Contents

الواجهة
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد
مقدمة
باب الألف
باب الثاء
باب الجيم
باب الحاء
باب الخاء
باب الدال
باب الراء
باب الزاي
تابع باب الزاء
تابع لحرف الزاء
تابع لحرف الزاء
باب الطاء
باب الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع حرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
باب النون
باب الصاد
باب الضاد
باب العين
تابع لحرف العين
تابع حرف العين
تابع لحرف العين
تابع لحرف العين
باب القاف
باب السين
باب الشين
باب الهاء
باب الواو
باب الياء
تابع باب الياء
باب الكني
باب بلاغات مالك ومرسلاته
باب مافي هذا الديوان من حديث مالك الذي ثبتت عليه أبوابه خاصة
الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج
الديباج - جزء 1
الديباج - جزء 2
الديباج - جزء 3
الديباج - جزء 4
الديباج - جزء 5
الديباج - جزء 6
المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج
المنهاج - مقدمة
المنهاج - الإيمان
المنهاج - الطهارة
المنهاج - الحيض
المنهاج - الصَّلَاة
المنهاج - المساجد ومواضع الصلاة
المنهاج - صلاة المسافرين وقصرها
المنهاج - بَاب صَلَاة الْجُمُعَة
المنهاج - بَاب صَلَاة الْعِيدَيْنِ
المنهاج - بَاب الدُّعَاء فِي صَلَاة الِاسْتِسْقَاء
المنهاج - بَاب صَلَاة الْكُسُوف
المنهاج - كِتَاب الْجَنَائِز
المنهاج - الزكاة
المنهاج - كِتَاب الصِّيَام
المنهاج - كِتَاب الِاعْتِكَاف
المنهاج - كِتَاب الْحَجّ
المنهاج - كِتَاب النِّكَاح
المنهاج - الرضاعة
المنهاج - الطلاق
المنهاج - اللِّعَان
المنهاج - العتق
المنهاج - البيوع
المنهاج - المساقاة
المنهاج - الفرائض
المنهاج - الهبات
المنهاج - الوصية
المنهاج - النذر
المنهاج - الأيمان
المنهاج - القسامة
المنهاج - الحدود
المنهاج - الأقضية
المنهاج - اللقطة
المنهاج - الجهاد والسير
المنهاج - الإمارة
المنهاج - الصيد والذبائح
المنهاج - كِتَاب الْأَضْاحَي
المنهاج - الأشربة
المنهاج - اللباس والزينة
المنهاج - الآداب
المنهاج - السلام
المنهاج - الألفاظ من الأدب وغيرها
المنهاج - الشعر
المنهاج - الرؤيا
المنهاج - الفضائل
المنهاج - فضائل الصحابة
المنهاج - البر والصلة والآداب
المنهاج - القدر
المنهاج - العلم
المنهاج - الذكر والدعاء
المنهاج - التوبة
المنهاج - صفات المنافقين
المنهاج - صفة القيامة والجنة والنار
المنهاج - الجنة وصفة نعيمها وأهلها
المنهاج - الفتن وأشراط الساعة
المنهاج - الزهد والرقائق
المنهاج - التفسير
تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي
أبواب الطهارة
أبواب الصلاة
تابع أبواب الصلاة
أبواب الوتر
أبواب الجمعة
تابع لأبواب الجمعة
أبواب العيدين
أبواب السفر
ابواب الزكاة
أبواب الصوم
أبواب الحج
تابع أبواب الحج
أبواب الجنائز
أبواب النكاح
أبواب الرضاع
أبواب الطلاق واللعان
ابواب البيوع
أبواب الأحكام
أبواب الديات
ابواب الحدود
تابع أبواب الحدود
أبواب الصيد
أبواب الأضاحي
أبواب النذور والأيمان
أبواب السير
أبواب الجهاد
أبواب اللباس
أبواب الأطعمة
أبواب الأشربة
تابع أبواب الأشربة
أبواب البر و الصله عن رسول الله صلى الله عليه و آله سلم
أبواب الطب عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الفرائض عن الرسول صلى الله عليه و سلم
أبواب الوصايا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الولاء و الهبة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب القدر عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم
أبواب الفتن عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الرؤيا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الشهادات عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
تابع لأبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صِفَةُ القِيامَة
أبواب صفة الجنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صفة جهنم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإيمان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب العلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإستئذان والآداب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب العلم
أبواب الأمثال
أبواب فضائل القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب القراءات عن رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم
أبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الدعوات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أحاديث شتى من أبواب الدعوات
المناقب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
مناقب الصحابة رضوان الله عليهم
تنوير الحوالك شرح موطأ مالك
كتاب وقوت الصلاة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب السهو
كتاب الجمعة
كتاب الصلاة في رمضان
كتاب صلاة الليل
كتاب صلاة الجماعة
كتاب قصر الصلاة في السفر
كتاب العيدين
كتاب صلاة الخوف
كتاب صلاة الكسوف
كتاب الاستسقاء
كتاب القبلة
كتاب القرآن
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب الجهاد
كتاب النذور و الأيمان
كتاب الضحايا
كتاب الذبائح
كتاب الصيد
كتاب العقيقة
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الرضاع
كتاب البيوع
كتاب القراض
كتاب المساقاة - كتاب كراء الأرض
كتاب الشفعة - كتاب الأقضية
كتاب الوصية - كتاب العتق والولاء
كتاب المكاتب - كتاب المدبر
كتاب الحدود
كتاب الأشربة - كتاب العقول
كتاب القسامة - كتاب الجامع
كتاب القدر - كتاب حسن الخلق
كتاب اللباس - كتاب صفة النبي
كتاب العين - كتاب الشعر
كتاب الرؤيا - كتاب السلام
كتاب الاستئذان والتشميت والصور والتماثيل وغيرها
كتاب البيعة - كتاب الكلام والعينة والتقى
كتاب جهنم - كتاب الصدقة
كتاب العلم - كتاب دعوة المظلوم - كتاب أسماء النبي
حاشية السندي على سنن ابن ماجة
المقدمة
الطَّهَارَة وَسُنَنهَا
الصلاة
الْأَذَان
المساجد والجماعات
أَبْوَاب إِقَامَة الصَّلَاة
الجنائز
الصوم
الزكاة
النكاح
الطلاق
الكفارات
التجارات
الأحكام
الحدود
الديات
الوصايا
الْفَرَائِض
الجهاد
المناسك
الْأَضَاحِيّ
الذبائح
الصيد
الأطعمة
الأشربة
الطب
اللباس
الْآدَاب
الدُّعَاء
تعبير الرؤيا
الْفِتَن
الزُّهْد
شرح سنن ابن ماجه لمغلطاي
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح رياض الصالحين
شرح رياض الصالحين - 01
شرح رياض الصالحين - 02
شرح رياض الصالحين - 03
شرح رياض الصالحين - 04
شرح سنن أبي داود للعيني
مقدمة التحقيق
كتاب الطهارة
كِتابُ الصَلاَةِ
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
عون المعبود شرح سنن أبي داود
كتاب الطهارة
تابع كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
كتاب الزكاة
تابع لكتاب الزكاة
كتاب اللقطة
كتاب المناسك
تابع لكتاب المناسك
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الصيام
تابع لكتاب الصيام
أول كتاب الجهاد
أول كتاب الضحايا
تابع كتاب الضحايا
أول كتاب الصيد
أول كتاب الوصايا
أول كتاب الفرائض
أول كتاب الخراج والفيء والإمارة
أول كتاب الجنائز
تابع لكتاب الجنائز
كتاب الأيمان والنذور
كتاب البيوع
كتاب الإجارة
كتاب القضاء
تابع لكتاب القضاء
كتاب العلم
كتاب الأشربة
كتاب الأطعمة
كتاب الطب
كتاب الكهانة والتطير
كتاب العتق
أول كتاب الحروف والقراءات
أول كتاب الحمام
أول كتاب اللباس
أول كتاب الترجل
أول كتاب الخاتم
أول كتاب الفتن والملاحم
أول كتاب المهدي
أول كتاب الملاحم
أول كتاب الحدود
أول كتاب الديات
أول كتاب السنة
تابع لكتاب السنة
أول كتاب الأدب
أبواب السلام
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن حجر
فتح الباري - هدي الساري مقدمة فتح الباري
فتح الباري - كتاب بدء الوحي
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب العلم
فتح الباري - كتاب الوضوء
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
فتح الباري - كتاب مواقيت الصلاة
فتح الباري - كتاب الأذان
فتح الباري - كتاب الجمعة
فتح الباري - كتاب الخوف
فتح الباري - كتاب العيدين
فتح الباري - كتاب الوتر
فتح الباري - كتاب الاستسقاء
فتح الباري - كتاب الكسوف
فتح الباري - كتاب سجود القرآن
فتح الباري - كتاب تقصير الصلاة
فتح الباري - كتاب التهجد
فتح الباري - كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة
فتح الباري - كتاب العمل في الصلاة
فتح الباري - كتاب السهو
فتح الباري - كتاب الجنائز
فتح الباري - كتاب الزكاة
فتح الباري - كتاب الحج
فتح الباري - كتاب العمرة
فتح الباري - كتاب المحصر
فتح الباري - كتاب جزاء الصيد
فتح الباري - كتاب فضائل المدينة
فتح الباري - كتاب الصوم
فتح الباري - كتاب صلاة التراويح
فتح الباري - كتاب فضل ليلة القدر
فتح الباري - كتاب الإعتكاف
فتح الباري - كتاب البيوع
فتح الباري - كتاب السلم
فتح الباري - كتاب الشفعة
فتح الباري - كتاب الإجارة
فتح الباري - كتاب الحرث والمزارعة
فتح الباري - كتاب المساقاة
فتح الباري - كتاب الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس
فتح الباري - كتاب الخصومات
فتح الباري - كتاب اللقطة
فتح الباري - كتاب المظالم
فتح الباري - كتاب الشركة
فتح الباري - كتاب الرهن
فتح الباري - كتاب العتق
فتح الباري - كتاب المكاتب
فتح الباري - كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها
فتح الباري - كتاب الشهادات
فتح الباري - كتاب الصلح
فتح الباري - كتاب الشروط
فتح الباري - كتاب الوصايا
فتح الباري - كتاب الجهاد و السير
فتح الباري - كتاب فرض الخمس
فتح الباري - كتاب الجزية و الموادعة
فتح الباري - كتاب بدء الخلق
فتح الباري - كتاب أحاديث الأنبياء
فتح الباري - كتاب المناقب
فتح الباري - كتاب فضائل الصحابة
فتح الباري - كتاب مناقب الأنصار
فتح الباري - كتاب المغازي
فتح الباري - كتاب التفسير
فتح الباري - كتاب فضائل القرآن
فتح الباري - كتاب النكاح
فتح الباري - كتاب الطلاق
فتح الباري - كتاب النفقات
فتح الباري - كتاب الأطعمة
فتح الباري - كتاب العقيقة
فتح الباري - كتاب الذبائح والصيد
فتح الباري - كتاب الأضاحي
فتح الباري - كتاب الأشربة
فتح الباري - كتاب المرضى
فتح الباري - كتاب الطب
فتح الباري - كتاب اللباس
فتح الباري - كتاب الأدب
فتح الباري - كتاب الإستئذان
فتح الباري - كتاب الدعوات
فتح الباري - كتاب الرقاق
فتح الباري - كتاب القدر
فتح الباري - كتاب الأيمان والنذور
فتح الباري - كتاب كفارات الأيمان
فتح الباري - كتاب الفرائض
فتح الباري - كتاب الحدود
فتح الباري - كتاب الديات
فتح الباري - كتاب استتابة المرتدين
فتح الباري - كتاب الإكراه
فتح الباري - كتاب الحيل
فتح الباري - كتاب التعبير
فتح الباري - كتاب الفتن
فتح الباري - كتاب الأحكام
فتح الباري - كتاب التمني
فتح الباري - كتاب أخبار الأحاد
فتح الباري - كتاب الإعتصام بالسنة
فتح الباري - كتاب التوحيد
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن رجب
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
مقدمة
خطبة الكتاب
كتاب الإيمان
كتاب العلم
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصوم
كتاب فضائل القرآن
كتاب الدعوات
كتاب المناسك
كتاب البيوع
كتاب الفرائض والوصايا
كتاب النكاح
كتاب العتق
كتاب القصاص
كتاب الديات
كتاب الحدود
كتاب الإمارة والقضاء
كتاب الجهاد
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأطعمة
كتاب اللباس
كتاب الطب والرقى
كتاب الرؤيا
كتاب الآداب
كتاب الرقاق
كتاب الفتن
كتاب صفة القيامة والجنة والنار
كتاب الفضائل والشمائل
كتاب المناقب

 
عودة لموقع هاني الطنبور
هاني الطنبور
الصفحة السابقة الصفحة التالية
 
 

 

تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي

أبواب الأطعمة
باب ماجاء على ماكان يأكل النبي صلى الله عليه وسلم
...
أبواب الأطعمة
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
1ـ باب مَا جَاءَ عَلى مَا كانَ يَأْكلُ
النبي صلى الله عليه وسلم
1848ـ حدثنا محمدُ بنُ بَشّارٍ، حدثنا مُعَاذُ بنُ هِشَامٍ، حدثني أبي عن يُونُسَ عن قَتَادَةَ عن أَنَسٍ قال: "ما أَكَلَ رسول الله صلى الله عليه وسلم في خوَانٍ ولا في سُكُرّجَةٍ
ـــــــ
"أبواب الأطعمة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم"
"باب مَا جَاءَ عَلى مَا كانَ يَأْكلُ النبي صلى الله عليه وسلم"
قوله: "عن يونس" هو الإسكاف كما في رواية البخاري ووقع رواية ابن ماجه عن يونس بن أبي الفرات الإسكاف. قال الحافظ في الفتح: وهو بصري وثقه أحمد وابن معين وغيرهما. وقال ابن عدي: ليس بالمشهور. وقال ابن سعد: كان معروفاً وله أحاديث. وقال ابن حبان: لا يجوز أن يحتج به كذا قال، ومن وثقه أعرف بحاله من ابن حبان، والراوي عنه هشام هو الدستوائي وهو من المكثرين عن قتادة وكأنه لم يسمع منه هذا انتهى.
قوله: "على خوان" الخاء بكسر الخاء المعجمة وبضم أي مائدة. قال التوربشتي: الخوان الذي يؤكل عليه معرب، والأكل عليه لم يزل من دأب المترفين وصنيع الجبارين لئلا يفتقروا إلى التطاطؤ عند الأكل كذا في المرقاة. وقال العيني في العمدة: قوله على الخوان بسكر الخاء المعجمة وهو المشهور رجاء ضمها، وفيه لغة ثالثة إخوان بكسر الهمزة وسكون الخاء وهو معرب. قال الجوالقي: تكلمت

(5/488)


ولا خُبِرَ لَهُ مُرَقّقٌ: قال فَقُلْتُ لِقَتَادَةَ: فَعَلام مَا كانُوا يَأْكُلُونَ؟ قالَ: على هَذِهِ السفَرِ".
ـــــــ
به العرب قديماً. وقال ابن فارس: إنه اسم أعجمي. وعن ثعلب: سمي بذلك لأنه يتخون ما عليه أي ينتقص. وقال عياض: إنه المائدة ما لم يكن عليه طعام ويجمع على أخونه في القلة وخوون بالضم في الكثرة. قال العيني: ليس فيما ذكر كله بيان هيئة الخوان وهو طيق كبير من نحاس تحته كرسي من نحاس ملزوق به طوله قدر ذراع يرص فيه الزباد ويوضع بين يدي كبير من المترفين ولا يحمله إلا اثنان فما فوقهما انتهى "ولا سكرجة" بضم السين والكاف والراء والتشديد إناء صغير يؤكل فيه الشيء القليل من الأدم وهي فارسية، وأكثر ما يوضع فيه الكوامخ ونحوها كذا في النهاية. قيل والعجم كانت تستعملها في الكواميخ وما أشبهها من الجوارشات يعني المخللات على الموائد حول الأطعمة للتشهي والهضم، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم لم يأكل على هذه الصفة قط. قال العراقي في شرح الترمذي: تركه الأكل في السكرجة إما لكونها لم تكن تصنع عندهم إذ ذاك أو استصغاراً لها لأن عادتهم للاجتماع على الأكل أو لأنها كانت تعد لوضع الأشياء التي تعين على الهضم ولم يكونوا غالباً يشبعون فلم يكن لهم حاجة بالهضم انتهى.
"ولا خبز" ماض مجهول "له" أي لأجله "مرقق" قال القاضي عياض: أي ملين محسن كخبز الحوارى وشبهه، والترقيق التليين ولم يكن عندهم مناخل، وقد يكون المرقق الرقيق الموسع انتهى. قال الحافظ: هذا هو متعارف، وبه جزم ابن الأثير قال: الرقاق الرقيق مثل طوال طويل وهو الرغيف الواسع الرقيق. وقال ابن الجوزي: هو الخفيف كأنه مأخوذ من الراقاق وهي الخشبة التي يرقق بها انتهى "نقلت" القائل هو يونس "فعلى ما" وكذا في أكثر نسخ البخاري، وفي بعضها فعلام بميم مفردة أي فعلى أي شيء.
واعلم أن حرف الجر إذا دخل على ما الاستفهامية حذف الألف لكثرة الاستعمال لكن قد ترد في الاستعمالات القليلة على الأصل نحو قول حسان: على ما قال يشتمني لئيم.

(5/489)


هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ. قالَ محمدُ بنُ بَشّارٍ: يُونُسُ هَذَا هُوَ يُونُسُ الإسْكَافُ. وقد روى عَبْدُ الوَارِثِ بن سعيد عن سَعِيدِ بنِ أبي عَرُوبَةَ عن قَتَادَةَ عن أنَسٍ عن النبي صلى الله عليه وسلم نَحْوَهُ.
ـــــــ
ثم اعلم أنه إذا اتصل الجار بما الاستفهامية المحذوفة الألف نحو حتام وعلام كتب معها بالألف لشدة الاتصال بالحروف "قال" أي قتادة "على هذه السفر" بضم ففتح جمع سفرة، في النهاية: السفرة الطعام يتخذه المسافر وأكثر ما يحمل في جلد مستدير فنقل اسم الطعام إلى الجلد وسمي بت كما سميت المزادة رواية وغيره ذلك من الأسماء المنقولة انتهى. ثم اشتهرت لما يوضع عليه الطعام جلداً كان أو غيره ما عدا المائدة لما مر من أنه شعار المتكبرين غالباً.
قوله: "هذا حديث حسن غريب" وأخرجه البخاري في الأطعمة والنسائي في الرقائق والوليمة وابن ماجه في الأطعمة

(5/490)


باب ماجاء في أكل الأرنب
...
2ـ باب ما جاءَ في أَكْلِ الأَرْنَب
1849ـ حدثنا محمودُ بنُ غَيْلاَنَ، حدثنا أبُو دَاوُدَ، أخبرنا شُعْبَةُ عن هِشَامِ بنِ زَيْدٍ قالَ سَمِعْتُ أنَساً يَقُولُ: "أَنْفَجْنَا أَرْنَباً بِمَرّ الظّهْرَانِ فَسَعَى
ـــــــ
"باب ما جاءَ في أَكْلِ الأَرْنَب"
قال الحافظ في الفتح: هو دويبة معروفة تشبه العناق لكن في رجليها طول يخلان بها، والأرنب اسم جنس للذكر والأرنب اسم جنس للذكر والأنثى، ويقال للذكر أيضاً الخزز وزن عمر بمعجمات وللأنثى عكرشة وللصغير خرنق هذا هو المشهور. وقال الجاحظ: لا يقال أرنب إلا للأنثى، ويقال إن الأرنب شديدة الجبن كثيرة الشبق وأنها تكون سنة ذكراً وسنة أنثى وأنها تحيض ويقال إنها تنام مفتوحة العين انتهى. ويقال للأرنب بالفارسية خركوش
قوله: "عن هشام بن زيد" بن أنس بن مالك الأنصاري ثقة من الخامسة.
قوله: "أنفجنا أرنباً" بفاء مفتوحة وجيم ساكنة أي أثرنا، يقال نفج الأرنب

(5/490)


أصحابُ النبي صلى الله عليه وسلم خلْفَهَا، فَأَدْرَكْتُهَا فَأَخَذْتُهَا، فَأَتَيْتُ بِهَا أبَا طَلْحَةَ فَذَبَحَهَا بِمَرْوَةٍ فَبَعَثَ مَعِي بِفَخِذِهَا أوْ بِوَرِكِهَا إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فَأَكَلَهُ، قال قُلْتُ أكَلَهُ؟ قالَ قَبِلَهُ".
وفي البابِ عَنْ جَابِرٍ وعمّار ومحمدِ بنِ صَفْوَانَ. ويُقَالُ محمدُ بنُ صَيْفِي.
ـــــــ
إذا ثار وعدا وانتفج كذلك وأنفجته إذا أثرته من موضعه، ويقال إن الانتفاج الاقشعرار، فكأن المعنى جعلناها بطلبنا لها تنتفج، والإنتفاع أيضاً ارتفاع الشعر وانتفاشه "بمر الظهران" مر بفتح الميم وتشديد الراء والظهران بفتح المعجمة بلفظ تثنية اسم موضع على مرحلة من مكة، وقد يسمى بإحدى الكلمتين تخفيفاً وهو المكان الذي تسميه عوام المصريين بطن مرو، والصواب مر بتشديد الراء "فذبحها بمروة" بفتح ميم وسكون راء حجر أبيض ويجعل منه كالسكين "فبعث معي بفخذها أو بوركها" هو شك من الراوي والورك بالفتح والكسر وككتف ما فوق الفخذ مؤنثة كذا في القاموس "فأكله فقلت أكله، قال قبله" قال الطيبي. الضمير راجع إلى المبعوث أو بمعنى اسم الإشارة أي ذاك انتهى. وحاصله أنه راجع إلى المذكور، وهذا الترديد لهشام بن زيد وقف جده أنساً على قوله أكله فكأنه توقف في الجزم به وجزم بالقبول. وقد أخرج الدارقطني من حديث عائشة: أهدى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أرنب وأنا نائمة فخبأ لي منها العجز فلما قمت أطعمني، وهذا الوصح لأشغر بأنه أكل منها لكن سنده ضعيف. ووقع في الهداية للحنفية أن النبي صلى الله عليه وسلم أكل من أرنب حين أهدي إليه مشوياً وأمر أصحابه بالأكل منه، وكأنه تلقاه من حديثين فأوله من حديث الباب وقال ظهر ما فيه، والآخر من حديث أخرجه النسائي من طريق موسى بن طلحة عن أبي هريرة: جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم بأرنب قد شواها فوضعها بين يديه فأمسك وأمر أصحابه أن يأكلوا، ورجاله ثقات إلا أنه اختلف فيه على موسى ابن طلحة اختلافاً كثيراً.
قوله: "وفي الباب عن جابر وعمار ومحمد بن صفوان ويقال محمد بن صيفي" أما حديث جابر فأخرجه الترمذي في باب الذبح بالمروة وأخرجه أيضاً ابن حبان

(5/491)


وهذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. والعملُ على هذَا عِنْدَ أكْثَرِ أهْلِ الْعِلْمِ لا يَرَوْنَ بَأَكْلِ اْلأَرْنَبِ بَأْساً. وقد كَرِهَ بَعْضُ أهلِ الْعِلْمِ أكْلَ الأَرْنَبِ وقالُوا: إنّهَا تُدْمى.
ـــــــ
والبيهقي، وأما حديث عمار فلينظر من أخرجه، وأما حديث محمد بن صفوان فأخرجه أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وابن حبان والحاكم عنه أنه صاد أرنبين فذبحهما بمروتين فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمره بأكلهما، كذا في المنتقى والنيل. وقال الحافظ في التلخيص بعد ذكر حديث محمد بن صفوان هذا: وفي رواية محمد بن صيفي، قال الدارقطني: من قال محمد بن صيفي فقد وهم.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" أخرجه الجماعة كما في المنتقى.
قوله: "والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم لا يرون بأكل الأرنب بأساً" قال النووي في شرح مسلم: أكل الأرنب حلال عند مالك وأبي حنيفة والشافعي وأحمد والعلماء كافة إلا ما حكى عن عبد الله بن عمرو بن العاص وابن أبي ليلى أنهما كرهاها، دليل الجمهور هذا الحديث يعني حديث الباب مع أحاديث مثله ولم يثبت في النهي عنها شيء انتهى "وقد كره بعض أهل العلم الخ" كعبد الله بن عمرو من الصحابة وعكرمة من التابعين ومحمد بن أبي ليلى من الفقهاء واحتجوا بحديث خزيمة بن جزء: قلت يا رسول الله ما تقول في الأرنب؟ قال "لا آكله ولا أحرمه" ، قلت: فإن آكل ما لا تحرمه ولم يا رسول الله؟ قال: "نبئت أنها تدمي" . قال الحافظ: وسنده ضعيف، ولو صح لم يكن فيه دلالة على الكراهة وله شاهد عن عبد الله بن عمرو بلفظ: جيء بها إلى النبي صلى الله عليه وسلم فلم يأكلها ولم ينه عنها وزعم أنها تحيض، أخرجه أبو داود وله شواهد عن عمر عند إسحاق بن راهويه في مسنده انتهى.
قلت: حديث عبد الله بن عمرو في سنده خالد بن الحويرث، قال الحافظ في تهذيب التهذيب في ترجمته: قال عثمان بن سعيد الدارمي سألت يحيى بن معين عنه فقال لا أعرفه. وقال ابن عدي: إذا كان يحيى لا يعرفه فلا يكون له شهرة ولا يعرف،

(5/492)


ـــــــ
وذكره ابن حبان في الثقات انتهى. وفي سنده أيضاً محمد ابنه وهو مستور كما صرح بت الحافظ في التقريب وتهذيب التهذيب. وأما حديث عمر فقال الحافظ في باب الضب بعد ذكره سنده: حسن

(5/493)


باب ماجاء في أكل الضب
...
3ـ باب ما جاءَ في أكْلِ الضّب
1850ـ حدثنا قُتَيْبَةُ، حدثنا مَالِكُ بنُ أَنَسٍ عن عَبْدِ الله بنِ دِينَارٍ عن ابنِ عُمَرَ "أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم سُئِلَ عن أكْلِ الضّبّ، فقالَ: "لاَ آكُلُهُ ولاَ أُحَرّمُهُ" .
ـــــــ
"باب في أكْلِ الضّب"
قال الحافظ: هو دويبة تشبه الجرذون لكنه أكبر منه ويكنى أبا حسل ويقال للأنثى ضبة، ويقال إن لأصل ذكر الضب فرعين، ولهذا يقال له ذكران، وذكر ابن خالويه أن الضب يعيش سبعمائة سنة وأنه لا يشرب الماء ويبول في كل أربعين يوماً قطرة ولا يسقط له سن، ويقال بل أسنانه قطعة واحدة. وحكى غيره أن أكل لحمه يذهب العطش، ومن الأمثال لا أفعل كذا حتى يرد الضب، بقوله من أراد أن لا يفعل الشيء لأن الضب لا يرد بل يكتفي بالنسيم وبرد الهواء ولا يخرج من جحره في الشتاء انتهى. ويقال له بالفارسية سوسمار وبالهندية كوه
قوله: "لا آكله ولا أحرمه" فيه جواز أكل الضب. قال النووي: أجمع المسلمون على أن أكل الضب حلال ليس بمكروه إلا ما حكي عن أصحاب أبي حنيفة من كراهته، وإلا ما حكاه القاضي عياض عن قوم أنهم قالوا هو حرام، وما أظنه يصح عند أحد. وإن صح عن أحد فمحجوج بالنصوص وإجماع من قبله انتهى.
فإن قلت: لما لم يكن الضب حراماً فما سبب عدم أكله صلى الله عليه وسلم:
قلت: روى البخاري في صحيحه عن عبد الله بن عباس عن خالد بن الوليد: أنه دخل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بيت ميمونة فأتى بضب محنوذ فأهوى

(5/493)


قال وفي البابِ عن عُمَرَ وأبي سَعِيدٍ وابنِ عَبّاسٍ وثَابِتِ بنِ وَدِيعَة وجَابِرٍ وَعَبْدِ الرحمنِ بنِ حَسَنَةَ.
ـــــــ
إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده، فقال بعض النسوة أخبروا رسول الله صلى الله عليه وسلم بما يريد أن يأكل، فقالوا: هو ضب يا رسول الله، فرفع يده، فقلت: أحرام هو يا رسول الله؟ قال: "لا ولكن لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه" ، قال خالد: فاجتررته فأكلته ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر. قال الحافظ قوله: فأجدني أعافه أي أكره أكله. ووقع في رواية سعيد بن جبير: فتركهن النبي صلى الله عليه وسلم كالمتقذر لهن، ولو كن حراماً لما أكلن على مائدة النبي صلى الله عليه وسلم ولما أمر بأكلهن، كذا أطلق الأمر، وكأنه تلقاه من الإذن المستفاد من التقرير، فإنه لم يقع في شيء من طرق حديث ابن عباس بصيغة الأمر إلا في رواية يزيد بن الأصم عند مسلم فإنها فيها: فقال لهم كلوا، فأكل الفضل وخالد والمرأة، وكذا في رواته الشعبي عن ابن عمر: فقال النبي صلى الله عليه وسلم "كلوا وأطعموا فإنه حلال أو قال لا بأس به ولكنه ليس طعامي" . وفي هذا كله بيان سبب ترك النبي صلى الله عليه وسلم وأنه بسبب أنه ما اعتاده. وقد ورد لذلك سبب آخر أخرجه مالك من مرسل سليمان بن يسار فذكر معنى حديث ابن عباس وفي آخره: فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " كلا" ، يعني لخالد وابن عباس "فإنني يحضرني من الله حاضرة" . قال المازري: يعني الملائكة، وكان للحم الضب ريحاً فترك أكله لأجل ريحه كما ترك أكل الثوم مع كونه حلالاً. قال الحافظ: وهذا إن صح يمكن ضمه إلى الأول ويكون لتركه الأكل من الضب سبيان انتهى.
قوله: "وفي الباب عن عمر وأبي سعيد وابن عباس وثابت بن وديعه وجابر وعبد الرحمن بن حسنة" أما حديث عمر فأخرجه مسلم وابن ماجه عن جابر أن عمر بن الخطاب قال في الضب إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يحرمه، وأن عمر قال إن الله لينفع به غير واحد، وإنما طعام عامة الرعاء منه، ولو كان عندي طعمته. وأما حديث أبي سعيد فأخرجه أحمد ومسلم وابن ماجه عنه قال رجل يا رسول الله إنا بأرض مضبة فما تأمرنا؟ قال: ذكر لي أن أمة من بني إسرائيل مسحت فلم يأمر ولم ينه. وأما حديث ابن عباس فأخرجه الشيخان عنه قال:

(5/494)


هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
وقد اختلَفَ أهْلُ العِلْمِ في أكْلِ الضّبّ، فَرَخّصَ فيهِ بَعْضُ أهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النبيّ صلى الله عليه وسلم وغَيْرِهِمْ وكَرِهَهُ بَعْضُهُمْ. ويُرْوَى
ـــــــ
أهدت خالتي أم حفيد إلى النبي صلى الله عليه وسلم أقطاً وسمناً وأضباً،. فأكل من الأقط والسمن وترك الأضب تقذراً. قال ابن عباس: فأكل على مائدته، ولو كان حراماً لما أكل على مائدة رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا في نصب الراية. وأما حديث ثابت بن وديعة فأخرجه أبو داود والنسائي عنه قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جيش فأصبنا ضباباً قال فشويت منها ضباً فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فوضعته بين يديه، قال فأخذ عوداً فعد به أصابعه ثم قال: "إن أمة من بني إسرائيل مسخت دواباً في الأرض وإني لا أدري أي الدواب هي" ، قال: فلم يأكل ولم ينه. قال الحافظ: وسنده صحيح. وأما حديث جابر فأخرجه مسلم عنه قال: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بضب فأبى أن يأكل منه وقال "لا أدري لعله من القرون التي مسخت" . وروى ابن ماجه عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحرم الضب ولكن قذره وإنه طعام عامة الرعاء وإن الله عز وجل لينفع به غير واحد ولو كان عندي لأكلته. وأما حديث عبد الرحمن بن حسنة فأخرجه أحمد وأبو داود وابن حبان والطحاوي عنه قال: نزلنا أرضاً كثيرة الضباب الحديث وفيه أنهم طبخوا منها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن أمة من بني إسرائيل مسخت دواب في الأرض فأخشى أن تكون هذه فاكفئوها" . قال الحافظ: وسنده على شرط الشيخين إلا الضحاك فلم يخرجا له انتهى.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان "وقد اختلف أهل العلم في أكل الضب فرخص فيه بعض أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم" وهو قول الجمهور، وهو الراجح المعول عليه. وقد استدلوا على ذلك بأحاديث تدل على إباحة أكله، فمنها حديث ابن عمر المذكور في الباب، ومنها أحاديث ابن عباس وعمر وجابر التي أشار إليها الترمذي وذكرنا ألفاظها، ومنها حديث خالد بن الوليد وقد تقدم لفظه، ومنها حديث ابن عمر أخرجه البخاري

(5/495)


عن ابنِ عَبّاسٍ أنّهُ قالَ: "أُكِلَ الضبّ على مَائِدَةِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، وإنّمَا تَرَكَهُ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم تَقَذّراً".
ـــــــ
ومسلم عنه قال: كان ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فيه سعد فذهبوا يأكلون من لحم، فنادتهم امرأة من بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنه لحم ضب فأمسكوا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كلوا واطعموا فإنه حلال" ، أو قال "لا بأس به ولكنه ليس من طعامي" ، كذا في نصب الراية.
ومنها حديث يزيد بن الأصم أخرجه مسلم والطحاوي عنه قال: دعانا عروس بالمدينة فقرب إلينا ثلاثة عشر ضباً فآكل وتارك، فلقيت ابن عباس من الغد فأخبرته فأكثر القوم حوله حتى قال بعضهم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا آكله ولا أنهى عنه ولا أحرمه" ، فقال ابن عباس: بئسما قلتم ما بعث نبي الله صلى الله عليه وسلم إلا محللاً ومحرماً، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بينما هو عند ميمونة وعنده الفضل بن عباس وخالد بن الوليد وامرأة أخرى إذ قرب إليهم خوان عليه لحم، فلما أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يأكل قالت له ميمونة إنه لحم ضب فكيف يده وقال: "هذا لحم لم آكله قط وقال لهم كلوا" ، فأكل منه الفضل وخالد بن الوليد والمرأة، وقالت ميمونة لا آكل من شيء إلا شيء يأكل منه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ومنها حديث سليمان بن يسار المرسل وقد تقدم.
ومنها حديث أبي هريرة أخرجه الطحاوي عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى بصحفة فيها ضباب، فقال كلوا فإني عائفه.
ومنها حديث خزيمة بن جزء أخرجه ابن ماجه قال: قلت: يا رسول الله جئتك لأسألك عن أحناش الأرض ما تقول في الضب؟ قال لا آكله ولا أحرمه، قال: قلت فإني آكل مما لم تحرم، ولم يا رسول الله؟ قال: فقدت أمة من الأمم ورأيت خلقاً رابني "وكرهه بعضهم" قال الطحاوي في شرح الآثار: وقد كره قوم أكل الضب منهم أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد رحمة الله عليهم أجمعين. واحتج لهم محمد بن الحسن بحديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم أهدى له ضب

(5/496)


ـــــــ
فلم يأكله، فقام عليهم سائل فأرادت عائشة رضي الله عنها أن تعطيه، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: "أتعطيه ما لا تأكلين" ؟ قال محمد: فقد دل ذلك على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كره لنفسه ولغيره أكل الضب، قال فبذلك نأخذ.
قال الطحاوي: ما في هذا دليل على الكراهة، قد يجوز أن يكون كره لها أن تطعمه السائل لأنها إنما فعلت ذلك من أجل أنها عافته ولولا أنها عافته لما أطعمته إياه، وكان ما تطعمه السائل فإنما هو لله تعالى، فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن لا يكون ما يتقرب به إلى الله عز وجل إلا من خير الطعام، كما قد نهى أن يتصدق بالبسر الرديء والتمر الرديء. قال فلهذا المعنى الذي كره رسول الله صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله تعالى عنها الصدقة بالضب لا لأن أكله حرام انتهى.
واستدل لهم أيضاً بحديث ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وددت أن عندي خبرة بيضاء من برة سمراء ملبقة بسمن ولبن" ، فقام رجل من القوم فاتخذه فجاء به، فقال: "في أي شيء كان هذا" ؟ قال: في عكة ضب، قال: "ارفعه" ، أخرجه أبو داود وابن ماجه.
وأجيب عنه بأن أبا داود قال بعد روايته: هذا حديث منكر على أنه ليس في هذا الحديث دلالة على تحريم أكل الضب أو على كراهته. قال الطيبي: إنما أمر برفعه لتنفر طبعه عن الضب لأنه لم يكن بأرض قومه، كما دل عليه حديث خالد، لا لنجاسة جلده وإلا لأمره بطرحه ونهاه عن تناوله.
واستدل لهم أيضاً بحديث عبد الرحمن بن حسنة نزلنا أرضاً كثيرة الضباب الحديث، وفيه أنهم طبخوا منها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن أمة من بني إسرائيل مسخت دواب في الأرض فأخشى أن تكون هذه فأفئوها" ، وبحديث عبد الرحمن بن شبل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن أكل لحم الضب. أخرجه أبو داود.
وأجيب عن ذلك بأن علة الأمر بالإكفاء والنهي عن الأكل إنما هي خشيته صلى الله عليه وسلم أن تكون الضباب من الأمة الممسوخة وعدم علمه بأن الأمة الممسوخة لا يكون لها نسل ولا عقب، فلما علم صلى الله عليه وسلم أن الله عز وجل لم يهلك قوماً أو يمسخ قوماً فيجعل لهم نسلاً ولا عاقبة ارتفعت العلة، ومن

(5/497)


ـــــــ
المعلوم أنه إذا ارتفعت العلة يرتفع المعلول، على أن هذين الحديثين لا يقاومان الأحاديث الصحيحة المتقدمة التي تدل صراحة على إباحة أكل الضب. وقال الحافظ في الفتح بعد ذكر هذين الحديثين والأحاديث الماضية وإن دلت على الحل تصريحاً وتلويحاً نصاً وتقريراً فالجمع بينها وبين هذا حمل النهي فيه على أول الحال عند تجويز أن يكون مما مسخ وحينئذ أمر بإكفاء القدور ثم توقف فلم يأمر به ولم ينه عنه، وحمل الإذن فيه على ثاني الحال لما علم أن الممسوخ لا نسل له، ثم بعد ذلك كان يستقذره فلا يأكله ولا يحرمه وأكل على مائدته، فدل على الإباحة وتكون الكراهة للتنزيه في حق من يتقذره. وتحمل الإباحة على من لا يتقذره ولا يلزم، من ذلك أنه يكره مطلقاً انتهى "ويروى عن ابن عباس أنه قال: أكل الضب الخ" رواه البخاري ومسلم وتقدم لفظه

(5/498)


باب ماجاء في أكل الضبع
...
4ـ باب ما جَاءَ في أكْلِ الضّبُع
1851 ـ حدثنا أحمدُ بنُ مَنِيعٍ، حدثنا إسماعيلُ بنُ إبراهيمَ، أخبرنا ابنُ جُرَيْجٍ عن عَبْدِ الله بنِ عُبَيْدِ بنِ عُمَيْرٍ عن ابنِ أبي عَمّارٍ، قالَ: قُلْتُ
ـــــــ
"باب ما جَاءَ في أكْلِ الضّبُع"
بفتح الضاد المعجمة وضم الباء الموحدة: حيوان معروف يقال له بالفارسية كفتار وبالهندية بجو بكسر الجيم الموحدة وضم الجيم المشددة كما في نفائس اللغات ومخزن الأدوية وغيرهما، وقيل هو بالهندية هندار كما في غياث اللغات والأول هو الظاهر لأن الضبع معروف بنبش القبور، والحيوان الذي يقال له بالهندية هندار لم يعرف بنبش القبور قال في النيل: ومن عجب أمره أنه يكون سنة ذكراً وسنة أنثى فيلقح في حال الذكورة ويلد في حال الأنوثة وهو مولع بنبش القبور لشهوته للحوم بني آدم انتهى.
قوله: "عن عبد الله بن عبيد" بالتصغير "بن عمير بالتصغير أيضاً الليثي المكي ثقة من الثالثة، استشهد غازياً سنة ثلاث عشرة ومائة "عن ابن أبي عمار" هو عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي عمار بفتح العين وتشديد الميم المكي حليف بني جميع الملقب بالقس ثقة عابد من الثالثة.

