Contents

الواجهة
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد
مقدمة
باب الألف
باب الثاء
باب الجيم
باب الحاء
باب الخاء
باب الدال
باب الراء
باب الزاي
تابع باب الزاء
تابع لحرف الزاء
تابع لحرف الزاء
باب الطاء
باب الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع حرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
باب النون
باب الصاد
باب الضاد
باب العين
تابع لحرف العين
تابع حرف العين
تابع لحرف العين
تابع لحرف العين
باب القاف
باب السين
باب الشين
باب الهاء
باب الواو
باب الياء
تابع باب الياء
باب الكني
باب بلاغات مالك ومرسلاته
باب مافي هذا الديوان من حديث مالك الذي ثبتت عليه أبوابه خاصة
الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج
الديباج - جزء 1
الديباج - جزء 2
الديباج - جزء 3
الديباج - جزء 4
الديباج - جزء 5
الديباج - جزء 6
المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج
المنهاج - مقدمة
المنهاج - الإيمان
المنهاج - الطهارة
المنهاج - الحيض
المنهاج - الصَّلَاة
المنهاج - المساجد ومواضع الصلاة
المنهاج - صلاة المسافرين وقصرها
المنهاج - بَاب صَلَاة الْجُمُعَة
المنهاج - بَاب صَلَاة الْعِيدَيْنِ
المنهاج - بَاب الدُّعَاء فِي صَلَاة الِاسْتِسْقَاء
المنهاج - بَاب صَلَاة الْكُسُوف
المنهاج - كِتَاب الْجَنَائِز
المنهاج - الزكاة
المنهاج - كِتَاب الصِّيَام
المنهاج - كِتَاب الِاعْتِكَاف
المنهاج - كِتَاب الْحَجّ
المنهاج - كِتَاب النِّكَاح
المنهاج - الرضاعة
المنهاج - الطلاق
المنهاج - اللِّعَان
المنهاج - العتق
المنهاج - البيوع
المنهاج - المساقاة
المنهاج - الفرائض
المنهاج - الهبات
المنهاج - الوصية
المنهاج - النذر
المنهاج - الأيمان
المنهاج - القسامة
المنهاج - الحدود
المنهاج - الأقضية
المنهاج - اللقطة
المنهاج - الجهاد والسير
المنهاج - الإمارة
المنهاج - الصيد والذبائح
المنهاج - كِتَاب الْأَضْاحَي
المنهاج - الأشربة
المنهاج - اللباس والزينة
المنهاج - الآداب
المنهاج - السلام
المنهاج - الألفاظ من الأدب وغيرها
المنهاج - الشعر
المنهاج - الرؤيا
المنهاج - الفضائل
المنهاج - فضائل الصحابة
المنهاج - البر والصلة والآداب
المنهاج - القدر
المنهاج - العلم
المنهاج - الذكر والدعاء
المنهاج - التوبة
المنهاج - صفات المنافقين
المنهاج - صفة القيامة والجنة والنار
المنهاج - الجنة وصفة نعيمها وأهلها
المنهاج - الفتن وأشراط الساعة
المنهاج - الزهد والرقائق
المنهاج - التفسير
تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي
أبواب الطهارة
أبواب الصلاة
تابع أبواب الصلاة
أبواب الوتر
أبواب الجمعة
تابع لأبواب الجمعة
أبواب العيدين
أبواب السفر
ابواب الزكاة
أبواب الصوم
أبواب الحج
تابع أبواب الحج
أبواب الجنائز
أبواب النكاح
أبواب الرضاع
أبواب الطلاق واللعان
ابواب البيوع
أبواب الأحكام
أبواب الديات
ابواب الحدود
تابع أبواب الحدود
أبواب الصيد
أبواب الأضاحي
أبواب النذور والأيمان
أبواب السير
أبواب الجهاد
أبواب اللباس
أبواب الأطعمة
أبواب الأشربة
تابع أبواب الأشربة
أبواب البر و الصله عن رسول الله صلى الله عليه و آله سلم
أبواب الطب عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الفرائض عن الرسول صلى الله عليه و سلم
أبواب الوصايا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الولاء و الهبة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب القدر عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم
أبواب الفتن عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الرؤيا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الشهادات عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
تابع لأبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صِفَةُ القِيامَة
أبواب صفة الجنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صفة جهنم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإيمان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب العلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإستئذان والآداب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب العلم
أبواب الأمثال
أبواب فضائل القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب القراءات عن رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم
أبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الدعوات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أحاديث شتى من أبواب الدعوات
المناقب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
مناقب الصحابة رضوان الله عليهم
تنوير الحوالك شرح موطأ مالك
كتاب وقوت الصلاة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب السهو
كتاب الجمعة
كتاب الصلاة في رمضان
كتاب صلاة الليل
كتاب صلاة الجماعة
كتاب قصر الصلاة في السفر
كتاب العيدين
كتاب صلاة الخوف
كتاب صلاة الكسوف
كتاب الاستسقاء
كتاب القبلة
كتاب القرآن
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب الجهاد
كتاب النذور و الأيمان
كتاب الضحايا
كتاب الذبائح
كتاب الصيد
كتاب العقيقة
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الرضاع
كتاب البيوع
كتاب القراض
كتاب المساقاة - كتاب كراء الأرض
كتاب الشفعة - كتاب الأقضية
كتاب الوصية - كتاب العتق والولاء
كتاب المكاتب - كتاب المدبر
كتاب الحدود
كتاب الأشربة - كتاب العقول
كتاب القسامة - كتاب الجامع
كتاب القدر - كتاب حسن الخلق
كتاب اللباس - كتاب صفة النبي
كتاب العين - كتاب الشعر
كتاب الرؤيا - كتاب السلام
كتاب الاستئذان والتشميت والصور والتماثيل وغيرها
كتاب البيعة - كتاب الكلام والعينة والتقى
كتاب جهنم - كتاب الصدقة
كتاب العلم - كتاب دعوة المظلوم - كتاب أسماء النبي
حاشية السندي على سنن ابن ماجة
المقدمة
الطَّهَارَة وَسُنَنهَا
الصلاة
الْأَذَان
المساجد والجماعات
أَبْوَاب إِقَامَة الصَّلَاة
الجنائز
الصوم
الزكاة
النكاح
الطلاق
الكفارات
التجارات
الأحكام
الحدود
الديات
الوصايا
الْفَرَائِض
الجهاد
المناسك
الْأَضَاحِيّ
الذبائح
الصيد
الأطعمة
الأشربة
الطب
اللباس
الْآدَاب
الدُّعَاء
تعبير الرؤيا
الْفِتَن
الزُّهْد
شرح سنن ابن ماجه لمغلطاي
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح رياض الصالحين
شرح رياض الصالحين - 01
شرح رياض الصالحين - 02
شرح رياض الصالحين - 03
شرح رياض الصالحين - 04
شرح سنن أبي داود للعيني
مقدمة التحقيق
كتاب الطهارة
كِتابُ الصَلاَةِ
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
عون المعبود شرح سنن أبي داود
كتاب الطهارة
تابع كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
كتاب الزكاة
تابع لكتاب الزكاة
كتاب اللقطة
كتاب المناسك
تابع لكتاب المناسك
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الصيام
تابع لكتاب الصيام
أول كتاب الجهاد
أول كتاب الضحايا
تابع كتاب الضحايا
أول كتاب الصيد
أول كتاب الوصايا
أول كتاب الفرائض
أول كتاب الخراج والفيء والإمارة
أول كتاب الجنائز
تابع لكتاب الجنائز
كتاب الأيمان والنذور
كتاب البيوع
كتاب الإجارة
كتاب القضاء
تابع لكتاب القضاء
كتاب العلم
كتاب الأشربة
كتاب الأطعمة
كتاب الطب
كتاب الكهانة والتطير
كتاب العتق
أول كتاب الحروف والقراءات
أول كتاب الحمام
أول كتاب اللباس
أول كتاب الترجل
أول كتاب الخاتم
أول كتاب الفتن والملاحم
أول كتاب المهدي
أول كتاب الملاحم
أول كتاب الحدود
أول كتاب الديات
أول كتاب السنة
تابع لكتاب السنة
أول كتاب الأدب
أبواب السلام
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن حجر
فتح الباري - هدي الساري مقدمة فتح الباري
فتح الباري - كتاب بدء الوحي
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب العلم
فتح الباري - كتاب الوضوء
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
فتح الباري - كتاب مواقيت الصلاة
فتح الباري - كتاب الأذان
فتح الباري - كتاب الجمعة
فتح الباري - كتاب الخوف
فتح الباري - كتاب العيدين
فتح الباري - كتاب الوتر
فتح الباري - كتاب الاستسقاء
فتح الباري - كتاب الكسوف
فتح الباري - كتاب سجود القرآن
فتح الباري - كتاب تقصير الصلاة
فتح الباري - كتاب التهجد
فتح الباري - كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة
فتح الباري - كتاب العمل في الصلاة
فتح الباري - كتاب السهو
فتح الباري - كتاب الجنائز
فتح الباري - كتاب الزكاة
فتح الباري - كتاب الحج
فتح الباري - كتاب العمرة
فتح الباري - كتاب المحصر
فتح الباري - كتاب جزاء الصيد
فتح الباري - كتاب فضائل المدينة
فتح الباري - كتاب الصوم
فتح الباري - كتاب صلاة التراويح
فتح الباري - كتاب فضل ليلة القدر
فتح الباري - كتاب الإعتكاف
فتح الباري - كتاب البيوع
فتح الباري - كتاب السلم
فتح الباري - كتاب الشفعة
فتح الباري - كتاب الإجارة
فتح الباري - كتاب الحرث والمزارعة
فتح الباري - كتاب المساقاة
فتح الباري - كتاب الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس
فتح الباري - كتاب الخصومات
فتح الباري - كتاب اللقطة
فتح الباري - كتاب المظالم
فتح الباري - كتاب الشركة
فتح الباري - كتاب الرهن
فتح الباري - كتاب العتق
فتح الباري - كتاب المكاتب
فتح الباري - كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها
فتح الباري - كتاب الشهادات
فتح الباري - كتاب الصلح
فتح الباري - كتاب الشروط
فتح الباري - كتاب الوصايا
فتح الباري - كتاب الجهاد و السير
فتح الباري - كتاب فرض الخمس
فتح الباري - كتاب الجزية و الموادعة
فتح الباري - كتاب بدء الخلق
فتح الباري - كتاب أحاديث الأنبياء
فتح الباري - كتاب المناقب
فتح الباري - كتاب فضائل الصحابة
فتح الباري - كتاب مناقب الأنصار
فتح الباري - كتاب المغازي
فتح الباري - كتاب التفسير
فتح الباري - كتاب فضائل القرآن
فتح الباري - كتاب النكاح
فتح الباري - كتاب الطلاق
فتح الباري - كتاب النفقات
فتح الباري - كتاب الأطعمة
فتح الباري - كتاب العقيقة
فتح الباري - كتاب الذبائح والصيد
فتح الباري - كتاب الأضاحي
فتح الباري - كتاب الأشربة
فتح الباري - كتاب المرضى
فتح الباري - كتاب الطب
فتح الباري - كتاب اللباس
فتح الباري - كتاب الأدب
فتح الباري - كتاب الإستئذان
فتح الباري - كتاب الدعوات
فتح الباري - كتاب الرقاق
فتح الباري - كتاب القدر
فتح الباري - كتاب الأيمان والنذور
فتح الباري - كتاب كفارات الأيمان
فتح الباري - كتاب الفرائض
فتح الباري - كتاب الحدود
فتح الباري - كتاب الديات
فتح الباري - كتاب استتابة المرتدين
فتح الباري - كتاب الإكراه
فتح الباري - كتاب الحيل
فتح الباري - كتاب التعبير
فتح الباري - كتاب الفتن
فتح الباري - كتاب الأحكام
فتح الباري - كتاب التمني
فتح الباري - كتاب أخبار الأحاد
فتح الباري - كتاب الإعتصام بالسنة
فتح الباري - كتاب التوحيد
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن رجب
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
مقدمة
خطبة الكتاب
كتاب الإيمان
كتاب العلم
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصوم
كتاب فضائل القرآن
كتاب الدعوات
كتاب المناسك
كتاب البيوع
كتاب الفرائض والوصايا
كتاب النكاح
كتاب العتق
كتاب القصاص
كتاب الديات
كتاب الحدود
كتاب الإمارة والقضاء
كتاب الجهاد
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأطعمة
كتاب اللباس
كتاب الطب والرقى
كتاب الرؤيا
كتاب الآداب
كتاب الرقاق
كتاب الفتن
كتاب صفة القيامة والجنة والنار
كتاب الفضائل والشمائل
كتاب المناقب

 
عودة لموقع هاني الطنبور
هاني الطنبور
الصفحة السابقة الصفحة التالية
 
 

 

تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي

أبواب اللباس
باب ماجاء في الحرير والذهب للرجال
...
أبواب اللباس عن رسول الله عليه وسلم
1ـ باب ما جَاءَ في الْحَرِيرِ والذّهَب
1774 ـ حدثنا إسحاقُ بنُ منصورٍ حدثنا عبدُ الله بنُ نُمَيْرٍ حدثنا عُبَيْدُ الله بنُ عُمَرَ عن نَافِعٍ عن سَعيدِ بنِ أبي هِنْد عن أبي موسى الأشعَرِيّ أنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: "حُرّمَ لِبَاسُ الْحَرِيرِ والذّهَب على ذُكُورِ أُمّتِي وأُحِلّ لإنَاثِهمْ" .
ـــــــ
أبواب اللباس عن رسول الله عليه وسلم
"باب ما جَاءَ في الْحَرِيرِ والذّهَب"
قوله: "حرم لباس الحرير والذهب" بالرفع عطف على لباس الحرير "على

(5/383)


وفي البابِ عن عُمَرَ وعَليّ وعُقْبَةَ بنِ عَامِرٍ وأنسٍ وأُمّ هَانِئ وحُذَيْفَةَ وأم هانئ وعبدِ الله بنِ عَمْرِو وعِمْرَانَ بنِ حُصَيْنٍ وعبدِ الله بنِ الزّبَيْرِ وجابرٍ وأبي رَيْحَانَة وابنِ عُمَرَ والبراء.
هذا حديث حسنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
ذكور أمتي" والذكور بعمومه يشمل الصبيان أيضاً لكنهم حيث لم يكونوا من أهل التكليف حرم على من ألبسهم. والمراد بالذهب حلية، وإلا فالأولى من الذهب والفضة حرام على الذكور والإناث، وكذا حلي الفضة مختص بالنساء إلا ما استثنى للرجال من الخاتم وغيره "وأحل" أي ما ذكر أو كل منهما لإناثهم بكسر الهمزة أي لإناث أمتي.
قوله: "وفي الباب عن عمر وعلي وعقبة بن عامر وأم هانئ وأنس وحذيفة وعبد الله بن عمرو وعمران بن حصين وعبد الله بن الزبير وجابر وأبي ريحانة وابن عمر والبراء" أما حديث عمر وأنس وابن الزبير فأخرجه الشيخان، ففي المشكاة وعن عمر وأنس وابن الزبير وأبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة" ، متفق عليه انتهى. وأما حديث علي رضي الله عنه فأخرجه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه وابن حبان ولفظه: أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ حريراً فجعله في يمينه وأخذ ذهباً فجعله في شماله ثم قال: إن هذين حرام على ذكور أمتي. وأما حديث عقبة بن عامر فأخرجه الشيخان. وأما حديث أم هانيء فأخرجه أحمد. وأما حديث حذيفة والبراء فأخرجه الجماعة. وأما حديث عبد الله بن عمرو فأخرجه ابن ماجه والبزار وأبو يعلى والطبراني وفي إسناده الإفريقي وهو ضعيف. وأما حديث عمران بن حصين فأخرجه أحمد وأبو داود. وأما حديث جابر فأخرجه أحمد. وأما حديث أبي ريحانة فأخرجه أحمد وأبو داود والنسائي، وأما حديث ابن عمر فأخرجه الشيخان عنه قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنما يلبس الحرير في الدنيا من لا خلاق له في الآخرة" .
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه أحمد وأبو داود والنسائي والحاكم وصححه والطبراني وفي إسناده سعيد بن أبي هند عن أبي موسى. قال أبو حاتم: إنه لم يلفه. وقال الدارقطني في العلل: لم يسمع سعيد بن أبي هند من أبي موسى.

(5/384)


1775 ـ حدثنا محمدُ بنُ بَشّارٍ حدثنا مُعَاذُ بنُ هِشَامٍ حدثنا أبي عَنْ قَتَادَةَ عن الشّعْبِيّ عن سُوَيْدِ بنِ غَفَلَةَ عن عُمَرَ: "أنه خَطَبَ بالْجَابِيَةِ فقالَ: نَهَى نبيّ الله صلى الله عليه وسلم عن الْحَرِير إلاّ مَوْضِعَ أُصْبُعَيْنِ أو ثلاثٍ أو أرْبَعٍ".
ـــــــ
وقال ابن حبان في صحيحه: حديث سعيد بن أبي هند عن أبي موسى معلول لا يصح، وقد روي من طريق يحيى بن سليم عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر، ذكر ذلك الدارقطني في العلل، قال: والصحيح عن نافع عن سعيد بن أبي هند عن أبي موسى، وقد اختلف فيه على نافع فرواه أيوب وعبيد الله بن عمر عن نافع عن سعيد مثله، ورواه عبد الله بن عمر العمري عن نافع عن سعيد عن رجل عن أبي موسى كذا في النيل.
قوله: "عن سويد بن غفلة" بفتح المعجمة والفاء كنيته أبو أمية الجعفي مخضرم من كبار التابعين، قدم المدينة يوم دفن النبي صلى الله عليه وسلم وكان مسلماً في حياته ثم نزل الكوفة ومات سنة ثمانين وله مائة وثلاثون سنة كذا في التقريب.
قوله: "بالجابية" بالجيم وكسر الموحدة مدينة بالشام إلا موضع "أصبعين" أي مقدار أصبعين "أو ثلاث أو أربع" أو ههنا للتنويع والتخيير، وفيه دلالة على إباحة العلم من الحرير في الثوب إذا لم يزد على أربع أصابع وعليه الجمهور. قال قاضي خان: روى بشر عن أبي يوسف عن أبي حنيفة أنه لا بأس بالعلم من الحرير في الثوب إذا كان أربع أصابع أو دونها ولم يحك فيها خلافاً، كذا قال القاري في المرقاة. وقال النووي في شرح مسلم: في هذه الرواية إباحة العلم من الحرير في الثوب إذا لم يزد على أربع أصابع وهذا مذهبنا ومذهب الجمهور. وعن مالك رواية بمنعه، وعن بعض أصحابه بإباحة العلم بلا تقدير بأربع أصابع بل قال يجوز وإن عظم، وهذان القولان مردودان بهذا الحديث الصريح والله تعالى أعلم انتهى. وقال الحافظ في فتح الباري: وفيه حجة لمن أجاز لبس العلم من الحرير إذا كان في الثوب وخصه بالقدر المذكور وهو أربع أصابع. وهذا هو الأصح عند الشافعية، وفيه حجة على من أجاز العلم في الثوب مطلقاً ولو زاد على أربعة

(5/385)


هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
أصابع، وهو منقول عن بعض المالكية، وفيه حجة على من منع العلم في الثوب مطلقاً، وهو ثابت عن الحسن وابن سيرين وغيرهما، ولكن يحتمل أن يكونوا منعوه ورعاً وإلا فالحديث حجة عليهم فلعلهم لم يبلغهم انتهى.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه مسلم. قال النووي: هذا الحديث مما استدركه الدارقطني على مسلم وقال: لم يرفعه عن الشعبي إلا قتادة وهو مدلس، ورواه شعبة عن أبي السفر عن الشعبي من قول عمر موقوفاً، ورواه بيان وداود ابن أبي هند عن الشعبي عن سويد عن عمر موقوفاً عليه، وكذا قال شعبة عن الحكم عن خيثمة عن سويد، وقاله ابن عبد الأعلى عن سويد وأبو حصين عن إبراهيم عن سويد، هذا كلام الدارقطني، وهذه الزيادة في هذه الرواية انفرد بها مسلم لم يذكرها البخاري، وقد قدمنا أن الثقة إذا انفرد برفع ما وقفه الأكثرون كان الحكم لروايته وحكم بأنه مرفوع على الصحيح الذي عليه الفقهاء والأصوليون ومحققو المحدثين، وهذا من ذاك والله أعلم انتهى.
قلت: لم يجب النووي عن تدليس قتادة إلا أنه قال في مقدمة شرحه: اعلم أن ما في الصحيحين عن المدلسين بعن ونحوهما فمحمول على ثبوت السماع من جهة أخرى، وقد جاء كثير منه في الصحيحين بالطريقين جميعاً، فيذكر رواية المدلس بعن ثم يذكرها بالسماع ويقصد به هذا المعنى الذي ذكرته انتهى

(5/386)


باب ماجاء في لبس الحرير في الحرب
...
2 ـ باب ما جَاءَ في لُبْسِ الْحَرِيرِ في الْحَرْب
1776 ـ حدثنا محمودُ بنُ غَيْلاَنَ حدثنا عبدُ الصّمَد بنُ عبدِ الوارِثِ حدثنَا هَمّامٌ حدثنا قَتَادَةُ عن أنَسٍ بن مالك أنّ عبدَ الرحمَنِ بن عَوْفٍ و الزّبَيْرَ بنَ العَوّامِ شَكَيَا القَمْلَ إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم في غَزَاةٍ لَهُمَا، فَرَخّصَ لَهُمَا في قُمُصِ الْحَرِيرِ قال: ورَأَيْتُهُ علَيهما".
ـــــــ
"باب ما جَاءَ في لُبْسِ الْحَرِيرِ في الْحَرْب"
قوله: "شكيا القمل" قال في الصراح: قمل سبس قملة بكى انتهى "فرخص

(5/386)


ـــــــ
لهما في قمص الحرير" بضم القاف والميم جمع قميص، وفي رواية الشيخين: رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم للزبير وعبد الرحمن بن عوف في لبس الحرير لحكة بهما. ورجح ابن التين الرواية التي فيها الحكة وقال لعل أحد الرواة تأولها فأخطأ وجمع الداودي باحتمال أن يكون إحدى العلتين بأحد الرجلين، وقال ابن العربي: قد ورد أنه أرخص لكل منها فالإفراد يقتضي أن لكل حكمة. قال الحافظ في الفتح: ويمكن الجمع بأن الحكة حصلت من القمل فنسبت العلة تارة إلى السبب وتارة إلى سبب السبب انتهى.
وقد ترجم الإمام البخاري في صحيحه باب الحرير في الحرب، وروى فيه حديث الباب عن خمس طرق وفي بعضها أن عبد الرحمن والزبير شكيا إلى النبي صلى الله عليه وسلم يعني القمل فأرخص لهما في الحرير فرأيته عليهما في غزاة. قال الحافظ في الفتح: وأما تقييده بالحرب فكأنه أخذه من قوله: فرأيته عليهما في غزاة، ووقع في رواية أبو داود: في السفر من حكة، وجعل الطبري جوازه في الغزو مستنبطاً من جوازه للحكة فقال: الرخصة في لبسه بسبب الحكة أن من قصد بلبسه ما هو أعظم من أذى الحكة كدفع سلاح العدو ونحو ذلك فإنه يجوز، وقد تبع الترمذي البخاري فترجم له: باب ما جاء في لبس الحرير في الحرب، ثم المشهور عن القائلين بالجواز أنه لا يختص بالسفر وعن بعض الشافعية يختص. وقال القرطبي: الحديث حجة على من منع إلا أن يدعي الخصوصية بالزبير وعبد الرحمن ولا تصح تلك الدعوى. قال الحافظ: قد جنح إلى ذلك عمر فروى ابن عساكر من طريق ابن عوف عن ابن سيرين أن عمر رأى على خالد بن الوليد قميص حرير فقال ما هذا، فذكر له خالد قصة عبد الرحمن بن عوف، فقال وأنت مثل عبد الرحمن، أولك مثل ما لعبد الرحمن، ثم أمر من حضره فمزقوه برجاله ثقات، إلا أن فيه انقطاعاً.
وقد اختلف السلف في لباسه فمنع مالك وأبو حنيفة مطلقاً. وقال الشافعي وأبو يوسف بالجواز للضرورة، وحكى ابن حبيب عن ابن الماجشون أنه يستحب في الحرب. وقال المهلب: لباسه في الحرب لإرهاب العدو وهو مثل الرخصة في الاحتيال في الحرب. ووقع في كلام النووي تبعاً لغيره أن الحكمة في لبس الحرير

(5/387)


هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
للحكة لما فيه من البرودة، وتعقب بأن الحرير حار، فالصواب أن الحكمة فيه لخاصة فيه لدفع ما تنشأ عنه الحكة كالقمل انتهى كلام الحافظ.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" أخرجه الجماعة

(5/388)


باب
1777 ـ حدثنا أبو عَمّارٍ حدثنا الفَضْلُ بنُ مُوسى عن محمدِ بنِ عَمْرِو حدثنا وَاقِدُ بنُ عَمْرِو بنِ سَعْدِ بنِ مُعَاذٍ قال: "قَدِمَ أنَسُ بنُ مالِكٍ فَأَتَيْتُهُ فقالَ: مَنْ أَنْتَ؟ فَقلت: أنا وَاقِدُ بنُ عَمْرو بن سعيد بن معاذٍ، قالَ: فَبَكَى وقالَ: إنّكَ لَشَبِيهٌ بِسَعْدٍ، وإنّ سَعْداً كانَ مِنْ أعْظَمِ النّاسِ، وأطْوَلَهم، وإنّهُ بُعِثَ إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم جُبّةٌ مِنْ دِيبَاحٍ مَنْسُوجٌ فيها الذّهَبُ، فلَبِسَها رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم فَصَعِدَ المِنْبَرَ فَقَامَ أو قَعَدَ، فَجَعَلَ النّاسُ يَلْمسُونها،
ـــــــ
"باب"
قوله: "حدثنا واقد بن عمرو بن سعد بن معاذ" الأنصاري الأشهلي أبو عبد الله المدني ثقة من الرابعة.
قوله: "فبكى" أي أنس "وقال إنك لشبيه بسعد" أي سعد بن معاذ "وإن سعداً" أي بن معاذ "كان من أعظم الناس" أي رتبة "وأطول" أي جسماً "وإنه بعث إلى النبي صلى الله عليه وسلم جبة من ديباج منسوج فيها الذهب" الضمير في أنه للشأن، وبعث بصيغة المجهول، وجبة بالرفع نائب لفاعل، ومنسوج بالرفع على أنه صفة لجبة، والذي بعثها هو أكيدر دومة كما يدل عليه رواية أحمد، فإنه روى في مسنده عن أنس عن مالك رضي الله عنه أن أكيدر دومة أهدى إلى النبي صلى الله عليه وسلم جبة سندس أو ديباج قبل أن ينهى عن الحرير فلبسها، فتعجب الناس عنها، فقال: والذي نفسي بيده لمناديل سعد بن معاذ في الجنة أحسن منها "فلبسها رسول الله صلى الله عليه وسلم" كان هذا قبل النهي عن الحرير كما في رواية

(5/388)


فقالوا: ما رأيْنَا كاليْوَمِ ثَوْباً قَطّ. فقَالَ: أتعجَبُونَ مِنْ هذه؟ لَمَنادِيلُ سَعْدٍ في الْجَنّةِ خَيْرٌ مِمّا تَرَوْنَ".
قال وفي البابِ عن أسْمَاءَ بِنْتِ أبي بَكْرٍ.
وهذا حديثٌ صحيحٌ.
ـــــــ
أحمد المذكورة "فقام أو قعد" فشك من الراوي، أي قام على المنبر أو جلس عليه "لمناديل سعد" جمع منديل بكسر الميم ما يحمل في اليد للوسخ والامتهان "خير مما ترون" يعني الجبة، أشار بت إلى أن عظيم رتبته أي أدنى ثياب سعد بن معاذ الأوسي خير من هذه الجبة، وخصه لكون منديله كان من جنس ذلك الثوب لوناً أو كان الحال يقتضي استمالة قلبه، أو كان يحب ذلك الجنس، أو كان اللامسون المتعجبون من الأنصار كذا في المجمع.
قوله: "وفي الباب عن أسماء بنت أبي بكر" أخرجه مسلم بلفظ: أنها أخرجت جبة طيالسة كسروانية لها لبنة ديباج وفرجيها مكفوفين بالديباج وقالت: هذه جبة رسول الله صلى الله عليه وسلم كان عند عائشة، فلما قبضت قبضتها، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يلبسها فنحن نغسلها للمرضى نستشفي بها.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه أحمد والنسائي

(5/389)


باب ماجاء في الرخصة في الثوب الأحمر للرجال
...
4ـ باب ما جَاءَ في الرّخْصَةِ في الثّوْبِ الأَحْمَرِ للرّجَال
1778ـ حدثنا محمودُ بنُ غَيْلاَنَ حدثنا وكيعٌ حدثنا سُفْيَان عن أبي إسحاقَ عن البَرَاءِ قال: مَا رأيْتُ من ذِي لِمّةٍ في حُلّةٍ حَمْراءَ أحْسَن مِنْ
ـــــــ
"باب ما جَاءَ في الرّخْصَةِ في الثّوْبِ الأَحْمَرِ للرّجَال"
قوله: "ما رأيت من ذي لمة" بكسر اللام وتشديد الميم. قال الجزري في النهاية: الجمة من شعر الرأس ما سقط على المنكبين، واللمة من شعر الرأس دون الجمة سميت بذلك لأنها ألمت بالمنكبين، والوفرة من شعر الرأس إذا وصل إلى شحمة الأذن "في حلة" قال في القاموس: الحلة بالضم إزار ورداء برد أو غيره

(5/389)


رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، لَهُ شَعْرٌ يَضْرِبُ مَنكِبيْهِ، بَعِيدٌ ما بَيْنَ المَنْكِبَيْنِ، لَمْ يَكُنْ بالقَصِيرِ ولا بالطّوِيلِ.
ـــــــ
ولا يكون حلة إلا من ثوبين أو ثوب له بطانة انتهى. وقال النووي: الحلة هي ثوبان إزار ورداء، قال أهل اللغة: لا تكون إلا ثوبين، سميت بذلك لأن أحدهما يحل على الآخر، وقيل لا يكون الحلة إلا الثوب الجديد الذي يحل من طيه "حمراء" . قال ابن الهمام: الحلة الحمراء عبارة عن ثوبين من اليمن فيها خطوط حمر وخضر لا أنه أحمر بحت. وقال ابن القيم: غلط من ظن أنها كانت حمراء بحتاً لا يخالطها غيرها، وإنما الحلة الحمراء بردان يمانيان منسوجان بخطوط حمر مع الأسود كسائر البرود اليمانية وهي معروفة بهذا الإسم باعتبار ما فيها من الخطوط، وإنما وقعت شبهة من لفظ الحلة الحمراء انتهى.
قال الشوكاني: ولا يخافك أن الصحابي قد وصفها بأنها حمراء وهو من أهل اللسان، والواجب الحمل على المعنى الحقيقي وهو الحمراء البحت، والمصير إلى المجاز أعني كون بعضها أحمر دون بعض لا يحمل ذلك الوصف عليه إلا لموجب، فإن أراد يعني ابن القيم أن ذلك معنى الحلة الحمراء لغة فليس في كتب اللغة ما يشهد لذلك وإن أراد أن ذلك حقيقة شرعية فيها، فالحقائق الشرعية لا تثبت بمجرد الدعوى، والواجب حمل مقالة ذلك الصحابي على لغة العرب لأنها لسانه ولسان قومه، فإن قال إنما فسرها بذلك التفسير للجمع بين الأدلة فمع كون كلامه آبباً عن ذلك لتصريحه بتغليط من قال إنها الحمراء البحت لا ملجأ إليه لإمكان الجمع بدونه مع أن حملة الحلة الحمراء على ما ذكر ينافي ما احتج به في أثناء كلامه من إنكاره صلى الله عليه وسلم على القوم الذين رأى على رواحلهم أكسية فيها خطوط حمر، وفيه دليل على كراهية ما فيه الخطوط وتلك الحلة كذلك بتأويله انتهى "له شعر يضرب منكبيه" أي إذا تدلى شعره الشريف يبلغ منكبيه "بعيد ما بين المنكبين" بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف وروى مكبراً أو مصغراً أي عريض أعلى الظهر. ووقع في حديث أبي هريرة عند ابن سعد: رحب الصدر "ليس بالقصير ولا بالطويل" أي المعيوبين. والحديث يدل على جواز لبس الثوب الأحمر للرجال، ويدل على ذلك أيضاً حديث أبي جحيفة عند البخاري قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في قبة حمراء من أدم

(5/390)


ـــــــ
الحديث وفيه: وخرج النبي صلى الله عليه وسلم في حلة حمراء مشمراً صلى إلى العنزة بالناس ركعتين الخ. وحديث هلال بن عامر عن أبيه قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنى يخطب على بغلة وعليه برد أحمر وعليّ أمامه يعبر عنه، أخرجه أبو داود. قال الحافظ في الفتح: وإسناده حسن. وللطبراني بسند حسن عن طارق المحاربي نحوه لكن قال بسوق المجاز، وحديث جابر عن البيهقي: أنه كان له صلى الله عليه وسلم ثوب أحمر يلبسه في العيدين والجمعة. وروى ابن خزيمة في صحيحه نحوه بدون ذكر الأحمر. وحديث بريدة قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقبل الحسن والحسين عليهما قميصان أحمران يعثران ويقومان، الحديث أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، وقال الترمذي هذا حديث حسن غريب. ونقل المنذري تحسين الترمذي وأقره.
قال الشوكاني في النيل: قد احتج بهذه الأحاديث من قال بجواز لبس الأحمر وهم الشافعية والمالكية وغيرهم. وقال الحافظ في الفتح: جاء الجواز مطلقاً عن علي وطلحة وعبد الله بن جعفر والبراء وغير واحد من الصحابة وعن سعيد بن المسيب والنخعي والشعبي وأبي قلابة وأبي وائل وطائفة من التابعين.
وذهبت الحنفية إلى الكراهة واحتجوا بحديث عبد الله بن عمر وقال: مر بالنبي صلى الله عليه وسلم ثوبان أحمران فسلم عليه فلم يرد عليه، أخرجه الترمذي وأبو داود. وقال الحافظ: هو حديث ضعيف الإسناد وإن وقع في بعض نسخ الترمذي أنه قال: حديث حسن. وقال المنذري في إسناده أبو يحيى القتات. وقد اختلف في اسمه، فقيل عبد الرحمن بن دينار، وقيل زاذان، وقيل عمران، وقيل مسلم، وقيل زياد، وهو كوفي لا يحتج بحديثه. وقال أبو بكر البزار: هذا الحديث لا نعلمه يروى بهذا اللفظ إلا عن عبد الله بن عمر، ولا نعلم له طريقاً إلا هذه الطريق ولا نعلم رواه عن إسرائيل إلا إسحاق بن منصور.
ومن أدلتهم حديث رافع بن خديج عند أبي داود قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فرأى على رواحلنا وعلى إبلنا أكسية فيها خطوط عن حمر: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، "ألا أرى هذه الحمرة قد علتكم" ، فقمنا سراعاً لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم، حنى نفر بعض إبلنا فأخذنا الأكسية

(5/391)


