Contents

الواجهة
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد
مقدمة
باب الألف
باب الثاء
باب الجيم
باب الحاء
باب الخاء
باب الدال
باب الراء
باب الزاي
تابع باب الزاء
تابع لحرف الزاء
تابع لحرف الزاء
باب الطاء
باب الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع حرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
باب النون
باب الصاد
باب الضاد
باب العين
تابع لحرف العين
تابع حرف العين
تابع لحرف العين
تابع لحرف العين
باب القاف
باب السين
باب الشين
باب الهاء
باب الواو
باب الياء
تابع باب الياء
باب الكني
باب بلاغات مالك ومرسلاته
باب مافي هذا الديوان من حديث مالك الذي ثبتت عليه أبوابه خاصة
الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج
الديباج - جزء 1
الديباج - جزء 2
الديباج - جزء 3
الديباج - جزء 4
الديباج - جزء 5
الديباج - جزء 6
المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج
المنهاج - مقدمة
المنهاج - الإيمان
المنهاج - الطهارة
المنهاج - الحيض
المنهاج - الصَّلَاة
المنهاج - المساجد ومواضع الصلاة
المنهاج - صلاة المسافرين وقصرها
المنهاج - بَاب صَلَاة الْجُمُعَة
المنهاج - بَاب صَلَاة الْعِيدَيْنِ
المنهاج - بَاب الدُّعَاء فِي صَلَاة الِاسْتِسْقَاء
المنهاج - بَاب صَلَاة الْكُسُوف
المنهاج - كِتَاب الْجَنَائِز
المنهاج - الزكاة
المنهاج - كِتَاب الصِّيَام
المنهاج - كِتَاب الِاعْتِكَاف
المنهاج - كِتَاب الْحَجّ
المنهاج - كِتَاب النِّكَاح
المنهاج - الرضاعة
المنهاج - الطلاق
المنهاج - اللِّعَان
المنهاج - العتق
المنهاج - البيوع
المنهاج - المساقاة
المنهاج - الفرائض
المنهاج - الهبات
المنهاج - الوصية
المنهاج - النذر
المنهاج - الأيمان
المنهاج - القسامة
المنهاج - الحدود
المنهاج - الأقضية
المنهاج - اللقطة
المنهاج - الجهاد والسير
المنهاج - الإمارة
المنهاج - الصيد والذبائح
المنهاج - كِتَاب الْأَضْاحَي
المنهاج - الأشربة
المنهاج - اللباس والزينة
المنهاج - الآداب
المنهاج - السلام
المنهاج - الألفاظ من الأدب وغيرها
المنهاج - الشعر
المنهاج - الرؤيا
المنهاج - الفضائل
المنهاج - فضائل الصحابة
المنهاج - البر والصلة والآداب
المنهاج - القدر
المنهاج - العلم
المنهاج - الذكر والدعاء
المنهاج - التوبة
المنهاج - صفات المنافقين
المنهاج - صفة القيامة والجنة والنار
المنهاج - الجنة وصفة نعيمها وأهلها
المنهاج - الفتن وأشراط الساعة
المنهاج - الزهد والرقائق
المنهاج - التفسير
تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي
أبواب الطهارة
أبواب الصلاة
تابع أبواب الصلاة
أبواب الوتر
أبواب الجمعة
تابع لأبواب الجمعة
أبواب العيدين
أبواب السفر
ابواب الزكاة
أبواب الصوم
أبواب الحج
تابع أبواب الحج
أبواب الجنائز
أبواب النكاح
أبواب الرضاع
أبواب الطلاق واللعان
ابواب البيوع
أبواب الأحكام
أبواب الديات
ابواب الحدود
تابع أبواب الحدود
أبواب الصيد
أبواب الأضاحي
أبواب النذور والأيمان
أبواب السير
أبواب الجهاد
أبواب اللباس
أبواب الأطعمة
أبواب الأشربة
تابع أبواب الأشربة
أبواب البر و الصله عن رسول الله صلى الله عليه و آله سلم
أبواب الطب عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الفرائض عن الرسول صلى الله عليه و سلم
أبواب الوصايا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الولاء و الهبة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب القدر عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم
أبواب الفتن عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الرؤيا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الشهادات عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
تابع لأبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صِفَةُ القِيامَة
أبواب صفة الجنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صفة جهنم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإيمان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب العلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإستئذان والآداب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب العلم
أبواب الأمثال
أبواب فضائل القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب القراءات عن رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم
أبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الدعوات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أحاديث شتى من أبواب الدعوات
المناقب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
مناقب الصحابة رضوان الله عليهم
تنوير الحوالك شرح موطأ مالك
كتاب وقوت الصلاة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب السهو
كتاب الجمعة
كتاب الصلاة في رمضان
كتاب صلاة الليل
كتاب صلاة الجماعة
كتاب قصر الصلاة في السفر
كتاب العيدين
كتاب صلاة الخوف
كتاب صلاة الكسوف
كتاب الاستسقاء
كتاب القبلة
كتاب القرآن
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب الجهاد
كتاب النذور و الأيمان
كتاب الضحايا
كتاب الذبائح
كتاب الصيد
كتاب العقيقة
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الرضاع
كتاب البيوع
كتاب القراض
كتاب المساقاة - كتاب كراء الأرض
كتاب الشفعة - كتاب الأقضية
كتاب الوصية - كتاب العتق والولاء
كتاب المكاتب - كتاب المدبر
كتاب الحدود
كتاب الأشربة - كتاب العقول
كتاب القسامة - كتاب الجامع
كتاب القدر - كتاب حسن الخلق
كتاب اللباس - كتاب صفة النبي
كتاب العين - كتاب الشعر
كتاب الرؤيا - كتاب السلام
كتاب الاستئذان والتشميت والصور والتماثيل وغيرها
كتاب البيعة - كتاب الكلام والعينة والتقى
كتاب جهنم - كتاب الصدقة
كتاب العلم - كتاب دعوة المظلوم - كتاب أسماء النبي
حاشية السندي على سنن ابن ماجة
المقدمة
الطَّهَارَة وَسُنَنهَا
الصلاة
الْأَذَان
المساجد والجماعات
أَبْوَاب إِقَامَة الصَّلَاة
الجنائز
الصوم
الزكاة
النكاح
الطلاق
الكفارات
التجارات
الأحكام
الحدود
الديات
الوصايا
الْفَرَائِض
الجهاد
المناسك
الْأَضَاحِيّ
الذبائح
الصيد
الأطعمة
الأشربة
الطب
اللباس
الْآدَاب
الدُّعَاء
تعبير الرؤيا
الْفِتَن
الزُّهْد
شرح سنن ابن ماجه لمغلطاي
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح رياض الصالحين
شرح رياض الصالحين - 01
شرح رياض الصالحين - 02
شرح رياض الصالحين - 03
شرح رياض الصالحين - 04
شرح سنن أبي داود للعيني
مقدمة التحقيق
كتاب الطهارة
كِتابُ الصَلاَةِ
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
عون المعبود شرح سنن أبي داود
كتاب الطهارة
تابع كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
كتاب الزكاة
تابع لكتاب الزكاة
كتاب اللقطة
كتاب المناسك
تابع لكتاب المناسك
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الصيام
تابع لكتاب الصيام
أول كتاب الجهاد
أول كتاب الضحايا
تابع كتاب الضحايا
أول كتاب الصيد
أول كتاب الوصايا
أول كتاب الفرائض
أول كتاب الخراج والفيء والإمارة
أول كتاب الجنائز
تابع لكتاب الجنائز
كتاب الأيمان والنذور
كتاب البيوع
كتاب الإجارة
كتاب القضاء
تابع لكتاب القضاء
كتاب العلم
كتاب الأشربة
كتاب الأطعمة
كتاب الطب
كتاب الكهانة والتطير
كتاب العتق
أول كتاب الحروف والقراءات
أول كتاب الحمام
أول كتاب اللباس
أول كتاب الترجل
أول كتاب الخاتم
أول كتاب الفتن والملاحم
أول كتاب المهدي
أول كتاب الملاحم
أول كتاب الحدود
أول كتاب الديات
أول كتاب السنة
تابع لكتاب السنة
أول كتاب الأدب
أبواب السلام
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن حجر
فتح الباري - هدي الساري مقدمة فتح الباري
فتح الباري - كتاب بدء الوحي
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب العلم
فتح الباري - كتاب الوضوء
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
فتح الباري - كتاب مواقيت الصلاة
فتح الباري - كتاب الأذان
فتح الباري - كتاب الجمعة
فتح الباري - كتاب الخوف
فتح الباري - كتاب العيدين
فتح الباري - كتاب الوتر
فتح الباري - كتاب الاستسقاء
فتح الباري - كتاب الكسوف
فتح الباري - كتاب سجود القرآن
فتح الباري - كتاب تقصير الصلاة
فتح الباري - كتاب التهجد
فتح الباري - كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة
فتح الباري - كتاب العمل في الصلاة
فتح الباري - كتاب السهو
فتح الباري - كتاب الجنائز
فتح الباري - كتاب الزكاة
فتح الباري - كتاب الحج
فتح الباري - كتاب العمرة
فتح الباري - كتاب المحصر
فتح الباري - كتاب جزاء الصيد
فتح الباري - كتاب فضائل المدينة
فتح الباري - كتاب الصوم
فتح الباري - كتاب صلاة التراويح
فتح الباري - كتاب فضل ليلة القدر
فتح الباري - كتاب الإعتكاف
فتح الباري - كتاب البيوع
فتح الباري - كتاب السلم
فتح الباري - كتاب الشفعة
فتح الباري - كتاب الإجارة
فتح الباري - كتاب الحرث والمزارعة
فتح الباري - كتاب المساقاة
فتح الباري - كتاب الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس
فتح الباري - كتاب الخصومات
فتح الباري - كتاب اللقطة
فتح الباري - كتاب المظالم
فتح الباري - كتاب الشركة
فتح الباري - كتاب الرهن
فتح الباري - كتاب العتق
فتح الباري - كتاب المكاتب
فتح الباري - كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها
فتح الباري - كتاب الشهادات
فتح الباري - كتاب الصلح
فتح الباري - كتاب الشروط
فتح الباري - كتاب الوصايا
فتح الباري - كتاب الجهاد و السير
فتح الباري - كتاب فرض الخمس
فتح الباري - كتاب الجزية و الموادعة
فتح الباري - كتاب بدء الخلق
فتح الباري - كتاب أحاديث الأنبياء
فتح الباري - كتاب المناقب
فتح الباري - كتاب فضائل الصحابة
فتح الباري - كتاب مناقب الأنصار
فتح الباري - كتاب المغازي
فتح الباري - كتاب التفسير
فتح الباري - كتاب فضائل القرآن
فتح الباري - كتاب النكاح
فتح الباري - كتاب الطلاق
فتح الباري - كتاب النفقات
فتح الباري - كتاب الأطعمة
فتح الباري - كتاب العقيقة
فتح الباري - كتاب الذبائح والصيد
فتح الباري - كتاب الأضاحي
فتح الباري - كتاب الأشربة
فتح الباري - كتاب المرضى
فتح الباري - كتاب الطب
فتح الباري - كتاب اللباس
فتح الباري - كتاب الأدب
فتح الباري - كتاب الإستئذان
فتح الباري - كتاب الدعوات
فتح الباري - كتاب الرقاق
فتح الباري - كتاب القدر
فتح الباري - كتاب الأيمان والنذور
فتح الباري - كتاب كفارات الأيمان
فتح الباري - كتاب الفرائض
فتح الباري - كتاب الحدود
فتح الباري - كتاب الديات
فتح الباري - كتاب استتابة المرتدين
فتح الباري - كتاب الإكراه
فتح الباري - كتاب الحيل
فتح الباري - كتاب التعبير
فتح الباري - كتاب الفتن
فتح الباري - كتاب الأحكام
فتح الباري - كتاب التمني
فتح الباري - كتاب أخبار الأحاد
فتح الباري - كتاب الإعتصام بالسنة
فتح الباري - كتاب التوحيد
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن رجب
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
مقدمة
خطبة الكتاب
كتاب الإيمان
كتاب العلم
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصوم
كتاب فضائل القرآن
كتاب الدعوات
كتاب المناسك
كتاب البيوع
كتاب الفرائض والوصايا
كتاب النكاح
كتاب العتق
كتاب القصاص
كتاب الديات
كتاب الحدود
كتاب الإمارة والقضاء
كتاب الجهاد
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأطعمة
كتاب اللباس
كتاب الطب والرقى
كتاب الرؤيا
كتاب الآداب
كتاب الرقاق
كتاب الفتن
كتاب صفة القيامة والجنة والنار
كتاب الفضائل والشمائل
كتاب المناقب

 
عودة لموقع هاني الطنبور
هاني الطنبور
الصفحة السابقة الصفحة التالية
 
 

 

تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي

أبواب الجهاد
باب في أهل العذر في القعود
...
أبواب الجهاد
1ـ باب في الأهل العُذْرِ في القُعُود
1721ـ حدثنا نَصْرُ بنُ عليّ الْجَهْضَمِيّ حدثنا المُعْتَمِرُ بنُ سُلَيْمَانَ
ـــــــ
"أبواب الجهاد"
"باب في الأهل العُذْرِ في القُعُود"
المراد بالعذر ما هو أعم من المرض وعدم القدرة على السفر، وأما حديث

(5/311)


عن أبِيهِ عن أبي إسحاقَ عن البَرَاءِ بنِ عَازِبٍ أنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: "ائْتُونِي بالْكَتِفِ أو اللّوْحِ، فكَتَبَ: {لا يَسْتَوِي القَاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ} ، وَعَمْرُو بنُ أُمّ مَكْتُومٍ خَلْفَ ظَهْرِهِ، فقال: هَلْ لي من رُخْصَةٌ؟ فَنَزَلَتْ {غَيْرُ أُولِي الضّرَرِ} ".
ـــــــ
جابر عند مسلم بلفظ: حبسهم المرض فكأنه محمول على الأغلب.
قوله: "ايتوني بالكتف أو اللوح" الظاهر أن أو للتنويع، ويحتمل أن يكون للشك، وفي رواية للبخاري: ادعوا فلاناً فجاءه ومعه الدواة واللوح والكتف، وفي رواية مسلم: فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم زيداً فجاء بكتف. قال النووي: فيه جواز كتابه القرآن في الألواح والأكتاف، وفيه طهارة عظم المذكي وجواز الانتفاع به "فكتب" أي كتب بأمره، وفي حديث زيد بن ثابت: أملى عليه "هل لي وخصة" وفي حديث زيد عند البخاري: فجاءه ابن أم مكتوم وهو يملها علي قال يا رسول الله، والله لو أستطيع الجهاد لجاهدت وكان أعمى فنزلت {غَيْرُ أُولِي الضّرَرِ} قال النووي: قرئ غير بنصب الراء ورفعها قراءتان مشهورتان في السبع، قرأ نافع وابن عامر والكسائي بنصبها والباقون برفعها، وقرئ في الشاذ بجرها، فمن نصب فعلى الاستثناء، ومن رفع فوصف للقاعدين أو بد منهم، ومن جر فوصف للمؤمنين أو بدل منهم. وقال في قوله تعالى: {لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ} الآية دليل لسقوط الجهاد عن المعذورين، ولكن لا يكون ثوابهم ثواب المجاهدين بل لهم ثواب نياتهم إن كان لهم فيه صالحة كما قال صلى الله عليه وسلم: ولكن جهاد ونية، وفيه أن الجهاد فرض كفاية ليس بفرض عين، وفيه يرد على من يقول إنه كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم فرض عين وبعده فرض كفاية، والصحيح أنه لم يزل فرض كفاية من حين شرع، وهذه الآية ظاهرة في ذلك لقوله تعالى: {وَكُلّاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً} انتهى.

(5/312)


وفي البابِ عن ابنِ عَبّاسٍ وجَابرٍ وزَيْدِ بنِ ثَابِتٍ.
وهذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ وهو حديث غريبٌ مِنْ حَدِيثِ سُلَيْمانَ التّيْمِيّ عن أبي إسحاقَ.
وقد رَوَى شُعْبَةُ والثورِيّ عَنْ أبي إسحاقَ هذا الحديثَ.
ـــــــ
قوله: "وفي الباب عن ابن عباس وجابر وزيد بن ثابت" أما حديث ابن عباس فأخرجه البخاري وأخرجه الترمذي أيضاً في التفسير، وأما حديث جابر فأخرجه مسلم عنه قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزاة فقال: "إن بالمدينة لرجالاً ما سرتم مسيراً ولا قطعتم وادياً إلا كانوا معكم حبسهم المرض" ، وفي رواية: "إلا شركوكم في الأجر" ، وأخرجه أيضاً ابن ماجه وابن حبان وأبو عوانة: وأما حديث زيد فأخرجه الشيخان والترمذي في التفسير.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح غريب" وأخرجه أحمد والشيخان والنسائي وابن حبان والترمذي في التفسير "وقد روى شبعة والثوري عن أبي إسحاق هذا الحديث" ذكر الحافظ في الفتح أن ثمانية رجال رووا هذا الحديث عن أبي إسحاق

(5/313)


باب ماجاء فيمن خرج إلى الغزو وترك أبويه
...
2ـ باب ما جاءَ فِيمَنْ خَرَجَ إلى الغَزوِ وتَرَكَ أبَوَيْه
1722ـ حدثنا محمدُ بنُ بَشّارٍ، حدثنا يَحْيى بنُ سَعِيدٍ عن سُفْيَانَ و شُعْبَةَ عن حَبِيبٍ بنِ أبي ثَابِتٍ عن أبي العبّاسِ عنْ عبدِ الله بنِ عَمْرٍو قال: "جَاءَ رَجُلٌ إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم يَسْتَأْذِنُهُ في الْجِهَادِ، فقال: أَلَكَ
ـــــــ
"باب ما جاءَ فِيمَنْ خَرَجَ إلى الغَزوِ وتَرَكَ أبَوَيْه"
قوله: "جاء رجل" قال الحافظ: يحتمل أن يكون هو جاهمة بن العباس بن مرداس، فقد روى النسائي وأحمد من طريق معاوية بن جاهمة أن جاهمة جاء النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله أردت الغزو وجئت لأستشيرك، فقال:

(5/313)


وَالِدَانِ ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ ".
وفي البابِ عن ابنِ عَبّاسٍ.
ـــــــ
"هل لك من أم" ، قال: نعم، قال: " الزمها" ، الحديث. ورواه البيهقي من طريق ابن جريرج عن محمد بن طلحة بن ركانة عن معاوية بن جاهمة السلمي عن أبيه قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم أستأذنه في الجهاد فذكره انتهى "قال ففيهما" أي ففي خدمتهما "فجاهد" وفي رواية. فارجع إلى والديك فأحسن صبحتهما. قال الطيبي: فيهما متعلق بالأمر قدم للاختصاص والفاء الأولى جزاء شرط محذوف والثانية جزائية لتضمن الكلام معنى الشرط أي إذا كان الأمر كما قلت فاختص المجاهدة في خدمة الوالدين نحو قوله تعالى: {فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ} أي إذا لم يخلصوا إلى العبادة في أرض فاخلصوها في غيرها. فحذف الشرط وعوض منه تقديم المفعول المفيد، للاختصاص ضمناً، وقوله فجاهد جيء به مشاكلة، يعني حيث قال فجاهد في موضع فاخدمهما، لأن الكلام في الجهاد، ويمكن أن يكون الجهاد بالمعنى الأعم الشامل للأكبر والأصغر. قال تعالى {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} انتهى. وقال العيني في العمدة قوله: ففيهما فجاهد، أي ففي الوالدين فجاهد، الجار والمجرور متعلق بمقدر وهو جاهد، ولفظ جاهد المذكور مفسر له لأن ما بعد الفاء الجزائية لا يعمل فيها قبلها، ومعنها خصصهما بالجهاد، وهذا كلام ليس ظاهره مراداً، لأن ظاهر الجهاد إيصال الضرر للغير، وإنما المراد إيصال القدر المشترك من كلفة الجهاد وهو بذل المال وتعب البدن فيؤول المعنى إلى إبذال مالك واتعب بدنك في رضى والديك انتهى. وقال في شرح السنة: هذا في جهاد التطوع لا يخرج إلا بإذن الوالدين إذا كان مسلمين، فإن كان الجهاد فرضاً متعيناً فلا حاجة إلى إذنهما وإن معناه عصاهما وخرج، وإن كانا كافرين فيخرج بدون إذنهما فرضاً كان الجهاد أو تطوعاً، وكذلك لا يخرج إلى شيء من التطوعات كالحج والعمرة والزيارة ولا يصوم التطوع إذا كره الوالدان المسلمان أو أحدهما إلا بإذنهما انتهى.
قوله وفي الباب عن ابن عباس لينظر من أخرجه

(5/314)


وهذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وأبُو العَبّاسِ هُوَ الشّاعِرُ الأَعْمَى المَكّيّ، واسْمُهُ السّائِبُ بنُ فَرّوخ.
ـــــــ
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي "واسمه السائب بن فروخ" ثقة من الثالثة

(5/315)


باب ماجاء في الرجل يبعث سرية واحدة
...
3ـ باب ما جَاءَ في الرّجُلِ يُبْعَثُ وَحْدَهُ سريّة
1723ـ حدثنا محمدُ بنُ يَحْيى النيسابوري، حدثنا الْحَجّاجُ بنُ محمدٍ: حدثنا ابنُ جُرَيْجٍ في قوله: {أَطِيعُوا الله وَأَطِيعُوا الرّسُولَ وأُولِي الأمْرِ مِنْكُمْ} قال: عَبْدُ الله بنُ حُذَافَةَ بنِ قَيْسِ بنِ عَدِي السّهْمِيّ بَعَثَهُ رسولُ الله
ـــــــ
"باب ما جَاءَ في الرّجُلِ يُبْعَثُ وَحْدَهُ سريّة"
لا يظهر عنى هذه الترجمة إلا أن يقدر لفظ "على" قبل سرية، ويقال إن المراد أنه يجوز أن يبعث الرجل وحده أميراً على سرية، هذا ما عندي والله تعالى أعلم بمراد المصنف من هذه الترجمة. وقال في هامش النسخة الأحمدية: لا يناسب هذه الترجمة حديث الباب لأن عبد الله جعل أميراً وله قصة مذكورة في الأصول من أنه قال لرجال السرية: احرقوا أنفسكم إن كنتم تطيعون أولى الأمر فأبوا، لعل المراد بالبعث بعثه عقيب السرية وحده وجعله أميراً عليها والله أعلم، كذا بلغني عن شيخنا انتهى ما في هامش النسخة الأحمدية.
قوله: "حدثنا محمد بن يحيى" هو الإمام الذهلي.
قوله: "قال عبد الله بن حذافة بن قيس بن عدي السهمي: بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم على سرية" ضمير قال راجع إلى ابن جريج، وعبد الله بن حذافة مبتدأ وبعثه خبره، والضمير المنصوب لعبد الله بن حذافة أي قال ابن جريج إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث عبد الله بن حذافة على سرية، وفي رواية مسلم: قال ابن جريج: نزل { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} في عبد الله بن حذافة بن قيس بن عدي السهمي بعثه النبي صلى الله

(5/315)


صلى الله عليه وسلم على سَرِيّةٍ أَخْبَرَنِيهِ يَعْلَى بنُ مُسْلِمٍ عن سعِيدٍ بنِ جُبَيْر عن ابنِ عَبّاسٍ.
قال ابن عباس هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ لا نَعْرِفُهُ إِلا مِنْ حَدِيثِ ابنِ جُرَيْجٍ.
ـــــــ
عليه وسلم في سرية "أخبرنيه" هذا مقول ابن جريج "يعلى بن مسلم" بن هرمز المكي، أصله من البصرة، ثقة من السادسة.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه أحمد والشيخان.
تنبيهان: الأول ـ قال العلماء: المراد بأولى الأمر من أوجب الله طاعته من الولاة والأمراء، هذا قول جماهير السلف والخلف من المفسرين والفقهاء وغيرهم، وقيل هم العلماء، وقيل الأمراء والعلماء. وأما من قال الصحابة خاصة فقط فقد أخطأ، قاله النووي. وقال الحافظ: اختلف في المراد بأولى الأمر في الاَية. فعن أبي هريرة قال: هم الأمراء، أخرجه الطبري بإسناد صحيح، وأخرجه عن ميمون بن مهران وغيره نحوه، وعن جابر بن عبد الله قال: هم أهل العلم والخير، وعن مجاهد وعطاء والحسن وأبي العالية: هم العلماء، ومن وجه آخر أصح منه عن مجاهد قال: هم الصحابة. وهذا أخص، وعن عكرمة قال: أبو بكر وعمر، وهذا أخص من الذي قبله، ورجح الشافعي الأول واحتج له بأن قريشاً كانوا لا يعرفون الإمارة ولا ينقادون إلى أمير فأمروا بالطاعة لمن ولى الأمر، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: "من أطاع أميري فقد أطاعني" . م تفق عليه واختار الطبري حملها على العموم وإن نزلت في سبب خاص انتهى. وذكر العيني في شرح البخاري في تفسير قوله {وَأُولِي الْأَمْرِ} أحد عشر قولاً، وقال: الحادي عشر عام في كل من ولي أمر شيء وهو الصحيح، وإليه مال البخاري بقوله ذوي الأمر انتهى.
قلت: الصحيح عندي هو ما صححه العيني ومال إليه البخاري، من أن المراد بأولى الأمر كان من ولى أمر شيء، والدليل على ذلك أن واحد أولى "ذو" لأنها لا واحد لها من لفظها، ومعنى أولى الأمر ذوو الأمر، ومن الظاهر أن ذا الأمر لا يكون إلا من ولى أمر شيء وأما أهل العلم فهم أولو العلم لا أولو الأمر.