(5/498)


لِجَابِرٍ: "الضّبُعُ صَيْدٌ هِيَ؟ قالَ: نَعَمْ، قال قُلْتُ آكُلُهَا؟ قالَ نَعَمْ، قال قلت: أقَالَهُ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم؟ قالَ: نَعَمْ".
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
وقد ذَهَبَ بَعْضُ أهلِ الْعِلْمِ إلى هذا وَلَمْ يَرَوْا بِأَكْلِ الضّبُعِ بَأْساً، وهُوَ قَوْلُ أحمدَ وإسحاقَ. ورُوِيَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم حَدِيثٌ في كَرَاهِيَةِ أكْلِ الضّبُعِ وَلَيْسَ إسْنَادُهُ بالْقَوِيّ. وقد كَرِهَ بَعْضُ أهلِ الْعِلْمِ أكْلَ الضّبُعِ، وهُوَ قَوْلُ ابنِ المُبَارَكِ. قال يَحْيَى بن القَطّانِ: وَرَوَى جَرِيرُ بنُ حَازِمٍ هذا الحدِيثَ عن عَبْدِ الله بنِ عُبَيْدِ بنِ عُمَيْرٍ عن ابنِ أبي عَمّارٍ عن جَابِرٍ عن عُمَرَ قَوْلَهُ. وحَدِيثُ ابنِ جُرَيْجٍ أصَحّ.
ـــــــ
قوله: "الضبع أصيد هي قال نعم" زاد في رواية أبي داود ويجعل فيه كبش إذا صاده المحرم "قلت آكلها" بصيغة المتكلم "قال نعم" فيه دليل على أن الضبع حلال وبه قال الشافعي وأحمد.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" أخرجه النسائي والشعبي وابن ماجه وابن حبان في صحيحه والبيهقي وقال الترمذي في علله: قال البخاري حديث صحيح انتهى. وقال الحافظ في التلخيص: وصححه البخاري والترمذي وابن حبان وابن خزيمة والبيهقي، وأعله ابن عبد البر بعبد الرحمن بن أبي عمار فوهم لأنه وثقه أبو زراعة والنسائي ولم يتكلم فيه أحد ثم إنه لم ينفرد به انتهى وقد ذهب بعض أهل العلم إلى هذا ولم يروا بأساً بأكل الضبع "وهو قول أحمد وإسحاق" وهو قول الشافعي، قال الشافعي: ما زال الناس يأكلونها ويبيعونها بين الصفا والمروة من غير نكير، ولأن العرب تسطييه وتمدحه انتهى "وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث في كراهية أكل الضبع الخ" وهو حديث خزيمة بن جزء الآتي بعد هذا "وقد كره بعض أهل العلم أكل الضبع وهو قول ابن المبارك" وهو قول أبي حنيفة ومالك، واستدل لهم بحديث خزيمة من جزء، وهو حديث ضعيف لا يصح

(5/499)


1852ـ حدثنا هَنّادٌ، حدثنا أبو مُعَاوِيَةَ عن إسماعيلَ بنِ مُسْلِمٍ عن عَبْدِ الكَرِيمِ بن أبي المخارق أبي أُمَيّةَ عن حِبّانَ بنِ جَزْء عن أخِيهِ خُزَيْمَةَ بنِ جَزْءٍ
ـــــــ
الاحتجاج به كما ستقف عليه. واستدل لهم أيضاً بأنها سبع، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كل ذي ناب من السباع، ويجاب بأن حديث الباب خاص فيقدم على حديث كل ذي ناب. قال الخطابي في المعالم: وقد اختلف الناس في أكل الضبع. فروى عن سعد بن أبي وقاص أنه كان يأكل الضبع، وروى عن ابن عباس إباحة لحم الضبع، وأباح أكلها عطاء والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور، وكرهه الثوري وأصحاب الرأي ومالك وروي ذلك عن سعيد بن المسيب واحتجوا بأنها سبع وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكل كل ذي ناب من السباع. قال الخطابي: وقد يقوم دليل الخصوص فينزع الشيء من الجملة، وخبر جابر خاص وخبر تحريم السباع عام انتهى. وقال ابن رسلان: وقد قيل من الضبع ليس لها ناب وسمعت من يذكر أن جميع أسنانها عظم واحد كصفيحة نعل الفرس فعلى هذا لا يدخل في عموم النهي انتهى "وحديث ابن جريج" أي المرفوع المذكور في الباب "أصح" فإن ابن جريج قد تابعه على رفعه إسماعيل بن أمية عند ابن ماجه، وأما جرير بن حازم فلم يتابعه أحد على وقفه.
قوله: "حدثنا أبو معاوية" اسمه محمد بن خاذم الضرير الكوفي "عن إسماعيل بن مسلم" هو المكي أبو إسحاق البصري "عن حبان" بكسر الحاء المهملة "بن جزء" بفتح الجيم بعدها زاي ثم همزة صدوق من الثالثة قاله في التقريب وقال في تهذيب التهذيب في ترجمته أخرج له الترمذي وابن ماجه حديثاً واحداً في السؤال عن الضب والأرنب والضبع والذئب وضعف إسناده الترمذي انتهى "عن أخيه خزيمة بن جزء" صحابي لم يصح الإسناد إليه قاله في التقريب. قاتل في تهذيب التهذيب في ترجمته: روى عن النبي صلى الله عليه وسلم وعنه أخواه خالد وحبان. قال أبو منصور البارودي لم يثبت حديثه لأنه من حديث عبد الكريم أبي أمية. وقال البخاري في التاريخ لما ذكر حديثه في الحشرات: فيه نظر. وقال البغوي: ولا أعلم له غيره. وقال الأزدي لا يحفظ. روى عنه إلا "حبان" ولا يحفظ له غير هذا الحديث، قال وفي إسناده نظر انتهى.

(5/500)


قالَ "سألَتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم عن أكْلِ الضّبُع قال: "أو يَأْكُلُ الضّبُعَ أحَد" ٌ؟ وسَأَلْتُهُ عَنْ الذّئْبِ ققال: "أو يَأْكُلُ الذّئْبَ أحَدٌ فيهِ خَيْر ٌ " ؟".
هذا حديثٌ لَيْسَ إسْنَادُهُ بالقَوِيّ لاَ نَعْرِفُهُ إلاّ مِنْ حَدِيثِ إسماعيلَ بنِ مُسْلِمٍ عن عَبْدِ الكَرِيمِ أبي أُمَيّةَ، وقد تكلم بعض أهل الحديث في إسماعيل وعبد الكريم أبي أمية وهُوَ عَبْدُ الكَرِيمِ بنُ قَيْسٍ بنُ أبي المُخَارِقِ، وَعَبْدُ الكَرِيمِ بنُ مَالِكٍ الْجَزَرِيّ ثِقَةٌ.
ـــــــ
قوله: "سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكل الضبع فقال: ويأكل الضبع أحد؟" بتقدير همزة الاستفهام الإنكاري، وفي المشكاة: أو يأكل الضبع أحد؟ في رواية ابن ماجه ومن يأكل الضبع "وسألته عن أكل الذئب" بالهمز ويبدل "ويأكل" وفي المشكاة أو يأكل أي أجهلت حكمه ويأكل "الذئب أحد فيه خبر" أي صلاح وتقوى، صفة أحد واستدل بهذا الحديث من قال بحرمته الضبع، والحديث ضعيف لا يصلح للاحتجاج.
قوله: "هذا حديث ليس إسناده بالقوي لا نعرفه إلا من حديث إسماعيل بن مسلم عن عبد الكريم أبي أمية، وقد تكلم بعض أهل الحديث في إسماعيل وعبد الكريم أبي أمية" قال الزيلعي في نصب الراية بعد نقل كلام الترمذي هذا، وضعفه ابن حزم بأن إسماعيل بن مسلم ضعيف وابن المخارق ساقط وحبان بن جزء مجهول انتهى. وقال الحافظ في التقريب: إسماعيل بن مسلم المكي أبو إسحاق ضعيف الحديث وقال في التلخيص: وأما ما رواه الترمذي من حديث خزيمة بن جزء قال: أيأكل الضبع أحد فضعيف لاتفاقهم على ضعف عبد الكريم أبي أمية والراوي عنه إسماعيل بن مسلم انتهى "وهو عبد الكريم بن قيس هو بن أبي المخارق" قال في التقريب: عبد الكريم بن أبي المخارق بضم الميم وبالخاء المعجمة أبو أمية المعلم البصري نزيل مكة واسم أبيه قيس وقيل طارق ضعيف من السادسة. وقد شارك الجزري في بعض المشائخ فربما التبس به على من لا فهم له انتهى "وعبد الكريم

(5/501)


ـــــــ
بن مالك الجزري ثقة" قال في التقريب: عبد الكريم بن مالك الجزري أبو سعيد مولى بني أمية وهو الخضرمي بالخاء والضاد المعجمتين نسبة إلى قرية من اليمامة ثقة متقن من السادسة انتهى.
تنبيه" قال القاري في المرقاة معترضاً على قول الترمذي: ليس إسناده بالقوي ما لفظه: وفيه أن الحسن أيضاً يستدل به على أن الجهاد المستند إليه سابقاً يدل على أن صحيحه في نفس الأمر وإن كان ضعيفاً بالنسبة إلى إسناد واحد من المحدثين، ويقويه رواية ابن ماجه لفظه: ومن يأكل الضبع، ويؤيده أن ذو ناب من السباع فأكله حرام، ومع تعارض الأدلة في التحريم والإباحة فالأحوط حرمته، وأما قوله عليه الصلاة والسلام: الضبع لست آكله ولا أحرمه كما رواه الشيخان وغيرهما فيفيد ما اختاره مالك من أنه يكره أكله، إذ المكروه عنده ما أثم آكله ولا يقطع بتحريمه، ومقتضى قواعد أثمننا أن أكله مكروه كراهة تحريم لا أنه حرام محض لعدم دليل قطعي مع اختلاف فقهي انتهى كلام القاري بلفظه.
قلت: في كلام القاري هذا أوهام وأغلاط، فأما قوله إن الحسن أيضاً يستدل به، ففيه أن لا شك أن الحديث الحسن يستدل به، لكن حديث خزيمة بن جزء هذا ليس بحسن بل هو ضعيف لا يصلح للاحتجاج كما عرفت. وأما قوله إن اجتهاد المستند إليه سابقاً يدل على أنه صحيح في نفس الأمر الخ ففاسد، وقد بينا فساده فيما سبق. وأما قوله ويقويه رواية ابن ماجه ولفظه: ومن يأكل الضبع. ففيه أن في رواية ابن ماجه أيضاً عبد الكريم فكيف تقويه. وأما قوله إنه ذو ناب من السباع فممنوع وسند المنع حديث جابر المذكور في الباب، ولو سلم أنه ذو ناب من السباع فحرمته ممنوعة لهذا الحديث. وأما قوله ومع تعارض الأدلة في التحريم والإباحة فالأحوط حرمته، ففيه أن هذا كان دليل الحرمة ودليل الإباحة كلاهما صحيحين، وأما إذا كان دليل الحرمة ضعيفاً ودليل الإباحة صحيحاً كما في ما نحن فيه فكون الحرمة أحوط ممنوع. وأما قوله إن قوله: عليه الصلاة والسلام الضبع لست آكله ولا أحرمه كما رواه الشيخان ولا غيرهما: الضبع لست آكله ولا أحرمه بل رووا الضب لست آكله ولا أحرمه والضب غير الضبع. قال الحافظ بن القيم في الإعلام:

(5/502)


ـــــــ
وأما الضبع فروى عنه فيها حديث صححه كثير من أهل العلم بالحديث فذهبوا إليه وجعلوه مخصصاً لعموم أحاديث التحريم كما خصصت العرايا لأحاديث المزابنة، وطائفة لم تصححه وحرموا الضبع لأنها من جملة ذات الأنياب، وقالوا: وقد تواترت الآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم بالنهي عن أكل كل ذي ناب من السباع وصحت صحة لا مطعن فيها من حديث علي وابن عباس وأبي هريرة وأبي ثعلبة الخشني قالوا: وأما حديث الضبع فتفرد به عبد الرحمن بن أبي عمارة، وأحاديث تحريم ذوات الأنياب كلها تخالفه.
قالوا: ولفظ الحديث يحتمل معنيين: أحدهما أن يكون جابر رفع الأكل إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأن يكون إنما رفع إليه كونها صيداً فقط، ولا يلزم من كونها صيداً جواز أكلها فظن جابر أن كونها صيداً يدل على أكلها فأفتى به من قوله، ورفع النبي صلى الله عليه وآله وسلم ما سمعه من كونها صيداً. فروى الترمذي عن عبد الرحمن بن أبي عمارة قال: قلت لجابر بن عبد الله آكل الضبع؟ قال نعم، قلت أصيد هي؟ قال نعم، قلت أسمعت ذلك من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ قال نعم. وهذا يحتمل أن المرفوع منه هو كونها صيداً، ويدل على ذلك أن جرير بن حازم قال عن عبيد بن عمير عن ابن أبي عمارة عن جابر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن الضبع فقال: "هي صيد وفيها كبش" .
قالوا: وكذلك حديث إبراهيم الصائغ عن عطاء عن جابر يرفعه: "الضبع صيد إذا أصابه المحرم ففيه جزاء كبش مسن ويؤكل" ، قال الحاكم: حديث صحيح، وقوله ويؤكل يحتمل الوقف والرفع، وإذا احتمل ذلك لم يعارض به الأحاديث الصحيحة الصريحة التي تبلغ مبلغ التواتر في التحريم.
قالوا: ولو كان حديث جابر صريحاً في الإباحة لكان فرداً، وأحاديث تحريم ذوات الأنياب مستفيضة متعددة، ادعى الطحاوي وغيره تواترها، فلا يقدم حديث جابر عليها.
قالوا: والضبع من أخبث الحيوان وأشرهه وهو مغري بأكل لحوم الناس ونبش القبور الأموات وإخراجهم وأكلهم ويأكل الجيف ويكسر بنابه.

(5/503)


ـــــــ
قالوا: والله سبحانه قد حرم علينا الخبائث وحرم رسول الله صلى الله عليه وسلم ذوات الأنياب، والضبع لا يخرج عن هذا وهذا.
قالوا: وغاية حديث جابر يدل على أنها صيد يفدى في الإحرام ولا يلزم من ذلك أكلها، وقد قال بكر بن محمد: سئل أبو عبد الله يعني الإمام أحمد عن محرم قتل ثعلباً، فقال عليه الجزاء هي صيد ولكن لا يؤكل، وقال جعفر بن محمد: سمعت أبا عبد الله سئل عن الثعلب فقال: الثعلب سبع فقد نص على أنه سبع وأنه يفدي في الإحرام، ولما جعل النبي صلى الله عليه وسلم في الضبع كبشاً ظن جابر أنه يؤكل فأفتى به.
والذين صححوا الحديث جعلوه مخصصاً لعموم تحريم ذي الناب من غير فرق بينهما حتى قالوا: ويحرم أكل كل ذي ناب من السباع إلا الضبع، وهذا لا يقع مثله في الشريعة أن يخصص مثلاً على مثل من كل وجه من غير فرقان بينهما، وبحمد الله إلى ساعتي هذه ما رأيت في الشريعة مسألة واحدة كذلك أعني شريعة التنزيل لا شريعة التأويل ومن تأمل لفظه صلى الله عليه وسلم الكريمة تبين له اندفاع هذا السؤال فإنه إنما حرم ما اشتمل على الوصفين أن يكون له ناب وأن يكون من السباع العادية بطبعها كالأسد والذئب والنمر والفهد، وأما الضبع فإنما فيها أحد الوصفين وهو كونها ذات ناب وليست من السباع العادية ولا ريب أن السباع أخص من ذوات الأنياب، والسبع إنما حرم لما فيه من القوة السبعية التي تورث المغتذي بها شبهها، فإن الغاذي شبيه بالمغذي، ولا ريب أن القوة السبعية التي في الذئب والأسد والنمر والفهد ليست في الضبع حتى تجب التسوية بينهما في التحريم، ولا تعد الضبع من السباع لغة مرفوعاً انتهى ما في الأعلام.
قلت: في أقوال المحرمين التي نقلها الحافظ ابن القيم خدشات، أما قولهم إن حديث الضبع انفرد به عبد الرحمن بن أبي عمار ففيه أنه ثقة ولم يتفرد به قال الحافظ في التلخيص: وأعله ابن عبد البر بعبد الرحمن بن أبي عمار فوهم لأنه وثقه أبو زرعة والنسائي ولم يتكلم فيه أخذ ثم إنه لم ينفرد به انتهى. وقال في الفتح: وقد ورد في حل الضبع أحاديث لا بأس بها انتهى.
وأما قولهم: لفظ الحديث يحتمل معنيين أحدهما أن يكون جابر رفع الأكل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأن يكون إنما رفع إليه كونها صيداً فقط، ففيه أن

(5/504)


ـــــــ
ظاهر الحديث يدل على أن جابراً رضي الله عنه رفع الأكل، وكونها صيداً كليهما إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ويؤيده رواية أحمد بلفظ: سألت جابر بن عبد الله عن الضبع فقال حلال، فقلت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال نعم.
وأما قولهم: والضبع لا يخرج عن هذا وهذا، ففيه أن حديث جابر المذكور صحيح ثابت قابل للاحتجاج، فخورج الضبع عن هذا وهذا ظاهر، وللفريقين مقالات أخرى في ذكرها طول

(5/505)


باب ماجاء في أكل لحوم الخيل
...
5ـ باب ما جَاء في أكْلِ لُحُومِ الْخَيْل
1853ـ حدثنا قُتَيْبَةُ وَنَصْرُ بنُ عليّ قالا حدثنا سُفْيَانُ عن عَمْرِو بنِ دِينَارٍ عن جَابِرٍ قالَ: "أطْعَمَنَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم لُحُومَ الْخَيْلِ وَنَهَانَا عن لُحُومِ الْحُمُرِ".
ـــــــ
"باب ما جَاء في أكْلِ لُحُومِ الْخَيْل"
قوله: "قالا حدثنا سفيان" هو ابن عيينة.
قوله: "أطعمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لحوم الخيل" وفي رواية البخاري: رخص في لحوم الخيل، وفي رواية مسلم: أذن بدل رخص، وفي حديث ابن عباس عند الدارقطني: أمر: قال الطحاوي في شرح الآثار: وذهب أبو حنيفة إلى كراهة أكل الخيل، وخالفه صاحباه وغيرهما، واحتجوا بالأخبار المتواترة في حلها، ولو كان ذلك مأخوذاً من طريق النظر لما كان بين الخيل والحمر الأهلية فرق، ولكن الآثار إذ صحت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتواترت أولى أن يقال بها من النظر، ولا سيما إذا قد أخبر جابر أنه صلى الله عليه وسلم أباح لهم لحوم الخيل في الوقت الذي منعهم فيه من لحوم الحمر الأهلية، فدل ذلك على اختلاف حكمها انتهى كلام الطحاوي.
قلت: الأمر كما قال الطحاوي ولا شك أن القول بحل أكل لحوم الخيل من دون كراهة هو الحق لأحاديث الباب التي هي صحيحة صريحة في الحل، وهو قول

(5/505)


ـــــــ
جمهور أهل العلم، وقد نقل الحل بعض التابعين عن الصحابة من غير استثناء أحد. فأخرجه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح على شرط الشيخين عن عطاء قال: لم يزل سلفك يأكلونه، قال ابن جريج: قلت له أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال نعم، ذكره الحافظ في الفتح. قال النووي: اختلف العلماء في إباحة لحوم الخيل، فمذهب الشافعي الجمهور من السلف والخلف أنه مباح لا كراهة فيه، وبه قال عبد الله بن الزبير وفضالة بن عبيد وأنس بن مالك وأسماء بنت أبي بكر وسويد بن غفلة وعلقمة والأسود وعطاء وشريج وسعد بن جبير والحسن البصري وإبراهيم النخعي وحماد بن سلمان وأحمد وإسحاق وأبو يوسف ومحمد وداود وجماهير المحدثين وغيرهم، وكرهها طائفة منهم ابن عباس والحكم ومالك وأبو حنيفة، قال أبو حنيفة: يأثم بأكله ولا يسمى حراماً انتهى كلام النووي. وقال الحافظ: وصح الكراهة عن الحكم ابن عيينة ومالك وبعض الحنفية وعن بعض المالكية والحنيفة التحريم. وقال الفاكهي: المشهور عند المالكية الكراهة والصحيح عند المحققين منهم التحريم انتهى. وقال العيني في شرح البخاري في باب لحوم الخيل: قيل الكراهة عند أبي حنيفة كراهة تحريم وقيل كراهة تنزيه، وقال فخر الإسلام وأبو معين: هذا هو الصحيح، قال وأخذ أبو حنيفة في ذلك بقوله تعالى: {وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا} خرج مخرج الامتنان، والأكل من أعلى منافعها، والحكيم لا يترك الامتنان بأعلى النعم ويمتن بأدناها. قال: واحتج أيضاً بحديث أخرجه أبو داود عن خالد بن الوليد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن أكل لحوم الخيل والبغال والحمير. وأخرجه النسائي وابن ماجه والطحاوي، ولما رواه أبو داود سكت عنه، فسكوته دلالة رضاه به ويعارض حديث جابر والترجيح للمحرم انتهى. وقال العيني في غزوة خيبر مثل هذا وقال: سند حديث خالد جيد ولهذا لما أخرجه أبو داود سكت عنه فهو حسن عنده انتهى.
قلت: قول العيني: سند حديث خالد جيد ليس بجيد وليس ممّا يلتفت إليه، فإن مدار هذا الحديث على صالح بن يحيى بن يحيى بن المقدام بن معد يكرب، وصالح هذا قال البخاري: فيه نظر كما في تهذيب التهذيب، وقال ابن الهمام في التحرير: إذا قال البخاري للرجل فيه نظر فحديثه لا يحتج به ولا يستشهد به، ولا يصح للاعتبار انتهى. فحديث خالد هذا لا يصلح للاحتجاج ولا للاستشهاد ولا للاعتبار. وقد

(5/506)


وفي البابِ عن أسْمَاءِ بِنْتِ أبِي بَكْرٍ.
ـــــــ
ضعفه أحمد والبخاري والدارقطني والخطابي وابن عبد البر وعبد الحق وآخرون فلا يصلح لمعارضة حديث جابر وغيره من أحاديث الباب. فإن قلت قال العيني: وصالح هذا وثقه ابن حبان وحديثه حسن عند أبي داود. فإذا كان كذلك صحت المعارضة فإذا تعارضا يرجح المحرم، قلت: توثيق ابن حبان صالحاً هذا وسكون أبي داود على حديثه لا يزن بشيء في جنب قول البخاري: فيه نظر، وتضعيف الأئمة المذكورين، ولذلك لم يسكت عنه المنذري في تلخيص السنن بل قال: قال أبو داود: هذا منسوخ وقال الإمام أحمد: هذا حديث منكر. وقال البخاري: صالح بن يحيى المقدام بن معد يكرب الكندي الشامي عن أبيه فيه نظر. وذكر الخطابي أن حديث جابر إسناده جيد. وأما حديث خالد بن الوليد ففي إسناده نظر، وصالح بن يحيى بن المقدام عن أبيه عن جده لا يعرف سماع بعضهم عن بعضهم. وقال موسى بن هارون الحافظ: لا يعرف صالح بن يحيى ولا أبوه إلا بجده. وقال الدارقطني: هذا حديث ضعيف. وقال الدارقطني أيضاً: هذا إسناد مضطرب. وقال الواقدي: لا يصح هذا لأن خالداً أسلم بعد فتح مكة. وقال البخاري: خالد لم يشهد خيبر. وكذلك قال الإمام أحمد بن حنبل لم يشهد خيبر إنما أسلم بعد الفتح. وقال أبو عمر النمري: ولا يصح لخالد بن الوليد مشهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الفتح. وقال البيهقي: إسناده مضطرب ومع اضطرابه مخالف لحديث الثقات انتهى. "ونهانا عن لحوم الحمر" أي الأهلية وسيأتي حكم الحمر الأهلية في الباب الذي بعده.
قوله: "وفي الباب عن أسماء بنت أبي بكر" أخرجه البخاري: قالت ذبحنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فرساً ونحن بالمدينة فأكلناه. وأخرجه مسلم أيضاً. وفي الباب أيضاً عن ابن عباس، أخرجه الدارقطني بسند قوي ولفظه: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن لحوم الحمر الأهلية وأمر بلحوم الخيل. قاله الحافظ في الفتح.

(5/507)


قال أبو عيسى: وهذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وهكذَا رَوَى غَيْرُ واحِدٍ عن عَمْرو بنِ دِينَارٍ عن جَابِرٍ. وَرَواه حَمّادُ بنُ زَيْدٍ عن عَمْرِو بنِ دِينَارٍ عن محمدِ بنِ عليّ عن جَابِرٍ، وَرِوَايَةُ ابنِ عُيَيْنَةَ أصَحّ. قال وَسَمِعْتُ محمداً يقولُ: سُفْيَانُ بنُ عُيَيْنَةَ أحْفَظُ مِنْ حَمّادِ بنِ زَيْدٍ.
ـــــــ
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي.
قوله: "وروى حماد بن زيد عن عمرو بن دينار عن محمد بن علي عن جار" بإدخال محمد بن علي بين عمرو وجابر. ومحمد بن علي هذا هو محمد بن علي بن الحسين بن علي وهو الباقر أبو جعفر. وهذه الرواية أخرجها البخاري ومسلم وأخرجها النسائي وقال: لا أعلم أحداً وافق حماداً على ذلك. "ورواية بين عيينة أصح وسمعت محمداً يقول سفيان بن عيينة أحفظ من حماد بن زيد" لكن اقتصر البخاري ومسلم على تخريج طريق حماد بن زيد، وقد وافقه ابن جريج عن عمر وعلي إدخال الواسطة بين عمرو وجابر لكنه لم يسمه. أخرجه أبو داود من طريق ابن جريج. وله طريق أخرى عن جابر أخرجها مسلم من طريق ابن جريج وأبو داود من طريق حماد والنسائي من طريق حسين بن واقد، كلهم عن أبي الزبير عنه وأخرجه النسائي صحيحاً عن عطاء عن جابر أيضاً، وأغرب البيهقي فجزم بأن عمرو بن دينار لم يسمعه من جابر، واستغرب بعض الفقهاء دعوى الترمذي أن رواية ابن عيينة أصح مع إشارة البيهقي إلى أنها منقطعة وهو ذهول، فإن كلام الترمذي محمول على أنه صح عنده اتصاله، ولا يلزم من دعوى البيهقي انقطاعه كون الترمذي يقول بذلك، والحق أنه إن وجدت رواية فيها تصريح عمر بالسباع من جابر فتكون رواية حماد بن المزيد في متصل الأسانيد. وإلا فرواية حماد بن زيد هي المتصلة، وعلى تقدير وجود التعارض من كل جهة فللحديث طريق أخرى عن جابر غير هذه، فهو صحيح على كل حال قاله الحافظ

(5/508)


باب ماجاء في لحوم الحمر الأهلية
...
6ـ باب ما جاءَ في لُحُومِ الْحُمُرِ الأَهْلِيّة
1854ـ حدثنا محمدُ بنُ بَشّارٍ حدثنا عَبْدُ الْوَهّابِ الثّقَفِيّ عن يَحْيَى بنِ سَعِيدٍ الأَنْصَارِيّ عن مَالِكِ بنِ أنَسٍ عن الزّهْرِيّ وحدثنا ابنُ أبي عُمَرَ حدثنا سُفْيَانُ بنُ عُيَيْنَةَ عن الزّهْرِيّ عن عَبْدِ الله وَ الْحَسَنِ ابْنَي محمدِ بنِ عَلِيّ عن أبِيهِمَا عن عَلِيّ قالَ: "نَهَى رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عن مُتْعَةِ النّسَاءِ زَمَنَ خَيْبَرَ، وعَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الأَهْلِيّةِ".
ـــــــ
"باب ما جاءَ في لُحُومِ الْحُمُرِ الأَهْلِيّة"
أي غير الوحشية ويقال لها الحمر الإنسية والأنسية.
قوله: "عن عبد الله والحسن ابني محمد بن علي" أي ابن أبي طالب. ومحمد بن علي هذا هو الذي يعرف بابن الحنفية. وابنه عبد الله يكنى بأبي هاشم وثقه ابن سعد والنسائي والعجلي وابنه الحسن يكنى بأبي محمد ثقة فقيه "عن أبيهما" أي محمد بن علي المعروف بابن الحنفية الهاشمي أبي القاسم ثقة عالم من كبار التابعين "عن علي" أي ابن أبي طالب رضي الله عنه.
قوله: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن متعة النساء" يعني نكاح المتعة، وهو تزويج المرأة إلى أجل فإذا انقضى وقعت الفرقة "زمن خيبر" قد أبيحت متعة النكاح مراراً ثم حرمت إلى يوم القيامة وقد تقدم بيانه في كتاب النكاح "وعن لحوم الحمر الأهلية" فيه دليل على حرمة لحوم الحمر الأهلية، ويؤخذ من التقييد بالأهلية جواز أكل لحوم الحمر الوحشية. وقد تقدم صريحاً في حديث أبي قتادة في الحج، وقد جاء في حديث أنس عند البخاري بيان علة الحرمة ففيه. أن الله ورسوله ينهاكم عن لحوم الحمر الوحشية فإنها رجس. قال النووي: قال بتحريم الحمر الأهلية أكثر العلماء من الصحابة فمن بعدهم ولم نجد أحد من الصحابة في ذلك خلافاً لهم إلا عن ابن عباس. وعند المالكية ثلاث روايات ثالثها الكراهة.

(5/509)


1855- حدثنا سَعِيدُ بنُ عَبْدِ الرّحْمَنِ الْمَخْزُومِيّ حدثنا سُفْيَانُ عَنْ الزّهْرِيّ عَنْ عَبْدِ الله والْحَسَنِ ابْنَي مُحَمّدِ بنِ علي قَالَ الزّهْرِيّ: وَكَانَ أرْضَاهُمَا الْحَسَنُ بنُ مُحَمّدٍ فذكر نحوه. وَقَالَ غَيْرُ سَعِيدِ بنِ عبدِ الرحمَنِ عَنْ ابنِ عُيَيْنَةَ وَكَانَ أرْضَاهُمَا عَبْدُ الله بنُ مُحَمّدٍ.
ـــــــ
وأما الحديث الذي أخرجه أبو داود عن غالب بن الحر قال: أصابتنا سنة فلم يكن في مالي ما أطعم أهلي إلا سمان حمر، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت إنك حرمت لحوم الحمر الأهلية وقد أصابتنا سنة قال: "أطعم أهلك من سمين حمرك فإنما حرمتها من أجل حوالي القرية" يعني الجلالة وإسناده ضعيف، والمتن شاذ مخالف للأحاديث الصحيحة فالاعتماد عليها.
وأما الحديث الذي أخرجه الطبراني عن أم نصر المحاربية: أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحمر الأهلية، فقال: "أليس ترعى الكلأ وتأكل الشجر" ؟ قال: نعم، قال: "فأصب من لحومها" . وأخرجه ابن أبي شيبة من طريق رجل من بني مرة قال: سألت فذكر نحوه، ففي السندين مقال، ولو ثبت احتمل أن يكون قبل التحريم، كذا في الفتح. وحديث علي هذا أخرجه الشيخان، وأخرجه الترمذي أيضاً في باب نكاح المتعة من أبواب النكاح.
قوله: "قال الزهري وكان أرضاهما الحسن بن محمد" وذكر البخاري في التاريخ بلفظ: وكان الحسن أوثقهما "وقال غير سعيد بن عبد الرحمن عن ابن عيينة وكان أرضاهما عبد الله بن محمد" كذا عند الترمذي ولأحمد عن سفيان: وكان الحسن أرضاهما إلى أنفسنا، وكان عبد الله يتبع السبئية انتهى. والسبئية بمهملة ثم موحدة ينسبون إلى عبد الله بن سبا وهو من رؤساء الروافض. وكان المختار بن أبي عبيد على رأيه، ولما غالب على الكوفة وتتبع قتلة الحسين فقتلهم أحبته الشيعة ثم فارق أكثرهم لما ظهر منه من الأكاذيب. وكان من رأى السبئية موالاة محمد بن علي بن أبي طالب، وكانوا يزعمون أنه المهدي وأنه لا يموت حتى يخرج في آخر الزمان. ومنهم من أقر بموته، وزعم أن الأمر بعده صار إلى ابنه أبي هاشم هذا، ومات أبو هاشم في آخر ولاية سليمان بن عبد الملك سنة ثمان أو تسع وتسعين قاله الحافظ.

