ الله "هو ابنِ الشّخّيرِ"عن عَيَاضِ بنِ حِمَارٍ:"أنّهُ أهْدَى للنبيّ صلى الله عليه وسلم هَدْيّة أو نَاقَة، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: أسْلَمْتَ؟ قال:لا:قال: فإنّي نُهِيْتُ عن زَبْدِ المشرِكِينَ ".
قال أبو عيسى:هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.ومعنَى قوله: "إنّي نهِيتُ عَن زَبْدِ المشرِكِينَ" يَعْنِي هَدَايَاهمْ.
وقد رُوِيَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنّهُ كَانَ يَقْبَلُ مِن المشرِكِينَ هَدَايَاهُم. وذُكِرَ في هذا الحديثِ الكرَاهِيَةُ. واحْتمَلَ أنْ يكُونَ هذا بَعْدَ ما كانَ يَقْبَلُ مِنهم ثم نَهَى عن هَدَايَاهُم.
ـــــــ
قوله:"عن عياض"بكسر أوله وتخفيف التحتانية وآخره ضاد معجمة، "بن حمار" بكسر المهملة، وتخفيف الميم التميمي المجاشعي صحابي، سكن البصرة وعاش إلى حدود الخمسين.
قوله: "إني نهيت" بصيغة المجهول "عن زبد المشركين" بفتح الزاي وسكون الباء الموحدة وفي آخره دال مهملة وهو الرفد والعطاء.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه أحمد وأبو داود وصححه ابن خزيمة وفي الباب عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عند موسى بن عقبة في المغازي أن عامر بن مالك الذي يدعي ملاعب الأسنة قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مشرك فأهدى له. فقال: إني لا أقبل هدية المشركين الحديث، قال في الفتح رجاله ثقات إلا أنه مرسل وقد وصله بعضهم ولا يصح.
قوله: "واحتمل أن يكون هذا بعد ما كان يقبل منهم ثم نهى عن هداياهم. قال الحافظ في الفتح: جمع الطبري بين هذه الأحاديث المختلفة بأن الامتناع فيما أهدى له خاصة، والقبول فيما أهدى للمسلمين، وفيه نظر لأن من جملة أدلة الجواز ما وقعت الهدية فيه له صلى الله عليه وسلم خاصة. وجمع غيره بأن الامتناع في حق

(5/199)


ـــــــ
من يريد بهديته التودد والموالاة والقبول في حق من يرجى بذلك تأنيسه وتأليفه على الإسلام، وهذا أقوى من الأول، وقيل يحمل القبول على من كان من أهل الكتاب، والرد على من كان من أهل الأوثان، وقيل يمتنع ذلك لغيره من الأمراء وأن ذلك من خصائصه، ومنهم من ادعى نسخ المنع بأحاديث القبول، ومنهم من عكس، وهذه الأجوبة الثلاثة ضعيفة، فالنسخ لا يثبت بالاحتمال ولا التخصيص انتهى كلام الحافظ.
قلت:يدل على قول من ادعى نسخ المنع بأحاديث القبول ما رواه أحمد عن عامر بن عبد الله بن الزبير قال: قدمت قتيلة ابنة عبد العزي بن سعد على ابنتها أسماء بهدايا ضباب وأقط وسمن وهي مشركة، فأبت أسماء أن تقبل هديتها وتدخلها بيتها، فسألت عائشة النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى: {لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ} إلى آخر الاَية. فأمرها أن تقبل هديتها وأن تدخلها بيتها كذا في المنتقى.
ولا يبعد أن يقال من الأصل هو عدم جواز قبول هدايا المشركين، لكن إذا كانت في قبول هداياهم مصلحة عامة أو خاصة فيجوز قبولها والله تعالى أعلم

(5/200)


باب ماجاء في سجدة الشكر
...
24ـ باب ما جاءَ في سَجْدَةَ الشّكْر
1626ـ حدثنا محمدُ بنُ المُثَنّى حدثنا أبو عَاصِمٍ حدثنا بَكارُ بنُ عبدِ العزيزِ بن أبي بَكْرَةَ عن أبيهِ عن أبي بكرةَ:"أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم أتَاهُ أمْرٌ فَسُرّ بهِ فَخَرّ لله ساجِداً".
ـــــــ
"باب ما جاءَ في سَجْدَةَ الشّكْر"
قوله: "حدثنا بكار بن عبد العزيز بن أبي بكرة" قال الحافظ صدوق يهم، "عن أبيه" أي عبد العزيز بن أبي بكرة وهو صدوق "عن أبي بكرة" ، صحابي اسمه نقيع بن الحارث.
قوله: "فسرّ به" بصيغة المجهول أي فصار مسروراً به "فخر" من الخرور.

(5/200)


هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ لا نَعْرِفُهُ إلاّ مِن هذَا الوجهِ مِن حديثِ بَكّار بنِ عبدِ العزيزِ. والعَمَلُ على هذا عندَ أكثرَ أهلِ الْعِلْمِ رَأَوْا سَجْدَةَ الشّكْرِ وبكار بن عبدالعزيز بن أبي بكرة مقارب الحديث.
ـــــــ
قوله: "هذا حديث حسن غريب" أخرجه الخمسة إلا النسائي، قال الشوكاني: في إسناده بكار بن عبد العزيز وهو ضعيف عند العقيلي وغيره، وقال ابن معين: إنه صالح الحديث انتهى، وقال الحافظ: صدوق يهم. وفي الباب أحاديث كثيرة قال البيهقي: في الباب عن جابر وابن عمر وأنس وجرير وأبي جحيفة انتهى. وقال المنذري: وقد جاء حديث سجدة الشكر من حديث البراء بإسناد صحيح، ومن حديث كعب بن مالك وغير ذلك انتهى.
قلت وفي الباب أيضاً عن عبد الرحمن بن عوف أخرجه أحمد والبزار والحاكم عن سعد بن أبي وقاص أخرجه أبو داود، وقال في المنتقى: وسجد أبو بكر حين جاء قتل مسليمة، رواه سعيد بن منصور، وسجد على حين وجد ذا الثدية في الخوارج، رواه أحمد في مسنده، وسجد كعب بن مالك في عهد النبي صلى الله عليه وسلم لما بشر بتوبة الله عليه، وقصته متفق عليها.
قوله: "والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم، رأوا سجدة الشكر" قال الشوكاني في النيل بعد ذكر أحاديث سجود الشكر ما لفظه: وهذه الأحاديث تدل على مشروعية سجود الشكر، وإلى ذلك ذهب العترة وأحمد والشافعي. وقال مالك، وهو مروي عن أبي حنيفة أنه يكره إذا لم يؤثر عنه صلى الله عليه وسلم مع تواتر النعم عليه صلى الله عليه وسلم. وفي رواية عن أبي حنيفة أنه مباح لأنه لم يؤثر، وإنكار ورود سجود الشكر عن النبي صلى الله عليه وسلم من مثل هذين الإمامين مع وروده عنه صلى الله عليه وسلم من هذه الطرق التي ذكرها المصنف وذكرناها من الغرائب. ومما يؤيد ثبوت سجود الشكر قوله صلى الله عليه وسلم في حديث سجدة ص: " هي لنا شكر ولداود توبة"

(5/201)


باب ماجاء في أمان المرأة والعبد
...
25ـ باب ما جاء في أمَانِ العبد والمرأة
1627 ـ حدثنا يحيى بنُ أكْثَمَ حدثنا عبدُ العزيزِ بنُ أبي حَازِمٍ عن كَثِيرِ بن زَيْدٍ عن الوَلِيدِ بن رَبَاحٍ عن أبي هُرَيْرَةَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "إنّ المرْأَةَ لَتَأْخُذُ لِلْقَوْم يَعْنِي تُجُيِرُ على المسْلِمينَ" .
وفي البابِ عن أُمّ هانئ وهذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ وسألت محمداً فقال هذا حديث صحيح وكثير بن زيد قد سمع من الوليد بن رباح والوليد بن رباح سمع قد أبى هريرة وهو مقارب الحديث.
1628- حدثنا أبو الوَلِيدِ الدّمَشْقِيّ حدثنا الوَلِيدُ بنُ مُسْلِمٍ أخبَرَنِي ابنُ أبي ذب عن سَعِيدٍ المَقْبُرِيّ عن أبي مُرّةَ مولى عَقِيلِ بن أبي طَالِبٍ عن أُمّ هانئ أنهَا قالت: "أجَرْتُ رَجُلَيْنِ مِنْ أحْمائِي، فقالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: قَدْ أمّنّا مَنْ أمّنْتِ ".
ـــــــ
"باب ما جاء في أمَانِ العبد والمرأة"
قوله: "إن المرأة لتأخذ للقوم" أي تأخذ الأمان على المسلمين، أي جاز أن تأخذ المرأة المسلمة الأمان للقوم "يعني تجير على المسلمين" يقال أجرت فلاناً على فلان أغثته منه ومنعته، وإنما فسره به لإبهامه، فإن مفعول قوله لتأخذ محذوف أي الأمان والدال عليه قرائن الأحوال قاله الطيبي.
قوله: "وفي الباب عن أم هانئ" . أخرجه الشيخان، وفيه قوله صلى الله عليه وسلم: قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ ، وأخرجه الترمذي أيضاً مختصراً في هذا الباب.
قوله: "وهذا حديث حسن غريب" ذكره الشوكاني في النيل وسكت عنه.
قوله: "عن أبي مرة" بضم الميم وشدة الراء اسمه يزيد مدني مشهور بكنيته ثقة من الثالثة "عن أم هانئ" بكسر نون وبهمزة اسمها فاختة وقيل عاتكة وقيل هند بنت أبي طالب أسلمت عام فتح مكة "أجرت رجلين من أحمائي" جمع حمو قريب الزوج "قد أمنا" أي أعطينا الأمان.

(5/202)


هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. والعملُ على هذا عندَ أهلِ العلمِ، أجازُوا أمانَ المرْأةِ. وهو قَوْلُ أحمدَ وإسحاقَ، أجَازَا أمَانَ المرْأةِ والعَبْدِ. وقد رُوِيَ من غير وجه. وأبو مُرّةَ مَوْلَى عَقِيلِ بنِ أبي طَالِبٍ، ويُقَالُ له أيْضاً مَوْلَى أُمّ هَانِئ، واسْمُهُ يَزِيدُ وقد روى عن عمر بن الخطاب أنه أجاز أمان العبد.
وقد روي عن عليّ بنِ أبي طَالِبٍ وعبدِ الله بنِ عَمْرٍو. عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "ذِمّةُ المسْلِمِينَ واحِدَةٌ يَسْعَى بها أدْنَاهُمْ" .
مَعْنَى هذا عندَ أهلِ العلمِ أنّ مَنْ أعْطَى الأمانَ مِنَ المسْلِمِينَ فَهُوَ جَائِزٌ عن كُلّهِمْ.
ـــــــ
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان مطولاً

(5/203)


باب ماجاء في الغدر
...
26 ـ باب ما جاءَ في الغَدْر
1629 ـ حدثنا محمودُ بنُ غَيْلاَنَ حدثنا أبو داودَ قال أنْبَأنا شُعْبَةُ قال أخبَرَنِي أبو الفَيْضِ قال: سَمِعْتُ سُلَيْمَ بن عَامِرٍ يقُولُ: "كان بَيْنَ مُعَاوِيَةَ وبَيْنَ أهلِ الرّومِ عَهْدٌ، وكانَ يَسِيرُ في بِلاَدِهم، حتى إذا انْقَضَى العَهْدَ أغَارَ عليهمْ، فإذا رَجُلٌ على دَابة أو على فَرَسٍ وهو يقولُ الله أكْبَرُ وَفَاءٌ لاَ غَدْرٌ،
ـــــــ
"باب ما جاءَ في الغَدْر"
قوله: "أخبرني أبو الفيض" اسمه موسى بن أيوب، ويقال ابن أبي أيوب المهري الحمصي مشهور بكنيته ثقة من الرابعة "قال سمعت سليم بن عامر" بضم السين، وفتح اللام مصغراً الكلاعي ويقال الخبائري الحمصي ثقة من الثالثة غلط من قال إنه أدرك النبي صلى الله عليه وسلم.
قوله: "كان بين معاوية وبين أهل الروم عهد" أي إلى وقت معهود "وكان يسير في بلادهم" أنه يذهب معاوية قبل انقضاء العهد ليقرب من بلادهم حين انقضى العهد "حتى إذا انقضى العهد" أي زمانه "وهو يقول الله أكبر وفاء لا غدر"

(5/203)


وإذا هُوَ عَمْرو بن عَبَسَةَ، فَسَأَلَهُ مُعَاوِيَةُ عن ذلكَ، فقالَ سَمِعْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "مَنْ كانَ بَيْنَهُ وبَيْنَ قَوْمٍ عَهْدٌ فلا يَحُلّنّ عَهْداً ولا يَشُدّنّهُ حتّى يَمْضِي أمَدُهُ أو يَنْبِذَ إليهِم عَلَى سَوَاء" ، قال: فَرَجَعَ مُعَاوِيَةُ بالناسِ".
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
فيه اختصار وحذف لضيق المقام أي ليكن منكم وفاء لا غدر، يعني بعيد من أهل الله وأمة محمد صلى الله عليه وسلم ارتكاب الغدر، وللاستبعاد صدر الجملة بقوله الله أكبر "وإذا هو عمرو بن عبسة" بفتح العين المهملة والباء الموحدة والسين المهملة، كنيته أبو نجيح أسلم قديماً في أول الإسلام قيل كان رابع أربعة في الإسلام عداده في الشاميين، قال في شرح السنة: وإنما كره عمرو بن عبسة ذلك لأنه إذا هادنهم إلى مدة وهو مقيم في وطنه، فقد صارت مدة مسيرة بعد انقضاء المدة المضروبة كالمشروط مع المدة في أن لا يغزوهم فيها، فإذا صار إليهم في أيام الهدنة كان إيقاعه قبل الوقت الذي يتوقعونه فعد ذلك عمرو غدراً، وأما إن نقض أهل الهدنة بأن ظهرت منهم خيانة فله أن يسير إليهم على غفلة منهم، "فسأله معاوية عن ذلك" أي عن دليل ما ذكره "فلا يحلن عهداً" أي عقد عهد "ولا يشدنه" أراد به المبالغة عن عدم التغيير وإلا فلا مانع من الزيادة في العهد والتأكيد. والمعنى لا يغيرن عهداً ولا ينقضه بوجه "حتى يمضي أمده" بفتحتين أي تنقضي غايته "أو ينبذ" بكسر الباء أي يرمي عهدهم "إليهم" بأن يخبرهم بأنه نقض العهد على تقدير خوف الخيانة منهم "على سواء" أي ليكون خصمه مساوياً معه في النقض كيلاً يكون ذلك منه غدراً، لقوله تعالى {وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ} قال الطيبي: على سواء حال، قال المظهر: أي يعلمهم أنه يريد أن يغزوهم وأن الصلح قد ارتفع، فيكون الفريقان في علم ذلك سواء.
قوله: "هذا حديث صحيح" وأخرجه أبو داود

(5/204)


باب ماجاء في أن لكل غادر لواء يوم القياة
...
27ـ باب ما جاءَ أنّ لِكُلّ غَادِرٍ لوَاءً يَوْمَ الْقِيَامَة
1630 ـ حدثنا أحمدُ بنُ مَنِيعٍ، حدثنا إسماعيلُ بنُ إبراهيم قال حدثني صَخْرُ بن جُوَيْرِيَةَ، عن نافعٍ عن ابنِ عُمَرَ قال سَمِعْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقولُ: "إنّ الغَادِرَ يُنْصَبُ لَهُ لِوَاءٌ يَوْمَ القيامة" .
وفي الباب عن عليّ وعبدِ الله بنِ مَسْعُودٍ وأبي سَعِيدٍ الخُدْرِيّ وأنَسٍ.
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ
ـــــــ
"باب ما جاءَ أنّ لِكُلّ غَادِرٍ لوَاءً يَوْمَ الْقِيَامَة"
قوله: "حدثني صخر بن جويرية" أبو نافع مولى بني تميم أو بني هلال، قال أحمد ثقة، وقال القطان ذهب كتابة ثم وجده فتكلم فيه لذلك من السابعة "إن الغادر" الغدر ضد الوفاء أي الخائن لإنسان عاهده أو أمنه "لواء" أي علم خلفه تشهيراً له بالغدر وتفضيحاً على رؤوس الأشهاد "يوم القيامة" زاد في رواية أبي داود وغيره: فيقال هذه غدرة فلان بن فلان.
قوله: "وفي الباب عن علي وعبد الله بن مسعود، وأبي سعيد الخدري وأنس" أما حديث علي وابن مسعود فلينظر من أخرجه، وأما حديث علي فأخرجه مسلم وأما حديث أنس فأخرجه الشيخان.
قوله: "وهذا حديث حسن صحيح" وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي

(5/205)


باب ماجاء في النزول على الحكم
...
28ـ باب ما جاءَ في النّزُولِ على الحُكْم
1631ـ حدثنا قُتَيْبَةُ، حدثنا اللّيْثُ عن أبي الزّبَيْرِ عن جَابرٍ أنه قال: "رُمِيَ يَوْمَ الأحزابِ سَعْدُ بنُ مُعَاذٍ فَقَطَعُوا أكحَلَهُ أو أبْجَلَهُ، فحسَمَهُ
ـــــــ
"باب ما جاءَ في النّزُولِ على الحُكْم"
أي نزول العدو على حكم رجل من المسلمين
قوله: "رمي يوم الأحزاب" أي يوم غزوة الخندق "سعد بن معاذ" نائب

(5/205)


رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بالنارِ فانْتَفَخَتْ يَدُهُ فَتَرَكَهُ فَنَزَفَهُ الدّمُ فَحَسَمَهُ أخرى فانْتَفَخَتْ يَدَهُ، فَلَمّا رأَى ذلكَ قالَ: اللّهُمّ لا تُخْرِجْ نَفْسِي حتى تُقِرّ عَيْنِي مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ، فاسْتَمْسَكَ عِرْقُهُ فما قَطَرَ قَطْرَةً حتى نَزَلُوا على حُكْمِ سَعْدِ بنِ مُعَاذٍ. فأرسلَ إليه فَحَكَمَ أنْ يُقْتَلَ رِجَالُهُمْ وَيسْتَحيَى نِسَاؤُهُمْ يَسْتَعِينُ بِهِنّ المُسْلِمُونَ، فقالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم "أصَبْتَ حُكْمَ الله فيهم" ، وكانوا أربَعمائةٍ، فلمّا فَرَغَ مِنْ قَتْلِهِم انْفَتَقَ عِرْقُهُ فَمَاتَ".
ـــــــ
الفاعل "فقطعوا" أي الكفار "أكحلة" أي أكحل سعد، والأكحل عرق في وسط الذراع يكثر قصده "أو" للشك "أبحلة" الأبحل بالموحدة والجيم عرق في باطن الذراع "فحسمه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنار" أي قطع الدم عنه بالكي "فنزفه" أي خرج منه دم كثير حتى ضعف "فحسمه أخرى" أي مرة أخرى "فلما رأى ذلك" أي فلما رأى سعد عدم قطع الدم "اللهم لا تخرج نفسي" من الإخراج "حتى تقر عيني" من الإقرار وهو من القر بمعنى البرد. والمعنى لا تميتني حتى تجعل قرة عيني من هلاك بني قريظة "فحكم أن تقتل رجالهم وتستحيي نساؤهم" وفي حديث أبي سعيد عند الشيخين: فإني أحكم أن تقتل مقاتلتهم وتسبي ذراريهم "يستعين بهن المسلمون" أي تقسم نساؤهم بين المسلمين فيستعينون بهن ويستخدمون منهن "وكانوا أربعمائة" اختلف في عدتهم فعند ابن إسحاق أنهم كانوا ستمائة وبه جزم أبو عمر بن عبد البر في ترجمة سعد بن معاذ، وعند ابن عائذ من مرسل قتادة كانوا سبعمائة، وفي حديث جابر هذا كانوا أربعمائة فيجمع أن الباقين كانوا أتباعاً. وقد حكى ابن إسحاق أنه قيل إنهم كانوا تسعمائة "انفتق عرقه" ، أي انفتح. وفي الحديث دليل على أنه يجوز نزول العدو على حكم من المسلمين ويلزمهم ما حكم به عليهم من قتل أو أسر واسترقاق. وقد ذكر ابن إسحاق أن بني قريظة لما نزلوا على حكم سعد جلسوا في دار بنت الحارث، وفي رواية أبي الأسود عن عروة بن دار أسامة بن زيد، ويجمع بينهما بأنهم جعلوا في البيتين، ووقع في حديث جابر عند ابن عائذ التصريح بأنهم جعلوا في بيتين. قال

(5/206)


وفي البابِ عن أبي سَعِيدٍ وعَطَيّةَ القُرَظِيّ.
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
1632ـ حدثنا أحمد بن عبدالعزيز حدثنا أبو الوَلِيدِ الدّمَشْقِيّ، حدثنا الوَلِيدُ بنُ مُسْلِمٍ عن سَعِيدٍ بنِ بَشِيرٍ عن قَتَادَةَ عن الحسَنِ عن سَمُرَةَ بنِ جُنْدَبٍ أنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: "اقْتُلُوا شُيُوخَ المشرِكِينَ واسْتَحْيُوا شَرْخَهُمْ" وَالشّرْخُ: الغِلْمَانُ الذّينَ لم يُنْبِتُوا.
"قال أبو عيسى"هذا حديثٌ حسنٌ "صحيحٌ" غريبٌ.
وَرَوَاهُ حَجّاجُ بنُ أرْطَأَةَ عن قَتَادَةَ نَحْوَهُ.
1633 ـ حدثنا هَنّادٌ، حدثنا وَكِيعٌ عن سُفْيَانَ عن عبدِ الملكِ بن
ـــــــ
ابن إسحاق: فخندقوا لهم خنادق فضربت أعناقهم فجرى الدم في الخندق وقسم أموالهم ونساءهم وأبناءهم على المسلمين، وأسهم للخيل، فكان أول يوم وقعت فيه السهمان لها، وعند ابن سعد من مرسل حميد بن بلال أن سعد بن معاذ حكم أيضاً أن تكون دورهم للمهاجرين دون الأنصار، فلامه الأنصار، فقال " إني أحببت أن يستغنوا عن دوركم" .
قوله: "وفي الباب عن أبي سعيد وعطية القرظي" أما حديث أبي سعيد فأخرجه الشيخان. وأما حديث عطية القرظي فأخرجه الترمذي في هذا الباب.
قوله: "وهذا حديث حسن صحيح" وأخرجه النسائي وابن حبان.
قوله: "اقتلوا شيوخ المشركين" أي الرجال الأقوياء أهل النجدة والبأس لا الهرمي الذين لا قوة لهم ولا رأي "واستحيوا" وفي رواية واستبقوا "شرخهم" بفتح الشين المعجمة وسكون الراء وبالخاء المعجمة، قال المناوي أي المراهقين الذين لم يبلغوا الحلم، فيحرم قتل الأطفال والنساء انتهى. "والشرخ الغلمان الذين لم ينبتوا" من الإنبات أي لم ينبت شعر عانتهم.
قوله: "هذا حديث صحيح غريب" وأخرجه أحمد وأبو داود.

(5/207)


عُمَيْرٍ عن عَطِيّةَ القُرَظِيّ:"قال عُرِضْنَا على النبيّ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ قُرَيْظَةَ فكانَ من أنْبَتَ قُتِلَ وَمَنْ لَمْ يُنْبِتْ خُلّى سبيلَهُ، فكُنْتُ مِمّنَ لم يُنْبِتْ فَخَلى سَبِيلِي".
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. والعملُ على هذا عندَ بعضِ أهلِ الْعِلْمِ أنهم يَرَوْنَ الإنْبَاتَ بُلُوغاً إن لَمْ يُعْرَفْ احْتِلاَمُهُ ولا سِنّهُ. وهو قَوْلُ أحمدَ وَإسْحَاقَ.
ـــــــ
قوله:"عن عطية القرظي"بضم القاف وفتح الراء بعدها ظاء مشالة صحابي صغير له حديث يقال، سكن الكوفة "قال عرضنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم" وفي المشكاة قال: كنت في سبي بني قريظة الخ "يوم قريظة" يعني يوم غزوة بني قريظة "فكان من أنبت" أي الشعر "قتل" فإنه من علامات البلوغ فيكون من المقاتلة "فخلى سبيله" أي لم يقتل.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه أبو داود وابن ماجه والدارمي.
قوله: "والعمل على هذا عند بعض أهل العلم أنهم يرون الإنبات بلوغاً إن لم يعرف احتلامه ولا سنة" قال التوربشتي: وإنما اعتبر الإنبات في حقهم لمكان الضرورة، إذ لو سئلوا عن الاحتلام أو مبلغ سنهم لم يكونوا يتحدثوا بالصدق إذ رأوا فيه الهلاك انتهى "وهو قول أحمد وإسحاق" فقد تقدم الكلام في هذه المسألة في باب حد بلوغ الرجل والمرأة

(5/208)


باب ماجاء في الحلف
...
29ـ باب ما جاءَ في الْحِلْف
1634ـ حدثنا حُمَيْدُ بن مَسْعَدَةَ، حدثنا يَزِيدُ بنُ زُرَيْعٍ، حدثنا حُسَيْنٌ المُعَلّمُ عن عَمْرِو بنِ شُعيْبٍ عن أبيهِ عن جَدّهِ أنّ رسولَ الله صلى الله
ـــــــ
"باب ما جاءَ في الْحِلْف"
بكسر الحاء وسكون اللام وبالفاء

(5/208)


عليه وسلم قال في خُطْبَتِهِ: "أوْفُوا بِحلْفِ الْجَاهِلِيّةِ فإنه لا يَزيدُهُ يعني الإسلامُ إلاّ شِدّةً، ولا تُحْدِثُوا حِلْفاً في الإسلامِ" .
وفي البابِ عن عبدِ الرحمَنِ بنِ عَوْفٍ وَأُمّ سَلَمَةَ وَجُبَيْر بنِ مُطْعِمٍ وأبي هريرةَ وابنِ عباسٍ وَقَيْسِ بنِ عَاصِمٍ.
ـــــــ
قوله "أوفوا"من الوفاء وهو القيام بمقتضى العهد "بحلف الجاهلية" أي العهود التي وقعت فيها مما لا يخالف الشرع لقوله تعالى {أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} لكنه مقيد بما قال الله تعالى {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} "فإنه" أي الإسلام "لا يزيده" أي حلف الجاهلية الذي ليس بمخالف للإسلام "إلا شدة"أي شدة توثق فيلزمكم الوفاء به. قال القاري: فإن الإسلام أقوى من الحلف، فمن استمسك بالعاصم القوي استغنى عن العاصم الضعيف، قال في النهاية: أصل الحلف المعاقدة على التعاضد والتساعد والاتفاق، فما كان منه في الجاهلية على الفتن والقتال بين القبائل فذلك الذي ورد النهي عنه في الإسلام بقوله صلى الله عليه وسلم: " لا حلف في الإسلام" ، وما كان منه في الجاهلية على نصرة المظلوم وصلة الأرحام ونحوهما فذلك الذي قال فيه صلى الله عليه وسلم أيما حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة "ولا تحدثوا" من الإحداث أي لا تبتدعوا "حلفاً في الإسلام" قال المناوي: لا تحدثوا فيه محالفة بأن يرث بضعكم بعضاً فإنه لا عبرة فيه انتهى. وقال القاري: أي لأنه كاف في وجوب التعاون قال الطيبي: التنكير فيه يحتمل وجهين أحدهما أن يكون للجنس أي لا تحدثوا حلفاً ما والآخر أن يكون للنوع، قال القاري: الظاهر هو الثاني، ويؤيده قول المظهر يعني إن كنتم حلفتم في الجاهلية بأن يعين بعضكم بعضاً ويرث بعضكم من بعض فإذا أسلمتم فأوفوا به فإن الإسلام يحرضكم على الوفاء به، ولكن لا تحدثوا محالفة في الإسلام بأن يرث بعضكم من بعض انتهى.
قوله: "وفي الباب عن عبد الرحمن بن عوف الخ" أما حديث جبير بن مطعم فأخرجه مسلم وأبو داود عنه مرفوعاً: "لا حلف في الإسلام وأيما حلف كان في

(5/209)


هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة" . وأما أحاديث عبد الرحمن وغيره فلينظر من أخرجها.
قوله:"وهذا حديث حسن صحيح"وأخرجه أحمد

(5/210)


باب في أخذ الجزية من المجوسي
...
30ـ باب في أخْذِ الْجِزْيَةِ مِنَ المَجُوس
1635ـ حدثنا أحمدُ بنُ مَنِيعٍ، حدثنا أبو مُعَاوِيَةَ، حدثنا الْحَجّاجُ بنُ أرْطَأَةَ عن عَمْرِو بنِ دينارٍ عن بَجَالَةَ بنِ عَبْدَةَ قال:كُنْتُ كاتباً لِجَزْءِ بنِ مُعَاوِيَةَ على مَنَاذِرَ، فجاءَنا كِتَابُ عُمَرَ: انْظُرْ مَجُوسَ مَنْ قِبَلَكَ فَخُذْ
ـــــــ
"باب في أخْذِ الْجِزْيَةِ مِنَ المَجُوس"
الجزية من جزأت الشيء إذا قسمته ثم سهلت الهمزة، وقيل من الجزاء أي لأنها جزاء تركهم ببلاد الإسلام، أو من الإجزاء لأنها من تواضع عليه في عصمة دمه، قال الله تعالى { حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} أي ذليلون حقيرون، وهذه الآية هي الأصل في مشروعية الجزية، ودل منطوق الآية مع أهل الكتاب، ومفهومها أن غيرهم لا يشاركهم فيها. قال أبو عبيد: ثبتت الجزية على اليهود والنصارى بالكتاب، وعلى المجوس بالسنة. واحتج غيره بعموم قوله في حديث بريدة وغيره: فإذا ألفيت عدوك من المشركين فادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوا وإلا فالجزية. واحتجوا أيضاً بأن أخذها من المجوس يدل على ترك مفهوم الآية،فلما انتقى تخصيص أهل الكتاب بذلك دل على أن لا مفهوم لقوله من أهل الكتاب، وأجيب بأن المجوس كان لهم كتاب ثم رفع. وروى الشافعي وغيره حديثاً عن علي. ذكره الحافظ في الفتح بإسناد حسن.
قوله: "عن بجالة" بفتح الموحدة وتخفيف الجيم "بن عبدة" التميمي مكي ثقة ويعد في أهل البصرة "قال كنت كاتباً لجزء بن معاوية" بفتح الجيم وسكون الزاي وبهمزة هو تميمي تابعي كان والي عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه بالأهواز "على مناذر" بفتح الميم اسم موضع "انظر مجوس من قبلك" بكسر القاف

(5/210)


مِنْهُمُ الْجِزْيَةَ، فإنّ عبدَ الرحمَنِ بنَ عَوْفٍ أخْبَرَنِي أنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم أخَذَ الْجِزْيَةَ مِنْ مَجُوسِ هَجَرَ.
ـــــــ
وفتح الموحدة "أخذ الجزية من مجوس هجر" بفتح هاء وجيم قاعدة أرض البحرين كذا في المغنى وهو غير منصرف، قال الطيبي: اسم بلد باليمن يلي البحرين واستعماله على التذكير والصرف. وقال في القاموس: هجر محركة بلد باليمن بينه وبين عثر يوم وليلة مذكر مصروف وقد يؤنث ويمنع، واسم لجميع أرض البحرين وقرية كانت قرب المدينة ينسب إليها القلال وتنسب إلى هجر اليمنى. قال في شرح السنة: أجمعوا على أخذ الجزية من المجوس، وذهب أكثرهم إلى أنهم ليسوا من أهل الكتاب وإنما أخذت الجزية منهم بالسنة كما أخذت من اليهود والنصارى بالكتاب، وقيل هم من أهل الكتاب. روى عن علي كرم الله وجهه قال: كان لهم كتاب يدرسونه فأصبحوا وقد أسرى على كتابهم فرفع بين أظهرهم كذا في المرقاة.
قلت: قال الحافظ: روى الشافعي وعبد الرزاق وغيرهما بإسناد حسن عن علي: كان المجوس أهل كتاب يقرأونه وعلم يدرسونه فشرب أميرهم الخمر فوقع على أخته فلما أصبح دعا أهل الطمع فأعطاهم وقال إن آدم كان ينكح أولاده بناته فأطاعوه وقتل من خالفه فأسرى على كتابهم وعلى ما في قلوبهم منه فلم يبق عندهم منه شيء انتهى. والحديث دليل على أن المجوس يؤخذ منهم الجزية. وفرق الحنفية فقالوا تؤخذ من مجوس العجم دون مجوس العرب، وحكى الطحاوي عنهم يقبل الجزية من أهل الكتاب ومن جميع كفار العجم ولا يقبل من مشركي العرب إلا الإسلام أو السيف. وعن مالك تقبل من جميع الكفار إلا من ارتد، وبه قال الأوزاعي وفقهاء الشام انتهى. وقال القاري في شرح حديث بريدة الآتي في باب وصية النبي صلى الله عليه وسلم في القتال ما لفظه: والحديث مما يستدل به مالك والأوزاعي ومن وافقهما على جواز أخذ الجزية من كل كافر عربياً كان أو عجمياً كتابياً أو غير كتابي. وقال أبو حنيفة: تؤخذ الجزية من جميع الكفار إلا من مشركي العرب ومجوسهم. وقال الشافعي: لا تقبل إلا من أهل الكتاب والمجوس أعراباً كانوا

(5/211)


هذا حديثٌ حسنٌ.
1636ـ حدثنا ابنُ أبي عُمَرَ، حدثنا سُفْيَانُ عن عمرو بن دينارٍ عن بَجَالَةَ:"أنّ عُمَرَ كان لا يَأْخُذُ الْجِزْيَةَ مِنَ المَجُوسِ حتى أخْبَرهُ عبْدُ الرحمَنِ بنُ عَوْفٍ أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم أخَذَ الْجِزْيَةَ مِنْ مَجُوسِ هَجَرَ".
وفي الحديثِ كَلاَمٌ أكْثَرُ مِنْ هذا.
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
أو أعاجم، ويحتج بمفهوم الآية وبحديث: سنوا به سنّة أهل الكتاب، وتأول هذا الحديث على أن المراد بهؤلاء أهل الكتاب لأن اسم المشرك يطلق على أهل الكتاب وغيرهم وكان تخصيصه معلوماً عند الصحابة انتهى ما في المرقاة.
قوله: "هذا حديث حسن" وأخرجه أحمد والبخاري وأبو داود.
قوله: "وفي الحديث كلام أكثر من هذا" لهذا الحديث طرق وألفاظ بعضها اختصار وفي بعضها طول ذكرها الشوكاني في النيل.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" أصله في صحيح البخاري

(5/212)


باب ماجاء مايحل من أموال أهل الذمة
...
31ـ باب ما يَحِلّ مِنْ أمْوَالِ أهْلِ الذّمَة
1637 ـ حدثنا قُتَيْبَةُ، حدثنا ابنُ لَهِيعَةَ عن يَزِيدَ بنِ أبي حَبِيبٍ عن أبي الخَيْرِ عن عُقْبَةَ بنِ عَامِرٍ قال: "قُلْتُ يَا رسولَ الله إنّا نمُرّ بِقَوْمٍ فَلاَهُمْ يُضَيّفُونا، ولا هُمْ يُؤَدّونَ مَا لَنا عَليهم من الْحَقّ، وَلا نحنُ نَأْخُذُ
ـــــــ
"باب ما يَحِلّ مِنْ أمْوَالِ أهْلِ الذّمَة"
قوله: "عن أبي الخير" اسمه مرثد بن عبد الله اليزني المصري ثقة فقيه من الثالثة "إنما نمر بقوم" أي من أهل الذمة أو من المسلمين "فلاهم يضيفونا" بتشديد النون