(5/316)


ـــــــ
الثاني: روى البخاري في صحيحه عن علي قال: بعث النبي صلى الله عليه وسلم سرية فاستعمل رجلاً من الأنصار وأمرهم أن يطيعوه فغضب، قال: أليس أمركم النبي صلى الله عليه وسلم أن تطيعوني؟ قالوا بلى، فاجمعوا لي حطباً فجمعوا فقال أوقدوا ناراً فأوقدوها فقال ادخلوها. فهموا وجعل بعضهم يمسك بعضاً ويقولون: فررنا إلى النبي صلى الله عليه وسلم من النار فما زالوا حتى خمدت النار فسكن غضبه، فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "لو دخلوها ما خرجوا منها إلى يوم القيامة، الطاعة في المعروف" . اختلف أهل العلم في هذا الرجل الذي استعمله رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال على السرية فقيل إنه عبد الله بن حذافة السهمي، قال النووي: وهذا ضعيف لأنه وقع في رواية أخرى أنه رجل من الأنصار فدل على أنه غيره انتهى. وقال ابن الجوزي قوله: من الأنصار، وهم من بعض الرواة وإنما هو سهمي، قال الحافظ: ويؤيده حديث ابن عباس عند أحمد في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} الآية نزلت في عبد الله ابن حذافة بن قيس بن عدي بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم في سرية انتهى

(5/317)


باب ماجاء في كراهية أن يسافر الرجل وحده
...
4ـ باب ما جاءَ في كَرَاهِيَةِ أنْ يُسَافِرَ الرّجُلُ وَحْدَه
1724ـ حدثنا أحمدُ بنُ عَبْدَةَ الضّبِيّ البَصْرِيّ، حدثنا سُفْيَانُ بن عيينة عن عاصِمِ بنِ محمدٍ عن أبيهِ عن ابنِ عُمَرَ أَنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: "لَوْ أَنّ النّاسَ يَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ مِنَ الْوحْدَةِ ما سَرَى رَاكِبٌ بِلَيْلٍ ـ يَعْنِي وَحْدَهُ" .
ـــــــ
"باب ما جاءَ في كَرَاهِيَةِ أنْ يُسَافِرَ الرّجُلُ وَحْدَه"
قوله: "عن عاصم بن محمد" بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب العمري المدني ثقة من السابغة "عن أبيه" أي محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر المدني ثقة من الثالثة.
قوله: "ما أعلم من الوحدة" ما موصولة والمعنى لو يعلم الناس ما أعلم ما في الوحدة من الاَفات التي تحصل من ذلك "ما سار راكب بليل يعني وحده" ما نافية، قال

(5/317)


1725 ـ حدثنا إسحاقُ بنُ موسى الأنْصَارِيّ، حدثنا مَعْنٌ، حدثنا مَالِكٌ عن عَبْدِ الرحمَنِ بنِ حَرْمَلَةَ عن عَمْرِو بنِ شُعَيْبٍ عن أبيهِ عن جَدّهِ، أنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: "الرّاكِبُ شَيْطَانٌ والرّاكِبَانِ شَيْطَانَانِ والثلاَثَةُ رَكْبٌ" .
ـــــــ
الطيبي: وكان من حق الظاهر أن يقال: ما سار أحد وحده، فقيده بالراكب والليل لأن الخطر بالليل أكثر، فإن انبعاث الشر فيه أكثر والتحرز منه أصعب، ومنه قولهم: الليل أخفى للويل، وقولهم: اعذر الليل لأنه إذا أظلم كثر فيه العذر لا سيما إذا كان راكباً فإن له خوف وجل المركوب من النفور من أدنى شيء والتهوي في الوحدة بخلاف الراجل. قال القاري: ويمكن التقييد بالراكب ليفيد أن الراجل ممنوع بطريق الأولى ولئلا يتوهم أن الوحدة لا تطلق على الراكب كما لا يخفى انتهى. قال ابن المنير: السير لمصلحة الحرب أخص من السفر، والخبر ورد في السفر، فيؤخذ من حديث جابر جواز السفر منفرداً للضرورة والمصلحة التي لا تنتظم إلا بالإنفراد، كإرسال الجاسوس والطليعة والكراهة لما عدا ذلك، ويحتمل أن تكون حالة الجواز مقيدة بالحاجة عند الأمن، وحالة المنع مقيدة بالخوف حيث لا ضرورة. وقد وقع في كتب المغازي: بعث كل من حذيفة ونعيم بن مسعود وعبد الله بن أنيس وخوات بن جبير وعمرو بن أمية وسالم بن عمير في عدة مواطن وبعضها في الصحيح ذكره الحافظ في الفتح.
قلت: وحديث جابر الذي أشار إليه ابن المنير أخرجه البخاري في الجهاد وغيره ولفظه: ندب النبي صلى الله عليه وسلم الناس يوم الخندق فانتدب الزبير ثم ندبهم فانتدب الزبير ثم ندبهم فانتدب الزبير ثلاثاً، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن لكل نبي حوارياً وحوارى الزبير" .
قوله: "الراكب شيطان والراكبان شيطانان" قال المظهر: يعني مشى الواحد منفرداً منهى وكذلك مشى الاثنين، ومن ارتكب منهياً فقد أطاع الشيطان ومن أطاعه فكأنه هو، ولذا أطلق صلى الله عليه وسلم اسمه عليه. وفي شرح السنة:

(5/318)


حديث ابن عمر حديث حسنٌ صحيحٌ لا نَعْرِفُهُ إلاّ مِنْ هذا الوجْهِ مِنْ حَدِيثَ عَاصِمٍ، وهُوَ ابنُ محمدِ بنِ زَيْدِ بن عَبْدِ الله بنِ عُمَرَ قال محمد: هو ثقة صدوق وعاصم بن عمر العمريّ ضعيف في الحديث لا أروى عنه شيئاً، وحَدِيثُ عَبْدِ الله بنِ عَمْرو حديث حَسَنٌ.
ـــــــ
معنى الحديث عندي ما روى عن سعيد بن المسيب مرسلاً: الشيطان يهم بالواحد والاثنين فإذا كانوا ثلاثة لم يهم بهم. وقال الخطابي: معناه أن التفرد والذهاب وحده في الأرض من فعل الشيطان وهو شيء يحمله عليه الشيطان ويدعوه إليه وكذلك الاثنان، فإذا صاروا ثلاثة فهو ركب أي جماعة وصحب، قال: والمنفرد في السفر إن مات لم يكن بحضرته من يقوم بغسله ودفنه وتجهيزه، ولا عنده من يوصي إليه في ماله ويحمل تركته إلى أهله ويورد خبره إليهم، ولا معه في سفره من يعينه على الحمولة، فإذا كانوا ثلاثة تعاونوا وتناوبوا المهنة والحراسة وصلوا الجماعة وأحرزوا الحظ فيها انتهى. "والثلاثة ركب" بفتح فسكون أي جماعة. قال في النهاية: الركب اسم من أسماء الجمع كنفر ورهط ولهذا صغر على لفظه، وقيل هو جمع راكب كصاحب وصحب، ولو كان كذلك لقيل في تصغيره رويكبون كما يقال صويحبون، والراكب في الأصل هو راكب الإبل خاصة ثن اتسع فيه فأطلق على كم من ركب دابة انتهى.
قوله: "حديث ابن عمر حديث حسن صحيح" وأخرجه أحمد والبخاري وابن ماجه كذا في الجامع الصغير "لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث عاصم" قال الحافظ في الفتح: ذكر الترمذي أن عاصم بن محمد تفرد برواية هذا الحديث وفيه نظر، لأن عمر بن محمد أخاه قد رواه معه عن أبيه أخرجه النسائي انتهى.
قوله: "وحديث عبد الله بن عمرو" أي حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: فإن جده هو عبد الله بن عمرو "أحسن" كذا في النسخة الأحمدية ووفع في بعض النسخ حسن وهو الظاهر بل هو الصحيح. وحديث عبد الله بن عمرو وهذا أخرجه أحمد ومالك وأبو داود والنسائي وصححه

(5/319)


باب ماجاء في الرخصة في الكذب والخديعة في الحرب
...
5-باب ما جَاءَ في الرّخْصَةِ
في الكَذِبِ وَالْخَدِيعَةِ في الحَرْب
1726ـ حدثنا أحمدُ بنُ مَنِيعٍ و نَصْرُ بنُ عليّ قالا: حدثنا سُفْيَانُ عن عَمْرِو بنِ دِينَارٍ سَمِعَ جَابرَ بنَ عَبْدِ الله يَقُولُ: قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "الْحَرْبُ خُدْعَةٌ" . .
ـــــــ
"باب ما جَاءَ في الرّخْصَةِ في الكَذِبِ وَالْخَدِيعَةِ في الحَرْب"
قوله: "الحرب خدعة" قال النووي: فيها ثلاث لغات مشهورات اتفقوا على أن أفصحهن خدعة بفتح الخاء وإسكان الدال، قال ثعلب وغيره: وهي لغة النبي صلى الله عليه وسلم، والثانية بضم الخاء وإسكان الدال، والثالثة بضم الخاء وفتح الدال. واتفق العلماء على جواز خداع الكفار في الحرب وكيف أمكن الخداع إلا أن يكون فيه نقض عهد أو أمان فلا يحل. وقد صحح في الحديث جواز الكذب في ثلاثة أشياء أحدها في الحرب، قال الطبري إنما يجوز من الكذب في الحرب المعاريض دون حقيقة الكذب فإنه لا يحل. قال النووي: والظاهر إباحة حقيقة نفس الكذب لكن الاقتصار على التعريض أفضل. وقال ابن العربي: الكذب في الحرب من المستثنى الجائز بالنص رفقاً بالمسلمين لحاجتهم، إليه وليس للعقل فيه مجال، ولو كان تحريم الكذب بالعقل ما انقلب حلالاً انتهى. وقال القاضي عياض في المشارق بعد ذكر أربع لغات فيها وهي الخَدْعَةُ والخُدْعَةُ والْخُدَعَةُ والخَدْعَةُ ما لفظه: فالخدعة بمعنى أن أمرها ينقضي بخدعة واحدة يخدع بها المخدوع فتزل قدمه ولا يجد لها تلافياً ولا إقالة، فكأنه نبه على أخذ الحذر من ذلك، ومن ضم الخاء وفتح الدال نسب الفعل إليها أي تخدع هي من اطمأن إليها أو أن أهلها يخدعون فيها، ومن فتحهما جميعاً كان جمع خادع، يعني أن أهلها بهذه الصفة فلا تطمئن إليهم، كأنه قال أهل الحرب خدعة، وأصل الخدع إظهار أمر وإضمار خلافه. وقال التوربشتي: روي ذلك من وجوه ثلاثة بفتح الخاء وسكون الدال

(5/320)


وفي البابِ عَنْ علي وزَيْدِ بنِ ثَابِتٍ وعَائِشَةَ وابنِ عَبّاسٍ وأبي هُرَيْرَةَ وَأَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ وَكَعْبِ بنِ مالِكٍ وأنَسٍ بن مالك.
وهذا حديثٌ حسن صحيحٌ
ـــــــ
أي أنها خدعة واحدة من تيسرت له حق الظفر، وبضم الخاء وسكون الدال أي معظم ذلك المكر والخديعة، وبضم الخاء وفتح الدال أي أنها خداعة للإنسان بما تخيل إليه وتمنيه، ثم إذا لابسها وجد الأمر بخلاف ما خيل إليه انتهى.
قوله: "وفي الباب عن علي وزيد بن ثابت وعائشة وابن عباس وأبي هريرة وأسماء بنت يزيد وكعب بن مالك وأنس بن مالك" أما حديث علي فأخرجه أحمد وأما حديث زيد بن ثابت فأخرجه الطبراني في الكبير، وأما حديث عائشة فأخرجه ابن ماجه، وأما حديث ابن عباس فأخرجه أيضاً ابن ماجه، وأما حديث أبي هريرة فأخرجه الشيخان، وأما حديث أسماء بنت يزيد فأخرجه أحمد والترمذي في باب إصلاح ذات البين من أبواب البر والصلة، وأما حديث كعب بن مالك فأخرجه أبو داود، وأما حديث أنس بن مالك فأخرجه أحمد وابن حبان.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه أحمد والشيخان وأبو داود

(5/321)


باب ماجاء في غزوات النبي صلى الله عليه وسلم كم غزا
...
6ـ باب ما جاءَ في غَزَوَاتِ النبيّ
صلى الله عليه وسلم وكَمْ غَزَا
1727ـ حدثنا محمودُ بنُ غَيْلاَنَ، حدثنا وَهْبُ بنُ جَريرٍ و أبو دَاوُدَ
ـــــــ
"باب ما جاءَ في غَزَوَاتِ النبيّ صلى الله عليه وسلم وكَمْ غَزَا"
الغزوات جمع غزوة، وأصل الغزو القصد، ومغزى الكلام مقصده، والمراد بالغزوات هنا ما وقع من قصد النبي صلى الله عليه وسلم الكفار بنفسه وبجيش من قبله، وقصدهم أعم من أن يكون إلى بلادهم أو إلى الأماكن التي حلوها حتى دخل مثل أحد والخندق.

(5/321)


قالا: حدثنا شُعْبَةُ عن أبي إسحاقَ قال: كُنْتُ إلى جَنْبِ زَيْدِ بن أرْقَمَ فَقِيلَ لَهُ: كَمْ غَزَا النبيّ صلى الله عليه وسلم مِنْ غَزْوَةٍ قالَ: "تِسْعَ عَشَرَةَ، فَقلت: كَمْ غَزَوْتَ أَنْتَ مَعَهُ؟ قال: سَبْعَ عَشَرَةَ، قلت: وأَيّتُهُنّ كانَ أَوّلَ؟ قالَ ذَاتُ العُشَيْرَاء أو العُسيْرَاء".
ـــــــ
قوله: "فقيل له" قال الحافظ: القائل هو الراوي أبو إسحاق بينه إسرائيل بن يونس عن أبي إسحاق كما سيأتي في آخر المغازي بلفظ: سألت زيد بن أرقم "قال تسع عشرة" كذا قال، ومراده الغزوات التي خرج النبي صلى الله عليه وسلم فيها بنفسه سواء قاتل أو لم يقاتل. قال الحافظ في الفتح: لكن روى أبو يعلى من طريق أبي الزبير عن جابر أن عدد الغزوات إحدى وعشرون وإسناده صحيح وأصله في مسلم. فعلى هذا، ففات زيد بن أرقم ذكر اثنتين منها، ولعلهما الأبواء وبواط، وكأن ذلك خفي عليه لصغره، ويؤيد ما قلته ما وقع عند مسلم بلفظ: قلت ما أول غزوة غزاها؟ قال: ذات العشير أو العشيرة انتهى. والعشيرة كما تقدم هي الثالثة. وأما قول ابن التين: يحمل قول زيد بن أرقم على أن العشيرة أول ما غزا، هو أي زيد بن أرقم والتقدير فقلت: ما أول غزوة غزاي أي وأنت معه؟ قال العشير، فهو محتمل أيضاً، ويكون قد خفي عليه ثنتان مما بعد ذلك أو عد الغزوتين واحدة. فقد قال موسى بن عقبة: قاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثمان: بدر ثم أحد ثم الأحزاب ثم المصطلق ثم خيبر ثم مكة ثم حنين ثم الطائف انتهى. وأهمل غزوة قريظة لأنه ضمها إلى الأحزاب لكونها كانت في إثرها وأفردها غيره لوقوعها منفردة بعد هزيمة الأحزاب، وكذا وقع لغيره عد الطائف وحنين واحدة لتقاربهما. فيجتمع على هذا قول زيد بن أرقم وقول جابر، وقد توسع ابن سعد فبلغ عدة المغازي التي خرج فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه سبعاً وعشرين، وتبع في ذلك الواقدي وهو مطابق لما عده ابن إسحاق إلا أنه لم يفرد وادي القرى من خيبر، أشار إلى ذلك السهيلي، وكأن الستة الزائدة من هذا القبيل، وعلى هذا يحمل ما أخرجه عبد الرزاق بإسناد صحيح عن سعيد بن المسيب قال: غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعاً وعشرين وأخرجه

(5/322)


ـــــــ
يعقوب بن سفيان عن سلمة بن شبيب عن عبد الرزاق فزاد فيه أن سعيداً قال أولاً: ثمان عشرة ثم قال أربعاً وعشرين، قال الزهري: فلا أدري أوهم أو كان شيئاً سمعه بعد. قال الحافظ: وحمله على ما ذكرته يدفع الوهم ويجمع الأقوال والله أعلم.
وأما البعوث والسرايا فعند ابن إسحاق ستاً وثلاثين، وعند الواقدي ثمانياً وأربعين. وحكى ابن الجوزي في التلقيح ستاً وخمسين، وعند المسعودي ستين، وبلغها شيخنا في نظم السيرة زيادة على السبعين، ووقع عند الحاكم في الإكليل أنها تزيد على مائة، فلعله أراد ضم المغازي إليها انتهى.
"وأيتهن كان أول" كذا في النسخ الحاضرة عندنا والظاهر أن يكون: وأيتهن كانت "ذات العشيراء والعسيراء" الأول بضم العين المهملة وفتح الشين المعجمة مصغراً، والثاني كذلك لكن بالسين المهملة، كذا في النسخ الحاضرة عندنا. وقال الحافظ في الفتح: ووقع في الترمذي: العشير أو العسير بلا هاء فيهما، وفي رواية مسلم: ذات العسير أو العشير. قال النووي في شرح مسلم: قال القاضي في المشارق: وهي ذات العشيرة بضم العين وفتح الشين المعجمة، قال: وجاء في كتاب المغازي يعني من صحيح البخاري: عسير بفتح العين وكسر السين المهملة بحذف الهاء قال: والمعروف فيها العشيرة مصغرة بالشين المعجمة والهاء، قال: وكذا ذكرها أبو إسحاق وهي من أرض مذحج، وقال الحافظ: قول قتادة: العشيرة بضم العين المهملة وفتح الشين المعجمة وإثبات الهاء هو الذي اتفق عليه أهل السير وهو الصواب، وأما غزوة العسيرة بالمهملة فهي غزوة تبوك، قال الله تعالى: {الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ} وسميت بذلك لما فيها من المشقة وهي بغير تصغير، وأما هذه فنسبت إلى المكان الذي وصلوا إليه واسمه العشير أو العشيرة يذكر ويؤنث وهو موضع.
وذكر ابن سعد أن المطلوب في هذه الغزاة هي عير قريش التي صدرت من مكة إلى الشام بالتجارة ففاتهم وكانوا يترقبون رجوعها فخرج النبي صلى الله عليه وسلم يتلقاها ليغنمها فبسبب ذلك كانت وقعة بدر. قال ابن إسحاق: فإن السبب في غزوة بدر ما حدثني يزيد بن رومان عن عروة أن أبا سفيان كان بالشام في ثلاثين راكباً

(5/323)


هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
منهم مخرمة بن نوفل وعمرو بن العاص فأقبلوا في قافلة عظيمة فيها أموال قريش، فندب النبي صلى الله عليه وسلم إليهم، وكان أبو سفيان يتجسس الأخبار، فبلغه أن النبي صلى الله عليه وسلم استنفر أصحابه بقصدهم فأرسل ضمضم بن عمرو الغفاري إلى قريش بمكة يحرضهم على المجيء لحفظ أموالهم ويحذرهم المسلمين، فاستنفرهم ضمضم فخرجوا في ألف راكب ومعهم مائة فرس، واشتد حذر أبي سفيان فأخذ طريق الساحل وجد في السير حتى فات المسلمين، فلما أمن أرسل إلى من يلقي قريشاً يأمرهم بالرجوع، فامتنع أبو جهل من ذلك، فكان ما كان من وقعة بدر انتهى.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان

(5/324)


باب ماجاء في الصف والتعبئة عند القتال
...
7ـ باب ما جاءَ في الصّفّ والتّعْبِئةِ عَنْدَ الْقِتَال
1728ـ حدثنا محمدُ بنُ حُمَيْدٍ الرّازِيّ، حدثنا سَلَمَةُ بنُ الفَضْلِ عن محمدِ بنِ إسحاقَ عن عِكْرَمَةَ عن ابنِ عبّاسٍ عَنْ عبدِ الرحمَنِ بنِ عَوْفٍ قال: "عَبّأَنَا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بِبَدْرٍ لَيْلاً".
ـــــــ
"باب ما جاءَ في الصّفّ والتّعْبِئةِ عَنْدَ الْقِتَال"
قال في القاموس: تعبية الجيش تهيئته في مواضعه.
قوله: "حدثنا سلمة بن الفضل" الأبرش مولى الأنصار قاضي الري صدوق كثير الخطأ من التاسعة.
قوله: "عبأنا رسول الله صلى الله عليه وسلم" قال في النهاية: يقال عبأت الجيش عباً، وعبأتهم تعبئة وتعبيئاً، وقد يترك الهمز فيقال عبيتهم تعبية أي رتبتهم في مواضعهم وهيأتهم للحرب انتهى "ببدر ليلاً" يعني سوى الصفوف وأقام كلا منا مقاماً يصلح له في الليل ليكون على طبقه ووفقه في النهار.

(5/324)


وفي البابِ عَنْ أبي أيّوبَ.
وهذا حديثٌ غريبٌ لا نَعْرِفُهُ إلاّ مِنْ هذا الوجْهِ وسأَلْتُ محمدَ بنَ إسماعيلَ عَنْ هذا الحديثِ فَلَمْ يَعْرِفْهُ وقال: محمدُ بنُ إسحاقَ سَمِعَ مِنْ عِكْرِمَةَ، وحِينَ رَأَيْتُهُ كَانَ حَسَنَ الرّأْيِ في محمدِ بنِ حمَيْدٍ الرّازِيّ ثُمّ ضَعّفَهُ بَعْدُ.
ـــــــ
قوله: "وفي الباب عن أبي أيوب" أخرجه أحمد في مسنده.
قوله: "هذا حديث غريب" في سنده محمد بن حميد الرازي وهو ضعيف "وحين رأيته" أي حين لقيت البخاري "ثم ضعفه بعد" في تهذيب التهذيب: قال البخاري فيه نظر، فقيل له ذلك فقال أكثر على نفسه

(5/325)


باب ماجاء في الدعاء عند القتال
...
8 ـ باب ما جَاءَ في الدّعاءِ عندَ القتال
1729ـ حدثنا أحمدُ بنُ مَنِيعٍ، حدثنا يَزِيدُ بنُ هَارُونَ، أنبأنا إسماعيلُ بنُ أبي خَالدٍ عن ابنِ أبي أوْفَى قالَ: "سَمِعْتُهُ يقُولُ، يَعْنِي النبيّ صلى الله عليه وسلم، يَدْعُو على الأحْزَابِ فقالَ: "اللّهُمّ مُنْزِلَ الْكِتَابِ سَريعَ الْحِسَابِ، اهْزِمِ الأحْزَابَ وزَلْزِلْهُمْ" .
ـــــــ
"باب ما جَاءَ في الدّعاءِ عندَ القتال"
قوله: "عن ابن أبي أوفى" هو عبد الله بن أبي أوفى علقمة بن خالد بن الحارث الأسلمي صحابي شهد الحديبية وعمر بعد النبي صلى الله عليه وسلم دهراً. مات سنة سبع وثمانين وهو آخر من مات بالكوفة من الصحابة، كذا في التقريب.
قوله: "اللهم" يعني يا الله يا "منزل الكتاب" أي القرآن "سريع الحساب" يعني يا سريع الحساب، إما يراد به أنه سريع حسابه بمجيء وقته، وإما أنه سريع في الحساب "اهزم الأحزاب" هزمهم الله تعالى بأن أرسل عليهم ريحاً وجنوداً لم تروها كما ورد في سورة الأحزاب وهم أحزاب اجتمعوا يوم الخندق "وزلزلهم"

(5/325)


وفي البابِ عنِ ابنِ مَسْعُودٍ.
وهذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
قال النووي: أي ازعجهم وحركهم بالشدائد. قال أهل اللغة: الزلزال والزلزلة الشدائد التي تحرك الناس. قال: وقد اتفقوا على استحباب الدعاء عند لقاء العدو انتهى. وقال الحافظ: المراد الدعاء عليهم إذا انهزموا أن لا يستقر لهم قرار. وقال الداودي: أراد أن تطيش عقولهم وترعد أقدامهم عند اللقاء فلا يتثبتوا.
قوله: "وفي الباب عن ابن مسعود" أخرجه أحمد في مسنده.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان والنسائي وابن ماجه

(5/326)


باب ماجاء في الألوية
...
9ـ باب ما جَاءَ في الأَلْوِيَة
1730 ـ حدثنا محمدُ بنُ عُمَرَ بنِ الوَلِيدِ الكِنْدِيّ الكوفي و أبو كُرَيْبٍ و محمدُ بنُ رَافِعٍ قالُوا: حدثنا يَحْيى بنُ آدَمَ عن شَرِيكٍ عن عَمّارٍ يعني الدّهْنِي عن أبي الزّبَيْرِ عن جَابِرٍ: "أنّ النبي صلى الله عليه وسلم دَخَلَ مَكّةَ وَلِوَاؤُهُ أبْيَضُ".
ـــــــ
"باب ما جَاءَ في الأَلْوِيَة"
جمع لواء بكسر اللام والمد، قال في المغرب: اللواء على الجيش وهو دون الراية، لأنه شقة ثوب يلوي، وبشد إلى عود الرمح، والراية علم الجيش ويكنى أم الحرب وهو فوق اللواء. وقال أبو بكر بن العربي: اللواء غير الراية، فاللواء ما يعقد في طرف الرمح ويلوى عليه، والراية ما يعقد فيه ويترك حتى تصفقه الرياح. وقال التوربشتي: الراية هي التي يتولاها صاحب الحرب ويقاتل عليها وتميل المقاتلة إليها، واللواء علامة كبكبة الأمير تدور معه حيث دار. وفي شرح مسلم: الراية العلم الصغير، واللواء العلم الكبير، كذا في المرقاة.
قوله: "ومحمد بن عمر بن الوليد الكندي" أبو جعفر الكوفي صدوق من الحادية عشرة.
قوله: "دخل مكة" أي يوم الفتح.