ـــــــ
فنزعناها عنها. وهذا الحديث لا تقوم به حجة لأن في إسناده رجلاً مجهولاً.
ومن أدلتهم حديث: أن امرأة من بني أسد قالت: قلت يوماً عند زينب امرأة رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نصبغ ثياباً لها بمغرة فبينا نحن كذلك إذا طلع علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما رأى المغرة رجع، فلما رأت زينب علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد كره ما فعلت فأخذت فغسلت ثيابها ووارت كل حمرة، ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم رجع فاطلع فلما لم ير شيئاً دخل، أخرجه أبو داود. وقال الحافظ: وفي سنده ضعف، وقال المننذري: في إسناده إسماعيل بن عياش وابنه محمد بن إسماعيل بن عياش وفيهما مقال انتهى.
ومن أقوى حججهم ما في صحيح البخاري من النهي عن المياثر الحمر، وكذلك ما في سنن أبي داود والنسائي وابن ماجه والترمذي من حديث عليّ قال: نهاني رسول الله صلى الله عليه وسلم عن لبس القسي والميثرة الحمراء، ولكنه لا يخفى عليك أن هذا الدليل أخص من الدعوى، وغاية ما في ذلك تحريم الميثرة الحمراء، فما الدليل على تحريم ما عداها مع ثبوت لبس النبي صلى الله عليه وسلم له مرات.
ومن أصرح أدلتهم حديث رافع بن برد أو رافع بن خديج كما قال ابن قانع مرفوعاً بلفظ:"من الشيطان يحب الحمرة فإياكم والحمرة وكل ثوب ذي شهرة"أخرجه الحاكم في الكني وأبو نعيم في المعرفة وابن قانع وابن السكن وابن منده وابن عدي، ويشهد له ما أخرجه الطبراني عن عمران بن حصين مرفوعاً بلفظ: "إياكم والحمرة فإنها أحب الزينة إلى الشيطان". وأخرج نحوه عبد الرزاق من حديث الحسن مرسلاً. قال الشوكاني: وهذا إن صح كان أنص أدلتهم على المنع، ولكنك قد عرفت لبسه صلى الله عليه وسلم للحلة الحمراء في غير مرة، ويبعد منه صلى الله عليه وسلم أن يلبس ما حذرنا من لبسه معللاً ذلك بأن الشيطان يحب الحمرة، ولا يصح أن يقال ههنا فعله لا يعارض القول الخاص بنا كما صرح بذلك أئمة الأصول، لأن تلك العلة مشعرة بعدم اختصاص الخطاب بنا إذ تجنب ما يلابسه الشيطان هو صلى الله عليه وسلم أحق الناس به.
فإن قلت: فما الراجح إن صح ذلك الحديث؟.
قلت: قد تقرر في الأصول أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا فعل فعلاً

(5/392)


ـــــــ
لم يصاحبه دليل خاص يدل على التأسي به فيه كان مخصصاً له عن عموم القول الشامل له بطريق الظهور فيكون لبس الأحمر مختصاً به، ولكن ذلك الحديث غير صالح للاحتجاج به كما صرح بذلك الحافظ وجزم بضعفه لأنه من رواية أبي بكر الهذلي وقد بالغ الجوزقاني فقال باطل، فالواجب البقاء على البراءة الأصلية المعتضده بأفعاله الثابتة في الصحيح، لا سيما مع ثبوت لبسه لذلك بعد حجة الوداع، ولم يلبث بعدها إلا أياماً يسيرة.
واحتجوا أيضاً بالأحاديث الواردة في تحريم المصبوغ بالعصفر، قالوا لأن العصفر يصبغ صباغاً أحمر وهي أخص من الدعوى وستعرف أن الحق أن ذلك النوع من الأحمر لا يحل لبسه. وقد احتج من قال بتحريم لبس الأحمر للرجال بهذه الأحاديث، وقد عرفت أنه لا يصلح واحد منها للاحتجاج.
وقد ذكر الحافظ في هذه المسألة سبعة أقوال: الأول الجواز مطلقاً، والثاني المنع مطلقاً، والثالث يكره لبس الثوب المشبع بالحمرة ما كان صبغه خفيفاً، جاء ذلك عن عطاء وطاؤس ومجاهد، وكان الحجة فيه حديث ابن عمر: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المفدم، أخرجه ابن ماجه والمفدم بالفاء وتشديد الدال وهو المشبع بالعصفر فسره في الحديث، والرابع يكره لبس الأحمر مطلقاً لقصد الزينة والشهرة ويجوز في البيوت والمهنة، جاء ذلك عن ابن عباس، والخامس يجوز لبس ما كان صبغ غزله ثم نسج ويمنع ما صبغ بعد النسج، جنح إلى ذلك الخطابي واحتج بأن الحلة الحمراء إحدى حلل اليمن وكذلك البرد الأحمر، وبرود اليمن يصبغ غزلها ثم ينسج، والسادس اختصاص النهي بما يصبغ بالعصفر لورود النهي عنه ولا يمنع ماصبغ بغيره من الأصباغ، قال الحافظ: ويعكر عليه حديث المغرة المتقدم، والسابع تخصيص المنع بالثوب الذي يصبغ كله وأما ما فيه لون آخر غير الأحمر من بياض وسواد وغيرهما فلا، وعلى ذلك تحمل الأحاديث الواردة في الحلة الحمراء فإن الحلل اليمانية غالباً تكون ذات خطوط حمر وغيرها. وقال الطبري بعد أن ذكر غالب هذه الأقوال: الذي أراه جواز لبس الثياب المصبغة بكل لون إلا أني لا أحب لبس ما كان مشبعاً بالحمرة ولا لبس الأحمر مطلقاً ظاهراً فوق الثياب لكونه ليس من لباس أهل المروءة في زماننا، فإن مراعاة زي

(5/393)


وفي البابِ عن جَابرِ بنِ سَمُرَةَ وأبي رِمْثَةَ وأبي جُحَيْفَةَ.
وهذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
الزمان من المروءة ما لم يكن إثماً، وفي مخالفته الزي ضرب من الشهرة وهذا يمكن أن يلخص منه قول ثامن انتهى كلام الحافظ.
قلت: الراجح عندي من هذه الأقوال هو القول السادس، وأما قول الحافظ: ويعكر عليه حديث المغرة المتقدم ففيه أن في سنده ضعفاً كما صرح بت الحافظ نفسه. وقال المنذري في إسناده إسماعيل بن عياش وابنه محمد بن إسماعيل بن عياش وفيهما مقال انتهى هذا ما عندي والله تعالى أعلم.
قوله: "وفي الباب عن جابر بن سمرة وأبي رمثة وأبي جحيفة" أما حديث جابر بن سمرة فأخرجه الترمذي في باب الرخصة في لبس الحمرة للرجال من أبواب الأدب، وأما حديث أبي رمثة فلينظر من أخرجه، وأما حديث أبي جحيفة فأخرجه البخاري في باب الصلاة في الثوب الأحمر وفي عدة أبواب من صحيحه.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي وابن ماجه

(5/394)


باب متجاء في كراهية المعصفر للرجال
...
5ـ باب ما جَاءَ في كَرَاهِيَةِ المُعَصْفَرِ لِلرّجَال
1779 ـ حدثنا قُتَيْبَةُ، حدثنا مالكُ بنُ أنَسٍ عن نافِعٍ عن إبراهيم بنِ عبدِ الله بنِ حُنَيْنٍ عن أبيهِ عن عليّ قال: "نَهَى النبيّ صلى الله عليه وسلم عن لُبْسِ القَسِيّ والمُعَصْفَرِ".
ـــــــ
"باب ما جَاءَ في كَرَاهِيَةِ المُعَصْفَرِ لِلرّجَال"
قوله: "عن إبراهيم بن عبد الله بن حنين" الهاشمي مولاهم المدني "عن أبيه" أي عبد الله بن حنين الهاشمي مولاهم مدني ثقة من الثالثة.
قوله: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن لبس القسي" بفتح القاف وكسر السين المهملة المشددة على الصحيح. قال أهل اللغة وغريب الحديث: هي ثياب

(5/394)


وفي البابِ عن أنَسٍ وعبدِ الله بنِ عَمْرو.
ـــــــ
مضلعة بالحرير تعمل بالقس بفتح القاف موضع من بلاد مصر على ساحل البحر قريب من التنيس، وقيل إنها منسوبة إلى القز وهو رديء الحرير فأبدلت الزاي سيناً "والمعصفر" هو المصبوغ بالعصفر كما في كتب اللغة وشروح الحديث، والعصفر يصغ صباغاً أحمر.
والحديث دليل على تحريم لبس المعصفر للرجال لأن الأصل في النهي التحريم. قال الشوكاني في النيل: الراجح تحريم الثياب المعصفرة، والعصفر وإن كان يصبغ صبغاف أحمر كما قال ابن القيم فلا معارضة بينه وبين ما ثبت في الصحيحين من أنه صلى الله عليه وسلم كان يلبس حلة حمراء لأن النهي في هذه الأحاديث يتوجه إلى نوع خاص من الحمرة وهي الحمرة الحاصلة عن صباغ العصفر انتهى.
وقد عقد الترمذي في أبواب الآداب باباً أيضاً بلفظ: باب ما جاء في كراهية لبس المعصفر للرجال وأورد فيه حديث عبد الله بن عمرو أنه قال: مر رجلٌ وعليه ثوبان أحمران فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم فلم يرد عليه النبي صلى الله عليه وسلم السلام ثم قال: ومعنا هذا الحديث عند أهل العلم أنه كره لبس المعصفر ورأوا أن ما صبغ بالحمرة بالمدر أو غير ذلك فلا بأس به إذا لم يكن معصفراً انتهى.
قوله "وفي باب عن أنس وعبد الله بن عمرو" أما حديث أنس فلينظر من أخرجه وأما حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنه فأخرجه مسلم عنه قال: رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم على ثوبيه معصفرين فقال إن هذه من ثياب الكفار فلا تلبثها، وفي الرواية الأخرى قال: رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم عليّ ثوبين معصفرين فقال: " أمك أمرتك بهذا" ؟ قلت: أغسلهما، قال: " بل أحرقهما" . وفي الباب أيضاً عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: أقبلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من ثنية فالتفت إليّ زعليّ ريطة مضرجة بالعصفر فقال ما هذا؟ فعرفت ما كره فأتيت أهلي وهم يسجرون تنورهم فقذفتها فيه ثم أتيته من الغد فقال يا عبد الله ما فعلت الريطة، فأخبرته فقال: ألا كسوتها بعض أهلك؟ أخرجه أحمد وكذلك أبو داود وابن ماجه وزاد: فإنه لا بأس بذلك للنساء.

(5/395)


وحديثُ عليّ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
قوله "حديث علي حديث حسن صحيح" أخرجه الجماعة إلا البخاري وابن ماجه كذا في المنتقى.

(5/396)


باب ماجاء في لبس الفراء
...
6ـ باب ما جَاءَ في لُبْسِ الفِرَاء
1780ـ حدثنا إسماعيلُ بن موسى الفَزَارِيّ، حدثنا سَيْفُ بنُ هارُونَ البرجميّ عن سُلَيْمانَ التّيْمِيّ عن أبي عُثمانَ عن سَلْمانَ قالَ: "سُئِلَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عن السّمْنِ والْجُبن والفِرَاءِ فقالَ: "الْحَلاَلُ ما أحَلّ الله في كِتَابِهِ. والْحَرَامُ ما حَرّمَ الله في كِتَابِهِ، وَمَا سَكَتَ عَنْهُ فَهُوَ مِمّا عفى عنهُ" .
ـــــــ
"باب ما جَاءَ في لُبْسِ الفِرَاء"
بكسر الفاء جمع فرو وهو لبس كالجبة يبطن من جلود بعض الحيوانات كالأرانب والسمور، يقال له بالفارسية بوستين.
قوله: "عن سيف بن هارون" البرجمي قال في النيل: هو ضعيف متروك، وقال في تهذيب التهذيب في ترجمته: روى له الترمذي وابن ماجه حديثاً واحداً في السؤال عن الفراء والسمن والجبن الحديث.
قوله: "عن السمن والجبن" كعتل هو لبن يجمد يقال له بالفارسية بنير "والفراء" قال القاري: بكسر الفاء والمد جمع الفراء مداً وقصراً وهو حمار الوحش قال القاضي: وقيل هو ههنا جمع الفرو الذي يلبس ويشهد له صنيع بعض المحدثين كالترمذي فإنه ذكره في باب لبس الفرو، وذكره ابن ماجه في باب السمن والجبن وقال بعض الشراح من علمائنا، وقيل هذا غلط بل جمع الفرو الذي يلبس وإنما سألوه عنها حذراً من صنيع أهل الكفر في اتخاذهم الفراء من جلود الميتة من غير دباغ، ويشهد له أن علماء الحديث أوردوا هذا الحديث في باب اللباس انتهى. "الحلال ما أحل الله" أي بين تحليله "في كتابه والحرام ما حرم الله" أي بين تحريمه "في كتابه" يعني إما مبيناً وإما مجملاً بقوله. "وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم

(5/396)


ـــــــ
عنه فانتهوا" لئلا يشكل بكثير من الأشياء التي صح تحريمها بالحديث وليس بصريح في الكتاب. قال الشوكاني في النيل: المراد من هذه العبارة وأمثالها مما يدل على حصر التحليل والتحريم على الكتاب العزيز هو باعتبار اشتماله على جميع الأحكام ولو بطريق العموم أو الإشارة أو باعتبار الأغلب لحديث: إني أوتيت القرآن ومثله معه. وهو حديث صحيح انتهى "وما سكت" أي الكتاب "عنه" أي عن بيانه أو وما أعرض الله عن بيان تحريمه وتحليله رحمة من غير نسيان "فهو مما عفا عنه" أي عن استعماله وأباح في أكله، وفيه أن الأصل في الأشياء الإباحة، ويؤيده قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً} .
تنبيه: اعلم أن بعض أهل العلم قد استدل على إباحة أكل التنباك وشرب دخانه بقوله تعالى {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً} وبالأحاديث التي تدل على أن الأصل في الأشياء الإباحة. قال القاضي الشوكاني في إرشاد السائل إلى أدلة المسائل بعد ما أثبت أن كل ما في الأرض حلال إلا بدليل ما لفظه: إذا تقرر هذا علمت أن هذه الشجرة التي سماها بعض الناس التنباك وبعضهم التوتون لم يأت فيها دليل على تحريمها وليست من جنس المسكرات ولا من السموم ولا من جنس ما يضر آجلاً أو عاجلاً، فمن زعم حرام فعليه الدليل ولا يفسد مجرد القال والقيل انتهى.
قلت: لا شك في أن الأصل في الأشياء الإباحة لكن بشرط عدم الإضرار، وأما إذا كانت مضرة في الأجل أو العاجل فكلا ثم كلا. وقد أشار إلى ذلك الشوكاني رحمه الله بقوله: ولا من جنس ما يضر آجلاً أو عاجلاً، وأكل التنباك وشرب دخانه بلا مرية وإضراره عاجلاً ظاهر غير خفي، وإن كان فيه شك فليأكل منه وزن ربع درهم أو سدسه ثم لينظر كيف يدور رأسه وتختل حواسه وتتقلب نفسه حيث لا يقدر أن يفعل شيئاً من أمور الدنيا أو الدين، بل لا يستطيع أن يقوم أو يمشي، وما هذا شأنه فهو مضر بلا شك. فقول الشوكاني: ولا من جنس ما يضر آجلاً أم عاجلاً ليس بصحيح. وإذا عرفت هذا ظهر لك أن إضراره عاجلاً هو الدليل على عدم إباحة أكله وشرب دخانه. هذا ما عندي والله تعالى أعلم.

(5/397)


وفي البابِ عن المُغِيرَةِ.
وهذا حديثٌ غريبٌ لا نَعْرِفُهُ مرفوعاً إلا مِنْ هذا الوجهِ.
ورَوَى سُفْيَانُ وَغَيْرُهُ عن سُليمانَ التّيْمِيّ عن أبي عُثْمانَ قَوْلَه. وكأنّ الحديثَ المَوْقُوفَ أصَحّ
ـــــــ
قوله: "وفي الباب عن المغيرة" لينظر من أخرجه.
قوله: "هذا حديث غريب" وأخرجه ابن ماجه والحاكم في المستدرك وفي سنده سيف بن هارون وهو ضعيف كما عرفت

(5/398)


باب ماجاء في لبس جلود الميتة إذا دبغت
...
7ـ باب ما جَاءَ في جُلُودِ المَيْتَةِ إذا دُبِغَت
1781 ـ حدثنا قُتَيْبَةُ، حدثنا اللّيْثُ عن يزيدَ بنِ أبي حَبيبٍ عن عَطَاء بنِ أبي رَبَاحٍ قالَ: سَمِعْتُ ابنَ عباسٍ يقولُ: "ماتَتْ شَاةٌ فقالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم لأهْلِهَا: "أَلاّ نَزَعْتُمْ جِلْدَهَا ثم دَبَغْتُمُوهُ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بهِ" .
وفي البابِ عن سَلَمَةَ بنِ المُحَبّقِ وَمَيْمُونَةَ وعائشةَ، وحديثُ بنِ عباسٍ
ـــــــ
"باب ما جَاءَ في جُلُودِ المَيْتَةِ إذا دُبِغَت"
قوله: "ألا نزعتم جلدها ثم دبغتموه فاستمتعتم به" فيه دليل على أن جلود الميتة لا يجوز الاستمتاع بها أي استمتاع كان إلا بعد الدباغ، وأما قبل الدباغ فلا يجوز الانتفاع كالبيع وغيره، وهو القول الراجح المعول عليه. ولم يقع في رواية البخاري والنسائي ذكر الدباغ فهي محمولة على الرواية المقيدة بالدباغ.
قوله: "وفي الباب عن سملة بن المحبق" بضم وفتح حاء مهملة وشدة موحدة مكسورة وبقاف والمحدثون يفتحون الباء كذا في المغني "وميمونة وعائشة" أما حديث سلمة بن المحبق فأخرجه ابن حبان عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "دباغ جلود الميتة طهورها" . وقد أخرج غير ابن حبان هذا الحديث بألفاظ أخرى

(5/398)


حسنٌ صحيحٌ. وقد رُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عنْ ابنِ عبّاسٍ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم نَحْوَ هَذَا. ورُوِيَ عن ابنِ عباسٍ عن مَيْمُونَةَ عن النبي صلى الله عليه وسلم ورُوِيَ عن سَوْدَةَ. وَسَمِعْتُ محمداً يُصَحّحُ حديثَ ابنِ عباسٍ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم وحديثَ ابنِ عباسٍ عن مَيْمُونَةَ وقال: أحْتَمِلُ أنْ يَكونَ رَوَى ابنُ عَبّاسٍ عن مَيْمُونَةَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم. ورَوَى ابنُ عباسٍ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم ولَمْ يَذْكُرْ فيهِ عن مَيْمُونَةَ. والعملُ على هذا عند أكثرَ أهلِ العلمِ وهُوَ قَوْلُ سُفيَانَ الثورِيّ وابنِ المبَارَكِ والشافعيّ وأحمدَ وإسحاقَ.
1782 ـ حدثنا قُتَيْبَةُ، وحدثنا سُفيانُ بنُ عُيَيْنَةَ و عبدُ العزيزِ بنُ محمدٍ عن زَيْدِ بنِ أسْلَمَ عن عبدِ الرحمَنِ بنِ وَعْلَةَ عن ابنِ عباسٍ قالَ: قال
ـــــــ
ذكرها صاحب السبل. وأما حديث ميمونة فأخرجه مالك وأبو داود والنسائي وغيرهم وفيه فقال: لو أخذتم إهابها، فقالوا إنها ميتة، فقال: يطهرها الماء والقرظ. وأما حديث عائشة فأخرجه الخمسة إلا الترمذي ولفظه: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أن ينتفع بجلود الميتة إذا دبغت.
قوله: "حديث ابن عباس حديث حسن صحيح" أخرجه الجماعة إلا أن ابن ماجه قال فيه عن ميمونة جعل من مسندها.
قوله: "والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم، وهو قول سفيان الثوري وابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق" وهو قول أبي حنيفة رحمه الله. قال الإمام محمد رحمه الله في موطأه بعد ذكر حديث: إذا دبغ الإهاب فقد طهر. وبهذا نأخذ إذا دبغ إهاب الميتة فقد طهر وهو ذكاته ولا بأس بالانتفاع به ولا بأس ببيعه، وهو قول أبي حنيفة والعامة من فقهائنا رحمهم الله انتهى. وقال بعض أهل العلم: إنه لا يطهر شيء من الجلود بالدباغ، واستدلوا بحديث عبد الله بن عكيم الآتي وهو حديث لا يصلح للاحتجاج كما ستعرف.
قوله: "وعن عبد الرحمن بن وعلة" بفتح الواو وسكون المهملة المصري

(5/399)


رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "أَيّمَا إهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ" .
هذا حديث حسن صحيح والعملُ على هذا عندَ أكثر أهلِ العلمِ قالوا في جُلودِ المَيْتَةِ إذا دُبِغَتْ فَقَدْ طَهُرَتْ. وقال الشافعيّ: أيما إهابٍ دُبِغَ فقد طَهُرَ إلاّ الكَلْبَ والْخنْزِيرَ. وكره بعضُ أهلِ الْعِلْمِ مِنْ أصحابِ النبيّ صلى الله عليه وسلم وغيرِهم جُلودَ السّبَاعِ وشدّدُوا في لُبْسِهَا والصّلاَةِ فيها.
ـــــــ
صدوق "أيما إهاب" ككتاب الجلد أو ما لم يدبغ قاله في القاموس. وفي الصحاح الإهاب الجلد ما لم يدبغ "دبغ" بصيغة المجهول صفة الإهاب، والدباغ بكسر الدال عبارة عن إزالة الرائحة الكريهة والرطوبات النجسة باستعمال الأدوية أو بغيرها. وقد أخرجه الإمام محمد في كتاب الآثار عن أبي حنيفة عن حماد عن إبراهيم قال: كل شيء يمنع الجلد من الفساد فهو دباغ "فقد طهر" أي ظاهره وباطنه، ويجوز استعماله في الأشياء اليابسة والمائعة ولا فرق بين مأكول اللحم وغيره.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه أحمد ومسلم وابن ماجه "وقال الشافعي: أيما إهاب دبغ فقد طهر إلا الكلب والخنزير" . استدل الشافعي على استثناء الخنزير بقوله تعالى {فإِنَّهُ رِجْسٌ} وجعل الضمير عائداً إلى المضاف إليه وقاس الكلب عليه بجامع النجاسة قال لأنه لا جلد له. قال الشوكاني متعقباً على الإمام الشافعي ما لفظه: واحتجاج الشافعي بالآية على إخراج الخنزير وقياس الكلب عليه لا يتم إلا بعد تسليم أن الضمير يعود إلى المضاف إليه دون المضاف وأنه محل نزاع ولا أقل من الاحتمال إن لم يكن رجوعه إلى المضاف راجحاً والمحتمل لا يكون حجة على الخصم، وأيضاً لا يمتنع أن يقال رجسية الخنزير على تسليم شمولها لجميعه لحماً وشعراً وجلداً وعظماً مخصصة بأحاديث الدباغ انتهى "وكره بعض أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لبس جلود السباع وشددوا في لبسها والصلاة فيها" لحديث أبي المليح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ينهى عن جلود السباع، وزاد الترمذي في رواية: أن تفترش، وسيأتي في باب ما جاء في النهي عن جلود السباع. قال الشوكاني: أما الاستدلال بأحاديث النهي عن جلود السباع

(5/400)


قال إسحاقُ بنُ إبراهيمَ: إنّما مَعْنَى قولِ رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أَيّمَا إهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ" إنما يعنى به جِلْد ما يُؤْكَلُ لَحْمُهُ. هكَذَا فَسّرَهُ النّضْرُ بنُ شُمَيْل وقال: إنما يقال إهاب الِجلْدِ ما يؤْكلُ لحمُهُ. وكره ابن مبارك وأحمد وإسحاق و الحميدي الصلاة في جلود السباع.
1783ـ حدثنا محمدُ بنُ طَرِيفٍ الكُوفِيّ، حدثنا محمدُ بنُ فُضَيْلٍ
ـــــــ
على أن الدباغ لا يطهر جلود السباع بناء على أنها مخصصة للأحاديث القاضية بأن الدباغ مطهر على العموم فغير ظاهر لأن غاية ما فيها مجرد النهي عن الركوب عليها وافتراشها ولا ملازمة بين ذلك وبين النجاسة كما لا ملازمة بين النهي عن الذهب والحرير ونجاستهما فلا معارضة، بل يحكم بالطهارة بالدباغ مع منع الركوب عليها ونحوه، مع أن يمكن أن يقال إن أحاديث النهي عن جلود السباع أعم من وجه من الأحاديث القاضية بأن الدباغ مطهر على العموم لشمولها لما كان مدبوغاً من جلود السباع وما كان غير مدبوغ انتهى كلام الشوكاني. "قال إسحاق بن إبراهيم: إنما معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: "أيما إهاب دبغ فقد طهر" ، إنما يعني بت جلد ما يؤكل لحمه هكذا فسره النضر بن شميل، وقال: إنما يقال إهاب الجلد ما يؤكل لحمه" قال الشوكاني: هذا يخالف ما قال أبو داود في سننه قال النضر بن شميل: إنما يسمى إهاباً ما لم يدبغ فإذا دبغ لا يقال له إهاب إنما يسمى شناً وقربة انتهى. فليس في رواية أبي داود تخصيصه بجلد المأكول، ورواية أبي داود عنه أرجح لموافقتها ما ذكره أهل اللغة كصاحب الصحاح والقاموس والنهاية وغيرها والمبحث لغوي فيرجح ما وافق اللغة ولم نجد في شيء من كتب أهل اللغة ما يدل على تخصيص الإهاب بإهاب مأكول اللحم كما رواه الترمذي عنه انتهى كلام الشوكاني، قلت الأمر كما قال الشوكاني "وكره ابن المبارك وأحمد وإسحاق والحميدي الصلاة في جلود السباع" أي ولو كانت مدبوغة لحديث المقدام بن معد يكرب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن لبس جلود السباع والركوب عليها.

(5/401)


عن الأعْمَشِ والشّيْبَانِيّ عن الْحَكَمِ عن عبدِ الرحمَنِ بنِ أبي لَيْلَى عن عبدِ الله بن عُكَيْمٍ قال: "أتَانَا كِتَابُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم أن لا تَنْتَفِعُوا منَ المَيْتَةِ بإهَابٍ ولا عَصَبٍ".
هذا حديثٌ حسنٌ. ويُرْوَى عن عبدِ الله بنِ عُكَيْمٍ عن أشْيَاخٍ له هذا الحديثُ ولَيْسَ العملُ على هذا عندَ أكثَر أهلِ العلمِ. وقد رُوِيَ هذا الحديثُ عن عبدِ الله بن عُكَيْمٍ أنه قال: "أتَانَا كِتَابُ النبي صلى الله عليه وسلم قَبْلَ وَفَاتِهِ بشَهْرَيْنِ".
قال وسمعتُ أحمدَ بنَ الْحَسَنِ يقولُ: كان أحمدُ بنُ حنبلٍ يَذْهَبُ إلى هذا الْحَدِيثِ لِمَا ذُكِرَ فيهِ قَبْلَ وَفَاتِهِ بِشَهْرَيْنِ وكانَ يقولُ كَانَ هذا آخرُ أمْرِ النبيّ صلى الله عليه وسلم ثم تَرَكَ أحمدُ بن حنبل هذا الحديثَ لَمّا اضْطَرَبُوا في إسْنَادِهِ
ـــــــ
قوله: "عن عبد الله بن عكيم" بالتصغير مخضرم من الثانية "أن لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب" بفتحتين قال في شرح مواهب الرحمن: وعصب الميتة نجس في الصحيح من الرواية لأن فيه حياة بدليل تألمه بالقطع، وقيل طاهر فإنه عظم غير متصل. قال التوربشتي قيل إن هذا الحديث ناسخ للأخبار الواردة في الدباغ لما في بعض طرقه أتانا كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل موته بشهر، والجمهور على خلافه لأنه لا يقاوم تلك الأحاديث صحة واشتهاراً، ثم إن ابن عكيم لم يلق النبي صلى الله عليه وسلم وإنما حدث عن حكاية حال، ولو ثبت فحقه أن يحمل على نهي الانتفاع قبل الدباغ كذا في المرقاة.
قوله: "هذا حديث حسن" وأخرجه النسائي وابن ماجه، وفي كونه حسناً كلا كما ستقف عليه "وليس العمل على هذا عند أكثر أهل العلم" . قال صاحب المنتقى: أكثر أهل العلم على أن الدباغ يطهر في الجملة لصحة النصوص بت، وخبر ابن عكيم لا يقاربها في الصحة والقوة لينسخها انتهى "ثم ترك أحمد هذا الحديث

(5/402)


حَيْثُ رَوَى بَعضُهم فقال عن عبدِ الله بنِ عُكَيْمٍ عن أشْيَاخٍ له مِنْ جُهَيْنَةَ.
ـــــــ
لما اضطروا في إسناده الخ" قال المنذري في تلخيص السنن بعد نقل كلام الترمذي هذا: وقال أبو بكر بن حازم الحافظ وقد حكى الخلال في كتابه أن أحمد توقف في حديث ابن عكيم لما رأى تزلزل الرواة فيه، وقال بعضهم رجع عنه، وقال أبو الفرج عبد الرحمن بن علي في الناسخ والمنسوخ: تصنيفه. وحديث ابن عكيم مضطرب جداً فلا يقاوم الأول لأنه في الصحيحين يعني حديث ميمنونة. وقال أبو عبد الرحمن والنسائي في كتاب السنن: أصح ما في هذا الباب في جلود الميتة إذا دبغت حديث الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس عن ميمونة والله أعلم انتهى كلام المنذري

(5/403)


باب ماجاء في كراهية جر الإزار
...
8 ـ باب ما جَاءَ في كَرَاهِيَةِ جَرّ الإزَار
1784 ـ حدثنا الأنصَارِيّ حدثنا مَعْنٌ حدثنا مالِكٌ، وحدثنا قُتَيْبَةُ عن مَالِكٍ عن نافِعٍ و عبدِ الله بنِ دِينَارٍ و زَيْدِ بنِ أسْلَمَ كلّهم يُخْبِرُ عن عبدِ الله بنِ عُمَرَ أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا يَنْظُرُ الله يَوْمَ الْقِيَامَةِ إلى مَنْ جَرّ ثَوْبَهُ خُيلاَءَ" .
ـــــــ
"باب ما جَاءَ في كَرَاهِيَةِ جَرّ الإزَار"
قوله: "لا ينظر الله" قال الحافظ في الفتح أي لا يرحمه فالنظر إذا أضيف إلى الله كان مجازاً وإذا أضيف إلى المخلوق كان كناية، ويحتمل أن يكون المراد لا ينظر الله إليه نظر رحمة. وقال شيخنا الحافظ العراقي في شرح الترمذي: عبر عن المعنى الكائن عند النظر بالنظر لأن من نظر إلى متواضع رحمه، ومن نظر إلى متكبر مقته، فالرحمة والمقت متسببان عن النظر. وقال الكرماني: نسبة النظر لمن يجوز عليه النظر كناية لأن من اعتد بالشخص التفت إليه ثم كثر حتى صار عبارة عن الإحسان وإن لم يكن هناك نظر. ولمن لا يجوز عليه حقيقة النظر وهو تقليب الحدقة، والله منزه عن ذلك فهو بمعنى الإحسان مجاز عما وقع في حق غيره كناية. وقوله يوم القيامة إشارة إلى أنه محل الرحمة المستمرة رحمة الدنيا فإنها قد

(5/403)


وفي البابِ عن حُذَيْفَةَ وأبي سَعِيدٍ وأبي هريرةَ، وسَمُرَةَ وأبي ذَر وعائشةَ وهُبَيْبِ بنِ مُغفلٍ.
وحديثُ ابنِ عُمَر حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
تنقطع بما يتجدد من الحوادث. ويؤيده ما ذكر من حمل النظر على الرحمة أو المقت ما أخرجه الطبراني وأصله في أبي داود من حديث أبي جري أن رجلاً ممن كان قبلكم لبس بردة فتبختر فيها فنظر الله إليه فمقته فأمر الأرض فأخذته الحديث انتهى. قلت: الأولى بل المتعين أن يحمل ما ورد من النظر ونحوه من صفات الله تعالى على ظاهره من غير تأويل، وقد تقدم الكلام في هذه المسألة مراراً "إلى من جر ثوبه" هو شامل للإزار والرداء وغيرهما. وروى أبو داود والنسائي وابن ماجه من رواية سالم بن عبد الله عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " الإسبال في الإزار والقميص والعمامة من جر منها شيئاً خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة" "خيلاء" بضم المعجمة وفتح التحتية وبالمد. قال النووي: هو والمخيلة والبطر والكبر والزهو والتبختر كلها متقاربة.
قوله: "وفي الباب عن حذيفة وأبي سعيد وأبي هريرة وسمرة وأبي ذر وعائشة وهبيب بن مغفل" أما حديث حذيفة فأخرجه ابن ماجه في باب موضع الإزار أين هو. وأما حديث أبي سعيد فأخرجه أبو داود وابن ماجه. وأما حديث أبي هريرة فأخرجه الشيخان. وأما حديث سمرة فأخرجه أحمد. وأما حديث أبي ذر فأخرجه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه. وأما حديث عائشة فأخرجه البيهقي وفيه: لا ينظر الله إلى مسبل. وأما حديث هبيب بن مغفل فأخرجه أحمد بإسناد جيد وأبو يعلى والطبراني، وهبيب بضم الهاء وفتح الموحدة مصغراً. ومغفل بضم الميم وسكون المعجمة وكسر الفاء. وقال الذهبي في التجريد: قيل لوالد هبيب مغفل لأنه أغفل سمة إبله.
قوله: "حديث ابن عمر حديث حسن صحيح" وأخرجه مالك والبخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه.
تنبيه: قال الحافظ في الفتح: في هذه الأحاديث أن إسبال الإزار للخيلاء

(5/404)