(5/510)


1856ـ حدثنا أبُو كُرَيْبٍ حدثنا حُسَيْنُ بنُ عَلِيّ الجعفىّ عن زَائِدَةَ عَنْ مُحَمّدِ بنِ عَمْرِو عن أبِي سَلَمَةَ عن أبِي هُرَيْرَةَ: "أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم، حَرّمَ يَوْمَ خَيْبَرَ، كُلّ ذِي نَابٍ مِنَ السّبَاعِ وَالْمُجَثّمَة وَالْحِمَارِ الإنسي".
قال وفي البابِ عَنْ عَلِيّ وَجَابِرٍ وَالْبَرَاءِ وابنِ أبِي أوْفَى وَأَنَسٍ والعِرْبَاضِ بنِ سَارِيَةَ وأبي ثَعْلَبَةَ وَابنِ عُمَرَ وأبي سَعِيدٍ.
ـــــــ
قوله: "حدثنا حسين بن علي" بن الوليد الجعفي مولاهم الكوفي المقري ثقة عابد سنة ثلاث أو أربع ومائتين وله أربع أو خمس وثمانون سنة قال موسى بن داود. كنت عند ابن عيينة فجاء حسين الجعفي، فقام سفيان فقبل يده. وكان زائدة يختلف إليه إلى منزله يحدثه فكان أروى الناس عنه، وكان الثوري إذا رآه عانقه وقال: "هذا واهب جعف عن زائدة" هو ابن قدامة.
قوله: "حرم يوم خيبر كل ذي ناب من السباع" قال في شرح السنة: أراد بكل ذي ناب ما يعدو بنابه على الناس وأموالهم كالذئب والأسد والكلب ونحوها "والمجثمة" قال الجزري في النهاية: هي كل حيوان ينصب ويرمي ليقتل إلا أنها تكثر في الطير والأرانب وأشباه ذلك مما يجثم في الأرض أي يلزمها ويلتصق بها، وجثم في الطير جثوماً وهو بمنزلة البروك للإبل انتهى. "والحمار الإنسي" بكسر الهمزة وسكون النون منسوب إلى الأنس ويقال فيه الأنسي بفتحتين، وقد صرح الجوهري أن الأنس بفتحتين ضد الوحشة والمراد بالحمار الإنسي الحمار الأهلي.
قوله: "وفي الباب عن علي وجابر والبراء وابن أبي أوفى وأنس والعرباض، من سارية وأبي ثعلبة وابن عمر وأبي سعيد" أما حديث علي فأشار إلى غير حديثه الذي أخرجه في هذا الباب ولم أقف عليه فلينظر من أخرجه. وأما حديث جابر فقد تقدم تخريجه في الباب المتقدم. وأما حديث البراء فأخرجه الشيخان. وأما حديث ابن أبي أوفى أخرجه أيضاً الشيخان. وأما حديث أنس فأخرجه أيضاً الشيخان. وأما حديث العرباض بن سارية فأخرجه الترمذي في باب كراهية أكل

(5/511)


قال أبو سعيط هذا حديثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَرَوَى عَبْدُ الْعَزِيزِ بنُ مُحَمّدٍ وَغَيْرُهُ عَنْ مُحَمّدِ بنِ عُمَرَو. هَذَا الْحَدِيث وَإِنّمَا ذَكَرُوا حَرْفاً وَاحِداً: "نَهَى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عن كلّ ذِي نَابٍ مِنَ السّبَاعِ".
ـــــــ
المصبورة. وأما حديث أبي ثعلبة فأخرجه الشيخان. وأما حديث ابن عمر فأخرجه الشيخان أيضاً وأما حديث أبي سعيد فلينظر من أخرجه.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه أحمد.
قوله: "وإنما ذكروا حرفاً واحداً" أي جملة واحدة "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كل ذي ناب من السباع" بيان لقوله حرفاً واحداً يعني اقتصروا على هذه الجملة ولم يذكروا النهي عن المجثمة والحمار الإنسي

(5/512)


باب ماجاء في الأكل في أنية الكفار
...
7ـ باب ما جاءَ في الأَكْلِ في آنِيَةِ الْكُفّار
1857ـ حدثنا زَيْدُ بنُ أخْزَمَ الطّائِيّ حدثنا سَلْمُ بنُ قُتَيْبَة حدثنا شُعْبَةُ عن أيّوبَ عن أبِي قِلاَبَةَ عَنْ أبي ثَعْلَبَةَ قالَ: سُئِلَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عن قُدُورِ الْمَجُوسِ فقَالَ: "أنْقُوهَا غَسْلاً وَاطْبُخُوا فِيهَا" وَنَهَى
ـــــــ
"باب ما جاءَ في الأَكْلِ في آنِيَةِ الْكُفّار"
قوله: "حدثنا زيد بن أخزم" بمعجمتين "الطائي" النبهاني أبو طالب البصري ثقة حافظ من الحادية عشرة "حدثنا سلم بن قتيبة" بفتح السين المهملة وسكون اللام الشعيري أبو قتيبة الخراساني نزيل البصرة صدوق من التاسعة، كذا في التقريب. ووقع في النسخة الأحمدية: مسلم بن قتيبة بالميم وهو غلط "عن أبي قلابة" قال الحافظ في تهذيب التهذيب: أبو قلابة لم يدرك أبا ثعلبة الخشني انتهى. ففي هذا الإسناد انقطاع "عن أبي ثعلبة" الخشني صحابي مشهور بكنيته. واختلف في اسمه اختلافاً كثيراً.
قوله: "سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قدور المجوس" القدور جمع

(5/512)


ـــــــ
قدر قال في القاموس: القدر بالكسر معروف، وقال في الصراح: بقدر بالكسر ديك وهي مؤنث وتصغيرها قدير بغير هاء على خلاف قياس انتهى. "أنقوها" من الإنقاء "غسلاً" أي بالغسل "واطبخوا" الطبخ الإنضاج اشتواء واقتداراً طبخ كنصر ومنع قاله في القاموس "فيها" أي في قدور المجوس.
إعلم أن البخاري رح عقد باباً بلفظ: باب آنية المجوس والميتة. وأورد فيه حديث أبي ثعلبة وفيه: أما ما ذكرت أنكم بأرض أهل الكتاب فلا تأكلوا في آنيتهم إلا أن لا تجدوا بداً فإن لم تجدوا فاغسلوا وكلوا. قال الحافظ قال ابن التين كذا ترجم وأتى بحديث أبي ثعلبة وفيه ذكر أهل الكتاب فلعله يرى أنهم أهل كتاب. وقال ابن المنير: ترجم للمجوس والأحاديث في أهل الكتاب لأنه بنى على أن المحذور من ذلك واحد وهو عدم توقيهم النجاسات. وقال الكرماني أو حكمه على أحدها بالقياس على الآخر، وباعتبار أن المجوس يزعمون أنهم أهل كتاب. قال الحافظ وأحسن من ذلك أنه أشار إلى ما ورد في بعض طرق الحديث منصوصاً على المجوس، فعند الترمذي من طريق أخرى عن أبي ثعلبة: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قدور المجوس فقال أنقوها غسلاً واطبخوا فيها. وفي لفظ من وجه آخر عن أبي ثعلبة قلت: إنا نمر بهذا اليهود والنصارى والمجوس فلا نجد غير آنيتهم الحديث. وهذه طريقة يكثر منها البخاري فما كان في سنده مقال يترجم به ثم يورد في الباب ما يؤخذ الحكم منه بطريق الإلحاق ونحوه. والحكم في آنمية المجوس لا يختلف مع الحكم في آنية أهل الكتاب لأن العلة إن كانت لكونهم تحل ذبائحهم كأهل الكتاب فلا إشكال أو لا تحل فتكون الاَنية التي يطبخون فيها ذبائحهم ويغرفون قد تنجست بملاقاة الميتة. فأهل الكتاب كذلك باعتبار أنهم لا يتدينون باجتناب النجاسة، وبأنهم يطبخون فيها الخنزير ويضعون فيها الخنزير ويضعون فيها الخمر وغيرها ويؤيد الثاني ما أخرجه أبو داود والبزار عن جابر: كنا نغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فنصيب من آنية المشركين فنستمع بها فلا يعيب ذلك علينا. لفظ أبي داود في رواية البزار: فنغسلها ونأكل فيها انتهى. قال النووي قد يقال هذا الحديث مخالف لما يقول الفقهاء فإنهم يقولون إنه يجوز استعمال أواني المشركين إذا غسلت ولا كراهة فيها بعد الغسل سواء وجد غيرها أم لا. وهذا الحديث يقتضي كراهة استعمالها إن وجد غيرها ولا يكفي غسلها في نفي الكراهة وإنما يغسلها ويستعملها إذا لم يجد

(5/513)


عن كُلّ سَبُعٍ ذِي نَابٍ".
هذا حديثٌ مَشْهُورٌ مِنْ حَدِيثِ أبي ثَعْلَبَةَ، وَرُوِيَ عَنْهُ مِنْ غَيْرِ هذا الوَجْهِ. وأبُو ثَعْلَبَةَ اسْمُهُ جرثوب ويُقَالُ جُرْهُمُ وَيُقَالُ نَاشِبٌ. وقَدْ ذُكِرَ هَذا الْحَدِيثُ عن أبي قِلاَبَةَ عن أبي أسْمَاءَ الرّحَبِيّ عن أبي ثَعْلَبَةَ.
ـــــــ
غيرها. والجواب أن المراد النهي عن الأكل في آنيتهم التي كانوا فيها لحم الخنزير ويشربون كما صرح به في رواية أبي داود: وإنما نهى عن الأكل فيها بعد الغسل للاستقذار وكونها معتادة للنجاسة. كما يكره الأكل في المحجمة المغسولة، وأما الفقهاء فمرادهم مطلق آنية الكفار التي ليست مستعملة في النجاسات، فهذه يكره استعمالها قبل غسلها فإذا غسل فلا كراهة فيها لأنها طاهرة وليس فيها استقذار ولم يريدوا نفي الكراهة عن آنيتهم المستعملة في الخنزير وغيره من النجاسات انتهى. وقال الحافظ في الفتح: ومشى ابن حزم على ظاهريته فقال لا يجوز استعمال آنية أهل الكتاب إلا بشرطين: أحدهما أن لا يجد غيره والثاني غسلها. وأجيب بأن أمره بالغسل عند فقد غيرها دال على طهارتها بالغسل، والأمر باجتنابها عند وجود غيرها للمبالغة في التنفير عنها كما في حديث سلمة الآتي بعد في الأمر بكسر القدور التي طبخت فيها الميتة: فقال رجل أو نغسلها فقال: أو ذاك. فأمر بالكسر للمبالغة في التنفير عنها ثم أذن في الغسل ترخيصاً فكذلك يتجه هذا هنا انتهى. "ونهى عن كل سبع ذي ناب" الناب السن الذي خلف الرباعية جمعه أنياب. قال ابن سينا لا يجتمع في حيوان واحد قرن وناب معاً وذو الناب من السباع كالأسد والذئب والنمر والفيل والقرد وكل ماله ناب يتقوى به ويصطاد. وقال في النهاية: وهو يفترس الحيوان ويأكل قسراً كالأسد والنمر والذئب ونحوها. قال في القاموس: السبع بضم الباء وفتحها المفترس من الحيوان انتهى. ووقع الخلاف في جنس السباع المحرمة، فقال أبو حنيفة رحمه الله كل ما أكل اللحم فهو سبع حتى الفيل والضب واليربوع والسنور. وقال الشافعي يحرم من السباع ما يعدو على الناس كالأسد والذئب والنمر. وأما الضبع والثعلب فيحلان عنده لأنهما لا يعدوان كذا في النيل.
قوله: "وقد ذكر هذا الحديث عن أبي قلابة عن أبي أسماء الرحبي عن أبي ثعلبة" أي بزيادة أبي أسماء الرحبي بين أبي قلابة وأبي ثعلبة فهذا الإسناد متصل.

(5/514)


1858 ـ حدثنا عليّ بنُ عِيسَى بنُ يَزِيدَ البَغْدَادِيّ حدثنا عُبَيْدُ الله بنُ مُحَمّدٍ الَفرضيّ حدثنا حَمّادُ بنُ سَلَمَةَ عن أيّوبَ وَ قَتَادَةَ عن أبي قِلاَبَةَ عَنْ أبي أسْمَاءَ الرّحَبِيّ عن أبي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيّ أنّهُ قَالَ: "يَا رَسُولَ الله إنّا بِأَرْضِ أهْلِ الكِتَابٍ فَنَطْبُخُ فِي قُدُورِهِمْ وَنَشْرَبُ في آنِيَتِهِمْ؟ فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إنْ لَمْ تَجِدُوا غَيْرَهَا فارْحَضُوهَا بِالْمَاء" ِ، ثُمّ قَالَ: يَا رَسولَ الله إنّا بِأَرْضِ صَيْدٍ فَكَيْفَ نَصْنَعُ؟ قال "إذَا أرْسَلْتَ كَلْبَكَ الْمُكَلّبَ وَذَكَرْت اسْمَ الله فَقَتَلَ فَكُلْ، وَإِنْ كان غَيْرَ مُكَلّبٍ فَذُكّيَ فَكُلْ، وإذا رَمَيْتَ بِسَهْمِكَ وَذَكَرْتَ اسْمَ الله فَقَتَلَ فَكُلْ" .
ـــــــ
قوله: "حدثنا عبيد الله بن محمد العيشي" قال في التقريب عبيد الله بن محمد بن عائشة اسم جده حفص بن عمر بن موسى بن عبيد الله بن معمر التيمي، وقيل له ابن عائشة والعائشي والعيشي نسبة إلى عائشة بنت طلحة لأنه من ذريتها ثقة جواد رمى بالقدر ولم يثبت من كبار العاشرة انتهى. ووقع في النسخة الأحمدية عبيد الله بن محمد القرشي بزيادة لفظ بن القرشي مكان العيشي وهو غلط.
قوله: "فارحضوها" أي اغسلوها: قال في القاموس: رحضة كمنعه غسله كأرحضه انتهى. قال الخطابي: والأصل في هذا أنه إذا كان معلوماً من حال المشركين أنهم يطبخون في قدورهم الخنزير ويشربون في آنيتهم الخمر فإنه لا يجوز استعمالها إلا بعد الغسل والتنظيف فأما ثيابهم ومياههم فإنها على الطهارة كمياه المسلمين وثيابهم إلا أن يكونوا من قوم لا يتحاشون النجاسات أو كان من عاداتهم استعمال الأبوال في طهورهم فإن استعمال ثيابهم غير جائز إلا أن يعلم أنها لم يصبها شيء من النجاسات انتهى "إنا بأرض صيد" الإضافة لأدنى ملابسة أي بأرض يوجد فيها الصيد أو يصيد أهلها "إذا أرسلت كلبك المكلب" أي المعلم، قال في النهاية: المكلب المسلط على الصيد المعود بالاصطياد الذي قد ضرى به انتهى. "فذكى بصيغة المجهول من التذكية أي ذبح" .

(5/515)


هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان

(5/516)


باب ماجاء في الفأرة تموت في السمن
...
8ـ باب ما جَاءَ في الْفَأْرَةِ تَمُوتُ في السّمْن
1859ـ حدثنا سَعِيدُ بنُ عبدِ الرحمَنِ المخزومي وأَبُو عَمّارٍ قالا: حدثنا سُفْيَانَ عن الزّهْرِيّ عن عُبَيْدِ الله عَنِ ابنِ عَبّاسٍ عَنْ مَيْمُونَةَ أنّ فَأْرَةً وَقَعَتْ في سَمْنٍ فَمَاتَتْ، فَسُئِلَ عَنْهَا النّبِيّ صلى الله عليه وسلم فقالَ: "ألْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا فكلوه" .
ـــــــ
"باب ما جَاءَ في الْفَأْرَةِ تَمُوتُ في السّمْن"
قوله: "حدثنا سعيد بن عبد الرحمن" هو المخزومي "وأبو عمار" اسمه حسين بن حريث الخزاعي "حدثنا سفيان" هو ابن عيينة "عن عبيد الله" بن عبد الله ابن عتبة.
قوله: "أن فأرة وقعت في سمن" وفي رواية النسائي من طريق عبد الرحمن بن مهدي عن مالك في سمن جامد، "فماتت" أي فيه "فسئل عنها" أي ما يترتب على موتها "فقال ألقوها" أي أخرجوا الفأرة واطرحوها "وما حولها" أي كذلك إذا كان جامداً "فكلوه" أي السمن يعني باقية في شرح السنة فيه دليل على أن غير الماء من المائعات إذا وقعت فيه نجاسة ينجس، قل ذلك المائع أو كثر بخلاف الماء حيث لا ينجس عند الكثرة ما لم يتغير بالنجاسة. واتفقوا على أن الزيت إذا مات فيه فأرة أو وقعت فيه نجاسة أخرى أنه ينجس ولا يجوز أكله، وكذا لا يجوز بيعه عند أكثر أهل العلم. وجوز أبو حنيفة بيعه، واختلفوا في الانتفاع به، فذهب جماعة إلى أنه يجوز الانتفاع به لقوله صلى الله عليه وسلم: فلا تقربوه. وهو أحد قولي الشافعي وذهب قوم إلى أنه يجوز الانتفاع به بالاستصباح وتدهين السفن ونحوه، وهو قول أبي حنيفة وأظهر قولي الشافعي. والمراد من قوله: "فلا تقربوه" أكلا وطعماً لا انتفاعاً انتهى. قال الحافظ وقد تمسك ابن العربي بقوله وما حولها

(5/516)


وفي البابِ عن أبي هُرَيْرَةَ. هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ عَنْ الزّهْرِيّ عن عُبَيْدِ الله عن ابنِ عَبّاسٍ. "أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم سُئِلَ" وَلَمْ يَذْكُرُوا فِيهِ عن مَيْمُونَةَ. وحَدِيثُ ابنِ عَبّاسٍ عن مَيْمونَةَ أصَحّ. وَرَوَى مَعْمَرٌ عن الزّهْرِيّ عن سَعِيدِ بنِ المُسَيّبِ عن أبي هُرَيْرَةَ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم نَحْوَهُ. وهو حَدِيثٌ غَيْرُ مَحْفُوظٍ، قال وسَمِعْتُ مُحَمّدَ بنَ إِسْمَاعِيلَ يَقُولُ: وحديثُ مَعْمَرٍ عن الزّهْرِيّ عن سَعِيدِ بنِ المُسَيّبِ عن أبي هُرَيْرَةَ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم وذكر فيه أنه سئل عنه فقال إذا كان جامداً فألقوها وما هو لها وإن كان ما مائعاً فلا تقربوه. هَذَا خَطَأٌ أخطأ فيه معمر قال والصّحِيحُ حَدِيث الزّهْرِيّ عن عُبَيْدِ الله عن ابنِ عَبّاسٍ عن مَيْمُونَةَ.
ـــــــ
على أنه كان جامداً. قال لأنه لو كان مائعاً لم يكن له حول، لأنه لو نقل من أي جانب منها نقل لخلفه غيره في الحال، فيصير مما حولها فيحتاج إلى إلقائه كله، كذا قال: وقد وقع عند الدارقطني من رواية يحيى القطان عن مالك في هذا الحديث فأمر أن يقور ما حولها فيرمي به. قال الحافظ: وهذا ظهر في كونه جامداً من قوله: وما حولها، فيقوي ما تمسك به ابن العربي انتهى.
قوله: "وفي الباب عن أبي هريرة" أخرجه أحمد وأبو داود عنه مرفوعاً: إذا وقعت الفأرة في السمن فإن كان جامداً فألقوها وما حولها، وإن كان مائعاً فلا تقربوه.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه البخاري وأبو داود والنسائي "وحديث ابن عباس عن ميمونة أصح الخ" قد ذكر الحافظ في الفتح في باب ما يقع من النجاسات في السمن والماء من كتاب الوضوء وجه كون حديث ابن عباس عن ميمونة أصح وكذا ذكر فيه أيضاً وجه كون حديث معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة خطأ فمن شاء الوقوف على ذلك فليراجعه

(5/517)


باب النهي عن الأكل والشرب بالشمال
...
9ـ باب ما جاءَ في النّهْيِ عن الأَكْلِ والشّرْبِ بِالشّمَال
1860ـ حدثنا إسْحَاقُ بنُ مَنْصُورٍ أخبرنا عبدُ الله بنُ نُمَيْرٍ حدثنا عُبَيْدُ الله بنُ عُمَرَ عن ابنِ شِهَابٍ عن أبي بَكْرٍ بنِ عُبَيْدِ الله بنِ عَبْدِ الله بنِ عُمَرَ عن عَبْدِ الله بنِ عُمَرَ أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "لاَ يَأْكُلْ أحَدُكُمْ بِشِمَالِهِ وَلاَ يَشْرَبْ بِشِمَالِهِ فَإِنّ الشيطانَ يَأْكُلُ بِشمَالِهِ وَيَشْرَبُ بِشِمَالِهِ" .
ـــــــ
"باب ما جاءَ في النّهْيِ عن الأَكْلِ والشّرْبِ بِالشّمَال"
قوله: "حدثنا عبد الله بن نمير" هو الهمداني أبو هشام الكوفي "عن أبي بكر بن عبيد الله بن عبد الله بن عمر" بن الخطاب ثقة من الرابعة.
قوله: "لا يأكل أحدكم بشماله ولا يشرب بشماله" قال الشوكاني فيه النهي عن الأكل والشرب بالشمال والنهي حقيقة في التحريم كما تقرر في الأصول ولا يكون لمجرد الكراهة فقط إلا مجازاً مع قيام صارف. قال النووي: وهذا إذا لم يكن عذر فإن كان عذر يمنع الأكل والشرب باليمين من مرض أو جراحة أو غير ذلك فلا كراهة في الشمال وقال فيه استحباب الأكل والشرب باليمين وكراهتهما بالشمال.
قلت: بل في هذا الحديث وجوب الأكل والشرب باليمين كما قال الشوكاني، ويدل على الوجوب قوله صلى الله عليه وسلم: "إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه وإذا شرب فليشرب بيمينه" الحديث، وقوله صلى الله عليه وسلم لعمر بن أبي سلمة: كل بيمينك، فإن الأصل في الأمر الوجوب. قال الحافظ: قال شيخنا يعني الحافظ العراقي في شرح الترمذي: حمله أكثر الشافعية على الندب وبه جزم الغزالي ثم النووي، لكن نص الشافعي في الرسالة وفي موضع آخر من الأم على الوجوب، قال ويدل على وجوب الأكل باليمين ورود الوعيد في الأكل بالشمال، ففي صحيح مسلم من حديث سلمة بن الأكوع أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً يأكل بشماله فقال: "كل بيمينك" ، قال: لا أستطيع قال "لا استطعت" ، فما رفعها إلى فيه بعد وأخرج

(5/518)


قال وفي البابِ عن جَابِرٍ وعُمَرَ بنِ أبي سَلَمَةَ وسَلَمَةَ بنِ الأكْوَعِ وَأَنَسِ بنِ مَالِكٍ وَحَفْصَةَ.
ـــــــ
الطبراني من حديث سبيعة الأسلمية من حديث عقبة بن عامر أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى سبيعة الأسلمية تأكل بشمالها فقال أخذها داء غزة ، فقال إن بها قرحة قال وإن ، فمرت بغزة فأصابها طاعون فماتت. وأخرج محمد بن الربيع الجيزي في مسند الصحابة الذين نزلوا مصر وسنده حسن. وثبت النهي عن الأكل بالشمال وأنه من عمل الشيطان من حديث ابن عمر ومن حديث جابر عند مسلم وعند أحمد بسند حسن عن عائشة رفعته: "من أكل بشماله أكل معه الشيطان" . الحديث انتهى "فإن الشيطان يأكل بشماله الخ" قال التوربشتي: المعنى أنه يحمل أولياءه من الإنس على ذلك الصنيع ليضاد به عباد الله الصالحين ثم إن من حق نعمة الله والقيام بشكرها أن تكرم ولا يستهان بها، ومن حق الكرامة أن تتناول باليمين ويميز بها بين ما كان من النعمة وبين ما كان من الأذى: قال الطيبي: وتحريره أن يقال لا يأكلن أحدكم بشماله ولا يشربن بها فإنكم فعلتم ذلك كنتم أولياء الشيطان فإن الشيطان يحمل أولياءه من الإنس على ذلك انتهى: قال الحافظ: وفيه عدول عن الظاهر والأولى حمل الخبر على ظاهره وأن الشيطان يأكل حقيقة لأن العقل لا يحيل ذلك وقد ثبت الخبر به فلا يحتاج إلى تأويله. وقال القرطبي: ظاهره أن من فعل ذلك تشبه بالشيطان، وأبعد وتعسف من أعاد الضمير في شماله إلى الأكل انتهى.
قوله: "وفي الباب عن جابر وعمر بن أبي سلمة وسلمة بن الأكوع وأنس بن مالك وحفصة" أما حديث جابر فأخرجه مسلم عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا تأكلوا بالشمال فإن الشيطان يأكل بالشمال" . وأما حديث عمر بن أبي سلمة فأخرجه الشيخان عنه قال: كنت في حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت يدي تطيش في الصحفة، فقال لي "يا غلام سم الله وكل بيمينك وكل مما يليك" . وأما حديث سلمة بن الأكوع فأخرجه مسلم وتقدم لفظه. وأما حديث أنس بن مالك فلينظر من أخرجه. وأما حديث حفصة فأخرجه أحمد.

(5/519)


هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وَهَكَذَا رَوَى مَالكٌ وابنُ عُيَيْنَةَ عن الزّهْرِيّ عن أبي بَكْرٍ بنِ عُبَيْدِ الله عن ابنِ عُمَرَ. وَرَوَى مَعْمَر وَعقَيْل عن الزّهْرِيّ عن سَالِمٍ عن ابنِ عُمَرَ. وَرِوَايَةُ مَالِكٍ وابنِ عُيَيْنَةَ أصَحّ.
ـــــــ
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه أحمد ومسلم "ورواية مالك وابن عيينة أصح" لأن مالكاً وابن عيينة أجل وأوثق من معمر وعقيل، وقد تابعهما عبيد الله بن عمر

(5/520)


باب ماجاء في لعق الأصابع
...
10- باب مَا جَاءَ في لَعْقِ الأَصَابِعِ
1861ـ حدثنا محمدُ بنُ عَبْدِ المَلِكِ بنِ أبي الشّوَارِبِ حدثنا عَبْدُ العَزِيزِ بنُ المُخْتَارِ عن سُهَيْلِ بنِ أبي صَالِحٍ عن أبيهِ عن أبي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إذَا أكَلَ أحَدُكُمْ فَلْيَلْعَقْ أصَابِعَهُ فَإِنّهُ لاَ يَدْرِي في أَيّتِهِنّ البَرَكَةُ" .
ـــــــ
"باب مَا جَاءَ في لَعْقِ الأَصَابِعِ"
قوله: "حدثنا عبد العزيز بن المختار" الدباغ البصري مولى حفصة بنت سيرين ثقة من السابعة.
قوله: "إذا أكل أحدكم فليعلق" بفتح الياء والعين أي فليلحس "أصابعه" وقع في حديث كعب بن عجرة عند الدارقطني في الأوسط صفة لعمق الأصابع ولفظه: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يأكل بأصابعه الثلاث بالإبهام والتي تليها والوسطى، ثم رأيته يلعق أصابعه الثلاث قبل أن يمسحها الوسطى ثم التي تلي ثم الإبهام. قال الحافظ. قال شيخنا يعني الحافظ العراقي في شرح الترمذي كأن السر فيه أن الوسطى أكثر تلويثاً لأنها أطول فيبقى فيها من الطعام أكثر من غيرها، ولأنها لطولها أول ما تنزل في الطعام، ويحتمل أن الذي يعلق يكون بطن كفه إلى جهة وجهة فإذا ابتدأ بالوسطى انتقل إلى السبابة على جهة يمينه، وكذلك الإبهام انتهى "فإنه لا يدري في أيتهن" أي في أية أصابعه "البركة" أي حاصله أو تكون

(5/520)


وفي البابِ عن جَابِرٍ وَكَعْبِ بنِ مَالِكٍ وَأَنسٍ.
هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ لا نَعْرِفُهُ إلا مِنْ هَذا الوَجْهِ مِنْ حديث سُهَيْلٍ. وسألت محمداً عن هذا الحديث فقال هذا حديث عبد العزيز من المختلف لا يعرف الأمن حديثه.
ـــــــ
البركة وفي حديث جابر عند مسلم: "إنكم لا تدرون في أية البركة" . قال النووي: معناه أن الطعام الذي يحضر الإنسان فيه بركة ولا يدري أن تلك البركة فيما أكله أو فيما بقي على أصابعه أو فيما بقي في أسفل القصعة أو في اللقمة الساقطة، فينبغي أن يحافظ على هذا كله لتحصل البركة. وأصل البركة: الزيادة وثبوت الخير والامتناع به، والمراد هنا ما يحصل به التغذية وتسلم عافيته من أذى، ويقوي على طاعة الله تعالى وغير ذلك انتهى.
وفي الحديث رد على من كره لعق الأصابع استقذاراً نعم. يحصل ذلك لو فعله في أثناء الأكل لأنه يعيد أصابعه في الطعام وعليها أثر ريقه.
قوله: "وفي الباب عن جابر وكعب بن مالك وأنس" أما حديث جابر فأخرجه أحمد ومسلم عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بلعق الأصابع والصحفة وقال "إنكم لا تدرون في أية البركة" . وأما حديث كعب بن مالك فأخرجه أحمد وأبو داود والنسائي عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أكل بثلاث أصابع ويعلق يده قبل أن يمسحها. وأما حديث أنس فأخرجه الترمذي في الباب الذي يليه.
قوله: "هذا حديث حسن غريب" وأخرجه مسلم

(5/521)


باب ماجاء في اللقمة تسقط
...
11ـ باب مَا جَاءَ في اللّقْمَةِ تَسْقُط
1862ـ حدثنا قُتَيْبَةُ حدثنا ابنُ لَهِيعَةَ عن أبي الزّبَيْرِ عن جَابِرٍ أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ: "إذَا أكَلَ أحَدُكُمْ طَعَاماً فَسَقَطَتْ لُقْمَةٌ فَلْيُمِطْ ما رَابَهُ منها ثم لِيَطْعَمْهَا وَلاَ يَدَعهَا لِلشّيْطَانِ" .
ـــــــ
"باب مَا جَاءَ في اللّقْمَةِ تَسْقُط"
قوله: "فلبمط" بضم الياء وكسر الميم من الإماطة أي فلنزل "ما رابه منها"

(5/521)


وفي البابِ عن أنَسٍ.
1863ـ حدثنا الْحَسَنُ بنُ عليّ الْخَلاّلُ حدثنا عَفّانُ بنُ مُسْلِمٍ حدثنا حَمّادُ بنُ سَلَمَةَ حدثنا ثِابتٌ عن أنَسٍ أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم كَانَ إذَا أكَلَ طَعَاماً لَعَقَ أصَابِعَهُ الثلاثَ وقال: "إذَا وَقَعَتْ لُقْمَةُ أحَدِكُمْ فَلْيُمِطْ عنها الأَذَى وَلْيَأْكُلْهَا وَلاَ يَدَعُهَا للشّيْطَانِ" ، وَأَمَرَنَا أنْ نَسْلُتَ الصّحْفَةَ وقالَ: "إنّكُمْ لا تَدْرُونَ في أيّ طَعَامِكُمْ البَرَكَةُ" .
ـــــــ
أي من اللقمة الساقطة، والمعنى فلنزل ولينح ما يكره من غبار وتراب وقذى ونحو ذلك. قال في المجمع: رابني الشيء وأرابني بمعنى شككني. وقال فيه أيضاً: وفي حديث فاطمة: يريبني ما يريبها أي يسوؤني ما يسؤها ويزعجني ما يزعجها، من رابني وأرابني إذا رأيت منه ما تكره انتهى. وفي رواية مسلم فليأخذها فليمط ما كان بها من أذى "ثم ليطعمها" في رواية مسلم: وليأكلها "ولا يدعها" بفتح الدال أي لا يتركها "للشيطان" قال التوربشتي: إنما صار تركها للشيطان لأن فيه إضاعة نعمة الله والاستحقار بها من غير ما بأس، ثم إنه من أخلاق المتكبرين، والمانع عن تناول تلك اللقمة في الغالب هوا لكبر وذلك من عمل الشيطان انتهى. قال النووي: في الحديث استحباب أكل اللقمة الساقطة بعد مسح أذى يصيبها، هذا إذا لم تقع على موضع نجس، فإن وقعت على موضع نجس تنجست ولا بد من غسلها إن أمكن، فإن تعذر أطعمها حيواناً ولا يتركها للشيطان انتهى. وحديث جابر هذا أخرجه مسلم.
قوله: "وفي الباب عن أنس" أخرجه الترمذي بعد هذا.
قوله: "لعق أصابعه الثلاث" وكان صلى الله عليه وسلم يأكل بأصابعه الثلاث بالإبهام والتي تليها والوسطى "وأمرنا أن نسلت الصحفة" أي نمسحها ونتتبع ما بقي فيها من الطعام، يقال سلت الصحفة يسلتها من باب نصر ينصر إذا تتبع ما بقي فيها من الطعام ومسحها بالأصبع ونحوها والصحفة بالفارسية كاسه بزراً. قال

(5/522)


هذا حديثٌ حسنٌ غريب صحيحٌ.
1864ـ حدثنا نَصْرُ بنُ علي الْجَهْضَمِيّ أخبرنا المعلى بن راشد قالَ حَدثتَنِي جَدّتِي أُمّ عَاصِمٍ، وكانَتْ أُمّ وَلَدٍ لِسِنَانِ بنِ سَلَمَةَ قالَتْ: دخَلَ عَلَيْنَا نُبَيْشَةَ الْخَيْرُ وَنَحْنُ نَأْكُلُ في قَصْعَةٍ فَحَدّثَنَا أنّ رَسولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: "مَنْ أَكَلَ في قَصْعَةٍ ثمّ لَحسَهَا اسْتَغْفَرَتْ لَهُ القَصْعَةُ" .
ـــــــ
الكسائي أعظم القصاع الجفنة، ثم القصعة تليها تشبع العشرة، ثم الصفحة تشبع الخمسة ثم الميكلة تشبع الرجلين والثلاثة، ثم الصحيفة تشبع الرجل، كذا في الصراح.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي.
قوله: "حدثنا المعلى" بضم أوله وفتح ثانيه وتشديد اللام المفتوحة "ابن راشد" الهذلي "أبو اليمان" النبال البصري مقبول من الثامنة قاله في التقريب. وقال في تهذيب التهذيب في ترجمته، قال أبو حاتم شيخ يعرف بحديث حدث به عن جدته عن نبيشة الخير في لعق الصحفة. وقال النسائي: ليس به بأس وذكره ابن حبان في الثقاتّ، له في السنن الحديث الذي أشار إليه أبو حاتم انتهى "حدثتني جدتي أم عاصم" مقبولة من الثالثة "وكانت أم ولد لسنان بن سلمة" ابن المحبق البصري الهذلي ولد يوم حنين فله رؤية وقد أرسل أحاديث، مات في آخر إمارة الحجاج "قالت دخل علينا نبيشة الخير" قال في التقريب: نبيشة بمعجمة مصغراً ابن عبد الله الهذلي ويقال له نبيشة الخير صحابي قليل الحديث.
قوله: "من أكل" أي طعاماً "في قصعة" أي ونحوها "ثم لحسها" بكسر الحاء من باب سمع أي لعقها، والمراد أنه لحس ما فيها من طعام تواضعاً وتعظيماً، لما أنعم الله عليه ورزقه وصيانة له عن التلف "استغفرت له القصعة" ولعله أظهر في موضع المضمر لئلا يتوهم أن قوله بصيغة المتكلم، قال القاري: ولما كانت تلك المغفرة بسبب لحس القصعة وتوسطها جعلت القصعة كأنها تستغفر له مع أنه

(5/523)


هذا حديثٌ غريبٌ لا نَعْرِفُهُ إلاّ مِنْ حديثِ المُعلّى بنِ رَاشِدٍ. وقد رَوَى يَزِيدُ بنُ هَارُونَ وَغيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الأَئِمّةِ عن المُعَلّى بنِ رَاشِدٍ هذا الْحَدِيثَ.
ـــــــ
لا مانع من الجمل على الحقيقة. قال التوربشتي: استغفار القصعة عبارة عما تعودت فيه من أمارة التواضع ممن أكل منها وبراءته من الكبر وذلك مما يوجب له المغفرة فأضاف إلى القصعة لأنها كالسبب لذلك انتهى.
قلت: الحمل على الحقيقة في هذا وأمثاله هو المتعين، ولا حاجة إلى الحمل على المجاز.
قوله: "هذا حديث غريب" وأخرجه أحمد وابن ماجه والدارميغ كذا في المشكاة

(5/524)


باب ماجاء في كراهية الأكل من وسط الطعام
...
12ـ باب مَا جَاءَ في كَرَاهِيَةِ الأَكْلِ مِنْ وَسَطِ الطّعَام
1865ـ حدثنا أبو رَجَاء حدثنا جَرِيرٌ عن عَطَاءِ عن السائب عن سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ عن ابنِ عَبّاسٍ أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قالَ: "إنّ الْبَرَكَةَ تَنْزِلُ وَسَطَ الطّعَامِ فَكُلُوا مِنْ حَافَتَيْهِ وَلاَ تَأْكُلُوا مِنْ وَسَطِهِ" .
ـــــــ
"باب مَا جَاءَ في كَرَاهِيَةِ الأَكْلِ مِنْ وَسَطِ الطّعَام"
قوله: "حدثنا أبو رجاء" لم يظهر لي أن أبا رجاء هذا من هو وما اسمه "حدثنا جرير" هو ابن عبد الحميد "عن سعيد بن جبير" بمضمومة فمفتوحة وسكون ياء الأسدي مولاهم الكوفي ثقة ثبت فقيه من الثالثة، وروايته عن عائشة وأبي موسى ونحوهما مرسلة، قتل بين يدي الحجاج سنة خمس وتسعين ولم يكمل الخمسين كذا في التقريب.
"إن البركة تنزل وسط الطعام" بسكون السين ويفتح، والوسط أعدل المواضع فكان أحق بنزول البركة فيه "فكلوا من حافيته" أي جانبيه. قال في

(5/524)


هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. إنّمَا يُعْرَفُ مِنْ حَدِيثِ عَطَاءِ بنِ السّائبِ وقد روى شُعْبَةُ والثّورْيّ عن عَطَاءِ بنِ السّائِبِ.
وفي البابِ عن ابنِ عُمَرَ.
ـــــــ
القاموس: حافتا الوادي وغيره جانباه والجمع حافات انتهى. وليس المراد هنا خصوص التثنية، ففي المشكاة أنه كتى بقصعة من ثريد فقال: كلوا من جوانبها، وفي الجامع الصغير للسيوطي: فكلوا من حافاته، وفي رواية ابن ماجة فخذوا من حافته "ولا تأكلوا من وسطه" فيه مشروعية الأكل من جوانب الطعام قبل وسطه. قال الرافعي وغيره: يكره أن يأكل من أعلى الثريد ووسط القصعة، وأن يأكل مما يلي أكيله ولا بأس بذلك في الفواكه، وتعقبه الإسنوي بأن الشافعي نص على التحريم فإن لفظه في الأم: فإن أكل مما لا يليه أو من رأس الطعام أتم بالفعل الذي فعله إذا كان عالماً. واستدل بالنهي عن النبي صلى الله عليه وسلم وأشار إلى هذا الحديث. قال الغزالي: وكذا لا يأكل من وسط الرغيف بل من استدارته إلا إذا قل الخبز فليكسر الخبر، والعلة في ذلك ما في الحديث من كون البركة تنزل في وسط الطعام، كذا في النيل.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة والدارمي وابن حبان في صحيحه والحاكم.
قوله "وفي الباب عن ابن عمر" لينظر من أخرجه.