(5/212)


مِنْهُمْ، فقالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إنْ أبَوْا إلاّ أنْ تَأْخُذُوا كَرْهاً فَخُذُوا" .
ـــــــ
وكان أصله يضيفوننا من الإضافة "إن أبوا" أي إن امتننعوا من الإضافة وأداء ما لكم عليهم من الحق "إلا أن تأخذوا كرهاً" بفتح الكاف أي جبراً "فخذوا" أي كرهاً، قال الخطابي: إنما كان يلزم ذلك في زمنه صلى الله عليه وسلم حيث لم يكن بيت مال. وأما اليوم فأرزاقهم في بيت المال لا حق لهم في أموال المسلمين. وقال ابن بطال: قال أكثرهم إنه كان هذا في أول الإسلام حيث كانت المواساة واجبة وهو منسوخ بقوله "جائزته" كما في حديث أبي شريح الخزاعي مرفوعاً: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه جائزته" الحديث، قالوا: والجائزة تفضل لا واجب. قال الشوكاني: الذي ينبغي عليه التعويل هو أن تخصيص ما شرعه صلى الله عليه وسلم لأمته بزمن من الأزمان أو حال من الأحوال لا يقبل إلا بدليل، ولم يقم ههنا دليل على تخصيص هذا الحكم بزمن النبوة وليس فيه مخالفة للقواعد الشرعية، لأن مؤنة الضيافة بعد شرعتها قد صارت لازمة للمضيف لكل نازل عليه، فللنازل المطالبة بهذا الحق الثابت شرعاً كالمطالبة بسائر الحقوق، فإذا أساء إليه بإهمال حقه كان له مكافأة بما أباحه له الشارع في هذا الحديث {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} ، {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} انتهى.
قلت: كما أن تأويل هذا الحديث بتخصيصه بزمنه صلى الله عليه وسلم ضعيف كذلك تأويلاته الأخرى التي تأولوه بها ضعيفة لا دليل عليها، قال النووي: حمل أحمد والليث الحديث على ظاهره، وتأوله الجمهور على وجوه: أحدها أنه محمول على المضطرين فإن ضيافتهم واحبة، وثانيها أن معناه أن لكم أن تأخذوا من أعراضهم بألسنتكم وتذكروا للناس لؤمهم، وثالثها أن هذا كان في أول الإسلام وكانت المواساة واجبة، فلما أشيع الإسلام نسخ ذلك، وهذا التأويل باطل الآن الذي ادعاه المؤول لا يعرف قاتله، ورابعها أنه محمول على من مر بأهل الذمة الذين شرط عليهم ضيافة من يمر بهم من المسلمين، وهذا أيضاً ضعيف لأنه إنما صار هذا

(5/213)


هذا حديثٌ حسنٌ.وقد رَوَاهُ اللّيْثُ بنُ سَعْدٍ عن يَزِيدَ بنِ أبي حَبِيبٍ أيْضاً.
وإنّمَا مَعْنَى هَذَا الحديثِ أنهم كانوا يَخْرُجُونَ في الغَزْوِ فَيَمُرّونَ بِقَوْمٍ ولا يَجِدُونَ مِنَ الطّعَامِ ما يَشْتَرُونَ بالثّمَنِ.وقالَ النبيّ صلى الله عليه وسلم: "إنْ أبَوْا أنْ يَبِيعُوا إلاّ أنْ تأْخُذُوا كَرْهاً فَخُذُوا" .هكَذَا رُوِيَ في بعضِ الحديثِ مُفَسّراً.
وقد رُوِيَ عن عُمَرَ بنِ الخطّابِ رشي الله عنه أنه كان يأْمُرُ بِنَحْوِ هَذَا.
ـــــــ
في زمن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه انتهى. قلت: التأويل الثاني أيضاً باطل قال القاري بعد ذكره: ما أبعد هذا التأويل عن سواء السبيل انتهى. والتأويل الأول أيضاً ضعيف لا دليل عليه، فالظاهر هو ما قال أحمد والليث من أن الحديث محمول على ظاهره ألا وقد قرره الشوكاني، وأما المعنى الذي ذكره الترمذي وقال هكذا روى في بعض الحديث مفسراً فإني لم أقف على هذا الحديث، فإن كان هذا الحديث المفسر قابلاً للاحتجاج فحمل حديث الباب على هذا المعنى متعين والله تعالى أعلم.
قوله: "هذا حديث حسن" أصله في الصحيحين

(5/214)


باب ماجاء في في الهجرة
...
32ـ باب ما جَاءَ في الهجْرَة
1638 ـ حدثنا أحمدُ بن عَبْدَةَ الضّبيّ، حدثنا زِيَادُ بنُ عبدِ الله، حدثنا مَنْصُورُ بنُ المُعْتَمِرِ عن مُجَاهِدٍ عن طَاوسٍ عن ابن عباسٍ عنهُ. قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يَوْمَ فَتْحِ مَكّةَ: "لا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيّةٌ، وإذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا" .
ـــــــ
"باب ما جَاءَ في الهجْرَة"
قوله: "لا هجرة بعد الفتح" أي فتح مكة. قال الخطابي وغيره: كانت الهجرة

(5/214)


وفي البابِ عن أبي سَعِيدٍ وعبدِ الله بنِ عَمْرٍو وعبدِ الله بن حُبْشى.
وهذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.وقد رَوَاهُ سُفْيَانَ الثّوْرِيّ عن مَنْصُورِ بنِ المُعْتَمِرِ نَحْوَ هذا.
ـــــــ
فرضاً في أو الإسلام على من أسلم لقلة المسلمين بالمدينة وحاجتهم إلى الاجتماع، فلما فتح الله مكة دخل الناس في دين الله أفواجاً فسقط فرض الهجرة إلى المدينة، وبقي فرض الجهاد والنية على من قام به أو نزل به عدو انتهى. وكانت الحكمة أيضاً في وجوب الهجرة على من أسلم ليسلم من أذى ذويه من الكفار، فإنهم كانوا يعذبون من أسلم منهم، إلى أن يرجع عن دينه، وفيهم نزلت {إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كُنّا مستضعفين في الأرض، قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها} الآية،وهذه الهجرة باقية الحكم في حق من أسلم في دار الكفر وقدر على الخروج منها. وقد روى النسائي من طريق بهز بن حكيم بن معاوية عن أبيه عن جده مرفوعاً: "لا يقبل الله من مشرك عملاً بعدما أسلم ويفارق المشركين" . ولأبي داود من حديث سمرة مرفوعاً: "أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين" . وهذا محمول على من لم يأمن على دينه "ولكن جهاد ونية" قال الطيبي وغيره: هذا الاستدراك يقتضي مخالفة حكم ما بعده لما قبله، والمعنى أن الهجرة التي هي مفارقة الوطن التي كانت مطلوبة على الأعيان إلى المدينة انقطعت، إلا أن المفارقة بسبب الجهاد باقية، وكذلك المفارقة بسبب نية صالحة كالفرار من دار الكفر والخروج في طلب العلم، والفرار بالدين من الفتن، والنية في جميع ذلك "وإذا استنفرتم فانفروا" قال النووي: يريد أن الخير الذي انقطع بانقطاع الهجرة يمكن تحصيله بالجهاد والنية الصالحة، وإذا أمركم الإمام بالخروج إلى الجهاد ونحوه من الأعمال الصالحة فاخرجوا إليه.
قوله: "وفي الباب عن أبي سعيد وعبد الله بن عمرو وعبد الله بن حبشي" وأما حديث هؤلاء الصحابة رضي الله تعالى عنهم فلينظر من أخرجها.
"وهذا حديث حسن صحيح" أخرجه الجماعة إلا ابن ماجه

(5/215)


باب ماجاء في بيعة النبي صلى الله علبه وسلم
...
33ـ باب ما جاءَ في بَيْعَةِ النبيّ صلى الله عليه وسلم
1639 ـ حدثنا سَعِيدُ بنُ يَحْيَى بنِ سَعِيدٍ الأمَوِيّ، حدثنا عيسَى بنُ يونُسَ عن الأوْزَاعِيّ عن يَحْيَى بنِ أبي كَثِيرٍ عن أبي سَلَمَةَ عن جَابِرِ بن عبدِ الله في قَوْلِهِ تعالى: {لَقَدْ رَضِيَ الله عَنِ المُؤْمِنِينَ إذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشّجَرَةِ} . قال جَابِرٌ: "بَايَعْنَا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم على أنْ لا نَفِرّ وَلَمْ نُبَايَعْهُ على المَوْتِ".
وفي البابِ عن سَلَمَةَ بنِ الأكْوَعِ وَابنِ عُمَرَ وَعُبَادَةَ وَجَرِيرِ بنِ عبدِ الله.
"وقد رُوِيَ هذا الحديثُ عن عيسى بن يُونُسَ عن الأوْزَاعِيّ عن يَحْيَى بنِ أبي كَثِيرٍ، قالَ: قالَ جابِرُ بنُ عبدِ الله وَلَمْ يَذُكَرْ فيهِ أبو سَلَمَةَ.
1640ـ حدثنا قُتَيْبَةُ، حدثنا حَاتِمُ بنُ إسماعيلَ عن يَزِيدَ بنِ أبي
ـــــــ
"باب ما جاءَ في بَيْعَةِ النبيّ صلى الله عليه وسلم"
قوله:"إذ يبايعوك"أي بالحديبية على أن يناجزوا قريشاً ولا يسفروا "تحت الشجرة" كانت هذه الشجرة سمرة "بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن لا نفر ولم نبايعه على الموت".وفي حديث يزيد بن أبي عبيد الآتي قال: قلت لسلمة بن الأكوع: على أي شيء بايعتم رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية، قال: على الموت، ولا تنافي بين هذين الحديثين لاحتمال أن يكون ذلك في مقامين أو أحدهما يستلزم الآخر، قاله الحافظ.
قوله: "وفي الباب عن سلمة بن الأكوع وابن عمر وعبادة وجرير بن عبد الله" أما حديث سلمة فأخرجه الترمذي في هذا الباب. وأما حديث ابن عمر فأخرجه البخاري. وأما حديث عبادة فأخرجه البخاري ومسلم وأما حديث جرير بن عبد الله فأخرجه البخاري.

(5/216)


عُبَيْدٍ قال:"قُلْتُ لِسَلَمَةَ بنِ الأكْوَعِ:على أيّ شَيْءٍ بَايَعْتُمْ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يَوْمَ الْحُدَيْبِيةِ؟ قال: على المَوْتِ".
"هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ" .
1641ـ حدثنا عليّ بنُ حُجْرٍ، أخبرنا إسماعيلُ بنُ جَعْفَرٍ عن عبدِ الله بنِ دينارٍ عن ابنِ عُمَرَ قال: كُنّا نُبَايِعُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم على السّمْعِ والطاعَةِ، فَيَقُولُ لَنَا فِيما اسْتَطَعْتُمْ ".
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ كلاهما.
1642 ـ حدثنا أحمدُ بنُ مَنِيعٍ، حدثنا سُفْيَانُ بنُ عُيَيْنَةَ عن أبي الزّبَيرِ عن جَابِرِ بنِ عبدِ الله قال: "لَمْ نُبَايِعْ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم على المَوْتِ إنّمَا بَايَعْنَاهُ على أن لا نَفِرّ"هذا حديث حسن صحيح
ـــــــ
قوله:"قال على الموت"أي بايعنا على الموت، والمراد بالمبايعة على الموت أن لا يفروا ولو ماتوا، وليس المراد أن يقع الموت، فليس بين هذا الحديث والذي قبله منافاة.
قوله:"هذا حديث حسن صحيح" أخرجه البخاري وغيره.
قوله: "فيقول"أي رسول الله صلى الله عليه وسلم "فيما استطعتم" هذا يقيد ما أطلق في أحاديث أخرى.
قوله:"هذا حديث حسن صحيح"وأخرجه البخاري.
قوله:"هذا"أي حديث جابر "حديث حسن صحيح"وأخرجه مسلم.

(5/217)


ومعنى كلا الحديثين صحيح قد بايعه قوم من أصحابه على الموت وإنما قالوا لا نزال بين يديك حتى نقتل وبايعه آخرون فقالوا لا نفر.
ـــــــ
قوله:"ومعنى كلا الحديثين صحيح"أي لا مخالفة بينهما، والمراد بالحديثين، حديث جابر وحديث سلمة بن الأكوع

(5/218)


باب في نكث البيعة
...
34ـ باب ما جاء في نَكْثِ البَيْعَة
1643ـ حدثنا أبو عَمّارٍ، حدثنا وَكِيعٌ عن الأعْمَشِ عن أبي صَالحٍ عن أبي هُرَيْرَةَ قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "ثَلاَثَةٌ لا يُكَلّمُهُمُ الله يَوْمَ الْقِيَامَةِ ولا يُزَكّيهِم وَلَهُمْ عَذَابٌ ألِيمٌ: رَجُلٌ بَايَعَ إمَاماً فإنْ أعطَاهُ وَفَى لَهُ، وإن لم يُعْطِهِ لَمْ يَفِ لَهُ" .
ـــــــ
"باب ما جاء في نَكْثِ البَيْعَة"
أي نقضها، والنكث: نقض العهد.
قوله:"ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة"قال النووي:قيل معنى لا يكلمهم الله تكليم من رضي عنه بإظهار الرضا بل بكلام يدل على السخط. وقيل المراد أنه يعرض عنهم، وقيل لا يكلمهم كلاماً يسرهم، وقيل لا يرسل إليهم الملائكة بالتحية ومعنى لا ينظر إليهم: يعرض عنهم، ومعنى نظره لعباده رحمته لهم، ولطفه بهم.ومعنى لا يزكيهم:لا يطهرهم من الذنوب، وقيل لا يثني عليهم انتهى. "رجل بايع إماماً" زاد في رواية البخاري. لا يبايعه إلا لدنيا "فإن أعطاه وفى له" وفي رواية البخاري:فإن أعطاه ما يريد وفى له، وإن لم يف له، وفي رواية:فإن أعطاه ما يريد رضي وإلا سخط.
اعلم أن الترمذي رحمه الله ذكر واحداً من الثلاثة وترك الاثنين اختصاراً، ولفظ الحديث بتمامه في صحيح البخاري هكذا: "ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكهم ولهم عذاب أليم:رجل على فضل ماء بالطريق يمنع منه ابن السبيل،

(5/218)


باب ماجاء في بيعة العبد
...
35ـ باب ما جاءَ في بَيْعَةِ العَبْد
1644ـ حدثنا قُتَيْبَةُ حدثنا اللّيْثُ بن سعد عن أبي الزّبَيْرِ عن جَابِرٍ أنه قال: "جاءَ عَبْدٌ فَبَايَعَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم على الهجرة ولا يَشْعُرُ النبيّ صلى الله عليه وسلم أنّهُ عَبْدٌ، فَجَاءَ سَيّدُهُ، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم بعْنِيهِ ، فاشْتَرَاهُ بِعَبْدَيْنِ أسْوَدَيْنِ وَلَمْ يُبَايِعْ أحَداً بَعْدُ حتى يَسْأَلهُ أعَبْدٌ هُوَ".
ـــــــ
"باب ما جاءَ في بَيْعَةِ العَبْد"
قوله:"فجاء سيده"وفي رواية مسلم: فجاء سيده يريده قوله:"فاشتراه بعبدين أسودين" قال النووي: هذا محمول على أن سيده كان مسلماً ولهذا باعه بالعبدين الأسودين، والظاهر أنهما كانا مسلمين ولا يجوز بيع العبد المسلم بكافر، ويحتمل أنه كان كافراً، وأنهما كانا كافرين، ولا بد من ثبوت ملكه للعبد الذي بايع على الهجرة إما ببينة وإما بتصديق العبد قبل إقراره بالحرية. وفيه جواز بيع عبد بعبدين سواء كانت القيمة متفقة أو مختلفة، وهذا مجمع عليه إذا بيع نقداً، وكذا حكم سائر الحيوان فإن باع عبداً بعبدين أو بعيراً ببعيرين إلى أجل، فمذهب الشافعي والجمهور جوازه، وقال أبو حنيفة والكوفيون لا يجوز، وفيه مذهب لغيرهم انتهى "ولم يبايع أحداً بعد" بالبناء على الضم أي بعد ذلك "حتى يسأله أعبد هو" بهمزة الاستفهام، وفيه أن أحداً إذا جاء الإمام ليبايعه على الهجرة ولا يعلم أنه عبد أو حر فلا يبايعه حتى يسأله، فإن كان حراً يبايعه وإلا فلا.

(5/219)


باب ماجاء في بيعة النساء
...
36ـ باب ما جاءَ في بَيْعَةِ النّسَاء
1645 ـ حدثنا قُتَيْبَةُ حدثنا سُفْيَانُ بن عينية عن ابنِ المُنْكَدِرِ سَمِعَ أُمَيْمَةَ بِنْتِ رُقَيْقَةَ تقول:"بَايَعْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم في نِسْوَةٍ، فقالَ لنا " في ما اسْتَطَعْتُنّ وَأَطْقْتُنّ" ، قلتُ الله ورسولُهُ أرحَمُ بِنَا مِنّا بِأَنْفُسِنَا، قُلْتُ يَا رسولَ الله بايعْنَا، قالَ سُفْيَانُ: تَعْنِي صَافِحْنَا، فقالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم "إ نّمَا قَوْلِي لِمائَةِ امْرَأَةٍ كَقَولِي لاِمْرَأَةٍ وَاحِدَ ةٍ" .
ـــــــ
"باب ما جاءَ في بَيْعَةِ النّسَاء"
قوله:"سمع أميمة"بضم الهمزة وفتح الميمين بينهما تحتانية ساكنة "بنت رقيقة" بضم الراء وفتح القافين بينهما تحتانية ساكنة، قال في التقريب اسم أبيها عبد الله بن بجاد التيمي لها حديثان وهي غير أميمة بنت رقيقة الثقفية تابعية.
قوله: "وأطقتن" من الإطاقة "قال سفيان: تعني صافحنا" أي قال سفيان في تفسير قوله أميمة "بايعنا" تريد به صافحنا، يعني أطلقت لفظ "بايعنا" وأرادت به صافحنا "فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما قولي الخ" كذا روى الترمذي هذا الحديث مختصراً. ورواه النسائي والطبري أنها دخلت في نسوة تبايع فقلن: يا رسول الله ابسط يدك نصافحك، فقال " إني لا أصافح النساء ولكن سآخذ عليكن" ، فأخذ علينا حتى بلغ "ولا يعصينك في معروف" فقال فيما أطقتن واستطعتن إلخ.

(5/220)


وفي البابِ عن عائشةَ وعبدِ الله بنِ عمر وأسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ.
ـــــــ
قوله:"وفي الباب عن عائشة وعبد الله بن عمرو وأسماء بنت يزيد"أما حديث عائشة فأخرجه البخاري وغيره وفيه:والله ما مست يده يد امرأة قط في المبايعة، ما يبايعهن إلا بقوله قد بايعتك على ذلك. قال الحافظ قوله:قد بايعتك، كلاماً، أي يقول ذلك كلاماً فقط لا مصافحة باليد كما جرت العادة بمصافحة الرجال عند المبايعة، وكأن عائشة أشارت بقولها والله ما مست الخ إلى الرد على ما جاء عن أم عطية، فعند ابن خزيمة وابن حبان والبزار والطبري وابن مردويه من طريق إسماعيل بن عبد الرحمن عن جدته أم عطية في قصة المبايعة قال: فمد يده من خارج البيت ومددنا أيدينا من داخل البيت ثم قال لهم اشهد، وكذا الحديث الذي بعده حيث قالت فيه: قبضت منا امرأة يدها فإنه يشعر بأنهن كن يبايعنه بأيديهن، ويمسكن الجواب عن الأول بأن مد الأيدي من وراء الحجاب إشارة إلى وقوع المبايعة وإن لم تقع مصافحة، وعن الثاني بأن المراد بقبض اليد التأخر عن القبول، أو كانت المبايعة تقع بحائل، فقد روى أبو داود في المراسيل عن الشعبي أن النبي صلى الله عليه وسلم حين بايع النساء أتى ببرد قطري فوضعه في يده وقال لا أصافح النساء. وعند عبد الرزاق من طريق إبراهيم النخعي مرسلاً نحوه، وعند سعيد بن منصور من طريق قيس بن أبي حازم كذلك. وأخرج ابن إسحاق في المغازي من رواية يونس بن بكير عنه عن أبان بن صالح أنه صلى الله عليه وسلم كان يغمس يده في إناء وتغمس المرأة يدها فيه ويحتمل التعدد. وقد أخرج الطبراني أنه بايعهن بواسطة عمر، وقد جاء في أخبار أخرى أنهن كن يأخذن بيده عند المبايعة من فوق ثوب. أخرجه يحيى بن سلام في تفسيره عن الشعبي وفي المغازي لابن إسحاق عن أبان بن صالح أنه كان يغمس يده في إناء فيغمسن أيديهن فيه. انتهى ما في فتح الباري.
اعلم أن السنة أن تكون بيعة الرجال بالمصافحة والسنة في المصافحة أن تكون باليد اليمنى، فقد روى مسلم في صحيحه عن عمرو بن العاص قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت أبسط يمينك فلأبايعك، فبسط يمينه الحديث، قال القاري في شرح هذا الحديث أي افتح يمينك ومدها لأضع يميني عليها كما هو العادة في البيعة

(5/221)


باب ماجاء في عدة أصحاب بدر
...
37ـ باب ما جاءَ في عِدّةِ "أصْحَابِ"أهلِ بَدْر
1646ـ حدثنا واصِلُ بنُ عبْدِ الأعْلَى حدثنا أبو بَكْرٍ بنِ عَيّاشٍ عن أبي إسحاقَ عن البَرَاءِ قال: "كُنّا نَتحدّثُ أن أصْحَابَ بَدْرٍ يَوْمَ بَدْرٍ كعِدّةِ أصْحَابِ طَالُوتَ ثَلاَثُمَائَةٍ وثَلاَثَة عَشَر".
ـــــــ
"باب ما جاءَ في عِدّةِ "أصْحَابِ" أهلِ بَدْر"
أي الذين شهدوا الوقعة مع النبي صلى الله عليه وسلم ومن ألحق بهم.
قوله:"كعدة أصحاب طالوت"هو ابن قيس من ذرية بنيامين بن يعقوب شقيق يوسف عليه السلام، يقال إنه كان سقاء، ويقال إنه كان دباغاً، والمراد بأصحاب طالوت الذين جاوزا معه النهر ولم يجاوز معه إلا مؤمن كما في رواية البخاري، وقد ذكر الله قصة طالوت في القرآن في سورة البقرة. وذكر أهل العلم في الأخبار أن المراد بالنهر نهر الأردن، وأن جالوت كان رأس الجبارين، وأن طالوت وعد من قتل جالوت أن يزوجه ابنته ويقاسمه الملك، فقتله داود فوفى له طالوت وعظم قدر داود في بني إسرائيل حتى استقل بالمملكة بعد أن كانت نية طالوت تغيرت لداود وهم بقتله فلم يقدر عليه فتاب وانخلع من الملك.

(5/222)


باب ماجاء في الخمس
...
38ـ باب ما جاءَ في الْخُمُس
1647ـ حدثنا قُتَيْبَةُ حدثنا عَبّادُ بنُ عبّادٍ المُهَلّبِيّ عن أبي جَمْرَةَ
ـــــــ
"باب ما جاءَ في الْخُمُس"
بضم الخاء المعجمة، والجمهور على أن ابتداء فرض الخمس كان بقوله تعالى. {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ} الآية،وكان الغنائم تقسم على خمسة أقسام فيعزل خمس منها يصرف فيمن ذكر في الآية،وكان خمس هذا الخمس لرسول الله صلى الله عليه وسلم، واختلف فيمن يستحقه بعده، فمذهب الشافعي أنه يصرف في المصالح، وعنه يرد على الأصناف الثمانية المذكورين في الآية،وهو قول الحنفية مع اختلافهم فيهم، وقيل يختص به الخليفة ويقسم أربعة أخماس الغنيمة على الغانمين إلا السلب فإنه للقاتل على الراجح كذا في الفتح
قوله: "عن أبي جمرة" بفتح الجيم وسكون الميم وبالراء اسمه نصر بن عمران

(5/223)


عن ابنِ عباسٍ أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال لَوفْدِ عَبْدِ الْقَيْسِ: "آمُرُكُم أن تُؤَدّوا خُمُسَ ما غَنِمْتُمْ" قال وفي الحَدِيثِ قِصّةٌ.
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
حدثنا قُتَيْبَةُ حدثنا حَمّادُ بنُ زَيْدٍ عن أبي جَمْرَةَ عن ابنِ عباس نَحْوَهُ.
ـــــــ
الضبعي الضاد المعجمة وفتح الموحدة مشهور بكنيته ثقة ثبت من الثالثة.
قوله: "وفي الحديث قصة وهذا حديث حسن صحيح" وأخرجه البخاري ومسلم بقصته

(5/224)


باب ماجاء في كراهية النهبة
...
39ـ باب ما جاءَ في كَرَاهِيةِ النّهْبَة
1649 ـ حدثنا هَنّادٌ حدثنا أبو الأحْوصِ عن سعيدِ بنِ مَسْرُوقٍ عن عَبَايَةَ بنِ رِفَاعَةَ عن أبِيهِ عن جَدّهِ رَافِعٍ بن خديج قال: "كُنّا معَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم في سَفَرٍ فَتَقَدّمَ سَرَعَانُ الناسَ فَتَعَجّلُوا مِنَ الْغَنَائِمِ فاطّبَخُوا ورسولُ الله صلى الله عليه وسلم في أُخْرَى النَاسِ، فَمَرّ بالقُدُورِ فأَمَرَ بها فأُكْفِئْت ثم قَسَمَ بينهم فَعَدَلَ بَعِيراً بِعَشْرٍ شِيَاهٍ".
ـــــــ
"باب ما جاءَ في كَرَاهِيةِ النّهْبَة"
قال في المجمع: النهبة بالفتح مصدر وبالضم المال المنهوب
قوله: "عن عباية" بفتح أوله والموحدة الخفيفة وبعد الألف تحتانية خفيفة "ابن رفاعة" بكسر الراء بن خديج الأنصاري الزرقي المدني ثقة من الثالثة.
قوله: "فتقدم سرعان الناس" قال في المجمع: سرعان الناس هو بفتحتين أوائلهم الذين يتسارعون إلى المشي ويقبلون عليه بسرعة، يجوز سكون الراء "فاطبخوا" هو افتعلوا من الطبخ، وهو عام لمن يطبخ لنفسه وغيره، والإطباخ خاص لنفسه "في أخرى الناس" أي في الطائفة المتأخرة عنهم "فاكفئت بصيغة"

(5/224)


وَرَوَى سُفُيَانُ الثّوْرِيُ عن أبيهِ عن عَبَايَةَ عن جَدّهِ رَافِعِ بنِ خَدِيجٍ وَلَمْ يَذْكُرْ فيهِ عن أبيهِ.
ـــــــ
المجهول من الإكفاء أي قلبت وأريق ما فيها لأنهم ذبحوا الغنم قبل القسمة. وقد اختلف في هذا المكان في شيئين: أحدهما سبب الإراقة والثاني هل أتلف اللحم أم لا. فأما الأول فقال عياض: كانوا انتهوا إلى دار الإسلام والمحل الذي لا يجوز فيه الأكل من مال الغنيمة المشتركة إلا بعد القسمة وأن محل جواز ذلك قبل القسمة إنما هو ما داموا في دار الحرب، قال ويحتمل أن سبب ذلك كونهم انتهبوها ولم يأخذوها باعتدال وعلى قدر الحاجة، قال وقد وقع في حديث آخر ما يدل لذلك، يشير إلى ما أخرجه أبو داود من طريق عاصم بن كليب عن أبيه وله صحبة عن رجل من الأنصار قال: أصاب الناس مجاعة شديدة وجهد فأصابوا غنماً فانتهبوها، فإن قدورنا لتغلي بها، إذ جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم على فرسه فأكفأ قدورنا بقوسه ثم جعل يرمل اللحم بالتراب ثم قال: "إن النهبة ليست بأحل من الميتة" انتهى. وهذا يدل على أنه عاملهم من أجل استعجالهم بنقيض قصدهم كما عومل القاتل بمنع الميراث.
وأما الثاني فقال الثوري: المأمور به من إراقة القدور إنما هو إتلاف المرق عقوبة لهم، وأما اللحم فلم يتلفوه بل يحمل على أنه جمع ورد إلى المغنم ولا يظن أنه أمر بإتلافه مع أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن إضاعة المال وهذا من مال الغانمين: وأيضاً فالجناية بطبخة لم تقع من جميع مستحقي الغنيمة، فإن منهم من لم يطبخ ومنهم المستحقون للخمس. فإن قيل لم ينقل أنهم حملوا اللحم إلى المغنم، قلنا ولم ينقل أنهم أحرقوه أو أتلفوه، فيجب تأويله على وفق القواعد انتهى.
ويرد عليه حديث أبي داود فإنه جيد الإسناد، وترك تسمية الصحابي لا يضر، ورجال الإسناد على شرط مسلم. ولا يقال لا يلزم من تتريب اللحم إتلافه لإمكان تداركه بالغسل "لأن السياق يشعر أريد المبالغة في الزجر عن ذلك الفعل، فلو كان بصدد أن ينتفع به بعد ذلك لم يكن فيه كبير زجر، لأن الذي يخص الواحد منهم نزر يسير فكان إفسادها عليهم مع تعلق قلوبهم بها وحاجتهم إليها وشهوتهم لها أبلغ في الزجر، كذا في فتح الباري.

(5/225)


1650-حدثنا بذلكَ محمودُ بنُ غَيْلاَنَ، حدثنا وَكيعٌ عن سُفْيَانَ وهذا أصح.
قال: وفي الباب عن ثعلبة بن الحكم وأنس وأبي ريمانة وأبي الدرداء وعبدالرحمن بن سمرة وزيد بن خالد وحابر وأبي هريرة وأيوب قال أبو عيسى: وهذا أصح وَعَبَايَةُ بنُ رِفَاعَةَ سَمِعَ مِنْ جَدّهِ رَافِع بنِ خَدِيج.
1651ـ حدثنا محمودُ بنُ غَيْلاَنَ، حدثنا عبدُ الرّزّاقِ عن مَعْمَرٍ عن ثابتٍ عن أنَسٍ قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَن انْتَهَبَ فَلَيْسَ مِنّا" .
ـــــــ
"فعدل بعيراً بعشر شياه"قال الحافظ:وهذا محمول على أن هذا كان قيمة الغنم إذ ذاك، فلعل الإبل كانت قليلة أو نفيسة.والغنم كانت كثيرة أو هزيلة، بحيث كانت قيمة البعير عشر شياه، ولا يخالف ذلك القاعدة في الأضاحي.من أن البعير يجزيء عن سبع شياه لأن ذلك هو الغالب في قيمة الشاة والبعير، المعتدلين. وأما هذه القسمة فكانت واقعة عين فيحتمل أن يكون التعديل لما ذكر من نفاسة الإبل دون الغنم، وحديث جابر عند مسلم صريح في الحكم حيث قال فيه: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نشترك في الإبل والبقر كل سبعة منا في بدنة، والبدنة تطلق على الناقة والبقرة. وأما حديث ابن عباس: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر، فحضر الأضحى، فاشتركنا في البقرة وفي البدنة عشرة، فحسنه الترمذي وصححه ابن حبان وعضده بحديث رافع بن خديج.
هذا والذي يتحرر في هذا أن الأصل أن البعير بسبعة ما لم يعرض عارض من نفاسة ونحوها فيتغير الحكم بحسب ذلك، وبهذا تجتمع الأخبار الواردة في ذلك "وهذا أصح" أخرجه البخاري.
قوله: "وفي الباب عن ثعلبة بن الحكم الخ" . لينظر من أخرج أحاديث هؤلاء الصحابة.
قوله: "من انتهب" أي أخذ ما لا يجوز له أخذه قهراً جهراً "فليس منا" أي ليس من المطيعين لأمرنا، لأن أخذ مال المعصوم بغير إذنه ولا علم رضاه

(5/226)


هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ مِنْ حديثِ أنَسٍ.
ـــــــ
حرام، بل يكفر مستحله، قاله المناوي وقال القاري: ليس من جماعتنا وعلى طريقتنا.
قوله:"هذا حديث حسن صحيح غريب من حديث أنس".وأخرجه أحمد والضياء

(5/227)


باب ماجاء في التسليم على أهل الكتاب
...
40ـ باب ما جاءَ في التّسْلِيمِ على أهْلِ الكِتَاب
1652ـ حدثنا قُتَيْبَةُ، حدثنا عبدُ العزيزِ بنُ محمدٍ عن سُهَيْلِ بنِ أبي صالحٍ عن أبيهِ عن أبي هُرَيْرَةَ: أنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا تبدَأُوا اليهودَ والنّصَارَى بالسّلاَمِ، وإذا لَقِيتُمْ أحَدَهُمْ في الطّريقِ فاضْطَرّوهُ إلى أضْيَقِهِ" .
ـــــــ
"باب ما جاءَ في التّسْلِيمِ على أهْلِ الكِتَاب"
قوله: "لا تبدأوا اليهود والنصارى"أي ولو كانوا ذمبين فضلاً عن غيرهما من الكفار"بالسلام لأن الابتداء به إعزاز للمسلم عليه، ولا يجوز إعزازهم، وكذا لا يجوز تواددهم وتحاببهم بالسلام ونحوه" ، قال تعالى: {لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} الآية ولأنا مأمورون بإذلالهم كما أشار إليه سبحانه بقوله {وَهُمْ صَاغِرُونَ} . كذا في المرقاة "فاضطروه"أي ألجئوه "إلى أضيقه"أي أضيق الطريق بحيث لو كان في الطريق جدار يلتصق بالجدار وإلا فيأمره ليعدل عن وسط الطريق إلى أحد طرفيه.وفي شرح مسلم للنووي قال بعض أصحابنا:يكره ابتداؤهم بالسلام ولا يحرم، وهذا ضعيف لأن النهي للتحريم، فالصواب تحريم ابتدائهم. وحكى القاضي عياض عن جماعة أنه يجوز ابتداؤهم للضرورة والحاجة.وهو قول علقمة والنخعي.وقال الأوزاعي:إن سلمت فقد سلم الصالحون وإن تركت فقد ترك الصالحون.وأما المبتدع فالمختار أنه لا يبدأ بالسلام إلا لعذر وخوف من مفسده، ولو سلم على من لم

(5/227)


وفي البابِ عن ابنِ عُمَرَ وأنَسٍ وأبي بَصْرَةَ الغِفَارِيّ صاحبِ النبيّ صلى الله عليه وسلم.
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
1653 ـ حدثنا عليّ بنُ حُجْرٍ أخبرنا إسماعيلُ بنُ جَعْفَرٍ عن عبدِ الله بنِ دِينَارٍ عن ابنِ عُمَرَ قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إنّ اليَهُود إذا سَلّمَ عليكُم أحَدُهُمْ فإنّمَا يقولُ السّامُ عَلَيْكَم، فَقلْ عَلَيْكَ" .
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
لم يعرفه فبان ذمياً استحب أن يسترد سلامه بأن يقول استرجعت سلامي تحقيراً له. وقال لأصحابنا لا يترك للذمي صدر الطريق بل يضطر إلى أضيقه، ولكن التضييق بحيث لا يقع في وهدة ونحوها وإن خلت الطريق عن الزحمة فلا حرج انتهى.
قوله: "وفي الباب عن ابن عمر وأنس وأبي بصرة الغفاري" . وأما حديث ابن عمر فأخرجه الترمذي في هذا الباب، وأما حديث أنس فأخرجه الشيخان مرفوعاً بلفظ: "إذا سلم أهل الكتاب فقولوا وعليكم" . وأما حديث أبي بصرة فلينظر من أخرجه.
قوله: "فإنما يقول السام عليك" أي الموت العاجل عليك "فقل عليك" . وفي المشكاة وعليك بالواو. قال القاري في المشكاة: والمفهوم من كلام القاضي: أن الأصل في هذا الحديث عليك بغير واو وأنه روى بالواو أيضاً.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان

(5/228)


باب ماجاء في كراهية المقام بين أظهر المشركين
...
41ـ باب ما جاءَ في كَرَاهِيَةِ المقَامِ بَيْنَ أَظْهُرِ المشْرِكين
1654ـ حدثنا هَنّادٌ، حدثنا أبو مُعَاوِيَةَ عن إسماعيلَ بنِ أبي خالدٍ عن قيسِ بنِ أبي حازِمٍ عن جَرِيرِ بنِ عبدِ الله: "أنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم بَعَثَ سَرِيّةً إلى خَثْعَمٍ، فاعْتَصَمَ ناسٌ بالسّجُودِ فأسْرَعَ فيهم القَتْل فَبَلَغَ ذلكَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم فأمَرَ لهم بِنِصْفِ الْعَقْل وقال: "أنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلّ مُسْلِمٍ يُقِيمُ بَيْنَ أظْهُرِ المُشرِكِين" َ، قالوا يَا رسولَ الله: وَلِمَ؟ قال لا تَرَاءَى نَارَاهُمَا ".
1655ـ حدثنا هنادٌ، حدثنا عَبْدَةُ عن إسماعيلَ بنِ أبي خالدٍ عن قَيْسٍ بنِ أبي حازِمٍ مِثْلَ حديثِ أبي مُعَاوِيَةَ ولم يَذْكُرْ فيه عن جَريرٍ. وهذا أصَحّ.
ـــــــ
"باب ما جاءَ في كَرَاهِيَةِ المقَامِ بَيْنَ أَظْهُرِ المشْرِكين"
قوله: "فاعتصم ناس بالسجود" أي ناس من المسلمين الساكنين في الكفار، سجدوا باعتماد أن جيش الإسلام يتركوننا عن القتل حيث يروننا ساجدين. لأن الصلاة علامة الإيمان "فأمر لهم بنصف العقل" أي بنصف الدية. قال في فتح الودود: لأنهم أعانوا على أنفسهم بمقامهم بين الكفرة فكانوا كمن هلك بفعل نفسه وفعل غيره قسقط حصة جنايته "بين أظهر المشركين" أي بينهم، ولفظ أظهر مقحم "لا تراءى ناراهما" من الترائي تفاعل من الرؤية، يقال تراءى القوم إذا رأى بعضهم بعضاً، تراءى الشيء أي ظهر حتى رأيته. والأصل في تراءى تتراءى، فحذت إحدى التاءين تخفيفاً. وإسناد التراءي إلى النار مجاز من قولهم داري تنظر من دار فلان أي تقابلها. قال في النهاية أي يلزم المسلم يجب أن يتباعد منزله عن منزل المشرك، ولا ينزل بالموضع الذي إن أوقدت فيه ناره تلوح وتظهر للشرك إذا أوقدها في منزله، ولكنه ينزل مع المسلمين، هو حث على الهجرة.