(5/326)


هذا حديثٌ غريبٌ لاَ نَعْرِفُهُ إلاّ مِنْ حَدِيثِ يَحْيى بنِ آدَمَ عن شَرِيكٍ قال وسَأَلْتُ محمداً عن هذا الْحَديثِ فَلَمْ يَعْرِفْهُ إلاّ مِنْ حَدِيثِ يَحْيَى بنِ آدَمَ عن شَرِيكٍ. وقالَ حدثنا غَيْرُ واحِدٍ عن شَرِيكٍ عن عَمّارٍ عن أبِي الزّبَيْرِ عن جَابِرٍ: "أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم دَخَلَ مَكّةَ وعَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ".
قال محمدٌ: والحديثُ هُوَ هذا.
والدّهْنُ بَطْنٌ مِنْ بَجِيلَةَ وَعمّارٌ الدّهْنِيّ هُوَ عَمّارُ بنُ مُعَاوِيَةَ الدّهْنِي، ويُكْنَى أبَا مُعَاوِيَةَ، وهُوَ كُوفِيّ وهو ثِقَةٌ عندَ أهلِ الحديثِ.
ـــــــ
قوله: "هذا حديث غريب" وأخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه "قال محمد: والحديث هو هذا" أي الحديث المحفوظ هو هذا الحديث لأنه رواه غير واحد عن شريك، وأما حديث يحيى بن آدم عن شريك بلفظ: دخل مكة ولواؤه أبيض، فليس بمحفوظ لتفرد يحيى بن آدم به ومخالفته لغير واحد من أصحاب شريك "والدهن" بضم أوله وسكون الهاء بعدها نون

(5/327)


باب في الرايات
...
10ـ باب ما جاء في الرّايَات
1731ـ حدثنا أحمدُ بنُ مَنِيعٍ حدثنا يَحْيَى بنُ زَكَرِيّا بنُ أبي زَائِدَةَ حدثنا أبو يَعْقُوبَ الثّقَفِيّ حدثنا يُونُسُ بنُ عُبَيْدٍ مَوْلَى محمدِ بنِ القَاسِمِ قَالَ:
ـــــــ
"باب ما جاء في الرّايَات"
جمع راية قد عرفت معناها، والفرق بينها وبين اللواء في الباب المتقدم، قال الحافظ: وجنح الترمذي إلى التفرقة فترجم بالألوية وأورد حديث جابر، ثم ترجم للرايات وأورد حديث البراء وحديث ابن عباس.
قوله: "حدثنا يونس بن عبيد مولى محمد بن القاسم" الثقفي مقبول من الرابعة

(5/327)


بَعَثَنِي محمدُ بن القَاسِمِ إلى البَرَاءِ بنِ عَازِبٍ أسْأَلُهُ عن رَايَةِ رَسولِ الله صلى الله عليه وسلم فقالَ: "كانَتْ سَوْدَاءَ مُربّعَةً مِنْ نَمِرَةَ".
وفي البابِ عن علي والْحَارِثِ بنِ حَسّانَ وابنِ عَبّاسٍ.
وهذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ لا نَعْرِفُهُ إلاّ مِنْ حَدِيثِ ابنِ أبي زَائِدَةَ. وأبُو يَعْقُوبَ الثّقَفِيّ اسْمُهُ إسحاقُ بنُ إبراهيمَ، وَرَوَى عنهُ أيضاً عُبَيْدُ الله بن مُوسَى.
1732ـ حدثنا محمدُ بنُ رَافِعٍ حدثنا يَحْيَى بنُ إسحاقَ وهُوَ السّالِحانِيّ
ـــــــ
"قال" أي يونس "بعثني" أي أرسلني "أسأله عن راية رسول الله صلى الله عليه وسلم" أي لونها وكيفيتها "كانت سوداء" قال القاضي: أراد بالسوداء ما غالب لونه سواد بحيث يرى من البعيد أسود، لا ما لونه سواد خالص لأنه قال "من نمرة" بفتح الكسر وهي بردة من صوف يلبسها الأعراب فيها تخطيط من سواد وبياض، ولذلك سمت نمرة تشبيهاً بالنمر، ذكره القاري.
قوله: "وفي الباب عن علي والحارث بن حسان وابن عباس" أما حديث علي فأخرجه أحمد، وأما حديث الحارث بن حسان فأخرجه ابن ماجه، وأما حديث ابن عباس فأخرجه الترمذي في هذا الباب، ولأبي الشيخ عن ابن عباس: كان مكتوباً على رايته: لا إله إلا الله محمد رسول الله. قال الحافظ وسنده واه.
قوله: "هذا حديث حسن غريب" وأخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه "وأبو يعقوب الثقفي اسمه إسحاق بن إبراهيم" الكوفي وثقه ابن حبان وفيه ضعف من الثامنة كذا في التقريب.
قوله: "حدثنا يحيى بن إسحاق هو السالحاني" قال في التقريب: يحيى بن إسحاق السيلحيني بمهملة ممالة وقد تصير ألفاً ساكنة وفتح اللام وكسر المهملة ثم تحتانية ساكنة ثم نون، أبو زكرياً أو أبو بكر نزيل بغداد، صدوق من كبار العاشرة

(5/328)


حدثنا يَزِيدُ بنُ حِبّانَ قال سَمِعْتُ أبَا مِجْلَزٍ لاحِقَ بنَ حُمَيْدٍ يُحَدّثُ عن ابن عَبّاسٍ قال: "كانَتْ رَايَةُ رسول الله صلى الله عليه وسلم سَوْداءَ، وَلوِاؤُهُ أبْيَضَ".
هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ مِنْ هذا الوجْهِ من حَديثِ ابنِ عباسٍ.
ـــــــ
"حدثنا يزيد بن حبان" النبطي البلخي نزيل المدائن أخو مقاتل صدوق يخطئ من السابعة "سمعت أبا مجلز" بكسر الميم وسكون الجيم وفتح اللام بعدها زاي "لاحق بن حميد" بن سعيد السدوسي البصري مشهور بكنيته ثقة من كبار الثالثة.
قوله: "كانت راية النبي صلى الله عليه وسلم سوداء" قال ابن الملك: أي ما غالب لونه أسود بحيث يرى من البعيد أسود لا أنه خالص السواد يعني لما سبق أنها كانت من نمرة "ولواؤه أبيض" بالنصب على أنه خبر كان، ويجوز رفعه على الخبرية. وروى أبو داود من طريق سِمَاك عن رجل من قومه عن آخر منهم: رأيت راية رسول الله صلى الله عليه وسلم صفراء، ويجمع بينه وبين أحاديث الباب باختلاف الأوقات.
قوله: "هذا حديث غريب" وأخرجه ابن ماجه والحاكم قال المنذري: وأخرج البخاري هذا الحديث في تاريخه الكبير من رواية يزيد هذا مختصراً على الراية

(5/329)


باب ماجاء في الشعار
...
11ـ باب ما جَاءَ في الشّعارِ
1733ـ حدثنا محمودُ بنُ غَيْلاَنَ حدثنا وَكِيعٌ حدثنا سُفْيَانُ عن أبي إسحاقَ عن المهَلّبِ بن أبي صُفْرَةَ، عَمّنْ سَمِعَ النبيّ صلى الله عليه وسلم يقولُ: "إنْ بَيّتَكُمُ العَدُوّ فَقُولُوا: حم لا يُنْصَرُونَ" .
ـــــــ
"باب ما جَاءَ في الشّعارِ"
قال في القاموس: الشعار ككتاب العلامة في الحرب والسفر. وقال في النهاية: ومنه الحديث: إن شعار أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كان في الغزو يا منصور "أمت أمت" أي علامتهم التي كانوا يتعارفون بها في الحرب انتهى
قوله: "عن المهلب بن أبي صفرة" بضم المهملة وسكون الفاء، واسمه ظالم بن

(5/329)


وفي البابِ عن سَلَمَةَ بنِ الأكْوَعِ. وهَكَذَا رَوَى بَعْضُهُمْ عنْ أبي إسحاقَ مِثْلَ رِوَايَةِ الثّوْرِيّ. وَروى عنهُ عن المُهَلّبِ بنِ أبِي صُفْرَةَ عَنِ النبيّ صلى الله عليه وسلم مُرْسَلاً.
ـــــــ
سارق العتكي الأزدي أبي سعيد البصري من ثقات الأمراء وكان عارفاً بالحرب فكان أعداؤه يرمونه بالكذب، من الثانية: وله رواية مرسلة: قال أبو إسحاق السبيعي: ما رأيت أمير أفضل منه. كذا في التقريب.
قوله: "إن بيتكم العدو" أي إن قصدكم بالقتل ليلاً واختلطتم معهم. قال في النهاية: تبييت العدو هو أن يقصد في الليل من غير أن يعلم فيؤخذ بغتة وهو البيات "فقولوا" وفي رواية أبي داود إن بيتم فليكن شعاركم "حم لا ينصرون" بصيغة المجهول. قال القاضي: معناه بفضل السور المفتتحة بحم ومنزلتها من الله لا ينصرون. وقال الخطابي: معناه الخبر، ولو كان بمعنى الدعاء لكان مجزوماً، أي لا ينصرووا، وإنما هو إخبار كأنه قال: والله إنهم لا ينصرفون. وقد روى عن ابن عباس أنه قال: حم اسم من أسماء الله فكأنه حلف بالله أنهم لا ينصرون. وقال الجزري في النهاية: قيل معناه اللهم لا ينصرون، ويريد به الخبر لا الدعاء، لأنه لو كان دعاء لقال لا ينصروا مجزوماً، فكأنه قال والله لا ينصرون، وقيل إن السور التي في أولها حم سور لها شأن، فنبه أن ذكرها لشرف منزلتها مما يستظهر به على استنزال النصر من الله، وقوله "لا ينصرون" كلام مستأنف كأنه حين قال قولوا: حم قبل ماذا يكون إذا قلنا؟ فقال: لا ينصرون انتهى.
قوله: "وفي الباب عن سلمة بن الأكوع" أخرج حديثه أبو داود والنسائي بلفظ: قال غزونا مع أبي بكر زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان شعارناً أمت أمت

(5/330)


باب ماجاء في صفة سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم
...
12- باب ما جَاءَ في صِفَةِ
سَيْف رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم
1734ـ حدثنا محمدُ بنُ شُجَاعٍ البَغْدَادِيّ حدثنا أبو عُبيْدَةَ الحَدّادُ
ـــــــ
باب ما جَاءَ في صِفَةِ سَيْف رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم
قوله: "حدثنا محمد بن شجاع البغدادي" المروزي بفتح الميم وتشديد الراء

(5/330)


عن عثمانَ بنِ سَعْدٍ عَنْ ابنِ سِيرِينَ قال: "صَنَعْتُ سَيْفِي على سَيْفِ سَمُرَةَ بن جندب وَزَعَمَ سَمُرَةَ أنّهُ صَنَعَ سَيْفَهُ على سَيْفِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، وكانَ حَنَفِيّا".
هذا حديثٌ غريبٌ لا نَعْرِفُهُ إلا مِنْ هذا الوجْهِ. وقد تَكَلّمَ يَحْيَى بنُ سعِيدٍ القَطّانُ في عثمانَ بنِ سَعْدٍ الكَاتِبِ وَضَعّفَهُ مِنْ قِبَلِ حِفْظِهِ.
ـــــــ
المضمومة وبالذال المعجمة، ثقة من العاشرة "حدثنا أبو عبيدة الحداد" اسمه عبد الواحد بن واصل السدوسي مولاهم البصري نزيل بغداد ثقة، تكلم فيه الأزدي بغير حجة من التاسعة "عن عثمان بن سعد" التميمي أبي بكر البصري الكاتب المعلم ضعيف من الخامسة.
قوله: "صنعت سيفي على سيف سمرة" أي على هيئة سيفه "وكان حنفياً" قال في المجمع في حديث سيفه وكان حنيفاً هو منسوب إلى أحنف بن قيس تابعي كبير وتنسب إليه لأنه أول من أمر باتخاذها والقياس أحنفي انتهى. وقال في هامش النسخة الأحمدية: قوله حنيفاً أي على هيئة سيوف بني حنيفة قبيلة مسيلمة لأن صانعه منهم أو ممن يعمل كعملهم انتهى.

(5/331)


13ـ باب في الفِطْرِ عندَ القِتَال
1735ـ حدثنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ مُوسَى أنبأنا عبدُ الله بنُ المبَارَكِ أنبأنا سَعِيدُ بنُ عبدِ العزيزِ عن عَطِيّةَ بن قَيْسٍ عن قَزَعَةَ عن أبي سَعِيدٍ الخُدْرِيّ قال: لَمّا بَلَغَ النبيّ صلى الله عليه وسلم عام الفَتْحِ مَرّ الظّهْرَانِ فَآذَنَنَا بِلِقَاءِ العَدُوّ فَأَمَرَنَا بالفِطْرِ فَأفْطَرْنَا أَجْمَعين".
ـــــــ
"باب في الفِطْرِ عندَ القِتَال"
قوله: "عن قزعة" بزاي وفتحات ابن يحيى البصري ثقة من الثالثة.

(5/331)


هذا حديثٌ حسنٌ
ـــــــ
قوله:"مر الظهران"بفتح الميم والظاء، قال في النهاية:هو واد بين مكة وعسفان واسم القرية المضافة إليه مر بفتح الميم وتشديد الراء انتهى "فآذننا"أي أعلمنا "فأمرنا بالفطر فأفطرنا أجمعين" وفي رواية مسلم: سافرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن صيام قال فنزلنا منزلاً فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنكم قد دنوتم من عدوكم والفطر أقوى لكم رخصة فمنا من صام ومنا من أفطر ثم نزلنا منزلاً آخر فقال إنكم مصبحو عدوكم والفطر أقوى لكم فأفطروا وكانت عزمة فأفطرنا وفيه دليل على أن الفطر لمن وصل في سفره إلى موضع قريب من العدو أولى، لأنه ربما وصل إليهم العدو إلى ذلك الموضع الذي هو مظنة ملاقاة العدو، ولهذا كان الإفطار أولى ولم يتحتم، وأما إذا كان لقاء العدو متحققاً فالإفطار عزيمة، لأن الصائم يضعف عن منازلة الأقران، ولا سيما عند غليان مراجل الضراب والطعان، ولا يخفى ما في ذلك من الإهانة لجنود المحقين وإدخال الوهن على عامة المجاهدين من المسلمين.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه مسلم وأبو داود

(5/332)


باب ماجاء في الخروج عند الفزع
...
14ـ باب ما جَاءَ في الْخُروجِ عِنْدَ الفَزَع
1736 ـ حدثنا محمودُ بنُ غَيْلاَنَ حدثنا أبو دَاوُدَ الطّيَالِسِيّ قال:أَنْبَأَنَا شُعْبَةُ عن قَتَادَةَ حدثنا أنَسُ بنُ مالِكٍ قال:"رَكِبَ النبيّ صلى الله عليه وسلم فَرَساً لأَبِي طَلْحَةَ يُقَالُ لَهُ مَنْدُوبٌ، فقال: "ما كانَ مِنْ فَزَعٍ وإنْ وَجَدْنَاهُ لبَحْراً" .
ـــــــ
"باب ما جَاءَ في الْخُروجِ عِنْدَ الفَزَع"
قوله: "ركب النبي صلى الله عليه وسلم فرساً لأبي طلحة" هو زيد بن سهل زوج أم أنس "يقال له مندوب" قال الحافظ: قيل سمى بذلك من الندب وهو الرهن عند السباق، وقيل الندب كان في جسمه وهو أثر الجرح "ما كان من فزع"

(5/332)


وفي البابِ عَنْ ابن عَمْرٍو بنِ العَاصِ.
وهذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
1737 ـ حدثنا محمدُ بنُ بَشّارٍ حدثنا محمدُ بنُ جَعْفَرٍ و ابنُ أبي عَدِي و أبو دَاوُدَ قالوا حدثنا شُعْبَةُ عن قَتَادَةَ عن أنَسٍ بن مالك قَالَ: "كانَ فَزَعٌ بالمَدِينَةِ فاسْتَعَارَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم فَرَساً لَنَا يُقَالُ لَهُ مَنْدُوبٌ، فقالَ: "ما رأَيْنَا مِنْ فَزَعٍ وإنْ وَجَدْنَاهُ لَبَحْراً" .
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
أي خوف "وإن وجدناه لبحراً" قال الخطابي: إن هي النافية واللام في "لبحرا" بمعنى إلا أي ما وجدناه إلا بحراً. قال ابن التين: هذا مذهب الكوفيين، وعند البصريين إن مخففة من الثقيلة واللام زائدة، كذا قال الأصمعي، يقال للفرس بحر إذا كان واسع الجرى أو لأن جريه لا ينفد كما لا ينفد البحر، ويؤيده ما في رواية. وكان بعد ذلك لا يجازي.
قوله: "وفي الباب عن عمرو بن العاص" أخرجه أحمد في مسنده.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان.
"حدثنا محمد بن جعفر" الهذلي مولاهم أبو عبد الله البصري المعروف بغندر "وابن أبي عدي" هو محمد بن إبراهيم بن أبي عدي السلمي مولاهم القسملي.
قوله: "كان فزع بالمدينة" أي خوف من عدو "فاستعار رسول الله صلى الله عليه وسلم فرساً لنا" وفي رواية للبخاري: فاستعار النبي صلى الله عليه وسلم فرساً من أبي طلحة.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان

(5/333)


باب ماجاء في الثبات عند القتال
...
15ـ باب ما جَاءَ في الثّبَاتِ عِنْدَ القِتَال
1738ـ حدثنا محمدُ بنُ بَشّارٍ حدثنا يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ حدثنا سُفْيَانُ الثوري حدثنا أبو إسحاقَ عن البَرَاءِ بنِ عَازِبٍ: قال "قالَ لَنا رَجُلٌ أفَرَرتُمْ عَنْ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم يَاَ أَبَا عَمُارَةَ؟ قال: لا والله ما وَلّى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وَلَكِنْ وَلّى سَرَعَان النّاسِ تَلَقّتْهُمْ هوَازِنُ بالنّبْلِ وَرَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم على بَغْلَتِهِ، وَأَبُو سُفيانَ بنُ الحَارِثِ بنِ عبدِ المطّلِبِ آخِذٌ بِلِجَامِهَا، وَرَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يقولُ: "أَنَا النبيّ لا كَذِب، أَنَا ابنُ عَبْدِ المُطّلِب" .
ـــــــ
"باب ما جَاءَ في الثّبَاتِ عِنْدَ القِتَال"
قوله: "أفررتم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم" وفي رواية للبخاري: أتوليت يوم حنين، وفي رواية له: أوليتم مع النبي صلى الله عليه وسلم، وفي رواية أخرى له: أفررتم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم "يا أبا عمارة" هي كنية البراء "ولكن ولى سرعان الناس" قال في النهاية: السرعان بفتح السين والراء أوائل الناس الذين يتسارعون إلى الشيء ويقبلون عليه بسرعة، ويجوز تسكين الراء انتهى "تلقتهم هوازن بالنبل" وفي رواية للبخاري: فرشقتهم هوازن. والرشق بالشين المعجمة والقاف رمي السهام، وهوازن قبيلة كبيرة من العرب فيها عدة بطون ينسبون إلى هوازن بن منصور بن عكرمة بن حفصة بن قيس بن غيلان بن إلياس بن مضر "ورسول الله صلى الله عليه وسلم على بغلته" هذه البغلة هي البيضاء كما في رواية الشيخين "وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب" بن هاشم وهو ابن عمر النبي صلى الله عليه وسلم، وكان إسلامه قبل فتح مكة لأنه خرج إلى النبي صلى الله عليه وسلم فلقيه في الطريق وهو سائر إلى فتح مكة، فأسلم وحسن إسلامه، وخرج إلى غزوة حنين فكان فيمن ثبت، كذا في الفتح "ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب" قال الحافظ

(5/334)


وفي البابِ عن عليّ وابنِ عُمَرَ.
وهذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
في الفتح قال ابن التين: كان بعض أهل العلم بفتح الباء من قوله لا كذب، ليخرجه عن الوزن.
وقد أجيب عن مقالته صلى الله عليه وسلم هذا الرجز بأجوبة أحدها أنه نظم غيره وأنه كان فيه أنت النبي لا كذب أنت ابن عبد المطلب. فذكره بلفظ أنا في الموضعين.
ثانيها: أنه رجز وليس من أقسام الشعر، وهذا مردود.
ثالثها أنه لا يكون شعراً حتى يتم قطعته، وهذه كلمات يسيرة ولا تسمى شعراً.
رابعها أنه خرج موزوناً ولم يقصد به الشعر، وهذا أعدل الأجوبة. وأما نسبته إلى عبد المطلب دون أبيه عبد الله فكأنها لشهرة عبد المطلب بين الناس لما رزق من نباهة الذكر وطول العمر، بخلاف عبد الله فإنه مات شاباً، ولهذا كان كثير من العرب يدعونه ابن عبد المطلب، كما قال ضمام بن ثعلبة لما قدم: أيكم ابن عبد المطلب، وقيل لأنه كان اشتهر بين الناس أنه يخرج من ذرية عبد المطلب رجل يدعو إلى الله ويهدي الله الخلق على يديه ويكون خاتم الأنبياء، فانتسب إليه ليتذكر ذاك من كان يعرفه، وقد اشتهر ذلك بينهم، وذكره سيف بن ذي يزن قديماً لعبد المطب قبل أن يتزوج عبد الله آمنة وأراد صلى الله عليه وسلم تنبيه أصحابه بأنه لا يدمن ظهوره وأن العاقبة له لتقوى قلوبهم إذا عرفوا أنه ثابت غير منهزم. وأما قوله "لا كذب" ففيه إشارة إلى أن صفة النبوة يستحيل معها الكذب، فكأنه قال: أنا النبي والنبي لا يكذب فلست بكاذب فيما أقول حتى أنهزم وأنا متيقن بأن الذي وعدني الله به من النصر حق فلا يجوز على الفرار. وقيل معنى قوله "لا كذب" أي أنا النبي حقاً لا كذب في ذلك، انتهى ما في الفتح.
قوله: "وفي الباب عن علي وابن عمر" أما حديث علي فأخرجه أحمد، وأما حديث ابن عمر فأخرجه الترمذي في هذا الباب.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان.