ـــــــ
كبيرة، وأما الإسبال لغير الخيلاء فظاهر الأحاديث تحريمه أيضاً، لكن استدل بالتقييد في هذه الأحاديث بالخيلاء على أن الإطلاق في الزجر الوارد في ذم الإسبال محمول على المقيد هنا فلا يحرم الجر والإسبال إذا سلم من الخيلاء. قال ابن عبد البر: مفهومه أن الجر لغير الخيلاء لا يلحقه الوعيد إلا أن جر القميص وغيره من الثياب مذموم على كل حال. وقال النووي: الإسبال تحت الكعبين للخيلاء حرام فإن كان لغيرها فهو مكروه، وهكذا نص الشافعي على الفرق بين الجر للخيلاء ولغير الغيلاء قال: والمستحب أن يكون الإزار إلى نصف الساق والجائز بلا كراهة ما تحته إلى الكعبين وما نزل من الكعبين ممنوع منع تحريم إن كان للخيلاء وإلا فمنع تنزيه، لأن الأحاديث الواردة في الزجر عن الإسبال مطلقه فيجب تقييدها بالإسبال للخيلاء انتهى. وقال ابن العربي: لا يجوز للرجل أن يجاوز بثوبه كعبه ويقول لا أجره خيلاء لأن النهي قد تناوله لفظاً ولا يجوز لمن تناوله اللفظ حكماً يقول لا أمنثله لأن تلك العلة ليست في فإنها دعوى غير مسلمة، بل إطالته ذيله دالة على تكبره انتهى.
وحاصله أن الإسبال يستلزم جر الثوب وجر الثوب يستلزم الخيلاء ولو لم يقصد اللابس الخيلاء. ويؤيده ما أخرجه أحمد من منيع من وجه آخر عن ابن عمر في أثناء حديث رفعه: "وإياك وجر الإزار فإن جر الإزار من المخيلة" . وأخرجه الطبراني من حديث أبي أمامة بينما نحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا لحقنا عمرو بن زرارة الأنصاري في حلة إزار ورداء قد أسبل، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ بناحية ثوبه ويتواضع لله ويقول "عبدك وابن عبدك وأمتك" حتى سمعها عمرو، فقال يا رسول الله إني حمش الساقين، فقال "يا عمرو إن الله قد أحسن كل شيء خلقه، يا عمرو وإن الله لا يحب المسبل" الحديث. وأخرجه أحمد من حديث عمرو نفسه لكن قال في روايته عن عمرو بن فلان، وأخرجه الطبراني أيضاً فقال عن عمرو بن زرارة وفيه: وضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم بأربع أصابع تحت ركبة عمرو فقال: "يا عمرو هذا موضع الإزار" ، ثم ضرب بأربع أصابع تحت الأربع فقال: "يا عمرو هذا موضع الإزار" ، ثم ضرب بأربع تحت الأصابع فقال: يا عمرو هذا موضع الإزار، الحديث ورجاله ثقات. وظاهره أن عمراً المذكور لم يقصد بإسباله الخيلاء، وقد منعه من ذلك لكونه مظنته. وأخرج الطبراني من حديث الشريد الثقفي قال: أبصر النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً قد

(5/405)


ـــــــ
أسبل إزاره فقال "ارفع إزارك" ، فقال: إني أحنف تصطك ركبتاي، قال "ارافع إزارك فكل خلق الله حسن" . وأخرجه مسدد وأبو بكر بن أبي شيبة من طرق عن رجل من ثقيف لم يسم وفي آخره: وذاك أقبح مما بساقك. وأما ما أ خرجه ابن أبي شيبة عن ابن مسعود بسند جيد أنه كان يسبل إزاره فقيل له في ذلك فقال إني حمش الساقين فهو محمول على أنه أسبله زيادة على المستحب وهو أن يكون إلى نصف الساق ولا يظن به أنه جاوز به الكعبين والتعليل يرشد إليه، ومع ذلك فلعله لم تبلغه قصة عمرو بن زرارة والله أعلم. وأخرجه النسائي وابن ماجه وصححه ابن حبان من حديث المغيرة بن شعبة. رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ يرداء سفيان بن سهيل وهو يقول: "يا سفيان لا تسبل فإن الله لا يحب المسبلين"

(5/406)


باب ماجاء في ذيول النساء
...
9ـ باب ما جاءَ في ذُيُولِ النّسَاء
1785 ـ حدثنا الحسَنُ بنُ عليّ الْخَلاّلُ، حدثنا عبدُ الرّزّاق، أخبرنا مَعْمَرٌ عن أيّوبَ عن نافِعٍ عن ابنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ جَرّ ثَوْبَهُ خُيَلاَءَ لَمْ يَنْظُر الله إليهِ يَوْمَ القِيَامَةِ" ، فَقَالَتْ أُمّ سَلَمَةَ: فَكَيْفَ يَصْنَعُ النّسَاءُ بِذُيُولِهِنّ؟ قالَ: " يُرْخِينَ شِبْراً" ، فقَالَتْ إذاً تَنْكَشِفُ أَقْدَامُهُنّ، قالَ: "فَيُرْخِينَهُ ذِرَاعاً لا يَزِدْنَ عَلَيْهِ" .
ـــــــ
"باب ما جاء في جر ذيول النساء"
قال في القاموس: الذيل آخر كل شيء ومن الإزار والثوب ما جر.
قوله: "يرخين" بضم أوله من الإرخاء وهو الإرسال أي يرسلن من ثيابهن "شبراً" أي من نصف الساقين "إذاً" بالتنوين "فيرخينه" أي الذيل "لا يزدن عليه" أي على قدر الذارع. قال الطيبي: المراد به الذراع الشرعي، إذ هو أقصر من العرفي.
تنبيه: اعلم أن حديث ابن عمر هذا أخرجه البخاري في صحيحه وليست فيه زيادة: فقالت أم سلمة فكيف يصنع النساء بذيولهن الخ. قال الحافظ في شرح

(5/406)


حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
وفي الحديث رخصة للنساء في جر الإزار لأنه يكون أستر لهن.
ـــــــ
حديث أبي هريرة: "لا ينظر الله يوم القيامة إلى من جر إزاره بطراً" ما لفظه: قوله ومن يتناول الرجال والنساء في الوعيد المذكور على هذا الفعل المخصوص وقد فهمت ذلك أم سلمة رضي الله عنها فأخرجه النسائي والترمذي وصححه من طريق أيوب عن نافع بن عمر، فقال أم سلمة فكيف تصنع النساء بذيولهن، فقال يرخين شبراً. فقالت إذاً تنكشف أقدامهن. قال فيرخينه ذراعاً لا يزدن عليه، لفظ الترمذي. وقد عزا بعضهم هذه الزيادة لمسلم فوهم فإنها ليست عنده، وكأن مسلماً أعرض عن هذه الزيادة للاختلاف فيها على نافع، فقد أخرجه أبو داود والنسائي وغيرهما من طريق عبيد الله بن عمر عن سليمان بن يسار عن أم سلمة، وأخرجه أبو داود من طريق أبي بكر بن نافع والنسائي من طريق أيوب بن موسى ومحمد بن إسحاق ثلاثهم عن نافع عن صفية بنت أبي عبيد عن أم سلمة، وأخرجه النسائي من رواية يحيى بن أبي كثير عن نافع عن أم سلمة نفسها وفيه اختلافات أخرى، ومع ذلك فله شاهد من حديث ابن عمر أخرجه أبو داود من رواية أبي بكر الصديق عن ابن عمر قال: رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمهات المؤمنين شبراً، ثم استزدنه فزادهن شبراً، فكن يرسلن إلينا فنذرع لهن ذراعاً. وأفادت هذه الرواية قدر الذراع المأذون فيه وأنه شبران بشبر اليد المعتدلة انتهى.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه النسائي "وفي الحديث رخصة للنساء في جر الإزار لأنه يكون أستر لهن" قال الحافظ: إن للرجال حالين: حال استحباب وهو أن يقتصر بالإزار على نصف الساق وحال جواز وهو إلى الكعبين، وكذلك للنساء حالان: حال استحباب وهو ما يزيد على ما هو جائز للرجال بقدر الشبر، وحال جواز بقدر ذراع. ويؤيد هذا التفصيل في حق النساء ما أخرجه الطبراني في الأوسط من طريق معتمر عن حميد عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم شبر لفاطمة من عقبها شبراً وقال: "هذا ذيل المرأة" ، وأخرجه أبو يعلى بلفظ: شبر من ذيلها شبراً أو شبرين وقال لا تزدن على هذا ولم يسم فاطمة. قال الطبراني:

(5/407)


1786 ـ حدثنا إسحاقُ بنُ مَنْصُورٍ، أخبرنا عَفّانُ، حدثنا حَمّادُ بنُ سَلَمَةَ عن عليّ بنِ زَيْدٍ عن أُمّ الْحَسَنِ أنّ أُمّ سَلمَةَ حَدّثَتْهُمْ: "أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم شَبّرَ لِفَاطِمَةَ شِبْراً مِنْ نِطَاقِهَا".
ورواه بَعْضُهُمْ عن حَمّادِ بنِ سَلْمَةَ عن عليّ بنِ زَيْدٍ عن الْحَسَنِ عن أُبيهِ عنْ أُمّ سَلَمَةَ.
ـــــــ
تفرد به معتمر، و "أو" شك من الراوي، والذي جزم بالشبر هو المعتمد، ويؤيده ما أخرجه الترمذي من حديث أم سلمة يعني الذي يأتي بعد هذا.
قوله: "عن علي بن يزيد" هو معروف بعلي بن زيد بن جدعان ضعيف من الرابعة كذا في التقريب. قلت: وقال الترمذي: صدوق إلا أنه ربما رفع الشيء الذي يوقفه غيره. يروي عن الحسن البصري وأمه خيرة وخلق "عن أم الحسن" الحسن هذا هو البصري واسم أمها خيرة. قال في التقريب: خيرة أم الحسن البصري مولاة أم سلمة مقبولة من الثانية "شبر" من التشبير. قال في القاموس: شبر تشبيراً قدر "لفاطمة شبراً" بكسر الشين هو ما بين أعلى الإبهام وأعلى الخنصر "من نطاقها" بكسر النون، قال في القاموس: النطاق ككتاب شقة تلبسها المرأة تشد وسطها فترسل الأعلى على الأسفل إلى الأرض، والأسفل ينجر على الأرض ليس لها حجزة ولا نفيق ولا ساقان انتهى. والمعنى أن النبي صلى الله عليه وسلم قدر لفاطمة النبي صلى الله عليه وسلم أن ترخي قدر شبر من نطاقها. قال النووي: أجمعوا على جواز الجر للنساء.
قوله: "ورواه بعضهم عن حماد بن سلمة عن علي بن يزد عن الحسن عن أمه عن أم سلمة" عليّ بن يزد يروي عن الحسن البصري وعن أمه أيضاً، فالظاهر أنه روى هذا الحديث عن أم الحسن بواسطة الحسن وعنها بلا وساطة أيضاً، ولم يحكم الترمذي على هذا الحديث بشيء من الصحة والضعف، وفي سنده علي بن يزيد وقد عرفت حاله

(5/408)


باب ماجاء في لبس الصوف
...
10ـ باب ما جاءَ في لُبْسِ الصّوف
1787ـ حدثنا أحمدُ بنُ مَنِيعٍ، حدثنا إسماعيلُ بنُ إبراهيمَ، حدثنا أيّوبُ عن حُمَيْدٍ بنِ هِلاَلٍ عن أبي بُرْدَةَ قالَ: "أَخْرَجَتْ إلَيْنَا عَائِشَةُ كِسَاءً مُلَبّداً وإزَاراً غَلِيظاً، فَقَالَتْ: قُبِضَ روح رَسولُ الله صلى الله عليه وسلم في هَذَيْنِ".
وفي البابِ عن عليّ وابنِ مَسْعُودٍ. وحَدِيثُ عَائِشَةَ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
"باب ما جاءَ في لُبْسِ الصّوف"
قال في الصراح: صوف يشم كوسيند. قال ابن بطال: كره مالك لبس الصوف لمن يجد غيره لما فيه من الشهرة بالزهر لأن إخفاء العمل أولى، قال: ولم ينحصر التواضع في لبسه بل في القطن وغيره ما هو بدون ثمنه.
قوله: "كساء" بكسر الكاف هو ما يستر أعلى البدن والإزار ما يستر أسفله "ملبداً" اسم مفعول من التلبيد. قال في النهاية أي مرقعاً، وقال الحافظ في الفتح: قال المهلب: يقال للرقعة التي يرقع القميص لبدة، وقال غيره: التي ضرب بعضها في بعض حتى تتراكب وتجتمع "قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذين" أي في هذين الثوبين وكأنه إجابة لدعائه صلى الله عليه وسلم: "اللهم أحيني مسكيناً وأمتني مسكينا" ً. قال النووي: في أمثال هذا الحديث بيان ما كان عليه صلى الله عليه وسلم من الزهادة في الدنيا والإعراض عن متاعها وملاذها، فيجب على الأمة أن يقتدوا وأن يقتفوا على أثره في جميع سيره.
قوله: "وفي الباب عن علي وابن مسعود" أما حديث علي فأخرجه أبو يعلى ذكره المنذري في الترغيب في ترك الترفع في اللباس تواضعاً واقتداء بأشرف الخلق محمد صلى الله عليه وسلم، وأما حديث ابن مسعود فأخرجه الترمذي في هذا الباب.
قوله: "حديث عائشة حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان.

(5/409)


1788ـ حدثنا عليّ بنُ حجرٍ، حدثنا خَلَفُ بنُ خَليفَةَ عن حُمَيْدٍ الأَعْرَجِ عن عَبْدِ الله بنِ الْحَارِثِ عن ابنِ مَسْعُودٍ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "كانَ عَلَى مُوسَى يوم كَلّمَهُ رَبّهُ كِسَاءُ صُوفٍ وَجُبّةُ صُوفٍ وكُمّهُ صُوفٍ وسَرَاوِيلُ صُوفٍ، وكانَتْ نَعْلاَهُ مِنْ جِلْدِ حِمَارٍ مَيّتٍ" .
هذا حديثٌ غريبٌ لا نَعْرِفُهُ إلاّ مِنْ حَدِيثِ حُمَيْدٍ الأَعْرَجِ. وَحُمَيْدٌ هو ابنُ عليّ الكوفي قال سمعت محمداً يقول حميد بن علي الأَعْرَجُ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ. وَحُمَيْدٍ بنُ قَيْسٍ الأَعْرَجُ المَكّيّ صَاحِبُ مُجَاهِدٍ ثِقَةٌ. والكُمّةُ القَلَنْسُوَةُ الصغيرة
ـــــــ
قوله: "حدثنا خلف بن خليفة" بن صاعد الأشجعي مولاهم أبو أحمد الكوفي نزل واسط ثم بغداد صدوق اختلط بآخره وادعى أنه رأى عمرو بن حريث الصحابي فأنكر عليه ذلك ابن عيينة وأحمد، من الثامنة، كذا في التقريب "عن حميد الأعرج" الكوفي القاضي الملائي، يقال هو ابن عطاء أو ابن علي أو غير ذلك، ضعيف من السادسة.
قوله: "وكمة صوف" بضم كاف وشدة ميم هي القلنسوة الصغيرة.
قوله: "هذا حديث غريب الخ" وأخرجه الحاكم وقال صحيح على شرط البخاري قال المنذري: توهم الحاكم أن حميداً الأعرج هذا هو حميد بن قيس المكي وإنما هو حميد بن علي، وقيل ابن عمار أحد المتروكين

(5/410)


باب ماجاء في العمامة السوداء
...
11ـ باب ما جاءَ في العِمَامَةِ السّوْدَاء
1789ـ حدثنا محمدُ بنُ بَشّارٍ، حدثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مَهْدِي عن حَمّادِ بنِ سَلَمَةَ عن أبي الزّبَيْرِ عن جَابرٍ قال: "دَخَلَ النبيّ صلى الله عليه وسلم مَكّةَ يَوْمَ الفَتْحِ وعَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ".
ـــــــ
"باب ما جاءَ في العِمَامَةِ السّوْدَاء"
قوله: "وعليه عمامة سوداء" فيه دليل على مشروعية العمامة السوداء.

(5/410)


قال وفي البابِ عن علي و عَمَرِو بنِ حُرَيْثٍ وابنِ عباسٍ وَرُكَانَةَ.
حَدِيثُ جَابِرٍ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
قوله: "وفي الباب عن عمرو بن حريث وابن عباس وركانة" أما حديث عمرو بن حريث فأخرجه مسلم والترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجه عنه قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر وعليه عمامة سوداء قد أرخى طرفها بين كتفيه كما في النيل، وأما حديث ابن عباس وحديث ركانة فلينظر من أخرجهما.
قوله: "حديث جابر حديث حسن صحيح" وأخرجه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه

(5/411)


باب سدل العمامة بين الكتفين
...
12ـ باب في سَدْلِ العِمَامَةِ بَيْنَ الكَتِفَيْن
1790ـ حدثنا هارونُ بنُ إسحاقَ الْهَمَدَانِيّ، حدثنا يَحْيَى بنُ محمدٍ المدني عن عَبْدِ العَزِيزِ بنِ محمدٍ عن عُبَيْدِ الله بنِ عُمَرَ عن نافِعٍ عن ابنِ عُمَرَ قال: "كانَ النبيّ صلى الله عليه وسلم إذا اعْتَمّ سَدلَ عِمَامَتَهُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ".
ـــــــ
"باب في سَدْلِ العِمَامَةِ بَيْنَ الكَتِفَيْن"
أي إرسالها وإرخائها بينهما، ولم يقع هذا الباب في بعض النسخ.
قوله: "حدثنا يحيى بن محمد المديني" قال في التقريب: يحيى بن محمد بن عبد الله بن مهران المدني مولى بني نوفل يقال له الجاري بجيم وراء خفيفة، صدوق يخطيء من كبار العاشرة.
قوله: "إذا اعتم" بتشديد الميم أي لف العمامة على رأسه "سدل" أي أرسل وأرخى "عمامته" أي طرفها الذي يسمى العلامة والعذبة "بين كتفيه" بالتثنية، والحديث يدل على استحباب إرخاء طرفها بين الكتفين. وقد ورد في إرخاء العذبة أحاديث على أنواع: فمنها ما يدل على إرخائها بين الكتفين كحديث الباب وحديث عمرو بن حريث رضي الله عنه الذي أشار إليه الترمذي في الباب المتقدم وتقدم لفظه هناك، وحديث الحسن بن علي رضي الله عنه قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر وعليه عمامة سوداء قد أرخى طرفها بين كتفيه،

(5/411)


قالَ نَافِعٌ: وكانَ ابنُ عُمَرَ يَسْدِلُ عِمَامَتَهُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ: قالَ عُبَيْدُ الله: ورَأَيْتُ القَاسِمَ وسَالِماً يَفْعَلاَنِ ذَلِكَ.
ـــــــ
أخرجه أبو داود على ما في عمدة القاري، وحديث عبد الأعلى بن عدي أخرجه أبو نعيم في معرفة الصحابة من رواية إسماعيل بن عياش عن عبد الله بن بشر عن عبد الرحمن بن عدي البهراني عن أخيه عبد الأعلى بن عدي: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا علي بن أبي طالب يوم غدير خم فعممه وأرخى عذبة العمامة من خلفه ثم قال: "هكذا فاعتموا" الحديث. وحديث عبد الله بن ياسر قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عليّ بن أبي طالب إلى خيبر فعممه بعمامة سوداء ثم أرسلها من روائه أو قال على كتفه اليسرى، أخرجه الطبراني وحسنه السيوطي، وحديث جابر قال: كان للنبي صلى الله عليه وسلم وعليه عمامة سوداء يلبسها في العيدين ويرخيها خلفه، أخرجه ابن عدي وقال لا أعلم يرويه عن أبي الزبير غير العزرمي وعنه حاتم بن إسماعيل. وحديث أبي موسى أن جبرئيل نزل على النبي صلى الله عليه وسلم وعليه عمامة سوداء قد أرخى ذؤابته من ورائه، أخرجه الطبراني.
ومنها ما يدل على إرخائها بين يدي المعتم ومن خلفه كحديث عبد الرحمن بن عوف عممني رسول الله صلى الله عليه وسلم فسد لها من بين يدي ومن خلفي، أخرجه أبو داود وفي إسناده شيخ مجهول. وحديث عائشة أخرجه ابن أبي شيبة عن عروة عنها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عمم عبد الرحمن بن عوف بعمامة سوداء من قطن وأفضل له من بين يديه مثل هذه، وفي رواية عن نافع عن ابن عمر قال: عمم رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن عوف بعمامة سوداء كرابيس وأرخاها من خلفه قدر أربع أصابع قال: "هكذا فاعتم" ، وحديث ثوبان: رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا اعتم أرخى عمامته بين يديه ومن خلفه، أخرجه الطبراني في الأوسط وفي الحجاج بن رشد وهو ضعيف.
ومنها ما يدل على إرخائها من الجانب الأيمن كحديث أبي أمامة قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قلما يولي والياً حتى يعممه ويرخي لها من جانبه الأيمن نحو الأذن، أخرجه الطبراني في الكبير وفي إسناده جميع بن ثوب وهو متروك.

(5/412)


ـــــــ
وقد استدل على جواز ترك العذبة ابن القيم في الهدي بحديث جابر عند مسلم وأبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجه بلفظ: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل مكة وعليه عمامة سوداء، بدون ذكر الذؤابة، قال: فدل على أن الذوابة لم يكن يرخيها دائماً بين كتفيه انتهى وفيه نظر، إذ لا يلزم من عدم ذكر الذؤابة في هذا الحديث عدمها في الواقع حتى يستدل به على أنه صلى الله عليه وسلم لم يكن يرخي الذؤابة.
وأقوى أحاديث هذه الأنواع كلها وأصحها هو حديث عمرو بن حريث في إرخاء العذبة بين الكتفين. قال العيني في العمدة: قال شيخنا زين الدين: ما المراد بسدل عمامته بين كتفيه؟ هل المراد سدل الطرف الأسفل حتى تكون عذبة؟ أو المراد سدل الطرف الأعلى بحيث يغرزها ويرسل منها شيئاً خلفه؟ يحتمل كلا من الأمرين ولم أر التصريح يكون المرخي من العمامة عذبة إلا في حديث عبد الأعلى بن عدي وفيه: وأرخى عذبة العمامة من خلفه وتقدم، وقال الشيخ مع أن العذبة الطرف كعذبة السوط وكعذبة اللسان أي طرفه، فالطرف الأعلى يسمى عذبة من حيث اللغة وإن كان مخالفاً للاصطلاح العرفي الاَن. وفي بعض طرق حديث ابن عمر ما يقتضي أن الذي كما يرسله بين كتفيه من الطرف الأعلى، رواه أبو الشيخ وغيره من رواية أبي عبد السلام عن ابن عمر رضي الله عنه قال: قلت لابن عمر: كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتم؟ قال: كان يدير كور العمامة على رأسه ويغرزها من ورائه ويرخي له ذؤابة بين كتفيه انتهى.
فائدة: قد أخرج الطبراني في الأوسط عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم عمم عبد الرحمن بن عوف فأرسل من خلفه أربع أصابع أو نحوها ثم قال: "هكذا فاعتم فإنه أعرب وأحسن" . قال السيوطي: وإسناده حسن وأخرج ابن أبي شيبة أن عبد الله بن الزبير كان يعتم بعمامة سوداء قد أرخاها من خلفه نحواً من ذراع. وروى سعد بن سعيد عن رشدين قال: رأيت عبد الله بن الزبير يعتم بعمامة سوداء ويرخيها شبراً أو أقل من شبر. قال في السبل: من آداب العمامة تقصير العذبة فلا تطول طولاً فاحشاً. وقال النووي في شرح المهذب: إرسال العذبة إرسالاً فاحشاً كإرسال الثوب يحرم للخيلاء ويكره لغيره انتهى.

(5/413)


ـــــــ
"فائدة أخرى": قال السيوطي في الحاوي في الفتاوي: وأما مقدار العمامة الشريفة فلم يثبت في حديث وقد روى البيهقي في شعب الإيمان عن ابن سلام بن عبد الله بن سلام قال: سألت ابن عمر كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم يعتم؟ قال كان يدير العمامة على رأسه ويغرزها من ورائه ويرسل لها ذؤابة بين كتفيه، وهذا يدل على أنها عدة أذرع. والظاهر أنها كانت نحو العشرة أو فوقها بيسير انتهى. قال الشوكاني: ولا أدري ما هذا الظاهر الذي زعمه، فإن كان الظهور من هذا الحديث الذي ساقه باعتبار ما فيه من ذكر الإدارة والغرز إرسال الذؤابة فهذه الأوصاف تحصل في عمامة دون ثلاثة أذرع، وإن كان من غيره فما هو بعد إقراره بعدم ثبوت مقدارها في حديث انتهى. وفي المرقاة قال الجزري في تصحيح المصابيح: قد تتبعت الكتب وتطلبت من السير والتواريخ لأقف على قدر عمامة النبي صلى الله عليه وسلم فلم أقف على شيء حتى أخبرني من أثق به أنه وقف على شيء من كلام النووي ذكر فيه: أنه كان له صلى الله عليه وسلم عمامة قصيرة وعمامة طويلة، وأن القصيرة كانت سبعة أذرع والطويلة اثنى عشر ذراعاً ذكره القاري: وقال وظاهر كلام المدخل أن عمامته كانت سبعة أذرع مطلقاً من غير تقييد بالقصير والطويل انتهى.
قلت: لا بد لمن يدعي أن مقدار عمامته صلى الله عليه وسلم كان كذا وكذا من الذراع أن يثبته بدليل صحيح، وأما الادعاء المحض فليس بشيء.
فائدة أخرى: قال في السبل: من آداب العمامة إرسال العذبة بين الكتفين ويجوز تركها بالأصالة. وقال النووي في شرح المهذب: لبس العمامة بإرسال طرفها وبغير إرساله ولا كراهة في واحد منهما ولم يصح في النهي عن ترك إرسالها شيء انتهى.
فائدة أخرى: لم أجد في فضل العمامة حديثاً مرفوعاً صحيحاً، وكل ما جاء فيه إما ضعيفة أو موضوعة.
فمنها ما رواه القضاعي والديلمي في مسند الفردوس عن علي مرفوعاً: العمائم تيجان العرب، والاحتباء حيطانها، وجلوس المؤمن في المسجد رباطه. قال في المقاصد: ضعيف، وأخرج البيهقي معناه من قول الزهري.
ومنها حديث: عليكم بالعمائم فإنها سيما الملائكة وأرخوها خلف ظهوركم.

(5/414)


هذا حديثٌ حسن غريبٌ.
وفي البابِ عن عليّ ولا يَصِحّ حَدِيثُ عليّ في هذا مِن قِبَلِ إسْنَادِهِ.
ـــــــ
أخرجه ابن عدي والبيه قي في الخلاصة وهو موضوع. وقال في اللاَلئ: لا يصح، وقال: له طريق آخر عن ابن عباس، أخرجه الحاكم في المستدرك.
ومنها ما رواه ابن عساكر والديلمي عن ابن عمر مرفوعاً: صلاة تطوع أو فريضة بعمامة تعدل خمساً وعشرين صلاة بلا عمامة، وجمعة بعمامة تعدل سبعين جمعة بلا عمامة. قال المناوي: قال ابن حجر: موضوع وكذلك قال الشوكاني في كتابه الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة. وفي الباب روايات أخرى ذكرها الشوكاني وغيره في موضوعاتهم.
قوله: "هذا حديث غريب" لم يحكم الترمذي على هذا الحديث بشيء من الصحة والضعف، والظاهر أنه حسن، ويعضده حديث عمرو بن حريث عند مسلم وغيره الذي أشار إليه الترمذي في الباب الذي قبله.
قوله: "وفي الباب عن علي" لينظر من أخرجه

(5/415)


باب ماجاء في كراهية خاتم الذهب
...
13ـ باب ما جاءَ في كَرَاهِيَةِ خَاتَمِ الذّهَب
1791ـ حدثنا سَلَمَةُ بنُ شَبِيبٍ و الْحَسَنُ بنُ عليّ وغَيْرُ وَاحِدٍ قالُوا حدثنا عَبْدُ الرّزّاقِ، أخبرنا مَعْمَرٌ عن الزّهْرِيّ عن إبراهيم بنِ عَبْدِ الله بنِ حُنَيْنٍ عن أبِيهِ عن عليّ بن أبي طَالِبٍ قالَ: "نَهَانِي النبيّ صلى الله عليه وسلم عن التّخَتّمِ بالذّهَبِ، وعَنْ لِبَاسِ القَسِيّ، وعن القِرَاءَةِ في الرّكُوعِ والسّجُودِ وعَنْ لُبْاسِ المُعَصْفر".
ـــــــ
"باب ما جاءَ في كَرَاهِيَةِ خَاتَمِ الذّهَب"
الخاتم بفتح التاء وكسرها هما لغتان واضحتان وفيه لغات أخرى.
قوله: "عن التختم بالذهب" أي عن لبس خاتم الذهب، وهذا النهي للرجال

(5/415)


هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
1792ـ حدثنا يُوسُفُ بنُ حَمّادٍ المَعْنِيّ البَصْرِيّ، حدثنا عَبْدُ الوَارِثِ بنُ سَعِيدٍ عن أبي التّيّاحِ، حدثنا حَفْصٌ اللّيْثِيّ قال: أشْهَدُ على عِمْرَانَ بنِ حُصَيْنٍ أنه حدثنا أنه قال: "نَهَى رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عن التّخَتّمِ بالذّهَبِ".
ـــــــ
لا للنساء، فإن الذهب حرام عليهم لا عليهن "وعن لباس القسي" تقدم ضبط القسي ومعناه في باب كراهية المعصفر للرجال "وعن القراءة في الركوع والسجود" لأن الركوع موضع التسبيح وكذا السجود "وعن لبس المعصفر" هو المصبوغ بالعصفر. واستدل به من قال بتحريم لبس الثوب المصبوغ بالمعصفر، وقد تقدم الكلام في هذه المسألة في باب كراهية المعصفر للرجال.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" أخرجه الجماعة إلا البخاري وابن ماجه، وقد تقدم هذا الحديث في باب النهي عن القراءة في الركوع والسجود.
قوله: "حدثنا يوسف بن حماد المعنى" بفتح الميم وسكون العين المهملة وكسر النون وبياء النسبة.
قوله: "أشهد على عمران بن حصين أنه حدثنا" أراد حفص بقوله أشهد على عمران التأكيد للرواية "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن التختم بالذهب" قال النووي في شرح مسلم: أجمع المسلمون على إباحة خاتم الذهب للنساء وأجمعوا على تحريمه على الرجال إلا ما حكي عن أبي بكر بن عمر بن محمد بن حرم أنه أباحه، وعن بعض أنه مكروه لا حرام، وهذان النقلان باطلان وقائلهما محجوج بهذه الأحاديث التي ذكرها مسلم مع إجماع من قبله على تحريمه مع قوله صلى الله عليه وسلم في الذهب والحرير: إن هذين حرام على ذكور أمتي حل لإناثها انتهى.

(5/416)


قال وفي البابِ عَنْ علي و ابنِ عُمَرَ وأبي هُرَيْرَةَ و مُعَاوِيَةَ حَدِيثُ عِمْرَانَ حديثٌ حسنٌ. و أبُو التيّاح اسْمُهُ يَزِيدُ بنُ حُمَيْدٍ.
ـــــــ
قوله: "وفي الباب عن علي وابن عمر وأبي هريرة ومعاوية" أما حديث علي فقد تقدم آنفاً، فالظاهر أنه أشار إلى ما أخرجه عنه أحمد وأبو داود والنسائي أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ حريراً فجعله في يمينه وأخذ ذهباً فجعله في شماله ثم قال: إن هذين حرام على ذكور أمتي. وأما حديث ابن عمر رضي الله عنه فأخرجه الشيخان، وأما حديث أبي هريرة فأخرجه مسلم، وأما حديث معاوية فأخرجه أبو داود.
قوله: "حديث عمران حديث حسن صحيح" وأخرجه أحمد

(5/417)


باب ماجاء في خاتم الفضة
...
14ـ باب ما جاءَ في خَاتَمِ الْفِضّة
1793 ـ حدثنا قُتَيْبَةُ وغَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ عَبْدِ الله بنِ وَهْبٍ عَنْ يُونسَ عن ابنِ شِهَابٍ عَنْ أنَسٍ قال: "كانَ خَاتَمُ النبيّ صلى الله عليه وسلم مِنْ وَرِقٍ وكانَ فصّهُ حَبَشيّا".
ـــــــ
"باب ما جاءَ في خَاتَمِ الْفِضّة"
قوله: "من ورق" بفتح الواو وكسر الراء أي فضة "وكان فصه حبشياً" ووقع في رواية أخرى لأنس: وكان فصه منه أي من الورق. قال الحافظ في الفتح: لا يعارضه قوله في رواية أخرى: وكان فصه حبشياً لأنه إما أن يحمل على التعدد وحينئذ فمعنى قوله حبشياً أي كان حجراً من بلاد الحبشة أو على لون الحبشة أو كان جزعاً أو عقيقاً لأن ذلك قد يؤتى من بلاد الحبشة. ويحتمل أن يكون هو الذي فصه منه ونسب إلى الحبشة لصفة فيه إما الصياغة أو النقش انتهى.
قوله: "وفي الباب عن ابن عمر وبريدة" أما حديث ابن عمر فأخرجه الشيخان،

(5/417)


قل وفي البابِ عن ابنِ عُمَرَ وبُرَيْدَةَ.
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ مِنْ هذا الوَجْهِ.
ـــــــ
وأماحديث بريدة فأخرجه الترمذي في أواخر اللباس، وأخرجه أيضاً أبو داود والنسائي.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح الخ" قال الحافظ أخرجه مسلم وأصحاب السنن

(5/418)


باب ماجاء مايستحب من فص الخاتم
...
15ـ باب ما جَاءَ مَا يُسْتَحَبّ في فَصّ الْخَاتَم
1794 ـ حدثنا محمودُ بنُ غَيْلاَنَ حدثنا حَفْصُ بنُ عُمَرَ بنِ عُبَيْدِ الله الطّنَافِسِيّ حدثنا زُهيْرٌ أبو خَيْثَمَةَ عن حُمَيْدٍ عن أنَسٍ قال: "كانَ خاتَمُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم مِنْ فِضّةٍ فَصّهُ مِنْهُ".
ـــــــ
"باب ما جَاءَ مَا يُسْتَحَبّ في فَصّ الْخَاتَم"
قال الجوهري: الفص بفتح الفاء والعامة تكسرها وأثبتها غيره لغة، وزاد بعضهم الضم، وعلي جزى ابن مالك في المثلث. وقال في القاموس: الفص للخاتم مثلثة والكسر غير لحن ووهم الجوهري انتهى.
قوله: "حدثنا حفص بن عمر عبيد الطنافسي" الكوفي ثقة من العاشرة "حدثنا زهير أبو خيثمة" هو ابن معاوية بن حديج بضم مهملة وفتح دال مهملة وبجيم "عن حميد" هو ابن أبي حميد الطويل.
قوله: "فصه" أي فص الخاتم "منه" أي من الفضة وتذكيره لأنه بتأويل الورق، وقيل الضمير راجع إلى ما صنع منه الخاتم وهو الفضة وهو بعيد ويمكن من في "منه" للتبعيض والضمير للخاتم أي فصه بعض من الخاتم بخلاف ما إذا كان حجراً فإنه منفصل عنه مجاور له، وفي رواية أبي داود من طريق زهير بن معاوية عن حميد عن أنس: كان خاتم النبي صلى الله عليه وسلم من فضلة كله. قال الحافظ: فهذا نص في أنه كله من فضة، وأما ما أخرجه أبو داود والنسائي من طريق إياس بن الحارث بن معيقيب عن جده قال: كان خاتم النبي صلى الله عليه وسلم من حديد ملوياً عليه فضه فربما كان في يدي، قال: وكان معيقيب على خاتم النبي

(5/418)


هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ مِنْ هذا الوَجْهِ.
ـــــــ
صلى الله عليه وسلم يعني كان أميناً عليه، فيحمل على التعدد. وقد أخرج له ابن سعد شاهداً مرسلاً عن مكحول: أن خاتم رسول الله صلى الله عليه وسلم كان من حديد ملوياً عليه فضة غير أن فصه باد، وآخر مرسلاً عن إبراهيم النخعي مثله دون ما في آخره، وثالثاً من رواية سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص: أن خالد بن سعيد يعني ابن العاص أتى وفي يده خاتم، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم "ما هذا اطرحه" فطرحه فإذا خاتم من حديد ملوي عليه فضة، قال: ما نقشه؟ قال محمد رسول الله، قال فأخذه فلبسه: ومن وجه آخر عن سعيد بن عمرو والمذكور أن ذلك جرى لعمرو بن سعيد أخي خالد بن سعيد انتهى كلام الحافظ.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه" وأخرجه البخاري وأبو داود والنسائي

(5/419)


باب ماجاء في لبس الخاتم في اليمين
...
16ـ باب ما جَاءَ في لُبْسِ الْخَاتَمِ في الْيَمِين
1795 ـ حدثنا محمدُ بنُ عُبَيْدٍ المُحَارِبِيّ حدثنا عَبْدُ العَزِيزِ بنُ
ـــــــ
"باب ما جَاءَ في لُبْسِ الْخَاتَمِ في الْيَمِين"
إعلم أنه قد وردت الأحاديث في التختم في اليمين وفي التختم في اليسار، وقد اختلف أهل العلم في الجمع بين هذه الأحاديث المختلفة، فجنحت طائفة إلى استواء الأمرين وجمعوا بذلك بين مختلف الأحاديث، وإلى ذلك أشار أبو داود حيث ترجم: باب التختم في اليمين واليسار، ثم أورد الأحاديث مع اختلافها في ذلك بغير ترجيح، وقال البيهقي في الأدب: يجمع بين هذه الأحاديث بأن الذي لبسه في يمينه وهو خاتم الذهب كما صرح به في حديث ابن عمر والذي لبسه في يساره وهو خاتم الفضة، وأما رواية الزهري عن أنس التي فيها التصريح بأنه كان من فضة ولبسه في يمينه فكأنها خطأ فقد تقدم أن الزهري وقع له وهم في الخاتم الذي طرحه النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه وقع في روايته أنه الذي كان من فضة وأن الذي في

(5/419)


أبي حَازِمٍ عَنْ موسى بنِ عُقْبَةَ عن نَافِعٍ عن ابنِ عُمَرَ أنّ النبيّ صلى الله
ـــــــ
رواية غيره أنه الذي كان من ذهب، فعلى هذا فالذي كان لبسه في يمينه هو الذهب انتهى ملخصاً.
وجمع غيره أنه لبس الخاتم أولاً في يمينه ثم حوله إلى يساره، واستدل له بما أخرجه أبو الشيخ وابن عدي من رواية عبد الله بن عطاء عن نافع عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم تختم في يمينه ثم إنه حوله في يساره. قال الحافظ: فلو صح هذا لكان قاطعاً للنزاع ولكن سنده ضعيف انتهى. وأخرج ابن سعد من طريق جعفر بن محمد عن أبيه قال: طرح رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتمه الذهب ثم تختّم خاتماً من ورق فجعله في يساره، وهذا مرسل أو معضل. وقد جمع البغوي في شرح السنة بذلك وأنه تختم أولاً في يمينه ثم تختم في يساره وكان ذلك آخر الأمرين، وتعقبه الطبري بأن ظاهره النسخ وليس ذلك مراده بل الإخبار بالواقع اتفاقاً.
قال الحافظ: ويظهر لي أن ذلك يختلف باختلاف القصد، فإن كان اللبس للتزين به فاليمين أفضل وإن كان للتختم به فاليسار أولى، لأنه كالمودع فيها ويحصل تناوله منها باليمين، وكذا وضعه فيها، ويترجح التختم في اليمين مطلقاً لأن اليسار آلة الاستنجاء فيصان الخاتم إذا كان في اليمين عن أن تصيبه النجاسة، ويترجح التختم في اليسار بما أشر إليه من التناول انتهى.
وقال النووي في شرح مسلم: أجمع الفقهاء على جواز التختم في اليمين وعلى جوازه في اليسار ولا كراهة في واحدة منهما، واختلفوا أيتهما أفضل فتختم كثيرون من السلف في اليمين وكثيرون في اليسار، واستحب مالك اليسار وكره اليمين، وفي مذهبنا وجهان لأصحابنا الصحيح أن اليمين أفضل لأنه زينة واليمين أشرف وأحق بالزينة والإكرام انتهى
قوله: "حدثنا محمد بن عبيد" بن محمد بن واقد المحاربي الكندي أبو جعفر النحاس الكوفي صدوق من العاشرة.