(5/229)


وفي البابِ عن سَمُرَةَ.
وأكْثَرُ أصحابِ إسماعيلَ عن إسماعيلَ عن قَيْسِ بنِ أبي حازمٍ أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم بَعَثَ سَرِيّةً ولم يَذْكُرُوا فيه عن جَرِيرٍ.
ورواه حَمّادُ بنُ سَلَمَةَ عن الْحَجّاجِ بن أرْطَأَةَ عن إسماعيلَ بنِ أبي خالدٍ عن قَيْسٍ عن جَريرٍ مثلَ حديثِ أبي مُعَاوِيَة. قال وَسَمِعْتُ محمداً يقولُ: الصّحيحُ حديثُ قَيْسٍ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم مُرْسَلٌ.
ورَوَى سَمُرَةَ بنُ جُنْدُبٍ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "لا تُسَاكنُوا المُشْرِكِينَ ولا تُجَامِعُوهُمْ، فَمَنْ سَاكَنَهُمْ أوْ جَامَعَهُمْ فَهُوَ مِثْلُهُمْ" .
ـــــــ
قال الخطابي في معناه: ثلاثة وجوه: قيل معناه لا يستوي حكمهما. وقيل معناه أن الله فرق بين داري الإسلام والكفر، فلا يجوز لمسلم أن يساكن الكفار في بلادهم حتى إذا أوقدوا ناراً كان منهم بحيث يراها. وقيل معناه لا يتسم المسلم بسمة المشرك ولا يتشبه به في هديه وشكله. قوله: "وفي الباب عن سمرة" أخرجه أبو داود عنه مرفوعاً: "من جامع المشرك وسكن معه فهو مثله" ، وذكره الترمذي بنحوه، ولم يذكر سنده. وحديث جرير المذكور في الباب أخرجه أيضاً أبو داود وابن ماجه ورجال إسناده ثقات، ولكن صحح البخاري وأبو حاتم وأبو داود والترمذي والدارقطني إرساله إلى قيس بن أبي حازم، ورواه الطبراني أيضاً موصولاً كذا في النيل

(5/230)


باب ماجاء في إخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب
...
42ـ باب ما جاءَ في إخراجِ اليَهودِ والنّصَارَى مِن جَزيرةِ العَرَب
1656ـ حدثنا الحسَنُ بنُ علي الْخَلاّلُ حدثنا أبو عَاصِمٍ وعبدُ الرّزّاقِ
ـــــــ
"باب ما جاءَ في إخراجِ اليَهودِ والنّصَارَى مِن جَزيرةِ العَرَب"
الجزيرة اسم موضع من الأرض. وهو ما بين حفر أبي موسى الأشعري

(5/230)


قالا أخبرنا ابنُ جُرَيْجٍ قال أخبرني أبو الزّبْيرِ أنّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عبد الله يقولُ: أخْبَرَنِي عُمَرُ بنُ الْخَطّابِ أنّهُ سَمِعَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لأُخْرِجَنّ اليَهُودَ والنّصَارَى مِنْ جَزِيرَةِ العربِ فَلاَ أتْرُكُ فيها إلاّ مُسْلِماً" .
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
1657 ـ حدثنا موسى بنُ عبدِ الرحمَنِ الكِنْدِيّ حدثنا زَيْدُ بنُ الحباب
ـــــــ
إلى أقصى اليمن في الطول، وما بين رمل يزن إلى منقطع السموة في العرض، قاله أبو عبيدة: وقال الأصمعي: من أقصى عدن أبين إلى ريف العراق طولاً. ومن جدة وساحل البحر إلى أطراف الشام1 عرضاً، قال الأزهري سميت جزيرة لأن بحر فارس وبحر السودان أحاطها بجانبيها وأحاط بالجانب الشمالي دجلة والفرات. وعن مالك أن جزيرة العرب مكة والمدينة واليمامة واليمن. وفي القاموس: جزيرة العرب ما أحاط به بحر الهند وبحر الشام ثم دجلة والفرات.
قوله: "فلا أترك فيها إلا مسلماً" قال النووي: أوجب مالك والشافعي وغيرهما من العلماء إخراج الكافر من جزيرة العرب وقالوا لا يجوز تمكينهم سكناها، ولكن الشافعي خص هذا الحكم بالحجاز وهو عنده مكة والمدينة واليمامة وأعمالها دون اليمن وغيره. وقال لا يمنع الكفار من التردد مسافرين في الحجاز ولا يمكنون من الإقامة فيه أكثر من ثلاثة أيام. قال الشافعي إلا مكة وحرمها فلا يجوز تمكين كافر من دخولها بحال، فإن دخلها بخفية وجب إخراجه، فإن مات ودفن فيها نبش وأخرج منها ما لم يتغير. وجوز أبو حنيفة دخولهم الحرم. وحجة الجماهير قوله تعالى: { ِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا} وفي المعالم أراد منعهم من دخول الحرم لأنهم إذا دخلوا الحرم فقد قربوا من المسجد الحرام، قال وجوز أهل الكوفة المعاهد دخول الحرم انتهى.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه.
ـــــــ
1 كذا بالأصل ولعل المؤلف يقصد أطراف عمان وليس أطراف الشام وبذا يستقيم توجيه العبارة

(5/231)


أخبرنا سُفْيَانُ الثّوْرِيّ عن أبي الزّبَيْرِ عن جابرٍ عن عُمرَ بن الخطابِ أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: "لَئِنْ عِشْتُ إنْ شَاءَ الله لأخرجنّ اليَهُودَ والنّصَارَى مِنْ جَزِيرَةِ العرب" .
ـــــــ
قوله:"لئن عشت"أي بقيت قوله:"إن شاء الله"قيد لقوله لأخرجن اليهود والنصارى

(5/232)


باب ماجاء في تركة النبي صلى الله عليه وسلم
...
43ـ باب ما جاءَ في تَرِكَةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم
1658 ـ حدثنا محمدُ بنُ المُثَنّى حدثنا أبو الوَلِيدِ حدثنا حَمّادُ بنُ سَلَمَةَ عن محمدِ بنِ عَمْرٍو عن أبي سَلَمَةَ عن أبي هريرةَ قال: "جَاءَتْ فَاطِمَةُ إلى أبِي بَكْرٍ فقالَتْ: مَنْ يَرِثُكَ؟ قال: أهْلِي وَوَلَدِي، قالَتْ فَمَا لِي لا أرِثُ أبِي. فقال أبو بكرٍ سَمِعْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا نُورَثُ . ولكن أعُولُ مَنْ كانَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يَعُولُه وأُنْفِقُ على مَنْ كَانَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يُنْفِقُ عَلَيْهِ".
ـــــــ
"باب ما جاءَ في تَرِكَةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم"
بفتح الفوقانية وكسر الراء ما تركه النبي صلى الله عليه وسلم.
قوله:"لا نورث" بفتح الراء ويصح الكسر، وحكمته أنهم كالآباء للأمة فمالهم لكلهم، أو لئلا يظن بهم الرغبة في الدنيا لوارثتهم. ونزاع علي وعباس قبل علمهما بالحديث وبعده رجعاً، وأعتقد أنه الحق بدليل أن علياً لم يغير الأمر حين يكونا متصرفين بالشركة، وكره عمر القسمة حذراً من دعوى الملك كذا في المجمع "لكن أعول من كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعوله" عال الرجل عياله يعولهم: إذا قام بما يحتاجون إليه من ثوب وغيره.

(5/232)


وفي البابِ عن عُمَر وَطَلْحَةَ والزّبَيْرِ وعبدِ الرحمَنِ بنِ عَوْفٍ وسَعْدٍ وعائِشَةَ.
وحديثُ أبي هريرةَ حديثٌ حسنٌ غريبٌ مِنْ هذا الوجهِ إنّمَا أسْنَدَهُ حَمّادُ بنُ سَلَمَةَ وعبدُ الوَهّابِ بن عَطَاء عن محمدِ بنِ عَمْرٍو عن أبي سَلَمَةَ عن أبي هريرةَ وسألت محمداً عن هذا الحديث فقال لا أعلم أحداً رواه عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة الأحماد بن سلمة وروى عبد الوهاب بن عطاء عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة وعن أبي هريرة نحوه رواية حماد بن سلمة وقد روي هذا الحديث من غير وجه عن أبي بكر الصديق عن النبي صلى الله عليه وسلم.
1659 ـ حدثنا الحسَنُ بنُ عليّ الْخَلاّلُ أخبرنا بِشْرُ بنُ عُمَرَ حدثنا مَالِكُ بنُ أنسٍ عن ابنِ شِهَابٍ عن مالكِ بنِ أوْسٍ بنِ الحدَثَانِ قال: دَخَلْتُ على عُمَرَ بنِ الخطّابِ ودَخَلَ عليهِ عُثْمانُ بنُ عَفّانَ والزّبَيْرُ بنُ العَوّامِ وعبدُ الرحمنِ بنِ عَوْفٍ وسَعْدُ بنُ أبي وقّاصٍ، ثم جاء عليّ والعَبّاسُ يَخْتَصِمَانِ، فقال عُمَر لَهُمْ: أنْشُدُكُمْ بالله الذي بإذْنِهِ تَقُومُ السّمَاءُ والأَرْضُ تَعْلَمُونَ أنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال " لا نُورَثُ، مَا تَرَكْنَاه صَدَقَةٌ؟" قالوا:
ـــــــ
قوله: "وفي الباب عن عمر وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف وسعد وعائشة" أما حديث عمر وغيره فأخرجه الترمذي بعد هذا، وأما حديث عائشة فأخرجه الشيخان عنها أن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم حين توفي أردن أن يبعثن عثمان إلى أبي بكر يسألنه ميراثهن، فقالت عائشة: أليس قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا نورث ما تركناه صدقة" .
قوله: "حديث أبي هريرة حديث غريب من هذا الوجه" وأخرجه أحمد، قال صاحب المنتقى بعد ذكر حديث أبي هريرة هذا: رواه أحمد والترمذي وصححه انتهى قلت: ليس في نسخ الترمذي الحاضرة عندنا تصحيح الترمذي إنما فيها تحيسنه فقط. وروى الشيخان حديث أبي هريرة بلفظ: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تقتسم ورثتي ديناراً، ما بركت بعد نفقة نسائي ومؤنة عاملي فهو صدقة" ، وفي لفظ لأحمد، لا يقتسم ورثتي ديناراً ولا درهماً.
قوله: "أنشدكم بالله" أي أسألكم رافعاً نشدتي صوتي "لا نورث" بالنون،

(5/233)


نَعَمْ، قال عُمَرُ:فَلمَا تُوُفّيَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم قال أبو بَكْرٍ: أنا وَلِيّ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم فَجِئْت أنْتَ وهذا إلى أبِي بَكْرٍ تَطْلُبُ أنْتَ مِيرَاثَكَ مِن ابنِ أخِيكَ ويَطْلُبُ هذا مِيرَاثَ امْرَأَتِهِ مِنْ أبيهَا. فقال أبو بَكْرٍ إنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا نُورِثُ مَا تَرَكْنَاهُ صَدَقَة" ٌ والله يَعْلَمُ إنّهُ صَادِقٌ بَارّ رَاشِدٌ تَابِعٌ لِلْحَقّ.
ـــــــ
وهو الذي توارد عليه أهل الحديث في القديم والحديث كما قال الحافظ في الفتح "وما تركنا"في موضع الرفع بالابتداء و "سدقة" خبره وقد زعم بعض الرافضة أن "لا نورث" بالياء التحتانية "وصدقة"بالنصب على الحال "وما تركناه" في محل رفع على النيابة، والتقدير: لا يورث الذي تركناه حال كونه صدقة، وهذا خلاف ما جاءت به الرواية ونقله الحفاظ، وما ذلك بأول تحريف من أهل تلك النحلة، ويوضح بطلانه ما في حديث أبي هريرة المذكور بلفظ "فهو صدقة" وقوله "لا تقتسم ورثتي ديناراً" وقوله "إن النبي لا يورث" "قالوا نعم"قد استشكل هذا، ووجه الاستشكال أن أصل القصة صريح في أن العباس وعلياً قد علما بأنه صلى الله عليه وسلم فكيف يطلبانه من أبي بكر؟ وإن كانا إنما سمعاه من أبي بكر في زمنه بحيث أفاد عندهما العلم بذلك فكيف يطلبانه بعد ذلك من عمر.
وأجيب بحمل ذلك على أنهما اعتقدا أن عموم "لا نورث" مخصوص ببعض ما يخلفه دون بعض. ولذلك نسب عمر إلى: علي وعباس أنهما كانا يعتقدان ظلم من خالفهما كما وقع في صحيح البخاري وغيره، وأما مخاصمتهما بعد ذلك عند عمر فقال إسماعيل القاضي فيما رواه الدارقطني من طريقه: لم يكن في الميراث إنما تنازعا في ولاية الصدقة وفي صرفها كيف تصرف، كذا قال، لكن في رواية النسائي وعمر بن شبة من طريق أبي البختري ما يدل على أنهما أرادا أن يقسم بينهما

(5/234)


وفي الحديثِ قِصّة طَوِيلَةٌ.
وهذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ مِنْ حديث مالكِ بنِ أنَسٍ.
ـــــــ
على سبيل الميراث ولفظه في آخره: ثم جئتمان الآن تختصمان يقول هذا أريد نصيبي من ابن أخي، ويقول هذا أريد نصيبي من امرأتي، والله لا أقضي بينكما إلا بذلك، أي إلا بما تقدم من تسليمها لهما على سبيل الولاية. وكذا وقع عند النسائي من طريق عكرمة بن خالد عن مالك بن أوس نحوه. وفي السنن لأبي داود وغيره أرادا أن عمر يقسمها بينهما لينفرد كل منهما ما يتولاه فامتنع عمر من ذلك وأراد أن لا يقع عليها اسم القسمة ولذلك أقسم على ذلك، وعلى هذا اقتصر أكثر شراح الحديث واستحسنوه وفيه من النظر ما تقدم كذا في النيل.
قوله: "وفي الحديث قصة طويلة الخ" أخرجه البخاري ومسلم بقصته الطويلة

(5/235)


باب ماجاء في قول النبي صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكه "إن هذه لا تغزى بعد اليوم"
...
44ـ باب ما جاءَ ما قال النبيّ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ فَتْحِ
مَكّةَ إِنّ هذهِ لا تُغْزَى بعدَ اليَوْم
1660ـ حدثنا محمدُ بن بَشّارٍ حدثنا يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ حدثنا زَكَرِيّا بنُ أبي زَائِدَةَ عن الشّعْبِيّ عن الْحَارِثِ بنِ مالِك بنِ البَرْصَاءَ قال: سَمِعْتُ النبيّ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ فَتْحِ مَكّةَ يقولُ: "لا تُغْزَى هَذِهِ بَعْدَ الْيَوْمِ إلى يَوْمِ الْقِيَامَةِ" .
ـــــــ
"باب ما جاءَ ما قال النبيّ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ فَتْحِ
مَكّةَ إِنّ هذهِ لا تُغْزَى بعدَ اليَوْم"
قوله: "عن الحارث بن مالك بن برصاء" قال الحافظ في التقريب: الحارث ابن مالك بن قيس الليثي المعروف بابن البرصاء صحابي له حديث واحد تأخر إلى أواخر خلافة معاوية "لا تغزي" بصيغة المجهول "هذه" أي مكة المكرمة "بعد اليوم" أي بعد يوم فتح مكة. قال في مجمع البحار: أي لا تعود كفر يغزي عليه أو

(5/235)


وفي البابِ عن ابنِ عباسٍ وسُلَيْمانُ بن صُرَد ومُطيعٍ.
وهذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ وهو حديثُ زَكَرِيّا بنِ أبي زَائِدَةَ عن الشّعْبِيّ فلا نَعْرِفُهُ إلاّ مِنْ حديثهِ.
ـــــــ
لا يغزوها الكفار أبداً إذ المسلمون قد غزوها مرات، غزوها زمن يزيد بن معاوية بعد وقعة الحرة وزمن عبد الملك بن مروان مع الحجاج وبعده، على أن من غزاها من المسلمين لم يقصدوها ولا البيت. وإنما قصدوا ابن الزبير مع تعظيم أمر مكة وإن جرى عليه ما جرى من رميه بالنار في المنجنيق والحرقة، ولو روى لا تغز، على النهي لم يحتج إلى التأويل انتهى.
قوله: "وفي الباب عن ابن عباس وسليمان بن صرد ومطيع" لينظر من أخرج أحاديث هؤلاء الصحابة رضي الله عنهم.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" هذا الحديث من أفراد الترمذي وقد تفرد بروايته الحارث بن مالك كما عرفت به

(5/236)


باب ماجاء في الساعة التي يستحب فيها القتال
...
45 ـ باب ما جاءَ في السّاعَةِ التي يُسْتَحَبّ فيها القِتَال
1661 ـ حدثنا محمدُ بن بَشارٍ حدثنا مُعَاذُ بنُ هِشَامٍ قال حدثني أبي عن قَتَادَةَ عن النّعْمَانِ بن مُقرّنٍ قال:"غَزَوْتُ مع النبيّ صلى الله عليه وسلم فكان إذا طَلَعَ الفَجْرُ أمْسَكَ حتى تَطْلُعَ الشّمْسُ فإذا طَلَعَتْ قَاتَلَ،
ـــــــ
"باب ما جاءَ في السّاعَةِ التي يُسْتَحَبّ فيها القِتَال"
قوله: "عن النعمان بن مقرن" بضم الميم وفتح القاف وتشديد الراء المكسورة وبالنون. قال صاحب المشكاة هو النعمان بن عمرو بن مقرن المزني روى أنه قال: قدمنا على النبي صلى الله عليه وسلم في أربعمائة من مزينة: سكن البصرة ثم تحول إلى الكوفة وكان عامل عمر على جيش نهاوند واستشهد يوم فتحها.
قوله: "فكان" قال الطيبي ما أظهره من دليل على وجود الفاء التفصيلية لأن

(5/236)


فإذا انْتَصَفَ النّهَارُ أمْسَكَ حتى تَزُولَ الشّمْسُ فإذَا زَالَتْ الشمس قَاتَلَ حَتّى العَصْر ثم أمْسَكَ حتى يُصَلّيَ العَصْرَ ثم يُقَاتِلُ، قال وكانَ يُقَالُ عندَ ذلكَ تَهِيجُ رِيَاحُ النّصْرِ وَيَدْعُو الْمُؤْمِنُونَ لِجُيُوشِهم في صَلاتِهِم".
وقد رُوِيَ هذا الحديثُ عن النّعْمانِ بن مُقَرّنٍ بإسنادٍ أوْصلَ مِنْ هذا وقَتَادَةَ لم يُدرِك النّعْمَانَ بنَ مُقرِنٍ.مَات النّعْمَانُ في خِلاَفِةِ عُمَربن الخطاب .
ـــــــ
قوله غزوت مع النبي صلى الله عليه وسلم مشتمل مجملاً على ما ذكر بعده مفصلاً "أمسك" أي عن الشروع في القتال "فإذا زالت الشمس" أي وصلى "العصر" أي إلى العصر "وكان يقال" أي يقول الصحابة: الحكمة في إمساك النبي صلى الله عليه وسلم عن القتال إلى الزوال عند ذلك الخ "عند ذلك" أي عند زوال الشمس وهو من جملة المقول ظرف لقوله: "تهيج" أي تجيء "ويدعو المؤمنون لجيوشهم في صلواتهم" أي في أوقات صلوات بعد فراغها أو في أثنائها بالقنوت عند النوازل قاله القاري. قال الطيبي إشارة إلى أن تركه صلى الله عليه وسلم القتال في الأوقات المذكورة كان لاشتغالهم بها فيها، اللهم إلا بعد العصر فإن هذا الوقت مستثنى منها لحصول النصر فيها لبعض الأنبياء. عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "غزا نبي من الأنبياء فدنا من القرية صلاة العصر أو قريباً من ذلك فقال للشمس إنك مأمورة وأنا مأمور اللهم احبسها علينا فحبست حتى فتح الله عليه" . رواه البخاري عن أبي هريرة، ولعل هذا السر خص في الحديث هذا الوقت بالفعل المضارع حيث قال: "ثم يقاتل" وفي سائر الأوقات "قاتل" على لفظ الماضي استحضاراً لتلك الحالة في ذهن السامع تنبيهاً على أن قتاله في هذا الوقت كان أشد وتحريمه فيه أكمل انتهى.
قوله: "وقد روي هذا الحديث عن النعمان بن مقرن بإسناد أوصل من هذا" يعني أن إسناد حديث النعمان المذكور منقطع، وقد روي هذا الحديث بإسناد موصول ليس فيه انقطاع، وذكر الترمذي وجه الانقطاع بقوله: وقتادة لم يدرك

(5/237)


1662 ـ حدثنا الْحَسَنُ بنُ عليّ الْخَلاّلُ حدثنا عَفّانُ بن مُسْلِمٍ و الْحَجّاجُ بنُ مِنْهَالٍ قالا حدثنا حَمّادُ بنُ سَلَمَةَ حدثنا أبو عِمْرَانَ الْجَوْنِيّ عن عَلْقَمَةَ بن عبدِ الله الْمُزَنِيّ عن مَعْقِلِ بن يَسَارٍ أنّ عُمَرَ بنَ الخطّابِ بَعَثَ النّعْمَانَ بنَ مُقرّنٍ إلى الهُرْمُزانِ، فذكر الحديثَ بِطُولهِ، فقال النّعْمانُ بنُ مُقَرّنٍ:"شَهِدْتُ معَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم فكانَ إذا لم يُقَاتِلْ أوّلَ النّهارِ انْتَظَرَ حتى تَزُولَ الشّمْسُ وتَهُبّ الرّيَاحُ ويَنْزِلُ النّصْرُ".
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ وعَلْقَمَةُ بنُ عبدِ الله هو أخو بَكْرِ بنِ عبدِ الله المُزَنِيّ
ـــــــ
النعمان الخ، وذكر الإسناد الموصول بقوله:حدثنا الحسن بن علي الخلال الخ.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه البخاري بطوله

(5/238)


باب ماجاء في الطيرة
...
46ـ باب ما جاء في الطّيَرَة
1663ـ حدثنا محمدُ بنُ بَشّارٍ حدثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مَهْدِي حدثنا سُفْيَانُ عن سَلَمَةَ بنِ كُهَيْلٍ عن عيسى بنِ عَاصِمٍ عن زَر عن عبدِ الله بن مسعود قال:قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "الطّيَرَةُ مِنَ الشّرْكِ، وَمَا مِنّا إلاّ ولكنّ الله يُذْهِبُهُ بالتّوَكّلِ" .
ـــــــ
"باب ما جاء في الطّيَرَة"
بكسر الطاء وفتح التحتانية .
قوله: "الطيرة من الشرك" أي لاعتقادهم أن الطيرة تجلب لهم نفعاً أو تدفع عنهم ضراً فإذا عملوا بموجبها فكأنهم أشركوا بالله في ذلك ويسمى شركاً خفياً. وقال بعضهم: يعني من أعتقد أن شيئاً سوى الله تعالى ينفع أو يضر بالاستقلال

(5/238)


1742ـ حدثنا محمدُ بنُ بَشّارٍ حدثنا وَهْبُ بنُ جَرِيرٍ بن حازمٍ حدثنا أبي عن قَتَادَةَ عن أنَسٍ قالَ: "كانَتْ قَبِيعَةُ سَيْفِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم مِنْ فِضّةٍ".
هذا حديثٌ حسنٌ غَرِيبٌ وهَكَذَا رُوِيَ عن هَمّامٍ عن قَتَادَةَ عن أنَسٍ، وقَدْ رَوَى بعضُهُمْ عن قَتَادَةَ عن سَعِيدِ بنِ أبي الْحَسَنِ قَالَ: كانَتْ قَبِيعَةُ سَيْفِ رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم مِنْ فِضّةٍ.
ـــــــ
قوله: "حدثنا أبي" أي جرير بن حازم.
قوله: "وكانت قبيعة سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم من فضة" في شرح السنة: فيه دليل على جواز تحلية السيف بالقليل من الفضة، وكذلك المنطقة. واختلفوا في اللجام والسرج فأباحه بعضهم كالسيف وحرم بعضهم لأنه من زينة الدابة. وكذلك اختلفوا في تحلية سكين الحرب والمقلمة بقليل من الفضة، فأما التحلية بالذهب فغير مباح في جميعها.
قوله: "هذا حديث حسن غريب" وأخرجه أبو داود والنسائي والدارمي "وهكذا روي عن همام عن قتادة عن أنس" أي كما رواه جرير عن قتادة عن أنس أي كما رواه جرير عن قتادة عن أنس كذلك رواه همام عن قتادة عن أنس وقد رواه النسائي عنهما جميعاً فقال: أخبرنا أبو داود قال حدثنا عمرو بن عاصم قال حدثنا همام وجرير قال حدثنا عن أنس قال: كان نعل سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم من فضة وقبيعة سيفه فضة وما بين ذلك حلق فضة "وقد روى بعضهم عن قتادة عن سعيد بن أبي الحسن الخ" المراد من بعضهم هو هشام الدستوائي فقد روى أبو داود والنسائي من طريق هشام عن قتادة عن سعيد بن أبي الحسن قال كانت قبيعة سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم فضة، وهذا الحديث مرسل لأن سعيد بن أبي الحسن تابعي، قال الحافظ في التقريب: سعيد بن أبي الحسن البصري أخو الحسن ثقة من الثالثة.

(5/239)


وهذا حديث حسن صحيح لا نعرفه إلا من حديث سلمة بن كهيل وروى شعبة أيضاً عن سلمة هذا الحديث
1664ـ حدثنا محمدُ بنُ بَشّارٍ حدثنا ابنُ أبي عَدِيّ عن هِشَامٍ الدّستوائي عن قَتَادَةَ عن أنَسٍ أنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا عَدْوَى ولا طِيَرَةَ
ـــــــ
فأخرجه الشيخان، وأما أحاديث حابس وغيره رضي الله تعالى عنهم فلينظر من أخرجها.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح الخ" وأخرجه أبو داود وابن حبان في صحيحه. قال الحافظ المنذري: قال أبو القاسم الأصبهاني وغيره: في الحديث إضمار، والتقدير: وما منا إلا وقد وقع في قلبه شيء من ذلك يعني قلوب أمته، ولكن الله يذهب ذلك عن قلب كل من يتوكل على الله ولا يثبت على ذلك، هذا لفظ الأصبهاني، والصواب ما ذكره البخاري وغيره أن قوله "وما منا الخ" من كلام ابن مسعود مدرج غير مرفوع. قال الخطابي: وقال محمد بن إسماعيل: كان سليمان بن حرب ينكر هذا الحرف ويقول ليس من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم وكأنه قول ابن مسعود. وحكى الترمذي عن البخاري أيضاً عن سليمان بن حرب نحو هذا انتهى ما في الترغيب.
قوله: "لا عدوى" بفتح فسكون ففتح، قال في القاموس: إنه الفساد، وقال التوربشتي العدوي هنا مجاوزة العلة من صاحبها إلى غيره، يقال أعدى فلان فلاناً من خلفه أو من غرته، وذلك على ما يذهب إليه المتطببة في علل سبع الجذام والجرب والجدري والحصبة والبخر والرمد والأمراض الوبائية.
وقد اختلف العلماء في التأويل، فمنهم من يقول المراد منه نفي ذلك وإبطاله على ما يدل عليه ظاهر الحديث والقرائن المسوقة على العدوى وهم الأكثرون. ومنهم من يرى أنه لم يرد إبطالها، فقد قال صلى الله عليه وسلم: "فر من المجذوم فرارك من الأسد" ، وقال: "لا يوردن ذو عاهة على مصح" ، وإنما أراد بذلك نفي ما كان يعتقده أصحاب الطبيعة، فإنهم كانوا يرون العلل المعدية مؤثرة لا محالة،

(5/240)


ـــــــ
فأعلمهم بقوله هذا أن ليس الأمر على ما يتوهمون، بل هو متعلق بالمشيئة إن شاء كان وإن لم يشأ لم يكن. ويشير إلى هذا المعنى قوله: فمن أعدى الأول أي إن كنتم ترون أن السبب في ذلك العدوى لا غير فمن أعدى الأول؟ وبين بقوله: فر من المجذوم، وبقوله: لا يوردن ذو عاهة على مصح، أن مداناة ذلك بسبب العلة فليتقه اتقاء من الجدار المائل والسفينة المعيوبة. وقد رد الفرقة الأولى على الثانية في استدلالهم بالحديثين أن النهي إنما جاء شفقاً على مباشرة أحد الأمرين فتصيبه علة في نفسه أو عاهة في إبله فيعتقد أن العدوى حق.
قلت: وقد اختاره العسقلاني يعني الحافظ ابن حجر في شرح النخبة، وبسطنا الكلام معه في شرح الشرح ومجمله أنه يرد عليه اجتنابه عليه السلام عن المجذوم عند إراد المبايعة مع أن منصب النبوة بعيد من أن يورد لحسم مادة ظن العدوى كلاماً يكون مادة لظنها أيضاً، فإن الأمر بالتجنب أظهر من فتح مادة ظن أن العدوى لها تأثير بالطبع. وعلى كل تقدير فلا دلالة أصلاً على نفي العدوى مبيناً والله أعلم.
قال الشيخ التوربشتي: وأرى الثاني أولى التأويلين لما فيه من التوفيق بين الأحاديث الواردة فيه، ثم لأن القول الأول يفضي إلى تعطيل الأصول الطية ولم يرد الشرع بتعطيلها بل ورد بإثباتها والعبرة بها على الوجه الذي ذكرناه. وأما استدلالهم بالقرائن المنسوقة عليها فإنا قد وجدنا الشارع يجمع في النهي بين ما هو حرام وبين ما هو مكروه، وبين ما ينهى عنه لمعنى، وبين ما ينهى عنه لمعان كثيرة، ويدل على صحة ما ذكرنا قوله صلى الله عليه وسلم للمجذوم المبايع: قد بايعناك فارجع، في حديث الشريد بن سويد الثقفي، وقوله صلى الله عليه وسلم للمجذوم الذي أخذ بيده فوضعها معه في القصعة: " كل ثقة بالله وتوكلاً عليه" ، ولا سبيل إلى التوفيق بين هذين الحديثين إلا من هذا الوجه، بين بالأول التوقي من أسباب التلف وبالثاني التوكل على الله جل جلاله ولا إله غيره، في متاركة الأسباب وهو حاله انتهى. قال القاري وهو جمع حسن في غاية التحقيق انتهى.
قلت: في كون هذا الجمع حسناً نظر كما لا يخفي على المتأمل، وأما القول بأن الشرع ورد بإثبات الأصول الطبية ففيه أن ورود الشرع لإثبات جميع الأصول

(5/241)