(5/525)


باب ماجاء في كراهية أكل الثوم والبصل
...
13ـ باب ما جاءَ في كَرَاهِيَةِ أَكْلِ الثّوْمِ والْبَصَل
1866ـ حدثنا إسْحَاقُ بنُ مَنْصُورٍ، أخبرنا يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ القَطّانُ عن ابنِ جُرَيْجٍ حدثنا عَطَاءٌ عن جَابِر قالَ: قالَ رَسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ قال أوّلَ مَرّةٍ الثوم ثُم قَالَ الثومَ والبَصَلَ والكُرّاثَ، فلا يَقْرَبْنَا في مساجدنا" .
ـــــــ
"باب ما جاءَ في كَرَاهِيَةِ أَكْلِ الثّوْمِ والْبَصَل"
قوله: "من أكل من هذه" أي هذه الشجرة قوله: "قال أول مرة الثوم" هذا قول

(5/525)


ـــــــ
ابن جريج، والضمير المرفوع في قال يرجع إلى عطاء كما فتح الباري في شرح باب الثوم الني والبصل والكراث، وقوله الثوم بالحربيان لهذه "ثم قال" أي عطاء مرة أخرى "الثوم والبصل والكراث" الثوم بضم الثاء المثلثة يقال له بالفارسية والهندية كندنا "فلا يقربنا في مسجدنا" قال النووي بعد أن ذكر حديث مسلم بلفظ: فلا يقربن المساجد، هذا تصريح بنهي من أكل الثوم ونحوه عن دخول كل مسجد، وهذا مذهب العلماء كافة إلا ما حكاه القاضي عياض عن بعض العلماء أن النهي خاص بمسجد النبي صلى الله عليه وسلم لقوله في رواية: فلا يقربن مسجدنا. وحجة الجمهور فلا يقربن المساجد. قال ابن دقيق العيد: ويكون مسجدنا للجنس أو لضرب المثال، فإنه معلل إما بتأذى الآدميين أو بتأذي الملائكة الحاضرين وذلك قد يوجد في المساجد كلها. ثم إن النهي إنما هو عن حضور المسجد لا عن أكل الثوم والبصل ونحوهما، فهذه البقول حلال بإجماع من يعتد به. وحكى القاضي عياض عن أهل الظاهر تحريمها لأنها تمنع عن حضور الجماعة وهي عندهم فرض عين، وحجة الجمهور قوله صلى الله عليه وسلم في أحاديث: كل فإني أناجي من لا تناجي، قوله صلى الله عليه وسلم " أيها الناس إنه ليس لي تحريم ما أحل الله ولكنها شجرة أكره ريحها" . أخرجه مسلم وغيره.
قال العلماء: ويلحق بالثوم والبصل والكراث كل ماله رائحة كريهة من المأكولات وغيرها. وقال القاضي عياض: ويلحق به من أكل فجلا وكان يتجشى، قال: وقال ابن المرابط: ويلحق به من به بخوفي فيه أو به جرح له رائحة. قال القاضي: وقاس العلماء على هذا مجامع الصلاة غير المسجد كمصلي العيد والجنائز ونحوها من مجامع العبادات، وكذا مجامع العلم والذكر والولائم ونحوها، ولا يلتحق بها الأسواق ونحوها انتهى. قال الشوكاني: وفيه أن العلة إن كانت هي التأذي فلا وجه لإخراج الأسواق، وإن كانت مركبة من التأذي وكونه حاصلاً للمشتغلين بطاعة صح ذلك، ولكن العلة المذكورة في الحديث هي تأذي الملائكة فينبغي الاقتصار على إلحاق المواطن التي تحضرها الملائكة. وقد ورد في حديث عند مسلم بلفظ: لا يؤذينا بريح الثوم، وهي تقتضي التعليل بتأذي بني آدم. قال ابن دقيق العيد: والظاهر أن كل واحد منهما علة مستقلة انتهى وعلى هذا الأسواق كغيرها من مجامع العبادات.

(5/526)


هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
قال وفي الباب عن عُمَرَ وأبي أيّوبَ وأبي هُرَيْرَةَ وأبي سَعِيدٍ وجَابِرٍ بنِ سَمُرَةَ وَقُرّةَ بن إياس المزني وابنِ عُمَرَ.
ـــــــ
قوله: "هذا حديث حسن" وأخرجه الشيخان وغيرهما.
قوله: "وفي الباب عن عمر وأبي أيوب وأبي هريرة وأبي سعيد وجابر بن سمرة وقرة وابن عمر" أما حديث عمر فأخرجه مسلم والنسائي وابن ماجة عنه أنه خطيب يوم الجمعة فقال في خطبته: ثم إنكم أيها الناس تأكلون شجرتين لا أراهما إلا خبيثتين البصل والثوم لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا وجد ريحهما من الرجل في المسجد أمر به فأخرج إلى البقيع، فمن أكلهما فليمطهما طبخاً وأما حديث أبي أيوب فأخرجه مسلم في باب إباحة أكل الثوم وأما حديث أبي هريرة فأخرجه مسلم والنسائي وابن ماجة عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أكل من هذه الشجرة فلا يقربن مسجدنا ولا يؤذينا بريح الثوم" ، وأما حديث أبي سعيد فأخرجه مسلم عنه وفيه، من أكل من هذه الشجرة الخبيثة شيئاً فلا يقربنا في المسجد، فقال الناس: حرمت حرمت، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فقال "أيها الناس إنه ليس لي تحريم ما أحل الله لي ولكنها شجرة أكره ريحها" ، وأما حديث جابر بن سمرة فأخرجه الترمذي في الباب الذي يليه. وأما حديث قرة فأخرجه أبو داود والنسائي عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن هاتين الشجرتين وقال: من أكلهما فلا يقربن مسجدنا. وقال إن كنتم لا بد آكليهما فأميتوهما طبخاً وأم حديث ابن عمر فأخرجه الشيخان وأبو داود

(5/527)


باب ماجاء في الرخصة في أكل الثوم مطبوخا
...
14ـ باب ما جاءَ في الرخصة في أَكْلِ الثّوْمِ مطبوخا
1867ـ حدثنا محمودُ بنُ غَيلاَنَ، حدثنا أبُو دَاوُدَ أَنْبَأنَا شُعْبَةُ عن سِمَاكِ بنِ حَرْبٍ سَمِعَ جَابِرَ بنَ سَمُرَةَ يقولُ: "نَزَلَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم على أبي أيّوبَ، وكانَ إذَا أكَلَ طَعَاماً بَعَثَ إليهِ بِفَضْلِهِ، فَبَعَثَ إليهِ
ـــــــ
"باب ما جاءَ في الرخصة في أَكْلِ الثّوْمِ مطبوخا"
قوله: "نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي أيوب" أي حين قدم من

(5/527)


يَوْمَاً بِطَعَامٍ ولَمْ يَأْكُلُ مِنْهُ النبيّ صلى الله عليه وسلم فَلَمّا أتَى أبُو أيّوبَ النبي صلى الله عليه وسلم فَذَكَرَ ذلكَ لَهُ، فقالَ "فِيهِ ثوم" ، فقالَ يَا رسُولَ الله أحَرَامٌ هُوَ؟ قالَ: "لا ولَكِنّي أكْرَهُهُ مِنْ أجْلِ رِيحهِ" .
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
1868 ـ حدثنا محمدُ بنُ مَدّويِه، حدثنا مُسَدّدٌ، حدثنا الْجَرّاحُ بنُ
ـــــــ
مكة إلى المدينة مهاجراً "وكان إذا أكل بعث إليه بفضله" قال النووي: قال العلماء في هذا أنه يستحب للأكل والشارب أن يفضل مما يأكل ويشرب فضله ليواسي بها من بعده لاسيما إن كان مما يتبرك بفضلته، وكذا إذا كان في الطعام قلة ولهم إليه حاجة ويتأكد هذا في حق الضيف لاسيما إن كانت عادة أهل الطعام أن يخرجوا كل ما عندهم وينتظر عيالهم الفضلة كما يفعله كثير من الناس، ونقلوا أن السلف كانوا يستحبون إفضال هذه الفضلة المذكورة، وهذا الحديث أصل ذلك كله "أحرام هو قال لا ولكني أكرهه من أجل ريحه" هذا تصريح بإباحة الثوم وهو مجموع عليه، لكن يكره لمن أراد حضور المسجد. أو حضور جمع في غير المسجد أو مخاطبة الكبار، ويلحق بالثوم كل ماله رائحة كريهة. قال النووي: واختلف أصحابنا في حكم الثوم في حقه صلى الله عليه وسلم وكذلك البصل والكراث ونحوها، فقال بعض أصحابنا: هي محرمة عليه، والأصح عندهم أنها مكروهة كراهة تنزيه ليست محرمة لعموم قوله صلى الله عليه وسلم لا في جواب قوله أحرام هي؟ ومن قال بالأول يقول: معنى الحديث ليس بحرام في حقكم انتهى.
قوله هذا حديث حسن صحيح وأخرجه مسلم.
قوله: "حدثنا محمد بن مدويه" هو محمد بن أحمد بن الحسين بن مدويه القرشي أبو عبد الرحمن الترمذي قوله: "حدثنا مسدد" بن مسرهد بن مسربل بن مستورد الأسدي البصري أبو الحسن ثقة حافظ يقال إنه أول من صنف المسند بالبصرة من العاشرة، ويقال اسمه عبد الملك بن عبد العزيز، كذا في التقريب "حدثنا الجراح

(5/528)


مَلِيحٍ والد وكيع عن أبي إسحاقَ عن شَرِيكِ بنِ حنْبَلٍ عن عَلِيّ أنّهُ قالَ: "نُهِيَ عن أَكْلِ الثّوْمِ إلاّ مَطْبُوخَاً". وقد روى هذا عن عليّ أنه قال نهي عن أكل الثوم إلا مطبوخاً " قوله
1869ـ حدثنا هَنّادٌ، حدثنا وَكِيعٌ عن أبيهِ عن أبي إسحاقَ عن شَرِيكِ بنِ حَنْبَلٍ عن عَلِي قال "أنه كره أكل الثوم إلا مطبوخاً".
هذا الحَدِيثُ لَيْسَ إسْنَادُهُ بذلك القَوِيّ، ورُوِيَ عن شَرِيك بنِ حَنْبَلٍ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم مُرْسلاً.
1870ـ حدثنا الْحَسَنُ بنُ الصّبّاحِ البزّارُ، حدثنا سُفْيَانُ بنُ عُيَيْنَةَ عن عُبَيْدِ الله بن أبي يَزِيدَ عن أبِيهِ عن أُمّ أَيّوبَ أخْبَرَتْهُ أن النّبِيّ صلى الله
ـــــــ
ابن مليح" بن عدي الرؤاسي والد وكيع صدوق يهم من السابعة قوله: "عن أبي إسحاق" هو السبيعي "عن شريك بن حنبل" العبسي الكوفي وقيل ابن شرحبيل، ثقة من الثانية ولم يثبت أن له صحبة كذا في التقريب. وقال في تهذيب التهذيب في ترجمته روى له أبو دارد والترمذي حديثاً في الثوم انتهى.
قوله: "أنه قال نهى" بصيغة المجهول قوله: "عن أكل الثوم" وفي معناه البصل والكراث ونحوهما "إلا مطبوخاً" هذا الحديث يفيد تقييد ما ورد من الأحاديث المطلقة في النهي "وقد روى هذا عن علي أنه قال الخ" يعني حديث على المذكور بلفظ أنه قال نهى عن أكل الثوم الخ مرفوع، وقد روى عنه هذا موقوفاً عليه ورواه الترمذي بعد هذا بقوله حدثنا هناد حدثنا وكيع الخ.
قوله: "هذا حديث ليس إسناده بذلك القوي" في سنده أبو إسحاق السبيعي وهو مدلس وقد اختلط بآخره، والحديث أخرجه أبو داود أيضاً.
قوله: "عن عبيد الله" بالتصغير "ابن أبي يزيد" المكي مولى آل قارظ بن شيبة ثقة كثير الحديث من الرابعة. ووقع في النسخة الأحمدية عن عبد الله مكبراً وهو

(5/529)


عليه وسلم نَزَلَ عليهم، فَتَكَلّفُوا له طَعَاماً فيهِ مِنْ بَعْضِ هذه البُقُولِ، فَكَرِهَ أكْلَهُ، فقال لأصحابِه: "كُلُوهُ فإني لَسْتُ كَأَحَدِكُمْ إني أخَافُ أنْ أُوذِيَ صَاحِبي" .
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ. وأُمّ أَيّوبَ هِيَ امْرَأَةُ أبي أيّوبَ الأنصاري.
1871ـ حدثنا محمدُ بنُ حُمَيْدٍ، حدثنا زَيْدُ بنُ الْحُبَابِ عن أبي خَلْدَةَ عن أبي الَعَالِيَةِ قال: الثّوْمُ مِنْ طَيّبَاتِ الرّزْقِ. وأبو خَلْدَةَ اسْمُهُ خَالِدُ بنُ دِينَارٍ، وهُوَ ثِقَةٌ عِنْدَ أهْلِ الْحَدِيثِ. وقد أدْرَكَ أنَسَ بنَ مَالِكٍ وسَمِعَ منه. وأبو العَالِيَةِ اسْمُهُ رُفَيعٌ وهو الرّيَاحِيّ. قالَ عَبْدُ الرحمَنِ بنُ مَهْدِيّ كانَ أبُو خَلْدَةَ خِيَاراً مُسْلِماً.
ـــــــ
غلط "عن أبيه" أي أبي يزيد المكي حليف بني زهرة يقال له صحبة وثقه ابن حبان من الثانية كذا في التقريب قوله: "عن أم أيوب" قال في تهذيب التهذيب: أم أيوب الأنصارية الخزرجية زوج أبي أيوب وهي بنت قيس بن سعد بن أمريء القيس، روت عن النبي صلى الله عليه وسلم، روى عبيد الله بن أبي يزيد عنها أنهم تكلفوا للنبي صلى الله عليه وسلم طعاماً فيه بعض هذه البقول، فقربوه فكرهه الحديث انتهى.
قوله: "فتكلفوا له طعاماً" قال في المجمع: تكلفت الشيء تجشمته على مشقة وعلى خلاف عادتك انتهى "فيه من بعض هذه القبول" من الثوم والبصل حديث جابر عند الشيخين: فإني أناجي من لاتناجى.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه ابن خزيمة وابن حبان كما في الفتح.
قوله: "عن أبي خلدة" قال في التقريب: خالد بن دينار التميمي السعدي أبو خلدة بفتح المعجمة وسكون اللام مشهور بكنيته البصري الخياط صدوق من

(5/530)


ـــــــ
الخامسة "عن أبي العالية" اسمه رفيع بالتصغير ابن مهران الرياحي، ثقة كثير الإرسال من الثانية، كذا في التقريب.
قوله: "الثوم من طيبات الرزق" يعني هو حلال، وما ورد من النهي فيه فهو لأجل ريحه لا لأنه حرام كما مر في حديث أبي أيوب

(5/531)


باب ماجاء في تخمير الإناء وإطفاء السراج والنار عند المنام
...
15ـ باب ما جَاءَ في تَخْمِيرِ الإنَاءِ
وإطفاء السّراجِ والنار عند المنام
1872 ـ حدثنا قُتَيْبَةُ عن مَالِكٍ عن أبي الزّبَيْرِ عن جَابِرٍ قالَ: قالَ النبيّ صلى الله عليه وسلم: "أغْلِقُوا البَابَ وَأوْكِئوا السّقَاءَ وأكْفِئُوا الإنَاءَ أوْ خَمّرُوا الإنَاءَ، واطْفِئُوا المِصْبَاحَ، فإنّ الشّيْطَانَ لا يَفْتَحُ غلقاً، ولا يَحلّ
ـــــــ
"باب ما جَاءَ في تَخْمِيرِ الإنَاءِ وإطفاء السّراجِ والنار عند المنام"
قوله "أغلقوا الباب" من الإغلاق، زاد مسلم في رواية: واذكروا اسم الله "وأوكوا" بفتح الهمزة وضم الكاف من الإيكاء "السقاء" بكسر السين أي شدوا واربطوا رأس السقاء بالوكاء وهو ما يشد به فم القربة. وزاد مسلم: واذكروا اسم الله "وأكفئوا الإناء" أي اقلبوه، قال في القاموس: كفأه كمنعه صرفه وكبه وقلبه كأكفأه انتهى "أو خمروا الإناء" بفتح معجمة وتشديد ميم أي غطوه، وفي رواية لمسلم: وخمروا آنيتكم واذكروا اسم الله ولو أن تعرضوا عليها شيئاً "وأطفئوا" بهمزة قطع وكسر فاء فهمزة مضمومة "المصباح" أي السراج "فإن الشيطان لا يفتح غلقاً" بضم الغين المعجمة واللام أي مغلقاً. قال في القاموس: باب غلق بضمتين مغلق انتهى. واللام في الشيطان للجنس إذ ليس المراد فرداً بعينه، والمعنى أن الشيطان لا يقدر على فتح باب أغلق مع ذكر الله عليه. قال ابن الملك: وعن بعض الفضلاء أن المراد بالشيطان شيطان الإنس لأن غلق الأبواب لا يمنع الشياطين الجن، وفيه نظر لأن المراد بالغلق الغلق

(5/531)


وِكَاءً، ولا يَكْشِفُ آنِيَةً، وإنّ الفُوَيْسِقَةَ تضْرِمُ على الناسِ بَيْتَهُمْ" .
قال وفي البابِ عن ابنِ عُمَرَ وأبي هُرَيْرَةَ وابنِ عَبّاسٍ.
ـــــــ
المذكور فيه اسم الله تعالى، فيجوز أن يكون دخولهم من جميع الجهات ممنوعاً ببركة التسمية وإنما خص الباب بالذكر لسهولة الدخول منه فإذا منع منه كان المنع من الأصعب بالأولى. وفي الجامع الصغير عن أبي أمامة مرفوعاً: "أجيفوا أبوابكم وأكفئوا آنيتكم وأوكؤا أسقيتكم وأطفئوا سرجكم فإنهم لم يؤذن لهم بالتسور عليكم" ، رواه أحمد "ولا يحل" بضم الحاء أي لا ينقض. قال في القاموس: حل العقدة نقضها "وكاء" بكسر الواو "ولا يكشف آنية" أي بشرط التسمية عند الأفعال جميعها، وفي رواية لمسلم: "غطوا الإناء وأوكوا السقاء فإن في السنة ليلة ينزل فيها وباء لا يمر بإناء ليس عليه غطاء، أو سقاء ليس عليه وكاء إلا نزل فيه من ذلك الوباء" . قال النووي: ذكر العلماء للأمر بالتغطية فوائد، منها الفائدتان اللتان وردتا في هذه الأحاديث وهما صيانته من الشيطان، فإن الشيطان لا يكشف غطاء ولا يحل سقاء، وصيانته من الوباء الذي ينزل في ليلة من السنة. والفائدة الثالثة صيانته من النجاسة والمقذرات. والرابعة صيانته من الحشرات والهوام فربما وقع شيء منها فيه فشربه، وهو غافل أو في الليل فيتضرر به انتهى "فإن الفويسقة" قال القاري تعليل لقوله: وأطفئوا المصباح، واعترض بينهما بالعلل للأفعال السابقة ولو ثبت الرواية هنا بالواو لكانت العلل مرتبة على طريق اللف والنشر، ثم رأيت في القاموس أن الفاء تجيء بمعنى الواو انتهى. والفويسقة تصغير الفاسقة والمراد الفأرة لخروجها من جحرها على الناس وإفسادها "تضرم" بضم التاء وإسكان الضاد أي تحرق سريعاً. قال أهل اللغة: ضرمت النار بكسر الراء وتضرمت وأضرمت أي التهبت، وأضرمتها أنا وضرمتها "على الناس بيتهم" وفي رواية البخاري: واطفئوا المصابيح فإن الفويسقة ربما جرت الفتيلة فأحرقت أهل البيت.
قوله: "وفي الباب عن ابن عمر وأبي هريرة وابن عباس" أما حديث ابن عمر فأخرجه الترمذي في هذا الباب. وأما حديث أبي هريرة فأخرجه ابن ماجة. وأما حديث ابن عمر فأخرجه الترمذي في هذا الباب. وأما حديث ابن عباس فأخرجه أبو داود وابن حبان والحاكم عنه قال: جاءت

(5/532)


هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وقد رُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عن جَابِرٍ.
1873 ـ حدثنا ابنُ أبي عُمَرَ وغَيْرُ وَاحِدٍ، قالوا حدثنا سُفْيَانُ عن الزّهْرِيّ عن سَالِمٍ عن أبيهِ قالَ: قالَ رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لا تَتْرُكُوا النّارَ في بُيُوتِكُمْ حِينَ تَنَامُونَ" .
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
فأرة تجر الفتيلة فألقتها بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم على الخمرة التي كان قاعداً عليها فأحرقت منها مثل موضع الدرهم، فقال "إذا نمتم فأطفئوا سرجكم فإن الشيطان يدل مثل هذه على هذا فيحرقكم" .
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه البخاري ومسلم وأبو داود وابن ماجة.
قوله: "لا تتركوا النار في بيوتكم حين تنامون" قال النووي: هذا عام يدخل فيه نار السراج وغيرها، وأما القناديل المعلقة في المساجد وغيرها فإن خيف حريق بسببها، دخلت في الأمر بالإطفاء، وإن أمن ذلك كما هو الغالب فالظاهر أنه لا بأس بها لانتفاء العلة لأن النبي صلى الله عليه وسلم علل الأمر بالإطفاء في الحديث السابق بأن الفويسقة تضرم على أهل البيت بيتهم، فإذا انتفت العلة زال المانع انتهى.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" أخرجه أحمد والشيخان وأبو داود وابن ماجه

(5/533)


باب ماجاء في كراهية القران بين التمرتين
...
16 ـ باب ما جاءَ في كَرَاهِيَةِ الْقِرانِ بَيْنَ التّمْرَتَيْن
1874 ـ حدثنا محمودُ بنُ غَيْلاَنَ، حدثنا أبو أحمدَ الزّبَيْرِيّ و عُبَيْدُ الله عن الثّوْرِيّ عن جَبَلَةَ بنِ سُحَيْمٍ عن ابنِ عُمَرَ قال: "نَهَى رسولُ الله
ـــــــ
"باب ما جاءَ في كَرَاهِيَةِ الْقِرانِ بَيْنَ التّمْرَتَيْن"
القران بكسر القاف وتخفيف الراء ضم تمرة إلى تمرة، لمن أكل مع جماعة.
قوله: "وعبيد الله" هو ابن موسى العبسي الكوفي "عن جبلة" بفتح الجيم

(5/533)


صلى الله عليه وسلم أنْ يقْرنَ بَيْنَ التّمْرَتَيْنِ حتّى يَسْتَأْذِنَ صَاحِبَهُ".
ـــــــ
والموحدة "بن سحيم" بمهملتين مصغراً كوفي ثقة من الثالثة.
قوله: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقرن" أي يجمع وهو بضم الراء وكسرها لغتان يقال قرن بين الشيئين. قالوا: ولا يقال أقرن "بين التمرتين" أي بأن يأكلهما دفعة "حتى يستأذن صاحبه" وفي رواية لمسلم: حتى يستأذن أصحابه أي الذين اشتركوا معه في ذلك التمر، فإذا أذنوا جاز له القران، قال النووي: هذا النهي متفق عليه حتى يستأذنهم، فإذا أذنوا فلا بأس. واختلفوا في أن هذا النهي على التحريم أو على الكراهة والأدب، فنقل القاضي عياض عن أهل الظاهر أنه للتحريم، وعن غيرهم أن للكراهة والأدب، والصواب التفصيل، فإن كان الطعام مشتركاً بينهم فالقران حرام إلا برضاهم ويحصل الرضا بتصريحهم به أو بما يقوم مقام التصريح من قرينة حال أو إدلال عليهم كلهم بحيث يعلم يقيناً أو ظناً قوياً أنهم يرضون به، ومتى شك في رضاهم فهو حرام وإن كان الطعام لغيرهم أو لأحدهم اشترط رضاه وحده، فإن قرن بغير رضاه فحرام ويستحب أن يستأذن الآكلين معه ولا يجب وإن كان الطعام لنفسه وقد ضيفهم به فلا يحرم عليه القران ثم إن كان في الطعام قلة فحسن أن يقرن لتساويهم، وإن كان كثيراً بحيث يفضل عنهم فلا بأس بقرانه، لكن الأدب مطلقاً التأدب في الأكل وترك الشره إلا أن يكون مستحيلاً ويريد الإسراع لشغل آخر. وقال الخطابي: إنما كان هذا في زمنهم وحين كان الطعام ضيقاً، فأما اليوم مع اتساع الحال فلا حاجة إلى الإذن، وليس كما قال، بل الصواب ما ذكرنا من التفضيل، فإن الاعتبار لعموم اللفظ لا لخصوص السبب لو ثبت السبب، كيف وهو غير ثابت انتهى كلام النووي.
تنبيه: قد أخرج ابن شاهين في الناسخ والمنسوخ وهو في مسند البزار من طريق ابن بريدة عن أبيه رفعه: كنت نهيتكم عن القران في التمر وإن الله وسع عليكم فاقرنوا. قال الحافظ: في سنده ضعف. وقال الحازمي: حديث النهي أصح وأشهر إلا أن الخطب فيه يسير لأنه ليس من باب العبادات وإنما هو من قبيل المصالح الدنيوية فكيتفي فيه بمثل ذلك، ويعضده إجماع الأمة على جواز ذلك. قال الحافظ: مراده بالجواز في حال كون الشخص مالكاً لذلك المأكول ولو

(5/534)


قال وفي البابِ عن سَعْدٍ مَوْلَى أبي بَكْرٍ.
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
بطريق الإذن له فيه كما قرره النووي وإلا فلم يجز أحد من العلماء أن يستأثر أحد بمال غيره بغير إذنه حتى لو قامت قرينة تدل على أن الذي وضع الطعام بين الضيفان لا يرضيه استئثار بعضهم على بعض، حرم الاسئثار جزماً، وإنما تقع المكارمة في ذلك إذا قامت قرينة الرضا. وذكر أو موسى المديني في ذيل الغربيين عن عائشة وجابر استقباح القران لما فيه من الشره والطمع المزري بصاحبه. وقال مالك: ليس بجميل أن يأكل أكثر من رفقته.
قوله: "وفي الباب عن سعد مولى أبي بكر" أخرجه ابن ماجه.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه أحمد والشيخان وأبو داود والنسائي وابن ماجه

(5/535)


باب ماجاء في إستحباب التمر
...
17 ـ باب ما جَاءَ في اسْتِحْبَابِ التّمْر
1875 ـ حدثنا محمدُ بنُ سَهْيل بن عَسْكَرٍ البغدادي و عَبْدُ الله بنُ عَبْدِ الرّحمَنِ قالا حدثنا يَحْيَى بنُ حَسّانَ حدثنا سُلَيْمَانُ بنُ بِلالٍ عن هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ عن أبِيهِ عن عَائِشَةَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ: "بَيْتٌ لا تَمْرَ فيهِ جِيَاعٌ أهْلُهُ" .
ـــــــ
"باب ما جَاءَ في اسْتِحْبَابِ التّمْر"
قوله: "حدثنا يحيى بن حسان" التنيسي من أهل البصرة، ثقة من التاسعة "حدثنا سليمان بن بلال" التيمي مولاهم أبو محمد، ويقال أبو أيوب المدني، ثقة من الثامنة.
قوله: "بيت لا تمر فيه جياع" بكسر الجيم جمع جائع "أهله" قيل أراد به أهل المدينة ومن كان قوتهم التمر، أو المراد به تعظيم شأن التمر. قال القاضي

(5/535)


وفي البابِ عن سلْمَى امْرَأَةِ أبي رَافِعٍ.
هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ لا نَعْرِفُهُ مِنْ حَدِيثِ هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ إلا مِنْ هذا الوَجْهِ
ـــــــ
أبو بكر بن العربي في شرح الترمذي: لأن التمر كان قوتهم فإذا خلا منه البيت جاع أهله، وأهل كل بلدة بالنظر إلى قوتهم يقولون كذلك. وقال النووي: فيه فضيلة التمر وجواز الادخار للعيال والحث عليه. قال الطيبي: ويمكن أن يحمل على الحث على القناعة في بلدة يكثر فيه التمر يعني بيت فيه تمر وقنعوا به لا يجوع أهله وإنما الجائع من ليس عنده تمر، وينصره حديث عائشة: كان يأتي علينا الشهر ما نوقد فيه ناراً إنما هو التمر والماء إلا أن يؤتى باللحم، أخرجه الشيخان.
قوله: "وفي الباب عن سلمى امرأة أبي رافع" أخرجه ابن ماجه عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: بيت لا تمر فيه كالبيت لا طعام فيه.
قوله: "هذا حديث حسن غريب الخ" وأخرجه أحمد ومسلم وأبو داود وابن ماجه

(5/536)


باب في الحمد على الطعام إذا فرغ منه
...
18ـ باب ما جاءَ في الْحَمْدِ على الطّعَامِ إذَا فُرغَ مِنْه
1876ـ حدثنا هَنّادٌ و محمودُ بنُ غَيْلاَنَ قالا حدثنا أبُو أُسَامَةَ عن زَكَرِيّا بنِ أبي زَائِدَةَ عن سَعِيدِ بنِ أبي بُرْدَةَ عن أنَسِ بنِ مَالِكٍ أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "إنّ الله ليَرْضَى عن الْعَبْدِ أنْ يَأْكُلَ الأكْلَةَ أوْ يَشْرَبَ الشّرْبَةَ فَيَحْمَدَهُ عليها" .
ـــــــ
"باب ما جاءَ في الْحَمْدِ على الطّعَامِ إذَا فُرغَ مِنْه"
قوله: "حدثنا أبو أسامة" اسمه حماد بن أسامة "عن سعيد بن أبي بردة" بمضمومة فساكنة وإهمال دال ابن أبي موسى الأشعري الكوفي ثقة ثبت وروايته عن ابن عمر مرسلة من الخامسة كذا في التقريب.
قوله: "إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل" أي بسبب أن يأكل أو لأجل أن

(5/536)


قال وفي البابِ عن عُقْبَةَ بنِ عَامِرٍ وأبي سَعِيدٍ وعائشةَ وأبي أيُوبَ وأبي هُرَيْرَةَ.
هذا حديثٌ حسنٌ. وقد رَوَاهُ غَيْرُ واحِدٍ عن زَكَرِيّا بنِ أبي زَائِدَةَ نَحْوَهُ، ولا نَعْرِفُهُ إلاّ مِنْ حديث زَكَرِيّا بنِ أبي زَائِدَةَ.
ـــــــ
يأكل، أو مفعول به ليرضى، يعني يجب منه أن يأكل "الأكلة" قال النووي: الأكلة هنا بفتح الهمزة وهي المرة الواحدة من الأكل كالغذاء أو العشاء انتهى. وقال القاري: بفتح الهمزة أي المرة من الأكل حتى يشبع، ويروي بضم الهمزة أي اللقمة وهي أبلغ في بيان اهتمام أداء الحمد لكن الأول أوفق مع قوله أو يشرب الشربة فإنها بالفتح لا غير، وكل منها مفعول مطلق لفعله "فيحمده" بالنصب وهو ظاهر ويجوز الرفع أي العبد يحمده "عليها" أي على لك واحدة من الأكلة والشربة. قال ابن بطال: اتفقوا على استحباب الحمد بعد الطعام ووردت في ذلك أنواع يعني لا يتعين شيء منها. وقال النووي في الحديث استحباب حمد الله تعالى عقب الأكل والشرب، وقد جاء في البخاري صفة التحميد الحمد كثيراً طيباً مباركاً فيه غير مكفى ولا مودع ولا مستغنى عنه ربنا. وجاء غير ذلك، ولو اقتصر على الحمد لله حصل أصل السنة انتهى.
قوله: "وفي الباب عن عقبة بن عامر وأبي سعيد وعائشة وأبي أيوب وأبي هريرة" أما حديث عقبة بن عامر فلينظر من أخرجه، وأما حديث أبي سعيد فأخرجه الترمذي في أبواب الدعوات. وأما حديث عائشة فلينظر من أخرجه. وأما حديث أبي أيوب فأخرجه أبو داود والنسائي وابن حبان عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أكل أو شرب قال: "الحمد لله الذي أطعم وسقى وسوغه وجعل له مخرجا ً" . وأما حديث أبي هريرة فأخرجه النسائي وابن حبان والحاكم كما في الفتح.
قوله: "هذا حديث حسن" وأخرجه أحمد ومسلم والنسائي

(5/537)


باب ماجاء في الأكل مع المجذوم
...
19ـ باب ما جاءَ في الأكْلِ مَعَ المَجْذوم
1877ـ حدثنا أحمدُ بنُ سَعِيدٍ الأَشْقَرُ و إبراهيم بنُ يَعْقُوبَ قالا حدثنا يُونُسُ بنُ محمدٍ حدثنا المُفَضّلُ بنُ فَضَالَةَ عن حَبِيبِ بنِ الشّهِيدِ عن محمدِ بنِ المُنْكَدِرِ عن جَابِرِ بن عبد الله: "أنّ رَسولَ الله صلى الله عليه وسلم أخَذَ بِيَدِ مَجْذُومٍ، فَأَدْخَلَهُ مَعَهُ في القَصْعَةِ، ثُمّ قالَ: "كُلْ بِسْمِ الله ثِقَةً بالله وَتَوَكّلاً عَلَيْهِ" .
ـــــــ
"باب ما جاءَ في الأكْلِ مَعَ المَجْذوم"
قوله: "حدثنا أحمد بن سعيد الأشقر" قال في التقريب: أحمد بن سعيد بن إبراهيم المروزي أبو عبد الله الأشقر ثقة حافظ من الحادية عشرة "وإبراهيم بن يعقوب" هو الجوزجاني "حدثنا يونس بن محمد" بن مسلم البغدادي أبو محمد المؤدب ثقة ثبت من صغار التاسعة "حدثنا المفضل بن فضالة" بن أبي أمية البصري كنيته أبو مالك أخو مبارك بن فضالة ضعيف من التاسعة كذا في التقريب، وقال في تهذيب التهذيب في ترجمته: روى عن أبيه وحبيب بن الشهيد وغيرهما. وعنه يونس بن محمد المؤدب وغيره. قال الدوري عن ابن معين: ليس بذاك، وقال النسائي: ليس بالقوي، وذكره ابن حبان في الثقات له في السنن حديثه عن حبيب عن ابن المنكدر عن جابر: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيد مجذوم فوضعها معه في القصعة الحديث، قال ابن عدي: لم أر له أنكر من هذا يعني حديث جابر انتهى.
قوله: "أخذ بيد مجذوم" قال الأردبيلي: المجذوم الذي وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم أو عمر يده في القصعة وأكل معه هو معيقيب بن أبي فاطمة الدوسي "فأدخله معه" وفي رواية ابن ماجه: فأدخلها معه، وفي رواية أبي داود: فوضعها معه، فتذكير الضمير في قوله: أدخله في رواية الترمذي بتأويل العضو في "القصعة" بفتح القاف، وفيه غاية التوكل من جهتين إحداهما الأخذ بيده،

(5/538)