(5/335)


1739ـ حدثنا محمدُ بنُ عُمَرَ بنِ عليّ المُقَدّمِيّ البصري حدثني أبي عن سُفْيَانَ بنِ حُسَيْنٍ عَنْ عُبَيْدِ الله بنِ عُمَر عن نَافِعٍ عن ابنِ عُمَر قالَ: "لَقَدْ رَأَيْتُنَا يَوْمَ حُنَيْنٍ وإنّ الفِئَتَيْنِ لِمُوَلّيَتَينِ وَمَا مَعَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم مِائَةُ رَجُلٍ".
هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ لا نعرفه مِنْ حَدِيثِ عُبَيْدِ الله إلاّ مِنْ هذا الوجْهِ.
1740ـ حدثنا قُتَيْبَةُ حدثنا حَمّادُ بنُ زَيْدٍ عن ثَابِتٍ عن أَنَسٍ قال: "كانَ النبيّ صلى الله عليه وسلم أجرإ الناسِ، وأجْوَد النّاسِ، وأشْجَع
ـــــــ
قوله: "حدثنا محمد بن عمر بن علي" بن عطاء بن مقدم قوله: "المقدمي" بالتشديد البصري صدوق من صغار العاشرة "عن سفيان بن حسين" بن حسن الواسطي ثقة في غير الزهري باتفاقهم من السابعة مات بالري مع المهدي وقيل في أول خلافة الرشيد، كذا في التقريب.
قوله: "وإن الفئتين لموليتان" كذا في النسخ الحاضرة، وأورد الحافظ هذا الحديث في الفتح نقلاً عن الترمذي وفيه: وإن الناس لمولين، مكان: وإن الفئتين لموليتان، حيث قال: وروى الترمذي من حديث ابن عمر بإسناد حسن قال: لقد رأيتنا يوم حنين وإن الناس لمولين وما مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مائة رجل. قال الحافظ: وهذا أكثر ما وقفت عليه من عدد من أثبت يوم حنين. وروى أحمد والحاكم من حديث عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه قال: كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم حنين فولى عنه الناس وثبت معه ثمانون رجلاً من المهاجرين والأنصار فكنا على أقدامنا. ولم نولهم الدبر وهم الذين أنزل الله عليهم السكينة. وهذا لا يخالف حديث ابن عمر فإنه نفى أن يكونوا مائة، ولبن مسعود أثبت أنهم كانوالا ثمانين.
قوله: "أحسن الناس" أي خلقاً وخلقاً وصورة وسيرة ونسباً وحسباً ومعاشرة

(5/336)


الناسِ، قالَ: وقَدْ فَزِعَ أهلُ المَدِينَةِ لَيْلَة سَمِعُوا صَوْتاً قال: فَتَلَقّاهُمُ النبيّ صلى الله عليه وسلم على فَرَسٍ لأبي طَلْحَةَ عُرْيٍ وهو مُتَقَلّدٌ سَيْفَهُ، فقال: لَمْ ترَاعُوا لم تُرَاعُوا ، فقالَ النبيّ صلى الله عليه وسلم: وجَدْتُه بحراً ـ يَعْنِي الفَرَسَ".
هذا حديثٌ صحيحٌ.
ـــــــ
ومصاحبة "وأجود الناس" أي أكثرهم كرماً وسخاوة "وأشجع الناس" أي قوة وقلباً "ولقد فزع" بكسر الزاي أي خاف "ليلة سمعوا صوتاً" أي منكراً "فتلقاهم النبي صلى الله عليه وسلم" وفي رواية لمسلم: فتلقاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم راجعاً وقد سبقهم إلى الصوت "على فرس لأبي طلحة عرى" بضم فسكون أي ليس عليه سرج "وهو" أي النبي صلى الله عليه وسلم "متقلد سيفه" وفي رواية لمسلم: في عنقه السيف "لم تراعوا" بضم التاء والعين مجهول من الروع بمعنى الفزع والخوف أي لم تخافوا ولم تفزعوا، وأتى بصيغة الجحد مبالغة في النفي وكأنه ما وقع الروع والفزع قط "لم تراعوا" كرره تأكيداً أو كل لخطاب قوم من عن يمينه ويساره.
قوله: "هذا حديث صحيح" وأخرجه الشيخان

(5/337)


باب ماجاء في السيوف وحليتها
...
16ـ باب ما جاءَ في السّيُوفِ وَحِلْيَتِهَا
1741ـ حدثنا محمدُ بنُ صُدْرَانَ أبُو جَعْفَرٍ البَصْرِيّ حدثنا طَالِبُ بنُ حُجَيْرٍ عن هُودٍ بنُ عبدِ الله بن سَعْدٍ عن جَدّهِ مزِيدَةَ قال: "دَخَلَ
ـــــــ
"باب ما جاءَ في السّيُوفِ وَحِلْيَتِهَا"
قوله: "حدثنا محمد بن صدران أبو جعفر البصري" قال في التقريب: محمد بن إبراهيم بن صدران بضم المهملة والسكون الأزدي السلمي أبو جعفر المؤذن البصري وقد ينسب لجده صدوق من العاشرة "حدثنا طالب بن حجين" بمهملة وجيم مصغراً العبدي البصري صدوق من السابعة "عن هو بن عبد الله بن سعد"

(5/337)


رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَوْمَ الفَتْحِ وعلى سَيْفِهِ ذَهَبٌ وفِضّةٌ، قالَ طَالِبٌ: فَسَأَلْتُهُ عن الفِضّةِ فقال: كانَتْ قَبِيعَةُ السّيْفِ فِضّةً".
وفي البابِ عن أنَسٍ.
وهذا حديثٌ حسن غريبٌ. وجَدّ هُودٍ اسْمُهُ مَزِيدَةُ العَصَرِيّ.
ـــــــ
العبدي العصري مقبول من الرابعة "عن جده" لأمه "مزيدة" بوزن كبيرة ابن جابر أو ابن مالك وهو أصح، العصري صحابي مقل.
قوله: "دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم" أي مكة "فسألته" أي هوداً "وكانت قبيعة السيف فضة" في النهاية: هي التي تكون على رأس قائم السيف، وقيل ما تحت شاربي السيف، وفي القاموس: قبيعة السيف ما على طرف مقبضه من فضة أو حديدة. وقال الخطابي: قبيعة السيف الثومة التي فوق المقبض انتهى.
قوله: "وفي الباب عن أنس" أخرج حديثه الترمذي في هذا الباب.
قوله: "هذا حديث غريب" قال التوربشتي: حديث مزيدة لا يقوم به حجة إذ ليس له سند يعتد به، ذكر صاحب الاستيعاب حديثه وقال إسناده ليس بالقوي انتهى. وقال الذهبي في الميزان في ترجمة طالب بن حجير بعد ذكر هذا الحديث ما لفظه: قال الترمذي حسن غريب. وقال الحافظ: أبو الحسن القطار هو عندي ضعيف لا حسن، وصدق أبو الحسن تفرد طالب به وهو صالح الأمر إن شاء الله وهذا منكر، فما علمنا في حلية سيفه صلى الله عليه وسلم وسلم ذهباً، انتهى كلام الذهبي.
قلت: ويدل على ضعف هذا الحديث حديث أبي أمامة عند البخاري: لقد فتح الفتوح قوم ما كانت حلية سيوفهم الذهب ولا الفضة إنما كانت حليتهم العلابي والاَنك والحديد.
قال الحافظ في شرح هذا الحديث: وفي هذا الحديث أن تحلية السيوف وغيرها من آلات الحرب بغير الذهب والفضة أولى. وأجاب من أباحها بأن تحلية السيوف بالذهب والفضة إنما شرع لإرهاب العدو، وكان لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك غنية لشدتهم في أنفسهم وقوتهم في إيمانهم انتهى.

(5/338)


1742ـ حدثنا محمدُ بنُ بَشّارٍ حدثنا وَهْبُ بنُ جَرِيرٍ بن حازمٍ حدثنا أبي عن قَتَادَةَ عن أنَسٍ قالَ: "كانَتْ قَبِيعَةُ سَيْفِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم مِنْ فِضّةٍ".
هذا حديثٌ حسنٌ غَرِيبٌ وهَكَذَا رُوِيَ عن هَمّامٍ عن قَتَادَةَ عن أنَسٍ، وقَدْ رَوَى بعضُهُمْ عن قَتَادَةَ عن سَعِيدِ بنِ أبي الْحَسَنِ قَالَ: كانَتْ قَبِيعَةُ سَيْفِ رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم مِنْ فِضّةٍ.
ـــــــ
قوله: "حدثنا أبي" أي جرير بن حازم.
قوله: "وكانت قبيعة سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم من فضة" في شرح السنة: فيه دليل على جواز تحلية السيف بالقليل من الفضة، وكذلك المنطقة. واختلفوا في اللجام والسرج فأباحه بعضهم كالسيف وحرم بعضهم لأنه من زينة الدابة. وكذلك اختلفوا في تحلية سكين الحرب والمقلمة بقليل من الفضة، فأما التحلية بالذهب فغير مباح في جميعها.
قوله: "هذا حديث حسن غريب" وأخرجه أبو داود والنسائي والدارمي "وهكذا روي عن همام عن قتادة عن أنس" أي كما رواه جرير عن قتادة عن أنس أي كما رواه جرير عن قتادة عن أنس كذلك رواه همام عن قتادة عن أنس وقد رواه النسائي عنهما جميعاً فقال: أخبرنا أبو داود قال حدثنا عمرو بن عاصم قال حدثنا همام وجرير قال حدثنا عن أنس قال: كان نعل سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم من فضة وقبيعة سيفه فضة وما بين ذلك حلق فضة "وقد روى بعضهم عن قتادة عن سعيد بن أبي الحسن الخ" المراد من بعضهم هو هشام الدستوائي فقد روى أبو داود والنسائي من طريق هشام عن قتادة عن سعيد بن أبي الحسن قال كانت قبيعة سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم فضة، وهذا الحديث مرسل لأن سعيد بن أبي الحسن تابعي، قال الحافظ في التقريب: سعيد بن أبي الحسن البصري أخو الحسن ثقة من الثالثة.

(5/339)


ـــــــ
اعلم أن أبا داود والنسائي وغيرهما قد صرحوا بأن حديث هشام عن قتادة عن سعيد بن أبي الحسن هو المحفوظ، فقال أبو داود في سننه: أقوى هذه الأحاديث حديث سعيد بن أبي الحسن والباقية ضعاف. وقال الدارمي في مسنده: باب قبيعة سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثنا أبو النعمان حدثنا جرير بن حازم عن قتادة عن أنس قال: كانت قبيعة سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم من فضة، قال عبد الله يعني الدارمي: هشام الدستوائي خالفه فقال قتادة عن سعيد ابن أبي الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم وزعم الناس أنه هو المحفوظ. وقال الزيلعي: قال النسائي هذا حديث منكر والصواب قتادة عن سعد بن أبي الحسن وما رواه عن همام غير عمرو بن عاصم انتهى. وقال الحافظ في تهذيب رسول الله التهذيب: قال أحمد حديث جرير عن قتادة عن أنس قال: كانت قبيعة سيف صلى الله عليه وسلم فضة خطأ، والصواب عن قتادة عن سعيد بن أبي الحسن انتهى ما في تهذيب التهذيب محصلاً. لكن قال الحافظ ابن القيم إن حديث قتادة عن أنس محفوظ لاتفاق جرير بن حازم وهمام على قتادة عن أنس، والذي رواه عن قتادة عن سعيد بن أبي الحسن مرسلاً هو هشام الدستوائي، وهشام وإن كان مقدماً في أصحاب قتادة فليس همام وجرير إذاً تفقا بدونه انتهى.
قلت: الظاهر قال ما قال ابن القيم والله تعالى أعلم

(5/340)


باب ماجاء في الدرع
...
17ـ باب مَا جَاءَ في الدّرْع
1743ـ حدثنا أبو سَعِيدٍ الأَشَجّ حدثنا يُونُسُ بنُ بُكَيْرٍ عن محمدِ بنِ إسحاقَ عن يَحْيَى بنِ عَبّادِ بنِ عَبْدِ الله بنِ الزّبَيْرِ عن أبِيهِ عن جَدّهِ عبدِ الله بنِ الزّبَيْرِ عن الزبير بنِ العَوّامِ قالَ: "كانَ على النبيّ صلى الله
ـــــــ
"باب مَا جَاءَ في الدّرْع"
قوله: "عن جده عبد الله بن الزبير" بن العوام القرشي الأسدي كان أول مولود في الإسلام بالمدينة من المهاجرين وولي الخلافة تسع سنين: وقتل في ذي الحجة سنة ثلاث وسبعين، كذا في التقريب.

(5/340)


عليه وسلم دِرْعَانِ يَوْمَ أُحُدٍ، فَنَهَضَ إلى الصّخْرَةِ فَلَمْ يَسْتَطِعْ، فَأَقْعَدَ طَلْحَةَ تَحْتَهُ، فَصَعِدَ النبيّ صلى الله عليه وسلم عليه حتى اسْتَوَى على الصّخْرَةِ، فقالَ:سَمِعْتُ النبيّ صلى الله عليه وسلم يقولُ: "أوْجَبَ طَلْحَةُ" .
وفي البابِ عن صَفْوَانَ بنِ أُمَيّةَ والسّائِبِ بنِ يَزِيدَ.
وهذا حديثٌ حسن غريبٌ لا نَعْرِفُهُ إلاّ مِنْ حديثِ محمدِ بنِ إسحاقَ
ـــــــ
قوله: "كان على النبي صلى الله عليه وسلم درعان" أي مبالغة في قوله تعالى: {خُذُوا حِذْرَكُمْ} وقوله: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ} فإنها تشمل الدرع وإن فسرها النبي صلى الله عليه وسلم بأقوى أفرادها حيث قال: "ألا إن القوة الرمي" ، قال القاري: وفيه إشارة إلى جواز المبالغة في أسباب المجاهدة وأنه لا ينافي التوكل والتسليم بالأمور الواقعة المقدرة "يوم أحد" بضمتين موضع معروف بالمدينة "فنهض" أي قام متوجهاً "إلى الصخرة" أي التي كانت هناك يستوي عليها وينظر إلى الكفار ويشرف على الأبرار "أوجب طلحة" أي الجنة كما في رواية، والمعنى أنه أثبتها لنفسه بعمله هذا أو بما فعل في ذلك اليوم، فإنه خاطر بنفسه يوم أحد وفدى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعلها وقاية له حتى طعن ببدنه وجرح جميع جسده حتى شلت يده ببضع وثمانين جراحة كذا في المرقاة.

(5/341)


باب ماجاء في المغفر
...
18ـ باب ما جَاءَ في المِغْفَر
1744ـ حدثنا قُتَيْبَةُ حدثنا مالِكُ بنُ أَنَسٍ عن ابن شِهَابٍ عن أَنَسِ
ـــــــ
"باب ما جَاءَ في المِغْفَر"
قال في القاموس: المغفر كمنبر وبهاء وكتابة زرد من الدرع يلبس تحت

(5/341)


بنِ مَالِكٍ قالَ: "دَخَلَ النبيّ صلى الله عليه وسلم عَامَ الفَتْحِ وعلى رَأْسِهِ المِغْفَرُ فَقِيلَ لَهُ ابنُ خَطَلٍ مُتَعَلّقٌ بِأَسْتَارِ الكَعْبَةِ، فقال: اقْتُلُوهُ ".
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريب. لا نَعْرِفُ كَبِيرَ أحَدٍ رَوَاهُ غَيْرُ مالِكٍ عن الزّهْرِيّ.
ـــــــ
القلنسوة أو حلق يتقنع بها المتسلح انتهى. وقال في الصراح: زرد بالتحريك زرد بافته زراد زرة كر.
قوله: "وفي الباب عن صفوان بن أبي أمية والسائب بن يزيد" أما حديث صفوان بن أمية فأخرجه أحمد في مسنده، وأما حديث السائب بن يزيد فأخرجه أبو داود وابن ماجه عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان عليه يوم أحد درعان قد ظاهر بينهما.
قوله: "هذا حديث حسن غريب الخ" وأخرجه أحمد، كذا في المرقاة
قوله: "عام الفتح" أي عام فتح مكة "وعلى رأسه المغفر" زرد ينسج من الدروع على قدر الرأس، وقيل هو رفرف البيضة. قال في المحكم وفي المشارق: هو ما يجعل من فضل الدروع الحديد على الرأس مثل القلنسوة. وفي رواية زيد بن الحباب عن مالك يوم الفتح: وعليه مغفر من حديد. أخرجه الدارقطني في الغرائب "فقيل له" أي النبي صلى الله عليه وسلم "ابن خطل" بفتح الخاء المعجمة قال الحافظ: والجمع بين ما اختلف فيه من اسمه كان يسمى عبد العزى فلما أسلم سمى عبد الله، وأما من قال هلال فالتبس عليه بأخ له اسمه هلال انتهى. "قال اقتلوه" قال الحافظ: والسبب في قتل ابن خطل وعدم دخوله في قوله: من دخل المسجد فهو آمن، ما روى إسحاق في المغازي حدثني عبد الله بن أبي بكر وغيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين دخل مكة قال: "لا يتقل أحد إلا من قاتل إلا نفراً سماهم، فقال اقتلوهم وإن وجدتموهم تحت أستار الكعبة" ، منهم عبد الله بن خطل وعبد الله بن سعد، وإنما أمر بقتل ابن خطل لأنه كان مسلماً فبعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم مصدقاً وبعث معه رجلاً من الأنصار، وكان معه مولى يخدمه وكان مسلماً، فنزل منزلاً فأمر المولى أن يذبح تيساً ويصنع له طعاماً فنام واستيقظ ولم يصنع له شيئاً، فعدى عليه فقتله ثم ارتد مشركاً، وكانت له قينتان تغنيان بهجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم انتهى.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه البخاري في الحج وفي الجهاد وفي المغازي وفي اللباس، وأخرجه مسلم في المناسك، وأبو داود في الجهاد، والنسائي في الحج وفي السير، وابن ماجه في الجهاد.

(5/342)


ـــــــ
قوله: "لا نعرف كبير أحد رواه غير مالك عن الزهري" كذا في النسخ الحاضرة عندنا، ونقل الحافظ في الفتح هذه العبارة بلفظ: لا يعرف كثير أحد رواه غير مالك عن الزهري كما ستقف، قال الحافظ: وقيل إن مالكاً تفرد به عن الزهري، وممن جزم بذلك ابن الصلاح في علوم الحديث له في الكلام على الشاذ، وتعقبه شيخنا الحافظ أبو الفضل العراقي بأنه ورد من طريق ابن أخي الزهري وأبي أويس ومعمر والأوزاعي، وقال إن رواية ابن أخي الزهري عند والبزار ورواية أبي أويس عبد ابن سعد وابن عدي وأن رواية معمر ذكرها ابن عدي، وأن رواية الأوزاعي ذكرها المزني ولم يذكر شيخنا من أخرج روايتهما، وقد وجدت رواية معمر في فوائد ابن المقري، ورواية الأوزاعي في فوائد تمام، ثم نقل شيخنا عن ابن السدي أن ابن العربي قال حين قيل له لم يروه إلا مالك: قد رويته من ثلاثة عشر طريقاً غير طريق مالك وإنه وعد بإخراج ذلك ولم يخرج شيئاً. وأطال ابن السدي في هذه القصة وأنشد فيها شعراً وحاصلها أنهم اتهموا ابن العربي في ذلك ونسبوه إلى المجازفة، ثم شرح ابن السدي يقدح في أصل القصة ولم يصب في ذلك، فراوي القصة عدل متقن، والذين اتهموا ابن العربي في ذلك هم الذين أخطأوا لقلة اطلاعهم، وكأنه بخل عليهم بإخراج ذلك لما ظهر له من إنكارهم وتعنتهم وقد تتبعت طرقه حتى وقفت على أكثر من العدد الذي ذكره ابن العربي ولله الحمد، ثم ذكر الحافظ تلك الطرق التي وجدها ثم قال: فتبين بذلك أن إطلاق ابن الصلاح متعقب، وأن قول ابن العربي صحيح، وأن كلام من اتهمه مردود ولكن ليس في طرقه شيء على شرط الصحيح إلا طريق مالك، فيحمل قول من قال انفرد به مالك أي بشرط الصحة، وقول من قال توبع أي في الجملة، وعبارة الترمذي سالمة من الاعتراض فإنه قال بعد تخريجه حسن صحيح غريب لا يعرف كثير أحد رواه غير مالك عن الزهري، فقوله كثير يشير إلى أنه توبع في الجملة انتهى كلام الحافظ مختصراً

(5/343)


باب ماجاء في فضل الخيل
...
19ـ باب ما جَاءَ في فَضْلِ الْخَيْل
1745ـ حدثنا هَنّادٌ حدثنا عَبْثَرُ بنُ الْقَاسِمِ عَنْ حُصَيْنٍ عن الشّعْبِيّ
ـــــــ
"باب ما جَاءَ في فَضْلِ الْخَيْل"
قوله: "حدثنا عبثر" بفتح أوله وسكون الموحدة وفتح المثلثة "بن القاسم"

(5/343)


عن عُرْوَةَ البَارِقِيّ قال: قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "الْخَيْرُ مَعْقُودٌ في نوَاصِي الْخَيْلِ إلى يَوْمِ القِيَامَةِ: الأجْرُ والمَغْنَمُ" .
ـــــــ
الزبيدي بالضم أو زبيد كذلك الكوفي ثقة من الثامنة "عن عروة البارقي" هو ابن الجعد، ويقال ابن أبي الجعد، ويقال اسم أبيه عياض صحابي، سكن الكوفة وهو أول قاض بها.
قوله: "الخير معقود في نواصي الخيل" أي ملازم بها كأنه معقود فيها، كذا في النهاية: والمراد بالخيل ما يتخذ للغزو بأن يقاتل عليه أو يرتبط لأجل ذلك لقوله صلى الله عليه وسلم: الخيل لثلاثة الحديث، ولقوله في آخر الحديث الأجر والمغنم، قال عياض: إذا كان في نواصيها البركة فيبعد أن يكون فيها شؤم، فيحتمل أن يكون الشؤم في غير الخيل التي ارتبطت للجهاد وأن الخيل التي أعدت له هي المخصوصة بالخير والبركة، أو يقال الخير والشر يمكن اجمتاعهما في ذات واحدة، فإنه فسر الخير بالأجر والمغنم، ولا يمنع ذلك أن يكون ذلك الفرس مما يتشاءم به انتهى. "الأجر والمغنم" بدل من قوله الخير أو هو خير مبتدأ أو محذوف أي هو الأجر والمغنم، ووقع عند مسلم من رواية جرير عن حصين قالوا: بم ذلك يا رسول الله؟ قال الأجر والمغنم، قال الطيبي: يحتمل أن يكون الخير الذي فسر بالأجر والغنم استعاره لظهوره وملازمته، وخص الناصية لرفعة قدرها وكأنه شبهه لظهوره بشيء محسوس معقود على مكان مرتفع، فنسب الخير إلى لازم المشبه به، وذكر الناصية تجديداً للاستعارة، والمراد بالناصية هنا الشعر المسترسل على الجبهة قاله الخطابي وغيره. قالوا: ويحتمل أن يكون كنى بالناصية عن جميع ذات الفرس كما يقال: فلان مبارك الناصية، قال الحافظ: ويبعده لفظ الحديث الثالث يعني حديث أنس: البركة في نواصي الخيل. وقد روى مسلم من حديث جابر قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يلوي ناصية فرسه بأصبعه ويقول، فذكر الحديث، فيحتمل أن تكون الناصية خصت بذلك لكونها المقدم منها إشارة إلى أن الفضل في الإقدام بها على العدو دون المؤخر لما فيه من الإشارة إلا الإدبار.