وأُحِبّ الفَأْلَ" ، قالوا يَا رسولَ الله:وما الفَأْلُ؟ قَالَ: "ال كَلِمَةُ الطّيّبَةُ" .
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
1665ـ حدثنا محمدُ بنُ رَافِعٍ حدثنا أبو عَامِرٍ العَقَدِيّ عن حَمّادِ بنِ سَلَمَةَ عن حُمَيْدٍ عن أنَسِ بنِ مَالِكٍ:"أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم كان يُعْجِبُهُ إذا خَرَجَ لِحَاجَة أنْ يَسْمَعَ يَا راَشِدُ يَا نَجِيحُ".
هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ صحيحٌ.
ـــــــ
الطبية ممنوع، بل قد ورد الشرع لإبطال بعضها، فإن المتطببين قائلون بحصول الشفاء بالحرام وقد ورد الشرع بنفي الشفاء بالحرام، وهم قائلون بثبوت العدوى في بعض الأمراض، وقد ورد الشرع بأنه لا عدوى، فالظاهر الراجح عندي في التوفيق والجمع بين الأحاديث المذكورة هو ما ذكره الحافظ في شرح النخبة والله تعالى أعلم.
"ولا طيرة" نفى معناه النهي كقوله تعالى {لا رَيْبَ فِيهِ} "وأحب الفأل" بصيغة المجهول المتكلم من الإحباب "قالوا يا رسول الله ما الفأل" وإنما نشأ هذا السؤال لما نفوسهم من عموم الطيرة الشامل للتشاؤم والتفاؤل المتعارف فيما بينهم "قال" إشارة إلى أنه فرد خاص خارج عن العرف العام معتبر عند خواص الأنام وهو قوله: "الكلمة الطيبة" أي الصالحة لأن يؤخذ منها الفأل الحسن.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرج الشيخان معناه من حديث أبي هريرة.
قوله: "كان يعجبه" أي يستحسنه ويتفاءل به "أن يسمع يا راشد" أي واجد الطريق المستقيم "يا نجيح" أي من قضيت حاجته

(5/242)


باب ماجاء في وصية النبي صلى الله عليه وسلم في القتال
...
47ـ باب ما جاءَ في وصيّته النبيّ صلى الله عليه وسلم في القِتَال
1666ـ حدثنا محمدُ بن بَشّارٍ حدثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مَهْدِي
ـــــــ

(5/242)


عن سُفْيَانَ عن عَلْقَمَةَ بنِ مرْثدٍ عن سُلَيْمانَ بنِ بُرَيْدَةَ عن أبيهِ قال: كانَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إذا بَعَثَ أميراً على جَيْشٍ أوْصَاهُ في خَاصّةِ نَفْسِهِ بِتَقْوَى الله ومَنْ مَعَهُ مِنَ المُسْلِمِينَ خيَراً وقال: " اغْزُوا بِسْم الله وفي سبيلِ الله، قَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بالله، ولا تَغلوا تغدروا ولا تَمْثلُوا، ولا تَقْتُلُوا وَليداً، فإذا لَقِيتَ عَدُوُكَ مِنَ المُشْرِكِينَ فادْعُهُمْ إلى إحْدَى ثلاثِ خِصَالٍ أو خِلاَلٍ أيّهَا أجَابُوكَ فاقْبَلْ مِنْهُمْ وكُفّ عنْهُمْ: وادْعُهُمْ إلى الإسلامِ والتّحَولِ مِنْ دَارِهِمْ
ـــــــ
"باب ما جاءَ في وصيّته النبيّ صلى الله عليه وسلم في القِتَال"
قوله: "أوصاه في خاصة نفسه" أي في حق نفسه خصوصاً وهو متعلق بقوله "بتقوى الله" وهو متعلق بأوصاه "ومن معه" معطوف على خاصة نفسه أي وفي من معه "من المسلمين" بيان لمن "خيراً" منصوب بنزع الخافض أي بخير، قال الطيبي: ومن في محل الجر ومن باب العطف على عاملين مختلفين، كأنه قيل أوصى بتقوى الله في خاصة نفسه، وأوصى بخير في من معه من المسلمين، وفي اختصاص التقوى بخاصة نفسه والخير بمن معه من المسلمين إشارة إلى أن عليه أن يشد على نفسه فيها يأتي ويذر، وأن يسهل على من معه من المسلمين ويرفق بهم كما ورد: يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا "وقال اغزوا بسم الله" أي مستعينين بذكره "وفي سبيل الله" أي لأجل مرضاته وإعلاء دينه "قاتلوا من كفر بالله" جملة موضحة لا غزوا "ولا تغلوا" من الغلول من باب نصر ينصر أي لا تخونوا في الغنيمة "ولا تغدوا" بكسر الدال أي لا تنقضوا العهد، وقيل لا تحاربوهم قبل أن تدعوهم إلى الإسلام "ولا تمثلوا" بضم المثلثة. قال النووي في تهذيبه: مثل به بمثل كقتل إذا قطع أطرافه. وفي القاموس: مثل بفلان مثله بالضمير نكل كمثل تمثيلاً. وفي الفائق إذا سودت وجهه أو قطعت أنفه ونحوه "ولا تقتلوا وليداً" أي طفلاً صغيراً "فإذا لقيت" الخطاب الأمير الجيش، قال الطيبي: هو من باب تلوين الخطاب خاطب أولاً عاماً فدخل فيه الأمير دخولاً أولياً ثم خص الخطاب به فدخلوا فيه على سبيل التبعية كقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ} خص النبي صلى الله عليه وسلم بالنداء "أو خلال" شك من الراوي

(5/243)


إلى دَارِ المُهَاجِرِينَ، وأخْبِرْهُمْ إنْ فَعَلُوا ذلكَ فإنّ لَهُمْ ما لِلْمُهَاجِرِينَ وَعَلَيْهِمْ ما عَلَى المُهَاجِرِينَ، وإنْ أبَوْا أنْ يَتَحَوّلُوا فأَخْبِرْهُمْ أنّهُمْ يَكُونُوا كأعْرَابِ المُسْلِمِينَ يَجْرِي عَلَيْهِمْ ما يَجْرِي على الأعْرَابِ، لَيْسَ لَهُمْ في الغَنِيمَةِ والْفَيءِ شَيْءٌ إلاّ أن يُجَاهِدُوا، فإنْ أبَوْا فَاسْتَعِنْ بالله عَلَيْهِمْ وَقَاتِلْهُمْ. وإذا حَاصَرْتَ حِصْناً فَأَرَادُوكَ أنْ تَجْعَلَ لهم ذمة الله و ذِمّةَ نَبيّهِ فلا تَجْعَلَ لَهُمْ ذِمّةَ الله ولا ذِمّةَ نَبِيّهِ واجْعَلْ لَهُمْ ذِمّتَكَ وذِمَمَ أصْحَابِكَ، لأنّكُمْ إن تُخْفِرُوا ذِمّتكُمْ وَذِمَمَ أصْحَابِكُمْ خَيْرٌ مِنْ أنْ تُخْفِرُوا ذِمّةَ الله وذِمّةَ رسولِهِ،
ـــــــ
والخصال والخلال بكسرهما جمع الخصلة والخلة بفتحهما بمعنى واحد "فأيتها أجابوك" أي قبلوها منك "وكف عنهم" بضم الكاف وفتح الفاء المشددة ويجوز ضمها وكسرها أي امتنع عنهم "ادعهم" أي أولاً "والتحول" أي الانتقال "من دارهم" أي من دار الكفر "إلى دار المهاجرين" أي إلى دار الإسلام، وهذا من توابع الخصلة الأولى، بل قيل إن الهجرة كانت من أركان الإسلام قبل فتح مكة "أنهم إن فعلوا ذلك" أي التحول "فإن لهم ما للمهاجرين" أي الثواب واستحقاق مال الفيء، وذلك الاستحقاق كان في زمنه صلى الله عليه وسلم فإنه كان ينفق على المهاجرين من حين الخروج إلى الجهاد في أي وقت أمرهم الإمام سواء كان من بإزاء العدو كافياً أو لا بخلاف غير المهاجرين فإنه لا يجب الخروج عليهم إلى الجهاد إن كان بإزاء العدو من به الكفاية، وهذا معنى قوله: "وعليهم ما على المهاجرين" أي من الغزو "وإن أبوا أن يتحولوا" أي من دارهم "كأعراب المسلمين" أي الذين لازموا أوطانهم في البادية لا في دار الكفر "يجري عليهم ما يجري على الأعراب" وفي رواية مسلم: يجري عليهم حكم الذي يجري على المؤمنين أي من وجوب الصلاة والزكاة وغيرهما والقصاص والدية ونحوهما "إلا أن يجاهدوا" أي مع المسلمين "وإذا حاصرت حصناً" وفي رواية مسلم أهل حصن "فأرادوك أن تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه" أي عهدهما وأمانهما "فلا تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه" أي بالإجماع ولا بالإفراد "فإنكم إن تحفروا" من الإخفار أي تنقضوا

(5/244)


وإذا حَاصَرْتَ أهْلَ حِصْنٍ فأرَادُوكَ أنْ تُنزلهم على حُكْمِ الله فلا تُنْزِلُوهُمْ ولكن أنْزِلْهُمْ على حُكْمِكَ فَإِنّكَ لاَ تَدْرِي أتُصِيبُ حُكْمَ الله فيهِمْ أم لا أو نَحْوَ هذا" .
وفي البابِ عن النّعْمانِ بن مُقَرّنٍ وحديثُ بُرَيْدَةَ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
1667 ـ حدثنا محمدُ بنُ بَشّارٍ حدثنا أبو أحمدَ عن سُفْيَان عن عَلْقَمَةَ بن مَرْثَدٍ نَحْوَهُ بِمَعْنَاهُ وزَادَ فيهِ: "فإنْ أبَوْا فَخُذْ مِنهم الْجِزْيَةَ، فإنْ أبَوْا فاسْتَعِنْ بالله عليهم" .
هكذا رَوَاهُ وَكِيعٌ وغيرُ واحدٍ عن سُفْيَانَ وَرَوَى غَيْرُ محمدِ بنِ بَشّارٍ عن عبدِ الرحمَنِ بن مَهْدِي وَذَكَرَ فيهِ أمْرَ الْجِزْيَةِ.
1668ـ حدثنا الْحَسَنُ بنُ عليّ الْخَلاّلُ حدثنا عَفّانُ حدثنا حَمّادُ بنُ
ـــــــ
"فلا تنزلوهم" أي على حكم الله "فإنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا" قال النووي: قوله فلا تجعل لهم ذمة الله نهي تنزيه فإنه قد ينقضها من لا يعرف حقها وينتهك حرمتها بعض الأعراب وسواد الجيش، وكذا قوله "فلا تنزلهم على حكم الله" نهي تنزيه، وفيه حجة لمن يقول ليس كل مجتهد مصيباً بل المصيب واحد وهو الموافق لحكم الله في نفس الأمر، ومن يقول إن كل مجتهد مصيب يقول معنى قوله "فإنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم" أنك لا تأمن أن ينزل عليّ وحي بخلاف ما حكمت، كما قال صلى الله عليه وسلم في حديث أبي سعيد من تحكيم سعد بن معاذ في بني قريظة " لقد حكمت فيهم بحكم الله" ، وهذا المعنى منتف بعد النبي صلى الله عليه وسلم فيكون كل مجتهد مصيباً انتهى. قال القاري: وهو مذهب المعتزلة وبعض أهل السنة.
قوله: "وفي الباب عن النعمان بن مقرن" أخرجه أبو داود وأخرجه الترمذي في باب الساعة التي يستحب فيها القتال.
قوله: "وحديث بريدة حديث حسن صحيح" وأخرجه مسلم.
قوله: "وزاد" أي محمد بن بشار في روايته من طريق أبي أحمد "فإن أبوا" أي فإن امتنعوا عن الإسلام "فخذ بهم الجزية" استدل به مالك والأوزاعي

(5/245)


سَلَمَةَ حدثنا ثَابِتٌ عن أنَسِ قال:"كان النبيّ صلى الله عليه وسلم لا يُغَيرُ إلاّ عندَ صَلاَةِ الفَجْرِ، فإن سَمِعَ أذَاناً أمْسَكَ وإلاّ أغَارَ، فاسْتَمَعَ ذَاتَ يَوْمٍ فَسَمِعَ رَجُلاً يقول: الله أكبر الله أكبر، فقالَ: على الفِطْرةِ :أشْهَدُ أن لا إلهَ إلا الله، فقال خَرَجْتَ مِنَ النّارِ ".
قال الْحَسَنُ وحدثنا أبو الوَلِيدُ حدثنا حمّادُ بنُ سَلَمَةَ بهذا الإسْنَادِ مِثْلَهُ.
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
ومن وافقهما على جواز أخذ الجزية من كل كافر عربياً كان أو عجمياً كتابياً أو غير كتابي، وقد تقدم الكلام في هذه المسألة في باب الجزية.
قوله: "لا يغير" من الإغارة "إلا عند صلاة الفجر" وفي رواية: كان يغير إذا طلع الفجر "فإن سمع أذاناً أمسك وإلا أغار" قال القاضي: أي كان يتثبت فيه ويحتاط في الإغارة حذراً عن أن يكون فيهم مؤمن فيغير عليه غافلاً عنه جاهلاً بحاله. قال الخطابي: فيه بيان أن الأذان شعار لدين الإسلام لا يجوز تركه، فلو أن أهل بلد أجمعوا على تركه كان للسلطان قتالهم عليه انتهى. قال القاري: وكذا نقل عن الإمام محمد من أئمتنا انتهى، وفيه دليل على جواز قتال من بلغته الدعوة بغير دعوة، وفي هذا الحديث دليل على جواز الحكم بالدليل لكونه صلى الله عليه وسلم كف عن القتال بمجرد سماع الأذان، وفيه الأخذ بالأحوط في أمر الدماء لأنه كف عنهم في تلك الحال مع احتمال أن لا يكون ذلك على الحقيقة "واستمع ذات يوم" لفظ "ذات" مقحم "فقال على الفطرة" فيه أن التكبير من الأمور المختصة بأهل الإسلام وأن يصح الاستدلال به على إسلام أهل قرية سمع منهم ذلك "قال خرجت من النار" هو نحو الأدلة القاضية بأن من قال لا إله إلا الله دخل الجنة وهي مطلقة مقيدة بعدم المانع جمعاً بين الأدلة.
قوله: "قال الحسن" هو الحسن بن علي الخلال "وحدثنا الوليد" كذا في النسخة الأحمدية وهو غلط وفي بعض النسخ حدثنا أبو الوليد وهو الصواب، واسمه هشام بن عبد الملك الباهلي مولاهم الطيالسي، روى عن حماد بن سلمة وغيره وعنه الحسن بن علي الخلال وغيره.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه أحمد ومسلم

(5/246)


أبواب فضائل الجهاد
باب فضل الجهاد
...
أبواب فضائل الجهاد
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
1ـ باب فَضْلِ الْجِهَاد
1669 ـ حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا أبو عَوَانَةَ عن سُهَيْلِ بنِ أبي صَالِحٍ عن أبيهِ عن أبي هُرَيْرَةَ قال:"قِيلَ يَا رسولَ الله ما يَعْدِلُ الْجِهَادَ قال: لا تَسْتَطِيعُونَهُ ، فردّوا عَلَيْهِ مَرّتَيْنِ أو ثَلاَثاً كُلّ ذلكَ يقولُ: لا تَسْتَطِيعُونَهُ ، فقالَ في الثّالِثَةِ: "مَثَلُ المُجَاهِدِ في سبيلِ الله مَثلُ القائم الصّائِمِ
ـــــــ
"باب فَضْلِ الْجِهَاد"
قوله: "ما يعدل الجهاد" أي أي عمل يساوي الجهاد: يعني في الفضل والثواب "مثل المجاهد في سبيل الله مثل الصائم القائم" ولمسلم من طريق أبي صالح عن أبي هريرة كمثل الصائم القائم القانت بآيات الله، زاد النسائي من هذا الوجه: الخاشع الراكع الساجد، وفي الموطأ وابن حبان: كمثل الصائم القائم الدائم، ولأحمد والبزار من حديث النعمان بن بشير مرفوعاً: " مثل المجاهد في سبيل كمثل الصائم نهاره والقائم ليله" وشبه حال الصائم القائم بحال المجاهد في سبيل الله في نيل الثواب في كل حركة وسكون، لأن المراد من الصائم القائم من لا يفتر ساعة عن العبادة فأجره مستمر، وكذلك المجاهد لا تضيع ساعة من ساعاته بغير ثواب لحديث: إن المجاهد لتستن فرسه فيكتب له حسنات. وأصرح منه قوله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَطَأُونَ مَوْطِئاً يُغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلاً إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ

(5/247)


الذي لا يَفْتُرُ مِنْ صلاةٍ ولا صِيَامٍ، حتى يَرْجِعَ المُجَاهِدُ في سبيلِ الله" .
وفي البابِ عن الشّفَاءِ وعبدِ الله بنِ حُبشِيّ وأبي موسَى وأبي سَعِيدٍ وأُمّ مالكٍ البَهْزِيّةِ وأنَسِ.
وهذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وقد رُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عن أبي هُرَيْرَةَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم.
1670 ـ حدثنا محمدُ بنُ عبدِ الله بنُ بَزِيعٍ حدثنا المُعْتَمِرُ بنُ سُلَيْمانَ حدثني مَرْزُوقٌ أبو بكرٍ عن قَتَادَةَ عن أنسِ بنِ مالك قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "يَعْنِي يقولُ الله عز وجل: المُجَاهِدُ في سبيلي هُوَ عَلَيّ ضمان إنْ
ـــــــ
أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ وَلا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً وَلا يَقْطَعُونَ وَادِياً إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} لا يفتر" من الفتور من باب نصر ينصر أي لا يسأم ولا يمل "حتى يرجع المجاهد في سبيل الله" أي إلى بيته أو حتى ينصرف عن جهاده.
قوله: "وفي الباب عن الشقاء وعبد الله بن حبشي وأبي موسى وأبي سعيد وأم مالك البهزية وأنس بن مالك" ، أما حديث الشفاء فأخرجه أحمد في مسنده، وأما حديث عبد الله بن حبشي فأخرجه أحمد وأبو داود والنسائي، وأما حديث أبي موسى فأخرجه الترمذي في أواخر فضائل الجهاد، وأما حديث أبي سعيد فأخرجه ابن ماجه في باب فضل الجهاد في سبيل الله من أبواب الجهاد، وأما حديث أم مالك البهزية فأخرجه أحمد في مسنده، وأما حديث أنس بن مالك فأخرجه الترمذي في هذا الباب.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان.
قوله: "يعني يقول الله" الظاهر أن قائله أنس، أي يريد صلى الله عليه وسلم أن المجاهد في سبيل الخ من الأحاديث الإلهية. ووقع في حديث ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يحكي عن ربه قال: "أيما عبد من عبادي خرج مجاهداً في سبيلي ابتغاء مرضاتي ضمنت له إن أرجعته أن أرجعه بما أصاب

(5/248)


قَبَضْتُهُ أوْرَثْتُهُ الجَنّةَ، وإنْ رَجَعْتُهُ رَجَعْتُهُ بأجْرِ أو غَنِيمَةٍ" .
هو غريب صحيحٌ من هذا الوَجْهِ.
ـــــــ
من أجر أو غنيمة، وإن قبضته غفرت له" ، رواه النسائي "وهو عليّ ضامن" كذا في النسخ الحاضرة بلفظ ضمان. وفي ترغيب المنذري نقلاً عن الترمذي بلفظ ضامن، وكذا نقله الحافظ في التفح وقال: قوله على ضامن أي مضمون، أو معناه أنه ذو ضمان انتهى "وإن رجعته" أي أرجعته. قال في القاموس: رجع يرجع رجوعاً انصرف، والشيء عن الشيء وإليه رجعا صرفه ورده كأرجعه.
قوله: "هذا حديث غريب صحيح" قال المنذري بعد ذكره: وهو في الصحيحين وغيرهما بنحوه من حديث أبي هريرة وتقدم انتهى.
قلت: ذكر المنذري فيما تقدم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تضمن الله لمن خرج في سبيله لا يخرجه إلا الجهاد في سبيلي وإيمان بي وتصديق برسلي فهو ضامن أن أدخله الجنة أو أرجعه إلى منزله الذي خرجه منه نائلاً ما نال من أجر أو غنيمة" الخ، رواه مسلم واللفظ له، ورواه مالك والبخاري والنسائي ولفظهم: تكفل الله من جاهد في سبيله الخ. قال الحافظ في الفتح: تضمن الله وتكفل الله وانتدب الله بمعنى واحد ومحصله تحقيق المذكور في قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ} وذلك التحقيق على وجه الفضل منه سبحانه وتعالى، وقد عبر صلى الله عليه وسلم عن الله سبحانه وتعالى بتفضله بالثواب بلفظ الضمان ونحوه مما جرت به عادة المخاطبين فيما تطمئن به نفوسهم

(5/249)


باب ماجاء في فضل من مات مرابطا
...
2ـ باب ما جاءَ في فَضْلِ مَنْ مَاتَ مُرَابِطا
1671 ـ حدثنا أحمدُ بنُ محمدٍ أخبرنا عبدُ الله بنُ المبَارَكِ أخبرنا حَيْوَةَ بنُ شُرَيْحٍ، قال أبو هَانِئ الْخَوْلاَنِيّ أنّ عَمْرو بنَ مَالِكٍ الْجَنْبِي أخْبَرَهُ أنّهُ سَمِعَ فَضَالَةَ بنَ عُبْيْدٍ يُحَدّثُ عن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم
ـــــــ
"باب ما جاءَ في فَضْلِ مَنْ مَاتَ مُرَابِطا"
قوله: "أنه سمع فضالة" بفتح الفاء والضاد المعجمة "بن عبيد" بالتصغير

(5/249)


أنّهُ قال: "كُلّ مَيّتٍ يُخْتَمُ على عَمَلِهِ إلاّ الّذِي مَاتَ مُرَابِطاً في سبيلِ الله فإنّهُ يُنْمي لَهُ عَمَلَهُ إلى يَوْمِ القيامَةِ ويَأْمَنُ من فِتْنَة الْقَبْرِ" وسَمِعْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: "المُجَاهِدُ مَنْ جَاهَدَ نَفْسَهُ" .
وفي البابِ عن عُقْبَةَ بنِ عَامِرٍ وَجَابِرٍ.
حديثُ فَضَالَةَ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
"كل ميت يختم"بصيغة المجهول "على عمله"أي لا يكتب له ثواب جديد "فإنه ينمي له عمله" بفتح الياء وكسر الميم أي يزيد، ويجوز أن يكون بضم الياء وفتح الميم من الإنماء أي يزاد عمله بأن يصل إليه كل لحظة أجر جديد، فإنه فدى نفسه فيما يعود نفعه على المسلمين، وهو إحياء الدين بدفع أعدائهم من المشركين "ويأمن فتنة القبر" أي مع ذلك، ولعله بهذا امتاز عن غيره الوارد في حديث مسلم عن أبي هريرة مرفوعاً: إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة، الحديث.
قوله: "المجاهد من جاهد نفسه" زاد في رواية الله أي قهر نفسه الأمارة بالسوء على ما فيه رضا الله من فعل الطاعة وتجنب المعصية، وجهادها أصل كل جهاد، فإنه لم يجاهدها لم يمكنه جهاد العدو الخارج.
قوله: "وفي الباب عن عقبة بن عامر وجابر" أما حديث عقبة فأخرجه أحمد والدارمي، وأما حديث جابر فأخرجه الطبراني في الأوسط عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من رابط يوماً في سبيل الله جعل الله بينه وبين النار سبع خنادق كل خندق كسبع سماوات وسبع أرضين" ، قال المنذري في الترغيب: إسناده لا بأس به إن شاء الله ومتنه غريب.
قوله: "حديث فضالة بن عبيد حديث حسن صحيح" وأخرجه أبو داود وليس في روايته جملة: المجاهد من جاهد نفسه، وأخرجه ابن حبان مع هذه الجملة

(5/250)


باب ماجاء في فضل الصوم في سبيل الله
...
3ـ باب ما جاءَ في فَضْلِ الصّوْمِ في سبيلِ الله
1672 ـ حدثنا قُتَيْبَةُ حدثنا ابنُ لَهِيعَةَ عن أبي الأسْوَدِ عن عُرْوَةَ بن الزبير وَ سُلَيْمانَ بنَ يَسَارٍ أنّهُمَا حَدّثَاهُ عن أبي هُرَيْرَةَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "مَنْ صَامَ يَوْماً في سَبيلِ الله زَحْزَحَهُ الله عن النّارِ سَبْعِينَ خَرِيفاً" .أحدُهُمَا يقُولُ:سَبْعِينَ والآخر يقولُ:أرْبَعِينَ.
ـــــــ
"باب ما جاءَ في فَضْلِ الصّوْمِ في سبيلِ الله"
قوله:"من صام يوماً في سبيل الله"قال ابن الجوزي:إذا أطلق ذكر سبيل الله فالمراد به الجهاد.وقال القرطبي:سبيل الله طاعة الله، فالمراد من صام قاصداً وجه الله.قال الحافظ: ويحتمل أن يكون ما هو أعم من ذلك، ثم وجدته في فوائد أبي طاهر الذهلي من طريق عبد الله بن عبد العزيز الليثي عن المقبري عن أبي هريرة بلفظ: ما من مرابط يرابط في سبيل الله فيصوم يوماً في سبيل الله الحديث. قال ابن دقيق العيد: العرف الأكثر استعماله في الجهاد، فإن حمل كانت الفضيلة لاجتماع العبادتين، قال: ويحتمل أن يراد بسبيل الله طاعته كيف كانت، والأول أقرب ولا يعارض ذلك أن الفطر في الجهاد أولى لأن الصائم يضعف عن اللقاء لأن الفضل المذكور محمول على من لم يخش ضعفاً ولا سيما من اعتاد به فصار ذلك من الأمور النسبية، فمن لم يضعفه الصوم عن الجهاد فالصوم في حقه أفضل ليجمع بين الفضيلتين انتهى "زحزحه الله" أي بعده "سبعين خريفاً" قال الحافظ: الخريف زمان معلوم من السنة والمراد به هنا العام، وتخصيص الخريف بالذكر دون بقية الفصول الصيف والشتاء والربيع لأن الخريف أزكى الفصول لكونه يجنى فيه الثمار.ونقل الفاكهاني أن الخريف يجتمع فيه الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة دون غيره، ورد بأن الربيع كذلك. قال القرطبي: ورد ذكر السبعين لإرادة التكثر كثيراً انتهى، ويؤيده أن النسائي أخرج الحديث المذكور عن عقبة بن عامر والطبراني عن عمرو بن عبسة، وأبو يعلى عن معاذ بن أنس فقالوا جميعاً في رواياتهم مائة عام انتهى كلام الحافظ "أحدهما"

(5/251)


هذا حديثٌ غريبٌ مِنْ هذَا الوَجْهِ. وأبو الأسودِ اسمُهُ محمدُ بنُ عبدِ الرحمَنِ بنِ نَوْفَلٍ الأسَدِيّ المدنيّ.
وفي البابِ عن أبي سَعِيدٍ وأنَسٍ وَعُقْبَةَ بنِ عَامِرٍ وأبي أُمَامَةَ.
1673ـ حدثنا سَعِيدُ بنُ عبدِ الرحمَنِ المخزومي حدثنا عبدُ الله بنُ الوَلِيدِ العَدَنِيّ حدثنا سُفْيَانَ الثّوْرِي قال وحدثنا محمودُ بنُ غَيْلاَنَ حدثنا عبد الله بنُ موسى عن سُفْيَانَ عن سُهَيْلِ بنِ أبي صَالِحٍ عن النّعْمَانِ بنِ أبي عَيّاشٍ الزّرَقِيّ عن أبي سَعِيدٍ الخُدْرِيّ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يَصُومُ عَبْدٌ يَوْماً
ـــــــ
أي أحد من عروة وسليمان "يقول سبعين والآخر يقول أربعين"من روى بسبعين فروايته موافقة لحديث أبي سعيد المتفق عليه الآتي في هذا الباب.
قوله:"هذا حديث غريب من هذا الوجه"في إسناده ابن لهيعة وهو ضعيف. قال المنذري في الترغيب: عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من صام يوماً في سبيل الله زحزح الله وجه عن النار بذلك اليوم سبعين خريفاً" رواه النسائي بإسناد حسن. والترمذي من رواية بن لهيعة وقال: حديث غريب. ورواه ابن ماجه من رواية عبد الله بن عبد العزيز الليثي وبقية رجال الإسناد ثقات انتهى "وأبو الأسود اسمه محمد بن عبد الرحمن بن نوفل الأسدي المديني" قال الحافظ: هو يتيم. عروة ثقة من السادسة.
قوله: "وفي الباب عن أبي سعيد وأنس وعقبة بن عامر وأبي أمامة" ، أما حديث أبي سعيد فأخرجه الشيخان، وأما حديث أنس فلينظر من أخرجه، وأما حديث عقبة بن عامر فأخرجه النسائي، وأما حديث أبي أمامة فأخرجه الترمذي في هذا الباب.
قوله: "حدثنا عبد الله بن الوليد العدني" قال في التقريب: عبد الله بن الوليد بن ميمون أبو محمد المكي المعروف بالعدني صدوق ربما أخطأ من كبار العاشرة عن النعمان "بن أبي عياش" بفتح عين مهملة وشدة تحتية وبشين معجمة "الزرقي" بضم زاي معجمة وفتح راء مهملة الأنصاري المدني ثقة من الرابعة.

(5/252)


في سَبِيلِ الله إلاّ بَاعَدَ ذلكَ الْيَوْمُ النّارَ عن وَجْهِهِ سَبْعِينَ خَرِيفاً" .
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
1674 ـ حدثنا زِيَادُ بنُ أيّوبَ حدثنا يَزِيدُ بنُ هَارُونَ أخبرنا الوليد بن جميل عن القاسم أبي عبد الرحمن عن أبي أُمامة الباهليّ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "مَنْ صَامَ يَوْماً في سَبِيلِ الله جَعَلَ الله بَيْنَهُ وبَيْنَ النّارِ "خَنْدَقاً كما بَيْنَ السماءِ والأرْضِ" .
هذا حديثٌ غريبٌ مِنْ حديثِ أبي أُمَامَةَ.
ـــــــ
قوله: "إلا باعد ذلك اليوم" أي صومه "النار" بالنصب مفعول باعد. وذكر المنذري في الترغيب هذا الحديث بلفظ: "ما من عبد يصوم يوماً في سبيل الله إلا باعد الله بذلك اليوم وجهه عن النار سبعين خريفاً" وعزاه للبخاري ومسلم والترمذي والنسائي.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان وغيرهما كما عرفت آنفاً.
قوله: "حدثنا زياد بن أيوب" هو البغدادي المعروف بدلويه "جعل الله بينه وبين النار خندقاً" الخندق بوزن جعفر حول أسوار المدن معرب كنده كذا في القاموس.
قوله: "هذا حديث غريب" ذكره المنذري في الترغيب وعزاه الترمذي وسكت عنه

(5/253)


باب ماجاء في فضل النفقة في سبيل الله
...
4ـ باب ما جاءَ في فَضْلِ النّفَقَةِ في سَبِيلِ الله
1675ـ حدثنا أبُو كُرَيْبٍ حدثنا الحُسَيْن بن علي الجُعَفِيّ عن زَائِدَةَ عن الرّكَينِ بنِ الرّبيعِ عن أبيهِ عن يُسَيْرِ بن عُمَيْلَةَ عن خُرَيْمِ بنِ فَاتِكٍ
ـــــــ
"باب ما جاءَ في فَضْلِ النّفَقَةِ في سَبِيلِ الله"
قوله: "عن الركين" بالتصغير "بن الربيع" بن عميلة الفزاري الكوفي ثقة

(5/253)


قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ أنْفَقَ نَفَقَةً في سبيلِ الله كُتِبَتْ لَهُ بسَبْعَمَائَةِ ضِعْفٍ" .
وفي البابِ عن أبي هريرةَ.
وهذا حديثٌ حسنٌ إنما نَعْرِفُهُ مِنْ حديثِ الرّكَيْنِ بنِ الرّبيعِ.
ـــــــ
من الرابعة "عن أبيه"أي عن الربيع بن الفزاري الكوفي وثقه بن معين "عن يسير" بالتصغير "بن عميلة" بفتح المهملة وكسر الميم الفزاري ويقال له أسير أيضاً ثقة من الثالثة "عن خريم" بضم الخاء المعجمة وفتح الراء وسكون التحتية "بن فانك" بالفاء وكسر الفوقية الأسدي صحابي شهد الحديبية ولم يصح أنه شد بدراً، مات في خلافة معاوية بالرقة "من أنفق نفقة" أي صرف نفقة صغيرة أو كبيرة "كتبت له سبعمائة ضعف" أي مثل، وهذا أقل الموعود والله يضاعف لمن يشاء. قال المناوي. أخذ منه بعضهم أن هذا نهاية التضعيف ورد بآية {وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ} انتهى.
قوله: "وفي الباب عن أبي هريرة" أخرجه البزار عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى بفرس يجعل كل خطو منه أقصى بصره، فسار وسار معه جبريل فأتى على قوم يزرعون في يوم ويحصدون في كل يوم كلما أحصدوا عاد كما كان، فقال يا جبريل من هؤلاء؟ قال هؤلاء المجاهدون في سبيل الله تضاعف لهم الحسنة بسبع مائة ضعف، وما أنفقوا من شيء فهو يخلفه، وذكر الحديث بطوله، كذا في الترغيب "هذا حديث حسن" وأخرجه النسائي وابن حبان في صحيحه والحاكم وقال صحيح الإسناد، وأخرجه أيضاً أحمد

(5/254)


باب ماجاء في فضل الخدمة في سبيل الله
...
5ـ باب ما جاءَ في فَضْلِ الْخِدْمَةِ في سَبِيلِ الله
1676ـ حدثنا محمدُ بنُ رَافِعٍ حدثنا زَيْدُ بنُ حُبَابٍ حدثنا مُعَاوِيَة بنُ صَالِحٍ عن كَثِيرِ بنِ الحَارِثِ عن القَاسِمِ أبي عبدِ الرحمَنِ عن عَدِيّ بنِ
ـــــــ
"باب ما جاءَ في فَضْلِ الْخِدْمَةِ في سَبِيلِ الله"
قوله: "عن كثير بن الحارث" الدمشقي مقبول من السادسة.

(5/254)


حَاتِمٍ الطّائِيّ "أنه سألَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم: أيّ الصّدَقَةِ أفْضَلُ؟ قال: " خِدْمَةُ عَبْدٍ في سَبيلِ الله، أوْ ظِلّ فُسْطَاطٍ، أو طَرُوقَةُ فَحْلٍ في سَبِيلِ الله" .
قال أبو معامية وقد رُوِيَ عن مُعَاوِيَةَ بنِ صَالحٍ هذا الحديثُ مُرْسلاً وَخُولِفَ زَيْدٌ في بَعْضِ إسْنَادِهِ. قال ورَوَى الوَلِيدُ بنُ جَمِيلٍ هذا الحَديثَ عن القَاسِمِ أبي عبدِ الرحمَنِ عن أبي أُمَامَةَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم.
1677ـ حدثنا بذلك زِيَادُ بنُ أيّوبَ. حدثنا يَزِيدُ بنُ هَارُونَ أخبرنا الوَلِيدُ بنُ جَمِيلٍ عن القَاسِمٍ أبي عبدِ الرحمَنِ عن أبي أُمَامَةَ قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "أفْضَلُ الصّدَقَاتِ ظِلّ فُسْطَاطٍ في سَبِيلِ الله، ومَنِيحَةُ خَادِمٍ في سَبِيلِ الله، أو طَرُوقَةُ فَحْلٍ في سَبِيلِ الله" .
ـــــــ
قوله:"قال خدمة عبد في سبيل الله"وفي رواية أبي أمامة الآتية :منيحة خادم في سبيل الله، فالمراد بقوله خدمة عبد، أي هبة عبد للمجاهد ليخدمه أو عاريته له "أو ظل فسطاط" بضم الفاء وتكسر خيمة يستظل به المجاهد، أي نصب خيمة أو خباء للغزاة يستظلون به "أو طروقة فحل" بفتح الطاء فعولة بمعنى مفعولة أي مركوبة يعني ناقة أو نحو فرس بلغت أن يطرقها الفحل، يعطيه إياها ليركبها إعارة أو قرضاً أو هبة.
قوله: "أفضل الصدقات ظل فسطاط في سبيل الله ومنيحة خادم في سبيل الله أو طروقة فحل في سبيل الله" قال المنذري في الترغيب: طروقة الفحل بفتح الطاء وبالإضافة هي الناقة التي صلحت لطرق الفحل وأقل سنها ثلاث سنين وبعض الرابعة وهذه هي الحقة، ومعناه أن يعطي الغازي خادماً أو ناقة هذه صفتها فإن ذلك أفضل الصدقات.