(5/420)


عليه وسلم صَنَعَ خَاتَماً مِنْ ذَهَبٍ فَتَخَتّمَ بهِ في يَمِينِهِ ثُمّ جَلَسَ على المِنْبَرِ فقالَ: "إنّي كُنْتُ اتّخَذْتُ هذا الْخَاتَمَ في يَمِينِي، ثُمّ نَبَذَهُ وَنَبَذَ النّاسُ خَوَاتِيمَهُمْ" .
قال وفي البابِ عَنْ عَلِيّ وجَابِرٍ وعَبْدِ الله بنِ جَعْفَرٍ وابنِ عَبّاسٍ وَعَائِشَةَ وأنَسٍ.
حديثُ ابنِ عُمَرَ حَدِيثٌ حسنٌ صحيحٌ. وقد رُوِيَ هذا الحَدِيثُ عَنْ نَافِعٍ عن ابنِ عُمَرَ نَحْوَ هذا من غير هذا الوَجْهِ، ولم يذْكرْ فيهِ أنّهُ تَخَتّمَ في يَمِينِهِ.
ـــــــ
قوله: "صنع خاتماً" أي أمر بصنعه فصنع له "من ذهب" أي ابتدأ قبل تحريم الذهب على الرجال "ثم نبذه الخ" وهذا يحتمل أن يكون كرهه من أجل المشاركة أو لما رأى من زهوهم بلبسه. ويحتمل أن يكون لكونه من ذهب وصادق وقت تحريم لبس الذهب على الرجال، ويؤيد هذا رواية عبد الله بن دينار عن ابن عمر عند البخاري بلفظ: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبس خاتماً من ذهب فنبذه فقال لا ألبسه أبداً، وحديث ابن عمر هذا، كذا رواه الترمذي مختصراً، وزاد البخاري من طريق عبيد الله عن نافع وقال لا ألبسه أبداً ثم اتخذ خاتماً من فضة فاتخذ الناس خواتيم الفضه.
قوله: "وفي الباب عن علي وجابر وعبد الله بن جعفر الخ" أما حديث علي فأخرجه أبو داود والنسائي والترمذي في الشمائل وابن حبان في صحيحه عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتختم في يمينه. وأما حديث جابر فأخرجه الترمذي في الشمائل، قال الحافظ بسند لين، وأما حديث عبد الله بن جعفر وحديث ابن عباس فأخرجهما الترمذي في هذا الباب. وأما حديث عائشة فأخرجه البزار بسند لين وأبو الشيخ بسند حسن قاله الحافظ في الفتح. وأما حديث أنس فأخرجه مسلم عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لبس خاتم فضة في يمينه فيه فص حبشي كان يجعل فصه مما يلي كفه. وفي الباب أيضاً عن أبي أمامة عند الطبراني بسند

(5/421)


1797ثنا محمدُ بنُ حُمَيْدٍ الرّازِيّ حدثنا جَرِيرٌ عَنْ محمدِ بنِ إسحاقَ عن الصّلْتِ بنِ عَبْدِ الله بنِ نَوْفَلٍ قالَ: رَأَيْتُ ابنَ عَبّاسٍ يَتَخَتّمُ في يَمِينِهِ ولا إخَالُهُ إلاّ قالَ: "رَأَيْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يَتَخَتّمُ في يَمِينِهِ".
قال محمدُ بنُ إسماعيلَ حَدِيثُ محمدِ بنِ إسحاقَ عن الصّلتِ بنِ عبدِ الله بنِ نَوْفَلٍ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
ضعيف، وعن أبي هريرة عند الدارقطني في غرائب مالك بسند ساقط، قاله الحافظ في الفتح.
قوله: "وحديث ابن عمر حديث حسن صحيح" وأخرجه ابن سعد وأصله في الصحيحين.
قوله: "حدثنا جرير" هو ابن عبد الحميد "عن محمد بن إسحق" هو إمام المغازي "عن الصلب بن عبد الله بن نوفل" بن الحارث بن عبد المطلب الهاشمي روى عن ابن عباس وعنه والزهري وابن إسحاق وغيرهما وثقه ابن حبان، وقال الزبير بن بكار: كان فقيهاً عابداً كذا في الخلاصة وتهذيب التهذيب.
قوله: "ولا إخاله" بكسر الهمزة، قال في القاموس: خال الشيء يخال خيلا وخيلة ويكسران وخالا وخيلا لا محركه ومخيلة ومخالة وخيلولة ظنه، وتقول في مستقبله إخال بكسر الألف وتفتح في لغة انتهى.
قوله: "قال محمد بن إسماعيل" يعين الإمام البخاري رحمه الله "حديث محمد بن إسحاق عن الصلت بن عبد الله بن نوفل حديث حسن صحيح" وفي بعض النسخ حسن فقط وليس فيه صحيح، والحديث أخرجه أبو داود وللطبراني من وجه آخر عن ابن عباس: كان النبي صلى الله عليه وسلم يتختم في يمينه، وفي سنده لين قاله الحافظ في الفتح.

(5/422)


1797 ـ حدثنا قُتَيْبَةُ حدثنا حَاتِمُ بنُ إسماعيلَ عن جَعْفَرِ بنِ محمدٍ عن أبيهِ قال: "كانَ الحَسَنُ وَالحُسَيْنُ يَتَخَتّمَانِ في يَسَارِهِمَا".
هذا حديثٌ حسن صحيحٌ.
1798 ـ حدثنا أحمدُ بنُ مَنيعٍ حدثنا يَزِيدُ بنُ هَارُونَ عن حَمّادِ بنِ سَلَمَةَ قَالَ: "رَأَيْتُ ابنَ أبي رَافِعٍ "هو عبيدالله بن أبي رافع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم واسم ابن أبي رافع" يَتَخَتّمُ في يَمِينِهِ فَسَأَلْتُهُ عن ذلكَ فقالَ: رَأَيْتُ عَبْدَ الله بنَ جَعْفَرٍ يَتَخَتّمُ في يَمِينِهِ، وقالَ عبدالله بن جعفر كانَ النبيّ صلى الله عليه وسلم يَتَخَتّمُ في يَمِينِهِ".
ـــــــ
"حدثنا حاتم بن إسماعيل" هو المدني "عن جعفر بن محمد" هو المعروف بالصادق "عن أبيه" هو محمد بن علي الحسين بن علي بن أبي طالب أبو جعفر الباقر ثقة فاضل من الرابعة كذا في التقريب.
قوله: "كان الحسن والحسين يتختمان في يسارهما" هذا الأثر لا يناسب الباب ولو زاد الترمذي في ترجمة الباب لفظ "واليسار" بعد قوله في اليمين لطابقه هذا الأثر أيضاً.
قوله: "هذا حديث صحيح وأخرجه البيهقي في الأدب من طريق أبي جعفر الباقر" قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر وعلي والحسن والحسين يتختمون في اليسار ذكره الحافظ في الفتح.
قوله: "رأيت ابن أبي رافع" هو عبد الرحمن بن أبي رافع ويقال بن فلان بن أبي رافع، روى عن عبد الله بن جعفر وعن عمه عن أبي رافع وعن عمته سلمى عن أبي رافع وعنه حماد بن سلمة قال إسحاق بن منصور عن ابن معين صالح له عند الترمذي في التختم في اليمين وآخر حديث في دعاء الكرب، كذا في تهذيب التهذيب "فقال رأيت عبد الله بن جعفر" ابن أبي طالب الهاشمي أحد الأجواد ولد بأرض الحبشة وله صحبة، كذا في التقريب "كان النبي صلى الله عليه وسلم يتختم في يمينه" أي يلبس الخاتم في خنصر يده اليمنى.

(5/423)


قال وقالَ محمد بن اسماعيل: هذا أصَحّ شيء رُوِيَ عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الباب.
ـــــــ
قوله: "قال محمد" يعني الإمام البخاري رحمه الله "وهذا أصح شيء روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الباب" وأخرجه أحمد وابن ماجه

(5/424)


باب ماجاء في نقش الخاتم
...
17ـ بابُ ما جَاءَ في نَقْشِ الْخَاتَم
1799ـ حدثنا محمدُ بن بَشّارٍ و محمدُ بنُ يَحْيَى وغَيْرُ وَاحِدٍ قالُوا حدثنا محمدُ بنُ عَبْدِ الله الأَنْصَارِيّ حدثني أبِي عن ثُمَامَةَ عن أنَسِ بنِ مَالِكٍ قال: "كانَ نَقْشُ خَاتَمِ النبيّ صلى الله عليه وسلم ثَلاَثَةَ أسْطُرٍ: محمدٌ سَطْرٌ، وَرَسُولٌ سَطْر: والله سَطْرٌ" ولَمْ يذكر محمدُ بنُ يَحْيى في حَدِيثِهِ "ثَلاَثَةَ أسْطُرٍ".
ـــــــ
"بابُ ما جَاءَ في نَقْشِ الْخَاتَم"
قوله: "ومحمد بن يحيى" هو الإمام الحافظ الذهلي "حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري" هو محمد بن عبد الله بن المثنى الأنصاري "حدثني أبي" أي عبد الله بن المثنى الأنصاري "عن ثمامة" هو ابن عبد الله بن أنس بن مالك الأنصاري. قوله: "كان نقش خاتم النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة أسطر" قال ابن بطال: ليس كون نقش الخاتم ثلاثة أسطر أو سطرين أفضل من كونه سطراً واحداً. قال الحافظ: قد يظهر أثر الخلاف من أنه إذا كان سطراً واحداً يكون الفص مستطيلاً لضرروة كثرة الأحرف فإذا تعددت الأسطر أمكن كونه مربعاً أو مستديراً وكل منهما أولى من المستطيل انتهى "محمد سطر ورسول سطر والله سطر" قال الحافظ: هذا ظاهره أنه لم يكن فيه زيادة على ذلك، لكن أخرج أبو الشيخ في أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم من رواية عرعرة بن البريد عن عزرة بن ثابت عن ثمامة عن أنس قال: كان فص خاتم النبي صلى الله عليه وسلم حبشياً مكتوباً عليه لا إله إلا الله

(5/424)


وفي الباب عن ابن عمر. حديث أنس حديث حسن صحيح غريب
1800ـ حدثنا الحَسَنُ بنُ عليَ الْخَلاّلُ حدثنا عبدُ الرّزّاقِ أخبرنا مَعْمَرٌ عن ثَابِتٍ عَنْ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم صَنَعَ خَاَتَماً مِنْ وَرِقٍ فَنَقَشَ فيهِ: محمدٌ رَسُولُ الله، ثُمّ قالَ: "لاَ تَنْقُشُوا عَلَيْهِ" .
ـــــــ
محمد رسول، وعرعرة ضعفه ابن المديني وزيادته هذه شاذة قال: وظاهره أيضاً أنه كان على هذا الترتيب لكن لم تكن كتابته على السياق العادي، فإن ضرورة الاحتياج إلى أن يختم به يقتضي أن تكون الأحرف المنقوشة مقلوبة ليخرج الخاتم مستوياً وأما قول بعض الشيوخ إن كتابته كانت من أسفل إلى فوق يعني أن الجلالة في أعلى الأسطر الثلاثة ومحمد في أسفلها فلم أر التصريح بذلك في شيء من الأحاديث بل رواية الإسماعيلي يخالف ظاهر ذلك فإنه قال فيها: محمد سطر والسطر الثاني رسول، والسطر الثالث الله، ولك أن تقرأ محمد بالتنوين ورسول بالتنوين وعدمه، والله بالرفع والجر انتهى.
قوله: "وفي الباب عن ابن عمر" أخرجه الشيخان عنه قال: اتخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتماً من ورق وكان في يده ثم كان بعد في يدي أبي بكر، ثم كان بعد في يد عمر، ثم كان بعد في يد عثمان حتى وقع بعد في بئر أريس نقشه: محمد رسول الله.
قوله: "حديث أنس حديث حسن صحيح غريب" وأخرجه البخاري.
قوله: "لا تنقشوا عليه" في رواية الشيخين: فلا ينقش أحد على نقشه، وفي حديث ابن عمر عند مسلم: "لا ينقش أحد على نقش خاتمي هذا" ، قال النووي: سبب النهي أنه صلى الله عليه وسلم إنما اتخذ الخاتم ونقش فيه ليختم به كتبه إلى ملوك العجم وغيرهم فلو نقش غيره مثله لدخلت المفسدة وحصل الخلل. قال: وفي الحديث جواز نقش الخاتم وجواز نقش اسم الله تعالى، هذا مذهبنا ومذهب سعيد بن المسيب ومالك والجمهور. وعن ابن سيرين وبعضهم كراهة نقش اسم الله تعالى

(5/425)


هذا حديثٌ صحيح حسنٌ. ومَعْنَى قَوْلِهِ "لا تَنْقُشُوا عَلَيْهِ" نَهْى أنْ يَنْقُشَ أحَدٌ على خَاتَمِهِ محمدٌ رَسُولُ الله.
1801ـ حدثنا إسحاقُ بنُ مَنْصُورٍ أخبرنا سعِيدُ بنُ عَامِرٍ و الحجّاجُ بنُ مِنْهَالٍ قالا حدثنا هَمّامٌ عن ابنِ جُرَيْجٍ عن الزّهْرِيّ عن أنَسٍ قالَ: "كانَ رسول الله صلى الله عليه وسلم إذَا دَخَلَ الْخَلاَءَ نَزَعَ خَاتَمهُ".
ـــــــ
وهذا ضعيف انتهى. قال الحافظ: وقد أخرج ابن أبي شيبة بسند صحيح عن ابن سيرين أنه لم يكن يرى بأساً أن يكتب الرجل في خاتمه حسبي الله ونحوها، فهذا يدل على أن الكراهة عنه لم يثبت، ويمكن الجمع بأن الكراهة حيث يخاف عليه حمله للجنب والحائض والاستنجاء بالكف التي هو فيها، والجواز حيث حصل الأمن من ذلك فلا تكون الكراهة لذلك بل من جهة ما يعرض لذلك انتهى. قال النووي قال العلماء: وله أن ينقش عليه اسم نفسه أو أن ينقش عليه كلمة حكمة وأن ينقش ذلك مع ذكر الله تعالى.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان.
قوله: "حدثنا سعيد بن عامر" الضبعي أبو محمد البصري ثقة صالح، وقال أبو حاتم: ريما هو من التاسعة "والحجاج بن منهال" الأنماطي أبو محمد السلمي مولاهما البصري ثقة فاضل من التاسعة "حدثنا همام" هو ابن يحيى الأزدي العوذي.
قوله: "إذا دخل الخلاء" أي أراد دخوله قوله: "نزع" أي أخرج من أصبعه "خاتمه" قال القاري في المرقاة لأن نقشه محمد رسول الله، وفيه دليل على تنحية المستنجي اسم الله واسم رسوله والقرآن، كذا قاله الطيبي قال الأبهري: ويعم الرسل. وقال ابن حجر: استفيد منه أنه يندب لمريد التبرز أن ينحي كل ما عليه معظم من اسم الله تعالى أو نبي أو ملك، فإن خالف كره انتهى. وهذا هو الموافق لمذهبنا انتهى كلام القاري.

(5/426)


هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ.
ـــــــ
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" قال الحافظ في التلخيص: حديث أنه صلى الله عليه وسلم إذا دخل الخلاء وصنع خاتمه، أخرجه أصحاب السنن وابن حبان والحاكم من حديث الزهري عن أنس به. قال النسائي: هذا حديث غير محفوظ. وقال أبو داود: منكر، وذكر الدارقطني الاختلاف فيه وأشار إلى شذوذه وصححه الترمذي، وقال النووي: هذا مردود عليه، قاله في الخلاصة وقال المنذري: الصواب عندي تصحيحه، فإن رواته ثقات أثبات. وتبعه أبو الفتح القشيري في آخر الاقتراح وعلته أنه من رواية همام عن ابن جريج عن الزهري عن أنس ورواته ثقات، لكن لم يخرج الشيخان رواية همام عن ابن جريج، وابن جريج قيل لم يسمعه من الزهري وإنما رواه عن زياد بن سعد عن الزهري بلفظ آخر، وقد رواه مع همام مع ذلك مرفوعاً يحيى بن الضريس البجلي ويحيى بن المتوكل وأخرجهما الحاكم والدارقطني، وقد رواه عمرو بن عاصم وهو من الثقات عن همام موقوفاً على أنس، وأخرج له البيه قي شاهداً أو أشار إلى ضعفه ورجاله ثقات، ورواه الحاكم أيضاً ولفظه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لبس خاتماً نقشه محمد رسول الله فكان إذا دخل الخلاء وضعه، وله شاهد من حديث ابن عباس رواه الجوزقاني في الأحاديث الضعيفة وينظر في سنده فإن رجاله ثقات إلا محمد بن إبراهيم الرازي فإنه متروك انتهى كلام الحافظ

(5/427)


باب ماجاء في الصورة
...
18ـ باب ما جاءَ في الصّورَة
1802ـ حدثنا أحمدُ بنُ مَنِيعٍ حدثنا رَوْحُ بنُ عُبَادَةَ حدثنا ابنُ جُرَيْجٍ أخبرني أبُو الزّبَيْرِ عن جَابِرٍ قال: "نَهَى رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عن الصّورَةِ في البَيْتِ، ونَهَى أنْ يُصْنَعَ ذَلِكَ".
ـــــــ
"باب ما جاءَ في الصّورَة"
المراد بيان حكمها من جهة مباشرة صنعتها ثم من جهة استعمالها واتخاذها.
قوله: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصورة في البيت" أي عن

(5/427)


ـــــــ
اتخاذها وإدخالها فيه لأن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه كلب ولا تصاوير كما في حديث أبي طلحة عند الشيخين، والمراد بالبيت المكان الذي يستقر فيه الشخص سواء كان بناء أو خيمة أم غير ذلك. قال النووي في شرح مسلم: قال أصحابنا وغيرهم من العلماء: تصوير صورة الحيوان حرام شديد التحريم وهو من الكبائر لأنه متوعد عليه بهذا الوعيد الشديد المذكور في الأحاديث، وسواء صنعه لما يمتهن أو لغيره فصنعته حرام بكل حال لأن فيه مضاهاة بخلق الله تعالى، وسواء ما كان في ثوب أو بساط أو درهم أو دينار أو فلس أو إناء أو حائط أو غيرها، وأما تصوير صورة الشجر ورحال الإبل وغير ذلك مما ليس فيه صورة حيوان فليس بحرام هذا حكم نفس التصوير، وأما اتخاذ المصور فيه صور حيوان فإن كان معلقاً على حائط أو ثوباً ملبوساً أو عمامة ونحو ذلك مما لا يعد ممتهناً فهو حرام، وإن كان في بساط يداس ومخدة ووسادة ونحوها مما يمتهن فليس بحرام، ولا فرق في هذا كله بين ماله ظل ومالا ظل له، هذا تلخيص مذهبنا في المسألة، وبمعناهن قال جماهير العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم وهو مذهب الثوري ومالك وأبي حنيفة وغيرهم. وقال بعض السلف: إنما ينهى عما كان له ظل ولا بأس بالصور التي ليس لها ظل، وهذا مذهب باطل وإن الستر الذي أنكر النبي صلى الله عليه وسلم الصورة فيه لا يشك أحد أنه مذموم وليس لصورته ظل مع باقي الأحاديث المطلقة في كل صورة. وقال الزهري: النهي في الصورة على العموم، وكذلك استعمال ما هي فيه ودخول البيت الذي هي فيه سواء كانت رقماً أو غير رقم، وسواء كانت في حائط أو ثوب أو بساط ممتهن أو غير ممتهن عملاً بظاهر الأحاديث لا سيما حديث النمرقة الذي ذكره مسلم، وهذا مذهب قوي. وقال آخرون: يجوز منها ما كان رقماً في ثوب سواء امتهن أم لا، وسواء علق في حائط أم لا، وكرهوا ما كان له ظل أو كان مصوراً في الحيطان وشبهها سواء كان رقماً أو غيره، واحتجوا بقوله في بعض أحاديث الباب "إلا ما كان رقماً في ثوب"، وهذا مذهب القاسم بن محمد، وأجمعوا على منع ما كان له ظل ووجوب تغييره. انتهى كلام النووي.
قلت: قال ابن العربي: إن الصورة التي لا ظل لها إذا بقيت على هيئتها حرمت سواء كانت مما يمتهن أم لا، وإن قطع رأسها أو فرقت هيئتها جاز انتهى.

(5/428)


قال وفي البابِ عَنْ عَلِيّ وَأَبِي طَلْحَةَ وَعَائِشَةَ وأبِي هُرَيْرَةَ وأبِي أيّوبَ.
حَدِيثُ جَابِرٍ حَدِيثٌ حسنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
وهذا القول هو الأحوط عندي وهو المنقول عن الزهري وقواه النووي كما عرفت آنفاً. وقال ابن عبد البر: إنه أعدل الأقوال.
فائدة: روى البخاري عن عائشة قالت: كنت ألعب بالبنات عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان لي صواحب يلعبن معي، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل ينقمعن منه فيسر بهن إلي فيلعبن معي. قال الحافظ: استدل بهذا الحديث على جواز اتخاذ صور البنات واللعب من أجل لعب البنات بهن، وخص بذلك من عموم النهي عن اتخاذ الصور. وبه جزم عياض ونقله عن الجمهور وأنهم أجازوا بيع اللعب للبنات لتدريهن من صغرهن على أمر بيوتهن وأولادهن. قال وذهب بعضهم إلى أنه منسوخ، وإليه مال ابن بطال. وحكى عن ابن أبي زيد عن مالك أنه كره أن يشتري الرجل لابنته الصور، ومن ثم رجح الداودي أنه منسوخ. وقد ترجم ابن حبان لصغار النساء اللعب باللعب. وترجم له النسائي إباحة الرجل لزوجته اللعب بالبنات فلم يقيد بالصغر وفيه نظر. قال البيهقي بعد تخريجه: ثبت النهي عن اتخاذ الصور فيحمل على أن الرخصة لعائشة في ذلك كان قبل تحريم، وبه جزم ابن الجوزي. وقال المنذري: إن كانت اللعب كالصورة فهو قبل التحريم وإلا فقد يسمى ما ليس بصورة لعبة، وبهذا جزم الحليمي فقال: إن كانت صورة كالوثن لم يجز وإلا جاز انتهى.
قلت: قول الحليمي هو المختار عندي والله تعالى أعلم.
قوله: "وفي الباب عن علي وأبي طلحة وعائشة وأبي هريرة وأبي أيوب" . أما حديث علي فأخرجه أبو داود والنسائي وابن حبان في صحيحه عنه مرفوعاً: "لا تدخل الملائكة بيتاً فيه صورة ولا جنب ولا كلب" . قال المنذري: كلهم من رواية عبد الله بن يحيى، قال البخاري: فيه نظر وأما حديث أبي طلحة فأخرجه الترمذي في هذا الباب، وأما حديث عائشة فأخرجه الشيخان، وعنها في الباب أحاديث، وأما حديث أبي هريرة فأخرجه الترمذي في باب: إن الملائكة

(5/429)


1803ـ حدثنا إسحاقُ بنُ مُوسَى الأنْصَارِيّ حدثنا مَعْنٌ حدثنا مَالِكٌ عَنْ أبي النّضْرِ عَنْ عُبَيْدِ الله بنِ عَبْدِ الله بنِ عُتْبَةَ: "أنّهُ دَخَلَ على أبي طَلْحَةَ الأَنْصَارِيّ يَعُودُهُ قال فَوَجَدَت عِنْدَهُ سَهْلَ بنَ حُنَيْفٍ، قالَ: فَدَعَا أبُو طَلْحَةَ إنْسَاناً يَنْزِعُ نَمَطاً تَحْتَهُ، فقالَ لَهُ سَهْلٌ: لِمَ تَنْزِعُهُ؟ فقال: لأنّ فِيهَا تَصَاوِيرَ، وقد قالَ فيهِ النبيّ صلى الله عليه وسلم ما قَدْ عَلِمْتَ، قالَ سَهْلٌ: أوَلَمْ يَقُلْ: إلاّ مَا كَانَ رَقْماً في ثَوْبٍ؟ فقَالَ: بَلَى، وَلَكِنّهُ أطْيَبُ لِنَفْسِي".
ـــــــ
لا تدخل بيتاً فيه صورة ولا كلب من أبواب الاستئذان والأدب، وأما حديث أبي أيوب فلينظر من أخرجه.
قوله: "يعوده" أي لعيادته في مرضه "فوجد عنده" أي عند أبي طلحة "سهل بن حنيف" بصيغة التصغير "ينزع نمطاً تحته" أي ليخرج نمطاً كان تحته، والنمط بفتح النون والميم وهو ظهارة الفراش وقيل ظهر الفراش، ويطلق أيضاً على بساط لطيف له خمل يجعل على الهودج وقد يجعل ستراً "لم تنزعه" أي لأي سبب تخرجه من تحتك "لأن فيها" وفي رواية مالك في الموطأ: لأن فيه بتذكير الضمير وهو الظاهر أي في ذلك النمط "ما قد علمت" أي من أن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه صورة "إلا ما كان رقماً" بالفتح أي نقشاً. قال النووي: يحتج به من يقول إباحة ما كان رقماً مطلقاً، وجوابنا وجواب الجمهور عنه أنه محمول على رقم على صورة الشجر وغيره ما ليس بحيوان، وقد قدمنا أن هذا جائز عندنا انتهى. وقال الحافظ في الفتح: قال ابن العربي: حاصل ما في اتخاذ الصور أنها إن كانت ذات أجسام حرم بالإجماع، وإن كانت رقماً فأربعة أقوال. الأول: يجوز مطلقاً على ظاهر قوله في حديث الباب: إلا رقماً في ثوب، الثاني: المنع مطلقاً حتى الرقم، الثالث: إن كانت الصورة باقية الهيئة قائمة الشكل حرم، وإن قطعت الرأس أو تفرقت الأجزاء جاز، قال: وهذا هو الأصح. الرابع: إن كان مما يمتهن جاز، وإن كان معلق لم يجز انتهى وقد حكم ابن عبد البر على القول الثالث

(5/430)


هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
بأنه أعدل الأقوال كما في التعليق الممجد "قال بلى" أي قد قال ذلك "أطيب لنفسي" أي أطهر واختيار الأولى.
واستدل بهذا الحديث على أن التصاوير إذا كانت في فراش أو بساط أو وسادة فلا بأس بها. قال محمد في موطئه بعد رواية هذا الحديث ما لفظه: وبهذا نأخذ ما كان فيه من تصاوير من بساط يبسط أو فراش يفرش أو وسادة فلا بأس بذلك إنما يكره من ذلك في الستر وما ينصب نصباً، وهو قول أبي حنيفة والعامة من فقهائنا انتهى.
قلت: في الاستدلال بهذا الحديث على هذا المطلوب نظر من وجهين: الأول أن المراد بقوله: إلا ما كان رقماً في ثوب غير الحيوان جمعاً بين الأحاديث كما صرح بت النووي، والثاني أنه لو كان المراد مطلق التصاوير سواء كان للحيوان أو لغيره لزم أن يكون اتخاذ التصاوير كلها جائزاً سواء كانت في الستر أو في ما ينصب نصباً أو في البساط والوسادة لأنه مطلق ليس فيه تقييد بكونها في البساط أو غيره وهو كما ترى.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه مالك في الموطأ

(5/431)


باب ماجاء في المصورين
...
19ـ باب ما جَاءَ في المُصَوّرِين
1804ـ حدثنا قُتَيْبَةُ حدثنا حَمّادُ بنُ زَيْدٍ عن أيّوبَ عن عِكْرِمَةَ عن ابنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ صَوّرَ صُورَةً عَذّبَهُ الله حَتّى يَنْفُخَ فيهَا، يَعْنِي الرّوحَ، وَلَيْسَ بِنَافِخٍ فِيهَا، ومن اسْتَمَعَ
ـــــــ
"باب ما جَاءَ في المُصَوّرِين"
قوله: "من صور صورة" كذا أطلق وظاهره التعميم فيتناول صورة ما لا روح فيه، لكن الذي فهم ابن عباس من بقية الحديث التخصيص بصورة ذوات الأرواح من قوله: كلف أن ينفخ فيها الروح، فاستثنى ما لا روح فيه كالشجر "عذبه الله حتى ينفخ فيها" أي في تلك الصورة. قال الحافظ: استعمال "حتى" هنا نظير

(5/431)


إلى حَدِيثِ قَوْمٍ يَفِرّونَ به مِنْهُ صُبّ في أُذُنِهِ الاَنُكُ يَوْمَ القيامَةِ" .
قال وفي البابِ عن عَبْدِ الله بنِ مَسْعُودٍ وأبي هُرَيْرَةَ وأبي جُحَيْفَةَ وعَائِشَةَ وابنِ عُمَرَ.
ـــــــ
استعمالها في قوله تعالى {حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ} وكذا قولهم لا أفعل كذا حتى يشيب الغراب أي لا يمكنه ذلك فيكون معذباً دائماً. وقد استشكل هذا الوعيد في حق المسلم، فإن وعيد القاتل عمداً ينقطع عند أهل السنة مع ورود تخليده بحمل على مدة مديدة، وهذا الوعيد أشد منه لأنه مغيا بما لا يمكن وهو نفخ الروح فلا يصح أن يحمل على أن المراد أنه يعذب زماناً طويلاً ثم يتلخص والجواب أنه يتعين تأويل الحديث على أن المراد به الزجر الشديد بالوعيد بعقاب الكافر أبلغ في الارتداع، وظاهره غير مراد، وهذا في حق المعاصي بذلك، وأما من فعله مستحلاً فلا إشكال فيه. قال النووي في شرح مسلم: هذه الأحاديث يعني حديث ابن عباس وغيره صريحة في تحريم تصوير الحيوان وأنه غليظ التحريم، وأما الشجر ونحوه مما لا روح فيه فلا يحرم صنعته ولا التكسب به، وسواء الشجر المثمر أو غيره، وهذا مذهب العلماء كافة إلا مجاهداً فإنه جعل الشجر المثمر من المكوره قال القاضي لم يقله أحد غير مجاهد، واحتج مجاهد بقوله تعالى: "ومن أظلم ممن ذهب يخلق خلقاً كخلقي" ، واحتج الجمهور بقوله صلى الله عليه وسلم: "ويقال لهم أحيوا ما خلقتم" ، أي اجعلوه حيواناً ذا روح كما ضاهيتم وعليه رواية: ومن أظلم ممن ذهب يخلق خلقاً كخلقي، ويؤيده حديث ابن عباس: إن كنت لا بد فاعلاً فاصنع الشجر وما لا نفس له انتهى "ومن استمع إلى حديث قوم يفرون منه" أي يبتعدون منه ومن استماعه كلامهم "صب" بضم صاد مهملة وتشديد موحدة أي سكب "في أذنه الاَنك" بالمد وضم النون ومعناه الأسرب بالفارسية، وفي النهاية هو الرصاص الأبيض، وقيل الأسود، وقيل الخالص "يوم القيامة" الجملة دعاء، كذا قيل، والأظهر أنه إخبار كما يدل عليه السابق واللاحق.
قوله: "وفي الباب عن عبد الله بن مسعود وأبي هريرة وأبي جحيفة وعائشة

(5/432)


حَدِيثُ ابنِ عَبّاسٍ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ
ـــــــ
وابن عمر" أما حديث عبد الله بن مسعود فأخرجه الشيخان عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "أشد الناس عذاباً عند الله المصورون" . وأما حديث أبي هريرة فأخرجه أحمد والشيخان عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "قال الله تعالى: ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي، فليخلقوا ذرة أو ليخلقوا حبة أو شعيرة" . وأما حديث أبي جحيفة فأخرجه البخاري في باب من لعن المصور. وأما حديث عائشة فأخرجه الشيخان. وأما حديث ابن عمر فأخرجه الشيخان عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن الذين يصنعون هذه الصور يعذبون يوم القيامة يقال لهم أحيوا ما خلقتم" .
قوله: "حديث ابن عباس حديث حسن صحيح" وأخرجه البخاري

(5/433)


باب ماجاء في الخضاب
...
20ـ باب ما جَاءَ في الخُضَاب
1805ـ حدثنا قُتَيْبَةُ حدثنا أبُو عَوَانَةَ عن عُمَرَ بنِ أبي سَلَمَةَ عن أبيهِ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ قالَ: رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "غَيّرُوا الشَيْبَ ولا تَشَبّهُوا باليَهُودِ" .
ـــــــ
"باب ما جَاءَ في الخُضَاب"
أي تغيير لون شيب الرأس واللحية
قوله: "غيروا الشيب" أي بالخضاب "ولا تشبهوا" بحذف إحدى التاءين "باليهود" أي في ترك خضاب الشيب، وفي رواية أحمد وابن حبان زيادة "والنصارى" وفي رواية الشيخين: أن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم. قال في النيل: يدل هذا الحديث على أن العلة في شرعية الصباغ وتغيير الشيب هي مخالفة اليهود والنصارى، وبهذا يتأكد استحباب الخضاب وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبالغ في مخالفة أهل الكتاب ويأمر بها. وهذه السنة قد كثر اشتغال السلف بها، ولهذا ترى المؤرخين في التراجم لهم يقولون: وكان يخضب

(5/433)


وفي البابِ عن الزّبَيْرِ وابن عَبّاسٍ وجَابِرٍ وأبي ذَرّ وأنَسٍ وأبي رِمْثَةَ والجَهْدَمَةِ وأبي الطّفَيْلِ وجَابِرِ بنِ سَمُرَةَ وأبي جُحَيْفَةَ وابنِ عُمَرَ. حديثُ أبي هُرَيْرَةَ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وقد رُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عن أبي هُرَيْرَةَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم.
ـــــــ
وكان لا يخضب. قال ابن الجوزي: قد اختضب جماعة من الصحابة والتابعين. وقال أحمد بن حنبل وقد رأى رجلاً قد خضب لحيته: إني لأرى رجلاً يحيي ميتاً من السنة وفرح به حين رآه صبغ بها انتهى.
قوله: "وفي الباب عن الزبير وابن عباس وجابر وأبي ذر وأنس وأبي رمثة والجهدمة وأبي الطفيل وجابر بن سمرة وأبي جحيفة وابن عمر" أما حديث الزبير وهو ابن العوام فأخرجه ابن أبي عاصم من حديث هشام عن أبيه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "غيروا الشيب ولا تشبهوا باليهود" ، كذا في عمدة القاري ورواه النسائي أيضاً. وأما حديث ابن عباس فأخرجه أبو داود والنسائي عنه مرفوعاً: "يكون قوم يخضبون في آخر الزمان بالسواد" الحديث، وسيأتي بتمامه وأخرجه أيضاً وابن حبان في صحيحه والحاكم وقال صحيح الإسناد. وأما حديث جابر وهو ابن عبد الله فأخرجه الجماعة إلا البخاري والترمذي عنه قال: جيء بأبي قحافة يوم الفتح الحديث وسيأتي بتمامه. وأما حديث أبي ذر فأخرجه الترمذي في هذا الباب. وأما حديث أنس فأخرجه أحمد وسيأتي. وأما حديث أبي رمثة فأخرجه أحمد عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يخضب بالخاء والكتم وكان شعره يبلغ كتفيه أو منكبيه، وفي لفظ لأحمد والنسائي وأبي داود. أتيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع أبي وله لمة بها ردع من حناء، ردع بالعين المهملة أي لطخ يقال به ردع من دم أو زعفران، كذا في المنتقى والنيل. وأما حديث الجهدمة وأبي الطفيل وجابر بن سمرة وأبي جحيفة فلينظر من أخرجها. وأما حديث ابن عمر فأخرجه النسائي.
قوله: "وحديث أبي هريرة حديث حسن صحيح" وأخرج معناه الشيخان وغيرهما.