(5/344)


وفي البابِ عن ابنِ عُمَرَ وأبي سَعِيدٍ وجَريرٍ وأبي هُرَيْرَةَ وأسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ والمُغِيرَةِ بنِ شُعْبَةَ وَجَابِرٍ.
وهذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وعُرْوَةُ هُوَ ابنُ أبي الْجَعْدِ البَارِقِيّ ويقالُ هو عُرْوَة بنُ الْجَعْدِ. قال أحمدُ بنُ حَنْبَلٍ: وفِقْهُ هذا الحديثِ أنّ الْجِهَادِ مَعَ كُلّ إمَامٍ إلى يَوْمِ القيامةِ.
ـــــــ
قوله: "وفي الباب عن ابن عمر، وأبي سعيد وجرير وأبي هريرة وأسماء بنت يزيد والمغيرة بن شعبة وجابر" أما حديث ابن عمر فأخرجه مالك وأحمد والشيخان والنسائي وابن ماجه، وأما حديث أبي سعيد فأخرجه أحمد، وأما حديث جرير فأخرجه أحمد ومسلم والنسائي والطحاوي، وأما حديث أبي هريرة فأخرجه الترمذي في باب من ارتبط فرساً في سبيل الله، وأخرجه أيضاً مسلم والنسائي وابن ماجه، وأما حديث أسماء بنت يزيد فأخرجه أحمد، وأما حديث المغيرة بن شعبة فأخرجه أبو يعلى. وأما حديث جابر فأخرجه أحمد والطحاوي. وفي الباب أحاديث أخرى عن غير هؤلاء الصحابة رضي الله عنهم ذكرها الحافظ في الفتح في شرح باب الجهاد ماض مع البر والفاجر.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه أحمد والشيخان والنسائي وابن ماجه والطحاوي.
قوله: "قال أحمد بن حنبل: وفقه هذا الحديث أن الجهاد مع كل إمام" أي براً كان أو فاجراً "إلى يوم القيامة" يعني أن الجهاد ماض مع كل إمام إلى يوم القيامة. وقال البخاري في صحيحه: باب الجهاد ماض مع البر والفاجر لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة" قال الحافظ: سبقه إلى الاستدلال بهذا الإمام أحمد لأنه صلى الله عليه وسلم ذكر بناء الخير في نواصي الخيل إلى يوم القيامة وفسره بالأجر والمغنم، والمغنم المقترن بالأجر إنما يكون من الخيل بالجهاد، ولم يقيد ذلك بما إذا كان الإمام عادلاً، فدل على أن لا فرق في حصول هذا الفضل بين أن يكون الغزو مع الإمام العادل والجائر انتهى

(5/345)


باب ما يستحب من الخيل
...
20ـ باب ما جاء مَا يُسْتَحَبّ مِنَ الْخَيْل
1746ـ حدثنا عبدُ الله بنُ الصّباحِ الهَاشِميّ البَصْرِيّ حدثنا يَزِيدُ بنُ هَارُونَ أخبرنا شَيْبَانُ يعني بن عبدِ الرحمنِ حدثنا عيسى بنُ عليّ بنِ عبدِ الله بن عباس عن أبيهِ عن ابنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "يُمْنُ الْخَيْلِ في الشّقْرِ" .
هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ. لا نَعْرِفُهُ إلاّ مِنْ هذا الوجْهِ مِنْ حديثِ شيبَانَ.
1747ـ حدثنا أحمدُ بنُ محمدٍ أخبرنا عبدُ الله بنُ المبَارَكِ أخبرنا ابنُ لَهِيعَةَ عن يَزِيدَ بنِ أبي حَبيبٍ عن عليّ بنِ رَبَاحٍ عن أبي قَتَادَةَ عن النبيّ
.ـــــــ
"باب ما جاء مَا يُسْتَحَبّ مِنَ الْخَيْل"
قوله: "حدثنا عيسى بن علي بن عبد الله" بن عباس الهاشمي الحجازي ثم البغدادي، صدوق مقل، كان معتزلاً للسلطان من السابعة "عن أبيه" أي علي بن عبد الله بن عباس، ثقة عابد من الثالثة.
قوله: "بمن يختار" أي بركنها "في الشقر" بضم أوله جمع أشقر وهو أحمر. قال في مختار الصحاح: الشقرة لون الأشقر وهي في الإنسان حمرة صافية وبشرته مائلة إلى البياض، وفي الخيل حمرة صافية يحمر معها العرف والذنب، فإن اسودا فهو الكميت.
قوله: "هذا حديث حسن غريب الخ" وأخرجه أحمد وأبو داود.
قوله: "حدثنا أحمد بن محمد" بن موسى أبو العباس السمسار المعروف بمردويه "عن علي بن رباح" بن قصير ضد الطويل اللخمي البصري ثقة والمشهور فيه علي بالتصغير وكان يغضب منها، من صغار الثالثة.

(5/346)


صلى الله عليه وسلم قالَ: "خَيْرُ الْخَيْلِ الأَدْهَمُ الأَقْرَح الأَرْنم ثم الأقْرَحُ المُحَجّلُ طلقُ اليَمِينِ، فإنْ لَمْ يَكُنْ أدْهَمَ فُكَمَيّتٌ على هذه الشّيَةِ" .
1748 ـ حدثنا محمدُ بنُ بَشّارٍ حدثنا وَهْبُ بنُ جَرِيرٍ حدثنا أبي عن يَحْيَى بنِ أيّوبَ عن يَزِيدَ بنِ أبي حَبيبٍ بهذا الاسناد نَحْوَهُ بِمَعْنَاهُ.
هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ صحيحٌ
ـــــــ
قوله: "خير الخيل الأدهم" قال التوربشتي: الأدهم الذي يشتد سواده، وقوله "الأقرح" الذي في وجهه القرحة بالضم وهي ما دون الغرة يعني فيه بياض يسير ولو قدر درهم "الأرثم" بالمثلثة أي في جحفلته العليا بياض يعني أنه الأبيض الشفة العليا، وقيل الأبيض الأنف، قاله القاري، والجحفلة بمنزلة الشفة للخيل والبغال والحمير "ثم" أي بعد ما ذكر من الأوصاف المجتمعة في الفرس "الأقرح المحجل" التحجيل بياض في قوائم الفرس أو في ثلاث منها أو في رجليه قل أو كثر بعد أن يجاوز الأرساغ لا يجاوز الركبتين والعرقوبين "طلق اليمين" بضم الطاء واللام ويسكن إذا لم يكن في إحدى قوائهما تحجيل "فإن لم يكن" أي الفرس "أدهم" أي أسود من الدهمة وهي السواد على مافي القاموس "فكميت" بالتصغير أي بأذنيه وعرفه سواد والباقي أحمر. وقال التوربشتي: الكميت من الخيل يستوي فيه المذكر والمؤنث والمصدر الكميتة وهي حمرة يدخلها فترة. وقال الخليل: إنما صغر لأنه بين السواد والحمرة لم يخلص لواحد منهما فأرادوا بالتصغير أنه قريب منهما "على هذه الشية" بكسر الشين المعجمة وفتح التحتية، وأي العلامة، وهي في الأصل كل لون يخالف معظم لون الفرس وغيره والهاء عوض عن الواو الذاهبة من أوله وهمزها لحن، وهذه إشارة إلى الأفراح الأرثم ثم المحجل طلق اليمين
قوله: "هذا حديث حسن غريب صحيح" وأخرجه أحمد وابن ماجه والدارمي والحاكم

(5/347)


باب مايكره من الخيل
...
21ـ باب ما يُكْرَهُ مِنَ الْخَيْل
1749 ـ حدثنا محمد بن بشّارٍ حدثنا يحيى بن سَعِيدٍ حدثنا سفيانُ حدثنا سِلْمُ بنُ عبدِ الرحمَنِ عن أبي زُرْعةَ بنِ عَمْرِو بنِ جَرِيرٍ عن أبي هُرَيْرَةَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنّهُ كَرِهَ الشّكَال في الْخَيْلِ.
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وقد رَوَاهُ شُعْبَةُ عن عَبْدِ الله بنِ يَزِيدَ
ـــــــ
"باب ما يُكْرَهُ مِنَ الْخَيْل"
قوله: "حدثنا سلم بن عبد الرحمن" النخعي الكوفي أخو حصين، قيل يكنى أبا عبد الرحيم صدوق من السادسة له عندهم حديث واحد كذا في التقريب.
قوله: "أنه كره الشكال" بكسر أوله "في الخيل" وفي رواية مسلم في الخيل، وزاد في روايته والشكال أن يكون الفرس في رجله اليمنى بياض وفي يده اليسرى ويده اليمنى ورجله اليسرى. قال النووي: وهذا التفسير هو أحد الأقوال في الشكال. وقال أبو عبيد وجمهور أهل اللغة، والغريب هو أن يكون منه ثلاث قوائم محجلة وواحدة مطلقة تشبيهاً بالشكال الذي يشكل به الخيل فإنه يكون في ثلاث قوائم غالباً. قال أبو عبيد: وقد يكون الشكال ثلاث قوائم مطلقة وواحدة محجلة، قال: ولا يكون المطلقة من الأرجل أو المحجلة إلا الرجل. قال ابن دريد: الشكال أن يكون محجلة من شق واحد في يده ورجله فإن كان مخالفاً قيل الشكال مخالف. قال القاضي: قال أبو عمرو المطرز: قيل الشكال بياض الرجل اليمنى واليد اليمنى، وقيل بياض الرجل اليسرى واليد اليسرى، وقيل بياض اليدين، وقيل بياض الرجلين، وقيل بياض الرجلين ويد واحدة، وقيل بياض اليدين ورجل واحدة. وقال العلماء: إنما كرهه لأنه على صورة المشكول، وقيل يحتمل أن يكون قد جرب ذلك الجنس فلم يكن فيه نجابة. قال بعض العلماء: إذا كان مع ذلك أغر زالت الكراهة لزوال شبه الشكال.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه أحمد ومسلم وأصحاب السنن

(5/348)


الْخَثْعَمِيّ عن أبي زُرْعَةَ عن أبي هُرَيْرَةَ نَحْوَهُ. وأبو زُرْعَةَ بنُ عَمْرِو بنِ جَرِيرٍ اسْمُهُ هَرِمٌ.
1750-حدثنا محمدُ بنُ حُمَيْدٍ الرّازِيّ حدثنا جَرِيرٌ عن عُمَارَةَ بنِ القَعْقَاعِ قالَ: قالَ لِي إبراهيم النّخَعِيّ: إذا حَدّثْتَنِي فَحَدّثْنِي عن أبي زُرْعَةَ فَإِنّهُ حَدّثَنِي مَرّةً بِحَدِيثٍ ثُمّ سَأَلْتُهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِسِنِينَ فما خَرَمَ مِنْهُ حَرْفاً.
ـــــــ
"وقد رواه شعبة عن عبد الله بن يزيد الخثعمي عن أبي زرعة عن أبي هريرة نحوه" قال في التقريب: عبد الله بن يزيد النخعي الكوفي عن أبي زرعة عن شكال الخيل، قال أحمد صوابه سلم بن عبد الرحمن أخطأ شعبة في اسمه: وقال في تهذيب التهذيب في ترجمته: قال المؤلف وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: شعبة يخطئ في هذا يقول عبد الله بن يزيد وإنما هو سلم بن عبد الرحمن النخعي انتهى.
قوله: "حدثنا محمد بن حميد الرازي" حافظ ضعيف، وكان ابن معين حسن الرأي فيه من العاشرة "حدثنا جرير" هو ابن عبد الحميد.
قوله: "فما خرم" من باب ضرب، أي ما نقص، يعني أنه كان في غاية من الحفظ والإتقان

(5/349)


باب ماجاء في الرهان
...
22ـ بابُ مَا جَاء في الرّهَانِ
1751ـ حدثنا محمدُ بنُ وَزِيرِ حدثنا إسحاقُ بنُ يوسفَ الأزْرَقُ عن سُفْيَانَ عن عُبَيدِ الله عن نَافِعٍ عن ابنِ عُمَرَ: "أنّ رَسولَ الله صلى الله عليه وسلم أجْرَى المُضَمّرَ مِنَ الْخَيْلِ مِنَ الْحَفْيَاءِ إلَى ثَنِيّةِ الوَدَاعِ
ـــــــ
"بابُ مَا جَاء في الرّهَانِ"
قال في القاموس: الرهان والمراهنة: المخاطرة والمسابقة على الخيل.
قوله: "حدثنا محمد بن الوزير" بن قيس العبدي الواسطي ثقة عابد من العاشر.
قوله: "أجرى المضمر" الإضمار والتضمير أن تعلف الخيل حتى تسمن وتقوى

(5/349)


وبَيْنَهُمَا سِتّةُ أَمْيَالٍ، وما لَمْ يُضَمّر من الخيل مِنَ ثَنِيّةِ الوَادَعِ إلى مَسْجِدِ بَنِي زُرَيْق وَبَيْنَهُمَا ميْلٌ وكُنْتُ فِيمَنْ أجْرَى، فَوَثَبَ بي فَرَسِي جِدَاراً".
ـــــــ
ثم يقلل علفها بعد، بقدر الفوت وتدخل بيتاً وتعشى بالجلال حتى تحمى فتعرق فإذا جف عرقها خف لحمها وقويت على الجري "من الحفياء" بفتح المهملة وسكون الفاء بعدها تحتانية ومد، مكان خارج المدينة ويجوز القصر، وفي رواية للبخاري سابق وهو المراد من قوله أجرى "إلى ثنية الوداع" مكان آخر خارج المدينة وأضيف الثنية إلى الوداع لأنها موضع التوديع "إلى مسجد بني زريق" بضم الزاي وفتح الراء اسم رجل "وبينهما" أي بين الثنية والمسجد "ميل" إنما جعل غاية المضمرة أبعد لكونها أقوى "فوثب بي فرسي جداراً" وفي رواية لمسلم: قال عبد الله فجئت فطفف بي الفرس المسجد، قال النووي: أي علا ووثب إلى المسجد وكان جداره قصيراً، وهذا بعد مجاوزته الغاية، لأن الغاية هي هذا المسجد وهو مسجد بني زريق انتهى. وفي الحديث مشروعية المسابقة وأنه ليس من العبث بل من الرياضة المحمودة الموصلة إلى تحصيل المقاصد في الغزو والانتفاع بها عند الحاجة، وهي دائرة بين الاستحباب والإباحة بحسب الباعث على ذلك. قال القرطبي: لا خلاف في جواز المسابقة على الخيل وغيرها من الدواب على الأقدام، وكذا الترامي بالسهام واستعمال الأسلحة لما في ذلك من التدريب على الحرب.
وفيه جواز الخيل ولا يخفى اختصاص استحبابها بالخيل المعدة للغزو.
وفيه مشروعية الإعلام بالابتداء والانتهاء عند المسابقة.
تنبيه: لم يتعرض في هذا الحديث للمراهنة على ذلك، لكن ترجم الترمذي له باب المراهنة على الخيل، ولعله أشار إلى ما أخرجه أحمد من رواية عبد الله بن عمر المكبر عن نافع عن ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سابق بين الخيل وراهن، قاله الحافظ: وقال وقد أجمع العلماء على جواز المسابقة بغير عوض، لكن قصرها مالك والشافعي على الخف والخافر والنصل، وخصة بعض العلماء بالخيل، وأجازه عطاء في كل شيء، واتفقوا على جوازها

(5/350)


ـــــــ
بعوض بشرط أن يكون من غير المتسابقين كالإمام حيث لا يكون له معهم فرس، وجوز الجمهور أن يكون من أحد الجانبين من المتسابقين، وكذا إذا كان معهما ثالث محلل بشرط أن يكون من عنده شيئاً ليخرج العقد عن صورة القمار، وهو أن يخرج كل منهما سبقاً، فمن غلب أخذ السبقين فاتفقوا على منعه، ومنهم من شرط في المحلل أن يكون لا يتحقق السبق في مجلس السبق.
قلت: ويدل على قوله: وكذا إذا كان معهما ثالث محلل الخ حديث أبي هريرة مرفوعاً: "من أدخل فرساً بين فرسين فإن كان يؤمن أن يسبق فلا خير فيه وإن كان لا بد لا يؤمن أن يسبق فلا بأس به" ، رواه في شرح السنة. قال المظهر: اعلم أن المحلل ينبغي أن يكون على فرس المخرجين أو قريباً من فرسيهما في العدو، فإن كان فرس المحلل جواداً بحيث يعلم المحلل أن فرسي المخرجين لا يسبقات فرسه لم يجز بل وجوده كعدمه، وإن كان لا يعلم أنه يسبق فرسي المخرجين يقيناً أو أنه يكون مسبوقاً جاز. وفي شرح السنة ثم في المسابقة من كان المال من جهة الإمام أو من جهة واحد من عرض الناس شرط للسابق من الفارسين مالاً معلوماً فجائز، وإذا سبق استحقه، وإن كان من جهة الفارسين فقال أحدهما لصاحبه: إن سبقتني فلك علي كذا وإن سبقتك فلا شيء لي عليك، فهو جائز أيضاً، فإذا سبق استحق المشروط وإن كان المال من جهة كل واحد منهما بأن قال لصاحبه إن سبقتك فلي عليك كذا، وإن سبقتني فلك علي كذا، فهذا لا يجوز إلا بمحلل يدخل بينهما إن سبق المحلل أخذ السبقين، وإن سبق فلا شيء عليه، وسمى محللاً لأنه محلل للسابق أخذ المال، فبالمحلل يخرج العقد عن أن يكون قماراً، لأن القمار يكون الرجل متردداً بين الغنم والغرم فإذا دخل بينهما لم يوجد فيه هذا المعنى، ثم إذا جاء المحلل أو لا ثم جاء المستبقان معاً أو أحدهما بعد الآخر أخذ المحلل السبقين، وإن جاء المستبقان معاً ثم المحلل فلا شيء لأحد، وإن جاء أحد المستبقين أولاً ثم المحلل والمستبق الثاني إما معاً أو أحدهما بعد الآخر، أحرز السابق سبقه وأخذ سبق المستبق الثاني، ومن جاء المحلل وأحد المستبقين معاً ثم جاء الثاني مصلياً أخذ السابقان سبقه كذا في المرقاة.

(5/351)


وفي البابِ عن أبي هُرَيْرَةَ وجَابِرٍ وعائشة وَأَنَسٍ.
وهذا حديثٌ صحيحٌ حسنٌ غريبٌ مِنْ حَديثِ الثّوْرِيّ.
1752 ـ حدثنا أبو كُرَيْبٍ حدثنا وَكِيعٌ عن ابنِ أبي ذِئْبٍ عن نَافِعٍ بنِ أبي نَافِعٍ عن أبي هُرَيْرَةَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "لا سَبَقَ إلاّ في نَصْلٍ أوْ خُف أوْ حَافِرٍ" .
ـــــــ
قوله: "وفي الباب عن أبي هريرة وجابر وأنس وعائشة" أما حديث أبي هريرة فأخرجه الترمذي في هذا الباب وله حديث آخر تقدم لفظه، وأما حديث جابر فأخرجه الدارقطني، وأما حديث أنس فأخرجه البخاري، وأما حديث عائشة فأخرجه الشافعي وأبو داود وابن ماجه وابن حبان والبيهقي ومن حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: سابقت رسول الله صلى الله عليه وسلم فسبقته، فلما حملت اللحم سابقته فسبقني، فقال هذه بتلك. قال الحافظ: واختلف فيه على هشام فقيل هكذا، وقيل عن رجل عن أبي سلمة، وقيل عن أبيه وعن أبي سلمة عن عائشة كذا في التلخيص.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح غريب" وأخرجه الشيخان.
قوله: "عن نافع بن أبي رافع" البزار كنيته أبو عبد الله مولى أبي أحمد، ثقة من الثالثة.
قوله: "لا سبق" بفتحتين، وقال في النهاية: هو بفتح الباء ما يجعل من المال رهناً على المسابقة، وبالسكون مصدر سبقت أسبق. وقال الخطابي: الرواية الفصيحة بفتح الباء، والمعنى لا يحل أخذ المال بالمسابقة "إلا في نصل" أي للسهم "أو خف" أي للبعير "أو حافر" أي للخيل. قال الطيبي: ولا بد فيه من تقدير أي ذي نصل وذي خف وذي حافر. وقال ابن الملك: المراد ذو نصل كالسهم، وذو خف كالإبل والفيل، وذو حافر كالخيل والحمير، أي لا يحل أخذ المال بالمسابقة إلا في أحدها وألحق بعض بها المسابقة بالأقدام، وبعض المسابقة بالأحجار. وفي شرح السنة: ويدخل في معنى الخيل البغال والحمير، وفي معنى الإبل الفيل، قيل لأنه أغنى

(5/352)


ـــــــ
من الإبل في القتال، وألحق بعضهم الشد على الأقدام والمسابقة عليها، وفيه إباحة أخذ المال على المناضلة لمن نضل، وعلى المسابقة على الخيل والإبل لمن سبق، وإليه ذهب جماعة من أهل العلم لأنها عدة لقتال العدو، وفي بذل الجعل عليها ترغيب في الجهاد. قال سعيد بن المسيب: ليس برهان الخيل بأس إذا أدخل فيها محلل، والسباق بالطير والرجل وبالحمام وما يدخل في معناها مما ليس من عدة الحرب ولا من باب القوة على الجهاد، فأخذ المال عليه قمار محظور. وسئل ابن المسيب عن الدحو بالحجارة فقال لا بأس به، يقال فلان يدحو بالحجارة أي يرمي بها. قال الحافظ في التلخيص بعد ذكر حديث أبي هريرة هذا أخرجه أحمد وأصحاب السنن والشافعي والحاكم من طرق وصححه ابن القطان وابن دقيق العيد. وأعلّ الدارقطني بعضها بالوقف، ورواه الطبراني وأبو الشيخ من حديث ابن عباس انتهى

(5/353)


باب ماجاء في كراهية أن ينزي الحمر على الخيل
...
23ـ باب ما جاءَ في كَرَاهِيَةِ
أنْ تنزَى الْحُمُر على الْخَيْل
1753ـ حدثنا أبُو كُرَيْبٍ حدثنا إسماعيلُ بنُ إبراهيم حدثنا أبُو جَهْضَمٍ مُوسى بنُ سَالِمٍ عن عبدِ الله بنِ عُبَيْدِ الله بنِ عَبّاسٍ عن ابنِ عبّاسٍ قال: "كانَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عَبْداً مأمُوراً ما اخْتَصّنَا دُونَ الناسِ بِشَيْءٍ
ـــــــ
"باب ما جاءَ في كَرَاهِيَةِ أنْ تنزَى الْحُمُر على الْخَيْل"
قوله: "حدثنا موسى بن سالم أبو جهضم" مولى آل العباس صدوق من السادسة "عن عبد الله بن عبيد الله بن عباس" بن عبد المطلب الهاشمي ثقة من الرابعة.
قوله: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عبداً مأموراً" أي بأوامره منهياً عن نواهيه، أو مأموراً بأن يأمر أمته بشيء وينهاهم عن شيء، كذا قيل. وقال القاضي: أي مطوعاً غير مستبد في الحكم ولا حاكم يقتضى ميله وتشهّيه حتى يخص من شاء بما شاء من الأحكام انتهى. والأظهر أن يقال إنه كان مأموراً بتبليغ الرسالة عموماً لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ} الآية "ما اختصنا" أي أهل البيت، يريد به نفسه وسائر أهل بيت النبوة "دون الناس"

(5/353)


إلا بِثلاثَ: أمَرَنَا أنْ نُسْبِغَ الوُضُوءَ، وأن لا نأكُلَ الصّدَقَةَ، وأن لا نُنْزِيَ حِمَاراً على فَرَسٍ".
ـــــــ
أي متجاوزاً عنهم "إلا بثلاث" أي ما اختصنا بكم لم يحكم به على سائر أمته ولم يأمرنا بشيء لم يأمرهم به انتهى. إلا بثلاث خصال. "أمرنا أن نسبغ الوضوء" بضم أوله أي نستوعب ماءه أو نكمل أعضاءه قال في المغرب: أي وجوباً لأن إسباغ الوضوء مستحب للكل "وأن لا ننزى حماراً على فرس" من أنزى الحمر على الخيل حملها عليه، ولعله كان هذا نهي تحريم بالنسبة إليهم. وقال القاضي: الظاهر أن قوله: أمرنا الخ تفضيل للخصال، وعلى هذا ينبغي أن يكون الأمر أمر إيجاب، وإلا لم يكن فيه اختصاص لأن إسباغ الوضوء مندوب على غيرهم، وإنزاء الحمار على الفرس مكروه مطلقاً لحديث علي، والسبب فيه قطع النسل واستبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير البغلة لا تصلح للكر والفر ولذلك لا سهم لها في الغنيمة ولا سبق فيها على وجه، ولأنه علق بأن لا يأكل الصدقة وهو واجب فينبغي أن يكون قرينة أيضاً كذلك وإلا لزم استعمال اللفظ الواحد في معنيين مختلفين، اللهم إلا أن يفسر الصدقة بالتطوع، أو الأمر بالمشترك بين الإيجاب والندب. ويحتمل أن المراد به أنه صلى الله عليه وسلم ما اختصنا بشيء إلا بمزيد الحث والمبالغة في ذلك انتهى.
وفي الحديث رد بليغ على الشيعة حيث زعموا أن النبي صلى الله عليه وسلم اختص أهل البيت بعلوم مخصوصة، ونظيره ما صح عن علي رضي الله عنه حين سئل: هل عندكم شيء ليس في القرآن؟ فقال: والذي خلق الجنة بيده وبرأ النسمة ما عندنا إلا ما في القرآن إلا فهماً يعطي الرجل في كتابه وما في الصحيفة. الحديث.
قال الطحاوي في شرح الآثار بعد رواية حديث ابن عباس المذكور في الباب، وحديث علي الذي أشار إليه الترمذي ما لفظه: ذهب قوم إلى هذا فكرهوا إنزاء الحمر على الخيل وحرموا ذلك ومنعوا منه واحتجوا بهذه الآثار، وخالفهم في ذلك آخرون فلم يروا بذلك بأساً وكان من الحجة لهم في ذلك أن ذلك لو كان مكروهاً لكان ركوب البغال مكروهاً، لأنه لولا رغبة الناس في البغال وركوبهم إياها لما