(5/255)


هذا حديثٌ حسنٌ صحيح "غريب"وهو أصَحّ عِنْدِي مِنْ حديثِ مُعَاوِيَةَ بنِ صَالِحٍ
ـــــــ
قوله: "هذا حديث حسن غريب صحيح" قال المنذري في الترغيب بعد ذكر هذا الحديث: رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح، فلم يذكر لفظ غريب، وكذا في الجامع الصغير بغير ذكر لفظ غريب. وقال المناوي: واعترض بأن حقة حسن لا صحيح انتهى وحديث أمامة هذا أخرجه أيضاً أحمد في مسنده

(5/256)


باب ماجاء فيمن جهز غازيا
...
6ـ باب ما جاءَ فيمن جَهّزَ غَازِيا
1678ـ حدثنا أبو زَكَرِيّا يَحْيى بنُ دُرُسْتَ البصري حدثنا أبو إسماعيلَ حدثنا يَحْيَى بنُ أبي كَثِيرٍ عَن أبي سَلمَةَ عن بُسْرِ بنِ سَعِيدٍ عن زَيْدِ بنِ خالدٍ الجهَنِيّ عن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم قال: "مَنْ جَهّزَ غَازِياً في سَبِيلِ الله فقد غَزَا، وَمَنْ خَلَفَ غَازِياً في أهْلِهِ فَقَدْ غَزَا" .
ـــــــ
"باب ما جاءَ فيمن جَهّزَ غَازِيا"
تجهيز الغازي تحميله وإعداد ما يحتاج إليه في غزوة.
قوله: "حدثنا أبو إسماعيل" اسمه إبراهيم بن عبد الملك البصري أو إسماعيل القناد صدوق في حفظه شيء من السابعة.
قوله: "قال من جهز غازياً" بتشديد الهاء أي هيأ أسباب سفره "في سبيل الله" أي في الجهاد "فقد غزا" أي حكماً وحصل له ثواب الغزاة "ومن خلف" بفتح اللام المخففة "غازياً" أي قام مقام بعده وصار خلفاً له برعاية أموره في أهله "فقد غزا" قال القاضي: يقال خلفه في أهله إذا قام مقامه في إصلاح حالهم ومحافظة أمرهم أي من تولى أمر الغازي وناب منابه في مراعاة أهله زمان غيبته شاركه في الثواب لأن فراغ الغازي له واشتغاله به بسبب قيامه بأمر عياله فكأنه مسبب عن فعله قال الحافظ في الفتح: قوله فقد غزا قال ابن حبان: معناه أنه

(5/256)


هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وقد رُوِيَ مِنْ غَيْرِ هذا الوَجْهِ.
1679 ـ حدثنا ابنُ أبي عُمرَ حدثنا سُفْيَان بن عينية عن ابنِ أبي لَيْلَى عن عَطَاءِ عن زَيْدِ بنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيّ قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ جهّزَ غَازِياً في سَبِيلِ الله أو خَلَفَهُ في أهْلِهِ فَقَدْ غزَا" .
هذا حديثٌ حسنٌ.
ـــــــ
مثله في الأجر وإن لم يغز حقيقة، ثم أخرج من وجه آخر عن بسر بن سعيد بلفظ: كتب له مثل أجره غير أن لا ينقص من أجره شيء، ولابن ماجه وابن حبان من حديث عمر نحوه بلفظ: من جهز غازياً حتى يستقل كان له مثل أجره حتى يموت أو يرجع. وأفادت فائدتين: إحداهما أن الوعد المذكور مرتب على تمام التجهيز وهو المراد بقوله: حتى يستقل. ثانيهما أنه يستوي معه في الأجر وماله يخبر إلى أن تنقضي تلك الغزوة انتهى.
فإن قلت: ماوجه التوفيق بين حديث الباب وحديث أبي سعيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث بعثاً وقال: " ليخرج من كل رجلين رجل والأجر بينهما" ، رواه مسلم. وفي رواية له: ثم قال للقاعد: "وأيكم خلف الخارج في أهله كان له مثل نصف أجر الخارج" .
قلت: قال القرطبي: لفظه نصف يشبه أن تكون مقحمة أي مزيدة من بعض الرواة وقال الحافظ: ولا حاجة لدعوى زيادتها بعد ثبوتها في الصحيح، والذي يظهر في توجيهها أنها أطلقت بالنسبة إلى مجموع الثواب للغازي والخالف له بخير، فإن الثواب إذا انقسم بينهما نصفين كان لكل منهما مثل ما للآخر. فلا تعارض بين الحديثين انتهى.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان وغيرهما "وقد روى" بصيغة المجهول "من غير هذا الوجه" أي من غير هذا الإسناد المذكور، وقد ذكره الترمذي بقوله حدثنا ابن أبي عمر الخ.

(5/257)


1680ـ حدثنا محمدُ بنُ بَشّارٍ حدثنا عبدُ الرحمَنِ بنُ مَهْدِي حدثنا حَرْبُ بنُ شَدّادٍ عن يَحْيَى بنِ أبي كَثِيرٍ عن أبي سَلَمَةَ عن بُسْرِ بنِ سَعِيدٍ عن زَيْدِ بنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيّ قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ جَهّزَ غَازِياً في سَبِيلِ الله فَقَدْ غَزَا ومن خلف غازياً في أهله فقد غزا"
هذا حديثٌ حسن صحيحٌ.
1681ـ حدثنا محمد بن بشار حدثنا يحيى بن سعيد حدثنا عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء عن زيد بن خالد الجهني عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه.
ـــــــ
قوله: "حدثنا محمد بن بشار حدثنا يحيى بن سعيد الخ" قد وقعت هذه العبارة أعني قوله حدثنا محمد بن بشار حدثنا يحيى بن سعيد إلى قوله نحوه في بعض النسخ قبل قوله حدثنا محمد بن بشار حدثنا عبد الرحمن بن مهدي الخ "حدثنا عبد الملك بن أبي سليمان" العرزمي صدوق له أوهام من الخامسة كذا في التقريب

(5/258)


7ـ باب من اغْبَرّتْ قَدَمَاهُ في سَبِيلِ الله
1682ـ حدثنا أبو عَمّارٍ الحسين بن حريث حدثنا الوَلِيدُ بنُ مُسْلِمٍ عن بريد بنِ أبي مَرْيَمَ قال: لَحِقَنِي عَبَايَةُ بنُ رِفَاعَةَ بنُ رَافِعٍ وأنا مَاشٍ إلَى الجُمُعَةِ
ـــــــ
"باب من اغْبَرّتْ قَدَمَاهُ في سَبِيلِ الله"
أبي بيان ماله من الفضل.
قوله: "لحقني عباية" بفتح المهملة "بن رفاعة" بكسر الراء المهملة "وأنا ماش إلى الجمعة" جملة حالية. اعلم أن كذا وقع عند الترمذي وكذا عند النسائي أن القصة وقعت ليزيد بن أبي مريم مع عباية، وعند البخاري في باب المشي إلى الجمعة من

(5/258)


فقال:أبْشِرْ فإنّ خُطَاكَ هَذِهِ في سَبِيلِ الله، سَمِعْتُ أبا عَبْسٍ يقولُ: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَنِ اغْبَرّتْ قَدَمَاهُ في سَبِيلِ الله فَهُمَا حَرَامٌ على النّارِ" .
هذا حديثٌ حسنٌ غريب صحيحٌ. وأبو عَبْسٍ اسْمُهُ عبدُ الرّحْمَنِ بنُ جَبْرٍ.
وفي البابِ عن أبي بَكْرٍ ورَجُلٍ مِنْ أصْحَابِ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال وبريدَ بنِ أبي مَرْيَمَ هو رَجُلٌ شَامِيّ رَوَى عنهُ الوَليدُ بنُ مُسْلِمٍ ويحيَى
ـــــــ
رواية علي بن المديني عن الوليد بن مسلم أن القصة وقعت لعباية مع أبي عباس، فإن كان ما عند الترمذي والنسائي محفوظاً احتمل أن تكون القصة وقعت بكل منهما. كذا في الفتح "فقال" أي عباية "أبشر" من الإبشار، قال في الصراخ: الإبشار شاد شدن يقال بشرته بمولود فأبشر أي سر، ويقال أبشر بخير، ومنه قوله تعالى {وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ} "فإن خطاك" جمع خطوة "في سبيل الله" أي في طريق يطلب فيها رضا الله "سمعت أبا عباس" بسكون الموحدة هو ابن جبير بفتح الجيم وسكون الموحدة "من اغبرت قدماه" أي أصابهما غبار "في سبيل الله" أي في الجهاد. وقال المناوي في شرح الجامع الصغير أي في طريق يطلب فيها رضا الله فشمل الجهاد وغيره كمطلب العلم. قلت: وأراد عباية بن رفاعة في رواية الترمذي وكذا أبو عبس الراوي في رواية البخاري العموم "فهما حرام على النار" أي لا تمسها النار، وفي ذلك إشارة إلى عظم قدر التصرف في سبيل الله فإذا كان مجرد مس الغبار للقدم يحرم عليها النار فكيف بمن سعى وبذل جهده واستنفد وسعه.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح غريب" وأخرجه أحمد والبخاري والنسائي.
قوله: "وفي الباب عن أبي بكر ورجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم" لم أقف على من أخرج حديثهما. وفي الباب أيضاً عن أبي الدرداء أخرجه الطبراني في الأوسط، وعن جابر أخرجه ابن حبان ذكر الحافظ لفظهما في الفتح تحت حديث الباب.
قوله: "ويزيد بن أبي مريم وهو رجل شامي" قال في التقريب يقال اسم أبيه

(5/259)


بن حمزَةَ وغيرُ واحدٍ مِنْ أهلِ الشّامِ. وبريد بنُ أبي مَرْيَمَ كُوفِيّ أبُوهُ مِنْ أصْحَابِ النبيّ صلى الله عليه وسلم واسْمُهُ مَالِكُ بنُ رَبِيعَةَ.
ـــــــ
ثابت الأنصاري أبو عبد الله الدمشقي إمام الجامع لا بأس به "روى عنه الوليد بن مسلم ويحيى بن حمزة وغير واحد من أهل الشام" كالأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز وغيرهما، وهو روى عن أبيه وعن عباية بن رفاعة بن رافع بن خديج ومجاهد وغيرهم. كذا في تهذيب التهذيب "ويزيد بن أبي مريم كوفي" يعني هذا رجل آخر غير يزيد بن أبي مريم الشامي المذكور "أبوه من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم واسمه مالك بن ربيعة" قال في تهذيب التهذيب: مالك بن ربيعة أبو مريم السلولي من أصحاب الشجرة، سكن الكوفة، روى عن النبي صلى الله عليه وسلم في النوم عن الصلاة، وعنه ابنه يزيد بن أبي مريم روى أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا له أن يبارك له في ولده فولد له ثمانون ذكراً، قال الحافظ ذكره ابن حبان في الصحابة ثم ذكره ثقات التابعين

(5/260)


باب ماجاء في فضل الغبار في سبيل الله
...
8ـ باب ما جاءَ في فَضْلِ الغُبَارِ في سبيلِ الله
1683ـ حدثنا هَنّادٌ، حدثنا ابنُ المُبَارَكِ عن عبدِ الرحمَنِ بنِ عبدِ الله المَسْعُودِيّ عن محمد بنِ عبدِ الرحمَنِ عن عيسى بنِ طَلْحَةَ عن أبي هُرَيْرَةَ قال: قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لا يَلِجُ النّارَ رَجُلٌ بَكَى مِنْ خَشْيَةِ الله حتى يَعُودَ اللّبنُ فِي الضّرْعِ، ولا يَجْتَمِعُ غُبَارٌ في سبيلِ الله وَدُخَانُ جَهَنّمَ" .
ـــــــ
"باب ما جاءَ في فَضْلِ الغُبَارِ في سبيلِ الله"
قوله: "عن محمد بن عبد الرحمن" بن عبيد القرشي مولى آل طلحة كوفي ثقة.
قوله: "لا يلج النار" أي لا يدخلها "رجل بكى من خشية الله" فإن الغالب من الخشية امتثال الطاعة واجتناب المعصية "حتى يعود اللبن في الضرع" هذا من باب التعليق بالمحال كقوله تعالى {حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ} "ولا يجتمع" أي

(5/260)


هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
ومحمدُ بنُ عبدِ الرحمَنِ هو مَوْلَى أبي طَلْحَةَ مدنيّ.
ـــــــ
على عبد، كما في رواية غير الترمذي "غبار في سبيل الله ودخان جهنم"فكأنهما ضدان لا يجتمعان، كما أن الدنيا والآخرة نقيضان.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه النسائي والحاكم والبيهقي إلا أنهم قالوا: ولا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم في منخري مسلم أبداً، وقال الحاكم: صحيح الإسناد

(5/261)


باب ماجاء من شاب شيبة في سبيل الله
...
9ـ باب ما جاءَ مَنْ شَابَ شَيْبَةً في سبيلِ الله
1684 ـ حدثنا هَنّادٌ، حدثنا أبو مُعاوِيةَ عن الأعْمَشِ عن عَمْرِو بنِ مُرّةَ عن سَالِمِ بنِ أبي الْجَعْدِ أن شُرَحْبِيلَ بنَ السّمْطِ قال: يا كَعْبُ بنُ مُرّةَ حَدّثْنَا عن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم واحْذَرْ، قال: سَمِعْتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولُ: "مَنْ شَابَ شَيْبَةً في الإسْلاَمِ كَانَتْ لَهُ نُوراً يَوْمَ القِيامَةِ" .
وفي البابِ عن فَضَالَةَ بنِ عُبَيْدٍ وعَبْدِ الله بنِ عَمْرٍو.وحَدِيثَ كَعْبِ بنِ
ـــــــ
"باب ما جاءَ مَنْ شَابَ شَيْبَةً في سبيلِ الله"
قوله: "واحذر" أي عن زيادة ونقصان فيه "من شاب شيبة" أي شعرة واحدة بيضاء "في الإسلام" يعني أعم من أن يكون في الجهاد أو غيره "كانت له نوراً يوم القيامة" أي ضياء ومخلصاً عن ظلمات الموقف وشدائده. قال المناوي: أي يصير الشعر نفسه نوراً يهتدي به صاحبه، والشيب وإن كان ليس من كسب العبد لكنه إذا كان بسبب من نحو جهاد أو خوف من الله ينزل منزلة سعيه انتهى.
قوله: "وفي الباب عن فضالة بن عبيد وعبد الله بن عمرو"أما حديث فضالة

(5/261)


مُرّةَ.هكذا رَوَاهُ الأعْمَشُ عن عَمْرِو بنِ مُرّةَ.
وقد رُوِيَ هذا الحَدِيثُ عن مَنْصُورٍ عن سَالمِ بنِ أبِي الْجَعْدِ وَأَدْخَلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ كَعْبِ بنِ مُرّةَ في الإسْنَادِ رَجُلاً. ويُقَالُ كَعْبُ بنُ مُرّةَ ويُقَالُ مُرّةُ بنُ كَعْبٍ البَهْزِيّ. و قد رَوَى عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أحَادِيثَ.
1685 ـ حدثنا إسْحَاقُ بنُ مَنْصُورٍ المروزي، أخبرنا حَيْوَة بنُ شُرَيْحٍ عن بَقِيّةَ عن بَجيرٍ بن سَعْدٍ عن خالدِ بنِ مَعْدَانَ عن كَثِيرِ بنِ مُرّةَ الحضرمي
ـــــــ
فأخرجه البزار والطبراني في الكبير والأوسط من رواية ابن لهيعة وبقية إسناده ثقات، كذا في الترغيب ولفظه مثل حديث الباب المذكور. وأما حديث عبد الله بن عمرو فأخرجه أبو داود.
قوله: "حديث كعب بن مرة حديث حسن" وأخرجه النسائي وابن ماجه.
قوله: "هكذا رواه الأعمش عن عمرو بن مرة" أي عن سالم بن أبي الجعد الخ "وقد روى هذا الحديث عن منصور عن سالم بن أبي الجعد وأدخل" أي منصور بينه أي بين سالم بن أبي الجعد "ويقال كعب بن مرة، ويقال مرة بن كعب البهزي الخ" قال في تهذيب التهذيب: كعب بن مرة وقيل مرة بن كعب البهزي السلمي سكن البصرة ثم الأردن روى عن النبي صلى الله عليه وسلم وعنه شرحبيل بن السمط وسالم بن أبي الجعد وقيل لم يسمع منه وعبد الله بن شقيق وقال مرة بن كعب وغيرهم، قال ابن عبد البر: والأكثر يقولون كعب بن مرة له أحاديث مخرجها عن أهل الكوفة يروونها عن شرحبيل عنه، وأهل الشام يروون تلك الأحاديث بأعيانها عن شرحبيل عن عمرو بن عبسة فالله أعلم انتهى.
قوله: "عن كثير بن مرة الحضرمي" الحمصي ثقة من الثانية ووهم من عده في

(5/262)


عن عَمْرِو بنِ عَبَسَةَ أنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ:"مَنْ شَابَ شَيْبَةً في سبِيلِ الله كَانَتْ لَهُ نُوراً يَوْمَ القِيَامَةِ".
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ.وَحَيْوَةُ بنُ شُرَيْحٍ هو ابنُ يَزِيدَ الحِمْصِيّ.
ـــــــ
الصحابة كذا في التقريب "عن عمرو بن عبسة"بعين موحدة مفتوحتين وإهمال سين، ابن عامر بن خالد السلمي كنيته أبو نجيح صحابي مشهور، أسلم قديماً وهاجر بعد أحد ثم نزل الشام.
قوله:"من شاب شيبة في سبيل الله"وفي رواية النسائي:في الإسلام:قال الطيبي:معناه من مارس المجاهدة حتى يشيب طاقة من شعره فله مالا يوصف من الثواب، دل عليه تخصيص ذكر النور والتنكير فيه، قال ومن روى في الإسلام بدل في سبيل الله أراد بالعام الخاص أو سمى الجهاد إسلاماً لأنه عموده وذروة سنامه انتهى.قلت:ويمكن أن يراد من "سبيل الله"في هذا الحديث أعم من الجهاد والله تعالى أعلم.
"هذا حديث حسن صحيح غريب"قال المنذري بعد ذكر هذا الحديث رواه النسائي في حديث والترمذي وقال: حديث حسن صحيح ولم يذكر المنذري لفظ غريب

(5/263)


باب ماجاء من ارتبط فرسا في سبيل الله
...
10ـ باب ما جاءَ مَنْ ارْتَبَطَ فَرَساً في سبيلِ الله
1686ـ حدثنا قُتَيْبَةُ، حدثنا عبدُ العزيزِ بنُ محمدٍ عن سُهَيْلِ بنِ أبي صَالِحٍ عن أبيهِ عن أبي هُرَيْرَةَ قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم:
ـــــــ
باب ما جاءَ مَنْ ارْتَبَطَ فَرَساً في سبيلِ الله
أي احتبسها وأعدها للجهاد.

(5/263)


"الْخَيْلُ مَعْقُودٌ في نَوَاصِيهَا الخَيْرُ إلى يَوْمِ القيامةِ. الخَيْلُ لِثَلاَثَةِ:هِيَ لِرَجُلٍ أجْرٌ، وهِيَ لِرَجُلٍ سِتْرٌ، وهِيَ على رَجُلٍ وِزْرٌ. فأمّا الّذِي لَهُ أجْرٌ فالذِي يَتّخِذُهَا في سَبِيلِ الله فَيُعِدّها لَهُ هِيَ لَهُ أجْرٌ لا يغيب في بُطُونِهَا شَيْء إلاّ كَتَبَ الله لَهُ أجْراً" وفي الحديث قصته.
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وقد رَوَى مَالِك بن أنس عن زَيْدِ بنِ أسْلَمَ عن أبي صَالحٍ عن أبي هُرَيْرَةَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم نَحْوَ هذا الحديث.
ـــــــ
قوله: "الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة"سيأتي شرح هذا في باب فضل الخيل "الخيل لثلاثة" قال الحافظ: وجه الحصر في الثلاثة أن الذي يقتني الخيل إما أن يقتنيها للركوب أو للتجارة، وكل منهما إما أن يقترن به فعل طاعة الله وهو الأول أو معصية وهو خير أو يتجرد عن ذلك وهو الثاني "هي لرجل أجر" أي ثواب "وهي لرجل ستر"أي ساتر لفقره ولحاله "وهي على رجل وزر" أي إثم وثقل "لا يغيب"بضم التحتية الأولى وشدة الثانية المكسورة أي لا يدخل والضمير يرجع إلى الموصول، وفي رواية مسلم:لا تغيب بضم الفوقية والضمير يرجع إلى الخيل. وفي الحديث بيان أن الخيل إنما تكون في نواصيها الخير والبركة إذا كان اتخاذها في الطاعة أو في الأمور المباحة وإلا فهي مذمومة. والحديث أخرجه الترمذي مختصراً، ورواه مسلم مطولاً وفيه الخيل ثلاثة: فهي لرجل أجر، ولرجل ستر، ولرجل وزر، فأما الذي هي له أجر فالرجل يتخذها في سبيل الله ويعدها له فلا تغيب شيئاً في بطونها إلا كتب الله له أجراً ولو رعاها في مرج، ما أكلت من شيء إلا كتب الله له بها أجراً، ولو سقاها من نهر كان له بكل قطرة تغيبها في بطونها أجر، حتى ذكر الأجر في أبوالها وأرواثها ولو استنت شرفاً أو شرفين كتب له بكل خطوة تخطوها أجر. وأما الذي هي له ستر فالرجل يتخذها تكرماً وتجملاً ولا ينسى حتى ظهورها وبطونها في عسرها ويسرها، وأما الذي هي عليه وزر فالذي يتخذها أشراً وبطراً وبذبحاً ورياء الناس، فذاك الذي هي عليه وزر، الحديث.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان والنسائي وابن ماجه

(5/264)


باب ماجاء في فضل الرمي في سبيل الله
...
11ـ باب ما جاءَ في فَضْلِ الرّميِ في سَبيل الله
1687ـ حدثنا أحمدُ بنُ مَنيعٍ، حدثنا يَزِيدُ بنُ هَارُونَ، أخبرنا محمدُ بنُ إسحاقَ عن عبدِ الله بنِ عبدِ الرحمَنِ بنِ أبي حُسَيْنٍ أنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: "إنّ الله لَيُدْخِلُ بالسّهْمِ الوَاحِدِ ثَلاَثَةً الْجَنّةَ: صَانِعَهُ يَحْتَسِبُ في صَنْعَتِهِ الْخَيْرَ، والرّامِي بهِ، والمُمِدّ بهِ وقال ارْمُوا وارْكَبُوا، ولأَنْ تَرْمُوا أحَبّ إلَيّ مِنْ أنْ تركَبُوا. كُلّ مَا يَلْهُو بهِ الرّجُلُ المُسْلِمُ بَاطِلٌ إلاّ
ـــــــ
"باب ما جاءَ في فَضْلِ الرّميِ في سَبيل الله"
قوله:"عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين"بن الحارث بن عامر بن نوفل المكي النوفلي ثقة عالم بالمناسك من الخامسة.
قوله: "ليدخل بالسهم الواحد"أي بسبب رميه على الكفار"ثلاثة"وفي رواية ثلاثة نفر "صانعه"بدل بعض من ثلاثة "يحتسب" أي حال كونه يطلب "في صنعته" أي لذلك السهم "الخير" أي الثواب "والرامي به"أي كذلك محتسباً، وكذا قوله: "والممد به" من الإمداد، قال في المجمع: الممد به أي من يقوم عند الرامي وله فينا سهماً بعد سهم أو يرد عليه النبل من الهدف من أمددته بكذا إذا أعطيته إياه "ارموا واركبوا" أي تقتصروا على الرمي ماشياً واجمعوا بين الرمي والركوب، أو المعنى اعلموا هذه الفضيلة وتعلموا الرمي والركوب بتأديب الفرس والتمرين عليه كما يشير إليه آخر الحديث، وقال الطيبي: عطف واركبوا يدل على المغايرة وأن الرامي يكون راجلاً والراكب رامحاً، فيكون معنى قوله: "ولأن ترموا أحب إلى من أن تركبوا" أن الرمي بالسهم أحب إلي من الطعن بالرمح انتهى كلام الطيبي. وقال القاري: والأظهر أن معناه أن معالجة الرمي وتعلمه أفضل من تأديب الفرس وتمرين ركوبه لما فيه من الخيلاء والكبرياء، ولما فيه الرمي من النفع العام، ولذا قدمه تعالى في قوله: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ} مع أنه لا دلالة في الحديث على الرمح أصلاً انتهى كلام القاري "كل ما يلهو

(5/265)


رَمْيَهُ بقَوْس، وَتَأْدِيبَهُ فَرَسَهُ، وملاعَبَتَهُ أهْلَهُ، فَإِنّهُنّ مِنَ الْحَقّ" .
1688ـ حدثنا أحمدُ بنُ مَنِيعٍ، حدثنا يَزِيدُ بنُ هَارُونَ، أخبرنا هِشَامٌ الدّسْتَوَائِيّ عن يَحْيَى بنِ أبي كَثِيرٍ عن أبي سَلاّمٍ عن عبدِ الله بنِ الأزْرَقِ عن عُقْبَةَ بنِ عَامِرٍ الجهنيّ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم مِثْلَهُ.
وفي البابِ عن كَعْبِ بنِ مُرّةَ وَعَمْرِو بنِ عَبَسَةَ وعبدِ الله بنِ عَمْرٍو.
ـــــــ
به الرجل المسلم" أي يشتغل ويلعب به "باطل" لا ثواب له "إلا رميه بقوس" احتراف عن رميه بالحجر والخشب "وتأديبه فرسه" أي تعليمه إياه بالركض والجولان على نية الغزو "وملاعبته أهله، فإنهن من الحق" أي ليس من اللهو الباطل فيترتب عليه الثواب الكامل. قال القاري: وفي معناها كل ما يعين على الحق والعلم والعمل إذا كان من الأمور المباحة كالمسابقة بالرجل والخيل والإبل والتمشية للتنزه على قصد تقوية البدن وتطرية الدماغ، ومنها السماع إذا لم يكن بالآلات المطربة المحرمة انتهى كلام القاري.
قلت: في قوله ومنها السماع الخ نظر ظاهر، فإن السماع ليس مما يعين على الحق، والسماع الذي هو فاش في هذا الزمان بين المتصوفة الجهلة لا شك في أنه معين على الفساد والبطالة: وأما الدليل على أن السماع ليس مما يعين على الحق فقوله تعالى {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ} قال الحافظ في التلخيص: روى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح أن عبد الله سئل عن قوله تعالى {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ} قال: الغناء الذي لا إله غيره. وأخرجه الحاكم وصححه والبيهقي انتهى. وعبد الله هذا هو ابن مسعود، وقد صرح الحافظ به فيه، وحديث عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين هذا مرسل لأنه من صغار التابعين.
قوله: "عن أبي الإسلام" الحبشي الأسود اسمه ممطور "عن عبد الله بن الأزرق" بتقديم الزاي على الراء. قال في الخلاصة: عبد الله بن زيد الأزرق عن عقبة بن عامر وعنه أبو سلام وثقه ابن حبان.
قوله: "وفي الباب عن كعب بن مرة وعمرو بن عبسة وعبد الله بن عمرو" .

(5/266)


وهذا حديثٌ حسنٌ صحيح.
1689ـ حدثنا محمدُ بنُ بَشّارٍ حدثنا مُعَاذُ بنُ هشَامٍ عن أبيهِ عن قَتَادَةَ عن سَالِمِ بنِ أبي الْجَعْدِ عن مَعْدَانَ بنِ أبي طَلْحَةَ عن أبي نَجِيحٍ
ـــــــ
أما حديث كعب بن مرة فأخرجه النسائي وابن حبان في صحيحه عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من بلغ العدو بسهم رفع الله له درجة" ، فقال له عبد الرحمن بن النحام: وما الدرجة يا رسول الله؟ قال: أما إنها ليست بعتبة أمك ما بين الدرجتين مائة عام. وعنه أيضاً قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من رمى بسهم في سبيل الله كان كمن أعتق رقبة" ، رواه ابن حبان في صحيحه. وأما حديث عمرو بن عبسة فأخرجه الترمذي في هذا الباب. وأما حديث عبد الله بن عمرو فلينظر من أخرجه.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح " الظاهر أن الترمذي أشار بقوله هذا إلى حديث عقبة بن عامر لا إلى حديث عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين فإنه مرسل، وفي سنده محمد بن إسحاق وهو مدلس ورواه عنه بالعنعنة. وأما حديث عقبة فرواه أبو داود والنسائي والحاكم وقال صحيح الإسناد، والبيهقي من طريق الحاكم وغيرها وفي لفظ أبي داود "ومنبله" مكان "والممد به" قال المنذري: منبله بضم الميم وإسكان النون وكسر الباء الموحدة، قال البغوي: هو الذي يناول الرامي النبل وهو يكون على وجهين: أحدهما أن يقوم بجنب الرامي أو خلفه يناوله النبل واحداً بعد واحد حتى يرمي، والآخر أن يرد عليه النبل المرمي به، ويروي والممدد به، وأي الأمرين فعل فهو ممد به انتهى. قال المنذري: ويحتمل أن يكون المراد بقوله "منبله" أي الذي يعطيه للمجاهد ويجهّز به من ماله إمداداً له وتقوية. ورواية البيهقي تدل على هذا انتهى.
قلت: في رواية البيهقي أن الله عز وجل يدخل بالسهم الواحد ثلاثة نفر الجنة: صانعه الذي يحتسب في صنعته الخير، والذي يجهّز به في سبيل الله، والذي يرمي به في سبيل الله.

(5/267)


السّلَمِيّ رضي الله عنه قال: سَمِعْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقولُ: "مَنْ رَمَى بِسَهْمٍ في سبيلِ الله فَهُوَ لَهُ عِدْلُ مُحَرّرٍ" .
هذا حديثٌ صحيحٌ. وأبو نَجِيحٍ هُوَ عَمْرُو بنُ عَبَسَةَ السّلَمِيّ وعبدُ الله بنُ الأزْرَقِ هو عبدُ الله بن يزيد.
ـــــــ
قوله: "فهو له عدل محرر" بكسر العين ويفتح، أي مثل ثواب معتق.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه أبو داود والحاكم وقال صحيح على شرطهما ولم يخرجاه "وأبو نجيح" بفتح النون وكسر الجيم وسكون التحتية وبالحاء المهملة "وهو عمرو بن عبسة" بفتح العين الموحدة وبالسين المهملة صحابي مشهور أسلم قديماً وهاجر بعد أحد ثم نزل الشام "وعبد الله بن الأزرق هو عبد الله بن زيد" والأزرق صفة لزيد فهو عبد الله بن زيد الأزرق كما في الخلاصة وتهذيب التهذيب وميزان الاعتدال

(5/268)


باب ماجاء في فضل الحرس في سبيل الله
...
12ـ باب ما جَاءَ في فَضْلِ الْحَرسِ في سبِيلِ الله
1690ـ حدثنا نصرُ بنُ عليّ الجهْضَمِيّ، حدثنا بشْرُ بنُ عُمَرَ، حدثنا شَعَيْبُ بنُ زُرَيْق أبو شَيْبَةَ، حدثنا عَطَاءُ الْخُراسَانِيّ عن عَطَاءِ بن أبي رَبَاحٍ عن ابنِ عباسٍ قال: سَمِعْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول:
ـــــــ
"باب ما جَاءَ في فَضْلِ الْحَرسِ في سبِيلِ الله"
قوله: "حدثنا بشر بن عمر" هو الزهران الأزدي "حدثنا شعيب بن رزيق" بضم الراء المهملة وفتح الزاي مصغراً الشامي أبو شيبة صدوق يخطئ من السابعة "حدثنا عطاء" بن أبي مسلم أو عثمان الخراساني واسم أبيه ميسرة وقيل عبد الله صدوق يهم كثيراً ويرسل ويدلس من الخامسة، لم يصح أن البخاري أخرج له، كذا في التقريب.

(5/268)


"عَيْنَانِ لا تَمسّهُمَا النّارُ: عَيْنٌ بَكَتْ مِنْ خَشْيَةِ الله، وَعَيْنٌ بَاتَتْ تَحرُسُ في سبيلِ الله" .
وفي البابِ عن عُثْمَانَ وأبي رَيْحَانَةَ.
وحديثُ ابنِ عباسٍ حديثٌ حسنٌ غريب لا نَعْرِفُهُ إلاّ مِنْ حديثِ شُعْيْبِ بنِ رُزَيْقٍ.
ـــــــ
قوله:"عينان لا تمسهما النار"أي لا تمس صاحبهما، فعبر بالجزء عن الجملة، وعبر بالمس إشارة إلى امتناع ما فوقه بالأولى، وفي رواية "أبداً"وفي رواية "لا تريان النار" "عين بكت من خشية الله" وهي مرتبة المجاهدين مع النفس التائبين عن المعصية سواء كان عالماً أو غير عالم "وعين باتت تحرس" وفي رواية تكلأ "في سبيل الله" وهي مرتبة المجاهدين في العبادة وهي شاملة لأن تكون في الحج أو طلب العلم أو الجهاد أو العبادة، والأظهر أن المراد به الحارس للمجاهدين لحفظهم عن الكفار. قال الطيبي قوله "عين بكت" هذا كناية عن العالم العابد المجاهد مع نفسه لقوله تعالى {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} حيث حصر الخشية فيهم غير متجاوز عنهم، فحصلت النسبة بين العينين عين مجاهد مع النفس والشيطان وعين مجاهد مع الكفار.
قوله: "وفي الباب عن عثمان وأبي ريحانة" أما حديث عثمان فأخرجه الحاكم وقال صحيح الإسناد ولفظه "حرس ليلة في سبيل الله أفضل من ألف ليلة يقام ليلها ويصام نهارها". وأما حديث أبي ريحانة فأخرجه أحمد ورواته ثقات والنسائي ببعضه، والطبراني في الكبير والأوسط، والحاكم وقال صحيح الإسناد كذا، في الترغيب.
قوله: "حديث ابن عباس حديث حسن صحيح" وأخرجه الضياء والطبراني في الأوسط عن أنس

(5/269)


باب ماجاء في ثواب الشهيد
...
13ـ باب ما جَاء في ثوابِ الشهداء
1691ـ حدثنا ابنُ أبي عُمَرَ، حدثنا سُفْيَانُ بنُ عُيَيْنَةَ عن عَمْرِو بنِ دِينارٍ عن الزّهْرِيّ عن ابنِ كَعْبِ بنِ مَالِكٍ عن أبيهِ أنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: "إنّ أرْوَاحَ الشّهَدَاءِ في طَيْرٍ خُضْرٍ تَعْلُقُ مِنْ ثَمَرة الْجَنّةِ أو شَجَرِ الْجَنّةِ" .
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
"باب ما جَاء في ثوابِ الشهداء"
قوله: "في طير" جمع طائر ويطلق على الواحد "خضر" بضم فسكون جمع أخضر "تعلق" قال المنذري: بفتح المثناة فوق وعين مهملة وضم اللام أي ترعى من أعالي شجر الجنة انتهى. وقال في النهاية: أي تأكل وهو في الأصل للإبل إذا أكلت العضاه، يقال علقت علوقاً فنقل إلى الطير انتهى "من ثمر الجنة أو شجر الجنة" شك من الراوي. وفي حديث ابن مسعود عند مسلم: "أرواحهم في أجواف طير خضر لها قناديل معلقة بالعرش تسرح من الجنة حيث شاءت ثم تأوى إلى تلك القناديل" الحديث. قال في المرقاة: وقد تعلق بهذا الحديث وأمثاله بعض القائلين بالتناسخ وانتقال الأرواح، وتنعيمها في الصور الحسان المرفهة، وتعذيبها في الصور القبيحة، وزعموا أن هذا هو الثواب والعقاب، وهذا باطل مردود لا يطابق ما جاءت به الشرائع من إثبات الحشر والنشر والجنة والنار، ولهذا قال في حديث آخر: حتى يرجعه الله إلى جسده يوم بعثه الأجساد، قال ابن الهمام: اعلم أن القول بتجرد الروح يخالف هذا الحديث كما أنه يخالف قوله تعالى: {فَادْخُلِي فِي عِبَادِي} انتهى. وفي بعض حواشي العقائد: اعلم أن التناسخ عند أهله هو رد الأرواح إلى الأبدان في هذا العالم لا في الآخرة، إذ هم ينكرون الآخرة والجنة والنار، ولذا كفروا انتهى.
قلت: على بطلان التناسخ دلائل كثيرة واضحة في الكتاب والسنة، منها قوله تعالى: {حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} .