(5/434)


1806ـ حدثنا سُوَيْدُ بنُ نَصْرٍ أخبرنا ابنُ المُبَارَك عن الأجْلَحِ عن عَبْدِ الله بن بُرَيْدَةَ عن أبي الأسْوَدِ عَنْ أبي ذَر عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "إنّ أَحْسَنَ ما غُيّرَ بِهِ الشّيْبُ الْحِنّاءُ والكَتَمُ" .
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وَأَبُو الأَسْوَدِ الدّيْلِيّ اسْمُهُ ظَالِمُ بنُ عَمْرِو بنِ سُفْيَانَ.
ـــــــ
قوله: "إن أحسن ما غير" بصيغة المجهول "به" الباء للسببية "الشيب" نائب الفاعل "الحاء والكتم" بالرفع وهو خبر إن والكتم بفتحتين وتخفيف التاء. قال في النهاية قال أبو عبيد: الكتم بتشديد التاء والمشهور التخفيف وهو نبت يخلط مع الوسمة ويصبغ به الشعر أسود، وقيل هو الوسمة ومنه حديث إن أبا بكر كان يصبغ بالحناء والكتم. ويشبه أن يراد استعمال الكتم مفرداً عن الحناء، فإن الحناء إذا خضب به مع الكتم جاء أسود وقد صح النهي عن السواد. ولعل الحديث بالحناء أو الكتم على التخيير، ولكن الروايات على اختلافها بالحناء والكتم انتهى. وقال الحافظ في الفتح: وهذا يحتمل أن يكون على التعاقب ويحتمل الجمع. وقد أخرج مسلم من حديث أنس قال اختضب أبو بكر بالحناء والكتم، واختضب عمر بالحناء بحتاً، وقوله "بحتاً" بموحدة مفتوحة ومهملة ساكنة بعدها مثناة أي صرفا، هذا يشعر بأن أبا بكر كان يجمع بينهما دائماً. والكتم نبات باليمن يخرج الصبغ أسود يميل إلى الحمرة، وصبغ الحناء أحمر فالصبغ بهما معاً يخرج بين السواد والحمرة انتهى.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه.
قوله: "وأبو الأسود الديلي إلخ" قال في التقريب بكسر المهملة وسكون التحتانية ويقال الدؤلي بالضم بعدها همزة مفتوحة البصري اسمه ظالم بن عمرو بن سفيان، ويقال عمرو بن ظالم، ويقال بالتصغير فيهما، ويقال عمرو بن عثمان أو عثمان بن عمرو ثقة فاضل مخضرم انتهى.
فائدة: قال الحافظ في الفتح: قد تمسك به يعني بحديث أبي هريرة المذكور من أجاز الخضاب بالسواد، وقد تقدمت في باب ذكر بني إسرائيل من أحاديث الأنبياء مسألة استثناء الخضب بالسواد لحديثي جابر وابن عباس، وأن من العلماء

(5/435)


ـــــــ
من رخص فيه في الجهاد ومنهم من رخص فيه مطلقاً وأن الأولى كراهته. وجنح النووي إلى أنه كراهة تحريم، وقد رخص فيه طائفة من السلف منهم سعد بن أبي وقاص وعقبة بن عامر والحسن والحسين وجرير وغير واحد واختاره ابن أبي عاصم في كتاب الخضاب له، وأجاب عن حديث ابن عباس رفعه: "يكون قوم يخضبون بالسواد لا يجدون ريح الجنة" ، بأنه لا دلالة فيه على كراهة الخضاب بالسواد بل فيه الإخبار عن قوم هذه صفتهم. وعن حديث جابر: جنبوه السواد بأنه في حق من صر شيب رأسه مستشبعاً ولا يطرد ذلك في حق كل أحد انتهى. وما قاله خلاف ما يتبادر من سياق الحديثين، نعم يشهد له ما أخرجه هو عن ابن شهاب قال: كنا نخضب بالسواد إذا كان الوجه، جديداً فلما نغض الوجه والأسنان تركناه. وقد أخرج الطبراني وابن أبي عاصم من حديث أبي الدرداء رفعه: "من خضب بالسواد سود الله وجهه يوم القيامة" ، وسنده لين ومنهم من فرق في ذلك بين الرجل والمرأة فأجازه لها دون الرجل. واختاره الحليمي وأما خضب اليدين والرجلين فلا يجوز للرجال إلا في التداوي انتهى كلام الحافظ.
قلت: من أجاز الخضاب بالسواد استدل بأحاديث منها: حديث أبي هريرة المذكور فإن قوله صلى الله عليه وسلم: "غيروا الشيب" بإطلاقه يشمل التغير بالسواد أيضاً ووقع في رواية البخاري وغيره "إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم" قال الحافظ ابن أبي عاصم: قوله: "فخالفوهم" إباحة منه أن يغيروا الشيب بكل ما شاء المغير له إذ لم يتضمن قوله: "خالفوهم" أن أصبغوا بكذا وكذا دون كذا وكذا انتهى.
ومنها حديث جابر قال: أتى بأبي قحافة أو جاء عام الفتح أو يوم الفتح وبرأسه ولحيته مثل الثغام أو الثغامة فأمر أو فأمر به إلى نسائه قال: غيروا هذا بشيء، فإن قوله صلى الله عليه وسلم غيروا هذا بشيء بإطلاقه يشمل التغيير بالسواد أيضاً.
وأجاب المانعون عن هذين الحديثين بأن المراد بالتغيير فيهما بغير السواد، فإن حديث جابر هذا رواه مسلم من طرق ابن جريج عن أبي الزبير عنه وزاد واجتنبوا السواد في هذه الزيادة دلالة واضحة على أن المراد بالتغيير في الحديثين المذكورين التغيير بغير السواد.

(5/436)


ـــــــ
وأجابا المجوزون عن هذه الزيادة بأن في كونها من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم نظراً، ويؤيده أن ابن جريج راوي الحديث عن أبي الزبير كان يخضب بالسواد كما استقف عليه.
ومنها حديث أبي ذر المذكور فإنه يدل على استحباب الخضاب بالحناء مخلوطاً بالكتم وهو يسود الشعر.
وأجيب عنه بأن الخلط يختلف، فإن غلب الكتم أسود، وكذا إن استويا، وإن غلب الحناء أحمر، والمراد بالخلط في الحديث إذا كان الحناء غالباً على الكتم جمعاً بين الأحاديث.
وفيه أن الحديث مطلق ليس مقيداً بصورة دون صورة، ووجه الجمع ليس بمنحصر فيما ذكر. ومنها حديث صهيب رواه ابن ماجه قال: حدثنا أبو هريرة الصيرفي محمد بن فراس حدثنا عمر بن الخطاب بن زكريا الراسي حدثنا دفاع بن دغفل السدوسي عن عبد الحميد بن صيفي عن أبيه على جده صهيب الخير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن أحسن ما اختضبتم به لهذا السواد أرغب لنسائكم فيكم، وأهيب لكم في صدور عدوكم" . ويؤيد هذا الحديث ما روى عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أنه كان يأمر بالخضاب بالسواد ويقول: هو تسكين للزوجة وأهيب للعدور. وذكره العيني في العمدة.
وأجاب المانعون عن هذا الحديث بوجهين: أحدهما أن دفاع بن دغفل وعبد الحميد بن صيفي ضعيفان كما في التقريب، وثانيهما أن عبد الحميد بن صيفي "وهو عبد الحميد بن زياد بن صيفي" عن أبيه عن جده لا يعرف سماع بعضهم من بعض، قاله البخاري كما في الميزان.
وأجيب عن الوجه الأول: بأن دفاع بن دغفل ضعفه أبو حاتم ووثقه ابن حبان، قاله الذهبي في الميزان. وقال الحافظ في تهذيب التهذيب: قال أبو حاتم: ضعيف الحديث وذكره ابن حبان في الثقات، فتضعيف أبي حاتم وقوله ضعيف الحديث غير قادح لأنه لم يبين السبب. قال الزيعلي: في نصب الرواية في الكلام على معاوية بن صالح، وقول أبي حاتم لا يحتج به غير قادح، فإنه لم يذكر السبب وقد تكررت هذه اللفظة منه في رجال كثير بن من أصحاب الصحيح للثقات الأثبات

(5/437)


ـــــــ
من غير بيان السبب كخالد الحذاء وغيره انتهى. فتوثيق ابن حبان هو المعتمد، وعبد الحميد بن صيفي لم يثبت فيه جرح مفسر. وقال أبو حاتم هو شيخ. وذكره ابن حبان في الثقات.
وأجيب عن الوجه الثاني بأن قول الإمام البخاري: لا يعرف سماع بعضهم من بعض مبني على ما اشترطه في قبول الحديث المعنعن من بقاء بعض رواته من بعض ولو مرة. وأما الجمهور فلم يشترطوا ذلك، والمسألة مذكورة مبسوطة في مقامها.
ومنها حديث عائشة مرفوعاً: "إذا خطب أحدكم المرأة وهو يخضب بالسواد فليعلم ما أنه يخضب" ، رواه الديلمي في مسند الفردوس.
وأجيب عنه بأنه ضعيف لضعف عيسى بن ميمون. قاله المناوي.
واستدل المجوزون أيضاً بأن جمعاً من الصحابة رضي الله تعالى عنهم من الخلفاء الراشدين في غيرهم قد اختضبوا بالسواد ولم ينقل الإنكار عليهم من أحد. فمنهم أبو بكر رضي الله عنه، روى البخاري في صحيحه عن أنس بن مالك قال: قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة فكان أسن الصحابة أبو بكر فعلها بالحناء حتى قنأ لونها وفي القاموس قنأ لحيته سودها كفنأها انتهى. وفي المنجد قنأ قنوء الشيء اشتدت حمرته اللحية من الخضاب اسودت قنأ ـ قنأ وقنأ تقنئة وتقنيأ لحيته سودها بالخضاب قنأ الشيء حمره شديداً انتهى.
وأجيب عنه بأن المراد بقوله: "حتى قنأ لونها" اشتد حمرتها، ففي النهاية في باب القاف مع النون: مررت بأبي بكر فإذا لحيته قانئة، وفي حديث آخر: وقد قنأ لونها، أي شديدة الحمرة انتهى. وقال الحافظ في الفتح: قوله: حتى قنأ بفتح القاف والنون والهمزة، أي اشتدت حمرتها انتهى. وقال العيني: أي حتى اشتد حمرتها حتى ضربت إلى السواد انتهى. وروى عن قيس بن أبي حازم قال: كان أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه يخرج إلينا وكأن لحيته ضرام العرفج من الحناء والكتم، ذكره العيني في العمدة. قال الجوزي في النهاية بعد ذكر هذا الأثر: الضرم لهب النار شبهت به لأنه كان يخضبها بالحناء. وقال في مادة "ع ز ف" العرفج شجر معروف صغير سريع الاشتعال بالنار وهو من نبات الصيف.

(5/438)


ـــــــ
ومنهم عثمان رضي الله عنه. قال الحافظ ابن القيم في زاد المعاد: قد صح عن الحسن والحسين رضي الله عنهما أنهما كانا يخضبان بالسواد، ذكر ذلك ابن جرير عنهما في كتاب تهذيب الآثار وذكره عن عثمان بن عفان وعبد الله بن جعفر وسعد بن أبي وقاص وعقبة بن عامر والمغيرة بن شعبة وجرير بن عبد الله وعمرو بن العاص رضي الله عنهم أجمعين، وحكاه عن جماعة من التابعين منهم عمرو بن عثمان وعلي بن عبد الله بن عباس وأبو سلمة بن عبد الرحمن وعبد الرحمن بن الأسود وموسى بن طلحة والزهري وأيوب وإسماعيل بن معد يكرب رضي الله عنهم أجمعين. وحكاه ابن الجوزي عن محارب بن دثار ويزيد وابن جريج وأبي يوسف وأبي إسحاق وابن أبي ليلى وزياد بن علافة وغيلان بن جامع ونافع بن جبير وعمرو بن علي المقدمي والقاسم بن سلام رضي الله عنهم أجمعين انتهى.
قلت: وكان ممن يخضب بالسواد ويقول به محمد بن إسحاق صاحب المغازي والحجاج بن أرطأة والحافظ بن أبي عاصم وابن الجوزي ولهما رسالتان مفردتان في جواز الخضاب بالسواد، وابن سيرين وأبو بردة وعروة بن الزبير وشرحبيل بن السمط وعنبسة بن سعيد وقال: إنما شعرك بمنزلة ثوبك فاصبغه بأي لون شئت وأحبه إلينا أحلكه.
وأجيب عن ذلك بأن خضب هؤلاء الصحابة رضي الله عنهم وغيرهم بالسواد ينفيه الأحاديث المرفوعة فلا يصلح للاحتجاج، وأما عدم نقل الإنكار فلا يستلزم عدم وقوعه. وفيه أن الأحاديث المرفوعة في هذا الباب مختلفة فبعضها ينفيه، وبعضها لا بل يثبته ويؤيده فتفكر.
واستدل المانعون عن الخضاب بالسواد بأحاديث منها حديث جابر الذي رواه مسلم من طريق ابن جريج عن أبي الزبير عنه قال: أتى بأبي قحافة يوم فتح مكة ورأسه ولحيته كالثغامة بياضاً فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "غيروا هذا بشيء واجتنبوا السواد" فقوله صلى الله عليه وسلم: "واجتنبوا السواد" دليل واضح على النهي عن الخضاب بالسواد.
وأجيب عنه بأنه قوله: "واجتنبوا السواد" مدرج في هذا الحديث وليس من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، والدليل على ذلك أن مسلماً روى هذا الحديث

(5/439)


ـــــــ
عن أبي خيثمة عن أبي الزبير عن جابر إلى قوله: غيروا هذا الشيء فحسب ولم يزد فيه قوله: "واجتنبوا السواد" وقد سأل زهير أبا الزبير: هل قال جابر في حديثه جنبوه السواد؟ فأنكر وقال: لا. ففي مسند أحمد حدثنا عبد الله حدثني أبي حدثنا حسن وأحمد بن عبد الملك قالا حدثنا زهير عن أبي الزبير عن جابر قال أحمد في حديثه حدثنا الزبير عن جابر قال: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبي قحافة أو جاء عام الفتح ورأسه ولحيته مثل الثغام أو مثل الثغامة، قال حسن فأمر به إلى نسائه قال: غيروا هذا الشيب، قال حسن قال زهير قلت لأبي الزبير: قال جنبوه السواد؟ قال: لا انتهى وزهير هذا هو زهير بن معاوية المكنى بأبي خيثمة أحد الثقات الأثبات، وحسن هذا هو حسن بن موسى أحد الثقات.
ورد هذا الجواب بأن حديث جابر هذا رواه ابن جرير والليث بن سعد وهما ثقتان ثبتان عن أبي الزبير عنه مع زيادة قوله: "واجتنوا السواد" كما عند مسلم وأحمد وغيرهما، وزيادة الثقات الحفاظ مقبولة والأصل عدم الإدراج. وأما قول أبي الزبير لا في جواب سؤال زهير فمبني عليه أنه قد نسي هذه الزيادة، وكم من محدث قال قد نسي حديثه بعدما أحدثه، وخضب ابن جريج بالسواد لا يستلزم كون هذه الزيادة مدرجة كما لا يخفى.
ومنها حديث ابن عباس رواه أبو داود وغيره عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يكون قوم يخضبون في آخر الزمان بالسواد كخواصل الحمام لا يريحون رائحة الجنة" ، فهذا الحديث صريح في حرمة الخضاب بالسواد.
وأجاب المجوزون عن هذا الحديث بوجوه ثلاثة.
الأول: أن في سند عبد الكريم بن أبي المخارق: أبا أمية كما صرح به ابن الجوزي وهو ضعيف لا يحتج بحديثه.
وقد رد هذا الجواب بأن عبد الكريم هذا ليس هو ابن المخارق أبا أمية بل هو عبد الكريم بن مالك الجزري أبو سعيد وهو من الثقات. قال الحافظ بن حجر في القول المسدد: أخطأ ابن الجوزي فإنما فيه عبد الكريم الجزري الثقة المخرج له في الصحيح انتهى. وقال الحافظ المنذري في الترغيب بعد ذكر هذا الحديث: ذهب بعضهم إلى أن عبد الكريم هذا هو ابن أبي المخارق وضعف

(5/440)


ـــــــ
الحديث بسببه والصواب أنه عبد الكريم بن مالك الجزري وهو ثقة احتج به الشيخان وغيرهما انتهى.
والثاني: أن الوعيد الشديد المذكور في هذا الحديث ليس على الخضب بالسواد بل على معصية أخرى لم تذكر كما قال الحافظ ابن أبي عاصم، ويدل على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: يكون قوم يخضبون في آخر الزمان بالسواد وقد عرفت وجود طائفة قد خضبوا بالسواد في أول الزمان وبعده من الصحابة والتابعين وغيرهم رضي الله عنهم، فظهر أن الوعيد المذكور ليس على الخضب بالسواد، إذا لو كان الوعيد على الخضب بالسواد لم يكن لذكر قوله في آخر الزمان فائدة، فالاستدلال بهذا الحديث على كراهة الخضب بالسواد ليس بصحيح.
والثالث: أن المراد بالخضب بالسواد في هذا الحديث الخضب به لغرض التلبيس والخداع لا مطلقاً، جمعاً بين الأحاديث المختلفة وهو حرام بالاتفاق.
ومنها حديث أنس رواه أحمد في مسنده عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "غيروا الشيب ولا تقربوه السواد" .
وأجيب عنه بأن في سنده ابن لهيعة وهو ضعيف. قال الحافظ في التلخيص قال البيقي: أجمع أصحاب الحديث على ضعف ابن لهيعة وترك الاحتجاج بما ينفرد به انتهى، ثم هو مدلس ورواه عن خالد بن أبي عمران بالعنعنة.
ومنها حديث أبي الدرداء مرفوعاً: "من خضب بالسواد سود الله وجهه يوم القيامة" ، أخرجه الطبراني وابن أبي عاصم.
ومنها حديث ابن عمر مرفوعاً: "الصفرة خضاب المؤمن والحمرة خضاب المسلم والسواد خضاب الكافر" ، أخرجه الطبراني والحاكم.
ومنها حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رفعه: "من غير البياض بالسواد لم ينظر الله إليه" ، ذكره الحافظ في لسان الميزان.
وأجيب عن هذه الأحاديث الثلاثة بأنها ضعيفة لا يصلح واحد منها للاحتجاج. أما الأول: فقد ضعفه الحافظ في الفتح كما عرفت: وأما الثاني: فقال المناوي في التيسير. أنه منكر. وأما الثالث: ففي سنده محمد بن مسلم العنبري وهو ضعيف كما في الميزان واللسان.

(5/441)


ـــــــ
هذا وقد ذكرنا دلائل المجوزين والمانعين مع بيان مالها وما عليها، فعليك أن تتأمل فيها. وقد جمع الحافظ ابن القيم في زاد المعاد بين حديث جابر وحديث ابن عباس المذكورين بوجهين فقال: فإن قيل قد ثبت في صحيح مسلم النهي عن الخضاب بالسواد والكتم يسود الشعر، فالجواب من وجهين: أحدهما أن النهي عن التسويد البحت. فأما إذا أضيف إلى الحناء شيء آخر كالكتم ونحوه فلا بأس به فإن الكتم والحناء يجعل الشعر بين الأحمر والأسود بخلاف الوسمة فإنها تجعله أسود فاحماً وهذا أصح الجوابين: الجواب الثاني: أن الخضاب بالسواد المنهي عنه خضاب التدليس كخضاب شعر الجارية والمرأة الكبيرة تغر الزوج والسيد بذلك وخضاب الشيخ يغر المرأة بذلك فإنه من الغش والخداع، فأما إذا لم يتضمن تدليساً ولا خداعاً فقد صح عن الحسن والحسين رضي الله عنهما أنهما كانا يخضبان بالسواد الخ.
قلت: الجواب الأول هو أحسن الأجوبة بل هو المتعين عندي، وحاصله أن أحاديث النهي عن الخضب بالسواد محمولة على التسويد البحت، والأحاديث التي تدل على إباحة الخضب بالسواد محمولة على التسويد المخلوط بالحمرة. هذا ما عندي والله تعالى أعلم

(5/442)


باب ماجاء في الجمة وإتخاذ الشعر
...
21ـ باب ما جَاءَ في الجُمّةِ وَاتخَاذِ الشّعْر
1807 ـ حدثنا حُمَيْدُ بنُ مَسْعَدَةَ حدثنا عَبْدُ الوَهّابِ الثقفيّ عن حُمَيْدٍ عن أنَسٍ قالَ: "كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم رَبْعَةً لَيْسَ بالطّوِيلِ وَلاَ بالقَصِيرِ حَسَنَ الْجِسْمِ، أسْمَرَ اللّوْنَ، وكانَ شَعْرُهُ لَيْسَ بجَعْدَ ولا سَبْطٍ إذَا مَشَى يَتَكَفّأُ".
ـــــــ
باب ما جَاءَ في الجُمّةِ وَاتخَاذِ الشّعْر
الجمة بضم الجيم وشدة الميم هي: من شعر الرأس ما سقط على المنكبين، والوفرة: هي شعر الرأس إذا وصل إلى شحمة الأذن، واللمة بكسر اللام وشدة الميم هي: الشعر المتجاوز شحمة الأذن ويكون دون الجمة.
قوله: "ربعة" بفتح الراء وسكون الموحدة وقد تفتح يقال رجل ربعة ومربوع إذا كان بين الطويل والقصير "ليس بالطويل ولا بالقصير" تفسير وبيان لربعة

(5/442)


وفي البابِ عن عَائِشَةَ والبَرَاءِ وأبي هُرَيْرَةَ وابن عَبّاسٍ وأبي سَعِيدٍ وجابر وَوَائِلِ بنِ حُجْرٍ وأُمّ هَانِئ.
حَدِيثُ أنَسٍ حديثٌ حسنٌ صحيح غريبٌ مِنْ هذا الوَجْهِ مِنْ حَدِيثِ حُمَيْدٍ.
ـــــــ
"ليس بجعد ولا سبط" بكسر الموحدة وفتحها وسكونها وهو من السبوطة ضد الجعودة وهو الشعر المنبسط كما في غالب شعور الأعاجم. ففي القاموس: السبط ويحرك وككتف نقيض الجعد وفيه الجعد من الشعر خلاف السبط أو القصير منه جعد ككرم جعودة وجعادة وتجعد وجعده وهو جعد، وهي بهاء انتهى "إذا مشى يتكفأ" أي يتمايل إلى قدام، وقيل أي يرفع القدم من الأرض ثم يضعها ولا يمسح قدمه على الأرض كمشي المتبختر، كأنما ينحط من صبب أي يرفع رجله من قوة وجلادة، والأشبه أن تكفأ بمعنى صب الشيء دفعة.
قوله: "وفي الباب عن عائشة والبراء وأبي هريرة وابن عباس وأبي سعيد ووائل بن حجر وجابر وأم هانيء" أما حديث عائشة فأخرجه الشيخان بلفظ: قالت كنت أرجل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا حائض. وأما حديث البراء فأخرجه الشيخان أيضاً بلفظ: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مريوعاً بعيد ما بين المنكبين له شعر بلغ شحمه أذنيه الحديث. وأما حديث أبي هريرة فأخرجه أبو داود مرفوعاً بلفظ: "من كان له شعر فليكرمه" . وأما حديث ابن عباس فأخرجه الشيخان وفيه ذكر فرق الناصية. وأما حديث أبي سعيد فلينظر من أخرجه، وأما حديث وائل فأخرجه داود والنسائي وابن ماجه، وأما حديث جابر فأخرجه أبو داود والنسائي عنه قال: أتانا النبي صلى الله عليه وسلم فرأى رجلاً ثائر الرأس فقال: "أما يجد هذا ما يسكن به شعره" ؟ وهذا لفظ النسائي. وأما حديث أم هانيء فأخرجه الترمذي فيما بعد في باب بغير ترجمة.
قوله: "حديث أنس حديث حسن غريب صحيح الخ" أصله في الصحيحين.

(5/443)


1808ـ حدثنا هَنّادٌ، حدثنا عَبْدُ الرحمنِ بنُ أبي الزّنَادِ عَنْ هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ عن أبيهِ عن عَائِشَةَ قالَتْ: "كُنْتُ أغْتَسِلُ أنَا وَرَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم مِنْ إناء وَاحِدٍ، وكانَ لَهُ شَعْرٌ فَوْقَ الْجُمّةِ وَدُونَ الوَفْرَةِ".
هذا حديثٌ حسنٌ صحيح غريبٌ مِنْ هَذا الوَجْهِ.
وقد رُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنْ عَائِشَةَ أنها قالَتْ: "كُنْتُ أغْتَسِلُ أنَا وَرسولُ الله صلى الله عليه وسلم مِنْ إنَاءٍ وَاحِدٍ"، وَلَمْ يَذْكُرُوا فيه هذا الْحَرْفَ "وكانَ لَهُ شَعْرٌ فَوْقَ الجُمّةِ ودون الوفرة". عَبْدُ الرحمَنِ بنُ أبِي الزّنَادِ وهو ثِقَةٌ حافظ
ـــــــ
قوله: "كنت أغتسل أنا ورسول الله" يحتمل أن يكون مفعولاً معه، ويحتمل أن يكون عطفاً على الضمير وهو من باب تغليب المتكلم على الغائب لكونها هي السبب في الاغتسال فكأنها أصل في الباب "وكان له شعر فوق الجمّة ودون الوفرة" بفتح الواو وسكون الفاء بعده راء ما وصل إلى شحمة الأذن، كذا في جامع الأصول والنهاية وشرح السنة، وهذا بظاهر يدل على أن شعره صلى الله عليه وسلم كان أمراً متوسطاً بين الجمّة والوفرة وليس بجمة ولا وفرة، لكن جاء في بعض الروايات أنه صلى الله عليه وسلم كان له جمة ولعل ذلك باعتبار اختلاف أحواله صلى الله عليه وسلم.
قوله: "هذا حديث حسن غريب صحيح" وأخرجه أيضاً في الشمائل بهذا اللفظ.
تنبيه: اعلم أن أبا داود أخرج هذا الحديث في سننه من طريق ابن أبي الزناد عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة بلفظ: كان شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم فوق الوفرة ودون الجمة. فلفظ أبي داود هذا عكس لفظ الترمذي: قال الحافظ في الفتح: وجمع بينها شيخنا في شرح الترمذي بأن المراد بقوله: فوق ودون بالنسبة إلى المحل وتارة بالنسبة إلى الكثرة والقلة، فقوله فوق الجمة أي أرفع في المحل، وقوله دون الجمة أي في القدر، وكذا بالعكس، وهو جمع جيد لولا أن

(5/444)


ـــــــ
مخرج الحديث متحد انتهى كلام الحافظ. وقال في فتح الودود بعد ذكر الاختلاف بين لفظ الترمذي وأبي داود ما لفظه: فتحمل رواية الترمذي على أن المراد بقوله فوق ودون بالنسبة إلى محل وصول الشعر، أي أن شعره صلى الله عليه وسلم كان أرفع في الملح من الجمة وأنزل فيه من الوفرة. وفي رواية أبي داود بالنسبة إلى طول الشعر وقصرها أي أطول من الوفرة وأكثر من الجمة فلا تعارض بين الروايتين انتهى "ولم يذكروا فيه هذا الحرف" أي هذه الجملة. فالمراد بقوله الحرف الجملة وقد بينه بقوله وكان له شعر فوق الجمة "وهو ثقة حافظ" يعني وزيادة الثقة لحافظ مقبولة

(5/445)


باب ماجاء في النهي عن الترجل إلا غبا
...
22ـ باب ما جَاءَ في النّهْيِ عن التّرَجُلِ إلاّ غِبا
1809 ـ حدثنا عليّ بنُ خَشْرَمٍ، أخبرنا عيسى بنُ يُونُسَ عن هِشَامٍ عن الْحَسَنِ عن عَبْدِ الله بنِ مُغَفّلٍ قالَ: "نَهَى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عن التّرَجّلِ إِلاّ غِبّا".
1810- حدثنا محمدُ بنُ بَشّارٍ، حدثنا يَحْيى بنُ سَعِيدٍ عن هِشَامٍ نَحْوَهُ.
ـــــــ
"باب ما جَاءَ في النّهْيِ عن التّرَجُلِ إلاّ غِبا"
قوله: "عن هشام" هو ابن حسان الأزدي الفردوس "عن الحسن" هو البصري.
قوله: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الترجل" قال في النهاية: الترجل والترجيل: تسريح الشعر وتنظيفه وتحسينه انتهى "إلا غباً" بكسر الغين المعجمة وشدة الموحدة. قال القاضي: الغب أن يفعل يوماً ويترك يوماً والمراد به النهي عن المواظبة عليه والاهتمام به لأنه مبالغة في التزيين وتهالك في التحسين انتهى. وقال في النهاية: زرغباً تزدد حباً، الغب من أوراد الإبل أن ترد الماء يوماً وتدعه يوماً ثم تعود فنقله إلى الزيارة وإن جاء بعد أيام، يقال غب الرجل

(5/445)


هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
إذا جاء زائراً بعد أيام، وقال الحسن: في كل أسبوع، ومنه الحديث: اغبوا في عيادة المريض أي لا تعوده في كل يوم لما يجد من ثقل العواد انتهى. والحديث يدل على كراهة الاشتغال بالترجيل في كل يوم لأنه نوع من الترفة. وقد ثبت عن فضالة بن عبيد عند أبي داود أنه قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينهانا عن كثير من الإرفاه.
فإن قلت: ما وجه التوفيق بين حديث الباب وبين ما رواه النسائي عن أبي قتادة أنه كانت له جمة ضخمة فسأل النبي صلى الله عليه وسلم، فأمره أن يحسن إليها، وأن يترجل كل يوم، ورجال إسناده كلهم رجال الصحيح؟
قلت: قال المناوي: حديث أبي قتادة محمول على أنه كان محتاجاً للترجيل كل يوم لغزارة شعره: أو هو لبيان الجواز. وذكر الحافظ السيوطي في حاشية أبي داود قال الشيخ ولي الدين العراقي في حديث أبي داود نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتمشط أحدنا كل يوم. هو نهي تنزيه لا تحريم، والمعنى فيه أنه من باب الترفه والتنعم فيجتنب، ولا فرق في ذلك بين الرأس واللحية، قال: فإن قلت روى الترمذي في الشمائل عن أنس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر دهن رأسه وتسريح لحيته، قلت: لا يلزم من الإكثار التسريح كل يوم بل الإكثار قد يصدق على الشيء الذي يفعل بحسب الحاجة.
فإن قلت: نقل أنه كان يسرح لحيته كل يوم مرتين.
قلت: لم أقف على هذا بإسناد ولم أر من ذكره إلا الغزالي في الإحياء ولا يخفى ما فيه من الأحاديث التي لا أصل إليها.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه أحمد وأبو داود والنسائي. قال أبو الوليد الباجي: وهذا الحديث وإن كان رواته ثقات إلا أنه لا يثبت، وأحاديث الحسن عن عبد الله بن مغفل فيها نظر. قال المنذري بعد نقل كلام الباجي هذا ما لفظه: وفي ما قاله نظر. وقد قال الإمام أحمد ويحيى بن معين وأبو حاتم الرازي إن السن سمع من عبد الله بن مغفل وقد صحح الترمذي حديثه عنه غير أن الحديث في إسناده اضطراب انتهى.