هذا حديثٌ غريبٌ لا نَعْرِفُهُ إلاّ مِنْ حَدِيثِ يُونُسَ بنِ محمدٍ عن المُفضّلِ بنِ فَضَالَةَ، هذا شَيْخٌ بَصْرِي. والمُفَضّلُ بنُ فَضَالَةَ شَيْخٌ آخَرٌ بصري أوثَقُ مِنْ هَذَا وأشْهَرُ. وقد رَوَى شُعْبَةُ هذا الْحَدِيثَ عن حَبِيبٍ بنِ الشّهِيدِ عن ابنِ بُريْدَةَ أنّ ابن عُمَرَ أخَذَ بِيَدِ مَجْذُومٍ. وحَدِيثُ شُعْبَةُ أثبت عِنْدِي وَأصَحّ.
ـــــــ
وثانيهما الأكل معه، وأخرج الطحاوي عن أبي ذر: كل مع صاحب البلاء تواضعاً لربك إيماناً "كل بسم الله ثقة بالله" بكسر المثلثة مصدر بمعنى الوثوق كالعدة والوعد وهو مفعول مطلق، أي كل معي أثق ثقة بالله أي اعتماداً به وتفويضاً للأمر إليه "وتوكلا" أي وأتوكل توكلاً "عليه" والجملتان ح الآن ثانيتهما مؤكدة للأولى. قال الأدبيلي: قال البيهقي: أخذه صلى الله عليه وسلم بيد المحذوم ووضعها في القصعة وأكله معه في حق من يكون حاله الصبر على المكروه وترك الاختيار في موارد القضاء، وقوله صلى الله عليه وسلم: فر من المجذوم كما تفر من الأسد، وأمره صلى الله عليه وسلم في مجذوم بني ثقيف بالرجوع في حق من يخاف على نفسه العجز عن احتمال المكروه والصبر عليه فيحرز بما هو جائز في الشرع من أنواع الاحترازات انتهى. قال النووي قال القاضي: قد اختلفت الآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم في قصة المجذوم فثبت عنه الحديثان المذكوران، يعني حديث فر من المجذوم وحديث المجذوم في وفد ثقيف. وروى عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم أكل مع المجذوم وقال له: كل ثقة بالله وتوكلا عليه. وعن عائشة قالت: كان لنا مولى مجذوم فكان يأكل في صحافي ويشرب في أقداحي وينام على فراشي. قال: وقد ذهب عمر وغيره من السلف إلى الأكل معه ورأوا أن الأمر باجتنابه منسوخ، والصحيح الذي قاله الأكثرون ويتعين المصير إليه أنه: لا نسخ بل يجب الجمع بين الحديثين، وحمل الأمر باجتنابه والفرار منه على الاستحباب والاحتياط لا الوجوب، وأما الأكل معه ففعله لبيان الجواز انتهى.
قوله: "هذا حديث غريب" وأخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه وابن حبان والحاكم "والمفضل بن فضالة شيخ آخر بصري الخ" قال في التقريب:

(5/539)


ـــــــ
المفضل بن فضالة بن عبيد بن ثمامة القتباني المصري أبو معاوية القاضي ثقة فاضل عابد أخطأ ابن سعد في تضعيفه من الثامنة انتهى. وروي شعبة هذا الحديث عن حبيب بن الشهيد عن ابن بريدة قال الحافظ في تهذيب التهذيب: ابن بريدة هو عبد الله وأخوه سليمان، قال البزار: أما علقمة بن مرثد ومحارب بن دثار ومحمد بن جحادة فإنما يحدثون عن سليمان فحيث أبهموا ابن بريدة فهو سليمان وكذا الأعمش عندي. وأما من عدا هؤلاء حيث أبهموا ابن بريدة فهو عبد الله انتهى "وحديث شعبة أشبه عندي وأصح" حديث شعبة هذا منقطع، قال الحافظ في تهذيب التهذيب في ترجمة عبد الله بن بريدة: قال ابن أبي حاتم في المراسيل: قال أبو زرعة: لم يسمع من عمر انتهى

(5/540)


باب ماجاء أن المؤمن يأكل في معا واحد
...
20ـ باب ما جاءَ أنّ المؤْمِنَ يَأْكُلُ في معىً واحدٍ والكافر يأكل
1878ـ حدثنا محمدُ بنُ بَشّارٍ، حدثنا يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ، حدثنا عُبَيْدُ الله عن نَافِعٍ عن ابنِ عُمَرَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ: "الكافِرُ يَأْكُلُ في سَبْعَةِ أمْعَاءٍ والمُؤْمِنُ يأكل في معَىً واحِدٍ" .
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
قال وفي البابِ عن أبي هُرَيْرَةَ وأبي سَعِيدٍ وأبي بصرة الغفاري وأبي مُوسَى وجَهْجَاهٍ الغِفَارِيّ ومَيْمُونَةَ وعَبْدِ الله بنِ عَمْرٍو.
ـــــــ
"باب ما جاءَ أنّ المؤْمِنَ يَأْكُلُ في معىً واحدٍ والكافر يأكل"
قوله: "الكافر يأكل في سبعة أمعاء والمؤمن يأكل في معاً واحد" بكسر الميم منوناً ويكتب بالياء قال في القاموس: المعي بالفتح وكإلى من أعفاج البطن وقد يؤنث والجمع أمعاء، والعفج بالكسر والتحريك وككتف: ما ينتقل الطعام إليه بعد المعدة والجمع أعفاج انتهى.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه والشيخان وابن ماجه.
قوله: "في الباب عن أبي هريرة وأبي سعيد وأبي بصرة الغفاري وأبي موسى وجهجاه

(5/540)


1879ـ حدثنا إسحاقُ بنُ مُوسَى الأنصاري حدثنا مَعْنٌ حدثنا مَالِكٌ عن سُهَيْلِ بنِ أبي صَالِحٍ عن أبيهِ عن أبي هُرَيْرَةَ: "أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم ضَافَهُ ضَيْفٌ كافِرٌ فأَمَرَ لَهُ رَسولُ الله صلى الله عليه وسلم بِشَاةٍ فَحُلِبَتْ فَشَرِبَ ثُمّ أُخْرَى فَشَربَهُ. ثُمّ أُخْرَى فَشَرِبَهُ حتى شَرِبَ حِلاَبَ
ـــــــ
الغفاري وميمونة وعبد الله بن عمرو" أما حديث أبي هريرة فأخرجه الترمذي بعد هذا وأما حديث أبي سعيد فلينظر من أخرجه. وأما حديث أبي نضرة فلم أقف عليه. اعلم أنه قد وقع في النسخ الحاضرة عن أبي نضرة بالنون والضاد المعجمة ولم أقف على من كنيته أبو نضرة بالنون والضاد المعجمة من الصحابة، نعم أبو بصرة بالموحدة والصاد المهملة صحابي، قال في التقريب: حميل مثل حميد لكن آخره لام وقيل بفتح أوله وقيل بالجيم ابن بصرة بفتح الموحدة ابن وقاص أبو بصرة الغفاري صحابي سكن مصر ومات بها انتهى. وقد روى عنه ما يتعلق بالباب. ففي مسند أحمد عن أبي بصرة الغفاري قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم لما هاجرت وذلك قبل أن أسلم فحلب لي شويهة كان يحتلبها فشربتها فلما أصبحت أسلمت الحديث. وفيه أن الكافر يأكل في سبعة أمعاء الخ. وأما حديث أبي موسى فأخرجه مسلم وابن ماجه. وأما حديث جهجاه الغفاري فأخرجه ابن أبي شيبة وأبو يعلى والبزار والطبراني كما في الفتح وأما حديث ميمونة فأخرجه أحمد وأما حديث عبد الله بن عمرو فأخرجه الطبراني بسند جيد عنه قال: جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم سبعة رجال فأخذ كل رجل من الصحابة رجلاً وأخذ النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً، فقال له "ما اسمك" ؟ قال: أبو غزوان، قال: فحلب له سبع شياه فشرب لبنها كله، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "هل لك يا أبا غزوان أن تسلم" ؟ قال: نعم، فأسلم، فسح رسول الله صلى الله عليه وسلم صدره، فلما أصبح حلب له شاة واحدة فلم يتم لبنها، فقال: "ما لك يا أبا غزوان" ؟ قال: والذي بعثك نبياً لقد رويت، قال: " إنك أمس كان لك سبعة أمعاء وليس لك اليوم إلا معي واحد" ، كذا في الفتح.
قوله: "ضافه" أي نزل به "فأمر له رسول الله صلى الله عليه وسلم بشاة" أي بأحلابها "فحلبت" بصيغة المجهول "فشرب" أي الضيف الكافر حلابها "ثم أخرى"

(5/541)


سَبْعِ شِيَاهٍ، ثُمّ أصْبَحَ مِنَ الغَدِ فأَسْلَمَ فأمر لَهُ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بِشَاةٍ فَحُلِبَتْ فَشَرِبَ حِلاَبَهَا، ثُمّ أمَرَ لَهُ بِأُخْرَى فَلَمْ يَسْتَتِمّهَا، فقالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "المُؤْمِنُ يَشْرَبُ في معىً واحِدٍ، والكَافِرُ يَشْرَبُ في سَبْعَةِ أمْعَاء" .
ـــــــ
أي ثم حلبت شاة أخرى "حتى شرب حلاب سبع شياه" الحلاب بكسر الحاء المهملة وخفة اللام اللبن الذي تحلبه والإناء الذي تحلب فيه اللبن، والمراد هنا الأول "ثم أصبح" أي الضيف الكافر "فلم يستتمها" أي فلم يقدر أن يشرب لبن الشاة الثانية على التمام "والمؤمن يشرب في معاً واحد" الخ قال الحافظ في الفتح: اختلف في معنى الحديث، فقيل ليس المراد به ظاهره وإنما هو مثل ضرب للمؤمن وزهده في الدنيا، والكافر وحرصه عليها، فكان المؤمن لتقلله من الدنيا يأكل في معى واحد، والكافر لشدة رغبته فيها واستكثاره منها يأكل في سبعة أمعاء، فليس المراد حقيقة الأمعاء ولا خصوص الأكل، وإنما المراد التقلل من الدنيا والاستكثار منها، فكأنه عبر عن تناول الدنيا بالأكل وعن أسباب ذلك بالأمعاء، ووجه العلاقة ظاهر.
وقيل: المعنى أن المؤمن يأكل الحلال والكافر يأكل الحرام والحلال أقل من الحرام في الوجود، نقله ابن التين. ونقل الطحاوي عن أبي جعفر بن عمران نحو الذي قبله. وقيل المراد حض المؤمن على قلة الأكل إذا علم أن كثرة الأكل صفة الكافر، فإن نفس المؤمن تنفر من الاتصاف بصفة الكافر. ويدل على أن كثرة الأكل من صفة الكفار قوله تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ} .
وقيل: بل هو على ظاهر، ثم اختلفوا في ذلك على أقوال أحدها: أنه زود في شخص بعينه واللام عهدية لا جنيسة، جزم بذلك ابن عبد البر فقال: لا سبيل إلى حمله على العموم لأن المشاهدة تدفعه، فكم من كافر يكون أقل أكلاً من مؤمن وعكسه، وكم من كافر أسلم فلم يتغير مقدار أكله، قال: وحديث أبي هريرة يدل على أنه ورد في رجل بعينه، ولذلك عقب به مالك الحديث والمطلق. وكذا

(5/542)


ـــــــ
البخاري، فكأنه قال هذا إذا كان كافراً كان يأكل في سبعة أمعاء فلما أسلم عوفي وبورك له في نفسه فكفاه جزء من سبعة أجزاء مما كان يكفيه وهو كافر انتهى. وقد تعقب هذا الحمل بأن ابن عمر راوي الحديث فهم منه العموم فلذلك منع الذي رآه يأكل كثيراً من الدخول عليه واحتج بالحديث، ثم كيف يتأتى حمله على شخص بعينه مع ما تقدم من ترجيح تعدد الواقعة، ويورد الحديث المذكور عقب كل واحدة منها في حق الذي وقع له نحو ذلك.
القول الثاني: أن الحديث خرج مخرج الغالب وليست حقيقة العدد مرادة، قالوا تخصيص السبعة للمبالغة في التكثير كما في قوله تعالى {وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ} والمعنى أن من شأن المؤمن التقلل من الأكل لاشتغاله بأسباب العبادة ولعلمه بأن مقصودا الشرع من الأكل ما يسد الجوع ويمسك الرمق ويعين على العبادة، ولخشيته أيضاً من حساب ما زاد على ذلك، والكافر بخلاف ذلك، كله فإنه لا يقف مع مقصود الشرع بل هو تابع لشهوة نفسه مسترسل فيها غير خائف من تبعات الحرام، فصار أكل المؤمن لما ذكرته إذا نسب إلى أكل الكافر كأنه بقدر السبع منه، ولا يلزم من هذا اطراده في كل مؤمن وكافر، فقد يكون في المؤمنين من يأكل كثيراً إما بحسب العادة وإما لعارض يعرض له من مرض باطن أو لغير ذلك، ويكون في الكفار من يأكل قليلاً إما لمراعاة الصحة على رأي الأطباء، وإما للرياضة على رأي الرهبان، وإما لعارض كضعف المعدة.
القول الثالث: أن المراد بالمؤمن في هذا الحديث التام الإيمان لأن من حسن إسلامه وكمل إيمانه اشتغل فكره فيما يصير إليه من الموت ما بعده، فيمنعه شدة الخوف وكثرة الفكر والإشفاق على نفسه من استيفاء شهوته، كما ورد في حديث لأبي أمامة رفعه: من كثر تفكره قل طعمه، ومن قل تفكره كثر طعمه وقسا قلبه. ويشير إلى ذلك حديث أبي سعيد الصحيح: إن هذا المال حلوة خضرة فمن أخذ بإشراف نفس كان كالذي يأكل ولا يشبع، فدل على أن المراد بالمؤمن من يقصد في مطعمه، وأما الكافر فمن شأنه الشره فيأكل بالنهم كما تأكل البهيمة،

(5/543)


هذا حديثٌ صحيح حسنٌ غريبٌ.
ـــــــ
ولا يأكل بالمصلحة لقيام البنية. وقد رد هذا الخطابي وقال: قد ذكر عن غير واحد من أفاضل السلف الأكل الكثير فلم يكن ذلك نقصاً في أيمانهم.
الرابع: أن المراد أن المؤمن يسمي الله تعالى عند طعامه وشرابه، فلا يشركه الشيطان فيكفيه القليل، والكافر لا يسمي فيشركه الشيطان. وفي صحيح مسلم في حديث مرفوع: "إن الشيطان يستحل الطعام إن لم يذكر اسم الله تعالى عليه" .
الخامس: قال النووي: المختار أن المراد أن بعض المؤمنين يأكل في معاً واحد وأن أكثر الكفار يأكلون في سبعة أمعاء، ولا يلزم أن يكون كل واحد من السبعة مثل معى المؤمن انتهى. ويدل على تفاوت الأمعاء ما ذكره عياض عن أهل التشريح: أن أمعاء الإنسان سبعة: المعدة ثم ثلاثة أمعاء بعدها متصلة بها: البواب ثم الصائم ثم الرقيق والثلاثة رقاق، ثم الأعور والقولون والمستقيم وكلها غلاظ، فيكون المعنى أن الكافر لكونه يأكل بشره لا يشبعه إلا ملء أمعائه السبعة، والمؤمن يشبعه ملء معاً واحد.
السادس: قال النووي: يحتمل أن يريد بالسبعة في الكافر، صفات: هي الحرص والنشرة وطول الأمل والطمع وسوء الطبع والحسد وحب السمن وبالواحد في المؤمن سد خلته.
السابع: قال القرطبي: شهوات الطعام سبع: شهوة الطبع، وشهوة النفس، وشهوة العين، وشهوة الفم، وشهوة الأذن، وشهوة الأنف، وشهوة الجوع، وهي الضرورية التي يأكل بها المؤمن، وأما الكافر فيأكل بالجميع انتهى ما في الفتح.
قلت: في أكثر هذه الأقوال بعد كما لا يخفي، والظاهر عندي هو القول الثاني والله تعالى أعلم.
قوله: "هذا حديث حسن غريب" وأخرجه أحمد ومسلم

(5/544)


باب ماجاء في طعام الواحد يكفي الإثنين
...
21- باب ما جاءَ في طَعَامِ الوَاحِدِ يَكْفِي الاثنَيْن
1880ـ حدثنا الأَنْصَارِيّ، حدثنا مَعْنٌ، حدثنا مالِكٌ، وحدثنا قُتَيْبَةُ عن مالِكٍ ح عن أبي الزّنَادِ عن الأَعْرَجِ عن أبي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "طَعَامُ الاثْنَيِنِ كافِي الثّلاَثة، وطَعَامُ الثّلاَثَةِ كافِي الأَرْبَعَة" .
قال وفي البابِ عن جابر وابنِ عُمَرَ.
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
وَرَوَى جَابِرٌ وابن عمر عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: قال "طَعَامُ الوَاحِدِ يَكْفِي الاثْنَيْنِ
ـــــــ
"باب ما جاءَ في طَعَامِ الوَاحِدِ يَكْفِي الاثنَيْن"
قوله: "حدثنا الأنصاري" هو إسحاق بن موسى الأنصاري "طعام الاثنين" أي ما يشبعهما "كما في الثلاثة" أي يكفيهم على وجه القناعة ويقويهم على الطاعة، ويزيل الضعف عنهم لا أنه يشبعهم، والغرض منه أن الرجل ينبغي أن يقنع بدون البشع ويصرف الزائد إلى محتاج آخر "وطعام الثلاثة كما في الأربعة" قال السيوطي: أي شبع الأقل قوت الأكثر، فيه الحث على مكارم الأخلاق والتقنع بالكفاية.
قوله: "وفي الباب عن ابن عمر وجابر" أما حديث ابن عمر فأخرجه الطبراني عنه مرفوعاً: "كلوا جميعاً ولا تفرقوا فإن طعام الواحد يكفي الاثنين" الحديث وأما حديث جابر فأخرجه الترمذي بعد هذا وأخرجه أيضاً أحمد ومسلم والنسائي.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه مالك والشيخان.
قوله: "وروى جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم: "طعام الواحد يكفي الأثنين وطعام الاثنين يكفي الأربعة" الخ" في شرح السنة حكى إسحاق بن راهويه عن جرير قال:

(5/545)


وطَعَامُ الاثْنَيْنِ يَكْفِي الأَرْبَعَةَ، وطَعَامُ الأَرْبَعَةِ يَكْفِي الثّمَانِيَةِ" .
حدثنا محمدُ بنُ بَشّارٍ، حدثنا عَبْدُ الرحمنِ بنُ مَهْدِي، عن سُفْيَان عن الأعمَش عن أبي سُفْيَانَ عن جَابِرٍ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم بهَذَا.
ـــــــ
تأويله شبع الواحد قوت الاثنين، وشبع الاثنين قوت الأربعة قال عبد إبراهيم بن عروة: تفسير هذه ما قال عمر رضي الله عنه عام الرفادة: لقد هممت أن أنزل على أهل كل بيت مثل عددهم فإن الرجل لا يهلك على نصف بطبه. قال النووي: فبه الحث على المواساة في الطعام وأنه وإن كان قليلاً حصلت منه الكفاية المقصودة ووقعت فيه بركة تعم الحاضرين عليه انتهى. وقال الحافظ وعند الطبراني من حديث ابن عمر "يعني الذي أشار إليه الترمذي وذكرنا لفظه" ما يرشد إلى العلة في ذلك فيؤخذ منه أن الكفاية تنشأ عن بركة الاجتماع، وأن الجمع كلما كثرت ازدادت البركة انتهى.
قوله: "عن أبي سفيان" اسمه طلحة بن نافع الواسطي الإسكاف، نزل مكة صدوق من الرابعة

(5/546)


باب ماجاء في أكل الجراد
...
22ـ باب ما جاءَ في أكْلِ الْجَرَاد
1881ـ حدثنا أحمدُ بنُ مَنِيعٍ حدثنا سُفْيَانُ عن أبي يَعْفُورَ العَبْدِيّ
ـــــــ
"باب ما جاءَ في أكْلِ الْجَرَاد"
بفتح الجيم وتخفيف الراء معروف، والواحد جرادة والذكر والأنثى سواء كالحمامة، ويقال إنه مشتق من الجرد لأنه لا ينزل على شيء إلا جرده. وخلقة الجرادة عجيبة فيها عشرة من الحيوانات ذكر بعضها ابن الشهرزوري في قوله:
لها فخذاً أبكر وساقاً نعامة ... وقادمتا نسر وجؤجؤ ضيغم
جنتها أفاعي الرمل بطناً وأنعمت ... عليها جياد الخيل بالرأس والفم
قيل: وفاته عين الفيل وعنق الثور وقرن الأيل وذنب الحية، وهو صنفان طيار ووثاب، ويبيض في الصخر فيتركه حتى ييبس وينتشر فلا يمر بزرع إلا اجتاحه. وقدأجمع العلماء على جواز أكله بغير تذكية إلا أن المشهور عند المالكية

(5/546)


عن عَبْدِ الله بنِ أبي أوْفَى أنّهُ سُئِلَ عن الْجَرَادِ فقال: "غَزَوْتُ مَعَ النبيّ صلى الله عليه وسلم سِتّ غَزَوَاتٍ نَأْكُلُ الْجَرَادَ".
هَكَذَا رَوَى سُفْيَانُ بنُ عُيَيْنَةَ عن أبي يَعْفُورٍ هذا الْحَدِيثَ وقالَ: سِتّ غَزَاوتٍ. وَرَوَى سُفْيَانُ
ـــــــ
اشتراط تذكيته، واختلفوا في صفتها فقيل بقطع رأسه، وقيل إن وقع في قدر أو نار حل. قال ابن وهب: أخذه ذكاته، ووافق مطرف منهم الجمهور في أنه لا يفتقر إلى ذكاته لحديث ابن عمر: "أحلت لنا ميتتان ودمان، السمك والجراد والكبد والطحال" ، أخرجه أحمد والدارقطني مرفوعاً، وقال إن الموقوف أصح. ورجح البيهقي أيضاً الموقوف إلا أنه قال: إن له حكم الرفع، كذا في الفتح
قوله: "حدثنا سفيان" هو ابن عيينة كما صرح به الترمذي بعد "عن أبي يعفور" بفتح التحتانية وسكون العين وضم الفاء وبالراء اسمه وقدان بفتح الواو وسكون القاف العبدي الكوفي مشهور بكنيته وهو الأكبر، ويقال اسمه واقد ثقة من الرابعة، كذا في التقريب.
قوله: "نأكل الجراد" زاد البخاري في روايته "معه" قال الحافظ في الفتح: يحتمل أن يريد بالمعية مجرد الغزو دون ما تبعه من أكل الجراد، ويحتمل أن يريد مع أكله، ويدل على الثاني أنه وقع في رواية أبي نعيم في الطب: ويأكل معنا. وهذا إن صح يرد على الصميري من الشافعية في زعمه أنه صلى الله عليه وسلم عافه كما عاف الضب، ثم وقفت على مستند الصميري وهو ما أخرجه أبو داود من حديث سلمان: سئل صلى الله عليه وسلم عن الجراد فقال لا آكله ولا أحرمه، والصواب مرسل. ولابن علي في ترجمة ثابت بن زهير عن نافع عن ابن عمر أنه صلى الله عليه وسلم سئل عن الضب فقال: لا آكله ولا أحرمه، وسئل عن الجراد فقال مثل ذلك، وهذا ليس ثابتاً لأن ثابتاً قال فيه النسائي ليس بثقة ونقل النووي الإجماع على حل أكل الجراد، لكن فصل ابن العربي في شرح الترمذي بين جراد الحجاز وجراد الأندلس، فقال في جراد الأندلس لا يؤكل لأنه ضرر محض، وهذا إن ثبت أنه يضر أكله بأن يكون فيه سمية تخصه دون غيره من جراد البلاد تعين استثناؤه انتهى كلام الحافظ بلفظه.
قوله: "هكذا روى سفيان بن عبينة عن أبي يعفور هذا الحديث وقال ست

(5/547)


الثّوْرِيّ وغيرواحد هذا عن أبي يَعْفُورَ فقال سَبْعَ غَزَوَاتٍ.
قال وفي البابِ عن ابنِ عُمَرَ وجَابِرٍ.
هذا حديث حسن صحيح. وأبو يعفور اسمه واقد ويقال وقدان أيضاً. وأبو يعفور الآخر اسمه عبد الرحمن بن عبيد بن بسطاس.
1882ـ حدثنا محمودُ بنُ غَيْلاَنَ حدثنا أبو أحمدَ و المؤمّلُ قالا حدثنا سُفْيَانُ عن أبي يَعْفُور عن ابنِ أبي أوْفَى قالَ: "غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم سَبْعَ غَزَوَاتٍ نَأْكُلُ الْجَرَادَ". وروى شُعْبَةُ هذا الحديثَ عن أبي يَعْفُور عن ابنِ أبي أوْفَى قال: "غزوتُ مَعَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم غَزَوَاتٍ نَأْكُلُ الْجَرادَ".
ـــــــ
غزوات، وروى سفيان الثوري عن أبي يعفور هذا الحديث وقال سبع غزوات" ووقع في رواية شعبة عند البخاري عن أبي يعفور عن ابن أبي أوفي: سبع غزوات أو ستاً بالشك. قال الحافظ في الفتح: دلت رواية شعبة على أن شيخهم كان يشك فيحمل على أنه جزم مرة بالسبع، ثم لما طرأ عليه الشك صار يجزم بالست لأنه المتيقن، ويؤيد هذا الحمل أن سماع سفيان بن عيينة عنه متأخر دون الثوري ومن ذكر معه، ولكن وقع عند ابن حبان من رواية أبي الوليد شيخ البخاري فيه سبعاً أو ستاً يشك شعبة انتهى.
قوله: "وفي الباب عن ابن عمر وجابر" أما حديث ابن عمر فقد تقدم تخريجه، وأما حديث جابر فلينظر من أخرجه.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" قال في المنتقي رواه الجماعة إلا ابن ماجة وأبو يعفور الآخر اسمه عبد الرحمن بن عبيد بن نسطاس بكسر النون وسكون السين المهملة كوفي ثقة من الخامسة كذا في التقريب. وأبو يعفور هذا هو الأصغر والأول الأكبر.
قوله: "حدثنا أبو أحمد" هو الزبير "والمؤمل" هو ابن إسماعيل "حدثنا سفيان" هو الثوري.

(5/548)


1883ـ حدثنا بذلكَ محمدُ بنُ بَشّارٍ حدثنا محمدُ بنُ جَعْفَرٍ حدثنا شُعْبَةُ بهذَا.
ـــــــ
قوله: "غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوات نأكل الجراد" كذا في هذه الرواية من غير تقييد بالست أو السبع، وعند البخاري سبع غزوات أو ستاً بالشك

(5/549)


باب ماجاء في أكل لحوم الجلالة وألبانها
...
23ـ باب ما جاءَ في أكْلِ لُحُومِ الْجلاَلَةِ وأَلْبَانِهَا
1884ـ حدثنا هَنّادٌ حدثنا عَبْدَةُ عن محمدِ بنِ إسحاقَ عن ابنِ أبي نَجِيحٍ عن مُجَاهِدٍ عن ابنِ عُمَرَ قال: "نَهَى رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عن أكْلِ الْجَلاّلَةِ وَأَلْبَانِهَا".
ـــــــ
"باب ما جاءَ في أكْلِ لُحُومِ الْجلاَلَةِ وأَلْبَانِهَا"
بفتح الجيم وتشديد اللام من أبنية المبالغة وهي الحيوان الذي يأكل العذرة من الجلة بفتح الجيم وهي البعرة. وقال في القاموس: الجلة مثلثة البعر أو البعرة انتهى، وتجمع على جلالات على لفظ الواحدة وجوال كدابة ودواب، يقال: جلت الدابة الجلة وأجلتها فهي جالة وجلالة، وسواء في الجلالة البقر والغنم والإبل وغيرها كالدجاج والأوز وغيرهما. وادعى ابن حزم أنها لا تقع إلا على ذات الأربع خاصة والمعروف التعميم. ثم قيل إن كان أكثر علفها النجاسة فهي جلالة، وإن كان أكثر علفها الطاهر فليست جلالة. وجزم به النووي في تصحيح التنبيه. وقال في الروضة تبعاً للرافعي: الصحيح أنه لا اعتداد بالكثرة بل بالرائحة والنتن، فإن تغير ريح مرقها أو لحمها أو طعمها أو لونها فهي جلالة، كذا في النيل.
قوله: "حدثنا عبدة" هو ابن سليمان الكلابي قوله: "عن ابن أبي نجيح" قال في التقريب: عبد الله بن أبي نجيح يسار المكي أبو يسار الثقفي مولاهم ثقة رمى بالقدر وربما دلس من السادسة انتهى.
قوله: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكل الجلالة وألبانها" أي وعن شرب ألبانها. قال الخطابي: اختلف الناس في أكل لحوم الجلالة وألبانها فكره

(5/549)


قال وفي البابِ عن عَبْدِ الله بنِ عَبّاسٍ.
هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ. وَرَوَى الثّوْرِيّ عن ابنِ أبي نَجِيحٍ عن مُجَاهِدٍ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم مُرْسَلاً.
1885ـ حدثنا محمدُ بنُ بَشّارٍ حدثنا مُعَاذُ بنُ هِشَامٍ حدثني أبي عن قَتَادَةَ عن عِكْرِمَةَ عن ابنِ عَبّاسٍ أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم: "نَهَى عن المُجَثّمَةِ ولَبَنِ الْجَلاّلَةِ وعن الشّرْبِ مِنْ في السّقَاء".
قالَ محمدُ بنُ بَشارٍ
ـــــــ
ذلك أصحاب الرأي والشافعي وأحمد بن حنبل وقالوا: لا يؤكل حتى تحبس أياماً وتعلف علفاً غيرها فإذا طاب لحمها فلا بأس بأكله، وقد روي في حديث: أن البقر تعلف أربعين يوماً ثم يؤكل لحمها. وكان ابن عمر يحبس الدجاجة ثلاثة أيام ثم يذبح. وقال إسحاق بن راهويه: لا بأس أن يؤكل لحمها بعد أن يغسل غسلاً جيداً. وكان الحسن البصري لا يرى بأساً بأكل لحوم الجلالة، وكذا قال مالك بن أنس انتهى. وقال ابن رسلان في شرح السنن: وليس للحبس مدة مقدرة وعن بعضهم في الإبل والبقر أربعين يوماً، وفي الغنم سبعة أيام، وفي الدجاجة ثلاثة، واختاره في المهذب والتحرير. ووقع في رواية لأبي داود: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الجلالة في الإبل أن يركب عليها أو يشرب من ألبانها. وعلة النهي عن الركوب أن تعرق فتلوث ما عليها بعرقها، وهذا ما لم تحبس، فإذا حبست جاز ركوبها عند الجميع، كذا في شرح السنن.
قوله: "وفي الباب عن عبد الله بن عباس" أخرجه الترمذي في هذا الباب.
قوله: "هذا حديث حسن غريب" وأخرجه أبو داود وابن ماجة والحاكم وروى الثوري عن ابن نجيح عن مجاهد عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلاً قال الشوكاني: وقد اختلف في حديث ابن عمر علي ابن أبي نجيح فقيل عنه عن مجاهد عن ابن عمر، وقيل عن مجاهد مرسلاً، وقيل عن مجاهد عن ابن عباس انتهى.
قوله: "نهى عن المجثمة" بالجيم والمثلثة المفتوحة التي تربط وتجعل غرضاً للرمي، فإذا مانت من ذلك لم يحل أكلها، والجثوم للطير ونحوها بمنزلة البروك للإبل،

(5/550)


وحدثنا ابنُ أبي عَدِيّ عن سَعِيدِ بن أبي عَرُوبَةَ عن قَتَادَةَ عن عِكْرِمَةَ عن ابنِ عَبّاسٍ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم نَحْوَهُ.
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
وفي البابَ عن عبدِ الله بنِ عَمْرٍو.
ـــــــ
فلو جثمت بنفسها فهي جاثمة ومجثمة بكسر المثلثة، وتلك إذا صيدت على تلك الحالة فذبحت جاز أكلها وإن رميت فماتت لأنها تصير موقوذة "عن لبن الجلالة" قد اختلف في طهارة لبن الجلالة، فالجمهور على الطهارة لأن النجاسة تستحيل في باطنها فيظهر بالاستحالة كالدم يستحيل في أعضاء الحيوانات لحماً ويصير لبناً. ويأتي بقية الكلام في الجلالة في الباب الآتي "وعن الشرب من في السقاء" أي من فم القربة وسيأتي الكلام في هذه المسألة في باب اختناث الأسقية من أبواب الأشربة.
قوله: "وفي الباب عن عبد الله بن عمرو" أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي والحاكم والدارقطني والبيهقي عنه قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن لحوم الحمر الأهلية وعن الجلالة، عن ركوبها وأكل لحومها

(5/551)


باب ماجاء في أكل الدجاج
...
24ـ باب ما جَاءَ في أَكْلِ الدّجَاج
1886ـ حدثنا زَيْدُ بنُ أخْزَمَ الطائي حدثنا أبو قُتَيْبَةَ عن أبي العَوّامِ
ـــــــ
"باب ما جَاءَ في أَكْلِ الدّجَاج"
هو اسم جنس مثلث الدال ذكره المنذري في الحاشية وابن مالك وغيرهما ولم يحك النووي الضم والواحدة دجاجة مثلث أيضاً، وقيل إن الضم فيه ضعيف. قال الجوهري: دخلتها الهاء للوحدة مثل الحمامة. وأفاد إبراهيم الحربي في غريب الحديث أن الدجاج بالكسر اسم للذكران دون الإناث، والواحد منها ديك، وبالفتح الإناث دون الذكران، والواحدة دجاجة بالفتح أيضاً، قال وسمي لإسراعه

(5/551)


عن قَتَادَةَ عن زَهْدَمٍ الْجَرْمِيّ قالَ: "دَخَلْتُ على أبي مُوسَى وهُوَ يَأْكُلُ دَجَاجَةً فقالَ: ادْنُ فَكُلْ فَإِني رَأَيْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يَأْكُلُهُ".
هذا حديثٌ حسنٌ. وقد رُوِيَ هذا الحديثُ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عن زَهْدَمٍ ولا نعرفه إلا من حديث زهدم. وأبو العوام هو عمران القطان.
1887ـ حدثنا هناء حدثنا وكيع عن سفيان عن أيوب عن أبي قلابة عن زهدم عن أبي موسى قال: "رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يأكل لحم دجاج".
قال: وفي الحديث كلام أكثر من هذا
ـــــــ
في الإقبال والإدبار من دج يدج إذا أسرع انتهى. وفي القاموس: الدجاجة معروف للذكر والأنثى ويثلث انتهى
قوله: "حدثنا زيد بن أخزم" هو الطائي قوله: "حدثنا أبو قتيبة" اسمه سلم بن قتيبة "عن أبي العوام" بفتح العين المهملة وشدة الواو اسمه عمران بن داور القطان البصري صدوق يهم ورمى برأي الخوارج من السابعة كذا في التقريب "عن زهدم" بوزن جعفر هو ابن مضرب بضم أوله وفتح الضاد المعجمة وتشديد الراء المكسورة بعدها موحدة "الجرمى" بفتح الجيم أبو مسلم البصري ثقة من الثالثة.
قوله: "وهو يأكل الدجاجة" أي لحمها "فقال ادن" أمر من دنا يدنو دنواً ودناوة أي قرب "فكل فإني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يأكله" في الحديث دخول المرء على صديقه في حال أكله واستدناه صاحب الطعام الداخل وعرضه دخول المرء على صديقه في حال أكله واستدناه صاحب الطعام الداخل وعرضه الطعام عليه ولو كان قليلاً لأن اجتماع الجماعة على الطعام سبب للبركة فيه كما تقدم، وفيه إباحة لحم الدجاج وملاذ الأطعمة.
قوله: "عن سفيان" هو الثوري "عن أيوب" هو السختياني.
قوله: "رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يأكل لحم دجاج" فيه جواز أكل الدجاج إنسية ووحشية وهو بالانفاق إلا عن بعض المتعمقين على سبيل الورع، إلا أن بعضهم استثنى الجلالة وهي ما تأكل الأقذار، وظاهر صنيع أبي موسى أنه

(5/552)


ـــــــ
لم يبال بذلك. وقد أخرج ابن أبي شيبة بسند صحيح عنابن عمر أنه كان يحبس الدجاجة الجلالة ثلاثاً. وقال مالك والليث: لا بأس الجلالة من الدجاج وغيره وإنما جاء النهي عنها للتقذر. وقد ورد النهي عن أكل الجلالة من طرق أصحها ما أخرجه الترمذي وصححه وأبو داود والنسائي من طريق قتادة عن عكرمة عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم: نهى عن المجثمة وعن لبن الجلالة وعن الشرب من في السقاه. وهو على شرط البخاري في رجاله إلا أن أيوب رواه عن عكرمة فقال عن أبي هريرة أخرجه البيهقي والبزار من وجه آخر عن أبي هريرة: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الجلالة وعن شرب ألبانها وأكلها وركوبها. ولابن أبي شيبة بسند حسن عن جابر: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الجلالة أن يؤكل لجمخا أو يشرب لبنها. ولأبي داود والنسائي من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية وعن الجلالة عن ركوبها وأكل لحمها، وسنده حسن. وقد أطلق الشافعية كراهة أكل الجلالة إذا تغير لحمها بأكل النجاسة، وفي وجه إذا أكثرت من ذلك. ورجح أكثرهم أنها كراهة تنزيه، وهو قضية صنيع أبي موسى، ومن حجتهم أن العلف الطاهر إذا صار في كرشها تنجس فلا تتغذى إلا بالنجاسة، ومع ذلك فلا يحكم على اللحم واللبن بالنجاسة، فكذلك هذا.
وتعقب بأن العلف الطاهر إذا تنجس بالمجاورة جاز إطعامه الدابة لأنها إذا أكلته لا تتغذى بالنجاسة وإنما تتغذى بالعلف بخلاف الجلالة، وذهب جماعة من الشافعية وهو قول الحنابلة إلى أن النهي للتحريم، وبه جزم ابن دقيق العيد عن الفقهاء وهو الذي صححه أبو إسحاق المروزي والقفال وإمام الحرمين والبغوي والغزالي، وألحقوا بلحمها ولبنها بيضها. وفي معنى الجلالة ما يتغذى بالنجس كالشاة ترضع من كلبة. والمعتبر في جواز أكل الجلالة زوال رائحة النجاسة بعد أن تعلف بالشيء الطاهر على الصحيح. وجاء عن السلف فيه توقيت، فعند ابن أبي شيبة عن ابن عمر أنه كان يحبس الدجاجة الجلالة ثلاثاً كما تقدم. وأخرج البيهقي بسند فيه نظر عن عبد الله بن عمر ومرفوعاً أنها لا تؤكل حتى تعلف أربعين يوماً، قاله الحافظ في الفتح.
اعلم أن الترمذي أورد هذا الحديث مختصراً مقتصراً على القدر المذكور وساقه

(5/553)


وهذا حديث حسن صحيح وقد روى أيوب السختياني هذا الحديث أيضاً عن القاسم التميمي وعن أبي قلابة عن زهدم الجرمي
ـــــــ
في الشمائل مطولاً إلى هذا أشار بقوله "وفي الحديث كلام أكثر من هذا" وقد أخرجه البخاري مطولاً في باب لحم الدجاج وغيره ومسلم في الإيمان.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان "وقد روى أيوب السختياني هذا الحديث عن القاسم التميمي" هو ابن عاصم التميمي ويقال الكليني بضم الكاف وفتح اللام بعدها تحتانية ثم نون نسبة إلى كلين قرية من قرى العراق مقبول من الرابعة.