(5/354)


ـــــــ
أنزلت الحمر على الخيل. ألا ترى لما نهى عن إخصاء بني آدم كره بذلك الخصيان لأن في اتخاذهم ما يحمل من تخصيصهم على إخصائهم، لأن الناس إذا تحاموا اتخاذهم لم يرغب أهل الفسق في إخصائهم، ثم ذكر بسنده عن العلاء بن عيسى الذهبي أنه قال: أتى عمر بن عبد العزيز بخصي فكره أن يبتاعه وقال: ما كنت لأعين على الإخصاء، فكل شيء في ترك كسبه ترك لبعض أهل المعاصي لمعصيتهم فلا ينبغي كسبه، فلما أجمع على إباحة اتخاذ البغال وركوبها دل ذلك على أن النهي الذي في الآثار الأول لم يرد به التحريم ولكنه أريد به معنى آخر، ثم ذكر أحاديث ركوبه صلى الله عليه وسلم على البغال ثم قال:
فإن قال قائل: فما معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: إنما يفعل ذلك الذين لا يعلمون.
قيل له: قد قال أهل العلم في ذلك معناه أن الخيل قد جاء في ارتباطها واكتسابها وعلفها الأجر وليس ذلك في البغال. فقال النبي صلى الله عليه وسلم إنما ينزو فرس على فرس حتى يكون عنهما ما فيه الأجر، ويحمل حماراً على فرس فيكون عنهما بغل لا أجر في ارتباطه، ثم ذكر أحاديث فضل ارتباط الخيل ثم قال:
فإن قال قائل: فما معنى اختصاص النبي صلى الله عليه وسلم بني هاشم بالنهي عن إنزاء الحمير على الخيل؟
قيل له: لما حدثنا ابن أبي داود قال حدثنا أبو عمر الحوضي قال حدثنا المرجي هو ابن رجاء قال حدثنا أبو جهضم قال حدثني عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس قال: ما اختصنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بثلاث: أن لا نأكل الصدقة، وأن نسبغ الوضوء، وأن لا ننزي حماراً على فرس، قال فلقيت عبد الله بن الحسن وهو يطوف بالبيت فحدثته، فقال صدق، كانت الخيل قليلة في بني هاشم فأحب أن تكثر فيهم، فبين عبد الله بن الحسن بتفسيره هذا المعنى الذي له اختص رسول الله صلى الله عليه وسلم بني هاشم أن لا ننزأوا الحمار على فرس، وأنه لم يكن للتحريم وإنما كانت العلة قلة الخيل فيهم، فإذا ارتفعت تلك العلة وكثرت الخيل في أيديهم صاروا في ذلك كغيرهم. وفي اختصاص النبي صلى الله عليه وسلم إياهم بالنهي عند

(5/355)


وفي البابِ عن عَلِيّ.
وهذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
وَرَوَى سُفيانُ الثّوْرِيّ هذا عن أبي جَهْضَمٍ فقالَ: عن عُبَيْدِ الله بنِ عَبْدِ الله بنِ عبّاسٍ عن ابنِ عبّاسٍ. قال وسَمِعْتُ محمداً يقولُ: حَدِيثُ الثّوْرِيّ غَيْرُ مَحْفُوظٍ، وَوَهِمَ فِيهِ الثّوْرِيّ، والصّحِيحُ ما رَوَى إسماعيلُ بنُ عُلَيّةَ وعبدُ الوَارِثِ بنُ سَعِيدٍ عن أبي جَهْضَمٍ عن عَبْدِ الله بنِ عبيد الله بنِ عبّاسٍ عن ابنِ عبّاسٍ.
ـــــــ
ذلك دليل على إباحته إياه لغيرهم. ولما كان صلى الله عليه وسلم قد جعل في ارتباط الخيل ما ذكرنا من الثواب والأجر وسئل عن ارتباط الحمير فلم يجعل في ارتباطها شيئاً والبغال التي هي خلاف الخيل مثلها كان من ترك أن تنتج ما في ارتباطه وكسبه ثواب وأنتج ما لا ثواب في ارتباطه وكسبه من الذين لا يعلمون.
فلقد ثبت بما ذكرنا إباحة نتج البغال لبني هاشم وغيرهم وإن كان إنتاج الخيل أفضل من ذلك وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد رحمة الله عليهم أجمعين. انتهى كلام الطحاوي مختصراً.
قلت: في كلام الطحاوي هذا أنظار كما لا يخفى على المتأمل. قال الطيبي: لعل الإنزاء غير جائز والركوب والتزين به جائز من كان كالصور، فإن عملها حرام واستعمالها في الفرش والبسط مباح.
قلت: وكذا تخليل الخمر حرام وأكل الخمر جائز على رأي بعض الأئمة.
قوله: "وفي الباب عن علي" أخرجه أبو داود والطحاوي عنه قال: أهديت لرسول الله صلى الله عليه وسلم بغلة فركبها، فقال علي: لو حملنا الحمير على الخيل فكانت لنا مثل هذه؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنما يفعل ذلك الذين لا يعلمون" .
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه النسائي والطحاوي

(5/356)


باب ماجاء في الإستفتاح بصعاليك المسلمين
...
24ـ باب ما جاءَ في الاسْتِفْتَاحِ بِصَعَالِيكِ المُسْلِمِين
1754ـ حدثنا أحمدُ بنُ محمدٍ بن موسى حدثنا بنُ المُبَارَكِ أخبرنا عبدُ الرحمَنِ بنُ يَزِيدَ بنِ جَابِرٍ حدثني زَيْدُ بنُ أرْطَأَةَ عن جُبَيْرِ بنِ نُفَيْرٍ عن أبي الدّردَاءِ قالَ: سَمِعْتُ النبيّ صلى الله عليه وسلم يقولُ: "ابْغُونِي في ضُعَفَائِكُمْ، فَإِنّمَا ترْزَقُونَ وَتُنْصَرُونَ بِضُعَفَائِكُمْ" .
ـــــــ
"باب ما جاءَ في الاسْتِفْتَاحِ بِصَعَالِيكِ المُسْلِمِين"
الصعاليك جمع صعلوك. قال في القاموس: والصعلوك كعصفور الفقير وَتَصَعْلَكَ افْتَقَرْ والمراد من الاستفتاح بهم الاستنصار بهم. روى الطبراني عن أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستفتح بصعاليك المسلمين، قال المنذري: رواته رواة الصحيح وهو مرسل، وفي رواية يستنصر بصعاليك المسلمين. قال المناوي في شرح الجامع الصغير: قوله يستنصر بصعاليك المسلمين أي يطلب النصر بدعاء فقرائهم تيمناً بهم ولأنهم لانكسار خواطرهم دعاءهم أقرب إجابة، ورواه في شرح السنة بلفظ: كان يستفتح بصعاليك المهاجرين. قال القاري: أي بفقرائهم وببركة دعائهم. وفي النهاية: أي يستنصر بهم، ومنه قوله تعالى: {إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ} قال القاري: ولعل وجه التقييد بالمهاجرين لأنهم فقراء غرباء مظلومون مجتهدون مجاهدون فيرجى تأثير دعائهم، أكثر من عوام المؤمنين وأغنيائهم انتهى.
قوله: "حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر" الأزدي أبو عتبة الشامي الداراني ثقة من السابعة قوله: "حدثني زيد بن أرطاة" الفزاري الدمشقي أخو عدي ثقة عابد من الخامسة.
قوله: "ابغوني" قال الطيبي بهمزة القطع والوصل يقال: بغى يبغي، بغاء إذا طلب، وهذا نهي عن مخالطة الأغنياء وتعليم منه انتهى.
قلت: الظاهر أنه بهمزة الوصل. قال في القاموس: بغيت الشيء أبغيه بغأ

(5/357)


هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
وبغا وبغية بضمهن وبغية بالكسر طلبته كابتغيته وتبغيته واستبغيته انتهى. وأما بهمزة القطع فلا يناسب ههنا. قال في القاموس: أبغاه الشيء طلبه له وأعانه على طلبه "في ضعفائكم" أي فقرائكم "فإنما ترزقون" بصيغة المجهول "تنصرون" أي على الأعداء، وهذا أيضاً بصيغة المجهول "بضعفائكم" أي بسببهم أو ببركة دعائهم.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه أبو داود والنسائي

(5/358)


باب ماجاء في الأجراس على الخيل
...
25ـ باب ما جاءَ في كراهية الأجْرَاسِ على الْخَيْل
1755 ـ حدثنا قُتَيْبَةُ حدثنا عبدُ العَزِيزِ بنُ محمدٍ عن سُهَيْلٍ بنِ أبي صَالِحٍ عن أبِيهِ عن أبي هُرَيْرَةَ أنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: "لا تَصحَبُ المَلاَئِكَةُ رُفقَةً فيها كَلْبٌ ولا جَرَسٌ" .
ـــــــ
"باب ما جاءَ في كراهية الأجْرَاسِ على الْخَيْل"
الأجراس جمع جرس بالتحريك وهو الذي يعلق في عنق البعير والذي يضرب به أيضاً كذا في القاموس. وقال الجزري في النهاية: فيه حديث لا تصحب الملائكة رفقة فيها جرس هو الجلجل الذي يعلق على الدواب، قيل إنما كرهه لأنه يدل على أصحابه بصوته، وكان عليه السلام يحب أن لا يعلم العدو به حتى يأتيهم فجأة، وقيل غير ذلك انتهى.
قوله: "لا تصحب الملائكة" أي ملائكة الرحمة لا الحفظة "رفقة" بضم أوله أي جماعة ترافقوا، وهي مثلثة الراء على ما في القاموس. وقال النووي بكسر الراء وضمها "فيها كلب" أي لغير الصيد والحراسة "ولا جرس" بزيادة لا للتأكيد. قال الطيبي: جاز عطفه على قوله: فيها كلب وإن كان مثبتاً لأنه في سياق النفي. في المغرب: الجرس بفتحتين ما يعلق بعنق الدابة وغيره فيصوت. قال النووي: وسبب الحكمة في عدم مصاحبة الملائكة مع الجرس أنه شيبه بالنواقيس أو لأنه من المعاليق المنهي عنها لكراهة صوتها، ويؤيده قوله: الجرس مزامير الشيطان،

(5/358)


وفي البابِ عن عُمَرَ وعائِشَةَ وأُمّ حَبِيبَةَ وأُمّ سَلَمَةَ.
وهذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
وهو مذهبنا ومذهب مالك وهي كراهة تنزيه. وقال جماعة من متقدمي علماء الشام: يكره الجرس الكبير دون الصغير انتهى.
قلت: لفظ الحديث مطلق فيدخل فيه كل جرس كبيراً كان أو صغيراً فالتقييد بالجرس الكبير يحتاج إلى الدليل. وروى أبو داود في سننه قال: حدثنا علي بن سهل وإبراهيم بن الحسن قالا أنبأنا حجاج عن ابن جريج قال أخبرني عمر بن حفص أن عامر بن عبد الله قال: علي بن سهل بن الزبير أخبره أن مولاة لهم ذهبت بابنه الزبير إلى عمر بن الخطاب وفي رجلها أجراس فقطعها عمر ثم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن مع كل جرس شيطاناً" . قال المنذري: مولاة لهم مجهولة، وعامر بن عبد الله بن الزبير لم يدرك عمر انتهى. وروى أيضاً عن بناته مولاة عبد الرحمن بن حيان الأنصاري عن عائشة قالت: بينما هي عندها إذا دخل عليها بجارية وعليها جلاجل يصوتن فقالت لا تدخلها علي إلا أن تقطعوا جلاجلها، وقالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لا تدخل الملائكة بيتاً فيه جرس" . والحديث سكت عنه أبو داود والمنذري.
قوله: "وفي الباب عن عمر وعائشة وأم حبيبة وأم سلمة" أما حديث عمر فأخرجه أبو داود، وأما حديث عائشة فأخرجه أيضاً أبو داود وتقدم لفظه ولفظ حديث عمر آنفاً. وأما حديث أم حبيبة فأخرجه أبو داود والنسائي. وأما حديث أم سلمة فأخرجه النسائي.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه أحمد ومسلم وأبو داود

(5/359)


باب من يستعمل على الحرب
...
26ـ باب ما جاء مَنْ يُسْتَعْمَلُ عَلَى الْحَرْب
1756 ـ حدثنا عبدُ الله بنُ أبي زِيَادٍ حدثنا الأحْوَصُ بنُ الجَوّابٍ
ـــــــ
"باب ما جاء مَنْ يُسْتَعْمَلُ عَلَى الْحَرْب"
أي من يجعل عاملاً وأميراً على الحرب.

(5/359)


أبو الْجَوّابِ عن يُونُسَ بنِ أبي إسحاقَ عن أبِي إسْحَاقَ عن البَرَاءِ أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم بَعَثَ جَيْشَيْنِ وَأَمَرَ على أَحَدِهما عَليّ بنَ أبي طالبٍ، وعلى الآخر خَالِدَ بنَ الوَلِيدِ، فقالَ: إذا كانَ القِتَالُ فَعَلِيّ . قالَ: فافْتَتَحَ عَلِيّ حِصْناً فَأَخَذَ مِنْهُ جَارِيَةً، فَكَتَبَ مَعِي خَالِد بن الوليد إلَى النبيّ صلى الله عليه وسلم يَشِي بهِ، فَقَدِمْتُ على النبيّ صلى الله عليه وسلم فَقَرَأَ الكِتَابَ فَتَغَيّرَ لَوْنُهُ ثم قالَ: ما تَرَى في رَجُلٍ يُحِبّ الله وَرَسُولَهُ ويُحِبّهُ الله وَرَسُولُهُ؟ قال قُلْتُ أعوذُ بالله مِنْ غَضَبِ الله وَغَضَبِ رَسُولِهِ وإنّمَا أنَا رَسُولٌ، فَسَكَتَ".
وفي البابِ عن ابنِ عُمَرَ.
وهذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ. لا نَعْرِفُهُ إلاّ مِنْ حَدِيثِ الأحْوَصِ بنِ جَوّابٍ. قوله: "يَشِي به" يَعْنِي النّمِيمَةَ.
ـــــــ
قوله: "عن يونس بن أبي إسحاق" السبيعي أبي إسرائيل الكوفي صدوق يهم قليلاً من الخامسة "عن أبي إسحاق" هو السبيعي.
قوله: "بعث جيشين" وفي حديث بريدة عند أحمد: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثين إلى اليمن "إذا كان القتال فعلي" وفي حديث بريدة: إذا التقيتم فعلي على الناس، وإن افترقتما فكل واحد منكما على جند "قال فافتتح علي حصناً فأخذ منه جارية" وفي حديث بريدة: فلقينا بني زيد من أهل اليمن فاقتتلنا فظهر المسلمون على المشركين فقتلنا المقاتلة وسبينا الذرية فاصطفى على امرأة من السبي لنفسه "بشيء به" قال في القاموس: وشى به إلى السلطان وشياً ووشاية نم وسعى انتهى "فقرأ الكتاب" وفي حديث بريدة: رفعت الكتاب فقريء عليه "وإنما أنا رسول" وفي حديث بريدة: فقلت يا رسول الله هذا مكان العائذ، بعثتني مع رجل وأمرتني أن أطيعه ففعلت ما أرسلت به.
قوله: "وفي الباب عن ابن عمر" لينظر من أخرجه.
قوله: "هذا حديث حسن غريب" في إسناده أبو إسحاق السبيعي وهو مدلس

(5/360)


ـــــــ
ورواه عن البراء معنعناً. وقال في التقريب: اختلط بآخره. وأما حديث بريدة عند أحمد ففي سنده أجلح الكندي وهو صدوق شيعي

(5/361)


باب ماجاء في الإمام
...
27ـ باب ما جاءَ في الإمام
1757ـ حدثنا قُتَيْبَةُ حدثنا اللّيْثُ عن نَافِعٍ عن ابنِ عُمَرَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ: "ألاَ كُلّكُمْ رَاعِ وكُلّكُمْ مَسْئُولٌ عن رَعِيّتِهِ: فالأمِيرُ الذي على الناسِ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عن رَعِيّتِهِ، والرّجُلُ رَاعٍ على أهْل بَيْتِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عنهم، والمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ على بَيْتِ بَعْلِهَا وهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْهُ والعبد راع على مال سيده وهو مسئول عنه، ألاَ فَكُلّكُمْ رَاعٍ وكُلّكُمْ مَسْئُولٌ عن رَعِيّتِهِ" .
ـــــــ
"باب ما جاءَ في الإمام"
قوله: "ألا" للتنبيه "كلكم راع وكلكم مسؤل عن رعيته" الراعي هو الحافظ المؤتمن الملتزم صلاح ما اؤتمن على حفظه فهو مطلوب بالعدل فيه والقيام بمصالحه. والرعية كل من شمله حفظ الراعي ونظره "فالأمير الذي على الناس راع" فيمن ولي عليهم "ومسؤل عن رعيته" هل راعي حقوقهم أو لا "والرجل راع على أهل بيته وهو مسؤول عنهم" هل وفاهم حقهم من نحو نفقة وكسوة وحسن عشرة "والمرأة راعية في بيت بعلها" أي زوجها. وفي رواية للبخاري: المرأة راعية على أهل بيت زوجها وولده أي بحسن تدبير المعيشة والنصح له والشفقة والأمانة وحفظ نفسها وماله وأطفاله وأضيافه "هي مسؤولة عنه" أي عن بيت زوجها هل قامت بما عليها أو لا "والعبد راع على مال سيده" بحفظه والقيام بما يستحقه عليه من حسن خدمته ونصحه. قال الخطابي: اشتركوا أي الإمام والرجل ومن ذكر في التسمية أي في الوصف بالراعي ومعانيهم مختلفة، فرعاية الإمام الأعظم حياطة الشريعة بإقامة الحدود والعدل في الحكم، ورعاية الرجل أهله سياسة لأمرهم وإيصالهم حقوقهم، ورعاية المرأة تدبير أمر البيت والأولاد والخدم والنصيحة

(5/361)


وفي البابِ عن أبي هُرَيْرَةَ وأنَسٍ وَأبي مُوسَى
حديث ابن عمر حديث حسن صحيح وحديث أبي موسى غير محفوظ وحديث أنس غير محفوظ. ورواه إبراهيم بن بَشّارٍ الرّمَادِيّ عن سُفيَانَ بنِ عُيَيْنَةَ عن بُرَيْدٍ بنِ عبدِ الله بن أبي بُرْدَةَ عن أبي بُرْدَةَ عن أبي موسى عن
ـــــــ
للزوج في كل ذلك، ورعاية الخادم حفظ ما تحت يده والقيام بما يجب عليه من خدمته "ألا فكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته" قال الطيبي في هذا الحديث: إن الراعي ليس مطلوباً لذاته وإنما أقيم لحفظ ما استرعاه المالك، فينبغي أن لا يتصرف إلا بما أذن الشارع فيه، وهو تمثيل ليس في الباب ألطف ولا أجمع ولا أبلغ منه، فإنه أجمل أولاً ثم فصل وأتى بحرف التنبيه مكرراً. قال والفاء في قوله: ألا فكلكم جواب شرط محذوف، وختم بما يشبه الفذلكة إشارة إلى استيفاء التفصيل. وقال غيره: دخل في هذا العموم المنفرد الذي لا زوج له ولا خادم ولا ولد، فإنه يصدق عليه أنه راع على جوارحه حتى يعمل المأمورات ويجتنب المنهيات فعلاً ونطقاً واعتقاداً، فجوارحه وقواه وحواسه رعيته، ولا يلزم من الاتصاف بكونه راعياً أن لا يكون مرعياً باعتبار آخر.
قوله: "وفي الباب عن أبي هريرة وأنس وأبي موسى" أما حديث أبي هريرة فأخرجه الطبراني في الأوسط ولفظه: ما من راع إلا يسأل يوم القيامة أقام أمر الله أم أضاعه. وأما حديث أنس فأخرجه ابن عدي والطبراني في الأوسط مثل حديث ابن عمر المذكور وزاد في آخره فأعدوا للمسألة جواباً، قالوا وما جوابها؟ قال أعمال البر. ذكره الحافظ في الفتح وقال في سنده حسن. ولابن عدي بسند صحيح عن أنس: إن الله سائل كل عما استرعاه حفظ ذلك أو ضيعه. وأما حديث أبي موسى فأخرجه الترمذي في هذا الباب.
قوله: "حديث ابن عمر حسن صحيح" وأخرجه أحمد والشيخان وأبو داود.
قوله: "ورواه إبراهيم بن بشار الرمادي" بالفتح والتخفيف ومهملة نسبة إلى رمادة قرية باليمن وبفلسطين أبو إسحاق البصري، حافظ، له أوهام من العاشرة "عن بريد بن عبد الله بن أبي بردة" بن أبي موسى الأشعري الكوفي ثقة يخطئ

(5/362)


النبيّ صلى الله عليه وسلم أخْبَرَنِي بذلكَ ابنِ بَشّارٍ. قالَ: ورَوَى غَيْرُ وَاحِدٍ عن سُفْيَانَ عن بُرَيْد عن أبي بُرْدَةَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم مُرْسَلاً. وهذا أصَحّ. قال محمدٌ: وَرَوَى إسحاقُ بنُ إبراهيم عن مُعَاذِ بنِ هِشَامِ عن أبِيهِ عن قَتَادَةَ عن أنَسٍ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: "إنّ الله سَائِلٌ كُلّ رَاعٍ عمّا اسْتَرْعَاهُ" قال سَمِعْتُ محمداً يقولُ: هذا غَيْرُ مَحْفُوظٍ، وإنما الصحيحُ عن مُعَاذِ بنِ هِشَامٍ عن أبِيهِ عن قَتَادَةَ عن الْحَسَنِ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم مُرْسَلاً.
ـــــــ
قليلاً من السادسة "عن أبي بردة" بن أبي موسى الأشعري قيل اسمه عامر وقيل الحارث ثقة من الثالثة "أخبرني بذلك" أي بما قلنا من أنه رواه إبراهيم بن بشار الرمادي الخ وهذا قول الترمذي "محمد" هو محمد بن إسماعيل البخاري رحمه الله "عن إبراهيم بن بشار" وفي النسخة الأحمدية وغيرها ابن إبراهيم بن بشار بلفظ: ابن مكان عن وهو غلط "قال محمد" يعني البخاري رحمه الله "ورواه غير واحد عن سفيان عن بريد بن أبي بردة عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلاً" أي لم يذكروا أبا بردة وأبا موسى الأشعري "وهذا أصح" لأنه رواه كذلك مرسلاً غير واحد من أصحاب ابن عيينة. وأما رواية إبراهيم بن بشار الرمادي عن ابن عيينة متصلاً فهي وهم منه. قال الحافظ في تهذيب التهذيب في ترجمته: قال البخاري: يهم في الشيء بعد الشيء، وهو صدوق. وقال أيضاً: قال لي إبراهيم الرمادي حدثنا ابن عيينة عن بريد عن أبي بردة عن أبي موسى: كلكم راع. قال أبو أحمد ابن عدي وهو وهم كان ابن عيينة يرويه مرسلاً. قال ابن عدي: لا اعلم أنكر عليه إلا هذا الحديث الذي ذكره البخاري وباقي حديثه مستقيم وهو عندنا "من أهل الصدق" انتهى. "قال محمد" هو البخاري رحمه الله "وروى إسحاق بن إبراهيم" المعروف بابن راهويه المروزي "عن الحسن هو البصري"

(5/363)