(5/446)


قال وفي البابِ عَنْ أَنَسٍ
ـــــــ
قوله: "وفي الباب عن أنس" أخرجه الترمذي في شمائله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر دهن رأسه، وتسريح لحيته، ويكثر القناع حتى كأن ثوبه ثوب زيات

(5/447)


باب ماجاء في الإكتحال
...
23ـ باب ما جَاء في الإكْتِحَال
1811ـ حدثنا محمدُ بنُ حُمَيْدٍ، حدثنا أَبُو دَاوُدَ هو الطّيَالِسِيّ عن عَبّادِ بنِ مَنْصُورٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عن ابنِ عَبّاسٍ أَنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ: "اكْتَحِلُوا بالإثْمِدِ، فإنهُ يَجْلُو الْبَصَرَ ويُنْبِتُ الشّعْرَ" وزَعَمَ أَنّ النبيّ
ـــــــ
"باب ما جَاء في الإكْتِحَال"
قوله: "اكتحلوا بالإثمد" بكسر الهمزة والميم بينهما ثاء مثلثة ساكنة. وحكي فيه ضم الهمزة حجر معروف أسود يضرب إلى الحمرة يكون في بلاد الحجاز وأجوده يؤتى به من أصبهان. واختلف هل هو اسم الحجر الذي يتخذ منه الكحل أو هو نفس الكحل ذكره ابن سيده. وأشار إليه الجوهري كذا في الفتح. قال التوربشتي: هو الحجر المعدني وقيل هو الكحل الأصفهاني ينشف الدمعة والقروح ويحفظ صحة العين ويقوي غصنها لاسيما للشيوخ والصبيان، وفي رواية: بالإثمد المروح، وهو الذي أضيف المسك الخالص. قاله الترمذي: وفي سنن أبي داود: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالإثمد المروح عند النوم وقال ليقه الصائم، كذا في المرقاة "فإنه يجلو البصر" من الجلاء أي يحسن النظر ويزيد نور العين وينظف الباصرة لدفع المواد الرديئة النازلة إليها من الرأس "وينبت" من الإنبات "الشعر" بفتحتين ويجوز إسكان العين لكن قال ميرك الرواية بفتحها. قال القاري: ولعل وجهه مراعاة لفظ البصر وهو من المحسنات اللفظية البديعة والمناسبات السجعية، ونظيره ورود المشاكلة في لا ملجأ ولا منجا. ورواية أذهب الباس رب الناس بإبدال همزة الباس ونحوهما، والمراد بالشعر هنا الهدب وهو بالفارسية مرّه وهو الذي ينبت على أشفار العين. وعند أبي عاصم والطبري من حديث علي

(5/447)


صلى الله عليه وسلم كانَتْ لَهُ مُكْحُلَةٌ يَكْتَحِلُ بهَا كُلّ لَيْلَةٍ، ثَلاَثَةً في هَذِهِ وثَلاَثَة في هَذِهِ.
ـــــــ
بسند حسن: عليكم بالإثمد فإنه منبتة للشعر مذهبة للقذى مصفاة للبصر "وزعم" أي ابن عباس وهو المفهوم من رواية ابن ماجه وروايات الترمذي في الشمائل أيضاً وهو أقرب وبالاستدلال أنس وقيل أي محمد بن حميد شيخ الترمذي قاله القاري.
قلت: الأول هو المتعين المتعمد، يدل عليه رواية الترمذي في باب السعوط من أبواب الطب. ثم قال القاري: والزعم قد يطلق ويراد به القول المحقق وإن كان أكثر استعماله في المشكوك فيه أو في الظن الباطل. قال تعالى: {زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا} ، وفي الحديث: بئس مطية الرجل زعموا على ما رواه أحمد وأبو داود عن حذيفة، فإن كان الضمير لابن عباس عن ما هو المتبادر من السياق فالمراد به القول المحقق كقول أم هانئ عن أخيها علي رضي الله عنه للنبي صلى الله عليه وسلم زعم ابن أمي أنه قاتل فلان وفلان لاثنين من أصهارها أجرتهما فقال النبي صلى الله عليه وسلم "أجرنا من أجرت" . وإن كان لمحمد بن حميد على ما زعم بعضهم فالزعم باق على حقيقيته من معناه المتبادر إشارة إلى ضعف حديثه بإسقاط الوسائط بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم، لكن الظاهر من العبارة أنه لو كان القائل ابن عباس لقبل وإن النبي، ولم يكن لذكر زعم فائدة إلا أن يقال إنه أتى به لطول الفصل كما يقع عادة قال في كثير من العبارات، وإيماء إلى الفرق بين الجملتين بأن الأولى حديث قولي والثانية حديث فعلي. هذا ويؤيده أن السيوطي جعل الحديث حديثين وقال: روى الترمذي وابن ماجه عن ابن عباس أنه صلى الله عليه وسلم كان له مكحلة يكتحل منها كل ليلة ثلاثة في هذه وثلاثة في هذه. ولما كان زعم تستعمل غالباً بمعنى ظن ضبط قوله: أن النبي صلى الله عليه وسلم بفتح الهمزة "كان له مكحلة" بضمتين بينهما ساكنة اسم آلة الكحل، وهو الميل على خلاف القياس والمراد ههنا ما فيه الكحل "يكتحل بها" قال القاري كذا بالياء في بعض نسخ المشكاة وفي جميع روايات الشمائل بلفظ: منها فالباء بمعنى من كما قيل في قوله تعالى {عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا} ويمكن أن تكون الباء للسببية "كل ليلة" أي قبل أن ينام كما في رواية، وعند النوم كما في أخرى "ثلاثة" أي ثلاث مرات متوالية "في هذه" أي اليمني "وثلاثة" أي متتابعة

(5/448)


1812- حدثنا عليّ بنُ حُجْرٍ ومحمدُ بنُ يَحْيى، قالا حدثنا يَزِيدُ بنُ هَارُونَ عن عَبّادِ بنِ مَنْصُورٍ نَحْوَهُ.
وفي البابِ عن جَابِرٍ وابن عُمَرَ.
ـــــــ
"في هذه" أي اليسرى والمشار إليها عين الراوي بطريق التمثيل. وقد ثبت أنه صلى الله عليه وسلم قال: "من اكتحل فليوتر" على ما رواه أبو داود. وفي الإيتار قولان أحدهما ما سبق وعليه الروايات المتعددة وهو أقوى في الإعتبار لتكرار تحقق الإيتار بالنسبة إلى كل عضو، كما اعتبر التثليث في أعضاء الوضوء، وثانيهما أن يكتحل فيهما خمسة، ثلاثة في اليمني ومرتين في اليسرى على ما روى في شرح السنة. وعلى هذا ينبغي أن يكون الإبتداء والإنتهاء باليمين تفصيلاً لها على اليسار كما أفاده الشيخ مجد الدين الفيروزآبادي، وجوز اثنين في كل عين وواحدة بينهما أو في اليمني ثلاثاً متعاقبة وفي اليسرى ثنتين فيكون الوتر بالنسبة إليهما جميعاً، وأرجحهما الأول لما ذكر من حصول الوتر شفعاً مع أنه يتصور أن يكتحل في كل عين واحدة ثم، بجامع التنظيف والتزيين هو الأول فتأمل.
قوله: "وفي الباب عن جابر وابن عمر" قال الحافظ في الفتح: وفي الباب عن جابر عند الترمذي في الشمائل وابن ماجه وابن عدي من ثلاث طرق عن ابن المنكدر عنه بلفظ: "عليكم بالإثمد فإنه يجلو البصر وينبت الشعر" ، وعن علي عند ابن أبي عاصم والطبراني ولفظه: عليكم بالإثمد فإنه منبتة للشعر مذهبة للقذي مصفاة للبصر وسنده حسن. وعن ابن عمر بنحوه عند الترمذي في الشمائل، وعن أنس في غريب مالك للدارقطني بلفظ: كان يأمرنا بالإثمد. وعن سعيد بن هوذة عند أحمد بلفظ: أكتحلوا بالإثمد فإنه الحديث. وهو عند أبي داود من حديثه بلفظ: أنه أمر بالإثمد المروح عند النوم. وعن أبي هريرة بلفظ: خير أكحالكم الإثمد فإنه الحديث، أخرجه البزار وفي سنده مقال. وعن أبي رافع أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكتحل بالإثمد أخرجه البيهقي وفي سنده مقال. وعن عائشة: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إثمد يكتحل به عند منامه في كل عين ثلاثاً، أخرجه أبو الشيخ في كتاب أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم بسند ضعيف انتهى.

(5/449)


حَدِيثُ ابنِ عَبّاسٍ حديثٌ حسنٌ غريب لا نَعْرِفُهُ عَلَى هَذَا اللّفْظِ إِلاّ مِنْ حَدِيثِ عَبّادِ بنِ مَنْصُورٍ.
وقد رُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنّهُ قالَ: "عَلَيْكُمْ بالإْثْمِدِ فإنّهُ يَجْلُو البْصَرَ ويُنْبِتُ الشّعْرَ" .
ـــــــ
قوله: "حديث ابن عباس حديث حسن الخ" وأخرجه ابن ماجه وصححه ابن حبان

(5/450)


باب ماجاء في النهي عن إشتمال الصماء والإحتباء في الثوب الواحد
...
24ـ باب ما جاءَ في النّهْيِ عن اشْتِمَالِ الصّمّاءِ
والاحتباءِ في الثّوْبِ الوَاحِد
1813 ـ حدثنا قُتَيْبَةُ، حدثنا يَعقُوبَ بنُ عبدِ الرحمَن الإسكندرانيّ عن سهيل بنِ أبي صَالِحٍ عَنْ أبيهِ عَنْ أبي هُرَيرَةَ: "أنّ النبي صلى الله عليه وسلم نَهَى عن لِبْسَتَيْنِ: الصّمَاءِ، وَأَنْ يَحْتَبِيَ الرّجُلُ بثوبه لَيْسَ على فَرْجِهِ مِنْهُ شَيءٌ".
ـــــــ
"باب ما جاءَ في النّهْيِ عن اشْتِمَالِ الصّمّاءِ والاحتباءِ في الثّوْبِ الوَاحِد"
قوله: "نهى عن لبستين" بكسر اللام لأن المراد بالنهي الهيئة المخصوصة لا المرة الواحدة من اللبس "الصماء" بالصاد المهملة والمد. قال أهل اللغة: هو أن يجلل جسده بالثوب لا يرفع منه جانباً ولا يبقى ما يخرج منه يده. قال ابن قتيبة: سميت صماء لأنه يسد المنافذ كلها فيصير كالصخرة الصماء التي ليس فيها خرق. وقال الفقهاء: هو أن يلتحف بالثوب ثم يرفعه من أحد جانبيه فيضعه على منكبيه فيصير فرجه بادياً، قال النووي: فعلى تفسير أهل اللغة يكون مكروهاً لئلا تعرض له حاجة فيتعسر عليه إخراج يده فيلحقه الضرر، وعلى تفسير الفقهاء يحرم لأجل انكشاف العورة. قال الحافظ: ظاهر سياق البخاري من رواية يونس في اللباس أن التفسير

(5/450)


وفي البابِ عن عليّ وابنِ عُمَرَ وَعَائِشَةَ وأبي سَعِيدٍ وجَابِرٍ وَأَبِي أُمَامَةَ وحديثُ أبي هُرَيْرَةَ حسنٌ صحيحٌ غريب من هذا الوجه.
وقد رُوِيَ هَذَا مِنْ غِيرِ وَجْهٍ عن أبي هُرَيْرَةَ عن النبي صلى الله عليه وسلم.
ـــــــ
المذكور فيها مرفوع وهو موافق لما قال الفقهاء، وعلى تقدير أن يكون موقوفاً فهو حجة على الصحيح لأنه تفسير من الراوي لا يخالف ظاهر الخبر انتهى.
قلت: رواية يونس في كتاب اللباس من صحيح البخاري التي فيها تفسير الصماء هكذا: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن لبستين وعن بيعتين الحديث، وفيه والصماء أن يجعل ثوبه على عاتقيه فيبدو أحد شقيه ليس عليه ثوب الخ "وأن يحتبي الرجل الخ" الاحتباء، أن يقعد على إليته وينصب ساقيه ويلف عليه ثوباً ويقال له الحبوة وكانت من شأن العرب.
قوله: "وفي الباب عن علي وابن عمر وعائشة وأبي سعيد وجابر وأبي أمامة" أما حديث علي وابن عمر وأبي أمامة فلينظر من أخرجها، وأما حديث عائشة فأخرجه ابن ماجه، وأما حديث أبي سعيد فأخرجه الجماعة إلا الترمذي، وأما حديث جابر فأخرجه مسلم وأبو داود والنسائي.
قوله: "حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح" وأخرج معناه الشيخان

(5/451)


باب ماجاء في مواصلة الشعر
...
25ـ باب ما جَاءَ في مُوَاصَلَةِ الشّعْر
1814 ـ حدثنا سُوَيْد، أخبرنا عَبْدُ الله بنُ المُبَارَكِ عن عُبَيْدِ الله بنِ عُمَرَ عن نَافِعٍ عن ابنِ عُمَرَ أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ: "لَعَنَ الله الوَاصِلَةَ والمُسْتَوصِلَةَ والوَاشِمَةَ والمُسْتَوشِمَةَ" قَالَ نَافِعٌ: الوَشْمُ في اللّثَةِ. .
ـــــــ
"باب ما جَاءَ في مُوَاصَلَةِ الشّعْر"
قوله: "قوله لعن الله الواصلة" أي التي تصل الشعر، سواء كان لنفسها أم لغيرها

(5/451)


هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
قال: وفي البابِ عن عائشة وابن مسعود وأَسْمَاءَ بِنْتِ أبي بَكْرٍ وابنِ عَبّاسٍ ومعقل بن يسار ومُعَاوِيَةَ
ـــــــ
"والمستوصلة" أي التي تطلب وصل شعرها "والواشمة" هي التي تشم من الوشم. قال أهل اللغة: الوشم بفتح ثم سكون أن يغرز في العضو إبرة أو نحوها حتى يسيل الدم ثم يخشى بنورة أو غيرها فيخضر. وقال أبو داود في السنن: الواشمة التي تجعل الخيلان في وجهها بكحل أو مداد، والمستوشمة المعمول بها انتهى. وذكر الوجه للغالب وأكثر ما يكون في الشفة. وفي آخر حديث الباب قال نافع: الوشم في اللثة، فذكر الوجه ليس قيداً وقد يكون في اليد وغيرها من الجسد، وقد يفعل ذلك نقشاً ويجعل دوائر وقد يكتب اسم المحبوب وتعاطيه حرام بدلالة اللعن كما في حديث الباب، ويصير الموضع الموشوم نجساً لأن الدم النجس فيه فيجب إزالته إن أمكن ولو بالجرح إلا إن خاف منه تلفاً أو شيئاً أو فوات منفعة عضو فيجوز إبقاؤه وتكفي التوبة في سقوط الإثم، ويستوي في ذلك الرجل والمرأة، قاله الحافظ في الفتح "والمستوشمة" وهي التي تطلب الوشم.
"قال نافع: الوشم في اللثة" ذكر اللثة للغالب كما عرفت.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي وابن ماجه.
قوله: "وفي الباب عن ابن مسعود وعائشة وأسماء بنت أبي بكر ومعقل بن يسار وابن عباس ومعاوية" أما حديث ابن مسعود فأخرجه الأئمة الستة، وأما حديث عائشة فأخرجه الشيخان، وأما حديث أسماء فأخرجه الشيخان وابن ماجه، وأما حديث معقل بن يسار فأخرجه أحمد، وأما حديث ابن عباس فأخرجه أبو داود وغيره، وأما حديث معاوية فأخرجه البخاري

(5/452)


باب ماجاء في ركوب المياثر
...
26ـ باب ما جَاءَ في رُكُوبِ المَيَاثِر
1815ـ أخبرنا عليّ بنُ حُجْرٍ، حدثنا عليّ بنُ مُسْهِرٍ، حدثنا أبو إسحاقَ الشّيْبَانِيّ عن أشْعَثَ بنِ أبي الشّعْثَاءِ عن مُعَاوِيَةَ بنِ سُوَيْدٍ بنِ مُقَرّنٍ عن البَرَاءِ بنِ عَازِبٍ قالَ: "نهى رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عن رُكُوبِ المَيَاثِرِ"
ـــــــ
"باب ما جَاءَ في رُكُوبِ المَيَاثِر"
بفتح الميم جمع ميثرة بكسر الميم وسكون التحتانية وفتح المثلثة بعدها راء ثم هاء ولا همز فيها، وأصلها من الوثارة أو الوثرة بكسر الواو وسكون المثلثة، والوثير هو الفراش الوطيء وامرأة وثير كثيرة اللحم. قال البخاري رحمه الله في صحيحه: والميثرة كانت النساء تصنعه لبعولتهن أمثال القطائف يصفونها. قال الحافظ في الفتح: أي تجعلونها كالصفة وإنما قد يستعملونها بلفظ المذكر للإشارة إلى أن النساء يصنعن ذلك والرجال هم الذين يصنعونها في ذلك. قال الزبيدي اللغوي: والميثرة مرفقة كصفة السرج. وقال الطبري: هو وطاء يوضع على سرج الفرس أو رحل البعير كانت النساء تصنعه لأزواجهن من الأرجوان الأحمر ومن الديباج وكانت مراكب العجم. وقيل هي أغشية للسروج من الحرير، وقيل هي سروج من الديباج، فحصلنا على أربعة أقوال في تفسيره الميثرة، هي هي وطاء للدابة أو لراكبها، أو هي السرج نفسه أو غشاوة، وقال أبو عبيد: المياثر الحمر كانت من مراكب العجم من حرير أو ديباج.
قوله: "نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ركوب المياثر" وفي رواية أخرى للبخاري: نهانا النبي صلى الله عليه وسلم عن المياثر الحمر. قال الحافظ: قال أبو عبيد: الحمر التي جاء النهي عنها كانت من مراكب العجم من ديباج وحرير. وقال الطبري: هي وعاء يوضع على سرج الفرس أو رجل البعير من الأرجوان. وحكى في المشارق قولاً أنها سروج من ديباج، وقولا أنها أغشية للسروج من حرير، وقولاً أنها تشبه المخدة تخشى بقطن أو ريش يجعلها الراكب تحته، وهذا يوفق

(5/453)


قال وفي البابِ عَنْ عَلِي ومُعَاوِيَةَ.
وحَدِيثُ البَرَاءِ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. ، وقد رَوَى شُعْبَةُ عن أشْعَثَ بنِ أبي الشّعْثَاءِ نَحْوَهُ. وفي الْحَدِيثِ قِصّةٌ.
ـــــــ
تفسير الطبري، والأقوال الثلاثة يحتمل أن تكون متحالفة بل الميثرة تطلق على كل منها. وتفسير أبي عبيد يحتمل الثاني والثالث. وعلى كل تقدير فالميثرة إن كانت من حرير فالنهي فيها كالنهي عن الجلوس على الحرير ولكن تقييدها بالأحمر أخص من مطلق الحرير فيمتنع إن كانت حريراً، ويتأكد المنع إن كانت مع ذلك حمراء وإن كانت من غير حرير، فالنهي فيها الزجر عن التشبه بالأعاجم. قال ابن بطال: كلام الطبري يقتضي التسوية في المنع من الركوب عليه سواء كانت من حرير أم من غيره، فكأن النهي عنها إذا لم يكن للحرير للتشبيه أو للصرف أو التزين وبحسب ذلك تفصيل الكراهة بين التحريم والتنزيه، وأما تقييدها بالحمرة فمن يحمل المطلق على المقيد وهم الأكثر المنع بما كان أحمر، انتهى كلام الحافظ.
قوله: "وفي الباب عن علي ومعاوية" أما حديث علي فأخرجه مسلم عنه: نهاني رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الجلوس على المياثر، والمياثر قسي كانت تصنعه النساء لبعولتهن على الرحل كالقطائف من الأرجوان، وقد أخرج الجماعة إلا البخاري بغير هذا اللفظ، وأما حديث معاوية فلينظر من أخرجه.
قوله: "حديث البراء حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان "وقد روى شعبة عن أشعث بن أبي الشعثاء ونحوه وفي الحديث قصة" لعل الترمذي رحمه الله أراد بقوله في الحديث قصة طوله، فقد روى البخاري في باب خواتيم الذهب حديث الباب بلفظ: نهانا النبي صلى الله عليه وسلم عن سبع: نهانا عن خاتم الذهب، أو قال حلقه الذهب وعن الحرير والإستبرق والديباج والميثرة الحمراء والقسي وآنية الذهب، وأمرنا بسبع: بعيادة المريض، واتباع الجنائز، وتشميت العاطس، ورد السلام، وإجابة الداعي، وإبرار المقسم، ونصر المظلوم. وقد بسط الحافظ الكلام ههنا في بيان طرقه وألفاظه فعليك أن تراجع الفتح

(5/454)


باب ماجاء في فراش النبي صلى الله عليه وسلم
...
27ـ باب ما جاءَ في فِرَاشِ النبيّ صلى الله عليه وسلم
1816ـ حدثنا عليّ بنُ حُجْرٍ، أخبرنا عليّ بنُ مُسْهِرٍ عَنْ هشَامِ بنِ عُرْوَةَ عَنْ أبيهِ عن عَائِشَةَ قالَتْ: "إنّمَا كانَ فِرَاشُ رسول الله صلى الله عليه وسلم الّذِي يَنَامُ عَلَيْهِ أدَمٌ حَشْوَهُ لِيفٌ".
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
قال وفي البابِ عن حَفْصَةَ وجَابِرٍ.
ـــــــ
"باب ما جاءَ في فِرَاشِ النبيّ صلى الله عليه وسلم"
قوله: "إنما كان فراش النبي صلى الله عليه وسلم" بكسر الفاء، وفي رواية ابن ماجه: كان ضجاع رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو ما حشوه ليف، والضجاع بكسر الضاد المعجمة مما يرقد عليه "أدم" كذا وقع في نسخ الترمذي الحاضرة عندنا بالرفع، ووقع هذا الحديث في صحيح مسلم بعين إسناد الترمذي ولفظه فيه: أدماً بالنصب الظاهر، والأدم بفتحتين: إسم لجمع الأديم وهو الجلد المدبوغ على ما في المغرب "حشوة ليف" قال في القاموس: ليف النخل بالكسر معروف. وقال في الصراح ليف بالكسر يوست درخت خرماً. وفي الحديث جواز اتخاذ الفراش، والوسادة والنوم عليها والارتفاق بها، قاله النووي. قال القاري: الأظهر أنه يقال فيه بالاستحباب لمداومته عليه السلام، ولأنه أكمل للاستراحة التي قصدت بالنوم للقيام على النشاط في العبادة.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان.
قوله: "وفي الباب عن حفصة وجابر" أما حديث حفصة فأخرجه الترمذي في الشمائل بلفظ: كان فراشه مسحاً، والمسح بكسر الميم: البلاس كما في القاموس. وأما حديث جابر فلينظر من أخرجه

(5/455)


باب ماجاء في القمص
...
28ـ باب مَا جَاءَ في القُمُص
1817 ـ حدثنا محمدُ بنُ حُمَيْدٍ الرّازِيّ، حدثنا أبو ثنيلَةَ والفَضْلُ بنُ موسَى وزَيْدُ بنُ حُبَاب عن عَبْدِ المُؤْمِنِ بنِ خَالِدٍ عن عَبْدِ الله بنِ بُرَيْدَةَ عن أُمّ سَلَمَةَ قالَتْ: "كانَ أحَبّ الثّيَابِ إلى النّبي صلى الله عليه وسلم القَمِيصُ".
ـــــــ
"باب مَا جَاءَ في القُمُص"
جمع قمص
قوله "عن عبد المؤمن بن خالد" المروزي القاضي لا بأس به من السابعة.
قوله: "كان أحب الثياب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم القميص" قال ميرك في شرح الشمائل: نصب القميص هو المشهور في الرواية ويجوز أن يكون القميص مرفوعاً بالإسمة وأحب منصوباً بالخبرية. ونقل غيره من الشراح أنهما روايتان. قال الحنفي: والسر فيه أنه إن كان المقصود تعيين الأحب فالقميص خبره وإن كان المقصود بيان حال القميص عنده عليه السلام فهو اسمه، ورجحه العصام بأن أحب وصف فهو أولى بكونه حكماً، ثم المذكور في المغرب أن الثوب ما يلبسه الناس من الكتان والقطن والحرير والصوف والخز والفراء، وأما الستور فليس من الثياب. والقميص على ما ذكره الجزري وغيره ثوب مخيط بكمين غير مفرج يلبس تحت الثياب، وفي القاموس: القميص معلوم وقد يؤنث ولا يكون إلا من القطن، وأما الصوف فلا، انتهى. ولعل حصره المذكور للغالب في الاستعمال، لكن ظاهر أن كونه من القطن مراد هنا لأن الصوف يؤذي البدن ويدر العرق ورائحته يتأذى بها. وقد أخرج الدمياطي: كان قميص رسول الله صلى الله عليه وسلم قطناً قصير الطول والكمين. ثم قيل وجه أحبية القميص إليه صلى الله عليه وسلم أنه أستر للأعضاء من الإزار والرداء ولأنه أقل مؤنة وأخف على البدن، ولأن لبسه أكثر تواضعاً، كذا في المرقاة. وقال الشوكاني في النيل تحت هذا الحديث: والحديث يدل على استحباب لبس القميص، وإنما كان أحب الثياب إلى رسول الله

(5/456)


هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ. إنّمَا نَعْرِفُهُ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ المُؤْمِنِ بنِ خَالِدٍ تَفَرّدَ بِهِ وَهُوَ مَرْوَزِي، وَرَوَى بَعْضُهمْ هذا الْحَديثَ عن أبي ثميلَةَ عن عَبْدِ المُؤْمِنِ بنِ خَالِدٍ عن عبد لله بنِ بُرَيْدَةَ عن أُمّهِ عَنْ أُمّ سَلَمَةَ.
1818ـ حدثنا زِيَادُ بنُ أيّوبَ البغدادي حدثنا أبُو ثميلَةَ عَنْ عَبْدِ المُؤْمِنِ بنِ خالِد عَنْ عبدِ الله بنِ بُرَيْدَةَ عن أُمّهِ عن أُمّ سَلَمَةَ قالَتْ: "كانَ أَحَبّ الثّيَابِ إلَى النبي صلى الله عليه وسلم القَمِيصَ" قال وَسَمِعْتُ محمدَ بنَ إسماعيلَ يقول: حديثُ بنُ بُرَيْدَةَ عَنْ أُمّهِ عَنْ أُمّ سَلَمَةَ أصَحّ وإنّمَا يُذْكَرُ فيهِ أبُو تُمَيْلَةَ عَنْ أُمّهِ.
1819 ـ حدثنا عليّ بنُ حُجْرٍ أخبرنا الفَضْلُ بنُ مُوسَى عن عَبْدِ الْمُؤْمِنِ بنِ خَالِدٍ عن عبدِ الله بنِ بُرَيْدَةَ عن أُمّ سَلمة قالَتْ: "كَانَ أَحَبّ الثّيَابِ إلَى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم القَمِيصَ".
ـــــــ
صلى الله عليه وسلم لأنه أمكن في الستر من الرداء والإزار اللذين يحتاجان كثيراً إلى الربط والإمساك وغير ذلك بخلاف القميص، ويحتمل أن يكون المراد من أحب الثياب إليه القميص لأنه يستر عورته ويباشر جسمه فهو شعار الجسد بخلاف فوقه من الدثار، ولا شك أن كل ما قرب من الإنسان كان أحب إليه من غيره، ما يلبس ولهذا شبه صلى الله عليه وسلم الأنصار بالشعار الذي يلي البدن بخلاف غيرهم فإنه شبههم بالدثار، وإنما سمى القميص قميصاً لأن الآدمي ينقمص فيه، أي يدخل فيه ليستره، وفي حديث المرجوم أنه يتمقص في أنهار الجنة أي ينقمص فيها.
قوله: "هذا حديث حسن غريب" وأخرجه أحمد وأبو داود والنسائي "وروى بعضهم" كزياد بن أيوب كما في الرواية الاَتية "هذا الحديث عن أبي تميلة" بضم الفوقانية وفتح الميم مصغراً المروزي اسمه يحيى بن واضح الأنصاري مولاهم مشهور بكنيته ثقة من كبار التاسعة "عن عبد الله بن بريدة عن أمه عن أم سلمة" أي بزيادة عن أمه.

(5/457)


1820ـ حدثنا نَصْر بن عليّ الْجَهْضَمِيّ حدثنا عَبْدُ الصّمَدِ بنُ عَبْدِ الوَارِثِ حدثنا شُعْبَة عن الأَعْمَشِ عن أبِي صَالِحٍ عن أبي هُرَيْرَةَ قالَ: "كانَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إذا لَبِسَ قَمِيصاً بَدَأَ بِمَيَامِنِهِ".
رَوَى غَيْرُ وَاحِدٍ هذَا الْحَدِيثَ عن شُعْبَةَ بِهَذَا الإسْنَادِ عن أبي هريرة موقوفاً ولا نعلم أحداً رفعه فير عبدالصمد بن عبدالوارث عن شعبة.
1821 ـ حدثنا عَبْدُ الله بنُ محمدِ بن الْحَجّاجِ الصّوّاف البَصْرِيّ حدثنا مُعَاذُ بنُ هِشَامٍ الدّسْتَوائِيّ عَنْ بُدَيْل بن ميسرة العُقَيْلِيّ عن شَهْرِ بنِ حَوشَبٍ عَنْ أَسْمَاءِ بِنْتِ يَزِيدَ بنِ السّكَنِ الأَنْصَارِيّةَ قالَتْ: "كانَ كُمّ يَدِ رَسُولِ
ـــــــ
قوله: "حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث" بن سعيد العنبري مولاهم التنوري أبو سهل البصري صدوق ثبت في شعية من التاسعة.
قوله: "بدأ" بالهمز أي ابتدأ في اللبس "بميامنه" أي بجانب يمين القميص ولذلك جمعه ذكره الطيبي، وكأنه أراد أن كل قطعة من جانب يمين القميص يطلق عليه القميص، ويمكن أن يكون الجمع لإرادة التعظيم، لا سيما إذا كان المراد بيده اليمنى أنه كان يخرج اليد اليمنى من الكم قبل اليسرى.
قوله: "وقد روى غير واحد هذا الحديث الخ" والحديث أخرجه أيضاً النسائي وذكره الحافظ في التلخيص وسكت عنه، ويشهد له حديث: "إذا توضأتم وإذا لبستم فابدأوا بميامنكم" ، أخرجه ابن حبان والبيهقي والطبراني: قال ابن دقيق العيد: هو حقيق بأن يصحح ويشهد له أيضاً حديث عائشة المتفق عليه بلفظ: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعجبه التيامن في تنعله وترجله وطهوره وفي شأنه كله.
قوله: "حدثنا عبد الله بن محمد بن الحجاج" بن أبي عثمان الصواف أبو يحيى البصري وقد ينسب إلى جده وكان ختن معاذ بن هشام صدوق من الحادية عشرة

(5/458)


الله صلى الله عليه وسلم إلى الرّسْغِ".
ـــــــ
"عن أسماء بنت يزيد بن السكن الأنصارية" تكنى أم سلمة ويقال أم عامر صحابية لها أحاديث.
قوله: "كان كم يد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الرسغ" كذا في نسخ الترمذي الموجودة، ووقع في المشكاة بالصاد. قال القاري في المرقاة: بضم فسكون، وفي نسخه يعني من المشكاة إلى الرسغ بالسين المهملة. قال الطيبي: هكذا هو بالصاد في الترمذي وأبي داود، وفي الجامع بالسين المهملة. قال القاري: أراد بالترمذي في جامعه وإلا فنسخ الشمائل بالسين بلا خلاف، وأراد بالجامع جامع الأصول، ثم هو كذا بالسين في المصابيح. وقال التوربشتي: هو بالسين المهملة والصاد لغة فيه، وكذا في النهاية هو بالسين المهملة والصاد لغة فيه، وهو مفصل ما بين الكف والساعد انتهى ويسمى الكوع. قال الجزري: فيه دليل على أن السنة أن لا يتجاوز كم القميص الرسغ، وأما غير القميص فقالوا السنة فيه أن لا يتجاوز رؤوس الأصابع من جبة وغيرها انتهى. ونقل في شرح السنة أن أبا الشيخ بن حبان أخرج بهذا الإسناد بلفظ: كان يد قميص رسول الله صلى الله عليه وسلم أسفل من الرسغ. وأخرج ابن حبان أيضاً من طريق مسلم بن يسار عن مجاهد عن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبس قميصاً فوق الكعبين مستوي الكمين بأطراف أصابعه، هكذا ذكره ابن الجوزي في كتاب الوفاء نقلاً عن ابن حبان. وفي الجامع: الصغير برواية ابن ماجه عن ابن عباس أنه صلى الله عليه وسلم كان يلبس قميصاً فوق الكمين الحديث. وروى الحاكم في مستدركه عنه أيضاً ولفظه: كان قميصه فوق الكعبين وكان كمه مع الأصابع، ففيه أنه يجوز أن يتجاوز بكم القميص إلى رؤوس الأصابع ويجمع بين هذا وبين حديث الكتاب، إما بالحمل على تعدد القميص أو بحمل رواية الكتاب على رواية التخمين، أو بحمل الرسغ على بيان الأفضل وحمل الرؤوس على نهاية الجواز، انتهى ما في المرقاة. قال ابن رسلان: والظاهر أن نساءه صلى الله عليه وسلم كن كذلك يعني أن أكمامهن إلى الرسغ إذا لو كانت أكمامهن تزيد على ذلك لنقل ولو نقل لوصل إلينا كما نقل في الذيول من رواية النسائي وغيره أن أم سلمة لما سمعت: "من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه" ، قالت يا رسول الله: فكيف يصنع النساء بذيولهن؟ قال

(5/459)


هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ.
ـــــــ
"يرخيه شبرا ً " ، قالت إذن ينكشف أقدامهن، قال "يرخينه ذراعاً ولا يزدن عليه" . ويفرق بين الكف إذا ظهر وبين القدم أن قدم المرأة عورة بخلاف كفها انتهى.
تنبيه: قال الحافظ في الفتح: قال ابن العربي: لم أر للقميص ذكراً صحيحاً إلا في آية {اذهبوا بقميصي هذا} وقصة ابن أبي ولم أر لهما ثالثاً فيما يتعلق بالنبي صلى الله عليه وسلم، قال هذا في كتابه سراج المريدين، وكأنه صنفه قبل شرح الترمذي فلم يستحضر حديث أم سلمة ولا حديث أبي هريرة: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا لبس قميصاً بدأ بميامنه، ولا حديث أسماء بنت يزيد: كانت يدكم النبي صلى الله عليه وسلم إلى الرسخ، ولا حديث معاوية بن قرة بن إياس المدني، حدثني أبي قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم في رهط من مزينة فبايعناه وإن قميصه لمطلق فبايعته ثم أدخلت يدي في جيب قميصه فمسست الخاتم، ولا حديث أبي سعيد: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا استجد ثوباً سماه باسمه قميصاً أو عمامة أو رداء ثم يقول: "اللهم لك الحمد" الحديث وكلها في سنن وأكثرها في الترمذي. وفي الصحيحين حديث عائشة: كفن رسول الله صلى الله عليه وسلم في خمسة أثواب ليس فيها قميص ولا عمامة، وحديث أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم رخص لعبد الرحمن بن عوف في قميص الحرير لحكة كانت به، وحديث ابن عمر رفعه: لا يلبس المحرم القميص ولا العمائم الحديث وغير ذلك انتهى.
قوله: "هذا حديث حسن غريب" في إسناده شهر بن حوشب، وفيه مقال مشهور، والحديث أخرجه أيضاً أبو داود والنسائي