(5/554)


باب ماجاء في أكل الحبارى
...
25ـ باب ما جَاء في أَكْلِ الْحُبَارى
1888ـ حدثنا الفَضْلُ بنُ سَهْلٍ الأعْرَج البَغْدَادِيّ، حدثنا إبراهيم بنُ عَبْدِ الرحمَنِ بنِ مَهْدِي عن إبراهيم بنِ عُمَر بنِ سَفِينَةَ عن أبيهِ عن جَدّهِ
ـــــــ
"باب ما جَاء في أَكْلِ الْحُبَارى"
بضم الحاء وفتح الراء المهملتين مقصوراً، قال في القاموس: الحبارى طائر للذكر والأنثى والواحد والجمع وألفه للتأنيث، وغلط الجوهري إذ لو لم تكن له لانصرفت والجمع حباريات انتهى. وفي حياة الحيون للدميري: الحباري طائر كبير العنق رمادي اللون في منقاره بعض طول ومن شأنها أن تصيد ولا تصاد انتهى.
وفي الصراح حباري بالضم شوات. قال في غيات اللغات: شوات بفتح وضم أول وتاء فوقاني سرخاب ازبرهان وجهاً نكيري ودر تحفة السعادة وسروري بمعنى جرزكه بعربي حباري كويند وبعض كوبندكه فيل مرغ انتهى. وهو نوع من الطير مذكرها ومؤنثها وواحدها وجمعها سواء، وإن شئت قلت في الجمع حباريات. وفي المثل كل شيء يحب ولده حتى الحباري، وإنما خصوا الحباري لأنه يضرب بها المثل في الحمق فهي على حمقها تحب ولدها وتعلمه الطيران انتهى.
قوله "حدثنا إبراهيم بن عبد الرحمن بن مهدي" البصري صدوق له مناكير

(5/554)


قال: "أكَلْتُ مَعَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم لَحْمَ حُبَارَى".
هذا حديثٌ غريبٌ لا نَعْرِفُهُ إلاّ مِنْ هذا الَوجْهِ. وإبراهيم بن عُمَرَ بنِ سَفِينَةَ رَوَى عنه ابنُ أبي فُدَيْكٍ ويقولُ بريد بن عُمَرَ بنِ سَفِينَةَ.
ـــــــ
قيل إنها من قبل الراوي عنه من العاشرة كذا في التقريب "عن إبراهيم بن عمر بن سفينة" لقبه بريه وهو تصغير إبراهيم مستور من السابعة "عن أبيه" أي عمر بن سفينة مولى أم سلمة صدوق من الثالثة قوله: "عن جده" أي سفينة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم كان عبداً لأم سلمة رضي الله عنها فأعتقته وشرطت عليه أن يخدم النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
قوله: "أكلت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لحم حباري" فيه دلالة على أن الحباري حلال.
قوله: "هذا حديث غريب" وأخرجه أبو داود. قال في التلخيص بعد ذكر هذا الحديث إسناده ضعيف ضعفه العقيلي وابن حبان "روى عنه ابن أبي فديك" بالفاء مصغراً هو محمد بن إسماعيل بن مسلم بن أبي فديك الديلي مولاهم المدني أبو إسماعيل صدوق من صغار الثامنة قوله: "ويقول" أي ابن أبي فديك في روايته "بريه" بضم الموحدة وفتح الراء بعدها تحتانية ساكنة وهاء وقد، عرفت أنه تصغير إبراهيم. قال الحافظ في تهذيب التهذيب في ترجمته: اسمه إبراهيم وبريه لقب غلب عليه. روى عن أبيه عن جده في أكل الحبارى. وعنه ابن أبي فديك وغيره. قال البخاري: إسناده مجهول، وقال العقيلي: لا يعرف إلا به انتهى

(5/555)


باب ماجاء في أكل الشواء
...
26ـ باب ما جاءَ في أَكْلِ السوَاء
1889ـ حدثنا الْحَسَنُ بنُ محمدٍ الزّعْفَرَانِيّ، حدثنا حَجّاجُ بنُ محمدٍ
ـــــــ
"باب ما جاءَ في أَكْلِ السوَاء"
بكسر المعجمة والمد، قال في القاموس: شوى اللحم شياً فاشتوى وانشوى هو الشواء بالكسر والضم انتهى.

(5/555)


قالَ: قالَ ابنُ جُريْجٍ أخْبَرَنِي محمدُ بنُ يُوسُفَ أنّ عَطَاءَ بنَ بشّار أخْبَرَهُ أنّ أمّ سَلَمَةَ أخْبَرَتْهُ: "أنّهَا قَرّبَتْ إلى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم جَنْبَاً مَشْوِيّا فأَكَلَ مِنْهُ ثم قامَ إلى الصّلاَةِ وما تَوَضّأَ".
قال وفي البابِ عن عَبْدِ الله بنِ الْحَارِثِ والمُغِيرَةِ وأبي رَافِعٍ.
ـــــــ
قوله: "حدثنا حجاج بن محمد" هو الصيصي الأعور "أخبرني محمد بن يوسف" بن عبد الله بن يزيد الكندي المدني الأعرج ثقة ثبت من الخامسة.
قوله: "إنها قربت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم جنباً مشوياً فأكل منه" أي من الجنب المشوي.
فإن قلت: ما وجه الجمع بين هذا الحديث وبين حديث أنس: ما أكل النبي صلى الله عليه وسلم خبزاً مرقفاً ولا شاة مسموطة حتى لقي الله عز وجل، أخرجه البخاري.
قلت: قال ابن بطال ما ملخصه: يجمع بين هذا وبين حديث عمرو بن أمية أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يحتز من كنف شاة، وحديث أم سلمة الذي أخرجه الترمذي بأن يقال: يحتمل أن يكون لم يتفق أن تسمط له شاة بكمالها لأنه قد احتز من الكتف مرة ومن الجنب الأخرى وذلك لحم مسموط، أو يقال إن أنساً قال لا أعلم ولم يقطع به، ومن علم حجة على من لم يعلم. وتعقبه ابن المنير بأنه ليس في حز الكنف ما يدل على أن الشاة كانت مسموطة بل إنما حزها لأن العرب كانت عادتها غالباً أنها لا تنضج اللحم فاحتيج إلى الحز. قال الحافظ: ولا يلزم أيضاً من كونها مشوية واحتز من كتفها أو جنبها أن تكون مسموطة فإن شيء المسلوخ أكثر من شيء المسموط، لكن قد ثبت أنه أكل الكراع وهو لا يؤكل إلا مسموطاً، هذا لا يرد على أنس في نفي رواية الشاة المسموطة انتهى.
قوله: "وفي الباب عن عبد الله بن الحارث والمغيرة وأبي رافع" أما حديث عبد الله بن الحارث فأخرجه أحمد ص وأما حديث المغيرة فأخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه، وأما حديث أبي رافع فأخرجه أحمد.

(5/556)


هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ مِنْ هَذا الوَجْهِ.
ـــــــ
قوله: "هذا حديث حسن صحيح غريب" وأخرجه أحمد

(5/557)


باب ماجاء في كراهية الأكل متكئا
...
27ـ باب مَا جَاءَ في كَرَاهِيَةِ الأَكْلِ مُتّكِئا
1890 ـ حدثنا قُتَيْبَةُ، حدثنا شَرِيكٌ عن عَلِيّ بنِ الأقْمَرِ عن أبي جُحَيْفَةَ قالَ: قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "أمّا أنَا فَلاَ آكُلُ مُتّكِئاً" .
ـــــــ
"باب مَا جَاءَ في كَرَاهِيَةِ الأَكْلِ مُتّكِئا"
قوله: "أما أنا فلا آكل متكئاً" سبب هذا الحديث قصة الأعرابي المذكور في حديث عبد الله بن بسر عند ابن ماجه والطبراني بسند حسن قال: أهديت النبي صلى الله عليه وسلم شاة فجثى على ركبتيه يأكل، فقال له أعرابي ما هذه الجلسة؟ فقال: "إن الله جعلني عبداً كريماً ولم يجعلني جباراً عنيداً" . قال ابن بطال: إنما فعل النبي صلى الله عليه وسلم تواضعاً لله. ثم ذكر من طريق أيوب عن الزهري قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم ملك لم يأته قبلها فقال: "إن ربك يخيرك بين أن تكون عبداً نبياً أو ملكاً نبياً" قال: فنظر إلى جبريل كالمستشير له فأومأ إليه أن تواضع فقال: "بل عبدا نبيا" قال: فما أكل متكئا انتهى. قال الحافظ: وهذا مرسل أو معضل وقد وصله النسائي من طريق الزبيدي عن الزهري عن محمد بن عبد الله بن عباس قال كان ابن عباس يحدث فذكر نحوه . وأخرج أبو داود من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص قال ما رؤي النبي صلى الله عليه وسلم يأكل متكئاً قط وأخرج ابن أبي شيبة عن مجاهد قال : ما أكل النبي صلى الله عليه وسلم متكئا إلا مرة ثم نزع فقال "اللهم إني عبدك ورسولك" ، وهذا مرسل. ويمكن الجمع بأن تلك المرة التي في أثر مجاهد ما اطلع عليها عبد الله بن عمرو، فقد أخرج ابن شاهين في ناسخه من مرسل عطاء بن يسار أن جبريل رأى النبي صلى الله عليه وسلم يأكل متكئاً فنهاه ومن حديث أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم لما نهاه جبريل عن الأكل متكئاً لم يأكل متكئاً بعد ذلك.

(5/557)


ـــــــ
واختلف في صفة الاتكاء، فقيل أن يتمكن في الجلوس للأكل على أي صفة كان، وقيل أن يميل على أحد شقيه، وقيل أن يعتمد على يده اليسرى من الأرض، قال الخطابي: تحسب العامة أن المتكئ هو الأكل على أحد شقيه وليس كذلك بل هو المعتمد على الوطاء الذي تحته، قال ومعنى الحديث إني لا أقعد متكئاً على الوطإ عند الأكل فعل من يستكثر، من الطعام فإني لا آكل إلا البلغة من الزاد فلذلك أقعد مستوفزاً. وفي حديث أنس أنه صلى الله عليه وسلم أكل تمراً وهو مقع، وفي رواية وهو محتضر، والمراد الجلوس على وركيه غير متمكن وأخرج ابن عدي بسند ضعيف زجر النبي صلى الله عليه وسلم أن يعتمد الرجل على يده اليسرى عند الأكل، قال مالك: هو نوع من الاتكاء. قال الحافظ: وفي هذا إشارة من مالك إلى كراهة كل ما يعد الأكل فيه متمكناً ولا يختص بصفة بعينها. وجزم ابن الجوزي في تفسير الاتكاء بأنه الميل على أحد الشقين ولم يلتفت لإنكار الخطابي ذلك. وحكى ابن الأثير في النهاية أن من فسر الاتكاء بالميل على أحد الشقين تأوله على مذهب الطب بأنه لا ينحدر في مجاري الطعام سهلاً ولا يسيغه هنيئاً وربما تأذى.
واختلف السلف في حكم الأكل متكئاً فزعم ابن القاص أن ذلك من الخصائص النبوية، وتعقبه البيهقي فقال قد يكره لغيره أيضاً لأنه من فعل المتعظمين، وأصله مأخوذ من ملوك العجم، قال فإن كان بالمرء مانع لا يتمكن معه من الأكل إلا متكئاً لم يكن في ذلك كراهة، ثم ساق عن جماعة من السلف أنهم أكلوا كذلك، وأشار إلى حمل ذلك عنهم على الضرورة وفي الحمل نظر. وقد أخرج ابن أبي شيبة عن ابن عباس وخالد بن الوليد وعبيدة السلماني ومحمد بن سيرين وعطاء بن يسار والزهري جواز ذلك مطلقاً وإذا ثبت كونه مكروهاً أو خلاف الأولى فالمستحب في صفة الجلوس للأكل أن يكون جاثياً على ركبتيه وظهور قدميه أو ينصب الرجل اليمنى ويجلس على اليسرى، واستثنى الغزالي من كراهة الأكل مضطجعاً أكل البقل.
واختلف في علة الكراهة، وأقوى ما ورد في ذلك ما أخرجه ابن أبي شيبة من طريق إبراهيم النخعي قال: كانوا يكرهون أن يأكلوا اتكاءة مخافة أن تعظم بطونهم، وإلى ذلك يشير بقية ما ورد فيه من الأخبار فهو المعتمد. ووجه الكراهة فيه ظاهر، وكذلك ما أشار إليه ابن الأثير من جهة الطب كذا في الفتح.

(5/558)


قال وفي البابِ عن عَلِيّ وعَبْدِ الله بنِ عَمْرٍو وعَبْدِ الله بنِ عَبّاسِ.
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ لا نَعْرِفُهُ إلاّ مِنْ حَدِيثِ عَلِيّ بنِ الأقْمرِ.
ورَوَى زَكَرِيّا بنُ أبِي زَائِدَةَ وسُفْيَانُ الثوري وابنُ سَعِيدٍ وغَيْرُ واحِدٍ عن عليّ بنِ الأقْمَر هذا الْحَدِيثَ. ورَوَى شُعْبَةُ عن سُفْيَانَ الثّورْيّ هذا الْحَدِيثَ عن عَلِيّ بن الأَقْمَرِ.
ـــــــ
قوله: "وفي الباب عن علي وعبد الله بن عمرو وعبد الله بن العباس" أما حديث علي فلينظر من أخرجه. وأما حديث عبد الله بن عمرو فأخرجه أبو داود وابن ماجه وتقدم لفظه. وأما حديث عبد الله بن العباس فأخرجه النسائي كما في الفتح.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه البخاري وأبو داود والنسائي وابن ماجه

(5/559)


باب ماجاء في حب النبي صلى الله عليه وسلم الحلواء والعسل
...
28ـ باب مَا جَاءَ في حُبّ النبي
صلى الله عليه وسلم الْحَلْوَاءَ والعَسَل
1891ـ حدثنا سَلَمَةَ بنُ شَبِيبٍ و محمودُ بنُ غَيْلاَنَ و أحمدُ بنُ إبراهيم الدّوْرَقِيّ قالوا حدثنا أبُو أُسَامَةَ عن هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ عن أبيهِ عن عَائِشَةَ قَالَتْ
ـــــــ
باب مَا جَاءَ في حُبّ النبي صلى الله عليه وسلم الْحَلْوَاءَ والعَسَل
الحلواء بالمد والقصر لغتان وهي عند الأصمعي بالقصر تكتب بالياء، وعند الفراء بالمد تكتب بالألف. وقال الليث الأكثر على المد وهو كل حلو يؤكل. وقال الخطابي: اسم الحلوى لا يقع إلا على ما دخلته الصنعة. وفي المخصص لابن سيده: هي ما عولج من الطعام بحلاوة وقد تطلق على الفاكهة.
قوله: "حدثنا سلمة بن شبيب" هو النيسابوري "حدثنا أبو أسامة" اسمه حماد ابن أسامة "عن هشام بن عروة" بن الزبير بن العوام الأسدي ثقة فقيه ربما دلس من الخامسة "عن أبيه" أي عروة بن الزبير بن العوام بن خويلد الأسدي المدني ثقة فقيه مشهور من الثانية.

(5/559)


: "كانَ النبيّ صلى الله عليه وسلم يُحِبّ الْحَلْواءَ والعَسَلَ".
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ. وقد رَوَاهُ عَلِيّ بنُ مُسْهِرٍ عن هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ. وفي الحَدِيثِ كَلاَمٌ أكْثَرُ مِنْ هَذَا.
ـــــــ
قوله: "كان النبي صلى الله عليه وسلم يحب الحلواء والعسل" قال النووي: المراد بالحلواء هنا كل شيء حلو، وذكر العسل بعدها تنبيهاً على شرافته ومزبته وهو من باب ذكر الخاص بعد العام انتهى. قال ابن بطال: الحلوى والعسل من جملة الطيبات المذكورة في قوله تعالى: {كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ} وفيه تقوية لقول من قال المراد به المستلذ من المباحات، ودخل في معنى هذا الحديث كل مايشابه الحلوى والعسل من أنواع المآكل اللذيذة. وقال الخطابي وتبعه ابن التين: لم يكن حبه صلى الله عليه وسلم على معنى كثرة التثهي لها وشدة نزاع النفس إليها وإنما كان ينال منها إذا أحضرت إليه نيلاً صالحاً فيعلم بذلك أنها تعجبه انتهى.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح غريب" وأخرجه البخاري في الطلاق والأطعمة والأشربة والطب وترك الحيل، وأخرجه مسلم في الطلاق، وأبو داود في الأشربة والنسائي في الوليمة والطب، وابن ماجه في الأطعمة "وفي الحديث كلام أكثر من هذا" يعني أن هذا الحديث مطول، واختصره الترمذي، وأخرجه البخاري مطولاً في الطلاق والحيل ومسلم في الطلاق

(5/560)


باب ماجاء في إكثار المرقة
...
29ـ باب ما جَاءَ في إكْثَارِ ماء الْمَرَقَة
1892 ـ حدثنا محمدُ بنُ عُمَرَ بنِ علِي المُقَدّمِيّ حدثنا مُسْلِمُ بنُ إبراهيم
ـــــــ
"باب ما جَاءَ في إكْثَارِ ماء الْمَرَقَة"
قال في القاموس: المرق بالتحريك هو من الطعام معروف والمرقة أخص انتهى، ويقال لها بالفارسية شوربا.
قوله: "حدثنا مسلم بن إبراهيم" الإزدي الفراهيدي أبو عمر والبصري ثقة مأمون

(5/560)


حدثنا محمدُ بنُ فَضَاءٍ حدثني أبِي عن عَلْقَمَةَ بنِ عَبْدِ الله المُزَنيّ عن أبيهِ قالَ: قالَ النبي صلى الله عليه وسلم: "إذَا اشْتَرَى أحَدُكُمْ لَحْماً فَلْيُكْثِرْ مَرَقَتَهُ، فإنْ لَمْ يَجِدْ لَحْماً أصَابَ مَرَقَة وَهُوَ أحَدُ اللّحْمَيْن" .
وفي البابِ عن أبي ذرّ.
هذا حديثٌ غريبٌ لا نَعْرِفُهُ إلاّ مِنْ هذا الْوَجْهِ مِنْ حديثِ محمدِ بنِ فَضَاءٍ. ومحمدُ بنُ فَضَاءِ هُوَ المُعَبّرُ، وقد تكَلّمَ فيهِ سُلَمَانُ بنُ حَرْبٍ. وعَلْقَمَةُ بن عبدالله هُوَ أخُو بَكْرٍ بنِ عَبْدِ الله المُزَنِيّ.
ـــــــ
مكثر عمى بآخره من صغار التاسعة، مات سنة اثنتين وعشرين وهو أكبر شيخ لأبي داود "حدثنا محمد بن فضاء" بفتح الفاء والمعجمة مع المد الأزدي أبو بحر البصري ضعيف من السادسة قوله: "حدثنا أبي" أي فضاء بن خالد الجهضمي البصري مجهول قوله: "عن علقمة بن عبد الله المزني" قال في التقريب: علقمة بن عبد الله بن سنان وقبل اسم جده عمر والمزني البصري ثقة من الثالثة "عن أبيه" أي عبد الله بن سنان بن نبيشة ابن سلمة المزني وقيل هو عبد الله بن عمرو بن هلال صحابي نزل البصرة وكان أحد البكائين، كذا في التقريب.
قوله: "إذا اشترى أحدكم لحماً" ليطبخه والمراد حصله بشراء أو غيره، فذكر الشراء غالبي "فليكثر" من الإكثار "فإن لم يجد" أي أحدكم "وهو أحد اللحمين" لأن دسم اللحم يتحلل فيه فيقوم مقام اللحم في التغذي والنفع.
قوله: "وفي الباب عن أبي ذر" أخرجه الترمذي بعد هذا.
قوله: "هذا حديث غريب" وأخرجه الحاكم والبيهقي وهو حديث ضعيف "ومحمد بن فضاء هي المعبرة وقد تكلم فيه سليمان بن حرب" قال الحافظ في تهذيب التهذيب في ترجمته: قال البخاري: سمعت سليمان بن حرب يضعفه ويقول كان يبيع الشراب، قال ابن معين: ضعيف الحديث ليس بشيء، وقال ابن الجنيد: قلت لابن معين محمد بن فضاء كان يعبر الرؤيا قال: نعم وحديثه مثل تعبيره،

(5/561)


1893ـ حدثنا الحُسَيْنُ بنُ عليّ بنِ الأَسْوَدِ البَغْدَادِيّ حدثنا عَمْرُو بنُ محمدٍ العَنْقَزِيّ حدثنا إسرائيلُ عن صَالِحِ بنِ رُسْتُمْ أبِي عَامِرٍ الخَزّازِ عن أبِي عِمْرَانَ الجَوْنِيّ عن عَبْدِ الله بنِ الصّامِتِ عن أبي ذَر قالَ: قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لاَ يَحْقِرَنّ أَحَدُكُمْ شَيْئاً مِنَ المَعْرُوفِ
ـــــــ
وقال أبو زرعة: ضعيف الحديث، وقال النسائي: ضعيف الحديث، وقال مرة: ليس بثقة انتهى "وعلقمة هو أخو بكر بن عبد الله المزني" كذا قال الترمذي وكذا قال غير واحد من أئمة الحديث. قال الحافظ في تهذيب التهذيب في ترجمته: وقال ابن حبان في الثقات: علقمة بن عبد الله بن عمرو بن هلال المزني أخو بكر بن عبد الله المزني، روى عنه أهل البصرة، مات سنة مائة في خلافة عمر بن عبد العزيز وكذا قال البخاري في التاريخ الكبير وأبو حاتم وأبو عبد الله بن مندة وأبو عمر بن عبد البر وغيرهم إنه أخو بكر بن عبد الله بن عمرو المزني، وكذا قال ابن عساكر في الأطراف وتبعه المؤلف، وتردد هنا لما رواه الاَجري عن أبي داود من أنه قيل لأبي داود: علقمة بن عبد الله هو أخو بكر بن عبد الله؟ قال: لا، انتهى.
قوله: "حدثنا الحسين بن علي بن الأسود البغدادي" العجلي أبو عبد الله الكوفي صدوق يخطيء كثيراً لم يثبت أن أبا داود روى عنه من الحادية عشرة "حدثنا عمرو بن محمد العنقزي" بفتح العين المهملة والقاف بينها نون ساكنة وبالزاي أبو سعيد الكوفي ثقة من التاسعة. ووقع في النسخة الأحمدية: عمرو بن محمد بن العنقزي بزيادة لفظ ابن بين محمد والعنقزي وهو غلط "حدثنا إسرائيل" هو ابن يونس "عن صالح بن رستم أبي عامر الخزاز" بمعجمات المزني مولاهم البصري، صدوق كثير الخطأ من السادسة.
قوله: "لا يحقرن أحدكم شيئاً من المعروف" قال الطيبي: المعروف اسم جامع لكل ما عرف من طاعة الله تعالى والإحسان إلى الناس وهو من الصفات الغالبة أي أمر معروف بين الناس إذا رأوه لم ينكروه، ومن المعروف النصفة وحسن

(5/562)


وإن لَمْ يَجِدْ فَلْيَلْقَ أخَاهُ بِوَجْهٍ طَلِقٍ، وإن اشْتَرَيْتَ لَحْماً أوْ طَبَخْتَ قِدْراً فَأَكْثِرْ مَرَقَتَهُ واغْرِفْ لِجَارِكَ مِنْهُ" .
هذا حديثٌ حسنٌ. وقد روه شُعْبَةُ عن أبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيّ.
هذا حديثٌ حسنٌ.
ـــــــ
الصحبة مع الأهل وغيرهم وتلقي الناس بوجه طلق "وإن لم يجد" أي أحدكم شيئاً من المعروف قوله: "فليلق أخاه بوجه طلق" ضد العبوس وهو الذي فيه البشاشة والسرور، فإنه يصل إلى قلبه سرور، ولا شك أن إيصال السرور إلى قلب مسلم حسنة "وإذا اشتريت لحماً أو طبخت قدراً" الظاهر أن أو للشك، ويحتمل أن تكون للتنويع، والمعنى إذا طبخت لحماً أو طبخت قدراً من غير اللحم كالسلق وغيره "واغرق لجارك منه" أي أعط غرفة منه لجارك، قال في القاموس: غرف الماء يغرفه، ويغرفه: أخذه بيده كاغترافه، والغرفة للمرة انتهى.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" قال الحافظ في الفتح: أخرجه النسائي الترمذي وصححه وكذلك ابن حبان

(5/563)


باب ماجاء في فضل الثريد
...
30ـ باب ما جَاءَ في فَضْلِ الثرِيد
1894ـ حدثنا محمدُ بنُ المُثَنّى حدثنا محمدُ بنُ جَعْفَرٍ حدثنا شُعْبَةُ عن عَمْرِو بنِ مُرّةَ الهمداني عن أبي مُوسَى عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "كَمُلَ مِنَ الرّجَالِ كَثِيرٌ وَلَمْ يَكْمُلْ مِنَ النّسَاءِ إلاّ مَرْيَمُ بِنْت
ـــــــ
"باب ما جَاءَ في فَضْلِ الثرِيد"
بفتح المثلثة وكسر الراء معروف وهو أن يثرد الخبز بمرق اللحم، وقد يكون معه اللحم، ومن أمثالهم: الثريد أحد اللحمين، وربما كان أنفع وأقوى من نفس اللحم النضيج إذا ثرد بمرقته.
قوله: "كمل" بتثليث الميم، قال في القاموس: كمل كنصر وكرم وعلم كمالاً وكمولاً انتهى أي صار كاملاً أو بلغ مبلغ الكمال قوله: "من الرجال كثير" أي كثيرون

(5/563)


عِمْرَانَ وآسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ، وفَضْلُ عَائِشَةَ على النّسَاءِ كَفَضْلِ الثّرِيدِ على سَائِرِ الطعَامِ" .
ـــــــ
من أفراد هذا الجنس حتى صاروا رسلاً وأنبياء وخلفاء وعلماء وأولياء "ولم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران وآسية امرأة فرعون" والتقدير إلا قليل منهن، ولما كان ذلك القليل محصوراً فيهما بإعتبار الأمم السابقة نص عليهما بخلاف الكمل من الرجال فإنه يبعد تعدادهم واستقصاؤهم بطريق الانحصار، سواء أريد بالكمل الأنبياء أو الأولياء. قال الحافظ في الفتح: استدل بهذا الحصر على أنهما نبيتان لأن أكمل الإنسان الأنبياء ثم الأولياء والصديقون والشهداء، فلو كانتا غير نبيتين للزم أن لا يكون في النساء ولية ولا صديقة ولا شهيدة، والواقع أن هذه الصفات في كثير منهن موجودة، فكأنه قال ولم ينبأ من النساء إلا فلانة وفلانة، ولو قال: لم تثبت صفة الصديقية أو الولاية أو الشهادة إلا لفلانة وفلانة لم يصح لوجود ذلك في غيرهن إلا أن يكون المراد في الحديث كمال غير الأنبياء فلا يتم الدليل على ذلك لأجل ذلك انتهى.
وقال الكرماني: لا يلزم من لفظ الكمال ثبوت نبوتهما لأنه يطلق لتمام الشيء وتناهيه فيه بابه، فالمراد ببلوغهما إليه في جميع الفضائل التي للنساء. قال: وقد نقل الإجماع على عدم نبوة النساء كذا قال. وقد نقل عن الأشعري: من النساء من نبيء وهن ست: حواء وسارة وأم موسى وهاجر وآسية ومريم، والضابط عنده أن من جاه الملك عن الله بحكم من أمر ونهى أو بإعلام مما سيأتي فهو نبي، وقد ثبت مجيء الملك لهؤلاء بأمور شتى من ذلك من عند الله عز وجل، ووقع التصريح بالإيحاء لبعضهن في القرآن. وذكر ابن حزم في الملل والنحل أن هذه المسألة لم يحدث التنازع فيها إلا في عصره بقرطبة وحكى عنهم أقوالاً ثالثها الوقف قال: وحجة المانعين قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالاً} قال وهذا لا حجة فيه فإن أحداً لم يدع فيهن الرسالة وإنما، الكلام في النبوة فقط، قال: وأصرح ما ورد في ذلك قصة مريم، وفي قصة أم موسى، ما يدل على ثبوت ذلك لها من مبادرتها بإلقاء ولدها في البحر بمجرد الوحي إليها بذلك، قال: وقد قال الله تعالى بعد أن ذكر مريم والأنبياء بعدها {أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ

(5/564)


قال وفي البابِ عن عَائِشَةَ وَأَنَسٍ.
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
النَّبِيِّينَ} فدخلت في عمومه والله تعالى أعلم. وقال القرطبي: الصحيح أن مريم نبية لأن الله تعالى أوحى إليها بواسطة الملك، وأما آسية فلم يرد ما يدل على نبوتها، كذا في الفتح "وفضل عائشة على النساء" أي على جنسهن من نساء الدنيا جميعهن، أو على نساء الجنة أو على نساء زمانها. أو على نساء هذه الأمة "كفضل الثريد على سائر الطعام" قال الحافظ: ليس فيه تصريح بأفضلية عائشة رضي الله تعالى عنها على غيرها لأن فضل الثريد على غيره من الطعام إنما هو لما فيه من تيسير المؤنة وسهولة الإساغة، وكان أجل أطعمتهم يومئذ، وكل هذه الخصال لا تستلزم ثبوت الأفضلية له من كل جهة، فقد يكون مفضولاً بالنسبة لغيره من جهات أخرى، ويأتي بقية الكلام في هذا في فضل عائشة من أبواب المناقب.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه البخاري في كتاب الأنبياء وفي فضل عائشة وفي الأطعمة، وأخرجه مسلم في الفضائل والنسائي في الماتب وفي عشرة النساء، وابن ماجه في الأطعمة

(5/565)


باب ماجاء انهشوا اللحم نهشا
...
31ـ باب ما جَاءَ أنه قال: انْهَسوا اللّحْمَ نَهْسا
1895 ـ حدثنا أحمدُ بنُ مَنِيعٍ حدثنا سُفْيَان عن عَبْدِ الكَرِيمِ عن عَبْدِ الله بنِ الحَارِثِ قال: "زَوّجَنِي أبِي فَدَعَا
ـــــــ
"باب ما جَاءَ أنه قال: انْهَشوا اللّحْمَ نَهْشا"
قوله: "عن عبد الله بن الحارث" بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب الهاشمي أبو محمد المدني أمير البصرة له رواية ولأبيه وجده صحبة قال ابن عبد البر: أجمعوا على توثيقه، كذا في التقريب.

(5/565)


أُنَاساً فيهم صَفْوَانُ بنُ أُمَيّةَ فقال إنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ:
"انْهَسُوا اللّحْمَ نَهْساً "أنهشوا اللحم نهشاً" فإنّهُ أَهْنَأُ وَأَمْرَأُ" .
وفي البابِ عن عَائِشَةَ وأبي هُرَيْرَةَ.
ـــــــ
قوله: "انهسوا اللحم نهساً" بالسين المهملة، وفي بعض النسخ: أنهشوا اللحم نهشاً، بالشين المعجمة. قال في القاموس: نهس اللحم كمنع وسمع أخذه بمقدم أسنانه ونتفه، وقال في باب الشين المعجمة: نهشه كمنعه نهسه ونسعه وعضه أو أخذه بأضراسه، وبالسين أخذه بأطراف الأسنان انتهى، وقال الحافظ في الفتح: النهش بفتح النون وسكون الهاء بعدها شين معجمة أو مهملة وهما بمعنى عند الأصمعي، وبه جزم الجوهري وهو القبض على اللحم بالفم وإزالته عن العظم أو غيره، وقيل بالمعجمة هذا وبالمهملة تناوله بمقدم الفم، وقيل النهس بالمهملة القبض على اللحم ونتره عند الأكل انتهى "فإنه" أي النهس "أهنأ" من الهنيء وهو اللذيذ الموافق للغرض "وأمرأ" من الاستمراء وهو ذهاب كظة الطعام وثقله، ويقال هنأ الطعام ومرأ إذا كان سائغاً أو جارياً في الحلق من غير تعب. قال الحافظ في الفتح: قال شيخنا يعني الحافظ العراقي: الأمر فيه محمول على الإرشاد فإنه علله بكونه أهنأ وأمرأ أي أشد هنأ ومراءة، ويقال هنيء صار هنيئاً، ومرئ صار مريئاً، وهو أن لا يثقل على المعدة وينهضم عنها. قال: ولم يثبت النهي قطع اللحم بالسكين بل ثبت الحز من الكتف فيختلف بإختلاف اللحم كما إذا عسر نهشه بالسن قطع بالسكين، وكذا إذا لم تحضر السكين، وكذا يختلف بحسب العجلة والتأني انتهى.
قوله: "وفي الباب عن عائشة وأبي هريرة" أما حديث عائشة فأخرجه أبو داود والبيهقي في شعب الإيمان عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تقعطوا اللحم بالسكين فإنه من صنع الأعاجم وأنهسوه فإنه أهنأ وأمراً" ، قال أبو داود: وليس هو بالقوي. وقال المنذري: في إسناده أبو معشر السدي المدني واسمه نجيح وكان يحيى بن سعيد القطان لا يحدث عنه ويستضعفه جداً ويضحك إذا ذكره غيره، وتكلم فيه غير واحد من الأئمة. وقال أبو عبد الرحمن

(5/566)


وهذا حديثٌ لا نَعْرِفُهُ إلاّ مِنْ حديثِ عَبْدِ الكَرِيمِ. وقد تَكَلّمَ بَعْضُ أهلِ الْعِلْمِ في عَبْدِ الكَرِيمِ المُعَلّمِ مِنْ قِبَلِ حِفْظِهِ منهم أيوب السختياني.
ـــــــ
النسائي: أبو معشر له أحاديث مناكير منها هذا، ومنها عن أبي هريرة: ما بين المشرق والمغرب قبله. وأما حديث أبي هريرة فأخرجه الترمذي في الباب الآتي بعد باب.
قوله: "هذا حديث لا نعرفه إلا من حديث عبد الكريم" وأخرجه أحمد والحاكم

(5/567)


باب ماجاء عن النبي صلى الله عليه وسلم من الرخصة في قطع اللحم بالسكين
...
32ـ باب ما جَاء عن النبيّ صلى الله عليه وسلم
مِنَ الرّخْصَةِ في قَطْعِ اللّحْمِ بالسّكّين
1896ـ حدثنا محمودُ بنُ غَيْلاَنَ حدثنا عَبْدُ الرّزّاقِ أخبرنا مَعْمَرٌ عن الزّهْرِيّ عن جَعْفَرِ بنِ عَمْرِو بنِ أُمَيّةَ الضّمرِيّ عن أبيهِ "أنّهُ رأَى النبيّ صلى الله عليه وسلم احْتَزّ مِنْ كَتِفِ شَاةٍ فَأَكَلَ منها ثُمّ مَضَى إلى الصّلاَةِ وَلَمْ يَتَوّضأْ".
ـــــــ
"باب ما جَاء عن النبيّ صلى الله عليه وسلم مِنَ الرّخْصَةِ في قَطْعِ اللّحْمِ بالسّكّين"
وفيه لغة أخرى وهي السكينة والأول أشهر، قال الجوهري: السكين يذكر ويؤنث والغالب عليه التذكير انتهى، ويقال له بالفارسية كارد.
قوله: "عن جعفر بن عمرو بن أمية الضمري" المدني، وهو أخو عبد الملك ابن مروان من الرضاعة ثقة من الثالثة "عن أبيه" أي عمرو بن أمية بن خويلد ابن عبد الله الضمري صحابي مشهور، أول مشاهده ببر معونة، مات في خلافة معاوية.
قوله: "احتز" أي قطع بالسكين، قال في النهاية: هو افتعل من الحز القطع ومنه الحزة وهي القطعة من اللحم وغيره، وقيل الحز القطع في الشيء من غير

(5/567)


هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وفي البابِ عَنْ المُغِيرَةِ بنِ شُعْبَةَ.
ـــــــ
إِبانة، يقال حززت العود احزه حزاً انتهى "من كتف شاة" قال في القاموس: الكتف كفرح ومثل وجبل انتهى "ثم مضى إلى الصلاة ولم يتوضأ" وفي رواية البخاري في الأطعمة: فدعى إلى الصلاة فألقاها. والسكين التي يحتز بها ثم قام فصلى ولم يتوضأ. قال العيني في العمدة: فيه جواز قطع اللحم بالسكين للأكل حسن، ولا يكره أيضاً قطع الخبز بالسكين إذ لم يأت نهى صريح عن قطع الخبز وغيره بالسكين. فإن قلت: روى الطبراني عن ابن عباس وأم سلمة رضي الله تعالى عنهم: لا تقطعوا بالسكين ولكن ليأخذه بيده فلينهسه بفيه فإنه أهنأ وأمرأ، وروى أبو داود من رواية أبي معشر عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تقطعوا اللحم بالسكين فإنه من صنيع الأعاجم فانهسوه فإنه أهنأ وأمراً" . قلت: في سند حديث الطبراني عباد بن كثير الثقفي وهو ضعيف، وحديث أبي داود قال النسائي: أبو معشر له أحاديث مناكير منها هذا، وقال ابن عدي: لا يتابع عليه هو ضعيف، انتهى كلام العيني بلفظه.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه البخاري في الطهارة والصلاة والجهاد والأطعمة وأخرجه النسائي في الوليمة وابن ماجه في الطهارة.
قوله: "وفي الباب عن المغيرة بن شعبة" قال الحافظ في الفتح: أخرج أصحاب السنن الثلاثة من حديث المغيرة بن شعبة: بت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان يحز لي من جنب حتى أذن بلال فطرح السكين وقال ماله تربت يداه

(5/568)


باب ماجاء أي اللحم كان أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم
...
33ـ باب ما جَاء في أي اللّحْمِ كانَ أَحَبّ إلى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم
1897ـ حدثنا وَاصِلُ بنُ عَبْدِ الأَعْلَى حدثنا محمدُ بنُ فضَيْلِ عن
ـــــــ
"باب ما جَاء في أي اللّحْمِ كانَ أَحَبّ إلى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم"
قوله: "حدثنا واصل بن عند الأعلى" الأسد الكوفي "حدثنا محمد بن الفضيل"

(5/568)


أبي حَيّانَ التَيْمِيّ عن أبي زُرْعَةَ عن أبي هُرَيْرَةَ قَالَ: "أُتِيَ النبيّ صلى الله عليه وسلم بِلَحْمٍ فَرفِعَ إليهِ الذّرَاعُ، وكانت تعْجِبُهُ، فَنَهَسَ مِنْهَا".
قال وفي البابِ عن ابنِ مَسْعُودٍ وعَائِشَةَ وَعَبْدِ الله بنِ جَعْفَرٍ وأَبِي عُبَيْدَةَ.
ـــــــ
هو الضبي الكوفي "عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير" بن عبد الله البجلي الكوفي، قيل اسمه هرم، وقيل عمرو، وقيل عبد الله، وقيل عبد الرحمن، وقيل جرير، ثقة من الثالثة.
قوله: "فدفع إليه الذراع" قال في القاموس: الذراع بالكسر من طرف المرفق إلى طرف الأصبع الوسطى والساعد وقد يذكر فيهما والجمع أذرع وذرعان بالضم، ومن يدي البقر والغنم فوق الكراع، ومن يد البعير فوق الوظيف، وكذلك من الخيل والبغال والحمير انتهى "وكان" أي الذراع "يعجبه" أي يروقه وهو يستحسنه ويحبه. قال النووي: محبته صلى الله عليه وسلم للذراع لنضجها "فنهس منها" أي من الذراع، قيل استحب النهس للتواضع وعدم التكبر، ولأنه أهنأ وأمرأ كما مر في حديث صفوان بن أمية.
قوله: "وفي الباب عن ابن مسعود وعائشة وعبد الله بن جعفر وأبي عبيدة" أما حديث ابن مسعود فأخرجه أبو داود والنسائي عنه قال: كان أحب العراق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عراق الشاة. قال في القاموس: العراق وكغراب العظم أكل لحمه جمعه ككتاب وغراب نادر، أو العرق العظم بلحمه فإذا أكل لحمه فعراق أو كلاهما لكليهما انتهى. وأما حديث عائشة فأخرجه الترمذي بعد هذا. وأما حديث عبد الله بن جعفر فأخرجه أحمد وابن ماجه والحاكم والبيهقي عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم قال والقوم يلقون لرسول الله صلى الله عليه وسلم اللحم يقول: "أطيب اللحم لحم الظهر" . وأما حديث أبي عبيدة فلينظر من أخرجه.