(5/270)


هذا حديثٌ حسنٌ.
1692ـ حدثنا محمدُ بنُ بَشّارٍ، حدثنا عثمانُ بنُ عُمرَ، أخبرنا عليّ بنُ المبارَكِ عن يَحْيى بنِ أبي كَثِيرٍ عن عَامِرٍ العُقَيْليّ عن أبيهِ عن أبي هُرَيْرَةَ أنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: "عُرِضَ عَلَيّ أوّلُ ثلاثَةٍ يَدْخُلُونَ الْجَنّةَ: شَهِيدٌ، وَعَفِيفٌ مُتَعَفّفٌ، وَعَبْدٌ أحْسَنَ عِبَادَةَ الله وَنَصَحَ لَمَوالِيهِ" .
ـــــــ
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه أحمد في مسنده.
قوله: "حدثنا عثمان بن عمر" بن فارس العبدي بصري أصله من بخارى ثقة، قيل كان يحيى بن سعيد لا يرضاه من التاسعة "عن عامر العقيلي" مقبول من الرابعة "عن أبيه" هو عقبة. قال في تهذيب التهذيب، عقبة العقيلي روى عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: عرض علي أول ثلاثة يدخلون الجنة الحديث، وعنه ابنه عامر العقيلي انتهى. وقال في التقريب في ترجمته مقبول من الثالثة.
قوله: "عرض" بالبناء للمفعول "أول ثلاثة يدخلون الجنة" بصيغة الفاعل، ويجوز كونه للمفعول. قال الطيبي: أضاف أفعل إلى النكرة للاستغراق، أي أول كل ثلاثة من الداخلين في الجنة هؤلاء الثلاثة، وأما تقديم أحد الثلاثة على الآخرين فليس في اللفظ إلا التنسيق عند علماء المعاني انتهى، قال القاري: وقوله للاستغراق كأنه صفة النكرة أي النكرة المستغرقة لأن النكرة الموصوفة تعم. فالمعنى أول كل ممن يدخل الجنة ثلاثة ثلاثة هؤلاء الثلاثة، ثم لا شك أن التقديم الذكرى يفيد الترتيب الوجودي في الجملة وإن لم يكن قطعياً كما في آية الوضوء، وقد قال صلى الله عليه وسلم: "ابدأوا بما بدأ الله به في {إن الصفا والمروة من شعائر الله} وروى ثلة بالضم وهي الجماعة أي أول جماعة يدخلون الجنة وروى برفع ثلاثة فضم أول للبناء كضم قبل وبعد ظرف عرض أي عرض على أول أوقات العرض ثلاثة أو ثلة يدخلون الجنة "شهيد" فعيل بمعنى الفاعل أو المفعول "وعفيف" عن تعاطي ما لا تحل "متعفف" أي عن السؤال باليسير عن

(5/271)


هذا حديث حسن صحيح
1693ـ حدثنا يَحْيَى بنُ طَلْحَةَ اليربوعي الكُوفيّ، حدثنا أبو بكر بنِ عَيّاشٍ عن حُمَيْدٍ عن أنَسٍ قال: قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "الْقَتْلُ في سبيلِ الله يُكَفّرُ كُلّ خَطِيئَةٍ، فقالَ جبريلُ إلاّ الدّيْنَ، فقالَ النبيّ صلى الله عليه وسلم إلاّ الدّيْنَ" .
وفي البابِ عن كعْبِ بنِ عُجْرَةَ و جابِرٍ و أبي هُرَيْرَةَ و أبي قَتَادَةَ.
ـــــــ
طلب المفضول في المطعم والملبس، وقيل أي متنزه عما لا يليق به صابر على مخالفة نفسه وهواه "وعبد" أي مملوك "أحسن عبادة الله" بأن قام بشرائطها وأركانها. وقال الطيبي: أي أخلص عبادته من قوله صلى الله عليه وسلم: "الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه" "ونصح لمواليه" أي أراد الخير لهم وقام بحقوقهم.
قوله: "هذا حديث حسن" وأخرجه والحاكم والبيهقي في السنن الكبرى.
قوله: "حدثنا يحيى بن طلحة" بن أبي كثير اليربوعي الكوفي، لين الحديث من العاشرة.
قوله: "القتل" مصدر بمعنى المفعول قوله: "يكفر كل خطيئة" أي يكون سبباً لتكفير كل خطيئة عن المقتول "إلا الدين" أي وما في معناه من حقوق العباد. قال النووي: فيه تنبيه على جميع حقوق الآدميين وأن الجهاد والشهادة وغيرهما من أعمال البر ولا يكفر حقوق الآدميين وإنما تكفر حقوق الله تعالى.
قوله: "وفي الباب عن كعب بن عجرة وجابر وأبي هريرة وأبي قتادة" أما حديث كعب بن عجرة فلينظر من أخرجه، وأما حديث جابر فأخرجه الترمذي في التفسير وابن ماجه والحاكم وقال صحيح الإسناد، وأما حديث أبي هريرة فأخرجه ابن ماجه عنه قال: ذكر الشهداء عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "لا تجف الأرض من دم الشهيد حتى تبتدره زوجتاه كأنهما ظئران أضلتا فصيلهما في براح من الأرض وفي يد كل واحدة حلة خير من الدنيا وما فيها" ، وله أحاديث

(5/272)


وهذا حديثٌ غريبٌ لا نَعْرِفُهُ من حَديثِ أبي بكرٍ إلا من حديثِ هذا الشّيْخِ. قال وسألْتُ محمدَ بنَ إسماعيلَ عن هذا الحديثِ فلم يَعْرِفْهُ وقال أرَى أنه أرادَ حديثَ حُمَيْدٍ عن أنَسٍ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ليس أحَدٌ من أهلِ الْجَنّةِ يَسُرّهُ أن يَرْجِعَ إلى الدّنْيَا إلاّ الشّهِيدُ" .
1694ـ حدثنا عليّ بنُ حُجْرٍ أخبرنا إسماعيلُ بنُ جَعْفَرٍ عن حُمَيْدٍ عن أنَسٍ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: "مَا مِنْ عَبْدٍ يَمُوتُ لَهُ عِنْدَ الله خَيْرٌ يُحِبّ أنْ يَرْجِعَ إلَى الدّنْيَا، وَأَنّ لَهُ الدنيا وما فيها، إلاّ الشّهِيدُ لِمَا يَرَى مِنْ فَضْلِ الشهادَةِ فَإِنّهُ يُحِبّ أنْ يَرْجِعَ إلَى الدّنْيَا فَيُقْتَلَ مَرّةً أُخْرَى" .
ـــــــ
أخرى في هذا الباب ذكرها المنذري في الترغيب في الشهادة وما جاء في فضل الشهداء. وأما حديث أبي قتادة فأخرجه مسلم وأخرجه الترمذي أيضاً في باب من يستشهد وعليه دين.
قوله: "وحديث أنس حديث غريب" وأخرجه مسلم عن عبد الله بن عمرو بلفظ: القتل في سبيل الله يكفر كل شيء إلا الدين "لا نعرفه من حديث أبي بكر إلا من حديث هذا الشيخ" يعني يحيى بن طلحة الكوفي "وقال" أي محمد بن إسماعيل البخاري "أرى" بضم الهمزة وفتح الراء أي أظن "أنه" أي يحيى بن طلحة "أراد حديث حميد عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه قال: ليس أحد من أهل الجنة الخ" يعني أراد يحيى بن طلحة أن يحدث هذا الحديث فاخطأ ووهم وحديث بحديث: القتل يكفر كل شيء الخ.
قوله: "يموت" صفة لعبد "له عند الله خير" أي ثواب صفة أخرى لعبد "يجب أن يرجع" كلمة أن مصدرية ويرجع لازم "وأن له الدنيا" بفتح الهمزة عطف على أن يرجع ويجوز الكسر على أن يكون جملة حالية "إلا الشهيد" مستثنى من قوله يجب أن يرجع "لما يرى" بكسر اللام التعليلية "فيقتل" على صيغة المجهول بالنصب عطف على أن يرجع.

(5/273)


هذا حديث حسن صحيح
ـــــــ
قوله:"هذا حديث حسن صحيح"وأخرجه الشيخان

(5/274)


باب ماجاء في فضل الشهداء عند الله
...
14ـ باب ما جَاء في فضل الشهداء عند الله
وفي بعض النسخ: في أفضل الشهداء مكان في فضل الشهداء وهو الظاهر.
1695ـ حدثنا قتيبة حدثنا ابن لهيعة عن عطاء بن دنيا عن أبي يَزِيدَ الْخَوْلاَنِيّ أنه سَمِعَ فَضَالَةَ بنَ عُبَيْدٍ يقولُ: سَمِعْتُ عُمَرَ بنَ الْخَطَابَ يقولُ: سَمِعْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقولُ: "الشّهَدَاءُ أرْبَعَةٌ: رَجُلٌ مُؤْمِنٌ جَيّدُ الإيمَانِ لَقِيَ العَدُوّ فَصَدَقَ الله حتى قُتِلَ، فَذَاكَ الّذِي يَرْفَعُ الناسُ إليهِ أعْيُنَهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ هَكَذَا، وَرَفَعَ رَأْسَهُ حتى وَقَعَتْ قَلَنْسُوَتُهُ،
ـــــــ
"باب ما جَاء في فضل الشهداء عند الله"
قوله: "عن عطاء بن دينار" الهذلي مولاهم أبو الريان، وقيل أبو طلحة المصري صدوق إلا أن روايته عن سعيد بن جبير عن صحيفته من السادسة "عن أبي يزيد الخولاني" المصري مجهول من الرابعة "أنه سمع فضالة بن عبيد" بن نافذ بن قيس الأنصاري الأوسي، أو ما شهد أحداً ثم نزل دمشق وولى قضاها، مات سنة ثمان وخمسين وقيل قبلها.
قوله: "الشهداء أربعة" أي أربعة أنواع أو أربعة رجال "رجل مؤمن جيد الإيمان" أي خالصه أو كامله "لقي العدو" أي من الكفار "فصدق الله" بتخفيف الدال أي صدق بشجاعته ما عاهد الله عليه، أو بتشديده أي صدقه فيما وعد على الشهادة "حتى قتل" بصيغة المجهول، أي حتى قاتل إلى أن استشهد. قال الطيبي رحمه الله: يعني أن الله وصف المجاهدين الذي قاتلوا لوجهه صابرين محتسبين، فتحرى هذا الرجل بفعله وقالت صابراً فكأنه صدق الله تعالى بفعله، قال تعالى: {رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْه} "فذاك" أي المؤمن "الذي يرفع الناس" أي أهل الموقف "هكذا" مصدر قوله: "يرفع" أي رفعاً مثل رفع رأسي

(5/274)


قال فلا أدْرِي قَلْنَسُوَةَ عُمَر أرَادَ أَمْ قَلَنْسُوَةَ النبيّ صلى الله عليه وسلم". قال: وَرَجُلٌ مُؤْمِنٌ جَيّدُ الإيْمَانِ لَقِيَ العَدُوّ فَكَأَنّمَا ضُرِبَ جِلْدُهُ بِشَوْك طَلْحٍ مِنَ الْجُبْنِ أتَاهُ سَهْمٌ غَرْبٌ فَقَتَلَهُ، فَهُوَ في الدّرَجَةِ الثّانِيَةِ. وَرَجُلٌ مُؤْمِنٌ خَلَطَ عَمَلاً صَالِحاً وآخَرَ سَيّئاً لَقِيَ العَدُوّ فَصَدَقَ الله حتى قُتِلَ فَذَاكَ في الدّرَجَةِ الثّالِثَةِ، وَرَجُلٌ مُؤْمِنٌ أسْرَفَ على نَفْسِهِ لَقِيَ العَدُوّ فَصَدَقَ الله حتى قُتِلَ،
ـــــــ
هكذا كما تشاهدون "ورفع رأسه حتى وقعت" أي سقطت "قلنسوته" بفتحتين فسكون فضم أي طاقيته، وهذا القول كناية عن تناهي رفعه منزلته "فلا أدري" هذا قول الراوي عن فضالة بناء على أن قوله "حتى وقعت" كلام فضالة أو كلام عمر، والمعنى فلا أعلم "قلنسوة عمر أراد" أي فضالة "أم قلنسوة النبي صلى الله عليه وسلم قال" أي النبي صلى الله عليه وسلم وإعادته للفصل "ورجل مؤمن جيد الإيمان" يعني لكن دون الأول في مرتبة الشجاعة "فكأنما ضرب" أي مشبهاً بمن طعن "جلده بشوك طلح" بفتح فسكون وهو شجر عظيم من شجر العضاه. قال الطيبي: إما كناية عن كونه يقشعر شعره من الفزع والخوف، أو عن ارتعاد فرائصه وأعضائه، وقوله "من الجبن" بيان التشبيه. قال القاري: الأظهر أن "من" تعليلية، والجبن ضد الشجاعة، وهما خصلتان جبليتان مركوزتان في الانسان، وبه يعلم أن الغرائز الطبيعية المستحسنة من فضل الله ونعمة يستوجب العبد بها زيادة درجة "أتاه سهم غرب" بفتح المعجمة وسكون الراء وفتحها أي مثلاً، والتركيب توصيفي وجوز الإضافة والمعنى لا يعرف راميه "فقتله" أي ذلك السهم مجازاً "فهو في الدرجة الثانية" وفي الحديث إشعار بأن المؤمن القوي أحب إلى الله من المؤمن الضعيف كما روى "ورجل مؤمن خلط عملاً صالحاً وآخر سيئاً" الواو بمعنى الباء أو للدلالة على أن كل واحد منها مخلوط بالآخر، كما ذكره البيضاوي في تفسير قوله تعالى {وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلاً صَالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً} "حتى قتل" أي بوصف الشجاعة "ورجل مؤمن أسرف على نفسه" أي بكثرة المعاصي "حتى قتل" أي بوصف الشجاعة المفهوم من قوله فصدق الله

(5/275)


فَذَاكَ في الدّرَجَةِ الرّابِعَةِ" .
هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ لا نعرفه إلاّ مِنْ حديثِ عَطَاءِ بنِ دِينَارٍ قال سَمِعْتُ محمداً يقولُ: قد رَوَى سَعيدُ بنُ أبي أيوبَ هذا الحديثَ عن عَطَاءِ بنِ دِينَارٍ وقال عن أشْيَاخٍ مِنْ خَوْلاَنَ ولَمْ يَذْكُرْ فيه عن أبي يَزِيدَ، وقال: عَطَاءُ بنُ دِينارٍ لَيْسَ به بَأْسٌ.
ـــــــ
"فذاك في الدرجة الرابعة" في الحديث دلالة على أن الشهداء يتفاضلون وليسوا في مرتبة واحدة. قال الطيبي: الفرق بين الثاني والأول مع أن كليهما جيد الإيمان أن الأول صدق الله في إيمانه لما فيه من الشجاعة، وهذا بذل مهجته في سبيل الله ولم يصدق لما فيه من الجبن، والفرق بين الثاني والرابع أن الثاني جيد الإيمان غير صادق بفعله، والرابع عكسه، فعلم من وقوعه في الدرجة الرابعة أن الإيمان والإخلاص لا يعتريه شيء، وأن مبنى الأعمال على الإخلاص. قال القاري: فيه أنه لا دلالة للحديث على الإخلاص مع أنه معتبر في جميع مراتب الاختصاص، بل الفرق بين الأوليين بالشجاعة وضدها مع اتفاقهما في الإيمان وصلاح العمل، ثم دونهما المخلط، ثم دونهم المسرف مع اتصافهما بالإيمان أيضاً، ولعل الطيبي أراد بالمخلط من جمع بين نية الدنيا والآخرة، وبالمسرف من نوى بمجاهدته الغنيمة أو الرياء والسمعة انتهى.
قوله: "هذا حديث حسن غريب" وأخرجه أحمد "عن أشياخ من خولان" بفتح الخاء وسكون الواو قبيلة باليمن ومنها أبو يزيد الخولاني

(5/276)


باب ماجاء في غزو البحر
...
وكانَتْ أُمّ حَرَامٍ تَحْتَ عُبَادَةَ بنِ الصّامِتِ، فَدَخَلَ عليها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يَوماً فأَطْعَمَتْهُ وَجلست تَفْلِي رَأْسَهُ، فَنَامَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ثم اسْتَيْقَظَ وهو يَضْحَكُ، قالت: فَقُلْتُ ما يُضْحِكُكَ يَا رسولَ الله؟ قال: "نَاسٌ مِنْ أُمّتِي عُرِضُوا عَلَيّ غُزَاةً في سَبِيلِ الله يَرْكَبُونَ ثَبَجَ هذا البَحْرِ مُلُوكٌ على الأسِرّةِ، أوْ مِثْلِ المُلُوكِ على الأسِرّةِ" . قُلْتُ يَا رسولَ الله
ـــــــ
وهي خالة أنس صحابية مشهورة ماتت في خلافة عثمان، وفي رواية البخاري في الاستئذان: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذهب إلى قباء يدخل على أم حرام "وكانت أم حرام تحت عبادة بن الصامت" هذا ظاهره أنها كانت حينئذ زوج عبادة، وفي رواية البخاري في باب غزو المرأة في البحر من كتاب الجهاد: فتزوجت عبادة بن الصامت فركبت البحار، وفي رواية لمسلم، فتزوج بها عبادة بعد. وظاهر هاتين الروايتين أنها تزوجته بعد هذه المقالة، ووجه الجمع أن المراد بقوله: وكانت تحت عبادة بن الصامت الإخبار عما آل إليه الحال بعد ذلك وهو الذي اعتمده النووي وغيره تبعاً لعياض: ذكره الحافظ في الفتح في كتاب الاستئذان، وقد بسط الكلام في هذا هناك فمن شاء الوقوف عليه فليراجعه "وحبسته تفلي رأسه" بفتح المثناة وسكون الفاء وكسر اللام أي تفتش ما فيه من القمل "فنام رسول الله صلى الله عليه وسلم" وفي رواية لمسلم: أتانا النبي صلى الله عليه وسلم فقال عندنا "ثم استيقظ وهو يضحك" أي فرحاً وسروراً لكون أمته تبقى بعده متظاهرة أمور الإسلام، قائمة بالجهاد حتى في البحر "قال ناس من أمتي عرضوا عليّ غزاة" جمع غاز كقضاة جمع قاض بالنصب على الحالية، وقوله: عرضوا بصيغة المجهول، وعلى بتشديد التحتية "يركبون ثبج هذا البحر" ، قال الحافظ: الثبج بفتح المثلثة والموحدة ثم جيم ظهر الشيء، هكذا فسره جماعة، وقال الخطابي: متن البحر وظهره، وقال الأصمعي: ثبج كل شيء وسطه قال: والراجح أن المراد هنا ظهره كما وقع في رواية عند مسلم يركبون ظهر البحر "ملوكاً على الأسرة أو مثل الملوك على الأسرة" بالشك من إسحاق الراوي عن أنس كما في رواية

(5/277)


ادْعُ الله أنْ يَجْعَلَنِي منهم فَدَعَا لها، ثم وَضَعَ رَأْسَهُ فَنَامَ ثم اسْتَيْقَظَ وهو يَضْحَكُ، قالت فَقُلْتُ ما يَضْحِكُكَ يَا رسولَ الله؟ قال: " نَاسٌ مِنْ أُمّتِي عُرِضُوا عَلَيّ غُزَاةً في سبيلِ الله" نَحْوَ ما قالَ في الأوّلِ.قَالَتْ:فَقُلْتُ
ـــــــ
البخاري: ووقع في رواية كالملوك على الأسرة من غير شك، وفي رواية: مثل الملوك على الأسرة بغير شك أيضاً، وفي رواية لأحمد: مثلهم كمثل الملوك على الأسرة، ذكر الحافظ هذه الروايات في الفتح. قال ابن عبد البر: أراد والله اعلم أنه رأى الغزاة في البحر من أمته ملوكاً على الأسرة في الجنة ورؤياه وحي، وقد قال الله تعالى في صفة أهل الجنة {عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ} وقال {عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ} والأرائك السرر في الحجال. وقال عياض: هذا محتمل ويحتمل أيضاً أن يكون خبراً عن حالهم في الغزو من سعة أحوالهم وقوام أمرهم وكثرة عددهم وجودة عددهم فكأنهم الملوك على الأسرة. قال الحافظ: وفي هذا الاحتمال بعد والأول أظهر، لكن الإتيان بالتمثيل في معظم طرقه يدل على أنه رأى ما يؤول إليه أمرهم لا أنهم نالوا ذلك في تلك الحالة أو موقع التشبيه أنهم فيما هم من النعيم الذي أثبتوا به على جهادهم ملوك الدنيا على أسرتهم، فالتشبيه بالمحسوسات أبلغ في نفس السامع "فدعا لها" وفي رواية: اللهم اجعلها منهم، وفي رواية لمسلم: فإنك منهم، ويجمع بأنه دعا لها فأجيب فأخبرها جازماً بذلك "نحو ما قال في الأول" ظاهره أن الفرقة الثانية يركبون البحر أيضاً. قال الحافظ: ولكن رواية عمير بن الأسود تدل على أن الثانية إنما غزت في البر لقوله: يغزون مدينة قيصر، وقد حكى ابن التين أن الثانية وردت في غزاة البر وأقره، وعلى هذا يحتاج إلى حمل المثلية في الخبر على معظم ما اشتركت فيه الطائفتان لا خصوص ركوب البحر. ويحتمل أن يكون بعض العسكر الذين غزوا مدينة قيصر ركبوا البحر إليها وعلى أن يكون المراد ما حكى ابن التين فتكون الأولية مع كونها في البر مقيدة بقصد مدينة قيصر وإلا فقد غزوا قبل ذلك في البر مراراً. وقال القرطبي: الأولى في أول من غزا البحر من الصحابة. والثانية في أول من غزا البحر من التابعين. وقال الحافظ: بل كان في كل منهما من الفريقين لكن معظم الأولى من

(5/278)


يَا رسولَ الله ادْعُ الله أنْ يَجْعَلَنِي منهم، قال: أنْتِ مِنَ الأوّلِين َ، قال فَرَكِبَتْ أُمّ حَرَامٍ البَحْرَ في زَمَانِ مُعَاوِيَةَ بنِ أبي سُفْيَانَ فَصُرِعَتْ عَنْ دَابّتِهَا حينَ خَرَجَتْ مِنَ البَحْرِ فَهَلَكَتْ".
ـــــــ
الصحابة والثانية بالعكس. وقال عياض والقرطبي: في السياق دليل على أن رؤياه الثانية غير رؤياه الأولى، وأن في كل نومه عرضت طائفة من الغزاة، وأما قول أم حرام: أدع الله أن يجعلى منهم في الثانية فلظنها أن الثانية تساوي الأولى في المرتبة فسألت ثانياً ليتضاعف لها الأجر، لا أنها شكت في إجابة دعاء النبي صلى الله عليه وسلم لها في المرة الأولى وفي جزمه بذلك.
قال الحافظ: لا تنافي بين إجابة دعائه وجزمه بأنها من الأولين وبين سؤالها أن تكون من الآخرين لأنه لم يقع التصريح لها أنها تموت قبل زمان الغزوة الثانية فجوزت أنها تدركها فتغزو معهم ويحصل لها أجر الفريقين، فأعلمها أنها لا تدرك زمان الغزوة الثانية، فكان كما قال صلى الله عليه وسلم انتهى "أنت من الأولين" قال النووي: هذا دليل على أن رؤياه الثانية غير الأولى وأنه عرض فيه غير الأولين "فركبت أم حرام البحر في زمن معاوية بن أبي سفيان" ظاهره يوهم أن ذلك كان في خلافة معاوية وليس كذلك، وقد اغتر بظاهره بعض الناس فوهم، فإن القصة إنما وردت في حق أول من يغزو في البحر، وكان عمر ينهى عن ركوب البحر، فلّما ولي عثمان استأذنه معاوية في الغزو في البحر فأذن له، ونقله أبو جعفر الطبري عن عبد الرحمن بن يزيد بن أسلم. ويكفي في الرد عليه التصريح في الصحيح بأن ذلك كان أول ما غزا المسلمون في البحر. ونقل أيضاً من طريق خالد بن معدان قال: أول من غزا البحر معاوية في زمن عثمان وكان استأذن عمر فلم يأذن له فلم يزل بعثمان حتى أذن له وقال: لا تنتخب أحداً بل من اختار الغزو فيه طائعاً فأعنه ففعل، كذا في الفتح "فصرعت" بصيغة المجهول "عن دابتها حين خرجت من البحر فهلكت" وفي رواية: فلما انصرفوا من غزوهم قافلين إلى الشام قربت إليها دابة لتركبها فصرعت فماتت. وفي رواية عند أحمد: فوقصتها بغلة لها شهباء فوقعت فماتت. وفي رواية: فوقعت فاندقت عنقها. والحاصل أن البغلة الشهباء قربت إليها لتركبها فشرعت لتركب فسقطت فاندقت عنقها فماتت.

(5/279)


ـــــــ
تنبيه: قد أشكل على جماعة نومه صلى الله عليه وسلم عند أم حرام وتفليتها رأسه، فقال النووي: اتفق العلماء على أنها كانت محرماً له صلى الله عليه وسلم، واختلفوا في كيفية ذلك، فقال ابن عبد البر وغيره: كانت إحدى خالاته صلى الله عليه وسلم من الرضاعة وقال آخرون: بل كانت خالة لأبيه أو لجده، لأن عبد المطلب كانت أمه من بني النجار انتهى.
قلت: في ادعائه الإنفاق نظر ظاهر، على أن في كونها محرماً له صلى الله عليه وسلم تأملاً، فقد بالغ الدمياطي في الرد على من ادعى المحرمية فقال: ذهل كل من زعم أن أم حرام إحدى خالات النبي صلى الله عليه وسلم من الرضاعة أو من النسب وكل من أثبت لها خؤولة تقتضي محرمية، لأن أمهاته من النسب واللاتي أرضعته معلومات ليس فيهن أحد من الأنصار البتة سوى أم عبد المطلب وهي سلمى بنت عمرو بن زيد بن لبيد بن خراش بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار، وأم حرام هي بنت ملحان بن خالد بن زيد بن حرام بن جندب بن عامر المذكور فلا تجتمع أم حرام وسلمى إلا في عامر بن غنم جدهما الأعلى، وهذه خؤولة لا تثبت بها محرمية لأنها خؤولة مجازية، وهي كقوله صلى الله عليه وسلم لسعد بن أبي وقاص: هذا خالي لكونه من بني زهرة وهم أقارب أمة آمنة، وليس سعد أخاً لاَمنة لا من النسب ولا من الرضاعة انتهى.
وذكر ابن العربي عن بعض العلماء أن هذا من خصائصه صلى الله عليه وسلم لأنه كان معصوماً يملك إربه عن زوجته، فكيف عن غيرها مما هو المنزه عنه وهو المبرأ عن كل فعل قبيح وقولة رفث.
ورده عياض بأن الخصائص لا تثبت بالاحتمال وثبوت العصمة مسلم لكن الأصل عدم الخصوصية وجواز الاقتداء به في أفعاله حتى يقوم على الخصوصية دليل.
قيل: يحمل دخوله عليها أنه كان قبل الحجاب. قال الحافظ: ورد بأن ذلك كان بعد الحجاب جزماً، وقد قدمت في أول الكلام على شرحه أن ذلك كان بعد حجة الوداع.
وقال الدمياطي: ليس في الحديث ما يدل على الخلوة بها، فلعل كان ذاك مع ولد أو خادم أو زوج أو تابع. قال الحافظ: وهو احتمال قوي لكنه لا يدفع

(5/280)


هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
وأُمّ حَرَامٍ بِنتُ مِلْحَانَ هِيَ أخْتُ أُمّ سُلَيْمٍ، وهي خَالَةُ أنَسٍ بنِ مَالِكٍ.
ـــــــ
الإشكال من أصله لبقاء الملامسة في تفلية الرأس وكذا النوم في الحجر، ثم قال: وأحسن الأجوبة دعوى الخصوصية، ولا يردها كونها لا تثبت إلا بدليل، لأن الدليل على ذلك واضح والله أعلم انتهى.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه أحمد والشيخان وأبو داود والنسائي وابن ماجه

(5/281)


باب ماجاء فيمن يقاتل رياء وللدنيا
...
16ـ باب ما جَاءَ فيمَنْ يُقَاتِلُ رِيَاءً وللدّنْيَا
1697ـ حدثنا هَنّادٌ حدثنا أبو مُعَاوِيَةَ عن الأعْمَشِ عن شَقِيق بن سلمة عن أبي مُوسَى قال: "سُئِلَ رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عن الرّجُلِ يُقاتِلُ شَجَاعَةً وَيُقَاتِلُ حَمِيّةً ويُقَاتِلُ رِيَاءً فأَيّ ذَلِكَ في سبيلِ الله؟ قال: "مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ الله هيَ العُلْيَا فَهُوَ في سَبِيلِ الله" .
ـــــــ
"باب ما جَاءَ فيمَنْ يُقَاتِلُ رِيَاءً وللدّنْيَا"
قوله: "سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل يقاتل شجاعة" أي ليذكر بين الناس ويوصف بالشجاعة "ويقاتل حمية" أي لمن يقاتل لأجله من أهل أو عشيرة أو صاحب "ويقاتل رياء" أي ليرى الناس منزلته في سبيل الله. وفي رواية البخاري في الجهاد ليرى مكانه "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله" قال الحافظ: المراد بكلمة الله ودعوة الله إلى الإسلام، ويحتمل أن يكون المراد أنه لا يكون في سبيل الله إلا من كان سبب قتاله طلب إعلاء كلمة الله فقط بمعنى أنه لو أضاف إلى ذلك سبباً من الأسباب المذكورة أخل بذلك، ويحتمل أن لا يخل إذا حصل ضمناً لا أصلاً ومقصوداً، وبذلك صرح الطبري

(5/281)


وفي البابِ عن عُمرَ.
وهذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
فقال: إذا كان أصل الباعث هو الأول لا يضره ما عرض له بعد ذلك، وبذلك قال الجمهور، لكن روى أبو داود والنسائي من حديث أبو أمامة بإسناد جيد قال: جاء رجل فقال يا رسول الله أرأيت رجلاً غزا يلتمس الأجر والذكر ماله؟ قال لا شيء له، فأعادها ثلاثاً كل ذلك يقول لا شيء له، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصاً وابتغى به وجهه" . ويمكن أن يحمل هذا على من قصد الأمرين معاً على حد واحد فلا يخالف المرجح أولاً، فتصير المراتب خمساً: أن يقصد الشيئين معاً، أو يقصد أحدهما صرفاً، أو يقصد أحدهما ويحصل الآخر ضمناً، فالمحذور أن يقصد غير الإعلاء، فقد يحصل الإعلاء ضمناً وقد لا يحصل، ويدخل تحته مرتبتان، وهذا ما دل عليه حديث أبي موسى ودونه أن يقصدهما معاً فهو محذور أيضاً على ما دل عليه حديث أبي أمامة. والمطلوب أن يقصد الإعلاء صرفاً وقد يحصل غير الإعلاء وقد لا يحصل عير الإعلاء وقد لا يحصل، ففيه مرتبتان أيضاً. قال ابن أبي جمرة: ذهب المحققون إلى أنه إذا كان الباعث الأول قصد إعلاء كلمة الله لم يضره ما انضاف إليه انتهى. قال الحافظ: ويدل على أن دخول غير الإعلاء ضمناً لا يقدح في الإعلاء إذا كان الإعلاء هو الباعث الأصلي ما رواه أبو داود بإسناد حسن عن عبد الله بن حوالة قال: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على أقدامنا لنغنم فرجعنا ولم نغنم شيئاً فقال: اللهم لا تكلهم إلى الحديث، قال: وفي الحديث بيان أن الأعمال إنما تحتسب بالنية الصالحة، وأن الفضل الذي ورد في المجاهد يختص بمن ذكر، وفي ذم الحرص على الدنيا، وعلى القتال لحظ النفس في غير الطاعة انتهى.
قوله: "وفي الباب عن عمر" أخرجه الترمذي بعد هذا.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي وابن ماجه.