باب ماجاء في طاعة الإمام
...
28ـ باب مَا جَاءَ في طاعَةِ الإمام
1758 ـ حدثنا محمدُ بنُ يَحْيَى النيسابوري حدثنا محمدُ بنُ يُوسفَ حدثنا يونُسُ بنُ أبي إسحاقَ عن العَيْزَارِ بنِ حُرَيْثٍ عن أُمّ الْحُصَيْنِ الأحمَسِيّةِ قالَتْ: سَمِعْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يخطُبُ في حَجّةِ الوَدَاعِ وعليه بُرْدٌ قَدْ الْتَفَعَ بهِ مِنْ تَحْتِ إبِطِهِ قالَتْ: فأنا أنظرُ إلى عَضَلَةِ عَضُدِهِ تَرْتَجّ سَمِعَتُهُ يقولُ: "يا أيها الناسُ: اتّقُو الله وإنْ أُمّرَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ حَبَشِيّ مُجَدّعٌ فاسْمَعُوا لَهُ وأطِيعُوا ما أقَامَ لَكمْ كِتَابَ الله" .
وفي البابِ عن أبي هُرَيْرَةَ وعِرْبَاضِ بنِ سَارِيَةَ.
ـــــــ
"باب مَا جَاءَ في طاعَةِ الإمام"
قوله: "حدثنا محمد بن يحيى النيسابوري" هو الإمام الذهلي "عن العيزار" بفتح أوله وسكون التحتانية بعدها زاي وآخره راء "بن حريث" العبدي الكوفي ثقة من الثالثة "عن أم الحصين الأحمسية" صحابية شهدت حجة الوداع.
قوله: "وعليه برد قد التفع به" أي التحف به "وأنا أنظر إلى عضلة عضده" العضلة محركة في البدن كل لحمة صلبة مكتنزة ومنه عضلة الساق كذا في النهاية "ترتج" أي تهتز وتضطرب "وأن أمر عليكم" بصيغة المجهول من باب التفعيل أي جعل أميراً "عبد حبشي مجدع" بتشديد الدال المفتوحة أي مقطوع الأنف والأذن "فاسمعوا له وأطيعوا" فيه حث على المدارة والموافقة مع الولاة، وعلى التحرز عما يثير الفتنة ويؤدي إلى اختلاف الكلمة "ما أقام لكم كتاب الله" أي حكمه المشتمل على حكم الرسول. قال في المجمع: فإن قيل شرط الإمام الحرية والقرشية وسلامة الأعضاء، قلت: نعم لو انعقد بأهل الحل والعقد، أما من استولى بالغلبة تحرم مخالفته وتنفذ أحكامه ولو عبداً أو فاسقاً مسلماً. وأيضاً ليس في الحديث أنه يكون إماماً بل يفرض إليه الإمام أمراً من الأمور انتهى.
قوله: "وفي الباب عن أبي هريرة وعرباض بن سارية" أما حديث أبي هريرة

(5/364)


وهذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ وقد رُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عن أُمّ حُصَيْنٍ.
ـــــــ
فأخرجه الشيخان. وأما حديث عرباض بن سارية فأخرجه الترمذي في باب الأخذ بالسنة واجتناب البدعة من أبواب العلم وأخرجه أيضاً أحمد وأبو داود وابن ماجه.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه مسلم

(5/365)


باب ماجاء لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق
...
29ـ باب ما جاءَ لا طَاعَةَ لمخلُوقِ في مَعْصِيَةِ الْخَالِق
1759 ـ حدثنا قُتَيْبَةُ حدثنا اللّيْثُ عن عُبَيْدِ الله بنِ عُمَرَ عن نَافِعٍ عن ابنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "السّمْعُ والطّاعَةُ عَلَى المَرْءِ المُسْلِمِ فِيمَا أحَبّ وكَرِهَ ما لم يُؤمَر بِمَعْصِيَة، فإنْ أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فلا سَمْعَ عليهِ ولا طَاعَةَ" .
ـــــــ
"باب ما جاءَ لا طَاعَةَ لمخلُوقِ في مَعْصِيَةِ الْخَالِق"
قوله: "السمع" الأولى الأمر بإجابة أقوالهم "والطاعة" لأوامرهم وأفعالهم "على المرء المسلم" أي حق وواجب عليه "فيما أحب وكره" أي فيما وافق غرضه أو خالفه "ما لم يؤمر" أي المسلم من قبل الإمام "بمعصية" أي بمعصية الله "فإن أمر" بضم الهمزة "فلا سمع عليه ولا طاعة" تجب بل يحرم إذا لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. وفيه أن الإمام إذا أمر بمندوب أو مباح وجب. قال المطهر: يعني سمع كلام الحاكم وطاعته واجب على كل مسلم سواء أمره بما يوافق طبعه أو لم يوافقه بشرط أن لا يأمره بمعصية، فإن أمره بها فلا تجوز طاعته، ولكن لا يجوز له محاربة الإمام. وقال النووي في شرح مسلم: قال جماهير أهل السنة من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين: لا ينعزل الإمام بالفسق والظلم وتعطيل الحقوق ولا يخلع ولا يجوز الخروج عليه لذلك، بل يجب وعظه وتخويفه، للأحاديث الواردة في ذلك. قال القاضي: وقد ادعى أبو بكر بن مجاهد في هذا الإجماع وقد رد عليه بعضهم هذا بقيام الحسن وابن الزبير وأهل المدينة على بني أمية وبقيام جماعة عظيمة من التابعين والصدر الأول على الحجاج مع ابن الأشعث، وتأول

(5/365)


وفي البابِ عن عَلِيّ وعِمْرَانَ بنِ حُصَيْنٍ والحَكَمِ بنِ عَمْرٍو الغِفَارِيّ.
وهذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ
ـــــــ
هذا القائل قوله: أن لا تنازع الأمر أهله في أئمة العدل، وحجة الجمهور أن قيامهم على الحجاج ليس بمجرد الفسق بل ما غير من الشرع وظاهر من الكفر. قال القاضي: وقيل إن هذا الخلاف كان أولا، ثم حصل الإجماع على منع الخروج عليهم انتهى.
قوله: "وفي الباب عن علي وعمران بن حصين والحكم بن عمرو الغفاري" أما حديث علي فأخرجه الشيخان وأبو داود وابن ماجه. وأما حديث عمران بن حصين والحكم بن عمرو الغفاري فأخرجه البزار. قال الحافظ في الفتح: وعند البزار في حديث عمران بن حصين والحكم بن عمرو الغفاري: لا طاعة في معصية الله وسنده قوي انتهى.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه أحمد والشيخان وأبو داود والنسائي وابن ماجه، كذا في الجامع الصغير

(5/366)


باب ماجاء في كراهية التحريش بين البهائم والضرب والوسم في الوجه
...
30ـ باب مَا جَاءَ في كَرَاهيَةِ
التحريش بين البهائِم، والضرب والوسم في الوجه
1760 ـ حدثنا أبو كُرَيْبٍ حدثنا يَحْيَى بنُ آدَمَ عن قُطْبَةَ بنِ عبدِ العزِيزِ عن الأعْمَشِ عن أبي يَحْيَى عن مُجَاهِدٍ عن ابنِ عبّاسٍ قالَ: "نَهَى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عن التّحرِيشِ بَيْنَ البَهَائِمِ".
ـــــــ
"باب مَا جَاءَ في كَرَاهيَةِ التحريش بين البهائِم، والضرب والوسم في الوجه"
قوله: "وعن قطبة بن عبد العزيز" بن سياه بكسر مهملة وبخفة مثناه تحتية وبهاء منونة بالصرف وتركه الأسدي الكوفي صدوق من الثامنة "عن أبي يحيى" القتات الكوفي اسمه زاذان، وقيل دينار، وقيل مسلم، وقيل يزيد، وقيل زبان، وقيل عبد الرحمن، لين الحديث من السادسة.
قوله: "عن التحريش بين البهائم" هو الإغراء وتهييج بعضها على بعض كما يفعل

(5/366)


1761 ـ حدثنا محمدُ بنُ المُثَنّى حدثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مَهْدِي عن سُفْيَانَ عن الأعْمَشِ عن أبي يَحْيَى عن مُجَاهِدٍ: "أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم نَهَى عن التّحْرِيشِ بَيْنَ البَهَائِمِ" ولَمْ يَذْكُرْ فيهِ عن ابنِ عباسٍ. ويُقالُ هذا أصَحّ مِنْ حَدِيثِ قُطْبَةَ، وَرَوَى شَرِيكٌ هذا الحديثَ عن الأعْمَشِ عن مُجَاهِدٍ عن ابنِ عباسٍ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم نَحْوَهُ ولم يَذْكُرْ فيهِ عن أبي يَحْيَى حدثنا بذلك أبو كريب عن يحيى بن آدم عن شريك وَرَوَى أبُو مُعَاوِيَةَ عن الأعْمَشِ عن مُجَاهِدٍ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم نَحْوَهُ وأبو يحيى هو العقّاب الكوفي ويقال اسمه زاذان.
قال أبو ذؤيب وفي البابِ عن طَلْحَةَ وَجَابِرٍ وأبي سعيدٍ وعِكْرَاشِ بنِ ذُوَيْبٍ.
1762 ـ حدثنا أحمدُ بنِ مَنِيعٍ حدثنا رَوْح بن عبادة عن ابن جُرَيْجٍ عن أبي الزّبَيْرِ عن جَابِرٍ: "أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم نَهَى عن الوَسْمِ في الوَجْهِ والضرب".
ـــــــ
بين الجمال والكباش والديوك وغيرها. ووجه النهي أنه إيلام للحيوانات وإلعاب لها بدون فائدة بل مجرد عبث، وحديث ابن عباس هذا أخرجه أبو داود.
قوله: "هذا أصح من حديث قطبة" أي حديث سفيان المرسل أصح من حديث قطبة المتصل، لأن سفيان أحفظ وأتقن من قطبة.
قوله: "وفي الباب عن طلحة وجابر وأبي سعيد وعكراش بن ذويب" أما حديث جابر فأخرجه الترمذي في هذا الباب وله حديث آخر أخرجه أبو داود عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم مر عليه بحمار قد وسم في وجهه فقال: "أما بلغكم أني لعنت من وسم البهيمة في وجهها أو ضربها في وجهها" ، فنهى عن ذلك. وأما حديث طلحة وأبي سعيد وعكراش بن ذويب فلينظر من أخرجه.
قوله: "حدثنا روح" هو ابن عبادة.
قوله: "نهى عن الوسم في الوجه" كله من السمة وهي العلامة بنحو كي فيحرم

(5/367)


هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
وسم الآدمي وكذا غيره في وجهه على الأصح ويجوز في غيره "والضرب" أي في الوجه من كل حيوان محترم فيحرم ولو غير آدمي، لأنه مجمع المحاسن ولطيف يظهر فيه أثر الضرب. قال النووي: وأما الضرب في الوجه فمنهي عنه في كل الحيوان المحترم من الآدمي والحمير والخيل والإبل والبغال والغنم وغيرها لكنه في الآدمي أشد لأنه مجمع المحاسن مع أنه لطيف لأنه يظهر فيه أثر الضرب وربما شانه وربما أذى بعض الحواس. قال: وأما الوسم في الوجه فمنهي عنه بالإجماع. وأما وسم غير الوجه من غير الآدمي فجائز بلا خلاف عندنا لكن يستحب في نعم الزكاة والجزية ولا يستحب في غيرها ولا ينهي عنه انتهى باختصار.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه أحمد ومسلم

(5/368)


باب ماجاء في حد بلوغ الرجل ومتى يفرض له
...
31ـ باب مَا جَاءَ في حَدّ بُلُوغِ الرّجُلِ
وَمَتى يُفْرَضُ لَه
1763 ـ حدثنا محمدُ بنُ الوَزِيرِ الوَاسِطِيّ حدثنا إسحاقُ بنُ يوسُفَ الأزرق عن سُفْيَانَ عن عُبَيْدِ الله بنِ عُمَرَ عن نَافِعٍ عن ابنِ عُمَرَ قالَ: "عُرِضْتُ على رسولِ الله صلى الله عليه وسلم في جَيْشٍ وأنا ابنُ أرْبَعَ عَشْرَةَ فلم يَقْبَلْنِي، ثمّ عُرِضْتُ عليهِ من قَابِلٍ في جَيْشٍ وأنا ابنُ خَمْسَ عَشْرَةَ فَقَبِلَنِي".
قالَ نافِعٌ فَحَدّثْتُ بهذا الْحَدِيثِ عُمَرَ بنَ عبدِ العزيزِ فقالَ: هذا حَدّ
ـــــــ
"باب مَا جَاءَ في حَدّ بُلُوغِ الرّجُلِ وَمَتى يُفْرَضُ لَه"
أي متى يقدر له من بيت المال رزق له
قوله: "حدثنا محمد بن وزير الواسطي حدثنا إسحاق بن يوسف عن سفيان" هو الثوري كما صرح به الترمذي في آخر الباب وتقدم هذا الحديث بسنده ومتنه في باب حد بلوغ الرجل والمرأة من أبواب الأحكام وتقدم هناك شرحه.

(5/368)


ما بين الصّغِيرِ والكَبِيرِ، ثم كَتَبَ أنْ يُفْرَضَ لِمَنْ بَلَغَ الخَمْسَةَ عَشْرَةَ.
1764- حدثنا ابنُ أبي عُمَر حدثنا سُفْيَانَ بنُ عُيَيْنَةَ عن عُبَيْدِ الله نَحْوَهُ بِمَعْنَاهُ إلاّ أنّهُ قالَ: قالَ عُمَرُ بن عبد العزيز: هذا حَدّ ما بَيْنَ الذّرّيّةِ والمُقَاتِلَةِ ولم يَذْكُرْ أنّهُ كَتَبَ أنْ يُفْرَضَ.
حديثُ إسحاقَ بنِ يوسُفَ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ الثّوْرِيّ.
ـــــــ
قوله: "ثم كتب أن يفرض لمن بلغ الخمس عشرة" وفي رواية البخاري في الشهادات: وكتب إلى عماله أن يفرضوا لمن بلغ خمس عشرة. قال الحافظ: أي يقدروا لهم رزقاً في ديوان الجند، وكانوا يفرقون بين المقاتلة وغيرهم في العطاء وهو الرزق الذي يجمع في بيت المال ويفرق على مستحقيه

(5/369)


باب ماجاء فيمن يستشهد وعليه دين
...
32ـ باب ما جاءَ فِيمَنْ يُسْتَشْهَدُ وَعَلَيْهِ دَيْن
1765ـ حدثنا قُتَيْبَةُ حدثنا اللّيْثُ عن سَعِيدِ بنِ أبي سَعِيدٍ المقبري عن عبدِ الله بنِ أبي قَتَادَةَ عن أبيهِ أنّهُ سَمِعَهُ يُحَدّثُ عن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم: "أنّهُ قَامَ فيهم فَذَكَرَ لَهُمْ أنّ الْجِهَادَ في سَبِيلِ الله وَالإيمَانَ بالله أفْضَلُ الأعمَالِ، فَقَامَ رَجُلٌ فقالَ: يَا رسولَ الله أَرَأَيْتَ إنْ قُتِلْتُ
ـــــــ
"باب ما جاءَ فِيمَنْ يُسْتَشْهَدُ وَعَلَيْهِ دَيْن"
قوله: "أنه أقام" أي واعظاً "فيهم" أي في أصحابه "أن الجهاد في سبيل الله والإيمان بالله أفضل الأعمال" قال القاري: الواو لمطلق الجمع، ولعل فيه الإشارة إلى أن الجهاد مع الإيمان أفضل أعمال القلب، ولا يشكل بما عليه الجمهور من أن الصلاة أفضل الأعمال لاختلاف الحيثيتين، فالصلاة أفضل لمداومتها والجهاد أفضل لمشقته لا سيما الجهاد يستلزم الصلاة وإلا لا فضيلة له انتهى "أرأيت" أي

(5/369)


في سَبِيلِ الله يُكَفّر عنّي خَطَايَايَ؟ فقالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "نَعَمْ إن قُتِلْتَ في سَبِيلِ الله وأَنْتَ صَابِرٌ مُحْتَسِبٌ مُقْبِلٌ غَيْرُ مُدْبِرٍ" ، ثُمّ قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: كَيْفَ قُلْت ؟ قالَت أَرَأَيْتَ إنْ قُتِلْتُ في سَبِيلِ الله أَيُكَفّرُ عَنّي خَطَايَايَ؟ فقالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "نَعَمْ وأنْتَ صَابِرٌ مُحْتَسِبٌ مُقْبِلٌ غْيرُ مُدْبِرٍ إلاّ الدّيْنَ، فإنّ جِبْرَيلَ قالَ لي ذلكَ" .
ـــــــ
أخبرني "إن قتلت في سبيل الله" أي استشهدت "يكفر" على بناء المفعول، والاستفهام مقدر، أي أيمحو الله عني خطاياي؟ "وأنت صابر" أي غير جزع "محتسب" أي طالب للأجر والمثوبة لا للرياء والسمعة "مقبل" أي على العدو "غير مدبر" أي عنه، وهو تأكيد لما قبله. وقال النووي: لعله احتراز ممن يقبل في وقت ويدبر في وقت، والمحتسب هو المخلص لله تعالى، فإن قاتل لعصبية أو لأخذ غنيمة أو لصيت أو نحو ذلك فليس له هذا الثواب ولا غيره "ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كيف قلت" فقال: "أرأيت" أي قلت أرأيت، أو معناه كيف قلت؟ أعد القول والسؤال، فقال: أرأيت "أيكفر عن خطاياي" ؟ بهمزة الاستفهام هنا أي يمحي "نعم وأنت صابر" أي نعم إن قلت والحال أنك صابر "إلا الدين" استثناء منقطع ويجوز أن يكون متصلاً أي الدين الذي لا ينوي أداءه قاله القاري. وقال التوربشتي: أراد بالدين هنا ما يتعلق بذمته من حقوق المسلمين إذ ليس الدائن أحق بالوعيد والمطالبة منه من الجاني والغاصب والخائن والسارق. وقال النووي: فيه تنبيه على جميع حقوق الآدميين وأن الجهاد والشهادة وغيرهما من أعمال البر لا يكفر حقوق الآدميين وإنما يكفر حقوق الله تعالى "فإن جبريل قال لي ذلك" أي إلا الدين. قال الطيبي فإن قلت: كيف قال صلى الله عليه وسلم كيف قلت وقد أحاط بسؤاله علماً وأجابه بذلك الجواب؟ قلت: يسأل ثانياً ويجيبه بذلك الجواب ويعلق به إلا الدين استدراكاً بعد إعلام جبريل عليه السلام إياه صلوات الله وسلامه عليه.

(5/370)


وفي البابِ عن أنَسٍ ومحمدِ بنِ جَحْشٍ وأبي هُرَيْرَةَ.
وهذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
ورَوى بعضُهم هذا الحديثَ عن سعيدٍ المَقْبُرِيّ عن أبي هُرَيْرَةَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم نَحْوَ هذا. ورَوَى يَحْيَى بنُ سَعيدٍ الأنْصَارِيّ وغَيْرُ وَاحِدٍ هذا عن سَعِيدٍ المَقْبُرِيّ عن عبدِ الله بنِ أبي قَتَادَةَ عن أبيهِ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم. وهذا أصَحّ مِنْ حديثِ سَعِيدٍ المَقْبُرِيّ عن أبي هُرَيْرَةَ.
ـــــــ
قوله: "وفي الباب عن أنس ومحمد بن جحش وأبي هريرة" أما حديث أنس فأخرجه الترمذي في باب ثواب الشهيد. وأما حديث محمد بن جحش فأخرجه النسائي في التغليظ في الدين والطبراني في الأوسط والحاكم وقال صحيح الإسناد. وأما حديث أبي هريرة فلينظر من أخرجه.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه مسلم

(5/371)


باب ماجاء في دفن الشهداء
...
33ـ باب ما جَاءَ في دَفْنِ الشّهَدَاء
1766 ـ حدثنا أزهر بن مروان البصري حدثنا عبدُ الوَارِثِ بنُ سَعيدٍ عن أيّوبَ عن حُمَيْدِ بنِ هِلاَلٍ عن أبي الدّهْمَاءِ عن هِشَامِ بنِ عَامِرٍ
ـــــــ
"باب ما جَاءَ في دَفْنِ الشّهَدَاء"
قوله: "حدثنا أزهر بن مروان البصري" الرقاشي بتخفيف القاف والشين المعجمة النواء بنون وواو مثقلة، لقبه فريخ بالخاء المعجمة صدوق من العاشرة "عن أيوب" هو ابن أبي تميمة السختياني "عن حميد بن هلال" العدوي كنيته أبو نصر البصري ثقة عالم، توقف فيه ابن سيرين لدخوله عمل السلطان من الثالثة "عن أبي الدهماء" بفتح المهملة وسكون الهاء والمد، اسمه قرفة بكسر أوله وسكون الراء بعدها فاء، ابن بهيس بموحدة ومصغراً العدوي بصري ثقة من الثالثة

(5/371)


قال: "شُكِيَ إلى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم الْجِرَاحَاتُ يَوْمَ أُحُدٍ فقالَ "احْفرُوا وأوسِعُوا وأحْسِنُوا وادْفِنُوا الاثْنَيْنِ والثّلاَثَةَ في قَبْرٍ وَاحِدٍ وقَدّمُوا أكْثَرَهُمْ قُرْآناً" . فَمَاتَ أبي فَقُدّمَ بَيْنَ يَدَي رَجُلَينِ".
وفي البابِ عن خَبّابٍ وجَابِرٍ وأنَسٍ.
ـــــــ
"عن هشام بن عامر" بن أمية الأنصاري النجاري صحابي يقال كان اسمه أولاً شهاباً فغيره النبي صلى الله عليه وسلم.
قوله: "شكى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الجراحات يوم أحد" وفي رواية أبي داود: جاءت الأنصار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد فقالوا: أصابنا قرح وجهد فكيف تأمرنا؟ وفي رواية النسائي شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد فقلنا يا رسول الله الحفر علينا لكل إنسان شديد "فقال احفروا" بهمزة وصل من باب ضرب "وأوسعوا" بقطع الهمزة "وأحسنوا" أي أحسنوا إلى الميت في الدفن، قاله في الأزهار. وقال زين العرب تبعاً للمظهر أي اجعلوا القبر حسناً بتسوية قعره ارتفاعاً وانخفاضاً وتقيته من التراب والقذاة وغيرهما. وزاد أبو داود في رواية النسائي: وأعمقوا، قال في القاموس: أعمق البئر جعلها عميقة، وفيه دليل على مشروعية إعماق القبر. وقد اختلف في حد الإعماق، فقال الشافعي: قامه. وقال عمر بن عبد العزيز: إلى السرة. وقال مالك: لا حد لإعماقه. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن عمر بن الخطاب أنه قال: أعمقوا القبر إلى قدر قامة وبسطة قاله في النيل "وادفنوا الاثنين والثلاثة" بالنصب أي من الأموات "في قبر واحد" فيه جواز الجمع بين جماعة في قبر واحد ولكن إذا دعت إلى ذلك حاجة كما في مثل هذه الواقعة "وقدموا أكثرهم قرآناً" أي إلى جدار اللحد ليكون أقرب إلى الكعبة، وفيه إشارة إلى تعظيم المعظم علماً وعملاً حياً وميتاً "فمات أبي" أي عامر، وهو قول هشام "فقدم بين يدي رجلين" ولفظ النسائي: وكان أبي ثالث في قبر واحد.
قوله: "وفي الباب عن خباب وجابر وأنس" أما حديث خباب فأخرجه أحمد في مسنده. وأما حديث جابر فأخرجه الترمذي في باب ترك الصلاة على الشهيد

(5/372)


وهذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
ورَوَى سُفْيَانُ الثوري وغَيْرُهُ هذا الحديثَ عن أيّوبَ عن حُمَيْدِ بنِ هِلاَلٍ عن هِشَامِ بنِ عَامِرٍ. وأبُو الدّهْمَاءِ اسْمُهُ قِرْفَةُ بنُ بُهَيْسٍ أو بَيْهَسٍ
ـــــــ
وأخرجه أيضاً البخاري وأبو داود والنسائي وابن ماجه. وأما حديث أنس فأخرجه الترمذي في باب قتلى أحد، وذكره حمزة وأخرجه أيضاً أبو داود.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه

(5/373)


باب ماجاء في المشورة
...
34ـ باب ما جَاءَ في المَشْورَة
1767 ـ حدثنا هَنّادٌ حدثنا أبُو مُعَاوِيَةَ عن الأعْمَشِ عن عَمْرو بن مُرّةَ عن أبي عُبَيْدَةَ عن عبدِ الله قالَ: "لَمّا كانَ يَوْمُ بَدْرٍ وَجِيءَ بالأُسَارَى، قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَا تَقُولُونَ في هَؤلاَءِ الأُسَارَى؟" فذكر قِصّةً طَوِيلَةً".
ـــــــ
"باب ما جَاءَ في المَشْورَة"
قال في المجمع: المشورة بضم معجمة وسكون واو بسكون معجمة وفتح واو لغتان، وقال في القاموس: أشار إليه بكذا أمر به، وهي الشورى والمشورة مفعلة لا مفعولة، واستشار طلب منه المشورة انتهى. وقال الحافظ في الفتح: المشورة بفتح الميم وضم المعجمة وسكون الواو، وبسكون المعجمة وفتح الواو لغتان، والأولى أرجح انتهى.
قوله: "عن أبي عبيدة" قال في التقريب: أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود مشهور بكنيته والأشهر أنه لا اسم له غيرها، ويقال اسمه عامر كوفي ثقة من كبار الثالثة، والراجح أنه لا يصح سماعه من أبيه انتهى.
قوله: "وجيء بالأسارى" بضم الهمزة جمع أسارى وهو جمع أسير "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما تقولون في هؤلاء الأسارى؟ وذكر قصة طويلة"