(5/569)


هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وأبو حَيّانَ اسْمُهُ يَحْيَى بنُ سَعِيدِ بنِ حَيّانَ. وأبو زُرْعَةَ بنُ عَمْرِو بنِ جَرِيرٍ اسْمُهُ هَرِم.
1898 ـ حدثنا الْحَسَنُ بنُ محمدٍ الزّعْفَرَانِيّ، حدثنا يَحْيَى بنُ عَبّادٍ أَبُو عَبّادٍ، حدثنا فُلَيْحُ بنُ سُلَيْمانُ عن عَبْدِ الْوَهّابِ بنِ يَحْيَى مِنْ وَلَدِ عَبّادِ بنِ عَبْدِ الله بنِ الزّبَيْرِ عن عَبْدِ الله بنِ الزّبَيْرِ عن عَائِشَةَ قالَتْ: "ما كانَ الذّرَاعُ أحَبّ اللّحْمِ إلى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، ولَكِنْ كانَ لا يَجِدُ اللّحْمَ إلاّ غبّا. فكَانَ يعْجَلُ إليهِ لأَنّهُ أَعْجَلُهَا نُضْجَاً".
هذا حديثٌ غريب لا نَعْرِفهُ إلا مِنْ هذا الوَجْهِ.
ـــــــ
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه ابن ماجه.
قوله: "حدثنا يحيى بن عباد أبو عباد" الضبعي البصري نزيل بغداد، صدوق من التاسعة "حدثنا فليح بن سليمان" هو المدني "عن عبد الوهاب بن يحيى من ولد عباد الخ" قال في التقريب: عبد الوهاب بن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير مقبول من الخامسة.
قوله: "ولكن كان لا يجد اللحم إلا غباً" بكسر الغين المعجمة وشدة الموحدة قال في المجمع: لا يأكلون اللحم إلا غباً أي لا يديمون على أكله وهو في أوراد الإبل أن تشرب يوماً وتدعه يوماً، وفي غيره أن تفعل الشيء يوماً وتدعه أياماً انتهى. "فكان يعجل" بصيغة المجهول من التعجيل أي فكان يعجل في تقديم الذراع وإحضاره إليه "إليه" صلى الله عليه وسلم "لأنه" أي لأن لحم الذراع "أعجلها" أي أعجل اللحوم "نضجاً" قال في القاموس: نضج التمر واللحم كسمع نضجاً ونضجاً أدرك انتهى. قيل كون الذراع أعجل اللحوم نضجاً أحد وجوه الإعجاب فلا مخالفة بين هذا الحديث وبين حديث أبي هريرة المتقدم

(5/570)


باب ماجاء في الخل
...
34ـ باب ما جَاءَ في الْخَل
1899ـ حدثنا الْحَسَنُ بنُ عَرَفَةَ، حدثنا مُبَارَكُ بنُ سَعِيدٍ هو أخُو سُفْيَانَ بنِ سَعِيدٍ الثوري عن سُفْيَانَ عن أبي الزّبَيْرِ عن جَابِرٍ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "نِعْمَ الإدَامُ الْخَلّ" .
1900- حدثنا عبدة بن عبد الله الخزاعي البصري حدثنا معاوية ابن هشام عن سفيان عن محارب بن دثار عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "نعم الأدام الخل" .
ـــــــ
"باب ما جَاءَ في الْخَل"
قوله: "حدثنا الحسن بن عروة" هو العبدي البغدادي "حدثنا مبارك بن سعيد أخو سفيان الخ" قال في التقريب: مبارك بن سعيد بن مسروق الثوري الأعمى أبو عبد الرحمن الكوفي نزيل بغداد صدوق من الثامنة انتهى. وقال في تهذيب التهذيب في ترجمته: روى عن أبيه وأخويه سفيان وعمر وغيرهم، وعنه الحسن ابن عرفة وغيره.
قوله: "نعم الإدام الخل" قال النووي: الإدام بكسر الهمزة ما يؤتدم به يقال أدم الخبز يأدمه بكسر الدال، وجمع الإدام أدم بضم الهمزة والدال كإهاب وأهب وكتاب وكتب والأدم بإسكان الدال مفرد كإدام انتهى. وقال في النهاية: الإدام بالكسر والأدم بالضم ما يؤكل مع الخبز أي شيء كان انتهى. قال الخطابي: معنى الحديث مدح الإقتصار في المأكل ومنع النفس عن ملاذ الأطعمة كأن يقول: ائتدموا بالخل وما كان في معناه مما تخف مؤنته ولا يعز وجوده، ولا تتأنقوا في الشهوات فإنها مفسدة للدين مسقمة للبدن. وذكر النووي كلام الخطابي هذا ثم قال: والصواب الذي ينبغي أن يجزم به أنه مدح للخل نفسه، وأما الاقتصار في المطعم وترك الشهوات فمعلوم من قواعد أخر انتهى.
قوله: "حدثنا عبدة بن عبد الله الخزاعي" الصفار أبو سهل البصري كوفي اوصل ثقة من الحادية عشرة "حدثنا معاوية بن هشام" القصار أبو الحسن الكوفي

(5/571)


قال وفي الباب عن عائشة وأم هانئ. وهذا أصَحّ مِنْ حديثِ مُبَارَكِ بنِ سَعِيدٍ.
1901ـ حدثنا محمدُ بنُ سَهْلِ بنِ عَسْكَرٍ الْبَغْدَادِيّ، حدثنا يَحْيَى بنُ حَسّان حدثنا سُلَيْمَانُ بنُ بِلاَلٍ عن هِشَامٍ بنِ عُرْوَةَ عن أبيهِ عن عَائِشَةَ أنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: "نِعْمَ الإدَامُ الْخَلّ" .
1902- حدثنا عَبْدُ الله بنُ عبدِ الرحمَنِ أخبرنا يَحْيىَ بنُ حَسّانَ عن سُلَيْمَانَ بنِ بِلاَلٍ بِهَذَا الإسْنَادِ نَحْوَهُ إلاّ أنّهُ قالَ: "نِعْمَ الإدَامُ أو الأُدْمُ الْخَلّ" .
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ مِنْ هذا الوَجْهِ لا نعرفه مِنْ حَدِيثِ هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ إلاّ مِنْ حديثِ سُلَيْمانَ بنِ بِلاَلٍ.
ـــــــ
مولى بني أسد صدوق أوهام من صغار التاسعة "عن محارب بن دثار" قال في التقريب: محارب بضم أوله وكسر الراء بن دثار بكسر المهملة وتخفيف المثلثة السدوسي الكوفي القاضي ثقة إمام زاهد من الرابعة.
قوله: "وفي الباب عن عائشة وأم هانيء" أخرجهما الترمذي بعد هذا.
قوله: "وهذا أصح الخ" والحديث أخرجه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه.
قوله: "حدثنا يحيى بن حسان" هو التنيسي "أخبرنا سليمان بن بلال" هو التميمي.
قوله: "نعم الإدام الخل" فيه فضيلة الخل. وأنه يسمى أدماً، وأنه أدم فاضل جيد.
قوله: "حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن" هو الدارمي.

(5/572)


1903ـ حدثنا أبو كُرَيْبٍ بن العلاء حدثنا أبُو بَكْرٍ بنِ عَيّاشٍ عن أبي حَمْزَةَ الثّمَالِيّ عن الشّعْبِيّ عن أُمّ هانئ بِنْتِ أبِي طَالِبٍ قالَتْ: "دَخَلَ عَلَيّ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم فقَالَ: "هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ" ؟ فَقلت: لا، إلاّ كِسَرٌ يَابِسَةٌ وَخَلّ، فقالَ النبيّ صلى الله عليه وسلم: " قَرّبِيهِ، فَمَا أَقْفَرَ بَيْتٌ مِنْ أُدْمٍ فيه خَلّ" .
ـــــــ
قوله: "هذا حديث حسن صحيح غريب الخ" وأخرجه مسلم.
قوله: "حدثنا أبو كريب" اسمه محمد بن العلاء "حدثنا أبو بكر بن عياش" هو الأسدي الكوفي "عن أبي حمزة" الثمالي بضم المثلثة اسمه ثابت بن أبي صفية كوفي ضعيف رافضي من الخامسة مات في خلافة أبي جعفر.
قوله: "هل عندكم شيء؟" أي مما يؤكل "فقلت لا" أي لا شيء عندنا "إلا كسر" بكسر الكاف وفتح السين المهملة جمع كسرة وهي القطعة من الشيء المكسور والمراد هنا كسر الخبز، وفي المشكاة إلا خبز يابس "يابسة" صفة "وخل" عطف على كسر، قيل المستثنى منه محذوف والمستثنى بدل منه، ونظيره في الصحاح قول عائشة إلا شيء بعثت به أم عطية. قال المالكي فيه: شاهد على إبدال ما بعد إلا من يحذف، لأن الأصل لا شيء عندنا إلا شيء بعثت به أم عطية "قريبة" أي أحضري ما عندك "فما أقفر" بالقاف قبل الفاء "بيت من أدم" متعلق بأقفر. وقوله: "فيه خل" صفة بيت. قال الجزري في النهاية: أي ما خلا من الإدام ولا عدم أهله الأدم. والقفار الطعام بلا أدم، وأقفر الرجل إذا أكل الخبز وحده من القفر والقفار وهي الأرض الخالية التي لا ماء بها انتهى.
فإن قلت: لفظ بين موصوف وفيه خل صفته ووقع بينهما الفصل بقوله "ن أدم" وهو أجنبي عنهما، والفصل بين الموصوف وصفته بالأجنبي لا يجوز.
قلت: قال القاري في المرقاة: يمكن أن يقال إنه حال على تقدير الموصوف، أي بيت من البيوت، كذا قاله الطيبي: وفي شرح المفتاح للسيد في بحث الفصاحة

(5/573)


هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ مِنْ هذا الوَجْهِ لا نَعْرِفُهُ مِنْ حَدِيثِ أُمّ هانئ إلاّ مِنْ هذا الوَجْهِ. وأبو حكزة الثمالي اسمه ثابت بن أبي صفية وأُمّ هانئ مَاتَتْ بَعْدَ عَلِيّ بنِ أبي طَالِبٍ بِزَمَانٍ.
ـــــــ
أنه يجوز الفصل بين الصفة والموصوف، وأن يجيء الحال عن النكرة العامة بالنفي ولا يحتاج إلى تقديره الصفة. وقال ابن حجر: هو صفة بيت ولم يفصل بينهما بأجنبي من كل وجه لأن أقفر عامل في بيت وصفته وفيما فصل بينهما انتهى.
قوله: "هذا حديث حسن غريب" وأخرجه الطبراني في الكبير وأبو في الحلية

(5/574)


باب ماجاء في أكل البطيخ بالرطب
...
35ـ باب مَا جَاءَ في أَكْلِ البَطّيخٍ بالرّطَب
1904 ـ حدثنا عَبْدَةُ بنُ عَبْدِ الله الْخُزَاعِيّ، حدثنا مُعَاوِيَةُ بنُ هِشَامٍ عن سُفْيَانَ عن هِشَام بنِ عُرْوَةَ عن أبيهِ عن عَائِشَةَ "أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم كانَ يَأْكُلُ البِطّيخَ بالرّطَبِ".
ـــــــ
"باب مَا جَاءَ في أَكْلِ البَطّيخٍ بالرّطَب"
البطيخ بكسر الموحدة وتشديد الطاء المهملة المكسورة بالفارسية خربزة وبالهندية خربوزه، والرطب بضم الراء وفتح الطاء وفتح الطاء نضيج البسر.
قوله: "كان يأكل البطيخ بالرطب" زاد أبو داود في روايته: يقول نكسر حر هذا ببرد هذا وبرد هذا بحر هذا. قال الحافظ في الفتح: وقع في رواية الطبراني كيفية أكله لهما فأخرج في الأوسط وهو في الطب لأبي نعيم من حديث أنس كان أكله لهما فأخرج في الأوسط وهو في الطب لأبي نعيم من حديث أنس كان يأخذ الرطب بيمينه والبطيخ بيساره فيأكل الرطب بالبطيخ، وكان أحب الفاكهة إليه، وسنده ضعيف. وأخرج النسائي بسند صحيح عن حميد عن أنس: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يجمع بين الرطب والخزير وهو بكسر الخاء المعجمة وسكون الراء وكسر الموحدة بعدها زاي نوع من البطيخ الأصفر،

(5/574)


قال وفي البابِ عن أنَس.
هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ. وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ عن هَشَامِ بنِ عُرْوَةَ عن أبيهِ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم مرسل ولَمْ يَذْكُرْ فيهِ عن عَائِشَةَ. وقد رَوَى يَزِيدُ بنُ رُومَانَ عن عروة عن عائِشَةَ هذا الحديثَ.
ـــــــ
وفي هذا تعقب على من زعم أن المراد بالبطيخ في الحديث الأخضر، واعتل بأن في الأصفر حرارة كما في الرطب، وقد ورد تعليل بأن أحدهما يطفيء حرارة الآخر، والجواب عن ذلك بأن في الأصفر بالنسبة للرطب برودة وإن كان فيه لحلاوته طرف حرارة انتهى: وقيل أراد قبل أن ينضج البطيخ ويصير حلواً فإنه بعد نضجه حار وقبله بارد انتهى. قال الخطابي: فيه إثبات الطب والعلاج ومقابلة الشيء الضار بالشيء المضاد له في طبعه على مذهب الطب والعلاج.
قوله: "وفي الباب عن أنس" تقدم تخريجه في كلام الحافظ.
قوله: "هذا حديث حسن غريب" وأخرجه أبو داود والنسائي والبيهقي في السنن الكبرى. قال الحافظ ابن القيم في زاد المعاد: جاء في البطيخ عدة أحاديث لا يصح منهاشيء غير هذا الحديث الواحد "وقد روى يزيد بن رومان" المدني مولى آل الزبير، ثقة من الخامسة، وروايته عن أبي هريرة مرسلة، كذا في التقريب

(5/575)


باب ماجاء في أكل القثاء بالرطب
...
36 ـ باب مَا جَاءَ في أَكْلِ القِثّاءِ بالرّطَب
1905ـ حدثنا إسماعيلُ بنُ مُوسَى الفَزَارِيّ، حدثنا إبراهيم بنُ
ـــــــ
"باب مَا جَاءَ في أَكْلِ القِثّاءِ بالرّطَب"
قال في المصباح: القثاء بكسر القاف وتشديد الثاء المثلثة ويجوز ضم القاف وهو اسم جنس لما يقوله الناس الخيار، وبعض الناس يطلق القثاء على نوع يشبه الخيار وهو مطابق لقول الفقهاء: لو حلف لا يأكل الفاكهة حث بالقثاء والخيار، وهو يقتضي أن يكون نوعاً غيه فتفسير القثاء بالخيار تسامح انتهى.

(5/575)


سَعْدٍ عن أبيهِ عن عَبْدِ الله بنِ جَعْفَر قالَ: "كانَ النبيّ صلى الله عليه وسلم يَأْكُلُ القِثّاءَ بالرّطَبِ".
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ، لا نَعْرِفُهُ إلاّ مِنْ حَديثِ إبراهيم بنِ سَعْدٍ.
ـــــــ
قوله: "حدثنا إبراهيم بن سعد" هو الزهري أبو إسحاق المدني "عن أبيه" أي سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف "عن عبد الله بن جعفر" بن أبي طالب الهاشمي "كان النبي صلى الله عليه وسلم يأكل القثاء بالرطب" وقع في رواية الطبراني صفة أكله لهما، فأخرج في الأوسط من حديث عبد الله بن جعفر قال: رأيت في يمين النبي صلى الله عليه وسلم قثاء وفي شماله رطباً وهو يأكل من ذامرة ومن ذامرة، وفي سنده ضعف، كذا في الفتح قال النووي: فيه جواز أكلهما معاً والتوسع في الأطعمة، ولا خلاف بين العلماء في جواز هذا، وما نقل عن بعض السلف من خلاف هذا فمحمول على كراهة اعتياد التوسع والترفه والإكثار منه لغير مصلحة دينية انتهى.
وقال القرطبي: يؤخذ من هذا الحديث جواز مراعاة صفات الأطعمة وطبائعها واستعمالها على الوجه الأليق بها على قاعدة الطب لأن في الرطب حرارة وفي القثاء برودة فإذا أكلا معاً اعتدلا، وهذا أصل كبير في المركبات من الأدوية، ومن فوائد أكل هذا المركب المعتدل تعديل المزاج وتسمين البدن كما أخرجه ابن ماجه من حديث عائشة أنها قالت: أرادت أمي أن تهيئني للسمن لتدخلني على النبي صلى الله عليه وسلم، فما استقام لها ذلك حتى أكلت الرطب بالقثاء، فسمنت كأحسن السمن انتهى.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح غريب" وأخرجه أحمد والشيخان وأبو داود وابن ماجه وأبو يعلى

(5/576)


باب ماجاء في شرب أبوال الإبل
...
37ـ باب ما جَاءَ في شُرْبِ أبْوَالِ الإبِل
1906ـ حدثنا الْحَسَنُ بنُ محمدٍ الزّعْفَرَانِيّ، حدثنا عَفّانُ، حدثنا حَمّادُ بنُ سَلمَةَ أخبرنا حُمَيْدٌ و ثَابِتٌ وَقَتَادَةُ عن أَنَسٍ: "أنّ نَاساً مِنْ عُرَيْنَةَ قَدِمُوا المَدِينَةَ فاجْتَوَوْهَا، فَبَعَثَهُمْ النبيّ صلى الله عليه وسلم في إبِلِ الصّدَقَةِ وقالَ "اشرَبوا مِنْ أَلْبَانِهَا وأبوالها " .
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ مِنْ هذا الوجه. وقد رُوِيَ هذا الْحَدِيثُ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عن أنَسٍ، رَوَاهُ أبُو قِلاَبَةَ عن أنَسٍ وَرَوَاهُ سَعِيدُ بنُ أبي عَرُوبَةَ عن قَتَادَةَ عن أَنَسٍ.
ـــــــ
"باب ما جَاءَ في شُرْبِ أبْوَالِ الإبِل"
قوله: "أن ناساً من عرينة الخ" تقدم هذا الحديث في باب ما جاء في بول ما يؤكل لحمه بإسناده ومتنه وتقدم هناك شرحه

(5/577)


باب الوضوء قبل الطعام وبعده
...
38ـ باب ما جاء في الوُضُوءِ قَبْلَ الطّعَامِ وبَعْدَه
1907ـ حدثنا يَحْيىَ بنُ مُوسَى، حدثنا عَبْدُ الله بنُ نُمَيْرٍ، حدثنا قَيْسُ بنُ الرّبِيعِ، وَحدثنا قُتَيْبَةُ، حدثنا عَبْدُ الْكَرِيمِ الْجُرْجَانِيّ عن قَيْسِ بنِ الرّبِيعِ، المَعْنَى وَاحِدٌ عن أبي هَاشِمٍ عن زَاذَانَ عن سَلْمَانَ قال: "قَرَأْتُ
ـــــــ
"باب ما جاء في الوُضُوءِ قَبْلَ الطّعَامِ وبَعْدَه"
قوله: "حدثنا يحيى بن موسى" هو البلخي "حدثنا عبد الله بن نمير" هو الهمداني أبو هشام الكوفي "حدثنا قيس بن الربيع" هو الأسدي أبو محمد الكوفي "حدثنا عبد الكريم" بن محمد الجرجاني القاضي مقبول من التاسعة مات قديماً في حدود الثمانين ومائة كذا في التقريب "عن أبي هاشم" الرماني الواسطي اسمه يحيى

(5/577)


في التّوْرَاةِ أنّ بَرَكَةَ الطّعَامِ الوُضُوءُ بَعْدَهُ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ للنبيّ صلى الله عليه وسلم فأَخْبَرْتُهُ بِمَا قَرَأْتُ في التّوْرَاةِ، فقالَ رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "بَرَكَةَ الطّعَامِ الوُضُوءُ قَبْلَهُ والوُضُوءُ بَعْدَهُ" .
ـــــــ
ابن دينار، وقيل ابن الأسود، وقيل ابن نافع ثقة من السادسة "عن زاذان" هو أبو عمر الكندي البزار "عن سلمان" أي الفارسي رضي الله تعالى عنه.
قوله: "قرأت في التوراة" أي قبل الإسلام "أن بركة الطعام" بفتح أن ويجوز كسرها "الوضوء" أي غسل اليدين والفم من الزهومة إطلاقاً للكل على الجزء مجازاً أو بناء على المعنى اللغوي والعرفي "بعده" أي بعد أكل الطعام "فذكرت ذلك" المقروء المذكور "وأخبرته بما قرأت في التوراة" هو عطف تفسيري، ويمكن أن يكون المراد بقوله فذكرت أي سألت هل بركة الطعام الوضوء بعده والحال أني أخبرته بما قرأته في التوراة من الاختصار على تقييد الوضوء بما بعده "بركة الطعام الوضوء قبله" تكريماً له "والوضوء بعده" إزالة لما لصق. قال القاري: وهذا يحتمل منه صلى الله عليه وسلم أن يكون إشارة إلى تحريف ما في التوراة، وأن يكون إيماء إلى أن شريعته زادت الوضوء قبله أيضاً استقبالاً للنعمة بالطهارة المشعرة للتعظيم على ما ورد: بعثت لأتمم مكارم الأخلاق، وبهذا يندفع ما قاله الطيبي من أن الجواب من أسلوب الحكيم. قيل: والحكمة في الوضوء أولاً أيضاً أن الأكل بعد غسل اليدين يكون أهنأ وأمرأ ولأن اليد لا تخلو عن التلوث في تعاطي الأعمال، فغسلها أقرب إلى النظافة والنزاهة، ولأن الأكل يقصد به الاستعانة على العبادة فهو جدير بأن يجري مجرى الطهارة من الصلاة فيبدأ بغسل اليدين، والمراد من الوضوء الثاني غسل اليدين والفم من الدسومات. قال صلى الله عليه وسلم: "من بات وفي يده غمر ولم يغسله فأصابه شيء فلا يلومن إلا نفسه" ، أخرجه الترمذي، قيل ومعنى بركة الطعام من الوضوء قبله النمو والزيادة فيه نفسه، وبعده النمو والزيادة في فوائدها وآثارها بأن يكون سبباً لسكون النفس وقرارها وسبباً للطاعات وتقوية للعبادات، وجعله نفس البركة للمبالغة وإلا فالمراد أنها تنشأ عنه انتهى.

(5/578)


قال وفي البابِ عن أَنَسٍ وأبي هُرَيْرَةَ. لا نَعْرِفُ هذا الْحَدِيثَ إلاّ مِنْ حَدِيثِ قَيْسِ بنِ الرّبِيعِ، وقَيْس بن الربيع يُضَعّفُ في الْحَديثِ وَأَبُو هَاشِمٍ الرّمَانِيّ اسْمُهُ يَحْيى بنُ دِينَارٍ.
ـــــــ
قوله: "وفي الباب عن أنس وأبي هريرة" أما حديث أنس فأخرجه عنه ابن ماجه قال حدثنا بن المغلس حدثنا كثير بن سليم سمعت أنس بن مالك يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أحب أن يكثر الله خير بيته فليتوضأ إذا حضر غذاؤه وإذا رفع" ، وهو من ثلاثيات ابن ماجه وجبارة وكثير كلاهما ضعيفان. وأما حديث أبي هريرة فأخرجه الترمذي في آخر الأطعمة. وأخرج ابن ماجه عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه خرج من الغائط فأتى بطعام، فقال رجل يا رسول الله ألا آتيك بوضوء، قال أأريد الصلاة.
قوله: "لا نعرف هذا الحديث إلا من حديث قيس بن الربيع" وأخرجه أحمد وأبو داود والحاكم "وقيس يضعف في الحديث" قال المنذري بعد نقل كلام الترمذي هذا: قيس بن الربيع صدوق وفيه كلام لسوء حفظه لا يخرج الإسناد عن حد الحسن انتهى "وأبو هاشم الرماني" بضم الراء وتشديد الميم وكان نزل قصر الرمان كذا في الخلاصة

(5/579)


39ـ باب في تَرْكِ الوُضُوء قَبْلَ الطّعَام
1908ـ حدثنا أحمدُ بنُ مَنِيعٍ، حدثنا إسماعيلُ بنُ إبراهيم عن أَيّوبَ عن ابنِ أبي مُلَيْكَةَ عن ابنِ عَبّاسٍ: "أنّ رسولَ الله صلى الله عليه
ـــــــ
"باب في تَرْكِ الوُضُوء قَبْلَ الطّعَام"
قوله: "حدثنا إسماعيل بن إبراهيم" هو المعروف بابن علية "عن أيوب" هو السختياني "عن ابن أبي مليكة قال في التقريب: عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة" بالتصغير ابن عبد الله بن جدعان، قال اسم أبي مليكة زهير التيمي المدني أدرك ثلاثين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ثقة فقيه من الثالثة انتهى.

(5/579)


وسلم خَرَجَ مِنَ الْخَلاءِ فَقُرّبَ إليهِ طَعَامٌ، فَقَالُوا أَلاَ نَأْتِيكَ بِوُضُوء؟ قال: "إنمَا أُمِرْتُ بالوُضُوء إذَ قُمْتُ إلَى الصّلاَةِ" .
هذا حديثٌ صحيح حسنٌ وقد رَوَاهُ عَمْرو بنُ دِينَارٍ عن سَعِيدِ بنِ الْحُوَيْرِثِ عن ابنِ عَبّاسٍ وَقالَ عليّ بنُ المَدينِيّ: قالَ يَحْيىَ بنُ سَعِيدٍ: كَانَ سُفْيَانُ الثّوْرِيّ يَكْرَهُ غَسْلَ الْيَدِ قَبْلَ الطّعَامِ، وكَانَ يَكْرَهُ أنْ يُوَضَعَ الرّغِيفُ تَحْتَ القَصْعةِ.
ـــــــ
قوله: "خرج من الخلاء" بفتح الخاء ممدوداً المكان الخالي وهو هنا كناية عن موضع قضاء الحاجة "فقالوا" أي بعض الصحابة رضي الله عنهم "ألا تأتيك بوضوء" بفتح الواو أي ماء يتوضأ به، ومعنى الاستفهام على العرض نحو ألا تنزل عندنا، والمعنى ألا تتوضأ في رواية، ظناً منهم أن الوضوء واجب قبل الأكل "قال إنما أمرت" أي وجوباً "بالوضوء" أي بعد الحدث "إذا قمت إلى الصلاة" أي أردت القيام لها، وهذا باعتبار الأعم الأغلب وإلا فيجب الوضوء عند سجدة التلاوة ومن الصحف وحال الطواف، وكأنه صلى الله عليه وسلم علم من السائل أنه اعتقد أن الوضوء الشرعي قبل الطعام واجب مأمور به، فنفاه على طريق الأبلغ حيث أتى بأداة الحصر وأسند الأمر لله تعالى، وهو لا ينافي جوازه بل استحبابه فضلاً عن استحباب الوضوء العرفي سواء غسل يديه عند شروعه في الأكل أم لا، والأظهر أنه ما غسلهما لبيان الجواز مع أنه أكد لنفي الوجوب المفهوم من جوابه صلى الله عليه وسلم. وفي الجملة لا يتم استدلال من احتج به على نفي الوضوء مطلقاً قبل الطعام مع أن في نفس السؤال إشعاراً بأنه كان الوضوء عند الطعام من دأبه عليه السلام، وإنما نفى الوضوء الشرعي فبقي الوضوء العرفي على حاله، ويؤيده المفهوم أيضاً فمع وجود الاحتمال سقط الاستدلال، كذا قال القاري في المرقاة.
قلت: وفي بعض كلامه نظر كما لا يخفي.
قوله: "هذا حديث حسن" وأخرجه مسلم وأبو داود والنسائي "وقد رواه عمرو

(5/580)


ـــــــ
بن دينار عن سعيد بن الحويرث" ويقال ابن أبي الحويرث المكي مولى السائب ثقة من الرابعة "عن ابن عباس" أخرجه مسلم في صحيحه بهذا الطريق "وقال علي بن المديني قال يحيى بن سعيد: كان سفيان الثوري يكره الخ" قال النووي في شرحه حديث ابن عباس: المراد بالوضوء الوضوء الشرعي، وحمله القاضي عياض على الوضوء اللغوي وجعل المراد غسل الكفين. وحكى اختلاف العلماء في كراهة غسل الكفين قبل الطعام واستحبابه. وحكى الكراهة عن مالك والثوري والظاهر ما قدمناه أن المراد الوضوء الشرعي انتهى. وقال الحافظ بن القيم في حاشية السنن: في هذه المسألة قولان لأهل العلم: أحدهما يستحب غسل اليدين عند الطعام، والثاني لا يستحب، وهما في مذهب أحمد وغيره الصحيح أنه لا يستحب. وقال الشافعي في كتابه الكبير: باب ترك غسل اليدين قبل الطعام، ثم ذكر من حديث بن جريج عن سعيد بن الحويرث عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تبرز ثم خرج فطعم ولم يمس ماء وإسناده صحيح، ثم قال غسل الجنب يده إذ طعم، وساق من حديث الزهري عن أبي سلمة عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد أن ينام وهو جنب توضأ وضوءه للصلاة، وإذا أراد أن يأكل غسل يديه، وهذا التبويب والتفصيل في المسألة هو الصواب. وقال الخلال في الجامع عن مهنا: قال سألت أحمد عن حديث قيس بن الربيع عن أبي هاشم عن زاذان عن سلمان فذكر الحديث فقال أبو عبد الله: هو منكر، فقلت: ما حدث هذا إلا قيس بن الربيع قال لا. وسألت يحيى بن معين وذكرت له حديث قيس بن الربيع فقال لي يحيى بن معين: ما أحسن الوضوء قبل الطعام وبعده، فقلت له: بلغني عن سفيان الثوري أنه كان يكره الوضوء قبل الطعام، قال مهنا: سألت أحمد قلت: بلغني عن يحيى بن سعيد أنه قال: كان سفيان يكره غسل اليد عند الطعام، قلت: لم كره سفيان ذلك؟ قال لأنه من زي العجم. وضعف أحمد حديث قيس بن الربيع. قال الخلال: وأنبأنا أبو بكر المروزي قال: رأيت أبا عبد الله يغسل يديه قبل الطعام وبعده وإن كان على وضوء انتهى كلام ابن القيم.

(5/581)


باب ماجاء في أكل الدباء
...
40- باب مَا جَاءَ في أكْلِ الدّبّاء
1909 ـ حدثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ، حدثنا اللّيْثُ عن مُعَاوِيَةَ بنِ صَالحٍ عن أبي طَالُوتَ قالَ: "دَخَلْتُ على أَنَسِ بنِ مَالِكٍ وهُوَ يَأْكُلُ القَرْعَ وهُوَ يَقُولُ: يَا لَكِ شَجَرَةً مَا أَحبكِ إلاّ لحُبّ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم إيّاكِ".
قال وفي البابِ عن حَكِيمِ بنِ جَابِرٍ عن أبيهِ.
هذا حديثٌ غريبٌ مِنْ هَذَا الوَجْهِ.
ـــــــ
"باب مَا جَاءَ في أكْلِ الدّبّاء"
بضم الدال وتشديد الموحدة والمد وقد يقصر القرع والواحدة دباءة، ويقال له بالفارسية والهندية كدو، وقيل هو خاص بالمستدير من القرع.
قوله: "حدثنا الليث" هو ابن سعد "عن معاوية بن صالح" بن حدير الحضرمي "عن أبي طالوت" الشامي مجهول من الخامسة قاله في التقريب. وقال في تهذيب التهذيب في ترجمته: روى عن أنس في أكل القرع وعنه معاوية بن صالح الحضرمي قال الذهبي لا يدري من هو انتهى.
قوله: "وهو يأكل القرع" بفتح القاف وسكون الراء "يا لك" اللام للتعجب "شجرة" بالنصب على التمييز "ما أحبك" صيغة التعجب.
قوله: "وفي الباب عن حكيم بن جابر عن أبيه" قال الحافظ في الفتح أخرج الترمذي والنسائي وابن ماجه من طريق حكيم بن جابر عن أبيه قال: دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم في بيته وعنده هذا الدباء فقلت ما هذا، قال القرع وهو الدباء نكثر منه طعامنا انتهى.
قوله: "هذا حديث غريب من هذا الوجه" وفي سنده أبو طالوت وهو مجهول كما عرفت.