(5/282)


1698ـ حدثنا محمدُ بنُ المثَنّى حدثنا عبدُ الوَهّابِ الثّقَفِيّ عن يَحْيَى بنِ سعيدٍ عن محمدِ بنِ إبراهيم عن عَلْقَمَةَ بنِ وَقّاصٍ اللّيْثِيّ عن عُمَرَ بنِ الْخَطّابِ قال: قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إنّمَا الأعْمَالُ بالنّيّةِ، وَإِنّمَا لامرئ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إلى الله وإلى رَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ
ـــــــ
قوله: "إنما الأعمال"قال جماهير العلماء من أهل العربية والأصول وغيرهم: لفظه "إنما" موضوعة للحصر نثبت المذكور وتنفي ما سواه، فتقدير هذا الحديث أن الأعمال تحسب بنية ولا تحسب إذا كانت بلا نية قاله النووي: والأعمال أعم من أن تكون أقوالاً أو أفعالاً، فرضاً أو نفلاً، قليلة أو كثيرة، صادرة من المكلفين المؤمنين "بالنية" بالإفراد، ووقع في رواية البخاري في أول صحيحه "بالنيات" بالجمع. قال الحافظ كذا أورد هنا، وهو من مقابلة الجمع بالجمع أي كل عمل بنيته. وقال الحربي: كأنه أشار بذلك إلى أن النية تتنوع كما تتنوع الأعمال، كمن قصد بعمله وجه الله، أو تحصيل موعوده أو الانقاء لوعيده، ووقع في معظم الروايات بإفراد النية، ووجهه أن محل النية القلب وهو متحد فناسب إفرادها، بخلاف الأعمال فإنها متعلقة بالظواهر، وهي متعددة فناسب جمعها، ولأن النية ترجع إلى الإخلاص وهو أحد للواحد الذي لا شريك له انتهى.
قال النووي: والنية القصد وهو عزيمة القلب، وتعقبه الكرماني بأن عزيمة القلب قدر زائد على أصل القصد. وقال البيضاوي: النية عبارة عن انبعاث القلب نحو ما يراه موافقاً لغرض من جلب نفع أو دفع ضرر حالا أو مآلاً، والشرع خصصه بالإرادة المتوجهة نحو الفعل لابتغاء رضا الله وامتثال حكمه، والنية في الحديث محمولة على المعنى اللغوي ليصح تطبيقه على ما بعده، وتقسيمه أحوال المهاجر فإنه تفصيل لما أجمل، ولا بد من محذوف يتعلق به الجار والمجرور، فقيل تعتبر وقيل: تكمل، وقيل: تصح، وقيل: تحصل، وقيل تستقر، وقيل: الكون المطلق، قال البلقيني: هو الأحسن. قال الطيبي: كلام الشارع محمول على بيان الشرع لأن المخاطبين بذلك هم أهل اللسان فكأنهم خوطبوا بما ليس لهم به علم إلا من قبل الشارع فيتعين الحمل على ما يفيد الحكم الشرعي انتهى "وإنما لامريء

(5/283)


إلى الله ورَسُولِهِ، ومَنْ كانَتْ هِجْرَتُهُ إلى دُنْيَا يُصِيبُهَا أو امْرَأَةٍ يَتَزَوّجُهَا فَهِجْرَتُهُ إلى ما هَاجَرَ إليهِ" .
ـــــــ
ما نوى" قال الحافظ في الفتح: قال القرطبي: فيه تحقيق لاشتراط النية والإخلاص في الأعمال فجنح إلى أنها مؤكدة. وقال غيره: بل تفيد غير ما أفادته الأولى لأن الأولى نبهت على أن العمل يتبع النية بصاحبها فيترتب الحكم على ذلك، والثانية أفادت أن العامل لا يحصل له إلا ما نواه. وقال ابن دقيق العيد: الجملة الثانية تقتضي أن من نوى شيئاً يحصل له يعني إذا عمله بشرائطه أو حال دون عمله ما يعذر شرعاً بعدم عمله، وكل ما لم ينوه لم يحصل له، ومراده بقوله ما لم ينوه أي لا خصوصاً ولا عموماً أما إذا لم ينو شيئاً مخصوصاً لكن كانت هناك نية عامة تشمله، فهذا مما اختلف فيه أنظار العلماء، ويتخرج عليه من المسائل ما لا يحصي. وقد يحصل غير المتوى لمدرك آخر كمن دخل المسجد فصلى الفرض أو الراتبة قبل أن يقعد فإنه يحصل له تحية المسجد نواها أو لم ينوها، لأن القصد بالتحية شغل البقعة وقد حصل، وهذا بخلاف من اغتسل يوم الجمعة عن الجنابة فإنه لا يحصل له غسل الجمعة على الراجح لأن غسل الجمعة ينظر فيه إلى التعبد لا إلى محض التنظيف فلا بد من القصد إليه بخلاف تحية المسجد والله أعلم.
وقال النووي: أفادت الجملة الثانية اشتراط تعيين المنوي. كمن عليه صلاة فائته لا يكفيه أن ينوي الفائتة فقط حتى يعينها ظهراً مثلاً أو عصراً ولا يخفي أن محله ما إذا لم تنحصر الفائتة "فمن كانت هجرته إلى الله وإلى رسوله فهجرته إلى الله وإلى رسوله" الهجرة الترك، والهجرة إلى الشيء الانتقال إليه عن غيره، وفي الشرع ترك ما نهى الله عنه، وقد وقعت في الإسلام على وجهين: الأول: الانتقال من دار الخوف إلى دار الأمن كما في هجرتي الحبشة وابتداء الهجرة من مكة إلى المدينة. الثاني: الهجرة من دار الكفر إلى دار الإيمان، وذلك بعد أن استقر النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة وهاجر إليه من أمكنه ذلك من المسلمين، وكانت الهجرة إذ ذاك تختص بالانتقال إلى المدينة إلى أن فتحت مكة فانقطع الاختصاص وبقي عموم الانتقال من دار الكفر لمن قدر عليه باقياً.

(5/284)


فإن قيل:الأصل تغاير الشرط والجزاء وقد وقعا في هذا الحديث متحدين.
فالجواب: أن التغاير يقع تارة باللفظ وهو الأكثر وتارة بالمعنى ويفهم ذلك من السياق، ومن أمثلته قوله تعالى:{وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَاباً}وهو مؤول على إرادة المعهود المستقر في النفس، كقولهم: أنت أنت أي الصديق الخالص، وقولهم: هم هم أي الذين لا يقدر قدرهم، وقول الشاعر:أنا أبو النجم وشعري وشعري، أو هو مؤول على إقامة السبب مقام السبب لاشتهار السبب.وقال ابن مالك:قد يقصد بالخبر الفرد بيان الشهرة وعدم التغير فيتحد بالمبتدأ لفظاً كقول الشاعر:
خليلي خليلي دون ريب وربما ... الآن امرؤ قولاً فظن خليلا
وقد يفعل مثل هذا بجواب الشرط كقولك: من قصدني فقد قصدني أي فقد قصد من عرف بإنجاح قاصده، وقال غيره: إذا اتحد لفظ المبتدأ والخبر والشرط والجزاء علم منهما المبالغة إما في التعظيم وإما في التحقير "إلى الدنيا" بضم الدال وبكسر وهي فعلي من الدنو وهو القرب لدنوها إلى الزوال أو لقربها من الآخرة مناً، ولا تنون لأن ألفها مقصورة للتأنيث أو هي تأنيث أدنى، وهي كافية في منع الصرف وتنويهاً في لغة شاذة، ولإجرائها مجرى الأسماء وخلعها عن الوصفية نكرت كرجعي ولو بقيت على وصفيتها لعرفت كالحسنى. واختلفوا في حقيقتها، فقيل هي اسم مجموع هذا العالم المتناهي، وقيل هي ما على الأرض من الجو والهواء أو هي كل المخلوقات من الجواهر والأعراض الموجودة قبل الآخرة. قال النووي: وهذا هو الأظهر، ويطلق على كل جزاء منها مجازاً وأريد ههنا شيء من الحظوظ النفسانية "يصيبها" أي يحصلها لكن لسرعة مبادرة النفس إليها بالجبلة الأصلية، شبه حصولها بإصابة السهم للغرض، والأظهر أنه حال أي يقصد إصابتها "أو امرأة بتزوجها" خصت بالذكر تنبيهاً على سبب الحديث، وإن كانت العبرة بعموم اللفظ كما رواه الطبراني بسند رجاله ثقات عن ابن مسعود: كان فينا رجل خطب امرأة يقال لها أم قيس فأبت أن تتزوجه حتى يهاجر فهاجر فتزوجها، قال: فكنا نسميه مهاجر أم قيس. وفيه إشارة إلى أنه مع كونه قصد في ضمن الهجرة سنة عظمية أبطل ثواب هجرته فكيف يكون غيره؟ أو دلالة على أعظم فتن الدنيا

(5/285)


هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
وقد رَوَى مالكُ بنُ أنَسٍ وسُفْيَانُ الثّوْرِيّ وَغَيْرُ واحِدٍ منَ الأئِمّةِ هذا عن يَحْيَى بن سَعِيدٍ ولا نَعْرِفُهُ إلاّ مِنْ حَدِيثِ يَحْيَى بنِ سَعِيدٍ الأنصاري قال عبد الرحمن بن مهدي: ينبغي أن يضع هذا الحديث في كل باب.
ـــــــ
لقوله تعالى :{زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ} ولقوله عليه السلام:"ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء" لكن المرأة إذا كانت صالحة تكون خير متاعها ولقوله عليه الصلاة والسلام: "الدنيا كلها متاع وخير متاعها المرأة الصالحة" "فهجرته إلى ما هاجر إليه" أي منصرفة إلى الغرض الذي هاجر إليه فلا ثواب له لقوله تعالى: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ} أو المعنى فهجرته مردودة أو قبيحة.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" أخرجه الجماعة. قال الحافظ: إن هذا الحديث متفق على صحته أخرجه الأئمة المشهورون إلا الموطأ، ووهم من زعم أنه في الموطأ مغتر بتخريج الشيخين له والنسائي من طريق مالك انتهى.
قلت: قال السيوطي في شرح الموطأ في رواية محمد بن الحسن عن مالك أحاديث يسيرة زائدة على سائر الموطآت منها حديث: إنما الأعمال بالنية الحديث، وبذلك يتبين قول من عزا روايته إلى الموطأ، ووهم من خطأه في ذلك انتهى.
تنبيه: قد تواتر النقل عن الأئمة في تعظيم قدر هذا الحديث. قال أبو عبد الله: ليس في أخبار النبي صلى الله عليه وسلم شيء أجمع وأغنى وأكثر فائدة من هذا الحديث، واتفق عبد الرحمن بن مهدي والشافعي فيما نقله البويطي عنه وأحمد بن حنبل وعلي بن المديني وأبو داود والترمذي والدارقطني وحمزة والكناني على أنه ثلث الإسلام، ومنهم من قال ربعه، واختلفوا في تعيين الباقي. وقال ابن مهدي أيضاً: يدخل في ثلاثين باباً من العلم. وقال الشافعي: يدخل في سبعين باباً، ويحتمل أن يريد بهذا العدد المبالغة. وقال عبد الرحمن بن مهدي أيضاً: ينبغي أن يجعل هذا الحديث رأس كل باب ووجه البيهقي كونه ثلاث العلم بأن كسب العبد يقع بقلبه ولسانه وجوارحه، فالنية أحد أقسامها الثلاثة وأرجحها لأنها قد تكون عبادة مستقلة وغيرها يحتاج إليها، ومن ثم ورد نية المؤمن من خير من عمله، فإذا

(5/286)


ـــــــ
نظرت إليها كانت خير الأمرين، وكلام الإمام أحمد يدل على أنه أراد بكونه ثلث العلم أنه أحد القواعد الثلاث التي ترد إليها جميع الأحكام عنده وهي هذا، ومن عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد، والحلال بين والحرام بين.
تنبيه: اعلم أن هذا الحديث المبارك يستأهل أن يفرد لشرحه جزء مبسوط بجيمع فوائده، وما يستنبط منه من الأحكام وغير ذلك، وقد أطنب في شرحه شراح البخاري كالحافظ ابن حجر والعيني وغيرهما إطناباً حسناً مفيداً، وإني قد اقتصرت الكلام في شرحه على ما لا بد منه، فعليك أن تراجع شروح البخاري

(5/287)


باب في الغدو والرواح في سبيل الله
...
17ـ باب ما جاء في الغُدُوّ والرّوَاحِ في سبيلِ الله
1699ـ حدثنا عليّ بنُ حُجْرٍ حدثنا إسماعيلُ بنُ جَعْفَرٍ عن حُمَيْدٍ عن أنَسٍ أنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: "لَغَدْوَة في سَبِيلِ الله أوْ رَوْحَةٌ خَيْرٌ مِنَ الدّنْيَا وما فيها، ولَقَابُ قَوْسِ أحَدِكُم أو مَوضِعُ يَدِهِ
ـــــــ
"باب ما جاء في الغُدُوّ والرّوَاحِ في سبيلِ الله"
أي الجهاد
قوله: "لغدوة في سبيل الله أو روحه" قال الحافظ: الغدوة بالفتح: المرة الواحدة من الغدو وهو الخروج في أي وقت كان من أول النهار إلى انتصافه، والروحة المرة الواحدة من الرواح وهو الخروج في أي وقت كان من زوال الشمس إلى غروبها "خير من الدنيا وما فيها" قال ابن دقيق العيد: يحتمل وجهين أحدهما أن يكون من باب تنزيل المغيب منزلة المحسوس تحقيقاً له في النفس لكون الدنيا محسوسة في النفس مستعظمة في الطباع، فلذلك وقعت المفاضلة بها، وإلا فمن المعلوم أن جميع ما في الدنيا لا يساوي ذرة مما في الجنة، والثاني أن المراد أن هذا القدر من الثواب خير من الثواب الذي يحصل لمن لو حصلت له الدنيا كلها لأنفقها في طاعة الله تعالى. قال الحافظ: ويؤيد الثاني ما رواه ابن المبارك في كتاب الجهاد من مرسل الحسن قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم جيشاً فيهم عبد الله

(5/287)


في الْجَنّةِ خَيْرٌ مِنَ الدّنْيَا وما فيها، وَلَوْ أنّ امْرَأَةً مِنْ نِسَاءِ أهْلِ الْجَنّةِ اطّلَعَتْ إلى الأرضِ لأَضَاءَتْ ما بَيْنَهُمَا ولملأت ما بينهما رِيحاً ولنصِيفُهَا على رأْسِهَا خَيْرٌ مِنَ الدّنْيَا وما فيها" .
هذا حديثٌ صحيحٌ.
ـــــــ
ابن رواحة فتأخر ليشهد الصلاة مع النبي صلى الله عليه وسلم فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "والذي نفسي بيده لو أنفقت ما في الأرض ما أدركت فضل غدوتهم" . والحاصل أن المراد تسهيل أمر الدنيا وتعظيم أمر الجهاد وأن من حصل له من الجنة قدر سوط يصير كأنه حصل له أمر عظيم من جميع ما في الدنيا، فكيف بمن حصل منها أعلى الدرجات، والنكتة في ذلك أن سبب التأخير عن الجهاد الميل إلى سبب من أسباب الدنيا. فنبه هذا المتأخر أن هذا القدر اليسير من الجنة أفضل من جميع ما في الدنيا "ولقاب قوس أحدكم" أي قدره، والقاب بالقاف وآخره موحدة معناه القدر، وقيل القاب ما بين مقبض القوس وسيته، وقيل ما بين الوتر والقوس، وقيل المراد بالقوس هنا الذراع الذي يقاس به، وكأن المعنى بيان فضل قدر الذراع من الجنة "أو موضع يده شك من الراوي أي مقدار يده "خير من الدنيا وما فيها" أي من إنفاقها فيها لو ملكها، أو نفسها لو ملكها لأنه زائل لا محالة "أطلعت إلى الأرض" أي أشرفت عليها ونظرت إليها "لأضاءت ما بينهما" أي ما بين المشرق والمغرب، أو ما بين السماء والأرض، وما بين الجنة والأرض وهو الأظهر لتحقق ذكرهما في العبارة صريحاً قاله القاري "ولملأت ما بينهما ريحاً" أي طيبة "ولنصيفها" بفتح النون وكسر الصاد المهملة بعدها تحتانية ساكنة ثم فاء هو الخمار بكسر المعجمة وتخفيف الميم "على رأسها" قيد به تحقيراً له بالنسبة إلى خمار البدن جميعه "خير من الدنيا وما فيها" أي فكيف الجنة نفسها وما بها من نعيمها.
قوله: "هذا حديث صحيح" وأخرجه أحمد والشيخان وابن ماجه.

(5/288)


1700 ـ حدثنا قُتَيْبَةُ حدثنا العَطّافُ بنُ خالِدٍ المَخْزُومِيّ عن أبي حَازِمٍ عن سَهْلِ بنِ سَعْدِ السّاعِدِيّ قالَ: قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "غُدْوَةٌ في سَبِيلِ الله خَيْرٌ مِنَ الدّنْيَا وما فيها، وموضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها" .
وفي البابِ عن أبي هُرَيْرَةَ وابنِ عَبّاسٍ وأبي أيّوبَ وأنَسٍ.
وهذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
1701ـ حدثنا أبو سَعِيدٍ الأشَجّ حدثنا أبو خَالِدٍ الأحْمَرُ عن ابنِ
ـــــــ
قوله: "حدثنا العطاف بن خالد المخزومي" قال في التقريب: عطاف بتشديد الطاء بن خالد بن عبد الله بن العاص المخزومي أبو صفوان المدني يهم من السابعة مات قبل مالك انتهى "عن أبي حازم" هو ابن دينار.
قوله: "غدوة" وعند البخاري الروحة والغدوة، وعند ابن ماجه غدوة أو روحة "وموضع سوط في الجنة" خص الصوت لأن من شأن الراكب إذا أراد النزول في منزل أن يلقي سوطه قبل أن ينزل معلماً بذلك المكان لئلا يسبقه إليه أحد.
قوله: "وفي الباب عن أبي هريرة وابن عباس وأبي أيوب وأنس" أما حديث أبي هريرة فأخرجه الترمذي في هذا الباب، وأما حديث ابن عباس فأخرجه أيضاً الترمذي في هذا الباب، وأما حديث أبي أيوب فأخرجه أحمد ومسلم والنسائي، وأما حديث أنس فقد رواه الترمذي وهو أول أحاديث الباب فلعله أشار إلى ما أخرجه أحمد والشيخان وابن ماجه عنه بلفظ: غدوة في سبيل الله أو روحة فيه خير من الدنيا وما فيها.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان وغيرهما.

(5/289)


عَجْلاَنَ عن أبي حَازِمٍ عن أبي هُرَيْرَةَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم. والْحَجّاجُ عن الحَكَمِ عَنْ مقْسِمٍ عن ابنِ عباسٍ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "غدْوَةٌ في سَبِيلِ الله أوْرَوْحَةٌ خَيْرٌ مِنَ الدّنْيَا وما فِيهَا" .
هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ. وأبو حَازِمٍ الذي رَوَى عن أبي هُرَيْرَةَ هو أبو حازم الاشجعي الكُوفِيّ واسْمُهُ سَلْمَانُ وهو مَوْلَى عَزّةَ الأشْجَعِيّةِ.
1702ـ حدثنا عُبَيْدُ بنُ أسْبَاطِ بنِ محمد القرشي الكوفي حدثنا أبي عن هِشَامٍ بنِ سَعْدٍ عن سَعِدِ بن أبي هِلاَلٍ عن أبي ذُبَابٍ عن أبي هُرَيْرَةَ قال:
ـــــــ
قوله: "والحجاج عن الحكم" يحتمل أن يكون عطفاً على ابن عجلان فيكون لأبي خالد الأحمر شيخان أحدهما ابن عجلان وهو روى عن أبي حازم عن أبي هريرة والثاني الحجاج وهو روى عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس، ويحتمل أن يكون عطفاً على أبي خالد الأحمر فيكون لأبي سعيد الأشج شيخان أحدهما أبو خالد والثاني الحجاج، فليتأمل. والحجاج هذا هو ابن دينار الواسطي، قال في التقريب: لا بأس به وله ذكر في مقدمة مسلم من السابعة انتهى. والحكم هو ابن عتيبة الكندي الكوفي ثقة ثبت فقيه إلا أنه ربما دلس من الخامسة.
قوله: "عن سعيد بن أبي هلال" قال في التقريب: سعيد بن أبي هلال الليثي مولاهم أبو العلاء المصري قبل مدني الأصل وقال ابن يونس: بل نشأ بها، صدوق لم أر لابن حزم في تضعيفه سلفاً، إلا أن الساجي حكى عن أحمد أنه اختلط من السادسة انتهى. وقد وقع في النسخة الأحمدية المطبوعة في الهند عن سعد بن أبي هلال وهو غلط فاحش فإنه ليس في الرجال من اسمه سعد بن أبي هلال "عن ابن أبي ذباب"

(5/290)


مَرّ رَجُلٌ مِنْ أصْحَابِ رسول الله صلى الله عليه وسلم بِشِعْبٍ فيهِ عُيَيْنَةٌ مِنْ مَاء عَذْبَةٌ فأعْجَبَتْهُ لِطِيبِهَا، فقال: لَو اعْتَزَلْتُ الناسَ فَأَقَمْتُ في هذا الشّعْبِ وَلَنْ أفْعَلَ حتى أسْتَأْذِنَ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم، فَذَكَرَ ذلكَ لِرَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فقال: "لا تَفْعَلْ فإنّ مقَامَ أحَدِكُمْ في سَبيلِ الله أفْضَلُ مِنْ صَلاَتِهِ في بَيْتِهِ سَبْعِينَ عاماً، ألاَ تُحِبّونَ أنْ يَغْفِرَ الله لَكُمْ
ـــــــ
هو عبد الله بن عبد الرحمن بن الحارث بن سعد بن أبي ذباب، بضم المعجمة وموحدتين ثقة من الثالثة.
قوله: "مر رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بشعب" قال في القاموس: الشعب بالكسر الطريق في الجبل ومسيل الماء في بطن أرض، أما انفرج بين الجبلين انتهى. والظاهر أن المراد هنا هو المعنى الأخير "فيه عيينة" تصغير عين بمعنى المنبع "من ماء" قال الطيبي: صفة عيينة جيء بها مادحه لأن التنكير فيها يدل على نوع ماء صاف تروق بها الأعين وتبهج به الأنفس "عذبه" بالرفع صفة عيينة وبالجر على الجوار أي طيبة أو طيب ماؤها. قال الطيبي: وعذبة صفة أخرى مميزة لأن الطعم الألذ سائغ في المريء، ومن ثم أعجب الرجل وتمنى الاعتزال عن الناس "فأعجبته" أي العيينة وما يتعلق بها من المكان "فقال" أي الرجل "لو اعتزلت الناس" لو للتمني ويجوز أن تكون لو امتناعية، وقوله: "فأقمت في هذا الشعب" عطف على اعتزلت، وجواب لو محذوف أي لكان خيراً لي "فذكر ذلك" أي ما خطر بقلبه "فقال لا نفعل" نهى عن ذلك لأن الرجل صحابي وقد وجب عليه الغزو، فكان اعتزاله للتطوع معصية لاستلزامه ترك الواجب، ذكره ابن الملك تبعاً للطيبي "فإن مقام أحدكم" قال القاري بفتح الميم أي قيامه. وفي نسخة يعني من المشكاة بضمها وهي الإقامة بمعنى ثبات أحدكم "في سبيل الله" أي بالاستمرار في القتال مع الكفار خصوصاً في خدمة سيد الأبرار "أفضل من صلاته في بيته" يدل على أن طلبه كان مفضولاً لا محرماً "سبعين عاماً" قال القاري: المراد به الكثرة لا التحديد فلا ينافي ما ورد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

(5/291)


، ويُدْخلَكُمْ الْجَنّةَ؟ اغْزُوا في سَبِيلِ الله مَنْ قَاتَلَ في سَبِيلِ الله فُوَاقَ نَاقَةٍ وَجَبَتْ لَهُ الْجَنّةُ" .
هذا حديثٌ حَسَنٌ.
ـــــــ
"مقام الرجل في الصف في سبيل الله أفضل عند الله من عبادة الرجل ستين سنة" ، رواه الحاكم عن عمران بن حصين، وقال على شرط البخاري. ورواه ابن عدي وابن عساكر عن أبي هريرة رضي الله عنه ولفظه: قيام أحدكم انتهى. "ألا" بالتخفيف للتنبيه "تحبون أن يغفر الله لكم" أي مغفرة تامة "يدخلكم الجنة" أي إدخالاً أولياً "اغزوا في سبيل الله" أي دوموا على الغزو في دينه تعالى "من قاتل في سبيل الله فواق ناقة" قال في القاموس: الفواق كغراب هو ما بين الحلبتين من الوقت ويفتح، أو ما بين فتح يدك وقبضها على الضرع انتهى. وقال في المجمع: هو ما بين الحلبتين لأنها تحلب ثم تترك سريعة ترضع الفصيل لتدر ثم تحلب انتهى.
قوله: "هذا حديث حسن" وأخرجه الحاكم وقال صحيح على شرط مسلم، ورواه أحمد من حديث أبي أمامة أطول منه إلا أنه قال: ولمقام أحدكم في الصف خير من صلاته ستين سنة، كذا في الترغيب

(5/292)


باب ماجاء أي الناس خير
...
18ـ باب ما جاءَ أيّ الناسِ خَيْر
1703ـ حدثنا قُتَيْبَةُ حدثنا ابنُ لَهِيعَةَ عن بُكَيْر بن عبدالله بن الأشَجّ عن عَطَاءِ بنِ يَسَارٍ عن ابنِ عباسٍ أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "ألاَ أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ النّاسِ؟ رَجُلٌ مُمْسِكٌ بِعَنَانِ فَرَسِهِ في سَبِيلِ الله، ألاَ أُخْبِرُكُمْ بالّذِي
ـــــــ
"باب ما جاءَ أيّ الناسِ خَيْر"
قوله: "رجل ممسك بعنان فرسه" وفي رواية: آخذ برأس فرسه "بالذي

(5/292)


يَتْلُوهُ؟ رَجُلٌ مُعْتَزِلٌ في غُنَيْمَةٍ له يُؤَدّي حَقّ الله فيها، ألاَ أُخْبِرُكُمْ بِشَرّ النّاسِ؟ رَجُلٌ يُسْأَلُ بالله ولا يُعْطِي بهِ" .
هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ مِنْ هذا الوجْهِ. ويُرْوَى هذا الحديثُ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عن ابنِ عباسٍ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم.
ـــــــ
يتلوه" وفي رواية بالذي يليه "رجل معتزل في غنيمة له" تصغير غنم وهو مؤنث سماعي ولذلك صغرت بالتاء والمراد قطعة غنم، قال النووي: في الحديث دليل لمن قال بتفضيل العزلة على الخلطة وفي ذلك خلاف مشهور، فمذهب الشافعي وأكثر العلماء: أن الاختلاط أفضل بشرط رجاء السلامة من الفتن، ومذهب طوائف من الزهاد أن الاعتزال أفضل، واستدلوا بالحديث: وأجاب الجمهور بأنه محمول على زمان الفتن والحروب، أو فيمن لا يسلم الناس منه ولا يصبر على أذاهم. وقد كانت الأنبياء صلوات الله عليهم وجماهير الصحابة والعلماء والزهاد مختلطين ويحصلون منافع الاختلاط بشهود الجمعة والجماعة والجنائز وعيادة المريض وحلق الذكر وغير ذلك انتهى. "رجل يسأل بالله ولا يعطي به" هذا يحتمل الوجهين أحدهما أن قوله "يسأل" بلفظ وقوله "يعطي" على بناء المعلوم، أي شر الناس من يسأل منه صاحب حاجة بأن يقول اعطني لله وهو بقدر ولا يعطي شيئاً بل يرده خائباً، والثاني أن يكون قوله يسأل على بناء المعلوم وقوله لا يعطي على بناء المفعول، أي يقول اعطني بحق الله ولا يعطي. قال في المجمع: هذا مشكل إلا أن يتهم السائل بعدم استحقاقه. وقال الطيبي: الباء كالباء في كتبت بالقلم أي يسأل بواسطة ذكر الله أو للقسم والاستعطاف أي بقول السائل: اعطوني شيئاً بحق الله. وهذا مشكل إلا أن يكون السائل متهماً بحق الله ويظن أنه غير مستحق انتهى.
قوله: "هذا حديث حسن غريب" وأخرجه النسائي وابن حبان في صحيحه، ورواه مالك عن عطاء بن يسار مرسلاً كذا في الترغيب

(5/293)


باب ماجاء فيمن سأل الشهادة
...
19ـ باب ما جاءَ فِيمَنْ سَأَلَ الشّهَادَة
1704ـ حدثنا أحمدُ بنُ مَنِيعٍ حدثنا رَوْحُ بنُ عُبَادَةَ حدثنا ابنُ جُرَيْجٍ عن سُلَيْمانَ بنِ مُوسى عن مالِكِ بنِ يخَامِرَ السّكْسَكِيّ عن مُعَاذِ بنِ جَبَلٍ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ: "من سَأَلَ الله القَتْلَ في سَبِيلِهِ صَادِقاً مِنْ قَلْبِهِ أعْطَاهُ الله أجْر الشهيد" .
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
1705ـ حدثنا محمدُ بنُ سَهْلِ بنِ عَسْكَرٍ البغدادي حدثنا القَاسِمُ بنُ كَثِيرٍ المصري حدثنا عبدُ الرحمَنِ بنُ شُرَيْحٍ أنّهُ سَمِعَ سَهْلَ بنَ أبي أُمَامَةَ بنِ سَهْلِ بنِ حُنَيْفٍ يُحَدّثُ عن أبيهِ عن جَدّهِ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "مَنْ
ـــــــ
"باب ما جاءَ فِيمَنْ سَأَلَ الشّهَادَة"
قوله: "عن سليمان بن موسى" الأموي مولاهم الدمشقي الأشدق صدوق فقيه في حديثه بعض لين وخولط قبل موته بقليل من الخامسة "عن مالك بن يخامر" بفتح التحتانية والمعجمة وكسر الميم "السكسكي" الحمصي صاحب معاذ، مخضرم ويقال له صحبة، كذا في التقريب.
قوله: "من سأل الله القتل في سبيله" أي الشهادة "صادقاً من قلبه" قيد به لأنه معيار الأعمال ومفتاح بركاتها "أعطاه الله أجر الشهيد" أي وإن لم يقتل في سبيله.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه النسائي والحاكم كذا في الفتح.
قوله: "حدثنا القاسم بن كثير" بن النعمان الإسكندري أبو العباس القاضي صدوق من العاشرة "حدثنا عبد الرحمن بن شريح" بن عبد الله المعافري أبو شريح الإسكندراني ثقة فاضل لم يصب ابن سعد في تضعيفه من السابعة "أنه سمع سهل بن أبي أمامة

(5/294)


سَأَلَ الله الشّهَادَةَ مِنْ قَلْبِهِ صَادِقاً بَلّغَهُ الله مَنَازِلَ الشّهَدَاءِ وإنْ مَاتَ على فِرَاشِهِ" .
هذا حديث سهل بن حنيف حديثٌ حسنٌ غريبٌ لا نعرِفُهُ إلاّ مِنْ حديثِ عبدِ الرحمنِ بنِ شُرَيْحٍ، وقد رَوَاهُ عبدُ الله بنُ صَالحٍ عن عبدِ الرحمَنِ بنِ شُرَيْحٍ. وعبدُ الرحمنِ بنُ شُرَيْحٍ يُكْنَى أبَا شُرَيْحٍ وهو اسْكَنْدَرَانِيّ.
وفي البابِ عن مُعَاذِ بنِ جَبَلٍ.
ـــــــ
ابن سهل بن حنيف" الأناصري المدني نزيل مصر ثقة من الخامسة مات بالإسكندرية "يحدث عن أبيه" أي أبي أمامة بن سهل بن حنيف واسمه أسعد وقيل سعد معروف بكنيته معدود في الصحابة له رؤية ولم يسمع من النبي صلى الله عليه وسلم "عن جده" أي سهل بن حنيف بن واهب الأنصاري الأوسي صحابي من أهل بدر، واستخلفه علي على البصرة ومات في خلافته.
قوله: "من سأل الله شهادة" أي الموت شهيداً "بلغه" بتشديد اللام أي أوصله "الله منازل الشهداء" مجازاة له على صدق طلبه "وإن مات على فراشه" بكسر أوله، أي ولو مات غير شهيد فهو في حكم الشهداء وله ثوابهم. قال القاري: لأن كلا منهما نوى خيراً وفعل مقدوره فاستويا في أصل الأجر انتهى.
قوله: "هذا حديث حسن غريب" وأخرجه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه والحاكم.
قوله: "وقد رواه عبد الله بن صالح" بن محمد بن مسلم الجهني أبو صالح المصري كاتب الليث صدوق كثير الغلط ثبت في كتابه وكانت فيه غفلة من العاشرة. قاله في التقريب. وقال في تهذيب التهذيب في ترجمته: روى عن أبي شريح عبد الرحمن بن شريح وغيره. وروى له أبو داود والترمذي وابن ماجه بواسطة الحسن بن علي الخلال.
قوله: "وفي الباب عن معاذ بن جبل" قد أخرج الترمذي حديثه في هذا الباب

(5/295)


ـــــــ
فلعله أشار إلى ما روى أبو داود عنه مرفوعاً: "من قاتل في سبيل الله فوافق ناقة فقد وجبت له الجنة، ومن سأل الله القتل من نفسه صادقاً ثم مات أو قتل فإن له أجر شهيد" الحديث

(5/296)


باب ماجاء في الماجهد والمكاتب والناكح وعون الله إياهم
...
20ـ باب ما جاءَ في المُجَاهِدِ والنّاكِحِ والمكاتب وعَوْنِ الله إيّاهُم
1706 ـ حدثنا قُتَيْبَةُ حدثنا اللّيْثُ عن ابنِ عَجْلاَنَ عن سَعِيدٍ المَقْبُرِيّ عن أبي هريرةَ قالَ: قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "ثَلاَثَةٌ حَقّ على الله عَوْنُهُمْ: المُجَاهِدُ في سَبِيلِ الله، والمُكَاتَبُ الّذِي يُرِيدُ الأدَاءَ، والنّاكِحُ الّذِي يُرِيدُ العَفَافَ" .
حديثٌ حسنٌ.
ـــــــ
"باب ما جاءَ في المُجَاهِدِ والنّاكِحِ والمكاتب وعَوْنِ الله إيّاهُم"
قوله: "ثلاثة حق على الله عونهم" أي ثابت عنده إعانتهم، أو واجب عليه بمقتضى وعده معاونتهم "المجاهد في سبيل الله" أي بما يتيسر له الجهاد من الأسباب والاَلات "والمكاتب الذي يريد الأداء" أي بدل الكتابة "والناكح الذي يريد العفاف" أي العفة من الزنا. قال الطيبي: إنما آثر هذه الصيغة إيذاناً بأن هذه الأمور من الأمور الشاقة التي تفدح الإنسان وتقصم ظهره، لولا أن الله تعالى يعينه عليها لا يقوم بها، وأصعبها العفاف لأنه قمع الشهوة الجبلية المركوزة فيه، وهي مقتضى البهيمة النازلة في أسفل السافلين، فإذا استعف وتداركه عون الله تعالى ترقى إلى منزلة الملائكة وأعلى عليين.
قوله: "هذا حديث حسن" وأخرجه أحمد والنسائي وابن ماجه وابن حبان في صحيحه والحاكم وقال صحيح على شرط مسلم.