(5/373)


ـــــــ
كذا أورده الترمذي هذا الحديث عن عبد الله بن مسعود مختصراً بغير ذكر القصة وأورده البغوي مطولاً عنه قال: لما كان يوم بدر وجيء بالأسارى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما تقولون في هؤلاء ؟ فقال أبو بكر: يا رسول الله قومك وأهلك استبقهم واستأن بهم لعل الله أن يتوب عليهم، وخذ منهم فدية تكون لنا قوة على الكفار. وقال عمر: يا رسول الله كذبوك وأخرجوك فدعهم نضرب عنقه، مكن علياً من عقيل فيضرب عنقه، ومكن حمزة من العباس فيضرب عنقه، ومكنى من فلان نسيب لعمر فأضرب عنقه، فإن هؤلاء أئمة الكفر. وقال عبد الله بن رواحة: يا رسول الله أنظر وادياً كثير الحطب فأدخلهم فيه ثم اضرمه عليهم ناراً، فقال له العباس: قطعت رحمك. فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يجيبهم، ثم دخل، فقال ناس يأخذ بقول أبي بكر، وقال ناس يأخذ بقول عمر، وقال ناس يأخذ بقول ابن رواحة، ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " إن الله ليلين قلوب رجال حتى تكون ألين من اللين ويشد قلوب رجال حتى تكون أشد من الحجارة، وإن مثلك يا أبا بكر مثل إبراهيم" قال: {مَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} ومثلك يا أبا بكر مثل عيسى قال: {إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} ومثلك يا عمر مثل نوح قال {رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّاراً} ومثلك يا عبد الله بن رواحة كمثل موسى قال {رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ} ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اليوم أنتم عالة فلا يفلتن أحد منهم إلا بفداء أو ضرب عنق" ، قال عبد الله بن مسعود: إلا سهيل بن بيضاء فإني سمعته يذكر الإسلام، فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فما رأيتني في يوم أخوف أن تقع على الحجارة من السماء من ذلك اليوم حتى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إلا سهيل بن بيضاء" . قال ابن عباس: قال عمر بن الخطاب: فهوى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال أبو بكر ولم يهو ما قلت وأخذ منهم الفداء، فلما كان من الغد فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر قاعدان يبكيان، فقلت يا رسول الله أخبرني من أي شيء تبكي أنت وصاحبك، فإن وجدت بكاء بكيت، وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أبكى على أصحابك من أخذهم الفداء، لقد عرض على عذابهم أدنى من هذه الشجرة" ، لشجرة قريبة من نبي الله صلى الله عليه وسلم،

(5/374)


وفي البابِ عن عُمرَ وأبي أيّوبَ وأنَسٍ وأبي هُرَيْرَةَ.
وهذا حديثٌ حسنٌ وأبُو عُبَيْدَةَ لَمْ يَسْمَعْ من أبيهِ.
ويُرْوَى عن أبي هُرَيْرَةَ قالَ: "ما رَأَيْتُ أحَداً أكثَرَ مَشُورَةً لأصحَابِهِ من رسولِ الله صلى الله عليه وسلم".
ـــــــ
فأنزل الله عز وجل عليه: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ} الاَية.
وفي الحديث أنه صلى الله عليه وسلم كان يشاور أصحابه، قال الله تعالى: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ} وقال {وأمرهم شورى بينهم} . واختلفوا في أمر الله عز وجل رسوله صلى الله عليه وسلم أن يشاور أصحابه، فقالت طائفة: في مكائد الحروب وعند لقاء العدو تطييباً لنفوسهم وتأليفاً لهم على دينهم وليروا أنه يسمع منهم ويستعين بهم وإن كان العدو الله أغناه عن رأيهم بوحيه، روى هذا عن قتادة والربيع وابن وإسحاق. وقالت طائفة: فيما لم يأته وحي ليبين صواب الرأي. وروى عن الحسن والضحاك قالا: ما أمر الله نبيه بالمشاورة لحاجته إلى رأيهم وإنما أراد أن يعلم ما في المشورة من الفضل. وقال آخرون: إنما أمر بما مع غناه عنهم لتدبيره تعالى له وسياسته إياه ليستن به من بعده ويقتدوا به فيما ينزل بهم من النوازل. وقال الثوري: وقد سن رسول الله صلى الله عليه وسلم الاستشارة في غير موضع، استشارة أبا بكر وعمر رضي الله عنهما في أسارى بدر وأصحابه يوم الحديبية.
قوله: "وفي الباب عن عمر وأبي أيوب وأنس وأبي هريرة" أما حديث عمر فأخرجه مسلم في باب الإمداد بالملائكة في غزوة بدر وإباحة الغنائم، وأخرجه أبو داود في باب فداء الأسير بالمال. وأما حديث أبي أيوب وحديث أنس فلينظر من أخرجهما، وأما حديث أبي هريرة فأخرجه الترمذي في أثناء حديث في باب معيشة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.
قوله: "هذا حديث حسن" تحسينه لشواهده وإلا فهو منقطع كما صرح به

(5/375)


ـــــــ
الترمذي بعد "ويروى عن أبي هريرة قال: ما رأيت أحداً أكثر مشورة الخ" قال الحافظ في الفتح بعد ذكر هذا الحديث: رجاله ثقات إلا أنه منقطع

(5/376)


باب ماجاء لاتفادى جيفة الأسير
...
35-باب ما جاءَ لا تُفَادى جيفَة الأسِير
1768ـ حدثنا مَحْمُودُ بنُ غَيْلاَنَ حدثنا أبو أحمدَ حدثنا سُفْيَانُ عن ابنِ أبي لَيْلَى عن الْحَكَمِ عن مِقْسَمٍ عن ابنِ عباسٍ: "أنّ المُشْرِكِينَ أرَادُوا أن يَشْتَرُوا جَسَدَ رَجُلٍ مِنَ المُشْرِكِينَ، فأَبَى النبيّ صلى الله عليه وسلم أنْ يَبِيعَهُمْ ".
ـــــــ
"باب ما جاءَ لا تُفَادى جيفَة الأسِير"
الجيفة جثة الميت إذا أنتن، قاله في النهاية والمراد أنه لا تباع ولا تبادل جثة الأسير بشيء من المال
قوله: "حدثنا سفيان" هو الثوري "عن ابن أبي ليلى" اسمه محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى "عن الحكم" هو ابن عتيبة.
قوله: "فأبى النبي صلى الله عليه وسلم أن يبيعهم" فيه دليل على أنه لا يجوز بيع جيفة المشرك، وإنما لا يجوز بيعها وأخذ الثمن فيها لأنها ميتة لا يجوز تملكها ولا أخذ عوض عنها، وقد حرم الشارع ثمنها وثمن الأصنام في حديث جابر. وقد عقد البخاري في صحيحه باباً بلفظ: طرح جيف المشركين في البئر ولا يؤخذ لهم ثمن، وذكر فيه حديث ابن مسعود في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم على أبي جهل بن هشام وغيره من قريش. وفيه فلقد رأيتهم قتلوا يوم بدر فألقوا في بئر.
قال الحافظ: قوله: ولا يؤخذ لهم ثمن أشار به إلى حديث ابن عباس: أن المشركين أرادوا أن يشتروا جسد رجل من المشركين فأبى النبي صلى الله عليه وسلم أن يبيعهم، أخرجه الترمذي وغيره. وذكر ابن إسحاق في المغازي: أن المشركين سألوا النبي صلى الله عليه وسلم أن يبيعهم جسد نوفل بن عبد الله بن المغيرة وكان اقتحم الخندق. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا حاجة لنا بثمنه ولا جسده" ، فقال ابن هشام: بلغنا عن الزهري أنهم بذلوا فيه عشرة آلاف. وأخذه من حديث

(5/376)


هذا حديثٌ حسن غريبٌ لا نَعْرِفُهُ إلاّ مِنْ حَدِيثِ الحَكَمِ. وَرَوَاهُ الحَجّاجُ بنُ أرْطأَةَ أيضاً عن الحَكمِ. وقالَ أحمد بن حسن سمعت أحمد بن حنبل يقُولُ: ابن أبي لَيْلَى لا يُحْتَجّ بِحَدِيثِهِ وقالَ محمدُ بنُ إسماعيلَ: ابنُ أبي لَيْلَى صَدُوقٌ ولكِنْ لا يعْرفُ صَحِيح حَدِيثِهِ مِنْ سَقِيمِهِ ولا أروِي عَنْهُ شَيئاً. وابنُ أبي لَيْلَى صَدُوقٌ فقِيهٌ وإنّما يَهِمُ في الإسنادِ.
1769-حدثنا نَصْرُ بنُ عليّ حدثنا عبدُ الله بنُ داودَ عن سُفْيَانَ الثّوْرِيّ قالَ: فُقَهَاؤُنَا ابنُ أبي لَيْلَى وعَبْدُ الله بنُ شُبُرمَةَ.
ـــــــ
الباب من جهة أن العادة تشهد أن أهل قتلى بدر لو فهموا أنه يقبل منهم فداء أجسادهم لبذلوا فيها ما شاء الله، فهذا شاهد لحديث ابن عباس وإن كان إسناده غير قوي انتهى.
قوله: "ابن أبي ليلى لا يحتج بحديثه الخ" قال الحافظ في التقريب: محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري الكوفي القاضي أبو عبد الرحمن صدوق سيء الحفظ جداً من السابعة انتهى. "قال فقهاؤنا ابن أبي ليلى" قال الحافظ في تهذيب التهذيب: قال عبد الله بن أحمد عن أبيه: كان سيء الحفظ مضطرب الحديث، كان فقه ابن أبي ليلى أحب إلينا من حديثه. وقال أبو حاتم عن أحمد بن يونس: ذكره زائدة فقال: كان أفقه أهل الدنيا "وعبد الله بن شبرمة" بضم المعجمة وسكون الموحدة وضم الراء ابن الطفيل بن حسان الضبي أبو شبرمة الكوفي القاضي ثقة فقيه من الخامسة، قاله الحافظ في التقريب: وقال في تهذيب التهذيب: كان الثوري إذا قيل له من مفتيكم يقول: ابن أبي ليلى وابن شبرمة، وكان ابن شبرمة عفيفاً حازماً عاقلاً فقيهاً يشبه النساك ثقة في الحديث شاعراً حسن الخلق جواداً. وقال محمد بن فضيل عن أبيه: كان ابن شبرمة ومغيرة والحارث العكلي والقعقاع بن يزيد وغيرهم يسمرون في الفقه فربما لم يقوموا إلى الفجر. وقال ابن حبان: كان ابن شبرمة من فقهاء أهل العراق

(5/377)


باب ماجاء في الفرار من الزحف
...
36- باب ما جاءَ في الفِرَارِ من الزّحْف
1770 ـ حدثنا ابنُ أبي عُمَرَ حدثنا سُفْيَانُ عن يَزِيدَ بنِ أبي زِيادٍ عن عبدِ الرحمَنِ بنِ أبي لَيْلَى عن ابنِ عُمَرَ قال: "بَعَثَنَا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في سَرِيّةٍ فَحَاصَ الناسُ حَيْصَةً فقَدِمْنَا المَدِينَةَ فاخْتَبينا بها وقُلْنَا هَلَكْنَا، ثم أتَيْنَا رَسولَ الله صلى الله عليه وسلم فقُلْنَا يَا رسولَ الله نَحْنُ الفَرّارُونَ، قالَ: "بَلْ أنْتُمْ العَكّارُونَ وأنا فِئَتُكُم" .
ـــــــ
"باب ما جاءَ في الفِرَارِ من الزّحْف"
أي من الجهاد ولقاء العدو في الحرب، والزحف الجيش يزحفون إلى العدو أي يمشون يقال زحف إليه زحفاً إذا مشى نحوه كذا في النهاية.
قوله: "بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سرية" قال في النهاية: السرية طائفة من الجيش يبلغ أقصارها أربعمائة تبعث إلى العدو، وجمعها السرايا، سموا بذلك لأنهم يكونون خلاصة العسكر وخيارهم من الشيء السري النفيس، وقيل: سموا بذلك لأنهم ينفذون سراً وخفية وليس بالوجه لأن لام السر راء وهذه باء انتهى. "فحاص الناس" بإهمال الحاء والصاد أي جالوا جولة يطلبون الفرار قاله في النهاية. وفي المرقاة للقاري: أي مالوا عن العدو ملتجئين إلى المدينة ومنه قوله تعالى: {وَلا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصاً} أي مهرباً، ويؤيد هذا المعنى قول الجوهري: حاص عنه عدل وحاد، وفي الفائق: حاص حيصة أي انحرف وانهزم انتهى. "فاختبأنا بها" أي في المدينة حياء، وفي بعض النسخ فاختفيا بها "وقلنا" أي في أنفسنا أو لبعضنا "هلكنا" أي عصينا بالفرار، ظناً منهم أن مطلق الفرار من الكبائر. وفي رواية أبي داود: فحاص الناس حيصة فكنت فيمن حاص، فلما برزنا قلنا كيف نصنع وقد فررنا من الزحف وبؤنا بالغضب؟ فقلنا ندخل المدينة فنثبت فيها لنذهب ولا يرانا أحد، قال فدخلنا فقلنا: لو عرضنا أنفسنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن كانت لنا توبة أقمنا وإن كان غير ذلك ذهبنا، قال فجلسنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم قبل صلاة الفجر، فلما خرج قمنا إليه فقلنا نحن

(5/378)


هذا حديثٌ حسنٌ لا نَعْرِفُهُ إلاّ مِنْ حَدِيثِ يزيدَ بنِ أبي زِيادٍ ومَعْنَى قوله: فَحَاصَ الناسُ حَيْصَةً يَعْنِي أنهم فَروا مِنَ القِتَالِ. ومَعْنَى قوله: بَل أنْتُم العَكّارُونَ، والعَكّارُ الذي يَفِرّ إلى إمامِهِ لَيَنْصُرَهُ لَيْسَ يُريدُ الفِرارَ مِنَ الزّحْفِ.
ـــــــ
الفرارون الخ "قال بل أنتم العكارون" أي أنتم العائدون إلى القتال والعاطفون، يقال عكرت على الشيء إذا عطفت عليه وانصرفت إليه بعد الذهاب عنه. قال الأصمعي: رأيت أعرابياً يفلي ثيابه فيقتل البراغيث ويترك القمل، فقلت لم تصنع هذا؟ قال أقتل الفرسان ثم أعكر على الرجالة "وأنا فئتكم" في النهاية: الفئة الجماعة من الناس في الأصل والطائفة التي تقوم وراء الجيش، فإن كان عليهم خوف أو هزيمة التجأوا إليه انتهى. وفي الفائق: ذهب النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: "وأنا فئتكم" إلى قوله تعالى: {أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ} يمهد بذلك عذرهم في الفرار، أي تحيزتم إلي فلا حرج عليكم.
قوله: "هذا حديث حسن" وأخرجه أبو داود وابن ماجه

(5/379)


37ـ باب
1771 ـ حدثنا محمودُ بنُ غَيْلاَنَ حدثنا أبو داود أخبرنا شُعْبَةُ عن الأَسْوَدِ بنِ قَيْسٍ قالَ: سَمِعْتُ نُبَيْحاً العَنزِيّ يُحَدّثُ عن جَابر قال: "لمّا كانَ يَوْمُ أُحُدٍ جَاءَتْ عَمّتِي بأبي لِتَدْفِنَهُ في مَقَابِرِنَا، فنَادَى
ـــــــ
"باب"
قوله: "عن الأسود بن قيس" العبدي ويقال البجلي الكوفي يكنى أبا قيس ثقة من الرابعة "سمعت نبيحاً العنزي" قال في التقريب نبيح بمهملة مصغراً ابن عبد الله العنزي بفتح المهملة والنون ثم زاي أبو عمر الكوفي مقبول من الثالثة انتهى
قوله: "جاءت عمتي" عمة جابر هذه فاطمة بنت عمرو بن حرام الأنصاري كما

(5/379)


مُنَادِي رَسولِ الله صلى الله عليه وسلم: "رُدّوا القَتْلَى إلى مَضَاجِعِهم" .
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
في المرقاة "بأبي" الباء للتعدية "لتدفنه في مقابرنا" أي في المدينة "ردوا القتلى" جمع القتيل وهو المقتول أي الشهداء "وإلى مضاجعها" أي مقاتلهم، والمعنى لا تنقلوا الشهداء من مقتلهم بل ادفنوهم حيث قتلوا. قال القاري: وكذا من مات في موضع لا ينقل إلا بلد آخر، قال بعض علمائنا. وقال في الأزهار: الأمر في قوله صلى الله عليه وسلم: "ردوا القتلى للوجوب" ، وذلك أن نقل الميت من موضع إلى موضع يغلب فيه التغير حرام، وكان ذلك زجراً عن القيام بذلك والإقدام عليه، وهذا أظهر دليل وأقوى حجة في تحريم النقل وهو التصحيح نقله السيد، والظاهر أن نهي النقل مختص بالشهداء لأنه نقل ابن أبي وقاص من قصره إلى المدينة بحضور جماعة من الصحابة ولم ينكروا، والأظهر أن يحمل النهي على نقلهم بعد دفنهم لغير عذر، ويؤيده لفظ "مضاجعهم" ولعل وجه تخصيص الشهداء قوله تعالى: {قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ} وفيه حكمة أخرى وهو اجتماعهم في مكان واحدة حياة وموتاً وبعثاً وحشراً، ويتبرك الناس بالزيارة إلى مشاهدهم، ويكون وسيلة إلى زيارة جبل أحد حيث قال عليه الصلاة والسلام: "أحد جبل يحبنا ونحبه" ، انتهى كلام القاري.
وقال الحافظ في الفتح: اختلف في جواز نقل الميت من بلد إلى بلد فقيل يكره لما فيه من تأخير دفنه وتعريضه لهتك حرمته، وقيل يستحب. والأولى تنزيل ذلك على حالتين، فالمنع حيث لم يكن هناك غرض راجح كالدافن في البقاع الفاضلة، وتختلف الكراهة في ذلك فقد تبلغ التحريم والاستحباب حيث يكون ذلك بقرب مكان فاضل، كما نص الشافعي على استحباب نقل الميت إلى الأرض الفاضلة كمكة وغيرها والله أعلم انتهى.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه والدارمي

(5/380)


باب ماجاء في تلقي الغائب إذا قدم
...
38ـ باب ما جاءَ في تَلَقّي الغائِبِ إذا قَدِم
1772ـ حدثنا ابنُ أبي عُمَر و سَعيدُ بنُ عبدِ الرحمَنِ المخزومي قالا حدثنا سُفْيَانُ بن أبي عينية عن الزّهْرِيّ عن السّائِبِ بنِ يزيدَ قال: "لمّا قَدِمَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم مِنْ تَبُوكَ خَرَجَ النّاسُ يَتَلَقّوْنَهُ إلى ثَنِيّةِ الوَدَاعِ، قال السّائبُ: فَخَرَجْتُ مع النّاسِ وأنا غُلاَمٌ".
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
"باب ما جاءَ في تَلَقّي الغائِبِ إذا قَدِم"
قوله: "لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من تبوك" أي من غزوة تبوك وهي مكان معروف وهو نصف طريق المدينة إلى دمشق، ويقال بين المدينة وبينها أربع عشرة مرحلة، والمشهور فيها عدم الصرف للتأنيث والعلمية، ومن صرفها أراد الموضع كذا في الفتح قوله: "يتلقونه إلى ثنية الوداع" موضع بالمدينة سميت بها لأن من سافر كان يودع ثمة ويشرع إليها. والثنية ما ارتفع من الأرض وقيل الطريق في الجبل "فخرجت مع الناس وأنا غلام" وفي رواية البخاري: خرجت مع الغلمان إلى ثنية الوداع.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه البخاري في باب استقبال الغزاة وغيره، وأخرجه أبو داود في الجهاد

(5/381)


باب ماجاء في الفئ
...
39ـ باب ما جَاءَ في الفَيء
1773ـ حدثنا ابن أبي عمرَ حدثنا سُفْيَانُ بن عينية عن عَمْرِو بنِ دِينَارٍ عن ابنِ
ـــــــ
"باب ما جَاءَ في الفَيء"
قال الجزري في النهاية الفيء ما حصل للمسلمين من أموال الكفار من غير حرب ولا جهاد. وأصل الفيء الرجوع، يقال فاء يفيء وفيوءاً كأنه كان في الأصل لهم فرجع إليهم، ومنه قيل للظل الذي يكون بعد الزوال فيء لأنه يرجع من جانب

(5/381)


شهَابٍ عن مَالِكِ بنِ أوْسِ بنِ الْحَدَثَانِ قال: "سَمِعْتُ عُمَرَ بنَ الخطّابِ يقولُ: كانَتْ أمْوالُ بَنِي النّضِيرِ مِمّا أفاءَ الله على رَسُولِهِ مِمّا لَمْ يُوجِفْ المُسْلِمُونَ عَلَيْهِ بِخَيْلٍ ولاَ رِكَابٍ، وكانَتْ لِرَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم خَالِصاً، وكانَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يَعْزِلُ نَفَقَةَ أهْلِهِ سَنَةً ثم يَجْعَلُ ما بَقِيَ في الكرَاعِ والسّلاَحِ عُدّةً في سَبيلِ الله".
ـــــــ
الغرب إلى جهة المشرق. وقال: الغنيمة ما أصيب من أموال أهل الحرب وأوجف عليه المسلمون بالخيل والركاب، يقال: غنمت أغنم غنماً وغنيمة والغنائم جمعها، والمغانم جمع مغنم، والغنم بالضم الاسم وبالفتح المصدر، والغانم آخذ الغنيمة والجمع الغانمون انتهى.
قوله: "عن مالك بن أوس بن الحدثان" بفتح المهملة والمثلثة النصري بالنون المدني له رؤية وروى عن عمر، قاله في التقريب "مما لم يوجف المسلمون عليه" في النهاية: الإيجاف سرعة السير وقد أوجف دابته يوجفها إيجافاً إذا حثها انتهى. "بخيل ولا ركاب" قال في القاموس: الركاب ككتاب الإبل واحدتها راحلة ج ككتب وركابات وركائب انتهى "فكانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم خالصاً" كذا في نسخ الترمذي بالتذكير، وفي رواية للبخاري خالصة بالتأنيث وهو الظاهر، وفي رواية أخرى له خاصة "ثم يجعل ما بقي في الكراع والسلاح عدة في سبيل الله" الكراع بالضم: اسم لجميع الخيل كذا في النهاية. والعدة ما أعد للحوادث أهبة وجهازاً للغزو. وقال الحافظ: وهذا لا يعارض حديث عائشة: أنه صلى الله عليه وسلم توفي ودرعه مرهونة على شعير لأنه يجمع بينهما بأنه كان يدخر لأهله قوت سنتهم ثم في طول السنة يحتاج لمن يطرقه إلى إخراج شيء منه فيخرجه فيحتاج إلى أن يعوض من يأخذ منها عوضة فلذلك استدان انتهى. وقال السيوطي لا يعارضه خبر أنه كان لا يدخر شيئاً لغد لأن الادخار لنفسه وهذا لغيره. وقال النووي: في هذا الحديث جواز ادخار قوت سنة وجواز الادخار للعيال وأن هذا لا يقدح في التوكل، وأجمع العلماء على جواز الادخار فيما يستغله الإنسان من قريته كما جرى للنبي صلى الله عليه وسلم. وأما إذا أراد أن يشتري من السوق ويدخره

(5/382)


هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
لقوت عياله فإن كان في وقت ضيق الطعام لم يجز بل يشتري على المسلمين كقوت أيام أو شهر، وإن كان في وقت اشترى سنة وأكثر، هكذا نقل القاضي هذا التفصيل عن أكثر العلماء، وعن قوم: إباحته مطلقاً انتهى.
واختلف العلماء في مصرف الفيء فقال مالك: الفيء والخمس سواء، يجعلان في بيت المال ويعطي الإمام أقارب النبي صلى الله عليه وسلم بحسب اجتهاده وفرق الجمهور بين خمس الغنيمة وبين الفيء، فقالوا: الخمس موضوع فيما عينه الله فيه من أصناف المسلمين في آية الخمس من سورة الأنفال لا يتعدى بت إلى غيرهم، وأما الفيء فهو الذي يرجع النظر في مصرفه إلى رأي الإمام بحسب المصلحة. وانفرد الشافعي كما قال ابن المنذر وغيره بأن الخمس وأن أربعة أخماسه للنبي صلى الله عليه وسلم وله خمس الخمس كما في الغنيمة، وأربعة الخمس لمستحق نظيرها من الغنيمة. وقال الجمهور: مصرف الفيء كله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، واحتجوا بقول عمر: فكانت هذه لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة. وتأول الشافعي قول عمر المذكور بأنه يريد الأخماس الأربعة كذا في الفتح.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي

(5/383)