(5/582)


1910 ـ حدثنا محمدُ بنُ مَيْمُونٍ المَكّيّ، حدثنا سُفْيَانُ بنُ عُيَيْنَةَ حدثني مَالِك بن أنس عن إسْحَاقَ بنِ عَبْدِ الله بنِ أبي طَلْحَةَ عن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ قالَ: "رَأَيْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَتَتَبّعُ في الصّحْفَةِ، يَعْنِي الدّبّاءَ، فَلاَ أَزَالُ أُحِبّهُ".
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
وقد رُوِيَ هذا الْحَدِيثُ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عن أَنَس بن مالك.
ـــــــ
قوله: "حدثنا محمد بن ميمون" الخياط البزار أبو عبد الله المكي أصله من بغداد صدوق ربما أخطأ من العاشرة.
قوله: "يتتبع" أي يتطلب "في الصحفة" وفي رواية الشيخين يتتبع الدباء من حوالي القصعة أي جوانبها. والقصعة بفتح القاف ما يشبع عشرة أنفس، والصحفة ما يشبع خمسة أنفس "فلا أزال أحبه" قال النووي: في الحديث فضيلة أكل الدباء وأنه يستحب أن يحب الدباء وكذلك كل شيء كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحبه، وأنه يحرص على تحصيل ذلك. وأما تتبع الدباء من حوالي الصحفة يحتمل وجهين أحدهما من حوالي جانبه وناحية من الصحفة لا من حوالي جميع جوانبها، فقد أمر بالأكل مما يلي الإنسان، والثاني أن يكون من جميع جوانبها وإنما نهى ذلك لئلا يتقذره جليسه، ورسول الله صلى الله عليه وسلم لا يتقذره أحد، بل يتبركون بآثاره صلى الله عليه وسلم، فقد كانوا يتبركون ببصاقه صلى الله عليه وسلم ونخامته ويدلكون بذلك وجوههم، وشرب بعضهم بوله وبعضهم دمه، وغير ذلك مما هو معروف من عظيم اعتنائهم بآثاره صلى الله عليه وسلم التي يخالفه فيها غيره.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي

(5/583)


باب ماجاء في أكل الزيت
...
41ـ باب ما جاءَ في أكْلِ الزّيْت
1911ـ حدثنا يَحْيىَ بنُ مُوسَى، حدثنا عَبْدُ الرّزّاقِ عن مَعْمَرٍ عن زَيْدِ بنِ أسْلَمَ عن أبيهِ عن عُمَرَ بن الْخَطّابِ قالَ: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "كُلُوا الزّيْتَ وَادّهِنُوا بِهِ فَإِنّهُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ" .
هذا حديثٌ لا نَعْرِفُهُ إلاّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرّزّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ. وكَانَ عَبْدُ الرّزّاقِ يَضْطَرِبُ في رِوَايَةِ هَذَا الْحَدِيثِ، فَرُبّمَا ذَكَرَ فيهِ عَنْ عُمَرَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، ورُبّمَا رَوَاهُ على الشّكّ فقالَ أحْسَبُهُ عن عُمرَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، ورُبّمَا قالَ: عَنْ زَيْدِ بنِ أسْلَمَ عن أبيهِ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم مُرْسَلاً.
ـــــــ
"باب ما جاءَ في أكْلِ الزّيْت"
قوله: "حدثنا يحيى بن موسى" هو البلخي "حدثنا عبد الرزاق" هو الحميري مولاهم أبو بكر الصنعاني "عن معمر" هو ابن راشد الأزدي.
قوله: "كلوا الزيت" أي مع الخبز واجعلوه إداماً. فلا يرد أن الزيت مائع فلا يكون تناوله أكلاً "وأدهنوا به" أمر من الإدهان بتشديد الدال وهو استعمال الدهن فنزل منزله اللازم "فإنه" أي الزيت يحصل "من شجره مباركة" يعني {زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ} ثم وصفتها بالبركة لكثرة منافعها وانتفاع أهل الشام بها كذا قيل. والأظهر لكونها تنبت في الأرض التي بارك الله فيها للعالمين، قيل بارك فيها سبعون نبياً منهم إبراهيم عليه السلام وغيرهم. ويلزم من بركة هذه الشجرة بركة ثمرتها وهي الزيتون وبركة ما يخرج منها وهو الزيت، كذا في المرقاة.
قوله: "هذا حديث لا نعرفه إلا من حديث عبد الرزاق عن معمر" وأخرجه بن ماجه "وكان عبد الرزاق يضطرب في رواية هذا الحديث" قال المنذري في

(5/584)


1912- حدثنا أبُو دَاوُدَ سُلَيْمانُ بنُ مَعْبَدٍ، حدثنا عَبْدُ الرّزّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عن زَيْدِ بنِ أسْلَمَ عن أبيهِ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم نَحْوَهُ ولَمْ يَذْكُرْ فيهِ عَنْ عُمَر.
1913ـ حدثنا محمودُ بنُ غَيْلاَنَ، حدثنا أبُو أحمدَ الزّبَيْرِيّ و أبُو نُعَيْمٍ قالاَ: حدثنا سُفْيَانُ عن عَبْدِ الله بنِ عيسى عن رَجُلٍ يُقَالُ لَهُ عَطَاءٌ مِنْ أَهْلِ الشّامِ عن أبي أَسِيدٍ قالَ: قالَ النبيّ صلى الله عليه وسلم: "كُلُوا مِنَ الزّيْتِ وادّهِنُوا بِهِ فَإِنّهُ من شَجَرَة مُبَارَكَة" .
ـــــــ
الترغيب بعد نقل كلام الترمذي هذا ما لفظه: ورواه الحاكم وقال صحيح على شرط الشيخين وهو كما قال انتهى.
قوله: "حدثنا أبو داود سليمان بن معبد" بن كوسجان السنجي ثقة صاحب حديث رحال أديب من الحادية عشرة.
قوله: "وأبو نعيم" اسمه الفضل بن دكين "حدثنا سفيان" هو الثوري "عن عبد الله بن عيسى" بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري الكوفي، ثقة فيه تشيع من السادسة "عن رجل يقال له عطاء من أهل الشام" قال الحافظ في التقريب: عطاء الشامي أنصاري سكن الساحل مقبول من الرابعة انتهى. وقال في تهذيب التهذيب في ترجمته: روى عن أبي أسيد بن ثابت الأنصاري عن النبي صلى الله عليه وسلم: "كلوا الزيت وادهنوا به" ، وعنه عبد الله بن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، ذكره ابن حبان في الثقات. قال البخاري: لم يقم حديثه وذكره العقيلي في الضعفاء انتهى "عن أبي أسيد" قال في التقريب: أبو أسيد بن ثابت الأنصاري المدني صحابي، قيل اسمه عبد الله له حديث، والصحيح فيه فتح الهمزة، قاله الدارقطني انتهى.
قوله: "فإنه" أي فإن ما يخرج منه الزيت "شجرة مباركة" أي كثيرة المنافع.

(5/585)


هذا حديثٌ غريبٌ مِنْ هَذَا الوَجْهِ إنّمَا نَعْرِفُهُ مِنْ حَدِيثِ سفيان الثوري عن عَبْدِ الله بنِ عِيسى.
ـــــــ
قوله: "هذا حديث غريب الخ" وأخرجه أحمد والحاكم وقال صحيح الإسناد

(5/586)


باب ماجاء في الأكل مع المملوك
...
42ـ باب مَا جَاء في الأكْلِ مَعَ المَمْلوكِ
1914ـ حدثنا نَصْرُ بنُ عَلِيّ، حدثنا سُفْيَانُ عن إسماعيلَ بنِ أبي خَالِدٍ عن أبيهِ عن أبي هُرَيْرَةَ يُخْبِرُهُمْ بِذَلِكَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ: "إذَا كَفَا أَحَدَكُمْ خَادِمُهُ طَعَامَهُ حَرّةُ وَدُخَانَة، فَلْيَأْخُذْ بِيَدِهِ فَلْيُقْعِدْهُ مَعَهُ، فإِنْ أبَى فَلْيَأْخُذْ لُقْمَةً فَلْيُطْعِمْهَا إياهُ" .
ـــــــ
"باب مَا جَاء في الأكْلِ مَعَ المَمْلوكِ"
قوله: "عن أبيه" أي أبي خالد البجلي الأحمسي اسمه سعد أو هرمز أو كثير مقبول من الثالثة.
قوله: "ذلك" وفي بعض النسخ بذلك، وهذا اللفظ لا وجه لذكره ههنا كما لا يخفى "إذا كفا أحدكم" بالنصب "خادمه" يعني إذا قام خادم أحدكم مقامه في صنع الطعام وتحمل مشقته، من كفاه الأمر إذا قام به مقامه "حره ودخانه" بالنصب بدل من طعامه "فليأخذه بيده" أي بيد الخادم "فليقعد معه" أمر من الإقعاد للاستحباب "فإن أبى" قال الحافظ: فاعل أبي يحتمل أن يكون السيد، والمعنى إذا ترفع عن مؤاكلة غلامه، ويحتمل أن يكون الخادم إذا تواضع عن مؤاكلة سيده، ويؤيد الاحتمال الأول أن في الأول رواية جابر عند أحمد: أمرنا أن ندعوه فإن كره أحدنا أن يطعم معه فليطعمه في يده، وإسناده حسن انتهى "فليأخذ لقمة فليطعمه إياها" وفي رواية البخاري: فليناوله أكلة أو أكلتين. قال الحافظ: بضم الهمزة أي اللقمة أو للتقسيم بحسب حال الطعام وحال الخادم.

(5/586)


هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وَأَبُو خَالِدٍ وَلَدُ إسماعيلَ اسْمُهُ سَعْدٌ.
ـــــــ
وفي رواية مسلم تقييد ذلك بما إذا كان الطعام قليلاً ولفظه: فإن كان الطعام مشفوهاً قليلاً ومقتضى ذلك أن الطعام إذا كان كثيراً فإما أن يقعده معه وإما أن يجعل حظه منه كثيراً انتهى. قال النووي: في هذا الحديث الحث على مكارم الأخلاق والمواساة في الطعام لا سيما في حق من صنعه أو حمله، لأنه ولى حره ودخانه وتعلقت به نفسه وشم رائحته، وهذا كله محمول على الاستحباب انتهى.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه الشيخان وأبو داود وابن ماجه

(5/587)


باب ماجاء في فضل إطعام الطعام
...
43ـ باب ما جَاءَ في فَضْلِ إطْعَامِ الطّعَام
1915 ـ حدثنا يُوسُفُ بنُ حَمّادٍ المعنى البصري حدثنا عُثْمانُ بنُ عبدِ الرحمَنِ الْجُمَحِيّ عن محمدِ بنِ زِيَادٍ عن أبي هُرَيْرَة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ: "أَفْشُوا السّلاَمَ وأَطْعِمُوا الطّعَامَ، واضْرِبُوا الْهَامَ تُوَرَثُوا الْجِنَانَ" .
ـــــــ
"باب ما جَاءَ في فَضْلِ إطْعَامِ الطّعَام"
قوله: "حدثنا يوسف بن حماد" هو المعنى البصري "حدثنا عثمان بن عبد الرحمن الجمحي" البصري ليس بالقوي من الثامنة كذا في التقريب. وقال في تهذيب التهذيب في ترجمته: له عند الترمذي حديث أبي هريرة: أفشوا السلام، وعند ابن ماجه حديث أنس: صنعت أم سليم خبزة انتهى "عن محمد بن زياد" هو الجمحي أبو الحارث البصري.
قوله: "أفشوا السلام" أي أظهروه وعموا به الناس ولا تخصوا المعارف "وأطعموا الطعام" أراد به قدراً زائداً على الواجب في الزكاة، سواء فيه الصداقة والهدية والضيافة "واضربوا الهام" رؤوس الكفار جمع هامة بالتخفيف الرأس "تورثوا" بصيغة المجهول "الجنان" التي وعد بها المتقون لأن أفعالهم هذه لما كانت تخلف عليهم الجنان فكأنهم ورثوها.

(5/587)


قال وفي البابِ عن عَبْدِ الله بنِ عَمْرٍو وابنِ عُمَرَ وَأَنَسٍ وعَبْد الله بنِ سَلاَمٍ وعَبْدِ الرحمَنِ بنِ عَائِشة وشُرَيْح بنِ هَانِئ عن أبيهِ.
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثِ ابن زيادٍ عن أبي هُرَيْرَةَ.
1916 ـ حدثنا هَنّادٌ، حدثنا أبُو الأَحْوَصِ عن عَطَاءِ بنِ السّائِبِ عن أبيهِ عن عَبْدِ الله بنِ عَمْرٍو قالَ: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "اعْبُدُوا الرحمنَ، وأَطْعِمُوا الطّعَامَ، وأَفْشُوا السّلاَمَ تَدْخُلُوا الْجَنّةَ بِسلاَمٍ" .
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
ـــــــ
قوله: "وفي الباب عن عبد الله بن عمرو وابن عمر وأنس وعبد الله بن سلام وعبد الرحمن بن عائش وشريح بن هانئ عن أبيه" أما حديث عبد الله بن عمرو فأخرجه الترمذي في هذا الباب. وأما حديث ابن عمر فأخرجه ابن ماجه. وأما حديث أنس فأخرجه البيهقي عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أفضل الصدقة أن تشبع كبداً جائعاً" . وأما حديث عبد الله بن سلام فأخرجه الترمذي قبل صفة أبواب الجنة. وأما حديث عبد الرحمن بن عائش فأخرجه البغوي في شرح السنة، وذكره صاحب المشكاة في الفصل الثاني من باب المساجد ومواضع الصلاة، وأما حديث شريح بن هانيء عن أبيه فأخرجه الطبراني عنه أنه قال: يا رسول الله أخبرني بشيء يوجب لي الجنة، قال "طيب الكلام، وبذل السلام، وإطعام الطعام" ، وأخرجه أيضاً ابن حبان في حديث والحاكم وصححه.
قوله: "حدثنا أبو الأحوص" اسمه سلام بن سليم الحنفي مولاهم الكوفي.
قوله: "ابعدوا الرحمن" أي أفردوه بالعبادة "تدخلوا الجنة بسلام" أي فإنكم إذا فعلتم ذلك ومتم عليه دخلتم الجنة آمنين لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون.
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" ذكره الحافظ المنذري في الترغيب ونقل تصحيح الترمذي وأقره

(5/588)


باب ماجاء في فضل العشاء
...
44ـ باب ما جاءَ في فَضْلِ العَشَاء
1917ـ حدثنا يَحْيىَ بنُ مُوسَى، حدثنا محمدُ بنُ يَعْلَى الكُوفِيّ، حدثنا عَنْبَسَةُ بنُ عَبْدِ الرحمَنِ القُرَشِيّ عن عَبْدِ المَلِكِ بنِ عَلاّق عن أنَسٍ بنِ مَالِكٍ قالَ: قالَ النبيّ صلى الله عليه وسلم: "تَعَشّوْا ولو بِكَفّ مِنْ حَشَفٍ، فإنّ تَرْكَ العَشَاءِ مَهْرَمَةٌ" .
هذا حديثٌ مُنْكَرٌ لا نَعْرِفُهُ إلاّ مِنْ هذَا الوَجْهِ. وعَنْبَسَةُ يُضَعّفُ في الْحَدِيثِ. وعَبْدُ المَلِكِ بنُ عَلاّقٍ مَجْهُولٌ.
ـــــــ
"باب ما جاءَ في فَضْلِ العَشَاء"
بفتح العين بوزن سماء هو طعام العشي، والشعي والعشية آخر النهار، كذافي القاموس.
قوله: "حدثنا يحيى بن موسى" هو البلخي "حدثنا محمد بن يعلى الكوفي" السلمي لقبه زنبور ضعيف من التاسعة "عن عبد الملك بن علاق" بمهملة مفتوحة ولا مثقلة مجهول من الخامسة كذا في التقريب اعلم أنه وقع في التقريب والخلاصة علاق بالقاف، ووقع في المغنى وتهذيب التهذيب بالفاء، ووقع في الميزان بالقاف وعلى هامشه بالفاء ولم يصرح واحد من أصحاب هذه الكتب أنه بالقاف أو بالفاء فليحرر.
قوله: "تعشوا" من التعشي وهو أكل طعام العشي "ولو بكف" أي بملء كف "من حشف" بفتحتين أردأ التمر أو الضعيف لا نوى له، أو اليابس الفاسد، أي لا تتركوا العشاء ولو بشيء حقير يسير "فإن ترك العشاء مهرمة" أي مظنة للهرم وهو الكبر. قال القتيبي: هذه الكلمة جارية على ألسنة الناس ولست أدري أرسول الله صلى الله عليه وسلم ابتدأها أم كانت تقال قبله، كذا في النهاية. وقال المناوي: بفتح الميم والراء أي مظنة للضعف والهرم، لأن النوم مع خلو المعدة يورث تحليلاً للرطوبات الأصلية لقوة الهاضمة انتهى.
قوله: "هذا حديث منكر لا نعرفه إلا من هذا الوجه وعنبسة بضعف في

(5/589)


ـــــــ
الحديث وعبد الملك بن علاق مجهول" وفي محمد بن يعلى الكوفي وهو أيضاً ضعيف والحديث تفرد به الترمذي من بين أصحاب الكتب الستة

(5/590)


باب ماجاء في التسمية على الطعام
...
45ـ باب ما جَاءَ في التّسْمِيَةِ على الطّعَام
1918ـ حدثنا عَبْدُ الله بنُ الصّبّاحِ الهَاشِميّ، حدثنا عَبْدُ الأَعْلَى عن مَعْمَرٍ عن هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ عن أبيهِ عن عُمَرَ بنِ أبي سَلَمَةَ "أنّهُ دَخَلَ على رسولِ الله صلى الله عليه وسلم وعِنْدَهُ طَعَامٌ، قالَ: "ادْنُ يَا بُنَيّ، وسَمّ الله وكُلْ بِيَمِينِكَ وكُلْ مِمّا يَلِيكَ" .
ـــــــ
"باب ما جَاءَ في التّسْمِيَةِ على الطّعَام"
قال الحافظ في الفتح: المراد بالتسمية على الطعام قول بسم الله في ابتداء الأكل، وأصرح ما ورد في صفة التسمية ما أخرجه أبو داود والترمذي من طريق أم كلثوم عن عائشة مرفوعاً: "إذا أكل أحدكم طعاماً فليقل بسم الله، فإن نسي فليقل بسم الله في أوله وآخره" . وله شاهد من حديث أمية بن مخشى عند أبي داود والنسائي. وأما قول النووي في آداب الأكل من الأذكار صفة التسمية من أهم ما ينبغي معرفته والأفضل أن يقول بسم الله الرحمن الرحيم، فإن قال بسم الله كفاه وحصلت السنة، فلم أر لما ادعاه من الأصلية دليلاً خاصاً. وأما ما ذكره الغزالي في آداب الأكل من الإحياء أنه لو قال في كل لقمة بسم الله كان حسناً وأنه يستحب أن يقول مع الأولى بسم الله ومع الثانية بسم الله الرحمن ومع الثالثة بسم الله الرحمن الرحيم فلم أر لاستحباب ذلك دليلاً، والتكرار قد بين هو وجهه بقوله حتى لا يشغله الأكل عن ذكر الله انتهى كلام الحافظ.
قوله: "حدثنا عبد الأعلى" هو ابن عبد الأعلى "عن عمر بن أبي سلمة" بن عبد الأسد المخزومي ربيب النبي صلى الله عليه وسلم صحابي صغير أمه أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم وأمره علي على البحرين، ومات سنة ثلاث وثمانين على الصحيح، كذا في التقريب.
قوله: "أنه دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعند طعام قال أدن يا بني

(5/590)


وقد روى عن هشام بن عروة عن أبي وجزة السعدي عن رجل من مزينة عن عمر بن أبي سلمة وقد اختلف أصحاب هشام بن عروة في رواية هذا الحديث وأبو وحزة السعدي اسمه يزيد بن عبيد.
ـــــــ
فسم الله وكل بيمينك وكل ما يليك" أي مما يقربك لا من كل جانب، وفي رواية الشيخين يقول: كنت غلاماً في حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت يدي تطيش في الصحفة فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا غلام سم الله الحديث. قال النووي: فيه استحباب التسمية في ابتداء الطعام، وهذا مجمع عليه، وكذا يستحب حمد الله تعالى في آخره كما سبق في موضعه، وكذا تستحب التسمية في أول الشراب، بل في أول كل أمر ذي بال. قال العلماء: ويستحب أن يجهر بالتسمية ليسمع غيره وينبهه عليها. ولو ترك التسمية في أول الطعام عامداً أو ناسياً أو جاهلاً أو مكرهاً أو عاجزاً لعارض آخر ثم تمكن في أثناء أكله منها استحب أن يسمي ويقول بسم الله أوله وآخره. والتسمية في شرب الماء واللبن والعسل والمرق والدواء وسائر المشروبات كالتسمية على الطعام في كل ما ذكرناه، وتحصل التسمية بقوله: بسم الله، فإن قال بسم الله الرحمن الرحيم كان حسناً، وسواء في استحباب التسمية الجنب والحائض وغيرهما، قال: وفيه استحباب الأكل مما يليه لأنه أكله من موضع يد صاحبه سوء عشرة وترك مروءة فقد يتقذره صاحبه لا سيما في الأمراق وشبهها، وهذا في الثريد والأمراق وشبهها فإن كان تمراً وأجناساً فقد نقلوا إباحة اختلاف الأيدي في الطبق ونحوه. والذي ينبغي تعميم النهي حملاً للنهي على عمومه حتى يثبت دليل مخصص انتهى قال القاري: سيأتي حديث عكراش أنه صلى الله عليه وسلم قال في أكل التمر يا عكراش كل من حيث شئت فإنه من غير لون واحد.
قلت: حديث عكراش هذا أخرجه الترمذي بعد هذا وهو ضعيف جداً كما ستقف عليه. وقال الحافظ في نقل النووي الإجماع على استحباب التسمية على الطعام في أوله نظر إلا أن أريد بالاستحباب أنه راجح الفعل، وإلا فقد ذهب جماعة إلى وجوب ذلك وهو قضية القول بإيجاب الأكل باليمين لأن صيغة الأمر بالجميع واحدة انتهى.
قوله: "وقد روى عن هشام بن عروة عن أبي وجزة السعدي عن رجل من

(5/591)


1919-حدثنا محمد بن بشار حدثنا العلاء بن الفضل بن عبد الملك بن أبي سوية أبو الهذيل حدثنا عبيد الله بن عكراش عن أبيه عكراش بن ذؤيب قال ثم بعثني بنو مرة بن عبيد بصدقات أموالهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقدمت عليه المدينة فوجدته جالسا بين المهاجرين والأنصار قال ثم أخذ بيدي فانطلق بي إلى بيت أم سلمة فقال "هل من طعام" فأتينا بجفنة كثيرة الثريد والوذر وأقبلنا نأكل منها فخبطت بيدي من نواحيها وأكل رسول الله صلى الله عليه وسلم من
ـــــــ
مزينة عن عمر بن أبي سلمة" قال المنذري في تلخيص السنن بعد نقل كلام الترمذي هذا: وأخرجه النسائي أي كما ذكره الترمذي وقال النسائي: هذا هو الصواب عندي والله أعلم "وقد اختلف أصحاب هشام بن عروة في رواية هذا الحديث" قال الحافظ: فكأن البخاري عرج عن هذه الطريق لذلك انتهى. وحديث عمر بن أبي سلمة أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي وابن ماجه "أبو وجزة السعدي الخ" قال في التقريب: يزيد بن عبيد أبو وجزة بفتح الواو وسكون الجيم بعدها زاي السعدي المدني الشاعر ثقة من الخامسة.
قوله حدثنا العلاء بن الفضل بن عبد الملك بن أبي السوية أبوالهذيل المنقري البصري ضعيف من صغر التاسعة حدثني عبيد الله بن عكراش بكسر المهملة وسكون الكاف وآخره معجمة ابن ذؤيب التميمي قال البخاري لا يثبت حديثه من الثالثة كذا في التقريب عن أبيه عكراش بن ذؤيب بمضمومة وبمثناة تحت وبموحدة تصغير ذئب السعدي صحابي قليل الحديث عاش مائة سنة
قوله فأتينا أي جيء لنا بجفنة بفتح جيم فسكون فاء أي قصعة كثيرة الثريد والوذر بفتح الواو وسكون الذال المعجمة جمع وذرة وهي قطع من اللحم لا عظم فيها على ما في الفائق وغيره وفي القاموس الوذرة من اللحم القطعة الصغيرة لا عظم فيها ويحرك فخبطت أو ضربت بيدي في نواحيها من خبط البعير بيده إذا ضربه بها وقال الطيبي أي ضربت فيها من غير استواء من قولهم

(5/592)


بين يديه فقبض بيده اليسرى على يدي اليمنى ثم قال "يا عكراش كل من موضع واحد فإنه طعام واحد" ثم أتينا بطبق فيه ألوان الرطب أو من ألوان الرطب عبيد الله شك قال فجعلت آكل من بين يدي وجالت يد رسول الله صلى الله عليه وسلم في الطبق وقال "يا عكراش كل من حيث شئت لون واحد" ثم أتينا بماء فغسل رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه ومسح ببلل كفيه وجهه وذراعيه ورأسه وقال "يا عكراش هذا الوضوء مما غيرت النار"
ـــــــ
خبط خبط عشواء وراعى الأدب حيث قال في جانب رسول الله صلى الله عليه وسلم وجالت يد رسول الله صلى الله عليه وسلم من الجولان والمعنى أدخلت يدي أو أوقتها في نواحي القصعة وأكل رسول الله صلى الله عليه وسلم من بين يديه أي مما يليه فقبض بيده اليسرى على يدي اليمنى يجوز فتح ياء الإضافة وسكونها وهذا ملاحظة فعلية كل من موضع واحد أي مما يليك فإنه طعام واحد أي فلا يحتاج إلى جانب آخر مع ما فيه من التطلع على ما في أيدي الناس والشره والحرص والطمع الزائد ثم أتينا بطبق بفتحتين الذي يؤكل عليه فيه ألوان التمر أي أنواع من التمر فجعلت آكل من بين يدي أي تأدبا وجالت من الجولان أي ودارت في الطبق أي في جوانبه وحواليه وهذا تعليم فعلي لبيان الجواز قال تأكيدا لما فيه من الفعل كل من حيث شئت أي الآن والظاهر استثناء الأوسط فإنه محل تنزل الرحمة ويحتمل أنه يكون مخصوصا بلون واحد أو بالمختلط حتى صار كأنه شيء واحد فإنه اي التمر الموجود في لون واحد بل ألوان كما سبق قال ابن الملك فيه تنبيه على أن الفاكهة إذا كان لونها واحدا لا يجوز أن أن يخبط بيده كالطعام وعلى أن الطعام إذا كان ذا ألوان يجوز أن يخبط ويأكل من أي نوع يريده وقال يا عكراش هذا الوضوء أي العرفي مما غيرت النار اي مسته قال الطيبي قوله مما غيرت النار خبر المبتدأ ومن ابتدائية اي هذا الوضوء لأجل طعام طبخ بالنار

(5/593)


هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث العلاء بن الفضل وقد تفرد العلاء بهذا الحديث وفي الحديث قصة
1920ـ حدثنا أبو بَكْرٍ محمدُ بنُ أَبَانَ، حدثنا وَكيعٌ، حدثنا هِشَامٌ الدّسْتَوَائِيّ عن بُدَيْل بنِ مَيْسَرَةَ العقيلِيّ عن عَبْدِ الله بنِ عُبَيْدِ بنِ عُمَيْرٍ عن أُمّ كُلْثُومَ عن عَائِشَةَ قالَتْ: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم:
ـــــــ
قوله هذا حديث غريب الخ وأخرجه ابن ماجة مختصرا وقد تفرد العلاء بهذا الحديث قال الحافظ في تهذيب التهذيب في ترجمته عبيد الله بن عكراش بعد نقل كلام الترمذي هذا قال الساجي وحدثني أبو زيد سمعت العباس بن عبد العظيم يقول وضع العلاء بن الفضل هذا الحديث حديث صدقات قومه الذي رواه عن عبيد الله وقال إذنه قال البخاري في إسناده نظر وقال ابن حزم عبيد الله بن عكراش ضعيف جدا انتهى وفي الحديث قصة قال الحافظ في تهذيب التهذيب في ترجمة العلاء بن الفضل ذكر ابن حبان حديث عبيد الله بن عكراش بطوله انتهى
قوله: "عن بديل" مصغراً "بن ميسرة" العقيلي بضم العين البصري ثقة من الخامسة "عن عبيد الله بن عبيد بن عمير" هو الليثي "عن أم كلثوم" قال في تهذيب التهذيب: أم كلثوم الليثية المكية عن عائشة في التسمية على الأكل والشرب، وعنها عبد الله بن عبيد عن عمير الليثي. ووقع في رواية أبي داود من طريق عبد الله بن عبيد الله بن عمير المذكور عن امرأة منهم يقال لها أم كلثوم، ولهذا ترجم المصنف بكونها ليثية، لكن الترمذي قال عقب حديثها: أم كلثوم هذه هي بنت محمد بن أبي بكر الصديق، فعلى هذا نقول ابن عمير عن امرأة منهم قابل للتأويل فينظر فيه فلعل منهم أي كانت منهم بسبب إما بالمصاهرة أو بغيرها من الأسباب، والعمدة على قول الترمذي انتهى. وقال المنذري في تلخيص السنن: ووقع في بعض روايات الترمذي أم كلثوم الليثية وهو الأشبه لأن عبيد بن عمير ليثي ومثل بنت أبي بكر لا يكنى عنها بامرأة ولا سيما مع قوله منهم، وقد سقط هذا من بعض نسخ

(5/594)


"إذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ طَعَاماً فَلْيَقُلْ بِسْمِ الله، فإنْ نَسِيَ في أَوّلِهِ فَلْيَقُلْ بِسْمِ الله في أَوّلِهِ وآخِرِهِ" .
وبِهَذَا الإسْنَادِ عن عَائِشَةَ قالَتْ: "كانَ النبي صلى الله عليه وسلم: يَأْكُلُ طَعَاماً في سِتّة مِنْ أصْحَابِهِ فَجَاءَ أَعرابي فأكله بلقمتين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "أَمَا إِنّهُ لَوْ سَمّى كفاكم" .
ـــــــ
الترمذي وسقوط الصواب، والله عز وجل أعلم. وقد ذكر الحافظ أبو القاسم الدمشقي في أطرافه لأم كلثوم بنت أبي بكر عن عائشة أحاديث وذكر بعدها أم كلثوم الليثية ويقال المكية، وذكر لها هذا الحديث. وقد أخرج أبو بكر بن أبي شيبة هذا الحديث في مسنده عن عبد الله بن عبيد بن عمير عن عائشة ولم يذكر فيه أم كلثوم انتهى.
قلت: ليس في نسخ جامع الترمذي الموجودة عندنا بلفظ الليثية بعد أم كلثوم، وكذا ليس فيها عقب هذا الحديث أم كلثوم هذه هي بنت محمد بن أبي بكر الصديق. قوله: "فإن نسي" بفتح النون وكسر السين المخففة أي ترك نسياناً "في أوله" أي فإن نسي حين الشروع في الأكل ثم تذكر في أثنائه أنه ترك التسمية أولاً "فليقل بسم الله في أوله وآخره" والمعنى في جميع أجزائه كما يشهد له المعنى الذي قصد به التسمية، فلا يقال ذكرهما يخرج الوسط، فهو كقوله تعالى: {وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً} مع قوله عز وجل {أكلها دائم} ويمكن أن يقال: المراد بأوله النصف الأول وبآخره النصف الثاني فيحصل الاستيفاء والاستحباب.
وفي الحديث دليل على مشروعية التسمية للأكل وأن الناسي يقول أثنائه: بسم الله في أوله وآخره، وكذا التارك للتسمية عمداً يشرع له التدارك في أثنائه. قال في الهدي: والصحيح وجوب التسمية عند الأكل وهو أحد الوجهين لأصحاب أحمد، وأحاديث الأمر بها صحيحة صريحة لا معارض لها ولا إجماع يسوغ مخالفتها ويخرج عن مظاهرها انتهى.
قوله: "فأكله بلقمتين" أي بغير التسمية "أما" حرف التنبيه "إنه لو سمي" وفي رواية ابن ماجه إنه لو كان قال بسم الله "لكفاكم" أي الطعام.

(5/595)


هذا حديث حسن صحيح
ـــــــ
قوله: "هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه

(5/596)


باب ماجاء في كراهية البيتوتة وفي يده غمر
...
46ـ باب ما جَاء في كَرَاهِيَةِ البَيْتُوتَةِ وفي يَدِهِ ريح غَمَر
1921 ـ حدثنا أحمدُ بنُ مَنِيعٍ، حدثنا يَعْقُوبُ بنُ الوَلِيدِ المزني عن ابنِ أبي ذِئْبٍ عن المَقْبُرِيّ عن أبي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إنّ الشّيْطَانَ حَسّاسٌ لَحّاسٌ، فاحْذَرُوهُ على أنْفُسِكُمْ، مَنْ بَاتَ وفي يَدِهِ رِيحُ غَمَرٍ فأَصَابَهُ شَيْءٌ فَلاَ يَلُومَنّ إلاّ نَفْسَهُ" .
هذا حديثٌ غريبٌ مِنْ هذا الوَجْهِ. وقد رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ سُهَيْلِ بنِ أبي صَالحٍ عن أبيهِ عن أبي هُرَيْرَةَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم.
ـــــــ
باب ما جَاء في كَرَاهِيَةِ البَيْتُوتَةِ وفي يَدِهِ ريح غَمَر
قال في النهاية: الغمر بالتحريك الدمس والزهومة من اللحم كالوضر من السمن انتهى.
قوله: "إن الشيطان حساس" بحاء مهملة وشدة السين الهملة أي شديد الحس والإدراك "لحاس" بالتشديد أي يلحس بلسانه اليد المتلوثة من الطعام "فاحذروه على أنفسكم" أي خافوه عليها فاغسلوا أيديكم بعد فراغ الأكل من أثر الطعام "وفي يده غمر" بفتحتين أي دسم ووسخ وزهومة من اللحم والجملة حالية "فأصابه شيء" عطف على بات، والمعنى وصله شيء من إيذاء الهوام، وقيل أومن الجان لأن الهوام وذوات السموم ربما تقصده في المنام لرائحة الطعام في يديه فتؤديه. وللطبراني من حديث أبي سعيد: من بات وفي يده ريح غمر فأصابه وضح أي برص "فلا يلومن إلا نفسه" لأنه مقصر في حق نفسه.
قوله: "هذا حديث غريب من هذا الوجه" قال المنذري في الترغيب بعد ذكر هذا الحديث: رواه الترمذي والحاكم كلاهما عن يعقوب بن الوليد المدني عن ابن أبي ذئب عن المقبري عن أبي هريرة. وقال الترمذي: حديث غريب من هذا الوجه. وقد روى من حديث سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة انتهى.

(5/596)


1922ـ حدثنا محمدُ بنُ إسحاقَ أَبُو بَكْرٍ الْبَغْدَادِيّ الصاغانيّ، حدثنا محمدُ بنُ جَعْفَرٍ المَدَائِنِيّ، حدثنا مَنْصُورُ بنُ أبي الأسْوَدِ عن الأعْمَشِ عن أبي صَالِحٍ عن أبي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ بَاتَ وفي يَدِهِ ريح غَمْر فَأَصَابَهُ شَيْءٌ فَلاَ يَلُومَنّ إلاّ نَفْسَهُ" .
هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ لا نَعْرِفُهُ مِنْ حَدِيثِ الأعْمَشِ إِلاّ مِنْ هذا الوَجْهِ.
آخر أبواب الأطعمة
ـــــــ
وقال الحاكم صحيح الإسناد. قال يعقوب بن الوليد الأزدي: هذا كذب وإنهم لا يحتجون به، لكن رواه البيهقي والبغوي وغيرهما من حديث زهير بن معاوية عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه أبي هريرة كما أشار إليه الترمذي. وقال البغوي في شرح السنة: حديث حسن وهو كما قال، فإن سهيل بن أبي صالح وإن كان تكلم فيه فقد روى له مسلم في الصحيح احتجاجاً واستشهاداً. وروى له البخاري مقروناً. قال السلمي: سألت الدارقطني: لم ترك سهيلاً في الصحيح؟ فقال لا أعرف له فيه عذراً. وبالجملة فيه طويل، وقد روى عنه شعيبة ومالك ووثقه الجمهور وهو حديث حسن انتهى كلام المنذري "وقد روى من حديث سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة الخ" كذا ذكره الترمذي معلقاً ووصله أبو داود وابن ماجه.
قوله: "حدثنا محمد بن إسحاق" الصغاني "أبو بكر البغدادي" ثقة ثبت من الحادية عشرة "حدثنا محمد بن إسحاق" البزاز أبو جعفر المدائني صدوق فيه لين من التاسعة "حدثنا منصور بن أبي الأسود" الليثي الكوفي يقال اسم أبيه حازم صدوق رمى بالتشيع من الثالثة.
قوله: "من بات" وفي رواية أبي داود من نام "وفي يده غمر" زاد أبو داود: ولم يغسله. قال الشوكاني: وفي رواية إطلاقه يقتضي حصول السنة بمجرد الغسل بالماء. قال ابن رسلان: والأولى غسل اليد منه بالأشنان والصابون وما في معناهما.
قوله: "هذا حديث حسن غريب الخ" وأخرجه أبو داود وابن ماجه وابن حبان في صحيحه وأخرجه ابن ماجه أيضاً عن فاطمة رضي الله تعالى عنها بنحوه

(5/597)