(5/296)


1707ـ حدثنا أحمدُ بنُ مَنِيعٍ حدثنا رَوْحُ بنُ عُبَادَةَ حدثنا ابنُ جُرَيْجٍ عن سُلَيْمَانَ بنِ موسى عن مالِكِ بنِ يخَامِرَ عن مُعَاذِ بنِ جَبَلٍ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ: "مَنْ قَاتَلَ في سَبِيلِ الله مِنْ رَجُلٍ مُسْلِمٍ فُوَاقَ نَاقَةٍ وَجَبَتْ لَهُ الْجَنّةُ، ومَنْ جُرِحَ جُرْحاً في سَبِيلِ الله أو نُكِبَ نَكْبَةً فإنها تَجِيءُ يَوْمَ القِيَامَةِ كأَغْزَرَ ما كانَتْ لَوْنُهَا الزّعْفَرَانُ ورِيحُهَا كالمسْكِ" .
ـــــــ
قوله:"ومن جرح"بصيغة المجهول "جرحاً"بضم الجيم وبالفتح هو المصدر أي جراحة كائنة "في سبيل الله" بسلاح من عدو "أو نكب" بصيغة المجهول أو أصيب "نكبة" بالفتح أي حادثة فيها جراحة من غير العدو، فأو للتنويع، قيل الجرح والنكبة كلاهما واحد، وقيل الجرح ما يكون من فعل الكفار والنكبة الجراحة التي أصابته من وقوعه من دابته أو وقوع سلاح عليه. قال القاري هذا هو الصحيح. وفي النهاية نكب أصبعه أي نالتها الحجارة، والنكبة ما يصيب الإنسان من الحوادث "فإنها" أي النكبة التي فيها الجراحة "تجيء يوم القيامة" قال الطيبي: قد سبق شيئان الجرح والنكبة وهي ما أصابه في سبيل الله من الحجارة فأعاد الضمير إلى النبكة، دلالة على أن حكم النكبة إذا كان بهذه المثابة فما ظنك بالجرح بالسنان والسيف، ونظيره قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا} انتهى. قال القاري: أو يقال إفراد الضمير باعتبار أن مؤداهما واحد وهي المصيبة الحادثة في سبيل الله فهي تظهر وتتصور "كأغزر ما كانت" أي كأكثر أوقات أكوانها في الدنيا. قال الطيبي: الكاف زائدة وما مصدرية والوقت مقدر يعني حينئذ تكون غزارة دمه أبلغ من سائر أوقاته انتهى "لونها الزعفران وريحها كالمسك" كل منهما تشبيه بليغ.
قوله: "هذا حديث صحيح" وأخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه وابن حبان في صحيحه والحاكم، وقال صحيح على شرطهما كذا في الترغيب

(5/297)


باب ماجاء في فضل من يكلم في سبيل الله
...
21ـ باب ما جاءَ فيمن يُكْلَمُ في سَبِيلِ الله
1708ـ حدثنا قُتَيْبَةُ حدثنا عبدُ العزيزِ بنُ محمدٍ عن سُهَيْلِ بنِ أبي صَالِحٍ عن أبيه عن أبي هُرَيْرَةَ قالَ:قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لاَ يُكلَمُ أحَدٌ في سَبِيلِ الله ـ والله أعْلَمُ بِمَنْ يُكلَمُ في سَبِيلِهِ ـ إلاّ جاءَ يَوْمَ القِيَامَةِ اللّوْنُ لَوْن الدّمِ، والريْحُ ريحُ المِسْكِ" .
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وقد رُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عن أبي هُرَيْرَةَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم.
ـــــــ
"باب ما جاءَ فيمن يُكْلَمُ في سَبِيلِ الله"
قوله: "لا يكلم" بضم أوله وسكون الكاف وفتح اللام أي يجرح "أحد في سبيل الله" قال السيوطي: أي سواء مات صاحبه منه أم لا كما يؤخذ من رواية الترمذي "والله أعلم بمن يكلم في سبيله" جملة معترضة بين المستثنى والمستثنى منه. قال النووي: هذا تنبيه على الإخلاص في الغزو، وأن الثواب المذكور فيه إنما هو لمن أخلص فيه وقاتل لتكون كلمة الله هي العليا. قالوا: وهذا الفضل وإن كان ظاهره أنه في قتال الكفار، فيدخل فيه من خرج في سبيل الله في قتال البغاة وقطاع الطريق وفي إقامة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونحو ذلك "إلا جاء يوم القيامة اللون لون الدم والريح ريح المسك" وفي رواية مسلم: إلا جاء يوم القيامة وجرحه يثعب، اللون لون الدم والريح ريح مسك. قال النووي: قوله صلى الله عليه وسلم: "وجرحه يثعب" هو بفتح الياء والعين وإسكان المثلثة بينهما ومعناه يجري متفجراً أي كثيراً، قال: والحكمة في مجيئه يوم القيامة كذلك أن يكون معه شاهد فضيلته وبذله نفسه في طاعة الله تعالى انتهى.
قوله: "هذا حديث صحيح" وأخرجه الشيخان والنسائي

(5/298)


باب أي الأعمال أفضل
...
22ـ باب ما جاء أي الأَعْمَال أَفْضَل
1709 ـ حدثنا أبو كُرَيْبٍ حدثنا عَبْدَةُ بن سليمان عن محمدِ بنِ عَمْرٍو حدثنا أبو سَلَمَةَ عن أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ الله عنهُ قال: "سُئِلَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: أيّ الأَعْمَالِ أَفْضَلُ وأي الأعمال خير؟ قالَ: إيمانٌ بالله ورَسُولِهِ ، قيلَ: ثُمّ أيّ شَيْءٍ؟ قَالَ: الجهَادُ سنَامُ العَمَلِ ، قيلَ: ثُمّ أيّ شَيْء يَا رَسُولَ الله؟ قالَ: ثمّ حَجّ مَبْرُورٌ ".
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ قد روِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عن أبي هُرَيْرَةَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم.
ـــــــ
"باب ما جاء أي الأَعْمَال أَفْضَل"
"حدثنا عبدة" هو ابن سليمان الكلابي أبو محمد الكوفي "عن محمد بن عمرو" ابن علقمة بن وقاص الليثي المدني.
قوله: "إيمان" التنكير للتفخيم "قيل: ثم أي شيء؟ قال: الجهاد سنام العمل" وفي رواية البخاري: قيل ثم ماذا؟ قال: الجهاد في سبيل الله، وهو ظاهر. وأما رواية الترمذي هذه، فالظاهر أن الجواب فيها محذوف وأقيم دليله مقامه، والتقدير: قيل ثم أي شيء؟ قال الجهاد في سبيل الله فإنه سنام العمل. هذا ما عندي والله أعلم. وسنام كل شيء أعلاه "ثم حج مبرور" قال في النهاية: الحج المبرور هو الذي لا يخالطه شيء من المآثم، وقيل هو: المقبول المقابل بالبر وهو الثواب، يقال بر حجه وبر حجه وبر الله حجه وأبره براً بالكسر وأبراراً انتهى.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان والنسائي

(5/299)


23ـ باب
1710ـ حدثنا قُتَيْبَةُ حدثنا جَعْفَرُ بنُ سُلَيْمَانَ الضّبَعِيّ عن أبي عِمْرَانَ الْجَوْنِيّ عن أبي بَكْرِ بنِ أبي مُوسَى الأَشْعَرِيّ قالَ: سَمِعْتُ أبِي بِحَضْرَةِ العَدُوّ يقولُ: قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: " إنّ أبْوَابَ الْجَنّةِ تَحْتَ ظِلاَلِ السّيُوفِ" ، فقالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ رَثّ الْهَيْئَةِ: أأنْتَ سَمِعْتَ هذا من رَسولِ الله صلى الله عليه وسلم يَذْكُرُه؟ قالَ: نَعَمْ، فَرَجَعَ إلى أصْحَابِهِ فقالَ: أَقْرَأ عَلَيْكُمُ السّلاَمَ، وَكَسَرَ جَفْنَ سَيْفِهِ فَضَرَبَ بهِ حتى قُتِلَ".
هذا حديثٌ صحيح غريبٌ لا نَعْرِفُهُ إلاّ مِنْ حديثِ جَعْفَرِ بنِ سُلَيْمانَ
ـــــــ
"باب"
قوله: "بحضرة العدو" قال النووي: هو بفتح الحاء وضمها وكسرها ثلاث لغات، ويقال أيضاً بحضر الفتح الحاء والضاد بحذف الهاء انتهى "أن أبواب الجنة تحت ظلال السيوف" قال النووي في شرح مسلم: قال العلماء معناه أن الجهاد وحضور معركة القتال طريق إلى الجنة وسبب لدخولها. وقال المناوي: هو كناية عن الدنو من العدو في الحرب بحيث تعلوه السيوف بحيث يصير ظلها عليه يعني الجهاد طريق إلى الوصول إلى أبوابها بسرعة، والقصد الحث على الجهاد "رث الهيئة" قال في النهاية: متاع رث أي خلق بال "فرجع" أي الرجل "إلى أصحابه" أي من أهل رحله "قال أقرأ عليكم السلام" أي سلام مودع "وكسر جفن سيفه" هو بفتح الجيم وإسكان الفاء وبالنون: وهو غمده "فضرب به حتى قتل" وفي رواية مسلم: ثم كسر جفن سيفه فألقاه ثم مشى بسيفه إلى العدو فضرب به حتى قتل.
قوله: "هذا حديث حسن غريب" وأخرجه أحمد ومسلم.

(5/300)


وأبو عِمْرَانَ الْجَوْنِيّ اسْمُهُ عبدُ المَلِكِ بنُ حَبِيبٍ. وأبو بَكْرِ بن أبي مُوسَى قالَ أحمدُ بنُ حَنْبلٍ هُوَ اسْمُهُ.
ـــــــ
قوله: "هو اسمه" يعني اسمه كنيته

(5/301)


باب ماجاء أي الناس أفضل
...
24ـ باب ما جاءَ أيّ النّاسِ أفْضَل
1711ـ حدثنا أبو عَمّارٍ حدثنا الوَلِيدُ بنُ مُسْلِمٍ عن الأوْزَاعِيّ حدثنا الزّهْرِيّ عَنْ عَطَاءِ بنِ يَزِيدَ اللّيْثِيّ عَنْ أبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ قالَ: "سُئِلَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أيّ النّاسِ أفْضَلُ؟ قالَ: رَجُلٌ يُجَاهِدُ في سَبِيلِ الله ، قالوا: ثُمّ مَنْ؟ قالَ: ثم مُؤْمِنٌ في شِعْبٍ مِنَ الشّعَابِ يَتّقِي رَبّهُ وَيَدَعُ النّاسَ منْ شَرّهِ ".
ـــــــ
"باب ما جاءَ أيّ النّاسِ أفْضَل"
قوله: "أي الناس أفضل؟" قال القاضي: هذا عام مخصوص وتقديره: هذا من أفضل الناس، وإلا فالعلماء أفضل وكذا الصديقون كما جاءت به الأحاديث "رجل" وفي رواية الشيخين: مؤمن بدل رجل، قال الحافظ: وكان المراد بالمؤمن من قام بما تعين عليه القيام به ثم حصل هذه الفضيلة، وليس المراد من اقتصر على الجهاد وأهمل الواجبات العينية، وحينئذ يظهر فضل المجاهدات لما فيه من بذل نفسه وماله لله تعالى، ولما فيه من النفع المتعدي، وإنما كان المؤمن المعتزل يتلوه في الفضيلة لأن الذي يخالط الناس لا يسلم من ارتكاب الآثام فقد لا يفي هذا بهذا وهو مقيد بوقوع الفتن انتهى "يجاهد في سبيل الله" زاد الشيخان: بنفسه وماله "ثم مؤمن" وفي رواية لمسلم: ثم رجل معتزل "في شعب من الشعاب" قال النووي: الشعب ما انفرج بين الجبلين وليس المراد نفس الشعب بل المراد الانفراد والاعتزال وذكر الشعب مثالاً لأنه خال عن الناس غالباً. قال الحافظ: وفي الحديث فضل الانفراد لما فيه من السلامة من الغيبة واللغو ونحو ذلك، وأما اعتزال الناس

(5/301)


هذا حديثٌ صحيحٌ.
ـــــــ
أصلاً فقال الجمهور: محل ذلك عند وقوع الفتن كما سيأتي بسطه في الفتن، ويؤيد ذلك رواية بعجة بن عبد الله عن أبي هريرة مرفوعاً: "يأتي على الناس زمان يكون خير الناس فيه منزلة من أخذ بعنان فرسه في سبيل الله يطلب الموت في مظانه، ورجل في شعب من هذه الشعاب يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ويدع الناس إلا من خير" . أخرجه مسلم وابن حبان من طريق أسامة بن زيد الليثي عن بعجة. قال ابن عبد البر: إنما وردت هذه الأحاديث بذكر الشعب والجبل لأن ذلك في الأغلب يكون خالياً من الناس، فكل موضع يبعد عن الناس فهو داخل في هذا المعنى انتهى "يتقي ربه" أي يخافه فيما أمر ونهى "ويدع" أي يترك "الناس من شره" فلا يخاصمهم ولا ينازعهم في شيء.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه أحمد والشيخان وأبو داود والنسائي وابن ماجه والحاكم بإسناد على شرطهما ولفظه قال: عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل أي المؤمنين أكمل إيماناً؟ قال "الذي يجاهد بنفسه وماله، ورجل يبعد الله في شعب من الشعب وقد كفى الناس شره" . كذا في الترغيب

(5/302)


25ـ باب
1712ـ حدثنا عبدُ الله بنُ عبدِ الرحمَنِ حدثنا نُعَيْمُ بنُ حَمّادٍ حدثنا بَقِيّةُ بنُ الوَلِيدِ عن بَجيرِ بنِ سَعِدٍ عن خَالِدِ بنِ مَعْدَانَ عن المِقْدَامِ بنِ
ـــــــ
"باب"
"حدثنا نعيم بن حماد" بن معاوية بن الحارث الخزاعي أبو عبد الله المروزي نزيل مصر، صدوق يخطيء كثيراً أففيه عارف بالفرائض من العاشرة، وقد تتبع ابن عدي ما أخطأ فيه وقال: باقي حديثه مستقيم، كذا في التقريب "عن بحير" بكسر المهملة "بن سعيد" السحولي كنيته أبو خالد الحمصي ثقة ثبت من السادسة، وقد وقع في النسخة الأحمدية المطبوعة عن بحير بن سعد وهو غلط، فإنه ليس في الرجال من اسمه بحير بن سعد.

(5/302)


مَعْدِ يكَرِبَ قال: قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "للشّهِيدِ عندَ الله سِتّ خِصَالٍ: يُغْفَرُ لَهُ في أَوّلِ دُفْعَةٍ ويرَى مَقْعَدَهُ مِنَ الْجَنّةِ، ويُجَارُ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ، وَيَأْمَنُ مِنَ الفَزَعِ الأكْبَرِ، وَيُوضَعُ على رأْسِهِ تَاجُ الوَقَارِ، اليَاقُوتَةُ منها خَيْرٌ مِنَ الدّنْيَا وما فيها، ويُزَوّجُ اثْنَتَيْنِ وسْبعِينَ زَوْجَةً مِنَ الْحُورِ "الْعِينِ" ، وَيُشَفّعُ في سَبْعِينَ مِنْ أقَارِبِهِ" .
ـــــــ
قوله: "للشهيد عند الله ست خصال" لا يوجد مجموعها لأحد غيره "يغفر له" بصيغة المجهول "في أول دفعة" بضم الدال المهملة وسكوت الفاء هي الدفقة من الدم وغيره قاله المنذري: أي تمحي ذنوبه في أول صبة من دمه. وقال في اللمعات: الدفعة بالفتح المرة من الدفع، وبالضم الدفعة من المطر، والرواية في الحديث بوجهين وبالضم أظهر أي يغفر للشهيد في أول صبة من دمه "ويرى" بضم أوله على أنه من الإراءة ويفتح "مقعده" منصوب على أنه مفعول ثان والمفعول الأول نائب الفاعل أو على أنه مفعول به وفاعله مستكن في يرى وقوله "من الجنة" متعلق به. قال القاري: وينبغي أن يحمل قوله "ويرى مقعده" على أنه عطف تفسير لقوله يغفر له لئلا يزيد الخصال على ست، ولئلا يلزم التكرار في قوله "ويجار من عذاب القبر" أي يحفظ ويؤمن إذ الإجارة مندرجة في المغفرة إذا حملت على ظاهرها روى "يأمن من الفزع الأكبر" قال القاري: فيه إشارة إلى قوله تعالى: {لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ} قيل هو عذاب النار، وقيل العرض عليها، وقيل هو وقت يؤمر أهل النار بدخولها، وقيل ذبح الموت فييأس الكفار من التخلص من النار بالموت، وقيل وقت إطباق النار على الكفار، وقيل النفخة الأخيرة لقوله تعالى: {وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ} انتهى "ويوضع على رأسه تاج الوقار" أي تاج هو سبب العزة والعظمة. وفي النهاية: التاج ما يصاغ للملوك من الذهب والجواهر "الياقوتة منها" أي من التاج، والتأنيث باعتبار أنه علامة العز والشرف أو باعتبار أنه مجموع من الجواهر وغيرها "ويزوج" أي يعطي بطريق الزوجية "اثنتين وسبيعن زوجة" في التقييد بالثنتين والسبعين إشارة إلى أن المراد به التحديد

(5/303)


هذا حديث حسن صحيح غريب
1713-حدثنا محمد بن بشار حدثنا معاذ بن هشام حدثني أبي عن قتادة حدثنا أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ما من أحد من أهل الجنة يسره أن يرجع إلى الشهيد فإنه يحب أن يرجع إلى الدنيا يقول حتى أقتل عشر مرات في سبيل الله مما يرى مما أعطاه من الكرامة"
ـــــــ
لا التكثير، ويحمل على أن هذا أقل ما يعطي ولا مانع من التفضل بالزيادة عليها قاله القاري "من الحور العين" أي نساء الجنة، واحدتها حوراء وهي الشديدة بياض العين الشديدة سوادها، والعين جمع عيناء وهي الواسعة العين "ويشفع" بفتح الفاء المشددة على بناء المجهول أي يقبل شفاعته.
قوله: "هذا حديث صحيح غريب" وأخرجه ابن ماجه.
قوله: "غير الشهيد" قال النووي: اختلف في سبب تسميته شهيداً فقال النضر بن شميل لأنه حي فإن أرواحهم شهدت وحضرت دار السلام، وأرواح غيرهم إنما تشهدها يوم القيامة. وقال ابن الأنباري: إن الله تعالى وملائكته عليهم الصلاة والسلام يشهدون له بالجنة. وقيل لأنه شهد عند خروج روحه ما أعده الله تعالى من الثواب والكرامة. وقيل لأن ملائكة الرحمة يشهدونه فيأخذون روحه، وقيل لأنه شهد له بالإيمان وخاتمة الخير بظاهر حاله، وقيل لأنه ممن يشهد على الأمم يوم القيامة بإبلاغ الرسل الرسالة إليهم، وعلى هذا القول يشاركهم غيرهم في هذا الوصف انتهى "فإنه يحب أن يرجع إلى الدنيا يقول حتى أقتل عشر مرات" وفي رواية الشيخين: فإنه يتمنى أن يرجع إلى الدنيا فيقتل عشر مرات "مما يرى مما أعطاه الله من الكرامة" وفي رواية لمسلم: لما يرى من فضل الشهادة. قال ابن بطال: هذا الحديث أجل ما جاء في فضل الشهادة قال: وليس في أعمال البر ما تبذل فيه النفس غير الجهاد، فلذلك عظم فيه الثواب.

(5/304)


هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ.
1714- حدثنا محمد بن بشار حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن قتادة عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه بمعناه.
1715ـ حدثنا أبو بَكْرِ بنِ أبي النّضْرِ حدثنا أبو النّضْرِ البغدادي حدثنا عبدُ الرحمنِ بنُ عبدِ الله بنِ دِينَارٍ عن أبي حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بنِ سَعْدٍ أنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: "رِبَاطُ يَوْمٍ في سَبِيلِ الله خَيْرٌ مِنَ الدّنْيَا وَمَا فيْهَا، وموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها ولرّوْحَةُ يَرُوحُهَا العَبْدُ في سَبِيلِ الله أو لغَدْوَةُ خَيْرٌ مِنَ الدّنْيَا وَمَاعليها" .
1716ـ حدثنا ابنُ أبي عُمَرَ حدثنا سُفْيَانُ بن عينية حدثنا محمدُ بنُ المُنْكَدِرِ قال: مَرّ سَلْمَانُ الفَارِسِيّ بشُرَحْبِيلَ بنِ السّمْطِ وهو في مُرَابَطٍ لَهُ وقد شقّ
ـــــــ
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان.
قوله: "رباط يوم" أي ارتباط الخيل في الثغر والمقام فيه. قال في النهاية: الرباط في الأصل الإقامة على جهاد العدو بالحرب، وارتباط الخيل وإعدادها، والمرابطة أن يربط الفريقان خيولهم في ثغر كل منهما معد لصحابه، فسمى المقام في الثغور رباطاً، فيكون الرباط مصدر رابطت أي لازمت انتهى.
قوله: "هذا حديث صحيح" وأخرجه البخاري ومسلم وغيرها، كذا في الترغيب. وقال المناوي: وهو من عزاه لمسلم.
قوله: "مر سلمان الفارسي" أبو عبد الله، ويقال له سلمان الخير، أصله من أصبهان، وقيل من رامهر مز، من أول مشاهده الخندق، مات سنة أربع وثلاثين، يقال بلغ ثلاثمائة سنة، كذا في التقريب. وقال في تهذيب التهذيب في ترجمته:

(5/305)


عليه وعلى أصْحَابِهِ، فقالَ:ألاَ أُحَدّثُكَ يا ابنَ السّمْط بِحَدِيثٍ سَمِعْتُهُ مِن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: بَلَى، قال:سَمِعْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقولُ: "رِبَاطُ يَوْمٍ في سَبِيلِ الله أفْضَلُ ورُبّمَا قَالَ خَيْرٌ مِنْ صِيَامِ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ، ومَنْ مَاتَ فِيهِ وُقِيَ فِتْنَةَ القَبْرِ، ونُمِيَ لَهُ عَمَلُهُ إلى يَوْمِ القيامةِ" .
ـــــــ
قال أبو عبد الله بن مندة وكان أدرك وصي عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام فيما قيل وعاش مائتين وخمسين سنة أو أكثر. وقال أبو الشيخ:سمعت جعفر ابن أحمد بن فارس يقول: سمعت العباس بن يزيد يقول لمحمد بن النعمان: أهل العلم يقولون: عاش سلمان ثلاث مائة وخمسين، فأما مائتين وخمسين فلا يشكون فيه. قال الحافظ: قد قرأت بخط أبي عبد الله الذهبي: رجعت عن القول بأنه قارب الثلاثمائة، أو زاد عليها وتبين لي أنه ما جاوز الثمانين، ولم يذكر مستنده في ذلك والعلم عند الله انتهى "بشرحبيل بن السمط" بكسر المهملة وسكون الميم الكندي الشامي، جزم ابن سعد بأن له وفادة ثم شهد القادسية وفتح حمص وعلم عليها لمعاوية، كذا في التقريب. وقال في تهذيب التهذيب: مختلف في صحبته.
قوله: "وهو في مرابط له" اسم ظرف من الرباط قوله: "وقد شق" أي صعب القيام فيه قوله: "رباط يوم" وفي رواية مسلم: يوم وليلة "وربما قال خير" أي مكان أفضل "من صيام شهر وقيامه" قال الحافظ في الفتح: قال ابن بزبزة: لا تعارض بين حديث سلمان: "رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه" ، وبين حديث عثمان: "رباط يوم في سبيل الله خير من ألف يوم فيما سواه من المنازل" ، لأنه يحمل على الإعلام بالزيادة في الثواب على الأول، أو باختلاف العاملين انتهى. "وفي فتنة القبر" أي مما يفتن المقبور به من ضغطة القبر والسؤال والتعذيب "ونمى" ضبط في النسخة الأحمدية بضم النون وكسر الميم بصيغة المجهول، والظاهر أن يكون بفتح النون والميم على البناء للفاعل فإنه لازم. قال في الصراح: نمو بضمتين كواليدن يعني نمو كردن وباليدن نبات وحيوان. وقال في القاموس: نما ينمو نمواً زاد كنما ينمى ونمياً ونماء انتهى "له عمله إلى يوم القيامة" يعني أن ثوابه مجرى له دائماً ولا ينقطع بموته، وفي رواية مسلم: جرى عليه عمله الذي كان يعمله

(5/306)


هذا حديثٌ حسنٌ.
1717ـ حدثنا عليّ بنُ حُجْرٍ حدثنا الوَليدُ بنُ مُسْلِمٍ عن إسماعيلَ بن رَافِعٍ عن سُمّي عن أبي صَالحٍ عن أبي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ لَقِيَ الله بِغَيْرِ أثَرٍ مِنْ جِهَادٍ لَقِيَ الله وفِيهِ ثُلْمَةٌ" .
ـــــــ
وأجرى عليه رزقه وأمن من الفتان. قال النووي: هذه فضيلة ظاهرة للمرابط: وجريان عمله عليه بعد موته فضيلة مختصة به، لا يشاركه فيها أحد، وقد جاء صريحاً في غير مسلم: "كل ميت يختم عليه عمله إلا المرابط فإنه ينمى له عمله إلى يوم القيامة" انتهى.
"هذا حديث حسن" وأخرجه أحمد ومسلم والنسائي وابن حبان والطبراني وفي سند الترمذي انقطاع كما صرح به الترمذي فيما بعد.
قوله: "عن إسماعيل بن رافع" بن عويمر الأنصاري المدني نزيل البصرة يكنى أبا رافع ضعيف الحفظ من السابعة "عن سمى" بصيغة التصغير مولى أبي بكر ابن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ثقة من السادسة.
قوله: "من لقي الله بغير أثر من جهاد" قال القاري في المرقاة: الأثر بفتحتين ما بقي من الشيء دالاً عليه، قاله القاضي، والمراد هنا العلامة أي من مات بغير علامة من علامات الغزو من جراحه أو غبار طريق أو تعب بدن أو صرف مال أو تهيئة أسباب وتهبه أسلحة انتهى "لقي الله" أي جاء يوم القيامة "وفيه ثلمة" بضم المثلثة وسكون اللام أي خلل ونقصان بالنسبة إلى كمال سعادة الشهادة ومجاهدة المجاهدة، ويمكن أن يكون الحديث مقيداً بمن فرض عليه الجهاد ومات من غير الشروع في تهيئة الأسباب الموصلة إلى المراد، قاله القاري وقال المناوي: قبل وذا خاص بزمن النبي صلى الله عليه وسلم. وقال الطيبي: قوله: "من جهاد" صفة أثر وهي نكرة في سياق النفي فتعم كل جهاد مع العدو والنفس والشيطان، وكذلك الأثر بحسب اختلاف المجاهدة، قال تعالى: {سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ} والثلمة ههنا مستعارة للنقصان وأصلها أن تسعتمل في نحو الجدار، ولما شبه الإسلام

(5/307)


هذا حديثٌ غريبٌ مِنْ حديثِ الوَلِيدِ بن مُسْلِمٍ عن إسماعيلَ بنِ رَافِعٍ. وإسماعيلُ بنُ رَافِعٍ قد ضَعّفَهُ بَعْضُ أصحاب الحديثِ. قال وَسَمِعْتُ محمداً يَقُولُ: هُوَ ثِقَةٌ مُقَارِبُ الحدِيثِ.
وقد رُوِيَ هذا الحديثُ مِنْ غَيْرِ هذا الوجْهِ عن أبي هُرَيْرَةَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم. وحديثُ سَلْمَانَ إسْنَادُهُ لَيْسَ بِمُتّصِلٍ. محمدُ بنُ المُنْكَدِرِ لَمْ يُدْرِكْ سَلْمَانَ الفَارِسِيّ.
وقد رُوِيَ هذا الحديثُ عن أيّوبَ بنِ مُوسَى عن مَكْحُولٍ عن شُرَحْبِيلَ بنِ السّمْطِ عن سَلْمَانَ عنِ النبيّ صلى الله عليه وسلم.
1718ـ حدثنا الحسَنُ بنُ عليّ الْخَلاّلُ حدثنا هِشَامُ بنُ عبدِ المَلِكِ حدثنا اللّيْثُ بنُ سَعْدٍ حدثني أبو عَقِيْلٍ زُهْرَةُ بنُ مَعْبَدٍ عَنْ أبي صَالِحٍ مَوْلَى
ـــــــ
بالبناء في قوله: بني الإسلام على خمس، جعل كل خلل فيه ونقصان ثلمة على سبيل الترشيح، وهذا أيضاً يدل على العموم انتهى.
قوله: "هذا حديث غريب الخ" وأخرجه ابن معاوية والحاكم "وسمعت محمداً" يعني البخاري "يقول هو ثقة مقارب الحديث" قد تقدم معنى مقارب الحديث وضبطه في المقدمة "وقد روى هذا الحديث عن أيوب بن موسى" بن عمرو بن سعيد بن العاص كنيته أبو موسى المكي الأموي ثقة من السادسة "عن مكحول عن شرحبيل بن السمط عن سلمان عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه" أخرجه مسلم في صحيحه بهذا السند.
قوله: "حدثنا هشام بن عبد الملك" مولاهم أبو الوليد الطيالسي البصري ثقة ثبت من التاسعة "حدثنا الليث بن سعد" بن عبد الرحمن الفهمي أبو الحارث المصري ثقة ثبت فقيه إمام مشهور من السابعة "حدثني أبو عقيل" بالفتح "زهرة"

(5/308)


عثمانَ بن عفان، قال: سَمِعْتُ عثمانَ وهُوَ على المِنْبَرِ يقولُ: إني كَتَمْتُكُمْ حديثاً سَمِعْتُهُ مِن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم كَرَاهِيَةَ تَفَرّقِكُمْ عَنّي ثم بَدَا لِي أنْ أُحَدّثَكُمُوهُ لِيَخْتَارَ امْرُؤٌ لِنَفْسِهِ مَا بَدَا لَهُ، سَمِعْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقولُ: "رِبَاطُ يَوْمٍ في سَبِيلِ الله خَيْرٌ مِنْ ألْفِ يَوْمٍ في ما سِوَاهُ مِنَ المَنَازِلِ" .
ـــــــ
بضم الزاء وسكون الراء "بن معبد" بفتح الميم وسكون العين المهملة وفتح الموحدة بن عبد الله بن هشام القرشي التيمي المدني نزيل مصر ثقة عابد من الرابعة "عن أبي صالح مولى عثمان بن عفان" مقبول من الثالثة اسمه الحارث ويقال تركان بمثناة أوله ثم راء ساكنة، قاله في التقريب، وقال في تهذيب التهذيب: ذكره ابن حبان في الثقات. وقال العجلي: روى عنه زهرة بن معبد والمصريون ثقة انتهى.
قوله: "كراهية تفرقكم عني" أي مخافة أن تتفرقوا عني وتذهبوا إلى الثغور للرباط بعد سماع الحديث لما فيه من الفضيلة العظيمة "ثم بدا لي" أي ظهر لي "خير من ألف يوم فيما سواه" أي فيما سوى الرباط أو فيما سوى سبيل الله، فإن السبيل يذكر ويؤنث "من المنازل" قال القاري: وخص منه المجاهد في المعركة بدليل منفصل عقلي ونقلي وهو لا ينافي الرباط بانتظار الصلاة بعد الصلاة في المساجد، وقوله صلى الله عليه وسلم: فذلكم الرباط فذلكم الرباط، لأنه رباط دون رباط بل هو مشبه بالرباط للجهاد فإنه الأصل فيه، أو هذا رباط الجهاد الأكبر كما أن ذاك رباط للجهاد الأصغر تفسير لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا} فإن الرباط الجهادي قد فهم مما قبله كما لا يخفي. وقال الطيبي: فإن قلت: هو جمع محلى بلام الاستغراق فيلزم أن يكون المرابط أفضل من المجاهد في المعركة ومن انتظار الصلاة بعد الصلاة في المسجد وقد قال فيه فذلكم الرباط فذلكم الرباط وقد شرحنا ثمة، قلت: هذا في حق من فرض عليه المرابطة وتعين بنصب الإمام. قال القاري في الفرض العين لا يقاتل إنه خير من غيره لأنه متعين لا يتصور خلافه إذ اشتغاله بغيره معصية انتهى.

(5/309)


هذا حديثٌ حسنٌ صحيح غريب.
وقال محمد بن اسماعيل: أبو صَالحٍ مَوْلَى عُثمانَ اسْمُه برْكَانُ.
1719 ـ حدثنا محمدُ بنُ بَشّارٍ و أحمدُ بنُ نَصْرٍ النّيْسَابُورِيّ وغَيْرُ وَاحِدٍ قالوا: حدثنا صَفْوَانُ بنُ عِيسَى حدثنا محمدُ بنُ عَجْلاَنَ عن القَعْقَاعِ بنِ حَكِيمٍ عن أبي صَالحٍ عن أبي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "ما يَجِدُ الشّهِيدُ مِنْ مَسّ القَتْلِ إلاّ كَمَا يَجِدُ أحَدُكُمْ مِنْ مَسّ القَرْصَةِ" .
هذا حديثٌ حسنٌ صحيح غريبٌ.
1720ـ حدثنا زِيَادُ بنُ أيّوبَ حدثنا يَزِيدُ بنُ هَارُونَ أنبأنا الوَلِيدُ بنُ جَمِيلٍ الفلسطينيّ عن القَاسِمِ أبي عبدِ الرحمَنِ عن أبي أُمَامَةَ عن النبيّ صلى الله عليه
ـــــــ
قوله: "هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه" وأخرجه أحمد والنسائي وابن ماجه.
قوله: "وأحمد بن نصر" بن زياد "النيسابوري" الزاهد المقري أبو عبد الله بن أبي جعفر ثقة ففيه حافظ من الحادية عشرة "حدثنا صفوان بن عيسى" الزهري أبو محمد البصري القسام ثقة من التاسعة.
قوله: "من مس القتل" وفي رواية: ألم القتل "من مس القرصة" وفي رواية: ألم القرصة، وهي بفتح القاف وسكون الراء هي المرة من القرص، قال في القاموس: القرص أخذك لحم إنسان بأصبعيك حتى تؤلمه ولسع البراغيث انتهى. وذا تسلية لهم عن هذا الخطب المهول.
قوله: "هذا حديث حسن غريب صحيح" وأخرجه النسائي وابن ماجه والدارمي وابن حبان في صحيحه ورواه الطبراني في الأوسط عن أبي قتادة.
قوله: "حدثنا الوليد بن جميل" الفلسطيني أبو الحجاج صدوق يخطي من السادسة.

(5/310)


وسلم قال: "لَيْسَ شَيْءٌ أحَبّ إلى الله مِنْ قَطْرَتَيْنِ وأثَرَيْنِ:قَطْرَة من دُمُوعٍ في خَشْيَةِ الله، وقَطْرَة دمٍ تُهْرَاقُ في سَبيلِ الله، وأمّا الأثَرَانِ فَأَثَرٌ في سَبيلِ الله وأثَرٌ في فَرِيضَةٍ مِنْ فَرَائِضِ الله" .
قال هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ.
ـــــــ
وله: "قطرة دموع" بحرها على البدل ويجوز رفعها ونصبها أي قطرة بكاء حاصلة "من خشية الله" أي من شدة خوفه وعظمته المورثة لمحبته "قطرة دم تهراق" بصيغة المجهول وسكون الهاء ويفتح وهو بصيغة التأنيث على أنه صفة قطرة "في سبيل الله" وهو بعمومه يشمل الجهاد وغيره من سبيل الخير، ولعل وجه إفراد الدم وجمع الدموع أن الدمع غالباً يتقاطر ويتكاثر بخلاف الدم. وقال الطيبي: المراد بقطرة الدموع قطراتها فلما أضيفت إلى الجمع أفردت ثقة بذهن السامع، وفي إفراد الدم وجمع الدموع إيذان بتفضيل إهراق الدم في سبيل الله على تقاطر الدمع بكاء انتهى. ولما كان ما سبق في قوة قوله: فأما القطرتان فكذا وكذا عطف عليه وقال "وأما الأثران فأثر في سبيل الله" كخطوة أو غبار أو جراحة في الجهاد أو سواد حبر في طلب العلم "وأثر في فريضة من فرائض الله" كإشقاق اليد والرجل من أثر الوضوء في البرد وبقاء بلل الوضوء، واحتراق الجبهة من حر الرمضاء التي يسجد عليها، وخلوف فمه في الصوم واغبرار قدمه في الحج.
قوله: "هذا حديث حسن غريب" وأخرجه الضباء المقدسي

(5/311)