(5/460)


باب ماجاء فيما يقول إذا لبس ثوبا جديدا
...
29ـ باب مَا يَقُولُ إذَا لَبِسَ ثَوْبَاً جَدِيدا
1822ـ حدثنا سُوَيْد أخبرنا عَبْدُ الله بنُ الْمُبَارَكِ عَنْ سَعِيدٍ الْجريرِيّ عَنْ أبي نَضْرَةَ عَنْ أبي سَعِيدٍ قالَ: "كانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم إذا اسْتَجَدّ ثَوْباً سَمّاهُ باسْمِهِ عِمَامَةً أوْ قَمِيصاً أوْ رِدَاءً. ثُمّ يَقُولُ: "اللّهُمّ لَكَ الْحَمْد ُ
ـــــــ
"باب مَا يَقُولُ إذَا لَبِسَ ثَوْبَاً جَدِيدا"
قوله: "إذا استجد" أي لبس ثوباً جديداً. وأصله على ما في القاموس صير

(5/460)


أنْتَ كَسَوْتَنِيهِ، أَسْأَلُكَ خَيْرَه وَخَيْرَ مَا صُنِعَ لَهُ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرّهِ وَشَرّ مَا صُنِعَ لَهُ" .
وفي البابِ عن عُمَرَ وابنِ عُمَرَ.
1823- حدثنا هِشَامُ بنُ يُونُسَ الكُوفِيّ حدثنا القَاسِمُ بن مَالِكٍ الْمُزَنِيّ عن الْجريريّ نَحْوَهُ.
ـــــــ
ثوبه جديداً وعند ابن حبان من حديث أنس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا استجد ثوباً لبس يوم الجمعة. وكذا رواه الخطيب والبغوي في شرح السنة، فالمعنى إذا أراد أن يلبس ثوباً جديداً لبسه يوم الجمعة "سماه" أي الثوب المراد به الجنس "باسمه" أي المتعارف المتعين المشخص الموضوع له "عمامة أو قميصاً أو رداء أي أو غيرها كالإزار والسروال والخف ونحوها والمقصود التعميم" فالتخصيص للتمثيل بأن يقول رزقني الله أو أعطاني أو كساني هذه العمامة أو القميص أو الرداء، وأو للتنويع، أو يقول هذا قميص أو رداء أو عمامة "أسألك خيره وخير ما صنع له وأعوذ بك من شره وشر ما صنع له" قال ميرك: خير الثوب بقاؤه ونقاؤه وكونه ملبوساً للضرورة والحاجة، وخير ما صنع له هو الضرورات التي من أجلها يصنع اللباس من الحر والبرد والبرد وستر العورة، والمراد سؤال الخير في هذه الأمور وأن يكون مبلغاً إلى المطلوب الذي صنع لأجله الثوب من العون على العبادة والطاعة لموليه، وفي الشر عكس هذه المذكورات، وهو كونه حراماً ونجساً ولا يبقى زماناً طويلاً. أو يكون للمعاصي والشرور والإفتخار والعجب والغرور عدم القناعة بثوب الدون وأمثال ذلك انتهى. والحديث يدل على استحباب حمد الله تعالى عند لبس الثوب الجديد. وقد أخرج الحاكم في المستدرك عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما اشترى عبد ثوباً بدينار أو بنصف دينار فحمد الله إلا لم يبلغ ركبتيه حتى يغفر الله له" ، وقال حديث لا أعلم في إسناده أحداً ذكر بجرح.
قوله: "وفي الباب عن عمر وابن عمر" أما حديث عمر فأخرجه الترمذي في الدعوات وابن ماجه والحاكم وصححه، وأما حديث ابن عمر فأخرجه النسائي وابن

(5/461)


وهذا حديثٌ حسنٌ غريب صحيح.
ـــــــ
ماجه وابن حبان وصححه وأعله النسائي. وفي الباب أحاديث أخرى ذكرها الحافظ في الفتح في باب ما يدعى لمن لبس ثوباً جديداً.
قوله: "هذا حديث حسن" وأخرجه أبو داود والنسائي وسكت عنه أبو داود، ونقل المنذري تحسين الترمذي وأقره

(5/462)


باب ماجاء في لبس الجبة والخفين
...
30ـ باب مَا جَاء في لُبْسِ الْجُبّةِ والخفّيْن
1824ـ حدثنا يُوسُفُ بنُ عيسى حدثنا وَكِيعٌ حدثنا يُونُسُ بنُ أبي إسحاقَ عن الشّعْبِيّ عن عُرْوَةَ بنِ المُغِيرَة بنِ شُعْبَةَ عن أبِيهِ "أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم لَبِسَ جبة رُومِيّةً ضَيّقَةَ الْكُمّيْنِ".
ـــــــ
"باب مَا جَاء في لُبْسِ الْجُبّةِ والخفّيْن"
قوله: "عن عروة بن المغيرة بن شعبة" الثقفي كنيته أبو يعفور الكوفي ثقة.
قوله: "لبس" أي في السفر "جبة" بضم الجيم وتشديد الموحدة ثوبان بينهما قطن إلا أن يكونا من صوف فقد تكون واحدة غير محشوة، وقد قيل جبة البرد جنة البرد بضم الجيم وفتحها "رومية" بتشديد الياء لا غير. قال ميرك: ولأبي داود: جبة من صوف من جباب الروم، لكن وقع في أكثر روايات الصحيحين وغيرهما: جبة شامية، ولا منافاة بينهما لأن الشام حينئذ داخل تحت حكم قيصر ملك الروم فكأنهما واحد من حيث الملك، ويمكن أن يكون نسبة هيئتها المعتاد لبسها إلى أحدهما ونسبة خياطتها أو إتيانها إلى الأخرى "ضيقة الكمين" بيان رومية أو ضعفه ثانية، وهذا كان في سفر كما دل عليه رواية من طريق زكريا بن زائدة عن الشعبي بهذا الإسناد عن المغيرة قال: كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر الخ، ووقع في رواية مالك وأحمد وأبي داود أن ذلك كان في غزوة تبوك، ذكره ميرك ثم قال: ومن فوائد الحديث الانتفاع بثياب الكفار حتى يتحقق نجاستها لأنه صلى الله عليه وسلم لبس الجبة الرومية ولم يستفصل.

(5/462)


هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
1825ـ حدثنا قُتَيْبَةُ حدثنا ابنُ أبي زَائِدَةَ عن الْحَسَنِ بنِ عَيّاشٍ عن أبي إسحاقَ هو الشّيْبَانِيّ عن الشّعْبِي قال: قال الْمُغِيرَة بنِ شُعْبَةَ أَهْدَى دِحْيَةُ الْكَلْبِيّ لِرَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم خُفّيْنِ فَلَبِسَهُمَا.
وقالَ إسْرَائِيلُ عن جَابِرٍ عن عَامِرٍ: وجُبّةً فَلَبِسَهُمَا حَتّى تَخَرّقَا لا يَدْرِي النبيّ صلى الله عليه وسلم أذكيّ هُمَا أَمْ لاَ".
ـــــــ
واستدل به القرطبي على أن الصوف لا ينجس بالموت لأن الجبة كانت شامية وكانت الشام إذ ذاك دار كفر.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان وغيرهما.
قوله: "حدثنا ابن أبي زائدة" المعروف بابن أبي زائدة رجلان زكريا وولده يحيى، والظاهر أن المراد هنا هو الثاني. قال في التقريب: يحيى بن زكريا بن أبي زائدة الهمداني أبو سعيد الكوفي ثقة متقن من كبار التاسعة "عن الحسن بن عياش" بتحتانية ثم معجمة ابن سالم الأسدي كنيته أبو محمد الكوفي أخو أبي بكر المقري صدوق من الثامنة "عن أبي إسحاق" اسمه سليمان بن أبي سليمان "الشيباني" بفتح معجمة فتحتية موحدة الكوفي ثقة من الخامسة.
قوله: "أهدى دحية" بكسر الدال وحكى فتحها لغتان، ويقال إنه الرئيس بلغة أهل اليمن وهو ابن خليفة الكلبي صحابي جليل كان أحسن الناس وجهاً وأسلم قديماً وبعثه النبي صلى الله عليه وسلم في آخر سنة ست وبعد أن رجع من الحديبية بكتابه إلى هرقل، وكان وصول إلى هرقل في المحرم سنة سبع، قاله القاري "وقال إسرائيل عن جابر" أي ابن يزيد الجعفي "عن عامر" هو الشعبي "وجبة" يعني زاد بعد قوله خفين وجبة "حتى تخرقا" من التخرق أي تمزقا وانخرقا "أذكى" بهمزة الاستفهام، وذكى بوزن فعيل "هما" أي الخفان فاعل لقوله ذكي "أم لا" المعنى أنه صلى الله عليه وسلم لا يدري أن الخفين اللذين أهداهما دحية الكبي هل

(5/463)


وهذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ. هُوَ أبُو إسحاقَ اسْمُهُ سُلَيْمَانُ. وَالْحَسَنُ بنُ عَيّاشٍ هُوَ أخُو أبي بَكْر بنِ عَيّاشٍ.
ـــــــ
كانا من جلد المذكاة أو الميتة، وفيه دليل على أن الدباغ يطهر الإهاب وإن كان من الميتة

(5/464)


باب ماجاء في شد الأسنان بالذهب
...
31 ـ باب ما جَاءَ في شَدّ الأَسْنَانِ بِالذّهَب
1826 ـ حدثنا أحمدُ بنُ مَنِيعٍ حدثنا عليّ بنُ هَاشِم بنِ البَرِيدِ وَ أَبُو سَعْدٍ الصّنْعَانِيّ عن أبي الأَشْهَبِ عن عبدِ الرحمَنِ بنِ طَرَفَةَ عن عَرْفَجَةَ بنِ أسْعَدَ قالَ: "أُصِيبَ أنْفِي يَوْمَ الكُلاَبِ في الْجَاهِلِيّةِ فَاتّخَذْتُ أنْفاً
ـــــــ
"باب ما جَاءَ في شَدّ الأَسْنَانِ بِالذّهَب"
قوله: "حدثنا علي بن هاشم بن البريد" بفتح الموحدة وبعد الراء تحتانية ساكنة صدوق يتشيع من صغار الثامنة "وأبو سعد الصنعاني" اسمه محمد بن ميسر بتحتانية ومهملة وزن محمد الجعفي الصاغاني بمهملة ثم معجمة البلخي الضرير نزيل بغداد، ويقال له محمد بن أبي زكريا ضعيف، ورمى بالإرجاء من التاسعة كذا في التقريب. وقد ذكر الترمذي في نسبه الصنعاني بتفح صاد مهملة وسكون نون وبعين مهملة فألف فنون أخرى. وقال الحافظ في تهذيب التهذيب والخزرجي في الخلاصة: الصاغاني بصاد مهملة ثم ألف ثم معجمة فألف فنون قوله: "عن أبي الأشهب" اسمه جعفر بن حيان السعدي العطاردي البصري مشهور بكنيته ثقة من السادسة "عن عبد الرحمن بن طرفة" بفتح المهملة والراء والفاء بعدها هاء التأنيث ابن عرفجة بفتح المهملة والفاء بينهما راء ساكنة ثم جيم ابن سعد التميمي، وثقه العجي من الرابعة "عن عرفجة بن أسعد" التميمي صاحبي نزل البصرة.
قوله: "أصيب أنفي" أي قطع "يوم الكلاب" بضم الكاف وتخفيف اللام اسم ماء كان هناك وقعة بل وقعتان مشهورتان يقال لهما الكلاب الأول والثاني.

(5/464)


مِنْ وَرِقٍ فَأَنْتَنَ عليّ، فَأَمَرَنِي رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم أنْ أتّخِذَ أنْفاً مِنْ ذَهَبٍ".
1827- حدثنا عليّ بنُ حُجْرٍ حدثنا الرّبِيعُ بنُ بَدْرٍ ومحمدُ بنُ يَزِيدَ الوَاسِطِيّ عن أبي الأَشْهَبِ نَحْوَهُ.
هذا حديثٌ حسنٌ غريب إنما نَعْرِفُهُ مِنْ حَدِيثِ عبدِ الرحمَنِ بنِ طَرَفَةَ. وقد رَوَى سَلْمُ بنُ زَرِيرٍ عن عبدِ الرحمَنِ بنِ طَرَفَةَ نَحْوَ حديثِ أبي الأَشْهَبِ. وقد رويَ غَيْرُ واحِدٍ مِنْ أَهْلِ العلمِ أنّهُمْ شَدّوا أَسْنَانَهُمْ بالذّهَبِ، وفي هَذا الْحَدِيثِ حُجّةٌ لَهُمْ.
ـــــــ
قال التوربشتي: ماء عن يمين جبلة والشام وهما جبلان ويومه يوم الواقعة التي كانت عليه وللعرب به يومان مشهوران في أيام أكثم بن صيفي، والحاصل أن يوم الكلاب اسم حرب معروفة من حروبهم "فأمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن اتخذ أنفاً من ذهب" وبه أباح العلماء اتخاذ الأنف من الذهب، وكذا اربط الأسنان بالذهب.
قوله: "حدثنا الربيع بن بدر" بن عمر بن جراد والتميمي السعدي البصري يلقب عليلة بمهملة مضمومة ولا مين متروك من الثامنة.
قوله: "هذا حديث حسن" وأخرجه أبو داود والنسائي "وقد روى سلم بن زرير عن عبد الرحمن بن طرفة الخ" وصله النسائي في سننه قال أخبرنا محمد بن معمر قال حدثنا حبان قال حدثنا سلم بن زرير قال حدثنا عبد الرحمن بن طرفة عن جده عرفجة بن أسعد أنه أصيب أنفه يوم الكلاب في الجاهلية فاتخذ أنفاً من ورق الحديث. وسلم بفتح السين المهملة وسكون اللام وأبوه زرير بفتح الزاي المعجمة وبالراءين المهملتين بينهما تحتية بوزن عظيم العطاردي أبو بشرى البصري وثقه أبو

(5/465)


ـــــــ
حاتم وقال النسائي ليس بالقوي من السادسة كذا في التقريب "وقال ابن مهدي: سلم بن زرين وهو وهم، وزير أصح" وفي تاريخ البخاري: قال ابن مهدي: سلم بن رزين يعني بالنون وتقديم الراء قال أبو أحمد الحاكم: وهو وهم. وقال أبو علي الجياني: وقع لبعض رواة الجامع زرير بضم الزاي وهو خطأ والصواب الفتح انتهى كذا في تهذيب التهذيب "وقد روى عن غير واحد من أهل العلم أنهم شدوا أسنانهم بالذهب، وفي هذا الحديث حجة لهم" قال الزيلعي في نصب الراية: وفي الباب أحاديث مرفوعة وموقوفة روى الطبراني في معجمه الوسط عن عبد الله بن عمرو أن أباه سقطت ثنيته فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يشدها بذهب انتهى. وقال لم يروه عن هشام بن عروة إلا أبو الربيع السمان. حديث رواه ابن قانع في معجم الصحابة عن عبد الله بن عبد الله بن أبي سلول قال: اندقت ثنيتي يوم أحد فأمرني النبي صلى الله عليه وسلم أن أتخذ ثنية من ذهب انتهى. ذكر الزيلعي هذين الحديثين بإسنادهما قال: وروى الطبراني في معجمه عن محمد بن سعدان عن أبيه قال: رأيت أنس بن مالك يطوف به بنوه حول الكعبة على سواعدهم وقد شدوا أسنانه بذهب انتهى. أثر آخر: في مسند عن واقد بن عبد الله التميمي عن من رأى عثمان بن عفان أنه ضبب أسنانه بذهب انتهى. وليس من رواية أحمد. أثر آخر: روى النسائي في كتاب الكنى عن إبراهيم بن عبد الرحمن أبي سهيل مولى موسى بن طلحة قال. رأيت موسى بن طلحة قد شد أسنانه بذهب انتهى. أثر آخر: روى ابن سعد في الطبقات في ترجمة عبد الملك بن مروان أخبرنا حجاج بن محمد عن ابن جريج أن ابن شهاب الزهري سئل عن شد الأسنان بالذهب فقال لا بأس به قد شد عبد الملك بن مروان أسنانه بالذهب انتهى. أثر آخر: قال ابن سعد أيضاً: أخبرنا عمرو بن الهيثم أبو قطن قال: رأيت بعض أسنان عبد الله بن عون مشدودة بالذهب انتهى. قال ابن سعد: وعبد الله بن عون بن أرطبان مولى عبد الله بن درة يكنى أبا عون كان ثقة ورعاً عابداً، توفي في خلافه أبي جعفر سنة إحدى وخمسين ومائة

(5/466)


باب ماجاء في النهي عن جلود السباع
...
32ـ باب ما جَاءَ في النّهْيِ عن جُلُودِ السّبَاع
1828ـ حدثنا أبو كُرَيْبٍ حدثنا ابنُ الْمُبَارَكِ و محمدُ بنُ بِشْرٍ وَعَبْدُ الله بنُ إسماعيلَ عن سَعِيدِ بنِ أبي عَروبَةَ عن قَتَادَةَ عن أبي المَلِيحِ عن أبِيهِ "أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم نَهَى عن جُلُودِ السّبَاعِ أنْ تُفْتَرَشَ".
1829- حدثنا محمدُ بنُ بَشّارٍ حدثنا يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ حدثنا سَعِيدٌ عن قَتَادَةَ عن أبي المَلِيحِ عن أبِيهِ "أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم نَهَى عن جُلُودِ السّبَاعِ". ولا نَعْلَمُ أحَداً قالَ عن أبي المَلِيحِ عن أبِيهِ غَيْرَ سَعِيدِ بنِ أبي عَرُوبَةَ.
ـــــــ
"باب ما جَاءَ في النّهْيِ عن جُلُودِ السّبَاع"
قوله: "وعبد الله بن إسماعيل" بن أبي خالد. قال أبو حاتم: مجهول، وذكره ابن حبان في الثقات كذا في تهذيب التهذيب "عن أبي المليح" بن أسامة بن عمير أو عامر بن حنيف بن ناجية الهذلي اسمه عامر وقيل زيد وقيل زياد ثقة من الثالثة "عن أبيه" هو أسامة بن عمير بن عامر الأقيشر الهذلي صحابي تفرد ولده عنه "نهى عن جلود السباع أن تفترش" وفي حديث المقدام بن معد يكرب: نهى عن لبس جلود السباع والركوب عليها، أخرجه أبو داود والنسائي. وفي حديث أبي معاوية بن سفيان نهى عن جلود النمور أن يركب عليها أخرجه أحمد وأبو داود. وفي حديث أبي هريرة لا تصحب الملائكة رفقة فيها جلد نمر، أخرجه أبو داود، والنمور جمع نمر بفتح النون وكسر الميم، ويجوز سكونها مع كسر النون، هو سبع أجرأ وأخبث من الأسد وهو منقط الجلد نقط سود وبيض وفيه شبه من الأسد إلا أنه أصغر منه ورائحة فمه طيبة بخلاف الأسد، وبينه وبين الأسد عداوة، وهو بعيد الوثبة فربما وثب أربعين ذراعاً. وأحاديث الباب تدل على أن جلود السّباع لا يجوز الانتفاع بها. وقد اختلف في حكمة النهي فقال البيهقي: إن النهي وقع لما يبقى عليها من الشعر لأن الدباغ لا يؤثر فيه. وقال غيره: يحتمل أن النهي

(5/467)


1830ـ حدثنا محمدُ بنُ بَشّارٍ حدثنا محمدُ بنُ جَعْفَرٍ حدثنا شُعْبَة عن يَزِيدَ الرّشْكِ عن أبي المَلِيحِ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: "أنّهُ نَهَى عن جُلُودِ السّبَاعِ" وهذَا أصَحّ.
ـــــــ
عما لم يدبغ منها لأجل النجاسة، أو أن النهي لأجل أنها مراكب أهل السرف والخيلاء. قال الشوكاني: وأما الاستدلال بأحاديث الباب على أن الدباغ لا يطهر جلود السباع بناء على أنها مخصصة للأحاديث القاضية بأن الدباغ مطهر على العموم فغير ظاهر لأن غاية ما فيها مجرد النهي عن الركوب عليها وافتراشها ولا ملازمة بين ذلك وبين النجاسة انتهى، وتقدم كلامه الباقي في باب جلود الميتة إذا دبغت.
قوله: "عن يزيد الرشك" بكسر الراء وسكون المعجمة. قال في التقريب: تزيد بن أبي يزيد الضبعي مولاهم أبو الإزهر البصري يعرف بالرشك ثقة عابد وهم من لينه من السادسة.
قوله: "وهذا أصح" لأن شعبة أحفظ وأتقن من سعيد بن أبي عروبة. والحديث أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي

(5/468)


باب ماجاء في نعل النبي صلى الله عليه وسلم
...
33ـ باب ما جَاء في نَعْلِ النبيّ صلى الله عليه وسلم
1831ـ حدثنا إسحاقُ بنُ مَنْصُورٍ أخبرنا حَبّانُ بنُ هِلاَلٍ حدثنا هَمّامٌ حدثنا قَتَادَةَ عن أنَسٍ "أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كانَ نَعْلاَهُ لَهُمَا قِبَالاَنِ".
ـــــــ
"باب ما جَاء في نَعْلِ النبيّ صلى الله عليه وسلم"
في النهاية: النعل مؤنثة وهي التي تلبس في المشي تسمى الآن تاسومة. وقال ابن العربي: النعل لباس الأنبياء وإنما اتخذ الناس غيرها لما في أرضهم من الطين. وقد يطلق النعل على كل ما يقي القدم: قال صاحب المحكم: النعل والنعلة ما وقيت به، كذا في الفتح.
قوله: "كان نعلاه لهما قبالان" بكسر القاف تثنية قبال. قال الحافظ في الفتح:

(5/468)


هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
قال وفي البابِ عن ابنِ عَبّاسٍ وأبي هُرَيْرَةَ.
1832ـ حدثنا محمدُ بنُ بَشّارٍ حدثنا أبو دَاوُدَ حدثنا هَمّامٌ عن قَتَادَةَ قال: "قُلْتُ لأَنَسِ بنِ مَالِكٍ: كَيْفَ كانَ نَعْلُ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم؟ قالَ: لَهُمَا قِبَالاَنِ". هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ
ـــــــ
القبال هو الزمام وهو السير الذي يعقد فيه الشسع الذي يكون بين أصبعي الرجل انتهى. وقال الجزري في النهاية: الشسع أحد سيور النعل، وهو الذي يدخل بين الأصبعين ويدخل طرفه في الثقب الذي في صدر النعل المشدود في الزمام. وقال القاري قال الجزري: كان لنعل رسول الله صلى الله عليه وسلم سيران يضع أحدهما بين إبهام رجله والتي تليها ويضع الآخر بين الوسطى التي تليها ومجمع السيرين إلى السير الذي على وجه قدمه صلى الله عليه وسلم وهو الشراك انتهى.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه البخاري.
قوله: "وفي الباب عن ابن عباس وأبي هريرة" أما حديث ابن عباس فأخرجه الترمذي في الشمائل وابن ماجه بسند قوي، وأما حديث أبي هريرة فأخرجه البزار والطبراني في الصغير كما في الفتح.
قوله: "كيف كان نعل رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهما" وفي بعض النسخ لها بالإفراد

(5/469)


باب ماجاء في كراهية المشي النعل الواحدة
...
34ـ باب ما جاءَ في كَرَاهِيَةِ
المَشْي في النّعْلِ الْوَاحِدَة
1833ـ حدثنا قُتَيْبَةُ عن مَالِكٍ ح وحدثنا الأَنْصَارِيّ حدثنا مَعْنٌ حدثنا مَالِكٌ عن أبي الزّنَادِ عن الأَعْرَجِ عن أبي هُرَيْرَةَ أنّ رَسُولَ الله صلى
ـــــــ

(5/469)


الله عليه وسلم قالَ: "لاَ يَمْشِي أحَدُكُمْ في نَعْلِ وَاحِدَةٍ لِيُنْعِلْهُمَا جَمِيعاً أو لِيُحْفِهمَا جميعاً" .
ـــــــ
"باب ما جاءَ في كَرَاهِيَةِ المَشْي في النّعْلِ الْوَاحِدَة"
قوله: "لا يمشي أحد" نفي بمعنى النهي للتنزيه، وفي الشمائل لا يمشين "في نعل واحدة" وفي رواية في الشمائل واحد بالتذكير لتأويل النعل بالملبوس "لينعلهما" بضم الياء وكسر العينم من باب الإفعال وبفتح الياء والعين من باب علم. قال في القاموس: نعل كفرح وتنعل وانتعل لبسها وأنعل الدابة ألبسها النعل انتهى. قال الحافظ في الفتح: قال ابن عبد البر: أراد القدمين وإن لم يجر لهما ذكر، وهذا مشهور في لغة العرب، وورد في القرآن أن يؤتى بضمير لم يتقدم له ذكر لدلالة السياق عليه، وينعلهما ضبطه النووي بضم أوله من أنعل، وتعقبه شيخنا في شرح الترمذي بأن أهل اللغة نعل بفتح العين وحكى كسرها وانتعل أي لبس النعل، لكن قد قال أهل اللغة أيضاً أنعل رجله ألبسها نعلاً، ونعل دابته جعل لها نعلاً. وقال صاحب المحكم: أنعل الدابة والبعير ونعلهما بالتشديد، وكذا ضبط عياض في حديث عمر أن غسان تنعل الخيل بالضم أي تجعل لها نعالاً. والحاصل أن الضمير إن كان للقدمين جاز الضم والفتح وإن كان للنعلين تعين الفتح "أو ليحفهما" قال الحافظ: كذا للأكثر، ووقع في رواية أبي مصعب في الموطأ: أو لينعلهما، وكذا في رواية لمسلم انتهى. والإحفاء ضد الإفعال: وهو جعل الرجل حافية بلا نعل وخف، أي ليمش حافي الرجلين. قال القاضي: إنما نهى عن ذلك لقلة المروة والإختلال والخبط في المشي. وما روي عن عائشة أنها قالت: ربما مشى النبي صلى الله عليه وسلم في نعل واحدة إن صح فشيء نادر لعله اتفق في داره بسبب. قلت: وعلى تقدير كونه بعد النهي يحمل على حال الضرورة أو بيان الجواز وأن النهي ليس للتحريم. قال الخطابي: المشي يشق على هذه الحالة مع سماحته في الشكل وقبح منظره في العين، وقيل لأنه لم يعدل بين جوارحه وربما نسب فاعل ذلك إلى اختلال الرأي وضعفه. وقال ابن العربي: العلة فيه أنها مشية الشيطان.
تكملة: قال الحافظ في الفتح: قد يدخل في هذا كل لباس شفع كالخفين

(5/470)


هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
قال وفي البابِ عن جَابِرٍ.
1834 ـ حدثنا أَزْهَرُ بنُ مَرْوَانَ البَصْرِيّ أخبرنا الْحَارِثُ بنُ نَبْهَانَ عن مَعْمَرٍ عن عَمّارٍ بنِ أبي عَمّار عن أبي هُرَيْرَةَ قالَ: "نَهَى رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم أنْ يَنْتَعِلَ الرّجُلُ وَهُوَ قَائِمٌ".
ـــــــ
وإخراج اليد الواحدة من الكم دون الأخرى، والترمذي على أحد المنكبين دون الآخر قاله الخطابي، قال: وقد أخرج ابن ماجه حديث الباب من رواية محمد بن عجلان عن سعيد المقبري عن أبي هريرة بلفظ: لا يمشي أحدكم في نعل واحدة ولا خف واحد، وهو عند مسلم أيضاً من حديث جابر، وعند أحمد من حديث أبي سعيد، وعند الطبراني من حديث ابن عباس وإلحاق إخراج اليد الواحدة من الكم وترك الأخرى بلبس النعل الواحدة أو الخف الواحد بعيد إلا إن أخذ من الأمر بالعدل بين الجوارح وترك الشهرة، وكذا وضع طرف الرداء على أحد المنكبين انتهى.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح وأخرجه الشيخان وغيرهما "وفي الباب عن جابر" أخرجه مسلم.
قوله: "أخبرنا الحارث بن نبهان" بفتح النون وسكون الموحدة الجرمي أبو محمد البصري متروك من الثامنة "عن عمار بن أبي عمار" مولى بني هاشم صدوق ربما أخطأ من الثالثة.
قوله: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينتعل" من باب الافتعال أي يلبس النعل "وهو قائم" جملة حالية قال الخطابي إنما نهى عن لبس النعل قائماً لأن لبسها قاعداً أسهل عليه وأمكن له وربما كان ذلك سبباً لانقلابه إذا لبسها قائماً. فأمر بالقعود له والاستعانة باليد فيه ليأمن غائلته. وقال المظهر: هذا فيما يلحقه التعب في لبسه كالخف والنعال التي تحتاج إلى شد شراكها.

(5/471)


هذا حديثٌ حسن غريبٌ. وَرَوَى عُبَيْدُ الله بنُ عَمْرٍو الرّقّيّ هذا الْحَدِيثَ عن مَعْمَرٍ عن قَتَادَةَ عن أنَسٍ وكِلاَ الْحَدِيثَيْنِ لاَ يَصِحّ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ. والْحَارِثُ بنُ نَبْهَانَ لَيْسَ عِنْدَهُمْ بِالْحَافِظِ. ولا نَعْرِفُ لِحَدِيثِ قَتَادَةَ عن أنَسٍ أصْلاً.
1835 ـ حدثنا أبُو جَعْفَرٍ السّمْنَانِيّ حدثنا سُلَيْمَانُ بنُ عُبَيْدِ الله الرّقّيّ حدثنا عُبَيْدِ الله بنُ عَمْرٍو الرقّي عن مَعْمَرٍ عن قَتَادَةَ عن أنَسٍ: "أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم نَهَى أنْ يَنْتَعِلَ الرّجُلُ وَهُوَ قَائِمٌ".
ـــــــ
قوله: "هذا حديث غريب" وأخرجه ابن ماجه، ولا نعرف لحديث قتادة عن أنس أصلاً. كذا قال الترمذي. وحديث النهي عن الإنتعال قائماً، أخرجه أبو داود عن جابر بلفظ: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينتعل الرجل قائماً، وسكت عنه هو والمنذري، وأخرجه ابن ماجه عن ابن عمر رضي الله عنه بهذا اللفظ وإسناده هكذا: حدثنا علي بن محمد حدثنا وكيع عن سفيان عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر الخ وهذا إسناد صحيح، وأخرجه ابن ماجه أيضاً عن أبي هريرة بهذا اللفظ وإسناده هكذا: حدثنا علي بن محمد حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة وهذا إسناد رواته كلهم ثقات، فقول الترمذي: لا نعرف لحديث قتادة عن أنس أصلاً محل تأمل.
قوله: "أبو جعفر" اسمه محمد بن جعفر "السمناني" بكسر السين المهملة وسكون الميم ونونين القوسي ثقة من الحادية عشرة "حدثنا سليمان بن عبيد الله" الأنصاري أبو أيوب الرقي. قال الخزرجي في الخلاصة: قال أبو حاتم: صدوق. وقال النسائي: ليس بالقوي "حدثنا عبيد الله بن عمرو" بن أبي الوليد الرقي أبو وهب الأسدي ثقة فقيه ربما وهم من الثالثة.

(5/472)


هذا حديثٌ غريبٌ. وقالَ محمدُ بنُ إسماعيلَ: وَلاَ يَصِحّ هذا الْحَدِيثُ وَلاَ حَدِيثُ مَعْمَرٍ عن عَمّار بنِ أبي عَمّارٍ عن أبي هُرَيْرَةَ.
ـــــــ
قوله: "هذا حديث غريب" وأخرجه الضياء المقدسي.
اعلم أن حديث أبي هريرة وحديث أنس المذكورين لا يطابقان الباب، وكان للترمذي أن يعقد لهما باباً آخر بلفظ باب ما جاء في النهي عن الإنتعال قائماً

(5/473)


باب ماجاء في الرخصة في النعل الواحدة
...
35 ـ باب مَا جَاءَ من الرّخْصَةِ في المشي في النّعْلِ الْوَاحِدَة
1836ـ حدثنا القَاسِمُ بنُ دِينَارٍ حدثنا إسحاقُ بنُ مَنْصُورٍ السّلُولِيّ كوفِيّ حدثنا هُرَيْم بنُ سفيانَ البَجَلِيّ الكوفي عن لَيْثٍ عن عبدِ الرحمَنِ بنِ القَاسِمِ عن أبيهِ عن عَائِشَةَ قَالَتْ: "رُبّمَا مَشَى النبيّ صلى الله عليه وسلم في نَعْلٍ وَاحِدَةٍ".
ـــــــ
"باب مَا جَاءَ من الرّخْصَةِ في المشي في النّعْلِ الْوَاحِدَة"
قوله: "حدثنا إسحاق بن منصور السلولي" بفتح المهملة وضم اللام الأولى مولاهم أبو عبد الرحمن صدوق، تكلم فيه للتشيع من التاسعة "حدثنا هريم" مصغراً "وهو ابن سفيان البجلي" أبو محمد الكوفي صدوق من كبار التاسعة "عن ليث" هو ابن أبي سليم "عن عبد الرحمن بن القاسم" بن محمد بن أبي بكر الصديق التيمي أبو محمد المدني، ثقة جليل. قال ابن عيينة: كان أفضل أهل زمانه من السادسة "عن أبيه" أي القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق ثقة أحد الفقهاء بالمدينة. قال أيوب: ما رأيت أفضل منه من كبار الثالثة. كذا في التقريب.
قوله: "ربما" بتشديد الموحدة وتخفيفها وهو هنا للقلة أي قليلاً "مشى النبي صلى الله عليه وسلم في نعل واحدة" هذا على تقدير صحته محمول على حال الضرورة أو بيان الجواز وأن النهي ليس للتحريم كما تقدم.

(5/473)


1837ـ حدثنا أحمدُ بنُ مَنِيعٍ حدثنا سُفْيَانُ بنُ عُيَيْنَةَ عن عَبْدِ الرحمنِ بنِ الْقَاسِمِ عن أبِيهِ عن عَائِشَةَ: "أنّهَا مَشَتْ بِنَعْلٍ وَاحِدَةٍ".
وهذَا أصَحّ. هَكَذَا رَوى سُفْيَانُ الثّوْرِيّ وغير واحد عن عبدِ الرحمَنِ بنِ الْقَاسِمِ مَوْقُوفاً. وهذَا أصَحّ.
ـــــــ
قوله: "أنها مشت بنعل واحدة" ذكر في شرح السنة أنه قد ورد في الرخصة بالمشي في نعل واحدة أحاديث، وروى عن علي وابن عمر، وكان ابن سيرين لا يرى بها بأساً كذا في المرقاة.
قوله: "وهذا أصح" أي حديث ابن عيينة عن عبيد الرحمن بن القاسم موقوفاً أصح من حديث ليث مرفوعاً لأنه كان قد اختلط أخيراً ولم يتميز حديثه فترك. وأما ابن عيينة فهو ثقة حافظ وقد تابعه سفيان الثوري وغيره

(5/474)


باب ماجاء بأي رجل يبدأ إذا انتعل
...
36ـ باب ما جَاء بِأيّ رِجْلٍ يَبْدَأُ إذَا انْتَعَل
1838ـ حدثنا الأَنْصَارِيّ حدثنا مَعْنٌ حدثنا مَالِكٌ ح وحدثنا قُتَيْبَةُ عن مَالِكٍ ح عن أبي الزّنَادِ عن الأَعْرَجِ عن أبي هُرَيْرَةَ أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: "إذَا انْتَعَلَ أحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ بِالْيَمِين، وَإِذَا نَزَعَ فَلْيَبْدَأ بِالشّمَالِ، فلتكن اليمنى أوّلَهُمَا تُنْعَلُ وآخِرهُمَا تُنْزَعُ" .
ـــــــ
"باب ما جَاء بِأيّ رِجْلٍ يَبْدَأُ إذَا انْتَعَل"
قوله: "إذا انتعل أحدكم" أي أراد لبس النعل "فليبدأ باليمين" وفي رواية باليمنى "وإذا نزع" وفي رواية مسلم: وإذا خلع "فلتكن اليمنى أولهما تنعل وآخرهما تنزع" قال الحافظ: زعم ابن وضاح فيما حكاه ابن التين أن هذا القدر مدرج وأن المرفوع انتهى عند قوله: "بالشمال" وضبط قوله أولهما وآخرهما بالنصب على أنه خبر كان أو على الحال والخبر تنعل وتنزع، وضبط بمثاتين فوقانيتين وتحتانيتين

(5/474)


هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
مذكرين باعتبار النعل والخلع. وقال الطيبي: يحتمل الرفع على أنه مبتدأ وتنعل خبره والجملة خبر كان. قال ابن العربي: البداءة باليمين مشروعة في جميع الأعمال الصالحة لفضل اليمين حساً في القوة وشرعاً في الندب إلى تقديمها. وقال النووي: يستحب البداءة باليمين في كل ما كان من باب التكريم أو الزينة، والبداءة باليسار في ضد ذلك كالدخول في الخلاء ونزع النعل والخف والخروج من المسجد والاستنجاء وغيره من جميع المستقذرات. وقال الحليمي وجه الإبتداء بالشمال عند الخلع أن اللبس كرامة لأنه وقاية للبدن، فلما كانت اليمنى أكرم من اليسرى بدأ بها في اللبس وأخرت في الخلع لتكون الكرامة لها أدوم وحظها منها أكثر انتهى.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه أحمد والشيخان وابن ماجه

(5/475)


باب ماجاء في ترقيع الثوب
...
37ـ باب ما جاءَ في تَرْقِيعِ الثّوْب
1839ـ حدثنا يَحْيَى بنُ مُوسَى حدثنا سَعِيدُ بنُ محمدٍ الوَرّاق وَ أَبُو يَحْيَى الْحِمّانِيّ قالا: حدثنا صَالِحُ بنُ حَسّان عن عُرْوَةَ عن عَائِشَةَ قالت: قالَ لِي رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إذا أَرَدْتِ اللّحُوقَ بي فَلْيَكْفِكِ مِنَ الدّنْيَا كَزَادِ الرّاكِبِ، وَإِيّاكِ وَمُجَالَسَةَ الأَغْنِيَاءِ، ولا تستخلعي ثوباً حَتّى ترفّعِيهِ" .
ـــــــ
"باب ما جاءَ في تَرْقِيعِ الثّوْب"
قوله: "حدثنا يحيى بن موسى" البلخي لقبه خت بفتح المجعمة وتشديد المثناة أصله من الكوفة ثقة من العاشرة "حدثنا سعيد بن محمد الوراق" الثقفي أبو الحسن الكوفي نزيل بغداد ضعيف من صغار الثامنة "وأبو يحيى الحماني" بكسر المهملة وتشديد الميم اسمه عبد الحميد بن عبد الرحمن الكوفي لقبه بشمين صدوق يخطئ ورمى بالإرجاء من التاسعة "حدثنا صالح بن حسان" النضري أبو الحارث المدني نزيل البصرة متروك من السابعة.
قوله: "إن أردت اللحوق بي" أي ملازمتي في درجتي في الجنة كذا في التيسير

(5/475)


هذا حديثٌ غريبٌ لا نَعْرِفُهُ إلاّ مِنْ حَدِيثِ صَالِحٍ بنِ حَسّانَ. قال وسَمِعْتُ محمداً يَقُولُ: صَالِحُ بنُ حَسَانَ مُنْكَرُ الحدِيثِ. وصَالِحُ بنُ أبي حَسَان الذي رَوَى عَنْهُ ابنُ أبي ذِئْبٍ ثِقَةٌ.
وَمَعْنَى قَوْلِهِ "وإياك وَمُجَالَسَةِ اْلأَغْنِيَاء" هو نحو ما رُويَ عن أبي هُرَيْرَةَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنّهُ قالَ: "مَنْ رَأَى مَنْ فُضّلَ عَلَيْهِ في الْخَلْقِ والرّزْقِ. فَلْيَنْظُرْ إلَى مَنْ هُوَ أسْفَلُ مِنْهُ مِمّنْ فُضّلَ هُوَ عَلَيْهِ فَإِنّهُ أَجْدَرُ أن لا يَزْدَرِيَ نِعْمَةَ الله " .
ـــــــ
"فليكفك من الدنيا كزاد الراكب" أي مثله وهو فاعل يكف أي اقتنعي بشيء يسير من الدنيا فإنك عابرة سبيل إلى منزل العقبى "وإياك ومجالسة الأغنياء" تحذير أي اتقى من مجالسة الأغنياء "ولا تَسْتَخْلِعي ثوباً" بالخاء المعجمة والقاف أي لا تعديه خلقاً، من استخلق الذي هو نقيض استجد "حتى ترقعيه" بتشديد القاف أي تخيطي عليه رقعة ثم تلبسيه. في شرح السنة قال أنس: رأيت عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وهو يومئذ أمير المؤمنين وقد رقع ثوبه برقاع ثلاث لبد بعضها فوق بعض. وقيل: خطب عمر رضي الله تعالى عنه وهو خليفته وعليه إزار فيه اثنا عشر رقعة انتهى.
قوله: "هذا حديث غريب" قال المنذري في الترغيب بعد ذكر هذا الحديث: رواه الترمذي والحاكم والبيهقي من طريقه وغيرها كلهم من رواية صالح بن حسان وهو منكر الحديث عن عروة عنها. وقال الحاكم: صحيح الإسناد وذكره رزين فزاد فيه: قال عروة: فما كانت عائشة تستجد ثوباً حتى ترقع ثوبها وتنكسه، ولقد جاءها يوماً من عند معاوية ثمانون ألفاً فما أمسى عندها درهم، قالت لها جاريتها: فهلا اشتريت لنا منه لحماً بدرهم؟ قالت لو ذكرتني لفعلت انتهى "سمعت محمداً" يعني الإمام البخاري رحمه الله "وصالح بن أبي حسان الخ" يعني أن صالح بن أبي حسان الذي روى عنه ابن أبي ذئب غير صالح بن حسان المذكور في إسناد هذا الحديث، فإن ذا ضعيف كما عرفت وهذا ثقة. قال الحافظ في التقريب: صالح بن أبي حسان المدني صدوق من الخامسة.
قوله: "من رأى من فضل عليه" بالفاء والمعجمة على البناء للمجهول "في الخلق"

(5/476)


وَيُرْوَى عن عَوْنِ بنِ عَبْدِ الله قال: صَحبتُ الأغْنِيَاءَ فَلَمْ أرَ أحَداً، أكْبَرَ هَمّا مِنّي، أرَى دَابّةً خَيْراً مِنْ دَابّتِي، وَثَوْباً خَيْراً مِنْ ثَوْبِي، وَصَحِبْتُ الْفُقَرَاءَ فَاسْتَرَحْتُ.
ـــــــ
بفتح الخاء أي الصورة، ويحتمل أن يدخل في ذلك الأولاد والأتباع وكل ما يتعلق بزينة الحياة الدنيا "فلينظر إلى من هو أسفل منه" وفي رواية: فلينظر إلى من تحته، ويجوز في أسفل الرفع والنصب والمراد بذلك ما يتعلق بالدنيا "ممن هو فضل عليه" بصيغة المجهول "فإنه أجدر ألا يزدري نعمة الله" أي هو حقيق بعدم الإزدراء وهو افتعال من زريت عليه وأزريت بت إذا نقصته في القاموس: هو يتنقصه يقع فيه ويذمه. وفي معناه ما أخرجه الحاكم من حديث عبد الله بن الشخير رفعه: أقلوا الدخول على الأغنياء فإنه أحرى أن لا تزدروا نعمة الله. قال ابن بطال: هذا الحديث جامع لمعاني الخير لأن المرء لا يكون بحال تتعلق بالدين من عبادة ربه مجتهداً فيها إلا وجد من هو فوقه، فمتى طلبت نفسه اللحاق بت استقصر حاله فيكون أبداً في زيادة تقربه من ربه، ولا يكون على حال خسيسة من الدنيا إلا وجد من أهلها من هو أخس حالاً منه، فإذا تفكر في ذلك علم أن نعمة الله وصلت إليه دون كثير ممن فضل عليه بذلك من غير أمر أوجبه، فيلزم نفسه الشكر فيعظم اغتباطه بذلك في معاده. وقال غيره: في هذا الحديث دواء الداء لأن الشخص إذا نظر إلى من هو فوقه لم يأمن أن يؤثر ذلك فيه حسداً ودواؤه أن ينظر إلى من هو أسفل منه ليكون ذلك داعياً إلى الشكر. وحديث أبي هريرة هذا أخرجه الشيخان

(5/477)


38ـ باب
1840ـ حدثنا ابنُ أبي عُمَرَ حدثنا سُفْيَان بنُ عُيَيْنَةَ عن ابنِ أبي نَجِيحٍ عن مُجَاهِدٍ عن أُمّ هَانِئ قَالَتْ: "قَدِمَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم مَكّةَ وَلَهُ أرْبَعُ غَدَائِرَ".
ـــــــ
"باب"
قوله: "وله أربع غدائر" جمع غديرة: وهي الذؤابة كما في القاموس والنهاية.

(5/477)


هذا حديثٌ غريبٌ.
1841حدثنا محمدُ بنُ بَشّارٍ حدثنا عَبْدُ الرحمنِ بنُ مَهْدِيّ حدثنا إبراهيم بنُ نَافِعٍ المَكّيّ عن ابنِ أبي نَجِيحٍ عن مُجَاهِدٍ عن أُمّ هَانِئ قَالَتْ "قَدِمَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم مَكّةَ وَلَهُ أَرْبَعُ ضَفَائِرَ".
هذا حديثٌ حسنٌ غريب. وَعَبْدُ الله بنُ أبي نَجِيحٍ مَكّيّ أبو نجيح اسمه يسار. قال محمد: لا أعرف المجاهد سماعاّ من أم هانئ.
ـــــــ
وقال في الصراح: غديره كيسوي بافته، وزاد في رواية ابن ماجه: تعني ضفائر وهو تفسير غدائر من بعض الرواة.
قوله: "قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة" زاد أحمد في روايته مرة: وكان له صلى الله عليه وسلم قدومات أربعة بمكة: عمرة القضاء وفتح مكة وعمرة الجعرانة وحجة الوداع، وبعض الروايات تدل على أن هذا المقدم يوم فتح مكة لأنه حينئذ اغتسل وصلى الضحى في بيتها قاله القاري في المرقاة "وله أربع ضفائر" جمع ضفيرة، قال في مجمع البحار: قوله: ضفائر وهي الذوائب المضفورة ضفر الشعر أدخل بعضه في بعض انتهى. والحديث رواه أبو داود وترجم له باب ضفر الرجل شعره ورواه ابن ماجه وترجم له: باب اتخاذ الجمة والضفائر. قال في إنجاح الحاجة حاشية ابن ماجه. وله أربع غدائر لعله فعل ذلك لدفع الغبار انتهى. قلت: وهو الظاهر لأنه صلى الله عليه وسلم كان في السفر.
قوله: "هذا حديث حسن" وأخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه كلهم من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد عن أم هانئ. فإن قلت: كيف حسن الترمذي الحديث مع أنه قد نقل عن الإمام البخاري أنه قال لا أعرف لمجاهد سماعاً من أم هانئ. قلت: لعله حسنه على مذهب جمهور المحدثين، فإنهم قالوا إن عنعنة غير المدلس محمولة على السماع إذا كان اللقاء ممكناً وإن لم يعرف السماع والله تعالى أعلم

(5/478)


39ـ باب
1842ـ حدثنا حُمَيْدُ بنُ مَسْعَدَةَ حدثنا محمدُ بنُ حُمْرَانَ عن أبِي سَعِيدٍ وَهُوَ عَبْدُ الله بنُ بُسْرٍ قال سَمِعْتُ أبَا كَبْشَةَ الأنْمَارِيّ يَقُول: "كانَتْ كِمَامُ أصْحَابِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم بُطْحاً".
ـــــــ
"باب"
قوله: "حدثنا محمد بن حمران" بن عبد العزيز القيسي البصري صدوق فيه لين من التاسعة "عن أبي سعيد وهو عبد الله بن بسر" السكسكي الحبراني الحمصي سكن البصرة ضعيف من الخامسة "سمت أبا كبشة الأنماري" بفتح الهمزة وسكون النون منسوب إلى أنمار قاله في المغني. وقال في التقريب: أبو كبشة الأنماري هو سعيد بن عمرو أو عمرو بن سعيد، وقيل عمر أو عامر بن سعد صحابي نزل الشام له حديث واحد وروى عن أبي بكر انتهى "وكانت كمام أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم" بكسر الكاف جمع كمة بالضم كقباب وقبة وهي القلنسوة المدورة سميت بها لأنها تغعطي الرأس. قال الجزري في النهاية بعد ذكر هذا الحديث ما لفظه: وفي رواية أمته هما جمع كثرة وقلة للكمة القلنسوة، يعني أنها كانت منبطحة غير منتصبة انتهى. وقال في القاموس: الكمة بالضم القلنسوة المدروة. وقال المنذري في الترغيب: الكمة بمض الكاف وتشديد الميم القلنسوة الصغيرة "بطحاً" بمض الموحدة فسكون المهملة جمع بطحاء أي كانت مبسوطة على الرأس غير مرتفعة عنها. وقيل هي جمع كم بالضم لأنهم قلما كانوا يلبسون القلنسوة، ومعنى بطحاء حينئذ أنها كانت عريضة فهو جمع أبطح من قولهم للأرض المتسعة بطحاء، والمراد أنها ما كانت ضيقة رومية أو هندية بل كان وسعها بقدر شبر كما سبق، كذا قال في القاري في المرقاة. وأشار بقوله كما سبق إلى ما نقل عن بعض كتب الحنفية أنه يستحب اتساع الكم بقدر شبر. وقال بن حجر الهيثمي المكي: وأما ما نقل عن الصحابة من اتساع الكم فمبني على توهم أن الأكمام1 جمع كم ولي كذلك بل جمع كمه وهي ما يجعل على الرأس كالقلنسوة، فكأن قائل ذلك لم يسمع قول الأئمة
ـــــــ
1 كذا في المرقات المطبوعة والظاهر أنه الكمام .

(5/479)


هذا حديثٌ مُنْكَرٌ. وَعَبْدُ الله بنُ بُسْرٍ بَصْرِيّ هو ضَعِيفٌ عِنْدَ أهْلِ الْحَدِيثِ ضَعّفَهُ يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ وغَيْرُهُ. وبُطْحٌ يَعْنِي وَاسِعَةٌ.
ـــــــ
أن من البدع المذمومة اتساع الكمين انتهى. قال القاري متعقباً عليه بأن يمكن حمل هذا على السعة المفرطة، وما نقل عن الصحابة على خلاف ذلك وهو ظاهر بل متعين انتهى.
قلت: الحديث يحتمل الاحتمالين، واختار الترمذي الاحتمال الثاني حيث فسر قوله: "بطحاً" بقوله يعني واسعة، ولا شك في أنه إن كان معنى بطحاً واسعة فالمراد السعة الغير المفرطة كما قال القاري، فإن الاتساع المفرط في الأكمام مذموم بلا شك. قال الحافظ ابن القيم في زاد المعاد: وأما الأكمام الواسعة الطوال التي هي كالأخراج فلم يلبسها هو ولا أحد من أصحابه البتّة، وهي مخالفة لسنته، وفي جوازها نظر فإنها من جنس الخيلاء انتهى. وقال الشوكاني في النيل: وقد صار أشهر الناس بمخالفة هذه السنة في زماننا هذا العلماء فيرى أحدهم وقد يجعل لقميصه كمين يصلح كل واحد منهما أن يكون جبة أو قميصاً لصغير من أولاده أو يتيم، وليس في ذلك شيء الفائدة إلا العبث وتثقيل المؤنة على النفس ومنع الانتفاع باليد في كثير من المنافع وتشويه الهيئة ولا الدينية إلا مخالفة السنة والإسبال والخيلاء انتهى. وأما الأكمام الضيقة فقد ثبت أنه صلى الله عليه وسلم لبس جبة ضيقة الكمين في السفر كما روى الشيخان عن المغيرة بن شعبة أن النبي صلى الله عليه وسلم لبس جبة رومية ضيقة الكمين، كذا في المشكاة، وترجم الإمام البخاري لحديث المغيرة هذا في صحيحه في كتاب اللباس باب من لبس جبة ضيقة الكمين في السفر. قال الحافظ في الفتح: كأنه يشير إلى لبس النبي صلى الله عليه وسلم الجبة الضيقة إنما كان لحال السفر لاحتياج المسافر إلى ذلك، وأن السفر يغتفر فيه لبس غير المعتاد في الحضر.
قوله: "هذا حديث منكر وعبد الله بن بسر بصري ضعيف عند أهل الحديث الخ" قال الذهبي في الميزان. عبد الله بسر الجبراني الحمصي عن عبد الله بن بسر المازني الصحابي وغيره. قال يحيى بن سعيد القطان: رأيته وليس بشيء روي عن ابن بسر وأبي راشد الجيراني. وقال أبو حاتم وغيره: ضعيف، وقال

(5/480)


ـــــــ
النسائي ليس بثقة. ثم ذكر الذهير حديث الباب في مناكيره. وقال في الخلاصة: ضعفه القطان والنسائي والدارقطني ووثقه ابن حبان انتهى

(5/481)


40ـ باب
1843ـ حدثنا قُتَيْبَةُ، حدثنا أبُو الأَحْوَصِ عن أبِي إسحاقَ عن مُسْلِمِ بنِ نذيْرٍ عن حذَيْفَةَ قالَ: "أخَذَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم بِعَضَلَةِ سَاقِي أوْ سَاقِهِ فقال "هذا مَوْضِعُ الاْزَارِ، فَإِنْ أَبَيْتَ فَأَسْفَل، فَإِنْ أبَيْتَ فَلاَ حَقّ لِلإِزَارِ في الكعَبَيْنِ" .
ـــــــ
"باب"
قوله: "عن أبي إسحاق" هو السبيعي "عن مسلم بن نذير" بالنون والذال المعجمة مصغراً، ويقال ابن يزيد كوفي يكنى أبا عياض مقبول من الثالثة كذا في التقريب. وقال في الخلاصة: قال أبو حاتم لا بأس به "بعضلة ساقي أو ساقه" شك من الراوي، والعضلة محركة وكسفينة كل عصبة معها لحم غليظ كذا في القاموس: وعضلة الساق هو المحل الضخم منه "هذا موضع الإزار" وفي رواية النسائي: موضع الإزار إلى أنصاف الساقين "فإن أبيت فأسفل" كذا وقعت هذه الجملة مرة واحدة ووقعت في رواية ابن ماجه مرتين هكذا: فإن أبيت فأسفل، وقوله فأسفل بصيغة الأمر. قال في القاموس: وقد سفل ككرم وعلم ونصر سفالا وسفولاً وتسفل وسفل في خلقه وعلمه ككرم سفلاً ويضم وسفالا ككتاب وفي الشيء سفولاً بالضم نزل من أعلاه إلى أسفله انتهى "فإن أبيت فلا حق للإزار في الكعبين" وفي رواية النسائي: فإن أبيت فيمن رواه الساق ولا حق للكعبين في الإزار. والحديث يدل على أن موضع الإزار إلى أنصاف الساقين ويجوز إلى الكعبين ولا حق للإزار في الكعبين. وفي الباب أحاديث غير حديث الباب، فأخرج أبو داود والنسائي وصححها الحاكم من حديث أبي جرى رفعه قال في أثناء حديث مرفوع: وارفع إزارك إلى نصف الساق فإن أبيت فإلى الكعبين وإياك

(5/481)


هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ رَوَاهُ الثّوْرِيّ وشعبة عن أبي إسحاقَ.
ـــــــ
وإسبال الإزار فإنه من المخيلة وإن الله لا يحب المخيلة. وروى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة مرفوعاً "ما أسفل من الكعبين من الإزار في النار" . وللطبراني من حديث ابن عباس رفعه: "كل شيء جاوز الكعبين من الإزار في النار" . وله من حديث عبد الله بن مغفل رفعه: "إزرة المؤمن إلى أنصاف الساقين وليس عليه حرج فيما بينه وبين الكعبين وما أسفل من ذلك ففي النار" "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه النسائي وابن ماجه وصححه الحاكم كذا في الفتح

(5/482)


41ـ باب
1844ـ حدثنا قُتَيْبَةُ حدثنا محمدُ بنُ رَبِيعَةَ عن أبي الْحَسَنِ الْعَسْقَلاَنِي عن أبي جَعْفَرِ بنِ محمدِ بنِ رُكَانَةَ عن أبِيهِ "أنّ رُكَانَةَ صَارَعَ النبيّ صلى الله عليه وسلم فَصَرَعَهُ النبيّ صلى الله عليه وسلم، قالَ رُكَانَةُ سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم، يَقُولُ: "إنّ فَرْقَ مَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ المُشْرِكِينَ، العَمَائِمُ على القَلاَنِسِ" .
ـــــــ
"باب"
قوله: "عن أبي الحسن العسقلاني" قال في التقريب: مجهول "عن أبي جعفر بن محمد بن ركانة" قال في التقريب: مجهول "أن ركانة" بضم أوله وتخفيف الكاف بن عبد يزيد بن هاشم بن عبد المطلب بن عبد مناف المطلبي من مسلمة الفتح ثم نزل المدينة ومات في أول خلافه معاوية "صارع النبي صلى الله عليه وسلم" قال في الصراح: مصارعه كشتى كرفتن، يقال صارعته فصرعته أصرعة صرعاً بالفتح لتميم وبالكسر لقيس "فصرعه النبي صلى الله عليه وسلم" أي غلبه في المصارعة وطرحه على الأرض "إن فرق ما بيننا وبين المشركين العمائم على القلانس" جمع قلنسوة أي الفارق بيننا معشر المسلمين وبين المشركين لبس العمائم فوق القلانس، فنحن نتعمم على القلانس

(5/482)


هذا حديثٌ حسن غريبٌ وَإِسْنَادُهُ لَيْسَ بالقَائِمِ، ولا نَعْرِفُ أبَا الْحَسَنِ الَعَسْقَلاَنِي ولا ابنَ رُكَانَةَ.
ـــــــ
وهم يكفنون بالعمائم ذكره الطيبي وغيره من الشراح، وتبعهما ابن الملك كذا في المرقاة. وقال العزيزي: فالمسلمون يلبسون القلنسوة وفوقها العمامة ولبس القلنسوة وحدها زي المشركين انتهى. وكذا نقل الجزري عن بعض العلماء، ربه صرح القاضي أبو بكر في شرح الترمذي. وقال ابن القيم في زاد المعاد: وكان يلبسها يعني العمامة ويلبس تحتها القلنسوة، وكان يلبس القلنسوة بغير عمامة، ويلبس العمامة بغير قلنسوة انتهى. وفي الجامع الصغير برواية الطبراني عن ابن عمر قال: كان يلبس قلنسوة بيضاء، قال العزيزي: إسناده حسن، وفيه برواية الروياني وابن عساكر عن ابن عباس: كان يلبس القلانس تحت العمائم وبغير العمائم، ويلبس العمائم بغير قلانس، وكان يلبس القلانس اليمانية، وهن البيض المضربة ويلبس القلانس ذوات الاَذان في الحرب، وكان ربما نزع قلنسوته فجعلها سترة بين يديه وهو يصلي الحديث.
قلت: لم أقف على إسناد رواية ابن عباس هذه، فلا أدري هل هي صالحة للاحتجاج أم لا.
قوله: "هذا حديث غريب" وأخرجه أبو داود "وإسناده ليس بالقائم الخ" فيه ثلاثة مجاهيل كما عرفت

(5/483)


42ـ باب
1845ـ حدثنا محمدُ بنُ حُمَيْدٍ حدثنا زَيْدُ بنُ حُبَابٍ و أبُو ثمَيْلَةَ عن عَبْدِ الله بنِ مُسْلِمٍ عن ابنِ بُرَيْدَةَ عن أبِيهِ قالَ: "جَاءَ رَجُلٌ إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم وعليه خَاتَمٌ مِنْ حَدِيدٍ، فقالَ: "مَالِي أَرَى عَلَيْك َ
ـــــــ
"باب"
قوله: "عن عبد الله بن مسلم" السلمي كنيته أبو طيبة بفتح الطاء المهملة بعدها

(5/483)


حِلْيَةَ أهْلِ النّارِ" ؟ ثُمّ جَاءَهُ وَعَلَيْهِ خَاتَمٌ مِنْ صُفْرٍ، فقالَ: "مَالِي أَجِدُ مِنْكَ رِيحَ الأَصْنَام" ؟ ثُمّ أَتَاهُ وَعَلَيْهِ خَاتَمٌ مِنْ ذَهَبٍ، فقالَ: "ارْم عنك حِلْيَةَ أهْلِ الْجَنّةِ" ؟ قالَ: مِنْ أيّ شَيْءٍ أتّخِذُهُ؟ قالَ: "مِنْ وَرِقٍ وَلا تُتِمّهُ مِثْقَالاً" .
هذا حديثٌ غريبٌ وفي الباب عن عبد الله بن عمرو وعَبْدُ الله بنُ مسْلِمٍ يُكْنَى أبَا طَيبَةَ وهُوَ مَرْوَزِيّ.
ـــــــ
تحتانية ساكنة ثم موحدة المروزي قاضيها صدوق يهم من الثامنة "مالي أرى عليك" مقوله صلى الله عليه وسلم وما استفهام إنكار ونسبه إلى نفسه والمراد به المخاطب أي مالك "حلية أهل النار" بكسر الحاء أي زينة بعض الكفار في الدنيا أو زينتهم في النار بملابسة السلاسل والأغلال، وتلك في المتعارف بيننا متخذة من الحديد، وقيل إنما كرهه لأجل النتن "وعليه خاتم من صفر" بضم الصاد المهملة وسكون الفاء يقال له بالهندية بيتل. ووقع في رواية أبي داود: وعليه خاتم من شبه قال القاري بفتح الشين المعجمة والموحدة شيء يشبه الصفر، وبالفارسية يقال له برنج سمى به لشبهه بالذهب لوناً. وفي القاموس: الشبه محركة النحاس الأصفر ويكسر انتهى كلام القاري "مالي أجد منك ريح الأصنام" لأن الأصنام تتخذ من الصفر، قاله الخطابي وغيره "ارم عنك حلية أهل الجنة" يعني أن خاتم الذهب من حلية أهل الجنة يتختمون به فيها، وأما في الدنيا فهو حرام على الرحال "قال من ورق" أي اتخذه من فضة، والورق بكسر الراء الفضة "ولا تتمه" بضم أوله وتشديد الميم المفتوحة نهى من الإنمام أي لا نكمله "مثقالاً" أي لا نكمل وزن الخاتم من الورق مثقالاً. قال ابن الملك تبعاً للمظهر: هذا نهى إرشاد إلى الورع، فإن الأولى أن يكون الخاتم أقل من مثقال لأنه أبعد من السرف. وذهب جمع من الشافعية إلى تحريم ما زاد على المثقال. لكن رجح الاَخرون الجواز، منهم الحافظ العراقي في شرح الترمذي، فإنه حمل النهي المذكور على التنزيه، قاله القاري "هذا حديث غريب" وأخرجه أبو داود والنسائي. قال الحافظ ابن حجر في

(5/484)


ـــــــ
الفتح: أخرجه أصحاب السنن وصححه ابن حبان وفي سنده أبو طيبة بفتح المهملة وسكون التحتانية بعدها موحدة اسمه عبد الله بن مسلم المروزي، قال أبو حاتم الرازي: يكتب ولا يحتج به. وقال ابن حبان في الثقات: يخطيء ويخالف، فإن كان محفوظاً حمل المنع على ما كان حديداً صرفاً. وقد قال التيفاشي في كتاب الأحجار: خاتم الفولاذ مطردة للشيطان إذا لوى عليه فضة، فهذا يؤيد المغايرة في الحكم انتهى كلام الحافظ. قال في عون المعبود شرح أبي داود: هذا الحديث مع ضعفه يعارض حديث أبي هريرة مرفوعاً بلفظ: "ولكن عليكم بالفضة فالعبوا بها" ، أخرجه أبو داود وإسناده صحيح، فإن هذا الحديث يدل على الرخصة في استعمال الفضة للرجال، وأن في تحريم الفضة على الرجال لم يثبت فيه شيء عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما جاءت الأخبار المتواترة في تحريم الذهب والحرير على الرجال فلا يحرم عليهم استعمال الفضة إلا بدليل ولم يثبت فيه دليل، وقال: قد استدل العلامة الشوكاني في رسالته الوشي المرقوم في تحريم حلية الذهب على العموم بهذا الحديث على إباحة استعمال الفضة للرجال بقوله صلى الله عليه وسلم: "عليكم بالفضة فالعبوا بها" ، وقال: إسناده صحيح ورواته محتج بهم. وأخرجه أحمد في مسنده من حديث أبي موسى الأشعري حدثنا عبد الصمد حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار حدثني أسيد بن أبي أسيد عن ابن أبي موسى عن أبيه أو عن ابن أبي قتادة عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من سره أن يحلق حبيبته حلقة من نار فليحلقها حلقة من ذهب، ومن سره أن يسور حبيبته سواراً من نار فليسورها سواراً من ذهب ولكن الفضة فالعبوا بها لعباً" انتهى، وحسن إسناده الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد وأخرجه الطبراني في الكبير والأوسط من حديث سهل بن سعد مرفوعاً بلفظ: "من أحب أن يسور ولده سواراً من نار فليسوره سواراً من ذهب ولكن الفضة فالبعوا بها كيف شئتم" . قال الهيثمي في مجمع الزوائد: في إسناده عبد الرحمن بن زيد بن أسلم وهو ضعيف انتهى.
قلت: في الاستدلال على إباحة استعمال الفضة للرجال بقوله صلى الله عليه وسلم: "ولكن عليكم بالفضة فالعبوا بها" عندي نظر، فإن المراد باللعب بالفضة التحلية بها للنساء من التحليق والتسوير بها لهن، وليس المراد به اللعب بها للرجال، يدل على ذلك صدر الحديث أعني قوله صلى الله عليه وسلم: "من سره أن يحلق حبيبته

(5/485)


ـــــــ
حلقه من نار فليحلقها حلقة من ذهب، ومن سره أن يسور حبيبته سواراً من نار فليسورها سواراً من ذهب، كما في رواية أحمد. ومعنى الحديث أن لا تحلقوا نساءكم حلقة من ذهب ولا تسوروهن سواراً من الذهب ولكن العبوا لهن بالفضة من التحليق والتسوير بها لهن، أو ما شئتم من التحلية بها لهن. هذا ما عندي والله تعالى أعلم

(5/486)


43ـ باب
1846ـ حدثنا ابنُ أبي عُمَرَ، حدثنا سُفْيَانُ عن عَاصِمِ بنِ كُلَيْبٍ عن ابنِ أبي مُوسَى قالَ: سَمِعْتُ عَلِيّا يَقُولُ: "نَهَانِي رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عَن القَسّيّ والمِيْثَرَةِ الْحَمْرَاءِ، وَأَنْ أَلْبَسَ خَاتَمِي في هَذِهِ وفي هَذِهِ، وَأشَارَ إلَى السّبّابَةِ والوُسْطَى".
ـــــــ
"باب"
قوله: "عن عاصم بن كليب" بن شهاب بن المجنون الجرمي الكوفي صدوق رمى بالإرجاء من الخامسة.
قوله: "نهاني رسول الله صلى الله عليه وسلم عن القسي" تقدم تفسير القسي في باب النهي عن القراءة في الركوع والسجود "والميثرة الحمراء" هي بكسر الميم وسكون التحتانية وفتح المثلثة بعدها راء ثم هاء ولا همز فيها وأصلها من الوثارة أو الوثرة بكسر الواو وسكون المثلثة، والوثير هو الفراش الوطيء وامرأة وثيرة كثيرة اللحم، وقد تقدم تفسير الميثرة في باب ركوب المياثر "وأن ألبس خاتمي في هذه وفي هذه وأشار إلى السبابة والوسطى" قال النووي: أجمع المسلمون على أن السنة جعل خاتم الرجل في الخنصر، وأما المرأة فإنها تتخذ خواتيم في أصابع، قالوا والحكمة في كونه في الخنصر أنه أبعد من الامتهان فيما تعاطي باليد لكونه طرفاً لأنه لا يشغل اليد عما تناولته من اشتغالها بخلاف غير الخنصر، ويكره للرجل جعله في الوسطى والتي تليها لهذا الحديث وهي كراهة تنزيه انتهى.

(5/486)


هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
وابنُ أبي مُوسَى هُوَ أبُو بُرْدَةَ بنُ أبِي مُوسَى واسْمُهُ عَامِر بن عبد الله بن قيس.
ـــــــ
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه مسلم

(5/487)


44ـ باب
1847ـ حدثنا محمدُ بنُ بَشّارٍ، حدثنا مُعَاذُ بنُ هِشَامٍ، حدثني أبي عن قَتَادَةَ عن أنَسٍ قال: "كانَ أَحَب الثّيَابِ إلى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم يَلْبَسُهَا الحِبرَةَ". هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ.
ـــــــ
"باب"
قوله: "كان أحب الثياب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبسها" وفي رواية البخاري: أن يلبسها بزيادة "أن" فقوله "يلبسها" في رواية الترمذي صفة لأحب أو الثياب وخرج به ما يفرشه ونحوه والضمير المنصوب للثياب أو لأحب والتأنيث باعتبار المضاف إليه، وأما قوله: "أن يلبسها" فقيل بدل من الثياب، وقال الطيبي: متعلق بأحب أي كان أحب الثياب لأجل اللبس "الحبرة" بالنصب على أنه خبر كان وأحب اسمه، ويجوز أن يكون بالعكس. والحبرة بكسر الحاء المهملة وفتح الموحدة بوزن عنبة نوع من برود اليمن بخطوط حمر وربما تكون بخضر أو زرق فقيل هي أشرف الثياب عندهم تصنع من القطن فلذا كان أحب، وقيل لكونها خضراء وهي من ثياب أهل الجنة، وقد ورد أنه كان أحب الألوان إليه الخضرة على ما رواه الطبراني في الأوسط وابن السني وأبو نعيم في الطلب قال: القرطبي: سميت حبرة لأنها تحبر أي تزين والتحبير التحسين، قيل ومنه قوله تعالى: {فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ} وقيل إنما كانت هي أحب الثياب إليه صلى الله عليه وسلم لأنه ليس فيه كثير زينة، ولأنها أكثر احتمالاً للوسخ. قال الجزري: وفيه دليل على استحباب لبس الحبرة وعلى جواز لبس المخطط. قال ميرك: وهو مجمع عليه.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح غريب" وأخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي

(5/487)